الكلمة الأخرية ُّ الشعور .لكنني ُ قرأت مقاالت عديدة قاسمت الكارثة ليس ألحد يرى الحمم تهبط على قطاع غزة ،ويقف محايدا ولو في الرأي أو ُ ُ ُ بني إسرائيل وحكومة حماس بغزة .لم أكتب هذا تعليقا على ما ُ تسلمت أكثر ولست بصدد صواب ما كتب أو خطئه ،إنما قرأت، ِمن رسالة يستغرب فيها أصحابها عدم الكتابة عن غزة .أقولها بصريح العبارة بال مواربة أن الحرب التي دارت بني إسرائيل َّ وحزب الله لم أكتب عنها آنذاك للسبب الذي سأذكره الحقا ،على َّ الرغم ِمن إدانتي الشديدة إلسرائيل وآلتها العسكرية ،بل ال أتردد عن تحميلها جزءا كبيرا ِمن شقائنا باملنطقة. َّ كانت إسرائيل وراء صعود ديكتاتوريني باسم قضية فلسطني لحكمنا ،وهي وراء شرعية األحزاب ِّالدينية في أذهان الناس، باسم فلسطني ،وقضيت أعمارنا نتحدث عن القضية فمنذ األربعينات إلى اليوم ما قامت جماعة دينية أو قومية متطرفة إال ً املركزية ،وباسمها ُسلبت بلداننا ِمن ِقبل ُحكام رفعوا القضية ذاتها راية ،ووصل األمر إلى تأجيل تبليط الشوارع ِمن أجل القضية الكبرى واملركزية ،وكم ذهبت أرواح وسفكت دماء ،وتسلطت علينا عصابات باسم هذه القضية ،والسبب املحرك إسرائيل. ُ نشاهد جماعة اإلخوان املسلمني (حماس) قد استقلت بغزة ،حتى صارت مأوى لبقية الجماعات ،ونشرت رايتها الخضراء وأدخلت تقاليدها الحزبية في املدارس ،وشقت الحركة الفلسطينية شقا ال التحام له ،هذه األجواء ال تترك فينا تضامنا ،ألن األمر على ما يبدو شراكة ملا يجري بغزة أمس واليوم.
بقلم :ر�شيد اخل ُّيون
وقبل لقد التحمت حماس مع إخوان مصر ،وخصها يوسف القرضاوي ،أمني تنظيم اإلخوان العاملي فعال ال اسما ،بزيارات، ً رئيس وزراء غزة وبقية األعضاء يده ورأسه كرامة له ،مع أن مصر كادت تنزلق ،وحكومة اإلخوان فيها هادنت إسرائيل ملتزمة ِّ السابقة ،زيادة على ذلك نشرت ُّ بكل املعاهدات َّ الصحف خبر رسالة الرئيس السابق مرسي إلى َّ الرئيس اإلسرائيلي ووصفه ُ بالصديق ،وأذيع خبر ِّ الرسالة ولم ينفها أحد. ُ َّ أكون مخلصا في رأيي إذا قلت لم تدفعني العاطفة بالتضامن مع حزب الله في أي ِمن حروبه مع إسرائيل؛ وليفسرها املفسرون كيفما يرغبون ،إال أنني أدرك تماما أن وجود حزب الله ما زال ُيدمر َّالدولة اللبنانية ،وهل الحرب مع إسرائيل تستدعي اغتيال رئيس وزراء لبناني ( ،)2005وقبلها اغتيال مفكرين مثل حسني مروة ،ومهدي عامل ( .)1987ما قيمة تحرير شبر أرض وتدمير دولة كاملة. ِّ أرى القياس واحد بالنسبة ملنظمة أو جماعة حماس ،أنها الوجه اإلسالمي اآلخر لحزب الله، ّ حققت وجودا إخوانيا وامتدت باسم ُالقضية الفلسطينية ،لكنها تريد الدولة التي تسعى إليها ،وليست حقوق فلسطينيني ،فلو أعطيت الحقوق الفلسطينيةِ ،من دون اعتبار شكل بحل مهما كان لصالح الفلسطينيني .هنا َّالدولة اإلخوانية التي تطلبها حماس ،فال اعتراف ٍ َّ القضية بدأت باختطاف يأتي دور املؤثر على التضامن مع ما يحدث بغزة .مع علم الجميعّ ، إسرائيليني ،وأن وجود الجناح العسكري (كتائب القسام) ،ال ُيرجى حل ،وال إسرائيل تتنازل عن شيء.
غزة املنكوبة ..أثر حماس َّ في قلة التضامن
لو نظرنا بروية وتبصر ،ما هو مصير حزب الله ومنظمة حماس لو ُحلت القضية الفلسطينية مثال ،عن طريق َّالدولتني ،وماذا يكون مصير حزب الله لوحده إذا خرجت إسرائيل ِمن آخر َّ َّ ذرة تراب لبنانية ،ماذا يعمل هذا الحزب ،وبما يقود الناس؟ ِمن هنا يأتي االنكماش وقلة التضامن ألن غزة مشروع جماعة ال َّ مشروع شعب ،ويكفي النظر في االنقالب العسكري الذي قادته حماس على بقية الفلسطينيني.
لقد أسست إسرائيل مع تأسيسها أحزابا ومنظمات تسلطت على الشعوب؛ فأرى القصة معقدة جدا ،فأنت أمام طرفني في السجية ،أهمية حماس وحزب الله لقوة إسرائيل ،وأهمية َ األخيرة لوجود التنظيمني املذكورين .إنها َحيرة ما متراضيني َ بعدها َحيرة ملن تزعجه جدا عنجهية إسرائيل وإطالق يدها في التدمير ،وملن يزعجه أيضا وجود أحزاب شوفينية ،تتعدى على أبسط الحقوق باسم الدين ،فإذا حول حزب الله منطقة بعلبك التاريخية ذات الفن والرقي العمراني القديم إلى شبكة ِمن املآتم الصفر ُّ والرايات ّ َّ والسود ،فحماس حولت غزة إلى واحة للتطرف ،والتجربة مع مصر غير خافية على أحد. ُ سأكتب شيئا مقتبسا ِمن خطاب لزعيم حزب الله حسن نصر الله ،وماذا يقول في املوت كتربية« :املطلوب أن نكون طالب نأنس باملوت ،كاإلمام علي بن أبي طالب ،وهذا بحاجة إلى عمل تربوي طويل» (خطاب شهادة ،وأن تحمل كيف يمكن أن ُ عاشوراء) ،ونعترف لنصر الله أن ولده قتل في إحدى املعارك ،نحزن لقتل ولده ولتدميره للبنان أيضا. تأملوا هذا الخطاب املذكور وارجعوا إلى مقال لحسن البنا (اغتيل ،)1949كتبه في صحيفة «اإلخوان املسلمون» بعنوان ستجدون النتيجة واحدة .فعندما تدفع الضرورة ،وجود إسرائيل «صناعة املوت» ( ،)1937ثم أعاد نشره بعنوان «فن املوت»، ٍّ ُ وقوتها مرتبطان بوجود مقاومة مثل هذين ،أفضل كثيرا ِمن أي حل آخر ،فمقابل خطف رجلني لها قتل األلف ،وهي تقدم نفسها دافعة ال هاجمة. أقول :إنها َحيرة وفاجعة أن نصل إلى هذه النتيجة ،وليس بمقدورنا مناصرة غزة املنكوبة ِمن دون أن نبني كارثتها املزدوجة ِمن حماس وإسرائيل معا. 66
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
رجحت كفة جهة على أخرى ،فإن ذلك سيشجع األولى على اتخاذ خطوات قد تكون مضرة ٬وأنا أرفض القول إن هذا يجعل املنطقة أكثر اشتعاال ٬بل أعتقد أنه يحقق نوعا من التوازن فيها.
العالقات مع روسيا > هناك من يقول :إن البعض يريد لعدن أن تكون «هانوي صنعاء» ٬ولصنعاء أن تكون «هانوي الجزيرة العربية» ٬ما تعليقكم على ذلك؟ أعتقد أن اإلخ��وة في اليمن الشمالي فيهم الخير والبركة ٬وال أعتقد أنهمسيسمحون ألنفسهم بأن يكونوا في يوم من األيام شوكة في جسم الجزيرة العربية ٬وال أعتقد حتى أن التفكير في ذلك وارد لديهم. > صدرت دعوات من بعض املسؤولني الخليجيني إلقامة عالقات دبلوماسية مع االتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية .ما وجهة نظركم حيال هذه الدعوات؟ نحن لم تصل إلينا أي دعوة رسمية بهذا الشأن .سمعنا كالما على أن هناكاتجاها النفتاح أكثر على الكتلة الشرقية ،ولكن لم ُيطرح هذا رسميا أبدا ٬ال في قمة مجلس التعاون الخليجي ،وال في أي اجتماع وزاري للمجلس ،وال حتى كفكرة ،أو شيء كهذا ٬ثم إن اتجاه السلطنة ٬كما قلنا دائما ٬نابع من أنه عندما تريد أن تصادقنا أي دولة من دون تدخل في الشؤون الداخلية للسلطنة ،بجانب االحترام املتبادل بني الصديقني ٬وال تسعى هذه الدولة إلى أن تصدر إلينا مبادئ مستوردة أو عقائد نرفضها ..عندها ال توجد لدينا أي معارضة .لكن يجب أن نقتنع أوال ٬وكمثال على ذلك فهناك عالقات لنا مع الصني الشعبية (بعد أن غيرت قناعتها السابقة) ومع رومانيا ويوغوسالفيا. > هل ُيفهم من ذلك أنكم تدعون االتحاد السوفياتي إلى إقامة عالقات صداقة بموجب شروطكم؟ قناعتنا شرط أساسي ألي عالقة .قبل أن نقيم أي عالقة مع أي دولة فال بدأن نقتنع أوال وبشكل تام أن هذه العالقة ستعود علينا بالخير وليس بالشر.. نحن لسنا منغلقني أبدا.
الدولة املضيفة ٬ألنه لو حصل وأعطيت هذا ،فعندها يمكن أن تستغل األمر وتصبح مصدر إزع��اج ٬لذا ال بد من تفويت الفرصة عليها بأحكام الرقابة والضبط لعدم القيام بأي نشاط تخريبي يسبب عدم االستقرار ٬واألهم من هذا وذاك ال بد من أن نكون مستعدين إليجاد وجلب البديل عنها في أي لحظة٬ أي بمعنى أن ال نشعر هذا العمالة بأنه ال غنى عنها واستغناء ،ألنه عندها ستولد لديها مزيد من الدافع للتحرك .أما فيما يتعلق بإمكان تحقيق االستقرار بمعزل عن القوى املجاورة ،فإن هذا يمكن أن يجري ،ألن ما حدث من تعاون مجلس التعاون إلى أين؟ بني الدول الست في الخليج سببه أنها متشابهة في كل شيء ،ومرتكزة على > هناك تساؤالت حول الغاية النهائية ملجلس التعاون الخليجي ٬هل سيؤدي أسس مشتركة ،وباستطاعتها أن تكمل بعضها البعض ٬وهو الغاية .ويجب هذا املجلس إلى إقامة وحدة سياسية بني الدول األعضاء ،أم سيؤدي إلى صيغة أن نوجه كل ما أتيح لنا التوجيه السليم ليصب في قالب واحد يخدمنا جميعا. وفي الوقت نفسه لنا حسن جوار وتعاون وثيق ٬خاصة مع الشقيقة العراق، كونفدرالية؟ أم إلى ماذا؟ السؤال لم ُيطرح إلى اآلن .واملجلس في بدايته ،وال يزال يتلمس طريقه .وقد وجميع الدول العربية واإلسالمية التي تؤمن بمبادئنا وديننا ولها مواقف طيبة.قطع أشواطا كبيرة جدا في بعض النواحي .أما مسألة التكامل فيجب أن ال نستعجل في هذا األمر ٬حتى إذا ما جرى فيكون ذلك على أسس ثابتة ومتينة مضيق هرمز ونابعا مما يريده الناس .نود أن يحدث ذلك تماما كما حدث وج��اء مجلس التعاون الخليجي وليد الحاجة ،وتجاوبا مع رغبات أبناء املنطقة ٬هذا سيكون > حركة م��رور الناقالت النفطية عبر مضيق هرمز االستراتيجي يمكن أن بحكم التطور ،وستأتي الظروف التي ترى فيها دول املجلس األفضل لنوعية تتعطل بسهولة ،خاصة أن الحرب الدائرة في املنطقة قد ضاعفت هذه املخاطر. التكامل أو الوحدة املنشودة لألعضاء .وقد يكون اآلن من السابق ألوانه بحث سلطنة عمان دولة تطل على املضيق بشريط ساحلي واسع ٬فهل لديكم خطة التفصيالت .ثم إن مجلس التعاون في الحقيقة لم يكمل السنة بعد .وفي أي لتأمني سالمة الشحنات النفطية؟ وما حقيقة األنباء التي ذكرت أنكم تسعون حال ٬نحن شعب واحد في املنطقة. إلى التقليل من األهمية االستراتيجية للمضيق؟ ال ٬أعتقد أن املضيق يمكن أن يغلق بسهولة .ولكن ف��ي املقابل ليس مناملستحيل على أي كان أن يجعل هذا املضيق عرضة للخطر ٬وأبسط شيء مثال أمن الخليج القيام بزرع ألغام في املضيق ٬أو حتى مجرد إشاعة من هذا القبيل ستؤدي > يقول البعض إن أم��ن الخليج معرض لتهديدات م��ن ال�خ��ارج وم��ن العمالة إلى تعطيل مرور السفن ٬ال أعتقد أن األمر سيكون بهذه السهولة .لكن ال بد األجنبية الوافدة ،وكذلك من بعض القوى السياسية ،كإيران مثال .فما رأيكم؟ من حساب كل االحتماالت ..وبحكم موقف املضيق ومرور السفن من وإلى بالنسبة إلى العمالة األجنبية ،ال بد من القول إنه إذا توفرت القوانني املطلوبة املنطقة والعالم في مياهنا اإلقليمية ٬كانت علينا مسؤولية كبرى تجاه سالمةالتي تتحكم في جميع أمورها ،فلن تكون هناك أي مشكلة .لكن املشكلة في هذا املمر .ونحن ٬بقدر إمكانياتنا ٬نراقب مراقبة دقيقة دخول السفن وخروجها عدم توفر الضوابط والروابط .عندها قد يكون لهذه العمالة إزعاج .والحقيقة في املضيق ٬وبحريتنا موجودة هناك بشكل دائم .لكن اآلن وفي إطار التعاون آمل أن يأتي يوم تكون دول مجلس التعاون لها اإلمكانية ألن تكفي نفسها الخليجي ٬سيكون لنا تعاون كبير مع إخواننا في هذا املجال ٬وسنرى ما يمكن بنفسها ٬ألنه يالحظ أن الكثافة البشرية بدأت تزداد إلى درجة يصبح معها عمله لتطوير قدراتنا على األق��ل ملراقبة ما يجري هناك .نحن ال نعمل على االعتماد على العمالة األجنبية ليس بتلك الدرجة من األهمية ٬ثم ال بد من عدم التقليل من األهمية االستراتيجية ملضيق هرمز ٬املضيق ال يخدم السلطنة إال اإلتاحة لهذه العمالة التخاذ أي موقف سياسي أو أي نشاط مخالف لقوانني في منطقة بسيطة ،ألن كل موانئنا مفتوحة على البحر <
السلطان قابوس بن سعيد
عالقة عمان وأي دولة في العالم تقوم على أساس عدم التدخل بشؤون الغير
غالف املجلة العدد ()116
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
65
أرشيف
أجرت «املجلة» مقابلة خاصة شاملة مع السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان ،تناولت ،بوضوح وصراحة، قضايا مهمة تتعلق بالوضع في املنطقة عموما ،وفي الخليج خصوصا .وتتعلق أيضا بدور سلطنة عمان في النطاق العربي .وقد حضر هذه املقابلة ،التي جرت في قصر العلم العامر بمسقط ،وزير اإلعالم في السلطنة السيد عبد العزيز الرواس .وفيما يلي نص هذه املقابلة املهمة:
ستأتي الظروف التي ترى فيها دول مجلس التعاون األفضل لنوعية التكامل أو الوحدة املنشودة لألعضاء
:أسري السلطان قابوس لـ يف االجتاه الذي يريده شعيب املجلة العدد ()116 1982/05/7 مسقط: عدنان صادق
64
> الحديث عن التسهيالت العسكرية املعطاة للواليات املتحدة في سلطنة عمان ل��وج��ود حلف وارس ��و وح�ل��ف األط�ل�س��ي ف��ي أوروب ��ا ٬إال أن��ه خ�ط��ر ،وال ب��د أن بات مادة دسمة للصحف العربية واألجنبية تعلق عليه وتحلل أبعاد هذا األمر ٬نحسب له ألف حساب. ما حقيقة املوضوع؟ غير طابعا �ى � ط � ع أ التسهيالت �وع � ض �و � م أن �ح � ض �و � ن أن �د ف��ي الحقيقة ،ال ب�مجلس الخليج والتسهيالت الطابع الحقيقي له ٬وذلك بتفسيرات متعددة ٬البعض ذهب فيها إلى القول إنها قواعد مستترة تحت التسهيالت .وهذا غير وارد أصال ،بل ال نقبل التحدث > أال يتعارض موقف سلطنة عمان هذا فيما يتعلق بالتسهيالت العسكرية فيه من بعيد أو قريب .لكن بحكم الظروف التي خلقت في العالم وفي منطقتنا األميركية مع خطوط السياسة الخارجية املتفق عليها في مجلس التعاون بالتحديد .كان من الضروري أن يحدث نوع من التفاهم بيننا وبني أصدقائنا الخليجي؟ بالذات ،من دون تحديد دولة معينة .ثم بحكم أن الواليات املتحدة األميركية هي -هذا السؤال يمكن اإلجابة عنه باختصار؛ قبل أن يتكون هذا املجلس كانت الكفة الثانية للميزان الدولي ٬أصبح من الضروري في املنطقة أن يكون هناك للدول الست (األعضاء فيه) سياسات وعالقات متفردة مع عدة دول في العالم٬ ت��وازن ألن الكفة األخ��رى ثقلت ٬ووج��ود املعسكر الشرقي في املنطقة أصبح وعالقات عمان مع أي دولة ُولدت قبل تكوين املجلس ،لكن ليست هناك قواعد ذا حجم كبير ٬سواء في البحر أو في املحيط ،وباألخص منطقة جنوب اليمن أو التزامات في هذه العالقات تضر بالسيادة العمانية أو سيادة املنطقة ،ألن وإثيوبيا ،ثم في منطقة أفغانستان في الشمال التي ال تبعد إال 300ميل جوي ذلك غير وارد .وما أقدمنا عليه مع أميركا هو تفاهم تحسبا لظروف معينة٬ عنا .لذا كان ال بد لهذا التوازن من أن يكون .أما الوجود البحري األميركي فليس فيما إذا طرأت هذه الظروف .وأعتقد أن ذلك ال يتنافى وسياسة مجلس التعاون٬ لعمان أي دخل فيه .إنه في املحيط الهندي ليس تحت سيادة أي دولة معينة .وفي أي حال هناك اتجاهات في مجلس التعاون ٬لكن هذه االتجاهات اجتهادات لكن من املصلحة أن يكون هناك تفاهم معني مع الطرف اآلخر في القوى الكبرى ،وليست مضادات .وأعتقد أنه سيأتي وقت بحكم التجربة واالجتهادات ستكون ألن��ه في ح��ال ال�ض��رورة القصوى ٬ال سمح الله ٬تحتاج املنطقة إل��ى الواليات فيه سياسة خارجية موحدة نابعة من جميع االتجاهات ،ونتوصل إلى شيء املتحدة ،ثم ال بد من وجود أمور تسهل ألميركا املساعدة ٬وأميركا مستعدة وسط مقبول للجميع ٬ويحقق رغبات شعوب املنطقة ٬أنا في عمان عندما أملس لتنمية مطاراتنا وموانئنا ٬وم��ن غير امل�ج��دي إض��اع��ة فرصة كهذه لتطوير أن شعبي يريد أمرا أو اتجاها معينا فسأسير فيه .وإذا ما الحظت أن شعبي امل��راف��ق .أم��ا استخدام ه��ذه امل��راف��ق ألي ش��يء ،فسيكون بطلب منا ٬من هنا ٬ال يرغب هذا الشيء ،أتجنبه. وعلى هذا األساس .رحبت السلطنة بإعطاء التسهيالت ألميركا .وهذا كل ما هناك ٬لكن كثر التطبيل والتزمير ٬وهذه الضجة متوقعة ،ألن أي مساعدة ٬سواء عسكرية أو اقتصادية ٬تقدمها الواليات املتحدة ٬ال بد أن تمر على الكونغرس التوازن األميركي ـ الروسي وتحدث ضجة تنتقل بعدها إلى املجاالت اإلعالمية .لكن إذا كانت هناك قوة ذاتية في املنطقة ملواجهة أي احتمال ،وبأنفسنا ٬فضرورة االستعانة بأميركا > ُي�ق��ال إن التسهيالت املعطاة ألميركا دعمت موقف ال��روس بطريقة غير مباشرة في ع��دن ٬وأن املحصلة النهائية ّ زج املنطقة في خضم الصراع بني ستنتقي .وفي الخطاب السياسي األخير لي في بريطانيا قلت حرفيا« :لن نطلب من أحد أن يحارب من أجلنا أو يريق دمه نيابة عنا ،ألن هذه مسؤوليتنا .ما أميركا وروسيا .ال بد أن أرفض هذا الكالم ألن الوجود األميركي ٬أو األصح نطلبه أن يكون أصدقاؤنا على استعداد ملساعدتنا ومساندتنا» .دول أوروبا الغربي ٬في املحيط الهندي واملنطقة املحيطة بنا هو إليجاد نوع من التوازن مع الغربية مثال متفوقة ولها القدرة في جميع املجاالت ،لكن الحقيقة أنه ال يزال الوجود السوفياتي .وال بد من القول :إن الوجود األميركي في املحيط الهندي ينقصها كثير من اإلمكانيات ٬بحيث إنه إذا حدث عليها أي هجوم من دولة ليس لنا شأن فيه .لكن ال بد من القول أيضا إن الوجود في املحيط الهندي كبرى من دول املعسكر االشتراكي مثال ،فال بد لها من التضامن ليس أميركا فقط بل غربي بشكل عام .وحتى أستراليا لها وجود .السؤال هو مع أصدقاء آخرين ،حتى تتمكن من صد الهجوم على نفسها .ملاذا؟ الواقع أن ذلك كله نشأ نتيجة الوجود الروسي في املنطقة الذي أصبح أوروبا بكاملها ٬بما فيها بريطانيا ٬ال تستطيع الوقوف أمام قوة بحجم ال يمكن لألوروبيني أن يتجاهلوه ،والوجود الغربي جاء نتيجة الوجود السوفياتي في تلك املنطقة ٬مما حتم الوجود الغربي إليجاد نوع من التوازن. كبرى إال بمساعدة الواليات املتحدة. صحيح أن الخطر الذي قد يواجه الواحد هنا ربما ليس بهذا الحجم ٬ونحن نؤمن بالتوازن ،ألن التوازن يزيل الخطر ٬وعدم التوازن يزيد الخطر ٬فإذا
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
النجاح يف أفريقيا :تأمالت مدير تنفيذي من قارة صاعدة بقلم :جوناثان بريمان مراجعة :نيكوالس فان دي وال
لقد ك��ان عهد ج��ورج دبليو ب��وش في ال �ح �ي��اة ال�س�ي��اس�ي��ة األم �ي��رك �ي��ة مليئا بالدراما والصراعات واالستقطاب. ومن أجل تقديم أول سرد تاريخي شامل ملا سيظل بالتأكيد إحدى أكثر اإلدارات الرئاسية إث� � ��ارة ل �ل �ج��دل ف ��ي ت ��اري ��خ ال� ��والي� ��ات امل �ت �ح��دة األميركية ،قدم بيكر خدمة جليلة. ُ س ��وف ي �ج��د ج�م�ي��ع ال��ك �ت��اب ال�لاح �ق�ين ال��ذي��ن سيتناولون هذا املوضوع أن هذا الكتاب ال يمكن االستغناء عنه .من خالل التركيز على العالقة الصعبة واملتغيرة بني بوش ونائب الرئيس ديك تشيني ،يتناول بيكر بدقة القصص والذكريات املتضاربة للالعبني الرئيسني لتوضيح كيفية اس�ت�ج��اب��ة اإلدارة ل�ل�ت�ح��دي��ات ب��ال�ط��ري�ق��ة التي ظهرت بها وما هي األسباب وراء ذلك. ً وكما فعل كثير من املراقبني ،يرى بيكر تحوال بني الفترتني األول��ى والثانية في اإلدارة ،حيث تراجع نفوذ تشيني وتغير تفكير بوش على نحو تدريجي خاصة تجاه السياسة الخارجية. تساءل العديد من املراقبني عمن يكون الشخص امل�س��ؤول فعليا؛ وكانت النتيجة التي توصل إليها بيكر ،والتي سوف يؤكدها مرور الزمن، أن بوش ال يسمح ألحد بالتأثير عليه وأنه كان ً مسؤوال عن القرارات التي اتخذت باسمه.
ل��م ي�ك��ن التقييم اإلي �ج��اب��ي املتفائل مل��زاي��ا ال�ق�ط��اع ال �خ��اص ف��ي أفريقيا وإمكاناته التي ال حدود لها لتحقيق النمو ً واردا منذ عقد مضى. في بعض األحيان يتحول الكتاب إلى أسلوب عام على طريقة أبحاث املاجستير في إدارة األع� �م ��ال ،ب�ي��د أن ب �ي��رم��ان ي �ق��دم وج �ه��ة نظر ح�ق�ي�ق�ي��ة م ��ن خ �ل�ال ال �س �م��اح ل� � ��رواد أع �م��ال أفارقة بالتعبير عن أنفسهم ،وذلك من خالل اقتباسات مطولة. يمثل األش �خ��اص ال��ذي��ن ت �ح��اور معهم فئة ج��دي��دة م��ن رج��ال األع�م��ال ال��ذي��ن يخوضون املخاطر ويستفيدون من مناخ األعمال الجديد الذي يرحب باملستثمرين باملنطقة. ال يعرض بيرمان تحليالت لقطاعات محددة – حيث إنه نادرا ما يذكر صناعات ًأو سلعا مثل النفط والذهب – كما يقدم فروقا قليلة ذات مغزى بني دول املنطقة البالغ عددها 54 ً دولة .وعوضا عن ذلك ،يذكر الكاتب شركات فردية تمتعت بالنجاح بدخولها إل��ى أس��واق متسعة ،وب��اس�ت�ف��ادت�ه��ا م��ن امل�ع��رف��ة املحلية وإبدائها املرونة. قد يبدو ذل��ك وصفة واضحة للنجاح .ولكن ملاذا إذا لم يتوقع سوى القليل من الخبراء هذه الطفرة الحالية؟
أيام النريان :بوش وتشيين يف البيت األبيض بقلم :بيرت بيكر عرضه :وولرت راسل ميد
اليمني :البيت األبيض يف عهد أوباما واحملكمة العليا بقلم :جيفري توبني مراجعة :وولرت راسل ميد
من املؤكد أنه خالل السنوات األربع املاضية، ك��ان��ت أك �ث��ر ال �ت �غ �ي��رات ال �ك �ب��رى ف ��ي ش ��ؤون السياسة الداخلية ،ولم يكن هناك ما هو أكبر أو أخطر من تنفيذ برنامج أوباماكير (ق��ان��ون الرعاية الصحية ال��ذي يدعمه أوباما) .وبالفعل ،جاء أهم نصر حققه أوب��ام��ا خ�ل�ال ف�ت��رت��ه ال��رئ��اس�ي��ة األول ��ى ف��ي ق��رار املحكمة العليا 4- 5الذي يؤكد على دستورية إصالحات قانون الرعاية الصحية التي أدخلها أوباما .ومن خالل ذلك التصويت ،دخلت اإلدارة التاريخ ،بعد أن أنجزت هذا ال�ن��وع م��ن اإلص�ل�اح على ن�ط��اق واس��ع وال��ذي ل��م يتمكن من إنجازه رؤساء الواليات املتحدة األميركية منذ عهد ترومان .أما بالنسبة لتوبني ،وهو معارض قوي ملا يراه إس�ت��رات�ي�ج�ي��ة واع �ي��ة وم�ت�ع�م��دة م��ن ال �ح��زب الجمهوري لتسييس املحكمة العليا ،فيذكر قصة ات�ج��اه املحكمة نحو اليمني برئاسة رئيس املحكمة العليا جون روبرتس، ويدفع بأن تصويت روبرتس على دعم قرار أوباماكير ً انتصارا لإلستراتيجية القضائية املحافظة طويلة يمثل األج��ل على نظيرتها اإلستراتيجية السياسية قصيرة األجل .ويشير توبني إلى أنه من خالل التأكيد على قانون الرعاية الصحية ،فإن روبرتس قد حافظ على املحكمة من فكرة أنها أصبحت أداة للحزب الجمهوري ،حتى في حالة استمراره وحلفائه في تحويل املحكمة باتجاه اليمني. ً ً منطقيا ملا حدث .ولكن قد يذكر القراء تفسيرا ُيعد ذلك ً تفسيرا أكثر بساطة :وه��و مواجهة القضية القانونية األكثر أهمية في الجيل ،حيث صدق رئيس املحكمة العليا للواليات املتحدة األميركية على قرار صادق ونزيه قائم على فهمه للحقائق والقانون في هذه القضية .وال يعيق ذل��ك التفسير معرفة روب��رت��س بنتائج حكمه :كما قال رئيس القضاة جون مارشال ،في بعض األحيان تكون النزاهة هي اإلستراتيجية األفضل واألكثر فاعلية بني كافة اإلستراتيجيات.
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
63
مراجعات
أختارت «املجلة» خمسة كتب متنوعة من أهم االصدارات الحديثة ،والتي عرضت بالنقد والتحليل في مجلة «فورن افيرز»، وتتميز الكتب املختارة بالثراء والتخصص واملهنية العالية أضافة الى عناصر الجذب والتشويق ومن بينها كتاب «أيام النيران :بوش وتشيني في البيت األبيض» للمؤلف والباحث بيتر بيكر الذي قدم في كتابه أول سرد تاريخي شامل ملا سيظل بالتأكيد إحدى أكثر اإلدارات الرئاسية إثارة للجدل في تاريخ الواليات املتحدة األميركية ،وسوف يجد جميع ُ الكتاب الالحقني الذين سيتناولون عهد جورج دبليو بوش أن هذا الكتاب ال يمكن االستغناء عنه. وفي كتاب «النجاح في أفريقيا :تأمالت مدير تنفيذي من قارة صاعدة» قدم الكاتب جوناثان بيرمان وجهة نظر حقيقية من خالل السماح لرواد أعمال أفارقة بالتعبير عن أنفسهم ،وذلك من خالل اقتباسات مطولة .يمثل األشخاص الذين تحاور معهم فئة جديدة من رجال األعمال الذين يخوضون املخاطر ويستفيدون من مناخ األعمال الجديد الذي يرحب باملستثمرين باملنطقة ..وفيما يلي نخبة من أهم الكتب املنشورة التي تستحق القراءة واملراجعة.
أيام النيران :بوش وتشيني في البيت األبيض..و تأمالت مدير تنفيذي من قارة صاعدة
أبرز خمسة كتب صدرت حديثا حدود الشراكة :العالقات األمريكية الروسية يف القرن احلادي والعشرين
تأمالت يف احلداثة والعاملية
بقلم :أنجيال ستنت
بقلم :بروس مازليش
مراجعة :روبرت ليغفولد
مراجعة :جي جون إكنبريي
حتى اآلن ،لم تجر أي دراسات على نطاق موسع حول العالقات األميركية الروسية املضطربة املعاصرة باللغة اإلنجليزية .أو، في هذا املوضوع أيضا ،باللغة الروسية .يتناول هذا القسم تلك العالقات بصورة رائعة .فقد تناول أربع حقب رئاسية أميركية – سريعا وباختصار ً - بدءا من الرئيس جورج بوش األب إلى الرئيس باراك أوباما، في محاولة لفهم األسباب وراء «إعادة ضبط» العالقات مع روسيا والتي توالها كافة الرؤساء األربع في ظل توقعات كبيرة ،ولكنها انتهت في كل مرة بخيبة أمل. استمر تحليل ستنت وفقا للترتيب الزمني ،ليتناول القضايا التي س��ادت هذه العالقة على نحو أكبر ،مثل الحرب على العراق والحرب بني جورجيا وروسيا في عام 2008ونظام الدفاع الصاروخي وأخيرا الحرب األهلية في سوريا .تذكر ستنت أن لب املشكلة يتمثل في التباين في القوة االقتصادية وال�ق��وة العسكرية لدولتني واملسافة بني رؤيتيهما للحقائق الدولية. الجانبني على التخلص من إرث قدرة لعدم نتيجة العالقات تعرقلت كما ً الحرب الباردة .وبغض النظر عن األسباب املهمة حقا للتعاون بني موسكو وواشنطن ،ف��إن ستنت تؤكد على أن العالقة س��وف تستمر في صورة شراكة محدودة وشائكة ما دامت تلك العقبات ال تزال قائمة.
62
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
في سلسلة من الصور املوجزة للعصور التاريخية ومفكريها، ُي �ص��ور م��ازل �ي��ش ال �ط��رق امل�ت�غ�ي��رة ال �ت��ي ت��وص�ل��ت م��ن خاللها املجتمعات الغربية إلى فهم الذات ورؤيتها للعالم في ظل انتقالها من العصور الوسطى إل��ى الحياة الحديثة ،وه��ي عملية سماها «ث��ورة رؤي��ة» .وظهر كبار األدب��اء وعلماء النهضة ،وعصر التنوير ،والثورة الصناعية ،ومنهم ألبرتي ،وكوبرنيكوس ،وبيكون ،وجاليليو ،وكيبلر، وديكارت ،وآدم سميث وهيغل .وخالل تلك الفترات الزمنية ،أفسح املذهب التقليدي والدين املجال للقوى العلمية والرأسمالية الحديثة ،التي ساعدت على تحويل الوعي البشري وإعادة تعريف األفكار حول الفرد وحقوقه وإمكاناته. أكثر ما يثير االهتمام في الكتاب هو ما قدمه من ادعاء بأن الوعي يعاد تشكيله مرة أخرى من خالل قوى العوملة ،على الرغم من أن مازليش لم يقدم تعريفا مالئما لتلك العملية .ومن املؤكد أن العالم يشهد حالة من ً ً موحدا يقطن مجتمعا الترابط املتزايد وانتشار فهم اإلنسانية باعتبارها ً ً كوكبا هشا .ولكن لم يتناول الكتاب عن حق السؤال األكثر أهمية :إذا كان هناك وعي عاملي متزايد ،فما هي نتائجه السياسية؟
االستراتيجية .وكما يسري االعتقاد سوف يكون عدم وقوع أعداد كبيرة من الوفيات على الجانب اإلسرائيلي عالمة على فشل حماس .ولكن اإلسرائيليني مخطئون في ً ً انتصارا لحماس ،ولكنه ليس ذلك أيضا .قد يكون قتل أعداد كبيرة من اإلسرائيليني ً ً أمرا مهما بالنسبة لتعريف الحركة للنجاح االستراتيجي. يتمثل الهدف االستراتيجي لحماس في تحطيم الشعور بالحياة الطبيعية في إسرائيل. من املمكن أن توجد إسرائيل باعتبارها دولة ديمقراطية مزدهرة في ظل تلك الظروف التي تشوبها الثكنات العسكرية والصراع الدائم فقط إذا كان مواطنوها قادرين على البقاء تحت وهم بأن حياتهم تشبه بطريقة أو بأخرى تلك الحياة التي يمكن أن يطمحوا إليها في لندن أو باريس أو نيويورك .وإذا تحطم ذلك الوهم ،من املحتمل وقوع العديد من النتائج ،ولكن لن يكون أي منها ً جيدا بالنسبة إلسرائيل .وفي ظل اليأس من إمكانية تحقيق السالم ،ربما يقرر عدد صغير من اليهود اإلسرائيليني الهجرة. وعلى األرجح أن الخالفات حول كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية سوف تزداد ً عمقا ،لتزرع بذور الشقاق داخل املجتمع اإلسرائيلي وتقوض الخطاب اإلسرائيلي الرئيس القائم على فكرة العدالة الصهيونية .التوحد حول هذا الخطاب كان بمثابة قوة ُمحفزة رئيسة لتقديم التضحيات ومواجهة املخاطر التي تتضمنها الحياة في إسرائيل في الغالب ،بما في ذلك الخدمة العسكرية الطويلة واإلجبارية التي تمثل واقعا حياتيا بالنسبة ألغلب اليهود اإلسرائيليني .وعلى الرغم من أن تلك الخالفات الداخلية لن تؤدي إلى إخضاع إسرائيل ،فإن أي تآكل في القوة اإلسرائيلية – بما في ذلك قوة إرادة الشعب – سوف يكون انتصارا لحماس.
االنتفاضة األولى لقد كانت إسرائيل حريصة منذ فترة طويلة على إحباط التوسع في نفوذ حركات املقاومة اإلسالمية التي تعدها إسرائيل أعداء أكثر ً ً وإصرارا .انظر كيف أدت حقدا االنتفاضة األولى ،منذ عام 1987حتى عام ،1993إلى إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية العلمانية ونشأة منظمات خطيرة ومتشددة مثل حماس ومنظمة الجهاد اإلسالمي .لقد حفز تهديد تلك املنظمات اإلسالمية القادة اإلسرائيليني إسحق رابني وشيمعون بيريس على تعزيز نقاط إخفاق قائد منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ،والشروع في عملية السالم بأوسلو ،التي لو نجحت ،لكانت نهاية حركة حماس. وبالفعل ،أدى العنف الذي شهدته االنتفاضة الثانية ،والتي أودت بحياة ما يقرب من 1000إسرائيلي بني عامي 2001و 2004خالل موجة وراء األخرى من الهجمات االنتحارية في قلب املدن اإلسرائيلية الرئيسة ،إلى إيمان املواطنني اإلسرائيليني بالخضوع واقتناعهم في النهاية بدعم االنسحاب أحادي الجانب للمواطنني واملستوطنات من غزة .كان لديهم أمل بأن تهدئ تلك الخطوة من الغضب الفلسطيني. ولكنها لم تفعل. لم يسبب القصف الصاروخي املستمر واملنخفض املستوى على املدن اإلسرائيلية الجنوبية منذ انسحاب إسرائيل من غزة أي اضطراب في بقية أنحاء إسرائيل ليحقق بذلك أي فوائد استراتيجية لصالح حماس .بمعنى أن هجمات حماس على املدن الحدودية لم ُيوقف معظم اإلسرائيليني من الذهاب إلى أعمالهم اليومية في حالة من الغفلة شبه الكاملة للوضع السياسي واإلنساني للفلسطينيني بغزة. ولكن هذه الجولة الجديدة من العنف تسببت في إحداث اضطراب هائل .تسببت الصواريخ التي جرى إطالقها من قطاع غزة في إطالق صفارات اإلنذار في تل أبيب والقدس وحيفا وبئر سبع – كافة املدن اإلسرائيلية الرئيسة – ونقاط بينها كذلك. فلم تؤد تلك الصواريخ إلى مقتل أي شخص حتى اآلن ،ولكنها جعلت الجميع تقريبا يهرعون إلى املالجئ عدة مرات خالل اليوم ،وبددت ذلك الوهم بأن ما يحدث «هناك» ال يؤثر على الحياة «هنا». قد يكون ذلك كافيا لكي تعلن حماس عن انتصارها .ولكنها تحصد فوائد استراتيجية إضافية أيضا .أوال ،أدى عدم تناسب أعداد الضحايا الذين سقطوا في إسرائيل وغزة إلى ظهور إسرائيل ،على األقل في عيون الغرب ،بصفتها الطرف املعتدي ،على
الرغم من أن حماس هي التي بدأت الطلقة األولى .ثانيا ،جعلت القبة الحديدية تغطية األخبار من داخل إسرائيل عمال ممال للصحافيني القادمني من الخارج ،حيث إن خبر «الصاروخ الذي أطلق ،وجرى اعتراضه ،واستمرت الحياة من بعده» ،لم يعد مثيرا.
خسائر نفسية كما تلقى الصحف التي تنقل أخبار عمليات إسرائيل االنتقامية ،التي تسوي املباني غير املحصنة في غزة باألرض وما تخلفه من أشالء الضحايا ،رواجا أكبر .وهكذا يركز العالم على غزة .ربما يأسف أصدقاء إسرائيل قائلني إن هذا غير منصف ،حيث تدافع عن مواطنيها ،بينما تترك حماس مواطنيها عرضة للخطر .ولكن الحرب ليست تدريبا على العدل ،بل على تحقيق أهداف استراتيجية. وفي هذا املجال حققت حماس نصرا بالفعل .لقد حطمت الوهم الضروري الذي يعيش عليه اإلسرائيليون بأن الوضع السياسي املتأزم مع الفلسطينيني أصبح له تكلفة تتكبدها إسرائيل .وأظهرت لإلسرائيليني أنه حتى وإن لم يستطع الفلسطينيون قتلهم، فيمكنهم انتزاع خسائر نفسية فادحة منهم .كما أنها أبرزت القضية الفلسطينية، وعززت صورة الفلسطينيني كضحايا ضعفاء يقفون أمام معتد يمتلك القوة .ومن املؤكد أن يتحول ذلك الشعور في وقت الحق إلى الضغط على إسرائيل ،ربما من قبل سياسيني ،ومن املؤكد أنه سيأتي من حركات اجتماعية تهدف إلى عزل إسرائيل سياسيا وإلحاق الضرر بها من خالل حمالت املقاطعة االقتصادية. ال يزال هناك من يتصورون أن هذه الخسارة سوف تأتي ببريق من األمل كما حدث مع خسارة إسرائيل في عام .1973على الرغم من أن هجوم السادات على اإلسرائيليني في سيناء بدد الشعور بالقوة التي ال تقهر والذي ّنماه اإلسرائيليون منذ نهاية حرب عام ،1967إال أن الحرب أسفرت في النهاية عن معاهدة كامب ديفيد وسالم دائم، وإن كان باردا ،ساعد على حفظ األمن اإلقليمي إلسرائيل منذ نهاية السبعينات. ولعل النصر االستراتيجي الذي حققته حماس في هذا الصراع سيخلف حصة إلسرائيل في طريقه .ولكن من غير املرجح أن تحدث مثل هذه النتيجة .كان السادات يضع أهدافا ملموسة ،وهي تحديدا فتح قناة السويس وإعادة شبه جزيرة سيناء إلى مصر – وهي األهداف التي كان من املمكن التوفيق بينها وبني احتياجات إسرائيل الخاصة .في املقابل ،تدعو حماس إلى التخلص من إسرائيل ،وهو الهدف الذي بالكاد يترك مساحة للتفاوض.
ادعت �إ�سرائيل �أنها انت�صرت يف حرب اكتوبر لأن قواتها �أنهت احلرب على ال�ضفة الغربية يف ظل بقاء القوات امل�صرية حُما�صرة من ورائهاء واحلقيقة هي �أن م�صر حققت الن�صر اال�سرتاتيجي
في النهاية ،سوف تكون نتيجة هذه الجولة لصالح الفلسطينيني ،كما كانت الجولة الكبرى السابقة في عام .2008ال يجب أن يحجب التركيز على تحقيق نجاح تكتيكي عن إسرائيل رؤية املخاطر التي تواجهها من تلك الهزائم االستراتيجية املتكررة. ال يوجد الكثير الذي يمكن أن تفعله إسرائيل لتغيير سلوك حماس .ولكن الذي يجب أن تفعله ملنع حماس من االستفادة من نجاحها االستراتيجي هو تذكرة اإلسرائيليني املعاصرين بما كان يعلمه قادتهم األوائل جيدا .وكما قال موشي ديان ،رئيس األركان الذي أصبح وزير الدفاع اإلسرائيلي« :نعلم أنه بسبب أملهم (العرب) في التخلص منها ،يجب علينا – ليال ونهارا – أن نكون مسلحني وعلى استعداد» .التحدي الذي تواجهه إسرائيل هو الحفاظ على حالة االستعداد ،وفي الوقت ذاته اتخاذ الخيارات اإلنسانية واملالئمة لضمان أمنها ،لتعزيز موقف إسرائيل الجاذب كشريك استراتيجي وتجاري للدول الغربية والحفاظ على ترابطها االجتماعي الداخلي على املدى البعيد .ربما يبدو هذا اإلنجاز الثالثي مستحيال ،ولكن تشير األعوام األولى من وجود إسرائيل كدولة إلى غير ذلك
فورن أفيرز /آب /أغسطس 61 - 2014
صحافة عالمية
نجاح إسرائيل التكتيكي وإخفاقها االستراتيجي
كيف انتصرت املقاومة
الدبابات االسرائيلية خارج شمال قطاع غزة ( يوليو -2014رويترز )
بقلم :آرييل إيالن روث*
بصرف النظر عن كيفية انتهاء النزاع بني حماس وإسرائيل وموعده ،يوجد أمران مؤكدان؛ األول هو أن إسرائيل سوف تكون قادرة على ادعاء تحقيقها نصرا تكتيكيا .أما الثاني ،فهو أنها سوف تلقى هزيمة استراتيجية. * املدير التنفيذي ملعهد إسرائيل
على املستوى التكتيكي ،حافظ نجاح نظام الدفاع الصاروخي املسمى بالقبة الحديدية حرب أكتوبر
على عدم وقوع ضحايا من اإلسرائيليني كما أنه قلل كثيرا من نسبة الخسائر املادية الناتجة عن الصواريخ التي يجري إطالقها من غزة .أما بالنسبة للغزو البري الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة يوم الخميس املاضي ،فسوف يحقق مكاسب .وقد حدث ذلك بالفعل :حيث اكتشفت القوات اإلسرائيلية العديد من األنفاق التي حفرتها حماس وقامت بتدميرها ،بما في ذلك بعض األنفاق التي كانت مخصصة للسماح بعمليات العبور إلى إسرائيل وغيرها من األنفاق التي سهلت حركة نقل البضائع والذخائر واملسلحني داخل غزة ذاتها .ال ينبغي التقليل من شأن تلك اإلنجازات التي ُ ً نصرا استراتيجيا .فالحرب ،كما ذكر املؤرخ حققتها إسرائيل .ولكنها ال تعادل العسكري كالوزفيتز في مقولته الشهيرة ،هي استمرار السياسات بطرق أخرى. ُويجري خوض الحروب من أجل إعادة ترتيب السياسة بطريقة تعود بالنفع على املنتصر والضرر على الخاسر .ولكن اإلسرائيليني لم يروا هذا الفرق.
في الواقع ،تملك إسرائيل تاريخا تدعي فيه النصر بينما هي في الحقيقة من لحقت ُ بها الهزيمة؛ وتعد حرب أكتوبر 1973أفضل مثال على ذلك .ادعت إسرائيل أنها انتصرت في الحرب ألن قواتها أنهت الحرب على الضفة الغربية من قناة السويس في ظل بقاء القوات املصرية ُمحاصرة من ورائها على نحو جزئي .والحقيقة هي أن مصر حققت النصر االستراتيجي .وكان هدف الرئيس املصري أنور السادات طوال الوقت أجل التخلص من املفاوضات هو االستحواذ على بعض األراضي والتمسك بها من ُ السياسية العالقة ،وفي النهاية ،إعادة شبه جزيرة سيناء املحتلة إلى مصر .وبالفعل، حصل السادات على ما يريد. على الرغم من أنه من غير املحتمل أن يصل اإلسرائيليون إلى إعادة الترتيبات السياسية في نهاية هذه الحرب ،فإنهم قد يعتقدون أن حماس لن تحقق أهدافها
فورن أفيرز /آب /أغسطس 60 - 2014
مجلة العرب الدولية شهرية سياسية
www.majalla.com
تأسست في لندن عام 1980
العدد 1598آب -أغسطس 2014
مجلة العرب الدولية شهرية سياسية
اشرتك اآلن واحصل على نسختك الورقية
تأسست في لندن عام 1980
من مهد املخابرات اإىل حلد تقوي�ض الدول
للحصول على العدد اسـتخـدم هاتفــك ال ــذكي لـمــسح هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم 08
ISSN 1319-0873
9 771319 087013
اإلخواني شؤون سياسية :الكويت :المعارضة المفككة ..بين الدعم القادم من قطر والتغلغل ..
في مديح الملكية :التجربة السياسية العربية من شعار الثورة إلى غول الجمهورية قضايا.. :
في السعودية اقتصاد :سيطرة معلوماتية :التجارة اإللكترونية وشركات اإلنترنت ..
Issue 1598 - August 2014
فورن أفيرز /أيار /مايو 57 - 2014
www.majalla.com
اقتصاد
صناعة اإلنترنت تعتمد ص�ن��اع��ة اإلن�ت��رن��ت وب��رم�ج�ي��ات�ه��ا ع�ل��ى امل�ع��رف��ة؛ وه��ي م�خ��زون تراكمي ال يمكن اكتسابه إال من خالل منظومة التعليم؛ التي تسهم في شحذ العقول؛ وتحفيزها على اإلبداع واالبتكار؛ وهو ما لم يتوفر لغالبية امللتحقني بالتعليم الحكومي .أعتقد أن غالبية السعوديني هم من مستخدمي التقنية ال صانعيها؛ وهو ما يرفع حجم االستهالك؛ في مقابل تدني حجم املشاركة في إنتاجها .انتشار ثقافة استخدام التقنية دون التفكير في إنتاجها محليا أدى إل��ى ضعف االبتكارات التقنية؛ أو ربما انعدامها بالكلية .للتعليم أهمية قصوى في بناء ثقافة معرفية متقدمة قادرة على اإلبداع واالبتكار؛ ومحققة ألهداف االقتصاد املعرفي املحرك القتصاديات الدول املتقدمة.
من املتوقع أن يصل حجم املعامالت اإللكترونية إلى ما يقرب 50مليار ريال بحلول عام ..2016والتحول الحكومي نحو الخدمات اإللكترونية سيعزز من وضع التجارة اإللكترونية في السعودية
58
االستثمار في التقنيات الحديثة لم يصل بعد حد الكفاءة؛ ولعله يكون مرتبطا بالقاعدة املعرفية التي حجبت رجال املال عن االستثمار في قطاع اإلنترنت؛ خشية املخاطر غير املتوقعة؛ التي ترتبط بالجهالة. هناك بعض االستثمارات السعودية املتميزة إال أنها ما زالت محدودة وم �ح �ص��ورة ف��ي محيطها ال �ج �غ��راف��ي .رب �م��ا ي �ك��ون ل�ب�ع��ض ش��رك��ات االت�ص��االت املحلية ال�ق��درة على تطوير نفسها من ال��داخ��ل؛ والتوسع في قطاع اإلنترنت؛ ومواقعها العاملية؛ وبرامجها املتخصصة؛ وهو ما يستدعي وضع استراتيجيات تطويرية شاملة لتحقيق هدف التوسع واقتطاع حصة من سوق اإلنترنت العاملية. ش��رك��ات االت �ص��االت ال�س�ع��ودي��ة ف��ي ح��اج��ة م��اس��ة لتطوير منتجاتها وخ��دم��ات�ه��ا ك��ي ت�ت��واك��ب م��ع اح�ت�ي��اج��ات ال�ع�ص��ر .املنافسة الخارجية باتت أقرب لها من املنافسة الداخلية ألسباب مرتبطة بعوملة اإلنترنت؛ وسيطرت البرامج املبتكرة على أدوات االتصال الحديثة. لم تعد سوق االتصاالت كما كانت عليه من قبل .دخول ثورة األجهزة الذكية؛ وبرامج اإلنترنت املتنوعة أكسبت الشركات العاملية قدرات هائلة للسيطرة على أس��واق العالم؛ عن ُبعد ،من خالل التطبيقات املجانية املوفرة لخدمات االتصال النصي ،واملسموع ،واملرئي ،وهي الخدمات الرئيسة املدرة ألرباح شركات االتصاالت التقليدية حاليا.
رجال اعمال يتابعون حركة االسواق في البورصة الكويتية
يسهم في تنشيط حركة التجارة اإللكترونية مستقبال. ويبقى املعوق الرابع من الخدمات املساندة؛ املرتبط بالتشريعات واألنظمة التي تؤطر عمل التجارة اإللكترونية؛ وتحمي في الوقت نفسه؛ أطراف العالقة التجارية .فعلى الرغم من االزدهار الكبير للتجارة اإللكترونية فإن تشريعاتها لم تكتمل بعد .بل إن غالبية املنخرطني فيها يجهلون مرجعية «التجارة اإللكترونية» في السعودية .هناك بعض التشريعات املتناثرة؛ ومنها تشريعات خاصة بوزارة التجارة؛ إال أنها تبقى ضمن أع�ت�ق��د أن ع�ص��ر ش��رك��ات االت �ص��االت ال��ذه�ب��ي أوش ��ك ع�ل��ى االن�ت�ه��اء ،األطر العامة التي ال يمكن االعتماد عليها كتشريعات قانونية واضحة فاملنافسة القوية من الشركات التقنية العاملية ،التي ال تعترف بالحدود ،ومنظمة للسوق .قد يكون هناك مشروع متكامل للتجارة اإللكترونية إال وال تهتم كثيرا بأنظمة الحماية السيادية ،واملنع ،ستزلزل األرض من أنه لم ير النور بعد؛ ما قد يتسبب في إبطاء نمو النشاط الداخلي؛ ويفتح الباب على مصراعيه لسيطرة الشركات العاملية على السوق السعودية. تحت أقدامها ،وستكبدها خسائر مؤملة. ما زالت ثقافة التسوق اإللكتروني تحد من انتشار التسوق اإللكتروني محليا .ارتفاع نسبة النمو في التجارة اإللكترونية قد ال يعكس الحجم الحقيق لها؛ وإن كنت أعتقد أن املمارسة املستمرة للتسوق اإللكتروني؛ مع توفر البنى التحتية واألجهزة الذكية؛ وتعلق الشباب من الجنسني فيها؛ سيساعد كثيرا ف��ي ارت�ف��اع حجمها بشكل كبير بحلول عام .2016ويبقى املعوق األهم وهو الخدمات املساندة للتجارة اإللكترونية ومنها دفع القيمة؛ وتوصيل املشتريات؛ والتشريعات القانونية .ففي األول تمكن نظام «سداد» من معالجة مشكلة الدفع؛ ووفر آلية آمنة للدفع اإللكتروني من خالل املصارف؛ أو أجهزة الصرف اآلل��ي؛ أو الهواتف الذكية؛ كما أتاحت بطاقات االئتمان وسيلة أخرى للدفع؛ وإن كانت ال تخلو من املخاطر. أما املعوق الثاني؛ املرتبط بإيصال املنتجات إلى مشتريها؛ ُفيعتقد أنه ما زال قائما حتى اآلن على الرغم من التحسن الذي طرأ عليه مؤخرا. ومن املستغرب أن تكون شبكة التوصيل العاملية أكثر كفاءة من الشبكة املحلية؛ على الرغم من أن املشتريات الخارجية تمر من خالل شركات التوصيل العاملية أوال؛ ثم فروعها الداخلية .تطوير خدمات البريد قد
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
ال يمكن بأي حال من األحوال القبول بتأخر اململكة في قطاعي اإلنترنت والتجارة اإللكترونية؛ فمن وجهة نظر خاصة أعتقد أن االستثمار في قطاع اإلنترنت على وجه الخصوص ربما كان ق��رارا استراتيجيا؛ ذا أبعاد أمنية؛ خدمية؛ وربحية .فاإلنترنت هو شريان التحكم العاملي؛ وال يمكن ألي دولة العمل خارج منظومته التقنية؛ بل إن أنظمة الدفاع والتوجيه واألمن تعتمد بشكل كبير على أدواته املتاحة .وإذا ما أضفنا قائمة البيانات الوطنية؛ وشبكات املصارف؛ الداخلية والخارجية يصبح األمر أكثر أهمية من الناحية االستراتيجية .االستثمار التوسعي في قطاع اإلنترنت يوفر دعما قويا للمنظومة األمنية الشاملة؛ بخالف ما يحققه من أرباح ضخمة؛ وخدمات جليلة للمواطنني. أما التجارة اإللكترونية فهي مستقبل التبادالت التجارية؛ وال يمكن لدولة بحجم السعودية أن تتأخر عن ركبها؛ ومن املفترض أن تهتم الحكومة باستكمال تشريعاتها وتوفير البنى التحتية الالزمة لنجاحها؛ وإنشاء جهة مختصة؛ ومستقلة تعنى بشؤونها؛ وتهتم بتطبيق أنظمتها؛ والفصل في منازعاتها؛ وتسهم في دعمها لتكون ج��زءا رئيسا من مكونات االقتصاد الوطني <
بشكل س��ري��ع محققة ن�م��وا سنويا ي�ف��وق 100ف��ي امل��ائ��ة؛ مستفيدة سيطرة النساء
من ارتفاع معدالت ثقافة التسوق اإللكتروني؛ وتوفر البنى التحتية اإللكترونية؛ سيطرة شريحة الشباب من الجنسني على مجمل السكان محليا؛ إضافة إلى مساحة الحرية املتاحة في استخدام التقنيات الحديثة بعيدا عن القيود واملعوقات التنظيمية؛ إضافة إلى استثمارات الشباب في مواقع التسوق املحلية أسهمت في رفع ثقافة املستهلكني .التوافق التقني أح��د أه��م محفزات نمو الخدمات اإللكترونية؛ وف��ي مقدمتها خدمات التجارة اإللكترونية؛ وأحسب أن أحد أهم مزايا السوق السعودية توافقها التقني مع األسواق العاملية؛ ما يسهل عمليات التكامل بينها.
ومن املتوقع أن يصل حجم املعامالت اإللكترونية ذات العالقة بالتجارة اإللكترونية إلى ما يقارب 50مليار ريال بحلول عام 2016خاصة مع تحول الكثير من املنتجات والخدمات إلى الفضاء اإللكتروني؛ باإلضافة إل��ى املنافذ التقليدية .التحول الحكومي نحو ال�خ��دم��ات اإللكترونية سيعزز من وضع التجارة اإللكترونية في السعودية؛ فآلية الحصول إلكترونيا؛ يعزز من ثقافة املستخدمني؛ على الخدمات ومن ثم السداد ُ واملستهلكني بشكل ع��ام .م��ن امل�لاح��ظ سيطرة النساء على ال�ش��راء اإللكتروني في السوق السعودية؛ وتحولهن إلى مختصات في املتاجر اإللكترونية التي تنوعت بني املالبس بأنواعها؛ واإلكسسوارات؛ والحلي؛ واألدوات املنزلية واألطعمة أيضا؛ وهي ثقافة باتت تنتشر بشكل الفت؛ بني األسر املنتجة التي طورت خدماتها التقليدية؛ وتحولت إلى الخدمات اإللكترونية.
وعلى الرغم من نمو التجارة اإللكترونية السريع محليا؛ فإن حجمها املحدود لم يؤهلها للحصول على مراكز متقدمة في تصنيفات التجارة اإللكترونية العاملية؛ بل إنها جاءت متأخرة عن بعض دول الخليج التي تقل عنها في عدد السكان؛ وحجم االقتصاد الكلي .األمر نفسه ينطبق على قائمة شركات اإلنترنت العاملية التي خلت تماما من الشركات وبالعودة إلى شركات اإلنترنت األضخم؛ نجد أن الشركات السعودية السعودية. أصبحت خ��ارج تصنيفاتها العاملية؛ وه��و م��ا ي��رف��ع أك�ث��ر م��ن عالمة تشير بعض ال��دراس��ات املعلنة؛ إل��ى أن السعودية ربما ق��ادت الشرق استفهام لتأخرها عن الركب؛ مع وجود مقومات السوق؛ والوفرة املالية؛ األوسط في شبكة الجيل الرابع بحلول عام 2016؛ وأن مبيعات األجهزة التي يمكن أن تصنع املعجزات .ووفق إحصائية قائمة أعلى 10مواقع َ الذكية ستحقق نموا بمعدل 48.6في املائة ؛ وهي نسبة نمو مرتفعة وخدمات زيارة في السعودية؛ ت َص َّدر موقع googleالقائمة؛ التي خلت ستجعل املستهلكني أكثر التصاقا بالشبكات؛ واملتاجر اإللكترونية .من املواقع السعودية .ما يعني سيطرة الشركات العاملية على فضاء وع�ل��ى ال�ج��ان��ب اآلخ ��ر؛ ن�ج��د أن ال�ب�ن��وك االف�ت��راض�ي��ة س�ت�ب��دأ ب��ال��دخ��ول النت املحلي. التدريجي إلى السوق السعودية؛ مستفيدة من الخدمات اإللكترونية ه�ن��اك حلقة م�ف�ق��ودة ف��ي س��وق اإلن�ت��رن��ت وت�ج��ارت��ه امل��زده��رة محليا. التي تمثل القاعدة الرئيسة لتقديم الخدمات املتنوعة. فتصنيف اململكة العاملي ال يتوافق البتة؛ م��ع حجمها االق�ت�ص��ادي؛ ومن حيث حجم املشتريات اإللكترونية؛ تشير بعض اإلحصائيات؛ ومالءتها املالية؛ وموقعها ضمن دول «مجموعة العشرين» .أعتقد أن إلى أن ما نسبته 32في املائة في املائة من مستخدمي اإلنترنت في تأخرها االستثماري والتقني؛ على عالقة مباشرة بقصور االبتكار السعودية سبق لهم شراء منتجات عبر الوسائل اإللكترونية ،ويشكلون واإلبداع؛ واالستثمار في التقنيات الحديثة؛ وثقافة التسوق اإللكتروني؛ 3.7مليون نسمة من مجمل السكان؛ وبلغت قيمة مشترياتهم 16مليار وأخيرا الخدمات املساندة. ريال خالل العام املاضي.
مواطنة سعودية تتحدث على هاتفها في مركز تجاري في العاصمة السعودية الرياض (غيتي)
سيطرة النساء على الشراء اإللكتروني في السوق السعودية وتحولهن إلى مختصات في املتاجر عبر اإلنترنت ثقافة باتت تنتشر بشكل الفت بني األسر املنتجة
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
57
اقتصاد
بدأت التجارة اإللكترونية في السعودية على استحياء ألسباب مرتبطة بضعف القوانني والتشريعات؛ وثقافة التسوق اإللكتروني؛ والخدمات املساندة وفي مقدمها آلية الدفع وشبكات توصيل املنتجات .ثم انطلقت بشكل سريع محققة نموا سنويا يفوق 100في املائة؛ مستفيدة من ارتفاع معدالت ثقافة التسوق اإللكتروني؛ وتوفر البنى التحتية اإللكترونية ،وسيطرة شريحة الشباب من الجنسني على مجمل السكان محليا؛ إضافة إلى الحرية املتاحة في استخدام التقنيات الحديثة بعيدا عن القيود واملعوقات التنظيمية.
التجارة اإللكترونية وشركات اإلنترنت في السعودية
سيطرة معلوماتية الرياض :فضل بن سعد البوعينني
على الرغم من نمو التجارة اإللكترونية محليا؛ فإن حجمها املحدود لم يؤهلها للحصول على مراكز متقدمة في التصنيفات العاملية.. وقائمة شركات اإلنترنت العاملية خلت تماما من الشركات السعودية
56
تشهد التجارة اإللكترونية نموا الفتا؛ حول العام؛ خاصة في قطاع التجزئة؛ حيث تنتشر املتاجر املتخصصة في توفير أنواع املنتجات للمستهلكني حول العالم؛ مستفيدة من شبكات االتصاالت الحديثة؛ والتطور الكبير في وسائل الدفع.
االبتكار والتقنية سمحا للمبدعني بتحقيق ث��روات طائلة؛ من خالل املواقع والبرامج املتخصصة .نجح مارك زوكربيرغ مؤسس فيسبوك في تحقيق ثروة مالية فاقت 18مليار دوالر؛ وهو لم يتجاوز الثالثني عاما .مواقع وشركات اإلنترنت باتت تتحكم في التجارة العاملية؛ وتدعم اقتصاديات الدول؛ التي آمنت بقيمة االقتصاد املعرفي؛ فاستثمرت في التعليم التقني؛ واالبتكارات الحديثة؛ وأسهمت في توفير بيئة محفزة إلبداعات الشباب.
التسوق اإللكتروني في حاجة دائمة إلى وسائل دفع إلكترونية سريعة؛ وآمنة؛ وعلى الرغم من اعتماد نسبة كبيرة من املستهلكني على بطاقات االئتمان؛ ووسائل الدفع التقليدية؛ فإن البنوك اإللكترونية باتت توفر وس��ائ��ل دف��ع آمنة وسريعة ومقبولة م��ن شريحة واس�ع��ة م��ن املتاجر تغلغلت شركات اإلنترنت الضخمة في أسواق العالم وفضائه الرحب؛ اإللكترونية؛ وهو ما ساعد على انتشارها حول العالم مستفيدة من وب��ات��ت ت �ق��دم خ��دم��ات م�ت�ن��وع��ة؛ وت�س�ي�ط��ر ع�ل��ى ال�ح��رك��ة اإلل�ك�ت��رون�ي��ة الشبكة العنكبوتية التي حولت العالم إلى قرية متناهية الصغر. العاملية .وبعد التجارة اإللكترونية؛ والبنوك االفتراضية؛ ظهر ما يسمى «بالسيطرة املعلوماتية» التي استغلتها وكاالت االستخبارات العاملية؛ وفرت تقنيات اإلنترنت األدوات املناسبة للتجارة اإللكترونية فنقلتها ووزارات الدفاع باحترافية متناهية للحصول على املعلومات املطلوبة؛ من األسواق التجارية التقليدية إلى املتاجر االفتراضية؛ األكثر سهولة؛ وأحسب أن بعض األجهزة الذكية؛ البرامج؛ ومواقع اإلنترنت املشهورة وت�ن��وع��ا .ل��م تقتصر ال�ت�ج��ارة اإلل�ك�ت��رون�ي��ة ع�ل��ى ح��رك��ات ب�ي��ع وش��راء صممت ألغراض تجسسية صرفة. السلع؛ ب��ل تجاوزتها إل��ى ال�خ��دم��ات وامل�ع�ل��وم��ات ،ودع��م املنتجات من خ�لال حمالت تسويقية إلكترونية محترفة تعزز الطلب على السلع هناك تحول واضح من االتصاالت التقليدية؛ إلى فضاء اإلنترنت الذي والخدمات واملعلومات. أصبح الخيار األمثل؛ واألكفاء واألقل تكلفة للمستخدمني .لم تعد سوق االتصاالت كما كانت عليه من قبل .دخول ثورة األجهزة الذكية أكسبت ه�ن��اك م��ن يشكك ف��ي ق ��درة ال�ت�ج��ارة اإلل�ك�ت��رون�ي��ة ف��ي ال�س�ي�ط��رة على شركات النت العاملية قدرات هائلة للسيطرة على أسواق االتصاالت حول عمليات التبادل التجاري بأنواعها؛ فإحداث التغيير املفاجئ ملا اعتاد العالم؛ دون الدخول الرسمي فيها ،من خالل التطبيقات املوفرة لخدمات عليه الناس؛ ال يمكن استيعابه بسهولة؛ وهو ما يحد من استشراف االت�ص��ال النصي ،واملسموع ،وامل��رئ��ي ،وه��ي الخدمات الرئيسة امل��درة البعض للمستقبل املنظور؛ ويدفعهم لعدم التصديق؛ واملقاومة؛ وبالتالي ألرباح شركات االتصاالت التقليدية حاليا .أعتقد أن عدم تطوير شركات االت �ص��االت التقليدية خدماتها؛ لتتوافق م��ع احتياجات املستهلكني إعطاء رؤية مستقبلية مناقضة للواقع. العصرية ،سيؤدي إلى تقلص أنشطتها وأرباحها مستقبال. التطور الكبير في تقنيات اإلنترنت؛ وشبكات التواصل؛ وم��ا تقدمه من خدمات مهولة للمستخدمني بكافة تخصصاتهم؛ أرغم العالم على األم ��ر ي�ب��دو مختلفا ف��ي ش��رك��ات اإلن �ت��رن��ت؛ ال�ت��ي ال تسمح لنفسها االنغماس في شبكاته االفتراضية؛ واالعتماد عليه في غالبية شؤونهم باالستكانة ،وإن سيطرت على حصتها السوقية املستهدفة .فالتغير الحياتية؛ ومنها التجارة اإللكترونية واملصرفية االفتراضية. السريع في عالم النت قد يتسبب في إخراجها؛ بسهولة من السوق؛ ألسباب مرتبطة بقصور التطوير واالبتكار؛ لذا تشتعل املنافسة بني ش��رك��ات اإلن�ت��رن��ت العاملية على التطوير واالب�ت�ك��ار؛ وال�س�ي�ط��رة على التواصل عبر اإلنترنت الشركات النوعية؛ واملواقع املهمة؛ والبرامج الحديثة؛ من أجل املحافظة التواصل عبر اإلنترنت هو أصل التجارة اإللكترونية؛ حيث يتواصل على استمرارية النمو لضمان البقاء. فيه البائعون؛ املوردون؛ الشركات؛ والوسطاء؛ ويقومون بالتداول والدفع عن طريق الشبكات؛ ومن ثم التوصيل املباشر للمبيعات؛ لذا ال يمكن بدأت التجارة اإللكترونية في السعودية على استحياء ألسباب مرتبطة الحديث ع��ن التجارة اإللكترونية بمعزل ع��ن ش��رك��ات اإلنترنت التي بضعف القوانني والتشريعات؛ وثقافة التسوق اإللكتروني؛ والخدمات أصبحت تنافس الشركات الصناعية الكبرى في األرب��اح واألص��ول .املساندة وفي مقدمها آلية الدفع وشبكات توصيل املنتجات .ثم انطلقت
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
ولئن لم يتنب بورقيبة علنا كل مرجعيات مصطفى كمال أتاتورك «العلمانية» وق��دم «اج�ت�ه��ادات وق ��راءات عقالنية» ل�لإس�لام م��ن داخ��ل «املنظومة العربية اإلسالمية» فقد أسهب في خطبه في التنظيم «لألمة التونسية» و«ال��وح��دة القومية التونسية» و«الجبهة الوطنية» ..وقضى في وقت قياسي على القبلية والعشائرية وهمش اللغة البربرية ،وخصص ثلث ميزانية الدولة للتربية والتعليم لنشر قيم الدولة الحديثة ،وتعميم استعمال اللغتني العربية والفرنسية ،وتشجيع تعلم بقية اللغات األوروبية من إنجليزية وإسبانية وإيطالية. أما في ليبيا واملغرب والجزائر فقد حرص حكام الدول الوطنية على التوفيق بني الخصوصيات الثقافية والدينية وقيم الدولة الحديثة ..واعتبر التراث اإلسالمي عنصر إثراء وأداة من أدوات الحكم بالنسبة لـ«أمير املؤمنني» في املغرب والزعيم السنوسي في ليبيا ..وكذلك في الجزائر التي كان نشر القيم العربية والفرنسية فيها مطلبا أكثر إلحاحا بسبب سياسات «االستئصال الثقافي» التي اعتمدتها فرنسا االستعمارية فيها. هذا االختالف في التعامل مع مكونات «الهوية الوطنية» جعل تونس مرشحة أكثر عرضة ل�ب��روز ت�ي��ارات «اإلس�ل�ام االح�ت�ج��اج��ي» ..بينما كانت «الظاهرة الشبابية اإلسالمية» موالية للسلطات (أو مخترقة) في كل من ليبيا واملغرب والجزائر ..إلى حدود التسعينات من القرن املاضي عندما نشأت فيها جماعات جمال الدين األفغاني شبابية «احتجاجية» مرجعياتها عروبية إسالمية.
مواجهات وتجديد فكري؟ تراوحت العالقة بني زعماء الدولة الوطنية الحديثة في تونس ورموز «اإلسالم االحتجاجي» ثم الحركات الشبابية والسياسية من ذوي «االتجاه اإلسالمي» بني الصدام والحوار ..بني املواجهات ومحاوالت االندماج في «املنظومة الوطنية». املواجهات بدأت عام 1961ردا على دعوات بورقيبة لإلفطار في شهر رمضان «حتى يتفرغ املسلمون للجهاد األكبر :جهاد بناء الدولة الوطنية» ..وتزعمها إمام جامع عقبة بن نافع في القيروان ،الشيخ عبد الرحمان خليف ..وانتظمت مظاهرة ح��اش��دة معارضة العتقاله عرفت بتسمية «م�ظ��اه��رة الله أكبر ما يمشيش» ..وتواصلت في الساحل التونسي بزعامة الزيتوني محمد موه قائد احتجاجات شعبية ضد «االستبداد والسياسة االشتراكية» وضد افتكاك أراضي الفالحني إلقحامها في «تعاضديات اشتراكي».. وب��دأ التجديد الفكري والسياسي مع تيار هوية إصالحي من داخ��ل الحزب ال��دس�ت��وري الحاكم وت�ي��ار داخ��ل «ات�ح��اد الكتاب التونسيني» بزعامة محمد مزالي وزي��ر التربية ال��ذي ق��اد تيار «تعريب التعليم» ومدير مجلة «الفكر».. وتيار إسالمي مستنير نشر «مجلة جوهر اإلسالم» بزعامة الشيخ الزيتوني الحبيب املستاوي ،القيادي في الحزب الحاكم ..وكانت منبرا لعدد من الخطباء الوطنيني املعتدلني في اإلذاعة الوطنية مثل محمود الباجي والبشير العريبي.. وب��رز في نفس السياق أئمة وخطباء في جل امل��دن والقرى ،وخصوصا في جامع الزيتونة وبعض ج��وام��ع العاصمة (الحجامني والصباغني والقصبة وسيدي يوسف) ..ساهموا تدريجيا في بناء جيل من الشباب و«الصحوة اإليمانية» ..انخرط تيار منه في مسار «اإلسالم االحتجاجي» ..وفي تأسيس «االتجاه اإلسالمي في الجامعة» ثم «حركة االتجاه اإلسالمي» التي خرجت من رحمها «حركة النهضة» عام .1989
تيار وطني واسع ت��راك�م��ت أواخ ��ر الستينات وأوائ ��ل السبعينات خ�لاف��ات خريجي الجامعات واملثقفني والنقابيني مع نظام بورقيبة تحت يافطات يسارية وقومية ووطنية وإسالمية. ولئن كانت مرجعيات الخطاب السياسي لبعض الفصائل املعارضة «كونية» و«تقليمية» فقد كانت في شواغلها أساسا وطنية وتونسية. وق ��د س��اه��م ف ��ي ب �ل ��ورة ال �خ �ط��اب ال �س �ي��اس��ي «ال ��وط �ن ��ي» ل �ش �ب��اب «اإلس�ل��ام االح�ت�ج��اج��ي» ،علماء زيتونيون وص��ادق�ي��ون ك��ان لبعضهم دور كبير في
الشيخ محمد عبده
الحركة الوطنية مثل محمد الصالح النيفر وح�س��ن الخياري والشاذلي النيفر ..فضال عن خريجي املدارس العصرية من اإلخصائيني في الفلسفة والقانون والدراسات الحضارية مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وأحميدة النيفر وحسن الغضبان وصالح الدين الجورشي. وفي الجهات ،برز أساتذة تعليم عصري و«وعاظ» مثل د .فرحات الجعبيري، وقاسم قوجة ،والهادي الحاج إبراهيم في جربة وتونس ،والصادق الجدي في الكاف ،وعبد املجيد الصكلي في خنيس من والية املنستير ..فضال عن خطباء جماعة «الدعوة والتبليغ» في كل الجهات ،بمشاركة خطباء لهم كاريزما كبيرة من فرنسا مثل الشيخ «يونس من تونس» ومحمد الهمامي. في ه��ذا املناخ العام تعاقبت األزم��ات االقتصادية والسياسية واالجتماعية والنقابية واملحاكمات السياسية للشباب الجامعي والنقابيني واملعارضني.. واستفحلت املعارك حول خالفة بورقيبة من داخل الحزب الحاكم وخارجه.. فانخرط «شباب االتجاه اإلسالمي» في املعاهد الثانوية والجامعات وفي األحياء السكنية الشعبية في «الشأن العام الوطني» ..وتطوروا تدريجيا من «ظاهرة دينية شبابية» إلى «ظاهرة سياسية وطنية» ..رفعت يافطات النضال من أجل التحرر الوطني والتحرر االجتماعي والديمقراطية. في اإلثناء برزت تناقضات فكرية وسياسية داخلية كثيرة داخل «الجماعة اإلسالمية» و«االتجاه اإلسالمي في الحركة الطالبية» نتيجة مراجعات عميقة لتجارب اإلخ��وان املسلمني ،والجماعات السلفية ،وأداء قيادة الثورة اإليرانية بعد استالمها مقاليد األم ��ور ..وشملت امل��راج�ع��ات خاصة أدب�ي��ات منظري «الجماعات اإلسالمية» املعاصرة ،وخصوصا أب��ي األعلى امل��ودودي وسيد قطب ..وبعض «آيات الله» الذين انقلبوا بعد ثورة 1979إلى «مستبدين جدد» مثل آية الله خلخالي. وكانت على رأس االنتقادات التي وجهها «تيار املراجعات» إل��ى سيد قطب ورموز من «تيار اإلخوان املسلمني» مواقفهم من «جاهلية القرن »20وتكفير جانب من املجتمع ..وتضخيم دور الجماعة (أي التنظيم) على حساب املجتمع والوطن. تلك املراجعات كانت منطلقا لتأسيس تجارب أخرى من بينها «تيار اإلسالميني التقدميني» و«اإلسالميني املستقلني» وتطوير جذري ألدبيات «حركة االتجاه اإلسالمي» في اتجاه مواكبة الخطاب الديمقراطي والوطني على الصعيدين الرسمي والشعبي ..وهو ما ساهم الحقا في بلورة خطاب سياسي مدني عند غالبية قيادات حركة النهضة التونسية قبل الثورة وبعدها ..األمر الذي أهلها، ألن تصبح مرجعا إقليميا وأن تصبح جزءا من منظومة األحزاب السياسية الوطنية في تونس واملنطقة <
بدأ التجديد الفكري والسياسي في تونس مع تيار هوية إصالحي من داخل الحزب الدستوري الحاكم وتيار داخل «اتحاد الكتاب التونسيني» بزعامة محمد مزالي وزير التربية
* باحث ومؤرخ تونسي
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
55
قضايا
محمد األمني باي
الشيخ محمد الخضر حسني
تراوحت العالقة بني زعماء الدولة الوطنية الحديثة في تونس ورموز «اإلسالم االحتجاجي» ثم الحركات الشبابية والسياسية من ذوي «االتجاه اإلسالمي» بني الصدام والحوار
54
ويعتبر عبد العزيز بالخادم ،األمني العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية ،أن حزبه يضم تيارين :األول «وطني إسالمي» ،يتزعمه هو شخصيا واألم�ين العام السابق عبد الحميد امل�ه��ري .والثاني ليبرالي اجتماعي يضم شخصيات أكثر اقتناعا باملرجعيات الغربية ..لكنها ال تعادي مقومات «الهوية الوطنية للجزائر» ،ومن بينها اللغة الوطنية العربية والتراث الثقافي اإلسالمي وجغرافية الجزائر وخصوصياتها البشرية. وإذا كانت جامعتا الزيتونة ف��ي تونس وال�ق��روي�ين ف��ي ف��اس ،م��رك��زا العلوم، اللتني تخرج منهما غالبية ساسة املنطقة من بنغازي وبرقة إلى مراكش ،فإن من بني مميزات «الدولة الحديثة» في الدول املغاربية أن نفس النخب تخرجت كذلك من م��دارس «مشتركة» عربية فرنسية ،وم��ن جامعات علوم قانونية أوروبية بارزة في فرنسا وبرلني ولندن ..حيث أعرق مدارس «الدولة الوطنية» بمفهومها املعاصر.
الدفاع عن الهوية ولكن ماذا عن الحقبة الحالية؟ وماذا عن الغموض السياسي والفكري الذي ي��زداد تعقيدا منذ تضاعف تأثير «اإلس�ل�ام السياسي» بتعبيراته السلمية العقالنية املدنية حينا ،و«السلفية الجهادية املتشددة» و«الجماعات املتطرفة» حينا آخر؟ إذا سلمنا جدال بحتمية التركيز على حقبة «بناء الدولة الوطنية الحديثة»؛ أي العقود األربعة التي تشكلت خاللها البنية األساسية لـ«االتجاه اإلسالمي التونسي -املغاربي» الجديد ،فإن من بني األسئلة التي نسعى لإلجابة عنها: إذا كان من املسلم به أن املجتمعات تدافع عن نفسها وعن هويتها ومصالحها، هل كان «االتجاه اإلسالمي الجديد» أحد التعبيرات التونسية -الشمال أفريقية (أو املغاربية) عن مطالب التحرر الوطني واالجتماعي ،وبناء الدولة الوطنية الحديثة ،والدفاع عن الهوية ،وعن مصالح الفئات الشعبية والوسطى؟ أم كان مجرد «موضة» روج لها عدد من الشباب والسياسيني كان بعضهم متأثرا بتجارب برزت في املشرق العربي اإلسالمي مثل جماعة اإلخ��وان أو الثورة اإليرانية ثم ببعض املفكرين الذين أسسوا تيار «اليسار اإلسالمي» (أو اإلسالميني التقدميني) في املشرق العربي مثل د.حسن حنفي وكتاب مجلة «املسلم املعاصر» في مصر أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات؟ وهل كان هذا «االتجاه اإلسالمي» التونسي -الذي شكل بعض زعمائه نواة «حزب حركة النهضة» بعد فيفري - 1989امتدادا لتيار النهضة واإلصالح األوروبي والعربي واملغاربي منذ القرن 17بما في ذلك «تيار اإلصالح والتجديد داخل الزيتونيني والصادقيني» ،أم أن العكس هو الصحيح أي أنه شكل قطيعة
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
معه ..ثم أسس تيارا سلفيا محافظا ومتشددا معارضا للتجديد واالجتهاد والحداثة وروج ملرجعيات «أشعرية» حينا ومدارس «حنبلية -وهابية» حينا آخر؟ وإذا سلمنا بانفتاح املكتبة التونسية (واملغاربية) في السبعينات والثمانينات على أدب�ي��ات بعض رم��وز اإلخ��وان املسلمني املصريني ،الذين قمعهم جمال عبد الناصر في الخمسينات والستينات( ،مثل سيد قطب وعبد القادر عودة والخطيب عبد الحميد كشك) أو الذين استضافتهم السعودية مثل محمد قطب، فهل يعني ذلك أن املرجعيات الرئيسة لغالبية مؤسسي «االتجاه اإلسالمي» الجديد في البلدان املغاربية كانت «إخوانية» وليست تونسية مغاربية عربية؟ وإذا سلمنا أن التيار السائد داخل طالب «االتجاه اإلسالمي» في الجامعات املغاربية» كان في أواخ��ر السبعينات ومطلع الثمانينات التعاطف مع الثورة اإليرانية ومنهجها في قراءة اإلسالم وفي التغيير السياسي ،فهل يعني ذلك أن «ظاهرة اإلسالم السياسي» «انقلبت» بسرعة من مشروع وطني إلى «مشاريع ثورية عاملية» أو «أممية» وأنصارها إلى «خمينيني» مثلما جاء في أوراق املتهمني في قضية 1987أمام محكمة أمن الدولة التونسية؟ أم ك��ان «االت�ج��اه اإلس�لام��ي» الجديد ف��ي تونس وال�ب�ل��دان املغاربية مشروعا سياسيا وطنيا «قطريا» (بضم ال�ق��اف وس�ك��ون ال�ط��اء) للتغيير السياسي والثقافي واالجتماعي جمع بني «فسيفساء» من أنصار «تيار الهوية» الذين تشقهم تناقضات جوهرية مع تأثر متزايد بعلماء العصر في شمال أفريقيا والعاملني الغربي والعربي ..مثل مالك بن نبي ،ومحمد أركون ،والطاهر حداد، وعلي شريعتي ،ومحمد باقر الصدر ،ومحمد عابد الجابري ،ومحمد عمارة (عندما كان يساريا) ،وعبد الله العروي ،وسمير أمني ،وجورج غارودي (قبل إع�لان إس�لام��ه) ،وفتح الله ولعلو ،وأن��ور عبد امللك ،وحسن حنفي ،ومحمد الطالبي ،وعبد املجيد الشرفي ،والحبيب الجنحاني ،وأحميدة النيفر ،وصالح الدين الجورشي وغيرهم.
التأثيرات املحلية حاسمة وال بد أن نسجل هنا تأثيرات املستجدات اإلقليمية والدولية مثل الهزائم العربية في الحروب مع إسرائيل وقوى «االستعمار الجديد» ..وقبل ذلك انتصارات الدول املستعمرة على «اإلمبراطورية العثمانية» وحلفائها في الحرب العاملية األولى ،وما أعقب ذلك من هزائم نفسية بالنسبة ملواطني الدول املغاربية والعالم اإلسالمي ..ثم انتصاراتها مجددا في الحرب العاملية الثانية على دول «املحور» بزعامة أملانيا التي سبق أن تحالف معها بعض زعماء حركات التحرر الوطني العربية واملغاربية ووظفوا «إذاعة برلني» للتعريف بمطالبهم وقضاياهم. ومنذ مطلع النصف الثاني من القرن الـ 20بدا مسار جديد أثر على أدبيات كل رموز تيارات «الهوية الوطنية» بمكوناتها العروبية واإلسالمية.. فقد شكل منعرج إعالن استقالل الدول املغاربية نقطة انطالق املراحل امللموسة لبناء «الدولة الوطنية الحديثة» ،البداية كانت في ليبيا مع الزعيم الوطني امللك إدريس السنوسي زعيم «الحركة السنوسية» (تيار وطني إسالمي معتدل) منذ ع��ام ..1951ثم تونس التي استلم مقاليد األم��ور فيها إل��ى جانب امللك محمد األمني باي زعماء وطنيون ليبراليون من خريجي جامعات فرنسية، مثل السوربون برئاسة الحبيب بورقيبة ..وامل�غ��رب التي تحالف فيها امللك املغربي محمد الخامس ثم نجله الحسن الثاني مع زعماء الحركة الوطنية وحزب االستقالل.
اإلخفاقات والتباينات لكن مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة من قبل الزعماء السابقني لحركات مقاومة االستعمار سرعان ما أفرزت تناقضات علنية وعنيفة بني رفاق األمس اإلسالميني والعلمانيني (الزيتونيني املشرقيني) و(املتغربني) أو (املتفرنسني).. خاصة في تونس التي سعى فيها الحبيب بورقيبة ورفاقه إلى بناء دولة وطنية عصرية على الطريقة األوروبية تقطع مع الشرق على غرار ما فعل مصطفى كمال أتاتورك بعد سقوط الخالفة العثمانية.
النصف األول للقرن ال��ـ 19عن تأسيس صحافة وطنية في ليبيا (صحيفة املنقب األفريقي عام ،)1827وتونس (صحيفة الرائد التونسي في ،)1860 وإلغاء الرق في تونس (في ..)1846ثم إعالن دستور «عهد األمان» للتعايش بني املواطنني التونسيني من مختلف األديان والجنسيات ( )1857وصوال إلى إصدار دستور تونسي مدني حداثي شامل (.)1861 وقد نصت وثيقة «عهد األمان» -التي أصدرها امللك محمد باي في شكل مقدمة و 11مادة -على املساواة بني «سائر سكان اململكة» في الحقوق والواجبات.. وتعهد امللك املصلح في نص دستور «عهد األمان» بضمان املساواة بني جميع سكان تونس مهما كانت دياناتهم وأجناسهم وجنسياتهم .كما جاء في مادته األولى« :تأكيد األمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا (أي دولتنا) على اختالف األدي��ان واأللسنة واألل��وان في أبدانهم املكرمة ،وأموالهم املحرمة ،وأعراضهم املحترمة ،إال بحق يوجبه نظر املجلس باملشورة ،ويرفعه إلينا ولنا النظر في اإلمضاء أو التخفيف ما أمكن ،أو اإلذن بإعادة النظر». ون��ص «ع��ه��د األم���ان» على م��س��اواة الجميع ف��ي مسائل ال��ض��رائ��ب وال��رس��وم الجمركية ،وأقر كذلك بـ«حرية مزاولة التجارة وحرية العمل في اململكة وتملك العقارات وشراء األراض��ي الزراعية للوافدين على البالد من األجانب بشرط التزام الجميع بالقوانني املتداولة». وال��ت��زم دس��ت��ور «عهد األم���ان» ب��إح��داث مجالس قضائية «للنظر ف��ي أح��وال الجنايات من نوع اإلنسان واملتاجر التي بها ث��روة البلدان» ..وأوض��ح النص الحرفي بتعهد امللك بأن تكون «فصوله السياسية بما ال يصادم إن شاء الله القواعد الشرعية (أي الشريعة اإلسالمية).
املواطنة ..و«القومية امللية» وتؤكد دراس��ات الخبراء املستقلني وكبار املؤرخني التونسيني واملغاربيني، مثل محمد الهادي الشريف ،والبشير التليلي ،وعبد الجليل التميمي ،ولطفي الشايبي ،وسعيد بحيرة ،أن مفهوم «األمة» بمفهوم «الوطن الصغير» و«املواطنة» ظهر مبكرا في تونس وبلدان شمال أفريقيا ..لدى جمعيات أساتذة الجامعة واملصلحني وزعماء الحركات الوطنية املقاومة لالحتالل األجنبي من محمد وعلي باش حانبة ،والطاهر والبشير صفر ،وعبد العزيز الثعالبي في تونس إلى سليمان الباروني ،وعمر املختار ،رمضان الشتيوي السويحلي ،وأحمد املريض ،وعبد النبي بالخير ،في ليبيا إلى مصالي الحاج ،وفرحات عباس ،وعبد الحميد بن باديس ،والبشير البراهيمي في الجزائر وعبد السالم بنونة ،وأحمد بالفريج ،واملختار السوسي ،واملكي الناصري ،وعالل الفاسي ،وعبد الكريم الخطابي ،وعبد الكريم غالب في املغرب .واتضح املضمون «الوطني» أكثر ما بني الحربني العامليتني بعد بروز منظمات املجتمع املدني والجمعيات األهلية والنقابات واألح��زاب العصرية ..التي كانت جميعا تنتسب إلى «الوطن» وإن أعلنت اعتزازها باالنتماء الثقافي إلى فضاء أوسع مثل «الجامعة اإلسالمية» أو «األمة اإلسالمية» وروادها بزعامة جمال الدين األفغاني ثم «الجامعة العربية» بمفهوم «الوطن العربي الكبير» ..التي تبلورت خاصة بعد «ال��ث��ورة العربية الكبرى» ( )1938 - 1936في فلسطني بزعامة الحاج أمني الحسيني. وف��ي ه��ذا السياق ظهرت ف��ي الصحافة وأدب��ي��ات األح���زاب الوطنية املغاربية كتابات مصلحني ووطنيني إسالميني وليبراليني وزعماء سياسيني يستعملون مصطلح «القومية امللية»؛ (من امللة بكسر امليم وفتح الالم وتشديدها). وكانت القيادة الوطنية للحزب تسمى «الهيئة امللية» ..أو «املجلس امللي»؛ أي «املجلس الوطني». وفي كل تلك األدبيات برز حديث عن الوطنية والقومية معا ..مع عدم تمييز ف��ي أدب��ي��ات ج��ل ال��س��اس��ة وال��ك��ت��اب واملصلحني املغاربيني ب�ين ال��ن��ض��ال ضد االحتالل األجنبي ومشاريع بناء «دول��ة عصرية» و«إص�لاح التعليم» و«قيم العروبة واإلس�لام» ..ألسباب كثيرة من بينها انتساب أكثر من 99في املائة من املواطنني في شمال أفريقيا لإلسالم وللمذهب املالكي وعدم وجود طوائف دينية ومذهبية.
الكريم غالب في املغرب ،وعبد العزيز الثعالبي ،ومحمود املاطري ،والحبيب بورقيبة ،وصالح بن يوسف في تونس -يتضح أن الهاجس كان التوفيق بني «الوطن الصغير» واألمة العربية كانتماء ثقافي حضاري ..بني مكاسب الحداثة في أوروبا والجوانب املستنيرة في التراث وفي أدبيات املجددين ،ومصلحي القرن ..19الذين أكدوا على أن التقدم يبدأ ببناء دولة عصرية لديها مؤسسات سياسية حديثة على غ��رار تلك التي ب��رزت في أوروب��ا بعد الثورة الفرنسية في .1789
االتجاه الوطني اإلسالمي
ويعتبر الباحث الجامعي والكاتب سعيد بحيرة أن «أحزاب الحركة الوطنية في تونس والدول املغاربية تميزت مبكرا بطرحها لفكرة املواطنة والهوية الوطنية».. وفي هذا السياق كانت قيادة الحزب الدستوري تسمى «املجلس امللي» (أي املجلس الوطني) .وكان الحزب الحر الدستوري التونسي الذي تأسس في 1920 بزعامة الشيخ املستنير والعالمة املصلح عبد العزيز الثعالبي ألف مع نخبة من رفاقه في فرنسا وتونس كتاب «تونس الشهيدة» بالفرنسية ملحاولة البرهنة على وجود هوية وطنية تونسية تختلف عن «هوية شعب فرنسا» ..كما برزت في أدبيات عبد الكريم الخطابي ،وعبد الكريم غالب في املغرب أدبيات تتمسك بـ«الخصوصيات الوطنية» وتعترض على «ذوبان» الشخصية الوطنية املغربية في «هوية شعب فرنسا» ..مع الرد على حمالت «التجنيس اإلجبارية» -أي إسناد الجنسية الفرنسية لكل من يتنازل عن جنسيته الوطنية -لسكان الدول املغاربية ،وخصوصا ما كانت تسميه «الجزائر الفرنسية». نفس الطرح برز الحقا في أدبيات «الحزب الدستوري الجديد» بزعامة الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف ومحمود املاطري ..الذين كان خطابهم في املحافل الثقافية والسياسية وفي جامعي الزيتونة وصاحب الطابع يؤكد على «التوفيق بني الحداثة والهوية الوطنية». وتجلى هذا «التوجه الوطني اإلسالمي» في قيادة الحركة الوطنية الجزائرية ومن خالل مختلف التعريفات التي قدمت للوطن و«امللة» -من قبل الزعماء واملغربية والليبية؛ حيث حاولت «التوفيق» بني مرجعياتها الفكرية اإلسالمية الوطنيني العلمانيني والليبراليني أنفسهم مثل عبد الكريم الخطابي ،وعبد اإلصالحية وبرامج حركات التحرر الوطني املعاصرة.
الحبيب بورقيبة
يعتبر عدد من الخبراء أن عوامل جغرافية وتاريخية كثيرة تفسر «خصوصيات» النخب واملثقفني واملصلحني الدينيني والسياسيني في تونس واملنطقة املغاربية
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
53
قضايا
من بني أكثر األسئلة إلحاحا التي تطرح في أوساط السياسيني في تونس وبلدان شمال أفريقيا والباحثني حول مقومات الدولة واملواطنة والهوية الوطنية :هل تتميز بلدان شمال أفريقيا عن بقية الدول العربية واإلسالمية املشرقية بانتشار عقلية االنتماء إلى «وطن -دولة» أو «دولة -وطن» باملفهوم الحديث للمصطلح؟ أم أن سقوط الخالفة العثمانية قبل نحو قرن لم يغير األوضاع كثيرا وال يزال الغالبية يعتبرون أنفسهم جزءا من «األمة اإلسالمية» بمفهومها العقائدي والتاريخي؟
تيار الهوية في البلدان املغاربية« ..سلفي ـ ـ مشرقي» أم «وطني تحديثي»
استقاللية وطنية بقلم: كمال بن يونس *
مفهوم «األمة» بمفهوم «الوطن الصغير» و«املواطنة» ظهر مبكرا في تونس وبلدان شمال أفريقيا لدى جمعيات أساتذة الجامعة واملصلحني وزعماء الحركات الوطنية املقاومة لالحتالل األجنبي
ه��ل أف��رزت ح��رك��ات اإلص�ل�اح والنهضة ف��ي القرنني 19و 20وعيا سياسيا حداثيا وتحديثيا أم انتصر تيار «السلفيني -املشارقة» التقليدي تحت تأثير تالمذة املصلحني (جمال الدين األفغاني ،ومحمد عبده ،ورشيد رضا) من قيادات تيارات «اإلسالم السياسي املعاصر» وبينها جماعة اإلخوان املسلمني والحركات التي خرجت من رحمها؟ وهل ال يمكن الحديث عن «االستثناء التونسي واملغاربي» عربيا وإسالميا نتيجة تميز شمال أفريقيا بسياسيني ومثقفني ومفكرين «ليبراليني وحداثيني» حاولوا منذ القرنني املاضيني االنخراط في تيار املعاصرة األوروبي العاملي مع االستفادة من الرصيد العقالني للتراث العربي اإلسالمي ومكاسب التحديث التي سبقت االستعمار ،ثم تعززت خالل مرحلتي الصراع معه وبناء الدولة الحديثة املستقلة؟
الدولة الحسينية من خالل قراءة تطورات املشهد الفكري والسياسي في تونس والبلدان املغاربية منذ القرن 18يتضح بروز مبكر لتيارات التجديد والتحديث في مفهوم نظم الحكم ودور الدولة «الوطنية». فقد ك��ان ع��ام - 1705تاريخ تأسيس ال��دول��ة الحسينية التي حكمت تونس حتى - 1957محطة حاسمة في تأسيس «نواة» الدولة الوطنية ..التي تتمتع بقدر كبير من االستقاللية عن «الباب العالي» في اسطنبول ..وكان مؤسسها عسكريا من أصول يونانية ومن أم تونسية (كورغلي) ،وليس تركيا بنسبة مائة في املائة ..واختاره أعيان العاصمة التونسية ورجال أعمالها وليس قادة الجيش العثماني ..مثلما أوضح املؤرخ التونسي الكبير محمد الهادي الشريف ال��ذي قضى 20عاما في إع��داد رسالة دكتوراه عن الدولة الحسينية ..تحت عنوان «السلطة واملجتمع في تونس في عهد حسني بن علي .»1740 - 1705 وفي املغرب والجزائر وليبيا برزت ظواهر «استقاللية وطنية» مبكرة مماثلة.. فضال عن كون اململكة املغربية لم تكن أبدا «إيالة (أي والية) عثمانية» ..مثلما أوضح املؤرخ سعيد بحيرة في رسالته الجامعية عن «قراءة أخرى في الهوية التونسية».
تأثيرات جغرافية وتاريخية
التفاعل اإليجابي م��ع تيار النهضة والتنوير ف��ي فرنسا وأوروب ��ا ..بفضل القرب الجغرافي واالنفتاح الثقافي املبكر في بلدان شمال أفريقيا على أدبيات الفالسفة واملثقفني الفرنسيني. في هذا السياق يتحدث الجامعي فتحي القاسمي ،صاحب رسالتي دكتوراه عن الفكر التونسي واملغاربي في العهدين الحديث واملعاصر عن تأثيرات موجة هجرة األندلسيني إلى تونس وشمال أفريقيا منذ مطلع القرن ..17خاصة بعد ترحيلهم النهائي عام .1609 كما كشف القاسمي في رسالته الجامعية عن تفاعل علماء جامع الزيتونية التونسي ،ال��ذي تخرج منه جل علماء وساسة شمال أفريقيا وبعض كبار املصلحني في مصر منذ القرن 18مع تيار اإلصالح والتجديد األوروبي «ثم مع مضامني الثورة الفرنسية قبل عقود من احتالل نابليون ملصر واحتالل فرنسا للجزائر وتونس واملغرب وإيطاليا لليبيا». وينفي غالبية املؤرخني التونسيني ،مثل عبد الحميد هنية والهادي التيمومي، أن يكون «االستعمار سبب نشر القيم الحديثة واإلصالحية في دول شمال أفريقيا» ..ويؤكدون على البروز املبكر «للبعد الوطني واإلصالحي» في مؤلفات أبرز املثقفني واألدب��اء واملصلحني التونسيني واملغاربيني مثل أحمد ابن أبي الضيف مؤلف الكتاب السياسي املرجع عن إص�لاح نظم الحكم في الدولة الحديثة «أقوم املسالك». وينفي كثير من الباحثني الوطنيني املغاربيني أن يكون مفهوم الدولة الوطنية وتيارات اإلص�لاح من ثمرات االستعمار وتمركز البواخر الحربية األجنبية في سواحل بلدان جنوبي البحر األبيض املتوسط ..وقد نشر الخبيران في الدراسات الحضارية؛ فتحي القاسمي وكمال عمران ،دراسات جامعية معمقة حول دور مصلحني مستنيرين بارزين من الجامعة الزيتونية منذ النصف األول من القرن 19من أمثال الشيخ سالم بو حاجب ( )1924 - 1824األب الروحي واألستاذ املعلم لكبار املصلحني الوطنيني والليبراليني والزيتونيني في كامل شمال أفريقيا ،مثل محمد الخضر حسني ،وبيرم الخامس ،وخير الدين باشا التونسي ..ثم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ،وجمعيات علماء املسلمني في الجزائر واملغرب ،وجمعية طلبة شمال أفريقيا املسلمني ،وجمعية صوت الطالب الزيتوني ،وحركة «تونس الفتاة» ،وجمعية الشبان املسلمني التونسية، وزعماء اإلصالح السياسي ،والحركة الوطنية في ليبيا ،مثل الشيخ سليمان الباروني ،مؤسس أول جمهورية مدنية عربية في مرحلة بني الحربني في القسم الغربي من ليبيا «الجمهورية الطرابلسية».
ويعتبر عدد من الخبراء في األنتروبولوجيا والعلوم االجتماعية والتاريخية دساتير عصرية وصحافة قبل االحتالل
والحضارية أن عوامل جغرافية وتاريخية كثيرة تفسر «خصوصيات» النخب واملثقفني واملصلحني الدينيني والسياسيني في تونس واملنطقة املغاربية ..وكانت األدبيات «الوطنية» للمصلحني والوطنيني التحديثيني والزيتونيني (نسبة وانخراطهم املبكر ف��ي قيم الحداثة وامل��واط�ن��ة وال�ت��أوي��ل العقالني للتراث مع إل��ى جامع الزيتونة) سبقت االحتالل الفرنسي لتونس وليبيا وأف��رزت منذ 52
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
ّ هذه الوصفة تتمثل في العداء ألمريكا والغرب ،و تحرير فلسطني باسم االشتراكية ورفع شعار من اليهود ،وتأميم أمالك امليسورين ُ ّ ّ الحرية لكل الشعب و تتفيه الدولة القطرية برفع شعار الوحدة العربية الشاملة. ّ تتالت السنون والعقود كما توالت االنقالبات على االنقالبات، ثم ّ ّ وف��ي ك��ل م��رة يدغدغون مشاعرنا ويركبون رغائبنا الجامحة و ي �س� ّ�م��ون م��ؤام��رات �ه��م و دس��ائ�س�ه��م ب��اس��م ال �ث ��ورة أو ال �ث��ورة ّ التصحيحية. ّ ّ ّ وكانت املحصلة من قيام الجمهوريات الثورجية أن تحققت ّ الحرية للشعب، شعاراتها بشكل معكوس .فعندما رفعوا شعار وال ّ كبير، سجن في نفسه حرية ألع� ٍ �داء الشعب ،وج��د الشعب ّ ّ وأصبحت الحرية حكرا على الحكام الجدد الذين اختزلوا الشعب في أشخاصهم .وعندما رفعوا شعار تحرير فلسطني من النهر إلى البحر مات أفضل هؤالء االنقالبيني وجزء من أرض مصر محتال كما لم يحدث من آالف السنني .وعندما ن��ادوا بشعار ّ الوطنية أصبحنا نحلم الشاملة في ازدراء واضح للدولة الوحدة ُ ّ االشتراكية ما كان من أعلنوا وعندما دة. املوح طرية الق بالدولة ّ ّ اجراءاتهم إال توزيع الفقر على الجميع ،وتقلصت الطبقة الوسطى إلى ّ حد االنقراض .وتزايد عدد ّ السكان على شكل متولية هندسية كقنابل ديمغرافية سوف تفجر أي خطة تنموية في املستقبل. وعندما أبلسوا أمريكا والغرب لعقود واعتبروها ّ الشر املحض، ّ ّ ّ ّ وقفوا في آخر أيامهم يتسولون على ّأبوابها سياسة واقتصادا .وحتى زين العابدين بن علي الذي كان يخطط لتوريث ابنه الصغير انتقالية تشغلها ّ ّ األولى. السيدة ماذا من خالل فترة الجمهوريات االنقالبية ،ولكن َ َ ه��ذا ما ك��ان من صانعي ّ ّ َ ة كي ل امل أنظمتها على حافظت تي ال العربية األخرى ّ قد يعترض أحدهم بالقول أن األنظمة املل ّ كية نالت هذا القسط ّ حدث في الدول ّ ّ ناء. الش قات معل كل و كتبنا فيها ّ ّ الريعية الكبيرة ،ويمكن الرد عليه من االستقرار بسبب ثروتها ّ ّ ّ الريعية كانت عنصرا متوفرا حتى في العراق و ليبيا بأن الثروة ّ إن ّها في أغلبها تنعم باالستقرار واألم��ن وكثير منها اعتمد والجزائر. ال�ت�ن�م��ي��ة امل �س �ت��دام��ة ط��ري�ق��ا ل �ل �خ��روج م��ن م�ج�ت�م�ع��ات ال�ف�ق��ر إل��ى ّ ّ ّ خليجية املستقرة هي ظاهرة امللكية وقد يقول قائل إن تجربة ّ ّ مجتمعات ال��وف��رة .وح��ت��ى إذا ق��ال ّ قائل إن بعضها يعاني من بامتياز ،ولكن واقع الحال يقول بغير ذلك فإن األردن ليست دولة ّ ّ ّ استطاعت أن تحمي اقتصادية وهذا صحيح إال أنها مشكالت خليجية ،وكذلك املغرب القابع على ضفاف األطلس هو األكثر ُب ً ّ عدا ُ ّ ّ ة الوطني حمتها ل و مار الد من ومدنها التهجير و القتل من شعبها ّ الجغرافية. عن الخليج من الناحية التفسخ ،وهذا في ّ ّ ّ الجمهوريات عنه عجزت إنجاز ذاته حد من ّ ّ جمهورية حالفها ثم قد يلوم البعض على أنني لم أذكر ّ تجربة ّ العسكرية. ّ ّ التونسية ال�ت��ي حققت كثيرا الجمهورية ن��وع م��ن النجاح وه��ي ّ ّ ّ هذا للشعوب التي أضاعت ملوكها؟ وملاذا حدث بفضل تبنيها الحكم الرشيد في العهد البورقيبي األول ،وهذا ّ ملاذا حدث كل ّ كل ذلك للشعوب التي حافظت عليهم؟ ص�ح�ي��ح ،ول �ك� ّ�ن ل��و ك��ان ب��ورق�ي�ب��ة ق��د ت��رك "ال �ب��اي" بصالحيات ّ ّ الحكم طبيعة املجتمعات العربية دستورية رمزية ملا وصل بورقيبة إلى الخرف على كرسي ّ الشباب محله، والستطاع الباي إحالل أحد الزعماء البورقيبيني ّ ّ ّ إن املجتمعات العربية هي مجتمعات ّ وطائفية في أغلبها ،ولم يسرق السلطة مغامر من جهاز االستخبارات الذي أطلق يد قبلية ّ ّ وفي أحسن األحوال لها انقسامات جهوية و إثنية ،والسمة الغالبة أصهاره وأقربائه فعاثوا في تونس الفساد. ّ الجمهورية في الحكم بعد ه��ذا الحصاد امل� ّ�ر لتجربة األنظمة السمة األبوية. لهذه املجتمعات هي ّ ف� ّ ّ ّ العربية هو الحكم األب��وي املتمثل في الشعوب تحتاجه ما �إن أن يمكنها كان ما شعوبا استحالت تي ال البدائية هذه املجتمعات َامل َلك ّيةّ . فإن األنظمة َامل َل ّ ّ إال بطريقتني؛ ّ كمالك العقار يتعهده بالعناية والصيانة ة كي ِ مالكة أسرة تحكمها أن ا إم واحدة تنسجم في دولة ّ ً ّ ّ ولكن رؤساء متوافق عليها ومنظور إليها على ّأنها فوق املشاحنات والعداوات ألن��ه ال يريد أن يترك لورثته عق ًارا آي�لا للسقوط، ُ ّ ُ ّ ّ املجتمعيةّ ، والدكتاتورية والقهر لتجميد الجمهوريات العربية يتصرفون كمستأجر لشقة مفروشة ال وإما أن تحكم بالتسلط ّ ّ هذه الصراعات دون تجاوزها بإرساء قواعد املواطنة كما حدث يهمه غير استغاللها إلى الحد األقصى وقد يقوم بتخريبها نكاية ّ ّ ّ وحتى عندما حاولت ه��ذه األنظمة في املؤجر وهو الشعب. الثورجية. الجمهوريات في الدكتاتورية أن تخفف من القمع وتستحدث ظروفا أكثر إنسانيةّ ّ ّ ّ في مجتمعاتها امللكية الباقية في الوطن العربي تحقيق جديد فاستحال إذا استطاعت األنظمة اضطرت إلى استدعاء امللكية من ّ ّ املجتمعية م��ن إثنيةّ ّ جمهوريات وراثية ولكن دون التوافق الذي حظيت به بعضهاّ إلى املستدامة وإذاب��ة كافة ال�ص��راع��ات التنمية ّ َ ّ ّ وق ّ املمالك التي انقلبوا عليها فباءت بالفشل. التدريجية الوطنية ،وضمان املشاركة بلية في البوتقة وطائفية ّ للشعب في اتخاذ القرار و تحويل مجتمعاتها من االرتكاسات ّ ّ في نظام عائلة األسد املثل األكثر وضوحا وفي محاوالت ولنا األهلية إلى االنفتاح املدني ،فإنها ستبقى أنسب الصيغ السياسية ّ القذافي ّال��ذي أصبح في آخ��ر ّ صالح الله وعبد امللوك ملك امه أي املنطقة هذه في للحكم <
معمر القذافي وياسر عرفات
األنظمة امللكية التي قامت في البلدان العربية كانت الضامن الوحيد لتماسك اللحمة الوطنية
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
51
قضايا
ّ واالعتبار التنمية املستدامة وأخذ العبرة في اإلصالح ّمن خالل َّ ّ من شعوبنا التي أضاعت ملكياتها فضاع مستقبلها وتشظت ّ أوطانها ..إنها عبرة ملن يعتبر.
تجارب ناجحة مستقرة
ّ َ كانت ال��دول العربية بعد االستقالالت كلها تحكم من أنظمة َمل ّ كية ،وكانت األسر الحاكمة ً أسرا متوافقا عليها بسبب قيامها ّ ّ كما في ليبيا والسعودية ،أو ألنها كانت الضامن بتوحيد القبائل ّ الوحيد ل�ع��دم تشظي اللحمة الوطنية بسبب ال�خ�لاف��ات اإلثنية ّ ّ ّ لشرعية والعرقية كما هو الحال في العراق أو ألنها كانت امتدادا ّ ّ تاريخي ّة ضاربة ال�ج��ذور كما في مصر وال�س��ودان تحت مظلة ّ وأسرته امللكية التي أنشأها محمد علي الكبير أدنى ،أو في املغرب ّ ّ ّ العلوية أو باي تونس سليل األسرة الحسينية أو ملكية اليمن التي بقيت محصنة بأسوار العصر الوسيط بحيث لم يستطع أحد ّ ّ االستعمارية األكثر سطوة. اختراقها حتى من الدول
امللك فاروق األول
ّ ّ ً جميعا أجرموا في حق شعبهم ،وقيام الدولة بالتأسس ،ألنهم ّ تستتبعه محاسبتهم ّ عما اقترفوه من جرائم في حق هذا الوطن. ّ ّ الكارثية من لذلك فليبيا اليوم مفتوحة على كل السيناريوهات ض� ّ�م إل��ى دول الجوار ،أو ح��رب بني الغرب انقسام أو إلحاق ّأو ّ ّ اإلرهابية التي عششت في البلد ،وهي حرب مرشحة والتنظيمات لالستمرار لعقود قادمة.
األنظمة امللكية العربية أغلبها تنعم باالستقرار واألمن.. وكثير منها ّ التنمية اعتمد املستدامة طريقا
50
ّ إن م��ن لهم الكلمة العليا ف��ي ليبيا ال�ي��وم ه��م أس��وأ مكونات هذا الشعب ،فبعضهم جاء من كهوف أفغانستان كالجماعة الليبية املقاتلة والتنظيمات املتشددة كالقاعدة وجماعة أنصار الشريعة. وبعضهم جاء من أوكار التآمر كحركة اإلخوان املسلمني ،والبعض اآلخر أتى من مواخير الغرب وشبكات التجسس العاملية .وفئته تنتمي إل��ى ت�ج��ار النضال ويمألها الحقد نتيجة بقائها فترة ّ ّ النظام في سجون النظام ،ثم انضم إلى ذلك الحشد مجرمو ّ طويلة ّ ّ السابق الذين يخشون املحاسبة ،وكذلك املجرمون العتاة الذين ّ ّ ّ أطلق القذافي سراحهم في األي��ام األول��ى للثورة ،ويقدر عددهم بعشرات اآلالف.
ّ بلدان عربيان هما لبنان الذي اختير له وتشذ عن هذه القاعدة لاّ ّ امللكية إ أنها ّ ّ ّ ملكية محصورة في الطائفة جمهوري يشبه نظام ّاملارونيةّ ،ولم تكن محصورة في أسرة بعينها ،أو نظام الجزائر العربي ال��ذي استقل متأخرا في سنة 1962 عندما كان الوطن ّ ّ ّ الحاكمة .والبلد الثاني هو سوريا التي امللكيات قد أسقط أغلب ّ ّ فرضت عليها الجمهورية في ظل االحتالل الفرنسي. ّ الجمهورية في الخمسينات والستينات من القرن كان لكلمة ّ ّ ّ ياسي عنوان الس النظام �ذا � ه أن باعتبار سحري �ع املنصرم وق� ّ للتقدم ّ والحداثة .ولكن بعد انقضاء القرن العشرين الذي شهد ّ امللكيات و سقوط أغلبها ،وبعد هذه الفوضى العربية ّقيام كل هذه التي نشاهدها اليوم وجب علينا التوقف والتأمل في هذا املسار ّالتاريخي لهذه الدول والشعوب وتقييم أداء كافة أشكال األنظمة التي هيمنت على املسرح السياسي العربي.
التصفيق للجمهوريات
ّ الخمسينات والستينات م��ن ال�ق��رن املنصرم كنا نصف ف��ي ّ امللكيات بكل النعوت الهجائية ّ املتوفرة في القاموس السياسي، ّ أنقاضها بفعل وكنا نكيل املدح للجمهوريات التي تأسست على ّ ّ ّ االنقالبات العسكرية أو غيرها .وكنا نصفق في كل ّ مرة تسقط ّ ّ ّ عسكرية .وما جمهورية ملكية وتؤسس على أنقاضها فيها ّ ّ كنا نلتفت إلى االجراءات االستثنائية الظاملة التي أصابت شرائح ّ ّ َ ُ ّ صف اجتماعية ّوثقافية عريضة بحجة حماية ال��ث��ورة ،وكنا ن ِ ّ ّ شرعية ما يحدث أو يبدو بالرجعية كل من يطرح أسئلة حول ك� ّ�ل ه��ؤالء ال مصلحة لهم في إقامة ال��دول��ة ،بل ّ ّ إن وج��ود الدولة عليه امتعاض مما يجري. يتنافى مع وجودهم سواء أكانوا مدججني بأسلحتهم أم بعقائدهم امللكية غاية في ّ حد ذات��هّ ، ّ ّ وأن الجمهورية وسقوط كان قيام اإلقصائية. ّ مجمل القول ّأننا قد ّ والتنمية مقرون بالنظام الجمهوري، ة والرفاهي للحداثة الولوج درب في الوطن ووضع الدولة، إنهاء رنا قر ّ ََ ّ ونعتبر النظام امللكي نفيا لكل القيم االنسانية. املخاطر منذ اليوم الذي أسقطنا فيه نظامنا امللكي. ّ االنقالبييون لم يكن التساؤل عن طبيعة ما يقوم به ه��ؤالء إن ال �ح �ن�ين إل ��ى امل �ل �ك� ّ�ي��ة امل� �غ ��دورة ال ي�خ�ت�ل��ف ع��ن ح �ن�ين بعض ّ ّ الرومانسيني إلى استرداد غرناطة .إنه بكاء على الحليب املسكوب .من الناحية الشرعية الدستورية أو من الناحية األخالقية التي ّ ورغم ذلك لن أقيم سرادق للعزاء ،ولن ّ أتقبل ّ أي نوع من املواساة ،تتمثل في الحنث بالقسم بالحفاظ على النظام والدستور .كانت ّ ّ ً ًّ مرضيا الغوغائية املؤدلجة قد أعمتنا على أن نرى األشياء كما هي .كنا ليس من باب الرفض الشديد لفكرة املوت رفضا يعتبر ّ ّ ْ وقد يقود إلى الجنون ،وإنما إلحساسي بأنه لم يعد في العمر نرى العالم كما نبتغيه أن يكون. ّ ّ حتى أهدره في الحسرة واألسىّ ، ّ ّ سحرية لتخدير الجماهير حتى وكانت لدى االنقالبيني وصفة وإن ما تبقى منه سوف بقية أنفقه في مديح االستقرار املشرئب إل��ى املستقبل ،وف��ي نصح يتمكنوا م��ن سرقة السلطة ملصلحتهم و يمكنهم م��ن خاللها ّ ّ ّ ّ امللكيات باملحافظة عليها وإعانتها التحكم في مقدرات الناس وأقدارهم. الشباب الذي ال زالت تحكمه
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
ّ ّ ّ ّ ّ ّ وتحول الحرية القليل الذي كنا نتمتع به، كل شيء :فقدنا هامش ّ ّ ّ من العمل إلى التعليم من الكيف إلى الكم ،وتغير ّ سلوك الناس ّ الصحية فأصبحنا نتنقل بمرضانا االستجداء ،وانهارت املنظومة عبر ّ قارات العالم.
َّ ّ ّ ّ رب َى َ كل هذه األجيال إن السبب فيما يبدو هو ّأن نظام القذافي قد ُ ّ املتعاقبة على ام�ت��داد أربعة عقود على ك��ره امللكية ،واعتبارها ّ ورجعية وفاسدة ،ولم يكن باإلمكان في نظام مغلق التعبير عميلة ّ عما يخالف ذلك .فهذه األجيال قد درست في مدارس وجامعات ّ ّ القذافي ،ولم َتر غير القنوات ّالتلفزيونية للنظام ،ولم تسمع غير إذاعاته ،ولم تقرأ ّغير الكتب التي تتماشى مع أفكاره؛ ّلذلك ترى ّ الليبيني يكيلون كل الشتائم لنظام القذافي ويصفونه بكل النعوت ّ ّ ولكنَهم ال يعلمون أن�ه��م متمسكون بثقافته املعادية السيئة، ً َ ّ ّ للمؤسسة امللكية .إنهم لم يعرفوا شيئا غير ه��ذه الثقافة مثل ّ الشيوعية ووجدت شعوب االتحاد السوفياتي عندما ثارت على ّ ّ ّ نفسها تتغنى بأناشيدها الحماسية ألنها لم تتعلم غير ذلك.
ُ ّ وأممت املمتلكات ،وصودرت األموال ليس بموجب الحاجة وإنما ّ ّ بدافع الحقد ،وأه��درت األم��وال العامة في مشاريع فرعونية كان ّ القصد منها التهويل الدعائي ملنجزات القائد الفذ .وبدأ الفساد يستشري م��ن خ�لال القائمني على ال�ق�ط��اع ال �ع��ام ،واملتحكمني ِّ والقيمني على استيراد حاجياته م��ن الغذاء بمقدرات الشعب، ّ وامللبس واملركوب .وأصبح الشعب بكامله يمد يده للدولة كموظفني ّ في تكية البطالة املقنعة .والقائمة تطول في تعداد ما أنجزته تلك ّ ََ ّ ّ ّ ّ مجمل القول أن امللكية لن ترجع في ليبيا ،وأن سلوك التسول الهمجية من مهالك. الغزوة ّ واالستجداء بدل العمل واإلنتاج سوف يستمر ،وأن ثقافة الفساد ّ ّ ّ واملوضوعية باستحالل أموال الدولة سوف تتواصلّ ، الذاتية ث� ّ�م ت��وف��رت بعد أربعة عقود كافة ال�ش��روط أي باختصار شديد أن ّ ّ ً ّ ّ للشعب لكي ينهي هذا املسلسل وشبع موتا ولكنه سيظل يحكم املجتمع الليبي العبثي في يوم 17فبراير .2011القذافي قد مات ّ ّ سببا اق�ت�ص� ًّ ً وك��ان السبب الرئيسي لهذه ال�ث��ورة �ادي��ا بامتياز :من قبره عبر ثقافته التي تجذرت في نفسيات املواطنني. ف��ال�ش�ب��اب ك��ان��وا ع��اط�ل�ين ع��ن ال �ع �م��ل ،وال�ت�ن�م�ي��ة أض �ح��ت بحكم ّ ّ املستحيلة ،واألموال العامة تنهب على مرأى ومسمع من الناس. إن الليبيني اليوم يعيشون في تفكك مجتمعي وأخالقي لم يكن وليد ما ح��دث أخ�ي� ً�را ،بل هو نتيجة تداعيات ملا حصل وتراكم كان ّأول فعل رمزي قام به الشباب هو إرجاع العلم والنشيد ّامللكي خالل العقود املاضية. ّ ّ ّ ذلك لم يعد في ليبيا اليوم ّأي شيء يمكن البناء عليه ،حتى القبيلة ما ّثم بدأت املطالبة بإرجاع َ َ دستور اململكة ،ولكن الغريب في َكل ُ ّ كل عادت تحظى بالنفوذ الذي كان لها عبر التاريخ في هذا البلد ،وإنّ ّ كية ،وهنا يبرز السؤال :ملاذا يرجع أنهم لم يطالبوا بإرجاع املل ّ َ َّ إال املؤسسة َامل َل ّ كية؟ ما هو ملكي املؤسسات التي حاول النظام امللكي إرس��اء تقاليدها قد ُدمرت بالحكم والتحكم ال�ف��ردي ،وفكرة الوطن أضحت غائمة بسبب ُ ّ ّ ون ً واملناطقيةّ .أما إقامة الدولة فهي شبح أصبح اإلقليمية خبا على ّأن انقالب التجاذبات إذا كان الشعب الليبي قد توافق جماهير َ َ ّ شرعيّ ، ً ٍّ وأن إسقاطه للملكية ك��ان اغتصابا يرعب الكثيرين ،ولذلك التقت إرادات أكثر الفاعلني السياسيني القذ ّافي ك��ان غير ّ ّ إلعادة الشرعية وللقطيعة مع النظام واملسلحني ،سواء كانوا من بقايا النظام السابق أو من الثورجيني للسلطة ،وأن هذه الثورة تطمح طرح إعادة َامل َل ّ السابق ،فلماذا لم ُت َ كية؟ الجدد ،أو من عصابات الجريمة املنظمة ،على عدم السماح للدولة
امللك إدريس السنوسي
في ليبيا سقطت ّ امللكية ولم تدم الفرحة بذلك الصنم الجمهوري ّ الذي تحول إلى غول يحاول أن يلتهمنا
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
49
قضايا
ّ أنظمة الحكم َامل َل ّ ّ وتتغير محتوياتها، والجمهورية وغيرها من املسميات قديمة قدم االجتماع البشري، كية أي فلسفة السلطة املكرسة لتحقيق غايات هذا االجتماع بتغير درجة تطور هذه الشعوب وطبيعة بنيتها االجتماعية والثقافية والدينية عبر مسارها التاريخي.
التجربة السياسية العربية ..من شعار الثورة إلى غول الجمهورية
يف مديح امللكية بقلم: محمد عبد املطلب الهوني
بعد الحصاد ّ املر لتجربة األنظمة ّ الجمهورية ّ فإن ما تحتاجه الشعوب ّ العربية اليوم هو الحكم ّ األبوي املتمثل ََ في املل ِك ّية
48
ًّ ميتا بالخيبات ،ول�ك��ن ف�ج��أة سقط ال�غ��ول ب��ال��واق�ع� ّ�ي��ة املحفوفة ّ تسم ًما من ّ ّ ُم ّ كمية الجثث التي ازدردها طوال العقود السابقة. بعد موته حاول أبناؤنا أن يستغفروا لنا خطايانا بإرجاع العلم ََ ّ والنشيد الوطني ،ولكنهم ما كانوا يعرفون غير طقوس امللكي ّ َ َ ذل��ك الوثن ال��ذي ت� َ�ر ّب� ْ�وا ود ُ رس ��وا وترعرعوا في كنف حكمه فلم يستطيعوا أن ي�ت�ج��اوزوا ثقافته .وأراه ��م ال�ي��وم ُي�ع�ي��دون ال�ك��رةّ الستنساخ غول جديد.
ّ ملكية ،وك��ان��ت بمثابة األم نشأ الليبيون ف��ي ظ��ل دول��ة ّ ال��رؤوم ّ بالرغم من أن��ي قد ُول��دت ّقبلها بقليل ،فحاولت ّ أن تغدق علينا العطف والحنان بكل إمكانياتها املتاحة. ّ املتجسد من خ�لال تطابقه ّمع تربينا على فكرة ال��والء للوطن ً ّ ّ الوطنية .وكنا أطفاال نحفظ األناشيد الوطنية ونرددها كل الدولة ّ خشوع لتحية العلم .ولكن ما إن وصلنا إلى في ونقف صباح، ّ ّ ّ سن املراهقة وبدأنا ككل املراهقني تجربة التمرد على األب وقتله ّ القومية من ّ ّ ّ ًّ وناصرية ّ تحرضنا بعثية رمزيا ،حتى برزت األفكار ََ ُ ّ ّ ً ّ على قتل األب فعليا ،فاستجبنا لها؛ وقمنا بقتل األب من لحم ك��ان النظام امللكي قد شيد في ليبيا على وط��ن متهالك دمرته ً ال�ح��روب ،وك��ان يعتبر أفقر بلد في العالم وأش� ّ�ده��ا بؤسًا :فقد ودم ممثال برأس الدولة. ً مترعا بالجوع والجهل واألوب�ئ��ة ،وك��ان سكانه ال يعرفون ّك��ان ّ ّ كانت أيدينا ملطخة ّ ّ ّ الجمهورية ،أي مؤسسة أو أي نوع من التنظيم املدني؛ فقد كنا مجموعة من بالدماء فرسمنا بالنجيع دولة ً وفي غمرة فرحتنا بمخلوقنا الجديد كفرنا بالوطن املتعني داخل القبائل متناحرة يغزو بعضها بعضا وتعيش على الثأر األبدي. ُ َّ ّ ّ هيولي ال وجود له إال داخل حدود الدولة “القطرية” وآمنا بوطن رؤوسنا الصغيرة ّ السبب ّثمة ع��داوة بني البحر يكتبه ال�غ��زاة ،ولهذا املغررَ َبها. ّ ك��ان تاريخنا ُّ ّ ّ ّ رب �م��ا ك ��ان م��ن س �م��ات امل��ل �ك��ي��ة خ�ل��ط ف �ك��رة خ�ف��ض ج �ن��اح ال ��ذل والليبيني :فهم يقلون من أكل األسماك ،وقلما يذهبون إلى السباحة ّ م��ن الرحمة ملواطنيها بفكرة خفض جناح ال��ذل م��ن ال��وه��ن في في مياهه؛ إذ من هذا البحر كانت تأتيهم مراكب الغزاة وشذاذ ً ً ً محاسبتهم. سغبا وأوبئتهم فتكا. إدقاعا وجوعهم اآلفاق فتزيد فقرهم ّ بقراءة قمت امللكي للنظام املناوئة املظاهرات إحدى في أذكر أنني ّ ّ ّ منشور ِّ يحرض على إسقاط امللكية ال أعرف من كتبه وال أهداف ك��ان��ت األم ��م امل��ت �ح��دة ت�ت��وج��س م��ن أن ه ��ذه ال��دول��ة ال �ت��ي منحت ّ ّ من ّ وز عوه ،وكانت النتيجة أنني اعتقلت وفهمت من وكيل النيابة االستقالل قد تتردى في الفشل ألنها لم تكن تملك غير مؤهالت ّ ّ ّ ّ الجنسية ،أن ال��ذي حقق ّمعي ،وك��ان س��وري تهمتي تستوجب الفشل. ُ ً عقوبة ال تقل عن خمس سنوات خاسرا منذ البداية ،ولكن مض مع رفاقي وكان الرهان على قيام هذه الدولة يبدو سجنّ ،ولكن لم أ ّ ِ ّ ّ ملكي. بأمر ا عن العفو تم ى حت السجن أكثر من شهر ونصف في وانضوت القبائل تحت ُراية امللك ،وشمر خيرة ، املعجزة حدثت َ ّ التحدي َ وب َدأوا في بناء الدولة. رجالها عن سواعدهم وقبلوا
الصنم الجمهوري ّ ميزانية الدولة تعتمد على املنح واملساعدات وري��ع تأجير كانت ّ العسكري ّة لبريطانيا وأم��ري�ك��ا والقليل م��ن الضرائب حني أسقط الليبيون امللكية لم تدم فرحتنا بذلك الصنم الجمهوري ال�ق��واع��د ّ ّالذي اجترحناه في خيالناّ ، يتحول الحقًا وامل�ك��وس .وق��د وظ��ف اآلب��اء املؤسسون معظم ه��ذه اإلمكانيات ثم نحتناه بأيدينا قبل أن ّ البشرية في التعليم والصحة. إلى غول يسعى إلى التهامنا ،فبعضنا مات برفسة من قدميه املتواضعة للتنمية وبعضنا ذاب في لعاب شدقيه ،وكنت أنا وبعض اآلخرين فرحني ّ ّ بعد عشر سنوات من االستقالل أبرزت تقارير األمم املتحدة أننا بنجاتنا في بؤس املنافي. العربية ّ ّ ّ تفوقنا على ّ والصحة، الغني ّة في مجالي التعليم أهم الدول ّ ّ ً ثم بدأت تباشير اكتشاف النفط اللعني ّتتبدى في األفق فبرزت اقترفوها تكفيرا عن خطاياهم التي حني قتل الليبيون ذلك الغول ّ بقتل األب ،ولكنهم لم يفلحوا ّ ألن الغول قد استحوذ على كل معها األطماع األجنبية .واألخطر من كل ذلك أن النفط أرجعنا ً ّ ّ القبلية في االستيالء على الغنيمة ولكن بدون التركة وأنجب أنغاال من زنا املحارم ال يقلون همجية وغلظة عنه .إلى سفالة الغريزة ّ ً عقودا متتالية ،ورجعنا إلى خرائب تكاليف الغزو املسلح. ومضت السنون وانتظمت اشتركنا ما نرمم أن وحاولنا باألناسة، الوطن عندما تظاهر الغول ّ ملكي م��ن ن��وع ج��دي��د مدججني وكانت الغزوة الكبرى بتاريخ 1سبتمبر 1969والتي معها فقدنا ٍّ �ام � ظ � ن ف��ي تخريبه ب��اس�ت�ح��داث ٍ
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
واتهامه بالعمالة للواليات املتحدة وإسرائيل ،ويعتقد بشكل واسع أن عالقات دحالن بكثير من صانعي القرار في أوروبا وأميركا لم تنقطع رغم ابتعاده عن املناصب الرسمية في السلطة الفلسطينية حتى قبل انقالب أبو مازن ضده. على الجانب اآلخر كان منافسه أو قرينه ،النقيض خالد مشعل وجماعته «حماس» بال ظهير دول��ي ،ليس فقط ألن لغة الخطاب لديهما ال تتالقى مع تصورات الواليات املتحدة والقوى األوروبية الكبرى لكيفية حل الصراع العربي -اإلسرائيلي ،بل ألن مشعل نفسه كان بحكم انتمائه إلى اإلخ��وان املسلمني مبكرا قد تشرب بالخطاب العدائي الذي درجت الجماعة على توجيهه إلى الغرب، وخصوصا الواليات املتحدة األميركية ،فإذا أضفنا إلى ذلك عدم توافر شخصيته على الخصائص املناسبة ملا يمكن تسميته برجل الدولة ،يمكن فهم سيكولوجية الرجل الذي حصر نفسه في إطار عالقات إقليمية ،ولم يكن تنظيم حماس ليمنحه الحق في إقامة حوار مع الواليات املتحدة حتى لو كان ذلك متاحا ،ألن التنظيم جعل العالقات مع واشنطن والغرب حقا حصريا له وليس لفروعه في أي دولة سواء عربية أو غير عربية.
مسارات املستقبل
بصالت دولية كبرى ،ومن ثم استطاع دحالن بناء شبكة معقدة من العالقات مع قادة دول ،باإلضافة إلى خبراء أمنيني كبار في أكثر العواصم قوة وتأثيرا على النطاق الدولي كونه عمل لفترة رئ�ي�س��ا ل�ج�ه��از األم ��ن ال��وق��ائ��ي ف��ي غ��زة ومستشارا أمنيا ألبو مازن ولعدد من قادة الدول العربية سواء بشكل رسمي أو غير رسمي .وتظهر مذكرات جورج تينت «في قلب العاصفة» مدى ما تمتع ب��ه دح�ل�ان م��ن اح �ت��رام ل�ت�ق��دي��رات��ه األمنية وال�س�ي��اس�ي��ة أث �ن��اء امل�ب��اح�ث��ات ال �ت��ي دارت بني الجانبني الفلسطيني واإلسرائيلي منذ عام ،2002كما أبدى الرئيس األميركي السابق جورج بوش االبن إعجابه بمدى اطالعه ع�ل��ى ت�ع�ق�ي��دات ال�س�ي��اس��ة اإلسرائيلية (أتقن دح�لان خالل فترة سجنه في إسرائيل اللغة العبرية وق��رأ الكثير م��ن ال �ك �ت��ب ال �ت��ي ت �ت �ن��اول امل�ج�ت�م��ع وال�س�ي��اس��ة اإلس��رائ�ي�ل�ي�ت�ين) ،كما تنبأ له الرئيس األميركي األسبق ب�ي��ل كلينتون ب��أن ي�ك��ون الزعيم ال� � �ق � ��ادم ل �ت �م �ث �ي��ل ج� �ي ��ل ج� ��دي� ��د م��ن الفلسطينيني ،إال أن ذلك كله لم يكن بالضرورة في صالح الرجل ،حيث استغل البعض هذا التقدير لشخصه للقدح فيه
م��ع ان��دالع امل��واج�ه��ة ال�ت��ي م��ا زال��ت ج��اري��ة ب�ين إس��رائ�ي��ل وحركة حماس منذ منتصف الشهر املاضي ،ع��ادت األض��واء لتسلط من جديد على دحالن ومشعل ،األول كثف م��ن ظ�ه��وره وم��ن معاركه م��ع أب��و م��ازن ف��ي مؤشر واض ��ح على توقعه ب��أن تسفر امل��واج�ه��ة الحالية عن سقوط حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية ورحيل أبو مازن عن السلطة ومن ثم ينفتح ال �ط��ري��ق أم � ��ام اخ �ت �ي��ار خ �ل �ي �ف��ة ل� ��ه ،وه��ي الفرصة التي يتحينها دحالن وتقف من خلفه ق��وى إقليمية ك�ب��رى ،بينما ي �ق��ف ال �ث ��ان ��ي (م �ش �ع ��ل) ح��ائ��را يردد نفس التعبيرات اإلنشائية ع ��ن ان� �ت� �ص ��ارات ح �م��اس وخ��ط امل �ق��اوم��ة وت��دع�م��ه أي�ض��ا ال�ق��وى اإلق �ل �ي �م �ي��ة ال� �ت ��ي ت ��راه ��ن ع�ل��ى إم �ك��ان �ي��ة ع� ��ودة اإلخ� � ��وان إل��ى امل � �ش � �ه� ��د م� � �ج � ��ددا ل �ت �ح �ق �ي��ق ط�م��وح��ات�ه��ا ف��ي ال �ت �ح��ول إل��ى قوى إقليمية عظمى (تركيا وإيران تحديدا) ،ورسم خارطة املنطقة بما يتوافق مع مصالحها وأهدافها .وألن دروس التاريخ تظهر أن البراغماتيون األص�ل��اء ه��م األق� ��رب دائ �م��ا لكسب ال �س �ب��اق ،ف ��إن ان�ت�ص��ار براغماتية دح �ل��ان م��رج �ح��ة ع �ل��ى إم �ك��ان �ي��ة فوز براغماتية مشعل التي يحد منها جمود القاعدة االجتماعية وال�س�ي��اس�ي��ة امل�ح�س��وب��ة عليه، ف�ض�لا ع��ن ت �ع��ارض ال�خ�ط��اب صورة ارشيفية ملحمد امل �ع �ل��ن م��ع ال �س �ي��اس��ات ال�ت��ي دحالن لدى وصوله إلى ت � �م� ��ارس ع� �ل ��ى األرض ف��ي مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مدينة ال��داخ��ل الفلسطيني وانتهاء رام الله بالضفة الغربية بعالقات مشوبة بالتبعية لقوى إقليمية (أغسطس )2009 متناقضة في أهدافها النهائية <
يتحرك دحالن بحنكة بني عواصم عربية بعضها يراهن عليه بقوة مثل أبوظبي وبعضها على استعداد ملساعدته على تحقيق طموحاته مثل القاهرة دون أن تعتبره الخيار الوحيد
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
47
تقرير
ساهمت فترة التكوين وخيارات االنتماء الفكري لدى دحالن وحماس في تحديد مدى إمكانية كل منهما في إقامة عالقات دولية خاصة مع القوى العظمى وعلى رأسها الواليات املتحدة
46
للفلسطينيني على حدود ،67ودولة لليهود إلى الجوار منها) .في ما يتعلق بمشروع دحالن للتسوية نجد أنه ال يخرج عن هذا التصور ال��ذي يتطابق مع املبادرة العربية للتسوية والتي تبنتها الجامعة العربية كإطار مقبول للحل مقابل التطبيع مع إسرائيل ،كما أنه ال يبعد كثيرا عن تصورات الواليات املتحدة والدول األوروبية حتى لو أجريت بعض التعديالت بموافقة الطرفني الفلسطيني واإلسرائيلي، أما حماس فهي ترفض أي تسوية ال تتضمن تحرير فلسطني من النهر إلى البحر وينص ميثاقها على السعي إلنهاء الدولة العبرية، ورغم أن خالد مشعل حاول أن يظهر جانبا أقل تطرفا مما ينص عليه دستور حماس بتصريحه أن «املفاوضات ليست أمرا محرما» وأن حماس يمكنها أن تقبل دول��ة فلسطينية مؤقتة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967مقابل توقيع هدنة ملدة 20عاما مع إسرائيل ،رغم ذلك ال يوجد أحد ال في إسرائيل وال في الغرب لديه االستعداد ملناقشة هذا املشروع الذي يتصف بالبهلوانية وعدم الواقعية ،فما اإلغراء في هذا املشروع بالنسبة إلسرائيل لكي تقبله؟ وما القدرات التي تملكها حماس إلجبارها على القبول به؟ ال يسأل مشعل نفسه هذه األسئلة ،فتصريحاته عن الهدنة مقابل تأت إال بعد وصول اإلخوان دولة فلسطينية على حدود 1967لم ِ للحكم في مصر (قبل أن يسقطوا بعد ذلك بنحو عام) ،وال يمكن فهمها إال في سياق تفاهمات التنظيم الدولي مع الواليات املتحدة التي كانت على استعداد ملساعدة اإلخوان في الوصول إلى الحكم في معظم البالد العربية مقابل تعهدهم بإسقاط سعيهم لتدمير إسرائيل أو التعرض للمصالح األميركية في املنطقة ،بمعنى آخر لم يكن مشعل صاحب الدعاوى القديمة بأن الكفاح املسلح هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطني يعبر في تحول موقفه عن قناعة أو نقد خالد مشعل يجري للذات ،بل يعكس طبيعة شخصيته املجبولة على االنصياع ملا تطلبه بعض التمارين البدنية منه قياداته ،أي قيادات التنظيم الدولي وإي��ران التي كانت تسعى باحدى الصاالت بدورها للبحث عن وسيلة للتخلص من الحصار املفروض عليها، الرياضية في الدوحة تضمنت فكانت االت�ص��االت السرية بينها وب�ين واشنطن والتي (فبراير ) 2013- وعدا من طهران بالكف عن خطاب التحريض -هي وأذرعها في املنطقة -على تدمير إسرائيل فضغطت على مشعل لإلعالن عن حملة التشويه من جانب حماس ضده بمثلها ،وركز اهتمامه على قبوله فكرة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو مع شق معركته األهم مع أبو مازن ملعرفته بأن الرجل بات أقرب للرحيل طريق للتراجع بالحديث عن أن العرض ليس دخوال في مشروعات عن منصبه في أية لحظة سواء لعامل السن أو لعجزه عن مجابهة التسوية ،بل مجرد هدنة ولو طال أمدها. التحديات داخل منظمته ومؤسسات سلطته ،وثمة اعتقاد واسع بأن دحالن يحشد قوته انتظارا لهذه اللحظة ،ومن ثم فهو ال يسعى للمالسنة مع قادة حماس أو إعالمها للتفرغ ملعركته األساسية. الرجالن والتنافس اإلقليمي على العكس من ذلك يظهر خالد مشعل ضعفا في مواجهة املواقف على ح�ين ي��درك دح�ل�ان ح��دود ال�ق��وة الفلسطينية ب�لا مبالغات املنفلتة لبعض قيادات حماس ،خصوصا في الداخل الفلسطيني دعائية ،فإن الطبيعة الخطابية في آيديولوجيا القوى الدينية ومنها تجاه بعض الحكومات العربية ،وبسبب ذلك خسرت حماس كثيرا حماس تجعلها غير قادرة على التمييز بني الواقع والخيال .يعتقد عندما وقفت مثال ضد إرادة الغالبية العظمى من املصريني الذين دحالن أن القضية الفلسطينية دون عمق شعبي ورسمي عربي ث��اروا على حكم اإلخ��وان وأس�ق�ط��وه ،كما ل��م تستفد حماس من قضية خاسرة ،وفي نفس الوقت فإن وضع البيض كله في سلة تطابق موقفها مع مواقف الدول الخليجية من الثورة السورية رغم واحدة مغامرة ليست في صالح مشروع تحقيق األماني القومية أن نفس املوقف قد كلفها خسارة الدعم اإليراني ،وانتهى األمر بها للشعب الفلسطيني ،لذلك وبحكم ذكائه ومهاراته السياسية لم وبمشعل إلى عالقات باردة مع أغلب البلدان العربية ومواجهة قابلة َّ يتنب مواقف حدية ولم يتورط في الصراعات السياسية داخل الدول للتوسع مع مصر شعبا وحكومة ،خصوصا بعد صدور حكم من العربية كما تورط غيره ،كما أنه لم يخسر أيا من األطراف اإلقليمية إحدى املحاكم املصرية باعتبارها جماعة إرهابية. العظمى في املنطقة ملعرفته بمدى أهميتها جميعا في تحقيق الحلم الفلسطيني ،فلم يضغط على مصر لكي تقف في وجه أبو مازن العالقات الدولية عندما فصله من فتح ،ولم يتورط في تصريحات معادية ألية قوى أخرى في الخليج على رغم تباين مواقفها من مشروعه حتى لو ساهمت ف�ت��رة التكوين وخ �ي��ارات االن�ت�م��اء ال�ف�ك��ري ل��دى دح�لان أبدت عداء أو تجاهال له ،وأجاد لعبة االرتكان إلى تأييد الطرف األقدر وحماس في تحديد م��دى إمكانية كل منهما في إقامة عالقات على الوقوف معه في كل لحظة منتظرا تغيير املواقف وقواعد اللعبة دول�ي��ة خاصة م��ع ال�ق��وى العظمى وعلى رأس�ه��ا ال��والي��ات املتحدة للعودة إل��ى توازناته املرنة ،وحتى منافسه خالد مشعل لم يجد األميركية .في ما يتعلق بدحالن فقد استفاد من خبرته الطويلة دحالن غضاضة في مدح مواقفه في بعض األحيان ،كما لم يقابل إل��ى جانب الزعيم الفلسطيني ال��راح��ل ياسر ع��رف��ات ال��ذي تمتع
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
التي تسعى إلى تجنيدها في صفوفها في شتى املجتمعات التي تعمل فيها ،وهي أيضا عني الخصائص التي مكنت الجماعة من أن تأمن التمردات واالنقسامات في داخلها إلى حد كبير. كثيرا ما كان دحالن يتحدى قادته حتى إنه لم يتورع عن قيادة مجموعة داخل حركة فتح في أواخر التسعينات من القرن املاضي، ط��ال�ب��ت ال��زع�ي��م ال��راح��ل ي��اس��ر ع��رف��ات -ف��ي أوج ق��وت��ه -ب��إج��راء إصالحات جوهرية في فتح ومنظمة التحرير لتخليصهما من الفساد والبيروقراطية ،أما مشعل فلم يعرف عنه تحديه لقياداته األعلى منه ،وتكفلت شخصيته املنصاعة ومعها قدر من الحظ بالوصول إلى مكانة كبيرة في حماس ،فمن جانب كانت إيران التي تدهورت عالقتها بشدة مع الغرب والواليات املتحدة في التسعينات بسبب سعيها للحصول على البديل النووي إلى جانب محاوالتها املستميتة إلفشال مشروعات التسوية السياسية للصراع العربي اإلسرائيلي ،تتوق إلقامة عالقات مع التيارات املناوئة للغرب فياملنطقة كورقة ضغط تعادل بها محاوالته لعزلها وحصارها ،في ذلك الوقت كان خالد مشعل قد انتخب رئيسا للمكتب السياسي لحماس ع��ام ،1996وك��ان معروفا عنه م��دى إعجابه بالخميني والثورة اإليرانية ،وهو خط لم يكن اإلخوان املسلمون كتنظيم ضده (وفق ما يذكر يوسف ندا القيادي بالتنظيم الدولي في مذكراته)، وفي مواقف كثيرة أظهر مشعل نزقا يثير االستغراب في بعض األحيان مثلما فعل حني هدد إسرائيل بأن أي اعتداء على إيران سيعتبر اعتداء على حماس وعليه شخصيا.
محاولة اغتيال فاشلة ملشعل على الجانب اآلخر لعب الحظ دوره في تصعيد مشعل داخل حماس وتلميع صورته شعبيا ،وذلك عندما تعرض ملحاولة اغتيال فاشلة من جانب املوساد عام 1997ثم توالى سقوط رموز الجيل األكبر منه إما بسبب اتهامات باإلرهاب (موسى أبو مرزوق الذي كان أول رئيس للمكتب السياسي لحماس) أو بالقتل على يد اإلسرائيليني (أحمد ياسني ،وعبد العزيز الرنتيسي) ،وألن حركة حماس كانت
تحتاج بشدة إلى التمويل لإلنفاق على مقاتليها فقد ارتفعت أسهم مشعل ال��ذي ظ��ل يعمل ب��ال�خ��ارج ويستثمر عمليات حماس في الداخل لجني األموال للتنظيم من إيران وليبيا وسوريا وقطر ومن الجمعيات الخيرية التابعة لإلخوان في بعض بلدان الخليج .بمعني آخر كانت حداثة تكوين حماس مقارنة بفتح ،إلى جانب افتقار حماس إل��ى شخصيات ذات ق��درة على مخاطبة ال�خ��ارج بسبب ضعف التكوين الثقافي واملهارات الذهنية سببا في تصعيد خالد مشعل إل��ى قمة التنظيم في لحظة تضافرت فيها عناصر مثل طبيعة شخصيته ومحاولة اغتياله من جانب املوساد وحسن طالعه لخدمة هذا الصعود .على العكس من ذلك كانت شخصية محمد دحالن املتمردة والتي صقلتها سنوات السجن في إسرائيل في الثمانينات دافعة في اتجاه املناورة بالصدام حينا وباملالينة حينا آخر سواء في ما يخص الشأن الداخلي أو العالقات مع الخارج ،فلم تتوقف معارك محمد دحالن مع قادة السلطة حتى بعد رحيل أبو عمار عام ،2004وبدأ الصدام مبكرا بينه وبني أبو مازن حول كثير من قضايا الفساد واملحسوبية داخل فتح ومنظمة التحرير ،كما دار أيضا حول أسلوب التفاوض مع اإلسرائيليني وإدارة العالقات م��ع واشنطن ،حتى إن��ه ك��ان يرفض ف��ي بعض األح�ي��ان حضور الجلسات الخاصة ب��ال�ح��وارات األمنية ب�ين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وبمشاركة واشنطن ،ورغم أن أبو مازن قام بفصله من يختف من الساحة وظل حتى اليوم اللجنة املركزية لفتح فإنه لم ِ رقما ّ مهما في معادلة االستقرار الداخلي الفلسطيني وفي معادلة التنافس اإلقليمي على السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني.
رجالن ومشروعان ألن الهم األساسي للفلسطينيني بغض النظر عن اختالفهم هو تحقيق دولتهم املستقلة ،فإن بروز القيادات ودعمها شعبيا يتوقف على مدى قدرة أي شخصية طموحة على ترويج مشروعها الهادف إل��ى تحقيق ه��ذه األمنية .وم��ع خيبة أم��ل الفلسطينيني في اتفاق أوس�ل��و ،إال أن األغلبية منهم ال ت��زال تؤمن بحل الدولتني (دول��ة
ملثم فلسطيني من حركة فتح يعلق صورة ملحمد دحالن خالل احتجاج مناهض لسياسة حماس نظمته الحركة في مخيم لالجئني جنوب قطاع غزة (غيتي)
لعب الحظ دوره في تصعيد مشعل داخل حماس عندما تعرض ملحاولة اغتيال فاشلة من جانب املوساد
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
45
تقرير
مشاهد الدمار ورائحة املوت التي تفوح من غزة منذ اندالع املواجهات العسكرية بني إسرائيل وحركة حماس لم تمنع فرسي الرهان في الحلبة الفلسطينية عن مواصلة الصراع بينهما حول من سيكون الرقم األهم في معادلة الداخل الفلسطيني في السنوات القادمة .محمد دحالن بعد فترة من الكمون عاد بقوة ليدلي بتصريحات حول األوضاع الفلسطينية عامة وحول عدوه اللدود أبو مازن وحركة حماس ،محمال كليهما مسؤولية ما جرى للفلسطينيني ،أما فرس الرهان اآلخر خالد مشعل الذي ربما يأمل بإنهاء وجود فتح ومنافسه محمد دحالن أكثر من تحرير فلسطني من االحتالل اإلسرائيلي ،فقد استغل الحرب األخيرة في غزة ليؤكد أنه العنوان الصائب الذي يجب أن تتجه إليه اآلمال الفلسطينية عبر اإلصرار على املقاومة واالدعاء بحتمية انتصارها على كل دعاة التسوية السلمية مع إسرائيل.
صراع «البراغماتية» الفلسطينية بني مشعل ودحالن
احلرب على غزة ..الكل خاسر رفح -سيناء -مصر: سعيد عكاشة
هل يأمل خالد مشعل بإنهاء وجود فتح ومنافسه محمد دحالن أكثر من تحرير فلسطني من االحتالل اإلسرائيلي
44
أدل��ى دح�لان في القاهرة أخيرا بحوار صحافي إلحدى فتح وحماس
الجرائد املصرية قال فيه« :أعتقد أن هذه الحرب ستنتهي ك���م���ا ان���ت���ه���ت ال����ح����روب ال���س���اب���ق���ة ،ق���ت���ل ودم�������ار ل��ل��ش��ع��ب الفلسطيني ،وادعاء نصر من قبل إسرائيل ،وادعاء نصر من قبل حماس والجهاد اإلسالمي والتنظيمات املقاتلة ،فالحرب على غزة الكل خاسر فيها ،سواء فتح أو حماس ،أما الخاسر الذي سيدفع الثمن وه��و ليس ط��رف��ا فيها فهو الشعب الفلسطيني ك��ال��ع��ادة، واملقاتلون في بعض التنظيمات». النتيجة التي توصل إليها دحالن ليست ناتجة فقط عن إدراك جيد لحدود املمكن في مثل هذه النزعات ،بل عن رغبة دفينة بأن يخسر كل خصومه :حماس وقائدها مشعل ،وفتح وقائدها أبو مازن، فعندها فقط يكون الطريق قد بات ممهدا لعودته الظافرة إلى املوقع ال��ذي يستحقه كقائد لجيل جديد من السياسيني الفلسطينيني أص��ح��اب امل��ه��ارات االستثنائية ،أم��ا منافسه خالد مشعل فرغم براغماتيته النسبية ،قياسا على القادة الكبار في حركة حماس الذين يتبنون خطا متشددا سواء حيال املصالحة مع فتح أو حيال الصراع مع إسرائيل ،إال أن ثقل اآليديولوجيا اإلخوانية التي تشده إلى الخلف جعلته يتخبط في تصريحاته ومواقفه عندما رفض الشهر املاضي املبادرة املصرية لوقف القتال ،وهو ما أغضب مصر حكومة وشعبا ،ولكنه عاد مجددا لينفي أنه برفضه للمبادرة فهو يرفض الدور املصري ذاته!.
يتحرك دح�لان بحنكة ب�ين ع��واص��م عربية بعضها ي��راه��ن عليه بقوة مثل أبوظبي وبعضها على استعداد ملساعدته على تحقيق طموحاته مثل القاهرة دون أن تعتبره الخيار الوحيد أو البديل الوحيد مثلما تفعل اإلمارات األكثر انزعاجا بني العواصم العربية من تمدد املشروع اإلخواني املدعوم من تركيا وقطر ،ولكن دحالن ال يبادر بالعداء تجاه حتى األنظمة التي تؤوي منافسه مشعل. السباق لوقف نزيف الدم الفلسطيني إذن ليس خالصا لوجه الله والوطن بالضرورة ،بل هو سباق معقد ومتعدد املستويات ،وطنيا وإقليميا وذاتيا ،يتصدره فرسا رهان أحدهما براغماتي بطبعه وبحكم تكوينه وخبراته ،والثاني يحاول أن يكون كذلك ولكن من دون من دون طروحات ومرجعيات أصيلة.
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
ب��ع��د س���ن���وات االزده�������ار ل��ل��ح��رك��ات ال��رادي��ك��ال��ي��ة ف���ي ال��س��ب��ع��ي��ن��ات وب��داي��ة الثمانينات م��ن ال��ق��رن امل��اض��ي وال��ت��ي هيمنت على الفعل الفلسطيني آنذاك ،بدأت عملية االنزياح البطيء نحو االعتدال تحت ضغط التحوالت الكبرى في النظامني اإلقليمي والدولي ،وأصبح االستقطاب داخ��ل الحركة الوطنية الفلسطينية ال يتمحور حول قطب براغماتي وآخ��ر متشدد ،ب��ل ح��ول قطبني كالهما يتحلى بالبراغماتية مع اختالف اللغة واالدعاء اآليديولوجي :فتح وحماس، وألن الثقافة العربية عامة تنطوي على قدر هائل من «شخصنة» الوقائع واملدخالت السياسية فإن االستقطاب البراغماتي ذاته بات ملخصا في مشروعني يعبر عنهما شخصيتان جدليتان ،محمد دحالن القيادي السابق في حركة فتح ،املقيم في اإلمارات حاليا، وخالد مشعل قائد حركة حماس املقيم في دولة قطر.
فترة التكوين وافتراق املسارات بني الرجلني من خالل فترة التكوين األولى لكليهما فروقات حددت مساراهما ،يمتلك دح�لان شخصية جريئة ومتمردة ،في حني أن خالد مشعل ،يميل إل��ى االن��ص��ي��اع ل�لأوام��ر وال يغامر بتغير االتجاهات بشكل مفاجئ. تعلم دحالن في شبابه داخل معهد ديني في غزة تابع ملجموعة كانت وراء تأسيس حماس الحقا ،ولم تالئم شخصيته املنطوية على التمرد على خطاب السمع وال��ط��اع��ة ال��ذي ك��ان يهيمن على التابعني لهذا التيار ،فسعى لاللتحاق بحركة فتح األكثر نضالية واألك��ث��ر انفتاحا من الناحية الفكرية والثقافية ،أم��ا مشعل فقد عاش وتعلم في الكويت في السبعينات ومطلع الثمانينات ومال إلى حركة القطيع التي كانت تتوجه بشكل ال إرادي نحو التيارات الدينية بوصفها القطب الصاعد في الحياة السياسية آنذاك ،وبعني الخبراء في تنظيم جماعة اإلخوان املسلمني هناك التقطوه ،ملا يتوفر عليه من صفات وخبرات اضافة الى استعداده لتنفيذ األوامر من دون نقاش ،وهي الصفات التي تبحث عنها الجماعة في األفراد
املالكي النفس والعرض واملال .نعم «داعش» غير مرغوب فيها ما أجندة مواضيعه املتوقعة وهل أنتم مع هذا املقترح؟ أعتقد جازما أن طاولة مستديرة يلتقي حولها ممثلو الكيانات وممارساتها مرفوضة لكن هل البديل العودة ملظالم حكومةاالجتماعية وليست السياسية برعاية دولية لالتفاق على ثالث نوري املالكي؟ هذا سيكون الخيار األسوأ بكل املقاييس. مسائل جوهرية يمكن أن تحل مشكلة العراق: > لكن املجتمع الدولي كما تعلم لن يصبر طويال على تنظيمات شكل النظام السياسي «داعش» وهي تتوسع وتتمدد غربا نحو العراق.. طبيعة املشاركة في السلطة واملوارد املجتمع الدولي منافق والدول الكبرى ال يهمها سوى مصالحها،هوية العراق والعالقة مع جيرانه أين كانت هذه الدول وملاذا تجاهلت األوضاع املؤسفة للشعب > وهل تعتقد أن مؤتمرا كهذا من شأنه أن يبقي العراق موحدا؟ ال�ع��راق��ي ول��م تتدخل إلن �ق��اذه م��ن حكومة وصفتها التقارير العراق مجتمعيا وعلى أرض الواقع وبفعل السياسات الكارثية األممية بأنها األس��وأ واألظلم واألفسد في تاريخ العراق ،ملاذالنوري املالكي ب��ات منقسما ،واستخدام القوة العسكرية لن لم يتحرك املجتمع الدولي رغم مناشداتنا للتدخل بعد مجزرة ي��ؤدي إال إل��ى تفاقم األوض��اع وزي��ادة ح��دة الكراهية والرغبة الحويجة ومسجد سارية واملحمودية والطارمية وجرف الصخر في االنتقام ،وحدة الجغرافيا تبدأ من وحدة القلوب ،من رغبة والهجمات بالقوة العسكرية على األنبار التي توسعت اليوم الناس في التعايش األخ��وي ،وق��د فقدنا ذل��ك مع األس��ف وفي لتشمل ست محافظات .مل��اذا لم يسع املجتمع ال��دول��ي إلنقاذ تصوري ف��إن املؤتمر الوطني املوسع برعاية دولية يمكن أن العوائل في بغداد التي ال زالت حتى اللحظة مستباحة من قبل ميليشيات العصائب وال�ب�ط��اط وب ��در؟ مل��اذا تجاهل ك��ل هذه يكون الحل املقترح. األح ��داث ول��م يكترث لتنامي ظ��اه��رة إره��اب ه��ذه امليليشيات بينما هو يقلق لتنامي وجود «داعش» أو غيرها؟ اإلرهاب هو > وماذا عن «داعش» أو الدولة اإلسالمية؟ شئنا أم أبينا باتت حقيقة موجودة على األرض وال سيما في اإلرهاب مهما كان انتماؤه أو جنسيته وكان على املجتمع الدولياملوصل .رغم أن هناك فصائل عديدة أخرى إلى جانب تنظيمات أن يعتمد معيارا واحدا ال مزدوجا في تعاطيه مع هذه الظاهرة. «داعش» لكن األخيرة األكثر تأثيرا واألفضل تنظيما. > باختصار هل تؤيد ضربة عسكرية أميركية للنظام العراقي؟ > ه��ل ي��ري�ح�ك��م وج� ��ود ت�ن�ظ�ي�م��ات «داع � ��ش» وإش �ه ��ار ال��دول��ة -بالطبع كال ،أزمة العراق ال تحل بالقوة ولكن بالحكمة والسالم، بالنسبة لشعب كشعب العراق ال��ذي يعيش اليوم بني نارين، اإلسالمية والخالفة؟ ال يريحنا ذلك بالطبع لكن من الضروري االنتباه إلى حقيقة إره ��اب امل��ال�ك��ي وم�ع��ه إي ��ران وميليشياتها م��ن جهة وإره��ابمفادها أن العرب السنة وبقية املكونات املضطهدة كانت على «داع��ش» من جهة أخ��رى يتطلع إل��ى تدخل القوى الدولية من مدى سنوات تتمنى الخالص وكانت تنتظر املنقذ الذي يخلصها أجل مساعدته في إقامة دول��ة العدل ،العدل هو ال��ذي سيضع من الظلم والقمع والتطهير بعد أن استباحت ميليشيات نوري حدا للتطرف والغلو <
طارق الهاشمي
ملاذا لم يتحرك املجتمع الدولي لوقف املجازر والهجمات بالقوة العسكرية على األنبار وإنقاذ العوائل من ميليشيات العصائب والبطاط؟
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
43
حوار
أوضح طارق الهاشمي ،نائب رئيس جمهورية العراق املستقيل ،في حوار مع «املجلة» أن أزمة العراق باتت من التشابك والتعقيد بحيث لم يعد باإلمكان حلها ملجرد تغيير الوجوه ،وشكك في إيجاد فرصة للحل في ظل عملية سياسية فاشلة ونفوذ إيراني في صناعة القرار السياسي .وطالب الهاشمي بمراجعة منهجية لتجربة اإلحدى عشرة سنة املاضية بهدف تصحيح املسار .وشدد نائب رئيس جمهورية العراق السابق على عقد مؤتمر وطني موسع برعاية دولية يلتقي حوله ممثلو الكيانات االجتماعية لالتفاق على ثالث مسائل جوهرية يمكن أن تحل مشكلة العراق وهي شكل النظام السياسي ،وطبيعة املشاركة في السلطة واملوارد ،إضافة إلى هوية العراق والعالقة مع جيرانه .وأشار الهاشمي ،املقيم حاليا بتركيا ،إلى أن تنظيم «داعش» أصبح حقيقة موجودة على األرض ،ولكن من الضروري االنتباه إلى حقيقة أخرى مفادها أن العرب السنة وبقية املكونات املضطهدة كانت على مدى سنوات تنتظر املنقذ الذي يخلصها من الظلم والقمع والتطهير بعد أن استباحت ميليشيات نوري املالكي النفس والعرض واملال .وفيما يلي نص الحوار:
دعا إلى مؤتمر وطني موسع برعاية دولية لحل مشكالت العراق
:العراق بني نارين.. طارق اهلاشمي لـ إرهاب املالكي و إرهاب «داعش» أجرى الحوار: مصطفى الدسوقي
بغداد تعاني من عملية سياسية فاشلة وآليات ديمقراطية عاجزة ونفوذ إيراني في كل مجاالت الحياة
> انتخب البرملان العراقي رئيسا له من الكتلة السنية.. والكتلة الكردية ذكرت أن مرشحها لرئاسة الجمهورية جاهز ومن املتوقع أن ينتخب التحالف الشيعي بديال لنوري املالكي ،فهل نحن بصدد مشهد سياسي جديد يضع حدا لحالة عدم االستقرار في العراق؟ أزمة العراق باتت من التشابك والتعقيد بحيث لم يعد باإلمكانحلها ملجرد تغيير الوجوه ،وال ينبغي أن ننسى أن هناك تطورات ميدانية حاسمة جرت في العاشر من يونيو (حزيران) املاضي أخرجت تقريبا ست محافظات من سيطرة الحكومة املركزية، هذه التطورات ال عالقة لها من قريب أو بعيد بما يجري في إطار العملية السياسية وال أعتقد أن هناك فرصة للحل في ظل عملية سياسية فاشلة وآليات ديمقراطية عاجزة مضافا لذلك نفوذ إيراني في كل مجاالت الحياة وعلى وجه الخصوص في صناعة القرار السياسي. > الذي نفهمه إذن أن األزمة مرشحة لالستمرار؟ بالتاكيد> وما الحل في تصورك؟ الحل يبدأ من إيقاف العدوان العسكري البري والجوي علىاملحافظات املنتفضة وانسحاب الوحدات والتشكيالت العسكرية إل��ى معسكراتها النظامية وإن��ذار إي��ران بسحب ميليشياتها من فيلق القدس وإيقاف تدخلها في الشأن الداخلي ..وبعد ذلك االنطالق برزمة من الحلول العملية والجادة تطال مختلف ج��وان��ب ال�ح�ي��اة تتناسب وطبيعة األزم� ��ة ،بمعنى أن الحلول الترقيعية للدورتني املاضيتني لم تعد مجدية بعد أن ثبت فشلها وال ينبغي استنساخها ألنها ستقود إلى الفشل أيضا.
42
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
> هل من توضيح أكثر؟ ال�ح��اج��ة ب��ات��ت م��اس��ة لتشخيص الخلل م��ن خ�لال مراجعةمنهجية لتجربة اإلحدى عشرة سنة املاضية بهدف تصحيح املسار نحو بناء الدولة املدنية القائمة على املؤسسات والعدل، دول ��ة ت�س�ت��وع��ب ال�ج�م�ي��ع وت�م�ث��ل ال�ج�م�ي��ع ..وه ��ذا ب�ح��اج��ة إل��ى مصارحة وإرادة حقيقية للتغيير. > هل يعني ذلك أنك تريد أن تبني على تجربة قائمة وال تعمل على هدمها؟ نعم بالتأكيد ،لدينا تجربة سياسية ،اتفقنا معها أو اختلفنا،كلفتنا ثمنا باهظا ماديا وبشريا ال تخلو من إيجابيات حتى لو كانت محدودة في تصوري ال ينبغي التفريط بها ،لدينا تجربة ديمقراطية فتية كان يمكن أن تتطور لوال االنحراف املنهجي الذي قاده نوري املالكي صوب االستبداد .كما ينبغي اإلقرار بأن هناك تيارا عريضا من العراقيني يؤمن بجدوى العملية السياسية ليس من السهولة استبعاده. > لكن املشاركني في مؤتمر عمان للمعارضة العراقية يوليو (تموز) املاضي طرحوا خيارا آخر مختلفا تماما؟ هذا هو الرأي اآلخر وهو أيضا رأي معتبر ،نحترم رأي املؤمننيبالعملية السياسية املتمسكني بها واملدافعني عنها رغم فشلها ومن حق األطراف التي لم تشارك بالعملية السياسية أن تطرح بديال أنسب منطلقة من رفضها للنتائج واآلثار الكارثية التي آلت إليها أوضاع العراق بسبب العملية السياسية ذاتها .آخذين بنظر االعتبار أن املشاركني في مؤتمر عمان لم يفرضوا رأيهم على أحد عندما دعوا إلى اجتماع وطني موسع يضم الجميع. > وماذا يمكن أن يحقق هذا االجتماع املوسع في تصوركم؟ بل
ّ التحريض وحشدا عاطفيا قبل الحادثة بفترة ضخا هائال من رسائل ُ َ باتجاه املنطقة وربطها بقضايا املوقوفني أو املحاكمني وه��ذا الحشد والتحريض اشتركت فيه كل األقنعة املبثوثة في شبكات التواصل على اختالف ألوانها ومذاهبها وجميعها ترجع إلى ّ منصات مجهولة تهدف إل��ى صناعة فوضى ،ال نصرة موقوفني وال حماية دي��ن وال خدمة ألي جماعة أو تنظيم». وأضاف املشوح« :نرصد تلك التوجهات منذ أكثر من 10سنوات لكن ما يحدث اآلن من تحريض وتهييج وحشد وبث للشائعات وتعدد املنصات والوجهات واملهددات حقيقة يفوق السنوات املاضية ُمجتمعة بمراحل، والهدف من هذا كله هو إيجاد بيئة فوضوية حتى لو كانت على األقل في العالم االفتراضي فهم فشلوا في تنفيذ خططهم على أرض الواقع داخل السعودية فنقلوا عبثهم وفسادهم إلى العالم االفتراضي والذي ُ سيخرج يوما ما نتائجه على أرض الواقع». وأوض��ح أنه قبل العملية جرى إط�لاق ثالثة هاشتاغات رئيسة مهمتها التوجيه العاطفي وتعمل بطريقة اإلغ��راق في املعلومات عبر الحسابات املجهولة ،مشيرا إلى أن «مصدر هذه الهاشتاغات هو منصة معروفة تستهدف السعودية وشارك فيها أكثر من 900حساب مجهول».
استغالل ثورات الربيع العربي يؤكد عبد الرحمن الهدلق أن املرحلة الراهنة ف��ي استخدام اإلرهابيني لإلنترنت ومواقع التواصل االجتماعي قد تطورت واختلفت بعد الثورات العربية؛ «حيث سعت تلك الفئات إلى استغالل شرائح الشباب وإيهامهم شكل م��ن أش�ك��ال م��ا يسمونه بالجهاد ب��أن تلك ال�ث��ورات م��ا ه��ي س��وى ٍ ويدعون إليه». وبعد ذلك تطورت «أدوات وأساليب البث التي تستخدمها مواقع الجماعات اإلرهابية وعدم اكتفائهم بأسلوب واحد إليصال رسالتهم اإلعالمية؛ حيث يستخدمون كافة أشكال النشر املتاحة ،سواء صور ،نصوص ،فيديو، فالشات ،وغيرها كثير .وجاذبية الرسالة هنا لها دور مؤثر وقد تكون سببا في أن تكون الرسالة الضالة جاذبة للنفوس الضعيفة». وي��أت��ي ن�ظ��ام مكافحة ال�ج��رائ��م امل�ع�ل��وم��ات�ي��ة ال ��ذي أق ��ره مجلس ال ��وزراء السعودي في مطلع مارس (آذار) 2007حيث اشتمل على ست عشرة مادة تنظم عمليات استخدام اإلنترنت وكان من ضمن تلك املواد ثالث مواد تعالج وبشكل مباشر إساءة استخدام اإلنترنت من قبل تلك الجماعات اإلرهابية ،ومن أبرز تلك املواد: )1جريمة إنتاج أو إعداد أو نشر أو تخزين املواد التي تمس النظام العام: ويقصد بها إنتاج ما من شأنه املساس بالنظام العام ،أو القيم الدينية ،أو اآلداب العامة ،وحرمة الحياة الخاصة ،أو إعداده ،أو إرساله ،أو تخزينه عن طريق الشبكة املعلوماتية ،أو أحد أجهزة الحاسب اآللي .وتشدد اململكة عقوبتها على هذا النوع من الجرائم لتصل إلى السجن خمس سنوات وبغرامة مالية تصل إلى ثالثة ماليني ريال أو إحداهما. )2إنشاء موقع إلكتروني ملنظمات إرهابية :ويحدث ذل��ك على الشبكة املعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب اآللي أو نشره لتسهيل االتصال بقيادات تلك املنظمات ،أو أي من أعضائها أو ترويج أفكارها أو تمويلها ،أو نشر كيفية تصنيع األجهزة الحارقة ،أو املتفجرات ،أو أداة تستخدم في األعمال اإلره��اب�ي��ة ،وق��د تصل عقوبة ه��ذا الفعل إل��ى السجن م��دة عشر سنوات وبغرامة مالية تصل إلى خمسة ماليني ريال أو إحداهما.
الترويج لجماعة اإلخوان عبر «تويتر» أم��ا جماعة اإلخ��وان املسلمني التي صنفتها وزارة الداخلية السعودية كجماعة إرهابية يحظر االنتماء لها أو التعاون والتعاطف معها ،فقد استخدم أتباعها مواقع التواصل االجتماعي ومن أبرزها «تويتر» للترويج
لصوتها والدفاع عنها ،ورفع شعاراتها ،والهجوم ضد الحكومات الخليجية التي وقفت موقفا حازما منها ومن أعمالها اإلرهابية. فوفقا لدراسة أكاديمية تناولت موضوع تأثير جماعة اإلخوان املسلمني على الشباب السعودي في موقع التواصل االجتماعي ،كشفت أن ناشطي اإلخوان املسلمني في «تويتر» يستهدفون الشباب السعودي الذين تتراوح أع�م��اره��م م��ا ب�ين 18إل��ى 34ع��ام��ا وذل��ك م��ن خ�لال تغريداتهم املوجهة والتي تريد كسب تعاطف وتأييد الشباب .وبحثت الدراسة -التي نشرت ملخصها صحيفة «الرياض» -في حسابات مجموعة من ناشطي اإلخوان في مصر والكويت واألردن وتوصلت إلى أن النسبة العظمى من رسائلهم تتناول موضوعات تهم السعوديني وذلك لكسب تعاطفهم ومن ثم تمرير أهدافهم الخبيثة فيما بعد ،وذلك بناء على البيانات التي رصدها الفريق البحثي املكون من طالبي الدراسات العليا في جامعة امللك سعود محمد العصيمي ومبارك القحطاني وبإشراف الدكتور مطلق املطيري ،مبينة أن معظم حسابات ناشطي اإلخ��وان املسلمني نشطة وفعالة بمتوسط 10 تغريدات يومية تدعم التوجه اإلخواني. وتناولت الدراسة تحليل فكر جماعة اإلخوان املسلمني من خالل ما أظهرته تغريدات داعمي الجماعة في «تويتر» من خالل رسائلهم وآرائهم ،سواء من املنتمني ضمنيا للجماعة أو الذين أعلنوا تأييدهم للتنظيم بوضعهم لشعار «رابعة العدوية» من أصحاب الحسابات النشطة داخ��ل املجتمع السعودي أو غير السعوديني والذين حظوا بنسبة متابعة كبيرة من داخل املجتمع السعودي. وأش��ارت ال��دراس��ة إل��ى أن دع��اة الجماعة على ق��در كبير م��ن التدريب ال سيما في البالد الغربية وأن وسائل الدعاية تغيرت فبعد أن كانت خطبة أو اجتماعا أو كلمة أصبحت نشرات ومجالت وجرائد ورساالت ومسارح وخياالت ومذياع وقد ذلل ذلك كله الوصول إلى قلوب الناس جميعهم نساء ورجاال في بيوتهم ومتاجرهم ومصانعهم ومزارعهم ليستفيد التنظيم «اإلره��اب��ي» خ�لال ال�س�ن��وات املاضية م��ن منبر «ت��وي�ت��ر» لتمرير أفكاره املتطرفة كما أن قادة جماعة اإلخوان يدعون باستمرار إلى االستفادة من هذه الوسائل واألخذ بها حتى يأتي عملهم بثمرته املطلوبة <
تمكن قراصنة مجهولون من اخترق املوقع الرسمي للشرطة في اسالم اباد ،ونشر القراصنة صور قادة تنظيم القاعدة وقادة طالبان الباكستانية في مايو 2014
حسابات مجهولة نشطت للتحريض والتهيئة ضد رجال األمن في السعودية قبل حادثة شرورة بأيام
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
41
شؤون سياسية
قبل هجوم شرورة اإلرهابي بعدة أيام جرى إطالق ثالثة هاشتاغات رئيسة في «تويتر» مهمتها التوجيه العاطفي لدعم األفكار اإلرهابية ،عبر حسابات مجهولة تروج أفكار جماعات العنف ،وتتحدث عن النساء املعتقالت في السعودية ،وتحرض ضد رجال األمن ،جاء ذلك وفقا ملا كشفت عنه حملة السكينة التي أوضحت أن أكثر من 900حساب مجهول هيأت وحرضت لحادثة شرورة ،وهي كلها حسابات دأبت على استهداف السعودية.
مواجهة أساليب التجييش والتطرف في مواقع التواصل االجتماعي
إجراءات خليجية حازمة بقلم: املحرر السياسي
استغل املتطرفون أحداث الثورات العربية عبر مواقع التواصل االجتماعي لتصويرها على أنها جهاد شرعي
عبر األمني العام ملجلس التعاون لدول الخليج العربية عبد اللطيف الزياني عن أسفه لهذا التحول الذي طرأ على وسائل االتصاالت الحديثة ،فأصبحت «أداة هدامة أسيء استخدامهاُ ، فسخرت في هدم القيم ،واإلس��اءة إلى الشعوب وال��دول ،وإث��ارة الفنت ونشر الفوضى واالضطراب وبث الشائعات املغرضة» ،وفقا لكلمة ألقاها في اجتماع وزراء دول الخليج لالتصاالت وتقنية املعلومات بالكويت في الحادي عشر من يونيو (حزيران) ،2014مؤكدا على ضرورة اتخاذ كافة التدابير الالزمة بني دول املجلس ل��زي��ادة وتوسيع مجاالت التعاون والتنسيق املشترك للتصدي ملثل هذه التحديات واقتراح الحلول والسياسات الالزمة ملحاربة هذه «املظاهر الدخيلة على مجتمعاتنا الخليجية ذات التاريخ الحضاري العريق في قيمه ومبادئه األصيلة». وألن محاربة اإلره��اب يجب أن تكون محكمة من كل نوافذه ومجاالته اإلع�لام�ي��ة والتقنية واالجتماعية والثقافية ،ج��اء ق��رار وزارة الداخلية السعودية مطلع م��ارس (آذار) 2014صريحا م�ح��ددا واض�ح��ا ،يضع األرضية األساسية ملحاربة هذه املوجة الجديدة من اإلرهاب العاملي الذي أصبح يجتاح ال��دول العربية بفضاءاتها الواقعية واالفتراضية ،فسمى الجماعات اإلرهابية بأسمائها ،وجرم كل شكل من أشكال الدعم والتعاون والتأييد والتعاطف معها ،ومن أب��رز منصات الدعم والتأييد في مواقع ال�ت��واص��ل االج�ت�م��اع��ي ،حيث ج��اءت ال�ف�ق��رة ال��راب�ع��ة م��ن ال �ق��رار مباشرة صريحة «كل من يقوم بتأييد التنظيمات ،أو الجماعات ،أو التيارات ،أو التجمعات ،أو األحزاب ،أو إظهار االنتماء لها ،أو التعاطف معها ،أو الترويج لها ،أو عقد اجتماعات تحت مظلتها ،س��واء داخ��ل اململكة أو خارجها، ويشمل ذلك املشاركة في جميع وسائل اإلعالم املسموعة ،أو املقروءة، أو املرئية ،ووسائل التواصل االجتماعي بشتى أنواعها ،املسموعة ،أو املقروءة ،أو املرئية ،ومواقع اإلنترنت ،أو ت��داول مضامينها بأي صورة كانت ،أو استخدام شعارات هذه الجماعات والتيارات ،أو أي رموز تدل على تأييدها أو التعاطف معها». أما من يخالف هذه التعليمات بأي شكل من األشكال «فستتم محاسبته على كافة تجاوزاته السابقة ،والالحقة» ،وفقا ملا نص عليه القرار.
جبهة خليجية موحدة امتدادا لهذه الرؤية الحاسمة ملحاربة أساليب التجييش واستخدام مواقع التواصل االجتماعي كمنصة حشد وتأييد للجماعات اإلره��اب�ي��ة ،قام مجلس ال�ت�ع��اون الخليجي بتشكيل جبهة م��وح��دة ملواجهة ه��ذه اآلف��ة، عبر فريق عمل برئاسة اإلم��ارات العربية املتحدة ،للتنسيق بني ال��دول الخليجية لحصر اإلشكاالت املترتبة على وسائل االتصاالت ،من إثارة 40
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
الفنت واالضطرابات ،واتخاذ موقف موحد بني الدول الخليجية ،وفقا ملا كشف عنه الشيخ فواز آل خليفة ،وزير االتصاالت والتقنية البحريني ،في تصريح لصحيفة «الشرق األوس��ط» ،حيث أوضح أن «الفريق الخليجي الذي يترأسه محمد الغانم مدير عام هيئة تنظيم االتصاالت في اإلمارات، قد أنهى دراسة حجم إشكالية مواقع التواصل االجتماعي ،وبدأت الشركات املزودة للخدمات بإغالق بعض الحسابات في تلك املواقع ،بينما ما زالت هناك حسابات بحاجة إلى استكمال اإلجراءات القضائية ،تمهيدا إلصدار األحكام بحقها». هذه الخطوة بحسب وزير االتصاالت البحريني تأتي في سياق العناية ببناء الجسور بني دول مجلس التعاون الخليجي واملؤسسات العاملية املزودة لخدمات التواصل االجتماعي ،وتطبيقات الهواتف الجوالة ،مؤكدا أن االستخدام السلبي لتلك الهواتف يشكل هاجسا لدى الجهات املختصة. ويشرح الدكتور عبد الرحمن الهدلق ،مدير إدارة األم��ن الفكري ب��وزارة الداخلية السعودية ،أساليب املتطرفني ف��ي استخدام اإلنترنت ومواقع التواصل االجتماعي لتحقيق أهدافهم ،قائال: «يسعى املتطرفون إلى نشر فكرهم؛ بغرض استقطاب وتجنيد الشباب من خالل عدة منافذ على اإلنترنت ويركزون على (املواقع ،واملنتديات، وغرف الدردشة ،والبريد اإللكتروني ،ومواقع التواصل االجتماعي) ومن خالل هذه النوافذ يحاولون بث فكرهم وتبرير أفعالهم مع اإليقاع بضحايا جدد من املتعاطفني بعد التغرير بهم لالنضمام إليهم بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر». على األقل أداء بعض األدوار ٍ
حرب إلكترونية قبل حادثة شرورة ّ املتخصصة بتصحيح األفكار املتطرفة ،الشيخ رئيس حملة السكينة عبد املنعم املشوح ،كشف عن وجود مخطط قاعدي لتجييش املتعاطفني بدأت واضحة من خالل استغالل تنظيم القاعدة لحكاية النساء املعتقالت، و«محاولته الستمالة قلوب الرأي العام خصوصا فئة الشباب من الجنسني املتعاطفني مع املعتقالت ،وجرهم لطريق اإلرهاب بتجييشهم في مغاالة الجهاد والتكفير». املشوح الذي نشر دراسة مفصلة تناولت نشاط «القاعدة» والفئة الضالة عبر «تويتر» أوضح أن «حملة السكينة» رصدت تنامي حسابات ومعرفات تصنع تيارا متطرفا يتبنى أفكار الفئة الضالة املغالي في التكفير ،والداعي إلى التفجير والخروج ،وتبني الجهاد بمفاهيم خاطئة ومخالفة للشريعة. ومن ذلك ما رصدته الحملة قبل حادثة شرورة التي وقعت في السعودية مطلع يوليو (تموز) 2014وراح ضحيتها عدد من رجال األمن السعودي حني تسلل بعض اإلرهابيني عبر منفذ وديعة اليمني ،حيث يقول« :الحظنا
ASHARQ AL - AWSAT The Leading International Newspaper
ﺟﺮﻳــﺪة اﻟﻌــﺮب اﻟﺪوﻟﻴــﺔ
editorial@asharqalawsat.com
www.aawsat.com
Design: Qussay Al-Issa
معك أينما تكون
http://www.aawsat.com
للحصول على :املعلومات املفصلة http://kaywa.me/1clMh
شؤون سياسية
سوسن تقوي: الغضب البحريني من أداء الدبلوماسية األميركية ليس جديدا فقد عانت البحرين كثيرا من السفير األميركي الذي سيغادر املنامة قريبا ،وسيعني سفير آخر جديد بدال عنه
لكن م��اذا ط��رح امل�س��ؤول الدبلوماسي على جمعية ال��وف��اق حتى املسؤول على لقاء الجمعيات السياسية املعارضة واالستماع إلى صوت واحد فقط واالنفراد به بشكل كبير ،وبدا واضحا أنه لتغليب استشاط املسؤولون غضبا؟! نعود إل��ى سوسن تقوي النائبة ف��ي مجلس ال �ن��واب .ت�ق��ول« :ه��ذا وجهة نظر معينة على حساب وجهة نظر مختلفة عن مكونات السؤال يجب أن يوجه بالدرجة الرئيسة إلى املسؤول املطرود أو املجتمع البحريني». جمعية ال��وف��اق» .وم��ا يهمني ف��ي ه��ذا السياق أنني أق��ف ض��د أي استقواء من أي طرف بحريني باألجانب أو استعانة بهم ملناصرتهم بدوره يقول جميل كاظم إن زيارة ولقاءات مالينوفسكي مع الوفاق في الرأي أو املوقف أو القرار ،وذلك ضد البلد». جاءت ضمن مهمة حل ،وأوضح« :نربط ذلك تحليليا باالتصاالت التي جرت بني مسؤولني رفيعني أميركيني وبحرينيني ،وكان الحديث وتضيف« :ليس م��ن املقبول استيراد ت�ج��ارب م��ن دول عربية أو عن حكومة شاملة ومشاركة للمعارضة في االنتخابات املقبلة، أجنبية باالستقواء أو االستعانة باألجنبي للضغط على القيادة وكان ذلك قبل زيارة مالينوفسكي بنحو أسبوعني». البحرينية ومؤسساتها الدستورية إلنجاز مشروع يخدم طرفا كما يعتبر كاظم أن تأثير طرد املسؤول األميركي سينعكس على على حساب طرف آخر». األزمة البحرينية وإيجاد مخارج لها ،ويضيف« :نحن في املعارضة نعتقد أن طرد الدبلوماسي األميركي يعني أن الحكومة غير جادة وتقول تقوي« :إنني أريد التذكير بأمر في غاية األهمية ،وهو أن في الحوار». الجمعيات السياسية املعارضة ،التي تعمل بشكل كبير في االستعانة واالستقواء باألجنبي ضد البحرين ومؤسساتها الدستورية ،تدير وت��اب��ع« :أش ��ار مالينوفسكي إل��ى أن��ه ج��اء ف��ي مهمة ح��ل ل�لأزم��ة الظهر بشكل غريب عن طاولة حوار التوافق الوطني ،التي دعا إليها البحرينية ،وكان يتحدث في مجلس مفتوح (يقصد زيارته ملجلس الوفاق الرمضاني) ،وبالتأكيد لم يتحدث في التفاصيل ،كما أنه في امللك الستكمال التوافق في املحور السياسي». لقاءاته الخاصة مع قادة الوفاق لم يتحدث عن هذه التفاصيل ،ربما كما تؤكد على ض��رورة ان�ص��راف جميع األط��راف املشاركة على حدث ذلك في لقاءات مع الحكومة». طاولة الحوار إلى الجلوس والتشاور والتوافق ملا فيه خير ومستقبل بعد حادثة الطرد للمسؤول األميركي الرفيع ما مستقبل العالقات البحرين .إن من يدفع ف��ات��ورة استمرار األح��داث األمنية وشيوع األميركية البحرينية على وجه الخصوص؟! خطابات التفرقة وإشعال الحرائق والفتنة هم األطفال والشباب والذين يجب أن يكونوا على مقاعد املعرفة وبني أحضان أسرتهم يقول الشيخ خالد آل خليفة عضو مجلس الشورى البحريني« :هناك ول�ي��س ف��ي ال �ش��وارع مل��واج�ه��ة رج ��ال األم ��ن ب��ال��زج��اج��ات ال�ح��ارق��ة تفهم من قبل اإلدارة األميركية تجاه رد الفعل البحريني الذي ركز والتصدي لحفظ النظام وبسط األم��ن ،فال بديل كما تقول تقوي على حل هذه املشكلة ،ولم نجد التقاليد الدبلوماسية التي تنحى لتحقيق االستقرار األمثل إال بالحوار الجاد والبناء وباإلرادة الجادة باتجاه املعاملة باملثل ،فقد كان هناك اتصال بني وزارتي الخارجية واملخلصة من قبل مختلف مكونات املجتمع ،وبخاصة الجمعيات دون اللجوء إلى التصعيد ،كما أن البحرين تتفهم أن عالقاتها مع السياسية املعارضة ،للمشاركة في حوار يفضي إلى نتائج متوافق ال��والي��ات املتحدة من العمق بحيث ال يؤثر عليها تصرف خاطئ عليها ،وليس وفق سياسة املغالبة ورفع الصوت واستخدام ورقة من شخص ما». الشارع للضغط على املتحاورين على طاولة الحوار الوطني كما وأض��اف« :رشحت الواليات املتحدة سفيرا جديدا لها في املنامة جرى في الفترة املاضية. (وليم روبوك) ممن خدموا في املنطقة وممن يتفهم طبيعة الوضع ما يتردد بحرينيا أن في جعبة مالينوفسكي حال لألزمة البحرينية التي بدأت منذ فبراير (شباط) ،2011هنا يقول أنور عبد الرحمن: «ما أريد أن أذكر به فقط هو نتائج الحلول .أميركا خالل الـ 50عاما املاضية من فيتنام مرورا بأفغانستان والعراق ثم ليبيا وسوريا»، متسائال« :ماذا كانت نتيجة الحلول األميركية؟!». ويتابع« :نحن أبناء الخليج لسنا في حاجة إلى الوصاية األميركية وال الحلول األميركية ،نحن نريد نظمنا الحاكمة التي يمتد تاريخها لقرون» ،ثم يتساءل مرة أخرى« :من الذي جاء يقدم الحل إن كان هناك حل فعال؟ شخص كان يشجع املتمردين على التظاهر وحرق اإلطارات وقبض عليه بينهم في إحدى القرى ،هل يمكن أن يكون محايدا وأن يقيم الوضع في البحرين بصورته الحقيقية؟ إنه بذلك زج بنفسه مع طرف ضد طرف».
أجندة مسبقة
النائبة سوسن تقوي
38
وبالعودة إلى سوسن تقوي تقول« :من الواضح أن هذا املسؤول يحمل أجندة مسبقة عن البحرين وما شهدته من أحداث مؤسفة ف��ي األع ��وام امل��اض�ي��ة ،وبالتالي فهو يحمل وج�ه��ات نظر منحازة إلى طرف على حساب أط��راف أخ��رى ،وقد انعكس ذلك من خالل زيارته األخيرة ولقاءاته وجدول أعماله الذي جرى إلغاؤه .لقد ركز
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
السياسي واالجتماعي في املنطقة ،كما أن تعزيز الواليات املتحدة لألسطول الخامس األميركي الذي يتخذ من البحرين مقرا له دليل آخ��ر على أن الحادثة لم يكن لها أي تأثير على عالقات الواليات املتحدة األميركية مع مملكة البحرين» .وتمنى آل خليفة أن يكون ه�ن��اك تفهم م��ن الحليف األم�ي��رك��ي للوضع اإلقليمي وال�ت�ط��ورات املتسارعة في املنطق ،واملصلحة املتبادلة بني دول مجلس التعاون والواليات املتحدة في الحفاظ على أمن وسالمة مياه الخليج.
من جانبه يعتقد أن��ور عبد الرحمن أن ال��دول الخليجية أخذت القرار بأن ليس كل ما يقوله البيت األبيض هو عمل أبيض ،وآن األوان بهد هذه التجربة (حادثة طرد مساعد وزير الخارجية األميركي) أن يفكر البيت األبيض في احترام السيادة الوطنية لكل دول��ة ،وق��ال« :كنا نتمنى م��ن وزارة الخارجية األميركية والواليات املتحدة كدولة حليفة لدول املنطقة أن ال يصدر منها هذا التصرف» ،وتابع« :تجارب الواليات املتحدة ال تنطبق على دول الخليج ذات العدالة االجتماعية والقبول الشعبي ألنظمتها الحاكمة ،كما أنه يفترض بها كحليف استراتيجي أن ال تكون تصرفاتها مع هذه الدول نتيجة قرار سياسي عشوائي» ،في ح�ين اعتبر الشيخ خ��ال��د آل خليفة امل� ��ؤازرة ال�ت��ي حظيت بها مملكة البحرين نتيجة قرارها طرد الدبلوماسي األميركي وعلى الخصوص من السعودية واإلمارات مؤشرا على انتهاج سياسة خارجية موحدة لدول املجلس <
مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق اإلنسان والعمل توماس مالينوفسكي ،التقى في املنامة زعيم جمعية الوفاق الشيخ علي سلمان
مجلس النواب البحريني بدورها تعتبر سوسن تقوي رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع واألمن الوطني في مجلس النواب البحريني (مجلس منتخب) في حديثها مع «املجلة» أن هنا غضبا بحرينيا من أداء الدبلوماسية األميركية ،وقالت إن هذا الغضب ليس طارئا أو جديدا ،والدليل على ذلك املوقف الشعبي الواضح بشأن سفير واشنطن في املنامة ،الذي طالب الشعب ومجلس النواب بطرده من البحرين ألكثر من مرة.
يكون أول اتصاالته مع املسؤولني الحكوميني وبعد ذلك يتصل مع كل األطياف البحرينية ملاذا اختار أن يبدأ هذه البداية؟».
جمعية الوفاق اإلسالمية أمام ذلك يقول جميل كاظم القيادي في جمعية الوفاق اإلسالمية: «إح��دى جمعيات املعارضة السياسية البحرينية» ،لم يكن هناك لقاءات مكثفة كما يشاع بني قيادات الوفاق وتوماس مالينوفسكي مساعد وزير الخارجية األميركية للديمقراطية وحقوق اإلنسان وال �ع �م��ل ،وم��ال�ي�ن��وف�س�ك��ي ك��ان م�ب�ع��وث��ا م��ن ال�ب�ي��ت األب �ي��ض ،وزار مجلس الوفاق الرمضاني ،وهو مجلس مفتوح للجميع ،مبعوثني دبلوماسيني وتجارا وأعضاء مجلس شورى ،وأكد كاظم أن املجلس كان يزوره وزراء قبل الوضع األخير. وق��ال القيادي في جمعية ال��وف��اق املعارضة إن ل�ق��اءات ال��وف��اق مع مالينوفسكي جاءت بعد لقاءاته مسؤولني حكوميني وحدد منهم وزير الداخلية وأمني عام التظلمات ونائب رئيس املؤسسة البحرينية لحقوق اإلنسان.
وتضيف ت�ق��وي« :إن بعض الدبلوماسيني األميركيني يفتقرون إلى الوسائل الناجحة في تعزيز العالقات االستراتيجية فيما بني البلدان ،ولهذا السبب يقعون في مشكالت مع البلدان التي يبتعثون إليها .لقد عانت البحرين كثيرا من السفير األميركي الذي باملناسبة سيغادر املنامة قريبا ،وسيعني سفير آخر جديد بدال عنه قريبا». واعتبرت تقوي القرار الجديد -طرد مالينوفسكي -رسالة سياسية بليغة لكل الدبلوماسيني األجانب بضرورة احترام سيادة واستقرار البحرين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية ،كما أكدت على أن «أي مشكلة بحرينية يجب أن تحل في إطار البيت البحريني وال داعي ل��دس أن��وف األج��ان��ب ف��ي مشكالتنا البحرينية ،فنحن أق��در على ويشير كاظم إلى أن الوفاق لديها لقاءات مع السلك الدبلوماسي بكل صنع حلولنا وإيجاد العالجات املناسبة ملشكالتنا ،وذلك في إطار أطيافه وتلوناته مع األميركي واألوروب��ي والروسي ،كما أن لديها بيتنا الواحد». جوالت مع وفود املعارضة التي زارت عدة دول في أوروبا وأفريقيا. ولفت كاظم إلى أن الوفاق ومنذ عام 2002عام دخولها إلى البرملان أما أنور عبدالرحمن رئيس تحرير "أخبار الخليج" ،فيقول« :املشكلة البحريني كان لها لقاءات مع الوفود السياسية والبعثات األجنبية ليست مشكلة البحرين والبحرينيني ،إنها مشكلة الواليات املتحدة التي تزور البحرين. األميركية ،اختارت شخصا وهي على علم أنه شارك من يسمون أنفسهم (معارضة) ،وكان يشجع القرويني على التمرد عندما كان هل شارك مالينوفسكي في مظاهرة للوفاق؟! يرأس (هيومان رايتس ووتش). يقول جميل كاظم« :الوفاق ال تسير وال تشارك في اعتصامات أو تجمعات إال أن تكون مرخصة قانونيا ،ولم يشارك مالينوفسكي ألم يفكر األميركان أن هذا الدبلوماسي الرفيع الذي أوفد إلى البحرين وال غيره من الشخصيات األجنبية في مظاهرة تبنتها الوفاق، كان له دور في االضطرابات وقبض عليه من قبل الشرطة البحرينية وبما أنه قبض عليه في مظاهرة غير مرخصة فقد تكون ضمن وهو يقوم بهذا الدور ،ثم عند حضوره إلى البحرين يبدأ اتصاالته الحراك الذي يجري في القرى والبلدات ،حيث تخرج في هذه األماكن مع من يدعون أنهم معارضة؟ أليس من البروتوكوالت الرسمية أن مظاهرات ومسيرات بشكل يومي».
جميل كاظم القيادي في جمعية الوفاق اإلسالمية: لم يكن هناك لقاءات مكثفة كما يشاع بني قيادات الوفاق وتوماس مالينوفسكي الذي زار مجلس الوفاق الرمضاني وهو مجلس مفتوح للجميع
جميل كاظم
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
37
شؤون سياسية
ما بني عام 2012وعام 2014زار توماس مالينوفسكي البحرين مرتني؛ في األولى كان مديرا في منظمة «هيومان رايتس ووتش» ،حيث قبض عليه األمن البحريني في إحدى القرى التي تشهد اضطرابات أمنية بعد فترة وجيزة من حضوره إلى البحرين ،كان وقتها يشارك في مظاهرة لم ترخصها األجهزة األمنية ،ونقل إلى سفارة بالده وطلب منه مغادرة البالد فورا .في السادس من يوليو (تموز) املاضي حضر مالينوفسكي إلى املنامة وهو يحمل صفة مساعد وزير الخارجية األميركية لشؤون الديمقراطية وحقوق اإلنسان والعمل، يمض على زيارته أقل من يومني حتى طلبت منه وزارة الخارجية مغادرة البحرين باعتباره «شخصا ولم ِ غير مرحب به» .ما الذي حدث لكي تقدم البحرين على خطوات تصعيدية كبيرة مثل هذه ..هل بدأت األزمة الصامتة بني املنامة وواشنطن.
مساعد وزير الخارجية األميركي حضر مرة بثوب الدبلوماسية ..ومرة بثوب «املحرض»
واشنطن و املنامة ..هل هي أزمة صامتة؟ املنامة: عبيد السهيمي
الشيخ خالد بن خليفة آل خليفة: الشعور العام وليس الرسمي فقط كان واحدا ضد مساعد وزير الخارجية األميركي وحادثة طرده عززت الشعور الوطني
البحرينيون مسؤولون وموالون للحكومة يشعرون بنشوة وبفورة وطنية عارمة نتيجة طرد توماس مالينوفسكي، واعتبروا حادثة «طرده» كما يشددون عليها وليس «الطلب الدبلوماسي» له بمغادرة البالد ،موقفا حازما يضع الحد للتدخالت األجنبية في بالدهم .ذاكرة البحرينيني استعادت مجددا مواقف توم كما يسمى اختصارا ،عندما كان مسؤوال في املنظمة الحقوقية، التي يعتبرها البحرينيون حكومة ومواالة غير منصفة في تقاريرها عن بالدهم ،فحني جاء بصفته الدبلوماسية اتجه إلى مجلس جمعية سياسية معارضة ،وكأنه يعيد مشهد ،2012وعندما استشعرت الحكومة البحرينية أن حضوره يدعم طرفا ضد ط��رف آخ��ر من أب�ن��اء الشعب البحريني ،حينها ل��م ت�ت��ردد ف��ي إش�ع��اره ب��أن عليه «مغادرة البحرين». يتميز البحرينيون بشكل عام بطيبة ظاهرة يلمسها كل من يتعامل معهم ،فهم هادئو الطباع ويمكن التعامل معهم بسهولة ،فهم غير متكلفني في التعامل ،وال أدل على ذلك من انخراط وزير من األسرة الحاكمة في البحرين مع معارض سياسي من جمعية معارضة في حديث حول أي قضية سواء كانت ضمن الخالف السياسي أو كانت اجتماعية وهم يتناولون القهوة أو على طاولة طعام ،لكنهم ال يتسامحون عندما يكون أمن ومستقبل مملكتهم في خطر ،حينها يتعاملون مع املوقف كما يجب وال يترددون وقتذاك عن وضع األمور في نصابها الصحيح.
الشعور العام بعد طرد مسؤول أميركي رفيع
الشيخ خالد بن خليفة آل خليفة
36
ماذا عن الشعور العام بعد طرد مسؤول رفيع ألعظم دولة في العالم والحليف االستراتيجي للبحرين ولشقيقاتها في دول املنطقة؟! ي �ق��ول ال�ش�ي��خ خ��ال��د ب��ن خليفة آل خليفة رئ �ي��س ل�ج�ن��ة ال �ش��ؤون الخارجية والدفاع واألمن الوطني في مجلس الشورى ،إحدى غرفتي البرملان البحريني ،في حديثه ملجلة «املجلة»« :في الواقع الشعور العام وليس الرسمي فقط كان واحدا ضد مساعد وزير الخارجية األم �ي��رك��ي ،وح��ادث��ة ط ��رده ع ��ززت ال �ش �ع��ور ال��وط �ن��ي» ،وي�ض�ي��ف: «لدينا مؤسسات دستورية وضعت قواعد االتصال السياسي مع
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
الجمعيات السياسية» .وهنا يشير إلى توصيات املجلس الوطني بغرفتيه (النواب والشورى) والتي أوصت أن توافق وزارة الخارجية البحرينية على لقاء أي جمعية سياسية مع وفد دبلوماسي أو بعثة سياسية أجنبية ،وأن يحضر ممثل عن وزارة الخارجية أو تفوض الوزارة من تراه لحضور اللقاء. يقول آل خليفة« :كان األهم أن تلتزم الحكومة البحرينية بقرارات وتوصيات املجلس الوطني وباملطالبات الشعبية بوقف التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية البحرينية ،وخصوصا من السفارة األميركية» .يشار إلى أن مطالبات تقدم بها نواب في مايو (أيار) من عام 2013لوضع حد ملا اعتبروه حينها تدخالت من السفير األميركي في املنامة توماس كراجيسكي. ويتابع آل خليفة« :مالينوفسكي قابل جمعيات بعينها دون أخرى (ف��ي إش ��ارة منه إل��ى ل�ق��اءات��ه م��ع جمعية ال��وف��اق ك�ب��رى جمعيات املعارضة السياسية) وكأنه يشق املجتمع البحريني إلى نصفني، وهذا إجراء فهم منه دعم طرف ضد طرف آخر ،وهو إجراء خطير على األمن الوطني». ويذهب الشيخ خالد آل خليفة إلى مستوى أبعد من تكثيف لقاءات مع إحدى جمعيات املعارضة السياسية ،حيث يقول« :هذا التصرف يهدد األمن الوطني والسلم االجتماعي إذا أخذنا في االعتبار ما يحدث في املنطقة وفي سوريا والعراق والتدخالت التي تبث الطائفية بني العرب». ويؤكد أن كثيرا من الشعوب العربية تعتبر مسؤولية ما يحدث في العراق وسوريا وفلسطني تقع في املقام األول على السياسة ّ ال�خ��ارج�ي��ة األم �ي��رك �ي��ة ،ف�ف��ي ال �ع��راق وف� ��رت ال�س�ي��اس��ة ال�خ��ارج�ي��ة األميركية الدعم الكامل لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري املالكي خالل السنوات املاضية ،وكانت النتيجة إفراز ناتج طائفي بني أبناء الشعب العراقي .يقول آل خليفة« :هذه القراءة ألحداث املنطقة هي التي جعلت البحرينيني يتخوفون م��ن نتيجة التدخل األميركي لصالح طرف ضد طرف آخر ،خصوصا أن هذا الطرف يستقوى بالخارج» على حد وصف الشيخ خالد آل خليفة.
لقد حصلت املعارضة على الزخم اإلعالمي الذي كانت بحاجة له بعد «بالغ الكويت» ،دليل ذلك ،تزايد أعداد املشاركني في املسيرات التي دعت لها املعارضة بعد البالغ الشهير ،ألن النيابة العامة لم تقم باستدعاء املتهمني الخرافي واملحمد للتحقيق معهم ،وه��و إج��راء قانوني ،طبيعي أن يتأخر ،ألن جهة التحقيق تبدأ بسماع أق��وال املبلغ ،ثم الشهود ثم املتهمني ،وه��و ما تخفيه املعارضة عن مؤيديها ،حتى ربما تتمكن من االستفادة من شحنهم ،وتسييرهم في مسيراتها أكبر وقت ممكن. أم��ا إذا حفظت القضية من قبل النيابة العامة ،وه��و أم��ر مستبعد ج��دا ،فإن القضاء الكويتي لن تقوم له قائمة بعدها ،ما لم تقم ردود منطقية على نفي صحة ما جاء في الشريط دليل االتهام .أما أذا أحيلت الدعوى إلى املحكمة املختصة ،وص��درت أحكام ب��راءة بحق البراك ون��واب املعارضة اآلخرين ،في القضايا املرفوعة بحقهم من جانب الحكومة أو أعضاء سابقني فيها ،ولم تصدر ردود فعل معارضة قوية في حال عدم إدان��ة الخرافي واملحمد ،فإن النظرة الشعبية لكال املتصارعني ،ستكون غير مريحة على اإلطالق ،وال حتى مطمئنة للقضاء. السلطة القضائية تستشعر وج ��ود اس�ت�ض�ع��اف ل�ه��ا م��ن ج��ان��ب الحكومة وامل �ع��ارض��ة ،فالقضاء الكويتي يعاني ك��ون الشعب ليس م�ص��در سلطته، والقضاة يحملون أحماال فوق طاقتهم ،فكال الطرفني ،املعارض والحكومة، ليس حريصا على مساندة القضاء في الحصول على استقالله ،وال يعفي ذلك القضاة من سكوتهم عن عدم املطالبة باستقاللهم املالي واإلداري عن الحكومة ،حتى ال يجدوا أنفسهم في استشعار حرج من هذا الطرف أو ذاك. ف�ـ«ب�لاغ الكويت» ل��ن يوقف سلسلة الهجمات ب�ين املتصارعني على مناطق النفوذ في الدولة ،ألن هناك تدخالت خارجية غير خافية ،فاملعارضة بطيفها اإلخواني ربما ال تريد من املطالبة بالحكومة الشعبية ،استكمال عملية التحول الديمقراطي ،بل تفجير الوضع في الكويت ،وذلك باملطالبة بمطالب تعجيزية، م��ن شأنها إح��داث الفوضى حتى تجر السعودية إليها ،إلح��داث التصادم بينها وبني اإليرانيني من خالل شيعة العراق بالكويت ،ألن تشكيل حكومة شعبية أمر متعذر.
تغلغل «اإلخوان» وقرار سحب الجنسيات التنظيم العاملي لـإلخوان املسلمني ،يرى أن بقاء هذه األنظمة العربية الحاكمة، عائقا أمام بعث مشروعها ،الذي فشل في مصر ،وفي ليبيا. في الكويت ،نفر الكويتيون من الحراك الشعبي ،بعدما الحظ الجمهور تغلغلهم القوي -أي «اإلخوان» -في التجمعات واملسيرات .حتى تخلت جميع القبائل التي ينتمي إليها النواب املعارضون عنهم ،والظاهر في رفض املناطق السكنية التي تقطنها أغلبية من قبائلهم مسيراتهم .قائلني لهم ،إن الذي بيننا وبينكم
صناديق االقتراع ،أما الخوض في صراعات جماعات ذات أجندات خارجية، أمر مرفوض من جانبنا. ألجل ذلك لجأت الحكومة إلى التلويح بقرار سحب الجنسية من املعارضني واملوالني لجماعة اإلخوان املسلمني ،ورغم الخروقات القانونية في هذا التلويح فإنه جاء ملواجهة اختراق التنظيم الدولي لـإلخوان املسلمني للربيع العربي، وتحويره ليخدم مشروع التمكني الخاص بنهضتهم ،وهو مشروع ال يتوافق على اإلطالق مع الديمقراطية التي انتفضت ألجل تحققها الشعوب العربية، مما أدى إلى تعثرها كثيرا في البلدان املنتفضة كافة ،بسبب تقديم «اإلخوان» مشروعهم السياسي غير العصري ،الذي من شأن إقامة خالفته ،إثارة النعرات الدينية ،والخالفات الدولية بني الدول العربية واإلسالمية. ف��إذا م��ا اف�ت��رض أن زعيم املعارضة السيد أحمد السعدون ع��اد إل��ى رئاسة البرملان الكويتي ،فإن عالقة الشعبني الكويتي واملصري ،لن تكون في حالة سليمة ،بسبب ما انتشر على حساب السعدون ،وصفه للرئيس عبد الفتاح السيسي بـ" ،"...وهو قول انتقد عليه ،ألن هذا األسلوب ال يتوقع صدوره من سياسي ،يفترض أنه مخضرم .وإن رفع مسلم البراك إشارة «رابعة العدوية»، وعلى افتراض تسلمه رئاسة الحكومة املنتخبة ،فإن عالقة الكويت بالسعودية والبحرين واإلمارات ،والكثير من البلدان العربية لن تكون في مصلحة الكويت العليا. فأغلبية الكويتيني ينظرون بارتياب إلى تصرفات رموز املعارضة الكويتية، ففي الوقت ال��ذي ع��دوا فيه تجمع الجمهور في ساحة اإلرادة إلبعاد رئيس الوزراء السابق عن منصبه ،أمرا وطنيا مشرفا ،واستحقاقا طبيعيا -تراهم ال يعترفون بثورة 30يونيو (حزيران) املصرية ،التي تراوح من خرجوا فيها على املخلوع مرسي ،ما بني الـ 20إلى الـ 30مليون متظاهر ،ويعدون ما حدث انقالبا على الشرعية .كما أن قيادات هذا الحراك ،وفي الوقت الذي يشيدون فيه بالقيادي األمني السيد جاسم القطامي في رفضه األوامر الصادرة إليه بمواجهة أح��د التجمعات السياسية ف��ي الكويت سابقا ،ت��راه��م يصدحون بحناجرهم مطالبني املخلوع مرسي ،بقمع املاليني الثائرة على حكمه. تقارب التكتل الشعبي للسعدون والبراك ،مع حدس اإلخوانية ،ون��زول غالة الدعاة املكفرين للديمقراطية للمسيرات املطالبة بالديمقراطية ،يثير الشكوك حول جدية املطالبات بمزيد من الحريات ،وتقارب البراك مع الفهد ،وتقارب هذا األخير مع بن همام القطري ،والسير في املسيرات املترافقة مع ثورات الربيع العربي ،وتغطية قناة «الجزيرة» القطرية في أوائل مسيرات كرامة وطن ،إضافة للصحف القطرية التي فتحت صفحاتها ملقابلة املعارضني ،وملقاالت كتابها، دون إهمال وكالة «األناضول» التركية مجريات األحداث الكويتية ،وكذلك موقع حزب الحرية والعدالة املصرية ،الذي شارك في التأليب ،ودعاة التنظيم اإلخواني في العالم -كان مثيرا للقلق ،ودافعا لالرتياب من مثل هذه املؤشرات ،التي ال تبعث على االرتياح <
زعيم املعارضة الكويتية والنائب السابق مسلم البراك يلقي كلمة امام انصاره ولبعض وسائل االعالم عقب اإلفراج عنه من السجن في 7يوليو املاضي في مدينة الكويت
الصحف القطرية فتحت صفحاتها ملقابلة رموز املعارضة الكويتية ونشر مقاالتهم واعتنت وكالة «األناضول» التركية بتغطية األحداث
أحمد السعدون
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
35
شؤون سياسية
ينشط الحراك السياسي في الكويت ويتحول «التكتل الشعبي» من موقع الخصام مع «اإلخوان» إلى موقع الوئام والذائد عن وجود «اإلخوان» بني ظهراني الحراك ورأس حربة املعارضة التي طغت عليها الصبغة اإلخوانية.
املعارضة املفككة ..بني الدعم القادم من قطر والتغلغل اإلخواني
حراك الكويت الكويت: زيد العنزي
مسلم البراك ذو دراية محصورة بأبعاد ومشاريع جماعة اإلخوان املسلمني التي تغلغلت بوضوح بني صفوف املعارضة
جاسم الخرافي
34
بدأ ح��راك املعارضة الكويتية قبل التعديل على النظام االنتخابي، وتقليص ع��دد األص��وات م��ن أرب�ع��ة إل��ى ص��وت واح��د ،ورغ��م إيفاد أمير الكويت كبار مستشاريه للمعارضة ،للتهدئة وعدم التصعيد بمناسبة احتضان الكويت أول قمة آسيوية للتعاون االقتصادي ،فإن املعارضني أصروا على تنظيم تجمهرهم ،ومخاطبة أمير الدولة بطريقة فسرت على أنها تطاول على مسند اإلم��ارة املصونة دستوريا ،بالندوة التي عرفت بـ«كفانا عبثا!» ،والتي تالها تقليص عدد األصوات إلى صوت واحد. لتنطلق بعدها سلسلة مسيرات عرفت بـ«كرامة وط��ن» ،وق��د كانت مسيرة كرامة وطن األولى ،هي املسيرة األكبر في تاريخ الحراك السياسي في الكويت، حيث راوحت أعداد من شاركوا فيها بني الثالثني والخمسني ألف مشارك ،كما أوردتها القناة الفرنسية ،وتقاربت مع أقوال بعض من شاركوا في املسيرة، وليس 100ألف مشارك ،كما كتب محرر الشؤون الخليجية لقناة الـ«بي بي سي» .الرقم الذي تأكدنا منه في حينها باالتصال بالقناة ذاتها ،فهذا العدد لم يرد خبرا ،بل في إطار تقرير إخباري ،حاولت املعارضة االستفادة من هذا الخطأ لصالحها ،إال أن الواقع ينفي مشاركة هذه األعداد. بالرغم من مقاطعة كثير من الناخبني والناخبات أول انتخابات جرت وفقا للصوت الواحد ،فإن كثيرا من املقاطعني قد شاركوا في االنتخابات التالية لها، حتى خفتت األضواء عن املعارضني ،الذين رفعوا مقولة «لن نسمح لك» ،بل إن محاوالت املعارضني توحيد جهودهم بتكتالت قد فشلت في إعادة الزخم اإلعالمي لتحركاتها ،ولو لم تقم املحكمة الدستورية الكويتية بتحصني مرسوم الصوت الواحد ،الذي بسببه أكمل مجلس األمة الحالي دورته. فالتوقعات انطلقت نحو وج��ود احتمالية كبيرة ألن يتخلى بعض ال�ن��واب امل�ق��اط�ع�ين ل�لان�ت�خ��اب��ات ع��ن مقاطعتهم ،ب�ع��دم��ا تخلى الكثير م��ن الناخبني املقاطعني عن مقاطعتهم ،التي تسببت في تعطيل مصالحهم جميعا ،سواء كانوا نوابا أو ناخبني ،الذين ألقوا بالالئمة على نوابهم املقاطعني ،باتخاذ قرار املقاطعة الخاطئ ،الذي أدى ،وألول مرة في تاريخ البرملان الكويتي ،إلى وجود 17 نائبا شيعيا ،لم يسعوا إلى إثارة املشكالت مع الحكومة ،حتى ال يتهموا بأنهم أصحاب مشروع تآمري ضد الدولة ،إحراجا لغرمائهم من اإلسالميني السنة. كما ضعفت ق��وة امل�ق��والت التعبوية التي ك��ان اإلسالميون السنة يحشدون فيها قواعدهم االنتخابية للتصدي للخطر الشيعي ،متى تزايد عدد تمثيلهم النيابي ،ألن مقاطعة اإلسالميني السنة لالنتخابات قد أظهرت أن هذه الكتل السنية اإلسالمية لم تكن تستعمل هذه الشماعة إال لغاياتها االنتخابية ،وإال ملا قاطعت االنتخابات وتركت مقاعدها الخضراء للنواب الشيعة ،كما عاب عليهم ذلك مؤيدوهم أيضا.
الهاشتاغ ،كما راج في حينها ،عن أن��ه الشيخ أحمد الفهد الصباح ،هو من يقف خلف التسجيل الصوتي ،ملا يعتقد أنه تآمر الخرافي ،مع رئيس الحكومة السابق على أمن الدولة ،وهو األمر الذي نفى الفهد صلته به ،بعدما استدعته جهة التحقيق املختصة لسماع أقواله ،ليفيد بأن الشريط ،الذي في حيازته ليس صوتيا ،بل وبالصورة التي جزم فيها بأن الشريط ليس مفبركا ،وأن جهات أجنبية قد أثبتت ما جاء فيه ،وأن الفهد قدمه لجهات عليا في الدولة ،حفاظا على مصالح الدولة العليا ،التي يعد ما ورد في الشريط تهديدا جسيما لها. وملا تزايد اللغط بني الكويتيني حول ما احتواه الشريط ،أمرت النيابة العامة بحظر النشر على الصحف ،أو مواقع التواصل االجتماعي ،لكن هذا الحظر قد قبع في طيات النسيان ،بعدما تقدم الشيخ أحمد الفهد ببالغه الشهير «بالغ الكويت». زادت احتجاجات املعارضة بعد اعتقال النائب املعارض مسلم البراك ،بسبب تهمة سب علني بحق رئيس املجلس األعلى للقضاء ،التي تقدم بها رئيس املجلس بحق النائب ،الذي تعرض له باسمه في ندوة في ساحة اإلرادة الشهيرة، التي حبس بسببها البراك احتياطيا ،فجهة التحقيق احتجزته بسبب خشيتها من تأثيره على التحقيق ،لكون «أب��و حمود» كما يناديه محبوه ،ع��رف عنه التحدث في الندوات عن مجريات التحقيقات ،وهو الذي ربما تخوفت منه جهة التحقيق أن يحدث.
شخصية مسلم البراك باعتبار البراك ذي دراية محصورة بالبعد املحلي ،ومحدودة باألبعاد اإلقليمية للمشاريع الفكرية لجماعة اإلخ��وان ومثيالتها -يرى البعض أن البراك ليس سوى ترديد لكتابات الكاتب محمد عبد القادر الجاسم ،الذي حذر بمقالته املعنونة ب�ـ«رس��ال��ة إل��ى ملك وش�ي��خ» ،م��ن ام�ت��داد امل�ظ��اه��رات ف��ي ال�ك��وي��ت إلى السعودية واإلمارات. فاملعارضة الكويتية تعتقد أن الرياض وأبوظبي ،لعبا دورا جوهريا في إفشال الربيع اإلخواني بعدما اصطدم مشروعهم بمقاومة حزب البعث في سوريا، وعبثية امتداده إلى األردن ثم دول الخليج.
مسيرة كرامة وطن
لقد كانت مسيرة كرامة وطن األول��ى أقرب إلى الثورة على الشعب وحكامه، ألن الكويتيني يتفقون على أن العائلة الحاكمة هي األفضل في إدارة شؤونهم، وتسمعهم دائما ي��رددون "الله ال يغير علينا ،ويطول في عمر حكامنا" فهم البالغ الشهير يرفضون مطلب الحكومة الشعبية التي تطالب بها املعارضة ،دون الرجوع ضجة أخرى حدثت حني تقدم رئيس مجلس األمة األسبق جاسم الخرافي إلى أخذ رأي الشعب في هذا املطلب ،وهو باعث استهجان من قبل الكويتيني، بشكوى للنيابة العامة ،للتعرف على من يقف خلف هاشتاغ «إال الدستور» واستغراب من تصميم القوى السياسية على هذه املطالبة ،التي لم يطلب أحد في موقع التواصل االجتماعي "تويتر" ،والتحقيق معه ،وكشف صاحب هذا منهم املطالبة بها.
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
أمرا متوقعا ويحظى بالتوافق بني كل التيارات السياسية تقريبا ،لكن هذا لم يمنع من بروز تيار فكري يدعو إلى عدم توظيف الدين في السياسة كأحد املداخل األساسية في مقاومة اإلرهاب والتطرف. يرى حفتر أن سيطرته على ليبيا وانتصاره على التيارات املتشددة تستوجب فترة بني 3أشهر وسنة كاملة ،لكن بعض املراقبني يرون أن هذه الفترة يمكن ُ أن تختصر أق��ل مما هو مصرح به أو تطول أكثر بحسب تفاعل املعطيات اإلقليمية والدولية في مسألة مقاومة اإلرهاب. واملرجح أن محاولة حفتر لها حظوظ هامة للنجاح ُويتوقع أن تكون عملية الحسم في هذه الصائفة أو قبلها بقليل .إن التلويح بالحل الفيدرالي في ليبيا يبقى قائما لكن حظوظ تحقيقه ضعيفة .كما أن ق��رار املحكمة العليا في ليبيا بعدم شرعية حكومة أحمد معيتيق املقرب من اإلسالميني ساهم في إبعاد شبح الحرب األهلية خاصة بعد انصياع معيتيق لقرار املحكمة ،وهو مؤشر على إمكانية تحول عميق في الفترة املقبلة في اتجاه تيسير الحسم في التيارات الدينية املتشددة .لكن كثير من املحللني يعدون انصياع معيتيق للقرار يترجم ّ تغير ميزان القوى على األرض ،إذ لو كان معيتيق متيقنا من تواصل ق��وة اإلخ��وان والسلفيني الجهاديني في ليبيا ،لقام بمناورات أخرى للحفاظ على موقعه لكنه بدأ يدرك أن شعبية اإلسالميني إخوانا وجهاديني تقلصت بشكل متواصل في ليبيا وأن الدعم الذي لقيه عبد الفتاح السيسي في الداخل والخارج ستكون له تداعيات سلبية على مستقبل اإلخوان والتيارات الدينية املتشددة في ليبيا. ال شك أن تداعيات الوضع األمني في ليبيا على تونس هامة خاصة أن هناك محاولة إلع��ادة رسكلة الجهاديني في سوريا ،وه��م باملئات وإحياء الخاليا النائمة وهي باملئات أيضا لكي يشكلوا نواة كتائب مسلحة تزرع الرعب في ربوع ليبيا وتونس مثلما تفعل داعش في العراق بعد 09يونيو 2014لذلك فإن كثيرا من املحللني يرون أن من أوكد إجراءات الحكومة التونسية الحالية: أوال :تكثيف الرقابة على الحدود التي ما تزال هشة رغم إحداث املنطقة العازلة على الحدود بني تونس وليبيا. ث��ان�ي��ا :اإلس ��راع باستكمال اس�ت�ح�ق��اق��ات امل��رح�ل��ة االن�ت�ق��ال�ي��ة وف��ي مقدمتها االنتخابات والعمل على أن تجرى االنتخابات التونسية في ظروف شفافة بعد أن جرى االتفاق نهائيا على عقدها في نهاية 26( .2014أكتوبر/تشرين األول 2014بالنسبة لالنتخابات التشريعية و 23نوفمبر/تشرين الثاني بالنسبة لالنتخابات الرئاسية). ثالثا :اإلبقاء على استراتيجية التوافق ملرحلة ما بعد االنتخابات كخيار ثابت استراتيجي ال تكتيكي. رابعا :العمل على تقليص بؤر التوتر االجتماعي واتخاذ إجراءات مستعجلة على صعيد التنمية الجهوية وخاصة باملناطق املهمشة بتونس لغلق الباب أمام محاوالت تجنيد الجهاديني الذي ينتمي معظمهم للفئات االجتماعية الهشة. خامسا :تمثل ليبيا مزودا هاما لعدة بلدان بالنفط وتشكل هي والجزائر مزودا رئيسا ألوروبا .لذا فاهتمام الغرب بهذه املنطقة هام باإلضافة إلى تخوفه من ارتفاع وتيرة الهجرة السرية نحو أوروبا في صورة استمرار االنفالت األمني بليبيا .وهذا ما يجعلنا نتحدث عن التداعيات الدولية للوضع األمني في ليبيا.
أهم التداعيات داخليا وإقليميا ال ننسى أن تفاعل تونس مع مجريات السياسة في ليبيا يعود إلى عاملني أساسني: َ وجود جالية ت ُع ُد قرابة املليون ليبي على األراضي التونسية. تطور حجم املبادالت التجارية وارتفاع مداخيل العملة الصعبة نتيجة الحضورالليبي على الساحة التونسية واملقدر بنحو 4مليارات دوالر سنويا. وبقدر ما تسعى تونس إلى تشديد رقابتها على الحدود بقدر ما تتمكن من تقليص مخاطر تسرب األسلحة واإلرهابيني على حدودها ،ولذلك فهي ترفض غلق الحدود ملا لذلك من انعكاس على عدد الليبيني الفارين من جحيم املعارك، وحفاظا على الحركية االقتصادية التي استفاد منها االقتصاد التونسي الذي ما يزال يعاني شحا في االستثمار .وتعد غالبية النخب السياسية في تونس
أن اصطفاف رئيس الجمهورية منصف املرزوقي إلى جانب الحكومة بدعوى مساندة الشرعية خطأ استراتيجي ُيخشى أن تدفع تونس ثمنه مستقبال (ال ننسى كذلك أن حركة النهضة انتقدت في بيان لها عملية الكرامة التي يقودها خليفة حفتر وشددت على احترام شرعية الحكومة املدعومة من اإلسالميني والسلفيني). وإج�م��اال ف��إن التحوالت اإلقليمية وت�س��ارع وتيرة املظاهرات الليبية املنتقدة للحكومة واملؤتمر الوطني وعقد االنتخابات البرملانية في 25يونيو 2014رغم اإلقبال الضعيف عليها (كانت نسبة املشاركة 27في املائة) تصب في بناء نظام سياسي تبقى مكوناته القبلية عنصرا أساسيا ،لكن الفاعلني السياسيني الجدد سيكون معظمهم من التيار الليبرالي والديمقراطي والتيار اإلسالمي غير الجهادي وغير التكفيري. إن تيار اإلسالم السياسي املتمثل في حزب العدالة والبناء سيدخل في أزمة عميقة في عالقة باألزمة الهيكلية لهذا التيار بالعالم العربي ويصعب أن يكون رقما فاعال في الحياة السياسية بليبيا مستقبال .أما تيار أنصار الشريعة وبقايا الخاليا النائمة للقاعدة فستبقى في إطار السرية وستستفيد من بعض الوالءات القبلية لكن من الصعب أن تعود إلى حجم تأثيرها السابق. وبقدر ما تتعزز عملية التنسيق األمني بني دول شمال أفريقيا والساحل األفريقي ،وتتحسن مؤشرات التنمية االقتصادية في املنطقة ،والحكم الرشيد والعدالة االجتماعية ودولة املواطنة بقدر ما تصبح الظاهرة اإلرهابية بشمال أفريقيا والساحل األفريقي في أدنى درجاتها ،وسيؤثر ذلك حتما وبشكل م�ت��درج على تقليص الظاهرة اإلره��اب�ي��ة ف��ي منطقة ال�ش��رق األوس��ط ف��ي ظل ترتيبات جديدة يجري إعدادها في الشرق األوسط حيث سارعت تركيا إلى إنعاش تحالفها مع إي��ران ،كما أن قطر أصبحت تصرح ب�ض��رورة مقاومة التيارات التكفيرية املتطرفة ليس إلدراكها بأن ورقة اإلسالم السياسي واإلسالم الراديكالي عموما قد استنفدت أغراضها بل ألن املنطقة العربية في شمال أفريقيا والشرق األوسط مقبلة على تشكل جيو استراتيجي جديد يشمل: مصر ومعظم دول الخليج. إي��ران وسوريا وبدرجة أقل العراق ال��ذي ما زال يعيش ظروفا صعبة منذاجتياح داعش للموصل في 09يونيو .2014 وتحاول تركيا لعب دور أساسي كقوة إقليمية مستفيدة من عضويتها بالحلف األطلسي ومن عالقاتها التجارية مع الدول العربية وخاصة مع العراق وليبيا. وم��ن الطبيعي أن ي��واج��ه قطبا السعودية وإي��ران مستقبال تداعيات نشاط التيارات اإلرهابية التي لن تنسحب بسهولة من مسرح األح��داث فما يحدث في سوريا وخاصة في العراق من تعاظم نفوذ داعش في األنبار واملوصل وما يحدث في الساحل األفريقي من عودة القاعدة إلى شمال مالي ،وما يحدث في أوروبا من نمو ظاهرة التطرف الديني يفرض أوال على هذين القطبني إيجاد توافقات حول أمهات القضايا ويفرض على املجتمع الدولي إعادة النظر في استراتيجية مقاومة اإلرهاب ألن تمدد نفوذ التيارات الدينية املتشددة جغرافيا في وقت قياسي يجعل استئصالها يجري بشكل بطيء ومكلف .لذا يصبح من الحتمي اإلسراع بإيجاد توافقات دولية في القضايا التي يحاول اإلرهابيون توظيفها إلطالة أمد نفوذهم وسيطرتهم. إن تداعيات الوضع األمني في ليبيا أصبحت اهتماما إقليميا باإلضافة إلى بعده الوطني ،وما زيارة عبد الفتاح السيسي إلى الجزائر في 25يونيو 2014 إال دليل على انشغال مصر والجزائر بتفاقم املخاطر األمنية واإلرهابية على ح��دوده�م��ا ،ل��ذا يعد الكثير م��ن املحللني أن م��ن مصلحة هذين البلدين دعم الحراك السياسي الذي يقوده حفتر أمال في وضع حد لفلتان أمني ال يهدد ليبيا فحسب بل وكذلك كامل محيطها اإلقليمي .إن حسم الصراع في ليبيا ال يكون أمنيا فحسب أو توافقيا فحسب بل املرجح أن يكون مزدوجا ومتوازيا: أمنيا وتوافقيا ألن التناقضات عميقة بني املعارضة التي يقودها حفتر وبعض التيارات الدينية املتشددة التي ال تزال متمسكة بخيارها املناهض للتوجه املدني للدولة ،وقد برز ذلك من خالل عجز لجنة االنتخابات عن تأمني عملية االقتراع في مدينة درنة يوم 25يونيو 2014املاضي وهي املدينة املعروفة بخضوعها لسيطرة القاعدة وأنصار الشريعة <
أصبحت ليبيا بعد الثورة ملجأ للكثير من التنظيمات الدينية املتشددة ومن أبرزها أنصار الشريعة.. كما استقرت بالبالد الكثير من الكتائب املسلحة التابعة لـ «القاعدة» واملتكونة من عناصر مغاربية وأفريقية
مصطفى عبد الجليل
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
33
شؤون سياسية
ّ بعد أن خفت وتيرة الحرب في سوريا تحولت وظيفة مراكز التدريب لتصبح مهمتها إعداد «جهاديني» للداخل الليبي (ضد املعارضة الليبرالية والديمقراطية) وللجيران سواء في تونس أو الجزائر أو الساحل األفريقي
محمد الزهاوي
32
- 2املشهد الديني في ليبيا. أصبحت ليبيا بعد الثورة ملجأ للكثير من التنظيمات الدينية املتشددة ومن أبرزها أنصار الشريعة ،كما استقرت بالبالد الكثير من الكتائب املسلحة التابعة للقاعدة وامل�ت�ك��ون��ة م��ن عناصر مغاربية وأف��ري�ق�ي��ة .واستغلت هذه الجماعات املسلحة ظرفية ال�ح��رب ف��ي س��وري��ا وأق��ام��ت معسكرات للتدريب من بينها: العجيالت وتقع على ُب ْعد 60كلم عن طرابلس. درنة وهي منطقة جبلية في الشرق ال يوجد بها انتماء قبلي كبير .وتسيطرعليها القاعدة وأنصار الشريعة. صبراتة بها معسكر متوسط سرت يسيطر عليها أنصار الشريعة «معسكر »27ويقع قرب مدينة الزاوية بني الزاوية وطرابلس وتسيطر عليهالقاعدة. أما بالنسبة ألنصار الشريعة فهناك تنظيمان :واحد في درنة والثاني فيبنغازي وقد تأسست في ُ 2012وينسب إليها اغتيال السفير األميركي في بنغازي .ويتكون تنظيم أنصار الشريعة من ليبيني وعناصر من جنسيات مغاربية .وقد أصدر تنظيم أنصار الشريعة في تونس في بداية مايو 2014 بيانا ُيعلن فيه توحيد نشاطه وهياكله مع تنظيم أنصار الشريعة بليبيا، وتتردد كثير من األنباء عن وجود أبو عياض مؤسس أنصار الشريعة في تونس املوجود في ليبيا في حماية سفيان بن قمو زعيم أنصار الشريعة بليبيا .واملعلوم أن االشتباكات املسلحة التي تجري حاليا في ليبيا والتي يقودها حفتر موجهة باألساس ضد جماعة أنصار الشريعة وخاليا القاعدة. ال بد من اإلشارة إلى أن التيارات الجهادية بليبيا كانت موجودة قبل ثورة 17 فبراير 2011إذ تأسست أول مجموعة جهادية في 2008في عهد القذافي وتسمى كتيبة الشهداء بقيادة الشيخ البرغثي وق��د قتل معظم أنصار هذا التنظيم في بنغازي في عهد القذافي .وهناك أيضا الجماعة اإلسالمية املقاتلة ومن أبرز رموزها عبد الحكيم بلحاج الذي ركز نشاطه خارج ليبيا.
فكرة بناء األمة اإلسالمية بعد الثورة أصبح تنظيم أنصار الشريعة الفصيل األهم بقيادة محمد الزهاوي ويساعده في ذلك سفيان بن قمو ُوينسب لهذا التنظيم قتل السفير األميركي في بنغازي .ويعود تأسيسه إلى 2012ويتمركز بالخصوص في بنغازي ودرن��ة حيث الجبال الوعرة ،كما يوجد أيضا في طرابلس وأجدابيا وسرت. ويضم هذا التنظيم عناصر ليبية وهي األهم ،يضاف إليها عناصر مغاربية وأفريقية .وينطلق هذا التنظيم من فكرة بناء األمة اإلسالمية التي تحكمها الشريعة ،وتحتاج هذه األمة في رأيهم إلى أرض يجري االنطالق منها ُوي ّ ؤملون على أن تكون ليبيا بأراضيها الشاسعة وثرواتها النفطية وسكانها القليلني مكانا خصبا ملشروعهم السياسي والديني واملجتمعي .وق��د ساعد تفكك الدولة في ليبيا وضعف حضورها ،نتيجة سيطرة تيار اإلس�لام السياسي اإلخواني على املؤتمر الوطني (البرملان) وعلى الحكومة ،في إنشاء هذا التنظيم وتمركزه ال باملؤسسات املدنية فحسب بل وكذلك باملؤسسات العسكرية حيث اندمج عدد هام من أتباع أنصار الشريعة في مؤسسة الجيش الليبي الذي أنشأته حكومة ما بعد الثورة .كما أن تنظيم أنصار الشريعة يحظى كذلك بدعم املؤسسة الدينية الرسمية حيث عد املفتي العام للديار الليبية الصادق الغرياني أن أنصار الشريعة ليسوا تنظيما إرهابيا مثلما صنفته أميركا، ودعا أنصار هذا التنظيم إلى املساهمة في العملية السياسية بليبيا واإلعالن عن تبرئه من الخط التكفيري .واملالحظ أنه منذ تشديد اللواء املتقاعد خليفة حفتر الخناق على التيارات الدينية املتشددة أي منذ محاولته الثالثة في 17مايو 2014بمطاردتهم وقصف معسكراتهم قرر تنظيم أنصار الشريعة املرور إلى املواجهة املفتوحة ،مستعينا بدعم لوبيات هامة من الحكومة الحالية واملؤتمر الوطني عبر تيار اإلخ��وان والفصائل اإلسالمية السلفية وخاصة الجهادية منها ،وعلى الرغم من محاولة أحمد معيتيق تشكيل حكومة بدعم من كتلة «وفاء» بالبرملان الليبي املتكونة من اإلخوان والسلفيني فإن هذه الحكومة لم
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
تستمر سوى بضعة أيام بعد إعالن املحكمة العليا في ليبيا بطالن شرعية حكومة معيتيق وعودة عبد الله الثني إلى وظيفته كرئيس للحكومة .وقد حاول الثني في الفترة األخيرة االقتراب أكثر من مجموعة حفتر. وامل�لاح��ظ أن أن�ص��ار الشريعة ه��ددوا ف��ي شهر يونيو 2014بخوض حرب مقدسة ض��د أميركا وح�ك��ام املنطقة خاصة بعد إل�ق��اء كومندوس أميركي القبض في 16يونيو 2014على أحمد أبو ختالة أحد املطلوبني الرئيسني في قتل السفير األميركي ببنغازي سنة 2012وتوعد الزهاوي ،زعيم التنظيم، بأن ليبيا ستكون مقبرة لكل من يتجرأ على محاربتهم.
«االرتخاء» األمني في تونس وتجدر اإلشارة إلى أن قوة انتشار أنصار الشريعة في ليبيا تعود إلى فترة 2012التي صادفت فترة «االرتخاء» األمني في تونس في عهد حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة التي كانت تشجع رموز هذا التنظيم على املشاركة في العملية السياسية بدعوى تطويعهم ون��زع راديكاليتهم ( .)14كما استفاد أنصار الشريعة في ليبيا من فترة حكومة مرسي قبل سقوطه .لكن بعد التحوالت اإلقليمية األخيرة ب��دءا بسقوط مرسي وخ��روج حكومة الترويكا من الحكم في تونس ،أصبح الخناق أكثر تشديدا على أنصار الشريعة بليبيا التي تواجه أساسا نقمة متصاعدة من الداخل الليبي وتنديدا من الخارج الذي يرى في تواصل نشاط هذا التنظيم تعطيال الستكمال استحقاقات املرحلة االنتقالية في ليبيا .واملالحظ أن تحول طبيعة الحرب في سوريا من الخيار العسكري إلى الخيار التفاوضي سحب من أنصار الشريعة بليبيا ورقة هامة كانت تستعملها إليهام الرأي العام في الداخل والخارج بأنها رقم صعب في الحرب ضد نظام بشار األس��د ،وأن معسكرات تدريبها التي ضمت ليبيني ومغاربيني وأفارقة وحتى أوروبيني تقوم بحرب استفادت منها كثير األطراف. لكن التنظيم كان يسعى في نفس الوقت إلى تسليح أكثر التنظيمات الدينية تشددا مثل داعش وجبهة النصرة في إطار تعزيز منظومة الجهاد العاملي .وال يمكن التغافل عن أن الشعبية التي لقيتها جماعة أنصار الشريعة في ليبيا منذ 2013 - 2012في داخل ليبيا تعود كذلك إلى الحرفية لدى التنظيم في كل ما يتعلق بالنشاط الخيري (تنظيف الشوارع ومساعدة الفقراء وإرسال امل�س��اع��دات الطبية إل��ى ال�خ��ارج ف��ي ال�س��ودان وس��وري��ا) ه��ذا النشاط الخيري املشفوع بالنشاط الدعوي واملعزز بالحضور العسكري والدعم املتأتي من عناصر مؤثرة في الحكومة واملؤتمر الوطني (ال�ب��رمل��ان) ومؤسسة اإلفتاء الرسمية أعطى لتنظيم أنصار الشريعة حجما هاما .لكن منذ 2014بدأ العد التنازلي لهذا التنظيم يتعزز بعد فشل تيار اإلسالم السياسي في الحكم في البلدان املجاورة ،وبعد التجاوزات الكثيرة املنسوبة لهذا التيار ضد شخصيات وجمعيات وتنظيمات ليبية ،وكذلك بعد سلسلة من االغتياالت في الداخل اتهم فيها أنصار هذا التيار حيث أصبح رم��وزه مطلوبني من أكثر من طرف في الداخل والخارج .من املرجح أن تحصل تصفيات دموية في صفوف هذا التيار نتيجة املواجهة املفتوحة بينه وبني املعارضة التي يقودها حفتر والتي تعززت بصعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في مصر ،وتشديد الجزائر لحربها على اإلرهاب ومنع اإلرهابيني في ليبيا من التسلل عبر أراضيها .أما في تونس فإن تصنيف أنصار الشريعة كتنظيم إرهابي في أغسطس (آب) 2013في عهد حكومة الترويكا التي تترأسها حركة النهضة حرم أنصار الشريعة من غطاء وتسهيالت كان يحظى بها خالل فترة .2013 - 2012وبالتالي فإن هذا التيار دخل في أزمة هيكلية ستكون تداعياتها مباشرة على الجناح املحافظ في تيار اإلسالم السياسي في ليبيا وتونس وسائر املنطقة العربية.
التصوف وتيار اإلسالم املعتدل من املتوقع أن تعود ليبيا بعد تقليص نفوذ التيارات الدينية املتشددة ،إلى دعم تيار اإلسالم املحلي املتأثر بتراث التصوف وتيار اإلسالم املعتدل غير اإلخ��وان��ي .واملعلوم أن الطابع املحافظ للمجتمع الليبي أم��ر بديهي ل��ذا يبقى التنصيص على الشريعة كمصدر أساسي في التشريع في الدستور املقبل
الهادفة إلى مقاومة اإلرهاب تجد دعمها من الطرابلسية وهذا ما يفسر الدعم الصراع بني حفتر والتيار اإلسالمي
الذي لقيه حفتر في طرابلس في الفترة األخيرة. ال ننسى رمزية بعض املدن في مساندة الحراك الحالي .فهناك مدينة البيضاء في الشرق التي تبعد 200كلم عن بنغازي ،هذه املدينة التي انطلق منها امللك السنوسي ،نجدها اليوم تحتضن مقر الجمعية التأسيسية للدستور ،وفيها قبيلة «البراعصة» وهي موالية للحراك الحالي الذي يقوده حفتر (البراعصة هي قبيلة مصطفي عبد الجليل أول رئيس للمجلس االنتقالي بليبيا). )3تطور املشهد السياسي والحزبي بليبيا بعد الثورة تضم ليبيا حاليا عشرات األحزاب ،ويضم البرملان (املؤتمر الوطني الليبي) 200 نائب انخفض إلى 186بعد إصدار قانون العزل السياسي الصادر في مايو (أيار) 2013والذي نص على أن يجري العمل به ملدة 10سنوات.
من أبرز األحزاب والكتل نذكر:> التحالف الوطني بقيادة محمود جبريل ،وهو ليبرالي التوجه ويضم 35 مقعدا من 186مقعدا واملعلوم أن جبريل لم يترشح للبرملان نظرا للحملة املوجهة ضد كل من تقلد منصبا في عهد القذافي لكن حزبه كان موجودا بكثافة في املؤتمر الوطني. > حزب العدالة والبناء بقيادة محمد ص��وان ،ويضم 18مقعدا ،ومرجعيته األساسية إخوانية لكنه يضم في صفوفه أيضا 40في املائة من السلفيني و 20في املائة من الشباب و 15في املائة من النساء. > حزب اإلنقاذ الوطني يضم نحو 15مقعدا بقيادة الرئيس السابق للبرملان املقريف الذي جرى عزله. > االتحاد من أجل الوطن ورئيسه عبد الرحمان السويحلي وهذا الحزب له طابع جهوي أكثر منه مركزي. >حزب «الوطن» لعبد الحكيم بلحاج له ميليشيا وليس له نواب ،إال من انضم إليه بشكل مستقل. > أما الكتل البرملانية بالبرملان الحالي (املؤتمر الوطني) فأبرزها: > كتلة الوفاء لدماء الشهداء وتضم 35نائبا من اإلخوان والسلفيني والجماعة املقاتلة لبلحاج والسعدي. > كتلة تحالف القوى الوطنية وتضم ليبراليني ومستقلني. وبالنسبة للعمل الحزبي ال يوجد قانون أحزاب في ليبيا ،وهذا القانون املنظم لألحزاب مدرج في مشروع الدستور الجديد الذي ستتم مناقشته الحقا. يغلب على املشهد السياسي الحالي بليبيا ( )2014استقطاب ثنائي يكاد ينحصر بني التيار اإلسالمي بتفريعاته اإلخوانية والسلفية واملدعوم ضمنيا م��ن ال�ت�ي��ارات الدينية امل�ت�ش��ددة القريبة م��ن ال�ق��اع��دة ،مقابل ذل��ك نجد التيار الليبرالي والديمقراطي املدعوم من التحالف الوطني واملستقلني وبعض التيارات اإلسالمية املعتدلة.
.1مشهد سياسي متحرك :يرى الكثير من الباحثني أن من يحكم ليبيا هو الذي يمسك بـ 5عناصر أساسية يمكن أن نسميها خماسية القوة: أوال :من يملك السالح. ثانيا :من يملك املال. ثالثا :من يملك مقاربة وتوجها محددا مهما كان لونه. رابعا :من يملك اإلعالم. خامسا :من يملك الدعم الخارجي.وهذه العناصر الخمسة هي التي تمكن الفاعلني السياسيني من توجيه جزء من الرأي العام لفائدة أطروحاتهم .وإذا أردنا أن نطبق هذه القاعدة على القوى السياسية الليبية نجد أن قطب اإلسالميني املمثل في الحكومة مدعوم من قطر وتركيا .وال ننسى أن حجم التبادل التجاري بني ليبيا وتركيا ال يقل عن 5 مليارات دوالر في .2013أما قطب الليبراليني وحلفاؤه امللتف حول حفتر فهو مدعوم من مصر وبعض دول الخليج وأميركا والغرب عموما. وبخصوص توزع الكتائب املسلحة على هذين القطبني نالحظ: أن الكتائب املساندة للحكومة هي كتيبة 17فبراير وكتيبة درع الوسطى (املعلوم أن الدروع تعود أساسا إلى التيارات اإلسالمية) أما الكتائب املوالية لحفتر فهي تضم: القعقاع :الزنتان. الصواعق :من الزنتان. كتيبة الشهيد محمد مدني :من الزنتان. الصاعقة :يرأسها ونيس أبو خمادة :بنغازي. بخصوص مصراتة نجدها منقسمة بني الفريقني فاملجلس املدني مساندلحفتر في حني ما يزال املجلس العسكري مواليا للحكومة .ويرى كثير من املحللني أنه في صورة انضمام املجلس العسكري لحفتر فبإمكانه أن يحسم املعركة لصالح هذا األخير .وتتحدث بعض األنباء عن ب��وادر انقسام داخل املجلس العسكري وع��ن ب��داي��ة ت�ف��اوض ب�ين عناصر م��ن املجلس العسكري ملصراتة واملجموعة املوالية لحفتر .واملعلوم أن مصراتة قبل الحراك األخير معروفة بمواالتها لإلخوان ،أما املجلس املدني بمصراتة حاليا فقد ُعرف عنه أنه ضد اإلرهاب ومع املصالحة الوطنية. وبالنسبة لطرابلس ،وبحكم تنوعها وتعدد مشاربها الفكرية والسياسية ف��إن معظم سكانها ونخبها ضد اإلره��اب وض��د ممارسات بعض التيارات السلفية التي اعتدت على أضرحة األول�ي��اء .كما أن تيار التصوف وخاصة السنوسية مناهض بشدة لبعض التيارات التكفيرية التي حطمت الكثير من أضرحة األولياء .واملعلوم أن السنوسية تشكل مخزونا تاريخيا وتراثيا هاما للشعب الليبي.
مسلح ليبي في شارع رئيسي في املدينة الساحلية الليبية بنغازي بشرق ليبيا أثناء احتجاج ضد املؤتمر الوطني العام (البرملان) يونيو( 2014 -غيتي)
تضم ليبيا حاليا عشرات األحزاب ويضم البرملان (املؤتمر الوطني الليبي) 200نائب انخفض إلى 186 بعد إصدار قانون العزل السياسي الصادر في مايو (أيار) 2013والذي نص على أن يجري العمل به ملدة 10 سنوات
عبد الله الثني
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
31
شؤون سياسية
اعتقد الليبيون أن ثورة 17فبراير (شباط) 2011التي أسفرت عن اإلطاحة بمعمر القذافي واتجهت نحو إقامة مجلس وطني انتقالي كفيلة بتحقيق نقلة نوعية في بناء نظام سياسي جديد .وظن معظم الليبيني أن بناء مؤسسات جديدة للدولة أصبح ممكنا في ظل فرار الكثير من أنصار النظام السابق .لكن الذي حصل كان معاكسا لطموحات الليبيني ،إذ حط تنظيم القاعدة رحاله في هذا البلد مستفيدا من حالة الهشاشة األمنية التي تعاظمت مع مرور الزمن.
صراع األجنحة ومستقبل الصراع بني حفتر والتيار اإلسالمي املدعوم من الحكومة
ليبيا واخملاطر األمنية ..األسباب والتداعيات طرابلس: أعلية عالني
تمكن خليفة حفتر من كسب عدة قبائل لجانبه مثل ورشفانة وورفلة والعبيدات ويمكن القول إن نحو 80 في املائة من سكان بنغازي موالون لحفتر وأكثر من نصف سكان طرابلس (بني 50 و 60في املائة) مؤيدون له
اللواء خليفة حفتر
30
بعد نشوة االنتصار طفت على السطح حسابات األحزاب والجمعيات القبيلة معطى هام في ليبيا لكن هناك مدن مبنية على املناطق والعائالت ومدن في الفوز بغنيمة السلطة والثروة .وانطالقا من هذه الفكرة تسابقت قائمة على القبائل .وتتوزع القبائل في أرجاء التراب الليبي: مختلف التيارات والتنظيمات إلثبات ثوريتها أوال ،ثم أحقيتها في الحكم ثانيا .ولم تكن معايير الكفاءة فقط هي املحرك الرئيس لتولي املناصب -في الشرق :أهم قبيلة فيه هي «العبيدات» وجزء من قبيلة «ورفلة» (ألن «ورفلة» في السلطة ،في ظل غياب كبير للدولة وتأثيرها وهيبتها .ومن خالل هذا الغياب منتشرة في كل مكان) ك��ان السالح ينتشر بكثرة ل��دى العائالت والتيارات واألح ��زاب ،بل أصبحت -في الغرب :هناك قبيلة «ورفلة» وتتميز بتشتتها السكاني وعاصمتها بني ترسانة القذافي العسكرية مصدر ث��راء كبير ألم��راء الحرب وفي مقدمتها وليد ،وهناك قبائل العبيدات والبراعصة والعقورية وكذلك قبيلة ورشفانه وبها التيارات اإلسالمية بمختلف تفريعاتها ،وهو ما أغرى القاعدة في بالد املغرب تمركز سكاني وعاصمتها العزيزية. اإلسالمي لتحط رحالها في ليبيا بعد طردها من شمال مالي في يناير (كانون -في الجنوب الشرقي :هناك «التبو» وقبيلة املغاربة. واملالحظ أن قبيلة املغاربة تبدأ من أجدابيا إلى غاية الكفرة (التبو) وتدخلالثاني) .2013 واستغلت التيارات الجهادية حرب سوريا لتقيم مراكز تدريب جندت فيها أحيانا في معارك مع التبو (املغاربة يشكلون أقلية أما التبو فيشكلون أغلبية). بضعة آالف للتدرب على القتال بدعوى الجهاد في سوريا ،لكن جزءا منهم -في جنوب الوسط :قبيلة «أوالد سليمان» وهناك قبيلة «املقارحة». تحول إلى العراق (وقد رأينا ذلك من خالل هجوم داعش وكتائب أخرى على -في الجنوب الغربي :هناك الطوارق ،وقريب منه جبل نفوسة حيث األمازيغ. ال�ع��راق ال��ذي ب��دأ ي��وم 09يونيو/حزيران 2014وتمكنت م��ن السيطرة على ويتكون جبل نفوسة من مدن عربية ومدن أمازيغية فاملدن العربية نذكر منها محافظات كثيرة مما ينبئ بتحوالت جيو استراتيجية عميقة في املنطقة) ،غريان والزنتان والرجبان .أما امل��دن األمازيغية فمن بينها «كيكال» ودرعة وجزء آخر اتجه نحو تونس والجزائر والساحل األفريقي وأصبحت ليبيا بذلك وكاباو وجادو ويفرن ونالوت. مركزا حيويا لتصدير اإلرهاب لهذه الدول ،في غياب سلطة مركزية قوية ،بل في ليبيا هناك مدن مبنية على القبائل وأخرى مبنية على املناطق والعائالت إن معظم النخب السياسية في ليبيا تساورها الشكوك في تواطؤ جزء من فمثال نجد طرابلس مبنية على املناطق ،أما بنغازي وسبها فهي مبنية على الحكومات الليبية التي تشكلت بعد انتخابات املؤتمر الوطني (البرملان) في القبائل. بالنسبة إلى طرابلس وعائالتها نذكر: توفير الغطاء والدعم لهذه التيارات الدينية املتشددة. ومع تواصل حالة الفوضى األمنية وتصدير النفط بشكل متقطع ،وتلويح بعض -منطقة سوق الجمعة (منطقة عبد الحكيم بلحاج) وتاجوراء وفشلون وعني ّ خفت وتيرة الحرب في زارة. التيارات بورقة االنفصال أو الحكم الفيدرالي ،وبعد أن ْ ّ َ سوريا ،تحولت وظيفة مراكز التدريب لتصبح مهمتها إعداد جهاديني للداخل -العائالت مثل الكراكشي ِوقنيوة. الليبي (ضد املعارضة الليبرالية والديمقراطية) وللجيران سواء في تونس أو أما بالنسبة إلى بنغازي وسبها ومصراتة فهي مبنية على القبائل .ففي بنغازي نجد قبائل العبيدات والبراعصة والعقورية وورفلة .أما بالنسبة لسبها عاصمة الجزائر أو الساحل األفريقي. وفي ظل هذه املتغيرات تتنزل محاولة اللواء املتقاعد خليفة حفتر األخيرة الجنوب فهي مبنية على القبائل أيضا ومن أبرزها «أوالد سليمان» واملقارحة. الذي استطاع أن يحظى في وقت قياسي بدعم قبلي غير مسبوق ،وبدعم من وبالنسبة ملصراتة فهي مبنية على القبائل مثل الكورغلية والسويحلي (وهي كتائب مسلحة ما انفك يتكاثر وبدعم جزئي من داخل الحكومة بعد إعالن ثالث مدينة في ليبيا 700ألف ساكن). بعض أعضائها االنضمام إليه. فهل سيتم حسم الصراع السياسي القائم حاليا في ليبيا أمنيا؟ أم بالتوافق؟ )2تطور التحالفات القبلية بني الحكومة واملعارضة في ليبيا: تمكن خليفة حفتر م��ن ك�س��ب ع��دة ق�ب��ائ��ل لجانبه م�ث��ل ورش�ف��ان��ة وورف�ل��ة أم باالثنني معا؟ والعبيدات ويمكن القول إن نحو 80في املائة من سكان بنغازي موالون لحفتر وأكثر من نصف سكان طرابلس (بني 50و 60في املائة) مؤيدون له .ويعتقد املشهد السياسي والقبلي في ليبيا أكثر الخبراء أن من يضمن والء طرابلس وبنغازي يضمن الحكم في ليبيا. وال ننسى أن إعالن الفاتح من سبتمبر ،1969كان من بنغازي في حي غار ودوره في العملية السياسية يونس وفي معسكر غار يونس .لكن تجدر اإلشارة أيضا أن الغالبية العظمى )1تموقع القبائل واملناطق في الخريطة السياسية بليبيا: من سكان طرابلس ونخبها يقفون ضد اإلرهاب وامليليشيات وكل املبادرات
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
نفسه بالقول« :إرادة الشعب ستنصهر مع إرادة الدولة لتصبحا شيئا واحدا مع الرئيس الجديد الذي لن يكون رئيسا بروتوكوليا» ،مؤكدا عزمه على تحويل تركيا إلى نظام رئاسي ،سواء من خالل تغيير الدستور أو من خالل أمر واقع بفعل عالقته التي لن تنقطع مع الحزب املتفرد بالسلطة ،وإن في شكل غير رسمي؛ حيث أكد مجددا دمج مؤسسة الرئاسة في الحياة السياسية ،وهو األمر الذي أجج مخاوف املعارضة من تداعيات شروع إردوغان في تجاهل الدستور وفرض سياسة األم��ر ال��واق��ع عبر املضي قدما ف��ي ف��رض النظام الرئاسي والجمع بني رئاسة الدولة والحزب. وإذا نجح إردوغان في الفوز برئاسة تركيا فسيحتاج إلى برملان أليف موال له أو متوافق معه حتى يضمن صالحيات أوسع، ورئيس وزراء ٍ وكي يمرر سياساته وبرامجه من دون عقبات أو ممانعة ،وهو ما لن يتأتى من دون حصول حزبه على األغلبية البرملانية في انتخابات العام املقبل وتوفر مستوى عال من التنسيق والتناغم بني رئيس الدولة وكل من رئيسي البرملان والحكومة.
ارتباك حزب العدالة رغم حصول إردوغان على تأييد واسع لترشحه للرئاسة داخل حزب العدالة؛ حيث صوت أغلب أعضاء الحزب لصالحه خالل اقتراع سري، قد ال يسلم الحزب الحاكم من تداعيات إصرار إردوغان على خوض االنتخابات الرئاسية املقبلة بنية الجمع بني رئاسة الحزب ورئاسة الدولة مع توسيع صالحيات الرئيس ،فهناك أصوات ال تبدو راضية عن هذه الصيغة االحتكارية ملستقبل الحزب ،خصوصا أن إردوغان تفرد أيضا بتسمية خليفة له في زعامة الحزب لم يعلن اسمه بعد، ويرجح أال يكون من القيادات املؤسسة القديمة ،فالشائعات تحيط ببعض رجال إردوغان الذين يثق بهم من مستشاريه ووزير خارجيته داود أوغلو ورئيس جهاز االستخبارات ،هاكان فيدان الذي بات اسمه مطروحا لتولي حقيبة الخارجية ،أو النائب نعمان كورطوملوش ،أو وزير االتصاالت السابق بن علي يلدرم ،امللقب بكاتم أسرار إردوغان، باعتبار أن األخير سيحتاج إلى أمني سر ينفذ له سياساته الداخلية واملالية بصمت وثقة ،وهو ما دفع بقيادات مؤسسة للحزب مثل بولنت أرينش ،وبشير أط��االي ،ومحمد علي شاهني إلى التلويح بضرورة ع��ودة عبد الله غل لقيادة الحزب ،وإع��ادة النظر في هيكله ومجمل سياساته. ويدور حديث عن نية إردوغ��ان تصفية جميع القادة القدامى خالل االنتخابات البرملانية املرتقبة العام املقبل ،لسببني :أولهما ،أنهم لم يقفوا معه وقفة قوية ،كما يرى ،في أزمة اتهامات بالفساد طالته وعددا من أفراد عائلته ووزرائه .وثانيهما ،أن غالبيتهم قد استنفدت املدد الثالث كنواب في البرملان ،ومن ثم سيكون من الصعب عليهم تقلد مناصب قيادية وفقا لالئحة حزب العدالة ،وإذا ما بقى عبد الله جول وعدد من القادة املؤسسني للحزب خارج دائرة املناصب القيادية في الحزب أو الرئاسة أو الحكومة ،فستتعاظم احتماالت حدوث انشقاقات أو تصدعات داخل حزب العدالة.
1989تسلم زعامة الحزب شخص آخر هو يلدرم أق بولوط ،ومنذ ذل��ك التوقيت ب��دأ رصيد الحزب شعبيا يتراجع ،وبينما ك��ان حزب الوطن األم يعتبر في وسط اليمني ،لينجح أيام ازدهاره بزعامة أوزال في جمع فئات مختلفة يمينية ويسارية ومتدينة تحت مظلته ويتمكن من كسب شعبية واسعة خولته الكتساح االنتخابات البرملانية مرتني متتاليتني ،وبعد زعامة مسعود يلماظ له بدأ الحزب يفقد تلك الروح تماما ،األمر الذي تسبب في انفصال قادته البارزين منه وانضمامهم إلى أحزاب أخرى.
املرشح الرئاسي التركي أكمل الدين إحسان أوغلى يقبل الخبز التركي خالل مأدبة اإلفطار مشيرا إلى شعاره في الحملة االنتخابية الخبز أو «إكميك» باللغة التركية
وأخذ الحزب ينزف شعبية؛ حيث انخفضت نسبة األصوات املؤيدة له إلى 24في املائة في انتخابات 20أكتوبر (تشرين األول) ،1991 ليحل ثانيا في البرملان بعد حزب الطريق القويم ،وخالل انتخابات 24 ديسمبر (كانون األول) 1995خاض حزب الوطن األم السباق بزعامة مسعود يلماظ وحل ثانيا في البرملان حاصال على نسبة 19.66في املائة ،وجرى تشكيل حكومة ائتالفية بمشاركة حزب الطريق القويم بزعامة تانسو تشيلر وكان يلماظ رئيسا للوزراء ،وفي انتخابات 18أبريل (نيسان) 1999انخفضت نسبة أصوات املؤيدين إلى الحد األدنى؛ حيث حصل على 13.2في املائة وحل رابعا في البرملان ،لكنه شارك في االئتالف الحاكم الذي جرى تشكيله بني أحزاب ثالثة؛ هي: حزب اليسار الديمقراطي ،وحزب العمل القومي ،وحزب الوطن األم، وهي الحكومة التي أدارت شؤون البالد منذ ذلك الوقت ،وفي خمسة مايو 2005اندمج حزب الوطن األم مع حزب الطريق القويم ليشكال سويا الحزب الديمقراطي التركي.
تشير استطالعات الرأي إلى تمتع إردوغان بحظوظ كبيرة للفوز باالنتخابات وحصوله على 55في املائة من أصوات 52.6مليون ناخب
وليس من املستبعد تكرار سيناريو تورجوت أوزال وحزب الوطن األم مطلع تسعينات القرن املاضي بعد انتقال أوزال من رئاسة الحكومة إلى رئاسة الدولة ،مع إردوغان وحزبه هذه األيام ،فقد جرى تشكيل حزب الوطن األم في 20مايو (أي��ار) 1983بزعامة أوزال ،وفاز في انتخابات 6نوفمبر (تشرين الثاني) 1983بأغلبية ساحقة وانفرد بالسلطة؛ حيث حصل على نسبة 45.14في املائة من األصوات ،وفي انتخابات 29نوفمبر 1987حصل مرة أخرى على أغلبية أصوات وبناء عليه ،ليس من املستبعد بالنسبة لحزب العدالة والتنمية ،إذا ما الناخبني بنسبة 36.31في املائة وانفرد بالسلطة. لم يتمكن من تجاوز مشكالته وصراعاته الجيلية الداخلية ،أن يشهد انقساما قد يسفر عن ظهور حزب جديد من داخله ،أو أن يندمج مع وبعد أن جرى انتخاب أوزال رئيسا للجمهورية في التاسع من نوفمبر حزب آخر كما جرى مع حزب الوطن األم <
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
29
شؤون سياسية
نفط اإلقليم عبر ميناء جيهان ال�ت��رك��ي ،ع�لاوة على االستثمارات الضخمة لرجال األعمال األتراك في اإلقليم ،تأمل تركيا في أن تكون دول��ة كردستان العراق حائط صد في مواجهة تمرد ح��زب العمال الكردستاني؛ حيث أكدت حكومة أربيل م��رارا أنها تحترم السيادة التركية ،وأنها لن تتدخل في العالقة بني حكومة أنقرة ومواطنيها األك��راد ،كما لم يتورع مسعود برزاني عن طمأنة تركيا وإي��ران ،أنه ال يمكن أن يعتبر أك��راد البلدين ج� ً �زءا من إقليمه أو دولته الجديدة حالة إعالنها. وقد يريد األتراك دولة كردستان العراق فاصال بني بالدهم والفوضى العارمة التي تجتاح املنطقة ،األمر الذي بدا جليا في تصريح املتحدث ب��اس��م ح ��زب ال �ع��دال��ة وال�ت�ن�م�ي��ة ال �ح��اك��م ح�س�ين ج�ي�ل�ي��ك ،لصحيفة «فايننشيال تايمز» البريطانية ،الذي قال فيه« :استعدوا لقبول دولة ك��ردي��ة مستقلة ف��ي شمال ال�ع��راق ،فالتقسيم أم��ر حتمي واألك��راد أشقاؤنا». وفى إطار مساعيه الحثيثة لتعزيز موقفه التنافسي في االنتخابات الرئاسية املقبلة واستمالة أطياف تركية كثيرة للتصويت لصالحه، ه ��رع إردوغ� � ��ان إلط �ل�اق ب�ع��ض امل� �ب ��ادرات ذات ال�س�م��ت االن�ف�ت��اح��ي التصالحي حيال الداخل والخارج ،فتزامنا مع اقتراب موعد االقتراع، أصدر أمرا بفتح املنفذ الحدودي لبالده مع أرمينيا ،ما دفع املعارضة القومية ممثلة في رئيس حزب الحركة القومية املعارض دولت بهشلي التهامه بالتضحية بالثوابت القومية ،في سبيل طموحاته الرئاسية.
تحديات دستورية صالح ديمرطاش ،مرشح حزب السالم والديمقراطية الكردي
خارطة السباق الرئاسي التركي تنحصر بني إردوغان وأوغلي ،مرشح املعارضة اليسارية والقومية وديمرطاش مرشح حزب السالم والديمقراطية الكردي
28
ملسؤولني أتراك بالتفاوض مع كيان تعتبره السلطات التركية واالتحاد األوروبي والواليات املتحدة منظمة إرهابية. وفى حني شكر عبد الله أوج�لان كل من ساعد على إص��دار قانون «التسوية السلمية» ال��ذي أق��ره البرملان بأصوات ن��واب ح��زب العدالة والتنمية الحاكم والنواب األكراد ،في مقابل مقاطعة اليسار وتصويت القوميني ضده ،معتبرا القانون الذي يمنح الحكومة الحق في التفاوض م��ع ح��زب��ه م��ن أج��ل ن��زع س�لاح��ه وت��أم�ين ع��ودة مسلحيه إل��ى تركيا واندماجهم في الحياة السياسية واالجتماعية بها ،خطوة على الطريق الصحيح وطالب بمزيد من القوانني التي من شأنها أن تساهم في تسوية القضية الكردية ،شكك زعيم الجناح العسكري في الحزب الكردستاني ،جميل بايك ،في نيات حكومة إردوغان ،التي اعتبر أن القانون سيتيح لها متابعة سياسة املماطلة والتسويف التي تتبعها في التفاوض مع األكراد ،مشددا على أن الحزب لن يلقي سالحه قبل نيل األكراد حقوقهم كاملة وفي شكل دستوري .ومن جانبه ،اعتبر رئيس حزب الحركة القومية ،دولت باهشلي ،القانون خيانة عظمى للحكومة ف��ي ح��ق الشعب والجمهورية التركيني ،متهما الحكومة بالسعي إلى تقسيم تركيا والتفاوض مع اإلرهابيني ،وحذر من نتائج تفعيل القانون على األرض.
رغ��م أن التحول م��ن رئ��اس��ة ال ��وزراء إل��ى رئ��اس��ة ال��دول��ة ليس باألمر املستحدث ف��ي تركيا ،وإن�م��ا سبق إردوغ ��ان إل�ي��ه ك��ل م��ن عصمت إينونو ،وتورجوت أوزال ،وسليمان ديميريل .برأسها تطل تحديات دستورية كثيرة أمام إردوغان ،فوفقا للمادة 76من الدستور التركي، يتعني على أي شخص يشغل منصبا حكوميا أن يستقيل من مهام عمله بعد أن يتم اإلع�لان رسميا عن ترشحه لخوض االنتخابات الرئاسية ،كما سيتوجب على إردوغ��ان ال��ذي يترأس الحكومة منذ العام 2003أن يتخلى عن منصبه قبيل إجراء االنتخابات التشريعية عام 2015بموجب الالئحة الداخلية لحزب العدالة والتنمية التي تحظر على أعضائه تمثيل الحزب بالبرملان أو رئاسة الحكومة ألكثر من ثالث فترات متتالية.
وبينما رفضت لجنة االنتخابات العليا التركية باإلجماع يوم 13يوليو، 15مطلبا رسميا باستقالة رئيس الوزراء إردوغان من منصبه ومن رئاسة حزب العدالة ،عقب تأكيد ترشحه للرئاسة ،يشكل إصرار إردوغ��ان على الجمع بني رئاسة الحزب ورئاسة الدولة تناقضا مع الدستور الذي يؤكد منذ العام 1961ضرورة حياد الرئيس والفصل بني املنصبني ،فلقد أكد نعمان كورتلموش نائب رئيس حزب العدالة أن إردوغ��ان رئيس الحزب سينتقل من رئاسة ال��وزراء إل��ى رئاسة الجمهورية ،وسيصبح القائد األعلى للقوات املسلحة ،منهيا بذلك وإلى جانب حرصه على اجتذاب الصوت الكردي إذا ما اضطر لخوض الحياد الحزبي للرئيس باعتباره رمزا للوحدة وعصر التوازن بني ج��ول��ة إع ��ادة ي��وم 24أغ�س�ط��س ،ال�ت��ي ل��ن يتسنى للمرشح ال�ك��ردي القوى السياسية. ديمرطاش املشاركة فيها ،ألنه سيكون قد خرج من الجولة األولى ويبدو أن إردوغان وبعض خلصائه يرون في انتخاب الرئيس للمرة لالستحقاق الرئاسي. األولى باالقتراع العام السري املباشر ،وليس من خالل البرملان كما كان ربما استند إردوغ��ان في موقفه الجديد بهذا الصدد إلى اعتبارات في السابق مسوغا سياسيا كافيا لتحرره من هذا القيد الدستوري، ش�ت��ى ،ف��إل��ى ج��ان��ب امل�غ��ان��م االق�ت�ص��ادي��ة ال�ه��ائ�ل��ة امل�ت��وق��ع لتركيا أن وأن ما سيحدث سيكون إخضاع مؤسسة الرئاسة ،بعد مؤسسات تجنيها من التعاون مع كردستان العراق واملتمثلة في عوائد تصدير سبقتها على هذا الطريق ،لحكم الحزب وهو ما ّ عبر عنه إردوغ��ان
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
أوال :التخفيف من غلواء العلمانية الفرانكفونية األصولية املتطرفة املعادية للدين والقوميات غير التركية ،التي تبناها أت��ات��ورك ومن وااله ،وتحويلها إلى علمانية أنجلوساكسونية غير معادية للدين أو القوميات غير التركية في سياق ما اصطلحت النخب الفكرية املغاربية على تسميته «العلمانية امل��ؤم�ن��ة» ،األم��ر ال��ذي يستوجب مصالحة األت��راك مع تاريخهم وم��ع اإلس�لام ال��ذي همشه أت��ات��ورك ،وم��ن سار على خطاه من الكماليني ،ومن ثم تضمن شعار حملة االنتخابات الرئاسية إلردوغ��ان اسم النبي محمد (ص) بالعربية ما أث��ار جدال واسعا في تركيا ،لم يخل من احتجاج على مزجه السياسة بالدين، كما غذى مخاوف أت��راك كثر من نيات إردوغ��ان الخفية الستغالل إنجازاته وشعبيته ومنصبه الجديد من أجل أسلمة الدولة وإرساء دعائم «العثمانية الجديدة». وث��ان �ي��ا :إب �ق ��اء ال �ج �ي��ش ب �م �ن��أى ع ��ن ال �س �ي��اس��ة ،وت �ط��وي��ر ال�ت�ج��رب��ة الديمقراطية ،والتقدم في تطبيع الحياة السياسية واالجتماعية ،ورفع مستوى الرفاهية ،ووضع تركيا بني قائمة الدول الرائدة في العالم. وبعدما تعهد إردوغ��ان بأن يكون شعب تركيا الجديدة أهم وأكبر من الدولة وإنهاء كل مشكالتها ،وفى القلب منها القضية الكردية واإلره� ��اب ،ل��م ي�ف��وت ال�ف��رص��ة للتعريض بجماعة ال��داع�ي��ة فتح الله غولن ،مكررا رفضه تغلغل املنظمات التي تستغل الدين داخل الدولة، وتشكيلها دول��ة م��وازي��ة ،كما لم يتورع عن اتهام أح��زاب املعارضة باللجوء إل��ى أساليب ملتوية ،بالتعاون م��ع ال��دول��ة امل��وازي��ة ،النتزاع
منصب الرئاسة بطرق غير شريفة أبعد ما تكون عن السياسة. ورغم إعالنه التمسك بموقف بالده الرافض الستقالل إقليم كردستان العراق ،لم يبد إردوغان ممانعة قوية هذه املرة لإلجراءات التي شرع في اتخاذها مؤخرا مسعود بارزاني رئيس اإلقليم توخيا لهذا املقصد، وف��ى العاشر م��ن يوليو وقبل شهر م��ن إج��راء انتخابات الرئاسة، وافق البرملان التركي على مقترح لحزب العدالة بوضع إطار قانوني ملحادثات السالم مع النشطاء األكراد ،عرف بمشروع قانون «إنهاء اإلره��اب وتمتني ال��وح��دة املجتمعية» كحلقة في سلسلة اإلج��راءات الرامية إلى حل القضية الكردية بالطرق السلمية ،وإنهاء تمرد مضى عليه ث�لاث��ة ع�ق��ود أودى خاللها بحياة 40أل��ف ش�خ��ص .وق��د لجأ إردوغان إلى استصدار هذا القانون لتوفير الحماية القانونية ومنح الحصانة القضائية لفريقه الذي يتفاوض مع حزب العمال الكردستاني املحظور وزعيمه عبد الله أوجالن منذ العام 2012بغرض حقن الدماء وإنهاء العنف عبر نزع سالح الحزب وإعادة إدماج مسلحيه. وبينما سعى ساسة م��ؤي��دون ل�لأك��راد طويال إل��ى إص��دار مثل هذا القانون ال��ذي يزيل خطر محاكمة من يشاركون في املحادثات إذا تحول املناخ السياسي في تركيا ضد عملية السالم في املستقبل، لم يتم التوصل إال إلى بنود قانونية محدودة تعطي مشروعية لهذا التفاوض ،بينما جرى تخفيف مسودة سابقة كانت تعرض حصانة أوسع ملسؤولي الحكومة الذين يشاركون في عملية السالم مع األكراد، وذل��ك بعد تشكيك ن��واب امل�ع��ارض��ة ف��ي دستوريتها كونها تسمح
اردوغان في زي محمد علي «صورة تخيلية» -مجلة (املجلة)
ليس من املستبعد أن يشهد «العدالة والتنمية» انقساما قد يسفر عن ظهور حزب جديد من داخله
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
27
شؤون سياسية
بإعالن محمد علي شاهني ،نائب رئيس حزب العدالة والتنمية ،رسميا في اجتماع عقد بالعاصمة أنقرة مطلع شهر يوليو (تموز) املاضي ترشيح زعيمه رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان لخوض االنتخابات الرئاسية املقبلة ،املزمع إجراؤها يومي العاشر و 24من أغسطس (آب) الحالي باالقتراع السري العام املباشر للمرة األولى ،واعتماد لجنة االنتخابات التركية في 11يوليو لترشح إردوغان ،وأكمل الدين إحسان أوغلي ،مرشح املعارضة اليسارية والقومية ،وصالح ديمرطاش ،مرشح حزب السالم والديمقراطية الكردي ،تكون خارطة السباق الرئاسي التركي املرتقب قد تحددت مالمحها.
االنتخابات الرئاسية في تركيا ..صراع إردوغان وأوغلي وديمرطاش
مشروع عثماني أم بحث عن هوية؟ بقلم: بشير عبد الفتاح
يخوض إردوغان السباق الرئاسي متطلعا للبقاء في الرئاسة ملدتني رئاسيتني في إطار نظام حكم رئاسي أو شبه رئاسي
26
على خالف منافسيه ،يستند املوقف االنتخابي التنافسي إلردوغان على ركائز قوة كثيرة أبرزها :اإلنجازات املتنوعة ال �ت��ي حققها ط�ي�ل��ة اث �ن��ي ع�ش��ر ع��ام��ا ق�ض��اه��ا ف��ي رئ��اس��ة الحكومة ،ومن قبلها سنوات ثالث بصفته رئيسا لبلدية إسطنبول، إضافة إلى نتائج االنتخابات البلدية التي أجريت نهاية مارس (آذار) املاضي واستطاع خاللها حزبه انتزاع نسبة 43في املائة من األصوات رغ��م ال �ظ��روف الصعبة وال�ت�ح��دي��ات ال�ج�س��ام ال�ت��ي أح��اط��ت بالحزب وب��إردوغ��ان في حينها ،هذا ع�لاوة على استمرار ضعف املعارضة وعجزها عن تقديم مرشح رئاسي يمكنه اإلطاحة بأحالم إردوغان. َ الحزب الحاكم فرغم أن أحزاب املعارضة املمثلة في البرملان قد سبقت في تسمية مرشحيها الرئاسيني؛ إذ توافق حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية على ترشيح األمني العام السابق ملنظمة املؤتمر اإلسالمي أكمل الدين إحسان أوغلي ،في حني رشح حزب السالم والديمقراطية ،الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني ،رئيسه صالح الدين ديمرطاش ،وتكاد تنحصر أص��وات ديمرطاش داخل املناطق الكردية ،وبينما أدى تغيير نظام انتخاب الرئيس إلى تعاظم تأثير شخصية املرشح ،وما يتمتع به من شعبية على حساب الحزب الذي رشحه ،شكل ترشيح حزب الشعب الجمهوري ،متعهد اإلرث الكمالي ،لألكاديمي اإلسالمي إحسان أوغلي مفاجأة خلطت األوراق في الحسابات االنتخابية؛ إذ جاء رد الفعل األولى لبعض شخصيات الشعب الجمهوري سلبيا ،وك��ذا بعض ممثلي العلويني في قاعدته االجتماعية ال��ذي��ن اس�ت��اءوا م��ن وضعهم ب�ين خيارين إسالميني ال يستسيغونهما.
السياسي واالقتصادي وسط محيط إقليمي غارق في االضطراب والفوضى. كذلك ،تشير استطالعات الرأي إلى تمتع إردوغان بحظوظ كبيرة للفوز في هذه االنتخابات ،فقد كشفت دراسة أجراها معهد «جينار» األيام املاضية أن إردوغ��ان سيحصل على 55في املائة من أصوات 52.6 مليون ناخب تركي ،وكشفت دراسة أخرى ملعهد «ماك كونسلتنسي» أنه سيحصل على 56.1في املائة متقدما على كافة منافسيه ،وإذا انتخب إردوغان رئيسا للبالد حتى 2019فسيكون الرجل الذي حكم تركيا ألطول فترة زمنية بعد أتاتورك مؤسس الجمهورية. ومن جانبه ،أكد إردوغ��ان فرص حزبه لحصد املنصب قائال« :بنا ستكبر ت��رك �ي��ا ،ال �ت��ي س�ت��دخ��ل ع �ه��دا ج��دي��دا م��ن خ�ل�ال ان�ت�خ��اب��ات الرئاسة» ،مشددا على أن حزب العدالة والتنمية الحاكم ُ سيظهر خالل االقتراع الرئاسي حجم الفارق بينه وبني األحزاب األخرى ،كما أثبت ذلك في االنتخابات املحلية األخيرة ،وعد أن انتخابات الرئاسة ستكون مؤشرا قويا ملا يمكن أن يحققه الحزب في االنتخابات النيابية املقررة عام .2015
نظام حكم رئاسي أو شبه رئاسي
يخوض إردوغان السباق الرئاسي متطلعا إلى أن يغدو الرئيس الثاني عشر لتركيا والبقاء في الرئاسة ملدتني رئاسيتني حتى يدرك العام 2023وهو رئيس واسع الصالحيات والسلطات للجمهورية التركية، في اطار نظام حكم رئاسي أو شبه رئاسي حسبما اكد قبل نهاية يوليو ،بما يعينه على إتمام مشروعه الهادف إلى بناء الجمهورية الثانية التي ينتوي اإلع�لان عن نشأتها في العام ذات��ه بالتزامن مع الجمهورية الثانية إعالن أفول جمهورية أتاتورك األولى التي تأسست عام 1923بعد ومع تصاعد أهمية الصوت الكردي في االنتخابات وتهافت املرشحني؛ مئوية حفلت بالتقلبات واالنعطافات. إحسان أوغلي وإردوغان ،على استمالة الناخبني األكراد ،خصوصا خالل الجولة الثانية من السباق ،عبر وعود من األول بتسوية عادلة وقد دشن إردوغان حملته الرئاسية بشعار براق هو «تركيا جديدة لقضيتهم ومبادرات تصالحية وحصانات قضائية ملفاوضات إنهاء »2023طوى بني ثناياه مالمح جمهوريته الجديدة ،التي يسعى إلى املسألة الكردية من األخير ،يبقى الصوت الكردي تاريخيا أقرب إلى إرساء دعائمها بعد تعظيم صالحيات رئيس الدولة ،كما لن يبقى حزب العدالة والتنمية من حزبي الشعب والحركة القومية؛ مما يعظم ملدة رئاسية واحدة تمتد لسبع سنوات ،وإنما سيحق له االستمرار من فرص إردوغان ،الذي تأخر حسم ترشحه على خلفية حسابات ملدتني كل منهما خمس سنوات ،بموجب تعديالت طالت الدستور وترتيبات معقدة داخ��ل ح��زب العدالة ،في الفوز بالرئاسة في وقت الحالي في العام .2008وقد حدد إردوغ��ان أب��رز معالم جمهوريته ال يبدو األتراك مستعدين للمقامرة بنصيبهم الوافر من االستقرار الجديدة كالتالي:
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
حینما تحدثت مع من كان یحقق معي أذن لي بالحدیث مع املساجنی ظروف مشابهة
من باب الدعوة فقط أي التجنيد للفكرة العنفية للمساجني من العوام»!
مستقبل «داعش» اللحظة ال�ت��ي تعيشها «داع ��ش» اآلن ه��ي لحظة زه��و وس�ك��ر بكل تلك املنجزات السريعة التي ساهمت األوض��اع املتردية في العراق وسوريا إلى التسريع بوتيرتها ،فتنظيم الدولة اإلسالمية في العراق والشام بلغ من التيه والفخر بمنجزه أن يقوم بتنفيذ إعدامات ميدانية ويرجم النساء ويتطرف في تطبيق شريعته املزعومة ،لكن لم يقف عند ذلك بل اآلن وطبقا لتقارير صحافية عديدة يستقطب ك��وادر من خارج منظومته الفكرية فيعلن ع��ن وظ��ائ��ف بالغة الحساسية ف��ي قطاعات عسكرية ونفطية .من جهة أخرى ينتشر التنظيم عبر مملكته املفضلة اإلنترنت ومواقع التواصل االجتماعي بشكل غير مسبوق حتى يصح عليه أنه ماض في شعاره (باقية وتتمدد) ،ومؤخرا عززت «داعش» تمددها ليس العسكري وإنما االجتماعي وعلى مستوى أسلوب الحياة ،حني أعلنت مؤخرا عن تسيير رحالت «سياحية» لعناصرها واملدنيني بني شمال سوريا وغرب العراق ،لتعريفهم على األراضي التي يسيطر عليها وأعلن فيها إقامة «الخالفة» قبل نحو شهر .ويستغل بعض الجهاديني هذه الرحالت ،التي تحدث في حافالت ترفع رايات التنظيم السود ،لقضاء شهر عسل مع زوجاتهن في محافظة األنبار العراقية ،بحسب ناشطني من مدينة الرقة ،أبرز معاقل التنظيم في شمال سوريا.
ما بعد الربيع العربي يمكن الحديث عن أكثر من خمسني مشروعا انفصاليا «دول��ة داخ��ل ال��دول��ة» عبر ع��دد كبير من التيارات واألح��زاب واملنظمات وامليليشيات التي تعمل في رقعة كبيرة على امتداد العالم اإلسالمي طوال وعرضا إضافة إلى خاليا أخرى في أوروبا وأميركا، تعيش الخالفة ذهنيا وتعد ما استطاعت من قوة إلرهاب أعداء الله في اللحظة املناسبة ،وسيكون مصير هذه املجموعات الصغيرة في قادم األيام حسم أمرها باالنخراط والذوبان في كيان أكبر ،أو انتظار لحظة تاريخية لتقليد «داع��ش» باالنقضاض على واقع ال��دول الهشة املهددة بالفقر واالنهيار االقتصادي واالقتتال األهلي .يعكر صفو هذه املنظمات إزع��اج الغرب والواليات املتحدة وإخراجها من صمتها وارتباكها إلى حيز الفعل وذلك متى ما شكلت تهديدا خطرا على مصالحها اإلقليمية وهو ما تقرأه «داعش» بذكاء أكبر و«القاعدة» بدرجة أقل ،فاستحدثت نقلة مفاهيمية جديدة منذ تحولها إلى العاملية ،وهي أولوية قتال العدو القريب (األنظمة والدول العربية) بما تحمله من مؤسسات ومجتمعات ووح��دة وطنية أو م��ا تبقى منها .االح�ت��راب اإلقليمي ف��ي ح��ال إهمال
حلم الخالفة املسألة ليست في إعالن دولة الرايات السود املؤقت والتجريبي وإنما في بقاء الفكرة عالقة في األذهان لدى قطاع واسع وعريض من املؤمنني بالخالفة ،في إحدى املفاجآت التي يرويها رجل أعمال خليجي كبير استفتى أحد الدعاة الوسطيني من وجهة نظره حاله في ذلك حال كثير من األثرياء الذين عادة ما يبتعدون عن الرموز الدينية التقليدية ،سأله مداعبا عن «داعش» ،فكر الشيخ بعدها نقدا الذعا لـ«داعش» ألنها سلبت حلم الجميع إقامة خالفة على منهاج النبوة كما قال ،األمر ذاته يمكن اشتمامه دون عناء من كل بيانات وتغريدات إدانة «داعش» القادمة من فسطاط اإلسالم السياسي ،كلها عنيفها ومعتدلها ال ينقض األفكار األساسية لـ«داعش» ،وإنما طريقة احتكاره لها وتطبيقه بدءا بسحل الخصوم وذبحهم بحد السكني وصوال إلى إقامة الحدود كيفما اتفق وصوال إلى كل تفاصيل دولة الخالفة املرعبة. دولة عقائدية سوداء بات حلم الكثيرين حتى من منتقدي «داع��ش» ،فهذا التمثيل العقائدي اآليديولوجي على أعلى مستوى لم يكن له إال أن يوقظ أح�لام��ا قديمة ل��دى قطاعات واس�ع��ة م��ن ك��وادر اإلس�ل�ام الحركي الحديث والذي يعد البذرة األولى إلعادة مشروع الخالفة بعد سقوطها قبل أن تتلقفه التيارات الجهادية وحزب التحرير واملستقلون ،لذا االبتهاج بمفهوم الخالفة املناوئ ملشروع الدولة الحديثة ّ واملدمر لسيادة األوطان واستقاللها لم يقتصر على أنصار «داعش» واملتعاطفني معها ،بل كان مطلب العديد منا للقيادات اإلسالمية في أفغانستان والصومال وباكستان والخليج ،والعراق ذاته وهو ما يعني أن داعش فقط التمثيل األكثر سوءا في قائمة طويلة من مشاريع «ال��دول��ة» داخ��ل ال��دول��ة التي تعيشها املنطقة ،فمن السهل عند اختالل أي نظام سياسي أن تخرج هذه الخفافيش الحاملة من جحورها وتسيطر عبر مجموعات مسلحة سلفا من أيتام «القاعدة» فكريا ،وتعلن فيها قيام دولة خالفة يقودها في ذلك مهارات واسعة في التقنية والدعاية والعمل املؤسسي اإلغاثي وبخبرة واسعة في بث خطابات شعاراتية تصل إلى قلوب العامة بال استئذان أو أي محاولة نقدية فطرية.
ه��ذه املجموعات سيتطور ،وستتدخل دول وكيانات أكبر في القتال واالصطفاف مع هذه املجموعة أو تلك ،وإذا كان أهل «داعش» ينعتون أحزابا كحزب الله بـ«داحس» على سبيل التندر ،فإن والدة كيانات شيعية مشابهة تخضع لذات الظروف واملناخات السياسية التي أنتجت دولة الرايات السود ،وهو ما يعني أن تكرار ذات التجربة في نسق شيعي مغاير غير مستبعد إذا ما أدركنا في األس��اس أن ثمة تشابها كبيرا في والدة الحركية السنية والشيعية من حيث طرائق التجنيد واالنتشار والتأسيس الفكري لكن في خط معاكس.
أبو محمد العدناني
ما تفعله «داعش» أن الخالفة ليست مجرد شعار ،فمفهوم الدولة بما تحمله من عبء كبير ومسؤوليات في غاية التعقيد ال يحيل إلى االستدعاء الديني املثالي إلع�ل�ان الخالفة ب��ل ي�ط��رح أسئلة ال��واق��ع كيف يمكن ملجموعة من البشر مهما أخلصوا لفكرتهم أن يعيشوا بمعزل عن العالم مهما حاولوا االندماج عبر التحركات غير الشرعية وغسل األموال والضرائب والجباية وطرد األقليات املسيحية فإن تغيرا بسيطا في املعادلة على األرض كفيل بنسف أحالم الخالفة وتحويلها إلى أضغاث تأخذ مكانها الضيق في جسد تاريخنا املثقل بالجراحات <
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
25
قصة الغالف
أهم الشخصيات املؤثرة
البناء األمين
بعد إعالن الدولة اإلسالمية في العراق والشام (داعش) على لسان أبي محمد العدناني ولد شالل من األسئلة الجديدة حول شرعية هذا اإلعالن وأدلته وآثاره
24
-1أبو علي األنباري وأبو محمد األنصاري :املوكالن من قبل البغدادي كما ي��زع�م��ان ،وه�م��ا أع�ل��ى شخصيتني شرعيتني ف��ي تنظیم ال��دول��ة اإلسالمیة في العراق والشام ويقومان بالقطع في أحكام اإلعدام وغیرها من فتاوى التعذیب أثناء االستجواب ،وأخذ هذه االعترافات على أنها مصدر اعتراف رسمي ،يؤكد أبو صفية أن ُ 98في املائة من هذه األحكام تكون حكما باإلعدام على األشخاص الذین أخذ منهم االعتراف من خالل التعذیب. -2أبو األثیر الحلبي :وهو والي حلب السابق ،وهو شاب يصفه أتباع «القاعدة» بالسلوك الطفولي وحبه للفتنة واالقتتال والتأليب ،وكانت من أبرز مواقفه سجن الشیخ أبو عمر حسنی رضا الكویتي تلمیذ الشیخ سليمان العلوان في سجون «داعش» ليس ألي تهمة سوى أنه اقترح على «داعش» خطة متكاملة في كیفیة الحفاظ على تنظیم دولة اإلسالم في العراق والشام وذلك بتجنب الدخول في اقتتال مع باقي التنظيمات ! -3أب��و مسلم امل �ص��ري :وه��و ال�ق��اض��ي ال�ع��ام للتنظیم ،وه��و صاحب األحكام الغريبة الصادرة عن دولة «داعش» ،فهو ال يرى بتوبة املرتد أو الواقع في شبهة كفرية ويرجح عدم استتابته أو التفريق بني الردة املغلظة واملخففة كما يقول أب��و صفية ال��ذي يؤكد أن ه��ذا ال�ن��وع من الشخصيات الشرعية املتطرفة سبب تهور التنظيم في مسألة الدماء، وي��رج��ع امل�ت�ح��ول��ون م��ن «داع ��ش» سبب تصلب شخصية أب��و مسلم املصري هو أنه قادم لـ«داعش» من تنظيمات قطبية حركية سياسية تغلب جانب املصلحة على الشرع محيال إلى شهادة سجني سابق معه إبان فترة سجنه في مصر وهو الشيخ أبو شعيب املصري -4أبو عبیدة املغربي :وهو رئیس األمنینی للمخابرات العامة لتنظیم الدولة اإلسالمیة في العراق والشام ،ويصفه أبو صفية بأنه رجل قلیل الحدیث كثیر الحركة ذو نظرة باردة ترى من خاللها املوت البارد ،وهو املتسبب في سجنه بشكل شخصي وقد لقيه عدة مرات وهو معتقل وطلب أبو صفية من معتقل آخر اسمه أبو عبيدة املغربي أن يشفع له لينظر في قضيته إال أن رد أبو عبيدة جاء مفاجئا :نسیت قضیته؛ سأنظر فیها عن قریب. -5أبو أحمد الحلبي رئیس مخابرات حلب :رجل یعرف بانتمائه لحزب البعث سابقا ،وانطوى تحت تنظیم الدولة بعد ظهور الدولة بشهر من انشقاقها عن جبهة النصرة ،ويؤكد أبو صفية أن أبو أحمد «كان قبل هذا ینتمي للدولة النصیریة ،وقد كان مسجونا مع ابن أخيه نور حاووط وشاب آخر اسمه مجد مستوا وهم یعرفون تاریخه السابق ،فهو ممن كان یعطي املعلومات للشبیحة عن مواقع املجاهدین والثوار ،فكیف أصبح رئیس مخابرات حلب للدولة! -6أبو حیدر شخصية غامضة يشاع أنه تم القبض عليه مع الجيش الحر إال أنه بعد التحاقه بـ«داعش» اشتهر بالتحقيق مع املساجني والتخصص في تعذيبهم واستخراج االعترافات منهم ،وقد قتل على يده شاب كردي كما ينقل أبو صفية عن شهود عيان التقاهم. -7أب��و مریم العراقي :أح��د أشهر محققي «داع��ش» ،شخصية ذائعة الصيت لدى كل من ّ فر من جحيم سجون «داعش» ،يصفه أبو صفية بأنه «محقق قبیح اللسان وقد اتهم أحد قادة الجیش الحر بأن أخته تعینه على الدعارة! ويؤكد أنه ناقشه هو وأبو شعيب حول شرعية السجن كعقوبة وأنه لم يكن موجودا في العهد النبوي إال أن رده كان لم يسجن الرسول ولكننا في «داعش» نسجن! -8أبو محمد الفرنسي:
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
شاب من أصول مغربية قادم من فرنسا يحتل منصب إدارة شؤون سجون داعش ،يصفه أبو صفية بأنه ذو خلق ،مستدال على ذلك بأنه ك��ان یعذب املساجنی ویعلم الشباب ط��رق التعذیب حتى تحدث معه الشیخ أبو شعیب املصري في األدلة املجیزة للفعل ،وقد تحدثت معه ومع بعض الشباب سابقا ولكن لم یسمعوا لنا بالشكل الذي ینبغي حتى جاء الشیخ أبو شعیب املصري حفظه الله فكان سببا في العون إلنهاء كثیر من التعذیب الواقع على املساجنی !!
سجون عامرة بالفزع قصص تجربة السجن في جحيم «داع��ش» غير مسبوقة ،حتى أنك وأنت تقرأها يخيل إليك أنك أمام فيلم رعب حقيقي ،فاالعتقال يمتد لشهور وسنوات دون توجيه أي تهمة ،كما أن طبيعة هذه السجون كما يصفها أبو صفية الذي كتب رسالته هذه مناصحا أمير املؤمنني «أما حالة السجون فهي عبارة عن مقابر جماعیة وفردیة ،وحالة مزریة من الناحیة الصحیة» .ويسترسل في وص��ف الحشرات والبراغيث ونكت املجاهدين عليها بل ويشير إلى بعض الشخصيات الشرعية في السجن ألفت قصائد على سبيل الترفيه لوصف حالة السجون الداعشية التعيسة التي تبدأ بلحظة االعتقال وتنتهي بلحظة الفرار أو اإلعدام. التعذيب في سجون «داعش» كما تصف هذه الشهادة القاعدية «فهو تعذیب ممنهج مرتب له مسبقا من الناحیة اإلداری��ة ،والفتاوى ملقنة للشباب مسبقا للرد على من یعترض على فعلهم وعلى جواز األمر ش��رع��ا؛ ف�ی�ق��ول��ون :إن ه�ن��اك ح��دی��ث أج��از ف�ي��ه ال�ن�ب��ي ص�ل��ى ال�ل��ه عليه وسلم ضرب السجنی ألخذ املعلومات منه وهو قوله« :مسوه بشيء من ال�ع��ذاب» ،أو كما یقولون .ثم ینسبونه للبخاري ،كما أن التعذیب بالكهرباء أعجب م��ا رأی��ت ،فهذا ال�ن��وع م��ن التعذیب یعمل حفرا في الجسد وهذا النوع من التعذیب الجسدي لم أره عند من كنت مسجونا عندهم مثل سجون بشار!
تجارب كيميائية جرائم «داعش» في سجونها ال تقل عن جرائمها على األرض فهناك ال�ع�ش��رات م��ن ال�ش�ه��ادات ح��ول اس�ت�خ��دام «داع ��ش» لتجارب كیمیائیة خطرة على أج�س��اد املساجنی م��ن خ�لال م�س��ؤول السجن نفسه أبو محمد الفرنسي ،فقد جربوا مادتنی على بعض املساجنی ممن یقولون إنهم محكوم عليهم باإلعدام ،وقد كان مفعول هاتنی املادتنی قويا على بعضهم ،فقد أغمي على أحدهم مباشرة بعد شمه لهذه امل��واد ،وآخر قامت امل��واد بتعطیل كلیتيه ،وثالث قامت هذه امل��واد بحرق أنفه حتى ُ أرنبته سوداء وحرق بلعومه وصدره ،ویقومون كذلك برش أصبحت الغاز الخانق إلسكات املساجنی من حنی آلخر ،وهذا كاد یؤدي إلى موت بعضهم لقوة املادة التي یستخدمونها .ويضيف آخر« :كل من يكون تحت التعذیب وینطق اسم الجاللة كأن یقول :یا الله .أو یقولُ : الله أكبر. فإنهم یزیدونه من أصناف العذاب! ويؤكد أن أتباع «داع��ش» یمنعون الناس من أخذ املصاحف في السجون االنفرادية« ،وكانوا یمنعوننا في أول األمر من الدعوة وتعلیم الناس في السجون من وراء الباب ،ولكن
والتمويل والدعاية املجانية وإيقاظ الحلم ليس فقط في دوائر املؤمنني بالعنف املسلح كطريقة للتغيير بل للقادمني من دهاليز ّ سرية بعد فشل دولة اإلسالم السياسي.
خليفة للشام أيضا «داعش» تلعب جيدا على مركزية الشام في الفكر الجهادي في الوقت نفسه ال��ذي تلعب بإيقاع سياسي محترف ي�ح��اول استغالل ال�ف��راغ األم�ن��ي على طول الشريط الحدودي للعراق وسوريا ولبنان ،فهو من جهة يشكل بديال الدولة غير املعلنة وهنا يذكي الجانب الطائفي ويلعب على لتجربة «حزب الله» ُ مسألة حدود الدولة القطرية بهدف دغدغة مشاعر كوادر اإلسالم السياسي وكل التنظيمات ذات التفكير األممي من السلفية الحركية إلى حزب التحرير مرورا بشخصيات قد تصمت عن جرائم «داعش» في مقابل انتظار قفزاتها السياسية الح�ق��ا نحو م��رك��ب «داع ��ش» متى م��ا استقر لها األم��ر وه��و ما ن�ج��ده ف��ي ثنايا تعليقات ن�ج��وم ال��دع��اة املسيسني ،حتى اآلن ل��م تظهر أي شجاعة إال من قبل الفقيه األصولي املغربي أحمد الريسوني وهو ّ مقدر عند اإلسالمويني والذي وإن استغل الحدث باعتباره تعبيرا عن فشل إيقاف الظلم تجاه اإلسالميني املعتدلني فإنه أكد أن إعالن الدولة املجهولة هو افتئات على املسلمني يجب ردعه ولو بالقتال ..ماذا عن بقية التيارات الدينية من املعتدلة إلى الرسمية إلى الحركية ال شيء تجاه «داع��ش» مع أن إع�لان الخالفة هو أهم مسألة سيواجهها الخطاب الشرعي اآلن ،فإبطال هذه الدعوى يلزم منه سحب شرعية «داعش» والقبول بها يلزم منه وجوب الهجرة إلى دولة الخالفة وهو خيار يقترب من حدود الكوميديا في عالم اليوم املعقد بحيث ال يمكن تصور قدرة «داعش» على إدارة نفسها في حال بقاء اإلهمال الدولي فضال عن قدرتها على تحقيق حلم الخريطة ال�س��وداء التي باتت أيقونة الجدران والسيارات في الشام والعراق ومناطق أخرى. أم�ي��ر امل��ؤم�ن�ين ب��إع�لان��ه دول ��ة ال�خ�لاف��ة أص ��اب تنظيم ال�ق��اع��دة وم��ا تبقى من مجموعات قتالية وجهادية ال زالت تدين لـ«القاعدة» القديمة بقيادة الظواهري في مقتل ،لذلك جاءت كلمات أبو محمد العدناني ،املتحدث باسم «داعش» حول هذا الحدث الخطير معبرة ومفاجئة حيث وصف ما حدث بقوله «هذا وعد الله» مؤكدا أن الدولة اإلسالمية تمتلك كل مقومات الخالفة وال يوجد مانع أو عذر شرعي لعدم إقامتها! والالفت أن «القاعدة» ت��رى أنها هي املستهدف األول بإعالن الدولة ألنه يعني قتال كل من خرج على إمام املسلمني وهو ما سيلقي بظالله على كافة املتعاطفني مع هذا النوع من التطرف الذين خاطبهم العدناني بقوله« :صار واجبا على جميع املسلمني مبايعة ونصرة الخليفة حفظه الله وتبطل شرعية جميع الواليات واإلمارات والتنظيمات التي يتمدد إليها سلطانه ويصل إليها جنده» وهو ما يعني حصر التجنيد واالستقطاب والتمويل لصالح «داعش» ،بالطبع «النصرة» و«القاعدة» أكثر من أدرك مهزلة الخالفة الوهمية وهم من كان ينتقد اسم الدولة أصال باعتبارها ال تعبر عن حقيقة «داعش».
الخالفة أم الشرعية؟ على األرض ل��ن يتغير ش��يء ،ف��إع�لان «داع ��ش» للدولة ه��و أق��رب إل��ى «حملة تسويقية» ذكية تعكس طموح التنظيم وزهوه بتقدمه العسكري ،إال أن إعالن الدولة أيضا ضرب عصفور العشائر الثائرة والفصائل السنية أيضا بدفعها إلى العمل تحت مظلة الدولة وبالتالي تدرك هذه العشائر أنها ستسحل من قبل املالكي في حال تخليها عن كنف «داعش» كما أن «داعش» تعلم أن املالكي وحتى الفصائل وامليليشيات الشيعية املناصرة له تدرك أنه ال يمكن سحق «داع��ش» في العراق وسوريا متى ما اتسعت دائ��رة تحالفها مع أهل األرض املضطهدين من السلطة املركزية.
شكل الدولة حرصت «داعش» بعد مضي نحو أربعة أشهر على إعالن تأسيس التنظيم الجديد (الدولة اإلسالمية في العراق والشام) بتأسيس مشروع الدولة على
األرض ولو بشكل رمزي عبر تحويل املدارس والفيالت والبيوت التي هجرها أهلها إلى مقرات وزارية ومحاكم ومدارس للتنظيم ومعسكرات تدريب وجمع أموال ،وعلى األرض فرضوا أنظمتهم االجتماعية املتطرفة التي من شأنها دب مقرات تحمل َ الذعر في نفوس األهالي ،فانتشرت في املناطق املحررة ّ اسمه ورايته ،كما أقيمت الحواجز الجديدة داخل املدن والقرى وفي مداخلها وعلى الطرق املوصلة بينها .بعد السيطرة على األرض قام التنظيم بإظهار مخالبه القاسية التي طالت عددا كبيرا من اإلعالميني وناشطي الحراك املدني داخل املناطق املحررة ،كما اعتقلت «داع��ش» املئات من املوظفني التابعني ملنظمات إغاثية
هيكلية «داعش» واحدة من أكثر امللفات غموضا باستثناء كل الرمزيات واأليقونات الداعشية الطافحة في اإلعالم وألهداف أغلبها دعائي وتسويقي ،هو ملف البناء الهيكلي والتنظيمي ل �ـ«داع��ش» ،وه��و ملف غامض وصعب لتداخله ب�ين شخصيات جهادية متطرفة مؤسسة للتنظيم وشخصيات فاعلة وم��ؤث��رة ق��ادم��ة من بقايا البعث والعشائر وضباط املخابرات والعمالء املزدوجني إال أن الرسائل الصغيرة املتداولة في األوس��اط الجهادية على اإلنترنت تشير إل��ى ع��دد من الشخصيات الهامة التي اعترف بها أو أش��ار لها في الغالب ،املتحولون من «داعش» إلى «القاعدة» أو الذين هجروا مناطق التوتر إيمانا منهم بأنها غطاء وهمي لعصابات وجماعات وكيانات مشبوهة. من أشهر تلك التدوينات الرسالة التي ألفها أبو صفية اليمني ،وسماها على طريقة «ال�ق��اع��دة» العنيفة حتى ف��ي األس �م��اء« :االن�ف�ج��ار ف��ي كشف وفضح األس ��رار» ،قنبلة أب��و صفية طالت العناصر األمنية في «داع��ش» وك��ان دافع كتابتها كما يقول أب��و صفية ه��و ق��ول كلمة ح��ق أم��ام سلطان جائر يعني البغدادي وجماعته ،فهو يؤكد أنه حني قام هو وأتباع من «القاعدة» بـ«املطالبة بحقوق الناس في بالد الشام من تنظیم الدولة اإلسالمیة في العراق والشام قام القوم بأخذنا واعتقالنا من خالل وضع تهم لنا ال نعرف أي شيء عنها». ويشير أب��و صفية إل��ى األساليب ال�ق��ذرة التي تتبعها «داع��ش» وال�ت��ي تشبه أساليب املخابرات السرية التي ال تمت بصلة إلى سلوك املجاهدين ،كما يؤكد، حيث تقوم «داعش» بعملیات اختطاف واسعة للمطلوبني وتصفيتهم جسديا، وتبرير ذلك بقتل املصلحة.
عراقي يحمل ملصقا للرئيس العراقي األسبق صدام حسني وزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن الدن في أبريل (نيسان) ( 2014أ.ف.ب)
عاشت «داعش» العراقية التي كانت تعرف بـ«القاعدة في بالد الرافدين» فترة كمون بسبب االستهداف األميركي لها بالتعاون مع القوات العراقية وذلك من أوائل 2006وحتى بدايات الثورات العربية
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
23
قصة الغالف
النفط:من املعلوم أن شمال س��وري��ا م��ن املناطق النفطية التي تحت سيطرة «داعش» ،فاملدن السورية في الشمال تتحكم الدولة في إنتاجها من النفط الخام وهناك العديد من األخبار عن قيام النظام السوري بالشراء عبر وسطاء «داعش» التقليديني وهم تجار األزمات والحروب عادة من قطاع الطرق واملنتفعني من مناطق التوتر وهي تجارة رائجة في الحدود امللتهبة منذ حرب الخليج الثانية.
أعضاء ألوية العباس ،الذين تطوعوا لحماية األماكن املقدسة لدى الشيعة في كربالء ضد املسلحني من داعش الذين يقاتلون حكومة بغداد26 ، يونيو ( 2014أ.ف.ب -غيتي)
انتظرت «داعش» حتى مطلع هذا العام 2014لتحول استراتيجيتها من االهتمام باملستنقع السوري إلى العودة إلى أرض التمكني كما يسميها أتباع «داعش» (العراق)
22
اقتصاد «داعش» في تقرير ملجلس العالقات الدولية صدر مؤخرا أكد على أن بدايات االنتعاش االقتصادي لتنظيم داعش كانت متأخرة في حدود 2013قبل تحول االستيالء على امل��وص��ل ال��ذي ي�ع��ده ال�خ�ب��راء نقطة ت�ح��ول اقتصادية ك�ب��رى ليست في مسيرة «داعش» فحسب ،بل كل العمل املسلح في املنطقة ،فـ«داعش» ما قبل املوصل كان يحصل على ما يقارب العشرة ماليني دوالر شهريا عبر سرقة األموال وفرض الضرائب على أصحاب العمل املحليني بل واقتطاع حصص من املساعدات اإلنسانية في املناطق الخاضعة لسيطرتها في مقابل اإلذن بالدخول، وهو سلوك لم يأت مصادفة بل من الواضح أن «داع��ش» وخالفا للتنظيمات األخرى تطور من سلوكها اإلداري على األرض على طريقة العصابات أكثر من بناء برنامج عمل مستقى من التصورات اإلسالموية لشكل الدولة ،وتتحدث التقارير باستفاضة حول ميزانية «داعش» بعد التحوالت الجديدة بينما تجزم معظمها أن رأسمال التنظيم ال يقل عن ملياري دوالر. بداية ،ركز البغدادي على السرية عبر خاليا صغيرة غير مترابطة بما ّ يصعب من اكتشافه ،وكذلك على التمويل .كان أسلوبه يتمثل في فرض الخراج على سائقي الشاحنات ،وتهديد أصحاب األعمال بالتفجير في حال لم يستجيبوا، وكذلك بسرقة البنوك ومحالت املجوهرات. ويتساءل الخبراء عن قدرة «داعش» على تطوير مصادرها املالية ،فهناك موارد متعددة تأتي عادة من الضرائب واإلتاوات التي فرضها في املناطق الخاضعة، ويؤكد الباحثون أن غياب أي سجالت محاسبية متاحة تثبت عدم تورط أي جهات اعتبارية كبرى لتمويل «داعش» كمنظمة. وفي تقرير مهم نشرته «سي إن إن» كشف أهم محاور التمويل لـ«داعش» التي احتكمت إلى منظومة أخالقية مفارقة لألسلوب التقليدي في التمويل الذي كانت «القاعدة» تتبعه في مراحلها السابقة وأبرز تلك املحاور التي طرحها التقرير: املنح:أغلب املنح والتبرعات تأتي من شخصيات ثرية من مناطق مختلفة من العالم ،ومع املراقبة الكثيفة من قبل عدد من الدول ،إال أن هناك طرائق عديدة لنقل األموال عبر التحويالت الصغيرة واملباشرة من قبل منظمات وأثرياء طوروا من أساليب تعاملهم بما يناسب اإلج��راءات األمنية الجديدة ،كما أن إرسال األم��وال من دول بعيدة وغير تقليدية وسيلة أخرى للتمويه على التحويالت القادمة من دول مجاورة.
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
املخدرات وغسل األموال:تتوفر لدى الحركة قدرات هائلة في استخدام التقنية لصالح مشروعها ،ل��ذل��ك ال يستبعد التقرير ق�ي��ام «داع ��ش» بالتواصل مع منظمات املافيا العاملية واالس�ت�ف��ادة م��ن تجربتها املالية وه��ذه نقلة ل��م تكن تعرفها املجموعات الجهادية الصغيرة بيع الكهرباء:أشار تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أن «داعش» تبيع الكهرباء من محطات توليد الطاقة باملدن التي استولت عليها بشمال سوريا لصالح حكومة األس��د ،وهي تجربة سبق أن حدثت في العراق وجرى بيع الخدمات لجماعات أخرى تعمل على األرض االبتزاز:بعد سقوط املوصل وخروجها من سيطرة الحكومة العراقية عام 2013قامت «داعش» بفرض نحو ثمانية ماليني دوالر شهريا كطريقة لالبتزاز النقدي ودفع ضريبة لصالحها من جانب الشركات املحلية ،ومع استيالئها على مساحات واسعة من العراق تقوم بفرض مزيد من الضرائب على كافة املدن مما زاد من نسبة األموال النقدية الغنائم:الغنائم واحدة من أشهر الطرق التقليدية للثراء من الحرب واألزمات، لكن «داعش» أظهرت قدرات كبيرة في التحكم بالغنائم ونهب مناجم الذهب والبنوك املركزية واملؤسسات املالية ،وهناك حديث عن ثروة عينية من الذهب فقط تقدر بـ 430مليون دوالر. التطور العسكري:الحالة الجديدة لـ«داعش» بعد الدخول في مشروع دولة الخالفة وسقوط أجزاء واسعة من العراق تحت سيطرته استلزمت تطورا على مستوى التجهيز العسكري ،وتتوالى األخبار والتقارير الصحافية املصورة من قبل التنظيم أو مستقلني ،عن ابتهاج كبير في املجتمع الداعشي بعد ما أشيع عن حصوله على صاروخ سكود وتجول أتباع التنظيم في مهرجان احتفالي بذلك في شوارع الرقة السورية بمرافقة دبابات ومقاتلني ملثمني بالعشرات فيما يشبه العرض العسكري االحتفالي
أمير املؤمنني ..سيرة مجهولة لم يكن أمير املؤمنني املزعوم أبو بكر البغدادي شيئا مذكورا قبل أن تقوم الواليات املتحدة في عام 2013برصد جائزة قدرها عشرة ماليني دوالر ،ملن يساهم في اغتيال وقتل أو اعتقال البغدادي ،املكنى بـ«أبو دعاء» وهي ثاني أعلى جائزة ترصدها وزارة الخارجية األميركية لرأس إرهابي بعد زعيم تنظيم القاعدة ،أيمن الظواهري. الشيخ أبو دعاء ويلقب بالشيخ الشبح ملا يقال عنه من ارتدائه الوشاح حتى في لقاءاته الخاصة مع املقربني من العراق وتعود أصوله كما يزعم أتباعه إلى آل البيت وهي إضافة رمزية مهمة يجري استخدامها الحقا في منافسة الظواهري ثم شرعية إعالن الخالفة ،ولد الشيخ أبو دعاء عام 1971في سامراء العراقية. ك��ان يعمل في خدمة املساجد أثناء الغزو األميركي بالدعوة وجمع األم��وال والتدريس الشرعي واإلفتاء بحكم أنه يحمل دكتوراه في الفقه اإلسالمي اعتقل الحقا في معسكر بوكا األميركي جنوب العراق ونجا مجددا من محاولة اغتياله بغارة جوية عام ،2005ثم ظهر بعد صمت سنوات عبر صفوف «القاعدة» مقاتال وموجها ومرشدا وهو ما كان كفيال بتصعيده خالل خمس سنوات تقريبا ليتربع على عرش تنظيم الدولة اإلسالمية في العراق .2010
نجاحات متوقعة ّ سيجر إذن املسألة لم تعد ارتباكا سياسيا أو تقدير موقف خاطئا ،هذا إهمال ويالت كبيرة على املنطقة رغم أن «داعش» ليست أعظمها وأخطرها ،فالتنظيم بالنجاحات الباهرة التي سيحققها بإعالن الدولة على مستوى االستقطاب
النظام املصري والدستور الباطل والدعوة صراحة لقتال جيش مصر أو كما وصفته «جيش السيسي الفرعوني الجديد وإل��ى التبرؤ من مرسي وحزبه والصدع بردته وكفاك تلبيسا على املسلمني».
خذالن «القاعدة» كلمات العدناني التي هاجم فيها الظواهري كانت تعبر عن شعور نفسي عام لدى املتعاطفني مع التيارات العنفية في املنطقة وهو خذالن «القاعدة» ملناطق التوتر ال سيما سوريا والعراق فالعدناني خاطب الظواهري املعزول بعيدا في الشريط الحدودي لباكستان قائالً : «عذرا أمير (القاعدة) لقد بايعنا الله على قول الحق حيثما كنا ،ال نخاف في الله لومة الئم ،إنك في شهادتك األخيرة لبست على الناس وأوهمتهم أمرا أجهدت نفسك إلثباته ولم تثبته ولن تثبته إذ تعسفت بإخراج مقاطع من رسائل سرية إلى اإلعالم لتحملنا جرما أنت اقترفته وأنت من يسأل عنه ويتحمل وزره ..أجهدت نفسك لتضعنا موضع الناكثني الغادرين الخائنني الشاقني صف املجاهدين ..ليس لجندي صغير مثلي أن يرد على مثلك ،على أمير (القاعدة) ولكن لصاحب الحق مقال وإننا والله يعلم كم يعصر األلم قلوبنا ونحن نرد عليك». هذا األلم الذي تبديه «داعش» على االنفصال عن جسد «القاعدة» لم يكن إال محاولة حثيثة لالستقالل والتخلص من اإلرث القاعدي الذي يشكل عبئا على هذا التنظيم الجديد الذي يضم لجنباته خبرات حديثة مستقاة من تحالفات واستقطابات لكوادر البعث وامليليشيات املسلحة التي ال تتبنى بالضرورة نهج «القاعدة» وأفكارها وخطاباتها الدينية. إال أن الخاصرة الرقيقة والهشة التي طالها سهم «داعش» املسموم ،هو كان موقف «القاعدة» من إيران والرافضة على حد قوله ،والذي مر بتحوالت كبيرة أفضت إلى تقارب قاعدي إيراني كانت «داعش» له باملرصاد ،مذكرا الظواهري بكلمات بن الدن قبل مقتله ورسالته الشهيرة ألهل العراق التي قال فيها« :إن كل من يشارك في االنتخابات العراقية والتي سبق وصف حالها عن علم ورضا يكون قد كفر بالله تعالى وال حول وال قوة إال بالله ،وينبغي الحذر من الدجالني الذين يتكلمون باسم األح��زاب والجماعات اإلسالمية ويحثون الناس على املشاركة بهذه الردة الجموح ولو كانوا صادقني لكان همهم في الليل والنهار إخالص الدين لله تعالى والتبرؤ من الحكومة املرتدة وتحريض الناس على جهاد األميركيني وحلفائهم فإن عجزوا فلينكروا بقلوبهم ويتجنبوا املشاركة في برامج املرتدين أو القعود في مجالس الردة وكل ما ذكرناه في العراق ينطبق تماما على الوضع في فلسطني فالبالد تحت االحتالل ودستور الدولة وضعي جاهلي اإلسالم منه بريء ،واملرشح محمود عباس بهائي عميل كافر».
دولة الرايات السوداء انتظرت «داعش» حتى مطلع هذا العام 2014لتحول استراتيجيتها من االهتمام باملستنقع السوري إلى العودة إلى أرض التمكني كما يسميها أتباع «داعش» (العراق) وأوفياء العيش بأسلوب حياتها في املدن العراقية التي تحتلها وعلى رأسها «الفلوجة وال��رم��ادي» ثم املوصل الحقا فمحافظة األنبار التي كانت مسرح والدة دولة الخالفة ،إال أن السيطرة على محافظة صالح الدين كانت الحدث األهم لـ«داعش» حيث حلقة الوصل بني شمال العراق ووسطه وحيث الدخول في مرحلة دول��ة الخالفة النفطية وهو ما ساهم في غ��رور «داع��ش» وطغيانها إلى الحد الذي جعلها تصل إلى لحظة رمي «حجر النرد» لإلرهاب الجديد عبر إعالن دولة الخالفة اإلسالمية.
اكتساح شامل م��ع إع�لان دول��ة الخالفة وتنصيب أب��و بكر ال�ب�غ��دادي أم�ي��را للمؤمنني كانت «داعش» في طريقها إلى اكتساح املشهد ليس الجهادي فحسب ،بل املشهد اإلسالموي برمته معتدليه ومتشدديه والحائرين بني أساطير البارود وأحالم الحور وبني املوجوعني من التجربة العنفية وتبعاتها االعتقال والعزلة ..إلخ .لكن
إعالن دولة الخالفة بعثر كل تلك األوراق وأعادها جذعة مرة أخرى «الخالفة» وإن كانت في شكل أقرب للكوميديا جعلت العالم ينشغل عن فظاعة الحدث وتبعاته الفكرية والقيمية إلى االهتمام بماركة ساعة أمير املؤمنني وحراسه وجواريه ،لكن أمير املؤمنني لم يلتفت إلى كل هذا الصخب اإلعالمي بل سعى إلى االهتمام بمجريات األرض فالتمدد الكبير للتنظيم يفرض تفكيرا عميقا في املوارد االقتصادية والوصول إلى االكتفاء الذاتي الذي تسعى له «داعش» لتحقق رقما قياسيا جديدا في سباق اإلرهاب الطويل املليء بالحواجز ،إال أن تخطي هذه العقبة التمويلية سيساهم في تعاظم دور دولة الخالفة على األقل بني جمهورها الجديد وم��ا أكثرهم ،استهداف البنوك املركزية ك��ان الخطوة األولى ثم تبعتها االستفادة من نفط املناطق املحررة رغم محدوديته حيث بات التنظيم يبيع النفط الخام بأسعار زهيدة جدا كما أن املكوس الشرعية الجديدة على رفاق األمس من املهربني وتجار املمنوعات وكل مجتمع الالدولة الذي عادة ينشأ في مناطق التوتر ساهمت في رفع اقتصاد «داعش» بنسب معقولة.
شرعية ناقصة بعد إعالن الدولة اإلسالمية في العراق والشام (داعش) على لسان أبي محمد العدناني ولد شالل من األسئلة الجديدة حول شرعية هذا اإلعالن وأدلته وآثاره وكتبت عشرات املقاالت وآالف التغريدات في السجال على شرعية ذلك ،لكن على األرض والواقع حصل االنقسام الكبير داخ��ل املجموعات العنفية التي تعمل على األرض فاملبايعون كثر على الرغم من غياب تنظيمات كبرى مثل «جبهة النصرة» إال أن حضور تنظيمات أخرى ساهم في تغلغل فكرة وحلم «داعش» في الخالفة في السياق على األرض بني تلك الجماعات ،من أبرز تلك الجماعات املوافقة جيش الصحابة في سوريا بل إن هناك من قام باالنضمام إلى «داعش» وإن كان محسوبا على «جبهة النصرة» كما هو الحال في منطقة البوكمال الحدودية التي صرح زعيمها لقناة « »CNNبأن التحالف مع «داعش» ج��اء ملصلحة شرعية وه��ي «وق��ف سفك ال��دم��اء وحماية إقليمنا وري�ف��ه من خطر الحروب». طبيعة الخطاب امل��زدوج ما يقال لإلعالم واألنظمة والعامة ،وما يقال لألتباع «رأس املال الثقافي» جزء من تركيبة «الجذر الواحد» للتطرف ،فالتوافق في أصول املسائل واملوقف من الذات واآلخر والدولة الحديثة واملرأة والفن وأسلوب الحياة والعيش وطبيعة املسائل التي تثار فور اكتساب أي أرضية أو موقع، البدء بهدم املعالم الثقافية باعتبارها رموز شركية فرض أسوأ االختيارات املتشددة دينيا لتكون نمط عيش اجتماعي هو ما يجعل من «داعش» الحالة أخطر بكثير من «داعش» التنظيم.
«داعش» استغلت بذكاء فتور موقف «القاعدة» والظواهري من نجاحات اإلخوان وحكومة مرسي ..ووصف أمير «داعش» الظواهري بأنه فاسد الحكم ومشرع للطاغوت الفرعوني الجديد
مجتمعات «داعش» ما قد يفاجئ القارئ غير املتتبع لجغرافيا اإلرهاب اليوم ،هو وجود كانتونات/ مجتمعات مغلقة متناثرة تعيش هذا النمط من العيش لحني االنتقال إلى أرض األحالم دولة أمراء املؤمنني وجنة الخالفة الواعدة ،هذا النوع موجود في ضواحي باريس كما هو في أبني وجنوب اليمن كما في القرن األفريقي ودول القوقاز ويكاد يكون النمط املضاد للدولة الفاشلة في رقعة كبيرة من العالم الثالث (بالطبع ال يمكن إلقاء الضوء على هذه املناطق إعالميا بسبب زحام أخبار القتل والدمار والثورات وانهيار ال��دول) ،والسؤال :قبول هذا النمط واندماجه اجتماعيا وتحالفه مع العشائر ومع الخطابات الدينية األخرى التي توصف باملعتدلة يعني أن تحول إلى «حل بديل» لدى الطبقة املسحوقة في البلدان التي تقف على حافة الفشل ،وأيضا تحول إلى خطاب «بديل» ومعارض في الدول املستقرة التي ال زالت مصدومة من رأس جبل الجليد الداعشي الذي لم يظهر إال نزق بضع مئات من االنتحاريني الذين يعيشون عصابا جماعيا مدفوعا بغرور التفوق واالنتشار والغطاء اإلعالمي على اإلنترنت ،لكنه يخفي تحته فشل عقود من امل��واءم��ة بني خطاب ديني معتدل وحياة حديثة تتجه نحو التعقيد يوما بعد يوم.
أيمن الظواهري
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
21
قصة الغالف
«داعش» كانت تعيش مرحلة تجريب سورية ساهمت في تضخم دورها لدى نفسها قبل األرض ،فاستهداف املناطق املحررة وصوال إلى بناء قوة عسكرية على األرض ال يمكن االستهانة بها. التوسع في املناطق املحررة قابله إهمال كبير لكل املناطق التي يسيطر عليها النظام مثل الريف الجنوبي لحلب ،كما أن استراتيجية «داع��ش» تمثلت في استهداف املجموعات الصغيرة والضعيفة نسبيا بهدف احتوائها أو إنهاكها ثم احتالل مناطقها وك��ان تنظيم أح��رار الشام أكثر التنظيمات سقوطا في يد «داعش» مستغلة حالة الفوضى والخالفات املتكررة إلى طرح مشروعها الوحدوي لكل املقاتلني بهدف بناء دولة ومنح األمان ألهالي املناطق املنكوبة وهي استراتيجية فاعلة غفلت عنها باقي التنظيمات التي انشغلت بالشأن العسكري ومقارعة النظام.
وساطات ومحاكم
مقتل الزرقاوي على يد القوات األميركية في العراق ساهم في تقلص دور «القاعدة» لحساب أدوار جديدة مفاجئة لم تكن مرصودة آنذاك
الخالف بني «داع��ش» و«جبهة النصرة» انتقل من الداخل السوري إلى األت�ب��اع واألن�ص��ار واملتعاطفني مع الفكرة العنفية في ال�خ��ارج ،وأص��در عدد من رموز التنظيمات املسلحة الفكرية تصريحات هنا وهناك تجاه «داعش» أو ضدها ،وكان أبرزها هو سجال أبو محمد املقدسي أيقونة ومرجعية التيارات الجهادية الحديثة الذي بدا ناقدا فناصحا ثم محذرا من «داعش» باعتبارها صوتا نشازا سيسيء إلى الفكرة الجهادية ما ل��م يفعله األع ��داء على ح��د ق��ول��ه ،إال أن تحذيرات املقدسي وآخ��ري��ن لم تمنع شخصيات أخرى على الدخول في الخط ومحاولة الوساطة وهي محاوالت كثيرة متعددة ومبثوثة في سجاالت الجماعات بمنتدياتها اإللكترونية إال أن أبرزها محاولة الشيخ السعودي املقرب من املجموعات الجهادية عبد الله املحيسني وال��ذي أص��در بيانات وفتاوى حكم فيها على «داعش» بضرورة وقف القتال ضد الجماعات املسلحة في سوريا، وخاصة اإلسالمية منها ،كما حض زعيم «داعش» قبل إعالن الخالفة على العودة إلى العراق وترك القتال في الشام لجبهة النصرة فيما يشبه توزيع التخصصات واملهام ،كما أنه عاد مجددا ليطرح مشروع مبادرة «املحكمة اإلسالمية» للفصل بني التنظيمات املختلفة في سوريا ،وبينها «داعش» و«جبهة النصرة» فيما يشبه املحاكم الدولية لفض النزاعات ،إال أن هذه الفكرة الرائدة التي كانت ستساهم في توحيد صفوف الجماعات اإلرهابية ضد أهدافها املتشابهة برفض قاطع وصارم من «داعش» التي ردت عليه على األرض واستهدفت مقرات التنظيمات األخرى بعمليات انتحارية أفضت إلى انهيار مشروع التقارب وتحول «داعش» إلى قوة ردع عنيفة وقذرة ودموية إلى الحد الذي دفع بأحد شبابها املغرر بهم إلى قتل ابن عمه في جبهة النصرة في حادثة تعكس حجم االستالب والتشويه ال��ذي تعيشه ك��وادر هذه الجماعات امل��وت��ورة ،انتهت مبادرة املحيسني رغ��م كل كلمات االستعطاف التي حواها بيانه األخير ال��ذي استحلف فيه البغدادي بالله أن يقبل باملحكمة وأن يحقن الدماء وأن يحافظ على «داع��ش» لتكون ّ غصة في حلوق الرافضة والغرب إال أن البغدادي كان يفكر أكثر في لقب أمير املؤمنني ودول��ة خالفته التي ال يمكن أن تقوم دون سحب الشرعية من كل املنافسني في ظل صمت علماء اإلس�لام ّ ومسلمات الذين يتابعون املشهد وكأن ما يجري اختطافه من مفاهيم وأفكار تنتسب إلى أديان وآيديولوجيات أخرى وال تجري عبر تشويه اسم اإلسالم وبطريقة عميقة تستحضر حتى أدق الرموز والشكليات واأليقونات القديمة ومنها ختم النبوة املحمدية ال��ذي اتخذته «داع��ش» كـ« »logoدعائي لها.
تحركات متأخرة
أبو مصعب الزرقاوي
20
(وهي مناطق توتر تحضر فيها «القاعدة» بقوة) قال فيها إن ما يجري في سوريا من «اختالف واقتتال بني املجاهدين» قد «حرق قلوب الغيورين على الجهاد واملجاهدين»! وذك��ر الشيخ أب��و محمد كما يلقب بأنه ق��ام بمراسلة زعيم «داعش» املعروف بـ«أبو بكر البغدادي» كما وصفه في ذات الوقت الذي راسل فيه من وصفه بـ«أخانا الشيخ القائد املجاهد أيمن الظواهري» ،لتدشني مبادرة أخرى غير مبادرة املحيسني لكن لذات الهدف ،فهي مبادرة إصالح أو تحكيم بني تنظيم الدولة وجبهة النصرة ..وأن رفضه لهذه املبادرة سيحملهم املسؤولية أمام كافة املجاهدين ،وسيحصدون عواقب وخيمة وراء ذلك الرفض. املقدسي لم يكتب بتوجيه خطابه إلى أمير املؤمنني املزعوم بل خاطب أيضا القيادات الشرعية الداعشية التي يعول على مكانتها الحركية فاتهمها بقسوة بـ«التدليس واللف والدوران والكذب على قادة الجهاد» .املقدسي أعاد األضواء إل��ى نجومية الظواهري بعد اتهامه الصريح ل�ـ«داع��ش» باالنحراف عن بيعة ال�ظ��واه��ري م��ؤك��دا أن تنظيم ال��دول��ة ف��ي ال�ع��راق وال �ش��ام؛ تنظيم منحرف عن جادة الحق ،باغ على املجاهدين ،ينحو إلى الغلو ،وقد تورط في سفك دماء املعصومني ،ومصادرة أموالهم ..وندعو أفراد تنظيم الدولة إلى تركها واالنحياز إلى جبهة النصرة.
رموز مناوئة البيان املقدسي ذهب بعيدا وفتح املجال لشخصيات جهادية أخرى أن تعلن عن رأيها في «داعش» كان من أكثرهم هجوما أبو قتادة املقدسي ّ املرحل من لندن إلى األردن والذي أشيع عنه أنه أفتى بجواز قتل سجناء «داعش» في قبضة الجماعات األخرى وأضاف« :عذرا أمير (القاعدة) ..إننا كنا ولحني قريب نجيب من يسأل عن عالقة الدولة بـ«القاعدة» بأن عالقتها عالقة الجندي بأميره ولكن هذه الجندية يا دكتور لجعل كلمة الجهاد العاملي واحدة ولم تكن نافذة داخل الدولة كما أنها غير ملزمة لها وإنما هي تنازل وتواضع وتكريم منا لكم ومن األمثلة على ذلك عدم استجابتنا لطلبك املتكرر بالكف عن استهداف عوام الروافض في العراق بحكم أنهم مسلمون يعذرون بجهلهم فلو كنا مبايعني لك المتثلنا أمرك حتى لو كنا نخالفك الحكم عليهم هكذا تعلمنا في السمع والطاعة ولو كنت أمير الدولة أللزمتها بك ولعزلت من خالفك بينما التزمنا طلبكم بعدم استهدافهم في إيران وغيرها».
سجاالت عنيفة إال أن ال��رد الداعشي لم يتأخر طويال فأصدرت الدولة اإلسالمية في العراق والشام عددا من البيانات العنيفة تجاه الظواهري وتنظيم القاعدة وخاطبته بلهجة حادة جاء فيها« :لقد وضعت نفسك وقاعدتك اليوم أمام خيارين ال مناص عنهما إما أن تستمر على خطئك وتكابر عليه وتعاند ويستمر االقتتال بني املجاهدين في العالم وإما أن تعترف بخطئك وزلتك وتصحح وتستدرك وها نحن نمد لك أيدينا من جديد لتكون خير خلف لخير سلف فقد جمع الشيخ أسامة املجاهدين على كلمة واحدة وقد فرقتها نمد لك أيدينا من جديد وندعوك للتراجع عن خطئك القاتل ورد بيعة الخائن الغادر الناكث فتغيظ بذلك الكفار». هذه اللغة التي يفهمها أتباع «القاعدة» من اقترب من التنظيم تعني االنفصال ع��ن جسد «ال �ق��اع��دة» إل��ى أج��ل غير مسمى م��ا دام��ت ت�ق��اد ب��رأس وعقل الظواهري الذي بدا مصابا بالدوار من وثوقية وعنف وقسوة «داعش» التي اتهمته بإيقاد الفتنة ودعته إلى العودة إلى نهج «القاعدة» القديم والتصريح كما قالت« :بردة الجيش الباكستاني واملصري واألفغاني والتونسي والليبي واليمني وغيرهم من جنود الطواغيت وأنصارهم وعدم التالعب باألحكام واأللفاظ الشرعية».
«داعش» استغلت بذكاء فتور موقف «القاعدة» والظواهري من نجاحات اإلخوان عصام ال�ب��رق��اوي أو أب��و محمد املقدسي ال��رم��ز الفكري للحركات الجهادية وحكومة مرسي ،ووصف أمير «داعش» الظواهري بأنه فاسد الحكم ومشرع املسلحة في العصر الحديث أصدر عددا من البيانات أهمها بيانه إلى «قادة للطاغوت الفرعوني ال�ج��دي��د (م��رس��ي ال�ع�ي��اط) وخلفه ممثل حكم العسكر املجاهدين في خراسان واليمن واملغرب اإلسالمي وسيناء والصومال والقوقاز» (السيسي) ،داع�ي��ا إل��ى ض��رورة أن تعلن الحركات الجهادية رأي�ه��ا ف��ي ردة المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
السياسي» لكن هل تكفي محاصرة «داعش» للخروج من حالة «داعش» بما تعنيه من أفكار جديدة وطرائق للعيش والحرب والسلم ،فاستدعاء التدخل الغربي تحت أي مظلة لسحق التنظيم لن يكون كافيا للقضاء بل سيتكرر السيناريو ويدخل التنظيم في حالة بيات ليعود بشكل أق��وى كما أخبرتنا تجارب طالبان و«القاعدة» و«القاعدة في جزيرة العرب».
املستنقع السوري
صورة مأخوذة من شريط فيديو نشر 5يوليو (تموز) 2014في وسائل اإلعالم يظهر ألول مرة زعيم الدولة اإلسالمية في العراق والشام (داعش) أبو بكر البغدادي خالل صالة الجمعة في مسجد باملوصل (غيتي)
تستهدف مواكب الزوار واملجتمعات الشيعة املغلقة وكان ذروة سنام العنف الهجوم على «املسجد الذهبي» في سامراء
كسر «سايكس ـ ـ بيكو» أم تصفية الخصوم ظلت الدولة اإلسالمية تبني نفسها خالل السنوات التي انشغل العالم فيها بالربيع العربي ّ البراق ليفاجئنا البغدادي في أوائل 2013بحركة تصحيحية للتنظيم عبر عنها ف��ي بيانه بابتالع جبهة النصرة وأن�ه��ا ام�ت��داد تنظيمي لـ«داعش» التي تنوي التحول إلى دولة عابرة للحدود وكاسرة لحدود الدولة التقليدية التي رسمها سايكس بيكو ،لكن األمر كان أبعد من الكفر بحدود ال��دول��ة القطرية إل��ى استهداف شرعية رف��اق األم��س بمبررات ذات مضامني شرعية وإن كانت الغايات وال��دواف��ع سياسية الطابع ،فبقاء «داع��ش» مجرد تنظيم مستورد من العراق للشام كان سيجهز عليه في حال تقوية التنظيمات األخ��رى والجيش الحر األق��رب إل��ى الشأن ال�س��وري ،كما أن ّ تمرد «القاعدة» املستمر على «داعش» كان إيذانا التخاذ خطوة «آخر العالج الكي» والذي ترفعه عادة كل التنظيمات املسلحة وامليليشيات واألحزاب املاركسية الراديكالية وهو ما يعرف بـ«تصفية الخصوم» .تصفية الخصوم من «داع��ش» استحضر األسلوب األكثر وحشية وهي ماركة مسجلة باسم الزرقاوي سيئ الذكر في بشاعة القتل ،وهو األمر الذي مارسه التنظيم تجاه عناصر من الجيش الحر وجبهة النصرة وأحرار الشام بدم بارد ،بل وتوثيق للحظة الدموية األكثر فظاعة في الفيديو بخلفيات إنشادية وكلمات عنيفة على شكل محاكمات سريعة وحاسمة وك��ان الهدف قبل ترويع العالم إيصال رسالة واضحة للتنظيمات األخرى بقيادييها وكوادرها التنظيمية أن «داعش» ال تطلق وعودا في الهواء الطلق وإنما رؤوسا وأجسادا ال تدري فيم قتلت« .داعش» لم تعد شأنا إقليميا خ��اص��ا ،ال يجدي اآلن التنصل م��ن املسؤولية ع��ن «داع��ش» م��ن قبل طريقة ال��والي��ات املتحدة في الحملة على اإلره��اب والتي لم تجد ص��دى نقديا يليق بتبعاتها الكارثية ،كما أن إدانة «داعش» على املستوى األمني والسياسي ال يحل املعضلة إذا لم يترافق مع تتبع للجذور الفكرية واالجتماعية وبيئة االستقطاب والخطاب السائد وتفكيك املفاهيم األساسية ورصد نماذج التجنيد والتسويق والدعاية على اإلنترنت. هذا على مستوى التنظيم بما يعني القيادات ،الكوادر ،التمويل ،التحالفات مع تيارات ورموز أخرى يبدو أن «داعش» أملها الوحيد بعد سقوط تجربة «اإلسالم
واحدة من أكثر ملفات «داع��ش» غموضا هو تغلغلها في املستنقع السوري وتعملقها سريعا رغم أن تاريخ مشاركتها جاء متأخرا ثورة الشعب السوري بسنتني كاملتني! فـ«داعش» دخلت سوريا بعد أن حرر الثوار قسما كبيرا من سوريا وكانوا على وشك بناء دولة حديثة ،إال أن «داعش» ومن خالل تكنيك إطالق اليد قامت باستدعاء «داعش» ال لتحاربها بل لتحارب بها عبر التأثير عليها بذكاء استخباراتي كبير. استهدفت «داعش» كل املكتسبات للثورة السورية وثالثية الثورة والتنظيمات العسكرية وال�ش�ع��ب امل �ق��اوم ال�ث��ائ��ر ،فقامت بسلسلة م��ن عمليات االغتيال واالختطاف ألهم رموز الكتائب والفصائل املقاومة ودمرت عددا من املؤسسات املدنية والعسكرية الناشئة ،وهي أدوار لم يكن يحلم بها النظام السوري في مواجهة ثورة فتية.
تفكيك الثورة أولوية تفكيك الثورة السورية كانت هدف «داعش» غير املعلن ،وكانت آثارها مدمرة حيث مواجهة «داعش» من قبل املعارضة السورية كانت تؤدي غالبا إلى التعرض للقتل أو املالحقة واالعتقال واإلهانة والتعذيب في سجون دولة البغدادي ،التي ال تقل سوءا ودموية عن سجون النظام السوري ،األمر الذي استدعى أمير جبهة النصرة إلى ّ التحرك املتأخر وإصدار البيانات لكن بعد ّ خ��راب مالطة ،فأمر بحل ال��دول��ة وع��ودة الساحة السورية إل��ى ما كانت عليه قبل «داعش» ،إال أن البغدادي رد عليه بأحسن منها وكانت الشعار الدعائي الكبير لـ«داعش» الذي تحول إلى ما يشبه الرمز التسويقي «دولة اإلسالم في العراق والشام باقية وتتمدد» حتى يظهرها الله أو نهلك فال سبيل للرجوع واالستسالم. هذه الخطوة الشجاعة من البغدادي واملتهورة نسبيا أحدثت انشقاقات غير متوقعة في الجسد الجهادي في سوريا حيث انشغل العديد من املقاتلني م��ا ي��زي��د على النصف بكثير إل��ى «داع ��ش» ،وك��ان أغ�ل��ب حصيلة املتحولني من «داع��ش» هم القادمون من األقاصي ممن عرفوا بلقب «املهاجرين» على سبيل التشريف إضافة إلى مجموعات محلية سأمت بطء نجاحات الجيش الحر وانحازت إلى آيديولوجيا «داعش» املتكاملة نظريا واملحددة لهدفها وهو الوصول إلى مرحلة الدولة.
لم يكن أمير املؤمنني املزعوم أبو بكر البغدادي شيئا مذكورا قبل أن تقوم الواليات املتحدة في عام 2013برصد جائزة قدرها عشرة ماليني دوالر ملن يساهم في قتله أو اعتقاله
التناغم مع نظام األسد في نهاية 2013كانت مدينة حمص قد وصلت إلى ذروة املعاناة واألل��م بعد حصار سنة ونصف أنهكت فيها كل قواها إال أن «داعش» لم تر في ذلك أي ضغينة وزادت من معاناة السوريني حني قررت احتالل ريف حمص الشرقي بدعوى فك الحصار فأرسل مقاتليه ليحاصروا الرقة وريفها واتخذت من الشرق مقرا رئيسا ومركزيا لها ،لتجتاح الحقا إدلب وحلب وطرابلس والباب وتل رفعت وحريتان ورتيان ودارة عزة في ظل صمت الجميع ،وفي خالل أقل من ستة أشهر سيطرت «داعش» على مناطق واسعة من الشرق والشمال لحلب كانت حروب «داعش» في سوريا من أكثر حروبها ذكاء وحنكة ،فهي تدرك أن قوتها محدودة ال تقارن بحجم حضورها في العراق فساهمت إلى تقليل خساراتها الحربية والعسكرية عبر تجنب الصدام مع نظام األسد واستهداف املناطق غير الخاضعة لسيطرته فيما ظن كثير من املحللني أن ثمة تعاونا مباشرا بني النظام و«داعش» ،إال أن األمر ال يعدو توافق مصالح ،ال سيما وأن المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
19
قصة الغالف
جماعات اإلرهاب) ،بل ويستعطف تيارات أخرى كما نلحظ اآلن تحوال خطيرا وكارثيا لدى ما تبقى من منظري اإلسالم السياسي على اإلنترنت الذين قفزوا من صف العزاء اإلخواني إلى طوابير املشجعني في جرائم «داعش» وبشكل فج يكرس نظرية «الجذر ال��واح��د» التي ت��درس ظاهرة العنف واإلره��اب عبر امتدادها التاريخي منذ والدة لحظة اإلسالم السياسي قبل قرنني من الزمان.
من رحم «اإلهمال»
مع إعالن دولة الخالفة وتنصيب أبو بكر البغدادي أميرا للمؤمنني كانت «داعش» في طريقها إلى اكتساح املشهد ليس الجهادي فحسب بل املشهد اإلسالموي برمته معتدليه ومتشدديه
عاشت «داعش» العراقية والتي كانت تعرف بـ«القاعدة في بالد الرافدين» فترة كمون بسبب االستهداف األميركي لها بالتعاون مع القوات العراقية وذلك من أوائل 2006وحتى بدايات الثورات العربية وهي فترة زمنية طويلة نسبيا في عمر التنظيمات املسلحة التي تقاتل دوال مركزية ،لكن سر بقاء «داعش» على قيد الحياة هو قدرتها على التشكل واالنحناء للعاصفة وإعادة ترتيب الصفوف وبالطبع سيساهم سلوك دولة املالكي الطائفية في عودة التنظيم إلى التعافي سريعا .نسبيا في عمر التنظيمات املسلحة. األكيد أن التعامل اإلعالمي مع «داعش» في بداياتها املبكرة من اإلهمال إلى التفاجؤ إلى الصدمة ثم الذهولّ ، حول هذا التنظيم الفوضوي التجريبي إلى أسطورة حيث املمارسات اإلرهابية التي ال يقبلها عقل أو دين تتحول إلى أوراق سياسية مهمة تلعب كل األطراف حتى املعادية على استغاللها بشكل جيد وهنا لب «األزمة»؛ فاالستغالل السياسي يجب أن ال يحجبنا عن قراءة ظروف تعملق وتضخم هذه التنظيمات بعد فشل الربيع العربي ،فأصبحت «داعش» خ�لاف��ا ملثيالتها تتسابق إل��ى نشر ص��ور ح��ز ال ��رؤوس والتفاخر ب��ذل��ك بل واعتباره منجزا يجلب األطفال اللتقاط الصور معه في ظل صمت دولي مخيف. ب�ق��ي أن ي�ق��ال إن ال�غ�م��وض ال ��ذي يكتنف ع�لاق��ة «داع ��ش» ب��ال�ن�ظ��ام ال�س��وري واإلش ��ارات املتناقضة التي تبعثها ،فباعثها هو ع��دم التمييز بني ركيزتني مهمتني في قراءة تيارات العنف املسلح ،البنية النظرية الصلبة للتنظيم متمثال في األفكار التأسيسية :تكفير املجتمعات ،حلم دولة الخالفة ،املشروع االنقالبي املسلح على األنظمة العربية ،االمتداد االجتماعي للعنف كفكرة ق��ادرة على التغيير في ظل عطل السياسة ،الركيزة الثانية هي آليات العمل في الواقع والذي يختلف من مكان إلى آخر .للتذكير لو أخذنا شريطا زمنيا لتطور أفكار العنف املسلح منذ النواة األولى ملجاهدي أفغانستان إلى «داعش» لرأينا اختالفا كبيرا على مستوى املواقف السياسية خاصة بعد دخول أسلوب «إطالق اليد» الذي استخدمته إيران ويستخدمه ببراعة بشار األسد ،لكن املالكي حني حاول تكرار التجربة واجه فشله الذريع الذي جعل كل الناقمني عليه وحق لهم أن يجدوا في «داع��ش» ذريعة إلسقاطه لكنهم مخطئون في ثقتهم أيضا بالقدرة على التخلص من سم الثعبان الحقا.
في مواجهة الصحوات خالل تلك السنوات املمتدة من نشأة التنظيم ارتكبت القوات األميركية والعراقية حماقات متعددة في مواجهة التنظيمات املسلحة ،إال أن أكبرها فداحة كانت محاولة تعويض الجيش العراقي بقوات الصحوات في املناطق السنية من مقاتلي العشائر السنية ودفعها ملقاتلة «القاعدة» ثم التخلي عنها الحقا بوعود ظهرت أنها كانت مجرد سراب طائفي كبير فالعراق للعراقيني فكرة لم تولد لتكبر بعد الغزو ثم االنسحاب األميركي وإنما كان الهدف هو الخروج من املستنقع بأقل قدر من الخسائر.
العودة السريعة في نهايات عام 2011وعلى وقع املخاضات الكبيرة التي كانت تعيشها املنطقة إث��ر الربيع العربي ال��ذي اندلع وأشعل الحرائق السياسية ملهيا عن حرائق «القاعدة» ،عادت دولة العراق اإلسالمية أكثر قوة وتنظيما بعد أن استطاعت تأليب السنة في العراق ال سيما ما تبقى من الصحوات املخذولة من أميركا وحكومة املالكي في أجواء كانت تستعد املنطقة فيها ليس إلى دخول الربيع 18
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
الديمقراطي كما بدا ألول وهلة وإنما لربيع اإلرهاب الجديد وبدافع هذا الفشل املتالحق لألميركان في العراق واملنطقة. عودة «داعش» ،الدولة اإلسالمية ،آنذاك ،كانت تستهدف زعزعة النظام العراقي ولذلك ك� ّ�رت سلسلة من التفجيرات العبثية في بغداد وحصدت اآلالف من وتخصيص مكافآت ال�ض�ح��اي��ا ال��ذي دف��ع األم�ي��رك��ان إل��ى ال�ت�ح� ّ�رك م��ن ب�ع��د ُ للقبض على زعامات التنظيم الجديد ،لكن شيئا من ذلك لم يؤت أكله شأن كل السياسات األميركية في حملة الحرب على اإلرهاب التي لن تفلح ما دامت على طريقة «طائرات دون طيار» ،فهذا االستسهال في مواجهة العنف حول العراق آنذاك إلى جحيم حقيقي ،وكانت الكارثة هي تغلغل التنظيم بل وقدرته على فتح السجون واستهدافها بالهجوم الستخراج كوادر «غالية» ستكون الحقا الوقود الحقيقي لـ«داعش» وستصنع الفرق الذي نجني عناقيد غضبه اليوم.
براءة نظام صدام على عكس ما يشاع ال سيما من أعداء «داعش» الطائفيني وعلى رأسهم إيران والنظام السوري والعراقي بقيادة املالكي رأس الحربة ضد «داعش» واملستفيد األكبر من تمددها لم تثبت أي عالقة بني نظام صدام قبل سقوطه املدوي وبني «القاعدة» وأخواتها ،فبعد االنهيار لم يتم العثور على أي وثائق تثبت ارتباطه بـ«القاعدة» ،رغم اإلرث الكبير من السجالت املوثقة التي ظهرت بعد ذلك ،ومن أبرزها ما ترجمته وكالة االستخبارات العسكرية األميركية عام 2006ونشرت عنه العديد من مراكز األبحاث األميركية تقارير مطولة لخصت أكثر من 34 مليون صفحة من وثائق صدام ولم تعثر على أي أثر تحالفي لـ«القاعدة» ،بعدها بسنتني أكد «معهد التحليالت الدفاعية» املرتبط بالبنتاغون في تقرير بثته الصحف األميركية أنه جرى فحص 600ألف وثيقة رسمية شملت تسجيالت صوتية ومرئية أن تلك العالقة لم تكن س��وى ض��رب من األوه��ام والخياالت الجامحة .تدخل «القاعدة» في العراق ما بعد السقوط وصعود نخبة حاكمة طائفية وضعت تهميش السنة على رأس أولوياتها ،ساهم في تطور الخطاب الطائفي لدى الزرقاوي الذي ّ تفرد في الوصول إلى الغايات القصوى طائفيا متجاوزا منطق «القاعدة» املضطرب تجاه الشيعة فساهم هو والوجه اآلخر من عملته الطائفية إلى الوصول بالعراق إلى الحرب األهلية بما تعنيه الكلمة حيث تمثلت استراتيجيته في استهداف الشيعة قبل األميركان حيث باتت عملياته
وأيضا انفصال املرجعيات الشرعية للتنظيم عن املناخ الشرعي السائد من تراجع مؤقت حيث تحرير مسائل الجهاد أو فقه الثغور والذي تغير عدة مرات من تكوين مقتل ال��زرق��اوي ف��ي يونيو (ح��زي��ران) 2006على ي��د ال�ق��وات األميركية في علماء تنظيم مختصني وصوال إلى غياب الرؤية بحكم دخول أطراف قادمة العراق ،ساهم في تقلص دور «القاعدة» لحساب أدوار جديدة مفاجئة لم تكن من خلفيات بعثية وأخ��رى أق��رب إلى الثوار املناطقيني كالعشائر في العراق مرصودة آنذاك في صخب عمليات «القاعدة» ،فأبو حمزة املهاجر الذي خلف وبعض املناطق السورية. ال��زرق��اوي ق��اد التنظيم إل��ى اإلغ��راق في الشأن املحلي املناطقي للعراق على ّ حساب أي اهتمامات أخرى ،فكان له البقاء والتمدد والتجذر االجتماعي وهي لغز محير تحوالت في مسألة االندماج لم تعرفها «القاعدة» إال بشكل محدود في اليمن والصومال ،وحني تمكنت القوات األميركية في أبريل 2010من قتل البغدادي تبدو «داع��ش» في عيون «الجميع» لغزا محيرا ينسب ت��ارة إلى إي��ران وتارة ومساعده أب��و حمزة ،انتقل التنظيم إل��ى مرحلة جديدة هي مرحلة أب��و بكر إل��ى ال�ع��راق وت��ارة إل��ى بشار وت��ارة إل��ى ال��والي��ات املتحدة ،ناهيك ع��ن االتهام ّ البغدادي «أمير املؤمنني» الذي فجر ّكل املفاجآت وأعاد الحاملني بدولة الخالفة االستعدائي الذي يعبر عن أزمة ترحيل األزمات السياسية اإليرانية الشهيرة الطوباوية إلى صفوف االنتظار والترقب ودخل أتباع اإلسالم السياسي على والتي اقتبسها املالكي حني أطلق اتهاماته جزافا تجاه اململكة والخليج وبشكل اختالف مراتبهم وبدرجات متفاوتة في دين الخالفة أفواجا وإن كان بعضهم يدرك هو أنه جزء من إنتاج شرعيته املتوهمة التي تلفظ أنفاسها األخيرة عند اع�ت��رض على خالفة أب��و بكر م��ع التأكيد على أهمية الخالفة ف��ي ح��د ذاتها عقالء شيعة العراق قبل سنتهم (إدانة أداء املالكي الطائفي أهم وأنجع من تثوير كهدف منشود وأقصى! الطائفية وإنتاج حرب أهلية عراقية ،وهنا يمكن أن نشيد بالبيان السعودي املتعقل والذي يدعو إلى تسوية سياسية رغم الحمالت املغرضة ورغم رعونة عدد من رموز اإلسالم السياسي ،تغريدات حاكم املطيري وأمثاله كارثية إذا كيف نصنف «داعش» ما علمنا حجم تأثير هذه الشخصيات على جمهور غير قاعدي). إذن «داعش» هي منتج إرهابي منفصل عن «القاعدة» بعد أن كان جزءا منها، ثم أضيفت إليه أفكار جديدة إلى أن آل الوضع إلى هذا املزيج الذي يقترب من العودة إلى املصادر العصابات املنظمة منه إلى عمل جماعات العنف املسلح الدينية. يمثله �ان � ك �ذي ت�ع��ود ب ��ذور «داع ��ش» ل�ل�خ�لاف ال�ف�ك��ري ب�ين ت�ي��ار ال�ص�ق��ور ال � لقطع هذه الحيرة في فهم لغز «داع��ش» كان األح��رى بسيل التحليالت التي دخلت املهاجر الزرقاوي ،و«القاعدة» التقليدية ،وبعد مقتله ومقتل أبو حمزة تقترب من روايات الخيال العلمي قراءة نتاج «داعش» وهو منشور ومبذول، «داعش» مرحلة مشروع الدولة في العراق. سواء املنتج الفكري (رسائل /فتاوى /وصايا شهداء /الردود على املخالفني.. الخاطئة القراءة وأهمها كثيرة أسباب جزء من أزمة تحليل «داعش» تعود إلى إلخ) أو املجتمع الداعشي على اإلنترنت (معرفات «تويتر» /منتديات جهادية/ حركة منذ املسلح العنف جماعات عن لـ«التيارات املنغلقة» ،فالصورة املغلوطة وح�ت��ى كتيبات تحريضية ع ��ادة م��ا ت �ح��اول ع�م��ل دع��اي��ة م �ض��ادة لخصوم بحكم تغيرات أوال فهناك وأخواتها، «القاعدة» الخوارج تاريخيا ووصوال إلى «داعش») وأيضا من املهم معرفة قراءة «داعش» النسخة القاعدية ثم «داعش» الواقع على والتأثير التأثر بسبب �رى � خ وأ السياسي التاريخ وتغير الوضع النسخة العاملية التي تجتذب اآلن عناصر أجنبية (لك أن تتخيل أن أكثر لغة عن عنها تختلف «القاعدة» نشأة قبل الثمانينات ملجاهدي نفسه ،فالنواة األولى يجري التحدث بها من أنصار «داع��ش» هي الفرنسية بحكم غلبة العنصر القتال مرحلة عن جذريا تختلف كما إليها، أشرنا التي بيشاور» مرحلة «مطبخ املغاربي واألوروبي) ودخول قوميات فرعية صغيرة مرتبطة بحدود سوريا والشيشان. البوسنة إلى مقاتليها إرسال عبر «القاعدة» مارستها بالوكالة التي وهو ما يعني واقعا إرهابيا جديدا أقرب إلى التحالف األممي للذين ال يرون أي على �ل � ب �ري � ه �و � ج �رق � ف �ذا � ه و �ار � ك � ف األ مستوى على فقط ليس إذن ال�خ�لاف جدوى في التغيير إال من خالل العنف باعتباره الصوت الذي يجلب اإلعالم موقفهم البعيد، أو القريب العدو قتال أو العربية األنظمة من موقفهم مستوى واالهتمام الدولي والغرب وبالتالي يعيد إنتاج دعاية عكسية ألتباع التنظيم من التحالف مع استخبارات دول أخرى في مصلحة التنظيم ،التدفق املالي( ،منذ الهجوم على «داعش» زادت شعبية التنظيم لدى األوساط املتعاطفة مع
مقاتلون ينتمون إلى «داعش» يضعون الفتة كبيرة تحمل اسم التنظيم عند مدخل مدينة حلب بعد استيالء عناصر على شمال املدينة 8يناير (كانون الثاني) ( 2014غيتي)
التقاسم اإلرهابي لكعكة الشام والعراق كان سببا في الخالف بني التنظيمات املسلحة؛ «داعش» و«النصرة» باألساس وبقية الصغار حسب والءاتهم ومصالحهم الصغيرة
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
17
قصة الغالف
ُ تشير األحرف األربعة األكثر إثارة وتداوال «داعش» في عالم اليوم الواقعي واالفتراضي إلى «الدولة اإلسالمية في العراق والشام» على طريقة النحت اللغوي الذي يعمد اختصار األشياء وربما ترميزها ،لكن تلك الرمزية اللغوية ليست كل ما يبحث عنه مقاتلو «داعش» الذين تشكلوا في مطبخ «القاعدة» العراقي والذي كما هو الحال في املطبخ األفغاني والبوسني والشيشاني سابقا تجري إضافة نكهات محلية من شأنها تقبل مذاق «القاعدة» محليا ،وبالتالي هذا االشتباه في فهم وقراءة وتفسير «داعش» كما سيأتي جزء من ضريبة اصطباغها بثقافات املكان الراسخة كالبعث ال سيما في وجود مشتركات قيمية وتاريخية بني كل التنظيمات واآليديولوجيات واألصوليات املتطرفة في شكلها الديني أو القومي أو البعثي أو املاركسي.
من مهد املخابرات إلى لحد تقويض الدول
«داعش» ..اخلالفة السوداء ّ قصة تنظيم ولد مع «القاعدة» ونشأ في السجون ّ وشب مع البعث ويطمح إلى التمدد وصوال إلى «روما» بقلم: يوسف الديني
في البداية كانت «القاعدة» في العراق مستقلة وأقرب إلى التشكل املحلي مع إضافات هائلة في الخبرات واملوارد من قبل املتحولني من «البعث» إلى «القاعدة»
16
«داع��ش» مفاجأة األلفية الجديدة بال شك ،فالتنظيمات األصولية املسلحة والجماعات التي تؤمن بالتغيير العنفي والتي نشأت في نهايات القرن املاضي اصطبغت بطبيعة العمل السري الذي تتقنه جماعات العنف املسلح ،وت�ن��أى بنفسها ع��ن أي ظهور إع�لام��ي أو حضور اجتماعي ،كما أن شروط االنتساب عادة ما تتطلب فحصا فكريا وأمنيا وعادة ما يجري االنخراط في العمل السري عبر تكنيك «الشبكات» واملعارف أكثر من االنتساب املباشر أو من خالل اإلنترنت كما تفعل «داعش» الجديدة في إشارة إلى التحوالت الهائلة التي يعيشها «وحش» اإلرهاب اليوم ،فيما نكتفي نحن باجترار املفاهيم والتصورات القديمة عن «القاعدة» وأخواتها وبدايات العنف الدموي الذي رغم كوارثه التي نجنيها اليوم فإنه كان أكثر معقولية مقارنة بـ «داعش» املمثل األهم للفوضى الخالقة التي نعيشها اليوم.
«جبهة النصرة» مبكرا فرفضت االندماج وبدأت معارك إثبات الوجود التي ال تزال مستمرة إلى اآلن وإن كانت الغلبة على مستوى أبناء «القاعدة» ويتامى بن الدن لـ«داعش» رغم أن التنظيم رسميا يرفض االعتراف بالهزيمة حتى اللحظة. التقاسم اإلرهابي لكعكة الشام والعراق كان سببا في الخالف بني التنظيمات امل�س�ل�ح��ة؛ «داع ��ش» و«ال �ن �ص��رة» ب��األس��اس وب�ق�ي��ة ال�ص�غ��ار ح�س��ب والءات�ه��م ومصالحهم الصغيرة وإن كانت املبررات املقدمة لألتباع والجمهور العريض هو «الشرعية» فاالتهامات املتبادلة بالبغي والخروج على سلطة الحاكم الشرعي واملفاوضات بل واملحاكمات املجانية واإلعدامات كشفت ما كان مستورا ولم تظهر واقعا جديدا في الخالف بني التنظيمات املسلحة ح��ول أحقية تمثيل «الجهاد» وهو ما يعني إدراكهم لدورهم واالنتعاش املقبل ل��دورات اإلره��اب والعنف بعد انهيار الربيع العربي.
صخب البدايات
بدايات بنهكة محلية
أول ظهور لالسم الجديد «داع��ش» ف��ي أب��ري��ل (نيسان) ،2013ليس بهدف اإلع�لان الرسمي أو محاولة تضخيم شأن التنظيم كما يظن ع��ادة من يقرأ جماعات العنف املسلح خ��ارج نصوصها وسجاالتها الداخلية ،فالتسمية كانت هدفا استراتيجيا للتنظيم البتالع كل األسماك الصغيرة ،حيث انتشرت إبان الثورة السورية عشرات املجموعات الصغيرة ذات الطابع املحلي أو اآلتية من بعيد محملة بتجارب سابقة ،فهذه الجماعات املتناثرة تجمعت منذ الغزو األميركي للعراق الذي حرث املنطقة فكريا قبل أن يجتاحها عسكريا لتشكل جبهات ذات أهداف متباينة لكنها بمجموعها تريد العيش وفق أسلوب حياة «القاعدة» وأخواتها ،فاالنهيار املدوي إثر إسقاط دولة البعث وليس صدام بما يعنيه ذلك من انهيار مؤسسات الدولة والجيش والقيم واملكتسبات الناظمة للدولة القوية وبما يعنيه من صعود قوى وأقليات كانت مضطهدة وتراجع قوى أخرى كانت مهيمنة وحاكمة ولو تحت ظل البعث الوارف آنذاك قبل أن يحدث التقارب واالندماج الذي بعث مع سقوط صدام ثم النهاية ّ املروعة التي جمعت شتات الفرقاء تجاه هدف واحد وهو مقاومة االحتالل الجديد. الهدف األول إلعالن «داعش» لم يكن قرارا دعائيا أو محاولة تضخيم قدرات ّ املحببة في العراق والشام بقدر التنظيم الذي يجول طوال وعرضا في مناطقه ما كان تحديا وجوديا الفتراس األسماك «القاعدية» الصغيرة وهو ما أدركته
في البداية كانت «القاعدة» في العراق مستقلة وأقرب إلى التشكل املحلي مع إضافات هائلة في الخبرات واملوارد من قبل املتحولني من «البعث» إلى «القاعدة» سواء كان التحول على سبيل االقتناع والتبني وهو أقل أو على سبيل التحالف وال��والء املشترك لفكرة ط��رد املحتل واستهداف الحكومة الطائفية ،ووقتها كانت «داعش» تعمل تحت شعار «جماعة التوحيد والجهاد» ليتحول الحقا إلى تنظيم «القاعدة في بالد الرافدين» بعد تولي أبو مصعب الزرقاوي قيادته في 2004ومبايعته زعيم «القاعدة» السابق أسامة بن الدن ،وال يخفى أن إضافة «الرافدين» إلى التنظيم هو جزء من التواضع لقيمة ومكانة بن الدن الذي تسبب مقتله على يد األميركان إلى تحول كبير في التنظيم بعد الفراغ الهائل الذي خلفه. ّ املحلية واالهتمام بالشأن «القاعدة في ب�لاد الرافدين» كانت حريصة على العراقي إل��ى الحد ال��ذي اصطبغت فيه بمواصفات ج��دي��دة ،فهي أكثر ق��درة على التشكل واالص�ط�ب��اغ بالطابع امل�ح�ل��ي ،كما أن أفقها مفتوح ت�ج��اه كل التيارات املقاومة لالحتالل والبعث على رأسها ،كما أن استجابتها للتحركات االستخباراتية للدول التي تعمل فيها هو جزء من تضخم دورها السياسي ّ تصلبه تجاه على حساب اآليديولوجي على خالف تنظيم القاعدة املثالي في الفكرة األساسية ،الفصل بني عاملني وبني فسطاطني.
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
15
أحداث مصورة
افتتاح دورة ألعاب الكومنولث امللكة إليزابيث الثانية تتبادل الحديث مع فريق الهوكي االسترالي قبل توجهها واألمير فيليب ،دوق ادنبره ،ملشاهدة مباراة لهوكي النساء بني انجلترا وويلز في مركز غالسكو للهوكي الوطني خالل دورة العاب الكومنولث التي افتتحت يوم 24يوليو 2014في غالسكو ،اسكتلندا. (غيتي) 14
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
أحداث مصورة
اشتباكات القدس الشرقية شرطي سري اسرائيلي يشهر مسدسه على رجل فلسطيني خالل اشتباكات اندلعت بني الفلسطينيني وقوات االمن االسرائيلية عقب صالة الجمعة االخيرة من شهر رمضان الفائت بالقرب من البلدة القديمة في القدس الشرقية 25.يوليو ( 2014غيتي)
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
13
12
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
11
أحداث مصورة
احلرم املكي يف رمضان جموع املصلني في الحرم املكي ليلة السابع والعشرين من رمضان.. وتبدو في الصورة الساحات التابعة لتوسعة املسجد الحرام التي امر بها خادم الحرمني الشريفني مطلع شهر رمضان الفائت. (تصوير أحمد حشاد) 10
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
(اياتا) :الصعود إلى الطائرة ال يزال األكثر أمانا
معصوم رئيسا للعراق
< ش�ه��د ش�ه��ر ي��ول�ي��و امل��اض��ي ت�ح�ط��م ث�لاث طائرات ما اوق��ع اكثر من 460قتيال في اقل من اسبوع .فقد تحطمت طائرة تابعة للخطو الجوية املاليزية وقتل جميع ركابها وعددهم 298في 17يوليو (تموز) في شرق اوكرانيا ب �ع��دم��ا اس�ق�ط�ه��ا ص � ��اروخ ع �ل��ى االرج � ��ح في منطقة يسيطر عليها االنفصاليون املوالون لروسيا .واالربعاء 20يوليو تحطمت طائرة ت��اب�ع��ة ل�ش��رك��ة ت��ران��س-آس �ي��ا ال�ت��اي��وان�ي��ة ف��وق ج��زي��رة قبالة ت��اي��وان بعد م�ح��اول��ة ه�ب��وط في اح��وال جوية سيئة ما تسبب بمقتل 48من ركاب الطائرة ال.58 وفي اليوم التالي تحطمت فجر الخميس طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية اثناء قيامها برحلة ب�ين واغ��ادوغ��و وال�ع��اص�م��ة الجزائرية وعلى متنها 118شخصا على االق��ل بينهم 50فرنسيا فوق مالي.واعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هوالند في تصريح متلفز مقتضب “ليس هناك لالسف اي ن��اج».وع�ل��ى اث��ر ذلك اعلنت املنظمة الدولية للنقل الجوي (اياتا) انها «ستبذل كل الجهود» لتحسني سالمة الطيران التي تبقى اولوية .قال مدير املنظمة توني تايلر ف��ي بيان «بعد ث�لاث م��آس ف��ي فترة قصيرة جدا ،سيطرح الكثير من الناس بالتاكيد اسئلة حول سالمة الطيران».واضاف «سنظهر اكبر قدر من االحترام لذكرى الذين رحلوا عندما نبذل ك��ل جهد بحثا ع��ن االس�ب��اب والحرص على عدم تكرار ذلك».واضاف «لكن حتى في هذه الظروف ،فان الصعود الى طائرة ال يزال االكثر امانا.
املستشارة االملانية انجيال ميركل والرئيس األملاني يواكيم يقدمان التهنئة لالعب فيليب الم في 13يوليو ( 2014غيتي)
املانيا تحرز النجمة الرابعة
ممثل أقارب الضحايا اللبنانيني ينظر إلى حطام الطائرة الجزائرية املنكوبة في موقع الحادث في مالي -غرب غاو 26في يوليو ( 2014غيتي)
< انتخب ال�ب��رمل��ان ال�ع��راق��ي السياسي الكردي البارز فؤاد معصوم () 76عاما م��رش��ح ال�ت�ح��ال��ف ال�ك��ردس�ت��ان��ي رئيسا للبالد الخميس 24يوليو (تموز) ،بعد اج ��راء عملية االن�ت�خ��اب ح�ص��ل خاللها على 211صوتا من اصل 225صوتا. وادى معصوم القيادي في حزب االتحاد ال��وط�ن��ي ال�ك��ردس�ت��ان��ي ب�ع��د اع�ل�ان ف��وزه ال �ق �س��م ام� ��ام اع �ض��اء امل �ج �ل��س ،ل�ي�ت��ول��ى امل�ن�ص��ب خ�ل�ف��ا ل�ل��رئ�ي��س ال �س��اب��ق ج�لال طالباني زعيم الحزب ذاته. وك ��ان م�ع�ص��وم ال ��ذي ي�ع��د ث��ان��ي ك��ردي يتولى منصب رئاسة الجمهورية ،قد حصل على 175صوتا خ�لال الجولة االولى من االنتخابات التي صوت خاللها 225نائبا شاركوا في الجلسة . وت�ع�ث��رت ج�ه��ود ال �ق��ادة السياسيني ف��ي ال �ع��راق لتشكيل حكومة ج��دي��دة منذ االنتخابات التي جرت في ابريل (نيسان) وانتخب البرملان العراقي من قبل رئيسا للمجلس والخطوة التالية هي اختيار رئيس للوزراء والتي قد تكون أكثر صعوبة. ويرأس رئيس الوزراء العراقي نوري املالكي حكومة تسيير أعمال منذ االنتخابات ويتحدى مطالب سنية وكردية بتنحيه لصالح شخصية أقل استقطابا.
< أسدل الستار على كأس العالم ،أكبر ُعرس كروي تنتظره البشرية كل اربع أعوام ،وكانت البطولة أقيمت بالبرازيل في الفترة ما بني 12يونيو (حزيران) حتى 13يوليو (تموز) .وبعد 84عاما من االنتظار قالت القارة االوروبية كلمتها في القارة االميركية وذلك بفضل املنتخب االملاني الذي اضاف النجمة الرابعة الى صدره بفوزه على نظيره االرجنتيني -1صفر بعد التمديد في املباراة النهائية ملونديال البرازيل 2014التي اجريت على ملعب «ماراكانا» االسطوري .وجاء فوز املانيا بالكأس عن استحقاق وج��دارة خصوصا بعد ان حجز بطاقته الى النهائي الثامن في تاريخه بسحقه البرازيل املضيفة 1-7في الدور نصف النهائي. وع�ج��زت املنتخبات االوروب �ي��ة ع��ن ال�ف��وز باللقب ال�ع��امل��ي ف��ي ال �ق��ارة االميركية ب��اج��زائ�ه��ا ال�ج�ن��وب�ي��ة وال��وس �ط��ى وال�ش�م��ال�ي��ة ف��ي س�ب��ع م �ح��اوالت س��اب�ق��ة ،لكن «ناسيونال مانشافت» تمكن من فك عقدة القارة العجوز وتوج بلقبه االول منذ 1990والرابع في تاريخه بعد اع��وام 1954و 1974و ،1990بعدما تفوق على ارجنتني ليونيل ميسي بفضل هدف من البديل ماريو غوتسه في الدقيقة ،113 لتصبح اوروبا القارة االولى التي تتوج بثالثة القاب متتالية (فازت ايطاليا عام 2006واسبانيا عام .)2010 المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
08
االسبوع الخامس
سلمان الدوسري رئيسا لتحرير «الشرق األوسط» و»اجمللة» < أص ��در ع�ب��د ال�ل��ه س��ال��م ب��اح�م��دان، رئ � �ي� ��س م� �ج� �ل ��س إدارة «امل� �ج� �م ��وع ��ة السعودية لألبحاث والتسويق» ،قرارا بتعيني الزميل سلمان الدوسري رئيسا ل�ت�ح��ري��ر ص�ح�ي�ف��ة «ال �ش��رق األوس ��ط» اع �ت �ب��ارا م��ن األول م��ن ي��ول�ي��و (ت �م��وز) 2014املاضي ،وذلك ً بناء على موافقة م�ج�ل��س إدارة امل �ج �م��وع��ة ،وم �ص��ادق��ة م �ج �ل��س أم� �ن ��اء «ال� �ش ��رك ��ة ال �س �ع��ودي��ة لألبحاث والنشر». والزميل سلمان الدوسري خريج اإلدارة واالقتصاد .بدأ مشواره الصحافي من ب��واب��ة «امل�ج�م��وع��ة ال�س�ع��ودي��ة لألبحاث والتسويق» ع��ام 1998واستمر فيها ح �ت��ى اآلن ،إذ ع �م��ل ب ��داي ��ة ص�ح��اف�ي��ا متعاونا م��ع صحيفة «االق�ت�ص��ادي��ة»، ثم انتقل للعمل في صحيفة «الشرق األوس� � ��ط» م ��راس�ل�ا ل �ه��ا ف ��ي ال�ب�ح��ري��ن عام ،2004ومسؤوال عن التحرير في اإلم ��ارات العربية امل�ت�ح��دة ع��ام ،2006 وف��ي ديسمبر (ك��ان��ون األول) 2009 ج��رى تعيينه مساعدا لرئيس تحرير «ال� �ش ��رق األوس� � ��ط» ب �م �ق��ره��ا ال��رئ�ي��س في العاصمة البريطانية لندن ،قبل أن نّ يعي في أكتوبر (تشرين األول) 2011 رئيسا لتحرير «االقتصادية» .ورئيس تحرير مجلة «الرجل» في يناير .2011 كما يتولى رئاسة تحرير مجلة «املجلة». وأع ��رب ال��زم�ي��ل ال��دوس��ري ع��ن شكره وت� �ق ��دي ��ره مل �ج �ل��س األم � �ن� ��اء وم �ج �ل��س إدارة «امل�ج�م��وع��ة ال�س�ع��ودي��ة لألبحاث والنشر» على ثقتهم باختياره رئيسا ل�ت�ح��ري��ر ص�ح�ي�ف��ة «ال �ش��رق األوس ��ط» العريقة ،مؤكدا استمرار الصحيفة في سياستها التحريرية الرصينة.
08
االستثمار األجنبي يتدفق على البورصة السعودية
< أفادت وكالة األنباء السعودية بأن مجلس الوزراء السعودي قد وافق خالل اجتماعه االثنني 21يوليو ،2014على فتح املجال أمام اإلستثمار األجنبي املباشر ،لشراء وبيع األسهم املدرجة في السوق املالية السعودية. وجاء في نص البيان أنه «بعد االطالع على ما رفعه رئيس مجلس هيئة السوق املالية محمد آل الشيخ ،وبعد االط�لاع على توصية اللجنة الدائمة للمجلس االقتصادي األعلى ،وافق مجلس الوزراء على قيام هيئة السوق املالية وفقًا للتوقيت املالئم الذي تراه ،بفتح املجال أمام املؤسسات املالية األجنبية لشراء وبيع األسهم املدرجة في السوق املالية السعودية ،وذلك وفق ما تضعه هيئة سوق املال من قواعد في هذا الشأن». وتجاوب مؤشر السوق السعودي مع هذا القرار ،وكسر حاجز العشرة آالف نقطة ،وهو أعلى رقم يصل إليه السوق منذ ست سنوات.
محافظة عمران اليمنية تعود إلى حضن الدولة
< قال الرئيس اليمني عبد ربه منصور ه� ��ادي إن م�ح��اف�ظ��ة ع �م��ران “ع� ��ادت إل��ى سيطرة الدولة بعد خروج مسلحي الحركة الحوثية منها”. ج��اءت تصريحات ه��ادي في أثناء زي��ارة مفاجئة إلى عمران في أعقاب إبرام اتفاق يقضى بتطبيع األوضاع في املحافظة. وشهدت عمران ،التي تبعد عن العاصمة صنعاء 50كيلومترا ،منذ فبراير /شباط امل ��اض ��ي ق� �ت ��اال ب�ي�ن ال � �ق� ��وات ال �ح �ك��وم �ي��ة وال�ح��وث�ي�ين تدخلت فيه القبائل املحلية. وكان الحوثيون قد تقدموا من معاقلهم الجبلية في املنطقة صوب العاصمة. وقال الرئيس اليمني “ال مكان بعد اليوم للغة الرصاص والحوار هو البديل الوحيد لحل مشاكل اليمنيني” ،داعيا سكان عمران إلى العودة الى منازلهم. وص ��رح ه ��ادي ب��أن ال�ح�ك��وم��ة خصصت م�ي��زان�ي��ة إلع ��ادة إع �م��ار م��ا دم��رت��ه املواجهات من البنية التحتية للمدينة ،ووعد بتطبيق ق��رارات مؤتمر الحوار وإخضاع كل مناطق البالد لسيطرة الدولة بما فيها محافظة صعده. وكان مجلس األمن الدولي قد دعا املتمردين الحوثيني الى االنسحاب من مدينة عمران ،مهددا ،باإلجماع ،بفرض عقوبات على االطراف التي تعرقل عملية االنتقال السياسي في اليمن.
مظاهرات لندن :يهود يتضامنون مع الشعب الفلسطيني
مسيرة ضخمة انطلقت في لندن تضامنا مع الشعب الفلسطيني ضمت يهودا وجنسيات شتى (غيتي)
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
< تظاهر عشرة آالف شخص على االقل في لندن ،بحسب الشرطة ،للمطالبة ب "انهاء املجزرة في غزة" حيث ادى الهجوم االسرائيلي على قطاع غزة الى مقتل اكثر من الف فلسطيني. وتجمع املتظاهرون الذين رفعوا اعالم فلسطني وبافطات تدعو الى "انهاء الحصار االسرائيلي" لقطاع غزة ،عند منتصف النهار امام سفارة اسرائيل في حي كينسنغتون غرب لندن. ثم سار املتظاهرون باتجاه ساحة البرملان البريطاني ثم مقر الحكومة حيث هتف البعض "عار عليك يا ديفيد كاميرون". ونظمت تظاهرة مماثلة منذ اندالع االزمة في غزة. وتحدث العديد من الخطباء في التظاهرة بينهم املغني بريان اي�ن��و م��ن ف��رق��ة روك�س��ي م�ي��وزي��ك ،ل�ل��دع��وة ال��ى ان�ه��اء الهجوم االسرائيلي. وقتل اكثر من الف فلسطيني معظمهم من املدنيني منذ بدء الهجوم االسرائيلي على قطاع غزة في 8يوليو (تموز).كما قتل في النزاع 40عسكريا اسرائيليا اضافة الى مدنيني اثنني وعامل تايالندي.
الكتــاب املســاهمـون يف هـذا العـدد يوسف الديني :كاتب وباحث سعودي, متخصص في الحركات اإلسالمية وجماعات العنف السياسي ،له عمود أسبوعي في صحيفة الشرق األوسط ،صدرت له دراسة عن مركز املسبار للدراسات والبحوث بعنوان "التنوير في السعودية ،سجاالت السقوف املنخفضة". محمد عبد املطلب الهوني :قانوني ورجل ّ أعمال ليبي ،تولى القضاء بليبيا حتى سنة ّ استقر بإيطاليا ،حاصل على دكتوراه ،1975ثم ّ الجنائي وعلم اإلجرام من جامعة في القانون روما سنة .1978 فضل بن سعد البوعينني :كاتب واعالمي سعودي ومستشار اقتصادي مختص في االستثمار واألسواق املالية .أمني عام الجمعية السعودية لكتاب الرأي .خبرة عملية أكثر من 25 عاما في القطاع املصرفي .ماجستير في إدارة األعمال. بشير عبد الفتاح :أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي ،متخصص في الشؤون املصرية واآلسيوية .رئيس تحرير مجلة «الديمقراطية» الصادرة من مؤسسة األهرام ..وباحث في مركز األهرام للدرسات السياسية واإلستراتيجية. أعلية عالني :مؤرخ وباحث ُ وم ّ درس في كلية اآلداب والفنون واإلنسانيات «منوبة» بتونس العاصمة .وعضو بالهيئة املديرة ملركز دراسات األمن الشامل بتونس .يختص بحركات اإلسالم السياسي والتيارات السلفية والظاهرة اإلرهابية بشمال إفريقيا واملشرق العربي. سعيد عكاشة :باحث في الشأن اإلسرائيلي ومساعد لرئيس تحرير مجلة مختارات إسرائيلية التي تصدر عن مركز الدراسات السياسية واإلستراتيجية باألهرام ( – 2002 وحتى اآلن) رئيس وحدة الدراسات اإلسرائيلية باملنظمة العربية ملناهضة التمييز (2003 – ) 2009كتب عشرات البحوث في الشأن اإلسرائيلي. المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
7
المحتوى
االنتخابات الرئاسية في تركيا ..صراع إردوغان وأوغلي وديمرطاش
مشروع عثماني أم بحث عن هوية؟
صراع األجنحة ومستقبل الصراع بني حفتر والتيار اإلسالمي املدعوم من الحكومة
من مهد املخابرات إلى لحد تقويض الدول
«داعش».. اخلالفة السوداء
ليبيا واخملاطر األمنية.. األسباب والتداعيات
التجارة اإللكترونية وشركات اإلنترنت في السعودية
سيطرة معلوماتية صراع «البراغماتية» الفلسطينية بني مشعل ودحالن
احلرب على غزة ..الكل خاسر نجاح إسرائيل التكتيكي وإخفاقها االستراتيجي
كيف انتصرت املقاومة؟
6
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
االفتتاحية
.. رساله المحرر لقد أصبحت «داعش» مفاجأة األلفية الجديدة بال منازع ،بأسلوبها املختلف ومنهجها املثير في العمل ،فالتنظيمات األصولية املسلحة والجماعات التي تؤمن بالتغيير العنيف والتي نشأت في نهايات القرن املاضي اصطبغت بطبيعة العمل السري الذي تتقنه الجماعات املسلحة ،وتنأى بنفسها عن أي ظهور إعالمي أو حضور اجتماعي ،كما أن شروط االنتساب عادة ما تتطلب فحصا فكريا وأمنيا ،وعادة ما يجري االنخراط في العمل السري عبر تكنيك «الشبكات» واملعارف أكثر من االنتساب املباشر أو من خالل اإلنترنت كما تفعل «داعش» الجديدة ،وما أحدثته من تحوالت هائلة يعيشها «وحش» اإلرهاب اليوم. في هذا العدد من «املجلة» يكتب الباحث في «الجماعات االصولية» يوسف الديني ملفا موسعا حول قصة تنظيم «داعش» (من مهد املخابرات ..إلى لحد تقويض الدولة) ،حيث تتبع الكاتب جذور التنظيم ،ومراحل تشكله وتحوله، وعالقته بتنظيم القاعدة ،والنهج الجديد الذي بثه في التنظيمات الجهادية املسلحة ،والذي انتهى أخيرا إلى أن يصعد أبو بكر البغدادي على منبر جامع املوصل طالبا البيعة من عموم املسلمني باعتباره خليفة لهم. وفي قضية أخرى يكتب الصحافي املصري بشير عبد الفتاح حول االنتخابات الرئاسية التركية ،وصراع الهوية بني الجذور العثمانية والشخصية الحداثية لتركيا ،فبإعالن محمد علي شاهني ،نائب رئيس حزب العدالة والتنمية ،رسميا في اجتماع عقد بالعاصمة أنقرة ،مطلع شهر يوليو (تموز) ،ترشيح زعيمه رئيس الوزراء رجب طيب إردوغان لخوض االنتخابات الرئاسية املقبلة ،املزمع إجراؤها يومي 10و 24أغسطس (آب) الحالي باالقتراع السري العام املباشر للمرة األولى ،واعتماد لجنة االنتخابات التركية في 11يوليو لترشح إردوغان ،وأكمل الدين إحسان أوغلي ،مرشح املعارضة اليسارية والقومية ،وصالح ديمرطاش ،مرشح حزب السالم والديمقراطية الكردي ،تكون خارطة السباق الرئاسي التركي املرتقب قد تحددت مالمحها ،ويحلل الكاتب في مقاله فرص وحظوظ املرشحني املتسابقني على رئاسة دولة باتت تحتل قوة متصاعدة في ملفات الشرق والغرب. ومن رفح وسيناء مصر ،يكتب الصحافي سعيد عكاشة عن صراع البراغماتية الفلسطينية بني خالد مشعل ومحمد دحالن ،فمشاهد الدمار ورائحة املوت التي تفوح من غزة منذ اندالع املواجهات العسكرية بني إسرائيل وحركة حماس لم تمنع فرسي الرهان في الحلبة الفلسطينية عن مواصلة الصراع بينهما حول من سيكون الرقم األهم في معادلة الداخل الفلسطيني في السنوات املقبلة .محمد دحالن بعد فترة من الكمون عاد بقوة ليدلي بتصريحات حول األوضاع الفلسطينية عامة ،وحول عدوه اللدود أبو مازن وحركة حماس ،محمال كليهما مسؤولية ما جرى للفلسطينيني .أما فرس الرهان اآلخر خالد مشعل الذي ربما يأمل بإنهاء وجود فتح ومنافسه محمد دحالن أكثر من تحرير فلسطني من االحتالل اإلسرائيلي ،فقد استغل الحرب األخيرة في غزة ليؤكد أنه العنوان الصائب الذي يجب أن تتجه إليه اآلمال الفلسطينية عبر اإلصرار على املقاومة واالدعاء بحتمية انتصارها على كل دعاة التسوية السلمية مع إسرائيل. وفي موضوع آخر يتناول الصحافي الكويتي زيد العنزي أحوال املعارضة الكويتية ،متتبعا الدعم القادم من قطر لها، وطبيعة التغلغل اإلخواني داخلها الذي يريد أن يجرها ألهداف «الربيع العربي» في املنطقة. إضافة إلى العديد من امللفات والتقارير التي تتناول األحداث الدولية واإلقليمية الراهنة ،وعدد من الترجمات ألهم املقاالت في الصحف الغربية ،والكتب الصادرة حديثا. ندعوك عزيزي القارئ لقراءة هذه املواضيع وغيرها الكثير على موقعنا majalla.comونرحب دائما بآرائك ،وتعليقاتك.
المحرر 4
المجلة /العدد 1598آب -أغسطس 2014
رئيس التحرير
�سلمان بن يو�سف الدو�سري Salman Aldossary مساعد رئيس التحرير
مانويل �آمليدا
Manuel Almeida
ĴĽŬ ĚŠĴĽŤ ŚťšũŤē źIJżřŭĝŤē ĺżĐĴŤē مدير التحرير +y:a ` 3x3Na - M k 1fM
عز الدين �سنيقرة
Acting CEO of NASHR Co.
Azeddine Senegri
Omar A. Alshaikh :مسؤول مكتب اخلليج ﻣﺴﺆول ﻣﻜﺘﺐ اﳋﻠﻴﺞ
ĴĽŬ ĚŠĴĽŤ ŚťšũŤē źIJżřŭĝŤē ĺżĐĴŤē +y:a ` 3x3Na - M k 1fM
الر�شيد عبد اهلل ^¤ 7yG* Ò* ^d< :سكرتري التحرير
اﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﺳﻜﺮﺗﲑ ĴĽŬ ĚŠĴĽŤ ŚťšũŤē źIJżřŭĝŤē ĺżĐĴŤē Acting CEO ofم�صطفى NASHR Co. الد�سوقي Omar A. Alshaikh +y:a ` 3x3Na - M k 1fM
¥E¢ الفين6^G* £ }H اإلخراج
ǀżȤƾƪƵƴŽ Acting CEO of NASHR عثمان عليCo.
ΔϤϠϛ ϰϠϋ ΪϳΰΗ ϻ ΐΠϳ ΕϻΎϘϤϟ ϊϴϤΟ ΔχϮΤϠϣ HGLWRULDO#PDMDOOD FRP ϲϧϭήΘϜϟϹ ΪϳήΒϟ ϰϠϋ ΔϠγήϤϟ ϰΟήϳ ˯έ ϭ ΕϻΎϘϣ ϝΎγέϹ Omar A. Alshaikh
للمشاركة ȝƾżȚǍƄŵȚ
كلمة 800 جميع المقاالت يجب أال تزيد على: ملحوظةeditorial@majalla.com إلرسال مقاالت أو آراء يرجى المراسلة على البريد اإللكتروني ZZZ LVVXX FRP PDMDOOD ΔϴϧϭήΘϜϟϻ ϲϓ ϙήΘηϼϟ VXEVFULSWLRQV#PDMDOOD FRP ˰Α ϝΎμΗϻ ϰΟήϳ ˬΔϴϤϗήϟ ΔόΒτϟ ϲϓ ϙήΘηϼϟ
اشتراكات ϡΎψϧ ϱ ϲϓ ΎϬϨϳΰΨΗ ϭ ΎϬϨϣ ˯ΰΟ ϱ ϭ ΔϠΠϤϟ ΔϋΎΒσ ΓΩΎϋ· ϝϮΣϷ Ϧϣ ϝΎΣ ϱ΄Α ίϮΠϳ ϻϭ ΓΩϭΪΤϣ Δϛήη ΓΪΤΘϤϟ ΔϜϠϤϤϟ ϖϳϮδΘϟϭ ΙΎΤΑϸϟ ΔϳΩϮόδϟ Δϛήθϟ Ϧϋ έΪμΗ ϲΘϟ ΔϠΠϤϟ ΔϠΠϤϟ ΔχϮϔΤϣ ήθϨϟ ϕϮϘΣ ϲϘϠΘϟ ˱ΎϳήϬη ΔϠΠϤϟ έΪμΗϭ ΓΩϭΪΤϣ Δϛήη ϖϳϮδΘϟϭ ΙΎΤΑϸϟ ΔϳΩϮόδϟ Δϛήθϟ Ϧϣ ϖΒδϣ ϳήμΗ ϰϠϋ ϝϮμΤϟ ϥϭΩ ϪΑΎη Ύϣ ϭ ΎϬϠϴΠδΗ ϭ ΎϫήϳϮμΗ ϭ Δϴϟ ϭ ΔϴϧϭήΘϜϟ· ΔϠϴγϭ ϱ ϭ ΓέϮλ ϱ΄Α ΎϬϠϘϧ ϭ ϲϋΎΟήΘγ www.issuu.com/majalla : لالشتراك في االلكترونيةsubscriptions@majalla.com : يرجى االتصال بـ،لالشتراك في الطبعة الرقمية ZZZ PDMDOOD FRP ΓέΎϳί ϰΟήϳ ˬϲϤϗήϟ ϙήΘηϻ ΕέΎδϔΘγ
وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة المجلة أو أي جزء منها أو تخزينها في أي نظام. التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (المملكة المتحدة) شركة محدودة2009 حقوق النشر محفوظة لمجلة المجلة لتلقي.ً وتصدر المجلة شهريا.)استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون الحصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (شركة محدودة www.majalla.com يرجى زيارة،استفسارات االشتراك الرقمي
LVVXH
$XJXVW
Ώ βτδϏ ΩΪόϟ
++ 6DXGL 5HVHDUFK DQG 0DUNHWLQJ 8. /WG Issue 1598 - August 2014 $UDE 3UHVV +RXVH +LJK +ROERUQ /RQGRQ :& 9 $3 HH Saudi Research and Marketing (UK) Ltd 7HO )D[ Arab Press House, 184 High Holborn, London WC1V 7AP Tel: +44 207 831 8181 - Fax: +44 207 831 2310
ϰμμΨΘϟ ϊσΎϘΗ ΔϜϣ ϖϳήσ ΕήϤΗΆϤϟ ϲΣ νΎϳήϟ ΎϬϟ κΧήϣ 2014 أغسطس- آب1598 العدد
$ 0RQWKO\ 3ROLWLFDO 1HZV 0DJD]LQH ϥΪϨϟ ϒΗΎϫ νΎϳήϟ
ZZZ PDMDOOD FRP HQJ
تقاطع التخصصى- طريق مكة- حي المؤتمرات- الرياض
مرخص لها
A Monthly Political News Magazine +44 207 831 8181 : لندن- 4419933 هاتف:الرياض
KT#DONKDOHHMLDK FRP ϲϧϭήΘϜϟ· ΪϳήΑ ˬZZZ DONKDOHHMLDK FRP ϲϧϭήΘϜϟ· ϊϗϮϣ www.majalla.com/eng ϝϭΪϟ ϒϠΘΨϣ Ϧϣϭ ˬ ϥΪϨϟ ˬ βϳέΎΑ ˬ ϲΑΩ ˬ ΔϜϠϤϤϟ ϞΧΩ Ϧϣ
hq@alkhaleejiah.com : بريد إلكتروني،www.alkhaleejiah.com :موقع إلكتروني +966 11 441 1444 : ومن مختلف الدول، +44 207 404 6950: لندن، +331 537 764 00: باريس،+9714 3 914440 : دبي،920 000 417 : من داخل المملكة
ϲϧϼϋϹ ϞϴϛϮϟ الوكيل اإلعالني
ϲϧΎΠϣ ϒΗΎϫ ˬZZZ DUDEPHGLDFR FRP ϲϧϭήΘϜϟ· ϊϗϮϣ ˬ LQIR#DUDEPHGLDFR FRP ϲϧϭήΘϜϟ· ΪϳήΑ
ΕΎϛήΘηϹ Ϟϴϛϭ
800-2440076 : هاتف مجاني،www.arabmediaco.com : موقع إلكتروني، info@arabmediaco.com :بريد إلكتروني
وكيل اإلشتراكات
ˬ βϛΎϓ ϒΗΎϫ ˬ νΎϳήϟ Ώ ι ΕήϤΗΆϤϟ ϲΣ ΔϳΩϮόδϟ ΔϴΑήόϟ ΔϜϠϤϤϟ ϲϓ ϊϳίϮΘϟ Ϟϴϛϭ ZZZ VDXGLGLVWULEXWLRQ FRP ϲϧϭήΘϜϟ· ϊϗϮϣ ،+966 11 2121774 : فاكس+966 11 4419933 : هاتف،11585 الرياض- 62116 ب. ص- وكيل التوزيع في المملكة العربية السعودية حي المؤتمرات www.saudidistribution.com :موقع إلكتروني
ZZZ KDODSULQWFR FRP ϲϧϭήΘϜϟ· ϊϗϮϣ ˬ βϛΎϓ ˬ ϒΗΎϫ ˬ νΎϳήϟ Ώ ι
�شركات ن�شر شركات نشر
ϊϳίϮΘϟ Ϟϴϛϭ
وكيل التوزيع
ΔϋΎΒτϟ ΰϛήϣ
ΔϋϮϤΠϤϟ ΕΎϛήη www.arabmediaco.com
Saudi Specialized Publishing املتخصص السعودية للنشر الشركةCompany www.sspc.com.sa
áeÉ©dG äÉbÓ©dGh ¿ÓYEÓd á«é«∏ÿG
www.srpc.com 6DXGL 6SHFLDOL]HG 3XEOLVKLQJ &RPSDQ\
حقوق التوزيع لهذه المطبوعات محفوظة
»لشركة «تريبيون لخدمات اإلعالم
ΔχϮϔΤϣ ΕΎϋϮΒτϤϟ ϩάϬϟ ϊϳίϮΘϟ ϕϮϘΣ
©ϡϼϋϹ ΕΎϣΪΨϟ ϥϮϴΒϳήΗª Δϛήθϟ 8002440014 يرجى اإلتصال على الهاتف المجاني،المعلومات للحصول على المزيد من
»حقوق النشر لهذه المطبوعات باللغة العربية مرخصة «المجلة
العدد 1598آب -أغسطس 2014
مجلة العرب الدولية شهرية سياسية
تأسست في لندن عام 1980
من مهد املخابرات �إىل حلد تقوي�ض الدول
للحصول على العدد اسـتخـدم هاتفــك ال ــذكي لـمــسح هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم 08
ISSN 1319-0873
9 7 7 1319 087013
Issue 1598 - August 2014
اإلخواني شؤون سياسية :الكويت :المعارضة المفككة ..بين الدعم القادم من قطر والتغلغل ..
في مديح الملكية :التجربة السياسية العربية من شعار الثورة إلى غول الجمهورية قضايا.. :
في السعودية اقتصاد :سيطرة معلوماتية :التجارة اإللكترونية وشركات اإلنترنت .. www.majalla.com