Issuu on Google+

‫حتقيق‬ ‫سكاكا‪ :‬آثار وتاريخ‬ ‫دراسات‬ ‫د‪ .‬عيسى برهومة‬ ‫هشام بنشاوي‬ ‫نقد‬ ‫عبدالله السفر‪ ،‬فهد املصبح‬ ‫سمير الشريف‪ ،‬هيثم حسني‬ ‫شعر‬ ‫سليمان العتيق‪ ,‬أحمد البوق‬ ‫سارة الشمري‬

‫ملف العدد‪:‬‬

‫مواجهات‬ ‫أم�ين معلوف‪ ,‬م�لاك اخلالدي‬ ‫أسامة عبيد‬

‫أدب األطفال‬

‫مب �ش��ارك��ة‪ :‬ع��ب��دال��رح��م��ن ال���درع���ان‪ ،‬سميحة خ��ري��س‪ ،‬د‪ .‬س��ن��اء ش��ع�لان‪،‬‬ ‫م��ل��اك اخل�����ال�����دي‪ ،‬د‪ .‬دع������اء ص����اب����ر‪ ،‬س���م���ر إب����راه����ي����م‪ ،‬م���رس���ي ط���اه���ر‪،‬‬ ‫السيد جنم‪ ،‬الزبير بن مهداد‪ ،‬منال محروس‬

‫‪32‬‬


‫برنامـج نشر الدراسات واإلبداعـات األدبية ودعم البحوث والرسائل العلمية‬ ‫في مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫‪ -1‬نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‬ ‫يهتم بالدراسات‪ ،‬واإلبداعات األدبية‪ ،‬ويهدف إلى إخ��راج أعمال متميزة‪ ،‬وتشجيع حركة اإلب��داع األدبي‬ ‫واإلنتاج الفكري وإثرائها بكل ما هو أصيل ومميز‪.‬‬ ‫ويشمل النشر أعمال التأليف والترجمة والتحقيق والتحرير‪.‬‬ ‫مجاالت النشر‪:‬‬ ‫أ ‪ -‬الدراسات التي تتناول منطقة اجلوف في أي مجال من املجاالت‪.‬‬ ‫مبي في البند «‪ »٨‬من شروط النشر)‪.‬‬ ‫ب‪ -‬اإلبداعات األدبية بأجناسها املختلفة (وفقاً ملا هو نّ‬ ‫مبي في البند «‪ »٨‬من شروط النشر)‪.‬‬ ‫ج‪ -‬الدراسات األخرى غير املتعلقة مبنطقة اجلوف (وفقاً ملا هو نّ‬ ‫شروطه‪:‬‬ ‫‪ -١‬أن تتسم الدراسات والبحوث باملوضوعية واألصالة والعمق‪ ،‬وأن تكون موثقة طبقاً للمنهجية العلمية‪.‬‬ ‫‪ -٢‬أن تُكتب املادة بلغة سليمة‪.‬‬ ‫‪ -٣‬أن يُرفق أصل العمل إذا كان مترجماً‪ ،‬وأن يتم احلصول على موافقة صاحب احلق‪.‬‬ ‫‪ -٤‬أن تُق ّدم املادة مطبوعة باستخدام احلاسوب على ورق (‪ )A4‬ويرفق بها قرص ممغنط‪.‬‬ ‫‪ -٥‬أن تكون الصور الفوتوغرافية واللوحات واألشكال التوضيحية املرفقة باملادة جيدة ومناسبة للنشر‪.‬‬ ‫‪ -٦‬إذا كان العمل إبداعاً أدبياً فيجب أن يتّسم بالتم ّيز الفني وأن يكون مكتوباً بلغة عربية فصيحة‪.‬‬ ‫‪ -٧‬أن يكون حجم املادة ‪ -‬وفقاً للشكل الذي ستصدر فيه ‪ -‬على النحو اآلتي‪:‬‬ ‫ الكتب‪ :‬ال تقل عن مئة صفحة باملقاس املذكور‪.‬‬‫ البحوث التي تنشر ضمن مجالت محكمة تصدرها املؤسسة‪ :‬تخضع لقواعد النشر في تلك املجالت‪.‬‬‫ الكتيبات‪ :‬ال تزيد على مئة صفحة‪( .‬حتتوي الصفحة على «‪ »250‬كلمة تقريباً)‪.‬‬‫‪ -٨‬فيما يتعلق بالبند (ب) من مجاالت النشر‪ ،‬فيشمل األعمال املقدمة من أبناء وبنات منطقة اجلوف‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى املقيمني فيها ملدة ال تقل عن عام‪ ،‬أما ما يتعلق بالبند (ج) فيشترط أن يكون الكاتب من أبناء أو بنات‬ ‫املنطقة فقط‪.‬‬ ‫‪ -٩‬متنح املؤسسة صاحب العمل الفكري نسخاً مجانية من العمل بعد إص��داره‪ ،‬إضافة إلى مكافأة مالية‬ ‫مناسبة‪.‬‬ ‫‪ -١٠‬تخضع املواد املقدمة للتحكيم‪.‬‬


‫‪ -2‬دعم البحوث والرسائل العلمية‬ ‫يهتم بدعم مشاريع البحوث والرسائل العلمية والدراسات املتعلقة مبنطقة اجلوف‪ ،‬ويهدف إلى تشجيع‬ ‫الباحثني على طرق أبواب علمية بحثية جديدة في معاجلاتها وأفكارها‪.‬‬ ‫( أ ) الشروط العامة‪:‬‬ ‫‪ -١‬يشمل الدعم املالي البحوث األكادميية والرسائل العلمية املقدمة إلى اجلامعات واملراكز البحثية والعلمية‪،‬‬ ‫كما يشمل البحوث الفردية‪ ،‬وتلك املرتبطة مبؤسسات غير أكادميية‪.‬‬

‫‪ -٢‬يجب أن يكون موضوع البحث أو الرسالة متعلقاً مبنطقة اجلوف‪.‬‬

‫‪ -٣‬يجب أن يكون موضوع البحث أو الرسالة جديداً في فكرته ومعاجلته‪.‬‬ ‫‪ -٤‬أن ال يتقدم الباحث أو الدارس مبشروع بحث قد فرغ منه‪.‬‬

‫‪ -٥‬يقدم الباحث طلباً للدعم مرفقاً به خطة البحث‪.‬‬ ‫‪ -٦‬تخضع مقترحات املشاريع إلى تقومي علمي‪.‬‬

‫‪ -٧‬للمؤسسة حق حتديد السقف األدنى واألعلى للتمويل‪.‬‬ ‫‪ -٨‬ال يحق للباحث بعد املوافقة على التمويل إجراء تعديالت جذرية تؤدي إلى تغيير وجهة املوضوع إال بعد‬ ‫الرجوع للمؤسسة‪.‬‬ ‫‪ -٩‬يقدم الباحث نسخة من السيرة الذاتية‪.‬‬ ‫(ب) الشروط الخاصة بالبحوث‪:‬‬ ‫‪ -١‬يلتزم الباحث بكل ما جاء في الشروط العامة (البند «أ»)‪.‬‬ ‫‪ -٢‬يشمل املقترح ما يلي‪:‬‬ ‫ توصيف مشروع البحث‪ ،‬ويشمل موضوع البحث وأهدافه‪ ،‬خطة العمل ومراحله‪ ،‬وامل��دة املطلوبة‬‫إلجناز العمل‪.‬‬ ‫ ميزانية تفصيلية متوافقة مع متطلبات املشروع‪ ،‬تشمل األجهزة واملستلزمات املطلوبة‪ ،‬مصاريف‬‫السفر والتنقل والسكن واإلعاشة‪ ،‬املشاركني في البحث من طالب ومساعدين وفنيني‪ ،‬مصاريف‬ ‫إدخال البيانات ومعاجلة املعلومات والطباعة‪.‬‬

‫ حتديد ما إذا كان البحث مدعوماً كذلك من جهة أخرى‪.‬‬‫(ج) الشروط الخاصة بالرسائل العلمية‪:‬‬

‫إضافة لكل ما ورد في الشروط اخلاصة بالبحوث (البند «ب») يلتزم الباحث مبا يلي‪:‬‬ ‫‪ -١‬أن يكون موضوع الرسالة وخطتها قد أق ّرا من اجلهة األكادميية‪ ،‬ويرفق ما يثبت ذلك‪.‬‬ ‫قدم توصية من املشرف على الرسالة عن مدى مالءمة خطة العمل‪.‬‬ ‫‪ -٢‬أن يُ ّ‬

‫اجلوف‪ :‬هاتف ‪ - 04 624 5992‬فاكس ‪ - 04 426 7780‬ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا ‪ -‬اجلوف‬ ‫الرياض‪ :‬هاتف ‪ - 01 412 5277 - 01 412 5266‬فاكس ‪ - 01 402 2545‬ص‪ .‬ب ‪ 10071‬الرياض ‪11433‬‬ ‫‪nshr@abdulrahmanalsudairyfoundation.org‬‬


‫العدد ‪32‬‬ ‫صيف ‪1432‬هـ ‪2011 -‬م‬

‫ملف ثقافي ربع سنوي‬ ‫يصدر عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬

‫املشرف العام‬

‫إبراهيم احلميد‬ ‫أسرة التحرير‬ ‫محمود الرمحي‪ ،‬محمد صوانة‬ ‫أمين السطام‪ ،‬عماد املغربي‬ ‫اإلخراج الفني‬ ‫خالد الدعاس‬

‫املراسالت‬

‫توجه باسم املشرف العام‬ ‫ّ‬

‫هاتف‪)+966( )4( 6263455 :‬‬ ‫فاكس‪)+966( )4( 6247780 :‬‬ ‫ص‪ .‬ب ‪ 458‬سكاكا اجلـوف ‪ -‬اململكة العربية السعودية‬ ‫‪www.aljoubah.com aljoubah@gmail.com‬‬ ‫ردمد ‪ISSN 1319 - 2566‬‬

‫سعر النسخة ‪ 8‬رياالت‬ ‫تطلب من الشركة الوطنية للتوزيع‬

‫قواعد النشر‬

‫‪ - 1‬أن تكون املادة أصيلة‪.‬‬ ‫‪ - 2‬لم يسبق نشرها‪.‬‬ ‫‪ - 3‬تراعي اجلدية واملوضوعية‪.‬‬ ‫‪ - 4‬تخضع املواد للمراجعة والتحكيم قبل نشرها‪.‬‬ ‫‪ - 5‬ترتيب املواد في العدد يخضع العتبارات فنية‪.‬‬ ‫‪ - 6‬ترحب اجلوبة بإسهامات املبدعني والباحثني والكتّاب‪،‬‬ ‫على أن تكون املادة باللغة العربية‪.‬‬ ‫«اجلوبة» من األسماء التي كانت تُطلق على منطقة اجلوف سابق ًا‬

‫الناشـــــــــر‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫أسسها األمير عبدالرحمن بن أحمد السديري (أمير منطقة اجلوف من ‪1362/9/5‬هـ‬ ‫ ‪1410/7/1‬هـ املوافق ‪1943/9/4‬م ‪1990/1/27 -‬م) بهدف إدارة ومتويل املكتبة العامة‬‫التي أنشأها عام ‪1383‬هـ املعروفة باسم دار اجلوف للعلوم‪ .‬وتتضمن برامج املؤسسة‬ ‫نشر الدراسات واإلبداعات األدبية‪ ،‬ودعم البحوث والرسائل العلمية‪ ،‬وإصدار مجلة‬ ‫دورية‪ ،‬وجائزة األمير عبدالرحمن السديري للتفوق العلمي‪ ،‬كما أنشأت روضة ومدارس‬ ‫الرحمانية األهلية للبنني والبنات‪ ،‬وجامع الرحمانية‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫الـمحتويــــات‬

‫االفتتاحية ‪4 . ....................................................‬‬

‫‪6.......................‬‬ ‫ملف العدد‪ ..‬أدب األطفال‬

‫ملف العدد‪ :‬أدب األطفال ‪6 . ...................................‬‬

‫دراسات‪ :‬الهُوية بين الخصوصيات الثقافية والهويات القاتلة ‪-‬‬ ‫د‪ .‬عيسى عودة برهومة‪51 . .....................................‬‬ ‫«حصان نيتشه» لعبدالفتاح كيليطو ‪ -‬هشام بنشاوي ‪59 . .....‬‬

‫قصص قصيرة‪ :‬فلتحكم سيدي القاضي ‪ -‬إلهام البراهيم ‪66 .‬‬ ‫نقرتان لليأس ‪ -‬رامي هالل ‪68 . ..................................‬‬ ‫قصص قصيرة جدا ‪ -‬عبدالرحيم التدالوي ‪70 . ..............‬‬

‫‪57.....................‬‬ ‫«حصان نيتشه»‬ ‫لعبدالفتاح كيليطو‬

‫قصص قصيرة جدا ‪ -‬محمد صوانه ‪71 . .....................‬‬ ‫قال لجدته ‪ -‬ناصر بن محمد العُمري ‪72 . ....................‬‬ ‫اللجنة األخرى ‪ -‬محمد معتصم ‪74 . ..........................‬‬ ‫شعر‪ :‬بدر الزمان ‪ -‬سليمان عبدالعزيز العتيق ‪75 . .............‬‬ ‫العابرون ‪ -‬أحمد البوق‪76 . ....................................‬‬ ‫يوماً ما ‪ -‬زكية نجم ‪77 . .......................................‬‬ ‫صاخب ٌة أمواجك ‪ -‬سارة الشمري‪78 . .........................‬‬ ‫الصبر ‪ -‬عبدالرحيم الماسخ‪79 . ..............................‬‬

‫‪98.....................‬‬ ‫حوار مع‬ ‫الروائي اللبناني أمني معلوف‬

‫نقد‪ :‬الراكض في أزمنة الشعر ‪ -‬عبدالله السفر‪80 . ...........‬‬ ‫قراءة في رواية «عيون الثعالب» ‪ -‬فهد المصبح ‪83 . ..........‬‬

‫معارج األل��م وقلق ال��وج��ود في جنازة الغريب لـ «عبدالله‬ ‫السفر» ‪ -‬سمير أحمد الشريف‪86 . ...........................‬‬ ‫«طوق الحمام» للروائية السعوديّة رجاء عالم ‪ -‬هيثم حسين‪89 ...‬‬ ‫مواجهات‪ :‬الشاعرة السعودية مالك الخالدي ‪ -‬محمود الرمحي ‪94‬‬ ‫الروائي اللبناني أمين معلوف ‪ -‬ترجمة‪ :‬أحمد عثمان‪99 . ....‬‬

‫‪115....................‬‬ ‫سكاكا ‪ ..‬آثار تتحدث‬ ‫وتاريخ ال ينتهي‬ ‫الغالف‪ :‬إطاللة على مدينة سكاكا‬ ‫م ��ن ق �ل �ع��ة زع� �ب ��ل ب�ع��دس��ة‬ ‫أمين السطام‪.‬‬

‫القاص والروائي السعودي أسامة عبيد ‪ -‬أحمد الدمناتي‪103 .‬‬ ‫نوافذ‪ :‬الزمن يخر ُج من ذواتنا ‪ -‬محمد الفوز‪107 . ..............‬‬ ‫هل بالطلول لسائل رد؟! ‪ -‬نــورا العلي ‪109 . ....................‬‬ ‫الغزل العذري في الشِّ عْر العربي ‪ -‬حسين السبهائي ‪111 . .....‬‬ ‫سكاكا‪ ..‬آثار تتحدث‪ ..‬وتاريخ ال ينتهي ‪ -‬أيمن السطام‪116 . ..‬‬ ‫قراءات‪123 . .....................................................:‬‬ ‫األنشطة الثقافية‪128 . ....................................... :‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫‪3‬‬


‫افتتاحية العدد‬ ‫> إبراهيم احلميد‬

‫يأتي العدد الثاني والثالثون من مجلة الجوبة‪ ،‬محمال بمواضيع متعددة‪،‬‬

‫من دراس��ات وقصص وشعر وم��واد نقدية وح��وارات وكتب‪ ،‬ترسم دربها‬ ‫بمختلف ألوان الطيف‪ ..‬متوّجا بملف بقينا ننتظر دوره للنشر بضعة أشهر‪،‬‬

‫نظرا لتعاقب األولويات في أعدادنا الماضية‪ ،‬وها هو ملف «أدب األطفال»‬ ‫يأتي ثرياً بمشاركات كتّاب ومبدعين لهم تجاربهم اإلبداعية‪ ،‬وكذلك‬

‫رؤيتهم التي أثروا بها العدد‪ ،‬في زمن يعدّ ه المهتمون وقتا ذهبيا للكتابة‬

‫لألطفال‪ ،‬يمكن الولوج من خالله إلى تشكيل رؤية جديدة ومغايرة في هذا‬ ‫النوع المتفرد من األدب‪ ،‬حيث الكتابة لألطفال تبقى التحدي األبرز أمام‬ ‫المبدعين والمفكرين‪ ،‬نظرا لصعوبة إدراك متطلبات الطفل‪ ،‬وما يمكن أن‬

‫يشكل له القيمة اإلبداعية التي ينتظرها‪ ،‬مهما ادّعى بعضهم الوصول إلى‬

‫الحقيقة المطلقة‪.‬‬

‫ويؤمن الجميع أن أدب األطفال يشكّل دعامة رئيسة في مواجهة التغيّرات‬

‫التي تواجه األطفال في مسيرة نموهم‪ ،‬وفي تكوين شخصياتهم عن طريق‬ ‫إسهامه في نموهم العقلي‪ ،‬والنفسي‪ ،‬واالجتماعي العاطفي واللغوي‪،‬‬

‫وتطوير مداركهم‪ ،‬وإثراء حياتهم بالثقافة وتعزيز قيم التسامح والحوار‪،‬‬

‫وتوسيع نظرتهم إلى الحياة‪ ..‬وإرهاف إحساسهم وإطالق خياالتهم‪ .‬وقد‬

‫ال ‪ -‬كما يشير العديد من المشاركين في الملف ‪-‬‬ ‫يبدو أدب األطفال سه ً‬ ‫لكنه‪ ،‬في الحقيقة‪ ،‬على درجة عالية من الحساسية واألهمية؛ ما يؤكد على‬

‫‪4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫اف�����������ت�����������ت�����������اح�����������ي�����������ة‬

‫أهمية منح الثقة للكتابة لألطفال‪ ،‬لمن يستطيع ولوج هذا العالم الصغير‬ ‫والكبير في الوقت ذاته‪.‬‬ ‫ولهذا‪ ،‬فإن مساهمة الجوبة في ملفها عن أدب األطفال‪ ،‬ال يمكن إال أن‬ ‫تكون إضافة إلى النقاش الذي يدور على صفحات المجالت المتخصصة‪،‬‬ ‫والجامعات‪ ،‬والمؤتمرات المتعلقة بأدب لطفل؛ وبالتأكيد‪ ،‬فإن شيوع الكتابة‬ ‫للطفل من كثير من أطياف المبدعين والكتّاب وغيرهم‪ ،‬ال يمكن أن يكون‬ ‫هو النهاية للشكل الذي نود الوصول إليه في هذا النوع من األدب‪ .‬وهنا‪،‬‬ ‫كان مشاركو العدد يحملون تجارب مختلفة‪ ،‬كان لها أبلغ األثر في تكوين‬ ‫مادة تستدعي إضافة عالمة مهمة‪ ،‬في هذا الطريق الطويل المحفوف‬ ‫باألطفال والطفولة‪ ،‬تأكيدا لما يمكن قوله من أن أي حصيلة جديدة‪ ،‬هي‬ ‫تحصيل حاصل لإلضافات التي سبقتها‪.‬‬ ‫وع��ودا إل��ى ب��دء‪ ،‬يحيلنا ه��ذا الملف إل��ى الواقع ال��ذي نعيشه‪ ،‬وال��ذي‬ ‫يؤكد أهمية العناية ب��أدب األطفال‪ ،‬وأهمية البناء على اإلنجازات التي‬ ‫تحققت‪ ،‬مع أهمية اإلف��ادة من األساليب الحديثة في الكتابة لهم؛ ليتم‬ ‫السماح بصعود أشكال جديدة‪ ،‬تتوافق مع عصر األطفال الذي يعيشونه‪،‬‬ ‫محاصرين بكل أنواع التقنية‪ ،‬مدركين أن ذلك ال يمكن له أن يتأتى من دون‬ ‫اعتبار لما يمتلكه هذا األدب من خصوصية ومقومّات أساسية متميزة‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫‪5‬‬


‫أدب األطفال‬ ‫> إعداد‪ :‬محمود عبدالله الرمحي‬

‫أدب األطفال فن أدبي‪ ،‬يشمل أساليب مختلفة من النثر والشعر‪ ،‬المؤلفة بشكل خاص لألطفال‬ ‫واألوالد دون عمر المراهقة‪ .‬بدأ تطور هذا النوع األدبي في القرن السابع عشر في أوروبا‪ ،‬وأخذ يزدهر‬ ‫في منتصف القرن العشرين‪ ..‬مع تحسين أنظمة التعليم في جميع أنحاء العالم‪ ،‬ما زاد من طلب‬ ‫المؤلفات المخصصة لألطفال بلغات مختلفة‪ ،‬ومع ظهور أدباء يكرسون معظم وقتهم لكتابة مؤلفات‬ ‫لألطفال‪ .‬ويمكن تعريف أدب األطفال بأنه النتاج الفكري الذي يتالءم مع طائفة أو فئة أو طبقة من‬ ‫المجتمع‪ ..‬وهم األطفال الذين يتصفون بعدم القدرة على تذوق األدب المخصص للكبار ‏‪ .‬ويهدف إلى‬ ‫توفير وعرض مقاالت علمية تختص بأدب األطفال من حكايات‪ ،‬وأساطير‪ ،‬وقصص‪ ،‬وشعر‪ ،‬ومسرح‪،‬‬ ‫وروايات‪ ،‬وآخر المستجدات واألخبار في عالم أدب األطفال‪.‬‬ ‫ويشكل أدب األطفال دعامة رئيسة في تكوين شخصيات األطفال عن طريق إسهامه في نموهم‬ ‫العقلي‪ ،‬والنفسي‪ ،‬واالجتماعي العاطفي واللغوي‪ ،‬وتطوير مداركهم‪ ،‬وإغناء حياتهم بالثقافة التي‬ ‫نسميها ثقافة الطفل‪ ،‬وتوسيع نظرتهم إلى الحياة‪ ..‬وإرهاف إحساسهم وإطالق خياالتهم المنشأة‪،‬‬ ‫وهو ليس أداة بحدّ ذاته بقدر ما هو أداة للنصوص به وبالمجتمع كله‪.‬‬ ‫وقد يبدو أدب األطفال سهالً‪ ،‬لكنه في الحقيقة على درجة عالية من الحساسية واألهمية‪ ،‬بما‬ ‫ينبغي ترجمة األفكار إلى مواضيع ذات صبغة طفولية يفهمها األطفال‪ ،‬وذلك من أجل إيصال هدف‬ ‫معين لهم‪ ,‬فاألطفال يمتلكون مساحة ضيقة من االنتباه‪ ،‬وغالب ًا ما تكون قدرتهم اللغوية ضعيفة‪..‬‬ ‫لذا‪ ،‬ينبغي مراعاة المستويات والحاجات والخصائص الطفولية من خالل اإلنتاجات األدبية المقدمة‬ ‫لهؤالء األطفال‪ ،‬ما يوجب على الكاتب في أدب األطفال استخدام األسلوب المحبب؛ السيما أن هذا‬ ‫األدب من الفنون الصعبة‪ ..‬ويجب أن يتسم بالبساطة في الكتابة واللفظ والمعنى(‪ )1‬‏‪ .‬وإن كنا نالحظ‬ ‫اهتمام ًا ب��أدب األطفال في بعض األقطار العربية‪ ،‬وفي بعض أجناسه‪ ،‬وفي الكتابة له وعنه‪ ،‬فإن‬ ‫الحاجة لهذا األدب ضرورة تستند عليها إدارة اإلنسان العربي بالدرجة األولى‪ ،‬ناهيك عن الوظائف‬ ‫الكبرى التي يضطلع بها أدب األطفال في عمليات التنمية الثقافية واالجتماعية والسياسية(‪ِ.)2‬‬ ‫* (‪ )2،1‬مها الضامن ‪ ،‬الفرات ‪ -2007-2-1‬سوريا‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪6‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ال‬

‫> عبدالرحمن الدرعان‪ -‬السعودية‬ ‫ليس من املبالغة اجلزم بأن تخلّف أدب الطفل في العالم العربي عموما‪،‬‬ ‫وفي اململكة على نحو خ��اص‪ ..‬يأتي في مقدمة النتائج التي أدى إليها‬ ‫اإلهمال الذي يناله الطفل من محيطه‪ ،‬والنظر إليه بوصفه كائنا قاصرا‬ ‫وسلبيا‪ ،‬يعتمد بالكلية في جميع شؤونه على الكبار‪ ..‬ويبقى في عهدتهم‬ ‫وحتت وصايتهم‪ .‬وهذه النتيجة‪ ،‬بالتأكيد‪ ،‬األساس الذي ميكن أن يفسر‬ ‫على نحو ما‪ ،‬إشكالية العزوف عن القراءة التي تعد إحدى مشكالت الكبار‬ ‫فيما بعد‪( ..‬الكبار هم أولئك األطفال القدامى الذين كانوا ضحية اجلحود‬ ‫واإلهمال)‪.‬‬ ‫والسؤال الذي يحسن بنا أن نوجهه قبل الولوج‬ ‫في عمق اإلشكالية‪ :‬هل تقدم املدرسة للطفل‬ ‫ما يلبي حاجاته‪ ،‬ويشبع جوانب النمو النفسية‬ ‫والوجدانية واالجتماعية ل��دي��ه؟ أم جت� ّرع��ه ما‬ ‫يوافق م��زاج الكبار‪ ،‬الذين ي��ري��دون أن يشكلوا‬ ‫شخصيته على ضوء ما كانوا إياه‪ ،‬مدفوعني بكل‬ ‫والتعسف القابعة في الوعيهم؟!‬ ‫أشكال األنانية‬ ‫ّ‬ ‫ليس ج��دي��دا ال�ق��ول ب��أن امل��درس��ة ال تعترف‬ ‫ب��اخل �ص��ائ��ص ال�ن�ف�س�ي��ة ل�ل�ط�ف��ل‪ ،‬وال ب�ح��اج��ات��ه‬ ‫ال�س�ي�ك��ول��وج�ي��ة‪ ،‬ف��ي ه ��ذه امل��رح �ل��ة ال �ت��ي يجمع‬ ‫التربويون وعلماء النفس على أنها أهم وأخطر‬ ‫مرحلة في حياة اإلنسان‪ .‬ولسنا بحاجة لشواهد‬ ‫على أن الطفل ما إن يدخل إلى مدرسته‪ ..‬حتى‬ ‫يجد نفسه‪ ،‬منذ اليوم األول‪ ،‬إزاء ترسانة حتيط‬ ‫به من كل اجلهات‪ ،‬مح ّملة بكافة أشكال النظم‬ ‫والقوانني وأدوات القمع‪ ،‬التي سرعان ما تروضه‪،‬‬ ‫وحتول بينه وبني إشباع حاجاته‪ ،‬وتسلب حريته‬ ‫لصالح اخلوف من أن يكون هو نفسه‪ ،‬وتبدأ أناه‬ ‫التواقة للحرية واإلب��داع اخل�لاق في النضوب‪..‬‬ ‫ليح ّل محلها اآلخرون‪ ..‬وهكذا‪ ،‬ينسحب تدريجيا‬ ‫من ذاته‪ ،‬ليتك ّيف تك ّيفا سلبيا مع املجموع‪ .‬وكل ما‬ ‫يحدث على هذا الصعيد هو أن املدرسة ال تعدو‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الطفل‪ :‬الكائن الغائب في معادالت الثقافة‬

‫أن تكون مؤسسة عقابية‪ ،‬غايتها حتويل الطفل‬ ‫إلى دليل للمعلومات التلقينية واحلشو‪ ..‬واملطلوب‬ ‫منه حفظها واسترجاعها وح�س��ب؛ أي أنها ال‬ ‫تعترف إال ب��ه‪ ..‬بوصفه أداة استرجاع‪ ،‬وذاك��رة‬ ‫بنكية معطلة بتلك العمليات العقلية األخ��رى‪،‬‬ ‫التي ميكن من خاللها تزويده باملهارات املختلفة‪،‬‬ ‫والسيما املخيلة التي قلّما جت��د لها مكانا من‬ ‫اإلع��راب‪ ..‬على الرغم من أن اخليال كما يقول‬ ‫أحد الفالسفة‪( :‬أهم من املعرفة)‪ ..‬وبخاصة في‬ ‫املراحل املبكرة من عمر اإلنسان‪ .‬فالطفل كما هو‬ ‫معلوم مخيلة بال ذاكرة‪ ..‬والكهل ذاكرة بال مخيلة‪،‬‬ ‫وم��ع األس��ف ف��إن امل��ؤس�س��ة ال�ت��رب��وي��ة بقوانينها‬ ‫املتكلسة هي من ينسف هذه املعادلة‪.‬‬ ‫وك �م��ا أن ع ��دم إش �ب��اع احل��اج��ات العضوية‬ ‫م��ن مأكل وم�ش��رب وس��واه ق��د ي��ؤدي إل��ى العلل‬ ‫أو امل��وت؛ ف��إن ع��دم إش�ب��اع احل��اج��ات النفسية‬ ‫والوجدانية واالجتماعية سيؤدي بالضرورة إلى‬ ‫تش ّوه شخصية اإلنسان‪ ،‬واختالل عالقته بنفسه‬ ‫وباآلخرين‪ ،‬وموت نزعاته ونزواته البيضاء‪.‬‬ ‫ترى‪ ،‬أي مخرجات سوف نتوقعها من مؤسسة‬ ‫بهذه املواصفات‪ ،‬يفترض أن تقوم ب��دور رشيد‬ ‫ف��ي ترميم اخل�ل��ل‪ ،‬وس��د ال�ف�ج��وات‪ ،‬والتصدي‬ ‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫‪7‬‬


‫للمشكالت التي تعاني منها املجتمعات؟!‬ ‫من احملزن‪ ،‬أن تسهم املؤسسة التعليمية في‬ ‫بناء مسافة مأهولة بالكراهية واملقت بني الطفل‬ ‫والكتاب‪ ..‬بسبب التصورات الذهنية التي ش ّكلها‬ ‫ع��ن محتواه‪ ،‬أو بينه وب�ين أي وع��اء م��ن أوعية‬ ‫املعرفة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من محاوالت بعض الكتّاب‪ ،‬الذين‬ ‫كانت لهم اج�ت�ه��ادات أق � ّل م��ا ميكن أن توصف‬ ‫به بأنها ف��ردي��ة‪ ..‬ف��إن ُج� َّ�ل ما يكتب للطفل من‬ ‫نصوص‪ ..‬لم يكن واعيا حلاجته السيكولوجية‬ ‫واإلدراك� �ي ��ة‪ ،‬أو م��راع�ي��ا ل�ق��ام��وس��ه ال �ل �غ��وي‪ ،‬أو‬ ‫إشباع مخيلته‪ ،‬بقدر ما كانت عبارة عن دروس‬ ‫ومواعظ وإرشادات تربوية‪ ،‬تع ّبر عن رغبة الكبار‬ ‫في تشكيل الطفل على صورة ما يريدونه؛ ومن‬ ‫ث ّم‪ ،‬فهي امتداد للكتاب املدرسي املنفّر للطفل‪..‬‬ ‫وهو ما انعكس على عالقة الطفل بالكتاب خارج‬ ‫املدرسة‪.‬‬ ‫الطفل ال يتعلم ما هو في حاجة ملحة إليه‪ ،‬بل‬ ‫يتجرع ما نحن نريده أن يتعلمه بطريقة تعسفية؛‬ ‫أعني أن ُج َّل ما نقدمه للطفل هو املاضي الذي‬ ‫نحن إليه‪ ،‬بدال من املستقبل الذي يتطلع الطفل‬ ‫ُّ‬ ‫إل �ي��ه‪ ..‬وه��ي مفارقة كبيرة‪ .‬إن حتييد الطفل‬ ‫ككائن غير معترف بقدراته وحاجاته ورغباته‪،‬‬ ‫واالستحواذ عليه‪ ،‬واستغالل نقص عامل اخلبرة‬ ‫الذي يفتقر إليه بأسوأ صورة من صور العقوق‬ ‫ال�ت��ي يلقاها ال �ط �ف��ل‪ ..‬ليجد مستقبله ص��ورة‬ ‫منسوخة ملاضي أولئك الكبار الذين يريدونه أن‬ ‫يصبح ما كانوا هم إ ّي��اه‪ ..‬على طريقة الشاعر‬ ‫العربي الذي صاح ذات يوم في محاولة إليقاف‬ ‫جريان الزمن‪:‬‬

‫ذاك��رة متصلبة‪ ،‬ال تتقبل إال ما ألفته من القيم‬ ‫واملنظومات األخالقية‪.‬‬ ‫وع �ل��ى ال��رغ��م م��ن أن ن�ه��ر ال��زم��ن ال ينتظر‬ ‫العاطلني‪ ..‬ف��إن ص��دى تلك الصرخة م��ا ي��زال‬ ‫ير ُّن في أنحاء الشارع األدبي في البالد العربية‬ ‫حتى يومنا ه��ذا‪ ..‬األم��ر ال��ذي أسهم كثيرا في‬ ‫مضاعفة حالة االنفصام بني األجيال املتالحقة‪،‬‬ ‫وهدر ملستقبل يأتي قبيل أوانه على صورة اجليل‬ ‫الناشئ‪ ،‬ولكن أح��دا لم يحسن االستئناس به‪،‬‬ ‫والتعاطي مع مفرداته!‬ ‫ومهما كثرت املزاعم التي ن ّدعيها عن أهمية‬ ‫الكتابة للطفل‪ ..‬فإن أحد أسباب عزوف الكتاب‬ ‫عن أدب األطفال‪ ،‬هو ذلك اليقني الراسخ في‬ ‫الوع��ي الكثيرين‪ ..‬بأنه الدنو من ه��ذا العالم‪،‬‬ ‫ليس أكثر من تسلية وطريق عبثية ال يخوضها‬ ‫سوى أنصاف الكتاب وفقراء املوهبة‪ ،‬ويؤيد هذه‬ ‫الرؤية ما تزخر به كتب التراث األدبي من الصور‬ ‫في غاية السخرية من معلمي الصبيان‪.‬‬ ‫وإضافة إلى ذلك‪ ،‬فإن غياب املؤسسات التي‬ ‫يتعني عليها أن تولي هذا النوع من األدب أهمية‬ ‫بالغة‪ ،‬لن يزيد األمر إال تأخرا‪ ،‬مع أنني ال أع ّول‬ ‫كثيرا على مثل هذا النشاط في بيئات ال تعترف‬ ‫بالعمل املؤسساتي على اإلط�لاق؛ فاألمر يحتاج‬ ‫إل��ى «ص��دم��ات كهربائية» لتفكيك بنية النظام‬ ‫األبوي (مبعناه الشامل)‪ ..‬الذي ال يني يعيد يلغي‬ ‫الفرد‪ ،‬ويعيد إنتاج الذهنية اجلمعية في الواحد‪،‬‬ ‫ويحكم على كل مبادرة فردية بالعزل والقطيعة‬ ‫والشذوذ‪.‬‬

‫ب �ي��د أن ��ه م��ن اإلن� �ص ��اف اإلش � ��ارة إل ��ى بعض‬ ‫ال �ت �ج��ارب احمل�ل�ي��ة القليلة ال �ت��ي ب��ذل أصحابها‬ ‫أعمال مغايرة‪ ،‬أمثال سعد‬ ‫جهودا في سبيل تقدمي‬ ‫ٍ‬ ‫وي� �ن� �ش ��أ ن ��اش ��ئ ال� �ف� �ت� �ي ��ان م�ن��ا‬ ‫الدوسري‪ ،‬وجبير املليحان‪ ،‬ووفاء السبيل‪ ،‬ويوسف‬ ‫ع � �ل� ��ى م�� ��ا ك � � ��ان ع� � � � � �وّده أب�� ��وه احمليميد‪ ،‬وأروى خميس على سبيل املثال‪ ..‬غير‬ ‫واألخ �ط��ر أن��ه يصدر م��ن يقني يتع َّيش على أن امل��راه�ن��ة على اس�ت�م��رار ه��ؤالء ت�ب��دو متعذرة‬

‫‪8‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ألسباب كثيرة‪ ..‬من بينها عزوف دور النشر عن‬ ‫املجازفة بتبنّي نشر كتاب مكرس للطفل‪ ،‬محكوم‬ ‫عليه سلفا باخلسارة‪ ،‬األمر الذي ال يفاقم املشكلة‬ ‫وحسب؛ بل يوفر مناخا واسعا للناكصني الذين‬ ‫سوف يستغلون هذا الفراغ‪ ،‬ويقفزون في محاولة‬ ‫للعودة بقطار الزمن إلى ال��وراء؛ كما نرى ونسمع‬ ‫مع االنفتاح الفضائي‪ ،‬وتنامي القنوات التلفزيونية‪،‬‬ ‫وامليديا‪ ،‬وانتشار ثقافة الصورة ما يحدث فوضى ال‬ ‫نظير لها‪ .‬إن الكثير من القنوات املكرسة للطفل ال‬ ‫يعنيها األمر أكثر من كونه مشروعا جتاريا‪ ،‬يعتمد‬ ‫الطفل في مجتمعاتنا رق��م صغير يقع خارج‬ ‫املستثمرون فيه على استجداء الوالدين بدغدغة املعادالت الثقافية؛ فإذا لم ينظر إليه ككائن قاصر‬ ‫حاسة النوستاجليا في داخلهم‪ ،‬وتقدمي وجبة بائتة حتت الوصاية‪ ،‬فهو على الرغم عنه رجل صغير‬ ‫لم تعد صاحلة لالستهالك واالستثمار‪ ،‬في ذهنية محكوم بنواميس الكبار؛ مبعنى أنه في احلالتني‬ ‫غائبة عن التعاطي مع مفردات احلاضر‪ ،‬فضال الكائن الذي لم يولد بعد‪.‬‬ ‫عن املستقبل‪ ..‬أو برامج مستوردة بترجمة حرفية‬ ‫رديئة في مجملها‪ ،‬وحتى اجليد منها‪ ..‬غالبا ما‬ ‫يكون موجها ‪-‬ف��ي ه��ذه احل��ال‪ -‬إل��ى متلق يشبه‬ ‫سجينا يرى العالم من خالل مرايا زنزانته‪ .‬أعتقد‬ ‫أن م��ا تعرضه ق�ن��وات التلفزيون امل��ؤدجل��ة وغير‬ ‫املسئولة م��ن ب��رام��ج تتحكم ف��ي ع�ق��ول األط�ف��ال‬ ‫وتبرمجهم وتربيهم على هواها‪ ..‬ال يقل جرما عما‬ ‫ترتكبه عصابات خطف األطفال وجتار األعضاء‪..‬‬ ‫بل هو أكثر فداحة وضراوة‪.‬‬

‫نكتب للطفل وكأنه نحن!‬ ‫> سميحة خريس‪ -‬األردن‬ ‫نكتب للطفل وكأنه نحن‪ ،‬أو على أقل تقدير‪ ،‬وكأنه الطفل الذي كنا‪ ،‬ذلك‬ ‫ألن��ه يستحيل علينا معرفة العالم الغامض البهي اخل��اص ال��ذي يعيشه‬ ‫الطفل‪ .‬لدينا تصوراتنا املسبقة عن األطفال‪ ،‬إضافة إلى تصوراتنا الساذجة‬ ‫عن دورنا التربوي‪ ،‬والقيادي‪ ،‬والسلطوي‪ ،‬الذي سيقود األطفال إلى الدرب‬ ‫الذي نتمناه ونحدده‪ ..‬نظن أننا نشبه عازف املزمار الذي سيطلق حلنه‬ ‫اآلسر‪ ،‬فيتبعه ِصبية القرية إلى الغابات‪ .‬احملزن أننا غالباً ما نقودهم «إذا‬ ‫تبعونا» إل��ى ج��داول شحيحة‪ ،‬وق�ف��ار مجدبة‪ ،‬وف �ض��اءات معتمة‪ ..‬ألننا‬ ‫ببساطة ال نفهم الطفل!‬ ‫ثم نحن ننسى‪ ،‬ننسى الطفل ال��ذي كنا‪ ،‬كيف‬ ‫َمن قال إن طفل هذا القرن الذي يجيد استخدام‬ ‫احلاسوب‪ ،‬والتعرف على حيله وخصائصه‪ ،‬وح ّل كان ينفر من التوجيه املباشر الغليظ‪ ،‬ومييل إلى‬ ‫اخل�ي��ال‪ ،‬ويبحث عن الغامض واجل��دي��د وامل��ات��ع‪..‬‬ ‫�وان‪ ،‬بينما‬ ‫أع�س��ر امل�ش�ك�لات اإلل�ك�ت��رون�ي��ة ف��ي ث�� ٍ‬ ‫ننسى كيف أننا مب��رور الزمن فقدنا الرومانسية‬ ‫جنلس فاقدي األعصاب متوترين‪ ،‬أمام أي عقبة‬ ‫الساذجة‪ ،‬ومثلنا كان مجتمعنا؛ ينضج على نيران‬ ‫ه ّينة‪ ،‬أو معضلة عابرة في تعاملنا مع اجلهاز؟ من ال �ت �ج��ارب‪ ،‬ف�ي�ط��رح ج��ان�ب�اً روم��ان�س�ي�ت��ه‪ ،‬ويتحلّى‬ ‫بعقالنية جديدة‪ ،‬وعلى الرغم من ذل��ك نخاطب‬ ‫قال إن هذا الطفل يريد ما أريده أنا؟!‬ ‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫‪9‬‬


‫الطفل ب �ص��ورة مم�ج��وج��ة؛ ن�ت�ص��وره ول ��داً مهذباً‬ ‫قادراً على اجللوس إلى األريكة‪ ،‬وسماع التنبيهات‬ ‫واألوام���ر وال�ت�ح��ذي��رات بدماثة ورض ��ا‪ ..‬نتقمص‬ ‫هيئة املعلم‪ ،‬وندلي مبعارفنا‪ ،‬خالية من اخليال‪،‬‬ ‫وم��ن ال�ف��ن‪ ،‬وم��ن ال�ط��راف��ة؛ فنحن نتعامل بجدية‬ ‫مقيتة‪ ،‬وال نظن أن أدب الطفل ينتمي إلى فئة الفن‬ ‫واألدب‪ ،‬بقدر ما ينتمي إلى خندق التربية والتعليم‪،‬‬ ‫املرتبطة باملساطر واملقاعد واحل��رك��ة احملسوبة‬ ‫وقرع اجلرس‪.‬‬ ‫يعاني كتّاب أدب الطفل عموماً‪ ،‬إال من رحم‬ ‫ربي‪ ،‬من خلط في حتديد الفئة التي يكتبون لها‪،‬‬ ‫فنراهم يكتبون أدب �اً للطفل في سن العاشرة‪،‬‬ ‫أبطاله ميمي وسوسو وكرموش ومنتوش وقطقوط‬ ‫ودبدوب‪ ،‬كأنهم يقصون قصة قبل النوم على ابن‬ ‫الثالثة! مثل هذا التصغير و«االستصغار» مهني‬ ‫للطفل؛ إنه أشبه ما يكون بتصرف غير واع من‬ ‫أ ٍّم تظل تخاطب ولدها حتبباً كما لو كان رضيعاً‪،‬‬ ‫فتفقده ال�ق��درة على تعلم النطق الصحيح‪ ،‬ثم‬ ‫هناك َم��ن يظنون أن من السهل خ��داع الطفل‪،‬‬ ‫والتعالي عليه‪ ،‬باتخاد وضع املعلم وإيراد املعارف‬ ‫التي يسخر منها الطفل في أعماقه؛ ألنه ببساطة‬ ‫يعرفها‪ ،‬فهو ليس ول��داً م�ع��زوالً‪ ،‬إن��ه اب��ن عصر‬ ‫احلاسوب‪ ،‬واملشاهد األكثر مثابرة على شاشات‬ ‫التلفاز‪ ،‬والذي يتفرج بحرية عالية دون انتقاء وال‬ ‫اصطفاء‪ ..‬عقله تعرض ملاليني املعارف التي قد‬ ‫ال يتيح لنا الوقت أن نطلع عليها‪ ،‬كما أنه سبقنا‬ ‫في ماراثون اللغة‪ ،‬فنحن في معظمنا اطلعنا على‬ ‫لغة ثانية‪ ،‬بحدود معقولة‪ ،‬بينما تسنى له اكتساب‬ ‫أكثر من لغة‪ ،‬بالقدر نفسه والبراعة ذاتها اللذين‬ ‫يشرب فيهما لغته األم‪ ،‬وتلك ميزة جتعل من‬ ‫عقله مسرحاً لنشاط فكري منفتح وخالق‪.‬‬ ‫إذاً‪ ،‬طفلنا بحاجة حقيقية مل��ن يفهم ذلك‬ ‫ال�ت�ط��ور الكبير ف��ي ق��درات��ه وم �ع��ارف��ه‪ ،‬كما أنه‬ ‫بحاجة لترميم ال�ف�ج��وة ال�ت��ي ح��دث��ت ل��دي��ه في‬ ‫منطقة اخليال؛ فالطفل الذي كان يصنع سيارته‬

‫‪10‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫وطيارته ولعبته‪ ،‬لم يعد ينتج بأنامله وخياله‪،‬‬ ‫فصار متلقياً‪ ،‬وضمرت جوانب اخليال؛ إذ جتنح‬ ‫وسائل اإلع�لام إلى حشوه بالصورة كاملة‪ ،‬من‬ ‫دون هوامش يصير هو فيها فاع ً‬ ‫ال‪ .‬هذا الطفل‬ ‫بحاجة إلى لغة مجنّحة ترقق ذائقته‪ ،‬ومواضيع‬ ‫تثري الفنان فيه قبل أن ينضم إلى عالم السوق‬ ‫اجلاف‪ ،‬وهو طفل محاط بكثير من صور الدمار‬ ‫التي يحملها هذا العصر‪ ،‬عبر نشرات األخبار‬ ‫واألف�لام‪ .‬هناك عنف وكراهية وخديعة‪ ،‬تغيب‬ ‫قيم احلق واجلمال؛ إال أن استعادة تلك القيم‬ ‫ال تتم ب��ال�ص��ورة احملنطة التوجيهية املمقوتة‪،‬‬ ‫ولكن نتوسل إليها بالفن واإلبداع‪ ،‬باللغة الراقية‪،‬‬ ‫وامل��وض��وع احل �س��اس ال ��ذي ال ي ��زاود على أهم‬ ‫معاني احلرية‪ ،‬وال يك ّبل الصغار مبا تكبلنا به‪،‬‬ ‫وصرنا له أحجاراً على الرقعة‪.‬‬ ‫هناك مسألة على درجة عالية من األهمية‪،‬‬ ‫وهي التي تصنع ذائقة الطفل وانتماءه ووالءه‪،‬‬ ‫تكمن في العودة إلى التراث‪ ،‬الذي يحتاج بدوره‬ ‫إل��ى االنتقاء السليم‪ ،‬واختيار ما يخدم القيمة‬ ‫واجلمال‪ ،‬وما يفتح األبواب على اخليال والنمو‬ ‫من تراثنا‪ ،‬في محاولة لربط الطفل بحضارته‬ ‫من دون تعسف وال خطابات؛ وهي محاولة تصوغ‬ ‫انتماء الطفل إل��ى تلك احل�ض��ارة أو تلك‪ ،‬وفي‬ ‫الوقت نفسه حتييد ما يحفل به التراث من شعت‬ ‫واستخفاف وبَال َدة‪ ،‬أحيانا‪.‬‬ ‫أتذكر أننا كنا قادرين على قراءة كتب األطفال‬ ‫التي توزعت فيها صور قليلة بسيطة‪ ،‬ثم شدهنا‬ ‫باملجالت امل �ص��ورة‪ ،‬س��وب��رم��ان وميكي وسمير‪،‬‬ ‫طفل اليوم ربيب الصورة‪ ،‬إنه ينشأ في مجتمع‬ ‫أضحى فيه حلاسة البصر وذائقتها شأن كبير؛‬ ‫إنه زمن يقع وسطاً بني القراءة واملشاهدة‪ ،‬حيث‬ ‫تدربت العني على رؤي��ة املشاهد‪ ،‬فقلت أهمية‬ ‫ال��وس��ائ��ل السمعية وامل �ق��روءة لصالح الوسائل‬ ‫املرئية‪ ،‬التلفاز جتاوز املذياع‪ ،‬واللوحة جتاوزت‬ ‫اخلطبة‪ ،‬واملسلسل تف ّوق على الرواية املكتوبة‪،‬‬


‫نفتقر فيما نفتقر إليه إلى الكتابة إلى األطفال‬ ‫من باب العلوم‪ ،‬ورغم أن هناك محاوالت متفرقة‪،‬‬ ‫ولكنها علمية خالصة‪ ،‬يندر أن نقرا كتاباً أدبياً‬ ‫�وج��ه علمي‪ ،‬ه��ي محاوالت‬ ‫للطفل يقوم على ت� ّ‬ ‫متفرقة ال متثل ظاهرة عميمة‪ ،‬على الرغم من‬ ‫أننا في عصر العلم‪ ،‬كما تغيب في الوقت ذاته‬ ‫كتب اخليال العلمي املكتوبة مبزاوجة بارعة بني‬ ‫العلم واألدب‪ .‬ق��د يكون هناك م��ن الترجمات‬ ‫لهذا النوع من الكتابة أكثر من املؤلفات‪ ،‬رمبا‬ ‫ك��ان ذل��ك طبيعياً‪ ،‬ف��ي مجتمع ع��رب��ي يستورد‬ ‫العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬ويستهلكها وال يعرف أسرار‬ ‫إنتاجها‪ ..‬بهذا احلال أطفالنا مظلومون أيضاً‪.‬‬ ‫َمن يستطيع حتقيق تلك املعادلة الصعبة في‬ ‫عالم الكتابة للطفل؟ َمن يجرؤ على اختراق ذلك‬ ‫العالم الوضيء النظيف‪ ،‬وت��رك حروفه وكلماته‬ ‫على الوجدان الهش؟ يبدو األم��ر حتد ّياً مخيفاً‬ ‫لكل من كان له ضمير‪ ،‬لكن الواقع يقول إن هناك‬ ‫آالفاً يجرؤو��؛ فاملطابع ترمي إلى األسواق كل يوم‬ ‫بأطنان من كتب األطفال‪ ،‬ذلك أن بشراً كثيرين‬ ‫ٍ‬ ‫اكتشفوا أن الكتابة لألطفال ليس عليها رقيب‪،‬‬ ‫وال ناقد وال منتقد‪ ،‬ميكنك أن حتكي حكايات‬ ‫جدتك‪ ،‬أو مغامرات ابنك‪ ،‬أو جتمع من التراث‬ ‫قصصاً‪ ،‬أو تضع توجيهات تربوية خالصة في‬ ‫كتاب‪ .‬ميكنك أن تتغاضى عن اللغة‪ ،‬وال تلتفت إلى‬ ‫صياغة اجلمل؛ فالنقاد ال ينتبهون عادة إلى كتاب‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫إنها تقنيات معاصرة‪ ،‬وسائل هذا الزمان‪ ،‬فال‬ ‫يعقل أن يظل الكتاب اخلاص بالطفل‪ ،‬وحتديداً‬ ‫الكتاب العربي خلواً من المً خاطبة البصرية‪ ،‬حيث‬ ‫الرسومات ساذجة تفتقر إلى اإلبداع واجلمال‪،‬‬ ‫واأللوان بخيلة‪ ،‬واخلطوط غير مدروسة‪ ،‬بل إن‬ ‫صناعة كتاب الطفل علم قائم بذاته في الغرب‪،‬‬ ‫ألن الصورة أهم وسيلة للمخاطبة‪ ،‬بينما نقع في‬ ‫تفاصيل كثيرة جتعل كتاب الطفل العربي في‬ ‫تراجع‪ ،‬فهو وإن عومل على أنه سلعة في السوق‪،‬‬ ‫لكنها سلعة باهتة تفتقر إلى اإلجادة‪.‬‬

‫الطفل‪ ،‬واآلباء ال يقرؤون ما في أيدي أطفالهم‪،‬‬ ‫واألطفال ال يجدون معلمني قادرين على إعطاء‬ ‫لتفحص كتاب التسلية في حقيبة‬ ‫وقت إضافي‬ ‫ّ‬ ‫التلميذ‪ ،‬والطفل نفسه إذا وق��ع على األخطاء‬ ‫واملغالطات لن يراجعك‪ ،‬إنها احللقة األضعف في‬ ‫ساحة األدب والتي ميكنك التحرك فيها بحريتك‬ ‫من دون حسيب وال رقيب؛ ثم هي حلقة مربحة‬ ‫مادياً‪ ،‬فكتب األطفال تباع بأثمان معقولة‪ ،‬واإلقبال‬ ‫شديد ألن الطفل لم يتعلم بعد حرفية االنتقاء؛ إذ‬ ‫تستطيع استجالب اهتمامه بغالف ب��راق ملون‪،‬‬ ‫وميكنك أن حتمل نتاجك ال�ف� ّذ إل��ى امل ��دارس‪..‬‬ ‫حيث الصغار يتنافسون ف��ي احل�ص��ول على ما‬ ‫حصل عليه زميلهم‪ ،‬وحيث األعداد وافرة‪.‬‬ ‫ال�ك�ت��اب��ة للطفل ف��ي أزم ��ة حقيقية‪ ،‬واق�ع��ة‬ ‫بني الشد واجل��ذب‪ ،‬بني التوجيه وال��دع��وة إلى‬ ‫قيمة احلرية‪ ،‬بني الفن والصرامة‪ ،‬بني التجار‬ ‫واملبدعني احلقيقيني‪ ،‬بني َم��ن يحاول استعادة‬ ‫طفولته والتنفيس ع��ن وج�ع��ه لضياع ال��زم��ان‪،‬‬ ‫وبني فهم الطفل املعاصر املختلف‪ ،‬األكثر براعة‬ ‫وثقافة‪ ،‬واألوفر حظاً‪ ..‬لكنه الفقر‪ ،‬خيا ٌل ال ينعم‬ ‫مبرجعية قيم ّية وأخالقية‪ ،‬ميكنه الركون إليها‪.‬‬ ‫ه��ل ميكن ح��ل ه��ذه املعضلة ب��إع�ط��اء القلم‬ ‫للطفل ليكتب أدبه اخلاص؟ كانت لي جتارب مع‬ ‫أطفال موهوبني قادرين على منح أدب الطفل نكهة‬ ‫بديعة‪ ،‬قادرين على التجنيح‪ ،‬متمكنني من اللغة‪،‬‬ ‫لكنهم ككل الناس يكبرون! كما أنهم في طفولتهم‬ ‫غير قادرين على مجاراة ومنافسة التيار القوي‬ ‫الذي ميثله كتّاب األطفال في العالم العربي‪.‬‬ ‫ال أعرف ح ً‬ ‫ال لتلك املعضلة‪ ،‬إال باملثابرة على‬ ‫إب ��راز الثمني واجل��وه��ري فيما يكتب ف��ي أدب‬ ‫األطفال‪ ،‬وتلك مسؤولية النقد واإلعالم من جهة‬ ‫أخرى‪ ،‬ثم بالقيام بدور التوعية للطفل ومساعدته‬ ‫لالختيار السليم‪ ،‬واألهم إيجاد وسيلة توقف تلك‬ ‫الفوضى في سوق الكتابة للطفل‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪11‬‬


‫الطفل أهداف وغايات‬ ‫> منال محروس‪ -‬السعودية‬

‫أهمية الطفولة‬ ‫الطفولة مرحلة أساسية في بناء اإلنسان‪ ،‬فكل خبرة من خبرات احلياة التي تقدم لألطفال‪ ،‬أو‬ ‫تتصل بحياتهم‪ ..‬تسهم في إعدادهم اإلعداد السليم والقومي؛ ولذا‪ ،‬فإن األدب املقدم لألطفال من‬ ‫أهم عناصر اخلبرات في تكوين مرحلة الطفولة‪ .‬وأدب الطفل وسيلة من الوسائل التربوية التي‬ ‫تعتمد على أشكال معينة‪ ،‬فله أساليبه وقوانينه التي تتخذ أدب الطفل أساليباً وقنوات وأشكاالً‬ ‫مختلفة؛ كالقصة التي متثل أهم شكل من أشكاله‪ ،‬ذلك النسجامها مع الطبيعة التي يحملها الطفل‪.‬‬ ‫ثم يأتي الشعر‪ ،‬والتمثيلية‪ ،‬واملقالة‪ ،‬والرواية‪ ،‬وال بد أن متتاز هذه األن��واع األدبية باحلسية‪ ..‬أي‬ ‫يشاهدها ويسمعها الطفل (الصورة – اللون‪ -‬الصوت )‪.‬‬

‫أهدافه وغاياته‬

‫األطفال إلى حتقيقها في النقاط اآلتية‪:‬‬ ‫‪1 .1‬التربية الدينية‪.‬‬

‫ألدب الطفل هدف أساس‪ ،‬هو تقدمي اخلبرات‬ ‫له‪ ،‬وتنمية مقدرته على التفكير والتعبير‪ ،‬وزرع ‪2 .2‬يُبنى الطفل بنا ًء سليماً عن طريق تنمية‬ ‫امل� �ه ��ارات ف��ي ن�ف�س��ه‪ ،‬وغ���رس ال�ق�ي��م ال�ت��رب��وي��ة‬ ‫شخصيات األطفال جسمياً وعقلياً ونفسياً‬ ‫والسلوكية اإليجابية‪ ،‬وتنمية شخصيته وتهذيب‬ ‫واجتماعياً ولغوياً‪ ،‬ويعده لتحمل المسئولية‬ ‫مكوناتها‪ ،‬وإشباع حاجاته النفسية والوجدانية‬ ‫بعزيمة ووعي وكفاية وإخالص‪.‬‬ ‫واالجتماعية؛ ليكون في النهاية ف��رداً صاحلاً‬ ‫‪3 .3‬يصقل س�ل��وك الطفل وف��ق قوانين وقيم‪،‬‬ ‫في مجتمعه‪ ،‬وعنصراً بنا ًء في محيطه‪ .‬والهدف‬ ‫ويعمل على تربيته تربية أخالقية‪.‬‬ ‫ليس محصوراً على التسلية وإمتاع الطفل فقط‪.‬‬ ‫ونستطيع أن نحدد أهداف وغايات أدب األطفال ‪4 .4‬أن يحس األطفال باالستقرار واألم��ن؛ ألن‬ ‫هذا اإلحساس هو األساس في بناء الحياة‬ ‫في ثالثة إطارات‪ ،‬هي‪:‬‬ ‫النفسية للطفولة‪.‬‬ ‫أ‪ .‬اإلطار املعرفي‪ :‬زيادة املعلومات‪ ،‬وتصحيح‬ ‫‪5 .5‬يقوّي روح التضامن والتعاون بين األطفال‪.‬‬ ‫القدمي منها‪ ،‬ومنو مفاهيم جديدة‪.‬‬ ‫ب‪ .‬اإلط ��ار امل �ه��اري‪ :‬تنمية م �ه��ارات الطفل‬ ‫احلس ّية واحلركية والعقلية‪.‬‬ ‫ج‪ .‬اإلط��ار الوجداني‪ :‬يهتم مبراعاة حاجات‬ ‫النمو‪ ،‬ومطالبة تكوين اجتاهات إيجابية له‪.‬‬ ‫وميكن تلخيص أهم األهداف التي يسعى أدب‬

‫‪12‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫‪6 .6‬يكسب الطفل ال �م �ه��ارات المختلفة التي‬ ‫تساعد على اإلنتاج أوالً‪ ،‬وكسب الثقة ثانياً‪،‬‬ ‫وأن تزدهر قدراته ومواهبه‪.‬‬ ‫‪7 .7‬تنمية ال�ش�ج��اع��ة وال� �ج ��رأة‪ ،‬غ ��ذاء للنفس‬ ‫ومورد للعقل‪.‬‬


‫الحس الغني الجمالي بالقراءة المتواصلة التي‬ ‫ّ‬ ‫‪9 .9‬تنمية‬ ‫تهذب الذوق وتعلمه تقدير الكتاب الجيّد‪ ،‬والصورة‬ ‫الجميلة‪ ،‬وتمييز الكتب األقل جودة وجماالً‪.‬‬ ‫‪1010‬تنمية القدرة على التعبير الخالق‪ ،‬فحينما يقرأ الطفل‬ ‫كتاباً ما‪ ..‬يحس أحياناً بالحاجة إلى الكتابة والتعبير‬ ‫عن المشاعر الخاصة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫‪8 .8‬تعويد الطفل على ال �ع��ادات الطيبة‪ ،‬وب�ي��ان أض��رار‬ ‫العادات السيئة‪.‬‬

‫‪1111‬اكتساب المواهب األدبية والفنية في مرحلة مبكرة‬ ‫عند الطفل‪ ،‬وذلك بدفعة إلى ممارستها‪.‬‬ ‫‪1212‬تحبيب العلم إلى نفوس األطفال‪ ،‬واكتشاف المواهب‬ ‫العلمية لديهم من خالل القصص العلمية‪ ،‬والمكتشفات‬ ‫الحديثة‪ ،‬وقصص العلماء والباحثين‪.‬‬ ‫‪1313‬تنمية حب المغامرات لرفع المستوى المعيشي‪ ،‬أو‬ ‫بغية االستكشاف واالستطالع‪.‬‬ ‫‪1414‬يثري أدب الطفل لغة األطفال من خ�لال تزويدهم‬ ‫ب��أل�ف��اظ وك�ل�م��ات ج��دي��دة‪ ،‬ك�م��ا أن��ه ينمي ق��درات�ه��م‬ ‫التعبيرية والدينية والحقائق العلمية‪.‬‬ ‫‪1515‬حب الله عز وجل‪ ،‬وحب نبيه الكريم صلى الله عليه‬ ‫وسلم‪.‬‬ ‫‪1616‬تعريفه بالقصص الديني في القرآن الكريم والسنة‬ ‫النبوية المطهرة‪ ،‬لتكوينه من الناحية الدينية السوية‬ ‫المتكاملة‪.‬‬ ‫‪1717‬من ناحية اجتماعية‪ ..‬تعريف الطفل بمجتمعه وعاداته‬ ‫وتقاليده وقوانينه‪.‬‬ ‫‪1818‬من ناحية الترفيه والتسلية‪ :‬إمتاع الطفل وتسليته‬ ‫بأدب راق منتقى ذي محتوى جيد‪.‬‬ ‫‪1919‬البعد عن األدب المخل الهابط الذي يؤدي إلى نتائج‬ ‫عكسية غير م��رغ��وب��ة‪ ..‬كذكر ال�م��وت و(الحرامية)‬ ‫والضحايا والدماء واألشباح والجنيات‪ ،‬وغير ذلك‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪13‬‬


‫‪2020‬إشباع حاجاته النفسية والوجدانية‪.‬‬

‫ويكون خبيراً مبراحل منوهم املختلفة وميزاتها‬

‫‪2121‬إع�ط��اؤه الفرصة ل�ت��ذوق ال��رس��وم الجذابة وخصائصها واحتياجاتها‪.‬‬ ‫والقصائد الجميلة ومحاكاتها‪.‬‬ ‫‪2222‬تنمية سلوكه‪.‬‬ ‫‪2323‬تنمية ثروته اللغوية والتعبيرية‪.‬‬ ‫‪2424‬تعديل سلوكه الخاطئ واستبداله بسلوك‬ ‫صحيح‪.‬‬

‫المراجع‪:‬‬ ‫ ‬

‫•الموقف األدبي‪ ،‬العدد (‪ )400‬ص (‪ )150‬الدكتور ناصر‬ ‫الدين األسد‪ ،‬مجلة التربية الحديثة‪.‬‬

‫ ‬

‫•أدب األط��ف��ال ب��ي��ن التطبيق وال ��واق ��ع‪ ،‬د‪ .‬عبدالله‬ ‫أب��و هيف‪ .‬ول��د في مصر ع��ام ‪( 1927‬ول��ه أكثر من‬ ‫(‪ )300‬كتاب في أدب األطفال طبع منها (‪ )20‬مليون‬ ‫نسخة)‪.‬‬

‫‪2525‬ت�ع��وي��ده على ال �ح��وار والتعبير ع��ن ال��رأي‬ ‫بصراحة وجرأة أدبية‪.‬‬

‫ ‬

‫‪2626‬االستمتاع بالقصص التاريخية والمغامرات‬ ‫العلمية‪.‬‬

‫ ‬

‫•أدب األطفال ومكتباتهم‪ .‬هيفاء خليل شرايحة‪ .‬ط‪.2‬‬ ‫عمان‪ :‬المطبعة الوطنية ومكتبتها ‪1983‬م‬ ‫•أدب األطفال وبناء الشخصية‪ .‬منظور تربوي إسالمي‪.‬‬ ‫محمد عبدالرؤوف الشيخ‪ ،‬دبي‪ :‬دار القلم ‪1994‬م‪.‬‬

‫‪2727‬تنمية مهارات‪ :‬الكالم‪ ،‬واالستماع‪ ،‬والقراءة‪،‬‬ ‫دار النشر ‪1990‬م‪.‬‬ ‫وال �ك �ت��اب��ة‪ ،‬وال�ت�م�ث�ي��ل‪ ،‬وال��رس��م‪ ،‬والتخيل‪،‬‬ ‫ •أدب األطفال‪ .‬حنان عبدالحميد العناني‪ ،‬ط‪ 3‬عمان‬ ‫والتقليد‪ ،‬وغيرها من المهارات‪.‬‬ ‫ ‬

‫•المدخل إلى أدب األطفال‪ .‬محمد جمال عمرو عمان‪:‬‬

‫دار الفكر ‪1996‬م‪.‬‬

‫‪2828‬اك�ت�س��اب ال �ع��ادات الصحيحة ف��ي المأكل‬ ‫والمشرب وغيرها وال��وق��اي��ة الصحية من‬ ‫بيروت‪ :‬مؤسسة الرسالة ‪1993‬م‬ ‫األم ��راض‪ ،‬واإلرش ��ادات المرورية وغيرها‬ ‫ •أدب األطفال علم وفن‪ .‬أحمد نجيب‪ ،‬ط‪ 3‬القاهرة‪:‬‬ ‫من النظم‪.‬‬ ‫دار الفكر العربي ‪2000‬م‬ ‫‪2929‬يعد أدب الطفل المربي الجمالي والوجداني‪،‬‬ ‫والموجّ ه لهذه الناحية توجهاً سليماً‪.‬‬ ‫‪3030‬يربو الطفل به عن العادات السيئة الضارة‪.‬‬

‫ ‬

‫•أدب األطفال في ضوء اإلسالم‪ .‬نجيب الكيالني‪ .‬ط‪3‬‬

‫ ‬

‫•أدب األط��ف��ال بين التطبيق وال��واق��ع د‪ .‬عبدالله أبو‬ ‫هيف‪.‬‬

‫ ‬

‫•أدب األطفال تأليف علي حمدالله‪.‬‬

‫ ‬

‫•ت��دري ��س ف��ن��ون ال��ل��غ��ة ال��ع��رب��ي��ة‪ :‬ع��ل ��ي أح��م��د م��ذك��ور‬

‫‪3131‬يحبب الطفل في مبدع القصة س��وا ًء كان‬ ‫كاتباً أو كاتبة‪ ��‬ويقربه إلى نفسه‪ ،‬ويجعله •تنمية ثقافة الطفل أ‪ .‬عبدالتواب يوسف‬ ‫ •ثقافة الطفل العربي العدد (‪ )50‬ص (‪.)55‬‬ ‫قدوة له‪.‬‬ ‫القاهرة‪ :‬دار الفكر العربي ‪1997‬م‪.‬‬

‫ ‬

‫•ثقافة الطفل واقع وآفاق‪ :‬أدب األطفال في مجتمعنا‪.‬‬

‫‪3232‬يحمي الطفل من االضطرابات النفسية‪،‬‬ ‫واالن�ف�ع��االت ال �ض��ارة‪ ،‬واألزم ��ات النفسية‪،‬‬ ‫ •ع��ل��م ن��ف��س ال��ن��م��و‪ :‬ال��ط��ف��ول��ة وال��م��راه��ق��ة (ح��ام��د‬ ‫وإعادة التوازن إلى نفسه‪.‬‬ ‫إبراهيم محمود‪ .‬دمشق‪ :‬دار الفكر ‪1995‬م‪.‬‬

‫لذلك‪ ،‬فإن الكتابة للطفل أمر مهم وخطير‪ ..‬ال‬ ‫يتأتى إال مع من يفهم نفسية األطفال ويعاشرهم‪،‬‬

‫‪14‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫عبدالسالم زهران‪ ،‬القاهرة‪ :‬علم الكتب ‪1997‬م ‪.‬‬

‫ ‬

‫•واقع وتطلعات ‪ -‬دراسة نظرية وتطبيقية (نزار وصفي‬ ‫اللبدي‪ .‬العين‪ :‬دار الكتاب الجامعي ‪2001‬م)‪.‬‬


‫> د‪ .‬سناء الشعالن ‪ -‬األردن‬

‫السؤال التقليدي المطروح في الغالب عند الحديث عن أدب األطفال‬ ‫هو‪ :‬هل أدب األطفال للترفيه أم للتعليم أم لكليهما؟ وهذا السؤال يقودنا‬ ‫مباشرة إلى تعريف أدب األطفال؛ فاعتماد تعريف يقودنا ابتداءً إلى شكل‬ ‫هذا األدب وصو ًال إلى غايته‪ ،‬ولعلّ تعريف هادي الهيتي يتمثّل ما نذهب‬ ‫إليه‪ ،‬فهو يعرّف أدب األطفال على أنّه‪« :‬فرع جديد من فروع األدب الرفيعة‪،‬‬ ‫يمتلك خصائص تميّزه عن أدب الكبار‪ ،‬رغم أنّ ك ًال منهما يمثّل آثار ًا فنية‬ ‫الشكل والمضمون‪ ..‬ف��أدب األطفال في مجموعه‪ ،‬هو اآلثار‬ ‫يتّحد فيها ّ‬ ‫والشعر‬ ‫الفنية التي ت�ص�وّر أف �ك��ار ًا وإح�س��اس��ات وأخيلة تتفق وم��دارك�ه��م‪ ،‬وتتّخذ أش�ك��ال القصة ّ‬ ‫والمسرحية والمقالة واألغنية»(‪.)1‬‬ ‫وبناء عليه‪ ،‬ف��إ ّن أدب الطفل ينتقل إليه عبر‬ ‫م �س��ارب ناقله م�ت�ع��ددة وف��ق احل��اج��ة وال� ّ�ظ��روف‬ ‫امل�ع�ط�ي��ات‪ ،‬فنجد ال�ق�ص��ة ال�ق�ص�ي��رة‪ ،‬وال��رواي��ة‪،‬‬ ‫وامل �س��رح‪ ،‬والكتب العلمية التعليمية‪ ،‬واملتاحف‪،‬‬ ‫والقصائد‪ ،‬واألناشيد‪ ،‬ومجالت األطفال‪ ،‬والبرامج‬ ‫اإلل�ك�ت��رون�ي��ة‪ ،‬واألف �ل�ام ال�ك��رت��ون�ي��ة‪ ،‬وال��دع��اي��ات‪،‬‬ ‫وال �ن �ش��رات‪ ،‬وال��رق �ص��ات واحل �ك��اي��ات الشعبية‪،‬‬ ‫واملعاجم‬ ‫املتخصصة(‪.)2‬‬ ‫ّ‬

‫وهي جميعاً نواقل طبيعية تعكس اهتمام الشعوب‬ ‫ّ‬ ‫بالطفل‪ ،‬وبأدبه‪ ،‬مبستويات متباينة تعكس وعي‬ ‫األمم‪ ،‬وتق ّدم معارفها‪ ،‬وتطور أدواتها وخبراتها‪،‬‬ ‫كما تعكس من جانب آخر القيم التعليمية والذوقية‬ ‫التي تسعى إلى بلورتها في نفس الطفل‪ ..‬انبثاقاً‬ ‫من معطيات دينه‪ ،‬ومجتمعه‪ ،‬وواق�ع��ه‪ ،‬وظروفه‪،‬‬ ‫وحتدياته‪ ،‬وآماله(‪.)3‬‬ ‫وتتباين محموالت هذه النواقل‪ ،‬ولذلك تتفاوت‬ ‫درج��ات االستفادة منها‪ .‬وف��ي ه��ذا ال� ّ�ش��أن‪ ،‬نؤكد‬ ‫مربني وأهلني وقياديني ووطنيني‪ ،‬بل وإنسانيني‪،‬‬ ‫أهمية البعد التربوي في أدب الطفل‪ ،‬الذي إن كان‬ ‫صورة للترفيه‪ ،‬وقضاء الوقت‪ ،‬وتزجية الساعات‪،‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الوظيفة التعليمية والذوقية ألدب األطفال‬

‫وترويج البضائع فقط؛ فإ ّنه بالتأكيد سوف يكون‬ ‫أداة م��د ّم��رة ل��ه‪ ،‬إذ إ ّن��ه في ه��ذه احلالة يق ّدم له‬ ‫ما نراه يق ّدمه اآلن في كثير من األحوال من أدب‬ ‫مفرغ من األدب‪ ،‬ومن القيم اإلنسانية والتربوية‬ ‫والدينية والوطنية‪ ،‬منزوع الفكرة الراقية‪ ،‬مط ّعم‬ ‫بقيم العنصرية والعنف واإلق�ص��اء لآلخر ونزعة‬ ‫االن�ت�ق��ام وال �ف��ردي��ة واالن �ت �ه��ازي��ة‪ ،‬وب��ذل��ك يح ّرض‬ ‫الطفل على السلبية واالنهزامية بدل أن يح ّرضه‬ ‫على قيم العمل واإلبداع واإلنتاج واألعمار التي ما‬ ‫خلق إ ّال من أجل أن يقوم بها‪.‬‬ ‫ف���أدب األط��ف��ال ل�ي��س اع�ت�ب��اط�ي��ا‪ ،‬وال ينبغي‬ ‫أن ي�ك��ون ك��ذل��ك‪ ،‬وإنمّ ��ا يجب أن ي�ك��ون م��دروس �اً‬ ‫يخص بعده‬ ‫واضح املعالم والغايات‪ ..‬السيما فيما‬ ‫ّ‬ ‫التربوي‪ ،‬فهو أداة تربية‪ ،‬ولكنّه ليس التربية ذاتها‪،‬‬ ‫وأداة تعليم‪ ،‬ال التعليم ذاته‪ .‬ولذلك‪ ،‬يجب أن يقوم‬ ‫على رك�ي��زة م��ن املضامني الوطنية واالجتماعية‬ ‫واإلنسانية والتربوية‪ ،‬التي تقوم على أمرين‪ :‬البناء‬ ‫الذي يكفل له أن يقوم بواجبه خير قيام‪ ،‬ليضطلع‬ ‫ب��دوره الطبيعي في األس��رة واملجتمع‪ .‬واحلماية‬ ‫التي تؤهله حلماية فطرته البريئة من ك ّل ما يحيط‬ ‫به من مخاطر ومفاسد وانحرافات(‪.)4‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪15‬‬


‫وي�ت�ج�لّ��ى ال �ه��دف التعليمي ب��وض��وح ف��ي أدب‬ ‫األطفال؛ أل ّن��ه في هذه احلالة هدفاً معلناً يتق ّبله‬ ‫الطفل مباشرة‪ ،‬وبقصدية عالية‪ ،‬عبر األس��رة أو‬ ‫املنظومة التعليمية وإن قدم بشكل جميل ومس ٍّل يروق‬ ‫له؛ ففي مثل هذا النّوع من األدب يكتسب الطفل‬ ‫معلومات علمية وثقافية تسهم في بناء شخصيته‪،‬‬ ‫وذلك عبر تزويده مبعلومات عن ك ّل معطيات ذاته‬ ‫وواقعه وعامله وجماعته وماضيه وحاضره ومستقبله‪.‬‬ ‫وميارس الطفل ‪-‬في هذه احلالة‪ -‬التعلّم من خالل‬ ‫التسلية واللعب أحياناً‪ ،‬وكلّما ارتفع رصيد األدب من‬ ‫اإلتقان‪ ،‬واجلودة‪ ،‬وجمال الطرح‪ ،‬ومخزون املعرفة‪..‬‬ ‫كلّما زادت قيمته التعليمية والتربوية‪ ،‬وأصبح قصد‬ ‫املتحصلة من أدب‬ ‫وامل��واد املعرفية والتعليمية‬ ‫ّ‬ ‫األهل واملعلمني واملربني‪ ،‬بل واألطفال ذاتهم إن كان األطفال‪ ،‬عليها أن تقترن مبجموعة من املكتسبات‬ ‫يق ّدم بالشكل الذي يش ّدهم‪.‬‬ ‫وال�ق��رائ��ن التربوية التي تضمن اس�ت�ف��ادة الطفل‬ ‫مما تعلّمه واكتسبه من معرفة‬ ‫ومن ّ‬ ‫الضروري‪ ،‬في هذا النّوع من أدب األطفال واجلماعة واملجتمع‪ّ ،‬‬ ‫أن يراعي مبدعه مالءمته للفئة العمرية للطفل‪ ،‬أولية من أدب األط�ف��ال ال��ذي تسنّى له أن يطلع‬ ‫لتتناسب املعلومات وطريقة تقدميها ط��ردي�اً مع عليه‪ .‬وهذه املكتسبات التربوية جنملها(‪ )7‬في‪:‬‬ ‫قدرته الفكرية والشعورية والنفسية‪ ،‬بل واجلسدية ‪1 .1‬أن يدرك الطفل واقعه‪.‬‬ ‫أح �ي��ان �اً‪ ،‬ف��ي التلقي وال�ف�ه��م واإلدراك؛ ول��ذل��ك‪،‬‬ ‫‪2 .2‬يتطلّع إلى مستقبله ضمن جماعته‪.‬‬ ‫غالباً ما تتوزّع هذه اإلبداعات على محاور عمرية‬ ‫‪3 .3‬يحترم تاريخه وماضيه‪ ،‬ويأخذ العبرة منه‪.‬‬ ‫محددة(‪ ،)5‬هي‪:‬‬ ‫ •المحور الواقعي المحدود بالبيئة‪ :‬وهو من ‪4 .4‬أن يدرك أ ّن قيمة اإلنسان تتجلّى في قدرته‬ ‫على صنع حضارته ومجتمعه وسعادته‪.‬‬ ‫سن الثالثة إلى الخامسة‪.‬‬ ‫في التربية والتعليم يجنح إلى جتربة القدامى في‬ ‫ه��ذا ال �ش��أن‪ ،‬وه��ي التعليم م��ن خ�لال ط��رق غير‬ ‫مباشرة‪ ،‬فهي في الغالب أجنع وأكثر تأثيراً‪ ،‬ولذلك‬ ‫جند القيم التعليمية تأخذ اجتاها شعبيا عبر تلك‬ ‫القصص امل��وروث��ة ال�ت��ي ت�ت��داول�ه��ا اجل�م��اع��ة عبر‬ ‫مخيال شعبي جمعي(‪ ،)6‬أو عبر االجتاه التاريخي‬ ‫يسجل حلياة اإلنسان ولعواطفه وانفعاالته‬ ‫الذي‬ ‫ّ‬ ‫ف��ي إط��ار ت��اري�خ��ي‪ ،‬أو عبر االجت ��اه األس �ط��وري‪،‬‬ ‫أو عبر االجت��اه ال��رم��زي ال��ذي يُنطق احليوانات‬ ‫واجل��م��ادات وال�ك��ائ�ن��ات م��ن أج��ل أن ت�ق��وم ب��دور‬ ‫تعليمي ف ّعال ومؤ ّثر‪.‬‬

‫ •محور الخيال الحرّ‪ ،‬وهو من الخامسة إلى ‪5 .5‬تقوية االنتماء إل��ى الوطن المحلي والعربي‬ ‫والمجتمع اإلنساني‪.‬‬ ‫الثامنة‪.‬‬ ‫ •محور المغامرات والبطولة‪ ،‬وهو من الثامنة ‪6 .6‬تنمية التعاون وتقديره من أجل بناء الحضارة‬ ‫اإلنسانية‪.‬‬ ‫إلى الثانية عشرة‪.‬‬

‫ •م�ح��ور ال �غ��رام‪ ،‬وه��و م��ن الثانية ع�ش��رة إلى ‪7 .7‬تنمية االتجاهات الكفيلة بتحقيق التفاهم‬ ‫العالمي‪ ،‬وإثارة التفكير وتنميته‪.‬‬ ‫الثامنة عشرة تقريباً‪.‬‬ ‫وب��ه��ذا ال �ش �ك��ل‪ ،‬ي�س�ت�ط�ي��ع أدب األط� �ف ��ال أن‬ ‫والبعد التعليمي ال يق ّدم في أدب األطفال بكل‬ ‫علمي معرفي ثقافي بحت‪ ،‬بل قلّما يكون كذلك يحقق سو ّية عالية للطفل في مستوياتها الفردية‬ ‫حتى في أكثر املواضيع علمية بحتة‪ ،‬مثل علوم االجتماعية والقومية واإلنسانية والعملية‪.‬‬ ‫األحياء والفيزياء والكيمياء؛ بل إن االجتاه احلديث‬

‫‪16‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫وج��دي��ر بالقول ف��ي ه��ذا امل �ق��ام‪،‬إن ك � ّل اآلم��ال‬


‫وي � �ب � �ق� ��ى ال� � � �س � � ��ؤال‪ :‬م��ن‬ ‫أي ��ن يستقي امل �ب��دع أول��وي��ات��ه‬ ‫ومعلوماته التعليمية والتربوية؟‬ ‫وهنا‪ ،‬نعود إلى احللقة الدائرية‬ ‫املفرغة التي تستوجب حتقّق‬ ‫ج �م �ي��ع امل��ع��ط��ي��ات م���ن أج��ل‬ ‫الوصول إل��ى الهدف؛ فاملبدع‬ ‫عليه أن ي�ك��ون م�ل� ّم�اً حقيقياً‬ ‫ب��امل �ع��رف��ة ب��أب �ع��اده��ا العلمية‬ ‫والتعليمية والعملية والنفسية‬ ‫والفكرية واخللقية واجلمالية‪،‬‬ ‫وبغير ذلك سيكون وب��االً على‬ ‫نفسه وعلى الطفل‪ ،‬مبا يق ّدمه‬ ‫م��ن أدب م �ش��وهٍ مم �ج��وج‪ ،‬وال‬ ‫داع � ��ي ف ��ي ه� ��ذا امل� �ق ��ام إل��ى‬ ‫ذك��ر أمثلة بعينها؛ فكلنا على‬ ‫معرفة بكثير من املواد السامة‬ ‫املبثوثة هنا وه �ن��اك‪ ،‬وتسمى‬ ‫أدب أط �ف��ال‪ ،‬ف��ي ح�ين أ ّن�ه��ا ال تعكس س��وى أ ّنها‬ ‫وبناء عليه‪ ،‬فإ ّن إجراء البحوث اخلاصة للتع ّرف مواد منزوعة الروح واإلبداع ألشخاص ال يدركون‬ ‫على مدركات األطفال ومحاصيلهم اللغوية‪ ،‬يع ّد خطورة ما يق ّدمونه لألطفال فيما ينتجون‪.‬‬ ‫أساساً ال ب ّد منه؛ فكلما منت قدرة األطفال على‬ ‫ول��ذل��ك‪ ،‬نحن نطالب ب��أدب أطفال يقوم على‬ ‫ال� �ق ��راءة‪ ..‬وع�ل��ى إدراك امل�ع��ان��ي امل �ج��ردة‪ ،‬زادت أك �ت��اف م��واه��ب ع��رب�ي��ة‪ ،‬وب��أق�لام مؤمنة ب��دوره��ا‬ ‫مقدرته على التعلّم والفهم‪ ،‬والتق ّدم خطوة في في إيقاظ األم��ة‪ ،‬وحتفيزها على استعادة دورها‬ ‫االكتساب والتواصل والبناء(‪.)8‬‬ ‫اإلنساني ال��ري��ادي‪ ،‬أم� ً‬ ‫لا ف��ي تقدمي أدب للطفل‬ ‫وباختصار‪ ،‬ليس هناك عملية تعليمية تربوية‬ ‫تواصلية معرفية من دون لغة‪ ،‬ولذلك من الواجب‬ ‫أن ��يتلك املربون واملبدعون أدوات املعرفة اللغوية‪،‬‬ ‫ليستطيعوا أن ينقلوا عبرها أه��داف�ه��م ورؤاه��م‬ ‫وغاياتهم‪ ،‬ناهيك عن أ ّن اللغة في األدب هي أداة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫املنشودة من أدب األطفال‬ ‫ال ميكن حتقيقها كما يجب‬ ‫بعيداً عن اهتمامنا بالقالب‬ ‫ال�ل�غ��وي الفصيح الرشيق؛‬ ‫فاللغة هي احلامل احلقيقي‬ ‫يتعسر‬ ‫للمعرفة‪ ،‬ومن دونها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتتعطل املعرفة‪،‬‬ ‫التواصل‪،‬‬ ‫وت� �ض� �ط ��رب امل� �ع� �ل ��وم ��ات؛‬ ‫ول���ذل���ك‪ ،‬ع �ل �ي �ن��ا أن ن��ول��ي‬ ‫البعد اللغوي م��ا يستحقه‬ ‫م ��ن اه �ت �م��ام ف ��ي م�ض�م��ار‬ ‫أدب األط � � �ف� � ��ال‪ ،‬ف �ض�ل ً‬ ‫�ا‬ ‫ع ��ن ك ��ل م �ي��ادي��ن احل��ي��اة‪،‬‬ ‫ف�ي�ج��ب أن ت��ق�� ّدم امل�ع��رف��ة‬ ‫ل�ل�ط�ف��ل ح �ت��ى ف ��ي شكلها‬ ‫األدب ��ي والترفيهي أحياناً‬ ‫ب�ل�غ��ة ف�ص�ي�ح��ة‪ ،‬مضبوطة‬ ‫احلروف‪ ،‬مشكولة األواخر‪،‬‬ ‫وتعتمد أسلوب تقدمي معجم‬ ‫�س��ر للكلمات اجل��دي��دة‬ ‫م�ف� ّ‬ ‫امل �س �ت �خ��دم��ة؛ ب �غ �ي��ة إث���راء‬ ‫م �ع �ج��م ال �ط �ف��ل‪ ،‬وت�ع��ري�ف��ه‬ ‫بالكلمات‪.‬‬

‫وغاية في الوقت ذاته؛ ولذلك‪،‬‬ ‫ال ميكن أن يفهم الطالب اللغة‬ ‫بغير اللغة‪ ،‬وإ ّال كانت معضلته‬ ‫بال ح ّل‪ ،‬وع ّيه بل نهاية‪.‬‬

‫املسلم‪ ،‬يراعي ذوقه‪ ،‬ويحترم مزاجه وخصوصيته‪،‬‬ ‫ويسمح خلياله بالتحليق من دون أن يقطعه عن‬ ‫تاريخه أو حضارته أو دينه أو أمته‪ ،‬أو أن يعيشه‬ ‫ف��ي خ�ي��ال مضلّل مبني على اجل�ه��ل واملغالطات‬ ‫واألخطاء‪ ،‬بل هو أدب يق ّدم للطفل ليربط ماضيه‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪17‬‬


‫بحاضره‪ ،‬ويوقظ داخله مشاعر االعتزاز بأمته‪،‬‬ ‫ويح ّثه على استنهاض روح العمل واالقتداء باآلباء‬ ‫والسلف من العلماء واملبدعني الذين أعلوا بناء‬ ‫صروح احلضارة اإلسالمية‪.‬‬ ‫وحديثنا ع��ن أهمية البعد ال�ت��رب��وي ف��ي أدب‬ ‫األطفال ال يعني أبداً أ ّننا نهمل قيمة البعد الشكلي‬ ‫واالعتباري للقيمة الفنية‪ ،‬بل على العكس متاماً‪،‬‬ ‫فمن أج��ل تقدمي فكرة راق�ي��ة‪ ،‬وم��ؤث��رة‪ ،‬ومر ّبية‪،‬‬ ‫ومعلّمة يجب أن ي�ق��دم ذل��ك عبر وس�ي��ط يلتزم‬ ‫بالقواعد الفنية للناقل أك��ان قصة أو مسرحية‬ ‫أو أنشودة أو أغنية أو رواي��ة أو فيلما كرتونيا أو‬ ‫وثائقيا‪« ،‬وال تغني املوهبة كاتب القصة مث ً‬ ‫ال عن‬ ‫ال��دراس��ة‪ ،‬وال حت ّل معرفته بأصول التربية وعلم‬ ‫النّفس مح ّل علمه باألصول الفنية لكتابة القصة؛‬ ‫فقصص األط�ف��ال مث ً‬ ‫ال حتتاج إل��ى ف�ك��رة‪ ..‬وإل��ى‬ ‫رسم شخصيات‪ ،‬مع تشويق وهيكلة وبناء سليم‪،‬‬ ‫وهذه االعتبارات األدبية يجب أن تتفق مع مستوى‬ ‫األطفال الذين نكتب لهم‪ ،‬ودرج��ة منوهم األدبي‪،‬‬ ‫ومدى ما وصلوا إليه من النّضج األدبي»(‪.)9‬‬

‫وال ّرقص والصوت واإلضاءة والتناسق في األبعاد‬ ‫واألحجام‪ ،‬وعقلنة املشاهد‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن إطالق قوى‬ ‫التخ ّيل في البناء واجل�م��ال والتوسعة‪ ،‬ال جعلها‬ ‫أدوات تقطع الطفل عن واقعه‪ ،‬وجت ّرم مفاهيمه‪،‬‬ ‫وتأسره في معطيات خيالية ال وجود لها‪ ،‬ليكون‬ ‫أسير تهومياتها وجنونها‪.‬‬ ‫ه��ذا‪ ،‬إضافة إل��ى أ ّن الطفل في ه��ذه املرحلة‬ ‫حصل قيماً ذائقية عليا في اختيار مواد‬ ‫يكون قد ّ‬ ‫ال�ق��راءة واملتابعة وامل�ش��اه��دة‪ ،‬من حيث املضمون‬ ‫أيضاً‪ ،‬بعد أن ك� ّون له األه��ل وامل��رب��ون واملبدعون‬ ‫اجتاهات معرفية وفكرية وأخالقية وتربوية تكفل‬ ‫ل��ه من��اء س��وي�اً‪ ،‬وان��دم��اج�اً محموداً ف��ي جماعته‪،‬‬ ‫وتواص ً‬ ‫ال مع إنسانيته على أرضية ثابتة من القيم‬ ‫واملعارف واحملددات واألولويات‪.‬‬

‫وفي هذا الشأن‪ ،‬يجب مراعاة االعتبارات الفنية‬ ‫والتقنية املتعلقة بنوع الوسيط «فالوسيط الذي‬ ‫ينقل أدب األطفال إليهم قد يكون كتاباً أو مسرحية‬ ‫أي وسيط آخر من وسائل اإلعالم‪ ،‬ولك ّل وسيط‬ ‫أو ّ‬ ‫من هؤالء الوسطاء ظروفه وإمكاناته اخلاصة التي‬ ‫وه ��ذا م��ن ش��أن��ه أن ي��رف��ع م��ن ذائ�ق�ي��ة الطفل يجب أن يراعيها الكاتب؛ فتقدمي قصة إذا كان‬ ‫في االنتقاء‪ ،‬وتخ ّير األفضل‪ ،‬والتع ّرف على قيم الوسيط كتاباً يختلف عن تقدمي هذه القصة نفسها‬ ‫اجل �م��ال ال�ش�ك�ل��ي‪ ..‬مثل ال � ّرس��م وال �ل��ون والنحت إذا كان الوسيط فلماً أو برنامجا إذاعيا»(‪.)10‬‬

‫(‪ )1‬هادي نعمان الهيتي‪ :‬أدب األطفال فلسفته وفنونه‪ ،‬وسائطه‪ ،‬ط‪ ،1‬القاهرة‪ ،‬الهيئة العامة للكتاب‪ ،‬القاهرة‪1997 ،‬م‪،‬‬ ‫ص ص‪.72-71‬‬ ‫(‪ )2‬انظر‪ :‬رشدي أحمد طعيمة‪ :‬أدب األطفال في المرحلة االبتدائية‪ ،‬ط‪ ،1‬القاهرة‪1998 ،‬م‪ ،‬ص‪25-24 :‬؛ موفق رياض‬ ‫مقدادي‪ ،‬القصة في أدب األطفال في األردن‪ ،‬ط‪ ،1‬الروزنا‪ ،‬األردن‪ ،2000 ،‬ص ص‪.15-13‬‬ ‫(‪ )3‬انظر تاريخ تطور أدب األطفال‪ :‬موفق رياض مقدادي‪ ،‬القصة في أدب األطفال في األردن‪ ،‬ص ص ‪16-14‬؛ ذكاء الحرّ‪:‬‬ ‫الطفل العربي وثقافة المحتمع‪ ،‬ط‪ ،1‬دار الحداثة‪1984 ،‬م‪ ،‬ص‪23‬؛ علي الحديدي‪ :‬في أدب األطفال‪ ،‬ط‪ ،3‬مكتبة‬ ‫األنجلو المصرية‪ ،‬القاهرة‪1982 ،‬م‪ ،‬ص‪.242‬‬ ‫(‪ )4‬انظر‪ :‬محمد حسن بريغش‪ ،‬أدب األطفال تربية ومسوؤلية‪ ،‬ط‪ ،1‬دار الفواء‪ ،‬المنصورة‪1992 ،‬م‪ ،‬ص‪.92‬‬ ‫(‪ )5‬انظر عبدالعزيز عبدالمجيد‪ :‬القصة في التربية‪ ،‬ط‪ ،1‬دار المعارف‪ ،‬مصر‪ ،‬د‪ .‬ت‪ ،‬ص ص ‪.19-15‬‬ ‫(‪ )6‬انظر‪ :‬عبدالحميد يونس‪ :‬الحكاية الشعبية‪ ،‬ط‪ ،1‬دار الشؤون الثقافية العامة‪ ،‬الهيئة العامة للكتاب‪ ،‬القاهرة‪1968 ،‬م‪،‬‬ ‫ص ص ‪.12-11‬‬ ‫(‪ )7‬انظر هيفاء شرايحة‪ :‬كتابة التاريخ لألطفال‪ ،‬ط‪ ،1‬منشورات أمانة عمان الكبرى‪2001 ،‬م‪ ،‬ص ص‪.52-40‬‬ ‫(‪ )8‬هيفاء شرايحة‪ :‬كتابة التاريخ لألطفال‪ ،‬ط‪ ،1‬منشورات أمانة عمان الكبرى‪2001 ،‬م‪ ،‬ص ‪.67‬‬ ‫(‪ )9‬موفق رياض مقدادي‪ ،‬القصة في أدب األطفال في األردن‪ ،‬ص ‪.25‬‬ ‫(‪ )10‬المرجع السابق نفسه ص ‪.26‬‬

‫‪18‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫> سمر إبراهيم ‪ -‬مصر‬

‫في أحد األيام حكى لنا أحد كبار الكتاب المصريين عن صدمته في حفيده قائال‪ :‬جلست أحكي‬ ‫لحفيدي حكاية‪ -‬وحفيدي هذا عمره ست سنوات‪ -‬كما كان يحدث معنا ونحن صغار‪ ،‬قلت له‪« :‬كان‬ ‫هناك ثعلب وأرنب واقفين عند شط مياه‪ ،‬يرقب كل منهما اآلخر‪ ،‬و‪ »...‬فقاطعني حفيدي قائال‪:‬‬ ‫فصمت تمامً ا وأصبت بإحباط‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫خرج تمساح من المياه فأكلهما»!‬ ‫ه��ذه ال��واق�ع��ة ال�ت��ي حكاها لنا ه��ذا الكاتب‬ ‫الكبير عام ‪2000‬م‪ ،‬كانت نقطة حتول وانتقال‬ ‫ف��ي كتابتي لألطفال‪ ،‬فقد ص��در ل��ي قبل هذه‬ ‫احل �ك��اي��ة ك �ت��اب��ان‪ ،‬ك�لاه�م��ا ن�ل��ت عنهما ج��ائ��زة‬ ‫املركز األول‪ ..‬إحداها من هيئة قصور الثقافة‬ ‫في مصر‪ ،‬واألخ��رى من أندية فتيات الشارقة‪،‬‬ ‫وكان الوسط الثقافي املصري محتف ًيا بكتاباتي‪،‬‬ ‫ولكن هذه احلكاية لفتت نظري ألمر مهم هو أن‬ ‫القائمني على ثقافة الطفل من الكبار‪ ،‬وأن وجهة‬ ‫نظرهم في األعمال املقدمة قد تخالف متاما‬ ‫وجهة نظر الطفل اآلن‪ ،‬الذي هو من املؤكد أنه‬ ‫يختلف متاما عن اجليل القائم على مؤسسات‬ ‫ثقافة الطفل‪ ،‬من مؤسسات ودور نشر حكومية‬ ‫وخاصة؛ والحظت أمرا مهما‪ ،‬وهو أن أصحاب‬ ‫ال �ق��رار ف��ي معظم ه��ذه امل��ؤس �س��ات ق��د ت�ع� َّ�دوا‬ ‫اخلمسني‪ ،‬أي أن هناك ه ّوة واسعة بينهم وبني‬ ‫الطفل‪ ،‬وبخاصة بعد التطور التكنولوجي الذي‬ ‫أحاط باملنطقة العربية في السنوات األخيرة‪.‬‬ ‫وم��ن ه �ن��ا‪ ،‬ك��ان ق���راري ال�ص��ائ��ب م��ن وجهة‬ ‫ن �ظ��ري‪ ،‬ف��ي البعد ع��ن ك��ل م��ا ه��و تقليدي من‬ ‫احلكايات‪ ،‬من حيث املغزى أو ترتيب احلكاية‪،‬‬ ‫وأن يكون احلكم األول واألخير على العمل هم‬ ‫األطفال أنفسهم‪ ،‬وليس الكبار‪ .‬‬ ‫وكان قراري األخير بالتوقف عن الكتابة فترة‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الكتابة للطفل بني الكبار والصغار‬

‫ال أع��رف م��داه��ا‪ ،‬أ ُ ِع��د فيها نفسي م��رة أخرى‬ ‫بعمل ورش مع األطفال‪ ،‬وقراءة األدب العاملي في‬ ‫أدب الطفل‪ ،‬واالطالع على كتب علم النفس؛ أي‬ ‫تكوين ثقافة تساعدني على الكتابة لألطفال‪.‬‬ ‫وب��دأت ف��ي عمل ورش أط�ف��ال بالتعاون مع‬ ‫بعض املؤسسات املدنية‪ ،‬وركزت على السن من‬ ‫(‪ )9 -7‬سنوات‪ .‬ب��دأت ب��ورش احلكي؛ إذ كنت‬ ‫أختار إحدى القصص وأبدأ في سردها‪ ،‬وأثناء‬ ‫السرد أراقب حركات األطفال اجلالسني أمامي‪،‬‬ ‫والحظت طرقهم املختلفة في التعبير عن امللل أو‬ ‫الضيق‪ ..‬كأن ينظر الطفل إلى اجلهة األخرى‪،‬‬ ‫أو ينتقل بنظره في جهات مختلفة ومتعددة‪ ،‬أو‬ ‫يحاول احلديث مع مجاوره‪ ،‬في البداية‪ ..‬كان‬ ‫ذل��ك يصيبني ب��اإلح�ب��اط‪ ،‬ولكنه بعد مرتني أو‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪19‬‬


‫ثالث م��رات حتول ذلك إلى محفز لي‪ ،‬بعد أن‬ ‫راجعت مع نفسي ما ميلل األطفال‪ ،‬فاكتشفت وه��ي قصة تتكون من (‪ )280‬كلمة‪ ،‬حتكي عن‬ ‫أنهم ميلون من احلكايات املشابهة ألفالم الكرتون ق��ط يعشق ال��وح��دة‪ ،‬وال يحب أن يجالسه قط‬ ‫التي يرونها‪ ،‬أو احلكايات عن األميرة والشاب آخر‪ ،‬وأنه في أحد األيام رأى ظله‪ ..‬فظنه ًّ‬ ‫قطا‪،‬‬ ‫الوسيم‪ ،‬ألنهم يتوقعون نهاية احلكاية‪ ،‬واكتشفت فجرى ونظر وراءه ف��رآه وراءه‪ ،‬وتنتهي القصة‬ ‫أيضا أنهم ميلون احلكاية التي ميكن أن يكتشفوا بهذه العبارة‪:‬‬ ‫املفاجآت في احلكي‪ ،‬وأن‬ ‫أحداثها‪ ،‬ويعشقون‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ويُكم ُل رواةُ َ‬ ‫القط «بلبل»‬ ‫تلك احلكايةِ ‪ ،‬بأن‬ ‫تكون أحداث احلكاية مخالفة لتوقعاتهم‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫القط الظ ِّل‪ ،‬حتَّى ابتع َد‪،‬‬ ‫ظل يجري خائ ًفا من‬ ‫وتطورت الفكرة ّ‬ ‫ْ‬ ‫يتوقف‬ ‫لدي‪ ..‬وحتولت من حكي لورش وت��اهَ عن بيتِهِ ‪ ،‬وأ َّن��ه ال ي��زا ُل يَجرِ ي‪ ،‬ولم‬ ‫ُّ‬ ‫والقط الظ ُّل ما زا َل خلفَه‪.‬‬ ‫كتابة‪ ،‬فوجدت أن خير وسيلة الكتشاف الطفل‪ ،‬هو أب ًدا‪،‬‬ ‫أن يحكي بنفسه؛ فبدأت الورش تأخذ الشكل احلر‬ ‫هذه القصة اعترضت عليها جميع دور النشر‪،‬‬ ‫في الكتابة‪ ،‬كنت أبدأ بحديث عام��� ،‬حتى تظهر لنا‬ ‫رأوا فيها قصة تشاؤمية ال تناسب الطفل‪ ،‬وأنها‬ ‫من خالل هذا احلديث تيمة أو عنصر ما‪ ..‬وليكن‬ ‫قصة مكتوبة جي ًدا للكبار‪ ،‬بل إن أحدهم سألني‬ ‫ورقة شجر‪ ،‬ثم نبدأ سويا ‪-‬أنا واألطفال‪ -‬في سرد‬ ‫أل��م ي��أت الليل ويكتشف القط احلقيقة‪ ،‬بأنه‬ ‫حكايات عن هذه الورقة‪ ،‬وهكذا‪.‬‬ ‫يجري وراء ظله؛ ولكن األطفال ضحكوا كثي ًرا‬ ‫عشقت هذه الورش‪ ،‬بل إنها غيرتني متاما‪..‬‬ ‫عندما تخيلوا القط يجري من ظله‪!..‬‬ ‫أصبحت رؤيتي لألشياء مختلفة‪ ،‬وللكتابة أيضا‪.‬‬ ‫ب��ل إنني م��ن إحباطي سألت األط �ف��ال‪ ..‬مل��اذا‬ ‫علي‪ ،‬ودخلت في‬ ‫ب��دأ الشكل التقليدي يضيق‬ ‫ّ‬ ‫مرحلة جديدة من ال��ورش والكتابة‪ ،‬كنت أكتب لم ي��درك القط بلبل أن��ه ظله ول��و في الليل‪ ،‬فرد‬ ‫القصة‪ ،‬وأقيم عليها ورشة لألطفال‪ ،‬ال ألعرف علي طفل جميل اسمه حسام‪« :‬ألنه بيجري واللي‬ ‫رأيهم املباشر بالقول إنها جميلة أم ال‪ ،‬ولكن بيجري ال يرى»‪ .‬رد ذكي لم يطرأ في ذهن الكبار‪.‬‬ ‫بكيفية تفاعلهم معها‪ ،‬فبقدر تفاعلهم يظهر‬ ‫ولكي تتضح فكرتي أكثر في هذا التناقض‬ ‫مدى إعجابهم بالقصة‪ ،‬ورأيت أنني على الطريق ما بني رؤية القائمني على ثقافة الطفل‪ ،‬ورؤية‬ ‫الصحيح‪.‬‬ ‫األطفال‪ ،‬أن أحد قصصي كان لها ثالث نهايات‪،‬‬ ‫الفترة ‪-‬من وجهة نظري‪ -‬قصة «القط والظل»‬

‫فرفضتها دور النشر‪ ،‬واض�ط��ررت لضمها في‬

‫واكتشفت تدريج ًّيا أن ما أحبه من لعب أو‬ ‫أيضا‪ ،‬وأنني أفشل عندما نهاية واح��دة‪ ،‬كي تنشر؛ ولكن األطفال وضعوا‬ ‫كائنات يحبها األطفال ً‬ ‫ال أعبر عن نفسي ببساطة وألبس رداء الكبار‪ ،‬لها نهايات جديدة‪.‬‬ ‫وهذا كان تقييمي للكتاب األول بأنه كتاب جيد‬ ‫ومن هنا‪ ،‬تأتي حيرة ُكتاب الطفل الدائمة بني‬ ‫مكتوب بلغة راقية‪ ،‬لكنه ليس طفول ًّيا‪ ،‬ليس فيه ما يريده القائمون على ثقافة الطفل‪ ،‬وما يريده‬ ‫اجلديد أو املدهش أو احليوي‪.‬‬ ‫الطفل‪ ،‬بني ما يحب أن يكتبوه‪ ،‬وما يضطرون‬ ‫وكان من أهم القصص التي كتبتها في تلك لتغييره أحيا ًنا‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫> بقلم‪ :‬د‪ .‬السيد جنم‬

‫مع بدايات القرن الجديد‪ ،‬تداخل الحديث حول التكنولوجيات الجديدة‬ ‫والثقافة‪ ،‬وأصبح القول بصناعة الثقافة‪ ,‬مقولة تقليدية‪ ,‬تعد لها الدول‬ ‫والمؤسسات‪ .‬وقد أصبح للطفل مكانته المتميزة‪ ,‬حتى ترادف معنى «التربية»‬ ‫بمعنى «التنمية»‪ .‬اتسم اإلبداع الفني والخطي (الكتابي) في القرن الجديد‬ ‫بعدد من المالمح أهمها‪ :‬الطابع الذهني‪ ,‬حيث إعمال الذهنية‪ ،‬ونهاية القارئ‬ ‫السلبي‪ ،‬المطلوب هو القارئ االيجابي المشارك‪.‬‬ ‫وال �ط �ف��ل م��ن أه ��م ف �ئ��ات ال � �ق� ��راء‪ ..‬وال �ط��اب��ع‬ ‫التفاعلي‪ ،‬وه��و ال��ذي ينتج ع��ن مشاركة ال�ق��ارئ‪،‬‬ ‫حتى إن��ه اآلن يتدخل املستمع في تعديل اإليقاع‬ ‫املوسيقى‪ ،‬واملشاهد في تغيير «بليته» (لوحة ألوان)‬ ‫الفنان التشكيلي‪ ،‬ثم الطابع املزجي والطابع غير‬ ‫اخلطي‪ ..‬كلها في حاجة إلى متذوق جديد‪ ،‬قادر‬ ‫على تلك املتغيرات اجلوهرية‪ ،‬وليس هذا املتذوق‬ ‫اجلديد سوى «الطفل»‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫الطفل العربي وعالم النشر اإللكتروني‬

‫لقد شهد ال��وط��ن ال�ع��رب��ي منذ أواخ ��ر القرن‬ ‫العشرين طفرة غير مسبوقة في مجال االهتمام‬ ‫بالطفل على املستوى املؤسسي العام‪ ،‬واجلمعيات‬ ‫ال�ث�ق��اف�ي��ة اخل��اص��ة‪ ،‬وح �ت��ى امل �ج �ه��ودات ال�ف��ردي��ة‬ ‫املخلصة‪ .‬كما تعددت وسائل التعامل مع الطفل‬ ‫العربي مؤخرا‪ ،‬وهو ما ارتبط بالتقدم التكنولوجي‬ ‫لوسائل االتصال واإلع�لام؛ ومن ثم لم تعد اجلدة‬ ‫ثم األم وامل��درس أو املعلم وحدهم مصدر التلقني‬ ‫واملعرفة‪ ,‬مثلما لم تعد املدرسة كمؤسسة تربوية‬ ‫تعليمية (وحدها)‪ .‬ها هو ذا التليفزيون‪ ،‬واإلنترنت‬ ‫وشبكته السحرية‪ ,‬والفيديو‪ ،‬واإلذاع��ة‪ ،‬والسينما‪،‬‬ ‫وامل�س��رح‪ ،‬والفنون الشعبية (م��ن أقنعة وحكايات‬ ‫وأه��ازي��ج‪ ،‬ب��ل وك��ل املعطيات الشعبية ف��ي قالب‬ ‫جديد‪ ،‬لكنه محتفظ بجوهره)‪ ،‬ولن نغفل الدوريات‬ ‫والكتاب واملدرسة واملكتبة‪.‬‬

‫ل ��ذا ي �ل��زم ع �ل��ى ال �ك��ات��ب ال��غ��وص ف��ي أع �م��اق‬ ‫اخلصائص الفسيولوجية والنفسية للطفل‪ ،‬خالل‬ ‫املراحل العمرية املختلفة‪ ..‬وذلك من خالل التفهم‬ ‫للقواعـد التربويـة للطفل‪ .‬أما التناول التالي «إعداد‬ ‫احمل�ت��وى» ال��ذي هو س�لاح الكاتب اجل��دي��د‪ ..‬ومبا‬ ‫يتالءم مع املوضوع مع عمر الطفل‪ .‬الهدف النهائي‬ ‫توصيل معلومة ما‪ ..‬إبراز السلوك القومي‪ ..‬كشف‬ ‫بعدما ك��ان��ت «الكلمة» ف��ي امل�ق��دم��ة‪ ،‬أصبحت‬ ‫احلقائق التاريخية لزيادة االنتماء‪ ..‬التعريف بكل‬ ‫ال�ف�ن��ون ورمب ��ا ك��ل ع�ن��اص��ر الطبيعة ال �ت��ي ي��راه��ا بعد ال �ص��ورة‪ ،‬ال �ص��وت‪ ،‬ال��رس��م‪ ،‬التلوين! وبعدما‬ ‫ال �ط �ف��ل‪ ..‬ث��م ت �ق��دمي ك��ل م��ا س�ب��ق ف��ي إط ��ار روح كان «التلقني» هو الوسيلة الكتساب املهارة‪ ،‬أصبح‬ ‫دينية متسامحة مع االلتزام بالقيم الدينية العليا‪« ,‬البحث عن املعلومة» هو الوسيلة‪ .‬لم يعد «ماذا‬ ‫في إط��ار مقبول ومشوق‪ .‬في املقابل يجب البعد تعرف ع��ن؟» أصبح التوجه «كيف تعرف ع��ن؟» أو‬ ‫عن النصح واإلرش��اد املباشر‪ ،‬والبعد عن التجهم «ماذا تفعل إذاً؟»‪.‬‬ ‫والقوالب اجلافة‪.‬‬ ‫بداية‪ ،‬ال ميكن إال أن نعترف باملمكن‪ ..‬ونخاطب‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪21‬‬


‫الصغير كإنسان قادر على «االختيار» وليس تابعا الذات ومحاولته للتحقق في هذا العالم‪ ،‬من دون أن‬ ‫يتخلى عن الواقع االجتماعي املعاش‪ ..‬ومع ذلك ما‬ ‫ألفكار الكبار جبرا‪.‬‬ ‫لقد كان ظهور الكمبيوتر أو احلاسبات خالل يزال السؤال يتجدد حول مستقبل الكتابة والكتاب‬ ‫في مجال ثقافة الطفل؟‬ ‫ال�ث�لاث�ين س�ن��ة امل��اض�ي��ة ه��و ب��داي��ة لعصر ج��دي��د‪،‬‬ ‫إن مستقبل ال�ك�ت��اب��ة وال �ك �ت��اب م��رت�ب��ط بشكل‬ ‫وه��و ما أطلق عليه «عصر االنفوميديا»‪ .‬صحيح‬ ‫كان أول جهاز عام ‪1937‬م (طوله ‪ 50‬قدما‪ /‬أكثر مباشر بنوع احلياة التي سيعيشها اإلنسان‪ ،‬وقدر‬ ‫من ثمانية أقدام ارتفاعا)‪ ،‬إال أنه في السبعينيات امل�ت�غ�ي��رات ال�ت��ي ب ��دأت مت��س ح�ي��ات��ه‪ .‬ل�ع��ل جوهر‬ ‫ظهرت األجهزة الصغيرة‪ ،‬ثم في الثمانينيات ظهرت التغيير في الفنون كلها عموما‪ ،‬وقد بانت بشائرها‬ ‫األجهزة الشخصية‪ ،‬وك��ان الشعار «كمبيوتر على في حتولها من الفن البسيط إلى األكثر تعقيدا‪..‬‬ ‫كل طاولة مقهى»‪ .‬تسللت أجهزة احلواسيب إلى حتولها من التقدمي البسيط للخبرات والرؤى إلى‬ ‫معظم األجهزة املنزلية والصناعية حتى في ألعاب فنون تستوعب اخلبرات‪ ،‬وال تقدم حلوال جاهزة أو‬ ‫معان محددة بقدر ما تقدم إثارة ما خلبراته؛ أي‬ ‫ٍ‬ ‫األط �ف��ال‪ .‬ودع�ن��ا م��ن مشاركة احل��اس��وب كوسيط‬ ‫إع�لام��ي وح��اف��ظ للمعلومات‪ ..‬ب��ل وم �ش��ارك في يصبح (املتلقي مشاركا أكثر عما قبل)‪ .‬ما قيل من‬ ‫األعمال الفنية (كما في أفالم الكرتون لألطفال)‪ .‬قبل حول املتغيرات في ممارسات احلياة اليومية‪،‬‬ ‫وسوف يتغير أسلوب استخدامنا لألجهزة املنزلية‪ ،‬وبشكل مباشر صناعة طباعة الكتاب‪ ..‬من حيث‬ ‫وف ��ى امل �ص��ان��ع‪ ..‬ب��ل وف ��ى ال �ش��ارع وأم��اك��ن اللهو الشكل واملضمون أيضا‪ .‬لقد تطورت اآلالت احلديثة‬ ‫والتسلية‪ .‬س��وف يصبح ه��ذا اجل�ه��از ه��و الرابط في الطباعة إلى حد مذهل‪ ،‬حيث إنتاج ك ٍّم هائل‬ ‫في زمن بسيط‪ ,‬بل وفي الكيف‪ .‬هذا اإلجن��از هو‬ ‫الفعلي بني الفرد والعالم‪..‬‬ ‫اخلطوة األخيرة في إنتاج الكتاب‪ ,‬كذلك احلال في‬ ‫هنا الوقفة والسؤال‪« :‬كيف سيكون شكل التأثير‬ ‫اخلطوات السابقة عليها في تلك الصناعة الهامة‪.‬‬ ‫امل�ب��اش��ر ع�ل��ى س�ل��وك اإلن �س��ان ب��ل وال� ��دول؟ وه��ل‬ ‫وال يفوتنا اإلشارة إلى العملية التسويقية املتزامنة‬ ‫من فهم خ��اص يلزم االنتباه ل��ه‪ ،‬ونحن في مجال‬ ‫مع طباعة الكتاب‪ ،‬من حيث التسويق والوسائل‬ ‫االهتمام بالطفل؟»‬ ‫اإلعالمية التكنولوجية اجلديدة‪.‬‬ ‫يتنبأ العلماء أنه خالل العشر سنوات املقبلة‪،‬‬ ‫أم��ا جوهر الكتاب‪ ،‬فقد ب��ات له منافس على‬ ‫ستصبح التكنولوجيات اجل��دي��دة بكل معطياتها‬ ‫ش�ك��ل «ال��دي �س �ك��ات»‪ ،‬أو االس �ط��وان��ات احل��اف�ظ��ة‪،‬‬ ‫اخلدمية واملعلوماتية شيئا م��أل��وف��ا‪ ،‬حتى داخ��ل‬ ‫ع��وض��ا ع��ن ال �ش �ك��ل ال��ق��دمي ل�ل�ك�ت��اب م �ط��روح��ا‪.‬‬ ‫املنازل‪ ،‬سيمتزج التليفزيون والكمبيوتر الشخصي‬ ‫فاالسطوانة الواحدة تستوعب العديد من الكتب‪..‬‬ ‫وألعاب الفيديو والهاتف وأجهزة املطابخ وغيرها‪,‬‬ ‫وحتى املوسوعة البريطانية اآلن حفظت في نحو‬ ‫معا في جتانس مع بعضها بعضاً‪.‬‬ ‫عشرين أسطوانة‪ ..‬بينما يحتاج حفظها على شكلها‬ ‫وف��ى م�ج��ال ال�ك�ت��اب��ة واإلب � ��داع‪ ،‬ي�ج��ب اإلش ��ارة التقليدي في كتاب إلى حوائط غرفة كاملة‪ ..‬فضال‬ ‫إل��ى أن مفهوم الكتابة في أي نص يتم من خالل عن ميزة البحث السريع عن املعلومات املرغوبة‬ ‫حتليل بناء النص ذات��ه‪ ..‬وه��ى مسئولية مشتركة وقت استعادتها‪ ..‬كما أن تكلفة الكتاب اإللكتروني‬ ‫بني الكاتب والقارئ معا‪ .‬كما أن اإلبداع تعبير عن متثل ‪ %25‬من تكلفة الكتاب ال��ورق��ي‪ .‬وإن حذرنا‬

‫‪22‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫العلماء من إدمان الفيديو والتليفزيون واجللوس أمام شاشة‬ ‫الكمبيوتر‪ ،‬وبخاصة عند األطفال‪ ..‬وال عوض عن املشاركة‬ ‫وامل�ع��اي�ش��ة اإلن�س��ان�ي��ة للطفل‪ .‬إن اخل�ل��ط ب�ين التكنولوجيا‬ ‫واألخالقيات قضية متجددة وال يجب إغفالها مطلقا‪ .‬لقد‬ ‫رصدت العيادات الطبية نسبة ممن أدمنوا األجهزة إلصابتهم‬ ‫باالكتئاب‪ .‬هذا من جانب‪ ،‬وعلى اجلانب اآلخر التخ ّوف من‬ ‫واقع السماء املفتوحة‪ ،‬على الثقافات األخرى التي قد تصل‬ ‫ح ّد التناقض مع ثقافتنا اإلسالمية العربية‪ .‬إال إن اإلرادة‬ ‫البشرية هي وحدها الق��درة على السيطرة وتوجيه أي أنواع‬ ‫التكنولوجيا أفضل‪ ،‬وهي الفيصل األخير في تطبيق مبدأ‬ ‫«االخ�ت�ي��ار»‪ ،‬وه��و م��ا يجب أن يكون ضمن معطيات تنشئة‬ ‫الصغار‪.‬‬

‫اإلبداع والنشر على شبكة اإلنترنت‬ ‫تساءل الكاتب «بيتر بروك»‪ :‬هل أدب الطفل هو ما نكتبه‬ ‫لهم أم هو ما يقرأونه؟‬ ‫والسؤال طريف وذكي‪ ،‬بل هو مثير للعديد من األسئلة‪..‬‬ ‫الكاتب يكتب للطفل وما هو للطفل؟! األطفال يقرأون للكبار‬ ‫أحيانا؟؟‪ .‬لقد تعددت وسائل االتصال‪ ،‬ووسائط املعرفة والفن‬ ‫واألدب‪ ..‬بحيث تداخلت معا في أوعية جديدة يصعب وصفها‬ ‫أدبا فقط‪ ..‬أو معرفة فقط‪ ،‬أو حتى فنا من الفنون احملددة‪.‬‬ ‫ونظرا النتشار تلك الوسائط وشيوعها‪ ،‬مثل‪ :‬االسطوانات‬ ‫الرقمية‪ ،‬بل ومواقع الطفل بالشبكة اإللكترونية (اإلنترنت)‪..‬‬ ‫وغيرها امتزج مع مفاهيم املعلوماتية في التعليم املستدمي‬ ‫واملعرفة املتجددة واملعلومات التي يلزم معها البحث عن‬ ‫طريقة‪/‬طرق للحصول عليها واستخالص املعارف منها وبها‪,‬‬ ‫بعيدا عن األوعية اجلاهزة والتلقني املباشر‪.‬‬ ‫الطريف املدهش أن��ه حتى ع��ام ‪1975‬م‪ ..‬لم يكن ألدب‬ ‫الطفل تعريفا‪ ،‬بل لم يكن الطفل العربي قد نال االعتراف‬ ‫بأحقيته في أدب يخصه ويخاطبه‪ ,‬وهو ما اتضح في مؤمتر‬ ‫احتاد الكتاب العرب في اجلزائر عام ‪1975‬م‪ ،‬وقد أقر بعضهم‬ ‫أن ما يكتب للطفل ليس أكثر من «تعليم» و«تربية»‪ .‬ورمبا شاع‬ ‫لفترة (السبعينيات من القرن العشرين) استخدام مصطلح‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪23‬‬


‫«أدب األجيال احلديثة» وكأن «أدب الطفل» نقيصة‬ ‫ممن كتب؟‬ ‫أو إقال ٌل من شأن ما كتب و َّ‬ ‫اآلن‪ ،‬وب��ال �ن �ظ��ر إل���ى ال��وس��ائ��ط امل�ع�ل��وم��ات�ي��ة‬ ‫والتكنولوجية اجلديدة‪ ,‬فال حيلة لنا إال االعتراف‬ ‫بأن أدب األطفال له محاوره وأهدافه (التي يبدو‬ ‫أنه غير مختلف حولها)‪ ،‬وكل ما يقدم للطفل فهو‬ ‫في جعبة «ثقافة الطفل»‪ ,‬تلك التي تتضمن «العلم‬ ‫وامل�ع��رف��ة‪ -‬ال�ث��واب��ت العقائدية الدينية‪ -‬ال�ع��ادات‬ ‫والتقاليد‪ -‬الفنون األدبية والتشكيلية واملوسيقية‬ ‫واحل��رك �ي��ة وال �ف �ن��ون ال�ش�ع�ب�ي��ة)‪ ..‬أل �ي��س «ال�ك�ت��اب‬ ‫اإلل �ك �ت��رون��ي» اآلن ف��ي جملة خ�ص��ائ�ص��ه‪ ،‬يحمل‬ ‫مجمل ما ميكن أن يقال ويكتب للطفل على أنه‬ ‫أدبا ويزيد‪( ..‬فالكتاب اإللكتروني يتضمن إضافة‬ ‫إلى املضمون واحمل�ت��وى‪ ..‬تلك املؤثرات الصوتية‪،‬‬ ‫والصورة املتحركة‪ ،‬والتداخل بينها وفنون التشكيل‬ ‫واإلخراج الفني وغيرها)؟!‬ ‫اآلن لعله من املناسب أن يكون مصطلح «ثقافة‬ ‫ال�ط�ف��ل» أج��دى للحديث‪ ،‬ون�ح��ن نقصد احلديث‬ ‫عن «أدب الطفل»؛ نظرا لتعدد املعارف والوسائط‬ ‫واالحتياجات اجل��دي��دة ل��ه مب��ا يتناسب ومرحلته‬ ‫السنية‪ ،‬والبيئة الثقافية اجلديدة في العالم كله‪.‬‬

‫رؤية نقدية للواقع‬

‫خاصة بالطفل‪..‬‬ ‫يالحظ املتابع أن الطفل العربي يحضر في‬ ‫النشر اإللكتروني مبعثرا بني مواقع ذات اهتمامات‬ ‫متعددة ومختلفة‪ ..‬منها التي تتناول من جانب صحة‬ ‫األم‪ ،‬مع العرض للعديد من اجلوانب املعلوماتية‬ ‫الطبية اخل��اص��ة ب ��األم‪ ،‬ث��م بالطفل ف��ي املرحلة‬ ‫اجلنينية (فترة احلمل)‪ ..‬ومنها ما يعرض للحديث‬ ‫عن الطفل‪ ،‬من حيث هو عضو إضافي في األسرة‪،‬‬ ‫مع اإلشارة إلى معلومات تربوية يجب التزام األبوين‬ ‫بها‪ ..‬ثم هناك من املواقع العقائدية‪/‬الدينية التي‬ ‫تخاطب الطفل‪ ,‬من مفهوم كونه النبتة األصيلة‬ ‫إلنسان ملتزم دينيا وأخالقيا‪ ..‬كما توجد املواقع‬ ‫التعليمية التي تخاطبه من خالل املناهج الدراسية‬ ‫واملعلومات املدرسية‪ ..‬وأخيرا هناك املواقع التي‬ ‫تقدم األلعاب والتسالي للترفيه بعامة‪.‬‬ ‫أما احلديث عن طبيعة وخصائص املواقع املختلفة‬ ‫التي تتعامل مع الطفل‪ ..‬فهي إما مواقع ذات اهتمام‬ ‫ثقافي عام‪ ،‬وميكن نشر ما يخص «الطفل» عليها‪،‬‬ ‫بوصفه ثقافة عامة‪ ..‬مثل موقع «ميدل ايست أون‬ ‫الين»‪ .‬ومواقع ثقافية‪/‬أدبية بالدرجة األولى‪ ,‬ترعى‬ ‫األدب والكلمة وتضع من جوانب اهتمامها‪ ،‬نشر ما‬ ‫يخص الطفل إبداعا ومقاالت أدبية‪ ..‬مثل موقع‬ ‫«القصة ال �س��وري��ة»‪ .‬كما ت��وج��د م��واق��ع مخصصة‬ ‫للطفل وال تخاطبه بالدرجة األولى‪ ،‬بل تسعى لنشر‬ ‫كل ما يتعلق به‪ :‬أخبار‪ -‬إبداع‪ -‬دراسات‪ -‬وغيرها‪..‬‬ ‫مثل موقع «أدب األط�ف��ال»‪ .‬وأخيرا هناك املواقع‬ ‫التي تعيد نشر منتج ورقى سبق نشره‪ ,‬مثل مواقع‬ ‫املجالت والدوريات اخلاصة بالطفل‪ ..‬وهى عديدة‬ ‫ملجالت «ع�لاء ال��دي��ن‪ -‬العربي الصغير‪ -‬ماجد‪-‬‬ ‫براعم اإلميان ‪ -‬سنان‪ ..‬وغيرها»‪.‬‬

‫إذا كان الطفل الصغير من األهمية بحيث يجب‬ ‫أن نعتبره مؤسسة كبيرة‪ ،‬فإننا في احلقيقة نحتاج‬ ‫إل��ى رؤي��ة موضوعية على ح��ال مكتسبات الطفل‬ ‫حاليا في الوطن العربي‪ ،‬وبخاصة في جانب «النشر‬ ‫اإللكتروني»‪ ..‬نالحظ أن الطفل في تقنية النشر‬ ‫اإللكتروني يوجد مبعثرا على ع��دد من األشكال‬ ‫داخل املواقع املختلفة على شبكة اإلنترنت‪ :‬فهو في‬ ‫مواقع املرأة‪ /‬في مواقع األسرة‪ /‬في مواقع عامة‬ ‫لعل سلبيات تلك امل��واق��ع ف��ي مجملها‪ :‬عدم‬ ‫وجامعة‪ /‬في مواقع تسلية وترفيه‪ /‬في مواقع دينية االلتزام الدقيق بخصائص املرحلة العمرية للطفل‪،‬‬ ‫عقائدية‪ /‬ف��ي م��واق��ع تعليمية‪/‬الطفل ف��ي مواقع وحتى اآلن ال يوجد في املواقع العربية ما يشير إلى‬

‫‪24‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ •مخاطبة الطفل األنثى والذكر على قدر واحد‬ ‫من التناول‪ ..‬سواء في الموضوع أو المعالجة‪،‬‬ ‫على الرغم من أهمية التمييز بين الجنسين‬ ‫وبخاصة بعد سن الثانية عشرة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫املرحلة العمرية التي يخاطبها‪ ..‬وكأن املوقع يرى‬ ‫وضع كل األطفال في سلة واحدة‪.‬‬

‫بتوظيف التقنيات احلديثة لتسهيل العملية التعليمية‬ ‫داخل دور الدراسة‪ ،‬ثم مع توظيفها للحصول على‬ ‫الدرجات العلمية املعتمدة‪ ،‬فمن املعروف أن مرحلة‬ ‫الطفولة (حتى ‪18‬سنة) هي أهم مراحل التحصيل‬ ‫العلمي‪ ،‬ورمبا بعدها قد يتجه املرء للحياة العملية‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬فالبدء في تصميم البرامج الثقافية والتربوية‬ ‫والتعليمية للطفل‪ ,‬يعد اخلطوة األعلى إلجناز تلك‬ ‫املهمة‪ ..‬مع ضرورة توافر ملمح عام ومهم‪:‬‬

‫ •تقديم المفاهيم الغربية لألعمال المترجمة‬ ‫ل�ل�ط�ف��ل ب�ش�خ�ص�ي��ات��ه‪ ،‬وم �ف��اه �ي �م��ه‪ ..‬وك��أن��ه‬ ‫ •أن ي��وف��ر للطفل المعلومة‪ ،‬وإب ��راز السلوك‬ ‫الشخصية النموذج التي يجب على الطفل‬ ‫القويم والقيم العليا‪ ،‬كل ذلك في إطار جذاب‬ ‫اإلق�ت��داء بها‪ ..‬فشاعت شخصيات «السوبر‬ ‫وشيق‪ ،‬معتمدا على مراعاة المرحلة العمرية‬ ‫م��ان»‪« ،‬الرجل األخضر»‪ ..‬وغيرهما بكل ما‬ ‫للطفل‪ ،‬م��ع إع �م��ال التفكير واالب �ت �ك��ار لدى‬ ‫تحمله م��ن مفاهيم أق��ل م��ا ي�ق��ال فيها إنها‬ ‫الطفل‪.‬‬ ‫بحاجة إلى مواءمة‪ ،‬وتلك المواقع لم تختلف‬ ‫عن بعض المجالت المترجمة للطفل ويتم •ك �م��ا أن ت��وف �ي��ر االس��ط��وان��ات أو األق� ��راص‬ ‫اإللكترونية (الديسكات) بات شائعا‪ ،‬وال يجب‬ ‫تداولها‪.‬‬ ‫إغ�ف��ال أهميته كخامة‪ ،‬ووسيلة ق ��ادرة على‬ ‫ •سهولة ال�ن�ش��ر‪ ،‬وال��رغ�ب��ة ف��ي ال�ح�ض��ور على‬ ‫احتواء كم هائل من المعرفة‪.‬‬ ‫شبكة اإلن �ت��رن��ت‪ ،‬ش�ج��ع ب�ع��ض ال�ك�ت��اب على‬ ‫اقتحام عالم الطفل‪ ،‬من دون دراسة حقيقية •أن يضم الديسك أو األسطوانة ‪ -‬على التتابع‬ ‫والتوازي ‪ -‬المادة اللغوية والمادة الفنية‪ ،‬أو‬ ‫الح�ت�ي��اج��ات��ه‪ ،‬وب�ل�ا وع��ي بخصائص الطفل‬ ‫الرسومات المكملة التوضيحية‪ .‬وق��د وجد‬ ‫النفسية والتربوية‪.‬‬ ‫المختصون أن األل��وان «األص�ف��ر‪ ،‬واألحمر‪،‬‬ ‫ •أم��ا ع��ن مضامين ال�م��وض��وع��ات ال�ت��ي تقدم‬ ‫واألزرق» ه��ي أه��م األل ��وان للطفل حتى سن‬ ‫للطفل‪ ،‬فهي على شقين؛ إما البعد عن روح‬ ‫التاسعة‪.‬‬ ‫الطفل في التناول مع تقديم المعلومة قبل‬ ‫ •ينبغي أن يكون الخط واضحا وكبيرا‪.‬‬ ‫التناول الفني‪ ،‬أو االهتمام بالمعلومة البعيدة‬ ‫دون القريبة‪ .‬وربما أنسب مثال على ذلك‪• ،‬يجب أن ت�ك��ون ال��رس��وم مكملة للمعنى‪ ،‬بل‬ ‫ويمكن االستغناء عن المفردات الكثيرة‪ .‬مقابل‬ ‫تناول وتقديم الشرائع اإلسالمية قبل االهتمام‬ ‫التوضيح بالرسم مع الجمل القصيرة‪ ..‬هذا‬ ‫بالسلوك اإلسالمي وال��دالل��ة القيمية‪ ،‬وهى‬ ‫إضافة إل��ى إب��راز الصورة المقربة‪ ،‬وإهمال‬ ‫التي يحتاجها الطفل أكثر‪.‬‬ ‫الخلفية ف��ي ال��رس��وم التوضيحية‪ ،‬وتوظيف‬ ‫والسؤال هو‪ :‬من أين نبدأ؟‬ ‫تقنيات الكمبيوتر (الفوتوشوب وغيرها) في‬ ‫البداية في التربية‪ ..‬وال ميكن إغفال التعليم‪..‬‬ ‫إبراز الصورة من أكثر من جانب‪ ،‬أو بأبعادها‬ ‫وليس التعليم التقليدي فقط‪ ,‬بل التعليم عن بعد‪،‬‬ ‫الطبيعية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪25‬‬


‫ •اس�ت�خ��دام التقنيات الحديثة ف��ي إط��ار من‬ ‫اإلخراج الفني المالئم الجذاب‪.‬‬

‫«دار الوفاء» ‪2003‬م‪.‬‬ ‫‪ -6‬نبيل ع��ل ��ي‪«-‬ال��ث��ق��اف��ة ال��ع��رب�ي��ة ف ��ي ع��ص��ر المعلومات»‬ ‫‪-‬الكويت‪2001 -‬م ‪-‬سلسلة «عالم المعرفة»‪ -‬العدد يناير‬

‫ •البعد ع��ن النصح واإلرش� ��اد‪ ،‬وبالعموم عن‬ ‫المباشرة وإصدار األوامر للطفل‪ ،‬حتى يعتاد‬ ‫‪ -7‬ف��ران��ش كيلش ‪«-‬ث� ��ورة االن��ف��وم �ي��دي��ا»‪ -‬ت��رج��م��ة «ح ��س��ام‬ ‫على استنتاج الحقائق‪.‬‬ ‫الدين زكريا»‪-‬الكويت‪2000-‬م‪ -‬سلسلة «عالم المعرفة»‪-‬‬ ‫عدد‪.253‬‬ ‫ •أن تغلب روح الطفولة على المادة المنشورة‬ ‫‪ -8‬عبدالسالم المسدي ‪«-‬العولمة‪ ،‬والعولمة المضادة»‪-‬‬ ‫(المالئمة لسن الطفل ولجنس الطفل)‪.‬‬ ‫رقم ‪.265‬‬

‫ •تقديم المادة الثقافية‪/‬العلمية‪/‬التعليمية في‬ ‫إط��ار يحث الطفل على المشاركة‪ ،‬وتأهيله‬ ‫للتفكير واالبتكار‪ ،‬بعيداً عن التلقين‪.‬‬ ‫ •أن يصبح التعامل مع جهاز الكمبيوتر ومعطياته‬ ‫(في النهاية) لعبة بين يدي الطفل‪.‬‬

‫تونس ‪1999-‬م‪ -‬شركة مطابع لوتس‪.‬‬

‫‪ -9‬بيل جيتس ‪« -‬المعلوم��تية بعد اإلن �ت��رن��ت» ‪ -‬ترجمة‬ ‫«عبدالسالم رضوان» ‪-‬الكويت‪ -‬مارس ‪1998‬م ‪ -‬سلسلة‬ ‫«عالم المعرفة» رقم‪.231‬‬ ‫‪ -10‬وف��اء إبراهيم‪« -‬الوعي الجمالي عند الطفل»‪ .‬القاهرة‬ ‫«الهيئة المصرية للكتاب» ضمن مطبوعات مكتبة األسرة‬ ‫‪1997‬م‪.‬‬

‫أخيرا‪ ،‬لم يفقد الكتاب التقليدي مكانته (ولن!)‬ ‫أما القضية‪ ..‬فهي ضرورة االستفادة من املنحازات‬ ‫ترجمة «عبدالعزيز توفيق ج��اوي��د»‪ -‬مراجعة «د‪ .‬أحمد‬ ‫التقنية احل��دي�ث��ة‪ ,‬ف���اإلرادة البشرية وح��ده��ا هي‬ ‫عبدالسالم»‪ .‬القاهرة‪ -‬الهيئة المصرية للكتاب‪1995 -‬م‬ ‫ال�ق��ادرة على توجيه أي أن��واع تكنولوجية تستجد‬ ‫ثانيا‪ :‬صفحات على شبكة اإلنترنت‪..‬‬ ‫ف��ي ساحة املعرفة‪ ،‬وال خيار أمامنا إال الهرولة‬ ‫‪ -1‬خالد الرويعى‪« ،‬اإلنترنت بوصفها نصا»‪ ،‬في أكثر من‬ ‫نحو إجناز الطفل القادر على التعامل مع التقنيات‬ ‫صفحة على شبكة اإلنترنت‪.‬‬ ‫اجلديدة‪.‬‬ ‫‪ -2‬سعيد يقطين‪« ،‬م��ن النص إل ��ى النص المترابط»‪ -‬في‬ ‫‪ -11‬أرنولد جزل‪« ،‬الطفل من الخامسة إلى العاشرة» ‪ ,‬جزآن‪,‬‬

‫المراجع‬ ‫أوال‪ :‬كتب ورقية‬ ‫‪ -1‬نبيل علي‪« ،‬قضايا عصرية رؤية معلوماتية»‪-‬القاهرة‪-‬‬ ‫‪2006‬م‪ -‬هيئة الكتاب المصرية‪.‬‬

‫‪ -2‬ش��اك��ر عبدالحميد‪« -‬ع��ص��ر ال��ص��ورة»‪ -‬سلسلة «عالم‬ ‫المعرفة»‪ ،‬الكويت‪2005 ،‬م‬

‫‪ -3‬نجاح قدور‪« ،‬مستقبل الثقافة العربية في ظل العولمة»‪-‬‬ ‫‪2005‬م‪ -‬ليبيا‪ -‬المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب‬ ‫األخضر‪.‬‬

‫‪ -4‬عبدالله الغذامى‪« -‬الثقافة التليفزيونية‪ ..‬سقوط النخبة‬ ‫وب��روز الشعبي»‪ -‬المركز الثقافي العربي‪/‬بيروت‪ ,‬الدار‬

‫البيضاء‪ -‬ط‪2004 1‬م‬

‫‪ -5‬السيد نجم‪« ,‬طفل القرن الحادي والعشرين»‪ .‬اإلسكندرية‬

‫‪26‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫أكثر من صفحة على شبكة اإلنترنت‪.‬‬ ‫‪ -3‬عبير سالمة‪« ،‬النص المتشعب ومستقبل الرواية»‪ -‬في‬ ‫أكثر من صفحة على شبكة اإلنترنت‪.‬‬ ‫‪ -4‬م��ن النص إل ��ى النص المترابط مدخل إل ��ى جماليات‬ ‫اإلبداع التفاعلي‪ ،‬د‪ .‬فاطمة البريكى‬ ‫ثالثا‪ :‬موضوعات متنوعة على الشبكة (ذات عالقة)‬ ‫‪ -1‬عبير سالمة‪ ،‬الرقمية والرقمنة‪:‬‬

‫=‪www. arab-ewriters. com/?action=library&&type‬‬ ‫‪ON1&&title=3342-‬‬

‫‪ -2‬محمد أسليم‪ ،‬مفهوم الكاتب الرقمي ونظرية الواقعية‬ ‫الرقمية‪www. arab :‬‬

‫‪ewriters. com/?action=library&&type=ON1&&tit‬‬ ‫‪le=3344-‬‬


‫قراءة تحليلية لواقع مجالت األطفال في العالم العربي‬ ‫> دعاء صابر*‬

‫مجالت األطفال وثقافة الطفل‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫مجالت األطفال ودورها الثقافي في ثقافة الطفل‬

‫ليش َّب ويأخذ‬ ‫تظل الطفولة دوما ذلك النبت األخضر الرقيق المبلل بالندى‪ ،‬والذي نرعا ُه صغير ًا ُ‬ ‫يوجهُ‬ ‫دوره لخدمة الوطن والمجتمع‪ ،‬فأطفالنا يولدون أذكياءً بالفطرة‪ ،‬مُ ستعدين الستقبال ما َّ‬ ‫إليهم‪ ..‬لتكوين مُ حصلتهم الثقافية التي تكبُر شيئا فشيئا مع مراحل النمو واإلدراك‪.‬‬ ‫وعبر العديد م��ن امل �ش��ارب‪ ،‬يستقي الطفل‬

‫األطفال‪ ،‬والكتب املصورة املقدمة لهم‪ ،‬مرورا‬

‫ثقافته التي ُتك ِّون ل ُه ما يُس ّمى بال ُهوية‪ .‬وقد يكون بقنوات األطفال التي حتببهم في لغتهم األم‪،‬‬ ‫من الصعب على الطفل في سنوات عمره األولى‪ ،‬وجتعل من اللغة العربية لغة سهلة ط ٍّيع ًة على‬ ‫معرفة الدروب التي توصله الكتساب ثقافته؛ إذ لسانهم‪.‬‬ ‫قس َم علماء النفس الطفولة إلى مراحل مختلفة‪..‬‬ ‫َّ‬

‫أن ملجالت األطفال دورا مهما في غرس‬ ‫كما ّ‬

‫م��رورا باملراحل العمرية املختلفة‪ ..‬وصوال إلى‬

‫تر َّبيْنا عليها‪ ،‬ويجب أن تسود مجتمعاتنا العربية؛‬

‫وم ��ن خ�ل�ال ه ��ذه امل �ش��ارب امل�خ�ت�ل�ف��ة‪ ،‬التي‬

‫وتنفيره من السلبيات‪ ..‬كالكذب‪ ،‬والغش‪ ،‬وعدم‬

‫تبدأ مبرحلة الطفولة املُبكرة‪ ،‬أو ما قبل القراءة‪،‬‬ ‫سن املراهقة‪.‬‬

‫القيم احلميدة املُستقاة من شريعتنا الغراء‪ ،‬والتي‬ ‫كالتواضع‪ ،‬والكرم‪ ،‬والصدق‪ ،‬والوفاء لدى الطفل‪،‬‬

‫تتضافر فيما بينها كنسيج واحد‪ ،‬رغم اختالف األمانة‪ .‬كما أنها تساعده في إلقاء الضوء على‬ ‫أشكالها وتنوع مصادرها‪ ،‬إال أنها في النهاية أشياء ال يعرفها الطفل؛ فهي تأخذه في رحالت‬ ‫ت �ص��ب ف��ي م �ص��ب واح � ��د‪ ..‬ه��و ت �ق��دمي ثقافة‬ ‫الطفل بأسلوب شيق وجذاب‪ ،‬يُحبب إلى الطفل‬

‫مكوكية الستكشاف ما يجهل‪ ،‬ولتكوين حصيلته‬ ‫املعرفية‪ ،‬واستقراء ما كان‪ ..‬وما هو كائن‪ .‬فنجد‬

‫املعلومة‪ ،‬م��ن خ�لال تبسيطها أح�ي��ان��ا‪ ،‬أو من أن منها ما يركز على اجلانب الديني؛ وتقدمه‬ ‫بسطة كمجلة «ب��راع��م اإلمي��ان» التي‬ ‫خالل وضعها في قالب قصصي مشوق أحيانا بصورة ُم ّ‬ ‫أخرى‪ .‬كما أن هذه املصادر والروافد‪ ،‬تساعد تصدر بدولة الكويت‪ ،‬ومجلتي «مكي» و«أنس»‬ ‫اللتني تصدران في اململكة العربية السعودية‪،‬‬

‫الطفل على تكوين ُمعجمه اللغوي‪ ،‬الذي يرافقه‬ ‫طوال حياته‪ ..‬ويزداد رويدا رويدا‪ .‬نذكر من هذه ومجلة «الفردوس» التي تصدر في مصر‪.‬‬ ‫الروافد املهمة التي تعنى بثقافة الطفل مجالت‬

‫فهذه من��اذج ملجالت عربية تقدم لألطفال‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪27‬‬


‫ال�ت�ع��ال�ي��م اإلس�لام �ي��ة ال�س��ام�ي��ة‪،‬‬

‫ون��ادرا ما تخلو مجلة أطفال من‬

‫ويتعلم م��ن خ�لال�ه��ا األس��اس��ات‬

‫مجموعة من احليوانات‪.‬‬

‫ب �ط��رق ش�ي�ق��ة جت �ت��ذب ال�ط�ف��ل‪،‬‬

‫التي يحتاج إليها في تلك املرحلة‬

‫وف � ��ى م��ث��ل ذل � ��ك ال� �ن���وع م��ن‬

‫كما ذكرنا‪ -‬يهتم بالشق التربوي؛‬‫فيُعلِّم الطفل قواعد اآلداب العامة‬

‫للطفولة املبكرة‪ ،‬جت��در اإلش��ارة‬

‫ال�ع�م��ري��ة‪ .‬ومنهج ه��ذه املجالت‬

‫كالصدق‪ ،‬واألم��ان��ة‪ ،‬واإلنصاف‪،‬‬ ‫واآلداب اإلسالمية املُستقاة من‬

‫ال �ق��رآن ال�ك��رمي وال�س�ن��ة النبوية‬ ‫كحب اجل��ار‪ ،‬وإفشاء‬ ‫املطهرة‪ُ ..‬‬

‫السالم‪ ،‬ونبذ الغش‪ ،‬والنظافة‪،‬‬ ‫واالس �ت �ئ��ذان عند ال��دخ��ول على‬

‫الكبار‪ ،‬وما يجب أن يكون عليه‬ ‫سلوك املسلم‪.‬‬

‫وجن��د أيضا أن هناك صنفا منها‪ ،‬يخاطب‬

‫شريحة الطفولة املبكرة‪ ،‬أو ما قبل القراءة‪ ،‬ومثل‬ ‫هذه املجالت يهتم بالصورة ويركز عليها‪ ..‬فهي‬

‫وسيلة االتصال احلقيقية بينها وبني الطفل‪ ،‬والتي‬

‫من خاللها يتعلم كيف يُف ّرق بني األلوان؛ فيعرف‬ ‫األخضر واألحمر‪ .‬وكيف يتعلم مسميات األشياء‬

‫من خالل بعض الصور املرسومة بعناية‪ .‬كما أنها‬ ‫تعلم الطفل احل��روف وأسماء الكائنات احلية؛‬

‫من خالل القصائد البسيطة املوجهة لألطفال‪،‬‬

‫وأغلبها يخصص صفحة شهرية للقصائد؛ تكون‬ ‫في غالب األحيان ذات جرس موسيقي ُمحبب‬

‫ل�لآذان‪ ..‬كي يسهل حفظها‪ ،‬وغالبا ما تخاطب‬

‫ه��ذه امل �ج�لات الطفولة امل�ب�ك��رة؛ ل��ذا‪ ،‬فمعظم‬

‫أبطال القصص يكونون ع��ادة من احليوانات‪،‬‬ ‫ويدور احلوار في القصة على ألسنة احليوانات‪،‬‬

‫‪28‬‬

‫هذه القصص التي يكون أبطالها‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫املجالت التي تقدم الثقافة األولية‬ ‫إلى عدة أمور مهمة؛ نذكر منها‪:‬‬

‫‪1 .1‬ض� ��رورة اه �ت �م��ام ال��وال��دي��ن‬ ‫بتلك المرحلة‪ ،‬ف�لا ي�ج��وز ترك‬

‫الطفل مع المجلة‪ ،‬يقلب صفحاتها‬ ‫ف�ق��ط‪ ،‬ب��ل يلزمهم ش��رح الصور‬ ‫الملونة الجذابة‪ ،‬وإبداء االهتمام‬

‫بمحتويات المجلة‪ .‬فذلك يعطي‬ ‫انطباعا ل��دى الطفل بأهمية ما‬

‫بين يديه‪ ،‬كما أن عنصر الشرح‬

‫المبسط من الوالدين‪ ،‬يتيح للطفل ‪-‬فيما‬ ‫ب�ع��د‪ -‬أن يطلق خياله الصغير‪ ،‬متخيال‬

‫حواراً غير مكتوب من خالل الصور‪.‬‬

‫‪2 .2‬هناك صنف آخر من مجالت األطفال يعلم‬ ‫الطفل أدب ال�ح��وار م��ع اآلخ��ري��ن‪ ،‬وأص��ول‬ ‫المجتمع المسلم وآداب� ��ه؛ ك��إل�ق��اء السالم‬

‫عند الدخول‪ ،‬والبسملة عند تناول الطعام‪،‬‬ ‫والصمت حينما يتحدث الكبار‪ ،‬وعدم الكذب‪،‬‬ ‫ومحبة الخير‪ .‬كما أن�ه��ا تتيح ل��ه التعرف‬

‫على أعالم العرب‪ ،‬واالختراعات الحديثة‪،‬‬ ‫وأطلس العالم‪ ،‬والرسل واألنبياء السابقين‪..‬‬ ‫من خالل صفحات يعدها المتخصصون في‬

‫تلك المجالت؛ ليجتمع للطفل خالل القراءة‬ ‫المعلومة والتسلية معا‪.‬‬


‫الفردية‪ ،‬مثل‪ :‬كيف يصنع قاربا من ورق‪ ،‬املجالت الفنية واألدبية والثقافية (على سبيل‬

‫أو ب�ي�ت��ا م��ن ال��ك��ارت��ون‪ ،‬أو ي��رس��م شجرة املثال ال احلصر دول البحرين‪ ،‬وقطر وسلطنة‬ ‫أو ع �ص �ف��ورا‪ ..‬وغ��ال�ب��ا م��ا تخصص ع��دة ع �م��ان)‪ .‬وم��ن ج��ان��ب آخ ��ر‪ ،‬نلمح دوال عربية‬

‫صفحات لتنمية ذك��اء الطفل‪ ..‬من خالل ت��ول��ي األط��ف��ال اه�ت�م��ام��ا خ��اص��ا‪ ،‬وت��وج��ه لهم‬ ‫ٍ‬ ‫أحاج بسيطة؛ كالفرق بين الصورتين مثال‪ ،‬خطابا تثقيفيا‪ ..‬من خالل العديد من املجالت‬ ‫والمتاهة والكلمات المتقاطعة وغيرها من املخصصة لفئات عمرية مختلفة‪ ،‬نذكر منها دولة‬ ‫ألعاب الذكاء البسيطة‪.‬‬ ‫الكويت التي أصدرت مجالت «العربي الصغير»‪،‬‬

‫مجالت األطفال في الوطن العربي‬ ‫وفى هذا املبحث املهم‪ ،‬سنحاول إلقاء الضوء‬ ‫على رافد من أهم روافد الطفل‪-‬لتكوين هويته‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫‪3 .3‬ه �ن��اك م �ج�لات ت�ع�ل��م ال �ط �ف��ل ال �م �ه��ارات اآلن‪ ..‬على ال��رغ��م م��ن أن�ه��ا تعج بالعديد من‬

‫و«براعم األميان»‪ ،‬و«سدرة»‪ ،‬و«سعد»‪ ،‬و«جندي‬ ‫املستقبل»‪ ،‬و«أجيالنا»‪.‬‬ ‫كما نلمح اهتماما خاصا بدأ يتنامى بشدة‬

‫الثقافية‪ -‬وهو مجالت األطفال‪ ..‬تلك النافذة لدى اململكة العربية السعودية؛ من خالل رفد‬ ‫التي يكتسب من خاللها الطفل سيل املعلومات‪ ،‬س��اح�ت�ه��ا ب �ع��دة م �ج�لات ت�ت��وج��ه إل ��ى ال�ط�ف��ل‪..‬‬ ‫فنية م��دروس� ٍ�ة‪ ،‬تخضع نذكر منها مجالت «باسم»‪ ،‬و«اجليل اجلديد»‪،‬‬ ‫�رق ٍ‬ ‫ولكن م��ن خ�لال ط� ٍ‬ ‫للكثير م��ن الفحص قبل عرضها ف��ي صورتها و«ف ��راس»‪ ،‬و«مجلة أن��س»‪ ،‬و«م�ك��ي»‪ ،‬و«حسن»‪،‬‬ ‫النهائية‪.‬‬ ‫ال شك أن مجالت األطفال في وطننا العربي‬

‫و«قرناس»‪.‬‬

‫وف��ى مصر ال�ت��ي تعد م��ن دول ال��ري��ادة في‬

‫ص��درت للعديد‬ ‫تعاني من الندرة‪ ،‬وال تلبى احتياجات الشرائح مجال مجالت األطفال‪ ،‬والتي ّ َّ‬ ‫ال�ع��ري�ض��ة م��ن أط �ف��ال��ه‪ .‬وع �ل��ى ال��رغ��م م��ن أن من الدول العربية ُكتّاب السيناريو‪ ،‬وأساتذة فن‬ ‫مجالت األطفال هي األق��دم ظهورا من وسائل الكوميكس‪ ،‬بأفكارهم اجلديدة‪ ،‬ما ساعد على‬

‫التكنولوجيا األخ��رى؛ كقنوات األطفال‪ ،‬وميديا إرس��اء دعائم مجالت أطفال عديدة في أرجاء‬ ‫الكارتون‪ ،‬والرسوم املتحركة‪ ..‬ما يعني أن لها ال��وط��ن ال�ع��رب��ي‪ ،‬ففي مصر جن��د م��ن املجالت‬ ‫ال��ري��ادة ف��ي ه��ذا احل�ق��ل‪ ،‬ولها احل��ق الشرعي املستمرة في ال�ص��دور «سمير»‪ ،‬و«ال �ف��ردوس»‪،‬‬ ‫في التطور عبر السنوات‪ ،‬وفى امتالك مساحة و«عالء الدين»‪ ،‬و«قطر الندى»‪ ،‬و«بلبل»‪.‬‬ ‫شاسعة على خريطة ما يقدم لألطفال‪ .‬إال أنها‬

‫وال نستطيع أن نغفل دولة اإلم��ارات العربية‬

‫ل��م تكن بحجم امل��أم��ول منها‪ ،‬م��ن ناحية الكم الشقيقة‪ ،‬التي قدمت للطفل العربي مجلة «ماجد‬ ‫أحيانا‪ ،‬ومن ناحية الكيف في بعضها‪.‬‬ ‫الظبيانية»‪ ،‬املجلة الوحيدة في الوطن العربي‪..‬‬ ‫وإذا حتدثنا عن جانب الكم‪ ،‬جند أن دوال التي تصدر أسبوعيا من دون توقف‪ .‬كما تصدر‬ ‫عربية كثيرة‪ ،‬ال توجد فيها مجلة أطفال حتى مجالت «أطفال اليوم» و«األذكياء» و«خالد»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪29‬‬


‫وم��ن احمليط إل��ى اخلليج‪..‬‬

‫ص��درت م�ج�لات كثيرة تتوجه‬ ‫بخطابها إل��ى الطفل العربي‪،‬‬

‫بعضها توقف‪ ،‬وبعضها ما يزال‬

‫ال �س��اح��ة م�ج�م��وع��ة رائ �ع��ة من‬ ‫المجالت التي اجتذبت الطفل‬ ‫منذ الوهلة األولى؛ فهي تراعى‬ ‫ذائ�ق�ت��ه قبل أي ش��يء‪ ،‬فتط ِّو ُر‬

‫يصدر حتى اآلن‪ .‬وفى السطور‬

‫من نفسها تلقائيا لتتناسب مع‬

‫القادمة سنحاول إلقاء الضوء‬

‫ال �ف �ئ��ات ال�ع�م��ري��ة ال �ت��ي تتوجه‬

‫على مجالت األطفال التي تقدم‬

‫إليها‪ .‬وم��ن هنا‪ ،‬ظهرت مجلة‬

‫وجبة ثقافية للطفل العربي‪..‬‬

‫«ب��اس��م» ال �ص��ادرة ع��ن الشركة‬

‫من خ�لال رص��د املجالت التي‬

‫العربية لألبحاث والنشر‪ ،‬والتي‬

‫ت �ص��در ب �ك��ل ق �ط��ر م��ن أق �ط��ار‬ ‫الوطن العربي‪.‬‬

‫وك �ت��اب ال �س �ي �ن��اري��و‪ ،‬ال��ذي��ن لم‬

‫‪ -1‬ح�ظ�ي��ت المملكة العربية‬

‫ي�ب�خ�ل��وا ع �ل��ى ال �ط �ف��ل ب �م��ا في‬

‫السعودية بمكانة بارزة على‬ ‫خ��ارط��ة أدب األط �ف��ال منذ‬ ‫سنوات بعيدة‪ ،‬حيث صدرت‬ ‫أول مجلة تتوجه إلى الطفل‬

‫وهي مجلة «الروضة»‪ ،‬التي‬ ‫أص��دره��ا األدي��ب السعودي‬

‫ط���اه���ر زم � �خ � �ش� ��رى‪ ،‬وق ��د‬

‫الق ��ت ال�م�ج�ل��ة استحسانا‬

‫م�ن��ذ أع ��داده ��ا األول � ��ى‪ ،‬ما‬ ‫جعلها تلفت األنظار وتجذب‬ ‫االه� �ت� �م ��ام‪ ،‬ل �ك��ن ل �ظ��روف‬

‫خاصة توقفت عن الصدور‬

‫بعد عامها األول‪ .‬ثم ظهرت‬

‫على الساحة مجلة «حسن» الصادرة عن دار‬ ‫عكاظ‪ ،‬ومجلة «الشبل» الصادرة عن مؤسسة‬

‫الطفولة‪ ،‬ولألسف توقفت هذه المجالت عن‬

‫الصدور بعد عدة سنوات‪.‬‬

‫وم��ا ه��ي إال س �ن��وات قليلة؛ حتى ظ�ه��رت على‬

‫‪30‬‬

‫اجتذبت إليها كبار الرسامين‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫ج�ع�ب�ت�ه��م م ��ن أف� �ك ��ار ط��ازج��ة‪،‬‬ ‫جعلت الطفل يتشبث بالمجلة‬ ‫أكثر فأكثر‪.‬‬ ‫ ‬

‫وال نستطيع أن نغفل مجلة‬ ‫«الجيل الجديد» ال�ص��ادرة عن‬ ‫الرئاسة العامة لرعاية الشباب‪،‬‬ ‫وال� �ت���ي اس��ت��ط��اع��ت ‪-‬وخ�ل��ال‬

‫فترة زمنية وج�ي��زة‪ -‬أن تصنع‬ ‫ل �ن �ف �س �ه��ا م �ك��ان��ا راس� �خ ��ا بين‬ ‫كبريات مجالت األط �ف��ال‪ ،‬من‬ ‫خالل مضمونها الهادف‪ ..‬الذي‬ ‫يعتمد في مجمله على استلهام‬ ‫التراث العربي؛ وذلك ما نلحظه‬ ‫م��ن ال �س �ي �ن��اري��وه��ات وال �ق �ص��ص ال �م �ص��ورة‬ ‫في المجلة‪ ،‬وم��ن ثم ظهرت مجلة «أن��س»‪،‬‬ ‫ث��م م�ج�ل��ة «ف�� ��راس»‪ ،‬وأخ��ي��را م�ج�ل��ة «مكي‬ ‫ل�لأط �ف��ال»‪ ،‬وال��ص��ادرة ع��ن م �ش��روع تعظيم‬ ‫الحرم الشريف‪ ،‬تلك المجلة التي استطاعت‬


‫مكانها بقوة بين العديد من مجالت األطفال‪،‬‬ ‫وبخاصة مع ذلك الدور المهم الذي تضلع به‪،‬‬ ‫وهو تقديم مادة ثقافية عن الحرم الشريف‪،‬‬ ‫في إط��ار السهل الممتنع‪ ،‬من خالل تبويب‬ ‫جيد لها‪ ..‬وق��راءة واعية للمواد التي يقبل‬ ‫عليها الطفل من القصص المصورة الجذابة‪،‬‬ ‫والقصص السردية الهادفة‪ .‬وتعد مجلة مكي‬ ‫المجلة الشهرية الوحيدة التي توزع بالمجان‬ ‫على مستوى الوطن العربي‪ ،‬رغم أنها تتفوق‬ ‫على كثير من المجالت األخ��رى في جودة‬ ‫الطباعة‪ ،‬والورق‪ ،‬والمادة التحريرية‪.‬‬ ‫‪2‬ـ مجالت الطفل في مصر‪ :‬حملت مصر منذ‬ ‫البدايات ه َّم مواجهة ما يقدمه الغرب من‬

‫أحد المنابر المهمة في إثراء ساحة الطفولة‬ ‫بأهم مجلة تقدم صباح كل أرب �ع��اء‪ ..‬وهى‬

‫مجلة «ماجد»‪ .‬كذلك هناك مجلتا «أطفال‬

‫اليوم» و«األذكياء»‪ .‬ولكن هناك نقطة مهمة‬ ‫يجب أال نغفلها أو نم َّر عليها مرور الكرام‪،‬‬

‫وه��ي أن معظم المؤسسات الحكومية في‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫‪-‬وف� ��ى غ �ض��ون ث�ل�اث س� �ن ��وات‪ -‬أن ت��أخ��ذ ‪3‬ـ كما تظل دول��ة اإلم��ارات العربية المتحدة‪،‬‬

‫دولة اإلمارات تهتم بإصدار مجلة لألطفال‪،‬‬ ‫فنرى هيئة شرطة دبي تصدر مجلة «خالد»‪،‬‬ ‫وهى مجلة شهرية متنوعة‪ .‬كما تصدر مجلة‬

‫«اإلطفائي الصغير»‪ .‬وعن وزارة البيئة تصدر‬ ‫مجلة «البيئي الصغير»‪ ،‬وعن وزارة الصحة‬

‫تصدر مجلة «هليل»‪ .‬وهذا يدل على توجه‬

‫الدولة الدءوب‪ ،‬واهتمامها بالطفل في حدود‬

‫دولتها‪.‬‬

‫مجالت ال تناسب الطفل ال�ع��رب��ي؛ كمجلة‬ ‫«س��وب��رم��ان»‪ ،‬وغ�ي��ره��ا م��ن ال�م�ج�لات التي ‪4‬ـ ال نستطيع أن نغفل دور دول��ة الكويت في‬ ‫دعم مجالت األطفال رغم تكلفتها الباهظة‪،‬‬ ‫ص��دَّ ره��ا ال�غ��رب إلينا‪ ،‬فهي ال تمت للذوق‬ ‫العربي بصلة‪ ،‬بل تضع الطفل في عالم من‬ ‫الخيال‪ ..‬يظل مأسورا فيه‪ ،‬وال تحرك فيه‬ ‫ملكات اإلبداع‪ .‬ومن هنا‪ ،‬حملت مؤسسة دار‬ ‫الهالل على كاهلها إص��دار مجلة «سمير»‪،‬‬ ‫ثم ظهرت مجلة «قطر الندى» الصادرة عن‬

‫ل�ت�ك��ون ف��ي م�ت�ن��اول األط �ف��ال ع�ل��ى مستوى‬ ‫الوطن العربي‪ .‬ومن هنا‪ ،‬كان هذا الصرح‬ ‫العظيم‪ ،‬وأقصد به مجلة «العربي الصغير»‪،‬‬ ‫ومجلة «سعد» ومجلة «سدرة» ومجلة «جندي‬

‫المستقبل» و«مجلة أجيالنا»‪.‬‬

‫الهيئة العامة لقصور الثقافة‪ ،‬ومن ثم ظهرت ‪5‬ـ أما بخصوص ما تبقى من الدول العربية‬ ‫مجلة «بلبل» الصادرة عن مؤسسة أخبار اليوم‬

‫فهناك المملكة األردنية الهاشمية التي‬

‫ع��ن مؤسسة األه ��رام الصحفية‪ .‬وتمخض‬

‫وس��وري��ا ال��ت��ي ت��ص��در مجلة «أس��ام��ة»‪،‬‬

‫والدة أول جريدة مقدمة للطفل العربي وهي‬

‫و«ف���ارس ال��غ��د»‪ ،‬وال��ج��زائ��ر التي تصدر‬

‫منها في شهر فبراير عام ‪2010‬م‪.‬‬

‫فيها مجلة «المثقف الصغير»‪ ،‬والسودان‬

‫الصحفية‪ ،‬ومجلة «عالء الدين» التي تصدر‬

‫ت��ص��در فيها مجلتا «ح��ات��م» و«ت��اي��ك��ي»‪،‬‬

‫المشروع المصري في نهاية المطاف عن‬

‫ولبنان التي تصدر فيها مجلتا «أحمد»‬

‫(جريدتي الصغيرة)‪ ..‬التي صدر العدد األول‬

‫فيها مجلة «مرجان»‪ ،‬واليمن التي تصدر‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪31‬‬


‫العربي يعج مبائدة ال تنفد‪،‬‬

‫التي تصدر فيها مجلة‬ ‫«سمسمة»‪ ،‬وفى العراق‬

‫ما يفيد مجالت األطفال‪،‬‬

‫ت��ص��در ش��ه��ري��ا مجالت‬

‫وال ي��ج��ع��ل��ن��ا ف����ي ح��اج��ة‬

‫«ال��م��زم��ار»‪ ،‬و«مجلتي»‪،‬‬

‫لالقتباس من كتب الغرب‬

‫و«الجيل اآلن»‪ ،‬وأخيرا‬

‫وأفكارهم ومجالتهم‪ ،‬التي‬

‫ليبيا ال��ت��ي ت��ص��در فيها‬

‫ي��ك��ون ل��ه��ا م������ردو ٌد س��ل��ب� ٌّ�ي‬ ‫في كثير من األحيان على‬

‫مجلة «األمل»‪.‬‬

‫الطفل العربي؛ فنحن على‬

‫الدور التربوي‬ ‫لمجالت األطفال‬

‫يقني بأن ع��ادات الغرب ال‬

‫ٌ‬ ‫هدف ما ورا َء‬ ‫دوما هناك‬ ‫أي م��ش��روع أو إص���دار ما‪،‬‬

‫بعيد‪ ،‬كما نعلم متام العلم‬ ‫أننا من حم َل مصباح العلم‬

‫م����ن امل���ف���ت���رض أن ي��ك��ون‬

‫ال����ظ��ل�ام‪ ،‬ع���ن���دم���ا ح��م��ل��ن��ا‬

‫ج��ذب الطفل إل��ى ال��ق��راءة‬

‫واآلداب‪ .‬فقد أضاء تاريخنا‬

‫أمامه آفاقا رحبة ملستقبل‬

‫بن حيان» و«ابن سينا»‪ .‬وما‬

‫في تنمية معلوماته‪ ،‬وتزرع‬

‫«ألف ليلة وليلة»‪ ،‬و«حي بن‬

‫وجتعل منه فردا اجتماعيا‬

‫و«ن��وادر العرب»‪ ،‬و«قصص‬

‫مك ّونا العديد من العالقات‬

‫و«السير الشعبية» وغيرها‬

‫تشبه عاداتنا من قريب أو‬

‫وفى مجال مجالت الطفل‪..‬‬

‫حينما كانوا يعيشون عصور‬

‫الهدف واضحا وجليا؛ وهو‬

‫إليهم شعلة العلوم والفنون‬

‫التي ستوسع مداركه‪ ،‬وتفتح‬

‫بأمثال «االدريسى» و«جابر‬

‫أف��ض��ل‪ ،‬كما أن��ه��ا تساعده‬

‫دام��ت جعبتنا بها حكايات‬

‫ف��ي داخ��ل��ه ح��ب االب��ت��ك��ار‪،‬‬

‫يقظان»‪ ،‬وكتاب «البخالء»‪،‬‬

‫ي���ن���خ���رط ف�����ي م��ج��ت��م��ع��ه‪،‬‬

‫جحا»‪ ،‬وكتاب «كليلة ودمنة»‬

‫االج���ت���م���اع���ي���ة ال���ن���اج���ح���ة‬

‫م��ن ع��ي��ون األدب العربي‪،‬‬

‫أبواب معينة تخصصها هذه‬

‫مشوقة ومشرقة لألطفال‪،‬‬

‫بأقرانه‪ ،‬وبخاصة من خالل‬ ‫امل��ج�لات‪ ..‬كصفحات التعارف واملراسلة‪،‬‬

‫ل�يُ��ك� ِّون الطفل حصيلته املعرفية‪ ،‬وث��روت��ه‬

‫في مجتمعات ودول أخ��رى‪ ،‬كما أن تراثنا‬

‫األصيل‪.‬‬

‫وال��ت��ي جتعل الطفل يتعرف إل��ى أص��دق��اء‬

‫‪32‬‬

‫ال��ذي ميكن تقدميه بصور‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫اللغوية‪ ،‬وثقافته‪ ،‬ومرجعيته من تراثه العربي‬


‫> مالك اخلالدي ‪ -‬السعودية‬

‫يمكن القول بأن لشعر الطفولة مساحة مهمة في أدب الطفل؛ نظر ًا إليقاعه العذب المحبب للنفوس‪،‬‬ ‫وانسياب مفرداته المتناغمة في حروف شفيفة خفيفة على اللسان‪ ..‬قريبة من القلب‪ .‬وقد أشار المختصون‬ ‫إلى تأثير الشعر على الكبار‪ ..‬فكيف بالطفل صاحب الروح البيضاء المنفعلة بكل ما حولها؟! كيف به‬ ‫معان محببة إلى نفسه؛ ولذلك‪ ،‬اعتنت المؤسسات‬ ‫ٍ‬ ‫وهو يسمع أو يقرأ ويتغنّى بأبيات مموسقة‪ ،‬تحملُ‬ ‫فخصصت له مناهج مستقلة‪ ،‬نظر ًا‬ ‫التربوية بجانب الشعر الموجه للطفل‪ ..‬أو ما يسمى (باألناشيد)‪ُ ،‬‬ ‫لتأثيره الفعال‪ ،‬ودوره في زرع القيم‪ ،‬وتعزيز االتجاهات اإليجابية في ذات الطفل‪ ،‬مستفيدين من ميله‬ ‫الفطري وانفعاله بها‪ ،‬وتأثيرها في نفسه وروحه وعقله‪ ،‬ورغم ما لتلك المناهج من أمور تحسب عليها‬ ‫سنأتي على ذكرها الحقاً‪ -‬إال أنها تُعد أمر ًا إيجابي ًا له تأثير واعٍ ‪ ،‬ال يستهان به‪.‬‬‫ول �ش �ع��ر ال �ط �ف��ول��ة (األن ��اش� �ي ��د) ال �ك �ث �ي��ر من‬ ‫التعريفات‪ ،‬ومنها أنها (قطع شعرية سهلة في‬ ‫ط��ري�ق��ة نظمها وم�ض��ام�ي�ن�ه��ا‪ ،‬ت�ن�ظ��م ع�ل��ى وزن‬ ‫مخصوص وتصلح لتؤدى جماعياً أو فردياً)‪ ،‬وفقاً‬ ‫لتعريف حنان العناني‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫شعر الطفولة بني النهوض واإلهمال‬

‫كما أن ارت�ب��اط القصيدة بالواقع احملسوس‬ ‫له الدور األكبر في توسيع إدراك الطفل وخياله؛‬ ‫فاخليال ال ينبثق إال من قاعدة واقعية ينطلق منها‬ ‫الطفل ليحلّق بعيداً في فضاءات رحبة‪.‬‬

‫ورغم األهمية البالغة لشعر الطفل ودوره في‬ ‫وي��أت��ي شعر الطفل ع��ادة لتحقيق ه��دف أو منوه وجدانياً ومعرفياً وعقلياً‪ ..‬إال أنه ما يزال‬ ‫يعاني من اإلهمال‪ ،‬ويظهر ذلك جلياً في انعدام‬ ‫مجموعة أهداف أخلصها فيما يأتي‪:‬‬ ‫القاعدة التأسيسية له‪ ،‬وندرة املوسوعات والكتب‬ ‫‪ -1‬زرع القيم واألفكار الفاضلة لدى األطفال‪.‬‬ ‫التي جتمع تلك القصائد أو تع ّرف بأصحابها‪ .‬كما‬ ‫‪ -2‬تعزيز الميول واالتجاهات اإليجابية‪.‬‬ ‫رابطة لشعراء الطفولة ما ي��زال حلماً‬ ‫ٍ‬ ‫أن وج��ود‬ ‫‪ -3‬ربطهم باللغة األم‪ ،‬وإثرائهم بمفردات متنوعة ي��راود الكثير من الشعراء العرب؛ فض ً‬ ‫ال عن أن‬ ‫وجديدة‪.‬‬ ‫ح��ظ ه��ذا ال�ل��ون األدب ��ي م��ن ال��دراس��ة والتطوير‬ ‫ً‬ ‫‪ -4‬رف��ع الحس األدب��ي وإش�ب��اع وإم�ت��اع الجانب ضئيل ج��دا مقارنة بغيره؛ ل��ذا‪ ،‬جن��دهُ يعاني من‬ ‫الضمور الكمي والكيفي‪.‬‬ ‫الوجداني فيهم‪.‬‬ ‫‪ -5‬تعليمهم الواجبات الدينية ومساعدتهم في‬ ‫حفظ المعارف والعلوم المنهجية‪.‬‬

‫وكمنهج دراسي أصبح يكرس مشاعر سلبية أو‬ ‫المبالية جتاهه نظراً جلمود مناهج الشعر أو ما‬ ‫يسمى بـ (النصوص واحملفوظات)‪ ..‬إضافة إلى‬ ‫أن طريقة التلقني لم تعد مجدية‪ ،‬بل أصبحت‬ ‫كثير من األحيان‪.‬‬ ‫منفـّّرة في ٍ‬ ‫ول�ع��ل أب ��رز اإلش�ك��ال�ي��ات ال�ت��ي ت��واج��ه مناهج‬ ‫الشعر املوجهة لألطفال (النصوص واحملفوظات)‬ ‫هي‪:‬‬

‫ولتحقيق هذه األهداف‪ ..‬ال بد من مراعاة بساطة‬ ‫املفردات ووضوح الفكرة؛ فغرابة واستعصاء أحدها‬ ‫يخلق نفوراً لدى الطفل ويأتي بنتيجة عكسية‪..‬‬ ‫إضافة إلى ضرورة سالسة الوزن وحالوته وخفته‬ ‫وانسيابه‪ ،‬كما أن اإليجاز وعدم اإلسهاب في عدد‬ ‫األبيات مطلب مهم ج��داً‪ ،‬فاإلسهاب يربك النص‬ ‫‪ -1‬تدريسها كمنهج مستقل‪ ..‬ي��رى فيه البعض‬ ‫ويبعث امللل في نفس الطفل‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪33‬‬


‫ان �ت��زاع �اً ل�ح�ي��وي��ة ال�ش�ع��ر ال�م�ب�ث��وث ف��ي روح‬ ‫المناهج وال �م �ع��ارف األخ� ��رى‪ ،‬وال ��ذي يمكن‬ ‫استغالله لتسهيل تعلم بعض المواد‪.‬‬ ‫‪ -2‬جمود المنهج وركوده وتقادمه‪ ،‬فالتطوير عادة‬ ‫يُصبُّ على ال�م��واد التعليمية التي ينظر لها‬ ‫بعين األهمية‪.‬‬ ‫‪ -3‬تقليديته ع�ل��ى م�س�ت��وى ال �ن �ص��وص وط��رائ��ق‬ ‫التدريس؛ فالنصوص‪ ،‬غالباً ما تكون تقليدية‬ ‫م��ن ح�ي��ث أص�ح��اب�ه��ا وم��واض�ي�ع�ه��ا‪ ،‬م��ن دون‬ ‫االل�ت�ف��ات إل��ى دم��اء ج��دي��دة وأن �م��اط وأف�ك��ار‬ ‫مواكبة للعصر‪.‬‬ ‫‪ -4‬إهمال المعلمين واألهالي لها بوصفها مادة‬ ‫ليست ذات تأثير في التحصيل الدراسي‪.‬‬ ‫ون� �ظ ��راً ل �ك��ل م��ا س��ب��ق‪ ..‬ي�ن�ص��ح ال�ك�ث�ي��ر من‬ ‫التربويني املختصني بدخول األناشيد لكل املواد‪،‬‬ ‫وربطها باحلياة واملعارف واملتغيرات‪ ،‬وإضفاء ج ٍّو‬ ‫ماتع بطرائق جديدة في تدريسها‪ ،‬لالستفادة من‬ ‫ٍ‬ ‫مكانتها في روح وحس األطفال‪ ..‬ب��دالً من خلق‬ ‫حجاب‪ ،‬أو تكريس شعور سلبي‪ ..‬ومن ثم نكوص‬ ‫سيكولوجي لدى الطفل‪.‬‬

‫ووضوح الفكرة التي تلتقي وروح الطفل املشدودة‬ ‫للطبيعة واللعب واحل�ي��وان��ات األليفة‪ ،‬كما أنها‬ ‫تستفز حواس الطفل مبفرداتها امللونة ومتاوجها‬ ‫احلركي وثرائها املعرفي‪ ،‬إال أن هذه القصيدة قد‬ ‫يفسدها املعلم بتلقينها الطالب وهم على املقاعد‬ ‫بانتظار انقضاء الوقت‪ ،‬والوضع سيختلف متاما‬ ‫فيما لو اصطحب املعلم تالميذه لفناء املدرسة‪،‬‬ ‫أو حديقة مجاورة ورددوها وهم يقفزون مقلدين‬ ‫األرن�� ��ب وم �ن �ت �ع �ش�ين ب��اجل��و اجل ��دي ��د وم�ط�ل�ق��ي‬ ‫العنان جلوارحهم وأرواحهم‪ ،‬كما أنها تصلح ألن‬ ‫يستخدمها معلم احلساب مث ً‬ ‫ال‪ ،‬في سؤالهم عن‬ ‫عدد املرات التي تكررت فيها الكلمة الفالنية؟ وما‬ ‫شكل ه��ذا؟ بل ويستطيع تكوين معادلة بسيطة‬ ‫على ضوئها‪.‬‬

‫ويجب أن ال يغيب عن الشاعر أو التربوي الذي‬ ‫ينتقي القصائد املعايير اخليالية واللغوية والفكرية‬ ‫واإلي �ق��اع �ي��ة مل��راح��ل ال�ط�ف��ول��ة امل�خ�ت�ل�ف��ة‪ ..‬وه��ي‬ ‫املوجه‬ ‫(األس��س الصحيحة لكتابة النص األدب��ي‬ ‫ّ‬ ‫للطفل‪ ،‬وم��دى مناسبة شكل ال�ن��ص ومضمونه‬ ‫الستعداداته اللغوية واإلدراكية والعمرية) كما ذكر‬ ‫أحمد زلط في معجم الطفولة‪.‬‬ ‫ولنأخذ قصيدة ونسحب عليها ما تقد ّم ذكره‪،‬‬ ‫إذاً‪ ،‬ثمة إشكالية في االختيار وطريقة العرض‬ ‫فمث ً‬ ‫ال قصيدة (األرنب) لشاعر الطفولة سليمان‬ ‫في مناهجنا‪ ،‬وهنا يستطيع الفرد الواعي تالفيها‬ ‫العيسى‪:‬‬ ‫بتوفير مكتبة ألطفاله تضم كتباً ملونة وزاهية‬ ‫للقصائد واألش �ع��ار املناسبة لهم‪ ،‬كما يستطيع‬ ‫ق� � � �ف � � ��ز األرن� � � � � � ��ب خ� � � � � ��اف األرن� � � � � ��ب‬ ‫توفير مكتبة صوتية حتتوي أق��راص �اً وأش��رط� َة‬ ‫ك� � � �ن � � ��ت ق� � ��ري � � �ب � � � ًا م� � � �ن � � ��ه وأل� � � �ع � � ��ب‬ ‫أشعار ُمنشدة بصوت جميل يستفز حواس الطفل‬ ‫ٍ‬ ‫أب� � � �ي � � ��ض أب � �ي� ��ض م � � � �ث� � � ��ل ال � � � �ن� � � ��ور‬ ‫وميازج وروحه‪.‬‬ ‫ي� � � �ع � � ��دو ف� � � ��ي ال� � �ـ ـ�� �ب�� �س�� �ت� ��ان ي�� � ��دور‬ ‫ون�خ�ل��ص إل��ى ال �ق��ول ب��أن ش�ع��ر ال�ط�ف��ول��ة هو‬ ‫ي�� � � �ب�� � � �ح� � � ��ث ع � ��ن ورق � � � � � � � ��ات خ� �ض ��ر‬ ‫جسر لصنع أجيال مكتملة النمو وجدانيا وعقلياً‬ ‫ي� �خ� �ط� �ف� �ه ��ا ك���ال� �ـ ـ�� � �ب� � ��رق وي� � �ج � ��ري‬ ‫ولغوياً‪ ..‬ل��ذا هو بحاجة ملزيد من عناية األدب��اء‬ ‫ي�� � ��ا م�� � ��وج� � � � ًا م ��ن ف � � � � � � � � ��رو ن�� � ��اع�� � ��م‬ ‫أرباب احلرف‪ ..‬ومن التربويني واآلباء واألمهات‬ ‫ف�� ��وق ال� �ع� �ش ��ب ال� �ـ ـ � ��أخ� � �ض � ��ر ع� ��ائ� ��م‬ ‫واجل �ه��ات اإلع�لام�ي��ة ال�ت��ي لها األث��ر ال�ب��ال��غ في‬ ‫ال ت � � �ه� � ��رب م��ن��ي ي� � � � � � � � � ��ا أرن� � � � � � � � � ��ب‬ ‫عصرنا احلالي‪.‬‬ ‫أن� � � � � � ��ت رف� � �ي� � �ق � ��ي ه� � � � �ي�� � � ��ا ن� � �ل� � �ع � ��ب‬ ‫لذا‪ ،‬علينا الوعي بأهميته ودوره والنهوض به‬ ‫رمبا يبدو جلياً سالسة ال��وزن وبساطة الكلمات للنهوض باألجيال القادمة‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫> مرسي طاهر ‪ -‬األمني املسئول ملكتبة دار اجلوف للعلوم‬

‫احتلت قضية ثقافة الطفل مكان ًا بارز ًا في خريطة اهتماماتنا الثقافية‪ ،‬من‬ ‫حيث التعرض لمشكالت الكتابـة ل�لأط�ف��ال‪ ،‬وم��واص�ف��ات اإلن�ت��اج الفكري‬ ‫المناسب‪ ،‬وقضايا الترجمــة والتعريب‪ ..‬الخ‪ ،‬واالهتمام بهذه الجوانب أمر ال‬ ‫غبار عليه‪ ..‬ولكن أين قضية مكتبات األطفال ودوره��ا البارز في بناء ثقافة‬ ‫الطفل؟‬ ‫في الواقع‪ ،‬إن مكتبات األطفال تعد جزءاً مؤثراً‬ ‫وفاع ً‬ ‫ال في املجتمع‪ ،‬ومظهراً من مظاهر التطور‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫املكتبة وإسهاماتها في بناء ثقافة الطفل‬

‫ويهدف وضع هذه املعايير إلى حتقيق أهداف‬ ‫مكتبات األط �ف��ال ف��ي تنشئة ال�ط�ف��ل م��ن خ�لال‬ ‫اآلتي‪:‬‬

‫الثقافي؛ لكونها وسيلة تربوية ذات أثر فعال في‬ ‫حياة األطفال؛ فارتباط ثقافة الطفل باملكتبة‪ ،‬يعد •م �س��اع��دة األط� �ف ��ال ع �ل��ى ت�ن�م�ي��ة ق��درات �ه��م‬ ‫أحد األمن��اط البيئية السليمة التي تساعد على‬ ‫ال�ش�خ�ص�ي��ة‪ ،‬وص �ق��ل م��واه�ب�ه��م‪ ،‬واس�ت�غ�لال‬ ‫تكوين تلك الثقافة واستمرار تعزيزها‪ .‬ومن هنا‪،‬‬ ‫المكتبة بطريقة تعينهم على تنمية كيانهم‬ ‫حظيت ه��ذه املكتبات مبزيد م��ن االه�ت�م��ام على‬ ‫الشخصي واالجتماعي‪.‬‬ ‫كافة األصعدة االجتماعية والعلمية والثقافية؛ إذ‬ ‫جند في أدبيات علوم املكتبات واملعلومات‪ ،‬اهتمام •تشجيع األطفال على القراءة‪ ،‬وغرس عادة‬ ‫ال �ق��راءة ل��دي�ه��م‪ ،‬وال�ت�ع��رف إل��ى المشكالت‬ ‫اجلمعيات واالحتادات اإلقليمية والدولية العاملة‬ ‫القرائية عند األطفال‪ ،‬وحلها‪.‬‬ ‫في مجال املكتبات‪ ،‬إصدار معايير موحدة ملا جتب‬ ‫أن تكون عليه تلك املكتبات؛ ب��د ًءا من التخطيط •تشجيع األطفال على التذوق األدبي والفني‬ ‫إلنشاء مبنى للمكتبة‪ ،‬م��روراً بأقسامها وأدواتها‬ ‫السليم‪ ،‬من خالل إطالعهم على مختارات‬ ‫ومقتنياتها‪ ،‬وص���والً إل��ى أنشطتها واخل��دم��ات‬ ‫منتقاة من أدب األطفال‪.‬‬ ‫التي تقدمها‪ ،‬س��واء أكانت مباشرة مثل (خدمة •إكساب األطفال سلوكيات اجتماعية وثقافية‬ ‫االطالع على مواد القراءة املتنوعة‪ ،‬خدمة املناهج‬ ‫م �ت �ح �ض��رة‪ ،‬م �ث��ل ال� �ت� �ع ��اون‪ ،‬واح� �ت���رام آراء‬ ‫ال��دراس �ي��ة‪ ،‬التربية املكتبية واس�ت�خ��دام املكتبة‪،‬‬ ‫اآلخرين‪ ،‬والمحافظة على مقتنيات المكتبة‬ ‫خدمة املراجع‪،‬حصة املكتبة)‪ ،‬أم غير مباشرة‪..‬‬ ‫واإلفادة منها‪.‬‬ ‫وت �ش �م��ل (س ��اع ��ة ال��ق��ص��ة‪ ،‬م �س��رح��ة ال�ق�ص��ص‬ ‫والتمثيل‪ ،‬الدمى‪ ،‬العروض‪ ،‬احملاضرات والندوات‪• ،‬تدريب األطفال على التعليم الذاتي المستمر‪،‬‬ ‫واالعتماد على النفس‪.‬‬ ‫املسابقات‪ ،‬األنشطة اإلذاعية والصحفية‪ ،‬الشرائح‬ ‫وم��ن خ�ل�ال حتقيق األدوار ال�س��اب�ق��ة‪ ،‬ميكن‬ ‫الفيلمية‪ ،‬الزيارات‪ ،‬نادي الكمبيوتر‪ ،‬نادي العلوم‪..‬‬ ‫حتديد إسهامات املكتبة في بناء ثقافة الطفل في‬ ‫الخ)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪35‬‬


‫مجموعة من النقاط منها‪:‬‬ ‫‪1 .1‬تستطيع المكتبة م��ن خ�لال م��ا تضمه من‬

‫مصادر قرائية متنوعة‪ ،‬ومجموعة البرامج‬

‫واألنشطة التي تقدمها‪ ،‬إلى اإلسهام والتأثير‬ ‫في ثقافة الطفل خالل المراحل المختلفة‪،‬‬

‫وبخاصة في المراحل األول��ى‪ ،‬التي تعد من‬ ‫أهم المراحل المؤدية إلى غرس عادة القراءة‬ ‫في نفوسهم‪ ،‬ما يساعد على توطيد الصلة‬

‫بين الطفل ومصادر المعلومات المختلفة‪،‬‬ ‫وم�ن�ه��ا ال �ك �ت��اب‪ ..‬ل�ت�ك��وي��ن شخصية واع�ي��ة‬

‫ومستنيرة‪.‬‬

‫‪2 .2‬تستطيع المكتبة أن تعمل على تنمية الثقافة‬

‫الذاتية‪ ،‬وترسيخ مبدأ التعليم الذاتي لدى‬

‫األطفال‪ ،‬كما تهيئ لهم كافة السبل الكتساب‬ ‫الثقافة ال��ذات�ي��ة المستقلة‪ ،‬وال��وص��ول إلى‬

‫مفاتيح المعرفة المتنوعة‪.‬‬

‫‪36‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬ ‫‪3 .3‬إن استخدام األطفال للمكتبة في سن مبكرة‪،‬‬ ‫يغرس فيهم حب القراءة واالط�لاع‪ ،‬ويجعله‬ ‫أكثر استعماالً وت��ردداً عليها في المستقبل‪،‬‬ ‫ف �ت��زداد ث�ق��اف�ت��ه‪ ،‬وت�ن�م��و حصيلته العلمية‪،‬‬ ‫ويصبح أكثر قدرة على الفهم والتحصيل‪.‬‬ ‫وأخ��ي��راً‪ ..‬أت �س��اءل‪ :‬ه��ل اجل�ي��ل اجل��دي��د جيل‬ ‫قارئ أم ال؟‬ ‫وأجيب ثمة أزمة الثقافة في وطننا العربي‪ ،‬إننا‬ ‫نبدأ املدرج الهرمي من قمته‪ ،‬فنتساءل هل الشباب‬ ‫يقرأ أم ال؟ بينما األجدر بنا أن نبدأ من القاعدة‬ ‫لنرى هل األطفال يقرءون أم ال؟‬ ‫ويشير الواقع إلى أن هذا اجليل من الشباب‪ ،‬لم‬ ‫يتعود القراءة منذ الصغر‪ ،‬بينما األطفال بطبيعتهم‬ ‫ق��راء نهمون‪ ،‬يحتاجون دائماً إلى م��ورد ٍ‬ ‫واف من‬ ‫مصادر املعرفة والثقافة‪ ،‬وال يتسنى ذلك إال في‬ ‫املكتبة‪ ،‬فهي أفضل الطرق لبناء ثقافة الطفل‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪37‬‬


‫مسرح الطفل ودوره في ثقافة األطفال‬ ‫> الزبير مهداد‬

‫بين المسرح والثقافة‪ :‬بدء‬ ‫مصطلح الثقافة شامل ألسلوب الحياة في المجتمع‪ ،‬الذي تطور تنظيمه‬ ‫نتيجة نمو المعارف وتطور األعراف والتقاليد‪ ،‬والسلوكات واألفكار والصيغ‬ ‫االجتماعية ال�س��ائ��دة فيه‪ .‬بحيث تداخلت م��ع المستوى االجتماعي‪،‬‬ ‫وأصبحت تؤثر في أعضاء الجماعة‪ ،‬وتحدد سلوكهم وطريقة تفكيرهم‬ ‫وإصدارهم األحكام‪ ،‬وأضحى التنظيم االجتماعي نفسه ال ينمو إال في ظل‬ ‫الثقافة التي أنتجها‪ ..‬والتي تتناقلها أجياله‪.‬‬ ‫هذه الثقافة تعد مك ّونا تربويا‪ ،‬وأحد أهم أصول أه ��داف أخ�لاق�ي��ة ع��ال�ي��ة‪ ،‬تسير جنبا إل��ى جنب‬ ‫التربية‪ ،‬وأقوى فاعل في تكوين شخصية األطفال‪ ،‬م��ع املتعة الفنية؛ فهو يسلّي وي��ر ّف��ه املتفرجني‪،‬‬ ‫وتقوية انتمائهم جلماعتهم وإب��راز خصوصياتهم ويقدم لهم جتارب ممتعة‪ ،‬ويساعدهم على تلمس‬ ‫وه��وي�ت�ه��م‪ ،‬تشمل ال��ع��ادات وال �ق �ي��م وامل�ع�ت�ق��دات أفكارهم‪.‬‬ ‫والسلوك واألدوار التي ينبغي تعلمها‪ ،‬ألجل تكوين‬ ‫واقع ثقافي رديء‬ ‫شخصياتهم‪ ،‬وت�ق��وي��ة انتمائهم لثقافتهم‪ .‬وتتم‬ ‫وعند اخل��وض في مجال الطفولة‪ ،‬وواقعها‪،‬‬ ‫العملية في مؤسسات اجتماعية فرعية؛ كاألسرة‬ ‫وامل��درس��ة واملسجد وال�ن��ادي‪ ،‬من خ�لال ال��دروس وظروفها‪ ،‬وثقافتها وفنونها‪ ،‬يتبني لنا أن الوضع في‬ ‫ال�ي��وم�ي��ة‪ ،‬وال��وع��ظ امل�س�ج��دي‪ ،‬وط �ق��وس العبادة غاية السوء والتردي‪ ،‬على كل املستويات؛ ففرص‬ ‫اليومية؛ ومن خالل األعياد واالحتفاالت الدينية الطفل إلمن��اء ق��درات��ه العقلية وط��اق��ات��ه البناءة‬ ‫والوطنية والعائلية‪ ،‬وعبر وسائط مكتوبة كالكتب املبدعة ضئيلة ج��دا‪ ،‬وت�ق��اري��ر التنمية البشرية‬ ‫واملجالت‪ ،‬أو مشاهدة‪ ،‬كالتلفزيون والسينما‪ ،‬أو واملعرفية‪ ،‬متيط اللثام عن مؤشرات متدنية في‬ ‫سكن الئق‬ ‫مسموعة ك��األش��رط��ة‪ .‬وب�ع��ض ال��وس��ائ��ط تعتمد مجال توفير شروط احلياة الكرمية‪ ،‬من ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وأمن نفسي وبدني‪،‬‬ ‫صحية‬ ‫ورعاية‬ ‫وتعليم مالئم‪ٍ ،‬‬ ‫أداة واح��دة‪ ،‬بينما تعتمد وسائط أخرى كاملسرح‬ ‫ٍ‬ ‫وغير ذلك مما يحتاجه الكائن البشري‪.‬‬ ‫والسينما أدوات متعددة‪.‬‬ ‫وليس هناك أفضل وسيط ثقافي من املسرح‪،‬‬ ‫الذي التفت اليونانيون لوظائفه املتعددة التربوية‬ ‫والثقافية العظيمة األهمية‪ ،‬فقد أوج��دوا نظام‬ ‫وتقليد متابعة األعمال الفنية ومشاهدتها وفهمها‬ ‫ون�ق��ده��ا‪ .‬كما يسهم امل�س��رح ف��ي تربية األج�ي��ال‬ ‫وبنائها عن طريق العمل الفني؛ ويسعى لتحقيق‬

‫‪38‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫وإن إط�لال� ًة على واق��ع الطفولة ومناشطها‪،‬‬ ‫تصيب املتأمل بانتكاسة وخيبة األمل‪ ،‬قد تصل حد‬ ‫الصدمة؛ فهناك فقر في وسائط ثقافة األطفال‪،‬‬ ‫ف��ي م �ج��ال ال �ك �ت��اب ب��أن��واع��ه األدب� ��ي وال�ث�ق��اف��ي‬ ‫والعلمي‪ ،‬والصحافة والسينما واإلنتاج التلفزيوني‪،‬‬ ‫والغناء والفنون االستعراضية واملسرح‪ .‬فبالدنا‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬ ‫عموما تعاني أزم � ًة وت��ردي�اً في مجال اخلدمات حللها ف��ي امل�س��رح‪ .‬إذا ك��ان امل�س��رح بالعموم من‬ ‫املوجهة للطفل‪ ،‬واألدهى من ذلك أن الرواج الذي الفنون املهمة؛ فإن مسرح الطفل منه على درجة‬ ‫يعرفه هذا السوق‪ ،‬أدى إلى اختراقه من طرف أهم‪ ،‬وذلك من عدة جوانب؛ فهو يرسخ في الطفل‬ ‫كثير م��ن املتطفلني على امل �ي��دان‪ ،‬ال��ذي��ن أغرقوا حب الفنون عامة‪ ،‬وينمي ذائقته الفنية‪ ،‬ويهذب‬ ‫السوق بأعمال في منتهى الرداءة‪ ،‬ال ترقى ملستوى مشاعره وسلوكه وميوله‪ ،‬ويغرس فيه حب القراءة‬ ‫التقييم والنقد‪ .‬امتألت السوق‬ ‫مبنتج أدبي وغنائي واآلداب‪ ،‬ويحفزه على التساؤل الدائم والتأمل‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ومسرحي واستعراضي ض��رره أكبر من نفعه‪ .‬ال ويدربه على فنون التحاور والتفاوض والتواصل مع‬ ‫يتأسس على وع��ي بالطفولة وحاجاتها ومنوها غيره‪ ،‬وقبول االختالف واحترامه‪.‬‬ ‫وإدراك��ه��ا‪ ،‬وال يعي مخاطر ال�ت�غ��ري��ب‪ ،‬وال يولي‬ ‫فالتعامل مع مسرح الطفل سواء على مستوى‬ ‫اعتباراً للقيم وال للظروف واخلصوصيات الثقافية‬ ‫النص الدرامي‪ ،‬أو على مستوى العرض املسرحي‪،‬‬ ‫واالجتماعية والسياسية لبلداننا‪.‬‬ ‫أو على مستوى جمالية التلقي وم��ا يحمله من‬ ‫فوسيط املسرح في أزمة‪ ،‬فليس هناك مسارح ش �ح �ن��ات ق��وي��ة‪ ،‬ق� ��ادر ع �ل��ى أن ي�ج�ع��ل األط �ف��ال‬ ‫لألطفال‪ ،‬ال في مسرح العرائس وال في مسرح املتلقني ي��رت�ب�ط��ون ب��ال��وس��ائ��ط الثقافية األدب�ي��ة‬ ‫األطفال‪ ،‬أو املسرح الغنائي االستعراضي؛ وليس املكتوبة‪ ،‬والفنية التعبيرية الصوتية واجلسدية‪،‬‬ ‫هناك كتّاب مسرح طفل‪ ،‬وال مخرجني مختصني‪ ،‬والتشكيلية واإليقاعية والتقنية املختلفة واملتعانقة‬ ‫وال ك � ّت��اب س �ي �ن��اري��و‪ ،‬وال م��وس�ي�ق��ى ال �ط �ف��ل‪ ،‬وال في آن واحد‪ .‬وهذه الوسائط والتلوينات واللوحات‬ ‫نفس‬ ‫رس��ام�ين‪ ،‬وال ممثلني‪ ،‬وال علماء ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫واجتماع وال�ت�ع�ب�ي��رات ال ي�ح�ت��اج األط �ف��ال ل�ك��ي يعشقوها‬ ‫متخصصني في حقل الطفولة‪.‬‬ ‫ويستوعبوها وي�ت��أث��روا بها أو ي��ؤث��روا فيها‪ ،‬إلى‬ ‫ليس هناك مسرح مبعزل ع��ن الثقافة؛ فهو أساليب قهرية أو تسلطية(‪ .)1‬بل يحرص مقدموها‬ ‫أهم عناصرها على اإلطالق‪ ،‬وفي الوقت نفسه‪ ،‬ع�ل��ى ع��رض�ه��ا بشكل يحقق ال�ف��رج��ة ل�لأط�ف��ال‪،‬‬ ‫أهم أوجه تعبيرها‪ .‬فاملسرح مكو ٌن للثقافة في آن والفرجة هي املتعة واالنشراح‪ ،‬هي التقصي من‬ ‫واح��د؛ إذ تتجلى الثقافة بكل مكوناتها في أبهى ال �ه��م‪ ،‬بالنسبة إل��ى ال �ع��رض امل�س��رح��ي؛ ف��إن��ه ال‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪39‬‬


‫قيمة وال معنى له في غياب املتفرج الذي يلتمس مستوى النص‪ ،‬وأخرى على مستوى العرض‪.‬‬ ‫الفرجة ويحسها ويستمتع بها‪ ،‬فالفرجة يحققها‬ ‫أوال‪ :‬على مستوى النص‬ ‫املمثل للمتفرج؛ فهي غاية كل عرض مسرحي؛ لكن‬ ‫يعد النص امل��ادة األساسية التي ينبني عليها‬ ‫ٍ‬ ‫وشروط حتددها طبيعة هذا‬ ‫معني‬ ‫مضمون‬ ‫ٍ‬ ‫وفق‬ ‫ٍ‬ ‫الفن وخصوصياته‪ ،‬بحيث أنه ال ميكن حتقيقها ال�ع�م��ل امل �س��رح��ي‪ ،‬وي�ت�ض�م��ن احل �ك��اي��ة واحل���وار‬ ‫إال في السياق العام للعرض؛ فقصائد عنترة مثال والشخصيات واحل��وادث‪ ،‬ومن البديهي أن كتابة‬ ‫التي قد يضيق صدر الطفل بحفظها في املدرسة‪ ،‬ن��ص مسرحي طفولي ج�ي��د‪ ..‬تتطلب االن�ط�لاق‬ ‫تصبح جميل ًة ورائ �ع � ًة ومحبوب ًة ل��و سمعها تتلى من مجموعة من املعطيات واألس��س التي ينبغي‬ ‫على خشبة املسرح‪ .‬وه��ذا ‪ -‬بطبيعة احل��ال ‪ -‬ال أن تتوافر في الكاتب‪ ،‬ومنها على سبيل املثال ال‬ ‫ميكن أن يتحقق إال إذا تولى ذلك أصحاب صنعة احلصر اآلتي‪:‬‬ ‫املسرح والكتاب املبدعون واملخرجون املبادرون‪• ،‬العمل في مجال ثقافة الطفل بروح نضالية؛‬ ‫واملهندسون املبتكرون؛ وه��و أم��ر صعب التحقق‬ ‫وتعميق التكوين في مجال العلوم املتعلقة‬ ‫في بلد يحجم ناسه عن الثقافة اجلادة‪ ،‬ويزدرون‬ ‫ب��ال�ط�ف��ول��ة‪ :‬ال�ب�ي��ول��وج�ي��ة وال�ف�ي��زي��ول��وج�ي��ة‬ ‫نتائج البحوث العلمية في كل احلقول‪ ،‬وتنعدم فيه‬ ‫��السيكولوجية وغيرها‪ ،‬لإلملام بكل نواحي‬ ‫مسارح ومكتبات األطفال؛ وحيث يعد كتّاب أدب‬ ‫شخصية ال �ط �ف��ل وم ��راح ��ل من ��وه العقلي‬ ‫الطفل على األصابع‪ ،‬وحيث يندر أن جند كتاب‬ ‫والعاطفي‪ ،‬وخصائص كل مرحلة‪.‬‬ ‫مسرح الطفل ومخرجيه املختصني‪ ،‬الذين ميكن‬ ‫ •اإلحاطة الدقيقة ب��األه��داف التي حددها‬ ‫أن يحملوا هذا اللقب عن جدارة واستحقاق‪.‬‬ ‫ال�م�ج�ت�م��ع ل�ت�ن�ش�ئ��ة األط� �ف ��ال‪ ،‬ف��ال�ق��واس��م‬ ‫المشتركة من الميوالت واالهتمامات التي‬ ‫شروط الفرجة المفيدة‬ ‫تربط أطفال العالم‪ ،‬ال تلغي خصوصيات‬ ‫تتحقق الفرجة في الفضاء املسرحي إذا كان‬ ‫مجتمعنا التي ينفرد بها‪ ،‬ويتأثر بها أطفاله‬ ‫جيد التأثيث‪ ،‬فذلك يتيح للطفل املتلقي إدراك هذا‬ ‫ال��ذي��ن ي�ن�ش��أون ف��ي أح �ض��ان��ه‪ ،‬وت��ؤط��ره��م‬ ‫الفضاء والتعامل معه‪( ،‬التمثيل‪ ،‬احلوار‪ ،‬احلركات‪،‬‬ ‫م��ؤس�س��ات��ه ال�ف��رع�ي��ة م��ن م��درس��ة وم�ن��زل‬ ‫الديكور كتشكيل وخطوط وألوان‪ ،‬اإليقاع كرقص‬ ‫وم�س�ج��د وأن��دي��ة وغ��ي��ره��ا(‪)3‬؛ ك�م��ا ينبغي‬ ‫وأص��وات موسيقية)؛ ف��اإلدراك يتوقف على مدى‬ ‫التنبيه على أن الموروث الثقافي والعادات‬ ‫تف ّهم الطفل لهذا التنظيم النسقي‪.‬‬ ‫المتوارثة في مجتمعنا‪ ،‬يضم أحيانا نزعات‬ ‫والفضاء املسرحي يتيح روامز خصبة من خالل‬ ‫سيئة ت�ه��دد البناء االج�ت�م��اع��ي‪ ،‬أو تسيء‬ ‫البناء الدرامي‪ ،‬وفضاءات الرقص التعبيري‪ ،‬والغناء‬ ‫لتماسكه‪ ،‬أو تتعارض مع قيم الحق والخير‬ ‫الطفولي‪ ،‬وأش �ك��ال اإلن ��ارة واآلل �ي��ات والتقنيات‬ ‫والجمال التي هي جوهر اإلنسانية؛ والكاتب‬ ‫الفنية‪ ،‬كلها روام��ز ذات حموالت متعددة‪ ،‬تتيح‬ ‫الذكي هو الذي يلم بقضايا مجتمعه‪ ،‬وبنياته‬ ‫ل�لأط�ف��ال املتفرجني رؤي ��ة من ��اذج م��ن العالقات‬ ‫االجتماعية وأنساقه الثقافية‪ ،‬وما تحتويه‬ ‫الكونية بصيغ درامية مؤثرة(‪ .)2‬وهذا الفضاء هو‬ ‫من قيم بانية أو هدامة‪ ،‬يتمكن من عرض‬ ‫مجال املسرحية التي هي نص يعرض مشخصا‬ ‫المعاني السامية من محبة وإخ��اء وتكافل‬ ‫على املشاهدين‪ ،‬لذلك هناك شروط للفرجة على‬ ‫ووف��اء وأم��ان��ة وغيرها‪ ..‬في سياق روحية‬

‫‪40‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫المعالجة ال�ع��ام��ة وف��ي ال�ف�ك��رة‪ ،‬ويتصدى‬ ‫للشر وال �ي��أس واالن�ه��زام�ي��ة وس��ائ��ر القيم‬ ‫الهدامة‪.‬‬ ‫ •امتالك موهبة الكتابة لألطفال‪ ،‬بالتم ّكن‬ ‫م��ن ال�ل�غ��ة املستعملة وال �ق��ام��وس ال�ل�غ��وي‬ ‫ل��دى ك��ل مرحلة ع�م��ري��ة؛ ف ��أول م��ا يطرح‬ ‫على مستوى امل �س��رح ه��و ال�ل�غ��ة؛ بوصفها‬ ‫أداة تواصل ووعاء ألفكار الطفولة‪ ،‬واملادة‬ ‫األساسية التي ينبني عليها العمل املسرحي؛‬ ‫واخلطاب املوجه ألطفال الواقعية واخليال‬ ‫احملدود (من سن ‪ 3‬إلى ‪ 8‬سنوات)‪ ،‬ينبغي‬ ‫أن يختلف ع��ن ذل��ك امل��وج��ه لطفل مرحلة‬ ‫البطولة (‪ 9‬إلى ‪ 12‬سنة) أو مرحلة املثالية‬ ‫(‪ 13‬إلى ‪ 16‬سنة)‪.‬‬ ‫ •ت��وظ�ي��ف األن� �ش ��ودة واألغ �ن �ي��ة مب��ا يناسب‬ ‫وظيفة الفكرة واألس �ل��وب؛ فالطفل ميا ٌل هي تهيئة الفضاء المسرحي بملء الفراغ وإعادة‬ ‫�زاوج ب�ي��ن التخيل‬ ‫للحركة وترديد املقاطع الغنائية التي تثير تنظيمه وت��رت�ي�ب��ه‪ ،‬بطريقة ت� � ٍ‬ ‫مشاعره وحماسته‪ .‬وتوفير ش��روط حتقق والعقلنة‪ ،‬بتصميم الديكورات ومالبس العرض‪،‬‬ ‫املتعة‪ ،‬وعناصر التشويق‪ ،‬وج��ودة الصنعة باستثمار ال�ص��ور واألش �ك��ال واألح �ج��ام وال�م��واد‬ ‫املسرحية التي تالمس خيال الطفل‪ ،‬بشكل واألل� ��وان واألض� ��واء واألص � ��وات‪ .‬وع�ن��دم��ا يتعلق‬ ‫يراعي خصوصيات الطفل دون السقوط بمسرح الطفل؛ فالتأثيث يزداد صعوبة‪ ،‬ألنه يهتم‬ ‫ف��ي امل�ب��اش��رة العامة واخل �ط��اب التقليدي بعالم الصور اإليقونية‪ ،‬ذات الخصائص الداللية‬ ‫اجل��ام��د(‪)4‬؛ فأهم ما مييز نصوص مسرح م��ن جهة‪ ،‬والرتباطها بالعالم النفسي لألطفال‬ ‫ال�ط�ف��ل اع �ت �م��اده��ا ع�ل��ى احل �ك��ي امل��رت�ب��ط المتفرجين‪ ..‬وما يطرحه من ذكريات وخصوبة‬ ‫ب��ال�ص��راع القائم ب�ين ق��وى اخل�ي��ر وال�ش��ر‪ ،‬في الخيال وتأويالت وإبداعات(‪.)6‬‬ ‫وه��و ص ��راع أس��اس��ي لتقوية الشخصية‪،‬‬ ‫ه��ذا املنتج الثقافي امل ��ادي (ل �ب��اس‪ ،‬معمار‪،‬‬ ‫ومساعدتها على التكون عبر سياق احلياة‬ ‫أدوات‪ ،‬رس� � ��وم‪ ..‬إل � ��خ)‪ ،‬ال� ��ذي مي�ل�أ ال �ف �ض��اء‬ ‫املتناقضة وخبراتها(‪.)5‬‬ ‫املسرحي قد يكون وطنيا‪ ،‬يرسخ الهوية الثقافية‬ ‫ثانيا‪ :‬على مستوى العرض المسرحي‬ ‫الوطنية؛ وقد يكون معبراً عن ثقافات أخرى ال‬ ‫المسرح هو فضاء فارغ في المقام األول على متت بصلة لثقافة الطفل املتلقي‪ ،‬يعرض األطفال‬ ‫ح��د تعبير «بيتر ب ��روك»‪ ،‬يتمايز عما يحيط به لتأثيرات سيئة إليحاءاته‪ ..‬وما ميكن أن يثيره‬ ‫بوساطة مؤشرات منظورة‪ ،‬وهو معد ألن يمتلئ فيهم من أفكار ومشاعر‪ .‬فاألطفال مع متيزهم‬ ‫ب��ال�ق��وة بصريا وص��وت�ي��ا‪ ،‬ووظ�ي�ف��ة السينوغراف ب��اإلدراك الشمولي‪ -‬أي أنهم يدركون العالقات‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪41‬‬


‫بطريقة سريعة وحاسمة‪ -‬فإنهم ينجذبون أحيانا‬ ‫خف ّية نحو عناصر ومكونات الفضاء‪ ،‬تستلفت‬ ‫أنظارهم ويتأثرون بها بشكل عرضي‪ ،‬وقد يطغى‬ ‫على املعنى الكلي للمسرحية‪ .‬ل��ذل��ك‪ ،‬يشتغل‬ ‫السينوغراف على جشطلت الفضاء وعناصره‬ ‫برؤى استبصارية مهندس لها(‪ .)7‬وبإحاطة شاملة‬ ‫ودقيقة وصارمة بكل مكوناته‪.‬‬

‫االمتالء الصوتي باإللقاء والموسيقى‬ ‫يتحقق االمتالء السمعي باحلوار املسرحي‪،‬‬ ‫وب��األغ��ان��ي واألن��اش �ي��د وامل��وس �ي �ق��ى؛ فمسرح‬ ‫األطفال يقدم املعرفة والقيم بطريقة تقوم على‬ ‫ت��وازن بني املضمون‪ ،‬وعناصر امل��رح والفكاهة‬ ‫باملباشرة‪.‬‬

‫امل �م �ث��ل ي �ع �م��ل ع �ل��ى ت��وص �ي��ل ف �ك��ر امل��ؤل��ف‬ ‫وامل�خ��رج إل��ى املشاهد الصغير ب��احل��وار الذي‬ ‫االمتالء البصري بالديكور‬ ‫يديره مع غيره‪ ،‬معتمدا على موهبته‪ ،‬وفهمه‬ ‫مي�ث��ل ال��دي �ك��ور وم�ل�ح�ق��ات��ه داخ���ل ال�ف�ض��اء‬ ‫النص‪ ،‬وتعامله مع مكونات اخلشبة املسرحية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً ّ‬ ‫الهندسي مشروعا فنيا وجماليا ميكن الطفل واملشاهد في آن واح��د؛ فاحلوار عنصر مهم‬ ‫املتفرج من التعرف على زمان احلدث ومكانه؛ في العمل املسرحي‪ ،‬والكاتب اجليد هو الذي‬ ‫ف��امل�ع�م��ار امل �س��رح��ي ي�س�ه��م ف��ي إغ �ن��اء فضاء يصوغ ح��واره باعتماده على احليو ّية واحلركة‬ ‫ال �ع��رض امل�س��رح��ي ب��األح �ج��ام‪ ،‬واألب��ع��اد ذات والصوت‪ ،‬والتي تشكل أسلوباً مهماً في مخاطبة‬ ‫ال� ��دالالت االص �ط �ن��اع �ي��ة‪ ..‬ال حمل��اك��اة ال��واق��ع عقل الطفل ووجدانه‪ ..‬معتمدا على مفردات‬ ‫الذي حتيل عليه‪ ،‬وإمنا لتمثيله بطريقة مالئمة بسيطة‪ ،‬تشبه احلوار املألوف بني الناس‪ ..‬من‬ ‫للطفولة‪ ،‬واإلشارة إليه بأدوات كاشفة وحتليلية حيث قصر العبارات ووضوحها‪.‬‬ ‫لبنية العالقات الداخلية التي يتم حولها احلكي‬ ‫واملوسيقى في مسرح الطفل‪ ..‬تستهدف تربية‬ ‫(‪)8‬‬ ‫والتمثيل ‪ .‬فالديكور اجليد هو الذي ال يستقل األذن قبل كل شيء لألطفال الصغار‪ ،‬ألن التذوق‬ ‫مبعناه عن املعنى الدرامي(‪.)9‬‬ ‫املوسيقي يعتمد على خبرة حاسة السمع‪ ،‬وأن‬ ‫ويحدد السينوغراف في الفضاء املسرحي‬ ‫ش��روط العالقات الداخلية وفق أسلوب عمله‬ ‫اخل� ��اص‪ ،‬ال ��ذي يعكس ث�ق��اف�ت��ه ورؤي��ت��ه للفن‬ ‫واجلمال والعالم‪ ،‬ويراعي مستوى منو الطفل‬ ‫وإدراك���ه ووع �ي��ه‪ ،‬وبعمله مي��رر ثقافته للطفل‬ ‫املتفرج‪ .‬فالديكور مبكوناته املتنوعة من لوحات‬ ‫وجداريات وأقنعة وملحقات‪ ،‬يؤثر في نشاط‬ ‫ال�ط�ف��ل ال��ذه �ن��ي‪ ،‬وي �ن � ّم��ي ق��درات��ه التخيلية‪،‬‬ ‫ويكسبه ق ��درة ع�ل��ى ف�ه��م اخل �ط��اب البصري‬ ‫ورم� ��وزه وحت�ل�ي�ل�ه��ا‪ .‬وه ��ذا م��ا يعطي ال��درام��ا‬ ‫معناها الفرجوي(‪ .)10‬ويكسبها قوة التأثير في‬ ‫الطفل املتفرج‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫تتالءم أحلان األغاني وأذواق جمهور األطفال‪،‬‬ ‫م��ع العمل على االرت �ف��اع مبستويات أذواق�ه��م‬ ‫شيئاً فشيئاً‪ ،‬وكثيراً ما يستمتع األطفال إلى‬ ‫أغان ذات أحلان جميلة‪ ،‬رغم أنهم ال يفهمون‬ ‫ٍ‬ ‫معاني الكلمات‪ ،‬وامللحن املوهوب هو الذي يوفق‬ ‫في صياغة أحلان املسرحية‪ ،‬وتتميز موسيقاه‬ ‫باحلركة؛ ألن األطفال عادة يستمتعون باحلركة‬ ‫واإليقاع‪ ،‬خاصة ذات األصول الشعبية والوطنية‬ ‫املألوفة‪ .‬فللموسيقى لغتها اخلاصة الشفافة‪..‬‬ ‫�وج�ه��ا إل��ى ره��اف��ة احل��س‪،‬‬ ‫تخاطب ال ��روح وت�ت� ّ‬ ‫وحتتفي بأسمى املشاعر والعواطف وتوقظها‪،‬‬ ‫وفي هذا تربية على اجلمال‪ ،‬واجلمال رديف‬ ‫اخلير واإلحسان والتسامح والسالم‪.‬‬


‫إن مسرح األطفال وسيط وم��رآة الثقافة‪،‬‬ ‫بوصفه ضرورة للنمو الفردي السليم‪ ،‬وحصناً‬ ‫للهوية الوطنية‪ ،‬يتطلب جهداً تربوياً وثقافياً‬ ‫إستراتيجياً يجيب في الواقع على أسئلة التراث‬ ‫واخلصوصية والفرادة‪ ،‬في تفاعلها اإليجابي‬ ‫م��ع ت��راث اإلن�س��ان�ي��ة(‪ .)11‬‏فالتحصني الثقافي‬ ‫للطفل‪ ،‬وتنشيط من��وه النفسي وال�ع��اط�ف��ي‪،‬‬ ‫وتلبية حقوقه في الترفيه والتثقيف‪ ،‬بالتأكيد‬ ‫على التراث الوطني وما يزخر به‪ ،‬مسؤولية كل‬ ‫العاملني في حقل الطفولة‪.‬‬ ‫ال تكون ثقافة الطفل نافعة ما لم تتصل ببيئة‬ ‫الطفل ومجتمعه‪ ،‬ألن البعد التربوي يستلزم تعزيز‬ ‫مخاطبة الطفل م��ن تقاليده الثقافية‪ ،‬وينابيعه‬ ‫التراثية والشعبية‪ ،‬ولتحقيق ذلك‪ ،‬نحتاج التسلح‬ ‫ب��وع��ي ذك��ي‪ ،‬ومعرفة أك��ادمي�ي��ة بثقافتنا‪ ،‬وخطة‬ ‫واض�ح��ة يسترشد بها اخل�ط��اب الثقافي املوجه‬ ‫للطفل‪ ،‬ف��ي امل��ؤس �س��ات ال�ت��رب��وي��ة واالج�ت�م��اع�ي��ة‬ ‫والثقافية‪ ،‬لئال يقع الطفل فريسة ثقافة االغتراب‬ ‫أو العزل أ�� االنعزال أو فراغ القيم‪.‬‏ وال يفهم من‬ ‫هذا الكالم بأنه دعوة إلى االنغالق حول الذات‪،‬‬ ‫وق�ط��ع ق�ن��وات ال�ت��واص��ل م��ع احل �ض��ارات األخ��رى‬ ‫أخ��ذاً وع �ط��ا ًء‪ ،‬ب��ل ينبغي االن�ف�ت��اح على الشعوب‬ ‫واحل� �ض ��ارات‪ ،‬وك��ل م��ا ه��و جميل ل��دي�ه��ا‪ ،‬ومثمر‬ ‫(‪) 1‬‬ ‫(‪ )2‬‬ ‫(‪ )3‬‬ ‫(‪ )4‬‬ ‫(‪ )5‬‬ ‫(‪ )6‬‬ ‫(‪ )7‬‬ ‫(‪ )8‬‬ ‫(‪ )9‬‬ ‫(‪ )10‬‬ ‫(‪ )11‬‬

‫فكما أن اإلنسان ينتج الثقافة‪ ،‬كذلك الثقافة‬ ‫ب��دوره��ا ه��ي ال�ت��ي تصنع اإلن �س��ان‪ ،‬إن�ه��ا عالقة‬ ‫تفاعل مستمر وخلق متبادل؛ لذلك‪ ،‬فإن الثقافة‬ ‫ثابتة ومتغيرة في آن واحد‪ ،‬فهي ثابتة ألنها تنتقل‬ ‫وتترسخ عبر تالحق األجيال؛ ومتغيرة ألن اإلنسان‬ ‫يخلق ويطور ويغير في بعض مالمح ثقافته تبعا‬ ‫لعوامل متشابكة ومعقدة‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫بين المسرح والثقافة‪ :‬عود على بدء‬

‫وبناء‪ .‬حتى تستطيع أجيالنا مواصلة تطوير ثقافتنا‬ ‫واحلفاظ عليها‪ ،‬ونقلها بأمانة لألجيال الالحقة‪.‬‬

‫إن ثقافة ال�غ��د سينتجها أط�ف��ال ال �ي��وم؛ وإن‬ ‫األط �ف��ال ال��ذي��ن يشكلون أك �ث��ر م��ن ن�ص��ف ع��دد‬ ‫ال�س�ك��ان‪ ،‬ال يستفيدون س��وى م��ن نصيب ضئيل‬ ‫مما يخصص للسكان‪ ،‬واالهتمام بثقافة الطفل‬ ‫عموما‪ ،‬ومبسرحه على اخلصوص‪ ،‬غير ٍ‬ ‫وارد في‬ ‫مخططات ومشاريع الوزارات الوصية على قطاع‬ ‫الطفولة!‬ ‫فاألطفال‪ ،‬يحتاجون الطعام والعالج والرعاية‬ ‫االجتماعية والنفسية‪ ،‬كما يحتاجون الثقافة‬ ‫والترفيه وال�ت��روي��ح؛ حتى يستطيعوا أن يعيشوا‬ ‫حياة كرمية متزنة‪ ،‬تليق بهم‪ ،‬وتتوافر لهم فيها‬ ‫فرص إنتاج ثقافة جديدة‪ ،‬كفيلة بضمان الوحدة‬ ‫ال��وط �ن �ي��ة‪ ،‬وال �ت �م��اس��ك االج �ت �م��اع��ي واالس �ت �ق��رار‬ ‫السياسي‪ ،‬واستمرار إسهام أمتنا في احلضارة‬ ‫اإلنسانية ومسيرة التقدم العاملي‪.‬‬

‫لبنين‪ ،‬بوشعيب‪ :‬المسرح المدرسي عالم جذاب‪ ،‬جريدة االتحاد االشتراكي ‪ 19‬أوغست ‪2001‬م ص‪.9‬‬ ‫لبنين بوشعيب‪ :‬المرجع نفسه‪.‬‬ ‫بنطلحة‪ ،‬عبدالحق‪ :‬أسس الكتابة المسرحية لألطفال‪ ،‬االتحاد األسبوعي عدد ‪ 18/12( 82‬دجنبر ‪2003‬م) ص ‪.28‬‬ ‫بنطلحة‪ ،‬عبدالحق‪ :‬نفس المرجع السابق‪.‬‬ ‫لبنين‪ :‬المرجع نفسه‪.‬‬ ‫الصابر‪ ،‬محمد‪ :‬هندسة فضاء مسرح الطفل‪ ،‬االتحاد األسبوعي عدد ‪ 28/22( 33‬نوفمبر ‪2002‬م)‪.‬‬ ‫الصابر‪ ،‬المرجع نفسه‪.‬‬ ‫الصابر‪ ،‬المرجع نفسه‪.‬‬ ‫سنان‪ ،‬شيخة‪ :‬السينوجرافي‪ ،‬مجلة الكويت العدد ‪ 91‬مارس ‪1990‬م ص ‪.83‬‬ ‫الصابر‪ ،‬محمد‪ :‬هندسة فضاء مسرح الطفل‪ ،‬مرجع سابق‪.‬‬ ‫أبو هيف‪ ،‬عبدالله‪ :‬التنمية الثقافية للطفل العربي‪ ،‬اتحاد الكتاب العرب‪ ،‬دمشق ‪2001‬م‪ ،‬ص ‪.160‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪43‬‬


‫في محراب أدب األطفال‬ ‫> حاورته‪ :‬دعاء صابر‬

‫حوار مع األديب محمود أبو فروة الرجبي‬ ‫األديب األردني الكبير محمود أبو فروة الرجبي‪ ،‬حقل من البهجة‪ ،‬وسماء زرقاء مرصعة بأحالم ال‬ ‫تنتهي‪ ،‬من أجل طفولة عربية مشرقة‪ .‬يحمل في جعبته الكثير والكثير لألطفال‪ .‬لم يمنعه عمله‬ ‫اإلذاعي كمدير لبرامج إذاعة حياة ‪ FM‬عن توجيه اهتمامه إلى براعم المستقبل‪ .‬محترف متخصص‬ ‫في مجال أدب الطفل‪ ،‬صدر له أكثر من اثنين وستين كتابا لألطفال‪ ،‬كما نشر أكثر من ستمائة قصة‬ ‫وسيناريو بمجلة ماجد الظبيانية‪ ،‬األوسع انتشارا‪ ،‬عمل كعضو هيئة تحرير مطبوعتين هما (وسام)‪،‬‬ ‫و(براعم عمان)‪ ،‬حصد العديد من الجوائز األدبية الرفيعة المستوى‪ ،‬ومن ثم أصبح محكما للعديد‬ ‫من الجوائز األدبية في حقل الكتابة لألطفال‪ ،‬محرابه القلم‪ ،‬وحديثه شيق كأنه النسيم‪ ،‬كان لنا‬ ‫معه هذا الحوار‪.‬‬ ‫< نبارك لكم حصولكم على جائزة مهرجان األردن < تركت بصمتك في العديد من مطبوعات الطفل‪،‬‬ ‫س��واء مجلة ماجد‪ ،‬أو مجلة براعم عمان‪ ..‬أو‬ ‫ل�لإع�لام العربي بالجائزة الذهبية ف��ي مجال‬ ‫غ�ي��ره�م��ا‪ ،‬قصصك دوم ��ا تحمل ه��دف��ا تربويا‬ ‫دراما األطفال‪ ..‬ماذا يمثل لكم هذا الفوز؟‬ ‫ورسالة سامية‪ ..‬أال تحدثنا عنها؟‬ ‫> كل فوز بِالنسبةِ لِي ُه َو محطة مراجعة‪ ،‬ولتفريخ‬ ‫مَجْ مُوعَ ة َكبِيرَة من األسئلة أكثرها إلحاحا عَ لى > عندي مَجْ مُوعَ ة من القيم ا ّلَتِي أؤمن بِها‪َ ،‬وأُحاول‬ ‫إي�ص��ال�ه��ا ل�لأط �ف��ال‪ ،‬أول �ه��ا ال �ح��ري��ة ل�لإن�س��ان‪،‬‬ ‫ذهني‪ :‬وَماذا بعد؟ ال َعمَل األدبي وبخاصة الموجّ ه‬ ‫وض ��رورة تحكيم العقل ف��ي حياتنا‪ ،‬وأن نَكُون‬ ‫لألطفال يحتاج إلى متابعة حثيثة‪ ،‬والزمن الَّذِ ي‬ ‫منتمين ألمتنا‪َ ،‬وه��ذا االنتماء ال يعني التقوقع‬ ‫الصغيرَة)‬ ‫نعيش فِ يهِ ‪ ،‬الَّذِ ي تخطى مرحلة (القرية َ‬ ‫عَ لى ال��ذات‪ ،‬ورف��ض اآلخ��ر‪ ،‬بَ � ْل يعني التفاعل‬ ‫الصغيرَة)‪ ،‬يفرض عَ لَيْنا أن‬ ‫إلى مرحلة (الشاشة َ‬ ‫اإليجابي َم َعهُ‪ ،‬واالعتراف باآلخر وعدم الخَ وْف‬ ‫نتعرف أكثر عَ لى التغيرات ا ّلَتِي تحصل حولنا‪،‬‬ ‫مِ �نْ �هُ‪ ،‬وال�ع�ي��ش ف��ي بيئة كلها ج ��دران عالية ال‬ ‫الطفْل يتغير بأسرع مِ َمّا نتصور؛‬ ‫أراهن عَ لى أن ِ ّ‬ ‫تخدمنا أب��داً؛ ولألسف‪ ،‬ف��إ َّن الشعوب ال َع َر ِب َيّة‬ ‫فَفِ ي الزمن البعيد كانَت ال ّ ُدنْيا تتغير في آالف‬ ‫تبني كبرياءها الذاتي عَ لى تحقير اآلخر‪َ .‬ف َمثَال‪،‬‬ ‫السنين‪ ،‬ثُ َّم اختصرت المسافة إلى مئات‪َ ،‬وبَعدَها‬ ‫َو َك��يْ نقول إن فئة َم��ا جيدة‪ ،‬فيجب غ��رس كل‬ ‫إلى عشرات السنين‪ ،‬واليوم نتحدث عَ ْن لَحَ ظَ ات‪،‬‬ ‫الس ِيئَة في اآلخرين كَيْ تكون هِ يَ في‬ ‫الصفات َّ‬ ‫َفمَاذَا يا ترانا سنقدم للطفل؟ َو َكي َْف سنقدم لَ ُه‬ ‫القمة‪ ،‬وَهَ � �ذَا م��رض نفسي‪ ،‬ال بُ � َّد أن نتخلص‬ ‫أدباً رفيعا في ظل تنافس غير عادل بَيْ َن وسائل‬ ‫مِ نْهُ‪.‬‬ ‫االتصال الحديثة‪ ،‬بَيْنَما الكتاب الموجه للطفل ال‬ ‫يقدم للقارئ ِسوَى َك ِلمَات وصور‪ ،‬مع أ َّن وسائل أحاول من ِخال َل قصصي أن أبني عَ الَ َماً متخيال‬ ‫اإلع�لام األخ��رى أصبحت أكثر تفاعلية‪ ،‬وأكثر‬ ‫أفضل للطفل‪ ،‬فأنا عربي حَ تَى النخاع‪ ،‬وأحلم‬ ‫إثارة‪ ،‬وتنفق عَ لَيْهَا َمبَالِغ هائلة؟‬ ‫العيش في عالم عربي جميل‪ ،‬مليء‬ ‫َ‬ ‫مَع األطفال‬

‫‪44‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫باألمل‪ ،‬والتفاؤل وَالحَ يَاة‪ ،‬فِ يهِ فرص عمل كَافِ ية‬ ‫لآلباء واألم�ه��ات حَ تَى يستطيعوا اإلن�ف��اق عَ لى‬ ‫عائالتهم‪ ،‬وَفِ يهِ حرية‪ ،‬وكرامة لإلنسان‪ ،‬واحترام ‬ ‫للعلم والعقل‪.‬‬

‫ال�م��ؤل�ف�ي��ن‪ .‬وَفِ ���ي ال�م�ق��اب��ل‪ ..‬ال �ت��وزي��ع ضعيف‪،‬‬ ‫وصعب‪.‬‬ ‫وال �ح��ل م��ؤل��م‪ ،‬ومتعب ف��ي ال��وق��ت نفسه‪ ،‬وه � َو‬ ‫ضرورة صدور هَ ��ذِ ِه المجالت من قبل الجهات‬ ‫الحكومية‪ ،‬وَهَ �ذَا يعني وقوعها في فخ الروتين‬ ‫ال�ح�ك��وم��ي‪ ،‬وع ��دم وج ��ود اح�ت��راف�ي��ة عالية في‬ ‫ال َعمَل‪.‬‬

‫ ‬

‫َك� َذ ِل��كَ ال بُ� َّد من إيجاد ِطفْل إيجابي‪ ،‬يستطيع‬ ‫التعامل َم��ع ك��ل المحطات ف��ي المحيط ا ّلَ��ذِ ي‬ ‫يعيش فِ يهِ ؟ شيء آخر أعمل عَ لَيْهِ دا ِئ� َم�اً‪ ،‬وه َو‬ ‫تصحيح النظرة إلى الدين‪ ،‬وبناء نموذج يستلهم ‬ ‫القيم الروحية‪ ،‬والدافعية للحياة من الدين‪ ،‬مَع‬ ‫استبعاد بَعْض المفاهيم ا ّلَتِي تعمل عَ لى تأخير‬ ‫المجتمع‪ ،‬وتزيد من جهله‪.‬‬

‫ ‬

‫نَحْ ُن نعيش في مجتمعات مَا ت��زال تصارع كَيْ‬ ‫تضع قدمها عَ �ل��ى أول ال�ط��ري��ق‪ ،‬بَ�يْ�نَ�م��ا األم��م < معظم مجالت األطفال تخاطب الفئة األكبر‬ ‫األخ ��رى انتهت م��ن هَ ��ذِ ِه المرحلة ُم �نْ � ُذ مئات‬ ‫عمرا‪ ،‬لسهولة التعامل مع ه��ذه السن‪ ،‬فمتى‬ ‫السنين‪.‬‬ ‫تولد مجالت للطفل في مراحله األولى؟‬

‫< مجالت األطفال في عالمنا العربي قليلة‪ ..‬ما‬ ‫تفسيرك لهذه ال�ظ��اه��رة وكيف يمكن التغلب‬ ‫عليها؟‬ ‫> السبب ُه� َو التكلفة العالية‪ ،‬وع��دم ترسخ عادة‬ ‫القراءة في المجتمع‪ .‬مَجَ لَّة األطفال مكلفة جداً‪،‬‬ ‫من حَ يثُ الطباعة‪ ،‬وتكلفة ال��رس��وم‪ ،‬ومكافآت ‬

‫وَعَ لى ٍكلّ‪َ ..‬ق ْد يأتي يوم توزع فِ يهِ مَجَ لَّة أطفال‬ ‫عدداً َكبِيراً من النسخ‪ ،‬وَفِ ي ال َوق ِْت نَف ِْسهِ يقتنع‬ ‫المعلنون بأهمية وَجَ دْوى اإلعالن في مثل هَ ذِ ِه‬ ‫الوسائل اإلعْالمية‪ ،‬وقتها َق ْد تتغير األمُور إلى‬ ‫األحسن‪.‬‬

‫> هذا صحيح‪َ ،‬ولَكِ ن هُناكَ سبب آخر يجعل من‬ ‫هَ ���ذِ ِه ال�م�ج�لات صعبة التنفيذ‪ ،‬وه� � َو التكلفة‬ ‫العالية جداً‪ ،‬فالطفل في المراحل األولى يحتاج‬ ‫م��وا َّد خاصة‪ ،‬وطباع ًة بِطَ رِ يقَة مُخْ تَ ِلفَة‪ ،‬مكلف ًة‬ ‫جداً‪.‬‬ ‫في المدى المنظور‪ ،‬ال أمل في ِوِ الدَة مثل تلك‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪45‬‬


‫المجالت‪ ،‬إال إذا ّتَ��م تبنيها من إحدى الجهات‬ ‫الرسمية في الخليج ال َعرَبي‪.‬‬

‫> هِ يَ مكملة لَهَا‪ ،‬وإذا امتلك أصحاب القنوات رؤية‬ ‫بعيدة‪ ،‬فإن ُه يُمْكِ نُهم استثمار نجاح هَ ذِ ِه القنوات‬ ‫في إنشاء مَجَ الت أطفال‪َ ،‬ق ْد تجد تَرويجاً يسهم‬ ‫صل مَع قناة‬ ‫كل أكبر‪َ ،‬و َم��ا يَحْ ُ‬ ‫في انتشارها بِشَ ٍ‬ ‫«سبيس تون»‪ ،‬مَع تحفظي عَ لى مستوى مضمون‬ ‫ال�م�ج�لات ا ّلَ � ِت��ي تقدمها‪ ،‬إال أن�ه��ا نجحت في‬ ‫َذلِكَ ‪.‬‬

‫ < أط�ف��ال ال�ي��وم ه��م ق��ادة الغد وص�ن��اع ال�ق��رار في‬ ‫مختلف المجاالت‪ ،‬كيف نستطيع إعدادهم؟ >‬ ‫ال�ق��راءة ج��زء مهم في بناء ق��ادَة الغد‪ ،‬لَكِ ن لِي‬ ‫نظرية في هَ ذَا المَجَ ال‪ .‬فأنا اعتقد أنه ‪-‬كَيْ نحرر‬ ‫الطفْل ال َعرَبي‪ ،‬ونجعله يفكر‪ ،‬ويشارك‪،‬‬ ‫عقلية ِ ّ‬ ‫ويقرأ أكثر‪ -‬ال بُ َّد من شطب ثَالثَة أرباع المناهج < تزخر الساحة العربية بالجوائز المخصصة ألدب‬ ‫الطفل؛ كجائزة الشيخ زايد في األمارات‪ ،‬وجائزة‬ ‫الْ َم ْدرَس َيّة‪ ،‬فَهي مناهج غبية –وأنا آسف ِل َهذَا‬ ‫شومان في األردن‪ ،‬وج��ائ��زة قطر ألدب الطفل‪،‬‬ ‫الطفْل‪ ،‬وال تعطيه أدوات‬ ‫اللفظ‪ -‬تزيد من جهل ِ ّ‬ ‫وج��ائ��زة س��وزان مبارك ألدب الطفل‪ ..‬وغيرها‪،‬‬ ‫ال َمعْرِ فَة‪ ،‬والقدرة عَ لى التعامل مَع الواقع‪ .‬وَهِ يَ‬ ‫هل تعد مثل هذه الجوائز قادرة على إبراز جيل‬ ‫في جلها تلقينية‪ ،‬تعطيه المعلومة جاهزة‪ ،‬وال‬ ‫جديد من كتاب األطفال المتميزين؟‬ ‫اصطَ ياد المعلومة من محيطات‬ ‫تعلمه َكيْفية ْ‬ ‫المعلومات ا ّلَتِي تهل عَ لَيْنا من كل حدب وصوب‪ > .‬نعَم‪ .‬الجوائز مهمة ِلتَشجيعِ الكتّاب واألدباء عَ لى‬ ‫الكتابة‪ ،‬لَكِ ن معظم الجوائز ذَاتَ مردود محدود‬ ‫الطفْل جزء من واقع عربي عام‪،‬‬ ‫ وَفِ ي ال ِنّهايَة فإن ِ ّ‬ ‫معنوياً َوم َِادّياً‪ .‬تخيلي لَ ْو أن هُناكَ جائزة بقيمة‬ ‫فِ يهِ عدد َكبِير من المثبطات‪ ،‬وتراجعات دائمة‬ ‫ضخمة ج��داً تتيح لكاتب مَا أن يتفرغ للكتابة‪،‬‬ ‫للخلف‪ ،‬في ظل تنمية متعثرة‪.‬‬ ‫َوي ُْص ِب ُح مُحْ ترفاً فيها‪ ،‬يفطر ويتغدى ويتعشى‬ ‫< م��ع دخ ��ول ال �ق��رن ال �ح��ادي وال �ع �ش��ري��ن‪ ..‬ظهر‬ ‫أدب �اً‪ ،‬ويقضي وقته كله في البحث‪ ،‬والدراسة‪،‬‬ ‫العديد من الطفرات في مجال تقديم المعلومات‬ ‫والقراءة والكتابة‪ .‬ثُ َّم إن تجربتي مَع ست جوائز‬ ‫للطفل من خالل قنوات فضائية مخصصة له‪،‬‬ ‫أثبتت ِل��ي أن ك��ل ج��ائ��زة تعني للكاتب َم��زي��داً‬ ‫فهل تعد هذه القنوات بديال لمجالت األطفال‬ ‫من العوائق في تعامله َم��ع المجالت ال َع َر ِب َيّة‪،‬‬ ‫أم مكملة لها؟‬ ‫ودور النشر؛ بمعنى أن تفوز بجائزة في وطننا‬

‫‪46‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫< ص ��درت ف��ي م�ص��ر أوائ� ��ل ه��ذا‬ ‫ال �ع��ام أول ج��ري��دة ل�لأط�ف��ال‬ ‫وه���ى «ج��ري��دت��ي ال �ص �غ �ي��رة»‪،‬‬ ‫ول�ك�ن�ه��ا ول�ل�أس��ف ل��م تحقق‬ ‫ال �ن �ج��اح ال �م �ن �ش��ود‪ ،‬ه ��ل من‬ ‫ال� �ص� �ع ��ب ت� �ق ��دي ��م ص�ح�ي�ف��ة‬ ‫أس�ب��وع�ي��ة ل�لأط �ف��ال وتحقق‬ ‫النجاح المنشود كالمجالت؟‬ ‫ > ُمنْ ُذ ِستَّة عشر عاماً تَ َّم إصدار‬ ‫صحيفة في األردن لألطفال‪،‬‬ ‫بب ضعف‬ ‫َولَكِ نَّها لَ ْم تستمر بِسَ ِ‬ ‫التمويل‪َ ،‬وبَعدَها ص��درت أكثر‬ ‫م ��ن أرب� ��ع ج ��رائ ��د‪ ،‬وال�ن�ت�ي�ج��ة‬ ‫واحدة‪ .‬لَي َْس من الصعب تقديم‬ ‫جريدة أسبوعية لألطفال‪َ ،‬ولَكِ ن‬ ‫المُشْ كِ لَة تبقى قَا ِئمَة في التكلفة العالية ج��داً‪،‬‬ ‫وصغر السوق‪ ،‬وضعف التمويل‪ ،‬واأله��م من َهذَا‬ ‫كله‪ :‬عدم وجود فئة َكبِيرَة تشتري األعمال الموجهة‬ ‫لألطفال‪ ..‬حَ تَى في مِ ْصر العريقة في الصحافة‬ ‫واإلعالم‪ ..‬لألسف نجد المُشْ كِ لَة نفسها‪.‬‬ ‫< ‬ ‫< م��ا ال �ف��رق بين األع �م��ال ال�ت��ي يقدمها الغرب‬ ‫للطفل‪ ،‬واألع �م��ال ال�ت��ي نقدمها نحن العرب‬ ‫للطفل؟‬ ‫> ‬ ‫> س��ؤال يحتاج إلى أربعة آالف َصفْحَ ة لإلجابة‪.‬‬ ‫الفرق أ َّن هُناكَ احترافية‪ ،‬وَمدرسَ ة قديمة لَهَا‬ ‫أصولها‪ ،‬وقواعدها؛ وأما هُنا‪ ..‬فمَا نزال نحبو‪،‬‬ ‫َونُ��حَ ��اوِ ل أن نجد سوقا ألعمالنا في بيئة أمية‪،‬‬ ‫َأص� َّر عَ لى هَ ذِ ِه الْ َك ِلمَة‪ ،‬حَ تَى لَ ْو أصبح التعليم‬ ‫و ِ‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫ال � َع � َرب��ي‪ ..‬أن تكسب المزيد‬ ‫م��ن ال � �ع� ��داوات‪ ،‬وَهَ � � �ذَا يعني‬ ‫أيضاً أن من يضعون العصي‬ ‫في الدواليب سيعتقدون أنك‬ ‫خطر عليهم‪ ،‬وَالخالصة أنك‬ ‫ستجني المزيد من العوائق‪.‬‬

‫ف��ي ب�لادن��ا م��ائ��ة ب��ال�م��ائ��ة‪ ..‬فإننا‬ ‫سنبقى أم��ة أم�ي��ة َم��ا لَ � ْم نتطور‪،‬‬ ‫ونصبح أمة قارئة‪َ .‬ومَع َذلِكَ ‪َ ،‬ومَع‬ ‫كل الظروف ا ّلَتِي نعيش فيها‪ ،‬فإ َّن‬ ‫َكثِيراً من أدباء األطفال يُحاوِ ل أن‬ ‫ينجز الكثير‪ ،‬وبعضهم يقدم أشياء‬ ‫تستحق أن ننحني احْ ِترَا َماً لَهَا‪.‬‬ ‫< التراث العربي يزخر بالعديد‬ ‫من األعمال التي تصلح للطفل‬ ‫مثل‪« :‬حي بن يقظان» و«حكايات‬ ‫ك �ل �ي �ل��ة ودم � �ن� ��ة» و«ن� � � ��وادر ج �ح��ا»‬ ‫وغ� �ي ��ره ��ا‪ ..‬ول �ك �ن �ه��ا ت �ح �ت��اج إل��ى‬ ‫مبدع يحمل هذه المسؤولية على‬ ‫عاتقه‪ ..‬فهل تتفق معي في هذا‬ ‫الرأي؟‬ ‫> ُه� �ن ��اكَ م ��ن ق�� �دّم م �ث��ل هَ � ��ذِ ِه‬ ‫كل جيد‪َ ،‬ولَكِ نَّها تحتاج‬ ‫األعمال بِشَ ٍ‬ ‫اآلن إل��ى تطوير وت�ح��دي��ث أكثر‪،‬‬ ‫َو َك� � َذ ِل ��كَ إل��ى م��زي��د م��ن األع�م��ال‬ ‫التلفزيونية والكرتونية لتنفيذها‪.‬‬ ‫أنا شخصياً ال أفضل كَثيْ َراً إعادة‬ ‫تنفيذ األعمال القديمة – وَهَ ��ذَا ش��رف عظيم‬ ‫ألي كاتب أن يقدم مثل هَ ��ذِ ِه األعمال‪ -‬ولكنني‬ ‫أحب الجديد‪ ،‬واألفكار ا ّلَتِي تخرج من الرأس‬ ‫مباشرة‪.‬‬ ‫كيف يرى محمود الرجبي حال أدب األطفال في‬ ‫ظل ه��ذه الحقبة الزمنية‪ ،‬وه��ل هو في أحسن‬ ‫حال؟‬ ‫ال أستطيع القول إنه في أحسن حال‪َ ،‬ولَك ّنَ ُه في‬ ‫وضع جيد نِسْ بياً‪ .‬المُشْ كِ لَة أننا مَا نزال نعيش‬ ‫في عالم تحكمه دور نشر تجارية‪ ،‬ال تنطلق من‬ ‫خلفيات ثقافية أ ْو قيمية ف��ي غالب األح��وال؛‬ ‫إضافة إلى أن عدم استعداد المواطن ال َعرَبي‬ ‫لإلنفاق عَ لى شراء ُكتُب ألطفاله‪ ،‬يجعل عملية‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪47‬‬


‫تطور أدب األطفال بطيئة‪ ،‬وال تدخل في عملية‬ ‫االحترافية بِسُ رْعَ ة‪.‬‬ ‫ ‬

‫هُناكَ مُحاوَالت هُنا َوهُناكَ إلنشاء أدب أطفال‬ ‫عربي ر ٍَاق‪ ،‬ولكننا نحتاج إلى ال َعمَل المؤسسي‪،‬‬ ‫وَهَ �� �ذَا ي�ح�ت��اج إل��ى وج ��ود ال�ص�ف��ة ال�غ��ائ�ب��ة عَ � ْن‬ ‫عالمنا ال َعرَبي وَهِ يَ اإلرادة‪َ ،‬و َمعْها توأمها اآلخر‬ ‫(اإلدارة)‪.‬‬

‫الشهادات النقدية لقصص األطفال ا ّلَتِي يكتبها‬ ‫الكبار‪ ،‬كَيْ يطوروا من خاللها قصصهم‪ ،‬وعمل‬ ‫ْضوع اللغة‪،‬‬ ‫مراجعة نقدية وتصحيحية تتجاوز َمو ُ‬ ‫إلى التقنيات الفنية واألفكار‪ ،‬كما أقوم في هَ ذِ ِه‬ ‫المؤسسة بتقديم خدمات احترافية في مَجال‬ ‫تحكيم مُسَ ابَقَات القصة لألطفال والكبار‪َ ،‬و َق ْد‬ ‫بدأنا ال َعمَل‪َ ،‬وهُناكَ بوادر طيبة بإذن الله‪.‬‬

‫ < بمناسبة عملكم كمقدم لبعض برامج األطفال ‬ ‫على قناة المجد الفضائية‪ ،‬هل هناك فلسفة‬ ‫خاصة في فنون التعامل مع الطفل؟‬ ‫< بنظرة خبير‪ ..‬ك��ان ال�غ��رب يغترف منا العلوم‬ ‫ق��دي �م��ا‪ ..‬ون �ح��ن اآلن ن �ت��رج��م ع�ن�ه��م قصص‬ ‫> في الواقع إنني عملت في قناة المجد قبل فترة‬ ‫األط �ف��ال ون�ق��دم�ه��ا ل�ص�غ��ارن��ا‪ ،‬م�ت��ى نستطيع‬ ‫طويلة‪ ،‬وأنا اآلن سأعود إلى ال َعمَل التلفزيوني‪،‬‬ ‫تقديم أدب الطفل العربي إلى الغرب؟‬ ‫بعد أن انقطعت عَ نْ ُه النشغاالتي في حياة إف‬ ‫صوص ال َعمَل للطفل‪ ..‬فإنني انطلق من‬ ‫ِ‬ ‫أم‪َ .‬وبِخُ‬ ‫فلسفة خاصة استنبطها من القيم العامة ا ّلَتِي‬ ‫أؤم��ن بِها‪ ،‬وأن��ا أؤم��ن بالقيم اإليجابية كَثيْ َراً‪،‬‬ ‫َو َك َذلِكَ فإنني اعتقد أن أدب األطفال ُه َو جزء‬ ‫من البناء الحضاري العام‪ ،‬ا ّلَ��ذِ ي سيعمل عَ لى‬ ‫إدخال األمة ال َع َر ِب َيّة في ميدان الفعل الحضاري‬ ‫َم َرّة أخرى‪.‬‬

‫ ‬

‫الطفْل في هَ ذَا العصر يكتسب مِ نْ ُه صفة عدم‬ ‫ِّ‬ ‫الثبات‪ ،‬وَهَ � �ذَا يتطلب مِ � ّنَ��ا دا ِئ � َم �اً اللهاث وراء‬ ‫التغيرات ا ّلَتِي تنشأ في عالمه‪ ..‬كَيْ نعمل عَ لى‬ ‫الوصول إليه بأقصر الطرق‪.‬‬

‫أما المشروع الَّذِ ي مَا أزال أحلم به‪َ ،‬ف ْه َو النشر‬ ‫الورقي بِالُّلغَةِ اإلنجليزية خارج الوطن ال َعرَبي‪.‬‬

‫َص َصاً من الغرب‬ ‫> أوالً يجب التوضيح أننا نأخذ ق َ‬ ‫ونترجمها‪َ ..‬ف َهذَا لَي َْس عيباً‪ ،‬بَ ْل ُه َو عمل إيجابي‪،‬‬ ‫لَكِ ن يتم تفريغ هَ ذَا ال َعمَل الرائع من مضمونه‪،‬‬ ‫إذا لَ ْم يَ ُك ْن االنتقاء عَ لى أسس صحيحة‪ .‬أنا اآلن‬ ‫أقوم بالكتابة بِالُّلغَةِ اإلنجليزية‪ ،‬وأقوم بالكتابة‬ ‫في أكثر من منتدى أدبي متخصص في الغرب‪،‬‬ ‫َو َق ْد أستطيع في وقت مَا نشر كتبي هُناكَ ‪.‬‬

‫< متى ن��رى ال��رواي��ة األول ��ى ل�ـ محمود أب��و ف��روة‬ ‫الرجبي؟‬

‫> إذا ُكنْت تقصدين الرواية في مَجال األطفال‪،‬‬ ‫فقد صدرت لِي رواية (جزيرة األحالم السعيدة)‬ ‫< بعد رحلة طويلة من العمل المكثف‪ ..‬ما هو‬ ‫بطبعتين ل�لآن‪ ،‬أما ِلل ْكِ بارِ ‪ ،‬فلدي رواي��ة بعنوان‬ ‫المشروع الذي يقبع في عقل محمود الرجبي‬ ‫(األنثى قبل األخيرة)‪ ،‬وال أدري َمتَى سأخرجها‪..‬‬ ‫ويحلم بتحقيقه؟‬ ‫وأن��ا متردد في ِذ ِل��كَ ألسباب َك� ِث�ي�رَة‪َ ،‬م��ع أنني‬ ‫حاليا‪ ..‬وزعتها عَ لى األصدقاء والمعارف‪َ ،‬و َق ْد‬ ‫> لَي َْس هُناكَ مشروع واحد‪َ ،‬ولَكِ ن مشاريع متعددة‪،‬‬ ‫�ص�اً‪ ،‬ووج��دت‬ ‫قرأها ما يقرب من (‪ )167‬شَ ��خْ � َ‬ ‫لَكِ ن المشروع الَّذِ ي بدأت فِ يهِ فِ ْعالً‪ ،‬وَكا َن حلماً‬ ‫تجاوبا جيداً‪ .‬أيضاً‪َ ..‬و ُمنْ ُذ سنوات اكتب رواية‬ ‫بعيداً ُه َو افتتاح مؤسسة خاصة بي‪ ،‬تقدم خدمات‬ ‫أخ��رى ب�ع�ن��وان (‪ ،)42‬وَفِ �ي�ه��ا تجديد َك� ِب�ي��ر في‬ ‫ُربَّما غير َموْجودَة في الوطن ال َعرَبي‪ .‬مؤسستي‬ ‫أسلوب الكتابة‪ ،‬وَطَ رِ يقَة هيكلية تقنيات الرواية‪،‬‬ ‫هِ يَ «تباشير»‪ ..‬ومن خاللها أقدم خدمة تدريب‬ ‫وأتمنى االنتهاء مِ نْها في وقت قريب‪.‬‬ ‫األطفال والكبار عَ لى كتابة القصة‪َ ،‬و َك َذلِكَ كتابة‬

‫‪48‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫األرنـــــــــــوب‬ ‫م ّر فيل ضخم وسط بيوت األرانب فهدم بيت األرنب‬ ‫الكبير‪ ،‬انزعج الجميع من أجله‪ ،‬وقرروا مساعدته في‬ ‫بناء بيت جديد له‪ ،‬فرفض قائال‪:‬‬ ‫ إن الطقس بارد‪ ،‬وال أحتمل االنتظار حتى تبنوا‬‫لي بيتا جديداً‪.‬‬ ‫حاولوا أن يفهموا منه ماذا يريد‪ ،‬واقترحوا عليه أن‬ ‫يجهزوا له البيت المهجور مؤقتاً‪ ،‬فقال لهم‪:‬‬ ‫ أن��ا األرن��ب الكبير‪ ،‬وتريدونني أن أن��ام في بيت‬‫مهجور وغير نظيف‪.‬‬ ‫قدموا له عدة اقتراحات أخ��رى‪ ،‬تظاهر بالغضب‬ ‫وابتعد عنهم‪ ،‬تفقد البيوت مساءً‪ ..‬فأعجبه بيت األرنوب‬ ‫النشيط‪ ،‬ودون أن يسأله‪ ،‬دخل البيت وقال‪:‬‬ ‫ هذا بيتي الجديد‪ ،‬هيا اخرج منه‪.‬‬‫تدخلت األرانب وقالت‪:‬‬

‫> د‪ .‬أسد محمد*‬

‫فيما بعد أوضحت له األران��ب أنهم كانوا منشغلين‬ ‫بجمع ال�ط�ع��ام‪ ،‬ل��ذا ل��م يتمكنوا م��ن زي��ارت��ه‪ ،‬ل��م يقتنع‬ ‫بكالمهم‪ ،‬وقال في نفسه‪:‬‬ ‫ ال يزالون غاضبين مني‪ ،‬وسأعاقبهم‪.‬‬‫ان��دف��ع م �س����اء ال �ي��وم ال�ت��ال��ي واح �ت��ل ب�ي��ت األرن ��وب‬ ‫النشيط وط��رده منه‪ ،‬ثم نام فيه‪ ،‬توقع في الصباح أن‬ ‫مشكلة ستحدث‪ ،‬وسيخرب على األرانب حياتهم اآلمنة‪،‬‬ ‫لكن األرنوب ترك األمر سراً كي ال يزعج أحداً‪ ،‬تصرف‬ ‫ب��ذك��اء ون��ام ف��ي بيته القديم ال��ذي أخ��ذه منه األرن��ب‪،‬‬ ‫وهكذا راح األرن��وب ينتظر حتى ينام األرن��ب في أحد‬ ‫البيتين‪ ،‬ثم ينام في اآلخر‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫ لقد أصبح لي بيتان‪ :‬بيت قديم وبيتي الجديد‪.‬‬‫بعد فترة سأل األرنب الكبير نفسه‪:‬‬ ‫‪ -‬لماذا لم تحدث أية مشكلة ؟ وأين ينام األرنوب؟‬

‫‪ -‬البيت لألرنوب وال يحق لك أخذه‪.‬‬

‫راقب األرنوب واكتشف السر‪ ،‬فقرر أن يمنعه‪ ،‬ووقف‬ ‫في منتصف المسافة بين البيتين‪ ،‬وقال‪:‬‬

‫‪ -‬لن أسمح له بالدخول إليه أبدا‪.‬‬

‫ سأحرسهما جيدا‪ ،‬وأنام هنا‪ ،‬واألفضل أن أبني‬‫بيتا بينهما‪ ،‬وأمنعه من النوم في بيتي‪.‬‬

‫ه ّز رأسه ساخراً‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫تجنبت األران� ��ب ال��دخ��ول م�ع��ه ف��ي خ�ل�اف؛ ألنهم‬ ‫يعرفون جيداً قوته‪ ،‬والمشاكل التي يمكن أن يسببها في‬ ‫حال غضبه‪ ،‬تدخل األرنوب‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫ قد يغضب ويؤذينا جميعاً‪ ،‬سأبني بيتا جديداً‪.‬‬‫اختار المكان‪ ..‬وب��دأ يحفر وك��راً‪ ،‬فجاءت األران��ب‬ ‫وساعدته‪ ،‬وتمكن من بناء بيت بسرعة كبيرة‪ ،‬شكرهم‬ ‫ع�ل��ى م�س��اع��دت��ه‪ ،‬ع��اش��ت األران� ��ب ب�ع��د ذل ��ك ب�س�لام‪،‬‬ ‫لكن األرن ��ب الكبير ان��زع��ج وظ��ن أن�ه��م ت�ح��دوه بسبب‬ ‫مساعدتهم ل�لأرن��وب‪ ،‬واعتقد أنهم ال ي��زورون��ه بسبب‬ ‫انزعاجهم منه‪.‬‬

‫م������������ل������������ف ال������������ع������������دد‬

‫قصة لألطفال‬

‫فكر في األمر قليال وتابع‪:‬‬ ‫ لن أتمكن من بنائه وحدي‪ ،‬ولن يساعدوني‪.‬‬‫وقف مسا ًء بين البيتين‪،‬وأحس األرنوب بما يخطط‬ ‫له األرنب‪ ..‬وبأنه سيمنعه من النوم‪ ،‬فراقبه حتى تعب‬ ‫ونام‪ ،‬ثم تسلل ونام في بيته‪ ،‬وعندما علم األرنب بذلك‪،‬‬ ‫اع�ت��رف أن األرن ��وب النشيط أذك��ى منه‪ ،‬وب��أن خطته‬ ‫فشلت‪ ،‬فكر في األمر طويال‪ ،‬وأخيرا قال‪:‬‬ ‫ يكفيني بيت واحد‪،‬وال يمكنني النوم في بيتين في‬‫الوقت نفسه‪.‬‬

‫* طبيب من سوريا‪ ،‬له إنتاج أدبي في الرواية والقصة وغيرهما‪ ،‬أقام بالجوف حتى توفي عام ‪2006‬م‪ ،‬يرحمه الله‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪49‬‬


‫ِ‬ ‫ط ُ‬ ‫فل اجلوف‬ ‫> الطاهر لكنيزي‬ ‫ل��ل��ج��وف ف���ي روح� � ��ي َوف� � ��ي خَ � � َل ��دي‬

‫ُح� � � � � ٌ ّ�ب مَ � �ك � �ي� � ٌ�ن عَ � � � ْن� � ��هُ َل� � � ��مْ أ َِح� � � � ِ�د‬

‫سَ � � َك� ��نَ ال � ��فُ � ��ؤا َد َف � � ِ�ص� � �ر ُْت أذْكُ � ��رُ ه � ��ا‬

‫�ص� ��مَ � � ِ�د‬ ‫�واح � � � ِ�د ال� � ّ َ‬ ‫َب � ��عْ � � � َد اإلل � � ��ه ال � � � ِ‬

‫ف��ي��ه��ا َب � �ن� ��ى ال � � �ف� � ��اروقُ مَ � � ْ�س� � ِ�ج � � َد ُه‬

‫ف� �ي� �ه ��ا سَ �� �ك� ��اك� ��ا َو ْر َد ُة ال�� � َب�� � َل� � ِ�د‬

‫�ام � � َق� ��ةٌ‬ ‫�ران س� � ِ‬ ‫وَمَ � � �ع� � ��الِ � � ��مُ ال� � ��عُ � � ��مْ � � � ِ‬

‫رَسَ � � ��خَ � � � ْ�ت لِ � � َت� � ْب� �ق ��ى غ � ��ا َي� � � َة األمَ � � � ِ�د‬

‫�ان ق� ��دْ سَ ��طَ � � َع � ْ�ت‬ ‫َوم � ��واك � � ُ�ب ال� � ِ�ع � � ْرف� � ِ‬

‫ك ��ال � ّ�ش ��مْ � ِ�س ال َت � ْ�خ� �ف ��ى ع��ل��ى أحَ � ��د‬

‫***‬

‫‪50‬‬

‫�ف ب�ه��ا‬ ‫وال� � � ّ َن � � ْ�خ � ��لُ وال� � � ّز ْي� � �ت � ��ونُ حَ �� � � ّ َ‬

‫َف�� � � َغ�� � �دَتْ عَ � ��روس � ��ا ز ِ ُّي� � � � َن � � � ْ�ت َذَهَ �� �ب� ��ا‬

‫َف ��هُ � �ن ��ا ُب� ��حَ �� � ْي�� � َر َة دومَ �� � � � َة ا ْن � �ه� ��مَ � �رَتْ‬

‫َت � ْ�س� �ق ��ي ال� � ُ�ح � �ق� ��ولَ م � ��اؤُ ه � ��ا عَ ���ذُ ب���ا‬

‫وهُ � � �ن � ��اك َق � � ْل � � َع� ��ةُ م�� � � ��ارِ دٍ شَ ��مَ ��خَ � ْ�ت‬

‫ف � ��ي ِع� � � � � �زّةٍ لِ � ��تُ � � �ع � ��انِ � ��قَ ال�� ُّ�س�� ُ�ح� �ب���ا‬

‫ك� � ��ا َن� � � ْ�ت وم�� � ��ا زا َل � � � � � � ْ�ت عُ � ��رو َب� ��تُ � �ن� ��ا‬

‫�اس ��أل ��وا ال��كُ ��تُ �ب��ا‬ ‫مَ ��هْ � � َد ال ��حَ � �ض ��ارَةِ ف � ْ‬

‫َف� � ��لِ �� � �ر ِ َّب�� � �ن� � ��ا حَ �� � ��مْ �� � ��دٌ َب� �ل� ��ا عَ � � � ��ددٍ‬

‫ُس � � ْب � �ح� ��انَ م � ��نْ َز ّك�� � ��ى وَمَ � � � ��نْ وَهَ � �ب ��ا‬

‫ف� ��ي مَ � � ْت� ��حَ � � ِ�ف اآلث�� � � ��ارِ َك � � ��مْ قِ ���طَ � � ٍ�ع‬

‫�ان وال� � ِ�ح � � َق� � ِ�ب‬ ‫م � ��ن غ�� ��ابِ �� ��رِ األ ْزم�� � � � � � ِ‬

‫ي� � ��ا ق � � � � � ��ارئَ ال� � � � ّت � � ��اري � � � ِ�خ إنّ ل �ن��ا‬

‫األع � � �ج� � ��امِ وال� � � َع� � �ر َِب‬ ‫سَ � � ْب� �ق� � ًا ع��ل��ى ْ‬

‫�س� �ل��امِ ال � ��حَ � � ِ ّ�ق ي� ��ا َب� � َل ��دي‬ ‫َن�� � ْب�� � َع ال� � � ّ َ‬

‫ألد َِب‬ ‫اإلس� � � �ل� � ��امِ وا َ‬ ‫ْ‬ ‫ي � ��ا مَ � � � ْن � ��بِ � ��تَ‬

‫ي ��ا مَ � � �و ِْط � ��نَ ال���حَ � �رَمَ � � ْي�� ِ�ن أ ْن� � ��تَ َل �ن��أ‬

‫شَ �� � � � �ر ٌَف َف� � ِ�م � � ّن� ��ا ك�� � ��انَ خَ � � � ْي � ��رُ َن��ب��ي‬

‫ْواح دونَ َون � ��ى‬ ‫�ك ب� � � � � � � ��األر ِ‬ ‫َن � ��فْ � ��دي � � َ‬

‫�اب وال� ��حَ � ��سَ � � ِ�ب‬ ‫ي� ��ا أعْ � � � � � �رَقَ األ ْن � � �س� � � ِ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫الهوية بني اخلصوصيات الثقافية‬ ‫ُ‬ ‫والهويات القاتلة‬

‫> د‪ .‬عيسى عودة برهومة*‬

‫الهوية قديمة قدم التاريخ اإلنساني‪ ،‬لكنها لم تظهر في‬ ‫صورة النظرية والفلسفية إال في العصر المتأخر‪ ،‬والسيما‬ ‫في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميالديين‪ ،‬وازدادت‬ ‫الدراسات والمؤتمرات حول ماهيّة الهوية‪ .‬فالهوية مفهوم‬ ‫غامض ومتحرك‪ ،‬يشتبك فيه التجريد النظري بالممارسة‬ ‫التاريخية‪ ،‬وه��و مفهوم غير واض��ح‪ .‬ويعاني مفهوم الهوية‬ ‫المعاصر م��ن وط��أة حياته ف��ي س�ي��اق اجتماعي وثقافي‪..‬‬ ‫ألفراد يسعون تحت مظلة القيم الحاكمة لعالمنا الحديث‬ ‫إلى تحقيق خصوصياتهم الفردية بقوة؛ فلفظة « الهوية»‪ -‬من منظورنا الثقافي‪ -‬تصبح‬ ‫لفظة مقاومة لسياسات التعميم(‪.)1‬‬ ‫فال يمكن أن تكون الهوية الثقافية لشعب‬ ‫ما واحدة‪ ،‬أو نقية تماماً‪ ،‬إال في جانب منها‪،‬‬ ‫مغلق ومريض بالعصاب؛ وال يمكن لها أن‬ ‫تكون خالية من كل الثوابت الحاكمة إال في‬ ‫جانب آخر مقابل‪ ،‬وهو الجانب المستلب‬ ‫الذي يعجز عن رؤية أي طريق سوى طريق‬ ‫اآلخر‪ ،‬على نحو يحوله إلى محض مستهلك‬ ‫لعالم كائن‪ ،‬دون أن يفكر في المحتمل‪ ..‬وما‬ ‫يمكن أن يكون(‪.)2‬‬ ‫وق��د شقَّقها العرب قديماً من النسبة‬ ‫إل��ى «ه ��و» أو «ال��ه��و»‪ ،‬ل �ت��ؤدي معنى فعل‬

‫الكينونة في اللغات الهندوأوروبية الذي‬ ‫يربط بين الموضوع والمحمول‪ ،‬ثم عدلوا‬ ‫ووضعوا بدالً من هو «الموجود»‪ ،‬ومن الهوية‬ ‫«ال��وج��ود»‪ ،‬وم��ع ذل��ك فقد فرضت الكلمة‬ ‫نفسها بوصفها مصطلحاً فلسفياً يستدل‬ ‫به على كون الشيء هو نفسه؛ فالكلمة إذاً‬ ‫ال عالقة لها بالمادة اللغوية «هوى»‪ ..‬فهي‬ ‫ليست مشـتقة‪ .‬إن داللـة الكلمـة ليست سوى‬ ‫وج��ه آخ��ر لما يعبر عنه ب�ـ «الحقيقة» أو‬ ‫«الذات» أو «الماهية»‪ ،‬ولذلك فإنهم كثيراً‬ ‫ما يعرفون أح��د ه��ذه األل�ف��اظ ب��اآلخ��ر(‪.)3‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪51‬‬


‫ثم ح��دث تطور دالل��ي‪ ،‬فأصبحت «الهوية» هي دون وجود اآلخر؛ ألن إحدى دعائم وجود الهوية‬ ‫الحقيقة أو الماهية أو الذات للشيء‪ ،‬أي شيء‪ .‬على المستوى المفهومي لهذه البنية وجود آخر‬ ‫والهوية مفهوم مطلق يعني الحقيقة والماهية أختلف معه(‪.)7‬‬ ‫وال��ذات والوحدة واالندماج واالنتماء والتساوي‬ ‫فالقوة الداعمة للهوية هي القوة التاريخية‪،‬‬ ‫والتشابه‪.‬‬ ‫وهي تنتمي في بنائها إلى الخيالي (‪،)Fictional‬‬ ‫فالهوية بكل بساطة هي ماهيتك‪ ،‬وحين تمر‬ ‫بأي موقف‪ ،‬وتضطر إلثبات شخصيتك فتظهر‬ ‫بطاقتك الشخصية (بطاقة الهوية) وستثبت من‬ ‫ال إن طلب منك شرطي‬ ‫أن��ت؟ وم��ن تكون؟ فمث ً‬ ‫المرور ما يثبت صحة معلوماتك‪ ،‬ومن هو صاحب‬ ‫السيارة‪ -‬مثال‪ -‬فستخرج أوراقك الثبوتية ليتأكد‬ ‫منها الشرطي؛ إذاً‪ ،‬أنت تعرّف عن ذاتك وهويتك‬ ‫من خ�لال بطاقة تميزك من اآلخ��ري��ن‪ ،‬فالهوية‬ ‫دل�ي��ل على إث�ب��ات ال ��ذات‪ ،‬وم�ح��ارب��ة الهوية هي‬ ‫محاربة للذات‪ ،‬يقول ماركس‪ :‬إنهم غير قادرين‬ ‫على تمثيل أنفسهم(‪ ،)4‬إذاً‪ ,‬هم يأخذون من اآلخر‬ ‫لغتهم وثقافتهم‪ .‬لكن من أنت في كينونة ذاتك‬ ‫وما هي هويتك؟ هذه التَّساؤالت ال يمكن اإلجابة‬ ‫عنها بسهوله‪ ،‬ألنها ملتبسة بالمجرد والملتبس؛‬ ‫إذ يتشكل مظهران أساسيان لهوية شخص ما؛‬ ‫أولهما اسمه ال��ذي يميزه عن غيره من الناس‪،‬‬ ‫وثانيهما ذاك ال�ش��يء غير الملموس‪ ،‬واألك�ث��ر‬ ‫تعقيداً وعمقاً‪ ،‬والذي يشكل في الحقيقة ماهية‬ ‫المرء(‪ ،)5‬وهذه الهوية أعمق بكثير من المعلومات‬ ‫الواردة في بطاقة الهوية‪.‬‬

‫أما وعي هوية ما بذاتها‪ ،‬فينتمي في بنائه إلى‬ ‫المتصور الذهني (‪ .)Imaginary‬وتعد اللغة مجاالً‬ ‫أس��اس�اً يشتغل فيه ه��ذان المفهومان بامتياز‪،‬‬ ‫حيث تتضح الهوية على مستوى اللغة من قدرة‬ ‫المتكلم على اإلش��ارة إلى ذاته بضمير األن��ا‪ ،‬ثم‬ ‫على قدرته على السرد وتشكيل التاريخ‪ ،‬وهذا‬ ‫ما يحتم وجود من يطلق عليه اآلخر‪ ،‬الذي يقع‬ ‫خ��ارج األن��ا على مستوى التعبير ف��ي ضميري‬ ‫(أنت‪ ،‬أنتم‪ /‬هو‪ ،‬هم)‪ ،‬ال تخلو لغة من وجود هذه‬ ‫الضمائر‪ ،‬وهي في رأي المفردات األول��ى التي‬ ‫ترسخ هذا االنفصال على مستوى اللغة وعالقتها‬ ‫باإلدراك(‪.)8‬‬

‫وللغة ال ��دور األه��م فـي تحقيق ه��ذه الهوية‬ ‫والخصوصية الثقافية‪ ،‬فاللغة وع ��اء للثقافة‬ ‫وال�ف�ك��ر وال�م�ع��رف��ة‪ ،‬ووس�ي�ل��ة للنهضة والتنمية‬ ‫البشرية‪ ،‬ووسيلة للتواصل مع تراث األمة‪ ،‬وكذلك‬ ‫التواصل م��ع اآلخ��ر‪ ،‬ليس بين أف��راد المجتمع‬ ‫ومؤسساته المختلفة فحسب‪ ،‬بل والتواصل مع‬ ‫الثقافات األخ��رى‪ .‬ولكن إهمال اللغة القومية‬ ‫األم‪ ،‬وااله�ت�م��ام باللغة األجنبية وتعلمها‪ ..‬بل‬ ‫والتعليم بها‪ ،‬يُفْضي إلى تبعية ثقافية تتسبب في‬ ‫تدمير روح األمة‪ .‬وقد شهد التاريخ بذلك‪ ،‬حيث‬ ‫ح��اول المستعمِ ر دائماً إح�لال لغته محل اللغة‬ ‫القومية للبلدان التي استعمرها‪ ،‬إيماناً منه بأن‬ ‫ذلك عتبته إلحالل قيمه وأفكاره وثقافته‪.‬‬

‫فهي ت��زده��ر أو تخبو‪ ،‬وت�ت�ق��دم أو تتراجع‪,‬‬ ‫بحسب األحكام المعيارية التي يبلورها المثقفون‬ ‫في روع الناس‪ ،‬وبحسب ما تروجه السلطات في‬ ‫سلوكها وتحالفاتها؛ ولكن رغم العلو والهبوط‪..‬‬ ‫تظل الهوية قائمة بمكوناتها ال تتبدد‪ ،‬وإنما وجهة‬ ‫االنتماء والحكم المعياري هما اللذان يتبدالن(‪،)6‬‬ ‫إن التعبير عن الهوية في إطار الجماعة يكسبها‬ ‫وتقوم الهوية على توحيد األفراد والجماعات في القوة عنها في خارجها؛ ل��ذا‪ ،‬ف��إن التعبير عن‬ ‫الدائرة القومية أو الشخصية‪ ،‬فال تقوم للفرد من الهويات يأخذ في الغالب مساراً جماعيا‪ ،‬سواء‬

‫‪52‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫وعلى هذا األساس‪ ..‬تبتدئ الهوية الفردية في‬ ‫اصطالح علم النفس‪ ،‬باألنا (الذات أو الشعور)‬ ‫التي تواجه لدى بروزها القوى االجتماعية‪ ،‬التي‬ ‫تعمل على نمو األنا العليا (الالشعور)‪ ،‬والهويات‬ ‫الجماعية تسهم في تأسيس األن��ا واألن��ا العليا‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫أكان ذلك في محاولة المحافظة على نسق القوة‬ ‫القائم‪ ،‬أو في الدعوة إلى تغييره‪ .‬والهوية ال تعبّر‬ ‫عن نفسها إال في إطار الجماعة‪ ،‬من هنا‪ ،‬بات‬ ‫الفرد يُعرَّف أو يُعَرض من خالله‪ ،‬وتعبير الجماعة‬ ‫عن هويتها قد ال يالمس تعبيراتها السياسية‪،‬‬ ‫وربما الثقافية‪ ..‬بل إن التعبير الثقافي قد يأتي‬ ‫أحياناً معبراً عن رغبتها‪ /‬رغباتها السياسية في‬ ‫التميز الثقافي‪ ،‬أو في رفض التماهي مع اآلخر(‪.)9‬‬ ‫ونوظف نحن اللغة في وصف اآلخر‪ ،‬أو قل في‬ ‫فالمفرد ال ي �ك �وّن ه��وي��ة دون وج ��ود اآلخ��ر؛‬ ‫رميه بأوصاف ومسميات نأتي بها من التاريخ‪ ،‬ألن أحد دعائم وج��ود الهوية‪ ،‬هو وج��ود متخيّل‬ ‫ونعيد إنتاجها في صراع هوياتنا بل مصالحنا‪.‬‬ ‫آلخر يختلف معه‪ ،‬والوعي بهذا الوجود؛ أي أن‬ ‫وتنتظم الهويات في أنواع شتى‪ ،‬منها‪ :‬فردية‪ ،‬اآلخ��ر ه��و أح��د األس��س ال�ت��ي ي�ق��وم عليها جزء‬ ‫جماعية‪ ،‬وطنية قومية‪ ،‬ودينية‪ ،‬واللغة هي عماد من الهوية؛ ل��ذا‪ ،‬نذهب إل��ى أن األن��ا تبتدئ من‬ ‫هذه األنواع‪ ،‬فهي االمتياز عن اآلخر‪ ،‬أي ما يميز اآلخر على المستويين‪ ،‬الجزئي الذي يمثل الهوية‬ ‫الشخص عن غيره؛ بذلك نميز بين األشخاص الفردية والكلي أيضا‪ ،‬فالكائن هو اختالف وتغاير‬ ‫من حيث من هم وإال َم ينتمون‪ ،‬فالهوية مفهوم ذو تباعد في رحم الذات الواحدة‪ ،‬من دون أن تنفي‬ ‫داللة لغوية وفلسفية واجتماعية وثقافية‪ ،‬ولفظ ال��ذات ذات�ه��ا؛ فباالختالف يحدث التباعد من‬ ‫هوية مشتق من أصل التيني (‪ )Sameness‬ويعني دون أن ينتفي التقارب‪ ،‬ويظل المختلف ينزاح‬ ‫الشيء نفسه‪ ،‬فهو يميز بين األشياء‪ .‬ويتضمن عن المختلف‪ ،‬ويبقى خيط التجاذب قائماً من‬ ‫ال‬ ‫مفهوم الهوية اإلحساس باالنتماء القومي والديني خ�لال ه��ذا االن��زي��اح‪ ،‬ذل��ك هو االخ�ت�لاف أص ً‬ ‫واإلثني(‪ .)10‬وكما أن اللغة معطى اجتماعي‪ ،‬وال ومنبعا‪ ،‬إنه االختالف األنطولوجي الذي يضمن‬ ‫تقوم العالقات بين األنا واآلخر‪ ..‬وحتى بين األنا وجود التمايزات المتباعدة لتلتقي في صلب رحم‬ ‫وذات��ه إال باللغة‪ ،‬فاختالف اللغات يعني تمايز التقارب(‪.)13‬‬ ‫األج �ن��اس‪ ،‬وه��ذه البنية االخ�ت�لاف�ي��ة ت��ؤدي إلى‬ ‫وق��د توصلت حلقة دراس�ي��ة فرنسية إل��ى أن‬ ‫ٍ‬ ‫اختالف بالهويات‪ ،‬فالهوية متحركة مختلفة من الهوية ض��رب من ال�ب��ؤرة الوهمية التي ال غنى‬ ‫شخص آلخر‪ ،‬ومن أمة إلى أخرى‪ ،‬فكل منهما لها ع��ن ال��رج��وع إل�ي�ه��ا‪ ،‬م��ن أج��ل تفسير ع��دد من‬ ‫ميزاتها وخصائصها التي هي من مكونات الهوية األم� ��ور‪ ،‬ل�ك��ن ذل��ك ال يعني أن ل�ه��ا ب�ح��د ذات�ه��ا‬ ‫وعناصرها‪.‬‬ ‫وج ��وداً فعليا؛ ول��ذل��ك‪ ،‬نجد أن هاجس الهوية‬ ‫كلتيهما‪ ،‬بيد أنه يوجد دائماً لدى األنا رغبة في‬ ‫تملُّك ف ��ذ(‪ .)11‬فصورة الهوية تتبلور في تفاعل‬ ‫عالئقي بين الذات واآلخر؛ فإن وعي الذات يتم‬ ‫م��ن خ�لال اآلخ��ر‪ ،‬ال��ذي يشكل مرتكزاً إلدراك‬ ‫وحدة الذات المبنية بدورها على قاعدة النزعة‬ ‫النرجسية‪ ،‬التي تندفع نحو توحيد المختلف‬ ‫ف��ي ان�ب�ن��اء واح ��د ع�ل��ى ق��اع��دة ج��دل�ي��ة التمايز‬ ‫والتدامج(‪.)12‬‬

‫موجود عند المشتغلين بالتجريد الذهني‪ ،‬ولكنه‬ ‫غير موجود عند من يمارس الحياة الفعلية‪ ،‬أي‬ ‫اإلن �س��ان ال��ع��ادي(‪ .)14‬ويظهر ه��ذا الهاجس في‬ ‫حالة االستعمار والهيمنة‪ ،‬وحينما تشعر دولة‬ ‫ذات عقلية إرثية وتاريخية كانت مهيمنة في فترة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪53‬‬


‫من الفترات‪ ،‬فتخشى على نفسها من التهديد‬ ‫والهيمنة والذوبان في هوية أخ��رى؛ ففي عصر‬ ‫العولمة‪ -‬مثال‪ -‬نجد أن فرنسا وألمانيا تخشيان‬ ‫على ثقافتهما من الذوبان نتيجة اكتساح الثقافة‬ ‫األميركية للسوق العالمية‪ ،‬وكذلك الهوية العربية‬ ‫واإلس�لام�ي��ة تعاني م��ن ه��ذا االك�ت�س��اح الرهيب‬ ‫للنموذج األميركي؛ فنحن اآلن ‪ -‬شئنا أم أبينا‪-‬‬ ‫أم��ام ه��وي��ة ف�ق��دت الكثير م��ن اختالفها؛ هوية‬ ‫وتنبع أهمية مفهوم الهوية الثقافية من واقع أنه‬ ‫تعولمت إلى حد ما‪ ،‬ويعني هذا أنها تشابهت مع ال يمكن أن توجد جماعة مستقلة؛ أي ذات إرادة‬ ‫غيرها(‪.)15‬‬ ‫ووعي مستقلين‪ ،‬ينجم عنهما ممارسة تاريخية‬ ‫وحينما ي��راد تفكيك بنيان مجتمع م��ا‪ ،‬يقوم مستقلة أيضاً‪ ،‬أو مشروع جماعي من دون موارد‬ ‫على تفكيك بنيان اللغة وف ��رض لغة ج��دي��دة‪ .‬ثقافية متميزة‪ .‬ف��إذا فقدت الجماعة تميزها‬ ‫ه ��ذه ال�ق�ط�ي�ع��ة ال �ت��ي ت �ح��دث أي �ض �اً ف��ي بنيات الثقافي؛ أي مواردها الثقافية الخاصة التي ال‬ ‫الثقافة والشخصية (الهوية)؛ فتضطرب العالقة يشاركها فيها غيرها‪ ،‬فقدت هويتها بوصفها‬ ‫االتصالية بين الشعب وال��دول��ة‪ ،‬وتضعف اللغة جماعة مستقلة اندمجت في غيرها‪ ،‬س��واء من‬ ‫المحلية لمصلحة اللغة االستعمارية‪ /‬المهيمنة‪ ،‬خالل تمثل ثقافة أخرى‪ ،‬أو بالخضوع العملي لها‬ ‫وتنعزل اللغة عن نسيج األم��ة التقدمي‪ ،‬وتالياً مع االحتفاظ بمالمح ثقافية متكسلة ال تتفاعل‬ ‫تنعزل األم ��ة ع��ن نسيج ذات �ه��ا‪ ،‬وتفقد هويتها مع البيئة‪ ،‬ولكنها تعكس انتماءات تاريخية(‪.)17‬‬ ‫وثقافتها‪ ،‬فيقل االه�ت�م��ام باللغة األم وتضعف‬ ‫وه �ن��اك م��ن ي��رى أن ال�ه��وي��ة ال�ح��دي�ث��ة هوية‬ ‫ويتوقف تطورها؛ ألن التجديدات للغة المسيطرة منفتحة؛ ألن الفرد الحديث يدخل حياة الكبار‪،‬‬ ‫ول� �ل ��ذات ال �م��رك��زي��ة‪ ،‬وه� ��ذا ال� ��ذي ح �ص��ل للغة وله مقدرة موضوعية هائلة على تغيير الهوية؛‬ ‫الفارسية حين ظهور الدولة العربية مع دخول فثمة وعي ذاتي وتهيؤ لهذا التغير‪ ،‬وهكذا تكون‬ ‫السلطة الجديدة ونظامها الجديد‪ ،‬وقوة مكوناتها ال�ح�ي��اة ه�ج��رة إل��ى ع��وال��م اجتماعية متباينة‪،‬‬ ‫السياسية واللغوية‪ ،‬فصارت جميع المعامالت وإنجازاً متواص ً‬ ‫ال لجملة هويات ممكنة(‪ .)18‬وهذه‬ ‫باللغة الجديدة‪ ،‬وبخاصة في العصر العباسي‪ ..‬تفضي إلى إلزامية االندماج بالغرب‪ ،‬والنهل من‬ ‫وت��ده��ورت اللغة الفارسية‪ ،‬وأخ��ذت مفاهيمها الثقافة الغربية الكونية العصرية‪ ،‬وثَ � َّم موقف‬ ‫ومصطلحاتها من اللغة العربية‪ ،‬وم��ن هنا‪ ،‬يتم ي��وص��ف بالتقليدي‪ ،‬ويطمح الموقف العصري‬ ‫تحطيم قواعد الذات‪ /‬الشخصية‪.‬‬ ‫إل��ى بناء هوية قومية جديدة على أس��س ثقافة‬ ‫ويهدئان لوعة ال�خ�س��ارة‪ ،‬وظلت مسألة الهوية‬ ‫بالنسبة للفلسطينيين م�س��أل��ة م�ح�ي��رة؛ ألنهم‬ ‫أب �ع��دوا ع��ن دي ��اره ��م(‪ .)16‬فكأن الهوية ملتصقة‬ ‫بالمكان‪ ..‬وأن هذا المكان يؤثر إلى حد ما في‬ ‫شخصية الفلسطيني‪ ،‬أو أي شخص آخر‪ ،‬على‬ ‫عكس أمين معلوف الذي ال يرتكز على المكان‬ ‫في حديثه عن الهويات‪.‬‬

‫وي ��رى إدوارد سعيد أن ال �ه��وي��ة‪َ ،‬م��ن نحن‪،‬‬ ‫مِ ن أين جئنا‪ ،‬ما نحن‪ ،‬شيء صعب المنال في‬ ‫ال�م�ن�ف��ى‪ .‬ن �ح��ن‪ ،‬اآلخ� ��ر‪ ،‬ال �م �ع��ارض‪ ،‬ص ��دع في‬ ‫هندسة إع ��ادة االس�ت�ي�ط��ان‪ ،‬ال��رح�ي��ل‪ ،‬الصمت‪،‬‬ ‫وال�ح��ذر يغطيان األل��م‪ ،‬ويبطئان بحث الجسد‪،‬‬

‫‪54‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫عصرية‪ ،‬في حين التقليدي يطمح إل��ى معاداة‬ ‫التمسك العصري بالنظرية القومية‪ ،‬منبهاً إلى‬ ‫استمرار نظرة قومية تقليدية قائمة على وحدة‬ ‫الدين والعقيدة؛ ويبقى ه��ذا التوجه التقليدي‬ ‫هو التوجه المحافظ على الهوية شكليا – على‬


‫والهوية الثقافية ال يمكن أن تكون معطاة منذ‬ ‫البدء‪ ،‬وال مكرسة في نظرية مجردة؛ إنما هي‬ ‫عملية االندماج الثقافي المستمر للجماعة التي‬ ‫يخلق منها مجتمعاً جديدا‪ ،‬وينتج بالضرورة هوية‬ ‫مشتركة جديدة‪ ،‬تقاليد ثقافية وقيما اجتماعية‪..‬‬ ‫بهذا المعنى كانت سياستنا الثقافية الماضية‬ ‫وسيلة لتحطيم الهوية وتعميق االستالب(‪.)20‬‬ ‫فالهوية عبارة عن مركب من العناصر المرجعية‬ ‫المادية واالجتماعية‪ ،‬وال��ذات�ي��ة المصطفاة التي‬ ‫تسمح بتعريف خ��اص للفاعل االجتماعي‪ ،‬وه��ذه‬ ‫العناصر هي متغيرة‪ ،‬وفي الوقت ذاته تتميز بثبات‬ ‫ال ويشب ويشيخ‪،‬‬ ‫معين؛ فكما أن اإلنسان يولد طف ً‬ ‫فتتغير مالمحه وتصرفاته‪ ،‬ولكنه يبقى هو وليس‬ ‫أح ٌد غيره‪ ،‬فالهوية منظوراً إليها سوسيولوجياً متغير‬ ‫من المتغيرات؛ فالعربي اليوم ليس هو العربي قبل‬ ‫ألف عام‪ ،‬ولكنه يبقى عربياً في سماته وجوهره(‪.)21‬‬ ‫فالهوية جزء من النسيج الثقافي للجماعة‪ .‬وهي‬ ‫م��رك�ب��ة‪ ،‬وت �ح��دد ات�ج��اه��ه وم �س��ار ف �ك����ره وعقيدته‬ ‫وانتماءاته‪ ،‬ومثل هذه الهوية هي التي تجمعه بغيره‬ ‫من الذين يشتركون معه في االتجاه والفكر والعقيدة‬ ‫واالنتماءات‪ ،‬وتميزه في الوقت نفسه بتلك الفروق‬ ‫أو التضاريس التي ال يشترك معه فيها غيره‪.‬‬ ‫يرى علي حرب بأنه ال هوية ذات بعد واحد أو‬ ‫وجه واحد‪ ،‬بل هوية مركبة لها غير وجه‪ ،‬وتنفتح‬ ‫على أكثر من عالم‪ ،‬كما أنه يرفض أن يسأله أحد‬ ‫عن الهوية؛ ألنه يعده س��ؤاالً مفخخاً يرمي إلى‬ ‫استدراجه؛ وال يقبل أن يكون رهناً لهويته‪ ،‬سجيناً‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫األقل‪ -‬ما دام الحفاظ على هذه الهوية الثقافية‬ ‫يقتضي مادياً تغير أسس حياة المجتمع التقنية‬ ‫وتجاوز التبعية؛ أما التوجه الكوني‪ ،‬فهو الذي‬ ‫يشد نحو ان��دم� ٍ�اج بالثقافة العصرية الكونية‪،‬‬ ‫محاوالً إب��راز تكوين ص��ورة هوية قومية جديدة‬ ‫مشابهة لألمم الغربية(‪.)19‬‬

‫لمعتقدات وتقاليد‪ ،‬وثوابت سلوكية أو فكرية ال‬ ‫نختارها نحن؛ وال يعني هذا أن ال هوية له‪ ،‬أو أنه‬ ‫يرفض هويته‪ ،‬بل هو يرفض أن يكون سجيناً لها‪،‬‬ ‫أو أن يطرح في األنا واآلخر‪ ،‬الذات والغير‪ ،‬فإذا‬ ‫كانت الهوية تطرح في الخطاب العربي مقاب َل‬ ‫آخر هو الغرب المتفوق المسيطر القاهر‪ ،‬فنحن‬ ‫نعيش في أجواء الحداثة الغربية‪ ،‬ونستفيد من‬ ‫منجزاتها وننعم بخيراتها(‪.)22‬‬ ‫تكون «هوية» أي جماعة لغوية‪ ،‬أو تاريخية‪،‬‬ ‫أو دينية‪ ،‬أو جغرافية‪ ..‬إلخ‪ ،‬ما يعني أن العنصر‬ ‫الطاغي هو هذا أو ذاك‪ ،‬من دون أن يلغي ذلك‬ ‫دور العنصر اآلخر‪ ،‬أو العناصر األخرى بالمرة‪.‬‬ ‫نلحظ أن مفهوم الهوية يصعب تأطيره في‬ ‫مفهوم معين واحد‪ ..‬فهو متشابك‪ ،‬لكن الحديث‬ ‫عن الهوية يكون بمنزلة استغراق نرجسي من‬ ‫الجنبات الذاتية والوجدانية؛ فيتحدث إما من‬ ‫منطلق التمجيد أو من منطلق التحقير من األنا‬ ‫والغيري‪ ،‬الخصوصية والمغايرة‪ ،‬ولنا فـي ذلك‬ ‫تجارب أخرى يجب أن نستفيد منها؛ ومن هذه‬ ‫التجارب الحية والناجحة‪ ،‬تجربة اليابان‪ ،‬أول‬ ‫دولة غير أوروبية استطاعت أن تحقق نهضتها‬ ‫واالح �ت �ف��اظ بهويتها ال�ث�ق��اف�ي��ة‪ ،‬ح�ي��ث احتلتها‬ ‫ال��والي��ات المتحدة األميركية فـي خضم غيوم‬ ‫وأم�ط��ار وس��واد القنبلة ال��ذري��ة ال�ح��ارق��ة‪ ،‬التـي‬ ‫أت��ت علـى ك��ل ش��يء فيها‪ ،‬فرضخت لكثير من‬ ‫الشروط المجحفة؛ مثل تجريدها من السالح‪،‬‬ ‫وح � ّل الجيش واإلب�ق��اء علـى ق��وات دف��اع ذاتـية‪،‬‬ ‫والتخلـي ع��ن فكرة تقديس اإلم �ب��راط��ور‪ ،‬ون��زع‬ ‫سلطاته واإلبقاء عليه بوصفه رم��زاً وحسب‪ ،‬إذ‬ ‫كان اليابانيون ينظرون إلـى إمبراطورهم نظرة‬ ‫تقديس‪ ،‬ويدينون له كل الوالء والطاعة العمياء‪.‬كما‬ ‫خضعت اليابان لمجموعة إصالحات فـي النظم‬ ‫السياسية والتعليمية‪ ،‬علـى رأسها تبنـي دستور‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪55‬‬


‫جديد‪ ،‬ونظام تعليمـي ال مركزي حسب المفاهيم‬ ‫األميركية‪ ..‬بعيداً عن النزعة العسكرية‪ .‬أذعنت‬ ‫اليابان لهذه الشروط واإلص�لاح��ات‪ ،‬ولكنها لم‬ ‫تتخل عن لغتها القومية‪ ،‬على الرغم من نظامها‬ ‫الكتابـي المعقد‪ ،‬فبقيت لغتها القومية وسيلة‬ ‫لنظام تعليمها وعملية تحديثها ونهضتها العلمية‬ ‫وال�ص�ن��اع�ي��ة‪ ،‬إذ جعلتها لغتها الفصيحة فـي‬ ‫التعليم بمختلف مراحله وتخصصاته‪ ،‬وكذلك لغة‬ ‫اإلعالم وعلـى رأسه قناتها التلفزيونية الحكومية‬ ‫المعروفة باسم ‪ ،NHK‬التـي كان لها دور كبير فـي‬ ‫انتشار اللغة اليابانية الفصيحة‪ ،‬وترسيخها بين‬ ‫اليابانيين علـى اختالف لهجاتهم‪.‬‬

‫هويات يشير بعضها إلى بعض‪.‬‬ ‫ •هوية مشتركة ‪ ،Communal identity‬أو‬ ‫هويات تُعرف من قبل الجماعات‪ .‬ويمثل‬ ‫الفرق بين ماهيتي في تصوري وماهيتي‬ ‫في تصور اآلخرين‪ ،‬والهوية المعبر عنها‬ ‫تبدعه الذات وتعبر عنه‪ ،‬وبالتالي تبقى‬ ‫الذات في مركز الصدارة(‪ ،)24‬والذات هي‬ ‫التي تشكل الهوية‪ ،‬ومن الذوات األخرى‪.‬‬ ‫وال�ش�ع��ور بالهوية ليس م �ص��دراً للفخر‬ ‫والبهجة وحسب‪ ،‬بل للقوة والثقة أيضا‪.‬‬ ‫وي��رى محمد عابد الجابري أن الهوية‬ ‫الثقافية ت�ت�ك��ون م��ن ث�لاث��ة مستويات؛‬ ‫فردية وجمعوية‪ ،‬ووطنية قومية‪ ،‬والعالقة‬ ‫بينهما ليست ق��ارة وال ثابتة‪ ،‬وتتحدد‬ ‫أساساً بنوع اآلخر الذي تواجهه(‪.)25‬‬

‫فاستقر أن الهوية هي االنتماء إلى أمة‪ ،‬ووطن‪،‬‬ ‫ومجموعة من العقائد؛ وتشكل دوائر انتمائية الفرد‬ ‫حسب الفكر‪ ،‬والعقيدة‪ ،‬واألمة واللغة‪ .‬يقول أمين‬ ‫معلوف‪ :‬هويتي هي ما يجعلني غير متماثل مع أي‬ ‫إن سؤال الهوية ليس سؤاالً احتفالياً طارئاً‪،‬‬ ‫ال لالستفادة على‬ ‫شخص آخر‪ ،‬وال تُعطى الهوية دفعة واحدة‪ ،‬فهي وليس س��ؤاالً مستنفداً أو قاب ً‬ ‫تبنى وتتحول على مدى الحياة(‪ ،)23‬فالهوية‪ ،‬ليست صعيد التناول اإلشكالي والمعرفي؛ بل هو سؤال‬ ‫ذاك الموروث القديم‪ ..‬بل هي مركبات متواشجة‪ ،‬مركزي يتوارى ويحضر‪ ،‬يتخايل ويغيب‪ ،‬يقوى‬ ‫وكما أنها ليست جامدة بل هي قابلة للتجدد‪ .‬ويضعف‪ ،‬وفق السياق والظروف والحيثيات‪ ،‬لكنه‬ ‫الهوية الفردية ال تنفد إال بنفاد صاحبها‪.‬‬ ‫يبقى في كل الحاالت انشغاالً إنسانياً بامتياز‪،‬‬ ‫وقضية متجذرة‪ ،‬وبؤرة إشكالية أساسية في كل‬ ‫مستويات الهوية‬ ‫المشاريع الثقافية والفكرية بشكل عام‪ .‬فالسؤال‪:‬‬ ‫وللهوية مستويات‪ ،‬نحو‪:‬‬ ‫التساؤل حول الهوية من حيث هو سلوك مندرج‬ ‫ال على‬ ‫ •هوية شخصية أو مفهوم الفرد للذات‪ ،‬ضمن صيروة جدلية‪ ،‬يعد من دون شك دلي ً‬ ‫وبما أن هذا المستوى من الهوية غالباً الصحة الفكرية‪ ،‬وعلى حيوية األفراد والشعوب؛‬ ‫ما يدعى «مفهوم ال��ذات»‪ ،‬فإنه يضبط إنه منشط قوي جدا لقدرتهم على التكيف مع‬ ‫ماهية الشخص ال��ذي يظن أنها تمثل إكراهات محيطهم وظروفهم العامة(‪.)26‬‬ ‫وجوده‪.‬‬ ‫وتتحدد الهوية بوصفها مجموع قوائم السلوك‬ ‫ •ه��وي��ة م�ع� ّب��ر عنها ‪ ،Enacted identity‬واللغة والثقافة‪ ،‬التي تسمح لشخص أن يتعرف على‬ ‫أو ك�ي��ف يُ�ع�ب��ر ع��ن ه��وي��ة م��ا ف��ي اللغة انتمائه إلى جماعة اجتماعية والتماثل معها؛ غير‬ ‫واالتصال‪.‬‬ ‫أن الهوية ال تتعلق ب��ال��والدة‪ ،‬أو باالختيارات التي‬ ‫ •هوية عالئقية ‪ ،Relational identity‬أو تقوم بها الذوات فحسب؛ ألن تعيين الهوية سياقي‬

‫‪56‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫ومتغير‪ ،‬فالواقع أن التقاليد التي تنقل الثقافة‬ ‫عبرها‪ ،‬تبصم اإلنسان منذ طفولته جسداً وروحاً‬ ‫بكيفية غير قابلة للمحو؛ فال يمكن لفرنسي (مثالً)‬ ‫في لحظة معينة أن يفقد لغته أو عاداته في األكل‬ ‫أو مجموع سلوكاته(‪ ،)27‬وهذا القول ينطبق على كل‬ ‫إنسان‪ ،‬فليس من السهل تجاهل الهويات في لحظة؛‬ ‫لكن قد تعايش الهويات في صراعات‪ ،‬وفي حالة‬ ‫من حاالت الذوبان‪ ..‬فالهوية هي مكنون الذات التي‬ ‫تقوى وتضعف في حاالت‪ ..‬وتسيطر وتهيمن أيضا‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬يفترض أن نعي حق اإلنسان في حرية الهوية‬ ‫أوال‪ :‬وع� ��ي ال� �ف ��رد ب �ت �م��اث �ل��ه م ��ع ذات� ��ه (‪self‬‬ ‫التي (انْوَجد) عليها‪ ،‬أي ضرورة التمييز بين الهوية ‪ ،)sameness‬وب�ص�ي��رورت��ه ال��وج��ودي��ة الخاصة في‬ ‫الطبيعية والهويات المكتسبة‪ ،‬ويفترض أن نق ّر حق الزمان والمكان‪.‬‬ ‫الهويات المقهورة في المقاومة ضد احتالل الهوية‬ ‫ثانيا‪ :‬وع�ي��ه ب��أن اآلخ��ري��ن يعترفون ل��ه بهذا‬ ‫أو تزويرها أو دمجها قسرا أو تذويبها قهرا(‪.)28‬‬ ‫التماثل الذاتي‪ ،‬وهذه الصيرورة الوجودية(‪.)31‬‬ ‫ال يرون أن الهوية هي حصيلة‬ ‫فالماركسيون مث ً‬ ‫فأزمة الهوية في المجتمع العربي‪ ،‬لها أبعاد‬ ‫خمسة خيوط فقط هي‪ :‬اللغة‪ ،‬والتاريخ‪ ،‬والتكوين سياسية وثقافية واجتماعية بالغة العمق‪ ،‬تستحق أن‬ ‫النفسي والثقافي‪ ،‬واالقتصاد‪ ،‬والجغرافيا‪ .‬واأللمان ندرس أصولها‪ ،‬ومظاهرها وتجلياتها‪ ..‬ونستشرف‬ ‫ال يضعون في حسبانهم س��وى ال��عِ ��رق أو الجنس‪ ،‬آف� ��اق ح �ل �ه��ا‪ ،‬وق ��د ي �س��اع��د ع �ل��ى ح�ل�ه��ا أص �ح��اب‬ ‫وال �ل �غ��ة‪ .‬وال�ف��رن�س�ي��ون ي�ع�ت�م��دون خ�ي��ط اإلرادة أو ال��رؤى المتصارعة في خطابهم السياسي‪ ،‬أخ��ذاً‬ ‫المشيئة الذي يقوم بدوره على الجغرافيا واالقتصاد‪ .‬في االعتبار حقائق العالم المعاصر‪ ،‬والتغيرات‬ ‫والقوميون العرب يركزون على اللغة والتاريخ‪.‬‬ ‫االجتماعية والثقافية العميقة ال�ت��ي ح��دث��ت في‬ ‫التاريخانية وال�ت��رم�ي��زي��ة‪ ،‬وم��ا ينتج ع��ن ذل��ك من‬ ‫تشتت في مفهوم الهوية ذات��ه‪ ،‬كما يقول داري��وش‬ ‫شايغان(‪ .)30‬وقد يحدث هناك حالة من «تشويش‬ ‫الهوية» كما يسميها إيريك هومبورجر إيريكسون‪،‬‬ ‫الذي يعتبر عالمة من عالمات فقدان الهوية‪ ،‬وهي‬ ‫وضعية تتعرض فيها األن��ا ل�ل��ذوب��ان تحت ضغط‬ ‫فوضى إدراكية متمثلة في التناذر السيكو‪ -‬مرضي‬ ‫(‪)Ie syndrome psychopathiqne‬؛ فالهوية الذاتية‬ ‫ترتكز على‪:‬‬

‫وهناك نوعان من الهويات يقع اإلنسان ضمنهما‪ ،‬المجتمع العربي في العقود األخيرة(‪.)32‬‬ ‫وي �ك��ون ف��ي ح��ال��ة ت��ذب��ذب‪ ،‬ه�م��ا‪ :‬ه��وي��ة نموذجية‬ ‫فالهوية هي متغير اجتماعي مثل أي متغير آخر‪،‬‬ ‫متعالية ومتسامية ومقدسة في الذهن‪ ،‬واألخ��رى ومحاولة تثبيتها يكون من خالل المحافظة عليها‬ ‫(‪)29‬‬ ‫هوية مدنسة في الذهن ‪ .‬فتتالقح الهويات كما دون مبالغة ف��ي ال �ح��رص؛ فهي ممارسة وسلوك‬ ‫الثقافات‪ ،‬وسواء تالقحت أو تصارعت‪ ..‬فال يعني قبل أن تكون مخزوناً ذهنيا‪ ،‬فال يسأل عن هوية‬ ‫ذل��ك مسخ إحداهما لمصلحة األخ ��رى‪ ،‬أو إلغاء شخص ما ألنه يمارسها على الواقع‪ ،‬ولكن يفترض‬ ‫هوية أحدهما والذوبان في اآلخر‪ .‬ورغم التأثيرات بالهوية أن تمارس دورها الفاعل في التأثير‪ ،‬وأن‬ ‫الكثيرة والتبعية وعمليات الهيمنة‪ ،‬إال أن الذات في تقوم بعمليات هضم للهويات األخرى‪ ،‬لتحافظ على‬ ‫جوهرها تبقى كما هي‪ ،‬فالياباني ما يزال يابانياً‪ ،‬خصوصيتها وتميزها‪.‬‬ ‫وكذلك الصيني ما يزال صينيا‪.‬‬ ‫يتم تشكيل عملية الهوية ل��دى الفرد بوصفها‬ ‫وتعيش المنطقة العربية واإلسالمية في حالة‬ ‫من (الشيزوفرانيا اإلبستمولوجية)‪ ،‬والتمزق بين‬

‫المقرر لسلوكه االجتماعي ولقدرته على إقامة‬ ‫محيط ثقافي‪ ،‬وكما تُع ُّد الهوية الفردية من جانبها‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪57‬‬


‫شرطاً مسبقاً لبناء هويات جماعية‪ ،‬أي للتراص‬ ‫الداخلي للمجموعات؛ فالناس ال يستطيعون النجاة‬ ‫إال عند العيش داخ��ل مجموعات‪ ،‬والمجموعات‬ ‫تتطلب من جانبها‪ ،‬ومن أجل أن تكون ق��ادرة على‬ ‫* ‬ ‫(‪ )1‬‬ ‫(‪) 2‬‬ ‫(‪ )3‬‬ ‫(‪ )4‬‬ ‫(‪) 5‬‬ ‫(‪ )6‬‬ ‫(‪ )7‬‬ ‫(‪ )8‬‬ ‫(‪ )9‬‬ ‫(‪ )10‬‬ ‫(‪ )11‬‬ ‫(‪ )12‬‬ ‫(‪ )13‬‬ ‫(‪ )14‬‬ ‫(‪ )15‬‬ ‫(‪ )16‬‬ ‫(‪ )17‬‬ ‫(‪ )18‬‬ ‫(‪ )19‬‬ ‫(‪ )20‬‬ ‫(‪ )21‬‬ ‫(‪ )22‬‬ ‫(‪ )23‬‬ ‫(‪ )24‬‬ ‫(‪ )25‬‬ ‫(‪ )26‬‬ ‫(‪) 27‬‬ ‫(‪ )28‬‬ ‫(‪ )29‬‬ ‫(‪ )30‬‬ ‫(‪ )31‬‬ ‫(‪ )32‬‬ ‫(‪ )33‬‬

‫‪58‬‬

‫أداء وظائفها بصورة كاملة‪ ،‬هوية سليمة ومستقرة‬ ‫ق��در اإلم�ك��ان‪ ،‬تستطيع أن تعبر عن نفسها بتفرد‬ ‫بمختلف أشكال التعبير مثل‪ :‬اإلقليمية ومنظومة‬ ‫القرابة‪ ،‬والمنظومة االجتماعية(‪.)33‬‬

‫أستاذ علم اللغة التطبيقي المشارك ‪ -‬معهد تعليم اللغة العربية‪ -‬جامعة اإلمام محمد بن سعود اإلسالمية‪.‬‬ ‫عالء عبدالهادي‪ :‬شعرية الهوية ونقض فكرة األصل‪ ،‬األنا بوصفها أنا أخرى‪ ،‬دراسة ثقافية‪ ،‬عالم الفكر‪،‬ع‪ ،1‬مج‪،2007 ،36‬‬ ‫ص‪282-280‬‬ ‫عالء عبدالهادي‪ :‬شعرية الهوية ونقض فكرة األصل‪ ،‬ص‪.282‬‬ ‫فيصل الحفيان‪ :‬اللغة والهوية‪ ،‬إشكاليات المفاهيم وجدل العالقات‪ ،‬مجلة التسامح‪ُ ،‬عمان‪ ،‬ص‪.123‬‬ ‫بيل اشكروفت وبال أهلواليا‪ :‬إدوارد سعيد‪ ،‬مفارقة الهوية‪ ،‬ت‪ .‬سهيل نجم‪ ،‬دار نينوى‪ ،‬ودار الكتاب العربي‪ ،‬دمشق‪ ،‬ط‪،2000 ،1‬‬ ‫ص‪169‬‬ ‫جون جوزيف‪ :‬اللغة والهوية‪ ،‬قومية‪ ،‬أثنية‪ ،‬دينية‪ ،‬ت‪ .‬عبد النور خراقي‪ ،‬عالم المعرفة‪ ،‬الكويت‪ ،‬ع‪ ،2007 ،342‬ص‪.18‬‬ ‫نزار الزين‪ :‬تساؤالت حول الهوية العربية‪ ،‬ص‪ ،231-230‬مجموعة مؤلفين‪« :‬تساؤالت حول الهوية العربية‪ ،‬دار بدايات»‪.‬‬ ‫عالء عبدالهادي‪ :‬شعرية الهوية ونقض فكرة األصل‪ ،‬ص‪.313‬‬ ‫المرجع السابق‪ ،‬ص‪.322‬‬ ‫باقر النجار‪ :‬الفئات والجماعات صراع الهوية والمواطنة في الخليج العربي‪ ،‬مجلة المستقبل العربي‪ ،‬ع‪ ،2008 ،352‬ص‪38-36‬‬ ‫جون جوزيف‪ :‬اللغة والهوية‪ ،‬ص‪.8‬‬ ‫جون جوزيف‪ :‬اللغة والهوية‪ ،‬ص‪.64-63‬‬ ‫نزار الزين‪ :‬تساؤالت حول الهوية العربية‪ ،‬ص‪.221‬‬ ‫عالء عبدالهادي‪ :‬شعرية الهوية ونقض فكرة األصل‪ ،‬ص‪.58‬‬ ‫تركي الحمد‪ :‬الثقافة العربية في عصر العولمة‪ ،‬دار الساقي‪ ،‬ط‪.89 ،1999 ،1‬‬ ‫سعد البازعي‪ :‬شرفات للرؤية‪ ..‬العولمة والهوية والتفاعل الثقافي‪ ،‬المركز الثقافي العربي‪ ،‬ط‪ ،2005 ،1‬ص‪.42-41‬‬ ‫بيل اشكروفت وبال أهلواليا‪ :‬إدوارد سعيد مفارقة الهوية‪ ،‬ص‪.12‬‬ ‫برهان غليون وسمير أمين‪ :‬ثقافة العولمة وعولمة الثقافة‪ ،‬دار الفكر المعاصر‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬ط‪ ،1999 ،1‬ص‪.48‬‬ ‫عالء عبدالهادي‪ :‬شعرية الهوية ونقض فكرة األصل‪ ،‬ص‪.320‬‬ ‫برهان غليون‪ :‬مجتمع النخبة‪ ،‬ص‪.85-84‬‬ ‫برهان غليون‪ :‬مجتمع النخبة‪ ،‬ص‪.312‬‬ ‫تركي الحمد‪ :‬الثقافة العربية في عصر العولمة‪ ،‬ص‪.19-18‬‬ ‫مجموعة مؤلفين‪ :‬تساؤالت حول الهوية العربية‪ ،‬دار بدايات‪ ،‬دمشق‪ ،‬ط‪ ،2008 ،1‬ص‪.30-27‬‬ ‫أمين معلوف‪ :‬الهويات القاتلة‪ ،‬قراءات في االنتماء والعولمة‪ ،‬ت‪ .‬نبيل محسن‪ ،‬دار ورد للنشر‪ ،‬سوريا‪ ،‬ط‪ ،1999 ،1‬ص‪.14‬‬ ‫جون جوزيف‪ :‬اللغة والهوية‪ ،‬ص‪.120-118‬‬ ‫محمد عابد الجابري‪ :‬العولمة والهوية الثقافية‪ ،‬عشر أطروحات‪ ،‬مجلة المستقبل العربي‪ ،‬مج‪ ،20‬ع‪ ،1998-1997 ،230-225‬ص‪15‬‬ ‫ينظر أراق سعيد‪ :‬مدارات المنفتح والمنغلق في التشكالت الداللية والتاريخية لمفهوم الهوية‪ ،‬مجلة عالم الفكر‪ ،‬مج‪ ،36‬ع‪،4‬‬ ‫‪ ،2008‬ص‪.215‬‬ ‫عزالدين مناصرة‪ :‬الهويات والتعددية اللغوية‪ ،‬دار مجدالوي‪ ،‬ط‪ ،2004 ،1‬ص‪.26‬‬ ‫المرجع السابق‪ ،‬ص‪.49-48‬‬ ‫تركي الحمد‪ :‬الثقافة العربية في عصر العولمة‪ ،‬ص‪.87‬‬ ‫داريوش شايغان‪ :‬أوهام الهوية‪ ،‬ت‪ .‬محمد علي مقلّد‪ ،‬بحوث اجتماعية ع‪ ،18‬دار الساقي‪ ،‬ط‪ ،1993 ،1‬ص‪.88‬‬ ‫أراق سعيد‪ :‬مدارات المنفتح والمنغلق في التشكيالت الداللية والتاريخية لمفهوم الهوية‪ ،‬ص‪.288‬‬ ‫السيد ياسين‪ :‬حوار الحضارات الغرب الكوني والشرق المتفرد‪ ،‬ميريت للنشر‪ ،‬القاهرة‪ ،‬ط‪ ،2002 ،1‬ص‪.267-266‬‬ ‫هارالد هارمان‪ :‬عالم بابلي تاريخ اللغات ومستقبلها‪ ،‬ت‪ .‬سامي شمعون‪ ،‬المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث‪ ،‬قطر‪ ،‬ط‪،1‬‬ ‫‪ ،2006‬ص‪.45‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫«حصان نيتشه» لعبدالفتاح كيليطو‪:‬‬ ‫نوفــيــلال حتتفي بالكتابة واحلب‬ ‫> هشام بنشاوي*‬

‫يضم كتاب «حصان نيتشه» مسرودات الدكتور عبدالفتاح كيليطو القصصية والروائية‬ ‫كلها‪ ،‬وهي على التوالي‪« :‬حفريات» (مجموعة قصصية)‪« ،‬خصومة الصور» (رواي��ة)‪،‬‬ ‫«منّانة» (قصة قصيرة)‪« ،‬الشاب والمرأة» (قصة قصيرة)‪« ،‬بحث» (مجموعة قصصية)‪،‬‬ ‫«التأدب» (قصة قصيرة)‪ ،‬ثم رواية «حصان نيتشه»‪.‬‬ ‫يعد كيليطو من أبرز النقاد والباحثين‬ ‫العرب‪ ،‬المهتمين بالتراث السردي والثقافة‬ ‫العربية الكالسيكية‪ .‬بدأ الكتابة القصصية‬ ‫بالعربية‪ ،‬وك ��ان ف��ي س��ن ال��راب �ع��ة عشرة‬ ‫حين نشر أول قصة ل��ه ب��اس� ٍ�م مستعار‪..‬‬ ‫والكتابة ال�س��ردي��ة ‪-‬بالنسبة إل�ي��ه‪ -‬غير‬ ‫م�ق� ّي��دة ب �ح��دود ال�ل�غ��ة‪ ،‬أو ب �ح��دود السرد‬ ‫نفسه‪ :‬فكثيرة هي النصوص التي صيغت‬ ‫فكرتها األولى بالفرنسية‪ ،‬ثم انبثقت منها‬ ‫نصوص عربية‪ ،‬وبالعكس؛ وق��د تنبجس‬ ‫قصة من منعطف دراسة أو مقالة؛ كما قد‬ ‫يتطور مشهد سردي إلى مقالة أو دراسة‪.‬‬ ‫ويبدو أحيانا من الصعب عند المهووسين‬ ‫بالتصنيف‪ ،‬الفصل بين المقالة والسرد‪،‬‬

‫بين البحث األدبي والتخييل‪ .‬لكن وراء كل‬ ‫ذلك توجد كتابة متفردة تتخطى حواجز‬ ‫األنواع‪ ،‬وتتأبى على التصنيف‪.‬‬ ‫ويخلص المترجم عبدالكبير الشرقاوي‬ ‫في مقدمته للكتاب‪ -‬إلى أن الكتابة هنا‬‫«هي بحث‪ ،‬بمعنييه‪ :‬البحث في التفاصيل‬ ‫والشذرات‪ ،‬والسعي للظفر بوجود كليّ »‪.‬‬

‫العقوبة‬ ‫يستهل ال��دك �ت��ور ع�ب��دال�ف�ت��اح كيليطو‬ ‫هذا الفصل بمشهد توصل كاتب بنسخة‬ ‫غضة‪ ،‬بكر‪ ،‬م��ن كتابه الجديد‪ ،‬يبرزها‪،‬‬ ‫بزهو واع �ت��داد‪ ،‬البنته الصغيرة‪ ،‬مشيرا‬ ‫إلى اسمه على الغالف‪ ،‬فتهتف الصغيرة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪59‬‬


‫الخطاط‬ ‫ّ‬ ‫القرد‬ ‫ينتقل السرد من ضمير الغائب إل��ى ضمير‬ ‫المتكلم في هذا المحكي‪ ،‬ويتحدث السارد عن‬ ‫موهبة النسخ التي ظهرت مبكرا عنده‪ ،‬منذ أن‬ ‫أعلن المسيو (السيد) سُ وامي للفصل أن خطه‬ ‫جميل‪ ،‬فكان يداعبه باسم «ال�ق��رد الخطاط»‪،‬‬ ‫وسيعلم من األستاذ أن هذا القرد لم يكن يقهر‬ ‫في لعب الشطرنج‪ ..‬ومطلوب جدا لجودة خطه‪،‬‬ ‫وكان في الحقيقة أميراً سحره جنيّ ‪ ،‬ألنه أغوى‬ ‫في استياء‪« :‬أنت نسخت كل ه��ذا؟»‪ ،‬نافية عنه زوجة الجنيّ ‪.‬‬ ‫بسؤالها البريء والخبيث صفة المؤلف‪ ،‬مشبّهة‬ ‫كان عبدالفتاح مكلّفا بالصعود إلى السّ بورة‪،‬‬ ‫عمله بانتساخ‪ ،‬يذكرنا بـ«العقوبة» المفروضة‬ ‫وكتابة تصحيح اإلمالء‪ ،‬وكل صباح‪ ..‬قبل بداية‬ ‫على التالميذ المشاغبين‪ ،‬واألده��ى أن يستحق‬ ‫الدرس‪ ،‬يمأل المحابر بالحبر األحمر والبنفسجي‪،‬‬ ‫كتاب بأكمله بدل صفحة أو‬ ‫عقابا أكبر‪ :‬نَسْ ُخ ٍ‬ ‫وكان يكتب التاريخ بعد أن يمسح تاريخ البارحة‪،‬‬ ‫صفحتين‪.‬‬ ‫وينقبض قلبه وهو يمرر الممسحة؛ كان يحس بأن‬ ‫ه���ذا ال� �ح ��دث س�ي�ج�ع��ل ال �ك��ات��ب ي �ف �ك��ر في‬ ‫كل حرف مخلوق حيّ يتوسل إليه أال يعدمه‪.‬‬ ‫ال �م��ؤل �ف �ي��ن ال��ق��دام��ى‪ ،‬ال��ذي��ن ك��ان��وا يفضلون‬ ‫كان خطّ اطا جيدا‪ ،‬وك��ان األخير في ترتيب‬ ‫الكتابة تحت الطلب‪ ،‬ويشيرون في مقدماتهم‬ ‫إلى العقد المتسبب في تأليفهم؛ ولما لم يكن الفصل‪ ،‬وكان يعاني من ذلك في صمت‪ ،‬بسبب‬ ‫األمير يأمرهم بالكتابة‪ ،‬كانوا يبقون على وهم وال ��دي ��ه‪ ..‬وأي �ض��ا المسيو س��وام��ي‪ ،‬ال ��ذي ك��ان‬ ‫الطلب بتوريط صديق‪ ،‬أو يورطون القارئ نفسه‪ ،‬يأسف له بسبب درجاته الرديئة‪ .‬وفي المدرسة‬ ‫اإلع��دادي��ة سيتم اس�ت�ب��دال العقوبات الكتابية‬ ‫مؤكدين استجابتهم ألمر من شخص آخر‪.‬‬ ‫بــ«ساعات م��داوم��ة»‪ ،‬كان يستغلها للكتابة بدل‬ ‫ل��م ت�ل��حّ ال�ص�غ�ي��رة‪ ..‬ونسيت الحكاية كلها‪،‬‬ ‫م��راج�ع��ة دروس ��ه‪ ،‬وك��ان��ت درج��ات��ه ك��ارث�ي��ة‪ .‬كان‬ ‫وتراجع األب عن توضيح االختالف بين الكتابة‬ ‫يحس بثقل نظرات أبيه‪ ،‬ويسأله لماذا ال يكتفي‬ ‫واالنتساخ‪ ،‬مفضال تركها في براءتها‪ ،‬في ذلك‬ ‫ب��ال�ق��راءة‪ .‬ك��ان االب��ن يخشى أن يخيّب أمله لو‬ ‫ال�ع��ال��م ال �س �ح��ري‪ ،‬ح�ي��ث ال أص��ال��ة‪ ،‬وال سرقة‬ ‫ص��ارح��ه ب�ع�ج��زه ع��ن ال� �ق ��راءة‪ .‬ك��ان��ت الوسيلة‬ ‫وال انتحال‪ ،‬وحيث ك��ل ن��ص ه��و النسخ األمين‬ ‫الوحيدة للقراءة هي النسخ‪.‬‬ ‫ل�ن��ص آخ ��ر‪ ،‬وال��وس��م ال�ش�خ�ص��ي يقتصر على‬ ‫سينبّه األستاذ تلميذه إلى أن القراء القدماء‬ ‫شكل الحروف والغالف‪ ،‬أما اسم المؤلف على‬ ‫الغالف‪ ،‬فلم يكن من شأنه أن يربكها‪« :‬ألم يكن كانوا في الوقت نفسه نُسّ اخاً‪ ،‬حين ينتهون من‬ ‫من عادتها أن تدوّن اسمها على بطاقة تلصقها انتساخ كتاب‪ ،‬يذهبون به إلى المؤلف‪ ،‬وفي حال‬ ‫على دفاترها وكتبها؟»‪.‬‬ ‫وفاته إلى أحد «رواته»‪ ،‬الذي كان يجيز النسخة‬

‫‪60‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫بعد ت��أك��ده م��ن خلوها م��ن أخ�ط��اء النقل‪ ،‬ومن‬ ‫ممارسات التدليس‪ .‬كان السارد سعيدا بمعرفة‬ ‫اقتران القراءة بالكتابة لدى القدماء؛ لكن سؤاله‬ ‫لألستاذ إن كان ينصحه بتقليد األسالف‪ ،‬سيثير‬ ‫سخرية الزمالء‪ ،‬فرد األستاذ بأن هذا كان قبل‬ ‫اختراع المطبعة‪ ،‬ولم يعد هناك داع لنسخ كتاب‬ ‫يمكن الحصول ��ليه بسهولة من مكتبة‪ ،‬وبإمكانه‬ ‫بممارسة‪ ..‬كان القدماء‬ ‫ٍ‬ ‫استئناف ربط الصلة‬ ‫يقدرونها غاية التقدير‪ ،‬وهي تدوين مقتبسات‬ ‫ومقاطع‪.‬‬ ‫وعندما قصد أستاذ اللغة الفرنسية‪ ،‬المسيو‬ ‫فونديز‪ ،‬علم بأن أندري موروا كان قارئا عظيما‪،‬‬ ‫ولكثرة ما قرأ‪ ..‬رغب في الكتابة‪ ،‬ولقلة ثقته في‬ ‫قدراته‪ ،‬استشار أستاذه الفيلسوف آالن‪ ،‬الذي‬ ‫نصحه ب��أن ينسخ رواي��ة لستندال‪ ،‬ورب�م��ا رأى‬ ‫الفيلسوف ف��ي ال �ق��راءة نشاطا سلبيا‪ ،‬مرادفا‬ ‫ل�ل�ب�ط��ال��ة وال��ت��راخ��ي‪ ،‬ون �ط��ق األس� �ت ��اذ ف��ون��دي��ز‬ ‫بالكلمات التي ك��ان ينتظرها منه‪« :‬يمكنك أن‬ ‫تفعل مثل ذل��ك‪ ،‬يبدو لي ذل��ك تمرينا ممتازا‪.‬‬ ‫ستستفيد من نسخ ستندال أكبر الفائدة»‪ .‬وتقبل‬ ‫ه��ذا االق�ت��راح بارتياح وم��ن دون ن��دم‪ ،‬واستعاد‬ ‫هوايته األثيرة؛ وللتفوق على أندري موروا‪ ،‬اتجه‬ ‫إل��ى م�ج�ل��دات رواي ��ة ال�ب��ؤس��اء التسعة‪ ،‬محددا‬ ‫لنفسه مهلة شهر إلتمام العمل‪ ،‬وتقبل األب األمر‬ ‫على مضض‪ ،‬فلم يكن يرى فائدة من نسخ الكتب‪،‬‬ ‫وص�م��ت م��ذه��وال أم��ام أق ��وال المسيو فونديز‪،‬‬ ‫مدرس اللغة األجنبية‪ ،‬البعيدة عن تناوله‪ ،‬والتي‬ ‫كانت باتفاق الجميع مفتاح النجاح‪ ،‬رغم أنه كان‬ ‫مفعما باحتقار المعلمين‪ ،‬الذين يصفهم التراث‬ ‫العربي بالغباء‪ .‬وكان االبن يتجنب نسخ الكتب‬ ‫العربية‪ ،‬ويعزم على التصدي لألدب العربي‪ ،‬بعد‬ ‫أن أكّد لهم األستاذ الطالبي أن إهماله يجعلهم‬

‫«مستلبين»‪.‬‬ ‫بعد أربعين يوما‪ ،‬سينتهي من البؤساء‪ ،‬ويحمل‬

‫أكداس الدفاتر في قفة كبيرة‪ ،‬ويوجهه األستاذ‬ ‫إلى رواية «الحرب والسالم»‪ ،‬ثم روايات أخرى‪...‬‬

‫وك ��ان التلميذ ف �خ��ورا ب �ق��ول األس �ت��اذ «ن �ح��ن»‪،‬‬

‫التي تشعره بأنه شريك في مشروع مشترك‪،‬‬ ‫ورفض نسخ رواي��ة «بوفار بوكيشي» ألن فلوبير‬

‫مات قبل أن يتممها‪ ،‬وأيضا رفض نسخ روايات‬

‫كتّاب انتحروا‪ ،‬وكذلك رواية «دون كيشوت» التي‬

‫وجدها ال تطاق‪ ،‬فبطلها كان هدفا للهزء‪ ،‬وما‬ ‫يقلقه أكثر أن��ه ك��ان يحكم عليه بالخطأ‪ ،‬ألنه‬ ‫ال يعيش مثل اآلخ��ري��ن‪ ،‬وي�ع��ان��د ف��ي التصرف‬

‫بطريقة مجنونة‪ ،‬وسيواظب على النسخ أثناء‬

‫دروس الجبر والهندسة‪ ،‬الجغرافية والموسيقى؛‬ ‫وكان أساتذة هذه المواد يمقتونه‪ ،‬وكانت درجاته‬ ‫ك��ارث�ي��ة‪ ،‬وك��ان يتعزى ب��أن��ه األول ف��ي اإلن �ش��اء؛‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪61‬‬


‫كان بالنسبة للرفاق ناقال‪ ،‬لكنهم ال يستطيعون السارد كثيرا؛ أن يصير المرء كاتبا من دون أن‬

‫التوصل إلى مصدر عباراته‪ ،‬ال هم وال األستاذين يكون قد نسخ روائع األدب‪ ،‬وبدا له مبرر عمله‬ ‫فونديز والطالبي‪.‬‬

‫مضحكاً وال ضرورة له‪ ،‬وتولَّد لديه اعتقاد بأن‬

‫كان األب غير قادر على التعبير عن امتعاضه‪ ،‬المسيو فوديز كان يتهكم به منذ البداية‪ ،‬وأنه‬ ‫حتى ال يعارض سلطة المسيو فونديز؛ بيد أن كان ضحية مؤامرة دبرها موروا وآالن وأستاذه‪،‬‬

‫األم كانت تردد في كل مناسبة أنه يجازف بتشويه ويشك أنه اختلق كل شيء ليسايره في حماقته‬ ‫عموده الفقري‪ ،‬وسيتحول إلى أحدب‪ ،‬وسيفقد ويلهو على حسابه‪ ،‬فلم يكن في كتب موروا التي‬ ‫نسخها أي أثر لهذه الحكاية‪ ،‬وتراجع عن فكرة‬

‫بصره‪ ،‬وفي النهاية رمته بالضربة القاضية‪ ،‬وهي‬ ‫أن ال أحد من أبناء الجارات منشغل بالكتابة‪ ،‬نسخ بقية كتب موروا‪ ،‬نافيا أن يكون األمر مزحة‬ ‫ولو كان هذا النشاط مفيدا ومربحا‪ ،‬لكان عامّا أو خ��دع��ة م��ن ه��ذا ال�ك��ات��ب ذي ال��ذه��ن األنيق‬ ‫يمارسه الجميع؛ وعثر األب على الحجة التي كان‬ ‫يبحث عنها ليواجهه بها‪ ،‬فسأله إن كان رفاقه في‬

‫والمرهف‪.‬‬

‫ويلمح المسيو فونديز إلى فرضية منع موروا‬

‫الفصل يصنعون مثل صنيعه‪ ،‬رد بأنهم كسالى‪ ،‬من الكتابة؛ ربما كان يعتقد آالن أن تلميذه عديم‬

‫ال هَ َّم لهم سوى اللهو‪ ،‬ه َّز األب رأسه باحتقار‪ ،‬الموهبة‪ ،‬وب��دل أن يقول له ذل��ك‪ ،‬سلك طريقا‬

‫وتمنى أن يحصل على اإلعدادية ويصير معلما‪،‬‬

‫ملتوية ب��أن ح��دد ل��ه مهمة مستحيلة اإلن�ج��از‪،‬‬

‫لكن ما كان يشغل بال السارد هو معرفة ماذا‬

‫التخلّي عن مشروعه‪ ،‬ويتخيل السارد ‪ -‬وسط‬

‫بعد أن ضاع مستقبله في الطب‪.‬‬

‫فعل أن��دري م��وروا بعد أن أنهى رواي��ة ستندال‪.‬‬

‫هل وجهه أستاذه إلى روائيين آخرين؟ وكم من‬ ‫ال��وق��ت اس�ت�غ��رق تعلّمه‪ ،‬وب ��أي س �ي��رورة توصل‬

‫م ��وروا إل��ى كتابة رواي �ت �ي��ه؟ ف��ي نهاية ال��درس‪،‬‬

‫أبرز للمسيو فونديز رواية جول رومان‪ ،‬بعد أن‬

‫وعند قبوله التحدي‪ ،‬سيذهل بجمال الرواية حد‬

‫إحساس هائل بالهزيمة‪ -‬أن م��وروا كان يصغي‬

‫ب��أدب إلى أستاذه‪ ،‬مكتفيا في أفضل األح��وال‪،‬‬ ‫بنسخ عدة صفحات من رواي��ة «الشارترية» من‬ ‫دون حماسة؛ ثم انفلت من الفخ ورفض االعتراف‬

‫به أستاذا‪ ،‬ونجح في كتابة روايته األولى «لحظات‬

‫صمت الكولونيل برامبل»‪ .‬س��أل األس�ت��اذ‪ ،‬وهو‬

‫انتهى من نسخها‪ ،‬ورافقه حتى سيارته محمال‬ ‫بمحفظته وحقيبته‪ ،‬وس��أل��ه ع��ن النقاط التي ينوء بحمله الثقيل‪ ،‬إن كان قد نسخ أي شيء من‬ ‫كانت تقلقه‪ ،‬فنبّهه األستاذ إلى أن م��وروا أشار عشرات الكتب الضخمة التي كلّفه بنسخها‪ ،‬وكان‬

‫إلى نصيحة آالن‪ ،‬وال تُعرف بقية الحكاية‪ ،‬وال‬ ‫إن امتثل للنصيحة أم ال؛ ويخيل إليه أن األستاذ‬

‫يرغب في التأكد من ذلك منذ مدة‪ ،‬وفاجأه رد‬

‫فعل األستاذ‪ ،‬الذي هتف باحتداد شديد‪« :‬لكن‪،‬‬

‫كان يسخر منه بلطف‪ ،‬معتبرا نصيحته من قبيل أن��ا‪ ،‬ال أري��د أن أصير كاتبا»‪ ،‬وغ ��ادره‪ .‬استقل‬ ‫غرابة األط��وار‪ ،‬ونزوة فيلسوف‪ .‬ويجزم فونديز سيارته‪ ،‬وصفق الباب بعنف وانطلق كاإلعصار‪.‬‬

‫أن��ه س��واء اتبع م��وروا أستاذه أم لم يتبعه‪ ،‬فقد‬ ‫صار كاتبا كبيرا‪ .‬هذه الفكرة األخيرة ضايقت‬

‫‪62‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫وفي انتظاره اللحظة التي سينتقل فيها إلى‬

‫مرحلة التأليف‪ ،‬وعند مواجهة بياض ال��ورق‪،‬‬


‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫سيعجز عن الكتابة‪ ،‬إذ لم تكن تمتثل له سوى‬

‫جمل من كتب قد نسخها‪ ،‬ومع مرور الوقت صار‬ ‫عاجزا عن القراءة‪ ،‬وأث��ار قلق والديه‪ ،‬فانطرح‬ ‫مريضا‪ ،‬وسأل السار ُد الطبيبَ عن سبب بداية‬

‫الصداع في السابعة صباحا‪ ،‬وتوقفه في الثانية‬ ‫بعد الظهر‪ ،‬فتعجب لهذا االنتظام‪ .‬وكل صباح‪..‬‬ ‫يستقيظ بفكرة الصداع الذي سيداهمه‪ ،‬وبعد‬ ‫الظهر حين يهدأ‪ ،‬يعلم ب��أن األل��م سيعاوده في‬ ‫ال �غ��د‪ ..‬دام ذل��ك حتى ي��وم أب�ص��ر على فراشه‬

‫وصفات الطبيب‪ ،‬وبعد أن تأملها‪ ،‬أمسك آليا‬

‫بقلمه‪ ،‬وشرع في نسخها على دفتره‪ ،‬واستخرج‬ ‫ن�ش��رات االستعمال م��ن علب األدوي ��ة ونسخها‬

‫أحس بالراحة‪ ..‬وغمرته‬ ‫َّ‬ ‫أيضا‪ ،‬وعند االنتهاء‪،‬‬ ‫سعادة هائلة‪ .‬لقد شفي بأعجوبة‪ ،‬واختفى الدوار‬

‫والصداع نهائيا‪ ،‬واستأنف النسخ بعد ذلك‪.‬‬

‫الديوان‬

‫ع��ن أس��ات��ذت��ه ال �ق��دام��ى‪ ،‬وب�خ��اص��ة المستعرب‬ ‫يفتتح عبدالفتاح كيليطو هذا الفصل بالحديث‬ ‫ريجيس بالشير‪ ،‬وكانوا يحدسون أن له حسابا‬ ‫ع ��ن ع�ش�ق��ه ال �ص��ام��ت ل �ل �م��دم��وزي��ل (اآلن� �س ��ة)‬ ‫معه‪ ..‬لم يكن يطيق تحفظاته وأحكامه السلبية‬ ‫لورنسان‪ ،‬إذ لم يحاول أن يبوح لها بحبه‪ ،‬وسيكون‬ ‫على الشعر العربي‪.‬‬ ‫هذا العشق دافعا لكتابة الشعر‪ ،‬وك��ان ممزقا‪،‬‬ ‫وتسترعي انتباه السارد عدة مظاهر في الشعر‬ ‫حيث يحس بالذنب‪ ..‬ألن صورة الشعراء العرب‬ ‫في القرآن الكريم ال ترتبط بالفضيلة‪ ،‬ولم يُعلم العربي القديم‪ ،‬فالشاعر في قلب الصحراء‪..‬‬ ‫والديه باألمر‪ ،‬وتجنب إخبار األستاذ فونديز‪ ،‬ويبدأ ببكاء ضائع‪ ،‬ويستغرب أن مشهد ذكرى‬ ‫حتى ال يطلب منه نسخ ال�ت��أم�لات‪ ،‬وأس�ط��ورة‬

‫القرون‪ ،‬والقصائد القديمة والحديثة‪ ،‬ولم يقاوم‬ ‫إغراء الشعر‪ ،‬فقرأ قصائده لزميله في الفصل‬

‫علي الضبّ ‪ ،‬الذي لم ينطق بأي تعليق‪ ،‬وأخبره‬ ‫أنه سيكتب ذات يوم مذكراته‪ ،‬واتجه إلى األستاذ‬

‫الطالبي‪ ،‬الذي كان يعلم أنه قضى بضع سنوات‬

‫في فرنسا‪ ،‬عاد منها بجرح عميق إلخفاقه في‬ ‫شفهي التبريز في اللغة العربية‪ ،‬وكان يحدثهم‬

‫الحب يجري وسط أطالل بيت مهجور‪ ،‬في حين‬ ‫أنَّ المرأة المعشوقة تكاد ال تستطيع المشي من‬ ‫البدانة‪ ،‬ثم ينتقل الشاعر من دون سابق إنذار‬

‫إل��ى وص��ف فرسه أو ناقته في أغلب األح��وال‪،‬‬ ‫ويتعجب لوصفها بأبيات كثيرة‪ ..‬وهي المخلوق‬ ‫المضحك‪ ،‬بلغة عتيقة ال يفهمها إال الجن‪ ،‬ويبدو‬

‫له وصف المحبوبة اعتباطيا‪ ،‬أما وصف الناقة‪..‬‬

‫فتبرره رحلة الشاعر إلى أمير يمدحه بعبارات‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪63‬‬


‫كلها مبالغة‪ ،‬وي �م��دح نفسه إن ل��م يجد أح��دا‬

‫التخلي عنها‪ ،‬وهو لم يكتب تلك األبيات إال من‬

‫يمدحه‪ ،‬ويهاجم أعداءه ببذاءة‪ ،‬ويتغنى بالخمر أجلها‪ ..‬ك��ان ال بد أن يكتب بلغتها‪ ،‬وإال فكيف‬ ‫ومجالسها؛ فينشد التالميذ أبياتا تتناقض وقيم سيتواصل معها‪.‬‬ ‫األسرة والمدرسة‪.‬‬

‫التفت إلى المسيو هاليفي‪ ،‬الذي كان يحمل‬

‫هذه المفارقة سيعرضونها لألستاذ الطالبي‪ ،‬محفظة مليئة بكتب ضخمة‪ ،‬وكان يعد أطروحة‬ ‫ال ��ذي م��ط شفتيه ب��اس�ت�ه��ان��ة‪ ،‬ورد ب��أن للشعر ع��ن ك��ان��ط‪ ،‬وك ��ان ال �س��ارد يعتقد أن الفالسفة‬

‫العربي القديم قوانينه الخاصة‪ ،‬وال ينبغي الحكم ك��ائ�ن��ات م��ن طبيعة أخ���رى؛ بسبب مخالطتهم‬ ‫عليه انطالقا من األخالقيات السائدة‪ .‬وسيحس لحكمة عريقة ف��ي ال �ق��دم‪ ،‬تجعلهم منفتحين‪،‬‬

‫ال� �س ��ارد ب��أن��ه ي�ح��دث�ه��م ع��ن ع�ص�ب��ة س��ري��ة من أسخياء‪ ،‬وامتدح أستاذ الفلسفة حرارة «ذوقه»‪،‬‬ ‫الدجالين‪ ،‬وهو يقر بأنه «عالم ال مجرى للصدق شجعه على متابعة طريقه؛ وعندما عرض عليه‬ ‫فيه؛ حيث ال يمتاز فيه إال الكذب‪ ،‬والتصنع»‪،‬‬

‫وحين عرض عليه أشعاره‪ ،‬رفض أن يقرأها؛ ألنها‬ ‫مكتوبة بالفرنسية‪« :‬فرنسا سلبتنا كل شيء‪ ،‬إال‬ ‫لغتنا‪ ،‬التي هي ملجأنا األخير‪ .‬إذا تخلينا عنها‪،‬‬

‫حزمة ثانية من األوراق‪ ،‬الح��ظ أن حماسه قد‬

‫فتر‪ ،‬وتجنّبه عدة أيام‪ ،‬وكان يراه دائما بصحبة‬ ‫زميلته الجميلة‪ ،‬اآلنسة لورنسان‪.‬‬

‫اندهش الكاتب حين أعاد إليه األستاذ أشعاره‪،‬‬

‫سنوقّع صك إعدامنا‪ ،‬وضياعنا الذي ال دواء له‪.‬‬ ‫ثم هل ينظر الفرنسيون باستحسان إلى الغرباء مصححة بيد لورنسان‪ ،‬التي أشّ رت في الهامش‬ ‫الذين يكتبون بلغتهم؟ نكتب في لغة ال ترغب فينا‪ ،‬وبالحبر األح�م��ر‪« :‬ح�س��ن»‪« ،‬م�ب�ت��ذل»‪« ،‬رك�ي��ك»‪.‬‬ ‫حيث نحن فيها فائضون عن الحاجة! عليك أن‬ ‫تعلم علم اليقين أن العرب لم ينتجوا ولن ينتجوا‬

‫وبفضل األستاذ هاليفي‪ ..‬بدأ حوارا مكتوبا مع‬

‫المدموزيل لورنسان‪ ،‬التي كان هاليفي مغرما بها‪،‬‬

‫أبدا رائعة بالفرنسية أو بأي لغة أجنبية»‪ ،‬ونصحه ولم يكن األستاذ فونديز ينضم إليهما‪ ،‬مفضال‬ ‫مخففا من غضبه بأال يتعجل الكتابة‪ ،‬وذكره بأبي صحبة التالميذ‪ .‬وعند رؤية المسيو هاليفي‪ ،‬وهو‬ ‫ن��واس ال��ذي نصحه أس�ت��اذه ب��أن يستظهر ألف يهرع نحو اآلنسة لورنسان‪ ،‬يعلق فونديز‪« :‬انظروا‬

‫قصيدة‪ ،‬وعقّب السارد بأن ألفريد دي موسيه‬

‫لم يستظهر كل هذا العدد من القصائد‪ ،‬وجاء‬

‫إليه‪ ،‬انظروا إليه‪ ،‬أليس مضحكا‪ ،‬جديرا بالرثاء؟‬ ‫وي �ق��ول ع��ن نفسه إن��ه ف�ي�ل�س��وف! ان �ظ��روا إليه‬

‫رد الطالبي بأن الشعر العربي ال نظير له‪ ،‬ألنه يركض‪ ،‬دون رشاقة‪ ،‬مثقال بمحفظته العظيمة؛‬ ‫يقوم على الذاكرة واألصالة‪ ،‬التي تتمثل‪ -‬بشكل م��اذا أف��ادت��ه دراس��ات��ه الفلسفية؟ ومشهور عنه‬

‫متناقض‪ -‬في االستنساخ الدقيق لألسالف‪ ،‬وس ّر أنه متخصص في كانط! هل يمكن تصور كانط‪،‬‬ ‫التكوين الشعري هو الحفظ والنسيان‪.‬‬ ‫ه��ذا الفيلسوف الجليل‪ ،‬ي�ع��دو أث�ن��اء استراحة‬

‫ما كان يحزنه أنه غير مرحب به في األدب بعد الظهر؟ (‪ .)...‬أيمكنكم تصور اب��ن رش��د‪..‬‬ ‫عاضا‬ ‫الفرنسي‪ ،‬وهذا ما يعني أن هناك عقبة تفصله فيلسوفكم العظيم‪ ،‬يندفع في ركض سريع‪ّ ،‬‬

‫عن اآلنسة لورنسان‪ ،‬والكتابة باللغة العربية تعني‬

‫‪64‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫على أسفل جبته بأسنانه؟»‪.‬‬


‫ن�ح��و ف��رن�س��ا‪ ،‬وم��ن ق�ب��ل ك��ان��ت ال�ش��ائ�ع��ات ح��ول ويفترض أن اسمها الجديد مدام فونديز‪ ،‬وليس‬ ‫زواج �ه �م��ا ت �ت��أك��د‪ ،‬وب �ق��ي ال��س��ارد م�س�ت�م��را في مدموزيل لورنسان‪ ،‬لكن السارد يصر على إلغاء‬ ‫سيناريوهاته الخيالية‪ ،‬في الكالم مع لورنسان‪ ،‬هذا الوضع االجتماعي الجديد‪ ،‬محتفظا بذكرى‪/‬‬ ‫لكنه لم يعد يكتب‪ ،‬واقتنع بأنه راهن رهانا خاسرا صورة المرأة المعشوقة‪/‬الملهمة‪ ،‬التي اختطفتها‬

‫حين كتب بلغة تنبذه‪ ،‬وأح��ب ام��رأة لم تهتم به‪،‬‬ ‫وكأنه حضر إلى مأدبة ليس مدع ّوًا إليها‪ ،‬فضال‬

‫مؤسسة الزواج‪ /‬أستاذه السابق‪ ،‬وسيالحظ ‪-‬أكثر‬ ‫من مرة‪ -‬أنها تمسك بعقد اللؤلؤ بحركة متوترة‪،‬‬

‫عن إحساس غامض بأنه خ��ان لغته حين كتب‬

‫كأنها ت��رغ��ب ف��ي الحديث م�ع��ه‪ ،‬والكلب متمدد‬

‫العقد‬

‫مرتبكا‪ ،‬وفي سره يقول‪« :‬منذ رحيلك»‪ ،‬لكنه لم‬

‫دراس����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ـ����ات‬

‫في بداية الصيف‪ ،‬يغادر هاليفي ولورنسان‬

‫مدموزيل لورنسان‪ ،‬ويثير انتباهه أنها صارت ذابلة‪.‬‬

‫بلغة أجنبية‪ ،‬وكذلك ربطه الشعر بالحب؛ ووفقا بجانبه‪( ..‬يمكن أن نعتبر هذه الحركة تعبيرا ال‬ ‫لألستاذ الطالبي‪ ،‬فالشعراء العرب القدامى لم‬ ‫واعيا عن االختناق‪ ،‬فالعقد‪ -‬مؤسسة ال��زواج؟‪-‬‬ ‫يهتموا بذلك‪ ،‬بل كانوا يتصنعون العشق‪ ،‬ولم يكن‬ ‫حتى لو كان من لؤلؤ‪ ،‬فهو مجرد قيد في النهاية)‪.‬‬ ‫يحفزهم سوى حب الشعر‪.‬‬ ‫تسأله إن كان ما يزال يكتب الشعر؟ يجيب بالنفي‬ ‫في الفصل األخير من روايته الماتعة‪ ،‬يتحدث‬

‫كليطو عن توجهه لدراسة الفلسفة‪ ،‬لتدارك عبث‬

‫وجوده‪ ،‬ويكتشف أن الفلسفة ليست حكمة متعالية‬ ‫عن الزمان‪ ،‬وما خيّب أمله أكثر أن أساتذته لم‬

‫يكونوا مثل المسيو هاليفي‪ ،‬إذ لم تمنحهم الفلسفة‬

‫يملك الشجاعة للنطق بالعبارة األخيرة‪ ،‬فهذا الرد‬ ‫يبدو له مفرطَ العاطفية ومبتذال‪ ،‬ويغمغم بأنه لم‬ ‫تكن لديه موهبة في الشعر‪ ،‬وأنه يدرس الفلسفة؛‬ ‫(ه���ذه ال�م�لاح�ظ��ة س�ت�ض��اي�ق�ه��ا‪ ،‬ك��أن�م��ا ت��ذك��ره��ا‬ ‫بزوجها‪ ،‬ونخمن أنها ممزقة بين ص��وت العقل‪/‬‬

‫أي سمو أخالقي‪ ،‬وأيضا لم تجعله أفضل‪ ،‬وكانوا الفلسفة التي تطوق حياتها‪ ،‬ونداء القلب‪/‬الشعر‬ ‫يجمعون على أن بحوثه مفرطة في أدبيتها‪ ،‬كأنهم ال��ذي تفتقده)؛ وت��رد بأنها كانت تحب قصائده‪،‬‬ ‫يصدونه عن األدب‪ ،‬أو باألحرى يعيدونه إليه‪ ،‬ال ويالحظ أن مالمحها غابت عنها قسوتها التي‬

‫سيما وقد تخلى عن كتابة الشعر‪ ،‬الذي يمنعه عن‬ ‫التقدم في دراسته‪.‬‬

‫استقبلته بها‪ ،‬وهي تواصل مداعبتها لعقد اللؤلؤ‬ ‫حتى اشتبكت أصابعها‪ ،‬ولكي تخلصها‪ ،‬شدت‬

‫وعند تكليفه بإعداد عرض عن اإلبهام الفني ي��ده��ا ب�ع�ن��ف‪ ،‬ف��ان�ف��رط ال�ع�ق��د‪ ،‬وان �ت �ث��رت ال�لآل��ئ‬ ‫عند الرسامين االنطباعيين‪ ،‬مع تنبيه بمعالجة على األرض‪ ،‬وانحنى تحت المائدة لمساعدتها‪،‬‬ ‫المسألة «فلسفيا»‪ ،‬يراجع عدة مؤلفات‪ ،‬لكن كان وانضم إليهما الكلب‪ ،‬وخطمه السائل لعابا صار‬ ‫ينقصه المرجع الرئيس‪ ،‬ويلتقي المسيو فونديز قريبا منه‪ ..‬ارتعب ولوى رأسه بسرعة‪ ،‬وفي تلك‬

‫مصادفة‪ ،‬ويعتذر عن إعارة أي كتاب‪ ،‬ويطلب منه‬

‫زي��ارت��ه في بيته لنسخ الكتاب‪ ،‬حيث ستستقبله‬

‫ال�ح��رك��ة لمست شفتاه خ��د م��دم��وزي��ل لورنسان‬

‫النديّ والالهب‪.‬‬

‫* كاتب من المغرب‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪65‬‬


‫فلتحكم سيدي القاضي‬ ‫> إلهام البراهيم*‬

‫سيدي القاضي‪..‬‬ ‫قبل أن توجّ ه لي تهماً كثيرة فعلتها يداي‪ ،‬وقبل‬

‫كنت استيقظ صباحا‪ ..‬مع بزوغ أول خيوط‬ ‫الشمس الواهنة‪ ،‬ورائ�ح��ة ال�ب��رودة التي تجمّد‬

‫أن توجّ ه لي أصابع االتهام القاسية‪ ،‬أرجوك أن األط � ��راف‪ ،‬ول��م أك��ن أم �ل��ك أي معطف يقيني‬ ‫تسمعني‪ ..‬فقد عانيت م��ن ج ��روح‪ ،‬تعبتُ من ب���رودة ال �ه��واء ال�لاف �ح��ة‪ ،‬وك �ن��ت ك��ال �ع��ادة أطبق‬ ‫حملها معي أينما ذهبت‪ ،‬اسمع قصتي‪ ،‬واب��دأ‬

‫بمحاكمتي بعدها كيفما يقتضيه ضميرك‪.‬‬

‫شفتيَّ محاوال تخفيف العبء عن والدي المكافح‬ ‫الصبور‪ ،‬كنت أرى ألف س��ؤال‪ ،‬وأل��ف دمعة في‬

‫تربيت ف��ي ك��وخ صغير حقير‪ ،‬على أط��راف عينيه‪ ..‬تحكي لي قصة مأساته‪ ،‬وفقره‪ ،‬وعدم‬ ‫مزرعة أحد أثرياء القرية‪ ،‬نشأت مع أبي بعد قدرته على تلبية احتياجاتي الضئيلة‪ ،‬ثم انتعل‬

‫رحيل أمي عنا وهجرها له‪ .‬ولم أكن أعلم سبب‬ ‫ذلك الهجر لوالدي‪.‬‬

‫فقط لو تعلم‪ ..‬كيف يعاني أبي من أجل توفير‬

‫لقمة العيش لي!!‬

‫‪66‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫ح��ذائ��ي البالي المهتريء ال�ق��دي��م‪ ،‬منطلقا مع‬ ‫وال��دي إلى البيادر والحقول‪ ،‬ويبدأ المزارعون‬ ‫باالنتشار وهم يتدثرون المالبس الثقيلة دفعا‬ ‫للبرد وزمهرير الشتاء القارص‪.‬‬


‫كنت أتناول إفطاري يوميا‪ ،‬هل تعلم ما هو؟؟‬ ‫كوب دافئ من النعناع‪ ،‬محاوال أن اثبت ألبي‪،‬‬ ‫أن النعناع يقي من أمراض كثيرة‪ ..‬وينقّي الدم‪،‬‬ ‫وكنت أرى عالمات الفخر بادية على وجهه‪.‬‬ ‫نبدأ بعده بتجميع الحصاد من حقول األرز‬ ‫والقمح‪ .‬وبطرف خفي‪ ..‬كنت المح وجه والدي‬

‫يجيبني بابتسامة شقها الصبر واإلي�م��ان‪( :‬لن‬ ‫َس قرشا واحداً من أموالك)‪.‬‬ ‫أم ّ‬ ‫وأظلمت الدنيا بعيني‪ ..‬وأطبقت عليَّ بقسوتها‪،‬‬ ‫ما جعلني أقف أمامك اليوم!! فقد تجرأت وقمت‬ ‫بسرقة ثالث دجاجات وعشر بيضات‪ ..‬من أجل‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫سيدي‪..‬‬

‫من أجلي‪ ..‬كي أستطيع تأمين الدواء له‪ ..‬لكنه‬

‫توفير العالج‪ ..‬ولم أكتف بذلك‪ ..‬فامتدت يدي‬

‫ال�ط��اه��ر وه��و يعمل بشغف‪ ،‬وك�ن��ت اغتبط من إل��ى صندوقَي تفاح‪ ،‬وصندوق بطاطس قديم‪.‬‬ ‫الداخل لفرط سعادتي‪ ،‬ألني أعلم علم اليقين أن تفاقم مرضه وكبرت سرقاتي‪ ..‬فسرقت ماعزاً‬ ‫والدي يوفّر المال‪ ،‬ويبذل الجهد من أجل نجاحي‬

‫وبقرة وبعتهما‪ ..‬ولكنه القدر‪ ..‬يفاجئني‪ ..‬فقد‬

‫وتفوقي وضمان ومستقبلي‪ ،‬فيداعبني بين فينة رحل والدي وتركني أتخبط‪ ..‬فال أعلم من أين‬

‫وأخ��رى‪ ..‬ونحن نقطف ثمار (اليوسف أفندي)‬

‫أبدأ!؟ فقد وضعني في طريق ال أعرف نهايته‪،‬‬

‫النضرة من الشجرة القديمة الشامخة الصابرة‬

‫فال أعلم أين خبأ والدي النقود‪ ..‬وليعلم الله أن‬

‫ك��وال��دي‪ .‬وننتهي م��ن ج�م��ع ال�ح�ص��اد عائدين‬

‫جميع سرقاتي بعد رحيله‪ ،‬ما كانت إال إلشباع‬

‫مبتهجين‪ ..‬ووال��دي يغني بصوت مرتفع تشوبه حاجتي من الطعام‪ ..‬فهل أنا مذنب يا سيدي؟!‬ ‫السعادة‪ ..‬فألثم يده كل دقيقة‪ ..‬معبرا له عن‬ ‫حبي وامتناني‪.‬‬ ‫آه‪ ..‬ما أقسى أم��ي‪ !..‬فقد رحلت مع آخر‪..‬‬ ‫وه��ي تقول ل��ي‪( :‬استودعتك الله يا بني فأنت‬ ‫تعيش مع شيطان)!! ولكنها ك��اذب��ة؛ ما دفعني‬ ‫لكرهها‪..‬‬ ‫ال‬ ‫م��رض وال� ��دي‪ ..‬ورأي ��ت وج�ه��ه ذاب�ل�اً علي ً‬ ‫أص �ف �رَ‪ ..‬ف�ح��اول��ت توفير ال �ع�لاج ل��ه‪ .‬صرخت‬ ‫ف��ي وج�ه��ه طالبا اإلف ��راج ع��ن بعض م��ا ادخ��ره‬

‫م�س��ح ال�ق��اض��ي دم �ع��ة ن��دم م��ن ع�ل��ى وجهي‬ ‫المتجعد قائال‪:‬‬ ‫أنت لست هنا من أجل السرقة يا بني!! أنت‬ ‫هنا بتهمة مصنع الخمور الذي وجدناه لوالدك‬ ‫ال��ذي توفي قبل إتمامه‪ .‬اذه��ب يا ول��دي فأنت‬ ‫بريء من تهمتك‪.‬‬ ‫أقفل القاضي ملفه ودوَّن عليه‪:‬‬ ‫(أخطاء اآلباء هل يتحملها األبناء)!!!‬

‫* قاصة من الجوف ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪67‬‬


‫نقرتان لليأس‬ ‫> رامي هالل *‬

‫النقرة األولي (للقمر)‬ ‫أم��ا زل��ت ت�ع��رف ب�ي�ت��ي‪..‬؟ ه��ذا العجوز‬ ‫ال�ط�ي�ن��ي ال �م �ت �ه��ال��ك! ال� ��ذي أم �س��ى ق��زم��ا‬ ‫أصم‪ ،‬مقارنة بالبيوت الشاهقة المحيطة‬ ‫به‪ ،‬التي علقت آذان��ا صناعية لتلتقط كل‬ ‫شئ من أعدائك من األقمار الصناعية‪ ،‬أم‬ ���أنك قد عرفته من الوشم الذي بهت على‬ ‫صدره‪..‬؟‬ ‫الكعبة‪ ،‬الجمل‪ ،‬السفينة‪ ،‬الشراع‪..‬‬ ‫أم م��ن ال�ك�ت��اب��ة ال �ت��ي قرضتها ف�ئ��ران‬

‫‪68‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫الزمن؟‬ ‫حج مبرور‪ ،‬وذنب مغفور‪..‬‬ ‫ما بال ضوئك المتسلل إلي شاحبا؟!‬ ‫أي��ن ن��ورك أيها القمر ال�ع�ج��وز؟! ذلك‬ ‫ال �ن��ور ال ��ذي يحيل قريتنا ال�ن��اع�س��ة إل��ى‬ ‫أقصوصة من األساطير‪.‬‬ ‫ما أروعك! عندما تأتينا مبشرا بشهر‬ ‫رمضان المبارك‪ ،‬ونتلهف لرؤيتك إذا ما‬ ‫خنقتك السحابات ال�س��وداء وغيبتك عن‬ ‫أنظارنا‪ ..‬وال نشعر إال صراخ طبلة وصبيان‬


‫مرددين‪:‬‬ ‫فك عنه يا رب فك عنه يا رب‪..‬‬ ‫أيها القمر العجوز‪ ..‬ما ال��ذي يبقيك‬ ‫حتى اآلن في السماء؟!‬

‫النقرة الثانية (للطبلة)‬ ‫كما أنت‪ ..‬ستظلين رثة قديمة مصلوبة‬

‫النقر عليك على حين غفلة مني وأن��ت‬ ‫تنزعجين شاكية إليّ فأنهرهم‪ ..‬أتذكرين‬ ‫يوم أتيتك بخيزرانة جديدة فأمسى صوتك‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫القرية‪ ،‬وهم ينقرون على الصفائح القديمة وأضعك على األرض ألستريح‪..‬؟ فيختلسون‬

‫متحشرجا حزينا لفراق عصاتك األولى‪..‬‬ ‫ما الذي كسبناه ونحن نجوب الليل معا‪..‬‬ ‫أنا وأنت؟!‬ ‫أنت تقولين بصوتك األعجم‪ :‬ت��م‪ ..‬تم‬

‫على ه��ذا المسمار‪ ،‬مدفوسة الوجه في تم تم‪ ..‬تم‪..‬‬ ‫هذا الجدار الطيني‪ ،‬وجسدك الذي كان‬ ‫غضا طريّا‪ ،‬مزّقته مخالب الزمن فأمسى‬ ‫ّ‬ ‫سردابا للهوام والحشرات‪.‬‬ ‫أت � ��راك ن�س�ي��ت أن� � ِ�ت األخ � ��رى األزق���ة‬ ‫وال� �ح ��ارات ال�ت��ي ك�ن��ا ن�س��ري ف�ي�ه��ا‪ ،‬وأن��ت‬ ‫تعانقين رقبتي‪ ،‬وتلفين يديك الدوبارتين‬ ‫حولها‪ ..‬أنهكتني تلك السنوات حين كنت‬ ‫أحملك كطفلة مقطوعة األرجل‪.‬‬ ‫كانت دقاتك في ليل رمضان الساحر‬ ‫تزعج سالطين النوم المستبدة بالنفوس‪،‬‬ ‫وتثير الصبيان ال��ذي��ن ك��ان��وا ينتظروننا‬ ‫بشوق ملهوف‪ ،‬وي��دورون معنا في الدروب‬

‫وأنا أترجم تلك النبرات‪..‬‬ ‫اص � َح يا ن��اي��م‪ ...‬ت��م‪ ...‬تم تم ت��م‪ ..‬تم‪.‬‬ ‫وحّ د الدايم‪..‬‬ ‫اص� َح يا نعسان‪ ..‬ت��م‪ ..‬تم تم ت��م‪ ..‬تم‪.‬‬ ‫وحّ د الرحمان!‬ ‫‪ ...‬حتى بقر ال��زم��ان بطنك فأخرس‬ ‫منك الصوت‪ ..‬فما بقي منك إال هذا اإلطار‬ ‫المصلوب‪ ،‬المدفوس الوجه في الجدار‪.‬‬ ‫أم��ا أن��ا‪ ،‬فقد أحنت ي��داك المتشابكة‬ ‫ظ�ه��ري ال�ض�ع�ي��ف‪ ..‬وخ ��رق ص��وت��ك طبلة‬ ‫أذني‪ ،‬فما عدت أسمع شيئا‪ ..‬أما ذراعي‬

‫وال�� �ح� ��ارات‪ ،‬ح �ت��ى ب� ��زوغ ال �ف �ج��ر وآذان الذي كان يستنطقك حتى يصحو الغافلون‪..‬‬ ‫الديكة‪..‬‬ ‫أت��ذك��ري��ن م��داع�ب��ات أول �ئ��ك الصبية‪..‬‬ ‫حينما أفك يديك المتشابكتين عن عنقي‪،‬‬

‫صحوا!‬ ‫فقد وهن وما َ‬ ‫أن��ت وال�ق�م��ر رف�ي�ق��ان‪ ،‬ل��م أج��ن منهما‬ ‫سوى الخسارة!‬

‫* قاص من مصر‪ ،‬مدرس في مدارس الرحمانية بالجوف‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪69‬‬


‫قصص قصيرة جدا‬ ‫ضمير جارف‬

‫> عبدالرحيم التدالوي*‬

‫قصتان في واحدة‬

‫رشقته بسهام كالمها الجارح‪ ،‬سممت حياته‬ ‫أح �س �س��ت ب��دن��و أج� �ل ��ي‪ ،‬ف�ك�ت�ب��ت ش��اه��دت��ي‬ ‫بانتقاداتها الالذعة‪ ،‬طاردت رائحة عفنه الفائح‪ ..‬وصية‪:‬‬ ‫ضاق بها ذرع��ا‪ ،‬حذرها من مغبة التمادي‪..‬‬ ‫هذا قبر «عبدالرحيم التدالوي»‪ ،‬عاش غبيا‪،‬‬ ‫فتمادت‪..‬‬ ‫ومات مغبونا شقيا‪.‬‬ ‫ذات غضب‪ ،‬انزلقت روحها من بين أصابعه‬ ‫كقطرة ماء تبخرت بالغياب‪..‬‬ ‫استكان للهدوء غير مرتاب‪..‬‬ ‫صارت القطرة ضميرا جارفا‪.‬‬

‫انثيال‬ ‫نظرت إلى روحي في صفحات كتاب هرّأته‬ ‫أنامل الريح‪ ،‬لحظة انثيال‪..‬‬ ‫قلت‪ :‬ما أبدعك أيها التاريخ‪!..‬؟‬ ‫ث� ��م‪ ،‬ن �ه �ض��ت ألك��ت��ب ق �ص��ائ��دي م ��ن (رم� ��اد‬ ‫الكلمات)‪.‬‬

‫لوحة حب‬ ‫أح �ب �ه��ا ب� �ص ��دق‪ ..‬رآه� ��ا ت �ت �م �ن��ع‪ ..‬ص��ارح�ه��ا‬ ‫فصدته‪..‬‬ ‫انطبعت في مخيلته بقوة‪ ..‬نقلها إلى لوحته‪:‬‬ ‫ما أبدعني!! ما أجملك!؟‬ ‫حمل اللوحة وانتظرها ليهديها إياها‪ ..‬فلما‬ ‫ظهرت‪ ..‬سأل عنها‪ ،‬قيل له‪ :‬رحلت؟!‬ ‫ع��اد إل��ى لوحته يطلب ع���زاء‪ ..‬وج��ده��ا قد‬ ‫تحللت‪.‬‬ ‫* قاص من المغرب‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪70‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫حنت روحي لقبري‪ ،‬فزرته‪!!..‬‬ ‫اتكأت على الشاهدة أذرف حار الدمع؛ فقد‬ ‫قرأت‪:‬‬ ‫ه��ذا قبر المرحوم «عبدالرحيم ال�ت��دالوي»‪،‬‬ ‫عاش نقيا‪ ،‬ومات تقيا!‬

‫مراهقة متأخرة‬ ‫ضيع طفولته حين كان صغيرا‪ ..‬عثر عليها‬ ‫حين كبر؛ فأضاعته‪!..‬‬

‫توقّ ع‬ ‫أحس بكثير من الضيق‪ ،‬أشعر بصعوبة التنفس‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫سترتي ال�س��وداء زادت من ح��زن��ي‪ ..‬أسير على غير‬ ‫هدى‪ ..‬أجد نفسي قريبا من زقاقي‪ ..‬يلوح لي «سعيد»‬ ‫من بعيد ق��رب منزلي‪ ..‬أغتم‪ ،‬فالرجل بدين‪ ،‬خداه‬ ‫منتفخان كبالون‪ ،‬أسنانه متخاصمة‪ ،‬وشفته السفلى‬ ‫م��دالة تسمح للعابه بالسيالن‪ ،‬ما ُوج��د ق��رب مكان‬ ‫إال ومصيبة قد حلّت به أو أوشكت على الحلول‪..‬‬ ‫اصطكت ركبتاي‪ ..‬ما عدت قادراً على الحركة‪ ..‬دقات‬ ‫قلبي قوية ومسموعة‪ ..‬علمت أن كارثة قد حلّت بأهلي‬ ‫أو أوشكت أن تحلّ‪ ..‬رأيته مقبال عليّ ‪ ..‬نعي وال بدّ‪..‬‬ ‫في تلك اللحظة‪ ،‬تذكرت أني غير متزوج‪!..‬‬


‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫قصص قصيرة جدا‬ ‫> محمد صوانة*‬

‫ثقب‪..‬‬ ‫هيأ امل �ص��ور ال�ك��ام �ي��را‪ ..‬أدخ ��ل رأس ��ه حتت‬ ‫الغطاء‪ ..‬ضغط على الزر‪ ،‬فاندفع نحوه كل ما‬ ‫كان أمام العدسة‪ ..‬أُغلق عليه األفق‪..‬‬ ‫ث�م��ة ث�ق��ب وح �ي��د؛ ل��م ي�ع��د مم�ك�ن�اً م�ل��ؤه ب��أي‬ ‫شيء‪..‬‬

‫مسح‪..‬‬ ‫كانت دمعة الصغير ما تزال ساخنة‪..‬‬ ‫طلبت سيدة عجوز منه أن يقترب منها‪..‬‬ ‫مسحت بيدها ا َ‬ ‫خل ِشنة على رأسه‪!..‬‬ ‫تبسمت ملرافقها‪:‬‬ ‫ «سأكسب في كل شعرة حسنة»‪..‬‬‫رفع الطفل وجهه مندهشاً‪،‬‬ ‫وبحركة ال إرادية؛‬ ‫مسح رأسه‪!..‬‬

‫مسلسل تركي‪..‬‬ ‫ه��رع أف��راد األس��رة‪ ،‬يترقبون تتابع «األوراق‬ ‫املتساقطة» على رصيف الفحش‪..‬‬ ‫فتدحرج احلياء‪!..‬‬

‫المستقبل‪!..‬‬ ‫يسيران‪ ..‬نحو ٍ‬ ‫غد يؤ ّمالنه‪..‬‬ ‫يتجه نحو ِ‬ ‫الشمال‪ ،‬وال يلتفت‪..‬‬ ‫مت ُّد إليه يدها‪ ..‬جت ّره مييناً‪..‬‬ ‫تكسرت األمنيات‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫ظال في منتصف الطريق‪!!..‬‬

‫مرآة‪..‬‬ ‫ينظر في مرآتها‪ ..‬يُ َحدِّ ُق ملياً‪..‬‬ ‫تنظر في مرآته‪ ..‬تبحثُ مل ّياً‪..‬‬ ‫تظل املرآة في انتظارِ هما‪!..‬‬

‫توظيف!‬ ‫من ِش ّدة ما أدهشته أدواتها وحبائلها؛‬ ‫اتخذها مستشارة‪!..‬‬

‫ق‪ .‬ق‪ .‬ج‪.‬‬ ‫يش ّد من قوائمها‪،‬‬ ‫يك ّثف زاوية النظر أمام املا ّرة‪..‬‬ ‫فترت ّد من بني يديه؛ منفرجة بال حدود‪!..‬‬

‫* إعالمي وقاص‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪71‬‬


‫قال جلدته‬ ‫العمري*‬ ‫> ناصر بن محمد ُ‬

‫قال لجدته‪:‬‬ ‫أتعلمين أين سنقضي العيد هذا العام؟‬ ‫فردت غير مبالية‪ :‬العيد العافية يا ولدي‪..‬‬

‫وانصرفت تفرش سجادتها‪ ،‬غابت في مناجاة‬ ‫لذيذة‪..‬‬

‫يُفتح الباب بهدوء‪ ،‬يسفر عن الحفيد الثاني‬

‫العائد من رحلة التسوق الهثاً وهو يدندن‪:‬‬

‫يعاود إغالقها حتى قبل رؤية أي شيء فيها‪..‬‬ ‫يعود ليرتمي في أحضان أريكة جدته‪..‬‬ ‫يفتح جواله‪..‬‬ ‫وبسرعة يتنقل بين الملفات واألسماء‪..‬‬ ‫يستعرض الصور بسرعة الفتة‪..‬‬

‫شخبط شخابيط‪ ..‬لخبط لخابيط‬

‫يتنهد بعمق‪,,‬‬

‫يمضغ «اإلندي كاي»‪،‬‬

‫يتوجه سريعاً نحو «ال�لاب تـوب» القابع في‬

‫بخفة وسرعة يفتح خزانة المالبس‪ ..‬ويغلقها‬

‫بعد إلقاء نظرة سريعة على ما في داخلها‪..‬‬

‫‪72‬‬

‫يتجه سريعاً نحو النافذة‪..‬يفتحها‪ ..‬ثم بسرعة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫زاوية الغرفة‪..‬‬ ‫تنفرج أساريره‪..‬‬


‫وص�م�ت��ه‪ ..‬ف��واص��ل م��ن الضحكات واآله� ��ات‪ ..‬وشماالً‪..‬‬ ‫ولحظات العبوس‪ ..‬وتهليالت الجدة‪..‬‬ ‫ت�ح��اول بتلك الحركة تخفيف ت��دف��ق صوت‬ ‫نوبة حزن تجتاح المكان‪..‬‬ ‫«ال��دي جي» المزعج ال��ذي يمأل المكان‪ ،‬ويكاد‬ ‫يغلق جهازه‪..‬‬

‫يخترق ما تبقى من طبقات طبلتها الرقيقة‪..‬‬

‫يعود مجدداً لجواله‪..‬‬

‫يرقص على أنغام موسيقى «صاخبة»‬

‫يفتح شاشته‪..‬‬

‫ينهكه التعب‪..‬‬

‫يجري بحثاً بين قائمة األسماء‪..‬‬

‫ويهدها كذلك‪..‬‬

‫يجري مكالمة مرئية مع «‪»...‬‬

‫يجلس بجانبها‪ ..‬تحتضنه بحب‪ ..‬تداعبه‪..‬‬

‫هو‪ :‬ألو‬

‫«خالص انتهى نور عيوني»‬

‫هي‪ :‬نعم‬ ‫هو‪ :‬يضحك بصوت مرتفع‪..‬‬

‫تداعب شعره بيد‪ ..‬فيما أصابع يدها األخرى‬ ‫تحرك حبات المسبحة‪..‬‬

‫هي‪ :‬لماذا تضحك؟‬

‫ينام متوسداً ركبتيها‪..‬‬

‫هو باستغراب‪:‬أضحك؟؟ يتساءل بخبث من‬

‫تشعر بثقل وزنه على جسدها المنهك‪،‬فتحاول‬

‫الذي يضحك؟!‬ ‫هي‪ :‬أنت؟‬ ‫هو‪ :‬أنا؟!‬

‫فتحي عينيك وأذن��ي��ك‪ ..‬ت��أك��دي م��ن ال��ذي‬

‫يضحك؟‬

‫هي‪ :‬أنت الذي يضحك‪..‬‬ ‫هو‪ :‬والله أنا ما ضحكت‪..‬‬ ‫ألني مركب جهاز إل «أنتي ضحك»‬

‫ق���������ص���������ص ق������ص������ي������رة‬

‫يدخل في نوبة من الصمت‪ .‬تقطع هدوء المكان‬

‫ت�ض��ع ي��دي�ه��ا خ�ل��ف رأس �ه��ا‪ ،‬وت�ت�ح��رك يمينا‬

‫إبعاده عن جسدها‪..‬‬ ‫تفتح عينيها على الفتاة التي اعتادت أن تقدم‬ ‫لها الطعام ودواء السكري في موعده‪..‬‬ ‫ترفض الطعام والدواء‪..‬‬ ‫تشعر بكراهية تلك الفتاة المسكينة‪..‬تصرخ‬ ‫في وجهها‪ :‬ابتعدي عني‪!..‬‬ ‫تحتار الفتاة في سبب هذا الرفض‪..‬‬ ‫لم تدرك أنها أيقظت عليها حقيقة وحدتها‬

‫يطلق ضحكة عاليه «هاهاهاهاهاهاهاهاها»‬

‫القاتلة‪ ،‬التي فرضت عليها في دور العجزة منذ‬

‫تدس الجدة عصاها بين ساقيها الناحلتين‪..‬‬

‫عدة أعوام‪..‬‬

‫* قاص من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪73‬‬


‫اللجنة األخرى‬ ‫> محمد معتصم*‬

‫استفاق مبكرا على غير عادته‪ .‬أحس بحرارة‬

‫هنيهات ثم قال‪« :‬ماديرش ما تخافش»‪.‬‬

‫تغزو أعماقه‪ ،‬وبالدنيا تسو ُّد في وجهه وتضيق‬

‫الساعة اآلن الخامسة مساءً‪ ،‬اللجنة لم تأت‬

‫ت�ق��ززا م��ن رائ�ح��ة ه��ذا الصباح النتنة‪ .‬ووجهه‬

‫شاشة‪.‬استعرض عليها انتظاره لقدوم اللجنة‪،‬‬

‫كأن�� محشو وسط قفص حديدي‪ .‬عيناه ضاقتا‬

‫بعد‪ .‬ان��زوى في صمت مترقب‪ .‬اخترع لذاكرته‬

‫يغزوه شحوب وازرق��اق‪ ،‬وكأن هناك من يضغط‬

‫وكيف قضى يومه المشؤوم المملوء بالترقب‪.‬‬

‫فيه حتى اللحظة‪ .‬حملق في الساعة الحائطية‪.‬‬

‫«أسي المدير‪ ،‬بغيتي خبيزه تعتق بها الروح؟ «لم‬

‫بكل قوته على رقبته ليفجر ما بقي متماسكا اخترق صمته كالم الطباخة يامنة وهي تسأله‪:‬‬ ‫السادسة صباحا‪ .‬تناول فطوره بسرعة كالبرق‪ .‬يرد عليها‪ .‬كان يتصبب عرقا‪ ،‬وأطرافه ترتعش‪،‬‬ ‫عدل نظارته الغامقة قبل أن يندفع إلى الغرفة يا لهول االنتظار‪ .‬أيكون ما وصلني حقيقة أم‬

‫ال �م �ج��اورة ‪-‬اإلدارة‪ ،-‬رت��ب الملفات وال��وث��ائ��ق مقلبا من أحدهم؟‬ ‫ال �م �ل �ق��اة ع �ل��ى ال �م �ك �ت��ب‪ .‬ع �ط��ر ال �غ��رف��ة بعطر‬

‫أغ�ل��ق ال �ب��اب‪ .‬تنحنح مستعدا ل�ل�ن��وم‪ .‬اتجه‬

‫هذه اللجنة؟ النائب‪..‬؟ المراقبة التربوية؟‪ ..‬بلع‬

‫الفحمي فوق سرير مترهل‪ .‬تحسس أين وضع‬

‫«سنطال» وق��ال يخاطب نفسه‪ :‬من سيأتي في‬ ‫ريقه المنحبس في الحلق‪ ،‬ثم قذف بنفسه إلى‬ ‫الساحة‪ ،‬مشى متمهال‪ ..‬يتفقد األقسام وحديقة‬ ‫ال �م��ؤس �س��ة‪ ،‬وم�ج�م��وع��ة م��ن األس �ئ �ل��ة تتضارب‬

‫نحو النافذة‪ .‬أسدل ستارها‪ ..‬ثم ألقى بجسمه‬ ‫روايته المفضلة‪ .‬أشعل شمعة‪ .‬قرأ فقرات من‬

‫رواية «اللجنة»‪.‬‬

‫ترك الكتاب‪ .‬ثم وضع يده النحيلة فوق بطنه‬

‫بداخله‪ ،‬لم يستطع االستمرار في المشي‪ ،‬سكت وهمس‪ :‬هكذا تكون المقالب‪.‬‬ ‫* قاص من المغرب‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪74‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫بدر الزمان‬ ‫> سليمان عبدالعزيز العتيق*‬ ‫قصيدة ٌ مرت على قلبي مرور الخاطرة‬

‫بالورد يُفْ جئٌ نا وتأخذنا روائح بوحهِ‬

‫مرت على األحزان‪ ،‬تقرضها كعود ٍ من أراك‬

‫للذكريات الزاهرة‬

‫تقطف من أزاهير الحياة‬ ‫ُ‬ ‫مرت على البستان‬

‫الشمس لو َن الشمس ِ لون ضيائِ ها‬ ‫َ‬ ‫ليقول أن‬

‫وتعيد أشواقَ التوله للفياض العاطرة‪..‬‬

‫لمّ ا يزل‬

‫مرت على البيداء تقتلع الضجر‬

‫يطارد الظلمات جوف الدائرة‬

‫وتبعثر الشجن المكبل باألسر‬

‫ليقول أن البدر يأتي فوق قريتنا‬

‫مرت على سرب العصافير الذي‬

‫منذُ عرفنا حينا وديارنا‬

‫يتنازع األلحان من فوق الشجر‬

‫منذُ عرفنا اآلخرة‬

‫ويعيد أغنية ً شدت من ألف عام‬

‫الل َه ما أحالك يا بدر الزمان‬

‫الماء ُ منذُ ذلك الزمن المسطر في الغيوب الله ما أحالك تضحك فوق قريتنا‬ ‫الغابرة‬

‫وتشيع فينا نشوة األحالم يا بدر الزمان‬

‫لمّ ا يزل‪ :‬هو طعمُ ه هو لونُه والرائحة‬

‫وتشيعُ فينا األمنيات الشاعرة‬

‫فيضه هو سدرُه هو نخله‬ ‫هو ُ‬

‫هال ّ غسلت كآبتي‬

‫تلويحة ٌ فوق الغصون الناظرة‬

‫يا بد ُر مثل سحابةٍ‬

‫المثقالتْ‬

‫مرت على الوديان في كبد الضحى‬

‫بالخوخ والتفاح والرمان والكمأ الذي‬

‫قبل الظهيرة ِ ماطرة‬

‫منذُ السنين الخاليات‬

‫يا بد ُر بلغ كل من يرنو إليك تحيتي‬

‫ما زال يعبق في تخوم الذاكرة‬

‫ومحبتي‬

‫والمترعاتْ‬

‫واألمنيات ِ الناطرة‬

‫* شاعر من حائل ‪ -‬السعودية‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪75‬‬


‫العابرون‬ ‫> أحمد البوق*‬ ‫المطل على شارعِ «متشجن»‬ ‫ِّ َ‬ ‫في زاويةِ المقهى‬

‫وجسمُ ها يتثنىّ‬ ‫ْ‬

‫في قلب «شيكاغو»‬

‫يتثنىّ مع موسيقى البلوز‬

‫َك شيءٌ‬ ‫ليس يشغل بال َ‬ ‫َ‬

‫حينَ انحنت كي تَعدّ ل جوربَها‬

‫فأكتاف الطريق عامرةٌ بالعابرين‬ ‫ُ‬

‫انتبهت أنيّ أُتابعُ ها‬

‫العابرون جنّةُ الجالسين‬

‫وكأي فتاةٍ عذبةٍ‬

‫�ص ��دحُ ك��ال �خ �ي� ِ�ل في‬ ‫وم��وس �ي �ق��ى «ال �ب �ل��وز» ت � ْ‬

‫اكتست بالخجل‬

‫ِم ْضمَ ارها‬

‫خلف صديقاتِ ها‬ ‫َ‬ ‫واختفت‬

‫الباب مدَّ ت إلى العابرين أعناقَها‬ ‫ُ‬ ‫كلّما فُ تح‬

‫بعد أن منحتني ابتسامتها الهادئة‬

‫بعضهم يتبعُ الصوتَ عبر باب الزجاج إلى ابتسامتها الصاخبة مع موسيقى البلوز‬ ‫داخل المقهى‬

‫‪ ...‬‬

‫‪...‬‬

‫وب �ع �ض �ه��م ي �ت��مّ �ه��لُ ح �ت��ى ت �س �ح� ُ�ب ال �خ �ي��لُ‬

‫‪ ...‬‬

‫‪...‬‬

‫أعناقَها‬

‫‪ ...‬‬

‫‪...‬‬

‫وبعضهم يترنّمُ بالغناءِ‬

‫ابتسامتُ ها المل ُِهمة‬

‫يرقصنَ خطف ًا‬ ‫ْ‬ ‫وبعض الجميالت‬

‫المطل على شارع «متشجن»‬ ‫ِّ َ‬ ‫في زاوية المقهى‬

‫أرقب الشار َع‬ ‫كأني ال ُ‬

‫في قلب «شيكاغو»‬

‫الشارعُ المُ ِلهمُ للكاتبين‬

‫يكفي أن تنتظر‬

‫العابرون جَ نَّةُ الجالسين‬

‫ساعةً أو ساعتين‬

‫الفتا ُة التي شَ عرها كستناء‬

‫أن تنتظر‪...‬‬

‫الطفولةُ‬ ‫وجهُ ها تضجُّ فيه ُّ‬ ‫ْ‬

‫حتى تَجيء القصيدة‬

‫* شاعر من السعودية‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪76‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫يوما ً ما‬ ‫> زكية جنم*‬ ‫يوم ًا ما‪..‬‬

‫كون في مالذها األخير‬ ‫بس ٍ‬ ‫كي تنام ُ‬

‫ض األحالمُ من جديد‪..‬‬ ‫ستوم ُ‬ ‫ِ‬

‫وسيب ُْسم القدر بسمته للبقاء‬

‫وستصحو األم�ن�ي��ات المتّكئة على قارعة‬

‫أنين وصرخة‬ ‫ٌ‬

‫السبات‪..‬‬ ‫ُّ‬

‫أنين واآلخر صرخة‬ ‫لست أدري أيُّ نــا ٌ‬ ‫ُ‬

‫ستأتي األطياف المُ سافرة‪..‬‬

‫كالنــا أصبح بعد الزّمان الذي ولّى‬

‫في ُجعبتها فُ تات أمل‪..‬‬

‫عابر ًا يعترض طريقه عابرون‬

‫وشيءٌ من ضجرٍ وملل‪..‬‬

‫وتئن لصراخي‬ ‫أستصرخُ أنينك ُّ‬

‫ستأتي على عجل‪..‬‬

‫حينما نستنطق سو ّي ًا ذاكرة الوجع المنسي‬

‫حينها ستنكسرُ الجروح القاسية‪..‬‬

‫قاسيةٌ هي ذرّات الهواء‪..‬‬

‫ستزول شظايا اآلالم‬

‫تلف من حبالنا الصوتية قيود الكالم‬ ‫حينما ُّ‬

‫وستصبحُ كل الحرائق‬

‫ويبسمُ الصمت في كبرياء‪..‬‬ ‫ُ‬

‫رماد ًا في وجه الريح‬

‫تالي ًا تراتيله بغمرة البكاء‪:‬‬

‫فرح‬ ‫يوم ًا ما‪ ..‬ذات ٍ‬

‫«ها أنذا‪..‬‬

‫ستنسى الدموع مجراها‬

‫قد آن األوان أيها اإلنسان‪..‬‬

‫ستهدْ ِهدُ ها األحالم بترنيمةٍ عذبة‬

‫كي تنسى ما مضى وما كان!!»‪.‬‬

‫* شاعرة من السعودية‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪77‬‬


‫صاخب ٌ‬ ‫أمواجك‬ ‫ة‬ ‫ُ‬ ‫> سارة الشمري*‬ ‫قاسية أمواجك‬

‫على أضرحة الغياب‪..‬‬

‫حدّ انحساري على ضفافك‬

‫هجرتني طيور المطر‪.‬‬

‫لم تعد أساطيلك ترتاد موانئ‬

‫في يقظة الربيع‪.‬‬

‫هناك تغرق أشرعتي‬

‫حينما تجمع أزهار الزنبق الشاردة من تجاعيد‬

‫على ضجيج نوارسك‬

‫الخريف القانطة‬

‫ال تزال حدودك قاتمة على خارطتي‬ ‫تسحقني ق��ارات��ك الضيقة ف��ي زواي ��ا الطريق‬ ‫البعيد ‪..‬‬ ‫وطائرك الحزين يستوطن مرافئ الذكريات‪..‬‬ ‫هناك خلف المنارة البيضاء‪.‬‬ ‫كنا نبني جسورا رمادية برمال شطآنك‪..‬‬ ‫غادرتك حيث شتاؤك القائظ‪!..‬‬ ‫ومدنك المتحجرة!!‬

‫أبقيتني هناك خلف السراب‪..‬‬ ‫حيث السكون‪...‬‬ ‫ال انتماء‪..‬‬ ‫ال وطن‪..‬‬ ‫ال قوس مطر‪..‬‬ ‫خلف شجرة البلوط‪..‬‬

‫حيث ال وجود لألرواح المتعطشة ألمواجك‪!..‬‬

‫كان عهدك جاثيا هنالك‪..‬‬

‫(لم يعد لي وطن)‬

‫ورائحة التين تفترش أساطيرك األزلية‪..‬‬

‫لم يعد لي وطن سواك‪..‬‬

‫خرافي القدر أنت‪..‬‬

‫أبحث عنك في زوايا التضاريس‪..‬‬

‫تالمس صدى حروفي زيف الغمام‪..‬‬

‫حين يحتضر السكون‬

‫المتبخرة من وراء محيطاتك‪..‬‬

‫* شاعرة من الجوف ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫‪78‬‬

‫على رواسب قبري‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ش������������������������������������ع������������������������������������ر‬

‫الصبر‬ ‫> عبدالرحيم املاسخ*‬ ‫جمرة ٌ في يدي‬

‫جمرة ٌ في يدي‬

‫يبست حولها‬ ‫ْ‬ ‫ويدي‬

‫ويدُ األفق عينايَ‬

‫كي أصيح‬

‫الخطى‬ ‫رط ُب نايَ ُ‬ ‫همس دمي ال يُ ِّ‬ ‫ُ‬

‫قابض لهفتي‬ ‫ٌ‬ ‫فمي‬

‫بالبُعاد‬

‫ولساني جريح‬

‫هنا‪,‬‬

‫األغنيات ُفرادى‬ ‫ُ‬ ‫تمرُّ بيَ‬

‫في انتظارٍ يدو ُر بيَ الظلُّ‬

‫لترحيبها صعقة ٌ في فؤادي‬

‫في حجَ ر النور‬

‫يمرُّ بيَ الغيمُ‬

‫لم يبق عقلٌ ألبل َغ داريَ‬

‫يمطرني ُحز َن وادي الهوى‬

‫قبل انطفاءِ الجمار‬

‫موت الوداد‬ ‫خلف ِ‬ ‫َ‬

‫على ُغربتي وانفرادي‬

‫الشمس‬ ‫ُ‬ ‫تمرُّ بيَ‬

‫هنا‬

‫األمس في وجهها‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ينكسرُ‬

‫يا مَ واس َم موتي وبعثي‬

‫الحداد‬ ‫بسمً ة تتناثرُ فوق ِخمار ِ‬

‫تجاوزت حبْسي‬ ‫ُ‬

‫يمرُّ بيَ الليلُ‬

‫ْس الرماد‬ ‫ألبل َغ غر َ‬

‫حطب الريح‬ ‫ِ‬ ‫يشتعلُ الويلُ في‬

‫هنا ………‬

‫يح ُصرُ نهرً ا بوادي‬ ‫ْ‬

‫وهنا ……‬

‫يمرُّ ……………‪..‬‬

‫صمت‬ ‫ٍ‬ ‫والمَ راثي تشيُّ عني بين‬

‫تمر ……………‪..‬‬

‫ودحرجةٍ‬

‫هنا‪,‬‬

‫وارتداد!!‬

‫* شاعر من مصر‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪79‬‬


‫الراكض في أزمنة الشعر‬

‫نظرة شاملة على إصدارات إبراهيم احلسني‬ ‫أص��د َر إبراهيم الحسين ثالث مجموعات شعرية‪ .‬األولى‬ ‫«خرجت من األرض الضيقة» في المنامة عن أس��رة األدب��اء‬ ‫ُ‬ ‫يتمسح‬ ‫ّ‬ ‫وال�ك�ت��اب ع��ام ‪1992‬م‪ ،‬والمجموعة الثانية «خشب‬ ‫بالمارة» في بيروت عن دار الجديد عام ‪1996‬م‪ ،‬والمجموعة‬ ‫الثالثة في الدمام عام ‪2008‬م عن النادي األدبي في المنطقة‬ ‫الشرقية‪.‬‬

‫> عبدالله السفر*‬

‫المجموعة األولى انكتبت في أواخر الثمانينيات‪ ،‬وانطبعت‬ ‫بهواء تلك الفترة وما سبقها‪ ،‬ال��ذي عبق جيدا بمفهوم أن‬ ‫ناط به دور يتعدّ ى حدوده الشخصية‪ ،‬فينخرط في رساليّة استنهاضية تعبوية‪،‬‬ ‫الشاعر مُ ٌ‬ ‫يدرجها‬ ‫ْ‬ ‫والتي عكسها إبراهيم بشكل حاد‪ ،‬وإنْ كان شدي َد الشعرية‪ ،‬في إشاراته التي لم‬ ‫في هذه المجموعة‪ ،‬تبع ًا لنصيحة أحد األص��دق��اء‪ ..‬بتعليل أن الساحة ال تحتملها‪،‬‬ ‫بخاصة أن محمولها يتّكئ على قاموس الموروث؛ خاطفا وقالبا لدالالته؛ جاع ًال منها‬ ‫ّ‬ ‫مهب التغيير والنّقض‪.‬‬ ‫يصب في ّ‬ ‫ّ‬ ‫تيّار ًا‬ ‫«خرجت من األرض الضيقة»‪ ،‬هو ما‬ ‫ُ‬ ‫ولعلّ هذا الدور الرّسالي الذي بسط ظلّه على‬ ‫أوحى إلى إبراهيم أن يوقِّ َع تذيي ًال في ثنية الغالف األخير‪ ..‬بمثابة تعريف له‪ ،‬يتخيّل‬ ‫حملت به ووضعتْهُ معجون ًا بآالم العالَم وعذاب الكادحين‪ ،‬فيما اللغة‬ ‫ْ‬ ‫فيه أن األرض‬ ‫تهبط من عليائها تعقد سرّته وتسمّ يه لمهمّ ته القادمة؛ فينتابه البكاء لهول الرسالة‬ ‫أتت نصوص المجموعة منتمية لهذه الروح المحرّضة‬ ‫المندوب له��‪ .‬وعلى هذا الوَقع ْ‬ ‫فاكتست مصفوفة من مفرداته‪ ،‬نحو المطر‬ ‫ْ‬ ‫�ض الركود والسكون‪،‬‬ ‫على الخروج و َن��فْ � ِ‬ ‫والعشب والشجر وال��دم والبرق والبحر والماء‪ ،‬جملةً من المعاني الدّ اعية إلى عالم‬ ‫الشذرة‪:‬‬ ‫جديد؛ فردوس العافية‪ .‬ربما تعبِّر عنها هذه ّ‬

‫‪80‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫التفتت إليها الكتاب ُة ال�ج��دي��دة؛ لنكتشف جميعاً‬ ‫معها فضا ًء آخر من الكتابة‪ ..‬ولوناً من الحساسية‬ ‫المختلفة‪ .‬نلمس عند إبراهيم في هذه المجموعة‬ ‫إغنا ًء جديداً لتجربته‪ ،‬ويشق لها مساح ًة لم تكن‬ ‫ال ونعني بها‪ :‬االحتفاء باليومي‬ ‫مشمول ًة عنده قب ً‬ ‫والعابر‪ ..‬وهو الملمح األب��رز في هذا العمل‪ ..‬إ ْذ‬ ‫جعله الشاعر معبره األول إلى القارئ‪ ،‬حيث نطالع‬ ‫في الغالف الخلفي نص «ن�س��وة»‪( :‬بينما أعمال‬ ‫تلميع البالط‪ /‬تقوم بها نسوة خلف األب��واب‪ /‬ال‬ ‫يظهر منهن غي ُر ماءٍ عكر‪ /‬ينخرط فوق العتبات‪/‬‬ ‫يترنّح بعد ذلك على األسفلت؛‪ /‬أ ُدير في هذا الليل‬ ‫مفتاحاً‪ /‬فيما أغنيتي تتدفّق خافتةً‪ /‬ط��ارد ًة ك ّل‬ ‫ق��ذارات ال ��روح)‪ .‬وداخ��ل الكتاب تحت ّل النصوص‬ ‫ال�م�ع� ّب��رة ع��ن ال�م��وض��وع��ة ذات �ه��ا‪ :‬ال��ص��دارة؛ ممّا‬ ‫يد ّل على أنّها األكثر تميّزاً بالنسبة إلى الشاعر‪،‬‬ ‫والجانب المُضاف إلى سابق تجربته‪ .‬أما الرّابط‬ ‫«ت �ع��ال��وا أح � ّب��ائ��ي‪ /‬أس� ��روا إل ��يّ ب �ن��ار ثيابكم‪ /‬بين المجموعة األول��ى والثانية هو االشتغال في‬ ‫وادخ� �ل ��ون ��ي‪ /‬ف �ف��ي دم ��ي ل �ك��م م � ّت �س��ع‪ /‬وب�ل��ا ٌد لم مختبر اللغة؛ «الكتابة عن الكتابة» إذ يأخذ الشاع ُر‬ ‫تروها»‪.‬‬ ‫ومطبخهِ الشعري‪ ،‬حيث‬ ‫ِ‬ ‫القارئَ إلى مصنع كلماته‬ ‫ه��ذا المناخ ال� ّرس��ال��ي االستشهادي قطع معه‬ ‫إب��راه �ي��م ف��ي مجموعته ال�ث��ان�ي��ة «خ �ش��ب يتمسح‬ ‫كف الشاعر أن يكون منبرًا أو ناقل‬ ‫بالمارة»‪ ،‬فقد ّ‬ ‫حموالت وقائما ب��دور أكثر من أن يحتمله؛ فخلع‬ ‫م��ا ليس منه ملتفتاً إل��ى ذات��ه يتأملها ويعاينها‪،‬‬ ‫يقولها في الشفيف والبسيط بعد أن انفصل عنها‬ ‫زمناً؛ يمارس ما يتوهّ مه أنّه من «أعقد المهمات»‪:‬‬ ‫الرائي‪/‬الرائد‪/‬المعبِّر‪/‬الكاشف‪ ..‬لكنّ ريح الواقع‬ ‫تسفع ك ّل التيجان الورقيّة عبر االهتراءات والهزائم‬ ‫المتوالية على أكثر من صعيد‪ ،‬وعبر مواقع أ ُخليت‬ ‫آللة اإلع��دام بشتّى أصنافه‪ .‬عبر هذا وذاك بات‬ ‫على الشاعر أن يُعيد تفحّ ص كامل عتاده الشعري‪:‬‬ ‫قوالً وأداة؛ ولم يكن النبع بعيداً فهو منه «على ضربة‬ ‫م �ع��ول»‪ :‬ال ��ذات ف��ي اشتباكها اليومي ومشاغلها‬ ‫وش��واغ�ل�ه��ا ال�ت��ي ال تني تحفر‪ ،‬لكنّها بعيدة عن‬ ‫الرصد فتقع في دائرة المهمل والعارض والمُهمّش‪،‬‬ ‫جماليات؛ ظلّت مهدورة حتّى‬ ‫ٍ‬ ‫رغم ما تجيش به من‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪81‬‬


‫التخلّق األول للكلمات‪ ..‬للحاالت‪ ..‬وقبل أن تُجبَل‬ ‫على الورق حياةً؛ يرينا الشاعر كيف هي المسيرة‪..‬‬ ‫وك��م ه��ي ش��ا ّق��ة وصعبة‪ ،‬وك��م ه��ي وع��رةٌ الطريق‪.‬‬ ‫�ص ه��ذا ال�ج��ان��ب ف��ي المجموعة األول��ى‬ ‫وق��د خ� ّ‬ ‫بأوراق شديدة‬ ‫ٍ‬ ‫بقسم تحت عنوان «يمشي مسكونا‬ ‫هواجس شمعة»‪ ،‬وفي المجموعة الثانية جعل‬ ‫ُ‬ ‫وله‬ ‫موضوعة الكتابة ذائب ًة في خضم العمل كله‪ .‬لم يعد‬ ‫هناك ما يميّزها بتخصيص قسم منفصل لها‪ ،‬وإن‬ ‫كان لها الوجود كقصائد قائمة بذاتها أو مبثوثة بين‬ ‫نصوص تدخل «الكتابة عن الكتابة» في نسيجها‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫في مجموعته األخ�ي��رة «ان��زالق كعوبهم» التي‬ ‫كتبت في النصف الثاني من التسعينيات وأوائل هذا‬ ‫القرن (‪2002 -1996‬م)‪ ،‬تنحو الكتابة نحو السّ بر‬ ‫والتغلغل والتفتيق واالستقصاء‪ .‬الحفر بدأب على‬ ‫المشهد أو على الحالة؛ باالشتغال على التفاصيل‬ ‫واالنشغال بها من الداخل‪ ..‬مازجا بين التصوير‬ ‫والرّصد والتحليل واالستبطان‪ .‬عي ٌن ترصد‪ ..‬وذاتٌ‬ ‫تتأمل في سطور متالحقة‪ ،‬تأخذ برقاب بعضها‬

‫في كتلة ال تميّزها عن النثر العادي‪ ،‬إال أنها تمتلك‬ ‫األس�ب��اب الكافية من الشعر؛ لغة وفكرا ومخيلة‬ ‫وتوترا‪ ،‬ما ينزلها منزل َة القصائد المشغولة ببراعة‬ ‫وانتباه تنقذها من ثرثرة النثر وعاديته‪.‬‬ ‫وبإجمال‪ ..‬ف��إن تجربة إبراهيم الحسين عب َر‬ ‫ه ��ذه ال�م�ج�م��وع��ات م�ت�ح� ّول��ة ن��ام �ي��ة‪ ،‬ن�ع��اي��ن فيها‬ ‫الصدى العام واالنشقاق‪ ،‬واالنشغال الشخصي‪،‬‬ ‫ومنفتحة على أفق من التجارب والتجريب‪ ،‬سواء‬ ‫في جانب الرؤية المخامِ رة إلنبات النص‪ ،‬أو في‬ ‫جانب المغامرة والهيئة التي يتشكل بها‪ .‬وهو في‬ ‫ه��ذا ينتمي إل��ى الكتابة ال�ج��دي��دة غير المسوّرة‬ ‫وغير المحدودة بأعراف وتقاليد‪ .‬ثمة مساحة من‬ ‫الحرية تغريه وتغويه بأن يطوّر أدواته‪ ،‬وينفتح على‬ ‫جميع األشكال والتجارب‪ ..‬يغتني ويلقّح تجربته بما‬ ‫يؤهلها لالستمرار والتدفق‪ .‬أبدا‪ ،‬كما قال «يركض‬ ‫في أزمنة الشعر»‪« ..‬الهثاً‪ ،‬يغالب رَهَ َق الروح»‪.‬‬

‫* قاص وكاتب من السعودية‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪82‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫قراءة في رواية ليلى األحيدب‬ ‫«عيون الثعالب»‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫املغلوب والغالب‬

‫> فهد املصبح*‬

‫م ��ن ال� �ب ��دء أج ��دن ��ي م�ت�ف�ق��ا م ��ع ال �غ�ل�اف‪,‬‬ ‫ومختلفا م��ع ال�ع�ن��وان‪ ,‬فهو مفضوح م��ن أول‬ ‫وه �ل��ة‪ ,‬ح�ي��ث ي�ب��رز ال�م�ك��ر كطبع ف��ي الثعلب‪,‬‬ ‫وبهذا تنتهي الحكاية‪ ..‬وربما يقتل النص‪ ,‬لكن‬ ‫الفضول خلف األنثى يعيد المتلقي إلى قراءة‬ ‫العمل‪ ،‬فيلفى أجواءه الليلية لسهرات مثقفين‬ ‫م�خ�ت�ل�ط��ة ب �ك��ل ش� ��يء‪ ,‬ط��اف �ح��ة ب��ال�ح�ي��وان�ي��ة‬ ‫المنظمة‪ ,‬مختبئة تحت أستار الظالم‪ ,‬لذلك‬ ‫أرى أن يكون العنوان «ليل الثعالب» بدال من «عيون الثعالب»‪.‬‬ ‫ومن يقرأ لألحيدب يجدها مهجوسة بالقص‪ ,‬فهي ال تعتبره نافدة تتنفس منها‬ ‫وحسب؛ بل تغريها معاناة والدة الكلمة بما فيها من جرأة ووضوح متسقة مع أذن القارئ‪,‬‬ ‫ومن محاسن الصدف أن الكاتبة اسمها ليلى‪ ,‬ونحن نعلم الموروث الثري لحكايات ليلى‬ ‫فيه‪ .‬لكن ليلى األحيدب حسمت أمرها منذ البداية‪ ..‬مجترحة الفعل الكتابي كقدر‬ ‫قد يؤخر بروزها‪ ,‬ألن نقادنا األفاضل أو غالبيتهم ال يريدون النقاء‪ ,‬بل يحرصون على‬ ‫التلوث في الكاتب والمكتوب‪ ,‬عندها يكون شأنهم عظيما (طبعا إال من رحم ربي)‪.‬‬ ‫تكف الكاتبة وهي تطل علينا‬ ‫لذلك‪ ،‬لم ّ‬ ‫بروايتها األول��ى ع��ن تعاطي ال �س��رد‪ ،‬حتى‬ ‫ورطت بطلتها مريم في أعمال ال تقوم بها‬ ‫امرأة واحدة‪ ,‬بل عدة نساء تالحقهن سطوة‬ ‫رج ��ال ال�ح�س�ب��ة‪ ,‬وي �ص��دق م��ا ي �ق��ال عنهن‬ ‫بأعمال منهن كردة فعل قوي فاحش‪ ,‬لكن‬

‫الحلول المطروحة لمن تلوثت أو زلت قدمها‬ ‫منهن ف��ي م�ه��وى ال��رذي�ل��ة غير ن��اج�ع��ة‪ ,‬بل‬ ‫مسكنة أللم الثورة في نفسية أهل الضحية‪..‬‬ ‫من غدر عابث يزعم أنه مثقف وله عالقات‬ ‫نسوية كثيرة‪ ,‬ويتعاطى المسكر‪ ,‬وقد يفوت‬ ‫فرائض الدين بحجج ظاهرها فيه الحق‪..‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪83‬‬


‫وباطنها فيه الباطل‪ .‬وهو منزلق خطير تورطت أبدعت فيها توثيق األنثى باللونين األسود واألسود‬ ‫فيه روايتنا المعاصرة إلدانة المجتمع على طريقة (برضو)‪ ,‬على حد تعبير الكاتبة‪.‬‬ ‫(بيدي ال بيد عمرو)؛ فتكون الثعالب هي النساء أو‬ ‫ص��درت ال��رواي��ة ع��ام ‪2009‬م ع��ن دار ري��اض‬ ‫اإلناث‪ ،‬والذئاب هم الرجال أو الذكور‪ ,‬وفي رأيي‬ ‫الريس للكتب والنشر في لبنان وتقع في (‪)306‬‬ ‫المتواضع‪ ..‬تصلح الرواية ‪-‬وتحديدا في جزئها‬ ‫صفحات من القطع المتوسط‪ ,‬وبين رجلين ألقت‬ ‫فيلم‬ ‫األخ�ي��ر‪ -‬أن تجسد في عمل تلفزيوني‪ ،‬أو ٍ‬ ‫الكاتبة بحملها وتخلت‪ ,‬الرجل األول الزوج الشاعر‬ ‫سينمائي لقوة الصراع والحدث وحبكة الحدث‬ ‫والعضد المعين‪ ,‬والرجل الثاني المعلم والعراب‬ ‫التي تحبس أنفاس القارئ قبل البطل‪.‬‬ ‫الدافع لهم الكتابة الصحفية واألدبية‪ ،‬على حد‬ ‫وإن كانت هذه الحبكة أتت متأخرة في النص سواء‪.‬‬ ‫بعض الشيء‪ ,‬قد يمل القارئ من تجمعات مثقفة‬ ‫ومن الصفحة األول��ى‪ ،‬تعترضك البطلة مريم‬ ‫يستوي فيها الحسن والسيئ‪ ,‬لكن ال�ح��وار رغم‬ ‫بجنونها وجنوحها المترهبنة في محراب البطل‬ ‫ط��ول��ه ف��ي ال��رواي��ة‪ ,‬ق��ام بالتخفيف ع�ل��ى قابلية‬ ‫علي ال��وث��ن‪ ..‬معلنة ه��ذا‪ ،‬وف��ي السطر السابع‬ ‫المتلقي للمتابعة‪ ,‬لتجرفه الكاتبة ببراعة‪ ..‬وبلغة‬ ‫تحديدا من النص‪.‬‬ ‫شاعرية جميلة‪ ،‬لطرح إشكاليات يسمع بها ولم‬ ‫واألعين تراها عاقلة‪ ،‬ولما عقلت أو حاولت‬ ‫يعشها‪ ,‬فيها سطوة األنثى وعذاباتها‪ ,‬مترسخة في‬ ‫نفسية الكاتبة‪ ..‬لم تنجها في بعض األحيان من التعقل‪ ..‬عدّوها مجنونة‪ ،‬وبقيت تائهة بين العقل‬ ‫التحامل معها‪ ,‬بأن قدمت ما يكون وكان دون تحيز والجنون في صوالين أدبية نتنة‪ ،‬في ج ٍّو ال أدب فيه‬ ‫على لسان أبطالها الكثيرين‪ ,‬أما بطالتها‪ ..‬فتائهة وال حياء وال جنون‪ ..‬بل مجون‪ .‬وببراعة أدخلتك‬ ‫بين الثعلبية والذئبية بعيون ترى تفاصيل الجسد الكاتبة في نصها األول كرواية مع مريم كتفا بكتف‬ ‫هو المهيمن على النص‪ ,‬تاركة التأويل للمتلقي تماما‪ ..‬وبعد تلك السالسة واللغة الراقية‪ ،‬فاض‬ ‫الذي لن يغيب عنه أبدا النبش بين السطور لربط ح��وار وط�غ��ى على جسد ال �ن��ص‪ ،‬وص��ار دعامته‬ ‫ترميمات صنعتها الروائية بسالسة‪ ,‬وك��أن لسان القوية‪ ..‬تسهيال على الكاتب وال�ق��ارئ على ح ّد‬ ‫حالها يقول‪« :‬ما داموا اتصفوا بالذئبية‪ ..‬فلنتصف سواء من عنت القراءة التي نحن في ذيل قائمتها‪،‬‬ ‫نحن النساء بالثعلبية»؛ وه��و ما أكدته مريم في اهتماما لتسير ال��رواي��ة ف��ي صفحاتها الثالثين‬ ‫مكرها لإليقاع بعلي في أيدي رجال الهيئة‪ ,‬متلبسا األول��ى على أن��ه ثعلب‪ ..‬ب�ح��وار قالت فيه‪ :‬أك��ره‬ ‫إثم األنثى‪ ،‬وما عليه إال أن يختار أحد الحلين ليؤول الثعالب ص (‪ ،)33‬ممسكة بخيط القص السردي‬ ‫أمره إليها زوجا‪ ,‬وهو ما حصل في النص بمكيدة من البدء إلى المنتهى‪ ،‬وهي عبارة عن عالقة أو‬ ‫حسبها علي من تتبع أحد من أهلها‪ ,‬أو وشاية من تعلق مريم بعليّ ‪.‬‬ ‫إحداهن الالئي يحضرن جلساتهم الليلية وتحديدًا‬ ‫إلى هنا‪ ..‬الرواية عادية على ح ّد تعبير الكاتبة‬ ‫سعاد‪ .‬وعند منعطف المكيدة لإليقاع به‪ ..‬وهنا‪،‬‬ ‫أيضا‪ ،‬عدا تأخر عودتها ليال‪ ،‬مع عدم معقولية‬ ‫توقفت السترد أنفاسي من تركيز الحدث الذي‬ ‫تصديق أو تمرير الحادث المروري الذي أخرها‬ ‫صنعته الكاتبة بمهارة ومعقولية في روايتها األولى‪,‬‬ ‫مغر خال من شبح ثعلب ينظر عند منى‪.‬‬ ‫يزينها غالف جميل ٍ‬ ‫إل��ى الشمس‪ ,‬ه��ي ل��وح��ة للفنانة إل�ه��ام الزبيدي‬ ‫كان البدء معه تصاعديا ص ‪ 62‬و‪ 63‬إلى نهاية‬

‫‪84‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫الحب بين اثنين أصبح ليس‬ ‫المقطع؛ وما هو إال بوح امرأة من‬ ‫ص��راع��ا يقوم ب��ه عمل أو رواي��ة‪،‬‬ ‫امرأة‪ ,‬اطلعت على أعمال أخرى‬ ‫فهو موجود منذ األزل‪ ..‬إال إذا‬ ‫كثيرة قبل أن تبدأ الغزل والغزل‪,‬‬ ‫�داع خالد جديد‪,‬‬ ‫ك��ان سبيال إلب� ٍ‬ ‫كتابة ونسجا‪ ,‬وك�ل��ه ف��ي مجمله‬ ‫أما الكتابة عن الحب في عصرنا‬ ‫خ�ي��وط أو خ�ط��وط متشابكة‪ ،‬ال‬ ‫ال� ��راه� ��ن‪ ،‬ف �ه��و ال �ع �ب��ث ب�ع�ي�ن��ه‪،‬‬ ‫تجيدها إال عنكبوت متمرّسة‪.‬‬ ‫متناقض ف��ي م �غ��زاه‪ ..‬ك��اذب في‬ ‫ع �ن��دم��ا ي �ك��ون ن �ص��ف ال �ك�لام‬ ‫ه��دف��ه‪ ..‬ليس صلبا‪ ،‬وخ ��ال من‬ ‫صدقاً ونصفه كذباً‪ ..‬نأخذ باألقل‬ ‫التضحية‪ ,‬لكنه شمّاعة لتدوين‬ ‫ضررا‪ ،‬مرجّ حين كفة الشر تفاديا‬ ‫عمل روائ��ي سبقنا فيه آخ��رون‪،‬‬ ‫ل��ه‪ ,‬فليس الحداثيون ه��م سبب‬ ‫لن نلحق بهم بهذا الهراء المزعوم‬ ‫فساد المرأة‪ ,‬ولن يمنعها وجودهم من عدمه‪.‬‬ ‫رواية عندنا‪ ،‬وإن كثرت؛ فالفتاة التي تتعلق بأكثر‬ ‫اإلش�ك��ال�ي��ة أن ال�ك��ات��ب أح�ي��ان��ا ي ��ورط أبطاله من رجل‪ ..‬أين صدق الحب هنا؟‬ ‫بأعمال تؤيد تحذيرهم المتشدد وال�ح��ازم على‬ ‫عند ليلى األحيدب نمو جميل وشاد للعمل في‬ ‫البنت‪ ,‬والمأمول أن يكون الكاتب محايدا قدر‬ ‫االستطاعة‪ ,‬فال يكون دليل إدانة وال حائط صد أحداثه‪ ،‬وضمور في شخوصه‪.‬‬ ‫ح ��وار ص (‪ )117‬السطر ال�ث��ال��ث فيه تأثير‬ ‫في السلب أو اإليجاب‪.‬‬ ‫توقيع من الشيخ ابن عامر المفروض تقريظ وتعليم وجنون ومجون‪.‬‬

‫الكاتبة ملمة باللغة‪ ،‬وإن خالطتها العامية‪ ,‬تكتب‬ ‫من الشيخ ابن عامر‪ ,‬وليس تقديما أو توقيعا‪.‬‬ ‫ه�ن��اك أس �م��اء ك��ان إخ �ف��اؤه��ا غ�ي��ر م�ج��د مثل بتلقائية ومخزونها الفكري أعتقد أنه ناضج‪ ,‬ولما‬ ‫عايد المري؛ ألن كتابه يدل عليه‪ ,‬وأسماء ما كان حانت هذه اللحظة اهتبلتها لتطرح عملها من دون‬ ‫التصريح بها مجديا كمحمد حسين فقي واالكتفاء إسفاف‪.‬‬ ‫أكرر‪ ،‬إن البطلة أكثر من امرأة‪ ,‬وإال ألصابتها‬ ‫بمركزه األدبي‪.‬‬ ‫أمراض نفسية وعضوية‪ ,‬ولكنها حتى آخر سطر‬ ‫ٌ‬ ‫«ترافولتا طل» تبدو للقارئ أنه ط ّل بهيئته ص‬ ‫في الرواية لم تزكم؛ فهذا دليل على أنها أكثر من‬ ‫(‪ ،)87‬مع أنها لفظة عامية ساخرة‪.‬‬ ‫واحدة في واحدة‪ ,‬خلعت الكاتبة اسم مريم عليها‬ ‫في ص (‪ )90‬هناك عبارة عن قصة مكتملة في وانحازت كثيرا لها؛ فجاء البطل ال بطالً‪ ,‬بل ذئباً‬ ‫السطرين الثاني والثالث‪.‬‬ ‫عابثاً في بؤرة فساد ال يمكن أن تتولى أمرا في‬ ‫أن يكتب المبدع ما ال يعرفه المتلقي إشكالية‪ ,‬المجتمع‪ ,‬ف��اإلدان��ة واض�ح��ة ال تحميها إال كلمة‬ ‫فإن غاص في التفاصيل افتضح‪ ،‬وإن لمح غرق الحرية الشخصية التي ولدت ميتة‪ ,‬ألن الحرية‬ ‫في الغموض‪ ,‬ولهذا اعتمدت الكاتبة األحيدب يساء كثيرا فهمها‪ ,‬كما قد يساء فهم هذا النص‬ ‫الحيوي في جرأته‪.‬‬ ‫الراوي العليم بضمير المتكلم أنا وأمرها لله‪.‬‬ ‫* قاص وناقد من السعودية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪85‬‬


‫معارج األلم وقلق الوجود‬

‫في «جنازة الغريب» لـعبد الله السفر‬ ‫> سمير أحمد الشريف*‬

‫حس الدهشة‪ ،‬والمبدع األصيل الموهوب‬ ‫المبدع الحق‪ ..‬لن يكون كذلك إال بامتالك ِّ‬ ‫من يعيش فكرته ويموت من أجلها‪.‬‬ ‫هذا ما قفز للذهن حال االنتهاء من تلقي فيوضات نصوص األستاذ المبدع «عبد الله‬ ‫السفر»‪ ،‬من الوجودية‪ ،‬والنفسية‪ ،‬وجراحات األلم‪ ،‬الذي تفيض به السطور‪.‬‬ ‫عوامل كثيرة تتضافر في إيصال رسالة الكاتب‪ ،‬ب��دء ًا من العنوان الالفت والمعبر‬ ‫والموحي «جنازة الغريب»‪ ،‬حيث الموات والتالشي واالغتراب المكاني والنفسي؛ تنجدل‬ ‫تلكما المفردتان لتحمال ثيمة الكتاب بوضوح‪ .‬فإذا ما أضفنا لوحة الغالف‪ ،‬فإننا نجد‬ ‫نجاحا آخر‪ ،‬وتلوينا جديدا يضفي على العنوان إحاالت ضافية أخرى‪ ،‬تصب في المجرى‬ ‫ذاته (الموت‪/‬الغربة)‪.‬‬ ‫ي�س�ج��ل ل�ل�ن�ص��وص إخ�لاص �ه��ا وحرفيتها‬ ‫لم يثبت الناشر وال الكاتب هوية الكتاب‪،‬‬ ‫وتركاها غفال‪ ..‬في إشارة لعدم قناعة المؤلف لتسجيل التفاصيل في تقابالت وتكرار لغويين‬ ‫بالتصنيف الحالي‪ ،‬ومحاولة منه في ممارسة تفيضان على النص مزيد إشعاع وإضاءة‪.‬‬ ‫تجريب ال يخضع النص إلطار – وليطل على‬

‫تجريب حداثوي يسبق ح��اض��ره‪ ..‬وم��ا توصل‬ ‫إليه النقد‪.‬‬

‫يمتّح الكاتب من تجربته الحياتية‪ ،‬فيرسم‬

‫قلقا وقطيعة مع الماضي عبر جمل شعرية‬

‫ممسوكة البناء‪ ،‬تحتل اللغة ووهجها فيها مكانة‬ ‫ضافية‪.‬‬

‫‪86‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫تزدحم سطور (جنازة الغريب) لعودة الفتة‬ ‫للذات‪ ،‬في محاولة لإلمساك بالحلم‪ ..‬وإعادة‬ ‫إنتاجه بمزايا ج��دي��دة‪ ،‬وزواي��ا نظر التقاطية‬ ‫الفت من اإليقاع البصري‪،‬‬ ‫متعددة؛ مخدوما بك ٍّم ٍ‬ ‫كما تشترك في وحدة نفسية تجاهد للوصول‬ ‫ل�خ�لاص يبتعد بها ع��ن ال��روت�ي��ن الوظيفي‪/‬‬ ‫الحياتي‪ ،‬ومحاوالت تجاوز محطات األلم‪ .‬لهذا‬ ‫نجد ثيمات كثيرة تتقاطع في سطور المبدع‬


‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫«عبدالله السفر»‪ ،‬كاإلحساس بالفراغ‪ ،‬وثقل الزمن‪،‬‬ ‫والوحدة‪ ،‬واليأس‪ ،‬والتوتر‪ .‬وهو لذلك يعود بين الفينة‬ ‫واألخ��رى إل��ى الحلم والطفولة ‪/‬ال��ذاك��رة البكر غير‬ ‫الملوثة والمشوهة‪ ،‬هربا من الواقع المأزوم‪ ،‬وسعيا‬ ‫إلى لحظة تسامٍ ‪ ،‬وصوال لدرجة من التطهر من أوضار‬ ‫المعيش القاتل‪ ،‬سواء على مستوى اإلمساك بالحلم‪،‬‬ ‫أو العودة للطفولة‪ ،‬أو الحنين للحظات كثيفة بهيجة‪..‬‬ ‫تقاطعت مع رحلة األلم‪ ..‬الكبر‪/‬الحياة‪.‬‬ ‫يتجلى األلم في لوحة مكبرة أمام مصيرنا الذي‬ ‫يفتح أحضانه‪ ،‬منتظرا نهايته المحتومة‪ /‬التالشي‪/‬‬ ‫األفول‪ /‬المرض‪ /‬الموت‪ ،‬ليقف اإلنسان حائرا‪ ..‬ال‬ ‫يملك دفعا لمصيره ال��ذي يحاول أن يتناساه‪ ..‬وهو‬ ‫يسعى إليه على قدميه‪ .‬لهذا‪ ،‬قد نجد مسوغا لتمرد‬ ‫النص وسخريته أحيانا كثيرة‪.‬‬ ‫يتبدى القلق الوجودي على المصير المنتظر في‬ ‫هذه السطور جليا واضحا‪ ..‬النعناع بأعواده الغضة‬ ‫الطرية يزينها‪ ،‬يطلق شذاه‪ ..‬ويترك ِللِّسان أن يغيب‬ ‫في االستطعام‪ /‬ل��ذة‪ ..‬وإن تمت فهي ناقصة؛ ألنها‬ ‫يحاول فمه تردمه الهشاشه‪ ..‬من زج بالندين خارج‬ ‫م��ؤق�ت��ة!! يختبر ب��راع��م ال �ت��ذوق على مهل الجلسة‪،‬‬ ‫الليل وأراد ل��ه صحوة الظهيرة‪ ،‬ه��ا ه��و ف��ي وض��وح‬ ‫وعلى مهل الرشفة التي تحلو بحديث االستعادة بأيام‬ ‫غ��اب عنه زمنا يكتشفه اآلن‪ ،‬ها هو يسحب روحة‬ ‫خلت‪ ..‬بدت نائية‪ ،‬قطعا نازفة‪ ..‬في مسيرة ال تتوقف‬ ‫إلى المهبّ ‪.‬‬ ‫من اآلالم والمنغصات؟‬ ‫الى البئر األولى للذكرى والماضي الجميل‪ ،‬إلى‬ ‫هذه اللحظات الجميلة التي نسرقها لتصد جحافل‬ ‫الطفولة الغضة التي لم تلوث بقتام الحضارة‪ ..‬أذكر‬ ‫النسيان التي تقترب منا‪ ..‬الشاي وعبير النعناع فرملة‬ ‫سطوري األول��ى وأنفاسي‪ ،‬العمر ي��درج في انتظار‬ ‫صغيرة‪ ،‬لعل غبار األي��ام يهدأ قليال‪ ،‬ويضع فسحة‬ ‫أرغفة خبز ثمانية أدسها في الصدر‪ ،‬يشع الدفء‪..‬‬ ‫تنهض فيها الروح إلى وداعتها‪ ..‬مغسولة من أدران‬ ‫يطرد بردا يجم ّد األنفاس ويمتد إلى أقدام حافية‪..‬‬ ‫الكآبة‪ ..‬نطالع الساعات خلسة؛ لكي نحسب كم بقي‬ ‫أقدام ال تعرف الحذاء إال في الدوام المدرسي‪ ،‬أقدام‬ ‫لنا‪ ،‬وكم بقي للطريق الذي نريق فيه أعمارنا‪.‬‬ ‫ي ُِس ُّر إليها الطين بحكاياته‪ ،‬يلتصق بها ولم يَزُل مهما‬ ‫ه��ذا االعتكار‪ ،‬وتلك الطلسمية التي تجعل من دعكته األيام‪ ،‬أرغفة اآلن طارت وحطت في كيس من‬ ‫النص مستغلقا على التفسير واإلمساك‪ ،‬هذا الغموض البالستك‪ ،‬تجده في أي وقت‪ ،‬وقد تمزق عنه كتاب‬ ‫الجميل ال منجاة من تشرب نسغه‪ ،‬إال بمعاودة النهل الحلم‪ ،‬وذاب عنه ن��دى الفجر‪ ،‬أه��ي أرغ�ف��ة الخبز‬ ‫من نبعه مرة أخرى‪ ،‬حتى ينجلي المعنى‪ ،‬ويكشف عن وحدها التي تهرأت؟‬ ‫نفسه‪ ،‬على ال�ب��اب‪ ..‬اتكأ‪ ،‬كأنما يستند إل��ى خيبة‪،‬‬ ‫هذا السؤال بحجم الفجيعة‪ ..‬صرخة رثاء للحلم‬ ‫جرمه يكاد يشعل الفتحة التي لم تكن ضيقة‪ ..‬عبثا‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪87‬‬


‫الذي انقضى‪ ،‬والعمر الذي تبخر على درجات األلم‪.‬‬ ‫تعود الطفولة إلى ماضيها البعيد أيام «الرادو»‪ ،‬ملك‬ ‫اإلع�ل�ام‪ ..‬ووسيلة التثقيف وال �ط��رب‪ ،‬عقد تنظمه‬ ‫ف�ن��اج�ي��ن ال �ق �ه��وة‪ ،‬وح �ب��ات ال �ت �م��ر‪ ،‬وس��وال��ف التينة‬ ‫والسدرة والفسيلة التي كأصغر األوالد‪ ،‬وربما تنغمس‬ ‫اآلذان في شجى عراقي نبيل يبثه (رادو) تحتضنه‬ ‫أحد ال��روازن‪ ،‬تزينه عباءة س��وداء م��دروزة الجوانب‬ ‫بخيوط من ذهب‪ ..‬ويرتفع نشيج الرثاء مناديا على‬ ‫األطالل التي كانت بالدا‪.‬‬ ‫ندلف إل��ى أنسنة األش �ي��اء؛ فها ه��و ال�ب��اب كائنا‬ ‫يعبئه اإلحساس‪ ..‬أيها الباب ماذا تحرس؟ من كان‬ ‫يلبد وراءك بأسراره تكنه تحوطه بالعتمة وبالبهجة‬ ‫الخفية‪ ..‬رحلوا وما تركوا غير آثار غيابهم الجارح‪،‬‬ ‫ب�ع��ض خضابهم ع�ل��ى ال �ج��دران ه��رب��ا – إل��ى غابة‬ ‫وخرابة األسمنت‪.‬‬

‫ورداً أو ذك��رى‪ ،‬ففيهما تنام أوراق ��ه المطوية التي‬ ‫تؤنسن الحلم من أجل أن يقيم معها ح��وارا افتقده‬ ‫مع األحياء من بني البشر‪ ،‬وتواصل إنساني لم يعد‬ ‫موجودا بين كائنات تتنفس المصلحة‪ ،‬وت��زرع تراب‬ ‫األيام بجمع المال‪ ..‬ينهرني الحلم بمالمح ليست لها‪،‬‬ ‫يخاتلني كأنها هي‪..‬‬ ‫أهرع إلى زجاجة العطر‪..‬‬ ‫في الرائحة‪ ،‬تصحو ذاكرة وأيام‪.‬‬ ‫ولهذا‪ ،‬ما ينفك يحفر في أرض الحنين‪ ،‬هروبا‬ ‫م��ن رت��اب��ة ال�ي��وم وإي�ق��اع��ه ال�ق��ات��ل‪ ،‬صناعة الحنين‪،‬‬ ‫أقطف ثمرة الوجوه الذابلة‪ ،‬أرويها بدفء غاب‪ ..‬علها‬ ‫تنهض من الوحشة‪ ،‬نبّهت الغافي من تعب‪ ،‬الغافل بين‬ ‫قضبان األيام‪ ..‬التالف في علب الوجوه المحفوظة‪،‬‬ ‫الراكد اآلس��ن‪ ،‬يتمطى في كرسي الوظيفة‪ ،‬تمتصه‬ ‫ال�ج��رائ��د‪ ..‬ورم��اد الشاشة يغطي نومه ك��ل مساء‪..‬‬ ‫قطعة م��ن العمر ت��ذه��ب‪ ،‬وأخ��رى ف��ي امتثال رحيل‬ ‫يأزف وينشر ظالالً لألرق‪.‬‬

‫نستالوجيا القرية فرض على السارد‪ ،‬تماه حتى‬ ‫مع الجماد‪ ،‬ها هو يتوحد بالشجرة‪ ،‬فهُما شيءٌ واحد‪،‬‬ ‫ينتظر المصير نفسه‪ ،‬تل ّح عليه هذه الشجرة بصفرة‬ ‫ي��ؤرق��ه البحث ع��ن خ�ط��وات بكر نقية ل��م تتلوث‬ ‫أوراق�ه��ا‪ ..‬والشحوب ال��ذي يمازج أغصانها‪ ،‬تتهدل‬ ‫من عطش ومن شمس ومن ريح‪ ..‬تتحشرج في حلقه بعد‪ ،‬وال عفرها درب سالك بوهم الخبرة ب��دروب‬ ‫دمعتان‪ ،‬يدني اإلبريق‪ ..‬غامت عيناه من ورق يتكسر‪ ،‬مطروقة‪.‬‬ ‫وشجرة تشخر في صدره‪.‬‬ ‫هل هي الدعوة إلى نقاء الطبيعة‪ ،‬أم التمرد على‬ ‫في مدينة األسمنت‪ ،‬حيث عبودية القرن العشرين مفردات وأبجديات الحضارة التي ذبحت الماديات‬ ‫– الوظيفة وروتينها وكآبتها ‪ -‬تعود أن يقطف كل صباح إنسانها؟ أرى تعالقا م��ع أن�ف��اس الكاتب األمريكي‬ ‫عودا من ريحان حديقة منزله‪ ،‬يفتح به بهجة العمل «اميرسون»‪.‬‬ ‫ومشوار الصباح‪ ،‬يعب الرائحة ويردد ما يحسبه ترتيل‬ ‫األم��ل‪ ،‬تهدأ حقل الشوك‪ ،‬يسفر عنه لغط الزمالء‬ ‫الذين لو يستطيع ما استمع إليهم‪ ،‬لعدم قدرته على‬ ‫التواصل م��ع أج��واء مريضة عكست جهامتها على‬ ‫أوراق تحط على طاولته‪ ،‬ال يزجرها‪ ،‬يكتفي بعود‬ ‫ريحان يطيل إليه النظر‪ ،‬ويحجب عسر الوقت الذي‬ ‫ال يمر‪ ،‬ألي إش��ارة إل��ى ثقل زم��ان المدينة‪ ..‬وبطء‬ ‫مروره في الوظيفة‪ ،‬لهذا يمارس هروبه إلى الرائحة‬ ‫* كاتب من األردن‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪88‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫وق�ف��ة أخ �ي��رة تلفت ف��ي ك�ت��اب ال�م�ب��دع «عبدالله‬ ‫السفر» أنه لم يثبت على غالفه األخير بعض جمل‪..‬‬ ‫عمد البعض على استجدائها من بعض األق�لام‪ ،‬بل‬ ‫جعل نصه يقدم نفسه بكل وثوق‪ ..‬إدراكا منه أن النص‬ ‫القوي ال يحتاج لعكاكيز التقديم‪ ..‬لكي ينهض على‬ ‫قدميه‪ ،‬وأن اإلبداع الحقيقي ال يمنح صكوك غفران‬ ‫من أح��د‪ ،‬ويقدم نفسه دليال على مصداقية كاتبه‪،‬‬ ‫الذي يملك األسئلة الكبرى‪ ..‬ويقدر على طرحها‪.‬‬


‫معاصرة‬ ‫ٌ‬ ‫منمنمات اجتماع ّية‪ ،‬تاريخ ّية‪ُ ..‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫«طوق احلمام» للروائية السعوديّة رجاء عالم‬

‫> هيثم حسني*‬

‫تُوكِ ل الروائيّة السعوديّة رجاء عالم مهمّ ة السرد في‬ ‫روايتها «طوق الحمام»‪( ،‬المركز الثقافي العربي‪ ،‬بيروت‬ ‫ال��دار البيضاء ‪2010‬م)‪ ،‬لعدّ ة رواة‪ ،‬راوي��ة مؤنسن‪ ،‬وأخَ ��ر‬ ‫يتناوبون على اع�ت�لاء ال��واج�ه��ة‪ .‬تختار زق��اق� ًا م��ن أزقّ ��ة‬ ‫مكّ ة تسلّمه مقاليد الرواية ومفاتيح أسرارها‪ .‬تؤكّد في‬ ‫بداية الفصل األوّل أنّ الشيء الوحيد األكيد في كتابها‬ ‫هو موقع الجثّة‪ :‬الزقاق الضيّق المسمَّ ى أب��و ال��رووس‪،‬‬ ‫برؤوسه المتعدّ دة‪ .‬تفسح للزقاق مجا ًال رحب ًا لالستفاضة‬ ‫في الحديث‪ ،‬كي يعبّر عن نفسه‪ ،‬ويكشف عن هويّته‪ .‬يقول‬ ‫زقاق كأبي الرووس برؤوسه‬ ‫إنّه الوحيد القادر على كتابة ٍ‬ ‫المتعدّ دة‪ .‬يحدّ د موقعه في خريطة مكّ ة‪« :‬الزقاق الصغير بطرف ميقات العمرة بآخر‬ ‫مكّ ة‪ ،‬حيث يتطهّ ر المعتمرون ألداء طقس العمرة التي هي‪ :‬غسل آثام عامٍ سابق للتهيّؤ‬ ‫الحق من الذنوب»‪ .‬يصف نفسه بأنّه ملك التنفّ س الذي يواجه المستحيل‪ .‬بعد‬ ‫ٍ‬ ‫لعام‬ ‫التعريف نفسه‪ ،‬ي��روي بحكاية تسميته بهذا االس��م‪ ،‬التي تعود إلى العثور على أربعة‬ ‫رؤوس مدفونة ألربعة رجال‪ .‬ال يزيده التعريف إ ّال تنكير ًا وغموضاً‪ ،‬هو المكاشف «أنا أبو‬ ‫علم على زقاق مجهول لكلّ المعلومين الذين يملكون مهارة القدرة على‬ ‫الرووس‪ :‬اسم ٍ‬ ‫تغيير مصيري‪ ،‬وجعلي منظور ًا على خارطة مكّ ة»‪ .‬ثمّ يق ّر أنّه‪ ،‬وإن بدأ الحكاية بجثّة‪،‬‬ ‫فإنّه لن يعبأ باألموات بقدر ما سيطارد األحياء‪ ،‬فلقد واظب على إخفاء حبكات العشق‬ ‫واالنتقام جيّد ًا وراء األبواب‪ ،‬حتّى كانت الفضائح التي أزاحت الجثّة النقابَ عنها‪.‬‬ ‫تقدّم رجاء عالم شخصيّات منشطرة‪ ،‬اإلقصاء والتعتيم‪ ،‬فك ّل شخصيّة واردة في‬ ‫ت� �ع ��ارك ف ��ي واق� ��ع س � � ��وداويّ م �غ��رق في سياق األح��داث تفترض ن��دّ اً من داخلها‪،‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪89‬‬


‫صورة أخرى مناقضة للصورة التي تظهر بها‪،‬‬ ‫خارج وداخل‪ ،‬كالهما في مواجهة ومجابهة مع‬ ‫بعضهما بعضاً‪ ،‬كأنّها تعكس التناقض الممارَس‪،‬‬ ‫أو التخفّي الدائم خلف أحجبة وهياكل ظاهريّة؛‬ ‫بحيث يتراجع العالم الحقيقيّ الذي تعترك فيه‬ ‫ال��رغ�ب��ات الجامحة والسلوكيات والتصرّفات‬ ‫الطبيعيّة‪ ،‬أم��ام العالم ال��راغ��ب ب��رؤي��ة الصور‬ ‫الثابتة المسبقة‪ ،‬وتظهير تلك الصور وتعميمها‪،‬‬ ‫في رغبة للحؤول دون إحداث شروخ محتملة في‬ ‫جسد المجتمع‪ ،‬ال��ذي ارتضى االنشطار حتّى‬ ‫ص��ار له ميزة ودري�ئ��ة دفاعيّة‪ ،‬يحتجب خلفها‬ ‫مدافعاً عن اجتياح المتغيّرات الدائم‪.‬‬ ‫يكون المحقّق ناصر النموذج األبرز لالنشطار‬ ‫الداخليّ ‪ ،‬يقع ضحيّة تاريخه الشخصيّ ‪ ،‬يتكتّم‬ ‫ع�ل��ى أوج��اع��ه ال�م��زم�ن��ة‪ ،‬ي�ج��اه��د ف��ي تحقيقه‬ ‫المطوّل في جريمة قتل منسوبة إلى مجهول‪،‬‬ ‫حيث العثور على جثّة فتاة في زقاق أبو الرووس‬ ‫ي��وج��ب عليه النبش ف��ي ذاك ��رة ال��زق��اق‪ ،‬وع��دم‬ ‫االرت �ك��ان لما يساق م��ن ت�ب��ري��رات وذرائ ��ع غير‬ ‫مقنعة‪ .‬تتّخذ القضيّة بالنسبة إليه مساراً آخر‪،‬‬ ‫وأبعاداً مختلفة‪ ،‬يعدّ ها قضيّته الشخصيّة التي‬ ‫ال ب��دّ ل��ه م��ن كشف ال�ن�ق��اب ع��ن القتلة فيها‪،‬‬ ‫يستولي على رسائل عائشة اإللكترونيّة‪ ،‬التي‬ ‫معشوق ألماني؛ ديفيد‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫كانت تبعثها باطّ راد إلى‬ ‫مسمَّ ى مستحضر‪ ،‬لكن هُ�لام��يّ غير مجسّ د‪.‬‬ ‫�اص��ة‪ ،‬ث ّم‬ ‫كانت ق��د تعرّفت إليه ف��ي ظ��روف خ� ّ‬ ‫وطّ ��دت عالقتها ب��ه عبر ال��رس��ائ��ل ال�ت��ي كانت‬ ‫ترسلها من طرف واح��د‪ ،‬الرسائل التي تتغلغل‬ ‫في عالم المرأة الداخليّ ‪ ،‬في عتمتها اإلجباريّة‪،‬‬ ‫ف��ي وحدتها التي تط ّل منها على العالم عبر‬ ‫نافذتين ضوئيّتين فقط؛ شاشة الكومبيوتر‪،‬‬ ‫ونافذة غرفتها‪ .‬كما تكون الشخصيّات الروائيّة‬ ‫المقدَّ مة نماذج وعيّنات من كائنات منشطرة‬

‫‪90‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫يتقاذفها الواقع في أتونه ومستنقعاته وقيعانه؛‬ ‫فإضافة إلى ناصر وعائشة‪ ،‬تحضر وجوه ممرآة‬ ‫لهما‪ :‬ع� �زّة‪ ،‬ن ��ورة‪ ،‬ي��وس��ف‪ ،‬م�ع��اذ‪ ،‬خليل‪ ،‬تيس‬ ‫األغ��وات ربيب العشّ ي الطبّاخ‪ ،‬الشيخ مزاحم‪،‬‬ ‫راف��ا‪ ..‬وغيرهم كثيرون يتخبّطون في متاهات‬ ‫الزمن وشعاب األمكنة التي ت��ودي بهم‪ .‬تكون‬ ‫مختلف الشخصيّات وجوهاً لبعضها‪ ،‬فناصر‬ ‫يكتشف في رسائل عائشة ويوسف ذاته‪ ،‬يتعرّف‬ ‫إل��ى هويّته التائهة‪ ،‬تكون مرآته كما يكون هو‬ ‫صورتها المتحرّكة‪.‬‬ ‫التقصي عن‬ ‫ّ‬ ‫يستميت المحقّق ن��اص��ر ف��ي‬ ‫خيوط ق��د ت�ق��وده إل��ى اكتشاف بعض األس��رار‬ ‫التي تغلّف الجريمة المروّعة‪ ،‬ينساق وراء رغبته‬ ‫بتلصصه‬ ‫التلصص على رسائل عائشة‪ ،‬يتلذّذ ّ‬ ‫ّ‬ ‫في‬ ‫على عوالمها الجوّانيّة‪ ،‬يرسمها وفق مخيّلته‪،‬‬ ‫يُعيد ترسيمها ك ّل مرّة بناء على رسالة أو حدث‬ ‫مُكتشف في رس��ال��ة‪ ،‬أو كلمة ُم��ؤ َّول��ة من قِ بله‪،‬‬ ‫ينطلق في بحث محموم في «أبو الرووس»‪ ،‬يأسره‬


‫ي �ض��ع ن��اص��ر م �خ��طّ �ط �اً ل �ش �ك��وك��ه ل �ي �ط��ارد‬ ‫المشتبهين ب �ه��م‪ ،‬ان �ط�لاق �اً م � ّم��ا ي�ج�م�ع��ه من‬ ‫معلومات كثيرة متضاربة من مصادر متباينة‬ ‫من جهة‪ ،‬واعتماداً على تحليل رسائل عائشة‬ ‫وتفكيكها وتأويلها من جهة أخ��رى‪ ،‬ث ّم مقاطعاً‬ ‫بين معلوماته المستقاة من الواقع والرسائل معاً‪.‬‬ ‫وال يني يقتفي أثر يوسف في الزمن والمكان‪،‬‬ ‫يتتبّعه في تحرّكاته‪ ،‬ينبش األمكنة باحثاً عنه‬ ‫ف��ي م�ظ��انّ وج ��وده‪ ،‬حيث جسد ي��وس��ف ينفتح‬ ‫من الصفاء على ذاك��رة تبدأ بالماضي وتنتهي‬ ‫ب��ال �ح��اض��ر‪ ،‬ت �ت �ح �رّر ح��واسّ ��ه للتنقّل ب�لا عناء‬ ‫وتجسيد ذاك الماضي على جوار الحاضر بحيث‬ ‫يتحرّك فيهما‪ .‬يدخل المعابر غارقاً في بحور‬ ‫الحجيج‪ ،‬يعبر البوّابة القديمة المغروسة بذهنه‬ ‫من قراءاته‪ ،‬ومن صور اللبابيدي والخرائط التي‬ ‫جمّعها مشبّب من ذاك��رة المعمّرين بالقياسات‬ ‫التفصيليّة‪ .‬يبني عالمه المنشود‪ ،‬كأنّه يسترجع‬ ‫هندسة مكّة‪ ،‬محاوالً محاكاتها وإعادة تفصيلها‬ ‫م �رّة أخ��رى‪ .‬م��ا يعقّد م��ن صعوبة اقتفاء أث��ره‬ ‫ومطاردته من قبل ناصر‪ .‬يدمن معايشة عالمي‬ ‫الضوء والعتمة‪ ،‬يعايش عائشة ويوسف‪ ،‬يبحث‬ ‫عن جثّة غير معلومة‪ ،‬والقتلة أمامه يترنّحون‪،‬‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫المكان بألغازه الكامنة في ك ّل زاوية من زواياه‪ ،‬ال ويتالعبون به‪ ،‬يطاردونه ليل نهار‪ .‬تنقلب اللعبة‪،‬‬ ‫مناصاً من التردّد عليه كثيراً‪ ،‬يغدو مفتوناً يغدو ناصر المدمن على المطاردة‪ ،‬المطارَد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يجد‬ ‫به بطريقة أو بأخرى من دون أن يدري‪ .‬لكنّ «أبو يقع في ِشراك ذاته‪.‬‬ ‫ال��رووس» يجهر بإدراكه تأثيره على المتردّدين‬ ‫يخرج ناصر من مسلسل مطارداته الحقيقيّة‬ ‫عليه‪ ،‬وي�خ� ّ‬ ‫�ص��ص المحقّق ن��اص��ر بالكثير من والذهنيّة‪ ،‬بنتائج قاهرة بالنسبة إليه‪ ،‬يكتشف‬ ‫التدقيق‪ .‬يسع ُد لسطوته وق� ّوت��ه ولغزيّته غير أسرار ذاته‪ ،‬يقف وجهاً لوجه أمام خوائه‪ ،‬يتندّ م‬ ‫القابلة للتفسير‪ .‬يتكتّم على الموبقات والفجائع على ما فات‪ ،‬يناجي طيف عائشة‪ ،‬ال يلتفت إلى‬ ‫التي تقترف في بيوته وتشعّباته‪ ،‬يكتفي بتأمّل التشويه الذي طالها على يديه وأيادي سجّ انيها‬ ‫س�ج�ن��ائ��ه ال��رازح �ي��ن ب�ي��ن ج�ن�ب��ات��ه م��ن القنابل المحيطين بها‪ ،‬يعترف بانتصارها عليهم جميعاً‪،‬‬ ‫ال�ب�ش��ر ّي��ة ال�م��وق��وت��ة وال�م�ت�ف��جّ ��رة‪ .‬أب��و ال��رووس يتندّ م أل ّن��ه خالف األوام ��ر ول��م ي��د ّم��ر رسائلها‬ ‫يحاصر بالتمسيخ والتعقيد والتكبيت‪.‬‬ ‫التي تكفّلت بتدميره‪ ،‬يتماهى معها في حالة‬

‫وج� ٍ�د وتيه واعتراف‪ ،‬يخاطب الشاهد الشهيد‬ ‫فيها‪ ،‬هي التي قادته لمواجهة ذاته‪ ،‬خاض حرباً‬ ‫شرسة ض��دّ تهويماته وأوه��ام��ه‪ ،‬ينشقّ اسمها‬ ‫بصدره كعويل ذئب ض� ٍ�ار‪ ،‬يختم ببوحه بأسئلة‬ ‫قضت مضجعه‪« :‬آآه‪ ،‬يا لك من ام��رأة‪ ..‬ل َم لم‬ ‫ّ‬ ‫أح��رق��ك م�ب� ّك��راً‪ ،‬كما أُم � �رْتُ ؟! ل � َم ج��رؤتُ على‬ ‫عصيان الصبيخان وف�ق��ط م�ع��ك‪ ،‬وح�ي��ن جاء‬ ‫األمر بتدمير رسائلك اإللكترونيّة؟! لماذا نعجز‬ ‫عن تغيير طينتنا؟ أنا جبان خائن آلخر قطرة من‬ ‫دمي‪ ،‬وسأموت خائناً‪ ..‬في النهاية لقد قدتني‬ ‫لمواجهة ذات��ي‪ ،‬وضعتني بين خيارين‪ :‬الهرب‬ ‫ب��ك أو ال�ل�ح��اق ب �ي��وس��ف‪ ..‬واخ �ت��رت الحساب‬ ‫البنكيّ !! لم عجزت عن خوض معركة حقيقيّة‬ ‫ال أفضل‬ ‫ضدّ خوائي؟ لم عجزت عن أكون رج ً‬ ‫يا عائشة؟»‪ .‬وبينما يحرق رسائلها‪ ،‬يطلق لدمعه‬ ‫العنان‪ ،‬يكون االلتحام الحرائقيّ خاتمة المآسي‪،‬‬ ‫وربّما فاتحتها التالية‪« .‬يا عائشة‪ ..‬ال أصل إ ّال‬ ‫على يديك»‪ .‬ويكون هذا اإلقرار بالوصول شرارة‬ ‫البداية لحرائق؛ دوائر أخرى محتملة‪ ،‬فال يعني‬ ‫الوصول إ ّال توقّفاً مرحل ّياً‪ ،‬والسيّما أنّ المصائر‬ ‫تبقى قيد االقتفاء واالختفاء‪ ،‬بقدر ما تنكشف‬ ‫الخيوط واألس ��رار‪ ،‬فإنّها تنجدل على بعضها‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪91‬‬


‫بعضاً‪ ،‬وتتعقّد م�رّة أخ��رى؛ وك��أنّ طوق الحمام‬ ‫ال يكتفي بالتضييق والتقييد‪ ،‬بل يُحكم التطويق‬ ‫على الحمامات‪ ،‬ويبقيها أسرى العتمة الحاجبة‪.‬‬ ‫الحمام المأسور المطوّق يهدل طويالً‪ ،‬بصمت‬ ‫الخاصة في عتمة‬ ‫ّ‬ ‫يلسع األحشاء‪ .‬يحفر طرقه‬ ‫واقع افتراضيّ ‪ ،‬يشكّل مالذاً شبه آمن يتكتّم على‬ ‫ٍ‬ ‫خباياه وأس��راره‪ .‬يتوه ويتيه بين طيش وجنون‬ ‫وانتحار‪ .‬الهديل المفترَض يكون عبارة عن نواح‬ ‫مستم ّر وعويل دائم‪ .‬عالم شبحيّ ‪ .‬هديل نشيج‪.‬‬ ‫حمام مهيض الجناح‪ ،‬يُرهن لالحتراب ويوقَف‬ ‫للتقتيل والتمثيل‪ .‬مسرح معتم‪ .‬أضواء خافتة‪.‬‬ ‫حدو ٌد مُكهرِ بة تمنع االقتراب والتصوير‪ .‬نوافذ‬ ‫مسمَّ رة وأخرى مبلبلة‪ .‬مغلقة على عالم دغليّ‬ ‫سراب قاتل‪ ..‬مطلّة على‬ ‫ٍ‬ ‫مُتوّه‪ ،‬أو منفتحة على‬ ‫جحيم أو متكتّمة عليه‪.‬‬ ‫الجثّة التي تكون محور ال��رواي��ة وشرارتها‪،‬‬ ‫تبقى دليل اإلدان��ة‪ ،‬تعكس استمراريّة الجريمة‬ ‫المرتكب‪ ،‬تُ َمرْئي التمويت المعمول به‪ .‬الجثّة‬ ‫فضاح ضبابيّ منذور‬ ‫وج��ه ميت للحياة‪ ،‬وج��ه ّ‬ ‫للموت‪ ،‬انعكاس وتجسيد لحالة المحتجبات‬ ‫خ �ل��ف ج� ��دران ال �م��زاع��م وال �ظ �ن��ون واألح��ك��ام‬ ‫المسبقة والنظرة الضيقة المضيّقة الحابسة‪.‬‬ ‫الجثّة تبقى معمّمة‪ ،‬يمكنها أن تكون لعزّة أو‬ ‫عائشة أو نورة أو أيّة واح��دة أخ��رى‪ ،‬والرسائل‬ ‫المرسلة من طرف واح��د‪ ،‬المشفّرة والمرمّزة‬ ‫التي تشي بالكثير من الضغط والتكبيت‪ ،‬ترسل‬ ‫تقارير عن أحوال جثث كثيرة مخبوءة‪ ..‬لن يعلن‬ ‫الكشف عن اسم قاتليها وإن كان معلوماً للجميع‪.‬‬ ‫التواطؤ سمة وامتياز القتلة والمقتولين‪ .‬القاتل‬ ‫هو نفسه القتل‪ .‬القهر والخوف ينتجان الثورة‬ ‫والتمرّد بطريقة روائيّة‪.‬‬

‫ال �ص��ور الملتقطة ل�ل�م��رأة م��ن زواي���ا مختلفة‪،‬‬ ‫بحيث تتكفّل اإلط�لاالت الكثيرة المنوّعة بنقل‬ ‫صورة مظهَّرة شفّافة للواقع المسكون بالفجيعة‬ ‫والحرمان والتهميش واإلقصاء‪ .‬تجري الروائيّة‬ ‫ت��داخ��ل ال��ذك��ري��ات ب��ال�م�ش��اه��دات بالتحليالت‬ ‫والتأويالت‪ .‬تح ّل التوثيق الحكائيّ مح ّل التوثيق‬ ‫الصوريّ ‪ ،‬تحكي بصور متخيّلة عن صور واقعيّة‪.‬‬ ‫تختزل العالم في الصور‪ .‬يكون اإليهام سالحها‬ ‫الروائيّ الفعّال‪ .‬كما يكون الدمج خلطتها السحريّة‬ ‫للكشف عمّا يعتمل في عتمة زقاق مهمّش بك ّل ما‬ ‫فيه من حراك وجيَشان وتصارع‪ .‬ومن هنا‪ ،‬فإنّ‬ ‫«طوق الحمام» منمنمات اجتماعيّة‪ ،‬تاريخيّة‪..‬‬ ‫معاصرة‪ .‬مرافعات ضد التحديث الهدّام‪ .‬بحث‬ ‫عن الصورة الحقيقيّة في ظ ّل التدمير الذاتيّ‬ ‫والعامّ‪ .‬والسيّما أنّها بدأت روايتها بإهداءٍ يضمر‬ ‫رسالتها‪ ،‬عندما كتبت‪« :‬لبيت جدي عبداللطيف‪.‬‬ ‫بيت جدي يحمل عالمة إكس حمراء‪ ،‬تعني أنّه‬ ‫معدّ لإلزالة‪ ،‬قبل أن يتحوّل قريباً إلى مواقف‬ ‫إليواء هذه الكائنات العجيبة رباعية العجالت‪،‬‬ ‫والتي يبدو أنها سترث مكة كما جاء في الحديث‬ ‫ع��ن إم ��ارات قيام ال�س��اع��ة‪« :‬يلقى ال��ذه��ب في‬ ‫الطرقات»‪ .‬قرأنا ذلك حين كنا صغاراً‪ ،‬ولكم بدا‬ ‫لنا من المستحيالت الطريفة! لكن‪ ..‬وبالنظر‬ ‫لألسعار الخرافية للسيارات التي يفوق عددها‬ ‫عدد البشر في طرقات مكة‪ ،‬صرنا نرى الذهب‬ ‫مسفوحاً‪ ،‬وها هي الجبال تنقض وتتالشى وتبتلع‬ ‫العمارة العريقة‪ ،‬ومعها بيت جدي القائم على‬ ‫قمة ما كان يعرف بشرفات الحرم بإسطنبول‬ ‫مكة‪ .‬كل ذل��ك الماضي الساذج غ��اب اآلن ولم‬ ‫يعد له وجود سوى في هذا الكتاب»‪.‬‬

‫برغم سعي الروائيّة إلى التنويع في أسلوبها‬ ‫م��ن األم��ور الجوهريّة ف��ي ال��رواي��ة‪ ،‬اال ّت�ك��اء في الرواية‪ ،‬والسيّما حين االنتقال من فصول‬ ‫على حديث الدواخل ونشرها وتعميمها‪ ،‬وتظهير السرد والمشاهد التي كانت ت��روَى على ألسنة‬

‫‪92‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ال تلتفت رجاء عالم إلى تقديم تلك الصورة‬ ‫المُنزّهة عن مناطق في مدينة مكّة‪ ،‬ت��رِ د مكّة‬ ‫في رسائل عائشة وكتابات يوسف‪ .‬يشعر ناصر‪،‬‬ ‫ويتلصص‬ ‫ّ‬ ‫وهو يقلّب بين أوراق يوسف وعائشة‬ ‫م��ن م�ح��رس��ه ع�ل��ى ال�ج�م�ي��ع‪ ،‬ب��أ ّن��ه ي�ت�ح�رّك في‬ ‫مكّة وهميّة غير تلك التي تعوّد أن يحرسها‪.‬‬ ‫توصف مكّة ت��ارة بأنّها «حمامة تطوّق عنقها‬ ‫َ‬ ‫ألوان متجاوزة لتدرّجات الطيف البشريّ »‪ .‬وتارة‬ ‫أخ��رى «مكّة ال تستيقظ ألنّها ال تنام‪ ..‬حلمها‬ ‫الصلوات وأقدام الطائفين‪ ..‬وهذا الحمام‪ ،‬نفكّ‬ ‫األط��واق عن أعناقه فترتعش من م��اءٍ ‪ .»..‬تكون‬ ‫مكّة؛ المنزّهة وال� ُم��ؤ ّرض��ة‪ ،‬بماضيها المنشود‬ ‫بحنان فيه من التقريع واللوم ما فيه‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫المُسترجَ ع‬ ‫أس ال��رواي��ة المكانيّ ‪ ،‬في حين تحضر أمكنة‬ ‫ّ‬ ‫أخرى داعمة ومثرية ألجواء الرواية وفضاءاتها‬

‫مسرحاً لتحرّكات بعض الشخصيّات التي تظ ّل‬

‫مرتبطة بمكّة‪ ،‬عبر خيوط كثيرة ال يمكن لها أن‬

‫ال بين‬ ‫تنقطع؛ تجري من خاللها الروائيّة تداخ ً‬ ‫ال بين االنغالق‬ ‫الصور المتخيّلة والمرئيّة‪ ،‬تداخ ً‬

‫واالنفتاح‪ ،‬بين أس��راب الحمام في قلب مدريد‬

‫وف��ي قلب الحرم المكّي‪ .‬ث� ّم هناك مناطق في‬

‫ن�������������������������������������ق�������������������������������������د‬

‫رواة م�ت�ع��دّدي��ن‪ ،‬س��واء أك��ان��ت أمكنة أم أشياء‬ ‫مؤنسنة‪ ،‬أم شخصيّات روائيّة مفترضة‪ ،‬لكنّها‬ ‫لم تتخلّص من لغتها التي الزمت سويّة واحدة‪،‬‬ ‫فكانت لغة الرسائل قريبة للغة السرد المطروح‬ ‫على لسان ال �ش��ارع أو المحقّق‪ ،‬كانت رسائل‬ ‫عائشة كأنّها مقاطع مستلّة من رسائل يوسف‬ ‫ال عن بعض التكرار الوارد‬ ‫أو كتاباته‪ .‬هذا فض ً‬ ‫في سياق األح��داث‪ ،‬ما قد يجلب بعض الملل‬ ‫للقارئ‪ ،‬والسيّما أنّ الرواية تصنَّف من الروايات‬ ‫الطويلة‪ )566( ،‬صفحة م��ن القطع ال��وس��ط‪.‬‬ ‫قسّ مت ال��رواي��ة إل��ى قسمين‪ ،‬ك � ّل قسم ي�ت��وزّع‬ ‫بدوره إلى عدد كبير من الفصول التي تأتي تحت‬ ‫عناوين فرعيّة‪ .‬تكون الرسائل مدماك الفصلين‬ ‫الرئيس‪ ،‬الفاصل ال��واص��ل فيما بينها؛ القسم‬ ‫األوّل من البداية حتّى الصفحة (‪ .)351‬القسم‬ ‫الثاني من صفحة (‪ )353‬وحتّى النهاية‪.‬‬

‫ال �م �ك��ان � ّي��ة‪ ،‬ك �م��دري��د ال �ت��ي تبقى ف��ي الخلفيّة‬

‫ألمانيا مستحضرة عبر االستذكار والتراسل‪،‬‬

‫عالوة على مدن مختلفة متعدّ دة في السعوديّة‪.‬‬

‫تالق‬ ‫ال يخفى ما للعنوان «طوق الحمام» من ٍ‬

‫جليّ مع «ط��وق الحمامة» البن حزم األندلسيّ‬

‫الذي نقل رسائل الحبّ ‪ ،‬وعنى بمكاشفة أحوال‬ ‫المحبّين واألُلاّ ف‪ .‬في حين أنّ رجاء عالم‪ ،‬ومن‬

‫خ�لال اإلرج���اع إل��ى األن��دل �س��ي‪ ،‬واإلش� ��ارة إلى‬

‫التناص معه‪ ،‬تعنى بالتقاط‬ ‫ّ‬ ‫إمكانيّة التقاطع أو‬

‫صور من حياة المُعانين‪ ،‬الذين كان يُحتَمل أن‬ ‫يكونوا عشّ اقاً فريدين تؤرّخ كتب السير والتاريخ‬ ‫لعشقهم‪ ،‬لكنّ عشقهم ظ ّل حبيس حيّز محدود‪،‬‬ ‫وكانوا ضحايا جور مركّب‪.‬‬

‫يُذكَر أنّ رجاء عالم روائية سعودية معروفة‬

‫تقيم في مكة‪ ،‬صدرت لها أعمال روائية عدة‪ .‬لها‬

‫روايتان كتبتهما بالتعاون مع الروائي والمصور‬ ‫السينمائي األمريكي توم مكدونوه وصدرتا باللغة‬ ‫اإلنكليزية‪« :‬ف��اط�م��ة‪ :‬رواي��ة ال�ج��زي��رة العربية»‬

‫(‪2002‬م) و«ألف ليلة وليلتي» (‪2007‬م)‪ .‬ورواية‬ ‫«ط ��وق ال �ح �م��ام» ل��رج��اء ع��ال��م ف ��ازت بالجائزة‬

‫العالمية ل�ل��رواي��ة العربية (ج��ائ��زة ال�ب��وك��ر) في‬

‫دورتها الرابعة‪2011‬م‪ ،‬مناصفة مع رواية «القوس‬

‫والفراشة» للروائي المغربي‪ ،‬محمد األشعري‪..‬‬

‫* ناقد وروائيّ من سوريا‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪93‬‬


‫الشاعرة والقاصة السعودية مالك اخلالدي‪..‬‬

‫ما تزال طفولتي تسكنني بتفاصيلها سلبا ً وإيجابا ً‬ ‫> حاورها‪ :‬محمود عبدالله الرمحي‬

‫م�لاك ال�خ����ال��دي‪ ..‬فتاة الجوف المتألقة ثقافيا وأدبيا‪،‬‬ ‫وصاحبة أول دي ��وان ش�ع��ري ي�ص��در ع��ن ف�ت��اة ف��ي المنطقة‪.‬‬ ‫تخرجت من كلية التربية بجامعة الجوف (تخصص اللغة‬ ‫االنجليزية)‪ ،‬مترجمة وشاعرة وقاصة‪ .‬وتنشر إنتاجها األدبي‬ ‫وال�ث�ق��اف��ي‪ ،‬ف��ي مجلتي الجوبة وسيسرا الثقافيتين‪ ،‬وفي‬ ‫جريدتي الحياة وشمس‪ ،‬وبعض الصحف والمطبوعات‪ ،‬وعبر‬ ‫مدونتها على الشبكة العنكبوتية التي تحمل اسمها وعنوانها‪..‬‬ ‫تجربتها الثرية ال تعبر عن سنها‪ ،‬فعمق هذه التجربة أعطاها‬ ‫بعد ًا أكبر من سنها البالغ (‪ )24‬عاما‪ .‬لها في الشعر ديوان «غواية بيضاء»‪ ..‬وفي القصص‬ ‫«ال تبيعوا أغصاني للخريف‪.»..‬‬ ‫معها كان لنا هذا الحوار‪..‬‬ ‫< كل إنسان يعيش طفولته‪ ،‬وربما تؤثر‬ ‫على مسيرة حياته سلبا وإيجابا‪ ..‬فماذا‬ ‫عن طفولة مالك ألخالدي؟ وهل أثرت‬ ‫في حياتها أو بداياتها األدبية؟‬

‫بقدراتنا في البيت والمدرسة‪ ،‬ما يهم‬ ‫الجميع هو أن ننجح نهاية العام‪ ،‬دون‬ ‫اعتناء بميولنا أو اهتماماتنا أو مواهبنا‪،‬‬ ‫وهذا قد يكسر اتقاد أي طفل‪ ..‬إال أنه‬ ‫زرع في نفسي التحدي والكفاح‪.‬‬

‫> ب��ال�ت��أك�ي��د‪ ،‬م��ا ت ��زال طفولتي تسكنني‬ ‫بتفاصيلها الجميلة والتعيسة‪ .‬كنتُ ككل < كثير من الكاتبات السعوديات يخترن‬ ‫اسما مستعارا في كتاباتهن‪ ..‬وأنت على‬ ‫األطفال‪ ،‬نعاني من عدم االهتمام الكافي‬

‫‪94‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫> نلجأ للتلميح حين نعجز عن التصريح‬ ‫> الكتابة ال تعني أن تكتب فحسب‪ ،‬بل أن تكتب ما يستحق القراءة‪.‬‬ ‫عكسهن تماما‪ ..‬فهل واجهتك أي مشاكل في‬ ‫هذا الشأن؟‬ ‫> وهل أنا وهم ألكتب باسم مستعار؟ من أبسط‬ ‫حقوقي كإنسانة واعية موهوبة أن أفصح عن‬ ‫إبداعي باسمي الحقيقي‪ ،‬وقد وجدت أن أبناء‬ ‫مجتمعي يقابلون ما أكتب بفخر واحترام‪ ،‬إال‬ ‫أن هناك بعض األصوات النشاز لبعض النساء‬ ‫ب��داف��ع ال�م�ش��اع��ر ال�س�ل�ب�ي��ة‪ ..‬لكنني ال أعبأ‬ ‫بهذه العقليات‪ .‬مؤسف حقاً أن تكون المرأة‬ ‫الجاهلة عدوة للمرأة‪ ،‬والجهل هنا جهل ثقافي‬ ‫أخالقي‪ ،‬وقد ذكرتُ هذا كثيراً‪.‬‬ ‫< تكتبين الشعر العمودي والتفعيلة والنثر‪..‬‬ ‫فمن أين كانت البداية؟‬ ‫> كانت ال�ب��داي��ة م��ع الشعر ال�ع�م��ودي ال�م��وزون‬ ‫المقفى‪ ،‬وهو األقرب إلى قلبي‪ ،‬إال أنني أحب‬ ‫أن أجرب كل األشكال الشعرية‪.‬‬ ‫< هل تأثرت بمدرسة شعرية معينة‪ ..‬وهل من‬ ‫شخصيات أدبية تأثرت بها؟‬ ‫> نعم‪ ،‬مدرسة اإلح�ي��اء ذات القالب العمودي‬ ‫والصور المتجددة‪ ،‬لم أتأثر بشخصية أدبية‬ ‫معينة‪ ،‬إال أن قصائد البردّوني والجواهري‬ ‫وأبو ريشة تستهويني كثيراً‪ ،‬وربما ظهر ذلك‬ ‫في بعض قصائدي‪.‬‬ ‫< تخصصك في دراستك «أدب انجليزي»‪ ..‬هل‬ ‫تأثرت بشخصيات أدبية أجنبية معينة أثناء‬

‫دراستك‪ ..‬من هم؟ وما مدى ذلك التأثير؟‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫> لست وهما ألكتب باسم مستعار‪ ،‬ومن أبسط حقوقي كإنسانة أن أفصح عن إبداعي‬ ‫باسمي الحقيقي‬

‫> األدب اإلنجليزي أدب إنساني بامتياز‪ ،‬يجمع‬ ‫بين بساطة اللغة وعمق الفكرة‪ ،‬وهذا انسحب‬ ‫على كل ما أكتب‪ ،‬فأنا أحب استخدام األلفاظ‬ ‫البيضاء السلسة‪ ،‬من دون تكلف أو تقعر‪ ،‬مع‬ ‫االعتناء بجودة الفكرة؛ وأح��ب ق��راءة أعمال‬ ‫شكسبير‪ ،‬ب��رن��ارد ش��و‪ ،‬أوس�ك��ار واي�ل��د‪ ،‬جين‬ ‫أوستن وكل عمل رائع‪ .‬العمل األدبي هو الذي‬ ‫يفرض نفسه على القارئ بصرف النظر عن‬ ‫كاتبه‪.‬‬ ‫< ص� ��در ل ��ك دي�� ��وان ش� �ع ��ر‪ ..‬ك �م��ا ص� ��درت لك‬ ‫مجموعة قصصية‪ ..‬ول��ك ع��دة م�ق��االت في‬ ‫ال �ص �ح��ف وال� �م� �ج�ل�ات ك�ص�ح�ي�ف��ة «ش �م��س»‬ ‫وم�ج�لات «سيسرا وال�ج��وب��ه وال �ج��وف»‪ ..‬أين‬ ‫تجدين نفسك م��ن ه��ذا وذاك‪ ..‬ش��اع��رة‪ ..‬أم‬ ‫قاصة أم كاتبة‪..‬؟‬ ‫> ف��ي ال��درج��ة األول� ��ى أن ��ا ش��اع��رة‪ ،‬ف��ال�ك� ّت��اب‬ ‫والكاتبات كثيرون‪ ..‬لكن الشعراء الجيدين‬ ‫قليلون؛ ل ��ذا‪ ،‬لجأ الكثير لكتابة الخواطر‬ ‫وأس �م��وه��ا ب �ـ (ق �ص��ائ��د) ن�ث��ر‪ ،‬ف�ق��ط ليصموا‬ ‫أنفسهم ب�ـ (ش �ع��راء)‪ .‬وم��ن وج�ه��ة ن�ظ��ري أن‬ ‫ال �ش��اع��ر ه��و ال���ذي ي�ج�ي��د ال�ن�ظ��م ال�ع�م��ودي‬ ‫ال �ف��اخ��ر وال��رص �ي��ن‪ ،‬أم ��ا ال �خ��واط��ر النثرية‬ ‫فالجميع يجيدها‪ ،‬وقد توجهت للقصة ألنني‬ ‫شعرت بأنها أقرب لعامة الناس من القصيدة‬ ‫الفصيحة ال �ت��ي أص�ب�ح��ت للنخبة المثقفة‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪95‬‬


‫والمتأدبة‪ ،‬وأكتب المقالة ألعالج الكثير من‬ ‫القضايا التي تهم مجتمعي‪.‬‬ ‫< ج��اء ع �ن��وان دي��وان��ك «غ��واي��ة ب �ي �ض��اء»‪ ..‬اسم‬ ‫إلح��دى قصائدك ال�ت��ي تضمنها ال��دي��وان‪..‬‬ ‫وهذا ما يلجأ إليه الكثيرون‪ ..‬ماذا يعني لك‬ ‫هذا العنوان؟‬

‫من النقاد؟‬ ‫> ش��اء الله أن تعرض المجموعة ف��ي معرض‬ ‫الرياض الدولي للكتاب عام ‪2011‬م وبالتأكيد‬ ‫سيقرؤها المهتمون وال�ن�ق��اد‪ ،‬وسأقيّم هذه‬ ‫التجربة بعد ذلك‪.‬‬

‫< ف��ي نصوصك القصصية ان�ح�ي��از إل��ى الهمّ‬ ‫اإلنساني‪ ،‬وبخاصة الشق النسائي منه‪ ،‬هل‬ ‫> (غ��واي��ة ب�ي�ض��اء) اس��م ق�ص�ي��دة نظمتها ي��وم‬ ‫استطعت التعبير عن هموم بنات جيلك في‬ ‫الشعر العالمي‪ ،‬البعض يحتج ه��زالً أو جداً‬ ‫قصصك؟ أم أنك لم تتعمدي ذلك؟‬ ‫على الشعراء بأنهم أه��ل إغ ��واء‪ ،‬ل��ذا جعلتُ‬ ‫م��ن ال �غ��واي��ة ب�ي�ض��اء‪ ،‬لكي أق ��ول للجميع أن > ب��ال�ت��أك�ي��د‪ ،‬ال�ق�ص��ص ت�ت�ح��رك ف��ي المساحة‬ ‫الشعراء أصحاب األق�لام النظيفة الصادقة‬ ‫االجتماعية ال�ت��ي أع�ي��ش فيها‪ ..‬إذاً تعكس‬ ‫هم أصحاب بوح أبيض دائماً‪.‬‬ ‫ص��وراً متعددة عما يكتنف حياة فتاة جيلي‬

‫< وردت ف��ي دي��وان��ك العناوين التالية (جبين‬ ‫ال�ب�ي��اض – غ��رب��ة ال�ب�ي��اض – وط��ن البياض‬ ‫– تراتيل البياض – حنين البياض ‪ -‬ذاكرة‬ ‫البياض)‪ ،‬ماذا تعني هذه الثنائيات لمالك؟‬

‫ومنطقتي‪ .‬قصصي ج��زء م��ن ذهنيتي التي‬ ‫تشكّلت من تراكمات اجتماعية ونفسية؛ لذا‪،‬‬ ‫فأنا أرس��م ص��ورة األنثى في بلدي قصداً أو‬ ‫دون قصد‪.‬‬

‫> البياض هو الخير المبثوث في ذواتنا‪ ،‬رغم‬ ‫ان �ت �ش��ار األم � ��راض االج �ت �م��اع �ي��ة وال�ن�ف�س�ي��ة‬ ‫واألخ�لاق �ي��ة ف��ي كثير م��ن المجتمعات؛ إنه‬ ‫األم��ل ال��ذي سيشرق رغم التفاصيل الداكنة‬ ‫والمؤلمة‪ .‬أنا أبحث عن البياض دوماً وأمزجه‬ ‫ببوحي ألرسل ثنائيات مشحونة بالبياض‪.‬‬

‫< وردت ضمن مجموعتك القصصية‪ ..‬قصة‬ ‫«رائحة الطين»‪ ،‬ولألديب عبدالرحمن الدرعان‬ ‫مجموعة قصصية ب��اس��م «ن�ص��وص الطين»‬ ‫وأخ ��رى ب��اس��م «رائ �ح��ة ال�ط�ف��ول��ة» ف��أي��ن هذا‬ ‫النص من طين ورائحة تلك المجموعتين‪،‬‬ ‫وهل اطلعت عليهما؟‬

‫< اعتمدت في غالبية قصائدك على الرمز‪..‬‬ ‫ف�ه��ل تعتقدين أن ��ك أوص �ل��ت رس��ال �ت��ك إل��ى‬ ‫المتلقين‪ ..‬وكيف؟‬

‫> ف��ي ال�ح�ق�ي�ق��ة أن ��ا ق� ��رأت م�ج�م��وع��ة رائ �ح��ة‬ ‫الطفولة فقط ل�لأدي��ب الكبير عبدالرحمن‬ ‫الدرعان‪ ،‬فخرجتُ بأن مفردة «رائحة» مفردة‬ ‫قد يستعملها الكاتب للتعبير عن شيء تصرّم‬ ‫وانقضى‪ ..‬لكنه يستشعره ويشتم أريجه ويتوق‬ ‫إل�ي��ه‪ ،‬كاشتياق ال��درع��ان للطفولة‪ ،‬وحنيني‬ ‫لجدتي يرحمها الله في قصة (رائحة الطين)‪،‬‬ ‫فالطين و(الحوطة) والنخيل كلها تسكنني‪..‬‬ ‫وترسم داخلي ابتسامة وحلوى وغضب جدتي‬ ‫يرحمها الله‪ .‬مفردة الطين في بيئتنا لها بعد‬

‫> في كثير من األحيان نلجأ للتلميح حين نعجز‬ ‫عن التصريح! كما أنني ممن يعشقون استخدام‬ ‫الرموز واأللفاظ المواربة والصور اإليحائية‪.‬‬ ‫< ص ��درت ل��ك مجموعة قصصية ب�ع�ن��وان «ال‬ ‫ت�ب�ي�ع��وا أغ �ص��ان��ي ل �ل �خ��ري��ف!»‪ ،‬ف�ك�ي��ف كانت‬ ‫تجربة هذا اإلص��دار‪ ،‬وهل قُ رئت المجموعة‬

‫‪96‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫سيسيولوجي‪ ،‬فهي الماضي واألرواح واألشياء‬ ‫الجميلة التي ترتبط بتراثنا وماضينا‪ ،‬رائحة‬ ‫الطين تعني الحنين لروح مضت بعيداً‪.‬‬ ‫< وص��ف ناشر المجموعة قصصك أنها تأتي‬ ‫بلغة شعرية ف��اره��ة‪ ،‬أال يخرج ذل��ك القصة‬ ‫م��ن سياقها ال �ح��واري‪ ،‬وه��ل أن��ت م��ع شعرية‬ ‫القصة؟‬ ‫> أنا أكتب القصة كهاوية وليس كمحترفة؛ فأنا‬ ‫شاعرة أوالً‪ ،‬أكتب القصة بعفوية وم��ن دون‬ ‫أن أتجرد من ذات��ي‪ ،‬وكل كاتب يطبع كتاباته‬ ‫ب��روح��ه وع�ق�ل��ه؛ ل��ذا‪ ،‬م��ن الطبيعي أن تأتي‬ ‫كتاباتي شعرية المالمح‪ .‬القصص الموجودة‬ ‫في المجموعة قصص تعكس تجاربي األولى‬ ‫في عالم القصة‪ ،‬وستصبح أكثر نضجاً في‬ ‫تجارب الحقة بإذن الله‪ ،‬أما شعرية القصة‪..‬‬ ‫ف��أن��ا أراه� ��ا إب ��داع� �اً م��رك �ب �اً ي�ح�ض��ن الشعر‬ ‫بوجدانيته المرتفعة‪ ..‬والقصة بعقالنيتها‬ ‫وواقعيتها‪.‬‬ ‫< ‬

‫> ‬

‫< ‬

‫> ‬

‫أو قناعة منهم بجودة أعمال أولئك ونضجها؛‬ ‫أما األدباء الشباب فحظ أعمالهم من النقد‬ ‫قليل‪.‬‬

‫< ه��ل ل��دي��ك م�ش��اري��ع إب��داع �ي��ة ج��دي��دة‪ ،‬وه��ل‬ ‫ش��ارك��ت وتشاركين ف��ي كثير م��ن المسابقات‬ ‫تنوين كتابة (رواية) تكامال مع تجارب العديد‬ ‫األدبية‪ ..‬أهي مجرد مشاركة أم ثقة في النفس‬ ‫من المبدعات الالتي توجهن لكتابتها؟‬ ‫وطموح بالفوز‪ ..‬أم ماذا؟‬ ‫> ال��رواي��ة تحتاج لوقت وجهد نظراً لتسلسلها‬ ‫م��ا يدفعني للمشاركة ه��و ثقتي بنصوصي‬ ‫ودقة تقنياتها وتعددها‪ ،‬بعكس المجموعات‬ ‫وسعياً مني لتقديمها للجمهور‪ ،‬ما فائدة ما‬ ‫ال�ش�ع��ري��ة والقصصية ال �ت��ي ه��ي ع �ب��ارة عن‬ ‫نكتبه إذا ظ � ّل حبيس األدراج‪ .‬حين نكتب‬ ‫تجميع نصوص متفرقة‪ ،‬لكنها واردة جدا‪..‬‬ ‫فنحن نشاطر اإلنسان ونتشاطر معه همومه‬ ‫وربما يكون اإلصدار القادم رواية‪.‬‬ ‫وتطلعاته‪.‬‬ ‫< لك نشاطك األدب��ي المميز في المنطقة‪..‬‬ ‫بالتأكيد تقرئين لنقاد سعوديين وعرب‪ ..‬في‬ ‫كذلك ظهور واض��ح فيها‪ ..‬فهل واجهتك أي‬ ‫رأيك هل أنصفوا في نقدهم‪ ..‬أم غلب عليهم‬ ‫مصاعب خالل هذا الظهور؟‬ ‫طابع الشللية والمجاملة؟‬ ‫> بالتأكيد واجهتني مصاعب‪ ..‬لكنني بفضل الله‬ ‫النقد في مجمله يتوجه ألعمال الكتاب الكبار‬ ‫تغلبت عليها‪ ،‬أحمد الله كثيراً على أن منحني‬ ‫ع��ادةً‪ ،‬ربما رغبة من النقاد إلب��راز أسمائهم‬ ‫العزيمة واإلص���رار لمواجهة ك��ل التحديات‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪97‬‬


‫جداً‪ ،‬وليست المشكلة في الكم فقط‪ ،‬بل ثمة‬ ‫مشكلة في ال�ن��وع‪ ،‬الكتابة ال تعني أن تكتب‬ ‫فحسب‪ ،‬بل أن تكتب ما يستحق القراءة‪.‬‬ ‫< كيف ترين دور مكتبة دار الجوف للعلوم‪ ،‬كأول‬ ‫ُخصص قسما نسائيا متكامال‪ ،‬منذ‬ ‫مكتبة ت ِّ‬ ‫أكثر من ثالثين عاماً؟‬

‫والتغلب عليها‪.‬‬

‫> طبعاً هي أول مكتبة نسائية دخلتها في حياتي‪،‬‬ ‫وهي ذات فضل كبير عليّ ‪ ..‬فقد أتاحت لي‬ ‫قراءة نتاج األدباء باختالف أطيافهم وبلدانهم‪،‬‬ ‫ووضعتني إزاء ثقافات جديدة‪ ،‬ونبرة مختلفة‪..‬‬ ‫كما أنها أتاحت لي قراءة الكتب اإلنجليزية التي‬ ‫كنت أفتقدها في منطقة تخلو من المكتبات‬ ‫الثقافية‪ .‬كانت البدايات مع مكتبة دار الجوف‬ ‫للعلوم‪ ،‬بعدها أصبحت أحصل على الكتب من‬ ‫مناطق أخرى حين زيارتي لها‪ ،‬وتجب اإلشارة‬ ‫إلى أن المثقف في مناطق األطراف يعاني من‬ ‫أزمة كتب‪.‬‬

‫ < ك�ن� ِ�ت ع�ض��وة ف��ي ال�ق�س��م ال�ن�س��ائ��ي ف��ي ن��ادي‬ ‫الجوف األدبي‪ ،‬فإلى أي مدى قام هذا القسم < ماذا تقول مالك ألبناء منطقة الجوف‪ ..‬وهل‬ ‫من كلمة خاصة لمتلقي الجوبة أينما كانوا؟‬ ‫بإيصال رسالة النادي إلى المجتمع النسوي‬ ‫ف��ي المنطقة وخ��ارج �ه��ا؟ وه��ل م��ن أنشطة > أقول ألبناء الجوف‪ :‬مستقبلنا الثقافي مضيء‬ ‫معينة تختصون بها؟‬ ‫ومبهج بفضل الله ثم الثورة التقنية‪ ،‬ال جدال‬ ‫أن التقنية سلبتْ الكِ تاب شيئاً من مكانته‪ ،‬إال‬ ‫> النادي ق��دم الكثير من األمسيات والندوات‬ ‫أنها جعلت المواطن الجوفي يتصفح المواقع‪،‬‬ ‫وال � ��دورات للنساء وال �ف �ت �ي��ات‪ ،‬ان �ط�لاق �اً من‬ ‫ويقرأ ويعلّق يومياً‪ ،‬بعد أن كانت تمر األشهر‬ ‫دوره في االرت�ق��اء بالمستوى الثقافي لبنات‬ ‫الطويلة دون أن يقرأ صفحة أو يكتب سطراً‪،‬‬ ‫المنطقة‪ .‬ما يزال المجتمع يحتاج الكثير نظراً‬ ‫لقد أصبح اإلنسان الجوفي على اطالع أكبر‬ ‫لالنحسار واالنكماش الثقافي الذي يعاني منه‬ ‫ووع��ي أكثر م��ن ذي قبل والمستقبل أفضل‬ ‫المجتمع‪.‬‬ ‫بإذن الله‪.‬‬ ‫< ف��ي رأي��ك‪ ،‬ه��ل وصلت فتاة ال�ج��وف المكانة‬ ‫وبالنسبة لقراء الجوبة‪ ..‬فأنا أوجه لهم عبر‬ ‫الثقافية واألدبية‪-‬وال أعني هنا دراسيا ‪ -‬التي‬ ‫ه��ذه الصفحة تحية شكر وإع �ج��اب‪ ،‬ألن�ه��م ما‬ ‫تطمح إليها‪..‬؟‬ ‫يزالون يقرؤون‪ ،‬ويقدرون الكلمة في زمن طغيان‬ ‫> ال طبعاً‪ ،‬فكم كاتبة ومثقفة لدينا؟ العدد قليل المحسوس والمادة‪.‬‬

‫‪98‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫حوار مع الروائي اللبناني أمني معلوف‬

‫العوملة عوملت الطائفية‬ ‫آميلي دوهاميل‬

‫> ترجمة‪ :‬أحمد عثمان‬

‫ال شك أن أمين معلوف في كتابه‪« :‬اختالل العالم» (مطبوعات جراسيه‪2009 ،‬م) حرر‬ ‫تقريرا (كشف حساب) عما جرى في العالم في السنوات األخيرة من القرن الفائت‪،‬‬ ‫مع انعكاساتها على النظام العالمي في بدايات القرن الحالي‪ .‬في السنوات األولى من‬ ‫القرن الحادي والعشرين‪ ،‬يعرض العالم عددا من عالمات االختالل‪ :‬االختالل الثقافي‪،‬‬ ‫المتبلور على وجه الخصوص من خالل فوران تأكيدات الهوية‪ ،‬التي جعلت من الصعوبة‬ ‫بمكان تحقيق أي تعايش متناغم وأي نقاش حقيقي؛ اختالل اقتصادي ومالي‪ ،‬جرَّ العالم‬ ‫بأسره إلى نطاق صاخب ذي تبعات طارئة‪ ،‬وهو نفسه طيف اضطرابات نظامنا القيمي؛‬ ‫اختالل مناخي‪ ،‬نتج عن ممارسة طويلة ال مسئولة‪ ..‬هل بلغت بالتالي اإلنسانية «عتبة‬ ‫الالكفاءة األخالقية»؟‬ ‫في هذا الكتاب الشامل‪ ،‬يبحث الكاتب‬

‫والثانية المنغلقة في ردبها التاريخي‪ .‬هو‬ ‫ذا تشخيص حالة مثيرة للقلق‪ ،‬ولكنه ينبعث‬ ‫من األم��ل‪ :‬مرحلة صاخبة‪ ،‬ندخل إليها‪،‬‬ ‫م��ن الممكن أن تفضي بنا إل��ى تحضير‬ ‫رؤي��ة بالغة ع��ن ان�ت�م��اءات�ن��ا‪ ،‬ومعتقداتنا‪،‬‬ ‫واختالفاتنا‪.‬‬

‫األول� ��ى‪ ،‬ال��وف�ي��ة إل��ى ح��د م��ا إل��ى قيمها‪،‬‬

‫أمين معلوف روائ��ي وصحافي لبناني‪،‬‬

‫عن فهم كيف وصلنا إل��ى ه��ذه النقطة‪..‬‬

‫وكيف يمكن لنا الخروج منها‪ .‬بالنسبة له‪،‬‬ ‫اختالل العالم يرتبط على األق��ل «بحرب‬ ‫ال� �ح� �ض ��ارات» ال��ت��ي زام� �ن ��ت ح �ض��ارت �ن��ا‪،‬‬

‫وبالتحديد بين ثقافتين‪ ..‬غربية وعربية‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪99‬‬


‫يكتب بالفرنسية‪ .‬يعد واح��دا من أب��رز الوجوه‬ ‫الفرنكفونية في عالمنا المعاصر‪ .‬ولد في بيروت‬ ‫ف��ي ‪ 25‬فبراير ‪1949‬م‪ .‬امتهن الصحافة بعد > وسم سقوط سور برلين عام ‪1989‬م تصدعا‪،‬‬ ‫تخرجه‪ ،‬فعمل في الملحق االقتصادي لجريدة‬ ‫كما يتبدى ل��ي‪ ،‬ل��م يحقق أي نتائج طيبة‪.‬‬ ‫النهار البيروتية‪ .‬في عام ‪1976‬م انتقل إلى فرنسا‪،‬‬ ‫ه ��ذا ال �ح��دث أف �ض��ى إل ��ى ت�لاش��ي أك �ث��ر من‬ ‫حيث عمل في مجلة «ايكونومي» االقتصادية‪.‬‬ ‫نظام توتاليتاري‪ ،‬وحقق كثيرا من األمل نحو‬ ‫واس�ت�م��ر ف��ي عمله ال�ص�ح�ف��ي‪ ..‬ف ��رأس تحرير‬ ‫انتشار الديموقراطية‪ ،‬بيد أن��ه أفضى على‬ ‫مجلة «إفريقيا الفتاة» (جون أفريك)‪ ،‬وكذلك في‬ ‫وجه التحديد إلى احتداد توترات الهويات‪،‬‬ ‫العمل مع مؤسسة النهار ومطبوعاتها المختلفة‪.‬‬ ‫وف��ي المجال السوسيو – اقتصادي – إلى‬ ‫أصدر أول أعماله «الحروب الصليبية كما رآها‬ ‫طغيان األسواق‪ .‬االقتصاد الموجه الشيوعي‬ ‫العرب» عام ‪1983‬م‪ .‬ترجمت أعماله إلى لغات‬ ‫اعترف بهزيمته‪ ،‬ما دعا إلى االعتقاد بكون‬ ‫عديدة‪ ،‬ون��ال عدة جوائز أدبية فرنسية‪ ..‬منها‬ ‫الرأسمالية ستجتاح كل شيء‪ ،‬وأن الالمساواة‬ ‫جائزة الصداقة الفرنسية العربية عام ‪1986‬م‪،‬‬ ‫ستتضاعف إلى ما ال نهاية‪ ،‬وأن الدولة ليست‬ ‫عن روايته «ليون اإلفريقي»‪ ،‬وح��از على جائزة‬ ‫في حاجة لكي تحمل هموم المواطنين‪ .‬في‬ ‫الجونكور‪ ،‬كبرى الجوائز األدبية الفرنسية‪ ،‬عام‬ ‫غياب السلطة المضادة‪ ،‬هذا النظام أصبح‬ ‫‪1990‬م‪ ،‬عن روايته « صخرة طانيوس»‪.‬‬ ‫كاريكاتوريا بذاته‪ .‬كل صوت ارتفع بالعدالة‬ ‫االجتماعية تم كنسه باسم الحداثة؛ الفوارق‬ ‫< في كتابك «اختالل العالم«(‪ ،)1‬ح��ررت كشف‬ ‫المتزايدة في الدخول‪ ،‬هذا أمر طبيعي‪ ،‬كما‬ ‫قيل‪ .‬جنون البورصة‪ ..‬لنثق في السوق‪ .‬لقد‬ ‫ولجنا نوعا من تيولوجيا السوق‪.‬‬

‫حساب لنظام العالم‪ .‬ما هو ال��ذي ال يدور‬ ‫أبدا لصورة دائرية بالنسبة لك؟‬

‫< إذاً‪ ،‬وق �ب��ل أي ش ��ئ‪ ،‬ي �ع��د م��ا س �ب��ق مشكلة‬ ‫اقتصادية؟‬ ‫> ليس فقط‪ .‬اختالل العالم يتبدى على أكثر‬ ‫م��ن مستوى ث�ق��اف��ي‪ ،‬إستراتيجي‪ ،‬مناخي‪،‬‬ ‫أخالقي‪ ..‬إلخ‪ .‬على وجه الخصوص‪ ،‬مررنا‬ ‫من عالم كان التمييز فيه أيديولوجيا بصورة‬ ‫رئ�ي�س��ة‪ ،‬إل��ى ع��ال��م التمييز فيه ق��ائ��م على‬ ‫الهوية‪ .‬والمحصلة أنه ال يوجد نقاش عميق‪،‬‬ ‫وأن ك��ل ف��رد يؤكد على انتمائه إل��ى مظهر‬ ‫يختلف عن اآلخر‪ ..‬والتعايش أصبح تدريجيا‬ ‫صعبا للغاية داخل كافة المجتمعات‪.‬‬ ‫< وهذا ما بلور صعود الطائفية؟‬ ‫‪ 100‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫< ومع ذلك‪ ،‬حابت العولمة تعايش الشخصيات‬ ‫من مختلف األصول‪.‬‬ ‫> نظرياً‪ ،‬هذا ما كان يجب أن يحدث‪ .‬عملياً‪،‬‬ ‫حدث العكس‪ .‬العولمة عولمت الطائفية‪ .‬ال‬ ‫يكفي أن يتعايش الناس مع بعضهم بعضاً في‬ ‫البلد نفسه‪ ،‬في المدينة ذاتها‪ ،‬لكي يبدؤوا في‬ ‫العيش معا بتناغم‪ .‬من الضروري أن يتعلموا‬ ‫كيف يتعارفوا‪ ،‬في عمق‪ ،‬بدقة‪ ..‬من الضروري‬ ‫أن يتخلصوا من األحكام المسبقة‪ ،‬من األفكار‬ ‫المتحصلة وال�ب�س��اط��ة‪ .‬إن�ه��ا معركة النفَس‬ ‫ال�ط��وي��ل‪ ،‬التي يجب أن تالمس المجتمعات‬ ‫اإلنسانية كافة‪ ،‬وبخاصة في هذه المرحلة من‬ ‫العولمة‪ .‬من وجهة نظري‪ ،‬هذا غير كاف‪.‬‬ ‫< اتهمت أيضا العالقة المفسدة القائمة عبر‬ ‫التاريخ بين الغرب وبقية العالم؟‬ ‫> إن ��ه إث �ب��ات ن�ح��ن م �ض �ط��رون إلج ��رائ ��ه‪ .‬على‬ ‫مدار العصور‪ ،‬القوى الغربية األكثر احتراما‬ ‫للديموقراطية وح�ق��وق اإلن�س��ان عجزت عن‬ ‫تطبيق هذين المبدأين النبيلين في عالقاتها مع‬ ‫بقية العالم‪ .‬وهذا خالل العصر الكولونيالي‪،‬‬ ‫وأيضا في أيامنا الحالية‪ .‬انظروا إلى الواليات‬ ‫ال�م�ت�ح��دة األم��ري �ك �ي��ة! حينما ن�لاح��ظ عمل‬ ‫نظامها السياسي‪ ،‬في مسيرة االقتراع الطويل‬ ‫واألخّ اذ‪ ،‬ال يمكن إال أن يثيرنا اإلعجاب‪ .‬كيف‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫> ن �ع��م‪ ،‬م��ع ك��اف��ة ت�ب�ع��ات�ه��ا ال ��درام� �ي ��ة‪ .‬تشظي‬ ‫ي��وغ��وس�ل�اف �ي��ا ال �س��اب �ق��ة م� �ث ��ال ج� �ل ��يّ ع�ل��ى‬ ‫ه��ذا التعايش ال�ص�ع��ب‪ .‬استطعنا م��ع نهاية‬ ‫ال�ح��رب ال �ب��اردة أن نفكر ف��ي أننا نتجه نحو‬ ‫تعايش متناغم‪ .‬إنه العكس ال��ذي ينتج‪ .‬حتى‬ ‫المجتمعات ال �ت��ي ظ �ه��رت ك�ن�م��اذج للتعايش‬ ‫المتناغم‪ ،‬كما هولندا والدانمرك‪ ،‬عرفت في‬ ‫السنوات األخيرة توترات مقلقة‪...‬‬

‫يعقل أن نعتقد أن البلد نفسه مارس التعذيب‬ ‫ف��ي سجني أب��ي غريب وج��وان�ت��ان��ام��و؟! نأمل‬ ‫أن تتوقف هذه الممارسات مع صعود باراك‬ ‫أوباما‪ .‬غير أنه من إلهام القول للغرب إنه ال‬ ‫يمكن امتالك مكيالين‪ ،‬مقياسين‪ ،‬وإنه يجب‬ ‫أن يكون وفيا لمبادئه الجوهرية‪ ،‬لكي يجد‬ ‫مصداقية أخالقية اليوم مخدوشة‪.‬‬ ‫< تركّز كثيرا على مظهر الهوية‪ .‬حتى أنك كتبت‬ ‫كتابا حوله‪« :‬الهويات المغتالة»‪ .‬لماذا نرى أنه‬ ‫من الالزم على الفرد أو البلد معرفة هويته؟‬ ‫> هناك كثير من العناصر‪ ،‬ومن بينها‪ :‬الدين‪،‬‬ ‫والقومية‪ ،‬واللون‪ ،‬والجنس‪ ،‬والنشاط المهني‪،‬‬ ‫وال�ط�ب�ق��ة االج�ت�م��اع�ي��ة‪ ،‬وال�م�س�ع��ى ال �ف��ردي‪،‬‬ ‫وال�ل�ق��اءات‪ ،‬وال �ق��راءات‪ ..‬إل��خ‪ .‬أح��د العناصر‬ ‫التي أصر عليها كثيرا‪ ،‬وهو عنصر اللغة‪ .‬ألنه‬ ‫أداة تواصل وعامل هوية في آن معا‪ .‬وأيضا‬ ‫ألنه غير إقصائي‪ .‬من الممكن أن نتكلم لغتين‪،‬‬ ‫وثالث‪ ،‬وأربع لغات‪ ،‬بينما من الصعب أن ندين‬ ‫بأكثر من دين!‬ ‫< كيف تحلل صعود الظالمية؟‬ ‫> ال �ظ�لام �ي��ة ل �ف �ظ��ة ال أس �ت �ع �م �ل �ه��ا‪ .‬ال أح��ب‬ ‫ال�م�ص�ط�ل�ح��ات ال �ت��ي تتضمن ح�ك�م��ا قيميا‪.‬‬ ‫غير أنني أدون أنه – في عالم اليوم – هناك‬ ‫سلوكيات تدل على تقهقر العقالني‪ .‬هي ذي‬ ‫ظاهرة غير مألوفة وقت الشدة‪ .‬حينما يختبر‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪101‬‬


‫الناس قلقا عظيما تجاه مستقبلهم‪ ،‬تجاه تطور‬ ‫العالم‪ ،‬تجاه بقاء ثقافتهم؛ حينما يواجهون‬ ‫ظواهر معقدة للغاية‪ ..‬وه��ذا هو الحال في‬ ‫أيامنا الحالية‪ ،‬يبحثون أحيانا عن شروحات‬ ‫في الال عقالني‪ .‬تلك عادة مقبولة للتفسير‪،‬‬ ‫وجزئيا شرعية‪ ،‬وإن ل��م تساعد كثيرا‪ ،‬من‬ ‫وجهة نظري‪ ،‬في فهم العالم‪ .‬من الالزم القول‬ ‫إن االنهيار التاريخي للنموذج السوفياتي أفقد‬ ‫حظوة األيديولوجيات العقالنية‪ ،‬وأفضى إلى‬ ‫هذه الالعقالنية‪.‬‬ ‫< تؤكد كثيرا على الثقافة التي يمكن أن تساعدنا‬ ‫على معالجة االختالف االنساني‪.‬‬ ‫> نعم‪ ،‬حانت لحظة إعادة وضع الثقافة في قلب‬ ‫قيم العالم‪ .‬نحيا في المجتمعات نفسها‪ ،‬بينما‬ ‫نحن قدمنا من كل مكان‪ ..‬ونتعارف بصورة‬ ‫سيئة‪ .‬نحن ف��ي حاجة إل��ى التعارف بصورة‬ ‫عميقة لتثمينها‪ .‬وهذا ال يتحقق إال بواسطة‬ ‫الثقافة‪.‬‬ ‫ ‬

‫م�ث�لا‪ ،‬األل �ف��ة بين أف ��راد الشعب تعمل على‬ ‫اكتشافه عبر أدب��ه‪ .‬ولكن هناك حجة أخرى‬ ‫تحرض على وضع الثقافة والتعليم في قلب‬ ‫العالم كما أتخيل‪ .‬بفضل تقدم الطب‪ ،‬نحيا‬ ‫طويال؛ وبالتالي‪ ،‬نستهلك أكثر‪ ،‬بفضل تقدم‬ ‫دول ال �ج �ن��وب‪ ،‬ت �ح��دي��دا ال �ص �ي��ن‪ ،‬ب �ل��غ كثير‬ ‫م��ن معاصرينا أعلى مستويات االستهالك‪.‬‬ ‫يتبدى لي أننا إذا أردنا عدم استهالك منابع‬ ‫الكوكب سريعا‪ ،‬وأننا ال نريد اإلسراع بالتلويث‬ ‫المناخي واالحتباس الحراري‪ ،‬يجب أن نهتم‬ ‫بالتألق الثقافي والروحي لإلنسان‪ ،‬حول تملك‬

‫المعرفة واختزال االستهالك المادي‪.‬‬ ‫< تهتم ك�ث�ي��را ب��ال�م�ه��اج��ر ل�ك��ي ت��واج��ه ت�ص��ادم‬ ‫الحضارات‪.‬‬ ‫> إذا عاش المهاجرون بصفاء وهدوء انتماءاتهم‬ ‫ال �م �ت �ع��ددة‪ ..‬إذا ان��دم �ج��وا ف��ي المجتمعات‬ ‫ال �ح��اض �ن��ة‪ ،‬وق ��د ت��رك��وا رواب � ��ط ع�م�ي�ق��ة مع‬ ‫مجتمعاتهم األص �ي �ل��ة وث�ق��اف�ت�ه��م األص �ي �ل��ة؛‬ ‫يستطيع المهاجرون أن يقيموا جسورا بين‬ ‫العالمين‪ ..‬يلعبون دورا‪ ،‬ولكن من الضروري‬ ‫تشجيعهم على أن يضطلعوا به بكل فخر ومن‬ ‫دون تحفّظ‪ .‬وف��ي المجاالت ك��اف��ة‪ ،‬م��ن دون‬ ‫استثناء‪.‬‬

‫* ‪.MEDITERRANEE, Septembre 2009‬‬ ‫(‪.LE DEREGLEMENT DU MONDE, ED. GRASSET, 2009 )1‬‬ ‫(‪.LES IDENTITES MEURTRIERES, LIVRE DE POCHE, 1998 )2‬‬ ‫‪ 102‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫القاص والروائي السعودي أسامة عبيد‪:‬‬ ‫> أن أك��ون شاعرا أو كاتبا يعني أن أك��ون ح��ر ًا في‬ ‫هذا العالم من خالل قلمي وكتاباتي‪..‬‬ ‫> رواية عبده خال (ترمي بشرر) صورت الجانب‬ ‫السيئ من المجتمع‪ ،‬من دون محاولة إلحداث‬ ‫التوازن بين السلبيات واإليجابيات‪.‬‬ ‫> حاوره‪ :‬أحمد الدمناتي *‬

‫من مواليد مكة المكرمة ع��ام ‪1989‬م‪ ،‬ي��درس الطب في جامعة أم القرى‪ .‬قصصه‬ ‫المسكونة بقلق ال��ذات‪ ،‬وعنف اللغة تهاجر به لفراديس الحكاية والقصة‪ .‬يجد في‬ ‫جماليات السرد فرصة عميقة لإلنصات لهدير الروح‪ ،‬والتقاط تفاصيل الحياة بعين‬ ‫فاحصة‪ .‬لغته تتناسل بدرجات متفاوتة حسب إيقاعات توتر اليد والذاكرة‪ ،‬وهي تُحارب‬ ‫شراسة البياض‪ ،‬صدرت له أخيرا المجموعة القصصية «الـرَّ سـَّــام»‪ ،‬وهي اإلصدار الثالث‬ ‫لـه بعد «إرهاب الحب»‪ ،‬ورواية «رائحة فرنسية»‪.‬‬ ‫كان لنا معه هذا الحوار العفوي‪ ،‬الذي يغوص في عالقة الذات الساردة بأزمنة مختلفة‬ ‫وأمكنة متعددة ما تزال راسخة في مغارات الرائحة والرسم والحب معا‪.‬‬

‫< م��اذا يعني ل��ك أن تكون ش��اع��را أو < كيف تنظر إل��ى ذك��ري��ات��ك م��ع أول‬ ‫كاتبا اآلن؟‬ ‫قصيدة أو قصة‪ ،‬أو نص تكتبه أو‬ ‫تنشره؟‬ ‫> يعني أن أكون حرا في هذا العالم‬ ‫من خالل قلمي وكتاباتي‪.‬‬ ‫> أنظر إل��ى ذك��رى أول قصة كتبتها‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪103‬‬


‫بشيء من التعجب‪ ,‬ألنها ال ترضيني اآلن > إحساسي بالشوق إلى معرفة رأي القارئ‬ ‫ف��ي العمل ال��ذي قمت ب��ه‪ ,‬وه��ل أرض��اه‬ ‫بعد التجارب التي م��ررت بها‪ ،‬والخبرة‬ ‫أم ال‪ ,‬ألني في النهاية أه��دف إلى رأي‬ ‫التي اكتسبتها‪.‬‬ ‫القارئ كمتتبع ألعمالي‪.‬‬ ‫< هل يعطيك السفر متسعا أو رغبة في‬ ‫< هل يمكن تذكر مالمح طفولتك الشعرية‬ ‫الكتابة؟‬ ‫أو القصصية األول��ى وعناقك األول مع‬ ‫> نعم‪ ,‬السفر يمنحني الحب والرغبة؛ ألنك‬ ‫بهاء الكلمة؟!‬ ‫عندما تسافر ألي بلد ف��ي ه��ذا العالم‬ ‫تجد الكتّاب فيه يحصلون على التقدير > كان عناقي األول مع الكلمة‪ ،‬من خالل‬ ‫رواي��ة «الخيميائي» لباولو كويلو‪ ,‬قرأت‬ ‫من خالل مجتمعاتهم وثقافاتهم‪ ,‬والسفر‬ ‫الكتاب صدفة‪ ،‬فدخلت عالم األدب‪.‬‬ ‫أيضا يجعلني أكتسب خبرات من ثقافات‬ ‫< والدة قصيدة أو قصة أو رواي��ة انتصار‬ ‫أخرى غريبة علي‪.‬‬ ‫على خ��راب وخ��واء العالم‪ ,‬أم مصالحة‬ ‫< ما هو إحساسك بعد االنتهاء من كتابة‬ ‫مؤقتة مع انكسارات الذات!؟‬ ‫قصيدة‪ ،‬أو قصة‪ ،‬أو رواية‪ ،‬أو نص؟‬ ‫> والدة أي عمل أدب��ي ه��و تقدير للذات‬ ‫ولإلنسان نفسه‪ ،‬وإنجاز يجعله فخورا‬ ‫بما قدم‪.‬‬ ‫< م� ��ن خ �ل��ال ال��م��ج��م��وع��ة ال �ق �ص �ص �ي��ة‬ ‫(ال � ��رس � ��ام) ت �ت �ب �ي��ن ال� �ن� �ب ��رة ال �ح��زي �ن��ة‬ ‫والمؤلمة والواقعية لمشاهد متنوعة من‬ ‫المجتمع من خالل عناوينها (الرقص‬ ‫حتى الصباح‪ /‬ثمن الحرية‪ /‬لعنة قارئ‪/‬‬ ‫الروح المقدسة‪ /‬اليوم الحزين‪ /‬الموت‬ ‫ل��م ي�ع��د م�م�ك�ن��ا‪ /‬ك��رام��ة أن �ث��ى‪ /‬ماسح‬ ‫األح ��ذي ��ة‪ /‬ال �ص��ام �ت��ون‪ /‬رس��ال��ة غ ��رام‪/‬‬ ‫من خلف األقنعة‪ /‬قلوب منسية‪ /‬بالغ‬ ‫ك ��اذب‪ /‬على ض�ف��اف اإلس �ب��رس��و‪ /‬ق��ارب‬ ‫ال ��دم ��وع)‪ ،‬ه��ل تستطيع ال�ل�غ��ة أحيانا‬ ‫‪ 104‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫واإلحباط والتهميش؟‬ ‫< ال��م��ب��دع ل ��ه ُن� � ْب���لٌ خ� ��اص ف ��ي ع�لاق�ت��ه‬ ‫بالكائنات المحيطة به‪ ،‬إحساس عميق‬ ‫> بالتأكيد‪ ..‬تستطيع اللغة تطهير النفس‬ ‫ب��آالم اآلخرين‪ ،‬كيف ترى دور الجمعية‬ ‫وال ��روح‪ ,‬ألن الشعور ب��األل��م واإلح�ب��اط‪،‬‬ ‫ال �س �ع��ودي��ة ل �م �ك��اف �ح��ة ال� �س ��رط ��ان في‬ ‫نستطيع التغلب عليه وقهره من خالل‬ ‫المجتمع‪ ،‬وأنت عضو فاعل فيها؟‬ ‫الكتابة واإلبداع‪.‬‬ ‫< القصة القصيرة بدورها جراحة متطورة‬ ‫لجسد المجتمع‪ ،‬أليس كذلك؟‬ ‫> بلى‪ ,‬أوافقك الرأي‪ ..‬وهذه الجملة معبرة‬ ‫ج��دا ع��ن دور ال�ق�ص��ة ت�ج��اه المجتمع‪،‬‬

‫إضافة إلى كونها أدبا راقيا جدا وصعبا‬ ‫على روّاده‪.‬‬

‫م������������������واج������������������ه������������������ات‬

‫تطهير النفس والروح والقلب من األلم‬

‫يريدها القارئ ويحتاجها‪.‬‬

‫> هذه الجمعية تشارك آالم الناس‪ ،‬وتسعى‬ ‫دوم��ا إلى العمل اإلنساني والمجتمعي‪،‬‬ ‫م��ن خ�ل�ال رع��اي �ت �ه��ا ودع �م �ه��ا لمرضى‬ ‫ال �س��رط��ان‪ ،‬وت��وع�ي��ة المجتمع بالخطر‬ ‫القادم إليهم‪ ،‬وأهمية الوقاية والفحص‬ ‫المبكر‪ ..‬وبخاصة سرطان الثدي الذي‬ ‫بدأ ينتشر بشكل واسع وكبير‪.‬‬

‫< ما القاسم المشترك ال��ذي تجده بين‬ ‫ أعتقد أن الملتقيات الثقافية في الوقت‬ ‫األدب والطب والجراحة؟‬ ‫الحالي طغت عليها المجامالت بشكل‬ ‫> أج��د راب�ط��ا كبيرا بين القصة والطب‪,‬‬ ‫ك�ب�ي��ر ج���دا‪ ,‬وف ��ي ال��وق��ت ال��راه��ن تعد‬ ‫مضيعة ل��وق��ت ال�ك��ات��ب وليست داعمة‬ ‫فالمرض هو عبارة عن سيناريو وقصة‬ ‫لمسيرته‪.‬‬ ‫أل��م ي�م��ر ب�ه��ا ال �م��ري��ض‪ ..‬وف��ي النهاية‬

‫بإمكاننا اع�ت�ب��ار الطبيب مشرفا على < كيف تلقيت نبأ رحيل الشاعر المبدع‬ ‫حالة‪ ،‬وقصة ألم إنسانية‪.‬‬ ‫واألديب الالمع الدكتور غازي القصيبي‬ ‫يرحمه الله؟‬ ‫< في لغتك القصصية والروائية تشتغل‬ ‫على لغة سردية خالية من المساحيق‬ ‫البالغية‪ ،‬والرموز والتعقيدات‪ ،‬هل هو‬ ‫اختيار في الكتابة لديك؟‬ ‫> نعم‪ ,‬ألن المساحيق والتعقيدات في رأيي‬ ‫تشوه النص‪ ..‬وتلقي به في خانة أخرى‬

‫> (ل�ك��ل أج��ل ك �ت��اب)‪ ,‬ه��و ل��م ي��رح��ل‪ ..‬ألن‬ ‫ك�ت��اب��ات��ه وإب��داع��ات��ه م��ا ت ��زال م��اث�ل��ة في‬ ‫مكتباتنا‪ ,‬وثقافته ترسخت ف��ي أذه��ان‬ ‫جيل كبير من الشباب واألدباء وبخاصة‬ ‫السعوديين‪.‬‬

‫بعيدة جدا عن القصة ومدلوالتها التي < في روايتك (رائحة فرنسية) ح��وار بين‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪105‬‬


‫روايته العميقة (ترمي بشرر)‪ ،‬كيف كان‬ ‫إحساسك بهذا التتويج األدبي؟‬ ‫> فرحت جدا لفوز األستاذ عبده خال بهذه‬ ‫الجائزة التي يستحقها ب �ج��دارة‪ ,‬لكني‬ ‫أعتبر روايته (ترمي بشرر) قد صورت‬ ‫الجانب السيئ م��ن المجتمع‪ ،‬م��ن دون‬ ‫محاولة إلح��داث التوازن بين السلبيات‬ ‫واإلي �ج��اب �ي��ات‪ ،‬وب �م �ح��اول��ة م��ن ال�ك��ات��ب‬ ‫لعرض ال��رواي��ة بشكل يجعل ال�ق��ارئ ال‬ ‫يكمل صفحاتها‪ ..‬ويتوقف عن القراءة‬ ‫بسبب محاولته تكرار بعض المشاهد‪،‬‬ ‫الشرق والغرب‪ ،‬رغم اختالف المرجعيات‬ ‫الثقافية وال��دي�ن�ي��ة وال�ح�ض��اري��ة‪ ،‬وهي‬ ‫ال���رواي���ة ال �ت��ي ت �ت �ن��اول ل �ق��اء ال�ط��ال��ب‬ ‫الشرقي مع المرأة الغربية بعد أحداث‬ ‫‪ 11‬سبتمبر المؤلمة‪ .‬هل هذا اللقاء ما‬ ‫يزال ممكنا‪ ،‬في ظل صورة نمطية تكوّنت‬ ‫في المخيلة الغربية إثر هذا الحدث؟‬ ‫> بالتأكيد ما ي��زال اللقاء ممكنا‪ ،‬ما دام‬ ‫ال‬ ‫الحب موجودا‪ ،‬وما دام التعامل تعام ً‬ ‫إن �س��ان �ي��ا‪ ،‬ب �ع �ي��دا ع��ن األف� �ك ��ار ال �ش��اذة‬ ‫والمتطرفة من الجانبين‪.‬‬ ‫< جائزة البوكر للرواية العربية أنصفت‬ ‫األدب السعودي‪ ،‬لقوة متخيله السردي‬ ‫إث ��ر ف ��وز ال ��روائ ��ي ع �ب��ده خ ��ال ب �ه��ا عن‬ ‫* شاعر وناقد من المغرب‪.‬‬ ‫ ‬

‫‪ 106‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫وتمطيط الرواية بشكل مبالغ فيه‪.‬‬


‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫يخرج من ذواتنا‬ ‫الزمن‬ ‫ُ‬

‫يحجب الرؤيا عن املستقبل‬ ‫سقف نظري ال‬ ‫ُ‬ ‫> محمد الفوز *‬

‫مجهودات عظيمة‪ ..‬سواء كانت حركية أم فكرية أم مهنية‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫أشخاص لديهم‬ ‫ٌ‬ ‫يمرُّ بنا‬ ‫بشكل أو بآخر‪ ،‬ولكن‪ ..‬هل يستثمرون الوقت بإيجابية‪ ،‬ويحررون أفكارهم من خرافة‬ ‫ٍ‬ ‫بطموح كبيرٍ ‪ ..‬أم يتبدد كل ذلك الحراك ُسدى؟!!‬ ‫ٍ‬ ‫الزمن؛ كي يتعايشوا مع الواقع‬ ‫�ات ل��و كشفنا‬ ‫كلما أدرك�ن��ا قيمة ال�س��ؤال عبر منظومة حياتنا‪ ،‬سنكونُ أم��ام ره��ان� ٍ‬ ‫خسارتها مبكراً‪ ..‬يجب أن نعاود السؤال‪ ،‬ونتجه إلى منطقةٍ أخرى أكثر إشراقاً‪ ،‬وبعيد ًا‬ ‫كانت مغامرة البداية‪..‬‬ ‫الخسارات المتكررةِ ‪ ،‬ألننا ال نفترض العتمة في دروبنا مهما ْ‬ ‫ِ‬ ‫عن‬ ‫علينا أن نتوخى الزلل‪ ،‬وأال نُكابر في المجهول‪.‬‬ ‫يقول هنري ديفيد فرانكلني «ال تستطيع يفكرون دائما في كيفية قضاء وقتهم‪ ,‬لكن‬ ‫قتل الوقت دون أن تصيب األبدية بجـــــراح»‪ ،‬العظماء يفكرون في كيفية استثماره!!‬ ‫هنالك عدة مبررات لهتك الزمن‪ ..‬أهمها‬ ‫أننا ال نتعلم احلكمة‪ ،‬وال ن��درك أننا في‬ ‫م��أزق وج��ودي إال متأخرين؛ ول��ذا‪ ،‬يجب‬

‫علينا ت���داول ب�ع��ض ال�ن�ظ��ري��ات احلديثة‬ ‫ف��ي تطوير ال��وق��ت‪ ،‬وإع ��ادة بناء املفاهيم‬ ‫النظرية التي ت��دور في أذهاننا‪ ،‬وجنعلها‬

‫ضمن القيم امل�ت��وارث��ة ك��ي نضمن احلياة‬

‫األف �ض��ل؛ ف��ال��وق��ت‪ ،‬ه��و أك�ث��ر م��ا نحتاج‪,‬‬ ‫وأس ��وأ م��ا ن�س�ت�خ��دم‪ ..‬وال �ن��اس ال�ع��ادي��ون‬

‫ن �ح � ُن ف��ي ج��دل�ي��ة ح��رج��ة م��ع ال��زم��ن‪،‬‬ ‫وع �ن��دم��ا ن �ت��وق��ف –مثال‪ -‬ع �ن��د ن�ظ��ري��ة‬ ‫(تنظيم الوقت) لستيفن كوفي‪ ،‬أو ما تسمى‬ ‫مربعات ستيفن‪ ،‬التي وضعها ف��ي كتابه‬ ‫(ال �ع��ادات السبع للناس األك�ث��ر فاعلية)‪،‬‬ ‫وتتلخص بأنها تقيس حساسية الوقت‬ ‫وكيفية استثماره واستئثاره بحياتنا‪ .‬واملربع‬ ‫األول هو (مهم مستعجل)‪ ..‬فل َ ْو فرضنا أن‬ ‫لديك اختباراً غ��داً‪ ،‬فهو أم � ٌر مهم‪ ..‬ألنه‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪107‬‬


‫يعتمد على نتائج‪ ،‬ومستعجل ألنه غ��داً‪ .‬لذلك‪،‬‬ ‫فكل دقيقة تكسبها‪ ،‬تشكل لك قيمة إضافية على‬ ‫مستوى التحصيل والنتيجة‪.‬‬ ‫وامل��رب��ع الثاني عكس األول (غير مهم‪ ،‬غير‬ ‫مستعجل)‪ ،‬واملربع الثالث (غير مهم لكنه مستعجل)‪،‬‬ ‫واملربع الرابع (مهم غير مستعجل)‪ ..‬ويعد مربع‬ ‫الناجحني ألنهم يخططون مسبقاً‪ ،‬ويراهنون على‬ ‫السبق وجتاوز العقبات كلها منذ البداية‪ ،‬بدالً من‬ ‫االستدراك وقلق الزمن الذي يعصف بالروح في‬ ‫اللحظات األخيرة‪ .‬رمبا نستفيد من النظرية في‬ ‫جانبها النفسي‪ ،‬وأنها جتعلنا مرآة لذواتنا عندما‬ ‫نتحقق من كل شيء قبل فعله‪ ،‬مع مراعاة جوانب‬ ‫الوقت وعدم هدر الزمن‪.‬‬ ‫طلب أحدهم من ألبرت أينشتاين أن يوضح‬ ‫له الفرق بني الزمن احلقيقي والزمن النفسي؛‬ ‫فأجابه قائ ً‬ ‫ال‪" :‬عندما تكون برفقة فتاة جميلة‪..‬‬ ‫تشعر أن الساعة مضت وكأنها ثانية‪ .‬أما عندما‬ ‫جتلس ف��وق ج�م��رة م �ت��وق��دة‪ ..‬فتمضي الثانية‬ ‫وكأنها ساعة"! إن الفرق نسبي‪ .‬ونح ُن ال ننشغل‬ ‫بالنسبيات أو الفرضيات التي وضعها أينشتاين‬ ‫في نظريته‪ ،‬ولكننا دوما مشغولون بالواقع‪ ،‬وهو‬ ‫ما يجعلنا نضع تخيالت الزمن لدى بعض العلماء‬ ‫مجرد أوه��ام‪ ،‬أو خ��راف��ات‪ ،‬أو خيال علمي قد‬ ‫ٍ‬ ‫أزمنة قادمة‪ ،‬ونحن ال نتشدق‬ ‫يصح‪ ..‬ولكن عبر‬ ‫ّ‬ ‫بل نفهم‪ ..‬ولكن أي نظرية تقترب من الواقع‪،‬‬ ‫وتبرر كل االحتماالت الراهنة‪ ،‬ميكن استقبالها‬ ‫بشكل دافئ وحميم‪ ،‬ولكننا بالتأكيد لن نستوعب‬ ‫علميا ف��رض �ي��ة‪ ..‬ل��و أن أح��د ال �ت��وأم�ين سافر‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫�رن‪ ،‬وبقي اآلخر على‬ ‫لنصف ق� ٍ‬ ‫مبركبة فضائية‬ ‫األرض‪ ..‬عندما يعود الطفل الفضائي سيكون‬ ‫م��ا ي ��زال ط �ف� ً‬ ‫لا‪ ،‬وأم ��ا ال�ط�ف��ل ال ��ذي ب�ق��ي على‬ ‫* شاعر وكاتب سعودي‪.‬‬

‫‪ 108‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫وخارت قواه؛‬ ‫األرض فقد ضرب الشيب أطنابه‬ ‫ْ‬ ‫وهنا تفسي ٌر قد يكو ُن عمليا ملسألة العالقة بني‬ ‫املسافة والزمن‪ ،‬ولكنها ما تزال غامضة وبعيدة‬ ‫عن التطبيقات اليومية أو الروتينية‪.‬‬ ‫لو نظرنا إلى الساعة البيولوجية‪ ..‬فقد اعتقد‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫طويلة أن ال��دم��اغ ميتلك ساعة‬ ‫لعقود‬ ‫العلماء‬ ‫داخلية تسمح ل��ه بتعقب ال��زم��ن‪ ،‬وق��د أجريت‬ ‫دراسة بجامعة كاليفورنيا‪ ..‬تَخلُص قيمة البحث‬ ‫في فهم كيفية عمل الدماغ‪ .‬فالكثير من عمليات‬ ‫الدماغ املعقدة‪ ..‬من فهم الكالم‪ ،‬إلى ممارسة‬ ‫لعبة اإلمساك‪ ،‬إلى األداء املوسيقي‪ ،‬تعتمد على‬ ‫قدرة الدماغ على حتديد الزمن بدقة‪ ..‬بيد أنه‬ ‫ال أح��د يعرف كيفية عمل ال��دم��اغ‪ ،‬كذلك فإن‬ ‫أكثر النظريات الشعبية تفترض آلية مشابهة‬ ‫لعمل الساعة التي تو ّلد وحتسب حركات ثابتة‬ ‫ومنتظمة‪ ..‬توفر أساس التوقيت للدماغ‪.‬‬ ‫ن �ح � ُن إذاً أم ��ام وع � ّ�ي م�س�ب��ق‪ ،‬أو ف��رض�ي� ٍ‬ ‫�ات‬ ‫محسوبة وقابلة لتغيير املفهوم السائد من أننا‬ ‫كائنات ف��وض��وي��ة‪ ..‬أو تعمل مبحض الصدفة‪،‬‬ ‫العلم بالشيء هو كل شيء‪ ،‬وإذا أردت أن تستخدم‬ ‫وقتك بصورة جيدة‪ ,‬انظر إلى أهم ما عندك‪..‬‬ ‫وأعطه كل ما متلك‪.‬‬ ‫من هنا‪ ،‬نعي أهمية إدارة العقل‪ ،‬ونتحسس‬ ‫ٍ‬ ‫بسكني ح��ادةٍ ‪..‬‬ ‫بجدية مفرطة أننا نقتل الزمن‬ ‫ٍ‬ ‫ه��ي اجل�ه��ل بالقيم‪ ،‬ول ��ذا‪ ،‬نحن مسئولون عن‬ ‫املجهود الضائع ال��ذي نبذله بعشوائية‪ ،‬ونلو ُم‬ ‫احلضارات املتقدمة عندما نرضخ حتت وطأتها‪،‬‬ ‫إننا نبصر كل شيء أمامنا‪ ..‬فلماذا ال نستمتع‬ ‫وجنعل كل لفتاتنا مؤتلقة ومندهشة لإلبداعات‬ ‫الكونية من حولنا؟ فاإلبداع احلقيقي هو قيمة‬ ‫ما نعمله‪ ،‬وليس ما نبصره فحسب‪.‬‬


‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫هل بالطلول لسائل رد؟!‬ ‫> نــورا العلي*‬

‫األماكن‪ ,‬األطالل‪ ,‬آثار الديار‪ ,‬بقايا ذكريات‪ ,‬محفورة في مغارات الذات‪.‬‬ ‫نمر باألطالل‪ ,‬نتذكر أياما كانت ‪-‬بوجود األحبة‪ -‬تبدد الهم‪ ..‬وأمست بفراقهم توقظ‬ ‫الجراح‪ ,‬وتزيد اآلالم‪.‬‬ ‫وتفوح من طيب الثناء روائ� ٌ�ح‬ ‫مسكيــّـــــة النفحات إال أنها‬

‫ل �ه��م ب �ك��ل م��ك��ان��ةٍ ت�س�ت�ن�ش��قُ‬ ‫وح��ش�� ّي��ة‪ ،‬ب �س��واه��م ال ت�ع�ب��قُ‬

‫احل��ن�ي�ن‪ ..‬ه ��ذا ال �ش �ع��ور ال ��ذي يسكن الذكرى إال الدموع‪:‬‬ ‫شغاف القلب‪ ،‬ويغفو فيه‪ ..‬توقظه حلظة وإن ش� �ف ��ائ ��ي دم � �ع� ��ة مُ � �ه ��راق ��ة‬ ‫مرور عابرة‪ ،‬فتكتشف تش ُّبثَ النفس مبكان‬ ‫ف�ه��ل ع�ن��د رس��م دارس م��ن معول‬ ‫بعينه‪ ،‬حتى وإن درس‪ ..‬تقف فيه‪ .‬يتراءى‬ ‫ف��ي ال�ع�ص��ر اجل��اه �ل��ي‪ ..‬ك��ان الشاعر‬ ‫أمامك خيال األحبة وأطيافهم وطيوبهم‪.‬‬ ‫إذا مر على معهد الصبا‪ ،‬ومرابع األهل‪،‬‬ ‫عندها‪ ،‬تستبد احلياة بوجهها القامت‪ ،‬وكلما‬ ‫ومرتع الطفولة‪ ،‬هاجت قريحته وج��ادت‪،‬‬ ‫حلك السواد‪ ،‬استبدت الذكريات‪ ،‬وأوغر وشرع في قول الشعر‪ ،‬وراح يصف زماناً‬ ‫طيف من نحب في احلضور‪ ،‬ونتساءل‪...‬‬ ‫ك��ان سلوة العمر‪ ،‬وبهجة األي���ام‪ ..‬يصف‬ ‫أين من كانوا أُنس الديار‪ ،‬وزينة السمار؟!‬ ‫ماض أفل‪ ،‬ويتمنى لو أنه فج ٌر أطل‪ ،‬وأ ّنى‬ ‫سؤال يستثير القلب كي يدمي‪ ،‬ويستحث ل��ه ذل ��ك‪ ..‬وحينما نتحدث ع��ن األط�لال‬ ‫العني كي تهمي‪.‬‬ ‫وآث��ار الديار في العصر اجلاهلي‪ ..‬فأول‬ ‫ول � ��وال ال��ح��ب م ��ا كُ ��تِ �ب��ت ح ��روف‬ ‫وال ُس ��ئِ ��ل ال���رس���ومُ وال ال �ط �ل��ول‬

‫إنها ال��ذك��رى تشقينا‪ ،‬فنعتاد الشقاء‬ ‫ويتحجر الدمع في املآقي‪ ،‬يضنينا‪ ،‬وميأل‬ ‫بالشجن ليالينا‪ ،‬فال تستكني نفوسنا وال‬ ‫تهدأ إال بوابل الدمع‪ ،‬فنقر كما أق َّر نزار‬ ‫قباني بـ "أن الدمع هو اإلنسان" فهذا امرؤ‬ ‫القيس ال يجد ل��ه ش�ف��اء وس �ل��وة م��ن ألم‬

‫ما يتبادر إلى أذهاننا قول امرؤ القيس‪:‬‬ ‫"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"‬

‫ف�ي�ق��ال إن ��ه اس�ت�ن ل�ل�ش�ع��راء م��ن بعده‬ ‫احلديث في استيقاف األص�ح��اب‪ ،‬وبكاء‬ ‫الديار‪ .‬وهذا النابغة الذبياني‪ ..‬تستوقفه‬ ‫دي��ار األحبة اخلالية منهم‪ ،‬وال يجيبه إال‬ ‫رج��ع ال�ص��دى‪ ،‬والصمت املطبق‪ ،‬فتكتمل‬ ‫صورة احلزن في قوله‪:‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪109‬‬


‫وق � �ف� ��ت ف� �ي� �ه ��ا أص � �ي �ل�ا ك� ��ي أس��ائ��ل��ه��ا‬ ‫ع� � ّي ��ت ج���واب���ا وم � ��ا ب ��ال ��رب ��ع م���ن أح��د‬

‫عذبه رقيقة‪ ،‬مصحوبة بلوعة وحسرة فيقول‪:‬‬ ‫وق�� � ��د ك � �ن� ��ت أب� �ك� �ي� �ك���م ب � �ي � �ث� ��رب م� ��رة‬ ‫وك��ان��ت م�ن��ى ن�ف�س��ي م��ن األرض يثرب‬

‫وفي رأيي‪ ،‬إن كث ّير عزة قد وصل الذروة في‬ ‫بكاء آث��ار األحبة‪ ،‬وبلغ في ذل��ك أقصى مبلغ‪..‬‬ ‫وان�ظ��روا ملحمة إبراهيم ناجي "األط�لال"‪،‬‬ ‫إذ م ّر بربع محبوبته‪ ،‬واستوقف صحبه‪ ،‬علّهم‬ ‫والتي ال أقوى على اإلسهاب فيها‪ ،‬حيث توقظ‬ ‫ميسون ترابا كان قد مس جلدها‪ ،‬فيصبح هذا‬ ‫ّ‬ ‫التراب في نظره تبرا‪ ،‬وحفنة منه تساوي العمر الوجع وتثير األحزان‪ ..‬حتى في القلب اخللي‪.‬‬ ‫كله‪ ..‬وكأنه يتمثل القول‪:‬‬ ‫فها ه��و ي�ع��ود األمكنة ال�ت��ي اعتلت بفقدان‬ ‫احل�ب�ي��ب‪ ،‬يتعهدها ب��ال��زي��ارة‪ ،‬ليستنشق عبير‬ ‫ق� � � ��د ي� � � �ه � � ��ون ال� � �ع� � �م���� ��ر إال س� ��اع� ��ة‬ ‫وت� � � � �ه � � � ��ون األرض إال م� ��وض � �ع� ��ا الذكريات ال��ذي ال أظنه أب��دا نسيما عليال‪ ،‬بل‬ ‫نسيم يح ّرض على البكاء والعويل‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫فيقول القول الذي يقطع نياط القلوب‪:‬‬

‫ي��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ـ��ا ح� �ب� �ي� �ب ��ا زرت ي � ��وم � ��ا أي� �ك ��ه‬ ‫خ� �ل� �ي� �ل ��ي‪ ،‬ه� � ��ذا رب� � ��ع ع� � � ��زة‪ ،‬ف��اع �ق�ل�ا‬ ‫ط � � ��ائ � � ��ر ال� � � � �ش � � � ��وق أغ� � � �ن � � ��ي أل�� �م� ��ي‬ ‫ق �ل��وص �ي �ك �م��ا‪ ،‬ث���م اب��ك��ي��ا ح��ي��ث ح�ل��ت‬ ‫فمن ي��داوي جرح السنني‪ ،‬ومن ميسح عبرة‬ ‫ت � � ��راب � � ��ا ك�� � � ��ان ق � � ��د م � � ��س ج� �ل ��ده ��ا‬ ‫وب� �ي� �ت���ا وظ� �ل ��ا ح� �ي���ث ب� ��ات� ��ت وظ� �ل ��ت م�ك�ل��وم ح��زي��ن‪ ،‬حينما يلتهب ال�ق�ل��ب ش��وق��ا‪..‬‬ ‫ويؤججه احلنني ج ّراء املرور باألماكن واألطالل‪.‬‬ ‫وكان هذا ديدن الشعراء إذا مروا بآثار الديار‪،‬‬ ‫ليس ثمة مالذ‪ ،‬وال مهرب من نوبات الشوق‬ ‫فال بد أن تستوقفهم‪ ..‬وال ميلكون إال أن يوفوها‬ ‫والوله‪ ،‬وليس بوسعنا إال أن نتبع نهج إبراهيم‬ ‫حقها لوعة ودموعا وإطراقا وإذعانا‪.‬‬ ‫ناجي إذ يقول‪:‬‬ ‫يقفون باملكان الذي كان موطن األحبة‪ ،‬وربيع‬ ‫القلوب‪ ،‬حتى وإن كان غير ذي زرع‪ ،‬فماضيهم اس�� �ق�� �ن� ��ي واش � � � � � ��رب ع�� �ل� ��ى أط�ل��ال� ��ه‬ ‫ر ّب��ع وأث�م��ر وأن�ب��ت م��ن ك��ل ح��ب بهيج‪ ،‬وال ي��زال‬ ‫وارو ع � �ن� ��ي ط� ��ال � �م� ��ا ال� � ��دم� � ��ع روى‬ ‫القلب عامرا بذكرياتهم‪ ،‬لكنها ذكرى على طريقة‬ ‫فليس إال الدمع‪ ..‬وإن كان "ال يُ ْغنِي َفتي ً‬ ‫ال َوال‬ ‫ابن زريق إذ يقول "من يصدع قلبي ذكره"‪..‬‬ ‫يُجدي"‪.‬‬ ‫يؤملني كثيرا احلنني إلى األماكن التي تسكن‬ ‫وها هو الشاعر دوقلة املنبجي يقرر حقيقة‬ ‫فيها ذكريات العمر‪ ،‬ويوجعني أكثر صعوبة املرور‬ ‫بها‪ ،‬ورمبا استحال ُة زيارتها‪ ،‬وهي منى النفس‪ ،‬واضحة يهرب الكثير منها‪ ،‬يتترسون مبتراس‬ ‫الذكرى‪ ،‬اتقاء فجيعة الواقع‪ ،‬ويتعللون باألطالل؛‬ ‫وسلوة اخلاطر‪.‬‬ ‫ليتمكنوا من العيش بسالم إلى أن يلحقوا مبن‬ ‫احل��ال��ة العاطفية ال�ت��ي تنشأ ب�ين اإلن�س��ان‬ ‫فارقوا من األحبة‪.‬‬ ‫واملكان‪ ،‬أشد وطئا وأنكأ جرحا‪ ،‬إذا ح ّل الفراق‪،‬‬ ‫وما أقسى قوله‪:‬‬ ‫وجرى البني بيد عسراء متنع احلضور واللقاء‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يسطر بيتا يثير‬ ‫وها هو العباس بن األحنف‬ ‫الشجن‪ ،‬ويوضح ارتباط اإلنسان باملكان‪ ،‬بلغة‬ ‫* كاتبة من القريات ‪ -‬السعودية‪.‬‬

‫‪ 110‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫ه� � � ��ل ب � ��ال� � �ط� � �ل � ��ول ل � �س � �ـ � �ـ � �ـ � �ـ� ��ائ� ��ل رد‬ ‫أم ه� � � ��ل ل� � �ه � ��ا ب� �ت� �ـ� �ـ� �ـ� �ك� �ل���م ع � �ه� ��د؟‬


‫فن احلياة املتد ّفقة والعاطفة النابضة‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫ِّ‬ ‫الش ْعر العربي‬ ‫الغزل العذري في‬ ‫(نشأته – أنواعه – روّاده)‬

‫> حسني محيي الدين السبهائي*‬

‫الغزل ألصق الفنون األدبية بحياة الرجل وال�م��رأة‪ ،‬وهو‬ ‫أشهرها وأكثرها رواج ًا وإمتاعاً‪ ،‬ألن المرأة نصف الرجل وتمام‬ ‫عيشه وحياته‪ ،‬يكمل بها ما ينقصه من بهجة وسعادة‪ ،‬وهي‬ ‫مبعث الرضا والغضب والفرح والترح‪ ،‬وهي معينه وإلهامه؛‬ ‫ألنها مظهر الجمال الحيّ في دن�ي��اه‪ ،‬شغلت حياة األدب��اء‬ ‫والمتأدبين والقراء والمستمعين‪ ،‬وألهبت خيالهم وأقالمهم‪،‬‬ ‫ومألت صحفهم وأوقاتهم‪ .‬حيث كان من عادة العرب القديمة‬ ‫أن يستنكر األهل قول شاعر يشبِّب بفتاة لهم‪ ..‬فإن أتى شاعر‬ ‫بشيء من ذل��ك أث��ار غضبهم وطلبوا إبعاده عن الحيّ ‪ ،‬وإن‬ ‫جرؤ بعد ذلك أن يخطب الفتاة التي أحبَّها‪ ،‬أَ َبوْا أن يزوِّجوه بها‪ ،‬وأسرعوا إلى تزويجها‬ ‫بالشعر عن لوعته‬ ‫برجل آخر‪ ،‬فيقضي ذلك الشاعر أيامه في اللوعة والحرمان‪ ،‬ويعبِّر ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫وحرمانه‪ ..‬وهذا ما جرى لكثيرين من أولئك المتيَّمين أمثال المجنون‪ ،‬وجميل بن‬ ‫معمّ ر وغيرهما‪.‬‬ ‫ك�م��ا ع � َرف��ت ج�م�ي��ع ال �ش �ع��وب واألم ��م‬ ‫الشعر الغزلي‪ ،‬ألنَّه صدى عاطفة الميل‬ ‫إلى الجنس اآلخ��ر‪ ،‬فتَ َعلُّ ُق الذكر باألنثى‬ ‫عاطفة طبيعية يستوي فيها البشر جميعاً‪،‬‬ ‫مع اختالف النظرة إلى المرأة أو مكانتها‬ ‫شعب وآخ��ر‪ .‬وقد احتلَّ شعر الغزل‬ ‫ٍ‬ ‫بين‬

‫الشعْرية العربية‬ ‫حيِّزاً واسعاً من الثروة ِ‬ ‫منذ العصر الجاهلي وحتى وقتنا الحاضر‪،‬‬ ‫ويشكِّل هذا النوع من الشعر الجزء األكبر‬ ‫م��ن ث��روت�ن��ا ال� ِ�ش � ْع��ر ّي��ة‪ ،‬ور ّب �م��ا ي�ص��ل إل��ى‬ ‫الشعْريّة التي‬ ‫نصفها؛ فبعض القصائد ِ‬ ‫قيلت وتقال تكاد تقتصر جُ لَّ أبياتها على‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪111‬‬


‫الغزل أو ترتبط بشكّل أو بآخر به؛ ففي العصر‬

‫ب �ش��يء م��ن ال � ُم �ج��ون وال �ص��راح��ة ف��ي تصوير‬

‫الجاهلي كانت معظم القصائد تبتدئ بمطالع‬

‫عالقاتهم بالنساء‪ ..‬وتصوير حياتهم الالهية‬

‫واآلث��ار ومخاطبتها‪ ..‬ث ّم يصل ذلك بالنسيب‪،‬‬

‫التقليدي‪ ،‬فهو ذاك النسيب الذي كان الشعراء‬

‫غزليّة‪ ،‬يبدأ الشاعر فيها بذكر الديار والدمن‬

‫فيشكوه شدَّ ة الشوق وألم الوجد والفراق و َفرْط‬ ‫الصبابة‪ ..‬ومع تطوّر الحياة العربية بعد ظهور‬

‫اإلس�لام‪ ،‬وتحديداً في العصر األم��وي‪ ..‬وتنوّع‬

‫البيئات بعد ال�ف�ت��وح��ات اإلس�لام � ّي��ة‪ ،‬بعد أن‬

‫كانت البادية هي البيئة الوحيدة ألولئك‪ ،‬أصبح‬

‫هناك نوعان من البيئات‪ ،‬األول��ى بيئة بدويّة‬ ‫محافظة ومعلقة فرضت على شعرائها التزام‬ ‫جانب العفّة في غزلهم‪ ،‬وأن يكبتوا غرائزهم‬

‫ويقنعوا من النساء بالحديث والنظر‪ ،‬ومع ذلك‬

‫فكثيراً ما كان يسبب لهم غزلهم هذا األذى‪..‬‬ ‫وقد تُ ْهدَر دماؤهم‪ ،‬أما البيئة الثانية فهي بيئة‬

‫أهل الحضر‪ ،‬والتي لم تَسُ ْد فيها تلك األعراف‬ ‫الصارمة‪ ،‬ألنّها كانت أق� ّل محافظة من البيئة‬

‫البدويّة في تقاليدها‪ ،‬فكانت تبيح لشُ عَرائها‬

‫من حرية القول ما لم تبح بمثله بيئة البادية‪..‬‬ ‫ولم يلق غزلهم هذا على صراحته من اإلنكار‬

‫واالستهجان مثلما لقيه غزل أهل البادية على‬ ‫عفَّته‪ ،‬وبذلك يمكن أن نعد اختالف البيئة هو‬

‫السبب الرئيس في اختالف هذين النوعين من‬ ‫الغزل في العصر الواحد‪.‬‬

‫ال�ع��اب�ث��ة؛ وال �ن��وع ال�ث��ال��ث ك�م��ا ورد‪ ،‬ه��و ال�غ��زل‬

‫ُصدّ رون به قصائدهم جرياً على سنن القصيدة‬ ‫ي َ‬ ‫العربية المتوارثة منذ القدم‪ ،‬والذي ربما ال يمثل‬ ‫شعوراً صادقاً إزاء امرأة بعينها‪ ،‬وإنما هو في‬

‫الغالب ضرب من الصناعة الشعرية‪..‬‬

‫لنعد إلى الضرب األول من الغزل‪ -‬موضوع‬

‫بحثنا‪ -‬وهو الغزل العذري وأصل نشأته‪.‬‬

‫إن لفظ ع ��ذري ال �م��رادف للعفَّة والطهر‪،‬‬

‫يُنسب إلى قبيلة عذرة القضاعية اليمنية التي‬ ‫كانت تقيم شمالي الحجاز في وادي القرى‪،‬‬

‫وكانت تنفرد في حبها وغزلها وجمال نسائها‪،‬‬ ‫وكثرة شعرائها المتيَّمين‪ ،‬والذين كانوا يجسدون‬

‫هذا الحب شعراً‪ ،‬علماً أن زعيم الغزل العفيف‬

‫الشاعر جميل بن معمر ينتمي إلى هذه القبيلة‪.‬‬ ‫والحب ال�ع��ذري ظاهرة اجتماعية أنبتته بيئة‬

‫البادية ووسمته بميسمها‪ ،‬يبدأ بلقاء الطرفين‬ ‫في مرعى أو مورد ماء‪ ،‬وما يلبث أن يتحول هذا‬ ‫اللقاء إلى انعقاد أواصر مودَّة وألفة تتحوَّل مع‬

‫األيام إلى عاطفة قوية وعنيفة‪ ،‬تصبح فيما بعد‬ ‫حباً جارفاً طاغياً يجعل العاشق ال يطيق عن‬

‫صاحبته بعداً‪ ،‬يسعى للقائها ولو عرَّض نفسه‬

‫عرف العصر األم��ويّ ثالثة أنواع من الغزل إل��ى ال�ه�لاك م��ن أجلها‪ ،‬وه��و ي��رى فيها المثل‬ ‫ه��ي‪ :‬العفيف‪ ،‬وال �ص��ري��ح‪ ،‬وال�ت�ق�ل�ي��دي‪ ،‬أو ما األعلى للقيم الجمالية والخلقية‪ ،‬وال يمكن ألي‬ ‫يُسَ مَّ ى بالنسيب‪..‬‬

‫فتاة أن تحل محلها أو تجعله يسلو حبها‪ ،‬كل هذه‬

‫كانوا ينزعون إلى العِ فَّة ومجانبة الفحش في‬

‫الشعر الذي كان يقال على الغالب نتيجة الخيبة‬

‫عكس الغزل الصريح الذي كان يقوله الشعراء‬

‫المعاناة الصادقة‪ .‬وم��ن هنا‪ ،‬نجد أن اليأس‬

‫أمّا الغزل العفيف‪ ،‬فهو غزل الشعراء الذين السمات في الحب العذري‪ ،‬تجلت أصداؤها في‬

‫تصوير عالقاتهم بمن أحَ بّوا من النساء‪ ..‬على‬ ‫‪ 112‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫واإلخفاق في الوصول إلى المحبوبة‪ ،‬ونتيجة‬


‫وقد اتسم هذا الحب وهذا الغزل بسمات عدَّ ة‬ ‫أظهرها المحبّون‪ ،‬ومنها العفة التي تجلت في‬

‫معظم شعرهم؛ فالشاعر هنا ال يمكن له أن‬ ‫يتحدث ع��ن ع�لاق��ة شائنة بفتاته‪ ،‬ويعلن أنه‬

‫ال يريد شيئاً منها س��وى الصالت البريئة من‬ ‫حديث ونظر‪ ،‬ويقول جميل بن معمر‪:‬‬

‫�ص ال �ع �ه��د‬ ‫ول� �ي ��س إذا م �ت �ن��ا ب �م �ن �ت �ق� ِ‬ ‫�اق ع� � �ل � ��ى ك�� � ��ل ح� ��ال� ��ة‬ ‫ول� � �ك� � �ن � ��ه ب� � � � � � ٍ‬ ‫وزائ� ��رن� ��ا ف ��ي ظ �ل �م��ة ال �ق �ب��ر وال �ل �ح��د‬ ‫وتطالعنا سمة أخرى من سمات هذا الحب‬

‫هي الوحدانية فيه‪ ،‬فالشاعر العذري يقف حبه‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫والحزن سمتان بارزتان من سمات هذا الشعر‪..‬‬

‫ف � � � ��زاد ك � �م� ��ا زدن � � � ��ا وأص� � �ب � ��ح ن ��ام� �ي� � ًا‬

‫وف��ؤاده على ام��رأة واح��دة‪ ،‬ال يتحول عنها إلى‬

‫ال وال� � � � � ��ذي ت � �س � �ج� ��د ال� � �ج� � �ب � ��اه ل��ه‬

‫سواها‪ ،‬مهما فاقها غيرها في الجمال‪ ،‬فكان‬

‫وال ب� � �ف� � �ي� � �ه � ��ا وال ه� � �م� � �م � ��ت ب ��ه‬

‫أخرى‪ ،‬وال يسمع صوتاً غير صوتها‪ ،‬وفي هذا‬

‫م� � ��ال� � ��ي ب� � �م � ��ا دون ث � ��وب� � �ه � ��ا خ��ب��ر أح��ده��م ال يشتهي أن ت�ق��ع عينه ع�ل��ى ام��رأة‬ ‫م� � ��ا ك�� � ��ان إ َّال ال�� �ح� ��دي� ��ث وال� �ن� �ظ ��ر قال قيس بن ذريح‪:‬‬

‫وسمة أخرى يطالعنا بها الشعر العذري هي ف��ت��ن��ك��ر ع� �ي� �ن ��ي ب� �ع ��ده ��ا ك � ��ل م �ن �ظ����ر‬ ‫وي � �ك� ��ره س��م��ع��ي ب� �ع ��ده ��ا ك� ��ل م�ن�ط��ق‬ ‫توقّد العاطفة؛ ففي هذا النوع من الغزل تكون‬ ‫العاطفة متقدة وع��ارم��ة ال يعتورها فتور‪ ،‬وال‬

‫ويقول جميل في تعلقه ببثينة وحدها‪:‬‬

‫يزيدها م ُّر السنين إ َّال توقداً؛ فالحب عندهم لقد فضلت حسن ًا على ال�ن��اس مثلما‬ ‫شعلة دائمة ال تنطفئ‪ ..‬على عكس ما يحصل‬ ‫�ض �ل��ت ل�ي�ل��ة ال �ق��در‬ ‫ع �ل��ى أل ��ف ش �ه��ر فُ � ّ‬ ‫عند الشاعر الماجن ال��ذي س��رع��ان م��ا يسلو‬

‫حبيبته ويُعرض عنها‪ ،‬وتخمد عاطفته إزائها‪،‬‬ ‫ويقول جميل بن معمر‪:‬‬

‫�ارق‬ ‫�اك م� ��ا ذ ّر ش � � � ٌ ّ‬ ‫وأق�� �س� ��م ال أن� � �س � � ِ‬ ‫وم�� � ��ا ه�� � � َّ�ب آل ف� � ��ي مُ � �ل� �م� �ع���ة ق� �ف ��رِ‬

‫إذا م��ا نظمت ال�ش�ع��ر ف��ي غ�ي��ر ذك��ره��ا‬ ‫ّأب� � ��ى وأب� �ي� �ه ��ا أن ي��ط��اوع��ن��ي ش �ع��ري‬ ‫والشاعر العذري‪ ،‬ولشدة ما يعانيه من عذاب‬

‫في حبه اليائس‪ ،‬نراه متعباً دائماً ال يعرف طعم‬

‫الراحة‪ ،‬فإذا ما هجره المحبوب تحوَّلت حياته‬

‫فمهما حاول نسيان حبيبته ال يستطيع إلى‬

‫إل��ى جحيم مستعر‪ .‬وم��ن هنا‪ ،‬نجده ال يكف‬

‫أن تعلقه بحبيبته سابق لوجوده ووجودها‪ ،‬وهو‬

‫الغزل العذري‪ ،‬ويخلع عليه طابعاً مأساوياً يشيع‬

‫ت��ع�� َّل��ق روح� � ��ي روح� �ه���ا ق��ب��ل خ�ل�ق�ت�ن��ا‬

‫إل ��ى ال �ل��ه أش �ك��و م��ا أالق���ي م��ن ال�ه��وى‬

‫ذل��ك سبيالً‪ ،‬فصورتها تتمثل ل��ه أينما ك��ان‪ ..‬عن الشكوى والبكاء وتصوير معاناته في حبه‪.‬‬ ‫وتطارده أنَّى ذهب؛ ومن جهة أخرى يرى الشاعر ويكاد هذا الموضوع يستغرق الجانب األكبر من‬ ‫ٍ‬ ‫باق حتى بعد أن يفارقا الحياة‪ ،‬يقول جميل في األسى في النفس؛ فهذا جميل يشكو ما يالقيه‬ ‫حبيبته بثينة‪:‬‬ ‫من عذاب ولوعة في حب بثينة‪:‬‬ ‫وم ��ن ب�ع��د م��ا ك�ن��ا ن �ط��اف � ًا وف ��ي المهد‬

‫�رق ت� � �ع� � �ت � ��ادن � ��ي وزف� � �ي � ��ر‬ ‫وم � � � ��ن ح�� � � � � ٍ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪113‬‬


‫وم���ن ك���رب ل �ل �ح��ب ف ��ي ب��اط��ن ال�ح�ش��ا‬

‫إذا ق� �ل ��ت م� ��ا ب� ��ي ي� ��ا ب �ث �ي �ن��ة ق��ات �ل��ي‬ ‫م � ��ن ال� � �ح � � ّ�ب ق � ��ال � ��ت‪ :‬ث� ��اب� ��ت وي ��زي ��د‬

‫ول � �ي� ��ل ط� ��وي� ��ل ال � �ح� ��زن غ� �ي ��ر ق �ص �ي��ر‬ ‫ويرى بعضهم أن ما يلقاه من عناء وشقاء في‬

‫إذا ق �ل��ت ردي ب �ع��ض ع�ق�ل��ي ِأع� ��ش به‬ ‫م ��ن ال� �ن ��اس ق ��ال ��ت‪ :‬ذاك م �ن��ك بعيد‬

‫حبه وعشقه لون من الجهاد‪ ،‬ال يقل شأناً عن‬

‫الجهاد في سبيل الله؛ فاالستشهاد في سبيل‬

‫وإذا ما أراد أحد هؤالء الغزليين قطع حبل‬

‫القتال‪ .‬كما نجد عند بعضهم اآلخ��ر أن هذا‬

‫عليه من ذل��ك‪ ،‬ويبلغ من سلطانها على نفسه‬

‫وال يتحمَّ له إن�س��ان‪ ،‬وال يتمكن أيَّ طبيب من‬

‫يقول المجنون‪:‬‬

‫العشق ال يقل عندهم عن االستشهاد في ساحة‬

‫الوصل بينه وبين محبوبته‪ ،‬يرى أنَّ الموت أهون‬

‫الحب تحوَّل إلى داء ال سبيل إلى الشفاء منه‪،‬‬

‫أنَّها تشغله دائماً عن ك ّل شيء حتى عن صالته‪،‬‬

‫شفائه‪ ،‬ما اضطرّهم إلى اللجوء إلى العرّافين‬

‫أران�� � ��ي إذا ص� � ّل� �ي ��ت ي ��مّ � �م ��ت ن �ح��وه��ا‬

‫إلنقاذهم مما ألَ َّم بهم من داء‪ ،‬ولكن دون جدوى‪،‬‬

‫يقول عروة بن حزام‪:‬‬

‫ج� �ع� �ل ��ت ل� � �ع�� ��رَّ اف ال� �ي� �م ��ام ��ة ح �ك �م��ه‬ ‫وع � � � � ��رَّ اف ن � �ج� � ٍ�د إن ه� �م ��ا ش �ف �ي��ان��ي‬ ‫ف� �م���ا ت� ��رك� ��ا م � ��ن رق � � � َي� � ��ةٍ ي �ع �ل �م��ان �ه��ا‬ ‫وال س� �ـ� �ـ� �ـ� �ـ� �ل ��وةٍ إ َّال ب� �ه���ا س �ـ �ق �ي��ان��ي‬ ‫وم� � ��ا ش��ف��ي��ا ال� � � ��داء ال � � ��ذي ب� ��ي ك � ّل��ه‬ ‫وال ن � � �خ� � ��ر ًا ن� �ص� �ح���ا وال أل � ��وان � ��ي‬ ‫ف� �ق���اال ش� �ف���اك ال� �ل���ه وال � �ل� ��ه م� ��ا ل�ن��ا‬ ‫ب� �م ��ا ض��م��ن��ت م� �ن ��ك ال� �ض� �ل ��وع ي� ��دان‬ ‫إنَّ م��ا ن �ج��ده ف��ي ه��ذا ال��شِّ �ع��ر م��ن تصوير‬

‫المعاناة والشكوى وروح الكآبة التي تشيع فيه‪،‬‬ ‫قد خلع عليه طابعاً رومانس ّياً‪ .‬ومن جهة أخرى‪،‬‬

‫�ص�� ّل��ى ورائ� � ّي� � ًا‬ ‫ب��وج �ه��ي وإن ك� ��ان ال��مُ � َ‬ ‫وأن � ِ�ت ال�ت��ي إن ش�ئ� ِ�ت أش � َق �ي� ِ�ت عيشتي‬ ‫وإن ش�ـ�ـ�ئ� ِ�ت ب �ع��د ال �ل��ه أن �ع �م� ِ�ت باليـــا‬ ‫والشاعر العذري‪ ،‬يتمنّى أن يكون دائماً إلى‬

‫جانب محبوبته‪ ،‬مالزماً لها حتى بعد مماته‪..‬‬ ‫فساعة بقربها تعادل الدهر كلّه‪ ،‬يقول عروة بن‬

‫حزام‪:‬‬

‫وإ ّن�� ��ي أله � ��وى ال� �ح � ْ�ش� � َر إذ ق �ي��ل إن�ن��ي‬ ‫وع � � �ف� � ��راء ي � � ��وم ال� �ح� �ش���ر م �ل �ت �ق �ي��ان‬ ‫ف �ي��ا ل �ي��ت مَ � ْ�ح �ي��ان��ا ج�م�ي�ع� ًا وليتنــــــا‬ ‫ض� ��مّ � �ن� ��ا ك �ف �ن �ـ �ـ �ـ��ان‬ ‫إذا ن� �ح ��ن م� �ت� �ن ��ا َ‬ ‫وه��و ال يطمح من حبيبته بالكثير‪ ،‬فحسبه‬

‫منها رؤيتها‪ ،‬أو حتى لمحها من بعيد‪ ،‬أو رؤية‬

‫نجد أنَّ الشاعر العذري يستسلم بشكل كامل طيف ابتسامتها‪ ،‬وعندما يظفر منها بجلسة أو‬ ‫لسلطان حبيبته‪ ،‬ويذعن لهواها إذعاناً مطلقاً؛ حديث‪ ..‬فإنَّه يكون قد غنم الشيء الكثير‪ ،‬وهو‬

‫ألنَّه ال يجد سبي ً‬ ‫ُغضب األهل واألقارب‪ ،‬وال‬ ‫ال إلى الخالص من إسار حبّها ال يبالي بال ُع ّذال‪ ،‬وال ي ِ‬ ‫مهما حاول؛ فقد سلبته عقله وإرادته‪ ،‬فغدا تائه يعبأ بنصائح ذوي القُربى أو أقوال الوشاة ولوم‬ ‫اللّبِّ مشلول اإلرادة‪ ،‬وكأنَّه أسير قوّة سحريّة الالئمين‪ ،‬وما يزيده ذلك إ َّال تعلّقاً بمن يحب‪ ،‬إنَّ‬

‫طاغية ال يستطيع التخلّص منها‪ ،‬يقول جميل‪:‬‬ ‫‪ 114‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫همَّه الدائم هو الحرص على رضا محبوبته عنه‪،‬‬


‫ُغضب الناس جميعاً أو‬ ‫ول��و ك��ان ه��ذا األم��ر سي ِ‬

‫يضطره لخوض البحور‪ ،‬يقول قيس بن ذريح‪:‬‬ ‫وددت وب � �ي� ��ت ال � �ل� ��ه أن� � ��ي ع �ص �ي �ت �ه��م‬

‫وك� �ل� �ف ��ت ف� ��ي م ��رض ��ات� �ه ��ا ك� � ��لّ م��وب��ق‬ ‫وك �ل �ف��ت خ ��وض ال �ب �ح��ر وال �ب �ح��ر زاخ��ر‬ ‫أب� � �ي � ��ت ع � �ل� ��ى أش� � �ب�� ��اح م � � ��وج م � �ف � �رِّق‬ ‫وع�ن��دم��ا ي��ري��د ال�ش��اع��ر وص��ف محبوبته‪ ،‬ال‬

‫يتطرّق في ذلك إلى المحاسن الجسديّة‪ ،‬وإنّما‬

‫ويتميز شعرهم هذا بالسهولة والبساطة بشكل‬

‫يخلو من التأنق والتنقيح؛ فهم يصورون ما يعتمل‬

‫في نفوسهم ببساطة‪ ،‬ومن دون تكلف‪ ..‬بأقرب‬ ‫األلفاظ وأيسر العبارات‪ ،‬وهم في ذلك يجتنبون‬

‫األلفاظ الغريبة المستكرهة؛ فتأتي موسيقاهم‬

‫عذبة رقيقة ال نجدها في سائر أغراض الشعر‪.‬‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫وهو يبذل في سبيل ذلك الكثير‪ ،‬ويتحمّل الكثير ومعانيهم‪.‬‬

‫كما نلحظ في شعرهم تأثيره القوي في النفوس‬ ‫أكثر مما هو لدى شعراء الغزل الصريح‪ ..‬كيف‬ ‫ال؟! وهو صدى معاناة حقيقية‪ ،‬وتجربة صادقة‪،‬‬

‫ِ‬ ‫يصف فيها ما يالئم الهوى العفيف‪ ،‬فهذا جميل وهذه هي الفوارق الجوهرية التي تميز هذا النوع‬ ‫يصف ريق بثينة العذب‪ ..‬ويرى أنه لو تذوَّقه من من الشعر عن شعر الغزل الصريح‪..‬‬ ‫مات لَبُعثَ حياً‪:‬‬

‫م� �ف� �ل� �ج ��ة األن�� � �ي� � ��اب ل�� ��و أنَّ ري� �ق� �ه��ا‬ ‫يُ � ��داوى ب��ه ال �م��وت��ى ل �ق��ام��وا م��ن القبر‬ ‫ويصف كثير محاسن عزَّة بقوله‪:‬‬ ‫سراج الدجى‪ ،‬صفر الحشى‪ ،‬منتهى المنى‬ ‫ك�ش�م��س ال �ض �ح��ى ن��وام��ة ح �ي��ن تصبح‬ ‫إذا م���ا م��ش��ت ب��ي��ن ال� �ب� �ي ��وت ت �خ��زل��ت‬ ‫وم� ��ال� ��ت ك��م��ا م � ��ال ال� �ن ��زي ��ف ال �م��رن��ح‬

‫المصادر والمراجع‪:‬‬ ‫‪ -1‬ت�ط��ور ال �غ��زل بين الجاهلية واإلس �ل�ام‪ -‬د‪.‬‬ ‫شكري فيصل‪.‬‬

‫‪ -2‬تاريخ األدب العربي‪ -‬حنا الفاخوري‪.‬‬ ‫‪ -3‬ال��غ��زل ف��ي ع �ص��ر ب �ن��ي أم� � َّي ��ة‪ -‬د‪ .‬إح �س��ان‬ ‫النص‪.‬‬

‫‪ -4‬ال �غ��زل ع�ن��د ال��ع��رب‪ -‬ح�س�ي��ن م�ح��ي ال��دي��ن‬ ‫سبهائي‪ -‬كتاب مخطوط‪.‬‬

‫وبهذا االستعراض البسيط للشعر الغزلي وما ‪ -5‬الفن ومذاهبه‪ -‬شوقي ضيف‪.‬‬ ‫كان منه‪ ،‬يتضح لنا مذهب الشاعر العذري الذي ‪ -6‬عباس محمود العقاد‪ -‬شاعر الغزل‪ -‬سلسلة‬

‫ل��م ينظر إل��ى ال�م��رأة على أنها وسيلة لتحقيق‬

‫إقرأ ‪ -2‬القاهرة‪.‬‬

‫المتع الحسيَّة‪ ،‬بل شطر من روحه ال يطيب له ‪ -7‬عباس محمود العقاد‪ -‬جميل بثينة‪ -‬سلسلة‬ ‫إقرأ ‪-13‬القاهرة‪.‬‬ ‫العيش بعيداً عنه‪ ،‬يضفي عليها من نفسه صورة‬

‫مثالية تسمو بها إلى منزلة مرموقة‪ ،‬وقد تساوى ‪ -8‬ج��رج��ي زي ��دان‪ -‬جميل بثينة‪ -‬أح��د عشاق‬ ‫الشعراء العذريون جميعهم في هذا األمر؛ لذلك‪،‬‬ ‫ب�ن��ي ع ��ذرة وش �ع��رائ �ه��م‪ -‬م �ن �ش��ورات ال�ه�لال‬

‫نرى تشابهاً كبيراً بين أساليب الشعراء العذريين‬

‫المصرية‪.‬‬

‫* كاتب وباحث من سوريا‪.‬‬ ‫ ‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪115‬‬


‫مدينة سكاكا (من أرشيف الجوبة)‬

‫سكــــاكــــا‬

‫آثار تتحدث‪ ..‬وتاريخ ال ينتهي‪..‬‬

‫> حتقيق وتصوير‪ :‬أمين السطام*‬

‫عندما نتحدث عن المواقع األثرية في المملكة العربية‬ ‫السعودية ؛ فإن المقام ال يتسع لكثير منها‪ ٍ ..‬وتعد منطقة‬ ‫ال �ج��وف –تحديدا‪ -‬متحف ًا ك�ب�ي��ر ًا ل�ل�ت��اري��خ‪ ،‬وثيرمومتر‬ ‫الحضارة في الجزيرة‪ ،‬وأيض ًا هي ساق الشجرة التي غـُرست‬ ‫في الجزيرة العربية**؛ وتعود بداياتها إلى فترة إنسان ما‬ ‫قبل التاريخ (‪ 1250000 – 1000000‬عام)(‪)1‬؛ إذ تؤكد الدالئل‬ ‫التي عثر عليها في موقع الشويحطية أن تاريخ الجزيرة‬ ‫العربية يبدأ من هذه المنطقة‪ .‬ففي عام ‪1985‬م كشفت بعثتا‬ ‫تنقيب في موقع الشويحطية ما مجموعه (‪ )1884‬قطعة ً من المكتشفات السطحية؛‬ ‫منها(‪ )1517‬قطعة بالغة القدم‪ ،‬وتحديداً‪ ..‬تعود إلى السنوات األولى من عمر اإلنسان***‪،‬‬ ‫كما أن (‪ )250‬موقع ًا أثري ًا على مستوى المنطقة(‪ )2‬��عتبر كافية للمهتمين والباحثين في‬ ‫استخالص تفاصيل ما مرت به المنطقة من أحداث‪ ،‬وكيف أنها ظلت لفترات ٍ طويلة‬ ‫من أهم نقاط العبور إلى داخل الجزيرة العربية‪.‬‬ ‫وزه���رة ال�ش�م��ال ال �س �ع��ودي تملك من فهي غنية بالثروات الطبيعية‪ ،‬والمصادر‬ ‫مقومات حياة اإلنسان ما جعلها معتركاً المائية العذبة‪ ،‬وتمتلك غطا ًء نباتياً متنوعاً‬ ‫للحضارات المتتالية المجاورة للمنطقة؛ يمتد على معظم أراضيها‪ ،‬وهذا ما جعل‬ ‫‪ 116‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫الجزيرة العربية وشرقها تحديداً‪ ،‬تعتمد كلياً ال�ج�ن��دل؛ فقد كشفت البعثات المتتالية عن‬

‫على المنطقة‪ ..‬كمنطقة عبور أساسية؛ وكذلك أسماء خمس أو ست ملكات كنّ يحكمن شمالي‬

‫القوافل القادمة من ب�لاد وادي الرافدين إلى‬ ‫عمق الجزيرة العربية‪.‬‬

‫الجزيرة العربية؛ بينما لم نجد ملكة واحدة في‬ ‫جنوبي الجزيرة؛ وأولئك الملكات كنّ يحكمن في‬

‫م��ن ه��ذا المنطلق‪ ،‬وم��ن منطلقات أخ��رى‪ ،‬فترة ٍ سبقت نشأة الممالك المعروفة في جنوبي‬ ‫جاءت أهمية موقع منطقة الجوف االستراتيجي‪ .‬الجزيرة العربية(‪.)3‬‬

‫وتشرح لنا الرسومات والنقوش التي عثر عليها‬

‫وأم��ا التسمية ف �م �رّت ب�م��راح��ل ع��دي��دة من‬

‫كاآلشوريين والقيداريين واألنباط؛ غير أن شمالي‬

‫منها‪ :‬أدوماتو‪ ،‬خبت دومة‪ ،‬دومة الجندل‪ ،‬جوف‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫القوافل التجارية المتجهة من بالد الشام إلى سيدات في الجزيرة العربية كانت مملكة دومة‬

‫في مواقع ال حصر لها‪ ،‬حدة الصراع المستمر التغيير‪ ..‬وف �ق �اً ل �ح��االت مختلفة؛ فقد أطلق‬ ‫بين حكام المنطقة وبين الحضارات المجاورة المؤرخون وأهل االختصاص عليها عدة أسماء‬

‫الجزيرة لم يتأثر كثيراً بالمراكز الحضارية التي‬ ‫تعاقبت على احتالله ولو لفترات طويلة‪ .‬بل أشار‬ ‫الكثير من الدالئل على صمود سكان المنطقة‬ ‫ضد الغزاة‪ ،‬ويدلل على ذلك عد ٌد من الرسومات‬

‫التي عثر عليها؛ نظراً إلدراك سكانها أهمية‬ ‫الحفاظ على تبعية الحكم لألنسب؛ ولعل من‬

‫الدنيا (أ)‪ ،‬جوف آل عمرو (ب)‪ ،‬جوف السرحان‬ ‫(ج)‪ ،‬وأخيراً ‪ -‬الجوف – بدون إضافة(‪.)4‬‬

‫قلعة زعبل‪ ..‬وتعد رمز ًا مهم ًا لسكان‬ ‫مدينة سكاكا****‬ ‫قديماً‪ ،‬وإلى ما قبل مائة عام تقريبا‪ ،‬وعلى‬

‫المناسب هنا اإلشارة إلى أن أول مملكة تحكمها الطرف الشمالي لمدينة سكاكا؛ وف��وق مرتفع‬

‫إطاللة على سكاكا من مدخل قلعة زعبل‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪117‬‬


‫محاطة بالجدران واألبراج‪ ،‬وقد بُنيت في داخلها‬

‫غرفتان؛ تتوسط إحداهما ساحة القلعة؛ بينما‬

‫تتخذ األخ��رى موقع يسار الداخل إلى القلعة؛‬

‫كما حُ �ف��ر قبالة ال�غ��رف��ة المتوسطة م��ا يشبه‬ ‫مخزنا أرضياً مكشوفاً للمياه‪.‬‬

‫ويُ�لاح��ظ أي �ض �اً وج��ود فتحة أس�ف��ل السور‬

‫الشرقي للقلعة؛ وترجح األقوال أنها استخدمت‬

‫للهرب عند تعرض القلعة للحصار؛ كما تشير‬ ‫بعض الشفهيات المروية أنه تم استخدام تلك‬

‫الفتحة الق�ت�ح��ام القلعة‪ .‬أي أن�ه��ا مفيدة من‬ ‫الناحيتين؛ ويدعم ذلك شدة انحدارات الجهات‬ ‫األربع لسفح المرتفع الذي تتربع فوقه القلعة؛‬

‫ولعل المُدقق يالحظ وجود ما يشبه ممرا أسفل‬ ‫منظر جانبي للقلعة يوضح تفاصيل أهميتها‪.‬‬

‫الفتحة المذكورة آنفاً‪.‬‬

‫وبالوقوف عند مدخل القصر‪ ..‬والنظر إلى‬

‫صخري يصل ارتفاعه إل��ى (‪ )25‬م �ت��راً(‪ )4‬تقع األس �ف��ل تتضح أه�م�ي��ة ال�م��وق��ع اإلستراتيجي‬ ‫قلعة زعبل‪ ..‬في موقع يجعل المطل منها يرى للقلعة؛ حيث تحيط بسفحها منازل طينية‪ ،‬وعد ٌد‬ ‫غالبية أجزاء المدينة؛ وهو ما حدا بالقوى التي ال بأس به من م��زارع النخيل؛ وقد استخدمت‬

‫تعاقبت على حكم المنطقة إلى اتخاذه مركزاً تلك البيوت الطينية وإلى فترة تأسيس الدولة‬ ‫مهماً للمراقبة وال��دف��اع ف��ي ح ��االت ال�ح��رب؛ السعودية الحديثة‪ ،‬من قبل السكان المحليين‬ ‫ولعل أبراج المراقبة األربعة الدائرية باختالف الذين ينتمي غالبيتهم إلى الضويحي من بني‬ ‫أحجامها حسب أهمية الجهة المطل عليها خالد‪.‬‬ ‫البرج ‪-‬التي تنتصب على زوايا القلعة‪ -‬تؤكد أنها‬

‫وت�ع��ود بنا المكتشفات اآلث��اري��ة على سفح‬

‫في موقعها العام من البوابة الشمالية للجزيرة‪.‬‬

‫بعض المكتشفات الفخارية؛ ما يؤكد أن سكاكا‬

‫تولت منصباً مهماً على قائمة المواقع العسكرية القلعة إل��ى العصر الحديدي المتأخر (القرن‬ ‫المنتشرة على أرض الجزيرة العربية‪ ،‬وبخاصة ال�س��ادس – الخامس قبل الميالد) م��ن خالل‬ ‫وال�م�خ�ط��ط ال �ع��ام للقلعة ال ينتظم بشكل‬

‫متناسق بين جدرانها وأرضيتها؛ ويبلغ طولها‬

‫في حدود (‪ )50‬متراً‪ ،‬بينما يراوح عرضها بين‬ ‫(‪ )16‬و(‪ )20‬متراً‪ ،‬على شكل ساحة مكشوفة‬

‫‪ 118‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬

‫كانت مأهولة بالسكان في تلك الفترة‪ ،‬وليس‬

‫فقط دومة الجندل(‪ )5‬بصرف النظر عن الفترات‬

‫الغامضة التي تشحّ الدالئل في إبراز أحداثها‪.‬‬

‫وعلى ال��رغ��م م��ن وف��رة النصوص والنقوش‬


‫في مدينة سكاكا وما حولها‪ ،‬والتي يزيد عددها‬ ‫عن (‪ )1140‬نقشاً وكتابة أث��ري��ة(‪ ،)6‬إال أنها لم‬

‫نحو الحفاظ على الموقع م��ن أي��دي العابثين‬ ‫وال�ج��اه�ل�ي��ن؛ وك��رس��ت اإلع�ل�ام واإلع �ل�ان عبر‬

‫تكشف بشكل قاطع عن الشخصية التي قامت القنوات ال�م�ق��روءة والمسموعة والمرئية إلى‬ ‫على بناء القلعة أو تاريخ بنائها على أقل تقدير؛‬

‫ضرورة التكاتف إلكمال الصورة التاريخية عن‬

‫أهمية تاريخ سكاكا وقلعة زعبل بالتحديد (حيث‬

‫للتاريخ‪ .‬غير أن ذلك لم يمنع تلك األيدي العابثة‬

‫قطع فخارية المنطقة‪ ،‬بالحفاظ على المكتشفات وإيداعها‬ ‫غير أنه ‪-‬وكما أسلفت‪ -‬عثر على ٍ‬ ‫تعود إلى العصر الحديدي المتأخر‪ ،‬ما يدل على في الجهات المختصة لتكون معرضاً مفتوحا‬ ‫عثر على أقدم المكتشفات)‪.‬‬ ‫وقد اكتشفت في محيط القلعة نحو عشرة‬ ‫نقوش؛ نصفها تقريباً يعود إلى الفترة النبطية؛‬

‫وال�ن�ص��ف اآلخ ��ر ي�ع��ود إل��ى العصر اإلس�لام��ي‬ ‫األول؛ كذلك تم الكشف عن كم لم يُحصر من‬ ‫الرسومات؛ التي تعد ركيزة مهمة في تاريخ حياة‬

‫أن تمتد ف��ي جنح ال �ظ�لام لتشويه م��ا حافظ‬ ‫عليه السكان لسنوات طويلة‪ .‬وإن الهيئة العامة‬

‫للسياحة واآلثار على وشك افتتاح متحف سكاكا‬ ‫بالقرب من مدخل بئر سيسرا؛ والذي سيحوي‬ ‫ك� ّم�اً ه��ائ�لا م��ن القطع والمنحوتات والنقوش‬

‫والمكتشفات األثرية الخاصة بهذه المنطقة‪.‬‬

‫بئر سيسرا‪ ..‬نفق الحياة‬

‫إنسان تلك المرحلة‪..‬‬ ‫وت�ع��د القلعة ومحيطها موقعا أث��ري �اً مهماً‬

‫ول �ع��ل م��ا ي�ض�ي��ف إل ��ى ال�ق�ل�ع��ة أه�م�ي��ة هو‬

‫من خالل تراتبية المكان والزمان؛ وقد قامت‬

‫فبئر سيسرا التي ال تبعد أكثر من (‪ )200‬متر‬

‫بتسلسل فريد‬ ‫ٍ‬ ‫يحكي قصة تلك األيام البعيدة؛‬

‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫واالكتشافات التي عثر عليها في أجزاء عديدة ال �ج �ه��ات ال�م�خ�ت�ص��ة م �ش �ك��ورة ب �ك��ل م��ا يجب‬

‫إحاطتها بعدد م��ن المواقع األث��ري��ة المهمة؛‬

‫القلعة من الداخل‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪119‬‬


‫جنوبي غربي القلعة‪ ،‬تعد منشأة عبقرية إذا‬ ‫ما لوحظت الفترة التي يرجح المختصون أنها‬ ‫بنيت خاللها؛ حيث تشير بعض ال��دالئ��ل أن‬ ‫بناءها يعود للعصر النبطي (القرن الثالث –‬ ‫الثاني قبل الميالد)(‪.)7‬‬ ‫وقد تميزت البئر بأنها حفرت في الصخر‬ ‫بشكل شبه دائ ��ري؛ وي�ن��زل إل��ى أسفلها در ٌج‬ ‫بعمق‬ ‫ٍ‬ ‫م �ن �ح��وت ع �ل��ى ال� �ج ��دار ال��داخ �ل��ي ل �ه��ا‬ ‫يقارب الخمسة عشر متراً وفق ما عاينه ذوو‬ ‫االختصاص‪.‬‬ ‫أم ��ا أس �ف��ل ال�ب�ئ��ر م��ن ال�ن��اح�ي��ة ال�ش��رق�ي��ة؛‬ ‫فتوجد فتحة تكفي لمرور إنسان على هيئة‬ ‫ال��راك��ع؛ تمتد بطول غير معلوم نسبيا تجاه‬ ‫شرق المدينة؛حيث تلمح ال َمرْويات أنه يمتد‬ ‫حتى قارة المندّ ى باالتجاه المذكور آنفاً؛ غير‬ ‫أن األرض المحيطة بالقارة تعد من السبخات‬ ‫الكبيرة ف��ي س�ك��اك��ا؛ وه��و م��ا يضعف القول‬ ‫بوصول طرف النفق إلى هناك‪.‬‬

‫وي��ؤك��د ال�م�خ�ت�ص��ون أن ه ��ذا ال�ن�ف��ق ك��ان‬ ‫يستخدم بشكل رئيس في نقل المياه عبر األنفاق‬ ‫والممرات والقنوات المائية تحت األرض‪ ،‬وعلى‬ ‫سطحها‪ ..‬لري المناطق المحيطة بموقع البئر؛‬ ‫وقد كان هذا النوع من ال��ري شائعاً في كثير‬ ‫من الفترات التي عاشها إنسان هذه المنطقة‪.‬‬ ‫وتُظهر ذلك جلياً اآلثار الزراعية المكتشفة على‬ ‫امتداد المنطقة المحيطة بالقلعة وما جاورها‪،‬‬ ‫من أدوات ومنحوتات صخرية وخشبية كانت‬ ‫تستخدم في الزراعة قديماً‪.‬‬ ‫وت��رج��ح بعض األق ��وال أن��ه أيضا استخدم‬ ‫في ح��االت الحرب؛ بالرغم من قلة الشواهد‬ ‫ال �ت��اري �خ �ي��ة ال �م��ؤك��دة ال �ت��ي ت ��دل ع �ل��ى ذل��ك؛‬ ‫فالمشهد العام لموقع البئر واألزمات السياسية‬ ‫التي مرت بها المنطقة توحي بأن االستخدام‬ ‫الحربي للنفق كان خياراً مطروحاً ولكن ليس‬ ‫بصورة واسعة؛ وبخاصة إذا ما دققنا النظر في‬ ‫تواريخ الحروب التي مرت بها المنطقة‪.‬‬

‫بئر سيسرا (من أرشيف الجوبة)‬

‫‪ 120‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ن����������������������������������واف����������������������������������ذ‬

‫صورة ملتقطة من أعلى تل الساعي توضح المسافة بين التل والقلعة‪.‬‬

‫تل الساعي‬ ‫ّ‬

‫بقايا معبد وثني قديم‪.‬‬

‫ت��لٌّ يشرف على المدينة‪ ،‬ويبعد ع��ن بئر‬

‫وي���رى مجموعة م��ن المختصين أن هذه‬

‫دليل مادي يؤكد ذلك؛‬ ‫س��ي��س��را أم���ت���اراً م���ع���دودة؛ ع��م��ل��ت الطبيعة الروايات ال تعتمد على ٍ‬ ‫��دد م��ن ال��ك��ه��وف في‬ ‫واإلن��س��ان على نحت ع� ٍ‬

‫إذ يوحي تشكيل األحجار في هذا المكان إلى‬

‫جانبيه؛ وقد أش��ارت بعض الروايات إلى أن‬

‫بشكل كبير في صنع‬ ‫ٍ‬ ‫تدخّ ل عوامل التعرية‬

‫بقايا األحجار المتهدمة في أعلى التل تمثل‬

‫تفاصيل الموقع المذكور‪.‬‬

‫ما يُعتقد أنه بقايا المعبد الوثني‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪121‬‬


‫صورة تظهر بعض الكتابات القديمة على أحد جو��نب تل برنس المالصق لقلعة زعبل‪.‬‬

‫المكتشفات حول القلعة‬

‫العسكرية والدفاعية بشكل خ��اص؛ ما يجعلها‬

‫ت�ب��رز أهمية ال�ن�ق��وش وال�ك�ت��اب��ات المتعددة مؤهلة أكثر من غيرها‪ ،‬لتـ ُبرز على السطح أهم‬ ‫والمتنوعة المكتشفة حول القلعة‪ ،‬كونها ترصد األح��داث ول��و من غير تفصيل؛ كما أن القطع‬ ‫بعض ال��وق��ائ��ع واألح� ��داث المهمة ال�ت��ي جرت‬

‫الفخارية‪ ،‬واألدوات المنزلية‪ ،‬والقطع العسكرية‬

‫في ه��ذا المكان؛ فهذا الموقع األث��ري (القلعة البدائية‪ ،‬التي عـ ُثر عليها تـ ُعد حلقة مكملة في‬ ‫ومحيطها) طالما ُع��دَّ م��رك��زاً مهما لألنشطة سلسة قصة المكان وسكانه‪.‬‬ ‫* مصور وكاتب من الجوف‪.‬‬ ‫** هذه اإلسقاطات الثالث الجميلة استخدمها اآلثاري المعروف أ‪ .‬د عبد الرحمن الطيب األنصاري في إحدى محاضراته‬ ‫عن تاريخ المنطقة‪.‬‬ ‫*** تقارير حكومية إلكترونية‪.‬‬ ‫**** سكاكا‪ :‬العاصمة اإلدارية لمنطقة الجوف؛ وفيها أكبر تجمع لسكان المنطقة‪.‬‬ ‫(‪ )1‬انظر كتاب‪ :‬بحوث في آثار منطقة الجوف – الدكتور خليل بن إبراهيم المعيقل‪.‬‬ ‫(‪ )2‬انظر كتاب‪ :‬مسيرة التعليم في منطقة الجوف (‪1426-1326‬هـ)‪ ،‬إبراهيم بن خليف السطام‪.‬‬ ‫(‪ )3‬من محاضرة ألقاها أ‪ .‬د عبد الرحمن األنصاري ونُشرت في مجلة الجوبة العدد ‪.10‬‬ ‫(‪ )4‬انظر كتاب‪ :‬بحوث في آثار منطقة الجوف – الدكتور خليل بن إبراهيم المعيقل‪.‬‬ ‫(‪ )5‬المصدر نفسه‪.‬‬ ‫(‪ )6‬المصدر نفسه‪.‬‬ ‫(‪ )7‬المصدر نفسه‪.‬‬ ‫(أ) جوف الدنيا‪ :‬يرى سكان المنطقة القدامى أن الجوف تعتبر النقطة األكثر انخفاضاً على األرض‪.‬‬ ‫(ب) جوف آل عمرو‪ :‬نسبة إلى آل عمرو من طيء كما ورد في أكثر من مصدر‪.‬‬ ‫(ج) جوف السرحان‪ :‬نسبة إلى قبيلة السرحان الطائية‪ ،‬كما ذكر في أكثر من مصدر‪.‬‬

‫‪ 122‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫حي الدرع بدومة اجلندل‬ ‫دراسة معمارية أثرية‬

‫املؤلف ‪ :‬د‪ .‬حصة بنت عبيد بن صويان الشمري‬ ‫الناشر ‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫السنة ‪1425 :‬هـ‪2004/‬م – الطبعة الثانية‬ ‫يعد هذا الكتاب من األعمال المميزة في مجال الدراسات المعمارية لتراث وآثار‬ ‫حي الدرع بدومة الجندل‪ ،‬أحد األحياء الشهيرة‪ ،‬حتى فترة ليست ببعيدة من عصرنا‬ ‫الحاضر؛ ما يجعل منه سجال تاريخيا مهما‪ ،‬لتتبع المراحل المختلفة لعمران المدينة‪،‬‬ ‫ولحياة أهلها االقتصادية واالجتماعية‪.‬‬ ‫ودومة الجندل مدينة عرفت بعراقتها التاريخية‪ ،‬وتراثها الحضاري‪ ،‬فضال عما‬ ‫كان لموقعها من أهمية اقتصادية على طريق القوافل التجارية في شمالي جزيرة‬ ‫العرب‪ .‬وبها سوق تجارية عظيمة منذ ما قبل اإلسالم‪.‬‬ ‫ومما يتميز به هذا الكتاب اعتماده على عمل ميداني‪ ،‬أ ُجريَ خالله مس ٌح شامل‬ ‫لحي الدرع‪ ،‬جرى توثيقه بعدد كبير من الصور التوضيحية‪ ،‬التي تبرز تفاصيل معمارية‬ ‫غاية في األهمية‪ ،‬إضافة إلى خرائط وأشكال ورسومات مهمة‪..‬‬ ‫وق��د رأت مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية إع��ادة طبعه لما يبرز فيه‬ ‫من األهمية التاريخية‪ ،‬والحضارية‪ ،‬والمكانة التجارية التي تبوأتها دومة الجندل‬ ‫عبر تاريخها‪ ،‬كما يعد مرجعا لدارسي تاريخ منطقة الجوف وحضارتها وتراثها‬ ‫المعماري‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪123‬‬


‫القصيدة وحتوالت‬ ‫مفهوم الكتابة‬

‫املؤلف ‪ :‬محمد احلرز‬ ‫الناشر ‪ :‬نادي اجلوف األدبي‬ ‫السنة ‪1432 :‬هـ‬ ‫يأتي الكتاب في إطار توجّ ه النادي لتقديم النصوص النقدية‪ ،‬التي تستكشف المشهد‬ ‫الشعري السعودي‪ ،‬الذي ال ينفصل بأي حال عن المشهد الشعري العربي‪ .‬يتألف الكتاب‬ ‫من مجموعة مقاالت‪ ،‬تتصدرها مقدمة للناقد السعودي الدكتور سعد البازعي‪ ،‬أكد‬ ‫فيها أن «المقاالت تأتلف حول مؤلفها ‪ -‬محمد الحرز ‪ -‬بقدر ما تأتلف حول الشعر‬ ‫والرؤى النقدية التي تتناوله‪ .‬وما يميز تلك المقاالت أنها تتناول موضوعها‪ ،‬أي الشعر‪،‬‬ ‫بحميمية تصل حد التوحّ د حيناً‪ ،‬وحد االنفصال القلق حيناً آخر؛ وفي كلتا الحالتين‬ ‫ثمة رأفة بالشعر وخوف عليه»‪ ،‬وأوضح صاحب «قلق المعرفة» و«سرد المدن في الرواية‬ ‫والسينما»‪« :‬يخشى الحرز على الشعر من سوء الفهم‪ ،‬الذي يتهدده في مشهدنا األدبي‪،‬‬ ‫يخشى على روح الحداثة فيه أن تذوي لدى الشعراء أنفسهم‪ ،‬وهو يرى ما يشي بذلك‪،‬‬ ‫ويخشى من إساءات النقد‪ .‬وفي المشهد ما يؤكد له أن ذلك خطر حقيقي أيضاً‪ .‬ولو‬ ‫أردنا اختصار المسعى الذي يتجه إليه المؤلف‪ ،‬ناقداً حاضراً وشاعراً مستتراً‪ ،‬لوجدناه‬ ‫في حماية الحداثة الشعرية من الذبول‪ ،‬سواء لدى منتجيها من الشعراء أو متلقيها من‬ ‫النقاد والقراء»‪.‬‬ ‫يجدير بالذكر أن محمد الحرز أص��در ثالث مجموعات شعرية‪« :‬رج��ل يشبهني»‪،‬‬ ‫«أخف من الريش أعمق من األلم»‪« ،‬أسمال ال تتذكر دم الفريسة»‪ ،‬وكتابًا نقديّا‪« :‬شعرية‬ ‫الكتابة والجسد»‪.‬‬

‫‪ 124‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫تراتيل املــاء‬

‫(مجموعة قصصية)‬

‫املؤلف ‪ :‬د‪ .‬سناء الشعالن‬ ‫الناشر ‪ :‬مؤسسة الوراق للنشر‬ ‫السنة ‪2010 :‬م‬ ‫مجموعة قصصية جديدة للدكتورة سناء الشعالن‪ ،‬شملت إحدى عشرة قصة‪ ،‬جاءت‬ ‫في (‪ )146‬صفحة من القطع المتوسط‪ .‬مارست فيها التجريب بشكل كبير‪ ،‬وانحازت إلى‬ ‫المضمون المدشّ ن في شكل جديد؛ كما استفادت من تقنية التوليد واالنبثاق من قصة أ ٍّم‬ ‫على شاكلة السّ رد الشفوي التراثي‪ ،‬كي تشكّل مجموعتها القصصية‪ ،‬كما أنّها لجأت إلى‬ ‫تفكيك التراث القصصي العربي واإلنساني‪ ،‬وأعادت تشكيله وفق رؤيتها‪.‬‬ ‫يقول د‪ .‬علي القاسمي إن هذه المجموعة «تضاهي الماء في شفافيته‪ ،‬وصفائه‪ ،‬وروائه‪،‬‬ ‫وتقبّله أللوان التأويل التي تهبه له سماء فكرها الرصين»‪ .‬وتسعى القاصة من خاللها ‪-‬‬ ‫على ح ّد قول د‪ .‬خالد السليكي ‪ -‬إلى أن تكشف للقارئ سراً طالما تم تداوله على هامش‬ ‫اإلبداع‪ ،‬أن المرأة كائن حابل بالتناقض اإليجابي؛ إذ تكشف عن الوجه الخفي الذي كتبته‬ ‫المرأة بتجربتها اإلنسانية العميقة‪ ،‬من خالل ما عاشته من قهر ووأد وتهميش‪ .‬وأنها سيرة‬ ‫شخصيات تتناوب على الحكي كي تدمّر سلطوية العقل الذكوري لتنتصر على «شهريار»‬ ‫بتقنية الحكي‪ .‬فمَن قال إ ّن األدب ال يغيّر العالم؟! ومَن يقول إن السّ رد ال ينفع؟!‬ ‫إنها تدفع المتلقّي إلى التواطؤ معها‪ ،‬من أجل الدخول في لعبة كتابة تاريخ غير الذي‬ ‫كتبه المنتصرون‪ ،‬إنّه تاريخ إرادة األنثى حين «شاءت» وأعلنت رغبتها في أن تعي َد الوجو َد‬ ‫إلى أصله األول لتستمع من جديد إلى ما يقوله الماء‪ ..‬ماء الكتابة‪ ..‬ماء الحكي‪ ..‬ماء‬ ‫األنثى‪.‬‬ ‫وال يمكن إغفال الدالالت المترابطة والمتواشجة‪ ،‬التي حفلت بها المجموعة وهي تجمع‬ ‫بين تجربة العشق‪ ،‬بآفاقها المتعددة‪ ،‬ورمزية الماء في التجارب اإلنسانية المختلفة (الدينية‬ ‫واألسطورية واالجتماعية)‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪125‬‬


‫املواسم الثقافية‬

‫حترير ‪ :‬هيئة النشر‬ ‫الناشر ‪ :‬مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬ ‫السنة ‪2011 :‬م‬ ‫صدر عن برنامج النشر ودعم األبحاث في مؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية‬ ‫الكتاب الثالث من سلسلة «المواسم الثقافية»‪ ،‬تضمن توثيقاً لنصوص المحاضرات‬ ‫والندات الثقافية المنعقدة بدار الجوف للعلوم خالل الموسم الثقافي ‪1430/1429‬هـ‪.‬‬ ‫وقد درجت هيئة النشر بالموسسة على نشر مضامين محاضرات النشاط المنبري‬ ‫في المؤسسة‪ ،‬نظراً لما فيها من موضوعات علمية وثقافية وأدبية‪ ،‬يشارك فيها نخبة‬ ‫من األس��ات��ذة المتخصصين وأصحاب الخبرات الطويلة في مجاالت علمية وفكرية‬ ‫ال جيداً من أبناء‬ ‫واجتماعية متنوعة‪ ،‬لها اهتمام كبير من المجتمع المحلي‪ ،‬وتلقى تفاع ً‬ ‫المنطقة؛ ويأتي نشرها ضمن كتاب مطبوع توثيقا لها وتعميماً للفائدة المرجوة منها‪،‬‬ ‫حتى ال يتوقف أثرها الطيب عند من حضروا تلك المحاضرات‪.‬‬ ‫يضم اإلصدار الجديد من «المواسم الثقافية» مضامين سبع محاضرات‪ ،‬هي‪« :‬وثائق‬ ‫الجوف وأهمية المحافظة عليها»‪ ،‬للباحث األستاذ فائز البدراني الحربي؛ و«الترجمة ودورها‬ ‫في تواصل الحضارات ونقل التقنية»‪ ،‬شارك فيها د‪ .‬عبدالله المهيدب ود‪ .‬أحمد البنيان ود‪.‬‬ ‫ميجان الرويلي؛ و«أهمية أدب الطفل وتحديات الكتابة» لألديب يوسف المحيميد؛ و«سبل‬ ‫االستثمار السياحي في تنمية اقتصاديات الجوف»‪ ،‬شارك فيها د‪ .‬علي غبان ود‪ .‬صالح‬ ‫البخيت ود‪ .‬خليل المعيقل؛ و«تخطيط واقتصاديات العمارة السعودية» للدكتور مشاري‬ ‫النعيم وم‪ .‬صالح العشيش؛ و«أمسية شعرية للشاعرين جاسم الصحيح وحسين زولي؛‬ ‫و«ثقافة العمل في مواجهة أسباب البطالة» شارك فيها م‪ .‬محمد يحيى حكمي‪.‬‬ ‫‪ 126‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫ق�������������������������������������������������������������راءات‬

‫زافيرا‬ ‫(رواية)‬

‫املؤلف ‪ :‬إلهام عقال البراهيم‬ ‫الناشر ‪ :‬نادي اجلوف األدبي‬ ‫السنة ‪2011 :‬م‬ ‫عن برنامج الطباعة والنشر بالنادي األدبي بمنطقة الجوف‪ ،‬وضمن إصدارات شهر‬ ‫يونيو ‪2011‬م‪ ،‬صدرت الرواية البكر للكاتبة إلهام عقال البراهيم‪ ،‬موسومة بــ‪« : ‬زافيرا»‪،‬‬ ‫وهي أول رواية لكاتبة من منطقة الجوف‪ ،‬جاءت‪  ‬في (‪ )288‬صفحة من القطع المتوسط‪،‬‬ ‫وزينت بغالف من تصميم شقيق الروائية الفنان فايز عقال البراهيم‪.‬‬ ‫والرواية ال تنتمي إلى الشكل الكالسيكي في تقطيع الرواية‪ ،‬بل عمدت إلى عصرنتها‬ ‫عن طريق السرد القادم عبر شكل البوح الذاتي‪ ،‬وكانت الروائية موفقة في تقطيعها‪،‬‬ ‫وعدم انجرارها إلى لعبة الرواية الكالسيكية‪ ،‬بل عمدت إلى عصرنة الشكل‪ ،‬فكانت‬ ‫الحداثة والتجريب باديين في شكل الرواية ومضمونها‪ ،‬كما أن جماليات اللغة البسيطة‬ ‫غير المقعّرة كانت واضحة ومشوقة لالستمرار في متابعة السرد الروائي‪.‬‬ ‫ومن تظهير الرواية للكاتب المغربي هشام بن الشاوي‪  ‬نقرأ‪ « :‬الالفت في رواية ‪:‬‬ ‫«زافيرا» أنها تحررنا من سجن تلك الكتابات الروائيّة النسويّة‪ ،‬التي طال حبسنا‪  ‬فيها‬ ‫ نحن القرّاء‪ -‬حتى‪  ‬صرنا نتفادى قراءة ما تكتبه المرأة‪ /‬الكاتبة‪ ،‬مدججين بأحكام‬‫غيابيّة‪  ،‬مسبقة‪ ...‬وحتماً‪ ،‬سيشعر بخيبة ك��يرة أولئك الذين تتقافز عيونهم صوب اسم‬ ‫(المؤلف) مباشرة‪ ..‬بحثاً عن تائه المربوطة‪ ،‬ال سيما وأن‪  ‬عنوان الرواية مخاتل أيضا؛‬ ‫سيفشلون فشال ذريعا في العثور على كلمة وجدانيّة واحدة‪!! ..‬‬ ‫الالفت في هذه الرواية ذلك الوعي الحاد إللهام عقال البراهيم ‪ -‬بالرغم من حداثة‬ ‫سنها‪  -‬بجماليات الكتابة؛ وعي يشي به التدفق السرديّ اآلسر‪  ،‬المحفوف بانتقاالت‬ ‫ناعمة بين فضاءين مختلفين‪ ..‬عبر رحلة بحث ملتاع عن الحقيقة‪ ،‬عن نور األبدية‪...‬‬ ‫«زافيرا» رواية تستحق أن نرفع لها القبعات»‪.‬‬

‫اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ ‪127‬‬


‫األنشطة الثقافيـــــــــــــــة‬ ‫من أمسية الشاعر حسن الزهراني‪ ,‬ويظهر الشاعر‬ ‫ماجد الثبيتي والقاص ضيف فهد وإبراهيم الحميد‬

‫مصطفى شرف يقدم الشاعر الزهراني‬

‫كتب‪ :‬عماد املغربي‬ ‫ضمن خطة النشاط الثقافي لمؤسسة عبدالرحمن السديري الخيرية للعام ‪1432/1431‬هـ‪ ،‬وبعد‬ ‫مغرب الثالثاء ‪2011/2/15‬م أقيمت في قاعة دار الجوف للعلوم «أمسية شعرية»‪ ،‬أحياها الشاعر‬ ‫حسن محمد حسن الزهراني‪ ،‬رئيس النادي األدبي بمنطقة الباحة‪ ،‬وأدارها مصطفى إبراهيم شرف‪،‬‬ ‫المعلم بمتوسطة وثانوية الرحمانية األهلية‪ .‬ألقى الشاعر خاللها مجموعة من القصائد استهلها‬ ‫القبلهْ‪ ،‬وإن س إن‪ ،‬وهُزِ م‬ ‫بأبيات عن منطقة الجوف‪ ..‬تلتها قصائد أنفاس الشعور‪ ،‬و ُقبْل ْه في جَ بيْن ِ‬ ‫الهالل‪ ،‬وتمتمات الخزامى‪ .‬وقد حضر األمسية جمع غفير من محبي الشعر في منطقة الجوف‪.‬‬

‫د‪ .‬نايف صالح المعيقل ومعالي د‪ .‬عبدالله نصيف‬

‫جانب من الحضور‬

‫وضمن الموسم الثقافي في الموسسة‪ ،‬وفي مساء الثالثاء ‪1432/3/26‬هـ أقيمت في قاعة دار‬ ‫الجوف للعلوم محاضرة بعنوان‪« :‬العمل التطوعي وسبل تعزيزه» ألقاها معالي الدكتور عبدالله بن‬ ‫عمر محمد نصيف ‪-‬رئيس منظمة المؤتمر العالمي اإلسالمي‪ ،‬وأداره��ا الدكتور نايف بن صالح‬ ‫المعيقل عضو المجلس الثقافي‪ .‬وحضرها جمع من أهالي منطقة الجوف‪ ..‬وقد جرى نقلها إلى‬ ‫القسم النسائي بالمؤسسة عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة‪.‬‬ ‫‪ 128‬اجلوبة ‪ -‬صيف ‪1432‬هـ‬


‫من إصدارات اجلوبة‬


‫صدر حديث ًا عن مؤسسة عبدالرحمن السديري اخليرية‬


joba-32