أزمة المصرية للتصالت :سياسات وليس مرتبات كتب:جمال محمد غيطاس 329
إذا كان هناك شيء يميز حركة الحتجاج التي شهدتها الشركة المصرية للتصالت في الونة الخيرة مقارنة بموجة الحتجاجات العارمة السائدة بالبلد.
>="" <"div="" border="0 فهو أنها حركة شعاراتها الصلحية المعترضة علي السياسات والفكار اكبر وأهم من شعاراتها الفئوية المطالبة بتحسين المرتبات ,وقد تجسد ذلك في الكثير من الوقائع ,من بينها الموقف العفوي الذي حدث أمام مكتب النائب العام وتناقلته بعض الخبار ,حينما بدأ أحد المحامين المتطوعين للدفاع عن المحتجين يردد شعارات فئوية مطالبة بتحسين الجور, فما كان من جمهور العاملين الموجودين إل أن رفض الستجابة له ورددوا بصورة عفوية شعارات مطالبة بالتغيير والتطهير ورافضة للمطالبة بتحسين الجور ,وهذا السلوك من قبل الحركة الحتجاجية يجعل من واجبنا أن نتناول القضية من زاوية السياسات المطبقة ,ليس في الشركة وحسب ولكن في قطاع التصالت وتكنولوجيا المعلومات ككل. لقد أشرت السبوع الماضي إلي أن ما حدث للمصرية للتصالت خلل السنوات العشر الماضية وما جري تطبيقه فيها من سياسات وأفكار كان بمثابة القلب النابض لحزمة السياسات التي استهدفت ما أطلق عليه تحرير قطاع التصالت وإعادة هيكلته ,فمعظم الخطط التي نفذت بالقطاع كانت إما تبدأ بالشركة أو تنتهي بها ,سواء عند وضع سياسات تسعير الخدمات ,أو عند إدارة العلقة بين القطاع الخاص والقطاع العام ونصيب كل منهما من الموارد والفرص الستثمارية المتاحة ,أو عند تغيير البيئة التشريعية والقانونية السائدة, أو عند اختيار النموذج التنموي المطبق فعليا علي الرض. وفي كل هذه الحوال كانت المصرية للتصالت في وجه العاصفة طوعا أو كرها ,تتأثر سلبيا في معظم الحيان ,وإيجابيا في أحيان أقل علي النحو الذي أوضحناه السبوع الماضي ,وهو وضع صنع السياق العام أو الرحم الذي تكونت بداخله حركة الحتجاج الحالية بما تجسده من رد فعل اجتماعي طبيعي ومتوقع يحاول أن يقف في وجه العاصفة ,ولعل هذا ما يفسر تركيز الحركة الحتجاجية علي تغيير السياسات القائمة وما يكتنفها من ملبسات يري البعض أنها جنايات. وبعد نشر مقال السبوع الماضي تشرفت باتصالت عديدة من خبراء ومسئولين يعملون بالشركة أو كانوا يعملون بها أو يعملون بشركات وجهات غيرها ,واتفق خللها الجميع علي ضرورة النظر لهذه الحركة الحتجاجية كجرس إنذار يفرض إعادة النظر في مجمل
السياسات المطبقة بقطاع التصالت ككل ,وكان النقاش الكبر في هذا الصدد مع عدد من مسئولي الجمعية العلمية لمهندسي التصالت ,وهي الجمعية التي يقف الكثير من قادتها وناشطيها علي رأس الحركة الحتجاجية للشركة ,وقد طلبت من الجمعية بلورة موقفها تجاه السياسات السائدة بقطاع التصالت ,ليعرف الرأي العام كيف كان ما يجري خلل السنوات العشر الماضية مقدمة لما يحدث حاليا من احتجاج. وصلتني بعد ذلك رسالة من الجمعية بهذا الخصوص ,عادت بالمور إلي منتصف سبعينيات القرن الماضي ,حينما كانت السياسات المطبقة بالقطاع ـ ومن ثم الشركة ـ في ذلك الوقت تدرك أهمي تصنيع الجهزة ومعدات الشبكات والسنترالت محليا ,في إطار نموذج تنموي يعتمد علي تعميق المشاركة المحلية في التصنيع ,وفي ظل هذه السياسات تم إنشاء مصنع المعصرة لنتاج معدات السنترالت الميكانيكية الوتوماتيكية بتكنولوجيا سويدية وفي 79قام الدكتور مصطفي خليل بعقد ما يسمي باتفاقية القرن بتمويل من بنوك أمريكية وأوربا الغربية ,لحلل وتحديث ونشر شبكات التصالت في مصر وتم إدخال السنترالت الليكترونية في 82والخدمات المصاحبة وفي 87السنترالت الرقمية ,وفي سنة 93تم إنشاء مصنع اجتي لتصنيع معدات وأجهزة الشبكات والتوسع في المعدات والجهزة الرقمية ,و كذلك تم إنشاء الشبكة القومية لنقل المعلومات وقامت بإنشاء شبكات نقل المعلومات بين البنوك الرئيسية في مصر والجهات السيادية ومشروع الرقم القومي ,وفي 96أنشأت المصرية للتصالت أول شبكة محمول في مصر. والثابت تاريخيا أن الدارة التي عملت تحت ظلل هذه السياسات استطاعت أن تسدد القروض التي استدانتها الشركة أو الهيئة وقتها ,وتبدأ في تمويل خطط الحلل والتجديد والتحديث ذاتيا ,بل ويتوفر لديها فائض تحوله للميزانية العامة للدولة للمساهمة في تمويل الخط الول لمترو النفاق. وقبيل مجيء أحمد نظيف بقليل إلي وزارة التصالت كان قطاع التصالت قد بدأ يشهد تغييرا في السياسات القائمة والنموذج التنموي المرتبط بها ويضع محلها سياسات جديدة, فقد بدأ التخلي بسرعة عن التصنيع المحلي للجهزة ومعدات الشبكات ,مع العمل علي تقليص دور الدولة ــ ممثلة في الشركة المصرية للتصالت ـ في تقديم خدمات التصالت, وكانت الخطوة الولي البارزة التي جسدت السياسات الجديدة هي إجبار الشركة علي بيع شركة المحمول الولي للقطاع الخاص ,واستخدمت في ذلك دعاوي الخصخصة ,ثم أعقب ذلك سلسلة من الخطوات التي حرمت الشركة من ممارسة دورها ,وكان المثال البرز أن الشركة في عام 99كانت قد قاربت علي تنفيذ مشروع لتقديم خدمات النترنت في مصر كلها ,لكن نظيف ـ وتطبيقا للسياسات الجديدة التي جاء بها ـ اتخذ قرارا بإيقاف المشروع وقام عقيل وفريقه بالتنفيذ ,وقد اعترف الدكتور طارق كامل فيما بعد بأن دواعي إيقاف المشروع كانت سياسية وليست فنية ,وكان يقصد بذلك إعطاء الفرصة لنشاء شركات متوسطة وصغيرة قطاع خاص تقوم بخدمات التصالت الجديدة ,وأنه لبد من تعطيل المارد الكبير المسمي المصرية للتصالت حتي تقف هذه الشركات الصغيرة وتستطيع المنافسة وكانت خطيئة كبري في حق الشركة. أطلقت السياسات الجديدة يد القطاع الخاص بدون آليات للمحاسبة وترشيد الداء ,ففي كل أنحاء العالم جري تقييد القطاع الخاص بمعايير الجودة وأداء اللتزامات الجتماعية والنفاق من مدخراته بصورة أساسية ,وترك المنافسة مفتوحة وطبيعيه بينه وبين المشغل الساسي لنشطة التصالت ,ولكن في مصر لم يحدث هذا المر ,واستطاع القطاع الخاص تعظيم فوائده من هذه السياسات بأقل قدر ممكن من القيود واللتزامات. وأبرز ما خلفته هذه السياسات أنها أنشأت لوبي قوي يرتبط بالشركات والكيانات العالمية الكبري ويعمل كمسوق وبائع لمنتجاتها وخدماتها وخبراتها بالداخل وهذا اللوبي له جناح ظاهر في القطاع الخاص وجناح خفي في الحكومة والمؤسسات الرسمية ,ول يأبه كثيرا ببناء القدرات الوطنية المستقلة في هذا المجال ,كما سمحت لهذا اللوبي بأن يشتط ويتطرف في التخلي عن مسئولياته في بناء القدرات الوطنية ,حتي تحول قطاع التصالت وتكنولوجيا المعلومات إلي قطاع يضخ في خزانة الدولة أموال من رسوم الجباية والصادرات
الضئيلة من هنا وهناك ,لكنه يعود ويستنزف من مواردها أضعاف ما يقوم بضخه من أموال في صورة نظم ومنتجات ومعدات مستوردة ,فالرقام تقول أن واردات مصر من الخارج تصل الي 36مليار دولر ,ستة مليارات منها في القطاع التصالت وتكنولوجيا المعلومات ,أما النفاق الداخلي علي التصالت فيبلغ 35مليارا ناتجة من الستهلك عبر 77مليون خط, واغلب هذه القيمة تذهب للشركات ويحول الجزء الكبر منها للخارج بحكم نسبة ملكية راس المال الجنبي ومساهماته في القطاع ,أي أن قطاع التصالت في التحليل الخير يستنزف من العرق والجهد والمدخرات المصرية في صورة واردات تتجاوز صادراته وما يحققه من دخل بأكثر من أربعة أضعاف ,كما يستنزف قدرا آخر من المدخرات الوطنية في صورة أرباح تحققها الشركات الجنبية علي أرض مصر وتحولها للخارج دون أن تكون مقيدة بما يكفي بآليات وأدوات ترشيد الداء والمسئولية الجتماعية الحقيقية. ولو نظرنا إلي ما يستوعبه قطاع التصالت من قوي عاملة نجده يستوعب %2من قوة العمل في مصر في حين أن المتوسط العالمي للقدرة الستيعابية لهذا القطاع تصل إلي حوالي %10عمالة مباشرة و %10أخري عمالة غير مباشرة ,وعند مقارنته بالقطاعات الخري نجد أن قطاع الزراعة مثل يستوعب %17من حجم قوة العمل الموجودة ,والفرق بين وارداته وصادراته 3.7مليار جنيه طبقا لحصاءات ,2009أما قطاع التصالت فيستوعب %2من قوة العمل وتصل وارداته إلي ستة مليارات وصادراته إلي ما دون المليار بقليل لن الرقام حول صادراته غير متفق عليها بصورة كاملة. وخلصة ذلك أن ما يقال عن أن السياسات القائمة قد جعلت من قطاع التصالت قطاعا إنتاجيا هو قول يكتنفه كثير من الشك وعدم المصداقية ,لنه ببساطة ل يوجد إنتاج حقيقي مؤثر في هذا القطاع ,وينطبق ذلك بصورة مؤلمة وواضحة علي الشركة المصرية للتصالت التي يكرر قادتها مرارا أنها تحقق أرباحا تتجاوز المليار ,في حين أن استخدام معايير تقييم موضوعية من منظور تنموي مختلف يقلب المور رأسا علي عقب ويظهر أن هذه أرقام خادعة. كان هذا فحوي ما تضمنته رسالة الجمعية العلمية لمهندسي التصالت من أفكار ووقائع, وهي رسالة تؤكد مع غيرها من الملبسات أن القضية في المصرية للتصالت ومن ورائها القطاع ككل هي قضية سياسات وليست مرتبات ,فالمر يحتاج إلي إعادة النظر في النموذج التنموي المتبع داخل القطاع طوال السنوات الماضية ,ول شك أن الثورة والتغيير الكبير الذي حدث بعدها يعد فرصة مواتية لعادة النظر في هذه السياسات ,وتبني سياسات جديدة تنقلنا من اللهفة علي الستيراد إلي الصبر علي النتاج ,ومن التلذذ بالتجارة إلي الرضا بالتصنيع ,ومن الفهلوة والسمسرة إلي العمل المحترف المنتج ,ومن النبطاح أمام نهم رأس المال الخاص الطفيلي ورغباته الجامحة إلي رعاية قطاع خاص رشيد ,ومن التبعية إلي الستقلل ومن التباع الذي يكب الوجوه علي الرض إلي البداع الذي يرفع الرؤوس ويطيل العناق.