Page 1

‫"م ِن قل ْب الحد َث"‬ ‫مذكرات النقيب السابق في الجيش الجزائري (‪8867‬م ـ ‪8881‬م)‬

‫أحمد بن إبراهيم شوشان‬

‫النسخة الأولى‬ ‫أبر يل (نيسان) ‪1182‬‬

‫‪1‬‬


‫ييي‬

‫‪2‬‬


‫مقدمة‬ ‫لم أ كن متحم سا للكتا بة ر غم إل حاح كث ير من ا لإخوة المهت مين بال شأن الجزا ئري‪ .‬و قد اكتف يت‬

‫بإ بداء رأ يي في ب عض الأ حداث ع بر صفحات ال قدس العر بي والز مان ال صادرتين في بر يطان يا وع لى‬ ‫صفحات الرأي في بعض مواقع الأنترنت الجادة‪ ،‬اقتناعا مني أن الكتابة فن له أهله‪ .‬ل كن بعد اطلاعي‬

‫ع لى مجمو عة من الكتا بات والدرا سات ال تي تناو لت الق ضية الجزائر ية أدركت أن جان با مه ما من الحقي قة‬

‫سيدفن تحت ركام التحاليل النظر ية والشهادات الكاذبة التي جندت لها الأطراف المسؤولة عن الأحداث‬ ‫كل إمكانياتها المادية والبشر ية مع سكوت مطبق للأطراف المعنية مباشرة بالأزمة‪ .‬ولذلك عزمت على‬

‫تقديم شهادتي على الجانب الذي عايشته من الأحداث بكل أمانة ووضوح آملا أن يسهم ذلك في تسليط‬

‫ال ضوء ع لى زوا يا محجو بة من ال صورة الحقيق ية للق ضية و يق طع الطر يق ع لى المت لاعبين با لذاكرة الجماع ية‬ ‫للشعب الجزائري‪ .‬خاصة وأن كثيرا من المعنيين بهذه الشهادة أحياء مما يتيح لهم فرصة تمحيص ما جاء فيها‬

‫إثبا تا أو انت قادا أو ت صويبا ح تى ت كون شهادة موث قة للأ حداث لا وج هة ن ظر خا صة مبن ية ع لى‬

‫استنتاجات‪ .‬و لا يفوتني في مستهل هذه الشهادة أن أو ضح أن ما جاء فيها يدل على ما يعنيه ظاهر الكلام‬ ‫دون تأو يل على غير ما تحمله الألفاظ من دلالة‪ ،‬ك ما أن توظيفه في غير ما يدفع عجلة التغيير إلى الأحسن‬ ‫والمصالحة الحقيقية بين الجزائر يين مردود على صاحبه و لا يلزمني في شيئ‪ ،‬لأن الغرض الوحيد من نشري‬

‫لهذه الشهادة في هذا الظرف هو توثيق الحقيقة وتمحيصها لا غير‪.‬‬

‫و بعد أكثر من أر بع سنوات من عرض هذه الشهادة في حلقات على صفحات موقع "صوت‬

‫الجزائر" الإل كتروني و تناقلها من طرف مواقع أخرى كثيرة و فتح النقاش حولها في حوارات مكتوبة على‬ ‫موقع "بلا حدود" و تسجيلات بالصوت و الصورة على قناة المصالحة الوطنية و بعد إلحاح من طرف كثير‬

‫من الإخوة الجزائر يين العقلاء و غير الجزائر يين المعنيين بمتابعة الأحداث عزمت على نشر هذه الشهادة في‬

‫كتاب مستقل لتبقى محفوظة لكل من ير يد البحث في حقيقة ما حدث في هذه الحقبة المظلمة من تاريخ‬

‫الجزائر بعيدا عن كل المزايدات و التزو ير الذي لحق القضية سواء من طرف المسؤولين عن الأزمة خوفا‬ ‫من المحاسبة أو المتطفلين على الخوض فيها لأغراض أخرى‪.‬‬

‫و قد أ شار ع لي ب عض أ هل الاخت صاص بتو سيع دا ئرة ال شهادة إ لى توث يق ب عض الملاب سات ال تي‬

‫صاحبت الأز مة و تداعياتها ع لى من كا نت ل هم بي علا قة مباشرة‪ ،‬خا صة عائلتي و زم لائي و ن شرها في‬

‫شكل مذكرات شخ صية تحت ع نوان‪ :‬من قلب ال حدث‪ .‬و قد است صوبت هذا ا لرأي ب عد تأمّ ل عم يق في‬ ‫المآ سي ال تي لح قت بعائ لة شو شان ال تي أعت قد أن ها ن موذج للعائ لة الجزائر ية الوطن ية ال تي لم تع صف ب ها‬ ‫‪3‬‬


‫الأحداث رغم مأساويتها و استوعبتها بكل تناقضاتها فجمع الل ّه لها بين الصبر على تعسف السلطة القائمة و‬

‫التمسك بكل شجاعة بموقفها الرافض لسياسة الأمر الواقع التي يصر المتنكرون لهو ية الجزائر الوطنية على فرضه‬ ‫ب قوة الحد يد و ال نار م تذرعين بحما ية الديمقراط ية من الإر هاب تارة و ا لدفاع عن ال سيادة الوطن ية من‬ ‫التدخل الأجنبي تارة أخرى‪ .‬كما أعتقد أن الاستهداف الجزافي لهذه العائلة وحده يحمل أكثر من دلالة‬

‫على طبيعة الأزمة و هو ية المتحكمين في تسييرها‪.‬‬

‫أملي أن تكون هذه الشهادة وثيقة معتمدة تساهم في فهم أعمق لملابسات هذه الحقبة من تاريخ‬

‫الجزائر المعاصر وذلك للأسباب الآتية‪9‬‬ ‫‪-1‬‬

‫أن ها ح قائق لتجر بة واقع ية كام لة الم شاهد عا شها صاحبها في ق لب ال حدث ب كل‬

‫تفاصيلها و تابعها باهتما ِم م َن يعنيه الأمر و ليست تحليلات باحث و لا رواية شاهد لأحداث‬ ‫متناثرة هنا و هناك‪.‬‬ ‫‪-2‬‬

‫أن صاحبها كان ضابطا في المؤسسة العسكر ية التي تعتبر حجر الزاو ية في أحداث‬

‫تلك الحقبة و معني ّا مباشرة بمقدماتها التي كلفته السجن بتهمة تدبير انقلاب عسكري و بتداعياتها‬ ‫التي فرضت عليه المنفى الإجباري إلى أجل غير مسمى‪.‬‬ ‫‪-3‬‬

‫أن صاحبها مواطن جزا ئري غ ير من حاز في موق فه إ لى أي طرف من أ طراف‬

‫الأز مة‪ ،‬بل كا نت له علا قات و ات صالات مبا شرة (و لا تزال) مع صانعي ال حدث من جم يع‬

‫الأطراف‪.‬‬

‫‪-4‬‬

‫أنها تربط بين مقدمات العشر ية الدمو ية ال تي عاشتها الجزا ئر في ت سعينيات القرن‬

‫‪-5‬‬

‫أنها يمكن اعتمادها ورقة عمل مطروحة للنقاش و الإثراء و المراجعة و النقد و‬

‫العشرين و ما ترتب عليها بعد ذلك من نتائج و مسؤوليات في بداية القرن الواحد و العشرين‪.‬‬

‫التحق يق لأن مع ظم المعن يين ب ما جاء في ها لا يزا لون أح ياء و منهم الم سؤولون في أع لى م ستو يات‬ ‫السلطة في الجزائر‪.‬‬ ‫ص دقي ّة ال شهادة ثم أتب عت ذ لك‬ ‫و قد مه ّ ْدت لها ب سيرتي الذات ية و ع لاقتي بالأز مة توثيقا ل ِ‬

‫بشهادتي على الأحداث حسب تسلسلها التار يخي حتى يسهل على القارئ فهم السياق الذي وقعت‬ ‫فيه‪ .‬و ربما قمت بالتعليق على بعض المواقف و المسائل أو أشرت إلى بعض الوقائع الجانبية توثيقا‬

‫‪4‬‬


‫للوضع الاجتماعي السائد أو أدرجت بعض مقالاتي المنشورة لاحقا من باب التوضيح و الربط‬

‫بين مقدمات الأحداث و نتائجها‪.‬‬

‫و أخيرا‪ ،‬آمل أن تسهم هذه المذكرات في إظهار الحقيقة الكاملة لأحدى أخطر و أكثر‬

‫المراحل غموضا في تاريخ الجزائر المعاصرة‪.‬‬

‫الل ّه ّم إني قد بلغت الل ّه ّم فاشهد‬

‫‪5‬‬


‫الجزء الأول‬

‫السيرة الذاتية‬

‫الهو ية و النشأة‬ ‫الانتماء إلى الجيش الوطني الشعبي بين الوطنية و العسكر ية‬

‫‪6‬‬


‫الهو ية و النشأة‬ ‫اسمي أحمد بن إ براهيم بن محمد الطاهر شوشان‪ .‬نشأت والحمد لل ّه في عائلة مشهورة بشرف‪ 1‬نسبها‬

‫و إخلاصها للوطن وبلائها في الدعوة إلى الل ّه بالقدوة الحسنة قولا وعملا ف قد كان بيت آل شوشان الجحر‬

‫الآمن الذي أرزت إليه ثورة التحر ير الوطني في بلدية القرارة‪ 2‬بعد أن اشتدت وطأة الغزاة الفرنسيين على‬ ‫الشعب الجزائري وتراجعت إرادة الأنصار في دعم المجاهدين‪ ،3‬فانخرطت العائلة برجالها و نسائها و وهبت‬ ‫كل شيء لثورة التحر ير المجيدة‪ .‬ك ما كان ذات البيت قبل ذلك مورد علم وتربية لمن أصبحوا أهل فضل‬

‫وإمامة في المنطقة‪ .‬فقد كان جدي العلامة محمد الطاهر شوشان مستقرا في بلدية القرارة أغلب الوقت في‬

‫السنوات الأخيرة من عمره‪ ،4‬حيث أخذ عنه العلم طلبة كثر من المنطقة منهم من أصبحوا علماء و أئمة‬ ‫مشهورين‪ 5‬ك ما تتلمذ عنه في شتى العلوم شيوخ كثير من الزوايا العلمية التي كانت تستضيفه للتدريس‪ ،‬من‬ ‫أ شهرها زاو ية تيما سين في منط قة ت قرت و زاو ية أو لاد ال سائح في العل ية‬

‫و زاو ية سيدي ع بد الرح مان‬

‫النايلي في منطقة الجلفة و قد ذكره بعض علماء الشعانبة بمتليلي و الرحامنية في واد سوف في شيوخهم‪ .‬و‬ ‫رغم مقامه العالي عند أ هل الفضل و العلم فإنه لم يملك بيتا و لا شيئا من متاع الدنيا أبدا و لم يورث أهله‬ ‫قوت لي لة واحدة ب عد وفا ته‪ .‬كما أن الهي بة ال تي ات سمت ب ها شخ صيته وشدته في ال حق ع ندما يتع لق ا لأمر‬

‫بالدين لم يكونا عائقا أ مام سعيه لتوحيد كلمة الفرقاء في منطقة واد ميزاب جنوب الجزائر حيث لم يجتمع‬

‫الإ با ضية و المال ك ية في ال قرارة في صلاتهم و كلمتهم ع لى ر جل غ يره لا قب له و لا ب عده ر غم أ نه ال عالم‬ ‫الوحيد الذي انتقد المذهب الإ باضي بشدة في منظومة شعر ية طو يلة و ناظر قطبه الشيخ محمد بن يوسف‬

‫طفيش على ملأ الإ باضية و في مسجدهم الجامع بعد الرد الذي حرره الشيخ محمد طفيش رحمه الل ّه في‬ ‫مؤلف مطبوع تحت عنوان "إزهاق الباطل بالعلم الهاطل" ردا على قصيدته‪ .‬و قد زعم بعض الإباضية أنه‬ ‫أعجب بمذهبهم بعد تلك المناظرة و بلغ الأمر بالأستاذ علي دبوز إلى الزعم أنه اعتنقه‪ .‬و هذا الإدعاء باطل‬ ‫‪ 1‬مخطوط شجرة العائلة الأصلي مو جود بحوزتي و هو منقول بخط جدي رحمه الل ّه من المشجر الذي يعود تار يخه إلى عهد‬

‫الحفصيين مختوما من طرف عشرات القضاة و أمراء المسلمين‪ .‬و هو محفوظ في زاو ية نفطة في الجريد التونسي وفيه تفاصيل‬ ‫عن بطون الأشراف الحسنية في الجزائر و المغرب العربي موثقة بالسند المتواتر‪.‬‬

‫‪ 2‬هي واحة تقع حوالي ‪ 670‬كلمتر جنوب الجزائر العاصمة تابعة لولاية غارداية إدار يا‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫بعد الحملة القمعية الهمجية للجيش الفرنسي بين سنتي ‪ 1957‬و ‪ 1959‬تراجع كثير من المواطنين عن دعم الثورة خوفا‬

‫من الانتفام خاصة الذين تعرضوا للتعذيب و السجن و لم يثبت إلا من ثبته الل ّه‪.‬‬ ‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫و قد عاش أغلب حياته في بلدة العالية و تزوج فيها ثلاث حرائر من كريمات عرش أولاد السائح‪.‬‬ ‫من الإباضية إمامهم المجدد في الجزائر الشيخ إبراهيم بيوض و الأستاذ اللغوي الشيخ سعيد بن عدون شر يفي و أستاذ‬

‫التاريخ الشيخ علي دبوز‪ .‬و من المال كية إمام المسجد العتيق الشيخ الطاهر بن علي و شقيقه يحي و الحافظ محمد ل كعص‪.‬‬ ‫‪7‬‬


‫و لا أصل له أبد و إنما الصحيح هو أن الشيخ محمد بن يوسف طفيش بدهائه و بعد نظره أمر الإباضية أن‬

‫لا يجادلوا الوالد في أمر مذهبهم و يدرؤوا عنهم نقده بالجلوس إليه لتعلم ما ينفعهم منه و الإحسان إليه‪.‬‬

‫فتقر بوا منه و أحسنوا إليه فعاملهم بالإحسان إحسانا و أخلص لهم النصيحة فتأثر به كل من جلس إليه‬

‫منهم‪ .‬و لم نعرف أحدا من أئمة الإباضية في الجزائرانفتح على المال كية مثل الذين غشوا مجلس الوالد رحمه‬

‫الل ّه و على رأسهم الشيخ إ براهيم بيوض الذي كان من خاصة تلاميذه‪ .‬و قد تسبب ذلك للشيخ إ براهيم‬ ‫بيوض في جفوة من طرف المتشددين في المذهب الإباضي داخل الجزائر و خارجها دامت عقودا قبل أن‬ ‫يعترفوا له بلقب المجدد في السنوات الأخيرة من حياته‪ .‬ك ما حارب الشيخ محمد الطاهر البدع الشائعة في‬

‫بعض الزوايا العلمية المال كية دون أن ينال ذلك من مقامه لدى الجميع‪ .‬غفر الل ّه للجميع و نفع بعلمهم و‬ ‫عملهم الصالح‪ .‬و من المفارقات المؤسفة أن مكتبته العامرة التي كانت تزخر بخواطره في التفسير و العقيدة‬

‫و في علم النفس و الطب العر بي لم يبق لنا منها غير تفسيره لبعض سور القرآن و مقتطفات من شعره و‬ ‫مشجر الأنساب الذي نظم فيه نسب الأشراف الحسنية في المغرب العر بي و وثق فيه نسبه الحسني أبا عن‬ ‫جد؛ مما يدل على أنه لم يكن فحلا في علوم الشر يعة وحدها بل كان ملما بعلوم شتى‪ .‬و لعل ضياع تراثه‬

‫راجع للظروف القاسية التي عانت منها عائلته بعد وفاته رحمه الل ّه و غفر له خاصة بعد أن أصبح بيته مركزا‬ ‫لثورة التحر ير في منطقة القرارة و انخرط أولاده‪ 6‬كلهم في القتال في صفوف جيش التحر ير و النضال‬

‫في جبهة التحرير الوطني‪ .‬و هو البيت الذي ولدت فيه ذات يوم ثلاثاء ‪ 23‬جوان ‪ 1959‬و ترعرعت فيه‪.‬‬ ‫الدراسة والتعليم‬

‫بدأت م شوار الدرا سة في الكت ّاب ق بل أن أك مل الخام سة من الع مر و تعل مت الكتا بة و ال قراءة و‬

‫حفظت الجزء الثلاثين من القرآن ال كريم على يد الشيخ الداودي رحمه الل ّه قبل أن التحق بمدرسة الحياة‬

‫الحرة و بمدرسة بن خلدون النظامية عندما بلغت السادسة من العمر‪ .‬كنا نستيقظ قبل الفجر لنبدأ حصّ ة‬

‫حفظ القرآن من الساعة الخامسة إ لى السابعة صباحا بمدرسة الحياة‪ .‬و بعد تناول الفطور بسرعة في بيوتنا‬ ‫نلتحق بمدرسة بن خلدون الرسمية من الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة الرابعة بعد الزوال تتخللها راحة لمدة‬ ‫ساعة في فترة الزوال نتناول خلالها وجبة غداء داخل المدرسة‪ .‬بعد خروجنا نلتحق مباشرة بمدرسة الحياة‬ ‫من جديد على الساعة الخامسة مساء لحفظ الحديث النبوي و دراسة علوم اللغة العربية من قراءة و ن حو و‬

‫صرف و إملاء و خط و إنشاء‪ ...‬و لا نعود إ لى البيت إ لا بعد أن نصلي صلاة العشاء جماعة في المدرسة‬

‫بعد السابعة ليل ًا‪ .‬هذا البرنامج اليومي دام ثماني سنوات كاملة دون انقطاع باستثناء العطلة السنو ية الصيفية‬ ‫ال تي كا نت ت ستغرق شهرين و ن صف بالن سبة للمدر سة الر سمية يتخلل ها شهر وا حد بالن سبة لمدر سة الح ياة‪ .‬و‬ ‫‪6‬‬

‫عبد الرحمان و إبراهيم و محمد العربي و محمد الأخضر‬ ‫‪8‬‬


‫ك ب بين الظهر و العصر أمام الشيخ الر باني البكاء‬ ‫حتى خلال هذه الفترة القصيرة من العطلة كنا نثني الر ّ َ‬

‫مح مد ل ك عص رح مه الل ّه في م سجد ال شرفاء بق صر ال قرارة لن ستظهر عل يه ما تي سر من ال قرآن‪ .‬ل قد كا نت‬

‫الدراسة في هذه السنوات نعمة من نعم الل ّه الجليلة عليّ حيث استظهرت فيها كتاب الل ّه كاملا و حفظت‬ ‫ق في‬ ‫خلالها عشرات الأحاديث و تعلمت فيها اللغة العربية على المناهج المقررة في الجامع الأزهر‪ .‬و مما عل ِ َ‬ ‫ذهني خلال هذه المرحلة من حياتي هو ظاهرة تمجيد أهل الفضل للعلم و التعليم من خلال التواضع الذي‬ ‫كانوا يتحل ّون به في سلوكهم مع عامة الناس و التلاميذ فضلا عن طلبة العلم‪ ،‬فيكفيك للاقتناع بذلك أن‬ ‫ترى أن أئمة الناس و أفاضلهم من قضاة و أساتذة و أ صحاب جاه كانوا لا يستنكفون من القيام بأعمال‬

‫شر يفة مثل عامة الناس‪ .‬فترى الواحد منهم في بستانه و كأن حرفته الفلاحة أو في السوق و كأنه تاجر أو‬ ‫في عمل خيري جماعي و كأنه أقل الناس شأنا و هو م َن هو في مقامه بين الناس أو أن ترى مثل ًا الشيخ‬

‫إ براهيم بيوض إمام الإباضية في الجزائر أو الشيخ عدون شر يفي نائبه بنفسيهما جالسين إلى إحدى طاولات‬ ‫الإمتحان الصغيرة في بهو المدرسه في الهواء الطلق يطرحان الأ سئلة شفو يا على تلاميذ بين السابعة و الثانية‬

‫عشر من العمر واحدًا واحدًا في مادة القرآن بالنسبة للأول و مادة النحو بالنسبة للثاني و يستمع كل منهما‬

‫إ لى جواب الطفل الممتحن بصبر و انتباه ليشعره بالإهتمام و يشجعه على الإجابة قبل أن يكتب علامته‬ ‫مباشرة على دفتر الامتحان الذي يعتبر هو ية التلميذ منذ التحاقه بالمدرسة إ لى استكماله سبع سنوات قبل‬

‫التحا قه بق سم الم صلى ح يث يت فرغ الطل بة لح فظ ال قرآن كام لا عن ظ هر ق لب تفر غا كل يا خ لال سنة أو‬

‫سنتين حسب نباهة الطلاب و اجتهادهم‪ .‬لقد امتحنت من طرف الشيخين عدة مرات و استفدت من‬

‫هذه المدرسة على صعيد العلم و التربية فجزى الل ّه القائمين عليها خير الجزاء‪ .‬أما على صعيد الوعي السياسي‬

‫ف قد و جدت نف سي في ق لب العا صفة ح تى ق بل أن الت حق بالمدر سة‪ .‬ف ما من منا سبة وطن ية أو دين ية أو‬

‫اجتماعية أو مدرسية منذ سنة ‪ 1964‬إلا و مث ّل ْتُ فيها دور ًا أرفع فيه شعار الوطنية و أمجاد الثورة بتوجيه‬ ‫من شباب جبهة التحر ير ا لوطني و على رأسهم عمي الأستاذ محمد الأخ ضر شوشان أو ا بن عمتي الأستاذ‬

‫أح مد الت جاني ح ماني‪ ،‬و كان له ما الف ضل في تعو يدي ع لى الخطا بة و الإرت جال من خ لال الكل مات و‬ ‫الق صائد ال تي ك نت ألقي ها بمنا سبات الاحتفا لات بع يد ال ثورة و الا ستقلال و م ساهمتي في الن شاطات‬ ‫الثقافية و ال كشفية والمسرحيات المخل ّ ِدة لأمجاد المجاهدين و الشهداء‪ .‬كما كان لصرامة والدي الحاج إ براهيم‬ ‫و عمي الأستاذ محمد الأخضر في التعامل مع قضايا الثورة و الوطن بالغ الأثر في تربيتي السياسية‪ .‬فقد كان‬

‫الوالد بحكم شخصيته الاعتبار ية كأمين لقسمة المجاهدين مسؤولا بشكل أو بآخر على متابعة المشار يع ذات‬

‫الطابع الوطني على مستوى البلدية مثل الثورة الزراعية و جزأرة التعليم و قضية العضو ية في جبهة التحر ير‬

‫إب ّان ال ثورة و العما لة للاستعمار و ق ضية ف صل ال صحراء بالتواطئ مع فرن سا و كا نت هذه الم سائل كل ها‬

‫‪9‬‬


‫ل جدل دا ئم و ن قاش بين الر جال المتوا صلين مع الوا لد ر حم الل ّه الجم يع و مظن ّة ل كل أ نواع الف ساد‬ ‫مح ّ‬ ‫كالرشوة و التزوير و خيانة الأمانة و الإبتزاز و غير ذلك مما وقع فيه أغلب المحسوبين على الأسرة الثور ية‪.‬‬

‫و من بين الأحداث التي تعلمت منها جدوى محاسبة النفس في الرخاء هي عملية الإعتقال الجماعي‬

‫لمستخدمي الدولة في بلدية القرارة بداية السبعينات على إثر عملية فساد و اختلاس حيث لم ينج من السجن‬

‫غير الوالد الذي رغم أنه كان عون ًا غير مرس ّم في البلدية و ل كنه لم يكن يثق في عمل ا لإدارة و إنما كان‬

‫يوث ّ ِق كل كبيرة و صغيرة في دفتره الخاص و يطلب من المعنيين بالأمر الإمضاء عليها حتى لو كانوا من‬

‫المواطنين العاديين أو وضْ ع بصماتهم على الوثائق كما كان يفعل في عهد الثورة بالضبط‪ .‬و لولا ذلك الدفتر‬ ‫غير الرسمي و الب صمات المثبتة عليه و تصر يحات الشهود الذين أثبتوا براءة ذمة الوالد لذهب ضحية لتلاعب‬

‫المختلسين من بقايا الإدارة الفرنسية رغم أنه كان مجاهدا معروفا بأمانته و نزاهته‪ .‬لقد تعلمت من الوالد رحمه‬

‫الل ّه القاعدة الذهبية التي تضمن للرجل حريته الكاملة و استقلال شخصيته في كل الظروف مع الأصدقاء و‬ ‫مع الخصوم سواء كان مواطنا بسيطا أو مسؤولا كبيرا‪ ...‬لا حق و لا حر ية مع التورط في الفساد مهما‬

‫كان هينا‪ ...‬و كان لذلك بالغ الأثر في حياتي كلها و الحمد لل ّه‪.‬‬

‫انت هت هذه الف ترة بح صولي ع لى ال شهادة الأهل ية للتع ليم المتو سط بالل غة العرب ية و الفرن سية من‬

‫المدرسة النظامية و انتقالي إ لى المرحلة الثانو ية في تخصص العلوم التجريبية باللغة الفرنسية و التي كانت‬ ‫بالنسبة لي تجر بة مفيدة على عتبة ح ياة الرجولة بكل تعقيداتها ابتداء من سنة ‪ .1974‬فقد كانت ثانو ية‬

‫غاردا ية حدي ثة الت كوين و لم ت كن ب ها داخل ية ت ستقبل الطل بة الغر باء ع لى المدي نة ال تي تب عد عن مدينتنا‬

‫القرارة ‪ 113‬كلم مما اضطرني الى التفاهم مع ثلاثة من زملائي على استئجار بيت قر يب من الثانو ية في‬

‫حي الحاج مسعود ووضع برنامج لحياتنا الجديدة تقاسمنا على أساسه التكاليف و الخدمات اليومية اللازمة‬

‫لإقامتنا ز يادة على واجباتنا الدرا سية فكانت البداية صعبة بالنسبة لفت يان مثلنا في سن الخامسة عشرة‪....‬‬ ‫خ لال ال سنة الدرا سية ‪ 1976 – 1975‬ا ندلعت أ حداث مؤل مة بين سكان غردا ية ع لى خلف ية سلوك‬

‫عنصري من طرف أ ستاذ الر ياضيات في ثانو ية غارداية انتهى بحرب حقيقية بين المال كية و الإ باضية مما‬

‫عزز رغب تي في م غادرة غاردا ية نهائ يا‪ .‬و فع لا تم كن ع مي الأ ستاذ مح مد الأخ ضر شو شان من نق لي إ لى‬

‫الإقامة معه في المنيعة فالتحقت منذ ذلك الحين بثانو ية ديدوش مراد التي أنهيت فيها دراستي الثانو ية بعد‬ ‫سنتين عامرتين بالدراسة و النشاط الثقافي و النضال السياسي حيث تزامنت هذه الفترة مع قضية الصحراء‬

‫الغربية و ما ارتبط بها من شعارات الحر ية و تقر ير المصير و توتر العلاقة بين الجمهور ية الجزائر ية و الممل كة‬

‫المغربية و خاصة عندما تم نقل مئات الصحراو يين اللاجئين للسكن داخل الثانو ية شهور ًا قبل توز يعهم‬ ‫على من يكفلهم من المواطنين من بلدية المنيعة و خارجها‪ .‬كما أثيرت قضية الهو ية و ما صاحبها من حملة‬ ‫‪10‬‬


‫التعر يب و صياغة الميثاق الوطني و الخيار الاشتراكي الذي لا رجعة فيه سنة ‪ ...1976‬و مما أذكره من‬

‫إن جازات هذه الف ترة هو ح صول ثانو يت نا ع لى جائزتين ا لأولى بمنا سبة الم سابقة الوطن ية (الطا لب يك تب‬

‫التاريخ) و الثانية بمناسبة المسابقة الوطنية حول التعريب في الجزائر‪ ،‬و قد كنت من الفر يق الممثل للثانو ية‪.‬‬

‫التحقت بالأكاديمية العسكر ية لمختلف الأسلحة بشرشال ثم انتسبت لاحقا لجامعة التكوين المتواصل فرع‬

‫البل يدة في شعبة الح قوق أث ناء خدمتي الع سكر ية ك ما وا صلت درا ستي الجامع ية ب عد هجر تي إ لى بر يطان يا و‬ ‫تحصلت على شهادة الليسانس في العلوم الإسلامية‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫الانتماء للجيش الوطني الشعبي بين الوطنية و العسكر ية‬ ‫التحقت بالكلية العسكر ية لمختلف الأسلحة بشرشال‪ 7‬في ‪ 10‬سبتمبر‪ 1978‬بعد نجاحي في المسابقة‬

‫التي جرت في شهر جوان من نفس ال سنة واستفدت مع كثير من الطل بة ال ضباط من مكت بات الكل ية‬ ‫توسيع دائرة معارفنا العلمية والثقافية و تعاونا على تزكية أخلاقنا بالتزام برنامج عملي وفق ما تسمح به الخطة‬

‫الأ سبوعية لل تدريب‪ .‬و كا نت المكت بة المركز ية للكل ية الع سكر ية لمخت لف الأ سلحة بشر شال تح توي ع لى‬

‫عشرات الآلاف من ال كتب من مختلف الم عارف و اللغات كما تح توي المكتبة الع سكر ية التابعة لمطب عة‬

‫الكلية على عشرات الآلاف من نسخ المنشورات و المراجع المقررة في برامج التعليم العسكري المختلفة‪ ،‬أما‬

‫مكت بة م سجد خا لد بن الول يد ال تابع للكل ية فتح توي و حدها ع لى آ لاف ال ك تب الإ سلامية من مخت لف‬

‫التخص صات ال شرعية بالل غة العرب ية ف قط‪ ....‬و من الطر يف أن مؤل فات شيخ الإ سلام بن تيم ية‬ ‫و الشيخ محمد بن عبد الوهاب و تفسير الظلال لسيد قطب و عشرات الأشرطة السمعية لمختلف المقرئين و‬

‫العلماء كانت كلها موجودة في هذه المكتبة المفتوحة للطلبة للمطالعة في أوقات راحتهم‪.‬‬

‫فك نا نجت هد في ح سن المعام لة مع ا لآخرين و ت بادل ا لإحترام و الان ضباط ك ما ك نا ن صوم الأ يام‬ ‫الفضيلة و نقوم جزء ًا من الليل و نناقش المسائل الشرعية و نتدارسها استكمالا لمؤهلات القيادة العسكر ية‬ ‫التي كنا نهيأ أنفسنا للاضطلاع بها‪ .‬ورغم قل ّة فقهنا فقد كنا نجتهد في التمييز بين العلم النافع الذي تستقيم به‬ ‫الف طرة الب شر ية وت سعد به المجتم عات ك ما ورد في مؤل فات العل ماء ال عاملين المخطو طة ع بر ال تاريخ الإن ساني‬

‫الذي كان لأمتنا المجيدة نصيبا وافرا من صناعته و بين ما يمكن إدراجه جملة في م جال الشعوذة والتطرف‬ ‫أو الترف الفكري‪ .‬فاكتسبنا بذلك حر ية في الفكر واستقلالية في الرأي لا يستسيغهما العبيد ولا يحتملهما‬

‫الطغاة‪.‬‬

‫وفي منتصف ليلة من ليالي شهر مارس ‪ 1979‬قامت فرقة من مدير ية الأمن العسكري باعتقال‬

‫مجموعة من الجمهرة الثانية للطلبة الضباط وتبين لنا بعد التحر ّي أنهم عناصر نشطة من الخلايا الشيوعية التي‬ ‫أن شأها المت عاونون ال سوفيات في صفوف الإ طارات الع سكر ية‪ .‬في الحقي قة هؤ لاء الطل بة كانوا ين شطون‬ ‫كام تداد لدفعات سابقة من الطل بة ال ضباط ن شأت في ظل الق يادة ال سابقة للكل ية ممث لة في العق يد مح مد‬

‫ال صالح يح ياوي ا لذي كان يم نع ر فع ال صوت با لأذان ح تى في الم سجد ال كب ير ال تابع لمدي نة شر شال في‬

‫الوقت الذي تستضيف فيه الكلية فرق الأو بيرا الروسية الصاخبة لإحياء الليالي الماجنة إلى طلوع الشمس‬ ‫‪7‬‬

‫من أكبر الكليات العسكر ية في العالم العربي و أحسنها تجهيزا و تحتل مساحة أكبر من مدينة شرشال نفسها‪ .‬يتخرج منها‬

‫ضباط القتال كما تجرى بها دورات الإتقان وقيادة الأركان‪.‬‬ ‫‪12‬‬


‫في الهواء الطلق خاصة بمناسبة الاحتفال بتخرج الدفعات الجديدة‪ .‬إن هذا ليس تشهيرا بالعقيد محمد الصالح‬

‫يحياوي ‪ -‬ا لذي أحفظ له ف ضل المجا هد من أ جل تحر ير الجزا ئر ‪ -‬لأنه ليس استثناء في الق يادات ذات‬

‫التوجه اليساري أو الفرنكوفوني التي تنكرت لبعض قيم ها الأصلية‪ ،‬و ل كن إشارتي إليه تندرج في إطار‬

‫التو صيف لنق طة ال ضعف القات لة ال تي أوت يت من ها ح تى الق يادات الوطن ية المخل صة مث له و ألح قت أ ضرارا‬ ‫بالغة بالجزائر المستقلة كشعب و وطن و دولة‪.‬‬

‫هذه الحادثة العارضة أثارت فضولنا و حركت في أعماقنا إرادة عفو ية للدفاع عن هويتنا المستهدفة‬

‫في هذه المؤس سة الوطن ية الخط يرة‪ .‬و قد كان تو جه الق يادة السيا سية العل يا (ممث لة في ر ئيس الجمهور ية)‬ ‫والقيادة العسكر ية على مستوى الكلية (ممثلة في قائد الأكاديمية المقدم حشيشي ز ين العابدين و المدير العام‬ ‫للتعليم الرائد علي الشر يف بن عابد ‪ 8‬و مدير المحافظة السياسية الرائد بولحبال‪ )9‬عاملا مشجعا لنا في أخذ‬

‫المبادرة‪ .‬فشعر بعض الطلبة الضباط عفو يا بضرورة العمل على مواجهة المد الشيوعي ومحاصرة عناصره‬

‫بجدية والاجتهاد في تعميق المقومات الشخصية الجزائر ية داخل المؤسسة العسكر ية‪ ،‬على أن يكون ذلك في‬ ‫إ طار ال قوانين المع مول ب ها وبالا ستعانة بجم يع المخل صين من الق يادات والتم سك بجم يع الن صوص والمرا سيم‬

‫المثبتة في المواثيق الوطنية المعتمدة‪ .‬و فضلا عن الدستور الذي يكرس في قراءتنا لنصوصه الهو ية الوطنية‬

‫بجميع مقوماتها فإن نصوص نظام الخدمة في الجيش لا تتعارض مع القيم الوطنية لا جملة و لا تفصيلا بل‬ ‫إن بعضها يترجم الانتماء الأصيل للهو ية الجزائر ية عمليا‪ .‬فكل السلوكات المحرمة بحكم الشر يعة الإ سلامية‬ ‫يعاقب عليها قانون الخدمة في الجيش أشد العقوبات‪ .‬فمثلا‪ :‬كل العلاقات بالنساء خارج الزواج المصرح به‬

‫ممنوعة بقوة القانون و تعتبر العلاقة بالنساء غير الجزائر يات تلبسا بالخيانة العظمى إلى أن تثبت التحقيقات‬

‫الع كس‪ ،‬و شرب الخ مر ت تراوح عقوب ته من ستة أ شهر ا لى سنتين سجنا نا فذا مع الف صل من الخد مة‬

‫العسكر ية‪ ...‬و مثل هذا كثير في مواد نظام الخدمة و القضاء العسكري‪ .‬كما كنا حر يصين على إعطاء المثل‬ ‫في ال كفاءة المهنية والانضباط الميداني ‪.‬‬

‫و يشهد على تجسيد ذلك أن كل المتفوقين الأوائل في الدفعات‬

‫المتخر جة و بدون ا ستثناء كانوا من الزم لاء المعن يين ب ما ت قدم‪ .‬بل إن أوا ئل المر شحين إ لى رت بة عم يد في‬

‫ال جيش سنة ‪ 2009‬كانوا من الزم لاء ال سابقين بال ضبط ك ما ك نا نط مح إل يه م نذ سنة ‪ .101979‬و قد‬ ‫حر صت ع لى أن أ كون أول مع ني ب هذا الت حدي‪ ،‬فوج هت كل قدراتي ووق تي لاكت ساب أو سع خ برة‬ ‫‪8‬‬

‫المدير العام للتدريب و نائب قائد الأكاديمية‪ .‬كان عسكر يا منضبطا و ل كن صفة المربي كانت غالبة عليه و لم أسمع منه‬

‫كلمة بذيئة خلال ثلاث سنوات‪..‬‬

‫‪ 9‬مدير المحافظة السياسية‪ .‬و كان صوفيا متواضعا و متسامحا‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫منهم العميد عبد القادر بوزخروفة و العميد الهادي بوضرسة على سبيل المثال لا الحصر‬ ‫‪13‬‬


‫عسكر ية وأكبر قدر من الثقة لدى القيادات العسكر ية والجنود الذين أعمل معهم فكنت في مقدمة قوائم‬

‫ت بها الوحدات‬ ‫الناجحين في جميع الدورات التي أجريتها‪ ،‬وعلى رأس المتطوعين في المهام الصعبة التي ك ُل ّ ِف َ ْ‬

‫التي عملت بها‪ .‬ورغم أن الجميع (قيادة و زملاء) كانوا يعرفون موقفي الصريح من دعاة التغريب والتشر يق‬

‫إلا أن القبول الذي حباني الل ّه به في أوساط التيار الوطني قادة ومرؤوسين كان عامل حماية قوي لي من‬ ‫العناصر المعادية للمفهوم الأصيل لاستقلال الجزائر ‪.‬‬

‫بعد أن تخرجت مبكرا في جانفي ‪ 1981‬مع حوالي ‪ 130‬من ضباطِ د ُف ْع َت ِنا قبل زملائنا بستة أشهر‬

‫بمرسوم رئاسي صدر في ‪ 19‬ديسمبر‪ ،1980‬كان الطلبة الضباط الذين تركناهم في الكلية العسكر ية أشد‬ ‫حرصا منا على مواصلة الحملة التوعو ية‪ .‬فانتعشت ال صحوة الوطنية (نقصد بالوطنية مكونات الهو ية الجزائر ية‬ ‫كما أقرها الشعب الجزائري الأبي في خضم حر به الضروس ضد الاستعمار الفرنسي فلم يكن له دين يرضى‬

‫أن ي موت عل يه ك شعب غ ير الإ سلام و لم ت كن له ل غة ت صله بتاري خه ك شعب غ ير الل غة العرب ية و لم يو ثق‬ ‫بالدماء و الدموع حدود وطن غير الذي عل ّم َه الشهداء ب جاجمهم خلال ثورة التحر ير)‪ .‬هذا ما كنا نؤمن به‬ ‫كضباط في الجيش رغم اختلاف أعراقنا التي لم يكن لها أي اعتبار في ميزان الوطنية كما كنا نفهمها‪ .‬وقد‬

‫كنا نستقبل الضباط الأحداث في الوحدات القتالية بعد ت خرجهم لحمايتهم من الانحراف خاصة وأن كثيرا‬ ‫من الضباط القدامى تعرضوا لتكوين إ يديولوجي وتر بوي غير متوازن حولهم إلى مستخدمين غير مسؤولين‬

‫ومي ّالين للهو والابتزاز‪.‬‬

‫و قد ك نت بدافع من ال حرص أ حث زم لائي ال ضباط من مخت لف الأ سلحة ع لى الاجت هاد في‬

‫اكت ساب الخ برات وإع طاء أح سن الأ سوة لل ضباط الأ حداث وب عث ال يأس في ق لوب الانت هاز يين‬ ‫والوصوليين‪ .‬و قد ثبت الل ّه كثيرا منا على هذا النهج المستقيم حسب قدراتهم النفسية و المعنو ية و الظروف‬

‫المحيطة بهم‪ ،‬فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر‪ .‬بينما زلت أقدام البعض الآخر على الطر يق تحت تأثير‬

‫ال ضغط من طرف الشواذ من رؤسائهم رغم أنهم كانوا أظهرنا تش ّددا عندما كنا طلبة؛ و أذكر على سبيل‬ ‫المثال‪ ،‬الأخ (عبد القادر م ) الذي كان الجميع يستحون منه لأدبه و تدينه و انضباطه سنة ‪ ،1978‬و‬ ‫ل كن قائده في مكتب الاستطلاع التابع للناحية العسكر ية الرابعة النقيب ك مال ع بد الرحمان‪ 11‬الذي كان‬

‫عمي لا ع سكر يا للم خابرات ا ستدرجه إ لى ا لانحراف مقا بل ابتعا ثه في تربص إ لى الات حاد ال سوفياتي سنة‬ ‫‪ 11‬هذا النقيب كان ضابط صف في بداية السبعينات و التحق بسلاح الهندسة و تلقى تكوينا في الاتحاذ السوفياتي و كان‬

‫زير خمر و نساء‪ .‬و تمت ترقيته استثنائيا الى رتبة رائد فمقدم بعد احداث ‪ 1988‬عندما تعرض لحادث حرق مميت‪ .‬أصبح‬ ‫مديرا لأمن الجيش سنة ‪ 1991‬ثم قائدا للناحية العسكر ية سنة ‪ 2002‬و أحيل على التقاعد بعد تورطه في قضايا تتعلق‬ ‫بتهريب و ترويج المخدرات تسببت في ملاحقته قضائيا من طرف العدالة الإسبانية‪.‬‬ ‫‪14‬‬


‫‪ 1986‬فلم يعد من موسكو إلا و قد أصبح رهينة لقائده السابق بعد أن تورط في علاقة غير شرعية مع‬ ‫مواطنة روسية نسبت له ولدا‪.‬‬

‫و قد ي سرالله لي من الأ سباب و ال ظروف ما جعل ني انت به إ لى ال مؤامرة ال تي ا ستهدفت الدو لة‬

‫الجزائر ية المستقلة مبكرا فكنت دائما على حذر مما يدور حولي‪ .‬و يجدر بي أن أذكر في هذا المقام قضيتين‪:‬‬ ‫قضية العقيد محمد الطاهر شعباني‬

‫‪12‬‬

‫قائد الولاية التار يخية السادسة لثورة التحرير الجزائر ية‬

‫هذه القضية أثيرت بعد تصر يحات الرئيس السابق الشاذلي بن جديد سنة ‪ 2008‬و أثارت‬

‫جدلا واسعا على أكثر من صعيد ليس لأنها مادة إعلامية مثيرة و إنما لأنها قضية محور ية في فهم‬ ‫جذور ا لانحراف ا لذي طرأ ع لى م سار الدو لة الجزائر ية الم ستقلة‪ .‬ل قد ك نت أت عاطى مع هذا‬

‫المو ضوع م نذ ك نت في مقا عد الدرا سة الابتدائ ية‪ .‬لأن الته مة الباط لة ال تي ا ستند إلي ها ا لرئيس‬

‫الصوري أحمد بن بلة و من ورائه الحاكم الفعلي العقيد الهواري بومدين وز ير الدفاع سنة ‪1964‬‬ ‫من أ جل إ عدام العق يد مح مد شعباني هي ن فس الته مة ال تي كان يب تز ب ها ال هواري بو مدين ر ئيس‬

‫الجمهور ية الشيخ إ براهيم بيوض سنة ‪ 1975‬متهما إ ياه بالمطالبة باستقلال ذاتي لواد مزاب‪ .‬و كان‬ ‫الوالد بصفته مسؤول المجاهدين على مستوى قسمة القرارة في واجهة المعركة التي شنها بومدين على‬

‫ال شيخ ب يوض‪ ،‬و كان لا بد أن يث ير ذ لك ف ضولي كطا لب يرى في ال شيخ ب يوض شيخا جلي لا‬ ‫مبج لا من طرف أ هل الب لد و ترب طه بالعائ لة علا قة اح ترام مت بادل خا صة‪ .‬و قد عل مت بق ضية‬

‫العقيد محمد شعباني من خلال توضيحات الوالد لقضية فصل الصحراء المثارة في ذلك الوقت و‬

‫التي هي مشروع استعماري فرنسي قديم استدرج له بعض المتعاونين مع الاستعمار و تصدى له‬

‫العق يد شعباني أث ناء ال ثورة و أف شله و لم ي صبح له م كان في جزا ئر الا ستقلال و ل كن ط موح‬

‫الهواري بومدين للسلطة ز ين له التآمر على تصفية قيادات الثورة المناوئين له و تلفيق التهم الباطلة‬

‫لهم بالتعاون مع ضباط فرنسا الذين أحاط نفسه بهم‪ .‬و قد أصبحت منذ ذلك الحين واعيا جدا‬ ‫بالتزوير المتعمد لحقائق التاريخ من طرف الخونة المدسوسين في رحم الثورة و منها في أوصال الدولة‬

‫الجزائر ية المستقلة‪.‬‬

‫و العقيد محمد شعباني مجاهد معروف الهو ية‪ ،‬و مساره النضالي وا ضح لا يلتبس على أحد‪.‬‬

‫فقد بدأ مشواره في معهد بن باديس التابع لجمعية العلماء قبل الثورة و هذا يعني أن انتماءه للجزائر‬ ‫مؤسس على توجيه تربوي أصيل كما أن تركه لمقاعد الدراسة و التحاقه بالثورة مبكرا دليل على وعيه‬

‫‪15‬‬


‫بالمسؤولية الملقاة على عاتقه كشاب جزائري في العشرين من العمر‪ .‬و قد أثبت جدارته‬

‫و أمانته‬

‫بترقيته إلى ضابط أول مساعد لقائد الولاية العقيد سي الحواس صاحب الحس الأمني الرفيع و بعد‬

‫استشهاد سي الحواس سنة ‪ 1959‬اتفق مجلس القيادة المكون من قيادات المناطق بالإجماع على‬ ‫اختياره قائدا للولاية السادسة رغم أنهم جميعا أكبر منه سنا و أقدم سابقة في الثورة التي كانت‬

‫ت مر بأخطر مراحل ها ع لى الإط لاق خا صة في الج نوب الجزا ئري‪ ،‬م ما يدل ع لى أ نه أ هل للث قة و‬

‫الم سؤولية‪ ...‬هذا جعل ني موقن ًا من أن العق يد مح مد الطاهر شعباني ت مت ت صفيته من طرف خو نة‬ ‫للقضية الوطنية مدسوسين على الثورة‪ .‬و ل كن ما لم ا ستوعبه و بقي يثير فضولي هو أن يتم ذلك‬ ‫ع لى أ يدي ق يادات ثور ية م ثل ال هواري بو مدين ا لذي كا نت أج يال الا ستقلال تق ّدِ سه كر مز‬

‫للوطن ية‪ .‬و قد أ كد لي ع مي مح مد الأخ ضر هذه الحقي قة ال مرة لأ نه كان أ حد الأم ناء في مك تب‬

‫العقيد محمد شعباني نفسه و ل كنه اعتبر ذلك من الأخطاء التي تحدث في جميع الثورات و كأنه‬ ‫كان ير يد أن ي صرفني عن الن ّب ْش في هذه الق ضية خو فا ع ليّ من العوا قب‪ .‬و قد بدأتُ م شوار‬

‫الب حث عن الحقي قة م نذ سنة ‪ 1977‬من خ لال الم ساهمة في الم سابقة الوطن ية " الطا لب يك تب‬

‫التاريخ"‪.‬‬

‫بعد التحاقي بالأكاديمية العسكر ية لمختلف الأسلحة بشرشال سنة ‪ 1978‬تجلت لي طبيعة‬

‫الصراع الغامض على مستوى القيادة بين طرف وطني يشتغل في العلن حر يص على جزأرة هو ية‬

‫ال جيش ا لوطني ال شعبي و الم حيط الاجت ماعي ب صفة عا مة ب نوع من الت حدي و تم ثل لي ذ لك في‬

‫شخصية قائد الأكاديمية المقدم حشيشي ز ين العابدين و الرائد شر يف بن عابد و بين تيار مستخفي‬ ‫خب ْث من أجل تشجيع كل ما هو أجنبي و غريب عن الهو ية الوطنية‪ ،‬ف بدأت‬ ‫يشتغل ب سرّ ية و ُ‬

‫أر بط بين الحلقات المتناقضة لهذا المشهد الذي يحمل الجميع فيه شعار الوطنية‪ .‬ثم أثار فضولي مرة‬

‫أخرى سنة ‪ 1981‬و جود ب عض ضباط ال جيش الفرنسي ا لذين تركهم الرائد خا لد نزار خلفه في‬ ‫مدر سة ال قوات الخا صة منهم النق يب ق نادز و الم لازم ا لأول تروادة و النق يب بوعزيز‪ .‬فات صلت‬ ‫ببعض المجاهدين من أ صدقاء العائلة في ب سكرة منهم المجاهدين را بح صيفي و أخوه محمد صيفي و‬

‫المجاهد محمد حضري الذين كانت تربطهم بالعقيد محمد شعباني علاقة شخصية و حضر بعض منهم‬ ‫جلسات خاصة بين شعباني و الرئيس أحمد بن بلة و الهواري بومدين في مناسبات مختلفة بين سنة‬

‫‪ 1961‬و ‪ 1964‬و تأ كد لي بأن العق يد كان ضحية غدر م ُب َي ّت من طرف ا لإثنين‪ .‬و في سنة‬ ‫‪ 1982‬و بين ما ك نت ضابطا في في لق ال صاعقة ‪ 12‬بتب سة و صلتنا مرا سلة سر ية ل لأمين ال عام‬ ‫لوزارة الدفاع الوطني العقيد مصطفى بلوصيف تت حدث عن ضباط فرنسا و ضرورة إحالتهم ع لى‬ ‫‪16‬‬


‫التقاعد و كان من بين المعنيين في فيلقنا النقيب بوعزيز و النقيب عبد الحميد بلبشير فشعرت كأن‬ ‫عجلت التاريخ تدور في الات جاه المعاكس لتصحيح مسارها و ل كنها توقفت فجأة ليتعرض بعد ذلك‬

‫العقيد بلوصيف للسجن بتهمة الفساد المنسوبة إليه‪ .‬ثم جاء المؤتمر الوطني لكتابة تاريخ الثورة بقرار‬

‫من رئيس الجمهور ية الشاذلي بن جديد و حضرت سنة ‪ 1984‬جانبا من جلساته التي شارك في‬

‫بع ضها المنا ضل ال كب ير ال سيد مح مد ع صامي‪ 13‬ال صاحب ا لأكبر لل شهداء مح مد ب لوزداد و د يدوش‬ ‫مراد و العر بي بلمه يدي و م صطفي بن بولع يد ر حم الل ّه الجم يع ك ما ح ضر الرا ئد عمر صخري أ حد‬

‫نواب العق يد شعباني جان با من هذه الجلسات و تحدثا فيها عن حقيقة ما جرى في بداية ال ثورة‬ ‫التحرير ية و أث ناء التح ضير ل ها ق بل سنة ‪ 1954‬و ناظر ع مر صخري العق يد أوع مران و وز ير‬ ‫المجا هدين آ نذاك شر يف م ساعدية و كان قو يا في تدخلا ته ر غم أ نه لم ي مض ع لى خرو جه من‬

‫السجن سوى وقت قصير‪ .‬فتوضّ حت لي جذور هذه القضية أكثر و فهمت أن الإنحراف لم يكن‬ ‫أمرا طارئا و لا عفو يا و إنما هو نتيجة لمقدمات مدروسة من طرف أعداء الشعب الجزائري‪.‬‬

‫و م نذ سنة ‪ 1987‬اكت شفت ال مؤامرة الحقيق ية ال تي ا ستهدفت العق يد شعباني و ق يادة‬

‫الولاية السادسة‪ ،‬عندما وقعت بالصدفة على ما تبقى من تجهيزات مقر قيادة الولاية السادسة في‬

‫مخزن قديم تابع لمدر سة ال قوات الخا صة بب سكرة‪ .‬ل قد كا نت كل الو ثائق و المنا شير و التجه يزات‬ ‫تدل على أن الجيش الوطني الشعبي القائم يختلف جذر يا على صعيد الهو ية عن الجيش الذي كان‬

‫ينتمي إليه شعباني مما يدل على وقوع انقلاب حقيقي على جيش التحر ير الوطني‪ .‬عندها ركزت‬ ‫على البحث في التفاصيل و علمت بالدور الرئيسي لضباط فرنسا في عملية تصفية قيادة الثورة الذين‬

‫يمثلون هو ية الشعب الجزائري الأصلية منذ سنة ‪ 1957‬و أن شعباني ليس سوى حلقة واحدة في‬ ‫سل سلة الت صفية الطو ي لة ال تي ا ستهدفت ق يادات ا لأوراس المتتال ية ثم ق يادات الولا يات الثال ثة و‬ ‫الرابعة و السادسة و بعدهم من تبقى من القيادة التار يخية للثورة‪ .‬و منذ ذلك التاريخ اخترت بكل‬ ‫وعي و مسؤولية التموقع في معسكر التيار الوطني الذي يعمل من أجل عودة الجيش الوطني الشعبي‬

‫إلى أصوله الأولى التي قام عليها جيش التحرير الوطني و اعتبرت كل ما يعرقل هذا المسار معارضا‬

‫لمفهوم الوطنية الصحيح سواء على صعيد القوانين أو الأ شخاص حتى و لو تلبسوا بشعار الوطنية و‬ ‫الانتماء لحزب جبهة التحرير الوطني‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫كان المناضل محمد عصامي سنة ‪ 1982‬فلاحا بسيطا رغم أنه كان صديقا حميما لمفجري الثورة المذكورين و كانوا‬

‫يزورونه للتشاور معه حول تفجير الثورة قبل اندلاعها و بعده لترتيب التزود بالسلاح من تونس حتى قبل نوفمبر ‪.1954‬‬ ‫‪17‬‬


‫و رغم كل ما كنت ألاحظه من تناقض بين نصوص نظام الخدمة في الجيش و الواقع المعاش‬

‫يوم يا ع لى أرض الوا قع‪ ،‬خا صة ال صراع غير المعلن بين الت يار ا لوطني الإ صلاحي ا لذي يطمح إلى جزأرة‬

‫مؤس سات الدو لة بق يادة ر ئيس الجمهور ية ال شاذلي بن جد يد و الت حالف الانت هازي دا خل جب هة التحر ير‬

‫الوطني المتحالف مع حزب فرنسا الذي ير يد تكريس التبعية لروسيا و فرنسا للحفاظ على امتيازاته فإنني لم‬

‫أفكر في أية محاولة للتنظيم أو التخطيط للمساس بأمن الدولة الجزائر ية ومؤسساتها ولم يبادر إلى ذلك أحد‬ ‫من الضباط الذين عرفتهم في حدود علمي خلال فترة خدمتي في الجيش كلها‪.‬‬

‫ل كن تطورات الموقف المفاجئة وال تحولات المتسارعة في المسيرة السياسية الوطنية منذ أحداث‬ ‫أكتوبر ‪ 1988‬الأليمة التي ذهب ضحيتها مئات من الجزائر يين الأبر ياء الذين تم إطلاق الرصاص الحي عليهم‬ ‫من الدبابات لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة بأمر من قائد أركان الجيش اللواء نزار خالد‪ ،‬وضعت‬

‫الع سكر يين المخل صين في الجزا ئر أ مام أ مر وا قع لا ي جوز الح ياد حيا له لل شرفاء‪ .‬لأن ا لأمر يتع لق بالوجود‬

‫الفع لي للجزا ئر نف سه‪ .‬فإ ما أن تتج سد في الوا قع سيادة ال شعب الجزا ئري وحري ته في إقا مة الدو لة الجزائر ية‬ ‫الديمقراط ية الم ستقلة‪ ،‬ال تي و ثق هويت ها م لايين ال شهداء بدمائهم وعل موا حدودها بج ماجمهم من أ جل رد‬

‫الاعتبار لمقومات الهو ية الوطنية وتمكين الشعب الجزائري من الاعتزاز بأمجاده التار يخية بكل كرامة وحر ية‬

‫ع لى غرار ال شعوب ال حرة ذات ال سيادة‪ .‬وإ ما أن ت عود الجزا ئر إ لى ان تداب فرن سي مع لن يف قد ال مواطن‬

‫الجزائري في ظله هويته و كرامته إلى غير رجعة‪ .‬وهذا مع الأسف ما لم تستوعبه عقول الذين انخرطوا في‬ ‫مشروع التدمير الذاتي المراد بوطنهم وشعبهم من العسكر يين والذي بدأوا م شوارهم في تنفيذه تحت شعار‬

‫إنقاذ الجزائر المزعوم من أصولية الجبهة الاسلامية للانقاذ‪ .‬وسوف لن يتوقف بهم المشوارعند حد التحالف‬ ‫الدولي لمكافحة الإرهاب العالمي على حساب المصلحة الوطنية إذا لم يستوعبوا هذه الحقيقة الماثلة أمام كل‬

‫ذي عينين‪.‬‬

‫‪18‬‬


‫الجزء الثاني‬ ‫مقدمات و حقائق‬

‫الإرهاصات الأولى للأزمة الوطنية‬ ‫الحركة الإسلامية المسلحة(حقيقتها وعلاقتها بالجبهة)‬ ‫تداعيات الإضراب العام الذي أعلنته الجبهة الإسلامية للإنقاذ‬ ‫منظومة السلطة‬

‫‪19‬‬


‫الإرهاصات الأولى للأزمة الوطنية‬ ‫ب عد مق تل المجا هد م صطفى بو يعلي أم ير الحركة الإ سلامية الجزائر ية الم سلحة واعت قال أتبا عه سنة‬

‫‪ 1987‬خمدت فكرة العمل المسلح فترة قصيرة لتظهر بعد إقرار التعددية الحزبية من طرف الرئيس الشاذلي‬ ‫بن جد يد‪ ،‬ول كن في شكل تحركات م شبوهة لعنا صر اله جرة والتكف ير‪ .‬و قد بدأت هذه التحركات في‬

‫الو قت ا لذي كان ف يه أت باع الحركة الإ سلامية الجزائر ية الم سلحة في ال سجون وكان ا لدعاة الإ سلاميون‬ ‫غارقين في تعبئة الجماهير وتجنيدها لخوض الانتخابات المحلية المنتظرة سنة ‪.1990‬‬

‫وكانت أول م بادرة لهذه العناصر‪ ،‬تلك ال تي قام بها أمير الهجرة والتكفير ع لى منطقة بومرداس‬

‫الم سمى "مح مد وارت" ال مدعو "مح يي ا لدين ور يث"‪ .‬إذ قام بمحاو لة ا ستدراج مجمو عة من ضباط ال صف‬ ‫العاملين في الفيلق الرابع للمظليين المتمركز في مدينة الأغواط والفيلق ‪ 12‬للصاعقة المحمولة جوا المتمركز في‬ ‫شتمة (حوالي ‪ 5‬كلم من مدينة بسكرة) بغرض القيام بعملية استيلاء على كميات من الأسلحة والذخيرة‪.‬‬

‫وقد كان الوسيط بين محيي الدين وضباط الصف المعن يين بالموضوع جنديا احتياطيا أدّى خدمته الوطنية‬ ‫في صفوف المظليين اسمه حسن حطاب‪.14‬‬

‫وقد ادعى محيي الدين ور يث أن القيادة المركز ية للحركة الإسلامية كلفته بالإعداد للجهاد في سبيل‬

‫الل ّه‪ ،‬وبعد التحري عن هذه الدعوى أكدت قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ورابطة الدعوة الإسلامية‬ ‫لأحد ضباط الأمن المخل صين الم لازم نور الدين بو حادب‬

‫‪16‬‬

‫‪15‬‬

‫أن ق يادة الحركة الإسلامية ب كل توجهاتها‬

‫تتبرأ من أي عمل مسلح ولا تعرف أحدا من رجالها باسم "محيي الدين وريث " وأنها تعتقد أن هذه المحاولة‬

‫ع مل م خابراتي ينب غي ت فادي الو قوع في شباكه‪ .‬فن به ذ لك ال ضابط ضباط ال صف المعن يين و حذر ح سن‬ ‫حطاب من العودة إلى مثل هذه الوساطة المشبوهة‪ .‬والحقيقة أن الذي دفع الملازم نور الدين إلى عدم‬ ‫ات خاذ إجراءات صارمة ورسمية ضد حسن حطاب ومن وراءه هو اعتقاده اليقين بأن ال كشف عن هذه‬ ‫‪14‬‬

‫جندي احتياطي سابق من بن زرقة شرق الجزائر العاصمة التحق بجماعة الهجرة و التكفير بقيادة محيي الين وريث سنة‬

‫‪ 1988‬مع أخو يه توفيق و زهير ثم انتمى إلى الجماعة الإسلامية المسلحة سنة ‪ 1994‬و انشق عنها سنة ‪ 1996‬و أسس الجماعة‬ ‫السلفية للدعوة و القتال التي تحولت إلى القاعدة في المغرب الإسلامي بعد اعتزاله العمل المسلح‪ .‬استسلم للسلطة سنة ‪2006‬‬ ‫و أصبح من عرابي المصالحة المغشوشة التي أعلن عنها نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة‪.‬‬

‫‪ 15‬تم الاتصال بالشيخ أحمد سحنون و الشيخ محمد السعيد رحمها الل ّه و الشيخ الدكتور عباسي مدني من طرف الأخ عبد‬

‫الحميد الذي كان ضابط صف سابق في الجيش ينتمي إلى تيار البناء الحضاري و كان خطيبا في مسجد مدينة بكار ية بين‬ ‫بسكرة و باتنة‬ ‫‪16‬‬

‫عن طر يق الأخ عبد الحميد إمام مسجد بكار ية (‪ 70‬كلم من بسكرة) في تلك الفترة‬ ‫‪20‬‬


‫ل لضرب كل من يطمح إلى تخليص الجيش من قبضة الشرذمة الفرنكوشيوعية المتحكمة‬ ‫القضية سي ُسْ تغ ّ‬ ‫في هيئاته المركز ية لاسيما وقد قطع التيار الوطني شوطا طو يلا في التدافع معها وحقق تقدما ملموسا في رد‬

‫الاعتبار للهو ية الوطنية‪ ،‬كما أن الجندي الاحتياطي الوسيط حسن حطاب لم يكن متهما بالغلو أو التطرف‬ ‫بل كان واحدا من ع ّدائي النخبة في سلاح المظليين‪ .‬وكان المرجو أن تنتهي هذه القضية عند هذا الحد‪.‬‬

‫وهو ما حصل فعلا ‪.‬‬

‫و من الأكاذيب التي تنشرها وسائل الاعلام المأجورة هي الز ّعم على لسان حسن حطاب أمير‬

‫الجماعة السلفية للدعوة و القتال بأنه لم يلتحق بالعمل المسلح إلا بعد توقيف المسار الانتخابي سنة ‪.1992‬‬ ‫و الحقيقة التي لا تقبل الطعن لا من حسن حطاب و لا من غيره هو ما أثبتته في هذه الشهادة و الل ّه على‬ ‫ما أقول شهيد‪.‬‬

‫أما المبادرة الثانية فقد قامت بها طائفة الهجرة والتكفير التي يتزعمها صديقي نور الدين إذ قامت‬

‫عناصرها بنفس المحاولة مع عسكر يين في الناحية العسكر ية الأولى بالبليدة وفشلوا فيها‪ .‬كما قاموا بعمليتين‬

‫ا ستهدفت ا لأولى حا نة في أ عالي العا صمة ا ستولوا ع لى خزنت ها وقت لوا صاحبها‪ ،‬في ما ا ستهدفت الثان ية م خزن‬ ‫المتف جرات الج هوي لمركب الح جار ال صناعي ح يث تم ّ الا ستيلاء ع لى طن من المتف جرات ‪ 1000‬كغ‬

‫بالتواطئ مع حارس المخزن‪ .‬و قد التقيت شخصيا مع من بقي حيا من عناصر المجموعتين في سجن البرواقية‬

‫و هم بضعة عشر شخصا ليس فيهم من تجاوز المستوى الإعدادي في تعليمه رغم سنهم المتقدم‪.‬‬

‫وباستثناء بعض ال كهول الطيبين الذين تورطوا مع هذه الطائفة المنحرفة عن حسن نية أمثال عمي‬

‫مختار أو بعض المراهقين من الشبان أمثال حسن حطاب فإن أغلب عناصر هاتين المجموعتين تربوا في أقبية‬

‫كن ُ ها من ا لتحكم في حركاتهم و سكناتهم ب ما ينا سب‬ ‫ال شرطة و دوا ئر ا لأمن ال تي ت عرف عنهم كل ما يم َ ّ ِ‬

‫مخططاتها الأمنية‪.‬‬

‫ومن أخطر ما قامت به عناصر هذه الطائفة في تقديري هو إعلانهم التو بة على الملإ في مهرجانات‬

‫أقاموها في مساجد العاصمة خاصة في الفترة ما بين ‪ 1989‬و ‪1990‬؛ لينتقلوا في نظر عامة الناس فجأة من‬ ‫عناصر منحرفة تعتقد كفر الشعب الجزائري واستباحة دماء المسلمين وأعراضهم إلى مجموعات منظمة تقوم‬ ‫ض الة على‬ ‫بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باسم الكتاب والسنة ومنهج السلف‪ .‬فتسلطت هذه الشراذم ال ّ‬

‫الشباب الجزائري العفيف الذي نشأ في أحضان الحلقات المسجدية والمدارس الوطنية الرسمية على مرأى و‬ ‫مسمع من أجهزة الدولة الأمنية التي تحتفظ بملفات وافية عنهم‪.‬‬ ‫‪21‬‬


‫وبعد أن تم اختراق صفوف التيار الإسلامي من خلال عملية التوبة الاستعراضية المزعومة‪ ،‬قامت‬

‫أجهزة االشرطة و الدرك باعتقال م َن تعاظم خطره من هذه الطائفة سنة ‪ 1991‬بطر يقة انتقائية وتمت‬ ‫محاكمتهم في القضية المعروفة ب "نوح و جماعته" نهاية سنة ‪ 1992‬ون ُ ّف ِذ َ ح كم الإعدام فور ًا في بعضهم ع لى‬ ‫خلفية الاشتباك الذي حصل بين رئيس المجموعة و عناصر الدرك في منطقة سور الغزلان‪ .‬في حين بقيت‬

‫عنا صر أ خرى تت حرك في العا صمة و ضواحيها وكان لن شاطها أ ثر بالغ ع لى ت طور الأ حداث أم ثال‪ ،‬ع لي‬

‫زوا بري‪ ،‬مح مد ع لال ( موح ليف يي)‪ ،‬فتح ال نور‪ ...‬وآ خرين‪ .‬و قد ل فت انت باهي الت فاف بع ضهم حول‬

‫منصوري الملياني أثناء إضراب الجبهة الاسلامية في شهر ماي ‪ .1991‬كما تعرفت على بعضهم أكثر في سجن‬ ‫البرواقية سنة ‪ 1993‬خاصة المدعو فتح النور الذي يمثل نسخة طبق الأصل لمحمد علال المدعو موح ليفيي‬

‫و علي زوابري الأخ الأكبر لآخر أمراء الجماعة الإسلامية المسلحة‪.‬‬

‫لم ت كن أج هزة ا لأمن ت تابع ت حرك هذه الطائفة و حدها بل إن اهتمام ها بال شباب الجزا ئري ا لذي‬

‫التحق بصفوف المجاهدين في أفغانستان كان أكبر‪ .‬فقد وضع جهاز المخابرات جميع هؤلاء الشباب تحت‬ ‫المراقبة المباشرة لعناصره المبثوثين بينهم والمتعاونين معه من مصالح الاستخبارات الدولية ‪.‬‬

‫وقد اكتشفت سنة ‪ 2008‬بأن العقيد (خليلي) مسؤول الأمن لدى السفارة الجزائر ية في لندن في‬

‫فترة ما قبل أوت ‪ 2008‬لم يكن سوى الضابط المكلف باختراق الجزائر يين الأفغان من خلال وجوده‬

‫في باكستان تحت رعاية السفير الإعلامي المتث قف جدا محيي الدين عميمور؟‪ .‬و قد لعب هذا الضابط و‬

‫غيره دورا خطيرا في صنع هذه القنبلة الموقوتة التي تم تفجيرها في الجزائر بعد ذلك و هو متورط في التستر‬ ‫ع لى جري مة ق تل ا ستهدفت جزائر يا ر فض ا لانخراط في المخ طط ال قذر للم خابرات الجزائر ية و ال تي ارتكب ها‬ ‫ضابط آ خر ا سمه الت هامي تم تهري به بتغط ية دبلوما سية ع ندما صدرت في حقه مذكرة اعت قال من طرف‬

‫السلطات الباكستانية‪ .‬و قد تم ّ تعيين خليلي بعد ترقيته الى رتبة عقيد في بر يطانيا كملحق عسكري بعد أن‬ ‫هربت السلطات اليمنية اللاجئين الجزائر يين المستهدفين من طرفه في اليمن تجنبا لأزمة دبلوماسية و أمنية مع‬

‫الجزا ئر‪ .‬و لم يتو قف هذا المخ بر الم جرم ع ند حده إلا ب عد أن فا حت رائحة ف ساده ب عد تواط ئه مع ب عض‬ ‫ال صحف البر يطان ية الحا قدة ع لى الجال ية الم سلمة لت شو يه سمعة ال لاجئين الجزا ئر يين و انخرا طه ال صريح في‬ ‫عرقلة مشروع السلم الذي راهن عليه الرئيس بوتفليقة لنيل جائزة نو بل للسلام و ذلك بسلوكاته العدوانية‬ ‫ف على ملف‬ ‫ضد الجزائر يين بدون استثناء‪ ،‬فطلب السفير دمبري ترحيله فورا من الرئيس نفسه‪ .‬وتثش ْر ِ ُ‬

‫الجزائر يين الأفغان خلية متابعة متخصصة على منظومة من الإعلام الآلي في غرفة العمليات التابعة للمدير ية‬ ‫العا مة للوقا ية وا لأمن بمركز الا ستنطاق ال خاص بالإ سلاميين ببن عك نون ا لذي كان ي ُسمّى سابقا المركز‬

‫العسكري الرئيسي للتحر يات‪ .‬و قد أوكلت مهمة بناء هذه المنظومة إلى فر يق من الخبراء الصرب المتنكرين‬ ‫‪22‬‬


‫في شكل أساتذة تابعين لمعهد الفنون‪ .‬و هذا التعاون الاستراتيجي الخطير مع الصرب الذين لم تجف أيديهم‬ ‫من د ماء المدنيين العزل في البوسنة و الهرسك دليل آ خر ع لى الطبي عة الإجرامية للن ظام الجزا ئري ال قائم‪.‬‬

‫وأعتقد أنه كان من المفترض الزج بالجزائر يين الأفغان في ميدان الصراع في الوقت المناسب‪ ،‬فقد صدرت‬ ‫تعلي مات ا ستثنائية ب عدم الت عرض ل هم ع ندما شنّ الن ظام الجزا ئري حمل تي الاعت قال ع لى منا ضلي الجب هة‬

‫الإسلامية للإنقاذ في جوان ‪ 1991‬وجانفي ‪ .1992‬و قد أك ّد المقدم سمراوي في كتابه‪ -‬سنوات الجمر‪-‬‬ ‫بأن هذه الفئة كانت تستفيد بأمر من جهاز المخابرات من تسهيلات في تنقلها بين الجزائر و أفغانستان عبر‬

‫تونس و فرنسا‪.‬‬

‫وإلى غاية شهر مارس ‪ 1991‬لم يكن في تقديري أي واحد من الإ سلاميين المعتبرين سياسيا أو‬

‫دعو يا يخ طط للع مل الم سلح ب ما في ذ لك قدامى الحركة الإ سلامية الجزائر ية الم سلحة أم ثال ع بد ال قادر‬ ‫شبوطي وبعة عز الدين الذين أمسكوا عن أي نشاط من شأنه عرقلة المسيرة السياسية الموفقة للجبهة بعد‬

‫الإفراج عنهم في إطار العفو الرئاسي العام سنة ‪ .1990‬أما منصوري الملياني فقد كان يعتقد أن المبادرة‬

‫إلى العمل المسلح مستحيلة قبل خمس (‪ )5‬سنوات وبقي على هذا الإعتقاد حتى بعد انضمامه إلى السعيد‬

‫مخلوفي وعبد القادر شبوطي سنة ‪ .1991‬هذا ما استفدته شخصيا من علاقتي بالمعنيين بالقضية مباشرة و‬ ‫أكده لي كل من التقيت بهم في السجن وخارجه من المح سوبين على العمل الإ سلامي المسلح‪ .‬و قد أكد‬

‫لي م سؤول الاع لام للحركة الإ سلامية الم سلحة ا لأخ م صطفى مع يز‪ 17‬شخ صيا بأن ج نود م صطفى بو يعلي‬

‫سلمي أ مام الشيخين عباسي مدني و علي بن حاج فور خروجهم من السجن‬ ‫تعهدوا بالالتزام بمسار الجبهة ال ّ‬ ‫سنة ‪ 1990‬سواء التحقوا بالجبهة أو اعتزلوا السياسة و قد كانوا أوفياء لتعهدهم إلى أن تم ّ حل الجبهة رسميا‬

‫من طرف النظام‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫كان مصطفى معيز مسؤول الإعلام في الحركة الإسلامية الجزائر ية المسلحة التي أسسها الشيخ المجاهد مصطفى بو يعلي‬

‫سنة ‪ . 1979‬سجن بعد مقتل الشيخ بو يعلي ثم اطلق سراحه بمناسبة العفو الشامل سنة ‪ .1990‬اعتزل العمل المسلح و‬ ‫ل كنه سجن بعد توقيف المسار الانتخابي و أطلق سراحه بعد ‪ 5‬سنوات‪.‬‬

‫‪23‬‬


‫الحركة الإسلامية المسلحة (حقيقتها وعلاقتها بالجبهة)‬ ‫تكلم عن الحركة الإسلامية المسلحة بعض من كتبوا عن الأزمة في الجزائر و ل كن ني لم أقف‬

‫على أي دليل معتبر يوثق صدقية ما كتبوه أو كلام صريح يعزونه لشاهد معتبر على تاريخ إنشاء هذه‬

‫الحركة أو العلاقة الشخصية بقيادتها‪ .18‬و لذلك أعتبر ما أقوله إن شاء الل ّه أوثق شهادة على حقيقتها‬ ‫حتى يثبت العكس‪ ،‬لأنني كنت على تواصل مباشر مع قيادتها و على دراية تامة بما يجري فيها قبل‬

‫إنشائها و بعد حلها‪.‬‬

‫بدأت الحركة الإ سلامية الم سلحة في شكل م شروع احت ياطي و قائي سلمي بدون شعار و لا ب ُن ْي َة ٍ‬

‫تنظيمية‪ .‬و كان الهدف الوحيد لهذا المشروع هو حماية ظهر الجبهة الإسلامية للإنقاذ من غدر محتمل تبيته‬ ‫أطراف نافدة في السلطة الحاكمة و لم يكن بحال من الأحوال مشروعا بديلا عن الجبهة‪ .‬كما أن القائمين‬ ‫ع لى هذا الم شروع لم يف كروا في الإفت ئات ع لى ق يادة الجب هة و لم يقو موا بع مل دون است شارتها إ لا ب عد أن‬

‫أ صبحت خ لف الق ضبان‪ .‬هذا ما تو صلت إل يه ب عد درا سة متأن ية لحيث يات هذا الم شروع و شعاره ا لذي‬

‫ع ُر ِف به لاحقا‪ ،‬رغم أن بعض المتطفلين يحاولون تجاوز الوقائع و الملابسات و تقديم هذه الحركة كامتداد‬ ‫لحركة الشيخ مصطفي بو يعلي‪ .‬و الحقيقة هي أن القاسم المشترك بينهما هو بعض مكونات الشعار لا غير‪.‬‬

‫حيث تم حذف كلمة الجزائر ية‪ -‬التي كان يؤكد عليها المجاهد مصطفى بو يعلي ترسيخا لجزأرة تنظيمه‪ ،‬حتى‬

‫يتبين للناس الفرق بين الحركتين‪ .‬و من بين المغالطات التي تسعى السلطة المسؤولة عن الأزمة تكريسها هي‬

‫اعتبار عبد القادر شبوطي أميرا للحركة و نسبته هو و من معه للجبهة الإ سلامية للإنقاذ لتحميلها مسؤولية‬

‫العمل يات ال تي قاموا ب ها‪ .‬و هذا ك لام لا أ ساس له من ال صحة إطلا قا‪ .‬فالعن صر الق يادي الوح يد من‬ ‫حزب الجبهة الإسلامية هو السعيد مخلوفي فقط إذا استثنينا علاقة قمر الدين خر بان‪ 19‬غير المباشرة بنشاط‬

‫الحركة م يدانيا و الع ضو ية ال شرفية لل شيخ ع لي بن حاج‪ 20‬بح كم علاق ته الشخ صية ال سابقة ب قدامى الحركة‬

‫الإسلامية الجزائر ية المسلحة‪ .‬أما باقي المعنيين فكانوا من جنود الشيخ مصطفى بو يعلي السابقين و لم يكونوا‬ ‫‪ 18‬أقصد بالقيادة الشخصيات التي تملك اتخاذ القرارات في ما يتعلق بهذه الحركة و هما الأمير السعيد مخلوفي و نائبه الوحيد‬

‫عبد القادر شبوطي و قد انتهت إمارة الحركة بعدهما لبعة عز الدين و كل من ادعى الإمارة على رأس هذه الحركة لنفسه‬ ‫أو لغيره فهو متطفل لا عبرة بكلامه بتاتا‪.‬‬ ‫‪19‬‬

‫كان قمر الدين مكلفا من طرف إمارة الحركة بالعلاقات الخارجية و لم تكن له علاقة بشؤون الإمارة في الداخل‪.‬‬

‫‪ 20‬كان الشيخ على بن حاج على علم بما يقوم به السعيد مخلوفي و عبد القادر شبوطي حتى قبل اعتقاله في شهر جوان‬

‫‪1991‬و كانا يستشيرانه في الأمور المتعلقة بالشرع حتى و هو داخل السجن و ل كنه لم يكن معنيا يتفاصيل ما يجري داخل‬ ‫الحركة ميدانيا‪.‬‬ ‫‪24‬‬


‫من منا ضلي الجب هة تنظيم يا و لا من ممته ني السيا سة أ صلا‪ .‬أ نا أؤكد هذا التو ضيح المو ثوق لل تاريخ لأنني‬

‫اضطررت إ لى تأك يد ذ لك لنق يب المحامين في سوي سرا ا لذي كان موكلا من طرف ال سلطة الحاكمة في‬

‫الجزائر للدفاع عن اللواء خالد نزار وز ير الدفاع السابق على حساب أموال الشعب الجزائري‪ ،‬لأن نزار كان‬

‫يريد أن يز ّوِر التاريخ و يوهم العالم بأن الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي فازت بالأغلبية في استحقاقين سياسيين‬ ‫مت تاليين هي نف سها الجما عات الم سلحة ال تي فرخ ها نزار خا لد و نوا به ا لأمنيين و م لؤه من الأ كاديميين‬

‫الاستئ صاليين المن بوذين من طرف ال شعب ب سلوكهم ا لأرعن و سيا ستهم الانتقام ية ال تي انتهجو ها لمعاق بة‬

‫الشعب الجزائري على اختياره السياسي‪.‬‬

‫فبعد أن تصاعدت حدة المواجهات بين قيادة الجبهة المصرة على المطالبة بانتخابات حرة ونزيهة من‬

‫جهة والنظام المصر ع لى تزويرها والاستعداد الم يداني لفرض الأمر الوا قع بالقوة (بداية ‪ ،)1991‬أ صبح‬

‫التفك ير في حما ية أن صار الم شروع الإ سلامي من الإ بادة الجماع ية ال تي يدب ّ ِرها أ عداؤهم دا خل المؤس سات‬

‫الأمنية أمرا يشغل بال كثير من أنصار المشروع الإ سلامي في الجزائر‪ .‬وبعد تشاور م حدود بين كوادر من‬

‫الجبهة الإ سلامية والمتعاطفين معها تقرر تكليف السعيد مخلوفي بالإشراف على إجراءات وقائية تحمي ظهر‬ ‫الجبهة من الغدر المحتمل‪ ،‬على أن يكون ذلك سلميا وبعيدا عن الجبهة كتنظيم سياسي معتمد‪ .‬و قد تعاون‬

‫السعيد مخلوفي مع إمام مسجد سيدي موسى الشيخ عبد القادر شبوطي في الاتصال بقدامى حركة الشيخ‬ ‫م صطفى بو يعلي وت شاور مع هم في المو ضوع فر حب بالم بادرة ب عة عز ا لدين ورا بح ق طاف وال شيخ أ بوبكر‬

‫وآخرون وتردد بعضهم أمثال الملياني وحسين عبد الرحيم وتحفظ البعض الآخر مثل مصطفى معيز والشيخ‬ ‫رائد‪ .‬أما السعيد مخلوفي فقد قام باتصالات عديدة مع الضباط الذين توسم فيهم الإنصاف في موقفهم من‬

‫المشروع الإ سلامي و تناقش معهم في جلسات عديدة قبل أن يقترح عليه بعضهم الاتصال بي باعتباري‬ ‫ضابطا موثوقا لدى كثير من ضباط الجيش خاصة ضباط القوات الخاصة و جنودها‪ .‬و فعلا تم الاتصال‬

‫بي عن طر يق النقيب أحمد بن زمرلي‪ 21‬رحمه الل ّه‪ .‬و لم أر مانعا من الاستجابة لدعوته دون أي تردد و لا‬

‫تح فظ لأنني ك نت أ نا شخ صيا واع يا بالأز مة ال تي كا نت تت جه إلي ها ا لأمور من خ لال ات صال كث ير من‬ ‫الضباط و الجنود المتذمرين من الوضع و الذين طلب مني بعضهم الإذن له ب كل صراحة للقيام باغتيال‬

‫ض العسكر يين على استهداف الإسلاميين حتى داخل المؤسسة‬ ‫تح َرِ ّ ُ‬ ‫بعض القيادات العسكر ية التي كانت ُ‬

‫العسكر ية‪ ،‬و ل كنني أقنعتهم بأن ذلك لن يحل المشكلة و حذرتهم من التفكير في مثل هذه الأمور لأنها‬ ‫‪21‬‬

‫نقيب من أحسن ضباط الجيش خلقا و احترافا‪ .‬متخصص في أسلحة التدمير الشامل‪ .‬اعتقل يوم ‪ 4‬مارس ‪ 1992‬و‬

‫حكم عليه بالسجن ‪ 5‬سنوات قضى منها سنتين ثم التحق بالجيش الإسلامي للإنقاذ بعد فراره من سجن الزمالة المعروف‬ ‫بلامبيز في باتنة سنة ‪ 1994‬و قتل رحمه الل ّه في اشتباك مشبوه مع قوات الأمن‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫كانت في نظري ستجر الجزائر كلها إ لى حمام من الدم بدون طائل‪ .‬و للتاريخ أ سجل أن هؤلاء الضباط و‬ ‫الطلبة الضباط الذين اتصلوا بي لم يعرف أسماءهم أحد و لم تكتشفهم المخابرات إلى غاية كتابة هذه المذكرة و‬

‫منهم من أصبحوا ضباطا سامين في الجيش‪.‬‬

‫وكان أول لقاء جمعني بالسعيد مخلوفى يوم ‪ 13‬مارس سنة ‪ 1991‬وقد حضر اللقاء كل من عبد‬

‫ال قادر شبوطي ومن صوري المل ياني ورا بح ق طاف والنق يب أح مد بن زمر لي والم لازم ا لأول ز لة نع مان‬

‫وضابطان آخران برتبة ملازم أول‪ .‬وقد ت جدد اللقاء بيني و بين السعيد وحضره ز يادة على المذكورين بعة‬ ‫عز الدين‪ .‬و قد كانت الفكرة التي حاول السعيد مخلوفي عرضها خلال الجلسات تتمحور حول ما يلي‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫أن بوادر انقلاب عسكري يستهدف وقف المسار الديمقراطي الذي أتاح للإسلاميين فرصة‬

‫الوصول إلى السلطة أصبحت أكثر من وا ضحة من خلال تزامن إصدار قانون التقسيم الإداري الجديد مع‬ ‫تحر يك الوحدات العسكر ية المرابطة على الحدود المغربية وتكثيف التواجد العسكري في العاصمة وضواحيها‪،‬‬ ‫خا صة ب عد ما أظ هره ا لرئيس ال شاذلي بن جد يد من ح ياد في التعا مل مع ا لأحزاب السيا سية‪ .‬و هذا‬

‫الإفتراض يقتضي اتخاذ إجراءات احتياطية لإفشال مشروع الانقلاب وسياسة الأمر الواقع الذي يراد‬ ‫فرضه على أغلبية الشعب الجزائري من طرف أقلية أعلنت صراحة عن تنكرها لمقومات الهو ية الوطنية جملة‬

‫و تفصيلا‪.‬‬

‫‪ 2‬أن قرار الإنتقال إلى تنفيذ أي إجراءات مفترضة يعود حصرا إلى قيادة الجبهة الإسلامية ممثلة‬

‫في الشيخين عباسي مدني و علي بن حاج الذين عليهما أن يعلنا عن ذلك بناء على نتائج اتصالاتهما بالرئاسة‬

‫والحكومة ويتحملا مسؤولية ما يترتب على قرارهما من تبعات‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫أن إلغاء تلك الإجراءات يعتبر من تحصيل الحاصل في حالة اتفاق قيادة الجبهة مع الحكومة‬

‫على حل يفوت الفرصة ع لى المتربصين بالجزائر‪ .‬وكانت ن صيحتي للسعيد مخ لوفي ومن م عه أن يتريثوا ولا‬ ‫يستبقوا الأحداث ما دام السجال على الأرض سياسيا‪ .‬أما إذا اتضح الأمر فعندها سيكون لكل حادث‬

‫حديث‪.‬‬ ‫كان هذا الطرح في نظرنا متوازنا و لا ي خرج عن الإطار الذي يتصوره أي جزائري مخلص لشعبه‬

‫و وطنه في مثل الظروف التي تمر بها الجزائر‪ ،‬خاصة و قد كنا كضباط متأكدين من أن الرئيس الشاذلي‬ ‫بن جد يد يوا جه معار ضة شر سة من طرف حزب فرن سا في ق يادة ال جيش و الانت هاز يين في ق يادة جب هة‬

‫‪26‬‬


‫التحر ير الوطني و كنا نشعر بحاجة مشروع الرئيس الإصلاحي‪ 22‬إلى تكاتف جهود المخلصين للجزائر في كل‬

‫المواقع و من جميع التيارات‪.‬‬

‫ومما تقدم يتضح أن الفكرة لم تكن قائمة على المكيدة أو المساس بأمن الدولة كما لم تكن تهدف إلى‬

‫أخذ المبادرة في استعمال القوة ضد المعارضة العلمانية سواء داخل النظام أو خارجه وإنما كان التفكير فيها‬

‫لغرض مشروع يتمثل في وقاية الجبهة كحزب شرعي في مسيرتها السياسية السلمية التي انتهجتها على غرار سائر‬

‫الأحزاب في الجزائر بعد أن دلت القرائن على أن دوائر مجرمة تخطط في ال كواليس لفرض أجندتها على‬ ‫الرئيس بتسخير المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي لسحق كل من يرفض ا لأمر الواقع‬

‫الذي يكرس الردة عن كل المقومات الوطنية للشخصية الجزائر ية‪ .‬وإذا كانت الجبهة الإسلامية هي الهدف‬

‫المعلن عنه فإن قائمة الاستهداف الحقيقية في نظرنا كانت تشمل كل التيار الوطني المخلص الذي يطمح إلى‬ ‫التحرر من التبع ية لفرنسا‪ .‬كما يت ضح أيضا أن التفكير في إن شاء الحركة الإ سلامية المسلحة كتن ظيم م سلح‬

‫مستقل لم يكن واردا في هذه المرحلة إطلاقا و لم تتم الإشارة إليه لا لفظا و لا مضمونا‪ ،‬وإنما جاء لاحقا‬

‫بعد التأكد من عزم حزب فرنسا في النظام على استئصال الجبهة الإسلامية للإنقاذ كحزب سياسي معارض‬

‫و معت مد‪ .‬وا لدليل ع لى ذ لك هو تأخر الإع لان عن تأ سيس هذه الحركة إ لى أن صارت الجب هة في ح كم‬

‫المحظور خلال شهر مارس ‪ 1992‬في العدد الأول من نشر ية "النفير"‪ ،‬رغم أن هذا الشعار كان معروفا‬ ‫منذ ظهور حركة الشيخ مصطفى بو يعلي الأولى سنة ‪ ...1979‬أما ما يروج له من أن الحركة الإ سلامية‬

‫المسلحة كانت تنظيما مسلحا يطمح للاستيلاء على الحكم عن طر يق الجهاد المسلح ابتداء فهو كلام بعض‬ ‫المتطفلين‬ ‫‪22‬‬

‫‪23‬‬

‫ا لذين كانوا ج نودا ب سطاء لا علا قة ل هم بما كان يجري ع لى م ستوى ق يادة الحركة ثم تلب سوا‬

‫المشروع الإصلاحي كان يقوده في جبهة التحرير الوطني السيد عبد الحميد مهري الأمين العام و كان التيار المعارض‬

‫بقيادة بوعلام بن حمودة و عبد القادر حجار‬ ‫‪23‬‬

‫تكلم في هذ الموضوع كثير من عوام الإسلاميين الذين حملوا السلاح و أصبحوا أمراء و ضباط شرعيين و أعيانا بناء‬

‫على دمويتهم و جرأتهم على الفتوى في الدماء و الأعراض في ظل الفوضى التي سادت العمل المسلح فاعتقدوا أن هذه‬ ‫الألقاب الفارغة تؤهلهم للكلام على تا ريخ العمل المسلح و أصوله‪ .‬في حين أنهم في تلك الفترة من التاريخ لم يكونوا شيئا‬

‫مذكورا‪ .‬فعنتر زوابري آخر أمير للجماعة كان في بداية الأزمة صعلوكا لا شأن له بما يجري رغم أن أخاه علي زوابري كان‬

‫من جماعة محمد علال‪ .‬و قد استغربت من زعم أمير الجماعة الإسلامية المسلحة الأول عبد الحق لعيايدة بأنه حمل السلاح‬ ‫ردا على توقيف المسار الانتخابي و بأمر من قيادة الجبهة و كأن باقي الناس كانوا يعيشون في المريخ و لا يعرفون أن جماعة‬ ‫محمد علال التي كان ينتمي إليها عبد الحق قبل الانتخابات كانت لا تعترف بقيادة الجبهة و لا تأتمر بأمرها و تكفر الشعب‬

‫الجزائري بذر يعة احتكامه للطاغوت‪ .‬و قد أصدر لعيايدة نفسه بيانات حكم فيها على قيادات الجبهة بالقتل و الردة عن الدين‪.‬‬ ‫مثل هؤلاء الطفيليين كمثل السكارى تورطوا في الجريمة دون أن يشعروا بخطورتها فلما ذهب عنهم السكر أرادوا تبرير ما‬ ‫ارتكبوه من فضائع و هم في حالة سكر‪.‬‬ ‫‪27‬‬


‫بألقاب القيادة و الإمارة بعد الفوضى التي ترتبت عن اختراق أجهزة الأمن للجماعات المسلحة المنسوبة‬

‫للتيار الإسلامي‪.‬‬

‫بالن سبة للات صال بي فإ نه كان ع لى أ ساس ما يقت ضيه التنا صح المخ لص وإ براء الذ مة م ما يم كن أن‬

‫تتمخض عنه الأحداث ولم يكن أبدا على حساب التزاماتي تجاه مؤسسة الجيش الوطني الشعبي وقد كان‬

‫الاتصال بالضباط على أساس فردي ودون ترتيب مسبق كما أنني لم أشعر لحظة واحدة بالتحفظ إزاء من‬

‫تعاملت معهم في هذه القضية سواء من العسكر يين أو المدنيين لأنني كنت أعتبرها قضية الجميع و الحق فيها‬

‫وا حد غ ير قا بل للتجز ئة و لا ي خرج عن الم صلحة العل يا للجزا ئر‪ .‬و هذا ما أكد ته أث ناء ا ستنطاقي في مركز‬ ‫التعذيب و في محاضر التحقيق الأولية و النهائية‪.‬‬ ‫و مما يجدر التنبيه إليه في هذا المقام هو أن المعلومات ع ما كان يدور في كواليس السلطة كانت‬

‫ت صل ال سعيد مخ لوفي عن طر يق ب عض أ عوان الم خابرات أنف سهم ب عد ما عر فه الج هاز من ت سيب ع لى إ ثر‬

‫تذبذب مواقفه و تناقض قراراته في بداية الأزمة‪ .‬و من مظاهر ذلك أن مجموعة من الإطارات المدنيين‬ ‫والعسكر يين الذين تم تجنيدهم قديما بتوصية من قاصدي مرباح و ل كحل عياط في جهاز المخابرات كانوا‬ ‫يدينون له ما بالو فاء و يزودون قا صدي مر باح بالمعلو مات عن كل ما ي جري في أقب ية ال سلطة باعت بارهم‬

‫أعضاء في الخلية السر ية الرئيسية للتفكير الاستراتيجي للسلطة الحاكمة رغم أن قاصدي مرباح كان قد انضم‬

‫إ لى جب هة المعار ضة نهائ يا م نذ سنة ‪ .1991‬فالأ ساتذة الخ براء ال يابس و بوخبزة و ج بايلي و بلخن شير و‬ ‫مصطفى الشر يف و غيرهم من الإعلاميين ممن كانوا يسمون بالمنظرين الاستراتيجيين في الحقيقة كانوا عملاء‬ ‫تابعين لج هاز الم خابرات ق بل الأز مة و أ صبح بع ضهم يلع بون دورا مزدو جا ل صالح قا صدي مر باح ب عد‬

‫استقلاله فدفعوا ثمن تذبذب ولائهم غاليا عندما اكتشف أمرهم اللواء لعماري اسماعين ك ما ذهب ضحية‬

‫ذلك العقيد قاصدي مرباح نفسه رحمه الل ّه عندما ت جاوز حدوده‪ ....24‬أنا هنا أ سجل هذه المعلومة المؤكدة‬ ‫لحث القادرين على الوصول إلى الأدلة لتوثيقها إذا كان الأمر يهمهم‪ ،‬لأنني لا أملك الدليل المادي عليها‬

‫ا لآن ر غم أن ها الحقي قة‪ .‬و سترفع ال سر ية عن الو ثائق ال تي تث بت ما أ قول ب عدما يه لك المجر مون أو يزول‬ ‫سلطانهم إن شاء الل ّه ك ما حصل في قضايا سابقة مثل قضية عبان رمضان و العقيد محمد شعباني و العقيد‬

‫سي الحواس و العقيد عميروش و خيضر و كريم بلقاسم و القائمة طو يلة‪ .‬و مما قد يسهل مهمة التثبت في‬ ‫‪24‬‬

‫كان العقيد عبد الل ّه خالف المدعو قاصدي مرباح يمثل أخطر تهديد للسلطة الجديدة لأنه أعلم الناس بملفات القائمين‬

‫عليها و الأقدر على تفجيرها من الداخل بحكم علاقاته المعقدة بضباط المخابرات و عملائها المبثوثين في جميع مؤسسات الدولة‬ ‫الذين لا تعرف بعضهم حتى قيادة المخابرات الجديدة‪ .‬و قد تم اغتياله مباشرة بعد إعلانه عن نيته في كشف أسماء الخلايا‬ ‫الأمنية التي اغتالت قيادات الثورة التار يخيين في حصة تلفز يونية‪.‬‬ ‫‪28‬‬


‫الموضوع هو التحقيق في الهو ية الحقيقية لبعض المدنيين المعنيين الذين مازلوا أحياء مثل الأ ستاذ مصطفى‬ ‫ال شر يف أو التحق يق في الم سيرة المهن ية لل صحفية زه ية بن عروس أو ح مراوي حب يب شوقي أو ب عض‬

‫الأعضاء من المجلس الاستشاري الذي تم تعيينه بعد تفكيك مؤسسات الدولة الجزائر ية الشرعية و أعضاء‬ ‫مجالس الأمة المتعاقبة منذ سنة ‪ 1992‬أمثال عبد القادر بن صالح و ز ياري‪ .‬و بكل تأكيد سنكتشف أن‬ ‫ما كان يجري في الجزائر في هذه المرحلة من التاريخ كان مسلسلا سينمائيا من أفلام هوليود تم تصويره في‬

‫واقع الجزائر و تبادل الأدوار فيه الخالدون في المناصب السامية للدولة رغم أنهم حثالة الشعب الجزائري‪.‬‬

‫قبل أن يتمكن السعيد مخلوفي من إتمام مشاوراته بخصوص الإجراءات اللازمة لتأمين ظهر الجبهة‬

‫من الغدر‪ ،‬كانت قيادة الجبهة قد اتخذت قرارا بالإضراب العام مما أدخل السعيد مخلوفي و الموافقين لرأيه‬ ‫في سباق مع ا لزمن من أ جل اتخاذ إ جراءات استعجالية ل تدارك الأمر‪ .‬و ال سعيد مخ لوفي هو من أ صدر‬

‫كت يب الع صيان ال مدني و لا شك أ نه كان يع لم أن أ حد خ يارات الجب هة المطرو حة هو الإ ضراب ال عام‬

‫المؤدي إ لى العصيان المدني و ل كن المؤكد عندي هو أنه لم يكن راضيا على تحديد التاريخ و حاول تأجيله‬

‫بإل حاح ح تى يتمكن من ترت يب الاحتياطات اللاز مة‪ .‬و ل ك نه ف شل في ذ لك أ مام إصرار ال شيخ عبا سي‬ ‫مدني حسب كلامه‪ ،‬مما جعله يضرب خبط عشواء و يفقد السيطرة على مجر يات الأمور و يتخذ موقفا‬

‫عدوانيا من الشيخ عباسي مدني لاعتقاده أنه هو من فرض الأمر الواقع على الجميع‪.‬‬

‫كان الانتقال إ لى تنفيذ تلك الإجراءات متوق فا على قرار قيادة الجبهة التي كا نت تدير المواج هة‬

‫السياسية مع النظام‪ .‬وكان الهدف الأساسي من هذه الإجراءات هو إفشال عملية الإ بادة الجماعية المبرم جة‬ ‫التي تستهدف مناضلي الجبهة والمتعاطفين معها وتمكين قيادة الجبهة من الاحتفاظ بالمبادرة في تفاوضها مع‬

‫الرئاسة والتعامل مع الأحداث كما سبقت الإشارة إليه‪.‬‬

‫أما مضمون هذه الإجراءات فيتلخص أساسا في نقطتين‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫تأمين حماية قيادة الجبهة من الاختطاف أو الإغتيال وضبط النظام أثناء عملية الإضراب في‬

‫العاصمة وضواحيها‪ .‬و يقوم بهذه المهمة عبد القادر شبوطي ومساعديه المدنيين غير المسلحين بأي نوع من‬

‫السلاح و المدربين على المصارعة و القتال المتلاحم‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫‪25‬‬

‫و قد تم تحديد كلمة سر للتعارف بين العناصر المكلفة بهذه المهمة (جعفر بركاني) تفاديا لاختراق الإضراب من طرف‬

‫جواسيس أو مخربين و تمكنوا فعلا من اكتشاف عناصر مسلحين تابعين للمخابرات تم القاء القبض عليهم داخل تجمعات‬

‫الجبهة أثناء الإضراب ثم أطلق سراحهم بأمر من قيادة الجبهة‪.‬‬

‫‪29‬‬


‫‪2‬‬

‫عدم إطلاق النار على المتظاهرين العزل في حالة صدور الأمر بذلك من طرف القيادة‬

‫العسكر ية العليا إلا في حالة الدفاع عن النفس أو حماية المؤسسات من عمليات التخريب وبعد إعلان حالة‬

‫الطوارئ من طرف الرئيس الشاذلي بن جديد شخصيا‪ .‬والمعني بهذا الإجراء هم الضباط و ضباط الصف‬

‫الرافضون لخوض حرب ضد المدنيين‪ ،‬و الموزعون داخل الوحدات القتالية المرابطة في العاصمة والتي تعتمد‬ ‫أساسا على القوات الخاصة أو الوحدات الفرعية التي يقودها ضباط رافضون للقمع في الوحدات القتالية‬

‫المنتشرة عبر التراب الوطني‪.‬‬

‫لقد كانت هذه الإجراءات استعجالية بكل المقاييس وتعتمد على الاستعمال السلبي للقوة‪ ،‬اقتضتها‬ ‫خطورة الموقف على الأرض والوتيرة المتسارعة للأحداث‪ ،‬و لم ت َرْقَ إلى مستوى خطة لا في الشكل ولا‬ ‫في المضمون‪ .‬ومع ذلك فإنها كانت كفيلة بتحقيق الحد الأدنى من الهدف المرجو لو قدر لها أن وضعت‬

‫ح يز التنف يذ‪ .‬ل كن لأ سباب مجهو لة إ لى حد ا لآن قا مت مجمو عة من أع ضاء المج لس ال شوري للجب هة‬

‫‪26‬‬

‫بالانقلاب على قيادتها وانضمت إلى الدائرة السوداء في السلطة وأعلنت على الملإ أن عباسي مدني ير يد‬

‫الزج بالجزائر في مجزرة بالتعاون مع عناصر عسكر ية يجهلون هويتها‪ ،‬مما جعل القيادة العسكر ية العليا تتخذ‬ ‫إجراءات طارئة مضادة لتدارك الموقف أهمها‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫الدخول في مفاوضات مع قيادة الجبهة لإيهامها بإمكانية التوصل إلى حل وسط يستجيب‬

‫لمطالبها‪ .‬و قد حصلت هذه المفاوضات فعلا في إقامة جنان الميثاق خلال جلسات مختلفة بين قيادة الجبهة‬ ‫الإ سلامية ممث لة في ال شيخين عبا سي مدني و ع لي بن حاج و ال سلطة ممث لة في ر ئيس الحكو مة نيا بة عن‬

‫رئيس الجمهور ية و العقيد اسماعين العماري نيابة عن قيادة الجيش‪ .‬و قد تم الإتفاق على وقف الإضراب‬ ‫من جهة الجبهة و تأجيل الانتخابات من جهة السلطة على أن يسمح لمناضلي الجبهة بالاعتصام في ساحة‬

‫الشهداء و الأبيار و ساحة أول ماي إلى أن يتم تحقيق بنود الاتفاق تدر يجيا‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫إجراء تحو يلات استثنائية داخل صفوف الجيش تشمل مختلف الأسلحة البر ية وفي جميع‬

‫المناطق‪ .‬و فعلا تم تنفيذ خطة التحو يلات بشكل عشوائي في وقت سابق على موعدها الاعتيادي خلال‬ ‫شهر جوان بدلا من سبتمبر‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫تعديل الخطة العسكر ية من عملية مواجهة شاملة تقوم بها القوات المسلحة على المستوى الوطني‬

‫تستهدف مناضلي الجبهة والمتعاطفين معها إلى عملية م حدودة بديلة تقوم بها وحدات التدخل السر يع للدرك‬

‫والشرطة والمخابرات دون مشاركة الجيش وتقتصر على قمع مناضلي الجبهة المعتصمين في الساحات العمومية‪.‬‬ ‫‪ 26‬منهم الهاشمي سحنوني و أحمد المراني و بشير الفقيه و محمد الإمام‬ ‫‪30‬‬


‫و هو ما حصل في ‪ 4‬جوان ‪ 1991‬حيث نفذت قوات الشرطة و الدرك مجزرة رهيبة على إثر غارة ليلية‬

‫استهدفت ساحات الاعتصام دون سابق إنذار و بأوامر من جهة مجهولة لم يفصح عنها إلى هذا التاريخ‪ .‬و‬ ‫في ن فس ال سياق من الت ضليل أ صدرت الق يادة العل يا تعلي مات مكتو بة وموق عة من طرف قا ئد أركان‬

‫الجيش اللواء قنايز ية وقائد القوات البر ية محمد لعماري قبل المجزرة يؤكدان فيها حياد الجيش ويشددان‬

‫على عدم إطلاق النار على المتظاهرين وقد نزلا شخصيا إلى ثكنات الوحدات الخاصة لشرح هذه التعليمات‬ ‫وأكدا على أن أمر إطلاق النار من طرف العسكر يجب أن يكون مكتوبا وممضيا عليه من طرفهما معا‪ .‬مما‬ ‫بعث ارتياحا عاما في أوساط الجيش وأعطى الانطباع بأن قيادة الأركان لن تسمح بتور يط الجيش في‬

‫السجال السياسي و اعتبرت الم جزرة المرتكبة في حق الشعب الأعزل عملية أمنية روتينية قامت بها مصالح‬

‫الشرطة لضبط الأمن‪.‬‬

‫و لا يفوتني في نهاية هذا المشهد أن أ سجل بأن جماعة الهجرة و التكفير بقيادة محي الدين ور يث‬

‫و بم شاركة ح سن ح طاب حاو لت التغر ير ببعض ضباط ال صف من القوات الخا صة ع لى م ستوى ق يادة‬ ‫القوات البر ية بعين النعجة لتور يطهم في عمل عسكري يبرر به النظام الغدر الذي تعرض له المعتصمون في‬

‫ال ساحات و يل صق ن قض الع هد بق يادة الجب هة و منا ضليها و ل كن الرق يب ا لأول مو لاي ع لي زار ني ع لى‬

‫الساعة الواحدة لي لا في بي تي و أخبرني بذلك ف شكرته على الاست شارة و حذرته من مغبة الو قوع في هذه‬

‫المؤامرة و قلت له من كان مستعجلا ع لى ا لذهاب إلى الج نة سنرسله إلي ها برصا صة في الرأس‪ .‬و ك نت‬ ‫أوجه بذلك رسالة للدوائر الأمنية التي كانت تتلاعب بأمن الجزائر من خلال الخونة في السلطة و الأغبياء‬

‫في صفوف الإسلاميين‪.‬‬

‫ل قد كا نت الطع نة الم سمومة ال تي وجه ها الفق يه و المرا ني و من معه ما إ لى ق يادة الجب هة في الظ هر‬

‫كاف ية لق لب المو قف رأ سا ع لى ع قب‪ ،‬ح يث ا ستعاد الاستئ صاليون في ال سلطة ز مام الم بادرة في توج يه‬

‫الأ حداث ودب الا ضطراب في صفوف أن صار الجب هة فأعل نت قيادت ها عن و قف الإ ضراب ب ناء ع لى‬ ‫الات فاق المتو صل إل يه مع الحكو مة ورئا سة الجمهور ية‪ .‬ف كان هذا الإع لان إ يذانا كاف يا بالن سبة ل نا ب عدم‬

‫الحاجة إلى التدخل في مسار الأحداث من طرف العسكر يين؛ و هو ما حصل بالفعل‪ .‬ولذلك بقيت قضية‬

‫تواصلنا مع السعيد مخلوفي في طي ال كتمان و لم يترتب عليها أي إخلال على صعيد التزاماتنا عمليا كضباط‬ ‫و لم تع لم بتفا صيلها م صالح الا ستخبارات و لا غير ها إ لا ب عد اعتقال نا في شهر مارس ‪ 1992‬في إ طار‬

‫التحقيق معنا‪ .‬ول كن مع ذلك فإن شعور القيادة بوجود معارضين لمشروعها الاستئصالي داخل المؤسسة‬

‫الع سكر ية كان هو ال سبب المبا شر في تعط يل آ لة ال موت ال تي كا نت عاز مة ع لى إدارت ها لح سم المواج هة مع‬

‫المعارضة الإسلامية السلمية إلى ذلك الوقت‪.‬‬

‫‪31‬‬


‫ولل تاريخ أ قول إ نه لا ال شيخ عبا سي مدني و لا ال شيخ ع لي بن حاج راه نا ع لى الع سكر يين في‬

‫الاستيلاء على السلطة كما يزعم كثير من المتطفلين على الأحداث‪ ،‬بل يمكنني أن أؤكد بأن الرقيب محمد‬ ‫قنوني حاول أن يظهر للشيخ عباسي تعاطفه مع الجبهة قائلا‪ :‬إن أنصار الجبهة في الجيش مستعدون للدفاع‬ ‫عنكم يا شيخ! فأجابه الشيخ عباسي‪ :‬نحن لسنا في حاجة إلى من يدافع عنا‪ ،‬فالجبهة قادرة على أن تأكل‬

‫الجيش بدباباته إذا أرادت‪ .‬ك ما أؤكد أنه لا أ حد من الضباط العاملين المتهمين بالإنتماء للتيارالإسلامي في‬ ‫هذه القضية التقى مع الشيخ علي بلحاج أو بادله الحديث في هذا الموضوع في هذه الفترة‪ .‬و مع ذلك فأ نا‬

‫لا أتصور أن قيادات الجبهة الذين أخذوا المبادرة تجاهلوا استشارة القيادة في الموافقة على مبدأ التحسب‬ ‫للدفاع على النفس عند الضرورة‪ .‬فالإخوة الذين كانت لهم علاقة بمشروع حماية الجبهة من غدر النظام و‬ ‫الذي تحول لاحقا إلى الحركة الإسلامية المسلحة هم إطارات مسؤولون على أعلى مستوى في قيادة الجبهة‬ ‫و هم أ هل للثقة الكام لة من طرف ال شيخين عباسي مدني و ع لي بن حاج‪ .‬و أتم نى أن يأتي ال يوم ا لذي‬

‫يفيدنا الشيخان بشهادتهما على هذه النقطة بالذات؛ أعني طبيعة علاقتهما بما كان يجري في إطار الحركة‬ ‫الإسلامية المسلحة قبل الإعلان عن تأسيسها رسميا‪ .‬كما أؤكد للتاريخ أن الشخص المذكور باسم (علي) في‬

‫محاضر الاستنطاق التي افتكها ضباط الأمن من بعض المتهمين في مركز الاستنطاق تحت التعذيب الرهيب‬

‫ليس علي بلحاج و إنما هو شخص آخر اسمه علي فعلا حضر اللقاء الذي جمع السعيد مخلوفي ببعض الضباط‬ ‫في مدينة شرشال و أنا أعرفه شخصيا و ل كنني أترك له حر ية الإفصاح عن اسمه ما دام ذلك لا يؤثر على‬

‫حقيقة ما حدث‪.‬‬

‫‪32‬‬


‫تداعيات الإضراب العام الذي أعلنته الجبهة‬ ‫إستعاد الجناح المتطرف في النظام زمام المبادرة في توجيه الأحداث و أقصد بذلك حزب فرنسا‬

‫بقيادة وزير الدفاع خالد نزار و من تواطأ معه من الانتهاز يين المحسوبين على التيار الوطني ثم استفرد بالجبهة‬

‫الإسلامية ووضعها في المزاد العلني بعد أن اعتقل قيادتها التار يخية وكوادرها المحليين وعزز حظوظ عملائه‬ ‫لاحتوائ ها من دا خل صفوفها‪ .‬ل قد كان من بين المعتق لين في الحم لة ا لأولى ع مي المجا هد مح مد الأخ ضر‬ ‫شو شان ر ئيس مك تب الجب هة الإ سلامية ع لى م ستوى المني عة رح مه الل ّه‪ ،‬ح يث تم ح شدهم في ال سجن‬ ‫العسكري الجديد بسعيد عتبة خارج مدي نة ورقلة‪ .‬و أثناء مرافقة والدي الحاج إ براهيم رحمه الل ّه من أجل‬

‫ز يارة أخيه كان لا بد لي من تأنيب قائد كتيبة الشرطة العسكر ية‪ 27‬بقسوة ليسمح لي مع الوالد بالجلوس‬

‫ا لى ع مي بدون حاجز‪ .‬ف قد ق لت له‪ ،‬أ لا يكف يك خز يا أ نك ت خادع نف سك و أ نت ت سجن الر جال ا لذين‬ ‫حرروا الجزائر من الاستعمار و تر يد أن تتنكر لي أنا أيضا؟ أتراك أكثر مني حرصا على الانضباط و احترام‬

‫القانون؟ لقد كان قائد ال كتيبة زميلا سابقا في القوات الخاصة يعرفني جيدا و هو اليوم عميد و نائب لقائد‬

‫الناحية العسكر ية الرابعة و كان الرابضون وراء القضبان هم أبطال منطقة الجنوب إبان ثورة التحرير و على‬ ‫رأ سهم المجا هد النق يب ع مر ا لأزعر الم سؤول الع سكري ع لى منط قة واد سوف و ضواحيها و المجا هد مح مد‬ ‫الاخ ضر شو شان الم سؤول الع سكري ع لى منط قة المني عة ب عد الا ستقلال مبا شرة‪ .‬في حين لم ي كن قا ئد‬

‫الناح ية الع سكر ية الراب عة الم شرف ع لى سجنهم و ب هدلتهم سوى العم يد ع بد الحم يد جوادي ضابط ال جيش‬ ‫الفرنسي السابق‪ .‬و قد كانت بين العميد جوادي و عمي محمد الاخضر ملاسنة توعده على إثرها بأن يفعل‬

‫ف يه أك ثر م ما فع لت فرن سا و لم ي كن هذا المو قف غري با من عم يل سابق لل جيش الفرن سي‪ ،‬و ل كن ا لذي‬ ‫أذهلني هو الروح الارتزاقية التي تعامل بها قضاة التحقيق الأحداث أبناء الاستقلال و أ نا أتكلم هنا عن‬

‫الم لازم ا لأول مح مدي و النق يب زم هري ا لذين ساوما ع مي مح مد الأخ ضر شو شان ع لى التوق يع ع لى مح ضر‬

‫ا ستجواب مز يف ر غم أن قرار إط لاق سراح المعتقلين أعل نت ع نه الق يادة العل يا للب لاد ممث لة في رئيس‬ ‫الجمهور ية الشاذلي بن جديد و قد أطلق سراح الجميع دون قيد و لا شرط‪ .‬و قد دفعني ذلك إلى التدخل‬ ‫متسائلا‪ :‬ك يف تطلبان م نه أن يو قع على مح ضر أ نتم حررتموه دون إذنه؟ فقال لي محمدي‪ :‬لسنا نحن من‬ ‫حرره‪ ،‬إنها الأوامر‪ .‬فقلت للنقيب زمهري و كان هو رئيس لجنة التحقيق‪ :‬ما رأيك لو كان خالك العقيد‬

‫عطايلية مكانه أكنت تتعامل معه بهذه الطر يقة القذرة؟ قال لي‪ :‬و هل تر يدني أن أبقى في السجن مكان‬

‫ع مك يا سي أح مد؟ ق لت له‪ :‬إ لى ه نا انت هت وطني تك و رجول تك ت ساوم مجا هدا ع لى التوق يع ع لى مح ضر‬ ‫‪27‬‬

‫كان النقيب علايمية حسان نائبا لقائد فيلق الشرطة العسكر ية و قد أصبح قائد أركان للناحية العسكر ية الرابعة لورقلة‬

‫سنة ‪.2009‬‬ ‫‪33‬‬


‫مزيف؟ أنسيت أنك قاض؟ أنا لو كنت مكانك لفضلت الاستقالة على هذا الشغل الرخيص‪ .‬عند ذلك‬

‫التفت إلى محمدي و قال له‪ :‬و نحن ما هي فائدتنا من هذه السوق؟ ل ماذا نربح العيب مع الرجال؟ دعنا‬ ‫نطلق سراحه و إذا أرادوا أن يعتقلوه يعوموا بحرهم‪ .‬ثم قال لي‪ :‬يمكنك أن تصحبه خارج الثكنة ل كن إذا‬ ‫سقط في أ يديهم فليتح مل م سؤليته‪ .‬ه كذا كا نت ال قرارات تت خذ ب شأن م صير الر جال‪ .‬ق يادة خائ نة و‬

‫مرؤوسين مستأجرين‪ ،‬الكل يتصرف حسب مزاجه و ما تسمح له به سلطاته و منصبه‪ .‬لا أحد يتصرف‬ ‫بما يمليه عليه الضمير المهني و لا الضمير الوطني أو يفكر في كرامة الإنسان و لا في قدر الرجال و لا في‬

‫أصول اللياقة و التربية حتى عند العسكر يين الشرفاء‪ .‬و هذا المشهد هو أكبر دليل على أن الذي تكفل بحملة‬ ‫الاعتقالات هو الجيش و ليست الشرطة كما يدعي وز ير الدفاع ال كذاب اللواء نزار خالد لتبرئة ساحته من‬ ‫المسؤولية على ما ترتب عن ذلك من خروقات حقوق الإنسان الصارخة‪ ....‬و قد ارتأيت أن أسوق هذه‬ ‫الحادثة حتى يفهم الناس أن موقفي من القيادة العسكر ية و النظام لم يكن وليد الأحداث التي عصفت‬ ‫بالجزائر ابتداء من سنة ‪ 1991‬و إنما هو موقف مؤسس على قراءة مسؤولة و واعية للواقع المعاش خلال‬

‫سنوات طو يلة‪.‬‬

‫في الفترة التي كان فيها إطارات الجبهة في السجون العسكر ية بين جوان و أغسطس ‪ 1991‬كثفت‬

‫جماعة الفقيه ومراني جهودها بدعم مباشر من رئيس الحكومة الجديد سيد أحمد غزالي لتشكيل بديل عن‬

‫القيادة المعتقلة‪ .‬ول كن التفاف قواعد الجبهة حول الخلف الشرعي لقيادتها الحقيقية ممثلا في عبد القادر‬ ‫حشاني وإصرارهم على حقهم في التداول على السلطة بطر يقة سلمية أثناء مؤتمر الوفاء المنعقد في باتنة في‬ ‫سبتمبر‪ 1991‬أثبتا للنظام أن سينار يو العملاء قد تجاوزه الزمن وأن الجبهة قادرة على كسب أي رهان‬

‫انتخابي أو سياسي مفترض‪.‬‬

‫والحقيقة أن القيادة العسكر ية كلها كانت تدرك أن قيادة الجبهة الجديدة قادرة على تحقيق الفوز‬

‫بأغلبية أصوات الشعب الجزائري في أي استفتاء؛ و لا تشمل القيادة رئيس الحكومة سيد احمد غزالي و‬ ‫من كان في حكمه من المرتزقة لأنه لم يكن سوى حركي عند النظام ك ما اعترف بذلك هو نفسه في تصريح‬ ‫صحفي ب عد أن تم الا ستغناء عن خدماته من طرف ال سلطة الفعل ية وا لذين اد عوا غير هذا كاذبون‪ ،‬و لا‬

‫أقول واهمين‪ ،‬لأن المسؤول على مراصد الرأي ومتابعة هذا الملف على أعلى مستوى في هرم السلطة هو‬

‫رئيس دائرة الإعلام الآلي لدى وزارة الدفاع الوطني وقد قدم تقر يره النهائي بفوز الجبهة بنسبة ‪ % 63‬من‬

‫الأ صوات في أي ا ستحقاق وط ني ع لى أ قل ت قدير‪ .28‬و لا ع برة ب ما ي سوقه الم سؤولون عن الأز مة في‬ ‫‪28‬‬

‫و قد أكد وزير الدفاع السابق اللواء نزار خالد للصحافة سنة ‪ 2003‬يقين القيادة العسكر ية بفوز الجبهة في تصر يحات‬

‫منشورة بالصوت و الصورة‪.‬‬ ‫‪34‬‬


‫مذكراتهم و ت قاريرهم و ما ين شرونه من إح صائيات مزي فة لت عويم الف ضاء الإع لامي بالمعلو مات الخاط ئة‬

‫لطمس الحقي قة ال تي تدينهم و تك شف تورطهم في الجري مة ال شنعاء في حق الجزا ئر دو لة و شعبا و ب سبق‬

‫الإصرار و الترصد‪.‬‬

‫ولذلك فقد كان الضامن الوحيد الذي يسمح للنظام بمواصلة المسيرة الديمقراطية الشكلية منحصرا‬

‫في عدم مشاركة الجبهة في الإنتخابات‪ .‬أما في حالة مشاركتها فإن الخيار الوحيد أمام نزار خالد و المتآمرين‬

‫معه هو توقيف المسار الديمقراطي أيا كانت العواقب المترتبة عليه‪ .‬ولذلك فقد وضع نزار و عصابته خطة‬ ‫للبدائل واختاروا الشركاء المناسبين لكل بديل‪ ،‬لأن الشر يك في أحد البدائل قد يكون ضحية في بديل آخر‬ ‫في منطق منظومة السلطة في الجزائر‪.‬‬ ‫ولا بد أن أقف عند تركيبة السلطة الحاكمة في هذه المرحلة بالذات من تاريخ الجزائر لأنها مفتاح‬

‫العقد التي ميزت الأحداث‪.‬‬

‫‪35‬‬


‫منظومة السلطة‬ ‫منظو مة ال سلطة في الجزا ئر ع سكر ية كل ها‬

‫‪29‬‬

‫وتحت قر كل ما هو مدني و لا تو جد علا قة بين هذه‬

‫المنظومة والمدنيين إلا في إطار الاستئجار أو الإمتهان بل إن هذه المنظومة تمتهن وتحتقر عناصرها أنفسهم‬

‫إذا ا ندمجوا في المجت مع ال مدني ومار سوا ح قوقهم المدن ية والسيا سية خارج المنظو مة‪ .‬و تعا مل ال سلطة مع‬

‫الشاذلي بن جديد و لمين زروال و قاصدي مرباح عندما حاولوا التحرك خارج مجال التغطية أوضح مثال‬ ‫على ذلك‪ .‬ومن ثم فإن الصفقات التي تبرمها مع هذا الطرف السياسي أو ذاك إنما تقوم على لعب أدوار‬

‫مقابل أجر معلوم‪ .‬فكل الأطراف المتحالفة مع السلطة أو المتمسحة على عتباتها أفرادا وأحزابا و منظمات‬ ‫تعرف جيدا ما هو مطلوب منها كما تعرف بالضبط ما تتقاضاه مقابل ذلك لا فرق بين هذا الطرف أو‬

‫ذاك لأن ال ضابط في العلا قة هو الخد مة والخد مة و حدها‪ .‬و قد ا ستفاق ب عض الم ستأجرين ب عد فوات‬

‫ا لأوان و أعل نوا ب صراحة أن هم لم يكو نوا سوى حركى أو م ستخدمين لدى ال سلطة الفعل ية ر غم الم سؤولية‬ ‫الثقيلة التي ألقيت على عاتقهم أثناء مزاولتهم لمهامهم القذرة في مؤسسات الدولة‪ .‬و أكبر دليل على ذلك‬ ‫رئيسي الحكومة سيد احمد غزالي و بلعيد عبد السلام الذين صرحا بذلك على صفحات وسائل الإعلام‪.‬‬ ‫أما تركيبة هذه المنظومة المسؤولة على مأساة الجزائر ابتداء من يناير ‪ 1992‬فتتكون من‪:‬‬ ‫‪-1‬‬

‫هيئة القيادة‬

‫وهي الخلية الحية التي تحرك المنظومة كلها وتمدها بإرادة الفعل وتتكون من ضباط الجيش الفرنسي‬

‫من أ صل جزا ئري وا لذين تر بوا في أح ضان المدر سة الفرن سية الا ستعمار ية الع سكر ية و لم يتل قوا أي ترب ية‬

‫وطنية لا إ بان الثورة ولا بعد الاستقلال لأنهم انتقلوا من مواقعهم المهنية كضباط أو ضباط صف في‬

‫الجيش الفرنسي إلى مواقع وظيفية أعلى في الجيش الجزائري وكونوا بمرور الوقت تكتلا حركيا قو يا غير معلن‬ ‫في صفوف الجيش الجزائري الذي لم يتوقف التنازع على السلطة بين ضباط جيش التحر ير فيه إلا بعد أن‬

‫أف نى بع ضهم بع ضا‪ .‬و قد حافظ هذا التك تل ع لى شخ صيته المتفرن سة دا خل جيش التحر ير ثم في صفوف‬

‫ال جيش ا لوطني ال شعبي وركز توا جده في الأما نة العا مة لوزارة ا لدفاع وم نع و صول أي تغي ير وط ني ع لى‬ ‫مستواها حيث لم تستطع حملات التعر يب المتكررة على مدى ثلاث عقود اقتحام هذه القلعة الفرنكفونية‬ ‫العتي قة و لا ح تى ن ظام الخد مة الع سكر ية ا لذي صدر في ع هد الجزا ئر الم ستقلة لأن أغ لب أنظ مة الخد مة‬ ‫‪29‬‬

‫لا يوجد أي نفوذ حقيقي لأي شخص خارج إطار مؤسسة الجيش و المخابرات و كل ما يشاع من نفوذ لأرباب المال‬

‫و الأعمال و السياسة كلام فارغ‪ .‬بل إن قيادة الدرك و الشرطة لا تملك نفوذا مستقلا خارج سلطة المخابرات التي بإمكانها‬ ‫أن تحول أغنى مواطن جزائري إلى أفقر مخلوق في الأرض دون أن تفكر في عواقب ذلك‪.‬‬ ‫‪36‬‬


‫المعمول بها في مقر القيادة المركزي للجيش تخضع واقعيا لذوق الجندي الفرنسي وسمته‪ ،‬إلى درجة تشعر‬

‫الضباط الجزائر يين الحقيقيين بالغربة عندما يدخلون قلعة الأمانة العامة بالعاصمة‪.30‬‬

‫ورغم أن هذا التكتل الذي يتكون أساسا من دفعة لاكوست تسرب مبكرا‪ 31‬إلى رحم جيش‬

‫التحر ير بتدبير من الرئيس الفرنسي ديغول وظهرت ملام حه قبيل الاستقلال من خلال الاجتماعات التي‬ ‫كان يجريها عناصره في القاعدة الشرقية ك ما كشف ذلك الدكتور المجاهد الرائد عبد الحميد ابراهيمي‬

‫‪32‬‬

‫في‬

‫كتابه (في أصل الأزمة الجزائر ية) إلا أن ضباط جيش التحرير الوطني رغم تناحرهم كانوا أقوى من هذه‬

‫الشرذمة‪ ،‬بل كانوا يستهدفون عناصرها بالتحقير‪ .‬ولذلك فإن الضباط الفارين من الجيش الفرنسي الأوائل‬ ‫رغم أهميتهم في التكتل لم يظهروا النوايا العدوانية لقيم الجزائر المستقلة بل حرصوا على إظهار الولاء للعقيد‬ ‫هواري بو مدين و شكلوا رأس الحر بة في الاقت تال ا لذي دار بي نه و بين باقي ق يادات ال ثورة ب عد و قف‬

‫إط لاق ال نار لي ستولوا ع لى ال سلطة في النها ية ب عد إ سقاط ال شاذلي بن جد يد و يلح قوه بقائ مة ا لوطنيين‬ ‫الم شطوبين الطو ي لة‪ .‬وإذا كان من المجاز فة تحد يد الق يادة ال تي أ شرفت ع لى رعا ية التك تل في ال ستينات‬

‫والسبعينات لالتصاق أفرادها بالقيادة الوطنية العليا لجيش التحر ير (مثل علاقة الرائد شابو‪ 33‬و النقيب‬

‫عبد الغني زرقيني‬

‫‪34‬‬

‫بالعقيد هواري بومدين) إلا أن الذي لاشك فيه هو أن قيادة هذا التكتل انتهت إلى‬

‫اللواء نزار خالد سنة ‪ 1992‬بعد التنازل الطوعي لمنافسه الوحيد العميد مصطفى شلوفي‪ .35‬وتتكون النواة‬

‫الصلبة للتكتل من الضباط الحاقدين على هو ية الجزائر المستقلة و على رأسهم اللواء العربي بلخير الذي انتهت‬ ‫‪30‬‬

‫ذهبت إلى الأمانة العامة لوزارة الدفاع عدة مرات في مهمة و كنت أشعر بالإشمئزاز من السلوك الارستقراطي و‬

‫البيروقراطي السائد فيها ‪.‬‬ ‫‪31‬‬

‫ابتداء من سنة ‪ 1957‬حيث التحق بالثورة احمد بن شر يف و زرقيني و سليمان هوفمان و شابو‪ .‬و قد جاء التحاقهم بعد‬

‫الحفاوة التي تلقاها المجاهد عبد الرحمان بن سالم الذي تمرد على الجيش الفرنسي قبل ذلك من طرف قيادة الثورة و بدافع‬ ‫وطني مخلص‪ .‬فكانت تلك الحفاوة في نظري محفزا للدفعة الثانية و ملهما لمخابرات الجيش الفرنسي باختراق جيش التحرير‪.‬‬ ‫‪32‬‬

‫مجاهد من الرعيل الأول و ضابط في جيش التحرير و أول وزير أول في الجزائر و نجل الشيخ مبارك الميلي و دكتور في‬

‫الاقتصاد ألف كتابا عن جذور الأزمة الجزائر ية بصفته شاهدا من داخل السلطة على أعلى مستوى و كشف عن‬

‫الاختلاس الذي تعرضت له خزينة الدولة الجزائر ية فكلفه ذلك النفي من الجزائر‪.‬‬ ‫‪33‬‬

‫‪34‬‬

‫نصبه الهواري بومدين أمينا عاما لوزارة الدفاع‬ ‫هو الذي بعثه الرئيس هواري بومدين ليخلف العقيد شعباني مما أثار استياءه و دفعه إلى التمسك بموقفه الرافض لتسليم‬

‫قيادة الولاية لضابط من الجيش الفرنسي‬ ‫‪35‬‬

‫بعد التخلص من اللواء عبد الل ّه بلهوشات آخر العناصر الوطنية في القيادة العسكر ية حصل تنافس شرس على القيادة‬

‫بين مصطفى شلوفي الذي كان أمينا عاما لوزارة الدفاع و نزار خالد الذي كان قائدا للأركان شعر به حتى الضباط‬ ‫المرؤوسين من خلال التعليمات المتضاربة و المشاكسة في بعض الأحيان‪.‬‬ ‫‪37‬‬


‫اليه وزارة الداخلية و العميد عباس غزيل المدير العام للدرك الوطني والعميد محمد جنيوحات قائد الناحية‬

‫الع سكر ية ا لأولى والعم يد جوادي ع بد الحم يد قا ئد الناح ية الع سكر ية الراب عة والعم يد مح مد تواتي الخب ير في‬ ‫تحر ير المحا ضر الق ضائية الخا صة بت صفية ق يادات ال ثورة و غ يرهم من ال عاملين في ال ظل كالعق يد سليم‬ ‫سعدي‪ 36‬و بوتالة‪ .37‬و هذه القيادة لا تحتاج لتوصيات من الحكومة الفرنسية في المسائل الجوهر ية لأن‬

‫عنا صرها أك ثر تفرن سا من الفرن سيين أنف سهم‪ ،‬ز يادة ع لى أن هم لم يتب نوا في يوم من الأ يام م بادئ جب هة‬ ‫التحر ير ا لوطني ال تي كا نت تم ثل ال ضمير السيا سي ل ثورة التحر ير‪ .‬و قد سمعت ب عض الا ستجوابات ال تي‬

‫أجرا ها صحفيون فرن سيون مع بع ضهم في ال سنوات ا لأولى للا ستقلال قالوا في ها‪ :‬ن حن لي ست ل نا علا قة‬ ‫بالسياسة ن حن عسكر يون و لا علاقة لنا بجبهة التحر ير‪ .‬رغم أن العقيد هواري بومدين صرح في أكثر من‬ ‫مناسبة بأن الجيش الوطني الشعبي هو قوة مناضلة مسلحة و عناصره يمثلون الأغلبية في اللجنة المركز ية للحزب‬

‫باستثناء ضباط فرنسا الممنوعون من العضو ية في اللجنة المركز ية‪ .‬و مع ذلك فإن هذه الجراثيم المدسوسة في‬

‫قلب الدولة الجزائر ية قبل تخ ضل ّق ِها لا تستغني عن مباركة الجمهور ية الفرنسية لقرارت ها الخطيرة‪ .‬ولذلك فإن‬ ‫من الخ طإ ال قول بأن الحكو مة الفرن سية هي ال تي أ مرت ال لواء نزار خا لد بالوقوف في و جه الم شروع‬

‫الإ سلامي وا لوطني لأ نه هو نف سه أ حرص من فرن سا ع لى ذ لك خا صة و قد أ برز هذا الم شروع ك فاءات‬ ‫وطنية من الشباب الذين لم يتورطوا في الاختلاس والفساد الذي وقع فيه أغلب كوادر جيش التحر ير‬ ‫وجب هة التحر ير ب عد تق لبهم في المنا صب الر سمية الإدار ية والع سكر ية؛ م ما يج عل و صول هؤ لاء النخ بة إ لى‬

‫الحكم فرصة تار يخية لتقييم كل الإنجازات الوطنية منذ قرار وقف إطلاق النار سنة ‪ 1961‬وتطهير مشروع‬

‫الاستقلال من بذور الفتنة التي زرعها فيه (دي جول) من خلال شروط معاهدة إيفيان الخفية والمعلنة‪ .‬و‬ ‫قد اعترف نزار خالد بأنه عرض على الرئيس الشاذلي بن جديد مشروعه لقطع الطر يق أمام الإسلاميين‬

‫ق بل الانتخا بات ب سنة كام لة كما اع ترف بأنه أبلغ الرئيس الفرنسي ب قراره الآثم ق بل أن ي شرع في تنف يذه و‬ ‫ل كنه لم يجرؤ على الاعتراف بأنه وضع خطة دفع الجزائر إلى الهاو ية بالتعاون الميداني المباشر مع المخابرات‬

‫الفرن سية و ا ستقبلهم في مكت به بمباركة ا لرئيس مي تران نف سه و ل كن دون ع لم ا لرئيس الجزا ئري‪ .‬و قد‬

‫تأكد لدي هذا الانطباع عن هذه الفئة المشبوهة عندما سمعت بأم أذني اللواء نزار خالد يصرح أمام محكمة‬

‫الجنح بباريس بداية شهر جو يلية ‪ 2002‬و بحضور جمع غفير من الناس‪ ،‬بأنه اتخذ القرار بمنع الإ سلاميين‬ ‫من الوصول إلى الحكم و دفع الجزائر إلى هاو ية الحرب الأهلية من أجل تجنيب فرنسا و من ورائها أورو با‬

‫كلها الغزو المفترض من طرف الأ صولية الإسلامية‪ ،‬و قال بالفرنسية ما معناه‪( :‬لقد وصل هتلر إلى الحكم‬ ‫بالانتخابات و الديمقراطية و كان تساهل كم معه سببا في احتلال فرنسا و اندلاع الحرب العالمية الثانية‪ .‬من‬ ‫‪36‬‬ ‫‪37‬‬

‫اصبح وزيرا للداخلية بعد سنة ‪ 1992‬و هو من حاملي شعار الاستئصال " يجب أن يغير الرعب موقعه"‬ ‫أصبح رئيس حركة الضباط الفارين من الجيش الفرنسي التي اختفت كما ظهرت بدون سابق لإنذار‪.‬‬ ‫‪38‬‬


‫المفروض أن يكون هذا درسا ل كم‪ .‬و لو تصرفت أ نا مثل كم و لم أقف في وجه الإ سلاميين لغزت دولة‬ ‫جبهة الإنقاذ فرنسا‪ .‬فأنتم مدينون لي بالشكر على أمنكم و سلامتكم)‪ .‬هذا هو المنطق الذي تفكر به القيادة‬ ‫العسكر ية التي يرأسها اللواء نزار خالد‪ .‬و في الكلام المثبت عنه في محضر الجلسات أكبر دليل على أن مصير‬

‫الشعب الجزائر و ما يحصل له لم يكن يشكل عنده أي ذرة من الاهتمام‪ .‬و لمن أراد المز يد من المعلومات‬ ‫عن هذه الق يادة و علاقت ها التار يخ ية بفرن سا و م شروعها ال مدبر لاغت يال الجزا ئر الم ستقلة فلي عد إ لى ك تاب‬

‫المجاهد رائد جيش التحر ير الدكتور عبد الحميد إبراهيمي حفظه الل ّه بعنوان (في أصل الأزمة الجزائر ية) أو‬ ‫إلى مذكرات قيادات الثورة التار يخية المنشورة كالعقيد علي كافي الذي سماهم الطابور الخامس أو العقيد‬ ‫طاهر زبيري الذي خطط لانقلاب عسكري ضد الرئيس هواري بومدين اعتراضا على تواجدهم في موقع‬

‫النفوذ في الجيش الوطني الشعبي فضلا عن الموقف المتحفظ للعقيد محمد شعباني و الرائد علي منجلي منذ‬

‫‪1961‬و تحذيرهم من خطر الوثوق بهذه الفئة من العملاء السابقين للاستعمار الفرنسي‪.‬‬ ‫‪-2‬‬

‫الأذرع المنفذة‪:38‬‬

‫وهي مجموعة الضباط المحترفين الذين أر يد لهم أن يكونوا أشبه بالمرتزقة‪ .‬وأغلب عناصرها كانوا من‬

‫ضباط ال صف وج نود ال جيش الفرن سي من أ صل جزا ئري وا لذين لم يتل قوا ترب ية أ صلا لا في ال مدارس‬

‫الا ستعمار ية و لا الوطن ية ول كنهم التح قوا مبا شرة بالفرق الا ستعمار ية الخا صة ال تي مار ست الق مع‬

‫و القتل الهمجي ضد الجزائر يين العزل ثم التحقوا بعد وقف إطلاق النار بتشكيلات الولايات الع سكر ية‬ ‫المت ناحرة ع لى ال سلطة أو ألح قوا بمرا كز ال تدريب لل جيش ا لوطني ال شعبي لي جدوا أنف سهم في الت سعينات‬ ‫جنرالات في الصف الثاني من القيادة‪ .‬وأبرز عنصر في هذه الفئة الفر يق لعماري محمد قائد القوات البر ية‬

‫الذي كان الوحش البشري الذي اعتمد عليه خالد نزار في حر به القذرة على الشعب الجزائري الأعزل و‬ ‫هو الذي التحق بجيش التحرير في الربع ساعة الأخير كصف ضابط‪ .‬وكذلك صغار ضباط جيش التحر ير‬

‫الذين ابتعثوا من طرف قيادة الثورة في فجر الاستقلال إلى دول عربية وأجنبية فكانوا بذلك أوفر حظا‬ ‫من نظرائهم في الصنف الأول من حيث تربيتهم الوطنية وتعليمهم‪ .‬وأبرز هؤلاء الفر يق محمد مدين المدعو‬

‫توفيق الذي كان من أول دفعة لجهاز الأمن العسكري تخرجت عبر البساط الأحمر للكاجيبي السوفياتي و‬

‫الذي انتهت إليه القيادة العامة لجهاز المخابرات ابتداء من سنة ‪.1991‬‬

‫‪38‬‬

‫سميتها الأذرع المنفذة لأن كل الشخصيات من هذه الفئة كانت في الصف الثاني من القيادة و لم تكن تملك صلاحية‬

‫اتخاذ القرار خارج إطار الفئة الأولى‬ ‫‪39‬‬


‫ونظرا لفترة الابتعاث التي قضتها هذه الفئة بصنفيها في الكليات العسكر ية الأجنبية المختلفة لاحقا‬

‫فقد تقلصت الفوارق بين شخصياتها وأصبحت وجهين لعملة واحدة‪ .‬و يحسب على هذه الفئة شركاء أقل‬ ‫وز نا وأخ طر ح ضورا في الأز مة ا لأخيرة‪ ،‬منهم الألو ية ا سماعيل الع ماري‪ ،‬شر يف ف ضيل‪ ،‬ك مال ع بد‬

‫الرحمان‪ .‬و قد احتدم الصراع بين رأسي الفئتين ابتداء من سنة ‪ 1999‬و انتهت الحرب الباردة بينهما بكسر‬ ‫الع ظم ح يث انت صر في ها الفر يق مح مد مدين ا لذي أ حال مح مد الع ماري و فر ي قه ك له ع لى التقا عد دف عة‬ ‫واحدة و خلا له الجو تماما‪ 39‬و أ صبح هو القيادة العسكر ية و السياسية الفعلية الوحيدة في الجزائر ابتداء‬ ‫من سنة ‪.2004‬‬

‫‪-3‬‬

‫الواجهة الوطنية‪:‬‬

‫وللأسف فإن هذه الطائفة من الضباط كانت في مقدمة الجنود المقاتلين إ بان الثورة وممن ساهم‬

‫في بناء الجيش الوطني الشعبي بعد الاستقلال ول كنها بعد الوصول إلى مراتب الامتيازات ال كبرى فقدت‬

‫مروءتها تحت تأثير الطمع والاستعلاء تارة وتحت المساومة والتهديد تارة أخرى خاصة بعد حروب التصفية‬

‫ال تي طا لت الق يادات التار يخ ية المخل صة لل ثورة‪ .‬فأ صبح هذا ال صنف من ال ضباط م ثل الت يوس الم ستعارة‬

‫يستعان بها في إضفاء الصبغة الوطنية على المشار يع المشبوهة‪ ،‬مما جعل نزار خالد يصفهم أمام هيئة محكمة‬

‫الجنح الفرنسية بباريس المشار إليها أعلاه بالقطيع والأو باش دون اعتبار حتى لأصول المعاملة بين زملاء‬

‫ال سلاح‪ .‬و لا أرى داع يا لذكر أ سماء من هذه الف ئة مرا عاة لم شاعر المخل صين من مجا هدي ثورة التحر ير‬ ‫المجيدة الذين أنحني أمام تضحياتهم من أجل تحرير أرضنا من الإحتلال الفرنسي الغاشم‪.‬‬

‫وقد تمكن هذا الثلاثي من التوافق على تفكيك كل المؤسسات الدستور ية للدولة الجزائر ية المستقلة‬

‫في خلال أسبوع بتدبير من المخابرات الفرنسية كما سيأتي بيانه باستثناء المؤسسة العسكر ية التي استمدوا من‬

‫وضعها الدستوري الغامض شرعية فرض الأحكام العرفية وإقامة مؤس سات شكلية مثل المجلس ا لأعلى‬ ‫للدولة بدلا من رئاسة الجمهور ية والمجلس الاستشاري بدلا من المجلس الوطني الشعبي والمندوبيات بدلا‬

‫من المجالس البلدية‪.‬‬ ‫ول كن اللواء نزار خالد الذي أسقط الجمهور ية الجزائر ية ا لأولى سنة ‪ 1992‬لم يستفد من حياته‬

‫المهنية الطو يلة شيئا يذكر‪ ،‬ربما لأنه التحق بجيش الاحتلال الفرنسي في عز همجية الاستعمار وغطرسته‬

‫ليفر منه قبل أن يذوق مرارة الهزيمة العسكر ية على يد مجاهدي جيش التحر ير ففاته بذلك إدراك أن حق‬

‫المظلوم أقوى من باطل الظالم ولو ت حالف معه الإنس والجن‪ .‬ك ما أنه لم يكن من مجاهدي جيش التحر ير‬ ‫‪39‬‬

‫تمت في نفس الوقت إقالة الألو ية شر يف فضيل و سعيد باي و كمال عبد الرحمان‬ ‫‪40‬‬


‫الأوائل حتى يتعلم المعنى السامي للثورة على الظلم والطغيان و ما يقتضيه من شجاعة التواضع للحق و التفاني‬ ‫في الإنتصار له ‪ .‬وإنما التحق بجيش الحدود في الوقت الذي بدأت فيه الاختراقات والمؤامرات على الثورة‬

‫الجزائر ية و كان هو و رفاقه جزءا منها‪ .‬ولذلك فقد أصابه العمى والصمم عن كل التحذيرات والنصائح‬ ‫التي وجهت إليه قبل وبعد انقلاب يناير ‪ 1992‬وأنا لست أول من قدم له النصيحة وأقام عليه الحجة وحمله‬

‫الم سؤولية في ر سالة خط ية ر سمية يوم ‪ 16‬مارس ‪ ،1992‬بل إن ال سيد آ يت أح مد ر ئيس حزب ال قوى‬

‫الاشتراكية واج هه أمام محكمة الجنح ب باريس سنة ‪ 2002‬بقو له‪ :‬لقد استدعيتني و عرضت ع لي الرئاسة‬ ‫فرفضت و أخبرتك بأنني اتفقت مع الشركاء الفائزين في الانتخابات و غيرهم على حل توافقي يحفظ الأمن‬ ‫و الا ستقرار للب لاد و يج نب الم سار ا لديمقراطي الانتكا سة فأجبتني بأن الق يادة الع سكر ية ل ها طر يقت ها في‬

‫معالجة الوضع‪ .‬و ها نحن نرى عواقب طر يقتك‪ ،‬فلا تدعي أنني أتفق معك لأن الذي يفرق بيني و بينك‬

‫هو نهر من الدماء‪.‬‬

‫ومما تقدم يتضح أن السلطات الدستور ية التشر يعية والقضائية والتنفيذية في الجزائر وإلى يومنا هذا‪،‬‬

‫ليست سوى ملحقات تنظيمية لتمكين السلطة الفعلية الوحيدة ‪ -‬التي كان يرأسها نزار سنة ‪ 1992‬و يرأسها‬

‫اليوم الفر يق محمد مدين المدعو توفيق ‪ -‬من إحكام سيطرتها وفرض إرادتها على الشعب‪ .‬كما يدل ذلك على‬

‫أن كل السياسيين المتظاهرين بقوة النفوذ والقدرة على الفعل بما فيهم أساطين اللجنة المركز ية لجبهة التحرير و‬

‫الأ ساتذة و الخبراء الاستراتيجيون لا يزنون جناح بعوضة في ميزان هيئة القيادة العسكر ية السيدة المتمركزة‬ ‫اليوم في جهاز المخابرات‪.‬‬

‫‪41‬‬


‫الجزء الثالث‬ ‫الخيارات الصعبة‬

‫موقف قيادات الجبهة من العمل المسلح قبل الإنتخابات‬ ‫أحداث قمار‪ :‬مقدماتها‪ ،‬حقيقتها و آثارها‬ ‫حتمية الصدام‬ ‫إقالة الرئيس الشاذلي بن جديد (إنما عظيم النار من مستصغر الشرر)‬ ‫التنازع و الفشل‬

‫‪42‬‬


‫موقف قيادات الجبهة من العمل المسلح قبل الانتخابات‬ ‫كا نت ق يادة الجب هة واث قة من تحق يق فوز مريح في الانتخا بات المفتر ضة في يوم ‪1991/12/26‬‬

‫وكا نت تخ شى أن ي جد الن ظام ذرا ئع للترا جع عن تعهدا ته بالنزا هة وال شفافية والإن صاف في التعا مل مع‬

‫الجب هة ف قررت تجم يد ع ضو ية كل من ال سعيد مخ لوفي وق مر ا لدين خر بان ا لذين كا نا ع ضوين في المج لس‬ ‫الشوري المؤسس للجبهة‪ .‬وز يادة في التحفظ أصدرت تعليمات بالحذر في التعامل معهما على خلف ية أن‬

‫السعيد مخلوفي دعا إلى تحو يل الإضراب إلى عصيان مدني بدون إذن من قيادة الجبهة وأنه بذلك عميل‬ ‫للم خابرات ومت عاون مع جب هة التحر ير ا لوطني‪ ،‬هذا ما قا له لي شخ صيا ا لأخ مح مد شنوف مم ثل الجب هة‬

‫الإ سلامية في منط قة ال شلف و أم ير ال جيش الإ سلامي في ها‪ .‬و قد كان ال شيخ ع بد ال قادر ح شاني نف سه‬

‫يعتقد ذلك خاصة بعد أحداث قمار‪ .‬ول كنه تراجع بعد أن توسطت شخصيا لتوضيح الموضوع له عن طر يق‬

‫السيدين محمد براهم وعبد ال كريم غماتي‬

‫‪40‬‬

‫القريبين منه آنذاك بدافع من الحرص على وحدة الصف داخل‬

‫هذا التيار الجماهيري العر يض الذي كنت متأكدا من أن انفراط عقده سيعود بالوبال على الجزائر كلها‪.‬‬

‫وفي هذا الظرف الصعب عانى السعيد مخلوفي من العزلة أكثر من أي مناضل في الجبهة حيث وقع‬

‫في منطقة تقاطع النيران بين الترغيب الخبيث من طرف النظام والتوجس من طرف قيادة الجبهة ول كنه‬

‫أ بدى شجاعة وثبا تا متم يزين و ساعده ع لى ذ لك مح مد ن قازي ا لذي كان ضابط صف سابق في ال قوات‬ ‫الخاصة‪ ،‬كما وقف إلى جانبه عبد القادر شبوطي رغم الضغوط التي كان يتعرض لها من بعض زملائه‬

‫أمثال منصوري الملياني‪ .‬كما سهر على تأمين المأوى له السيد عبد الرحيم البليدي وأخوه أحمد‪ .‬وفي هذا‬

‫الو قت الع صيب جاءه ال شيخ بن عزوز ز بدة برف قة الها شمي سحنوني ي سعيان في وساطة بي نه و بين ر ئيس‬ ‫الحكومة سيد أحمد غزالي الذي عرض عليه الدعم المالي والإعلامي والحصانة الأمنية مقابل الإعلان عن‬ ‫اعتماد الم شروع السيا سي للجبهة والم شاركة في ال ندوة الوطن ية إ لى جا نب أح مد المرا ني ك بديل عن قيادت ها‬

‫الشرعية ول كنه رفض العرض ورد على ز بدة والهاشمي سحنوني بشدة وحذرهما من العودة إليه ثانية ثم رد‬ ‫بنفسه على رئيس الحكومة أحمد غزالي في رسالة مفتوحة نشرتها جر يدة المساء الجزائر ية في حينها دون أن‬

‫يذكر الوسيطين بالا سم حتى لا يفضحهما أمام الرأي العام‪ .‬وقد استغل السعيد مخلوفي الحصار المضروب‬

‫عليه في القيام باستطلاع المناطق الجبلية المحيطة بمنطقة المتيجة أثناء تنقلاته المستمرة وحدد فيها نقاط التمركز‬

‫الحصينة التي حولها بعد تفجر الوضع إلى مراكز تدريب على القتال‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫كان عمي محمد الأخضر عضوا في مجلس الشورى الوطني للجبهة و كان يزورني و يبيت عندي أثناء تواجده في العاصمة و‬

‫كان الأخ عبد ال كريم غماتي يرافقه أحيانا و يقضي معنا فترة من الوقت نتحدث فيها عن الوضع‪ .‬و مع ذلك اقتصر حديثي‬ ‫عن السعيد مع غماتي دون عمي الذي لم يكن يعلم عن علاقتي بالسعيد شيئا‪.‬‬ ‫‪43‬‬


‫وقد اتصل بي السعيد مخلوفي بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثة أشهر كنت أعتقد أنه آخر العهد به‪،‬‬

‫فالتقيتنا في نهاية شهر سبتمبر ‪ 1991‬بحضور عبد القادر شبوطي والنقيب أحمد بن زمرلي‪.‬‬

‫وقد أكد لي بأنه رغم اقتناعه بعزم القيادة العسكر ية على استئصال الإسلاميين واستعداد كثير ممن‬

‫التح قوا بالج بال من منا ضلي الجب هة ب عد حم لة الاعتقا لات ا لأولى في شهر جوان وجو يل ية ‪ 1991‬لح مل‬

‫ال سلاح‪ ،‬فإ نه لن ي بادر با ستعمال الع نف ما دام لبعض الإ سلاميين أ مل في الع مل السيا سي ال سلمي‪..‬‬ ‫ول كنه في المقابل سيطالب الإ سلاميين جميعا بالإ ستعداد ماديا ومعنو يا للدفاع عن أنفسهم ولو بالقوة إذا‬

‫تعرضوا للقمع من طرف أجهزة الأمن والجيش ظلما وعدوانا‪ .‬و قد كان هذا الموقف منه دليلا إضافيا‬ ‫ع لى أ نه جزا ئري واع ت مام ا لوعي بخ طورة الانز لاق إ لى الع مل الم سلح في غ ير الو قت المنا سب م ما جعل ني‬

‫أطمئن إلى جدوى التواصل معه في هذه المرحلة من أجل العمل على تفادي المبادرة إلى العمل المسلح‬

‫كخيار مبدئيا ثم مناقشته عند الضرورة القصوى و قد كان عبد القادر شبوطي متفقا معه تماما‪ .‬وأنا أشهد‬

‫للتاريخ أنه ما كان وفيين لتعهدهما و خيارهما رغم كثرة المكائد والمؤامرات التي عرفتها الأحداث و من‬

‫جميع الأطراف المحيطة بهما‪ .‬كما أؤكد أن السعيد مخلوفي كان هو الأمير صاحب الكلمة في هذه المرحلة‬ ‫ال تي بدأ الكلام فيها عن تأسيس الحركة الإسلامية الم سلحة ك بديل للجبهة إذا انتهى الن ضال السياسي إ لى‬

‫طر يق مسدود و تبنت السلطة خيار العنف في التعامل مع مناضلي الجبهة الإسلامية و كان عبد القادر‬ ‫نائبه الأول و ليس العكس كما يزعمه بعض من خاض في هذه القضية‪.‬‬

‫‪44‬‬


‫أحداث قمار‪ 9‬مقدماتها‪ ،‬حقيقتها و آثارها‬ ‫أ)‬

‫المقدمات‬

‫يئس الن ظام من صرف قا عدة الجب هة عن المخل صين لم شروعها من الق يادات بتوظ يف م ساعديه‬

‫المباشرين أمثال‪ :‬الفقيه ومراني ومن لف لفهم من الوجوه المشهورة في أوساط العامة‪ ،‬وانتقل إلى خطتة‬

‫البديلة من أجل اغتصاب الشرعية من حشاني ورفاقه ونقلها إلى طرف ثالث اختاره للمرحلة اللاحقة من‬ ‫المواج هة مع الجب هة‪ .‬و قد سبق أن صدرت تعلي مات أمن ية ب عدم الت عرض للجزا ئر يين الأف غان الم عادين‬

‫للتوجهات السياسية لجبهة الإنقاذ‪ .‬كان هذا هو الو ضع ال عام للموقف في المو عد الذي اجتمع ف يه ب ضعة‬

‫ع شرة شخ صا من الجزا ئر يين الأف غان أغ لبهم من ال غرب الجزا ئري و فيهم الب شير من الجل فة والمخ تار من‬ ‫ضواحي قصر البخاري وعبد الرحمان دهان من وادي سوف وعبد الناصر من تلمسان ومراد من العاصمة‬

‫وحليس من الأغواط‪ .‬و كان هدفهم من الإجتماع هو أخذ المبادرة من قيادة الجبهة الجديدة وفرض‬

‫الأمر الواقع عليها بإعلان الجهاد باسم الحركة الإسلامية المسلحة‪ .‬و كانوا يتوهموا بذلك ضرب عصفورين‬

‫بحجر واحد؛ الأول‪ :‬إعطاء المبرر الموضوعي للنظام لإلغاء الانتخابات وتفو يت الفرصة على الجبهة للفوز بها‬ ‫على خلفية أنها وسيلة غير شرعية للوصول إلى إقامة الدولة الإسلامية في نظرهم؛ وهو ما ادخرهم النظام‬

‫لتحقيقه وكثير منهم لا يعلمون‪ .‬و الثاني‪ :‬أخذ المبادرة في إعلان الجهاد من السعيد مخلوفي وعبد القادر‬ ‫شبوطي ا لذين ره نا ا لدعوة إلى العمل الم سلح ب يأس الجبهة من العمل السياسي ال سلمي وق طع ال عذر ع لى‬

‫السلطة العسكر ية الحاكمة بمبادرتها إلى العنف أولا‪ ،‬كما سبقت الإشارة إليه‪.‬‬

‫وقد اتفق المجتمعون على تعيين أحمد الود أميرا عليهم ووضعوا خطة عمل لتفجير الأحداث تمثلت‬

‫في تجن يد مناضلين أ حداث من قا عدة الجبهة بالا ستفادة من سمعة الحركة الإسلامية الم سلحة وتح ضيرهم‬

‫للقيام بعمليات تخر يب واغتيالات عشوائية في مناطق متفرقة من الجزائر ليلة الثامن والعشرين من شهر‬

‫نوفمبر‪ 1991‬وإعلان الجهاد باسم الحركة الإسلامية المسلحة ووضع السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي أمام‬

‫الأمرالواقع‪.‬‬

‫لقد وقع هذا الاجتماع في ضواحي سعيدة تحت أعين الدوائر الأمنية المعن ية بمتابعة هذه الفئة ولا‬

‫يستبعد أن يكون تحديد تاريخ التنفيذ من وحي بعض عملائها لأنه كان الوقت الأمثل بالنسبة لخطتها العامة‬

‫حيث كان المفترض أن تعلن الجبهة عن قرار ها ب شأن المشاركة في الانتخابات ق بل هذا التاريخ مما ي تيح‬

‫لر جال المبا حث اعت قال المعن يين ب هذه العمل يات الع شوائية وتم كين ال شعب من أداء واج به الانت خابي في‬ ‫‪45‬‬


‫ظروف عاد ية إذا امتن عت الجب هة عن الم شاركة؛ و هو ما كا نت تتم ناه الق يادة الع سكر ية وتعت بره انت صارا‬

‫تار يخ يا‪ .‬أ ما إذا أعل نت الجب هة عن م شاركتها فإن ق يام ا لود و جماع ته بعمل ياتهم يع يد الم بادرة إ لى ج هاز‬

‫المخابرات في الوقت المناسب لتوجيه الأحداث وفق الترتيبات المعدة لإلغاء العملية الانتخابية وتحميل الجبهة‬

‫الإسلامية مسؤولية ما ترتب عن تلك العمليات من خسائر وإخلال بالأمن‪.‬‬

‫إلا أن قيادة الجبهة بتدبير من الل ّه أوقعت الجميع في مأزق عندما أخرت الإعلان عن مشاركتها إلى‬

‫ما بعد ‪ 28‬نوفمبر‪ ،1991‬مما اضطر النظام للتدخل من أجل تأجيل عمليات الود وجماعته فتحرك عملاء‬

‫النظام من بقايا الهجرة والتكفير في العاصمة بشكل مفاجئ و نقضوا عهد الولاء للسعيد مخلوفي و عبد القادر‬ ‫شبوطي و سعوا مع ن ظرائهم الأف غان في ال غرب ع لى تأج يل العمل يات ريث ما يتم الات فاق ع لى مباي عة أم ير‬

‫وطني جديد يقود الجميع تحت شعار الجماعة الإسلامية المسلحة بدلا من الحركة الإسلامية المسلحة التي كان‬ ‫النقاش حول تأسيسها جار يا‪ .‬و قد التقيت مع بعض الأفغان الجزائر يين الذين كانوا في تلك الفترة في‬

‫افغان ستان و أخبرو ني بأنهم في هذه المرح لة تعر ضوا إ لى عمل ية تفج ير لك يانهم و انق سموا ع لى أ ساس غ ير‬

‫مف هوم ا لى طائفتين مت عاديتين ي قود إ حداها ا لأخ بوجم عة بو نوة الم عروف با سم ع بد الل ّه أ نس في م ضافة‬

‫المجاهد الدكتور عبد الل ّه عزام رحمه الل ّه و الثانية يقودها السعيد القارئ في المضافة التابعة لأسامة بن لادن‬ ‫رحم الل ّه الجميع‪ .‬و قد كان عبد الل ّه أنس أقرب إلى مشروع الجبهة الإ سلامية في تبنيه للعمل السياسي و‬ ‫الوسطية في فقه الشر يعة فيما تم تعيين السعيد القارئ في باكستان من طرف الدكتور أحمد عمامرة رأس‬

‫الهجرة و التكفير و أرسل إلى الجزائر ليكون أميرا على الأفغان داخل الجزائر بدلا من أحمد الود‪ .‬و قد‬

‫التق يت الأخ ع بد الل ّه أ نس في بر يطان يا و تناق شت م عه مطولا في المو ضوع بمناسبة ن شره لك تاب "و لادة‬ ‫ال عرب الأف غان" و أ كد لي كل ذ لك بأكثر تف صيل‪ .‬و لذلك فإن تزامن تأخير العمل يات في شهر نوفمبر‬

‫‪ 1991‬مع دخول السعيد قارئ‪ 41‬إ لى الجزائر بتلك الطر يقة لم يكن عفو يا و إنما كان للتدخل في الوقت‬ ‫المناسب لمنع الأفغان من القيام بعملياتهم يوم ‪ 28‬نوفمبر ‪ .1991‬مما يؤكد أن طرفا ثالثا حاضرا برجاله في‬

‫أفغان ستان و في الجزا ئر كان يتلا عب ب هذه المجمو عة ال تي كا نت ت عيش خارج الع صر ا لذي كان يعي شه‬

‫ال شعب الجزا ئري آ نذاك‪ .‬ل كن أم ير مجمو عة وادي سوف ع بد الرح مان د هان اعت قد أن عمل ية التأج يل‬ ‫مراوغة من أنصار العمل السياسي المتخاذلين عن الجهاد فأصر على تنفيذ ما كان مقررا في موعده المحدد‬

‫ولم يكن الوقت كافيا لإقناعه أو منعه من تنفيذ العملية فاختلطت الأوراق على الجميع‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫السعيد قارئ هو الذي كان أميرا على الجماعة المسلحة التي نفذت عملية الأمرالية في فيفري ‪ 1992‬و سجن بعدها في‬

‫سجن لامبيز بباتنة و فر منه سنة ‪ 1994‬ليقتل لاحقا في اشتباك مع قوات الأمن‪.‬‬ ‫‪46‬‬


‫ب)‬

‫حقيقة الأحداث‪:42‬‬

‫عبد الرحمان دهان العنصر الأساسي في هذه الأحداث رتيب سابق في صفوف المظليين و واحد‬

‫من الشباب الجزائري الذين ساهموا في جهاد الأفغان ضد الشيوعيين الروس و أحد الحاضرين في اجتماع‬

‫سعيدة‪ .‬المشار إليه‬

‫خرج دهان أبو سلاح من اجتماع سعيدة و كله عزم على الوفاء بالتزاماته تجاه مشروع إعلان‬

‫الجهاد المتفق عليه‪ .‬فاستغل غياب الشيخ عمرالأزعر وأوهم مجموعة من الشباب الأحداث بأنه مأمور من‬ ‫طرف قيادة الحركة الإسلامية بالتحضير للجهاد الذي سيعلن عنه قريبا على المستوى الوطني‪ .‬و بالرغم من‬

‫أنه لم يكن من مناضلي الجبهة فإن نشاطه على مستوى النقابة الإسلامية وحماسه المعروف لنصرة المشروع‬

‫الإسلامي كانا كافيين لتصديقه من طرف حوالي ‪ 60‬شابا منهم رئيس مكتب الجبهة السابق على بلدية‬ ‫الوادي الذي لم يكن ملاحقا من طرف أجهزة الأمن إلى ذلك الحين‪.‬‬

‫لم تكن لدهان أية عدة قتالية ولا حتى بندقية صيد‪ .‬ول كنه مع ذلك تمكن بالتعبئة المعنو ية المك ثفة‬

‫من التأثير على المجندين و تهيئتهم للقيام بعمليات استشهادية‪ .‬ك ما استطاع بعد إلحاح كبير إقناع مسعودي‬ ‫الملقب بالطيب الأفغاني‬

‫أحد كهول الجزائر يين الأفغان‬

‫بالالتحاق بالمجموعة وكان هو العنصر المسلح‬

‫الوحيد فيها بب ندقية قناصة‪ .‬و هكذا فإنه باستثناء الطيب الأفغاني ودهان فإن المجموعة لم تكن مسلحة ولا‬ ‫حتى مدربة على استعمال الأسلحة بطر يقة جيدة‪.‬‬

‫وق بل مو عد تنف يذ العمل ية ب يومين سمع ال شيخ ع مر ا لأزعر‪ 43‬بالمو ضوع ف شك في جدي ته وأ صدر‬

‫أوامره بالتوقف عن كل شيء‪ ،‬وحاول الاتصال بالقيادة العليا في العاصمة للاستفسار ول كن وجوده رهن‬ ‫الاعتقال لم يتح له الفرصة لفعل شيء‪ .‬وفي نفس الوقت جاءت التعليمات لدهان من طرف زملائه على‬ ‫‪424242‬‬

‫التقيت باثنين من المشاركين في هذه الأحداث قبل اعتقالي كما التقيت بالنقيب محمد بورطل قائد الثكنة المعنية و‬

‫كان معي في السجن العسكري ببشار ‪ 4‬ضباط الصف من الذين شاركوا في العملية العسكر ية التي أعقبت الهجوم على مركز‬

‫الحدود كما التقيت في سجن البرواقية بصفة انفرادية بأربعة شباب من الذين شاركوا في هذه العملية اثنين منهم محكوم عليهما‬

‫بالإعدام و اثنين آخران لم تثبت عليهما التهمة رسميا محكوم عليهما بخمس سنوات‪ .‬كما تناقشت شخصيا خلال وجودي في‬ ‫سجن البرواقية مع المبعوثين الذين اتصلا بعبد الرحمان دهان لمنعه من القيام بالعملية‪ .‬و قد تطابقت رواياتهم كلهم على ما‬

‫شهدت به‪.‬‬ ‫‪43‬‬

‫كان ضابطا في جيش التحرير و بقي ضابطا في الجيش الوطني الشعبي إلى أن تقاعد برتبة نقيب‪ .‬و كانت له علاقة‬

‫بوالدي الحاج إبراهيم أثناء ثورة التحرير و كان يصفه بالبطل السوفي‪.‬‬ ‫‪47‬‬


‫لسان (عبد الإله و أ نس و كلاهما من تلمسان) بتأجيل العملية في إطار التحالف الجديد بين أفغان بن‬ ‫لادن في الجزائر ونظرائهم من بقايا الهجرة والتكفير‪ .‬فاختلط الأمر على دهان وظن أن زملاءه تراجعوا‬

‫عن مشروعهم الجهادي أمام مراوغات السياسيين وأصر على تنفيذ العملية في موعدها الم حدد لوضع الجميع‬

‫أمام الأمر الواقع‪.‬‬

‫و في يوم ‪ 28‬نوفمبر‪ 1991‬تقدم اثنان من أتباع دهان إلى الحارس المعزول الوحيد لمركز حراسة‬

‫ال حدود ببلد ية "ق مار" وا ستدرجوه في الك لام ق بل أن يتمك نا من و ضع الق يد في يد يه ورجل يه و تك ميم ف مه‬ ‫و يتركاه في مكانه‪ .‬تقدمت بعد ذلك بقية المجموعة إلى مركز الحراسة وباغتوا بقية الجنود واستطاعوا حبسهم‬ ‫بدون مقاو مة ما عدا رئيس المركز فإنه استخف بهي ئة الم هاجمين وحاول تخو يفهم م ستعملا حر بة بندق ية‬ ‫بدون ذخ يرة و خاض معركة بي ضاء غ ير متكاف ئة سقط ع لى إثر ها ب عد أن أثخن ته ال جراح ثم ل فظ أنفا سه‬

‫الأخيرة لاحقا قبل أن تدركه الإسعافات‪.‬‬

‫ب عد تحي يد الرق يب ر ئيس الحرا سة اقتح مت المجمو عة م خزن الأ سلحة و ا لذخيرة و ا ستولوا ع لى‬

‫الشاحنة اليتيمة في المركز واستقلوها بعد أن تقاسموا قطع الأسلحة الخفيفة التي استولوا عليها واتجهوا شمالا‬ ‫لإخفاء الأسلحة في المنطقة الجبلية المحاذية لبئر العاثر‪ .‬ول كن الشاحنة توقفت بهم على مرمى حجر من المركز‬

‫فا ضطروا إ لى ترك ها ه ناك وتفر قوا في منطقة ا لوادي لإخ فاء الأسلحة في الأغوار القري بة وانت ظار مرور‬

‫العاصفة‪ .‬هذا ما تواطأت عليه شهادات أربعة ممن شاركوا في العملية في مجلسين مختلفين ع ندما التقيتهم‬ ‫في سجن البرواقية و شهادة ضباط و ضباط صف في الوحدات الخاصة شاركوا في العملية نفسها‪.‬‬

‫لم يسبق لأحد من المجموعة ا ستعمال السلاح باستثناء دهان ومسعودي ولذلك فإنهم لم يقدّروا‬

‫خطورة ما أقدموا عليه‪ ،‬إلى درجة أن أغلبهم عادوا إلى منازلهم كأن شيئا لم يحدث‪.‬‬

‫أما النظام فقد فاجأته هذه العملية فوضع الجيش في حالة استنفار قصوى‪ .‬فبعد أن علم اللواء نزار‬

‫خالد بالعملية نزل بنفسه إلى الميدان وأصدر تعليماته بإنشاء خلية أركان برئاسة قائد الناحية العسكر ية الرابعة‬ ‫اللواء عبد الحميد جوادي تشرف على عملية تمشيط المنطقة ومطاردة الجناة كما عين المدير العام لأمن الجيش‬

‫العم يد ك مال ع بد الرح مان ع لى رأس خل ية التحق يق في الق ضية‪ .‬وح شد ل هذه العمل ية ث لاث أ فواج من‬

‫القوات الخاصة و فوجين من قوات الدرك وفوجين من سلاح المدرعات ز يادة على الاحتياطي الهائل من‬ ‫وحدات التدخل التابعة لمديريتي الشرطة والم خابرات كما تم تجنيد كل خر يت ومن له خبرة في اقتفاء الأثر‬

‫في المنطقة‪.‬‬

‫‪48‬‬


‫وق بل الإع لان عن بدء العمل ية كا نت المبا حث و خلا يا التحق يق ت ستنطق المعتق لين الم شتبه فيهم‬

‫وكان من بينهم من شارك فعلا في عملية قمار و منهما شاهدين ممن سمعت منهم تفاصيل العملية‪ .‬وكانت‬ ‫حصيلة الاستنطاق الأولية كالآتي‪:‬‬

‫* جم يع الم شاركين في العمل ية مو جودون في مدي نة ا لوادي و ضواحيها و أن هم لم ي تدربوا ع لى‬

‫استعمال السلاح باستثناء الطيب الأفغاني وعبد الرحمان دهان‪.‬‬ ‫* أسماء أغلب المشاركين في العملية وعناوينهم‪.‬‬

‫* أن عمليتهم تدخل في إطار خطة وطنية وضعتها الحركة الإسلامية المسلحة بقيادة السعيد مخلوفي‬

‫و عبد القادر شبوطي و منصوري الملياني‪ .‬هذا ما أوهم به دهان ضحاياه و لم يكن صادقا فيما زعم‪.‬‬ ‫وبناء على هذه المعلومات اتخذت القيادة العسكر ية الإجراءات التالية‪:‬‬

‫* تطو يق منط قة ا لوادي و ضواحيها وتن ظيم المراق بة من ا لأرض و ال جو بالحوا مات وا لدور يات‬

‫العسكر ية‪.‬‬

‫اعتقال أقارب المتهمين وأهلهم ليكونوا رهائن لدى السلطات الأمنية‬ ‫* تمشيط المنطقة شبرا شبرا وبيتا بيتا وتنقيب الأرض للعثور على دهان وجماعته‪.‬‬ ‫وبعد تأمين العملية وضمان نجاحها وفي لحظة البدء في تنفيذها ظهر على شاشة التلفز يون اللواء نزار‬

‫خالد وز ير الدفاع ليشن حملة إعلامية مسعورة لإلصاق التهمة بقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في محاولة‬

‫لإرغامها على عدم المشاركة في الانتخابات حتى يسهل عليه فرض الأمر الواقع بأقل الخسائر‪ ،‬فيما تحركت‬

‫قواته المسلحة لتنفذ عملية جبانة راح ضحيتها خمسة و ستون (‪ )65‬جزائر يا في ر يعان الشباب من المتورطين‬ ‫في العملية قتلوا وأحرقت جثث أغلبهم وألقيت على قارعة الطر يق مكومة في أكياس القمامة في تحد سافر‬

‫لمشاعر المواطنين العزل‪ .‬كما استباح ضباط وجنود نزار خالد أموال وحرمات الجزائر يين ال كرام من سكان‬

‫المنطقة لبضعة أيام‪ .‬وقد تمكنوا من استرجاع الأسلحة والعتاد المسروق كله‪ .‬ولم ينج من المجزرة سوى‬ ‫أربعة(‪ )4‬أفراد هم‪:‬‬ ‫زكر ياء وقد تمكن من الت سرب قبل تطو يق المنطقة ودخل في مؤامرة جديدة ع لى قيادة الحركة‬

‫الإسلامية المسلحة لاحقا ول كنه وقع في قبضة الأجهزة الأمنية في شهر فبراير ‪ 1992‬في مطار غرداية‬

‫‪49‬‬


‫وأفادهم بعد استنطاقه بمكان تواجد قائده الطيب الأفغاني الذي اعتقل بعد اشتباك قتل فيه حارسه البشير‬

‫في يوم‪ 21‬فبراير‪.1992‬‬

‫عبد الغني وعبد الحميد وهما مراهقان تورطا في هذه العملية واستطاعا الاتصال بالحركة الإسلامية‬

‫الم سلحة ال تي أ سكنتهما في أ حد مآوي ها في منط قة ال شر يعة الجبل ية إ لى أن قررا ال عودة إ لى منط قة تب سة‬

‫للإلتحاق بجماعة مزعومة في بئر العاثر و ل كنهما بقيا وحيدين مدة شهرين إلى أن قتلا في تبسة قبل تحقيق‬

‫بغيتهما‪.‬‬

‫مسعودي المعروف بالطيب الأفغاني وقد اختفى إلى أن هدأت الأوضاع ليجدد الاتصال بقيادة‬ ‫الحركة الإ سلامية الم سلحة و في الو قت ال تي كا نت ا لأخيرة تر تب إ جراءات نق له إ لى م قر الق يادة بأو لاد‬

‫إيعيش كان رفيقه زكر ياء يتآمر مع جماعة محيي الدين ور يث في ضواحي بن زرقة‪ .‬وقد داهمت أجهزة‬ ‫الأمن أحد المقرات و اعتقلت بعض العناصر الذين أفادوا المخابرات بالمعلومات اللازمة لاعتقال زكر ياء‬

‫الذي دلهم بدوره على مكان الطيب ففاجأته قوات الأمن في مخبئه و قتلت حارسه البشير واعتقلته حيا‬ ‫ليعدم بعد محاكمة عسكر ية لاحقا‪ .‬أما بقية المتهمين فقد أعدم بعضهم رسميا مع الطيب الأفغاني وقتل اثنان‬

‫منهم في سجن البرواقية في نوفمبر ‪ 1994‬ك ما قتل آخرون في ظروف مشبوهة خلال محاولة الفرار من سجن‬

‫تازوت في باتنة في نفس العام‪ .‬و لم يبق من الشهود على هذه المأساة حتى تاريخ خروجي من سجن البرواقية‬

‫في يناير ‪1995‬سوى اثنين لم تثبت ضدهما تهمة المشاركة فح كم عليهما بخمسة سنوات سجنا نافذا‪.‬‬

‫وقد تم تصوير وتوثيق هذه العملية من طرف جهاز الاعلام والاتصال للجيش بكل تفاصيلها بدءا‬

‫من مرحلة التحضير إلى مراسيم دفن شهداء الواجب الزائفة و لا شك ان الوثائق ستثبت ما شهدت به‬

‫عندما ترفع عنها السر ية او تتسرب عنها معلومات لسبب أو لآخر‪.‬‬

‫ج) الآثار المترتبة على الأحداث‬ ‫بالرغم من الدخول المتأخر للجيش فقد تمكنت القوات الخاصة بدون عناء من قتل خمسة وستين‬

‫(‪ )65‬مراهقا جزائر يا وأحراق جثثهم بعد قتلهم واعتقال عشرات المواطنين المخلصين من مناضلي الجبهة‬ ‫الإ سلامية للإن قاذ والمت عاطفين مع ها وع لى رأ سهم ال شيخ المجا هد ع مر ا لأزعر والت شهير ب هم زورا‪ ،‬ك ما‬

‫استبيحت المنطقة لمدة أسبوع كامل اعتدى خلاله الجنود على الحرمات كلها وداسوا كرامة الشرفاء من‬

‫أبناء منطقة الوادي‪ .‬و قد استفاد رجال المباحث من محاضر الاستنطاق أن الحركة الإسلامية الجزائر ية‬

‫‪50‬‬


‫المسلحة تعد للمواجهة خارج الإطار المرسوم لها فأطلقت حملة مطاردة لقيادتها ممثلة في عبد القادر شبوطي‬

‫و أصحابه الذين كانوا إلى هذا التاريخ غير معنيين بالملاحقة رسميا‪.‬‬

‫أما أخطر آثار هذه العملية على التيار الإسلامي في نظري فهو ما طرأ من تحول على موقف رئيس‬

‫الجبهة الإسلامية للإنقاذ عبد القادر حشاني من السعيد مخلوفي حيث ظن الأول أن الثاني هو المسؤول‬ ‫عن أحداث قمار وأقنعه ب عض المحيطين به أن السعيد عميل للمخابرات ومتعاون مع جبهة التحر ير الوطني‬

‫‪ 44‬فاتخذ منه موقفا معاديا وأصدر تعليمات بقطع الاتصال معه فاضطربت مواقف الملتفين حول السعيد‬

‫من مناضلي الجبهة الإسلامية في الولاء له و أصبحوا ضحية لإرجاف المتربصين بالجبهة والحركة معا وخاصة‬

‫دعاة الهجرة والتكفير ونظرائهم الجزائر يين الأفغان الذين اغتنموا الفرصة لعزل السعيد مخلوفي وأخذ المبادرة‬ ‫في توجيه الأحداث وفق ما يخدم معتقداتهم البدعية و طموحاتهم الواهمة‪.‬‬

‫أما بالنسبة للسلطة فقد بالغ وز ير الدفاع اللواء نزار خالد الضابط السابق في الجيش الفرنسي بدافع‬

‫من الح قد ا لدفين ع لى ر جال ال ثورة في الت شهير بالمجا هد الب طل و ضابط جيش التحر ير و نق يب ال جيش‬

‫الوطني الشعبي الشيخ عمر الأزعر و خمله المسؤولية على ما حدث رغم اعتقاله من طرف الشرطة قبل‬ ‫العملية مما دفع الرأي العام إلى الاعتقاد بأن عملية قمار ذر يعة افتعلها النظام المحسوب على فرنسا لتصفية‬

‫حسابات سياسية مع الجبهة الإسلامية والبق ية الباقية من أبناء الجزا ئر الأوفياء لم بادئ ثورة التحر ير ع لى‬

‫غرار ما حصل في شهر جوان ‪ 1991‬بالمجاهد الدكتور عباسي مدني رئيس الجبهة ونائبه بن الشهيد علي بن‬

‫حاج‪ .‬كما كانت الهمجية التي تعامل بها الجيش مع الأحياء والأموات من سكان الوادي عاملا أساسيا في‬ ‫ن سبة العمل ية إ لى ج هاز الم خابرات‪ .‬بل إن شعورا عار ما بالا ستياء ان تاب عنا صر ال قوات الخا صة ع ندما‬

‫أعل نت الق يادة الع سكر ية عن مق تل ستة ضباط صف ع لى أ يدي جما عة ق مار تم ت شييع ج نازاتهم بمرا سيم‬ ‫حضرها رئيس الحكومة والقيادات العليا للجيش وبثتها قناة التلفز يون‪ .‬في حين أن المعروف لدى رفقائهم‬

‫أن هم قت لوا بن يران زم لائهم نتي جة ت هور ق يادتهم الميدان ية‪ .‬و الم سؤول المبا شر ع لى قتلهم هو قا ئد ف صيلتهم‬ ‫الملازم الأول السفاح السارق غوار و رئيسه قائد الفوج ‪ 18‬للقوات الخاصة الرائد محمد بوليف‪.‬‬

‫‪44‬‬

‫كان السعيد مخلوفي مدركا لضرورة التعاون مع جميع الوطنيين المخلصين و وسع اتصالاته بجميع التيارات الوطنية و‬

‫الاسلامية و ل كن لا أحد كان يعي حجم المؤامرة حتى داخل الجبهة الإسلامية و لذلك انتصر أهل الباطل بتوحدهم و‬ ‫انهزم أهل الحق بتشرذمهم‪ .‬و قد عادت الجبهة للتوحد مع جبهة التحرير و جبهة القوى الاشتراكية في سنتي جيديو سنة‬ ‫‪ 1994‬و ل كن بعد فوات الآوان‬ ‫‪51‬‬


‫حتمية الصدام‬ ‫سبقت أ حداث ق مار مو عد إع لان الجب هة عن م شاركتها في الانتخا بات وانق لب ال سحر في ها ع لى‬

‫ال سحرة ب عد أن غ لب ال ظن ع ند ا لرأي ال عام ع لى تورط ال سلطة الحاك مة في تدبيرها‪ .‬فل جأت الق يادة‬

‫الع سكر ية إ لى آ خر بديل ع ندها والمتم ثل في توق يف الم سار الانت خابي مه ما كا نت ال ظروف و ا ستحداث‬ ‫واجهة مدنية بديلة للرئيس الشاذلي بن جديد إذا اعترض على ذلك‪ .‬وقد كان هذا البديل يتطلب اتخاذ‬

‫إجراءات سر ية خطيرة أهمها توفير الظروف الأمنية المناسبة للمشهد تفرغ لها جهاز الم خابرات بكل مصالحه‬ ‫مع الق يادة العسكر ية العل يا في الوقت ا لذي فتح فيه الم جال واسعا ل شغل ا لرئيس الشاذلي بتن شيط الحم لة‬

‫الانتخابية مع المتنافسين السياسيين وإجرائها في أحسن الظروف التي تستقطب كل اهتمامهم وتعزز ثقتهم في‬

‫جدية النظام و نزاهته وحياد مؤسساته‪.‬‬ ‫أما الق يادة الع سكر ية‬

‫‪45‬‬

‫و مست شاريها الأمنيين و الاستراتيجيين في ا لداخل و ال خارج فقد عكفت‬

‫منذ إعلان الجبهة عن مشاركتها في الانتخابات على اتخاذ الإجراءات التالية‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫التمهيد لعملية تنصيب المجلس الأعلى للدولة سياسيا بتوظيف التيارات المعارضة لمشروع الجبهة‬

‫و برم جة الحملة الإعلامية لذلك‪ .‬فتشكلت لجنة استشار ية مختلطة من الخلايا النائمة لعملاء الم خابرات المدنيين‬ ‫و الع سكر يين منهم صحافيين و أ ساتذة جام عات و خ براء في ال شؤون الاجتماع ية من أ جل ت قديم‬

‫الاستشارات اللازمة للقيادة العسكر ية‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫تحضير السينار يو الكامل لاستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد ابتداء من الضغط عليه و عزله‬

‫عن العالم الخارجي و كتابة نص الاستقالة إلى اللقطات التلفز يونية الأخيرة مرورا بتحضير المجلس الدستوري‬

‫و المجلس الأعلى للأمن للمساهمة في إنجاح الانقلاب الأبيض و شرعنته‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ترتيب ال سينار يو الأسوأ ال بديل عن الاستقالة و المقمثل في تفجير إقامة الرئيس من طرف‬

‫عنصرين إسلاميين مشبوهين تابعين للحرس الجمهوري سابقا بمشاركة طالب جامعي من الونزة اسمه مشري‬

‫إ براهيم‪.‬‬ ‫‪45‬‬

‫اللقاءات السر ية التي جمعت القيادة العسكر ية العليا مع وفد المخابرات الفرنسية حضرها وزير الدفاع خالد نزار و قائد‬

‫الدرك اللواء عباس غزيل و وزير الداخلية اللواء العربي بلخير و اللواء بن جلطي و اللواء محمد تواتي و العقيد اسماعين لعماري‬ ‫نيابة عن مدير المخابرات العميد محمد مدين و قد كان أول وصول لعناصر الوفد الفرنسي بتاريخ ‪ 2‬ديسمبر و بقي التواصل إلى‬ ‫أن تم الإعلان عن الاستقالة‪.‬‬ ‫‪52‬‬


‫‪4‬‬

‫ترتيب الإنتقال من حالة الطوارئ إلى الحالة الإستثنائية وما يقتضيه من توز يع السلطات‬

‫‪5‬‬

‫تحضير سينار يوتعيين الرئيس الجديد وما يتطلبه الحدث من اتصالات و تعبئة داخلية و‬

‫‪6‬‬

‫وضع خطة دقيقة لحملة اعتقالات تستهدف العناصر النشطة من إطارات الجبهة و مناضليها‬

‫تحسبا لتطور الأوضاع‪.‬‬

‫خارجية‪.‬‬

‫وخطة محكمة لمراقبة أنصار المشروع الإسلامي داخل مؤسسات الدولة خاصة الأمنية منها بما فيها الجيش‬ ‫واعتقالهم عند الاقتضاء‪.‬‬

‫‪53‬‬


‫إقالة الرئيس الشاذلي بن جديد (ورقة التوت)‬ ‫ات خذت كل ا لإجراءات الم شار إلي ها في ما سبق بت عاون و تن سيق كا مل مع و فد من الم خابرات‬

‫الفرنسية على أعلى مستوى مكون من مدير المخابرات الفرنسية‬

‫العامل في تلك الفترة الجنرال‬

‫‪Rondo‬‬

‫‪Bonnet‬‬

‫‪ Yves‬و نائب مدير المخابرات‬

‫‪ Philippe‬و المستشار الأمني للرئيس الفرنسي‬

‫‪Charles‬‬

‫‪ Marchiani‬و بمباركة شفو ية من ا لرئيس الفرن سي مي تران نف سه و ل كن دون ع لم ا لرئيس الجزا ئري‬

‫الشاذلي بن جديد‪ .‬مما يثبت الخيانة العظمى على القيادة العسكر ية العليا و على رأسها اللواء نزار خالد‪ .‬و قد‬

‫بقيت هذه المعلومة الخطيرة سر ية و لم يكن بإمكان ضباط مثلي الحديث عنها لغياب الأدلة المادية التي‬ ‫تثبت ها ك ما أن حركة ال ضباط ا لأحرار أ شارت إلي ها ع لى موقع ها ا لال كتروني م نذ سنوات دون أن يأ خذها‬

‫أحد مأخذ الجد إلى أن زل بها لسان أحد المعنيين بالمؤامرة شخصيا و هو المستشار الأمني للرئيس الفرنسي‬ ‫‪ Charles Marchiani‬بعد ‪ 15‬سنة خلال حديثه في مقابلة صحفية مسجلة بالصوت و الصورة ما زلت‬ ‫أحتفظ بنسخة منها‪...‬حيث قال بالحرف‪ :‬لقد التقينا قبل الاستقالة مرارا مع الجنرالات داخل الجزائر من‬ ‫أجل الترتيب لمنع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة و كان حصولهم على الأغلبية بالنسبة لفرنسا خط‬

‫أحمر لا نسمح بتجاوزه و لذلك كان لابد من إلغاء الدور الثاني للإنتخابات‪ ...‬و قد أعطاني الرئيس الفرنسي‬ ‫توصية بذلك ليس بصفة رسمية و ل كن بالطر يقة المؤكدة التي تدل على أنه موافق على ما نقوم به‪.46‬‬

‫جرت الانتخا بات في جو من ال شفافية لم ي سبق له مث يل واعتر فت أج هزة الدو لة كل ها بنتائج ها‬

‫وأظهرت السلطات انطباع الرضى والرغبة في استكمال العملية الانتخابية في نفس الظروف‪ ...‬كل ذلك‬

‫النفاق لم يكن سوى ل توفير مزيد من الوقت للعاملين خلف الستار لإنضاج طبختهم المبيتة على نار هادئة‬ ‫مع الشر يك الفرنسي الذي لم يسمح بأي فرصة للجبهة للاستفادة من الفوز الذي حققته في الانتخابات‪.‬‬

‫وهكذا في الوقت الذي انتهت فيه الحملة الانتخابية الخاصة بالدور الثاني وتهيأ الناس للإدلاء بأصواتهم للحسم‬ ‫في إرادة ال شعب السياسية أملا في إنهاء الأزمة الرئيسية التي تسببت في الانهيار العام للبلاد أطل على‬

‫الجزائر يين رئيسهم الذي آثر السلامة وذل الخضوع للإرادة الشريرة لنزار خالد على الموت شهيدا في سبيل‬ ‫الوفاء لتعهدا ته أ مام أ مة مجا هدة أحسنت ال ظن ف يه و ليعلن صاغرا عن استقالته وتن صله من م سؤولياته‬ ‫الخطيرة مبررا ذ لك بما لا قيمة له أ مام ما يترتب عن الاستقالة في ذلك الظرف الح ساس من المفاسد‬

‫العظيمة‪ ...‬و قد بلغني من نقيب في المخابرات الجزائر ية أن الرئيس الشاذلي بن جديد عندما تعرض للإهانة‬ ‫و التهديد من طرف نزار خالد و محمد العماري بالذات و تأكد لديه بأنه أصبح رهينة في أيدي حزب فرنسا‬ ‫‪46‬‬

‫التسجيل الصوتي المصورمنشور على صفحتي في الفايسبوك‬ ‫‪54‬‬


‫ط لب الم ساعدة من ا لرئيس الفرن سي شخ صيا عبر ال هاتف ا لذي كان مراق با من طرف ج هاز الم خابرات و‬ ‫ل كن ا لرئيس الفرن سي اخت صر م عه الك لام و لم يزد ع لى و عده ب ضمان سلامته إذا هو ا ستقال دون‬

‫مقاو مة‪ .‬و المكالمة بين ال شاذلي و ميتران م سجلة و محفو ظة في الأرشيف ال خاص لدى ج هاز الم خابرات‪.‬‬ ‫فم شهد الا ستقالة لم ي كن سوى ال شجرة القانون ية الزائ فة ال تي تخ في غا بة الخيا نة و المخال فات المرتك بة من‬

‫طرف نزار و جماعته‪ .‬و قد كتبت مقالا لتحر ير هذه القضية بمناسبة الذكرى العشرين للاستقالة المزعومة‬

‫نشرته على موقع صوت الجزائر‪ 47‬و لا بأس أن أثبته هنا كقراءة للحدث على ضوء ما آلت إليه الأمور بعد‬

‫عشرين سنة من وقوعه‪.‬‬

‫إنما عظيم النار من مستصغر الشرر‬

‫يقال إن ع ظيم ال نارمن مست صغر الشرر‪ .‬و قد تأملت ال تاريخ الجزائري فو جدت أن أع ظم الب لاء‬

‫الذي لحق شعبنا عبر القرون إنما كان على إثر أحداث تافهة في المضمون عظيمة في الدلالة‪ .‬و إذا كان‬ ‫آخر ما يتذكره الجزائر يون من التاريخ القريب هو حادثة المروحة التي وقعت منذ قرنين تقريبا و كانت إشارة‬ ‫الانط لاق ل غزو ع سكري صليبي فرن سي ا ستهدف الجزا ئر باحت لال هم جي دام ‪ 130‬سنة كاد ينت هي بم حو‬ ‫الجزائر شعبا وهو ية وطنا من الوجود و ادماج بقاياها في جمهور ية الخزي الفرنسية‪ ،‬فإن أقرب حادثة عاشها‬

‫أغلب الجزائر يين الأحياء اليوم هي حادثة الاستقالة المزعومة للرئيس الشاذلي بن جديد التي وقعت يوم ‪11‬‬

‫ي ناير ‪ 1992‬و ال تي كا نت إ شارة الانط لاق لحم لة همج ية بلاهو ية ت ستهدف الجزا ئر في وجود ها بدأت‬ ‫بتفكيك الدولة و المجتمع و تسببت في قتل أكثر من ر بع مليون جزائري و خسائر مادية خيالية و لا يعلم‬

‫أحد إلى اين ستنتهي آثارها الوخيمة‪.‬‬

‫إذا تواضعنا في تفكيرنا و صدقنا الرئيس الشاذلي بن جديد و كل من شارك في إضفاء الشرعية‬

‫على هذه المخالفة بشكل أو بآخر‪ ،‬فهل يكفينا ذلك لتبر ير ما ترتب عليها من المآسي العظام؟‪ ....‬كم من‬ ‫ا ستقالة في تاريخ الب شر ية كل ها أدت إ لى مق تل أك ثر من ‪ 250‬أ لف و شردت م لايين من ال مواطنين و‬

‫مزقت أمة عاشت موحدة قرونا من الزمن شر ممزق و ادخلتها في حرب مجلية يقتل فيها االمسلم أخاه و‬ ‫يستبيح عرض أخته و مال جاره؟‬

‫ن عم إن وز ير ا لدفاع ال لواء نزار خا لد و شركاؤه من ضباط ال جيش و جواريهم و غل مانهم من‬

‫المجتمع المدني عندما قرروا إكراه الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة كانوا في قمة السفاهة و الاستهتار‬

‫و بلغ بهم الاستسلام إلى نزواتهم الوضيعة مرتبة الخيانة‪ ...‬إنهم لم يفكروا لحظة في حقيقة ما تواطؤوا على‬ ‫تنفيذه و لا في مآلاته و لم يخطر ببالهم أبدا أنهم يتعاملون مع شعب من البشر لهم عقول متفاوتة الذكاء‬ ‫‪ 47‬الرابط‪http://chouchane.algeriavoice.net/ :‬‬ ‫‪55‬‬


‫يدركون بها‬

‫و لهم قلوب مختلفة المشارب يشعرون بها و لهم طموحات شخصية لا يتفقون فيها‪ ...‬إن‬

‫نزار خالد و من معه لم يؤمنوا لحظة واحدة بأنهم يتعاملون مع شعب له ذرة واحدة من ال كرامة‪ .‬و لذلك‬ ‫فإن ال شيء الوح يد ا لذي كان ي شغل بالهم هو ك يف يم كنهم التحا يل ع لى الن صوص ال صماء في ال قانون‬

‫لي برروا أ مام ا لرأي ال عام المح لي و ا لدولي أن ما قاموا به م طابق لل قانون‪ ،‬و يتمك نوا بذلك من ت سخير كل‬

‫مؤس سات الدو لة لتحق يق ما ير يدون‪ .‬ا لذين كان ي شغلهم هو الن جاح في مخاد عة ال ناس و التلا عب‬

‫بمشاعرهم‪.‬‬

‫و هذا ما كان يجتهد علي هارون و تواتي و من على شاكلتهما في تدبيره‪ .‬أما ما يترتب‬

‫مخالفات‬

‫و جرائم ضد الانسانية و جرائم حرب فهذا بالنسبة لوزير الدفاع غير مهم لأنه في النهاية‬

‫على هذا العمل الشيطاني المغشوش من تعسف في استعمال السلطة و تور يط لمؤسسات الدولة في ارتكاب‬ ‫سيوسع دائرة الانزلاق في أوساط قواعد الموظفين الصغار و يجعلهم أكباش فداء يتم تقديمها عند الحاجة‬

‫لامتصاص أي احت جاج طارئ من المجتمع الدولي‪ .‬إن اللواء خالد نزار في غمرة الغرور بالسلطة المطلقة في‬ ‫الجزائر لم يفكر أبدا أنه سيسأل يوما عما يفعل‪ .‬فالضحايا من الشعب بالنسبة له فليكونوا ثلاثة ملايين أو‬ ‫حتى عشرة ملايين‪ ...‬سيسحقهم بالدبابات و يبيدهم بالطائرات‪ ،‬هذا ما عبر عنه الجنرال سماعيل العماري‬

‫و الفر يق محمد مدين في مارس ‪ ...1992‬و إذا عجز الجيش الوطني الشعبي لسبب من الاسباب أو تمردي‬

‫عناصره فإنه سيأتي ب جيش من الخارج ليسحق الجميع ك ما عبر عن ذلك اللواء قايد صالح في ماي ‪.1992‬‬

‫المهم هو أن تحافظ القيادة الانقلابية على الشرعية الزائفة التي تمكنها من الاستئثار بالسلطة على كل ما‬ ‫يمت للجزائر بصلة؛ فيكونوا باسم هذه الشرعية هم من يحدد للجزائر يين حقوق المواطنة و هم من ي حدد لهم‬

‫دينهم و هم من يوزع عليهم رزقهم و كلامهم و سجنهم و تعذيبهم و قتلهم و اتهامهم‬

‫و العفو عنهم‪...‬‬

‫إنهم يقولون للشعب الجزائري بلسان الحال‪ :‬نحن ر بك الأعلى‪ .‬هذا هو المنطلق الحقيقي الذي أسس عليه‬ ‫نزار و من معه كل خياراتهم عندما قرروا تفكيك الدولة الجزائر ية‪ .‬فنزار لم يكن يعنيه ما يشعر به الرئيس‬

‫الشاذلي من الإهانة و الإكراه و لا ما يشعر به باقي الجنرالات الذين لم يستشاروا في المؤامرة مسبقا من‬ ‫المرارة و لا ما يعبر عنه الشعب من الاستياء على تعليق المسار الديمقراطي الناشئ‬

‫و ضرب إرادته‬

‫عرض ال حائط‪ .‬الم هم هو أن ي شارك ال شاذلي في م سرحية الا ستقالة أ مام ال شعب و ي شهد علي ها المج لس‬

‫الدستوري و يضمن مباركة الدول الغربية لخيانته بالإبقاء على عضو ية جمهوريته في منظمة الامم المتحدة‪.‬‬ ‫و بهذا ظن أ صحاب هذه المؤامرة أنهم اكتسبوا الحصانة التي تمنعم من احتجاج فئات الشعب الجزائري‬ ‫المضللة و في نفس الوقت اكتسبوا الشرعية في قمع أي احتجاج من طرف الفئة التي أدركت أبعاد الخيانة‬

‫التي وقع فيها نزار و من معه‪.‬‬

‫لقد كانت الاستقالة في تفاصيلها حدثا تافها و مسرحية سيئة الاخراج كتبها و أخرجها و وزع‬

‫ا لادوار في ها وز ير ا لدفاع ال لواء نزار خا لد و مست شاروه ظ نا منهم أن ها ست سهل ع ليهم المه مة ال قذرة ال تي‬ ‫‪56‬‬


‫تطوعوا لتنفيذها من أجل إرضاء شعبهم الحقيقي و دولتهم الحقيقية‪ .‬لقد قال خالد نزار و بلهجة الضابط‬

‫الفرنسي المفتخر أمام محكمة الجنايات بباريس‪ :‬لولا منعي للاسلاميين في الجزائر من الوصول الى الحكم لغزوا‬ ‫فرن سا و أورو با‪ .‬أ نتم مدينون لي بح ياتكم‪ .‬و لو فع لتم مع هت لر ما فعل ته أ نا مع الا سلاميين لجن بتم أنف سكم‬

‫الحرب العالمية الثانية‪ .....‬فبالنسلة لخالد نزار الهدف الاستراتيجي الذي يسيطر على وجدانه هو الحفاظ على‬ ‫أمن فرنسا – حتى و إن لم يدرك ذلك لأنه يتحرك بقوة اللاشعور في نفسه – إنه حلم الطفولة القديم الذي‬

‫غرسه فيه أبوه متقاعد الجيش الفرنسي الوفي و الذي هيأه ليكون ضابطا فرنسيا محترفا في الجيش الفرنسي‬

‫فشاءت ا لأقدار أن يخدم فرنسا من موقع الحركي في الجيش الوطني الشعبي‪.‬‬ ‫إرادته‪.‬‬

‫بالن سبة ل لرئيس ال شاذلي بن جديد‪ ،‬ف قد شاهده ال شعب الجزا ئري و هو ي قول بأ نه ا ستقال ب ملء‬ ‫و ما زال يتبجح بذلك إلى وقت قر يب‪ .‬فهل كان الشاذلي صادقا؟‪....‬بالطبع لا‪ .‬لقد كذب‬

‫الشاذلي على الشعب الجزائري في هذه المسرحية مرتين‪.‬‬

‫ال كذبة الاولى‪ :‬عندما ادعى بأنه استقال‪ ،‬بينما تصر يحات نزار وعلي هارون و شهادات كثير ممن‬

‫لهم علاقة بالموضوع تؤكد أن القرار الثابت الذي حسم فيه نزار و العر بي بلخير و العماري و جماعتهم في‬

‫غفلة من الشاذلي هو إلغاء الانتخابات أما الشاذلي فكان مخيرا بين الموافقة على إلغاء الانتخابات أو تقديم‬ ‫الاستقالة لتفادي الحل الثالث الذي كان من تح صيل الحاصل و بالتالي لم يكن له خيار و لا إرادة كما‬

‫يدعي‪.‬‬

‫و ال كذ بة الثان ية‪ :‬هي ع ندما اد عى بأ نه ا ستقال من ا جل الم صلحة العل يا للب لاد‪ .‬و هذه ال كذ بة‬

‫وحدها ترقى لمرتبة خيانة الأمانة‪ .‬لقد كان الرئيس الشاذلي يعلم أكثر من غيره بأن نزار و جماعته تآمروا‬ ‫عليه و لم يلتفتوا حتى ل كرامته كرئيس للجمهور ية صرح منذ أيام أنه غير مستعد للاستقالة أو التنازل عن‬

‫الرئاسة حتى في ظل برلمان إسلامي و حكومة إسلامية‪ ،‬و هذا مسجل بالصوت و الصورة‪ ..‬إن الشاذلي‬ ‫كان حقيقة تحت وقع الصدمة كما قال نزار خالد و ل كن ليست صدمة انتصار الفيس في الانتخابات و إنما‬ ‫صدمة الغدر الذي تعرض له من الذئاب التي تر بت في حضنه‪ .‬لقد حاصروه و عزلوه عن العالم قبل أن‬

‫يفاجئوه و هو يحلم أحلام اليقظة بعرضهم الخسيس فأذهلوه‪ .‬إن الشاذلي لم يكن رئيس دولة من الناحية‬ ‫العمل ية ع ندما ت قدم له نزار بالعرض‪ .‬ل قد كان رهي نة لا يم لك ال سلطة ع لى نف سه فك يف سمح لنف سه‬

‫بالتصرف في مصير شعب كامل‪ ...‬في هذه المرحلة كان الشاذلي يرى بأن الاستقالة هي الخيار الأم ثل‬

‫للحف اظ على حياته و لم يفكر لحظة واحدة في المصلحة العليا للجزائر‪ .‬لقد جرد الشاذلي نفسه من لقب الرئاسة‬ ‫ق بل أن يوا فق ع لى الا ستقالة و بال تالي ي كون قد و قع علي ها ب صفته مواط نا مختط فا من طرف نزار‬

‫عصابته و ليس بصفته رئيس دولة‪.....‬‬

‫‪57‬‬

‫و‬


‫السلوك الطبيعي لرئيس الدولة في م ثل هذه الحالات يقتضي أن يرفض الاستقالة تحت الإكراه و‬

‫يضع المتآمرين عليه أمام الأمر الواقع فإما أن يتراجعوا و يستعيد هو المبادرة و يحيلهم على العدالة للتحقيق‬

‫المعمق في هذه الخيانة العظمى و يتصرف مع الوضع ع لى أرض الوا قع بما تقت ضيه المصلحة العل يا للب لاد‬

‫بالت عاون مع الهي ئات و الشخ صيات المخل صة‪ ،‬فيح قق ب هذا أع ظم انت صار للم صلحة العل يا ز يادة ع لى د عم‬ ‫ر صيده الشخ صي في خد مة ا لوطن‪ .‬و قد ح صل هذا مع شافيز ر ئيس فنزو ي لا‪ .‬و إ ما أن يت جرؤوا ع لى‬

‫اغتياله فيفقدوا شرعية التحكم في مؤسسات الدولة و الجيش فيأخذ الشعب المبادرة لرد الاعتبار لسيادته و‬ ‫يحاكم الانقلابيين كمجرمين خارجين على القانون بالتعاون مع كل الجزائر يين عسكر يين و مدنيين‪.‬‬

‫و‬

‫مهما كانت الخسائر بالنسبة للخيار الثاني فإنها لن تكون كبيرة بالمقارنة مع ما حصل منذ سنة ‪ 1992‬إلى‬

‫اليوم‪ .‬كما أن توحد الشعب الجزائري في مواجهة الفئة الخائنة في صفوفه و الانتباه الى المؤامرة المسمومة‬ ‫التي تستهدفه من فرنسا وحدهما يشكلان مكسبا عظيما لا يقدر بثمن‪ ...‬فأين هي المصلحة العليا فيما يزعمه‬

‫الشاذلي؟‬

‫لقد أخبرني اثنان من الحرس الرئاسي الخاص للشاذلي بن جديد أنه أرغم على الاستقالة و بطر يقة‬

‫مهينة أيضا حتى قبل أن يظهر الشاذلي على شاشة التلفز يون الجزائري يوم ‪ 11‬يناير ‪ ،1992‬و ل كنني تمنيت‬ ‫أن أسمع الشاذلي بن جديد أو غيره من المعنيين بالموضوع أو ممن تكلموا عنه خلال العشرين سنة الماضية‬ ‫يزعم بأن الشاذلي كانت عنده أي فرصة للتواصل أو التشاور مع أي إنسان جزائري أو أجنبي في أمر هذه‬

‫الاستقالة بما في ذلك أقرب المقربين إليه من جبهة التحر ير أو الجيش‪ .‬و ل كن أحدا لم يجرؤ على ادعاء‬

‫ذلك إلى غاية كتابة هذه السطور‪ ،‬مما يؤكد لنا بأن الشاذلي كان فعلا مختطفا حتى و لو حاول هو نفي ذلك‬

‫هروبا من المسؤولية‪.‬‬

‫هناك طرف ثالث لا يتكلم ع نه أحد في هذه المسرحية التافهة التي تسببت في تدمير الجزائر‪ ،‬و هو‬

‫دور المجلس الدستوري‪ .‬فقد كان نزار و جماعته خارجون على القانون و متآمرون على الشعب الجزائري‬ ‫و دولته و رئيسه و مع ذلك فإن غاية ما كان ير يده المجلس الدستوري من المجرمين الخارجين على القانون‬ ‫هو أن يوفروا الجانب الشكلي للمسرحية و لا يتركوا أثرا للجريمة‪ .‬فهم يعرفون أن الشاذلي كان مكرها و أن‬

‫نزار كان خائنا و أنهم هم شركاء في مؤامرة دنيئة لتضليل الشعب الجزائري و ال كذب عليه‪ .‬و مع ذلك‬

‫لعبوا الدور كاملا غير مبالين بما يتسبب فيه ذلك من إخراج قيادة الجزائر من الشرعية الشكلية الحقيقية‬

‫القائ مة ال تي ت ضبط العلا قة بين مخت لف الم سؤولين ع لى مؤس سات الدو لة ا لى ال شرعية ال شكلية المز ي فة ال تي‬ ‫تجعل شرعية القوة هي المتحكمة في العلاقة بين المسؤولين مما يعني أن هذا المجلس هو الذي أضفى الشرعية‬

‫على عملية نقلنا من شعب تحت سلطة دولة شكلية إلى شعب تحت سلطة أمراء الحرب المباشرة‪.‬‬

‫‪58‬‬


‫لقد كا نت خيانة نزار و التواطؤ الج بان لل شاذلي و ال شراكة الإجرام ية للمجلس الدستوري ثلاثة‬

‫غابات من الخيانة بكل دلالاتها فرقت الشعب الجزائري شيعا بين ساذج صدق المسرحية و اعتبر الأمر لا‬

‫يعنيه و مستهدف أعلن تمرده على السلطة الغير شرعية و مخدوع تذرع بحفظ الأمن و انتهازي يدل على‬ ‫القتيل و يمشي في جنازته و مرتزق يخدم من يدفع له أكثر و لم يبق من أهل الحق و العقل إلا طائفة قليلة‬ ‫ضاع صوتها الخافت في صخب الوعيد و الزئير و العو يل و النواح‪ ...‬و كانت الضحية هي الجزائر‪ ....‬الجزائر‬

‫بكل ما تحمله من مقومات النهوض المادية و المعنو ية و البشر ية‪.‬‬

‫لماذا نعود للحديث عن مآسي طوتها السنون في هذه الذكرى؟ ليس لاجترار المرارة من جديد بكل‬

‫تأكيد‪ ،‬و إنما للتنبيه إلى دورة جديدة من هذه المآسي التي تلوح في الأفق‪ .‬لقد كانت مسرحية الاستقالة‬ ‫حدثا تاف ها إ لى در جة أن نا لا ن تذكره ع ندما ن عدد ال كوارث ال تي انزلقت إليها بلاد نا م نذ سنة ‪ ،1992‬و‬

‫ل كنها كانت هي الشجرة اليابسة التي تحجب عنا غابات المآسي التي ضعنا فيها بعد ذلك‪ .‬لو أننا تعاملنا مع‬

‫تلك المسرحية التافهة بالجدية التي يقتضيها المقام و ألزمنا كل واحد من المسؤولين حده لما وقع لنا ما وقع‪.‬‬ ‫و لذلك فإن لا مبالات الشعب الجزائري بالاصلاحات الهز يلة التي أعلن عنها بوتفليقة و عصابته لن تغير‬ ‫شيئا من الم صير ال سيء ا لذي يراد به‪ .‬ف هذه الا صلاحات البائ سة و الانتخا بات المز ي فة سلفا لي ست‬

‫سوى الشجرة اليابسة ال تي التي تخفي خلفها غابة من المؤامرات تهدف إلى تقديم الجزائر وطنا و شعبا‬

‫و‬

‫دولة كهدية للحلف الأطلسي من خلال تحو يلها في ظل البرلمان القادم مستثمرة أوروبية خاصة للطاقة‬

‫ب كل أنواع ها ق بل أن ت كون لديها ح تى ال قدرة ع لى تحق يق أمن ها ال غذائي م ما يع ني أن ال شعب الجزا ئري‬ ‫سيتحول إلى جالية في وطنه‪ .‬لأن أمنه و سيادته سيكونان من اختصاص أ صحاب المستثمرة‪ .‬لقد تشدق‬

‫كث ير من الجزا ئر يين بع بارات ال سخر ية من شعوب صغيرة و ضعيفة في الخ ليج م ثل ق طر و ال كو يت و‬

‫عمان و البحرين رغم أن لها مبررات موضوعية لمقايضة أمنها بالتنازل عن سيادتها الوطنية‪ .‬فماذا سيكون‬ ‫مبرر الشعب الجزائري العظيم للتنازل عن سيادته و مقابل ماذا؟ إن كل جزائري مطالب بالاجابة على هذا‬

‫السؤال اليوم و ن حن في شهر يناير ‪ 2012‬و قبل أن يضفي الشرعية على صفقة بوتفليقة مع حلف النيتو و‬ ‫عندها سيندم الشعب الجزائري كله حين لا ينفع الندم‪ .‬و من أشكل عليه فهم ما أقول فليستشرف ما‬

‫وراء شجرة الاصلاحات الفارغة وليتأمل قليلا في الحديث الجاري عن مشار يع الطاقة الأوروبية القادمة‬ ‫في ال صحراء الجزائر ية و القاد مة من نيجير يا ا لى أورو با ع بر ال صحراء الجزائر ية‪ .‬ولل حديث بق ية ع لى كل‬

‫حال‪ ...‬انتهى المقال‬

‫‪59‬‬


‫إن ال شاذلي بن جد يد مح سوب ع لى الت يار ا لوطني الم حافظ ا لذي ر غم ب ُغْض ِ ه ِ لر موز ال صحوة‬

‫الإسلامية الحديثة كأ شخاص فأنه لا يحمل عداوة تقليدية للإسلام والمسلمين عامة بل إنه من التيار الذي‬ ‫يمثل عمقا اجتماعيا طبيعيا لأي مشروع سياسي إسلامي‪ .‬ول كن الشاذلي شأنه مع التيار الوطني كشأن‬

‫الفقيه ومراني مع الجبهة الإسلامية للإنفاذ؛ فالأخيران ردا المبادرة للاستئصاليين في السلطة على حساب‬

‫الجبهة بخرجتهما المتلفزة والشاذلي رد المبادرة للتيار الفرنكوشيوعي في السلطة على حساب التيار ا لوطني‬

‫الأصيل بإعلانه الاستقالة لا سيما و أنه كان يملك السلطة القانونية التي تخول له عزل نزار خالد و المتآمرين‬ ‫م عه وتع يين غ يرهم من الجنرا لات ا لوطنيين ال عاملين أو المتقا عدين‪ .‬وكم ك نت أود أن ال شاذلي لم يخ ضع‬

‫للمتآمرين واضطرهم إلى اغتياله وعندئذ فإن نزار خالد وبطانته لن يتمكنوا من التحكم في القوات المسلحة‬ ‫ويسخروها لقهر الشعب تحت غطاء دستوري زائف ويحاكموا المعترضين على تهورهم بتهمة المساس بأمن‬

‫الدو لة‪ .‬إن اغت يال ال شاذلي ع لى خلف ية إ صراره في الم ضي بالم سار ا لديمقراطي إ لى غاي ته ك ما تع هد به أ مام‬ ‫الشعب لو ح صل لم ي كن ليمر كما مر اغت يال بوضياف‪ ،‬لأن اغتيال ال شاذلي كان سيعطي شرعية التمرد‬

‫لأغلب ية ضباط ال جيش و الت حامهم مع ال شعب ضد وز ير ا لدفاع و الخو نة الم تواطئين م عه ‪ ،‬أ ما اغت يال‬ ‫بوضياف فقد كان قضية تصفية حساب بين طرفين لم يشركا الشعب و لا الجيش في صفقتهما السر ية و لا‬

‫ي عرف أ حد إلى ا لآن الات فاق الحقي قي ا لذي ح صل بال ضبط بين بو ضياف و ا لذين جل بوه من من فاه لا‬ ‫كيف استأمنوه لا كيف غدروا به‪.‬‬

‫وبعد خلع الرئيس واستباحة حرمة الدولة الجزائر ية من طرف هذه ال شرذمة من الضباط السامين‬

‫السفهاء‪ ،‬اكتملت عندي تفاصيل الصورة و أصبحت أنا شخصيا مقتنعا بأن من واجب كل جزائري عاقل‬ ‫حر ومخ لص هو أن يت صدى ل هذا الا ستعمار المق نع ب كل ما ي ستطيع من قوة وحك مة‪ .‬وأ نا لا أتح فظ في‬

‫القول بأن الرئيس الشاذلي بن جديد لم يستقل وإنما أرغم على الاستقالة تحت التهديد وبعد تعرضه للإهانة‪،‬‬ ‫لأنني استقبلت في مكتبي عنصرين من حر سه الشخصي كانا مدربين سابقين لدى مدير ية التكوين البدني‬

‫الع سكري والر يا ضي التاب عة للكل ية الع سكر ية لمخت لف الأ سلحة بشر شال أذكر ا سم وا حد منه ما هو الم لازم‬

‫الأول محمد الاخنش الذي كان الحارس الشخصي للرئيس الجديد محمد بوضياف أيضا أثناء عودته من‬ ‫الم غرب ك ما كان ا لآخر يدعى الم لازم ا لأول سليم‪ .‬وكان ا لاخنش ي لبس بد لة ر يا ضية فاخرة ( صالحة‬ ‫للفصول الأربعة) لفتت انتباه نائبي الملازم الأول بن بوز يد الذي كان مدربا سابقا معه فسأله‪ :‬من أين‬ ‫لك هذا الل باس الر يا ضي يا صاحبي؟ فأجا به ا لاخنش‪ :‬إ نه ن صيبي من تركة ذ لك ا لرخيص ا لذي طال ما‬

‫امتهن كرامتنا‪ ،‬ودارت الأيام عليه فشفينا غليلنا منه‪ .‬لقد أخرجناه من غرفته بلباس النوم كالكلب‬ ‫تقاسمنا ملاب سه الداخل ية (يقصد بذلك رئيس الجمهور ية)‪ .‬كان هذا يومين ق بل إع لان الاستقالة‬ ‫‪60‬‬

‫و‬ ‫و‬


‫لذلك كنت أرجو أن يتخذ الأخ عبد القادر حشاني ‪ -‬رئيس الجبهة في ذلك الوقت ‪ -‬موقفا حازما ضد‬

‫إقالة الشاذلي وحاولت أن أ شجعه على أخذ المبادرة قبل فوات الأوان لحماية الدولة الجزائر ية وليس لمصلحة‬ ‫حزبه‪ .‬فقد كان كلام الأخنش بالنسبة لي إيذانا بوقوع انقلاب على الرئيس الذي يمثل في نظري الضمانة‬

‫الوحيدة لاستقرار الجزائر في ذلك الظرف‪ ،‬و لذلك أردت أن أضع عبد القادر حشاني في الصورة لأنني‬

‫كنت أعلم أنه على تواصل بالرئاسة من أجل ضبط الترتيبات اللازمة للمرحلة القادمة التي كان من المنتظر‬

‫أن ت كون في ها الجب هة الإ سلامية شر يكا في الح كم لجب هة التحر ير ع لى الأ قل‪ .‬و قد ك نت واث قا من أن‬ ‫ا لرئيس و ع بد ال قادر ح شاني كا نا يعم لان في ن فس الإت جاه ا لذي يط مح إل يه كل غ يور ع لى الجزا ئر‬

‫باعتباره ما رج لين وطن يين مخل صين‪ ،‬فأر سلت في ن فس اللي لة ا لأخ (مح مد براهم) إ لى ع بد القادرح شاني‬ ‫ليخبره بأن بعض العسكر يين مستعدون للقضاء على العناصر الانقلابية في القيادة العسكر ية إذا كان مستعدا‬ ‫هو و شركاؤه لتحمل المسؤولية في تسيير الأزمة وإعادة الوضع إلى طبيعته‪ .‬و رغم أن الوضع كان يخضع‬

‫لحظر التجول ليلا إلا أن الأخ محمد ذهب إليه و أخبره بالأمر ‪ .‬و جاءني برده القاطع قبل طلوع الشمس‬

‫و بح ضور ا لأخ النق يب مح مد حل فاوي و قال ل نا بأن ال شيخ ع بد ال قادر لا ير يد أن يتح مل ق طرة دم‬ ‫واحدة‪ ...‬وبقي على ذلك الموقف حتى بعد أن أعلن الرئيس الاستقالة تحت الإكراه ‪ ...‬ثم اعتقل هو‬

‫أيضا بعد إصدار بيان طالب فيه الجيش بالدفاع عن إرادة الشعب ‪ .‬و دخلت الجزائر مرحلة الضياع‪.‬‬

‫‪61‬‬


‫التنازع و الفشل‬ ‫كانت مجموعات من الضباط وضباط الصف والرتباء الملتزمين موزعة داخل المؤسسة العسكر ية على‬

‫المرا كز الع صبية ح يث كا نت عنا صر ال قوات الخا صة من ها مبثو ثة في أط قم الحرا سة القري بة والشخ صية‬

‫للق يادات الع سكر ية العل يا ومؤس سات الدو لة وهيئات ها الإ ستراتيجية وكان بإم كان هذه المجمو عات تحق يق‬

‫الشلل الإستراتيجي الكامل للنظام والإطاحة بسلطته خلال بضع ساعات (أو على الأقل أفقداه السيطرة‬ ‫على الوضع دون إشراك الأطراف السياسية الفاعلة على الأرض) وذلك بالتصفية الجسدية للعناصر الفاعلة‬ ‫في القيادة العليا للجيش‪ .‬فقد كان طقم الحراسة الشخصية لوزير الدفاع وطقم التشر يفات لقائد الأركان‬

‫وطقم التشر يفات لقيادة القوات البر ية وطقم الحراسة لدى رئاسة الحكومة وال كتيبة المكلفة بأمن الإذاعة‬ ‫والتلفز يون وأطقم الحراسة على مستوى القيادات الجهو ية وكثير من قادة الوحدات الفرعية و مفرزات‬ ‫تأمين المطارات العسكر ية مستعدين لتنفيذ أي عمل أطلبه منهم لتجنب الدخول في مواجهة مع الشعب‪.‬‬

‫ول كن ح جم هذه ال قوات لم ي كن في ت قديري ي ضمن ا لتحكم في الو ضع ب عد العمل ية‪ .‬و لذلك‪ ،‬ر غم تح فز‬

‫بعض العسكر يين و رغبتهم في القيام بأي عمل ضد القيادة العسكر ية فقد كانت المبادرة من طرفي إلى هذه‬ ‫الخطوة الخطيرة متوقفة على استعداد طرف سياسي قوي من أنصار المشروع الإسلامي أو الوطني قادر على‬ ‫تحمل المسؤولية في تسيير الأزمة وتأمين استقرار الوضع بعد الإطاحة بالسلطة العسكر ية القائمة من جهة‪،‬‬

‫وتجنيد عدد م حدد من المواطنين الأصليين في بعض المناطق الحساسة من العاصمة وضواحيها للمساعدة على‬ ‫التحكم في الموقف الأمني بسرعة وبأقل خسائر ممكنة‪ .‬وقد كنت مستعدا للتعاون الإيجابي مع أي قيادة‬

‫سياسية لإنقاذ الجزائر من الهاو ية التي كانت تتجه إليها وتمنيت أن يكون السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي‬ ‫قادرين بالتعاون مع قيادات سياسية أخرى على تأمين الحد الأدنى من متطلبات النجاح في هذه العملية‬

‫ول كنهما فشلا في تحقيق ذلك‪ .‬فبعد عزل الرئيس وإلغاء المسار الانتخابي وحل البرلمان واعتقال الشيخ‬

‫عبد القادر حشاني كان من المفترض أن يكون يوم ‪ 09‬فيفري ‪ 1992‬آخر مناسبة للاحتجاج يدعو إليه‬

‫ع بد ا لرزاق ر جام ال ناطق الر سمي با سم الجب هة و يتم الت عاون ف يه مع ال سعيد مخ لوفي و من ان ضم إ ليهم من‬ ‫القوى السياسية للضغط على الانقلابيين بالتراجع عن مؤامرتهم‪ .‬ول كن تم تأجيل الموعد مرة بعد مرة إلى‬

‫أن اقتحمت قوات الأمن المنزل الذي كان السعيد مخلوفي ي جري فيه لقاءاته في منطقة أولاد إيعيش يوم‬

‫‪ 28‬فيفري‪ 1992‬وألقت القبض على النائب الأول للملياني المدعو حسان كعوان الذي وجد فيه بالصدفة‬ ‫واعتقلت صاحبة الب يت الحا جة غن ية‪ .48‬وق بل أن أتم كن من الت ّحق ّق م ما حدث كا نت فرق من ج هاز‬ ‫‪48‬‬

‫مجاهدة و رئيسة التنظيم النسوي التابع للجبهة الإسلامية للإنقاذ‬

‫‪62‬‬


‫الأمن الرئاسي تحاصر الأكاديمية العسكر ية لمختلف الأسلحة بشرشال و ضواحيها لتعتقلني وتنقلني إلى المكان‬ ‫المجهول المسمى مركز استنطاق الإسلاميين ببن عكنون‪.‬‬

‫ب عد اعت قالي وع لى مدى سنوات‪ ،‬ن صبت محك مة لنف سي وتتب ّ عت الق ضية من جذورها ومش ّ ْطتها‬

‫تم شيطا دقي قا لتحد يد الم سؤوليات في هذه التجر بة المر يرة وهي ّأ الل ّه لي أ سباب الل قاء بكث ير من العنا صر‬

‫الفاعلة في الأحداث قبل الاعتقال و بعده‪.‬‬

‫و لم أ كن في حا جة لمراج عة م لف الن ظام الجزا ئري و موقفي م نه لأ نه ا ستنفذ م ني ما ي قرب من‬

‫خم سة ع شرة عا ما لم يدخر في ها الع سكر يون ( م من عرفتهم أو سمعت عنهم ) ج هدا للإ صلاح والن صح‬ ‫والإخلاص ح سب ما تي سر ل كل وا حد منهم حتى استيقنت من أن شفاء الجزا ئر الوح يد والأو حد هو‬ ‫التخلص من هذا النظام بأي طر يقة‪ ،‬لأنه لم يكن يعيقها عن الحياة الطبيعية فحسب بل كان يقتات على‬ ‫ح ساب وجود ها ال مادي والمع نوي و ا لأدبي؛ وال شعب الجزا ئري في ظل هذا الن ظام سائر إ لى التخ لف‬

‫والزوال بخطى حثيثة‪ .‬ولذلك فإن موقفي لم يكن تمردا عارضا على القيادة العسكر ية أو خيانة لها ك ما يتهيأ‬

‫لبعض الناس‪ ،‬بل إنه امتداد طبيعي لموقف مؤسس ومخلص تعرفه القيادة العسكر ية المتغطرسة نفسها ك ما‬

‫يعر فه مع ظم ضباط وج نود ال جيش ا لوطني ال شعبي‪ .‬ف قد ك نت أع لن ع لى الم لأ وم نذ إرها صات الأز مة‬

‫الأولى أن أي محاو لة للانح ياز إلى هذا ال طرف السياسي أو ذاك خارج إ طار ال شرعية الد ستور ية سيفقد‬ ‫القيادة العسكر ية شرعيتها بموجب القانون و يعطي الحق لكل عسكري شر يف أن يجتهد في الوفاء لتعهداته‬

‫ال تي أق سم علي ها يوم تول يه م سؤولياته والمتمث لة في خد مة ا لوطن وتخل يد أم جاد ال شهداء واح ترام ال قوانين و‬ ‫النظم‪ .‬ولم يكن هذا الموقف بدافع من الانتصار لحزب بعينه بل كان حرصا على تمكين الشعب الجزائري‬ ‫من تحقيق التحول الجاري في نظام الحكم بالطرق السياسية السلمية التي تبناها الرئيس الشاذلي بن جديد‬

‫بعد مأ ساة اك توبر ‪ .1988‬وقد كان ع لى العدا لة العسكر ية أن تحاكم ال ضباط السامين ا لذين اع تدوا ع لى‬ ‫القا ئد ا لأعلى لل قوات الم سلحة وع لى ر ئيس الجمهور ية الجزائر ية ا لذي يم ثل ر مز ال سيادة الوطن ية و صمام‬ ‫الأمن والاستقرار بدلا من مقاضاة الضباط المرؤوسين الرافضين للغدر و الاستبداد والظلم والفساد‪ .‬وقد‬ ‫سألني قا ئد أ ركان ال جيش ال لواء قنايز ية ع بد الما لك عن سبب تدخلي في ا لأمور ال تي يعتبر ها هو من‬

‫اختصاص القيادة العليا وحدها فأجبته بكل وضوح‪ :‬لقد أمرتم الجيش بقمع الشعب في أكتوبر‪ 1988‬كما‬

‫كر ّرتم ذ لك في جوان ‪ 1991‬وك نا نع لم أن كم مخط ئين و ل كن د ستور ية ا لإجراءات وقانون ية التعلي مات‬

‫العسكر ية ر غم شكليتها أل ْز َم َان َا بالاجت هاد في تنف يذ الأوامر بأقل الأضرار‪ ،‬أما ال يوم فقد تم ّ ا لد ّوس ع لى‬ ‫الدستور والقانون معا فبأي شرعية تطالبون المرؤوسين من الضباط و الجنود بالتورط في هذه المغامرة؟‪...‬‬

‫ومع ذلك أك ّدتُ له بكل جدية بأننا سنبقى مستعدين للخدمة العسكر ية في صفوف الجيش الوطني الشعبي‬ ‫‪63‬‬


‫بكل صدق و إخلاص في هذا الظرف الصعب الذي تمر به بلادنا إذا تداركت القيادة الموقف وقدمت‬ ‫المصلحة الوطنية العليا على الطموحات الشخصية‪ .‬وسوف أعود إلى اللقاءات التي جمعتني بالقيادة العل يا‬

‫سنة ‪ 1992‬في حينها إن شاء الل ّه ليتأكد لكل ذي عقل أن الإرادة الشريرة للدوائر النافذة في تلك القيادة‬ ‫لم تكن تستهدف الحزب السياسي المسمّى الجبهة الإسلامية للإنقاذ كتنظيم بل كانت تستهدف القضاء على‬

‫الهو ية الوطنية الجزائر ية التي استعصت على جحافل الغزو الفكري والثقافي والعسكري للدولة الفرنسية الناز ية‪.‬‬

‫ل قد و صلت ب عد مراج عة متأن ية وتحق يق في الملاب سات ال تي صاحبت ظ هور الحركة الإ سلامية‬

‫المسلحة في الجزائر إلى حقائق مؤسسة على نظر دقيق في ملابساتها أجملها فيما يلي‪:‬‬

‫ل قد اعت مد ال سعيد مخ لوفي ونائ به ع بد ال قادر شبوطي في حملتهما لحماية الجب هة من غدر الن ظام في‬

‫صيف ‪ 1991‬ع لى مجمو عات من منا ضلي الجب هة الإ سلامية ومجمو عات أ خرى كان قد ج ندها من صوري‬

‫الملياني وبعة عز الدين وغيرهم ممن كانت لهم طموحات غير معلنة لا تتفق مع أهداف السعيد و صاحب ُه‪،‬‬ ‫و كان من المف ترض أن ت قوم هذه المجمو عات بالم ساعدة في ضبط الن ظام أث ناء الم ظاهرات وال تدخل‬ ‫ب ِشعارات خاصة لتفادي الصدام بين المحتجين والعسكر يين عند اللزوم‪ .‬كان هذا بمناسبة إضراب الجبهة في‬ ‫ماي ‪ .1991‬و ل كن الموقف في تلك المناسبة لم يتطلب تدخل هذه المجموعات‪ .‬باستثناء محاولة فاشلة‬

‫‪49‬‬

‫للمخابرات من أجل إحباط الاتفاق الذي حصل بين قيادة الجبهة و رئاسة الجمهور ية و ذلك عن طر يق‬

‫جماعة محيي الدين ور يث ال تي أرادت استغلال هذه الفرصة للقيام بعمل عسكري مع مجموعة من ضباط‬ ‫الصف على مستوى قيادة القوات البر ية بعين النعجة‪.‬‬

‫وقد فر ّ كثير من مناضلي الجب هة تجنبا للاعتقال بعد حملة القمع التي تعرضوا لها بعد الإ ضراب في‬

‫كل منهم مجموعات غير مسلحة التحق بعضها بالجبال و‬ ‫شهر جو يلية ‪1991‬والتحقوا بالسعيد مخلوفي الذي ش ّ‬

‫ب قي بع ضها في ال مدن ول كنهم عادوا كل هم من جد يد إ لى الع مل السيا سي ب عد ا لإفراج عن المعتق لين‬

‫وال سماح للجب هة ب خوض الانتخا بات في دي سمبر ‪ .1991‬بل إن ظ هور ر ئيس الجمهور ية شخ صيا ع لى شا شة‬

‫التلفز يون و تأكيده على تمسكه بتكريس إرادة الشعب بكل شفافية جعل قيادة الجبهة ممثلة في الشيخ عبد‬

‫القادر حشاني تتحفظ في التواصل مع السعيد و عبد القادر شبوطي فضلا عن غيرهم من المشبوهين‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫أثناء عملية الإضراب حاول محيي الدين إقناع الرقيب الأول مولاي علي الذي كان قائد مركز الحراسة الرئيسي بمقر‬

‫فيادة الاركان بعين النعجة بالقيام بعملية استيلاء على أسلحة و ذخيرة من مخزن الأسلحة و ل كن مولاي اتصل بي و‬

‫استشارني في الموضوع فحذرته من القيام بأي عمل مع هؤلاء الحمقى‪.‬‬ ‫‪64‬‬


‫أ ما عنا صر اله جرة و التكف ير المتطر فة ب شقيها المح لي و الأف غاني ف قد ا ستفزهم تر شيح الجب هة‬

‫لل كفاءات المثقفة في البرلمان و فوزها في الدور الأول من الانتخابات فغلبهم اليأس من فرض أنفسهم على‬

‫الجبهة سلميا فقرروا فرض الأمر الواقع عليها بالتآمر على صعيدين‪:‬‬

‫الأول تمثل في المبادرة إلى القيام بعمليات عشوائية لفرض الأمر الواقع و اختلاق حالة الحرب‬

‫قبل أوانها ومن هذه العمليات كمين نصبته مجموعة القصبة لدور ية الشرطة في شارع بوزرينة قام به محمد‬

‫علال و جماعته ثم الإغارة التي قام بها حسين متاجر وجماعته على مخزن الأسلحة التابع لفرقة الدرك في بني‬ ‫مراد و أخيرا ذ بح تسعة (‪ )9‬جنود في إغارة على الأمرالية البحر ية بالعاصمة بالتواطئ مع ثلاثة من ضباط‬

‫الصف العاملين بقيادة السعيد القارئ‪ .‬وقد استطاعت أجهزة الأمن رغم تدخلها المتأخر استرجاع أغلب‬ ‫الأسلحة المسروقة (على غرار عملية قمار) وقتل عدد من المشاركين في هذه العمليات واعتقال أغلبهم مما‬ ‫ساعدها من خ لال الا ستنطاق و الت عذيب ع لى ك شف و تفك يك شبكة المجمو عات المج ندة من طرف‬

‫السعيد مخلوفي والتي لا علاقة لها بما جرى في تلك الفترة بتاتا‪.‬‬

‫أما الصعيد الثاني الذي تحركت عليه هذه العناصر فقد تمثل في التآمر المباشر على السعيد مخلوفي‬

‫ل ضرب م صداقيته لدى ال شباب المج ندين م عه من منا ضلي الجب هة‪ .‬ف قد قام من صوري المل ياني بإي عاز من‬

‫المحي طين به من عنا صر التكف ير واله جرة و حل فائهم الأف غان بالإ شراف ع لى اجتما عات سر ية للط عن في‬

‫عدا لة ال سعيد مخ لوفي والت شكيك في علاق ته ب ضباط ال جيش و ضعف التزا مه بالمنهج ال سلفي و تحف ظه في‬ ‫التكفير واتفقوا على مبايعة الملياني كأمير لجماعتهم وطلبوا من السعيد وشبوطي وبعة عز الدين الانضمام‬

‫إليهم فرف ضوا‪ .‬و قد اعتمدوا في ترويج أ باطيلهم ع لى شباب أ غرار من الت يار ال سلفي وطل بة الع لم ال شرعي‬

‫العصاميين الطموحين للإمامة أمثال عبد الناصر علمي وأخيه عمر علمي واستغلوا موقف عبد القادر حشاني‬ ‫من السعيد بعد أحداث قمار‪ ،‬فاضطربت مواقف الشباب الذين سبق للسعيد تجنيدهم خاصة من ضواحي‬

‫العاصمة وتراجع أغلبهم عن التعاون م عه‪ .‬وقد حاول السعيد أن يستعيض عنهم بتوثيق التعاون مع قاسم‬ ‫تاجوري وعبد الرزاق رجام وحسين عبد الرحيم لاحقا ول كنهم خذلوه أيضا فبقي يراوح مكانه في الوقت‬

‫الذي كانت أجهزة الأمن جادة في اعتقال الشباب الذين سبق له تجنيدهم‪.‬‬

‫وفي الوقت الذي كانت إحدى خلايا ت حالف المل ياني مجتمعة في بلدية بن زرقة (حراقة) بتاريخ ‪6‬‬

‫في فري ‪ 1992‬داهمت ها فرق من قوات ا لأمن وأل قت ال قبض ع لى ب عض الحا ضرين وكان من ب ينهم نور‬

‫الدين (أمين سر الأمير محي الدين وريث) الذي أفاد مستنطقيه بكل واردة و شاردة عن جماعته وعلاقاتها‬ ‫وخاصة ما تعلق بالاجتماع الأخير‪.‬‬

‫‪65‬‬


‫التقى في هذا الاجتماع رؤساء خلايا الهجرة والتكفير العاملة في شرق العاصمة تحت إمارة محيي‬

‫الدين ور يث (واسمه الحقيقي محمد وارث) وكان معهم من العسكر يين ضابطا صف هما مولاي علي ومحمد‬ ‫قنوني كما حضر الاجتماع حسن حطاب ونائب الطيب الأفغاني المدعو زكر يا‪ .‬وقد تناول جدول الأعمال‬

‫التخطيط لأخذ المبادرة من السعيد مخلوفي حيث سيتم تنفيذ عمليات بالتعاون مع ضباط الصف الذين‬ ‫سبق لحسن حطاب الاتصال بهم سنة ‪ 1989‬و بدون علم السعيد مخ لوفي و لا عبد القادر شبوطي ولا‬

‫غيره من الضباط باعتبارهم طواغيت سابقين غير مؤتمنين على إدارة شؤون الدولة الإسلامية المزعومة‪ .‬وقد‬

‫قال محيي الدين ور يث للرقيب الأول مولاي علي‪ :‬ما الفائدة من جهادكم إذا كنتم ستبقون مرؤوسين في‬ ‫ظل الدو لة الإ سلامية الجد يدة لنفس الق يادة ال تي تحكم كم في دو لة ال طاغوت؟ ف قال له مو لاي‪ :‬ل قد‬

‫استشرت النقيب شوشان في المبادرة إلى استعمال السلاح من قبل فقال لي‪ :‬إذا بادر أي واحد منكم إلى‬

‫استعمال السلاح بدون استشارة فسأطارده بنفسي ومن كان ضامنا لمكانه في الجنة اختصرت له الطر يق‬

‫إلي ها بطل قة في ا لرأس‪ ( .‬هذا ما صرح به المر شح خل يل ع بد ال قادر في مح ضر ا ستنطاقه واعت بره سفهاء‬

‫المخابرات حجة لإثبات إمارتي لجيش إسلامي داخل الجيش الوطني الشعبي)‪.‬‬

‫ومن المعلومات التي أفاد بها نور الدين أجهزة المخابرات إسم الشاب طاجين ناصر الطالب الضابط‬

‫في المدرسة العليا للمهندسين ببرج البحري والذي كان أول من اعتقل من العسكر يين‪ .‬وقد احتاط الأمن‬

‫العسكري جيدا لعملية اعتقاله إذ نظم أمرا بمهمة لهذا الطالب خارج المدرسة ثم اختطفه واستنطقه دون‬ ‫أن يشعر به أصحابه‪ .‬ثم قاموا بتتبع هادئ وذكي لجميع عناصر الخلية التي كانت تنشط في مدرسة المهندسين‬

‫بالتعاون مع محمد وارث دون أن أعلم أنا شخصيا عن هذه الخلية شيئا قبل اعتقالي‪ .‬ل كن طاجين ناصر و‬

‫المرشح عبد القادر خليل كانا على علاقة مع الرقباء الأوائل مولاي علي ومحمد قنوني وسوالمية محمد الأمين مما‬

‫سهل على المخابرات وضع خطة محكمة ألقي القبض فيها على أكثر من سبعين ضابط و ضابط صف دفعة‬

‫واحدة أغلبهم من القوات الخاصة تم ّ الإفراج عن بعضهم فيما بقي أكثر من ستين رهن الاستنطاق لمدة‬ ‫أسابيع‪.‬‬ ‫أما على المستوى المدني فبعد إلقاء القبض على نور الدين تمكنت أجهزة الأمن من تحديد الهو ية‬

‫التي تنكر فيها المدعو زكر يا من جماعة قمار وجدّت في مطاردته إلى أن اعتقلته في مطار غارداية واستفادت‬ ‫من استنطاقه المأوى الذي يختبئ فيه الطيب الأفغاني في بلدية قمار بمنطقة الوادي ونظام حراسته مما سهل‬

‫عليها الإغارة عليه واعتقاله بعد اغتيال حارسه المدعو بشير‪ .‬كما استفادت من استنطاق نور الدين معلومات‬ ‫هامة مكنتها من تفكيك المجموعات الموالية للسعيد بالغرب الجزائري واعتقال المسؤول عنها المدعو النيل‬

‫مح مد ومعر فة الم كان ا لذي تتم ف يه الل قاءات فاقتحم ته يوم ‪ 28‬فبرا ير‪ 1992‬بأو لاد ي عيش واعتق لت ف يه‬ ‫‪66‬‬


‫النائب الأول للملياني المدعو حسن كعوان الذي كشف تحت التعذيب عن مشار يع الملياني و طموحاته و‬

‫علاقته بالسعيد ومن معه‪.‬‬

‫وع ندما التق يت بال سعيد مخ لوفي يوم ‪ 29‬في فري‪ 1992‬كان محب طا جدا واق ترح ع لي ال فرار من‬

‫الجيش تفاديا للاعتقال الجزافي الذي يستهدف الإسلاميين من طرف المخابرات وتشكيل معارضة مسلحة‬ ‫بالتعاون مع من أثق فيهم من ضباط الجيش على أن يهيأ لأهلي خروجا آمنا من الجزائر‪ .‬لقد كانت تلك‬

‫الكل مات آ خر ما سمعته من ا لأخوين ال سعيد مخ لوفي وع بد ال قادر شبوطي وكا نت لي لة ال فاتح من‬ ‫مارس‪ 1992‬في بيت على سفوح جبال الشر يعة المطلة على العاشور أحسست من خلالها بخيبة أملهما‬

‫أمام تطورات الأحداث رغم وفائهما وإخلاصهما فكان جوابي لهما صر يحا ووا ضحا وما زلت أذكره‪ .‬لقد‬ ‫ق لت‪ :‬ل قد التقي نا من أ جل تجن يب شر يحة وا سعة من شعبنا إ بادة جماع ية و قد تمك نا إ لى حد ا لآن من‬

‫تعطيل ها وأ نا لن أف قد الأ مل في تحق يق ذ لك‪ .‬أ ما إذا فر ضت ع لي هذه ال حرب ال قذرة فإنني أف ضل أن‬

‫أكون فيها عبد الل ّه المقتول لا عبد الل ّه القاتل‪.‬‬

‫و في يوم ‪ 2‬مارس ‪ 1992‬أرسلت الرقيب الأول علي شارف في إجازة لتفقد باقي العسكر يين في‬

‫مختلف الوحدات القتالية لإطلاعهم على تطورات الأحداث تجنبا لوقوعهم في المحظور‪ .‬وأثناء خروجه من‬ ‫الأكاديم ية الع سكر ية لمخت لف الأ سلحة بشر شال تم اختطا فه من طرف ا لأمن الع سكري في إ طار الخ طة‬

‫المعتمدة بناء على استنطاق الرقيب الأول محمد الأمين سوالمية وطاجين ناصر‪ .‬وباستنطاق الرقيب الأول‬ ‫شارف ع لي وصلت تحر يات المخابرات إلى النقيب أحمد شوشان يوم الثلاتاء ‪ 3‬مارس ‪ 1992‬وو ضعت‬

‫النقيب بن زمرلي احمد والملازم الأول زلة نعمان والنقيب حلفاوي محمد وضباطين آخرين من المحافظين‬ ‫ت حت المراق بة وب عد ا ستنطاقهم تأ كدت الق يادة الع سكر ية أن غالب ية ال ضباط المرؤو سين يتقا سمون ن فس‬

‫القناعات و المواقف من تصرفات القيادة وأن الاعتقال على هذا الأساس سيحدث أزمة داخل المؤسسة‬ ‫العسكر ية فقررت توقيف الاعتقالات وحصر التحقيق والاستنطاق في أنصار المشروع الإسلامي المعروفين‬

‫وإطلاق سراح الباقين فاستقر الأمر على تسعين عسكري أغلبهم ضباط صف و منهم ‪ 24‬ضابطا بين ملازم‬

‫ونقيب‪.‬‬

‫وبعد اعتقال مجموعة من أنصار المشروع الإسلامي داخل الجيش و تشديد الرقابة على العسكر يين‬

‫بدون ا ستثناء و حل الجب هة الإ سلامية للإن قاذ أ صبح الإع لان عن الحركة الإ سلامية الم سلحة ضرورة‬

‫لمقاومة الإرهاب الذي تمارسه السلطة العسكر ية و ل كن السعيد مخلوفي وجد نفسه أمام الأمر الواقع وكان‬

‫ظ ا‪ ،‬لأن أعوا نه نج حوا في ت ضليل ال شباب‬ ‫من صوري المل ياني أ ْوف َر عنا صر الحركة الإ سلامية الم سلحة ح ّ‬ ‫‪67‬‬


‫المت طوع لح مل ال سلاح و أوه موهم بأن المل ياني يم ثل الج ناح ال سلفي في ق يادة الحركة وأ نه الر جل الم يداني‬

‫المناسب لقيادة الجهاد فاجتمع حوله خليط من عناصر الهجرة والتكفير والمنتسبين للأفغان ولفيف من‬

‫الراتعين في مراعي الانحراف الخلقي والمغرورين من أبناء التيار الإ سلامي في محاولة لفرض أنفسهم على‬ ‫قيادة الحركة‪ .‬ل كنه لم يلبث أن وقع الملياني في شباك الأمن واعتقل هو و حوالي ‪ 400‬من أتباعه ليقوم‬ ‫عناصر الهجرة والتكفير بعده بتشكيل مجموعاتهم المسلحة المستقلة والتي كانت أهمها مجموعة محمد علال المدعو‬

‫"ليفيي"‪ .‬و قد انتهت إمارتها إلى عبد الحق لعيايدة الذي أعلن رسميا عن تأسيس الجماعة الإسلامية المسلحة‬

‫سنة ‪.1993‬‬

‫أما السعيد فقد تنازل عن إمارة الحركة الإ سلامية المسلحة لعبد القادر شبوطي واكتفى هو بقيادة‬

‫مجموعا ته الم سلحة المنت شرة في منط قة مف تاح وخ ميس الخ شنة و بومرداس و ت يزي وزو وال تي تن شط ت حت‬ ‫شعار حركة الدو لة الإ سلامية ثم انت قل ب عدها إ لى منط قة ب شار‪ .‬و ب قي ع بد ال قادر شبوطي وف ِي ّا لمباد ئه‬

‫ورفض الانضمام لإمارة الملياني لعلمه أنه غير مؤ هل لمثل تلك المسؤولية من جهة ولأن البطانة المحي طة‬

‫بالمل ياني حدي ثة ع هد با لالتزام و لا حظ ل ها من الترب ية والع لم وال شرعي ز يادة ع لى ما هي عل يه من شبهة‬

‫التكفير والهجرة‪ .‬وقد بقي مرابطا إلى أن توفاه الل ّه بين مجموعة من الجزائر يين الشرفاء بداية سنة و ‪1994‬‬ ‫دفنه جمال أمير جماعة الاربعاء بالقرب من الشّبلي‪ .‬أما عز الدين بعة فقد قتلته الجماعة الإسلامية المسلحة‬

‫التي اغتالت بعد ذ لك السعيد مخلوفي ونخ بة من خيرة أب ناء الحركة الإ سلامية ب تواطئ مفضوح مع دوا ئر‬ ‫أمن ية م ما ج عل قوا عد الم قاتلين تت مرد ع لى قيادات ها الم شبوهة و ي قوم بع ضها بق تل ج مال زي توني لتنق سم هذه‬ ‫الجما عة إ لى كيا نات م ستقلة يقا تل بع ضها بع ضا‪ .‬و من المجمو عات ال تي ظ هرت في هذه المرح لة من تاريخ‬

‫الازمة‪:‬‬

‫‪1‬‬

‫الجماعة السلفية للدعوة و القتال بقيادة حسن حطاب‬

‫‪ 2‬رابطة الدعوة والجهاد بقيادة سيد علي بلحجر‬ ‫‪ 3‬كتيبة الأهوال بقيادة عبد الرحيم‬ ‫‪ 4‬الجماعة الاسلامية المسلحة في الشرق بقيادة عبد الرشيد‬ ‫‪ 5‬حركة الباقين على العهد بقيادة عبد الرحمان ابي جميل‬ ‫‪ 6‬الجماعة الاسلامية المسلحة بقيادة عنتر زوابري بعد مقتل زيتوني‬

‫‪68‬‬


‫‪ 7‬جماعة حماة الدعوة السلفية لاتباع رابح قطاف‬ ‫‪ 8‬جماعات أخرى نسبت إلى قيادتها الميدانية المحلية في الجنوب و الغرب خاصة‪.‬‬

‫‪69‬‬


‫الجزء الرابع‬ ‫الدور الحقيقي لجهاز المخابرات في الأزمة الوطنية‬

‫الإعتقال‬ ‫مركز التعذيب والاستنطاق ببن عكنون‬ ‫أسبوعين من التحقيق لدى جهاز المخابرات‬ ‫في ضيافة المدرسة التطبيقية لتدريب ضباط الاحتياط بالبليدة‬

‫‪70‬‬


‫الاعتقال‬ ‫كا نت ال ساعة ت شير ا لى الخام سة ب عد الظ هر من يوم ‪ 3‬مارس ‪ ،1992‬خر جت من م سجد‬

‫الأكاديمية العسكر ية لمختلف الأسلحة بشرشال بعد أن صل ّيت العصر و توجهت إلى مكتب الرائد عبد الحميد‬

‫مسؤول أمن الجيش الملحق بالأكاديمية والذي كان بيني وبينه موعد سابق في إطار المتابعة العادية لملفات‬

‫المرؤوسين‪.‬‬

‫دخلت المكتب فوجدت معه مجموعة من الضباط بالز ّيّ المدني والذين كان بعضهم يراقب تحركاتي‬

‫منذ أن كنت خارج المبنى و ل كنني لم أع ِ ْره ُ اهتماما‪ .‬بادرني الرائد عبد الحميد قائلا على غير عادته‪ :‬حضرة‬ ‫النقيب القيادة العليا في العاصمة تطلبك وقد بعثوا فرقة من ضباط الأمن الرئاسي ليرافقوك‪ .‬قلت ‪ :‬خيرا إن‬

‫شاء الل ّه‪ .‬فقال لا أحد يعرف‪ ،‬حتى قائد الأكاديمية العميد غدايدية لم يتمكن من معرفة السبب‪ .‬قلت‪ :‬إذن‬ ‫أذهب إلى البيت لأغير ثيابي (كان هذا المشهد خارج وقت العمل الرسمي) فنظر إلي الرائد عبد الحميد و‬ ‫قال ب تردد‪ :‬ح قك ع لي ك ضابط شر يف لم أ عرف ع نك إ لا الخ ير أن أف عل أي شيء تطل به م ني متع لق‬

‫بخ صوص أه لك و أو لادك و لا يمكن ني أن أف عل أك ثر من ذ لك‪ ...‬وه نا تدخل ر ئيس فر يق ا لأمن‬ ‫الرئاسي العقيد بن عبد الل ّه قائلا‪ :‬لا حاجة لهذا الكلام فالوقت داهمنا وقد تم إخلاء ساحات الأكاديمية‬ ‫تماما ويجب أن تصحبنا بهدوء لا نر يد لفت انتباه أحد‪ .‬في نفس الوقت تقدم نحوي ضابطين في يد كل‬

‫منه ما م سدس في و ضعية ق تال في ما اق ترب الثا لث لي ضع الق يد في يدي اليم نى وي شده إ لى يده الي سرى‪.‬‬

‫عندها تأكدت بأن الأمر متعلق بعلاقتي بالسعيد مخلوفي و عبد القادر شبوطي و ل كنني لم أشعر بأي فزع‬ ‫من ذلك الموقف الصعب‪ ،‬لأنني كنت مؤمنا بأن ما قمت به لم يخرج في جوهره عن إطار الواجب الوطني‬

‫الذي لا خيار لي في القيام به حتى و إن خالفت من الناحية الشكلية الإ طار القانوني الذي لم يصبح في‬

‫تصوري قادرا على حماية الجزائر من المؤامرة الخسيسة التي تتعرض لها من داخل قيادة الجيش نفسها‪...‬‬ ‫خرجت معهم من المكتب دون تعليق لنجد ثلاث سيارات مدنية من نوع (جيتا) توقفت الوسطى أمام‬ ‫عت بة المك تب لن ندفع في ها وو جدت نف سي بين ال ضابطين م شدود ال يدين إليه ما في ما و جه الثا لث سلاحه‬ ‫صوبي من المقعد الأمامي‪ .‬إنطلقت بنا السيارات الثلاث بسرعة جنونية عبر الطر يق الساحلي الرابط بين‬

‫شرشال والعاصمة‪ .‬وكانت مجموعات الإسناد وتأمين المسير منتشرة عبر الطر يق‪ ،‬كلما مررنا بإحداها بل ّغت‬ ‫عن سير المه مة‪ .‬و قد ك نت مع صوب العي نين ول كن ني ك نت أ سمع جم يع الت قارير ال شفو ية لأن شبكة‬

‫الاتصال كانت على نظام الدارة المفتوحة‪ .‬فبعد أن قطعنا مسافة قصيرة على الطر يق السر يع انعطفنا إلى‬

‫بلدية مفتاح حيث تم تغيير الفر يق المرافق ون ُقلتُ إلى عربة شحن مدرعة (صندوق فولاذي) لتنتهي بي‬

‫الرح لة ب عد أ قل من ساعة إ لى مركز ا ستنطاق الإ سلاميين ببن عك نون ح يث اكت شفت حقي قة ال سلطة‬ ‫‪71‬‬


‫الفعلية في الجزائر وتعرفت على طبيعة عناصرها وحاورتهم وجها لوجه بدون وساطات ولا أقنعة واتخذت‬

‫منهم موقفا مبدئيا‪ .‬إنهم ليسوا تنظيما إرهابيا بالمعنى السياسي فقط وإنما هم عصابة من نوع المافيا بالمعنى‬

‫التام للكلمة‪ ،‬وهذا ما قلته لهم بالحرف الواحد عندما كنت بين مخالبهم‪.‬‬

‫‪72‬‬


‫مركز التعذيب والاستنطاق ببن عكنون‬

‫‪50‬‬

‫لن أتعرض إلى تفاصيل هذا المركز وإنما أكتفي بما لا بد منه لتوثيق الانزلاق الذي تهاوت فيه‬

‫الجزائر بعد تفكيك مؤسسات الدولة الشرعية‪.‬‬

‫إن هذا المركز مؤسسة رسمية أنشئت بعد إعلان الجبهة عن مشاركتها في الانتخابات التشر يعية في‬

‫ديسمبر ‪1991‬على أنقاض ما كان يسمى المركز الرئيسي العسكري للتحر يات ‪ CPMI‬وهو مصدر السلطة‬ ‫بالنسبة للمدير ية العامة للوقاية والأمن و له شبكة من المراكز الفرعية في مختلف النواحي العسكر ية تبسط‬

‫ن فوذه الإر هابي ع لى الجزا ئر كل ها دو لة و شعبا و وط نا‪ .‬و تم تع يين الم قدم نا صر رئي سا مؤق تا ع لى هذه‬

‫المؤسسة خلفا للعقيد فارس‪ 51‬الذي كان يديرها منذ نشأتها‪ .‬و ناصر هذا ضابط لا قيمة للشرف ولا للد ّين‬

‫ولا للوطنية عنده إلى درجة جعلتني أعلن في جلسة م حاكمتي العسكر ية و بدون تحفظ بأنه يستحق الإعدام‬ ‫لأنه يشكل خطرا على أبسط معاني الإنسانية‪ .‬و منذ شهر أفر يل ‪ 1992‬تم تعيين المقدم عثمان طرطاق أو‬

‫أيوب و هو الاسم الحركي للواء بشير صحراوي الذي عينه الرئيس عبد العز يز بوتفليقة رئيسا للأمن الداخلي‬ ‫سنة ‪ 2011‬و هو المرشح لخلافة الفر يق محمد مدين على رأس جهاز المخابرات الجزائر ية رغم أن كل الجرائم‬

‫الفظيعة في الجزائر وقعت عندما كان هذا الضابط على رأس هذه الورشة الدمو ية التي تم تجميد عملها ابتداء‬ ‫من سنة ‪ 2001‬بعد انكشاف أمرها ليتم ّ تفكيكها تماما سنة ‪ 2004‬في محاولة لمحو آثار جريمة الحرب التي‬

‫تورطت فيها هذه السلطة الخائنة في حق الشعب الجزائري‪.‬‬

‫و ل كن كل الرؤوس المجرمة لهذه المؤسسة الرئيسية و فروعها تمت إعادة نشرهم من جديد في‬

‫موا قع النفوذ خا صة في ج هاز الم خابرات اب تداء من مارس سنة ‪ 2011‬ب عد ال ثورات ال شعبية ال تي سميت‬

‫بالربيع العربي‪.‬‬

‫و ر غم أن ضباط هذا المركز كانوا يمل كون سلطة مطل قة في الجزا ئر تمك ّ نهم من ا ستخدام جم يع‬

‫وسائل الدو لة الماد ية و المعنو ية و القانون ية و الب شر ية كما ي شاؤون دون ح سيب و لا رق يب‪ ،‬إلا أن الآ لة‬

‫الجهنمية التابعة مباشرة للمؤسسة كانت تعتمد على‪:‬‬ ‫‪50‬‬

‫قال لي النقيب جرو الذيب جابالل ّه أحد نواب قائد المركز‪ :‬أنت في مركز استنطاق الإسلاميين و ل كنني لم أسمعها من‬

‫غيره‪ .‬و أكد لي كل ضباط المخابرات الذين التقيت بهم لاحقا بأن اسمه الرسمي هو المركز الرئيس العسكري للتحر يات‬ ‫‪CPMI‬‬

‫العقيد فارس هو كنية الرائد بلبحري الذي كان رئيس المركز قبل أن يخلفه المقدم ناصر مؤقتا في انتظار استلام المقدم صحراوي بشير المدعو عثمان‬ ‫‪51‬‬

‫طرطاق قيادة المركز رسميا ابتداء من افر يل ‪1992‬‬

‫‪73‬‬


‫‪1‬‬

‫مجموعات التدخل السر يع التي تسمى سرايا الموت و التي وضعتها المدير ية العامة تحت تصرفهم‬

‫المبا شر‪ .‬و هي ع بارة عن م فرزات خا صة تل حق بمجمو عات ال تدخل ال سر يع للق يام بعمل يات الاقت حام‬

‫والاخت طاف وعمل يات تط عيم ال حرب‪ .‬و يعت مد أسا سا في ت شكيل هذه ال قوات ع لى مج ندين من عنا صر‬

‫القوات الخاصة بدأ تحو يلهم إلى صفوف الأمن منذ سنة ‪ 1990‬أو عملاء سابقين للمخابرات يتم تدريبهم‬ ‫بعد تور يطهم في جرائم و قضايا فساد‪..‬بل لقد بلغني من داخل الدائرة الضيقة لهذه الورشة الجهنمية أن‬ ‫هذه الهيئة الإرهابية تستعمل بعض المرتزقة من أصول فلسطينية و صحراو ية تمت تنشئتهم في الجزائر تحت‬

‫إشراف محترفين من ضباط المخابرات‪ .‬و قد شاركوا في اشتباكات عديدة مع مصالح أمنية أخرى من أجل‬

‫تأمين انسحاب الجماعات المسلحة التابعة لجهاز المخابرات عندما تقع في اشتباك غير محسوب مع وحدات‬

‫الشرطة و الدرك و الجيش‪ .‬كما أن ح ضورهم في بعض مجازر ال سجون في باتنة وسركاجي والبرواق ية و‬

‫بو غار غ ير م ستبعد‪ .‬و لا أعت قد أن أ حدا غ يرهم قادر ع لى تنف يذ عمل يات إجرام ية بال ك فاءة العال ية ال تي‬ ‫ح صلت ب ها الم جازر في ضواحي العا صمة أو عمل يات اغت يال قا صدي مر باح و مح مد بو ضياف‪ .‬وا ستعمالهم‬

‫الل ّثام أثناء تنفيذهم للمهام القذرة لن يمنع من تحديد هو ياتهم ما دام بعض ضباطهم الرئيسيين المشرفين‬

‫على مهامهم القذرة معروفين بأسمائهم و سيرتهم الذاتية ابتداء من الفر يق محمد مدين و اللواء سماعين لعماري‬

‫و اللواء ك مال عبد الرحمان و اللواء بشير صحراوي وانتهاء بالعقيد عبد القادر حداد المعروف بناصر الجن و‬

‫اللواء جبار مهنا‪ ...‬و غيرهم من الثعابين العقداء الذين ي خادعوا شعبا كاملا بشخصياتهم المدنية في الوسط‬ ‫الجامعي و الثقافي و الدبلوماسي‪.‬‬

‫‪ 2‬مصلحة الاستنطاق و الضبطية القضائية‬ ‫و هي ع بارة عن مجمو عات من ال ضباط الأ حداث ال مؤطّ رين بال قدامى من إ طارات أ من الدو لة‬

‫المنحل متخصصة في التعذيب والاستنطاق‪ .‬و يتم تكوين هؤلاء الضباط في أكاديميات ذات تاريخ عريق‬ ‫في ا لأمن ع لى مدى خ مس سنوات ب عد الثانو ية العا مة ليتخر جوا مهند سين تطبيق يين في ف نون الت عذيب‬

‫والاستنطاق وتحرير المحاضر المدينة لضحاياهم بتهم يحار فيها القضاة (هكذا قدم لي الرائد جرو الذيب جاب‬

‫الل ّه نقيبا مهندسا في التعذيب منهم) و رغم الفرق التنظيمي بين المصلحتين إلا أن الضباط يتداولون على‬ ‫ضحاياهم في نفس الزمان و المكان حتى يصعب التمييز بين المسؤول عن الضبطية القضائية و المسؤول عن‬

‫الا ستنطاق‪ .‬و من خ لال م تابعتي ل سير عمل ية ا ستنطاقي ت بين لي أن ر ئيس م صلحة الا ستنطاق في شهر‬

‫مارس ‪ 1992‬كان النق يب جرو ا لذيب جاب الل ّه و ر ئيس م صلحة ال ضبطية الق ضائية كان الرا ئد ع بد‬

‫القادر غانم و هذين الضابطين رغم تواضع رتبتهما إلا أنهما كانا السلاح الذي ارتكب به جهاز المخابرات‬

‫‪74‬‬


‫جرائم التصفية في حق آلاف الجزائر يين خاصة الرائد عبد القادر الذي كان يتطوع للتواجد في كل مكان‬

‫تشتم فيه رائحة الدم و كان طرفا في أغلب الأعمال القذرة التي ارتكبتها هذه المؤسسة المارقة‪.‬‬ ‫‪ 3‬خلية الأركان‬

‫أما خلية أركان المركز فمكونة من ضباط من مختلف الأسلحة تابعين لمدير ية أمن الجيش مؤهلين في‬

‫التخطيط والمتابعة لعمليات القمع وتفر يق الجماهير والمطاردة و قد تلقى أغلبهم دورات تدريبية خاصة في‬ ‫إيطال يا و يوغ سلافيا والولا يات المت حدة الأمريك ية‪ .‬و يزود م قر الخل ية بمنظو مة معت برة للإع لام الآلي ت تابع‬

‫عليها ملفات الهيئات والأشخاص من رئيس الجمهور ية إلى أحقر معني بالأمن في الجزائر‪ .‬وعلى جدران المقر‬ ‫مخطط بياني دقيق لانتشار نقاط ومراكز المراقبة التابعة للمدير ية العامة للوقاية والأمن بمنطقة الجزائر العاصمة‬ ‫و ضواحيها إلى البليدة‪ .‬و كان على رأس هذه المصلحة رئيس المركز السابق الرائد بلبحري المدعو العقيد‬ ‫فارس الذي كان كثيرا ما يساعد مرؤوسيه في تعذيب الضحايا بكلامه البذيء‪ .‬و هذه المصلحة هي التي‬ ‫تدير حركة الجوا سيس و العم لاء في كل م كان و توزع ع ليهم الم هام ح سب ما يقت ضيه المو قف‪ .‬و قد‬

‫لاحظت أن أكثر من ‪ 11‬نقطة جوسسة ت حيط بمسجد السنة في باب الواد وحده‪ .‬و قد كان الجواسيس‬ ‫و العم لاء يدخلون علي نا في مركز الت عذيب بل حاهم و ث يابهم الأفغان ية بدون تحفظ عا ئدين من الم هام ال تي‬ ‫نفذوها بقوائم اسمية يقدمونها لفرق الموت لتقوم باختطاف الضحايا‪.‬‬

‫و يعت بر هذا المركز أع لى هي ئة أمن ية في الجزا ئر وأ قدر سلطة ع لى محا سبة ا لآخرين وم عاقبتهم بدون‬

‫استثناء من رئيس الدولة إلى أبسط أفراد الشعب‪ .‬وهي المؤسسة الوحيدة التي تستمد شرعيتها من نفسها‬ ‫ولا تح تاج لتبر ير ما تفعل‪ .‬بل إنها الفا عل المج هول الذي لا يترك أ ثرا ولا يمكن إث بات و جوده إلا من‬ ‫طرف من يعرف العاملين فيه بأعيانهم‪ .‬ومع ذلك فإن المسؤول الأعلى المشرف تنظيميا على هذا المركز‬

‫اعترف لي في مناسبة أخرى بأن هناك دوائر أمنية تابعة للدرك والشرطة والجيش تملك هامشا للمبادرة فيما‬ ‫لا يتعارض مع إرادة هذه المؤسسة السي ّدة‪.‬‬

‫إن هذه السيادة هي التي شجعت المدير العام للمخابرات المتحالف مع نزار سنة ‪ 1991‬على المجازفة‬

‫باختطاف قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ رغم ما يشكله ذلك من خطر الانزلاق إلى المواجهة مع ملايين‬

‫الإ سلاميين وإر غام ال شاذلي بن جد يد ع لى الا ستقالة سنة ‪ 1992‬ر غم مخالف ته للد ستور واعت قال ال لواء‬ ‫بلوصيف سنة ‪ 1987‬رغم ما يشكله من خيانة لثورة التحر ير واستقدام بوضياف وإقالة الفر يق المختلط من‬

‫العمداء الذي نفذوا الإنقلاب سنة ‪ 94‬وتجر يد اللواء العماري محمد من مهامه مداراة لبوضياف والسماح‬ ‫بتعيي نه قا ئدا أع لى ب عد مق تل بو ضياف وتن صيب زروال وا لإذن له بمفاو ضة عبا سى مدني ثم إل غاء‬ ‫‪75‬‬


‫المفاوضات على لسان أو ي حي وإقالة زروال ثم أخيرا تنصيب بوتفليقة رئيسا ‪ 1999‬وتكليفه بتنفيذ مشروع‬

‫الوئام المدني والذي سي ُل ْغ َى إذا لم يساهم في تكريس سيادة جهاز المخابرات الذي لا ي ُسأل عما يفعل‪.‬‬

‫إن هذا المركز ليس له عنوان رسمي ولا يتعرف على وجوه الزبانية العاملين فيه غير ضحاياهم الذين‬

‫من المفترض أن لا يعرف مصيرهم أحد بعد دخول المركز‪ .‬ول كن من طرائف تجربتي المريرة أنني أعرف‬ ‫بعض الضباط العاملين في هذا المركز معرفة جيدة قبل اعتقالي وأشرفت على تدريب بع ضهم ومع أنهم‬

‫م ُوق ِنون من براء تي إ لا أن مح ضر ا ستنطاقي كان مثق لا بثلا ثة ع شرة مادة للح كم بالإ عدام ح سب قانون‬

‫القضاء العسكري‪.‬‬

‫إن أخطر ما يتميز به العاملون في هذا المركز هو اقتناعهم الرا سخ بأن ما يقومون به عمل غير شر يف‬

‫ومخالف للقانون ومضاد للمصلحة العليا للجزائر فضلا عن مخالفته للقيم الإنسانية‪ .‬فهم لا يعذبون ضحاياهم من‬ ‫أ جل ا ستنطاقهم لج مع المعلو مات وتحر ير المحا ضر ف قط بل إن هم ي جدون لذة في ت عذيب ضحاياهم ج سديا‬ ‫ومعنو يا ونفسيا فيمكنك أن تتصور أي مشهد خسيس فيه إهانة للنفس البشر ية وإهدار ل كرامة الإنسان‬

‫ص حون عن حقيقتهم التي لا‬ ‫لتجد أبشع وأخس منه في هذا المركز‪ .‬كما أن الضباط المشرفين على التسيير ي ُف ِ‬ ‫يجرأون ع لى إظهار ها خارج ح صنهم في بن عك نون‪ .‬فالجزائر ع ندهم لي ست سوى م صدر استرزاق‪ .‬أ ما‬ ‫الولاء فهو لمن يدفع أكثر ولا يهمهم أن يكون م َنْ ولا م َاذا يريد‪ .‬فقد قال لي الرائد عبد القادر غانم بكل‬

‫ج ّد ية و إصرار و على مسمع من العقيد اسماعين العماري و المقدم بشير صحراوي و النقيب جرو الذيب و‬ ‫النق يب ع بد ال نور المزا بي أن م صير الجزا ئر لا يع نيهم والم هم ع ندهم أن ي حافظوا ع لى الامت يازات ال تي‬ ‫اكتسبوها وأنهم مستعدون من أجل ذلك أن ينفذوا أوامر فرنسا أو إسرائيل‪ .‬كما أنهم لا يخفون حقدهم‬

‫ع لى أمجاد الجزا ئر وتار يخ ها ف هم ي سب ّون كل ما يمت ل ثورة التحر ير ب صلة سبا شنيعا لا ي ستثنون قيما و لا‬

‫شهداء ولا مجاهدين بل يشتمون الشهداء الأبطال بالاسم إمعانا منهم في الحقد وإيمانا منهم في ذلك الموقف‬ ‫بأنني أمث ّل الخل َ َف الشرعي لأولئك الشهداء الأمجاد المتشبثون بالقيم الوطنية‪ .‬لقد كان ضحاياهم يستغيثون‬

‫ل ه ُب َلْ "‪ .‬هذا‬ ‫بالل ّه وينطقون بال شهادة تحت الت عذيب المميت فتبلغ ب هم النشوة مداها وهم يصرخون "أع ْ ُ‬

‫ليس مشهدا خياليا و إنما هو وا قع عاشه الرقيب شارف الازهر على مرأى و مسمع من زملائه المصْ لوبين‬

‫حوله و هو ينطق بالشهادة و كان جلادوه بما فيهم عبد القادر و عبد النور يردّون عليه‪ :‬أعل هبل!!!‪ ...‬لقد‬

‫كا نت بي ني و بين هؤ لاء الو حوش جو لات سجال حاولوا في ها ا ستنطاقي بالت عذيب و التهد يد و الوع يد‬ ‫فاستنطقتهم باستخفافي بالموت وسبرت غورهم بالتحدي وأنا أشهد جازما و إلى اليوم بعد عشرين سنة من‬

‫الحادثة؛ أن أولئك الزبانية في حالهم التي كانوا عليها كفّار بالل ّه و بالوطن وبالشعب وبالإنسانية وأن النظام‬ ‫الذي يقوم على مثل هؤلاء لا يمكن أن يكون سوى نظاما إرهابيا لا أمن فيه ولا أمان وأن أيّ محاولة‬ ‫‪76‬‬


‫لإصلاح الدولة في ظل وجود هؤلاء الشواذ خارج طائلة المساءلة والقانون تضييع للوقت وإهدار للجهد‬ ‫بدون طائل‪ ،‬وقد قلت لهم ذلك وأنا تحت سطوتهم الهمجية وبصوت مرتفع جعل الرائد عبد القادر غانم‬

‫يضربني بحقد شديد على عاتقي بهراوة ضخمة ضرْ بة ً مازِل ْتُ أشعر بألمها بعد أكثر من عشرين عاما‪ .‬إن هذا‬ ‫الت شخيص مب ني ع لى ما سمعته بأذني ورأي ته بعي ني وع شته بنف سي في ت لك الف ترة الكال حة من ا لزمن وأ نا‬

‫أعرف المعنيين بأشخاصهم ولا أحمل لهم حقدا رغم كل ما حصل بل إنني تمنيت أن يكون لهم فيما آلت‬

‫إليه الجزائر من الخراب عبرة وأن يتداركوا أنفسهم بالإصلاح والتو بة قبل أن تجري عليهم سنة الل ّه التي لا‬

‫طلها مراسيم البشر و ل كن كما قال الشاعر‪:‬‬ ‫تع ّ‬

‫لقد أسمعتَ لو ناديتَ حي ّا ***** و ل كن لا حياة لمن تنادي‬ ‫و قد بلغني من عقيد داخل قيادة المخابرات أنني منذ أن تحدثت عن حقيقة هذا المركز و ما يجري‬

‫فيه و كشفت أسماء القائمين عليه فإن القيادة العسكر ية قامت بمحو آثاره تماما بح يث لا يمكن تعقب آثار‬

‫وجوده حتى من خلال وثائق البنية التنظيمية لوزارة الدفاع و لا مراسيم إنشائه و لا موقعه الجعرافي فقد‬ ‫تم تغيير كل ما يتعلق بهذا المسلخ الرمز الذي سيبقى وصمة عار في تاريخ الجيش الوطني الشعبي‪ .‬بل لقد‬

‫تمت إحالة كثير من الزبانية العاملين فيه على التقاعد المبكر بين ‪ 2000‬و ‪ 2004‬فيما تم تعيين الباقين في‬ ‫وظائف أمنية مستحدثة‪ .‬و ل كن أين ستخفي قيادة المخابرات جزّاريها ابتداء من المقدم طرطاق بشير الذي‬

‫حيلا على التقاعد ثم أعِيد‬ ‫اصبح لواء و الرائد الشاذ عبد القادر غانم و العقيد جرو الذيب جاب الل ّه الذين أ ِ‬

‫إدماجه ما من جد يد و الرا ئد البر ّ ي ّاني الم سعور ع بد ال نور و ا لأمير الإر هابي الم قدم ح سين بولح ية ا لذي‬ ‫أصبح قائد قطاع الأمن في الناحية العسكر ية الخامسة بقسنطينة و خلفهم الأسوأ في الفروع الأخرى للمركز‬

‫و القائمة مازالت طو يلة‪ .‬إن الإصرار على ترقية هذه الوحوش البشر ية إلى أعلى الرتب العسكر ية و تعيينها في‬ ‫مناصب المسؤولية السامية و حمايتها من المتابعات القضائية بترسانة من القوانين الباطلة أكبر دليل على أن‬

‫السلطة القائمة في الجزائر في عهد الرئيس عبد العز يز بوتفليقة خارجة على قوانين الأرض و متمردة على‬ ‫قانون السماء و معادية للقيم الإنسانية و خائنة للوطن و أن الجزائر في ظل هذه الشرذمة تسير نحو الهاو ية‬

‫بخطى ثابتة‪.‬‬

‫‪77‬‬


‫أسبوعين في ضيافة المخابرات‬ ‫كنت معصوب العينين عندما توقفت بنا السيارة المصفحة‪ .‬وعلى بعد خطوات منها فك الضابط‬

‫المرا فق الق يد من يدي وان صرف‪ .‬في ن فس الو قت بدأ ال صياح و الك لام ال بذيء من حولي‪ ،‬فنز عت‬ ‫العصابة لأجد نفسي في مكان شديد الظلام لم أتمكن من تحديد وجهتي فيه‪ .‬فتساءلت مستغربا‪ :‬ما هذا؟‬

‫أأ نا ح قا في مؤس سة ر سمية أم مخت طف من طرف ع صابة من الماف يا؟ وه نا صاح أ حد الزبان ية المرتز قة‬ ‫( يدعى الع نابي)‪ :‬إغ لق ف مك وإ نزع ال سروال وإ لا نزع ته لك بنف سي (ب لع ف مك ون حي ال سروال وا لا ان جي‬

‫انهبطهولك)!‬

‫لا بد أن أتوقف عند هذه اللحظة من هذا المشهد المأساوي لأنها ذات أهمية قصوى في فهم ما‬

‫ي جري في الجزائر‪ .‬فما سمعته من الجندي المرتزق المدعو العنابي لم يكن معب ّ ِرا عن رأيه الشخصي وإنما كان‬

‫ترجمة وا ضحة ل سلوك مؤس سة ر سمية يف ترض أن ت كون أشد ا لأجهزة تحرِ ّ يا وحر صا ع لى كرا مة الشخ صية‬

‫الوطن ية‪ .‬وع ندما يع طى ا لأمر لم ستخدم حق ير من ج هاز الم خابرات بإها نة نق يب مح ترم من نخ بة ال جيش‬

‫الوطني الشعبي اعت ُق ِل بناء على شبهة في وضع ا ستثنائي‪ ،‬فإن المقصود بالإهانة والإحتقار ليس الشخص‬ ‫نفسه وإنما هيبة المؤسسة التي ينتمي إليها‪ .‬فجهاز المخابرات في الجزائر رغم خضوعه تنظيميا ورسميا لسلطة‬

‫وز ير الدفاع الوطني إلا أنه عمليا وواقعيا صار جهازا مستقلا بذاته تماما ولا يعترف بالسيادة لأي مؤسسة‬

‫دستور ية خارج إطار التوافق أو التحالف أو القوة‪ ،‬ولذلك فإن معاملتي بذلك الشكل لم تكن بسبب الذنب‬ ‫الذي ارتكبته كما يظنه البعض و إنما لأنني أصبحت عنصرا مزعجا للمتآمرين على الشعب الجزائري في هذا‬

‫الجهاز‪ .‬و يتضح ذلك من خلال تعامل هذه المؤسسة مع جميع الوطنيين منذ عهد الثورة‪ .‬ف هذا الجهاز لم‬

‫ي عر أي اعت بار لم قام شخ صيات وطن ية و تار يخ ية م ثل ع بان رم ضان و كريم بلقا سم و خي ضر و غ يرهم‬ ‫ع ندما اعتر ضوا ع لى خيان ته لع هد ال شهداء و لم ي عط اعت بارا ل كرا مة ر ئيس الجمهور ية ا لذي يم ثل سيادة‬ ‫الشعب كالشاذلي بن جديد عندما رفض أن يستمر في التآمر معهم على الشعب ولا لوزير دفاع وطني‬

‫ومجا هد كم صطفى بلو صيف و لا لشخ صية وطن ية تار يخ ية ا ستأمنوها لت كون ر ئيس دو لة ل هم م ثل مح مد‬

‫بو ضياف‪ ...‬كل الاعت بارات سقطت خ لال شهر الع سل الطو يل ا لذي ج مع ق يادة الم خابرات مع حزب‬ ‫فرنسا‪ .‬فكيف ينتظر عاقل أن يكون ل كرا مة المواطن البسيط أو المعارض السياسي اعتبار عند عناصر هذا‬

‫الجهاز الخائن‪.‬‬

‫إن مأساة الجزائر بدأت من هنا ولن تنتهي إلا بمعالجة الداء في موضعه‪ .‬فأنا كنت ضابطا مرؤوسا‬ ‫ول كنني كنت صاحب مبادرة في ترقية القدرات القتالية للجيش الوطني الشعبي ولم أكن أتحفظ في الصدع‬ ‫‪78‬‬


‫بما أراه حقا دون خوف من بشر ولا تردد لأنني كنت أؤمن بأن لكل مؤسسة وظيفتها التي تساهم بها في‬ ‫صنع النجاح الوطني‪ ،‬وأن الوقوع في الخطإ من طرف مواطن أو هيئة رسمية ليس عيبا ك ما أن الاعتراض‬

‫على الخطأ و استنكاره أو التصدي للت ّمادي فيه واجب عيني من صميم المواطنة الحق ّة و ليس جريمة حتى‬ ‫لو كان مخالفا للبروتوكولات القانونية‪ .‬لأن القانون إذا فقد فعاليته عمليا أصبح عائقا أمام تحقيق المصلحة و‬

‫ال عدل و تجاو ُز ُه ليس أكثر من افت ئات لا شيء ع لى صاحبه ما لم يتر تب ع لى ذ لك مف سدة صر يحة‪...‬‬ ‫ول كن أن ي قيم ج هاز ٌ ر سمي سلطته المطل قة ع لى أن قاض كرا مة شعب بأكم له و ي ُوه ِم عنا صره بت فر ّدِهم‬ ‫بالوطنية فهذا وضع شاذّ لن ينعم فيه بالطمأنينة لا رئيس ولا مرؤوس‪ ،‬ومن ثم فإن التبر ير له مهما كانت‬

‫أدل ته القانون ية لن ي خرج من دا ئرة ال تواطئ ع لى الخيا نة والف ساد‪ ...‬خا صة إذا كا نت ال قوانين من و ضع‬ ‫المذنبين أنفسهم على قاعدة المقولة الشعبية‪ :‬الرشام حميدة و اللعاب حميدة‪..‬أو مقولة الشاعر‪ :‬فيك الخصام و‬

‫أنت الخصم و الحكم‪.‬‬

‫إن إدراكي لهذه الحقيقة هو الذي جعلني أجيب العنابي الذي لم أكن أراه في الظلام بل كان في‬

‫وعيي يمثل جهاز المخابرات‪ :‬الآن تأكد لي أنني مختطف من طرف عصابة من المافيا و ليس من طرف‬

‫مؤسسة وطنية وسأتعامل معكم على هذا الأساس‪ .‬وإذا لم تعرفوا النقيب شوشان من قبل‪ ،‬فهذه فرصتكم‬

‫لفعل ذلك‪.‬‬

‫قد يستغرب البعض هذا الموقف الخرافي اعتقادا منهم أن ني أتقمص دور بطل مزي ّف‪ ...‬و هذا‬

‫غير صحيح‪ .‬و لولا حرصي على بعث الأمل في قلوب الأجيال الصاعدة و إقناعها بأن الشر حقير و الباطل‬ ‫ضعيف لا سبيل لهما على الخير و الحق إلا من خلال لحظات الضعف التي تنتاب طلاب الحق أثناء‬

‫صولة الباطل لما ذكرت هذه المشاهد في هذا المقام‪ .‬لقد تذكرت في تلك اللحظة الحرجة ما قصه علي عمي‬

‫المجا هد مح مد الأخ ضر شو شان م نذ أك ثر من ع شرين سنة ع ندما تم اعتقا له من طرف ا لأمن الع سكري‬ ‫خلال الحملة التي استهدفت سنة ‪ 1964‬ضباط قيادة الولاية السادسة الأبطال الذين حرروا الجزائر بتهمة‬

‫ف صل ال صحراء المن سوبة إ لى العق يد مح مد شعباني رح مه الل ّه‪ .‬إ نه ن فس ال سلوك الخ سيس و ن فس المعام لة‬

‫الحقيرة و نفس الأ شخاص الشواذ و كأن الزمن توقف في الجزائر سنة ‪ ...1964‬و لذلك فإن ردي على‬

‫العنابي كان يعبر عن موقف مبدئي من هذه الحثالة البشر ية و لم يكن رد فعل على ما تلقيته من الإهانة‬ ‫على يد ذلك الجندي الحقير‪ ...‬أنا لم أشعر لحظة واحدة بالاحترام تجاه جهاز المخابرات رغم تعاملي معه‬

‫كمؤسسة وطنية‪ ،‬لأنني كنت أعتبره جزءا من الخلل في جهاز الدولة الجزائر ية المستقلة منذ نشأته و كنت‬ ‫أرى أن من واجب جميع المخلصين لعهد الشهداء التعاون على إصلاحه و وضع حد لشره المستطير‪.‬‬

‫‪79‬‬


‫لقد كنت في تلك اللحظات متحفزا للدفاع عن نفسي حتى الموت لأنني كنت مقتنعا بأنني لن‬

‫أخرج حيا من تلك الأقبية‪ ...‬لن أكون أحسن حظا من عبان رمضان و لا كريم بلقاسم و لا خيضر و‬ ‫لا شعباني‪ ...‬و قضيتي مع هذا الجهاز لا تختلف عن قضاياهم في شيء من ناحية المبدأ و إن اختلفت‬

‫عنها في التفاصيل‪ .‬و ل كن في هذه اللحظة انبعث الضوء من كاشف قوي خطف بصري‪ ،‬وقبل أن أتحول‬ ‫عنه سمعت صوت الرائد عبد القادر غانم من داخل غر فة صغيرة في طرف القاعة الفسيحة وهو يقول‬

‫باستهتار‪ :‬أنت نقيب في الجيش‪ ،‬وهنا لا قيمة للجيش ولا لضباطه‪ .‬وفي نفس الوقت هجم علي من أطراف‬ ‫القاعة مجموعة من الجنود وكان أشرسهم العنابي فكان أول من دخلت معه في معركة دامية ليتدخل العقيد‬

‫ناصر قائد مركز التعذيب بالنيابة وهو يصيح‪( :‬حابين تقتلوه قبل ما يهدروا معاه)؟ أتر يدون قتله قبل أن‬ ‫تتحدث معه القيادة؟ عندها تفرقوا عني‪ ،‬وألقى الرائد عبد القادر أمامي مشمعا أزرقا قذرا وهو يقول‪ :‬هذا‬ ‫هو لبا سك الر سمي والوح يد‪ .‬فتأم لت وج هه ج يدا ب عد أن سمعت صوته و تذكرت أن ني أعر فه م نذ سنة‬

‫‪ 1987‬عندما كان متنكرا في شخصية ملازم أول مكلفا بالتفتيش لدى المدير ية العامة للتموين ( ‪Control‬‬ ‫‪ .)Resident‬فسألته‪ :‬هل كان لهذا المهرجان لزوم يا عبد القادر؟ فانتفض العقيد ناصر قائلا‪( :‬يا الرب‬ ‫حتى اسماواتكم يعرفها) يا إلهي! إنه يعرفكم بأسمائكم!‪ ...‬أدخل إلى الغرفة والبس المشمع فلا حاجة لك بهذه‬

‫الث ياب النظي فة ب عد ال يوم‪ .‬ثم سمعته ي قول بدار جة فرن سية (كتفو لو يد يه هذا دون جورو) ق يدوا يد يه إ نه‬ ‫خطير‪.‬‬

‫و ضعوني في زنزا نة انفراد ية من الإ سمنت ا لأملس طول ها أ قل من م ترين وعر ضها م تر وا حد‬

‫وارتفاعها حوالي خمسة أمتار‪ ،‬بابها من الفولاذ به ثقبة قطرها ‪ 5‬سنتمتر وفي طرف الجدار الأعلى كوة‬ ‫لمصباح لا ينبعث م نه الضوء إلا نادرا‪ .‬كنت أفترش الإسمنت وألتحفه لمدة أسبوع ثم سرب لي أ حد‬ ‫الجنود بطانية بعد ذلك‪ .‬ولم يسمح لي بالخروج لقضاء الحاجة إلا مرة كل يوم ولمدة دقيقة في مكان لا‬ ‫سترة فيه ولا باب وتحت مراقبة السجان‪ .‬ولذلك اضطررت من البداية إلى الامتناع عن الأكل والشرب‬

‫و قضاء الحاجة إلا لضرورة قصوى‪.‬‬

‫وع ندما دخ لت رواق الزنزا نات أول مرة كا نت الآ هات تت عالى مرع بة وا لأنين ينب عث من كل‬

‫م كان‪ .‬و من زنزان تي ك نت أ سمع الم ساجين ي ُضربون و يُ هانون ح تى أث ناء ق ضاء حاجتهم‪ ،‬وك نت أرا هم‬

‫يساقون للتعذيب من ثقب الباب و يعودون نصف عراة وهم ملطخون بالدماء وغير الدماء يشكون إلى الل ّه‬

‫هوان الإنسانية على هذه الوحوش البشر ية‪.‬‬

‫‪80‬‬


‫عندما وجدت نفسي وحيدا مقيد اليدين في الزنزانة توجهت إلى الل ّه وصل ّيت المغرب والعشاء جمعا‬

‫ثم اضطجعت وبدأت أقرأ القرآن لأدفع الهواجس التي غزتني‪ ...‬إلى أن انتبهت على صوت الأقفال تفتح‬

‫والسجان يصيح في وجهي‪( :‬أخرج هبط را سك) أخرج أنزل رأسك‪ !!...‬ثم ألقى على رأسي كيسا أسود‬ ‫وأخرج ني من الزنزا نة ثم دفع ني في سيارة م صفحة انطل قت ب نا في رح لة وهم ية دا مت ‪ 5‬د قائق تقري با‪.‬‬

‫والحقيقة أن السيارة كانت تدور حول المكان المقصود والذي لا يبعد عن الزنزانة سوى أمتارا معدودة‪.‬‬

‫سلكنا أروقة وصعدنا درجا واخترقنا مكاتب‪ ...‬لنصل في النهاية إلى غرفة الاستنطاق فأجلسوني على كرسي‬

‫وثبتوني عليه بقيود ونزع أحدهم ال كيس عن رأسي فوجدتني محاطا بمجموعة من الضباط عرفت بعضهم‪.‬‬ ‫وكان أول المتدخلين العقيد ناصر حيث بادرني‪ :‬ليس عندنا وقت‪ .‬لقد عرفنا كل شيء وجماعتك اعترفوا‬

‫بكل شيء‪ .‬والأحسن لك أن تعترف وتخبرنا عن اسم قائدكم الأعلى‪ .‬لقد اعترف السعيد مخلوفي بكل شيء‪.‬‬

‫كان ما رأيته وسمعته كافيا لتأكدي من عبثية هذه المؤسسة وخروجها عن القانون وخطرها على‬

‫مستقبل الجزائر ولذلك قررت التعامل معها بحذر ومسؤولية ووضعت نصب عيني المصلحة العليا للوطن‬

‫دون غيرها‪.‬‬

‫لقد كان أول ما قلته‪ :‬أر يدكم أن تعرفوا شيئا يظهر أنكم لم تفهموه بعد‪ .‬أنا لست السعيد مخلوفي ولا‬

‫واحدا من العسكر يين الذين اعتقلتموهم من قبل‪ .‬بل أنا نقيب في الجيش الوطني الشعبي بكل ما تحمله‬

‫الكلمة من مع نى و أ عرف تاريخ ج هاز الأمن الع سكري جيدا‪ ،‬وأنتم تعر فون أن كم لستم أ حرص م ني ع لى‬ ‫المصلحة الوطنية‪ .‬ف إذا كنتم تريدون الخير لهذا البلد حقا فعليكم التوقف عن هذا العبث فورا وتدارك الأمر‬ ‫ق بل أن ي خرج عن ال سيطرة‪ .‬ودعو نا نتكلم ك ضباط وب كل م سؤولية لخد مة بلاد نا‪ .‬أ ما إذا أ صرّ يتم ع لى‬

‫التعامل معي بنفس الطر يقة و نفس العقلية التي تعودتم عليها فاعلموا أن الجثة التي بين أيديكم ليست سوى‬ ‫جزة من الصوف لن تأخذوا من نفضها سوى الغبار‪.‬‬

‫ا شتاط بع ضهم غ ضبا وردوا ع لي بك لام ق بيح و ضربني بع ضهم في موا ضع مختل فة من ج سدي‬

‫ودفعني أحدهم فتدحرجت على الأرض وأنا مثبت على ال كرسي ثم أقامني أمام موضع هندسي ناتئ في‬ ‫جدار الغر فة و هو ي قول‪ :‬أ تدري ما هذا؟ إ نه ور شة ال صدمة القات لة‪ ...‬ضربة وا حدة تك في لتفج ير‬

‫ط خ الموضع) إنه مخ ّ الرائد عبد المجيد الخائن‪ .‬لا‬ ‫جمجمتك‪ ...‬أتدري ما هذا؟ (مشيرا إلى بقايا دم ونخاع يل ّ‬ ‫شك أنك تعرفه وسوف نلحقك به‪ ...‬لقد كان هنا قبلك‪ ...‬وهكذا تداولت علي الأيدي واختلطت علي‬

‫الأصوات وتلقيت الضربات من كل اتجاه وأنا مقيد الرجلين واليدين‪ ،‬إلى أن وجدت نفسي في ورشة‬ ‫التعذيب الرئيسية التي يعذب فيها ضباط وضباط صف وجنود من القوات الخاصة عراة ونصف عراة‬ ‫‪81‬‬


‫منهم المع لق من رج له و منهم المث بت ع لى مج سم‪ ...‬ي عذبون بأساليب سادية تدل ع لى ال شذوذ وا لانحراف‬

‫ا لذين تتم يز به ما هذه المؤس سة‪ .‬و من ل طف الل ّه بي أن ت عذيبي اقت صر ع لى ال ضرب وال كهر باء والإر هاق‬

‫النفسي ولم يكن في تلك الورشة القذرة‪.‬‬

‫و قد هالني أن أرى ضباطا ملت حين يلب سون الل باس الأف غاني يدخلون و يخر جون إ لى هذا المركز‬

‫ويت بادلون ال حديث ع ما يفعلو نه خارج الأ سوار من ت حر يض وكتا بة ع لى ال جدران و يخ برون ضحاياهم ب ما‬

‫يقومون به من تضليل للمواطنين ويذكرونهم بالمساجد التي كانوا يرتادونها متنكرين في الزي الإسلامي‪...‬‬

‫كانت الساعة الثالثة صباحا تقريبا عندما جاءت التعليمات بتحو يلي إلى قاعة محاذية لغرفة العمليات‬

‫ووجدت في زاو ية منها المقدم بشير صحراوي جالسا خلف مكتب عادي وكان صامتا لا يتكلم‪ .‬في حين‬

‫ا ستمر باقي ال ضباط في محاو لة ا ستنطاقي أما مه ب ما فيهم العق يد نا صر ا لذي كان أج بنهم وأ شدهم بذاءة‬ ‫وإباحية ول كن دون أن أجيبهم بشيء‪ ...‬حتى الت ّأ ّوه لم يسمعوه مني رغم الألم الذي كان يقطع جسدي‪.‬‬ ‫وفي لحظة ما‪ ،‬دخل الرائد عمار قطوشي المكلف بالأمن لدى الأمانة العامة لوزارة الدفاع وتقدم نحوي‬ ‫وهو يقول‪ :‬يا بن‪ ...‬أهذا أنت‪ ...‬أما زلتم تتحدثون معه؟ وسحب مسدسه الفضي ووضع فوهة الماسورة على‬ ‫ناظري الأيمن قائلا‪ :‬لو كان الأمر بيدي لأطلقت عليك رصاصة في الرأس أيها‪ ...‬فأجبته باحتقار‪ :‬لو‬

‫كانت فيك ذرة من الشرف لما قلت هذا الكلام‪ ...‬ولو كان مسدسك بيدي الآن لما استأذنت أحد في‬ ‫قتلك أيها الجرثومة‪ .‬فصاح العقيد ناصر‪ :‬إحذر! إنه ير يدنا أن نقتله قبل أن يتكلم‪ ...‬وأبعده عني بقوة وهو‬

‫ي قول‪ :‬والل ّه لن ي خرج من ه نا ح يا‪ ...‬سنقطعه تقطي عا‪ .‬وه نا ت لاحق باقي ال ضباط إ لى الغر فة من جد يد‬

‫واستأنفوا دورة التعذيب إلى أن قام المقدم بشير طرطاق من مكانه فتأخر الجميع‪ .‬وقد بدا من تصرفه أنه‬ ‫صاحب التدبير الفعلي داخل المركز‪ .‬وكان أول ما قاله بصوت الواثق من نفسه‪ :‬إسمع يا شوشان‪ .‬أنا متأكد‬

‫من أنك ابن فلا ّق‪ .‬وأن هذه الأساليب لن تنفع معك‪ .‬ول كنني أنا أيضا فلا ّق وأعرف كيف أجعلك في‬

‫النهاية تتكلم‪ .‬فوف ّر على نفسك لأن ذلك أ ْر يح لك‪ ...‬لقد أتيت بالمرأة التي كنتم تجتمعون في بيتها (وكان‬ ‫يقصد المجاهدة الحاجة غنية التي كان السعيد مخلوفي يجري لقاءاته في بيت تمل كه ولا تسكن فيه على سفوح‬ ‫فت عليك (وهو كاذب في ذلك لأنني لم أر هذه المرأة المجاهدة في حياتي و لم‬ ‫جبال الشر يعة) وقد تعر ّ ْ‬

‫أعرف حقيقتها إلا في سجن البرواقية) وسوف تقابلها الآن وإذا أنكرتَ معرفتها أنت فإننا سنفعل فيها كذا‬

‫و كذا‪ .....‬حتى تت ّفقا على الحقيقة ‪ .‬أما إذا أصرّ يت على الإنكار فسآتي بزوجتك الآن أمامك ونفعل بها‬ ‫ما يجعلك تعترف رغم أنفك‪ ...‬وهنا تكلمت لأول مرة منذ أن بدأ التعذيب وقلت‪ :‬أ ّو لا زوجتي ليست‬

‫‪82‬‬


‫صحفية في جر يدة ال صباح‬

‫‪52‬‬

‫ح تي ت ستطيع أ نت الو صول إلي ها حي ّة وثان يا أ نا لم أن كر شيئا ح تى تح تاج إ لى‬

‫كنني الل ّه منكم ما تركت أحدا‬ ‫تهديدي بالاعتداء على عرض جزائر ية حرة فضلا عن زوجتي‪ .‬فو الل ّه لو م ّ‬ ‫منكم يعيش لحظة واحدة‪ ....‬أما بالنسبة للسعيد مخلوفي الذي تدعي أنه اعترف بكل شيء‪ ،‬فو الل ّه لو فعل‬ ‫ما يسيء إلى الجزائر لقتلته بنفسي دون الحاجة إلى استشارة أحد‪ .‬و ل كنني أشهد بأنه أشرف منكم وأنه كان‬

‫أع لم بحقي قتكم م ني لأنني لم أ كن أت صور أن ضابطا جزائر يا يتعا مل مع ضابط م سؤول مث له بأ ساليب‬

‫الا ستعمار وي هدده به تك عر ضه وامت هان كرام ته بدون سبب‪ ...‬ف قاطعني قائ لا‪ :‬و ما ز لت ت قول بدون‬ ‫سبب؟‬

‫قلت‪ :‬نعم بدون سبب‪ .‬و هل تعتقد أن الأسباب التي تتذرعون لها تبرر ما تفعلونه؟‬ ‫قال‪ :‬ألا تعتبر التدبير لانقلاب سببا كافيا لإعدامك؟‬ ‫ق لت‪ :‬إذا ك نت تق صد الانق لاب ع لى ا لرئيس ال شاذلي بن جد يد فالق يادة الع سكر ية هي ال تي د برت‬

‫الانقلاب ونفذته وبالتالي فهي أولى بالإعدام مني‪ .‬أما إذا كنت تقصد تمرد العرفاء على هذا الانقلاب‬ ‫فإن واجب القيادة أن تتعامل بحكمة مع الوضع الذي ورطت فيه الجيش وإلا فإنها ستفقد السيطرة على‬

‫الأوضاع وأنا لا أصدق أن يكون اللواء نزار خالد وضباط الجيش الفرنسي أشد حرصا وإخلاصا للجزائر من‬ ‫الرئيس الشاذلي بن جديد وضباط جيش التحرير‪.‬‬ ‫قال‪ :‬وهل بوضياف من ضباط فرنسا‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬و أين كنتم عندما حكمت القيادة على بوضياف بالخيانة منذ ثلاثين سنة ‪ ،‬لقد حرصتم على تكريس‬

‫ذلك في وعي الشعب كله بالحق أو بالباطل‪ ....‬و إق ناع الناس بأنه رجل وط ني شر يف لن يتحقق ل كم‬

‫خلال ثلاثين يوما؟‬

‫كان الضباط الآخرون يشتمونني ويتحفزون لضربي وأنا أتكلم‪ ،‬وكان طرطاق يمنعهم وكأنه ير يد أن‬

‫ينفذ إلى الخلفية التي بنيت عليها موقفي وقد كنت صادقا معه رغم وعيي التام بخبث قصده‪ .‬وعندما بلغ‬ ‫الحوار هذا الحد تقدم نحوي الرائد عبد القادر غانم وهو يزمجر قائلا‪ :‬أنتم ربكم الل ّه و رسول كم محمد ونحن ربنا‬ ‫نزار و نبينا بوضياف!! أفهمت؟‬

‫‪52‬‬

‫أغلب ضباط المخابرات المجرمين متزوجين بصحافيات في الجرائد الفرنكوفولية الخاصة (الصباح‪ ،‬الوطن‪ ،‬الامة‪،‬‬

‫العبارة‪ )..‬والاذاعة و التلفزبون‬ ‫‪83‬‬


‫قلت‪ :‬أنا لا أت حدث عن رب ّ ِك ولا عن نبيك أنت حر ولا يهمني أمرك‪ .‬أنا أتكلم عن الجزائر المستقلة التي‬ ‫حررها الشهداء أمثال مطصفى بن بولعيد والعر بي بن مهيدي والمجاهدون أمثال الشاذلي بن جديد و أبي‬

‫وأمي‪ ...‬وهنا لم يتمالك عبد القادر نفسه وهجم علي وهو يقول‪ :‬أنا أبي ليس مجاهدا! ينعل (يقصد يلعن)‬ ‫دين الشاذلي ومصطفى بن بولعيد ودين المجاهدين والشهداء انتاعكم ودين الجزائر التي تعرفها‪ .‬الجزائر انتاعنا‬

‫(يقصد جزائرنا) هي (اللي نتفرشكو فيها ونديروا فيها راينا) التي نتمتع ونعبث فيها ولا يهمنا أن تكون فرنسية‬

‫أو شيوعية أو يهودية؟!‪ .‬المهم البترول والغاز وا لدراهم‪ ...‬فقاطعته غاضبا‪ :‬أنتم إذن مرتزقة ولستم جزائر يين؟‬ ‫وإذا كنتم رجالا حقيقيين فقولوا هذا الكلام للشعب وسترون ما سيكون مصير الخونة أمثال كم‪ ...‬وقبل أن‬

‫أسترسل رفع هراوة ضخمة كانت بيده وأنهال بها على عاتقي بحقد شديد فأحسست بالدوار وفقدت الوعي‪.‬‬ ‫ل ست أدري إن كان الت عذيب قد توا صل ب عد ذ لك‪ ،‬و لا أعت قد أن ني ك نت قادرا ع لى الك لام‬

‫لأنني ك نت أ شعر بالغث يان و بأن ج سدي ك له تف كك‪ .‬و قد أخ برت بأنني أ خذت وج بة متكام لة من‬

‫الت عذيب اعتر فت خلالها بأن قائدي هو العق يد بن زمرلي المدير ال عام ال سابق ل سلاح الهندسة الع سكر ية‪،‬‬

‫رغم أنني لم أعرف هذا الضابط من قبل‪ .‬كما علمت لاحقا بأن الفترة التي قضيتها تحت تأثير التعذيب‬

‫المستمر كانت أكثر من ‪ 24‬ساعة‪ .‬نقلت بعدها إلى زنزانتي‪.‬‬

‫أخذوني بعد أن أفقت إلى نفس الغرفة بعد أن أعيد تنظيمها وسمعت صوت طرطاق وهو يقول‪:‬‬

‫لو لم أردهم عنك البارحة لقتلوك يا شوشان‪ ،‬أنت لا تعرفهم‪ .‬إنهم يستمتعون بالقتل‪ .‬وعلى كل حال لقد‬ ‫قررت أن نب قى و حدنا ح تى نتكلم ك ضباط‪ ،‬أ ليس هذا ما تر يده؟ ا سترح قلي لا و سنتكلم ب عد أن تقا بل‬

‫بعض قيادات الجيش الذين يريدون رؤيتك‪ .‬ثم واصل بنبرة استخفاف فيها تهديد‪ :‬الجميع يعرفونك واشتاقوا‬

‫إلى رؤيتك‪ .‬لم يتوقعوا أن تكون قائد الانقلاب عليهم‪.‬‬

‫بعد قليل دخل ضابط بلباس مدني وهو يقول‪ :‬لقد جاؤوا‪ .‬ثم دخل مجموعة من الضباط السامين‬

‫ع لى رأ سهم ال مدير ال عام لأمن ال جيش العم يد ك مال ع بد الرح مان‪ .‬ك نت أعر فه م نذ أن كان ضابطا في‬ ‫الهندسة العسكر ية بشرشال والتقينا مرارا عندما كان رئيسا للمكتب الجهوي للاستطلاع بورقلة برتبة نقيب‬ ‫كنت أنا في ذلك الوقت ملازما أولا في الفيلق ‪ 18‬للمغاوير بحاسي مسعود ثم عرفته عندما كان قا ئد‬

‫أركان للواء العاشر للمشاة ولذلك تعر ّفت عليه من أول نظرة‪.‬‬

‫قال لي‪ :‬وقعت في أيدينا يا شوشان‪ .‬لقد كنت تريد أن تقتلنا‪ .‬أليس كذلك؟‬ ‫قلت‪ :‬لا أحد يريد قتلك يا حضرة العقيد‪.‬‬

‫‪84‬‬


‫قال‪ :‬إذن فأنت تعرفني‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬نعم أنا أعرفك جيدا ومتأكد بأنك عبد مأمور لا تملك من أمر نفسك شيئا‪.‬‬ ‫قال‪ :‬فمن الذين حكمت عليهم بالقتل إذن؟‬ ‫قلت‪ :‬أنا لم أكن أر يد قتل أحد‪ ،‬ول كن القيادة العليا هي التي تر يد تور يط الجيش في قتل المدنيين وهذا‬ ‫أمر يرفضه ال كثير من العسكر يين‪ .‬وعندما يصل الأمر إلى درجة يفكر فيها العرفاء والجنود في أخذ المبادرة‬

‫للتمرد ورفض الأوامر يمكنك أن تتصور ح جم الخطأ الذي ترتكبونه‪ .‬ولذلك فأنا أنصح القيادة أن تتراجع‬

‫عن موقفها وتعالج الأمور بحكمة قبل أن ينفرط عقد الجيش كله‪.‬‬

‫قال‪ :‬أنت واثق من نفسك أكثر من اللزوم يا سي شوشان‪ .‬وأنا لم أتوقع منك هذا الكلام‪ .‬على كل حال‬

‫أصحابك قبضنا عليهم والأحسن لك أن تفيد الجماعة بكل ما تعرف‪.‬‬

‫قلت‪ :‬إذا لم توقفوا الاعتقالات وتطلقوا سراحنا خلال أسبوع فإنكم لن تتحكموا في الوضع أبدا‪ .‬و تذكر يا‬

‫حضرة العقيد أنني نصحتكم في الوقت المناسب وبرأت ذمتي ول كم أن تفعلوا ما بدا ل كم‪.‬‬

‫قال‪ :‬النقيب احمد بن زمرلي وبوحادب والآخرون الذين تعو ّل عليهم كلهم في الطر يق إلى هنا وأنا أر يدك‬

‫أن تخبر الجماعة عن اسم قائدكم الأعلى قبل طلوع الشمس‪ .‬فإذا لم تفعل‪ ،‬تكون قد جنيت على نفسك‪...‬‬

‫وهنا جاء ضابط مسرعا وهو يقول‪ :‬الشاف جاء!! (لقد جاء الرئيس)‪ .‬فخرج العقيد كمال وتوجه إليّ المقدم‬ ‫ناصر قائ لا‪ :‬أ عرف ك يف تتكلم مع الق يادة وإلا‪(...‬تكلم مع الق يادة بأدب وإلا ّ‪ .)..‬و في نفس الو قت‬

‫تقدم الرائد عبد القادر وأمسك بال كرسي الذي أجلس عليه من الخلف ( و أنا مثبت بالقيود على ال كرسي‬ ‫على مستوى الرجلين و اليدين) ‪ ،‬ثم انبعث ضوء قوي من كواشف عديدة منعتني من رؤ ية القادمين و‬ ‫ل كن ني تمك نت من رؤ ية الجا نب ال سفلي من ه ندامهم وكان بع ضهم ير تدي ا لزي ال مدني وبع ضهم ا لزي‬

‫العسكري وعاد العقيد كمال عبد الرحمان معهم وهو يحدثهم عني و أدّى لهم المقدم ناصر التحية العسكر ية‪.‬‬

‫و قف الو فد قري با م ني وتو جه إ لي سيدهم و هو ي قول‪ :‬أ هذا هو النق يب شو شان ا لذي ير يد‬ ‫الانقلاب علينا؟ حاب يرد الشاذلي بن جديد؟ (حابين اديروا دولة اسلامية؟ راكم تحلمو!! ) أتريدون إقامة‬ ‫دولة اسلامية؟ إنكم تحلمون‪( ....‬روحوا ديروها في السعودية والا في الإمارات ميش في الدزاير ) إذهبوا‬

‫وأقيموها في السعودية أو في الإمارات و ليس في الجزائر‪( .‬واش حاسبين ارواحكم؟ ا شحال تكونوا ثلاثة‬

‫ملاين‪ ،‬ست ملاين؟) ماذا تظنون أنفسكم؟ كم يكون عددكم؟ ثلاثة ملايين ستة ملايين؟ أنا مستعد لأمحيكم‬ ‫من ا لأرض و ي عيش أو لاد الجزا ئر الحقيق يين مثل ما ي عيش أب ناء ع مومتكم في الخ ليج‪ ...‬لم أتما لك نف سي‬ ‫‪85‬‬


‫وأجب ته قائ لا‪ :‬أ نا لا أت سو ّل وطني تي م نك و لا من غ يرك لأنني جزا ئري حرّ ومو لود في مركز من مرا كز‬ ‫الثورة‪ ،‬أما القتل فالظاهر أنك لا تعرف عنه شيئا!! فلو قتلت ثلاثة ملايين جزائري فإن رائحة جثثهم كافية‬

‫لهلاكك أنت و من يبقي معك‪.‬‬

‫قال‪ :‬فكر في مصيرك‪ .‬هذه قضية أكبر منك‪ .‬و ركلني بقوة‪ ...‬ثم التفت إلى من معه وهو يقول‬

‫بن برة غا ضبة وبكلمات عام ية وفرن سية‪( :‬ي ستحيل أن ي كون العق يد بن زمر لي رئي سه‪ .‬أنط قوه بالقوة ح تى‬

‫يبوح باسم قائده الحقيقي‪ .‬لا يمكن لنقيب أن يتزعم ضباطا سامين من مختلف الأسلحة في الجيش‪ .‬ثم‬

‫انصرف غاضبا ومعه العقيد كمال عبد الرحمان والوفد المرافق‪.‬‬

‫مباشرة بعد خروج الوفد انهال علي الرائد عبد القادر ضربا بهراوته وهو يقول‪ :‬أتعرف من كان‬

‫يتكلم معك؟ إنه بوضياف (يا واحد الرخيص)‪ .‬ألم نقل لك أنه رسولنا؟ الآن أجهز عليك سواء تكلمت أم‬

‫لم تتكلم‪ ...‬لم أكن واثقا من صدق الرائد عبد القادر‪ ،‬كما أن حالة الإرهاق التي كنت أعاني منها لم تسمح‬ ‫لي بت بين صوت المسؤول الذي كلمني ول كنني كنت جازما إذا لم يكن المتكلم محمد بوضياف كما زعم عبد‬

‫ال قادر‪ ،‬فإ نه ال لواء مح مد مدين (توف يق) ال مدير ال عام للوقا ية وا لأمن ب كل تأك يد‪ .‬لأن العق يد ك مال ع بد‬ ‫الرحمان وضباطه لا يمكن أن يتأدّبوا بذلك الشكل أمام أحد غيره باستثناء اللواء خالد نزار الذي لو كان‬ ‫هو المتكلم لعرفته فورا‪ .‬و ل كنني علمت مؤخرا من مصدر أثق فيه و بالدليل القاطع أن الذي تكلم معي لم‬

‫يكن بوضياف و إنما كان العميد محمد مدين في ذلك الوقت‪ ...‬ثم انضم إلى عبد القادر النقيب جرو الذيب‬ ‫جاب الل ّ ه و ضابط آ خر متخ صص في الت عذيب ال كهر بائي كأ نه من الص ّ ِرْب لأ نه كان أ ْزع َ ًرا‪ ،‬أزرق‬ ‫العي نين‪ ،‬أ شقر ال شعر و لم ين طق بكلمة وا حدة خ لال عمل ية الاستنطاق‪ .‬وب عد أن يئ سوا من إر غامي ع لى‬ ‫ال كشف عن قائد الانقلاب المزعوم تدخل العقيد سماعين العماري الذي عاد متأخرا و حاول التظاهر‬

‫بالع قل و ال تدين و ب قي ي ستجوبني طوال الل يل إ لى أن ت جاوزت ال ساعة الثال ثة صباحا اق ترح ع ليّ خ لال‬

‫استجوابي أن أتهم أي ضابط سام برتبة جنرال و ذكر لي بالاسم العميد حشيشي ز ين العابدين والعميد لمين‬ ‫زروال والعميد عبد المجيد شر يف واللواء عبد المالك قنايز ية‪ ...‬فرفضت رفضا قاطعا رغم شدة التعذيب‬

‫الذي استمر حتى فقدت الشعور بالألم وأصبحت أحملق فيهم وكأنهم يعذبون شخصا آخر‪ .‬ولم استعد وعيي‬

‫تماما إلا في الزنزانة رقم ‪.5‬‬

‫لست أدري كم مر عليّ من الوقت قبل أن يعيدوني بنفس الطر يقة إلى قاعة الاستنطاق‪ .‬وكان في‬

‫هذه المرة النقيب جرو الذيب ومعه عبد النور هما الضابطان المكلفان باستنطاقي (و عبد النور أصله من‬

‫بلدية بر يان‪ /‬ولاية غرداية و هو الميزابي الوحيد في جهاز المخابرات كله و قد تمت إحالته على التقاعد برتبة‬ ‫‪86‬‬


‫رائد نهاية الت سعينات)‪ .‬وأول ما بادرني به النق يب جرو ا لذيب كان تقديمه للج نة ال تي كلفت باستنطاقي‬ ‫وكان منهم م لازم أول ا سمه ع لي مه ندس دو لة في الت عذيب ال كي ماوي‪ ،‬متخ صص في التطه ير وت صفية‬ ‫المعلومات ومهندس آخر متخصص في التعذيب الإل كتروني برتبة نقيب قضى خمس سنوات في موسكو‬

‫وسنتين في يوغسلافيا مع ‪ 8‬سنوات خبرة وهو المعروف ب‪ :‬الروجي (الأحمر) وهو الوحيد الذي لم ينطق‬

‫بكلمة واحدة و كل ملامحه تشير إلى أنه ليس جزائر يا‪.‬‬

‫لم يخفني التعذيب ولا الموت‪ ،‬لأنني كنت أشعر بأنني في أعلى مقامات الصدق مع الل ّه والوفاء‬

‫ل لوطن (وإ ني أ سأل الل ّه صادقا ال يوم وأ نا في سعة من أ مري أن يقب ضني وأ نا ع لى م ثل ت لك ال حال من‬

‫عز عليّ أن تستمر ّ يد ُ الغدر والخيانة في اغتيال الأحرار والعبث بمصير شعب‬ ‫الصدق والإخلاص)‪ .‬ول كن ّ‬

‫أ ب ٍيّ كال شعب الجزا ئري‪ .‬ف قررت أن أتعا مل مع تلام يذ أو ساريس وما سو بأ سلوب ر جال ثورة التحر ير؛‬ ‫وذلك بتعويم المعلومة بدلا من كتمانها‪.‬‬

‫لقد كنت أعرف النقيب جرو الذيب جاب الل ّه جيدا لأنه قضى معي أكثر من سنتين كطالب‬

‫متخصص في الدفاع الجوي في الأكاديمية العسكر ية لمختف الأسلحة بشرشال وتخرجت قبله برتبة ملازم في‬ ‫القيادة العسكر ية مع تخصصي في سلاح المدرعات قبل أن ألتحق بالقوات الخاصة‪ .‬ولذلك فإنني لم أجد‬

‫كلفة في الكلام معه وقلت له متهكما‪ :‬ما شاء الل ّه عليكم‪ ،‬بدلا من أن تبعثوا الضباط ليتهندسوا في الذ ّرّة‬

‫والسلاح النووي صرفتم عليهم بالعملة الصعبة ليعذبوا الشرفاء من أبناء الشعب الجزائري‪ ...‬وماذا لو قلت‬ ‫لك أنكم لستم في حاجة إلى استنطاقي للحصول على اعترافي؟ فإذا كان غرضكم إدانتي فأنا مستعد لأعترف‬

‫بكل ما نسب إلي من طرفكم لتحكموا علي بالإعدام وتهنأوا بجزائركم اليهودية ك ما وصفها عبد القادر‪ .‬أما إذا‬

‫كان غرضكم معرفة الحقيقة فأنا مستعد أن أكتبها ل كم كما هي دون الحاجة إلى كل هذا‪.‬‬

‫أ جابني و هو ين ظر إ لى المه ندس‪ :‬ا لآن أ صبح كلا مك وا ضحا ويمكن نا أن نتكلم بل غة وا حدة‪ ،‬ثم‬

‫انصرف إلى الغرفة المجاور وعاد و في يده حزمة من الأوراق التي وضعها أمامي وقال أر يدك أن تقرأ هذه‬ ‫المحا ضر أو لا وت بدي لي رأ يك في ها‪ .‬وع لى ضوء ذ لك سنحدد وج هة التعا مل م عك‪ .‬والأح سن لك أن‬

‫تفيدني بكل ما تعرفه عن محتوى هذه المحاضر‪ .‬فقلت‪ :‬إطمئن‪ ،‬سأفعل وإن كنت لا أعتقد أن الحقيقة‬

‫ست ُغي ِّر من الأمر شيئا‪.‬‬

‫كانت المحاضر تحتوي على كل كبيرة وصغيرة تتعلق بحياة الضباط وضباط الصف المعتقلين وفيها‬

‫ط طوا لقلب نظام الحكم و تآمروا مع الجبهة الإسلامية لنشر التقتيل في‬ ‫اعترافات مضحكة لعرفاء وجنود خ ّ‬

‫أوساط المواطنين والقوات المسلحة منذ سنة ‪( 1988‬قبل ظهور الجبهة) وغير ذلك من الكلام الذي لا‬ ‫‪87‬‬


‫يصدقه عاقل وكأن الوقائع تتعلق بدولة الطوقو أو جزر القمر‪ .‬كما كانت فيها تفاصيل عن اللقاءات التي‬

‫جمعتني بالسعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي وفيها ذكر لضباط غافلين لا علاقة لهم بهذه الأمور بتاتا‪ .‬ول كن‬ ‫ت بطر يقة تظهر ها في شكل مؤامرة لقلب‬ ‫تلك التفا صيل المت ناثرة في أب عاد الز مان والمكان وال حال‪ ،‬صِ يغ َ ْ‬

‫نظام الحكم‪ .‬ول كن محر ّري المحاضر نسوا أن يغيروا التواريخ و يوزعوا الأدوار على المتهمين بطر يقة تنسجم‬ ‫مع ما طب خوه‪ ،‬فبق يت ع لى أ صلها المت ناقض‪ .‬ف كان القا ئد المف ترض لل كتي بة المكلفة بالا ستيلاء ع لى م قر‬

‫الإذاعة والتلفز يون خلال إضراب الجبهة مثلا‪ ،‬متربصا في موسكو في ذلك الوقت‪ .‬وكان أغلب الضباط‬

‫المعتقلين أقدم مني رتبة و خدمة في الجيش ولم أكن أعرف عن علاقتهم بالسعيد مخلوفي شيئا‪ ،‬فضلا عن‬ ‫التآمر معهم على انقلاب عسكري‪ .‬أما ضباط ال صف فرغم كونهم ممن سبق لي تدريبهم وقيادتهم إلا أن‬

‫اثنين منهم فقط سبق لهم إثارة الموضوع معي في مقابلة شخصية وتصر يحاتهم تدل على أنني حذرتهم من‬ ‫التواصل مع المدنيين أو أخذ المبادرة في التمرد‪ ...‬إلى غير ذلك‪.‬‬

‫وم نذ أن قرأت المحا ضر ا ستقر في ذه ني أن ج هاز الم خابرات قرر تدراك ف شله في ضبط م سار‬

‫الأحداث من خلال تقديمي قربانا للقيادة العسكر ية بتصفيتي جسديا‪ ،‬وأن الغرض من حملة الاعتقالات‬

‫السر ية ليس إفشال انقلاب محتمل من طرف العسكر يين المعتقلين وإنما هو السعي لتعز يز شرعية الانقلاب‬ ‫المجنون الذي تورط فيه وز ير الدفاع وبطانته خدمة لفرنسا‪ ،‬والتمترس خلف اتهام قيادة الجبهة الإ سلامية‬ ‫بالتآمر مع العسكر يين المعتقلين للاستيلاء على الحكم بالقوة‪ .‬وبناء على هذه القناعة عزمت على الثبات على‬

‫ثلاثة مبادئ في مواجهة التحقيق‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫أن لا يتضرر من هذه القضية من لا علاقة له بها خاصة قيادات الجبهة الإسلامية باعتبارهم‬

‫‪2‬‬

‫أن أضع القيادة العسكر ية في الصورة الحقيقية للموقف ما دامت الأزمة في بدايتها و أقيم الحجة‬

‫المستهدف الأساسي من طرف جهاز المخابرات‪.‬‬

‫على المخلصين من عناصرها بتقديم ا لدليل على حقيقة المؤامرة‪ ،‬لأنني إلى ذلك الحين ك نت أراهن ع لى‬ ‫استحالة أن تتواطأ القيادة العسكر ية كلها على الخيانة العظمى‪.‬‬ ‫‪ 3‬ا ستدراج الم خابرات إ لى فكّ الح صار عن الق ضية وال ك شف عن ها بأعترافي الكا مل ب كل‬

‫الاتهامات الموجهة إلي دون التنبيه إلى ما فيها من تناقضات وإغرائها بتقديمي إلى المحاكمة بملف ثقيل‪.‬‬

‫وهكذا استرسل بعض الضباط في ذكر أسماء الضباط من مختلف الأسلحة عشوائيا لتفادي الهلاك‬

‫تحت التعذيب و كان جهاز الم خابرات في كل مرة يعتقل ضباطا جددا لا علاقة لهم بالإسلاميين بتاتا مما‬ ‫أوقع القيادة العسكر ية في حرج شديد ونبّهها إلى الانزلاق الذي دفعها إليه جهاز المخابرات‪ ،‬خاصة بعد‬ ‫‪88‬‬


‫ت مرد مجمو عة من ضباط ال صف ال تابعين ل فوج ال صاعقة الرا بع المتمركز في ثك نة ب ني م سوس المحاذ ية لم قر‬

‫المدير ية العامة للمخابرات نفسه ليلة ‪ 12‬مارس ‪ 1992‬وتم كنهم من التحصن بجبال الزبر بر على م شارف‬ ‫العاصمة وإصدارهم لبيان توعدوا فيه القيادة بالانتقام وحرضوا فيه زملاءهم على التمرد‪ .‬فاتخذ وز ير الدفاع‬ ‫قرارا بوقف الاعتقال فورا وأصدر منشورا وزار يا يوهم فيه العسكر يين بأن النقيب أحمد شوشان والضباط‬

‫المعتقلين معه موقوفون على ذمة التحقيق أمام مجلس تأديب عسكري وسيعودون قريبا إلى وظائفهم ‪ ،‬و قد‬ ‫أكد ذلك وزير الدفاع السابق نزار خالد في إفادته أمام محكمة الجنح بباريس في ‪ 3‬جو يلية ‪.2002‬‬

‫فكان أول ما فعلته في اليوم السابع من الاستنطاق هو إقراري بالمسؤولية على كل ما تضمنته تلك‬ ‫المحاضر من تفاصيل‪ .‬وكان لهذه الخطوة أثر كبير في وجهة التحقيق حيث تم ت حو يلي بعد ذلك من غرفة‬

‫الاستنطاق إلى غرفة العمليات وطلب مني المقدم ناصر تحر ير اعترافاتي بخط يدي ففعلت ذلك خلال‬ ‫خمسة أيام‪ .‬وكان الرائد جرو الذيب جاب الل ّه يراجع ما أكتبه في كل مرة و يطلب مني تعديله وفق ما‬ ‫ينسجم مع تصوره لمجر يات التحقيق ويحاول إقناعي بأن مراجعاته قائ مة على ما لديه من معلومات عن‬

‫الإ سلاميين وال تي ي ستقيها من منظو مة الإع لام ا لآلي في قا عة العمل يات‪ .‬و هي شبكة كمب يوترات مزودة‬ ‫بطابعة وأجهزة تل كس تستقبل الرسائل على مدار الساعة‪ .‬وكان من بين ما علمته بهذه المناسبة أن عناصر‬

‫الهجرة والتكفير متابعين بدقة من طرف المخابرات‪ .‬وأن المعلومات الشائعة عنهم لدى المواطنين غير صحيحة‪.‬‬

‫حيث ما زال الهاشمي سحنوني على رأس قائمتهم وأن التو بة المعلنة من طرف هذه العناصر ليست حقيقية‪.‬‬ ‫كما أن جماعة الأفغان الجزائر يين تخضع لنفس النظام وأن عددهم حوالي ‪ 760‬عنصرا‪ .‬وقد قرأت بنفسي‬ ‫ملف أحدهم جاء فيه في القسم المخصص للعلاقات وأماكن التواجد في الجزائر‪( :‬وهو يقضي أغلب وقته‬

‫في بيت عمته الكائن في العنوان‪ ...‬والتي تربطه علاقة عاطفية بابنتها وهي م حل ثقته الأول)‪ .‬ومن أهم ما‬

‫ا ستفدته في هذه المرح لة هو اكت شافي للا ستثمار الب شري ا لذي قا مت به الم خابرات الجزائر ية في حرب‬

‫أفغانستان حيث كانت تلك الحرب حماما حقيقيا من حمامات التزكية للجواسيس المكلفين باختراق الحركة‬ ‫الإسلامية والتحكم في توجيهها‪.‬‬ ‫وب عد أن اط مأن المحق قون إ لى الوج هة ال تي أ خذها التحق يق وركزوا ع لى إث بات إدان تي كقا ئد‬

‫للانقلاب اقترحتُ على جرو الذيب جاب الل ّه كتابة رسالة أوجهها إلى وز ير الدفاع اللواء نزار خالد أو ضح‬ ‫له في ها أ مورا مهم ّة لا تعني ني ك شخص ول كن ها تع ني م ستقبل ال جيش ا لوطني ال شعبي و تداعيات الأز مة‪.‬‬

‫فزودني بعد الانتهاء من صياغة المحضر بأوراق وقلم وأمر السجان بإضاءة زنزانتي‪ .‬فسو ّدت رسالة مطولة‬

‫إلى وز ير الدفاع وبيضتها قبل يوم من مغادرتي مركز الاستنطاق يوم ‪ 18‬مارس ‪ .1992‬وقد ضمنتها نقاطا‬

‫عديدة منها‪:‬‬

‫‪89‬‬


‫‪ -1‬أن ني لا أك تب الر سالة ا ستجداء للع فو و لا تراج عا عن موقفي الم عارض ل قرار الق يادة وإن ما‬

‫استكمالا لواجب النصح وإبراء لذمتي‪.‬‬

‫‪ -2‬أن قرار القيادة تجاه الأزمة السياسية خاطئ يجب عليها التراجع عنه بالطر يقة التي تراها مناسبة‬

‫وإلا فإنها ستتحمل المسؤولية على ما تؤول إليه الأوضاع كاملة‪ ،‬و أن إصرارها على التمادي في هذا المسلك‬

‫الدموي خيانة لعهد الل ّه والشهداء وعناصر الجيش الوطني الشعبي ليس لها فيه عذر‪ .‬كما أن هذا القرار لا‬ ‫يعكس ال كفاءة المهنية والحنكة السياسية لضباط الجيش الوطني الشعبي‪.‬‬

‫‪ -3‬أن ما قمتُ به من اتصالات مع السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي اجتهاد ما زلت مقتنعا‬

‫بجدواه اقت ضته الم صلحة العل يا للجزا ئر وال حرص ع لى شعبية ال جيش ووطني ته‪ .‬وأن ال غرض م نه هو ح قن‬ ‫دماء الجزائر يين مدنيين وعسكر يين‪ .‬مع التأكيد على استعدادي للقضاء على القيادة العسكر ية لو تيقنت من‬

‫سلم والاستقرار و ينهي الأزمة‪.‬‬ ‫أن ذلك يضمن لباقي الشعب الجزائري ال ّ‬

‫‪ -4‬أن ني م ستعد للت ضحية بح ياتي متطو عا وب كل ر ضا إذا كان ذ لك يمك ّ ن الق يادة الع سكر ية من‬

‫تداركها للموقف وإعادة الأمور إلى نصابها‪.‬‬

‫‪ -5‬إن تقديري الميداني للموقف انتهى إلى استحالة انتصار الجيش الوطني الشعبي في هذه الحرب‬

‫المعلنة على شر يحة واسعة من الشعب حتى لو ساعده فيها الحلف الأطلسي وحلف وارسو مجتمعين وحتى لو‬ ‫استعمل فيها السلاح النووي‪ .‬وأن أقصر طر يق للانتصار فيها هو إطفاء نارها قبل أن تشتعل‪ .‬وهذا ما زال‬ ‫ممك نا وي سيرا إذا توفرت ا لإرادة المخل صة‪ .‬وا لذي دفع ني إ لى هذا الا ستنتاج هو معرف تي كم حافظ سيا سي‬

‫بم عدن الجم هور الجزا ئري الب سيط ا لذي ع شت في ن فوس الآ لاف من شبابه ومعرف تي ك ضابط م يداني‬ ‫بطبيعة أرض الجزائر المنحازة للمظلوم‪ .‬وسردت مشاهد من الواقع ذكرت منها‪:‬‬

‫أ‪ -‬ك نت في جل سة ع مل مع الرا ئد ر شيد كوا شي قا ئد الق طاع الع سكري بب سكرة بمنا سبة صياغة‬

‫مقترح الناحية العسكر ية الرابعة المتعلق بإصلاح الدستور سنة ‪ .1984‬وكانت كتيبتي تنفذ مسيرا ميدانيا‬ ‫عبر جبال القنطرة‪ .‬وبعد انتهاء الجلسة أردت الالتحاق بجنودي‪ .‬فح ّددت مكان تواجدهم تقريبيا ورافقني‬

‫الملازم الأول بن عامر بن جانة بسيارة لندروفير إلى سفوح السلسلة الجبلية‪ .‬ورغم أن عدد أفراد الفوج‬ ‫المتحرك كان يفوق ‪ 500‬فردا بكامل عدتهم وكان الجو صحوا فإنني لم أستطع رؤ يتهم إلا بعد استعمال‬ ‫ن ظارة الم يدان وب عد ج هد‪ ،‬وكأنهم بعو ضة ح طت ع لى ظ هر ف يل‪ .‬فت ساءلت يوم ها‪ :‬ماذا لو كان عددهم‬

‫ع شرة من ج نود ال عدو؟ و ماذا لو كانوا يتحركون في ع مق ج بال ا لأوراس؟ ع ندها تيق نت أن الجزا ئر‬

‫بتضاريسها بلد م شجع على التمرد والثورة وأن على المعنيين بأمن الجزائر واستقرارها أن يحرصوا على تجن ّب‬ ‫‪90‬‬


‫أسباب التمرد ابتداء واحتوائه إذا تعذر ذلك في أضيق دائرة ممكنة قبل استئصال نواته بطرق قتالية مبتكرة‬

‫فع ّالة‪ .‬لأن احتياطي العالم كله من المتفجرات لا يكفي لمطاردة مجموعة صغيرة في منطقة كهذه بالطرق‬ ‫القتال ية المع هودة‪( .‬و قد ق مت م نذ ذ لك ال حين ب ناء ع لى هذا الت صور بت قديم مقتر حات من أ جل ترق ية‬

‫م ستوى ا لأداء الق تالي لل قوات الخا صة‪ ،‬اب تداء من جزأرة برامج ال تدريب وتعريب ها ب عد أن كا نت رو سية‬

‫محضة حتى في الجانب المعنوي والسياسي من التكوين)‪ .‬وأرشيف مدرسة القوات الخاصة كفيل بإثبات‬ ‫ذلك‪.‬‬

‫ب‪ -‬كان ال يوم جم عة وكا نت ال ساعة ت شير إ لى الوا حدة ب عد ا لزوال تقري با وك نت أ هم باجت ياز‬ ‫الطر يق المؤدي إلى ساحة الشهداء بالعاصمة‪ ....‬أوقف شرطي المرور السيارات وأذن لنا بالعبور وكان من‬

‫بيننا غلام في الثالثة عشر من العمر تقريبا‪ ،‬يحمل سجادة كأنه متوج ّه إلى المسجد‪ .‬وبعد اجتيازنا الطر يق‪،‬‬ ‫نهره شرطي من عناصر التدخل السر يع المنتشرين على طول الرصيف قائلا‪ :‬إسمع! ممنوع الصلاة خارج‬

‫المسجد هل فهمت؟ إذا صليت في الطر يق سأقتلك‪ ...‬توقف الغلام فجأة والشرر يتطاير من عينيه غضبا‬

‫وهو يردد‪ :‬تقتلني؟ أنت تقتلني؟ هيا!! أقتلني إذا كنت رجلا!‪ ..‬ثم نشر سجادته على الرصيف و بدأ يصلي‪.‬‬ ‫وتوقف المارة وكادت الأمور أن تتأزم لولا تدخل بعض المواطنين الذين أحاطوا بالطفل حتى أكمل صلاته‬ ‫وانصرف‪ .‬علمت بعد ذلك أن الحكومة أصدرت قانونا يمنع الصلاة خارج حدود المساجد‪ .‬وهذا إجراء‬

‫يمكن تفهمه‪ ،‬على عكس الاستفزاز الصادر عن الشرطي المتحفز للشرّ‪ ...‬ول كن سلوك ذلك الطفل كان‬ ‫نذيرا غ ير مق صود م نه ل كل من يعن يه ا لأمر مث لي بأن الت مادي في التهد يد والا ضطهاد من طرف أج هزة‬

‫الأمن سيفقد الناس طعم الحياة‪ .‬وعندها ستجد الدولة نفسها في مواجهة مواطنين لا يهمهم أن يقعوا على‬ ‫ال موت أو ي قع ال موت ع ليهم‪ .‬ف هل يتم نى ع سكري شر يف أن تؤول ا لأمور في وط نه إ لى هذه النها ية؟ و ما‬ ‫جدوى وطنية الجيش وشعبيته إذا أعلن الحرب على شعبه ومؤسسات وطنه؟ إن كل المؤشرات تدل على‬

‫أن هذا ما قامت به القيادة العسكر ية إلى حد الآن‪ ،‬وأن الا ستمرار في هذا التوجه سيكون على حساب‬ ‫الفعالية القتالية للجيش وتنامي روح الانتحار لدى الشعب‪.‬‬ ‫‪ -6‬أن أغلب ية ال ضباط المرؤو سين غ ير متحم سين لتنف يذ م شروع الق يادة الع سكر ية و سوف يقت صر‬

‫عملهم على التنفيذ الحرفي تجنبا للعقو بة دون تبني المهمة أو المبادرة لإنجاحها‪ .‬وهو ما يجعل الوضع الأمني‬ ‫معرضا للانتكاس في أي لحظة مهما كان ح جم الإن جازات و يفرض على قيادة الجيش تبني رد الفعل بدلا‬

‫من العمل العسكري المخطط والتورط في حرب أهلية تهلك الحرث و النسل‪.‬‬

‫‪91‬‬


‫‪ -7‬أنني أتعهد شخصيا بالتكفل بالقضاء على أي تمرد مسلح على الدولة الجزائر ية مهما كان توجهه‬

‫إذا ما توصلت القيادة العسكر ية إلى حل توافقي للأزمة يشترك فيه الرئيس الشاذلي بن جديد وقيادة الجبهة‬

‫الا سلامية للإن قاذ (ويم كن لوزير ا لدفاع أن يتأ كد من جد ية ما أ قول بالعودة إ لى الق يادة الميدان ية ال تي‬

‫سبقت لي الخدمة معها)‪.‬‬

‫‪ -8‬ب عد أن اقتر حت ع لى الق يادة إ جراءات لت صحيح الو ضع حملت ها الم سؤولية الكام لة ع لى كل ما‬

‫يترتب عن التمادي في حربها ضد الشعب‪.‬‬

‫وقد جاءت الرسالة في أكثر من عشرين صفحة تضمنت استطرادات كثيرة توضح وجهة نظري‬ ‫وتبرهن على أن تقديري للموقف قائم على دراسة ميدانية عسكر ية احترافية ودقيقة ولم أعتمد في موقفي من‬

‫الأزمة ك ما ادعاه اللواء خالد نزار في أكثر من تصريح على قناعتي الإسلامية الرا سخة‪ .‬وقد أثبتت الأيام أن‬ ‫موقفي كان انتصارا ل كرامة الشعب الجزائري وحقن دم أبنائه دون تمييز من أي نوع‪.‬‬

‫ق بل يوم من م صادقتي ع لى محاضر الاستنطاق أل حق بزنزان تي أ حد أن صار الجبهة الإ سلامية‪ .‬و هو‬

‫طا لب جامعي من مدي نة ا لونزة ا سمه م شري إ براهيم ‪ .‬و قد بدا منده شا من حالتي النف سية و معنو ياتي‬

‫عر فه قريبه‬ ‫المرتفعة رغم ما كان يسمعه عني من بقية المعتقلين‪ .‬ولما استأنس بي قص عليّ قضيته‪ .‬لقد ّ‬ ‫وهو مساعد عامل في الحرس الجمهوري بمساعد متقاعد آخر‪ ،‬أياما قبل موعد الانتخابات المقررة في ديسمبر‬

‫‪ .1991‬وقد سل ّمه المساعد المتقاعد مخططا هندسيا لمباني معزولة وطلب منه الاجتهاد في وضع خطة لنسفها‬ ‫بطر يقة ع ِل ْمية‪ .‬ورغم أنه لم يفهم شيئا عن الموضوع ولم يبدأ البث فيه إلا أنه وجد نفسه في اليوم التالي‬ ‫معتقلا ومتهما بالمشاركة في تفجير إقامة الرئيس بعنابة ومتلبسا بما اعتبر المخطط العمراني لإقامة الرئيس‬

‫بحوزته‪ .‬وقد طلب منه الضابط الذي استنطقه تسجيل اعترافه بأن قريبه العسكري قدم له المساعد المتقاعد‬

‫وأن الأخير سلمه مخطط الإقامة الرئاسية الذي ضبط بحوزته وطلب منه وضع مخطط لتفجيرها ففعل‪.‬‬

‫ومنذ أن سجل المحضر وصادق عليه مكتوبا منذ أكثر من شهرين لم يتعرض لأي تحقيق آخر ول كنه‬ ‫بقي محتجزا في المركز إلى ذلك اليوم‪ .‬في حين أن المساعد المتقاعد اعتبر مختلا عقليا وأط لق سراحه‪ .‬أما‬ ‫الم ساعد العا مل قر يب م شري ف قد ت عرض لت عذيب ت نوء به الج بال ح سب قو له وال ظاهر أ نه ف قد إ حدى‬

‫عينيه دون أن يعترف بالتّهم الملفقة ضده وبقي ت حت التعذيب إلى أن أعلن الشاذلي عن استقالته يوم ‪11‬‬

‫يناير ‪ 1992‬فكفّوا عن تعذيبه و نقلوه إلى العلاج‪ .‬وقد وعدوهما بالإفراج عنهما بعد الشفاء الت ّام من آثار‬ ‫وضحه لي هذا الطالب من تفاصيل لا أذكرها الآن كلها‪ ،‬تبين لي أن عملية التفجير‬ ‫التعذيب‪ .‬ومن خلال ما ّ‬ ‫كا نت مبرم جة من طرف دوا ئر في ال سلطة لاغت يال ا لرئيس إذا ر فض المواف قة ع لى دوره في م سرحية‬ ‫‪92‬‬


‫الاستقالة وقد كان مشري إ براهيم وقريبه الضحيتين المفترض اعترافهما بالجريمة أمام الرأي العام للتغطية‬ ‫على المجرم الحقيقي‪ .‬ول كن هذا السينار يو البديل أصبح لاغيا ولا حاجة إليه بعد استسلام الرئيس لإرادة‬

‫خالد نزار‪ .‬فرجّ حتُ أن ي ُطلق سراح مشري وقريبه بعد حين‪ .‬ولذلك فقد سل ّمت له مسودة الرسالة وقرأتها‬ ‫عليه راجيا منه إن كتبت له النجاة أن يكون شاهدا على الحقيقة في يوم من الأيام‪.‬‬ ‫وفي اليوم الذي صادقت فيه على محضر الاستنطاق أحضر جرو الذيب‬

‫‪53‬‬

‫معه ضابطين برتبة ملازم‬

‫سبق لي أن دربتهما وبقيا معنا يستمعان إلى آخر مراجعة للمحضر‪ .‬وبعد أن انتهينا قدمني إليهما قائلا‪ :‬هل‬

‫تعرفان حضرة النقيب؟ قالا‪ :‬نعم لقد كان المدير العام للتكوين البدني العسكري والر ياضي في الأكاديمية‬ ‫الع سكر ية لمخت لف الأ سلحة‪ .‬قال‪ :‬هل توقعت ما أن ت جداه ه نا؟ قا لا‪ :‬أ بدا‪ ...‬م ستحيل أن ي كون النق يب‬ ‫شوشان وراء ما يحدث‪ .‬قال‪ :‬كيف يظهر ل كما وهو بين أيدينا‪ .‬هل يستطيع أحدكما أن يستنطقه إذا كلفته‬ ‫بذلك؟ فقال أحدهما‪ :‬عليّ أن أعيد التدريب يا حضرات لأنني لم أعد أفهم شيئا‪ .‬هل كنت تخدعنا يا‬

‫حضرة النقيب؟ الحمد لل ّه أن القيادة قبضت عليك‪ .‬فأجبته قائلا‪ :‬أنت ما زلت صغيرا على فهم هذه الأمور‬

‫أي ها الم لازم‪ ،‬إ حرص دائ ما ع لى الا ستفادة م من هو أ قدم م نك‪ .‬أ ما ما تعلم ته م ني فيكف يك أن تع لم بأن‬ ‫القيادة تتمنى أن يتعلمه كل ضابط في الجيش‪ .‬وعندما أخرج أنا من هذا المكان سيؤكد لك قائدك ما قلت‬

‫ولن يملك أن يقول لك غير ذلك‪.‬‬

‫و من سوء حظ ذ لك الم لازم أ نه و جد نف سه م عي وج ها لو جه ب عد ث لاث سنوات في يوم ‪31‬‬

‫مارس ‪ 1995‬دا خل الم ص ّفحة ال تي اختط فت في ها من سجن ال حراش ع لى أ يدي الم خابرات‪ .‬وكا نت بين نا‬

‫دردشة سأعود إليها في حينها‪.‬‬

‫‪ 53‬النقيب جرو الذيب جاب الل ّه من مواليد تبسة التحق بنفس الدفعة التي انتمي إليها سنة ‪(1978‬دفعة الرائد المجاهد عبد‬

‫الرحمان بن سالم)‪ .‬متخصص في الدفاع الجوي تخرج بعدي بستة أشهر برتبة ملازم يوم ‪ 5‬جو يلية ‪ 1981‬التحق بمدير ية أمن‬

‫الجيش في نهاية التسعينات و كان أحد نواب المقدم بشير صحراوي المدعو عثمان طرطاق في مركز التعذيب ببن عكنون‪.‬‬

‫أحيل على التقاعد برتبة عقيد سنة ‪ 2004‬و ل كن أعيد تجنيده من جديد بعد عودة طرطاق سنة ‪ 2010‬و قد تم تكليفه‬ ‫بملف الجنوب و هو الساعد الايمن للواء بشير صحراوي المدعو طرطاق‪.‬‬ ‫‪93‬‬


‫في المدرسة التطبيقية لتدريب ضباط الاحتياط بالبليدة‬ ‫كا نت ا لأمور ع لى ا لأرض تت طور ب سرعة مذه لة‪ .‬فب عد مرور أ سبوع ع لى اعتقال نا‪ ،‬و في لي لة ‪12‬‬

‫مارس ‪ 1992‬تمردت أول مجموعة من القوات الخاصة‪ .‬فقد تمكن الرقيب الأول مولاي علي ومعه ثلاثة‬

‫ع شر من ضباط ال صف بالت عاون مع ح سن ح طاب و ع بد ال كريم بن زر قة من الان سحاب من في لق‬

‫الصاعقة الرابع المتمركز في ثكنة بني مسوس التي يقع في محيطها مقر القيادة العام للمخابرات‪ .‬وقد استطاع‬ ‫أحد عشر منهم اختراق الأطواق الأمنية المختلفة والتحصن بجبال الزبر بر فيما وقع اثنان منهم في قبضة‬ ‫المخابرات ومعهم سائق مدني اسمه زنيتر محمد وكانت بحوزتهم عدة قتالية أذكر منها قاذفين للصواريخ المضادة‬

‫للدبابات (رب ج ‪ )7 -‬و معها ستة قذائف ورشاشين متوسطين مع ستة آلاف طلقة وأحد عشر مسدسا‬ ‫رشا شا من نوع كلا شينكوف وم عه ستة ع شر أ لف طل قة متنو عة وع شرات القنا بل اليدو ية ون ظارات‬

‫ميدان ومسدسات شخصية‪ .‬وسأعود لتفاصيل هذه العملية في وقتها إن شاء الل ّه‪ .‬ك ما تزامن هذا التمرد مع‬ ‫تمرد ضباط صف من مدرسة الصحة بسيدي بلعباس‪ ،‬وتشعبت بجهاز المخابرات عمليات التحقيق واتسعت‬ ‫رق عة الاعتقا لات وت سارعت دون أن يظ هر في ا لأفق ما يدل ع لى احتوائ ها‪ .‬ف قررت الق يادة الع سكر ية‬

‫الوقف الفوري للاعتقالات والتعامل مع القضية بطر يقة مختلفة‪ .‬فكان أول ما قامت به هو تحو يل أربعة‬ ‫وعشرين م نا إلى سجن المدرسة التطبيق ية ل ضباط الاحتياط بالبل يدة وتهي ئة الظروف المناسبة لز يارت نا من‬ ‫طرف وز ير الدفاع اللواء نزار خالد الذي أصدر منشورا يوضح فيه أن التحقيق معنا جار في ظروف حسنة‬

‫وأ نه سيطلق سراحنا قري با‪ .‬ول كن تدهور صحته الم فاجئ وحاج ته إ لى ال سفر حا لا دون ذ لك وألغ يت‬

‫الز يارة‪ .‬وجاءتنا التعليمات للاستعداد لمقابلة قائد الأركان اللواء قنايز ية عبد المالك وكان في انتظاره معنا‬ ‫المقدم الجي لالي بشي شي مدير المدرسة والرا ئد ع بد القادر المدير الج هوي لأمن ال جيش بالبل يدة و قد تأثرا‬ ‫كث يرا لم عرفتهم الج يدة بنوع ية ال ضباط المعتق لين خا صة و قد كان ا لأول مدر سا ل مادة التكت يك و ال ثاني‬ ‫رئي سا لمك تب أن ال جيش بالأكاديم ية الع سكر ية لمخت لف الأ سلحة بشر شال‪ .‬وح ضنا الم قدم بشي شي ع لى‬ ‫الصراحة مع قائد الأركان وحاول جهده أن يكون شر يفا في أداء مهمته كعسكري مسؤول‪ .‬ورغم أنه لم‬

‫يقدم لنا شيئا خارج الإطار الم سموح له به من طرف القيادة‪ ،‬إلا أنه كان ضابطا محترما لنفسه وجديرا‬

‫بالتقدير‪ .‬وبعد انتظار طو يل جاء الخبر في آخر المساء بإلغاء الز يارة إلى أجل غير مسمى ووضعت المدرسة‬ ‫في حالة استنفار قصوى رغم أن معاملتنا بقيت على حالها خاصة وأن ضابط الأمن الملحق بالمدرسة كان‬

‫من طلابي السابقين وصهرا لأحد جيراني السابقين – النقيب أوبشير محمد‪ -‬وكان ضابطا عاقلا اسمه العائلي‬ ‫بوز يان‪ ،‬فقضينا أياما أقل ابتلاء قياسا بمعاناتنا في مركز الاستنطاق ببن عكنون‪.‬‬

‫‪94‬‬


‫و في م ساء ال يوم ا لأخير من شهر مارس ‪ 1992‬ا قتحم علي نا ال سجن مجمو عة من ضباط مركز‬

‫الاستنطاق ببن عكنون وكان من بينهم الرائد عبد القادر غانم و عبد النور المزابي وحاولوا ترو يعنا بالتهديد‬ ‫وضرب بعض الضباط و ضباط الصف رغم مناشدتهم من طرف الضابط المكلف بحراسة السجن بوقف‬

‫استفزازاتهم‪ ،‬فدخل معهم بعض ضباط الصف و الطلبة الضباط في معركة انتهت بانسحابهم لأنهم كانوا‬ ‫قل ّة‪ .‬وطلبني الرائد عبد القادر غانم فخرجت إليه إلى مدخل السجن‪ .‬فقال لي بنبرة مليئة باللؤم والتشفي‪:‬‬

‫تمن ّيتُ أن ي كون ع ندك في ا لدنيا ما ت كافئني به ع لى الب شارة ال تي أنقل ها إل يك‪ .‬ول كن لا بأس ح تى إذا‬ ‫كافأتني في الآخرة سأقبل ذلك منك‪ ...‬المهم أن الضربة الصحيحة نزلت على رأس أكبر من رأسك‪ .‬لقد‬

‫عزلنا العميد محمد العماري (الشيكور انتاعكم) وهو الآن تحت الإقامة الجبر ية وعي ّن ّا العميد خليفة رحيم‬

‫مكانه‪ .‬ثم أضاف‪ :‬ألم أقل لك أننا نحن الذين نحكم وأن بوضياف هو ربنا؟ والل ّه ما رضي بوضياف برأس‬

‫أقل من جنرال‪ ...‬الرؤوس الصغيرة لم تملأ عينه‪ ...‬والل ّه ما تهن ّا (ما ه َن َأ له بال) حتى تقربنا له برأس‬ ‫العماري‪ ...‬لا بد أنك مرابط ودعوات والديك هي التي نجتك من الإعدام‪.‬‬

‫أذهل ني الخ بر فبق يت أن ظر إل يه و هو يت حدث و أحس ست كأن بو صلة إدرا كي قد تعط لت‪ ...‬ثم‬

‫تداركت نفسي وحاولت التعامل مع الخبر على أنه من قبيل الحرب النفسية لهذا الفضولي الخبيث‪ .‬وقلت‬ ‫له ببرود‪ :‬لا تفرح كثيرا فقد يكون الدور عليك في المستقبل لأن في جزائركم كل شيء ممكن‪ .‬وانصرفت‬

‫إلى داخل السجن‪ .‬وقد تأكد لي لاحقا أن ما قاله الرائد عبد القادر كان صحيحا عندما علمت أن العميد‬

‫خليفة رحيم ع ُي ّ ِن رسميا قائدا للقوات البر ية خلفا للعماري ووضع الأخير تحت تصرف وزير الدفاع‪.‬‬

‫‪95‬‬


‫الجزء الخامس‬ ‫الانزلاق إلى حمام الدم‬

‫السجن العسكري ببشار‬ ‫اختلاق الأزمة الأمنية (تفجير المطار نموذجا)‬ ‫المقابلة الأولى مع العميد أحمد قايد صالح قائد الناحية العسكر ية الثالثة ببشار‪.‬‬ ‫مقابلة قائد أركان الجيش الوطني الشعبي اللواء قنايز ية عبد المالك‬ ‫التمرد الأول في صفوف الجيش‬

‫‪96‬‬


‫السجن العسكري ببشار‬ ‫صدرت التعلي مات بتحو يل نا إ لى ال سجن الع سكري بب شار‪ .‬و تم ذ لك جوا من م طار بوفار يك‬

‫العسكري في ظروف أمنية متوترة وكان الرائد عبد القادر مكلفا بملف النقيب شوشان وجماعته‪ .‬ولذلك‬ ‫فقد لازمني طوال الرحلة وأكد لي بأنه لولا البلبلة التي أحدثها اعتقالي في صفوف الجيش لما خرجت من‬

‫مركز التعذيب حي ّا‪ .‬وهددني بقتلي داخل السجن العسكري إذا حاولت إثبات براءتي من التهم المنسوبة إليّ‬

‫أو التراجع عن الإفادة التي وقعت عليها في محضر الاستنطاق‪ .‬وبقي على هذه الحال حتى انتهينا من محاضر‬

‫الاستماع الأولى أمام قاضي التحقيق بالمحكمة العسكر ية ببشار‪.‬‬

‫وصلنا إلى مطار بشار العسكري ونقلنا مباشرة إلى المحكمة العسكر ية فوجدنا وكيل الجمهور ية العسكري‬

‫في استقبالنا ومعه ضابطين احتياطيين برتبة مرشح‪ .‬وقد أخبرني أحدهما أنه أك مل خدمته‪ ،‬ولولا خوفه من‬

‫عرقلة إجراءات خروجه لرفض القيام بمهمة قاضي التحقيق في تلك الظروف‪ .‬وقد كان ضباط الأمن‬

‫وع لى رأ سهم الرا ئد ع بد ال قادر ي هددون المته مين بالانت قام وإ عادتهم إ لى مركز الت عذيب و ي ضربونهم ح تى‬ ‫يصادقوا على المحاضر بالصيغة التي حررها الجلادون في مركز التعذيب ببن عكنون‪ ،‬وقد كان موقف وكيل‬

‫الجمهور ية السلبي تجاه التجاوزات حتى تجاه الضابطين المكلفين بالتحقيق الأ ّولي يعزز سطوة ضباط الأمن‬

‫المرافقين على المحكمة‪ ،‬مما جعلني أرفض حتى المثول أمام قاضي التحقيق في البداية لإجبار وكيل الجمهور ية‬ ‫على التدخل‪ .‬فقابلته في جلسة مغلقة أقنعني خلالها بأننا ما زلنا تحت تصرف الم خابرات وأن بإمكانهم نقلنا‬

‫إ لى مركزهم ع لى م ستوى الناح ية الع سكر ية الثال ثة خارج مدي نة ب شار ح يث لا قانون و لا شهود وأن هم‬

‫قادرون على نقله معنا إذا لمسوا منه أي اعتراض على سلوكهم‪ .‬واقترح علي بالمقابل المصادقة على محاضر‬

‫التحقيق كما هي حتى نصبح تحت مسؤولية المحكمة ووعدني بأنه سيبذل كل ما في وسعه لتمكيننا من حق‬

‫الدفاع عن أنفسنا و الاتصال بالقيادة العليا إذا طلبنا ذلك‪ .‬وهكذا بقينا محشورين يومين في قاعة المحكمة‬ ‫نقلنا بعدهما إلى السجن العسكري حيث وجدنا صندوقا حديديا كبيرا ينتظرنا في ساحة جانبية من السجن‬

‫تكدسنا فيه أكثر من شهرين لا نرى النور إلا نادرا إلى درجة أن لا أحد من نزلاء نفس السجن شعر بنا‪.‬‬

‫فاخضرّت لحومنا وشحبت أجسامنا‪ .‬وكنا في البداية ‪ 63‬ضابطا وضابط صف ثم تلاحق المساجين بعد ذلك‬ ‫مدنيين وعسكر يين حتى تجاوز عددهم المئتين وضاق بهم الصندوق ولم يجدوا مكانا ينامون فيه‪.‬‬

‫لقد تمكنا من تسخير كل صغيرة و كبيرة من أجل تخفيف وطأة السجن على أنفسنا‪ .‬فاتفقنا على‬

‫تعيين أكبر الضباط سن ّا ليكون أميرا علينا ونظمنا كل شؤوننا داخل الصندوق ولذلك فإن الأثر ال كبير‬

‫‪97‬‬


‫كان على أجسادنا نظرا لسوء التغذية وحاجتنا إلى الماء والشمس والحركة أما معنو يا فقد كان الجميع على‬

‫مستوى عال من التوكل على الل ّه والثقة بالنفس‪.‬‬

‫كانت تلك الظروف فرصة ثمينة بالنسبة لي‪ ،‬تعرفت فيها على وجوه جديدة واطلعت فيها على كثير‬

‫من التفا صيل ال تي بص ّرتني بح قائق ا لأمور و ساعدتني ع لى التعا مل مع الأز مة ب كل م سؤولية وث قة ع لى‬

‫المستوى الشخصي أساسا ومع الآخرين كذلك‪ .‬و ر غم أن تلك الفترة كانت مزدحمة بالمشاهد المتناقضة‬ ‫على مستوى السجن إلا أن م ِن أه ِ ّم ما يجدر بي التعرض إليه مما استفدته في تلك المرحلة الحساسة هو‪:‬‬ ‫اختلاق الأزمة الأمنية (قضية تفجير مطار هواري بومدين)‬ ‫مقابلتان مع القيادة العسكر ية على أعلى مستوى‪.‬‬

‫‪98‬‬


‫اختلاق الأزمة الأمنية‪( 54‬تفجير المطار نموذجا)‬ ‫إلى هذا التاريخ‪ 55‬بقيت الأزمة سياسية محضة رغم حملات الاعتقال التعسفية العشوائية ورغم‬

‫حدوث تمردات داخل الجيش وأعمال عنف محدودة لم يتعد ضحاياها ‪ 85‬قتيلا بما فيهم ‪ 65‬مدنيا قتلوا‬

‫على أيدي الجيش في مجزرة قمار وحدها خلال شهر ديسمبر ‪ .1991‬ولذلك فقد اعتمدت القيادة العسكر ية‬

‫أسلوب الفوضى الخل ّاقة من أجل التحكم في الوضع‪ .‬فبدل ًا من احتواء الأزمة السياسية بالتعامل على قاعدة‬ ‫(و لا تزر وازرة وزر أ خرى) وح صر الم سؤولية في إطار ها السيا سي ال ضيق‪ ،‬أ صرت بدافع من ال غرور‬

‫والطغيان إلى تو سيع دائرة التور يط لتشمل شرائح عريضة من المواطنين الأبر ياء و بث الرعب في أوساط‬ ‫الشعب‪ .‬وقد تسبب هذا في تأسيس الأرضية الخصبة للأزمة الأمنية المزمنة التي قصمت ظهر الجزائر والتي‬ ‫بنيت في الحقيقة على ركيزتين رئيسيتين‪ .‬الأولى هي انتقال عدد كبير من المواطنين إلى السر ية خوفا من‬

‫الاعتقال التعسفي في البداية ليجدوا أنفسهم بعد تعقد الأزمة أمام خيار وحيد هو حمل السلاح ويشقوا‬ ‫بذلك مسلك العنف لمن بعدهم من ضحايا الفزع من إرهاب الدولة بكل أشكاله‪ .‬أما الثاني فهو أن اعتقال‬

‫الأبر ياء العشوائي تطلب مبررا قانونيا لإضفاء الشرعية عليه ولو شكلي ّا مما دفع أجهزة الأمن إلى تلفيق التهم‬ ‫الباطلة للمعتقلين وافتعال قضايا لا وجود لها في الواقع فاستدرجوا إلى دوامة التعذيب لانتزاع الاعترافات‬

‫فلم يستفيقوا من سكرتهم إلا على آلاف من ضحايا الإغتيالات السر ية الذين يرمز إليهم اليوم بالمفقودين‪.‬‬

‫وفي نفس السياق توسعت تلك الأجهزة في الربط التعسفي بين الانتماء إلى حزب سياسي أو تيار فكري أو‬ ‫علاقة شخصية وبين الانتماء إلى جماعة مسلحة لتجد نفسها بمئات الآلاف من اللاجئين والمعتقلين والمساجين‬ ‫ت تراوح أع مارهم بين سن ‪ 14‬و ‪ 100‬سنة ذكورا وإنا ثا و لا غرا بة في ذ لك ف قد اعت قل شيخ من واد‬ ‫سوف عمره أكثر من ‪ 100‬سنة لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يمشي ولا يدرك شيئا‪ ،‬بتهمة التهر يب‬

‫وتزو يد جماعة إرهابية بالسلاح وقد مات في سجن البرواقية بين أيدينا بعد اعتقاله بأسبوع وقبل أن يقدم‬ ‫للمحاكمة لي كون شاهدا ع لى العبثية ال تي تم بها تسيير الأز مة‪ .‬إن هذا الج نون يظهر جل يا في حادثة تفجير‬ ‫م طار هواري بو مدين ال تي سأكتفي ب سرد ما بلغ ني عن ها من المعن يين بالمو ضوع أنف سهم وأ ترك الن ظر في ها‬

‫للتاريخ‪.‬‬ ‫‪54‬‬

‫لم أجد طرفا من الطبقة السياسية الجزائر يا حر يصا على تفجير الأزمة بل بالعكس كانوا كلهم مستعدين للتنازل من أجل‬

‫المحافظة على الأمن و السلم باستثناء اللواء نزار خالد وزير الدفاع الذي أصر على أخذ المبادرة من طرف واحد لفرض‬

‫منطق المواجهة المفتوحة و حاول بكل الطرق و الوسائل تحو يل الأزمة من طبيعتها السياسية إلى أزمة أمنية مزمنة‪.‬‬ ‫‪ 55‬بداية شهر افر يل ‪1992‬‬

‫‪99‬‬


‫في يوم ‪ 20‬ماي ‪ 1992‬التحق بنا في السجن مجموعة من المدنيين المتهمين بمساعدة المتمردين من‬

‫ال قوات الخا صة ال تابعين لثك نة ب ني م سوس بالعا صمة‪ .‬وكان من ب ينهم أم ير الجما عة الم سمى ال حاج عراب‬

‫الذي سأعود إلى الكلام عن شخصيته بتفصيل عند الكلام عن عملية التمرد‪.‬‬

‫ففي يوم ‪ 26‬مارس ‪ 1992‬ألق ِ َي القبض على الحاج عراب و تم تعذيبه ببشاعة اعترف على إثره‬

‫لأجهزة الأمن بتفاصيل خطة مفترضة لتفجير المطار وعن كل أعضاء الجماعة التي تخطط لهذه العملية بما‬

‫فيها حسين عبد الرحيم وسوسان و يوسف بوصبيع‪ .‬ول كنه أخبرهم أيضا بأن الجماعة تنوي فعل ذلك دون‬ ‫التسبب في خسائر بشر ية وتريد أن تشتغل على طر يقة المافيا الإيطالية باستعمال الهواتف النقالة والمثبتة على‬

‫ال سيارات في ات صالاتها وت قوم بعمل يات ضد أ هداف ا ستراتيجية‪ .‬وا ستطاعت أج هزة ا لأمن ب ناء ع لى‬ ‫اعترافات الحاج عراب أن تلقي القبض على أكثر من خمسين شابا أغلبهم لا علاقة لهم بالموضوع ول كنها لم‬ ‫تلق القبض على المعنيين الحقيقيين رغم علمها بهم وتركتهم يتجولون بكل حر ية بسياراتهم وجوالاتهم دون‬

‫أن يعتر ضهم أ حد (ول كن دون أن يخ برهم ال حاج عراب بأ نه ك شف مخطط هم لأجهزة ا لأمن)‪ .‬و قد‬ ‫بقيت هذه الجماعة بجميع عناصرها ومن انضم إليهم لاحقا مراقبة من طرف أجهزة الأمن دون أن يشعروا‬

‫بذلك‪.‬‬

‫* إلى هنا يبقى السؤال المطروح هو‪ :‬كيف سمح لهذه الجماعة بتنفيذ تلك العملية البشعة رغم‬

‫وجود عناصرها تحت الرقابة المباشرة لأجهزة الأمن؟‬

‫التقيت بيوسف بوصبيع الذي يفترض أنه هو واضع القنبلة في المطار حسب الرواية الرسمية‪ .‬كان‬

‫من المفترض أن ينفذ فيه حكم الإعدام مع رفاقه السبعة حوالي أفر يل ‪ 1993‬ول كن تأجل تنفيذ الحكم‬

‫ف يه هو با لذات لأ سباب إجرائ ية ف كان لقاؤ نا بط لب م نه في ع يادة سجن البرواق ية أث ناء خ ضوعه لف حص‬

‫المراقبة الذي يجرى عادة قبل تنفيذ حكم الإ عدام ثم تقابلنا بعدها مرارا‪ .‬وقد بلغه قبل ذلك أنني أدنت‬ ‫عملية التفجير ووصفت المسؤولين على تنفيذها بالمجرمين الأغبياء فساءه كلامي‪.‬‬

‫قال لي هذا الرجل‪ :‬رغم أنني سمعت عن مروءتك ممن أثق فيهم إلا أنني لست متأكدا من عدم‬

‫انتسابك للمخابرات‪ .‬ول كنني مع ذلك واثق من أمانتك وحبك للخير وأر يدك أن تعلم وتخبر من تتوسم فيه‬ ‫الخير من أصدقائك الضباط بأن القنبلة التي انفجرت ليست هي القنبلة التي كنت أحملها وأن المكان الذي‬

‫انفجرت فيه ليس هو المكان الذي كنت أريد وضعها فيه‪ .‬القنبلة التي كنت أحملها كانت حشوة بارودية‬

‫تقليدية الصنع خالية حتى من الشظايا لا يمكن أن تحدث الدمار الذي خلفه التفجير والمكان المقرر لوضعها‬ ‫كان تحت برج المراقبة وليس في قسم الركاب‪ .‬قلت‪ :‬وكيف ألقي القبض عليك؟ قال‪ :‬القي القبض علي‬ ‫‪100‬‬


‫في المطار وأنا أحاول وضع القنبلة‪ .‬قلت‪ :‬إذن فقد كنت متابعا‪ .‬قال‪ :‬أظن ذلك لأنني منذ أن اقتر بت‬

‫من دورة المياه المحاذية للبرج تم الهجوم علي وأصبت بطلقات نار ية ولم أعد أذكر شيئا‪ .‬ولم أسترجع الذاكرة‬

‫إلا أمام هيئة الاستنطاق مع حسين عبد الرحيم و سوسان‪ .‬قلت‪ :‬وكيف سمحت لنفسك بتفجير مبنى فيه‬

‫أناس أبر ياء‪ ،‬أتعتبر هذا جهادا؟ قال‪ :‬لقد قلبنا الأمر في هذا طو يلا وكان غرضنا لفت انتباه العالم إلى‬ ‫القضية ولذلك فإن الحشوة كانت ستحدث هلعا كبيرا ودخانا كثيفا في المطار ول كنها لم تكن لتتسبب في‬ ‫تدمير المب نى أو سقوط قت لى‪ .‬ق لت‪ :‬وك يف ف كرتم في تنف يذ عمل ية ك شفها الن ظام م نذ شهر مارس؟ وه نا‬

‫اندهش الرجل وقال‪ :‬ومن قال لك هذا؟ قلت‪ :‬هل تعرف الحاج عراب؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قلت‪ :‬ألم يخبركم بأنه‬ ‫كشف مخططكم وب لغ عن أ سمائكم؟ قال‪ :‬لا أ بد ًا‪ .‬وهل ذكر أسماءنا؟ قلت‪ :‬ن عم‪ .‬بل ذكر حتى و ضعيات‬ ‫جلوسكم وأنتم تتكلمون عن الموضوع متسترين بالاجتماع من أجل عقيقة المولودة الجديدة لبعض إخوانكم‪.‬‬ ‫قال‪ :‬ا لآن تيق نت من صدقك‪ .‬ل قد خدعنا من دا خل صفنا ق بل أن ي خدعنا الن ظام‪ .‬ق لت‪ :‬وك يف لم‬

‫تحاولوا التأ كد من الأمر طوال هذه المدة ب عد أن تم ال قبض ع لى الع شرات من تن ظيمكم؟ قال‪ :‬إنهم لم‬

‫يكو نوا من تنظيم نا و لا يعرف ني أ حد منهم‪ .‬ول كن ال حاج عراب وف ّر ل نا م كان الاجت ماع في بي ته ا لذي‬ ‫اشتراه بأموال المتبرعين من أنصار المشروع الإسلامي ولم نتوقع أنه كان مهتما بالموضوع لأنه لم يكن يعنيه‬ ‫في شيء‪ .‬وقد تحفظنا فترة من الوقت ول كننا لم نلمس أية ردة فعل من النظام ضد الأفراد المعنيين بالخطة‬ ‫فان خدعنا‪ .‬ك ما أن الجما عة ال تي خط طت للعمل ية لي ست هي ال تي أ خذت الم بادرة لتنف يذها‪ .‬ق لت‪ :‬أتع ني أن‬

‫حسين عبد الرحيم لم يأمركم بذلك؟ قال‪ :‬حسين عبد الرحيم لم يكن أميرا علي في هذه المرحلة‪ .‬القرار اتخذ‬ ‫من طرف إمارة الجماعة الإ سلامية في الوقت الذي كان على رأسها محمد علال‪ .‬قلت‪ :‬وكيف استطعت‬

‫الوصول إلى المطار؟ قال‪ :‬لقد رافقني إلى المطار سيد أحمد مراد العر يف السابق في الحرس الجمهوري وقد‬ ‫ا ستغل علاق ته الشخ صية مع عنا صر ال حواجز الأمن ية لت سهيل الو صول إ لى الم طار‪ .‬ق لت‪ :‬و هل أل قي عل يه‬

‫ال قبض؟ قال‪ :‬لا‪ .‬ق يل لي أ نه تم كن من ال فرار ب عد أن أل قي ع لي ال قبض ثم سافر إ لى إ يران ومن ها إ لى‬ ‫أفغانستان بعد ذلك‪ .‬قلت‪ :‬وهل اكتشف أمره؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬هو متهم معنا في القضية‪ .‬قلت‪ :‬وكيف خرج‬

‫إذن؟ قال‪ :‬والل ّه يا سي أحمد لقد بلغني أنه سافر من نفس المطار بعد أيام من العملية وعاد بعد ستة أشهر‬ ‫وتم تنصيبه أميرا على الجماعة الإسلامية بعد ذلك (وهو المدعو جعفر الأفغاني) ول كنني لن أحم ّل نفسي‬

‫وِ ْزر اتهامه بشيء لأنني مقبل على الل ّه في أية لحظة و يكفيني ما تحملته إلى حد الآن‪ .‬قلت‪ :‬أت خاف الل ّه في‬

‫اتهام شخص مشتبه في أمره ولا تخافه في اتهام شعب كامل بال كفر دون بينة يا يوسف؟ قال‪ :‬أشهد علي‬ ‫أنني لا أكفر أحدا بعينه ول كنني أكفر النظام الذي يمنع المسلمين من الاحتكام لشر يعة الإسلام‪ .‬قلت‪:‬‬

‫وإذا قلت لك بأن داخل هذا النظام من هو أحرص منك على مرضاة الل ّه والتضحية في سبيل دينه وأقدر‬

‫على مواجهة الفساد فيه وهم جنود وضباط من مختلف الرتب؟ قال‪ :‬والل ّه لو تأكد الإخوة من و جود‬ ‫‪101‬‬


‫أمثال كم في الجيش لما تعجلوا في المغامرة بمواجهة هؤلاء الطغاة‪ .‬ول كن قدر الل ّه وما شاء فعل‪ .‬قلت‪ :‬وهل‬ ‫هناك إخوة من جماعتك معنا في سجن البرواقية‪ .‬قال‪ :‬نعم ول كن أترك لي فرصة الحديث إ ليهم قبل أن‬ ‫تكلمهم أنت لأن بعضهم يظنون أنك من ضباط المخابرات وقد يسيؤون الظن بك‪ .‬ول كن يمكنك الكلام‬

‫مع جمال العسكري لأنه ابن جنرال في الجيش ولن يتحرج في الكلام معك لأنه شجاع و يعرف كل شيء‬

‫عن عمل الجماعة‪.‬‬

‫ورغم أنني التقيت بيوسف في مناسبات أخرى وحدثني بكل ما ي عتلج في صدره إلا أنه لم يتمكن‬

‫من الاتصال ببقية المجموعة إلى أن قتل في أحداث البرواقية في نوفمبر ‪ 1994‬كما أنني لم أ بق طو يلا بعد‬

‫ذلك في سجن البرواقية حيث تم تحو يلي إلى سجن الحراش‪ .‬ول كن مع ذلك فقد التقيت بجمال العسكري‬

‫وت حدثت م عه مطو لا وأ كد لي كل ما قا له يو سف رح مه الل ّه وبتف صيل أك بر‪ .‬و ع ندما عل مت ان ج مال‬ ‫العسكري استثني من الاستفادة من إجراءات المصالحة سنة ‪2006‬على غرار المتهمين في قضايا الإرهاب‬ ‫رغم أنه ابن جنرال سابق و الجميع يعلم أنه لم يتورط في قتل أحد‪ ،‬تأكدت أن السلطة ترفض أن تمكن أي‬

‫شاهد من المعنيين بقضية المطار من ال كشف عن الحقيقة كاملة‪.‬‬

‫و من خلال هذه المعلومات الموث ّقة في محاضر الاستنطاق لدى أجهزة الأمن والتي لا يزال بعض‬

‫الشهود عليها أحياء ومنهم الحاج عراب نفسه وجماعته يتضح جليا أن أجهزة الأمن كانت تتابع حركات‬

‫المنف ّذين المفتر ضين بد قة و قد تمك نت من إل قاء ال قبض ع ليهم خ لال أ قل من أ سبوع ب عد ال حادث ر غم‬ ‫تواجدهم في أماكن متفرقة من الوطن‪ ،‬بل و اعتقلت اثنين منهم قبل تنفيذ العملية نفسها‪.56‬‬

‫* وبقي على التاريخ أن يكشف لنا سر إمهال حامل الحشوة البارودية حتى يصل إلى المطار ثم سر‬

‫تحولها إلى قنبلة من المتفجرات البلاستيكية الكاسرة شديدة المفعول التي لم تستعملها الجماعات الإرهابية لا‬ ‫قبل هذه العملية ولا بعدها ثم سر إعدام متهمين في القضية مقبوض عليهم قبل تنفيذ العملية بشهور مثل‬

‫منصوري الملياني‪.‬‬

‫و من خ لال تعلي قات ب عض ا لإخوة و ا لأخوات ع لى هذه ال شهادة ع بر ق ناة الم صالحة و إذا عة‬

‫وطني أمثال السيدة أمينة أخت حسين عبد الرحيم و أحد نوابه المدعو جمال رصاف المقيم في بر يطانيا و‬ ‫أمير الجماعة الإسلامية المسلحة و مؤسسها عبد الحق لعيايدة ‪ ،‬تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن لهذه العملية‬

‫م شهدين‪ .‬ا لأول حقي قي لم يتم ال ك شف ع نه و لم يتم التحق يق ف يه و لا الت عرض له من طرف العدا لة‬ ‫‪ 56‬تم اعتقال سوسان أسبوعا قبل العملية و اعتقل الملياني قبل ذلك بأسابيع‬

‫‪102‬‬


‫الجزائر ية و لا من طرف الإع لام الجزا ئري ف ضلا عن ا لأمن‪ ،‬و هو أن القنب لة ال تي انف جرت في قا عة‬ ‫المسافرين هي قنبلة شديدة الإنفجار وضعها إرهابي رسمي معروف الهو ية دون أن يعترض طر يقه أحد و لم‬

‫تنشر صورته رغم أن المطار الدولي يخضع لحراسة مشددة من طرف المخابرات و أعوان الأمن‬

‫و‬

‫مراقب بالكاميرات من كل زاو ية و كان يكفي أن يعرض شر يط الكاميرات ليرى كل العالم من الذي‬ ‫وضع القنبلة و فجر المطار‪ .‬و مع ذلك فإن هذا الإرهابي مازال حيا يرزق و يعيش في ألمانيا و كان تابعا‬

‫لجما عة إرهاب ية غير معرو فة الهو ية التحقت بالجما عة الإسلامية الم سلحة ب عد العمل ية ح سب ت صر يحات أم ير‬ ‫الجماعة الإسلامية المسلحة في ذلك الوقت عبد الحق لعيايدة بعضلة لسانه في حواره مع نور الدين خبابة‬ ‫صاحب إذاعة وطني في شهر فبراير ‪ .2012‬فالجريمة الحقيقية إذن لم يتم التحقيق فيها إلى غاية كتابة هذه‬

‫المذكرة و المجرم الحقيقي حر طليق يتمتع بجميع الحقوق رغم أن إمكانية القبض عليه‬ ‫عليه متاحة لمصالح الأمن الجزائر ية‪.‬‬

‫و إثبات التهمة‬

‫الوجه ال ثاني للعمل ية هو القنب لة البارودية ال تي حاول يوسف بو صبيع و ضعها تحت برج المراق بة و‬

‫الذي تم القبض عليه بعد إصابته في عين المكان برصاصات قاتلة و تم على أساس ذلك اعتقال حسين‬ ‫عبد الرحيم و جماعته الذين أ عدموا رغم أنهم لم تكن لهم علاقة بالموضوع بل لقد تم اعتقال حسين عبد‬

‫الرحيم بينما كان يجري اتصالات بمختلف الجماعات لمعرفة المسؤول عن العملية‪ ،‬كما أكد ذلك زميله جمال‬ ‫رصاف في شهادة صوتية منشورة في موقع إذاعة وطني‪.‬‬

‫‪103‬‬


‫المقابلة الأولى مع العميد أحمد قايد صالح ‪57‬قائد الناحية العسكر ية الثالثة ببشار‬ ‫(قائد أركان الجيش الوطني الشعبي منذ سنة ‪)1113‬‬ ‫بعد اعتقالنا في شهر مارس تمردت مجموعات من الجبش الوطني الشعبي كما سبقت الإشارة إليه‬

‫وكان من بينها تمرد مجمو عة من الفوج ‪ 40‬للمدفع ية ال تابع لفر قة المدرعات ‪ 40‬ال تي يقود ها العم يد بوغابة‬ ‫رابح والمتمركزة في قطاع العمليات الشمالي للناحية العسكر ية الثالثة كما تمردت مجموعات أخرى من الناحية‬ ‫العسكر ية الثالثة‪ .‬مما جعل العميد أحمد قايد صالح يجمع ضباط الناحية ويتوعدهم بالعقاب الشديد إذا فكروا‬

‫في التمرد وقال لهم‪ :‬لو تمرد الجيش كله فإن القيادة لن تتردد في استئجار جيش من الخارج لفرض سلطتها‬

‫على الجميع‪ .‬هذا ما نقله لنا قائد أركان فوج المدفعية ‪ 40‬الذي حضر التجمع قبل أن يعتقل من طرف‬ ‫الم خابرات و يل حق ب نا في ال سجن مع المت مردين من الناح ية الع سكر ية الثال ثة‪ .‬و قد سمعه أك ثر من ث مانين‬ ‫عسكر يا غيري‪ .‬في هذا الوقت بالذات زارني المبعوث الخاص لوزير الدفاع النقيب الأزهر داخل السجن‬

‫العسكري وحضر اللقاء الرائدان وكيل الجمهور ية العسكري والمدير الجهوي للأمن العسكري وقدم لي النقيب‬ ‫الأزهر عرض وز ير الدفاع اللواء نزار خالد‪ .‬كان العرض متمثلا في صفقة أقوم بموجبها بمساعدة القيادة‬ ‫في اعتقال السعيد مخلوفي أو قتله مقابل أن يطلق سراحي مع كل من معي وتؤمن لي إقامة مكفولة في‬

‫ال خارج مع أو لادي ع لى ح ساب الدو لة إن خ شيت الانت قام من طرف الإ سلاميين‪ .58‬و قال لي‪ :‬إذا‬ ‫وافقت على العرض فإنك لا تحتاج إلى العودة إلى الصندوق وسنطير فورا إلى العاصمة‪ .‬وكان ردي صر يحا‬

‫ووا ضحا حيث قلت‪ :‬لم يكن أحد من آبائي عميلا لأحد‪ ،‬ولا يمكن أن أكون أنا كذلك‪ .‬أما الغدر فلو‬ ‫كنت أقبله لنفسي لأظهرت الموافقة على عرضكم وغدرت بكم بعد ذلك انتقاما لما لحقني منكم من الظلم‪.‬‬

‫فأنا معترض على سياسة القيادة في معالجة القضية مبدئيا ولست مستعدا للمساومة على موقفي بأي ثمن‪.‬‬ ‫وقد حاول مدير الأمن العسكري أن يعرِض الصفقة بمبادرة منه دون حضور النقيب الأزهر على‬

‫النقيب مخلوفي عامر ابن عم السعيد مخلوفي الذي كان مسجونا معي وهدده بالاعتداء على شرف أهله إذا‬ ‫‪57‬‬

‫عرفت الفر يق أحمد قائد صالح من خلال مواقف سابقة عندما كان قائدا لقطاع العمليات المركزي بين بشار و تندوف‬

‫سنة ‪ 1982‬و عندما كان مديرا لمدرسة ضباط الاحتياط بالبليدة حيث حاول نائبه الرائد رشيد التوسط في عملية تجنيد‬ ‫كنت مسؤولا عليها و عندما رفضت التورط معه حاول ابتزازي فرفعت القضية للمقدم أحمد قائد صالح فو بخه و شجعني على‬

‫موقفي الرافض للفساد‪.‬‬ ‫‪58‬‬

‫و هذا رد كاف على الذين يعتقدون بأن خروجي من الجزائر سنة ‪ 1995‬كان طلبا لحياة أسعد في الخارج أو تهربا من‬

‫مشقة المواجهة في الداخل‪ .‬الدافع الوحيد لخروجي كان تجنب التورط في سفك الدماء البريئة التي تعود عليه الجميع أثناء‬ ‫وجودي في السجن و لم يقبلوا التراجع عنه بعد الاتصال بهم‪.‬‬ ‫‪104‬‬


‫لم يقبل العرض‪ .‬وقد بلغني أن النقيب مخلوفي عامر تم اغتياله مباشرة بعد خروجه من السجن العسكري‬

‫ببشار ول كن لم يتسن لي التأكد من الخبر بنفسي إلى اليوم‪.‬‬

‫بعد هذا اللقاء و في الأ سبوع الأول من شهر ماي ‪ 1992‬استدعاني قائد الناحية العسكر ية الثالثة‬

‫اللواء أحمد قائد صالح وسألني عن حقيقة الدعوى المرفوعة ضدي وعن أسباب ظاهرة التمرد التي تفشت‬

‫في قواعد الجيش وأمور أخرى‪ .‬وقد كان وكيل الجمهور ية حاضرا معنا‪ .‬فبينت له أولا بأن الدعوى المرفوعة‬ ‫ضدي هي حق يراد به باطل‪ .‬فالوقائع التي تأسست عليها القضية هي ثمرة التسيب التي يعاني منه الجيش‬

‫الوطني الشعبي م نذ سنوات وأنا لست مسؤولا عنها لا من قر يب ولا من بعيد‪ .‬وع لاقتي بالموضوع هي‬ ‫علاقة الضابط المسؤول الحر يص على معال جة المشاكل الداخلية للجيش في الإطار الذي يحفظ على الجيش‬ ‫تماسكه وشعبيته ووطنيته وهويته التي ضحى من أجلها ملايين الشهداء‪ .‬أما الذين اتهموني فهم أؤلئك الذين‬

‫ير يدون أن يحولوا الجيش إلى آلة قمع لا هو ية لها ولا عنوان‪ ،‬لذلك ير يدون أن يفصلوه عن عمقه الشعبي‬

‫والوطني فيصبح كالسمكة خارج الماء يتصرفون فيه ك ما يشاؤون‪ .‬وقد تم البدء بتصفية الضباط المرؤوسين‬ ‫الموثوقين لدى القيادة ومن ذوي التوجه الوطني ك ما استهدفت القوات الخاصة التي تعتمد عليها القيادة في‬ ‫حمايتها القريبة ببث البلبلة في صفوفها لتبر ير تعو يضها بعناصر المخابرات والدرك ليسهل على القيادة السياسية‬ ‫الجديدة تطهير الجيش من كل ما يمت للوطنية ومبادئ ثورة التحرير بصلة‪ .‬وأنا متأكد من أنك مستهدف‬

‫شخصيا مع ضباط آخرين‪.‬‬

‫أما بالنسبة للتمردات فاعلم يا سيادة اللواء بأن العرفاء وضباط الصف بعد الإهمال الذي تعرضوا‬

‫له والعجز الذي لمسوه في القيادة أصبحوا يبحثون عن البدائل بأنفسهم ولذلك وقعوا ضحية للوضع المتأزم‬

‫الذي لم يتسببوا فيه فجرفهم تيار التذمر العام في البلاد والذي إذا لم يتم التعامل معه بحكمة فإنه سيأتي على‬

‫الأخضر واليابس‪ .‬وهل يجدر بي بعد أن رجعوا إلي للمشورة قبل أن يتورطوا‪ ،‬أن أسلمهم لمن سيؤكد لهم‬ ‫شرعية التمرد بسلوكه الإجرامي‪ .‬لقد جاءني هؤلاء العسكر يون وهم على وشك التورط مع مدنيين في تمرد‬

‫م سلح و جدوا كل ما يبرره في سلوك الق يادة وتعامل ها ال خاطئ مع الأ حداث‪ .‬فماذا ك نت تر يد م ني أن‬

‫أفعل؟ أن أسلمهم لم خابرات لا تحسن شيئا غير هتك أعراض الجزائر يين وامتهان كرامتهم؟ سيتمرد آخرون‬

‫غيرهم بعد ذلك ولن يثقوا في أحد‪ ...‬على كل حال‪ ،‬لقد اجتهدت في معالجة هذه القضية بكل تبصر‪،‬‬ ‫وما زلت مقتنعا بأنها الطر يقة المثلى في معالجة هذه القضية‪ .‬أما إخلاصي ووطنيتي فأنا لست بحاجة إلى‬ ‫ضباط المخابرات لإثباتهما وأنت سيادة اللواء أولى بمعرفة ذلك‪ .‬وإن كنت نسيت فما زالت عندي رسالة‬

‫التهنئة التي تلقيتها منك سنة ‪ 1982‬عندما كنت رأس السهم في قطاع العمليات الأوسط وطلبت منكم‬ ‫المرابطة في الثغر الأمامي إلى أن ينتهي مشكل الحدود الغربية للجزائر‪ ،‬في الوقت الذي كان فيه الضباط‬ ‫‪105‬‬


‫المتحمسون لق تل المدنيين ال يوم ي ُز َ ّوِرون شهادات الإع فاء من الخد مة لتجنب الب قاء في منطقة العمل يات‬ ‫وهم اليوم ضباط سامون يتزلفون للقيادة كأنهم أبطال‪.‬‬

‫كان اللواء قايد صالح يستمع إلي بصبر جميل ول كن بحذر كبير‪ ،‬وكنت أعرف شخصيته جيدا‪.‬‬

‫وبعد أن بلغت هذا القدر من الحديث تدخل قائلا‪ :‬عجبت لأمرك‪ ،‬ألم تكن تثق في قيادتك؟ ألم تقل أنك‬

‫تثق بي أنا شخصيا؟ قلت‪ :‬ومازلت أثق بك وبكل المخلصين‪ .59‬قال‪ :‬فلماذا لم تتصل بي عندما علمت بهذه‬

‫الأمور الخطيرة وتعفي نفسك من هذه المسؤولية؟ قلت‪ :‬لقد عرفتك وأنت برتبة رائد‪ 60‬وكنت مستعدا‬ ‫لتنفيذ أوامرك دون نقاش وأخبرك بكل شيء دون تحفظ لأنني كنت مقتنعا بقدرتك على حمايتي وتحمل‬

‫المسؤولية على الأوامر التي تصدرها‪ .‬أما اليوم فأنا متأكد بأنك لا تستطيع أن تشفع حتى لنفسك وأنت‬ ‫برتبة لواء لأن اسمك مكتوب بقلم الرصاص كما أكد لي ذلك ضباط الأمن في مركز الاستنطاق‪ .‬وهذا‬

‫الأمر لم يكن خافيا على أحد على كل حال‪ .‬فكيف تريدني أن أقامر بحياة شباب أبر ياء وضعوا ثقتهم في؟‬

‫صمت اللواء قليلا ثم قال وهو يتأهب للنهوض‪ :‬مع أنني أتفه ّم الظروف المحيطة بقضيتك فإن ما‬

‫وقعت فيه أنت بالذات يا شوشان خيانة للثقة التي وضعتها القيادة فيك‪ .‬لقد كنت أتمنى أن ت ُتاح لي فرصة‬

‫ز يارتك وأنت قائد ناحية عسكر ية بعد تقاعدي من الخدمة واستمتع بالحديث معك عن ذكر يات ‪،1982‬‬

‫ول كن للأسف خاب ظني فيك والظاهر أنك ستقضي باقي حياتك في السجن‪ ،‬هذا إذا لم يعدموك‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫‪59‬‬

‫نعم لقد كان احمد قائد صالح و كثير من الضباط السامين على قدر مقبول من الوطنية و الإخلاص إلى سنة ‪ 1992‬و‬

‫لولا الإستقطاب المجنون بين وهم الخلافة الراشدة و حلم الجزائر الفرنسية الذي ألغى فضاء الجزائر الحقيقية لكان بالإمكان‬ ‫احتواء أولئك الضباط و تجميع الأغلبية الساحقة من الجزائر يين حول المشروع الوطني الذي استشهد من أجله رجال الجزائر‬

‫و حرائرها‪ .‬و ل كن الاستقطاب الجامح في ذلك الوقت أفقد الناس عقولهم فانقسمت الجزائر إلى معسكرين ليس على أساس‬ ‫الدين و لا الهو ية و ل كن على أساس المصالح و الطموحات و تحولت الأزمة من أزمة نظام سياسي إلى أزمة اجتماعية‬ ‫أمنية و تفاقمت إلى أن أصبحت قبل سنة ‪ 2000‬أزمة مزمنة متعددة العقد يستعصي على الحكماء حلها‪ .‬و الل ّه المستعان‪.‬‬ ‫‪60‬‬

‫كان ذلك سنة ‪ 1982‬أثناء قيامي بمهمة الحراسة الأمامية لفيلق الصاعقة ‪ 12‬المكلف آنذاك بتطهير الحدود الجزائر ية‬

‫المغربية من التواجد الأجنبي‪ .‬و قد كانت فترة مليئة بالذكر يات و المغامرات‪ .‬و قد اضطررت مرة لإجبار الطائرة المروحية‬

‫التي كانت تقل العقيد محمد بتشين و الرائد شلغوم عندما اخترقت المجال الجوي لقطاع العمليات المركزي التابع للقائد صالح ؛‬

‫و وقعت اثناء ذلك ملاسنة بين الرائد شلغوم و الرقيب الأول محمد بلعجيمي الذي كلفته بالمهمة ‪ .‬و رفضت السماح لهما‬ ‫بمغادرة موقع تافاقونت رغم تقديمهما لنفسيهما حتى حضر الرائد أحمد قائد صالح‪ .‬فطلبا منه معاقبتي على تعر يضهما للخطر‪.‬‬ ‫فكان رده ‪ :‬ربما سأعاقبه لأنه لم يفجر طائرتكما في السماء‪ .‬و بعد أن اطلع على الظروف الصعبة التي نعيشها في ذلك الصيف‬ ‫القائظ أمر فورا بتزويدنا بكل ما يسهل علينا الحياة الميدانية‪ .‬و قد عاد إلينا بعد أيام بمناسبة عيد الأضحى و وزع علينا‬

‫هدايا و حلو يات لرفع معنو ياتنا‪ .‬أنا أذكر هذا إنصاقا لهذا الضابط الذ ي كان يحتقر ضباط فرنسا حتى و لو كانوا أقدم منه‬ ‫رتبة و منهم نائبه في ذلك الوقت الرائد مخازنية‪ .‬و ل كنه تحول إلى عبد مطيع لنزار بعد أن أصبح جنرالا‪.‬‬ ‫‪106‬‬


‫أنا أي ضا ك نت أتم نى أن يتحقق ذ لك ول كن ليس على ح ساب ال شرف الع سكري‪ .‬قال و هو ين صرف‪ :‬لم‬

‫أتوقع أن يأخذ مني اللقاء كل هذا الوقت وسأعود للحديث معك في وقت لاحق‪.‬‬

‫دامت المقابلة ساعة كاملة تقريبا تأكدت خلالها من أن الطرف الحر يص على تقديمنا قربانا للقيادة‬

‫هو ج هاز الم خابرات تحديدا للتغط ية على ف شله في تقدير المو قف وتور يط الق يادة في هذه الأز مة‪ .‬واستقر‬

‫رأ يي ع لى التعا مل مع الو ضع ب كل إ يجاب ية‪ .‬فن صحت كل الع سكرين بتج نب ل غة الت حدي والا ستفزاز ال تي‬ ‫غ ّذاها فيهم اليأس من إمكانية التصالح مع من امتهنوا كرامتهم بمركز الاستنطاق و بدأت أفكر مع بعض‬

‫الضباط في الطر يقة المثلى لفك الحصار المضروب علينا‪ .‬وقد كان لتلك الز يارة أثر حسن على المساجين‪،‬‬ ‫ح يث صدرت تعلي مات بتغي ير ملاب سنا وتزو يدنا بال ماء ال كافي للاغت سال ك ما شعر ضابط المناو بة المك لف‬

‫بحراستنا بنوع من الارتياح واعتذر لي عن القسوة التي كان يتعامل بها مع المساجين خوفا على نفسه‪ .‬ومن‬ ‫الطر يف أنه كان من الضباط الذين أشرفت على تدريبهم سنتي ‪.90/1989‬‬

‫وخ لال الأ سبوع ا لأخير من شهر ماي ‪ 1992‬ا ستدعاني مدير ال سجن ليخبر ني بأن قا ئد أركان‬

‫الجيش سيزورنا في السجن وعليّ أن استعد لمقابلته وطلب مني أن أوصي المعتقلين معي بعدم إثارة الشغب‬ ‫أثناء الز يارة والإلتزام بالانضباط العسكري حتى يجنبوه المشاكل‪ .‬فطلبت من جميع العسكر يين أن يبرهنوا‬

‫ع لى ان ضباطهم و يدافعوا عن أنف سهم ب كل شرف إذا أتي حت ل هم الفر صة‪ .‬وفع لا ح صل ما توقع ته‪ .‬ف قد‬

‫طلب اللواء قنايز ية قائد أركان الجيش مقابلة مجموعة من الضباط و مجموعة أخرى من ضباط الصف لمدة‬

‫دقائق حاول أن يشعرهم خلالها بالذنب و و بخهم فيها على التمرد على القيادة حسب ما أخبروني به في ذلك‬

‫الو قت‪ .‬ثم ا ستدعيت إ لى جل سة خا صة دا مت ساعة تقري با وح ضرها كل من ال لواء أح مد قا ئد صالح‬ ‫والعميد بوغابة رابح والعميد معزوزي والمقدم ممثل جهاز المخابرات ووكيل الجمهور ية العسكري الرائد قندوز‬ ‫وتكفل مدير السجن النقيب لعرابي جمال بخدمة الحاضرين فكان يدخل ويخرج وقد سمع مقتطفات من‬

‫الحوار‪.‬‬

‫‪107‬‬


‫مقابلة قائد أركان الجيش الوطني الشعبي اللواء قنايز ية عبد المالك‬ ‫(وزير الدفاع المنتدب حاليا)‬ ‫كانت هذه المقابلة حاسمة في مسار قضيتنا لعدة اعتبارات منها‪:‬‬ ‫أن ا سم ال لواء قنايز ية ع بد الما لك من الأ سماء ال تي اقتر حت ع ليّ من طرف الج لادين في مركز‬

‫التعذيب ببن عكنون لاتهامه بتدبير الانقلاب المنسوب إليّ‪ .‬وهو ما يدل على أنه ليس من النواة الصلبة‬ ‫لم شروع ال لواء نزار خا لد‪ .‬ول ك نه بح كم انتما ئه ومن صبه في هذا ال ظرف الح ساس يمك نه ال تأثير بفعال يه في‬

‫القرارات المتعلقة بالجيش‪.‬‬

‫أن اللواء قنايز ية رغم انتمائه لضباط الجيش الفرنسي من أصل جزائري فإنه لم يكن شخصية دمو ية‬ ‫شرسة الطبع ولا عدوانيا مثل خالد نزار وعباس غزيل ومحمد العماري‪ .‬بل إن استخفاف نزار خالد به‬ ‫وتمرد العماري عليه لم يكن خافيا على عامة العسكر يين بسبب ليبراليته التي عرف بها حتى في حياته الخاصة‬

‫والعائلية‪ .‬وهذا ما يجعله أقل تهو ّرا عندما يتعلق الأمر بالعنف والقتل‪.‬‬

‫أن الفترة ال تي زارنا فيها ال لواء قنايز ية كان وز ير ا لدفاع نزار خا لد في حا لة صحية سيئة كما كان‬

‫خلالها العميد العماري معاقبا من طرف رئيس السلطة الجديد محمد بوضياف وموضوعا تحت تصرف وزير‬

‫ا لدفاع بدون مه مة‪ .‬و لذلك فإن ال لواء قنايز ية كان في مو قع قوة ت سمح له بأ خذ الم بادرة بحر ية أك بر في‬

‫القضايا الخاصة بالجيش‪.‬‬

‫كا نت لي معر فة سابقة بجم يع الحا ضرين في الل قاء‪ ،‬و لذلك ق مت بتفحص الح ضور في القا عة ثم‬

‫توجهت بالتحية العسكر ية مباشرة إلى اللواء قنايز ية الذي لم يكن يتوسط المجلس و كأنه تعمد ذلك لحاجة‬

‫في نفسه‪ ،‬فقدمت نفسي وفق نظام الخدمة في الجيش‪.‬‬

‫كان قا ئد الأركان ي بدو هاد ئا ومركزا وكان أول ما قا له‪ :‬إذن فأ نت فع لا النق يب شو شان! ثم‬

‫استدرك‪ :‬أقصد كنت نقيبا قبل أن تتمرد‪ .‬ثم أردف متسائلا‪ :‬ما الذي دفعك إلى التمرد علينا؟ ألم نوفر لك‬ ‫فر صة للت كوين وال سكن والح ياة المري حة؟ ما ا لذي ح صل لعق لك؟ ماذا تر يد؟ أتر يد أن ت فرض علي نا‬

‫الإ سلام بالقوة؟ ن حن م سلمون خ ير من جم يع ال عرب‪ .‬و قد ع شت مع ال جيش الم صري ورأ يت الج يوش‬

‫العربية كلها؛ إننا أكبر الجيوش محافظة على تعاليم الإسلام‪ .‬فلماذا تر يد أن تستورد لنا إسلاما جديدا وتتآمر‬ ‫مع الحركة الإسلامية على القيادة التي وضعت فيك ثقة عمياء؟‪ ...‬إن الجرثومة المصر ية التي أنشاها البنا في‬

‫مصر لن نسمح لها أن تعيش في الجزائر‪ ...‬سنستأصلها مهما كلفنا الثمن‪ ...‬فإما نحن وإم ّا ه ُم‪ .‬إنني أعذر‬ ‫‪108‬‬


‫كل الع سكر يين الم غرر ب هم والم تورطين م عك في هذا ا لأمر ن ظرا ل ضعف ت كوينهم المع نوي والسيا سي‪،‬‬

‫ول كنني لا أجد عذرا لضابط مثلك يشهد له كل من عرفه بال كفاءة العسكر ية العالية‪ ،‬وهذه ستكون حجة‬

‫عليك‪ .‬لقد أحرجت جميع قياداتك وأثرت البلبلة في صفوف زملائك من الضباط‪ .‬ألا ترى أين أوصلت‬

‫نفسك؟ ومع ذ لك فإنك لم تستطع أن تف عل شيئا؟ هل ظننت أنك في بوركي نا فاسو؟ أ ليس هذا مبررا‬ ‫كاف يا ل شعورك بالخ جل وال ندم ع لى ما بدر م نك؟‪ ...‬ل قد أخبر ني قا ئد الناح ية‪ 61‬أن لديك ما ت قول‪ .‬تك لم‬

‫أ ْسم ِعني ما عندك! وإن كنتُ لا أعتقد أن منه جدوى‪ .‬تفضل!‬

‫ك نت أ ستمع إل يه وأ نا وا قف‪ ،‬وك نت حر ي صا ع لى أن ي حافظ ع لى هدو ئه ح تى يعطي ني فر صة‬ ‫لإيصال وجهة نظري إليه‪ .‬وقد بدا الحاضرون وكأن على رؤوسهم الطير‪ .‬ولو أنني حاولت الرد عليه أثناء‬

‫سرده للأسئلة لانحرفت المقابلة على ما كنت أريده منها‪.‬‬

‫وبعد أن أفرغ اللواء ما في جعبته وطلب مني الكلام ظللت صامتا حتى أذن لي بالجلوس‪ ،‬فقلت‪:‬‬

‫سيادة ال لواء‪ ،‬أر جو أن ت صبر ع ليّ ح تى أك مل كلامي لأن ع ندي ع لى كل ما أقو له أد لة دام غة‪ .‬ول كن‬

‫الأمر ليس كما وصفته‪ .‬فتدخل اللواء قايد صالح وقال بنبرة مشجعة‪ :‬تكلم يا شوشان‪ ،‬سيادة اللواء ير يد أن‬

‫يسمع منك كل شيء‪ .‬وكن صر يحا كما فعلتَ معي‪ .‬قلت‪:‬‬

‫أ ّول ًا‪ ،‬أر يد أن أؤكد لسيادة اللواء أنني أتكلم معه بصفتي نقيبا في الجيش وأنني لن أتنازل عن هذا‬

‫اللقب أبدا لأنني اكتسبته عن جدارة واستحقاق ما زلت أتمتع بهما‪ .‬كما أن التواطئ مع الحركة الإسلامية‬ ‫وا ستيراد الإ سلام من ال خارج لا ينطب قان ع لي أ نا با لذات‪ .‬فأ نا و لدت في المركز ‪ 24‬لل ثورة من وا لدين‬

‫مجاهدين وتربيت في أحضان المدرسة الوطنية من طور الحضانة إلى أن أصبحت نقيبا‪ .‬كما أنني لم أكح ِّل‬

‫عين َيّ بمنظر خارج الجزائر منذ ولدت‪ ،‬ورفضت الابتعاث إلى الخارج حتى لا ي ُش ْه َر في وجهي هذا السيف‬ ‫في موقف كهذا‪ .‬أما خيانة الثقة التي وضعتها القيادة في‪ ،‬فإنها افتراء باطل لا دليل عليه‪ ،‬والاعتراض على‬ ‫القيادة فيما يضر بالمصلحة الوطنية ليس خيانة للثقة بل هو من صميم الوفاء والإخلاص للقيادة وللوطن‬

‫على حد سواء‪ .‬وقد اعترضت على أمور كثيرة قبل هذه المناسبة وحررت تقارير عديدة وساهمت بفعالية في‬

‫تقويم برامج التدريب وقدمت استقالتي من الجيش ‪ 3‬مرات‬

‫‪62‬‬

‫احتجاجا على ما اعتبرته خطأ لا يسكت‬

‫‪ 61‬يقصد العميد أحمد قايد صالح‬ ‫‪62‬‬

‫طلب الاستقالة بالنسبة للضباط في الجيش يقدم إلى رئيس الجمهور ية و وزير الدفاع الذي له وحده الصلاحية في قبوله‬

‫أو رفضه و يعاقب من يتقدم به إذا لم يكن قادرا على تقديم المبرر الكافي لقراره و لذلك فإن اغلبية طلبات الاستقالة تقدم‬

‫على اساس الاسباب الصحية حتى عندما يكون السبب الحقيقي غير ذلك تجنبا للعواقب الوخيمة المترتبة عليه‪ .‬و ل كن جميع‬ ‫ا لطلبات التي تقدمت بها كانت على خلفية رفض التعسف في استعمال السلطة خارج إطار أنظمة الخدمة في الجيش‪ .‬و‬ ‫‪109‬‬


‫عليه‪ .‬وقادتي كلهم يعرفون هذا عني‪ ،‬وإذا أنكروا ذلك فبيني وبينهم الوثائق والمستندات‪ .63‬إن الذين خانوا‬

‫الثقة هم أولئك ا لذين ي صرون على تعديل كل الم شار يع والتقارير المرفوعة إ لى القيادة وتحر يف الأوامر‬ ‫والتعليمات الصادرة عنها لتصب في خدمة مصالحهم الشخصية وتحقق أهداف الانتهاز يين على حساب‬

‫المصلحة العليا للوطن‪ ...‬من الذي غرر بالقيادة وأوهمها بأن الجيش مؤهل لمواجهة عصيان مدني يا سيادة‬ ‫كان هذا بالنسبة لي كضابط مرؤوس وجه من وجوه الوفاء للوطن والنضال من أجل الإصلاح من داخل اجهزة الدولة‬ ‫الجزائر ية‪ .‬طلبت الاستقالة من الجيش أربع مرات رفضت كلها ‪ .‬و كان أول طلب قدمته سنة‪ 1981‬على إثر قرار النقيب‬ ‫رابح بوغابة بوغابة مدير مدرسة القوات الخاصة ببسكرة إنزال عقوبة جماعية بالسجن في حق الضباط المتربصين لأن بعضنا‬

‫ارتكب مخالفة‪ .‬فرفضت الدخول للسجن بطر يقة تعسفية و طلبت الاستقالة من الجيش‪ .‬فاستدعيت من طرف النقيب‬

‫عمار بلقاسمي مدير التدريب و طلب مني التراجع عن الاستقالة مقابل الغاء العقوبة‪ .‬الثانية كانت من الفيلق ‪ 12‬للصاعقة‬

‫سنة ‪ 1982‬عندما اتهم احد الزملاء الضباط ( الملازم الامام يونس) بطر يقة تعسفية بالانتماء إلى جماعة الاخوان المسلمين‬

‫(جماعة عبد الل ّه جاب الل ّه) من طرف جهاز المخابرات و تم شطبه من الخدمة و تحو يلة الى سجن الناحية العسكر ية الخامسة‬ ‫فقررت الاحتجاج على هذا الإجراء التعسفي لدى قائد الفيلق النقيب عبد الحميد بلبشير‪ .‬و لما تبين لي أنه جزء من المؤامرة‬

‫قدمت استقالتي‪ ،‬و حذا حذوي الملازم الاول ميلود مقدم و الملازم زروقي حسان فاحيلت القضية إلى قائد القوات‬ ‫الخاصة المقدم لمين زروال فاستدعانا‪ .‬و بعد أن تفهم حقيقة الوضع قام بالاجراءات اللازمة لرد الاعتبار للملازم الإمام‬ ‫يونس و بقائه في الخدمة فسحبنا طلبات استقالتنا بناء على ذلك‪ .‬المرة الثالثة كانت سنة ‪ 1985‬على إثر قرار قائد الفيلق ‪12‬‬ ‫للصاعقة النقيب عبد الرزاق شر يف منح إجازة لجندي خارج الإطار الذي حددته لتساوي الجنود في كتيبتي فصادرت‬

‫اجازة الجندي و عاقبته على محاولته الحصول على اجازة لا يستحقها بوساطة من أمه فتدخل قائد الفيق لفرض الأمر الواقع‬

‫عليّ فتمسكت بموقفي و قدمت استقالتي رسميا فاستدعاني قائد الفيلق على خلفية ذلك ليتفهم في الاخير موقفي و يلغى اجازة‬ ‫الجندي و يوافق على العقوبة التي اقترحتها رغم ما تسببت له فيه من الإحراج‪ .‬أما المرة الرابعة فقد كانت من حاسي مسعود‬

‫سنة ‪1986‬احتجاجا على تعسف الرائد خالد دباس قائد الفيلق في استعمال سلطته حيث طلب من قيادة الناحية معاقبتي‬ ‫بالسجن على إثر اعتراضي على سلوكه الغير مسؤول في حق جنود الفيلق الثامن عشر للمغاوير و منعي ضابط الخفارة من‬

‫تطبيق أوامره السفيهة ‪ ،‬فرفضت تنفيذ العقوبة رغم موافقة قيادة الناحية العسكر ية الرابعة عليها و قدمت استقالتي احتجاجا‬ ‫على التعسف في حقي فاستدعاني قائد الناحية العقيد محمد بتشين و استفسر مني الموضوع و انتهت المقابلة بإلغاء العقوبة و‬ ‫فتح تحقيق حول تصرفات الرائد دباس و عدت أنا إلى مهامي كقائد لل كتيبة الثالثة في الفيلق الثامن عشر بحاسي مسعود‪.‬‬

‫‪ 63‬رغم مصادرة وثائق ي الرسمية بعد اعتقالي فقد بقي في حوزتي ثلاث رسائل تهنئة تثبت ما أقول أولها كان سنة ‪1982‬‬

‫على الحدود المغربية الجزائر ية و أنا ملازم قائد فصيلة على إثر المهمة الناجحة التي قام بها الفيلق الثاني عشر للصاعقة في قطاع‬ ‫العمليات المركزي و لا أظن أن ضابطا غيري حصل على شرف التهنئة على تفانيه في القيام بواجبه و الرسالة موجودة بنصها‬ ‫الكامل في ملحق الوثائق‪ .‬و آخرها رسالة تهنية تلقيتها أياما قبل اعتقالي منحت لي اعترافا من القيادة كلها من وزير الدفاع‬

‫إلى قيادة القوات الخاصة بالنجاح الباهر لمشروع التكوين الخاص لضباط الجيش الوطني الشعبي الذي قمت بإنجازه فكرة و‬ ‫تخطيطا و تحضيرا و تنفيذا و تتو يجا بمبادرتي الخاصة رغم عراقيل الانتهاز يين و أصحاب القلوب المر يضة و دون وقوع أي‬ ‫خسائر بشر ية أو مادية‪.‬‬ ‫‪110‬‬


‫العميد؟ إنه ليس أنا بالتأكيد‪ .‬بل إنني رفعت إلى القيادة تقر يرا مفصلا في الوقت المناسب بينت فيه أن‬

‫الجزائر مقبلة على تحول سياسي جذري يضع الجيش أمام تحد كبير يتطلب من ضباطه قدرة عالية على‬

‫التحكم في النفس ومغالبة التردد بحكمة وأرفقته ببرنامج متكامل لتأهيل الضباط في هذا المجال‪ .‬وقد سلمت‬ ‫الملف إلى العميد عبد المجيد شر يف قائد الأكاديمية العسكر ية لمختلف الأسلحة بشرشال ووافق عليه مبدئيا‬

‫وعرض الفكرة على قائد القوات البر ية العميد محمد لعماري الذي أقر الفكرة وطلب منا تقر يرا مفصلا عن‬

‫الموضوع وأعطاني الضوء الأخضر شخصيا في إنجاز المرافق المطلو بة حتى قبل إقرار المشروع رسميا‪ .‬ول كن‬ ‫المشروع الذي اقترحته تم تعديله على مستوى مدير ية التدريب للأكاديمية العسكر ية لمختلف الأسلحة ليصبح‬ ‫م شروعا لت كوين موظفين مرتز قة اقت صر ع لى الت كوين ال بدني والمه ني بدون تأه يل نف سي و لا مع نوي‪ .‬إن‬

‫اللجنة التي عدلت المشروع كانت تر يد أن يتخرج من الأكاديمية العسكر ية سادة عسكر يون فرنسيون وليس‬ ‫ضباط جيش وطني شعبي‪ .‬وعلى رأس هذه اللجنة الرائد بوز يد والنقيب بوز يدي ‪64‬الذين يحقدان على كل‬

‫ما هو عربي أو إسلامي أو وطني في الجزائر‪ .‬وقد اتصلت بمدير التدريب المقدم كليب ونبهته لخطورة الأمر‬ ‫ف قال لي‪ :‬ل قد حذفنا الجا نب السيا سي من الم شروع بأمر من الق يادة‪ .‬فرا سلت مدير الأكاديم ية العم يد‬

‫غدايدية ف قال لي‪ :‬موافقة الق يادة ع لى الم شروع خ طوة ج يدة‪ .‬ويمكن نا مراجعة الق يادة في المو ضوع أث ناء‬ ‫تنف يذه وب عث لي بر سالة تهن ئة نيا بة عن ق يادة ال جيش‪ .‬ف سررت بذلك واعتبر ته نجا حا لمؤس سة ال جيش‪.‬‬

‫أأكون أنا خائن ثقة والذين يضللون القيادة و يحاربون القيم الوطنية أوفياء؟‬

‫أنت نفسك يا سيادة اللواء كنت تأتي إلى المركب الر ياضي للأكاديمية‪ 65‬دون أن يشعر بك أحد‪،‬‬

‫وك نت أب عث من ي صحبك إ لى م خزن الألب سة والع تاد الر يا ضي‪ .‬أ ليس كذالك؟ ما ا لذي منع ني من‬ ‫اختطافك غير صيانة الثقة؟ يمكنك التحقق من ذلك باستدعاء صف الضباط الذين كانوا يصحبونك إلى‬

‫المخزن‪ ،‬إنهم معي في السجن‪ .‬يمكنك استدعاء الضباط وضباط الصف الموجودين في السجن‪ .‬إن منهم من‬ ‫‪64‬‬

‫لقد كنت متوجسا من هذين الضابطين و تحركهما المشبوه مع ضباط آخرين ذهبوا ضخية لافكارهم الهدامة داخل‬

‫الاكاديمية العسكر ية بشرشال يعانون من عقدة عنصر ية كريهة ضد العربية و الاسلام عززت عشقهم لكل ما هو فرنسي‪ ،‬و‬

‫قد حذرت العميد غدايدية من مشروعهما و ل كنه لم يستطع أن يفعل شيئا‪ .‬و قد تأكدت مخاوفي لاحقا بعد ما ظهر‬

‫شركاؤهم من العنصر يين في الجيش على مستوى أعلى أمثال محمد تواتي و سعيد باي و مهنا جبار الذين دفعتهم العنصر ية إلى‬

‫اتخام منطقة القبائل بالأسلحة تحسبا لأي مبادرة انفصال ناجحة‪.‬‬ ‫‪65‬‬

‫تحتوي الكلية العسكر ية على مركب ر ياضي عسكري متكامل و مجهز بأحدث المرافق للتدريب البدني العسكري و‬

‫الر ياضي من ضمنها مركب ر ياضي أولمبي كامل كانت بعض القيادات العليا يمارسون الر ياضة فيه منهم اللواء قنايز ية‪ .‬و‬ ‫كان هذا المركب تحت مسؤوليتي عندما كنت أمارس مهمة مديرا للتكوين البدني العسكري و الر ياضي في الأكاديمية قبل‬ ‫تعيين الرائد بوسطيلة‪.‬‬ ‫‪111‬‬


‫كان في طقم الحراسة الخاصة بك أنت شخصيا وبقائد القوات البر ية ومنهم من كان مرافقا شخصيا لوزير‬

‫الدفاع وقادة آخرين‪ .‬يمكنك أن تسألهم لتتأكد أن الذي دفعهم للتفكير في اغتيال كم والثورة عليكم هو فشل‬

‫القيادة في إقناعهم بصواب قراراتها وليس التغرير بهم من طرف شوشان ولا علان وستتأكد أيضا من أن‬

‫الذي منعهم من اغتيال كم وأجّ ل انفجار الوضع في الجزائر هو أنا وليس جهاز المخابرات‪ .‬فكيف تصفني‬ ‫بخيانة الثقة يا سيادة اللواء وأنا الذي لو شئت ل كنت أنت مكاني في هذا السجن؟‪ ...‬كان اللواء مسترخ‬

‫فانتصب واشرأبت أعناق الحضور‪ ...‬فأكملت حديثي قائلا‪ :‬ا ِعلم يا سيادة اللواء أن الذين عذبوني في مركز‬ ‫الا ستنطاق عر ضوا ع لي أن أته مك بأ نك القا ئد ا لأعلى للت مرد مقا بل تخف يف العقو بة ع ني ول كن ني‬

‫رفضت‪ ...‬وهنا ارتفع صوت المقدم ممثل المخابرات قائلا‪ :‬لماذا هذا ال كذب ع لى القيادة! خاف ر بي‪ ...‬؟‬ ‫فأجبته بصرامة‪ :‬أنت لست في مركز الاستنطاق يا حضرة المقدم وأولى لك أن تطلب الإذن من اللواء قبل‬

‫أن ت تدخل‪ .‬ودع ني أز يدك أن هم اقتر حوا ع لي ا سم العم يد حشي شي ز ين العا بدين والعم يد ل مين زروال‬

‫والعم يد ع بد المج يد شر يف والعق يد بن زمر لي ول كن ني رف ضت‪ .‬هذا هو م يزان الث قة ا لذي اته مت ع لى‬ ‫أساسه‪ .‬و دعني أعطيك يا سيادة اللواء ما يطمئنك إلى أنني لست بحاجة إلى الافتراء على أحد وحتى‬

‫يطمئن حضرة المقدم إلى أنني لست في حاجة إلى ال كذب‪.‬‬

‫أولا‪ :‬هل أخب ِرْتَ أنت كقائد للأركان بقرار اعتقالنا أو سببه أثناء استنطاقنا؟ أنا متأكد أنك لم‬

‫تعلم بحقيقة الأمر إلا بعد أن تيقنت القيادة الفعلية من براءتك‪ .‬هذا ما قالوه لي وأنت أدرى بالحقيقة‪ .‬فمن‬ ‫هو الموثوق في هذا الجيش إذا كان قائد الأركان نفسه محل شبهة؟ ومن أين لي أن أعرف أنهم لم يخبروك‬ ‫لا أنت ولا اللواء قائد صالح؟‪ ...‬ثم وجهت الكلام إلى اللواء قائد صالح قائلا‪ :‬لو أخبروك بأن الضباط‬

‫ا لذين ا ستدعوهم إ لى العا صمة مته مون بالتمرد ع لى الق يادة ل ما تفا جأت بث لاث ت مردات ب عد ذ لك‪ .‬أ ليس‬

‫كذلك يا سيادة ال لواء؟ أ نا لم ي نزل ع لي ا لوحي ب هذه المعلو مات وإن ما اكت شفت ذ لك من خ لال محاو لة‬

‫المخابرات إقناعي باتهامكم‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬هل يعرف أحد من أفراد الجيش وربما حتى العمداء الجالسون معك الآن مصير العميد محمد‬

‫العماري؟ سأخبرك أنا المسجون في صندوق حديدي م نذ ثلاثة شهور ما حصل له‪ .‬لقد حم ّله بو ضياف‬

‫شخصيا المسؤولية على تمردنا وأمر وز ير الدفاع بعزله من منصبه ومعاقبته واختار هو شخصيا العميد خليفة‬ ‫رحيم خلفا له‪ .‬وهو الآن في الإقامة الجبر ية تحت تصرف وز ير الدفاع ولا يستبعد أن يقدم للمحاكمة معنا‪.‬‬ ‫ف من مهامه‬ ‫هذه هي الحقي قة التي لا يعرفها حتى بعض العمداء في القيادة‪ .‬والطر يف في الأمر أنه لم ي ُع ْ َ‬

‫ض عل يه ا لأمر الوا قع بالقوة‪ .‬ولو لا‬ ‫بطر ي قة م شرفة ك ما يف عل بال ضباط المح ترمين وإن ما ت مت محا صرته وف ُرِ َ‬

‫الخوف من البلبلة ل َت َم ّ اعتقاله مثل ما فعل بنا ووضع معنا في الصندوق الحديدي‪ .‬أنا لم أكن معه ول كن‬ ‫‪112‬‬


‫الذين اتهموني بخيانة الثقة هم أنفسهم من نفذوا قرار الإقامة الجبر ية في حق العميد محمد العماري وشمتوا‬ ‫به أمامي مثل ما شمتوا بي أمامكم وهم يتوقعون أن ينزلوا به حكما قاسيا بدلا مني‪.‬‬

‫أمر ثالث يا سيادة اللواء‪ :‬لقد كنت حاضرا في الاجتماع الذي عقدته مع قادة الوحدات الفرعية‬

‫بمدرسة العتاد بالحراش والذي أكدت لهم فيه بأن الشعب الجزائري إخوانكم وأن الجيش مكلف بحفظ‬ ‫الأمن ولا دخل له في الخلافات السياسية وأن إطلاق النار على المدنيين ممنوع ممنوع ممنوع ولا تعترفوا إلا‬

‫بالأوامر المكتو بة والمصادق عليها من طرفي شخصيا أو من طرف قائد القوات البر ية العميد محمد العماري‪.‬‬

‫و لا تطل قوا ال نار إ لا ع ند ال ضرورة الق صوى فوق ال حزام وأن كل من ي خالف هذا ا لأمر م سؤول أ مام‬ ‫القانون وأمام ربه‪ .‬وأصدرت بهذه التوصيات تعليمة رسمية‪.‬‬ ‫فلماذا لا يعتبر الذي أخذ المبادرة في إطلاق النار على المدنيين في ساحة الشهداء وساحة أول ماي‬

‫وفجر الوضع خائنا للثقة بينما يعتبر الذي ذهب ضحية لتذبذب مواقف القيادة خائنا لثقتها؟ هل تعرف يا‬ ‫سيادة اللواء أن عناصر الفوج الرابع المحمول جوا تجاوزوا الحدود في النهب والسلب بمناسبة أحداث قمار‬

‫إلى در جة أن الم لازم ا لأول غوار و حده نقل أ سلابه ع لى متن ال طائرة الع سكر ية هيركل‪ 130 -‬من واد‬ ‫سوف إ لى ا لأغواط ثم نقل ها ع لى متن شاحنتين ع سكريتين من ا لأغواط إ لى الم سيلة‪ .‬أ نا أع لم أ نه يم نع‬

‫ا ستعمال الع تاد الع سكري لأي غرض شخ صي فك يف ي ستعمل هذا ال صعلوك طائرة ع سكر ية ل شحن ما‬ ‫سرقه من ب يوت ال مواطنين ب قوة ال سلاح‪ .‬هل ت صدق أن الرا ئد مح مد أوب شير ي ستبيح الم ساجد وي خرب‬

‫جدرانها بالرصاص ويستولي هو وجنوده على كل تجهيزات المسجد من سجاد ومكبرات صوت وغيرها؟‬

‫أ تدري أن ج نود ال جيش ا لوطني ال شعبي يع تدون ع لى الجزائر يات الحرا ئر في ال حواجز؟ إن هم لا يفت شون‬ ‫الرجال وإنما يتعرضون للنساء؟ إلى أين نحن ذاهبون يا سيادة اللواء؟ وعن أي ثقة نتحدث؟ الذين خانوا‬

‫جه ُهم الجرائد الفرنكوفونية و يضللونكم بالتقارير‬ ‫ثقتكم هم الذين يتصرفون تصرفات المجرمين والصعاليك وت ُو َ ّ ِ‬

‫الكاذبة والكلام المعسول‪.‬‬

‫إن كل هذا وغيره هو الذي دفع من فيه ذرة من رجولة إلى التفكير في فعل شيء ت َب ْر َأ به ذمته‬

‫وتقاطعت بعض أفكارهم مع السعيد مخلوفي ومن معه وفك ّروا فعلا في القيام بعمليات عسكر ية ردا على ما‬ ‫يرو نه من ح قرة وف ساد‪ .‬و قد بلغ ني هذا ا لأمر ودر سته ب كل تع قل واجت هدت ف يه برأ يي ب كل إخ لاص‬

‫ومسؤولية‪ .‬وما زلت أعتقد أنني على صواب لأن السياسة المعتمدة من طرف القيادة إلى حد الآن ستجر‬

‫البلاد إلى الهاو ية‪.‬‬

‫‪113‬‬


‫أما اتهامي بتشكيل جيش إسلامي وإقامة دولة إسلامية أكون فيها وز يرا للدفاع والتآمر على قلب‬

‫الن ظام بالقوة‪ ،‬فكل ها ت هم باط لة لا أ ساس ل ها من ال صحة‪ .‬وع لى كل حال يم كنكم التأ كد م ما قل ته ل كم‬

‫بطر يقتكم الخاصة‪ .‬فإذا تأكد ل كم صدق ما قلته وعزمتم على تدارك الأمر وتصحيح الوضع فإنني أعدكم‬

‫وعد رجال بأن المتمردين على القيادة على أساس مبدئي بما فيهم السعيد مخلوفي سيكونون أول المساعدين‬ ‫ل كم وسنقف صفا واحدا ضد كل من ير يد الشر بوطننا‪ .‬ومن باب النصيحة أحذر القيادة العسكر ية من‬ ‫سطوة جهاز المخابرات لأنه سيأخذها رهينة ويحول الجيش إلى جهاز شرطة يتحكم فيه سيد أحمد غزالي‬

‫وبوضياف‪.‬‬

‫بدا لي كأن قائد الأركان لم يكن ينتظر مني ما سمع‪ .‬وقد كان وكيل الجمهور ية يكتب ما أقول‪ .‬أما‬

‫باقي الحضور فقد وجموا وكانوا يتبادلون النظرات كأنهم يتبادلون الرأي فيما يسمعون‪.‬‬

‫ع ندما توقفت تكلم قائد الاركان وقد ظهر عليه التعب‪ :‬أتعتقد أن الذين تمردوا سيضعون السلاح؟‬

‫قلت‪ :‬إذا تداركت الق يادة المو قف فأ نا أ عدك و عد شرف بأنني سأقيم الح جة ع لى المت مردين وأق طع ع ليهم‬

‫العذر وأنا متأكد من القدرة على إقناع الشرفاء منهم‪ .‬أما من أصر على الفتنة من المجرمين فأنا سأتكفل‬

‫بهم مع نخبة من عناصر القوات الخاصة أختارهم بنفسي‪.‬‬

‫قال‪ :‬لقد كنت أقود بنفسي الهجوم على المجموعة التي تمردت من ثكنة بني مسوس‪ .‬لقد شارك في‬

‫العمليات أكثر من ‪ 5000‬جندي من مختلف الأسلحة مدعمين بالدبابات والطيران‪ .‬وقد كنت من طائرة‬

‫الهل كبتر أرا قب الرقيب مولاي علي وهو يقاتل ببندقية رشاشة‪ ،‬لقد كان ي ُ ْفل ِتُ من الرمي المباشر عليه من‬

‫مختلف الأسلحة كأنه ساحر‪ .‬لقد أحسست بالفخر أن يكون جنودنا مدربين بهذا الشكل‪ .‬ول كنني تأسفت‬ ‫أن توجه هذه ال كفاءة في القتال ضدنا‪ .‬إننا خسرنا ‪ 84‬قتيلا وجرحى كثيرين قبل أن نتمكن من القضاء‬ ‫عليه هو واثنين من زملائه‪ .‬وقد استطاعوا تأمين الانسحاب لتسعة منهم‪ .‬فإذا كان القضاء على كل واحد‬

‫منهم يكلفنا فصيلة من الجيش فهذه ستكون مصيبة‪ .‬أفهمت لماذا أحم ِ ّل ُك المسؤولية يا شوشان؟‬

‫على كل حال لقد سمعت منك ما يكفي‪ ،‬وأنا لن أعدك بشيء ول كنني سأنقل كلامك للسيد وزير‬

‫الدفاع وننظر ما ستؤول إليه الأمور في قضيتكم‪.‬‬

‫ثم قام وو َجّه َ الخطاب لمدير السجن قائلا‪ :‬من الآن فصاعدا يتم التعامل مع النقيب شوشان ومن‬

‫معه وفق القانون العسكري وهم تحت التصرف المباشر لقيادة الجيش ولا يحق لأحد التدخل في شأنهم‬ ‫من غير موافقة قائد الناحية العسكر ية‪ .‬مفهوم؟ ثم وجه الخطاب إلى قائد الناحية قائلا‪ :‬يعاد التحقيق معهم‬

‫و فق ال قوانين المع مول ب ها‪ ،‬ف من كان بري ئا ي عاد إ لى من صبه و من ث بت عل يه شيء يحا سب و فق ال قانون‪.‬‬ ‫‪114‬‬


‫وسآمر بتع يين وك يل جمهور ية جد يد يتك فل بالمو ضوع فور و صولي إلى العا صمة‪ .‬لا علا قة للم خابرات و لا‬

‫للدرك بهم نهائيا بعد اليوم هل هذا واضح؟ ثم وجه الخطاب لي وهو ينصرف قائلا‪ :‬ستعاملون كمتهمين‬ ‫ح تى ي صدر الح كم في حق كم و ستتمتعون ب كل ح قوقكم كم ساجين ع سكر يين‪ .‬و سنرى من هو في و ضع‬

‫الخضرة على الطعام‪ .‬ثم خرج الجميع واصطحبني الحرس إلى الصندوق‪.‬‬

‫هل مرت هذه المقابلة دون تداعيات على الصعيد الشخصي؟ طبعا لا‪ .‬ما أن شعرت المخابرات‬

‫بأنني أدرت هذه المرحلة من المواجهة معها بنوع من الحكمة حتى اشتاط ممثل قيادة المخابرات غضبا و‬

‫حرك آلته الإجرامية للانتقام مني بصفة شخصية‪ .‬و استهدف أخي الدكتور محمد الطاهر الذي كان مدير كلية‬ ‫ال شر يعة الإ سلامية في أدرار‪ .‬و قد تم ّ تع يين أ خي مديرا للكل ية ع لى إ ثر احتجا جات غا ضبة للط لاب في‬ ‫أواخر الثمانينات طالبوا فيها بتغيير أدارة الكلية وتعيينه هو شخصيا مديرا لها‪ .‬و قد تم اعتقال أخي في مقر‬ ‫عمله و لفقوا له تهمة التعاون مع الإرهابيين و أشياء أخرى من أجل نقله ليس إلى النيابة العامة و لا إلى‬

‫السجن و إنما إلى الفرع السري التابع لمركز بن عكنون و المتواجد خارج مدينة بشار‪ .‬و كان في حسبانهم‬

‫ت صفيته خارج إ طار ال قانون ب عد م حو آ ثار اعتقا له‪ .‬و ل كن الل ّه أراد غ ير ذ لك ع ندما خرج ر ئيس مركز‬ ‫المخابرات في مهمة مستعجلة إلى العاصمة و كان نائبه واحدا من الضباط الذين يعرفونني جيدا و يعرف ما‬

‫تتم تع به عائلت نا من الوطن ية و الإخ لاص للجزا ئر و أدرك أن ق ضية أ خي لا علا قة ل ها بالم خابرات و لا‬ ‫بالإرهاب فأحاله إلى وكيل الجمهور ية العسكري في بشار فورا‪ .‬فحقق معه نفس الضباط الذين حققوا معي و‬ ‫لم يسعهم إلا أن يؤكدوا على براءته من التهم المنسوبة إليه و يطلقوا سراحه‪ .‬و قد أبدى له وكيل الجمهور ية‬

‫تأسفه على ما حصل معللا ذلك بملابسات الأزمة السياسية و الأمنية‪ .‬و عاد أخي إلى عمله كمدير للكلية و‬ ‫ل كنه طلب الإستقالة فورا و بقي أستاذا محاضرا فيها‪.‬‬

‫في الوقت الذي كان أخي فيه معتقلا كانت عائلته و أولاده مفزوعين في غربتهم في أدرار و كان‬

‫عمي الأستاذ محمد الأخضر مطاردا و كان اثنان من أبناء عمومتي في المعتقل و وجد الوالد نفسه وحيدا‬ ‫تائها في وضع لم يخطر على باله أبدا‪ .‬الدولة الجزائر ية المستقلة التي ضحى من أجل إقامتها تختطف منه ولديه‬

‫الوحيدين خلال طرفة عين بعد أن أفنى عمره في تربيتهما إلى أن أصبحا أصغر نقيب في الجيش الوطني‬ ‫الشعبي و أصغر دكتور دولة في الجامعة الجزائر ية و دون أن تسمح له حتى بحق معرفة مصيرهما ‪ .‬لقد قال‬ ‫لي‪ :‬لم أشعر بالقهر و الغر بة في حياتي إلا في تلك الظروف‪ .‬لقد اعتقلتنا فرنسا و نحن فلاقة و مع ذلك‬

‫كان الناس يعرفون حتى الأماكن التي كنا نعذب فيها فكيف يحصل لنا في جزائر الاستقلال هذا الذي‬ ‫س تُ على‬ ‫نراه‪ .‬و ل كنه قال لي‪ :‬رغم ذلك كان يحدوني أمل في فعل شيء‪ ،‬و لأول مرة في حياتي د ُ ْ‬

‫كبر يائي و ات صلت بوزير المجا هدين ال سيد ال سعيد ع بادو ا لذي كان رف يق ال سلاح أث ناء ثورة التحر ير و‬ ‫‪115‬‬


‫طلبت منه التحري عليكما‪ .‬قلت له أريد أن أعرف أين أبنائي و لا يهمني إذا كانوا أحياء أو أمواتا‪ ...‬و كم‬

‫كانت خيبة الوالد عظيمة عندما فوجئ بجواب السعيد عبادو‪ :‬يا سي إ براهيم‪ ،‬ابننا أحمد طاح في فم السبع‬ ‫و لن يستطيع أحد الاقتراب منه‪ .‬أما محمد الطاهر فسأبذل جهدي لمعرفة ما حصل له‪ ...‬يقول لي الوالد‪:‬‬ ‫منذ ذلك الحين يا ولدي تأكدت من أن الرجال الذين حرروا الجزائر لم تبق لهم كلمة في هذا البلد و أن‬

‫الحركى و القومية هم الحكام الحقيقيون‪.‬‬

‫و من لطف الل ّه بالوالد أن تم السماح للم حامين الاتصال ب نا بعد ز يارة قائد الاركان فعلم الوا لد‬

‫بوجودي في السجن العسكري ببشار فزارني فيه و لم يلبث أخي أن أطلق سراحه بفضل الل ّه دون وساطة‬

‫أحد‪.‬‬

‫و ب عد أ شهر زار قا ئد الناح ية الع سكر ية الراب عة العم يد سعيدي ف ضيل دا ئرة ال قرارة و ط لب من‬

‫المجاهدين حمل السلاح لمواجهة الإر هاب فقال له الوالد‪ :‬هذه المنطقة نحن نعرف أهلها كبيرا و صغيرا‬ ‫ذكرا و أنثى فإما ان تتركوا الأمر لنا و نضمن أمن و سلامة الجميع فيها بدون حاجة إلى تسليح أحد‬

‫و‬

‫إما أن تتصرفوا فيها بمعرفتكم و لا تعتمدوا علينا في شيء فقد أدينا ما علينا و حملنا السلاح ضد الاستعمار‬

‫و حررنا الجزائر منه‪ .‬أما الإرهابيين الذين تتكلم عنهم اليوم فهم ابناؤنا و أخواننا و عشيرتنا و مادمت أنا‬ ‫أمين قسمة المجاهدين في هذه المنطقة فأنا أرفض أن يحمل أعضاء هذه القسمة السلاح باسمها تحت أي‬

‫مبرر‪ .‬و انتهى اللقاء بانسحاب الوالد من الاجتماع‪ .‬و منذ ذلك الحين خرج الوالد عمليا من الأسرة الثور ية‬

‫بعد أن أصبحت أسرة للحركى و الانتهاز يين و تعرض بيته الذي لا يعرف المجاهدون الحقيقيون مأوى غيره‬ ‫أثناء ثورة التحر ير إلى التفتيش التعسفي من طرف الدرك و الجيش‬

‫و ظهر للوجود مجاهدون مزيفون و‬

‫وطنيون جدد لم يكن لهم وجود في عهد الثورة إلا في مشار يع الاستعمار‪.‬‬

‫بيت القصيد من هذا الاستطراد هو أن القضية لا تتوقف عند الأزمة السياسية أو الأمنية و إنما‬

‫هي أعمق حتى من الأزمة الإجتماعية التي عصفت بالجزائر منذ الاستقلال‪ .‬إنها عملية انقلاب شامل على‬ ‫جزائر ‪ -‬كانت تنمو رغم العوائق ‪ -‬بكل مقوماتها بما فيها البشر ية بغرض إقامة جزائر أخرى لا يعرف هويتها‬ ‫غير أ صحابها الذين قادوا الإنقلاب و أشاعوا الفساد و أطلقوا ايديهم في تصفية كل آ ثار الجزائر التي كان‬

‫الشهداء و المجاهدون المخلصون يحلمون بها‪.‬‬

‫‪116‬‬


‫التمرد الأول في صفوف الجيش‬ ‫سبق لي ال حديث عن الاجت ماع ال سري ا لذي ع قده مح يي ا لدين ور يث و من توا طأ م عه في ‪6‬‬

‫فيفري ‪ 1992‬بضواحي بلدية بن زرقة و الذي كان سببا في فشل مشروع السعيد مخلوفي و اعتقال أنصار‬ ‫المشروع الاسلامي من العسكر يين‪ .‬وكان من بين المجتمعين الرقيب الأول مولاي علي والرق يب قنوني محمد‬

‫الذان تمكنا من الإفلات من قبضة المخابرات‪.‬‬

‫وبعد اعتقالنا في بداية شهر مارس ‪ 1992‬قام بعض ضباط الصف و الرتباء من فوج الصاعقة‬

‫الرابع المحمول جوا بالاتصال بحسن حطاب عن طر يق مولاي علي وطلبوا منه مساعدتهم على التمرد‪ .‬وهنا‬ ‫أفتح قوسا عن مغزى التمرد في وعي العسكر يين‪( .‬لقد كان بإمكان هؤلاء العسكر يين النجاة بجلودهم و‬ ‫التواري عن الانظار دون الحاجة إلى تعر يض أنفسهم للخطر ك ما كان بإمكانهم القيام بعملية استشهادية‬

‫‪66‬‬

‫داخل الثكنة يقتلون خلالها أكبر عدد ممكن من الجنود والضباط أو غير ذلك مما يعتبر بطولة عند بعض‬

‫الناس‪ .‬ول كنهم فضلوا الاتصال بحسن حطاب وجماعته ظنا منهم أنهم أصحاب مشروع إسلامي بديل عن‬ ‫السلطة المجرمة مما يجعلهم أعلم بما تقتضيه المصلحة وتنص عليه أحكام الشر يعة الاسلامية‪ .‬فكانوا ير يدون‬

‫الإنضمام إليهم وتزو يدهم بأكبر قدر من السلاح والذخيرة)‪ .‬وعلى هذا الأساس اتفقوا معهم على توفير‬ ‫ثلاث سيارات مدنية وضربوا معهم موعدا على الساعة التاسعة والنصف من ليلة النصف من رمضان‪.‬‬

‫لم يتمكن لا محيي الدين وجماعته ولا المتواطئون معهم على سحب البساط من تحت السعيد مخلوفي‬

‫وعبد القادر شبوطي من توفير السيارات الثلاث إلا باللجوء إلى رئيس مكتب الجبهة الإسلامية للإنقاذ‬

‫بدائرة حسين داي في العاصمة المدعو (الحاج عراب)‪.‬‬

‫هذا الإن سان ا لذي ناهز ا لأربعين من ع مره ح كم عل يه مرتين من طرف محك مة الجنا يات وكان‬

‫المفترض أن يقضي بقية حياته في السجن كأخف عقو بة له على جرائمه لولا أن الل ّه تداركه بلطفه وأطلق‬ ‫سراحه بمناسبة العفو الشامل سنة ‪ ...1990‬كيف أصبح هذا الطليق رئيس مكتب في دائرة سكنية في‬

‫العاصمة تعج بالأطهار من أبناء الصحوة الإسلامية؟ كيف اكتسب الجرأة على قذف الشيخ عباسي مدني‬ ‫‪ 66‬جاءني طالب ضابط على أبواب التخرج و سألني عن شرعية القيام بعملية انتحار ية يستهدف فيها قيادة الأكاديمية بعدما‬ ‫أمرت بإجراء دور يات مراقبة في منطقة شرشال و ضواحيها‪ .‬فقلت‪ :‬ألا تخشى أن أعاقبك؟ قال‪ :‬أنا أريد أن أفهم‪ .‬إذا‬

‫كان ما يدور في رأسي حقا فأنت ستوافقني عليه و إن كان خطأ فأنا لا يهمني أن أعاقب‪ .‬المهم أن لا أتورط في شيء غلط‬

‫و مستعد لقبول أي قرار تتخذه بحقي أو أمر تأمرني به‪ .‬قلت‪ :‬ما دمت تعترف بأن هناك من هو أقدر منك على اتخاذ القرار‬ ‫المناسب فلا تبادر بأي عمل دون الرجوع إليهم و عندما تراني أنا أخذت المبادرة يمكنك أن تحذو حذوي‪.‬‬ ‫‪117‬‬


‫بال كفر والشيخ علي بلحاج بالنفاق والأخ عبد القادر حشاني رحمه الل ّه بالفسق على الم لأ و هم صامتون؟‬

‫كيف كان محسوبا على حزب الجبهة الإسلامية؟ الل ّه أعلم‪ ...‬وقد يجيب هو أو غيره من قيادة الجبهة يوما‬ ‫ما على ذلك لأنهم كلهم أحياء يرزقون‪.‬‬

‫المهم هو أن هذا الرجل جمع أكثر من مليار سنتيم باسم المعتقلين من مناضلي الجبهة‪ .‬اشترى منها‬

‫بيتا أنيقا في أرقى حي سكني في العاصمة بحوالي ‪ 400‬مليون سنتيم وسيارة عائلية فاخرة من نوع باترول‬ ‫بأكثر من تسعين مليون سنتيم وسيارة شخصية أخرى من نوع رونو ‪ 18‬توربو بحوالي ‪ 40‬مليون سنتيم وكان‬

‫يعيش هو وزوجته كسلطان مملوكي و يعتبره فقراء العاصمة المغفلون أميرا للجهاد على العاصمة وضواحيها‪ .‬هذه‬ ‫هي حقيقته كما أثبتتها الوقائع وواجهه بها زملاؤه بحضوري وتحداه بها وكيل الجمهور ية العسكري أمام المحكمة‬ ‫ببشار بالأدلة المادية والتي منها ما تبقى من تبرعات المحسنين المقدرة ب ‪ 900‬مليون سنتيم نقدا ضبطت في‬

‫بيته وأشياء أخرى‪.‬‬

‫وأنا لا أذيع بذلك سرا أؤتمنت عليه وإنما أوثق للتاريخ ما شهده آخرون غيري وسمعوه‪ .‬كما أنني لا‬

‫أريد بذكر التفاصيل التشهير بهذا الشخص في هذه الشهادة ولا استهدافه بالمحاسبة لأن هذا ليس من شأني‪.‬‬

‫وأنا أعتذر مسبقا لمن يعنيه أمره من ولد أو عائلة م ُذ َك ِّرا بأن قاعدة الحق الخالدة تقرر أن (لا تزر وازرة‬ ‫وزر أخرى)‪ .‬ول كن الضرورة ملحة لمعرفة العوامل الحقيقية التي ساهمت في تفاقم الأزمة التي عصفت‬

‫ل العقول‪.‬‬ ‫ببلادنا و حيرت مآلاتُها أه َ‬

‫فهذا الرجل اتصلت به جماعة محيي الدين و طلبوا منه تأمين نقل المتمردين على متن السيارات التي‬

‫اشتراها بأموال أن صار الم شروع الإ سلامي‪ ...‬و حان المو عد الم حدد‪ ...‬و طال انت ظار المت مردين ح تى ا ضطر‬ ‫بعضهم للعودة من حيث أتوا بأسلحتهم والعتاد الذي هر بوه معهم فيما بقي آخرون معرضين للخطر لمدة‬

‫ساعات‪.‬‬

‫ل قد ات فق ال حاج عراب مع صديقه المي كانكي م سعودي مو لود ال مدعو (عم يروش) ع لى أن يع يره‬ ‫سيارة أحد الز بائن (رونو‪ )9‬لنقل المتمردين على متنها كما اتفق الأخير مع صديق آخر (محمد زنيتر) على‬

‫سياقة السيارة‪ .‬ثم اتصل من جهة أخرى بشاب شر يف صاحب نخوة ليس له علاقة بالجبهة بتاتا ول كنه‬ ‫ساهم في نقل الجرحى بسيارته الخاصة من نوع ( جي‪ ) 9‬في مجزرة جوان ‪ 1991‬بساحات الاعتصام‪،‬‬

‫وطلب منه مساعدته في نقل مجموعة من الإخوة‪ .‬وبما أن الرجل كان عريسا تلك الليلة اعتذر ول كنه وضع‬

‫السيارة تحت تصرف الحاج عراب‪ .‬فتوفرت للمتمردين في آخر لحظة‪ ،‬سيارة (رونو‪ )9‬سائقها محمد زنيتر‬ ‫الذي لم يكن يعلم شيئا عن العملية وسيارة (جي‪ )9‬تطوع لقيادتها عبد ال كريم بن زرقة أحد نواب محمد‬ ‫‪118‬‬


‫ور يث‪ .‬وانطلقت السيارتان آخر الليل محملتين بثلاثة عشر مظليا فيما ترك ستة من المتمردين في حيرة من‬ ‫أمرهم مع ما تبقى من سلاح وذخيرة حتى اعتقلوا‪ .‬أ ما أمير الجهاد في العاصمة الحاج عراب فقد بقي‬

‫محتفظا بالسيارات التي اشتراها بأموال المساكين لقضاء حوائجه الخاصة وبات نائما في سبات عميق‪.‬‬

‫تمكن عبد ال كريم بن زرقة الذي هو عنصر في جماعة محيي الدين وريث من نقل ‪ 11‬مظليا مدججين‬

‫بالسلاح وا لذخيرة إلى منزل على م شارف الأخ ضر ية‪ .‬ول كن محمد زنيتر ا لذي لم يكن ي عرف شيئا عن‬ ‫أحس باكتشاف‬ ‫ّ‬ ‫وجهة المتمردين بقي يجوب شوارع العاصمة على غير هدى حتى طلعت الشمس‪ .‬ولما‬ ‫أمرهم من طرف أحد الحواجز الأمنية أوقف ال سيارة في مكان مستور وحاول الاختباء هو ومن م عه‬

‫(العر يف المتعاقد هلامي لخضر) و (الجندي المتعاقد محمد شردود) في أحد المنازل بعد أن جرّدهما من‬

‫شبْهة‪ .‬و ل كنهم لم يليثوا طو يلا حتى تم إلقاء القبض عليهم‪.‬‬ ‫السلاح تجنبا لل ّ‬

‫وباكت شاف ال سيارة تتب عت أج هزة ا لأمن خيط صاحبها ( نوغي ع لي) واعتقل ته فأخبرهم بأن‬

‫سيارته كانت لدى الميكانيكي (عميروش) لتصليحها و أنه لا يعلم شيئا عما حدث‪ .‬ولما كان الحاج عراب‬ ‫قد ع لم ب ما جرى فإ نه ط لب من صديقه (عمروش) الالت حاق بالمتمردين في مو قع تمركزهم ع لى م شارف‬

‫الأخذر ية حتى لا يتعرض للاعتقال و ذلك ما حصل فعلا‪.‬‬

‫لم تستطع أجهزة الأمن أن تصل إلى شيء وراء عميروش و محمد زنيتر غير ت َو َرّطِ الأول في توفير‬

‫وسيلة النقل وتورط الثاني في سياقتها‪ .‬وبقي الأمر على هذه الحال لمدة أسابيع‪ ،‬كان المتمردون خلالها‬

‫يخططون للقيام بكمائن ضد دور يات الدرك والجيش فيما كان (عمروش) يفكر في الخروج من الورطة التي‬ ‫لم يحسب حسابها‪ .‬وفعلا تمكن من ز يارة أهله وتآمر مع صهره (محافظ شرطة في مطار الدار البيضاء)‬

‫على الغدر بالمتمردين وأفاده بتفاصيل ما حدث مقابل العفو عنه‪ .‬وهكذا وجد المظليون المتمردون الثلاثة‬

‫ع شر أنف سهم محا صرين من ال جو وال بر بأكثر من ‪ 5000‬مقا تل من مخت لف الأ سلحة وخا ضوا معركة‬ ‫مستميتة ل كسر الطوق المضروب عليهم دون وجود مدني واحد من المجاهدين المزعومين‪ .‬فنجا منهم تسعة‬

‫وقتل منهم في المعركة ثلاثة (منهم مولاي علي) وتوفي الرابع (محمد قنوني) متأثرا بجراحه‪.‬‬ ‫لقد عانى هؤلاء المتمردون ز يادة على الغدر من كل أصناف الحرمان والحصار‪ ،‬فلم يتوفر لهم حتى‬

‫الحد الأدنى من ضرور يات المعيشة لا قبل العملية و لا بعدها و كان ذلك من الأ سباب التي تذرع بها‬

‫عمروش لتبرير خيانته و تسليم نفسه للسلطة‪ .‬ول كنهم بعد عناء‪ ،‬التقوا بإمام مسجد بلدية الزبربر الشيخ عامر‬ ‫ا لذي ساعدهم في الت عرف ع لى المنط قة في بدا ية ا لأمر وانت هى ب هم الم طاف أخ يرا إ لى م عاودة الات صال‬

‫بحسن حطاب من جديد عن طر يق مسعودي المدعو الشيخ مبروك وشكلوا النواة الصلبة لجماعته لاحقا‪.‬‬ ‫‪119‬‬


‫أما العسكر يان المتمردان ال ّذان اعتقلا (ه ُلامي لخضر و شردود محمد) فقد حكم عليهما بالإعدام‪.‬‬

‫ورغم أن السلطة تدعي أنها أوقفت تنفيذ أحكام الإعدام منذ أبر يل ‪ 1993‬فإنني أميل إلى أنهما أ عدما‬

‫بعد ذلك بطر يقة ما لأنهما اختفيا إلى الأبد منذ نقلهما من السجن العسكري ببشار إلى السجن المركزي‬

‫بوهران بداية سنة ‪.1993‬‬

‫إن هذه التجر بة المر يرة ال تي ع شناها في ال شهور ا لأولى من تفجرالأو ضاع دل يل وا ضح ع لى أن‬

‫الاستعداد للمواجهة المسلحة مع النظام لم يكن جديا حتى من طرف ما يعرف بالتيار الجهادي في الحركة‬

‫الإ سلامية في الجزا ئر‪ .‬و لذلك فإن العمل المسلح من طرف الإ سلاميين لم يكن ثور يا بالمفهوم ال صحيح‬ ‫للكلمة وإنما كان عملا ارتجاليا غلب عليه طابع رد الفعل الذي سهل كثيرا مهمة الأجهزة الأمنية في التحكم‬ ‫في مسار الأحداث وتوجيهها وفق أجندة السلطة الإنقلابية‪ .‬وقد جاءت تصر يحات القيادات العسكر ية‬

‫العليا مؤكدة لهذه الحقيقة حيث أن وزيري الدفاع والداخلية في حينها قدرا عدد المتمردين بأقل من أصابع‬

‫اليد في البداية مما يدل على أن السبب المباشر في تفاقم الأزمة الأمنية لا يعود لتآمر مسبق من طرف‬

‫الإ سلاميين و لا من غ يرهم ع لى أ من الدو لة ك ما يزعم المتور طون في ذ بح الجزا ئر ول ك نه ي عود لسيا سة‬ ‫الاستئصال المبيتة من طرف الدوائر الشريرة في النظام مما حول الأزمة من طبيعتها السياسية إلى حرب‬ ‫من أجل الوجود لدى شر يحة واسعة من الجزائر يين‪ .‬وشت ّان بين عمل يتم التخ طيط له مسبقا وعمل يقوم‬

‫على رد الفعل‪.‬‬

‫وقد تكررت هذه المأساة في صور مختلفة مع جميع العسكر يين الذين تمردوا خلال الشهور الأولى من‬

‫انفجار الوضع مما رسخ القناعة لدى العسكر يين من أنصار المشروع الإسلامي والمتعاطفين معه بعدم جدوى‬

‫العمل المسلح بالتعاون مع المدنيين فتراجع زخم التمردات‪.‬‬

‫بل إن إلحاق المدنيين بنا في السجن العسكري سم ّم َ العلاقة الأخو ية التي جمعتنا على نصرة الحق‬

‫فاختلفت القلوب وتنافرت النفوس‪ .‬ومع ذلك فقد بقي على الصعيد الشخصي رجال لم تفتنهم المحنة عن‬ ‫قضيتهم الحقيقية فجعلوا مرضاة الل ّه غايتهم ولولا أن قدر الل ّه سابق في ما ي جري بالجزائر لجزمت أن أولئك‬

‫ل لتحقيق النصر المبين على الباطل مهما كانت صولته‪ .‬ومن هؤلاء الرجال الأخ عيسى‬ ‫الرجال على قلتهم أه ٌ‬

‫أوكديف ا لذي أح سبه ر جل صدق والل ّ ه ح سيبه‪ .‬و هو مواطن جزا ئري من العا صمة أب لبن تين وم من‬ ‫شاركوا في حرب الأفغان ضد الروس ال شيوعيين‪ .‬لم يعترف بتهمة الانتماء إلى جماعة الحاج عراب الذي‬

‫ورطه فيها على خلفية مساعدته في التعرف على صاحب سيارة (جي‪ )9‬رغم ما تعرض له من التعذيب‬

‫على أيدي الم خابرات والشرطة‪ ...‬وبعد تغير مسار التحقيق في قضيتنا على خلفية ز يارة قائد الأركان لنا في‬ ‫‪120‬‬


‫ال سجن‪ ،‬جاءني هذا ا لأخ وط لب م ني إق ناع ال حاج عراب بالتراجع عن ت صر يحه في مح ضر ا ستنطاقه‬ ‫بعلاقته معه‪ ،‬لأنه فعلا لم يكن جزءا من القضية‪ .‬فقام الحاج عراب على الملأ وقال‪ :‬أتر يدونني أن أدفع‬ ‫الثمن وحدي؟ وحلف بأن يجعل الجميع يدفعون الثمن‪ .‬وهذا ما حصل بالفعل بالنسبة لأكثر من خمسين‬

‫متّه َما‪ .‬وقد اقترحت على عيسى أوكديف أن يطلب من قاضي التحقيق وبالتعاون مع المحامي طرح أسئلة‬

‫على الحاج عراب أوقعته بتوفيق الل ّه في تناقض كبير وأبطلت علاقة عيسى أوكديف بالقضية وكان ذلك‬

‫سببا في استفادته من الإفراج المؤقت‪ .‬وقد حملته رسالة شفو ية إلى الشيخ أحمد سحنون رحمه الل ّه وقيادة‬

‫الجب هة الإ سلامية أخ برتهم في ها بأنني صاحب الكل مة الف صل في هذه الق ضية وأن ني م ستعد مع أغ لب‬ ‫العسكر يين لاتخاذ الموقف الذي يرونه مناسبا لنصرة الحق ولسنا نبالي بعاقبة ذلك حتى ولو طلب منا القيام‬

‫بع مل فدائي‪ .‬و قد امت نع إ لى ذ لك ال تاريخ كل الم حامين عن اعت ماد ا لدفاع ع ني شخ صيا أ مام الق ضاء‬

‫العسكري‪ ...‬و جاءني الرد من عي سى أوكديف يخبر ني فيه أولا‪ :‬بأن ال شيخ أحمد سحنون ين صحنا بالتع قل‬ ‫و عدم الإ قدام ع لى أي ع مل غ ير م سؤول و ي عدني بالات صال بي في أ قرب و قت وثان يا‪ :‬يخبر ني بأن كل‬

‫المؤشرات تنذر بالشر المستطير خارج السجن وأنه ( أي الأخ عيسى) لن يسمح لأي مجرم بإهانته تحت‬

‫أي م برر‪ .‬وفع لا بلغ ني ب عد أ شهر أن أ عوان ا لأمن حاولوا اعتقا له عدوانا وظل ما ر غم أن قا ضي التحق يق‬ ‫أ فرج ع نه‪ ،‬فأف لت منهم و قام بتل غيم ب يت من عزل اعت صم ف يه ثم أخ بر عن نف سه بأ نه مو جود في الم نزل‬

‫فحاولت فرقة من التدخل السر يع نسف المنزل قبل اقتحامه فاستدرجهم إليه ثم فجره مما أوقع في صفوفهم‬ ‫خسائر كبيرة و اعتقد الناس أنه قتل و ل كن بعض من يعرفه من قر يب أخبرني لاحقا أنه لم يقتل في‬ ‫هذه الحاد ثة و إن ما أ سر و تم تعذي به ح تى ال موت‪ .‬و ع لى كل حال ف قد أن هى معرك ته ب شرف مع من‬

‫استهدفوه ع ْدو ًا بغير حق‪ .‬أما الشيخ أحمد سحنون رحمه الل ّه فقد طلب من الأستاذ المحامي مشري بشير‬

‫‪67‬‬

‫اعت ماد ا لدفاع ع ني ع لى ح سابه ال خاص‪ .‬ول كن الأ ستاذ م شري ر فض ا لأجر إكرا ما لل شيخ أح مد‬ ‫سحنون‪ ،‬وبعد الإلحاح عليه قبل منه مبلغا رمزيا قدره خمسة آلاف دينار جزائري كمصار يف رحلة جو ية‬ ‫‪67‬‬

‫ظُلم هذا الرجل إلى درجة دفعته للركون إلى السلطة‪ .‬فقد كان خريج الزيتونة و من أول أساتذة الجامعة الجزائر ية في‬

‫معهد الآداب و تطو ّع للدفاع عن الإسلاميين سنة ‪ 1976‬أمام محكمة أمن الدولة و غي ّر اختصاصه من الأدب إلى دراسة‬ ‫الحقوق و بعد تخرجه شهد المواقف كلها في الدفاع عن مناضلي القضية الإسلامية في الجزائر و في مصر و تونس‪ .‬و ل كن‬

‫الجناح النافذ في قيادة الجبهة الإسلامية لم يكن يرغب في أي مستشار قانوني يشعره بالوصاية فتنكر لكل الإسلاميين أصحاب‬ ‫السابقة و الخبرة في جميع المجالات و اعتمد على محامين يشعر بالوصاية المعنو ية عليهم أمثال المحامي زويتة و المحامي مسلي‬

‫رشيد‪ .‬فنتج عن هذا السلوك الساذج تنافس مذموم بين النخبة المحيطة بالجبهة بلغت درجة تبادل الاتهام بالعمالة للسلطة و‬

‫انتهت مع فوضى العلاقة بالجماعة الإسلامية المسلحة إلى عداء ف ِعْليّ دفع أمثال الاستاذ مشري بالاحتماء بالسلطة‪ .‬و لو تمتع‬ ‫الإسلاميون بالحد الأدنى من الإنصاف و التعقل لما انتهى الجميع إلى الوقوع في حجر السلطة بطر يقة أو بأخرى‪.‬‬ ‫‪121‬‬


‫ك ن من توكيل المحامي بختي محمد جزاه الل ّه خيرا على حسابه‬ ‫واحدة من الجزائر إلى بشار‪ .‬ورغم أن أخي تم ّ‬

‫الخاص‪ ،‬إلا أن الأستاذ بشير مشري كان هو المشرف على عملية الدفاع في قضيتي‪ .‬وأنا أذكر هذا الموقف‬ ‫الم سؤول لل شيخ أح مد سحنون رح مه الل ّ ه ليس عرفا نا بالجم يل قد مه لي شخ صيا في ظرف صعب‬ ‫فقط وإنما لأنه البقية الباقية من نبض الحياة في وعي الحركة الإ سلامية المعاصرة‪ .‬فالأمير المزعوم الحاج‬ ‫عراب تجندت من أجله اللجنة القانونية للجبهة الإ سلامية بقضها وقضيضها برئاسة الأستاذ زويتة ورصدت‬

‫ل عن مليون سنتيم لكل ز يارة وكفالة عائلية لزوجته تتجاوز المليون سنتيم شهر يا هذا ما كان‬ ‫له ميزانية لا ت َق ِ ّ‬ ‫ظاهرا للعيان‪ .‬في حين اضطر أغلب العسكر يين الغلابى للاستدانة من أجل تسديد مستحقات المحامين‪ .‬أما‬

‫الذين بقوا بدون م حام فقد تطوعت اللجنة القانونية للجبهة في الأخير للدفاع عنهم‪ .‬ورفعا للالتباس أقول لقد‬

‫بق يتُ في ال سجن ث لاث سنوات وضربت في أرض الل ّه الواسعة عبر دول إفر يق يا ث لاث سنوات أ خرى‬

‫تقريبا وز ُ ْرتُ الممل كة العربية السعودية وانتهيت لاجئا في بر يطانيا سنة ‪ 1997‬و بقيت فيها ‪ 15‬عاما حتى‬ ‫سنة ‪2012‬دون أن أتلقى مساعدة مادية في وقت الأزمة و لا بعدها‪ ،‬كبيرة كانت أو صغيرة من محسوب‬

‫ع لى الحركة الإسلامية أو من غير ها ف َر ْد ًا كان أو تنظي ما سياسيا أو جمع ية خير ية ولل ّه الحمد والم نة‪ .68‬إن‬

‫العبرة من هذا ليست بحالتي كشخص‪ ،‬لأنني خضت هذه التجر بة بكل مسؤولية ووعي والحمد لل ّه وإنما‬ ‫العبرة بآلاف الرجال المخلصين الذين طو ّحت بهم الأقدار في هذا الوضع الصعب بدون تجر بة فقط لأنهم‬ ‫س على طلابه فضربوا فيه خبط عشواء فكان جزاؤهم الإهمال إلى‬ ‫لحق ال ْت َب َ َ‬ ‫اختاروا بإخلاص الانتصار ّ ٍ‬ ‫أن امته نت كرامتهم وانته كت أعرا ضهم ح تى فت نوا ووق عوا في المح ظور‪ .‬ف هل ي ستقيم ع لى هذا ا لأمر من‬ ‫ينتظر منه إقامة الخلافة الراشدة؟ إن قراءة الأحداث بشجاعة ومسؤولية هي التي تجلي لنا الحقائق وتورثنا‬

‫الاعتبار بالخطإ وتبعث فينا إرادة النهوض بقوة وثبات‪ .‬و بدون ذلك سوف يبقى حال الإ سلاميين كحال‬ ‫التي نقضت غزلها من بعد قوة‪.‬‬

‫‪68‬‬

‫شاع بين الناس أن المناضلين ذوي التوجه الإسلامي يتلقون دعما خارجيا ماديا يساعدهم على الصمود و التشدد في‬

‫مواقفهم‪ .‬و أنا أشهد بأن من التقيتهم من الرجال الجزائر يين الصادقين لا يتلقون دعما من أحد‪ .‬بل إنهم لا يتلقون شيئا‬ ‫حتى من الإسلاميين الجزائر يين الذين يجمعون الأموال باسم القضية الإسلامية في الجزائر‪ .‬الإسلاميون لا يختلفون عن غيرهم‬ ‫من أصحاب القضايا‪ .‬فيهم من يجمع المال باسم القضية ليخدم نفسه و فيهم من يضحي بكل شيء من أجل قضيته‪.‬‬ ‫‪122‬‬


‫الجزء السادس‬ ‫الانتماء الوطني؛ الغائب الأكبر في الأزمة الوطنية‬

‫الوجه الآخر للجيش الوطني الشعبي‬ ‫موقع الجزائر في وعي المعنيين بالأزمة‬ ‫المحاكمة‬

‫‪123‬‬


‫الوجه الآخر للجيش الوطني الشعبي‬ ‫يعتقد كثير من الناس أن الجيش الجزا ئري جيش علماني وم عادي للإ سلام‪ .‬والمحزن أن الو قائع‬

‫والأحداث اليومية توهم الناس بهذا الانطباع‪ .‬كيف لا وضحايا الأزمة فاقوا ر بع مليون قتيل خلال ثماني‬ ‫سنوات‪ .‬وأنا لا أر يد أن أدخل في جدل فقهي عن العلمانية لأن هذا ليس مقامه ول كنني أر يد أن أثبت‬ ‫هنا ما كان قائما على أرض الواقع للتاريخ لأن ما سمعته عن الجيش بعد انفصالي عنه لا يعكس حقيقة ما‬

‫ث في الحكم على ذلك فأتركه لأهل الإختصاص‪.‬‬ ‫كنت أعيشه و أنا في الخدمة‪ .‬أما ال ْب َ ّ‬

‫وأول ما أشهد به هو أن قانون الخد مة في الجيش المعتمد والذي اطلعت على نصوصه ليس فيه ما‬

‫يتعارض مع أحكام الشر يعة أو يدعو إلى مخالفتها‪ .‬بل إنني لم أجد فيه ما يتناقض مع مكارم الأخلاق‪.‬‬ ‫أما فيما يتعلق ببروتوكولات الانضباط العسكري وتحية العلم وغيرها فإن حملها على طقوس الجاهلية من‬

‫شرك وعبودية لغير الل ّه وغيره من التأو يل لا يقوم على أساس معتبر لا شرعا ولا وضعا‪ .‬ومع ذلك يبقى‬

‫ال جيش جزءا من ال شعب الجزا ئري‪ ،‬ف يه الط يب والخب يث والانت هازي والمخ لص‪ ،‬م ما يو جب ع لى الم صلح‬

‫الصادق في نظري أن يق ّدِر الأمور بميزان المصلحة والمفسدة لا بميزان ال كفر والإيمان‪.‬‬ ‫و لا بأس أن أستعيد مشهدا واحدا من تجربتي في هذه المؤسسة‪.‬‬

‫ع ندما التح قت بالأكاديم ية الع سكر ية لمخت لف الأ سلحة بشر شال سنة ‪ 1978‬كا نت م نارة م سجد‬

‫خالد بن الوليد التابع للأكاديمية هي الوحيدة في المنطقة لأن مسجد مدينة شرشال كان بدون مئذنة في‬ ‫حين كان مسجد الأكاديمية تحفة فنية رائعة‪ .‬ورغم أنه كان مزودا بمكتبة إسلامية نفيسة أهداها الملك‬

‫فيصل رحمه الل ّه للمسجد إلا أن رواده من الطلبة كانوا قليلين جدا‪ ،‬ولا يتجاوز عددهم أصابع اليد في بعض‬ ‫أوقات الصلاة‪ .‬ول كن منذ أن تولى قيادة الأكاديمية المقدم حشيشي ز ين العابدين سنة ‪ 1977‬انطلق في‬

‫جزأرة شاملة لهذه القلعة الوطنية الخطيرة التي بقيت تحت هيمنة اللغة الفرنسية ومناهج التدريب الروسية‬

‫م نذ الا ستقلال وأط لق م شروع تعر يب الم ناهج و جزأرة ال تأطير ورد الاعت بار لمقو مات الهو ية الوطن ية في‬

‫م حيط الأكاديم ية المترا مي ا لأطراف فتزي ّن َت الأكاديم ية ب صور أب طال ثورة التحر ير المج يدة وأ قيم مت حف‬ ‫الجهاد في قلب الأكاديمية وانتشرت الآيات والأحاديث والأمثال الداعية إلى مكارم الأخلاق وشر يف‬ ‫الأف عال‪ ،‬فت حررت ا لإرادات وا صطبغت علا قة الع سكر يين ببع ضهم ب صبغة الهو ية الوطن ية ب كل أبعاد ها‬

‫فازدحمت مدير ية التدريب بال كفاءات الوطنية الشابة من كل التخصصات عشرات الأساتذة والمهندسين‬ ‫والخبراء في جميع التخصصات التقنية جاءوا من المؤسسات الوطنية المدنية والعسكر ية ومن فرنسا وأمريكا‬

‫وبر يطانيا وألمانيا والرسامين والخطاطين وغيرهم جاءوا لأداء الخدمة الوطنية وتوظيف خبراتهم في جزأرة‬ ‫‪124‬‬


‫هذه المؤسسة وتحو يلها إ لى نموذج مصغر للجزائر التي كان يحلم بها الشهداء‪ .‬وقد انخرطنا ونحن طلبة في هذه‬ ‫العمل ية ع لى ح ساب وقت نا ال خاص تثمي نا م نا ل هذا الم سعى ا لوطني النب يل‪ .‬ل قد كان من ث مار هذه الق يادة‬

‫الرشيدة ذلك الانضباط الذاتي لدى الضباط والطلبة داخل الأكاديمية وخارجها ولم يصبح الذهاب إلى‬

‫المسجد للصلاة عند سماع الأذان عائقا عن الاجتهاد والعمل كما كر ّسته القيادات الإديولوجية السابقة‪.‬‬ ‫ل إلى عمله دون الحاجة إلى‬ ‫فإذا رفع الأذان للصلاة تهافت الجميع إلى المسجد فإذا انقضت انصرف ك ّ‬ ‫تذكير‪ .‬ف لم يكن الم قدم حشي شي ز ين العا بدين في حا جة إ لى إع فاء لحي ته وتطب يق ال حدود ع لى مرؤو سيه‬

‫لحملهم على الالتزام بأركان دينهم ولا كان في حاجة إلى دفعهم إلى الإلحاد تيم ّن ًا بالروس وترغيبا في علومهم‪.‬‬

‫وقد حذا حذوه العقيد الهاشمي ه جريس‪ .‬ول كنّ م َن جاءوا بعدهم كانوا أقل منهم وعيا وأضعف شخصية‪.‬‬

‫والشاهد من هذا العرض هو أن الحكم المطلق على الجيش الوطني الشعبي كمؤسسة خطأ فادح لا يساعد‬ ‫ع لى الت شخيص ا لدقيق لأب عاد الأز مة الوطن ية و لا ع لى ت صور الح لول الناج عة لتجاوز ها بل ع لى الع كس‬

‫يضمن لكل المجرمين التمترس خلف هذه الحصن الوطني العتيد‪.‬‬

‫كان هذا هو حال الجيش ق بل الأزمة و في مرحلتها الأولى‪ ،‬و ل كن الق يادة العسكر ية الجديدة‬

‫استغلت موقف الإسلاميين المتذبذب من قضية الانتماء الوطني و استثمرت فيه بطر يقة خبيثة جعلت من‬

‫الجيش اليوم منطقة محرمة على كل من له ذرّة من الانتماء الإسلامي‪ .‬و بعد تطهير الجيش من ضباط‬ ‫جيش التحر ير ذوي الميول الوطنية المحافظة منذ سنة ‪ 1962‬و الحملة التي استهدفت الضباط ذوي الميول‬

‫الإ سلامية و الوطن ية سواء عن طر يق الت صفية الج سدية أو الته ميش أو ال سجن أو الن ّ في و ب عد ت عديل‬

‫القوانين الضابطة للسلوك و الهو ية منذ سنة ‪1992‬سن ّت القيادة مؤخرا قوانين تمنع الضباط من الزواج من‬ ‫البنات الجزائر يات من عائلات إسلامية‪.‬‬

‫و لا بأس أن أثبت هنا تعليقي على نموذج من التعديلات التي تعرض لها نظام الخدمة في الجيش‬

‫خلال الفترة الأخيرة‪.‬‬

‫‪125‬‬


‫تعليقات على القانون الأساسي للمستخدمين العسكر يين‬ ‫النقيب أحمد شوشان | صوت الجزائر | ‪1115/13/12‬‬ ‫عندما طلب مني إ بداء انطباعاتي على القانون الأساسي للمستخدمين العسكر يين عادت بي الذاكرة‬

‫إلى سنوات النضال الشر يف و المخلص من أجل ترقية القدرات القتالية للجيش الوطني الشعبي من خلال‬ ‫رد الاعتبار لمقومات الخدمة العسكر ية وعلى رأسها الشخصية العسكر ية الجزائر ية بما تتميز به من استعدادات‬

‫ذاتية‪ ..‬وأنا أعتبر هذه الانطباعات استثمارا شخصيا في مبادرة الإصلاح الوطني الشامل‪.‬‬

‫و ق بل أن نت عرض إ لى ب عض التفا صيل لا بد من التأك يد ع لى أن نص ال قانون الجد يد ك ما هو‬

‫منشور في وسائل الاعلام لا يختلف كثيرا لا في شكله ولا في مضمونه عن نص قانون الخدمة في الجيش‬

‫المعمول به سابقا و يمكن اعتباره طبعة جديدة منقحة بعناية وفق ما قدره القائمون على مراجعته كإجراءات‬

‫ضرور ية لإضفاء الطابع الاحترافي على الجيش‪.‬‬

‫كما تجدر بنا الإشارة إلى أن مشكلة الجزائر كلها و الجيش بصفة خاصة لم تكن مشكلة قوانين و لا‬

‫نظم بل كانت دائما في مدى قدرة العسكر يين و مستخدمي الدولة بجميع مستو ياتهم على الفهم الصحيح‬

‫والالتزام العملي المخلص بما تقتضيه نصوص القوانين و الأنظمة‪ .‬و لذلك فإن إصدار هذا القانون رغم ما‬ ‫يكرسه من شرعية الحقوق و الواجبات فإن الإ ضافات الجديدة ستكون في ن ظري وسيلة قانون ية إ ضافية‬ ‫يستعملها الوصوليون لتمرير مشار يعهم المسمومة و قمع كل مبادرة لاعتراض مشروعهم الذي يستهدف هو ية‬

‫الجيش الوطني الشعبي بالمسخ و التيعية‪.‬‬

‫و أكتفي في هذه العجالة ببعض الملاحظات التي بدت لي من القراءة السر يعة لبعض نصوص‬

‫هذا القانون‪9‬‬

‫ـ المادة ‪14‬‬

‫تظهر في نص المادة عبارة تمنع على العسكر يين الدعوة إلى الدين‪ .‬والمقصود بالدين هنا هو الاسلام‬

‫لأنه الدين المعتمد الوحيد في مؤسسات الدولة الجزائر ية بنص الدستور كما أنه مصدر من مصادر التشر يع‬ ‫المعتمدة و التي لا يمكن إزالة صبغتها عن مضمون القوانين الوطنية‪ .‬و لا شك أن المشرع الجديد استند إلى‬

‫الأزمة الدمو ية التي مرت بها الجزائر كذر يعة لتبر ير ما ذهب إليه بعد أن تكرست في واقع الحال أكذو بة‬ ‫م سؤولية الإ سلام ع لى ما حدث‪ .‬و ه نا تكمن خ طورة م ثل هذه الإ ضافات الم سمومة‪ .‬فم نع ا لدعوة إ لى‬ ‫الدين يشمل كل ما يحمله الإسلام من قيم الخير و يستهدف بالعقو بة كل من يدعو إلى الفضيلة و مكارم‬

‫الأخ لاق‪ .‬و لا نذيع سرا إن قل نا بأن هذا الم شروع كان قائ ما في أرض الوا قع ر غم مخالف ته لل قوانين و‬ ‫‪126‬‬


‫الأنظمة منذ الاستقلال‪ .‬فقد كان قانون الخدمة في الجيش مثلا‪ ،‬ي جرم شرب الخمر و تناول المخدرات و‬ ‫يعا قب علي ها و يم نع أي علا قة خا صة بالن ساء دون رخ صة قانون ية ح تى ل غرض الزواج و ي شترط في كل‬

‫عسكري أن يكون مواطنا صالح السلوك و كل هذه القوانين مطابقة لتعاليم الاسلام نصا و روحا‪ .‬و رغم‬

‫ذلك فقد استبيح القانون و ت جرأ كثير من العسكر يين من مختلف الرتب على شرب الخمر و معاشرة البغايا‪.‬‬ ‫لـكن مع ذ لك ك له فقد كا نت ن صوص القانون ت ساعد الغ يورين ع لى شرف ال جيش ا لوطني ال شعبي من‬

‫جميع المستو يات على ردع هذه الانحرافات بقوة القانون عندما تتوفر لديهم إرادة الاصلاح‪ .‬و قد تعرض‬

‫كثير من الضباط الشرفاء إلى مضايقات واتهموا في سنوات الأمن و الاستقرار بالتخلف و التطرف رغم‬ ‫أنهم دعوا إلى تطبيق القوانين لا أكثر‪ .‬و يمكننا تصور حال البقية من هؤلاء الشرفاء بعد أن يصبح بإمكان‬ ‫المنحرفين و الشواذ اعتبار كل دعوة إلى الفضيلة دعوة إلى الدين و ما ينجر عن ذلك من الفساد داخل‬

‫صفوف الجيش على غرار ما وقع في المجتمع المدني‪.‬‬

‫قد يزعم البعض أن في هذه العبارة استباقا وقائيا يهدف إلى منع التنصير أو التهويد الذي يمكن أن‬

‫تت عرض له المؤس سة الع سكر ية ب عد دخول ها في ت عاون ع ضوي محت مل مع الح لف الاطل سي‪ .‬و هذا ز عم‬ ‫مردود على الوصوليين وعشاق التبعية للأجنبي بدليل أن الجيوش التي أحرزت تقدما حقيقيا في قدراتها‬

‫القتالية هي تلك التي حافظت على استقلاليتها التامة و أستمدت عقيدتها العسكر ية و نظم الخدمة لجيوشها‬ ‫من عق يدتها الدين ية و تار يخ ها الع سكري ر غم توا ضعه و م قدراتها الوطن ية اب تداء من بر يطان يا و رو سيا و‬

‫انتهاء باسرائيل و الصين مرورا بالولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا و آخر العبرة في كور يا و إ يران‪ .‬أما‬ ‫مصر و ما يسمى دول جنوب المتوسط و الساحل الإفر يقي فقد حكمت على نفسها عسكر يا بالتبعية‬

‫ما يترتب عليها من التخلف إلى إشعار آخر‪.‬‬

‫و‬

‫ـ المادة ‪28 9‬‬

‫في هذه المادة يوجب القانون على المرؤوسين الطاعة و يحملهم المسؤولية و لا يجيز للرؤساء إصدار‬

‫الأوامر المخالفة للقانون‪.‬‬

‫و يثير هذا النص إشكالية حقيقية عندما يصدر القائد أمرا مخالفا للقانون كما يدل عليه واقع الحال‪.‬‬

‫حيث يوجب القانون على المرؤوس طاعة القائد من جهة و يحمله المسؤولية من جهة أخرى‪ .‬فلو أمر القائد‬ ‫مرؤو سيه بارت كاب جري مة ق تل مو صوفة فإن نص ال قانون يو جب عل يه تنف يذها و في ن فس الو قت يحم له‬

‫م سؤوليتها اب تداء‪ .‬و ه نا عل يه أن يخ تار بين ع صيان ا لأوامر و تح مل الم سؤولية ال تي قد تتر تب علي ها عقو بة‬ ‫شديدة تكلفه حياته‪ ،‬أو ارتكاب جريمة القتل و تحمل المسؤولية على ذلك في حال المساءلة أمام المحاكم‪ .‬و‬ ‫كأني بهذه المادة مفصلة على مقاس الوضع الذي وجد فيه عناصر الجيش أنفسهم غداة الأزمة الدمو ية‬

‫حيث أنها تكرس المنطق المنتكس الذي تم تسيير الأزمة به طوال عقد من الزمن و الذي فتح على عناصر‬ ‫‪127‬‬


‫الأمن و الجيش بابا من الشر لم تفلح حتى إجراءات المصالحة في غلقه‪ .‬لأنه منطق مخالف للعقل و الفطرة‬ ‫السليمة و العدل‪ .‬و المفروض أن يسقط واجب الطاعة عندما يكون الأمر مخالفا للقانون على الأقل‪ .‬لأن‬ ‫تنفيذ الأوامر لا ينحصر أثره بين القائد و مرؤوسه بل يتعدى في أغلب الأحيان إلى طرف ثالث يكون هو‬ ‫الضحية الحقيقية‪ .‬و يوحي هذا النص للقارئ بأن المشرع تجاهل تماما بأن تنفيذ الأوامر العسكر ية يتعلق‬

‫بالقتال و ما يترتب عليه من عظائم الأمور التي لا يمكن استدراكها بمراجعة المحاكم مثل قضايا الت جارة و‬

‫ا لأحوال الشخ صية‪ .‬و أن من ا لأولى الاحت ياط في ها با لاجراءات الوقائ ية و ليس بالح سبة و الق ضاء‪،‬‬ ‫كمراج عة القا ئد ا لأعلى ق بل تنف يذ ا لأمر الم خالف لل قانون مث لا ع لى الأ قل أو غ ير ذ لك من إ جراءات‬ ‫الاحتياط التي تنقل المرؤوس من دائرة العبد المملوك الفاقد للأهلية إلى الانسان الراشد القادر على تحمل‬

‫المسؤولية‪.‬‬

‫ـ المادة‪31 9‬‬

‫و هذه ال مادة أ غرب من سابقتها ح يث أن ا لأولى تح مل ال مرؤوس المج بر ع لى الطا عة م سؤولية ما‬

‫ينفذه من أوامر اما المادة ‪ 31‬فإنها تعفي القائد من المسؤولية على ما يقوم به مرؤوسه‪ .‬و معلوم أن كل‬

‫مكلف مسؤول و القا ئد مكلف بمهمة المحافظة على الاستعداد القتالي الدائم لمرؤوسيه و هو ما يعني متابعة‬ ‫كل ما يقتضيه ذلك من إعداد بدني و معنوي و مادي و ما يلحقه من انضباط و حسن تسيير ز يادة على‬

‫مهامه في حالة الحرب ‪ .‬و هذا حيز واسع من حياة المرؤوس لا يستبعد فيه وقوعه في المخالفات كما لا‬ ‫يستحيل وقوع المسؤولية على القائد‪ .‬و ما جاء في نص المادة يحكم بالاستحالة على أمر وارد جدا و يحدث‬ ‫في قانون الخدمة ثغرة يستغلها المنحرفون للتهرب من المسؤولية عندما يمارسون شذوذهم الشخصي خارج‬

‫دائرة القانون‪.‬‬

‫المادة‪86 9‬‬

‫و هذه مادة مكررة من نظام الخدمة في الجيش سابقا تجدر الإ شارة فيها للبس خطير لابد من‬

‫إجلائه‪.‬‬

‫فالمادة تشترط في العسكري أن يكون مواطنا صالح السلوك‪.‬‬

‫والمشكلة ليست في لفظ المادة و لـكن في مضمونها‪ .‬فما هي مقاييس المواطنة و السلوك الصالح؟‬

‫ور غم أن ال مادة لم تتغ ير م نذ صدور ال قانون سنة ‪ 8854‬إ لا أن م قاييس المواط نة و ال صلاح‬

‫تغيرت من النقيض إلى النقيض‪ .‬فبعد أن كانت الثورة هي محور المواطنة في فجر الاستقلال إلى درجة أن‬ ‫كل من نصر الثورة فهو جزائري حتى ولو لم يكن من اصل جزائري و أن من حارب الثورة ليس جزائر يا‬

‫حتى و لو كان من أ صل جزائري‪ ،‬صار زعماء الثورة يوصمون بالخيانة و ج ردوا من حقوق المواطنة عقودا‬ ‫من ا لزمن لأنهم اختل فوا مع بع ضهم ع لى الح كم و في ن فس الو قت تم تع ج نود ال جيش الفرن سي بح قوق‬ ‫‪128‬‬


‫المواط نة المم تازة ‪ -‬ب عد أن صنفتهم ثورة التحر ير مواطنين من در جة ثان ية ‪ -‬لانهم اخ تاروا في الو قت‬ ‫المنا سب ال طرف ا لرابح في حرب ا لإخوة الأ عداء‪ .‬ك ما كان د عاة الانف صال في يوم من الأ يام خو نة و‬ ‫عملاء للاستعمار ليصبحوا اليوم رموزا للمواطنة‪.‬‬

‫و لـكن المؤكد هو أن قيمة المواطنة انتهت إلى معنى الولاء للخزينة لأنها أهم ما يعني الجميع في جزائر‬

‫اليوم كما تؤكده شواهد كثيرة‪ .‬أما صلاح السلوك فأمره أدهى و أمر و ذلك لأن المجتمع الجزائري كله‬ ‫دخل مرحلة متقدمة من التحلل الأخلاقي و الانحراف السلوكي واختزلت القيم كلها في وصفة واحدة هي‬ ‫المصلحة الشخصية‪ .‬وهذه الحقيقة يدركها كل من يتابع التقارير الر سمية والصحافية الوطنية والدولية منذ‬ ‫سنة ‪ 8881‬فإنه لا يرى مؤشرا وا حدا يدل ع لى أن انه يار بن يان القيم تو قف م نذ ذلك ال حين‪ .‬فالإن سان‬

‫ال صالح بالم قاييس المعت مدة ال يوم في الجزا ئر هو الإن سان ال فارغ ا لذي أ سقط من اعت باره قي مة ا لوطن و‬

‫الهو ية و الدين‪ .‬هو الإنسان الذي يؤمن بأنه عابر سبيل لا حق له في التدخل في الشؤون العامة إلا بقدر ما‬ ‫يأذن به مالك الخزينة الوطنية مقابل الأجر الذي يتقاضاه على الخدمة المطلوبة منه دون مناقشة‪.‬‬

‫و لذلك كان المط لوب من الم شرع الجد يد أن ي حدد الم قاييس ال تي ت ضبط صفة المواط نة و‬

‫مقتضياتها من ج هة و تحدد مع نى السلوك ال صالح من جهة أ خرى على أ قل تقدير‪ ،‬ح تى يتوقف ت سرب‬ ‫الو صوليين إ لى مؤس سة ال جيش من ج هة و انت شار مز يد من ا لانحراف ال سلوكي بين عنا صره من ج هة‬

‫أخرى‪.‬‬

‫‪129‬‬


‫موقع الجزائر في وعي المعنيين بالأزمة‬ ‫منذ الإرهاصات الأولى للأزمة راودني الشك في المبررات المزعومة من طرف المعنيين بتفجيرها‬

‫ولذلك بقيت شديد الحذر في التعامل مع تطوراتها رغم ما تشب ّ ث ْ تُ به من الصدق والإخلاص في علاقتي‬ ‫با لأطراف المتناز عة‪ .‬مب عث ال شك الرئي سي كان إه مال العا مل ا لوطني في ت قدير ا لأمور لدى ا لأطراف‬

‫ن هذا الطرف أو ذاك كان كله غافلا‬ ‫ن الأزمة القائمة كانت جزائر ية بحتة‪ .‬ولا يعني هذا أ ّ‬ ‫المتنازعة رغم أ ّ‬ ‫عن الطبيعة الجزائر ية للأزمة‪ ،‬وإنما العبرة بمن ينتهي إليهم القرار وتعود إليهم الكلمة‪ .‬فالدوائر الشريرة في‬

‫السلطة تنكرت للجزائر تماما وفرضت نفسها كسلطة احتلال‪ .‬أولا‪،‬على مستوى الدولة‪ :‬باستباحتها لكل رموز‬

‫ل السلطة السياسية ممثلة في الرئيس مرورا بحل السلطة التشر يعية‬ ‫السيادة في الدولة الجزائر ية ابتداء من ح ّ ِ‬ ‫ممث لة في المج لس ا لوطني ال شعبي وانت هاء ب حل ال سلطة التنفيذ ية بإع لان الأح كام العرف ية و تع يين و لاة‬

‫عسكر يين وإنشاء الم حاكم الخاصة‪ .‬وثانيا‪،‬على مستوى الشعب‪ :‬ابتداء من احتقاره والحكم عليه بعدم النضج‪،‬‬ ‫مرورا ب ضرب ن تائج الانتخا بات الت شر يعية المعبرة عن رأيه عرض ال حائط وانتهاء ب ضرب وحدته ب تور يط‬

‫شر يحة منه في نزاع لا ناقة لها فيه ولا جمل لتشن الحرب نيابة عن المتعطشين للدم‪ .‬وثالثا‪،‬على مستوى‬ ‫الهو ية‪ :‬حيث أعلنت هذه الشرذمة الحرب على الإسلام كحضارة وليس كدين فقط فحظرت شعارالإسلام‬ ‫حتى على مؤسسات التعليم المتخصصة كالمعاهد الإسلامية في الجامعات وضي ّ قت على المصلين في المساجد‬ ‫ومنعت ارتداء الحجاب على الموظفات في المؤسسات العمومية وغير ذلك مما هو مشتهر‪ .‬كما أن هذه السلطة‬

‫جم ّدت قانون تعميم اللغة العربية وشن ّت آلتها الإعلامية المرتزقة حر با شعواء عن كل ما هو عربي تدعيما‬ ‫لمشروع الجزائر الفرنسية الملفوف برداء المتوسطية والأوروبية وغيرها من الأوهام‪.‬‬

‫إن هذه ال سلوكات الماث لة أ مام أ عين ال ناس و ما خلف ته من آ ثار وخي مة كاف ية للتأك يد ع لى أن‬

‫الجنرال خالد نزار ومستشار يه وم َن ظاهرهم على خيارهم الآثم لم يفكروا لحظة واحدة في أن هذه الأزمة‬ ‫جزائر ية وي جب أن يتم التعا مل مع ها في هذا الإ طار‪ .‬وأن الخ صومة مه ما بل غت خطورت ها فإن ها لا ت برر‬

‫استئثار فئة من الشعب بالجزائر على حساب الفئة الأخرى لأن الجزائر وطن الجميع و سيبقى كذلك إلى‬

‫الأبد‪ .‬إن هذه الروح ال شريرة الخائ نة والعقل ية البدائ ية هي ال تي ا ستحوذت ع لى ر موز ال سلطة فاغتروا ب ما‬ ‫يمتل كونه من قوة عسكر ية وثروة اقتصادية ودعم أجنبي خبيث وتوقعوا أنهم سيحسمون الحرب لصالحهم‬

‫باستعمال سياسة الاستئصال وكأن الجزائر م شاع للصوص أو غنيمة حرب للغالب‪ .‬وقد بلغ بهم الغرور في‬ ‫البداية إلى حد استهداف مؤسسة الجيش نفسها فانخرطت أجهزة المخابرات والدرك في عملية اعتقال لكل‬

‫من ي ْشت َمّون فيه رائحة الالتزام وبلغ الأمر ببعض القيادات إلى التصريح العلني أمام تجمع كبير للضباط بأن‬

‫القيادة مستعدة لاستئجار جيش من الخارج لفرض الأمر الواقع على الجميع إذا تطلب الأمر‪ .‬والغر يب‬ ‫‪130‬‬


‫أن هم ضموا إ لى مجموعت نا في ال سجن ضباط ق يادة ال فوج‪ 40‬للمدفع ية كل ها لأن مجمو عة من ضباط ال صف‬

‫تمردت وفرت من الفوج آخذين معهم أسلحة وذخيرة‪ .‬كما اعتقلت مجموعة من صف الضباط التابعين‬

‫للفرقة‪ 40‬لا يفرقون بين عقبة بن نافع والعربي بن المهيدي بتهمة الانتماء إلى الإسلاميين‪.‬‬

‫ولو أن النافذين في القيادة العسكر ية كانوا يعتقدون بأن خصومتهم كانت مع جزائر يين مثلهم وأن‬

‫س للحرب من أجل الوجود وتفتح دورة الاستئصال بين الجزائر يين إلى أجل غير‬ ‫محاولة استئصالهم ست ُؤ َسّ ِ ُ‬ ‫مسمى‪ ،‬لكان ذلك كفيلا بدفعهم إلى التروي والتصرف بحكمة تقوي فيهم هذا القاسم الوطني المشترك‬

‫ض الن ظر عن‬ ‫ا لذي كان من شأنه أن يك فل ل كل جزا ئري كرام ته و أ ْم نه في وط نه و بين أه له ب ِغ َ ّ ِ‬ ‫الاختلاف القائم بينهم‪.‬‬ ‫أما الإسلاميون فإن ضعف المعنى الجزائري للقضية في وعي الغال ِب ِين على أمرهم كان نتيجة لعدة‬

‫عوامل أذكر منها‪:‬‬

‫ضبابية المعنى الوطني في خطاب وأدبيات أغلب القيادات الإسلامية‪ .‬ربما للتميز عن التيارات‬

‫الوطنية التي لا ترفع شعار الإسلام‪ .‬أو ربما لأن منابر الخطاب ارتبطت بالمساجد التي تعتبر أماكن للعبادة‬ ‫يحكمها ضابط العقيدة لا ضابط الوطن‪ .‬ومهما يكن السبب‪ ،‬فإن التوعية الوطنية ضرورة تقتضيها حاجة‬

‫المجتمع للاستقرار وتجاهلها في الخطاب التعبوي قصور كانت له عواقب وخيمة على المجتمعات الإ سلامية‬

‫بصفة عامة وعلى الجزائر بصفة خاصة‪.‬‬

‫الخلفيات العالمية والأممية والإقليمية في التوعية السياسية لأنصار التيار الإ سلامي‪ ،‬حيث تتخطى‬

‫الدولة الجزائر ية حدودها الوطنية في وعي ا لبعض إلى المغرب العر بي و شمال إفر يق يا كما هو الحال ع ند‬

‫بعض الحركات أو الأمة الاسلامية لدى السلفية العلمية بل والعالم بأسره عند الحالمين بالخلافة الراشدة‬ ‫مثل الجزائر يين الأفغان وجماعة الهجرة و التكفير ويبقى التصور ضبابيا لدى الإخوان (جماعة حمس) رغم‬

‫انغماسهم في ضحضاح النظام القائم‪ .‬ولذلك فإن التعامل مع الأزمة الجزائر ية المحلية قام على مراعاة مصلحة‬ ‫الدائرة الأوسع إقليميا أو أمميا أو عالميا وعلى حساب ما تقتضيه المصلحة الوطنية الجزائر ية‪.‬‬ ‫ولعل من الثمار المرة لهذا الغرس انضمام بقايا المسلحين في الجزائر إلى القاعدة و ر بط مصير الأمن‬

‫في الجزائر بعوامل لا قدرة للجزائر يين على التحكم فيها بعد اليوم‪ .‬و يجدر بي هنا أن أذكر بأن الشيخ مصطفى‬

‫بو يعلي ا لذي كان مجا هدا في ثورة التحر ير وأ سس أول حركة إسلامية م سلحة معار ضة للن ظام ال قائم في‬

‫الجزا ئر سنة ‪ 1979‬أ صر ع لى إ ضافة ال ضابط ا لوطني ل شعار حرك ته ف سماها‪ :‬الحركة الإ سلامية الجزائر ية‬

‫الم سلحة ح تى لا تختلط الأمور ع لى أتبا عه و لا تت جاوز الحركة مجال ها السياسي ا لوطني إلى ب عدها الإ سلامي‬ ‫‪131‬‬


‫الذي لا تحده حدود‪ .‬و هذا دليل قاطع على البون الشاسع بين الوعي الوطني الذي كان يتمتع به المواطن‬ ‫الجزائري في الستينات و خ ُل ُوف ُه في التسعينات‪.‬‬

‫ت عدد المرجع يات الدين ية واخت لاف المرجع يات الإ سلامية في ح كم الوطن ية ومفهوم ها بين من‬

‫يعت قد أن ها من بقا يا الجاهل ية أو مخل فات ال صليبيين كعل ماء الجز يرة العرب ية والم شرق و بين من يجعل ها من‬ ‫مقتضيات النهوض من ذوي الميول القومية‪ .‬وهذه من البلاوي العظيمة التي حل ّت بالجزائر منذ أن تمكن‬

‫أعداء الدين والفضيلة من السيطرة على مراكز النفوذ في الدولة وأصبح الشعب الجزائري المسلم يلهث في‬ ‫كل ات جاه خلف العلماء و الفقهاء في البلدان الأخرى والذين لا يعرفون عن وضع الجزائر شيئا يذكرفي ُ ْفت ُون‬

‫على السماع بما ليس له بالواقع أي علاقة فحدثت بذلك فتن عظيمة جعلت الشباب الجزائري يكفر بتار يخه‬

‫العر يق و يشكّ في أمجاده الخالدة و ينخرط في تخريب وطنه بيديه متطلعا إلى سراب لا فائدة ترجى منه‪.‬‬

‫ضعف الترب ية الوطن ية لدى ال شباب الجزا ئري ب صفة عا مة والذي يم ثل الأغلب ية ال ساحقة للت يار‬

‫الإ سلامي‪ .‬ولذلك فإن شعور الشباب بالظلم و التهميش من طرف أعوان الدولة مبرر كاف في نظرهم‬ ‫لحرق المؤسسات الوطنية دون التفكير فيما يترتب على ذلك من الخسائر المادية أو ما تقدمه هذه المؤسسة‬ ‫بالنسبة لهم ولباقي المواطنين من خدمات ضرور ية لحياتهم اليومية‪ .‬لأن غرضه هو الانتقام من الدولة التي‬ ‫هي في نظره إدارة لتسيير شؤونه لا تربطها به علاقة غير ذلك ولا يفرق بين أن تكون هذه الإدارة وطنية‬

‫أو إدارة احتلال‪ .‬فإذا أضيف إلى هذا الفهم حكم شرعي ببدعية الوطنية أو تحريمها يمكننا تصور قيمة‬

‫الوطنية في نفوس الشباب الجزائري المسلم‪.‬‬

‫الدعاية المغرضة للإعلام الجزائري الذي جعل الوطنية حكرا على النظام الفاسد وأعوانه مما أفرغ‬

‫الوطنية من معناها الحقيقي وزه ّد باقي المواطنين فيها‪.‬‬

‫ونتيجة لهذا القصور في الشعور بالمسؤولية لدى الطرفين تحول الصراع بين أبناء الشعب الجزائري‬

‫الم سلم من الت نافس السيا سي ال سلمي لل تداول ع لى ت سيير مؤس سات الدو لة الجزائر ية الم ستقلة القائ مة ع لى‬ ‫الوطن الواحد الذي حرره شهداء ثورة التحرير المجيدة إلى حرب قذرة محلية استبيحت فيها الدماء والأموال‬ ‫وانتهكت فيها القيم والأعراض و تنازل الطرفان فيها عن كل المكارم من أجل النفوذ و البقاء و كانت‬

‫الضحية الحقيقية هي الجزائر التي أصبحت فئات بعد أن كانت شعبا واحدا وأصبحت مناطق نفوذ بعد أن‬ ‫كانت وطنا واحدا و أصبحت سلطنات طائفية بعد أن كانت جمهور ية ديمقراطية شعبية‪.‬‬

‫‪132‬‬


‫المحاكمة‬ ‫ت منها هيئة الدفاع وكانت كلمتي فيها قصيرة‬ ‫أسميها المحاكمة م جازا لأنها كانت مهزلة حقيقية انسحب َ ْ‬

‫لم أتطرق فيها للتّهم المنسوبة إليّ بتاتا‪.‬‬

‫كان لز يارة قا ئد الأركان أ ثر واضح ع لى مجر يات ا لأمور في ق ضيتنا ح يث تم تع يين النق يب ع بد‬

‫ال كريم للتحقيق معنا من جديد فقام بواجبه بمسؤولية عالية رغم أنه لم يستطع تجاوز محاضر التحقيق الأولى‬ ‫التي أقحمت في قضيتنا ملفات مدنية جنائية لا علاقة لنا بها لا من قر يب ولا من بعيد‪ .‬وانتهى بعد جهد‬

‫وعناء إلى تصنيف القضية في آخر سلم الجنح ‪69‬وقدمها إلى القيادة العسكر ية التي بدأت تشعر بالورطة التي‬

‫وق عت في ها ف قررت ت قديمنا للم ثول أ مام مج لس تأد يب‪ ،‬و ل كن الأمور ا ستقرت ع لى مثول نا أ مام المحك مة‬ ‫العسكر ية رغم وجود المحكمة الخاصة آن ذاك‪ .‬وقد أكد ذلك وز ير الدفاع اللواء نزار خالد بنفسه بمناسبة‬

‫شهادتي ضده بمحكمة الجنح بباريس‪.‬‬

‫هذه الت طورات أ ثارت حفي ظة ا لدوائر الإجرام ية في ج هاز الم خابرات فا ستهدفت قا ضي التحق يق‬

‫النقيب عبد ال كريم وعاقبوه بالسجن أقصى عقوبة عسكر ية ممكنة في حق الضباط وهي ‪ 45‬يوما سجنا لست‬ ‫أدري ما كان مصيره بعدها‪ .‬أما نحن فقد قرروا الانتقام منا بطر يقتهم الخاصة وهددونا بذلك أكثر من‬

‫مرة‪.‬‬

‫وقد حاولوا استدراج بعض ضباط الصف للفرار من السجن في بشارلتبرير تدخلهم في قضيتنا من‬

‫جديد كما استغلوا فرصة نقلنا إلى المحكمة العسكر ية لتنفيذ وعيدهم فاكتشفنا مخططهم قبل مغادرة السجن‬ ‫فرفضنا الخروج وتبين لنا بعد ذلك أن وكيل الجمهور ية اكتشف عبوة ناسفة داخل المحكمة كانت ستنسفها‬ ‫من الأساس و تقضي علينا جميعا‪ .‬و قد تم توجيه التهمة لاحقا في هذه القضية لشقيق قاري السعيد أحد‬

‫أمراء جماعة الجزائر يين الأفغان‪ .‬كما حاولوا استفزازنا يوم المحاكمة للدخول معنا في اشتباك يبرر لهم قتل من‬ ‫ير يدون م نا ول كن وك يل الجمهور ية الع سكري تف طن لمخطط هم و لم ي سمح لأ حد منهم با لدخول إ لى حرم‬

‫المحكمة باستثناء المدير الجهوي لأمن الجيش الذي كان يتهارش مع صف الضباط داخل قاعة الجلسة‪.‬‬

‫وقد سبقت المحاكمة حملة إعلامية تولت كبرها جريدة الوطن والصباح الفرنكفونيتين نشرت خلالها‬

‫جر يدة ا لوطن ال تي يرأ سها ال صحفي صاحب الأل قاب الزائ فة ع مر بلهو شات م قاطع كام لة من مح ضر‬ ‫استنطاقي في بن عكنون مما جعلني أحتج رسميا لدى الجر يدتين عن طر يق موكلي المحامي الأ ستاذ بختي و‬ ‫‪69‬‬

‫صنف قاضي التحقيق تهمتي كجنحة بناء على عدم التبليغ عن نشاطات مضرة بالجيش‬ ‫‪133‬‬


‫طالبت جريدة الوطن بحق الرد ول كنها رفضت‪ .‬ولست أضيف بهذا شيئا جديدا ول كنني أؤكد ما قيل عن‬ ‫تلك الجرائد المستقلة التي حصل مدراؤها على شهادات التقدير من فرنسا وأمريكا بأنها وسائل دعاية هدامة‬

‫والعاملون فيها باختصار كذابون مرتزقة و لا شرف لهم أخلاقيا و لا مهنيا‪.‬‬

‫رئيس الجلسة كان قاضيا مدنيا على وشك التقاعد قيل لي بأنه ف َق َد َ عقله بعد تلك المحاكمة وكان‬

‫القضاة المساعدون ضباطا عسكر يين اطّ لعوا مسبقا على محاضر الاستنطاق قبل موعد المحاكمة كما أن وكيل‬ ‫الجمهور ية را فع ب ناء ع لى مح ضر الا ستنطاق ا لذي حرره ج هاز الم خابرات و ليس ب ناء ع لى محضرقا ضي‬ ‫التحقيق‪ .‬وكان الإعلان عن غلق الجلسات بعد جلسة الافتتاح دليلا وا ضحا على المهزلة ك ما عب ّر عن ذلك‬

‫الأ ستاذ بشير مشري بقوله آنذاك‪ :‬إذا كان الرشام حميدة واللعاب احميدة فما الداعي لحضورنا‪ .‬وطلب من‬

‫هيئة الدفاع الانسحاب فانقسمت على نفسها‪ .‬وقد تشكلت هيئة الدفاع من أكثر من عشرين محاميا أغلبهم‬

‫أ ساتذة و ع لى رأ سهم الأ ستاذ م شري ب شير أ قدم ال مرافعين في الق ضايا الإ سلامية والأ ستاذ را يس م حام‬ ‫معت مد لدى هي ئات الق ضاء الفرن سية والأ ستاذ م سلي ر شيد والأ ستاذ زوي تة ع لى رأس هي ئة ا لدفاع عن‬ ‫قيادة الجبهة الإسلامية والأستاذ بور يو والأستاذ بختي محمد وغيرهم‪.‬‬

‫حصلت خلال الجلسات خزعبلات من طرف بعض المساجين المدنيين وضباط الصف الذين بقوا‬

‫ت حت و طأة التجر بة ال مرة ال تي عا شوها‪ .‬ف منهم من حاول الت شويش ع لى المحك مة بت لاوة ال قرآن أو التكب ير‬ ‫ومنهم من حاول التعبير عن آرائه ومشاعره بالهتاف بشعارات يتبناها‪ ،‬ول كن الجلسات التي استمرت من‬ ‫يوم ‪ 3‬إ لى ‪ 13‬ي ناير ‪ 1993‬أثب تت أن ال ضباط المته مين كانوا فع لا من صف النخ بة في ال جيش ا لوطني‬

‫الشعبي ولم يستطع وكيل الجمهور ية العسكري أن يثبت دعوى واحدة معتبرة قانونا ضدهم‪ .‬ورغم الأحكام‬ ‫الق صوى ال تي طلب ها إ لا أن ال قرار جاء ب عد أ سبوعين من انت هاء الجل سات با لإفراج عن أغ لب ال ضباط‬ ‫و ضباط ال صف مع الح كم ع ليهم بال مدة ال تي ق ضوها في ال سجن حف ظا ل ماء و جه ج هاز الم خابرات ا لذي‬

‫اعتقلهم‪ ،‬والحكم على مجموعة قليلة كنت أنا من بينهم بثلاث سنوات وكانت أقصى عقو بة بالسجن ‪ 5‬و‪8‬‬ ‫سنوات في حق النقيب أحمد بن زمرلي والملازم الأول زلة نعمان رحمهما الل ّه‪.‬‬ ‫بطلب أقصى العقو بة في حقي ردّ عليه‬ ‫ِ‬ ‫عندما ع ّدد َ وكيل الجمهور ية التهم المنسوبة لي وأنهى مرافعته‬

‫الأ ستاذ م شري ب شير ثم الأ ستاذ بخ تي ك ما تدخل الأ ستاذ را يس ر غم أ نه لم ي كن مؤس سا ل لدفاع ع ني‪.‬‬

‫وع ندما أحي لت إ ليّ الكلمة ق لت للقا ضي‪ :‬ما ينب غي أن أقو له بخ صوص هذه الق ضية يع ني ق يادة ال جيش‬ ‫وحدها وقد سم ِع َت ْه ُ مني بدون واسطة ولا أرى فائدة من نشر غسيل العسكر في هذا المجلس لأن الحاضرين‬

‫‪134‬‬


‫فيه لا يعنيهم هذا الأمر في شيء‪ .‬وحتى القاضي أتحداه أن ي ّدعي الحكم عليّ بموجب القانون أو بما يمليه‬

‫عليه ضميره المهني‪.‬‬

‫أ ما ما أو َدّ تأك يده من هذا المن بر ف هو أن ا لذين ا ستغلوا هذه الق ضية لإها نة ال شرفاء من أب ناء‬

‫الجزا ئر والاع تداء ع لى أعرا ضهم لا يم كن أن يكو نوا جزا ئر يين أ حرارا‪ .‬وأذكر أ مامكم الرا ئد ع مار قطو شي‬

‫والعقيد ناصر الذين زاراني في مركز التعذيب وشتم قطوشي أمي وأنا مقيد اليدين‪ .‬وقد نذرت لل ّه إن طال‬ ‫عمري لأقتلنه وفاء لجهادها من أجل تحر ير الجزائر‪ .‬ول كن الل ّه انتقم لها منه وخلص الأرض من شره‪...‬‬

‫ف قاطعني وك يل الجمهور ية قائ لا‪ :‬ل قد است شهد الرا ئد و هو يؤدي واج به ا لوطني ف لا ت شتمه‪ .‬ق لت‪ :‬الوا جب‬ ‫الوطني لا يؤدّى بقمع المواطنين العزل وقتلهم وإهانة الشرفاء في الأقبية ومراكز التعذيب يا حضرة الرائد‬ ‫بل يؤدى بالتضحية من أجل الوطن وسلامة المواطنين وسعادتهم ولا أعتقد أن الجيش الوطني الشعبي‬

‫ي ُر َاد ُ له أن يقوم بهذا الواجب منذ ‪ 11‬يناير ‪.1992‬‬

‫لقد كانت المحاكمة شكلية تم تسجيلها وتحرير وقائعها للضبطية الإدار ية فقط أما الأحكام فصدرت‬

‫بناء على تقدير جزافي من طرف قيادة الجيش‪ .‬ولذلك أصرت الدوائر الأمنية التي تستهدفنا على تصفيتنا‬ ‫جسديا خارج إطار القانون‪ .‬وقد بلغني اغتيال ‪ 5‬نقباء‬

‫‪70‬‬

‫من بين ‪ 11‬المتهمين معي في القضية في ظروف‬

‫غامضة لم يتم التحقيق فيها إلى حد الآن بعد‪ ،‬ز يادة على محاولات اغتيالي في السجن واختطافي شخصيا من‬ ‫سجن الحراش بعد انتهاء مدة العقو بة وتهديدي بالقتل صراحة من طرف الرائد عبد القادر غانم في مركز‬

‫التعذيب ببن عك نون سنة ‪ 1995‬وال تواطئ على اغت يالي مع أمير الجما عة الإسلامية الم سلحة جمال زي توني‬ ‫وصعاليكه بعد مغادرتي الجزائر إلى غرب إفر يقيا سنة ‪.1996‬‬

‫بعد النطق بالأحكام قلت لوكيل الجمهور ية على مسمع من الجميع‪ :‬أخْب ِرْ م َن أصدروا الحكم بسجننا‬

‫بأنهم وف ّروا علي نا مؤو نة ال تورط في ق تل شعبنا و هذا أ مر نحمد الل ّه عل يه‪ .‬أ ما إذا تعر ضت الجزا ئر ل عدوان‬

‫عسكري أجنبي فلا يستحوا من العودة إلينا فنحن أولى بالدفاع عن بلدنا ضد أي عدوان أجنبي‪.‬‬

‫بعد النطق بالحكم مباشرة تم نقل المحكوم عليهم بالسجن إلى سجن بشار الشهير باسم لكاز الذي قضينا‬

‫فيه حوالي شهرين ثم نقلت إلى سجن البرواقية مع خمسة من العسكر يين‪ .‬ونقل الباقون إلى سجن الشلف‪.‬‬

‫‪ 70‬النقيب محمد عمراني و النقيب محمد بن وارث و النقيب عامر مخلوفي و النقيب احمد بن زمرلي و الملازم الاول‪ :‬زلة‬

‫نعمان‬

‫‪135‬‬


‫الجزء السابع‬ ‫في سجن البرواقية (قلعة الزمالة)‬

‫الاستقبال‬ ‫الوضع العام في السجن خلال السداسي الأول من سنة ‪8882‬‬ ‫تطورات الأحداث بعد السداسي الأول من سنة ‪8882‬‬ ‫أخطر الأحداث في تاريخ سجن البرواقية (جريمة موصوفة ضد الإنسانية)‬ ‫وقفات مع هذه المأساة‬ ‫لقاءاتي مع معنيين بالعمل المسلح في سجن البرواقية‬

‫‪136‬‬


‫الاستقبال‬ ‫توقفت بنا الشاحنة في برزخ الاستقبال بين بوابة السجن الخارجية و باب السجن الرئيسي‬ ‫ْ‬ ‫عندما‬

‫انتابني شعور باللامبالاة لأنني أحسست بأنني في نفس البيئة التي عشت فيها الأيام الأولى من اعتقالي‪.‬‬ ‫فأنت تشعر أنك في منطقة موحشة لا يضبطها قانون ولا ترى فيها للشعور بالمسؤولية أثر‪،‬لأنها منزلة بين‬

‫ض يف أما بالنسبة لإدارة السجن فأنت لم‬ ‫المنزلتين‪ .‬فأنت بالنسبة للجهة التي ترافقك قد دخلت السجن الم ُ ِ‬

‫تدخله بعد‪ .‬ومن ثم يمكن أن يحصل لك أي شيء من طرف ملثمين مجهولين خارجين عن القانون تحميهم‬

‫السلطة الحقيقية الخفية ليتفرق دمك بين حراس السجن المرسل والسجن المستقبل‪ .‬وهذه الصورة تتكرر‬ ‫في مخافر الشرطة ومراكز المخابرات ومقرات الدرك‪ .‬فكل ما يحصل في منطقة الفراغ هذه تتظاهر الهيئات‬

‫الرسمية بإنكاره ونفيه لأنه غير مقرر قانونيا ضمن الإجراءات ولا مسج ّلا في سجل الأحداث في حين أن‬ ‫هذه المناطق البرزخية الموجودة في مداخل السجون كلها ومراكز الأمن الرئيسية محمي ّة جيدا من طرف‬

‫الإدارات المعنية بحيث لا يتسرب شيء مما يقع فيها ولا يبقى أثر لما يتعرض له المساجين و المعتقلون فيها‬

‫ل على أن هذه الممارسات الإجرامية المخالفة للقانون والفطرة البشر ية جزء لا يتجزأ من تقاليد النظام‬ ‫مما يد ّ‬ ‫المعمول به في السجون والمخافر وأن كل الذين يحاولون نفي ذ لك أو التشكيك فيه أو تبر يره من السياسيين‬

‫والإدار يين والإع لاميين والحقوقيين شهود زور وشركاء في الم سؤولية ع لى استمرار تلك الممارسات المهي نة‬ ‫ل كرامة الإنسان سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوه‪ .‬في حين أن المفترض أن يطالب الجميع بالتحقيق الجاد مع‬

‫المشجعين على هذا الشذوذ وتجريم مرتكبي هذه الممارسات قانونيا ومعاقبتهم بالصرامة التي تردع فيهم شهوة‬

‫ض ت شخصيا للاختطاف على أيدي المخابرات من برزخ سجن الحراش قبيل‬ ‫البغي على الآخرين‪ .‬و قد تعر ّ ْ‬ ‫م غادرتي ال سجن و لو لا و َ ْعي ِي الكا مل بطبي عة هذا الن ظام ل ك نت في عداد المف قودين‪ .‬و أ نا أت حدى أي‬

‫مسؤول جزائري أن يجد لعملية اختطافي أي إشارة في السجلات الرسمية رغم أنها وقعت داخل السجن و‬

‫بصفة رسمية و من طرف ضباط أعرفهم بالاسم ‪ .‬و لذلك سأكتفي بسرد ما حصل معي شخصيا بدون‬ ‫مبال غة في الو صف باعت باري ضابطا محتر ما ومعرو فا بالتزامي وح سن سلوكي ولا يم كن لجزا ئري وا حد أو‬

‫جزائر ية عسكر يا كان أو مدنيا أن ي ّدعي بأن له معي حسابا يصفيه من أي نوع كان؛ ول كم أن تتصوروا‬

‫ب عد ذ لك حال المغ مورين من ال مواطنين ال مدنيين ا لذين وق عوا في الخ طإ ل سبب أو لآخر ع ندما يتعر ضون‬ ‫لنفس الوضع‪ .‬وآمل أن تتضح بذلك الصورة لكل ذي عقل عن حقيقة المأساة التي انزلقت إليها الجزائر‬

‫فتواجه هذه الظاهرة بما ينبغي من الجدي ّة و الحزم‪.‬‬

‫لقد تعرضنا للضرب والإهانات من طرف حراس سجن البرواقية منذ أن وطئت أقدامنا أرضه؛‬

‫فبعد أن قيدوا أيدينا بالحديد ضربونا ضربا مبرحا بالقضبان الحديدية من عيار ‪ 14‬مم لمدة ساعتين حتى لم‬ ‫‪137‬‬


‫يبق واحد منا واقفا ثم ساقونا إلى زنزانات نصف مدفونة تحت الأرض تنتهي إليها شبكة مجاري الصرف‬ ‫الصحي للسجن؛ فالأرضية مبللة والرطوبة عالية جدا والمكان قذر والظلام دامس والرائحة ال كريهة خانقة‪،‬‬

‫وكدّ سونا فيها‪ .‬كنا في الليلة الأولى حوالي ‪ 20‬سجينا في زنزانة لا يتجاوز طولها أرب عة أمتار وعرضها ثلا ثة‬ ‫أمتار‪ .‬وفي منتصف الليلة الثانية هجم علينا الحراس وأوجعونا ضربا ثم أخرجوني ووضعوني في زنزانة منفردة‬

‫مثل الأولى ول كن أرضيتها بالإسمنت المسلح المشبع بالرطوبة وكأنها صفيحة من الثلج و قد شدوا يدي إلى‬ ‫رجلي في حلقة حديدية واحدة ثم ثبتوا الحلقة على وتد مغروس في الأرض فلم أكن أستطيع أن أتحرك‬

‫وبقيت على تلك الحال ثلاثة أيام حتى اعتقدت بأن ظهري لن يستقيم بعدها أبدا‪ .‬لقد كانوا يحررون يدي‬ ‫اليمنى مرة في اليوم لأتمكن من أكل أشياء لم أكن أعرف ما هي ولا ما طعمها‪ .‬وبعد ثلاثة أيام ربطوني‬

‫إلى نفس الوتد بسلسلة طولها حوالي مترين حتى أتمكن من الوصول إلى محل الخلاء المتواجد في طرف‬

‫الزنزانة وبقيت على هذه الحال أسابيع إلى أن قررت الإ ضراب عن الطعام‪ .‬فسمع بذلك باقي المساجين‬ ‫بعد أن التحق بهم بعض من كان معنا في القبو‪ ،‬فتضامنوا معي بإعلان إضراب عام عن الطعام و بدأوا‬

‫يقر عون ا لأبواب وا لأواني بدون تو قف و لم يتوق فوا عن ذ لك إ لى أن تع هدت إدارة ال سجن ب فك العز لة‬

‫ع ني‪ .‬فانتق لت من ذ لك الج حيم إ لى الزنزا نة الإنفراد ية ر قم ‪ 26‬في ال طابق ا لأول من المب نى المخ صص‬

‫للمساجين الإ سلاميين بقيت فيها أكثر من ستة أشهر ثم انتقلت من زنزانة إلى أخرى مع باقي المساجين إلى‬ ‫أن استقر بي الحال في القاعة "أ" فبقيت فيها إلى أن وقعت الأحداث المأساو ية في نوفمبر ‪ 1994‬و بعدها‬

‫تم تحو يلي إلى سجن الحراش‪.‬‬

‫ل قد ك نت سجينا محكو ما عل يه حك ما نهائ يا‪ ،‬فل ماذا ا ستهدفني حراس ال سجن ب هدا الت عذيب القا سي‬

‫بدون سبب و لا و جه حق و هم يعر فون أن المح كوم عل يه نهائ يا في جن حة يعت بر في ح جز إداري و م جرد‬

‫حبسه مع المحكوم عليهم في قضايا جنائية وحده خرق للقانون فما بالك بتسليط عقو بات إ ضافية عليه دون‬

‫سبب؟ من أين استمدوا القدرة على فعل ذلك؟ وماذا ينتظرون أن أفعل بهم إذا نجاني الل ّه من قبضتهم في‬ ‫يوم من الأيام؟ وكيف أجد لهم عذرا على أعمال لم يعذر فيها حتى البشر الذين عاشوا في العصور الحجر ية‪.‬‬

‫إن الجواب الوحيد على هذه التساؤلات هو أن هؤلاء المجرمين التابعين للعدا لة الجزائر ية المزعومة يظ نون‬

‫أنهم محميون من طرف النظام الذي يعتقدون أنه قائم على القهر والظلم والطغيان‪ .‬وهم في هذا مخطئون من‬ ‫وجهين‪ .‬الأول أن النظام خاضع لسنة المداولة حيث أن الدولة كما تدول للنظام تزول عنه وقد يتغير النظام‬

‫الذي يعتمدون عليه يوما ما فيكونوا كبش الفداء الذي يتقرب به رؤساؤهم للحكام الجدد‪ .‬والثاني هو أن‬ ‫الانتقام منهم سهل علي وعلى باقي المظلومين سواء بالقصاص العادل عند الشرفاء أو بالانتقام الجائر عند‬ ‫ضعاف الن فوس‪ .‬و لا شك أن كث يرا من المح سوبين ع لى ما ا صطلح عل يه "ف ئة ضحايا الإر هاب و شهداء‬ ‫‪138‬‬


‫الواجب" استهدفوا انتقاما لما مار سوه على المعتقلين و أهاليهم من تعذيب وظلم ‪ .‬والغر يب في الأمر أن تلك‬ ‫الو حوش الب شر ية ال تي لم ت َرْعَ في م سجون مث لي إ لا ّ و لا ذ مة ع ندما كان في الق َب ْو أ صبحت خرا فا ألي فة‬

‫تتقرب مني وتظهر تعاطفها و احترامها لي بعد أن نجاني الل ّه من نفق الضياع و خرجت إلى عالم الأحياء‪.‬‬

‫ور غم أن ني ق ضيت في هذا ال سجن عامين حافلين بالأ حداث و ا لذكر يات إ لا أن ني سأكتفي‬

‫بالتوقف عند ما لا يسعني إغفاله كشاهد على الأحداث‪.‬‬

‫‪139‬‬


‫الوضع العام في السجن خلال السداسي الأول من سنة ‪8882‬‬ ‫لم يكن عدد المساجين الإ سلاميين يتجاوز ‪ 300‬سجين أغلبهم على ذمة التحقيق في انتظار المحاكمة‬

‫ولذلك كانت حالة الترقب لدى الجميع هي السائدة وكان الأمل يحدو الجميع أن تنتهي الأمور إلى تسو ية‬

‫سيا سية للأز مة وإن تباي نت ا لرؤى في ال صورة ال تي تؤول إلي ها ت لك الت سو ية‪ .‬وكان أغ لب المعتق لين من‬

‫العاصمة و ضواحيها إلى المدية‪ .‬ورغم أن الكلمة الأخيرة في هذه المجموعة كانت ترجع إلى أميرها الاعتباري‬

‫الشيخ عبد الرحمان إمام بلدية الأخذر ية إلا أنها كانت مصن ّفة واقعيا إلى ثلاث فئات‪.‬‬ ‫الأولى‪ 9‬فئة المعتقلين في مواجهات مسلحة مع أجهزة الأمن و الجيش‬

‫و هذه العناصر هي الفئة الفاعلة في هذا التجمع رغم قل ّة عددها‪ ،‬و تتكون من‪:‬‬ ‫مجمو عة المح كوم ع ليهم بالإ عدام بزعا مة ح سين م تاجر أول أم ير لجما عة الأخذر ية ونائ به‬

‫مسعودي مبروك و معهم محكوم عليهم في قضايا أخرى‪.‬‬

‫مجمو عة الجزا ئر يين الأف غان و من مع هم بزعا مة أح مد ا لود أول أم ير سري للجما عة الإ سلامية‬

‫المسلحة و أغلبهم من ضواحي تيارت و البيض‪.‬‬

‫مجموعة بوفار يك التابعة لمحمد علال ‪ -‬موح ليفيي‪ -‬بزعامة فتح النور‪.‬‬ ‫البخاري‪.‬‬

‫عنا صر ال كتي بة الخ ضراء التاب عة لل شيخ عط ية ال سائح بزعا مة نور ا لدين خ مارة من ق صر‬

‫الثانية‪ 9‬فئة المعتقلين من كوادر و مناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاد و المتعاطفين معها‬ ‫ور غم أن هده الف ئة تم ثل ال قوة الغال بة من ح يث ال عدد إ لا أن ها وق عت بين مطر قة حراس‬

‫السجن وسندان المجموعة الأولى و تتكون من‪:‬‬

‫مناضلي الجبهة الذين ليس لهم علاقة بالعمل المسلح بتاتا و أغلبهم من العاصمة‪.‬‬ ‫مناضلي الجبهة المجندين في صفوف الحركة الاسلامية المسلحة بقيادة عبد القادر شبوطي و‬

‫السعيد مخلوفي و أبرز زعمائهم عبد القادر سلام من القبة و الشيخ فضيلي جلول من البرواقية‪.‬‬

‫‪140‬‬


‫الثالثة‪ 9‬معتقلين من غير الجبهة الإسلامية للإنقاذ‬ ‫و هي مجمو عة قلي لة جدا من المعتق لين من طرف أج هزة ا لأمن تع سفا ر غم انت مائهم التنظي مي‬

‫الر سمي لأحزاب أ خرى ك حال أح مد من حركة ح ماس ببلد ية ا لأغواط وال كبش من منا ضلي جب هة‬ ‫التحرير في قصر البخاري وغيرهما‪.‬‬ ‫و قد كان ل هذا الت صنيف أ ثر سلبي جدا‪ ،‬ح يث صرف ه مة هؤ لاء الم ساجين عن ق ضيتهم‬

‫الجوهر ية المتمثلة في مواجهة الاستبداد الذي يمثله حكم البشر وإقامة العدل الذي لا يبلغ غايته إلا‬

‫بتطب يق شرع الل ّه ع لى الجم يع‪ ،‬ك ما أن ساهم خ صمهم الحقي قي المتم ثل في ال سلطة الطاغ ية ال تي ترفض‬ ‫التغيير‪ .‬لقد كاد هدا التصنيف الخبيث أن يؤدي إلى تكريس طبقية حقيقية في هذا المجتمع الصغير‬

‫ل وظلمهم قدر ٌ لا‬ ‫فأصبح عناصر الفئة الأولى بمثابة النبلاء في مجتمع الإقطاع فج َ ْهل ُه ُم ع ِل ْم ٌ و قولهم فص ٌ‬ ‫مرد له‪ ،‬فقط لأنهم يزعمون أنهم من أهل الثغور وأن غيرهم اعتقلوا في منازلهم‪ .‬بل إن أحد سكان‬

‫بوفار يك ممن لا يفرِ ّق بين البعثة النبو ية و ثورة التحر ير قال للأستاذ المجاهد السعيد بسايح رائد المطالبة‬ ‫بتحكيم شرع الل ّه في منطقة الأغواط‪ :‬أنت أقل ولاء للإسلام من آخر صعلوك في بوفار يك‪.‬‬ ‫لقد ع َج ِب ْتُ لم ِ َا ينخر قلب هذه الجماعة من سرطان رغم مظاهر التقوى المتجل ِّية في الإصرار على‬

‫إعفاء اللحية والهتاف بشعارات الإسلام بغير مناسبة والمبالغة في الجهر بالدعاء والتضرع إلى الل ّه و قراءة‬ ‫القرآن وتداول الرسائل الشرعية و غيرها مما فيه الخير ال كثير‪ .‬ولذلك حكمت على نفسي بعزلة اختيار ية‬

‫دامت أشهرا حاولت خلالها استعادة حفظ كتاب الل ّه والتأمل فيه ودراسة ما تيس ّر لي الحصول عليه‬ ‫من مؤل فات عل ماء الإ سلام الأوا ئل والمعا صرين ا لذين تفر غوا لخد مة أ متهم و ت شخيص دائ ها‪ .‬و قد‬

‫تركزت دراستي على السيرة النبو ية وفقه العقيدة ووفقني الل ّه إلى تدريسهما لآلاف المساجين بعد ذلك‪.‬‬

‫‪141‬‬


‫تطورات الأحداث بعد السداسي الأول من سنة ‪8882‬‬ ‫كانت آثار الدعاية الهدامة المنسوبة إلى ع بد الحق لعيايدة أمير الجماعة الإ سلامية المسلحة بعد محمد‬

‫علال و ضابطه ال شرعي عمر عل مي من خلال أت باع الجما عة عاملا أساسيا في إثارة البلبلة دا خل ال سجن‬

‫خلال هذه المرحلة (ابتداء من ماي ‪ .)1993‬فقد انتشرت فتاوى ضباطه الشرعيين في أوساط المساجين‬ ‫كال نار في اله شيم‪ ،‬خا صة المتعل قة بات هام ق يادة الجب هة وإطارات ها بالف سوق وف ساد العق يدة والاخت لاس‬

‫‪71‬‬

‫والتعر يض بقيادة الحركة الإسلامية المسلحة واتهامها بالانحراف العقدي والجبن‪ .‬فاشتدت وطأة التكفير يين‬ ‫والمتشددين على عامة المساجين الغافلين عن حقيقة ما يجري حولهم‪.‬‬

‫وب عد خرو جي من العز لة فوج ئت ب شائعات عن ع بد ال قادر شبوطي و عن ال سعيد مخ لوفي وع ني‬

‫شخصيا بالعمالة للمخابرات والإنتماء إلى تيار الجزأرة فتحر ّي ْتُ الأمر وعلمت أن مصدرالإشاعة سجين يدعى‬ ‫مسعودي مولود المتّهم بالخيانة في عمليات الزبر بر والذي حاول أن يدفع الشبهة عن نفسه فاستبق خروجي‬ ‫من العز لة بت لك الإ شاعات خو فا من الف ضيحة ‪ .‬وكان هذا عام لا كاف يا لإق حامي في ال سجال ا لدائر بين‬

‫أنصار الحركة الإسلامية المسلحة والجبهة الإ سلامية للإنقاذ كممثل شرعي للقضية بناء على معطيات المسار‬ ‫التار يخي للمشروع الإ سلامي من جهة وأنصار الجماعة الإ سلامية المسلحة الدخيلة ع لى القضية المرتكزين في‬ ‫شرعيتهم على الصخب الإعلامي الذي تثيره صحافة السلطة عن العمليات المسلحة من جهة أخرى و قد‬

‫وفقني الل ّه لح سم ال جدل العقيم ا لدائر حول الق ضية لصالح الحقيقة ال تي ع شتها من خ لال ع لاقتي بمختلف‬

‫الأطراف و التي كانت ملتبسة على الجميع‪ ،‬و ذلك بعد نقاش مفتوح وصريح مع أقطاب تلك الفئات‪ .‬وقد‬ ‫اعترف الجميع بنصيبهم من المسؤولية فيما آل إليه وضع الحركة الإ سلامية عموما و أظهروا إرادة التعاون‬

‫ع لى تحق يق الم صلحة دا خل ال سجن و ترك ال باقي ل من هم خار جه من الق يادات السيا سية و الع سكر ية‪.72‬‬

‫وقد تحقق ذلك في أرض الواقع حيث غاب التصنيف على أ ساس الانتماء للجماعات و عادت الألفة بين‬

‫الم ساجين و تم تن ظيمهم ع لى أ ساس جغرا في لا علا قة له بالو لاءات الفئو ية ح يث ترأس أ هل الف ضل و‬

‫العقل على من يساكنونهم في الب لديات و الولايات فاختار سكان العاصمة وضواحيها ال شيخ عبد الرحمن‬ ‫‪71‬‬

‫و قد قال عبد الحق لعيايدة في حوار له مع إذاعة وطني سنة ‪ 2012‬بأنه حمل السلاح بأمر من قيادة الجبهة الجبهة بعد‬

‫توقيف المسار الانتخابي و هذا زعم باطل مردود عليه و تزوير مفضوح للتاريخ‪ .‬بل إن جماعته الإجرامية كانت أشد عداء‬ ‫للجبهة الإسلامية كحزب و مشروع سياسي من السلطة نفسها و كان أول شرط لها للتراجع عن حكمها المعلن بالردة على‬

‫قيادة الجبهة و استباحة دمها‬

‫هو حل الجبهة و دخول قيادتها و مناضليها كجنود في تنظيم الجماعة و هذا ما حصل فعلا تحت مسمى الوحدة سنة ‪.1994‬‬ ‫‪ 72‬هذا ما اظهروه على الأقل في تلك المرحلة‬

‫‪142‬‬


‫إمام الأخدر ية واختار أهل الوسط الأستاذ عبد المالك رئيس مكتب الجبهة على ولاية المدية واختار أهل‬

‫الشرق الأ ستاذ أحمد بوقصة نائب الجبهة في البرلمان الملغى على ولاية تبسة واختار أهل الغرب الشيخ محمد‬ ‫عابد نائب الجبهة على ولاية غليزان واختار أهل الجنوب الأستاذ السعيد بسايح الذي انتخب بالإجماع أميرا‬

‫عاما للمساجين‪ .‬ومنذ أن تشكلت هذه الإمارة صيف سنة ‪ 1993‬أصبح السجن مدرسة حقيقية حيث‬

‫برم جت حل قات عا مة يوم ية ل تدريس العق يدة و ال سيرة النبو ية والف قه وح فظ ال قرآن ك ما ك لف أ هل‬ ‫التخص صات بتع ليم الم ساجين الكتا بة وال قراءة وأح كام الت لاوة وا لأدب والح ساب والل غات الأجنب ية ك ما‬ ‫أقيمت مناظرات وندوات علمية شرعية وأدبية مفتوحة‪ .‬وقد حاولت إدارة السجن التضييق علينا ول كن‬

‫الموقف الموحد للمساجين جعلها تترك المبادرة لأمير السجن شر يطة الالتزام بالإجراءات الأمنية‪ .‬واستقر‬

‫ال حال ع لى ذ لك شهورا ا ستفاد في ها الجم يع علم يا وتربو يا ونف سيا وتج لى ذ لك في م ظاهر عد يدة‪ ،‬من ها أن‬ ‫ال سجناء ا لذين ت جاوزت أع مارهم ال ستة والخم سين سنة جم عوا في القا عات ال كب يرة بدلا من الزنزا نات‬

‫الصغيرة وتم تعيين شباب لخدمتهم ومساعدتهم على قضاء حوائجهم فخف ّف ذلك من معاناتهم وأشعرهم‬

‫بالأبو ّة ال تي حر موا منها‪ .‬كما أن الأمّ ِي ِّين من المساجين تعل موا القراءة والكتابة وأصبحوا قادرين ع لى قراءة‬ ‫ال قرآن من الم صحف و قراءة ر سائلهم بأنف سهم هذا ز يادة عن روح التكا فل والإي ثار ال تي شاعت بين‬

‫المساجين مما أثر إ يجابيا على حراس السجن وإدارته وخفف من حدة التوتر داخل السجن‪ .‬ورغم ذلك‬ ‫ك له ف قد كا نت الق ضية حا ضرة ب كل تفا صيلها في ق لب الح ياة اليوم ية لل سجناء من خ لال ال صحف‬

‫والنشر يات و البيانات المتسربة إلينا والتي كنا نناقش محتو ياتها بموضوعية وشفافية عالية على ضوء السياسة‬ ‫الشرعية وفقه القتال القائمين على العلم مما يضع كل واحد منا على بي ِّنة من أمره بعيدا عن الغفلة والغرور‪.‬‬

‫كما كانت تصلني شخصيا معلومات عن التحولات التي كانت تجري داخل كواليس السلطة عن طر يق‬

‫م قدم من ال حرس الجم هوري مح سوب ع لى العم يد ل مين زروال كان م سجونا في ع يادة ال سجن و أط لق‬ ‫سراحه بعد تعيين زروال رئيسا للدولة‪ .‬كما كانت تصلني أخبار عما كان يجري داخل الجماعات الإسلامية‬

‫المسلحة من أمير ال كتي بة الخضراء السائح عط ية المدعو الخن رحمه الل ّه‪ .‬و قد انع كس الوضع الجديد في‬

‫ال سجن إ يجاب يا ع لى الجم يع و انتق لت أخ باره إ لى خارج ال سجن إ لى در جة جع لت أم ير ال كتي بة الخ ضراء‬

‫النشطة في منطقة التيطري الشيخ السايح عطية يقبل اقتراحي بتجنب القيام بعمليات في منطقة البرواقية‬ ‫مساهمة منه في رفع المعاناة عن المساجين‪ .‬وبقيت الأمورعلى نفس الحال إلى أن وقعت حركة التحو يل‬

‫المفاج ئة من وإلى سجن البرواق ية‪ .‬ح يث و فدت ع لى سجن البرواق ية مجمو عة من سجن تازو لت ببات نة و سجن‬ ‫سركاجي بالعاصمة تلاها تغيير على رأس إدارة السجن خلال السداسي الثاني من سنة ‪.1994‬‬

‫‪143‬‬


‫أخطر الأحداث في تاريخ سجن البرواقية (جريمة موصوفة ضد الإنسانية)‬ ‫ل عل من أخ طر الأ حداث ال تي وق عت في سجن البرواق ية م نذ تأسي سه‪ ،‬ت لك الم جزرة المرو عة ال تي‬

‫ارتكبها فوج التدخل السر يع للدرك المدعوم بمئات من أعوان إدارة السجون ومختلف القوات العسكر ية‬ ‫المحيطة بالسجن والتي أسفرت عن مقتل ‪ 51‬محبوس ‪ 50‬منهم قتلوا رميا بالرصاص وأكثر من ألف جريح‬ ‫دون أن يصاب دركي واحدا بخدش واحد يستحق الذكر‪ .‬و يكفي أن أنقل هنا ما ذكرته في حواري مع‬

‫موقع "صوت الجزائر"* عن هذه الحادثة‪.‬‬

‫س‪ -‬ت طرقتم في ا حدى ال مداخلات التلفز يون ية ا لى م جزرة البرواق ية ال تي وق عت في نوفمبر من عام‬

‫‪ ،8883‬هل لـكم أن تكشفوا لنا وللقاريء الـكريم ما حدث في هذه المجزرة‬ ‫فرار من السجن ـ حتى نستخلص نظرة وافية عن طبيعة المجازر وكيف تتم؟‬

‫ـ التي جرت بعد تدبير عملية‬

‫النقيب شوشان‪ :‬مجزرة البرواقية هي باختصار جريمة مو صوفة ضد الإن سانية بالمقاييس المت عارف‬

‫عليها في مواثيق حقوق الإنسان الشرعية والوضعية لأنها إبادة جماعية لا تبررها الأسباب المفتعلة التي تذرع‬ ‫بها القتلة‪ .‬وهي عمل جبان غادر بمقاييس أنظمة القتال وقواعد السياسة القديمة والحديثة لأنها استهدفت‬ ‫بالنيران ال كثي فة م ساجين عزل محا صرين في قل عة ع سكر ية ح صينة وم حاطين ب طوق ثا بت من الو حدات‬

‫القتالية من مختلف الأسلحة‪ .‬وهي خيانة عظمى لأن الذين نفذوها هم المفوضون دستور يا بالسهر على أمن‬ ‫وحماية المواطنين الجزائر يين من العدوان‪ .‬أما الطامة ال كبرى فهي أن يساهم التلفز يون الرسمي في تشو يه‬

‫الح قائق للتغط ية ع لى الجري مة المو صوفة ال تي ت عرف حقيقت ها هي ئات الدو لة المعن ية من ا لرئيس إ لى أ عوان‬ ‫وزارة العدل‪.‬‬ ‫بدأت إرهاصات الأحداث قبل عملية الفرار من سجن تازولت بباتنة ربيع سنة ‪ 1994‬حيث تم‬

‫تحو يل دف عات من الم ساجين الم شبوهين من بات نة وال حراش و سركاجي وت يزي وزو‪ .‬و قد تم كن ب عض‬

‫المثق فين والأ ساتذة من تحو يل سجن البرواق ية بين ‪ 8881‬و‪ 8883‬إ لى مدر سة حقيق ية ر غم ما يعان يه‬ ‫المساجين من تعسف وظلم فاهتم أغلب المساجين بترقية مستواهم الثقافي والمعرفي إلى درجة جعلت عمي‬

‫مختار (‪ 46‬سنة) يقول لزوجته لقد كتب الل ه علي السجن لأتعلم الكتابة والقراءة فقالت له إذن إ بق في‬ ‫ال سجن أح سن لك وأ صبحت نك تة نتف كه ب ها‪ .‬و قد ت جاوز عدد الم ساجين السيا سيين ‪ 1200‬سجين سنة‬

‫‪ 1994‬م ما ا ضطر إدارة ال سجن لتعز يز الو ضع الم ستقر ا لذي حق قه ال سلوك الإي جابي لأول ئك الإ طارات‬ ‫خاصة خلال موسم الاعلان عن الحوار الوطني‪ .‬ولم يرق هذا الأمر للخفافيش التي كانت ترصد الوضع‬

‫فقا مت ف جأة بعمل ية التحو يل ال مذكورة وغ يرت إدارة ال سجن و بدأ م خاض الأ حداث‪ .‬وا ستهدفت أول‬ ‫‪144‬‬


‫خطوة التشهير بالدعاة والأساتذة المؤطرين ثم شكلت إدارة السجن عصابة من المساجين القادمين من سجن‬ ‫سركاجي والحراش تربطهم على ما يبدو علاقة سابقة بالمدير شخصيا وأصبحوا الوسيط المعتمد بين الإدارة‬

‫والم ساجين وت جاوزت صلاحياتهم ب عض حراس ال سجن بتو صيات من ال مدير‪ .‬وكان من بين أ فراد هذه‬

‫العصابة عملاء لدوائر أمنية تم تحو يلهم للقيام بعملية تصفية جسدية لإطارات الجبهة الاسلامية للانقاذ ‪.‬‬

‫وكانت الخطة كالآتي‪:‬‬

‫‪ -1‬يتم التغر ير ببعض المساجين المراهقين الذين تعرضوا للاحباط جراء ما تعرضوا إليه من تعذيب‬

‫وإهانة في مرا كز الاستنطاق أو ما وق عوا ف يه من أخ طاء في حق الأبر ياء وإق ناعهم بإمكان ية الفرار من‬ ‫ال سجن بالت عاون مع حراس مفتر ضين دون الت عرض إ لى مو ضوع الت صفية المب يت من طرف ال مدبرين‬

‫للمؤامرة وقد تم فعلا تجنيد حوالي ثلاثين سجينا منهم الإبن البكر لمنصوري الملياني‪.‬‬

‫‪ -2‬لضمان الامتثال التام للأوامر يتم الإعلان عن إمارة شرعية للمعنيين بالفرار يبايعون فيها الأمير‬

‫على السمع والطاعة‪ .‬وقد تم فعلا تعيين عبد ال كريم صفصافي‪ 73‬أميرا للمجموعة ثم رقي إلى خليفة بعد مقتل‬

‫أم ير الجما عة الا سلامية الم سلحة قوا سمي ال شر يف المل قب بأبي ع بد الل ّ ه ك ما عين ز يراوي ح مداش ع بد‬

‫الفتاح‬

‫‪74‬‬

‫الملقب بأبي سليمان إماما وعين مراد من بل كور الملقب بالأفغاني أميرا للحرب وكان الرأس المدبر‬

‫هو عبد القادر بوخشم‪ .‬وقد اعترف لنا بهذه المعلومات بعض الضحايا المتورطين ‪75‬بعد أن وقع الفأس في‬

‫الرأس واكتشفوا أنهم كانوا ضحية عملية مخابراتية محبوكة‪.‬‬

‫س‪ -‬مقاط عا‪ 9‬تق صدون ه نا ترق ية ال مدعو صف صافي من أم ير إ لى خلي فة لقوا سمي ال شر يف ع لى‬

‫مستوى السجن أم على مستوى الجماعة المسلحة بأكملها؟‬ ‫‪73‬‬

‫من سكان العاصمة‪ .‬في الثلاثين من العمر‪ .‬ظاهري المذهب في العقيدة و الفقه ‪ .‬عصامي التكوين ويزعم أنه تتلمذ على‬

‫يد الشيخ أحمد الزاوي‪ .‬تميز يفتاوى شاذة لفتت إليه الانتباه‪ .‬لا يملك من الأمر شيئا في هذه القضية لأن أصحاب الكلمة‬ ‫الفصل فيما هم من عينوه‪.‬‬ ‫‪74‬‬

‫شاب في مقاعد الدراسة الجامعية يتمتع بطموح جامح للزعامة و ل كنه متكلم لبق‪ .‬يدعي أنه كان الضابط الشرعي لمحمد‬

‫علال أمير أحد الجماعات الإسلامية المسلحة بالعاصمة‪ .‬لديه جرأة عجيبة في الحكم على الآخرين بالتكفير و تصنيفم بما في ذلك‬ ‫أئمة أهل العلم السلفيين في العصر الحديث‪ .‬و قد شكل فر يقا من ذوي السوابق العدلية لتطبيق الحدود على المساجين‪ .‬تأثر به‬ ‫مجموعة من الشباب الضائعين فكر يا و عقديا و شكلوا تكتلا متطرفا يدّعي السلفية و هي منهم براء‪ .‬كان محكوما عليه بالسجن‬ ‫المؤبد و ل كن إطلق سراحه و أصبح من المتعاونين مع السلطة‪ .‬يحمل اليوم عدة ألقاب إعلامية‪ :‬رئيس صحوة المساجد و‬

‫رئيس لجنة مكافحة التنصير و‪.....‬‬

‫‪ 75‬منهم ابن منصوري الملياني رحمه الل ّه‬ ‫‪145‬‬


‫النقيب شوشان‪ :‬على مستوى الجماعة الإسلامية طبعا لأنهم اعت بروا إمارة الشيخ محمد السعيد رحمه‬

‫الل ّه المعلن عنها آنذاك غير شرعية‪.‬‬

‫‪ -3‬إختيار أشد المجندين تطرفا وتوز يعهم بالتعاون مع الإدارة على الزنزانات التي يسكنها الإطارات‬

‫المستهدفون بالتصفية وقد تم تأجيل هذا الإجراء إلى يوم العملية‪.‬‬

‫‪ -4‬بعد تنفيذ عملية التصفية يتم القضاء على المتورطين فيها و يعلن التلفز يون الجزائري أن عناصر‬

‫من الجما عة الم سلحة قت لوا عنا صر من الجب هة في إ طار الاقت تال الحا صل بينه ما ولو لا تدخل ر جال ا لأمن‬

‫الأشاوس لكانت المجزرة أفضع وهو بالفعل ما صرحت به مذيعة التلفز يون الرسمي زهية بن عروس‪ 76‬التي‬

‫أ صبحت في ما ب عد وز يرة و سيناتورة في مج لس الأ مة ر غم أن ر جال ا لدرك وا لأمن قت لوا خم سين سجينا‬

‫أعزلا عمدا و بسبق الإصرار و الترصد فيما قتل عملاؤهم‬

‫‪77‬‬

‫سجينا واحدا من المتورطين في العملية‪ .‬أما‬

‫باقي الم ساجين بدون ا ستثناء ف قد كانوا بين جريح و صر يع و لم يتمكن وا حد منهم من ا لدفاع عن نف سه‪.‬‬

‫ورغم العدد ال كبير من الضحايا إلا أن الخطة فشلت لأن المستهدفين بالتصفية فيها ن جوا من المذب حة بتدبير‬

‫من الل ّه‪ .‬وقد ظهرت بوادر الفشل ليلة العملية عندما رفض أغلب الشباب المغرر بهم فكرة التصفية وتردد‬

‫ا لبعض منهم فو قع مخط طو العمل ية في حرج كبير و عدلوا عن ت سريبهم إلى زنزا نات الم ستهدفين بالت صفية‬ ‫الجسدية من إطارات الجبهة والدعاة خوفا من افتضاح أمرهم‪ .‬ول كنهم في منتصف ليلة العملية خرجوا‬ ‫من زنزاناتهم الثلاثة المفتوحة وأمروا مجموعة من ضحاياهم بالإقتراب من سور الحصن في حين بقيت مجموعة‬

‫أخرى داخل العمارة‪ .‬وفي هذه اللحظة بالذات خرج أحد حراس السجن وصرخ بأعلى صوته لقد أوقعوكم‬

‫في كمين وسيقتلونكم جميعا أناشدكم الل ّه يا إخوتي أن ترجعوا إلى زنزاناتكم‪ .‬وكان هذا هو الصوت الذي أيقظ‬ ‫المساجين الآخرين وأصبح الجميع شهودا على ما وقع منذ تلك اللحظة إلى نهاية الأحداث‪ .‬ول كن المتواجدين‬ ‫في القاعة (أ) وأنا من بينهم كانوا أقدر على معاينة الأحداث لأن نطاق العملية كان مفتوحا أمامنا‪.‬‬

‫رجع جميع المساجين إلى العمارة وأصر اثنان على الإقتراب من السور وهما الشاهدان الوحيدان‬ ‫واد سوف) تورطا مباشرا ولم يكن أمامهما سوى‬

‫المعروفان من الباقين ممن تورطوا في مأساة (قمار‬

‫الإنتحار للتخلص من الضغط النفسي الذي يعانونه منذ اعتقالهما‪ .‬وكان بالإمكان صرعهما أو قطع الحبل‬

‫‪76‬‬

‫هذه واحدة من مئات الإعلاميين الجزائر يين المجندين من طرف جهاز المخابرات الذين يقومون بمهمتهم كمخبرين من‬

‫خلال وظيفة الإعلام الزائفة التي يستخفون بها‪ .‬و قد أخذت المكافأة على عملها بتعيينها عضوا في مجلس الأمة بينما تعرض‬

‫أصحاب الضمير المهني من الصحافيين إلى التصفية الجسدية أو التهميش‪.‬‬ ‫‪77‬‬

‫أحد القتلة كان عبد العالي الذي تعرض لاحقا للقتل على يد الدرك بدون مبرر غير طمس معالم الجريمة‪.‬‬ ‫‪146‬‬


‫ا لذي حاولا ت سلقه‪ ،‬و لو افتر ضنا جدلا أنهما تمك نا من الو صول إ لى أع لى ال سور فقد كان من الم ستحيل‬ ‫عليهما أن يقفزا من ارتفاع أكثر من عشرة أمتار فوق الصخور الصماء ومع ذلك فقد كان بإمكان حراس‬

‫ال سور وا لدور يات الع سكر ية للثك نات المحي طة بال سجن ا صطيادهما ح تى ب عد ت جاوز سور الح صن لأنه ما‬

‫أعزلان‪ .‬ول كن حارسا مجهولا من أعلى السور اختار إطلاق النار عليهما بكل برود فأرداهما قتيلين وهما‬ ‫داخل السجن‪ .‬كما تعرض عبد الفتاح حمداش زيراوي لإصابة منعته من العودة إلى عمارة السجن و ألقي‬ ‫عليه القبض من طرف الحراس كما قيل لنا‪ .‬أما الباقون فقد طلبوا من المساجين فتح زنزاناتهم فلما رفضوا‬

‫فتحو ها ع نوة لي صبح أك ثر من أ لف سجين يتجو لون في أرو قة الع مارة‪ .‬و قد حاول أ حد الم تورطين ت حذير‬ ‫الم ساجين مما يراد بإطارات الجبهة ق بل العمل ية و لما اكت شف أ مره من طرف رفا قه حكموا عل يه بالق تل‬ ‫بته مة الخيا نة و في الو قت ا لذي كان ا لبعض منهم ي حاولون ا لاقتراب من ال سور عال جه أ حدهم بق ضيب‬

‫فولاذي على الرأس و تعاون اثنان على ذب حه حتى الموت رغم تعالي أصوات المساجين من وراء القضبان‬ ‫لتذكيرهم بحرمة ما يقومون به و دعوتهم لتقوى الل ّه‪.‬‬

‫لم تطلع شمس اليوم ال تالي إلا والمو قف واضح و ضوح الشمس للجم يع‪ .‬حوالي ع شرين سجينا ع لى‬

‫علاقة مشبوهة بالإدارة يحاولون الفرار‪ ،‬قتل منهم ثلاثة وبقي الآخرون محاصرين بإحكام مع أكثر من‬

‫ألف سجين أبر ياء في عمارة بدون ماء ولا طعام ولا كهرباء‪ .‬ولم يسفر قصف العمارة بمئات الحشوات من‬

‫الغاز المسيل للدموع والقنابل الدخانية عن خروج المساجين ثم فتح باب التفاوض على إخلاء العمارة بين‬ ‫الإدارة وقيادة فوج التدخل السر يع للدرك من جهة ومنفذي العملية وبعض المساجين من جهة أخرى (‬ ‫منهم ا لدكتور محمد خلي في و ال شيخ محمد بن ق طاف و ع بود أمير ال سجن المن صب بالقوة من طرف هده‬

‫المجمو عة خل فا لل شيخ ال سعيد ب سايح ا لذي فضّ ل الان سحاب ع لى تأجيج نار الفت نة) وكان ممثلوالم ساجين‬

‫ير يدون ح ضور طرف مدني من ممث لي حقوق الإن سان ي ضمن لهم التم تع بحقوقهم في حين أصر ال طرف‬

‫ا لآخر ممث لا في ق يادة ا لدرك ع لى الاست سلام غ ير الم شروط أو الإ بادة الجماع ية‪ .‬وانت هت المفاو ضات إ لى‬ ‫الفشل وجاء الأمر الفصل على لسان قائد فوج التدخل السر يع للدرك الوطني الذي أعلن بمكبر الصوت‬

‫بع د منتصف الليل قائلا‪ :‬ابتداء من الساعة الثامنة صباحا سأخلي العمارة بقتل كم إذا لم تخرجوا‪ .‬وفعلا تم‬ ‫اقتحام الطابق السفلي للعمارة بعد منتصف الليل وتم إخراج الأس ِرّة التي استعملت ل ِس ّدِ المدخل من طرف‬ ‫حش ِر المساجين في الطابقين‬ ‫حراس السجن تحت غطاء من القصف ال كثيف بالغازات والقنابل الدخانية و ُ‬ ‫العلو يين‪ .‬وبعد الساعة الثامنة صباحا بقليل وجه أكثر من خمسمائة مسلح رشاشاتهم الخفيفة والمتوسطة‬ ‫ن حو نوا فذ الع مارة وأبواب ها و بدأ إط لاق ال نار لت عيش الع مارة ب من في ها جحي ما حقيق يا أث ناء اقت حام ال طابق‬

‫الأول وتساقط المساجين بين قتيل وجريح وأصبح الجنود يرمون المساجين العزل المحصورين رميا مباشرا من‬ ‫‪147‬‬


‫مسافة أقل من عشرين مترا داخل العمارة‪ .‬ورغم صراخ وكيل الجمهور ية الذي لم يحتمل بشاعة الموقف‬

‫آمرا الدرك بإيقاف الرمي إلا أن حضرة الرائد المدلل قائد الفوج الهمام لم يصدر الأمر بإيقاف الرمي إلا‬ ‫ب عد أن د خل وك يل الجمهور ية شخ صيا في ق طاع الر مي بين ج نوده المرتز قة ال مدججين بال سلاح الحر بي و‬ ‫الم ساجين ال عزل و هدده هو و ج نوده بالعقو بة إذا لم يتوق فوا عن الر مي‪ .‬و مع ذ لك ف قد رد عل يه قا ئد‬

‫الدرك بكلام بذيء قبل أن يصدر الأمر بإيقاف المجزرة‪.‬‬

‫عندما توقف الرمي كان الجنود المتقدمون من مدخل العمارة قد وصلوا بمحاذاة الزنزانة رقم ‪28‬‬

‫التي تتوسط الطابق الأول من العمارة و التي كنت انتقلت إليها مع ثلاثة مساجين آخرين كلهم من مدينة‬ ‫المنيعة قبل بداية الاقتحام بناء على تقدير قتالي للموقف ( محمد الزهار و بوصبع بوجمعة و عيسى جبر يط) ولم‬ ‫ي كن الج نود يت صورون أن ن كون في ذ لك الم كان المت قدم لأن م ئات الم ساجين ا ندفعوا ن حو القا عة (أ)‬ ‫باعتبار ها أب عد نق طة عن مدخل الع مارة هر با من ج حيم الر صاص فاكت ظت ب هم القا عة و ما حول ها من‬

‫الزنزانات وب قي ال كثير منهم خارج ها يتزاحمون وظ هورهم دري ئات طر ية للن حاس الملتهب‬

‫و كان من‬

‫بينهم الأخ عيسى جبر يط الذي غادرنا لحظات قبل الاقتحام للبحث عن دواء ضروري له فقتل مع من‬ ‫قتل رحمهم الل ّه‪ .‬وبعد أن توقف الرمي نادى وكيل الجمهور ية المساجين وأذن لهم بإخراج القتلى أولا بعد‬

‫تفاوض دام دقائق ثم بدأ إخلاء العمارة‪.‬‬

‫كنت أنا و بوجمعة بوصبع و محمد الزهار في الزنزانة ‪ 28‬في حالة تأهب قصوى نسمع ونرى دون‬

‫أن يتفطن لوجودنا أحد من الدرك‪ .‬وبعد أن بدأ المساجين في الخروج و أصبح وكيل الجمهور ية يحول بينهم‬ ‫و بين الم ساجين أ شرت إ لى بوجم عة ا لذي كان واق فا بم حاذاة ال باب (وف قا للخ طة الم سبقة ال تي اتفق نا ع لى‬ ‫تنفيذها إذا اضطررنا الى الاصطدام بعناصر الدرك) أن ينبه وكيل الجمهور ية إلى وجودنا حتى لا يضطرب‬ ‫الجنود و يطلقوا النار عشوائيا فاقترب أحد الجنود من مدخل الزنزانة وأذن لنا بالخروج‪.‬‬

‫توقعنا أن الكابوس قد انتهى فخرجنا لنلتحق بطابور المساجين الخارجين من العمارة تحت النظرات‬ ‫الحا قدة لأعوان ا لدرك‪ .‬و ما أن و ضعنا أرجل نا ع لى عت بة ال باب ال خارجي للع مارة ح تى تلق فت الق ضبان‬ ‫الحديد ية من كان أمام نا من الم ساجين لي مروا ب صراط جد يد بين الع مارة وال ساحة الم عدة للمح شر الجد يد‬

‫وطوله حوالي ‪ 300‬متر يمر خلالها السجين بين صفين من حراس السجون حوالي ‪ 250‬حارسا يضربونه‬

‫بجنون فلا يصل إلى الساحة إلا صر يعا مضرجا بدمائه وم جردا من جميع ثيابه فيتكدس بعضهم فوق بعض‬ ‫في منظر مريع يدل على الاحتقار البشع للذات البشر ية عند القوم‪ .‬ومن لطف الل ّه بي أن أحد الحراس‬

‫‪148‬‬


‫المتعاطفين معي كان مكلفا بالتعرف على المحكوم عليهم بالإ عدام‪ 78‬حتى يتم عزل من بقي منهم حيا عن‬ ‫باقي المساجين لإ يهام الرأي العام بأن عملية التصفية لم تكن مقصودة فأخرجني من الصف مع واحد ممن‬ ‫كانوا معي (بوجمعة) وألحقنا بجناح المحكوم عليهم بالإعدام ونصحني بأن لا أجيب إذا ناداني أحد باسمي‬

‫ح تى تنج لي ا لأمور‪ .‬و في آ خر عمل ية الإخ لاء تم إ خراج ال سجين ع بد ال عالي و هو أ حد العنا صر الن شطة‬

‫المتورطين في عملية الفرار المفتعلة منذ إرهاصاتها الأولى وتم إطلاق النار عليه بكل برود أمام المساجين‬ ‫ح سب ما أخبر نا به شهود الع يان في أوا نه م ما ج عل رفي قه ي بادر إ لى ضرب ال حارس المد سوس ا لذي‬

‫استدرجهم إلى هذه المؤامرة فأطلقوا النار عليه أيضا وأخرجوه إلى خارج العمارة وقتل بالسلاح الأبيض‬ ‫شر قتلة أمام مدخلها من طرف المجموعة الملثمة فاعتصم من بقي من المساجين داخل القاعة ر قم (أ)‬

‫وأغلقوا بابها على أنفسهم وكان بينهم عناصر ممن لهم علاقة بالعملية‪ 79‬خشية أن يلاقوا نفس المصير ‪ ،‬فما‬ ‫كان من قوات الدرك إلا أن سربت إليهم سوائل ملتهبة من منافذ القاعة ثم قصفتها فتفحم أغلب المساجين‬ ‫في ما أ صيب بع ضهم إ صابات بال غة و قد أخبر نا ب عض ال ناجين‪ 80‬أن قوات ال تدخل أج هزت ع لى ب عض‬

‫الأحياء من بينهم المحكوم عليه بالإعدام يوسف بوصبيع و لم ينج إلا من أسعفته رجلاه لمغادرة القاعة بعد‬

‫تفجيرها‪ .‬وقد جمعت بعد ذلك جثث واحد وخمسين سجينا أغلبها متفحمة في ساحة العمارة وبقيت ليلة‬ ‫كاملة في العراء تعبث القطط السائبة بما بقي منها من أشلاء لتنقل على متن شاحنتين صباح اليوم التالي‬

‫وتدفن في حفرتين مختلفتين إحداهما في منطقة البرواقية والأخرى في مقبرة "تاخابيت" ضواحي المدية‪.‬‬

‫حف َاة في قا عات ضيقة لا تت سع ل هم واق فين ملت صقين‬ ‫أ ما باقي الم ساجين ف قد كدّ سوهم ع ُرَاة ُ‬

‫ببعضهم وعاشوا صورة من يوم الحشر العسير وبقوا على تلك الحال يومين أشرف بعضهم فيه ما على الموت‪.‬‬

‫وكان الحراس يخرجونهم بالضرب بالقضبان الحديدية و يدخلونهم به لضبط قوائم المناداة وكان المساجين‬ ‫يف ضلون ال ضرب بالق ضبان خارج القا عة هرو با من و ضعية الو قوف عراة ك ما و لدتهم أم هاتهم لا يم كن‬

‫لأ حدهم تغي ير و ضعية رج له دون إ يذاء أخ يه‪ .‬عل ما بأن بين ال سجناء من ت جاوز ع مره ‪ 75‬سنة ‪81‬وم عه‬ ‫أب ناؤه وإخو ته‪ .‬وكان من ب ينهم مجا هدون وآ باء شهداء ثورة التحر ير ا لوطني ب كوا ب كاء مرا و هم يقل بون‬ ‫ا لذاكرة بين ج لادي الجزا ئر المحت لة ق بل سنة ‪ 1962‬وج لادي الجزا ئر الم ستعمرة ب عد ‪ .1992‬و في ال يوم‬ ‫‪78‬‬

‫كنا ‪ 13‬سجينا في زنزانة لا تسع أكثر من سجينين و بقينا وقوفا طول الوقت لأنه لا يمكن لأحد منا أن يجلس من الضيق‬

‫و كنا نتناوب على ثقبة الباب لتاتفس الهواء‪ .‬و أذكر من بين المحكوم عليهم بالاعدام ‪ .‬الدكتور محمد خليفي و الأستاذ الطاهر‬ ‫دادة و الأستاذ يعقوبي من الأغواط و بن سونة من المدية و كان معنا أعضاء الوفد الذي فاوض قيادة الدرك‪.‬‬ ‫‪ 79‬منهم عبد القادر بوخشم مهندس العملية‬ ‫‪80‬‬ ‫‪81‬‬

‫أخبرني بذلك الأخ مصطفى معيز و عبد القادر بوخشم لاحقا‬ ‫مثل عمي طويهر من الأغواط و الشيخ عبد القادر من البيض‬ ‫‪149‬‬


‫الثا لث وزع ال حراس ع لى الم ساجين سراو يل خ شنة مؤذ ية للج لد وخف فوا من الإكت ظاظ بح يث أ صبح‬

‫بإمكان كل سجين أن يجلس دون أن يمد رجليه أو يستلقي لينام والقاعة التي التحقت بها في اليوم الثالث‬ ‫كان طولها أ قل من عشرين مترا وعرضها لا يتجاوز ‪ 5‬أمتار وفيها ثقبة واحدة للخلاء غير مستورة و بدون‬ ‫ماء وكان عددنا في البداية ‪ 311‬سجين ثم أ صبح حوالي ‪ 251‬وكنا نفترش الإسمنت المشبع بالرطو بة والماء‬

‫في البداية ونتغطى بسقف القاعة الذي يتسرب الماء من كل زواياه إذا ذاب الثلج الـكثيف المتجمد عليه‬

‫و مع ذ لك ف قد كا نت هي أح سن القا عات حا لا‪ .‬ل قد بقي نا في هذه الو ضعية أك ثر من شهرين كا نت‬

‫وجبات العقو بة فيها أكثر من وجبات الأكل ولم نغتسل فيها مرة واحدة وكنا نوفر ماء الشرب للاستنجاء‬ ‫حتى خرجت من جلودنا الديدان الحية وتفشى الجرب في المساجين إلى درجة جعلت الحراس يخافون على‬

‫أنفسهم من العدوى‪ .‬وع ند ذلك فقط سمح لنا بالاغتسال بالسوائل المط هرة واتخذت بعض ا لإجراءات‬ ‫لعلاج الحالات المرضية المتقدمة وتم تزو يدنا ببعض البطانيات والملابس وفتحت الز يارة بعد ذلك‪ .‬وقد‬

‫زارني في الأسبوع الثاني أو الثالث من الأحداث الأستاذان المحاميان مشري بشير ومحمد بغدادي بترخيص‬ ‫استثنائي من ديوان رئيس الجمهور ية لمين زروال شخصيا للتساؤل عن حقيقة ما حدث ولم يكن مسموحا‬

‫لأي هيئة أو شخص أن يدخل السجن أو يخرج منه في تلك الفترة إلا بترخيص من وز ير الدفاع باعتبار‬

‫السجن منطقة عمليات عسكر ية‪ .‬وقد استنكر الأستاذ مشري بشدة الوضعية المزر ية التي رآني فيها ورفض‬

‫مقابلتي فيها وهدد مدير السجن بالمتابعة ولم أتكلم معه إلا بعد أن ألبسوني حذاء ولباسا عاديا وقد أخبرتهما‬

‫بما رأيت في ذلك الوقت وأكدت لهما أن قوات التدخل السر يع هي التي قتلت خمسين سجينا بدم بارد أما‬ ‫ال سجين الوا حد والخم سين ف قد ت عاون ع لى قت له اث نان من الم تورطين الم شبوهين في العمل ية و قد تم قتله ما‬

‫بطر يقة ملفتة للانتباه أثناء خروج المساجين من العمارة من طرف رجال الدرك والفرقة الخاصة الملحقة‬ ‫بهم من الملثمين المجهزين بالسلاح الأبيض وأن المساجين يعانون من معاملة لا أتخيل لها مثيلا من الحقارة‬ ‫في تاريخ البشر ية‪ .‬وقد أخبرني الأستاذان بأنهما مكلفين باستقصاء الحقيقة لصالح قيادة الجبهة الإ سلامية‬

‫ومصالح الرئاسة حتى يكونوا على بينة مما حصل وسينقلانها لهم كما وصفتها وقد كنت أمينا في شهادتي وما‬

‫زلت والحمد لل ّه‪.‬‬

‫وقد تبين لنا بعد مراجعة التفاصيل مع بعض المتورطين والحراس ومن خلال محاضر التحقيق أن‬

‫‪ 7‬جواسيس كانوا مندسين في صفوف المساجين اختفى منهم سبعة وأصيب واحد منهم بالخطأ مما جعله‬ ‫يعاتب إدارة السجن على إطلاق الرصاص عليه رغم إعطائه إشارة التعارف بينه وبينهم وكان ذلك على‬ ‫مرأى ومسمع من سجينين كانا يعذبان داخل مكتب رئيس الحرس وقد تم نقل العميل خارج السجن‬

‫فورا وأجر يت معه مقابلة صحفية في ذلك الوقت قال فيها ما أملي عليه من شهادة الزور البينة باعتباره أحد‬ ‫‪150‬‬


‫السجناء‪ .‬كما أخبرني طبيب سجين من منطقة الشلف متخصص في القلب لا أذكر اسمه الآن‬

‫و ل كنه‬

‫متهم بالار هاب ع لى خلف ية م ساعدة ع بد النا صر عل مي ا ستدعي للم ساعدة في ع يادة ال سجن أن ب عض‬

‫الأ شخاص المشبوهين من المتورطين في العملية كانوا ت حت تأثير المخدرات مما يدل على أنهم لا يمتون بعلاقة‬ ‫للمساجين السياسيين المستهدفين الحقيقيين في هذه العملية المفبركة كما أن هذه المعلومة لم تشر إليها الدعاية‬

‫الرسمية التي من عادتها اختلاق القرائن لتشو يه سمعة الإسلاميين‪.‬‬

‫هذه بعض الصور من مأساة البرواقية ولو استعرضنا شر يط الأحداث كاملا لصعب على الناس‬

‫تصديقها ولـكن الشهود الأحياء على الأحداث يعدون بالمئات ولن تمحو الأيام مهما طالت ذلك الكابوس‬ ‫المرعب من ذاكرتهم‪.‬‬

‫س‪ -‬وأنتم تقدمون هذه الشهادة الح ية عن هذه المجزرة في حق ال سجناء العزل أشرتم إلى كون‬

‫الهدف من تخطيطها كان النية المبيته في تصفية إطارات الجبهة الإسلامية والدعاة بتور يط سجناء سذج‬ ‫وحم قى وم غرر بهم ل هم علا قة بالجما عة الم سلحة‪ ..‬هل نف هم من هذا أ نه ح تى دا خل ال سجن العلا قة بين‬

‫إطارات الجبهة ومقاتلي الجماعة كانت متوترة ومكهربة؟‬

‫النقيب شوشان‪ :‬لم يكن هناك تصنيف للمساجين داخل السجن في هذه المرحلة فالجميع يعتبرون‬

‫من مناضلي الجبهة والمتعاطفين معها رغم اختلاف وجهات النظر والقناعات الذي لم يكن له تأثير على‬

‫العلاقة بين المساجين بعد حملة التوعية التي أشرت إليها سابقا‪ ،‬إلى أن تم غزو سجن البرواقية من طرف‬

‫العناصر المشبوهة من السجون الأخرى‪ .‬فالتوتر كان طارئا على السجن ولم تظهر علاقة المتورطين بالجماعة‬

‫الإ سلامية المسلحة المباشرة إلا بعد الأحداث‪ .‬أما ما نراه اليوم من التوتر فهو الحصاد المر لموسم الأزمة‬ ‫الطو يل الذي عاشته الجزائر في نظري‪.‬‬

‫‪151‬‬


‫وقفات مع هذه المأساة‬ ‫من ا لذكر يات المحز نة في مأ ساة البرواق ية وغير ها أن ال سفهاء المت سببين في ها وال طامعين في‬

‫الاستفادة من غنائمها هم أول من يسارع إلى التنصل من المسؤولية على ما يترتب عنها من المغارم والنجاة‬

‫بأنفسهم على حساب الآخرين بل و الاستئساد عليهم باسم الدين والوشاية بهم بدون مروءة و لا حياء‪.‬‬ ‫فع ندما تأ كدت ال شرذمة المت سببة في المأ ساة من وقوع ها في المك يدة ال تي د برت لت صفية الر جال دا خل‬

‫ال سجن و ا ستحالة خروجهم من ال سجن لم يدخلوا في معركة است شهادية ك ما يت شدقون و لا است سلموا ك ما‬

‫يف عل الط ير ال حر إذا و قع في الش ّ ر َك‪ .‬و إن ما استأ سدوا ع لى إ خوانهم المق هورين فك سروا أ بواب الزنزا نات‬

‫الأخرى رغم اعتراضي الشخصي على سلوكهم الجبان و اختلطوا بباقي المساجين‬ ‫سلوكهم بالقتل‬

‫‪82‬‬

‫و هددوا من عارض‬

‫و هم يصرخون ‪ :‬ن حن الذين بايعنا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا‪ .‬و لما وقعت الواقعة و‬

‫بدأت قوات الدرك إطلاق النار و حان وقت الجهاد الحقيقي انسحبوا جميعا إلى الركن الخلفي من القاعة‬

‫"أ" م ُت َت َر ِّسين بباقي المساجين الذين تساقط منهم العشرات ظلما و عدوانا‪ .‬و لذلك لم ي ُ ْقت َل من المتورطين أحد‬ ‫في هذه المرحلة باستثناء اثنين كانا ير يدان التخلص من حياتهما ابتداء‪ .‬أما لما حان وقت الخروج فإنهم‬

‫خا ضوا معركة حقيق ية ليكو نوا في أول ال صفوف للن جاة بأنف سهم و لم ير عوا ح تى حر مة إ خوانهم القت لى‬

‫المصروعين تحت أرجلهم‪ .‬و لولا قتل صاحبهم عبد العالي من طرف الدرك بدم بارد و بطر يقة استفزاز ية‬ ‫و ما ترتب عليه من فوضى وقتل عشوائي لعادوا جميعا إلى قواعدهم سالمين‪ .‬و الأدهى و الأمر أنهم في‬

‫محاضر التحقيق شهدوا بأنني أنا المتسبب في التحر يض على ما حصل لأنني كنت أعقد حلقات في فقه‬ ‫القتال لبعض المساجين‪ .‬و هذا السلوك الجبان لم يفاجئني منهم لأنني لم أنخدع يوما بمظاهر الغلو و التنطع‬ ‫لا عند الإسلاميين و لا عند السلطة و لذلك كنت دائما استبق هذا النوع من المكائد الخسيسة بإجراءات‬

‫استباقية بديلة‪ .‬فقد سبق لي تقديم طلبات تحو يل من السجن كما اتخذت بتوفيق من الل ّه إجراءات عملية في‬

‫الوقت المناسب لإبطالها‪ .‬و لولا ذلك بعد عناية الل ّه لوجدت نفسي متابعا بقضية أخرى ك ما حصل لبعض‬ ‫الإخوة الطيبين‪.‬‬

‫و قد أطلعني قائد فوج الدرك على المحاضر أثناء استجوابي بحضور وز ير العدل نفسه العقيد السابق‬

‫للبث في القضية و أكد لي ذلك بعض الشباب المتورطين في العملية‬ ‫ِّ‬ ‫أحمد تقية و قاضي التحقيق المعين‬ ‫منهم ابن منصوري الملياني و اعتذروا لي ع لى ما بدر منهم‪ .‬و من المؤسف أيضا أن يجد بعض الأفاضل‬ ‫‪82‬‬

‫منهم الأخ عبد الل ّه يس إمام مسجد المدنية بالعاصمة الذي هددوه بالقتل عندما طلب منهم أن يتحملوا مسؤولية ما فعلوا‬

‫و يسلموا أنفسهم و يعترفوا بالذنب‬

‫‪152‬‬


‫أنفسهم رهينة في يد هؤلاء المغرورين يوردونهم المهالك و هم ينظرون‪ .‬و قد زارني الأخ الفاضل محمد بن‬

‫قطاف في و قت سابق عن ال حدث ليست شيرني فنصحته بال حذر من مباركة سلوك هذه ال شرذمة و ل ك نه‬

‫غ ُل ِبَ على أمره رغم رجاحة عقله و كبر سنه و تجربته كمجاهد في ثورة التحرير و مناضل مسؤول في جبهة‬

‫الإنقاذ ‪ -‬و لعله كان طامعا في التأثير على أولئك الشباب ‪ -‬و قد ت َر َأ ّس الوفد المفاوض باسم المساجين مع‬ ‫ق يادة ا لدرك‪ .‬ف جاءني مستن صحا في آ خر جو لة من المفاو ضات فق لت له‪ :‬لا أعت قد أن من المفاو ضات‬ ‫جدوى الآن و ل كن أقيموا الحجة على وكيل الجمهور ية و فاوضوه على ضمان سلامة الإخوة المساجين و لا‬

‫تشترطوا غير ذلك‪ .‬فإن لم يقبل منكم ذلك فإنهم ير يدون إبادتنا و لا خيار لنا غير الدفاع عن أنفسنا قدر‬ ‫المستطاع‪ .‬و فعلا ذهب الوفد للتفاوض و ل كنه لم يعد و لم التق بالحاج بن قطاف إلا بعد الواقعة بأسابيع‬ ‫دون أن أجد جوابا مقنعا يبرر قابلية خضوع العقلاء للسفهاء في القضايا الخطيرة‪.‬‬

‫إن نصيب هؤلاء السفهاء من المسؤولية لا يسقط شيئا من مسؤولية النظام عن المجزرة التي ارتكبتها‬

‫قوات ا لدرك في حق المساجين الأبر ياء بجبن و خساسة خاصة إذا علم نا أن الخليفة المزعزم عبد ال كريم‬

‫صف صافي ا لذي باي عه المتور طون المغف لون ينعم بجم يع حقو قه المدن ية ال يوم و إمام ها ع بد الف تاح ح مداش‬

‫ز يراوي يتجول بجواز سفر جزائري في بلاد الحرمين و قد أصبح وسيطا للسلطة في مشار يع المصالحة المز يفة‬

‫بينما أرامل المقتولين أمثال الأخ عيسى جبر يط و أيتامهم و باقي المساجين إلى اليوم يعانون الفقر و الفاقة‬

‫دون أن يلتفت إليهم أحد‪.‬‬

‫من الذكر يات التي ما زالت عالقة بمخيلتي أيضا هي أن أمير الجماعة الإ سلامية المسلحة سيد أحمد‬

‫مراد المل قب بجع فر الأف غاني ب عث لي ر سالة مع أم أ حد الم ساجين ا سمه مو لود بو شملة ي عرض ع لي في ها‬

‫الترتيب لتهريبي من سجن البرواقية لأن الجماعة في حاجة إلي ع لى حد قول الرسول‪ .‬و لم أكن أشك في‬ ‫صدق حامل الرسالة لأنني أعرف الشاب المعني جيدا منذ سنة ‪ .1991‬كما أنني لم أكن أشك في مصدر‬

‫الرسالة لأن التي حملتها تعرف سيد أحمد مراد ك ما تعرف ابنها تما ما بحكم الجوار في السكن بين العائلتين‪ .‬و‬ ‫ل كن الذي أردت التأكد منه هو الغرض من الاتصال بي‪ .‬و لذلك طلبت من أمير الجماعة الإسلامية عبر‬

‫مرسوله أن يتصل بالسعيد مخلوفي و يطلب منه اسم الرجل الذي كان معه في مكان محدد و وقت محدد‪،‬‬ ‫حتى أستوثق من جدية العرض و صدق صاحبه‪ .‬و ل كنني لم أعرف الجواب إلا بعد اختطافي من سجن‬

‫الحراش من طرف ج هاز أمن ال جيش حيث أبلغ ني العقيد ب شير صحراوي المدعو عثمان طرطاق رئيس‬ ‫المركز الع سكري الرئي سي للتحر يات ببن عك نون بع ضلة ل سانه بأنهم قاموا بمحاو لة ا ستدراجي ‪ 5‬مرات عن‬

‫طر يق المساجين كانت آخرها في سجن الحراش باسم السعيد مخلوفي نفسه و ل كنهم فشلوا فيها جميعا‪.‬‬

‫و أنا‬

‫لا أر يد ات هام ا لإخوة ا لذين ا ستخدموا في هذه المحاو لات أو سوء ال ظن ب هم و ل كن ني أن به إ لى أب عاد‬ ‫‪153‬‬


‫الانزلاق الذي وقعت فيه الجزائر خلال هذه الفتنة العظيمة و الطبيعة الشريرة للسلطة الحاكمة التي لا تتقيد‬

‫بدين و لا بأخلاق و لا بمهنية و لا بضمير‪.‬‬

‫و م ما أ تذكره أي ضا أن ت ضامن ا لإخوة م عي ع ندما ك نت في ق بو المح كوم ع ليهم بالإ عدام و‬

‫احتجاجهم على تعذيبي ثم تعاوني مع باقي الدعاة على مساعدة الإخوة المساجين في تجاوز محنتهم‪ ،‬كل ذلك‬

‫كان سببا في لفت انتباه إدارة السجن إلى حظوتي بين الإخوة‪ ،‬فاستدعاني مدير السجن آنذاك و هو مجاهد‬ ‫سابق في جيش التحر ير و أبدى لي أسفه على وجود ضابط و ابن عائلة ثور ية مثلي في السجن وسألني عن‬ ‫سر انق طاع الز يارة ع ني م نذ اعت قالي‪ .‬فأخبر ته بأنني أر فض أن أخا طب وا لديّ المجا هدين و أو لادي‬

‫الأبر ياء من وراء القضبان‪ .‬فقال لي إن هذا قانون يسري على الجميع‪ .‬فقلت لو كان القانون هو الساري لما‬

‫كنت أنا في هذا المكان أصلا‪ .‬فقال ماذا لو رت ّب ْتَ ز يارة لأهلك في وقت خاص و سمحنا لك بالجلوس‬ ‫معهم؟‪ .‬قلت إذا كان بإمكانك فعل هذا فلماذا تحرم مئات الآباء و الأمهات من احتضان أولادهم؟ قال‪:‬‬ ‫أنا لا أر يد أن أفتح على نفسي بابا للمشاكل‪ .‬قلت‪ :‬أنا أشكرك على تعاطفك و أق ّدِر ُ لك هذا الشعور النبيل‬

‫و ل كن ضميري لا ي سمح لي بالا ستئثار ب هذه الم يزة عن باقي الم ساجين‪ ...‬و ع ندما اق ترب مو عد الع يد‬

‫استدعاني مرة أخرى فق لت لماذا لا تخفف على هؤلاء المظلومين في مناسبة العيد و تز يل الحواجز بينهم و‬ ‫بين أهاليهم و سوف لن تخسر شيئا ما دام القانون يسمح لك بذلك‪ .‬فقال‪ :‬القانون يسمح لي و ل كن يحم ِ ّلني‬

‫المسؤولية على المشاكل إذا وقعت‪ ،‬و أنا بالنسبة لرجل مثلك أقسم لك بالل ّه أنني مستعد أن أتحمل المسؤولية‬

‫على ترتيب مقابلة لك مع أهلك في بيتي خارج السجن‪ .‬و ل كن من يضمن لي عدم وقوعي في مشاكل إذا‬

‫تعلق الأمر بالآخرين؟ قلت إذا كنت موافقا مبدئيا فدعني أتدبر قضية الضمانات فأنت قد فعلت ما يليق‬

‫بالرجال‪.‬‬

‫و فعلا التقيت بالأخ السعيد بسايح الذي كان أميرا على السجن آنذاك و أخبرته بما دار بيني و بين‬

‫مدير السجن فاستشار باقي الإخوة فأكدوا على تعهد جميع الإخوة بالانضباط إذا أتيحت لهم هذه الفرصة‬ ‫فقابلنا مدير السجن و تكفل بعد ذلك الأخ السعيد و أمراء الولايات بالتنسيق مع مسؤول الحرس على‬

‫و ضع جدول زم ني يم كن جم يع الم ساجين من ق ضاء ‪ 20‬دقي قة مع زا ئريهم في ال ساحة الأمام ية لل سجن‬

‫خ لال أ يام الع يد الثلا ثة‪ .‬و كان ال مدير وفي ّ ا لتع هده و ا لإخوة الم شرفين كذلك ف كان ع يدا مم يزا ح قا‬ ‫و انتصارا للخير على الشرِّ في النفوس و هي المناسبة الوحيدة التي زارني فيها أولادي خلال أكثر من ثلاث‬ ‫سنوات من السجن و كانت مقابلتي لهم في مكتب المدير نفسه و لم تكن مقيدة بوقت بينما انتشر باقي‬

‫المساجين في الساحة مع عائلاتهم لمدة تراوحت بين نصف ساعة و ساعة لبعض الحالات‪ .‬و ل كن هذا‬

‫‪154‬‬


‫الإن جاز كان سببا مباشرا في إحالة مدير السجن على التقاعد قبل أوانه و تعيين المدير الذي وقعت في ظله‬ ‫المجزرة‪.‬‬

‫آخر وقفة أجعلها مع الفساد الذي ارتبط ذكره عموما بالأنظمة و رموزها و ل كنه في الحقيقة‬

‫صفة لا هو ية ل ها‪ .‬فمن م ظاهر الفساد ال تي كانت ت نذر بفشل الإ سلاميين في مواج هة النظام الفاسد هو‬

‫ا ستئثار ذوي الن فوذ بالنع مة ع لى ح ساب المغ لوبين ع لى أ مرهم‪ .‬و قد وق فت ع لى هذه ال ظاهرة و أ نا في‬

‫ال سجن الع سكري بب شار و غاظني ته كم مدير ال سجن بي ع ندما د عاني لرؤ ية ب عض ا لزوار ا لذين ظن نتهم‬

‫أعضاء منظمة دولية لحقوق الإنسان فإذا بها ز يارة عائلية لأمير الجماعة المسجونين معنا في السجن و عرفنا‬ ‫بعد ذلك أن المصروف الأسبوعي المخصص من طرف الجماعة و الذي لم ترض به زوجة الأمير المصون‬

‫يفوق مرتب ضابط في الجيش‪ .‬و في سجن البرواقية كان الشقيق الأعزب للأمير جعفر الافغاني المسجون‬ ‫معنا في سجن البرواقية مثلا يتمتع بما يتمتع به إ بن أي جنرال من حيث اللباس و الأكل الذي يتزود به في‬

‫كل ز يارة و كذلك الشأن مع أصهار بعض الأمراء و معارفهم‪ .‬أما إمام مسجد المدنية الأخ عبد الل ّه‬

‫تلميذ الشيخ أحمد حماني رحمه الل ّه المفصول من عمله و القابع في نفس السجن فإن زوجته كادت تموت‬ ‫جوعا مع ابنتها لولا أن أحتالت جارتها على زوجها الأفلاني و اتخذتها غسالة عندها مقابل مرتب متواضع‬ ‫تمكنت به من ز يارة زوجها بعد شهور من اعتقاله مما تسبب له في صدمة نفسية كادت تتلف عقله‪ .‬و‬

‫الم شكلة أن هذه الآ فة متف شية ح تي في أو ساط المت صدرين للع مل الإ سلامي السيا سي حا شى الر جال‬ ‫المخلصين لقضيتهم أمثال الشيخ على بن حاج‪ 83‬الذي لم تكن عائلته تتلقى شيئا من الأموال الطائلة التي‬

‫كانت تجمع باسم المنكوبين باسم القضية‪ ،‬و حاشا صاحبه الوفي عبد القادر شبوطي‪ 84‬رحمه الل ّه الذي لم‬ ‫يكن أولاده اليتامى يجدون طعاما في بيتهم فينزلون ضيوفا على بقية صالحة من الرجال يطعمونهم خفية مما‬

‫يطعمون أولادهم و المقتول ظلما حسين عبد الرحيم‬

‫‪85‬‬

‫رئيس ديوان قيادة الجبهة الذي لم يجد أهله حتى‬

‫المواساة من طرف الإسلاميين بكل أطيافهم‪ ...‬فعلى أي شيء يراهن الإسلاميون في معركتهم الضار ية‬ ‫مع الفساد و الاستبداد إذا كان الجميع يتنفس هواء ملو ّثا و يأكل طعاما مسموما؟‪ ...‬إنني أشعر بالاشمئزاز‬ ‫عندما أسمع بعض الناس يلقبون أنفسهم قادة و أمراء باسم الإسلام و هم المسرفون في توفير المتعة لأبنائهم‬ ‫‪83‬‬

‫أخبرني المحامي رشيد مسلي أن عائلة الشيخ علي بن حاج لم تكن تتلقى مساعدة إلى أن تم تخصيص مبلغ ‪ 5000‬دينار‬

‫شهر يا لمساعدتها‪ .‬في الوقت الذي كانت الهيئة الممثلة للجبهة في الخارج تجمع باسم الجبهة أموالا طائلة لمساعدة المنكوبين من‬ ‫مناضليها و لدي شهادات من جزائر يين قدموا أموالا كبيرة للهيئة‪.‬‬ ‫‪84‬‬

‫أخبرني بذلك الأخ الذي كان يأمر أولاده باللعب مع أولاد عبد القادر شبوطي لاستدراجهم إلى بيته و إطعامهم‪ .‬و‬

‫قد التقيته في جنيف خلال ز يارته لسويسرا ‪.‬‬ ‫‪85‬‬

‫صرحت بذلك أخته أمينة في تدخل لها في حوار أجريته مع الأخ نور الدين خبابة على إذاعة وطني سنة ‪2010‬‬ ‫‪155‬‬


‫و عائ لاتهم بين ما ر جال الإ سلام الحقيق يون ا لذين وه بوا كل شيء في سبيل الق ضية تط حن أج سادهم‬

‫الأمراض المزمنة و يعتصر قلوبهم الخوف على مصير عيالهم الذين تركوهم للفاقة و العوز‪ ...‬و الأمثلة على‬

‫هذه الحقيقة المرة‬

‫‪86‬‬

‫لا يخلو منها موقع يرتفع فيه الأذان‬

‫و لا حول و لا قوة إلا بالل ّه‪.‬‬

‫إن هذه الشهادة مؤلمة بكل تأكيد و يخشى البعض أن يستغلها أعداء المشروع الإسلامي في التشهير‬

‫برجاله‪ ،‬و هو تخوف مشروع و ل كنه أقل خطرا من قوله تعالى‪" :‬أتامرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم و‬

‫أنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون"‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫مما أثر في نفسي بالغ الأثر الخذلان الذي لحق أعمدة الحركة الإسلامية في الشرق الجزائري في جيلهم أمثال سي الحواس‬

‫و العربي النوي الذين كانا سادة الإسلاميين في باتنة و انتهيا في غربة و تهميش من طرف القيادات المزعومة للحركة‬ ‫الإسلامية لولا مبادرة رجال لا علاقة لهم بالقيادة و بالعمل الإسلامي الانتهازي المنظم انتشلتهم في آخر العمر‪.‬‬ ‫‪156‬‬


‫لقاءاتي مع معنيين بالعمل المسلح في سجن البرواقية‬ ‫ال سجن أع ظم الم حن ال تي يم كن أن يت عرض ل ها الإن سان ال شر يف لأن ها مج مع الأ ضرار و بوت قة‬

‫الآ لام‪ .‬فال سجن ي صيب ال كريم بالبأ ساء بحرما نه من أه له و ما له و جا هه و وط نه و ي صيبه بال ضراء ب ما‬ ‫يتعرض له من التعذيب والأمراض المزمنة وسوء التغذية و يصيبه بالزلزلة في عقيدته و فكره و مشاعره‬

‫تحت وطأة القهر وشماتة الأعداء وع جز الأصدقاء‪ ...‬و المحظوظ من وفقه الل ّه إلى اغتنام الفرصة للتعلم من‬ ‫هذه التجر بة القاسية والاستفادة من ح ُل ْو ِها وم ُ ّر ِه َا‪ .‬وكان مما خف ّف عليّ وطأة السجن لقائي بكثير من‬

‫العناصر التي ساهمت في تفجير العمل المسلح‪ ،‬فاستطعت الحصول على تفاصيل كثيرة زادتني اطلاعا على‬ ‫ما كان يجري في كواليس الجماعات المسلحة مما ساعدني على تشخيص دقيق للأزمة الدمو ية التي أهل كت‬

‫ال حرث و الن سل في الجزا ئر وعل ّمت ني أن الق ضايا العا مة لا يم كن ف هم تفا صيلها بع قل وا حد و لا ال شعور‬ ‫بحقيقتها بقلب واحد‪ .‬و كان من بركات هذه التجر بة عليّ‪ ،‬موقفي الثابت من النزاع المسلح الذي تجنبت‬

‫التورط فيه عن اقتناع تام بمآلاته رغم قر بي الدائم من بوتقته و لظاه‪ .‬و المقام لا يتسع ولا يسمح بذكر‬

‫جميع من التقيت بهم لأنهم مئات‪ .‬و ل كنني سأكتفي بمن في شهادتي عليه عبرة لغيره‪.‬‬

‫أحمد الود‪ 9‬طالب متخصص في الطب على باب التخرج ترك الجامعة و لب ّى نداء الجهاد إلى جانب‬

‫المسلمين المستضعفين في أفغانستان ضد الشيوعيين‪ .‬و شهد له من عرفوه بالشجاعة و الصدق‪ .‬و كان أول‬ ‫من بو يع سنة ‪ 1991‬كأمير للجماعة الإ سلامية المسلحة المكلفة من طرف الحالمين بالخلافة الراشدة ممن‬

‫عرفوا بعد ذلك بالأفغان العرب ثم القاعدة في القرن الواحد و العشرين‪.‬‬

‫التقيته في سجن البرواقية وكان بيني و بينه نقاش جاد وكلام طو يل ذو شجون عن مسائل متعددة‬

‫استفدت منها ما يلي‪:‬‬

‫‪ )1‬أن هذا ال شاب ق طع م شوار درا سته والت حق بالج هاد الأف غاني مقتن عا ب حق ال شعب‬

‫الأفغاني المسلم في الدفاع عن حريته و استقلاله و عاد من أفغانستان بعد سقوط النظام الشيوعي‬ ‫ليلتحق بأنصار المشروع السياسي في الجزائر دون تعصب لحزب بعينه‪ .‬و ل كنه بعد اعتقال أن صار‬

‫الجبهة في شهر جوان ‪ 1991‬بو يع بالإمارة على الجزائر يين الأفغان بتوصية من رؤوسهم المتواجدين‬

‫إلى ذلك الحين في مضافة أسامة بن لدن بأفغانستان‪ ،‬و الذين أقنعوه فيما بعد بأن صناعة الجهاد‬ ‫حكر عليه هو و رفاقه و لا ينبغي ترك رايته للمغرورين بالسياسة أمثال عبد القادر شبوطي و السعيد‬

‫مخلوفي‪ .‬و لذلك انخرط مع زملائه في عملية تعبئة داخل صفوف الجبهة الإسلامية لسحب البساط‬ ‫من تحت أرجلهما ثم انتقل للتخطيط لعمليات عشوائية يأخذ بها المبادرة و يفرض الأمر الواقع‬ ‫‪157‬‬


‫على جميع الإسلاميين‪ .‬و ل كن الأمر اختلط عليه منذ أحداث قمار و شعر بأن تحركاته مرصودة‬

‫عن قرب و أن جماعته اخترقت خاصة بعد أن قتل أعز اصحابه أحمد القبايلي في اشتباك مع أجهزة‬ ‫الأمن ببلدبة المنيعة في الجنوب الجزائري فاجتهد في الاحتياط لنفسه و ترك الإمارة عمليا بعد أن‬

‫ناز عه في ها من صوري المل ياني و ل ك نه و جد نف سه وج ها لو جه مع قوات ا لأمن ال تي حا صرته مع‬ ‫مجموعة من أقرب مساعديه منهم قريبه البشير فأصر على الاشتباك معهم طمعا في الشهادة و ل كنه‬

‫أصيب إصابات بليغة هو و زوجته و أدخلا السجن بعد أن تعرضا لعملية تعذيب مروعة و حكم‬

‫عليه بالإعدام و على زوجته بالسجن‪.‬‬

‫‪ )2‬لم يكن يبدو لي منه تأسف على أي شيء كأنه كان مقتنعا بأنه أدى ما عليه‪ .‬و ل كنه‬

‫مرا عندما أخبرته بأن مبادرته إلى تشكيل إمارة الجماعة الإ سلامية المسلحة و التآمر مع‬ ‫بكى بكاء ّ‬

‫جماعة الملياني و أنصاره لضرب السعيد مخلوفي تسبب في إفشال المساعي التي كان ي بذلها رجال لا‬ ‫يقل ّون عنه حمية للإ سلام و ل كنهم أعرف منه بواقع الأزمة و تعقيداتها و أقدر منه و من رفاقه‬ ‫على النجاح في إ ي جاد الحل لها‪ .‬و قد أدرك في النهاية أن جماعته كانت ضحية مؤامرة لدوائر أمنية و‬ ‫قال لي بالحرف الواحد‪ :‬يا ابن أختي‪ ،‬أنا مقتنع بأن ذمتي لن تبرأ حتى يسيل دمي في إصلاح هذا‬

‫الأمر‪ .‬و و الل ّه لو علمت أن الحركة الإ سلامية المسلحة كانت على هذا المستوى من الوعي ل كنت‬ ‫أول أنصارها و ل كنني خدعت بالإسلام و حسبي الل ّه و نعم الوكيل‪.‬‬

‫‪ )3‬ر غم ت حول نظر ته ت جاه الحركة الإ سلامية الم سلحة و اعترا فه بالخ طأ ا لذي ارتك به‬

‫بخضوعه لرفاقه في أفغانستان بقبوله إمارة الجماعة‪ ،‬إلا أن موقفه من السلطة ازداد حدة بعد اقتناعه‬ ‫من الاستغلال البشع لطموحات الجزائر يين الأفغان من طرف النظام‪ .‬و لعل ما تعرض له هو‬

‫و زوجته من تنكيل على يد أجهزة الأمن كان له أثر سيء على موقفه‪ .‬و لذلك تورط في عملية‬ ‫فرار يائ سة دا خل سجن البرواق ية و ق تل في م جزرة سركاجي مع ع شرات الم ساجين فيما ز عم أ نه‬

‫محاولة فرار أيضا‪.‬‬

‫‪ )4‬رغم أنه أول أمير للجزائر يين الأفغان و أحد أبطالهم إلا أنه كان ضحية لابتزاز العناصر‬

‫المتطر فة في الجما عة الإ سلامية الم سلحة أم ثال فتح ال نور و م سعودي الم بروك و غ يرهم من ا لذين‬ ‫يمتحنون ولاء ال ناس للإسلام بحظهم من الدمو ية و التهور‪ .‬و قد استغل المذكوران سطوتهما على‬ ‫المساجين في بداية الأمر و حاولا إثارة الشبهات حولي بالتعاون مع الخائن عمروش الذي يعرفان‬

‫قضيته جيدا و ل كن غلبت عليهما شقوتهما و لا حول و لا قوة إلا بالل ّه‪.‬‬ ‫‪158‬‬


‫ع بد ال قادر سلام‪ 9‬إ سلامي مت شدد من و سط العا صمة‪ ،‬من حي القب ّة بال ضبط‪ .‬رب ما لأ نه ينت ظر‬

‫الموت في كل لحظة لأن قلبه يشتغل ببطار ية‪ .‬كان تكفير يا و ل كنه ترا جع و أصبح محار با لجماعة التكفير‬

‫و الهجرة‪ .‬صديق قديم للشيخ علي بن حاج و أحد العناصر الفاعلة معه في تأطير مظاهرات أكتوبر ‪1988‬‬ ‫بالعاصمة‪ .‬تعاون مع السعيد مخلوفي و عبد القادر شبوطي في تجنيد الشباب قبل الإضراب ثم تراجع بعد‬ ‫ظهور الشائعات حولهما و دخل في تعاون مع جماعة العاصمة‬

‫و ل كنه ما لبث أن اعتقل‪ .‬شاهد على‬

‫كل الاجتماعات التي تجري في الأقبية بين مختلف الجماعات الإسلامية في العاصمة خاصة على مستوى‬

‫القيادات‪ .‬التقيته في سجن البرواقية و كان في وضعية إحباط متقدمة‪ .‬حدثني عن كثير من الأمور المتعلقة‬ ‫بنشاط الإسلاميين في العاصمة‪.‬‬ ‫ح سين م تاجر‪ 9‬أميرجما عة الأخذر ية‪ ،‬مح كوم عل يه بالإ عدام في ق ضية اخت طاف م حافظ ال شرطة‬

‫بالأخدر ية و قتله سنة ‪ .1992‬و كان له نفود في أوساط المساجين‪ .‬قابلته في سجن البرواقية مرتين بترتيب‬ ‫منه مع حراس السجن‪ .‬كانت المقابلتان في غرفة الانتظار للحمامات‪ .‬و كان موضوع اللقاء متعلق بدفاعي‬ ‫عن السعيد مخلوفي و عبد القادر حشاني الذين يعتبره ما حسين متاجر مرتدين عن الإ سلام‪ .‬و كان ير يد‬

‫مني ال كف عن الوقوف في وجه أدعياء السلفية الجهادية حتى لا يضطر إلى ات خاد موقف متشدد تجاهي‬ ‫قد يكلفني حياتي‪ .‬فطلبت منه أن يتعظ بما هو فيه من المحنة و يسوق لي دليلا معتبرا على ردة عبد القادر‬

‫حشاني أو السعيد مخلوفي فكان مما قاله‪ :‬بعدما نفذنا عملية بني مراد و استولينا على الأسلحة و الذخيرة من‬

‫مركز الدرك‪ ،‬اتصلنا بعبد القادر حشاني و قلنا له‪ :‬أنت ولي أمرنا الشرعي و نحن رهن إشارتك فمرنا فأمرنا؟‬

‫بما تر يد‪ .‬أتدري ماذا كان جوابه؟ لقد أمرنا أن نرجع الأسلحة إلى الدرك‪ .‬إنه أمرنا أن نستسلم للطاغوت‬

‫ب عد أن ن صرنا الل ّه ع ليهم‪ .‬أ لا ترى أ نه أ صبح من أول ياء ال طاغوت؟ أ لا تع لم أن الو لاء و ال براء أ ساس‬

‫الإسلام؟‬

‫قلت‪ :‬أنت ادعيت بأن حشاني ولي أمرك‪ ،‬أليس كذلك؟ أولا‪ :‬هل استشرته في تنفيذ عملية بني‬ ‫مراد؟ هل كنت تراه ولي أمرك قبل تنفيذها؟ ثانيا‪ :‬إذا كنت تر يد بولائك لعبد القادرحشاني وجه الل ّه و‬

‫تعتقد أنه أميرك‪ ،‬فلماذا لم تطعه في رد السلاح إلى الدرك‪ ،‬أو تبدي استعدادك المبدئي للطاعة على الأقل؟‬ ‫هل فعلت أيا من ذلك؟‪ ...‬قال‪ :‬لا‪ ،‬لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‪ ...‬قلت‪ :‬لا أظنك عصيته‬

‫طاعة لل ّه لأنك لم تفكر في ذلك عندما قررت القيام بالعملية‪ .‬قد تكون عصيته لأنه خالفك فيما تريد لأنك‬ ‫تعت بر نف سك أو لى بالإ مارة م نه‪ ...‬أر يدك أن تف كر في هذين ال سؤالين مل يا ق بل أن تج يب نف سك‪ .‬لأ نك‬

‫رجل محكوم عليه بالإعدام و يمكن أن تساق إلى القتل في أي لحظة و لا ينفعك عندئذ غير الصدق مع‬

‫نفسك أولا ثم مع الل ّه أخيرا‪ .‬أما بالنسبة لعبد القادر حشاني فالذي أعلمه بيقين هو أنه كان عارفا بالوضع‬ ‫‪159‬‬


‫أح سن م نك و م من م عك و قد أر سل إ ليكم من ي حذركم من الب قاء في الب يت ا لذي تح صن ف يه بع ضكم‬

‫بالقصبة في الوقت المناسب و ل كنكم أصر يتم على البقاء فيه حتى تم تطو يقه ثم نسفه مع البيوت المجاورة من‬

‫طرف قوات الأمن‪ .‬هل تذكر ذلك؟‪( ...‬قال‪ :‬نعم)‪ .‬قلت‪ :‬فأعد النظر في موقفك من الرجل و اتق الل ّه‬

‫في هؤلاء الشباب المغرورين و لا تثقل كاهلك بأوزارهم‪.‬‬

‫كان اللقاء الثاني وديا اعترف فيه حسين متاجر بالتسرع في الحكم على قيادات العمل الإ سلامي‬

‫المخلصين و قال إنه استشار من يثق فيهم خارج السجن فذكروني له بخير و أن موقفه من السعيد كان قائما‬

‫على معلومات قديمة و أن الجماعة الآن على تواصل معه و متفهمة لمواقفه السابقة‪ .‬و لمست خلال اللقاء‬

‫م عه تراج عا عن المو قف المت شدد ا لأول و ا ستعدادا لمناق شة الق ضايا ب كل شجاعة و قد تج سد ذ لك ع لى‬ ‫أرض الواقع في تحسن ملحوظ طرأ على سلوك المتطرفين تجاه باقي المساجين بصفة عامة و اطمئنانهم إلى‬

‫رؤيتي للأحداث بصفة خاصة‪.‬‬

‫لقد كان موضوع النقاش محددا من طرف حسين متاجر و موقفه هو و اتباعه من قيادات العمل‬

‫الإسلامي داخل السجن و خارجه فقط‪ .‬أما موقفه من السلطة و أتباعها فلم يكن محل نقاش أصلا‪.‬‬

‫يوسف بوصبيع‪ 9‬من قدامى الحركة الإ سلامية الجزائر ية المسلحة التي أسّ سها الشيخ مصطفى بو يعلي‬

‫رحمه الل ّه‪ ،‬كتوم و شديد التحفظ فيما يقول و يفعل كأنه مقبل على الل ّه من فوره‪ .‬قوي النفس و ل ك نه‬ ‫لطيف العبارة‪ .‬حكم عليه بالإعدام مع سبعة من المتهمين في قضية تفجير المطار الشهيرة‪ ،‬و ل كن تأجّ ل‬ ‫تنفيذ الحكم فيه بسبب الإصابة البليغة في رجله‪ .‬التقيته في جناح المحكوم عليهم بالإعدام عدة مرات و‬ ‫ت حدثت م عه في ق ضايا كث يرة متعل قة بعلاق ته بال شيخ م صطفى بو يعلي و جماع ته ثم بعلاق ته مع التكف ير و‬

‫الهجرة و الجماعة الإسلامية المسلحة‪ .‬و ل كن أهم ما استفدته منه هو تفاصيل عن علاقة الجماعات المسلحة‬ ‫ببعضها في العاصمة و قضية تفجير المطار التي سردت تفاصيلها في موضع متقدم من هذه الشهادة‪ .‬و قد تم‬

‫تنفيذ حكم الإعدام فيه بطر يقة غير شرعية حيث تم الإجهاز عليه داخل القاعة "أ" في سجن البرواقية رغم‬ ‫أنه بقي حي ّا بعد نسفها من طرف الدرك‪ .‬و الأخ محمد معيز الذي ما زال حي ّا يرزق من الشهود على أن‬ ‫يوسف كان ح يا ب عد تفجير القا عة و أن الإج هاز عل يه تم ب عد اقت حام القا عة من طرف عناصر ال تدخل‬

‫السر يع‪.‬‬

‫نور ا لدين خ مارة‪ 9‬مه ندس متخ صص في الطبوغراف يا من ق صر الب خاري و النا ئب ا لأول لأمير‬

‫ال كتي بة الخ ضراء بمنط قة التي طري ال شيخ عط ية ال سايح‪ .‬مح كوم عل يه بالمؤ بد في ق ضية ك مين لدور ية تاب عة‬ ‫ل شرطة ق صر الب خاري‪ .‬أخبر ني عن ن شأة ال كتي بة الخ ضراء م نذ أول لح ظة و ن شاطها الم سلح و ا لدعوي‬ ‫‪160‬‬


‫ال سلمي و علاقت ها بالجما عات ا لأخرى و ر فض قيادت ها الان ضواء ت حت إ مارة الجما عة الإ سلامية الم سلحة و‬

‫الحركة الإ سلامية أيضا إلى أن اشتشهد أميرها السايح عطية‪ .‬علمت منه تفاصيل دقيقة عن عملية الهجوم‬ ‫على ثكنة بوقزول ابتداء من التخطيط و انتهاء بالمصير المأساوي للعسكر يين الذين تواطآ مع ال كتيبة لاقتحام‬

‫الثكنة‪ .‬كما علمت منه المشادّاة التي وقعت بين الشيخ عطية السايح و أمير الجماعة الإ سلامية المسلحة محمد‬ ‫علال المدعو (موح لفيي) على خلفية تكفيره للشعب الجزائري و كادت تؤدي إلى قتل موح لفيي لولا‬ ‫تدخل نور الدين و آخرين و أخبرني أيضا عن قصة الع سكر يين المتواطئين مع الجماعة الإ سلامية المسلحة في‬

‫الاستيلاء ع لى ثك نة الرغا ية‪ .‬كما عل مت م نه أن عط ية لم ين ضم إ لى إ مارة الأف غان ر غم أ نه منهم و لذلك‬ ‫حاول المخ تار ا لذي ح ضر بي عة أح مد ا لود ت شكيل جما عة ضرار لل كتي بة الخ ضراء تاب عة للجما عة الإ سلامية‬

‫انطلاقا من العبادية و ل كنه فشل‪.‬‬

‫و قد التقيت بمسؤول الحركة الإ سلامية المسلحة في الغرب الجزائري محمد النيل الذي حدثني عن‬

‫مشار يع الحركة في الغرب الجزائري و إجهاضها من طرف أنصارمنصوري الملياني و تفكيكها من طرف‬

‫جهاز المخابرات‪ ،‬كما حدثني المجاهد الحاج محمد عن نشاط الحركة في منطقة بشار و عين الصفراء و مشكلتها‬ ‫مع جماعة السعيد قاري‪.‬‬

‫ال سعيد ب سايح‪ 9‬أ ستاذ ثانوي في مادة الر يا ضيات من منط قة ا لأغواط‪ .‬يعت بر من ر ُ ّواد الحركة‬

‫الإسلامية في المنطقة و أعمقهم تجربة‪ .‬واكب كل تطوراتها منذ السبعينات‪ .‬تبنى التمرد المسلح على النظام‬ ‫في بداية الثمانينات و اعتقل عدة مرات و سجن‪ .‬اعتقل في الحملة الجزافية لمناضلي الجبهة في بداية التسعينات‬ ‫رغم أنه لم يكن عضوا و لا مناضلا فيها و بعد أن قضى شهورا في المعتقل تم تحو يله إلى السجن مباشرة‬

‫بتهمة تكوين جماعة إرهابية‪ .‬التقيته في سجن البرواقية و تعاونت معه على تخفيف وطأة السجن على ضحايا‬

‫الأزمة‪ .‬و قد عاش نزلاء سجن البرواقية أحسن أيامهم في الفترة التي كان فيها أميرا على السجن‪ .‬و انزلق‬

‫الو ضع إ لى الكار ثة ب عد عز له من طرف الم سؤولين ع لى أ حداث البرواق ية المأ ساو ية‪ .‬حدثني عن محاو لة‬

‫جماعة الملياني و عبد الناصر علمي استدراجه للتعاون معهم على حساب قيادة الحركة الإسلامية المسلحة‪.‬‬

‫أما جماعة الجزائر يين الأفغان فقد التقيت بقيادات من جماعة البيض و تيارت و تلمسان و الجلفة‬

‫و العاصمة و ضواحيها و الأغواط و الشلف و غيرها‪ .‬حدثوني جميعا عن تجاربهم في هذه المحنة العظيمة و‬ ‫ل كنني لم أهتم كثيرا بأسمائهم و أغلبهم ما زال حيا يرزق‪.‬‬

‫كما التقيت بأساتذة من مختلف أرجاء الجزائر ممثلين للشعب على مستوى البرلمان المنتخب و المجالس‬

‫الولائية و البلدية و مسؤولين في الإدارة و التعليم و أطباء و رؤساء مكاتب و أعضاء في المجلس الشوري‬ ‫‪161‬‬


‫الوطني للجبهة لكل منهم تجربته الخاصة مع العمل الإ سلامي السياسي و المسلح و ل كن المقام لا يتسع لذكر‬ ‫أسمائهم و كانوا كلهم مجمعين على أن العمل المسلح أمر واقع فرض نفسه على الجميع بشكل أو بآخر‪.‬‬

‫ديدي روجي أبو أمين‪ 9‬هذا الر جل ال ك هل مواطن م سيحي فرنسي أصلي عاش طفول ته و شبابه‬

‫ن ّش الا إلى درجة الإدمان‪ .‬حيث أصبح لا يتحكم في حركة يده عندما يرى شيئا ثمينا حتى بعد أن تاب من‬

‫ح حال ُه ‪ .‬قضى في السجون الفرنسية أكثر من ‪ 14‬سنة‪ .‬إعتنق اليهودية في السجن الفرنسي‬ ‫صل ُ َ‬ ‫آفة النشل و َ‬ ‫بعد أن أقنعته حملة تبشير ية بقضية اليهود المضطهدين من طرف المسلمين الفلسطينيين ثم تصهين و سافر إلى‬ ‫تل أب يب و تج ند في ال جيش الإ سرائيلي و ق ضي أك ثر من سنة في الخد مة الع سكر ية تأ كد خلال ها أن‬

‫المضطهدين الحقيقيين هم المسلمون الفلسطينيون فتعاطف معهم و ترك الخدمة في الجيش الإسرائيلي و عاد‬

‫إ لى فرن سا و اح تكّ بالجال ية الفل سطينية والجزائر ية و أع لن إ سلامه و تزوج من ف تاة جزائر ية الأ صل من‬ ‫مستغانم و أنجب معها أمين و جهاد و حاول أن يعيش كمواطن فرنسي مسلم صالح ‪.‬‬

‫تزامنت ز يارته للجزائر مع إضراب الجبهة و هاله مظهر القمع الذي يتعرض له الإسلاميون فعرض‬

‫على بعض مناضلي الجبهة الإسلامية في العاصمة تزو يدهم بالسلاح للدفاع عن أنفسهم فقبلوا‪ .‬ذهب من‬ ‫فوره إلى فرنسا و شحن مجموعة من المسدسات والبنادق القناصة على متن سيارة ‪ 505‬كبيرة الحجم و دخل‬

‫بها إلى الجزائر‪ .‬و لما أراد تسليم الأسلحة تنكر له الجميع و لم يستقبله أحد في العاصمة‪ .‬حاول الاتصال ببعض‬ ‫المهاجرين الذين يعرفهم في فرنسا فوجد محمد و أخاه من بسكرة فسافر إليهما‪ .‬و لما أخبرهما بما جرى نصحاه‬ ‫بالتخلص من هذه الأسلحة في أ قرب و قت‪ .‬و أث ناء خرو جه من ب سكرة لاحظ ت سربا للو قود من خزان‬

‫السيارة فاضطر إلى تركها لدى ورشة لتلحيم السيارات لإصلاحها و كان ذلك سببا في اكتشاف أمره و‬

‫إل قاء ال قبض عل يه من طرف فر قة ا لدرك و الح كم عل يه بالإ عدام و ع لى الم هاجرين ا لآخرين بال سجن‬

‫(‪ 5‬و‪10‬سنوات) من طرف المحكمة الخاصة‪.‬‬

‫مأساة هذا الفرنسي لم تتوقف عند هذا الحد‪ .‬فقد استغلتها الدوائر الحاكمة آنذاك في تشو يه سمعة‬ ‫قيادة الجبهة و ادعت أن قيادتها كلفته بهذه المهمة و أن بعض الأسلحة فعلا استعملت من طرف قناصة‬

‫مج هولين ر غم أن الأ سلحة ت مت م صادرتها كل ها من طرف ا لدرك و لم ير ها أ حد غيرهم‪ .‬ك ما طفت ل غة‬ ‫الخ شب إ لى ال سطح من جد يد ع لى ل سان حما لات الح طب لب عث أ ساطير ال سبعينات بأن الإ سلاميين‬ ‫رجعيون و متواطئون مع فرنسا و إسرائيل‪ .‬و كان الرد على هذا الاتهام الباطل بالمثل من طرف مسؤولي‬

‫الجبهة في بلدية سعيدة‪ ،‬حيث زوروا وثيقة صادرة من الولاية (أمرا بمهمة) يحمل اسم ديدي روجي و معه‬

‫اسم الفقيه أو المراني و نشروها في وسائل الإعلام لإيهام الرأي العام بأنه من الجماعة التي توظفها السلطة‬ ‫‪162‬‬


‫ضد الجب هة‪ .‬ك ما د خل ا لرئيس الفرن سي فران سوا مي تران ع لى ال خط بدعوى ا لدفاع عن مواط نه الفرن سي و‬

‫حذر السلطة الجزائر ية من تنفيذ حكم الإعدام فيه و بعث قساوسة خصيصا لز يارته و الاطمئنان عليه‪ .‬و‬

‫قد ألغي حكم الإعدام في حقه فعلا رغم إصراره على إسلامه و رفضه العودة إلى المسيحية‪ .‬و قد كلفه‬

‫ر فض الار تداد عن الإ سلام عذابا ألي ما ي فوق الو صف صبه عل يه شرذمة من ال حراس الخسي سين ب عد‬ ‫أحداث البرواقية‪ .‬فز يادة على ما كان يناله كل المساجين من التعذيب و الإهانة كانت هذه الشرذمة تنفرد‬ ‫به في ساحة ال سجن و تنهال عليه ضربا بقضبان الحديد حتى لا يقوى على الحراك‪ .‬ليس لأنه فرنسي أو‬

‫لأنه مجرم بل لأنه مسلم‪ .‬إن هذا ما استقر في وعي بعض الحراس من خلال التعبئة المسمومة التي كانوا‬ ‫يتعرضون لها باستمرار فأصبح الإسلام عندهم ذر يعة كافية للعدوان‪ .‬و هذا من أخطر الانزلاقات التي وقع‬

‫فيها كثير من أعوان الدولة و أدّت إلى التعسف في حق كثير من الأبر ياء‪.‬‬

‫إن ذكري لبعض اللقاءات التي جمعتني بمختلف العناصر الفاعلة في الأزمة قبل و بعد تفجرها ليس‬

‫من باب الترجمة لهم فهذا ليس مقام ذلك و ل كنني أحاول أن أساعد المهتمين بهذه القضية على إعادة‬

‫النظر في تصورهم لحيثياتها‪ .‬فالعنصر الأساسي في تفجر الوضع في الجزائر كان و ما يزال في نظري هو عدم‬

‫التوا صل بين الجزا ئر يين م ما جعل هم غر ضا سهلا في مت ناول أ عدائهم في ا لداخل و ال خارج‪ .‬فالأغلب ية‬

‫الساحقة من الإسلاميين الذين التقيت بهم سياسيين و مسلحين يمكنهم بالتواصل المستمر بناء أرضية صلبة‬

‫لإطلاق مشروع إسلامي وطني قابل للتطبيق و الاستمرار و تحقيق المقاصد الشرعية للإ سلام دون حاجة‬ ‫للتنطع في احتكار مقوم من مقومات الشعب الجزائري كله‪ .‬كما أن التواصل المستمر مع قيادات وطنية‬

‫ذات نفوذ في دوائر النظام سيكون كفيلا بالحد من نفوذ الدخلاء المعادين لمقومات الشخصية الوطنية و‬ ‫يفتح آفاقا واسعة للتعاون في إطار القواسم المشتركة بين الجزائر يين‪ .‬و قد انتهى كثير من المعنيين بالأمر من‬

‫الطرفين إلى الاقتناع بهذه الحقيقة و ل كن بعد أن أصبحت معوِ ّقات التواصل بينهم أكثر تعقيدا‪.‬‬

‫قضية الحاج علي بن رقية‪ 9‬إن هذا الرجل ليس من الإسلاميين و لا من المسلحين و ل كنه مثال‬ ‫للضحايا الحقيقيين في هذه الأزمة الوطنية رغم نصيبه من المسؤولية في بعض ما حصل له‪.‬‬ ‫من مواليد سنة ‪ 1935‬في بلدية المدية‪ .‬مجاهد في ثورة التحر ير‪ .‬و بعد الاستقلال اشتغل بجد و‬

‫جهد في التمر يض و تصليح الأحذية و الخياطة و السياقة و البناء و انتهى به الأمر تاجرا في السبعينات و‬ ‫أنشأ بالاشتراك مع تاجر آخر أكبر سوق لبيع التجهيزات ال كهرومنزلية و الإل كترونية في منطقة التيطري‬ ‫في الثمانينات و أ صبح من أع يان المنطقة و ت عرف عليه المسؤولون من خلال متجره ال كبير ر غم أنه لا‬

‫يحسن الكتابة و لا القراءة (باستثناء قراءة رسم الم صحف)‪ .‬بنى م سجدا في ال حي الذي ي سكنه و كفل‬ ‫‪163‬‬


‫إما مه ال حاج لح سن رحمه الل ّه ق بل أن تظ هر الجب هة الإ سلامية للو جود‪ .‬و في سنة ‪ 1993‬ب عد أن شاعت‬ ‫الفوضى و عم الرعب منطقة الوسط طالبه مسلحون بدفع ‪ 100‬مليون سنتيم نقدا فقال لهم أنه لا يملك‬

‫هذا المبلغ‪ ،‬فأخذوا منه ‪ 50‬مليونا عنوة و طالبوه بدفع الباقي خلال أسبوع و إلا قتلوه‪ .‬فرأى من الأحوط‬

‫له أن يخبر مصالح الأمن لأن المسلحين قالوا له إذا اعتقلت فقل الحقيقة‪ .‬فاتصل بصديقه محافظ الشرطة‬

‫بالمدية و أخبره بما حصل له و أنه سيضطر لدفع المبلغ الباقي حفاظا على حياته ما دامت الدولة عاجزة عن‬

‫حمايته‪ .‬و قبل أن تنقضي المهلة استدعاه محافظ الشرطة و أخبره بأن الأولى له أن يدخل السجن حفاظا‬ ‫على حياته حتى يتم التحكم في الوضع؛ فسلم أمره إلى الل ّه‪.‬‬

‫و بدأت رحلة الحاج على بن رقية من مخافر الشرطة و الدرك و المخابرات في المدية و لم يشفع له‬

‫التبليغ عن القضية و لا علاقاته الخاصة بالمسؤولين و لا كبر سن ِّه و لا جهاده في ثورة التحر ير‪ ،‬فتعرض‬

‫للضرب و الإهانة و التعذيب من كل صنف بتهمة تموين و دعم الإرهاب الباطلة‪ .‬و كانت ثاني محطاته‬ ‫سجن البرواقية الذي سيق إليه مع الحاج بن رقية العشرات من أعيان المنطقة بنفس التهمة أغلبهم لم يكونوا‬ ‫من المصلين و لا من الذين يطعمون المسكين بل و من الذين شهروا السلاح على مناضلي الجبهة قبل أن‬

‫تشهره عليهم السلطة نفسها مما جعل بعضهم يتعرض للانتقام من طرف بعض المساجين السفهاء بذر يعة أنه‬

‫تبو ّل واقفا‪ .‬و أثناء وجوده في سجن البرواقية تقدمت عشرات الشاحنات العسكر ية ليلا‬

‫و استفرغت‬

‫التجهيزات الإل كترونية من المحل التجاري ال كبير و المقدر قيمتها على الفواتير الرسمية بثمانية مليارات سنتيم‬

‫(‪ 8‬مليارات)؛ فيما قدرت الخسائر الإجمالية ب ‪ 13‬مليار سنتيم و نصف‪ .‬و تمت العملية خلال ساعات‬ ‫الل يل الطو ي لة و حا لة ح ضر الت جول ال صارمة و حا لة ال طوارئ ال سار ية المف عول و شعار (ي جب أن يغ ير‬

‫ال خوف موق عه) و ع يون ال مواطنين المتفر جة من خ لف ال ستائر‪ .‬و ب عد الانت هاء من عمل ية إخ لاء الم حل‬

‫انسحبت شاحنات الرائد حمانة و تم إضرام النار في ما بقي في المحل من الخردة ق ُب َي ْل الفجر‪ .‬و في الصباح‬ ‫قالت المصادر الرسمية أن الإرهابيين هم الذين فعلوا ذلك في ظروف يعرف العام و الخاص أن مصالح‬

‫الأمن تحصي على المصلين خطواتهم و تقتحم على الأطفال و النساء مخادعهم في جوف الليل بحثا عن‬

‫الإسلاميين المختبئين في الدواليب و ليس المتجولين ليلا بالشاحنات الثقيلة في قلب مدينة المدية‪.‬‬

‫محطة الحاج علي الثالثة كانت في سجن سركاجي و ما أدراك ما سركاجي و زبانية سركاجي‪.‬‬ ‫و ل كنه عندما وقف بعد تسعة أشهر من المعاناة أمام المحكمة الخاصة و ما أدراك ما المحكمة الخاصة‬

‫لم تجد ب ّدا من تبرئة ساحته و إطلاق سراحه مع جميع المتهمين فيما عرف بقضية أغنياء التيطري‪ ...‬فماذا‬

‫عن رزقه المحروق و كرامته المهدورة و سمعته الملوثة و‪...‬؟ إن هذا ما لا ينبغي أن يفكر فيه الحاج علي عند‬ ‫‪164‬‬


‫المتحكمين في آلة التدمير الذاتي للجزائر و الذين يقتلون الضحية و يمشون في جنازتها‪ .‬و لذلك كان لا بد من‬

‫إخماد صوته‪ .‬فجاءه الخبر من بعض معارفه بأنه مستهدف بالاعتقال مرة أخرى من أجل تصفيته و عليه‬ ‫مغادرة المدية فورا في انتظار الحصول له على جواز سفر لمغادرة الجزائر‪ .‬فهرب إلى العاصمة و بقي مستخفيا‬ ‫فيها إلى أن تم ترتيب تسفيره إلى السعودية بتأشيرة عمرة و منها إلى اليمن التي بقي فيها عدة سنوات هو و‬

‫زوجته ح تى طال ته أيدي منقذي الجمهور ية في الجزائر و خيره م سؤول الأمن لدى ال سفارة الجزائر ية في‬

‫اليمن سنة ‪ 1997‬المدعو التهامي بين التجسس على الجالية الجزائر ية في اليمن لصالح المخابرات الجزائر ية أو‬ ‫الت صفية ف ساعدته أج هزة ا لأمن اليمن ية ع لى م غادرة ا ليمن مع جزا ئر يين آ خرين تفاد يا لو قوع م شاكل ع لى‬

‫التراب اليمني لينتهي المطاف بالحاج علي ‪ -‬الذي سهر الليالي الشاتية في جبال التيطري و وديانها من أ جل‬ ‫استقلال الجزائر و بزوجته الحاجة التي طالما اشتغلت حمالة لمجاهدي ثورة التحر ير ‪ -‬في جز يرة بر يطانيا التي‬

‫يفصلها عن الجزائر بحر و محيط و عدة أقطار حيث طلب اللجوء و ح صل عليه سنة ‪ 2001‬بعد مرافعات‬

‫أمام مصالح الهجرة و اللجوء‪ .‬و تكفلت بإطعامه و كسوته و إسكانه و بكل ما يلزمه للعيش ال كريم حكومة‬ ‫الممل كة البر يطانية العظمى مراعاة لسنه و إشفاقا على حاله ‪.‬‬

‫ف هل اكت فى الأو صياء ع لى أ من الن ظام الجزا ئري الرا شد بت شريد هذا الع جوز ا لذي ت جاوز سنه‬

‫السبعين و نفيه بعد مصادرة أمواله عن طر يق القرصنة؟‪ ...‬كيف و هم يعتبرون ذلك إهانة ل كبر يائهم‬

‫الزائفة‬

‫و غرورهم المفرط‪ .‬إنهم قادرون على شراء الذمم و إثارة البلبلة و تهديد أمن الشعوب في عقر‬

‫دار ها‪ .‬فك يف ي جار طر يدهم و يرد له اعت باره و لو في حدود الإن سانية‪ ...‬ل قد كا نت أ حداث سبتمبر‬

‫‪ 2001‬الملعونة التي تبن ّتها القاعدة صك غفران للسلطة المجرمة على كل ما ارتكب ته في حق الجزائر و شعبها‬ ‫و حق نة إ ضافية من الج نون ع لى جنون ها‪ .‬و لذلك أدار الخو نة آ لتهم الإجرام ية من جد يد عن طر يق‬

‫الصحف الفرنكفونية و أصدروا أمرا عالميا بالبحث عن الحاج علي بن رقية بتهمة قيادة الجماعة الإ سلامية‬ ‫الم سلحة ال تي اختط فت و اغتا لت ره بان د ير تبح يرين ثم بت شكيل جما عة إرهاب ية في ال خارج بالت عاون مع‬

‫زوجته‪ ...‬و لم يكتفوا بهذا بل تواطأوا مع صحيفة بر يطانية ساقطة لشن حم لة تشهير ضد ال شيخ الم سكين‬

‫أ صيب ع لى إثر ها بال سكري هو وزوج ته ظ نا م نه أن ال سلطات البر يطان ية ستعتقله ب ناء ع لى ذ لك الك لام‬

‫الفارغ‪.‬‬

‫و جاء ميثاق السلم و المصالحة و كان الحاج علي أول المسارعين إلى مباركته و قام بالاتصال بلجنة‬

‫الم صالحة و و عده ال قائمون ع لى لم شروع ال سلم بت سو ية و ضعيته و تعو ي ضه ع لى ما أ صابه من التع سف‪ .‬و‬ ‫استصدروا له جواز سفر جزائري و سلموه وثيقة ال كف عن البحث عنه من طرف السلطات الجزائر ية‬

‫بعد أن أمضى محضر تحقيق لدى مباحث المخابرات و برمجوا دخوله إلى الجزائر بحيث تصادف مع نزول‬ ‫‪165‬‬


‫رئيس الجمهور ية إلى مطار هواري بومدين فكان من مستقبليه و ألبسوه في المطار بدلة ر ياضية تحمل شعار‬

‫المصالحة الوطنية و قبل الرئيس بوتفليقة رأسه و زاره مسؤولون من الأمن في داره حتى ظن أنه في حلم‪.‬‬ ‫و لما عاد إلي بر يطانيا لعب الدور الذي فشل فيه السفير الجزائري في بر يطانيا و قام بحملة حقيقية لدعم‬

‫الم صالحة ثم است صدر جواز سفر لزوج ته و عاد مع ها إ لى الجزا ئر و ق ضى شهورا سعيدة بين أه له ثم بدأ‬

‫إجراءات المطالبة بتعو يضه عن الخسائر التي لحقته خاصة و أن المحضر الخاص بحرق محله يحمل المسؤولية‬

‫مجهولين لا يعلمهم إلا الل ّه و قائد الناح ية الع سكر ية الأولى و أج هزة الامن الأخرى ال تي لم ت تدخل ضد‬

‫الزملاء اللصوص طبعا ليلة السطو على محل الشيخ علي‪ .‬ل كنه عندما أراد مغادرة الجزائر للمرة الثانية منع‬ ‫من الخروج على مستوى المطار و أخبر بأنه مطالب بالمثول أمام العدالة في قضية ذات طابع اقتصادي و‬

‫اتضح بعد التحري أن القضية متعلقة بشيكات بدون رصيد و دعاوى رفعت في غيابه لا تقوم على أساس‬ ‫باعتبار أنه لم يمارس أي نشاط تجاري في الجزائر منذ اعتقاله سنة ‪ .1994‬و ل كن الإ شكال في أن هذه‬

‫القضايا لا يمكن البث فيها إلا بحلول موعد الدورة القضائية و بعد برمجتها في جدول الدورة و هذا بدوره‬ ‫لا يمكن القيام به إلا بتسليمه نفسه لوكيل الجمهور ية و دخوله السجن‪.‬‬

‫و هكذا عاد عمي الحاج علي المسكين برجليه إلى السجن و هو يحلم بتصفية ملفه بعد أسبوع إن شاء‬

‫الل ّه‪ .‬و فعلا مثل أمام المحكمة و صدر في حقه حكم بالبراءة من جميع التهم المنسوبة إليه‪ .‬و مع ذلك لم‬ ‫يفرج عنه بذر يعة وجود تهمة أخرى اكتشفتها العدا لة الموقرة مؤخرا تقتضي بقاءه في السجن هذه المرة‬ ‫بأمر من وك يل الجمهور ية‪ .‬الته مة ت قول أن ال حاج ع لي بن رق ية كان موظ فا في شركة عموم ية أفل ست في‬

‫عشر ية الدم و تم حلها و تصفيتها من طرف العدالة و تبرئة أغلب الموظفين فيها و جميع المتهمين من التجار‬

‫المتعاملين معها و أقفل ملفها في الوقت الذي كان فيه عمي علي مشردا‬

‫أي في وقت الخالوطة‪ .‬و هذا‬

‫كلام لا أساس له من الصحة لأن عمي علي كان تاجرا و لم يكن موظفا في مؤسسة عمومية أبدا‪ .‬و بعد‬ ‫شهور من السجن جاء موعد الجلسة و وقف الحاج علي بن رقية المعتبر موظفا في الشركة العمومية حسب‬

‫عريضة الاتهام أمام القاضي و حضر معه م حاموه و شهود من المتهمين في القضية نفسها‪ .‬و بدلا من البث‬ ‫في قضيته لم يجد رئيس الجلسة ما يبرر به هذه المهزلة غير قوله‪ :‬أنت لم تمثل أمام قاضي التحقيق و لا‬

‫يمكن البث في قضيتك قبل الدورة القادمة‪ ،‬يعني بعد سنة إن شاء الل ّه‪ .‬فالتمس له محاموه الافراج المؤقت‬ ‫لأنه رجل مسن و مريض يعاني من السكري ز يادة على أن تهمته غير مؤسسة‪ ،‬و ل كن المحكمة رفضت‬

‫الالتماس ليبقى عمي علي في السجن إلى أجل غير مسمى ليس لأنه متهم بصفة رسمية كما يظهر و ل كن فقط‬

‫لأنه في غمرة الحلم بدأ النبش في قضية وقعت في اليق ظة و نسي أن قرار دفنه في السجن صدر في الليلة‬

‫‪166‬‬


‫ال تي أ حرق في ها مح له من طرف مج هولين لن يت عرف أ حد ع لى هويتهم إ لا ب عد تطه ير مؤس سات الدو لة‬ ‫الجزائر ية من جميع الفاسدين شر يطة أن يتم ذلك في اليقظة و ليس في المنام‪.‬‬

‫و من أجل إزالة اللبس في هذه القضية اقترحت على ابن عمي علي توكيل الاستاذ فاروق قسنطيني‬

‫للدفاع عنه باعتباره أحد ممثلي الرئيس في مشروع المصالحة حتى يكونوا على بينة مما تحت البساط الذي‬

‫يقفون عليه و يعلموا ان تعهدات الشرف التي صرحوا بها للمواطنين تتطلب منهم الاختيار بين الوقوف في‬

‫وجه الشرذمة المجرمة ب حزم و صرامة أو الاعتراف العلني بالعجز و الانسحاب من دائرة الضوء‪ .‬و قد قبل‬

‫الاستاذ اعتماد ا لدفاع عن الحاج ع لي في شهر أوت ‪2008‬و أم لي أن يبعث الإفراج عن هذا المواطن‬ ‫المظلوم الأمل في إمكانية التحول الإ يجابي في مسار هذه الأزمة المقيتة و إلا فعلى عرابي الحكم الراشد و‬

‫دولة القانون أن يخرصوا غير مشكورين‪.‬‬

‫إن حالة عمي علي عينة من مأساة شعب بأكمله‪ .‬و رغم أنها قضية شخصية للحاج علي إلا انني لم‬

‫استشره في نشرها لأنني أعتبرها جزء من مأساة أعيش في صميمها و أنا شاهد عليها رغما عني و عنه‪ .‬و‬ ‫لذلك فأنا لا أسوقها للتسلية و لا للتعز ية و ل كن لأمكن المعنيين بهذه القضية من النظر إليها من زوايا‬

‫مختل فة ح تى تت ضح ال صورة الحقيق ية للأز مة و تظ هر ملامح ها بج لاء‪ .‬ف لا يم ني ا لبعض أنف سهم بأنها ق ضية‬ ‫سياسية أو أمنية فحسب‪ ،‬بل هي منذ البداية مؤامرة خسيسة ضد شعب استعصى على المستعمر الأجنبي و‬

‫أر يد له أن يدمر نفسه بنفسه‪ .‬و لينتبه الغيورون على الجزائر إلى ان تشخيص الأزمات لا ينبغي أن يقوم‬ ‫على الفرضيات و الاستنتاجات النظر ية و تخيل القضايا خلف المكاتب من طرف الموظفين أو المتقاعدين‬

‫الذين يملؤون فراغهم بالنظر في القضايا من مواقعهم المريحة و مناقشتها مع سماسرة السياسة و الإعلام و‬

‫دوائر المخابرات و إنما ي كون بناء على الاقتراب من الواقع ا لذي يعيشه الناس و تقلي به من كل الو جوه‬ ‫دون إه مال جزء من ال صورة مه ما كان تاف ها لأن الق ضية متعل قة با لدماء و ا لأعراض و ا لأموال و ما‬

‫يترتب على المساس بها من آثار وخيمة على ال كرامة و الشعور و الفكر‪.‬‬

‫ق ضى ع لي بن رق ية ث لاث سنوات ب عد ن شر ق ضيته في هذه ال شهادة و لم ي تذكره ر ئيس الم صالحة‬

‫بوتفليقة الذي يسرح في كل مناسبة عشرات الآلاف من المجرمين و اللصوص و الشواذ و لم يطلق سراحه‬

‫إلا بعد أن رق قلب مدير السجن الذي يقبع فيه لحال زوجته بعد أن زارها بنفسه في غربتها فاستخدم‬

‫كل المخففات القانونية التي تسمح بإطلاق سراح الحاج علي من سجنه‪ .‬و قد تكلمت شخصيا مع مسؤول‬

‫الأمن الجديد الذي تم تعيينه لدى السفارة في لندن بشأن عمي علي و تأكد من عبثية التعامل مع قضيته و‬ ‫رتب إجراءات السماح له بالخروج من الجزائر للالتحاق بزوجته التي تعيش وحدها منذ أكثر من ثلاث‬ ‫‪167‬‬


‫سنوات في بر يطان يا و هذا ب عد أن توا صل مع ق يادة الم خابرات ع لى أع لى م ستوى‪ .‬مما يدل ع لى أن الجم يع‬

‫يعرفون الحق و ل كن الأهواء و الشهوات تمنع الناس من التواضع له‪.‬‬

‫‪168‬‬


‫الجزء الثامن‬ ‫علاقة المخابرات الجزائر ية بالجماعات الإسلامية المسلحة‬

‫في سجن الحراش‬ ‫إختطافي من سجن الحراش‬ ‫اللقاء الأول مع المدير العام لأمن الجيش‬ ‫الهدنة بين السلطة و الجيش الإسلامي للإنقاذ‬ ‫لقاء القطيعة‬ ‫حدث ذو دلالة في الطر يق إلى المنيعة‬

‫‪169‬‬


‫في سجن الحراش‬ ‫لم ي كن م قامي طو ي لا في سجن ال حراش لأن مدة العقو بة المح كوم ع لي ب ها كا نت ع لى و شك‬

‫الانقضاء و مع ذلك فقد كان محطة هامة في مسار تجربتي في هذه الأزمة‪ .‬تعرفت فيه على أساتذة محامين‬ ‫مطلعين على عشرات الآلاف من الملفات المتعلقة بالإسلاميين و كان على رأس هؤلاء الأساتذة الأ ستاذ‬

‫بشير مشري الذي التقيت به مجددا هناك و كان في ذلك الوقت المحامي المفضل للمتهمين بالانتماء للجيش‬

‫الإسلامي للإنقاذ و الأستاذ رشيد مسلي الذي كان مرافعا مشهورا في أوساط المساجين في سجن الحراش‬ ‫خاصة المتهمين بالانتماء للجماعة الإسلامية المسلحة و الجبهة الإسلامية‪ .‬و علاقتي بهما ما زالت مستمرة إلى‬ ‫هذه اللحظة‪ .‬و من مخازي النظام في الجزائر أن يتعرض هؤلاء الأ ساتذة المحامون و أمثالهم إلى السجن و‬

‫الته ميش و الت شهير و هم من أ عرف ال ناس بح قائق هذه الأز مة و الأ جدر بت قديم الم شورة المخل صة و‬

‫ال صائبة لحل ها بينما يعت مد في ذ لك ع لى المرتز قة و السماسرة ا لذين لا هم ل هم سوى التطب يل و التزم ير و‬ ‫التناحر على خطف الفتات من موائد الفاسدين‪ ،‬باستثناء من خلصت نيته في السعي للإصلاح ‪.‬‬

‫و مما علمته في سجن الحراش و أرى أن من المفيد توثيقه في هذه الشهادة حادثتين اختصرهما فيما‬ ‫يلي‪:‬‬ ‫‪ 8‬ـ حاميها حراميها‬ ‫أخبر ني الأ ستاذ الم حامي ر شيد م سلي بأن موك له و هو م هاجر في فرن سا م من عادوا إ لى الجزا ئر‬

‫للاستثمار فرضت عليه جماعة حسن حطاب ضريبة مقابل عهد أمان لمتجره ال كبير في الضاحية الشرقية‬

‫للعا صمة فق بل ال عرض‪ .‬و ب عد أ شهر ت عرض المت جر إ لى ه جوم لي لي من طرف م سلحين في زي إ سلامي‪،‬‬

‫فاتصل صاحب المتجر فورا بحسن حطاب الذي أرسل إلى عين المكان مجموعة من المسلحين الذين دخلوا‬

‫في مناوشة مع المهاجمين و حاصروهم في محيط المتجر إلى أن تدخلت دور ية من خفارة الحرس الجمهوري‬

‫و أل قت ال قبض ع لى من ب قي ح يا من الم هاجمين‪ .‬و في ال غد بدأ الم حامي إ جراءات ر فع ا لدعوى ضد‬

‫المهاجمين علما بأن حراس المتجر المسلحين كانوا قد استدعوا من طرف مخفر الشرطة صباح ذلك اليوم و‬ ‫جردوا من سلاحهم بحجة فحصه و تجديد الترخيص لحامليه‪ .‬و قد تم خطف أحد الحراس أثناء الهجوم و‬ ‫لم يفرج عنه إلا بعد التوافق على حل المشكلة‪ .‬و لذلك فإن صاحب المتجر طلب من المحامي عدم رفع‬

‫الدعوى و نسيان الموضوع لأن السلطات المعنية اتصلت به و وعدته بتعو يض خسائره كلها فورا و نقدا و‬ ‫ل كنهم حذروه في نفس الوقت من أن رفع الدعوى سيفقده كل شيء و أنه سيطالب أمام العدالة بتهمة‬

‫‪170‬‬


‫تموين الإرهاب ز يادة على ذلك‪ .‬المهم أن يغلق الملف و لا يعلم أحد بأن الشرطة هو أنفسهم اللصوص و‬ ‫قد استغلوا سلطتهم و نفوذهم من أجل ارتكاب الجريمة‪.‬‬

‫و هذه الحادثة في الحقيقة هي النتيجة الحتمية للخيار الذي تبنته السلطة في يناير ‪ 1992‬كما كان‬

‫يراه العق لاء الذين بحت أ صواتهم في تحذير الق يادة العسكر ية من المغامرة‪ .‬و ل كن ال غالبين على الأمر لم‬

‫يكن يع نيهم سوى الانتقام التع سفي من الإ سلاميين ا لذين هز موهم في المناف سة السياسية و المحاف ظة ع لى‬ ‫الامتيازات التي يوفرها لهم النظام القائم‪ .‬أما ما يترتب على ذلك من تسيب و انحراف و فساد في الدولة‬

‫و المجتمع فهذا لم تكن عقولهم تستوعبه في غمرة الغرور‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ تهريب الأسلحة من الخارج‬

‫سمعت عن محاولات و مخططات تهر يب الأسلحة من الخارج كثيرا و كنت مقتنعا شخصيا بأن ما‬

‫سمعته مبالغ فيه إلى درجة مقرفة خاصة ما نسب إلى الجالية الجزائر ية في أوروبا‪ .‬و ل كنني بعد خروجي من‬

‫الجزائر تأكدت تماما من ذلك الاقتناع و علمت علم اليقين بأن المصدر الرئيسي لتسليح الجماعات الإسلامية‬ ‫كان من الجزائر نفسها‪ .‬بينما تشكل قوات الأمن في الدول الإفر يقية الم جاورة (مثل مالي‬

‫و النيجر‬

‫و موريتانيا و تشاد و بدرجة أقل المغرب و نيجير يا ) المصدر الخارجي الوحيد للتزود بالأسلحة المتوسطة و‬

‫الثقيلة‪ .‬أما محاولات التهر يب من أورو با فإنها كانت مرصودة بدقة حيث يمكن للمهربين أن يتجاوزوا كل‬ ‫حدود ا لدول بأ مان لي جدوا أج هزة ا لأمن الجزائر ية في ا ستقبالهم لم صادرة ت لك الأ سلحة‪ .‬أ ما ما أم كن‬

‫تهري به ف هو ا ستثناء لا ي قاس عل يه من ج هة و كان في بدا ية ا لأمر ق بل أن ت ستكمل الم خابرات اختراق ها‬

‫لخلايا الجماعات المسلحة في الداخل و الخارج‪ .‬و لا بأس من ذكر حالة واحدة ذات مغزى‪.‬‬

‫التقيت السيد (إ براهيم كنتور) أحد المناضلين القدامى المحكوم عليهم غيابيا في قضية تهر يب باخرة‬

‫الأسلحة على شاطئ (سيقلي) المنسوبة لحزب الرئيس السابق أحمد بلة في الثمانينات و قضايا أ خرى متعلقة‬ ‫بانتمائه إلى تمرد حزب القوى الاشتراكية في الستينات‪ .‬و قد اعتقل بتهمة التورط في تهر يب أسلحة لصالح‬

‫جماعة إسلامية في الجزائر سنة ‪ .1994‬و قد أخبرني بأن شحنة من الأسلحة مرسلة من أورو با اجتازت‬ ‫كل الحدود من فرنسا إلى الجزائر عبر المغرب و إسبانيا و ل كن في موعد التسليم جاءت قوات الأمن إلى‬

‫عين المكان و هو مرآب في مدينة مغنية الجزائر ية و صادرت الأسلحة و تم تحميله هو المسؤولية على تهر يب‬

‫تلك الشحنة‪ .‬و هذا يؤكد بأن الم خابرات الجزائر ية كانت على علم بأمر هذه الشحنة و المتورطين فيها قبل أن‬

‫يغادروا أورو با أصلا‪ .‬و ل كن المثير في قضيته هو أنه لم يتعرض للتعذيب أو الاستنطاق كما كان يحصل‬ ‫مع المته مين في ق ضايا تاف هة في ذ لك الو قت‪ ،‬ك ما لم يتم الترك يز م عه ع لى الته مة الأ صلية المتعل قة بتهر يب‬ ‫‪171‬‬


‫الأسلحة و إن ما طلب منه أن يشهد بالزورعلى قضايا أخرى لها علاقة بالرئيس الشاذلي بن جديد و أحمد بن‬ ‫بلة و آيت حمد حسين‪ .‬و لست أدري إلى أين انتهت المساومة معه و ل كنه في النهاية غادر السجن و عاد‬ ‫إلى فرنسا حيث يسكن هو و عائلته‪ .‬و قد اتصل بي منذ مدة قصيرة دون أن يتسنى لي الحديث معه بشأن‬ ‫ما حصل م عه بعد افتراقنا‪ .‬و ل كن قضيته تدل على أن قوة الشرذمة المتسلطة على مؤسسات الدولة في‬

‫الجزائر تكمن في الأوهام التي تعيشها المعارضة التي في كل مرة ينوب طرف منها عن النظام في إضعاف‬ ‫طرف آ خر لتخرج المعار ضة كل ها في المح صلة بخ في ح نين و يب قى الن ظام الفاسد المتر هل جاثما ع لى صدر‬

‫الشعب‪.‬‬

‫‪172‬‬


‫إختطافي من سجن الحراش‬ ‫لو لم أتلق تدريبا عسكر يا في حياتي لكانت تجربتي في مركز التعذيب ببن عكنون و محنتي في السجن‬

‫ببشار و البرواقية كافية لتأهيلي أمنيا‪ .‬فكيف و قد نشأت في حضن الجهاد و قضيت زهرة شبابي‬

‫(‪ 14‬سنة) ضابطا عاملا في صفوف نخبة الجيش الوطني الشعبي‪.‬‬

‫لقد جازفت و أنا على بينة من أمري بنصرة الحق والتمرد على القرار الظالم الذي اتخذته القيادة‬

‫العسكر ية و لم أتراجع لحظة واحدة عن موقفي حتى و أنا ت حت التعذيب و لن أتاسف بعون الل ّه أبدا على‬ ‫ذ لك المو قف ال شر يف‪ .‬و قد ك نت متأ كدا من أن الم جرمين الخو نة في ال سلطة سي ستهدفونني بالت صفية‬

‫بطر ي قة أو بأخرى ر غم ع لم الق يادات الع سكر ية و ال ضباط و الج نود ا لذين عم لت مع هم بأن موقفي مع‬

‫خطورته و حساسيته كان بناء على ما يقتضيه الوفاء لشهدائنا و قيمنا الوطنية التي هي أقدس من القوانين و‬ ‫النظم التي من المفروض أن تكون في خدمة الشعب لا في امتهان كرامته‪.‬‬

‫و قد أف شلت جم يع المحاو لات الخبي ثة لا ستدراجي و ال تي ا ستخدم في ها م ساجين من الإ سلاميين‬

‫المفترضين و استغلت فيها علاقتي بالسعيد مخلوفي و عبد القادر شبوطي و غيرهما‪ .‬و لذلك كان لا بد لي أن‬ ‫أستبق الخيار الأخير و الذي لا يخرج عن حالتين‪ .‬الأولى هي اغتيالي بعد خروجي من السجن مباشرة في‬ ‫حاجز مز يف‪ .‬و الثان ية هي اخت طافي ب عد ال خروج من ال سجن و إ شاعة الت حاقي بالج بل ثم الإع لان عن‬

‫اغتيالي في عملية اشتباك ارهابي مع مغاوير السلطة الأبطال‪ .‬و قد حضرت البدائل اللازمة للتعامل مع‬ ‫كل حالة‪ .‬و هكذا اتفقت مع الأستاذ بشيرمشري و الأستاذ رشيد مسلي بصفة فردية‪ 87‬على تحضير رسالة‬

‫للإع لان عن اخت طافي من طرف ج هاز الم خابرات مباشرة ب عد خرو جي من ال سجن و ات خاذ ا لإجراءات‬

‫اللازمة لأرسالها فورا بالفاكس إلى أكبر عدد من وكالات الأنباء و جمعيات حقوق الإنسان‪ .‬كما اتفقت‬ ‫‪87‬‬

‫من خلال تواصلي بالأستاذين كنت أعلم بأن بينهما خصومة غير معلنة ناتجة عن التنافس بين الأقران في نظري و ل كنها‬

‫تحولت إلى حرب باردة بين ممثلي طرفين من الاسلاميين تفرقت بهم سبل العمل المسلح في تلك الفترة‪ .‬و كان الاستاذ‬

‫مشري موكلا من طرف عناصر الجيش الإسلامي للإنقاذ و يعتبر عناصر الجماعة مجرمين بينما كان الاستاذ مسلي موكلا من‬ ‫طرف الجماعية الاسلامية المسلحة و المحسوبين على السلفية من الجبهة الإسلامية و لم أتمكن من الصلح بينهما رغم الثقة‬

‫طة التي رسمتها و كان ذلك من حسن حظي لأن تنافسهما على‬ ‫حد َة تأمين ًا للخ ّ‬ ‫المتبادلة بيننا و لذلك اتفقت معهما كل ّا على ِ‬ ‫ل التهم مباشرة بعد هذه الحادثة مع الأسف‪.‬‬ ‫الوفاء كان سببا في تعاونهما على انجاح المهمة‪ .‬و قد عادا إلى الخصومة ِ و تباد ِ‬

‫أسجل هذا في شهادتي حتى ي ُؤخذ كلام الرجلين عن بعضهما بتحفظ و لا يعو ّل عليه إلا بتأكيد طرف ثالث محايد‪ ،‬خاصة و‬ ‫قد اجتمعت عندهما قضايا الص ّراع الدموي بين السلطة و الإسلاميين و يعرفان من الحقائق ما لا تعرفه أجهزة الأمن بحكم‬

‫الثقة التي تمت ّعوا بها لدى المتّهمين‪.‬‬ ‫‪173‬‬


‫معهما على أن يكون كلاهما حاضرا داخل قاعة المحامين في الصباح الباكر لرصد عملية إخراجي من الزنزانة‬

‫نظرا لاحتمال وجود عملاء في إدارة السجن يمكنهم إخراجي بطرق ملتو ية‪ .‬وهذا ما حدث بالضبط‪ .‬فقد‬

‫ات ّضح أن م سؤول الأفراد في سجن ال حراش لم ي كن سوى عو نا إدار يا مجر ما من أ عوان الم خابرات ملحقا‬ ‫سجن‪.‬‬ ‫بال ّ‬

‫و الحقيقة أنني لم أكن أحاول أن أتحدى قدري لأنني موقن بأن الأعمار بيد الل ّه و ل كن الذي‬

‫كان يهمني هو أن أفضح المجرمين و أضعهم تحت طائلة المساءلة بقية حياتهم‪.‬‬

‫و قد غادر الأستاذ مسلي رشيد السجن بعد تأكده من خروجي من الزنزانة و ركب سيارته في‬ ‫انتظار خروجي مع الأستاذ مشري من باب الموظفين في الوقت الذي بقي الأ ستاذ مشري يتابع تنقلي بين‬

‫مصالح السجن إلى أن استكملت جميع الإجراءات و تقدمت إلى سجل الخروج لإمضائه‪ .‬و كان المفروض‬

‫أن أم ضي مح ضر ا ل خروج في ال سجل و أ غادر مع الأ ستاذ م شري ا لذي كان ينتظر ني في م مر خروج‬ ‫ال موظفين‪ .‬و ل كن م سؤول ا لأفراد ا لذي رافق ني خ طف من يدي ا ستمارة ال خروج ب عد إم ضائها بحركة‬

‫بهلوانية و هو يقول و كأنه حق ّق نصر ًا عظيما‪ :‬الآن أنت خارج السجن‪ ،‬و ل كن الجماعة ير يدونك‪ .‬و هنا‬

‫ظ هر العق يد بن ع بد الل ّ ه و م عه الرا ئد جرو ا لذيب و ه ما من مركز الت عذيب ببن عك نون و طل با م ني‬

‫اصطحابهما دون أي حركة‪ ...‬في هذه اللح ظة صرخ الأ ستاذ بشيرمشري مخاط با المدير في مكتبه و الجم يع‬ ‫يسمعون‪ :‬لقد رأيت كل شيء و سوف أحم ِ ّلك المسؤولية على سلامة م ُو َكّ ِلي‪ .‬و حاول المدير الاعتراض على‬

‫العملية لأن الأمر انكشف‪ ،‬فوج ّه له العقيد بن عبد الل ّه كلاما بذيئا و هدده آمرا إياه بالبقاء في مكتبه ثم‬

‫أرادوا ال قبض ع لى الأ ستاذ م شري ف لم ي جدوا له أ ثرا لأ نه خرج من ال باب الخل في و انط لق مع الأ ستاذ‬ ‫مسلي على متن سيارته إلى مكان آمن من حيث أرسلوا الإعلان الصحفي الذي بث ّته وكالات الأنباء من‬

‫لندن و باريس فور ًا و طالبت منظمة العفو الدولية الرئيس لمين زروال بالتدخل فور ًا لوقف المهزلة‪.‬‬ ‫أول ما بادرني به العقيد بن عبد الل ّه‬

‫‪88‬‬

‫و هو يفتح فرجة في باب السجن هو قوله و هو يشرح لي‬

‫الموقف‪ :‬إسمع يا شوشان‪ ،‬لا تحاول أن تقوم بأي حركة لأن هذا يعني أننا سنرمي عليك تلقائيا‪ .‬السجن‬

‫محاصر كما ترى و رجالنا فوق سطح السجن و على شرفات المنازل و لن يستطيع أحد أن يقترب منك قبل‬

‫أن نقت لك ف لا دا عي للمجاز فة‪ .‬فق لت‪ :‬و من قال أن ني أر يد المجاز فة‪ ،‬إذا ك نتم لا تر يدون خرو جي من‬ ‫‪ 88‬علمت لاحقا أن بعض الضباط ينتحلون رتبا غير رتبهم الحقيقية و قيل لي بأن بن عبد الل ّه لم يكن عقيدا في هذه الفترة‬

‫و ل كن المؤكد هو أنه كان يقود فر يق الإختطاف و كان تحت قيادته النقيب جروالذيب و ضباط آخرون مما يدل على أنه‬ ‫كان ضابطا ساميا على كل حال‪.‬‬ ‫‪174‬‬


‫السجن فدعوني فيه‪ .‬قال‪ :‬هذه أوامر القيادة و هي غير قابلة للمناقشة‪ .‬ثم فتح الباب و دفعني بمساعدة جرو‬

‫ا لذيب دا خل سيارة من نوع ‪ 505‬كب يرة كا نت ملت صقة بال باب تما ما‪ .‬ب عدها انطل قت ال سيارة مخ فورة‬

‫بسيارات أخرى في اتجاه الطر يق السر يع‪.‬‬

‫في هذا الوقت كان أخي الدكتور محمد الطاهر مع باقي الزوار الذين جاءوا من كل أرجاء الجزائر‬

‫لز يارة ذوي هم الم سجونين مح شورين في م ستودع م حاذٍ ل جدار ال سجن س ِ يقوا إل يه من طرف ال حراس م نذ‬ ‫الصباح و بقوا فيه بضع ساعات حتى تمت عملية الاختطاف‪ .‬و عندما ات ّصل أخي بإدارة السجن و طلب‬ ‫م قابلتي‪ ،‬ق يل له إن أ خاك أم ضى مح ضر ال خروج و غادر ال سجن هذا ال صباح‪ .‬ف حاول الات صال بالأ ستاذ‬ ‫مشري ل كنه لم يتمكن من رؤيته إلا بعد أيام قضاها هو و كافة العائلة في وضع لا يحسدون عليه‪.‬‬

‫ب عد ‪ 5‬د قائق تقري با من ال سير ع لى الطر يق ال سر يع توق فت ال سيارة ف جأة خ لف عر بة م صفحة‬

‫فظن نت أن ها ن هايتي‪ ،‬و ل كنهم حو ّ لوني إ لى الم صفحة و وا صلوا ال سير‪ .‬وو جدت نف سي في ق فص حد يدي‬

‫دا خل صندوق العر بة الم صفحة و في مواجهتي خ لف الق ضبان أ حد ال ضباط ا لذين در بتهم سابقا برت بة‬

‫ملازم أول شاهرا سلاحه في اتجاهي‪ .‬و بادرني بالحديث قائلا‪ :‬ا ِبق مكانك و لا تنظر إلي و لا تتحرك‪.‬‬

‫قلت‪ :‬و ما لك مرعوب هكذا؟ ألا ترى أنني مقيد في قفص و بيني و بينك سياج حديدي؟ قال‪ :‬من‬

‫حقّ ك أن تقول ذلك‪ ،‬لأنك لا تعرف ما حصل في البلد بسببك‪ .‬ألست أنت الذي بدأ التمرد على القيادة‬

‫و شجع الإرهاب؟ إن البلاد قد احترقت و لم يعد أحد آمن فيها وأنت المسؤول على كل ذلك‪ ...‬فلم أتمالك‬ ‫نفسي عن الضحك من سذاجته و قلت متهكما‪ :‬إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تأخذ أنت بنصيحة مدربك‬

‫و تتمرد أيضا؛ ألا تذكرني؟‪ ...‬فانتفض كالملسوع و هو يصرخ‪ :‬لا تتكلم معي إنك تريد أن تقنعني بأفكارك‪...‬‬ ‫أنا عسكري و لا دخل لي في السياسة‪ .‬قلت‪ :‬إذن ف قم بدور الحارس و لا تبد رأيك فيما لا يعنيك‪ .‬و‬ ‫هنا فتحت فرجة من كابينة السائق ليتدخل ضابط لا أعرف اسمه و الظاهر أنه كان يسمع ما يجري فقال‪:‬‬

‫د عه يتكلم ف لن ي سمعه ب عد ال يوم أ حد‪ ...‬و فع لا خيم ال صمت ع لى ال صندوق إ لى أن فتح با به في مركز‬ ‫التعذيب ببن عكنون‪.‬‬ ‫كان في استقبالي مجموعة من الضباط العاملين في المركز و على رأسهم الرائد عبد القادر غانم الذي‬

‫كدت أن كره لأن ملام حه تغ يرت إ لى در جة كب يرة فأ صبح من ظره مرع با‪ .‬كان كالح الو جه حادّ الم لامح‬

‫شعره كثيف غلب عليه الشيب و على وجهه ظلمة الشر و الجريمة‪ .‬تقدم نحوي و قال و الحقد يطفح من‬

‫أنفاسه‪ :‬أص ّدقتَ أن عقوبتك انتهت بالسجن ثلاث سنوات يا سي شوشان؟ لقد بقيت تحلم ثلاث سنوات‬ ‫س نت صحتك و ظهرت عليك الن ِّعمة في السجن أكثر مما كنت نقيبا في الجيش‪ .‬أليس‬ ‫في السجن؛ لقد تح ّ‬ ‫‪175‬‬


‫كذلك؟‪ ...‬ع لى الع كس م ني ك ما ترى؛ ل قد أ كل ال شيب رأ سي و ضاعت صحتي‪ ...‬و قاطع ته قائ لا‪ :‬أ نا‬

‫أدّ يت واجبي كضابط على أحسن وجه عندما كان الجيش جيشا و اخترت السجن على عذاب الضمير‬ ‫فنمت قرير العين و الحمد لل ّه‪ .‬أما أنت فقد اخترت طر يق الذئاب و الضباع و حكمت على نفسك بالشقاء‬

‫إلى الأبد‪ ...‬و كان أثناء كلامي معه يفتشني بعنف فأخذ كل نقودي و أقلاما ثمينة أهديت لي‪ .‬و بعد‬ ‫أخذ صور لي أمر مرؤوسيه بتجر يدي من ملابسي و أخذي إلى الزنزانة رقم (‪ )5‬و هو يقول‪ :‬لم تعد لك‬ ‫حا جة ب هذه الث ياب لأن ال شباب أو لى ب ها م نك‪ .‬سوف لن تح تاج إ لى الث ياب أ صلا لأن نا سنن ّف ِذ ف يك‬ ‫حكمنا و نر يحك من هذه الحياة‪ ...‬و ل كن ليس قبل أن نقوم معك بواجب الضيافة‪ .‬قلت‪ :‬لو كان الأمر‬

‫ب يدك ل ك نتُ رمي ما م نذ ث لاث سنوات و ل كن ا لأمر ك له لل ّه لو ك نت تف هم‪ .‬و ت قدم م ني ملاز مان و‬

‫أمر ني أ حدهما ب نزع ث يابي فطل بت م نه ال سماح لي بف عل ذ لك في م كان م ستور ف صحبني ب عد تردد إ لى‬ ‫الزنزانة و رمى مشمعا أزرقا قذرا داخلها و قال‪ :‬سلمني ثيابك بسرعة قبل أن يأتي العنابي‪ .‬و ما أن انتهيت‬

‫من لبس المشمع حتى جاء العنابي يزمجر بكلامه البذيء و طلب من الملازم مغادرة المكان فورا و أغلق‬

‫باب الزنزانة بعنف‪.‬‬

‫لقد فعلت ما كان ينبغي علي أن أفعله و لم يبق لي حول و لا قوة أبذلها لإنقاذ نفسي غير الثقة‬

‫التامة في الل ّه سبحانه‪ .‬و لذلك انطلقت في تلاوة القرآن الذي استعدت حفظه كاملا في السجن بفضل الل ّه‬ ‫و لم أتوقف عن ذلك إلا للصلاة في أوقات قدرتها تقديرا لأن الظلام دامس في الزنزانة‪ .‬و على غير العادة‬ ‫كان المكان نظيفا رغم أن هندسته بقيت على حالها و كان هادئا و كأن ّه خال من النزلاء‪ .‬و كان آخر ما‬

‫أذكره من التلاوة أواخر سورة الأعراف أخذتني بعدها غفوة‪.‬‬

‫استيقظت على صوت الأقفال فوجدت الزنزانة مضاءة‪ ،‬و لما فتح الباب كان العقيد بشيرصحراوي‬

‫المعروف بلقب طرطاق منتصبا في الر ِ ّواق و إلى جانبه الضابط الذي ساقني إلى الزنزانة‪ .‬فنظر إليّ نظرة‬ ‫ف و تظاهر ٌ بالغضب لما رآني في تلك الحال المزر ية و انهال على الضابط شتما و تعنيفا و‬ ‫استغراب فيها تكل ّ ٌ‬

‫هو يقول‪ :‬أهكذا ت عاملون النقيب شوشان؟ من أ مركم بإلباسه هذه القذارة‪...‬؟ ثم التفت إ لي و هو ي ُظه ِر‬

‫الأسف و يلقي باللوم على مرؤوسيه و حاول أن يمرر لي رسالة سر يعة مفادها أن عملية الاختطاف كانت‬ ‫من أجل الحفاظ على حياتي و وعدني بالعودة للحديث معي بعد أن أصلح من شأني ثم أمر العنابي أن‬

‫يحولني إلى زنزانة فسيحة في انتظار ذلك‪.‬‬

‫بعد أقل من ساعة عاد إلي طرطاق و اصطحبني إلى الزنزانة المحاذية حيث وجدت المدير العام‬

‫لأمن الجيش العميد كمال عبد الرحمان في انتظارنا‪.‬‬

‫‪176‬‬


‫حاول العميد أن يتجاهل عملية الاختطاف و دخل مباشرة في محاضرة لإقناعي بخطورة الوضع في‬

‫الجزائر و ضرورة التعاون مع القيادة العسكر ية على إنقاذ البلد‪ .‬و تعمدت اختصار الطر يق عليه مقاطعا‪ :‬يا‬ ‫سيادة العميد‪ :‬لقد التقينا منذ ثلاث سنوات و قبل أن تسيل دماء الجزائر يين و ح ّذرت القيادة مما تتكلم‬

‫ع نه ال يوم بل ساني و كت بت ل هم ذ لك ب خط يدي و العق يد طر طاق شاهد ع لى ذ لك‪ .‬ف ماذا كان جزا ئي؟‬

‫تعذيب و سجن و محاولة اغتيال و في الأخير اختطاف من داخل السجن‪ .‬و أنا لا أريد أن تخدع نفسك يا‬ ‫سيادة اللواء بمحاولة إقناعي بأن اختطافي كان للحفاظ على حياتي لأن المعاملة التي تلقيتها تدل على عكس‬

‫ذلك تماما‪ .‬فإن كنتم ترغبون في التخلي عن الل ّف و الدوران و التعامل مع الأمور بجد و إخلاص من‬ ‫أجل المصلحة العليا للجزائر فأنا مستعد لجعل الماضي خلف ظهري و التعاون معكم على ذلك بدون مقابل‪.‬‬

‫أما إذا بقيتم ع لى دينكم الأ ّول فإما أن تعيدوني إلى السجن و إما أن تغتالوني‪ .‬و أنتم تعرفون أنني أعيش‬ ‫منذ ثلاث سنوات في الفائدة‪ ...‬و افترقنا على أن نلتقي في صباح يوم الغد‪.‬‬

‫كان هذا أول مؤشر لنجاح الخطة التي وضعتها مع الأ ستاذ مشري لإفشال عملية الاختطاف و‬

‫كان عليّ أن أدفع بالأمور إلى نهايتها لاختراق الحصار الذي سيضرب علي من طرف المختطفين فقررت‬

‫أن آخذ المبادرة في توجيه تطورات القضية‪.‬‬

‫عندما غادر العم يد كمال عبد الرحمن الغرفة اصطحبني طرطاق إلى زنزانة ف سيحة و نظيفة كأنها‬

‫غر فة بدون نوا فذ و و جدت في ها سريرا جد يدا و فراشا مري حا و سجادة و م صحفا و أخبرني بأن هذا ما‬ ‫تسمح به الظروف في الوقت الحاضر و إذا رغبت في أي شيء فعليّ طلبه من الحارس بدون تردد‪ .‬و أمر‬

‫الحارس بأن يوقظني عندما يسمع الأذان ثم انصرف‪.‬‬

‫في صباح اليوم التالي استأذن علي الحارس بالدخول و قدم لي طقمين فاخرين من اللباس الداخلي‬

‫و ل باس ر يا ضي من ال نوع الرف يع و توا بع النظا فة و غير ها و سألني إذا ك نت أح تاج إ لى الاغت سال‬ ‫فا ستغربت م نه ذ لك لأن الم كان لا ي توفر ع لى م ثل ت لك المرا فق و ل كن ني صحبته إ لى ال باب ال خارجي‬

‫للزنزا نات ثم توق فت ع نده خ شية أن يعت بروا ذ لك محاو لة فرار‪ ...‬إ لى أن ح ضر العق يد بن عبدال له ا لذي‬ ‫أخبر ني بأن الق يادة سمحت لي با ستعمال المرا فق الخا صة بال ضباط‪ .‬و كا نت ت لك أول مرة أ غادر في ها‬

‫الزنزانة دون عصابة و دون قيد و دون خفارة‪ .‬و بعد أن عدت إلى الزنزانة وجدت على الطاولة فطورا لم‬

‫أتناوله طوال خدمتي في الجيش و زودني الحارس بجميع الصحف الجزائر ية الصادرة في ذلك اليوم و اليوم‬ ‫الذي قبله و لم تشر واحدة منها إلى عملية اختطافي رغم أن وكالات الأنباء و الصحف الأجنبية تكلمت‬

‫‪177‬‬


‫عن الموضوع‪ .‬و ل كن تللك الجرائد كانت عبارة عن بيانات و محاضر أمنية تعكس الواقع الد ّموي الذي‬

‫كانت تعيشه الجزائر‪.‬‬

‫قبل وقت الغداء زارني المدير العام لأمن الجيش العميد كمال عبد الرحمان و أخبرني بأنه قادم‬

‫هذه ال مرة ب صفته ر سولا من الق يادة العل يا ليخبر ني بأن ها تح تاجني للم ساهمة في م شروع الت فاهم مع‬

‫الإسلاميين و أن المصلحة تقتضي أن أسكن في إقامة محروسة من إقامات الدولة في ضواحي العاصمة أتمتع‬ ‫فيها مع عائلتي بكل حر ية و تتكفل الدولة بكل ما يلزمني و لا تمنعني من استقبال أو ز يارة أحد‪ .‬و كان‬

‫جوابي على العرض مختصرا؛ بالنسبة للمساهمة في أي مشروع مصالحة جاد فأنا مستعد لأكون طرفا فيه‬ ‫بدون تحفظ و بدون مقابل‪ .‬أما بالنسبة للإقامة المحروسة فأنا ليس عندي كلام غير الذي قلته‪ :‬إطلاق‬

‫سراحي بدون قيد و لاشرط‪ .‬و بقي الوضع على حاله من الأخذ و الرد أسبوعا كاملا حاولوا خلاله إلزامي‬

‫بالتبليغ عن المت ّصلين بي من المسلحين و غير ذلك من الأمور و انتهينا أخيرا إلى إطلاق سراحي دون التزام‬

‫بشيء شر يطة أن أستجيب للدعوة إذا طلب مني الح ضور لمناقشة مشروع الوفاق الوطني و مساهمتي فيه‪.‬‬

‫بعد ذلك س ُمح لي بالاتصال بأهلي لطمأنتهم و اتخاذ إجراءات سفري من العاصمة إلى غارداية جو ّا و منها‬

‫إلى القرارة عن طر يق البر‪.‬‬

‫أثناء تنقلي إلى مطار هواري بومدين تألم ّت كثيرا لذهول الناس عما ي جري حولهم من الفظائع؛ و‬

‫كأن لسان حالهم يقول‪ :‬أ نج سعد فقد هلك سعيد‪ .‬و شعرت و أنا أنظر إلى الناس في العاصمة و في المطار‬

‫بأن الأزمة لم تعد أزمة صراع على السلطة كما كانت سنة ‪ 1992‬بل تطورت لتصبح أزمة متعددة الأبعاد‬

‫اعتاد فيها الضحية على الجلاد و أصبح المواطن مستعدا للابتسام للجلاد بوجهه و البكاء على الضحية بقفاه‬ ‫طلبا للسلامة و هو أمر لم أعهده في الشعب الجزائري قبل اعتقالي و لا حتى داخل السجن‪ .‬و هو في‬ ‫الحقي قة ما ك نت أخ شى وقو عه نتي جة الإنح ياز العل ني و ال تدخل المبا شر لل جيش في ال صراع الحا صل بين‬

‫السياسيين على السلطة‪ .‬و خطورة ذلك لم تكن تكمن في حرمان الجبهة الإ سلامية من ثمرة نضالها السياسي‬ ‫بقدر ما كانت تكمن في مسخ قيمة المواطنة في وجدان الجميع ظالمين و مظلومين و ما يترتب عن ذلك من‬

‫فساد على جميع المستو يات‪.‬‬

‫كان أول ما فعل ته ب عد و صولي إ لى ال قرارة هو الاطمئ نان ع لى م صير الأ ستاذين م شري ب شير و‬

‫مسلي رشيد فاتصلت بهما و أخبرتهما بما جرى و علمت أنهما بخير و تواعدت على اللقاء بهما‪ .‬و ل كنني‬

‫طل بت من الأ ستاذ م شري أن ي كون رفي قي في الم سيرة المقب لة و ال شاهد ع لى كل ما يح صل بي ني و بين‬ ‫السلطة‪ .‬و كان أول لقاء جمعني به في مدينة غارداية بعد حوالي شهر من إطلاق سراحي‪ .‬و بعد أن أخبرته‬ ‫‪178‬‬


‫بما جرى منذ اختطافي سألته عن تفا صيل الوضع الميداني المتعلقة بالإ سلاميين خاصة فيما يخص العلاقة‬ ‫بين الجيش الإسلامي للإنقاذ و الجماعة الإ سلامية المسلحة فأكد لي ما كنت عرفته داخل السجن بشكل‬ ‫عام و ما استفدته من الأ ستاذ م سلي عن و ضع الجماعة فاتفق نا ع لى التوا صل بال هاتف و طل بت م نه تبل يغ‬

‫رسالة إلى قيادة الجيش الإ سلامي مفادها أنني مستعد للتعاون معها إذا كانت ترغب في توحيد العمل‬

‫المسلح و ترشيده لخدمة المصلحة العليا للجزائر‪ .‬أما الأ ستاذ مسلي فقد بقي التواصل بيني و بينه عن طر يق‬

‫الهاتف و لم ينقطع إلا بعد دخوله السجن ‪ .‬و من المؤنس في خضم هذه المأساة أن أشهد بأن هذه الفترة‬ ‫التي عشتها في القرارة بعد خروجي من السجن كانت عرسا استمر اكثر من شهر لم تنقطع فيه الز يارات‬

‫عني يوما واحدا سافرت بعده إلى المنيعة و منها إلى الجزائر العاصمة‪.‬‬

‫‪179‬‬


‫اللقاء الأول مع المدير العام لأمن الجيش‬ ‫بعد شهر و ن صف تقريبا بعد إط لاق سراحي استدعيت من طرف قيادة أ من الجيش فأخبرت‬

‫الأ ستاذ م شري بذلك و سافرت إ لى العا صمة ح يث التق يت بالعم يد ك مال ع بد الرح مان و العق يد ب شير‬ ‫صحراوي و ت حدثنا في جل سة مغل قة عن الو ضع ا لأمني و ت طورات م شروع الو فاق ا لوطني ا لذي أطل قه‬

‫الرئيس لمين زروال و اتفقنا على ضرورة وقف النز يف الدموي كما أكدت على استعدادي التام للوساطة‬

‫جر‬ ‫بين قيادة الجيش و أمراء العمل المسلح شر يطة اعتراف القيادة العسكر ية بنصيبها في المسؤولية على تف ّ‬

‫الأو ضاع و ا ستعدادها للت فاوض ع لى حل الأز مة دون شروط م سبقة‪ .‬و توا عدنا ع لى الل قاء ب عد ترت يب‬ ‫الظروف المناسبة و موافقة القيادة العليا على ما تم ّ البث فيه بيننا‪ .‬و قد استبشرت خيرا بهذا التحول الذي‬

‫أبدته القيادة رغم التحفظ الذي بقي يراودني كلما فكرت في م حاولتهم تصفيتي عدة مرات و بطرق خبيثة‬ ‫من قبل‪.‬‬

‫بعد مغادرة مركز الاستنطاق ببن عكنون توجهت إلى الأ ستاذ مشري الذي اشترطت قبل قدومي‬

‫أن أقيم عنده فترة وجودي في العاصمة‪ ،‬و أخبرته بما جرى فاستحسن الأمر و أخبرني بتطورات الوضع في‬ ‫عمل ية التفاوض مع الق يادة السياسية للجبهة و م شروع الهدنة الم عروض علي ها و المتع لق بالجيش الإ سلامي‬

‫للإ نقاذ‪ .‬و قد كان الأستاذ مشري يتألم كثيرا للوضع المزري الذي وصلت إليه العلاقة بين عناصر قيادة‬

‫الجبهة و الخلاف الحاد في وجهات النظر بينها‪ .‬ك ما أخبرني بالموقف المتردد لقيادة الجيش الإ سلامي تجاه‬ ‫المبادرة التي عرضتها عليه قيادة المخابرات‪ ،‬و المتمثلة في مساعدته على مواجهة عدوان الجماعة الإ سلامية‬

‫المسلحة مقابل وضع السلاح بعد ذلك و ضمان حق الجبهة في النضال السلمي من أجل مشروعها السياسي‪.‬‬ ‫فطلبت منه تبليغ رسالة إلى مدني مزراق أمير الجيش الإسلامي مفادها‪ :‬الأصل أن لا يورّط نفسه في‬

‫التفاوض مع السلطة منفردا ما دمت أنا سأكون وسيطا عن قر يب بين القيادة العسكر ية و السعيد مخلوفي‬ ‫و بعة عز الدين و محمد السعيد و را بح قطاف و محمد بن شنوف و حسن حطاب و غيرهم‪ ،‬و ل كن إذا‬ ‫كان مكرها على قبول العرض ك ما بدا لي‪ ،‬فعليه أن يشترط على أ صحاب العرض الموافقة على تعييني مراقبا‬

‫أو مشرفا على العملية للنظر في طبيعة المساعدة المقدمة من طرف السلطة و ضمان التزامها بتعهداتها‪ .‬و قد‬ ‫جاءني الرد سر يعا بعد لقائي الثاني بالأ ستاذ مشري و الذي خلاصته أن مدني مزراق ارتاح إلى الخيار‬

‫الأول و رفض العرض من أساسه‪ .‬فطو يت من جهتي هذا الموضوع نهائيا فيما استمر فيه الآخرون سرّ ي ّا‬

‫بالطر ي قة ال تي تنا سبهم و خا صة أن ني لم أف كر في علا قة هذا ال قرار بف شل الت فاوض بين ق يادة الجب هة و‬ ‫الرئيس لمين زروال ربما لحسن ظني بأمير الجيش الإسلامي في ذلك الوقت‪.‬‬

‫‪180‬‬


‫قبل خروجي من بيت الأ ستاذ مشري متوجها إلى المطار جاءه رسول و سلمه ظرفا سميكا و بعد‬

‫ان صرافه ق ّد مه لي الأ ستاذ و هو ي قول‪ :‬هذا مب لغ من ال مال أر سلته لك ق يادة ا لأمن لت ستعين به ع لى‬ ‫مصار يف السفر و العيد الأ ضحى على الأبواب و هم يقدرون ظروفك‪ .‬قلت‪ :‬صحيح أنا لم أكسب سنتيما‬ ‫واحدا منذ دخولي السجن و ل كنني لا أر يد مالا مقابل ما أقوم به في هذه القضية بالذات‪ .‬و بعد إل حاح‬ ‫من طرف الأ ستاذ مشري لإقناعي بأن هذا المبلغ من حقي طلبت منه فتح الظرف و تعو يضي عن ثمن‬

‫التذاكر لأنني أخذته سلفة من أحد الأقارب‪ .‬ثم انصرفنا إلى المطار‪.‬‬

‫‪181‬‬


‫الهدنة بين السلطة و الجيش الإسلامي للإنقاذ‬ ‫يكت نف الغ موض م شروع الهد نة ال تي ح صلت بين ال جيش الإ سلامي للإن قاذ و ال سلطة و ال تي‬

‫تطورت فيما بعد إلى أن أصبحت ميثاقا للسلم و المصالحة‪ .‬و تحاول الأطراف الرئيسية المعنية بهذه الهدنة‬ ‫تقديمها ل لرأي ال عام في صور شتى ح سب ما تقت ضيه م صلحتها الخا صة متذر عة في ذ لك ب سر ية حيث يات‬

‫الموضوع و التزامها بشروط الاتفاق‪ .‬في حين أن الشعب الجزائري أ ْو لى بمعرفة تفاصيل هذه القضية كاملة‬ ‫غير منقوصة لأنه المعني الأول بتداعياتها‪ .‬و أكبر دليل على حقه في ذلك ما تعرض له من إ بادة على‬

‫أيدي المعارضين لتلك الهدنة داخل السلطة و خارجها‪.‬‬

‫فالهدنة في أصلها كانت عرضا مدروسا من طرف ذكي في السلطة رغم أن كل التصر يحات توحي‬

‫بأنها مبادرة اتخذها الجيش الإسلامي للإنقاذ من طرف واحد و تبنتها السلطة بعد سنتين‪.‬‬

‫و ا لذي أعل مه عن هذه الق ضية ب عد الن ظر في ما اجت مع لدي من معط يات هو أن عمل يات‬

‫الاختراق التي نجحت فيها أجهزة الأمن ابتداء من نهاية سنة ‪ ،1991‬بقدر ما كانت مفيدة لها في جمع‬

‫المعلومات و توجيه الأحداث ميدانيا بقدر ما زادت من زخم العمل المسلح و تنوعه و اتساع دائرته لأن‬ ‫آلاف العملاء و الجواسيس و العيون لم يكونوا في الحقيقة سوى جيشا من المحر ّضين الحر يصين على تور يط‬ ‫أكبر عدد ممكن من المواطنين في الأزمة حفاظا على رواتبهم و تماشيا مع نغمة الطابور السياسي للدفاع عن‬ ‫الجمهور ية الفرنسية في الجزائر‪ .‬و هكذا وجدت القيادة العسكر ية العليا نفسها عاجزة عن التحكم في الدوامة‬

‫التي أدارت عجلتها‪ ،‬فقرر طرف قوي فيها إعادة النظر في معالجة الأزمة بطر يقة أكثر نجاعة و أقل دمو ية‬ ‫بين ما أ صر طرف آ خر ع لى موا صلة سيا سة الاستئ صال‪ .‬و إذا كان ال ناس متف قون ع لى أن الفر يق مح مد‬ ‫العماري كان هو رأس الحر بة في ال طرف الاستئ صالي م نذ أن عاد إ لى الق يادة ب عد مق تل ا لرئيس مح مد‬

‫بوضياف فإنه لا أ حد يص ّدق بأن المدير ال عام للم خابرات اللواء محمد مدين كان رأس الحر بة في ال طرف‬

‫الثاني و أنا لا أر يد أن ي ُقْ ر َأ كلامي خارج إطاره الصحيح فالقضية تعني إعادة نظر في استراتيجية التعامل‬ ‫مع الأزمة و لا شيء آخر‪ .‬و قد بدأت الحرب الباردة بين الطرفين منذ ذلك الحين و كس ّر الفخار بعضه‬

‫بع ضا في صمت و ت سب ّب ذ لك في ضحايا دا خل ال سلطة و خارج ها و كان الب قاء في ها ل لأقوى‪ .‬و ر حل‬

‫الفر يق محمد العماري و جوقته من الجنرالات سنة ‪ 2004‬بعد هزيمة نكراء أمام خصمه الفر يق محمد مدين‪.‬‬

‫و لتو ضيح ال صورة أن به ال قارئ إ لى أن في ال حرب ال باردة قد ي كون خ صمك في ها بين جنب يك‪.‬‬

‫فالمرؤوسين للفر يق محمد العماري في صفوف ال جيش لي سوا بال ضرورة في صفه و الع كس صحيح كذلك‬ ‫بالنسبة للمخابرات‪.‬‬ ‫‪182‬‬


‫و قد ا ست َب َق َت ا لدوائر الاستئ صالية في ال سلطة الت حول الجد يد و حاو لت فرض منطق ها ا لد ّموي‬

‫بتصعيد العمليات القتالية في كل الإتجاهات و تكثيف عمليات التمشيط العشوائية و نسف مناطق بأكملها‬ ‫من الو جود و ت سريب أ سلحة و ذ خائر للمت طرفين في الجما عة الإ سلامية الم سلحة و ا ستهداف أن صار الجب هة‬

‫الإ سلامية للإنقاذ حصر يا من السياسيين و المسلحين لعرقلة أي مسعى سياسي لحل الأزمة‪ .‬و بالفعل فإن‬ ‫لت في هذا الات جاه آنذاك و مهما كانت مخلصة فإنها كانت تظهركذ ٍرّ للرماد في العيون‬ ‫كل المساعي التي ب ُذِ ْ‬

‫إذا ما ع ُر ِضت على الواقع الدموي التي كانت تعيشه البلاد‪ .‬و قد كان الرئيس لمين زروال آنذاك يحاول‬ ‫التوف يق بين ال فر يقين و يج مع بين النقي ضين و تقل ّب في موق فه بين ال طرفين فل ما أع جزه ذ لك حاول أن‬ ‫يستحدث منزلة بين المنزلتين فلم يجد لها متسعا إلا في بيته فاستقال ناجيا بنفسه و أغلق بابه و فمه أيضا حتى‬

‫لا تتسرب منهما أسرار الدولة الخانقة‪.‬‬

‫و قد بدأت الهدنة مبكرا بما عرف بعرض الرئيس زروال على شيوخ الجبهة سنة ‪ 1994‬و الذي‬

‫كان بإ يحاء من المدير العام للوقاية و الأمن و تبناه زروال رغم معارضة الطرف الاستئصالي في الجيش و‬

‫ل كنه تخلى عنه تحت الضغط سنة ‪.1995‬‬

‫أ ما ال مدير ال عام للم خابرات ف قد ر مى شباكه في جم يع الاتجا هات ل تدارك الو ضع بالطر ي قة ال تي‬

‫يتصورها‪ .‬فكان صيده الوحيد في البداية مدني مزراق أمير الجيش الإسلامي للإنقاذ في ال شرق الجزائري‪.‬‬

‫و قد كان الجيش الإ سلامي في ذلك الوقت يعاني من مشكلتين؛ الأولى توافد أعداد هائلة من المتطوعين‬ ‫بلغت بضعة آلاف تمكن الجيش الإ سلامي من تأطيرها و هيكلتها و ل كنه لم يستطع تسليحها و لا تموينها‬ ‫فضلا عن توظيف ها في عمل يات قتالية‪ .‬وأ صبح آلاف المج ندين عب ئا ثقيلا ع لى حوالي ‪ 400‬م سلح يمث لون‬

‫ال جيش الحقي قي العا مل ت حت إ مرة مدني مزراق‪ .‬و الثان ية هو ا ستهداف ال جيش الإ سلامي من طرف‬

‫الجماعة الإسلامية المسلحة بتحر يض و دعم مباشر من الدوائر الاستئصالية في قوات الأمن و الجيش‪.‬‬ ‫و مما تضمنه مشروع ما سمي بالهدنة لاحقا‪:‬‬ ‫‪ 1‬إعلان الجيش الإسلامي عن وضع السلاح يقابله العفو عن عناصره‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫تشكيل و تسليح مفرزات قتالية من عناصر الجيش الإ سلامي المتطوعين تحت إشراف‬

‫إ طارات ميدان ية ع سكر ية للق ضاء ع لى الجما عات الدمو ية المتطر فة ال تي كا نت ت ستهدف عنا صر ال جيش‬

‫الإسلامي بصفة خاصة‪.‬‬

‫‪183‬‬


‫‪3‬‬

‫بعد التحكم في العمل المسلح تتم مناقشة حق الجبهة الإ سلامية في النضال السياسي من أجل‬

‫دولة جزائر ية في إطار المبادئ الإسلامية‪ .‬و يخي ّر عناصر الجيش الإسلامي للإنقاذ المشاركين في استتباب‬

‫الأمن بين الالتحاق بالجيش الجزائري أو الانتقال إلى الحياة المدنية‪.‬‬ ‫‪ 4‬و ربما غير ذلك من الشروط التي لم أطلع عليها‪.‬‬

‫كانت هذه المبادرة مؤشرا واضحا على التوجه الجديد لقيادة المخابرات في التعامل مع الأزمة و ل كن‬

‫رفضها من طرف الدوائر الاستئصالية في القيادة العسكر ية كان ينذر ب حرب طاحنة بين خصمين تقليديين‬

‫داخل المؤسسة العسكر ية يمثل فيه الفر يق العماري ضباط الجيش الفرنسي السابقين خلفا لنزار خالد من‬ ‫موقعه كقائد أركان للجيش و بصفته الضابط الأعلى رتبة بينما يمثل فيه اللواء محمد مدين بقايا ضباط جيش‬

‫التحرير من موقعه كمدير عام للاستعلامات و الأمن و المستأثر في خزانته بالصندوق الأسود للدولة الجزائر ية‬ ‫ال طائرة‪ .‬و قد دا مت هذه ال حرب ال صامتة م نذ ا ستقالة ا لرئيس ل مين زروال و لم ت ضع أوزار ها إ لا ب عد‬ ‫المعركة الأخيرة التي اجتثت جميع ضباط الجيش الفرنسي السابقين من الجيش الوطني الشعبي و ملحقاته‬

‫بما في ذلك مدير ية الدرك و لم يبق منهم في المواقع الرسمية للجيش سوى اللواء قنايز ية الذي كان مهمشا من‬

‫طرف نزار خالد و محمد العماري و الذي ع ُي ّ ِن لاحقا كوزير منتدب للدفاع‪.‬‬

‫و أعتقد أن مدني مزراق كان ضحية لحدا ثة سنه و جه له بشخ صية شركائه في ال صفقة و طبي عة‬

‫طا سين من ق يادات الت يار‬ ‫العلا قة بين ق يادات ال جيش و و ظائفهم في سلم الم سؤولية ع لى غرار باقي الغ ّ‬

‫الإسلامي‪ .‬فقد بلغني أن مفاوضاته لم تقتصر على صاحب العرض الأول بل تعدته إلى خصمه الذي مثله‬ ‫العميد شر يف فضيل الذراع الأيمن للفر يق محمد العماري و العميد اسماعين لعماري الذي انحاز إلى قيادة‬ ‫الأركان رغم أنه الرجل الثاني في جهازالم خابرات طمعا في الإدارة العامة للجهاز في ظل تغول الفر يق محمد‬

‫الع ماري ع لى الجم يع‪ .‬فأ ْعفَى مدني مزراق ب سلوكه ا لأحمق صاحب ال عرض ا لأول من التزاما ته و تن كر‬ ‫الفر يق محمد العماري عل نا للتفاوض ا لذي جرى بي نه و بين ممثل يه و قال عبر شاشة التلفز يون الر سمي لا‬

‫خيار للجيش الإسلامي غير الاستسلام أو القتل‪.‬‬ ‫و لم أجد تفسيرا غير هذا لإعلان مدني مزراق الهدنة من طرف واحد و بدون قيد و لا شرط و‬

‫التمسك بها رغم استهداف مواقعه من طرف محمد العماري بالأسلحة المحرمة دوليا‪ ،‬مما جعل مدير المخابرات‬ ‫يقرر توظيف هذه الهدنة بكل حر ية و ارتياح و بدون التزامات من أي نوع في مشار يع تزكية الرئيس‬

‫عبد العز يز بوتفليقة منذ تر شحه الأول للرئاسة‪ .‬أما مدني مزراق فقد خرج من الصفقة بخفي حنين رغم‬ ‫الشقشقة التي أحدثها في حملات الاستحقاقات الرئاسية لاحقا و قد تجاذبه في نظري شعوران‪ :‬الأول هو‬ ‫‪184‬‬


‫الاعتراف بأنه أعفى مدير المخابرات من أي التزام بتفاوضه الفاشل مع ممثلي العماري الذي خسر المعركة و‬

‫أن الموافقة على إعفاء عناصر الجيش الإ سلامي من المتابعة رسميا على لسان رئيس الجمهور ية بعد إعلانهم‬ ‫الهد نة من طرف وا حد يعت بر صدقة من طرف ال لواء مدين مح مد‪ .‬و ال ثاني هو أم له في أن يثمن مدير‬

‫المخابرات شجاعته في إعلان الهد نة دون شروط و التزامه بها رغم قدرته على الاستمرار في العمل المسلح و‬ ‫يتفضل عليه مقابل ذلك بالسماح لأتباعه بالنضال السياسي في إطار القانون المعمول به في الجزائر بناء على‬

‫الأصل الأول للعرض‪ .‬و ل كن التحولات التي صاحبت الربيع العربي نسفت كل آمال مدني مزراق‪.‬‬

‫و لست أذيع سرا إن قلت هنا بأن الشيخ عبد القادر حشاني رحمه الل ّه كان أشد المعارضين لجميع‬

‫المشار يع التي طرحت لأنه كان على دراية بالصراع الدائر بين معسكرات النفوذ داخل السلطة و كان يطمح‬ ‫إلى التفاوض مع الغالب في آخر جولة‪ .‬كما كان الشيخ علي بن حاج و اثنان من القادة المسجونين من‬ ‫المعتر ضين علي ها أي ضا رب ما لأ سباب أ خرى بين ما كان مو قف ال شيخ عبا سي مدني ر ئيس الجب هة و باقي‬

‫أعضاء القيادة بما فيها الجيش الإسلامي للانقاذ يتأرجح بين التردد و الموافقة لالتباس الأمر عليهم‪.‬‬

‫فم شروع الهد نة ال تي انت هت طبع ته ا لأخيرة إ لى م شروع ال سلم و الم صالحة ك ما أ شرت إل يه م نذ سنة‬

‫‪ 1999‬لم يكن مبادرة من الرئيس و لا من الجيش الإ سلامي للانقاذ بل كان مبادرة من المدير العام‬ ‫للمخابرات الفر يق محمد مدين و بقي كذلك إلى حد كتابة هذه السطور رغم المبادرات الجانبية التي تخللته و‬

‫لا أعتقد أن أحدا في السلطة بعد الفر يق محمد العماري يمكنه الثأثير على المسار الذي ات خذه هذا المشروع‬

‫ما دام الفر يق محمد مدين مصرّا عليه‪.‬‬

‫‪185‬‬


‫لقاء القطيعة‬ ‫مما يشعرني براحة الضمير التامة أنني لم أتعامل بخبث مع أي طرف ساقتني الأقدار إلى الت ّعاطي‬

‫م عه في هذه المح نة و الح مد لل ّ ه‪ ،‬لا من مو قع ال عد ّو و لا من مو قع ال صديق‪ .‬فكا نت ع لاقتي بالحركة‬

‫الإ سلامية الم سلحة قائمة في نفس الو قت ع لى الت عاون الإيجابي فيما يحقق الم صلحة للجزا ئر و ع لى الت حذير‬ ‫الصارم من أي سلوك يدفع نحو المفسدة‪ .‬و الأحياء ممن عرفوني في هذه المرحلة يشهدون بأنني صارحتهم‬ ‫بأنني سأكون معهم ما دا موا طلاب حق ير يدون المصلحة و سأكون ضدهم إذا اختاروا الاعتداء على‬

‫حق الآخرين‪ .‬و قد ه ّددت السعيد مخلوفي نفسه بالقتل إذا استعمل القوة في حسم النزاع بينه و بين عبد‬

‫القادر حشاني ك ما ه ّددت حسن حطاب و جماعته بالمطاردة إذا أخذوا المبادرة في استعمال العنف ضد‬

‫النظام الحاكم و كان ذلك بالخطاب الصريح الفصيح الذي لا لبس فيه‪ .‬و كذلك كان موقفي مع قيادة‬ ‫الجيش قبل اعتقالي و بعده‪ .‬و أبناء نزار و العماري و جنيوحات و غيرهم من قيادات الجيش‪ 89‬الذين‬ ‫كانوا من بين طلبتي يشهدون أنني كنت أخاطبهم علنا بأنهم عسكر ي ّون في خدمة الجزائر و ليسوا في خدمة‬

‫ن طا عة الق يادة ت سقطها الم صلحة العل يا للجزا ئر و أن من ير يد أن ينت صر ل حزب‬ ‫آ بائهم و لا ق ياداتهم‪ .‬و أ ّ‬ ‫سياسي فعليه خلع البدلة العسكر ية و الانخراط فيه‪.‬‬ ‫و من ثم لم تكن لدي مواقف مسبقة من أي جزائري‪ ،‬عسكر يا كان أو مدنيا و تعاملت مع الجميع‬

‫بناء على ما ظ هر لي منهم و قامت به الحجة عليهم‪ .‬فسلوك قيادة أمن الجيش معي أقنعني بأن هذه المؤسسة‬ ‫التي هي جزء لا يت جزأ من جهاز الم خابرات بؤرة من بؤر الفساد في منظومة السلطة و ل كنها القناة الوحيدة‬ ‫للتواصل بيني و بين القيادة العسكر ية التي فيها عناصر غير شريرة يمكن التعاون معها على الحد الأدنى من‬

‫المصلحة إذا أتيحت الفرصة لذلك‪.‬‬

‫و قد كنت على وعي تام بخطورة المسلك الذي أمشي فيه و ل كنه كان الخيار الوحيد من أجل‬

‫نفض الغبار على حقيقة الصراع و تمايز أطرافه ليهلك من هلك عن بينة و يحيا من حيي عن بينة‪ .‬و على‬

‫نفس الأساس كتبت بخط يدي بيانا مفصلا ضمنته تفاصيل ما جرى إلى ذلك الحين و ختمته بتوجيه‬ ‫نداء للشعب الجزائري و آخر لضباط و جنود الجيش الوطني الشعبي و آخر لعلماء المسلمين و دعاتهم و آخر‬

‫للجماعات المسلحة‪ .‬و سل ّمت نسخة من البيان لأخي الدكتور محمد الطاهر و نسخة ثانية لابن عمي الدكتور‬

‫عثمان شوشان و طلبت منهما إرساله إلى عنوان واحد محدد في حالة تعرضي للاغتيال أو انقطاع أخباري‬ ‫كان من بين الطلبة الذين دربتهم في الفترة بين ‪ 1989‬و ‪ 1992‬ثلاثة عشر من أبناء العمداء و الألو ية تخرجوا كلهم سنة‬

‫‪ 199289‬بعد اعتقالي‪.‬‬

‫‪186‬‬


‫عنهما أكثر من عشرة أيام‪ .‬و كنت أستبق بذلك أي ني ّة مبيتة لاغتيالي من طرف الدوائر المجرمة و توثيق‬ ‫الحقيقة التي يسعى المتورطون في الأزمة إلى طمسها و تزويرها و تحميل أطراف الأزمة المسؤولية على الملأ‪.‬‬

‫أما إذا كتب الل ّه لي السلامة فإنني سأتصرف بما تقتضيه المصلحة و يتطلبه واقع الحال و لا حاجة لنشر‬

‫البيانين‪ .‬و هذا ما حصل‪.‬‬

‫خلال هذه الفترة اتصل بي أمير الجماعة الإ سلامية المسلحة في الجنوب محمود أبو طالب و ح ّذرني‬

‫من الت ّعرض للاعتقال أو الاغتيال على أيدي قوات الأمن لأنهم لن يترددوا في فعل ذلك على حد قوله‬

‫إذا تم تنف يذ أي عمل ية من طرف الجما عة في المنط قة‪ .‬و في مقا بل ذ لك عرض ع لي الالت حاق بجماع ته و‬ ‫مساعدته في إمارة مسلحي الجنوب‪ .‬فأخبرته بأن القيادة المركز ية للجماعة الإسلامية ستعاقبه على الاتصال‬

‫بي لأنها تفكر بطر يقة مختلفة عنه تماما‪ ،‬كما أنني ما زلت بصدد دراسة الوضع و تقدير الموقف و إذا عزمت‬

‫على القيام بشيء يعنيه فسأكون أنا من سيتصل به‪ .‬و قد التقيت به مجددا في منطقة الزو يرات بموريتانيا‬

‫بعد أشهر و سأعود إلى ما جرى بيني و بينه في حينه‪ .‬و الشهود على اللقاءين ما زالوا أحياء يرزقون‪.‬‬

‫ك ما بلغتني معلومات عن تواجد السعيد مخلوفي في منطقة بشار في ذلك الوقت و استقلاله بإمارته‬

‫هناك بعد وفاة عبد القادر شبوطي و إرغام بع ّة عز الدين على الالتحاق بالجماعة الإسلامية المسلحة‪.‬‬

‫و في نفس الفترة اتصل بي حسن حطاب عن طر يق الأستاذ مسلي رشيد يطلب مني الالتحاق‬

‫بالجما عة فا شترطت عل يه أن نلت قي أولا لمناق شة الو ضع و عرض ت صو ّري ال خاص للق ضية ثم ي كون ب عدها‬

‫لكل حادث حديث‪ .‬فقبل حسن حطاب الاقتراح و اتفق نا على ترتيب اللقاء مع نائب حسن ح طاب‬

‫العر يف الأول السابق عبي المدعو عكاشة في عين طاية يوم الثلاثاء ‪ 26‬سبتمبر ‪ 1995‬ليصحبني إلى حيث‬ ‫يوجد حطاب‪.‬و ل كن حسن حطاب اتصل بالوسيط لتأجيل اللقاء إلى يوم السبت ثم ألغاه تماما في الوقت‬

‫ج ها إلى المطار بناء على الموعد المضروب لمقابلته و طلب مني عدم الحضور لأن في‬ ‫الذي كنت فيه متو ّ ِ‬

‫ذلك خطر عليّ على حد قوله‪ .‬و لم أجد تفسيرا لهذا السلوك من حسن حطاب غير اكتشافه المتأخر لت َو َرّط‬

‫أميره جمال زيتوني في علاقة مشبوهة مع دوائر أمنية‪ ،‬و هو ما أكده لي الوسيط الذي كان محل ثقة كاملة‬ ‫من حسن حطاب‪ .‬لأن توتر العلاقة بين حطاب و زيتوني تصاعد منذ ذلك التاريخ و لم يتوقف إلا بمقتل‬

‫الأخير و استقلال حسن حطاب بجماعته التي سماها لاحقا الجماعة السلفية للدعوة و القتال‪.‬‬

‫في نفس الأ سبوع الذي ألغ ِي َ فيه اللقاء مع حطاب است ُدعيتُ من طرف المدير ية العامة لأمن‬

‫الجيش‪ .‬و كانت في انتظاري في المطار فرق تان من فرق الموت يقود التي ركبتُ معها في نفس السيارة‬ ‫االنقيب حسين بولحية الذي أصبح مديرا جهو يا للأمن في قسنطينة برتبة عقيد الى سنة‪ ،2011‬و يقود‬ ‫‪187‬‬


‫الثانية الرائد عبد النور المزابي و كانت فرق تة مرافقة لنا‪ .‬وصلت إلى مركز بن عكنون هذه المرة بعيدا عن‬ ‫مسلخ التعذيب و تم استقبالي من طرف الضباط باحترام كأنهم يستبقون التحاقي بهم ب جو ّ أخويّ ينسيني‬

‫الذكر يات المحزنة التي عشتها في ضيافتهم‪ .‬و كانت أول الجلسات مثيرة للغاية لأنها انعقدت في المكتب‬

‫ا لذي ي ُفت َر َض أن ي صبح مكت بي و ح ضرها العق يد ب شير صحراوي و د خل العم يد ك مال ع بد الرح مان في‬

‫المو ضوع بدون م قدمات قائلا‪ :‬هذا المك تب ا لذي أج لس خل فه سيكون مكت بك و ستكون مرؤو سا لي‬ ‫مباشرة و ستكون أول عقيد في دفعتك‪ ...‬إفتح باب الخزانة! هذه ليست أوراق للكتابة إنها أوراق نقدية‬ ‫يمكنك التصرف فيها بما يساعدك على القيام بمهمتك (خزانة مملوءة بالأوراق النقدية الجديدة)‪ ...‬قاطعته‪ :‬و‬

‫ل كن ما هي هذه المهمة يا سيادة العميد؟‪ ...‬كان العميد متكئا فاعتدل ثم قال‪ :‬المهمة تقوم على قاعدة‪:‬‬

‫(انهيار السقف يتطلب نسف الأعمدة)‪ .‬و الأعمدة في العمل الإ سلامي المسلح هم السعيد مخلوفي و محمد‬

‫ال سعيد و ع بد ا لرزاق ر جام و ب عة عز ا لدين و أم ثالهم‪ ...‬هؤ لاء يث قون بك و يمك نك ا ستدراجهم‬ ‫للاجتماع معك و هذا هو المطلوب منك‪ ،‬و سيقوم بباقي المهمة غيرك ‪...‬‬

‫لقد أذهلني العرض إلى درجة أنني استغرب اليوم كيف سمعت هذا الكلام كله بهدوء‪ .‬فأردت‬

‫أن استوثق من جدية ما أسمع فقلت‪ :‬يا سيادة العميد ألم نتفق على أن أكون طرفا في الوفاق بينكم و بين‬

‫الجما عة؟ قال‪ :‬هؤ لاء لا ين فع مع هم الو فاق‪ .‬ق لت‪ :‬و ل ك نك ت عرف أن ا لذين ذكرتهم بالا سم إ طارات‬

‫سياسيون مثقفون و كلهم جامعيون يمكن الوصول معهم إلى توافق بالحوار و التفاوض و أنا أ ضمن ل كم‬

‫ذلك إذا اعطيتموني الفرصة للتواصل معهم‪ .‬و لو أنكم طلبتم مني وضع حد للمجرمين الذين يتبجحون بقتل‬ ‫الن ساء و الأط فال و يخر بون ال مدارس كج مال زي توني و أمثا له لتفهّ مت ط لبكم‪ ...‬و ه نا قاطعني طر طاق‬ ‫منفع لا‪ :‬دع زي توني و شأنه‪ ،‬هو رجل نا و سنتكفل به نحن‪ .‬أ ما أ نت فمهم تك أن تلت قي بال سعيد و الجما عة‬

‫ا لذين سنح ّددهم لك‪ ...‬ع ند ذ لك ن هض العم يد ك مال ع بد الرح مان و هو ي قول‪ :‬الم هم أ نك موا فق ع لى‬ ‫الموضوع و ستدرس التفاصيل مع بشير (يقصد طرطاق) و سأراكم لاحقا لأن لديّ ما يشغلني الآن‪ ...‬ثم‬ ‫انصرف‪ .‬و هنا اقتنعت بأن هذه المؤسسة ليست فاسدة فحسب بل بدائية في أسلوب عملها و لم يبق لي‬

‫خيار غير العمل على كسر الطوق المحيط بي بهدوء تام‪.‬‬

‫سألني طرطاق إن كنت جاهزا لبدء العمل فأظهرت له الموافقة و قلت‪ :‬أعطوني فرصة للاتصال‬

‫بهؤلاء الجماعة و التفاهم معهم‪ .‬فقال طرطاق‪ :‬ن حن سن ُع ِ ّد كل شيء و المطلوب منك هو تنفيذ التعليمات‬ ‫ليس إل ّا‪ .‬سنحدد لك غدًا مو عدا مع عن صر ات صال ي صحبك لل قاء زي توني و الب قاء م عه ح تى تأت يك‬

‫تعليماتنا‪ .‬و فعلا تحدد الموعد على الساعة ‪ 11‬صباحا و المكان غرفة في الطابق الثالث أو الرابع من نزل‬

‫على شارع ديدوش مراد‪ .‬ثم جاء النقيب حسين بولحية و صحبني مع فرقته إ لى شارع محمد الخامس حيث‬ ‫‪188‬‬


‫يسكن الأ ستاذ بشير مشري‪ .‬و فعلا كنت في الموعد و ل كن في الرواق و ليس في الغرفة و جاء عنصر‬

‫الاتصال و كان شابا ر ياضيا ملتحيا و دخل الغرفة و حاول البحث عني في الرواق قريبا من الغرفة فلم‬ ‫يجدني وعاد من حيث أتى‪.‬‬

‫مباشرة بعد خروج عنصر الاتصال اتصلت بالأستاذ مشري‪ ،‬و كنت قد استبقت الحدث بإخباره‬

‫عن عدم ارت ياحي لأ سلوب جما عة بن عك نون في الع مل‪ ،‬فطل بت م نه أن يت صل بال مدير ال عام للم خابرات‬

‫و يخ بره بأن الفر يق المك لف بالع مل م عي في ج هاز أ من ال جيش بدائي جدا و لا يمكن ني الا ستمرار في‬ ‫التعاون معهم لأنهم سيفشلون مهمتي بعنجهيتهم‪ ،‬و طلبت منه ترك المبادرة لي في الاتصال بالسعيد و غيره‪.‬‬

‫و كان الردّ فور يا من طرف اللواء محمد مدين حيث بعث سيارتين تابعتين للمدير ية العامة لتأمين نقلي إلى‬

‫المطار فعدت إلى غارداية جو ّا و منها إلى المنيعة بالبر حيث تركت عائلتي‪.‬‬

‫‪189‬‬


‫حدث ذو دلالة في الطر يق إلى المنيعة‬ ‫ب عد الرح لة الجو ية من العا صمة إ لى غارداية أكم لت رحل تي إلى المني عة بالحاف لة و ك نت جال سا في‬

‫المقعد الأمامي المقابل للسائق‪ .‬و في أول مفترق طرق توقفنا عند حاجز للجيش‪ .‬اقترب الملازم من الحافلة‬ ‫و ما أن رآني حتى تراجع إلى الخلف و هو يصيح كالمجنون موجها الخطاب لجنوده‪ :‬انبطحوا إنه النقيب‬

‫شوشان‪ ...‬لقد عرفته‪ ...‬إنه هو‪ ...‬فانتشر الجنود حول الحافلة منبطحين و أ سلحتهم جاهزة لإطلاق النار‬

‫فدب ا لذعر في أو ساط الركاب و ت سمّر ال سائق الم سكين ع لى م قوده و هو ين ظر إ ليّ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫في ات جاه الحاف لة‪.‬‬

‫فقلت‪ :‬لا ت خف و اخرج لهذا الحمار و قل له بأنني سأنزل بهدوء فلا داعي لترو يع الركاب‪ .‬و قد امتنعت‬

‫عن الو قوف خ شية أن يت صور أ ني أر يد أن أقات له فير مي ع شوائيا ع لى الركاب الم ساكين‪ .‬ف نزل ال سائق‬

‫و كل مه‪ ،‬ف صاح الم لازم ال سفيه ‪ :‬ا نزل و يديك ع لى رأ سك‪ .‬فنز لت و أ نا أ سأل‪ :‬أ ين الم سؤول ع لى هذا‬

‫الحاجز؟ فردّ ع ليّ‪ :‬أ نا المسؤول‪ ،‬تقدم نحو المركز بدون كلام‪ .‬و ل ما دخلت إلى المركز و جدت دركي ّا برت بة‬ ‫مساعد أول و عسكري برتبة مساعد أعرفه فسألتهما‪ :‬كيف تبقيان داخل المركز و تتركا هذا الولد الطائش‬ ‫يروع الناس؟ فضحك المساعد و قال‪ :‬إنه ضابط يا حضرة النقيب و يتصرف بدون مشورتنا‪ .‬قلت‪ :‬لماذا‬

‫أوقفني؟ أعندكم أمر باعتقالي؟ قال الدركي بعد مراجعة القوئم‪ :‬لا‪ .‬قلت‪ :‬و ما المطلوب مني إذن؟ فأجابني‬

‫الملازم الذي كان خلال هذه الفترة يستنفر القيادة بأنه ألقى القبض على عدو الجزائر الأول‪ .‬المطلوب أن‬ ‫لا تت حرك ح تى ت صل الق يادة‪ .‬ق لت‪ :‬و هؤ لاء الم سافرين ما ذنبهم؟ قال‪ :‬هذا أ مر لا يعني ني‪ .‬فطل بت من‬

‫المساعد أن يذهب إلى الحافلة و يأتي بحقيبتي و يأذن للسائق بالذهاب ففعل‪.‬‬

‫و بعد نصف ساعة تقريبا وصلت قوة من الدرك و الجيش أرسلها قائد القطاع العسكري لولاية‬

‫غارداية‪ .‬ف سألتهم بأي حق تعتق لونني؟ ف قالوا‪ :‬ستعرف ع ندما ن صل إلى مقر الق يادة‪ .‬و وضعوا الق يد في‬ ‫يديّ و عصبوا عيني و نقلت مخفورا بقوة عسكر ية مختلطة كبيرة إلى مدينة غارداية حيث بقينا ندور أكثر‬

‫من نصف ساعة في طرقات المدينة لتمو يه الوجهة الحقيقية للقافلة إلى أن انتهينا إلى مقر قيادة مجموعة الدرك‬

‫الذي أعرفه قبل أن ينخرط العاملون فيه في الخدمة‪.‬‬

‫وجدت في استقبالي الرائد الأخضر قائد مجموعة الدرك فعرفته و ل كنه لم يذكرني‪ .‬فسألني‪ :‬الملازم‬

‫يقول أنك نقيب فارّ من الخدمة‪ .‬قلت‪ :‬هذا الضابط من ضحايا صحفيات الوطن و الصباح و تعيينه في حاجز‬ ‫أم ني خ طر ع لى أ من المواطنين يا ح ضرة الرا ئد‪ .‬قال‪ :‬إذا لم ت كن فارّا ف ناولني إجاز تك‪ ..‬قلت‪ :‬أ نا ليس‬

‫عندي ما أقوله لك غير أن تطلق سراحي إذا لم يكن لديك أ مر بالقبض عليّ أو تتحمل المسؤولية كاملة على‬ ‫ما يحصل‪ .‬قال‪ :‬و من هذا الذي يحملني المسؤولية؟ سأضعك في السجن و لن يسمع بك أحد‪ .‬قلت‪ :‬عجيب‬ ‫‪190‬‬


‫يا سي لخ ضر! ل قد ك نتَ ضابطا مثال يا ع ندما ك نت أمي نا في مك تب الم قدم حشي شي ذات يوم و ل كن‬

‫الظاهر أن هذه الأز مة جن ّنت الجم يع‪ .‬ثم قلت‪ :‬ناولني ال هاتف و سأ صلك بمن يحم ِ ّلك الم سؤولية يا ح ضرة‬

‫الرا ئد‪ .‬و يمك نك أن ت قول له بأ نك ست ضعني في ال سجن‪ .‬و أن صحك أن تب عد ال سماعة عن أذ نك لأ نك‬ ‫ستسمع ما لا ي َس ُرّك‪ .‬فطلب مني الرقم وهو يقول‪ :‬رقم من هذا؟ قلت‪ :‬أطْ ل ُبه و اسْ أل ْه ُ‪ .‬و هنا تناول الرائد‬

‫سماعة التلفون و ات صل بقائد الق طاع و استف سر عن ر قم التلفون ليأت يه الخبر اليقين ب عد خمس د قائق‪...‬‬

‫ل ست أدري ما ق يل له و ل كن الر جل انق لب مرة وا حدة و اتّ جه إ ليّ قائ لا‪ :‬يا أ خي ل ماذا لم تخبر ني من‬

‫البدا ية؟ ل قد أحرجت ني يا سي شو شان و أ نا أع تذر لك ع لى ما ح صل و و الل ّه إن جم يع الم سؤولين ع لى‬ ‫مستوى الولاية يعرفون بأنكم عائلة وطنية مجاهدة و ل كن الأمور اختلطت علينا و لم نعد نفهم شيئا‪ ...‬أنا‬

‫آسف ج ّدا على سوء التفاهم الذي و قع و الملازم الذي تسبب لنا في هذه المشكلة سيدفع ثمن غلطته‪...‬‬ ‫ن أولادي في انتظاري‪ .‬قال‪:‬‬ ‫تج ِد ُوا وسيلة نقل توصلني إلى المنيعة لأ ّ‬ ‫فقاطعته قائلا‪ :‬الذي يهمني هو أن َ‬

‫فورا سأطلب لك سيارة أجرة‪ .‬قلت‪ :‬لن أركب مع أحد حتى تدفعوا له ثمن التذكرة نقدا كما دفعتها أنا نقدا‬ ‫لشركة نقل المسافرين‪ .‬و فعلا حصل‪ .‬و سبقتني التعليمات تح ّذِر مصالح الدرك على مستوى ولاية غارداية‬

‫من التعرض لي‪ .‬و منذ ذلك الحين أصبح عناصر الأمن يعاملونني باحترام دون أن يفهموا شيئا‪.‬‬

‫هذا السلوك ليس معزولا طبعا‪ ،‬فقد سبقه حدث صغير من جنسه أثناء عودتي الأولى في بلدية‬

‫القرارة‪ .‬ح يث تم ّ توق يف وا لدي الحاج إ براهيم من طرف فر قة الدرك بطر يقة تع سفية و سألوه ع ني و‬

‫أمروه أن يبل ِّغني بأنني إذا لم أت قدم إلى مقر فرقة الدرك للتبل يغ و توقيع محضر لديهم فسيأتون لاعت قالي‪.‬‬ ‫فكلمتهم بال هاتف و وبختهم بطر يقة فه موا من ها أن ني ما ز لت في الخد مة فتعمدوا اعتراض طر يق الوا لد و‬

‫اعتذروا له و أرسلوا معه الت ّحية‪ .‬رغم أن الوالد رحمه الل ّه كان في الحالتين مثالا للمجاهد المخلص المنضبط‬ ‫الجدير بالتقدير من طرف الجميع‪.‬‬

‫الشاهد في هاتين الحادثتين هو أن طغيان القيادة العسكر ية لم يأت من فراغ‪ .‬و إنما هو نتيجة لتفش ّي‬ ‫س ة من طرف ال مواطنين و و ضاعة الن فوس ع ند الطب قة الو سطى من س ُ ل ّم الق يادة‬ ‫القابل ية ل لذ ّل و الخ ّ‬ ‫و الم سؤولية‪ .‬ف هذا الم لازم الحق ير أو م ساعد ا لدرك لم يأمره ما أ حد باعتراض ال ناس‪ .‬و ل كن ا لنفس‬

‫ن لصاحبها الاستئساد على المواطنين العزل‪ .‬أما‬ ‫ض يعة التي تطير فزعا عندما يتكلم الرصاص هي التي ت ُز َي ِ ّ ُ‬ ‫الو َ ِ‬

‫الرائد قائد مجموعة الدرك فهو لا يستشعر المسؤولية أ مام الل ّه و لا أمام القانون و لا يخضع لتأنيب الضمير‬ ‫كأنه سكران أو أبله بل إن كل ما يهم ّه هو أن يفعل شيئا يشبع شهوات سيده و يرضيه عليه حتى و لو‬

‫كان بالتعسف في اعتقال الأبر ياء و سجنهم بل حتى قتلهم‪.‬‬

‫‪191‬‬


‫ما الذي تغي ّر بالنسبة لي؟ لا شيء بتاتا‪ .‬فأنا هو أنا أمام القانون قبل الحادثة و بعدها‪ .‬و ل كن الذي‬

‫تغي ّر هو الطبيعة المزاجية التي يتميز بها كثير من مستخدمي الدولة عسكر يين و مدنيين‪.‬‬

‫و من ه نا ي جب علي نا أن نف هم بأن التم ني لا ين فع في تغي ير الأو ضاع شيئا و إن ما ا لذي ين فع هو‬

‫استنهاض الهمم و الصبر على الحق و احتقار الباطل و استنكاره مهما كانت صولته‪ .‬فالمسؤول المتغطرس‬ ‫إذا لم يلتزم بالقانون كما هو معلن عنه في المواثيق الرسمية يجب على جميع المواطنين مقاطعته كخطوة أولى‬

‫لتنبيهه ثم محاصرته لتخو يفه فإن لم ينفع معه لا هذا و لا ذاك فيجب توقيفه عند حده بكل الطرق الممكنة‬ ‫حتى لا تقوم له بعد ذلك قائمة‪ .‬و بدون ذلك فإن الفساد سيج ّدد بعضه بعضا إلى أجل غير مسمى‪.‬‬

‫‪192‬‬


‫الجزء التاسع‬ ‫عندما يضيق الوطن بمحبيه‬

‫الهجرة من الجزائر‬ ‫كلمة عن المجاهد محمد الأخضر شوشان رحمه الله‬ ‫رحلة الخروج‬

‫‪193‬‬


‫الهجرة من الجزائر‬ ‫سم ّي ْت ُها اله جرة لأنني لم أ قرر الت نازل عن ح قي في المواط نة ب عد‪ ،‬و إن ما هي ان سحاب مؤ قت ب ِن ِي ّة‬

‫العودة إن شاء الل ّه‪ .‬فقد تأكد لي بما لا يدع مجالا للشك بأن بقائي في الجزائر لا يعني سوى أحد أمرين‪.‬‬ ‫فإما أن أقبل التعاون مع سلطة تصرّ على التعامل مع شعبها كسلطة احتلال عسكر ية حقيقية و تعتمد في‬ ‫سياستها للأزمة كل الوسائل القذرة و بالتالي أساهم في قتل المواطنين استجابة لنزوات ذكور و إناث لا‬

‫خ لاق ل هم و لا د ين و لا ضمير‪ .‬و إ ما أن ألت حق بجما عات م سلحة لا ع هد ل ها و لا شعار غ ير الق تل و‬

‫التخر يب تحت شعار الإ سلام‪ .‬علما بأن في الطرفين عناصر مخلصة و أخرى مضل ّله أو مكرهة و ل كنها لا‬ ‫تسمن و لا تغني من جوع في المفازة التي توغ ّلت فيها الأزمة‪ ...‬فكنت مع الجزائر كحال من يقول‪ :‬إنكِ‬

‫لأحب البلاد على قلبي و ل كن قومك أب َو ْا إلا أن يخرجوني منك‪.‬‬ ‫ّ‬

‫و كان أول ما قمت به هو الاتصال بعم ّي المجاهد الفاضل أبي عثمان محمد الأخضر رحمه الل ّه و‬

‫ا لذي غادر الجزا ئر سنة ‪ 1993‬إ لى إفر يق يا‪ ،‬و ذ لك من أ جل ا ستطلاع المو قف في ال خارج ق بل تحد يد‬ ‫وجهتي في المستقبل‪ .‬و من المفيد أن أقف مع هذا الجزائري الوفي لوطنه الذي ظلمته الدولة الجزائر ية مثل‬

‫ما ظلمت غيره من المخلصين ظلما يستوجب نقمة الل ّه من القائمين عليها منذ الاستقلال‪.‬‬

‫‪194‬‬


‫كلمة عن المجاهد الأستاذ محمد الأخضر شوشان رحمه الله‬ ‫أصغر أبناء العلامة الشيخ محمد الطاهر شوشان من مواليد سنة ‪ 1937‬زاول تعليمه بمدرسة الحياة‬

‫و ح صل ع لى الثانو ية العا مة بمع هد الح ياة بالقرارة سنة ‪ .1954‬ت طوع ل تدريس أب ناء الب لدة بدلا من‬ ‫الابت عاث إ لى جام عة الزيتو نة و هو في الساد سة ع شر من ع مره قب يل ا ندلاع ال ثورة التحرير ية‪ .‬و من عه‬ ‫شقيقه ا لأكبر المجا هد ال حاج إ براهيم من الالت حاق ب جيش التحر ير ر غم إلحا حه إ شفاقا ع لى أ مه المجا هدة‬

‫الحاجة أم الخير بنت الحاج أحمد السّاسي رحمها الل ّه التي لم يكن للثورة ج حر تأزر إليه غير بيتها المتواضع في‬ ‫قصر القرارة قريبا من مصلىّ السوق‪ .‬فتحدى هذا الشاب كل العوائق و التحق بجيش التحر ير بمبادرته‬ ‫الشخصية عن طر يق الحاج سلامة الذي جن ّده لدى قيادة الولاية السادسة فكان أحد كت ّابها و شارك في‬

‫معارك مع قائدها العقيد محمد شعباني رحمه الل ّه في جبل بوكحيل و جبال ال كرمة‪ .‬و بعد الاستقلال ع ُي ّ ِن‬ ‫م سؤولا ع سكر يا و سيا سيا في كل من غاردا ية و المني عة ح يث كا نت ع نده صلاحية تع يين الم سؤولين‬

‫المحليين و عزلهم و الحكم على الخونة و تأمين تسيير أموال الخزينة التي كانت تنقل بالشكارة في ذلك الوقت‬ ‫ك ما أخبرني بذلك المجاهد ضابط الجيش الوطني الشعبي مصطفى جبر يط دون أن يفكر في اختلاس سنتيم‬

‫واحد منها أو يسمح بذلك لأي مسؤول أو حتى الاستيلاء على بيت من بيوت المعمرين الفارّ ين الشاغرة‬

‫في المنيعة‪ .‬و قد تم ّ اعتقاله لمدة أسابيع في الحملة التي طالت العقيد محمد شعباني و مساعديه سنة ‪1964‬‬

‫بته مة الع مل ع لى ف صل ال صحراء الباط لة ال تي أ عدم شعباني ظل ما و عدوانا ب سببها و ب قي م ساعدوه ا لذين‬

‫كلون ال يوم الأما نة الوطن ية لمنظ مة المجا هدين ‪ 18‬سنة في ال سجن ق بل أن يط لق ا لرئيس ال شاذلي بن‬ ‫يش ّ‬ ‫جديد سراحهم و يرد إليهم الاعتبار سنة ‪.1982‬‬

‫في هذه الحم لة لم ي ُسجن المجا هد مح مد الأخ ضر شوشان و لم ي ُعدم لأ نه لم ي كن من سكان ب سكرة‬

‫المستهدفين من طرف بومدين و جماعته و ل كنه رفض الخدمة في المؤسسات السياسية للسلطة الحاكمة بعد‬ ‫ما ت عرض له هو من إها نة و ت عذيب في أقب ية ا لأمن الع سكري ل مدة أ سبوع و و فاء لقياد ته ال تي ي عرف‬

‫إخلاصها للجزائر قولا و عملا في الحرب و السلم‪ .‬فاعتزل السياسة منذ ذلك الحين و انخرط في سلك التعليم‬

‫مرب ّيِ ًا ابتداء من سنة ‪ 1965‬و بقي فيه إلى سنة ‪1992‬و استكمل دراسته الجامعية خلال هذه الفترة في‬

‫جامعة الجزائر‪.‬‬

‫تزوج هذا المجا هد ال شاب من جزائر ية من أ صول م صر ية شر يفة من عائ لة ع لان و أن جب مع ها‬

‫كلون ال يوم أس َر ًا جزائر ية م ستقلة ناج حة ر غم المعا ناة و المأ ساة ال تي‬ ‫أرب عة ر جال و أرب عة حرا ئر كل هم ي ش ّ‬ ‫جرّع َ ْت ها لهم السلطة الخائنة في بلاد الشهداء‪ .‬و ل كنه مع ذلك لم يفكر حتى في استخراج شهادة الجنسية‬ ‫‪195‬‬


‫لزوجته المولودة في الجزائر و التي لم تدخل التراب المصري من قبل‪ .‬و رغم أن والديها و جميع عائلة علان‬

‫اكت سبوا الجن سية الجزائر ية بح كم إ قامتهم الم ستمرة في الجزا ئر م نذ ال قرن التا سع ع شر و منهم شهداء و‬

‫مجاهدون في ثورة التحر ير‪ ،‬فإن هذه الجزائر ية الأم لأكثر من ‪ 30‬جزائري و جزائر ية أصليين تعيش في‬ ‫الجزائر ببطاقة الإقامة المؤقتة التي تج ّددها في السنة مرتين بعد إجراء تحقيقات أمنية لا يتعرض لها حتى‬

‫الأجانب منذ تفجر الأزمة سنة ‪.1992‬‬

‫و في سنة ‪ 1990‬و اغ ترارا ب ما قام به ال شاذلي بن جد يد من م بادرات لردِّ الاعت بار لل مواطن‬

‫الجزا ئري و ال تي كان آخر ها فتح الم جال للتعدد ية السيا سية‪ ،‬و نزو لا ع ند رغ بة كث ير من ال مواطنين عاد‬ ‫الأستاذ محمد الاخضر إلى العمل السياسي كرئيس لمكتب الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالمنيعة ثم انتخب رئيسا‬ ‫لمكتبها الولائي بغارداية ثم عضوا لمجلس الشورى المنبثق عن مؤتمر الوفاء بباتنة سنة ‪.1991‬‬

‫ت عر ّض للاعت قال التع سفي ب عد إ ضراب الجب هة في جوان ‪ 1991‬ثم أط لق سراحه لتح ضير‬

‫الانتخابات البرلمانية‪ .‬و بعد انقلاب يناير ‪ 1992‬داهمت قوات الدرك و الجيش منزله في المنيعة عدة مرات‬ ‫دون أن تتمكن من اعتقا له فا ستهدفت أج هزة ا لأمن ابن يه مح مد ال طاهر و ع بد الح ليم ا لذين ق ضيا بين‬

‫محتشدات الصحراء ثلاث سنوات بدون وجه حق و اضطر ّا إلى الهجرة تاركين أس َر َهم و أولادهم تحت‬ ‫ضغط الملاحقات الأمنية‪ ،‬فتشتت عائلة هذا المجاهد في آفاق الأرض بدون ذنب غير أن رجالها ص ّدق ُوا‬

‫كذبة التعددية السياسية التي أعلن عنها النظام‪.‬‬

‫و ه نا أ فتح قو سا لأ سجل أن هذا الر جل المجا هد كان ع ضو ًا في مج لس ال شورى ا لوطني للجب هة‬

‫الإسلامية للإنقاذ و كان عمي و صهري و أ ستاذي و مع ذلك لم ي حاول استغلال علاقته بي لتوظيفها في‬

‫خدمة حز به ك ما يفعل أ صحاب النفوس الضعيفة الذين استباحوا كل شيء من أجل إشباع نزواتهم الجامحة‬ ‫في إقا مة جمهور ية الرذي لة و الف ساد و الم خدرات و الر شوة و الإخت لاس‪ .‬و لذلك فإ نه لم يع لم رح مه الل ّه‬

‫بعلاقتي بالحركة الإ سلامية المسلحة إلا بعد أن اعتقل عبد القادر حشاني؛ حيث أخبرته بأنني مع بعض‬ ‫المخل صين من ضباط ال جيش قادرين ع لى الق ضاء ع لى ال شرذمة ال تي تر يد أن تخ لط ا لأمور في الب لاد و‬ ‫م ستعدون لف عل ذ لك بالت عاون مع الحركة الإ سلامية الم سلحة إذا كان ه ناك من يتح مل الم سؤولية ع لى‬

‫تب عات ذ لك من الق يادات السياسية أو الشخ صيات الوطن ية‪ .‬فأ جابني رحمه الل ّه ب كل م سؤولية‪ :‬لا أ حد‬ ‫يتحمل عنكم المسؤولية على دماء الناس يا ولدي‪ .‬فإن كنتم قادر ين على فعل شيء من أجل بلدكم فكونوا‬ ‫مستعدين لتحمل المسؤولية على تبعاته وحدكم و إلا فلا يكلف الل ّه نفسا إلا وسعها‪.‬‬

‫‪196‬‬


‫و بعد أن تكث ّفت مداهمات ا لدرك و الجيش لبي ته و تم ترو يع أهله من طرف ال شرطة دون أن‬

‫يظهر في الأفق ما يوحي بالانفراج في الأزمة غادر الجزائر عبر الصحراء ال كبرى في مغامرة كادت ت ُودي‬

‫حط الرحال بالنيجر حيث التقى بالحاج حسن عل ّان أحد أنصار المشروع الإسلامي المخلصين و‬ ‫بحياته و ّ‬

‫يح َض ّ ِر ُ لإن شاء قا عدة لإيواء و تدريب الإ سلاميين الم هاجرين في المنطقة الحدود ية بين الجزا ئر‬ ‫ا لذي كان ُ‬ ‫و النيجر‪ .‬و قد مكث معه أ شهر ًا قليلة تأكد خلالها من عدم جدوى بقائه هناك فانتقل إلى غانا بمساعدة‬

‫ابنه الأكبر الدكتور عثمان شوشان المقيم في الممل كة العربية السعودية آنذاك‪ .‬و قد واصل رسالته التربو ية و‬ ‫الدعو ية في غانا و استقر به المقام بعد أن تزوج غانية من أهل البلد و استطاع بالتعاون مع إدارة المنتدى‬

‫الإسلامي بناء مدارس و مساجد و حفر آبار و كفالة أيتام و غير ذلك من الأعمال الخير ية التي ما زال‬ ‫المسلمون في غانا يستفيدون منها‪ .‬و بقي هناك حتى سنة ‪ 2000‬حيث سافر إلى بر يطانيا و حصل على حق‬

‫اللجوء السياسي فيها و بقي أستاذا للغة العربية في أحد معاهدها الجامعية إلى أن أقعده المرض سنة ‪ 2007‬و‬

‫توفي في شهر جوان ‪ 2008‬رحمه الل ّه و غفر له‪.‬‬

‫هذا الر جل المع طاء ا لذي ام ت ّد نف عه من ق لب ال صحراء في الجزا ئر إ لى أد غال إفر يق يا و أ عالي‬

‫بر يطانيا تخر ّج على يديه عشرات الآلاف من الرجال و لا تسمع أحدا يذكره من الجزائر أو من خارجها‬

‫إلا أث ْن َى عليه خير ًا‪ .‬إنه رجل لم ي ُؤ ْذِ أحدًا في حياته و لم يكل ّ ِف أحدا شيئا بل كان يكلف نفسه في سبيل‬ ‫التخف يف عن ا لآخرين دون ر ياء و لا امت نان‪ .‬و ر غم أ نه كان في مو قع الم سؤولية ا لذي يمك نه من‬

‫الا ستيلاء على أملاك الناس و اختلاس أ موال الدولة بعد الاستقلال ‪ .‬و رغم أنه لم يعرف البطالة في‬ ‫حيا ته المم تدة وا حدا و سبعين عا ما و ر غم أ نه كان ع لى ع لم بق نوات ج مع ال مال و الطر يق إ لى ج يوب‬

‫المحسنين من أغنياء المسلمين في الخليج و غيره فإنه توفي و ليس بحوزته عقد مل كية للبيت الذي يسكنه هو‬ ‫و عائ لات أو لاده و بنا ته في المني عة ف ضلا عن غير ها با ستثناء قط عة ا شتراها بِ ح ُرِ ّ ما له من أ حد عروش‬

‫الإباضية في القرارة سنة ‪ 1964‬و لم يتمكن من بنائها فجعلها وقفا في سبيل الل ّه ليستفيد منها سكان حي‬ ‫مصطفى بن بوالعيد كمصل ّى و مركز للنشاطات الثقافية و الاجتماعية‪ .‬بل إنه رحل مثل أبيه و في ذمته‬ ‫ديون لدى اثنين من خاصة معارفه‪ .‬قضاها عند ابنه الأكبر الدكتور عثمان جزاه الل ّه خيرا‪.‬‬

‫هذا الرجل المجاهد النقي الوفي اتهمته أجهزة الأمن في الجزائر بالإرهاب و المشاركة في عمليات‬

‫السطو و القتل و طالبت برأسه مقابل مكافأة مالية و علقت صوره في مخافر الأمن و اقتحمت بيته على‬

‫النساء و الأط فال في منت صف الليالي ب عد أن اعتقلت و شرّدت جميع الر جال من أ هل بيته و حكمت‬ ‫عليه بجميع العقو بات ابتداء من الإعدام و انتهاء بعشرين سنة سجنا مرورا بالسجن مدى الحياة‪ .‬و قد انتهى‬

‫‪197‬‬


‫الأمر بأبنائه الثلاثة الكبار و اثنين من بناته إلى الهجرة بعائلاتهم فيما بقيت زوجته الجزائر ية المحرومة من‬

‫الجنسية مع ابنها الأصغر مقيمة في الجزائر ببطاقة الأجنبي‪.‬‬

‫لقد سمحت لي الظروف بلقاء قيادات سامية في المخابرات و تحدثت مع عقداء و جنرالات في‬

‫هذا الموضوع و لم يكن واحد منهم قادرا على التعليق أو حتى على رفع بصره‪ .‬لقد كان جوابهم الوحيد‪:‬‬

‫لقد وقعت أخطاء و علينا أن نفكر في المستقبل‪ .‬فهل بعد هذا يتساءل عاقل لماذا يتعرض عناصر الأمن و‬ ‫يح ْل ُم ُون أن يتحل ّى كل الشباب الجزائري بصبر و حلم هذا‬ ‫من في حكمهم للاغتيال من طرف المسلحين؟ أ َ‬

‫الج بل ال شامخ؟ و هل ي جرؤ الق ضاة ا لذين أ صدروا ت لك الأح كام في ح قه ع لى تبر ير فع لتهم ال شنيعة أ مام‬ ‫الناس في الدنيا؟ و من سيشفع لهم أمام الل ّه يوم القيامة؟ و أسأل هنا أهل المنيعة كلهم و الذين أقام هذا‬ ‫عف نف سا و أ سلم قل با من هذا‬ ‫الر جل الفا ضل ب ينهم م نذ الا ستقلال‪ :‬هل عرفتم رج لا أن ظف يد ًا و أ ّ‬ ‫الرجل بينكم أنتم السكان الأصليون في المنيعة أو من غيركم من الوافدين على البلاد من مستخدمي الدولة و‬

‫ع لى رأ سهم عنا صر ا لأمن و بدون ا ستثناء؟ إ نه لا ي سعكم غ ير الن في و من قال غ ير ذ لك ف هو كذاب و‬

‫شاهد زور بكل تأكيد‪.‬‬

‫إن ما تعرض له هذا الرجل و أمثاله في جزائر الاستقلال من موجبات المقت و النقمة من الل ّه‪ .‬و‬

‫هو مبرر منطقي ج ّدا لتفاقم ظاهرة العنف بالشكل الهمجي الذي وصلت إليه في الجزائر‪ .‬و ما دام الناس‬

‫يشهدون الزور خدمة للباطل و ي ُبَج ِ ّلون الحقير المجرم و لا يعرفون لأهل الفضل و الع ِ ّفة قدرهم فأن ّى لهم أن‬

‫يطمعوا في لطف الل ّه و عفوه؟‬

‫‪198‬‬


‫رحلة الخروج‬ ‫استحسن عمي فكرة مغادرتي الجزائر و ل كنه طلب مني التري ّث نظرا لخطورة الرحلة التي عادة ما‬

‫ت كون مع م هربين من المحت مل أن يق عوا في ك مائن دور يات ا لدرك و الج مارك أو ح تى ق طاع ال طرق من‬

‫ال طوارق و ا لأزواد المنت شرين ع لى ال حدود الجنوب ية للجزا ئر‪ .‬و ل كن ني لم أ كن ا ستطيع التأج يل ب عد ما‬

‫حصل بيني و بين مدير ية أمن الجيش فقررت أخذ المبادرة بنفسي‪.‬‬

‫كان وا ضحا للجميع أن وضعي خاص جدا‪ .‬فأما الإ سلاميون فكانوا واثقين بأنني من أهل الحق و‬

‫لا يم كن أن أن حاز إ لى البا طل مه ما كان ا لثمن‪ .‬و لذلك ف قد بق يت ع لاقتهم بي ع لى حال ها و لم تتغ ير بل‬

‫ازدادوا م ني قر با لأنهم استان سوا بإط لاق سراحي و رد الاعت بار لي ك ما بدا ل هم‪ .‬أ ما أت باع ال سلطة ف قد‬

‫وقعوا في حيرة عندما رأوني آكل الطعام و أمشي في الأ سواق بعد كل ما حدث‪ .‬و زاد من حيرتهم ما‬ ‫لاحظوه من تهيب أجهزة الأمن من الإقتراب من بيت عمي الذي قضيت فيه مدة شهرين بعد خروجي‬

‫من السجن قبل سفري‪.‬‬

‫ت إلى بيتنا عائلة من أم و ثلاث بنات و صبيّ‪ .‬هذه الأم اعتقل ابنها الأكبر‬ ‫في هذه المرحلة لَج َأ ْ‬ ‫عبد الحكيم و هو م ُع ِيل ُها الوحيد بتهمة الانتماء إلى جماعة مسلحة سنة ‪ 1992‬و أل ْق ِ َي في السجن العسكري‬ ‫بالمر سى ال كب ير بوهران و ل ك نه ف َر ّ م نه سنة ‪ 1993‬لي جد نف سه في ح ضن الجما عة الإ سلامية الم سلحة‬

‫بقيادة عبد الرحيم في غرب الجزائر‪ .‬و منذ ذلك الحين اعتقلت الشرطة أخاه الثاني و فرضت على العائلة‬ ‫المحاف ظة الم سكينة ح صارا م شددا لتب قى ا لأم و بنات ها ال لواتي بل غن س ِنّ ال شباب عر ضة لف ضول حراس‬

‫الجمهور ية الأشاوس الذين لا يح ْل ُو لهم ترو يع الغلابى إلا بعد منتصف الليل‪ .‬و لما وصل عبد الحكيم إلى‬

‫المنيعة مستخفيا و علم بما تتعرض له عائلته من طرف الشرطة التحق بالجماعة الإسلامية المسلحة بالمنيعة و‬ ‫طلب من أميرها مساعدته في تهر يب عائلته خارج الجزائر فوعده بذلك‪ .‬و ل كن النافذين في الجماعة نقضوا‬ ‫العهد و ساوموه على الزواج من أخواته الثلاث ليجعلوا بيت أهله مركز عبور للجماعة فرفض‪ ،‬و لما حاولوا‬

‫إرغا مه ت مرد ع لى الجما عة و انف صل عن ها‪ .‬و م نذ ذ لك ال حين أ صبحت ا لأم و بنات ها بين مطر قة ال سلطة و‬ ‫سندان الجماعة فلجأت المكسينة و بناتها إلى بيت عم ِ ّي فرار ًا بدينها و عرضها‪.‬‬

‫و قد كانت هذه العائلة المنكو بة عق َب َة ً في طر يق خروجي لأن بقاءها في البيت بعد ذلك سيع ّق ِد‬

‫الأمور على الجميع و لذلك كان التفكير في مصيرها جزء ًا من مشروع الهجرة‪.‬‬

‫‪199‬‬


‫أول خ طوة ق مت ب ها كا نت درا سة منط قة الع بور ع لى الخر ي طة ثم ا ستئجار دل يل مو ثوق عارف‬

‫ك نت بمساعدة بعض الأقارب من الوصول إلى أقدم‬ ‫بطرق دور يات الحراسة و مراقبة ال حدود‪ .‬و قد تم ّ‬

‫خر يت عليم بمسالك الصحراء ال كبرى قضى أكثر من س ِ ت ِّين عاما بين شعابها اسمه عبد الرحمان و يسميه‬ ‫ب‪ .‬كان في و ضع حرج ب عد أن صادرت م صلحة الج مارك كل ممتلكا ته ال تي جمع ها‬ ‫سكان المنط قة بالضّ ّ‬

‫خلال ستة عقود من التجارة الشرعية و غير الشرعية‪ .‬فات ّفق ْ تُ معه على تأمين كل شيء متعلق بالرحلة‬ ‫مقابل أربعين مليون سنتيم أدفع له منها عشرة ملايين مقدما لتجهيز نفسه‪ .‬و كان هذا المال ثاني عائق‬ ‫أمامي لأنني لم أكن أملك سنتيما واحدا فاضطررت إلى استلاف المبلغ كاملا بمساعدة أخي الدكتور محمد‬

‫الطاهر شوشان جزاه الل ّه خيرا‪.‬‬ ‫أما بالنسبة لتلك العائلة فقد التقيت بولي أمرها عبد الحكيم و كان مسلحا بمسدس رشاش من نوع‬

‫كلا شنكوف و بحوز ته حوالي ‪ 400‬طل قة متنو عة و قنب لة يدو ية‪ .‬و روى لي ق صته كام لة و ط لب م ني‬ ‫م ساعدته ع لى إ خراج أه له من الجزا ئر فاقتر حت عل يه أن ي صحبني في رحل تي شر يطة أن يوفر وسيلة ن قل‬ ‫لسفر عائلته فاستشارني في كيفية الحصول عليها فنصحته أن يحصل عليها بالمعروف فإن تعذر عليه ذ لك‬ ‫فليتج نب الإع تداء ع لى مال أو عرض أو دم أي مواطن فإن مأ ساة أه له لا ي جوز حل ها ع لى ح ساب‬

‫ا لآخرين‪ .‬و فع لا ا ستطاع بالت عاون مع اث نين من ال شباب أن ي ستولي ع لى سيارة ميدان ية من نوع تو يو تا‬

‫ستايشن يستعملها جهاز المخابرات في مهامه الاستطلاعية‪ .‬و قد تم الاستيلاء عليها دون إراقة دماء‪.‬‬

‫و هكذا أ صبح المعن يون ب هذه الرحلة مجموعتين م سلحتين تت كون الأولى من ع بد الح كيم و أ مه و‬

‫أخواته الث لاث و أ خوه الأ صغر و ال شابين ا لذين ساعداه في الا ستيلاء ع لى ال سيارة و مع هم سلاح ع بد‬ ‫الح كيم أ ما الثان ية فتكو نت ز يادة ع ني أ نا من ا لدليل و سائقه مزودين ب سلاح رشاش آ خر و فره ا لدليل‬

‫لتأمين الرحلة‪.‬‬

‫و قد فشلت أول محاولة للخروج عندما تأخر الدليل عن الموعد المحدد نتيجة للحصار المضروب على‬

‫المنطقة‪ .‬و قد كانت تجربة قاسية لأن ّنا تواعدنا على اللقاء ‪ 80‬كلمترا في عمق الصحراء في منتصف الليل‪ .‬و‬

‫كانت م خارج المنيعة كلها مغلقة و نظام منع التجول ساري المفعول‪ .‬و رغم أن خروجنا كان سهلا بعض‬

‫الشيء لأننا رت ّب ْنا كل شيء مسبقا إلا أن اقترابنا من المدينة عند العودة مع اقتراب طلوع الفجر و دخولنا‬ ‫إليها كان عملا في منتهى الصعوبة و الخطورة خاصة و أن معنا نساء لم يتعو ّ ْدن أبد ًا على مثل هذه المواقف‪.‬‬ ‫و ل كن هذه التجربة الميدانية كانت مساعدة لنا جدا في محاولتنا الثانية التي كانت موفقة بعون الل ّه‪.‬‬

‫‪200‬‬


‫اخترقنا المنطقة الصخر ية بين طر يق عين صالح و طر يق أدرار بحذر شديد و نحن في وضعية قتال‬

‫لأن أي تماس بيننا و بين أي دور ية لم يكن يعني سوى شيئا واحدا هو القتال حتى الموت و قد تعاهدنا‬

‫على ذلك قبل الانطلاق ليكون الجميع على بينة من الأمر‪ .‬حتى النساء فضلن الموت على البقاء في الجزائر‬

‫عرضة للابتزاز و المساومة على شرفهن‪ .‬و رغم ذلك لم تخل رحلتنا من الفكاهة لأن الدليل كان قد جاوز‬

‫ال سبعين من الع مرو كاد يف قد ب صره تما ما و ك نت أ صف له و ضع الن جوم و ت ضاريس ا لأرض لتحد يد‬ ‫وجهته و ل كنه كان أحيانا ي ختلط ‪ .‬و من ذلك أنه تأمل تجمعا للنجوم مرة و ظنه " الدب الأكبر " الذي‬

‫يسميه ال بدو عندنا " الناقة " فقال لي ‪ :‬هذه هي الناقة و لذلك فإن علينا الاتجاه من هنا‪ .‬فقلت‪ :‬يا عمي‬ ‫عبد الرحمان الظاهر أن ناقتك طايرة لإنني لا أرى لها أرجلا و إنما أجنحة‪ ...‬و قد اصطحبت معي خر يطة‬

‫و بوصلة ساعدانا على التحرك بثقة كاملة و الحمد لل ّه‪.‬‬

‫ب عد يومين و صلنا إلى منطقة جبل ية مظل مة من الهقار ا سمها " آه نت" تم تد شرقا إلى عمق ال تراب‬

‫اللي بي و جنو با إ لى حدود ت شاد و ل كن ها لم ت كن وِجْ ه َت َنا‪ ،‬فخيَ ّ ْم نا في ها أ سبوعا كام لا تم خلا له ا ستطلاع‬

‫المنطقة الحدودية المحاذية لدولة مالي و استحدثنا نقاط للتزود بالوقود و الماء‪.‬‬

‫في هذه المنطقة يمكن لجيش كامل أن يتمركز دون أن تتمكن أية قوة في الأرض أن تقضي عليه إلا‬

‫ل عن ع شرة أ ضعاف ال قوة‬ ‫بالإنت شار دا خل شعابه و احتلا له ب عد د فع خ سائر ب شر ية و ماد ية لا ت ق ّ‬

‫المهاجمة‪ .‬و لذلك فإن المراهنة على القوة لاستتباب الأمن في الجزائر سواء في الصحراء أو في الشمال و َه ْمٌ‬ ‫يملأ رؤوس الحمقى وحدهم‪.‬‬

‫ب عد ذ لك قم نا بعمل ية اخ تراق طو يل لم فازة " تانزرو فت" المم تدة غر با أك ثر من ‪ 500‬كلم تر بين‬

‫" جبال آهنت " و " عرق الشاش ال كبير" ثم اقتحمنا عرق ال شاش جنو با في اتجاه " الحنك" من تراب‬ ‫مالي الذي هو عبارة عن صفائح قاطعة من الصخور البركانية تمتد عشرات الكيلمترات في ات جاه الصحراء‬

‫الغرب ية‪ .‬ثم ان حدرنا من ال صحراء الغرب ية في ات جاه الج نوب ن حو منط قة الزو يرات الموريتان ية‪ .‬و قد‬ ‫دامت المرحلة الأخيرة من رحلتنا أسبوعا كاملا من المغامرة بلياليه تفادينا أثناءها التماس مع دور يات‬ ‫الحراسة الجزائر ية و المالية و نقاط المراقبة الموريتانية ك ما قدمنا المساعدة لبعض الم ُت َخ َل ِّفين من المشاركين في‬

‫رالي دكار و السواح العرب المتوغلين للصيد في شمال مالي‪.‬‬

‫خيمنا على مشارف الزو يرات ثلاثة أيام قام خلالها الدليل بترتيب دخولنا بعد أن استأذن المعن ِي ّ ِين‬

‫بالأمر وفق الأصول المعمول بها واستأجر لنا بيتا هناك‪.‬‬

‫‪201‬‬


‫الجزء العاشر‬ ‫تداعيات الأزمة الجزائر ية على منطقة الساحل‬

‫أخبار من موريتانيا‬ ‫التفكير في تكوين تنظيم مسلح جديد‬ ‫تواطؤ الجماعة الإسلامية على اغتيالي‬ ‫خيار اللجوء إلى بر يطانيا‬

‫‪202‬‬


‫أخبار من موريتانيا‬ ‫ض ل ّل ُون بوسائل الإعلام في ذلك الوقت يتداولونه من أخبار عن‬ ‫لم أصَ ّدِ ْق لحظة ما كان الناس الم ُ َ‬

‫العمليات القتالية التي تقوم بها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجنوب‪ ،‬خاصة ما كان يتعلق منها بالسطو على‬ ‫شركات البترول في الصحراء و سرقة السيارات منها‪ .‬و ل كنني لم أستطع أن أقيم الدليل على عكس ذلك‬

‫حتى وصلت إلى موريتانيا و رأيت تلك السيارات و سارقيها و السمسار الذي يبيعها بأم عيني‪.‬‬

‫فق ِصّ ة السطو على الشركات و سرقة السيارات من ها و تهريبها إلى موريتانيا و بيعها بأ سعار زهيدة‬

‫سابقة عن الأزمة السياسية و ل كنها جزء من الأزمة الأمّ‪ .‬فالقضية تتعلق بمجموعة من الشباب المهربين‬

‫الذين كانوا يشتغلون بالتعاون مع أعوان الجمارك و الأمن يتقاسمون معهم أرباحهم بل إن بعضهم كانوا من‬ ‫ا لأزواد يحم لون و ثائق جزائر ية ر سمية تم كنهم من التن قل بين الجزا ئر و مالي ب كل حر ية‪ .‬و أ نا أعت قد بأن‬ ‫امتلاك الأزواد لهو يات جزائر ية رسمية ليس أمرا بريئا رغم أنني لا أملك معطيات توضح ذلك‪ .‬و فجأة‬

‫استفاقت الدولة سنة ‪ 1990‬و قر ّرت شن الحرب على المهربين الجزائر يين على الحدود الجنوبية دون غيرهم‬ ‫من الأزواد و الطوارق‪ .‬و بين عشية و ضحاها وجد أولئك الشباب أنفسهم يفترشون الأرض و يلتحفون‬

‫السماء و مطالبين من طرف شركائهم من مستخدمي الدولة برشوة لإطلاق سراحهم من السجن ز يادة‬

‫على الخسائر‪ .‬و مما زادهم غيظا و حقدا أن أولئك المستخدمين الذين يعرفون عنهم كل شيء أهانوهم و‬ ‫عذبوهم با سم ال قانون ا لذي كانوا هم أول من داس عل يه‪ .‬و أ نا لا أتك لم عن م بالغ بالم لايين و إن ما عن‬

‫ر شوة بم ئات الم لايين لل فرد الوا حد‪ .‬و ك ما هي ال عادة أط لق سراح الم هربين الم سجونين في النها ية ب عد‬

‫الاستيلاء ع لى كل ما يمل كون‪ .‬يقول ز عيم هذه المجمو عة لقد قررت أن أستعيد ال مال ا لذي سلبوه م ني‬ ‫كلت هذه المجموعة من ستة شباب من أعرف الناس بتلك الأرض و‬ ‫بالقوة بنفس الطر يقة‪ .‬و هكذا تش ّ‬

‫ج ر َئِهم على المغامرة و بدأوا بالاستيلاء على سيارة واحدة رتبوا بها‬ ‫أمهرهم في سياقة السيارات الميدانية و أ ْ‬ ‫أوضاعهم ثم أصبحوا يدخلون من موريتانيا بسيارة واحدة و يخرجون من الجزائر بستة سيارات من نوع‬

‫ق فشلها و خيبتها على شماعة الإسلاميين و تصدر‬ ‫كروزر بينما أجهزة الأمن و الجمارك و مراقبة الحدود ت ُع َل ّ ِ ُ‬ ‫أحكاما غيابة بالإعدام في حق الأبر ياء بناء على محاضر قضائية مفبركة تماما‪.‬‬ ‫أما بيع مسروقاتهم فيتكفل به قر يب الرئيس الموريتاني معاو ية ولد الطايع نفسه الحاكم الفعلي في‬

‫الزو يرات‪ .‬فلديه حظيرة شاسعة تستقبل السيارات و تضبط لها أوراقها ثم تعيد بيعها للشخصيات الفاسدة‬

‫التي تعج بها دول إفر يقيا‪ ،‬و قد التقيت بهذا السمسار شخصيا‪ .‬هكذا كانت بداية هذه العمليات منذ سنة‬

‫‪ 1991‬إ لى أن تنب ّ ه ل ها أم ير جما عة المنيعة سنة ‪ ،1995‬فأ صبحت الجما عة ت ستولي ع لى ال سيارات‬ ‫‪203‬‬


‫و الناقلات و تقايضها بالسلاح في موريتانيا بعد أن كانت تشتري السلاح بدفع الثمن نقدا لضباط الجيش‬

‫في النيجر و مالي و مقاتلي الطوارق و مقاتلي البوليزار يو‪.‬‬

‫ب عد و صولنا كان لاب ُ ّد ل نا من ضبط و ضعيتنا الإدار ية ح تى نتمكن من الت حرك‪ .‬فقاب لت ال حاكم‬

‫الفعلي قر يب معاو ية ولد الطائع و تحدثت معه عن رغبتنا في الحصول على وثائق مدنية فقال لي أنتم في‬ ‫ضيافتي و لن تحتاجوا للوثائق فعلمت أننا طرقنا الباب الخطأ خاصة عندما قال لي بأنه سيشتري السيارة‬

‫التي معنا بسعر لا يساوي ثمن عجلاتها فطلبت منه إمهالي حتى أستشير رفاقي‪ .‬و بعد ما خرجت من عنده‬

‫طلبت من الدليل أن ي جد لنا طر يقة للخروج من الزو يرات و ل كنه لم يستطع فعل شيء حتى جاءنا الفرج‬ ‫بعد أيام من حيث لا نحتسب‪.‬‬ ‫عندما وصلنا مباشرة كان الخبر قد وصل إلى زعيم مجموعة المهربين المذكورة قادة رو يم الذي كان‬

‫موجودا في نواكشوط‪ .‬فظن أننا من المهربين الذين ير يدون أن يفسدوا عليه السوق فجاء فورا و تك لم مع‬

‫الضب الذي كان يعرفه جيدا و علم منه كل شيء قبل أن يأتي لمقابلتي‪ .‬و من تيسير‬ ‫ّ‬ ‫الدليل عبد الرحمان‬

‫الل ّه ل نا أن الر جل كان في م ثل سن ّي و ك نت أ عرف ب عض أقربا ئه ج يدا و كان هو ي سمع ع ني‪ .‬و ل ما‬ ‫أخبرته عن اللقاء الذي دار بيني و بين قريب الرئيس الموريتاني ثارت فيه حمية الجزائر يين و أقسم أن يأخذ‬ ‫منه نفس الثمن المعتاد‪ .‬و قد تأثر كثيرا لما ع لم أن ني أصطحب م عي ن ساء مهاجرات بدينهن و قدم ل نا يد‬

‫ال عون في ت لك ال ظروف ال صعبة ف جزاه الل ّه خ يرا و هداه‪ .‬ف قد كان موق فه ر غم توا ضع م ستواه الث قافي و‬ ‫التعليمي أنبل من رؤساء جمعيات خير ية محسوبة على الإسلام و يحملون شهادات عليا في علم الشر يعة‪.‬‬

‫و بينما كنا ننتظر صدور الوثائق و َف َد َ على الزو يرات فوج من الجماعة الإسلامية المسلحة يقوده نائب‬

‫الأمير المدعو عيسى و اسمه الحقيقي جلول حمادو و هو من المنيعة فتعرف على أحد الشابين الذين سافرا‬ ‫سكَن ِن َا في الزويرات و علم بوجودي مع المجموعة فظنّ في البداية‬ ‫معي محمد طرودي فت َت َب ّع َه حتى ح ّدد مكان َ‬ ‫أنني جئت لأتجسس على نشاطهم في موريتانيا و ل كنه بعد أن تكلم مع محمد طرودي في السوق و استطلع‬

‫م نه ا لأمر اط مأن‪ .‬و ل ما بلغ ني الخ بر أر سلت في طل به و ت حدثت م عه‪ .‬و كان م ما أخبر ني به هو أن ع بد‬

‫الحكيم و محمد طرودي مطلو بان من طرف إمارة الجماعة و من واجبه أن يعيدهما ليم َ ْث ُلا أمام قاضي الجماعة‬ ‫في الجزا ئر‪ .‬فق لت أ ترى بأ نك أ نت و إ مارة الجما عة أو لى ب صحبة ع بد الح كيم من صحبة أ مه و أخوا ته‬

‫المشردات في هذه الظروف؟ قال‪ :‬أنا ليس لي رأي و ل كنني أطبق تعليمات الإ مارة‪ .‬قلت‪ :‬إذا أردت‬ ‫الكلام معي بمنطق الشرع فهات ما عندك و سأنوب بنفسي عن إمارتك في تطبيق الشرع‪ .‬أما تعليمات‬

‫الجماعة فإنها غير نافذة على أحد ممن معي‪ .‬و إني أح ّذِركم من مغب ّة التعرض لأي واحد منهم بسوء‪ .‬و قد‬ ‫‪204‬‬


‫خرجت من الجزائر تجن ّبا لإراقة دم الجزائر يين فلا ترغموني على فعل ذلك خارج الجزائر‪ .‬وكان قادة رو يم‬ ‫حاضرا في هذا النقاش فقال‪ :‬أنا مع سي أحمد فيما قال و إذا حصل أي شيء لهذه العائلة فلا تقتربوا من‬

‫ساحتي أبدا‪.‬‬

‫و قد عرفت بعد ذلك أن قادة رو يم لم يعد في حاجة إلى الدخول إلى الجزائر بعد أن أدرجت‬

‫الجماعة السطو في عملياتها و اكتفى بتسو يق بضاعتها و مقايضتها مقابل السلاح في موريتانيا و أصبح من‬

‫أعيان البلد خاصة بعد أن تزوج ببنت سيد الأزواد في مالي على إثر عملية بطولية قام بها لإنقاذ نساء و‬

‫أطفال الأزواد العرب من الموت المحقق على أيدي طوارق مالي الصليبيين‪ .‬و قد دفعني الفضول للذهاب‬ ‫م عه في إ حدى المرات و كان من بين ال سلاح الم عروض ع لى الجما عة صاروخ م ضاد لل طائرات من نوع‬

‫(ستر يلا ‪ )2‬جلبه أحد الصحراو يين من معسكر البوليزار يو فلم أتمالك نفسي من الضحك (و شرّ البلي ّة ما‬

‫يضحك)‪ .‬فقلت لقادة رو يم‪ :‬الجزائر يون كلهم مساكين‪ ،‬فالجيش يشتري هذا الصاروخ بعشرات الآلاف‬ ‫من الدولارات من خزانة الدولة و يعطيه لقيادة البوليزار يو مجانا و بعد انتهاء صلاحيته يشتر يه الإسلاميون‬

‫الجزائر يون من البوليزار يو بعشرات الآلاف من الدولارات التي غنموها من خزانة الدولة أيضا‪ .‬و هكذا‬ ‫تدفع الجزائر ثمن الصاروخ مضاعفا دون استعماله و يتمتع الروس و الصحراو يون بذلك على حساب شعبنا‪.‬‬

‫أليس هذا من البلي ّات المضحكات‪ .‬فحاول الصحراوي الاحتجاج فقاطعته‪ :‬كم طائرة مغربية أسقطتم أنتم‬

‫ب هذه ال صواريخ طوال حربكم يا ر جل؟ ا حتفظ ب هذه ال خردة ع ندك و لا ت ستغفلوا ع باد الل ّ ه‪ .‬إن ل هذا‬ ‫ال صاروخ ورشة كام لة ل ضبطه ق بل الإط لاق و بدونها لا ي ساوي هذا ال صاروخ شيئا‪ ...‬و ن صحت قادة‬

‫رويم بعدم شراء الصاروخ فأخذ بنصيحتي و كان مصيبا في ذلك‪.‬‬

‫بعد استلامي ثمن السيارة من قادة رو يم صفيت الحساب مع الدليل عبد الرحمان و اتفقت مع‬

‫قادة رويم على تأمين نقلنا من الزو يرات إلى نواكشوط‪ .‬و قبل سفرنا وصل أمير الجماعة الإسلامية المسلحة‬

‫على منطقة الجنوب محمود أبوطالب نفسه و زارني هو و نائبه جلول حمادو و جرى بيننا حوار بخصوص‬ ‫تسليم عبد الحكيم و محمد طرودي اقتنع بعده محمود بصواب رأيي في الموضوع و شكرني على نصيحتي لهم‬ ‫بعدم شراء الصاروخ التالف فقلت له أنا مستعد لمساعدة أي جزائري في ما يحقق المصلحة و لو أن إمارة‬

‫الجماعة المسلحة كانت مخلصة في العمل بما تقتضيه المصلحة ل كنت من أنصارها و هذا موقف ثابت من كل‬ ‫الجزائر يين لن يتغير إن شاء الل ّه‪ .‬و ظهر لي أن كلامي أحرجه عندما قال‪ :‬سأبلغ القيادة ما سمعته منك إن‬ ‫شاء الل ّ ه‪ .‬و ل كن ني تبي نت الحقي قة ب عد أن ط لب من عي سى الان صراف لتح ضير جماع تة للانط لاق إ لى‬

‫الجزائر‪ .‬و لما اختلى بي قال‪ :‬إسمع يا سي أحمد‪ ،‬أنا متأكد من إخلاصك في نصرة الحق و إني أخشى أن‬

‫تقع في ما وقعنا فيه‪ .‬إننا لم نعد نعرف في هذه الجماعة عدونا من صديقنا و والل ّه لو أجد لي مخرجا أعذر فيه‬ ‫‪205‬‬


‫عند الل ّه لما بقيت ت حت هذه الراية العمياء لحظة واحدة فادع الل ّه أن يحسن لي الخاتمة‪ .‬و إني أنصحك أن‬ ‫لا ت ستجيب لدعوة هذه الجما عة إن طل بوك لأنهم سيغدرون بك‪ ...‬فوج ئت بكلا مه ا لذي كان ي فيض‬

‫صدقا و رجاء و تساءلت مستغربا‪ :‬لماذا انتظرت حتى انصرف عيسى لتقول لي هذا الكلام؟ فقال‪ :‬عيسى‬

‫ابن بلدي و ل كنه جاهل فاحذر منه‪ .‬و أنا أحضرته في بداية الجلسة لينقل إلى القيادة ما سمع و إني أريدك‬

‫أن ت صحبني إ لى خارج الزو يرات ح تى تط مئن ق لوب الجما عة ا لذين م عي لأن ال شيطان ي جري في عروق‬

‫بع ضهم م جرى ا لدم‪ .‬ق لت‪ :‬إذن أذ هب م سلحا‪ .‬فوا فق‪ .‬و انطلق نا إ لى ح يث يرابط ‪ 12‬من الم سلحين لم‬

‫أت عرف ع لى وا حد منهم و مع هم أر بع سيارات ميدان ية من نوع تو يو تا ستاي شن ‪ 5‬و ‪ 6‬محم لة بأ سلحة و‬ ‫ذخيرة متنوعة من بينها رشاشين ثقيلين مضادين للطيران عيار ‪ 17‬مم و قطعتين من مدفعية الهاون عيار‬

‫‪ 82‬مم و قاذفات مضادة للدبابات من نوع رب ج‪.7-‬‬

‫و قبل الافتراق قلت لمحمود‪ :‬هل أنتم فعلا من يقوم بقتال الجيش الجزائري؟ أم أن هناك مقاتلون‬

‫آخرون يتسببون له في الخسائر التي نسمعها؟ فقال محمود‪ :‬ماذا تعني يا سي أحمد؟ قلت‪ :‬لو كنت أنقل تمرا‬

‫ل ما نقل ته ب هذه الطر ي قة‪ .‬فك يف تكد سون عدة قتال ية لتجه يز كتي بة ثقي لة في أر بع سيارات و تتنق لون ب ها‬ ‫كقافلة تجار ية ؟ لو وقعتم في كمين ستدافعون عن الرشاشات الثقيلة و المدافع المحزومة بمسدسات رشاشة‪.‬‬ ‫فهل هذا معقول عندكم؟ صدق فيكم قول الشاعر‪ :‬كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ و الماء فوق ظهورها‬

‫محمول‪ .‬فقال‪ :‬سأفكر في الأمر عندما نصل إلى منطقة تجمعنا داخل الجزائر‪ .‬ثم ودعني و انصرف‪.‬‬

‫بلغني بعد ذلك أن محمود اقترح على قيادته عدم نقل هذه الكمية الضخمة من الأسلحة و الذخيرة‬

‫إ لى الق يادة في ال شمال دف عة وا حدة و اق ترح إر سالها ع لى دف عات تفاد يا للمفا جآت‪ .‬و قد كل فه هذا‬ ‫ا لاقتراح ا ستدعاءه من طرف الإ مارة الجهو ية با لاغواط و ال تي كان ي سيطر علي ها جما عة من الأف غان‬

‫الجزائر يين ظنا منهم أنه يخطط للانفصال عنهم‪ .‬فعينوا صديقهم مختار بلمختار خلفا لمحمود للتكفل بشحنة‬

‫السلاح و أصبح جلول ح مادو الذراع الأيمن لمختار بلمختار المدعو خالد بعد ذلك إلى أن انفصل عنه بعد‬ ‫افتضاح أمر جمال زيتوني و تف كك الجماعة سنة ‪ 1997‬لينتهي به الم طاف بالاستفادة من ميثاق ال سلم و‬

‫المصالحة سنة ‪ .2005‬و هو الى هذه اللحظة (‪ 1‬يناير ‪ )2012‬حي يرزق في المنيعة‪.‬‬

‫أما محمود أبو طالب فقد طاردته قوات الأمن و هو في طر يقه إلى لقاء القيادة في الأغواط حتى‬

‫حاصرته بين القرارة و بر يان مع مجموعة قليلة من مرافقيه و قتلتهم جميعا‪ .‬و أما شحنة السلاح فقد حاول‬

‫الأمير الجديد مختار بلمختار نقلها إلى العاصمة و ل كن قوات الأمن اكتشفت أمرها بعد إلقاء القبض على‬ ‫أحد عناصر الجماعة و استنطاقه فطوقت المنطقة و قصفت السيارات بالطيران فتفرقت حراستها في الصحراء‬ ‫‪206‬‬


‫و انسحب بعضهم إلى المنيعة حيث لاحقتهم أجهزة الأمن و الجيش و قتلت بعضهم فيما انسحب خالد‬

‫بمن بقي من جماعته إلى المنطقة الجبلية شرق عين صالح و بدأ عملية جديدة‪.‬‬

‫العنصر المقبوض عليه في البداية كان من سكان أدرار و من الذين ساهموا في جمع الأسلحة و‬

‫نقل ها و لذلك ف قد أخ بر عن م كان توا جد قادة رو يم و جماع ته في نواك شط فطال بت الجزا ئر موريتان با‬ ‫بالقبض عليهم و زودتها بكل المعلومات و المخبرين‪ .‬و قد قامت أجهزة الأمن الموريتانية فعلا بحملة مداهمة‬

‫لبيوت المجموعة و ل كن بعد أن غادرها أهلها الذين وصلهم الخبر قبل أن تصل التعليمات إلى الشرطة‪.‬‬

‫حصل هذا أثناء أربعة شهور تقريبا كنت خلالها قد رتبت نقل عبد الحكيم و عائلته و مرافقيه‬ ‫إلى غامب يا عبر نهر السينغال ب عد حصولهم ع لى وثائق موريتان ية رسمية‪ .‬ثم استأجرت لهم بيتا في العا صمة‬

‫بانجول بمساعدة إخوة موريتانيين حق لموريتانيا أن تفتخر برجولتهم و ن خوتهم‪ .‬و و الل ّه لولا ما وجدت في‬

‫أولئك الإخوة من ال شهامة و ال صلاح و اللطف ما ب قي في ذاكرتي عن موريتان يا ما يستحق ا لذكر‪ .‬لقد‬

‫كانوا أعوانا أقو ياء على كل خير و آثرونا على أنفسهم بما يمل كون من جاه و مال و نفس رغم حاجتهم و‬

‫خصاصتهم فقط لأنهم علموا من مصدر موثوق أن تلك العائلة الجزائر ية المنكو بة مهاجرة بدينها‪ .‬و قد زارنا‬

‫شيخهم‪ 90‬المتوا ضع لل ّه و هو شاب فا ضل يط فح عل ما وذكاء و رجو لة و ب ِش ْر ًا و ط لب من كل ا لإخوة‬

‫الموريتانيين أن يجتمعوا بعائلاتهم في البيت الذي استأجرناه إكراما للأخوات و مواساة لهنّ بعد رحلتهن‬

‫الم ضنية و وعظ هن من وراء ح جاب قائ لا‪ :‬إن اله جرة في سبيل الل ّ ه م قام يط مح إل يه ح تى الأنب ياء ف لا‬

‫تغرن ّكنّ غربة الأخوات الجزائر يات و تواضعهن فقد سبقنكن بهذا الفضل فاعرفوا لهن قدرهن‪ .‬ف جزى‬ ‫الل ّه الجميع عني خيرا و أثابهم على معروفهم بما هو أهل إنه غني كريم‪.‬‬

‫بعد اطمئ ناني ع لى تلك العائ لة ج ّد ْدت الات صال بأخي و ا بن عمي الدكتور عثمان شوشان ا لذي‬

‫كان له الفضل في الوصول إلى الشيخ العلامة محمد الحسن ولد الددو و تلاميذه في غامبيا و تواصلتُ عن‬

‫طر يقه بعمي الشيخ محمد الأخضر رحمه الل ّه الذي كان في ذلك الوقت مستقرا في " أكرا " عاصمة "غانا "‬ ‫و مسؤولا عن نشاطات الدعوة و الإغاثة التي يشرف عليها المنتدى الإسلامي في غرب إفر يقيا‪.‬‬

‫‪ 90‬هو الشيخ محمد الحسن الددو الذي لقنني حديث المحبة في الل ّه موصولا بسنده منه هو إلى رسول الل ّه صلى الل ّه عليه و‬

‫سلم‪ .‬و خصّ ني من وقته الثمين بنصيب وافر جزاه الل ّه خيرا‪.‬‬

‫‪207‬‬


‫التفكير في تكوين تنظيم مسلح جديد‬ ‫عندما وصلت إلى غانا كنت في وضع لا أحسد عليه من التعب و الإرهاق إلى درجة أن عمي لم‬

‫يعرفني في المطار إلا بعد أن قدمت نفسي له‪ .‬فأكرم وفادتي و هي ّأ لي من أسباب الراحة ما ساعدني على‬ ‫استعادة حيويتي‪ ،‬فقضيت أسابيع طو يلة في شبه خلوة تامة في جمع شتات أفكاري و مراجعة ما مر بي‬ ‫من الأ حداث و إ عادة ترتيب ها ثم تناولت ها بالدرا سة من جم يع الجوا نب و ناق شت ما أ شكل ع لي من ها مع‬

‫عمي رحمه الل ّه و استعنت فيما له علاقة بالشرع بابن عمي و أخي الدكتور عثمان و تابعت ما استجد من‬

‫الأحداث من مصادر موثوقة داخل الجزائر‪.‬‬

‫ن ا ْل حقّ في هذا الأمر لا ي خرج عن‬ ‫و بعد استنفاذ الجهد في النظر و المهلة في الوقت انتهيت إلى أ ّ‬

‫خي َار َين‪ .‬أ ّولهما و أ ْولاهما هو تشكيل جبهة مسلحة جديدة تحمل مشروعا مستقل ّا للإصلاح وتتعاون مع كل‬ ‫ِ‬ ‫الخيرين من أبناء الجزائر لرد الأمور إلى نصابها‪ .‬تنطلق من الجنوب و تقدم السلم على الحرب‪ .‬و آخرهما هو‬ ‫الاعتزال و الاكتفاء بالنصح إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة للمساهمة في أي مسعى جاد لإنهاء الأزمة ‪ .‬و‬ ‫شرعت فعلا في العمل بالخيار الأول و قطعت فيه شوطا تجاوز الجانب النظري‪ .‬حيث قمت بتحر يات و‬

‫ات صالات نتج عن ها اقت ناع ب عض الجما عات الم سلحة الن شطة في ا لداخل بالفكرة و تم الت فاهم مع ب عض‬ ‫الإخوة على مساعدتي ماديا في إطلاق المشروع و ل كنني فوجئت لحظة الوفاء بالوعد أن البقية الباقية من‬

‫الم سلحين الإ سلاميين لا صبر ل هم ع لى التخ لاط و ال سلوك المل توي‪ .‬و أ صبح وا ضحا ع ندي أن بدا ية هذا‬ ‫الخ يار ي جب أن ت مر ع لى تأمي نه من ا لداخل م ما يع ني أن ع ليّ أن أ خوض م عارك طاح نة لتطه ير صفوف‬ ‫الجما عات الم سلحة من خلا يا ال تدمير ا لذاتي ال تي تن خر ج سدها‪ .‬و قد كان هذا ا لأمر م ستحيلا في ذ لك‬

‫الو قت لأن ال شعب الجزا ئري كان ذاه لا ع ما ي جري حو له و خا صة أن صار الت يار الإ سلامي ا لذين كانوا‬

‫ي ُعل ِّقون آمالا عريضة على الصّ خب الذي كانت تثيره بعض المنابر الإعلامية من الخارج‪ .‬و لذلك قررت‬

‫إسقاط هذا الخيار من برنامجي و تفر ّغت للعمل بالخيار الثاني‪.‬‬

‫و نظرا ل كثرة العابثين بتفاصيل الأحداث و استغلالها من أجل تشو يه الحقائق يجدر بي تثبيت‬

‫المعلومات التفصيلية لمشروع الجبهة المسلحة التي فكرت في تأسيسها في ذلك الوقت من خلال ما كتبته على‬

‫منتدى بلا حدود في إطار توضيح هذه القضية‪:‬‬

‫ع ندما تكلمت في شهادتي المن شورة ع لى موقعي ع لى الإنتر نت م نذ أك ثر من سنتين عن المو ضوع‬

‫تحت عنوان‪ :‬التفكير في تكوين تنظيم مسلح جديد (الفصل ‪ /4‬الجزء ‪/3‬الحلقة ‪ )13‬اقتصرت فيه على ما‬ ‫يتعلق بالحقيقة التار يخية دون التعرض للتفاصيل الجانبية‪.‬‬ ‫‪208‬‬


‫و إذا كنت أنا معروف النسب و التاريخ‪ ،‬و الأمير الذي سألوه عني و عن عائلتي معروف لديهم‬

‫بج هاده و عدال ته و سابقته و هو ع بد الرحمان أ بو جم يل أم ير تن ظيم ال باقون ع لى الع هد‪ ،‬و إذا كان موق فه‬ ‫المنقول على لسانهم منشور في موقعهم منذ أكثر من سنتين‪ ،‬فلماذا يستشهدون بهذا الأمير في كل مناسبة‬

‫ليقولوا باسمه سنة ‪ 2010‬عكس ما نقلوه عنه سنة ‪ 2008‬و ما شهد به هو نفسه سنة ‪1996‬؟ أتغيروا هم‬

‫أم تراجع هو؟ ‪....‬في الحقيقة لا هذا و لا ذاك‪ .‬و إنما هي سنة الل ّه في تمحيص الخبيث من الطيب‪ .‬و لا‬ ‫حول ولا قوة إلا بالل ّه ‪.‬‬

‫ل‬ ‫ص َ‬ ‫و ل كن ما دام هناك من تكلم في هذا الموضوع الذي هو جزء من التاريخ فقد تعي ّن عليّ أن أف َ ّ ِ‬ ‫فيه رفعا لل ّب ْس و إتماما للفائدة من موقع الشاهد المعايش للحدث كما فعلت في حق غيرهم‪.‬‬ ‫أولا‪ :‬المشروع المذكور‪ 91‬و الذي أشرت إليه في البداية كان مبادرة شخصية مني و بديلا جديدا‬

‫عن الع مل الم سلح ال قائم في ذ لك الو قت دا خل الجزا ئر ب عد أن تأ كدت تأك ّدا قاط عا بأن الجما عات‬

‫الإسلامية المسلحة كانت تقاتل تحت راية عمي ّة و أن أميرها العام جمال زيتوني الذي باي َعه الجميع كان عميلا‬ ‫للم خابرات و مكل ّفا ر سميا بت صفية أب ناء الحركة الإ سلامية الأ صليين‪ .‬فالم شروع إذن كان م شروعي و لا‬

‫لأي كان به‪ ،‬لا المجاهدين في الجزائر و لا غيرهم‪ .‬فأنا الذي درست الوضع و حددت الفكرة و‬ ‫علاقة‬ ‫ٍّ‬ ‫وضعت الخطة و اخترت ال نواة الأولى التي لا يعرف أسماء عناصرها المعدودين أحد غير المعنيين بها و‬

‫أغلبهم مازال حيا يرزق‪ ...‬كل ذلك كان قبل أن أتعر ّف على الإسلاميين في الخارج بشهور‪ .‬و لم أكن في‬ ‫حاجة لشيء من أحد سوى تموين المشروع من الناحية المالية‪ .‬و لذلك عندما أخبرني الأخ الطالب بن‬

‫ع ُم ْر َان الذي جاءنا إلى غانا فرار ًا بجلده من بطش أمير الجماعة المسلحة في الجنوب مختار بلمختار‪ -‬بعد أن‬ ‫علم بالمشروع الذي أعددته بأنه تعر ّف في واقادوقو على ر َج ُل َ ْي أعمال جزائر يين غن ِي ّي ْن متعاطفين مع الجبهة‬

‫الإ سلامية و يمل كان رأس مال كب ير ي سعيان إ لى ا ستثماره في إفر يق يا‪ .‬فات صلنا به ما و طل بت منه ما‬

‫مساعدتي في تجهيز أول سر ية بمبلغ قدره ‪ 20000‬دولار قرضا أرده عليهم عندما يغنينا الل ّه من فضله و لم‬

‫أت ناقش معه ما في تفا صيل الم شروع أ صلا‪ .‬ف سألوني عن ع لاقتي بالحركة الإ سلامية الم سلحة فق لت ل هم‬

‫ات صلوا بال سعيد مخ لوفي أو ح سن ح طاب أو مح مد شنوف أو أي إن سان تث قون ف يه با ستثناء ج مال زي توني‬ ‫و بطانته‪ .‬و بعد أن اتصلا بمن يثقون فيهم في لندن‬

‫النذير و قمر الدين خربان كما قالا لي‪ -‬ربطاني مباشرة‬

‫بقيادة جماعة ال باقين على الع هد بالجزائر فأخبرتهم بم شروعي عبر ال هاتف و الذي كان يهدف إلى إط لاق‬ ‫جبهة قتالية مستقلة تبدأ تطهير الجزائر من الم جرمين انطلاقا من الجنوب و تتعاون مع جميع الشرفاء‪ .‬فعبروا‬ ‫لي عن إعجابهم بالفكرة و أكدوا لي بأن الجماعة سيساعدوني بالمال المطلوب ثم طلبوا مني توصي ّات تساعدهم‬ ‫‪ 91‬مشروع تكوين جبهة مسلحة في الجنوب‬ ‫‪209‬‬


‫على بناء تنظيمهم في الداخل عسكر يا على أساس صحيح فوعدتهم ذلك‪ .‬ل كنني عندما حان موعد الوفاء بعد‬

‫تأجيلات و مماطلة جئت من غانا إلى بوركينا فاسو لأ ستلم المبلغ المتفق عليه فإذا بي أف َاج َأ بالسيد عبد‬ ‫ال كريم ا لذي كان أ حد المنف ِي ّ ِين الخم سة من فرن سا إلى بوركينافاسو يقول لي بأنه ع َي ّنَ الأمير بالت شاور مع‬

‫مجموعة من المهربين السابقين الذين كنت أر يد أنا الإ ستعانة بهم كأدلّ اء فقط و أنه ق ّدر تكاليف المهمة‬

‫التي كلفهم بها ب حوالي ‪ 5000‬دولار فقط و قد سلمها للأمير الذي ي جب عليّ أنا أن أكون مرؤوسا عنده‬ ‫و الذي لم يكن في الحقيقة سوى الأخ الطالب بن عمران‪ .‬كنا نتحرك على متن سيارة فطلبت من السائق‬

‫التو قف فور ًا ثم ق لت لع بد ال كريم هذا ج يد! و ما هو موقعي أ نا من ا لإعراب في كل هذا إذن؟ ل ماذا‬ ‫كلفتموني مخاطر السفر و مصار يفه ما دمتم قد قضيتم حاجتكم فيما بينكم؟ قال‪ :‬تكون أنت تحت قيادة‬

‫الطا لب بن ع مران لأ نه ا لأمير ا لذي عين ته الق يادة‪ .‬و ه نا لم أتما لك نف سي و ق لت له‪ :‬و هل تعت قد أن ني‬

‫م ستعد لل تورط مع كم في هذا الع بث؟ الق ضية متعل قة بأما نة ثقي لة ل ست مؤه لا لل بث في ها لا أ نت و لا‬ ‫الطا لب بن ع مران و لا الجما عة ال تي ت عوِ ّل علي ها ‪ .‬و أ نا اتف قت مع أم ير جما عة ال باقين ع لى الع هد و ليس‬ ‫معك‪ .‬قال‪ :‬أنا صاحب الأمر في صرف المال و بصراحة تشاورت مع الجماعة و اتفقنا على خطة العمل مع‬ ‫سي الطالب‪ ...‬و هنا فتحت باب السيارة و قلت‪ :‬على كل حال أنا طلبت منكم مساعدتي بقرض من‬

‫المال لتنفيذ مشروع اطلعت قيادتكم عليه و اتفقت معها على التعاون و لم آت لأضع نفسي تحت تصرفكم أو‬

‫أتحمل المسؤولية على مخططاتكم‪ ،‬و ما دمتم قد تراجعتم عن وعدكم و قضيتم حاجتكم و ضبطتم أموركم فمبروك‬ ‫عليكم‪ .‬أما أ نا فعليكم أن تنسوا أنني التقيت بكم أو تكلمت معكم في هذا الموضوع لأن ما تفعلونه لن يذهب‬

‫بكم بعيدا‪ .‬و انقطع الاتصال بيني و بينهم منذ ذلك الحين‪.‬‬

‫و لم ت مض أ سابيع ح تى ات صل بي أم ير ال باقين ع لى الع هد ليخبر ني بأن جماع ته في بوركي نا فا سو‬

‫دخلت مع الأمير الذي عينوه ‪-‬الطالب بن عمران‪ -‬في مشكل فتمرد عليهم و طلب مني التوسط بينهم و‬

‫بينه فقلت له‪ :‬جماعتكم في واقادوقو يتعاملون بخبث و قد حصدوا ثمرة انتهازيتهم‪ ،‬و أنا لن أتعامل مع هذا‬ ‫الصنف من الناس أبدا لا باسم الدين و لا باسم الدنيا‪ .‬فعرض علي أبو جميل الدخول إلى الجزائر و وعدني‬

‫بأن يضع التنظيم تحت تصرفي فقلت له ‪ :‬أما أنت فأنا أثق بك لأنك من جنود مخلوفي السعيد الأوفياء و‬

‫ل كنك كما ترى لا تضمن حتى المتحدثين باسمك‪ .‬و أنا رجل قد أقام الل ّه علي الحجة و بص ّر َني و لن ألدغ من‬

‫جحر مرتين بإذن الل ّه‪ .‬ف شكرني و تم نى أن أ عاود الات صال به للت عاون م عه من أ جل ضبط ا لأمور دا خل‬ ‫تنظيمه فأرسلت له نسخة من مسودة المشروع بالفاكس‪ -‬ليقتبس منها ما يراه مناسبا لظروفه في الداخل‪.‬‬ ‫و انقطع تواصلي معه منذ ذلك الحين‪.‬‬

‫‪210‬‬


‫و بعد ذلك بأسابيع أخرى بلغنا خبرمقتل جمال زيتوني و تمزق جماعته و بدأت التمردات داخل‬

‫جماعة مختار بلمختار المتواجدة في النيجر وأصبح الدخول في حرب بين الجماعات المسلحة المختلفة هو الطر يق‬

‫الوحيد لتأسيس جماعة نظيفة‪ .‬و هو ما دفعني إلى طي ملف العمل المسلح و تبني خيار الهجرة‪.‬‬

‫و ل كن مادام بعض الناس يزعمون أن إخوتهم الذين وقع الخلاف بيني و بينهم مجاهدين و أنهم‬

‫مازالوا يدكّ ون حصون الطغاة فإنني أشهد بأن المجاهدين الذين يتكلمون عنهم هما الناطق الرسمي عبد ال كريم‬

‫و معه رجل المال و الأعمال المزعوم عبد القادر‪ .‬و أشهد أن هذين الرجلين لم تغبر ّ أرجلهم حتى بتراب‬ ‫واقادوقو لأنهما كانا يعيشان في بذخ لم يكن يعيشه حتى رئيس بوركينا فاسو نفسه و ينفقون على راحتهم‬ ‫بدون حساب من الأموال التي جمعت باسم معاناة أنصار الجبهة الإ سلامية في فرنسا و التي لم تستفد منها‬

‫عائلات الإ سلاميين المنكو بة و إنما تصرف فيها هؤلاء حسب أهوائهم‪ .‬كما أن هذين المجاهدين المزعومين‬ ‫ن فيها أب ناء الجزا ئر ال غافلين طح نا‪ ...‬فمن‬ ‫طح ِ َ‬ ‫لا يعر فان ا ستعمال ال سلاح و لم يشهدا م يادين الق تال ال تي ُ‬ ‫باريس انتق لا إ لى بركينافا سو و من ها إ لى ل ندن و سوي سرا و هم يديرون م شار يعهم الخا صة ال تي أقامو ها‬

‫بالأموال التي جمعوها باسم المنكوبين من أنصار الجبهة الإسلامية ‪.‬‬

‫و الشهود المعتبرين على ما حدث في بركينا فاسو ستة أشخاص‪ :‬عبد ال كريم و عبد القادر موجودان‬

‫في لندن الآن و الطالب بن عمران و قادة الرويم موجودان في الجزائر و عبد الرحمان أبوجميل و نائبه عبد‬

‫الودود ؛ الل ّه أعلم بحالهما ‪.‬‬

‫‪211‬‬


‫تواطؤ الجماعة الإسلامية على اغتيالي‬ ‫كان قراري بمغادرة الجزائر قائما على خيار مسؤول تبن ّي ْت ُه بقوة‪ .‬وكان هذا الخيار قائما على تجنب‬

‫التورط في سفك دماء الأبر ياء بغير حق أو قتل الناس بناء على الشبهة سواء كان ذلك باسم القانون أو‬

‫با سم الإ سلام أو ح تى بم برر ا لدفاع ع لى ا لنفس‪ .‬و ل كن ني مع ذ لك لم أ كن لأم َت ِّ َع الم جرمين في ال طرفين‬ ‫بالتقرب بذبحي إ لى طواغيتهم‪ .‬فخر جت من الجزا ئر و أ نا ع لى أ تم الا ستعداد لت ح ّدِيهم في نزال شر يف‬

‫أذيقهم فيه الموت قبل أن أق ْت َل و بقيت على حذر شديد إلى أن بلغني الل ّه مأمني و كفاني شرهم فله الحمد‬ ‫و الشكر‪.‬‬

‫و من عناية الل ّه بي أنه قي ّض لي جنودا من داخل صف الجماعة الإسلامية المسلحة لم تكن لي بهم‬

‫صلة أبدا‪ .‬فقد جاءت تعلي مات جمال زيتوني أمير الجماعة الإ سلامية المسلحة لأميره الجديد على الصحراء‬

‫مخ تار بلمخ تار ب تدبير عمل ية اغت يالي‪ .‬و صدرت التعلي مات لعنا صر الجما عة المنت شرين في موريتان يا و مالي‬ ‫و النيجر و بركينا فاسو باستدراجي لتنفيذ حكم الإمارة‪ .‬و بدل ًا من فعل ذلك تم الاتصال بي لتحذيري من‬ ‫التعليمات الجديدة و أسماء المتحمسين إليها من العناصر المتواجدة في المنطقة لأحذر منهم‪ .‬فقد اتصل الأخ‬

‫مسعود في اللحظة التي صدرت فيها التعليمات بكل من يثق فيه من معارفي لتحذيري من المؤامرة الغادرة‬ ‫ك ما بعث لي الشيخ حسن علان رحمه الل ّه رسولا من وجهاء النيجر اسمه الحاج بوبكر يحذرني من القدوم‬

‫إليه بعد أن كن ّا مت ّفقين على اللقاء في النيجر للنظر في تطورات الوضع بصفته أعلم الجزائر يين ب تاريخ العمل‬ ‫المسلح في المنطقة‪ .‬كما اعترض الأخ الطالب بن عمران على الانحراف الذي وقع في عمل الجماعة و كان‬

‫الضابط ال شرعي لجماعة الصحراء في عهد محمود بوطالب و كاد يتعرض للعقو بة على موقفه المعارض لولا‬ ‫فراره و لجوؤه إلى عمي محمد الأخضر في غانا ليؤكد لنا تفاصيل ما حدث و يحذرني مما تدبره إمارة الجماعة‪.‬‬

‫و قد كنت التقيت الطالب بن عمران في موريتانيا قبل ذلك و علمت أنه كان على موقف أميره‬

‫الأول محمود بوطالب من انحراف الجماعة‪ ،‬و كان بصدد تأليف كتيب يستنكر فيه ما تقوم به‪ .‬و قد ساعدته‬ ‫في ذلك و حررت معه ال كتيب الذي أصدره في شكل مراجعات‪ .‬و لذلك لم أتفاجأ من موقفه عندما‬

‫جاءنا و طمأنتُ عمي محمد الأخضر بشأنه و قد كان يعرفه و يعرف أباه م نذ أن كان مجاهدا في جيش‬

‫التحرير‪.‬‬

‫و في إطار التقص ّ ِي على حقيقة ما يحدث سافرت إلى بركينافاسو حيث استقر ّ قادة رو يم و جماعته‬

‫بعد اكتشاف أمرهم في موريتانيا و علمت منه أن أحوال الجماعة تغيرت تماما منذ تعيين مختار بلمختار على‬ ‫رأ سها و أنه أ صبح حذرا في التعا مل مع هم‪ .‬و بين ما ك نت ضيفا ع نده و فد عل يه أ مين خزي نة الجما عة في‬ ‫‪212‬‬


‫النيجر إ براهيم بلعور المنيعي و أخبره بأن جلول حمادو المدعو عيسى متجه إليه مع ‪ 4‬من عناصر الجماعة‬ ‫ليطالبوه بتسليمي لهم و إلا قتلونا جميعا لأنهم يعتبرون قادة الرويم قاطع طر يق يجب قتله أيضا و ل كنهم‬

‫ير يدون الاستفادة من خدما ته مؤق تا فقط‪ .‬و ب عد ال حديث م عه علم نا أن عددا كب يرا من عناصر الجما عة‬ ‫متذمرون من انحراف قياداتهم و ينوون التمرد على الجماعة بعد أن اكتشفوا طبيعتها الإجرامية‪.‬‬

‫حاول قادة رويم أن يقنعني بمغادرة بوركينا فاسو تفاديا للاغتيال و وعدني بالاتصال مجددا بعد أن‬

‫يستوفي الديون المستحقة على الجماعة و التي تقدر بمئات الآلاف من الدولارات التي اشترى بها أسلحة و‬ ‫ذخيرة للجماعة دون أن يقبض ثمنها‪ .‬و أمام إصراري على البقاء من أجل تدارس إمكانية التعاون معه على‬ ‫تشكيل جبهة قتالية توافقنا على أخذ جميع الاحتياطات الأمنية قبل وصول جلول و من معه‪ .‬و مباشرة بعد‬

‫دخولهم إلى البيت بادره قادة رويم قائلا‪ :‬إسمع يا سي عيسى‪ ،‬الجماعة هنا ضيوف لديّ و كل ّهم مسلحون و‬

‫إذا تكلم الرصاص فلن يخرج أحد من هذه الغرفة حي ّا‪ .‬فخل َ ِّي جماعتك يقعدوا ترانكيل (يجلسون هادئين)‬ ‫وإذا كان ع ندكم ك لام فقو لوه بأفواهكم‪ .‬فا ضطرب عي سى و رد عل يه قائ لا‪ :‬ن حن جئ نا ل نتكلم م عك‪ .‬قال‬ ‫قادة‪ :‬جماعة من عندكم موجودون خارج الغرفة و سي أحمد ها هو أمامك و جماعتي يحيطون بالبيت و نحن‬ ‫على علم بكل ما حصل و ما ينفع غير الصح فاتركوا الأ سلحة جانبا و تحدثوا‪ .‬فوضع كل واحد سلاحه‬

‫قريبا منه و جلسوا‪ .‬و قبل أن يبادرني عيسى بالكلام قلت له‪ :‬إسمع يا عيسى! أنا لن أتحدث عن خالد و‬ ‫انصياعه لأمرائه لأنه لا يعرفهم و لا يعرف حتى ضحاياه‪ ،‬و لذلك فهو يتصرف كالآلة‪ .‬أما أنت فما هو‬ ‫عذرك؟ ألا تعرفني؟ ألا تعرف السائق المنيعي المسكين الذي كان يشتغل في سونطراك قبل أن تولد أنت‬

‫و خالد؟ ألا تعرف أنه كان لا يخطئ صلاة الجماعة في المسجد في الهواجر بينما كنت أنت تسطو على بساتين‬

‫الم شماش و لا ت عرف للقب لة وج هة؟ ب ماذا تل قى الل ّه ب عد أن يت ّم ْتَ أو لاده؟ ك يف ت خدع مح مود‬

‫و‬

‫الطالب وأنت تعرف أنهم أهل دين و جاه في قومك و تثق في خالد و زيتوني الذين لا يعرف عنهما أحد‬ ‫شيئا‪ .‬ألا ت ستحي أن تتآمر مع أميرك على اغتيالي أنا يا جلول؟ قل لخالد الذي عجز الجيش الجزائري أن‬

‫يلتقط له صورة بإن ولد الشرفاء قادر على قتله دون عناء السفر إليه‪.‬‬ ‫قاطعني عيسى عدة مرات محاولا إقناعي بأن ما وقع سوء تفاهم و أن القضية تتجاوزهم و ل كنني‬

‫تجاهلت تعليقاته المحتشمة و أنهيت كلامي إلى آخره ثم قلت له‪ :‬أتر يد أن أدخل عليك من يشهد عليك في‬

‫وجهك؟ قال‪ :‬من؟ قلت‪ :‬إ براهيم بل عور‪ .‬عندها غ ضب غضبا شديدا و قال‪ :‬إذا د خل علي ذ لك ال خائن‬ ‫سأقتله‪ .‬و ليكن ما يكون‪...‬ق لت‪ :‬أ لم تدع أن ذ لك سوء ت فاهم؟ قال‪ :‬أق صد أن سوء الت فاهم و قع ع لى‬

‫مستوى القيادة‪ .‬و أرجو أن تعتبر ما سمعته بشأن التآمر عليك يا سي أحمد غلطة و الدنيا راها مخلطة علينا‬ ‫من كل جهة‪ .‬قلت‪ :‬بل أنا أخبرك بأن إمارتكم تنفذ مخططا دقيقا و ضعته الم خابرات الجزائر ية و لم يبق من‬ ‫‪213‬‬


‫المحكوم عليهم بالتصفية غيري‪ .‬قال‪ :‬هذا غير معقول يا سي احمد و على كل حال نحن لا دخل لنا في كل‬ ‫هذا‪ .‬و سامحني لأنني أر يد الحديث مع قادة و العودة إ لى جماعتي لأنهم ينت ظرون خارج "وا قادوقو"‪ .‬و‬

‫انتهى حديثي معه عند هذا الحد لأنني اغتنمت فرصة حديثه مع قادة و صحبني بلعور ب سيارته الى مكان‬

‫تجمع السيارات لأنطلق من هناك بر ّا عائدا إلى غانا‪ .‬لقد اكتشفت أثناء رحلتي بين غانا و بوركينا فاسوا‬

‫التي دامت ثلاثة أياما نظرا لقل ّة المواصلات حقيقة التخلف الذي يعيش فيه الناس في هذه المنطقة من‬ ‫العالم‪ .‬لقد رأيت بأم عيني قطعانا بشر ية في شكل عائلات كبيرة من كل الأعمار تتنقل في الغابات حفاة‬

‫عراة كما ولدتهم أمهاتهم ي َر ِد ُون أماكن الماء كما ت َر ِد ُها الأنعام و لا حول و لا قوة إلا بالل ّه‪ .‬شاهدت ذلك‬ ‫طوقو‪ .‬أما في رحل تي البر ِّ ية نحو غامبيا في الغابات التي تفصل ليبير يا عن‬ ‫في أدغال المنطقة الشمالية من ال ّ‬

‫ال سيراليون ف قد ل فت انت باهي قط عان من الفت يات المراه قات العار يات مخط طات الأج ساد كأنهن ح مر‬ ‫يج ُب ْنَ الغابات الموحشة كأنهن جزء منها و قد أخبرني بعض أهل المنطقة بأن تقاليدهم تفرض عليهم‬ ‫وحشية َ‬

‫فعل ذلك و لا تعود البنت إلى المجتمع إلا بعد اصطيادها من طرف زوجها المقدر لها‪ .‬و لل ّه في خلقه‬

‫شؤون‪.‬‬

‫لم يطل بي المقام في غانا بعد العودة من بوركينا فاسو حتى وصلني خبر اغتيال جمال زيتوني بعد‬

‫افتضاح أمره و انضمام مختار بلمختار إلى عنتر زوابري و تشرذم جماعة الصحراء‪ .‬و كان من بين من تمرد‬ ‫على بلمختار جلول حمادو نفسه الذي هرب بسيارة ميدانية من نوع تو يوتا كروزر و ل كنه اعتقل من طرف‬

‫الدرك في طر يقه إلى واقادوقو على حدود بوركينا فاسو و لم يجد من ينقذه غير قادة رو يم الذي تواطأ هو‬

‫مع بلمختار من قبل على مصادرة أمواله باعتباره قاطع طر يق‪.‬‬

‫و الأطرف من هذا أن مخ تار بلمختار اتصل بي بعد أن غادرت إفر يقيا لي قول لي‪ :‬أنا و جماعتي‬

‫ت حت ت صرفك أ نت تأمر و ن حن نن فذ‪ .‬و كان جوابي‪ :‬أ نا ر جل منت صر لل حق و متأ كد بأن طر ي قي غ ير‬

‫طر يقكم‪ .‬فإن عدتم إلى الحق فسنلتقي حتما عند نقطة الوصول و إن كنتم غير ذلك فلا شأن ل كم بي‪.‬‬

‫و قد تبين لي من خلال كلام مقربين من مختار بلمختار أنه تي ّقن متأخرا من أن جمال زيتوني‬

‫خدعه عندما طلب منه تصفيتي و بعث لي رسائل يعبر فيها عن ثقته و احترامه‪.‬‬

‫و أنا أشرت إلى أسماء المعنيين لأن أغلبهم ما زالوا أحياء يرزقون و بالحر ية ينعمون منذ ‪ 2004‬على‬

‫الأقل و بين أجهزة الأمن يتجولون باستثناء مختار بلمختار الذي مازال يعيش بين قبائل الأزواد في شمال‬ ‫مالي‪ .‬بعد أن تزوج منهم‪.‬‬

‫‪214‬‬


‫خيار اللجوء إلى بر يطانيا‬ ‫ب عد أن ا ستقر الرأي ع ندي ع لى اعتزال ال صراع ا لدموي في الجزا ئر حددت وجه تي ب عد درا سة‬

‫و استشارة معمقتين‪ ،‬و وقع اختياري لدار الهجرة على بر يطانيا‪ .‬كان يمكن أن تكون فرنسا لولا اعتقادي‬

‫الرا سخ بأن فرنسا هي مصدر الداء في كل ما يحصل في الجزائر‪ .‬و ل كنني غير مقتنع بجدوى اللجوء إلى أي‬ ‫دولة أخرى غير هتين الدولتين دون حمل السلاح ؛ و هو ما هاجرت من بلادي لتجنبه أصلا‪.‬‬

‫كنت إلى ذلك الحين أتحرك بهو ية موريتانية و كان الأمر قد تأزم في موريتانيا و لم يكن بإمكاني‬

‫استصدار جواز سفر موريتاني‪ .‬و لذلك سافرت مجددا إلى بوركينا فاسو و تمكنت من الحصول على شهادة‬

‫ميلاد أصلية من مخيم الأزواد العرب الماليين و عدت بها إلى غانا ثم استصدرت جواز سفر مالي أصلي من‬

‫القنصلية المالية بأكرا‪ .‬و قبل أن أغادر أفر يقيا قمت بسفر شاق إلى جامبيا للإطمئنان على العائلة التي تركتها‬ ‫هناك و مرافقة الشاب الصغير أحمد علان بن الحاج حسن المدعو حمادة الذي لجأ إلينا بعد تأزم الأمور في‬ ‫النيجر و ت نازع أ فراد الجما عة ه ناك‪ .‬و كا نت تلك الرح لة من أشق الأسفار لأن ها كا نت عبر البر اخترق نا‬

‫خلال ها شمال ساحل ال عاج ا لذي لم أر في ح ياتي م سيحيين أ شد صليبية منهم ثم عبر نا تراب ليبير يا و‬ ‫سيراليون في حا لة تر قب ق صوى ن ظرا لل حرب ا لدائرة في المنط قة ثم دخل نا غين يا كو ناكري ال تي ر غم أن‬

‫الغالبية الساحقة لسكانها مسلمين إلا أن المسلم يخاف على نفسه من التصفية بعد غروب الشمس حتى و لو‬ ‫كان من أهل البلد لندخل بعد ذلك في بحيرات مخ ِيفة على حدود غينيا بيساو و السينيغال و لم ندخل إلى‬ ‫غامبيا إلا بوساطة المستشار الشرعي للرئيس الغامبي الذي سبقت لي معرفته في ز يارتي الأولى لجامبيا‪.‬‬

‫دامت الرحلة أكثر من أسبوع اكتشفت فيها عالما آخر من الطبيعة و البشر و عشت ظروفا لا وجود لها‬

‫خارج ذلك المحيط المعزول عن العالم و التاريخ‪.‬‬

‫و بعد الإطمئنان على العائلة الجزائر ية المهاجرة التي تركتها هناك‪ ،‬و خاصة زواج البنات الثلاث‬

‫من رجال عد ُول أحدهم من خيار رجال شنقيط و الثاني جزائري صاحب ن خوة و دين من مستغانم أما‬

‫الثالث فكان أحد الشباب المرافقين للعائلة‪...‬بعد ذلك توجهت إلى نيجير يا للحصول على تأشيرة الدخول إلى‬ ‫سور يا لأن هويتي الرسمية غير عربية و كنت أستبق بذلك فشلي في طلب اللجوء للعودة الى سور يا و البقاء‬

‫فيها حتى ييسر الل ّه لي المكان الآمن لاستقراري فيه‪.‬‬

‫و قد طوحت بي الأسفار خلال سنتين عبر جنوب تشاد و أدغال الكاميرون إلى بلاد الغابون و‬

‫ل كنني عدت إلى غانا حيث طلبت تأشيرة عمرة من السفارة السعودية بأكرا و حجزت تذكرة ذهاب إلى‬ ‫جدة عبر أثيوبيا في شهر اكتوبر ‪ 1997‬و تذكرة عودة إلى باماكو عبر لندن‪ .‬و قد تم ّ توقيفي في أثيوبيا من‬ ‫‪215‬‬


‫طرف ضابط صليبي حاقد تعرف على أصولي الجزائر ية و لم يص ّدِق بأنني مالي و بقيت في أثيوبيا يومين و‬ ‫ل كن كا نت إ قامتي في ف ندق فاخر ع لى ح ساب شركة الط يران تجو لت خلاله ما في أد يس با با و لم ي جد‬

‫الضابط ب ُ ّدا من السماح لي بالسفر لأن جوازي كان أصليا و شهادة الميلاد مسجلة بصفة قانونية‪.‬‬

‫وصلت إلى جدة و وجدت أخا كريما شهما من آل السراج في انتطاري اسمه عدنان و كان صديقا‬

‫عز يزا لابن ع مي ا لدكتور عث مان شو شان و أ خا محب ّا للعائ لة جزاه الل ّه خ يرا فأكرمني و خف ّف ع ني و لم‬

‫يفارقني حتى اطمأن على راحتي ثم عاد إلى عمله في الر ياض‪.‬‬

‫و بعد أن تمتعت بأول عمرة في حياتي و قضيت أياما لا تنسى في مدينة الرسول صلى الل ّه عليه و‬

‫سلم مع إ خوتي و أب ناء ع مي عث مان و ع بد الح ليم و مح مد ال طاهر و ب عض الر جال المح بين الجزا ئر يين و‬

‫السعوديين الذين التقيت بهم في المدينة المنورة أحسن الل ّه إليهم جميعا‪ ،‬سافرت إلى لندن ليلة ‪ 27‬ديسمبر‬

‫‪1997‬و بدلا من إك مال الرحلة خبأت جواز السفر المالي في سقف دورة المياه للمطار و طلبت اللجوء في‬ ‫بر يطانيا‪.‬‬

‫كان ط لب الل جوء امتحا نا ع سيرا ع ليّ‪ .‬و ك نت أ قوم به و كأنني آ كل جي فة ي شهد الل ّه‪ .‬و ك نت‬

‫عصبي ّا مع ضابط الهجرة الذي استجوبني لأنني ما زلت أستصحب مشاعر المواطن الجزائري الم شحون‬ ‫ضد كل ما هو أجنبي خاصة و أنني لم أغادر الجزائر طوال حياتي‪ .‬فكان أول ما بادرت به المترجم قبل‬

‫أن ي سألني ال ضابط هو‪ :‬قل ل هذه ال ضابطة بأنني أط لب الل جوء في إ طار قانون ا لأمم المت حدة تجن با لإرا قة‬ ‫الدماء في بلدي و لا أقبل أي مساومة خارج هذا الإطار‪ .‬فإذا كانوا ير يدون ابتزازي كضابط في الجيش‬

‫فلا يتعبوا أنفسهم معي و لا أطلب منهم سوى إرجاعي من حيث أتيت‪ .‬و كان جواب الضابطة كالماء‬

‫البارد على نفسي عندما قالت‪ :‬أنت لست مجبرا على الإجابة على أسئلتي و ل كن القانون يلزمني أن أطرح‬ ‫عليك الأسئلة و أكتب إجابتك ك ما هي و سأقرأها عليك قبل أن تصادق عليها فإن أحسست بالحرج من‬ ‫التوقيع على المحضر فلست مرغما على فعل ذلك‪ .‬و كل ما أنت مطالب به هو المصادقة على أنك فهمت ما‬

‫شرحته لك الآن قبل بدء الاستجواب‪.‬‬ ‫كا نت هذه البدا ية كاف ية لإقت ناعي بأن ال فرق الحقي قي بين نا و بين ال قوم ليس في ال صناعة و‬

‫التكنولوجيا و إنما في التربية المدنية لمستخدمي الدولة أولا و قبل كل شيء و كنت مقتنعا بأنني سأحصل‬ ‫على اللجوء دون الحاجة إلى اللف و الدوران و كان العائق الوحيد الذي تسبب في تأخر ذلك هو إثبات‬

‫شخ صيتي ح يث لم ت كن لدي أي وثي قة ر سمية تث بت هويتي الحقيق ية ال تي تكلمت عن ها لأن كل و ثائقي‬

‫العسكر ية صودرت من طرف المخابرات كما أن وثائقي المدنية بما فيها شهاداتي محفوظة في وزارة الدفاع منذ‬ ‫‪216‬‬


‫التحاقي بالجيش سنة ‪ .1978‬و لذلك ما أن تمكنت من إثبات هويتي حتى حصلت على اللجوء السياسي‬ ‫الكامل و استفدت من حقي في جمع شمل العائلة الذي يكفله القانون لي‪ .‬و ل كن قبل ذلك حصل ما‬

‫ي ستحق ا لذكر للاعت بار أي ضا و ت صور الح جم الحقي قي ل تداعيات المأ ساة ال تي ت سبب في ها المجر مون في حق‬

‫الجزائر‪.‬‬

‫كان لا بد من الاحتيال على منقذي الجمهور ية الجزائر ية حتى يتمكن أولادي الأبر ياء القُص ّر الذين‬

‫رفع الل ّه عنهم القلم من مغادرة الجزائر‪ .‬فحصلوا على جوازات سفر من غير دائرة سكنهم بمساعدة مؤمن‬ ‫من آل فر عون و ع لى تأ شيرة ع مرة بتو صية من مواطن سعودي صاحب ن خوة و تم تمر يرهم ع بر حاجز‬

‫شرطة المطار الدولي في الجزائر العاصمة بتوصية من طرف طيار من أهل المروءة‪ .‬كل ذلك حتى لا يعلم‬

‫حراس دولة العزة و ال كرامة بأن هناك ‪ 3‬أطفال جزائر يين لم يتجاوزوا العاشرة مع أمهم الجزائر ية متوجهون‬

‫إلى لندن للقاء أبيهم الجزائري المهاجر من بلده تجنبا للفتنة‪.‬‬

‫كان لابد لهم من المغامرة لأن حصولهم على التأشيرة إلى بر يطانيا من الجزائر مستحيل قبل أن‬

‫أح صل ع لى حق الل جوء‪ .‬ف قام ب عض ا لإخوة ب تدبير ا لأمر و الح صول ل هم ع لى تأ شيرة مزورة إ لى كو با‬

‫تمكنهم من أخذ الطائرة من السعودية على أن يطلبوا اللجوء في بر يطانيا في أول تحو يل من مطار لندن‪ .‬و‬

‫ل كن مصالح الهجرة في السعودية اكتشفتها و أمرت بنقل زوجتي و أولادي إلى الحجز في انتظار تسليمهم‬

‫إلى الجزائر و كان بالامكان تور يط أبناء عمي في الممل كة في هذه القضية و ل كن الل ّه سل ّم إنه لطيف خبير‪.‬‬ ‫فبعد سماع رجل سعودي من أهل النخوة و الشهامة بالموضوع الأستاذ المحامي الأخ أيمن السراج تقدم إلى‬

‫م صالح اله جرة بكا فة ال ضمانات ل تأمين م غادرة عائلتي الممل كة فور ًا و أم ضى ع لى مح ضر سماع ر هن ف يه‬ ‫حريته و أملاكه كلها‪ .‬و بعد أن عاش أطفالي ساعات من الرعب تم إخراجهم من الحجز ليتم تسفيرهم فورا‬

‫إلى سور يا‪.‬‬

‫و من سور يا حاولوا السفر من هناك و ل كن اكتشف أمرهم فعاشوا نفس التجر بة المرعبة مرة‬ ‫خ و َال ُهم عبد الحليم و محمد الطاهر بالتعاون مع بعض‬ ‫أخرى‪ .‬و ل كن الل ّه لطف بهم ف تدب ّر أمر إنقاذهم أ ْ‬ ‫الإخوة جزاهم الل ّه خيرا من الترحيل‪.‬‬

‫بعد هذه المحاولات الفاشلة عادت زوجتي و أولادي إلى الجزائر بهدوء‪ .‬ثم عاودوا ال كرة بعد أشهر‬

‫بنفس الطر ي قة ع ند م غادرة الجزا ئر‪ .‬و و صلوا إ لى ال سعودية و ت قدموا لط لب التأ شيرة من‬

‫السفارة البر يطانية فرحبت بهم و ل كن اعترضهم إشكال قانوني لأن عائلتي غير مقيمة في السعودية و لا‬ ‫يم كن است صدار تأ شيرة من ها لغ ير المقي مين‪ ...‬ف هل اعت بر القن صل البر ي طاني أن واج به ينت هى ع ند ر فض‬ ‫‪217‬‬


‫التأشيرة ما دام طالبوها لم يستوفوا الشروط؟ كان يمكنه فعل ذلك بحجة احترام القانون البر يطاني و ما‬

‫أدراك ما القانون البر يطاني‪ .‬و ل كنه لم يفعل ذلك يا سعادة السفراء و القناصلة العرب بل دفعته إنسانيته‬

‫لم ّا اطّ لع على وضع العائلة إلى الاتصال بالسفير البر يطاني الذي اهتم بالموضوع و تابعه خارج وقت عمله و‬ ‫وظّ ف كل التفاصيل في القانون البر يطاني و أجرى اتصالات مع سفراء و قناصل آخرين إلى أن وجدوا‬ ‫الصيغة القانونية المناسبة التي تحافظ على هيبة القانون و قداسته و تحل المشكلة التي يعاني منها أطفال لا‬

‫ناقة لهم و لا جمل في شؤون الأمن و السياسة‪ .‬لقد استعان في معالجة الموضوع بسفراء و قناصل و محامين‬ ‫حتى خارج وقت العمل لأن أولادي الجزائر يين و ليس البر يطانيين محاصرين بتأشيرة العمرة التي لو انتهى‬ ‫أجلها لتم ترحيلهم من بلاد الحرمين دون رحمة و لا مراعاة لمعاناتهم‪ .‬إنني لم أكن مسؤولا بر يطانيا و لا‬ ‫صاحب مال و لا جاه في بر يطانيا بل كنت لاجئا لم أحصل بعد على عمل و ل كنني مع ذلك لم أكن في‬

‫حاجة إلى رشوة أحد أو التوسّ ل إليه كما أن أولئك المسؤولين لم يتذرعوا بإنسانية القضية لخرق القانون و‬ ‫ل كنهم اجتهدوا كم سؤولين و بذلوا الج هد المط لوب في إطار القانون الذي يج عل من القانون نف سه وسيلة‬ ‫لتحق يق الم صالح و د فع المفا سد و ليس عائ قا للم صلحة و ذر ي عة للمفا سد ك ما هو ال حال في جمهور ية نزار‬

‫خالد‪.‬‬

‫‪218‬‬


‫الجزء الحادي عشر‬ ‫يوميات لاجئ سياسي جزائري‬

‫أول درس في بر يطانيا‬ ‫قضايا اللجوء في بر يطانيا‬ ‫علاقتي بالإسلاميين في أوروبا‬ ‫الضباط المعارضون في الخارج‬ ‫محاكمة النظام الجزائري أمام العدالة الفرنسية بباريس‬ ‫ذكر يات مع جهاز المخابرات الجزائر ية‬

‫‪219‬‬


‫أول درس في بر يطانيا‬ ‫عندما وطئت قدمايَ أرضية مطار هيثرو بلندن لم يكن في وجداني العميق أي مكان للوطن الذي‬

‫يعيش فيه الشعب البر يطاني‪ .‬فالصورة التي تشكلت عندي من خلال الثقافة الوطنية التي اكتسبتها منذ‬

‫ولادتي هي للممل كة البر يطانية الخرافية التي لم تكن الشمس تغيب على أمبراطوريتها؛ بر يطانيا الإقطاعية‬ ‫التي تستعبد الشعوب المستضعفة وتدوس على كرامتها بدون رحمة ولا شعور إنساني؛ بر يطانيا الاستعمار ية‬

‫المتسببة في مآسي ال شعب الفلسطيني وال شرق الإ سلامي ودول إفر يقيا‪.....‬ال ضمان الوحيد ا لذي جعل ني‬ ‫أختار ها كب لد لل جوئي هو ال سيادة ال تي تتم تع ب ها كدو لة وك شعب وخ صومتها التار يخ ية مع فرن سا؛ ك نت‬

‫متأكدا – أو هكذا بدا لي على الأقل – بأن بر يطانيا إذا سمحت لي بالإقامة على أرضها كلاجئ سياسي‬ ‫فإن سلامتي أصبحت مرتبطة بسيادتها الوطنية التي لا تساوم عليها كدولة عظمى لها مؤسسات عريقة في‬

‫السيادة على قراراتها‪ .‬وكان هذا بالنسبة لي ثاني انتصار أحققه على الدوائر المجرمة في الجزائر بعد أن تمكنت‬ ‫من تجنب التورط في الحرب القذرة التي دفعت إليها أغلبية الشعب الجزائري وعلى رأسها عشرات الآلاف‬

‫من زملائي الضباط في مؤسسة الجيش وملحقاته الأمنية (الدرك والمخابرات و الشرطة)‪.‬‬

‫ال هاجس ا لأول ا لذي كان ي سيطر ع لى تفك يري هو احت مال م ساومتي من طرف الم خابرات‬

‫البر يطانية بصفتي ضابطا في القوات الخاصة متهما بتدبير انقلاب في الجزائر‪ .‬والهاجس الثاني كان فرضية‬

‫احتوائي من طرف تنظيم سري محسوب على الإسلاميين تراقبه مخابرات دولية ينتهي بتور يطي في قضايا لا‬ ‫ناقة لي فيها ولا جمل‪ .‬و لذلك فقد أكدت لضباط الهجرة الذين استجوبوني بأنني أرفض رفضا قاطعا أي‬ ‫مساومة على مهمتي كضابط سابق في الجيش الجزائري كما طلبت منهم تحديد المدينة التي يمكنني العيش‬ ‫فيها بعيدا عن الشبهات مقابل تحملهم كامل المسؤولية على علاقتي بالمحيط الاجتماعي الذي سأعيش فيه‬

‫لمدة ستة أشهر على أقل تقدير‪ ،‬يمكنني بعدها أن أرت ّ ِب علاقتي بالناس على بي ِّنة من أمري وأتحمل المسؤولية‬ ‫على ما يترتب على ذلك‪ .‬وقد كان لي ما أردت وتم تحديد إقامتي في مدينة ليفر بول التي وصلت إليها ليلة‬

‫السبت ‪ 29‬نوفمبر ‪.1997‬‬

‫عندما وصلت إلى محطة نقل المسافرين في ليفر بول بعد منتصف الليل وجدت في انتظاري شابا‬

‫لاج ئا من أ كراد ال عراق نقل ني ب سيارته إ لى شقة مفرو شة من ث لاث غرف في ال طابق الثا لث‪ .‬وع ندما‬

‫أصبحت وجدت صاحبة العمارة في انتظاري‪ .‬إنها كردية مطلقة أم لولد من أحد أمراء الخليج العر بي لم‬

‫تتجاوز‪ 26‬سنة تملك ‪ 3‬عمارات من ‪ 14‬طابقا وعقارات بالملايين في مدينة ليفر بول وحدها عدا ما تمل كه‬ ‫في لندن‪ ...‬من حق القارئ أن يتساءل عن علاقة هذا الكلام بشهادتي على الأحداث في الجزائر‪ ،‬ول كنني‬ ‫‪220‬‬


‫أعتقد أن م شكلتنا في الجزا ئر و في ال عالم العر بي ك له هي في الح صار الم ضروب ع لى المواطنين و في سيا سة‬

‫التجه يل والت ضليل ال تي مور ست ع ليهم إ لى در جة لم تت سبب ل هم في التخ لف فح سب بل جع لت شعوبنا‬ ‫تعيش خارج عصرها تماما‪ .‬فلا يمكنني أن أرى ما تمل كه هذه المطلقة الوافدة على بر يطانيا دون أن يمتلئ‬

‫الأفق أمامي بصور ملايين ال كرديات اللاتي يعشن البؤس في أحراش كردستان ولا أتصور أن كردية أو‬ ‫عرب ية مثل ها ستتمتع في دو لة كرد ستان القوم ية أو في أي دو لة أو إ مارة عرب ية ب ما تتم تع به هذه المطل قة‬

‫المجهولة في بر يطانيا‪ .‬وإذا علمنا بأن ‪ %60‬على الأقل من سكان ليفر بول البر يطانيين الأصليين لا يمل كون‬ ‫الشقق التي يسكنونها فإننا سنرى بوضوح معنى أن تكون مقيما في بلد مثل بر يطانيا‪ .‬فما تمل كه هذه المطلقة‬ ‫الوافدة لم ولن يجعلها مواطنة من درجة أولى ك ما أن عدم قدرة البر يطانيين الأصليين على شراء مساكنهم‬ ‫لن يحولهم إلى مواطنين من درجة ثانية لأن المقيم في بر يطانيا يتمتع بالحقوق الأساسية الغير قابلة للمراجعة‬ ‫من طرف أي حاكم وال تي ت ضمن له ال عيش بكرا مة كإن سان ب غض الن ظر عن جن سه وعن صره أو و ضعه‬

‫الاجت ماعي وال مدني ثم يب قى م جال الت نافس خارج هذه ا لدائرة المحم ية ب شرعية المواط نة مفتو حا للجم يع‬ ‫ح سب ما توفر لديهم من إمكان يات ماد ية ومعنو ية في إ طار ما ت سمح به ال قوانين المت جددة با ستمرار‪.‬‬

‫والشاهد فيما تقدم هو أن المواطن العر بي عموما والجزائري بصفة خاصة تعرض إلى عملية ترو يض قسر ية‬ ‫سببت له تبلدا في الإحساس إلى درجة أنه فقد الشعور بقيمة المواطنة وما تقتضيه من فرض الوجود في‬

‫واقع الحياة وواجب الدفاع عن ذلك الوجود بجميع السبل الممكنة‪ .‬فالمواطن الجزائري اليوم يتصرف في‬ ‫بلده كمهاجر غير شرعي لدى السلطة التي احتلت بلاده؛ فهي التي تحدد نوعية إقامته حسب ما تقتضيه‬

‫ظروفها؛ فهذه السلطة المجرمة تمنح وسام الأثير في حالة الرضى على بعض المواطنين حتى ولو كانوا أنذل‬

‫الأنذال في منطق العقلاء فيصدق المساكين أنهم أصبحوا حكماء من أهل الفضل والرأي و يفرحون بذلك‬ ‫في بلاهة تستدعي الشفقة عليهم كما يتظاهرون بالفرح عندما تتيح لهم هذه السلطة فرصة التصفيق والصياح‬ ‫بشعارات الوطنية بمناسبة مباراة في كرة القدم أو تدشين مرفق اجتماعي طال انتظاره‪ .‬وهي ذاتها السلطة‬

‫التي تلبس الشرفاء جل باب الخيانة والجريمة والإرهاب وتمنعهم من التعبير عن معاناتهم سلميا إن سخطت‬ ‫عليهم ح تى و لو كانوا أو فى من الو فاء ل لوطن فيبتئ سون لذلك و يحزنون وي ستكينون للأمر الوا قع دون أن‬

‫يف كروا في ا لدفاع عن أنف سهم ح تى بالأ ساليب ال تي تقر ها ال ضباع وا لذئاب في عالم الح يوان وكأن هذه‬

‫ال سلطة أ صبحت ا لرب ا لذي لا راد لق ضائه عن هذا ال شعب‪ .‬ف جرى قدرها عل يه فت حو ّل في أ قل من‬ ‫عشر ية من شعب يطمح إلى مزاحمة الكبار في ركب الحضارة إلى فئام تتزاحم على موارد الانتحار‪.‬‬

‫إن حب الوطن والإخلاص له لا يكتمل إلا إذا أحسسنا إحساسا كاملا بالإرتباط الوثيق بين‬

‫واجب الإلتزام الطوعي ن حو الوطن من جهة وحق التمتع بالمواطنة الكاملة فيه دون الحاجة إلى قانون ولا‬ ‫‪221‬‬


‫تزكية من أحد كائنا من كان من جهة أخرى‪ .‬هذا الإحساس الذي يرسخ في وجداننا قيم الفضيلة و يوقد‬

‫فينا شعلة ال كفر بكل أشكال المساومة على مواطنتنا ويزودنا بالقوة المتدفقة اللازمة للصمود في وجه الخونة‬

‫والمفسدين في الأرض ومحاربتهم والقصاص منهم حتى ولو تجلببوا بالأعلام الوطنية وتعلقوا بعرصات مقام‬ ‫الشهيد أو دفنوا في مقبرة العالية مع شهداء ثورة التحرير المجيدة‪.‬‬

‫إن الشعب البر يطاني بشر مثلنا يمشون على رجلين وينظرون بعينين ويتكلمون بلسان وشفتين يأملون‬

‫و ي تألمون مثل نا و يأكلون وي شربون ويمو تون مثل نا تما ما‪ .‬ول كنهم شعب سي ِّد لا يق بل الا ستعباد من أ حد‬

‫كائنا من كان‪ .‬لقد جعلوا المواطنة محمية محرمة غير قابلة للاختراق يتحصن فيها المواطن البر يطاني ومن كان‬ ‫في حكمه من ضيوف الممل كة المتحدة وليس من حق أي إنسان أن يستبيح حرمتها تحت أي مبرر لأن‬

‫ذلك يعتبر اعتداء على سيادة هذا الشعب واستقلاله‪ ...‬إن حكام بر يطانيا كلهم و بدون استثناء موظفون‬ ‫لدى شعبهم ومكل فون بخدم ته وال سهر ع لى أم نه وتو سيع محم ية المواط نة بترق ية الح قوق الأسا سية للإن سان‬

‫البر ي طاني؛ ف من كان من هؤ لاء ال مواطنين الم ستخدمين في مؤس سات الدو لة قادرا ع لى الو فاء ب ما تتطل به‬

‫الوظيفة قل ّده الشعب صفة الحاكم وجازاه على حسن الأداء بالتكريم الذي يليق به‪ .‬أما من لم يكن جديرا‬ ‫بذلك فإ نه سيجرد من تلك ال صفة و يحاسب ع لى التق صير با سم ال شعب صاحب ال سيادة وال سلطان‪ .‬أ ما‬

‫الحاكم فله أن يكرم من يشاء باسمه الشخصي ومن ماله الخاص حتى ولو كان شاذا ول كن دون أن يضفي‬

‫ال كرامة على السفهاء والأنذال باسم الشعب أو الدولة خارج قيمها الوطنية‪ .‬لقد تابعت مناسبات تكريم باسم‬

‫الدولة البر يطانية ورأيت كيف يمجد العلماء والباحثون والمسؤولون الذين ساهموا بجهد مفيد في خدمة وطنهم‬

‫ومجتمعهم‪ .‬ورغم أن هذه الدولة علمانية ليبرالية تقدس الحر ية الشخصية وتشجع الفن بدون قيود إلا أنني‬ ‫لم أسمع بتكريمها لفاسق أو فاسقة في عرف المجتمع البر يطاني فضلا عن منحه وساما وطنيا لم يمنح حتى‬

‫لشهداء ثورة التحرير‪.‬‬

‫فما الذي يمنعنا من الإقتداء بهدا الشعب في هذه الخصلة الانسانية المحمودة‪ .‬و أنا هنا أتكلم عن‬ ‫العلاقة بين البر يطانيين كشعب تربطه وحدة المصير رغم تعدد أعراقه وثقافاته ولست بصدد الكلام عن‬

‫السياسة الخارجية البر يطانية التي تحكمها اعتبارات أخرى‪.‬‬

‫فهل يعقل أن يثمن مواطن بر يطاني مثلا موقفي كضابط في الجيش من الحرب القذرة التي أعلنتها‬

‫الق يادة الع سكر ية ع لى ال شعب الجزا ئري في الو قت ا لذي ي تزاحم ف يه الآ لاف من أب ناء وب نات ال شعب‬

‫الجزا ئري المط حون للخد مة كج نود لدى هذه الق يادة الإقطاع ية في ساهموا بذلك في تو سيع دا ئرة الخ صومة‬

‫و يعمقوا ال شعور بالحقد وال كراه ية بين أب ناء ال شعب الوا حد؟‪ ...‬إن هذا الخلل في ت عاطي شعبنا مع قيمة‬ ‫‪222‬‬


‫المواطنة كان له أثر كبير على تداعيات الأزمة السياسية التي عصفت بالجزائر منذ سنة ‪ 1992‬وانتهت بها‬

‫إلى التسيب العام سنة ‪ 2009‬رغم محاولات التقويم الترقيعية التي قامت بها السلطة بعد فقدانها للسيطرة‬

‫على مجر يات الأمور‪ .‬ولذلك فإنه لا يمكن بحال من الأحوال النهوض بالجزائر إلا إذا تم إصلاح هذا الخلل‬ ‫الخطير‪ ...‬وهو أمر ممكن إذا استثمر كل مواطن منا ما يتمتع به من قوة معنو ية قد يكون وهو في غفلة من‬ ‫ضميره يوظفها في الاتجاه الخطإ‪ .‬ولا بأس في هذا المقام أن أرفع الستارعن مشهد من واقع الحياة ال تي‬

‫عشناها للتأمل فيه في هذا الزمن الذي تفشت فيه الرداءة والفساد‪ ،‬لعل الأجيال القادمة تستفيد منه‪.‬‬

‫لقد كنا ضباطا برتب مختلفة في الجيش ولم يكن ال كثير منا يملك سيارات ولا منازل في الوقت‬

‫الذي كان بعض ضباط الصف الذين كانوا غسالين عند زوجات بعض القيادات الفاسدة يمل كون أفخم‬

‫ال سيارات وي تاجرون في سوق الع قار؛ وك نت أ نا شخ صيا ع ندما أ سافر في الحاف لة أ ستحي من ال مواطنين‬ ‫عندما يجلسني السائق في المقعد الأمامي احتراما للرتبة التي أحملها وغالبا ما كنت أتنازل عن المقعد لغيري‬

‫وأفضل ال سفر واقفا لأن ذلك يشعرني بالارتياح رغم طول المسافة بين الجزائر العاصمة ومدينة القرارة‪ .‬لقد‬ ‫كنت أرى أن الحل ليس في تكريس هذه الطبقية بين الجزائر يين ول كن في ترقية مستوى الأداء في تسيير‬

‫مؤسسات الجيش الوطني الشعبي بما يضمن لضباطه وجنوده الحد الأدنى من ال كرامة بعيدا عن حقوق‬ ‫باقي المواطنين‪ .‬لقد كنا نتقاضى مرتبا يكفينا لاقتناء سيارات بالتقسيط على الأقل ول كننا كنا نقتسم مرتباتنا‬

‫مع المرؤوسين من جنود الاحتياط في الكتائب التي نقودها والذين لم توفر لهم قيادة الجيش في ذلك الوقت‬

‫ثمن السفر أثناء الخروج في إجازة‪ .‬ومن هؤلاء الزملاء النقيب عمار عثامنية والنقيب عمر تلمساني والنقيب‬ ‫حسن زروقي والنقيب حسان بخوش والنقيب الطاهر برقوق والنقيب عبد القادر خرو بي والنقيب الساسي‬

‫زدوري ا لذين أ صبح أغلبهم عمداء وألو ية في صفوف ال جيش سنة ‪ 1181‬ولا شك ان غيرهم كثير في‬ ‫صفوف الجيش الوطني الشعبي‪.‬كنا نفعل ذلك تطوعا واستجابة لشعور الأخوة الوطنية التي تربطنا بهؤلاء‬

‫المرؤوسين الذين من حقهم الذهاب في إجازة ومن واجب الجيش كمؤسسة أن توفر لهم ذلك‪ .‬ول كن‬ ‫إخلال المؤسسة بواجبها لم يكن يبرر في تصورنا للأمور التخلي عن مساعدتهم للإستفادة من إجازتهم حتى‬

‫ولو كان ذ لك على حسابنا وخارج ما يلزمنا به القانون كضب ّاط‪ .‬ول كننا في المقابل كنا إذا تم تحو يلنا من‬ ‫مدينة إلى أخرى في إطار الخدمة العسكر ية نستأجر شاحنة ننقل فيها أمتعتنا وكنت إذا وصلت إلى مقر‬

‫عملي الجديد قصدت الحي العسكري الأقرب إلى الثكنة و بحثت عن أي شقة فارغة ودخلت ها مع عائلتي‬ ‫دون انتظار الإذن من أحد ثم التحقت بعملي‪ .‬وعادة ما يتسبب هذا السلوك مني في زوبعة يقيمها ضابط‬

‫الشؤون الاجتماعية وبعض القيادت على مستوى القطاع العسكري للمنطقة ول كنها تنتهي بالتسليم للأمر‬

‫الواقع تفاديا لما هو أعظم‪ ...‬وأنا بهذا السلوك أوفر على نفسي وقتا ثمينا أقضيه في القيام بمهامي الجديدة فور‬ ‫‪223‬‬


‫و صولي وأو فر ع لى نف سي ع ناء الب حث عن ال ضباط المِخ ْملي ّين الم سؤولين عن هذه ال خدمات الاجتماع ية‬

‫والت جول بين م كاتبهم كالمت سوِ ّل ع لى أ بواب البخ لاء و في ن فس الو قت أ ح ّدد طبي عة العلا قة بي ني و بين‬

‫القائمين على هذه المصالح التي كنت اعتبرها بؤر فساد‪ .‬فأنا من حقي أن أسكن وما دام السكن موجودا‬ ‫فمن واجبهم أن يقوموا بالإجراءات الإدار ية اللازمة التي لا أقبل أن تؤخرني عن الالتحاق بعملي تحت أي‬ ‫مبرر حتى ولو كان قانونيا‪ .‬وما دمت لا أفعل ما أفعل في إطار البزنسة والاعتداء على حق الغير فأنا واثق‬ ‫من أن هذه الشراذم البيروقراطية الجائعة لن تستطيع فعل شيء يقلقني‪ .‬وهذا ما ينبغي على العاملين في‬

‫الإدارة الجزائر ية اليوم و في كل مؤسسات الدو لة أن يفهموه فلا يحاولوا أن يت خذوا من وظائفهم ذر ي عة‬ ‫لابتزاز المواطنين الشرفاء الذين هم في الأصل مسخّ رون لخدمتهم‪.‬‬ ‫واليوم‪ ،‬رغم قطعي لحبل الرجاء في تو بة من كانت بأيديهم مقاليد الأمور لأنهم اختاروا طر يق‬

‫الانتحار لهم ولنسلهم من بعدهم‪ ،‬فإنني أبعث بهذا النداء لأولئك الضباط الذين عرفتهم وخبرت معدنهم‬

‫الطيب والذين عاشوا معاناة أبناء الجزائر البسطاء في صفوف الجيش الذي هو الصورة المصغرة للمجتمع‬

‫الجزائري أن يردّوا الاعتبار لتلك المشاعر الوطنية الأصيلة التي كانوا يتحلون بها والتي عملت على استئصالها‬ ‫العصابة المارقة بقيادة اللواء نزار خالد منذ سنة ‪ 1992‬وأحثّهم على بذل الجهد في توسيع دائرتها إلى باقي‬ ‫كن أبناءها المخلصين من النهوض بها من ال كبوة‬ ‫مؤسسات الدولة عسى أن يعود للجزائر توازنها الذي سيم ّ ِ‬ ‫المميتة التي أصابتها‪ .‬وبقدر ما تهاوت القيادة العسكر ية السابقة في دركات الخيانة والجريمة والفساد بقرارها‬

‫ا لآثم سنة ‪ 1992‬فإن أ مام الج يل الجد يد من الق يادة الع سكر ية فر صة للإرت قاء في سلم الف ضيلة والنزا هة‬ ‫والو فاء ل لوطن و من الحما قة ت ضييعها بالمراه نة ع لى التخ ندق في ب يت العنك بوت ا لذي يتوا جدون ف يه م نذ‬

‫إقحامهم في الحرب القذرة التي ستعود الكلمة الأخيرة فيها للمواطنين المخلصين للجزائر عاجلا أو آجلا إن شاء‬

‫الل ّه رغم أنف المدافع والطائرات والتعاون مع الحلف الأطلسي وروسيا والصين‪.‬‬

‫‪224‬‬


‫قضايا اللجوء في بر يطانيا‬ ‫بعد أن استكملت إجراءات الإقامة في مدينة ليفر بول أب ْل ِغ ْتُ بأنني ممنوع من العمل ول كن مصلحة‬

‫الضمان الاجتماعي ستتكفل بتسليمي منحة أسبوعية لتغطية مصار يفي اليومية و بدفع مستحقات السكن‬

‫والدواء والمحامي كما أنني معفيّ من الضريبة البلدية وأن من حقي التسجيل في معهد أختاره بنفسي لدراسة‬

‫الل غة الإنجليز ية ع لى ح ساب الدو لة‪ .‬وفي ما عدا الإستجابة لدعوة م صالح الهجرة ع ند الطلب فإنني أتم تع‬ ‫بكامل الحر ية التي يتمتع به أي مواطن بر يطاني رغم أن إقامتي مؤقتة‪...‬‬

‫ات صلت بوكا لة محا ماة قري بة من م قر سكني وعر ضت ق ضيتي ع لى الأ ستاذ الم شرف علي ها وكان‬

‫ضابطا سابقا في الهجرة وصاحب خبرة طو يلة في المحاماة وطلبت منه أن يختار لي مترجما عربيا قادرا على‬

‫ترجمة ما أقوله بدقة‪ ،‬فعين لي مترجما من أصول يمنية بقي معي إلى نهاية المطاف ك ما عي ّن محامية للتواصل‬ ‫معي ومتابعة ملفي عن كثب‪ .‬والغر يب أنني عندما عرضت عليه المحاور الأساسية في القضية قال لي‪ :‬أنا‬ ‫لا أحتاج إلى بذل جهد في قضيتك لأن شروط حصولك على صفة اللاجئ السياسي متوفرة بقوة ول كن‬

‫المطلوب منك هو توفير الدليل المادي الذي يثبت هويتك كبطاقة هو ية أو رخصة سياقة وكذلك شهادة‬ ‫من أي جهة معروفة تثبت علاقتك بأي فصل من فصول المأساة التي عشتها‪ .‬وقد استغرق مني ذلك وقتا‬

‫طو ي لا لأن كل و ثائقي المدن ية كا نت محفو ظة لدى وزارة ا لدفاع بالجزائر م نذ انخرا طي في ال جيش سنة‬

‫‪ 1978‬أما وثائقي العسكر ية فقد صادرتها مدير ية الأمن العسكري بعد اعتقالي سنة ‪ .1992‬ومع ذلك فقد‬ ‫تمكنت من الحصول على صور تذكار ية من أرشيف الاكاديمية العسكر ية لمختلف الأسلحة كنت أقدم فيها‬

‫عر ضا لم يدان الت كوين ال خاص لو فد ع سكري أرد ني عرا قي زار الجزا ئر سنة ‪ 1991‬ومن ها صور مع الو فد‬

‫ا لذي ترأ سه وز ير الحرب ية ا لأردني والعم يد مح مد الع ماري والعم يد غدايد ية و صور ثنائ ية مع العم يد قا ئد‬ ‫القوات الخاصة الأردني‪ .‬أما الشهادة فقد سلمتني منظمة العفو الدولية وثيقة تثبت أن الم حامي بشير مشري‬

‫أخبر ها عن عمل ية اخت طافي من سجن ال حراش من طرف الم خابرات في الو قت ا لذي كان و فد من هذا‬ ‫المنظمة على وشك اللقاء بالرئيس ليامين زروال وقد رفعت المنظمة في وقتها مذكرة احتجاج كتابية لدى‬ ‫الرئيس الجزائري تم على إثرها إطلاق سراحي‪ .‬كما أن وكالات الأنباء كلها تكلمت عن عملية الاختطاف‪.‬‬ ‫وب توفير هذين العن صرين تم من حي حق الل جوء السيا سي والإقا مة الدائ مة في بر يطان يا ب عد ‪ 18‬شهرا من‬

‫الانتظار‪.‬‬

‫‪225‬‬


‫وب عد ا ستكمال كل ا لإجراءات ا ستأذنني الم حامي في التعا مل مع ق ضيتي كدرا سة حا لة ت قدمها‬

‫المحامية المتابعة لملفي كبحث علمي لنيل شهادة الماجستير فأذنت له‪ .‬وهنا بدأت مشوارا جديدا في تتبع‬

‫مضاعفات الأزمة الجزائر ية التي تعدت آثارها حدود الجزائر‪.‬‬

‫ومما علمته هو أن أكثر من ‪ %70‬من قضايا اللجوء في بر يطانيا قدمها جزائر يون معارضون للمشروع‬

‫الإسلامي أصلا‪ .‬حيث أن أسباب اللجوء المقدمة هي الخوف من الإرهاب الذي يمارسه الإسلاميون وعجز‬ ‫السلطة في الجزائر عن حماية مواطنيها ز يادة على نسبة لا بأس بها من التذرع بالقضية البربر ية‪ .‬وفعلا رغم‬

‫بقائي في ليفر بول ‪ 18‬شهرا فإنني لم أل تق إ سلاميا وا حدا في ها ر غم و جود نادي مح سوب ع لى الجزا ئر يين‬ ‫م شهور لدى أج هزة ا لأمن بليفر بول ك َ و َك ْرٍ للجري مة المنظ مة وتهر يب الم خدرات والأ سلحة ع بر الم حيط‬

‫الأطلسي‪ .‬و لم أستوعب ما علمته في ليفربول إلا بعد أن انتقلت إلى برمنجهام ولندن لأتأكد من أن أغلب‬ ‫الإسلاميين الموجودين هناك في الحقيقة إما مقيمين غير شرعيين أو مقيمين بوثائق فرنسية‪ .‬والحقيقة أنه‬

‫باستثناء جماعة يعدون على الأصابع فإن أغلب المحسوبين على المشروع الإ سلامي لم يهتموا بطلب اللجوء إلا‬

‫بعد أن يئسوا من إمكانية العودة إلى الجزائر كما أن أغلبية الإ سلاميين المعروفين اليوم لم تكن لهم علاقة‬

‫بالم شروع الإ سلامي في سنوات الت سعينات‪ .‬و لو عدنا إ لى تاريخ ا ستفادة الجزا ئر يين من الل جوء لو جدنا أن‬

‫أغ لب الإ سلاميين ر غم سابقتهم في اله جرة إ لى بر يطان يا فإنهم لم ي ستفيدوا من حق الل جوء إ لا ب عد سنة‬

‫‪ 1996‬عندما تعرضت المناطق السكنية للإسلاميين في الجزائر إلى مجازر رهيبة لا تقل وحشية وبشاعة عن‬ ‫عمليات الإ بادة الجماعية المصنفة كجرائم ضد الإنسانية‪ .‬ومنذ ذلك التاريخ أصبح تقمص صفة الإ سلامي‬ ‫لدى طالبي اللجوء هي الغالبة وتدفقت من الجزائر موجات من الإسلاميين المز يفين كان الغرض من تسهيل‬ ‫تدفقهم خ لط ا لأمور ع لى م صالح اله جرة البر يطان ية ال تي اقتن عت في مرح لة ما بجد ية الا ضطهاد ا لذي‬

‫يتعرض له الإسلاميون في الجزائر‪.‬‬

‫وقد تزامن هذا التدفق المشبوه مع حملة إعلامية مسعورة قادتها الجرائد الجزائر ية المفرنسة بالتعاون‬ ‫مع بعض جرائد الإثارة المحلية في بر يطانيا من أجل تشو يه سمعة الإسلاميين وإثارة الشبهات حولهم‪ .‬وفي‬

‫نفس الوقت ظهرت مراكز للبحث والدراسات في فرنسا وكندا تفرغت لتزو يد مصالح الهجرة في العالم‬

‫عموما وفي بر يطانيا خصوصا بتقارير عن الوضع في الجزائر تدفع كلها إلى وضع طالبي اللجوء الجزائر يين في‬ ‫خا نة الات هام و توفر كل الم بررات القانون ية والمو ضوعية لرفض طل باتهم ك ما تدفقت الت قارير الكاذ بة إ لى‬

‫مصالح المخابرات البر يطانية في محاولة لمحاصرة اللاجئين الجزائر يين تحت عباءة التعاون الأمني والحرب على‬

‫الإرهاب‪.‬‬

‫‪226‬‬


‫وقد وجد المحامون الإنجليز أنفسهم في مأزق كبير أمام الرفض الجماعي لملفات طلب اللجوء التي‬

‫ت قدم ب ها الجزائر يون‪ .‬و قد ات صل بي ب عض منهم بتو صية من موكليهم الجزا ئر يين طالبين م ني الم ساعدة‪،‬‬ ‫ففضلت أن يكون تدخلي أمام القضاء وليس أمام مصالح الهجرة‪ .‬ولعل مثالا واحدا من تلك التدخلات‬

‫يوضح الخسة التي تعاملت بها السلطة في الجزائر مع مواطنيها حتى بعد تهجيرهم من ديارهم‪ .‬كما يجيب عن‬ ‫التساؤل حول إدراج المواطنين الجزائر يين في خانة المشبوهين لدى مصالح الهجرة الأمريكية والأوروبية‪.‬‬

‫المعني بالأمر جزائري مجاهد أشرف على السبعين من العمر‪ ،‬أمي لا يعرف الكتابة ولا القراءة‪ ،‬سجن‬

‫وعذب وصودرت أمواله سنة ‪ 1993‬وشرد رغم أن المحكمة الخاصة في النهاية أعلنت عن براءته من التهم‬ ‫المنسوبة إليه‪ .‬ول كن الحملة التي تعرض لها من طرف الصحافة المفرنسة في الجزائر والتي تتهمه بأنه كان مفتي‬

‫الجماعة الإسلامية المسلحة التي أعدمت الرهبان الفرنسيين في تبحيرين سنة ‪ 1994‬والتقارير المصاحبة لها من‬ ‫طرف أج هزة ا لأمن الجزائر ية وال تي تته مه بت كوين جما عة إرهاب ية في ال خارج ز يادة ع لى ت قارير مركز‬

‫الدرا سات في ك ندا كا نت كاف ية لأق ناع م صالح اله جرة البر يطان ية برفض طل به الل جوء لي كون م صيره‬

‫الترح يل والمحاكمة ع لى أساس ا لتهم الموج هة إل يه‪ .‬و نزل هذا القرار ع لى ال شيخ الم سكين وزوج ته الع جوز‬

‫المنهكة كالصاعقة وأصيبا منذ ذلك الحين بداء السكري ووقعت محاميته في حيرة من أمرها فاتصلت بي من‬ ‫أجل المساعدة بعد أن طعنت في القرار للمرة الثانية دون فائدة‪ ...‬و جاء يوم المحاكمة وكنت حاضرا فيها‬

‫كشاهد‪.‬‬

‫فتحت الجلسة وتكلم ممثل النيابة ضابط الهجرة و برر إصرار مصالح الهجرة على قرار الرفض بحزمة‬

‫من التقارير نشرها أمامه‪ .‬وعندما أحيلت الكلمة للدفاع قدمتني المحامية كشاهد لصالح الدفاع وكان القاضي‬

‫قد استلم كل المعلومات اللازمة عن الشهود قبل موعد الجلسة‪ .‬فقلت باختصار‪ :‬السيد رئيس الجلسة أنا لا‬ ‫أر يد أن أدخل في مناظرة مع السيد وكيل النيابة ول كنني متأكد من أن المعلومات التي سمعتها لا تمت إلى‬

‫الحقيقة بصلة لأنني لا يمكن أن أكذب نفسي في أمور عشتها وأصدق ما يقوله مركز دراسات في كندا أو‬ ‫ما يدعيه أناس أنا شاهد على تورطهم في المأساة الجزائر ية المحزنة‪ .‬فهذا الرجل اتهم من طرف الصحافة‬

‫الجزائر ية بأنه كان مفتي لجماعة إسلامية مسلحة وأنا أ شهد وأتحمل كامل المسؤولية على شهادتي الآن و في‬ ‫المستقبل بأن هذا الرجل كان معي في السجن في الوقت الذي وقعت فيه الحادثة كما أشهد عن علم يقين أن‬ ‫هذا الرجل لا ي جرؤ على الكلام في أمور الدين مهما كانت بسيطة فضلا عن الفتوى في قضايا الدماء وقد‬

‫اتهم ته الم خابرات الجزائر ية بت شكيل جما عة إرهاب ية ع لى الأرا ضي البر يطان ية واست صدرت في ح قه مذكرة‬ ‫توقيف عالمية بموجب ذلك نيابة عن السلطات البر يطانية فهل توصلت المخابرات البر يطانية التي تابعت هذا‬ ‫اللاجئ منذ وصوله إلى بر يطانيا إلى أي شبهة تؤكد هذه الدعوى؟ إذا كان لدى السيد النائب تقر ير أمني‬ ‫‪227‬‬


‫بر يطاني يتهم هذا اللاجئ فأنا لن أسمح لنفسي بالتعليق عليه‪ .‬أما إذا كان المعول عليه هو ما تقدم به أمام‬

‫المحكمة فإنني ألفت انتباهكم سيدي القاضي إلى أن الحملة الظالمة التي استهدفت هذا اللاجئ لا تدع مجالا‬ ‫للشك بأن دوائر أمنية مجرمة تر يد إلحاق الأذى به بكل السبل‪ ،‬وعندما تكون التهم الباطلة الموجهة إليه‬ ‫من قبيل اعدام ‪ 6‬رهبان أبر ياء وإنشاء جماعة ارهابية في بر يطانيا يمكنكم تقدير حجم التهديد الذي ينتظر هذا‬

‫الر جل إذا تم ترحي له إ لى الجزا ئر‪ ...‬و جه إ لي القا ضي ا سئلة أ خرى متفر قة ر سخت لد يه الاقت ناع ب صدق‬ ‫شهادتي ثم توجه إلى ممثل مصالح الهجرة قائلا‪ :‬هل لديكم تقارير أمنية بر يطانية عن هذا اللاجئ تؤكد ما‬

‫تقدمتم به؟ أجاب الضابط بغيظ اجتهد في كظمه‪ :‬نحن نتعامل مع مراكز دراسات ذات مصداقية ولها‬ ‫سمعة عالمية في تمحيص المعلومات‪ ....‬وبكلام رز ين مشبع بالثقة فاجأنا القاضي بتدخله الحاسم قائلا‪ :‬السيد‬

‫شوشان منح حق الل جوء في هذا الب لد من طرف م صالح الهجرة ب عد التأ كد من صدق ما صرح به في‬

‫محاضر الاستجواب وقد شهد أمام المحكمة بناء على معايشته للأحداث ولن أسمح لنفسي برد شهادته أمام‬ ‫تقارير صادرة عن مراكز دراسات لم تأخذ شهادته بعين الاعتبار‪ .‬وانتهت جلسة المحاكمة بقبول الطعن في‬

‫الح كم ال سابق وا لذي لم ي كن يع ني سوى ح صول المع ني با لأمر ع لى الل جوء السيا سي‪ .‬وم ثل هذه الق ضايا‬

‫كثيرة‪.‬‬

‫والم شكلة الحقيق ية ال تي تدل ع لى أن مؤس سات الدو لة الجزائر ية بدون ا ستثناء ضربت في الع مق‬

‫فأصبحت أدوات لذبح الشعب الجزائري أن كل هذه الأحكام والتهم المزورة في حيثياتها والمشوهة لسمعة‬

‫الأبر ياء والبشعة في قساوتها وخستها‪ ...‬كلها تصدر باسم العدالة الجزائر ية‪ .‬فعندما يتهم طالب جامعي متميز‬

‫مقيم في الخارج بطر يقة شرعية منذ ‪ 25‬سنة ومسجل بطر يقة رسمية لدى القنصلية الجزائر ية و يلتقي في كل‬ ‫المناسبات مع المسؤولين الجزائر يين الذين منحوه شهادات حسن السلوك طول مدة إقامته ويشهد له العام و‬

‫الخاص بحسن الخلق والاستقامة‪ ...‬ع ندما يتهم هذا الطالب بالمشاركة في معركة دمو ية وقعت في عمق‬ ‫الصحراء الجزائر ية أسقطت فيها طائرة هل كبتر وقتل فيها أكثر من عشرة ضباط سنة ‪ 1996‬و يحكم عليه‬ ‫بالإعدام غيابيا دون علمه ولا علم أحد من أهله ولا حتى السفارة التي هو مسجل فيها وهو لم يدخل الجزائر‬

‫منذ غادرها سنة ‪ 1991‬إلى اليوم‪ .‬فإن هذا لا يعني سوى شيئا واحدا وهو استباق شرعنة إعدام الأبر ياء‬ ‫خارج إطار القانون‪ .‬مما يدل دلالة قاطعة على أن التعقيدات التي تواجهها المصالحة اليوم تم الإعداد لها‬

‫من طرف مهندسي المأساة الوطنية على جميع المستو يات‪ .‬فالدوائر المجرمة المتورطة في إراقة دماء الجزائر يين‬

‫ليست مقصورة على أجهزة الأمن وحدها بل إن هذه الدوائر تقاسمت الأدوار القذرة على مستوى جميع‬ ‫مؤسسات الدولة الجزائر ية خاصة مؤسسة القضاء والإدارة‪ .‬وبالتالي فإن المراهنة في تحقيق المصالحة على‬

‫نفس الأشخاص الأشرار الذين خططوا لهذه المأساة المرعبة ضرب من أحلام اليقظة‪.‬‬ ‫‪228‬‬


‫علاقتي بالإسلاميين في أوروبا‬ ‫و أبدأ هذه الفقرة بتكذيب ما جاء على لسان اللواء نزار خالد في جر يدة الفيجارو الفرنسية سنة‬

‫‪ 2002‬عندما ادعى بأنني إسلامي ومتطرف وأنني كنت على علاقة بالمتطرفين الإسلاميين في لندن‪ .‬فأنا‬ ‫رغم اهتمامي بكل ما يتعلق بالقضية الجزائر ية إلا أنني لم أرتبط بأي علاقة لا عابرة ولا خاصة مع من‬

‫يعرفون بالتطرف إلى هذه اللحظة والحمد لل ّه‪ .‬وقد قامت علاقتي مع الجالية المسلمة منذ وصولي إلى بر يطانيا‬ ‫على قاعدة الأخوة الإ يجابية والإحترام المتبادل مع الجميع دون التقيد بإطار تنظيمي كان أو فكري و لا‬

‫حتى جغرافي‪.‬‬

‫و قد سمحت لي الظروف برؤ ية أخطر الإسلاميين في بر يطانيا صدفة بمناسبة ز يارتهم لمكتبة دار‬

‫ا لأرقم ال تي ك نت م سؤولا علي ها في برمنج هام أم ثال أ بوحمزة الم صري و أبوق تادة الفل سطيني و ع مر ب كري‬ ‫اللبناني و أبو مصعب السوري فوجدتهم أقرب إلى عامة المسلمين منهم إلى طلبة العلم باستثناء الشيخ أبي‬

‫إي ثار ا لذي رأ يت عل يه سمت طل بة الع لم و أدب هم‪ .‬و ساءني جدا أن أرى دكاترة جزا ئر يين مت فوقين في‬

‫تخص صات شرعية مختل فة لا ينت فع أ حد بعلم هم و لا ي سأل عنهم أ حد ر غم الحا جة المل حة إ ليهم‪ .‬ل قد‬

‫لاحظت أن تعامل الإسلاميين في الخارج مع بعضهم يقوم على قاعدة‪ :‬كذّ ضاب ُن َا خير ٌ من نبي ِّكم‪ .‬فالعبرة‬ ‫ع ند الا سلاميين بالانت ماء إ لى الجما عة و الفر قة و الب لد و لا م كان للع لم و ا لدين إ لا في إ طار الانتهاز ية و‬

‫المصالح‪ .‬أما الجزائر يون فيتساقطون على رؤوسهم كالذباب على موائد الآخرين‪ .‬إن هذه الت ّبعية العمياء لكل‬

‫ما هو أجنبي من طرف الإ سلاميين الجزائر يين بذر يعة الانتماء الإسلامي ال كوني و اعتبار الانتماء الوطني‬

‫من مظاهر الجاهلية يدل على غباء مشين و تخلف فكري كبير و انفصام في الشخصية خطير أصاب شرائح‬

‫من الحركة الإسلامية الجزائر ية في مقتل‪.‬‬

‫‪229‬‬


‫الإسلاميون الجزائر يون في بر يطانيا‬ ‫يمكن ني ال قول وب كل ث قة بأن ل كل الجال يات المو جودة في بر يطان يا كيا نات تجمع ها وتع كس‬

‫خصو صياتها الثقاف ية والدين ية والسياسية باستثناء الجال ية الجزائر ية بمختلف توجهاتها ف هي ع بارة عن أ فراد‬

‫متشرذمين لا يجمعهم إطار تنظيمي من أي نوع كما أنهم أتباع لغيرهم في كل شيء‪ ،‬اب تداء من العقيدة‬

‫التي محلها القلب إلى اللباس الذي يتغير بتغير الأحوال‪ .‬فأنت تسمع بالشخصيات المشهورة التي توجه الرأي‬ ‫العام للجالية وتقوده على جميع المستو يات وتترأس المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتجار ية وغيرها من‬

‫اله ند و باك ستان وا ليمن وم صر و سور يا وال سودان وا لأردن وفل سطين وليب يا و تونس والم غرب واريتير يا‬ ‫وال صومال وجماي كا‪ ...‬ول كن الجزا ئر يين عمو ما لا و جود ل هم خارج ال طوابير والتبع ية‪ .‬ف هم إ ما عنا صر‬

‫أكاديمية اندمجت تماما في المجتمع البر يطاني مستغرقة في خدمة المؤسسات الصناعية والعلمية التي توظفها إلى‬

‫در جة أن ستهم أن هم ب شر ل هم هو ية ح ضار ية أو مواط نون ينت مون أ صالة إ لى شعب له تاريخ مج يد ور سالة‬

‫إنسانية تفرض عليهم إثراء المجتمع الذي يعيشون فيه بما لديهم من أمجاد وقيم ؛ بل إنهم فرطوا حتى في‬ ‫فلذات أكبادهم التي أصبحت خلقا هجينا لا هو ية له؛ فلا هم أنجليز ولا هم جزائر يون رغم أنهم يحملون‬ ‫الجنسيتين‪ .‬وهذا حال ال كفاءات العلمية التي لا أثر لها لا في حياة الجالية ولا في المجتمع البر يطاني‪ ...‬فأنا‬

‫منذ ‪ 12‬سنة لم أصادف جزائر يا واحدا يتمتع باعتبار اجتماعي قدم من خلاله شيئا يذكر للجالية الجزائر ية في‬ ‫بر يطانيا باستثناء جزائر ية في شرق لندن لا علاقة لها بمبادءئ الاسلام و لا بالإسلاميين استطاعت أن‬ ‫تخدم نفسها مع الحكومة البر يطانية ثم مع النظام الجزائري الفاسد و حصلت على مقعد على مستوى البلدية‬

‫في ضاحية لندن و مقعد في البرلمان الجزائري المزور سنة ‪ .2012‬وقد تجد شراذم من الجزائر يين الكادحين‬

‫أو المتوا جدين في بر يطان يا بطر ي قة غ ير شرعية يت قاذفهم السما سرة من كل الأج ناس‪ .‬فهؤ لاء ت بع لأبي‬ ‫ق تادة وأول ئك ت بع لع مر ب كري و هذا مم لوك للمن تدى الإ سلامي وا لآخر خادم لدى الإغا ثة الإ سلامية‬ ‫وبعضهم مريدون لهذا النادي أو تلك العصابة وقليل منهم منهمكون في العمل ليلا ونهار لجمع المال بما في‬

‫ذلك بقايا ما يسمى بالجزائر يين الأفغان وأنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ‪ ...‬باستثناء نزر نادر ممن رحم الل ّه‬

‫يح فظ و لا ي قاس عل يه‪ .‬بل إن الجزا ئر يين من أت باع التنظي مات الإ سلامية العالم ية م ثل جما عة ا لإخوان‬ ‫المسلمين وغيرها لا تجدهم إلا في قسم المطابخ أو دورات المياه في حين تجد المشارقة من المصر يين والشوام‬ ‫يتصدرون المجالس و يتربعون على مواقع الر يادة ومنابر التوجيه حتى ولو كانوا أسفه الناس‪ .‬ولذلك فإن‬

‫الك لام عن ن شاط الإ سلاميين الجزا ئر يين في بر يطان يا ليس سوى أ سطوانة إعلام ية من إ خراج ا لدوائر‬

‫المسيرة للأزمة الد مو ية في الجزائر‪ .‬والحقيقة هي أن الجزائر يين لم يتمكنوا حتى من إنشاء جمعية أهلية لتعليم‬ ‫أبنائهم أصول ثقافتهم وهويتهم الوطنية فضلا عن النشاط خارج هذه الدائرة‪ .‬و لذلك فإن الزوبعة المثارة‬ ‫‪230‬‬


‫حول الإسلاميين الجزائر يين من طرف الإعلام الجزائري والبر يطاني خمدت بمجرد معالجة ملفات أبي حمزة‬ ‫المصري وأبي قتادة الفلسطيني وعمر بكري اللبناني مما يدل على أن الجزائر يين السذج لم يكونوا سوى حطبا‬

‫لل نار ال تي ي سطلي علي ها غ يرهم من أذك ياء ال شعوب ا لأخرى با سم الإ سلام‪ .‬و قد كا نت أج هزة ا لأمن‬

‫البر يطان ية ت عرف كل التفا صيل المتعل قة بالمو ضوع و لذلك و جدت ال سلطات الجزائر ية صعوبة كب يرة في‬

‫تور يطها من أجل التعاون معها لتصفية حساباتها مع الإسلاميين‪.‬‬

‫طبعا أنا لا أتكلم عن الجزائر يين الذين لا تربطهم بالجزائر سوى قضاء العطل على شواطئ الجزائر‬

‫و تبادل الم صالح المالية مع ممثلي الن ظام في ال خارج‪ .‬هؤلاء سيأتي ع لى أولادهم ال يوم الذي يعتبرون ف يه‬ ‫الشعب الجزائري جالية في مستعمرتهم لأنهم لم يصبحوا ي َم ُت ّونَ إلى الجزائر بصلة على صعيد الهو ية إطلاقا‪.‬‬

‫‪231‬‬


‫المركز الإسلامي للدراسات ببر يطانيا‬ ‫وكان أول من تعر فت عليه من الجزائر يين في نفس ال سنة (‪ )1997‬الأخ ا لدكتور أحمد ب لوافي‬

‫الباحث في الاقتصاد الإسلامي خريج جامعة شيفيلد البر يطانية ونائب مدير المركز الإسلامي للدراسات وهو‬ ‫شاب فاضل من منطقة آولف تربطه علاقة زمالة مع أخي وابن عمي الدكتور عثمان شوشان منذ الدراسة‬ ‫الجامعية في الجزائر‪ .‬وقد تعرفت من خلاله على كثير من الإخوة الجزائر يين وغير الجزائر يين خاصة بعد أن‬

‫خلفت الأخ الدكتور أحمد حلاق في تسيير المكتبة التابعة للمركز والمعروفة باسم دار الأرقم‪.‬‬

‫ورغم أن المركز كان يصدر مجلة شهر ية إسلامية ذات طابع سياسي تحت عنوان (السن ّة) و يقوم‬

‫بن شاطات ذات طابع خ يري واجت ماعي إ لا أن ني حاو لت أن تب قى ع لاقتي بالمركز كمؤس سة علا قة ع مل‬ ‫صرفة ر غم أن تطورالعلا قة ع لى ال صعيد الشخ صي مع ب عض ال عاملين في المركز ب لغ مرت بة ق صوى من‬

‫الأخوة والمحبة و الاحترام المتبادل‪.‬‬

‫وقد تعرفت على مدير المركز الشيخ محمد سرور ز ين العابدين وجمعتني به لقاءات عديدة ول كن إطار‬

‫العلاقة معه تح ّدد منذ أول مقابلة‪ .‬فقد تجاذب معي أطراف الحديث في أول لقاء‪ ،‬وكانت لديه معلومات‬ ‫مستفيضة عن الوضع في الجزائر اكتسبها من خلال متابعته لما يكتب و يقال في الصحف وال كتب ومن‬

‫خلال مناقشاته ولقاءاته مع مختلف المهتمّ ِين بالشأن الجزائري الذين يرتادون مجلسه‪ ...‬ول كنني لمست منه‬ ‫استنكارا لما حدثته به من خلال تجر بتي الشخصية خاصة فيما يتعلق بالإ سلاميين فصدمني ذلك‪ ،‬ليس‬

‫استياء من ردّة فعله على حديثي‪ ،‬ول كن لم ِ َا شعرت به من خيبة الأمل في طبيعة تعاطي الإسلاميين مع‬ ‫ق ضيتهم ح تى الخا صة منهم‪ .‬ف ما كا نت تتداو له الأو ساط الإ سلامية عن الو ضع خا صة ت لك ال تي كا نت‬

‫ت حاول التوع ية وتر شيد العمل الإ سلامي كان بع يدا عن وا قع ال حال في كث ير من الأح يان‪ .‬وأ تذكر أن ني‬ ‫عندما أخبرت الشيخ محمد سرور بأن حسن حطاب لم يكن سوى ضحية لجماعة الهجرة والتكفير تورّط في‬

‫التآمر على قيادة الحركة الإ سلامية المسلحة لم ي ستطع أن يخفي غضبه وقال لي‪ :‬معلوماتك غير دقيقة‪...‬‬ ‫فضحكت في نفسي وقلت‪ :‬أنا أحدث الشيخ عن جندي محسوب عليّ وكان مرؤوسا عندي وتسبب في‬

‫اعتقالي ومحكوم عليه في قضيتي بالإعدام وكان بيني و بينه تواصل قبل مغادرتي الجزائر‪ ،‬فيردّ علي بما يتناقله‬

‫القصّ اصون الجدد في شوارع لندن و باريس‪ ...‬فقررت منذ ذلك الحين أن لا أخوض معه في موضوع‬ ‫الجزائر‪ ،‬واقتصرت علاقتي به على صدق الأخوة في الل ّه والاحترام الذي يقتضيه مقامه كداعية مسلم له‬

‫فضل و سابقة في الدعوة إلى الل ّه‪.‬‬

‫‪232‬‬


‫وبعد سنوات اقتنع الشيخ بضرورة المساهمة في تهدئة الأوضاع في الجزائر وفي الوطن العر بي كله‬

‫فقام بمبادرته التي طلب فيها من المسلحين تسليم أنفسهم إذا أعطيت لهم ضمانات الأمان وخص بالنداء‬

‫الم سلحين في الجزا ئر وكان م من ا ستجاب لندا ئه ح سان ح طاب‪ .‬ففه مت عند ئذ أن ا لذين كانوا يز ّوِد ُون‬ ‫الشيخ بالمعلومات عن الوضع في العشر ية الحمراء كانوا يتل ّقو ْنها من أنصار الصراع الدموي بين الجزائر يين‬

‫وهؤلاء في الحقيقة هم أنفسهم من زودو هم بالمعلومات التي ساعدت الشيخ على الاقتناع بضرورة التهدئة‬ ‫عندما انقلبت السلطة في الجزائر على أعقابها‪ .‬فالسلطة التي دفعت حسن حطاب لحمل السلاح و أغلقت‬

‫أمامه أبواب السلم سنة ‪1992‬و جعلت منه الإرهابي المطلوب الأول سنة ‪ 1998‬هي نفسها التي أقنعته‬ ‫بوضع السلاح و تسليم نفسه و وفرت له كل الضمانات و الأسباب التي جعلت منه الداعي الأول للسلم و‬

‫المصالحة سنة ‪.2011‬‬

‫ور غم أن عم لي مع الإخوة في مركز الدراسات كان م ساعدا لي ع لى الاستقرار والإ ستفادة من‬

‫أرشيفه السياسي الغني بالمعلومات مما دفعني إلى بذل أقصى الجهد من أجل ترقية أداء المكتبة بعد الجهد‬

‫ال كبير الذي بذله الأخ أحمد حلاق قبلي وتنظيم الأرشيف إلى درجة جعلت المكتبة شر يانا حقيقيا لتزويد‬

‫الجالية الإسلامية بل وغيرها من المهتمين بالبحث العلمي والأكاديمي في مجال الدراسات الإسلامية واللغة‬ ‫العربية في أورو با بما يحتاجونه من مراجع علمية متخصصة وثقافية متنوعة‪ ...‬إلا أن النهاية المأساو ية التي‬

‫انتهى إليها المركز تركت في نفسي انطباعا سيئا جدا عن العمل مع الإسلاميين لما يتميز به من الارتجال ية‬ ‫وغياب الشعور الحقيقي بالمسؤولية لدى القائمين عليه‪.‬‬

‫فبعد أحداث سبتمبر كانت مظاهر التضييق على الإسلاميين وا ضحة وتنذر بمستقبل صعب وكان‬

‫س ب ُل ال كفيلة بمواجهة تداعيات ذلك الحدث المشؤوم‪ .‬ول كن بدلا من العمل على‬ ‫لا بد من التفكير في ال ّ‬

‫تعز يز الحضور الإ يجابي للمرا كز الإسلامية وتوسيع دائرة عملها إلى نطاق أوسع فضّ ل القائمون على كثيرمن‬

‫المرا كز بيعها لت صبح متاجرا للأكلات الخفيفة وينتقلوا إلى العيش في دول أخرى و يتركوا الجالية المسلمة‬ ‫المسكينة في بر يطانيا دون مورد علمي نقي تتزود منه‪ .‬كما أن بيع المركز الإسلامي للدراسات بالذات جاء في‬ ‫وقت كنا في أمس الحاجة له حيث أنشأ بعض الإخوة النادي الثقافي العر بي الذي كنا نطمح من خلاله‬

‫إلى تأسيس محضن نموذجي لأبناء وبنات المسلمين من جالية شمال إفر يقيا والشرق الأوسط يتعلمون فيه‬ ‫اللغة العربية ويتلقون فيه تربية إسلامية نقية تمكنهم من التعايش الإ يجابي في المجتمع الغر بي الذي قدر لهم‬

‫أن يعيشوا فيه‪ .‬ولست بحاجة هنا للتذكير بأنه رغم الدعم المادي الذي تتلقاه المؤسسات الإسلامية في‬

‫بر يطانيا من دولها وشعوبها ومن الحكومة والمؤسسات الخير ية البر يطانية ومن طرف المحسنين المسلمين فإن‬ ‫شباب الجالية الإسلامية في بر يطانيا يعاني من ضياع فظيع يدفعه نحو المخدرات والشذوذ والانحراف الذي‬ ‫‪233‬‬


‫تؤكد فظاع ته ن سبة ال شباب الم سلمين في ال سجون البر يطان ية في الو قت ا لذي يزداد ال قائمون ع لى هذه‬

‫المؤس سات ال تي تعت بر وق فا للم سلمين ثراء وا سترخاء وتت عاظم أل قابهم وتت كاثر منا صبهم الر سمية وو ظائفهم‬

‫السامية وأوسمتهم الشرفية‪.‬‬

‫ومن الذكر يات الطر يفة أنني في يوم من الأيام تلقيت توصية من طرف الأخ أحمد بلوافي نائب‬

‫المدير يطلب مني فيها مساعدة شاب جزائري يسمي نفسه قيس من مواليد مدينة سطيف ير يد إنشاء مكتبة‬ ‫علمية خاصة به فاستقبلت الأخ واتفقت معه على أن يقتني ما يشاء من ال كتب و يس ّدد ما عليه بالتقسيط‬

‫المريح وكان المبلغ الإجمالي بعد المراعاة في حدود ‪ 2000‬جنيه استرليني‪ .‬وقد التزم الأخ بالاتفاق بضعة‬ ‫أش هر ثم عاد ليطلب منا إرجاع ال كتب إلينا بذر يعة أنه مضطر للسفر إلى فرنسا ولا يمكنه نقل المكتبة معه‬ ‫فوافقته على إرجاع ال كتب ول كنني رفضت تعو يضه المبلغ المدفوع نقدا وكان في حدود ‪ 500‬جنيه‪ .‬ونظرا‬ ‫لعدم امتلاكه لحساب بنكي فقد طلبت منه أن يتفق مع أي صديق يثق فيه أكتب له شيكا بالمبلغ باسمه‪.‬‬

‫وفعلا سلمته شيكا ب ‪ 500‬جنيه باسم أحد أصدقائه‪ .‬وبعد حوالي ثلاثة أشهر دخل إلى المكتبة ضابطان‬ ‫من وكالة المخابرات الأمريكية وضابط من المخابرات البر يطانية وسألاني عن علاقتي بالقاعدة‪ .‬فقلت أنا‬

‫أ سمع عن القا عدة في و سائل الإع لام ول كن ني لا أ صدق بوجود ها في الوا قع‪ .‬ف قال ال ضابط ا لأمريكي‪:‬‬ ‫كيف لا تصدق بالقاعدة وأنت تمولها؟ قلت‪ :‬أنت تضحكني لأنني عندما كنت أنا ضابطا مثلك لم تكن‬

‫أنت انخرطت بعد في جهاز المخابرات ولا شك أن رفيقك من المخابرات البر يطانية قد أخبرك عني‪ ...‬لم‬

‫يكن ينتظر مني هذا الجواب ولذلك مد يده مباشرة إلى محفظته وأخرج نسخة من الشيك وقال‪ :‬و هل‬ ‫تعرف صاحب هذا الحساب؟‪ ...‬لم أتذكر اسم صاحب الحساب ول كنني تذكرت أنه الشيك الذي سلمته‬ ‫لقيس‪ .‬قلت ‪ :‬أنا لا أعرفه و ل كنني سأحيلك على مدير المركز‪ .‬فاتصلت بالدكتور أحمد وأخبرته بما جرى‬

‫وقلت له‪ :‬لدي الملف الكا مل لمعاملة قيس ول كنني لا أعرف اسمه الحقيقي ولذلك أحيلهم عليك للتعرف‬ ‫على هو ية قيس ريثما أحضر الملف وألتحق بكم‪ .‬وبعد دقائق جئتهم بالملف كاملا و يحتوي على التفاصيل‬ ‫الدقيقة للمعاملة مع قيس فت بين أن صاحب الحساب م صري عضو في تنظيم القاعدة فع لا تربطه علا قة‬

‫صداقة مع قيس وقد استعمل حسابه‪ .‬والظاهر أن أجهزة الأمن اعتقلت هذا المصري في إطار قضية من‬ ‫القضايا وتم تتبع حسابه البنكي مما أدى إلى اعتقال قيس ثم الوصول إلينا من خلال الشيك المسلم له‪ .‬ولما‬ ‫تطابقت تصر يحات قيس المسجون سرا في لندن مع التوضيحات التي قدمناها لضباط المخابرات والوثائق‬

‫التي تضبط المعاملات مع زبائننا خاصة عندما علموا بأننا رفضنا التعامل مع قيس نقدا من أجل توثيق‬ ‫مصار يفنا فقد بدد ذلك كثيرا من الهواجس التي عشعشت في رؤوس أجهزة المخابرات من المركز نتيجة‬

‫‪234‬‬


‫الوشاية والتحر يض على هذا المركز بالذات فاعتذروا على الإزعاج وعادوا أدراجهم بتصور غير الذي جاءونا‬

‫به‪.‬‬

‫و قد جمعت ني ل قاءات أ خرى كثيرة جدا بإخوة من مخت لف الجما عات الاسلامية الجزائر ية وغير ها‬

‫تمح صت من خلال ها معلو ماتي وات سع أ مامي أ فق الن ظر في ت طور الأ حداث المتعل قة ب هذه الجما عات‪ .‬ك ما‬

‫استفدت معلومات كثيرة جديدة ساعدتني بفضل الل ّه وتوفيقه على ضبط علاقتي بالناس بكل مسؤولية‬ ‫واتخاذ مواقفي بكل ثقة وبصيرة بعيدا عن تأثير المعركة الدائرة بين إرهاب الحكومات وإرهاب الجماعات‬

‫وبعيدا أيضا عن مزالق النفاق والمجاملات التي لا محل لها من الإعراب في لغة القضايا والمبادئ‪.‬‬

‫‪235‬‬


‫الجبهة الإسلامية للإنقاذ في سويسرا‬ ‫كان أول ل قاء جمع ني بإخوة ممث لين للجب هة الإ سلامية للإن قاذ في ال خارج في سوي سرا سنة ‪2002‬‬

‫خلال ز يارتي الأخو ية للمحامي الأستاذ رشيد مسلي الذي كان لاجئا هناك‪ .‬والتقيت بهذه المناسبة بكل‬ ‫من الأخ الدكتور مراد دهينة والأخ الدكتور عباس عروة وت جدد لقائي ب هم في مناسبة أخرى مع مجموعة‬

‫أخرى من الإخوة أثناء تشاورهم بخصوص مؤتمر الجبهة في الخارج الذي انعقد لاحقا تحت اسم الشهيد‬

‫عبد القادر حشاني‪ .‬وقد نصحت الإخوة بعدم بعث أي مشروع سياسي باسم الجبهة الإسلامية في ظل‬ ‫الإختلاف القائم بين قياداتها والت شرذم الذي ابتليت به قواعدها ناه يك عن انحراف كثير من قياداتها‬ ‫وعنا صرها ع لى أك ثر من صعيد‪ .‬ز يادة ع لى أن ا لإخوة ا لذين بادروا إ لى إقا مة ال مؤتمر ر غم إخلا صهم‬ ‫ومستواهم التعليمي العالي لم يكونوا في نظري يتمتعون بالشخصية الاعتبار ية التي تمكنهم من تحمل تبعات‬

‫الاستحواذ على الجبهة الإ سلامية والتحكم في التناقضات التي تتجاذبها رغم التزكيات والدعم الذي حشدوه‬ ‫من طرف بعض قيادات الجبهة و رموزها‪ .‬ولذلك فقد كان موقفي من مبادرة الإخوة كالاتي‪:‬‬ ‫استعدادي التام للنصح لهم والتعاون معهم فيما أعتقد أنه يحقق المصلحة للجزائر‪.‬‬ ‫استعدادي للعضو ية في تنظيم سياسي علني جديد يتم تحديد إطاره وبرنامجه من طرف الإطارات‬

‫الجزائر ية المنخر طة ف يه كأفراد ترا عى ف يه معط يات الوا قع الجد يد وي ستفاد في تأسي سه من التجر بة‬

‫الديمقراطية الفاشلة في الجزائر‪.‬‬

‫رف ضي ال قاطع للإنت ماء إ لى أي تن ظيم ي قوم ع لى م شروع و ضعه أو ي ضعه أو صياء غ ير الأع ضاء‬

‫المؤسسين للتنظيم مهما كانت هويتهم وانتمائهم أو مكانتهم السياسية أو الدينية أو العلمية‪.‬‬

‫وللأمانة أ قول إن ع لاقتي با لإخوة وت عاملهم م عي كا نت في شفافية تا مة وأ خوة صادقة واح ترام‬

‫متبادل‪ .‬ولذلك لم تكن لي علاقة خارج هذا الإطار لا بمؤتمر الجبهة الذي انعقد في الخارج ولا بتأسيس‬

‫حركة رشاد التي أسسوها بعد فشل المؤتمر ولا بغير ذلك من النشاطات‪.‬‬

‫ولا يفوتني أن أ سجل هنا بأنني تناولت موضوع الجزأرة ودور رجالها في مسيرة الجبهة مع الإخوة‬

‫في سويسرا والمحسوبين على هذا التيار وخاصة الدكتور مراد دهينة وذلك من خلال نقاش مطول اقتنعت‬

‫في نهايته بأن مساعي هؤلاء الإخوة لا علاقة لها بالحرب الباردة التي شغلت التيار الإسلامي بنفسه عقودا‬ ‫من الزمن وتسببت في الفشل الذر يع لمشروعه الحضاري في الجزائر‪.‬‬

‫‪236‬‬


‫كما استفسرت منهم ومن غيرهم بعد ذلك عن موضوع الهيئة التنفيذية للجبهة في الخارج والتي كان‬

‫يرأسها الأخ رابح كبير وساءني ما علمته من سوء الأداء الذي تم به تسيير هذه الهيئة إلى درجة تدفع كل‬ ‫عاقل إلى المطالبة بفتح تحقيق بشأنها لأن الذين تمتعوا على حساب معاناة المنكوبين يجب أن يعرفوا قدر‬

‫أنفسهم سواء قاموا بذلك باسم إنقاذ الجمهور ية أو باسم إقامة الدولة الإ سلامية خاصة عندما يتعلق الأمر‬ ‫بجمع أموال طائلة باسم القضية لا يعرف أحد كيف تم التصرف فيها‪ .‬ومن ساءه تعرضي لهذا الموضوع فأنا‬ ‫أستسمحه من ذلك ول كن عليه أن يو ضح الأمور للرأي العام و يبرئ ذمته لأن هذه القضايا ليست ذات‬

‫طابع شخصي و ليس من حق أحد حجبها على الرأي العام‪.‬‬

‫‪237‬‬


‫الضباط المعارضون في الخارج‬ ‫بعد أن كشف المجرمون في السلطة عن وجوههم الحقيقية و أعلنوا عن سياسة الاستئصال بشعار "‬

‫يجب أن يغير الخوف موقعه" و استهدفوا كل من فيه ذرة من الشرف داخل الجيش و مؤسسات الدولة‬

‫ارتفعت أصوات بعض الضباط و مستخدمي الدولة السابقين بالاستنكار و ظهر نشاطهم إعلاميا في الخارج‬ ‫و كان أعلاهم صوتا و أبلغهم أثرا الضباط السابقون في الجيش و أجهزة الأمن‪ .‬و رغم أن دوافع تمردهم‬ ‫ل بما‬ ‫لم تكن لها علاقة بالمعارضة السياسية في الأساس إلا أنهم انخرطوا بعد تمردهم في معارضة النظام ك ّ‬

‫ت َي َس ّر َ له من الظروف و الإمكانيات‪.‬‬

‫لحركة الجزائر ية للضباط الأحرار‬

‫تعت بر الحركة الجزائر ية لل ضباط ا لأحرار ال صوت الم عارض الأ قدم و ا لأخطر ع لى الن ظام‬

‫الجزائري في الخارج إذا استثنينا حزب جبهة القوى الإشتراكية باعتباره جزءا من المعارضة الرسمية‬ ‫التي يتنفس منها النظام‪ .‬و قد كان لهذه الحركة الفضل في كشف حقيقة السلطة العسكر ية الفاسدة‬

‫في الجزائر للرأي العام المحلي و الدولي‪.‬‬ ‫أول اتصال لي بالحركة الجزائر ية للضباط الأحرار كان سنة ‪ 1998‬عن طر يق الناطق الرسمي‬

‫و مدير موقع الحركة النقيب حسين أوقنون المدعو هارون‪ .‬و قد كان تعاوني مع الحركة خارج إطارها‬

‫التنظيمي لسبب وحيد هو قطع الطر يق أمام جهاز المخابرات الجزائر ية الذي كان حر يصا على تور يطي‬ ‫في أي ق ضية م شبوهة مع طرف ثا لث ب عد أن ف شل في إث بات أي ته مة مبا شرة ي لاحقني ب ها أ مام‬

‫الق ضاء‪ .‬و قد ب قي الت عاون قائ ما ع لى هذا الأ ساس في مل فات عد يدة كان أهم ها الات صالات ال تي‬

‫ح صلت بي ني و بين مم ثل المدير ية العا مة للم خابرات بين سنة ‪ 2007‬و ‪ ،2010‬ح يث كان النق يب‬ ‫حسين أوقنون طرفا فيها من البداية إلى النهاية‪ .‬كما كان ملف اللواء نزار خالد أمام العدالة الفرنسية و‬

‫العدالة السوسر ية محل تعاون وثيق بيننا‪.‬‬

‫‪238‬‬


‫النقيب حسين أوقنون‬ ‫النقيب حسين أوقنون دكتور في ال كيمياء النوو ية و ضابط من نخبة المخابرات الجزائر ية‪ .‬من‬

‫عائلة مجاهدة دف عت ‪ 11‬شهيدا أث ناء ثورة التحر ير‪ .‬أبوه ضابط سام في جهاز مخابرات الثورة الأول‬ ‫ا ستقال م نه ب عد الا ستقلال و ل ك نه د فع بأبنا ئه الثلا ثة إ لى صفوف ال جيش ا لوطني ال شعبي كان‬

‫أكبرهم حسين‪ .‬اكتشف التعاون المشبوه بين مدير ية مكافحة الجوسسة بقيادة العقيد سماعين لعماري و‬

‫ال م خابرات الفرن سية في بدا ية الت سعينات ك ما اكت شف ق بل ذ لك تورط مدير أ من ال جيش ك مال ع بد‬ ‫الرحمان في قضايا فساد و حاول القيام بواجبه في إطار القانون الداخلي لجهاز المخابرات بكل إخلاص‬

‫و ل كنه اكتشف بأن ذلك عرضه للاستهداف من طرف دوائر في الجهاز فاتخذ تدابير لحماية نفسه منها‬ ‫الاحتفاظ بنسخ من التقارير التي كان يقدمها للقيادة‪ .‬و ل كن عندما بلغ الأمر حد التآمر عليه مع‬ ‫المخابرات الفرنسية استبق عملية اعتقاله في باريس و غادر فرنسا ثم قرر طلب الجوء في بر يطانيا‪ .‬و قد‬

‫حاولت المخابرات الفرنسية و الجزائر ية الضغط على الحكومة البر يطانية لتسليمه دون جدوى‪.‬‬

‫النقيب حسين أوقنون حسب ما عرفته من خلال معاشرته عن قرب لمدة عقدين تقريبا ‪،‬‬

‫رجل فاضل من كرام أبناء الجزائر و مسلم سني نظيف المخبر و المظهر‪ .‬منظم و ناجح في حياته العائلية‬

‫كأب و رب أسرة‪ .‬دمث الخلق و محب للعلم و واسع الإطلاع في ثقافته العامة‪ .‬يتقن عدة لغات منها‬

‫العربية و الإنجليز ية و الفرنسية و خبير متخصص في مجال ال كوميوتر و البرمجة‪.‬‬

‫محكوم عليه بالإ عدام من طرف المخابرات الجزائر ية رغم اعتراف قيادتها بوطنيته و إخلاصه‬

‫للجزا ئر‪ .‬تعر ضت عائل ته و إخو ته ال ضباط للتع سف و ال سجن و كل أ نواع الح صار و الته ميش‬

‫تمت تصفية صهره خارج إطار القانون‪.‬‬

‫و‬

‫هذا ال ضابط الجزا ئري‪ ،‬ت عرف كل ال سلطات الجزائر ية بأن جريم ته الوح يدة هي اعترا ضه‬

‫ال قاطع ع لى الخيا نة و الف ساد المو جود في مؤس سات الدو لة و ك شفه للح قائق ال تي يعرف ها بع يدا عن‬ ‫الم ساومة و الانتهاز ية‪ .‬و لذلك ف هو م ثل المجا هد ا لدكتور ع بد الحم يد ا لإبراهيمي م ستثنى من كل‬

‫التسو يات التي يجريها النظام مع باقي فئات المعارضة إلا إذا تاب من عقوقه للسلطة الفاسدة الحاكمة‬ ‫في الجزائر‪ .‬و لذلك فقد جمعنا طر يق النضال على كلمة سواء عليهما نحيا و عليها نموت و هي لا كرامة‬

‫للخونة و المجرمين حتى و لو بايعهم الشعب الجزائري كله‪.‬‬

‫‪239‬‬


‫المقدم محمد سمراوي و ظهوره على قناة الجزيرة‬ ‫اتصل بي الأخ النقيب حسين أوقنون المشرف على موقع حركة الضباط الأحرار وأخبرني بأن قناة‬

‫الجز يرة تعتزم إجراء حوار مع المقدم سمراوي الذي انتهى من تأليف كتاب "أحداث سنين الجمر" وأن هذا‬

‫ا لأخير سيزور ل ندن ب تاريخ ‪ 30‬جو يل ية ‪ 2001‬و ط لب م ني ز يار ته في ل ندن للت عرف ع لى ا لأخ سمراوي‬ ‫والتشاور في موضوع الحوار الذي سيجر يه مع الجز يرة لأن منشط الحصة أحمد منصور طلب ح ضوري‬

‫أيضا‪ ،‬فقبلت الدعوة والتقينا قبل موعد الحصة بليلتين تعرفت خلالهما على الأخ محمد سمراوي واطلعت على‬ ‫فصول من مسودة كتابه وناقشته في بعض ما جاء فيه‪ .‬وقد وضحت للأخ سمراوي بأن كثيرا من معلومات‬ ‫المخابرات لم تكن دقيقة لأنها مبنية على تقارير فيها كثير من الخلط وال كذب ز يادة على صياغتها بنية مبيتة‬

‫وخلف ية سياسية غ ير مو ضوعية‪ .‬كما و ضحت له ب عض ن قاط ال ظل والإلت باس في علا قة الحركة الإ سلامية‬

‫المسلحة بالجبهة الإ سلامية‪ ....‬وقد وجدت في الأخ محمد سمراوي رجلا محترفا واثقا في جهاز المخابرات‬ ‫الجزائر ية إلى حد بعيد مما جعله يصر على تثبيت رؤيته في الكتاب من منطلق الشهادة بما يعلم مع إشارات‬

‫خفيفة إلى بعض ما تحدثنا فيه‪.‬‬

‫و قد التقي نا بال صحفي أح مد من صور ق بل بث الح صة صبيحة يوم ‪ 1‬أوت ‪ 2001‬و تناق شنا حول‬

‫محاور ها ول كن م شكل التعب ير بالل غة العرب ية لدى ا لأخ مح مد سمراوي شكل مع ضلة ترك نا الم بادرة لمن شط‬ ‫الحصة في ترتيب من يساعده على تجاوزها‪.‬‬

‫ولا شك أن ما جاء في كتاب الأخ محمد سمراوي من الأهمية بمكان لأنه تجاوز فيه الحديث عن‬

‫الجانب الأمني الذي تمكنت القيادة العسكر ية من توظيفه لصالحها إلى حد بعيد وفتح نافذة على الجانب‬ ‫الإقت صادي ا لذي هو ال سبب الرئي سي ل كل الانزلا قات ال تي وق عت في ها الق يادات المتعاق بة ع لى الن ظام‬

‫الجزائري الفاسد‪ .‬ول كنني اطل عت على معلومات كثيرة في مسودة الكتاب تتعلق بتورط جهات فرنسية في‬ ‫الفساد الحاصل في الجزائر على مستو يات متعددة لم ترد في النسخة المطبوعة من الكتاب‪ .‬وقد أكد لي ذلك‬

‫ا لأخ ح سين أي ضا وا لذي ي حتفظ بن سخة من الم سودة الأ صلية ع نده و برر عدم ن شر ت لك المعلو مات‬

‫بمقتضيات عقد التفاهم بين الكاتب والناشر الذي تكتسي الاعتبارات التجار ية والقضائية أهمية قصوى في‬ ‫حساباته‪ .‬وأتمنى أن تظهر تلك المعلومات في الطبعة الجديدة أو في نسخة منشورة من المسودة الأصلية إن‬

‫شاء الل ّه‪.‬‬

‫‪240‬‬


‫و قد التحق الأخ محمد سمراوي بعد ذلك بحركة رشاد كعضو مؤسس فيها كما تعرض لاعتقال‬

‫تعسفي من طرف الشرطة الدولية في إسبانيا بتواطئ مفضوح مع النظام الجزائري‪ .‬و قد ن َش َرْتُ مقالا بهذه‬

‫المناسبة على صفحات "صوت الجزائر" لا بأس من إثباته هنا‪.‬‬

‫اعتقال المقدم سمراوي (الدلالة والأثر)‬ ‫كتبه ‪ :‬احمد شوشان | صوت الجزائر | ‪ 16‬نوفمبر ‪2007‬‬

‫اعتقلت السلطات الاسبانية المقدم محمد سمراوي بدون سابق إنذار يوم ‪ 22‬اكتوبر ‪ 2007‬بموجب‬

‫مذكرة ترحيل دولية أصدرتها السلطات الجزائر ية منذ سنة ‪ 2003‬بتهمة الفرار من الخدمة والإضرار بسمعة‬ ‫الجيش وممارسة النشاطات الارهابية‪ ،‬وبعد ‪ 3‬أيام من الحجز السري حول إلى السجن ثم وضع تحت الرقابة‬ ‫القضائية في انتظار وصول حيثيات الاتهام الذي يحدد القانون مدته بار يعين يوما‪ .‬وعلى أساس ذلك منع‬

‫سمراوي من العودة إلى ألمانيا حيث يقيم مع عائلته كلاجئ سياسي‪.‬‬

‫وبما أن الإفراج عنه في اليوم الواحد بعد الاربعين من اعتقاله إن شاء الل ّه أمر بديهي ما دامت‬

‫التهم متعلقة بمقيم نظامي يتمتع بالحصانة كلاجئ سياسي‪ ،‬فإني سأقتصر في هذا المقام على الاشارة إلى دلالة‬

‫هذا الاعتقال وأثره‪.‬‬

‫فعمل ية الاعت قال في ن ظري جزء لا يت جزأ من م شروع الح صار ا لذي ي ستهدف شخص ا لرئيس‬

‫الجزائري عبد العز يز بوتفليقة بعد أن خابت آمال المراهنين عليه في استكمال مشروع التدمير الذي اطلقوه‬

‫في ‪ 11‬يناير‪ .1992‬فقد استغلوا عدم تورطه في فظائع الأزمة الدمو ية وزينوا به واجهة النظام حتى يتمكنوا‬ ‫من ترتيب البيت الجزائري على مزاجهم‪ .‬ول كن ف سحة الأجل بعد العملية التي أجراها في فرنسا سمحت‬

‫لبوتفليقة أن يكتشف ما يراد به وبوطنه الذي شارك في تحر يره من الاستعمار الفرنسي‪ ،‬فانخرط في عملية‬

‫تقويم مفاجئ لمشروعه الاصلاحي المعلن وتراجع عن كثير من القرارات الاستراتيجية التي تم تمريرها في‬

‫غ مرة الم ساومة ع لى عهد ته الرئا سية الثان ية‪ ،‬خا صة ت لك ال تي ت هدد م ستقبل المقو مات الوطن ية الماد ية من ها‬ ‫والمعنو ية وع لى رأ سها إن شاء القوا عد الع سكر ية الأجنب ية ع لى ال تراب ا لوطني ب عد أن و صلت طلائع ها إ لى‬

‫تمنراست وإعادة النظر في قانون المحروقات بعد أن حطت شركة ديك تشيني العملاقة رحالها في الصحراء‬

‫الجزائر ية وإصراره على اعتماد المصالحة الوطنية كمقوم وطني جديد ثابت بعد أن ظن الاستئصاليون أنهم‬ ‫هيئوا كل الظروف لتنصيب رئيس يبسط رداء الشرعية على كل المهام القذرة خلفا لبوتفليقة الذي قصم‬

‫ظهر البعير بتعيينه رئيسا للحكومة لا يختلف اثنان على أنه ليس أحسن الموجود ول كنه مخلص في تحمسه‬ ‫للمصالحة بين الجزائر يين‪ .‬إن هذه الإجراءات وغيرها عززت الانطباع لدى المتربصين بالجزائر بأن بوتفليقة‬ ‫أ صبح عائ قا حقيق يا ي جب ا لتخلص م نه بأي ث من ومن عه من التر شح لع هدة ثال ثة ح تى و لو اقت ضى ا لامر‬ ‫‪241‬‬


‫تصفيته‪ .‬و لذلك فقد تركزت الحرب النفسية على المقربين منه في أجهزة الدولة بإثارة قضايا الفساد المختلفة‬ ‫ك ما ات خذت الاجراءات الميدانية لإجهاض مشروع المصالحة بعرقلة عملية تصفية الملفات ومضايقة المعنيين‬ ‫ببنود ميثاق السلم و دفعهم إلى التراجع عن نبذ العنف والتشكيك في مصداقية الرئيس وقدرته على الوفاء‬

‫بالتزاماته ثم تطورت الحملة إلى حصار حقيقي للرئيس من خلال إفراغ مشار يع التنمية التي انطلقت على‬

‫أرض الواقع من مضامينها وإشعال الجبهة الاجتماعية باختلاق أزمات الندرة من خلال احتكار مراكز‬

‫الانتاج وقنوات الاستيراد وإشعال الجبهة الأمنية من خلال تصعيد وتيرة النشاطات الارهابية و استهداف‬ ‫الحكومة والمؤسسة العسكر ية بصفة خاصة لتصل الحرب ذروتها بالتهديد المباشر لحياة الرئيس نفسه‪ .‬وبعد‬ ‫إط لاق آ لة التخر يب لإت لاف ما أن جزه بوتفلي قة في ا لداخل جاء ا لدور ع لى تدمير إنجازا ته ع لى ال صعيد‬

‫الدبلوماسي‪.‬‬

‫فالدلالة الحقيق ية لعمل ية الاعتقال بهذه الطر يقة هي رسالة صر يحة ووا ضحة للمعار ضة في ال خارج‬

‫تهدف إلى ترسيخ الانطباع بأن التحسن المزعوم لسمعة الجزائر في الخارج ومظاهر حسن النوايا التي تتبناها‬

‫القنصليات الجزائر ية في التعامل مع الجالية‪ ،‬سراب لا حقيقة له‪ .‬وأن النظام الجزائري في عهد بوتفليقة ما‬ ‫زال يعت مد في علاقا ته الخارج ية ع لى ال مؤامرة و صفقات الت صفية الم شبوهة للمعار ضين‪ ،‬م ما ي عزز مو قف‬

‫ا لرفض والمواج هة لدى بع ضهم و يو سع دا ئرة ا لتحفظ و سوء ال ظن لدى الأكثر ية‪ .‬وه نا ي طرح سؤالان‬

‫نفساهما‪:‬‬

‫‪ 1‬من الذي استرجع مذكرة توقيف روتينية صادرة سنة ‪ 2003‬من سلة المهملات وأعاد تفعيلها‬

‫في هذا التاريخ من سنة ‪ 2007‬؟‬ ‫‪2‬‬

‫ما الغرض من توظيف الجانب الشكلي للقانون لجعل هذه المذكرة استعجالية فور ية التنفيذ من‬

‫طرف الشرطة الإسبانية؟‬

‫ا ما ال سؤال الم تداول والمتع لق بالمقا بل ا لذي تجن يه إ سبانيا من ت سليم سمراوي فأ نا لا أطر حه‬

‫لاعتقادي الجازم بأن سمراوي لن يسلم للجزائر لا بمقابل ولا بدونه‪.‬‬

‫إن ال سلطات الأمن ية في المان يا نيابة عن أج هزة ا لأمن في الإتحاد ا لأوروبي ك له تع لم أن الم قدم‬

‫سمراوي ضابط م خابرات سابق من شق عن الن ظام الجزا ئري و هي ت عرف ع نه و عن حيا ته كث يرا م ما تجه له‬

‫أج هزة الم خابرات الجزائر ية نف سها‪ .‬و ليس من الم ستنكر في ن ظري أن تت خذ أج هزة ا لأمن الأوروب ية كل‬ ‫الإجراءات التي تضمن لها تأمين السلامة والأمن لأوطانها بما في ذلك مراقبة من تشتبه في أمرهم‪ ،‬وهذا‬ ‫ما لا شك عندي في قيام المخابرات الألمانية به في حق المقدم سمراوي خاصة منذ رفضه مواصلة الخدمة‬

‫العسكر ية وطلبه اللجوء سنة ‪ 1996‬بناء على اقتناعه بتورط رؤسائه في جرائم ضد الانسانية‪ .‬والذي أعلمه هو‬ ‫أن المخابرات الألمانية التي تعد عليه أنفاسه تشهد بأن هذا اللاجئ السياسي مقيم ناجح في المانيا على جم يع‬ ‫‪242‬‬


‫الأصعدة حيث انه استطاع أن يعيد بناء حياته المهنية و يصبح ر ئيس لجنة دولية للتحكيم في الشطرنج ك ما‬

‫أنه استطاع أن يندمج في مجتمعه الجديد و يؤسس أسرة مفيدة للمجتمع الالماني حيث أن أبناءه أبطالا على‬ ‫المستوى الوطني ويمثلون المانيا في المحافل الدولية في لعبة الشطرنج هذا ز يادة على تخصصه العلمي كمهندس‬

‫وتفوق ابنائه في تعليمهم‪ .‬ولذلك فإن استصدار مذكرة توقيف دولية في حقه من طرف السلطات الجزائر ية‬ ‫سنة ‪ 2003‬لم ي كن في الحقي قة سوى اخترا قا ل سجل ال شرطة الدول ية ب غرض توظي فه شكليا في و قت‬

‫لاحق‪ ،‬مثله مثل المحاضر الأمنية والأحكام الغيابية المعلنة وغير المعلنة التي أصدرتها عدالة العشر ية الحمراء‬ ‫في حق الأغلب ية من أب ناء الجزا ئر الأك فاء ب غرض توظيف ها في الو قت المنا سب ل منعهم من التر شح‬

‫للا ستحقاقات السيا سية والو ظائف ال سامية للدو لة وخ لط ا لأوراق ع لى أي محاو لة للتحق يق في ف ظائع‬ ‫العشر ية الحمراء‪ .‬إن هذا الأسلوب الحقير خيانة عظمى في حق الجزائر وتفر يغ لشرعية الدولة من مضمونها‬ ‫واغت يال لت ضحيات ال شهداء‪ ،‬لأ نه ال سبب الرئي سي في خ لود ا لرداءة والتخ لف في الجزا ئر ال تي تتم تع ب كل‬

‫مقومات التفوق الرقي‪.‬‬

‫فالسلطة التي سجلت هذه المذكرة سنة ‪ 2003‬لم تفعل ذلك يوم ترك سمراوي منصبه سنة ‪ 1996‬كما‬

‫ينص عليه نظام الخدمة في الجيش لأنها لم تكن تعترف في تلك الفترة بأي قانون غيرالاستئصال والتصفية‬ ‫خارج إطار القانون‪ ،‬ومن ثم فهي تعلم ان مذكراتها لا قيمة لها في ميزان العدالة الدولية في ذلك الوقت‪.‬‬

‫ول كن ها كا نت تع لم أي ضا أن الجا نب ال شكلي للمذكرة يم كن ا ستغلاله في الو قت المنا سب ب غرض إلإز عاج‬

‫وإثارة الشبهات حول الشخص المستهدف وإشاعة البلبلة والاضطراب في أوساط المواطنين‪ ،‬ولذلك سجلت‬ ‫المذكرة لاحقا بعد إعلان الرئيس بوتفليقة عن مشروع المصالحة وعودة الاعتبار المشروط للدولة الجزائر ية‪.‬‬ ‫وقد حصل ما كان متوقعا بالفعل‪ .‬حيث تم بموجب تفعيل المذكرة في الوقت المناسب اعتقال سمراوي‬ ‫ومنعه من رئاسة اللجنة الدولية للعبة الشطرنج وتحطيم مستقبله المهني ز يادة على تشو يه سمعته بتهمة الإرهاب‬

‫وتعليق حياته أربعين يوما وما يترتب على ذلك من انعكاسات نفسية واجتماعية على حياة افراد عائلته‪.‬‬ ‫هذا هو ن صيب سمراوي من العقو بة ع لى ما سببه ل لدوائر الفا سدة في الن ظام الجزا ئري من إز عاج و هو‬

‫الجا نب ال ظاهر من ال غرض‪ .‬أ ما ن صيب ا لرئيس بوتفلي قة ف هو ا لأثر المتر تب ع لى ذ لك من ف ضائح سيبدا‬

‫اكتشافها بعد الأربعين يوما‪ ،‬حيث سيصدر القضاء الاسباني قراره بالافراج عن سمراوي لانتفاء الدعوى‬

‫المرفوعة ضده لعدم كفاية الأد لة‪ ،‬و يظهر للرأي العام الدولي والمحلي أن المذكرة لم تكن سوى صورة دميمة‬ ‫لتلا عب أج هزة الدو لة ال تي يمثل ها ر سميا بوتفلي قة ب قوانين ال شرطة الدول ية وتوظيف ها ع لى طر ي قة الماف يا في‬

‫الانت قام من المعار ضين في ال خارج‪ ،‬م ما يع يد الم بادرة لخ صوم بوتفلي قة في انت قاد سيا ساته و الت شكيك في‬ ‫مصداقية مشروعه‪ ،‬بل وتسميم الأجواء بإشاعات مغرضة على غرار ما جاء في جر يدة ليبرتي بأن ملف‬

‫سمراوي مطروح للتداول في برنامج الز يارة التي يقوم بها الرئيس الألماني إلى الجزائر‪.‬‬ ‫‪243‬‬


‫أ ما الإجا بة ع لى ال سؤال ال ثاني ف هي تع ني المجت مع ا لأوروبي عمو ما وال شعب الا سباني ع لى و جه‬

‫الخ صوص‪ .‬ح يث أن ال سرعة ال تي تم ب ها تفع يل ال مذكرة وال طابع الا ستعجالي وال سري لعمل ية الاعت قال‬ ‫يعك سان صورة مزع جة للهشا شة ال تي ت عاني من ها ا لدوائر المعن ية ب هذه العمل ية المخج لة‪ .‬فح تى لو افتر ضنا أن‬

‫الجزائر عضو في الاتحاد الأوروبي وجهاز عدالتها في مستوى نظرائه في هذا الاتحاد‪ ،‬فإن اعتقال شخص لا‬ ‫يمكن أن يحصل إلا بعد النظر في حيثيات الدعوى المرفوعة ضده‪ ،‬بحيث لا يكون الاعتقال تعسفيا يلحق‬ ‫الضرر بإنسان بريء‪ .‬وإذا كان المواطن البسيط يمكنه أن ينتبه إلى ما في المذكرة من الشبهة‪ ،‬فإن التساؤل‬

‫عن تغافل الأجهزة المختصة عن ذلك يبقى مطروحا‪ .‬فأولا‪ :‬المذكرة صدرت سنة ‪ 2003‬في وقت عاد فيه‬ ‫الاستقرار نسبيا للسلطة في الجزائر بعد تراجعها ظاهر يا عن سياستها القمعية الخاطئة في حين أن المتهم غادر‬

‫الجيش سنة ‪ 1996‬في ظروف لم يكن ينصح بها لأحد بالبقاء في خدمة سلطة متهمة بجرائم ضد الانسانية‪.‬‬ ‫ثان يا‪ :‬تفع يل هذه ال مذكرة سنة ‪ 2007‬يقت ضي الن ظر في ال ظروف المحي طة ب ها‪ .‬فالمعني ب هذه ال مذكرة لاجئ‬ ‫سياسي يتمتع بالحصانة من تعسف السلطة الجزائر ية بالذات‪ .‬وقد حصل على اللجوء بعد تحر يات وتحقيق‬

‫خضع إليه من طرف السلطات الألمانية التي اقتنعت بضرورة حمايته من هذا التعسف‪ .‬كما أن المعني لاجئ‬

‫في أوؤو با منذ أكثر من ‪ 10‬سنين لم تسجل عليه مخالفات للقانون تجعله محل شبهة رغم تجوله في مختلف‬

‫الدول الأوروبية‪ .‬فهل حققت السلطات الاسبانية بهذا الاعتقال سبقا في مجال الأمن تقاصرت عليه همم‬ ‫الأجهزة الأمنية الأوروبية الأخرى طوال هذه ال مدة؟ ثالثا‪ :‬إن المذكرة صادرة عن سلطة جزائر ية والمعني‬

‫لاجئ جزائري مقيم في ألمانيا‪ .‬والواقعية تقتضي أن التعاون في مجال الأمن بين اسبانيا وألمانيا يكون اقوى‬

‫لاعتبارات لا حصر لها‪ .‬ولذلك فإن تفعيل هذه المذكرة كان يقتضي التشاور بينهما‪ ،‬لأن الاعتقال التعسفي‬ ‫في حق سمراوي ستترتب عليه مشاكل على أكثر من صعيد‪ :‬فهو مضر بسمعة الامن والعدالة في اسبانيا‬

‫لأنه يكشف العشوائية في ادائها و يضع علاقتها مع دوائر الفساد في الجزائر محل شبهة و يعرضها الى الانتقاد‬ ‫من طرف منظمات حقوق الانسان والرأي العام الاسباني‪ .‬أما ألمانيا فإن تحطيم مستقبل مقيم ناجح على‬

‫أرضها يز يد من أعبائها المادية في التكفل به وبعائلته ك ما يبعث فيه الشعور بالاحباط بعد الظلم الغير المبرر‬

‫ا لذي ت عرض له‪ .‬هذا ز يادة ع لى ما ت سبب ف يه من ال صدمة النف سية ال تي ت عرض ل ها اب ناؤه م ما يؤثر ع لى‬

‫طموحهم في التفوق و يعرقل مسار اندماجهم في مجتمع بفترض ان يشعروا فيه بالامن والاستقرار والحر ية‬

‫لا بالاستهداف والتحفظ والخوف‪.‬‬

‫أ ما ا لذي ي ندى له الج بين ف هو أن ي قع هذا ال لاجئ ا لأعزل الم ستهدف من طرف أج هزة أ من‬

‫مختلفة ت حت وطأة ابتزاز متعدد الأوجه‪ .‬فالقاضي الذي أخذ المبادرة لإصدار الأمر باعتقاله وتجر يده من‬ ‫جواز سفره وإجباره على البقاء في اسبانيا على أساس دعوى لم يقم عليها دليل معتبر لم يكلف نفسه عناء‬ ‫تأمين ال ضرور يات الأسا سية له من سكن وم عاش‪ .‬بل إن سمراوي مطا لب بالتك فل بجم يع م صار يف‬ ‫‪244‬‬


‫إقامته المفروضة عليه في إسبانيا من طرف العدالة الإسبانية إلى أجل غير مسمى وبدفع مستحقات المحامي‬ ‫الرسمي الذي عينته له العدالة الاسبانية ز يادة على تسديد مستحقات المحامي المعتمد في قضيته والذي طلب‬

‫منه دفع ‪ 20‬الف يورو مقابل الدفاع عنه وكأن سمراوي ضبط متلبسا بجريمة خطيرة‪ .‬أما ما ترتب على‬ ‫ذلك من فقدان الرجل لمنصب عمله والرعب الذي يخيم على أهل بيته منذ اعتقاله وسمعته التي أصبحت‬

‫محل تساؤل فهذا أمر لا يعني أحدا من الساهرين على تطبيق المذكرة المقدسة الصادرة عن العدالة الجزائر ية‬ ‫ذات المصداقية الدولية‪.‬‬

‫إن هذا التعسف في استغلال الجانب الشكلي للقانون وما يقابله من تجاهل للقيم الإنسانية السامية‬

‫ال تي ي ستمد ال قانون من ها قد سيته و شرعيته وا ستهتار بم شاعر ال ناس وكرامتهم و ما يتر تب ع لى ذ لك من‬

‫الإحباط والشعور بالاضطهاد‪ ،‬إن ذلك كله يدفع إلى الاعتقاد بأن أعراض الأمراض المزمنة التي تعاني‬ ‫منها الدول المتخلفة في ج نوب البحر الأبيض المتوسط قد أ صابت ضفافه الشمالية‪ ،‬وأن على من يع نيهم‬

‫المحاف ظة ع لى ازد هار أورو با ورقي ها أن ينتب هوا إ لى هذا الانز لاق ا لذي وإن كان م حدود ا لأثر زما نا‬ ‫و مكانا فإنه من حيث الدلالة خطوة أولى على طر يق الانتكاس والتخلف يجب تداركها قبل أن يتسع‬

‫الخرق على الراقع‪.‬‬

‫ولا يفوتني في الختام أن أذكر كل المخلصين للجزائر المستقلة والأوفياء لتضحيات الشهداء بضرورة‬

‫الانت باه من غف لة الان سياق وراء البروتوكو لات الر سمية ال تي أ صبحت الو سيلة المف ضلة ل شرعنة الف ساد‬ ‫والخيانة في حق ال شعب وا لوطن‪ .‬فال خائن الحقي قي هو ا لذي ي تآمر مع الأجنبي ع لى الجزا ئر شعبا ووط نا‬

‫سواء كان ذ لك ر سميا أو شخ صيا من دا خل الجزا ئر أو من خارج ها‪ .‬وأ نا ع لى ي قين من أن المؤس سات‬

‫الأوروبية لن تتآمر مع أية دولة ولا شخص أجنبي على حساب مواطن من شعبها‪ .‬فلماذا يراد للمعادلة أن‬ ‫تقلب في الجزائر؟ فيشعر المستقوي بالأجنبي والمتعاون معه على تركيع الشعب وتفقيره وإهدار ثرواته أنه‬ ‫جديرا بالتكريم والتمجيد باسم الجمهور ية‪ ،‬في حين يرمى الرافض لحمل السلاح ضد المواطنين تحت أي مبرر‬ ‫بتهم باط لة و ي لاحق با سم ال شعب كأ نه فر من معركة الم صير ضد عدو خارجي‪ .‬إن هذه المعاد لة ي جب‬

‫إلغاؤها قبل أن تتم بوجبها استضافة الاستعمار ببروتوكول رسمي إلى الجزائر ورد الاعتبار للحركى كمقاومين‬ ‫لأنهم كانوا أ حرص ع لى تطب يق ال قانون الفرن سي من بق ية ال شعب‪ .‬و ل عل أ طرف ما في هذه المعاد لة و‬

‫المحفز الوح يد ع لى الاب قاء عليها هو إمكان ية إحا لة ال فارين من الخد مة في ال جيش الفرنسي ع لى العدا لة ما‬

‫دامت العبرة بالجانب الشكلي للقانون‪.‬‬

‫ل قد ا ضطر الم قدم مح مد سمراوي إ لى التحا يل من أ جل ا لتخلص من الحرا سة المفرو ضة عل يه و‬

‫ال خروج من إ سبانيا بطر ي قة سر ية و خارج الإ طار ال شكلي لل قانون و ال عودة إ لى ألمان يا‪ .‬و قد تفه مت‬

‫السلطات الألمانية موقفه و سمحت له بالتمتع بحقه كلاجئ سياسي إلى اليوم‪.‬‬ ‫‪245‬‬


‫محاكمة النظام الجزائري أمام العدالة الفرنسية بباريس‬ ‫قضية نزار سوايدية (كتاب الحرب القذرة)‬

‫أول من اتصل بي في قضية سوايدية هو النقيب حسين أوقنون المدعو هارون و المشرف على موقع‬

‫حركة ال ضباط الجزا ئر يين ا لأحرار واست شارني في تو صيلي بجزا ئري يط لب م ساعدتي للتأ كد من هو ية‬ ‫عسكري جزائري سابق فوافقت‪ .‬بعدها اتصل بي طالب لجوء جزائري في فرنسا قدم لي نفسه عبر الهاتف‬ ‫ت حت ا سم ج مال واد عى بأ نه صحفي ي حاول أن ي ساعد ضابطا جزائر يا سابقا في ال جيش برت بة م لازم ا سمه‬

‫حب يب سوايدية يط لب الل جوء في فرن سا وير يد ج مال أن ي ستوثق من أن هذا ال ضابط ليس من الم خابرات‬

‫خاصة أن حبيب سوايدية قال له بأنه كان طالبا من طلبة النقيب أحمد شوشان في الأكاديمية العسكر ية‬ ‫لمخت لف الأ سلحة بشر شال‪ .‬فطل بت من ج مال أن ي نادي ع لى سوايدية‪ ..‬وب عد حديثي م عه في ال هاتف‬

‫تأ كدت من أنه كان فعلا أحد الطلبة الضباط سنة ‪ 1992‬ونفيت نفيا تاما علاقته بالم خابرات لأنني كنت‬ ‫أعرف الطلبة الضباط المجندين في تخصص المخابرات من دفعته‪.‬‬

‫وبعد بضعة أشهر عاود الاتصال بي الملازم سوايدية وهو في حالة نفسية صعبة وأخبرني بأن اللواء‬

‫نزار خالد قد أعلن ال حرب عليه ويريد متابعته قضائيا في فرنسا والمطالبة بترحيله إلى الجزائر للانتقام منه بعد‬ ‫نشره لشهادته عن الأحداث في كتاب تحت عنوان" الحرب القذرة "‪ .‬فطمأنته وأخبرته بأنني سأكون إلى‬

‫جانبه و ما دا مت الق ضية قانون ية فعل يه أن يت خذ الإجراءات اللاز مة بالت عاون مع محام يه لن ح ّدد أنا والأخ‬ ‫حسين ما يمكننا مساعدته به‪ ...‬وفعلا زارنا الملازم حبيب سوايدية برفقة صحفية فرنسية وشرح لنا قضيته‬

‫والتي ظاهرها دعوى قضائية بتهمة القذف رفعها ضده اللواء نزار خالد أمام محكمة الجنح بباريس ول كن‬ ‫تج َاو ُز ُ ها إ لى ا لدول‬ ‫ما وراء ظاهر ا لدعوى هو ت طوير عمل ية الق مع ال تي ن جح في ها الن ظام دا خل الجزا ئر و َ‬

‫الأروبية التي ما زالت تسمح للمعارضة الجزائر ية بفضح جرائم النظام في ظل الإسلاموفوبيا التي تصاعدت‬

‫حدتها بعد أحداث ‪ 11‬سبتمبر‪.2001‬‬

‫واتفقنا على أن يزورنا سوايدية مرة أخرى مع محاميه ليطلعنا على حيثيات المحاكمة وخ طة الدفاع‬

‫وضبط الطر يقة المثلى التي سيتم بها تدخلنا في مجر يات المحاكمة‪.‬‬

‫والتقي نا بال سيد فران سوا جاز مدير دار الن شر البار ي سية " لاديكوفرت"التي ن شرت الك تاب و كان‬

‫معه ما الأ ستاذان المحام يان ل ُوك َان ْت و ب ِ ْدو َان و مع هم سوايدية في ف ندق بل ندن‪ .‬و قد دام الل قاء ساعات‬

‫بقض ه ِ وقضيضه مدعوما‬ ‫ع ُر ِضَ ت علينا خلالها حيثيات القضية وعلمنا أن اللواء خالد نزار قادم من الجزائر ّ ِ‬ ‫‪246‬‬


‫يج ُر ّ خلفه أعضاء الحكومات السابقة منذ انقلاب ‪ 1992‬ك ما علمنا أن‬ ‫من طرف النظام وقيادة الجيش و َ‬

‫نزار خالد اعتمد للدفاع عنه م حامي الرئيس الفرنسي نفسه فترسخ لدينا الاقتناع بأن المقصود من هذه الحملة‬ ‫ليس الملازم سوايدية ولا من احتضنوه في فرنسا ول كن المستهدف الرئيسي من هذا الهجوم المضاد هم‬

‫الضباط الذين أدلوا بشهاداتهم للإعلام وفضحوا الجرائم التي ارتكبها النظام في حق الشعب‪ .‬ولذلك قررنا‬ ‫الدخول في هذه المعركة القضائية وطلبنا من هيئة الدفاع عن سوايدية اتخاذ الإجراءات ال كفيلة بتمكيننا‬

‫من الشهادة لصالحه‪.‬‬

‫س بًا لل طوارئ واستباق ًا لث ِم َارالت عاون بين ا لدوائر الفاسدة في الن ظامين الجزا ئري والفرنسي طالب نا‬ ‫تح َ ّ‬ ‫و َ‬ ‫المحكمة باستصدار تعهد رسمي مكتوب من وز يري الداخلية والخارجية الفرنسيين يضمنان سلامتنا وتحمل‬ ‫الم سؤولية الكام لة عن إقامت نا في باريس وعودت نا إ لى بر يطان يا ب عد أداء شهادتنا أ مام هي ئة المحك مة‪.‬‬

‫وبعد سعي وجهد حصلت هيئة الدفاع عن سوايدية على ضمانات مكتو بة بالنسبة لي بعد أن تع ّذر َ سفر‬

‫الأخ حسين أوقنون لعدم امتلاكه وثيقة سفر في ذلك الوقت‪.‬‬

‫و قد اجت هدت في الابت عاد ع لى الأ ضواء الإعلام ية ال تي صاحبت ف صول هذه الق ضية وركزت‬

‫اهت مامي ع لى مو ضوعها الأ صلي و لم ال تق في هذه الرح لة سوى بالرا ئد ه شام ع بود مؤ لف ك تاب ماف يا‬

‫الجنرالات الذي استضافني لشرب قهوة معه مرتين ك ما تحدثت طو يلا مع الصحفية سليمة ملاح المشرفة‬

‫على موقع "ألجر يا واتش"‪.‬‬

‫لقد كانت المحاكمة فضيحة بكل المقاييس أثبتت للغر يب والقر يب أن اللواء نزار خالد ومن تواطأ‬

‫معه على قمع الشعب الجزائري وتفكيك دولته ليسوا سوى بقايا للدولة الاستعمار ية الفرنسية‪ .‬وإلا كيف‬ ‫سمحت لنزار نفسه بالمثول أمام المحكمة الفرنسية للمطالبة بإنصافه من جزائري مستضعف فا ٍرّ بجلده وهو‬

‫الذي داس بأقدامه على الدولة الجزائر ية ودستورها وضرب عرض الحائط بإرادة شعبها ودفع بها في أتون‬ ‫حرب أهلية لم تتوقف بعد؟ لقد أفصح نزار أمام أسياده في هذه المحاكمة عن حقيقة دوافعه من الحرب‬

‫جن ّب ْت ُكم حربا عالمية ثالثة بوقوفي في وجه‬ ‫القذرة التي شنّها على الشعب الجزائري عندما قال لهيئة المحكمة‪ :‬لقد َ‬

‫الإ سلاميين ولو أنكم فعلتم نفس الشيء مع هتلر لما وقعت الحرب العالمية الثانية‪ .‬هكذا اعتقد هذا المجند‬

‫السابق في الجيش الفرنسي أنه أذكى من أساتذته الأوروبيين وأحرص منهم على مصلحة بلدانهم وأم ْن ِهم‪.‬‬ ‫ول كن يفعل الجهل بصاحبه ما لا يفعل العدو بعدوه‪.‬‬

‫عندما توافد فر يق اللواء نزار إلى المحكمة تهي ّأ لي أنني أمام قصر الحكومة الجزائر ية فهذا وزير الدفاع‬

‫نزار خالد محاط بحرسه الخاص وهذا رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي يحمل ملفاته وكأنه بصدد عرض‬ ‫‪247‬‬


‫برنامجه أ مام البرلمان و هذا ا لوزير ع لي هارون ير مق ال عالم من ب ُرْج ِه ا لوهمي ال عالي و من خلفه ا لوزيرة لي لى‬ ‫عسلاوي تبحث عن المترجم ين و بجانبها ا لوزير عبد الرزاق بارة يلتفت يمينا وي سارا كأن الشياطين تتخب طه‬ ‫ناهيك عن الخلطة الهندية للشهود من أدباء وفنانين وصحافيين وملحدين وإسلاميين من الجنسين جاءوا من‬

‫الجزائر لر َدِّ الجميل لسيدهم وو َل ِ ِيّ نعمتهم اللواء خالد نزار‪ ...‬ولم ينته الر ّت ْل الطو يل للوفد إلا بعد أن امتلأ‬ ‫نصف القاعة الأيمن المخصص لنزار وشهوده ليبقى البعض الآخر واقفا خارج القاعة‪ .‬وفي المقابل لم يتمكن‬ ‫شهود سوايدية في اليوم الأول من ملء الصفوف الأولى للنصف الأيسر من القاعة‪ .‬ولذلك فقد تهيأ لنزار‬

‫أنه كسب القضية في اليوم الأول إ لى درجة جعلته يصرح للصحافة أنه كان متي ّق ِن ًا بأن الشهود المعلن عنهم‬ ‫سوف يتراجعون عن سوايدية‪.‬‬ ‫والذي لا يمكن لعقل خالد نزار الصغير أن يستوعبه هو أن نوعية الشهود الذين وقفوا إلى جانب‬

‫سوايدية لم يأتوا لتبرئته من التهمة الموجهة إليه‬

‫لأن أغلبهم لا يعرفون عن سوايدية شيئا‬

‫‪ ،‬وإنما جاءوا‬

‫ليثبتوا التهمة على خالد نزار وشركائه المجرمين أمام هيئة قضائية محايدة اختارها هو و عصابته العميلة لفرنسا‬ ‫على مرأى ومسمع من العالم طمعا في غسل سوأتهم وتبييض تار يخهم الأسود‪.‬‬

‫وقد التقيت في اليوم الثاني من المحاكمة بالأستاذ المؤرخ محمد حر بي في قاعة الانتظار وكانت بيني‬

‫وبي نه درد شة ق صيرة فه مت من خلال ها أ نه كان يتم نى أن ت كون هذه المحاك مة في الجزا ئر لأن ال شعب‬

‫الجزائري إذا أتيحت له فرصة التعبير الحر ّ فسيكون كله شاهدا ضد خالد نزار‪ .‬فعب ّرت له عن اتفاقي معه على‬ ‫ذلك‪.‬‬

‫وقد كان اليوم الثاني مخز يا لنزار لأن شهود سوايدية كانوا أقوى ح جة من شهوده‪ .‬فقد ظهر المجاهد‬

‫المؤرخ محمد حر بي ليجرد نزار من عباءة إنقاذ الجمهور ية و يوثق شهادة مجاهد أصيل ومؤرخ بصير بأحداث‬ ‫الثورة بأن نزار والمتواطئين معه ليسوا سوى حلقة في الحبل الطو يل الذي يخنق الجزائر و يعيق مواطنيها من‬

‫التمتع بالحر ية والا ستقلال‪ .‬وقد كانت مداخلتي بعد الأ ستاذ محمد حر بي مباشرة ولعلها كانت أقسى ضربة‬ ‫يتلقاها نزار خالد منذ بداية المحاكمة حيث فضل أن يردّ عليّ بنفسه مخافة أن يتجاوز محاميه الحدود ويتسب ّب‬

‫له في تعقيد الأمور‪.‬‬

‫وقد ن ُش ِر َت تفا صيل المحاكمة بما فيها ال شهادات في كتاب مط بوع بالفرنسية تحت عنوان " "مح ضر‬

‫"جلسات مقاضاة كتاب الحرب القذرة " ‪LES MINUTES DU PROCES DE LA SALE‬‬

‫‪"GUERRE‬‬

‫‪248‬‬


‫وأكتفي في هذا المقام بنقل التوضيحات التي ن َش َرْتُه َا باللغة الفرنسية مباشرة بعد جلسة المحاكمة نظرا‬

‫للوقت القصير المحدد للشهود في الجلسة و ذلك ردّا على تعقيبات اللواء نزار على شهادتي‪:‬‬ ‫**********‬

‫‪249‬‬


Témoignage Par le Capitaine Ahmed Chouchane L'ancien ministre de la Défense n'aurait jamais dû se risquer en portant plainte contre le sous-lieutenant Habib Souaïdia devant un tribunal français, sachant que des milliers de victimes de la tragédie sont exilés dans le monde. Ces expatriés ont supporté en silence l'injustice et

l'oppression du pouvoir avec patience et l'atteinte à leur réputation et leur honneur durant des années est tell qu'au point d'encourager les gouvernements étrangers à leur tour à les chasser et à les emprisonner injustement. L'ex. Ministre de la Défense aurait dû, au moins, faire semblant et assumer les allégations de Souaïdia et les considérer comme sa part du mal et son lot de la

catastrophe qui a frappé l'Algérie. Mais ceux qui entourent et conseillent l'ex. Ministre ne sont pas ceux qui souffrent de ce qui se passe en Algérie; aussi, ils ont pensé que ce procès renforcerait leur pouvoir et leur ouvrira le domaine de la pratique de l'assujettissement et de la Hogra en dehors des frontières algériennes. Mais ce que ces irresponsables conseillés ne veulent pas comprendre, c'est que ceux qui ont refusé de s'impliquer dans les massacres et qui ont

renoncé à leurs droits légitimes et ont préféré l'exil à la confrontation sanglante avec les fils de leur pays, ces hommes-là, ne sont ni des incapables ni des lâches, mais ils sont plus forts dans la confrontation et plus solides devant la vérité que ceux impliqués dans les bains de sang. Aussi et sur cette seule base, ont intervenu les témoins algériens en faveur de Souaïdia. Durant ce procès les témoins de la défense étaient tous unanimes malgré les différences dans leur appartenance politique, leur profession, leur âge et leur culture. Ils ont dit d'une seule voix : non à la falsification de l'histoire et non à la politique du fait accompli. Le ministre de la défense est arrivé au tribunal accompagné du Premier Ministre et

entouré de quelques ministres et de semblants de ministres ; chacun apportant avec lui, des copies de dossiers de l'Etat algérien. Ce show officiel a transformé l'affaire en un jugement de tout le système algérien. Les témoins de Nezzar ont essayé de démontrer que la décision du commandement d'arrêter le processus électoral et de pousser le Président de la République à la démission avec toutes ses conséquences, comme les arrestations arbitraires et les sanctions collectives, étaient des procédures légales et constitutionnelles. Ce sont là des propos que

personne ne peut croire à plus forte raison un tribunal fondé sur la démocratie. Ceci a fait dire à un avocat s'adressant au Premier Ministre : " Votre constitution permet-elle d'arrêter les citoyens, de les torturer et de les emprisonner durant trois ans puis les libérer sans jugement, ni 250


vérification des raisons de leur arrestation ? Vous n'avez pas honte de reconnaître tout cela sans dire que tu regrettes les victimes et vous prétendez que vous défendez la démocratie ? Quant au ministre de la défense et en voulant se défendant, il a terni la réputation de ses

collègues et même ex. Chefs (comme le general Mohamed Attailia), les généraux algériens, en disant qu'ils sont des analphabètes et ne comprennent rien du tout, bien que certains soient plus anciens que lui dans l'armée et plus gradés, ce qui a fait dire à l'un des avocats en s'adressant au tribunal : « regardez le niveau des généraux qui ont décidé de l'avenir de l'Algérie » Les insultes de Nezzar ne se sont pas limitées aux généraux, mais elles ont touché toute la classe politique algérienne sans exception quand il les a qualifié de " cheptel ". Ceux qui ont terni la réputation de l'Algérie dans ce procès sont ceux qui ont accompagné Nezzar en voulant se dérober de leur responsabilité au détriment des institutions de l'Etat - de la Présidence à la classe politique. Quant aux interventions des témoins de la défense, elles étaient axées sur la gravité des décisions prises par le commandement militaire en janvier 1992 et les dérapages qui ont suivi conduisant le pays à la situation tragique que nous vivons aujourd'hui. Ils ont exigé de Nezzar de ne pas se dérober de sa responsabilité en tant que premier responsable militaire en présentant des exemples réels démontrant que les décisions citées ci-dessus étaient prises en toute

connaissance de cause malgré les multiples appels et les avertissements répétées de la part d'Algériens sincères. Je me limite ici à la reproduction, en toute fidélité, de mon intervention personnelle en tant que l'un des témoins de la défense. J'ai demandé à parler en arabe mais eu raison du faible niveau du traducteur, on m'a demandé de parler en français et c'est ce que j'ai fait :

Je me suis présenté succinctement et j'ai exposé, selon les questions des avocats, les points suivants : 1 - les raisons de mon arrestation le 3 mars 1992 et ma correspondance avec le ministre de la Défense. La vraie raison de mon arrestation est la conviction du commandement que ma présence menaçait leur projet de confrontation armée contre la majorité du peuple, projet contre lequel je me suis opposé publiquement et à haute voix. Mais la cause directe est que beaucoup d'officiers 251


et de sous-officiers étaient très irrités par les décisions du commandement et de leurs conséquences ; à savoir l'oppression de la majorité du peuple au point où ces militaires ont voulu assassiner le commandement militaire pour lever l'injustice. En effet, et en raison de ma bonne réputation dans l'armée et de la confiance dont je jouis parmi les officiers et les sous-officiers

notamment au sein des forces spéciales, des dizaines de militaires m'ont dévoilé leurs intentions et ont demandé mon avis sur la question. Bien que j'étais persuadé de la légitimité de leurs intentions, je ne pensais pas que

l'assassinat du commandement réglerait le problème ; Alors, je les leurs ai conseillé de ne pas y penser. Aussi, aucun militaire, parmi ceux que je connaissais, n'a tenté quoi que se soit et personne n'a eu connaissance de ce qui s'est passé qu'après notre arrestation le 3 mars 1992. Malgré que j'ai signé un procès-verbal d'interrogation m'imputant de grave accusations parmi lesquelles : L'atteinte à la sécurité de l'Etat, la constitution d'une armée secrète au sein de

l'Armée Nationale Populaire et la division du territoire national,… etc. j'ai écris de ma prison, au ministre de la Défense Khaled Nezzar lui confirmant mon refus des décisions prises par le commandement et relatives à la destitution du Président, à l'arrêt du processus électoral et à l'implication de l'armée nationale populaire dans la confrontation armée contre le peuple. J'ai présenté les arguments et les exemples qui montraient que ces décisions conduiraient l'Algérie à une réelle catastrophe et que personne ne pourrait maîtriser les dérapages qui y découleraient et que l'armée n'est pas qualifiée pour réaliser la folle ambition du commandement. J'ai conseillé Khaled Nezzar de revoir ses décisions et de coopérer avec les sages afin de trouver une solution à la crise ; à la fin, je l'ai rendu totalement responsable des conséquences de ses décisions, au présent et au futur s'il ne révise pas ces décisions.

Aujourd'hui, je ne suis pas là pour juger quiconque ou porter atteinte à sa réputation, mais je suis là pour exiger de monsieur le ministre de la défense de prendre ses responsabilités avec le même courage avec lequel il a pris ses graves décisions qui nous ont conduit à la situation tragique que nous vivons. Je luis dis aussi, que votre prétention de sauver l'Algérie de ce qui est

pire ne vous dégage pas de votre responsabilité de ce qui s'est passé. J'ai discuté le contenu de ma lettre, un mois après son écriture, avec le général-major, Gaïd Salah, commandant de la troisième région militaire, et avec une délégation sous la présidence du chef d'état-major, le général-major Guénaïzia, à la prison militaire de Bechar tout en étant convaincu que le commandant Ben

252


Djerrou Dhib Djabbalah qui a pris la lettre, l'avait remise à monsieur le ministre de la défense à l'époque parce que ce dernier supervisait personnellement mon affaire et je ne pense pas que monsieur le ministre démente cela (en effet, le ministre n'avait fait aucun commentaire).

2 - Les événements de Bérrouaguia Je considère ce qui s'est passé dans la prison de Bérrouaguia est un crime caractérisé contre l'humanité, exécuté par un groupe des forces d'intervention spéciale de la gendarmerie. Sous un feu nourri, ce groupe a pris d'assaut le bâtiment dans lequel se sont réunis plus d'un

millier de prisonnier et ont tué 50 personnes dont les corps furent, soient brûlés, soient mutilées et ils ont blessé, par balles pas moins de 500 prisonniers. Sans l'intervention du procureur de la République qui s'est mis entre les gendarmes et les prisonniers, la catastrophe aurait été plus grande. Deux avocats m'ont rendu visite, sur autorisation du cabinet de la Présidence et je l'ai

informé que ce sont les gendarmes qui ont commis ce massacre et non les prisonniers comme l'a prétendu la télévision algérienne. Les prisonniers furent battus avec des barres de fer durant deux mois. Ceux qui ont exécuté cette opération sont des criminels et personne n'a le droit de justifier ce qu'ils ont fait, sous quelque appellation qu'elle se soit. C'est là, l'un des aspects des dérapages générés par les décisions du commandement parce qu'elles ont ouvert largement la porte devant les malhonnêtes et les criminels et ont bloqué toutes les issus devant les honnêtes gens parmi le peuple. L'inconscience du commandement en la matière ne le dégage pas de sa responsabilité parce que bien que je n'étais un simple officier j'étais conscient de la gravité de cette affaire. Il y a un second exemple de dérapages ; il s'agit des événements de Guemmar. Au début, une vingtaine d'adolescents environ ont commis un crime affreux sur un sergent de l'ANP et se sont emparés des armes individuelles du dépôt du poste de garde frontalier à Guemmar. Ces adolescents ont été induits en erreur par un ancien caporal des forces parachutistes. Il est vrai que le crime est affreux et mérite la plus grande sanction et je suis d'accord avec le ministre de la défense sur cette question. Mais que le ministre apparaît personnellement à la télévision et déclare la guerre à toute la région et l'a mis à la merci des groupes des forces spéciales qui humilient des dizaines de milliers de citoyens, volent leurs biens et arrêtent et torturent des centaines de personnes ; des dizaines furent jugés injustement et d'autres innocents condamnés à 253


mort à tort ; En outre et après la récupération des armes volées, 24 adolescents qui ne savent même pas manier les armes, furent assassinés et les corps de certains d'entre eux brûlés et mis dans des sacs de poubelles puis exposés en public. Tout cela ne peut être qualifié que de crime

contre l'humanité. J'ai personnellement informé le chef d'état-major de ce qui se passer. Que le ministre de la défense sache que son intervention à la télévision et de cette manière et sa supervision directe des opérations ne peut signifier qu'un feu vert à tous les criminels dans les rangs de l'armée ! 3 - l'échec de mon kidnapping de la prison d'El Harrach et les choix du chantage Ceci est un autre exemple des dérapages auxquels avaient conduit les décisions du commandement. Après avoir purgé ma peine d'emprisonnement décidé par le tribunal militaire et le jour de ma sortie le premier avril 1995, un groupe d'officiers de la sécurité de l'armée (DCSA) m'ont kidnappé de l'intérieur de la prison et ce, après avoir terminé toutes les procédures

officielles de sortie ; et si vous consultez le registre de sortie de la prison d'El Harrach, vous trouverez ma signature. En réalité, je n'avais pas été libéré mais j'étais kidnappé par les mêmes personnes qui ont procédé à mon interrogatoire en 1992 et j'ai subi le même traitement terroriste et m'ont affirmé que je ne sortirai pas vivant (de la caserne du CPMI à Ben Akoun).

Puisque j'étais au courant de la nature criminel de certains services de sécurité, j'ai préparé au préalable un plan de réserve pour faire échec aux actions probables