Skip to main content

خريف الاقتصاد

Page 1

‫‪cartier.com‬‬

‫روتوند دو كارتييه‬

‫مكرر الدقائق‪ ،‬التوربيون المحلقة ‪ 9402‬إم سي‬ ‫موثقة بدمغة جنيف‪ ،‬الكاليبر ‪ 9402‬إم سي دو كارتييه تجمع مابين اثنتين من أكثر تعقيدات الساعات الكبرى اعتباراً و‬ ‫ً‬ ‫هيبة‪ :‬مكرر الدقائق و التوربيون المحلقة‪ .‬بضغطة واحدة على الزر الجانبي يقوم مكرر الدقائق بتفعيل مطرقتين يمكن‬ ‫رؤيتهما من خالل ميناء الساعة فتعطيان الرنات التي تشير بالترتيب إلى الساعات و أرباع الساعات و الدقائق بالتطابق مع ما‬ ‫تؤشر إليه عقارب الساعة‪ .‬يتم تنظيم الرنات بواسطة دوالب موازنة يعمل بالقصور الذاتي و يمكن رؤيته في موقع الساعة‬ ‫السادسة و يكمل ألف دورة في الدقيقة‪ .‬مطور من خالل عدم وجود الجسر الذي يربطه إلى ميناء الساعة‪ ،‬يظهر التوربيون‬ ‫المحلق و كأنه يطفو في قلب الساعة مبدع ًا تأثيراً بصري ًا فريداً‪.‬‬ ‫علبة الساعة من التيتانيوم‪ ،‬تاج مصقول مرصع بحجر السافير بقطع كابوشون‪ ،‬حركة ميكانيكية بتعبئة يدوية شغل الدار‪،‬‬ ‫مكرر الدقائق و توربيون محلق كاليبر ‪ 9402‬إم سي‪ ،‬تصديق دمغة جنيف (‪ 45‬جوهرة‪ 447 ،‬جزءاً‪ ،‬تردد ‪ 21600‬ذبذبة في‬ ‫الساعة‪ ،‬خزان طاقة مزدوج‪ ،‬احتياطي الطاقة قرابة ‪ 50‬ساعة)‪ ،‬مكرر الدقائق مع دوالب موازنة‪ ،‬مطارق و أجراس قرصية‬ ‫مرئية على جانب الميناء‪ ،‬توربيون محلق بدوار على شكل الحرف ‪. C‬‬

‫بوتيك كارتييه في المملكة العربية السعودية‪ ،‬الرياض‪ ،‬ساكس فيفث أفنيو‪ ،‬مركز المملكة‪،)01( 211 2450 :‬‬ ‫مجمع سنتريا‪ ،‬شارع العليا العام‪)01( 462 6959 :‬‬ ‫ّ‬ ‫جدة‪ ،‬شارع التحلية‪)02( 660 0720 :‬‬ ‫ّ‬ ‫مجمع الراشد مول‪)03( 881 4484 :‬‬ ‫‪،13‬‬ ‫الخبر‪ ،‬بوابة‬ ‫ّ‬


‫الكلمة الأخرية‬

‫بقلم‪ :‬علي ابراهيم‬

‫*‬

‫ح�سابات نهاية‬ ‫العامل عند بوتني‬

‫* نائب رئيس تحرير جريدة‬ ‫«الشرق األوسط»‬

‫‪66‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫بينما كان عشرات آالف أو ربما ماليين المهووسين بالنبوءة المنسوبة لحضارة المايا المكسيكية بنهاية العالم‬ ‫في ‪ 21‬ديسمبر الماضي يتوجهون الى أماكن يعتقدون انهم يمكن ان يختبئوا فيها‪ ،‬كان هناك رجل لديه‬ ‫اإلجابة المطمئنة بأن الموعد لم يأت بعد حسب حساباته‪.‬‬ ‫إنه فالديمير بوتين الرئيس الروسي الذي عقد مؤتمرا صحافيا تاريخيا وماراثونيا يندر ان يعقد مثله رئيس‬ ‫دولة سواء من حيث الوقت ‪ -‬حوالي ‪ 4‬ساعات ونصف الساعة ‪ -‬أو عدد الصحافيين المشاركين و البالغ‬ ‫عددهم ‪ 1200‬صحافي ومراسل يتنافسون على جذب انتباه الرئيس الحريص على مظهره الشبابي على‬ ‫الرغم من أنه أتم حديثا الستين عاما‪.‬‬ ‫مؤتمر حاشد يعد األول لبوتين منذ عام ‪ ،2008‬والجميع ينتظر إجابات حول قضايا ملحة صنعت عناوين‬ ‫التلفزيونات والصحف في اليوم التالي‪ ..‬من سوريا وإيران إلى الفساد والديمقراطية ومنع األميركيين من‬ ‫تبني األطفال روس‪ ..‬كل حسب اهتمامه‪ ،‬فأربع ساعات ونصف الساعة من األسئلة واإلجابات كانت كفيلة‬ ‫بأن يحصل كل صحافي أو وسيلة إعالمية على ما يهمه‪.‬‬ ‫في المؤتمر الصحافي أجاب بوتين على سؤال بلهجة الواثق‪ ،‬نعم أنا أعرف موعد نهاية العالم‪ ،‬وعندما‬ ‫لوحق بالسؤال مجددا متى‪ ،‬قال بعد حوالي ‪ 4.5‬مليار سنة تقريبا مقدما تفسيرا علميا بأن دورة حياة الشمس‬ ‫تقدر بحوالي ‪ 7‬مليارات سنة‪ ،‬وقد عاشت الشمس حوالي ‪ 4.5‬مليارات سنة‪ ،‬اذن المتبقي نحو ‪ 4.5‬مليارات‬ ‫سنة لينتهي العالم‪ ،‬ولم يقدم بوتين تفسيرا لحسبته ألن ‪ 4.5 + 4.5‬تساوي ‪ 9‬مليارات عام!‬ ‫لكن حسابات نهاية العالم عند بوتين هي التي خطفت عناوين الكثير من الصحف الغربية أكثر من أي‬ ‫شيء أخر وأضافت إلى نوادر شخصيته‪ ..‬فالرجل قادر على سرقة األضواء وهو يفعل الكثير من حمالت‬ ‫العالقات العامة طوال الـ‪ 12‬عاما التي أمضاها في دوائر الكرملين رئيسا لمرتين ثم رئيسا للوزراء‪ ،‬ورئيسا‬ ‫فعليا من وراء الستار‪ ،‬حتى عاد الى المنصب مرة اخرى هذا العام في مايو الماضي‪.‬‬ ‫قد يحكم بوتين فترتين أخرتين اذا لم يتغير الدستور الروسي الذي يمنع الترشح ألكثر من فترتين‪ ،‬لكنه‬ ‫بالتأكيد طبع السياسة الروسية بطابعه طوال الـ‪ 12‬عاما الماضية‪ ،‬والمؤكد ان التاريخ سيضع فترة حكمه‬ ‫ أيا تكن مدة امتدادها ‪ -‬تحت تعريف الفترة البوتينية في التاريخ الروسي الحديث‪ ،‬ليرسخ ظاهرة موجودة‬‫دائما في تاريخ األمم وهي الدور الحيوي والهام الذي يلعبه بعض االفراد او الشخصيات في بعض االحيان‬ ‫في مسار دولهم بخاصة في فترات التحول او القالقل او المفاصل التاريخية المهمة‪ ،‬فهم قد ينقذون السفينة‬ ‫او يأخذونها الى المهالك‪.‬‬ ‫بوتين قام بهذا الدور بالنسبة الى روسيا االتحادية‪ ،‬التي كانت في حاجة الى شخصية تعطي احساسا‬ ‫للجمهور الروسي بالقوة والقدرة على الحفاظ على األمن والمصالح وإعادة المجد الضائع‪ ،‬فهو القادم من‬ ‫جهاز االستخبارات تسلم الحكم بعد فترة قالقل وعدم استقرار منذ انهيار امبراطورية االتحاد السوفياتي‬ ‫السابق‪ ،‬وخروج نحو ‪ 15‬جمهورية منه‪ ،‬فقد كان هناك وضع اقتصادي مضطرب واثرياء جدد‪ ،‬وفقراء‬ ‫جدد‪ ،‬واألهم شعور عام بأن المكانة والنفوذ الدولي فقدا بالنسبة الى دولة كانت تصنف على انها واحدة من‬ ‫قوتين عظميين تقتمسان النفوذ في العالم وتجوب أساطيلهما كل مكان في البحار تقريبا‪.‬‬ ‫لم يدخر بوتين وسعا سواء هو بشخصه أو ماكينة الدولة الروسية لترسيخ صورة الرئيس القوي‪ ،‬وقد‬ ‫يكون هو أدخل عليها لمساته الشخصية بصورته الشهيرة وهو يلعب مصارعة الجودو او قيادة السيارات‬ ‫الرياضية السريعة أو الصيد في البراري أو الغطس‪ ،‬الى آخر ابتكاراته في حملة العالقات العامة هذه عندما‬ ‫قام بالطيران بما يشبه طائرة شراعية خفيفة لقيادة ‪ 6‬من الطيور السيبيرية النادرة الى طريق الهجرة المعتادة‬ ‫بالنسبة الى هذه الطيور‪.‬‬ ‫مشكلة هذه الصورة او االنطباع عند الناس ان التقدم في العمر البد أنه لقي بظالله عليها‪ ،‬فال شيء دائم‪،‬‬ ‫لذلك عندما خرجت تقارير توعك بوتين او تعرضه إلصابة رياضية في ظهره الشهرين الماضيين‪ ،‬كان‬ ‫هناك اهتمام كبير وتساؤالت حول مستقبله السياسي‪ ،‬على الرغم من ان مسألة التوعك شيء طبيعي حتى‬ ‫بالنسبة الى الزعماء‪.‬‬ ‫ويبدو أن هذه المسألة ثار اهتمام وبحث حولها‪ ،‬فقد نشرت احدى الصحف الروسية أخيرا تقريرا التقطته‬ ‫“واشنطن بوست” عن البحث عن “نيو لوك” لبوتين بعد ان اصبح عمره اآلن ‪ 60‬عاما‪ ،‬فقد ال يستطيع‬ ‫مستقبال ان يمارس رياضات خطرة مثلما كان يفعل‪ ،‬وقد يحتاج ان يترك التجاعيد تدخل وجهه بعض‬ ‫الشيء‪ ،‬او يترك بعض الشيب يظهر لتكون صورة بوتين الجديد في االنطباع الشعبي هي السياسي صاحب‬ ‫الخبرة والحكمة‪ ،‬والقوة في نفس الوقت‪.‬‬ ‫هل سنرى هذا التحول قريبا‪ ،‬نحتاج الى االنتظار‪ ،‬وان كانت الصورة أو المظهر سيكونان أقل تأثيرا في‬ ‫المرحلة البوتينية الثانية التي بدأت بواليته الرئاسية الجديدة‪ ،‬ألن اتجاهات الرأي العام بدأت تظهر تغيرا في‬ ‫المزاج العام ظهر من خالل االحتجاجات التي رافقت انتخابات الرئاسة األخيرة‪ ،‬واستمرار الحراك النشط‬ ‫للمعارضة هناك‪ ،‬قد يكون الرئيس محتاجا الى أشياء اكثر من مجرد “نيو لوك”‪.‬‬


‫التي تنتظر منذ خمسة أعوام لكي تنشر‪ .‬عندما قرأت‬ ‫الترجمة اإلنجليزية‪ ،‬وبناء على صداقتي ومعرفتي‬ ‫القديمة بأعمال وفن دولت آبادي‪ ،‬كانت أذناي تبحثان‬ ‫عن الصوت األصلي للرواية باللغة الفارسية‪ .‬تماما‬ ‫كما يقرأ المرء آيات القرآن باللغة اإلنجليزية ثم تتذكر‬ ‫وتردد اآليات األصلية باللغة العربية‪ .‬عندما كنت أقرأ‬ ‫الرواية باإلنجليزية‪ ،‬الحظت شكوكا وريبة ال تتوقف‬ ‫في مخيلتي‪ :‬بأنه ال بد وأن نية دولت آبادي أمر آخر‪.‬‬ ‫كنت أنتظر بشغف قراءة النص األصلي‪ .‬ووصل‬ ‫دولت آبادي إلى لندن في أكتوبر (تشرين األول)‪،‬‬ ‫وألقى محاضرة على القراء والمعجبين برواية‬ ‫«العقيد» في كلية الدراسات الشرقية واألفريقية‬ ‫بجامعة لندن‪ .‬لم يكن يحمل النص األصلي معه‪ ،‬وكان‬ ‫سيذهب إلى ألمانيا ليقابل ابنه سياوش‪ .‬أخبرته أنني‬ ‫سآتي إلى دوسلدورف وأقرأ الرواية هناك‪ .‬وذهبت‬ ‫إلى هناك وقرأتها مرتين‪ .‬وكانت هناك فرصة أيضا‬ ‫للحديث مع دولت آبادي‪ ،‬وهي واحدة من الفرص‬ ‫التي ال أنساها‪.‬‬ ‫الفكرة الرئيسية في الرواية هي الشعور باأللم‬ ‫والخوف ذاته الذي يتغلغل بعد كل ثورة‪ ،‬أو في‬ ‫منتصف الحرب أو أثناء القمع‪ .‬لقد دون كاتب مثل‬ ‫دولت آبادي هذا األلم إلى األبد‪ ،‬مثل األلم الذي‬ ‫وضعه ميخائيل بولجاكوف في روايته الخالدة‪ ،‬وكان‬ ‫قد أحرق المسودة األولى للرواية‪ ،‬واعتاد الجلوس في‬ ‫عزلة والشعور بالحزن‪ .‬ال شك في أن روايته تقدم‬ ‫تعريفا حقيقيا لعصر ستالين‪.‬‬ ‫حجز دولت آبادي لي غرفة في فندق رينشيرهوف‬ ‫بالقرب من منزل سياوش‪ .‬وكان الوقت متأخرا ليال‬ ‫عندما وصلت إلى غرفتي وقرأت الرواية كاملة حتى‬ ‫اليوم التالي‪ .‬ومع ظهور فكرة األلم في ذهني‪ ،‬شعرت‬ ‫بمرارة في حلقي‪ .‬في بعض األحيان كنت أضع‬ ‫الرواية جانبا وأغمض عيني بسبب إصابتي بالصداع‬ ‫في مؤخرة رأسي وفوق عيني‪ .‬ولكن بعد فترة وجيزة‪،‬‬ ‫كنت أستيقظ فجأة على شعور بالخوف‪ .‬توجد أوجه‬ ‫تشابه غريبة بين دولت آبادي وحائز جائزة نوبل مو‬ ‫يان‪ ،‬فكالهما يتحدث عن حقائق مرعبة داخل وخارج‬ ‫حياة الناس‪.‬‬

‫(سقوط العقيد‪ :‬ص ‪.)49‬‬ ‫هذا الشعور باإلرهاق والهالك قريب وملموس بقوة‪.‬‬ ‫فأنت لم تعد تقرأ رواية من أجل المتعة‪ ،‬بل تستمع‬ ‫لمن يتحدث عن أعماق حياة البشر وحياتك‪ .‬نظم‬ ‫الشاعر اإليراني الشهير أحمد شاملو قصيدة تحت‬ ‫عنوان «قصيدة اليوم»‪ ،‬قال فيها‪:‬‬ ‫قصيدة اليوم عن معركة البشر‬ ‫ألن الشعراء‬ ‫ذاتهم فرع في غابة البشر‬ ‫ولم يعودوا الياسمين والزهور في منزل السيد»‬

‫بمعنى أن «العقيد» ليست مثل رواية «البومة‬ ‫العمياء» لصادق هدايت‪ ،‬والتي كتبت ألصحاب‬ ‫الثقافة الرفيعة‪ .‬تتميز رواية «يوليسيس» لجيمس‬ ‫جويس بأنها على مستوى مشابه من التعقيد لدرجة‬ ‫أنها ما زالت سرا مكنونا وقلعة مغلقة أمام الجماهير‪.‬‬ ‫تروي «العقيد» قصة أشخاص يعيشون في مجتمع‬ ‫تحت ستار من األمن الكثيف‪ .‬وفي الواقع ال يمكن أن‬ ‫توصف هذه بالحياة‪ ،‬بل هي موت تدريجي‪.‬‬ ‫أما شخصية البطل العقيد‪ ،‬فيمكن تحليلها من ثالثة‬ ‫جوانب‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬يجد العقيد نموذجا بطوليا في العقيد محمد تقي‬ ‫خان بسيان‪ ،‬وهو كولونيل أيضا‪ .‬وكان من الذكاء أال‬ ‫يوجد شخص آخر يحمل لقب كولونيل في الرواية‪،‬‬ ‫وكأن هذا اللقب جزء من الهوية التي يعرف بها‬ ‫البطل‪ .‬وقد أطلق على أحد أبنائه اسم محمد تقي‪ .‬وهو‬ ‫مقاتل ثائر حارب في السابق ضد الشاه وألقي في‬

‫السجن‪ ،‬ثم أطلق سراحه الحقا عشية اندالع الثورة‬ ‫اإليرانية‪.‬‬

‫شرف الجندية‬ ‫في الواقع‪ ،‬يظهر اختيار هذا االسم والء العقيد‬ ‫للكولونيل الشهير بسيان‪ .‬كما يحمل العقيد أيضا‬ ‫إعجابا بشخصية الوزير القاجاري األمير الكبير‪ .‬وقد‬ ‫أطلق على ابنه األكبر اسم أمير‪ ،‬ويحاول إقامة تمثال‬ ‫لألمير الكبير أثناء الرواية‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬يحمل العقيد هوية الجندية (سربازي باللغة‬ ‫الفارسية)‪ :‬أي شرف أن يكون جنديا‪ .‬الحظ اإلشارة‬ ‫الكامنة خلف كلمة (سرباز) التي يعني المقطع األول‬ ‫منها (سر‪ :‬رأس) والمقطع الثاني (باز‪ :‬فقدان)‪ .‬أي‬ ‫أنه مستعد للتضحية برأسه دفاعا عن شرفه وعائلته‬ ‫ووطنه‪.‬‬ ‫وبالصدفة ظل المعنى ذاته لشرف الجندية كما هو‬ ‫مع تغييرات طفيفة (بعد ثورة ‪ )1979‬في مدونة‬ ‫قواعد سلوك جيش جمهورية إيران اإلسالمية‪:‬‬ ‫«اِجعل األولوية للحفاظ على شرف الجندية واحترام‬ ‫األخالقيات اإلسالمية في حياتي»‪( .‬المادة ‪ 14‬الفقرة‬ ‫د)‪ .‬ومن أجل االلتزام بشرف الجندية‪ ،‬يفقد العقيد‬ ‫البائس وعيه ويقطع شريان زوجته أمام عيني أمير‬ ‫وهو في حالة سكر‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬تدور ملحقات العقيد ورموزه حول ثالثة أشياء‪:‬‬ ‫صورة كبيرة للكولونيل بسيان فوق مدفأة في غرفة‬ ‫الطعام‪ ،‬وخنجر معلق على الجدار يشير إلى خنجر‬ ‫العقيد بسيان في الصورة‪ ،‬وآلة سه تار معلقة على‬ ‫الجدار تغطيها أعوام من األتربة‪ ،‬وهناك الندم وكأنه‬ ‫صوت حي داخل روح العقيد الذي يمكنه العزف على‬ ‫أوتارها‪.‬يمكننا أن نالحظ طوال الرواية عالقة العقيد‬ ‫بهذه المجموعة من الرموز‪ ،‬وهويته الجندية‪ ،‬والنهاية‬ ‫المريرة المفزعة ألبنائه‪ .‬يراقب العقيد أسرته ومنزله‬ ‫وشرفه وتاريخه‪ ،‬وحتى انتحاره‪ ،‬فيما يشبه انتحار‬ ‫اريوبرزن‪ .‬يقتل العقيد نفسه بقطع شريانه بنصل‬ ‫الخنجر الحاد‪ ،‬ولكن يعني انتحاره هزيمة الموت‬ ‫والذل‪ .‬لذلك يموت العقيد وتستمر الحياة‪ ،‬وتقف نهاية‬ ‫الرواية وكأنها صورة خالدة أمامنا‪:‬‬

‫ربما تكون رواية «العقيد» مألوفة لكل قائد في إيران‪،‬‬ ‫حيث يعتقل الشباب ويعذبون وتعدم الفتاة الشابة‪،‬‬ ‫ويقتحم رجال المخابرات واألمن منزال بل وينامون‬ ‫فيه‪ .‬يشبه الوضع كثيرا رواية «المحاكمة» لكافكا‪،‬‬ ‫وهؤالء الضباط الواقفون في بداية الرواية إلى جوار‬ ‫سرير السيد «يوسف ك»‪ .‬ال يغادر الشعور بالخوف‬ ‫العقيد مطلقا‪ ،‬وكأنه ظل قويا يتبعه دائما‪.‬‬

‫«بعد ليلة مطيرة‪ ،‬في ظالم الشوارع الخلفية الضيقة‬ ‫المنعزلة التي كانت تردد أصداء صوت عزف على‬ ‫آلة سه تار القديمة‪ ،‬انتشرت النميمة بين سكان الشارع‬ ‫والبازار بأن رجال كان هائما يحمل مصباحا في يده‬ ‫يردد في عتمة الليل‪:‬‬

‫«الشعور بالخوف‪ ،‬أنت تشعر بالخوف من أن تكون‬ ‫مراقبا‪ .‬تشعر بذلك وتتساءل كيف تشكل هذا الشعور‬ ‫المرهق بداخلك‪ ،‬وأنك تشعر باستمرار بعدة أقدام‬ ‫وعيون تتبعك وكأنه ال عمل لها سوى تتبعك!»‬

‫إذا رأيت رأسا مقطوعة في طريقك‬ ‫تدور على األرض نحونا طليقة‬ ‫منه‪ ،‬تسأل كيف نشعر‬ ‫منه‪ ،‬يمكنك أن تسمع كشف سرنا الدفين»<‬

‫محمود دولت‬ ‫آبادي‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪63‬‬


‫كتب‬

‫محمود دولت آبادي‪ ..‬قصور مك ّوناتها الكلمات‬

‫�سقوطالعقيد‬

‫بقلم‪ :‬عطاء اهلل مهاجراني‬

‫محمود دولت آبادي الذي يبلغ من العمر ‪ 73‬عاما‬ ‫تقريبا واحد من أشهر الروائيين اإليرانيين‪ ،‬لدرجة‬ ‫أن بعض النقاد شبهه بتولستوي أو بالزاك أو كافكا‬ ‫إيران‪ .‬في الحقيقة‪ ،‬يحتل كل كاتب مكانته الخاصة في‬ ‫عالم األدب‪ ،‬على النقيض من عالم السياسة المتوتر‬ ‫الذي ال تدعى إليه إال فئة قليلة‪ .‬يستطيع أن يبني كل‬ ‫شخص قصرا له في هذا المجال غير المحدود ‪ -‬إنها‬ ‫ساحة األدب الخالدة‪ .‬إنها قصور أعمدتها األساسية‬ ‫الكلمات‪ .‬يرفع أساس كل قصر ما يجده الفنان من‬ ‫حزن أو فكر أو فن‪ .‬يشبه ذلك الحفر في جبل كوه‬ ‫كاف بواسطة إبرة من أجل إقامة مبنى مرتفع «ال‬ ‫تستطيع الرياح واألمطار أن تلحق به ضررا»‪.‬‬ ‫ذات مرة كنت أتحدث مع الطيب صالح في مقهى‬ ‫بالطابق الخامس في بيكاديللي في ووترستون‪ .‬سألته‬ ‫لماذا لم يكتب رواية عظيمة مثل روايته «موسم‬ ‫الهجرة إلى الشمال»؟ أو لماذا لن يقوم بكتابة واحدة‪.‬‬ ‫أجاب وعيناه تلمعان‪« :‬في الواقع‪ ،‬ألصدقك القول‪.‬‬ ‫لم ولن أستطيع‪ .‬يمكن لكل كاتب في عالم األدب أن‬ ‫يبني قصرا واحدا خالدا‪ .‬وكان قصري هو (موسم‬ ‫الهجرة إلى الشمال)‪ .‬وقصر الخيام هو الرباعيات‪،‬‬ ‫التي يبلغ طولها عشر صفحات تقريبا‪ ،‬ولكنها قصر‬ ‫من األلماس مقام فوق قمة عالية»‪.‬‬ ‫في عالم اللغة واألدب الفارسي‪ ،‬شيد دولت آبادي‬ ‫العديد من القصور‪ ،‬من بينها روايته «كليدار»‬ ‫الشهيرة المكونة من ‪ 10‬أجزاء‪ .‬ولكن رواية‬ ‫«العقيد» تحمل لونا وعبيرا مختلفا‪ .‬إنها تعبير حي‬ ‫عن واقع مخيف ومرعب‪ ،‬على وجه التحديد‪ ،‬كما‬ ‫وجدت مؤسسة نوبل أسلوب مو يان الواقعي حتى‬ ‫أنها منحته جائزة نوبل في األدب‪.‬‬ ‫كتب دولت آبادي روايته «العقيد» في األصل باللغة‬ ‫الفارسية بين عامي ‪ 1983‬و‪ 1985‬تحت عنوان‬ ‫«سقوط العقيد»‪ .‬اتسم هذان العامان في إيران بسمتين‬ ‫محددتين‪ :‬الحرب بين إيران والعراق وقمع العديد‬ ‫من األحزاب السياسية من بينها حركة «مجاهدي‬ ‫الشعب» اإليراني (التي تعرف باسم مجاهدي خلق)‬ ‫وحزب توده وحركة «فدائييى خلق» والجبهة الوطنية‬ ‫‪62‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫وحركة الحرية وغيرها الكثير‪ ،‬لتصبح ساحة للقمع‬ ‫واإلرهاب واألسى‪ .‬هذا الشعور بالخوف واألسى كان‬ ‫متزايدا لدى أي شخص يرغب في أن يكون ناشطا‬ ‫اجتماعيا أو سياسيا‪.‬‬ ‫في أثناء هذين العامين‪ ،‬لم يقدم دولت آبادي الرواية إلى‬ ‫وزارة الثقافة واإلرشاد اإلسالمي من أجل الحصول‬ ‫على تصريح بالنشر‪ .‬ولم يرسلها كذلك عندما كنت‬ ‫في منصبي هناك‪ ،‬ولم أعرف مطلقا بوجود هذه‬ ‫الرواية‪ .‬في الشهر األخير من فترة عملي كوزير‪،‬‬ ‫اتصل بي دولت آبادي وأخبرني بأنه ليس واثقا إذا‬ ‫كان يستطيع تقديم كتاب «كبار السن‪ :‬الجزء الثالث»‬ ‫للحصول على تصريح بالنشر‪ .‬كان يشعر ببعض‬ ‫المخاوف من أن كتابه قد يسبب لي مشاكل جديدة‬ ‫وسيقدم لهم ذريعة إلثارة الجدل من جديد ضدي‪ .‬قلت‬ ‫له‪« :‬أرسله سريعا‪ .‬أوشك على إتمام فترتي‪ ،‬وسوف‬ ‫أرحل في غضون أسبوعين أو ثالثة»‪ .‬وقدم الرواية‪،‬‬ ‫وحصل على تصريح بالنشر‪.‬‬ ‫ولكن لم تكن رواية «العقيد» قد نشرت‪ .‬وظلت هكذا‬ ‫لمدة أعوام‪ .‬في األدب السوفياتي‪ ،‬توجد أيضا بعض‬ ‫الحاالت المشابهة‪ .‬كتب ميخائيل بولجاكوف أهم‬ ‫رواياته «السيد والمارغريتا» سرا واحتفظ بها طوال‬ ‫حياته‪ ،‬حتى نشرت بعد وفاته‪.‬‬

‫مفاجآت مدهشة‬ ‫يقول بطل رواية «العقيد» جملة رئيسية غريبة‪،‬‬ ‫يطلب فيها باستمرار من ذاته أال تفاجأ بأي شيء‪:‬‬ ‫«أحاول منذ مدة أال أفاجأ لمشاهدة أي حادث أو‬ ‫لسماع أي شيء‪ .‬ال يجب أن أندهش (سقوط العقيد‪،‬‬ ‫نص مكتوب غير منشور صفحات ‪ ،17‬و‪- 25‬‬ ‫‪.)26‬‬ ‫تظهر تفاصيل هذه الفكرة الرئيسية الحقا في‬ ‫الرواية‪ ،‬ولكن في المرة التالية الراوي هو من‬ ‫يسرد إنكار العقيد للدهشة‪« :‬وبهذه الطريقة تعجب‬ ‫العقيد من كيفية مشاهدته واستيعابه إلمكانية أن‬

‫تحدث معظم المفاجآت المدهشة‪ ،‬أن اإلنسان خلق‬ ‫ليعيش حياة بها مثل هذه التجارب المذهلة‪ ،‬ثم‬ ‫يموت وعيناه مفتوحتان مندهشتان‪ ،‬ويفخر بعدم‬ ‫االندهاش من أي حدث طوال حياته»‪( .‬المصدر‬ ‫ذاته‪ ،‬ص ‪.)64‬‬ ‫يمكن القول إن نشر رواية «العقيد» بثالث لغات‬ ‫أوروبية هي األلمانية واإلنجليزية والفرنسية‪،‬‬ ‫واستمرار حظر نشرها باللغة األصلية التي كتبت‬ ‫بها في إيران‪ ،‬أمر يثير التعجب ولكن ال يجب أن‬ ‫يندهش المرء له كثيرا‪.‬‬ ‫عادة ما يشتهر األدب الفارسي بإخفاء الكلمات‬ ‫واالهتمام بتداعيات نشرها‪ .‬يقول الشاعر الفارسي‬ ‫الملحمي الوطني الشهير الفردوسي‪« :‬لقد أخفيت‬ ‫الكلمات‪ ،‬احتفظت بها لمدة ‪ 20‬عاما»‪.‬‬ ‫كذلك فعل دولت آبادي‪ .‬على حد قول الكاتب ذاته‪،‬‬ ‫ظلت «العقيد» في درج مكتبه‪ ،‬محفوظة‪ ،‬حتى‬ ‫تسنح فرصة في المستقبل لكي تخرج‪ .‬وكما يقول‬ ‫حافظ‪:‬‬ ‫«يا قلب! ربما يكون هذا باب الحوانيت‪ ،‬سوف تفتح‪..‬‬ ‫سوف تفتح لتحل عقدة عملنا المتشابك‪..‬‬ ‫إذا أغلقت األبواب أمام قلب الزاهد‪ ،‬مشاهدا ذاته‪..‬‬ ‫كن قوي القلب‪ ،‬ألنها ألجل اهلل س ُتفتح»‬

‫لم يفتح الباب حتى اآلن أمام «العقيد»‪ ،‬هذه الرواية‬


‫ماو‪ :‬القصة الحقيقية‬

‫ثقل االنتقام‪ :‬الواليات المتحدة واإلمبراطورية البريطانية وحرب ‪1812‬‬ ‫المؤلف‪ :‬تروي بيكام‬ ‫الناشر‪ :‬جامعة أكسفورد‪ ،‬الواليات المتحدة‬

‫المؤلف‪ :‬ألكسندر بانتسوف‪ ،‬وستيفن ليفاين‬ ‫الناشر‪ :‬سيمون وشوستر‬ ‫العام‪2012 :‬‬ ‫الصفحات ‪ 784:‬صفحة‬

‫ال تحظى حرب ‪ 1812‬بأي احترام‪.‬‬ ‫ويمكننا أن نفهم السبب‪ :‬فما زالت‬ ‫أسباب الحرب تثير الجدل حتى‬ ‫اآلن‪ ،‬بل إنها كانت غير واضحة‬ ‫في بعض األحيان حتى بالنسبة‬ ‫لألطراف المتحاربة‪.‬‬

‫يعتمد هذا الكتاب الجيد على قدرة‬ ‫استثنائية على االطالع على‬ ‫األرشيف السوفياتي ووثائق‬ ‫نُشرت حديثا في الصين والغرب‬ ‫والتي تلقي بالضوء على بعض‬ ‫مناحي حياة الزعيم الصيني‬ ‫وتاريخه المهني‪ .‬في البداية‪،‬‬ ‫يكتب بانتسوف وليفاين أن‬ ‫ماو تسي تونغ «كان تلميذا‬ ‫مطيعا للعظيم ستالين»‪ .‬ولكن‬ ‫العالقة بينهما ساءت في أواخر‬ ‫األربعينات عندما ظن ستالين‪ ،‬الذي يعتقد أنه كان كثير الريبة‪ ،‬أن ماو ربما‬ ‫يخونه‪ ،‬على غرار مارشال يوغسالفيا‪ ،‬تيتو‪ ،‬وهي المخاوف التي لم تختف‬ ‫إال بعدما دخلت الصين الحرب الكورية‪.‬‬

‫العام‪2012 :‬‬ ‫الصفحات‪ 344 :‬صفحة‬

‫فقد وقع جانب كبير من القتال‬ ‫على الحدود األميركية الكندية‪،‬‬ ‫عدا بعض الحروب التاريخية‬ ‫القليلة مثل الحرب الثورية أو‬ ‫الحرب األهلية‪ .‬وكانت نتيجة‬ ‫الحرب محال للخالف حتى إن‬ ‫االتفاقية التي جاءت إلنهاء الحرب استدعت أوضاع ما‬ ‫قبل الحرب دون أن تذكر النزاع البحري الذي أثارها من األساس‪ .‬ومن ثم‪،‬‬ ‫ال تُعطى أهمية لهذه الحرب في الواليات المتحدة رغم أنها لم تُنس في المملكة‬ ‫المتحدة‪ .‬ولكن حتى الحروب الصغيرة لها تداعياتها‪ ،‬وثمة كتابان تزامنا‬ ‫مع مرور مائتي عام على تلك الحرب يؤكدان أن اإلرث الذي خلفته حرب‬ ‫‪ 1812‬قد أثبت أنه أصيل ودائم‪ .‬فقد شكلت تلك الحرب جيال من الزعماء‬ ‫األميركيين وحولت القوات المسلحة التي كان يأتي أفرادها من كل مكان‬ ‫إلى جيش محترف وهو ما مهد الطريق أمام نشأة مؤسسة أمنية وطنية نافذة‪.‬‬

‫وقد تأثرت العالقات بين الصين والواليات المتحدة الحقا بسبب المشاعر‬ ‫أيضا عندما تسببت كراهية ماو العميقة لرئيس الوزراء الروسي‪ ،‬نيكيتا‬ ‫خروتشوف في تعزيز الصدع المتنامي بين القوتين الشيوعيتين‪ .‬وقد نجح‬ ‫كل من بانتسوف وليفاين في تقديم صورة متوازنة لشخصية ماو المعقدة وفي‬ ‫كشف التناقضات في معتقداته وسلوكياته‪ .‬فقد أًصر ماو على أن السياسة يجب‬ ‫أن تعتمد على التحقيق ولكنه رفض النتائج التي فشلت في التوافق مع رؤيته‪.‬‬

‫وشجعت االنتصارات العسكرية األميركية الحرب التوسعية العدوانية التي‬ ‫اعتبرتها األجيال التالية قدرا مكتوبا‪ .‬كما أن األزمة الواضحة التي شهدتها‬ ‫فترة نهاية الحرب أخفت تحوال مهما في العالقات األميركية ‪ -‬البريطانية‪:‬‬ ‫فقد ساعد تطور الوحدة الناشئة إلى حلف بدوره على الحفاظ على «سالم‬ ‫بريطانيا» في القرن التاسع عشر و«سالم أميركا» في القرن العشرين‪.‬‬

‫فقد زعم أنه يسير على «خطى الجماهير» ولكنه كان يتخلى عن ذلك إذا‬ ‫ما شعر أن االشتراكية في خطر‪ ،‬كما حدث خالل المجاعة المهلكة التي‬ ‫جاءت نتيجة «القفزة العظيمة لألمام» عندما رفض ماو االستجابة لرغبة‬ ‫جماهير الفالحين الذين كانوا يفضلون استعادة نمط المزارع العائلية‪ .‬وكان‬ ‫ماو راديكاليا‪ ،‬إذ قام بالعديد من المخاطرات الكبيرة المدمرة‪.‬‬

‫معركة العدوة‪ :‬النصر األفريقي‬ ‫في زمن اإلمبراطورية‬ ‫المؤلف‪ :‬رايموند جوناس‬ ‫الناشر‪ :‬بلكناب برس‬ ‫العام‪2011 :‬‬ ‫الصفحات‪ 432 :‬صفحة‬ ‫في مارس (آذار) ‪ ،1896‬هزم الجيش اإلثيوبي‪،‬‬ ‫بزعامة اإلمبراطور منليك الثاني‪ ،‬الجيش‬ ‫اإليطالي بالقرب من مدينة العدوة في شمال‬ ‫إثيوبيا أي جنوب الحدود اإلريترية حاليا‪ .‬ونظرا‬ ‫ألن ذلك االنتصار كان واحدا من االنتصارات‬ ‫القليلة التي فازت بها الشعوب األصلية للبلدان‬ ‫في مواجهة جيش أوروبي غاز خالل فترة‬

‫التوسع االستعماري‪ ،‬تمثل مدينة العدوة رمزا‬ ‫قويا للقوميين في العالم الثالث‪ .‬وعلى المستوى‬ ‫العملي‪ ،‬سمح ذلك االنتصار إلثيوبيا بالحفاظ‬ ‫على استقاللها‪ ،‬في الوقت الذي تعرضت فيه‬ ‫بقية القارة للتقسيم بين القوى األوروبية‪ .‬كما أنها‬ ‫أنقذت الملكية اإلثيوبية‪ ،‬والتي سوف تستمر بعد‬ ‫ذلك لمدة ثمانية عقود‪ .‬ويخبرنا جوناس بالقصة‬ ‫على نحو مشوق‪ ،‬مستعينا بعدد من الشخصيات‬ ‫الحية‪ ،‬مثل زوجة منليك الخيالية‪ ،‬واإلمبراطورة‬ ‫تيتو‪ ،‬والضباط اإليطاليين الذين أدت سذاجتهم‬ ‫إلى هزيمتهم‪ .‬ولم يكن لدى جوناس الكثير لكي‬ ‫يقوله عن إنجازات منليك باستثناء إنجازاته‬ ‫كإمبراطور‪ ،‬والتي كانت أبرزها حملة العدوة‪،‬‬ ‫وأنه بزغ كملك داهية واستراتيجي ذكي تمكن‬ ‫ببراعة من مناورة الصحافة الغربية لكي يحسن‬ ‫سمعته في أوروبا‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪61‬‬


‫مراجعات‬

‫�أف�ضل ‪ 5‬كتب‪ ..‬من ماو �إىل �أوباما ونهاية حلظة �أمريكا‬ ‫تعر�ض “املجلة” على قرائها ‪ 5‬من �أف�ضل الكتب بح�سب جملة “فورن �أفريز”‪ ..‬كتب قيمة ت�ستحق القراءة والت�أمل‪ .‬فواز‬ ‫جرج�س يبحث يف كتاب قيم �صدر حديثا عن دور ما للرئي�س الأمريكي باراك �أوباما يف ال�شرق الأو�سط ويت�ساءل هل هي نهاية حلظة‬ ‫�أمريكا؟ ولأن احلا�ضر ال ميكن �أن يفهم �أو يف�سر �إال مبعرفة التاريخ يعود بنا تروي بيكام اىل حرب ‪ 1812‬والعالقة بني الواليات‬ ‫املتحدة والإمرباطورية الربيطانية بينما يبحث �إريك لوهر يف املواطنة الرو�سية من الإمرباطورية �إىل االحتاد ال�سوفياتي‪.‬‬ ‫أوباما والشرق األوسط‪:‬‬ ‫نهاية لحظة أميركا؟‬

‫يغير التوازن بين االثنين‪.‬فهو يرى خطاب أوباما في‬ ‫القاهرة في عام ‪ 2009‬باعتباره خطابا محرجا‪ ،‬ألن‬ ‫اآلمال التي أثارها لم تتحقق‪.‬‬

‫المؤلف‪ :‬فواز جرجس‬

‫ونظرا لوجود رغبة في استمرار السياسة األميركية‬ ‫فما يتعلق بالنزاع اإلسرائيلي الفلسطيني‪ ،‬فصل‬ ‫أوباما رد الفعل األميركي تجاه االنتفاضات العربية‬ ‫التي اندلعت عام ‪ 2011‬عن النزاع‪ ،‬رغم الصلة‬ ‫الطبيعية بين االثنين‪.‬‬

‫الناشر‪ :‬بالغريف ماكميالن‬ ‫العام‪2012 :‬‬ ‫الصفحات‪ 304 :‬صفحات‬ ‫بعدما قام جرجس برصد سياسة الواليات المتحدة‬ ‫تجاه الشرق األوسط منذ عصر فرانكلين روزفلت‪،‬‬ ‫توصل إلى أن هناك نزاعا دائما بين «اإلقليميين»‬ ‫الذين لديهم حساسية مفرطة تجاه خصوصية الشرق‬ ‫األوسط و«العولميين» الذين يرتكز توجههم على‬ ‫الدعم المطلق إلسرائيل‪ ،‬والذي بدأ انطالقا من كونها‬ ‫حليفا أثناء الحرب الباردة‪ ،‬ثم بعد ذلك كشريك في‬ ‫«الحرب على اإلرهاب»‪.‬‬ ‫وبشكل عام‪ ،‬كان العولميون دائما ما يهيمنون‪ ،‬ولكن‬

‫المواطنة الروسية‪ :‬من اإلمبراطورية‬ ‫إلى االتحاد السوفياتي‬ ‫المؤلف‪ :‬إريك لوهر الناشر‪ :‬جامعة هارفارد‬ ‫العام‪2012 :‬‬ ‫الصفحات‪288 :‬‬ ‫ليست الحدود مجرد خطوط على الخريطة‬ ‫يصطف على جانبيها في الواقع الجنود‬ ‫ومسؤولو الجمارك‪ ،‬إنها مفهوم ينضوي تحت‬ ‫لوائه القواعد والممارسات التي تحدد من الذي‬ ‫يخضع للوالية القضائية للدولة‪ ،‬وبأي حقوق‬ ‫وواجبات ومن الذي يدخل ومن الذي يخرج‬ ‫ووفقا ألي شروط‪.‬‬ ‫ومن هذا المنطلق‪ ،‬يقول لوهر إن روسيا ليست‬ ‫‪60‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫تلك الهيمنة كانت في حدها األقصى خالل سنوات‬ ‫حكم جورج بوش‪ .‬وعلى الرغم من أن جرجس‬ ‫يفضل اإلقليميين فإنه يقر بأن الرئيس باراك أوباما لم‬

‫هي تلك الدولة المنعزلة كما كان يتبدى طوال‬ ‫معظم تاريخها‪ ،‬والتي كان االتحاد السوفياتي‬ ‫هو شكلها األكثر تطرفا فقط‪ .‬فقبل بطرس‬ ‫العظيم‪ ،‬وخصوصا بعد اإلصالحات الكبرى‬ ‫في الستينات من القرن التاسع عشر‪ ،‬أدت جهود‬ ‫روسيا للحداثة إلى مقاربة مرقعة تجاه الهجرة‪،‬‬ ‫والترحيل‪ ،‬والتطبيع والتجنس‪.‬‬ ‫ويصطحب لوهر القراء دون عناء داخل التطور‬ ‫المعقد للقواعد التي تحدد من هو المواطن‬ ‫الروسي حينما كانت اإلمبراطورية التوسعية‬ ‫تحتضن األجانب‪ .‬في هذه القصة‪ ،‬كان االتحاد‬ ‫السوفياتي هو القيمة الشاذة نظرا للجدران‬ ‫الكثيفة التي نصبها الشيوعيون وألنه أسس‬ ‫سياسة المواطنة على الطبقة‪ ،‬بدال من األصل‬ ‫أو محل الميالد‪ .‬وعلى مدار القرون‪ ،‬كان يهود‬ ‫روسيا هم أكثر ضحايا السياسة‪.‬‬

‫ولكن هناك فرضية رئيسية في الكتاب مشكوكا بها‪،‬‬ ‫إذ يؤكد جرجس أن «قدرة أميركا على أن تتصرف‬ ‫وحدها‪ ،‬وبشكل متسلط قد انتهت»‪ ،‬ولكن الواليات‬ ‫المتحدة لم يكن لديها أبدا تلك القدرة‪ ،‬عدا لمدة قصيرة‬ ‫للغاية في نهاية الحرب الباردة‪ .‬وفي الحقيقة‪ ،‬كانت‬ ‫السياسة األميركية في الشرق األوسط معامال في‬ ‫العديد من اإلحباطات التي تخللتها بعض النجاحات‬ ‫من وقت آلخر‪ ،‬مثل اتفاقية كامب ديفيد وعملية‬ ‫عاصفة الصحراء‪.‬‬


‫محمد بديع‬

‫«للتوتر بين السلفيين واإلخوان تداعيات مهمة بالنسبة لالستفتاء على‬ ‫مسودة الدستور واالنتخابات البرلمانية التي تليه‪ .‬فسوف يحتاج اإلخوان‬ ‫المسلمون أكثر من قوتهم التصويتية األساسية لتمرير مسودة الدستور‬ ‫الجديدة‪ .‬فيجب أن يقوم السلفيون والليبراليون للتصويت لصالح هذا‬ ‫الدستور بأعداد كبيرة»‪.‬‬ ‫ومن جهتها‪ ،‬تقول سحر عزيز‪ ،‬أستاذ القانون بجامعة ويسليان تكساس‬ ‫إنه على الرغم من عوار تلك العملية‪ ،‬فإن إصدار المسودة عمل ثوري‬ ‫بالنسبة لمصر‪ ،‬فقد اضطرت حركة اإلخوان إلى االعتدال‪ .‬كما أن‬ ‫األمين العام الحالي للجماعة‪ ،‬محمود حسين‪ ،‬أخبر صحيفة «الزمان»‬ ‫التركية في سبتمبر (أيلول) ‪ 2012‬أن الجماعة ال تسعى إلقامة دولة‬ ‫علمانية مثل تركيا أو دينية مثل إيران‪« ..‬نحن نريد دولة مثل مصر»‪.‬‬

‫التداعيات بالنسبة ألميركا‬ ‫منذ انتصار اإلخوان المسلمين االنتخابي‪ ،‬كانت هناك مناقشات واسعة‬ ‫حول كيف يمكن إدارة السياسة األميركية تجاه حكومة يقودها اإلخوان‬ ‫المسلمون‪ .‬فما زالت مصر حليفا استراتيجيا رئيسيا ألميركا في المنطقة‬ ‫فيما يتعلق بقضايا مثل عملية السالم اإلسرائيلية الفلسطينية كما اتضح‬ ‫من خالل مساعدة مرسي على عقد هدنة في نزاع غزة الذي نشب في‬ ‫نوفمبر ‪ .2012‬وعن ذلك يقول توني كارون من «التايم»‪ ،‬إن ذلك يمكن‬ ‫أن يجعل اإلخوان المسلمين «طرفا في السالم» في المستقبل‪.‬‬ ‫ويقول روبرت مالي‪ ،‬الخبير في شؤون الشرق األوسط‪ ،‬في حوار مع‬ ‫مجلس العالقات الخارجية إن مصالح اإلخوان ترتبط إلى حد كبير‬ ‫«بالحفاظ على عالقة عمل مع الواليات المتحدة لكي يثبتوا لها أنهم يمكن‬ ‫أن يصبحوا طرفا محل ثقة عندما يتعلق األمر بالمصالح االستراتيجية‬ ‫األميركية‪ .‬وفي المقابل‪ ،‬يضمنون االستحواذ على السلطة في الداخل‬ ‫دون تدخل من العالم الخارجي»‪.‬‬ ‫ولكن هناك محللين آخرين يقولون إن سلوكيات مرسي على المستوى‬ ‫المحلي‪ ،‬والتي انتقدتها وزارة الخارجية األميركية‪ ،‬قد وضعت إدارة‬

‫أوباما أمام معضلة صعبة ولكنها مألوفة (إيه بي) وهي إلى أي حد يمكن‬ ‫الفصل بين سياسة مصر الداخلية ودورها الدبلوماسي اإلقليمي‪.‬‬ ‫كما أصبحت المساعدات األجنبية لمصر (بروبابليكا) قضية مثيرة‬ ‫للجدل خاصة في أعقاب الهجوم الذي تعرضت له السفارة األميركية‬ ‫في القاهرة «وول ستريت جورنال» في سبتمبر ‪ .2012‬فنقال عن بعض‬ ‫الجمهوريين في الواليات المتحدة‪ ،‬هدد البيت األبيض بوقف مساعدات‬ ‫بقيمة ‪ 450‬مليون دوالر وهي الدفعة األولى من المليار دوالر التي‬ ‫تعهدت إدارة أوباما بمنحها لمصر للحيلولة دون وقوع كارثة مالية بها‪.‬‬ ‫ويقول لورانس هاس‪،‬‬ ‫من كبار الباحثين‬ ‫السياسة‬ ‫بمجلس‬ ‫الخارجية األميركي إن‬ ‫الواليات المتحدة يجب‬ ‫أن تخبر مصر بوضوح‬ ‫أن المساعدات األجنبية‬ ‫ليست مجانية وأنها‬ ‫ترغب «في حكومة‬ ‫تحقق آمال التحرير‬ ‫وتسمح بنشأة مجتمع‬ ‫مدني قوي‪ ،‬وأحزاب‬ ‫ووسائل‬ ‫معارضة‪،‬‬ ‫إعالم مستقلة وبإجراء انتخابات حرة تترك األحزاب التي تهيمن عليها‬ ‫اإلخوان تنافس على السلطة ولكنها ال تضمن فوزها»‪.‬‬ ‫وقد أوصى بحث تم إجراؤه في نوفمبر ‪ 2012‬نشره معهد واشنطن‬ ‫بـ«التقارب دون أوهام»‪ .‬فيقول المؤلفان فان ويبر وغريغوري كريغ‬ ‫إن أوباما يجب أن «يؤكد للكونغرس أن مصر سوف تلتزم بنوعين‬ ‫من االلتزامات الواضحة‪ :‬السالم اإلقليمي والتعاون االستراتيجي‬ ‫الثنائي – كشرط للمساعدات األميركية – والدعم السياسي للقروض‬ ‫الدولية»‬

‫م�صالح الإخوان ترتبط �إىل حد كبري باحلفاظ‬ ‫على عالقة عمل مع الواليات املتحدة لكي يثبتوا لها‬ ‫�أنهم ميكن �أن ي�صبحوا طرفا حمل ثقة عندما‬ ‫يتعلق الأمر بامل�صالح اال�سرتاتيجية الأمريكية‪.‬‬ ‫ويف املقابل‪ ،‬ي�ضمنون اال�ستحواذ على ال�سلطة يف‬ ‫الداخل دون تدخل من العامل اخلارجي‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪59‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫محمد مرسي‬

‫على الرئاسة‪.‬‬ ‫ولكن صفو تلك االنتصارات تعكر إثر عدد من الصراعات على السلطة‬ ‫مع السلطة القضائية ومع الجيش‪ .‬ففي يونيو ‪ ،2012‬قامت المحكمة‬ ‫الدستورية العليا بحل البرلمان‪ ،‬نظرا ألن القواعد التي تم بمقتضاها‬ ‫انتخاب ثلث مرشحيه كانت غير دستورية مما يجعل المؤسسة بأكملها‬ ‫باطلة‪ .‬كما ألغت أيضا المحكمة قانونا كان سيمنع مسؤولي النظام السابق‬ ‫(التليغراف) من الترشح للرئاسة‪ ،‬وهو ما سمح لرئيس وزراء مبارك‬ ‫السابق‪ ،‬أحمد شفيق‪ ،‬من أن يستمر كمرشح رئاسي في مقابل مرشح‬ ‫اإلخوان محمد مرسي‪.‬‬ ‫أواخر‬ ‫في‬ ‫ولكن‬ ‫نوفمبر (تشرين الثاني)‬ ‫‪ ،2012‬وعندما كانت‬ ‫المحكمة تستعد للحكم‬ ‫بشأن صالحية مجلس‬ ‫الشورى‪ ،‬أصدر محمد‬ ‫مرسي إعالنا دستوريا‬ ‫طارئا استثنى به قراراته‬ ‫من الرقابة القضائية وهو‬ ‫ما أثار غضبا عارما‪.‬‬ ‫وكانت جهود كتابة‬ ‫دستور جديد للبالد تتم في‬ ‫أتون ذلك الصراع (واشنطن بوست)‪ .‬حيث تتكون اللجنة التأسيسية التي‬ ‫تم تشكيلها قبل أن يتم حل البرلمان‪ ،‬في معظمها من أعضاء بحزب‬ ‫الحرية والعدالة وحزب النور السلفي‪ .‬وعلى الرغم من أن مرسي أكد‬ ‫أن السلطات التي منحها لنفسه كانت ضرورية لحماية اللجنة من أن‬ ‫تحلها المحكمة الدستورية العليا‪ ،‬يقول منتقدو ذلك اإلعالن الدستوري‬ ‫إن مسودة الدستور سوف تمنح سلطات واسعة للرئيس كما أنها سوف‬ ‫تقوض حقوق اإلنسان وحرية العبادة وحماية المرأة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من هذه المعارضة الواسعة‪ ،‬وافقت الجمعية التأسيسية على‬

‫يعد ت�أ�سي�س دولة �إ�سالمية وفقا لل�شريعة هو‬ ‫جوهر �آيديولوجيا الإخوان امل�سلمني �سواء يف‬ ‫م�صر �أو لدى اجلماعات التابعة لها باخلارج‬ ‫ولكن الإخوان امل�سلمني يف م�صر كانوا دائما‬ ‫ي�ؤكدون �أنهم ملتزمون بالأ�سلمة التدريجية‬ ‫وال�سلمية ومبوافقة ال�شعب امل�صري‬

‫‪58‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫المسودة في ‪ 29‬نوفمبر (إيه بي)‪ ،‬ومن المنتظر أن تخضع هذه المسودة‬ ‫لالستفتاء على مستوى البالد‪ .‬وكان من المتوقع أن تحكم المحكمة‬ ‫في بداية ديسمبر ‪ 2012‬بشأن صالحية اللجنة التأسيسية من عدمها‬ ‫ولكنها تجاهلت القضية بعدما تعرضت لما وصفته بأنه «ضغط نفسي»‬ ‫(يورونيوز)‪.‬‬

‫دولة إسالمية؟‬ ‫في أعقاب ثورة ‪ ،2011‬كان شبح الثورة اإليرانية عام ‪ 1979‬يحوم‬ ‫في األفق بالنسبة للعديد من الدول الغربية والتي كثيرا ما كانت تخشى‬ ‫قيام نظام إسالمي في مصر‪ .‬فيقول ستيفن كوك من مجلس العالقات‬ ‫الخارجية إن مبارك كان يستخدم الجماعة‪ ،‬باعتبارها الفزاعة‪ ،‬لمدة‬ ‫ثالثة عقود «لكي يعزز مخاوف اإلدارات األميركية المتعاقبة ويضمن‬ ‫مساعدات واشنطن الدبلوماسية والسياسية والمالية السخية»‪ .‬كما يخشى‬ ‫زعماء إسرائيل أيضا تكرار سيناريو عام ‪.1979‬‬ ‫ويعد تأسيس دولة إسالمية وفقا للشريعة هو جوهر آيديولوجيا اإلخوان‬ ‫المسلمين سواء في مصر أو لدى الجماعات التابعة لها بالخارج‪.‬‬ ‫ولكن اإلخوان المسلمين في مصر كانوا دائما يؤكدون أنهم ملتزمون‬ ‫باألسلمة التدريجية والسلمية وبموافقة الشعب المصري‪ .‬ومؤخرا‪ ،‬نفى‬ ‫بعض القادة فكرة إقامة دولة إسالمية وأعربوا عن التزامهم بالعمل مع‬ ‫األحزاب العلمانية والليبرالية األخرى‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬أعرب نشطاء حقوق اإلنسان والمعارضون السياسيون‬ ‫العلمانيون عن مخاوفهم بشأن مسودة الدستور الجديدة والتي يقول‬ ‫البعض إنها محاولة إلنشاء دولة دينية‪ .‬فيقول رجب سعد من معهد‬ ‫القاهرة لحقوق اإلنسان‪« :‬إذا تم تمرير الدستور‪ ،‬سيكون أول دستور‬ ‫مصري يتبنى قواعد دينية محددة للدولة»‪ .‬كما أنه يمكن لبعض الفقرات‬ ‫أن تسمح «بتأسيس نظام سلطوي باسم الدين»‪.‬‬ ‫وفي الوقت نفسه‪ ،‬انتقد السلفيون الدستور باعتباره ال يفرض الشريعة‬ ‫اإلسالمية على نحو مباشر‪ .‬فتقول مارا رفكين من «فورين بوليسي»‪:‬‬


‫إخوان وسلفيو مصر يحتشدون دعما للرئيس محمد مرسي‬

‫الجماعة في أي أنشطة عنف رغم أنها كانت محظورة في فترة حكم‬ ‫مبارك‪ .‬وخالل العقود الثالثة األخيرة‪ ،‬زادت الحركة من اندماجها في‬ ‫الحركات السياسية من خالل التحالف مع أحزاب المعارضة األخرى‬ ‫ومن خالل ترشح بعض أعضائها في البرلمان كمستقلين‪.‬‬ ‫ويرى بعض المحللين أن الجماعة تطورت وأصبحت أكثر‬ ‫اعتداال وأصبحت تتبنى مبادئ ديمقراطية وليبرالية مثل الشفافية‬ ‫والمساءلة‪ .‬ففي تقرير الشرق األوسط ‪ ،2006‬قال المحلالن‪ ،‬سمير‬ ‫شحاتة وجوشوا ستاشر إن الجماعة «استقرت على استراتيجية‬ ‫المشاركة السياسية»‪ .‬في البداية شارك مرشحون تابعون للجماعة‬ ‫في االنتخابات المحلية والبرلمانية كمستقلين عام ‪ ،1984‬ثم فاز‬

‫مرشحوها بثمانية وثمانين مقعدا عام ‪ 2005‬أي ما يعادل ‪ 20‬في‬ ‫المائة من المجلس التشريعي‪.‬‬

‫تحديات الثورة‬ ‫في أعقاب التغيير السياسي الذي شهدته مصر عام ‪ ،2011‬بزغ اإلخوان‬ ‫كقوة سياسية مهيمنة حيث تمكنوا من التفوق على كافة األطراف‬ ‫السياسية األخرى من حيث التنظيم والعدد‪ .‬فقد فاز حزب الحرية‬ ‫والعدالة بنحو ‪ 47‬في المائة من مقاعد البرلمان في يناير (كانون الثاني)‬ ‫‪( 2012‬الجزيرة) ثم حصل مرشح الحزب في يونيو (حزيران) ‪2012‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪57‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫اإلخوان المسلمون في مصر‪ ..‬تاريخ من العنف والبراغماتية‬

‫قوة مهيمنة‬ ‫بقلم‪ :‬توني جونسون‪ ،‬نائب رئيس التحرير في «فورين أفيرز»‬

‫تعد جماعة الإخوان امل�سلمني �أقدم و�أكرب املنظمات الإ�سالمية يف م�صر‪ .‬وباعتبارها �أكرث‬ ‫جماعات املعار�ضة التي حاولت خلع الرئي�س ح�سني مبارك يف ‪ 2011‬تنظيما‪ ،‬ف�إنها �أ�صبحت‬ ‫القوة ال�سيا�سية املهيمنة يف البالد عقب فوزها ب�أكرثية مقاعد برملان ما بعد الثورة‪ ،‬كما‬ ‫متكن مر�شحها‪ ،‬حممد مر�سي‪ ،‬من الفوز بالرئا�سة‪.‬‬ ‫* خاص بـ«المجلة»‬ ‫يخشى بعض المصريون من رغبة الجماعة في تأسيس دولة تحكمها‬ ‫الشريعة اإلسالمية باإلضافة إلى الغموض الذي يحيط بمدى احترامها‬ ‫لحقوق اإلنسان‪ .‬وقد ازدادت مثل تلك المخاوف في أعقاب إعالن مرسي‬ ‫عن استحواذه على المزيد من السلطات في أواخر عام ‪ 2012‬ومن خالل‬ ‫مسودة الدستور المقترحة‪ .‬وتخلق تلك التحديات السياسية المحلية طريقا‬ ‫صعبا أمام العالقات األميركية المصرية خاصة فيما يتعلق بالمساعدات‬ ‫األجنبية‪.‬‬

‫تاريخ من العنف‬ ‫تعد جماعة اإلخوان المسلمين التي تأسست على يد حسن البنا عام‬ ‫‪ 1928‬أكبر المنظمات اإلسالمية نفوذا من خالل أفرعها المنتشرة في‬ ‫كل مكان‪ .‬فيقول شادي حمدي‪ ،‬الخبير في شؤون الشرق األوسط بمركز‬ ‫الدوحة التابع لمعهد بروكينغز‪« :‬إنها أم الحركات اإلسالمية»‪ .‬وكانت‬ ‫الحركة في البداية تسعى ألسلمة المجتمع من خالل الترويج للشريعة‬ ‫اإلسالمية وقيمها وأخالقياتها‪ .‬فقد كانت حركة إحياء إسالمي منذ نشأتها‬ ‫األولى وكانت تجمع بين النشاط الديني والسياسي باإلضافة إلى األنشطة‬ ‫الخيرية‪ ،‬وكانت تتبنى شعار «اإلسالم هو الحل‪ ،‬والجهاد سبيلنا»‪.‬‬ ‫وقد لعبت دورا في النضال ضد الحكم االستعماري وتم حظرها لفترة‬ ‫قصيرة عام ‪( 1948‬بي بي سي) بتهمة تنظيم عمليات تفجيرية داخل‬ ‫مصر ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء محمود النقراشي‪ .‬ثم تحسنت‬ ‫عالقتها بالحكومة‪ ،‬التي جاءت إلى السلطة من خالل انقالب عسكري‬ ‫والتي أنهت االحتالل البريطاني عام ‪ ،1952‬لفترة قصيرة من الزمن‪.‬‬ ‫ولكن في أعقاب محاولة فاشلة الغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في‬ ‫‪ ،1954‬تم حظر الجماعة مرة أخرى‪.‬‬ ‫في ذلك الوقت‪ ،‬وضع سيد قطب‪ ،‬أحد األعضاء المرموقين بجماعة‬ ‫اإلخوان المسلمين‪ ،‬األسس اآليديولوجية للجوء للجهاد‪ ،‬أو النزاع‬ ‫المسلح في مواجهة النظام في مصر وغيرها‪ .‬فقد وفرت كتابات قطب‪،‬‬ ‫خاصة كتابه «معالم في الطريق» الذي صدر عام ‪ 1946‬األسس الثقافية‬ ‫‪56‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫والنظرية لتأسيس العديد من الجماعات الراديكالية واإلسالمية المسلحة‬ ‫بما في ذلك «القاعدة»‪ .‬وعادة ما يستشهد المتطرفون بآراء قطب لكي‬ ‫يؤكدوا أن الحكومة التي ال تحكم بالشريعة هي حكومات مرتدة ومن ثم‬ ‫فإنها تمثل أهدافا مشروعة للجهاد‪.‬‬ ‫وقد أسست الجماعة أفرعا لها في جميع أنحاء العالم‪ .‬وعلى الرغم‬ ‫من أن جميع تلك األفرع تحمل اسم الجماعة فإن صالتها بالجماعة‬ ‫المؤسسة تختلف‪ .‬باإلضافة إلى أن بعض أكثر اإلرهابيين خطرا على‬ ‫مستوى العالم كانوا من قبل أعضاء بجماعة اإلخوان المسلمين مثل أيمن‬ ‫الظواهري‪.‬‬ ‫ومن جهته‪ ،‬يقول عيد حسين‪ ،‬من كبار الباحثين بمجلس العالقات‬ ‫الخارجية إنه من الخطأ أن نحمل «اإلخوان المسلمين مسؤولية أفعال‬ ‫كافة أتباعها اآليديولوجيين»‪ .‬فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر‬ ‫(أيلول)‪ ،‬أكد كبار األعضاء باإلخوان المسلمين نبذهم للعنف وحاولوا أن‬ ‫ينأوا بأنفسهم عن الممارسات العنيفة لتنظيم القاعدة‪ .‬كما زادت مساعي‬ ‫الحركة للمشاركة في العمليات االنتخابية من اتساع الفجوة بينها وبين‬ ‫جماعات مثل «القاعدة»‪ .‬فقد انتقد الظواهري صراحة مشاركة اإلخوان‬ ‫في االنتخابات البرلمانية عام ‪.2005‬‬ ‫ووفقا لما قالته الخبيرة في اإلرهاب‪ ،‬ليديا خليل‪ ،‬فإن حركة اإلخوان‬ ‫المسلمين‪ ،‬على غرار كبرى الحركات االجتماعية‪ ،‬ليست وحدة‬ ‫متماسكة‪ ،‬فهي تتضمن متشددين‪ ،‬وإصالحيين ووسطيين‪.‬بل إن بعض‬ ‫أعضائها المتشددين قد أعلنوا بوضوح تأييدهم لتنظيم القاعدة أو استخدام‬ ‫الجهاد المسلح‪.‬‬

‫سياسات براغماتية‬ ‫تشتمل حركة اإلخوان المسلمين على أكثر من ‪ 300‬ألف عضو وتدير‬ ‫العديد من المؤسسات بما فيها المستشفيات والمدارس والبنوك والشركات‬ ‫والمنظمات ومراكز رعاية األطفال ومحال البضائع المستعملة والنوادي‬ ‫االجتماعية ومنشآت رعاية المعاقين‪ .‬ومنذ السبعينيات‪ ،‬لم تشارك‬


‫التكنولوجيا غير الربحية التي يقع مقرها ببالو ألتو بكاليفورنيا والتي‬ ‫قامت بجمع بيانات حقوقية من غواتيماال إلى تيمور الشرقية‪:‬‬ ‫“هذه التقارير مهمة ونافعة كدراسات حالة ولكن أي تحليل لهذه البيانات‬ ‫يجب أن يضع في اعتباره ما لم يتم اإلبالغ عنه ‪ -‬متى وأين يمكن أن يقع‬ ‫العنف الذي ال يشهده أي أحد أو الذي شهده أفراد ال يشعرون بأنهم مرتاحون‬ ‫لإلبالغ عن العنف؟” وأضافت أن البيانات أكثر دعما لالستنتاجات الكمية‬ ‫والتفاصيل المحددة المتعلقة بمالبسات ما حدث ولكنها ليست مالئمة‬ ‫للتوصل لنتائج إجمالية حول أنماط تلك العمليات‪ .‬إبرة في كومة قش‬ ‫ويوافق مدير سوريا تراكر على ذلك‪.‬‬ ‫فيقول‪“ :‬تخيل أنك بعد كل مذبحة تستطيع أن تلتقي بكل شخص ‪ -‬سوف‬ ‫يكون ذلك عظيما‪ .‬ولكنك ال تستطيع أن تفعل ذلك”‪.‬‬ ‫وهناك انحياز في جمع البيانات بالمعنى اإلحصائي‪ ،‬فهو يقر بذلك‬ ‫تماما‪ .‬فمن الذي يمكنه الدخول على اإلنترنت؟ من الذي سمع عن‬ ‫“سوريا تراكر” ويشعر باالرتياح تجاه استخدامه؟ ولكن محاولة جمع‬ ‫معلومات حول القتل في حرب ساخنة ال يتعلق بالبحث عن إبرة في‬ ‫كومة قش‪ .‬بل إنه يتعلق بكيف يمكن تصنيف تلك الكومة‪.‬‬ ‫فكيف تبدو منطقة الحرب؟ في هذه الحالة‪ ،‬كيف تبدو الحياة – والموت‬

‫ بالنسبة للمدنيين العالقين في سوريا؟‬‫وال نستطيع االستنتاج من بيانات “سوريا تراكر” ما إذا كانت نسبة‬ ‫‪ 9‬في المائة من وفيات النساء تمثل نسبة النساء الالتي قتلن في مجمل‬ ‫النزاع أم أنها نسبة من استطاع سوريا تراكر رصدهم‪.‬‬ ‫ولكننا نعرف أن المدنيين يموتون وأن “الثمن الذي تدفعه النساء واألسر‬ ‫السورية غير مرصود في الغالب”‪ ،‬وفقا للدكتورة كريستيان كوينان‪،‬‬ ‫أستاذ علم األوبئة بكلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا ومدير‬ ‫علم األوبئة بمشروع “دبليو إم سي”‪.‬‬ ‫“كل امرأة تموت هي أخت‪ ،‬أم‪ ،‬زوجة أو ابنة ويترك موتها ثغرة في‬ ‫حياة أسرتها ويؤثر على الثقافة السورية‪ ،‬والتي كانت معتمدة على‬ ‫البنى األسرية»‪.‬‬ ‫وأضافت‪ :‬ال يمكننا االنتظار لجمع القصص الخاصة بحرب سوريا‪،‬‬ ‫ولجمع المعلومات حول حياة البشر الذين يختفون يوميا تحت األنقاض‪.‬‬ ‫فتقول كوينان‪“ :‬يمكن لألكاديميين أن يجلسوا ويتجادلوا بشأن المناهج‪،‬‬ ‫بينما يموت الناس بالخارج وال يجد الصحافيون سوى القليل من‬ ‫المعلومات‪ .‬فهل حقيقة ال يمكننا التوصل إلى أي استنتاجات؟ أم أننا‪،‬‬ ‫في ظل المحاذير المالئمة‪ ،‬لدينا التزام أخالقي بالمحاولة؟‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪55‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫ال يمكن أن نعرف على وجه اليقين حقيقة ما حدث‪ ،‬سواء أكان‬ ‫موتها عمدا أم نتاج الحرب‪ .‬وال نعرف على وجه اليقين من الذي‬ ‫اعتدى عليها‪ .‬ولكن ما نعرفه هو أن تلك الطفلة هي واحدة من بين‬ ‫عديدين قتلوا في النزاع السوري المستمر‪ .‬كما نعرف أنه بغض‬ ‫النظر عن عدد الجثث التي قمنا بإحصائها‪ ،‬أو لم نحصها‪ ،‬فإنها‬ ‫جثة لمدني‪ ،‬وإنها واحدة من بين العديد من الجثث التي استطعنا‬ ‫التأكد من أنها قتلت خالل مدة النزاع التي بلغت عشرين شهرا‪.‬‬ ‫وقبل عام‪ ،‬كانت األمم المتحدة قد تخلت عن رصد القتلى في سوريا‪.‬‬ ‫وخالل الصيف‪ ،‬أعلنت اللجنة الدولية للصليب األحمر أن النزاع هو‬ ‫حرب أهلية‪ .‬وهو ما يعني أن االعتداء المتعمد على المدنيين يعد رسميا‬ ‫جريمة حرب وفقا لنظام روما األساسي للمحكمة الجنائية الدولية‪.‬‬ ‫ومن ثم يصبح السؤال هو‪ :‬كيف نعرف من الذي نتخذ ضده اإلجراءات‬ ‫القانونية عندما ينتهي القتال‪ ،‬إذا لم نحتفظ بسجالت بالجرائم التي‬ ‫اقترفت ضد المدنيين‪ ،‬والتي في معظمها اقترفت ضد النساء واألطفال؟‬ ‫وهنا يأتي دور المواطن الصحافي وعلماء االجتماع‪ .‬ومن بين جهود‬ ‫التعهيد الجماعي تلك‪ ،‬هناك مجموعة يطلق عليها “سوريا تراكر”‬ ‫قامت برصد أكثر من ‪ 36‬ألف قتيل عبر أنواع متعددة من المصادر منذ‬ ‫أواسط أكتوبر (تشرين‬ ‫األول) الماضي بما‬ ‫‪9‬‬ ‫في ذلك القصة السابقة‬ ‫المتعلقة بمقتل الطفلة‬ ‫الرضيعة‪.‬‬ ‫ولن أذكر أسماء‬ ‫الذين‬ ‫األشخاص‬ ‫“سوريا‬ ‫يديرون‬ ‫تراكر”‪ ،‬يديره عدد من‬ ‫علماء االجتماع رفيعي‬ ‫المستوى‪ ،‬حفاظا على‬ ‫سالمتهم‪ .‬حيث تم بالفعل‬ ‫تهديد المجموعات التي تقوم بمثل ذلك النوع من العمل‪ .‬ولكن عملية‬ ‫التوثيق الدؤوبة التي قدموها والتي استشهدت بها الوكالة الدولية للتنمية‬ ‫الدولية (‪ )USAID‬يمكنها أن تخبرنا بالكثير عما يتعرض له المدنيون‬ ‫السوريون‪.‬‬ ‫استهداف المدنيين ومن الطرق التي صنف بها “سوريا تراكر” سجل‬ ‫الوفيات‪ ،‬كان التصنيف بالجنس‪ .‬ووفقا للمجموعة‪ ،‬فإن نحو ‪ 9‬في المائة‬ ‫من حاالت القتل التي تم تسجيلها في جميع أنحاء سوريا كانت من النساء‬ ‫والالتي من المستبعد أن يكن قد حملن السالح في ذلك النزاع باإلضافة‬ ‫إلى الفتيات الالتي كن بطبيعة الحال غير مقاتالت‪ .‬وهو ما يعني أن‬ ‫هناك على األقل مدنيا واحدا بين كل عشر إصابات‪ ،‬وفقا إلحصائياتهم‪.‬‬ ‫وقد تم قتل هؤالء النساء والفتيات بأساليب مختلفة – من الطعن وصوال‬ ‫إلى القصف أو القتل بالرصاص – والتي تعد العديد منها محظورة‬ ‫دوليا‪.‬‬ ‫يقول مدير برنامج مناصرة حقوق اإلنسان في الشرق األوسط وشمال‬ ‫أفريقيا في فرع منظمة العفو الدولية بالواليات المتحدة‪ ،‬سانجيف بيري‪:‬‬ ‫“عندما استخدمت القوات المسلحة السورية القصف الجوي العشوائي‬ ‫أو الهجوم بالمدفعية على المناطق التي يسكنها مدنيون‪ ،‬فإنها اقترفت‬ ‫جرائم حرب»‪.‬‬ ‫وتحتوي تقارير “سوريا تراكر” على نسب أعلى من النساء الالتي‬ ‫قتلن منذ فبراير (شباط) الماضي‪ ،‬عندما كان هناك هجوم مستمر على‬ ‫حمص‪ .‬ولم تتوقف تلك الهجمات حتى الهدنة التي تم االتفاق عليها في‬ ‫أكتوبر (تشرين األول)‪.‬‬ ‫فتقول دوناتيال روفيرا‪ ،‬كبيرة مستشاري مواجهة األزمات في منظمة‬

‫نحو يف املائة من حاالت القتل التي‬ ‫مت ت�سجيلها يف جميع �أنحاء �سوريا‬ ‫كانت من الن�ساء والالتي من امل�ستبعد‬ ‫�أن يكن قد حملن ال�سالح يف ذلك‬ ‫النزاع بالإ�ضافة �إىل الفتيات الالتي كن‬ ‫بطبيعة احلال غري مقاتالت‬

‫‪54‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫العفو الدولية في سبتمبر (أيلول) الماضي‪“ :‬تمارس الحكومة اآلن‬ ‫القصف المستمر للمدن والقرى باستخدام أسلحة القتال التي ال يمكن‬ ‫توجهيها ألهداف محددة‪ ،‬وبالتالي فإن ضحايا مثل تلك الهجمات‬ ‫العشوائية هم من المدنيين في معظم األحوال»‪.‬‬ ‫وبخالف عمليات القصف‪ ،‬والتي تمثل ‪ 44‬في المائة من حاالت القتل‬ ‫التي رصدتها “سوريا تراكر” لقتل النساء والفتيات (مقابل ‪ 23‬في‬ ‫المائة بين الرجال)‪ ،‬اكتشفت المجموعة أن األسباب الرئيسية لمقتل‬ ‫النساء كانت تتمثل في اآلتي‪ 14 :‬في المائة نتيجة اإلصابة بطلقات‬ ‫نارية (مقابل ‪ 31‬في المائة من الرجال)‪ 5 ،‬في المائة تم قتلهم على‬ ‫يد القناصة (مقابل ‪ 4‬في المائة من الرجال)‪ ،‬و ‪ 3‬في المائة تم‬ ‫ذبحهن‪ .‬وهو ما يعني كما علمت من “سوريا تراكر” أنهن ضربن أو‬ ‫تم طعنهن بشكل مباشر ومستهدف (مقابل ‪1‬في المائة من الرجال)‪.‬‬ ‫هل هذا يعني أن المدنيين مستهدفون؟ ال نعرف — هل تعلق النساء‬ ‫في مواقع تبادل إطالق النيران ال يستهدفهن؟ ال نعرف‪ ،‬ولكن السؤال‬ ‫مطروح‪.‬‬ ‫ولكن مدير موقع “سوريا تراكر” يعتقد أنهن مستهدفات؟ فيقول مؤسس‬ ‫الموقع‪ ،‬والذي يعمل كطبيب وعالم أوبئة وإحصائي‪“ :‬في األماكن التي‬ ‫ترتكب فيها مذابح‪ ،‬والتي اقتحمها الجيش أو الشبيحة وذبحوا من بها‪،‬‬ ‫هناك دليل واضح على االستهداف خاصة في أماكن مثل حمص‪ .‬فقد تم‬ ‫شنق جميع الحاالت أو ذبحهم أو تقييدهم وقتلهم بنفس الطريقة‪ .‬ثم يحدث‬ ‫ارتفاع كبير ومفاجئ بين مجموعة محددة مثل النساء‪ .‬إنه أمر منهجي‬ ‫للغاية‪ .‬فهؤالء الناس يدركون ما يفعلونه عندما يقتحمون المدن”‪.‬‬ ‫كما أوضح أيضا أن المناطق التي كانت بها حاالت عديدة من قتل النساء‬ ‫والفتيات كانت من المناطق التي أشارت وسائل اإلعالم إلى اقتحام‬ ‫الشبيحة لها‪ .‬فقد اكتشف موقع “سوريا تراكر” أن نسبة النساء والفتيات‬ ‫التي تم تسجيل مقتلهن منذ بداية الحرب في حمص بلغت ‪ 40‬في المائة‬ ‫مقارنة بنسبة ‪9‬في المائة في جميع أنحاء البالد‪ .‬ففي تقديراتهم‪ ،‬تتعرض‬ ‫المرأة بنسبة تصل إلى ‪ 10‬أضعاف إلى الوفاة في حادث قتل عنيف في‬ ‫حمص أكثر من دمشق‪.‬‬ ‫–––ويتماشى العنف ضد المرأة في حمص مع البيانات التي جمعناها‬ ‫في مشروع “النساء تحت الحصار” الذي أديره بمركز إعالم المرأة‬ ‫والذي يرصد كيف يتم استخدام العنف الجنسي في سوريا‪.‬‬ ‫وتظهر بياناتنا مستويات عالية من الهجمات الجنسية بحمص أكثر من‬ ‫أي مدينة أخرى في سوريا بنسبة ‪35‬في المائة من إجمالي تقاريرنا من‬ ‫هناك‪ .‬كما أن ‪ 70‬في المائة من حاالت الوفيات بين النساء في سوريا‪،‬‬ ‫وفقا لموقع “سوريا تراكر”‪ ،‬كانت نتاج الضرب والطعن الذي وقع في‬ ‫حمص وكان معظمها في مايو (أيار) ‪.2012‬‬ ‫وتتضمن ‪ 60‬في المائة من آالف الحاالت التي رصدها موقع “سوريا‬ ‫تراكر” على األقل صورة أو لقطات فيديو‪ .‬كما أن ‪ 85‬في المائة من‬ ‫الحاالت تم تسجيل اسم الضحية بها‪.‬‬ ‫وجميعهن تم تسجيل موقع االعتداء عليهن‪ ،‬وصوال إلى الحي والبلد‪،‬‬ ‫وهناك روايات في‪ ‬نحو ‪ 80‬في المائة من التقارير حول ما حدث تصف‬ ‫ما إذا كان موت هذا الفرد نتاج مذبحة أو شيء آخر‪ .‬وهو ما يعني أن عملية‬ ‫التوثيق تلك يمكن أن تساعد على جمع األدلة في حاالت القتل المحتملة‪.‬‬ ‫فتقول دكتورة ساندور غاليا‪ ،‬رئيسة كلية ميلمان بقسم األوبئة بكلية‬ ‫الصحة العامة بجامعة كولومبيا إنها تعتبر عمليات التعهيد الجماعي‬ ‫مثل “سوريا تراكر” “مبادرة ابتكارية يمكن أن يتم استخدامها للرقابة‬ ‫خالل الحروب أو األوضاع غير المستقرة»‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فإن ذلك النوع من جمع البيانات الخاص بحقوق اإلنسان‬ ‫القى نصيبه من االنتقادات‪ ،‬والتي ترجع في معظمها إلى أنه ال يوجد‬ ‫وسيلة نعرف من خاللها نسبة ما رصدته من مجمل العنف الذي وقع‪.‬‬ ‫تقول ميغان برايس‪ ،‬اإلحصائية ببرنامج حقوق اإلنسان ببنيتك‪ ،‬منظمة‬


‫نساء سوريا تحت الحصار وهدف لنظام بشار‬

‫جرائم حرب‬

‫المرأة السورية شريك فاعل في الثورة‬

‫بقلم‪ :‬لورين وولف*‬

‫يف يناير (كانون الثاين)‪ ،‬مت اكت�شاف جثة ر�ضيعة بالقرب من نقطة تفتي�ش على الطريق الذي ي�صل بني حم�ص‬ ‫ومدينة تدمر القدمية يف و�سط �سوريا‪ .‬ويقال �إن جثة تلك الر�ضيعة مت ت�سليمها لويل �أمرها‪ ،‬عمها‪ ،‬وهناك كدمات‬ ‫على ظهرها‪ ،‬وبطنها ويديها‪ .‬وكان �أبواها مفقودين ‪ -‬فقد كانت الأ�سرة قد انتقلت �إىل طرطو�س قبل ‪ 61‬يوما‪ ،‬وفقا‬ ‫لفيلم فيديو تظهر فيه الفتاة وقد فارقت احلياة‪ .‬وكانت هناك �أ�صوات رجال يف خلفية الفيلم تتهم قوات الأمن‬ ‫التابعة لب�شار الأ�سد بتعذيب الطفلة وقتلها بعدما مت اعتقالها مع �أ�سرتها‪.‬‬ ‫* مديرة “نساء تحت الحصار”‪ ،‬وهو مركز إلعالم المرأة حول العنف الجنسي واالنتهاكات التي تطال النساء في حاالت النزاع‪ ،‬رئيس التحرير السابق للجنة حماية‬ ‫الصحافيين‪ .‬وهي تكتب بانتظام في موقع ‪laurenmwolfe.com‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪53‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫نساء سوريا تحت الحصار وهدف لنظام بشار‬

‫جرائم حرب‬

‫بقلم‪ :‬لورين وولف‬

‫اإلخوان المسلمون في مصر‪ ..‬تاريخ من العنف والبراغماتية‬

‫قوة مهيمنة‬

‫بقلم‪ :‬توني جونسون‬

‫‪52‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬


‫األفكار خلف األخبار‬


‫اقتصاد‬

‫رحلتي �إىل دبي‬ ‫قمت بأول زيارة لي إلى دبي في‬ ‫عام ‪ 1993‬عندما كنت صحافياً‬ ‫شاباً في صحيفة “أراب نيوز”‬ ‫السعودية‪ .‬وحتى في ذلك الوقت‬ ‫كنت أشعر بنشاط في ما كان يطلق عليها “مدينة‬ ‫دبي وأقرأ‬ ‫التجار”‪ .‬عندما كنت أسير بطول خور ّ‬ ‫عن تاريخ هذه المدينة‪-‬الدولة‪ ،‬كانت المياه تهمس‬ ‫بقصص عن تجارة اللؤلؤ القديمة‪ ،‬وعن التجار‬ ‫الهنود والفرس‪ ،‬وعن قرنين من التجارة عبر‬ ‫البحر‪.‬‬ ‫أرسلتني إلى دبي عامي ‪ 1998-1999‬وكالة‬ ‫“رويترز”‪ ،‬وصرت أزور المدينة سنوياً تقريبا‬ ‫منذ ذلك الحين‪ .‬لقد كنت شاهداً على صعود دبي‬ ‫عن قرب‪ ،‬ولكن من منظور الوافد‪ .‬وكان األهم‬ ‫هو مشاهدتي أعمدة االقتصاد في دبي‪ :‬السياحة‬ ‫والخدمات والتجارة والطيران‪ .‬شعرت بأن هذه‬ ‫العوامل هي القوة الدافعة لنمو المدينة‪ .‬كما تابعت‬ ‫باهتمام‪ ،‬في أسفاري في الشرق األوسط‪ ،‬عددا‬ ‫من رجال األعمال الذين يطلبون من حكوماتهم‬ ‫دبي‪.‬‬ ‫خدمات مثل تلك التي تقدمها ّ‬ ‫لم أشعر باالرتياح لـ“طفرة الذهب” التي‬ ‫دبي بين عامي ‪ 2005‬و‪،2008‬‬ ‫ظهرت في ّ‬ ‫دبي مكاناً‬ ‫في‬ ‫المضاربون‬ ‫عندما رأى‬ ‫ّ‬ ‫يمكنهم تحقيق ربح سريع وسهل من‬ ‫خالله‪ .‬كان الضغط جنونياً‪ ،‬وأسعار‬ ‫العقارات غير واقعية‪ .‬كان الجشع‬

‫‪50‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫منتشراً في كل مكان‪ .‬عندما انهار سوق العقارات‬ ‫دبي عامي ‪ ،2008-2009‬صدمت من سرعة‬ ‫في ّ‬ ‫دبي‪.‬‬ ‫بشأن‬ ‫–‬ ‫الغربي‬ ‫واإلعالم‬ ‫–‬ ‫العالم‬ ‫تحوّل‬ ‫ّ‬ ‫حتى إن مجلة “نيوزويك” كتبت “وداعاً دبي”‪،‬‬ ‫دبي‪.‬‬ ‫وخرجت مقاالت تتحدث عن نهاية نموذج ّ‬ ‫في ذلك الوقت‪ ،‬كنت مقتنعاً بأن وسائل اإلعالم‬ ‫العالمية مجحفة في تكتلها وتحاملها‪ .‬أعترف هنا‬ ‫دبي بالغت في تقدير‬ ‫أن الشركات الحكومية في ّ‬ ‫قوتها‪ .‬وأعترف بأن كثرة من هذه الشركات‬ ‫وقعت ضحية لممارسة خطيرة لكنها سهلة عن‬ ‫طريق تكبد الديون مقابل األمل في نمو وارتفاع ال‬ ‫يتوقفان في أسعار العقارات‪ .‬إال أن هذه الشركات‬ ‫لم تكن وحدها‪ ،‬فقد كان هذا نهجا منتشراً في جميع‬ ‫أنحاء العالم‪.‬‬ ‫وفي المقابل‪ ،‬كنت واثقاً من أن دبي أكثر مرونة‬ ‫من قطاع العقارات‪ ،‬فهناك النقل البحري‬ ‫تشكل‬ ‫والطيران والسياحة‪ ،‬وهي التي‬

‫دبي‪.‬‬ ‫المحركات األساسية لنموذج ّ‬ ‫وفي هذا االتجاه نشرت مقال رأي في صحيفة‬ ‫“فايننشيال تايمز” اللندنية في ‪ 2009‬تحت عنوان‬ ‫دبي”‪ ،‬واسترجعت‬ ‫“ال تص ّدقوا التقارير عن نهاية ّ‬ ‫مقولة الكاتب األميركي مارك توين الذي قرأ‬ ‫ذات مرة نعيه في الصحيفة وكتب رداً ساخراً‬ ‫قال فيه‪“ :‬ثمة مبالغة كبيرة في خبر وفاتي”‪.‬‬ ‫دبي كان مبالغة كبيرة أيضاً‪.‬‬ ‫لقد شعرت أن نعي ّ‬ ‫متمسكة‬ ‫دبي‬ ‫ظلت‬ ‫طالما‬ ‫لقد توقعت االنتعاش‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بقوتها الرئيسة بصفتها “مركزاً” لحركة الناس‬ ‫والخدمات والتجارة‪ .‬واهتممت بشأنها إلى حد ما‬ ‫ألنني أعجبت بالمدينة ولكن بدرجة أكبر ألنني‬ ‫دبي بالنسبة للعالم‪.‬‬ ‫شعرت بأهمية ّ‬ ‫دبي تجيد توفير بيئة للشركات والسياحة‬ ‫كانت ّ‬ ‫لكنها لم تكن تجيد الترويج لقصتها‪ .‬هذا األمر‬ ‫المري‪ ،‬المدير‬ ‫بدأ يتغيّر‪ .‬وهنا أشير إلى ان منى ّ‬ ‫دبي‪ ،‬تتميّز‬ ‫الجديد للمكتب اإلعالمي بحكومة ّ‬ ‫بالذكاء ومعرفة احتياجات وسائل اإلعالم‪.‬‬ ‫كما كشفت شركات استشارات إستراتيجية عن‬ ‫دبي‪ ،‬مع أن تواصل‬ ‫حمالت مهمّة للتعريف بقصة ّ‬ ‫دبي مع المجتمع األكاديمي والبحثي ما زال‬ ‫ّ‬ ‫دبي مدينة “شابة”‪،‬‬ ‫ضعيفاً‪ .‬مهم جداً أن نذكر أن ّ‬ ‫والمدن الشابة ترتكب األخطاء لكنها تعيد التقييم‬ ‫دبي باهتمام‬ ‫وتنتعش‪ .‬ولذا سأواصل متابعة ّ‬ ‫شخصي كبير <‬


‫الشمالية‪ ،‬أصبحت اإلمارات مجهزة للتجارة‪.‬‬ ‫جبل علي‪ ،‬كما سبقت اإلشارة‪ ،‬هو اليوم أكبر مرفأ‬ ‫حاويات بين روتردام وسنغافورة‪ .‬وعندما أنجز العمل‬ ‫فيه ‪ ،1979‬كان جبل علي إلى جانب سور الصين‬ ‫العظيم وسد هوفر اإلنجازات الثالثة الوحيدة التي‬ ‫صنعها اإلنسان ويمكن رؤيتها من الفضاء‪ .‬ولقد سمح‬ ‫موقع الميناء الجغرافي اإلستراتيجي‪ ،‬على مسافة ‪35‬‬ ‫دبي‪ ،‬على مقربة من‬ ‫كيلومتراً جنوب غربي مدينة ّ‬ ‫حركة التجارة بين الشرق والغرب‪ ،‬بأن يكون رابطاً‬ ‫بحرياً بين الشرق األقصى ونصف الكرة الغربي‪،‬‬ ‫ويقدم بوابة دخول إلى سوق عالمية يقطنها مليارا‬ ‫نسمة‪ .‬كذلك تعمل في جبل علي أكثر من ‪ 170‬شركة‬ ‫شحن تقدم ما يزيد على ‪ 100‬خدمة أسبوعياً أمام ما‬ ‫يزيد على ‪ 155‬طلب دخول الميناء‪ .‬ويدخل ما يقرب‬ ‫من ‪ 12,000‬سفينة سنويا إلى الميناء‪.‬‬

‫دبي‪ ..‬مدينة مركزية‬ ‫في كل دقيقة كل يوم يخرج ‪ 150‬مولوداً إلى الحياة‪،‬‬ ‫ما يعني والدة ما يصل إلى ‪ 9,000‬إنسان جديد على‬ ‫وجه األرض كل ساعة‪ ،‬أي ‪ 220,000‬على مدار‬ ‫اليوم‪ ،‬و‪ 80‬مليون نسمة سنوياً‪ .‬في الواقع‪ ،‬في الوقت‬ ‫الذي تستغرقه قراءة هذه الجملة ولد ‪ً 15‬‬ ‫طفال جديداً‪.‬‬ ‫يساوي عالم يدخله ‪ 80‬مليون نسمة سنوياً عالماً‬ ‫نضيف إليه دولة مثل ألمانيا جديدة أو مصر جديدة كل‬ ‫سنة‪ .‬واليوم يعيش ‪ 75‬في المائة من سكان العالم في‬ ‫ّ‬ ‫وستتركز الغالبية العظمى من هؤالء‬ ‫آسيا أو أفريقيا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫المواليد الجدد – ‪ 80‬مليونا – الذين يدخلون إلى عالمنا‬ ‫كل سنة من آسيا أو أفريقيا‪ ،‬وهم غالباً من المناطق‬ ‫الفقيرة أو النامية في آسيا وأفريقيا‪ .‬قد يزداد عدد سكان‬ ‫جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا إلى الضعفين أو‬ ‫ثالثة أضعاف في غضون السنوات األربعين المقبلة‪.‬‬ ‫وبحلول عام ‪ ،2030‬يتوقع وصول تعداد سكان أفريقيا‬ ‫تقريباً إلى ما يساوي مجموع عدد سكان أميركا‬ ‫الشمالية وأوروبا وأميركا الالتينية ومنطقة الكاريبي‪.‬‬ ‫في أكتوبر (تشرين األول) عام ‪ ،2011‬اجتاز العالم‬ ‫تعداد ‪ 7‬مليارات نسمة‪.‬‬ ‫وبحلول عام ‪ ،2030‬سوف نجتاز حاجز ‪ 8‬مليارات‬ ‫نسمة‪ .‬وبالتالي‪ ،‬يحتاج العالم إلى “مدن مركزية”‬ ‫وبوابات – تكون مركزا لألشخاص والسلع والخدمات‬ ‫دبي كـ”مدينة مركزية” عالمية‬ ‫واألفكار‪ .‬لذا تظهر ّ‬ ‫ضرورية غير قابلة للجدل‪ ،‬ال سيما بالنسبة آلسيا‬ ‫وأفريقيا‪ .‬هذه “المدن المركزية” مصدر حيوية‬ ‫لمستقبل االقتصاد العالمي‪ ،‬ألنها تؤدي ما يشبه دور‬ ‫الشريان الذي يحمل الدم من وإلى القلب النابض للتنمية‬ ‫المستدامة‪.‬‬ ‫دبي‬ ‫وفي هذا الصدد‪ ،‬تلعب المدن المحورية الحالية – ّ‬ ‫وسنغافورة وهونغ كونغ ولندن ونيويورك – أدواراً‬ ‫كبرى من أجل مستقبلنا جميعاً‪ .‬إن العالم بحاجة إلى‬

‫مراكز وروابط وبوابات ووصالت‪ .‬من البندقية في‬ ‫القرن التاسع عشر إلى أمستردام في القرن السابع عشر‬ ‫إلى لندن في القرن الثامن عشر وباريس ونيويورك‬ ‫في القرنين التاسع عشر والعشرين‪ ،‬من قوافل “طريق‬ ‫الحرير” إلى روما القديمة‪ ،‬لعبت “المدن المركزية”‬ ‫دوراً حيوياً في التجارة والتنمية واالختالط الثقافي‬ ‫ونقل األفكار – في مستقبل البشرية‪.‬‬

‫معرض إكسبو الدولي‬ ‫في عام ‪ ،2021‬ستحتفل دولة اإلمارات المتحدة‬ ‫بالذكرى الخمسين لتأسيس الدولة‪ .‬وفي جزء من‬ ‫دبي بعرض من أجل استضافة‬ ‫االحتفاالت‪ ،‬تق ّدمت ّ‬ ‫معرض إكسبو الدولي‪ ،‬الذي واحد من أكثر األحداث‬ ‫االستثنائية العالمية‪ .‬معارض إكسبو تمثّل أفضل ما‬ ‫في البشرية‪ ،‬وهي تحتفي باالبتكارات والتقدم والتنمية‬

‫جنباً إلى جنب مع اعتزازها بالثقافة والتراث‪ .‬وهي‬ ‫تُ َّ‬ ‫نظم كتجمعات عالمية في إحدى المدن كل خمس‬ ‫سنوات‪ .‬ولقد أنتج معرض باريس إكسبو عام ‪1889‬‬ ‫تحفة “برج إيفل”‪ ،‬وقدم شيكاغو إكسبو ‪ 1993‬إلى‬ ‫العالم جيال جديدا من اإلنجازات العلمية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وأكد معرض شنغهاي إكسبو في عام ‪ 2010‬حقيقة‬ ‫صعود الصين‪ .‬ولهذا تتنافس الدول على شرف‬ ‫استضافة معارض إكسبو الدولية بالطريقة ذاتها‬ ‫التي تتنافس بها على تنظيم األولمبياد أو بطولة كأس‬ ‫العالم‪ .‬غير أن االختالف الرئيس يكمن في أن على‬ ‫المدن المتنافشسى إبراز كيف تعتزم أن تقدم ما هو‬ ‫جيد إلى العالم أثناء استضافتها المعرض‪ .‬ثم ان عملية‬ ‫العروض والترشيحات ورسو االختيارات على احدها‬ ‫عملية طويلة ومرهقة‪ .‬أما فكرة دبي الرئيسة – القائمة‬ ‫على تواصل العقول وصنع المستقبل – فتش ّدد على‬ ‫قدرة المدينة غير العادية على التواصل العالمي‪ .‬لم‬ ‫ي َّ‬ ‫ُنظم أي معرض إكسبو دولي في العالم العربي من‬ ‫قبل‪ .‬ولذلك يمثل األمر في حد ذاته إنجازاً للمنطقة‪ .‬بل‬ ‫أظهر استطالع رأي للشباب العربي في عام ‪،2012‬‬ ‫أجرته «أصداء بيرسون مارستيلر ‪-‬‬ ‫‪ ،Asdaa Burson Marsteller‬أن الشباب العربي‬ ‫يأمل في تأمين الوظيفة والكرامة االقتصادية‪ .‬وأشار‬ ‫االستطالع أيضاً إلى أن واحداً من كل ثالثة شباب‬ ‫عربي اختاروا اإلمارات لتكون المكان المثالي لإلقامة‬ ‫بها‪.‬‬ ‫إذا فازت دبي بحق استضافة معرض اكسبو‬ ‫الدولي‪ ،‬ستبدأ مراسم االفتتاح في أكتوبر (تشرين‬ ‫األول) عام ‪.2020‬‬ ‫وبالمناسبة في الشهر ذاته قبل ‪ 30‬سنة‪ ،‬توفي‬ ‫“رجل استثنائي” يتمتع بـ“عقلية استثنائية” اسمه‬ ‫الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم‪ .‬لم يكن الشيخ راشد‬ ‫يتخيل إلى أي مدى ستصل إمارته الصغيرة <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪49‬‬


‫اقتصاد‬

‫والدول النامية والتجارة الجنوبية‪-‬الجنوبية حول‬ ‫العالم‪ .‬وفي حين يتساوى هنا ثقل إجمالي الناتج‬ ‫المحلي العالمي بين الغرب والشرق والشمال‬ ‫والجنوب‪ ،‬بدأت ممرات تجارية جديدة ووجهات‬ ‫استثمار جديدة في الظهور‪ .‬وفي الوقت ذاته‪،‬‬ ‫بدأت مصطلحات مثل “الجنوب” و“الشمال” تفقد‬ ‫معناها التقليدي وسط اقتصاد عالمي بالفعل‪.‬‬ ‫ولكن تجدر اإلشارة إلى أن بعض المناطق تنمو‬ ‫بوتيرة أسرع من غيرها‪ ،‬وتظهر أفريقيا وآسيا‬ ‫المحركات المقبلة للنمو في‬ ‫واألميركتان بصفتها‬ ‫ّ‬ ‫العالم‪ .‬وفي الوقت ذاته‪ ،‬يمثل “طريق الحرير”‬ ‫الجديد – العالقات التجارية والدبلوماسية‬ ‫واالقتصادية المتنامية بين الشرق األوسط وآسيا‬ ‫ومشجعًا‬ ‫مرجحًا للنمو المستدام في آسيا‬ ‫ّ‬ ‫– محفزاً ّ‬ ‫ً‬ ‫للدول األكثر تعدادا والمستوردة للنفط في العالم‬ ‫العربي‪ .‬وللعلم‪ ،‬على مدار العقد الماضي‪،‬‬ ‫تضاعف حجن التجارة بين الشرق األوسط وآسيا‬ ‫بنسبة أربعة أضعاف‪ ،‬والمرجح أنها ستستمر في‬ ‫النمو‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫تشكل‬ ‫هذه التطورات الجغرافية االقتصادية‬ ‫دبي في مركزها أو عقدة‬ ‫اليوم عالمنا‪ ،‬وتقف ّ‬ ‫مواصالتها‪ ،‬من القاهرة إلى كراتشي‪ ،‬ومن جاكرتا‬ ‫إلى جدة‪ ،‬ومن ريو دي جانيرو إلى الرياض‪ ،‬تلعب‬ ‫دبي دوراً رابطاً رئيساً عبر بناء شبكات تجارية‬ ‫جديدة وربط الشعوب في جميع دول العالم الناشئة‬ ‫والنامية‪ .‬ثم ان الهند توشك أن تصبح أكبر دول‬ ‫العالم من حيث عدد السكان‪ ،‬والمعروف أن هذا‬ ‫النمو يترافق مع نجاح مسيرة تنميتها على مدار‬ ‫العقود الثالثة الماضية‪ ،‬برغمأنه ما زال أمامها‬ ‫دبي من عدة أوجه‬ ‫طريق طويل‪ .‬ومن هنا تعتبر ّ‬ ‫جزءاً من قصة تنمية الهند‪ ،‬ذلك انها واحدة من أهم‬ ‫شرايين الهند التجارية إلى العالم‪.‬‬ ‫دبي‬ ‫حتى إن عدد رحالت الطيران من الهند إلى ّ‬ ‫يفوق عدد رحالت الطيران من الهند إلى جميع‬ ‫دول العالم مجتمعة‪ ،‬واليوم تصل أكثر من ‪450‬‬ ‫رحلة جوية أسبوعية – ‪ 65‬رحلة يومياً ‪ -‬بين‬ ‫دبي تدعم وتحفز‬ ‫البلدين‪ .‬أضف إلى ما تق ّدم أن ّ‬ ‫التجارة الهندية‪ ،‬وأن الهند هي أكبر شريك تجاري‬ ‫لدبي‪.‬‬ ‫منفرد ّ‬ ‫ومن جانب إضافي‪ ،‬في أغلب األحيان ّ‬ ‫يدشن‬ ‫الفنانون الهنود المعاصرون أحدث معارضهم في‬ ‫دبي حيث حطمت مزادات األعمال الفنية الهندية‬ ‫ّ‬ ‫جميع األرقام القياسية‪ .‬وحتى “بوليوود” صارت‬ ‫دبي‪ ،‬وتختار‬ ‫تقيم حفل توزيع جوائزها السنوي في ّ‬ ‫بانتظام دبي وأبوظبي إلقامة العرض األول‬ ‫العالمي ألفالمها‪.‬‬ ‫وهكذا أصبحت أكبر دولتين من حيث تعداد‬ ‫‪48‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫دبي في‬ ‫السكان في العالم شريكتين نشطتين مع ّ‬ ‫مجاالت التجارة والسياحة واالستثمار والفنون‪.‬‬ ‫دبي”‪ ،‬إذاً‪ ،‬لتشمل شبه القارة الهندية‬ ‫تتسع “منطقة ّ‬ ‫وأفريقيا وجنوب شرق آسيا ودول الكومنولث‬ ‫والشرق األوسط‪ ،‬وفي الجوار توجد دول مجلس‬ ‫التعاون الخليجي – وجميعها على مسافة قريبة‬ ‫يمكن قطعها بالسيارة أو القطار أو رحلة جوية‬ ‫دبي في‬ ‫قصيرة‪ .‬لذلك من أجل استيعاب نموذج ّ‬ ‫التجارة والسياحة والخدمات‪ ،‬ال بد من فهم “منطقة‬ ‫دبي”‪ .‬العالم العربي جزء من هذه المنطقة‪ ،‬جزء‬ ‫ّ‬ ‫فقط‪.‬‬

‫روح االقتصاد‪ ..‬التجارة البحرية‬ ‫دبي‪ ،‬يجب أن‬ ‫من أجل مزيد من االستيعاب لصعود ّ‬ ‫يزور المرء ميناء جبل علي‪ ،‬أحد أكثر الموانئ البحرية‬

‫حركة في العالم واحد أهم ما في تركة الشيخ راشد‬ ‫من منجزات‪ .‬إنه ليس مزاراً للسياح أو المسافرين من‬ ‫دبي‪.‬‬ ‫رجال األعمال‪ ،‬بل هو جزء حيوي من قصة ّ‬ ‫دبي‪ ،‬إذ من‬ ‫هذا الجزء قد يكوت األقل سحراً في قصة ّ‬ ‫الصعب مشاهدته ولكن يمكن قياس أثره بالتأكيد‪ .‬وبما‬ ‫أن أكثر من ‪ 90‬في المائة من السلع المتداولة في العالم‬ ‫تنقل عبر البحر‪ ،‬تعد الموانئ شرايين التجارة العالمية‪.‬‬ ‫دبي المركز الثامن على‬ ‫اليوم يحتل ميناء جبل علي في ّ‬ ‫قائمة موانئ الحاويات األكثر ازدحاماً في العالم‪ .‬وهذا‬ ‫دبي أكثر ازدحاماً من ميناء روتردام‪،‬‬ ‫يعني أن ميناء ّ‬ ‫وهو األكثر ازدحاماً في أوروبا‪ .‬وهو يعني أيضا أن‬ ‫دبي يتعامل مع حوالي ضعفي سفن الحاويات‬ ‫ميناء ّ‬ ‫التي يتعامل معها أكبر ميناءين في الواليات المتحدة‬ ‫مجتمعين – لوس آنجليس ولونغ بيتش‪ .‬كما يتعامل‬ ‫ميناء دبي مع سفن حاويات تفوق تلك التي تتعامل معها‬ ‫روسيا وتركيا مجتمعتين‪.‬‬ ‫دبي البحرية وبفضل صادرات النفط‬ ‫كنتيجة لموانئ ّ‬ ‫من أبوظبي‪ ،‬بات لدولة اإلمارات أثر تجاري عالمي‬ ‫كبير‪ ،‬أكبر في الواقع مما قد ين ّم عنه حجمها‪ .‬فلقد‬ ‫كان لدى اإلمارات نسبة ‪ 1.27‬في المائة من إجمالي‬ ‫التجارة العالمية في عام ‪ ،2011‬وفقاً لمصرف (إتش‬ ‫إس بي سي)‪ ،‬وهو رقم يفوق ما تحققه البرازيل أو‬ ‫تركيا أو تايالند‪ ،‬وهي دول ذات تعداد سكاني أكبر‬ ‫من تعدادها بكثير‪, .‬يرجع أثر اإلمارات التجاري‬ ‫الذي يفوق حجمها إلى عقود من بناء البنية التحتية‬ ‫التي تسمح بالتبادل التجاري – بداية من حفر خور‬ ‫دبي إلى إنشاء ميناء جبل علي إلى المطارات الحديثة‬ ‫ّ‬ ‫والخدمات اللوجستية ذات الطراز العالمي‪.‬‬ ‫من الموانئ إلى المطارات‪ ،‬إلى بيئة تنظيمية تسمح‬ ‫بالتبادل التجاري صنفها المنتدى االقتصادي العالمي‬ ‫في المركز األول في العالم العربي والمركز ‪23‬‬ ‫على مستوى العالم‪ ،‬قبل الواليات المتحدة وكوريا‬


‫في الخليج”‪ .‬وبعد ذلك في مايو (أيار) ‪،1961‬‬ ‫كتب مراسل صحيفة “لوموند” الفرنسية «في‬ ‫دبي ال يوجد نفط‪ ،‬ولكن يوجد حاكم هو الشيخ‬ ‫ّ‬ ‫راشد آل مكتوم‪ ،‬الرجل الذكي البارع الذي‬ ‫ّ‬ ‫خطط للتغلب على نقص الموارد الطبيعية وبناء‬ ‫ً‬ ‫مدينة مزدهرة تطل على الميناء»‪ .‬ايضا أعرب‬ ‫الوكيل السياسي البريطاني في عام ‪ 1962‬عن‬ ‫دبي‪ ،‬إذ كتب في تقريره‬ ‫إعجاب مشابه بحاكم ّ‬ ‫السنوي‪« :‬ال يخمد التقدم الملحوظ الذي تحرزه‬ ‫دبي التي أصبحت مركزا يتخذ منه‬ ‫دبي‪ .‬في ّ‬ ‫ّ‬ ‫آخرون أنماطهم‪ ،‬تخفف تق ّدمية الحاكم بفاعلية من‬ ‫أي شكاوى‪ ..‬لذا يزداد عدد الشركات األوروبية‬ ‫والعربية التي تفتح ويبدو المستقبل مشرقاً‪».‬‬ ‫اهت ّم الشيخ راشد بأمر مه ّم وكان ملحوظاً حينها‪،‬‬ ‫إذ في اعتباره الفكرة األساسية‪ ،‬وشرع في إطالق‬ ‫سلسلة من مشاريع البنى التحتية الكبرى‪ ،‬انطالقاً‬ ‫لدبي‪ ،‬ومن الموانئ إلى‬ ‫بناء منصة اتصاالت‬ ‫ّ‬ ‫األحواض الجافة إلى أول أبنية ضخمة‪.‬‬ ‫لم ّ‬ ‫يكل أبداً في سعيه إلى التنمية‪ .‬وبعد مرور سنة‬ ‫تقريباً على افتتاح ميناء كبير في عام ‪،1971‬‬ ‫يُعرف اليوم باسم “ميناء راشد”‪ ،‬أعلن عن أحد‬ ‫أكثر مشاريع البنية التحتية طموحا في العالم ‪...‬أال‬ ‫وهو إنشاء أكبر ميناء بين روتردام وسنغافورة‪،‬‬ ‫هو الذي يُعرف اليوم باسم جبل علي‪.‬‬ ‫يومذاك خرج المعارضون مجدداً ليقولوا إنه‬ ‫مشروع ال يمكن تنفيذه‪ ،‬كما إنه يشكل إهداراً‬ ‫للمال‪ ،‬متسائلين ‪ ...‬لماذا يُقدم الشيخ راشد على‬ ‫رهان ضخم كهذا؟ فالسفن لن تأتي‪.‬‬ ‫في عام ‪ ،1983‬جرى تدشين جبل علي وفتح الميناء‬ ‫للعمل التجاري ‪ ...‬وجاءت السفن‪ .‬واليوم‪ ،‬أصبح‬ ‫الميناء من أكثر مرافئ الحاويات ازدحاماً في العالم‪.‬‬ ‫دبي في الخمسينيات‪،‬‬ ‫ماذا كنا سنرى لو زرنا ّ‬ ‫عندما كان الشيخ راشد ّ‬ ‫يخطط من أجل تنفيذ‬ ‫رؤيته؟ كنا سنرى مينا ًء تجارياً إقليمياً متواضعاً‪،‬‬ ‫يفضله التجار الهنود واإليرانيون وتجار شرق‬ ‫أفريقيا‪ ،‬يعاني من ضعف البنية التحتية‪ ،‬ويقتات‬ ‫على فواكه البحر‪.‬‬ ‫دبي أساسية‬ ‫في تلك الفترة المبكرة‪ ،‬كانت احتياجات ّ‬ ‫مثل الكهرباء والمياه والطرق والموانئ والتعليم‬ ‫والرعاية الصحية‪ .‬ولكن رؤية الشيخ راشد كانت‬ ‫إستراتيجية‪ .‬يحمل ابن الشيخ راشد والحاكم الحالي‬ ‫لدبي‪ ،‬الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم‪ ،‬روحاً‬ ‫ّ‬ ‫مشابهة من لروح أبيه من حيث الطموح والقيادة‪.‬‬

‫لقد أصبح حلم الشيخ راشد حقيقة بالتأكيد‪ :‬واآلن‬ ‫دبي‪.‬‬ ‫العالم بأسره يعرف ّ‬

‫دبي اإلستراتيجية‬ ‫جغرافية ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وتواصال‬ ‫اتصاال‬ ‫دبي من أكثر المناطق‬ ‫اليوم تعتبر ّ‬ ‫على وجه األرض‪ .‬إنها مدينة عالمية من القرن‬ ‫الواحد والعشرين‪ .‬في كل ‪ 90‬ثانية تقلع أو تهبط‬ ‫دبي‪ ،‬وفي كل دقيقة تصل ‪ 100‬حاوية‬ ‫طائرة في ّ‬ ‫دبي‪.‬‬ ‫إلى موانئ ّ‬ ‫دبي في قلب العالم‪ .‬إنها تبتعد عن‬ ‫بطريقة ما تقف ّ‬ ‫ربع سكان العالم بمسافة تستغرقها رحلة الطيران‬ ‫في غضون أربع ساعات وعن ثلث البشرية‬ ‫بمسافة ثماني ساعات بالطائرة‪ .‬ويجد المسافرون‬ ‫في الرحالت الجوية لمسافات طويلة من أميركا‬ ‫الشمالية إلى آسيا ومن أستراليا إلى أميركا الشمالية‬ ‫دبي‪.‬‬ ‫مركزاً مريحاً في منتصف الطريق‪ :‬إنها ّ‬ ‫أكثر من هذا‪ ،‬غدا المسافرون من الهند معتادين‬ ‫بدبي إلى درجة أنهم صاروا‬ ‫تماماً على المرور ّ‬ ‫يسمونها “المطار الوطني للهند”‪.‬‬ ‫كما يشعر مسؤولو شركة الطيران الهندي‬ ‫دبي بشيء من‬ ‫الذي تهبط طائراتها المدنية في ّ‬ ‫اإلحراج عندما يُطلق على شركة طيران اإلمارات‬ ‫“الطيران الوطني للهند”‪ .‬في الوقت الراهن تخدم‬ ‫شركة طيران اإلمارات أكثر من ‪ 215‬وجهة سفر‬ ‫دبي‪ .‬وهي شركة الطيران‬ ‫من مقرها الرئيس في ّ‬ ‫الوحيدة التي تصل كل مدينة كبرى بمحطة‬ ‫دبي‪ .‬ولقد خدمت شركة طيران‬ ‫توقف واحدة هي ّ‬ ‫اإلمارات أكثر من ‪ 3‬ماليين مسافر عام ‪،2012‬‬ ‫ومن المتوقع أن تخدم أكثر من ‪ 56‬مليون مسافر‬ ‫بحلول عام ‪ ،2020‬ما يجعلها أكبر شركة طيران‬ ‫مدنية ذات رحالت منتظمة في العالم‪.‬‬

‫مستأجرتين من الخطوط الجوية الدولية الباكستانية‪،‬‬ ‫لكنها اليوم تمثل رمزاً عالمياً وتعد واحدة من‬ ‫أهم ثالث شركات للمالحة الجوية في العالم‪.‬‬ ‫وبمعزل عن طيران اإلمارات‪ّ ،‬‬ ‫تشكل صناعة‬ ‫المالحة الجوية أهمية كبيرة لالقتصاد اإلماراتي‪،‬‬ ‫ممثلة ‪ 28‬في المائة من إجمال الناتج المحلي‪،‬‬ ‫وتدعم ‪ 250,000‬فرصة عمل‪.‬‬ ‫وفي ظل االستثمارات القائمة وارتفاع الطلب‪،‬‬ ‫من المقدر أنه بحلول عام ‪ ،2020‬سيساهم‬ ‫دبي الدولي بمبلغ ‪ 45.5‬مليار دوالر‬ ‫مطار ّ‬ ‫في النشاط االقتصادي‪ ،‬أو ‪ 32‬في المائة من‬ ‫إجمالي الناتج المحلي للمدينة‪ .‬ولهذا السبب‬ ‫دبي أحياناً لقب “مدينة المطار”‪.‬‬ ‫يطلق على ّ‬ ‫دبي اإلستراتيجية تهدف إلى استقبال‬ ‫خطة مطار ّ‬ ‫‪ 90‬مليون مسافر بحلول عام ‪ 2018‬من خالل‬ ‫برنامج استثمارات قيمته ‪ 7.8‬مليار دوالر‪.‬‬ ‫دبي الدولي‬ ‫ومع تحقيق هذا الهدف‪ ،‬سيصبح مطار ّ‬ ‫أكبر مطار في العالم في ما يتعلّق بحجم المسافرين‬ ‫الدوليين‪ .‬ولكن بالرغم من النمو السريع والمذهل‬ ‫دبي الدولي فإن ضغط الطلب‬ ‫الذي حققه مطار ّ‬ ‫ما زال كبيراً لدرجة تستدعي بناء مطار جديد هو‬ ‫“مطار آل مكتوم”‪ .‬هذا المطار الجديد‪ ،‬الذي ستبلغ‬ ‫تكلفته ‪ 34‬مليار دوالر والذي ّ‬ ‫يخطط له أن يتّسع‬ ‫بعد إنجازه خدمة ‪ 165‬مليون مسافر‪ ،‬سيحل محل‬ ‫مطار دبي الدولي كمركز مالحي رئيس‪.‬‬ ‫تبدو هذه األرقام أقرب إلى الخيال‪ ،‬ويمكن أن‬ ‫تحبس األنفاس وتثير التساؤالت‪ .‬لماذا التفكير‬ ‫ببناء مطار جديد تماماً في حين يوجد بالفعل‬ ‫واحد من أكثر المطارات ازدحاماً في العالم؟‬ ‫من أجل اإلجابة على هذا السؤال يجب استيعاب‬ ‫التوزيع السكاني الحالي‪.‬‬

‫دبي إلى ثالثة الجدير بالذكر أن طيران اإلمارات ما زالت صغيرة طريق الحرير الجديد‬ ‫ومن ثم ال بد من إرجاع نجاح ّ‬ ‫عوامل رئيسة‪ :‬قيادة آل مكتوم‪ ،‬ومجموعة التجار‬

‫المتخصصين‬ ‫اإلماراتيين البارعين‪ ،‬وجماعات‬ ‫ّ‬ ‫والعمال المغتربين الذين ساعدوا على تنفيذ الحلم‪.‬‬

‫نسبياً وفق معايير شركات الطيران العالمية‪ ،‬إذ‬ ‫أسست الشركة عام ‪ 1985‬مستخدمة طائرتين‬

‫دبي على ملتقى طرق أهم اتجاه جغرافي‬ ‫تقف ّ‬ ‫اقتصادي في العالم‪ :‬صعود األسواق الناشئة‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪47‬‬


‫اقتصاد‬

‫إنه لمن المذهل ً‬ ‫دبي إذ يبدو‬ ‫فعال السير في مطار ّ‬ ‫أن العالم بأسره يمر عبر هذه المدينة‪.‬‬

‫حلم الشيخ راشد‬

‫كان هناك معارضون ومشككون يقولون إن السفن‬ ‫لن تأتي‪ ،‬وإن القرض ضخم للغاية‪ ،‬وإنه كان ال‬ ‫تتحرك ببطء‪ .‬دائماً ما كان ‪ -‬وال‬ ‫دبي أن ّ‬ ‫بد على ّ‬ ‫دبي‪ ،‬لكن الشيخ راشد‬ ‫يزال – هناك معارضون في ّ‬ ‫أثبت أنه على صواب‪ .‬وجاءت السفن‪.‬‬

‫دبي الحديث بدأ بحلم ومن‬ ‫يمكن القول إن صعود ّ‬ ‫ثم بعمل يتعلق بالبنية التحتية‪ .‬لقد كان حاكم دبي‬ ‫الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يحلم باليوم الذي‬ ‫دبي وأن يتحدث عن‬ ‫يعرف فيه العالم بأسره عن ّ‬ ‫إمارته الحبيبة‪.‬‬

‫في مشروع حفر الخور‪ ،‬كان الشيخ راشد يضع‬ ‫رهاناً كبيراً على البنية التحتية وعلى التجارة‪ .‬كان‬ ‫دبي‪ ،‬كما كان يحب أن يقول “يجب أن‬ ‫يؤمن بأن ّ‬ ‫تقود ال أن تقاد”‪.‬‬

‫كان غالباً ما يعرب عن أمنيته في مجالسه‬ ‫المعتادة في الخمسينيات والستينيات‪ ،‬عندما‬ ‫كانت تجمع شخصيات بارزة من التجار‬ ‫والمسؤولين والخبراء األجانب المقيمين‪.‬‬ ‫غير أن الشيخ راشد لم يكن حالماً‬ ‫ً‬ ‫كسوال‪ ،‬بل رجل‬ ‫قول وفعل‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ 1958‬أقدم على خطوة جريئة‪ ،‬عندما‬ ‫دبي‬ ‫ّ‬ ‫قرر الحصول على قروض هائلة لحفر خور ّ‬ ‫من أجل فتح المجال أمام رسو السفن األكبر حجما‪.‬‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫هائال‪،‬‬ ‫سهال‪ ،‬لكن نجاحه كان‬ ‫لم يكن المشروع‬ ‫كما يقول عبد اهلل صالح‪ ،‬المصرفي الذي كان‬ ‫معاصرا للشيخ راشد‪« ،‬كان مشروع الخور عبئاً‬ ‫كبيراً على كل المعنيين‪ .‬ولكن لدى إتمام العمل‪،‬‬ ‫بدا أن دبي حققت قفزة كبيرة متق ّدمة على منافسيها‬ ‫بالمعنى التجاري‪ .‬وكان معدل النمو غير معقول‪».‬‬ ‫وكما جاء في كتاب المؤرخ غرايم ويلسون “تركة‬ ‫راشد”‪ ،‬صرح إدوارد هيث‪ ،‬الذي كان عضواً‬ ‫في البرلمان البريطاني في ذلك الحين وأصبح‬

‫‪46‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫الحقاً رئيسا للوزراء‪« ،‬مرات عدة أثناء هذه‬ ‫الفترة (الخمسينيات)‪ ،‬من جهات متنوعة‪ ،‬مررت‬ ‫دبي وأحياناً أيضاً بهذا الرجل‬ ‫بإشارات عابرة إلى ّ‬ ‫االستثنائي ذي الرؤية االستثنائية الذي خاض‬ ‫تحدي إخراج هذه القرية من العصور المظلمة‪..‬‬ ‫وتكوّن ّ‬ ‫لدي انطباع بأنه يحظى باالحترام ألسلوب‬ ‫تفكيره وجهوده‪ ،‬ولكن بين المسؤولين البريطانيين‬ ‫كان بعضهم يتصوّر أنه قد يفشل في النهاية‪ ،‬ذلك‬ ‫إنه لن يستطيع تحقيق شيء من دون النفط»‪.‬‬ ‫ولقد ثبت خطأ هؤالء المسؤولين البريطانيين‪.‬‬ ‫وفي وقت الحق‪ ،‬أدرك هيث عندما ّ‬ ‫فكر في‬ ‫مدى خطأ هؤالء المسؤولين أنهم لم يستوعبوا‬ ‫“قدر الرجل االستثنائي الذي تعاملنا معه‪».‬‬ ‫بحلول عام ‪ ،1961‬بدأت وسائل اإلعالم العالمية‬ ‫دبي‪.‬‬ ‫تتنبّه إلى الشيخ راشد وإلى ّ‬ ‫ووصفت الـ“نيويورك تايمز”‪ ،‬في عددها يوم ‪23‬‬ ‫دبي كمكان “ينجح فيه‬ ‫فبراير (شباط) عام ‪ّ 1961‬‬ ‫حاكم ذكي بفضل الميناء البحري األسرع نمواً‬


‫“دبي مول”‬ ‫أثناء عطالت األعياد األخيرة‪ ،‬اجتذب ّ‬ ‫جموعاً هائلة من الناس والسيارات إلى درجة‬ ‫اضطرت معها السلطات إلى إغالق الطرق ومنع‬ ‫الدخول إلى المركز ألنه‪ ،‬برغم كونه أكبر مركز‬ ‫تجاري في العالم ما عاد يتسع الستقبال المزيد من‬ ‫المتسوّقين‪.‬‬ ‫سمعت هذه القصة مرات عديدة خالل زيارة‬ ‫دبي‪ .‬وكان بين رواتها سائق‬ ‫أجريتها مؤخراً إلى ّ‬ ‫دبي من الهند‪،‬‬ ‫سيارة أجرة (تاكسي) جاء إلى ّ‬ ‫واستشاري أردني في مجال اإلدارة ومدير خدمات‬ ‫مالية أميركي ورجل أعمال سعودي‪ .‬غالبية الرواة‬ ‫ذكرت امامي أن أكبر عدد من زوار مراكز التسوّق‬ ‫التي تفتح على مدار ‪ 24‬ساعة أثناء العطالت ‪ -‬من‬ ‫السعوديين‪ ،‬ولذلك استحق المركز لقباً جديداً هو ‪..‬‬ ‫“الرياض مول”‪.‬‬ ‫كانت هناك فكرة واحدة كامنة خلف هذه القصة‬ ‫دبي”‪.‬‬ ‫بحسب كل شخص رواها هي‪“ :‬عودة ّ‬ ‫دبي وتعافي‬ ‫بالتأكيد يستطيع المرء أن يلمس انتعاش ّ‬ ‫اقتصادها بعد أزمة العقارات واألزمة المالية التي‬ ‫حلت عامي ‪ 2008-2009‬وألحقت خسائر كبيرة‬ ‫باإلمارة‪ .‬بإمكان أي كان أن يشعر بهذا االنتعاش‬ ‫في مراكز التسوّق والفنادق والمطارات وارتفاع‬ ‫أسعار العقارات‪ ،‬وبالطبع‪ ،‬على الطرق‪.‬‬ ‫فبالرغم من نظام “المترو” ذي األداء الجيد‪ ،‬عاد‬ ‫دبي من جديد أيضاً‪ ،‬ما‬ ‫االزدحام المروري إلى ّ‬ ‫يعني االنتظار لفترات طويلة في شارع الشيخ‬ ‫زايد إبان أوقات الذروة الصباحية أو المسائية‪.‬‬ ‫أحياناً يعتبر السكان والمواطنون هذا االزدحام‬ ‫المروري مؤشراً على عودة المدينة إلى نشاطها‬ ‫دبي مازحا‪« :‬نحن‬ ‫السابق‪ ،‬إذ قال لي أحد سكان ّ‬ ‫الوحيدون في العالم الذين نحتفي‪ .‬ازدحام المرور‬ ‫ألننا نراه مؤشراً على قوة التعافي»‪ .‬وحقاً‪ ،‬وصلت‬ ‫نسبة اإلشغال في الفنادق إلى معدالت قياسية‪.‬‬ ‫فخالل األشهر األربعة األولى من عام ‪،2012‬‬ ‫وصلت نسبة اإلشغال إلى ‪ 93‬في المائة‪ ،‬وهي‬ ‫أعلى نسبة في العالم‪ .‬ونسبت صحيفة “نيويورك‬ ‫تايمز” هذا االرتفاع إلى “اضطرابات الربيع‬ ‫العربي”‪.‬‬ ‫يفسر هذا السبب إلى حد ما حدوث‬ ‫يمكن أن ّ‬ ‫ارتفاع ضئيل‪ ،‬إال أنه ال يعبر تماماً عن حقيقة‬ ‫دبي السياحية لتتجاوز‬ ‫األمر‪ .‬فواقعياً تتسع قاعدة ّ‬ ‫العالم العربي‪ ،‬ومن بين أهم عشر دول توفد‬ ‫دبي‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫ثالث دول عربية فقط السياح إلى ّ‬ ‫المملكة العربية السعودية والكويت وسلطنة ُعمان‪.‬‬ ‫راهناً تحتل السعودية والهند والمملكة المتحدة‬ ‫(بريطانيا) وإيران والواليات المتحدة المراكز‬ ‫الخمس األولى‪ ،‬وال تتأخر عنها كثيراً ألمانيا‬ ‫وروسيا وباكستان والصين‪ .‬ولقد أصبحت رحالت‬

‫دبي أمرا روتينيا بالنسبة للبريطانيين‬ ‫العطالت إلى ّ‬ ‫والروس من الطبقة الوسطى‪ ،‬كذلك بات عدد‬ ‫دبي أكبر‬ ‫األستراليين والفرنسيين الذين يزورون ّ‬ ‫من عدد المصريين‪.‬‬ ‫من ناحية أخرى‪ ،‬يمثل السياح الصينيون اليوم‬ ‫دبي‪ ،‬وخالل عطلة السنة‬ ‫قطاعاً سريع النمو في ّ‬ ‫الصينية الجديدة‪ ،‬ارتاد الزوّار الصينيون فنادق‬ ‫دبي الكبرى بأعداد كبيرة‪ ،‬لدرجة أن نسبتهم بلغت‬ ‫ّ‬ ‫‪ 30‬في المائة من نزالء فندق “برج العرب”‬ ‫الفاخر ذي النجوم السبع‪ .‬وأثناء فترة دخول السنة‬ ‫الصينية يرتفع هذا العدد كثيراً إلى حد دفع أحد‬ ‫العاملين في المجال الفندقي إلى القول أنه بات من‬ ‫الممكن أن نطلق على الفندق اسم “البرج الصيني”‬ ‫في ذلك الوقت‪.‬‬ ‫أضف إلى ذلك أنه أثناء “النوروز”‪ ،‬أي بداية‬ ‫دبي‬ ‫السنة اإليرانية الجديدة‪ ،‬يتوافد اإليرانيون على ّ‬ ‫بأعداد كبيرة حتى تغص بهم الفنادق‪ .‬كذلك يسافر‬ ‫المطربون اإليرانيون المقيمون في لوس آنجليس‬ ‫دبي إلقامة الحفالت الغنائية‪ ،‬وفي هذا السياق‬ ‫إلى ّ‬ ‫قال لي أحد الزوّار اإليرانيين مازحاً‬ ‫“دبي أفضل‬ ‫ّ‬ ‫مدينة في إيران”‪.‬‬ ‫وعلى هذا الكالم أطلقت ضحكة بسيطة ألنني‬ ‫سمعت ما يشبه ذلك من قبل من زائر إيراني كان‬ ‫يحضر العرض األول ألحد أفالم “بوليوود” – اي‬ ‫“دبي أفضل‬ ‫صناعة السينما الهندية ‪ -‬عندما قال‬ ‫ّ‬

‫مدينة في الهند‪.‬‬ ‫ولكن جدير باالهتمام‪ ،‬حقاً‪ ،‬ارتفاع مع دالت‬ ‫السياحة الصينية‪ .‬حالياً يقيم في اإلمارات‬ ‫‪ 300,000‬مواطن صيني‪ ،‬وفيها ستة إصدارات‬ ‫باللغة الصينية و“دراغون مارت”‪ ،‬وهو أكبر منفذ‬ ‫للسلع الصينية خارج الصين‪ ،‬ويمكن أن يستمر هذا‬ ‫القطاع من السياح في تغذية صناعة السياحة في‬ ‫دبي لمدة عقود‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫دبي تسمح بأن‬ ‫ثم إن قاعدة السياحة المتنوعة في ّ‬ ‫تكون المدينة من بين أعلى عشر مدن تعد وجهات‬ ‫سفر تستقبل الزوار في العالم‪ ،‬ووفقا لمؤشر‬ ‫دبي المركز‬ ‫“ماستركارد” للوجهات العالمية تحتل ّ‬ ‫الثامن عالمياً في ما يتعلق بالزوّار العالميين‪ .‬وإذا‬ ‫دبي تجتذب‬ ‫وضعنا هذا في إطاره‪ ،‬فهو يعني أن ّ‬ ‫زواراُ عالميين يفوق عددهم الزوار الذين يقصدون‬ ‫نيويورك أو روما أو شنغهاي أو فرانكفورت أو‬ ‫ميالنو أو برشلونة أو أمستردام أو بكين أو فيينا‪.‬‬ ‫وهذا مع اإلشارة إلى انه ال توجد مدينة عربية‬ ‫أخرى تحتل مركزاً بين العشرين األوائل‪.‬‬ ‫لعل هذا ما يفسر ‪ -‬إلى حد ما ‪ -‬احتالل مطار‬ ‫دبي الدولي المركز الثالث بين أكثر مطارات العالم‬ ‫ّ‬ ‫ازدحاماً بالمسافرين الدوليين‪ .‬ذلك انه تفوق على‬ ‫مطار هونغ كونغ في العام الحالي‪ ،‬ويبدو أنه في‬ ‫طريقه ألن يصبح أكثر المطارات ازدحاماً بحلول‬ ‫عام ‪ ،2020‬متفوقاً على مطار هيثرو في لندن‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪45‬‬


‫اقتصاد‬

‫دبي بعد التعافي‪ ..‬إمارة االستقرار‬

‫اقت�صاد �صاعد‬ ‫بقلم‪ :‬أفشين موالفي‬

‫�سيارات ال�شرطة تغلق الطريق وتنطلق �صافراتها لتخرق �سكون الليل‪ .‬يح ّول رجال‬ ‫ال�شرطة الواقفون يف ال�شارع م�سار ال�سيارات بعيداً عن احل�شود الغفرية املجتمعة‬ ‫فتتفجر حالة من‬ ‫يف املواجهة‪ .‬يطلق �سائقو ال�سيارات الغا�ضبون �أبواق �سياراتهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الغ�ضب ال�شديد‪ ،‬و�سط بكاء الأطفال‪.‬‬ ‫دبي هذه الأيام مل يكن‬ ‫ما الذي يحدث؟ هل و�صلت الثورات العربية �إىل ّ‬ ‫دبي؟ ال‪ ،‬مطلقاً‪ .‬ما يف ّ‬ ‫ح�شودا غفرية جمتمعة ملعار�ضة حكومة ما‪ ،‬بل تك ّد�س اجلماهري يف �أكرب مركز ت�س ّوق يف العامل‪.‬‬ ‫‪44‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬


‫سبب ألن نعتبر الحركة الشعبية لتحرير‬ ‫أنغوال هي العدو‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬نحن منفتحون تجاه الحركة‬ ‫الشعبية لتحرير أنغوال‪ .‬ولكن ما ال يمكننا‬ ‫التعامل معه بانفتاح هو االتحاد السوفياتي‪.‬‬ ‫فإذا ظهروا كحركة مستقلة مثل «جبهة‬ ‫تحرير موزامبيق»‪ ،‬لن تكون هناك مشكلة‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هل يمكن أن أخبرهم بذلك؟‬ ‫كيسنجر‪ :‬أجل‪ .‬فنحن لسنا ضد الحركة‬ ‫الشعبية لتحرير أنغوال‪ ،‬بل إننا ضد وجود‬ ‫االتحاد السوفياتي في أفريقيا‪ .‬وضد جنوب‬ ‫أفريقيا أيضا‪ .‬تستطيع أن تخبرهم أننا لسنا‬ ‫ضد الحركة الشعبية لتحرير أنغوال‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬فكر في اقتراحي‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬سوف أفعل‪.‬‬

‫الشرق األوسط‬ ‫كيسنجر‪ :‬دعنا نتحدث حول الشرق األوسط‪.‬‬ ‫لقد أوضحت رأيي بصراحة عندما التقينا‬ ‫في نيويورك‪ .‬فنحن في موقف متناقض‪ .‬إن‬ ‫الرأي العام في أميركا أكثر استعدادا ألن‬ ‫يفعل شيئا اآلن أكثر من أي وقت سابق‪.‬‬ ‫ولكننا لدينا فترة التسعة أشهر‪ ،‬والتي ال‬ ‫نستطيع أن نفعل الكثير خاللها‪.‬‬ ‫وتحاول إسرائيل إحداث قدر كبير من الفوضى‬ ‫في الشرق األوسط‪ ،‬ألنها تعتقد أننا ال نستطيع أن‬ ‫نفعل الكثير حيالها حاليا‪ .‬وذلك هو ما دفعهم إلى‬ ‫قصف لبنان‪ .‬فقد رأيت في «الهيرالد تريبيون»‬ ‫تقريرا يفيد بأننا طلبنا منهم أن ينسقوا معنا‪ .‬ولكن‬ ‫ذلك ليس ما طلبناه‪ :‬فقد قلنا إننا لسنا مسؤولين‬ ‫عن األفعال التي يقومون بها دون التشاور معنا‪.‬‬ ‫وذلك مختلف تماما‪ .‬وقد احتججنا على بناء‬ ‫مستوطنات في الجوالن‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هناك خطر على سياسة أميركا حتى‬ ‫في هذا التعبير‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ماذا تعني؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬حيث يمكن أن يقال إن جميع أفعال‬ ‫إسرائيل تمت بمباركة أميركا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬كال‪ ،‬لم نكن نعرف إطالقا‪ .‬فهم ال‬ ‫يخبروننا أبدا قبل أن يتحركوا‪.‬‬ ‫ولكن تلك ليست النقطة األساسية‪ .‬فاألساس‬ ‫هو‪ :‬أنهم حاليا مستفزون للغاية‪ .‬فقد أنشأوا‬ ‫مستوطنات‪ ،‬ولن يتخلوا أبدا عن أكثر من ‪200‬‬ ‫متر من األرض‪ ،‬وهو ما يمثل إهانة بالنسبة‬ ‫لسوريا‪ ،‬ألنها أراض سورية‪ .‬وعندما أتى بيريز‬ ‫إلى أميركا‪ ..‬ليحصل على «إف ‪ »15‬التي كنا‬ ‫قد وعدناه بها قبل عام ونصف‪ ،‬كان هناك تأخير‬ ‫نظرا إلجراءات التسليم وإعادة تقييم الموقف‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫ولكنه خرج وأعلن أن لديه شيئا جديدا‪ ،‬كرد فعل‬

‫كيسنجر و نيكسون في البيت األبيض مع غولدا مائير‬

‫على «ميغ ‪ »25‬السورية‪ .‬فقد فعل ذلك لكي يثير‬ ‫العرب‪ .‬ولكنه كان يكذب‪.‬‬ ‫في الكونغرس‪ ،‬كان مؤيدوهم يضعون التعديل‬ ‫تلو اآلخر‪ ،‬والموجه في معظمه ضد المملكة‬ ‫العربية السعودية‪ .‬لماذا؟ ألنهم يريدون أزمة‬ ‫خالل العام الحالي وليس التالي‪ .‬فهم يرغبون في‬ ‫أن يفصلوا بين العرب والواليات المتحدة حتى‬ ‫يستطيعوا خالل العام المقبل‪ ،‬عندما يكون لدينا‬ ‫حرية حركة‪ ،‬أن يقولوا «لماذا تفعلون أي شيء‬ ‫لهؤالء المجانين؟»‪.‬‬ ‫فهم يرغبون في العودة إلى فترة ‪73 - 1967‬‬ ‫عندما كانوا أصدقاءنا الوحيدين في الشرق‬ ‫األوسط‪.‬‬ ‫وهم يدركون أن الوقت ينفد‪ .‬فهم ال يستطيعون‬ ‫الحصول على ملياري دوالر سنويا لعدد ال نهائي‬ ‫من السنوات‪ .‬وهم يعلمون أنهم ال يستطيعون‬ ‫تسلم ما تم التصويت عليه خالل العام الحالي‬ ‫قبل ‪ 79 .1978‬وبالتالي‪ ،‬فلدينا جميعا وسائل‬ ‫ضغط في أيدينا‪.‬‬ ‫وذلك هو السبب في أنهم يحاولون الحد من‬ ‫سلطتي‪.‬‬ ‫ولكن ذلك ليس الشيء الرئيسي‪ .‬فالشيء‬ ‫الرئيسي الذي أرغب في أن أقوله هو أن العرب‬ ‫يجب أن يظهروا ضبط النفس لمدة عام‪ .‬فنحن ال‬ ‫بأس لدينا بشأن نشوب حرب‪ ..‬فيمكننا أن نظهر‬ ‫أننا أقوياء‪.‬‬ ‫ولكن الشيء الرئيسي هو أن نحرز أي قدر من‬

‫التقدم ممكن خالل العام الحالي‪ ،‬ثم نكمل العمل‬ ‫خالل العام المقبل‪ .‬وأقول هذا كصديق‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬نحن ممتنون‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ألنكم عمليا أنتم الفائزون‪ .‬وال يجب أن‬ ‫تسمحوا باستفزازكم‪ .‬ويجب أن يفهم السوريون‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هل لديكم مشكالت معهم؟‬ ‫كيسنجر‪ :‬كال‪ .‬ولكنني أخشى أن يدفعهم كبرياؤهم‬ ‫لفعل شيء الحقا‪ .‬وأفكر في الذهاب بنفسي إلى‬ ‫هناك في مارس (آذار) لكي أرى أصدقائي‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬تفهم العواصم العربية موقفكم‬ ‫االنتخابي‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لقد كان العرب جيدين حتى اآلن‪ .‬ولكن‬ ‫ما يقلقني هو الطريقة الجديدة ‪ -‬قانون المقاطعة‪،‬‬ ‫والقوانين المناهضة للتمييز ‪ -‬فربما يثيرهم ذلك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هل يمكن أن يمر؟‬ ‫كيسنجر‪ :‬ال أتمنى ذلك‪ .‬فنحن نخشى ذلك كثيرا‪.‬‬ ‫فيجب أن تثق في أنني أعارض ذلك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ألول مرة‪ ،‬يدخل الفلسطينيون مجلس‬ ‫األمن‪ .‬وذلك أمر طيب‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لقد صوتنا لصالحهم‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬يمكنك زيارة المنطقة والقيام بجولة‬ ‫فيها‪ ،‬لكي تحصل على بعض الوقت حتى‬ ‫االنتخابات‪ .‬فنحن ال نعتقد أنها فترة صعبة‪.‬‬ ‫والجزائر تتفهم ذلك‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ونحن نقدر ذلك‪.‬‬ ‫(انتهى اللقاء) <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪43‬‬


‫دراسات‬

‫بوتفليقة‪ :‬في الشرق األوسط‪ ،‬هناك أراض‬ ‫محتلة‪ ،‬وسياسة األمر الواقع‪ ،‬والجميع‬ ‫يتحدث عن المفاوضات‪ .‬فإذا تحدثت مع‬ ‫الموريتانيين‪ ،‬لن تجد مبررا لتحدي قرار‬ ‫محكمة العدل الدولية‪ .‬وال يوجد سبب لعدم‬ ‫الثقة في محكمة العدل الدولية‪ .‬فقد كان‬ ‫ساحل العاج وغيرها‪.‬‬ ‫وأحب أن أضيف‪ .‬أيا ما كانت العناصر‬ ‫التي تؤيد المغرب‪ ،‬فإنها تحررت بعد قرار‬ ‫المحكمة الدولية‪ .‬كان نوعا من التعمية‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬دعني أفكر فيما إذا كان هناك ما‬ ‫يمكن عمله‪ .‬سأفكر في ذلك‪ .‬فال أحب أن‬ ‫أعد بما ال يمكنني عمله‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إذا استطعت‪.‬‬

‫أنغوال‬ ‫كيسنجر‪ :‬دعنا نتكلم عن أنغوال‪ .‬ليس‬ ‫لدينا اهتمام بها‪ .‬فقد تركناها وحدها حتى‬ ‫أغسطس (آب)‪ .‬ولكن ما ال نريده هو أن‬ ‫يقوم االتحاد السوفياتي وكوبا بتأسيس‬ ‫النظام السياسي هناك‪ .‬فسوف نعمل على‬ ‫انسحاب كافة القوى األجنبية وإنهاء كافة‬ ‫أشكال اإلمداد العسكري‪.‬‬ ‫كما أن جبهة تحرير موزامبيق ليست‬ ‫صديقا للواليات المتحدة فهي ماركسية‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬كال‪ .‬إنها يسارية‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ولكننا لم نعارضها وأسسنا معها‬ ‫عالقات دبلوماسية على الفور‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬لقد كان ذلك شيئا طيبا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬وأفكر في زيارتها إذا ما سافرت‬ ‫ألفريقيا‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬سوف يكون ذلك أمرا طيبا أيضا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬إذن هي ليست مسألة تتعلق باليسار‪.‬‬ ‫فقد شحن االتحاد السوفياتي ‪ 20‬ألف طن من‬ ‫المعدات العسكرية‪ .‬وما زلنا نرحب بالبقاء خارج‬ ‫الموضوع‪ .‬ولكننا ال نريد لالتحاد السوفياتي‬ ‫وكوبا أن يرسخا أوضاعهما هناك‪ .‬فذلك يقلقنا‪،‬‬ ‫نظرا لعالقاتنا باالتحاد السوفياتي‪ ،‬أن تنشط في‬ ‫ذلك المكان النائي‪ ،‬ثم نظرا لعالقاتنا بكوبا‪ .‬لقد‬ ‫تماديت في تطوير العالقة‪ ،‬ثم بدأوا ينازعون‬ ‫على بورتريكو ثم على أنغوال‪.‬‬ ‫ربما سيزداد وضعنا المحلي أكثر تعقيدا ولكننا‬ ‫سوف نصل إلى شيء ما‪ .‬والغريب‪ ،‬أن كل‬ ‫واقعة مثل هذه تدفع الوضع المحلي باتجاه‬ ‫اليمين‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أعرف القادة شخصيا‪ .‬فأنا أعرف‬ ‫نيتو‪ ،‬وأعرف روبرتو وأعرف سافمبي‪ .‬وهم‬ ‫يرون أنك لم يكن لديك الوقت لتأسيس عالقة‬ ‫مع الحركة الشعبية لتحرير أنغوال‪ .‬فهناك ثالثة‬ ‫أو أربعة أقسام تفكر كمثقفي «ريف جوش» أو‬ ‫‪42‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫كيسنجر و الرئيس جيرالد فورد‬

‫سان جيرمان والذين يعتقدون أنهم ماركسيون‪.‬‬ ‫وهم ماركسيون بقدر النظام في برازافيل‪ .‬فإذا‬ ‫مثلت البرازافيل تهديدا جديا بالنسبة للواليات‬ ‫المتحدة فإن الحركة الشعبية لتحرير أنغوال تمثل‬ ‫خطرا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ولكن هذه ليست هي المشكلة‪ .‬فإذا‬ ‫كانت الحركة الشعبية لتحرير أنغوال قد نشأت‬ ‫وحدها‪ ،‬كنا سنتقبلها‪ .‬فما يزعجنا هو الدور‬ ‫السوفياتي‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬الدور السوفياتي مبرر‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬وكذلك دورنا‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬وكذلك دورنا‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إذا كنت تراها كمشكلة بين االتحاد‬ ‫السوفياتي والواليات المتحدة‪ ،‬فإنها مسألة‬ ‫انفراج في العالقات الدولية‪ .‬وذلك ما فعلتموه‬ ‫مع الصين كذلك‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ومع العرب‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬يجب أن تقيم عالقات مع الحركة‬ ‫الشعبية لتحرير أنغوال‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ولكن عمليات النقل الجوي السوفياتي‬ ‫يجب أن تتوقف أوال‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إنه صراع على السلطة‪ .‬سواء الحركة‬ ‫الشعبية لتحرير أنغوال‪ ،‬أو أي حركة أخرى‪.‬‬ ‫فإن ذلك ليس المهم‪ ،‬فالقضية تتعلق باالستقالل‪.‬‬ ‫الوضع هناك يشبه الحرب فقد كان نزاعا طويال‪.‬‬ ‫إنها حرب أهلية‪ .‬لماذا يجب أن يجعلك ذلك في‬ ‫مواجهة االتحاد السوفياتي؟ فلماذا ال تقيم عالقات‬

‫مع الحركة الشعبية لتحرير أنغوال؟ فذلك سيكون‬ ‫أسهل مما تعتقد‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ال نستطيع قبول االتحاد السوفياتي في‬ ‫المنطقة‪ .‬فقد كنت رجل االنفراج في العالقات‬ ‫الدولية‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ال تضع ذلك كمشكلة بينك وبينهم‪ .‬فأنا‬ ‫أتحدث كصديق‪ .‬ال تعاديهم بسبب ذلك‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬أوافق على ذلك‪ .‬ولكن عندما يكون‬ ‫المدافعون عن االنفراج في العالقات الدولية‬ ‫في الواليات المتحدة يحاربون من أجله‪ ،‬فإن‬ ‫موقف االتحاد السوفياتي الحالي يعد تصرفا‬ ‫غير مسؤول‪ .‬خاصة فيما يتعلق بأهداف ثانوية‪.‬‬ ‫فإذا كان األمر يتعلق بسوريا لكنا تفهمنا األمر‪.‬‬ ‫فنحن ال نتذمر من وصول األسلحة السوفياتية‬ ‫إلى سوريا‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬تحاول منظمة الوحدة األفريقية عقد‬ ‫قمة‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لماذا ليست حكومة ائتالفية؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هذا هو المفترض في أنغوال‪ .‬سوف‬ ‫تعقد منظمة الوحدة األفريقية قمة‪ .‬فيجب أن‬ ‫تتواصل مع العواصم األفريقية من خالل‬ ‫سفرائك أو مبعوث خاص‪ .‬فهم سوف يدينون‬ ‫التدخل في جنوب أفريقيا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ذلك ال يزعجني‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬وثانيا‪ ،‬سوف يتذمرون بشأن التدخل‬ ‫الخارجي‪ .‬ويمكننا أن نطلب من األفريقيين أال‬ ‫يتسببوا في كارثة في أنغوال‪ .‬إذن‪ ،‬ال يوجد أي‬


‫كيسنجر‪ :‬ولكن ذلك يعني إفساد عالقاتنا‬ ‫بالمغرب تماما‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬كال‪ ،‬لم يكن ملك المغرب ليتجه إلى‬ ‫السوفيات‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬كما أننا ليس لدينا ذلك القدر من‬ ‫االهتمام بالصحراء‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ولكنك لديك اهتمام بإسبانيا‬ ‫والمغرب‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬والجزائر‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬وقد حسمت خياراتك‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ال أعتقد أننا حابينا أحد األطراف‪.‬‬ ‫فقد حاولنا أن نبقى بعيدا عن القضية‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ال يمكن لدورك أن يكون هامشيا‬ ‫أو خاليا من المصالح ألنه كان هناك تعاون‬ ‫عسكري مع المغرب‪ ،‬ومن ثم‪ ،‬إذا ما أخذنا‬ ‫ذلك في االعتبار‪ ،‬فال يمكن أن تكون محايدا‬ ‫بين المغرب والجزائر‪ .‬ومن ثم‪ ،‬أفهم أنه كان‬ ‫عليك أن تنحاز للمغرب أو ذلك ما بدا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪( :‬للصباغ‪ ،‬الذي يترجم) ما يتذمر‬ ‫وزير الخارجية بشأنه هو أننا ال نحابي‬ ‫الجزائر‪ .‬ولكي نتبنى موقفه‪ ،‬كان علينا أن‬ ‫نغير مواقفنا تماما‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ربما كان من األسهل أن تتعامل مع‬ ‫مبدأ الحق في تقرير المصير باعتباره نقطة‬ ‫البدء‪ .‬اآلن لدينا جار لديه حدود متحركة ‪ -‬مع‬ ‫موريتانيا‪ ،‬والنيجر‪ ،‬والجزائر‪ .‬حدود متحركة‪.‬‬ ‫بعد عشر سنوات‪ .‬لقد قبلنا وجود موريتانيا في‬ ‫المنطقة‪ .‬فإذا احتلتها المغرب بالحد األدنى من‬ ‫الشرعية‪ ،‬سوف تكون سابقة خطيرة‪ .‬فإذا حدثت‬ ‫مثل تلك السابقة من الحدود المخترقة في المنطقة‪،‬‬ ‫سيصبح هناك خطر نشوب نزاعات‪ .‬ولم يتأخر‬ ‫الوقت لكي تعمل على دفع مسار الحل‪ .‬فإذا ما‬ ‫توافر الحد األقصى من ضمانات األمم المتحدة‬ ‫إلجراء االستفتاء‪ ،‬سوف تقبل الجزائر بذلك‪ .‬فلم‬ ‫تقر أي من محكمة العدل الدولية أو األمم المتحدة‬ ‫بحقوق المغرب أو موريتانيا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬دعني أفكر بشأن ذلك وسوف أتواصل‬ ‫معك عبر سفيرنا‪.‬‬ ‫متى ترسلون سفيرا إلى واشنطن؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هذه مالحظة جيدة‪ .‬في بداية العام‬ ‫سوف نرسل سفيرا‪ .‬أعتقد أنه من مصلحتنا أن‬ ‫نختار الشخص المالئم‪ .‬وسوف أحل المشكلة‬ ‫على وجه سريع‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬سيكون مفيدا أن يكون لدينا شخص ما‬ ‫في واشنطن‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أود أن أجد شخصا لديه مكانة مالئمة‬ ‫لكي يالئم ذلك المنصب‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬سوف نرحب به في واشنطن‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أنا متأكد من ذلك دكتور كيسنجر‪ ،‬فقد‬ ‫أسسنا مثل تلك العالقة على التعاون‪ .‬وعلى‬ ‫المستوى االقتصادي‪ ،‬حققنا تعاونا هائال ال يمكن‬

‫كيسنجر مع الملك الحسن الثاني‬

‫أبدا أن ننساه‪ .‬وعلى المستوى السياسي‪ ،‬ال يمكن‬ ‫الشكوى بشأن الشرق األوسط‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬كال‪ ،‬لقد كنتم ذا عون‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إذا كان لديك مشكلة مع كوبا أو فيتنام‬ ‫أو كامبوديا‪ ،‬سوف يسعدنا أن سرا‪..‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ال يتفهم رجالنا في األمم المتحدة‬ ‫دائما عالقتنا‪ .‬ولكنني أتفق معك أن هناك عالقة‬ ‫إيجابية للغاية‪ ،‬وأنا أقدر ذلك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أكرر وأؤكد أننا أصدقاء حقيقيون‪.‬‬ ‫فليس لدينا شيء إلخفائه‪ .‬فمجرد وجودنا هنا‬ ‫معك على الطاولة يؤكد ذلك‪ .‬فكان يمكن أن‬ ‫تقول‪« :‬دعونا نذهب لكي نجلس في ركن بمكان‬ ‫ما»‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬بالطبع‪ .‬دعني أفكر في مسألة‬ ‫االستفتاء‪ .‬خاصة إذا كان األمر ال يقتضي‬ ‫انسحابا قبل إجراء االستفتاء‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أجل‪ ،‬فقد قلت إن االنسحاب ليس عامال‬ ‫حاسما‪ .‬ولكن يجب أن تكون هناك ضمانات قوية‬ ‫بأن الناس يستطيعون اتخاذ القرار بحرية‪ .‬فأنت‬ ‫تعلم أن االغتياالت يمكن أن تنتشر‪.‬‬ ‫فال يجب أن تتبقى أي مشكالت‪ .‬مذابح مثال‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬في الصحراء؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬بالطبع‪ .‬فإنها مسألة مصالح‪ .‬فأنا ال‬ ‫أعرف لماذا تريد موريتانيا مثل تلك الحدود‬ ‫أو لماذا يجب أن ترتعب الجزائر‪ .‬فاألمر ليس‬ ‫صحيا‪ .‬ولكن إذا اقتسمتها كل من المغرب‬ ‫وموريتانيا فلن تكون هذه سياسة‪.‬‬

‫كيسنجر‪ :‬نحن لم نلعب دورا نشطا للغاية‪ .‬ألننا‬ ‫لدينا ما يكفي من المشكالت دون أن نتحمل‬ ‫المزيد‪ .‬ولكنني سوف أفحص األمر وسوف‬ ‫أتواصل معك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬فكر في األمر‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬سوف أفكر به‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ال أعتقد أنك تريد دولة جديدة في‬ ‫المنطقة‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬إذا حدث ذلك فسوف نتقبل األمر‪ .‬لقد‬ ‫قبلنا كال من غينيا بيساو والرأس األخضر‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هناك ثروات كبيرة‪ .‬ففي خالل ‪ 10‬إلى‬ ‫‪ 12‬عاما سوف تصبح كويت المنطقة‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ولكننا لم نعارضها‪ .‬فليست لدينا‬ ‫مصلحة محددة‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬من الضروري أن نحافظ على التوازن‬ ‫الذي عملنا من أجله في المنطقة‪ .‬فأنا ال أعتقد‬ ‫أنك تستطيع تحقيق مصالحك في ظل وجود‬ ‫اضطرابات في المنطقة‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬أوافق على ذلك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬لقد اندهشت عندما رأيت فرنسا وتونس‬ ‫يعمالن معا باعتبارهما «قوى بحر أوسطية»‪.‬‬ ‫ففي ظل المشكالت الموجودة في الشرق األوسط‬ ‫وقبرص‪ ،‬والمغرب‪ ،‬يعد الحديث عن البحر‬ ‫المتوسط أمرا متفائال‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لم نكن فعالين‪ .‬فلم نبذل جهودا كبيرة‬ ‫على الجانبين‪ .‬فلم نساعدك ولكننا لم نساعد‬ ‫المغرب أيضا‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪41‬‬


‫وثائق‬

‫بوتفليقة‪ :‬هل هناك مشكالت تشغل بالك؟‬ ‫كيسنجر‪ :‬ال‪ ،‬هذه هي المشكلة الوحيدة‪.‬‬

‫الصحراء اإلسبانية‬ ‫كيسنجر‪ :‬دعونا نتحدث عن موضوع الصحراء‪.‬‬ ‫يجب أن تعلموا أننا مارسنا ضغوطا قوية على‬ ‫إسبانيا لكي نجد حال ما‪ .‬بل إننا حاولنا أن نثني‬ ‫الملك الحسن عن دخولها‪.‬‬ ‫هل سمعتم ما قاله موينهان؟ قال إن الروس‬ ‫استولوا على الصحراء‪ ،‬وسرعان ما سيصبح‬ ‫هناك عجز في الرمال (ضحك)‪.‬‬ ‫نحن نرغب حقا في أن نبقى بعيدا عن مشكلة‬ ‫الصحراء‪ .‬فهو ليس موقفا بطوليا‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أعتقد أننا يجب أن نتعامل مع المشكلة‬ ‫على النحو الصحيح‪ ،‬فيجب أن نتحدث بصراحة‬ ‫وعلى نحو مباشر‪ .‬فمشكلة الصحراء تعد‬ ‫سابقة في العالم ومشكلة مهمة أيضا بالنسبة‬ ‫للشرق األوسط‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لماذا هي مهمة بالنسبة للشرق‬ ‫األوسط؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إذا تم عقد اتفاقية بين مصر وسوريا‬ ‫واألردن وإسرائيل‪ ،‬فهل تعتقد أن العالم العربي‬ ‫سوف يتخلى عن الفلسطينيين؟ إنها نفس‬ ‫المشكلة‪ .‬فأنت ال تستطيع التخلي عن الصحراء‪،‬‬ ‫أو شعب ناميبيا‪.‬‬ ‫فالمغرب وموريتانيا لهما عالقة بالقضية‪،‬‬ ‫ويحاوالن التوصل إلى حل‪ .‬وهناك اآلن قرار‬ ‫من محكمة العدل الدولية‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لم أكن أدرك ذلك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬كال‪ ،‬لقد درست التفاصيل المتعلقة بكل‬ ‫طرف من األطراف‪ ،‬ولم يكن هناك سوى حل‬ ‫سلمي واحد‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ال أفهم ما هو حق تقرير المصير‬ ‫بالنسبة للصحراء‪ .‬يمكنني فهم ذلك بالنسبة‬ ‫للفلسطينيين ولكن تلك مشكلة مختلفة بعض‬ ‫الشيء‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬لم يعد سكان قطر مهمين‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ولكن لهم شيخا‪ .‬ولديهم دولة مستقلة‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ولكنهم يستطيعون أن يستقلوا أيضا‪.‬‬ ‫هل زرت دبي؟‬ ‫كيسنجر‪ :‬كال‪ .‬ألن األمن يعتقد أن استقبالي‬ ‫سيكون حماسيا بعض الشيء‪ .‬ولذا لن يسمحوا‬ ‫لي (ضحك)‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ال أعتقد أن كال الجانبين ‪ -‬سواء من‬ ‫شجعوك أو من ثبطوا عزمك ‪ -‬لديهم الحق في‬ ‫ذلك‪ .‬فإنها بالد تستحق الزيارة‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ما الذي سوف يحدث في موضوع‬ ‫الصحراء؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أتمنى أن تضع في اعتبارك تقديم حل‪،‬‬ ‫ألن ذلك مهم‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫كيسنجر و الملك حسين‬

‫كيسنجر‪ :‬أي حل؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هناك نوع وحيد من الحلول‪ .‬إنها مسألة‬ ‫مبدأ‪ .‬يجب أن يكون هناك استفتاء‪ ،‬وسوف تقبل‬ ‫الجزائر بنتائج االستفتاء‪ .‬فإذا رغبت الصحراء‬ ‫في أن تصبح مع المغرب أو مع موريتانيا أو‬ ‫الجزائر‪ ،‬فليست هناك مشكلة‪ .‬أو يمكنها أن‬ ‫تصبح مستقلة‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬هل يمكن إجراء االستفتاء والمغاربة‬ ‫موجودون هناك؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬يجب أن تكون هناك ضمانات‪ .‬فال‬ ‫يمكن أن يتم إجراء االستفتاء تحت التهديد‪ .‬كان‬ ‫من الممكن إجراؤه في ظل وجود اإلسبان ألنهم‬ ‫كانوا سيغادرون‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬والموريتانيون هناك أيضا‪ .‬فهل‬ ‫قسموها بالنصف؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ربما النصف والنصف ولكن هناك‬ ‫مناحي عدة للمشكلة‪.‬‬ ‫الصيد؟ وهناك مشكلة سياسية ومشكلة اقتصادية‬ ‫ومشكلة سيادية‪.‬‬ ‫من المستبعد تماما أن تخضع المغرب ألي من‬ ‫محكمة العدل الدولية أو األمم المتحدة‪ .‬وال يمكن‬ ‫لساحل العاج أن يحكم بموضوعية‪ .‬فقد قال أحد‬ ‫القضاة بمحكمة العدل الدولية إنها مسألة تضامن‬ ‫ملكي‪ .‬لقد أخبرني بذلك في الهاي‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬واحدة من الكيانات الدولية القليلة التي‬ ‫ال تهيمن عليها‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إنه األمر نفسه بالنسبة للواليات‬ ‫المتحدة!‬

‫كيسنجر‪ :‬أكرر‪ ،‬ليس لدينا اهتمام بمثل تلك‬ ‫القضية‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ولكنك‪ ،‬شخصيا‪ ،‬يجب أن تدرسها‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لماذا؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ألنك تعمل بذكاء بالغ‪ .‬يجب أن أقول‬ ‫لك صراحة‪ ..‬ربما لم يكن عبرك‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لقد قمت أنت بذلك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬لقد كان موقفك مبدئيا‪ ،‬وكان واضحا‬ ‫للغاية‪ .‬فصحافتك ‪« -‬نيوزويك»‪« ،‬نيويورك‬ ‫تايمز» ‪ -‬كانت موضوعية تماما تجاه المشكلة‪.‬‬ ‫ونحن نرى أن الواليات المتحدة كان بإمكانها‬ ‫عرقلة المسيرة الخضراء‪ .‬كان يمكن للواليات‬ ‫المتحدة أن توقفها أو أن تنحاز لها‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬هذا ليس صحيحا‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬نحن نعتقد أن فرنسا على العكس لعبت‬ ‫دورا صريحا‪ .‬لم يكن هناك أي كياسة أو مواربة‪.‬‬ ‫بورقيبة‪ ،‬سنغور ‪ -‬لقد حاوال أن يستخدما ما تبقى‬ ‫من نفوذهما لدى فرنسا‪ .‬لم تكن هناك براعة أو‬ ‫دراسة‪.‬‬ ‫ال أعرف إذا كان ذلك يتوافق معك‪ .‬ولكن هناك‬ ‫عواطف وقد تأثرنا للغاية نظرا ألننا اعتقدنا أنه‬ ‫موقف مناهض للجزائر‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ليس لدينا موقف ضد الجزائر‪ .‬المشكلة‬ ‫الوحيدة كانت إلى أي حد سوف نتدخل‪ .‬فأن‬ ‫نمنع المسيرة الخضراء معناه أن نضر عالقاتنا‬ ‫بالمغرب تماما‪ .‬أي أن نفرض عليها حظرا‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬كان يمكنك أن تفعل ذلك‪ .‬أن توقف‬ ‫المساعدات العسكرية واالقتصادية‪.‬‬


‫هنري كيسنجر‬

‫طريقه إلى هناك أو في طريق العودة‪.‬‬ ‫ونرغب في أن يكون المردود إيجابيا‪،‬‬ ‫وفي الحقيقة‪ ،‬نعتقد أن المردود اإليجابي‬ ‫هو مسألة ملحة‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إذا لم يكن للجان أي توجه‪ ،‬فإنها‬ ‫لن تستطيع إال إصدار إرشادات‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬سيكون من األفضل أن يتم‬ ‫وضع اإلرشادات في البداية بدال من أن‬ ‫يتم وضعها داخل المؤتمر‪ .‬ألنها سوف‬ ‫تثير جداال محموما‪ ،‬ومن األفضل أن‬ ‫ينتهي المؤتمر في جو من التعاون‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬من الذي سيقدم اإلرشادات؟‬ ‫كيسنجر‪ :‬اللجان نفسها‪ .‬فقد وضع المؤتمر‬ ‫التمهيدي بالفعل بعض اإلرشادات‪ .‬فأنا‬ ‫أخشى أن نحاول وضعها خالل اليوم‬ ‫والنصف اللذين سوف نقضيهما هنا‪،‬‬ ‫مع مغادرة العديد من وزراء الخارجية‪،‬‬ ‫فتصبح محاولة تحديد اإلرشادات عديمة‬ ‫الجدوى‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬لدي حل وسط‪ ،‬يمكن عمل ذلك‬ ‫بالتعاون مع رئيس المؤتمر ورؤساء اللجان‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬بعد انتهاء المؤتمر‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أجل‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ذلك ممكن‪ .‬دعني أفكر في ذلك‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬هل ستغادر هذا المساء؟‬ ‫كيسنجر‪ :‬أجل‪ ،‬فمن المستحيل أن أفعل ذلك‬ ‫اآلن‪ .‬إنه خطر للغاية‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أفهم ذلك‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬نحن رؤساء الطاقة‪.‬‬

‫عبدالعزيز بوتلفيقة‬

‫بوتفليقة‪ :‬أجل‪ ،‬اليابان ستترأس المواد الخام‪.‬‬ ‫فيما سوف يترأس االتحاد األوروبي التنمية‬ ‫والتمويل‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬لالتحاد األوروبي لجنتان‪ .‬هذا يعني‬ ‫أنني لست المهيمن هنا (ضحك)‪.‬‬ ‫المساعد‪ :‬المملكة العربية السعودية هي‬ ‫المسؤولة عن لجنة الطاقة‪ ،‬وإيران عن لجنة‬ ‫التمويل‪ ،‬والجزائر عن التنمية‪ .‬ولكن لم يتم حسم‬ ‫المواد الخام بعد‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬الجزائر‪ ،‬إن ذلك مستحيل‪.‬‬

‫بوتفليقة‪ :‬المشكلة بين زائير وبيرو‬ ‫ونيجيريا‪ .‬وليست مشكلتنا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ولكنك تشارك في رئاسة أحدها‪.‬‬ ‫فهل ترغب في كل شيء؟‪.‬‬ ‫ولكن ذلك المجال يمكننا أن نقدم فيه أفضل‬ ‫عروضنا‪ ،‬ومن ثم نستطيع أن نتعاون‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬نرحب بالسيد روبنسون‪ .‬يستطيع‬ ‫الحضور‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬السيد إندريس سوف يكون سفيرنا‬ ‫في كندا‪.‬‬ ‫دعني أفكر في فكرتك‪ .‬فهي ليست فكرة‬ ‫سيئة‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إنها مجرد فكرة‪ .‬ونحن نرحب‬ ‫بكافة االقتراحات‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ال‪ ،‬أعتقد أنها مثيرة لالهتمام‪.‬‬ ‫وسوف أخبرك برأيي خالل اليوم‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬على كل حال‪ ،‬أهال بالسيد‬ ‫روبنسون‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬يمكننا أن نفعل ذلك مبكرا‪ .‬ففي‬ ‫كل األحوال‪ ،‬أريده أن يزور الجزائر‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إنها فرصة وال يجب أن ندعها تفلت‬ ‫من أيدينا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬هذا هو رأينا أيضا‪ ،‬وهو ما كان‬ ‫المحور األساسي لخطابي باألمس‪ .‬فالمشكالت‬ ‫العملية يمكن مناقشتها‪ .‬فيجب أن تتصل بي كلما‬ ‫كانت هناك مشكلة‪ .‬ففي بعض األحيان يتحمس‬ ‫الفنيون بعض الشيء‪ .‬ولكنها بالنسبة لي مشكلة‬ ‫سياسية وأخالقية‪ .‬ونحن نحب أن نتعامل معها‬ ‫على ذلك النحو‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪39‬‬


‫وثائق‬

‫سجالت الخارجية األميركية‪ ..‬هنري كيسنجر وعبدالعزيز بوتفليقة ‪1975‬‬

‫حديث الديبلوما�سية‬

‫�أظهرت وثائق ن�شرتها اخلارجية الأمريكية �أن «العالقات اخلا�صة» بني وا�شنطن وتل �أبيب مل تكن دائما‬ ‫تف�صل ما دار يف حمادثة تلفونية‬ ‫بنف�س اخل�صو�صية التي يعتقد اجلميع‪ .‬يف وثيقة بتاريخ ‪ّ 1975-12-17‬‬ ‫بني وزير اخلارجية الأمريكي يف حينها هرني كي�سنجر ووزير اخلارجية اجلزائري عبد العزيز بوتفليقة‪ ،‬ي�صف‬ ‫كي�سنجر ال�سوريني بالأ�صدقاء ويتهم وزير الدفاع اال�سرائيلي �شمعون برييز بالكذب‪ .‬ويك�شف كي�سنجر يف‬ ‫حمادثته مع بوتفليقة‪ ،‬التي تطرقت اىل كثري من الق�ضايا وامللفات التي تخ�ص �أفريقيا واملغرب العربي‬ ‫وال�شرق الأو�سط‪� ،‬أن وا�شنطن ال تعلم جميع �أفعال �إ�سرائيل “فهم ال يخربوننا �أبدا قبل �أن يتحركوا”‪..‬‬ ‫املجلة تن�شر ترجمة حرفية للوثيقة “املفرج عنها” من �سجالت اخلارجية الأمريكية‪.‬‬ ‫البيت األبيض‬ ‫واشنطن‬ ‫مذكرة بالحوار‬ ‫المشاركون‪ :‬عبد العزيز بوتفليقة‪ ،‬وزير‬ ‫خارجية الجزائر‬ ‫محمد بجاوي‪ ،‬سفير الجزائر في فرنسا‪،‬‬ ‫ومساعد بوتفليقة‬ ‫هنري كيسنجر‪ ،‬وزير الخارجية األميركي‬ ‫عيسى الصباغ‪ ،‬مدير مكتب الشؤون‬ ‫العامة بالسفارة األميركية بجدة‬ ‫بيتر رودمان‪ ،‬مجلس األمن القومي‬ ‫التاريخ والوقت‪ :‬األربعاء‪ 17 ،‬ديسمبر‬ ‫(كانون األول) ‪9:25 – 8:05 1975‬‬ ‫صباحا (اإلفطار)المكان‪ :‬مقر إقامة السفير‬ ‫األميركي‪ 41 ،‬شارع دي فوبورغ‪ ،‬سانت‬ ‫هونوري‪ ،‬باريس الموضوع‪« :‬سي آي‬ ‫إيه سي»‪ ،‬الصحراء اإلسبانية‪ ،‬أنغوال‪،‬‬ ‫الشرق األوسط (حيا الوزير األميركي‬ ‫الوزير في القاعة الزرقاء)‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ولد شقي!‬ ‫(دخل المصورون لفترة قصيرة‪ ،‬ثم انصرفوا‪.‬‬ ‫وانتقلت المجموعة لغرفة الطعام)‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ما هي أكثر المشكالت الملحة التي‬ ‫علينا مناقشتها؟‬ ‫بوتفليقة‪ :‬كما تريد‪.‬‬ ‫كيسنجر‪( :‬للصباغ) عندما قابلته‪ ،‬كان ثوريا‪ ،‬أما‬ ‫اآلن فإنه أصبح دبلوماسيا ثوريا‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬ذلك ضروري‪ ،‬ففي مراحل معينة من‬ ‫‪38‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫الحياة‪ ،‬يضل المرء عن طريقه بعض الشيء‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬دعونا نتحدث قليال عن المؤتمر‪.‬‬ ‫ال يمكننا فعل الكثير بشأن مشكلة الصحراء‬ ‫اإلسبانية‪ ،‬ولكنني أحب أن أسمع آراءكم‪ .‬ثم‬ ‫أحب أن أنتقل للحديث حول الشرق األوسط‪.‬‬ ‫(مشيرا للصباغ)‪ :‬لقد كان أفضل مترجم لي‪ .‬فقد‬ ‫كان مصاحبا لي في المفاوضات كافة‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬أعرفه جيدا‪ .‬لقد كان أفضل متحدث‬ ‫بالعربية في «بي بي سي» خالل الحرب‬ ‫العالمية الثانية‪.‬‬

‫كيسنجر‪:‬‬ ‫يبدو بالنسبة لي أن المؤتمر يسير على ما‬ ‫يرام‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬بشكل عام يبدو النقاش بناء‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬ألم تعتقد أن خطابي كان عنيفا‬ ‫للغاية‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬كان عنيفا ولكنه لم يكن عنيفا للغاية‬ ‫(ضحك)‪.‬‬ ‫كان هناك قدر من التصاعد منذ البداية‪،‬‬ ‫ولكنه كان واضحا‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬يجب أن تقول أشياء محددة‬ ‫لجمهورك لكي تسترضيهم‪ .‬وبالتالي كان‬ ‫علي أن أقول أشياء محددة لكي أسترضي‬ ‫الحضور‪ .‬إنه شرط مسبق الستمالة الحضور‪.‬‬ ‫(ترجم الصباغ ذلك من خالل مثل عربي‪:‬‬ ‫«على المرء أن يمتدح من يحب»‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪ :‬إنها أجمل بالعربية‪.‬‬ ‫كيسنجر‪ :‬إنه قدري‪.‬‬ ‫بوتفليقة‪« :‬على المرء أن يمتدح من يحب»‪.‬‬ ‫كيف ترى المؤتمر‪ ،‬واللجان التي ربما يتم‬ ‫تعليق عملها؟‬ ‫كيسنجر‪ :‬أعتقد أن اللجان يجب أن تبدأ خالل‬ ‫أربعة أسابيع‪ ،‬مع نهاية يناير (كانون الثاني)‪.‬‬ ‫وأعتقد أننا سوف نبذل قصارى جهدنا لكي‬ ‫تصبح بناءة‪ .‬وسوف يكون مفيدا إذا كان يقينا‬ ‫على اتصال دائم مع بعض دول عدم االنحياز‬ ‫لتجنب المواجهات‪.‬‬ ‫سوف يذهب السيد روبنسون إلى نيجيريا في‬ ‫فبراير (شباط) وربما يذهب إلى الجزائر في‬


‫والمنتمين إلى هذه الميليشيات القوية‪.‬‬ ‫في تونس ومصر‪ ،‬يبدو الطريق إلى‬ ‫الديمقراطية هشا‪ .‬أصبح معدل البطالة في كلتا‬ ‫الدولتين أعلى مما كان عليه منذ عامين‪ ،‬عندما‬ ‫بدأت الثورة‪ .‬لم تثمر سلسلة من التغييرات‬ ‫الوزارية ومحاوالت وضع دستور جديد عن‬ ‫نتائج مستقرة حتى اآلن‪.‬‬ ‫كما أن حزم المساعدات المالية الدولية لم تتحقق‬ ‫حتى اآلن‪ ،‬على الرغم من استمرار المباحثات‬ ‫بين المنظمات الدولية المختلفة وقادة كل من‬ ‫تونس ومصر‪ .‬وتكمن عقبة أخرى خطيرة أمام‬ ‫اإلسراع باإلصالح السياسي في المعارضة‬ ‫المستمرة للقوى الليبرالية لغالبية القوانين‬ ‫والقرارات التي يصدرها النظام الحالي‪.‬‬ ‫ال شك في أن الربيع العربي يقدم فرصا عظيمة‬ ‫للحكومات والمجتمع المدني من أجل معالجة‬ ‫التحديات االقتصادية القديمة في المنطقة‪ ،‬ومن‬ ‫بينها عدم وجود نمو شامل‪ ،‬وارتفاع مستويات‬ ‫عدم المساواة والبطالة‪ ،‬وكذلك ارتفاع معدل‬ ‫عدم األمان الغذائي‪ .‬ال يجب أن تثنينا العقبات‬ ‫عن إدراك هذه الحقيقة‪ ،‬ولكن على األرجح‬ ‫سيكون الطريق إلى المستقبل طويال وصعبا <‬ ‫< كان للثورة التي أطاحت بحكم العقيد معمر‬ ‫القذافي تأثير غير مسبوق على االقتصاد الليبي‪ .‬فقد‬ ‫انخفض إنتاج النفط من ‪ 1.49‬مليون برميل يوميا في‬ ‫يناير‪ /‬كانون الثاني ‪ 2011‬إلى ‪ 22‬ألف برميل في‬ ‫اليوم بحلول يوليو‪ /‬تموز عام ‪ 2011‬نتيجة للصراع‪.‬‬ ‫وانخفض نمو إجمالي الناتج المحلي بنسبة ‪ 60‬في‬ ‫المائة مع انخفاض متوسط إنتاج النفط إلى ‪ 500‬ألف‬ ‫برميل في اليوم بنهاية عام ‪ .2011‬كما انخفض نمو‬ ‫إنتاج النفط بنسبة ‪ 50‬في المائة مع توقف األنشطة‬ ‫االقتصادية‪ .‬إذ اضطر حوالي ‪ 600‬ألف من العمال‬ ‫المهاجرين إلى الفرار من ليبيا أثناء الحرب األهلية‬ ‫في عام ‪ ،2011‬مما تسبب في أكبر أزمة هجرة منذ‬ ‫حرب الخليج الثانية (‪ .)1991‬وباإلضافة إلى ذلك‪،‬‬ ‫انتشر نقص المواد الغذائية والسيولة النقدية في أجزاء‬ ‫مختلفة من البالد‪.‬‬ ‫في عام ‪ ،2012‬شهد االقتصاد الليبي انتعاشا اقتصاديا‬ ‫مثيرا‪ ،‬مع تعافي اإلنتاج والصادرات النفطية بسرعة‬ ‫أكبر مما كان متوقعا‪ .‬وقد أعلنت المؤسسة الوطنية‬ ‫للنفط أن إجمالي إنتاج النفط في السبعة أشهر األولى‬ ‫من عام ‪ 2012‬قد بلغ ‪ 302‬مليون برميل‪ ،‬بما‬ ‫يعادل في المتوسط ‪ 1.42‬مليون برميل يوميا‪ .‬ومن‬ ‫المتوقع أن يزداد إنتاج المحروقات‪ ،‬بما في ذلك الغاز‬ ‫الطبيعي‪ ،‬بنسبة تزيد عن ‪ 170‬في المائة في عام‬

‫عقوبات األمم المتحدة التي جمدت األصول الليبية‬ ‫في الخارج (ما مجموعه ‪ 200‬في المائة من إجمالي‬ ‫الناتج المحلي لعام ‪ )2010‬في ‪ 16‬ديسمبر‪/‬كانون‬ ‫األول ‪.2011‬‬

‫‪ ،2012‬وأن يواصل تعافيه وانتعاشه في عام ‪.2013‬‬ ‫ويتوقع كذلك أن ينمو إجمالي الناتج المحلي غير‬ ‫الهيدروكربوني حوالي ‪ 30‬في المائة في عام ‪،2012‬‬ ‫مدفوعا أساسا بإعادة اإلعمار‪ .‬وبعد الزيادة الكبيرة‬ ‫في أسعار المستهلكين خالل عام ‪ ،2011‬والتي بلغت‬ ‫نحو ‪ 16‬في المائة على أساس سنوي‪ ،‬من المتوقع‬ ‫أن ينخفض تضخمها بشكل كبير بمجرد استئناف‬ ‫االستيراد‪ ،‬واستمرار مصرف ليبيا المركزي في‬ ‫سحب السيولة الزائدة‪ .‬ومن المتوقع أن يتراجع‬ ‫متوسط التضخم إلى ‪ 10‬في المائة في عام ‪.2012‬‬ ‫وسيستفيد الفائض في الحساب الجاري الخارجي من‬ ‫استعادة الصادرات الهيدروكربونية‪ ،‬مع تحقيق فائض‬ ‫قدره ‪ 17‬في المائة في عام ‪ .2012‬وقد تم رفع معظم‬

‫تواجه الموارد المالية العامة وسياسة المالية العامة‬ ‫حاليا ضغوطا هائلة‪ ،‬بينما تسعى الحكومة الليبية إلى‬ ‫تلبية التطلعات الجماهيرية التي أطلقتها الثورة‪ .‬وتشهد‬ ‫بنود اإلنفاق الجاري ارتفاعا هائال نتيجة لتضخم‬ ‫فاتورة الرواتب واألجور والتعويضات والدعم‪.‬‬ ‫وأعلنت الحكومة في مارس‪/‬آذار ‪ 2012‬ميزانية‬ ‫قياسية بلغ حجم اإلنفاق العام فيها ‪ 50‬في المائة من‬ ‫إجمالي الناتج المحلي لعام ‪.2012‬‬ ‫إال أنه من المتوقع أن يبقى الناتج في عام ‪2012‬‬ ‫مقيدا نتيجة للقدرات االستيعابية لالقتصاد الليبي على‬ ‫تنفيذ النفقات الجارية والرأسمالية المعلنة‪ .‬ولذلك‪،‬‬ ‫فمن المرجح أن تصل النفقات في الميزانية إلى ‪42‬‬ ‫في المائة من إجمالي الناتج المحلي في عام ‪،2012‬‬ ‫وستحقق اإليرادات الكلية ‪ 40‬في المائة من إجمالي‬ ‫الناتج المحلي‪ .‬وسيشهد عام ‪ 2012‬عجزا منخفضا‬ ‫نسبيا في الميزانية (‪ 2‬في المائة من إجمالي الناتج‬ ‫المحلي)‪ ،‬كما يمكن يعاود تحقيق فائض في عام‬ ‫‪.2013‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪37‬‬


‫قصة الغالف‬

‫الذي تسببت فيه هذه األنظمة لمنع االنتفاضات‪،‬‬ ‫استطاع ماليين من الجماهير تنسيق مظاهرات‬ ‫منظمة نسبيا (في حالة ليبيا كانت ثورة مسلحة‬ ‫شاملة) تسببت في إسقاط الحكومات‪.‬‬

‫«دعم» الربيع العربي‬ ‫عمد قادة ليبيا وتونس إلى تقييد قوة جيشيهما‪ .‬وعلم‬ ‫القذافي وبن علي أن وجود جيش قوي ذي إعداد‬ ‫جيد سيمثل تهديدا للنظام القائم‪ ،‬وقد تكون الثورة‬ ‫المصرية أثبتت صحة رأيهما‪ .‬يمكن القول إن‬ ‫مصر تملك أقوى جيش في المنطقة العربية‪ ،‬لذا‬ ‫عندما أيدت القوات المسلحة المصرية المتظاهرين‬ ‫في الشوارع في يناير (كانون الثاني) ‪ ،2011‬علم‬ ‫الجميع أن أيام مبارك في حكم مصر أصبحت‬ ‫معدودة‪.‬‬ ‫في الوقت الذي انتشرت فيه الصدمات السياسية‬ ‫جراء الثورات في تونس ومصر وليبيا في جميع‬ ‫أنحاء المنطقة‪ ،‬سارع الزعماء السياسيون الدوليون‬ ‫إلى وضع أنفسهم في جانب الثوار‪ .‬وواجه القادة‬ ‫العالميون انتقادات حادة بسبب عدم تأييدهم األولي‬ ‫لهذه المظاهرات‪.‬‬

‫السابق)‪ .‬وكان التحكم في األسعار جزءا من‬ ‫الحياة اليومية من خالل الدعم وقيود صارمة‬ ‫على األسعار‪ ،‬وفرضت عقوبات قانونية على‬ ‫أي انتهاكات‪ .‬أدت هذه السياسات إلى التسعير‬ ‫المزدوج وأخيرا إلى اقتصاد السوق السوداء‪.‬‬

‫حرية وعدالة اجتماعية‬ ‫بعيدا عن المخاوف االقتصادية السائدة في ليبيا‬ ‫وتونس ومصر قبل قيام ثورات الربيع العربي‪،‬‬ ‫من المهم أن نذكر أن االحتجاجات كانت مدفوعة‬ ‫بدرجة كبيرة أيضا برغبة الشعوب في الحرية‬ ‫والعدالة االجتماعية‪ .‬اتسمت األنظمة الثالثة‬ ‫جميعها بالقمع المفرط‪ ،‬وإحكام قادتها قبضتهم‬ ‫على جميع جوانب المجتمع والحياة السياسية لكي‬ ‫يضمنوا مواقعهم ويحرسوا ثرواتهم الهائلة‪.‬‬ ‫قبل الثورات‪ ،‬كانت هذه الدول ديكتاتورية بوليسية‪،‬‬ ‫تضع الحكومة فيها قيودا صارمة وقمعية على‬ ‫الحياة االجتماعية واالقتصادية والسياسية لألمة‬ ‫بمساعدة أجهزة وقوات شرطة سرية‪.‬‬ ‫كانت أنظمة مستبدة تفتقد إلى المنافسة السياسية‬ ‫والشفافية وحرية التعبير وحق االختالف في‬ ‫‪36‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫الرأي واحترام حقوق اإلنسان ومساءلة المؤسسات‬ ‫الحكومية‪.‬‬

‫وكان النظامان المصري والتونسي على وجه‬ ‫التحديد على عالقات وثيقة بالغرب‪ ،‬وبدا قادته‬ ‫أكثر اهتماما بالحفاظ على االستقرار اإلقليمي‬ ‫واستمرار تدفق التجارة واالستثمارات مع الشرق‬ ‫األوسط حتى اتضح لهم أن المظاهرات سوف‬ ‫تسقط األنظمة‪.‬‬

‫وكي تضمن األنظمة أن تظل الشعوب في طريق طويل وصعب‬

‫جهل‪ ،‬تم فرض قيود على االتصاالت ورقابة‬ ‫على المطبوعات‪ .‬وفي تونس وليبيا على وجه‬ ‫الخصوص‪ ،‬لم تكن المؤشرات االقتصادية الدقيقة‬ ‫متاحة‪ ،‬إما ألنها لم تكن تصدر مطلقا وإما أنه يتم‬ ‫تزويرها‪.‬‬ ‫وكان الغرض األساسي من هذه اإلجراءات هو‬ ‫اإلبقاء على الوضع القائم ومنح األنظمة سلطة‬ ‫سحق المعارضة والسيطرة على عملية تفكير‬ ‫الجماهير‪ ،‬وبخاصة الشباب‪ .‬لم يكن الحظر يشمل‬ ‫التلفزيون واإلذاعة والصحف والكتب فحسب‪،‬‬ ‫ولكنه وصل إلى اإلنترنت أيضا‪ ،‬وتحديدا شبكات‬ ‫التواصل االجتماعي مثل «فيس بوك» و«تويتر»‬ ‫الذي يلجأ إليه الشباب للتفاعل وأحيانا التنفيس عن‬ ‫إحباطهم‪.‬‬ ‫هذه األنظمة القائمة على الفساد والقمع تهاوت‬ ‫عندما ازدادت الشفافية ووصلت إلى الجماهير‬ ‫عبر التطور المستمر لقنوات التواصل االجتماعي‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من االنقطاع المتكرر لالتصاالت‬

‫مر عامان على اندالع الثورة التونسية‬ ‫اليوم وقد ّ‬ ‫التي أشعلت الربيع العربي‪ ،‬ما زال االقتصاد في‬ ‫مصر وتونس وليبيا متأثرا في أعقاب الثورات‪،‬‬ ‫وتستمر االضطرابات بينما يصر القادة الجدد‬ ‫للدول الثالث على المضي قدما وإعادة بناء‬ ‫اقتصادهم المتعثر‪.‬‬ ‫وكان الهجوم على األنظمة السابقة ‪ -‬التي اتسمت‬ ‫بالعلمانية ‪ -‬يعني تولي المعارضة الدينية األكثر‬ ‫تنظيما والتي تمثلها جماعة اإلخوان المسلمين‬ ‫السلطة في كل من تونس ومصر‪.‬يبدو أن القيادة‬ ‫الجديدة في ليبيا غير قادرة على التعامل مع‬ ‫المشاكل التي تواجهها مع الميليشيات المسلحة‪.‬‬ ‫وقد تعثرت التحقيقات التي تجرى في الهجوم‬ ‫األخير على القنصلية األميركية في بنغازي‬ ‫وأسفر عن مصرع السفير األميركي كريستوفر‬ ‫ستيفنز وثالثة آخرين‪ ،‬بسبب تردد السلطات الليبية‬ ‫في اتخاذ إجراءات ضد المتطرفين المشتبه بهم‬


‫السكان في الدول النامية بالفعل من سوء التغذية‪،‬‬ ‫ومن المرجح أن يؤدي االرتفاع السريع في أسعار‬ ‫السلع الغذائية إلى مزيد من اإلضعاف لهؤالء‬ ‫السكان‪ .‬وكما ذكرنا فيما سبق‪ ،‬قبل أحداث الربيع‬ ‫العربي‪ ،‬كان النمو االقتصادي بالكاد يصل إلى‬ ‫الطبقات الوسطى والدنيا في الدول الثالث‪ .‬وتزداد‬ ‫الهوة بين الدخل والنفقات بدرجة ال يمكن تحملها‬ ‫عندما تصاحبها معدالت تضخم عالية‪ .‬وهكذا‬ ‫يصبح االضطراب االجتماعي أمرا حتميا‪.‬‬ ‫ترتفع نسبة التضخم نسبيا في تونس ولكنها أكثر‬ ‫استقرارا في مصر‪ .‬هنا أيضا ال يصل االزدهار‬ ‫االقتصادي إلى الغالبية العظمى من السكان‪،‬‬ ‫لذلك تؤثر الضغوط التضخمية بشدة على الدخول‬ ‫المتبقية للتونسيين‪.‬‬ ‫كانت ليبيا في ظل حكم القذافي دولة اشتراكية‪،‬‬ ‫تتبع سياسات اقتصادية تختلف كثيرا عن مصر‬ ‫وتونس‪ .‬أثرت صداقة العقيد القذافي مع فيدل‬ ‫كاسترو في كوبا بصورة مباشرة على بعض من‬ ‫سياساته االشتراكية‪.‬‬ ‫لم يسمح النظام الليبي االشتراكي بالتضخم‪ .‬في‬ ‫الواقع‪ ،‬استقر التضخم في ليبيا في عامي ‪2003‬‬ ‫و‪ 2004‬عند نسبة ‪ 2.2‬في المائة (انظر الجدول‬ ‫< تواجه مصر‪ ،‬إلى جانب إدارة فترة التحول‬ ‫السياسي الصعبة واالنقسام المجتمعي الحاد‪،‬‬ ‫عددا من التحديات االقتصادية‪ .‬فقد تضافرت‬ ‫عوامل خارجية مع تعطل النشاط التجاري بسبب‬ ‫الثورة ما أدى إلى إغالق البورصة لفترات‬ ‫طويلة وانخفاض عائدات السياحة‪ .‬وأدى تباطؤ‬ ‫االقتصاد العالمي إلى تراجع تدفقات االستثمارات‬ ‫األجنبية المباشرة التي انخفضت ‪ 50‬في المائة‬ ‫لتصل إلى ‪ 3.7‬مليار دوالر في المتوسط من‬ ‫‪ 2009‬إلى ‪ ،2010‬أو أقل من واحد في المائة‬ ‫من إجمالي الناتج المحلي‪ ،‬ثم واصلت انخفاضها‬ ‫عام ‪ 2011‬لتصل إلى ‪ 0.9‬مليار دوالر‪.‬‬ ‫كما هبط احتياطي البالد من النقد األجنبي هبوطا‬ ‫حادا في الربع األول من عام ‪ 2011‬بعد الثورة‪،‬‬ ‫وظل يتراجع منذ ذلك الحين ليصل إلى ‪ 18‬مليار‬ ‫دوالر بنهاية ديسمبر‪ /‬كانون األول ‪ ،2011‬أي‬ ‫ما يعادل قيمة واردات البالد من السلع والخدمات‬ ‫لثالثة أشهر‪.‬‬ ‫ونظرا لألثر التراكمي لهذه العوامل الداخلية‬ ‫والخارجية‪ ،‬يتوقع أن يصل النمو إلى ‪ 2.5‬في‬ ‫المائة عام ‪ 2012‬ثم إلى ‪ 3.5‬في المائة عام‬ ‫‪ 2013‬على الرغم من أن مخاطر الهبوط كبيرة‬

‫يعيشون تحت خط الفقر الوطني‪ ،‬فإن هذا الرقم‬ ‫يرتفع إلى ‪ 43.7‬في المائة في صعيد مصر‪.‬‬ ‫وعانى ‪ 20‬في المائة آخرون من السكان من‬ ‫الفقر في وقت من األوقات خالل العقد الماضي‪،‬‬ ‫وهو ما يزيد من اإلحساس بالحرمان االجتماعي‬ ‫وانعدام األمن‪.‬‬

‫بسبب أزمة الديون السيادية المستمرة في أوروبا‬ ‫وانعدام اليقين بسبب عملية التحول السياسي‪.‬‬ ‫ويزيد انخفاض معدالت النمو من خطر‬ ‫اإلحباطات االجتماعية المتفاقمة إذ لن تكفي‬ ‫هذه المعدالت لتوفير الوظائف والفرص الكافية‪.‬‬ ‫ويتوقع أن تظل البطالة في إطار نطاقها البالغ‬ ‫‪ 12‬في المائة مع مخاطر كبيرة باحتمال زيادتها‪.‬‬ ‫وأظهرت مصر خالل العقدين الماضيين تحسنا‬ ‫على صعيد عدد من المؤشرات االجتماعية‬ ‫الر َّ‬ ‫ضع وسوء‬ ‫شملت‪ :‬انخفاض معدالت وفيات ُ‬ ‫التغذية بين األطفال بمقدار النصف‪ ،‬وارتفاع‬ ‫متوسط العمر من ‪ 64‬عاما إلى ‪ 71‬عاما‪ .‬ومع‬ ‫أن ‪ 22‬في المائة من سكان مصر ما زالوا‬

‫وسيواجه الرئيس الجديد محمد مرسي تحديا‬ ‫مزدوجا يتمثل في معالجة التفاوت االجتماعي‬ ‫وفي الوقت نفسه تحرير النظام السياسي ليسمح‬ ‫لكل المصريين بالمشاركة الحقيقية‪ .‬تُضاف إلى‬ ‫ُ‬ ‫الملحة المتمثلة في وضع حد لتراجع‬ ‫ذلك‬ ‫المهمة ّ‬ ‫االستثمارات األجنبية المباشرة‪.‬‬ ‫األكيد أن تحقيق معدالت نمو تشمل الجميع‬ ‫واستعادة ثقة المجتمع الدولي بشأن استقرار‬ ‫االقتصاد الكلي لمصر سيتطلب إصالحات‬ ‫واسعة النطاق‪ .‬وسينطوي ذلك على إصالح‬ ‫نظام دعم أسعار الطاقة والمواد الغذائية‪،‬‬ ‫وتطوير نظام تعليمي يزود الطالب بالمهارات‬ ‫الالزمة للمنافسة في االقتصاد العالمي‪ ،‬وإيجاد‬ ‫قطاع خاص يعمل في إطار قواعد وقوانين‬ ‫شفافة تحقق المساواة في دخول األسواق‬ ‫والحصول على فرص األعمال‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪35‬‬


‫قصة الغالف‬

‫تحتاج إلى وضع سياسات من أجل تحسين‬ ‫المستوى الكلي لألمن الغذائي‪ .‬بينما تظهر في‬ ‫مصر مستويات خطيرة من انعدام األمن الغذائي‬ ‫على كل من المستويين الكلي والجزئي‪.‬‬

‫التضخم‬ ‫تجد مصر صعوبة في قضية األمن الغذائي على‬

‫‪34‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫المستويين الكلي والجزئي‪ .‬من المعروف جيدا‬ ‫أن معدل التضخم يمكن أن يؤثر بقوة على األمن‬ ‫الغذائي في الدول النامية‪.‬‬ ‫يمكن أن تؤثر معدالت التضخم المتقلبة على‬ ‫األسعار وتبدد المدخرات واالستثمارات وتعوق‬ ‫النمو االقتصادي‪ ،‬واألكثر أهمية أنها قد تؤدي إلى‬ ‫عدم استقرار سياسي واجتماعي‪ .‬إذا ألقينا نظرة‬

‫على معدالت التضخم منذ عام ‪( 2003‬انظر‬ ‫الشكل في األسفل)‪ ،‬تصبح العالقة بين األمن‬ ‫الغذائي والتضخم واضحة‪ .‬يظهر معدل التضخم‬ ‫في مصر أنه األكثر تقلبا بين الدول الثالثة محل‬ ‫هذه الدراسة‪.‬‬ ‫كما يثير معدل التضخم المكون من رقمين تحديدا‬ ‫في عام ‪ 2008‬القلق‪ .‬تعاني الغالبية العظمى من‬


‫إنفاق كثير من الوقت والجهد والمال في التعليم‪.‬‬

‫األمن الغذائي‬ ‫«العيش» كلمة رئيسية يهتف بها المتظاهرون في‬ ‫الشوارع أثناء الثورة‪ .‬يرمز العيش إلى الحياة‪ ،‬هو‬ ‫أدنى مصدر يحتاجه المرء من أجل البقاء‪ ،‬وأسمى‬ ‫األهداف (وكانت الحرية والعدالة االجتماعية‬ ‫الكلمتين األخريين اللتين ترددتا أثناء المظاهرات)‪.‬‬ ‫يؤكد بحث صدر مؤخرا عن المعهد الدولي لبحوث‬ ‫السياسات الغذائية على أهمية األمن الغذائي على‬ ‫المستويين الكلي والجزئي في العالم العربي‪ .‬يشير‬ ‫البحث إلى أنه بدال من دخل الفرد وعدم المساواة‬ ‫والحكم السيئ‪ ،‬أصبح األمن الغذائي في الغالب‬ ‫سببا رئيسيا للنزاع في المنطقة‪ ،‬وتحسينه هو الحل‬ ‫للخروج إلى انتقال سلمي‪.‬‬ ‫تشير األرقام إلى أن «أداء ليبيا جيد على المستوى‬ ‫الكلي‪ ،‬فيما يتعلق باألمن الغذائي (في األساس‬ ‫بفضل ثروتها النفطية)‪ ،‬ولكنها تواجه تحديات أمن‬ ‫غذائي على المستوى الجزئي‪ ،‬حيث يعاني ‪21‬‬ ‫في المائة من أطفالها من سوء تغذية» (بريسينجر‬ ‫وآخرون‪ .)2012 ،‬يأتي أداء تونس على المستوى‬ ‫الجزئي أفضل نسبيا مقارنة بمصر وليبيا‪ .‬ولكنها‬ ‫< ال تزال الحكومة التونسية تواجه تحديات‬ ‫اقتصادية نظراً لعدم تعافي االقتصاد في ‪2011‬‬ ‫بالوتيرة التي كانت متوقعة‪ .‬ففي حين قامت‬ ‫الحكومة باعتماد موازنة تكميلية في يونيو‪/‬‬ ‫حزيران ‪ 2011‬تضمنت حزمة حوافز كبيرة‬ ‫للمالية العامة‪ ،‬لم يتم استيعاب سوى جزء منها‪،‬‬ ‫وبلغ عجز الموازنة ‪ 3.5‬في المائة من إجمالي‬ ‫ً‬ ‫(بدال مما كان متوقع‬ ‫الناتج المحلي في ‪2011‬‬ ‫بنسبة ‪ 5.1‬في المائة)‪.‬‬ ‫ونظراً لتدهور الميزان التجاري‪ ،‬وتراجع عائدات‬ ‫السياحة واالستثمارات األجنبية المباشرة‪ ،‬زاد‬ ‫العجز في الحساب الجاري بصورة كبيرة ليصل‬ ‫إلى ‪ 7.3‬في المائة من إجمالي الناتج المحلي‬ ‫في ‪ .2011‬وبالتالي تراجعت معدالت احتياطي‬ ‫النقد األجنبي من ‪ 4.7‬شهر لتمويل الواردات في‬ ‫نهاية ‪ 2010‬إلى ‪ 3.5‬شهر في نهاية ‪.2011‬‬ ‫وبدأ النمو في التعافي في ‪ ،2012‬ومن المتوقع‬ ‫أن يصل إلى ‪ 2.4‬في المائة‪ ،‬ويرجع الفضل في‬ ‫ذلك بصورة رئيسية إلى زيادة عائدات السياحة‪،‬‬ ‫واالستثمارات األجنبية المباشرة‪ ،‬وتطبيق حوافز‬ ‫مالية عامة قامت السلطات الحالية باعتمادها‪.‬‬ ‫ومن المتوقع أن تزيد وتيرة النمو لتصل إلى ‪3.7‬‬

‫مقارنة بالسنة السابقة‪ .‬وعلى الرغم من تراجع‬ ‫معدالت البطالة في ‪ 2011‬إلى ‪ 17.6‬في المائة‪،‬‬ ‫فإن هذا التراجع لم يكن كافياً لخفض نسبة قوة‬ ‫العمل المعطلة من الشباب المتعلم‪ .‬وبالتالي‪ ،‬من‬ ‫المتوقع أن تؤدي األوضاع االقتصادية الصعبة‬ ‫على المدى القصير إلى اإلبقاء على معدالت‬ ‫البطالة عند ‪ 18‬في المائة تقريباً في ‪– 2012‬‬ ‫‪.2013‬‬ ‫في المائة تقريباً في ‪ ،2013‬و‪ 4.9‬في المائة في‬ ‫‪ 2014‬نتيجة لالنتعاش المستدام في الصادرات‪،‬‬ ‫والسياحة واالستثمارات األجنبية المباشرة‪،‬‬ ‫واستمرار االستثمارات العامة الكبرى‪ ،‬وحزمة‬ ‫اإلصالحات التي اعتمدتها الحكومة المؤقتة‬ ‫والتي من المتوقع أن تؤدي إلى زيادة في‬ ‫االستثمارات‪.‬‬ ‫استمرت االضطرابات االجتماعية في ‪2012‬‬ ‫في صورة اعتصامات وإضرابات شملت تقريبا‬ ‫جميع القطاعات‪ ،‬ومن المتوقع أن تظل معدالت‬ ‫البطالة مرتفعة على المدى القصير‪ .‬وفي أعقاب‬ ‫الثورة‪ ،‬زادت معدالت البطالة إلى ‪ 19‬في المائة‬ ‫في ‪ ،2011‬وهي زيادة بلغت ‪ 6‬نقاط مائوية‬

‫هذا وال يزال اقتصاد تونس يتسم بانخفاض‬ ‫مستوى األجور وتدني القيمة المضافة‪ ،‬وغير‬ ‫قادر على استيعاب الزيادة في العمالة الماهرة‪.‬‬ ‫وسمحت المحسوبية والممارسات المناوئة‬ ‫للمنافسة ألقلية محظوظة بالتمتع بنصيب األسد‬ ‫من المنافع الناشئة عن النمو واالزدهار‪ .‬وقد‬ ‫أعلنت الحكومة االنتقالية التي بدأت في ممارسة‬ ‫مهام عملها قبل االنتخابات عن خطة طوارئ‬ ‫بمبلغ ‪ 1.5‬مليار دوالر لمعالجة قضايا البطالة‬ ‫وتحقيق التنمية اإلقليمية ضمن مجموعة متنوعة‬ ‫من الشواغل األخرى‪ .‬و من دون نمو قوي‬ ‫وشامل للجميع‪ ،‬فإن مشاعر اإلحباط واإلحساس‬ ‫باإلقصاء ‪ -‬وهو ما أشعل الثورة ‪ -‬يمكن أن تهدد‬ ‫االستقرار االجتماعي مرة أخرى‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪33‬‬


‫قصة الغالف‬

‫األوروبي – شريكها التجاري األول – وبخاصة‬ ‫فرنسا وإيطاليا‪ .‬أما أهم شريكين تجاريين لمصر‬ ‫فهما االتحاد األوروبي والواليات المتحدة‪ ،‬اللذان‬ ‫يمثالن نسبة ‪ 70‬في المائة من التبادل التجاري في‬ ‫مجال السلع في مصر‪.‬‬ ‫تملك تونس ومصر بنية تحتية وخدمات اجتماعية‬ ‫أكثر تطورا (وبخاصة نظاما تعليميا قويا‪ ،‬سيتم‬ ‫تناوله بالتفصيل فيما بعد)‪ .‬ولكن حتى في تونس‬ ‫ومصر‪ ،‬منعت أعوام من الفساد وصول الرخاء‬ ‫االقتصادي إلى الطبقات الدنيا من المجتمع‪.‬‬

‫الزيادة السكانية‬ ‫تعاني كل من تونس ومصر من مشكالتهما‬ ‫الخاصة‪ .‬في األعوام األخيرة‪ ،‬أصبح تعداد السكان‬ ‫في مصر يزداد بمعدل اثنين في المائة سنويا‪.‬‬ ‫ومن أجل تحمل هذه الزيادة السكانية الكبيرة‪،‬‬ ‫يجب أن يصل معدل زيادة الناتج المحلي اإلجمالي‬ ‫إلى أكثر من ‪ 4‬في المائة سنويا‪ .‬وعندما ال يصل‬ ‫النمو االقتصادي إلى الطبقات المتوسطة والدنيا‪،‬‬ ‫ال يمكن الحفاظ على مستوى معيشة مجموعات‬ ‫عريضة من السكان‪.‬‬ ‫ال ترتفع الرواتب‪ ،‬ولكن يرفع التضخم أسعار‬ ‫السلع‪ .‬وبالتالي يصبح الفارق بين الدخل والنفقات‬ ‫حتميا‪ ،‬وتتسع الفجوة بين األغنياء والفقراء‪ .‬وتشير‬ ‫التقديرات إلى أن نحو ‪ 40‬في المائة من المصريين‬ ‫يعيشون حاليا تحت خط الفقر (أي يقل دخلهم عن‬ ‫دوالرين يوميا)‪.‬‬

‫البطالة ونقص العمالة‬

‫توزيع غير عادل‬ ‫كما ذكرنا في السابق‪ ،‬حصل قادة هذه األنظمة‬ ‫المستبدة من بالدهم على ما اعتقدوا أنه حقهم‬ ‫الشرعي‪ ،‬ثرواتها االقتصادية‪ .‬وكان هذا أكثر‬ ‫وضوحا في ليبيا‪ ،‬التي طالما انتشر االعتقاد بأنها‬ ‫من أغنى الدول في العالم إذ تملك وفرة في موارد‬ ‫النفط عالي الجودة القريب من السطح‪ .‬ولكن في‬ ‫الوقت ذاته‪ ،‬ما زال نحو ‪ 40‬في المائة من سكانها‬ ‫يعيشون في فقر مدقع‪ .‬يقدر الخبراء أن نسبة سنوية‬ ‫ال تتجاوز ‪ 10‬في المائة من عائد البالد من النفط‬ ‫والغاز يتم إنفاقه على البنية التحتية والخدمات‬ ‫التي من بينها الرعاية الصحية والتعليم‪ .‬لذلك ليس‬

‫‪32‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫من المفاجئ أن تكون البنية التحتية والخدمات‬ ‫االجتماعية في ليبيا غير متطورة‪.‬‬ ‫التفاوت بين األثرياء والفقراء أقل حدة في مصر‬ ‫وتونس‪ .‬يعتمد النمو االقتصادي بدرجة كبيرة‬ ‫على سوق صادرات قوية (ال سيما في قطاعي‬ ‫المنسوجات والمنتجات الطازجة) ودخل كبير من‬ ‫صناعة السياحة‪ .‬في حالة مصر‪ ،‬تساهم الصناعات‬ ‫الثقيلة (إسمنت‪ ،‬حديد‪ ،‬إلخ) بنسبة كبيرة في النمو‬ ‫االقتصادي للدولة‪ .‬كما تحتفظ الدولتان بعالقات‬ ‫وثيقة مع الغرب‪.‬‬ ‫وتقيم تونس صالت تجارية قوية مع االتحاد‬

‫في تونس‪ ،‬كان الفساد والقمع أكثر انتشارا منه‬ ‫في مصر قبل أحداث الربيع العربي‪ .‬كانت تونس‬ ‫تعاني أيضا من ارتفاع معدالت البطالة‪ ،‬وبخاصة‬ ‫بين الشباب (بنسبة ‪ 30‬في المائة)‪ .‬وكما أشير‬ ‫في السابق‪ ،‬يخرج نظام التعليم في كل من تونس‬ ‫ومصر خريجين ماهرين إلى سوق العمل‪.‬‬ ‫وتتشابه المشكلة في الدولتين‪ ،‬تتسع الهوة بين‬ ‫الموظفين الماهرين وغير الماهرين‪ .‬كما يقل‬ ‫عدد المؤسسات التعليمية األخرى التي تدرب‬ ‫متخصصين شبه ماهرين‪ .‬والشهادة الجامعية هي‬ ‫المؤهل الوحيد المقبول ثقافيا‪.‬‬ ‫وبالتالي أصبحت البطالة ونقص العمالة مفهومين‬ ‫شائعين‪ .‬يُجبر الخريجون الحاصلون على درجة‬ ‫عالية من التدريب على ممارسة أعمال تقل عن‬ ‫قدراتهم‪ ،‬أو يجلسون في منازلهم‪ ،‬على الرغم من‬


‫دول الربيع العربي‪ ..‬طريق طويل وصعب‬

‫خريف االقت�صاد‬

‫بقلم‪ :‬طاهر الشريف‬

‫يعلمنا التاريخ �أنه بعد الثورات‪ ،‬قد ي�ستغرق الأمر �أعواما �إن مل‬ ‫يكن عقودا حتى تعود البالد �إىل اال�ستقرار ال�سيا�سي وم�ستويات‬ ‫الرخاء االقت�صادي ال�سابقة على قيام الثورات‪ .‬رمبا ال يجب �أن‬ ‫نتوقع تغيريات ب�شكل فوري ولكن ينبغي �أن نتخذ نهجا �أكرث‬ ‫واقعية‪.‬‬ ‫أسفرت أحداث الربيع العربي عن تحول جوهري‬ ‫في الساحة السياسية في منطقة الشرق األوسط‬ ‫وشمال أفريقيا‪.‬‬

‫ومنذ بداية االحتجاجات الثورية‪ ،‬تمر المنطقة‬ ‫بمرحلة انتقالية حرجة‪.‬‬

‫كانت الشرارة الشهيرة التي أشعلت الثورات توارث السلطة‬

‫في جميع أنحاء المنطقة هي ما قام به محمد‬ ‫البوعزيزي الشاب الذي يبلغ من العمر ‪ 26‬عاما‬ ‫في تونس‪ .‬في ‪ 17‬ديسمبر (كانون األول) أشعل‬ ‫البوعزيزي النار في جسده عندما هددته شرطية‬ ‫ومساعدوها بمصادرة العربة التي يقتات منها‪.‬‬ ‫أصبح البوعزيزي – من بلدة سيدي بوزيد الريفية‬ ‫– رمزا للثورة ضد دولة أثقلها الفساد وتعاني من‬ ‫ارتفاع معدالت البطالة (التي تقدر بنسبة ‪ 30‬في‬ ‫المائة في سيدي بوزيد)‪.‬‬ ‫انتشرت الصور كالنار في الهشيم داخل الدولة‬ ‫وعبر الحدود‪ .‬على الرغم من المحاوالت التي‬ ‫بذلتها السلطات من أجل احتواء االحتجاجات‪،‬‬ ‫بدأت الثورة التونسية رسميا في اليوم التالي‪18 :‬‬ ‫ديسمبر ‪.2010‬‬ ‫بعد عامين‪ ،‬سقطت األنظمة في تونس ومصر‬ ‫وليبيا‪ ،‬وبدأت الثورات الشعبية تخرج العديد من‬ ‫الجماعات المعارضة الوليدة داخل دول أخرى في‬ ‫الشرق األوسط‪.‬‬

‫من أجل استيعاب أصول الربيع العربي بصورة‬ ‫أفضل‪ ،‬تجدر معرفة أن معظم الرؤساء في البالد‬ ‫العربية اعتقدوا أن لديهم ملكية مطلقة لبالدهم‪.‬‬ ‫وكان هذا المفهوم للملكية من وجهة نظرهم مبررا‬ ‫ألفعالهم‪.‬‬ ‫استمر الرؤساء المطاح بهم في كل من مصر‬ ‫وتونس وليبيا في السلطة على مدار عقود‪ .‬في أثناء‬ ‫تلك األعوام أجريت تعديالت دستورية مفادها أن‬ ‫الرؤساء الثالثة (بن علي في تونس والعقيد القذافي‬ ‫في ليبيا ومبارك في مصر) يملكون نفوذا كامال‬ ‫على سلطات الحكم الثالث‪ :‬التنفيذية والتشريعية‬ ‫والقضائية‪ .‬ولم يكن أي منهم قابال للمساءلة أمام‬ ‫أي أحد‪ ،‬مما أدى ‪ -‬كنتيجة حتمية – إلى تزايد‬ ‫الفساد والمحسوبية على أعلى المستويات‪.‬‬ ‫كان كل من العقيد القذافي وحسني مبارك يخططان‬ ‫من أجل تمرير منصب رئاسة بلديهما إلى ابنيهما‪.‬‬ ‫كانت االنتخابات ستزور – كما كان األمر في‬ ‫الماضي ‪ -‬لضمان «توريث شرعي» للبالد‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪31‬‬


‫قصة الغالف‬

‫‪30‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬


‫الجزء المتعلق بقضية «ايران جيت» من النسخة التي‬ ‫عرضتها عليهم‪.‬‬

‫سأعمل على تصحيحها في نهاية الكتاب»‪.‬‬ ‫وأضاف ‪ «:‬وعلى كل حال‪ ،‬ال أرى لماذا يتوجب علي‬ ‫أن أدافع عن نفسي وعن كتابي؟»‬ ‫*هل عرضت كتابك على المخابرات األمريكية قبل نشره؟‬

‫والحقيقة أن المخابرات األمريكية لم تقترح علي نشر‬ ‫الكتاب أو فكرته على االطالق ‪ ،‬بل على العكس لم‬ ‫أكن مرتاحا ألن كتابي لم يواجه حملة من المخابرات‬ ‫أو من الحكومة األمريكية‪ ،‬كما حصل مثال مع كتاب‬ ‫الجاسوس البريطاني بيتر رايت «صائد الجواسيس»‬ ‫ألن تلك الحملة أمنت دعاية كبيرة للكتاب‪ .‬وتحدث‬ ‫كوبالند عن الصحافي المصري الكبير مصطفى‬ ‫أمين وشقيقه المرحوم علي أمين اللذين ورد ذكرهما‬ ‫في كتابه‪ ،‬فقال‪« :‬مصطفى أمين لم يتعاون مطلقا‬ ‫مع األمريكيين‪ ،‬ولم يكن ينقل إليهم شيئا لم يكن عبد‬ ‫الناصر يعرفه مسبقا‪ .‬وقد سمعت من عبد الناصر‬ ‫نفسه ما كان مصطفى أمين وعلي أمين يقومان به‪،‬‬ ‫وكذلك سمعته من زكريا محيي الدين‪ ،‬وأعرف عنهما‬ ‫أيضا من خالل كيم روزفلت غير أنني شخصيا التقيت‬ ‫بهما مرتين أو ثالث مرات فقط»‪.‬‬ ‫وسألنا كوبالند عن رأيه في الرئيس المصري الراحل‬ ‫أنور السادات‪ ،‬وقلنا له‪ :‬لماذا لم تأت في كتابك على‬ ‫ذكر السادات مع أنك مررت بكثيرين من الشخصيات‬ ‫المصرية في تلك المرحلة؟ هل كان السادات متعاونا‬ ‫معكم؟ وقال‪« :‬األكيد أن المخابرات األمريكية لم يكن‬

‫ الذي يحصل في مثل هذه األحوال أن دور النشر‬‫األمريكية الكبرى ال تقبل نشر أي كتاب له عالقة‬ ‫بالمخابرات األمريكية إال إذا كان قد ُعرض مسبقا‬ ‫على هذه المخابرات‪.‬‬

‫فقد كانت سجالتنا تشير إلى أنه كان يعمل في‬ ‫المخابرات النازية أيام هتلر‪ .‬وهكذا فان هذه الوثائق‬ ‫المتوافرة عنه كانت سيئة في البداية‪ ،‬ولكن التأثير الذي‬ ‫أحدثه بين األمريكيين وفي الرأي العام األمريكي بعد‬ ‫ذلك كان استثنائيا‪ ،‬إنه نموذج الشخصية التي يحبها‬ ‫األمريكيون‪ ،‬والحقيقة لم يكن يخطر ببال عبد الناصر‬ ‫مطلقا أن السادات سيكون خليفته في يوم من األيام»‪.‬‬ ‫وأضاف‪« :‬أعتقد أن األمريكيين كانوا سعيدين‬ ‫بالمفاجأة التي أحدثتها سياسة السادات في مصر‬ ‫خصوصا بعد كامب دايفيد‪ ،‬لكن المخابرات األمريكية‬ ‫لم تساعد إطالقا في ذلك التغيير وال في قرار السادات‬ ‫بإخراج السوفييت من مصر‪.‬‬ ‫وأعتقد أنه لو كان األمر في يد المخابرات األمريكية‬ ‫ورجالها الذين كانوا آنذاك مع السادات‪ ،‬لكانوا‬ ‫نصحوه بتبريد أعصابه‪..‬إننا نفضل دائما أن تتعاون‬ ‫القيادات معنا سرا على أن تصبح حليفتنا المعلنة‪،‬‬ ‫مثلما فعل السادات‪ ،‬ألننا نفضل جانب الحذر في هذا‬ ‫النوع من العالقات بسبب أثره المحتمل على مستقبلهم‬ ‫السياسي»‪.‬‬

‫منظمة التحرير‬

‫وما أفعله هو إرسال نسخة مخطوطة عن كتابي إلى‬ ‫أحد األصدقاء في الوكالة ليعطيني رأيه في ما إذا‬ ‫كان صالحا للنشر أم ال‪ .‬وقد قالت لي المخابرات إنها‬ ‫تقدر كثيرا لو أنني حذفت‬

‫هيكل‬

‫لها أي دور في وصول السادات إلى السلطة‪ ،‬فقد كان‬ ‫بالنسبة إلينا شخصية هامشية‪ ،‬ولم يكن يحضر أي‬ ‫اجتماع مهم مع عبد الناصر وزكريا محيي الدين‬ ‫وصالح سالم وعبد الحكيم عامر‪ ،‬وأعتقد أن عبد‬ ‫الناصر لم يكن يقدره تقديرا جيدا‪ ،‬ونحن أيضا لم نكن‬ ‫ندرك في ذلك الوقت قدراته‪.‬‬

‫عبد الناصر‬

‫«هيكل كان يرى في تعامله‬ ‫معنا مصلحة لبالده»‬

‫وتحدث كوبالند عن اتصاالت المخابرات األمريكية‬ ‫بمنظمة التحرير‪ ،‬فقال‪« :‬كنا باستمرار على اتصال‬ ‫بمنظمة التحرير‪ ،‬ولم تكن هناك قيود على االتصال‬ ‫بهم‪ .‬وهناك عمالء لـ«السي‪.‬آي‪.‬ايه» داخل المنظمة‪.‬‬ ‫فعمالء المخابرات األمريكية ليسوا أمريكيين‪ ،‬كما‬ ‫هو معروف بل هم عادة من مواطني الدول التي‬ ‫يعملون فيها‪ ،‬وقد التقيت بشخصيات من المنظمة‬ ‫بصورة علنية وليس سرا مثل «أبو جهاد» وغسان‬ ‫كنفاني‪ .‬كما اجتمعت مرة في باريس بشخص ادعى‬ ‫أنه «كارلوس» وكان شابا يتكلم الفرنسية بطالقة وال‬ ‫تبدو عليه مالمح امريكا الالتينية كما كان معروفا‬ ‫عن «كارلوس»‪ .‬وقال كوبالند‪« :‬أكثر شخصيتين‬ ‫متطرفتين في مواقفهما التقيت بهما هما ناصر الدين‬ ‫النشاشيبي وحسن التهامي‪ :‬األول بسبب مواقفه‬ ‫الفلسطينية والثاني بسبب مواقفه الوطنية المصرية‪.‬‬ ‫إنني أشك في أن التهامي كان من اإلخوان المسلمين‬ ‫مع أنه كان له أصدقاء بينهم‪ ،‬وأذكر أن أحد رجال‬ ‫المخابرات حاول مرة أن يعطيه مبلغا من المال خالل‬ ‫إحدى زياراته ألمريكا فرفع التهامي المسدس في‬ ‫وجهه»<‬ ‫لندن «المجلة»‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪27‬‬


‫أرشيف‬

‫عندما يتحدث مايلز كوبالند عن السياسة وعن‬ ‫الشخصيات التي التقاها في القاهرة «وعمل معها‪:‬‬ ‫على حد قوله في الخمسينات والستينات‪ ،‬تعود إليه‬ ‫نشوة الشباب (هو اآلن في السادسة والسبعين)‪،‬‬ ‫فيستعيد األسماء والعناوين وتخرج من ذاكرته صور‬ ‫يبدو معها أنه مرتاح اليها‪ ،‬فعمله مع المخابرات‬ ‫األمريكية في مصر وغيرها في العالم العربي لم‬ ‫يكن مجرد وظيفة بقدر ما كان تجربة ممتعة‪ ،‬كما‬ ‫يقول‪«.‬وإذا طلبوا مني العمل مجددا مع المخابرات‬ ‫فإنني لن أتردد أبدا في القبول»‪.‬‬ ‫وعندما التقت به أسرة تحرير «المجلة» كان كوبالند‬ ‫يعرف أن الهدف من اللقاء محاصرته باالتهامات التي‬ ‫وردت على ألسنة كثيرين بشأن كتابه «العب اللعبة»‬ ‫الذي تنشره على حلقات الشقيقة «الشرق األوسط»‬ ‫وباألسئلة المتعلقة بظروف كتابته في هذا الوقت ما قيل‬ ‫عن حرصه على «تسويد» صفحات بعض السياسيين‬ ‫المصريين والعرب من خالل إشارته المتكررة إلى‬ ‫تعاونهم الوثيق مع المخابرات األمريكية‪.‬‬ ‫ويبدو أن كوبالند كان مستعدا لهذه االتهامات ولهذه‬ ‫المواجهة‪ ،‬ولذلك واجه آلة التسجيل بكثير من االرتياح‬ ‫شأن مواجهته الغداء الذي قال إنه يذكره بمطاعم‬ ‫بيروت‪ .‬وقال إنه ال يهمه ما يقال بشأن كتابه‪ .‬فهو‬ ‫يعرف أن ما كتبه هو الحقيقة‪ ،‬وليس مستعدا‪ ،‬وال‬ ‫يرى من الضروري تقديم الوثائق لتبرير ما يقوله‪.‬‬ ‫وعندما قلنا له إن سمعة كثيرين من الذين يتحدث عنهم‬ ‫تتعرض لإلساءة في نظر مواطنيهم نتيجة اتهاماته‪،‬‬ ‫وإنه ال بد له من أن يدعم ما يقوله بأدلة واثباتات‪،‬‬ ‫أجاب بأن هدفه لم يكن اإلساءة إلى أحد‪ ،‬وأنه ال يرى‬ ‫على كل حال أن العمل في سبيل الصداقة مع أمريكا‬ ‫مسيء إلى أي كان‪.‬‬ ‫بهذا المنطق يتحدث كوبالند عن الرئيس المصري‬ ‫السابق جمال عبد الناصر ويقول‪«:‬إن المخابرات‬ ‫األمريكية كانت تعرف عبد الناصر قبل الثورة‪.‬‬ ‫وكانت عالقاتنا به وثيقة جدا‪ .‬لكنني ال أريد أن يفهم‬ ‫من هذا الكالم أن عبد الناصر كان عميال أمريكيا‪ ،‬أو‬ ‫أنه كان يتعامل مع المخابرات األمريكية‪ ،‬ألن الحقيقة‬ ‫أن تأثير عبد الناصر على أمريكا كان أكبر كثيرا من‬ ‫تأثير أمريكا عليه‪ .‬وكنا في واشنطن ندافع باستمرار‬ ‫عن مواقفه أمام وزير الخارجية آنذك جون فوستر‬ ‫دالس‪ ،‬أكثر مما كنا ندافع عن موقف اإلدارة األمريكية‬ ‫أمام عبد الناصر في القاهرة»‪.‬‬

‫رد على مصريين‬ ‫ورد كوبالند على االعتراضات التي وجهت إلى كتابه‬ ‫من بعض الشخصيات التي كانت على صلة بنظام‬ ‫عبد الناصر‪ ،‬وخصوصا الصحافي المعروف محمد‬ ‫حسنين هيكل‪ ،‬فقال‪« :‬اعتراض هيكل على ما ورد‬ ‫‪26‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫في الكتاب أننا نبالغ في ما نكتبه عن مدى عالقتنا‬ ‫الوثيقة بعبد الناصر‪ .‬لكن الحقيقة اننا ال نبالغ أبدا‪ .‬ذلك‬ ‫أننا كنا بالفعل على صلة وثيقة بعبد الناصر‪ ،‬وبعدما‬ ‫التقيت به للمرة األولى في مبنى القيادة وكان ال يزال‬ ‫آنذاك وزيرا للداخلية‪ ،‬كنت أتناول الغداء معه مرتين‬ ‫أو ثالث مرات في األسبوع‪ .‬ولم أكن اعرف أن هيكل‬ ‫موجود في ذلك المبنى إال بعد ذلك»‪ .‬وأضاف‪« :‬لقد‬ ‫كان الرئيس عبد الناصر يطلب ساندويتشات ونحن‬ ‫معه على الغداء بينما نتابع الحديث‪ .‬وكان ذلك في‬ ‫بداية عملنا معه‪ .‬وكان معنا حسن التهامي‪ .‬كان‬ ‫عبد الناصر يستمع الى نصائحنا والى وجهة نظرنا‬ ‫ثم يختار الطريق الذي يريده للتعاون مع الواليات‬ ‫المتحدة»‪.‬‬ ‫ويروي كوبالند كيف كان عبد الناصر يتبادل أحيانا‬ ‫األدوار مع السفير األمريكي إريك جونستون‪ .‬ويقول‪:‬‬ ‫«بعث وزير الخارجية جون فوستر دالس السفير‬ ‫جونستون إلى الشرق األوسط لتشجيع شيء اسمه‬ ‫«خطة نهر األردن» (كان جونستون رئيس غرفة‬ ‫التجارة األمريكية) فاصطحبته لمقابلة ناصر ليشرح‬ ‫ذلك‪ .‬وفعل‪ .‬اذ تحدث إلى ناصر كبائع ماهر أثار‬ ‫إعجابه‪ .‬ثم قال له ناصر‪«:‬يا سيد جونستون‪ ،‬أريد‬ ‫منك أن تكون لنصف الساعة المقبل رئيس جمهورية‬ ‫مصر‪ .‬ستكون أنت جمال عبد الناصر وسأنتحل انا‬ ‫شخصية السفير جونستون»‪.‬‬

‫كوبالند مع اسرة تحرير المجلة‬

‫بالفشل‪ ،‬فعداؤه ألمريكا لم يحقق له شيئا‪ ،‬بل على‬ ‫العكس خسر الجزء الكبير من أرض مصر في حرب‬ ‫‪ 1967‬وتورط في حرب اليمن وحلم بالوحدة العربية‬ ‫ومات والعالم العربي أكثر فرقة من أي وقت»‪ .‬ويشير‬ ‫كوبالند في حديثه إلى الدور الذي لعبه اللوبي اليهودي‬ ‫في أمريكا في تحويل سياسة اإلدارة ضد عبد الناصر‪.‬‬

‫ثم يعرض على السفير األمريكي المشاكل التي كوبالند وهيكل‬

‫يواجهها والتي تدفعه إلى اتخاذ قراراته التي يناقشه‬ ‫األمريكيون فيها‪ :‬من الضائقة االقتصادية إلى اإلخوان‬ ‫المسلمين وغير ذلك‪ ،‬ثم يطلب عبد الناصر من السفير‬ ‫األمريكي (الذي يمثل دور رئيس مصر) ان يتخذ‬ ‫الموقف المناسب‪ ،‬فاذا بقرار السفير األمريكي هو‬ ‫نفسه القرار الذي يكون عبد الناصر قرر اتخاذه»‪.‬‬ ‫وقال كوبالند إن الهدف األساسي وراء نشر كتابه‬ ‫في هذا الوقت هو عرض أحداث المنطقة العربية‬ ‫عشية العدوان الثالثي (‪ )1956‬وما رافقه من تعاون‬ ‫مصري – أمريكي وذلك أمام القارئ البريطاني بشكل‬ ‫خاص‪ ،‬ألن الرأي العام البريطاني يتهم األمريكيين‬ ‫بأنهم خذلوا بريطانيا في ذلك الوقت‪ ،‬وخصوصا‬ ‫خالل غزو السويس‪« ،‬لذلك كان هدف الكتاب هو‬ ‫إعطاء خلفية عن تلك المرحلة وعن أهمية «التعاون»‬ ‫األمريكي مع جمال عبد الناصر» وأضاف‪« :‬لقد‬ ‫منعنا سنة ‪ 1956‬محاولة اغتيال عبد الناصر على‬ ‫أيدي البريطانيين‪ .‬ولو وصلوا آنذاك إلى القاهرة كما‬ ‫كانوا ينوون لكانت رؤوسهم سقطت على يد السي‪.‬‬ ‫آي‪.‬ايه»‪.‬‬ ‫وال يتردد كوبالند في تأكيد قناعته بأن عبد الناصر‬ ‫بدأ تدمير نفسه عندما تخلى عن التعاون مع أمريكا‪:‬‬ ‫«لقد استفاد عبد الناصر من عالقاته مع األمريكيين‬ ‫وعندما أخذ يبتعد عن التفاهم مع أمريكا بدأت سياسته‬

‫وسألنا كوبالند عن قوله عن هيكل أنه كان يقوم بنقل‬ ‫الرسائل األمريكية إلى عبد الناصر أفضل من أي‬ ‫سفير أمريكي في مصر‪ ،‬فقال‪« :‬ال أرى شيئا مسيئا‬ ‫إلى هيكل في هذا الكالم بل على العكس اعتبره بمثابة‬ ‫مدح له‪ ،‬وهذا ال يعني أنه لم يكن يقوم في الوقت‬ ‫ذاته بعمل جيد لمصلحة مصر‪ .‬فقد كان هيكل مفيدا‬ ‫للعالقات المصرية – األمريكية‪ .‬وأعتقد ان موقفه‬ ‫ضدي ناتج عن غيرة وحسد‪ ،‬ألنني أتحدث عن معرفة‬ ‫في الشؤون المصرية‪ .‬وكان هيكل مقتنعا بأن مستقبل‬ ‫مصر يقوم على عالقة جيدة مع أمريكا ولم يكن‬ ‫بحاجة ليقبض منا ليعمل في سبيل هذا الهدف‪ .‬فقد كان‬ ‫مقتنعا به‪ .‬وكان هيكل يختار ما يقوله لعبد الناصر عن‬ ‫العالقة مع أمريكا‪ ،‬ألن هناك أشياء في هذه العالقة لم‬ ‫يكن عبد الناصر يعرفها مثل هيكل‪ .‬فبعض الزعماء‬ ‫يغرقون عادة في نظرة معينة إلى األمور‪ .‬وقد كان‬ ‫لدينا سفراء ضعيفون في القاهرة آنذاك‪ .‬وكنا بحاجة‬ ‫إلى أشخاص مثل هيكل على قرب وثيق من القيادة»‪.‬‬ ‫وعدنا مع كوبالند إلى قضية توثيق كتابه‪ ،‬فقلنا له‪ :‬على‬ ‫ماذا تعتمد في تأليف كتاب بهذا الحجم؟ وهل تستخدم‬ ‫في عملك وثائق من ملفات المخابرات األمريكية أو‬ ‫من ملفاتك الشخصية؟ فقال‪« :‬الكتاب يعتمد على‬ ‫ذاكرتي بالدرجة األولى وفيه أخطاء دون شك‪ ،‬وال‬ ‫يعتمد على وثائق لكن األخطاء التي يُل َفت نظري إليها‬


‫نشر الحوار بالعدد ‪ 494‬بتاريخ ‪ 25‬يوليو ‪1989‬‬

‫موضوع الغالف‬

‫رجل االستخبارات األمريكية يثير جدال كبيرا‪:‬‬

‫هل تعيد مذكرات‬ ‫كوبالند كتابة‬ ‫تاريخ املنطقة‬ ‫العربية؟‬

‫كوبالند‪ :‬المخابرات األمريكية طلبت مني حذف مقطع عن «إيران جيت» فقط‬ ‫«أعرف أنها الحقيقة وال يهمني من اليصدقني»‬ ‫«لم نخطط لمجيء السادات ولو ترك األمر لنا لنصحناه بالتروي»‬ ‫مع �صدور كتاب «العب اللعبة» ل�ضابط املخابرات الأمريكية (ال�سابق؟) مايلز كوبالند‪ ،‬الذي تن�شره ال�شقيقة‬ ‫«ال�شرق الأو�سط» على حلقات‪� ،‬أ�صبحت قراءة جزء مهم من تاريخ املنطقة العربية‪ ،‬وخ�صو�صا يف الفرتة‬ ‫املمتدة من مطلع اخلم�سينات �إىل �أواخر ال�ستينات‪ ،‬خمتلفة عما كان �سائدا ومعروفا يف ال�سابق عن‬ ‫�أهم الأحداث التي ح�صلت خاللها يف م�صر التي كانت املقر الأ�سا�سي لعمل كوبالند ون�شاطه املخابراتي ويف‬ ‫بلدان �أخرى من العامل العربي من بينها العراق ولبنان و�سورية‪ .‬ويف حماولة لإلقاء ال�ضوء على ال�ضجة التي‬ ‫�أثارها ن�شره بني املعنيني بالأحداث الذين ورد ذكر �أ�سمائهم‪� ،‬أو يف الو�سط ال�سيا�سي ب�صورة عامة‪ ،‬ر�أت‬ ‫«املجلة» �أن تواجه كوبالند مبجمل االتهامات حول كتابه‪ ،‬من خالل حوار مفتوح و�صريح معه حول مائدة‬ ‫غداء يف مكاتبها‪ .‬ويف الوقت ذاته قدم رئي�س حترير ال�شقيقة «ال�شرق الأو�سط» التي تن�شر املذكرات ر�أيه‬ ‫ك�صحفي يف مذكرات كوبالند وب�صفة عامة رجال املخابرات‪ ،‬خ�صو�صا �إذا كانوا خمابرات دولة عظمى‪.‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪25‬‬


‫أرشيف‬

‫‪24‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬


‫الخادعة وعلى اللحظة الراهنة‪ .‬بعدما أمضيت‬ ‫ثالثة أيام وأنا أتجول في شوارع تونس الحاضرة‪.‬‬ ‫رأيت أن أقوم بزيارة إلى ضريحي في مسقط‬ ‫رأسي «توزر» العزيزة‪ ..‬كان الطقس ال يزال‬ ‫دافئا‪ .‬وقد هزني الحماس إلى توزر بعدما عرفت‬ ‫أن الدولة قد أقامت لي ضريحا الئقا لشاعر لم يكن‬ ‫يوما ال موظفا لديها وال عضوا في اتحاد كتابها أو‬ ‫ناشطا في حزبها الحاكم‪ .‬يا سبحان اهلل‪ ..‬لو لم أمت‬ ‫ماذا كانت ستفعل بي؟! فهنا في توزر التي تركتها‬ ‫قرية جميلة بعيدة عن ضوضاء التقدم‪ ،‬رأيت أن‬ ‫أكتب رسالة إلى صديقي ومعلمي أحمد زكي أبو‬ ‫شادي رئيس تحرير مجلة «أبولو» التي أطلقتني‬ ‫إلى عالم األدب‪ ،‬دونت فيها كل مالحظاتي عن‬ ‫ربيع تونس‪ ،‬قبل أن أعود من حيث أتيت‪ ..‬وهذا‬ ‫جزء منها‪..‬‬

‫سالل فارغة‬ ‫قلت بعد السالم والتحية‪ :‬إذا الروح يوما أزاحت‬ ‫التراب‪ ،‬فال بد أن يستجيب الجسد‪ .‬وال ب ّد‬ ‫للقبر أن ينفتح‪ ،‬وال ب ّد للتوأم أن يتحد‪ ..‬إن‬ ‫روحي وجسدي قد اتحدا وأزاحا التراب‪،‬‬ ‫من أجل أن أعرف حقيقة ما يحدث‪ .‬إن‬

‫القوة التي منحتني‬ ‫إياها الثورة التي يدعونها هنا وهناك‬ ‫في مصر الكنانة «بثورة الشباب»‬ ‫قد أعادتني شابا‪ ..‬إنني مازلت أعتقد بأن‬ ‫الشباب هو طاقة العطاء واإلبداع‪ .‬فأنا قد كتبت‬ ‫أجمل قصائدي وأجمل نصوصي وأنا لم أبلغ بعد‬ ‫الثالثة والعشرين‪ ..‬وإذا كنت قد كتبت «الخيال‬ ‫الشعري عند العرب»‪ .‬وأنا في العشرين من‬ ‫عمري‪ ،‬فها أنا سأحدثك اآلن عن الخيال الثوري‬ ‫عند العرب‪ ..‬فبعدما أتيحت لي زيارات إلى اتحاد‬ ‫الكتاب وإلى الهيئة العليا لحماية الثورة وساحة‬ ‫القصبة‪ .‬وجلست إلى مناضلين ومثقفين وشعراء‬ ‫كثيرين‪ ،‬تأكدت مرة أخرى‪ .‬وليعذرني أصدقائي‬ ‫أن العرب ال يملكون خياال ثوريا‪ ..‬فها هم يقومون‬ ‫بثورات كثيرة في ربيع واحد‪ ،‬فيما ساللهم في‬ ‫زمن الحصاد ال تزال فارغة!‪ ..‬لقد تساءلت كيف‬

‫ن�صيحتي �أن ال ترتك ال�سلطة لدى الدغماء‬ ‫وال لدى الدهماء‪ .‬ف�آنذاك �ستكون الثورة‬ ‫قليلة القدرة و�سريعة الزوال‪� ..‬إنكم‬ ‫حتتاجون �إىل رقعة جديدة من الأفكار‬ ‫لتجاوز العداوات الغريزية املدمرة و�إىل‬ ‫رافعة ثقافية متتثل �إىل العقل و�إىل‬ ‫قدرة فائقة على الغفران واالعرتاف‬ ‫املتبادل‪ ،‬و�إال ف�إنكم ذاهبون �إىل بربرية‬ ‫جديدة يف �أ�ضيق معانيها و�أ�شدها كفرا‬ ‫يسلم هؤالء الشباب أصحاب الثورة‪ ،‬ثورتهم إلى‬ ‫مذبح الطغيان!‪ ..‬تلك سذاجة لن يغفرها التاريخ‬ ‫ألصحابها‪ .‬بل سيدفع ثمنها أبناؤهم وأحفادهم‪ ،‬كما‬ ‫دفعنا نحن ثمن تقاعس وسذاجة أبائنا وأجدادنا‪ ..‬لم‬ ‫أر شيئا جادا يجعلني مطمئنا لمستقبل هذا الشعب‪..‬‬ ‫رأيت شبابا متحمسا ومتسلحا بشعارات مجنحة‪..‬‬ ‫ومقاهي تغص بالنقاشات والهواجس واالتهامات‬ ‫وبعض الشعراء الذين انضموا إلى قافلة الثورة‬ ‫توا‪ ..‬ونساء متوجسات من الذين يسعون إلى س ّد‬ ‫طريق المستقبل ومناضلين يساريين متعددي‬ ‫الخطابات وإسالميين ملتحين يزرعون الخوف‬ ‫ويدعون إلى السلف الصالح وحتى رجال أمن‬ ‫نادمين وملتفين حول أنفسهم‪ ..‬وكم أحزنني أنني لم‬ ‫أعثر خالل األيام الثالثة على «صديقي» الذي ال‬ ‫كرو ألشكره على اهتمامه‬ ‫أعرفه محمد أبو القاسم ّ‬

‫بشعري وكتبي وسيرتي‪ ..‬ال بل كم كنت حزينا‪،‬‬ ‫ألنني لم أتمكن حتى هذه المرة من زيارة أرض‬ ‫الكنانة ألتعرف على ثورتكم وثواركم‪!..‬‬ ‫أنت تعرف يا صديقي ومعلمي‪ ،‬أنني أحب القاهرة‬ ‫التي درس فيها أبي‪ ..‬القاهرة التي أعطتني من‬ ‫إشعاعها الكثير‪ ،‬القاهرة التي سارت على درب‬ ‫تونس في ثورتها المباركة‪ ..‬فنحن هنا في تونس‬ ‫نعتقد عن جدارة بأن النيل إذا اشتكى من الفيضان‪،‬‬ ‫بكى له نخيل بالد الجريد في تونس‪ ..‬وإذا ما دعا‬ ‫األزهر الشريف إلى الجهاد‪ ،‬استجاب له أخوة من‬ ‫تونس أو القيروان‪ ..‬لقد التحم أهلي وأهلك منذ‬ ‫القديم‪ ..‬منذ فجر الفتح اإلسالمي ثم خالل رحلة‬ ‫الهالليين ثم مع توسع الفاطميين‪ .‬وكم سررت حين‬ ‫عرفت أن نشيد بالدي ينقسم إلى مقطعين األول‬ ‫مأخوذ عن قصيدتي «إرادة الحياة»‪ ،‬والثاني عن‬ ‫مصطفى مجيد الرافعي ومطلعه‪:‬‬ ‫حماة احلمى يا حماة احلمى‬ ‫هلموا هلموا جملد الزمن‬ ‫إن مثل هذا االلتحام في التاريخ والدين والجغرافيا‬ ‫ال ب ّد أن يجعلنا نفرح ونتألم بكيفية واحدة‪ ،‬وعلى‬ ‫إيقاع واحد‪ ..‬وكما لو أنني موجود إلى جانبكم في‬ ‫قاهرة المعز‪ ،‬فإني أحس بأن ما يحدث في تونس‪،‬‬ ‫هو تقريبا ما يحدث في مصر‪ ..‬إن هذه الثورة قد‬ ‫ولدت بعد قرن من المخاضات‪ ،‬ومع ذلك فهي تبدو‬ ‫لي أنها تفتقد إلى الخيال‪ .‬ومتى خلت الثورة من‬ ‫الخيال فرغت من الحلم واستسلمت إلى الدغماء‬ ‫أصحاب الخطابات المملة والجوفاء‪ ،‬والدهماء‬ ‫أصحاب النوايا السيئة واإلشباعات الحيوانية‪.‬‬ ‫مررت بمكتبات‪ ،‬وهي قليلة في بالدنا‪ ،‬وأطلعت‬ ‫على صحف كثيرة‪ ،‬ولم أقرأ شيئا جيدا عن هذه‬ ‫الثورة‪ ..‬إن بؤس الفكر في هذه اللحظة رهيب‪،‬‬ ‫وينبئ بانتكاسة مرعبة قد تدفع هذا الشعب الطيب‬ ‫إلى اإلحباط واالستقالة من الحياة‪.‬‬ ‫أخيرا أقول لك يا صديقي ومعلمي‪ ،‬إنني كتبت‬ ‫قصيدة إرادة الحياة في ليلة القدر على ما أذكر‪..‬‬ ‫وإذ أشكر اآلن كل الذين جعلوا مني شيطانا‬ ‫وزنديقا‪ ،‬ولم يفهموا حينها أن شيطان الشعر ينطق‬ ‫بحقائق المستقبل‪ ،‬فإنني أحنو على أولئك الذين لم‬ ‫يدركوا بعد أن شياطين كل شعب هم شعراؤه‪ .‬ومع‬ ‫أن المرارات التي طاردتني إلى القبر‪ ،‬منذ نحو‬ ‫ثمانية عقود ما زالت تهيمن على تونس في أشكال‬ ‫النميمة والحسد والتملق‪ ،‬وعبادة األصنام‪ ،‬فإنني ما‬ ‫زلت أحمل روحا كبيرة بحجم روح هذا الشعب‪..‬‬ ‫وباختصار أقول‪ :‬إن الشعراء ال يموتون‪ ..‬فهم عند‬ ‫شعبهم أحياء يرزقون‪ ..‬وسالمي إلى أهل أرض‬ ‫الكنانة‪ ،‬راجيا أن يجعلوا من ربيعهم أكثر دفئا‬ ‫وإغراء‪< !!..‬‬

‫الطاهر الحداد‬

‫المخلص أبو القاسم الشابي‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪23‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫هذا الشاب العبقري مسجون في مجتمع قديم‪ ،‬قال‬ ‫آخرون إن هذا الشاب قد أصيب بعطل في دماغه‬ ‫وأحاسيسه‪ .‬والحقيقة أن رأي األغلبية من النخبة‬ ‫في شقيها الكالسيكي والحديث «أن الشابي يجب‬ ‫أن يدان ألنه أدان ديوان العرب!»‪.‬‬ ‫كان ذلك مؤلما جدا لمثقف شاب مثلي كان يريد‬ ‫أن يتنفس هواءا نظيفا‪ ..‬ولم يكن نصيب الطاهر‬ ‫الحداد من السخرية قليال‪ .‬فقد تمنى لو أنه مات قبل‬ ‫أن يصدر كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»‪.‬‬ ‫فقد وضع في صف الزنادقة والمارقين والحاقدين‬ ‫والملحدين‪ ،‬إلى ح ّد كان عليه أن يهرب بجلده من‬ ‫مجتمع ذكوري متكالب‪ .‬اختلفت الصحف في تقييم‬ ‫محاضرتي ثم في تقييم كتاب الحداد‪ ،‬فتحمست‬ ‫صحف لنا مثل «الزمان» و «العالم األدبي»‪،‬‬ ‫وتهجمّت علينا صحف أخرى مثل «النهضة» و‬ ‫«مرشد األمة»‪ ..‬ولكن ما كان واضحا لي أن إرادة‬ ‫جديدة للحياة قد بدأت تعبّر عن نفسها‪ .‬أو لنقل كان‬ ‫هناك انشقاق قد بدأ يحدث بين جيلين وثقافتين‪ ،‬بيد‬ ‫أنه كان يصعب حتى ذلك الوقت‪ ،‬الكالم عن قطيعة‬ ‫معرفية‪ ،‬ألن وجود نخبة راديكالية كان ال يزال‬ ‫مبهما‪.‬‬ ‫ثم إن فكرة التخلي عن الماضي جذريا كانت فكرة‬ ‫غير مقبولة وليست جذابة أو ساحرة‪ ،‬ألن الجميع‬ ‫كان يفكر في إعادة إحياء ذلك الماضي المهان‬ ‫من قبل االستعمار‪ ..‬أضف إلى ذلك أن الجميع‬ ‫راح يؤسس ألفكاره على قاعدة التمسك بالهوية‬ ‫الوطنية‪ ..‬وحتى الشبان العائدون من جامعات‬ ‫فرنسا كانوا حذرين من االنزالق في خطأ التنكر‬ ‫للماضي‪ ،‬حتى انهم كثيرا ما ظهروا أقل جرأة‬ ‫من زمالئهم الزيتونيين الجدد‪ ..‬إن أفكار مثل‬ ‫تحرر المرأة وإنشاء نقابات مستقلة عن المركز‬ ‫االستعماري (المونوبول) والدعوة إلى تساوي‬ ‫اإلرث والتحريض على كتابة نص أدبي جديد‪،‬‬ ‫ومناقشة األفكار الشيوعية لدى جماعة تحت‬ ‫السور لم تأت مع الشباب العائد من فرنسا‪ ،‬وإنما‬ ‫ولدت بالقرب من جامع الزيتونة‪ .‬وعلى يدي‬ ‫شباب متخرج من الزيتونة‪ ،‬وتلك مفارقة تدعو إلى‬ ‫التريث قبل إطالق أي حكم على النخبة في تونس‪..‬‬ ‫وإن ما يغري فعال في تونس أنها كانت دائما‬ ‫متصالحة مع تاريخها حتى وإن جنحت‪ ..‬ونادرا‬ ‫ما تلجأ إلى التطرف أو السير على الحواف‪ ،‬لذلك‬ ‫ولهذا كله‪ ،‬فأنا مطمئن‪ ،‬رغم بعض المرارات‬ ‫والتوجسات أن تونس ستجد طريقها نحو الخالص‬ ‫من بعد أن عبرت كل هذه الصحراء‪.‬‬ ‫أعرف أن النخب تعيش تحت هيمنة الجماهير‪،‬‬ ‫والجماهير ليست دائما على حق‪ .‬فهي أحيانا‬ ‫الحر والتمييز‬ ‫فظة وفاقدة للقدرة على االختيار‬ ‫ّ‬ ‫العقالني واالحتكام للمعرفة‪ ..‬وإني أالحظ ذلك‬ ‫‪22‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫وسفاهاتي فهو مجنون وخطير»‪.‬‬

‫غياب العقل التاريخي‬ ‫في الحقيقة‪ ،‬وبعد حياة وممات‪ ..‬وبعد مكابدة‬ ‫ومعاناة‪ ..‬وبعد مفاضالت ومقارنات‪ ،‬ها إنني‬ ‫أعترف وأنا أزور حدائق ربيعكم‪ ،‬الذي ّ‬ ‫حل بالرغم‬ ‫من أنه ّ‬ ‫حل متأخرا‪ ،‬بأنه ال يمكن بناء أي مستقبل‬ ‫أفضل في حال غياب العقل التاريخي‪ ..‬ذلك العقل‬ ‫الذي ينصهر بداخله الفرد والجماعة‪ ،‬الزمن‬ ‫والمكان‪ ،‬الرمز والمعنى‪ ..‬ذلك‬

‫أبو القاسم الشابي‬

‫في وجوه العابسين والمتحسرين والمحبطين‬ ‫الذين ما زالوا يشكون في دواعي هذه الثورة‬ ‫وحتى في المتحمسين لها أو المدافعين عنها‪ ..‬وقد‬ ‫الحظت ذلك النزوع التشكيكي لدى التونسيين‬ ‫منذ أن خرجت بأول قصائدي‪ .‬لم يكن ثمة من‬ ‫إلي باعتزاز‪ ..‬كانت األغلبية منخرطة‬ ‫كان ينظر ّ‬ ‫في حياة عمياء وهي تهاجم كل ما هو مختلف‬ ‫وجليل وفردي ونوعي ونخبوي‪ ..‬ومن لم يكن‬ ‫يفكر كما يفكر الناس‪ ،‬يتعرض لإلقصاء‪ .‬وقد‬ ‫التقطت األنظمة الشعبوية والشمولية تلك الفكرة‪،‬‬ ‫فأصبحت تعبّر عنها بامتياز في ممارساتها‬ ‫للسلطة وإدارتها لشؤون الحكم‪« ..‬فمن ال يفكر‬ ‫مثلي فهو عدوّي»‪ .‬و»من ال ينتمي إلى حزبي‪،‬‬ ‫فهو خائن»‪ ..‬و»من ال يوافق على ترهاتي‬

‫�أعرف �أن النخب تعي�ش حتت هيمنة‬ ‫اجلماهري‪ ،‬واجلماهري لي�ست دائما على‬ ‫حق‪ .‬فهي �أحيانا فظة وفاقدة للقدرة‬ ‫على االختيار احل ّر والتمييز العقالين‬ ‫واالحتكام للمعرفة‪ ..‬و�إين �أالحظ ذلك يف‬ ‫وجوه العاب�سني واملتح�سرين واملحبطني‬ ‫الذين ما زالوا ي�شكون يف دواعي هذه‬ ‫الثورة وحتى يف املتحم�سني لها �أو‬ ‫املدافعني عنها‬

‫العقل المتآلف مع‬ ‫الدولة والثورة‪ ..‬إن‬ ‫كل ثورة نبيلة من حيث‬ ‫المبدأ‪ ،‬ولكن العبث بها‬ ‫أو خيانتها أو تحويلها‬ ‫إلى عملية هدم للدولة‪،‬‬ ‫هو ما يجعلها مبتذلة ومكروهة‪ ..‬إن‬ ‫الثورة وكما أفهمها منذ نعومة أظافري‬ ‫هي االستعداد الدائم لغسل الروح‬ ‫من اآلثام واألدران‪ ..‬التعبئة الدائمة‬ ‫بالثقافة والفكر واإلبداع‪ .‬وهي يمكن أن تكون‬ ‫عبورا إلى تنظيم بشري جديد ال نظير له‪ ،‬كما‬ ‫يمكن أن تكون كارثة على مصير بشري بكامله‪،‬‬ ‫إذا ما استولى عليها السماسرة ومتعهدو الوالئم‬ ‫السياسية والدهماء وذوو العاهات العقلية وأصحاب‬ ‫األرواح الصغيرة‪.‬‬ ‫إن نصيحتي أن ال تترك السلطة لدى الدغماء‬ ‫وال لدى الدهماء‪ .‬فآنذاك ستكون الثورة قليلة‬ ‫القدرة وسريعة الزوال‪ .‬وإني ألعول على السلطة‬ ‫الروحية‪ .‬إنكم تحتاجون إلى رقعة جديدة من‬ ‫األفكار لتجاوز العداوات الغريزية المدمرة وإلى‬ ‫رافعة ثقافية تمتثل إلى العقل وإلى قدرة فائقة على‬ ‫الغفران واالعتراف المتبادل‪ ،‬وإال فإنكم ذاهبون‬ ‫إلى بربرية جديدة في أضيق معانيها وأشدها كفرا‪.‬‬ ‫إن كل ثورة قد تتحول إلى فوضى أو بربرية‬ ‫أو فاشية بسبب إخفاق المبادئ التي قامت عليها‬ ‫وخيانة الذين صنعوها‪ ،‬حين يتحالفون مع الشر‬ ‫إلي على أنني حكيم أو شيخ‬ ‫والدناءة‪ .‬ال تنظروا ّ‬ ‫متصوف وعائد من دار الزهد والصفاء‪ ،‬ولكني‬ ‫أدعوكم بصدق إلى التفوق على الحياة بحب الحياة‪،‬‬ ‫وأن تكون بطولتكم الحقيقية هي التفوق على الذات‬


‫جاء من البحر ليرتفع فوق البحر!‬ ‫تماديت في المشي بتؤدة‪ ،‬وأنا أراقب‬ ‫الوجوه واأللوان والعصافير‪ .‬ثمة‬ ‫بنايات عالية جدا لم أتركها‪ ..‬وثمة‬ ‫عالمات ال تجعلني أخطأ في أنني‬ ‫عدت إلى تونس وليس إلى مكان‬ ‫آخر‪ .‬ها هو التراموي ال يزال يعبر‬ ‫الشارع‪.‬‬ ‫وها هو المسرح ال يزال شامخا‪..‬‬ ‫ثم ها هي إدارة الجندرمة‬ ‫الفرنسية ال تزال تحتل مكانها‬ ‫تحت مسمّى آخر‪ ..‬لم أتوقف‬ ‫عن المشي لساعتين قبل أن‬ ‫أختار زاوية في مقهى على‬ ‫الرصيف اليساري للشارع‪ ..‬حط‬ ‫علي اإلحباط فجأة وحزنت كثيرا‬ ‫ّ‬ ‫إذ لم أجد ال شارعا وال مقهى باسم‬ ‫الشابي‪ ..‬ال جدراية وال مسرحا‪ ،‬ال‬ ‫تمثاال وال الفتة باسم الشابي‪ ،‬الذي‬ ‫لطالما وضعته دولة االستقالل‬ ‫كوردة على صدرها لتتزين بها في‬ ‫زمن القمع واالضطهاد!‬

‫خيال العرب‬ ‫أذكر بعد تخرجي ببضعة أشهر من مدرسة‬ ‫الحقوق التابعة للزيتونة‪ .‬وبعد عام من محاضرتي‬ ‫حول «الخيال الشعري عند العرب» كيف‬ ‫غصت شوارع تونس بالرهبان الذين قدموا إليها‬ ‫ّ‬ ‫من كل صوب‪ ،‬فبدت وكأنها جزء من حاضرة‬ ‫الفاتيكان‪ .‬كانت المناسبة انعقاد ما عرف بالمؤتمر‬ ‫األفخاريستي‪ ،‬في عام ‪ 1930‬احتفاال بمرور قرن‬ ‫بكامله على احتالل الجزائر وجعلها ضفة ثالثة‬ ‫مر آنذاك نصف قرن على احتالل‬ ‫لفرنسا‪ .‬كان قد ّ‬ ‫تونس‪ .‬وإذ أمعن الفرنسيون في االحتفاالت تفاخرا‬ ‫أمام األلمان وشماتة في الطليان‪ ،‬فقد أكدوا أنهم‬ ‫مازالوا قادة الحملة الصليبية بال منازع‪ ،‬وجنودها‬ ‫األكثر اندفاعا وحماسة‪ ..‬امتألت البالد بغرباء‬ ‫يرتدون مالبس تشبه مالبس جنود الحملة الصليبية‬ ‫الثامنة‪ ،‬التي قادها الملك لويس التاسع (الق ّديس‬ ‫لويس) والتي ردت على أعقابها عند هضبة قرطاج‬ ‫في عام ‪ 1270‬حين ساعد وباء الطاعون األهالي‬ ‫على دحر الملك الغازي شخصيا‪ ،‬ودحر جيوشه‪.‬‬ ‫كان أولئك الرهبان والقساوسة مدفوعين بشعور‬ ‫مفاده أنهم يواصلون السير على طريق “ملكهم‬ ‫القديس”‪ ،‬ورافعين لألعالم البيضاء التي كتب عليها‬ ‫بكل وقاحة‪« :‬الحملة التاسعة»‪ ..‬وهم يقتحمون‬ ‫الحارات والشوارع بكل صخب وغطرسة‪.‬‬

‫قبل ذلك المؤتمر الذي أشرف عليه البابا شخصيا‬ ‫امعانا في احتقار بالد العرب واإلسالم‪ ..‬صادف‬ ‫أن رأيت البنائين وقد انهمكوا في بناء تمثال ضخم‬ ‫للكاردينال الفيجي‪ ،‬الذي عرف بأنه داعية تنصير‬ ‫شمال إفريقيا منذ إقامة الكنيسة الكبرى فوق هضبة‬ ‫قرطاج‪ ،‬الذي يفتح بابها باتجاه إفريقيا‪ ..‬ذلك‬ ‫التمثال الذي أقيم عند مدخل المدينة العتيقة وعلى‬ ‫مقربة من جامع الزيتونة العامر‪ ،‬لش ّد ما أثار‬ ‫غضبي حتى إنني كدت أطير من الفرح‪ ،‬وأنا أرى‬ ‫في مكانه تقريبا اليوم تمثال العالمة ابن خلدون‬ ‫ابن بني األحمر‪ .‬كان الكاردينال الفيجي يمسك‬ ‫بالصليب وهو يكاد يضعه على أرض تونس‪..‬‬ ‫وإذ رأيت في ذلك التمثال كما رأى آخرون من‬ ‫التونسيين النبالء تمزيقا وتدنيسا لمقدساتهم‪ ،‬فها‬ ‫أنني اآلن مرتاح البال‪ ،‬وأنا أرى في مكانه ابن‬ ‫خلدون وهو يمسك بكتاب التاريخ‪.‬‬ ‫كانت الصحافة أنذاك هي المنبر المتاح الوحيد‬ ‫لألصوات الغاضبة‪ .‬وكان الشعر هو المالذ الوحيد‬ ‫لمن أصيب في كرامته وعروبته ودينه مثلي‪.‬‬ ‫كنت أرى ومن بعيد أن «السياسيين» ملطخون‬ ‫بداء الخالفات وممعنون في لعبة المساومات‪ .‬أما‬ ‫الشعب فقد كان تقريبا يبحث عن نفسه تحت أقدام‬ ‫الغزاة والعابرين والراكضين إلى المجد‪.‬‬ ‫الحر الدستوري الذي‬ ‫وفي اعتقادي فإن الحزب ّ‬

‫جمع خيرة مفكري تونس‪ ،‬قد راح ينزلق إلى‬ ‫كواليس مسرحية الحماية‪ ..‬بدا كما لو أنه توقف على‬ ‫النمو‪ ،‬بل بات من ملكية بعض العائالت الكبيرة‬ ‫واألعيان‪ .‬أما الحزب الشيوعي فقد استكان للعبة‬ ‫المزدوجة والنقاشات البيزنطية فبات كناد للتعاون‬ ‫الدولي بين النخب المحلية ووكاالت االستعمار أو‬ ‫«كلفيف أجنبي»‪ .‬وال أظن أن النقابات كانت على‬ ‫أفضل حال‪ .‬فهي أيضا قد دخلت في مضاربات‬ ‫كبيرة أعقبها يأس كبير بسبب غياب قادة مثل محمد‬ ‫علي الحامي وإبعاد آخرين مثل الطاهر الحداد‪،‬‬ ‫أضف إلى ذلك أثقال وتبعات أزمة ‪ 29‬التي‬ ‫صاحبتها خالفات داخل العائلة المالكة‪ ،‬وجفاف‬ ‫قاس ضرب األشجار واألفكار على ح ّد سواء‪..‬‬ ‫في مثل تلك الظروف أعددت محاضرتي «الخيال‬ ‫الشعري عند العرب» وحين ألقيتها على مدارج‬ ‫جمعية قدماء الصادقية‪ ،‬بدا للبعض وكأني قد ألقيت‬ ‫قنبلة وسط تجمع من الراكدين والكسالى‪ .‬ففي تلك‬ ‫المحاضرة قمت بتوبيخ الشعر العربي لجموده‬ ‫وترنحه وسط البكائيات والغزليات الركيكة‪،‬‬ ‫وكذلك لفقدانه للسمو والخيال وتمسكه بالقوالب‬ ‫الجامدة والعبارات الجوفاء‪ ..‬طالبت بكتابة نص‬ ‫جديد ومتوتر يعبّر عن إيقاع العصر‪ .‬وقد أصدرت‬ ‫حكمي في العرب‪ ،‬ورأيت أن فقدانهم للخيال‬ ‫في أدبهم وشعرهم هو دليل على فقدانهم للخيال‬ ‫وعجزهم على انتاج العلم‪ .‬وإذ قال البعض أن‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪21‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫الشابي يمشي ملكا في شوارع تونس‪ :‬ثورتكم عظيمة لكنها مهددة!‬

‫�إذا الروح يوما �أزاحت الرتاب‬ ‫بقلم‪ :‬الصافي سعيد‬

‫بعد ثالثة �أرباع القرن‪ ،‬ها هو �شاعر تون�س الف ّذ �أبو القا�سم ال�شابي‬ ‫قد عاد مي�شي الهوينا يف �شوارع تون�س ما بعد الثورة‪ ..‬لقد عاد‬ ‫�صاحب �إرادة احلياة �إىل احلياة لي�سجل مالحظاته على دفرت التاريخ‬ ‫عن ثورة نبيلة‪ ،‬عظيمة‪ ،‬لكنها ظلت مهددة وم�ست�سلمة على‬ ‫مذبح الدغماء والدهماء!! هذا جزء مما دونه ال�شابي قبل عودته‬ ‫�إىل هجعته الأبدية‪.‬‬ ‫واآلن‪ ..‬وقد استجاب لك القدر‪ ،‬ال ب ّد أنك تنفست‬ ‫الصعداء يا شعبي الذي دعوتك منذ قرن إال نيفا‪،‬‬ ‫إلى صعود الجبال!‪ .‬أعرف أنني سجنتك داخل ذلك‬ ‫البيت من الشعر‪(..‬إذا الشعب يوما أراد الحياة)‪.‬‬ ‫واآلن ها أنت انطلقت للحياة مع الريح‪ ..‬فهنيئا لك‬ ‫بثورتك‪ ،‬وقد حققت إرادتك وهدمت هيكل الطاغية‬ ‫وصنعت طريقا لالنعتاق‪ ..‬لك وألشقائك العرب‬ ‫في كل مكان‪.‬‬

‫الطعن من الخلف‬ ‫حين كتبت ذلك‪ ،‬القصيد كنت مريضا وحزينا جدا‬ ‫ومتشائما من خمولك وكسلك ووهنك‪ ،‬لكن كنت‬ ‫على يقين بأنك ال بد أن تنتفض يوما ما ضد نفسك‬ ‫وضد طغاتك لكي تصنع الحياة‪ ..‬لقد قالوا عني‬ ‫زنديقا وكافرا وملحدا ومارقا‪ .‬طعنوني من الخلف‬ ‫كما طعنوا المصلح واألديب الطاهر حداد حين‬ ‫أخرج كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»‪ .‬وقد‬ ‫تساءلت بمرارة‪ :‬ما بال عقل هذا الشعب جامد‬ ‫وحسه بليد ونخبه مريضة ورجاالته متورطون مع‬ ‫ّ‬ ‫الدناءة وفقهاؤه مرضى ومتملقون؟!‪ .‬تصوروا‪،‬‬ ‫فالذي دعا الشعب إلى الحياة قالوا عنه «مجنون‬ ‫ومارق»‪ .‬أما الذي مدح السلطان وجعله في‬ ‫مصاف الجاللة فقد مدحوه ورفعوا من شأنه إلى‬ ‫أعالي السماوات‪ ..‬ال شك أنكم تعرفون ذلك‪ ،‬البيت‬ ‫الشهير من الشعر الذي نطق به شاعر القيروان‬ ‫(ابن هانئ) في مدحه للسلطان‪:‬‬ ‫‪20‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫ما شئت ال ما شاءت األقدار‬ ‫فاحكم فأنت الواحد القهار‬ ‫إني أعرف أن قصيدي «إرادة الحياة» قد أصبح‬ ‫ضمن البرامج المدرسية‪ ،‬ثم بات شعارا للحياة‬ ‫من المحيط إلى الخليج العربي‪ ،‬وقد ضمّنه بعض‬ ‫الحكام في األناشيد الرسمية‪ ،‬ولكن لو قدر لي‬ ‫العيش أيام الدولة العربية الحديثة‪ ،‬لكنت سجينا‬ ‫بسببه! إن الحاكم ال يتحمل وجود أي شاعر أو‬ ‫كاتب أو مثقف متمرد‪ ،‬إال إذا مات وأصبح تحت‬ ‫التراب‪ .‬فالذين يدعون إلى الحياة ويثيرون الخيال‬ ‫وينادون بالحرية ويعلنون ثقافة الوثبات العالية‪،‬‬ ‫إنما هم أعداء لكل حاكم متعطش للسلطة ومستغرق‬ ‫في استعباد الناس ومتفنن في تقطيع أوصالهم‪.‬‬

‫زيارة‪ ..‬بعد الموت‬ ‫إننا نعيش لنصنع معنى لحياتنا‪ .‬وقد نموت قبل أن‬ ‫نصنع أو دون أن نصنع ذلك المعنى‪ .‬ولكن الموت‬ ‫كثيرا ما يصنع لنا ذلك المعنى حين نكون قد عشنا‬ ‫بصدق وحلقنا مع أجنحة الخيال إلى الحرية‪ ..‬وإذ‬ ‫قررت اليوم أن أرى وألمس ذلك المعنى بيدي‪،‬‬ ‫فقد رأيت أن أقوم بزيارة للحاضرة تونس ما بعد‬ ‫الموت‪ ،‬ألقف على معنى الحياة التي عشتها في‬ ‫مفتح القرن العشرين‪.‬‬

‫كنت قد ودعت الحياة في عام ‪ .1934‬بعد خمس‬ ‫سنوات من وداع والدي لها‪ ..‬لم أعش طويال‪ ..‬لقد‬ ‫دكني المرض والوجع واإلحساس بالغربة فخطفني‬ ‫الموت وأنا في عمر الشباب‪ .‬كان عمري نحو ‪25‬‬ ‫سنة‪ ،‬ولكن عقلي كان ناضجا‪ ،‬وذهني كان متوقدا‪،‬‬ ‫وقلبي كان متوهجا ومتقطعا‪ ،‬وخطواتي كانت‬ ‫سريعة بحيث كنت كما لو أنني قررت الفوز في‬ ‫سباق الموتى للتخلص من أعباء حياة ال تستحق‬ ‫الحياة‪..‬‬ ‫ربما تعرف جيدا يا شعبي‪ ،‬أنني مت قبل والدة‬ ‫الحزب الحر الدستوري بنحو ‪ 9‬أشهر فقط‪ .‬وإذ‬ ‫قررت أن أقوم بزيارتك اآلن‪ ،‬وبعد نحو ‪ 78‬عاما‪،‬‬ ‫فألن الظروف لم تكن تسمح بذلك‪ .‬فقد شاء القدر‬ ‫أن أموت قبل انبعاث حزب الطغاة‪ ،‬وأعود بعد‬ ‫مماته ألتفقد تونس الحبيبة التي رفعتني عاليا مرة‬ ‫أخرى في جميع شوارع العرب كقائد عام إلرادة‬ ‫الحياة‪( !!.‬الشعب يريد‪)..‬‬

‫ها أنني أمشي الهوينا في الشارع العريض الذي‬ ‫بات يعرف بشارع بورقيبة مرفوع الهامة ملكا‬ ‫يحلق من فوقي الحمام‪ ..‬لقد مررت بالجامع العظيم‬ ‫فحزنت كثيرا إذ رأيت بابه قد تشقق وبهت لونه‪،‬‬ ‫وبدا كما لو أنه باب زريبة‪ ..‬الحمام الكثير الذي كان‬ ‫يسكن في أروقة المدخل هاجر إلى أماكن أخرى‪.‬‬ ‫تقدمت قليال عسى أن ألتقي بصديقي األديب محمد‬ ‫البشروش ألذهب معه إلى مقهى تحت السور‪ ،‬فإذا‬ ‫بي أقف مشدوها أمام تمثال ابن خلدون‪ ..‬رأيت في‬ ‫ذلك تقديرا عظيما لرجل عالمة قد شق اسمه عناء‬ ‫السماء وخرائط األرض‪ ..‬كان مكانه مالئما إلى ح ّد‬ ‫ما مع مكانته‪ .‬فقد غرس ما بين الكنيسة والسفارة‬ ‫الفرنسية‪ ،‬ولكن قامة التمثال لم تكن تليق بقامة ذلك‬ ‫المؤرخ العظيم‪ ..‬كنت كمن يبحث عن نفسه وسط‬ ‫ذلك الزحام المشحون باألحاسيس المتوهجة‪.‬‬ ‫تساءلت ما الذي جعل تونس «تتفرنج» بهذه‬ ‫السرعة وعلى هذه الدرجة‪ ،‬ثم تذكرت أن من‬ ‫الواجب أن أحتسب الفارق الزمني الذي يفصلني‬ ‫عن ذلك الشارع‪ .‬لقد تركته مليئا بأناس آخرين‪،‬‬ ‫وكان أكثرنا جرأة واعتزازا بنفسه يتحاشى المرور‬ ‫به أو حتى االقتراب منه‪ .‬كان شبه مفصول عن‬ ‫المدينة القديمة‪ ..‬بل كان بمثابة عالم آخر مستورد‬ ‫من الخارج بأناسه ومقاهيه ومحالته وكنيسته قد‬


‫العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫اأمري طاهري‪ :‬اأوهام حول البا�سدران‪ :‬حرا�س الثورة‪ ..‬والرثوة!‬ ‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫للح�سول على العدد‬ ‫ا�ســتـخـدم هـاتفــك‬ ‫الـــذكــي لـمــ�ســــــح‬ ‫هــــــذا الــــرقــــــــم‬ ‫‪01‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬

‫‪Issue 1579‬‬ ‫‪‬‬

‫‪The Majalla‬‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫طارق املبارك‪ :‬الدميقراطية عند الإ�سالميني‪� ..‬سناديق اقرتاع‬ ‫اأف�سني موليف‪ :‬دبي بعد التعايف‪ ..‬اإمارة ال�ستقرار والأعمال‬


‫شؤون سياسية‬

‫حوالي ‪ 55‬ألفا وهم منقسمون فيما يتعلق بالسياسات‬ ‫المحلية والخارجية على غرار باقي المجتمع‪.‬‬

‫منافع شخصية‬ ‫وقد فر بالفعل عدد من القادة السابقين في الحرس‬ ‫الثوري والذين ال يشاركون الجمهورية اإلسالمية‬ ‫أهدافها ضد الواليات المتحدة‪ .‬فيما اتجه المئات منهم‬ ‫إلى أنواع أقل من النفي فتحول معظمهم إلى العمل‬ ‫كرجال أعمال في اإلمارات وماليزيا وتركيا‪ .‬وجرى‬ ‫التخلص من عدد غير معروف ممن رفضوا قتل‬ ‫المتظاهرين المعارضين للنظام في المدن اإليرانية‪.‬‬ ‫ويمكن اعتبار العديد من القادة المرموقين في الحرس‬ ‫الثوري رجال أعمال أوال‪ ،‬ثم قادة عسكريين‪ .‬وعادة‪،‬‬ ‫يكون لديهم أخ أو ابن عم في أوروبا أو كندا ليعتني‬ ‫بأعمالهم ويوفر لهم نافذة مفتوحة في حالة انهيار‬ ‫النظام‪.‬‬ ‫وهناك عدد من القادة بالحرس الثوري‪ ،‬بمن فيهم‬ ‫بعض القيادات العليا‪ ،‬ال يفضلون النزاع مع الواليات‬ ‫المتحدة ألن ذلك يمكن أن يهدد إمبراطوريتهم المالية‬ ‫دون أن يوفر لهم فرصة االنتصار في المعركة‪.‬‬ ‫وبالفعل‪ ،‬ليس هناك ما يضمن‪ ،‬في حالة اندالع حرب‬ ‫كبرى‪ ،‬أن تظهر كافة قطاعات الحرس الثوري نفس‬ ‫الدرجة من االلتزام تجاه النظام‪ .‬فربما يكون قادة‬ ‫الحرس الثوري قد أُعدوا لقتل اإليرانيين العزل أو‬ ‫الستئجار راديكاليين لبنانيين وفلسطينيين وعراقيين‬ ‫لقتل غيرهم‪.‬‬ ‫ولكن ليس مؤكدا ما إذا كانوا مستعدين للموت من‬ ‫أجل مجد خامنئي‪ .‬في ‪ ،2008‬دفعت تلك المخاوف‬ ‫خامنئي إلنشاء لجنة للتخطيط الدفاعي يديرها مكتبه‪.‬‬ ‫كما أن صبغة أعضاء الحرس الثوري على إطالقهم‬ ‫باعتبارهم إرهابيين‪ ،‬بغرض مطاردة عناصره‪،‬‬ ‫يخيف الشعب اإليراني وغيره سواء في المنطقة أو‬ ‫خارجها‪ ،‬وهو ما سيؤتي نتائج عكس المرجوة‪.‬‬ ‫ففي الحقيقة قد يوحد ربما القوات المنقسمة والتي‬ ‫يمكن أن تنقسم إلى العديد من األجزاء إذا ما كان‬ ‫هناك حافز مالئم‪ .‬وال يجب أن يجعلنا شعار الحرس‬ ‫الثوري المعلق على العديد من فروع المشروعات‬ ‫واإلدارات اإليرانية نعتقد أن الحرس الثوري هو قوة‬ ‫موحدة يهيمن على الجمهورية اإلسالمية‪.‬‬ ‫بل إنه‪ ،‬منذ االنتفاضة في صيف ‪ ،2009‬لم يُختبر‬ ‫والء الحرس الثوري لنظام الخميني في الحياة‬ ‫الحقيقية‪ .‬فقد كان الباسيج‪ ،‬الذي يخضع لهيمنة‬ ‫خامنئي من خالل مستشاريه العسكريين‪ ،‬هم الذين‬ ‫قادوا قمع «الحركة الخضراء»‪ .‬فقد أنشئ الحرس‬ ‫الثوري‪ ،‬ألن الماللي ال يثقون ويتخوفون من القوات‬ ‫‪18‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫هناك عدد من القادة باحلر�س الثوري‬ ‫مبن فيهم بع�ض القيادات العليا‬ ‫ال يف�ضلون النزاع مع الواليات املتحدة‬ ‫لأن ذلك ميكن �أن يهدد �إمرباطوريتهم‬ ‫املالية دون �أن يوفر لهم فر�صة‬ ‫االنت�صار يف املعركة‬ ‫المسلحة النظامية‪ .‬وأنشئ الباسيج ألن الماللي لم‬ ‫يكونوا متأكدين من أنهم يستطيعون االعتماد على‬ ‫الحرس الثوري في الدفاع عن النظام‪.‬‬

‫بلد االنقالبات البيضاء‬ ‫ولكن ما مدى واقعية احتمال أن يقوم الحرس الثوري‬ ‫بانقالب؟ وفقا ألفضل المعلومات المتاحة حاليا‪ ،‬فإن‬ ‫هذا االحتمال مستبعد‪.‬‬ ‫ألن الحرس الثوري ليس قوة موحدة وال يمكنه‬ ‫وضع خطط أو تنفيذ مشروع سياسي كبير تحت قيادة‬ ‫مركزية‪ .‬واألكثر أهمية‪ ،‬أنه ال توجد سابقة لالنقالبات‬ ‫العسكرية في التاريخ اإليراني‪.‬‬ ‫صنف تغيير الحكومة في عام ‪ 1921‬إبان عهد‬ ‫فقد ُ‬ ‫أحمد شاه خطأ على أنه انقالب‪ .‬وهذا الحدث الذي‬ ‫تزعمه الصحافي سيد زيد الدين طباطبائي هو الذي‬ ‫ألهم الحقا بنيتو موسوليني في روما عام ‪.1922‬‬ ‫وباستخدام لواء القوزاق عند بوابات طهران كتهديد‪،‬‬ ‫أقنع سيد ضياء‪ ،‬أحمد شاه بتعيينه كرئيس للوزراء‬ ‫بكامل الصالحيات‪.‬‬ ‫ولكن التغيير الدرامي للحكومة لم يشتمل على أي‬ ‫عملية مسلحة كما أنه لم يسفر عن إراقة الدماء‪ .‬فهو‬ ‫لم يؤ ِد إلى تغيير النظام من قبيل خلع الملكية أو تغيير‬ ‫دستور البالد‪ .‬فما حدث عام ‪ 1921‬يمكن اعتباره‬ ‫في أفضل األحوال انقالبا لعب به لواء القوزاق‬ ‫دورا ثانويا‪ .‬وبالمثل‪ ،‬كان تغيير رئيس الوزراء عام‬ ‫‪ ،1953‬عندما فصل الشاه محمد مصدق وعين فضل‬ ‫اهلل زهدي في محله‪ ،‬فقد اعتبر األمر خطأ انقالبا‬ ‫عسكريا‪.‬‬ ‫وهنا أيضا لم يلعب الجيش دورا‪ ،‬فقد كان الصراع‬ ‫على السلطة يدور بين مؤيدي مصدق ومؤيدي الشاه‬ ‫وحسم في شوارع طهران حيث تقاتلت الجماهير‬ ‫ُ‬ ‫المتخاصمة‪ .‬وبخالف العديد من الدول النامية‪ ،‬لم‬ ‫يحكم الجيش إيران أبدا‪ ،‬على الرغم من أن القوات‬ ‫المسلحة كانت تلعب دائما دورا محوريا في حكومة‬ ‫البالد‪ .‬وعلى الرغم من أن األساطير تحيط بقوات‬

‫الحرس الثوري‪ ،‬فإن إمكانية حدوث استيالء عسكري‬ ‫على السلطة في إيران هو احتمال مستبعد‪ .‬فما زالت‬ ‫القوات المسلحة النظامية تحافظ على التقاليد العريقة‬ ‫من عدم التدخل في السياسة‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬فإن الحرس الثوري يتدخل في‬ ‫السياسة ولكنه ال يفعل ذلك باعتباره كتلة واحدة‪.‬‬ ‫ويعبر العديد من القادة عن آراء متعارضة حتى‬ ‫فيما يتعلق بالقضايا الحساسة كاحتمال قيام حرب‬ ‫مع الواليات المتحدة‪ .‬ومن األمثلة المهمة على ذلك‬ ‫التنوع في اآلراء ما حدث في صيف ‪ .2012‬فبينما‬ ‫حذر القائد العام للحرس الثوري‪ ،‬محمد علي عزيز‬ ‫جعفري في سلسلة من الخطب العامة والحوارات‪ ،‬من‬ ‫«حرب وشيكة» مع الواليات المتحدة‪ ،‬انتقد رئيس‬ ‫أركان القوات المسلحة ‪-‬وتعد المسؤولة نظريا عن‬ ‫قوات الحرس الثوري‪ -‬الجنرال حسن فيروزآبادي‬ ‫على النقيض «من ينشرون شائعات حول الحرب»‬ ‫ودعا «إلى الكف عن التصريحات التي يمكنها إثارة‬ ‫المخاوف في البالد»‪.‬‬ ‫وفيما يتعلق بكافة القضايا السياسية الكبرى‪ ،‬تنعكس‬ ‫االنقسامات العميقة في المجتمع اإليراني على‬ ‫الحرس الثوري‪ .‬ففيما تعد إيران لالنتخابات الرئاسية‬ ‫القادمة في يونيو (حزيران) ‪ ،2013‬انقسم الحرس‬ ‫الثوري بالفعل بين المؤيدين للمرشحين المختلفين؛‬ ‫فهناك عدد من المرشحين المحتملين هم أعضاء‬ ‫سابقون في الحرس الثوري‪ .‬ولكن ذلك ال يعني أنهم‬ ‫يعكسون رؤى ومصالح الحرس الثوري‪ .‬إذ يدعي‬ ‫منتقدو النظام بمن فيهم رئيس الوزراء السابق مير‬ ‫حسين موسوي أن الحرس الثوري تحول إلى حزب‬ ‫سياسي «يعتمد على الثكنات»‪.‬‬ ‫وذلك ليس صحيحا سوى بشكل جزئي‪ .‬ففي‬ ‫االنتخابات الرئاسية التي أجريت عام ‪ ،2005‬أيد‬ ‫الحرس الثوري ثالثة مرشحين مختلفين‪ ،‬من بينهم‬ ‫محمود أحمدي نجاد‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ،2009‬أيدت معظم فصائل الحرس‬ ‫الثوري أحمدي نجاد ألنهم كانوا يرغبون في‬ ‫منع فوز موسوي‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬لم ينبع ذلك الموقف‬ ‫من إمالءات القيادات العليا في الحرس الثوري‬ ‫ولكنه جاء بناء على قرار خامنئي الذي اعتبر‬ ‫أن االنتصار المحتمل لموسوي هو تهديد لسلطته‬ ‫الخاصة‪.‬‬ ‫فقد ثارت ثالث أساطير حول الحرس الثوري‬ ‫وهي أنه قوة موحدة‪ ،‬وأنه الحكومة الفاعلة إليران‬ ‫وأنه من المحتمل أن يقوم بانقالب عسكري في‬ ‫المستقبل‪ .‬ولكن لفهم الحرس الثوري والدور الذي‬ ‫يلعبه والذي يمكن أن يلعبه في المستقبل علينا أن‬ ‫نذهب أبعد من أسطورة القوة الثالثية <‬


‫تخضع فعليا إلى المرشد األعلى‪ .‬باإلضافة إلى‬ ‫أن الحرس الثوري يهيمن على هيئتين أمنيتين؛‬ ‫إحداهما تتعامل مع الشؤون الداخلية‪ ،‬فيما تعالج‬ ‫الثانية االستخبارات األجنبية‪.‬‬

‫قوة وازنة أم حاكمة؟‬ ‫فهل يمكن اعتبار الحرس الثوري بحضوره‬ ‫الطاغي في كافة قطاعات اإلدارة اإليرانية‬ ‫ومشروعاتها القوة الحاكمة فعليا في الجمهورية‬ ‫اإلسالمية؟ وما مدى واقعية سيناريوهات التغيير‬ ‫بناء على االفتراض بأن الحرس الثوري ربما يقوم‬ ‫في يوم من األيام بانقالب ويهيمن على نحو مباشر‬ ‫على السلطة في إيران؟‬ ‫ربما يكون الحضور الطاغي للحرس الثوري‬ ‫مضلال‪ .‬فنحن نتعامل مع مجرد فرع وليس منظمة‬ ‫لها إدارة مركزية يمكن تحريك كل أجزائها لتحقيق‬ ‫غرض واحد في وقت محدد‪ .‬فحتى عدة أعوام‬ ‫ماضية‪ ،‬كان الحرس الثوري يدار كوزارة تحت‬ ‫إشراف رئيس الوزراء‪ .‬ومع إلغاء الوزارة‪ ،‬نُ ِقل‬ ‫معظم شؤونه إلى وزارة الدفاع والتي تمثل القوات‬ ‫المسلحة النظامية‪.‬‬ ‫وال حاجة للقول بأن القوات المسلحة النظامية لديها‬ ‫ثقافة عسكرية وسياسية مختلفة تماما عن الحرس‬ ‫الثوري وتنظر ألعضائه باعتبارهم محدثين إن لم‬ ‫يكونوا دخالء‪ .‬وقد أخفقت المساعي لدمج الحرس‬ ‫الثوري مع القوات المسلحة النظامية‪ ،‬مما أدى إلى‬ ‫وضع غريب أصبح فيه لدى إيران جيشان وهو ما‬ ‫يعكس حالة ُ‬ ‫الفصام التي تهيمن عليها بين كونها‬ ‫دولة وكونها ثورة‪ .‬والفارق هو أن القوات المسلحة‬ ‫النظامية‪ ،‬بما في ذلك القوات الجوية والبحرية‬ ‫تتمركز حول إدارة مركزية وتدير منظمة لها‬ ‫مهمة واضحة في الدفاع عن البالد ضد العدوان‬ ‫األجنبي‪.‬‬ ‫وال يتمتع الحرس الثوري بمثل ذلك الوضوح‬ ‫في المهمة‪ ،‬فمن المفترض أن يعمل كقوة أمن‬ ‫داخلية‪ ،‬وكمنظمة استخباراتية‪ ،‬وكشركة تجارية‬ ‫وكقاطرة للعمليات اإلرهابية بالخارج‪ .‬وينعكس‬ ‫ذلك االرتباك في المهمة في بنيته المعيبة‪ .‬إذ ينقسم‬ ‫الحرس الثوري إلى خمس إدارات لكل منها خط‬ ‫اتصال مباشر مع آية اهلل خامنئي‪.‬‬ ‫وهو ما يمنع خلق عقيدة قومية من دونها ال تستطيع‬ ‫أي قوات مسلحة أن تطور ثقافة مشتركة ومن ثم‬ ‫تحصل على القدرة على التأثير في سياسة األمة‪.‬‬ ‫ولتقليل خطر قيامها بانقالب‪ ،‬ال يسمح لكبار‬ ‫ضباط الحرس الثوري بالتواصل «المستمر» مع‬ ‫بعضهم البعض بشأن «الموضوعات الحساسة»‪.‬‬ ‫ومن بين هؤالء القادة الخمسة‪ ،‬هناك اثنان َع َّدتهم‬

‫فيلق القد�س‪ ..‬املهمة ت�صدير الثورة!‬ ‫«فيلق القدس»‪ ،‬يقوده الجنرال قاسم سليماني‪ ،‬هو الفرع‬ ‫الخارجي لقوات الحرس الثوري اإليراني‪ ،‬وأقوى‬ ‫أجنحة هذا الجهاز شبه العسكري واألقوى نفوذا في‬ ‫إيران‪ ،‬ونظرا لطبيعة التنظيم المخابراتي له فليس هناك‬ ‫تاريخ علني إلنشائه‪ ،‬مما جعل كثيرا من الروايات‬ ‫تنسج حول ذلك‪ ،‬منها ما يقول إنه تم تشكيله أواخر عهد‬ ‫الخميني بهدف مطاردة الشخصيات والقوى المعارضة‬ ‫داخل البالد وخارجها‪ ،‬وروايات أخرى تقول إنه قد‬ ‫تشكل إبان الحرب العراقية ‪ -‬اإليرانية (‪–1980‬‬ ‫‪ ،)1988‬وإن نشاطاته قد تطورت تدريجيا‪ ،‬وتغيرت‬ ‫وظائفه وحدود مسؤولياته خالل السنوات األخيرة‬ ‫خاصة بعد الغزو األميركي ألفغانستان والعراق‪ ،‬بحيث‬ ‫أصبح اليوم مسؤوال عن شؤون العراق وأفغانستان‬ ‫والبلدان العربية واإلسالمية في ما يتعلق بالحرب غير‬ ‫قاسم سليماني‬ ‫المباشرة مع الواليات المتحدة‪.‬‬ ‫ويشير محللون غربيون إلى تورط «فيلق القدس» في عدد كبير من العمليات السرية حول العالم‬ ‫مثل تفجيرات المركز الثقافي اليهودي في بيونس آيريس عام ‪ ،1994‬ومساعدة الجماعات المسلحة‬ ‫الشيعية في العراق‪ ،‬وفي تسليح حركة طالبان في أفغانستان‪.‬‬ ‫كما ينظر للفيلق على أنه يأتي على قمة الشبكة العسكرية والصناعية للحرس اإليراني الثوري‪،‬‬ ‫الذي يدافع عن رجال الدين الشيعة الذين يحكمون إيران ويسيطرون على السلطة‪.‬‬ ‫وتشير تقارير إلى أن «فيلق القدس» يضم حاليا ‪ 12‬ألف عنصر‪ ،‬ويدير عددا من مراكز التدريب‬ ‫داخل وخارج إيران خاصة في أفغانستان‪ ،‬ولبنان‪ ،‬والسودان‪ ،‬والعراق‪ .‬وفي أغسطس (آب) من‬ ‫العام الماضي‪ ،‬افتتح «فيلق القدس» مركزا في سوريا‪ ،‬بقيادة الجنرال محمد رضا زاهيدي‪ ،‬الذي‬ ‫أوكل إليه مهمة تدريب القوات السورية في محاولة للسيطرة على الحشود وترهيب المعارضين‬ ‫للرئيس بشار األسد‪.‬‬ ‫ومهمة الفيلق المعلنة هي «تصدير الثورة» للعالم‪ ،‬أما شعاره فهو «في طريقنا إلى القدس عبر‬ ‫بغداد»‪ ،‬والفكرة األساسية أن القدس سوف تحرر وإسرائيل سوف تمحى من الخريطة‪ ،‬فالهدف إذن‬ ‫هو أن تنتشر الثورة الخمينية خارج منطقة الشرق األوسط‪ ،‬أي في العالم بأسره‪ ،‬مع الهدف األسمى‬ ‫بالنسبة إلى هذه الفرقة وهو تدمير الواليات المتحدة وإزالتها من الوجود‪.‬‬ ‫وزارة الخارجية األميركية إرهابيين‪ ،‬وهو ما‬ ‫ترفضه بالطبع الجمهورية اإلسالمية‪ .‬اإلدارة‬ ‫األولى من إدارات الحرس الثوري هي المسؤولة‬ ‫عن فيلق القدس الذي كان يشن حربا مباشرة ضد‬ ‫الواليات المتحدة وقوات التحالف في العراق حتى‬ ‫عام ‪ 2011‬وفي أفغانستان‪ .‬وبعيدا عن حزب اهلل‬ ‫وحماس‪ ،‬فإنها تدير أيضا عددا من الجماعات‬ ‫الراديكالية في جميع أنحاء العالم‪.‬‬ ‫وتعمل اإلدارة الثانية على توفير القمع الداخلي‪،‬‬ ‫فهي تعمل عبر عدد من القوات الثانوية بما في‬ ‫ذلك كتائب كربالء سيئة السمعة‪ ،‬وعاشوراء‪،‬‬

‫والزهراء‪ ،‬والمتهمة بقمع الثورات الشعبية‪ .‬وينظر‬ ‫إليها العديد من اإليرانيين باعتبارها آالت إرهابية‪.‬‬ ‫وباعتباره موازيا للجيش النظامي‪ ،‬للحرس‬ ‫الثوري قواه البرية‪ ،‬والبحرية‪ ،‬والجوية‪ .‬كما أنه‬ ‫يهيمن على ما يعرف باسم «الباسيج»‪ ،‬وهي قوات‬ ‫متطرفة شبه تطوعية تتكون من ‪ 90‬ألف مقاتل‪-‬‬ ‫يمكن تطويرها لتشمل ‪ 11‬مليونا وفقا لقائدها اللواء‬ ‫محمد حجازي‪ .‬ويتكون قوام قوات الحرس الثوري‬ ‫نفسها من ‪ 125‬ألف رجل‪.‬‬ ‫ويتراوح عدد ضباطه بما في ذلك المتقاعدين‪،‬‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪17‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫احلر�س الثوري الإيراين‬ ‫* اإلسم‪« :‬سپاه پاسداران انقالب اسالمی» «جيش‬ ‫حرس الثورة اإلسالمية»‪.‬‬ ‫* أسس بمرسوم أصدره آية اهلل الخميني في الخامس‬ ‫من مايو‪/‬أيار ‪ 1979‬إبان عهد حكومة مهدی بازرگان‬ ‫االنتقالية لمساعدة النظام الجديد على بسط السيطرة على‬ ‫النظام‪.‬‬ ‫* يعد قسما من المؤسسة العسكرية موازيا للجيش‬ ‫ومكمال له (الفصل الـ‪ 150‬من الدستور اإليراني)‪.‬‬ ‫* هدفه‪ :‬حماية النظام اإليراني والحفاظ على األمن‬ ‫الداخلي‪.‬‬

‫محمد علي جعفري‬

‫* من مهامه‪ :‬مكافحة التهريب ومراقبة مضيق هرمز جنوبي الخليج وعمليات المقاومة كما من‬ ‫مهامه اإلشراف على عمليات صد كل هجوم على منشآت إيران النووية من مياه الخليج‪.‬‬ ‫* قوامه ‪ 125‬الف جندي ‪ 100‬ألف من المشاة و‪ 20‬ألفا من البحرية وسالح الطيران و‪ 5‬آالف‬ ‫من مشاة البحرية إضافة إلى السالح الصاروخي يشرف الحرس على ميليشيا “الباسدج” (“قوات‬ ‫المقاومة والتعبئة” وتضم حوالي ‪ 300‬ألف متطوع ‪ 90‬ألفا منهم في الخدمة والباقي احتياط)‪،‬‬ ‫«فيلق القدس» (وتتراوح التقديرات بعدد أفرادها ما بين ألفي عنصر وحوالي ‪ 50‬ألفا – ‪ 12‬ألفا‬ ‫حسب أدق التقديرات) وتقتصر مهامها على تنفيذ عمليات خارج إيران‪ ،‬وفيلق أنصار المهدي وهو‬ ‫مكلف بحماية كبار قادة إيران (باستثناء المرشد األعلى) وأعضاء البرلمان‪.‬‬ ‫* رئيس األركان‪ :‬محمد علي جعفري (عين خلفا ليحيى رحيم صفوي الذي أقيل سنة ‪.)2007‬‬ ‫* في سنة ‪ 2008‬تقرر إدخال تعديالت على الحرس حتى يصير مكونا من ‪ 31‬فيلقا (فيلق لكل‬ ‫محافظة من محافظات إيران الـ‪ 30‬باستثناء محافظة طهران التي سيخصص لها فيلقان)‪ ،‬وأن‬ ‫يصبح لسالح الصواريخ قيادة منفصلة‪.‬‬ ‫* يعتقد أن “تحالف بناة إيران اإلسالمية” (“ائتالف آبادگران ایران اسالمی” وهو تجمع يضم حركات‬ ‫ومجموعات سياسية محافظة) هو الواجهة السياسية للحرس الثوري‪ ،‬كما يُعتقد أن هذه المؤسسة‬ ‫العسكرية هي ثالث أغنى مؤسسة في إيران بعد شركة البترول الوطنية اإليرانية وووقف اإلمام رضا‪.‬‬ ‫لبناء ست مصافي بترول جديدة لسد العجز الذي‬ ‫خلفه الحظر المفروض من قبل القوى الغربية‬ ‫على صادرات منتجات البترول المكررة إلى‬ ‫إيران‪ .‬وللحرس الثوري أساليبه الخاصة الستيراد‬ ‫البضائع من كافة أنحاء العالم كما أنه يدير منشآت‬ ‫الموانئ في الخليج‪ ،‬وبحر قزوين وبحر عمان‬ ‫دون الخضوع لإلجراءات الجمركية العادية‪ .‬وفي‬ ‫المناطق الحرة الموجودة في عدد من جزر الخليج‪،‬‬ ‫يعمل الحرس الثوري دون أي رقابة من الحكومة‬ ‫اإليرانية‪ .‬ووفقا للتقديرات التي ذكرتها صحيفة‬ ‫طهران اليومية «شرق» فإن نحو ‪ 600‬ألف نسمة‬ ‫من جميع أنحاء البالد يعملون في مشروعات‬ ‫‪16‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫يمتلكها الحرس الثوري أو يسيطر عليها وهو ما‬ ‫يجعل الحرس الثوري ثاني أكبر صاحب عمل في‬ ‫البالد بعد الحكومة نفسها‪.‬‬

‫تصدير الثورة وتحقيق الثروة‬ ‫كما يهيمن الحرس الثوري أيضا على المشروعات‬ ‫المربحة لـ«تصدير الثورة» والتي يقدر أنها تعادل‬ ‫‪ 1.2‬مليار دوالر سنويا‪ .‬وهو يمول حركة حزب‬ ‫اهلل في ‪ 20‬دولة على األقل‪ ،‬بما في ذلك أوروبا‪،‬‬ ‫كما أنه يوفر المال والسالح والتدريب للجماعات‬ ‫الراديكالية ذات الخلفية اليسارية والتي من بينها‬

‫«القوات المسلحة الثورية الكولومبية» و«الدرب‬ ‫المضيء» في بيرو‪ .‬كما يلعب الحرس الثوري‬ ‫أيضا دورا مركزيا في عالقات إيران مع عدد‬ ‫من األنظمة ذات االتجاه اليساري كتلك التي في‬ ‫فنزويال واألكوادور ونيكاراغوا وبوليفيا وكوبا‬ ‫وكوريا الشمالية‪.‬‬ ‫وفي السنوات األخيرة‪ ،‬ظهر الحرس الثوري‬ ‫كداعم رئيسي للجناح المسلح من الحركة‬ ‫الفلسطينية بما في ذلك حماس‪ ،‬والجهاد اإلسالمي‬ ‫لتحرير فلسطين‪ .‬كما يهيمن الحرس الثوري أيضا‬ ‫على عدد من الجماعات المسلحة سواء من السنة‬ ‫أو الشيعة في العراق‪ ،‬وأفغانستان‪ ،‬وباكستان‪ .‬وفي‬ ‫نزاع غزة الذي نشب في نوفمبر (تشرين الثاني)‬ ‫‪ ،2012‬أُطلقت صواريخ فجر ‪ 5‬التي صنعها‬ ‫الحرس الثوري وقدمها للجهاد اإلسالمي وحماس‬ ‫والتي استهدفت موقع في تل أبيب والقدس‪.‬‬ ‫ويعد «فيلق القدس» القاطرة التي يصدر الحرس‬ ‫الثوري بها الثورة‪ ،‬وهو وحدة تتكون من ‪15‬‬ ‫ألف رجل وامرأة ُدربوا بعناية وهم متخصصون‬ ‫في «العمليات االستشهادية»‪ .‬وقد استثمرت‬ ‫الجمهورية اإلسالمية ‪ 20‬مليار دوالر في لبنان‬ ‫منذ ‪ .1983‬وفي معظم الحاالت‪ ،‬يهيمن الفرع‬ ‫اللبناني من حزب اهلل على الشركات المعنية‪.‬‬ ‫وبنظرة فاحصة‪ ،‬نجد أن هذه الشركات اللبنانية‬ ‫هي جبهات للمصالح اإليرانية التي يهيمن عليها‬ ‫الحرس الثوري في معظم الحاالت‪.‬‬ ‫كما وفرت الثورة السورية وما تبعها من حرب‬ ‫مدنية بدأت في ‪ 2011‬للحرس الثوري‪ ،‬بفيلق‬ ‫القدس‪ ،‬دورا مركزيا يؤديه في أزمة خارجية‬ ‫كبرى‪ .‬فوفقا لمصادر في طهران‪ ،‬كان قائد فيلق‬ ‫القدس‪ ،‬الجنرال قاسم سليماني دائم التردد على‬ ‫دمشق لتقديم اإلرشاد والعون لحكومة سوريا‬ ‫المأزومة‪ .‬وفي ‪ 18‬نوفمبر ‪ ،2012‬ذكرت صحيفة‬ ‫«كيهان» في طهران أن آالف «المقاتلين العلويين‬ ‫المخلصين» كانوا يُدريبون على يد الحرس الثوري‬ ‫بمشاركة فرعه اللبناني‪ ،‬حزب اهلل‪ .‬وقبل بداية‬ ‫األزمة‪ ،‬كانت هناك تقارير أشارت إلى أن الحرس‬ ‫الثوري سوف ينشئ مكتبا «للتنسيق الدفاعي» في‬ ‫دمشق بالتعاون مع ‪ 300‬فرد من الجيش‪.‬‬ ‫ويحتل الحرس الثوري مكانة مرموقة في اإلدارة‬ ‫اإليرانية‪ .‬إذ يوجد ممثلون للحرس الثوري في كافة‬ ‫المؤسسات الحكومية تقريبا ودائما ما يستعرض‬ ‫قوته بما يفوق الحدود النظرية التي يحددها القانون‪.‬‬ ‫كما يلعب دورا محوريا في شبكة الجمهورية‬ ‫اإلسالمية الواسعة من االستخبارات والهيئات‬ ‫األمنية‪ .‬ويحتل األعضاء السابقون بالحرس‬ ‫الثوري مراكز مرموقة في وزارة االستخبارات‬ ‫واألمن التي تخضع نظريا لسلطة الرئيس ولكنها‬


‫ومع ذلك‪ ،‬هناك كثير من األمور التي أسيء فهمها‬ ‫فيما يتعلق بالباسداران‪ .‬فالحرس الثوري وحش‬ ‫فريد‪ ،‬وجيش ال يخضع إال إلى «المرشد األعلى»‬ ‫للجمهورية اإلسالمية‪ ،‬آية اهلل علي خامنئي‪.‬‬

‫دوالر‪ -‬انتهى بها الحال في أيدي الحرس الثوري‬ ‫اإليراني وقياداته‪.‬‬

‫واسطة العقد‬

‫كما أنه يمتلك مؤسسة مالية تتحكم فيما يزيد على‬ ‫‪ 500‬شركة فاعلة في نطاق واسع من الصناعات‬ ‫– من القوة النووية إلى الصيرفة‪ ،‬ومن التأمين‬ ‫على الحياة إلى المنتجعات ومراكز التسوق‪.‬‬ ‫ووفقا لكافة التقديرات‪ ،‬فإن الحرس الثوري هو‬ ‫ثالث أكبر مؤسسة إيرانية – بعد الشركة اإليرانية‬ ‫الوطنية للنفط‪ ،‬وأوقاف اإلمام رضا في مدينة‬ ‫مشهد المقدسة‪ ،‬شمال شرقي طهران‪.‬‬

‫ويعد البرنامج النووي اإليراني هو جوهرة التاج‬ ‫في اإلمبراطورية المالية للحرس الثوري وهو‬ ‫البرنامج الذي كلف البالد ما يزيد على ‪ 10‬مليارات‬ ‫دوالر حتى اآلن‪ .‬ونظريا‪ ،‬يفترض أن البرنامج‬ ‫النووي مصمم ألغراض سلمية بما في ذلك إنتاج‬ ‫الكهرباء‪ ،‬ويخضع للمنظمة اإليرانية للطاقة‬ ‫النووية والتي يعين رئيس الجمهورية رئيسها‪.‬‬ ‫ولكن في الواقع‪ ،‬ومن المنظور االستراتيجي‬ ‫لإلنتاج واإلدارة‪ ،‬يشرف الحرس الثوري على‬ ‫البرنامج تحت سلطة «المرشد األعلى»‪.‬‬

‫ويجب أن يأخذ التحليل العميق للحرس الثوري في‬ ‫اعتباره عددا من الحقائق‪ .‬أوال‪ :‬الحرس الثوري‬ ‫ليس جيشا ثوريا بالمعنى الذي كان عليه جيش‬ ‫التحرير الوطني الجزائري أو جيش جبهة التحرير‬ ‫الوطنية في فييتنام (فيتكونغ)‪ .‬فقد ولد هذان‬ ‫الجيشان خالل الحروب الثورية ثم أصبحا العبين‬ ‫رئيسيين بها‪ .‬ويستطيع كالهما االدعاء بأنهما حققا‬ ‫انتصارات في المعركة ومن ثم حصال على موقع‬ ‫مهيمن في األنظمة الثورية الناشئة‪.‬‬

‫ويمثل البرنامج النووي مجرد جزء من برنامج‬ ‫أكبر لشراء األسلحة وتصنيعها والذي يمثل في‬ ‫مجمله نحو ‪ 11‬في المائة من الموازنة الوطنية‬ ‫السنوية‪ .‬وكانت إيران قد بدأت صناعة السالح في‬ ‫الستينات‪ ،‬وعند اندالع الثورة‪ ،‬كانت تصنع عددا‬ ‫من األسلحة بما في ذلك دبابة بريطانية وصاروخ‬ ‫فرنسي قصير المدى‪ .‬ومنذ ذلك الوقت‪ ،‬وعلى‬ ‫الرغم من العقوبات المفروضة من قبل القوى‬ ‫الغربية‪ ،‬نجح الحرس الثوري في توسيع صناعة‬ ‫السالح التي تنتج اآلن نطاقا واسعا من األسلحة بما‬ ‫في ذلك زوارق الهجوم الصغيرة‪ ،‬والطائرات دون‬ ‫طيار‪ ،‬والغواصات الصغيرة المستخدمة في غرس‬ ‫األلغام في المياه العميقة‪ .‬وفي عام ‪ ،2010‬كانت‬ ‫إيران تصدر عددا من األسلحة إلى ‪ 22‬دولة في‬ ‫جميع أنحاء العالم‪.‬‬

‫معنى الثورة‬

‫أما الحرس الثوري فقد نشأ بعد أن نجحت الثورة‬ ‫الخمينية‪ .‬ولهذه الحقيقة أهمية بالغة‪ .‬فقد حصلت‬ ‫الثورة الخمينية على السلطة بعد صراع قصير‬ ‫استغرق أربعة أشهر فقط لعبت خاللها المظاهرات‬ ‫في الشوارع دورا حيويا وليس الصراع المسلح‪.‬‬ ‫وفي الحاالت القليلة التي تدخلت فيها الجماعات‬ ‫المسلحة لصالح الثورة‪ ،‬كانت المبادرة للمنظمات‬ ‫اليسارية التي اختلفت مع الخميني في المراحل‬ ‫األولية من حكمه‪.‬‬ ‫ويأتي من انضموا إلى الحرس الثوري من‬ ‫مختلف أنواع الخلفيات‪ ،‬إذ إن معظم الذين التحقوا‬ ‫بالحرس الثوري التحقوا به سعيا وراء المصالح‪.‬‬ ‫فباالنضمام للحرس الثوري‪ ،‬ال يحصلون فقط‬ ‫على الصفة الثورية‪ ،‬شكليا‪ ،‬ولكنهم يضمنون‬ ‫أيضا تلقي رواتب جيدة‪ ،‬في وقت أصبح فيه‬ ‫الحصول على فرصة عمل أمرا صعبا في ظل‬ ‫االنهيار االقتصادي الذي شهدته البالد‪ .‬ومن ثم‪،‬‬ ‫انضم عدد كبير من أفراد الجيش النظامي التابع‬ ‫للشاه إلى قوات الحرس الثوري إلى جانب عدد‬ ‫من الماركسيين السابقين أو عصابات الماركسية‬ ‫اإلسالمية‪.‬‬ ‫وقد مكن االنضمام للحرس الثوري الكثير‬ ‫ممن كانوا ينتمون إلى ا‪-‬لنظام القديم من إعادة‬

‫كتابة سيرتهم الذاتية والحصول على «البراءة‬ ‫الثورية»‪ .‬كما كانت عضوية الحرس الثوري‬ ‫تمكن أعضاءه من الوصول إلى البضائع النادرة‬ ‫والخدمات‪ ،‬بداية من التلفزيونات الملونة إلى‬ ‫المساكن رفيعة المستوى‪ .‬ومع مرور السنين‪،‬‬ ‫أثبتت عضوية الحرس الثوري أنها مسار مختصر‬ ‫للنجاح االجتماعي والسياسي واالقتصادي‪ .‬ففي‬ ‫الوقت الراهن‪ ،‬نصف وزراء الرئيس محمود‬ ‫أحمدي نجاد هم من األعضاء السابقين في الحرس‬ ‫الثوري‪ ،‬حتى إن الرئيس نفسه كان عضوا بالفرقة‬ ‫الهندسية بالحرس الثوري في الثمانينات‪ .‬كما يحتل‬ ‫األعضاء السابقون بالحرس الثوري ثلث المقاعد‬ ‫في المجلس االستشاري اإلسالمي‪ ،‬المجلس‬ ‫الوهمي الذي أسسه الخميني في ‪ .1979‬وهناك‬ ‫‪ 20‬من محافظي المحافظات اإليرانية االثنتين‬ ‫والثالثين من الحرس الثوري‪.‬‬ ‫كما بدأ أعضاء الحرس الثوري أيضا يحتلون‬ ‫مناصب رئيسية في السلك الدبلوماسي‪ ،‬حتى إن‬ ‫سفراء الجمهورية اإلسالمية يحتلون العديد من‬ ‫المواقع ذات األهمية مثل األمم المتحدة بنيويورك‬ ‫والسفارات في أكثر من عشر عواصم غربية هم‬ ‫من األعضاء السابقين بالحرس الثوري‪.‬‬ ‫كما يُعد الحرس الثوري قوة اقتصادية هائلة‪ ،‬حتى‬ ‫إنه يثقل على السياسة اإليرانية‪ .‬ففي عام ‪،2004‬‬ ‫أشارت تقديرات دراسة أجرتها جامعة طهران إلى‬ ‫أن العائدات السنوية لمشروعات الحرس الثوري‬ ‫تقدر بنحو ‪ 12‬مليار دوالر بإجمالي أرباح صاف‬ ‫يصل إلى ‪ 1.9‬مليار دوالر‪ .‬ومن المرجح أن تزيد‬ ‫حزمة الخصخصة التي أعدها الرئيس أحمدي نجاد‬ ‫من األهمية االقتصادية للحرس الثوري؛ فقد انتهى‬ ‫الحال بمعظم شركات القطاع العام التي طرحت‬ ‫للخصخصة – وي َّ‬ ‫ُقدر إجمالي قيمتها بنحو ‪ 18‬مليار‬

‫وقد أولت صناعة السالح اإليرانية تركيزا خاصا‬ ‫لتصميم وتصنيع الصواريخ بمساعدة علمية وفنية‬ ‫من العديد من البلدان بما في ذلك الهند‪ ،‬والصين‪،‬‬ ‫وروسيا‪ ،‬وكوريا الشمالية‪ ،‬والبرازيل‪ ،‬وجنوب‬ ‫أفريقيا‪ .‬واستطاعت بالفعل تصنيع عدة أجيال من‬ ‫صواريخ الشهاب ونشرها في إطار اإلجراءات‬ ‫الروتينية لترسانة السالح اإليرانية‪ .‬وكان أحدث‬ ‫تلك األجيال هو شهاب ‪ 5‬الذي يتجاوز مداه ‪2000‬‬ ‫كيلومتر والمصمم للوصول إلى أهداف في أوروبا‪.‬‬ ‫ويعد الحرس الثوري من كبار الالعبين في صناعة‬ ‫البناء اإليرانية حيث حصل على العديد من كبرى‬ ‫عقود القطاع الخاص‪ .‬ويتم ذلك عبر شركة للبناء‬ ‫واالستشارات الفنية معروفة باسم «خاتم األنبياء»‪،‬‬ ‫وقامت ببناء آالف الكيلومترات من خطوط السكة‬ ‫الحديد والطرق السريعة‪ ،‬كما كانت تعمل شريكا‬ ‫رئيسيا في بناء المطارات والموانئ البحرية‬ ‫ومشروعات اإلسكان العمالقة‪ .‬وفي عام ‪،2010‬‬ ‫فازت الشركة بعقد قيمته عدة مليارات من الدوالت‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪15‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫استعراض عسكري للحرس الثوري اإليراني‬

‫أوهام حول الباسدران اإليراني‪ :‬حراس الثورة‪ ..‬والثروة‬

‫دولة داخل الدولة‬

‫بقلم‪ :‬أمير طاهري‬

‫لأكرث من ثالثة عقود‪� ،‬سيطر عدد من املفاهيم الغائمة على الدرا�سات املتعلقة ب�إيران منذ �أن‬ ‫اندلعت فيها الثورة «الإ�سالمية»‪ .‬من بني تلك املفاهيم كان الت�أكيد الدائم على �أن احلر�س الثوري‬ ‫الإيراين الذي يعرف با�سم «با�سداران» يف �إيران هو املحرك الرئي�سي للأحداث يف �إيران حيث �أحاطت‬ ‫به وبدوره يف ال�سيا�سة الإيرانية العديد من الأ�ساطري‪ ،‬وهو ما �ألقى بظالل كثيفة على التحليالت‬ ‫ال�سيا�سية الإيرانية‪.‬‬ ‫ولمدة تزيد على العقد‪ ،‬كان الكونغرس األميركي‬ ‫واإلدارات األميركية المتعاقبة تضع الباسداران‬ ‫«الحرس الثوري» تحت المجهر‪ ،‬وتشجع نشأة‬ ‫صناعة حقيقية مخصصة لدراسة الحرس الثوري‪.‬‬ ‫ومن َثم‪ ،‬فإن معظم األميركيين لديهم من المعلومات‬ ‫حول الحرس الثوري أكثر مما يرغبون فيه‪ .‬وفي‬ ‫عام ‪ ،2008‬صوت مجلس الشيوخ األميركي‬ ‫‪14‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫باألغلبية لصالح قرار يحث الرئيس جورج دبليو‬ ‫بوش على تصنيف الحرس الثوري باعتباره‬ ‫جماعة إرهابية‪ .‬ونفذ ذلك فعال بعد شهر‪ ،‬واستمر‬ ‫في تطبيق عقوبات قاسية تستهدف المصالح المالية‬ ‫للحرس الثوري‪.‬‬ ‫ووفقا لما قاله وزير الخزانة األميركي في ذلك‬

‫الوقت‪ ،‬هنري بولسون في تصريح صحافي‪:‬‬ ‫«عندما تتعامل ماليا مع إيران‪ ،‬فإنك تتعامل فعليا‬ ‫مع الحرس الثوري اإليراني»‪.‬‬ ‫وفرض الرئيس باراك أوباما منذ وصوله إلى‬ ‫السلطة عقوبات أكثر قسوة على الحرس الثوري‬ ‫بما في ذلك وضع بعض قادته في القائمة السوداء‪.‬‬


‫البـحـوث العلـميـة عاليـة التأثيـر‬ ‫ ‬ ‫ٌ‬ ‫متـاحـة ا ن للمـجتـمع بأكمله‪.‬‬

‫ﺷـﻬـﺮﻳﺎ‬ ‫ﺑﺎﻃﻼﻋﻚ ﻋﻠﻰ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ‪ ،‬ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼـﺪﺭ‬ ‫ًّ‬ ‫ﺍﻧﻀـﻢ ﺇﻟﻰ ُﺭ ّﻭﺍﺩ ﺍﻟﻌﻠــﻮﻡ ﱢ‬ ‫ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴـــﺔ‪ ،‬ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻤﻮﻗﻊ ﺍﻹﻟﻜﺘــﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﺨـﺎﺹ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺷﺒـﻜﺔ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ‪ ،‬ﺍﻟﺬﻱ‬ ‫ﻳﺘﻢ ﺗﺤﺪﻳﺜﻪ ﺑﺼﻔﺔ ﺩﺍﺋﻤﺔ‪.‬‬ ‫ﺇﻥ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒــﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﺗﺘﻴﺢ ﻟﻠﻨﺎﻃﻘﻴﻦ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴــﺔ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﺍﻷﺧﺒــﺎﺭ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴــﺔ ﻓﺎﺋﻘﺔ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ‪ ،‬ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ‬ ‫ﻣﺘﺎﺣﺎ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺘـﺮﻧـﺖ ﻛﻞ ﺃﺳﺒــﻮﻉ‪ ،‬ﻣﻊ ﻭﺟـﻮﺩ ﻧُ َﺴﺦ‬ ‫ﺍﻟﻮﺍﺭﺩﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ”‪.“Nature‬ﺇﻥ ﻣﺤﺘـﻮﻯ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ ﺳﻴـﻜﻮﻥ‬ ‫ً‬ ‫ﺷﻬﺮﻳﺎ‬ ‫ﻣﻄﺒﻮﻋﺔ ﻣﺤﺪﻭﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﻠﺔ‬ ‫ًّ‬

‫ﺍﻃﻠِ ْﻊ ﻋﻠﻰ ‪ Nature‬ﺍﻟﻄﺒﻌﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ‪ ،‬ﻭﺍﻣﻸ ﺍﻟﻨﻤﻮﺫﺝ ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﺎﻻﺷﺘﺮﺍﻙ ﻣﺠﺎﻧً ﺎ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻂ ﺍﻟﺘﺎﻟﻲ‪:‬‬ ‫ﱠ‬

‫‪arabicedition.nature.com‬‬

‫ﺑﺎﳌﺸﺎرﻛﺔ ﻣﻊ‪:‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫دستورى وال يبيح الحرية اال للشرفاء‪ ..‬قد احتمل هذا‬ ‫الشعب ديكتاتورية طاغية باغية شريرة خمسة عشر‬ ‫عاما او تزيد‪ ..‬افال يحتمل ديكتاتورية عادلة نظيفة ستة‬ ‫أشهر!»‪ .‬وفي وقت الحق وبعد سجنه وتعذيبه على يد‬ ‫الضباط األحرار‪ ،‬كتب قطب رافضا أي شكل دولة‬ ‫حديثة دستورا وبرلمانا وتشريعا‪.‬‬ ‫لقد كتب أالن تورين عن هذه الصورة «صورة‬ ‫الثوريين الشعبيين الذين يعبئون األمم ضد أعدائها‬ ‫الداخليين والخارجيين‪ .‬لقد أرادت الثورات في أحيان‬ ‫كثيرة إنقاذ الديمقراطية من اعدائها‪ .‬لكنها أسفرت عن‬ ‫أنظمة مضادة للثورة إذ مركزت السلطة وقبضت على‬ ‫مقاليدها‪ ،‬ودعت إلى الوحدة القومية ودعت إلى االلتزام‬ ‫الجماعي‪ ،‬وشجبت أعداء حكمت بأن التعايش معهم‬ ‫مستحيل إذ اعتبرتهم بمثابة الخونة»‪.‬‬ ‫واقع الحال‪ ،‬أن ثورة الضباط األحرار وحدت قوى‬ ‫األمة في حزب واحد كما تمنى البنا‪ ،‬وسعت لديكتاتورية‬ ‫عادلة كما طالب سيد قطب‪ ،‬ولكنها إذ فعلت ذلك بدأت‬ ‫باإلخوان أوال فعلقتهم على المشانق وأودعتهم غياهب‬ ‫السجون‪.‬‬ ‫ضمن التأريخ الكالسيكي لتطور الفكر الديمقراطي‬ ‫لإلخوان في مصر‪ ،‬يشار لمشاركتهم المحدودة في‬ ‫االنتخابات البرلمانية طوال عقد الثمانينات‪ ،‬وبيانهم عام‬ ‫‪ 1994‬والذي قبلوا فيه التعددية السياسية إذا كانت في‬ ‫إطار دستور اسالمي‪ ،‬إال أن األكثر مصداقية هو تتبع‬ ‫سلوكهم وخطابهم السياسي بعد انفتاح المجال السياسي‬ ‫أمامهم عقب ثورة ‪ 25‬يناير‪ ،‬و تتابع اإلشارات المقلقة‬ ‫حول عدم احترامهم للديمقراطية باعتبارها حماية للتنوع‬ ‫واإلختالف ال سبيال للهيمنة و االستئثار‪ ،‬أو اهتمامهم‬ ‫بالحريات الفردية وفصل السلطات وحرية الصحافة‪.‬‬ ‫ردا على االتهامات المتكررة لإلخوان بأخونة الدولة‬ ‫المصرية أبدى سعد الحسيني‪ ،‬القيادي بجماعة اإلخوان‬ ‫المسلمين اندهاشه قائال‪« :‬الرئيس محمد مرسي نجح في‬ ‫االنتخابات بالشرعية وأصوات الناخبين‪ ،‬ومن الطبيعي‬ ‫أن يحكم مصر مستعيناً باإلخوان وهذه هى الديمقراطية‬ ‫مما يعني أن أخونة الدولة هى الديمقراطية»‪ ،‬فيما تهكم‬ ‫القيادي اإلخواني اآلخر صفوت حجازي على من‬ ‫يقولون إن اإلخوان يريدون أن يجمعوا كل السلطات في‬ ‫أيديهم‪ ،‬وأضاف قائال‪« :‬أيوه بقى إحنا عايزين نكوّش‬ ‫على كل السلطات»‪ ،‬متسائال‪« :‬أليست الديمقراطية‬ ‫هي التي تأتي باإلخوان؟ إذن نحن نريد التكويش على‬ ‫السلطة فعلاً »‪.‬‬ ‫وتحت عنوان «إنها معركة عقيدة‪ :‬مستقبل الصراع بين‬ ‫اإلسالم وأعدائه» كتب محمد الخطيب عضو مكتب‬ ‫اإلرشاد السابق في مقال منشور بموقع حزب الحرية‬ ‫والعدالة اإلخواني مطلع ديسمبر الفائت ‪-‬آثناء الصراع‬ ‫السياسي حول اإلعالن الدستوري‪« -‬وما يدور اآلن‬ ‫فى بالد اإلسالم‪ ،‬وعلى رأسها مصر‪ ،‬ما هو إال امتداد‬ ‫لهذه األحقاد يحملها كل َم ْن َب ُع َد عن اهلل ووقع فى قبضة‬ ‫‪12‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫الشيطان الذى يحركه اتجاه لمحاربة اإلسالم‪ ،‬والكيد‬ ‫للمسلمين‪ ،‬والحرص على التخريب واإليذاء المتعمد‬ ‫ألمة مسلمة تريد أن تعيش للبناء والتعمير والسعى‬ ‫فى األرض لعمارتها‪ ،‬لكن هؤالء ال يريدون إال الفساد‬ ‫والتخريب وإهالك الحرث والنسل والصد عن سبيل‬ ‫اهلل‪ ،‬ونقول لهم‪ :‬إن سعيكم باطل ومردود عليكم‪ ،‬وإن‬ ‫أكاذيبكم مكشوفة‪ ،‬وإن إعالمكم مفضوح»‪.‬‬

‫بين هذين األمرين عائد «للشوق الحارق إلى إزاحة حاكم‬ ‫غاشم‪ ،‬والرغبة العارمة في إضفاء كل المعاني الفاضلة‬ ‫على تلك اإلزاحة»‪ .‬إن الشوق إلى التحرر والحرية هو‬ ‫ما يدفع كثير ممن يطلبهما إلى تجاهل الحقيقة الجاثمة‬ ‫خلف أيديولوجيات قد تدافع عن نفسها أو عن مشروعها‬ ‫ضد حاكم غاشم‪ ،‬لكنها ال تملك إال أن ترثه بكل استبداده‬ ‫وال تعدم حينها التبريرات لنفسها‪.‬‬

‫ويمتلئ خطاب القيادات اإلخوانية بلغة التخوين‬ ‫للمعارضة السياسية منذ أن اشتد الصراع السياسي بعد‬ ‫اإلعالن الدستوري للرئيس محمد مرسي‪ ،‬وقبل ذلك‬ ‫بنحو سنة تعرض عضو مكتب اإلرشاد السابق عبد‬ ‫المنعم ابو الفتوح للتخوين والتشهير حين اختلف مع‬ ‫الجماعة وخرج منها‪ ،‬فحذر محيى الزايط مسئول شرق‬ ‫القاهرة داخل اإلخوان وعضو مجلس شورى الجماعة‬ ‫من أن أبو الفتوح «ممكن يضعنا في السجون كما فعل‬ ‫عبد الناصر»‪ ،‬بينما اقسم مجدي فتحي أحد قيادات‬ ‫اإلخوان بالبحيرة في لقاء توضيح رؤية لشباب الجماعة‬ ‫أن أبو الفتوح «سيضع من يدخل الجامع ويقرأ القرآن‬ ‫في السجن وسيمنع النساء من لبس الحجاب»‪ .‬نجد انفسنا‬ ‫أمام خطاب ال يحتمل اية معارضة جادة له بل يندفع إلي‬ ‫تخوينها وهي أحد أهم خصائص الفاشية‪.‬‬

‫في أثينا في القرن الرابع قبل الميالد‪ ،‬حكم مجلس‬ ‫الشيوخ المنتخب بإعدام سقراط لفساد تعاليمه‪ ،‬ويقال‬ ‫إن تالميذه أعدوا له سبيال للهرب‪ ،‬ولكنه رفض بدعوى‬ ‫اظهار الشجاعة واحترام القانون‪ .‬اختار هذا الفيلسوف‬ ‫العظيم االنصياع لقانون يتيح التضحية بحياته اذا ما‬ ‫استثار سياسي ما مشاعر العامة‪ ،‬وتجرع السم وسط‬ ‫أسى طالبه‪ .‬لكن هناك و على مدار التاريخ من وقفوا‬ ‫أمام سلطات فاشية ولم يرهبهم ذلك القول المتفصح الذي‬ ‫يعارض بين سلطة األكثرية وكرامة اإلنسان وحريته‪،‬‬ ‫«ولقد انتعشت الذهنية الديمقراطية بفضل جميع هؤالء‬ ‫الذين أصروا على حقهم األساسي بالحياة أحرارا في‬ ‫وجه سلطات مطلقة كانت إطالقيتها تزداد يوما بعد يوم»‬ ‫كما كتب تورين‪.‬‬

‫يشير حازم صاغية في كتابه الصادر حديثا «االنهيار‬ ‫المديد» إلى أن الشعوب العربية قد تطلب التحرر من‬ ‫الطاغية المستبد لكنها قد ال تريد الديمقراطية بالضرورة‪،‬‬ ‫وانها أحيانا قد ال تستطيع انشاءها‪ ،‬وأن ضعف التمييز‬

‫واليوم يقف من فجر ثورة ‪ 25‬يناير في ميدان التحرير‪،‬‬ ‫مدافعين عن حرياتهم األساسية أمام سلطة ترفع على‬ ‫أسنة رماحها صندوق االنتخاب أمامهم‪ ،‬وسيكشف لنا‬ ‫المستقبل القريب إن كان هؤالء الشباب سيمضون في‬ ‫طريقهم‪ ،‬أم سيتجرعون السم كسقراط <‬


‫واستقالل القضاء والجامعات وحيوية المجتمع المدني»‪.‬‬

‫بالشك أن هذه الوحدة التي يتصورها البنا للدول في‬ ‫النظام اإلجتماعي وفي المصالح المفترضة وفي الرؤى‬ ‫المتداولة لوجهة أي بلد اقتصاديا وسياسيا هي وحدة‬ ‫متوهمة‪ ،‬كل وظيفة التشديد عليها هو نزع شرعية‬ ‫التعددية السياسية التي ال تقوم ديمقراطية إال بها‪.‬‬

‫باإلضافة للخلط بين الحكومة القوية والتي تركز‬ ‫السلطات في يدها وبين الحكومة الفعالة‪ ،‬يتقلص الحذر‬ ‫لدى الناس من تركيز السلطات إذا كانت السلطة منتخبة‪،‬‬ ‫أو كما يقول جون ستيوارت ميل إن الناس يميلون‬ ‫لإلعتقاد أن «األمة ليست بحاجة ألن تحمي نفسها من‬ ‫إرادتها الخاصة»‪ُ .‬سئل أليكساندر لوكاشينكو بعد أن‬ ‫انتخب رئيسا لبيالروسيا بفارق كبير من األصوات عام‬ ‫‪ 1994‬حول تحديد سلطاته‪ ،‬فأجاب «لن يكون هناك‬ ‫دكتاتورية‪ ،‬أنا من الناس‪ ،‬وسأكون للناس»‪ ،‬ولم يكن‬ ‫ذلك سوى تطمينات مخادعة معتادة‪ ،‬فما نعرفه الحقا أن‬ ‫لوكاشينكو بقي في السلطة على مدى ستة عشر عاما‪،‬‬ ‫وقمع أعضاء المعارضة‪ ،‬و أودع بعض منافسيه السجن‪.‬‬

‫صندوق االنتخاب كقنطرة للهيمنة‬ ‫في المقطع الشهير بعد االستفتاء على التعديالت‬ ‫الدستورية في مصر في مارس ‪ ،2011‬يجلس الشيخ‬ ‫السلفي المهيب محمد حسين يعقوب وسط طالبه في‬ ‫مسجد الهدى بإمبابة في إحدى مساءات األحد‪ ،‬مكبرا‬ ‫تكبيرات العيد مع الحضور بترديد يمأل جنبات المسجد‪،‬‬ ‫وبإبتسامته العريضة يبشرهم «لقد كانت هذه غزوة‪..‬‬ ‫اسمها غزوة الصناديق‪ ،‬ولقد قالت الصناديق للدين نعم‬ ‫«مشيرا لقبول التعديالت الدستورية في ذلك اإلستفتاء‪،‬‬ ‫ثم يوجه كالمه للقوى المدنية «الدين هيدخل في كل‬ ‫حاجة‪ ،‬مش دي الديمقراطية بتاعتكم؟ الشعب قال نعم‬ ‫للدين‪ ،‬واللي يقول البلد ما نعرفش نعيش فيه‪ ،‬أنت حر‪،‬‬ ‫ألف سالمة‪ ،‬عندهم تأشيرات كندا وأمريكا» ثم عقب‬ ‫موضحا رؤيته لطبيعة اإلستفتاء الذي تم «القضية ليست‬ ‫قضية دستور‪ ..‬انقسم الناس إلى فسطاطين‪ ،‬فسطاط دين‪،‬‬ ‫فيه كل أهل الدين والمشايخ‪ ،‬كل أهل الدين بال استثناء‬ ‫كانوا بيقولوا نعم» واختتم كلمته مطمئنا أنصاره «ما‬ ‫تخافوش خالص البلد بلدنا»‪.‬‬ ‫السؤال األهم تجاه هذه «الفاشية الصريحة» هو معرفة‬ ‫مواقف الجماعة اإلسالمية األهم والتي تقدم نفسها كتيار‬ ‫إسالمي أكثر اعتداال من التيار السلفي وهي جماعة‬ ‫اإلخوان المسلمين من حكم الدستور و فصل السلطات‬ ‫وحماية حقوق اإلنسان و الحريات الفردية والسماح‬ ‫لمعارضة نشطة ومجتمع مدني حيوي‪.‬‬ ‫بالعودة إلى نصوص مؤسس الجماعة حسن البنا‬ ‫(‪ )1906-1949‬نالحظ اضطرابا ما بين خطاب‬ ‫اإلصالحية اإلسالمية مطلع القرن العشرين‪ ،‬والتي‬ ‫قبلت الدولة الدستورية والتعددية السياسية‪ ،‬وبين إحيائية‬ ‫إسالمية‪ ،‬تكرست مع المنظر الالحق لإلخوان المسلمين‬ ‫وهو سيد قطب‪ ،‬والتي رفضت نموذج الدولة الغربية‬ ‫بتحكيمها للشعب كمصدر للسلطات واحترامها للدستور‬ ‫وتشديدها على التعددية السياسية‪.‬‬ ‫البنا وفي نصوص عامة‪ ،‬قبل الدستور المصري ‪-‬‬

‫دستور ‪ 1923-‬إال انه نبه على قصور في عباراته‪،‬‬ ‫وسوء في التطبيق‪ ،‬وتقصير في حماية القواعد األساسية‬ ‫التي جاء بها اإلسالم وقام عليها الدستور‪ ،‬وشكى من‬ ‫أن كثيرا من القوانين التي تسير عليها المحاكم تتنافى‬ ‫صراحة مع اإلسالم (الرسائل ‪ .)237‬و تساءل البنا “إننا‬ ‫نقلنا هذا النظام النيابي عن اوروبا فإلى أي مدى ينطبق‬ ‫على اإلسالم؟” وكإجابة على ذلك‪ ،‬رأى أن النظام‬ ‫النيابي ال يتعارض مع اإلسالم لكنه رفض بشدة وبتكرار‬ ‫التعددية الحزبية‪ .‬وبخالف ما يبرر به هذا الرفض من‬ ‫أنه رفض للحزبية القائمة وقتها في مصر‪ ،‬فإن نصوص‬ ‫البنا كانت صريحة في اعتبار أن النظام الحزبي مخالف‬ ‫لإلسالم وإلى ما يدعوه إليه من توحد األمة‪ .‬خاطب البنا‬ ‫احد مؤتمرات طلبة اإلخوان قائال “اعتقد أيها السادة‬ ‫أن اإلسالم وهو دين الوحدة في كل شيء‪..‬ال يقر نظام‬ ‫الحزبية وال يرضاه والقرآن الكريم يقول «واعتصموا‬ ‫بحبل اهلل جميعا وال تفرقوا »» (الرسائل ‪ .)338‬وبعد‬ ‫أن ذم الحزبية في موطنها األوروبي ألنها سببت الفرقه‪،‬‬ ‫فإنه يشير الى أن ما دعى أوروبا إلى تبني الحزبية هو‬ ‫تباين المشارب واختالف اآلراء‪ ،‬وأن األمم اإلسالمية‬ ‫قد حماها اهلل من ذلك كله‪ ،‬وعصمها بوحدة اإلسالم‪ ،‬إذ‬ ‫لون الحياة اإلجتماعية فيها واحد في أصوله واتجاهاته‬ ‫العامة‪ ،‬ولذلك يرى أن «ال مناص بعد اآلن من جمع‬ ‫قوى األمة في حزب واحد يعمل الستكمال استقاللها‬ ‫وحريتها» ثم يُنظم المجتمع في ظل الوحدة التي يفرضها‬ ‫اإلسالم‪.‬‬ ‫ومن ناحية أخرى اشترط البنا بأن من يتقدم للبرلمان أن‬ ‫يكون من أهل الحل والعقد بصفاتهم المحددة سلفا‪ ،‬وعدم‬ ‫السماح لغيرهم بالترشح للبرلمان (الرسائل ‪ .)242‬و‬

‫ولم يدع حديثه المطنب عن الوحدة على أساس اإلسالم‪،‬‬ ‫والتي ربطها في إحدى رسائله باجتماع الكلمة والجماعة‬ ‫والتي يستحق من يفارقها القتل‪،‬لم يدعه عائما وقابال‬ ‫لتفسيرات متناقضة بل فصله في مطالب محددة تعرف‬ ‫بالمطالب الخمسين‪ ،‬أشار لها ابتداءا في المؤتمر السادس‬ ‫لجماعته عام ‪ ،1941‬ثم كان أكثر تحديدا لها في رسالة‬ ‫النور والتي أرسلها للقيادات السياسية وأهل الرأي‬ ‫في العالم اإلسالمي في شهر مايو عام ‪ - 1947‬قبل‬ ‫اغتياله بـ‪ 18‬شهرا‪ -‬وروح مطالبه‪ ،‬والتي تكشف عن‬ ‫تصوره لدولة شمولية‪ ،‬مسكونة بحدة ال تستر نفسها‬ ‫تجاه ما اعتبره تغريبا وعادات اجنبية ضارة انتشرت في‬ ‫بيوت الطبقة الراقية خصوصا (وهي حدة ‪-‬تجاه الغرب‬ ‫المفلس في نظر البنا والتغريب واإللحاد الذي جاء به‪-‬‬ ‫تمأل رسائل البنا خاصة رسالة بين األمس واليوم وهي‬ ‫تضعف موقف من يصنف البنا كامتداد لإلصالحية‬ ‫العربية)‪ ،‬وهذه المطالب تكشف باإلضافة لنوع الوحدة‬ ‫اإلجتماعية والساسية التي كان البنا يطالب فيها وينظر‬ ‫لها كثيرا في رسائله‪ ،‬تكشف أيضا موقفه من الحريات‬ ‫الفردية في مجتمع يعج بالتنوع كالمجتمع المصري‪.‬‬ ‫فباإلضافة لتكرار مطلبه حول توجيه قوى األمة في‬ ‫وجهة واحدة و وصف واحد‪ ،‬فهو يطالب بالتفكير في‬ ‫توحيد أزياء األمة تدريجيا‪ ،‬وتوجيه الصحافة وتشجيع‬ ‫الكتاب على طرق المواضيع اإلسالمية الشرقية‪،‬‬ ‫والقضاء على الروح األجنبية في البيوت من حيث‬ ‫اللغة والعادات واألزياء والمربيات بخاصة في بيوت‬ ‫الطبقة الراقية‪ ،‬واعتبار دعوة الحسبة‪ ،‬ومراقبة سلوك‬ ‫الموظفين الشخصي‪ ،‬ومراقبة دور التمثيل وأفالم‬ ‫السينما والروايات واألشرطة‪ ،‬ومراقبة ما يشتغل به‬ ‫رواد المقاهي وإرشادهم لما ينفعهم‪ ،‬وعدم السماح لها‬ ‫باالفتتاح لوقت طويل‪ ،‬وتنظيم المصايف بما يقضي على‬ ‫الفوضى واإلباحية‪ ،‬وغير ذلك من مطالب تعبر عن نوع‬ ‫العالقة بين الدولة والمواطن كما يتصوره البنا‪ ،‬واحتوت‬ ‫الرسالة على مطالب سياسية واقتصادية اخرى‪.‬‬ ‫أفكار سيد قطب ‪ -‬المنظر األهم لإلخوان بعد البنا‪ -‬بعد‬ ‫ثورة يوليو ‪ 1952‬حين كان قريبا من الضباط األحرار‬ ‫كانت أكثر وضوحا في الشعبوية التي تدعو لتجاوز‬ ‫الدستور و توحيد قوى األمة والتبرير للدكتاتورية باسم‬ ‫التطهير‪.‬‬ ‫يقول قطب في مقال له بجريدة االخبار بتاريخ ‪8‬‬ ‫اغسطس ‪ 1952‬تحت عنوان (استجواب إلى البطل‬ ‫محمد نجيب)‪« :‬إن الرجعية اليوم تتستر بالدستور‪ ،‬وهذا‬ ‫الدستور ال يستطيع حمايتنا من الفساد إن لم تمضوا أنتم‬ ‫فى التطهير الشامل الذى يحرم الملوثين من كل نشاط‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪11‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫أو األمة بصورة ال تقل شراسة عن تلك التي ُفرض‬ ‫بموجبها نظام ديني أو ملكي‪ ،‬بل تفوقها بعض األحيان”‪.‬‬

‫وطالب بسحقهم في األرض أو إغراقهم في البحر‪.‬‬ ‫امبراطور هابسبورغ فرانز جوزيف األول قرر أن‬ ‫انتخاب لوغر يشكل تهديدا للحريات المدنية في المدينة‪،‬‬ ‫وفي تصرف غير مسبوق رفض اإلعتراف به‪ .‬بينا‬ ‫مفكرو فيينا‪ ،‬وهم المعارضون تقليديا للحكم الملكي‪،‬‬ ‫وجدوا انفسهم في موقف حرج في تأييد الملك ضد الناس‬ ‫باستثناء قلة كان منهم سيجموند فرويد‪.‬‬

‫طوال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬تصارع في أوروبا تقليدان‪ :‬من جهة كانت‬ ‫تتطور الديمقراطية الليبرالية في إنجلترا وبعض‬ ‫المناطق األخرى في أوروبا‪ ،‬والتي اكتسبت حكم‬ ‫الدستور وفصلت السلطات وحمت الحقوق والحريات‬ ‫الفردية تدريجيا وتوجت تلك المكتسبات باالنتخابات‬ ‫وتوسيع التصويت‪ ،‬ومن جهة أخرى استبدادية شعبوية‬ ‫وصلت للسلطة باالنتخابات وبدونها‪ ،‬من نوع أدولف‬ ‫هتلر وموسوليني وكارل لوغر وغيرهم‪ .‬كتب النصر‬ ‫في النهاية للديمقراطية الليبرالية بعد أن مرت معظم‬ ‫اوروبا بطريق صعب ودامي‪ ،‬تحول في كثير من‬ ‫األوقات إلي حروب وفاشية‪ ،‬في نهاية أربعينيات القرن‬ ‫العشرين تحولت أكثر الدول األوروبية إلى هذا النموذج‬ ‫الذي تطور في انجلترا وأمريكا‪ ،‬ولحقت أوروبا الشرقية‬ ‫بالركب بعد ‪.1989‬‬

‫وفي مثال صارخ على ما يمكن ان تفعله األكثرية‬ ‫باألقليات حين تطلق يدها لتفعل ما تشاء هو ما حصل‬ ‫للبوسنيين على أيدي القوات الصربية باسم التطهير‬ ‫العرقي وتحقيق تجانس األمة ثقافيا‪ ،‬فميلوسيفيتش‪-‬‬ ‫المنتخب عام ‪ 1990-‬والقوميون الذين هم اشد تطرفا‬ ‫منه يمثلون أكثرية مرموقة من الرأي العام الصربي‪،‬‬ ‫«إن ما جرى في البوسنة يبرهن على أن الديمقراطية ال‬ ‫تتعرف ال بالمشاركة‪ ،‬بل باحترام الحريات والتنوع»‬ ‫كما يقول أالن تورين في كتابه‪« :‬ماهي الديموقراطية؟‬ ‫حكم األكثرية أم ضمانات األقلية»‪ .‬وفي مثال قريب‬ ‫صوتت األكثرية البرلمانية الكويتية على منع المرأة من‬ ‫حقها في التصويت‪ ،‬بخالف رغبة األمير ‪ -‬حاكم البالد‬ ‫غير المنتخب‪ -‬ومرة أخرى‪ ،‬كان هذا استجابة لنوازع‬ ‫استبدادية عند جمهور من الناخبين‪.‬‬

‫كيف تستبد األغلبية ؟‬ ‫يجدر ببواكي الديمقراطية الجدد‪ ،‬الذين يترافعون حول‬ ‫احقية أكثرية صندوق االنتخاب في صياغة مجمل‬ ‫النظام السياسي‪ ،‬يجدر بهم أن يتعرفوا الى ما حصل‬ ‫«إلخوانهم» المسلمين في الهند على أيدي األغلبية‬ ‫الهندوسية المنتخبة‪ .‬بعد تزايد المد القومي والطائفي في‬ ‫الهند وصل حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي األصولي‬ ‫إلى السلطة عبر إنتخابات شارك فيها ما يزيد عن نصف‬ ‫السكان‪ ،‬استخدم الحزب خطاب قوي للقومية الهندوسية‬ ‫و يعادي اإلسالم والمسيحية‪ ،‬ونظم حملة وطنية هائلة‬ ‫لتحطيم مسجد في شمال الهند‪ ،‬وشرع في إعادة كتابة‬ ‫تاريخ الهند إلضافة طابع هندوسي وتقليل اإلشارات إلى‬ ‫المسلمين واألقليات األخرى‪ ،‬وحينما وجد الحزب نفسه‬ ‫في خضم مشكلة سياسية اذكى مزيدا من النزاع الديني‪،‬‬ ‫فقامت حكومته المحلية بدعم مذبحة في غوجارات عام‬ ‫‪ ،2002‬راح ضحيتها آالف الرجال والنساء واألطفال‬ ‫المسلمين‪ ،‬وسمحت بالتطهير العرقي لعشرات االآلف‬ ‫من إحيائها وبلداتها‪ ،‬المثير جدا أن كل الدالئل تشير‬ ‫إلى أن ذلك ساعد في تمتين القاعدة االنتخابية الهندوسية‬ ‫لحزب بهاراتيا‪ .‬لم يكن ذلك العنف المدعوم حكوميا‬ ‫موجها ضد المسلمين فقط‪ ،‬فبين عامي ‪1989-1999‬‬ ‫قتل مسيحيون وأُحرقت األناجيل ونهبت الكنائس‬ ‫واغتصبت الراهبات في هجمات مدفوعة دينيا‪ ،‬وأعاقت‬ ‫الحكومة المنتخبة التحقيق في هذه الجرائم‪ .‬كان جيمس‬ ‫ماديسون أوضح في األوراق الفيدرالية «أن الخطر من‬ ‫الظلم في الديمقراطية يأتي من أغلبية المجتمع»‪.‬‬ ‫في تفسيره آللية استبداد األغلبية إن لم تردع بضمانات‬ ‫دستورية تحمي كل مواطن و كل أقلية‪ ،‬يقول فريد‬ ‫زكريا «السبب بسيط‪ :‬بينما المجتمع ينفتح والسياسيون‬ ‫يتدافعون للوصول إلى مراكز القوة‪ ،‬يناشدون الجمهور‬ ‫‪10‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫باستعمال األصوات واللغة األكثر فاعلية‪ ،‬أي لغة تبني‬ ‫تماسك للمجموعة في مواجهة المجموعة األخرى‪ .‬في‬ ‫أغلب األحيان هذا يذكي نيران النزاع العرقي أو الديني‪.‬‬ ‫و أحيانا يتحول النزاع إلى حرب شاملة»‪.‬‬ ‫المثال الكالسيكي على الفاشية المترتبة على تصويت‬ ‫انتخابي ضمن ديمقراطية غير ليبرالية هو صعود أدولف‬ ‫هتلر إلى السلطة‪ .‬في عام ‪ 1932‬أجرت المانيا انتخابين‬ ‫وطنيين‪ ،‬وحل الحزب النازي في المرتبة األولى في كال‬ ‫االنتخابين‪ ،‬وحصد ‪ 37‬و ‪ 33‬في المائة من األصوات‪،‬‬ ‫وفي انتخابات ‪ 1933‬فاز ب ‪ 44‬في المائة من األصوات‬ ‫وطلب منه تشكيل الحكومة‪ ،‬واستفاد الحزب النازي من‬ ‫العملية الديمقراطية لتنظيم صفوفه واالنتشار إلى البلدات‬ ‫و المدن الصغيرة‪ .‬وتحت تأثير الكساد اإلقتصادي تعلقت‬ ‫الجماهير األلمانية بوعود القيادة الجريئة في استعادة‬ ‫قوة األمة‪ .‬وكلما ازداد تطرف خطابات هتلر ازدادت‬ ‫شعبيته أكثر‪ ،‬باقي القصة معروف وبشع‪ .‬يقول احد‬ ‫دارسي الدمقرطة جاك سنايدر «إن القومية االستبدادية‬ ‫العنصرية انتصرت في نهاية جمهورية فيمار ‪-‬تأسست‬ ‫في ألمانيا بعد الحرب العالمية األولى‪ -‬ال رغما عن‬ ‫دمقرطة الحياة السياسية لكن بسببها» يعني بسبب توسع‬ ‫القاعدة االنتخابية دون أي ضمانات لفصل السلطات و‬ ‫حكم القانون وحماية الحريات الفردية‪.‬‬ ‫ولم يكن عجيبا أن يحي هتلر في كتابه كفاحي فاشيا‬ ‫شعبويا آخر هو كارل لوغر ‪ ،‬فلوغر الذي انتخب عام‬ ‫‪ ١٨٩٥‬رئيسا لبلدية فيينا اشتهر بخطابه الذي يجمع‬ ‫غلوا قوميا مع توجه شيوعي‪ ،‬مطلقا على برنامجه اسم‬ ‫اإلشتراكية المسيحية‪ ،‬وكثيرا ما شبه اليهود بالجراد‪،‬‬

‫في مناطق مختلفة من العالم‪ ،‬تُ ْقدم حكومات منتخبة‬ ‫تدعي تمثيل الناس على توسيع سلطاتها بالتعدي خارج‬ ‫صالحياتها التنفيذية على السلطة التشريعية أو القضائية‪،‬‬ ‫أو تتغول على مكونات المجتمع المدني واألحزاب‬ ‫والجامعات ومراكز البحث وتقلص حرية الصحافة بما‬ ‫يضمن تركيز السلطة في يدها أو في يد الحزب الحاكم‬ ‫باسم انها تمثل الناس‪ ،‬وبقمع أي صوت آخر وقتل البؤر‬ ‫التي تنتج افكاراً مخالفة ومعارضة لتوجهات السلطة‪،‬‬ ‫تتحول األكثرية المؤيدة للسلطة من أكثرية افكار‬ ‫متغيرة بتغيرة المشكالت التي تفترض حلوال لها إلى‬ ‫أكثرية دائمة مؤيدة للزعيم الذي يتحدث باسمهم وباسم‬ ‫مصالحهم الثابتة تجاه المجموعات األخرى في ذات‬ ‫البلد‪ ،‬وهنا تنظر «السلطة إلى لمعارضة كخونة عوضا‬ ‫عن أن ترى فيهم أناسا ذوي مصالح وأفكار مختلفة عن‬ ‫مصالحها وأفكارها» كما ينبه تورين‪.‬‬ ‫كانت روسيا في عهد يلتسين مثاال لحكومة تقتل‬ ‫الديمقراطية باسم حمايتها من أعداءها‪ ،‬فتحت غطاء‬ ‫محاربة أعداء الديمقراطية‪ ،‬خلق دستور ‪ 1993‬برلمانا‬ ‫ضعيفا وسلطة قضائية تابعة وصالحيات رئاسية‬ ‫متضخمة‪ ،‬وفي سنة ‪ 2000‬سيطر االئتالف الحاكم بقيادة‬ ‫بوتين على «إن تي في» آخر وسيلة إعالمية مستقلة‬ ‫في البالد وطرد موظفيها‪ ،‬والملفت للنظر أن ‪ ٪٥٧‬من‬ ‫الناخبين الروس وافقوا في استطالع للرأي على رقابة‬ ‫بوتين على أجهزة اإلعالم‪ ،‬وهو ما يؤكد لنا مرة اخرى‬ ‫عدم اهتمام الناخبين في حاالت تصاعد المد القومي أو‬ ‫الديني أو تحت تأثير الخطابات الشعبوية ضد األغنياء‬ ‫أو أعداء األمة‪ ،‬عدم اهتمامهم بأي حفاظ على توازنات‬ ‫الديمقراطية «كحرية الصحافة ومساحة المعارضة‬


‫األغلبية‪ ،‬وهذه هي الديموقراطية»‪ ،‬ولم تمض أيام قليلة‬ ‫حتى كان مرشد اإلخوان محمد بديع ورجل التنظيم‬ ‫القوي خيرت الشاطر يكرران ذات الحجة‪ .‬بينما كان‬ ‫محمد البرادعي القيادي في الجبهة الوطنية المعارضة‬ ‫يكتب في موقعه علي تويتر‪« :‬في وجود رئيس محصن‬ ‫له صالحيات مطلقة وغياب سلطة قضائية ومشروع‬ ‫دستور يؤسس لالستبداد يكون االحتكام إلى الصندوق‬ ‫خديعة فاقدة للشرعية وديمقراطية زائفة»‪.‬‬

‫الخاصة‪ :‬تجارية ومولعة بالكسب ومتبدلة اجتماعيا‬ ‫وديناميكية ‪ ،‬لذلك يقول فولتير” التجارة التي أغنت‬ ‫مواطني إنجلترا ساعدت على تحريرهم‪ ..‬وتلك الحرية‬ ‫بدورها وسعت التجارة”‪ ،‬وحتى ماركس جادل بأن‬ ‫الرأسمالية تطلق بورجوازيات تجارية والتي حتما‬ ‫ستحطم النظام األرستقراطي القديم و تؤسس نظاما‬ ‫يحمي الملكية والعقود والحريات األخرى‪‬‬.‬‬ ‫من ناحية أخرى‪ ،‬كان للصراع العظيم بين الكاثوليك‬ ‫والبروتستانت نتائج هامة للحريات‪ .‬كان البروتستانت‬ ‫اقلية دينية في اغلب األحيان ضمن تجمعات أكبر‪،‬‬ ‫وكافحوا من أجل حقوق كل األقليات في المعتقد‬ ‫والعبادة‪ ،‬وهو ما فتح الفضاء للحرية الدينية في الغرب‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ - 1648‬أي بعد ‪ 150‬سنة من تحدي مارتن‬ ‫لوثر للفاتيكان‪ -‬أنهى صلح وستفاليا حرب السنوات‬ ‫الثالثين بين األلمان وكرس مبدأ “من يحكم‪ ،‬دينه يسود”‬ ‫أي أن األمراء يمكن أن يختاروا أديان الدولة‪ ،‬وهو ما‬ ‫فتح المجال للتسامح الديني‪ ،‬فقد قضى هذا الصلح على‬ ‫فكرة أن أوروبا كانت مجتمعا مسيحيا عظيما واحدا‬ ‫يحكمها روحيا الكنيسة الكاثوليكية ودنيويا اإلمبراطور‬ ‫الروماني المقدس‪.‬‬

‫فهل الديمقراطية والتي قامت من أجلها ثورة يناير تعني‬ ‫بالفعل خضوع األقلية لألكثرية عبر صناديق االنتخاب‪،‬‬ ‫هكذا بالمطلق كما يحاجج اإلسالميون؟ إن عودتنا إلى‬ ‫تاريخ تطور الحريات و الديمقراطية تكشف لنا أن‬ ‫االنتخاب لم يكن يوما مساويا للحرية‪ ،‬وأن الحريات‬ ‫كثيرا ما ترعرعت بعيدا عن جلبة االنتخابات‪ ،‬بل إن‬ ‫االستبداد كثيرا ما داهم البشر عبر صناديق االقتراع‪.‬‬

‫حكم الدستور و الحريات الفردية أوال‬ ‫إحدى أهم اللحظات التي كرست الديمقراطية الليبرالية‬ ‫في الواليات المتحدة األمريكية هي الحرب األهلية‬ ‫األمريكية‪ ،‬وهي لحظة تاريخية تكشف كيف تنمو‬ ‫حقوق اإلنسان والحريات الفردية أحيانا ليس بالتصويت‬ ‫واالنتخابات ولكن على الرغم عنها‪ .‬كانت العبودية‬ ‫والتفرقة العنصرية قد تجذرتا في الجنوب األمريكي‬ ‫من خالل النظام الديمقراطي‪ ،‬وواجه الذين حاربوا‬ ‫العبودية مشكلة أن أغلبية الناخبين الجنوبيين دافعت‬ ‫عنها بشراسة‪ ،‬ولم يمكن التخلص منها اال بعد أن سحقت‬ ‫قوات الشمال الجنوب‪ .‬و الحقا‪ ،‬حصل التقدم ‪-‬الذي‬ ‫سبق قانون الحقوق المدنية عام ‪ 1964‬والتي أنهت‬ ‫نظام التمييز العنصري الذي خلف العبودية‪ -‬بفعل تدخل‬ ‫السلطة التنفيذية أو عبر قرارات المحكمة العليا‪ ،‬كدمج‬ ‫السود مع البيض في المدارس على سبيل المثال‪.‬‬ ‫الديمقراطية الليبرالية تعني أن النظام السياسي محكوم‬ ‫ليس فقط بواسطة االنتخابات الحرة ولكن أيضا بحكم‬ ‫القانون وفصل السلطات‪ ،‬وحماية الحريات األساسية‬ ‫للحياة والتعبير والتجمع والدين والملكية وحرية‬ ‫الصحافة‪ ،‬انطالقا من التأكيد بأن للبشر حقوقا طبيعية‬ ‫تولد مع خروجهم للحياة‪ ،‬ويشرح الكاتب األمريكي‬ ‫فريد زكريا في كتابه الهام «مستقبل الحرية» بأن هذه‬ ‫الحزمة من الحريات والحقوق ليس لها رابط جوهري‬ ‫بالديمقراطية «اذا اقتصر معناها على االنتخابات الحرة‬ ‫و رأي األكثرية»‪ ،‬فلطالما تطور نمو الحريات الفردية‬ ‫تحت أنظمة حكم غير منتخبة‪ ،‬وتحولت الحقا إلى نظام‬ ‫ديمقراطي تقوم فيه االنتخابات على احترام مكتسبات‬ ‫األفراد من حقوق وحريات‪.‬‬ ‫في تأريخه لنمو وتطور الحريات الفردية في الغرب‪،‬‬ ‫يشير زكريا إلى أهمية النزاع بين مالك األراضي و‬ ‫ملوك انجلترا والذي بفضله تمكنت األرستقراطية‬

‫اإلنجليزية أن يضمن لهم الملوك بعض الحقوق ال‬ ‫يستطيع حتى التاج الملكي أن ينتهكها‪ ،‬فبعد نزاع استمر‬ ‫أربعين سنة أجبرت طبقة النبالء الملك جون ابن هنري‬ ‫الثاني على توقيع وثيقة «والتي‪Magna Carta”‪‬‬ ‫تفصل حقوق اللوردات اإلقطاعيين‪ ،‬وأيضا تضمن‬ ‫حرية الكنيسة ووقفت ضد الظلم الذي يحيق بأي من‬ ‫مواطني الملك‪ ،‬الحقا تحولت هذه الوثيقة لدى القضاة‬ ‫اإلنجليز إلى شبه دستور َّ‬ ‫قدس بعض الحقوق الفردية‪،‬‬ ‫ووصفه المؤرخ بول جونسون بأنه ُصنف عن جدارة‬ ‫كأول القوانين االنجليزية للعالم‪ ،‬والتي منها تتدفق‬ ‫الحريات اإلنجليزية وكذلك األمريكية كما يقال”‪.‬‬ ‫في مرحلة تاريخية الحقة‪ ،‬أوجدت الرأسمالية الناشئة‬ ‫في إنجلترا مجموعة من األغنياء الذين كونوا ثرواتهم‬ ‫من النشاط التجاري المستقل ال من عطايا الملك‪ ،‬وألنهم‬ ‫استفادوا كثيرا من الرأسمالية ومن حكم القانون ومن‬ ‫السوق الحرة ومن النظام المستند إلى القدرة‪ ،‬قاموا بدعم‬ ‫االصالحات التدريجية التي عجلت في هذه التوجهات‪.‬‬ ‫هذه البرجوازية الصاعدة حاربت النظام اإلقطاعي‬ ‫القديم‪ ،‬ولما انتصرت‪ ،‬أعادت صنع البالد في صورتها‬

‫وألسباب مماثلة كانت بعض األماكن في أوروبا‪:‬‬ ‫الدنمارك و بلجيكا و هولندا والبلدان االسكندنافية‪ ،‬أكثر‬ ‫قربا من النموذج اإلنجليزي “تطور للرأسمالية مبكر‬ ‫ونشوء لبورجوازية مستقلة اقتصاديا تكرس سلطة‬ ‫القانون وفصل السلطات وحق الملكية والحريات الفردية‬ ‫قبل تطور تداول رأس السلطة عبر االنتخابات”‪ ،‬وهو ما‬ ‫أدى في نهاية المطاف لديمقراطيات تتداول السلطة لكن‬ ‫تحترم الحريات الفردية وحكم القانون وفصل السلطات‬ ‫بعيدا عن أي مخاوف فاشية‪ ،‬وهو ما دعى عالم اإلجتماع‬ ‫في جامعة هارفارد بارينغتون مور والذي درس الطريق‬ ‫الى الديمقراطية والدكتاتورية حول العالم لإلستنتاج “ال‬ ‫بورجوازية‪ ،‬ال ديمقراطية”‪.‬‬ ‫لم يكن البلد األبرز في ازدهار الحرية الفردية والمساواة‬ ‫تحت حكم القانون في القرن التاسع عشر ‪ -‬انجلترا‪-‬‬ ‫ديمقراطيا تلك الحقبة‪ ،‬فحتى عام ‪( 1832‬اقرار‬ ‫اإلصالح االنتخابي) لم يكن مؤهال للتصويت أكثر من‬ ‫‪ 8.1‬في المائة من السكان البالغين في المملكة المتحدة‬ ‫(أبناء الطبقة الوسطى)‪ ،‬وكان على الطبقة العاملة‬ ‫االنتظار حتى نهاية القرن لتحصل على نفس الحقوق‪.‬‬ ‫فرنسا كانت نموذجا معاكسا‪ .‬فقد انتقلت للتصويت‬ ‫واالنتخابات دون أن تطور أي تقاليد للحريات الفردية‬ ‫وحكم الدستور وفصل السلطات‪ ،‬لقد انتقلت السلطة بعد‬ ‫الثورة من الملك كما هي إلى الجمعية الوطنية‪ ،‬والتي‬ ‫مضت في اعتقال وقتل اآلالف‪ ،‬وصادرت الملكيات‪،‬‬ ‫وعاقبت على المعتقد الديني‪ ،‬وبعد أكثر من ‪ 150‬عام‬ ‫من ثورتها ‪-‬أي بعد الحرب العالمية الثانية‪ -‬انتقلت‬ ‫فرنسا إلى الديمقراطية الليبرالية‪ .‬يقول آالن تورين عن‬ ‫النموذج الفرنسي للديمقراطية ُ‬ ‫“فرض ملكوت المجتمع‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪9‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫الديمقراطية عند اإلسالميين‪ ..‬صناديق اقتراع‬

‫ديكتاتورية الأغلبية‬ ‫بقلم‪ :‬طارق المبارك‬

‫يف ختام نقا�شه احلاد مع ا�ستاذ القانون الد�ستوري جابر ن�صار حول مواد الق�ضاء الع�سكري يف‬ ‫الد�ستور امل�صري املقرتح‪ ،‬قال املتحدث با�سم حزب النور ال�سلفي نادر بكار وبنربة حا�سمة «هناك‬ ‫�آلية اتفق عليها الب�شر منذ فجر التاريخ ا�سمها �آلية الت�صويت‪� ..‬أقنع ح�ضرتك ال�شعب امل�صري‬ ‫وبعد كذا النا�س تقول نعم �أو ال»‪.‬‬ ‫كان هذا النقاش جزءا من الجدل الحاد الدائر بين‬ ‫اإلسالميين من جهة‪ ،‬والقوى الليبرالية واليسارية‬ ‫واألقباط من جهة أخرى‪ ،‬حول آلية إقرار الدستور في‬ ‫النظام السياسي الجديد‪ .‬كانت حجة اإلسالميين المتكررة‬ ‫حول من يطلب منهم عدم تمرير دستور لم يحصل‬ ‫‪8‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫التوافق عليه بين القوى السياسية هي أن الحكم بيننا هو‬ ‫صناديق االقتراع وما ترتضيه األكثرية‪.‬‬ ‫ولم يتوان حتى الرئيس محمد مرسي‪ ،‬والذي اكد سابقا‬ ‫اشتراطه للتوافق السياسي ألي دستور يمرر‪ ،‬من‬

‫استخدام هذه الحجة في تعليقه على االشتباكات أمام‬ ‫قصر االتحادية متسائال في خطابه الذي بثه التليفزيون‬ ‫المصري‪« :‬البد وأن ننزل جميعا على إرادة الشعب‪،‬‬ ‫وهذه اإلرادة ال تعبر عنها التجمعات الغاضبة ولكن‬ ‫بالحوار والسكينة التي تنزل فيها األقلية على رأي‬


‫الكتــاب المســاهمـون في هـذا العـدد‬ ‫عطاء اهلل مهاجراني‪:‬‬

‫كاتب وسياسي إيراني حاصل على درجة الدكتوراه في‬ ‫التاريخ والثقافة اإليرانية‪ .‬كان وزيرا للثقافة واإلرشاد‬ ‫اإلسالمي في عهد الرئيس محمد خاتمي يجيد عددا من‬ ‫اللغات بينها االنجليزية والعربية واألوردية وهو عضو‬ ‫هيئة أمناء مركز الملك عبداهلل للحوار والثقافات وله مقال‬ ‫أسبوعي بجريدة «الشرق األوسط»‪.‬‬

‫أمير طاهري‪:‬‬

‫كاتب ومحلل سياسي إيراني خبير في شؤون الشرق‬ ‫األوسط وهو محرر مشارك في صحيفتي «نيويورك‬ ‫بوست» و «ناشينال ريفيو» ويكتب أيضا بشكل منتظم‬ ‫في العديد من المطبوعات الدولية مثل «دير شبيغل»‬ ‫األلمانية و «الديلي تيلغراف» اإلنجليزية و«نيويورك‬ ‫تايمز» وجريدة «الشرق األوسط»‪.‬‬

‫طاهر الشريف‪:‬‬

‫خبير اقتصادي ومحاضر دولي في االستثمار يشغل حاليا‬ ‫منصب األمين العام لغرفة التجارة المصرية البريطانية‪..‬‬ ‫األمين العام السابق لجمعية رجال األعمال المصرية في‬ ‫بريطانيا وأمين لجنة االستثمار باتحاد المصريين في‬ ‫أوروبا‪.‬‬

‫أفشين موالفي‪:‬‬

‫كاتب إيراني أميركي خبير في المخاطر الجغراسياسية‬ ‫العالمية وجغرافية االقتصاد وفي السياسة الخارجية‬ ‫للواليات المتحدة‪ ،‬باحث في مؤسسة أميركا الجديدة يغطي‬ ‫أخبار الشرق األوسط لكل من «نيوزويك» و«رويترز»‬ ‫و«واشنطن بوست» وإصدارات أخرى‪.‬‬

‫الصافي سعيد‪:‬‬

‫كاتب وصحافي وروائي سياسي و محلل تونسي يرأس‬ ‫تحرير جريدة «عرابيا» و مجلة «عرابيا جيوبوليتيكا»‪.‬‬ ‫من كتبه «بورقيبة سيرة شبه محرمة» و «سنوات‬ ‫البروستاتا» و «خريف العرب ‪ -‬الحرب الدامية بين‬ ‫العروبة واالسالم ‪ -‬البئر والصومعة والجنرال»‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪7‬‬


‫‪08‬‬ ‫الديمقراطية عند اإلسالميين‬ ‫صناديق اقتراع‬

‫‪44‬‬ ‫دبي بعد التعافي‪..‬‬ ‫إمارة االستقرار‬ ‫اقتصاد صاعد‬

‫ديكتاتورية األغلبية‬

‫‪14‬‬ ‫أوهام حول الباسدران اإليراني‪:‬‬ ‫حراس الثورة‪ ..‬والثروة‬ ‫دولة داخل الدولة‬

‫‪20‬‬ ‫الشابي يمشي ملكا في شوارع‬ ‫تونس‪ :‬ثورتكم عظيمة لكنها مهددة‬ ‫إذا الروح يوما أزاحت التراب‬

‫‪52‬‬ ‫نساء سوريا تحت الحصار‬ ‫وهدف لنظام بشار‬ ‫جرائم حرب‬ ‫‪6‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫‪30‬‬ ‫دول الربيع العربي‪ ..‬طريق طويل وصعب‬ ‫خريف االقتصاد‬


Distinguish yourself

Kingâ&#x20AC;&#x2122;s is ranked in the top 30 universities worldwide* and based in the heart of London. With nine Schools and six Medical Research Council centres, Kingâ&#x20AC;&#x2122;s offers world-class teaching and research. Our extensive range of subjects includes humanities, law, medicine, psychiatry, dentistry, nursing, mathematics; natural, biomedical, social and management sciences. For further information, please contact Ghazi Lashab at ghazi.lashab@kcl.ac.uk *QS World University Rankings, 2011

www.kcl.ac.uk


‫أالفتتاحية‬

‫رساله المحرر‬ ‫مرا على إحراق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه بعد أن فقد األمل في وظيفة تضمن له العيش الكريم‪ .‬عمل يائس لم يكن‬ ‫عامان ّ‬ ‫البوعزيزي يتوقع أن يتحول إلى انتفاضات شعبية تطيح بأنظمة وحكام ويشعل ثورات وحروب أهلية ما زالت تحصد أرواحا بريئة‬ ‫وتسيل كثيرا من الدماء‪ ..‬والحبر‪.‬‬ ‫عامان‪ ،‬تغيّر كل شيء‪ ..‬ولم يتغيّر أي شيء‪ .‬العاطلون عن العمل ارتفع عددهم وأصبح لهم نقابات تدافع عن مصالحهم‪ .‬الفقراء ازدادوا‬ ‫فقرا‪ ،‬ومعارضة األمس أصبحت في السلطة تمارس نفس ممارسات األنظمة التي غيّبتها في السجون والمعتقالت لعقود‪.‬‬ ‫قصة الغالف تبحث اقتصاديات “دول الربيع” التي يؤكد طاهر الشريف‪ ،‬األمين العام لغرفة التجارة المصرية البريطانية‪ ،‬في مقال تحت‬ ‫عنوان “خريف االقتصاد” أنها دخلت مرحلة الشك وأن أمام الحكومات الجديدة طريق طويل وصعب لمعالجة األوضاع االقتصادية‬ ‫الصعبة‪ ،‬فما لم يلمس المواطن تحسنا في أوضاعه االقتصادية واالجتماعية سيكون الطريق إلى الديمقراطية هشا وقد نشهد “ثورات”‬ ‫جديدة أكثر عنفا‪.‬‬ ‫في بداية ديسمبر الماضي‪ ،‬احتفلت العديد من الدول باليوم العالمي لمكافحة الفساد الذي تزامن مع صدور التقرير السنوي لمنظمة‬ ‫الشفافية الدولية‪ .‬المنظمة أفادت أن انتفاضات “الربيع العربي” لم تسفر بعد عن عمل جاد لمكافحة الفساد‪ .‬مصر تراجعت ستة مراكز‬ ‫إلى المركز ‪ 118‬من بين ‪ 176‬دولة في ما يتعلق بمستويات الرشاوى وإساءة استغالل السلطة والتعامالت السرية التي ما زالت‬ ‫مستوياتها مرتفعة في أكبر دول العالم العربي سكانا‪ ،‬في حين تراجعت تونس مركزين إلى المركز ‪ .75‬التقرير التي يأتي بعد سنتين‬ ‫من االطاحة بنظام الرئيس بن علي أعطى تونس معدال يساوي ‪ 3.8‬في سلم مؤشر الشفافية‪ ،‬الذي يتراوح من صفر (غياب تام للشفافية‬ ‫واستفحال الفساد) إلى ‪ 10‬درجات (أقصى مراتب الشفافية وانعدام الفساد)‪.‬‬ ‫ويعتبر هذا الترتيب متراجعا مقارنة بالسنوات الماضية حيث كانت ّ‬ ‫تحتل تونس مراتب من ‪ 40‬إلى ‪ ،50‬وبالتالي ّ‬ ‫فإن مؤشر الشفافيّة‬ ‫العالميّة عكس تزايد الفساد في تونس على امتداد العشريّة األخيرة‪ .‬تصنيف سوريا تدنى ‪ 15‬نقطة إلى ‪ ،144‬واليمن احتل المركز ‪156‬‬ ‫عالميا وحصل على ‪ 23‬درجة‪ ،‬وحدها ليبيا تمكنت من إحداث تحسن فارتفعت حصتها من ‪ 168‬إلى ‪ 160‬نقطة‪.‬‬ ‫في موضوع آخر يسلط‪ ،‬الكاتب والمحلل السياسي اإليراني والخبير في شؤون الشرق األوسط أمير طاهري‪ ،‬الضوء على “مملكة”‬ ‫الحرس الثوري اإليراني‪ .‬طاهري يكشف كيف أصبح هذا الجيش دولة داخل الدولة وال يخضع إال إلى المرشد األعلى للجمهورية‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬آية اهلل علي خامنئي‪.‬‬ ‫“الباسدران”‪ ،‬يؤكد طاهري‪ ،‬يمتلك مؤسسة مالية تتحكم في ما يزيد على ‪ 500‬شركة فاعلة في نطاق واسع من الصناعات‪ ،‬من القوة‬ ‫النووية إلى الصيرفة‪ ،‬ومن التأمين على الحياة إلى المنتجعات ومراكز التسوق‪ .‬فوفقا للتقديرات‪ ،‬فإن الحرس الثوري هو ثالث أكبر‬ ‫مؤسسة إيرانية بعد الشركة اإليرانية الوطنية للنفط‪ ،‬وأوقاف اإلمام رضا في مدينة مشهد‪ ،‬شمال شرقي طهران‪.‬‬ ‫ندعوك عزيزي القارئ لقراءة هذه الموضوعات وغيرها الكثير على موقعنا ‪ majalla.com‬ونرحب دائما بآرائك وندعوك للتعليق‬ ‫على الموضوعات أو االتصال بنا إذا رغبت في التواصل معنا‪.‬‬

‫المحرر‬

‫‪4‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬


‫أسسها سنة ‪1987‬‬

‫األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز‬

‫أسسها هشام ومحمد علي حافظ‬

‫الرئيس التنفيذي‬ ‫الدكتور عزام الدخيل‬ ‫‪Azzam Al-Dakhil‬‬

‫رئيس التحرير‬ ‫عادل بن زيد الطريفي‬ ‫‪Adel Al-Toraifi‬‬

‫مساعد رئيس التحرير‬ ‫الدكتور مانويل أمليدا‬ ‫‪Manuel Almeida‬‬

‫مدير التحرير‬

‫عزالدين سنيقرة‬

‫‪Azeddine Senegri‬‬

‫للمشاركة‬

‫إلرسال مقاالت أو آراء يرجى المراسلة على البريد اإللكتروني ‪editorial@majalla.com‬‬ ‫ملحوظة‪ :‬جميع المقاالت يجب أال تزيد على ‪ 800‬كلمة‬

‫اشتراكات‬

‫لالشتراك في الطبعة الرقمية‪ ،‬يرجى االتصال بـ‪subscriptions@majalla.com :‬‬ ‫لالشتراك في االلكترونية‪www.issuu.com/majalla :‬‬ ‫حقوق النشر محفوظة لمجلة المجلة ‪ 2009‬التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (المملكة المتحدة) شركة محدودة‪ .‬وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة المجلة أو أي جزء‬ ‫منها أو تخزينها في أي نظام استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون الحصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث‬ ‫والتسويق (شركة محدودة)‪ .‬وتصدر المجلة شهرياً‪ .‬لتلقي استفسارات االشتراك الرقمي‪ ،‬يرجى زيارة ‪www.majalla.com‬‬

‫‪issue 1579 - January 2013‬‬

‫العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬ ‫الرياض ‪ -‬حي المؤتمرات ‪ -‬طريق مكة ‪ -‬تقاطع التخصصى‬

‫مرخص لها‬

‫الرياض‪ :‬هاتف ‪ - 4419933‬لندن‪A Monthly Political News Magazine +44 207 831 8181 :‬‬

‫‪www.majalla.com/eng‬‬

‫‪HH Saudi Research and Marketing (UK) Ltd‬‬ ‫‪Arab Press House, 184 High Holborn,‬‬ ‫‪London WC1V 7AP‬‬ ‫‪Tel: +44 207 831 8181 - Fax: +44 207 831 2310‬‬

‫الوكيل اإلعالني‬

‫موقع إلكتروني‪ ،www.alkhaleejiah.com :‬بريد إلكتروني‪hq@alkhaleejiah.com :‬‬

‫وكيل اإلشتراكات‬

‫بريد إلكتروني‪ ، info@arabmediaco.com :‬موقع إلكتروني‪ ،www.arabmediaco.com :‬هاتف مجاني‪ 800-2440076 :‬‬

‫وكيل التوزيع‬ ‫مركز الطباعة‬

‫من داخل المملكة ‪ ،920 000 417 :‬دبي‪ ،+9714 3 914440 :‬باريس‪ ، +331 537 764 00:‬لندن‪ ، +44 207 404 6950:‬ومن مختلف الدول ‪+966 1 441 1444 :‬‬

‫وكيل التوزيع في المملكة العربية السعودية حي المؤتمرات ‪ -‬ص‪.‬ب ‪ - 62116‬الرياض ‪ ،11585‬هاتف‪ +966 1 4419933 :‬فاكس‪،+966 1 2121774 :‬‬ ‫موقع إلكتروني‪www.saudidistribution.com :‬‬ ‫ص‪.‬ب‪ - 121 .‬الرياض ‪ ،11383‬هاتف ‪ ،+9661.2657000‬فاكس ‪ ،+9661.2658000‬موقع إلكتروني‪www.halaprintco.com :‬‬

‫شركات المجموعة‬ ‫‪Saudi Specialized Publishing Company‬‬

‫حقوق التوزيع لهذه المطبوعات محفوظة‬

‫لشركة «تريبيون لخدمات اإلعالم»‬

‫حقوق النشر لهذه المطبوعات باللغة العربية مرخصة «المجلة»‬

‫للحصول على المزيد من المعلومات‪ ،‬يرجى اإلتصال على الهاتف المجاني ‪8002440014‬‬


AN AMERICAN EDUCATION A BRITISH SETTING A GLOBAL FUTUR E A Since the 1970’s Richmond has been educating leading Middle Eastern families. Richmond’s unique style of personalised higher education ensures that students leave us with a dually accredited degree, that is recognised in the UK, the USA and worldwide.

+44 20 8133 2877 • enroll@richmond.ac.uk Visit www.richmond.ac.uk/al-majalla today to download our catalog and viewbook.


‫العدد ‪ 1579‬يناير‪ -‬كانون الثاني ‪2013‬‬

‫�أمري طاهري‪� :‬أوهام حول البا�سدران‪ :‬حرا�س الثورة‪ ..‬والرثوة!‬ ‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫للح�صول على العدد‬ ‫ا�ســتـخـدم هـاتفــك‬ ‫الـــذكــي لـمــ�ســــــح‬ ‫هــــــذا الــــرقــــــــم‬ ‫‪01‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 7 7 1319 087013‬‬

‫‪Issue 1579‬‬ ‫‪‬‬

‫‪The Majalla‬‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫طارق املبارك‪ :‬الدميقراطية عند الإ�سالميني‪� ..‬صناديق اقرتاع‬ ‫�أف�شني مواليف‪ :‬دبي بعد التعايف‪� ..‬إمارة اال�ستقرار والأعمال‬


Turn static files into dynamic content formats.

Create a flipbook
خريف الاقتصاد by المجلة - Issuu