Skip to main content

تبين 18 حسين بوكبر مفهوم المجتمع المدني عند ميشيل فوكو، بين تقنيات الحكم وإمكان المقاومة

Page 1

‫‪21‬‬ ‫حسين يوسف بوكبر‬

‫* ‬

‫**‪Hussain Bokubar‬‬

‫مفهوم المجتمع المدني عند ميشيل فوكو‬ ‫بين تقنيات الحكم وإمكان المقاومة‬ ‫‪Michel Foucault’s Concept of Civil Society‬‬

‫‪Between Technologies of Rule and Possibilities of Resistance‬‬ ‫وغالبا ما ُينظر إلى المجتمع المدني‬ ‫ملخص‪ :‬إن عالقة المجتمع المدني بالدولة عالقة ملتبسة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫على أنــه يمثل المقابل أو النقيض اإليـجــابــي لسلطة الــدولــة وهيمنتها‪ ،‬بــل وقمعها‪ ،‬كما يظهر‬ ‫ذلك بوضوح في النظريات السياسية الليبرالية‪ ،‬الكالسيكية منها والجديدة؛ إذ تفترض خطابات‬ ‫متعاليا عــن الـصــراعــات الـتــاريـخـيــة‪ .‬لـكــن الـمـمــارســة الفعلية‬ ‫المجتمع الـمــدنــي الليبرالية وج ــو ًدا‬ ‫ً‬ ‫للسلطة ال تنحصر فــي سـيــاق الــدولــة والـمــؤسـســة الـسـيــاسـيــة الــرسـمـيــة‪ ،‬بــل إن المجتمع المدني‬ ‫مميزا لممارسة السلطة‪.‬‬ ‫ُيعتبر مكانًا ً‬

‫تحاول هذه الدراسة البحث في إشكالية عالقة المجتمع المدني بالدولة والحكم والمقاومة‪،‬‬ ‫وذل ــك مــن خ ــال دراس ــة الـتـحـلـيــات الـجـنـيــالــوجـيــة لـمـفـهــوم الـمـجـتـمــع الـمــدنــي عـنــد الـفـيـلـســوف‬ ‫الفرنسي ميشيل فوكو في دروسه التي قدمها في كوليج دو فرانس‪.‬‬ ‫الكلمات المفتاحية‪ :‬المجتمع المدني‪ ،‬الليبرالية‪ ،‬الليبرالية الجديدة‪ ،‬الجنيالوجيا‬

‫‪Abstract: Civil society/State-relationship is ambiguous, often seen as‬‬ ‫‪representing the counterpart or positive antithesis to state power, dominance and‬‬ ‫‪oppression. This is apparent in the political theories of liberalism in both its‬‬ ‫‪classic and modern forms, since liberal discourses assume that civil society has‬‬ ‫‪an existence that transcends historical conflicts. However, the actual practices‬‬ ‫‪of power are not only played out in the context of the state and the official‬‬ ‫‪political institutions, civil society too is an excellent arena for the exercise of‬‬ ‫‪power. This study examines the problematic civil society issues by means of the‬‬ ‫‪genealogies of its concept as considered by French philosopher, Michel Foucault‬‬ ‫‪in his lectures at the Collège de France.‬‬ ‫‪Keywords: Civil Society, Liberalism, Neo-Liberalism, Genealogy‬‬ ‫* باحث مستقل‪ .‬حاصل على درجة ماجستير في الفلسفة السياسية المعاصرة من جامعة الكويت‪.‬‬

‫‪** Independent Researcher with an MA in Contemporary Political Philosophy from Kuwait University.‬‬


‫‪22‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫«ليس دور المثقف هو أن يقول لآلخرين ماذا يتعين عليهم‬ ‫فعله‪ ،‬وبأي حق سيفعل ذلك؟ تذكروا كل النبوءات والوعود‬ ‫واألوامر والبرامج التي كان للمثقفين أن يصوغوها خالل القرنين‬ ‫األخيرين‪ ،‬والتي رأينا اآلن آثارها‪ .‬ليس عمل المثقف هو أن‬ ‫يشكل إرادة اآلخرين السياسية‪ ،‬وإنما يكمن عمله في التحليالت‬ ‫التي يقوم بها لميادين هي ميادينه‪ ،‬وفي إعادة مساءلة البديهيات‬ ‫والمسلمات‪ ،‬وزعزعة العادات وطرق العمل والتفكير‪ ،‬كما‬ ‫يكمن في تبديد األمور المألوفة المقبولة‪ ،‬وإعادة النظر في‬ ‫القواعد والمؤسسات‪ ،‬مع المساهمة‪ ،‬انطال ًقا من عملية إعادة‬ ‫األشكلة‪ ،‬في تشكيل إرادة سياسية»‪.‬‬ ‫ميشيل فوكو‬ ‫في حوار مع مجلة ‪Magazine Litteraire‬‬ ‫أيار‪/‬مايو ‪1984‬‬

‫مقدمة‬ ‫ي ـح ـظــى م ـف ـهــوم ال ـم ـج ـت ـمــع ال ـم ــدن ــي ف ــي ال ـت ـح ـل ـيــات ال ـس ـيــاس ـيــة ف ــي ال ـس ـي ــاق ال ـع ــرب ــي بــان ـت ـشــار‬ ‫واســع؛ إذ ُينظر إلــى هــذا المجتمع كحقيقة متعالية عــن االشـتـبــاكــات السلطوية‪ ،‬بــل وباعتباره‬ ‫غالبا ما ُينظر‬ ‫يمثّل القوة المضادة لسلطة الدولة وتمددها على حساب المؤسسات المدنية‪ .‬بناء عليه‪ً ،‬‬ ‫إلــى المفهومين بكيفية مـتـعــاكـســة؛ فكلما كــان المجتمع الـمــدنــي قــو ًيــا‪ ،‬ضعفت سـيـطــرة الــدولــة‪ ،‬وكلما‬ ‫كانت قبضة الدولة قوية‪ ،‬ضعف هذا المجتمع وأصبح تاب ًعا وخاض ًعا لسيطرة الدولة‪ .‬والتعامل مع هذا‬ ‫المفهوم‪ ،‬الذي جاء إلينا من الغرب جاه ًزا في السياق العربي‪ ،‬يحتاج إلى تفكيك لـ «حالة االستهالك‬ ‫الــرائــج لمفهوم المجتمع المدني‪ ،‬والتعامل معه جــاهـ ًزا من المنتج إلــى المستهلك‪ .‬وقــد انتشر تعامل‬ ‫صنمي ‹فتيشي› مع هذا المفهوم إلى درجة نزعت منه قدرته التفسيرية ومفعوله النقدي»(((‪.‬‬ ‫والحال أننا نقف عند حدود مفهو ٍم غربي ينتمي إلى قرنين ماضيين من الزمان‪ ،‬وقد تعرض في الغرب‬ ‫لتحوالت كثيرة أعطته دالالت جديدة تختلف عن القسمة الساذجة الشائعة بين الدولة باعتبارها مصدر‬ ‫الشر‪ ،‬والمجتمع المدني بوصفه مصدر الخير‪.‬‬ ‫هنالك إ ًذا ضرورة لفهم السياق التاريخي والجغرافي لظهور هذا المفهوم وتحوالته في الحداثة الغربية‬ ‫منذ الـقــرن الثامن عشر‪ ،‬وذلــك فــي سبيل المحاولة الستعادة قــدراتــه النقدية والتفسيرية بعد أن تحول‬ ‫إلى مجرد أيديولوجيا سياسية‪ .‬من هذا المنطلق‪ ،‬نقوم في هذه الدراسة بتناول التحليالت الجنيالوجية‬ ‫التي قام بها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في الدروس التي قدمها في كوليج دو فرانس في أواخر‬ ‫سبعينيات الـقــرن الـمــاضــي‪ ،‬والـتــي اكـتـمــل نـشــرهــا مــؤخـ ًـرا؛ إذ يـقــوم فــوكــو‪ ،‬وفـ ًقــا لمنهجيته الجنيالوجية‪،‬‬ ‫بتفكيك العالقة بين المجتمع المدني والدولة عن طريق تفكيك المقوالت الكلية في الفلسفة السياسية‪،‬‬ ‫((( عزمي بشارة‪ ،‬المجتمع المدني‪ :‬دراسة نقدية‪ ،‬ط ‪( 6‬بيروت‪ :‬المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات‪ ،)2012 ،‬ص ‪.7‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪23‬‬

‫ومن أهمها مقولة المجتمع المدني‪ ،‬وذلك في سياق تحليله األنظمة السياسية الليبرالية الغربية وتاريخ‬ ‫وتحول العقالنيات المرتبطة بكل‬ ‫نشأتها‪ ،‬ضمن إطار مفهوم «سياسة الحكم» (‪)Governmentality‬‬ ‫ّ‬ ‫سياسة وفن من فنون الحكم‪ .‬من هنا ُيبين فوكو أن المجتمع المدني ليس له هذه الصورة المثالية التي‬ ‫خاضعا‪ ،‬أيـ ًـضــا‪ ،‬لسيطرة الــدولــة‪ ،‬ببساطة ألن الــدولــة ‪-‬‬ ‫تفصله عن سلطة الــدولــة‪ .‬لكنه‪ ،‬مع ذلــك‪ ،‬ليس‬ ‫ً‬ ‫مثلها مثل المجتمع المدني ‪ -‬مجرد أثر للممارسة السلطوية المنتشرة‪.‬‬ ‫وفـ ًقــا لنظرية فــوكــو فــي السلطة الـمـنـتـشــرة فــي الـجـســد االجـتـمــاعــي‪ُ ،‬يـ َـعـ ّـد المجتمع الـمــدنــي مــوقـ ًعــا ممي ًزا‬ ‫لـمـمــارســة الـسـلـطــة وال ـح ـكــم‪ ،‬أو مــا يـسـمـيــه ق ـيــادة الـسـلــوك (‪ .)Conduct of Conduct‬وه ــذا مــا يـطــرح‬ ‫إشـكــالـيــة الـمـقــاومــة؛ إذ كـيــف يـمـكــن أن ُت ـمــا َرس الـمـقــاومــة فــي ظــل سـلـطــة مـيـكــروفـيــزيــائـيــة؟ وقـبــل ذلــك‪،‬‬ ‫كـيــف ت ـكــون ه ــذه ال ـم ـقــاومــة جـ ــز ًءا مــن ن ـظــام الـسـلـطــة فــي فـلـسـفــة فــوكــو؟ إن فــوكــو ال يـتــركـنــا ه ـكــذا أمــام‬ ‫يسميه القيادة المضادة‬ ‫جبرية سياسية‪ ،‬بــل يفتح إمكانية المقاومة فــي السياق االجتماعي ذاتــه فــي مــا ّ‬ ‫)‪ ،)Counter-Conduct‬ومــا طــرحــه مــن تحليالت فــي أعـمــالــه األخـيــرة فــي بــدايــات الثمانينيات يشكل‬ ‫نافذة البتداع ذاتية جديدة منعتقة من التذويت )‪ )Subjectification‬الماثل‪ ،‬من خالل العناية بالذات‬ ‫وقيادتها‪ ،‬ومنها قيادة اآلخــريــن‪ .‬ومــع أن تحليالت فوكو األخيرة هــذه نحت نحو وجهة مختلفة‪ ،‬وهي‬ ‫الوجهة األخــاقـيــة‪ ،‬فإنها تجد جــذورهــا فــي تحليالت الفيلسوف السياسية فــي حقبة السبعينيات‪ ،‬في‬ ‫أعمال مثل المراقبة والمعاقبة وإرادة المعرفة‪ ،‬حين ّبين فوكو الطبيعة اإلنتاجية للسلطة‪ ،‬وكذا الطبيعة‬ ‫اإلنتاجية للمقاومة‪.‬‬ ‫ال شــك فــي أن ال ـم ـف ـهــوم‪ ،‬أي م ـف ـهــوم‪ ،‬هــو ج ــزء مــن س ـيــاق تــاري ـخــي ويـخـضــع بـشـكــل أو بــآخــر لـشــرطــه‬ ‫تفسيرا للحظة التاريخية المنبثق عنها‪ .‬لذلك‪ ،‬يجب التعاطي مع‬ ‫التاريخي‪ ،‬مع أنه يقدم في الوقت ذاته‬ ‫ً‬ ‫مفسرة ولكنها مع ذلك خاضعة للتفسير في الوقت نفسه‪ .‬وفي هذا‬ ‫المفاهيم من هذه الزاوية بوصفها ِّ‬ ‫السياق‪ ،‬يبدو السؤال الذي يطرحه عزمي بشارة في كتابه المجتمع المدني‪ :‬دراســة نقدية بشأن القيمة‬ ‫وملحا‪ ،‬إذ أصبح المفهوم ُيستخدم منطلقًا معيار ًيا بعدما‬ ‫التحليلية لمفهوم المجتمع المدني محقًا‪ ،‬بل‬ ‫ًّ‬ ‫كــان أداة تحليلية هدفها الــوصــول إلــى الدقة والمتانة التحليلية‪ ،‬فـإلى ّ‬ ‫«أل يقود ذلــك إلــى انتقاص من‬ ‫قدرته التحليلية؟»(((‪.‬‬ ‫موقعا يعاد اكتشافه وتوجيهه وقولبته أدا ًة في البرامج الحكومية‬ ‫نعم‪ ،‬بالتأكيد‪ ،‬أصبح المجتمع المدني‬ ‫ً‬ ‫أساسيا للنظرية االجتماعية النقدية‪ ،‬وهو ما يفرض‬ ‫والبرامج السياسية‪ ،‬بعد أن كان أداة نظرية ومفهو ًما‬ ‫ً‬ ‫تحديات جدية للتحليل االجتماعي(((‪.‬‬ ‫ً‬ ‫تحليل لمفهوم المجتمع المدني يختلف عن التحليل السياسي‬ ‫لعل ما يميز هذه الدراسة كونها تطرح‬ ‫كثيرا مــن المفكرين والمثقفين الـعــرب مــا زال يــراوح في‬ ‫السائد فــي السياق الـحـضــاري الـعــربــي؛ إذ إن ً‬ ‫التعاطي مع هذا المفهوم إما من خالل الرؤية الليبرالية الكالسيكية اآلتية من القرن الثامن عشر‪ ،‬وإما‬ ‫((( المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.45‬‬

‫‪(3) Mitchell Dean and Kaspar Villadsen, State Phobia and Civil Society: The Political Legacy of Michel Foucault‬‬ ‫‪(Stanford, CA: Stanford University Press, 2016), p. 6.‬‬


‫‪24‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫مــن خــال الـتـمــاهــي مــع الـطــرح الـلـيـبــرالــي الـجــديــد‪ ،‬بينما ُقــدمــت فــي فـضــاء نـشــأة هــذا الـمـفـهــوم‪ ،‬أي في‬ ‫السياق الحضاري الغربي‪ ،‬أعمال نقد تفضح الممارسة الليبرالية‪ ،‬وتكشف عن الذراع السلطوية التي‬ ‫تضع يدها في المجتمع المدني بقدر ما تتسلل إلى سلطة الدولة‪.‬‬ ‫نسبيا‬ ‫نسبيا فــي مـقــاربــة المجتمع الـمــدنــي‪ ،‬ونـقــول ً‬ ‫تـهــدف هــذه الــدراســة إلــى عــرض وجـهــة نـظــر جــديــدة ً‬ ‫ألن مــن الـمـ َّ‬ ‫ـؤكــد أن فــوكــو لـيــس الـشـخــص الــوحـيــد ال ــذي أش ــار إلــى طبيعة الـمـجـتـمــع الـمــدنــي الـمـعـ َّقــدة‪،‬‬ ‫لكن وجه الجدة هنا يتعلق بارتباط هذا المفهوم باإلطار العام لنظرية فوكو للسلطة ‪ -‬معرفة‪ ،‬وال سيما‬ ‫أن مـقــاربــة فــوكــو للمجتمع الـمــدنــي بــدأت تشغل اآلن حـيـ ًزا كـبـيـ ًـرا مــن الــدراســات الـفــوكــويــة‪ ،‬نتيجة نشر‬ ‫دروس الفيلسوف األخـيــرة‪ ،‬وبالتحديد دروس سنة ‪( 1979‬مــولــد السياسة الـحـيــويــة)؛ حيث أفــرد فوكو‬ ‫الدرس األخير من سلسلة دروس تلك السنة لتحليل مفهوم المجتمع المدني في إطار الفكر الليبرالي‬ ‫الكالسيكي‪ ،‬وعند آدم فيرغسون على وجه التحديد‪ .‬ومن الجدير بالذكر أن نشر دروس السنة المذكورة‬ ‫ً‬ ‫تحول‪،‬‬ ‫أحدث ردود فعل كبيرة ومتناقضة حيال موقف فوكو من الليبرالية؛ إذ رأى فيه بعض الدارسين‬ ‫بل افتتانًا بنمط الحكم الليبرالي(((‪ ،‬بينما اعتبر آخــرون أن أطروحات فوكو فيه ُت َع ّد من أقــوى األعمال‬ ‫النقدية المقدمة لألنظمة الليبرالية(((‪ .‬وفي الحقيقة‪ ،‬إن نقد فوكو نموذج المجتمع المدني الليبرالي‪ ،‬كما‬ ‫نقده اإلنسان االقتصادي في الــدرس السابق مباشرة على الــدرس الذي قدمه حول المجتمع المدني‪،‬‬ ‫يسميه فوبيا الدولة التي تعمل التيارات الفكرية الليبرالية على نشرها‪ ،‬وتحديد‬ ‫وتفكيكه قبل ذلك ما ّ‬ ‫منهجية الـبـحــث الـتــي يـعـتـمــدهــا‪ ،‬والـتــي تــرفــض الـمـقــوالت الـكـلـيــة‪ ،‬كــل ذلــك يـشـكــل‪ ،‬فــي تـصــورنــا‪ ،‬نـقــدً ا‬ ‫ٍ‬ ‫تفكيك لمقوالت التنوير مثل مقولة العقل ومقولة‬ ‫محكما للخطابات الليبرالية‪ ،‬يستكمل ما قام به من‬ ‫ً‬ ‫الحرية ومقولة الفرد التي يقوم عليها الخطاب الليبرالي في نظرية العقد االجتماعي‪ ،‬حيث كشف عن‬ ‫اآللـيــات السلطوية االنضباطية التي شكلت هــذا الـفــرد الــذي ليس هــو فــي النهاية إال صنيعة سلطوية‪.‬‬ ‫خصوصا إذا أخذنا في االعتبار تصريح فوكو بأن دراسته سياسات الحكم الغربية‬ ‫ويتجلى هذا النقد‬ ‫ً‬ ‫كانت مدفوعة بنقد المجتمع المدني‪ .‬وبالتالي‪ ،‬ليس هذا المجتمع بري ًئا من العالقات السلطوية‪ ،‬إنما‬ ‫هو أحد الفضاءات المفضلة لممارسة عالقات السلطة(((‪.‬‬ ‫إن مــا جــرى فــي الـفـتــرة األخ ـيــرة مــن نـشـ ٍر لسلسلة ال ــدروس الـكــامـلــة((( الـتــي ألـقــاهــا فــوكــو فــي سبعينيات‬ ‫غير طريقة التعامل مع فوكو؛ فبعد أن كان ُينظر إلى التعامل في بعض‬ ‫القرن الماضي وبداية ثمانينياته ّ‬ ‫‪(4) Daniel Zamora and Michael C. Behrent (eds.), Foucault and Neoliberalism (Malden, MA: Polity Press, 2016), p. 3..‬‬ ‫‪(5) Vanessa Lemm and Miguel Vatter (eds.), The Government of Life: Foucault, Biopolitics, and Neoliberalism (New‬‬ ‫‪York: Fordham University Press, 2014), pp. 1-2.‬‬ ‫‪(6) Michel Foucault, The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France, 1978-1979, Edited by Michel Senellart‬‬ ‫‪; General editors, Francois Ewald and Alessandro Fontana; Translated by Graham Burchell (New York : Palgrave‬‬ ‫‪Macmillan, 2008), pp. 291-316.‬‬

‫((( اكتمل نشر دروس ميشيل فوكو في الكوليج دو فرانس بنشر آخر درس تحت عنوان «النظريات والمؤسسات العقابية»‪ ،‬وذلك‬ ‫فــي أيــار‪/‬مــايــو ‪ ،2015‬عــن دار غــالـيـمــار الـفــرنـسـيــة الـشـهـيــرة‪ .‬وقــد ُتــرجـمــت ال ــدروس كـلـهــا إلــى الـلـغــة اإلنـكـلـيــزيــة مــا عــدا ال ــدرس األخـيــر‬ ‫المذكور‪ .‬وكان آخر درس ترجم إلى اإلنكليزية هو المجتمع العقابي عن دار بالغريف ماكميالن في سنة ‪ ،2015‬ونقل الزواوي بغورة‬ ‫درس يجب الدفاع عن المجتمع إلى العربية في سنة ‪ 2003‬عن دار الطليعة للطباعة والنشر‪.‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪25‬‬

‫الـتــأويــات عـلــى أنــه تـحـ ُّـول مــن التحليالت مــا بـعــد البنيوية الـتــي مـيــزت تحليالته للسلطة والـمـعــرفــة في‬ ‫الستينيات إلــى تحليالته الجنيالوجية‪ ،‬وانـتـهــاء بــاألجــزاء األخـيــرة لتاريخ الجنسانية الـتــي تــوجــه بها إلى‬ ‫الوجهة الجمالية واألخــاقـيــة للعناية بــالــذات‪ ،‬بــل وابتكارها أو خلقها‪ ،‬وبينما رأى بعض المعنيين أن‬ ‫واضحا اليوم‪ ،‬بدليل النصوص التي نُشرت‪ ،‬أنه‬ ‫ليبراليا‪ ،‬أضحى‬ ‫سياسيا‬ ‫فوكو أعاد تقديم نفسه فيلسو ًفا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تحول نحو مشكلة‬ ‫كان هناك بالفعل نوع من التحول في تحليالت فوكو في منتصف السبعينيات‪ ،‬لكنه ّ‬ ‫الحكم وسياسة الحكم‪ ،‬ال إلى النظرية الليبرالية‪ .‬وانطال ًقا من هذه المشكلة‪ ،‬ومن خالل مفهوم سياسة‬ ‫الـحـكــم‪ ،‬قـ ّـدم فــوكــو جنيالوجية لليبرالية بنسختيها الكالسيكية والـجــديــدة‪ .‬وال يمكن الـقــول أنــه بذلك‬ ‫ليبراليا‪ ،‬ألنــه ال يتناول الليبرالية كنظرية فلسفية وال حتى كأيديولوجيا سياسية ‪ -‬يرفض‬ ‫مفكرا‬ ‫أصبح‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فوكو مفهوم األيديولوجيا‪ -‬بل ينظر إليها كتقنية وفن من فنون الحكم‪ ،‬الحكم ليس بالمعنى التقليدي‬ ‫للنشاط السياسي وإنما بمعنى جديد يقدمه مع مفهوم التذويت‪ ،‬أي الــذات التي تصنعها السلطة في‬ ‫السياق االجتماعي‪ .‬لكن‪ ،‬مع ذلــك‪ ،‬من الممكن دائـ ًـمــا اإلفــات من هــذه الــذات بابتكار ذاتية جديدة‬ ‫وإنشائها‪ ،‬وبالتالي نفهم هنا إمكانية المقاومة ونفهم مقولة فوكو (حيثما توجد سلطة توجد مقاومة)‪،‬‬ ‫يسميه فوكو القيادة أو الحكم المضاد لقيادة أو حكم السلوك(((‪.‬‬ ‫أي ما ّ‬ ‫عــاوة عـلــى مــا تـقـ َّـدم‪ ،‬تـحــاول هــذه الــدراســة اإلجــابــة عــن األسـئـلــة الـتــالـيــة‪ :‬هــل المجتمع الـمــدنــي يحمل‬ ‫الصفة المثالية التي تصورها الخطابات الليبرالية؟ وإذا لم يكن له هذه الصفة‪ ،‬وإذا ما كان مجرد فضاء‬ ‫للممارسة السلطوية‪ ،‬أو مــا يسميه فــوكــو قـيــادة الـسـلــوك‪ ،‬فــأيــن يـكــون مـكــان الـمـقــاومــة؟ ومــا جــذور هذه‬ ‫األطــروحــات في فلسفة فوكو وكتاباته بشأن السلطة؟ وكيف يمكن المجتمع المدني‪ ،‬الــذي ليس هو‬ ‫أثرا لشبكة العالقات السلطوية كما الدولة‪ ،‬أقول كيف يمكنه أن يجمع بين قيادة السلوك والحكم‬ ‫إال ً‬ ‫والـقـيــادة المضادة والمقاومة؟ أي كيف يفتح ثغرة للمقاومة؟ وكيف يرتبط المجتمع المدني بسياسة‬ ‫الحكم الليبرالية؟ هــل المجتمع الـمــدنــي كما الـحــريــة بالنسبة إلــى سياسة الحكم الليبرالية مـجــرد أداة‬ ‫وتقنية حكم؟ وقبل ذلك‪ ،‬ما هي الليبرالية بالنسبة إلى فوكو؟ كيف يمثّل نقد فوكو للمجتمع المدني‬ ‫نقدً ا للمقوالت السياسية التقليدية التي تنطلق من الــدولــة كما في فلسفة توماس هوبز‪ ،‬وضــد الدولة‬ ‫كما في فلسفة ماركس؟ وكيف يستمر فوكو في نقد المقوالت الليبرالية من نقد الفرد والحرية والعقل‬ ‫ودولة الحد األدنى‪ ،‬وهنا نقد المجتمع المدني‪.‬‬ ‫نوعا من التكامل واالستمرارية‪ ،‬من خالل فتحها ثغرة‬ ‫إننا نزعم في هذه الدراسة أن في تحليالت فوكو ً‬ ‫في سياسة الحكم الليبرالية لالنعتاق من التذويت‪ .‬بناء عليه‪ ،‬سنقسم البحث إلــى ثالثة أقسام‪ :‬نقوم‬ ‫في القسم األول بتحليل مفهوم المجتمع المدني في الخطابات الليبرالية‪ ،‬ثم نوضح في القسم الثاني‬ ‫تحليالت فوكو التفكيكية حولها‪ ،‬ونبحث في القسم الثالث في إمكانية المقاومة في ظل التحليالت‬ ‫الفوكوية‪ ،‬وننتهي إلــى خاتمة نوضح فيها النتائج التي توصلنا إليها‪ .‬وسنعتمد فــي ذلــك على تحليل‬ ‫نصوص الفيلسوف ‪ -‬مع التركيز على تلك الدروس التي قدمها في كوليج دو فرانس – للبحث في تلك‬ ‫الفرضية‪ ،‬مع االستعانة ببعض المراجع التي ال غنى عنها‪.‬‬ ‫‪(8) Lemm and Vatter (eds.), p. 1.‬‬


‫‪26‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫المجتمع المدني في الخطاب الليبرالي‬ ‫تـنــاول فوكو بالتحليل سياسة الحكم الليبرالية فــي التاريخ الجنيالوجي الــذي قدمه لسياسات الحكم‬ ‫فــي الـغــرب‪ ،‬وذلــك كــإطــار عــام لفهم نــوع مــن السلطة سـ ّـمــاه السلطة الـحـيــويــة؛ إذ إن الـلـيـبــرالـيــة ليست‪،‬‬ ‫باالستناد إلى فوكو‪ ،‬نظرية اقتصادية وال حتى أيديولوجيا سياسية‪ ،‬لكنها فن من فنون حكم الشعوب‬ ‫بوصفها مجموعات من السكان بل وكائنات بشرية‪ ،‬وذلك كله باسم تعزيز الحياة والعمل على تنميتها‬ ‫بتقنيات مختلفة‪ ،‬منها االهتمام بتعزيز الصحة‪ ،‬والعمل على الكشف عن مواضع الخلل فيها عن طريق‬ ‫اإلحصاءات والديموغرافيا المتعلقة بمعدالت المواليد والوفيات وغيرها‪ .‬يقول فوكو‪:‬‬ ‫من هذا المنظور‪ ،‬وباالستمرار في تحليل سياسة الحكم الليبرالية‪ ،‬أريد أن أبين كيف تظهر‬ ‫الليبرالية وكـيــف تنعكس عـلــى نفسها؛ كـيــف تـقــدم فــي اللعبة السياسية وكـيــف تحلل نفسها‪،‬‬ ‫بــاخـتـصــار‪ ،‬كـيــف تـبــرمــج نفسها حــالـ ًـيــا‪ .‬وكـنــت قــد أشــرت إلــى مــا بــدا لــي أنــه الـسـمــات األولــى‪،‬‬ ‫إذا جاز التعبير‪ ،‬لسياسة الحكم الليبرالية كما ظهرت في أواســط القرن الثامن عشر‪ ،‬وبذلك‬ ‫ســأت ـجــاوز قــرنـيــن مــن الــزمــن لـسـبــب واض ــح هــو أن ـنــي ال أزع ــم أن ـنــي ق ــادر عـلــى ال ـق ـيــام بـتــاريــخ‬ ‫شامل ومتكامل ومستمر لليبرالية منذ القرن الثامن عشر حتى القرن التاسع عشر‪ .‬وأود فقط‬ ‫أن ألتقط وأوضــح‪ ،‬باالنطالق من الكيفية التي تبرمج سياسة الحكم الليبرالية نفسها‪ ،‬بعض‬ ‫المشكالت الـتــي تتكرر منذ الـقــرن الـثــامــن عشر وحـتــى الـقــرن الـعـشــريــن‪ ...‬وأتـمـنــى أن ّ‬ ‫نتمكن‬ ‫من دراســة مشكلة القانون والتنظيم بشكل صحيح‪ ،‬ومشكلة التعارض أو التقابل بين الدولة‬ ‫وأخيرا‪،‬‬ ‫والمجتمع المدني‪ ،‬أو باألحرى‪ ،‬الطريقة التي يوظف بها أو يستخدم هذا التعارض‪.‬‬ ‫ً‬ ‫إذا كـنــت مـحـظـ ً‬ ‫ـوظــا نـعــود إلــى مـشـكـلــة الـسـيــاســة الـحـيــويــة ومـشـكـلــة الـحـيــاة‪ .‬الـقــانــون والـتـنـظـيــم‪،‬‬ ‫الدولة والمجتمع المدني‪ ،‬وسياسة الحياة‪ ،‬هذه هي الموضوعات الثالثة التي أود أن أفرزها‬ ‫وأختارها من التاريخ الطويل والواسع لقرنين من الليبرالية(((‪.‬‬

‫يتبين مــن النص السابق أن غــرض فوكو ليس القيام ببحث تاريخي تفصيلي لليبرالية‪ ،‬وإنـمــا هــو فقط‬ ‫تحليل بعض القضايا واإلشكاليات التي تظهر في نمط الحكم الليبرالي‪ ،‬لماذا؟ ألن فوكو يضع هذه‬ ‫التحليالت خلفي ًة عامة تجلي مفهوم السياسة الحيوية أو السلطة الحيوية‪ .‬ويعتبر المجتمع المدني‬ ‫إحدى اإلشكاليات األساسية التي تساهم في توضيح نظريته في السلطة‪/‬معرفة‪ ،‬وال سيما في الخطابات‬ ‫الليبرالية بشأن الحقيقة‪.‬‬ ‫تاريخيا‪ ،‬بل إن داللته منذ القرن الثامن عشر‪ ،‬أو‬ ‫معنى ثابت‬ ‫في الواقع‪ ،‬ليس لمفهوم المجتمع المدني‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عما كانت عليه في السابق؛ فهو اتخذ‬ ‫تحديدً ا منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر‪ ،‬اختلفت تما ًما ّ‬ ‫فــي الخطابات الليبرالية الكالسيكية صفتين أساسيتين‪ :‬صفة الـقــوة الـمــوازيــة لـلــدولــة‪ ،‬وهــي التي تحد‬ ‫مقيدة عن طريق فاعلية مؤسسات المجتمع المدني‪ ،‬وصفة‬ ‫من سلطتها المقيدة والتي يجب أن تظل َّ‬ ‫التنظيمات الوسيطة‪« :‬فإذا كان المجتمع المدني يعني‪ ،‬في مكان معين‪ ،‬النزعة الجمهورية الدستورية‪،‬‬ ‫ويعني فــي مكان آخــر‪ ،‬الــروح الطوعية المحلية المدعومة بمعايير غير رسمية مــن التضامن والتعاون‬ ‫‪(9) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 78.‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪27‬‬

‫المتبادل‪ ،‬فإن كال التوجهين الفكريين يسعى ألن ينظر إلى المجتمع المدني بوصفه ميدانًا للفعل الحر‬ ‫تدخل سلطة الدولة»(‪.((1‬‬ ‫الديمقراطي الذي يحد من غلواء ّ‬ ‫وإذا ك ــان ــت ال ـن ـظــريــة ال ـل ـي ـبــرال ـيــة عـمـلــت ع ـلــى ف ـصــل الـمـجـتـمــع ال ـمــدنــي ع ــن ال ــدول ــة‪ ،‬مــان ـحــة إيـ ــاه عـلــى‬ ‫الـمـسـتــوى الـنـظــري‪ ،‬عـلــى األق ــل‪ ،‬اسـتـقــالـيــة يـجــب دو ًم ــا َصــونـهــا مــن تــدخــات الــدولــة‪ ،‬فــإن مــاركــس لم‬ ‫يــر فــي هــذا المجتمع إال شـبـكــة مــن الـعــاقــات االقـتـصــاديــة تــؤثــر فــي تشكيل الــدولــة تــأثـيـ ًـرا مـبــاشـ ًـرا‪ .‬كما‬ ‫أن فــوكــو يـكـشــف ‪ -‬كـمــا سـنـبـيــن فــي الـعـنـصــر الـمـقـبــل مــن هــذه الــدراســة ‪ -‬أن االف ـتــراض ال ــذي يـبــالــغ في‬ ‫الدور الذي تؤديه مؤسسات المجتمع المدني‪ ،‬كمؤسسة العائلة أو المنظمات التطوعية في الممارسة‬ ‫الديمقراطية‪ ،‬يتجاهل حقيقة مـفــادهــا أن هــذه الـمــؤسـســات ليست بعيدة عــن الـمـمــارســة السلطوية‪ ،‬في‬ ‫ظــل عــاقــات سـلـطــويــة مـنـتـشــرة عـلــى كــامــل الـجـســد االج ـت ـمــاعــي‪ .‬وبــال ـتــالــي‪ ،‬يـعـمــل فــوكــو‪ ،‬ال ــذي يهتم‬ ‫بــالـمـمــارســة الـسـلـطــويــة أك ـثــر م ــن اهـتـمــامــه بــالـمــؤسـســات الـسـلـطــويــة‪ ،‬عـلــى تــوضـيــح تـشــابــك الـتـعــريـفــات‬ ‫الـمـخـتـلـفــة لـلـمـجـتـمــع ال ـمــدنــي بـتـقـنـيــات وع ـقــان ـيــات تـتـعـلــق بـفــن مـعـ ّـيــن مــن ف ـنــون ال ـح ـكــم‪ ،‬أال وه ــو فن‬ ‫الحكم الليبرالي‪.‬‬ ‫تعددت دالالت مفهوم المجتمع المدني عند المفكرين والفالسفة الليبراليين‪ ،‬على الرغم من اتفاقهم‬ ‫على الخطوط الرئيسية‪ .‬من هنا‪ ،‬ال بد من إلقاء نظرة سريعة على هذا المفهوم عند هــؤالء الفالسفة‪،‬‬ ‫وعلى امتداد آرائهم إلى االتجاه الليبرالي الجديد‪ ،‬الذي عمل على إحياء ليبرالية القرن الثامن عشر؛‬ ‫فقد قدمت الحداثة الغربية‪ ،‬من خالل ارتباطها باألسواق القومية الناشئة‪ً ،‬‬ ‫بديل للتنظيم االجتماعي في‬ ‫العصر الوسيط‪ ،‬وبدأ يتشكل مفهوم جديد للمجتمع المدني يشتبك بالمصلحة الفردية والمنافسة‪ ،‬األمر‬ ‫الذي أدى إلى بروز قيمة الحرية في المجال االقتصادي‪ ،‬بل وفي المجاالت العلمية والثقافية العامة‬ ‫ً‬ ‫أيضا‪ .‬وال شك في أن ذلــك ترافق مع تطور الدولة المركزية الحديثة‪ ،‬و«ســرعــان ما قامت أيديولوجيا‬ ‫المجتمع المدني المناهضة لـلــدولــة‪ ،‬والقائمة على التنظيم الــذاتــي العفوي والخصوصية والمصلحة‬ ‫والنشاط الفعلي لتحقيق الذات باعتناق مبدأ السوق والدولة الليبرالية على نحو صريح»(‪.((1‬‬ ‫وقد ارتبط المجتمع المدني في الخطاب الليبرالي بمفهوم مختلف للطبيعة؛ إذ اختلف معنى الطبيعة‬ ‫عنه فــي العصور الوسطى التي كانت تنظر إلــى الحكم الجيد بأنه حكم يحترم النظام الطبيعي الــذي‬ ‫أوجــدتــه اإلرادة اإللـهـيــة‪ .‬ومــع ظـهــور الــدولــة الحديثة بمبرراتها ومسوغاتها وعقالنيتها‪ ،‬تـصـ ّـدر مفهوم‬ ‫الطبيعة من جديد كنقطة مرجعية للفعل السياسي‪ ،‬لكنه تحول في ظل الفيزيوقراط واالقتصاد السياسي‬ ‫ليشير إلــى عــاقــات الحياة وعــاقــات اإلنـتــاج فــي سياق المجتمع المدني‪ ،‬ومـثــال تحديد األسـعــار بنا ًء‬ ‫على طبيعية الـعــرض والطلب مثال جيد لتوضيح األمــر‪ .‬وقــد كــرس مفكرون‪ ،‬مثل آدم سميث وديفيد‬ ‫هيوم وفيرغسون‪ ،‬هذه األفكار‪ ،‬معتبرين أن على الحكومات أن تحترم مثل هذه الطبيعة(‪.((1‬‬ ‫(‪ ((1‬جــون إهرنبرغ‪ ،‬المجتمع الـمــدنــي‪ :‬الـتــاريــخ النقدي للفكرة‪ ،‬ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم؛ مراجعة فالح عبد الجبار‬ ‫(بيروت‪ :‬المنظمة العربية للترجمة‪ ،)2008 ،‬ص ‪.15‬‬ ‫(‪ ((1‬المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.367‬‬

‫‪(12) Lemm and Vatter (eds.), p. 62.‬‬


‫‪28‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫إن اخـتــاف دالالت مفهوم المجتمع المدني فــي نـطــاق النظرية الليبرالية عــزز مــن غـمــوض المفهوم‪،‬‬ ‫األمر الذي يعزوه فوكو إلى ارتباطه ‪ -‬أي المفهوم ‪ -‬بسياسة الحكم وتقنياتها‪ ،‬فلم يكن لهذا المجتمع‬ ‫هــذه الـصــورة المستقلة والمنفصلة سـيــاسـ ًـيــا وقــانــونـ ًـيــا عـنــد جــون لــوك مـثـ ًـا؛ إذ ال يـفــرق هــذا األخـيــر بين‬ ‫المجتمع السياسي والمجتمع المدني‪ ،‬بل يوحد بينهما‪ .‬كما ُيبين فوكو أن مفهوم المجتمع المدني‬ ‫بالنسبة إلى لوك كان يتكئ على بنية سياسية وقانونية‪ ،‬فالمجتمع المدني ليس إال مجموعة من األفراد‬ ‫يرتبطون فــي مــا بينهم بــربــاط قانوني وسـيــاســي(‪ .((1‬وعلى الــرغــم مــن مساهمة لــوك فــي تطوير االقتصاد‬ ‫ذاتيا‪ ،‬فإنه أبقى على عناصر الحق والقانون الطبيعي‪ ،‬فلم يرد الروابط االجتماعية‬ ‫المستقل والمنتظم ً‬ ‫(‪((1‬‬ ‫محدد للمجتمع المدني ‪ ،‬وفي هذه الحالة لم يأخذ‬ ‫إلى عالقات السوق‪ ،‬وظل يصف السياسة بأنها ّ‬ ‫المجتمع الـمــدنــي بـعــدُ الـصـفــة المستقلة عــن الــدولــة؛ إنــه مــا زال يتسم بـ ِـسـمــة االجـتـمــاع الـسـيــاســي الــذي‬ ‫معا‪.‬‬ ‫يجمع المجتمع والدولة في آن ً‬ ‫ـورا فــي فـكــرة الـمـجـتـمــع الـمــدنــي‪،‬‬ ‫وإذا رجـعـنــا إل ــى الـفـلـسـفــة الـلـيـبــرالـيــة فــي ال ـقــرن الـثــامــن عـشــر‪ ،‬نـجــد ت ـطـ ً‬ ‫ـوصــا فــي نصين مهمين آتـيـيــن مــن فــاسـفــة الـتـنــويــر االسـكـتـلـنــدي‪ ،‬نــص فـيــرغـســون (مـقــالــة فــي تــاريــخ‬ ‫خـصـ ً‬ ‫الـمـجـتـمــع ال ـمــدنــي) الـمـنـشــور سـنــة ‪ ،1767‬وال ــذي خـصــه فــوكــو بـتـحـلـيــل مــوســع فــي آخ ــر دروس «مــولــد‬ ‫الـسـيــاســة الـحـيــويــة»‪ ،‬ونــص سـمـيــث (ث ــروة األم ــم) ال ــذي نـشــره سـنــة ‪ ،1776‬حـيــث ب ــدأت تـتـبـلــور الـصــورة‬ ‫الجديدة للمجتمع المدني المنفصل عن الدولة‪ .‬في هذه اللحظة التاريخية ‪ -‬أي لحظة ظهور سياسة‬ ‫الحكم الليبرالية بعقالنيتها االقتصادية وإنسانها االقـتـصــادي ‪ -‬أخــذ مفهوم المجتمع المدني دالالت‬ ‫ومعاني جديدة تختلف عن الدالالت السابقة‪.‬‬ ‫انعكاسا لتقنية الحكم الـجــديــدة‪ ،‬أي سياسة‬ ‫يمثل المفهوم الجديد للمجتمع المدني إ ًذا استجابة أو‬ ‫ً‬ ‫الحكم الليبرالية وارتـبــاطـهــا بالنظام الــرأسـمــالــي‪ .‬وفــي الــواقــع‪ ،‬يــأخــذ هــذا المفهوم المعنى عينه لمعنى‬ ‫مفهوم األمة عن الفيلسوف سميث في كتابه ثروة األمم الذي درس فيه النواحي االقتصادية للمجتمع‪/‬‬ ‫األم ــة‪ .‬ويـنـطـلــق فــوكــو فــي تحليل هــذا المجتمع الـمــدنــي الـلـيـبــرالــي مــن نــص فـيــرغـســون الـمــذكــور أعــاه‪،‬‬ ‫والذي تم فيه تأطير اإلنسان االقتصادي الذي نجده عند سميث في إطار المجتمع المدني‪.‬‬

‫يحدد فوكو أربع سمات للمجتمع المدني عند فيرغسون‪ُ .‬أوالهــا النظر إلى المجتمع المدني بوصفه‬ ‫طبيعيا؛ فال وجــود للحظة تأسيسية لهذا المجتمع‪ ،‬فاالجتماع هو طبيعة بشرية ال يمكن‬ ‫تاريخيا‬ ‫ثاب ًتا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الـبـحــث عـمــا قبلها‪ ،‬وتــاريــخ اإلنـســان هــو دائـ ًـمــا تــاريــخ جـمـعــي‪ ،‬ويـجــب الـتـعــامــل مــع المجتمع الـمــدنــي؛‬ ‫ثــانـيـتـهــا كــون المجتمع الـمــدنــي توليفة أو تركيبة طبيعية عـفــويــة‪ ،‬وهــو مــا يرتبط مـبــاشــرة بالسمة األولــى؛‬ ‫إذ ال وج ــود لـعـقــد قــانــونــي حـقــوقــي مـصـطـنــع‪ ،‬وإذا ك ــان ثـمــة راب ــط فـهــو ال ــراب ــط االج ـت ـمــاعــي نـفـســه‪ ،‬بل‬ ‫والـتـعــاطــف االجـتـمــاعــي ال ــذي يـغـطــي الــروابــط الـحـقــوقـيــة والـمـصــالــح االقـتـصــاديــة أيـ ًـضــا‪ ،‬رغــم أن الــذات‬ ‫دورا مـهـ ًّـمــا فــي المجتمع الـمــدنــي‪ .‬ومــع ذلــك‪ ،‬يتبين أنــه كلما‬ ‫االقـتـصــاديــة والــرابــط االقـتـصــادي يــؤديــان ً‬ ‫ت ـقـ ّـوت الــراب ـطــة االقـتـصــاديــة ضـعـفــت الــراب ـطــة االجـتـمــاعـيــة‪ ،‬بـشـكــل أق ــرب إل ــى الـمـفــارقــة‪ ،‬لـتـكــون الــرابـطــة‬

‫‪(13) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 397.‬‬

‫(‪ ((1‬إهرنبرغ‪ ،‬ص ‪.170‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪29‬‬

‫االق ـت ـص ــادي ــة‪ ،‬بــال ـتــالــي‪ ،‬ع ـن ـصـ ًـرا ض ــرور ًي ــا ف ــي الـمـجـتـمــع ال ـمــدنــي لـكـنــه ف ــي ال ــوق ــت نـفـســه ي ـهــدد الــراب ـطــة‬ ‫االجتماعية‪ .‬وإذا كــان هوبز ولــوك نظرا إلــى المجتمع المدني بوصفه وسيلة مصطنعة لعقد اجتماعي‬ ‫غــايـتــه تحقيق المصلحة الـشـخـصـيــة‪ ،‬وتتحقق ضمانته عـبــر الـسـيــاســة‪ ،‬فــإن فـيــرغـســون يــرى أن المجتمع‬ ‫الـمــدنــي وكــل اجـتـمــاع بـشــري إنـمــا يـكــونــان بــدافــع مــن العاطفة وقــوة العقل اللتين تمثالن طبيعة إنسانية‬ ‫مـتــأصـلــة(‪ .((1‬يــريــد فـيــرغـســون‪ ،‬إ ًذا‪ ،‬أن يــرد االعـتـبــار إلــى الـعــامــل األخــاقــي‪ ،‬بـعــد أن ُن ــزع تـحــت مـبــررات‬ ‫المصلحة الشخصية‪.‬‬ ‫دائما للسلطة السياسية‪ ،‬بما‬ ‫قالبا ً‬ ‫وثالثة السمات أنه يجب النظر إلى المجتمع المدني بوصفه ً‬ ‫رحما أو ً‬ ‫أن السلطة ‪ -‬كما اللغة والتواصل‪ ،‬بل كما المجتمع واالجتماع نفسه ‪ -‬هي طبيعة إنسانية‪ ،‬فيجب أال‬ ‫توضع كمرحلة تالية لالجتماع البشري‪ ،‬وال حتى شرط ظهوره‪ .‬فالمجتمع المدني هو‪ ،‬كما يقول فوكو‪:‬‬ ‫«منذ الـبــدايــة‪ ،‬وبشكل دائــم‪ ،‬يخفي السلطة التي ليست هــي شــرط وجــوده وال تابعة ل ــه»(‪ .((1‬أمــا السمة‬ ‫الــرابـعــة‪ ،‬فهي النظر إلــى المجتمع الـمــدنــي بــاعـتـبــاره عـنـصـ ًـرا مـحــر ًكــا لـلـتــاريــخ‪ ،‬بحيث يشكل هــو واللعبة‬ ‫االقتصادية التي يتضمنها ً‬ ‫اجتماعيا ما‪ ،‬فإنه‬ ‫نسيجا أو بناء‬ ‫مبدأ للتحوالت التاريخية؛ فهو وإن كان ينتج‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يقوم فــي الــوقــت ذاتــه بهتك هــذا النسيج وتمزيقه بشكل مستمر؛ إذ أضحى المبدأ األخــاقــي الفطري‬ ‫الـمـشـتـبــك بـنـظــريــة الـنـتــائــج غـيــر الـمـتـعـمــدة‪ ،‬أداة الـتـقــدم االج ـت ـمــاعــي(‪ .((1‬بـعـبــارة أخ ــرى‪ ،‬تــدفــع الـمـصــالــح‬ ‫االقتصادية المتضاربة‪ ،‬عن غير قصد‪ ،‬إلى تحقيق الخير المشترك‪.‬‬ ‫مــا يميز تحليالت فيرغسون للمجتمع المدني مــن تحليالت هــوبــز وروســو ومونتسكيو‪ ،‬هــو‪ ،‬بحسب‬ ‫فــوكــو‪ ،‬أنـهــا فـتـحــت م ـجـ ً‬ ‫ـال وم ـيــدا ًنــا لـتـحـلـيــل الـعــاقــات االجـتـمــاعـيــة ال تـعـتـمــد عـلــى الـعــاقــات الـقــانــونـيــة‬ ‫أو الحقوقية الـمـحـضــة‪ ،‬وال حـتــى عـلــى الـعــاقــات االقـتـصــاديــة الـخــالـصــة‪ .‬كـمــا أنـهــا ذهـبــت إلــى تمفصل‬ ‫التاريخ وتحوالته استنا ًدا إلى الرابطة االجتماعية‪ ،‬كما سمحت هذه التحليالت في النظر إلى العالقة‬ ‫المعقدة بين المجتمع المدني والسلطة في نمط الحكم الليبرالي(‪ .((1‬وبذلك ظهرت إشكالية العالقة‬ ‫بين المجتمع المدني والدولة منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر‪ ،‬كإشكالية رئيسية في النظرية‬ ‫السياسية‪ ،‬سواء عند الفالسفة األلمان أو عند المنظرين اإلنكليز أو حتى عند المؤرخين الفرنسيين(‪.((1‬‬ ‫توضحت مالمح المفهوم الحديث للمجتمع المدني أكثر فأكثر في االقتصاد السياسي عند سميث؛‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومقابل لها‪ .‬وينظر إلى هذا التطور‬ ‫ومنفصل عن الدولة‪ ،‬بل‬ ‫مستقل‬ ‫إذ أصبح المجتمع المدني ميدانًا‬ ‫(‪((2‬‬ ‫على أنه «التعبير النظري عن انهيار النظام االقطاعي ومجيء الرأسمالية» ‪ .‬ومن المعلوم أن سميث‬ ‫أقام المجتمع المدني على قيم السوق‪ ،‬وهو ما يتضح من خالل تشديده على دور المصلحة الفردية‬ ‫في تحقيق المصلحة العامة‪ ،‬حيث يرى أن التبادل الذي يقف خلف ضــرورة تقسيم العمل يؤكد دور‬ ‫(‪ ((1‬المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.184‬‬ ‫(‪ ((1‬إهرنبرغ‪ ،‬ص ‪.189‬‬

‫‪(16) Foucault, The Birth of Biopolitics, pp. 304-305.‬‬

‫‪(18) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 308.‬‬ ‫‪(19) Ibid., pp. 309-311.‬‬

‫(‪ ((2‬إهرنبرغ‪ ،‬ص ‪.206‬‬


‫‪30‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫المصلحة الخاصة والفردية في تحقيق المنفعة الـعــامــة(‪ .((2‬ويحاول كتاب ثــروة األمــم التدليل على أن‬ ‫سعي الفرد إلى مصلحته الفردية مبني على برهان اقتصادي‪ ،‬ويدفع بالمنفعة االجتماعية إلى األمــام‪.‬‬ ‫مؤسس على اإلنسان أو الفرد االقتصادي‪ ،‬فالسعي نحو المصلحة الخاصة‬ ‫وبما أن التنظيم االجتماعي َّ‬ ‫هــو سعي نحو المصلحة العامة بطريق غير مباشر وبشكل غير متعمد‪ ،‬إنها نظرية اليد الخفية‪ .‬وفي‬ ‫حـيــن أن الـمــذهــب االقـتـصــادي الـفــزيــوقــراطــي قـبِــل فـكــرة الـحــاكــم المستبد المستنير الــذي يـحـتــرم قــواعــد‬ ‫السوق والحرية االقتصادية‪ ،‬فإن سميث يرفض ذلك‪ ،‬ويرى استحالة وجود استبداد سياسي مع الحرية‬ ‫االقتصادية‪ .‬لماذا؟ ألن اليد الخفية‪ ،‬التي هي مجموع المصالح الفردية‪ ،‬تقود في النهاية إلى المصلحة‬ ‫المجتمعية ‪ -‬تفترض عدم وجود حاكم مستبد‪ .‬وفي ذلك‪ ،‬يرى فوكو أن االقتصاد السياسي أو نظرية‬ ‫اليد الخفية ال يمكن أن تكون هــي بذاتها عقالنية أو ف ًنا للحكم‪ ،‬بــل هــي معرفة تقف إلــى جانب فن‬ ‫وموجها في هذا الفن الليبرالي للحكم‪ .‬ولكن‬ ‫مهما‬ ‫ً‬ ‫الحكم وقيادة السلوك‪ ،‬رغم أن لالقتصاديين ً‬ ‫دورا ً‬ ‫من الذي سيقوم بهذا الدور الذي سلبه فوكو من االقتصاد السياسي‪ ،‬أعني دور عقالنية الحكم؟ بعبارة‬ ‫أخرى‪ ،‬إذا لم يتعلق الحكم وسياسة الحكم باآللية االقتصادية‪ ،‬فالسؤال هو‪ :‬بأي شيء سيربط شكل‬ ‫الحكم الليبرالي مـبــادئــه؟ يجيب فــوكــو‪« :‬إنـهــا نظرية المجتمع الـمــدنــي»(‪ .((2‬وبــالـتــالــي‪ ،‬تكشف سياسة‬ ‫الـحـكــم الـلـيـبــرالـيــة الـتــي ول ــدت فــي الـقــرن الـثــامــن عـشــر عــن ال ـتــازم والـتــرابــط الـضــروريـيــن بـيــن المجتمع‬ ‫المدني والدولة‪ ،‬بل والحكم(‪.((2‬‬ ‫يتبين لنا مما سبق أن هناك اختال ًفا في معاني المجتمع المدني عن الفالسفة الليبراليين؛ فكما رأينا‪،‬‬ ‫يذهب لــوك إلــى النظر إليه مــن خــال الــروابــط العقدية القانونية والسياسية‪ ،‬بينما يذهب بــه فيرغسون‬ ‫إلى الوجهة األخالقية‪ ،‬في حين أن سميث يفحصه على أسس اقتصادية‪ .‬أما في ما يتعلق بالمجتمع‬ ‫ً‬ ‫مباشرا له‪ ،‬لكن من الممكن استخالص‬ ‫تحليل‬ ‫المدني عند الفالسفة الليبراليين الجدد‪ ،‬فلم يقدم فوكو‬ ‫ً‬ ‫آرائ ــه فــي شــأنــه مــن خ ــال الـتـحـلـيــل ال ــواس ــع ال ــذي خــص بــه الـلـيـبــرالـيــة ال ـجــديــدة فــي ألـمــانـيــا والـلـيـبــرالـيــة‬ ‫الجديدة عند مدرسة شيكاغو األميركية؛ فقد ّبين أن الفوبيا التي تنشرها الليبرالية الجديدة حول الدولة‬ ‫والترهيب الــدائــم مــن سلطتها‪ ،‬بــل وحـصــر شكل السلطة فــي إطــارهــا المؤسسي‪ ،‬والـتــي كــانــت مستندة‬ ‫إلى أفكار المفكر االقتصادي فريدريش ُفن هــايــك(‪ ،((2‬ليست إال تقنية حكم غير مباشر‪ .‬وكــان هايك‬ ‫قــد جــادل فــي كـتــابــه الـطــريــق إلــى الـعـبــوديــة ‪ -‬فــي مـعــرض هـجــومــه عـلــى الـنـظــم السياسية االشـتــراكـيــة‪ -‬بــأن‬ ‫ً‬ ‫ارتباطا‬ ‫التحوالت السياسية نحو مزيد من الشمولية في دول كإيطاليا وألمانيا وروسيا واليابان‪ ،‬مرتبطة‬ ‫وثيقًا بالسياسات االقـتـصــاديــة الـتــي اتخذتها هــذه الــدول‪ ،‬وعـنــوان كتابه يشي بـنــوع مــن التحذير مــن أن‬ ‫ـدخــل الــدولــة فــي النشاط االقـتـصــادي وتخطيطها لهذا النشاط هما طريق نحو العبودية‪ .‬بــل إنــه يعتبر‬ ‫تـ ّ‬ ‫أن االشـتــراكـيــة الــديـمـقــراطـيــة حــافـلــة بتناقضاتها الــداخـلـيــة‪ ،‬و «أن الـنـظــام الـفــاشــي والـنـظــام الـشـيــوعــي هما‬ ‫(‪ ((2‬آدم ‑‪ ،‬بحث في أسباب وطبيعة ثروة األمم‪ ،‬ترجمة حسني زينة (بغداد‪ :‬معهد الدراسات االستراتيجية‪ ،)2007 ،‬ص ‪.29-25‬‬

‫‪(22) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 286.‬‬

‫‪(23) Michel Foucault, Security, Territory, Population: Lectures at the College de France, 1977-78, Edited by Michel‬‬ ‫;‪Senellart; General Editors, Francois Ewald and Alessandro Fontana; English Series Editor, Arnold I. Davidson‬‬ ‫‪Translated by Graham Burchell (Houndmills, Hampshire: Palgrave Macmillan, 2007), p. 350.‬‬ ‫‪(24) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 104.‬‬


‫‪31‬‬

‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫مـجــرد شكلين متغيرين لنفس الـنـظــام الـشـمــولــي‪ ،‬الــذي يميل إلــى إنـتــاج سيطرة مــركــزيــة على كــل نشاط‬ ‫متناسيا األخطار اآلتية من هيمنة السوق‪.‬‬ ‫اقتصادي»(‪ ،((2‬لكن هايك لم ير الخطر إال في هيمنة الدولة‪،‬‬ ‫ً‬

‫بـنــاء عـلـيــه‪ ،‬نـخـلــص مـمــا سـبــق إلــى أن مــا يـجـمــع الـنـظــريــة الـلـيـبــرالـيــة الـكــاسـيـكـيــة بــالـلـيـبــرالـيــة الـجــديــدة هو‬ ‫الفصل بين الدولة والمجتمع المدني‪ ،‬والريبة بل والرهاب من كل دور للدولة في الحياة االقتصادية‬ ‫مدت من عالقات السوق وجعلتها تحكم نمط العالقات‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬مع كون الليبرالية الجديدة قد ّ‬ ‫االجـتـمــاعـيــة‪ ،‬مــركــزة عـلــى روح ال ـم ـبــادرة الـتــي اسـتـبــدلــت بـهــا شـكــل الـتـبــادل فــي االقـتـصــاد الـكــاسـيـكــي‪،‬‬ ‫خصوصا عند مدرسة شيكاغو؛ فقوى السوق التي تتحكم في مفاصل االقتصاد والمجتمع المدني‪،‬‬ ‫ً‬ ‫(‪((2‬‬ ‫تقوم بإنتاج وإعادة إنتاج العالقات االجتماعية عن طريق المعايير‪ ،‬ومنها تسيطر على نظام الدولة ‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬كيف نظر فوكو إلى هذا الفصل الحتمي بين الدولة والمجتمع المدني في الخطابات الليبرالية؟‬ ‫وهــل تــوافــق المنهجية الجنيالوجية التفكيكية على حصر الحكم فــي إطــار الــدولــة؟ بــل هــل تقبل بهذه‬ ‫الثنائية المتعاكسة؟‬

‫المنهج الجنيالوجي وتفكيك العالقة بين المجتمع المدني والدولة‬ ‫إن وجــه األهمية فــي التحليالت الجنيالوجية الفوكوية يكمن فــي اجـتــراح لغة تحليلية جــديــدة؛ فاللغة‬ ‫التحليلية المبنية عـلــى الـتـعــارض الفلسفي بـيــن الــدولــة والـمـجـتـمــع الـمــدنــي ال ــذي نـجــده عـنــد الفالسفة‬ ‫والـمـفـكــريــن الـلـيـبــرالـيـيــن‪ ،‬ال تـمـكـنـنــا مــن إدراك ال ـت ـحــوالت ال ـم ـعــاصــرة فــي ن ـمــاذج ال ـم ـمــارســة الـسـيــاسـيــة‬ ‫للسلطة(‪ .((2‬ويتجنب فوكو مثل هــذه التقسيمات بين الدولة والمجتمع المدني‪ ،‬وبين القمع والتحرر‬ ‫وغيرهما من المقوالت الثنائية‪ ،‬بل إنه يرفض تحليل الواقعة التاريخية باالنطالق من مقولة أو مفهوم‬ ‫كلي‪ ،‬كالمفاهيم التي تستخدم في التحليل السوسيولوجي والتاريخي وفي الفلسفة السياسية‪ ،‬والتي‬ ‫تُس َقط على الواقع المادي‪ ،‬من مثل‪ :‬صاحب السيادة أو الشعب أو الفرد أو الدولة أو المجتمع المدني‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مفضل البدء بالتحليل من الممارسة الحكومية ذاتها وكيفية تعقلها لذاتها‪ .‬لذلك‪ ،‬فهو ينبهنا منذ أول‬

‫درس قدمه في سنة ‪( 1979/1978‬مولد السياسة الحيوية) إلى أنه ينطلق في تحليله من افتراض أساسي‬ ‫هو أن هذه الكليات غير موجودة‪ ،‬والبحث‪ ،‬بالتالي‪ ،‬عن الكيفية التي تمكننا من التحليل من دون هذه‬ ‫المقوالت‪ ،‬على حد قوله(‪.((2‬‬

‫ي ــري ــد ف ــوك ــو م ــن خـ ــال ال ـت ـج ــري ــب ال ـم ـن ـه ـجــي ال ـ ــذي قـ ــام ب ــه ف ــي الـ ـ ــدرس الـ ـم ــذك ــور‪ ،‬إثـ ـب ــات صــاح ـيــة‬ ‫ال ـت ـح ـل ـيــل ال ـم ـج ـهــري ل ـل ـس ـل ـطــة‪ ،‬ل ـيــس ف ـقــط ف ــي ق ـط ــاع ــات م ـع ـي ـنــة كـ ــان ق ــد ب ـح ـث ـهــا ف ــي أع ـم ــال ــه ال ـســاب ـقــة‪،‬‬ ‫كــال ـس ـجــن وال ـج ـن ــس وال ـط ــب ال ـن ـف ـســي‪ ،‬ول ـك ــن أي ـ ًـض ــا ف ــي ال ـن ـظــر ف ــي م ـم ــارس ــة ال ـح ـكــم أو ال ـق ـي ــادة عـلــى‬ ‫(‪ ((2‬ف‪ .‬أ‪ .‬هايك‪ ،‬الطريق إلى العبودية‪ ،‬ترجمة محمد مصطفى غنيم (القاهرة‪ :‬دار الشروق‪ ،)1994 ،‬ص ‪.13‬‬

‫‪(26) Miikka Pyykkönen, «Liberalism, Governmentality and Counter-Conduct: An Introduction to Foucauldian Analytics‬‬ ‫‪of Liberal Civil Society Notions,» Foucault Studies, no. 20 (December 2015), pp. 8-35.‬‬ ‫‪(27) Dean and Villadsen, p. 10.‬‬ ‫‪(28) Foucault, The Birth of Biopolitics, pp. 2-3.‬‬


‫‪32‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫الـجـســد االجـتـمــاعــي ك ـكــل‪ .‬وبــالـتــالــي إزاح ــة مــركــزيــة ال ــدول ــة مــن الـتـحـلـيــل الـسـيــاســي‪ ،‬وتـقــديــم الـتـحـلـيــل‬ ‫المجهري للسلطة ً‬ ‫بديل له‪.‬‬ ‫إن التحليل المجهري للسلطة ينطلق من الممارسة السلطوية ال من المؤسسة‪ ،‬وهكذا بحث فوكو في‬ ‫التاريخ السياسي الغربي عن الممارسات الحكومية‪ ،‬ولــم ينطلق من مؤسسة‪ ،‬دينية أكانت أم مدنية‪.‬‬ ‫وعـلـيــه‪ ،‬فــإنــه ال يـبــدأ فــي تحليله السياسي مــن مؤسسة الــدولــة‪ ،‬لـمــاذا؟ ألنـهــا مـجــرد أثــر‪ ،‬بــل وشـكــل من‬ ‫أشـكــال سـيــاســات أو عـقــانـيــات الـحـكــم المختلفة‪ ،‬وفــوكــو يبحث فــي الـمـمــارســة الفعلية وكيفية عقلنة‬ ‫نفسها أو التفكير في ذاتها‪.‬‬ ‫يقول فوكو‪:‬‬ ‫ال أزعــم‪ ،‬بالتأكيد‪ ،‬أن تحليل الــدولــة كطريقة للفعل‪ ،‬هو التحليل الوحيد الممكن في النظر‬ ‫أو البحث فــي تــاريــخ الــدولــة‪ ،‬لكنني أعتقد أنــه يفتح إمكانية خصبة‪ ،‬ومكمن خصوبتها‪ ،‬في‬ ‫رأيي‪ ،‬هو في ارتباطها بحقيقة أنها تُرينا وتُثبت لنا أنه ال يوجد نوع من االنقطاع أو االنفصال بين‬ ‫مستوى السلطة المجهرية ‪ Micro - Power‬ومستوى السلطة الجمعية ‪، Macro - Power‬‬ ‫وأن الـحــديــث عــن إحــداهــا ال يـسـتـبـعــد الـحــديــث عــن األخ ــرى‪ .‬وفــي الـحـقـيـقــة‪ ،‬فــإن تحليالت‬ ‫السلطة من الناحية المجهرية‪ ،‬تعود‪ ،‬من دون صعوبات تُذكر‪ ،‬إلى تحليل مشكالت‪ ،‬من قبيل‬ ‫مشكلة الحكومة والدولة(‪.((2‬‬

‫مــن هـنــا‪ ،‬طـ ّـبــق فــوكــو التحليل الـمـجـهــري عـلــى عـقــانـيــات الـحـكــم وسـيــاســاتــه ومـمــارســاتــه‪ .‬وج ــاء مفهوم‬ ‫«سياسة الحكم» فــي الجنيالوجيا التي قدمها لألنظمة الليبرالية الغربية ال لبحث تـحــوالت المؤسسة‬ ‫السياسية‪ ،‬مــن مؤسسة الــدولــة اإلمـبــراطــوريــة والــدولــة الدينية‪ ،‬أو مــؤسـســات الملكية‪ ،‬أو الجمهوريات‬ ‫داعي المصلحة العليا للدولة‪ ،‬وبعد ذلك السلطة‬ ‫يسميه‬ ‫الثورية‪ ،‬وإنما للبحث عن السلطة الرعوية وما ّ‬ ‫َ‬ ‫وأخيرا السلطة الحيوية‪ .‬بناء عليه‪ ،‬يجد تشديد فوكو على تحليل تقنيات الحكم دافعه في‬ ‫االنضباطية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫جسرا لترسيخ الهيمنة وتمكينها‪.‬‬ ‫كون هذه التقنيات تمثّل‬ ‫ً‬

‫يكتنف عالقة الليبرالية بالسلطة الحيوية بعض الغموض‪ ،‬وال سيما أن عنوان الدروس التي ُخصصت‬ ‫لجنيالوجيا الليبرالية ‪ -‬كأحد فنون الحكم المختلفة أو كإحدى سياساته ‪ -‬كان «مولد السياسة الحيوية»‪.‬‬ ‫ولكن يمكن القول إن مفهوم السياسة الحيوية يكشف لنا عن أسباب اهتمام الليبرالية بالحياة والعناية‬ ‫بـهــا فــي مـقــابــل الـسـلـطــة الـسـيــاديــة الـتــي كــانــت تــرفــع شـعــار الـسـيــف وال ـمــوت‪ .‬ومــا يـهـمـنــا فــي هــذا الـسـيــاق‬ ‫هــو أن فوكو ُيــرجــع نشأة الحكم عبر المجتمع المدني الليبرالي والــذي توضح فــي الـحــداثــة السياسية‬ ‫سماها السياسة الحيوية كما ذكرنا‪ ،‬والتي‬ ‫الغربية المتأخرة إلى عامل أساسي‪ ،‬وهو بروز الظاهرة التي ّ‬ ‫يعني بها دخــول الـجــوانــب البيولوجية‪ ،‬وحـيــاة الـنــوع البشري ضمن الحسابات السياسية فــي العقالنية‬ ‫السياسية الـجــديــدة‪ .‬فــإذا مــا كــانــت العقالنية السياسية فــي الفهم الـقــديــم والــوسـيــط تتجه نحو الفضائل‬ ‫والقيم األخالقية في الحكم‪ ،‬وتسمح لألفراد والجماعات بالسعي وراء الخير المشترك‪ ،‬وإذا ما كانت‬ ‫‪(29) Foucault, Security, Territory, Population, p. 358.‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪33‬‬

‫العقالنية السياسية في الحداثة السياسية المبكرة ترتبط بتأسيس سيادة الدولة التي تمثّل ِ‬ ‫الحمى وتوفر‬ ‫الـحـمــايــة لـلـشـعــوب‪ ،‬ف ــإن الـعـقــانـيــة الـسـيــاسـيــة فــي الـحــداثــة الـسـيــاسـيــة الـمـتــأخــرة وظ ـهــور فـكــرة المجتمع‬ ‫المدني‪ ،‬تتجه نحو حكم الحياة البيولوجية‪ ،‬آخذة على عاتقها صحة السكان وحيويتهم بل وسعادتهم‪.‬‬ ‫إنـهــا سياسة حكم جــديــدة إ ًذا‪ ،‬ظـهــرت بوصفها نــاقــدة لتمدد سلطة الــدولــة ولفكرة مصلحتها العليا في‬ ‫الـقــرن الثامن عشر‪ ،‬األمــر الــذي سيتكرر فــي التوجهات الليبرالية الـجــديــدة‪ ،‬حيث قدمت نفسها ناقدة‬ ‫للسياسات التدخلية للدولة المبنية على النظرية الكينيزية‪ ،‬وبالتالي قدمت نفسها ً‬ ‫نقيضا لسياسة الحكم‬ ‫الماثلة‪ .‬وبذلك رفعت شعار الحياة ضد الموت‪ ،‬وشعار الفرد وحقوقه ضد صاحب السيادة ومكانته‪،‬‬ ‫ثــم ظـهــر شـعــار الـحــريــة االقـتـصــاديــة وحــريــة الـســوق مــن خــال الـتــرويــج لـلـفــرد االقـتـصــادي‪ ،‬لينتهي األمــر‬ ‫بالحكم مــن خــال المجتمع الـمــدنــي وعـبــره بــوصـفــه فـضــاء يجمع الـفــرد أو ال ــذات الحقوقية بــالـفــرد أو‬ ‫الذات االقتصادية‪ .‬وهكذا يتم الحكم في األنظمة الليبرالية من خالل المجتمع المدني‪ ،‬وبذلك يحطم‬ ‫فوكو الصورة المثالية المتعالية للمجتمع المدني كونه المكان الذي يتم به ومن خالله التحرر ويكون‬ ‫الحكم فيها للفرد أو الذات المستقلة؛ فالمجتمع المدني ليس خارج اللعبة السياسية‪ ،‬أو لنكون أكثر‬ ‫دقة‪ ،‬ليس خارج العالقات السلطوية‪ ،‬ومؤسسات المجتمع المدني قد تكون إحدى أدوات الهيمنة‪.‬‬ ‫موضوعا لكتاب ‪The Republic Of The Living: Biopolitics and the Critique‬‬ ‫يمثل هذا األمر‬ ‫ً‬

‫‪( of Civil Society‬جمهورية الحياة‪ :‬السياسة الحيوية ونقد المجتمع المدني)؛ إذ يوضح هذا الكتاب‬ ‫فهما للمجتمع المدني‬ ‫أن السبب الذي يجعل من خطاب السياسة الحيوية‬ ‫أساسيا ليس فقط أنه يوفر ً‬ ‫ً‬ ‫الـحــديــث‪ ،‬بــل أنــه يـقــدم أيـ ًـضــا نـقــدً ا لـهــذا الـمـجـتـمــع‪ .‬وإذا كــان فــوكــو لــم يـفـ ّـصــل الـقــول فــي هــذه المسألة‬ ‫لـضـيــق الــوقــت‪ ،‬أو ربـمــا لـعــدم رغـبـتــه فــي ذل ــك‪ ،‬حـيــث قــدم فــي «مــولــد الـسـيــاســة الـحـيــويــة» ق ــراءة مـقــارنــة‬ ‫لليبراليات الجديدة الفرنسية واأللمانية واألميركية‪ ،‬ولــم يقل فوكو بالضبط أن ما يقف وراء الترتيبات‬ ‫األســريــة والترتيبات القانونية والترتيبات االقتصادية فــي مجتمع مدني مــا‪ ،‬إنما هــي السياسة الحيوية‪.‬‬ ‫والحجة المحورية في هذا الكتاب هي أن في اإلمكان وصف‪ ،‬بل ونقد المجتمع المدني‪ ،‬من منظور‬ ‫السياسة الحيوية(‪ ،((3‬حيث بدأت السلطة الحديثة االشتغال والممارسة من خالل المعايير ال من خالل‬ ‫نهائيا نتيجة الممارسة السلطوية الجديدة‪،‬‬ ‫القوانين‪ ،‬لكن مع ذلــك لم يقصد فوكو أن القانون تالشى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مرتبطا بالنظام المعياري‪،‬‬ ‫لكنه لم يعد له الدور األساسي الذي كان له في السابق‪ .‬وهذا الدور أصبح‬ ‫(‪((3‬‬ ‫من هنا يمكن فهم رأي فوكو الناقد للمجتمع المدني كما يظهر في الليبرالية والليبرالية الجديدة ‪.‬‬ ‫هــذا يعني أن فوكو ال يقبل بصورة المجتمع المدني كما تُطرح في الفكر السياسي منذ القرن الثامن‬ ‫عشر‪ ،‬بوصفه الواقع الفعلي والمكان الحقيقي للنضال والمقاومة والثورة ضد الحكومة أو حتى الدولة‬ ‫بأجهزتها ومؤسساتها‪ .‬ويحذرنا من التسليم بهذه الصورة المثالية‪ ،‬في إعطاء المجتمع المدني الصفة‬ ‫الحقيقية أو المعطى األول ــي الــذي يسبق وج ــوده الـتــاريـخــي؛ فــالـحــرب وص ــراع الـقــوى يـشـكــان العمق‬ ‫‪(30) Miguel Vatter, The Republic of the Living: Biopolitics and the Critique of Civil Society (New York: Fordham‬‬ ‫‪University Press, 2014), pp. 2-3.‬‬ ‫‪(31) Lemm and Vatter (eds.), p. 166.‬‬


‫‪34‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫بالنسبة إلى المجتمع المدني‪ ،‬والمحرك للممارسة السلطوية(‪ .((3‬بعبارة أخرى‪ُ ،‬ي َع ّد المجتمع المدني‬ ‫تجسيدً ا للصراع‪ ،‬ال مرحلة يتم بها تجاوز حالة الـصــراع الـعــام‪ ،‬كما عند هــوبــز(‪((3‬؛ فهو ‪ -‬أي المجتمع‬ ‫المدني ‪ -‬ليس إال جــز ًءا من تقنية حكم‪ ،‬لكن مع الحذر ً‬ ‫أيضا من أن هذا ال يعني بحال من األحــوال‬ ‫عدم وجود هذا المجتمع‪ ،‬فهو موجود وحقيقي‪ ،‬لكن ضمن المعنى الفوكوي للحقيقة‪ ،‬ذلك المعنى‬ ‫الذي من خالله نظر إلى الجنون والجنسانية والنظام العقابي‪ ،‬أي الحقيقة النسبية التي هي نتاج تفاعل‬ ‫عالقات السلطة‪ .‬وبالتالي‪ ،‬فإن المجتمع المدني عنصر من حقيقة مرتبطة بإحدى سياسات الحكم في‬ ‫ذاتيا ويحترم في‬ ‫التاريخ‪ ،‬وهي سياسة الحكم الليبرالي التي تعقلن نفسها بأنها نمط من الحكم المقيد ً‬ ‫الوقت نفسه العمليات االقتصادية(‪.((3‬‬ ‫في الحقيقة‪ ،‬يرى فوكو أن مفهوم المجتمع المدني يمثّل استجابة لمشكالت واجهت سياسة الحكم‬ ‫أو فن الحكم الليبرالي‪ ،‬في شكليه الحقوقي واالقتصادي‪ .‬من هنا ُي َع ّد المجتمع المدني مجرد كيفية‬ ‫أو تقنية حكم توفر فـضــا ًء تشتبك فيه الــذات القانونية الحقوقية المدافعة عــن الحقوق الطبيعية للفرد‬ ‫فــي مقابل سلطة صــاحــب الـسـيــادة‪ ،‬أقــول تشتبك بــالــذات االقـتـصــاديــة المدافعة عــن الحرية االقتصادية‬ ‫مــن تــدخــات السلطة الـسـيــاديــة‪ .‬وبــذلــك تـكــون هــذه التقنيات المختلفة‪ ،‬وعـلــى الــرغــم مــن أنـهــا ال تــزال‬ ‫مــوجــودة‪ ،‬مــؤطــرة بــإطــار جــديــد‪ ،‬أي إطــار المجتمع الـمــدنــي‪ .‬يـقــول فــوكــو‪« :‬إ ًذا‪ ،‬ليس المجتمع المدني‬ ‫فكرة فلسفية؛ إنه مفهوم لتقنية حكومية‪ ،‬أو باألحرى‪ ،‬هو رابط لتقنية الحكم باإلجراءات العقالنية التي‬ ‫قانونيا باالقتصاد بوصفه عمليات لإلنتاج والتبادل»(‪.((3‬‬ ‫ال بد أن تكون مرتبطة‬ ‫ً‬

‫بناء على هذا‪ ،‬يخلص فوكو إلى أننا بإزاء حكم منتشر وكلي يحترم مبادئ الحق القانوني وال يتعارض‬ ‫مع قوانين االقتصاد‪ ،‬بمعنى أنــه حكم يقود المجتمع المدني ويــديــره‪ .‬والــذات االقتصادية أو اإلنسان‬ ‫االقتصادي (‪ )Homo Economicus‬يحتل مكانًا ال يمكن فصله أو تجاهله في واقع المجتمع المدني؛‬ ‫أي منهما‪ ،‬لـمــاذا؟ ألنهما ببساطة مجرد عناصر لتقنية حكم‪ ،‬أي‬ ‫إذ تجري ممارسة الحكم من خــال ٍّ‬ ‫سياسة الحكم الليبرالية (‪.)Liberal Governmantality‬‬ ‫لفهم العبارات المتعلقة بالدولة والمجتمع المدني‪ ،‬ينبغي أن ننظر إليها بوصفها عبارات صيغت في‬ ‫سـيــاق خــاص ومـحــدد‪ ،‬وهــذا يتطلب فـهــم الـسـيــاق الــذي ظـهــرت فـيــه تحليالت فــوكــو نـفـســه‪ ،‬وال بــد من‬ ‫معرفة إلى من كان يوجه هذه التحليالت‪ ،‬وضد من(‪.((3‬‬ ‫وكان فوكو‪ ،‬بحسب مؤل َفي كتاب ‪( State Phobia And Civil Society‬فوبيا الدولة والمجتمع المدني)‪،‬‬ ‫يـحــاور ويــوجــه تحليالته إلــى النظرية الماركسية وإلــى االشتراكية المؤسساتية‪ ،‬ســواء فــي مؤسسة الدولة‬ ‫(‪ ((3‬ميشيل فوكو‪ ،‬يجب الدفاع عن المجتمع‪ :‬دروس ألقيت في الكوليج دي فرانس لسنة ‪ ،1976‬ترجمة وتقديم وتعليق الزواوي‬ ‫بغورة (بيروت‪ :‬دار الطليعة للطباعة والنشر‪ ،)2003 ،‬ص ‪.45‬‬

‫;‪(33) Mark G. E. Kelly, The Political Philosophy of Michel Foucault, Routledge Studies in Social and Political Thought‬‬ ‫‪61 (Hoboken: Taylor and Francis, 2008), p. 53.‬‬ ‫‪(34) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 297.‬‬ ‫‪(35) Ibid., p. 296.‬‬ ‫‪(36) Dean and Villadsen, p. 11.‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪35‬‬

‫في أوروبا الشرقية‪ ،‬أو في مؤسسة الحزب كما في الديمقراطيات الليبرالية الغربية المعاصرة‪ .‬كما أنّه كان‬ ‫يقدم تحليالته إلــى اليسار المتطرف الــرافــض للدولة التي يعتبرها رأس الـشــرور جمي ًعا(‪ .((3‬وبذلك يقدم‬ ‫نـقــدً ا للفوبيا الـتــي تصنعها الماركسية ضــد الــدولــة وأجهزتها األيــديــولــوجـيــة كما فــي النسخة األلتوسيرية‪،‬‬ ‫تدخلها في التنظيم الطبيعي للسوق‪.‬‬ ‫ولفوبيا الدولة التي تشيعها التوجهات النيوليبرالية تحت مسوغ ّ‬ ‫ويظهر موضوع فوبيا الدولة ابتداء من الدرس الرابع من دروس سنة ‪ 1979‬تمهيدً ا لما سيأتي بعد ذلك‬ ‫من تحليالت تاريخية ألشكال الليبرالية الجديدة‪ ،‬ومــن ثم تظهر فكرة فوبيا الــدولــة كنوع من التصدير‬ ‫لجنيالوجيا الـلـيـبــرالـيــة الـجــديــدة‪ .‬ويـقــارن فــوكــو الـنــزعــة الـنـقــديــة لـلــدولــة االسـتـبــداديــة والــدولــة الـسـيــاديــة في‬ ‫ولدت عقالنية الحكم المقيد‪ ،‬أي الليبرالية‪ ،‬بالقلق والريبة من‬ ‫النصف الثاني من القرن الثامن عشر التي ّ‬ ‫دور الدولة وتمدد سلطاتها لتبتلع بذلك دور المجتمع المدني‪ ،‬وذلك في الحقبة التي عاصرها فوكو(‪.((3‬‬ ‫كان من المفترض أن توجه دروس سنة ‪ 1979/1978‬إلى بحث مسألة السياسة الحيوية‪ ،‬لكن ً‬ ‫بدل من‬ ‫ذلــك تــوســع فــوكــو فــي تحليل أشـكــال الليبرالية الكالسيكية والـجــديــدة بنسختيها األلـمــانـيــة واألمـيــركـيــة‪.‬‬ ‫ويـعـلــل فــوكــو ذلــك انـطــا ًقــا مــن أسـبــاب منهجية تتعلق بتجريب أداة تحليلية جــديــدة ومــا سـ ّـمــاه سياس َة‬ ‫الحكم وقيادة السلوك‪ ،‬الذي رأى فيها‪ ،‬بشكل أو بآخر‪ ،‬تطبيقًا لمفهوم السلطة المجهرية على الجسد‬ ‫االجـتـمــاعــي بأكمله؛ إذ إن تحليالت السلطة المجهرية ليست بــالـضــرورة قطاعية أو مرتبطة بنطاق أو‬ ‫فضاء ما‪ ،‬بل إنها‪ ،‬باألحرى‪ ،‬زاوية نظر تحليلية ربما تصلح لتحليل السياسة االقتصادية أو حتى لتحليل‬ ‫إدارة المجتمع ككل وحكمه‪ .‬كما يطرح فوكو أسبا ًبا أخرى دعته إلى التعمق في بحث شكل الحكم‬ ‫الليبرالي‪ ،‬ترتبط بالنقد المستمر والمتنامي لسلطة الدولة وشموليتها‪ ،‬بل وفاشيتها وعنفها وأبويتها في‬ ‫ما يتعلق بدولة الرعاية االجتماعية‪ ،‬تلك الموضوعات التي تشكل ثيمة تحكم نمط الفكر الليبرالي‪.‬‬ ‫ومتضخما‪ ،‬لدور الدولة‪ .‬لكن‪ ،‬لماذا يتزايد النقد بشكل مبالغ‬ ‫متناميا‪ ،‬بل‬ ‫يرى فوكو‪ ،‬إ ًذا‪ ،‬أن هناك نقدً ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فيه؟ في الواقع ُيرجع فوكو هذا النقد إلى عنصرين أساسيين‪ ،‬أولهما الفكرة الموجودة بشكل ضمني‬ ‫والـقــائـلــة بــأن الــدولــة تتملكها نــزعــة تــوسـعـيــة‪ ،‬وهــي مــا فتئت تـحــاول أن تستولي عـلــى جميع مؤسسات‬ ‫المجتمع الـمــدنــي‪ ،‬وبالتالي سيكون المجتمع المدني غــايــة وهــد ًفــا لهجوم سلطة الــدولــة‪ .‬أمــا العنصر‬ ‫اآلخر‪ ،‬فيرتبط بعدم التمييز أو التفرقة بين أشكال متعددة من الدولة‪ ،‬ووضعها جمي ًعا في سلة واحدة‪،‬‬ ‫بل وإرجاعها إلى جذر واحد‪ ،‬من الدولة اإلدارية ودولة الرعاية أو الرفاه حتى الدولة الفاشية والدولة‬ ‫يسميه فوكو فوبيا (أو رهاب) الدولة(‪.((3‬‬ ‫الشمولية‪ .‬وال شك أن هذا األمر ضاعف من انتشار ما ّ‬ ‫ربما يعزز من أهمية أفكار فوكو التي قدمها في دروسه في كوليج دو فرانس‪ ،‬التي نُشرت وتُرجمت إلى‬ ‫اإلنكليزية في سنتي ‪ 2007‬و‪ ،2008‬وكانت قد نُشرت في األصل الفرنسي سنة ‪ ،2004‬أن نشْ رها تزامن‬ ‫مع األزمة العالمية التي ضربت االقتصاد العالمي وأدت إلى تزايد معدالت الفقر والبطالة في الواليات‬ ‫‪(37) Ibid., p. 13.‬‬ ‫‪(38) Ibid., p. 15.‬‬ ‫‪(39) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 187.‬‬


‫‪36‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫المتحدة وفي القارة األوروبية‪ ،‬وما زالت آثارها قائمة‪ ،‬ناهيك عن التغييرات الهائلة في المناخ وظهور‬ ‫اقـتـصــادات جــديــدة كالصين والـهـنــد وأمـيــركــا الالتينية‪ ،‬والـحــروب الـتــي انــدلـعــت فــي أفغانستان والـعــراق‬ ‫وخلفيتها في أحداث الحادي عشر من أيلول‪/‬سبتمبر ‪ ،2001‬والحرب على اإلرهاب‪ ،‬واألثر العالمي‬ ‫لبروز الجماعات اإلسالمية الراديكالية‪ ،‬وقضايا األمــن وقوانين الطوارئ‪ ،‬كل ذلك ُيبرز مسألة الدولة‬ ‫ودوره ــا مــرة أخ ــرى؛ فــالـسـيــاســات لـيــس لـهــا الـشـكــل الــرسـمــي الـمــؤسـســاتــي فـقــط ‪ -‬مــن خــال البرلمانات‬ ‫والمؤسسات التمثيلية ‪ -‬لكنها تُمارس بطريقة ناعمة ً‬ ‫أيضا في إطــار المجتمع المدني‪ .‬بناء عليه‪ ،‬فإن‬ ‫الموجه إلى الدولة هي إخفاء الممارسة السلطوية الحقيقية‪ ،‬وهذا يظهر كون الدولة‬ ‫غاية تضخيم النقد‬ ‫َّ‬ ‫(‪((4‬‬ ‫تهاجم اآلن من الحركات الراديكالية المناهضة لها كحزب الشاي في الواليات المتحدة ‪ .‬وفي هذا‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫أساسيا‪ ،‬ويمكن من فهم األشكال الجديدة للسلطة‬ ‫السياق‪ُ ،‬ي َع ّد نقد فوكو للسياسة الحيوية الليبرالية‬ ‫ً‬ ‫والحقيقة والـتــذويــت‪ ،‬الـتــي تـنــامــت فــي عـصــر الليبرالية الـجــديــدة‪ ،‬وال سيما فــي مــرحـلــة مــا بـعــد الـحــرب‬ ‫الباردة‪ ،‬مع اتساع ظاهرة التدخالت العسكرية بشكل متسارع(‪.((4‬‬ ‫إن سياسة الحكم الليبرالية ونـقــدهــا الـمـتــزايــد لــدور الــدولــة وتــدخــاتـهــا فــي إطــار دولــة الــرعــايــة‪ ،‬وهجوم‬ ‫المفكرين الليبراليين عليها‪ ،‬وعلى السياسات الكينزية التي تتبعها‪ ،‬كل ذلك ال يؤدي إلى تقليل حكم‬ ‫تنظيما جــديــدً ا لتقنيات الحكم؛ فأنظمة‬ ‫الــدولــة أو الحد منه‪ ،‬لـمــاذا؟ ألن الليبرالية الجديدة ليست إال‬ ‫ً‬ ‫الـحـكــم الـلـيـبــرالـيــة الـجــديــدة «تـتـضـمــن لـيــس فـقــط تــدخـ ًـا مـبــاشـ ًـرا مــن خ ــال أج ـهــزة الــدولــة المتخصصة‬ ‫المتمتعة بالسلطة‪ ،‬ولكن ً‬ ‫أيضا تطور التقنيات غير المباشرة النوعية التي تسمح بقيادة ومراقبة األفراد‬ ‫‹و› الفروقات بين الدولة والمجتمع المدني‪ ،‬بين التنظيم الوطني وبين المؤسسات عابرة األوطان‪ ،‬ال‬ ‫تمثّل أساس وحدود ممارسات الحكومة‪ ،‬بل هي‪ ،‬باألحرى‪ ،‬تعمل كما لو أنها عناصرها ونتائجها»(‪.((4‬‬ ‫بـنــاء عـلـيــه‪ ،‬يـمـ ّثــل الـحـكــم‪ ،‬بــاالسـتـنــاد إلــى دولــة الـحــد األدن ــى‪ ،‬انـتـقـ ًـال مــن الـحـكــم الــرسـمــي الـمـبــاشــر إلــى‬ ‫الحكم غير الرسمي وغير المباشر‪ ،‬أي من خالل منظمات المجتمع المدني الذي ليس هو في النهاية‬ ‫إال تقنية حكم تتخذها األنظمة الليبرالية‪ ،‬ومثله في ذلك مثل الدولة‪ .‬يطرح هذا التحليل أسئلة جوهرية‬ ‫ال يمكن تـجــاوزهــا‪ ،‬مــن قـبـيــل‪ :‬مــا دور الـمـقــاومــة فــي ظــل انـتـشــار الـحـكــم بتقنياته الـحــديـثــة؟ وأيــن يكون‬ ‫ميدان فاعليتها؟ هل ثمة إمكان للمقاومة؟ وقبل ذلك‪ ،‬ما هي المقاومة بالنسبة إلى فوكو؟‬

‫إمكان المقاومة في المجتمع المدني‬

‫ً‬ ‫مباشرا لموقع المقاومة في المجتمع المدني‪ ،‬لكن من الممكن النظر إلى مقاربته‬ ‫تحليل‬ ‫لم يقدم فوكو‬ ‫ً‬ ‫للمجتمع المدني وربطها بتحليالته السابقة بشأن السلطة‪ ،‬وتأويالته المتأخرة عن الذات القادرة على‬ ‫االنعتاق من األشكال المختلفة للتذويت واإلخضاع‪ ،‬وابتكار ذات جديدة‪ ،‬لنتبين موقع المقاومة في‬ ‫‪(40) Dean and Villadsen, pp.19-20.‬‬

‫‪(41) James D. Faubion (ed.), Foucault Now: Current Perspectives in Foucault Studies, Theory Now (Cambridge, UK:‬‬ ‫‪Polity Press, 2014), pp. 176-177.‬‬

‫(‪ ((4‬تــومــاس ليمكي‪« ،‬فوكو‪ ،‬الحاكمية نقد الليبرالية الجديدة‪ :‬ماركس بــدون مزدوجين»‪ ،‬في‪ :‬توماس ليمكي [وآخــرون]‪ ،‬ماركس‬ ‫وفوكو‪ ،‬ترجمة حسن الحاج (بيروت‪ :‬مجد‪ ،‬المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر‪ ،)2012 ،‬ص ‪.18‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪37‬‬

‫حكم الذات ومنها حكم اآلخرين؛ فالمجتمع المدني يمكن أن يكون فضا ًء لممارسة القيادة المضادة‬ ‫وابتداع ذات جديدة‪ .‬لكن على المقاومة أن تسلط الضوء على عالقات السلطة الموجودة في المجتمع‬ ‫والقار من الممارسات االجتماعية‪.‬‬ ‫المدني بقدر ما هي موجودة في الدولة‪ ،‬والتي تتخفى في العادي‬ ‫ّ‬ ‫كانت المقاومة أو المعارضة منذ العصور الوسطى تعتمد على ثيمة اليوم اآلخر‪ ،‬أو يوم الخالص من‬ ‫الظلم‪ ،‬تحقيقًا للعدل الـتــام‪ .‬واسـتـمــرت هــذه الثيمة‪ ،‬وإن بشكل مختلف‪ ،‬فــي سياسة الحكم الحديثة‬ ‫والـمـعــاصــرة‪ .‬ومكمن اختالفها هــو فقط فــي أن هــذا الـخــاص لــم يعد ُينتظر فــي الـيــوم اآلخــر‪ ،‬إنـمــا في‬ ‫الواقع الحاضر‪ ،‬ووسيلته في ذلك هي وقف تمدد سلطة الدولة على المجتمع المدني‪ ،‬بل ّ‬ ‫وكف يدها‬ ‫وتقييدها لتكون ‪ -‬على النقيض ‪ -‬خاضعة لهذا المجتمع‪ .‬ويتم ذلــك عــن طريق الفعل الـثــوري الــذي‬ ‫يحقق االنتصار على الدولة‪ ،‬لتفرض األمــة ‪ -‬أو المجتمع المدني‪ -‬حقيقتها على ما تقدمه الدولة من‬ ‫حقائق تجعل الفرد أو المواطن يتمثّل نفسه من خاللها‪ .‬إن سياسة الحكم الليبرالية المضادة لداعي‬ ‫المصلحة العليا للدولة ظهرت في بدايتها كعقالنية معارضة لعقالنية الدولة‪ ،‬وبدأت تحكم هي بدورها‬ ‫بداعي الحرية والتقييد الذاتي أو دولة الحد األدنى‪ ،‬لتقف في توسط بين الدولة الشمولية والالسلطوية‬ ‫أو الفوضوية‪ ،‬هذه السياسة بخطاباتها كانت موقع مساءلة من جانب الجنيالوجيا الفوكوية‪ ،‬كما ّبينا(‪.((4‬‬

‫بناء عليه‪ ،‬فإن دراسة فوكو للحكم والحكومة امتداد وتوسع لتحليالته السابقة المتعلقة بمر ّكب السلطة‪/‬‬ ‫الـمـعــرفــة(‪ ،((4‬وترتيباتها التي اتـخــذت عنده شكل السلطة االنضباطية عبر تحليل التقنيات االنضباطية‬ ‫المشابهة للتقنيات الدينية في ممارسة السلطة‪ .‬من هنا‪ُ ،‬ت َع ّد فكرة األصل الديني للحكم الغربي أحد‬ ‫الـتـجــديــدات الـتــي قــدمـهــا فــوكــو فــي دروس أواخ ــر الـسـبـعـيـنـيــات‪ ،‬وت ـحــديــدً ا فــي درس «األم ــن‪ ،‬اإلقـلـيــم‪،‬‬ ‫وبين أصوله الكنسية الرعوية‪ .‬وال ننسى‬ ‫السكان»‪ ،‬حيث ّ‬ ‫فصل فيها بحث موضوع الحكم الليبرالي‪ّ ،‬‬ ‫هنا اهتمام فوكو في ذلــك الحين بــالــدور الــذي أداه الدين في الـثــورة اإليرانية‪ .‬ومــن الممكن القول إن‬ ‫فوكو كــان يناظر بين الخالص الديني واألمــن الحكومي‪ ،‬إذ إنهما كليهما يشيران بشكل أو بآخر إلى‬ ‫قيادة الحياة أو حكمها أو توزيعها في حلقة مغلقة مسبقًا(‪.((4‬‬

‫لفهم موقع المقاومة‪ ،‬ال بد من الرجوع إلى تحليالت الفيلسوف السياسية المبكرة التي ّبين فيها السمة‬ ‫اإليجابية للسلطة؛ فالقمع ليس هــو الشكل الوحيد للسلطة‪ ،‬إنما هــو حـ ّـد لها‪ .‬فالسلطة تنتج معارف‬ ‫وتـ ِ‬ ‫ـوجــد ذا ًت ــا جــديــدة‪ ،‬و«الـمـنــع والــرفــض بـعـيــدً ا عــن أن تـكــون األشـكــال الـجــوهــريــة للسلطة‪ ،‬فـمــا هــي إال‬ ‫(‪((4‬‬ ‫حدودها وأشكالها الناقصة أو القصوى‪ .‬إن عالقات السلطة هي عالقات إنتاجية قبل كل شــيء» ‪.‬‬ ‫جوهرا‪ ،‬وهي ليست سابقة‬ ‫ومن الثابت أن السلطة عند فوكو ال جوهر لها‪ ،‬وكذلك المقاومة «ليست‬ ‫ً‬ ‫‪(43) Foucault, Security, Territory, Population, pp. 356-358.‬‬

‫(‪ ((4‬بعد نشر الجزء األول من تاريخ الجنسانية‪ ،‬لم يستخدم فوكو صراحة مصطلح «سلطة‪/‬معرفة»‪ ،‬ومع ذلــك‪ ،‬يمكن فهم ظهور‬ ‫«تقنيات الــذات» في فلسفة فوكو األخالقية على أنــه توضيح لهذا المصطلح‪ ،‬في جوانبه اإليجابية التي قدمها في أعماله في بداية‬ ‫السبعينيات‪ ،‬للمزيد انظر‪.Dianna Taylor (ed.) Michel Foucault: Key Concepts (London: Routledge, 2014), p. 67:‬‬ ‫‪(45) Lemm and Vatter (eds.), pp. 3, 4 and 7.‬‬

‫(‪ ((4‬م ـي ـشــال فــوكــو‪ ،‬هــم الـحـقـيـقــة‪ ،‬تــرجـمــة مصطفى الـمـسـنــاوي‪ ،‬مصطفى كـمــال ومـحـمــد بــولـعـيــش (ال ـجــزائــر‪ :‬مـنـشــورات االخـتــاف‪،‬‬ ‫‪ ،)2006‬ص ‪.51‬‬


‫‪38‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫على السلطة التي تواجهها‪ ،‬إنها مساوية لها في االمتداد‪ ،‬ومعاصرة لها»‪ .‬بناء عليه‪ ،‬فلكي «تقاوم ينبغي‬ ‫لها أن تكون مثل السلطة‪ .‬لها روح االختراع‪ ،‬ومن الحركة واإلنتاجية ما للسلطة»(‪ ،((4‬وإذا كانت السلطة‬ ‫منتشرة في الجسد االجتماعي‪ ،‬فكذلك هي المقاومة‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬مع ذلك‪ ،‬عانت تحليالت فوكو بشأن السلطة في بداية السبعينيات وفي كتا َبي المراقبة والمعاقبة‬ ‫و إرادة الـمـعــرفــة صـعــوبــات نـظــريــة تتعلق بــاسـتـحــالــة فـعــل الـمـقــاومــة؛ إذ إن ال ــذات بمقاومتها ليست في‬ ‫ور ّسخت بالتقنيات االنضباطية‪ ،‬وهو ما أوقع فوكو في ما يشبه‬ ‫المحصلة إال صنيعة سلطوية ُأسست ُ‬ ‫المفارقة‪ ،‬وال سيما مع تشديده على دور المقاومة‪ ،‬إذ ال وجود لسلطة من دون مقاومة‪ ،‬كما كان يردد‪.‬‬ ‫مد «تحليله المجهري الفيزيائي‬ ‫وما قام به فوكو الحقًا‪ ،‬في تحليله سياسات الحكم‪ ،‬هو‪ ،‬كما ذكرنا‪ّ ،‬‬ ‫للسلطة إلــى البنى الجمعية االجتماعية وإلــى ظــاهــرة الــدولــة‪ .‬وهــو يهتم على نفس المستوى بأشكال‬ ‫يسميها (تقنيات ال ــذات)»(‪،((4‬‬ ‫التذويت فيما يتعدى عملية اإلخـضــاع االنضباطي‪ ،‬هــذه األشـكــال التي ّ‬ ‫وبالتالي يفتح مفهوم الحكم‪ ،‬وكذلك مفهوم التذويت‪ ،‬إمكانية كان االنضباط قد حال دونها‪.‬‬ ‫إن تـحـ ّـول فــوكــو فــي بــدايــة الثمانينيات لــدراســة ال ــذات ال يعني إهـمــالــه إشـكــالـيــة الـسـلـطــة‪ ،‬لكنها تشكل‬ ‫تصويبا للتحليالت السابقة‪ ،‬حيث تحضر الــذات ضمن إشكالية السلطة‪ ،‬أي من خــال حكم الــذات‬ ‫ً‬ ‫(‪((4‬‬ ‫وحكم اآلخرين‪ ،‬بمعنى التفاعل بين تقنيات السلطة وتقنيات الــذات ‪« ،‬أي إقامة عالقة سياسية من‬ ‫الذات إلى الذات»(‪ .((5‬وإذا كان فوكو في الجزء األول من تاريخ الجنسانية قد عمل على تفنيد الفرضية‬ ‫القمعية‪ ،‬وما يستلزمه ذلك من رفض وهم التحرر‪ ،‬فإننا نراه في أعماله المتأخرة يفتح إمكانية للذات‪،‬‬ ‫ويمنحها قدرة على االنعتاق من سلطة المعايير االجتماعية التي تشكل الذات في لحظة تاريخية ما‪،‬‬ ‫يسميها فوكو‬ ‫وابتداع معايير جديدة‪ ،‬ومنها إعــادة توزيع العالقات السلطوية‪ .‬هذه الممارسة السياسية ّ‬ ‫الـقـيــادة الـمـضــادة‪ .‬ومــن هـنــا‪ ،‬أصـبــح للمقاومة هنا دور إيـجــابــي‪ ،‬لكن يجب أن يــؤخــذ بعين االعـتـبــار أن‬ ‫القيادة المضادة تعمل‪ ،‬كما السلطة تما ًما‪ ،‬على تنظيم الناس وتوجيههم نحو استراتيجياتها بتقنيات‬ ‫ربما تكون مشابهة لتقنيات السلطة(‪.((5‬‬ ‫نتيجة لذلك‪ ،‬فإن السياسة الحيوية تسمح‪ ،‬رغم كونها تقنية حكم مرتبطة بالسياسة الليبرالية‪ ،‬بإمكانية‬ ‫التجديد‪ ،‬فإذا كان فوكو قد وصف أنظمة السياسة الحيوية بأنها ال تقل شمولية عن األنظمة الشمولية‬ ‫إيجابيا‪ ،‬يفتح إمكانية االنعتاق من‬ ‫جانبا‬ ‫ً‬ ‫الدكتاتورية‪ ،‬فإنه مع ذلك يقدم في مفهوم السياسة الحيوية ً‬ ‫التذويت والتشكيل السياسي نحو ابتداع الحياة السياسية وتجديدها؛ فالحياة رغم كل شيء ال تتوحد‬ ‫مــع تقنيات الحكم التي تقودها وتحكمها‪ ،‬ألن هناك دائـ ًـمــا إمكانية للتجاوز والـخــاص مــن هيمنتها‪،‬‬ ‫(‪ ((4‬المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.58-57‬‬

‫(‪ ((4‬ليمكي [وآخرون]‪ ،‬ص ‪.15‬‬

‫(‪ ((4‬المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.17-16‬‬

‫(‪ ((5‬ميشيل فوكو‪ ،‬االنهمام بالذات‪ :‬جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة‪ ،‬تقديم وترجمة محمد ازويتة (الدار البيضاء‪ :‬أفريقيا الشرق‪،‬‬ ‫‪ ،)2015‬ص ‪.30‬‬

‫‪(51) Kelly, p. 112.‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪39‬‬

‫قدم إشارات قليلة وناقصة بشأن هذا الجانب‬ ‫ومن هنا تصبح الحياة‬ ‫مصدرا للمقاومة‪ .‬وكان فوكو قد ّ‬ ‫ً‬ ‫وعمقت الفلسفة اإليطالية المعاصرة (نيغري‪ ،‬أغامبين‪ ،‬إسبيزيتو) فيه‬ ‫اإليجابي من السياسة الحيوية‪ّ ،‬‬ ‫وأضافت إليه(‪.((5‬‬ ‫ُيـبـ ّـيــن فــوكــو أن ــه لـكــي تـكــون هـنــاك مـقــاومــة إيـجــابـيــة‪ ،‬ال بــد مــن إدراك وفـهــم آلـيــة أو كـيـفـيــة اشـتـغــال نـظــام‬ ‫السلطة الـمــاثــل‪ ،‬لـيـجــري بـعــد ذلــك تــأسـيــس اقـتـصــاد جــديــد للسلطة‪ ،‬أي عــاقــات سلطوية جــديــدة‪ .‬من‬ ‫ه ـنــا‪ ،‬تـسـعــى الـجـنـيــالــوجـيــا الـفــوكــويــة «إل ــى صـنــع تــاريــخ لـمـخـتـلــف طــرائــق تــذويــت الـكــائــن ال ـب ـشــري» في‬ ‫معتبرا ذلك‬ ‫الثقافة الـغــربـيــة(‪ .((5‬لكن فــوكــو يــرفــض‪ ،‬مــع ذلــك‪ ،‬تقديم نـظــريــة‪ ،‬ســواء للسلطة أو لـلــذات‪،‬‬ ‫ً‬ ‫إعــاقــة لـلـمـمــارســة الـتـحـلـيـلـيــة الـفــاعـلــة‪ .‬لــذلــك‪ ،‬ي ـشــدد فــوكــو عـلــى أهـمـيــة الـمـفــاهـيــم ودورهـ ــا فــي التحليل‬ ‫أك ـث ــر م ــن ال ـن ـظــريــة ال ـش ــام ـل ــة‪ ،‬وهـ ــذه ال ـم ـفــاه ـيــم ت ـح ـتــاج إلـ ــى م ــراج ـع ــة م ـس ـت ـمــرة‪ ،‬أي إلـ ــى م ــوق ــف ن ـقــدي‬ ‫ال يقر له قرار(‪.((5‬‬ ‫يسميه فوكو «الـحـكــم»‪ ،‬بالمعنى الواسع‬ ‫ترتبط الــذات فــي مجتمعات الحداثة المبكرة فــي الـغــرب بما ّ‬ ‫للكلمة غـيــر الـمـحـصــور فــي حــدود حـكــم الــدولــة لشعب مـعـ ّـيــن‪ ،‬وإنـمــا المشتمل عـلــى مـمــارســات قـيــادة‬ ‫السلوك وتوجيهه بشكل مباشر‪ ،‬ســواء قيادة الــذات لذاتها أو قيادتها لآلخرين‪ .‬بمعنى‪ :‬حكم الحياة‪،‬‬ ‫حكم األرواح‪ ،‬حكم األطفال‪ ،‬حكم األسر‪ ،‬وغير ذلك(‪.((5‬‬ ‫إن رفــض فوكو تأسيس نظرية في الــذات يوجهه إلــى تحليل «األشـكــال المختلفة التي بواسطتها يقوم‬ ‫الفرد بتشكيل ذاته»؛ إذ إن فوكو يقوم بـ«عملية نقل تنطلق من سؤال الذات إلى أشكال التذويت‪ ،‬ومن‬ ‫ثم تحليل أشكال التذويت من خــال تقنيات‪ /‬تكنولوجيات العالقة مع النفس‪ /‬الــذات‪ ...‬من خالل‬ ‫ما يمكن تسميته تداولية الــذات»(‪ ،((5‬من هنا بحث فوكو التجارب القطاعية كتجربة الجنون والمرض‬ ‫والجريمة والجنس‪ ،‬إذ يعتبرها ضرورية لفهم الثقافة الغربية‪.‬‬ ‫كرس فوكو عد ًدا من دروسه في كوليج دو فرانس لتحليل األشكال المختلفة للذات الغربية المتشكلة‬ ‫دعما لفرضيته بأن الذات ليست‬ ‫في السياق اإلغريقي القديم‪ ،‬والهيلينستي والمسيحية المبكرة‪ ،‬ليقدم ً‬ ‫ســوى شكل تاريخي وثقافي واجتماعي‪ ،‬وبالتالي ليس لها وجــود متعال خــارج إطــار القيم والمعايير‬ ‫االجتماعية المحايثة‪.‬‬ ‫تبين أنــه ال يريد نقد المعايير والقيم الموجودة للوصول‬ ‫إن تحليالت فوكو للسلطة والحرية والــذات ّ‬ ‫إلى الحقائق المطلقة حول وجودنا وحول العالم الذي نعيش فيه‪ .‬باألحرى‪ ،‬أراد فوكو أن يكشف عن‬ ‫‪(52) Vatter, p. 4.‬‬

‫(‪ ((5‬أوبير دريفوس وبول رابينوف‪ ،‬ميشيل فوكو‪ :‬مسيرة فلسفية‪ ،‬ترجمة جورج أبي صالح (بيروت‪ :‬مركز اإلنماء القومي‪[ ،‬د‪ .‬ت‪،)].‬‬ ‫ص ‪.186‬‬

‫(‪ ((5‬المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.187‬‬

‫‪(55) Taylor, p. 176.‬‬

‫(‪ ((5‬ميشيل فوكو‪« ،‬ما النقد؟»‪ ،‬ترجمة الزواوي بغورة‪ ،‬في‪ :‬ميشيل فوكو‪ ،‬ما التنوير؟ (الكويت‪ :‬آفاق للنشر والتوزيع‪ ،)2013 ،‬ص‬ ‫‪.75‬‬


‫‪40‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫الجانب اإلبداعي للبشر في ابتكار قيم ومعايير تظل نسبية دو ًما‪ ،‬إذ ال وجود لحقيقة مطلقة كلية متعالية‬ ‫عن سياقها الزمني(‪.((5‬‬ ‫لـيـســت ال ــذات‪ ،‬بــالـتــالــي‪ ،‬وكـمــا طــرح فــوكــو فــي الـمــراقـبــة والـمـعــاقـبــة‪ ،‬مـجــرد أثــر سـلـطــوي منفعل فــي ظل‬ ‫نوعا من القيادة المضادة‪ ،‬بقيامها‬ ‫عالقات سلطوية منتشرة‪ ،‬لكنها وف ًقا للتحليالت المتأخرة‪ ،‬تمتلك ً‬ ‫بحكم نفسها‪ ،‬ومن خالل حكم نفسها تحكم اآلخرين‪ .‬هذا التعديل المنهجي عند فوكو صد الهجوم‬ ‫ال ــذي تـعــرضــت لــه تــوجـهــاتــه الـفـلـسـفـيــة‪ ،‬بــل والـتــوجـهــات مــا بـعــد الـبـنـيــويــة بــوصـفـهــا تــوجـهــات نـحــو عدمية‬ ‫أخالقية‪ .‬وفي ذلك تقول جوديث بتلر في دفاعها عن فوكو وعن االتجاه ما بعد البنيوي‪:‬‬ ‫بينما ادعى كثير من النقاد أن النظرة إلى الذات التي يعرضها فوكو وغيره من مفكري ما بعد‬ ‫البنيوية تدمر القدرة على القيام بالتدبر األخالقي وتأسيس الفاعلية البشرية‪ ،‬فإن فوكو يلتفت‬ ‫إلى ٍّ‬ ‫كل من الفاعلية والتدبر بطرق جديدة فيما يسمى كتاباته األخالقية ويقدم إعــادة صياغة‬ ‫نظرا جا ًدا(‪.((5‬‬ ‫لكليهما تستحق ً‬

‫والـحــق أن الـتـعــامــل الـصـحـيــح مــع نـصــوص فــوكــو وتـحـلـيــاتــه ُيـبـيــن أنـهــا ال تــدمــر إمـكــان الـحــريــة وإمـكــان‬ ‫الــذات‪ ،‬لكنها تــرى ببساطة أن مفاهيم الــذات والحرية هــذه تحتاج إلــى إعــادة صــوغ أو إعــادة تشكيل‪،‬‬ ‫فالسلطة‪ ،‬كما يقول فوكو‪ ،‬ال تُما َرس إال على ذوات حرة(‪.((5‬‬ ‫ب ـن ــا ًء ع ـل ـيــه‪ ،‬ت ـك ــون ال ـحــريــة غ ـيــر م ـح ــدودة ف ــي ش ـكــل ال ـت ـحــرر والـ ـث ــورة‪ ،‬وإن ك ــان ف ــوك ــو ال يـنـكــر ذل ــك‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫مستعمره‪ ،‬فــذاك الفعل هــو ممارسة للحرية بالمعنى‬ ‫مستعمر عــن التحرر مــن‬ ‫ف ـ «عندما يبحث شعب‬ ‫َ‬ ‫الــدقـيــق وال ـح ـصــري»‪ ،‬كـمــا يـقــول فــوكــو‪ .‬لـكـنــه يـسـتــدرك «ب ــأن ه ــذه الـمـمــارســة لـلـحــريــة ال تـكـفــي لتحديد‬ ‫ممارسات الحرية التي ستكون في ما بعد ضرورية بــأن يتحدد هــذا الشعب ‪ ...‬بأشكال يمكن قبولها‬ ‫عن وجودهم»(‪.((6‬‬ ‫لذلك‪ ،‬فإن ممارسة الحرية بشكل مستمر وخـ ّـاق هي مقصد فوكو‪ ،‬وليس فقط فعل التحرر المرتبط‬ ‫بسياق ثوري تاريخي ما‪ ،‬لماذا؟ ألن فعل التحرر يشي بوهم الوصول إلى الطبيعة اإلنسانية الحقيقية‬ ‫التي يخفيها تراكم الممارسات السلطوية‪ .‬ونحن نعلم رأي فوكو في الحقيقة النسبية؛ فالذات الجمعية‪،‬‬ ‫وفـ ًقــا للمنهجية الـجـنـيــالــوجـيــة‪ ،‬لـيـســت إال شـكـ ًـا ال جــوهــر لــه‪ ،‬وبــالـتــالــي‪ ،‬يـمـكــن الـقــول إن فـعــل الـتـحــرر‬ ‫يعني الخروج من الهيمنة التي تجمد عالقات سلطوية ما وتحاول تأبيدها‪ ،‬لتأسيس عالقات سلطوية‬ ‫جديدة‪ .‬وال شك أن الثورة تُعتبر في بعض األحيان ً‬ ‫وتاريخيا لممارسة الحرية‪.‬‬ ‫سياسيا‬ ‫شرطا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫من هنا‪ ،‬فإن تحليل فوكو يؤكد أن على الرغم من أن الذات تتشكل في عالقات سلطوية ‪ -‬معرفية ما‪،‬‬ ‫فــإن هــذا األمــر ال يــؤدي إلــى جبرية تجعل مــن الـفــرد أو الــذات أسـيــرة لهذا التشكيل السلطوي أو ذاك‪.‬‬ ‫‪(57) Taylor (ed.), pp. 6-9.‬‬

‫(‪ ((5‬جوديث بتلر‪ ،‬الذات تصف نفسها‪ ،‬ترجمة فالح رحيم (بيروت‪ :‬التنوير للطباعة والنشر والتوزيع‪ ،)2014 ،‬ص ‪.60‬‬

‫‪(59) Taylor (ed.), p. 4.‬‬

‫(‪ ((6‬فوكو‪ ،‬االنهمام بالذات‪ ،‬ص ‪.40‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪41‬‬

‫دائما مقاومة‪ ،‬ونحن قادرون‪ ،‬إن أردنا‪ ،‬على صنع أنفسنا؛ ففي إمكاننا استخدام المعايير والقيم‬ ‫هناك ً‬ ‫ً‬ ‫أشكال من الذات جديدة تما ًما‪ .‬في إمكاننا دو ًما‬ ‫في مجتمعنا بطرق جديدة‪ ،‬بل إننا نستطيع أن نبتدع‬ ‫رفــض مــا نـكــون عليه فــي لحظة تــاريـخـيــة مــا‪ ،‬بوسيلتين هـمــا الـمـمــارســة الـنـقــديــة‪ ،‬الـتــي تكشف عــاقــات‬ ‫السلطة الكامنة في ذاتنا الحاضرة‪ ،‬تليها الممارسة الجمالية للوجود‪.‬‬ ‫وبذلك يتوضح الدور الذي يسنده فوكو للفلسفة‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫إن مــا يـلــزمـنــا هــو اقـتـصــاد جــديــد لـلـعــاقــات الـسـلـطــويــة ‪ -‬واسـتـعـمــل هـنــا كـلـمــة اقـتـصــاد بمعناها‬ ‫الـنـظــري والـعـمـلــي‪ .‬ولـنــوضــح األشـيــاء بطريقة أخــرى نـقــول‪ :‬مـنــذ كــانــط‪ ،‬كــان دور الفلسفة هو‬ ‫منع العقل من أن يتجاوز حدود ما هو معطى في التجربة؛ إنما منذ ذلك الحين ً‬ ‫أيضا ‪ -‬أي‬ ‫منذ تطور الدولة الحديثة واإلدارة السياسية للمجتمع ‪ -‬كان للفلسفة وظيفة أخرى هي مراقبة‬ ‫السلطات المفرطة للعقالنية السياسية‪ .‬هذا يعني أن ما ُيطلب منها كثير(‪.((6‬‬

‫ويسمح السؤال الفلسفي‪ ،‬بالتالي‪ ،‬بحلحلة ظواهر الهيمنة‪ ،‬بكل تنوعاتها‪ ،‬سياسية أكانت أم اقتصادية‬ ‫أم جنسية أم مؤسساتية؛ فـ «الوظيفة النقدية للفلسفة مشتقة‪ ،‬إلى حد ما‪ ،‬من األمر السقراطي (اهتم أنت‬ ‫بنفسك) بمعنى (أقم حريتك‪ ،‬بالتحكم في ذاتك)»(‪.((6‬‬ ‫إن الموقف النقدي عند فوكو فضيلة عامة(‪ ،((6‬لماذا؟ ألنه يرى أن فكرة الحكم أو الخضوع أو االنصياع‬ ‫لشخص آخر مرتبطة بظهور الممارسة السلطوية الرعوية‪ ،‬وأن ما حدث منذ القرن الخامس عشر نوع‬ ‫من تعميم لفن حكم الناس هذا؛ إذ انتقل من الرعوية الدينية إلى شكل من الحكم العلماني المنتشر‬ ‫في المجتمع المدني من خالل امتداده إلى حكم األطفال واألسرة والجيش والدول والجماعات‪ ،‬بل‬ ‫والجسد والــروح‪ ،‬كما يقول فوكو(‪ ،((6‬األمر الذي طرح سؤال كيفية حكم هذه األشكال السابقة كلها‪،‬‬ ‫لتكون اإلجابة بفنون الحكم‪ :‬الفن التربوي‪ ،‬الفن االقتصادي ‪ ...‬إلخ‪ .‬وهنا يتولد الموقف النقدي في‬ ‫طرح سؤال الحكم ذاته‪ ،‬أي مسوغات الخضوع أو عدم الخضوع لهذا النوع من الحكم أو ذاك‪ .‬يقول‬ ‫كثيرا للحكم»(‪.((6‬‬ ‫فوكو إن «النقد هو فن أال نخضع ً‬

‫ل ـه ــذا‪ ،‬ي ـجــب أن ُي ـن ـظــر إل ــى ال ـم ـمــارســة ال ـن ـقــديــة ذات ـه ــا وم ـقــاومــة ال ـتــذويــت ع ـلــى الـ ــدوام ض ـمــن ال ـشــروط‬ ‫ال ـتــاري ـخ ـيــة‪ ،‬وب ـن ــاء ع ـلــى ذل ــك نـفـهــم ال ـض ــرورة الـم ـس ـتـمــرة ف ــي م ـمــارســة الـ ــذات ع ـبــر ك ـشــف مـسـتـمــر عــن‬ ‫ال ـح ــدود ال ـتــي تـحـكــم قــواعــد قـيـمـيــة وم ـع ـيــاريــة مـعـيـنــة‪ ،‬واألخـ ــذ دائ ـ ًـم ــا بـمـســافــة نـقــديــة مــع ال ـحــاضــر‪ ،‬ألن‬ ‫الـ ــذات تـشـكــل «نـفـسـهــا ف ــي عــاقــة م ــع مـجـمــوعــة م ــن ال ـش ـف ــرات‪ ،‬واإلرش ـ ـ ــادات‪ ،‬وال ـق ــواع ــد وه ــي تـفـعــل‬ ‫ذل ــك ب ـطــرق ال تـكـتـفــي ف ـقــط ب ـ ــ(أ) ك ـشــف حـقـيـقــة أن تــأس ـيــس ال ـ ــذات ه ــو ن ــوع م ــن ال ـص ـي ــرورة ‪poieses‬‬

‫(‪ ((6‬دريفوس ورابينوف‪ ،‬ص ‪.187‬‬

‫(‪ ((6‬فوكو‪ ،‬االنهمام بالذات‪ ،‬ص ‪.69‬‬ ‫(‪ ((6‬فوكو‪« ،‬ما النقد؟»‪ ،‬ص ‪.35‬‬ ‫(‪ ((6‬المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.36‬‬ ‫(‪ ((6‬المرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.37‬‬


‫‪42‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫ولـكـنـهــا (ب) تــؤســس خـلــق الـ ــذات بــوصـفــه جـ ــز ًءا مــن عـمـلـيــة أوس ــع هــي ال ـن ـق ــد»(‪ .((6‬ويـسـتـلــزم تشكيل‬ ‫الــذات أو تخليقها جـمــالـيــات‪ ،‬بــل ومـمــارســات لـلــذات لكي تدعمها‪ .‬وبــذلــك كــان مــراد فــوكــو «تحويل‬ ‫ال ـح ـي ــاة إل ــى أث ــر ف ـنــي وم ـث ـيــر ن ـحــو م ـم ـك ـنــات ح ـيــويــة وإبـ ــداعـ ــات ج ـمــال ـيــة ت ــري ــد ال ـع ـيــش ب ـم ـمــارســة ذات ـيــة‬ ‫ـاصــا‪ ،‬وأن تـتـفـنــن فــي الـكـيـفـيــة ال ـتــي تــوظــف بها‬ ‫ـاصــا وأس ـلــو ًبــا فــي الـحـيــاة خـ ً‬ ‫ب ــأن َتـخـ ُلــق لـنـفـسـهــا طـبـ ًـعــا خـ ً‬ ‫صفاتها الطبيعية»(‪.((6‬‬

‫خاتمة‬ ‫يتبين لنا مــن اسـتـعــراض آراء فوكو المتأخرة نــوع مــن اتـصــال األفـكــار واالسـتـمــرار على نظرية السلطة ‪-‬‬ ‫سماه القيادة‬ ‫معرفة‪ ،‬والبحث عن السلطة في السياق االجتماعي‪ ،‬كما تطوير فوكو لفكرة المقاومة في ما ّ‬ ‫المضادة‪ .‬وكذلك البحث في الممارسات من دون المؤسسات‪ ،‬حتى في سياق تحليل تعاقب األنظمة‬ ‫السياسية في الغرب؛ فقد حلل فوكو تعاقب عقالنيات الحكم وفنونه أو فن الممارسة السلطوية من‬ ‫السلطة الرعوية إلى الدولة اإلدارية حتى السلطة االنضباطية والحيوية‪ ،‬التي تشكل اإلطار الذي تعمل‬ ‫فيه سياسة الحكم الليبرالية‪.‬‬ ‫وبــذلــك‪ ،‬نستطيع فـهــم تحليل فــوكــو لـعــاقــة المجتمع الـمــدنــي بــالــدولــة‪ ،‬بــل وتفكيكه لـهــذه الـعــاقــة من‬ ‫خــال تحليله األكـبــر‪ ،‬أي تحليله للسلطة والـمـقــاومــة؛ فالسلطة عـنــد فــوكــو ليست قمعية فـقــط بــل هي‬ ‫كــذلــك مـنـتـجــة‪ ،‬وفـعــل الـمـقــاومــة ذات ــه يـجــب أن ُيـفـ َهــم كـتـعـبـيــر عــن الـسـلـطــة‪ ،‬فــا وج ــود لـسـلـطــة مــن دون‬ ‫ـاس ــا‪ ،‬ال يـمـكــن حـصــرهــا في‬ ‫م ـقــاومــة‪ ،‬وبــالـتــالــي ف ــإن عــاقــات الـسـلـطــة ه ــذه‪ ،‬الـتــي تـفـتــرض الـمـقــاومــة أس ـ ً‬ ‫المؤسسات السياسية فقط‪ ،‬أو في غيرها من المؤسسات‪ ،‬لماذا؟ ألنها منتشرة في السياق االجتماعي‬ ‫األعــم‪ ،‬وما اجتمع اثنان‪ ،‬عند فوكو‪ ،‬إال وكانت السلطة ثالثهما‪ ،‬وبالتالي ستكون المقاومة ‪ -‬في ظل‬ ‫عالقات سلطوية متذبذبة ومتقلبة ‪ -‬داخل نظام السلطة وليس خارجه‪ ،‬وعليها أن تكون منتجة‪ .‬من هنا‬ ‫ً‬ ‫شكل جوهر ًيا في التحليالت‬ ‫يعمل فوكو على تفكيك هذه المقابلة بين السلطة والمقاومة التي تأخذ‬ ‫السياسية‪ ،‬ليبين انتشار السلطة في كل مكان‪ ،‬ويفعل األمــر ذاتــه مع مقابلة المجتمع المدني بالدولة؛‬ ‫تلك المقابلة التي تتضخم في الخطابات الليبرالية والليبرالية الجديدة‪ ،‬ليكشف أنها ليست إال عقالنية‬ ‫حكم‪ ،‬وأن المجتمع المدني ليس إال تقنية للحكم كما الدولة تما ًما‪.‬‬ ‫من الواضح أن نمط السلطة الحديثة في الغرب‪ ،‬بشكليه االنضباطي والحيوي كما يحدده فوكو‪ ،‬يجد‬ ‫مصدره في الممارسات المسيحية المبكرة في الحكم‪ ،‬ومنها تطورت الممارسات والتقنيات الحديثة‬ ‫للحكم‪ ،‬االنضباطية والحيوية‪ ،‬أي الحكم مــن خــال المعايير التي تُعمم بالفضاء االجتماعي‪ ،‬بـ ً‬ ‫ـدل‬ ‫مــن الـحـكــم عــن طــريــق الـتـقـنـيــات الـقــانــونـيــة؛ فــالـمـعـيــار عـنــد فــوكــو يـعـمــل عـلــى تمفصل مـسـتــويــي السلطة‬ ‫الحديثة‪ ،‬أي المستوى االنضباطي والمستوى الـحـيــوي‪ .‬وبالتالي ُيـعــاد إنـتــاج عــاقــات السلطة‪ ،‬و ُيعاد‬ ‫(‪ ((6‬بتلر‪ ،‬ص ‪.57‬‬

‫(‪ ((6‬عبد الرزاق بلعقروز‪ ،‬المعرفة واالرتياب‪ :‬المساءلة االرتيابية لقيمة المعرفة عند نيتشه وامتداداتها في الفكر الفلسفي المعاصر‬ ‫(بيروت‪ :‬منتدى المعارف‪ ،)2013 ،‬ص ‪.305‬‬


‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫‪43‬‬

‫منها إنـتــاج ذات تاريخية مــا‪ ،‬مــن خــال مؤسسات‪ ،‬مثل السجون والـمــدارس والمستشفيات والجيش‬ ‫ومؤسسات المجتمع المدني‪ .‬لكن إعادة اإلنتاج هذه ليست حتمية مغلقة ال مكان فيها إلمكانية تحرر‪.‬‬ ‫إن الـمــوقــف الـنـقــدي الــذي طــرحــه فــوكــو مـمــارسـ ًة أســاسـيــة فــي تشكيل ال ــذات‪ ،‬يـســاهــم فــي الـكـشــف عن‬ ‫العالقات السلطوية الراهنة‪ ،‬وبالتالي يساهم في إمكانية التحرر من عملية إعادة اإلنتاج هذه‪ .‬والموقف‬ ‫النقدي هو موقف يمثّل القيادة المضادة أو تقنيات الــذات المقاومة لتقنيات الحكم وقـيــادة السلوك‪.‬‬ ‫لـكــن ال بــد مــن الـتـشــديــد هـنــا عـلــى أن مــا يعنيه فــوكــو بــإمـكــانـيــة الـتـحــرر لـيــس انـعـتــا ًقــا مـطـلـ ًقــا مــن عــاقــات‬ ‫خارجا عن عالقات السلطة التي هي في كل مكان‪ ،‬كما ذكرنا‪،‬‬ ‫السلطة‪ ،‬ألن ال أحد يمكنه أن يكون‬ ‫ً‬ ‫ب ـقــدر مــا هــي كـشــف عــن عــاقــات سـلـطــة يـســاهــم فــي اب ـت ـكــار نـمــط جــديــد مــن ال ــذات ون ـمــط جــديــد من‬ ‫المعايير والقيم االجتماعية‪ ،‬لكن هــذا النمط يؤسس لعالقات سلطوية جــديــدة‪ ،‬لـمــاذا؟ ألن ال وجود‬ ‫المحمل بالعالقات السلطوية‪ ،‬وبالتالي‬ ‫عند فوكو لذات متعالية؛ فالذات محكومة بسياقها التاريخي‬ ‫َّ‬ ‫فإن المهمة النقدية هي صيرورة دائمة‪ ،‬بالضبط كما الذات‪ ،‬أي إنها عملية غير مكتملة‪ ،‬عملية تاريخية‬ ‫دائما‬ ‫غير قابلة للتعميم المتجاوز على التاريخ‪ ،‬وأي محاولة لتأبيد ذات تاريخية هي محاولة تجا َبه ً‬ ‫بموقف نقدي‪ .‬من هنا نفهم فلسفة فوكو النقدية ألنطولوجيا الــذات الحديثة‪ .‬بناء عليه‪ ،‬ليست مهمة‬ ‫الفلسفة الكشف عن الذات الحقة في مقابل ذات مزيفة‪ ،‬أو الكشف عن الحقيقة التي تقمعها السلطة‪،‬‬ ‫وإنـمــا مهمتها هــي أن تبتكر ذا ًتــا جــديــدة وتخلقها وتبتدعها عــن طــريــق مـســاءلــة الــذات الـمــاثـلــة‪ ،‬بفضح‬ ‫عــاقــات السلطة القابعة خلفها‪ .‬وال ريــب أن مــا يقف وراء هــذه الــروح الفوكوية هــو الـمــوقــف النسبي‬ ‫الذي يعتمده فوكو‪.‬‬ ‫إن ما يعنينا مما سبق هو أنه ّ‬ ‫يمكننا من فهم موقف فوكو من المجتمع المدني‪ .‬وهنا تجدر مالحظة أن‬ ‫فوكو كان في نهاية كل درس من الدروس التي كان يلقيها في قاعة الكوليج دو فرانس منذ سنة ‪1975‬‬ ‫وافرا للبحث في صورة المجتمع المدني كميدان يتضمن القوى الفاعلة‪،‬‬ ‫حتى سنة ‪ ،1979‬يأخذ وق ًتا ً‬ ‫بل وكموقع إلنتاج الحقيقة‪ .‬وفــي كل درس من هــذه الــدروس‪ ،‬يقدم تعليقات ناقدة لهؤالء الحالمين‬ ‫بـحــل الــدولــة وات ـحــادهــا فــي ي ــوم مــن األي ــام فــي الـمـجـتـمــع ال ـمــدنــي؛ ه ــذه األح ــام الـتــي أخ ــذت أشـكـ ً‬ ‫ـال‬ ‫معينة من الفكر المرتبط بالثورتين الفرنسية واألميركية‪ ،‬وأيضا من المبدأ الماركسي ‪ -‬اللينيني القائل‬ ‫بتدمير الدولة(‪.((6‬‬ ‫ال شــك فــي أن تصاعد أحــداث العنف الـتــي اجتاحت الـقــارة األوروبـيــة منذ الـثــورة الطالبية سنة ‪1968‬‬ ‫في كـ ٍّـل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا‪ ،‬ساهم في تشكيل جــزء كبير من توجه فوكو السياسي ومشاركاته‬ ‫السياسية في فترة السبعينيات‪ ،‬بل وتحديد نمط التحليالت التي قدمها‪ ،‬ومنها النزعة المضادة للدولة‬ ‫تحليليا ونـظــر ًيــا‪ ،‬ورفــض الشكل اإلنـســانــي لليبرالية السياسية‪ ،‬كما التركيز على ابـتــداع الــذات والهوية‬ ‫ً‬ ‫كمهمة ورهــان سياسي‪ ،‬ورفــض زعم تعالي الدولة؛ فالتحليل الــذي تــازم مع فوكو وخــرج عن تحليل‬ ‫المؤسسة (الــدولــة) كــان يتوجه إلــى مـيــدان الـمـعــارك والتكتيكات‪ ،‬ثــم إلــى ميكروفيزياء السلطة‪ ،‬ومنها‬ ‫إلى عقالنيات الحكم وتقنياته‪ ،‬بل وتخطيط المجتمع المدني نفسه‪ ،‬المكان الذي نظر فيه إلى الفرد‬ ‫‪(68) Dean and Villadsen, p. 3.‬‬


‫‪44‬‬

‫العدد ‪Issue 5 / 18‬‬ ‫خريف  ‪Autumn 2016‬‬

‫أو الذات كإبداع أو ابتكار ذاتي‪ ،‬وكنوع من السلطة‪ ،‬أو سلطة القيادة‪ ،‬في الوقت نفسه‪ :‬أن تبتدع ذاتك‬ ‫وتقودها‪ ،‬ومنها تقود اآلخرين(‪.((6‬‬ ‫وجه نقدً ا إلى الطرح الفوكوي لفشل ذلك الطرح‪ ،‬بحسبه‪ ،‬في التعامل‪ ،‬بل وفي فهم‬ ‫كان هابرماس قد ّ‬ ‫المؤسسة على الحوار‬ ‫المجتمع المدني؛ فالمجتمع المدني عند هابرماس يمثّل ميدانًا تقوم فيه القيم‬ ‫َّ‬ ‫وعلى األخالق التنويرية‪ ،‬بتشكيل مصدر أو مجال لقول الحقيقة بشأن المجتمع المدني خارج إطار‬ ‫توسع السوق االستغاللية وهيمنة الدولة‪ ،‬بل وضدهما(‪.((7‬‬ ‫خصوصا‬ ‫غير أن مقاربة فوكو بخصوص الحكم أو الحكومة تقربه من المشروع النقدي الماركسي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫في البحث في أسباب هيمنة االقتصاد السياسي على السياسات المتمحورة حول السلطة السيادية في‬ ‫الحداثة المتأخرة‪ .‬وكما يذكر فوكو في نهاية دروس (مولد السياسة الحيوية)‪ ،‬فــإن أحــد الــدوافــع التي‬ ‫وجهته لدراسة الحكم هو مهمة فهم المجتمع المدني والفرد أو الذات االقتصادية؛ تلك الذات التي‬ ‫هي نتاج التطبيق المستمر للتفكير االقتصادي في جميع نواحي الحياة الطبيعية واالجتماعية‪ ،‬وهذه‬ ‫ال ــذات إنـمــا هــي نـتــاج لـقـيــادة سـلــوك حــديـثــة يسميها فــوكــو الـلـيـبــرالـيــة‪ .‬وال شــك فــي أن تعميم العمليات‬ ‫االقتصادية في جوانب المجتمع المتعددة التي ّبينها فوكو في دروس هذه السنة‪ ،‬تمكننا من فهم ذلك‬ ‫االستقبال الكبير ألفـكــاره من ِقبل االتـجــاه ما بعد الماركسي في فترة التسعينيات‪ ،‬وعلى األخــص في‬ ‫أعمال أنطونيو نيغري(‪.((7‬‬ ‫نـخـلــص مــن ذل ــك إل ــى أن تـحـلـيــات فــوكــو الـمـتـعـلـقــة بـشـكــل ال ـعــاقــة بـيــن ال ــدول ــة والـمـجـتـمــع الـمــدنــي‪،‬‬ ‫وم ـن ـه ـج ـي ـتــه ال ـج ـن ـي ــال ــوج ـي ــة‪ ،‬ت ـن ـت ـهــي إلـ ــى ن ـت ـي ـجــة م ـف ــاده ــا أن ال ـم ـج ـت ـمــع ال ـم ــدن ــي م ــا ه ــو إال ف ـض ــاء آخ ــر‬ ‫لـلـحـكــم‪ ،‬ووسـيـلــة تـتــوسـلـهــا الـسـلـطــة‪ ،‬ول ـيــس لــه ه ــذه االسـتـقــالـيــة ال ـتــي تـفـتــرضـهــا الـخـطــابــات الـلـيـبــرالـيــة‪،‬‬ ‫وأن ــه مـتـصــل بـسـيــاســة الـحـكــم الـلـيـبــرالـيــة‪ ،‬وه ــذا مـتـســق مــع نـظــريــة فــوكــو فــي الـسـلـطــة والـمـقــاومــة‪ .‬لـكـنــه مع‬ ‫ذلــك يــرى إمـكــانـيــة الـقـيــادة الـمـضــادة لـلـتــذويــت بــابـتــداع ذاتـيــة جــديــدة‪ .‬وه ــذه الــزاويــة مــن الـنـظــر تساعدنا‬ ‫عـلــى فـهــم الـمـجـتـمـعــات الـغــربـيــة الـمـعــاصــرة بــأنـظـمـتـهــا الـسـيــاسـيــة‪ ،‬وأك ـثــر مــن ذل ــك تـمـ ِّـكـنـنــا مــن الـتـعــاطــي‬ ‫م ــع م ـف ـهــوم الـمـجـتـمــع ال ـمــدنــي ف ــي ال ــواق ــع ال ـع ــرب ــي‪ ،‬س ـيــاسـ ًـيــا ون ـظ ــر ًي ــا‪ ،‬بـطــريـقــة ن ـقــديــة فــاح ـصــة تـتـجــاوز‬ ‫النظر المثالي‪.‬‬

‫المصادر والمراجع ‬

‫‪References‬‬

‫العربية‬

‫إهــرنـبــرغ‪ ،‬جــون‪ .‬المجتمع الـمــدنــي‪ :‬الـتــاريــخ الـنـقــدي للفكرة‪ .‬ترجمة علي حــاكــم صــالــح وحـســن ناظم؛‬ ‫مراجعة فالح عبد الجبار‪ .‬بيروت‪ :‬المنظمة العربية للترجمة‪.2008 ،‬‬ ‫‪(69) Ibid., p. 8.‬‬ ‫‪(70) Ibid., p. 9.‬‬ ‫‪(71) Lemm and Vatter (eds.), p. 5.‬‬


‫‪45‬‬

‫ثاحبأو تاسارد‬ ‫ةمواقملا ناكمإو مكحلا تاينقت نيب ‪:‬وكوف ليشيم دنع يندملا عمتجملا موهفم‬

‫بتلر‪ ،‬جوديث‪ .‬الذات تصف نفسها‪ .‬ترجمة فالح رحيم‪ .‬بيروت‪ :‬التنوير للطباعة والنشر والتوزيع‪.2014 ،‬‬ ‫ب ـش ــارة‪ ،‬ع ــزم ــي‪ .‬الـمـجـتـمــع ال ـم ــدن ــي‪ :‬دراس ـ ــة ن ـق ــدي ــة‪ .‬ط ‪ .6‬ب ـي ــروت‪ :‬ال ـمــركــز ال ـعــربــي لــأب ـحــاث ودراس ــة‬ ‫السياسات‪.2012 ،‬‬ ‫بلعقروز‪ ،‬عبد الــرزاق‪ .‬المعرفة واالرتـيــاب‪ :‬المساءلة االرتيابية لقيمة المعرفة عند نيتشه وامتداداتها في‬ ‫الفكر الفلسفي المعاصر‪ .‬بيروت‪ :‬منتدى المعارف‪.2013 ،‬‬ ‫دريفوس‪ ،‬أوبير وبول رابينوف‪ .‬ميشيل فوكو‪ :‬مسيرة فلسفية‪ .‬ترجمة جورج أبي صالح‪ .‬بيروت‪ :‬مركز‬ ‫اإلنماء القومي‪[ ،‬د‪ .‬ت‪.].‬‬ ‫سـمـيــث‪ ،‬آدم‪ .‬ب ـحــث ف ــي أس ـب ــاب وطـبـيـعــة ث ــروة األمـ ــم‪ .‬تــرجـمــة حـسـنــي زي ـنــة‪ .‬ب ـغ ــداد‪ :‬مـعـهــد ال ــدراس ــات‬ ‫االستراتيجية‪.2007 ،‬‬ ‫فــوكــو‪ ،‬ميشيل‪ .‬االنـهـمــام بــالــذات‪ :‬جـمــالـيــة الــوجــود وج ــرأة قــول الحقيقة‪ .‬تقديم وترجمة محمد ازويـتــة‪.‬‬ ‫الدار البيضاء‪ :‬أفريقيا الشرق‪.2015 ،‬‬ ‫________‪ .‬ما التنوير؟‪ .‬الكويت‪ :‬آفاق للنشر والتوزيع‪.2013 ،‬‬ ‫________‪ .‬هــم الـحـقـيـقــة‪ .‬تــرجـمــة مصطفى الـمـسـنــاوي‪ ،‬مصطفى كـمــال ومـحـمــد بــولـعـيــش‪ .‬الـجــزائــر‪:‬‬ ‫منشورات االختالف‪.2006 ،‬‬ ‫________‪ .‬يجب الــدفــاع عــن المجتمع ‪ :‬دروس ألقيت فــي الكوليج دي فــرانــس لسنة ‪ .1976‬ترجمة‬ ‫وتقديم وتعليق الزواوي بغورة‪ .‬بيروت‪ :‬دار الطليعة للطباعة والنشر‪.2003 ،‬‬ ‫ليمكي‪ ،‬توماس [وآخــرون]‪ .‬ماركس وفوكو‪ .‬ترجمة حسن الحاج‪ .‬بيروت‪ :‬مجد‪ ،‬المؤسسة الجامعية‬ ‫للدراسات والنشر‪.2012 ،‬‬ ‫هايك‪ ،‬ف‪ .‬أ‪ .‬الطريق إلى العبودية‪ .‬ترجمة محمد مصطفى غنيم‪ .‬القاهرة‪ :‬دار الشروق‪.1994 ،‬‬ ‫األجنبية‬ ‫‪Books‬‬ ‫‪Dean, Mitchell and Kaspar Villadsen. State Phobia and Civil Society: The Political‬‬ ‫‪Legacy of Michel Foucault. Stanford, CA: Stanford University Press, 2016.‬‬ ‫‪Faubion, James D. (ed.). Foucault Now: Current Perspectives in Foucault Studies.‬‬ ‫)‪Cambridge, UK: Polity Press, 2014. (Theory Now‬‬ ‫‪Foucault, Michel. The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France, 1978‬‬‫‪1979. Edited by Michel Senellart; General editors, Francois Ewald and Alessandro‬‬ ‫‪Fontana; Translated by Graham Burchell. New York: Palgrave Macmillan, 2008.‬‬


Issue 5 / 18 ‫العدد‬ Autumn 2016  ‫خريف‬

46

________. Security, Territory, Population: Lectures at the College de France, 1977-78. Edited by Michel Senellart; General Editors, Francois Ewald and Alessandro Fontana; English Series Editor, Arnold I. Davidson; Translated by Graham Burchell. Houndmills, Hampshire: Palgrave Macmillan, 2007. Kelly, Mark G. E. The Political Philosophy of Michel Foucault. Hoboken: Taylor and Francis, 2008. (Routledge Studies in Social and Political Thought; 61) Lemm, Vanessa and Miguel Vatter (eds.). The Government of Life: Foucault, Biopolitics, and Neoliberalism. New York: Fordham University Press, 2014. Taylor, Dianna (ed.). Michel Foucault: Key Concepts. London: Routledge, 2014. Vatter, Miguel. The Republic of the Living: Biopolitics and the Critique of Civil Society. New York: Fordham University Press, 2014. Zamora, Daniel and Michael C. Behrent (eds.). Foucault and Neoliberalism. Malden, MA: Polity Press, 2016.

Periodical Pyykkönen, Miikka. «Liberalism, Governmentality and Counter-Conduct: An Introduction to Foucauldian Analytics of Liberal Civil Society Notions.» Foucault Studies. no. 20 (December 2015), pp. 8-35.


Turn static files into dynamic content formats.

Create a flipbook
تبين 18 حسين بوكبر مفهوم المجتمع المدني عند ميشيل فوكو، بين تقنيات الحكم وإمكان المقاومة by الجمعية العلمية لمهندسى الاتصالات - Issuu