Skip to main content

صحيفة الميدان_العدد العاشر

Page 1

‫صحيفة جامعية تصدر عن عمادة العلوم اإلنسانية واإلعالم ‪ -‬قسم اإلعالم وتكنولوجيا االتصال‪.‬‬

‫اآلراء الــواردة فــي الصحيفــة ال تعبر بالضرورة عــن رأي الكلية الجامعية‬

‫العدد العاشر ــ سبتمبر‪/‬أيلول ‪2025‬م‬ ‫نسعد بمالحظاتكم على ‪head_media@ucas.edu.ps‬‬

‫َّ‬ ‫“التطبيقية“ تخرج من تحت الرماد وتواصل رسالتها‬ ‫‪2‬‬

‫ميدان الجامعة ‪ ..‬الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية‬ ‫تدخل تصنيف‬ ‫جامعات الدول‬ ‫العربية‬ ‫ص‪3‬‬ ‫مسيحيو ّ‬ ‫ّ‬ ‫غزة يصمدون‬ ‫وسط اإلبادة ويفتحون‬ ‫كنائسهم لإليواء‬ ‫ص ‪15‬‬

‫تحصد المركز‬ ‫األول في مسابقة‬ ‫التغليف العربية‬ ‫ص‪4‬‬

‫تحصد جائزة «إكروم‬ ‫الشارقة» التقديرية في‬ ‫اإلمارات للعام ‪2024‬م‬ ‫ص‪3‬‬

‫الطالب الراوي «دياب»‬ ‫رحلة نزوح مع األدب‬ ‫ُ‬ ‫المقاوم‬ ‫ص ‪16‬‬

‫«الجيش اإلسرائيلي»‪...‬‬ ‫يستخدم السرطان في غزة‬ ‫ً‬ ‫سالحا لإلبادة‬ ‫ص ‪15‬‬

‫تحصد المركز الثاني‬ ‫ً‬ ‫فلسطينيا في البحث‬ ‫العلمي ‪2023‬م‬ ‫ص‪4‬‬ ‫من قلب الدمار‪:‬‬

‫غزةصانعة األمل‬ ‫ومصنع الحياة‬ ‫ص‪7‬‬

‫الحقيقة‬ ‫أجل‬ ‫من‬ ‫الحياة‬ ‫ترخص‬ ‫عندما‬ ‫شبات‪:‬‬ ‫حسام‬ ‫الشهيد‬ ‫الطالب‬ ‫ص‪9‬‬ ‫نزيف الحرب‬ ‫الطالبة المتفوقة «رغد حسنين»‬ ‫ألهمت زميالتها في حياتها‬ ‫وشهادتها‬

‫المحاضر «الكويفي»‪:‬‬ ‫ّ ُ‬ ‫ودع أسرته وعاد‬ ‫ليواصل محاضراته‬

‫األمومة والجامعة والنزوح‪:‬‬ ‫رفاق درب الطالبة‬ ‫«غيداء الشوا» في الحرب‬

‫خمسون ً‬ ‫يوما من األسر‬ ‫والتعذيب لصاحب‬ ‫«البنطال األبيض»‬

‫ص ‪13‬‬

‫ص ‪14‬‬

‫ص ‪14‬‬

‫ص ‪14‬‬


‫‪2‬‬ ‫ّ‬ ‫ودعت العشرات من طلبتها وكوادرها في مقدمتهم رئيسها‬

‫ميدان الجامعة‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫َّ‬ ‫“التطبيقية“ تخرج من تحت الرماد وتواصل رسالتها‬ ‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬

‫كان للكلية الجامعية نصيب من الشهداء‬ ‫خالل حرب اإلبادة على غزة‪ ،‬حيث‬ ‫فقدت أكثر من ‪ 50‬من أفراد طواقمها‬ ‫األكاديمية واإلدارية في مختلف‬ ‫العمادات واألقسام والتخصصات‪ ،‬وعلى‬ ‫رأسهم الدكتور سعيد أنور الزبدة‪ ،‬رئيس‬ ‫ً‬ ‫شهيدا‬ ‫الكلية الجامعية‪ ،‬والذي قضى‬ ‫برفقة أفراد أسرته في قصف استهدف‬ ‫محل نزوحه بمدينة غزة‪ .‬كما قضى‬ ‫عشرات الطلبة شهداء‪ ،‬فيما عانى جميع‬ ‫الطلبة والعاملين من فقدان أقرباء لهم‪،‬‬ ‫ومن النزوح المتكرر‪ ،‬والتجويع‪ ،‬واآلثار‬ ‫النفسية الشتى‪.‬‬ ‫تدمير كلي‬

‫ولقــد تعرضــت مؤسســات التعليــم العالــي فــي قطــاع‬ ‫غــزة إلــى تدميــر ممنهــج علــى يــد جيــش االحتــال‬ ‫اإلســرائيلي خــال الحــرب‪ ،‬وذلــك ضمــن مســاعيه لتجهيــل‬ ‫الشــعب الفلســطيني وعرقلــة عجلــة التنميــة والتطويــر‪.‬‬ ‫وقــد دمّــر ونســف جيــش االحتــال اإلســرائيلي جميــع مبانــي‬ ‫المقــر الرئيــس للكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة فــي مدينــة‬ ‫غــزة‪ ،‬بكافــة مرافقهــا ومحتوياتهــا مــن المختبــرات التخصصيــة‬ ‫المتنوعــة التــي تُصنَّــف علــى أنهــا األحــدث علــى مســتوى‬ ‫الجامعــات العاملــة فــي األراضــي الفلســطينية‪ ،‬إلــى جانــب‬ ‫نســف مبنــى مركــز الكويــت للتطويــر‪ ،‬والحاضنــة التكنولوجيــة‪.‬‬ ‫عمليــة النســف والتدميــر أدّت إلــى شــل العمليــة األكاديميــة فــي‬ ‫الكليــة الجامعيــة بشــكل كامــل‪ ،‬ولكنهــا‪ ،‬وبجهــود المخلصين في‬ ‫إدارتهــا وطواقمهــا األكاديميــة واإلداريــة‪ ،‬حرصــت علــى مواصلــة‬ ‫أداء رســالتها بالرغــم مــن كافــة الظــروف القاســية والعصيبــة‪.‬‬ ‫يشــار إلــى أن الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة قــد تأسســت‬ ‫عــام ‪1998‬م‪ ،‬وهــي المؤسســة األولــى علــى مســتوى فلســطين‬ ‫فــي مجــال العلــوم التقنيــة والمهنيــة‪ ،‬والحاصلــة علــى جائــزة‬ ‫فلســطين الدوليــة لإلبــداع والتميــز‪ ،‬إلــى جانــب العديــد‬ ‫مــن الجوائــز الدوليــة فــي مجــاالت علميــة وبحثيــة مختلفــة‪.‬‬ ‫وتقــدم خدمــة التعليــم الجامعــي فــي مجــال العلــوم التقنيــة‬ ‫والتطبيقيــة لنحــو ‪ 10‬آالف طالــب وطالبــة علــى مســتوى قطــاع‬ ‫غــزة‪ ،‬فــي درجــات البكالوريــوس والدبلــوم المتوســط والدبلــوم‬ ‫المهنــي والدبلــوم االحترافــي‪ ،‬وذلــك فــي أكثــر مــن ‪60‬‬ ‫اختصاصًــا وبرنامجًــا نوعيًّــا‪ ،‬مــا أه ّلهــا لتكــون رائــدة اإلبــداع‬ ‫والتميــز‪ ،‬وحاضنــة المبدعيــن والمتميزيــن فــي فلســطين‪.‬‬

‫واقع الطلبة‬

‫وبنــا ًء علــى نتائــج دراســة ميدانيــة حديثــة أُجريــت علــى شــؤون‬ ‫الطلبــة فــي الكليــة الجامعيــة‪ ،‬فقد تبيــن أن عدد مرات نــزوح طلبة‬ ‫الكليــة الجامعيــة بلــغ ‪ 7‬مــرات بالمتوســط خــال الحــرب‪ ،‬فيمــا أن‬ ‫‪ %45‬مــن منــازل الطلبــة تعرضــت لدمــار كلــي‪ ،‬و‪ %22‬تعرضــت‬ ‫لدمــار جزئــي‪ ،‬و‪ %42‬مــن الطلبــة فقــدوا أحــد أفــراد أســرهم خــال‬ ‫الحــرب‪ ،‬و‪ %23‬مــن طلبتنــا فقــدوا المعيــل األساســي ألســرهم‪.‬‬ ‫والجديــر ذكــره أن عــدد طلبــة الكليــة الذيــن تســببت حــرب‬ ‫اإلبــادة فــي انقطاعهــم عــن دراســتهم بشــكل كامــل بلــغ‪:‬‬ ‫‪ ،10,713‬منهــم طــاب‪ ،5,820 :‬وطالبــات‪.4,900 :‬‬

‫الخسائر المادية‬

‫أتــت آلــة الحــرب الهمجيــة وعمليــات التدميــر والتخريــب والقصــف‬ ‫الوحشــي علــى كافــة المبانــي التعليميــة واإلدارية للكليــة الجامعية‪،‬‬ ‫فــا يــكاد الرائــي يديــر ناظريــه فــي الكليــة الجامعيــة بكافــة‬ ‫فروعهــا الثالثــة فــي مدينتــي غــزة وخانيونــس‪ ،‬إال ويــرى هــول‬ ‫وآثــار الدمــار والخــراب‪ ،‬وتُقــدّر الخســائر بـــ ‪.$54,200,000‬‬ ‫فقــد دمــرت آلــة االحتــال اإلســرائيلي أكثر مــن ‪ 100‬قاعة دراســية‪،‬‬ ‫بمــا فيهــا مــن مرافــق ووســائل تعليميــة‪ ،‬وأكثــر مــن ‪ 60‬مختبــرًا‬ ‫مــن مختبــرات الحاســوب األحــدث تجهيــزًا علــى مســتوى القطــاع‪.‬‬ ‫ودمــر الجيــش اإلســرائيلي أكثــر مــن ‪ 2,000‬جهــاز حاســوب بفعــل‬ ‫تدميــر المبانــي‪ ،‬وأكثــر مــن ‪ 40‬مختبــرًا تخصصيًــا يخــدم كافــة‬ ‫التخصصــات والمجــاالت فــي الكليــة الجامعيــة‪ ،‬وجعلهــا آثــارًا بعــد‬ ‫عيــن‪.‬‬

‫المختبــرات وورش العمــل األعلى تجهيزًا‬

‫لقــد فقــدت الكليــة الجامعيــة خــال حــرب اإلبــادة‪ ،‬بفعــل اآللــة‬ ‫اإلســرائيلية‪ ،‬العديــد مــن المختبــرات التخصصيــة التــي تعتبــر‬ ‫األحــدث واألعلــى تجهيــزًا علــى مســتوى وطنــي وربمــا علــى‬ ‫مســتوى العديــد مــن الــدول العربيــة‪ ،‬ومــن أبــرز هــذه المختبــرات‬ ‫التخصصيــة‪:‬‬

‫•مختبــر محاكاة التمريض‪:‬‬

‫والــذي يعــد المختبــر األول مــن نوعــه علــى مســتوى الجامعــات‬ ‫الفلســطينية‪ ،‬حيــث هدفــت الكليــة مــن خاللــه إلــى تطويــر‬ ‫قــدرات طلبــة اختصاصــات العلــوم الصحيــة والتمريــض‪ ،‬ومنحهــم‬ ‫العديــد مــن الخبــرات والكفايــات التخصصيــة المتطــورة‪ .‬يحتــوي‬ ‫المختبــر علــى غرفــة العمليــات‪ ،‬وغرفــة التحكــم‪ ،‬وغرفــة الــوالدة‪،‬‬ ‫والتــي كانــت تحاكــي البيئــة الواقعيــة فــي المشــافي‪ ،‬والمــزودة‬ ‫بنظــام تفاعلــي ومجموعــة مــن األجهــزة الحديثــة والدمــى التــي‬

‫تحاكــي الجســم البشــري فــي حــاالت الصحــة والمــرض وأوضــاع‬ ‫الــوالدة‪.‬‬

‫•مختبر المحاكاة للمحاســبة‪:‬‬

‫فهــو يعتبــر أول مختبــر فــي الجامعــات العربيــة مخصــص لطلبــة‬ ‫المحاســبة‪ ،‬حيــث يهــدف إلــى نقــل الطلبــة مــن بيئــة العمــل‬ ‫التعليميــة التقليديــة إلــى بيئــة تعليميــة افتراضيــة ذات تقنيــة‬ ‫عاليــة تجعــل منهــم أكثــر مهنيــة وكفــاءة‪ ،‬حيــث أن تجهيزاتــه‬ ‫كانــت تحاكــي العمليــات المحاســبية المختلفــة بيــن ك ّلهــا المهنــي‬ ‫والعمــل التطبيقــي تمامًــا كمــا فــي ميــدان العمــل الحقيقــي‪.‬‬

‫•مختبــر تصميــم األزيــاء‪:‬‬

‫‪.‬‬

‫وكان المختبــر عبــارة عــن ورشــة تدريبيــة مجهــزة بأحــدث أجهــزة‬ ‫الحاســوب وشاشــات الرســم التــي تحتــوي علــى أحــدث التطبيقــات‬ ‫والبرامــج العالميــة المتخصصــة فــي علم األزيــاء وتصميــم المالبس‪.‬‬ ‫ويضــم بيــن جنباتــه مشــغ ً‬ ‫ال لألزيــاء يحاكــي دار أزيــاء مصغــرة فيهــا‬ ‫قاعــة تدريــب مجهــزة بكافــة احتياجــات مصممــي األزيــاء‪ ،‬وماكينــات‬ ‫الخياطــة‪ ،‬وطــاوالت التفصيــل‪ ،‬ومجســمات العــرض‪.‬‬

‫• مختبــر نظــم المعلومات الجغرافية‪:‬‬

‫كان متخصصًــا لتدريــب الطلبــة والفنييــن والخريجيــن علــى‬ ‫كيفيــة التعامــل مــع الخرائــط والصــور الجويــة والعمــل علــى‬ ‫تحليلهــا وصناعــة القــرارات المبنيــة عليهــا‪ ،‬والتعامــل مــع تقنيــات‬ ‫االستشــعار عــن بعــد‪ ،‬وكيفيــة برمجــة تطبيقــات نظــم المعلومــات‬ ‫الجغرافيــة وتصميــم قواعــد البيانــات الجغرافيــة‪ ،‬والتعامــل مــع‬ ‫أنظمــة المالحــة العلميــة باألقمــار االصطناعيــة‪.‬‬

‫•مركــز يوكــس اإلعالمــي‪:‬‬

‫‪.‬‬

‫يعتبــر الحاضنــة التطبيقيــة المتكاملــة لطلبــة اإلعــام فــي الكليــة‬ ‫الجامعيــة عبــر توفيــر البيئــة التدريبيــة العمليــة التــي تحاكــي‬ ‫ســوق العمــل وفــق أحــدث التقنيــات واألدوات‪ ،‬بمــا يمَـــكن بنــاء‬ ‫اإلعالمــي الشــامل عبــر مرافقــة مثــل‪ :‬االســتوديو التلفزيونــي‪،‬‬ ‫واالســتوديو اإلذاعــي‪ ،‬وغرفــة التحريــر الصحفــي‪ ،‬وكذلــك مختبــر‬ ‫اإلعــام الرقمــي التفاعلــي‪ ،‬والتصميــم الجرافيكــي‪ ،‬وغرفــة‬ ‫التصويــر‪ ،‬والبرامــج التســجيلية‪.‬‬

‫من أهم المباني الحديثة المجهزة التي‬ ‫دمرها االحتالل خالل الحرب على غزة‪:‬‬ ‫مبنــى مركــز الكويت للتطوير والحاضنــة التكنولوجية‪.:‬‬

‫والــذي يعــد مــن المعالــم المميــزة ليــس فــي الكليــة وحدهــا بــل‬ ‫وربمــا علــى مســتوى المؤسســات التعليميــة فــي فلســطين بشــكل‬ ‫عــام‪ ،‬وعلــى مســتوى قطــاع ريــادة األعمــال بشــكل خــاص‪ .‬يتكــون‬ ‫مركــز الكويــت للتطويــر مــن ‪ 7‬أدوار باإلضافــة إلــى بــدروم‪،‬‬ ‫بمســاحة إجماليــة تصــل إلــى ‪ 5,512‬متــراً مربعــاً‪ ،‬مســتثمراً‬ ‫علــى عــدد مــن المرافــق تضــم ‪ 27‬مرتفعًــا‪ ،‬مــا بيــن قاعــات‬ ‫دراســية‪ ،‬وورش تدريبيــة‪ ،‬ومختبــرات حاســوب متخصصــة‪ ،‬وشــكل‬ ‫ً‬ ‫مــاذا ونقطــة انطــاق للخريجيــن والريادييــن الذيــن‬ ‫الحاضنــة‬ ‫دعمــوا أفكارهــم بشــكل احترافــي لخــوض غمــار ريــادة األعمــال‬ ‫مــن خــال الشــراكات المختلفــة‪ .‬وتمكنــت الحاضنــة فــي فتــرة‬ ‫بســيطة مــن إحــداث نقلــة نوعيــة ســاعدت فــي تعزيــز مفهــوم‬ ‫الريــادة واإلبــداع فــي مختلــف التخصصــات وســط العشــرات مــن‬ ‫الخريجيــن‪.‬‬

‫مبنى الدبلــوم والتدريب المهني‪:‬‬

‫ـض ســوى شــهور قليلــة‬ ‫وهــو مــن أحــدث المبانــي التــي لــم يمـ ِ‬ ‫علــى اســتكمال إنشــائها وافتتاحهــا‪ ،‬لتخــدم تطويــر قطــاع‬ ‫التدريــب المهنــي التخصصــي الــذي يخــدم آالف الطلبــة الغزييــن‪،‬‬ ‫حيــث يتكــون مــن بــدروم و‪ 6‬أدوار بمســاحة إجماليــة ‪ 4,730‬متراً‬ ‫مربع ـاً‪ ،‬وتضــم ‪ 49‬مرف ًقــا منهــا ‪ 19‬قاعــة دراســية‪ ،‬بينمــا تتنــوع‬ ‫بقيــة المرافــق مــا بيــن مختبــرات حاســوب ومختبــرات متخصصــة‬ ‫وورش تدريبيــة‪ ،‬إضافــة إلــى قاعــات أنشــطة متعــددة االســتخدام‪.‬‬

‫مبنــى خدمة المجتمع والتعليم المســتمر‪:‬‬

‫ويقــدم الخدمــات المجتمعيــة المتنوعــة‪ ،‬منهــا علــى ســبيل المثــال‪:‬‬ ‫مركــز التعليــم المســتمر‪ ،‬وكذلــك عيــادة اضطرابــات النطــق‬ ‫ومشــاكل الــكالم‪ .‬يتكــون المبنــى مــن ‪ 6‬أدوار بمســاحة إجماليــة‬ ‫تصــل إلــى ‪ 1,620‬متــراً مربعًــا‪ ،‬بيــن جناحهــا ‪ 27‬مــن المختبــرات‬ ‫التخصصيــة والحاســوبية‪ ،‬تعرضت كلهــا للتدمير المباشــر والتدمير‬ ‫الكلــي خــال هــذه الحــرب‪.‬‬

‫تدميــر المكتبة المركزية‪:‬‬

‫وهــي مــن األركان الرئيســية التــي تأسســت منــذ إنشــاء‬ ‫المقــر الرئيســي للكليــة الجامعيــة بهــدف توفيــر مصــدر‬ ‫المعلومــات العلميــة بكافــة أشــكالها‪ ،‬لدعــم وخدمــة‬ ‫العمليــة البحثيــة األكاديميــة المختلفــة بالكليــة مــن خــال‬ ‫إتاحــة الوصــول إلــى مصــادر المعلومــات لكافــة فئــات‬ ‫الباحثيــن فــي الكليــة الجامعيــة والمجتمــع بشــكل عــام‪.‬‬ ‫كذلــك فقــد كانــت المكتبــة تحتــوي علــى أفضــل التقنيــات‬ ‫والوســائل الحديثــة لتيســير عمليــة البحــث واالســترجاع بأقــل‬ ‫جهــد وبأســرع وقــت ممكــن عبــر آالف مــن العناويــن وأوعيــة‬ ‫ومصــادر المعلومــات التــي تحويهــا بيــن جنباتهــا‪.‬‬

‫تدميــر قاعات المؤتمرات والفعاليات الرئيســة‪:‬‬

‫خســر المجتمــع خــال الحــرب القاعــات المخصصــة فــي الكليــة‬ ‫الجامعيــة لتنفيــذ األنشــطة والفعاليــات المتنوعــة‪ ،‬باعتبارهــا‬ ‫مصممــة ومــزودة بأفضــل األجهــزة والمعــدات الالزمــة لتنظيــم‬ ‫الفعاليــات علــى مســتوى قطــاع غــزة‪ ،‬حيــث ال يــكاد يخلــو يــوم‬ ‫مــن مؤتمــر أو فعاليــة ألحــد عمــادات الكليــة أو لمؤسســة مــن‬ ‫مؤسســات المجتمــع المحلــي‪.‬‬

‫تدميــر المالعب والصاالت الرياضية واالســتراحات‬ ‫الطالبية‪:‬‬

‫وصلــت آلــة الدمــار اإلســرائيلية إلــى المالعــب والصــاالت الرياضيــة‬ ‫المتميــزة التــي كانــت تمثــل متنفسًــا للطلبــة الكليــة لممارســة‬ ‫نشــاطاتهم الالمنهجيــة والبدنيــة فــي العديــد مــن المجــاالت‪،‬‬ ‫مثــل ملعــب كــرة القــدم‪ ،‬وكــرة الطائــرة‪ ،‬وكــرة الســلة‪ ،‬وكــرة‬ ‫اليــد‪ .‬هــذه األماكــن التــي طالمــا احتفــت بطــوالت رياضيــة علــى‬ ‫مســتوى المؤسســات العاملــة فــي قطــاع غــزة علــى اختــاف عملهــا‪.‬‬ ‫إضافــة إلــى ذلــك‪ ،‬فقــد تــم تدميــر صالــة األلعــاب الرياضيــة‬ ‫المجهــزة بالمعــدات واألجهــزة الحديثــة لرياضــة كمــال‬ ‫األجســام‪ ،‬إضافــة إلــى الصــاالت الرياضيــة المخصصــة‬ ‫للطالبــات لممارســة تماريــن اللياقــة المختلفــة كذلــك‪.‬‬ ‫وأتــت حــرب اإلبــادة علــى كافــة االســتراحات الطالبيــة المميــزة‬ ‫داخــل وخــارج مبانــي الكليــة‪ ،‬التــي صُممــت بطريقــة عصريــة قبــل‬ ‫ً‬ ‫مــاذا‬ ‫الحــرب بشــهور قليلــة‪ .‬هــذه األماكــن التــي كانــت تمثــل‬ ‫للطلبــة ومســاحات حــرة لقضــاء أوقــات مميــزة وصناعــة ذكريــات‬ ‫جامعيــة‪.‬‬

‫باإلضافــة إلى العديد مــن المباني العلمية‬ ‫واألكاديميــة والمهنية التي ســواها الجيش‬ ‫اإلســرائيلي باألرض‪ ،‬منها‪:‬‬

‫مبنى الطالب ومبنى الطالبات وتسويتهما باألرض‪.‬‬ ‫مبنى اإلدارة واألنشطة الطالبية والمختبرات‪.‬‬ ‫ورشــة يــوكاس لصيانــة الســيارات بمحتوياتهــا مــن أجهــزة‬ ‫ومعــدات التــي تعتبــر األحــدث علــى مســتوى القطــاع‪.‬‬ ‫احتراق قسم الموارد البشرية‪.‬‬ ‫احتــراق كافــة التجهيــزات المكتبيــة واألثــاث فــي القاعــات‬ ‫والمكاتــب اإلداريــة‪.‬‬ ‫المصاعد وغرف التحكم في كافة مباني الكلية‪.‬‬ ‫تدمير وإتالف كامل لمولدات الكهرباء‪.‬‬ ‫تخريب شبكات الكهرباء والحاسوب وااللتكييف‪0‬‬ ‫تدمير كافة السيارات التابعة للكلية الجامعية‪.‬‬ ‫تدمير أنظمة الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء‪.‬‬ ‫تدمير محطة تحلية المياه المخصصة للشرب‪.‬‬ ‫دمــار كامــل وتجريــف كافــة الســاحات والمرافــق الطالبيــة والبنــى‬ ‫التحتيــة لحــرم الكليــة‪.‬‬


‫‪3‬‬

‫ميدان الجامعة‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫بتمويل من الهيئة الخيرية اإلسالمية العالمية‬

‫«الكلية الجامعية» تختتم مشروع‬ ‫«رحماء بينهم» لدمج طلبة التمريض‬ ‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬ ‫اختتمــت الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة مشــروع رحمــاء‬

‫نفــس العــام‪ ،‬وهــدف إلــى المســاهمة فــي تطويــر وبنــاء القــدرات‬

‫بينهــم بهــدف التدخــل العاجــل لدمــج طلبــة العلــوم الصحيــة‬

‫العلميــة لطلبــة التمريــض المتوقــع تخرجهــم خــال العــام‬

‫المتوقــع تخرجهــم وإلحاقهــم بالقطــاع الصحــي‪ ،‬بتمويــل مــن‬

‫الماضــي‪ ،‬مــن خــال اجتيــاز مرحلــة التدريــب الميدانــي لمــدة ‪4‬‬

‫الهيئــة الخيريــة اإلســامية العالميــة ضمــن وقفيــة اإلســراء‬

‫أشــهر فــي ‪ 3‬مستشــفيات عاملــة جنــوب قطــاع غــزة‪.‬‬

‫العامــة ‪ -‬دولــة الكويــت‪.‬‬

‫وشـ ّ‬ ‫ـكل المشــروع نافــذة أمــل لـــ ‪ 350‬مــن الطلبــة‪ ،‬إذ مكنهــم من‬

‫واســتهدف المشــروع ‪ 350‬مــن الطلبــة المتوقــع تخرجهــم مــن‬

‫متابعــة دراســتهم التــي توقفــت منــذ بدايــة الحــرب علــى قطــاع‬

‫اختصــاص التمريــض التابــع لعمــادة التمريــض وعلــوم الصحــة‪.‬‬

‫غــزة‪ ،‬وأعطاهــم الفرصــة لتقديــم الخدمــات الصحيــة والتمريضيــة‬

‫وكان مشــروع رحمــاء بينهــم قــد انطلــق فــي ‪ 29‬يونيو‪/‬حزيــران‬

‫جنبًــا إلــى جنــب مــع زمالئهــم مــن األطبــاء والممرضيــن‪ ،‬وســد‬

‫‪2024‬م‪ ،‬واختتــم أعمالــه فــي ‪ 30‬نوفمبر‪/‬تشــرين الثانــي مــن‬

‫الفجــوات التــي يعانــي منهــا القطــاع الصحــي‪.‬‬

‫اختتام مشروع «زاجل» لدعم التعليم‬ ‫اإللكتروني لطلبة «الكلية الجامعية» «الكلية الجامعية» تدخل تصنيف‬ ‫جامعات الدول العربية‬ ‫في إنجاز الفت رغم اإلبادة‬

‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬

‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬ ‫اختُتمــت فــي الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة أعمــال وســاهم مشــروع «زاجــل» فــي ضمــان اســتمرار الخدمــات‬ ‫مشــروع «زاجــل» لدعــم التعليــم اإللكترونــي للطلبــة التعليميــة للطلبــة الجامعييــن فــي قطــاع غــزة باســتخدام أدوات‬

‫مــن رحــم المعانــاة يُولــد اإلبــداع؛ شــهور مــن الحــرب‬ ‫مزدحمــة بالبــاء والظلــم والعــدوان‪ ،‬وتحديــات جمّــة‬ ‫كفيلــة بكبــح جمــاح كل تميّــز‪ ،‬لكــن بفضــل اهلل‪،‬‬ ‫فقــد واصلــت كافــة طواقــم الكليــة إنجازهــا‪ ،‬وواصلــت‬ ‫عطاءهــا‪ ،‬وخاصــة فــي الجانــب األكاديمــي والبحثــي‪ ،‬وعلــى‬ ‫المســتويين المحلــي والعربــي‪ ،‬بــل والدولــي أيضًــا‪.‬‬ ‫وفــي إنجــاز متميّــز ومســتحق يُضــاف إلــى ســجلها الناصــع‬ ‫بالمنجــزات الراقيــة فــي مختلــف المجــاالت األكاديميــة‬ ‫والبحثيــة والعلميــة‪ ،‬دخلــت الكليــة الجامعيــة للعلــوم‬ ‫التطبيقيــة التصنيــف العربــي للجامعــات‪ ،‬والــذي أعلــن‬ ‫عنــه مجلــس التصنيــف العربــي للجامعــات المنبثــق عــن‬ ‫األمانــة العامــة لجامعــة الــدول العربيــة‪ ،‬والمنظمــة العربيــة‬ ‫للتربيــة والثقافــة والعلــوم (األلكســو)‪ ،‬واتحــاد الجامعــات‬ ‫العربيــة‪ ،‬تحــت مســمّى التصنيــف العربــي للجامعــات‪.‬‬ ‫ويعتمــد التصنيــف العربــي للجامعــات علــى أربعــة مؤشــرات‬

‫الجامعييــن فــي قطــاع غــزة‪ ،‬بتمويــل مــن ‪ Cinta Gaza‬التعليــم اإللكترونــي‪ ،‬وذلــك مــن خــال توفيــر مســاحة تعليميــة‬

‫بتمويل من ‪« UNDP‬برنامج سواسية»‬

‫‪ Malaysia‬مــن خــال مؤسســة التعليــم حــول العالــم ‪ -‬تركيــا‪ .‬مهيــأة بالتيــار الكهربائــي‪ ،‬وأجهــزة الالبتــوب‪ ،‬واإلنترنــت عالــي‬ ‫ويســتهدف مشــروع «زاجــل» ‪ 300‬مــن طلبــة جامعــات قطــاع الســرعة‪ ،‬والمــكان المناســب للطلبــة الجامعييــن مــن كافــة‬ ‫غــزة‪ ،‬وذلــك فــي الفتــرة مــن ‪ 11‬نوفمبــر (تشــرين الثانــي) الجامعــات المحليــة‪ ،‬والملتحقيــن بالتعليــم اإللكترونــي فــي‬ ‫‪2024‬م وحتــى ‪ 10‬مايــو (أيــار) ‪2025‬م‪.‬‬

‫جامعاتهــم األم‪.‬‬

‫عن مشروعها تطوير «سوق القيسارية» بغزة‬

‫رئيســية تشــمل‪ :‬التعليــم والتعلــم‪ ،‬البحــث العلمــي‪ ،‬اإلبــداع‬ ‫والريــادة واالبتــكار‪ ،‬التعــاون الدولــي والمحلــي وخدمــة‬ ‫المجتمــع‪ .‬ويتــم قيــاس كل مؤشــر باســتخدام تســعة معاييــر‬ ‫بــأوزان تــم اختيارهــا بعنايــة فائقــة‪.‬‬ ‫وبرغــم كافــة الظــروف القاســية التــي يمــر بهــا وطننــا الحبيــب‬ ‫بفعــل الحــرب والدمــار‪ ،‬والــذي طــال شــتى مناحــي حيــاة أهالــي‬ ‫قطــاع غــزة‪ ،‬وبرغــم تدميــر كافــة مبانــي المقــر الرئيــس للكلية‬ ‫فــي قطــاع غــزة‪ ،‬تعالــت الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة‬ ‫علــى جراحهــا‪ ،‬وأصــرّت علــى اســتئناف العمليــة األكاديميــة‪.‬‬ ‫فقــد أعلنــت عــن إطــاق الفصــل الدراســي الصيفــي للعــام‬ ‫‪2023‬م‪ ،‬والــذي كان بمثابــة اســتدراك أول لبعــض مســاقات‬ ‫الفصــل الدراســي األول ‪2023‬م‪ ،‬والــذي تو ّقــف بســبب‬ ‫الحــرب‪ ،‬ومــن ثــمّ تــم طــرح الفصــل الدراســي األول ‪،2024‬‬ ‫والــذي التحــق بــه قرابــة ‪ 9332‬طالبًــا وطالبــة‪ ،‬منهــم عــدد‬ ‫مــن الطلبــة الجــدد بلــغ ‪ 2089‬طالبًــا وطالبــة‪.‬‬

‫«الكلية الجامعية» تطلق أعمال‬ ‫مشروع الحاضنة القانونية‬

‫«الكلية الجامعية» تحصد جائزة «إكروم‬ ‫الشارقة» التقديرية في اإلمارات للعام ‪2024‬م‬ ‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬ ‫حــازت الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة بغــزة علــى مدينــة غــزة‪.‬‬ ‫جائــزة عربيــة تقديريــة مرموقــة فــي مجــال الحفــاظ ويُشــكل الســوق رمــزًا حيويًــا لحمايــة موقــع تاريخــي مهــم في‬ ‫المعمــاري األثــري‪ ،‬حيــث فــاز مشــروع الحفــاظ علــى ســوق غــزة‪ ،‬رغــم التحديــات التــي تواجــه المدينــة‪ ،‬جــاء ذلــك خــال‬ ‫القيســارية األثــري بمدينــة غــزة القديمــة بجائــزة إكــروم تصريحــات أدلــت بهــا الســيدة مــروة العقروبــي‪ ،‬ممثلــة لجنــة‬ ‫الشــارقة التقديريــة فــي اإلمــارات العربيــة المتحــدة للعــام التحكيــم للــدورة الرابعــة بجائــزة إيكــروم الشــارقة‪.‬‬ ‫‪2024‬م‪.‬‬

‫وقــد تمكــن مشــروع تطويــر ســوق القيســارية مــن الحصــول‬

‫ويُعــد المشــروع مــن أهــم المشــاريع المعماريــة التــي علــى درجــة التميــز الخــاص فــي الجائــزة‪ ،‬حيــث أوضحــت ممثلة‬ ‫تنفذهــا الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة علــى مســتوى لجنــة التحكيــم خــال حفــل التكريــم أن الســوق اســتطاع الجمــع‬

‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬

‫قطــاع غــزة‪ ،‬بالشــراكة مــع بلديــة غــزة ووزارة الســياحة بيــن أعمــال الترميــم والحيــاة االجتماعيــة واالقتصاديــة بمــا‬

‫أطلقــت الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة مشــروع الحاضنــة وتعزيــز المســؤولية االجتماعيــة لــدى المحاميــن والمحاميــات‬

‫واآلثــار الفلســطينية ومكتــب جيــرة للحلــول المســتدامة‪ .‬يضمــن التنميــة المســتدامة ويعــزز التعايــش الســلمي بيــن‬

‫القانونيــة – إنصــاف‪ ،‬بتمويــل مــن برنامــج األمــم المتحــدة المســتهدفين‪ ،‬وذلــك فــي الفتــرة مــن ‪ 10‬أكتوبر‪/‬تشــرين األول‬

‫يُذكــر أن الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة‪ ،‬بالتعــاون األديــان‪.‬‬

‫اإلنمائــي ‪« UNDP‬برنامــج سواســية»‪ ،‬والــذي يســتهدف ‪2024 15‬م وحتــى ‪ 30‬أغســطس‪/‬آب ‪2025‬م‪.‬‬

‫مــع بلديــة غــزة ومركــز المعمــار الشــعبي رواق‪ ،‬نفــذت والجديــر ذكــره أن الجيــش اإلســرائيلي قــد دمّــر أجــزاء واســعة‬

‫مــن المحاميــن والمحاميــات القدامــى‪ ،‬و‪ 15‬مــن المحاميــن ويعمــل المشــروع علــى تدريــب الفئــة المســتهدفة علــى موضوعــات‬

‫مشــروع الحفــاظ علــى الســوق األثــري الــذي يعــود إلــى مــن الســوق‪ ،‬إضافــة إلــى عشــرات المعالــم التاريخيــة فــي‬

‫والمحاميــات الجــدد‪ ،‬و‪ 30‬مســاعدًا ومســاعدة قانونيــة‪.‬‬

‫الحقبــة المملوكيــة كمعلــم تاريخــي شــاهد علــى حضــارة البلــدة القديمــة بمدينــة غــزة فــي بدايــة الحرب عــام ‪2023‬م‪.‬‬

‫ويهــدف المشــروع إلــى بنــاء الكفــاءة المهنيــة للمحاميــن الجــدد‪ ،‬للمجتمــع المحلــي‪ ،‬وتنفيــذ ورش عمــل فــي المجــال القانونــي‪.‬‬

‫قانونيــة وإداريــة‪ ،‬بمــا يؤهلهــم لتقديــم استشــارات قانونيــة‬


‫‪4‬‬

‫ميدان الجامعة‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫استهدف الطلبة والكادر األكاديمي‬

‫«الكلية الجامعية» تختتم مشروعين‬ ‫لدمج طلبة التمريض في سوق العمل اختتام مشروع «علم ينتفع به» في‬ ‫«الكلية الجامعية»‬ ‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬

‫نفذت الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية مشروع «التدخل العاجل لدمج طلبة العلوم‬ ‫الصحية المتوقع تخرجهم وإلحاقهم بالقطاع الصحي في قطاع غزة»‪ ،‬بتمويل من‬ ‫جمعية الشيخ عبد الله النوري الخيرية ‪ -‬الكويت‪ ،‬من خالل جمعية وافا للتنمية وبناء‬ ‫القدرات‪.‬‬

‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬ ‫أنجــزت الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة مشــروع أعمالــه مطلــع أغســطس (آب) ‪ ،2024‬واختتــم نهايــة ديســمبر‬ ‫«علــم ينتفــع بــه» لتخريــج طلبــة الكليــة الجامعيــة للعلــوم (كانــون األول) مــن نفــس العــام‪.‬‬ ‫واســتهدف المشــروع ‪ %15‬مــن طلبــة عمــادة التمريــض‬ ‫وعلــوم الصحــة بالكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة‪ ،‬وذلــك‬ ‫فــي الفتــرة مــن ‪ 1‬أغســطس (آب) وحتــى ‪ 31‬ديســمبر‬ ‫(كانــون األول) ‪2024‬م‪ ،‬حيــث عمــل المشــروع علــى تطويــر‬ ‫وبنــاء القــدرات العلميــة للطلبــة المســتهدفين المتوقــع‬ ‫تخرجهــم فــي ‪.2024‬‬ ‫وســاعد المشــروع الطلبــة علــى اجتيــاز التدريــب الميدانــي‬ ‫فــي المستشــفيات والمراكــز الصحيــة فــي قطــاع غــزة‪ ،‬ورفــع‬ ‫مــن جاهزيتهــم المهنيــة‪ ،‬وصقــل مهاراتهــم العمليــة‪،‬‬ ‫وإتمــام المســارات التدريبيــة المقــررة عليهــم ضمــن الخطــة‬ ‫الدراســية‪ .‬كمــا ســاهم المشــروع بشــكل فعــال فــي تحســين‬ ‫جــودة الخدمــات المقدمــة للمجتمــع‪ ،‬وتقديــم الدعــم‬ ‫للكــوادر الطبيــة العاملــة مــن خــال تخفيــف الضغــط عــن‬

‫الطاقــم الصحــي الناتــج عــن استشــهاد واعتقــال وإصابــة‬ ‫العديــد مــن الكــوادر التمريضيــة المؤهلــة‪ ،‬ودعــم المراكــز‬ ‫الصحيــة‪ ،‬ممــا جعــل المشــروع ذا تأثيــر فــوري وملمــوس‪.‬‬ ‫كمــا نفــذت الكليــة الجامعيــة المرحلــة األولــى مــن مشــروع‬ ‫«دمــج طلبــة العلــوم الصحيــة المتوقــع تخرجهــم فــي قطــاع‬ ‫غــزة فــي القطــاع الصحــي»‪ ،‬وذلــك بتمويــل مــن مؤسســة‬ ‫وقــف الواقفيــن ‪ -‬جنــوب أفريقيــا‪ ،‬مــن خــال مؤسســة‬ ‫التعليــم حــول العالــم – تركيــا‪.‬‬ ‫واســتهدف المشــروع فــي مرحلتــه األولــى ‪ 50‬مــن طلبــة‬ ‫اختصــاص التمريــض التابــع لعمــادة التمريــض وعلــوم‬ ‫الصحــة فــي الكليــة‪ ،‬والتــي تواصلــت فــي الفتــرة مــن‬ ‫‪ 22‬يونيــو (حزيــران) وحتــى ‪ 6‬نوفمبــر (تشــرين الثانــي)‬ ‫‪2024‬م‪.‬‬

‫التطبيقيــة وتشــغيل الــكادر األكاديمــي‪ ،‬بتمويــل مــن وعمــل المشــروع علــى فتــح آفــاق جديــدة لــكل مــن طلبــة‬ ‫الهيئــة الخيريــة اإلســامية العالميــة ضمــن وقفيــة اإلســراء وأكاديميــي الكليــة الجامعيــة‪ ،‬مــن خــال تخريــج الطلبــة‬ ‫العامــة‪.‬‬

‫المتوقــع تخرجهــم‪ ،‬وتشــغيل األكاديمييــن فــي ظــل الظــروف‬

‫واســتهدف المشــروع ‪ 163‬طالبًــا مــن طلبــة الكليــة الحاليــة الصعبــة علــى قطــاع غــزة‪ ،‬حيــث تعاقــد المشــروع مــع‬ ‫الجامعيــة المتوقــع تخرجهــم مــن اختصــاص التمريــض ‪ 91‬مــن أكاديميــي الكليــة الجامعيــة لتدريــس ‪ 977‬ســاعة‬ ‫التابــع لعمــادة التمريــض وعلــوم الصحــة‪ ،‬والــذي انطلقــت مكتبيــة متبقيــة علــى الطلبــة المســتهدفين‪.‬‬

‫نافست ‪ 2000‬طالب من ‪ 22‬دولة عربية‬

‫«الكلية الجامعية» تحصد المركز األول‬ ‫في مسابقة التغليف العربية‬ ‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬ ‫حــازت الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة بغــزة علــى‬ ‫جائــزة عربيــة تقديريــة مرموقــة فــي مجــال الحفــاظ‬ ‫المعمــاري األثــري‪ ،‬حيــث فــاز مشــروع الحفــاظ علــى ســوق‬ ‫القيســارية األثــري بمدينــة غــزة القديمــة بجائــزة إكــروم‬ ‫الشــارقة التقديريــة فــي اإلمــارات العربيــة المتحــدة للعــام‬ ‫‪2024‬م‪.‬‬ ‫ويُعــد المشــروع مــن أهــم المشــاريع المعماريــة التــي‬ ‫تنفذهــا الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة علــى مســتوى‬ ‫قطــاع غــزة‪ ،‬بالشــراكة مــع بلديــة غــزة ووزارة الســياحة‬ ‫واآلثــار الفلســطينية ومكتــب جيــرة للحلــول المســتدامة‪.‬‬ ‫يُذكــر أن الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة‪ ،‬بالتعــاون‬ ‫مــع بلديــة غــزة ومركــز المعمــار الشــعبي رواق‪ ،‬نفــذت‬ ‫مشــروع الحفــاظ علــى الســوق األثــري الــذي يعــود إلــى‬ ‫الحقبــة المملوكيــة كمعلــم تاريخــي شــاهد علــى حضــارة‬

‫غــزة‪.‬‬ ‫ويُشــكل الســوق رمــزًا حيويًــا لحمايــة موقــع تاريخــي مهــم في‬ ‫غــزة‪ ،‬رغــم التحديــات التــي تواجــه المدينــة‪ ،‬جــاء ذلــك خــال‬ ‫تصريحــات أدلــت بهــا الســيدة مــروة العقروبــي‪ ،‬ممثلــة لجنــة‬ ‫التحكيــم للــدورة الرابعــة بجائــزة إيكــروم الشــارقة‪.‬‬ ‫وقــد تمكــن مشــروع تطويــر ســوق القيســارية مــن الحصــول‬ ‫علــى درجــة التميــز الخــاص فــي الجائــزة‪ ،‬حيــث أوضحــت ممثلة‬ ‫لجنــة التحكيــم خــال حفــل التكريــم أن الســوق اســتطاع الجمــع‬ ‫بيــن أعمــال الترميــم والحيــاة االجتماعيــة واالقتصاديــة بمــا‬ ‫يضمــن التنميــة المســتدامة ويعــزز التعايــش الســلمي بيــن‬ ‫األديــان‪.‬‬ ‫والجديــر ذكــره أن الجيــش اإلســرائيلي قــد دمّــر أجــزاء واســعة‬ ‫مــن الســوق‪ ،‬إضافــة إلــى عشــرات المعالــم التاريخيــة فــي‬ ‫البلــدة القديمــة بمدينــة غــزة فــي بدايــة الحرب عــام ‪2023‬م‪.‬‬

‫«الكلية الجامعية» تحصد المركز الثاني‬ ‫ً‬ ‫فلسطينيا في البحث العلمي ‪2023‬م‬ ‫خاص‪/‬الميدان‪:‬‬

‫حصــدت الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة مركــزًا متقدمًــا فئــة علــوم األرض‪ ،‬ببحثــه المعنــون‪:‬‬ ‫فــي نتائــج جائــزة البحــث العلمــي الوطنيــة‪ ،‬حيــث أعلنــت وزارة ‪Water consumption rationalization using demarketing‬‬ ‫التعليــم العالــي والبحــث العلمــي الفلســطينية فــي رام اهلل بتاريــخ ‪strategies in the Gaza Strip, Palestine‬‬ ‫‪ 24‬يناير‪/‬كانــون الثانــي ‪2024‬م‪ ،‬حصــول الدكتــور محمــد ســالم‪ ،‬وتمكــن ســالم‪ ،‬والــذي يمضــي حاليًــا إجــازة علميــة فــي ألمانيــا‪ ،‬مــن‬ ‫المحاضــر فــي عمــادة إدارة المــال واألعمــال بالكليــة الجامعيــة نشــر ‪ 9‬أبحــاث دوليــة فــي مجــات علميــة عالميــة جميعهــا مصنّفــة‬ ‫للعلــوم التطبيقيــة‪ ،‬علــى المركــز الثانــي علــى مســتوى الوطــن ضمــن (‪ ،)Q2/Q1‬وذلــك فــي العــام ‪2024‬م وحــده‪ ،‬كمــا تجــاوزت‬ ‫فــي جائــزة البحــث العلمــي ‪ – 2023‬الــدورة الثانيــة‪ ،‬وذلــك عــن اقتباســاته ‪ 2600‬اقتبــاس ضمــن ‪.Google Scholar‬‬

‫الطالب الشهيد حسن البياع‬ ‫الوجه اإلعالمي لقسم اإلعالم وتكنولوجيا االتصال‬


‫‪5‬‬

‫قضايا جامعية‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫المطلوب محو الهوية ‪ ..‬االحتالل يلقي التعليم بغزة نحو المجهول‬ ‫أسماء المبيض‪/‬الميدان‪:‬‬

‫الفيزيــاء‪.‬‬ ‫• الدكتــور أحمــد حمــدي أبــو عبســة‪ ،‬عميــد كليــة‬ ‫هندســة البرمجيــات بجامعــة فلســطين‪.‬‬ ‫• البروفيســور محمــد عيــد شــبير‪ ،‬أســتاذ علــم‬ ‫المناعــة والرئيــس الســابق للجامعــة اإلســامية‪.‬‬ ‫• الدكتــور ســعيد الزبــدة‪ ،‬رئيــس الكليــة الجامعيــة‬ ‫للعلــوم التطبيقيــة‪.‬‬ ‫و ُث ّلــة مــن خِيــار األكاديمييــن والمتخصصيــن الذيــن‬ ‫تُشـ ّ‬ ‫ـكل خســارتهم ضربــة قاســية للبنيــة األكاديميــة‬ ‫والمؤسســية فــي غــزة‪ ،‬وتتســبب فــي ضيــاع ســنوات‬ ‫مــن العمــل البحثــي والجهــد التراكمــي للمؤسســات‬ ‫ا لتعليمية ‪.‬‬

‫ما يزال قطاع التعليم في‬ ‫فلسطين‪ ،‬ومنذ بداية االحتالل‬ ‫اإلسرائيلي عام ‪ ،1948‬يتعرض‬ ‫لعمليات تهويد وتخريب‬ ‫ممنهجة‪ ،‬تبدأ بحمالت تهويد‬ ‫المناهج الفلسطينية‪ ،‬وتمر‬ ‫بمحاوالت طمس الهوية‬ ‫الوطنية‪ ،‬وتصل إلى تدمير البنية‬ ‫التحتية التعليمية والفكرية‪.‬‬ ‫وتندرج هذه السياسات ضمن‬ ‫محاوالت االحتالل السافرة لمحو‬ ‫ً‬ ‫خدمة‬ ‫الوجود الفلسطيني‪،‬‬ ‫ألهدافه االستعمارية طويلة‬ ‫األمد‪.‬‬

‫ويعمــد االحتــال اإلســرائيلي‪ ،‬علــى مــدار العقــود‪،‬‬ ‫إلــى اســتهداف المنظومــة التعليميــة بشــكل‬ ‫مباشــر‪ ،‬ويفــرض قيــودًا صارمــة علــى إدخــال‬ ‫المســتلزمات التعليميــة لغــزة منــذ عــام ‪،2007‬‬ ‫إلــى جانــب محاوالتــه المســتمرة لتحريــف محتــوى‬ ‫المنهــاج الفلســطيني‪ ،‬فــي محاولــة لســلخه عــن‬ ‫تاريخــه وهويتــه الوطنيــة األصيلــة‪.‬‬

‫تصعيد كارثي‬

‫ومــع انــدالع حــرب اإلبــادة اإلســرائيلية علــى قطــاع‬ ‫غــزة فــي الســابع مــن أكتوبــر ‪ ،2023‬يشــهد‬ ‫القطــاع تصعيــدًا غيــر مســبوق فــي اســتهداف‬ ‫المؤسســات التعليميــة والثقافيــة‪ ،‬حيــث تطــال‬ ‫الغــارات المباشــرة الجامعــات‪ ،‬والكليــات‪ ،‬والمدارس‪،‬‬ ‫والمؤسســات الثقافيــة‪ ،‬والمكتبــات العامــة‪ .‬ويأخــذ‬ ‫هــذا االســتهداف أبعــادًا كارثيــة‪ ،‬إذ تشــير تقاريــر‬ ‫وزارة التربيــة والتعليــم الفلســطينية ومؤسســات‬ ‫حقوقيــة مثــل «مركــز الميــزان» إلــى تدميــر أكثــر‬

‫مبادرات‬

‫مــن ‪ %80‬مــن المــدارس والجامعــات بشــكل كلــي‬ ‫أو جزئــي‪ ،‬واستشــهاد أكثــر مــن ‪ 10,000‬طالــب‬ ‫وطالبــة‪ ،‬إلــى جانــب مئــات المعلميــن والعامليــن فــي‬ ‫الســلك األكاديمــي‪.‬‬ ‫وال تتوقــف آلــة الحــرب اإلســرائيلية عنــد تدميــر‬ ‫البنيــة التحتيــة‪ ،‬بــل تســتهدف أيضًــا المبانــي‬ ‫التعليميــة التــي تــؤوي نازحيــن‪ ،‬مســتخدمة ذرائــع‬ ‫واهيــة لتبريــر هجماتهــا‪ ،‬مــا يــؤدي إلــى وقــوع مجــازر‬ ‫مروعــة بحــق آالف المدنييــن‪.‬‬

‫شهادات حية‬

‫أجــرت صحيفــة «الميــدان» مقابــات ميدانيــة‬ ‫مــع طلبــة جامعييــن نازحيــن إلــى جنــوب القطــاع‪،‬‬ ‫حيــث تعبّــر الطالبــة آيــة أبــو دوابــة عــن معاناتهــا‬ ‫المتكــررة فــي النــزوح‪ ،‬وصعوبــة إيجــاد بيئــة مناســبة‬ ‫للدراســة‪ ،‬إضافــة إلــى انعــدام الكهربــاء واإلنترنــت‬ ‫الضرورييــن للتعليــم اإللكترونــي‪ .‬وتقــول‪« :‬أمشــي‬

‫مســافات بعيــدة عــن مركــز اإليــواء لشــحن هاتفــي‬ ‫وحاســوبي‪ ،‬الوضــع كتيــر صعــب‪ ،‬ال بقــدر أركــز‬ ‫فــي االمتحانــات‪ ،‬ألنجــاز التكاليــف‪ ،‬وأتواصــل مــع‬ ‫المحاضريــن‪ ،‬بســبب ضعــف اإلنترنــت وخطــر‬ ‫القصــف المتواصــل فــي أماكــن مثــل المقاهــي‪».‬‬ ‫أمــا الطالبــة بتــول الطاللقــة‪ ،‬فتوضــح اضطرارهــا‬ ‫للمشــي نحــو ‪ 2‬كيلومتــر للوصــول إلــى مــكان‬ ‫يمكنهــا فيــه شــحن أجهزتهــا واســتخدام اإلنترنــت‪،‬‬ ‫وتقــول‪« :‬دراســتي كانــت فــي الصبــاح الباكــر‪،‬‬ ‫بعيــدًا عــن الضجيــج‪ ،‬بــس هالشــي مــا عــاد ممكــن‪.‬‬ ‫حاســة إنــي بدفــع للشــحن وبطاقــات اإلنترنــت أكثــر‬ ‫مــن رســوم الجامعــة‪».‬‬

‫الكادر األكاديمي‬

‫مــن جهتــه‪ ،‬تحــدث لنــا د‪ .‬خضــر الجمالــي‪ ،‬عميــد‬ ‫العلــوم اإلنســانية فــي الكليــة الجامعيــة للعلــوم‬ ‫التطبيقيــة‪ ،‬عــن معانــاة األكاديمييــن تحــت القصــف‪،‬‬

‫والصدمــات النفســية التــي تؤثــر علــى تركيزهــم‬ ‫وأدائهــم‪ .‬وينــوه إلــى أهمهــا وهــي‪ :‬ضعــف شــبكات‬ ‫االتصــال واإلنترنــت‪ ،‬وانقطــاع الكهربــاء‪ ،‬وصعوبــة‬ ‫التنقــل بيــن المناطــق‪ ،‬ممــا يزيــد مــن تعقيــد‬ ‫التعليــم اإللكترونــي‪ ،‬ويؤثــر علــى اســتمرارية‬ ‫التواصــل مــع الطلبــة‪.‬‬

‫خسائر فادحة‬

‫وتتجــاوز الخســائر حــدود الطــاب لتطــال نخبــة‬ ‫مــن األكاديمييــن والمفكريــن‪ .‬فبحســب مــا يــرد‬ ‫علــى صفحــة «مركــز رؤيــة للتنميــة السياســية»‪،‬‬ ‫يُستشــهد أكثــر مــن ‪ 450‬أكاديميًــا وإداريًــا فــي‬ ‫قطــاع غــزة منــذ بدايــة الحــرب‪ ،‬مــن بينهــم ثالثــة‬ ‫ً‬ ‫أســتاذا‬ ‫رؤســاء جامعــات‪ ،‬وســبعة عمــداء‪ ،‬و‪64‬‬ ‫جامعيًــا‪ ،‬مــن أبرزهــم‪:‬‬ ‫• البروفيســور ســفيان تايــة‪ ،‬رئيــس الجامعــة‬ ‫اإلســامية‪ ،‬والحائــز علــى جائــزة اليونســكو فــي‬

‫وال يقتصــر الضــرر علــى المبانــي والمنشــآت‪ ،‬بــل‬ ‫يخ ّلــف دمــار المنظومــة التعليميــة آثــارًا نفســية‬ ‫واجتماعيــة خطيــرة‪ .‬إذ يعانــي الطلبــة مــن صدمــات‬ ‫نفســية حــادة نتيجــة فقــدان ذويهــم أو النجــاة مــن‬ ‫ً‬ ‫فضــا عــن النــزوح المتكــرر‪ ،‬مــا ينعكــس‬ ‫القصــف‪،‬‬ ‫ســلبًا علــى أدائهــم األكاديمــي‪ ،‬وقدرتهــم علــى‬ ‫التركيــز‪ ،‬واالســتمرار فــي التعليــم‪ .‬كمــا يدفــع‬ ‫شــعورهم بفقــدان المســتقبل المهنــي العديــد‬ ‫منهــم إلــى العــزوف عــن اســتكمال دراســتهم‪ ،‬مــا‬ ‫يهــدد بضيــاع جيــل كامل مــن الشــباب الفلســطيني‪.‬‬ ‫وال تغيــب المحــاوالت الفرديــة والجماعيــة للتصــدي‬ ‫للكارثــة‪ .‬إذ تبــرز مبــادرات محليــة مثــل مركــز «‪Hub‬‬ ‫‪ ،»Fire‬الــذي يؤسســه عبــد الرحمــن إبراهيــم فــي‬ ‫شــقة متضــررة جزئيًــا‪ ،‬لتوفيــر بيئــة آمنــة نســبيًا‬ ‫للطلبــة والمعلميــن لمواصلــة التعليــم‪.‬‬ ‫كمــا تطلــق جامعــة بيرزيــت مبــادرة «إعــادة‬ ‫األمــل» لدعــم التعليــم اإللكترونــي لطلبــة القطــاع‪،‬‬ ‫بالتزامــن مــع برامــج الدعــم النفســي واالجتماعــي‬ ‫التــي تســتهدف الطلبــة والمعلميــن المتضرريــن‬ ‫مــن الحــرب‪.‬‬ ‫رغــم كل التحديــات والمعانــاة‪ ،‬يبقــى اإليمــان بقيمــة‬ ‫التعليــم والدفــاع عنــه حجــر الزاويــة لبنــاء مســتقبل‬ ‫الفلســطينيين‪ ،‬وضمــان عــدم ضيــاع جيــل كامــل‪ .‬إن‬ ‫ّ‬ ‫يشــكل‬ ‫اســتمرار العمليــة التعليميــة‪ ،‬رغــم الدمــار‪،‬‬ ‫صمــام األمــان الحقيقــي لألجيــال القادمــة‪ ،‬وهــو‬ ‫ً‬ ‫تحــركا دوليًــا جــادًا إلعــادة بنــاء‬ ‫مــا يســتدعي‬ ‫المنظومــة التعليميــة‪ ،‬وإنقــاذ مــا تبقــى مــن الذاكــرة‬ ‫المعرفيــة لفلســطين‪.‬‬

‫في ظل حرب اإلبادة‬

‫«اإلنترنت» في غزة شريان حياة للبقاء‬

‫أحمد ابراهيم‪/‬الميدان‪:‬‬

‫منذ السابع من أكتوبر أصبحت‬ ‫َ‬ ‫شريان‬ ‫شبكة اإلنترنت في غزة‬ ‫حياة رئيس يعتمد عليه السكان‪،‬‬ ‫لتلبية احتياجاتهم األساسية‪،‬‬ ‫وعلى رأسها التعليم‪ .‬إال ّأن هذا‬ ‫ً‬ ‫مقطوعا‬ ‫الشريان الحيوي أصبح‬ ‫ً‬ ‫ضعيفا إلى ّ‬ ‫حد الشلل‪ ،‬تحت‬ ‫أو‬ ‫وطأة القصف‪ ،‬واالنقطاع‬ ‫المستمر للكهرباء‪.‬‬

‫فــي مدينــة خانيونــس‪ ،‬حيــث يطــوّق الدمــار‬ ‫البيــوت ويختــرق الصمــتَ صــوتُ طائــرات‬ ‫االســتطالع‪ ،‬يحــاول الطالــب الجامعــي يوســف‬ ‫اصــرف‪ 23 ،‬عامًــا‪ ،‬متابعــة محاضراتــه الجامعيــة‬ ‫عبــر اإلنترنــت‪ ،‬لكــنّ األمــر يقتــرب من المســتحيل‪.‬‬ ‫يقــول لنــا يوســف‪« :‬أحتــاج إلــى اإلنترنــت ليــس‬ ‫فقــط للدراســة‪ ،‬بــل لمعرفــة أخبــار الجامعــة‪،‬‬ ‫مواعيــد االمتحانــات‪ ،‬أو حتــى لمجــرد إرســال رســالة‬ ‫إلــى دكتــوري الجامعــي‪ .‬أحيانًــا أضطــر إلــى المشــي‬ ‫إن بهــا تغطيــة‬ ‫لســاعات ألصــل إلــى منطقــة يُقــال ّ‬ ‫ضعيفــة‪ ،‬فقــط ألرســل بريــدًا إلكترونيًــا واحــدًا‪».‬‬ ‫ال يخــوض يوســف هــذا التحــدي وحــده؛ فوف ًقــا‬ ‫لتقاريــر حقوقيــة‪ ،‬يفقــد أكثــر مــن ‪ %70‬مــن ســكان‬

‫غــزة االتصــال الكامــل أو الجزئــي باإلنترنــت خــال‬ ‫معظــم فتــرات الحــرب‪ ،‬نتيجــة تدميــر محطــات‬ ‫التقويــة أو انقطــاع التيــار الكهربائــي‪ .‬وتعمــل‬ ‫شــركات اإلنترنــت المحليــة بإمكانــات محــدودة‪،‬‬ ‫معتمــدة علــى مولــدات متهالكــة ووســائل بدائيــة‬ ‫إلعــادة بــث الخدمــة بشــكل جزئــي‪.‬‬ ‫مــع اســتمرار الحــرب وتدهــور البنيــة التحتيــة‪،‬‬ ‫تبقــى العــودة إلــى التعليــم عــن بُعــد‪ ،‬أو حتــى‬ ‫االســتخدام االعتيــادي لإلنترنــت‪ ،‬ضربًــا مــن‬ ‫المســتحيل‪ ،‬بينمــا يواصــل أهالــي غــزة التمسّــك‬ ‫بخيــوط الحيــاة‪ ،‬حتــى وإن كانــت ضعيفــة كإشــارة‬ ‫ّ‬ ‫متقطعــة فــي ســماء ملبّــدة بالدخــان‪.‬‬ ‫اتصــال‬ ‫وفــي حــي الشــجاعية‪ ،‬تــروي لنــا لبنــى إبراهيــم‪،‬‬

‫‪ 34‬عامًــا‪ ،‬وهــي أمّ ألربعــة أطفــال‪ ،‬كيــف يُصبــح‬ ‫اإلنترنــت وســيلتها الوحيــدة لتتبّــع األخبــار‬ ‫ومعرفــة أماكــن القصــف والتن ّقــل اآلمــن‪ .‬تقــول‪:‬‬ ‫«فــي كل عــدوان‪ ،‬نلجــأ إلــى الهاتــف واإلنترنــت‬ ‫لنعــرف أيــن نُقصــف وأيــن نهــرب‪ .‬لكــن هــذه‬ ‫المــرة‪ ،‬انقطعــت كل الســبل‪ .‬ال كهربــاء‪ ،‬ال إنترنــت‪،‬‬ ‫ال معلومــات‪ .‬نحــن نعيــش فــي عتمــةٍ حقيقيــة‪...‬‬ ‫ليســت فقــط عتمــة الليــل‪ ،‬بــل عتمــة الجهــل بمــا‬ ‫يحــدث حولنــا‪».‬‬ ‫وتضيــف‪« :‬ابنتــي فــي الصــف الرابــع‪ ،‬نحــاول‬ ‫تحميــل بعــض الــدروس لهــا مــن قبــل‪ ،‬لكــن دون‬ ‫كهربــاء أو إنترنــت‪ ،‬يُصبــح التعليــم رفاهيــة ال‬ ‫نملكهــا‪».‬‬

‫وفــي الوقــت الــذي تعجــز فيــه المؤسســات‬ ‫التعليميــة عــن التواصــل المنتظــم مــع طالبهــا‪،‬‬ ‫يــزداد خطــر تســرّب األطفــال مــن التعليــم وتراجــع‬ ‫مســتواهم الدراســي‪ .‬ويخشــى التربويــون مــن أن‬ ‫ـل‬ ‫تُفضــي هــذه الفجــوة الرقميــة إلــى خســارة جيـ ٍ‬ ‫ـل مــن الطلبــة‪ ،‬خاصــة فــي ظــل غيــاب بدائــل‬ ‫كامـ ٍ‬ ‫واقعيــة للتعليــم الحضــوري أو اإللكترونــي‪.‬‬ ‫إن انقطــاع اإلنترنــت فــي غــزة ال يعــود مجــرّد‬ ‫ّ‬ ‫ـارض تقنــي‪ ،‬بــل يُجسّــد أزمــة إنســانية ّ‬ ‫مركبــة‪،‬‬ ‫عـ ٍ‬ ‫تمــسّ الحــق فــي التعليــم‪ ،‬والوصــول إلــى‬ ‫زمــن‬ ‫المعلومــات‪ ،‬والتواصــل مــع العالــم‪ .‬ففــي‬ ‫ٍ‬ ‫يُقــاس فيــه التقــدّم بمــدى االتصــال‪ ،‬تُتــرك غــزة‬ ‫فــي عزلــةٍ رقميــةٍ قاتلــة‪.‬‬


‫‪6‬‬

‫قضايا جامعية‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫ٌ‬ ‫أحالم تحت النار‬

‫ّ‬ ‫حب البقاء يتكافأ مع إرادة التعلم‬

‫العمل الحر شريان‬ ‫الحياة لشباب غزة‬ ‫وسط الحرب‬

‫«الميدان» تستطلع واقع طلبة الكلية الجامعية في وجه اإلبادة‬

‫وســيم الجملة‪/‬الميدان‪:‬‬

‫انطفأت أنوار الجامعات مع بداية‬ ‫حرب اإلبادة على قطاع غزة‬ ‫منذ أواخر عام ‪2023‬؛ عام كامل‬ ‫األكاديمي القسري‪.‬‬ ‫ُمن الصمت‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ت َ‬ ‫حر َق الكتب‪ ،‬وتدفن األحالم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وت ّ‬ ‫دمر جميع مباني الكلية‬ ‫الجامعية حتى تصبح ً‬ ‫ركاما‪.‬‬ ‫ومع نهاية عام ‪ ،2024‬تستأنف‬ ‫«الكلية» الدراسة؛ ال من قاعات‬ ‫الدراسة‪ ،‬بل من بين الركام‪ ،‬ومن‬ ‫قلب الخيام‪ ،‬عبر التعليم عن ُبعد‪،‬‬ ‫وفي ظل استمرار حرب اإلبادة‪.‬‬ ‫فهل يتمكن طلبة الكلية‬ ‫الجامعية‪ ،‬وسط هذا الجحيم‪،‬‬ ‫من مواصلة تعليمهم عن ُبعد‬ ‫للعام األكاديمي ‪2025/2024‬؟‬ ‫وما الذي ُيعيق الكثير منهم‬ ‫عن االستمرار؟ وما الصعوبات‬ ‫والتحديات التي يواجهونها‬ ‫في ظل التعليم عن ُبعد؟‬

‫سوزان فرج‬ ‫تشــير الطالبــة ســوزان فــرج‪ ،‬مــن تخصــص اإلدارة‬ ‫التكنولوجيــة‪ ،‬إلــى أنهــا ال تتمكــن مــن مواصلــة‬ ‫الدراســة عــن بُعــد للفصليــن األول والثانــي لعــام‬ ‫‪ ،2025/2024‬وذلــك نتيجــة عــدة ظــروف قاهــرة‪،‬‬ ‫أبرزهــا تكــرار النــزوح اإلجبــاري‪ ،‬وانقطــاع التيــار‬ ‫الكهربائــي‪ ،‬وعــدم توفــر خدمــة اإلنترنــت؛ فهــذه‬ ‫النتائــج ليســت إال انعكاسًــا لحــرب اإلبــادة التــي‬ ‫يشــنها االحتــال اإلســرائيلي علــى أهــل غــزة بــا‬ ‫رحمــة‪ ،‬وحالهــا كحــال الكثيــر مــن الطلبــة‪.‬‬ ‫مؤمن الجدبة‬ ‫يُوضــح الطالــب مؤمــن الجدبــة‪ ،‬مــن تخصــص‬ ‫المحاســبة‪ ،‬أنــه ال يتمكــن مــن مواصلــة دراســته‬ ‫للفصــل األول عــن بُعــد‪ ،‬بســبب تكــرار نزوحــه‬ ‫القســري‪ ،‬ممــا يضطــره إلــى تــرك منزلــه وكتبــه‬ ‫وملخصاتــه وجهــازه المحمــول‪ .‬وتتفاقــم معاناتــه‬ ‫عندمــا يُقــدِم االحتــال اإلســرائيلي علــى هــدم‬ ‫منزلــه بالكامــل‪ ،‬ممــا يــؤدي إلــى تلــف جميــع‬ ‫ممتلكاتــه‪.‬‬ ‫إيمان نصر اهلل‬ ‫تُشــير الطالبــة إيمــان نصــر اهلل‪ ،‬مــن تخصــص‬ ‫اإلدارة التكنولوجيــة‪ ،‬إلــى أنهــا ال تتمكــن مــن‬ ‫مواصلــة الدراســة عــن بُعــد للفصــل األول‪ ،‬نتيجــة‬ ‫تكــرار نزوحهــا وعــدم اســتقرارها فــي مــكان واحــد‬ ‫ألكثــر مــن شــهرين‪ ،‬بســبب القصــف وهجمــات‬ ‫االحتــال اإلســرائيلي علــى المناطــق التــي تتواجــد‬ ‫فيهــا‪ ،‬ممــا يضطرهــا وعائلتهــا إلــى الهــرب المتكــرر‬ ‫بح ًثــا عــن األمــان‪.‬‬ ‫يُعــد عــدم تمكــن مؤمــن وإيمــان‪ ،‬إلــى جانــب‬ ‫عــدد كبيــر مــن الطلبــة‪ ،‬مــن إكمــال الدراســة عــن‬ ‫بُعــد‪ ،‬نتيجــة عــدم القــدرة علــى توفيــر المتطلبــات‬ ‫األساســية‪ ،‬كالكهربــاء‪ ،‬وخدمــة اإلنترنــت‪ ،‬واإليــواء‬ ‫المناســب‪.‬‬ ‫ويُقــرر مؤمــن وإيمــان‪ ،‬إلــى جانــب العديــد مــن‬ ‫الطلبــة‪ ،‬تحــدي الظــروف الصعبــة‪ ،‬ومواصلــة‬ ‫الدراســة عــن بُعــد للفصــل الدراســي الثانــي‪ ،‬رغــم‬

‫م‪ .‬أســامة عبد الفتاح غانم‬ ‫عميــد تكنولوجيــا المعلومات بالكلية‬ ‫الجامعية للعلــوم التطبيقية‬

‫اســتمرار الحــرب‪ ،‬ومــا يرافقهــا مــن الخــوف مــن‬ ‫النــزوح‪ ،‬وضعــف وارتفــاع تكلفــة اإلنترنــت‪ ،‬وانقطــاع‬ ‫الكهربــاء عــن القطــاع‪.‬‬ ‫نوران أبو شمالة‬ ‫تُعبّــر الطالبــة نــوران أبــو شــمالة‪ ،‬مــن تخصــص‬ ‫اإلعــام‪ ،‬عــن معاناتهــا بســبب انقطــاع اإلنترنــت‬ ‫المتكــرر ألســباب متعــددة‪ ،‬ممــا يُعيــق قدرتهــا علــى‬ ‫متابعــة المحاضــرات والواجبــات بشــكل منتظــم‬ ‫ومســتمر‪.‬‬ ‫وتُضيــف نــوران أنهــا تشــعر بالعزلــة نتيجــة نظــام‬ ‫الدراســة عــن بُعــد‪ ،‬إذ تفتقــد التفاعــل والمشــاركة‬ ‫المباشــرة مــع المدرســين والزمــاء‪ .‬وتُشــير إلــى‬ ‫أنهــا تقضــي وقتهــا أمــام الهاتــف تتابــع المحاضــرات‬ ‫وتلخصهــا‪ ،‬وقــد تتفاعــل افتراضيًــا عبــر األنشــطة أو‬ ‫الواجبــات‪ ،‬إال أن هــذا التفاعــل الرقمــي ال يعــوّض‬ ‫شــعورها بالعزلــة الواقعيــة‪.‬‬ ‫سندس األسود‬ ‫تُعبّــر الطالبــة ســندس األســود‪ ،‬مــن تخصــص‬ ‫التمريــض‪ ،‬عــن معاناتهــا الدراســية بســبب ضعــف‬ ‫اإلنترنــت فــي موقــع ســكنها‪ ،‬إذ تُجبــر علــى الســير‬ ‫لمســافات طويلــة للوصــول إلــى مناطــق يتوفــر فيهــا‬ ‫إنترنــت قــوي‪ ،‬يُســاعدها علــى تنزيــل المحاضــرات‬ ‫المرئيــة وملفــات ‪ PDF‬وكتــب المســاقات‪.‬‬ ‫وألن اإلنترنــت يعتمــد علــى الكهربــاء‪ ،‬فــي ظــل‬ ‫االنقطــاع الكامــل لهــا‪ ،‬تصبــح الطاقــة الشمســية‬ ‫فــي غــزة البديــل الرئيســي‪ ،‬رغــم محدوديتهــا‬ ‫وضعفهــا‪.‬‬ ‫وتُشــير ســندس إلــى أنهــا تُجبــر يوميًــا علــى‬ ‫الذهــاب إلــى منــزل أحــد األقــارب‪ ،‬الــذي تتوفــر‬ ‫فيــه الكهربــاء‪ ،‬أو التوجــه إلــى نقــاط شــحن مكلفــة‬ ‫لشــحن هاتفهــا والالبتــوب الخــاص بهــا‪.‬‬ ‫علي أحمد‬ ‫يُوضــح الطالــب علــي أحمــد‪ ،‬مــن تخصــص‬ ‫تكنولوجيــا الوســائط المتعــددة‪ ،‬أن الطاقــة‬ ‫الشمســية تتأثــر باألحــوال الجويــة؛ حيــث يُضعــف‬ ‫الطقــس الغائــم والممطــر إنتــاج الكهربــاء‪،‬‬ ‫ممــا يُعيــق شــحن األجهــزة‪ ،‬ويتســبب بانقطــاع‬ ‫اإلنترنــت‪ ،‬ويؤثــر علــى قدرتــه فــي متابعــة دراســته‬ ‫وإنجــاز واجباتــه الجامعيــة‪.‬‬ ‫محمد عبيد‬ ‫يُشــير الطالــب محمــد عبيــد‪ ،‬مــن تخصــص اإلعــام‪،‬‬

‫إلــى أنــه يضطــر أحيانًــا للذهــاب إلــى أماكــن‬ ‫تُو ّفــر الكهربــاء وإنترنتًــا جيــدًا‪ ،‬مثــل المقاهــي أو‬ ‫الكافتيريــات‪ ،‬حتــى يتمكــن مــن الدراســة‪ .‬ويُضيــف‬ ‫أن تكلفــة الجلــوس فــي هــذه األماكــن تُشـ ّ‬ ‫ـكل عب ًئــا‬ ‫إضافيًــا عليــه‪.‬‬ ‫يعيــش طلبــة الكليــة تحــت وطــأة ضغــط نفســي‬ ‫خانــق ال يفارقهــم‪ ،‬يحاولــون بشــجاعة االســتمرار‬ ‫فــي مســيرتهم التعليميــة‪ ،‬رغــم الخــوف الــذي‬ ‫ينهــش قلوبهــم‪ ،‬والقلــق الــذي يالزمهــم فــي كل‬ ‫لحظــة‪ ،‬مــن خطــر ســقوط قذيفــة مباغتــة‪ ،‬أو موجــة‬ ‫نــزوح جديــدة تقتلعهــم مــن أماكنهــم‪ ،‬فتســلبهم‬ ‫تركيزهــم‪ ،‬وتحرمهــم أبســط حقوقهــم فــي الشــعور‬ ‫باألمــان واالســتقرار‪.‬‬ ‫هيفاء عبيد‬ ‫تُبيّــن الطالبــة هيفــاء عبيــد‪ ،‬من تخصــص العالقات‬ ‫العامــة‪ ،‬أنهــا تُعانــي مــن صعوبــة فــي التركيــز أثنــاء‬ ‫الدراســة‪ ،‬بســبب الخــوف الدائــم مــن قذيفــة مباغتــة‬ ‫أو نــزوح جديــد‪ ،‬وتشــير إلــى أنهــا تُعانــي مــن‬ ‫صدمــة نفســية كبيــرة‪.‬‬ ‫وتُعبّــر هيفــاء عــن معاناتهــا قائلــة‪« :‬بصراحــة‪،‬‬ ‫التعلــم عــن بُعــد تحــدٍ كبيــر بالنســبة لــي؛ ألننــي‬ ‫ال أملــك جهــاز البتــوب‪ .‬فأنــا أتابــع الــدروس عبــر‬ ‫الهاتــف‪ ،‬لكــن هنــاك العديــد مــن المســاقات تتطلب‬ ‫العمــل علــى برامــج ال تعمــل إال عبــر الحاســوب‪ ،‬ممــا‬ ‫ســبّب لــي تأخيــرًا كبيــرًا وصعوبــات إضافيــة فــي‬ ‫دراســتي‪ .‬وقــد اضطــررت‪ ،‬نتيجــة لذلــك‪ ،‬إلــى ســحب‬ ‫بعــض المســاقات وتأجيلهــا»‪.‬‬ ‫أحمد حماد‬ ‫يُوضــح الطالــب أحمــد حمــاد‪ ،‬مــن تخصــص‬ ‫اإلعــام‪ ،‬أن تحــدي اســتكمال دراســته مــن داخــل‬ ‫خيمــة يُعــد األصعــب علــى اإلطــاق؛ فالظــروف‬ ‫المحيطــة ال تو ّفــر بيئــة مناســبة للتركيــز‪ ،‬إذ تُعرقــل‬ ‫حــرارة النهــار وبــرودة الليــل قدرتــه علــى الجلــوس‬ ‫للدراســة‪ ،‬فيمــا تجعــل أصــوات القصــف المتواصــل‬ ‫مــن حولــه اإلحســاس بعــدم األمــان‪ ،‬ويصبــح‬ ‫التركيــز أمــرًا شــبه مســتحيل‪.‬‬ ‫ويُضيــف أن أعبــاء الحيــاة اليوميــة األساســية لجميــع‬ ‫الطلبــة باتــت أكثــر قســوة وصعوبــة‪ ،‬فــي ظــل‬ ‫المجاعــة التــي يُعانــي منهــا القطــاع؛ حيــث تضطــر‬ ‫الطالبــة إيمــان نصــر اهلل يوميًــا إلــى الوقــوف‬ ‫لســاعات طويلــة فــي طوابيــر للحصــول علــى الميــاه‪،‬‬

‫ثــم تمضــي وقتًــا آخــر فــي طوابيــر إضافيــة بح ًثــا‬ ‫عــن الطعــام‪ ،‬وحالهــا كحــال الكثيــر مــن الطلبــة‪.‬‬ ‫ويُعانــي معظــم الطــاب مــن عــدم امتالكهــم‬ ‫ألجهــزة البتــوب أو هواتــف ذكيــة قــادرة علــى‬ ‫تشــغيل التطبيقــات التعليميــة؛ فمنهــم مــن يفقــد‬ ‫أجهزتــه بســبب تدميــر منازلــه‪ ،‬ومنهــم مــن تحتــرق‬ ‫أجهزتــه بفعــل قذائــف االحتــال‪ ،‬ومنهــم مــن‬ ‫تتعطــل أجهزتــه خــال الحــرب‪.‬‬ ‫نور الدريملي‬ ‫تُشــير الطالبــة نــور الدريملــي‪ ،‬مــن تخصــص‬ ‫التمريــض‪ ،‬إلــى أنهــا تُعانــي مــن تعطــل هاتفيهــا‪،‬‬ ‫وعــدم تمكنهــا مــن إصالحهمــا‪ .‬وتُوضــح أنهــا‬ ‫تحــاول توفيــر جهــاز البتــوب بديــل‪ ،‬إال أنــه يتعطــل‬ ‫كذلــك‪ ،‬وال تتمكــن مــن إصالحــه فــي ظــل اســتمرار‬ ‫الحــرب والحصــار‪ ،‬وارتفــاع تكاليــف تصليــح األجهــزة‬ ‫اإللكترونيــة التــي تتجــاوز أضعا ًفــا لســعرها األصلــي‪.‬‬ ‫محمد الدحدوح‬ ‫يتحــدث الطالــب محمــد الدحــدوح‪ ،‬مــن تخصــص‬ ‫هندســة التشــييد وإدارة المشــاريع‪ ،‬عــن أبــرز‬ ‫الصعوبــات التــي يُواجههــا‪ ،‬ويُشــير إلــى غالء أســعار‬ ‫طباعــة الكتــب‪ ،‬نتيجــة األوضــاع الراهنــة مــن حــرب‬ ‫إبــادة وحصــار‪ .‬ويُوضــح أن هــذه التحديــات تأتــي‬ ‫باإلضافــة إلــى الصعوبــات األساســية مــن ضعــف‬ ‫خدمــة اإلنترنــت‪ ،‬واالنقطــاع المتكــرر للكهربــاء‪،‬‬ ‫وتكــرار النــزوح‪.‬‬ ‫رســائل من الطلبة‬ ‫يتمنــى جميــع الطلبــة الذيــن تُقابلهــم «الميــدان»‬ ‫أن يُراعــي المدرســون الظــروف الصعبــة‪ ،‬والتحديات‬ ‫القاســية التــي يمــرّون بهــا‪ ،‬إلــى جانــب الخــوف‬ ‫المســتمر الــذي يُرافقهــم‪.‬‬ ‫ويُعبّــرون عــن بالــغ شــكرهم وتقديرهم للمدرســين‬ ‫الذيــن يتعاملــون معهــم بلطــفٍ وصبــر‪ ،‬ويُقيمــون‬ ‫عالقــات وديــة معهــم‪ ،‬أقــرب إلــى عالقــة األصدقــاء؛‬ ‫ممــا يُســهّل عليهــم االســتمرار فــي الدراســة عــن‬ ‫بُعــد‪ ،‬رغــم اســتمرار الحــرب والظــروف الصعبــة التــي‬ ‫يعيشــونها‪.‬‬ ‫وال يــزال األمــل يســكن قلوبهــم‪ ،‬وال تــزال أحالمهــم‬ ‫تنســج وطنًــا آمنًــا ومسـ ً‬ ‫ـتقبل أجمــل‪ ،‬وكأن قلوبهــم‬ ‫تهمــس للعالــم وتقــول‪« :‬قــد نحمــل كتبنــا تحــت‬ ‫وابــل القصــف‪ ،‬لكــن أحالمنــا تُح ّلــق فــوق الــركام‬ ‫نحــو غــدٍ أكثــر إشــرا ًقا»‪.‬‬

‫طلبة الجامعات في غزة‪ ..‬بين ألم الحرب وأمل البقاء‬ ‫ً‬ ‫ظروفا نفسية ومعيشية قاهرة؛ فقدان األحبة‪ ،‬والنزوح المتكرر‪ ،‬وانعدام‬ ‫منذ بداية الحرب على غزة‪ ،‬يعيش آالف الطالب الجامعيين في قطاع غزة‬ ‫األمان‪ ،‬والجوع‪ ...‬كلها ّ‬ ‫تحولت إلى مشاهد يومية تعيق استكمال المسيرة التعليمية‪« .‬الميدان» استطلعت آراء بعض الطلبة عبر التقرير التالي‪:‬‬ ‫نور أبو هدة‪/‬الميدان‪:‬‬ ‫خدمات غائبة‬ ‫تقــول الطالبــة مــرح حســان‪ ،‬تخصــص تصميــم‬ ‫داخلــي وديكــور مــن الكليــة الجامعيــة‪« :‬مــع‬ ‫بدايــة هــذا الفصــل‪ ،‬كنــتُ عازمــة علــى تنفيــذ‬ ‫كل المهــام والتكاليــف المطلوبــة منــي‪،‬‬ ‫لكــن ســرعان مــا اصطدمــتُ بواقــع مؤلــم؛‬ ‫فغيــاب األدوات والخامــات الالزمــة لمشــاريعي‬ ‫الجامعيــة كان عائ ًقــا حقيقيًــا أمــام تقدّمــي‬ ‫فــي العمــل»‪.‬‬ ‫وتواصــل حديثهــا‪« :‬حتــى المواصــات‪ ،‬التــي‬ ‫ً‬ ‫تفصيــا عابــرًا‪ ،‬باتــت اليــوم‬ ‫كانــت يومًــا‬ ‫معركــة يوميــة‪ .‬كل شــيء أصبــح صعبًــا‪ ،‬ومــا‬ ‫نمــرّ بــه اليــوم هــو بالفعــل مرمطــة حقيقيــة‪.‬‬ ‫الطالــب لــم يعُــد يســعى للتميّــز فقــط‪ ،‬بــل‬ ‫صــار يكافــح لمجــرّد االســتمرار»‪.‬‬ ‫العلــم تحت النار‬ ‫فــي ذات الســياق‪ ،‬تســرد الطالبــة رســل‬ ‫السويســي‪ ،‬تخصــص محاســبة فــي جامعــة‬

‫األقصــى‪ ،‬تجربتهــا المؤلمــة‪ ،‬قائلــة‪« :‬رغــم‬ ‫التهديــد المســتمر بالقصــف‪ ،‬كنــتُ أذهــب‬ ‫إلــى المــكان الــذي تتوفــر فيــه شــبكة اإلنترنــت‬ ‫ّ‬ ‫ألتمكــن مــن متابعــة محاضراتــي‬ ‫فقــط‬ ‫الجامعيــة‪ .‬كنــتُ أخــرج منــه وقلبــي مثقــل‬ ‫بالخــوف علــى أهلــي وعلــى نفســي‪ ،‬وأســأل‬ ‫كل يــوم‪ :‬هــل ســأعود إلــى البيــت حيّــة‪ ،‬أم‬ ‫ســيكون استشــهادي ثمنًــا أُســدده فــي ســبيل‬ ‫طلــب العلــم؟»‬ ‫دراســة في عتمة الحرب‬ ‫وتشــير الطالبــة مالك مطــر‪ ،‬التي بــدأت فصلها‬ ‫الدراســي األول فــي جامعــة األزهــر‪ ،‬تخصــص‬ ‫ميكاترونكــس‪ ،‬إلــى أن األعبــاء تضاعفــت فــي‬ ‫ظــل اســتمرار الحــرب وغيــاب الحــد األدنــى مــن‬ ‫مقومــات البيئــة الدراســية‪ ،‬مضيفــة‪« :‬انقطــاع‬ ‫الكهربــاء‪ ،‬وضعــف اإلنترنــت‪ ،‬وتدهــور الحالــة‬ ‫النفســية‪ ...‬كلهــا تفاصيــل تُضعــف القــدرة‬ ‫علــى المتابعــة‪ .‬كنــتُ أحــاول أن أكــون طالبــة‬

‫مثاليــة‪ ،‬لكــن كل محاولــة كانــت تُقابــل‬ ‫بعقبــات تفــوق طاقتــي»‪.‬‬ ‫وتــردف‪« :‬شــعرتُ بالعجــز‪ ،‬والخــوف مــن‬ ‫الرســوب‪ ،‬ألننــي لــم أكــن قــادرة علــى تقديــم‬ ‫واجباتــي أو حضــور محاضراتــي كمــا يجــب»‪،‬‬ ‫مؤكــدة أن التعليــم اإللكترونــي فــي غــزة‬ ‫ضــرورة وأمــل فــي ذات الوقــت‪ ،‬كــي ال يضيــع‬ ‫العمــر‪.‬‬ ‫كلفة تعليم‬ ‫وتحدثــت الطالبــة وردة عابــد عــن التحديــات‬ ‫اليوميــة التــي تواجههــا لمجــرد القــدرة علــى‬ ‫حضــور محاضــرة أو تســليم مهمــة دراســية‪،‬‬ ‫قائلة‪»:‬أضطــر أحيانًــا للذهــاب إلــى أماكــن‬ ‫بعيــدة فقــط لشــحن هاتفــي‪ ،‬وفــي كثيــر مــن‬ ‫األحيــان يكــون اإلنترنــت ضعي ًفــا جــدًا‪ ،‬ال‬ ‫يــكاد ّ‬ ‫يُمكننــي مــن فتــح الملفــات أو الدخــول‬ ‫للمحاضــرات‪.‬‬ ‫وتنــوه ‪»:‬عندمــا ألجــأ إلــى المقاهــي للحصــول‬

‫علــى اتصــال أفضــل‪ ،‬فــإن األمــر يتطلــب تكلفــة‬ ‫ماديــة فــوق طاقتــي؛ فــكل خدمــة تحتــاج إلــى‬ ‫مقابــل‪ :‬النقــاط التــي تُمنــح للشــحن‪ ،‬رســوم‬ ‫الدخــول إلــى المــكان‪.»...‬‬ ‫واختتمــت وردة حديثهــا بقولها‪»:‬نحــن ال‬ ‫نواجــه فقــط صعوبــات دراســية‪ ،‬بــل نعيــش‬ ‫حيــاة مرهقــة فــي مختلــف الجوانــب‪ ،‬وهــذا‬ ‫يجعــل مــن مجــرد متابعــة التعليــم اإللكترونــي‬ ‫مهمــة يوميــة شــاقة تســتنزف الوقــت والجهــد‬ ‫والمــال»‪.‬‬ ‫التعليم ضرورة‬ ‫وتقــول الطالبــة إيمــان رخــا‪ ،‬التــي تــدرس‬ ‫ســكرتارية طبيــة فــي جامعــة فلســطي‪:‬‬ ‫«العــبء لــم يعُــد أكاديميًــا فقــط‪ ،‬بــل أصبــح‬ ‫نفســيًا واجتماعيًــا يشــمل كل تفاصيــل الحيــاة‬ ‫اليوميــة‪ ،‬ولكــن ليــس أمامنــا ســوى العمــل‬ ‫والمحاولــة حتــى آخــر نفــس؛ فالتعليــم فــي غــزة‬ ‫ليــس تر ًفــا بــل بقــاء»‪.‬‬

‫يشــهد العمــل الحــر نمــوًا متســارعًا مدفوعًــا‬ ‫بالتحــوالت الرقميــة‪ ،‬ورغبــة األفــراد فــي تحقيــق‬ ‫تــوازن بيــن الحيــاة المهنيــة والشــخصية‪ ،‬إلــى‬ ‫جانــب التحــوالت فــي ســوق العمــل العالمــي‬ ‫والبحــث عــن مصــادر دخــل بديلــة ومرنــة‪ ،‬خاصة‬ ‫فــي ظــل األزمــات االقتصاديــة والسياســية‪.‬‬ ‫وتشــير الدراســات إلــى أن هــذا االتجــاه يشــهد‬ ‫تصاعــدًا مســتمرًا‪ ،‬إذ يمثــل العاملــون‬ ‫المســتقلون مــا نســبته ‪ %46.7‬مــن إجمالــي‬ ‫القــوى العاملــة العالميــة‪ ،‬وفــي العالــم العربــي‪،‬‬ ‫ســجلت المملكــة العربيــة الســعودية أكثــر مــن‬ ‫‪ 2.25‬مليــون مســتخدم فــي منصــات العمــل‬ ‫الحــر حتــى ســبتمبر ‪ ،2024‬بزيــادة ملحوظــة‬ ‫مقارنــة بالســنوات الســابقة‪.‬‬ ‫وفــي ظــل حــرب اإلبــادة اإلســرائيلية المســتمرة‪،‬‬ ‫ومــع انعــدام فــرص العمــل المحلــي وارتفــاع‬ ‫نســب البطالــة‪ ،‬يبــرز العمــل الحــر كنافــذة‬ ‫أمــل للشــباب الفلســطيني فــي قطــاع غــزة‪،‬‬ ‫فقــد اســتطاع العديــد مــن الطلبــة والخريجيــن‬ ‫اقتحــام ســوق العمــل عبــر منصــات العمــل الحــر‪،‬‬ ‫مثبتيــن قدرتهــم علــى التحــدي والتكيــف رغــم‬ ‫الحصــار والدمــار‪ ،‬وقــد أظهــرت تجــارب عديــدة‬ ‫أن العديــد منهــم حصلــوا علــى تقييمــات عاليــة‬ ‫وشــارات تميــز فــي منصــات العمــل الحــر‪ ،‬ومــن‬ ‫أبــرز المبــادرات فــي هــذا المجــال‪ ،‬جهــود الكليــة‬ ‫الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة‪ ،‬فقــد أدرجــت‬ ‫مســاق العمــل الحــر ضمــن مناهجهــا األكاديميــة‬ ‫كمتطلــب عــام لجميــع التخصصــات‪ ،‬باإلضافــة‬ ‫إلــى ربــط المشــاريع ومخرجات المســاقات بســوق‬ ‫العمــل الحــر؛ لتوفيــر تطبيــق عملــي يعــزز فــرص‬ ‫الطلبــة فــي دخــول الســوق الرقمــي العالمــي‪،‬‬ ‫كمــا ســاهمت فــي نشــر ثقافــة العمــل الحــر فــي‬ ‫المجتمــع لإلســهام فــي تقليــل البطالــة‪.‬‬ ‫وممــا ال شــك فيــه أن هنــاك العديــد مــن‬ ‫العقبــات والتحديــات التــي تواجــه المســتقلين‬ ‫مــع تصاعــد وتيــرة الحــرب االســرائيلية علــى‬ ‫قطــاع غــزة أبرزهــا عــدم اســتقرار االنترنــت وقلــة‬ ‫توفــر مــوارد الكهربــاء والقيــود الماليــة بســبب‬ ‫الحصــار االقتصــادي والسياســي‪ .‬ورغــم هــذه‬ ‫التحديــات ظهــرت مبــادرات داعمــة للعمــل‬ ‫الحــر ولتوفيــر مســاحات عمــل مهيئــة الســتقبال‬ ‫المســتقلين والطلبــة‪ ،‬كمــا تــم إنشــاء العديــد‬ ‫مــن الحاضنــات ومســرعات األعمــال مــن أبرزهــا‬ ‫حاضنــة يــوكاس التكنولوجيــة ومســاحة زاجــل‬ ‫والتــي أســهمت فــي التخفيــف مــن المشــكالت‬ ‫الفنيــة للمســتقلين والطلبــة وعملــت علــى‬ ‫تعزيــز مهاراتهــم وزيــادة فرصهــم فــي الســوق‬ ‫العالميــة‪.‬‬ ‫وتتنــوع منصــات العمــل الحــر علــى االنترنــت‬ ‫مــن حيــث آليــة العمــل ونــوع المشــاريع‪ ،‬ومــن‬ ‫أشــهرها فــي العالــم العربــي منصــة مســتقل‬ ‫‪ ،Mostaql‬وعنــد الحديــث عــن المنصــات‬ ‫العالميــة فــإن منصــة ‪ Upwork‬تســتهدف‬ ‫جمهــورًا واســعًا مــن مختلــف أنحــاء العالــم‪ ،‬مــن‬ ‫جهــة أخــرى تتيــح منصــة ‪ Fiverr‬عــرض خدمــات‬ ‫المســتقل بشــكل مباشــر‪ ،‬أمــا منصــة ‪Toptal‬‬ ‫فهــي تقــدم فرصًــا للعمــل مــع شــركات كبــرى‬ ‫ومشــاريع ذات ميزانيــات عاليــة‪ ،‬كمــا أن منصــة‬ ‫‪ Freelancer‬توفــر فــرص عمــل فــي مجــاالت‬ ‫متعــددة‪ ،‬مــع التركيــز علــى المشــاريع التقنيــة‬ ‫واإلبداعيــة‪.‬‬ ‫وتلعــب وســائل التواصــل االجتماعــي دورًا‬ ‫محوريًــا فــي تمكيــن المســتقلين مــن تســويق‬ ‫خدماتهــم‪ ،‬وبنــاء ســمعة رقميــة احترافيــة‪،‬‬ ‫فبفضــل االســتراتيجية الصحيحــة‪ ،‬يمكــن‬ ‫للمســتقلين الوصــول إلــى جمهــور أوســع‪،‬‬ ‫وزيــادة فرصهــم فــي الحصــول علــى مشــاريع‬ ‫جديــدة دون االعتمــاد الكامــل علــى المنصــات‬ ‫الوســيطة‪.‬‬ ‫إن العمــل الحــر يمثــل أداة حيويــة لمواجهــة‬ ‫البطالــة فــي قطــاع غــزة‪ ،‬ووســيلة فعالــة لتحقيــق‬ ‫االســتقالل المالــي للشــباب الفلســطيني‪ ،‬ورغــم‬ ‫التحديــات يثبــت شــباب غــزة أن اإلرادة واإلصــرار‬ ‫تصنعــان الفــرص‪ ،‬وأن العالــم الرقمــي يمكــن‬ ‫أن يكــون طري ًقــا للنجــاة والنجــاح فــي أصعــب‬ ‫الظــروف‪.‬‬


‫قضايا جامعية‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫‪7‬‬

‫التقييم األكاديمي في الكلية الجامعية خالل الحرب‬ ‫ّ‬ ‫الطلبة منقسمون بين مشيد ومنتقد‬

‫عددنا معايير التقييم ّ‬ ‫المدرسون‪ّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫وحققنا عدالة مقبولة والتعليم االلكتروني اضطراري‬ ‫نور أبو هدة‪/‬الميدان‪:‬‬

‫التعليميــة خــال هــذه المرحلــة عــدم حصــول الطلبــة علــى فــرص‬ ‫متكافئــة فــي ظــل شــح مصــادر الطاقــة وضعــف اإلنترنــت وغيــاب‬

‫ُتعد قضية التقييم األكاديمي اإللكتروني‬ ‫واحدة من أبرز القضايا التربوية التي أثارت‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫واسعا في األوساط الجامعية خالل‬ ‫جدل‬ ‫الحرب على غزة‪ .‬وفي هذا التحقيق‪،‬‬ ‫تفتح «الميدان» النقاش بين الطلبة‬ ‫ّ‬ ‫والمدرسين‪ ،‬للوقوف على الحيثيات‬ ‫والنتائج‪.‬‬

‫البيئــة التعليميــة اآلمنــة‪.‬‬ ‫ويتابع الجمالي‪:‬‬

‫أما من حيث سبل‬ ‫التقييم العادل‪ ،‬فعلى‬ ‫المدرس أن ينوع في أدوات‬ ‫ً‬ ‫وصوال‬ ‫التقييم المستخدمة‬ ‫إلى العدالة المطلوبة‬

‫الطالبــة ياســمين الفيومــي تقــول‪ »:‬القــرارات المتكــررة باإلخــاء‪،‬‬ ‫واالضطــرار لالنتقــال مــن مــكان إلــى آخــر‪ ،‬جعلــت مــن الدراســة‬ ‫اإللكترونيــة أمــرًا مره ًقــا إلــى حــد يفــوق الوصــف‪ ،‬فــي حيــن أن‬ ‫التكليفــات األكاديميــة والمحاضــرات اإللكترونيــة ال تتوقــف»‪.‬‬ ‫وأضافــت أن بعــض المحاضريــن أبــدوا تفهّمًــا وســعة صــدر‪،‬‬

‫ومــن جهتهــا د‪ .‬فــداء المدهــون‪ ،‬عضــو الهيئــة التدريســية فــي‬

‫فمــددوا المواعيــد وقدمــوا دعمًــا نفســيًا وأكاديميًــا رائعًــا‪،‬‬

‫قســم اإلعــام‪ ،‬فتــرى أن اســتئناف الدراســة اإللكترونيــة يُعــد‬

‫بينمــا لــم يُظهــر آخــرون نفــس القــدر مــن المرونــة‪.‬‬

‫إنجــازًا كبيــرًا‪ ،‬لكنــه أ ّثــر علــى جــودة التعليــم نتيجــة غيــاب الحــوار‬

‫ً‬ ‫تجربــة‬ ‫وفــي ســياق متصــل‪ ،‬روت الطالبــة خديجــة المملــوك‬

‫والنقــاش المباشــر‪ ،‬مشــددة علــى أن التجربــة يجــب أن تُوثــق‬

‫مؤلمــة؛ إذ فشــلت فــي تســليم مشــروع عملــي عبــر المنصــة‬

‫كحالــة تعليميــة فريــدة «تحــت نيــران الحــرب»‪ ،‬ومشــيدة بصمــود‬

‫بســبب ضعــف االتصــال‪ ،‬فتــم احتســاب درجتهــا «صفــرًا»‪ ،‬رغــم‬

‫الطلبــة وإصرارهــم علــى االســتمرار رغــم األلــم‪.‬‬

‫إنجازهــا العمــل بالكامــل‪ .‬وبعــد مراجعــة الموقــف وتقديــم‬

‫واإلنســاني‪ .‬ومــن هنــا‪ ،‬تبــرز الحاجــة إلــى نظــام تقييــم اســتثنائي‬

‫اإللكترونيــة»‪.‬‬

‫اإلثبــات‪ ،‬تــم قبــول إعــادة التســليم وتعديــل الدرجــة‪ ،‬لكــن‬

‫يُفعّــل خــال فتــرات الطــوارئ‪ ،‬يراعــي الظــروف الميدانيــة‪ ،‬ويمنــح‬

‫ويضيــف‪« :‬عــدد الحــاالت التــي حصــل فيهــا الطلبــة علــى درجــات‬

‫التجربــة تركــت لديهــا شــعورًا بالخــوف والقلــق‪.‬‬

‫الطلبــة حــق التوضيــح واالعتــراض‪ ،‬ويعيــد االعتبــار إلنســانيتهم‬

‫أقــل مــن المتوقــع قليــل جــدًا‪ ،‬مــا يعنــي أن المشــكلة ليســت فــي‬

‫قبــل تقييــم أدائهــم‪.‬‬

‫إنقــاص الحقــوق‪ ،‬بــل فــي غيــاب الدقــة فــي قيــاس األداء الفعلــي»‪،‬‬

‫واقع متغيّر‬ ‫تُظهــر هــذه الشــهادات كيــف تؤثــر التحديــات التقنيــة والتربويــة‬

‫مرونة ودقة‬

‫مؤكــدًا أن هــذه الفجــوة بيــن التحصيــل الحقيقــي والدرجــة‬

‫بشــكل مباشــر علــى عدالــة التقييــم‪ ،‬إذ يُحاســب الطالــب أحيانًــا‬

‫«الميــدان» نقلــت الشــكاوى إلــى المهنــدس عبــداهلل الحــداد‪،‬‬

‫الممنوحــة تُربــك الحكــم علــى الكفــاءة األكاديميــة وتضعــف‬

‫تقصيــر خــارج عــن إرادتــه‪ ،‬كضعــف اإلنترنــت أو انقطــاع‬ ‫علــى‬ ‫ٍ‬

‫رئيــس وحــدة التعليــم اإللكترونــي فــي الكليــة الجامعيــة للعلــوم‬

‫مصداقيــة التقييــم‪.‬‬

‫التطبيقيــة‪ ،‬الــذي أوضــح‪ »:‬مــن خــال مراجعتنــا لنتائــج الطلبــة‬

‫شهادات تربوية‬

‫بديلــة ومرنــة للتقييــم‪.‬‬

‫وتعليقاتهــم‪ ،‬تبيّــن أن أغلبهــم يحصلــون علــى درجــات أعلــى‬

‫د‪ .‬خضــر الجمالــي‪ ،‬عميــد كليــة العلــوم اإلنســانية واإلعــام‪ ،‬يؤكــد‬

‫إن بقــاء معاييــر تقييــم جامــدة فــي بيئــة قهريــة ومتغيــرة‪،‬‬

‫مــن معدالتهــم المعتــادة‪ ،‬نتيجــة مرونــة بعــض المدرســين‪،‬‬

‫أنــه خــال الحــرب علــى غــزة كان التعليــم اإللكترونــي المخــرج‬

‫ً‬ ‫تجاهــا للواقــع التربــوي‬ ‫ال ســيما فــي مناطــق النــزاع‪ ،‬يُعــد‬

‫وســهولة الوصــول إلــى مصــادر وأدوات مســاعدة أثنــاء االختبــارات‬

‫الوحيــد الســتئناف العمليــة التعليميــة؛ ومــن أبــرز مظاهــر الفجــوة‬

‫الكهربــاء أو النــزوح القســري‪ .‬وهــذا يســتدعي البحــث عــن آليــات‬

‫نداء تربوي‬ ‫إن العدالــة فــي التقييــم األكاديمــي ال تقتصــر علــى توزيــع‬ ‫الدرجــات‪ ،‬بــل تبــدأ بفهــم الســياق‪ ،‬وتقديــر المعانــاة‪ ،‬ومراعــاة‬ ‫الفــروق البيئيــة‪ .‬فالطالــب الــذي يحــاول أن يتع ّلــم تحــت القصــف‪،‬‬ ‫أو فــي خيمــة‪ ،‬أو عبــر هاتــف محمــول‪ ،‬يجــب معاملتــه معاملــة‬ ‫خاصــة‪.‬‬ ‫ولهــذا‪ ،‬نوجــه نــدا ًء تربويًــا مفتوحًــا إلــى الجامعــات والمؤسســات‬ ‫التعليميــة‪ :‬ضــرورة مراجعــة األنظمــة المعمــول بهــا خــال‬ ‫األزمــات‪ ،‬بمــا يضمــن التقييــم العــادل‪ ،‬ويحفــظ كرامــة المتعلــم‬ ‫فــي كل ظــرف‪.‬‬

‫من قلب الدمار‪:‬‬

‫غزةصانعة األمل ومصنع الحياة‬ ‫عــدي أبو حمد‪/‬الميدان‪:‬‬

‫رغم رائحة البارود‪ ،‬وتحت سماء‬ ‫ّ‬ ‫يلفها الدخان‪ ،‬وبين جدران‬ ‫ّ‬ ‫المكتظة‪ ،‬يفتح‬ ‫مراكز اإليواء‬ ‫طالب غزة حواسيبهم المتعبة‬ ‫على ضوء شمعة‪ ،‬ويضغط‬ ‫المحاضرون أزرار هواتفهم‬ ‫ً‬ ‫الباردة بحثا عن إشارة إنترنت‬ ‫ضعيفة‪ ...‬فالتعليم في غزة ال‬ ‫يعرف االستسالم‪.‬‬

‫وفــي وقــت تتســاقط فيــه القذائــف‪ ،‬وتتع ّثــر‬ ‫الحيــاة‪ ،‬ال يتو ّقــف التعليــم فــي غــزة‪ .‬تواجــه‬ ‫الجامعــات تحدّيًــا جديــدًا‪ :‬كيــف تواصــل‬ ‫العمليــة التعليميــة فــي ظــل انقطــاع الكهربــاء‬ ‫واإلنترنــت وســبل الحيــاة كاملــة؟‬ ‫إرادة التع ّلم‬ ‫ويشــير المــدرس فــي قســم اإلعــام‬ ‫وتكنولوجيــا االتصــال فــي الكليــة الجامعيــة‬ ‫أن المحاضريــن يخوضــون‬ ‫فايــز صالحــة‪ ،‬إلــى ّ‬ ‫معركــة مســتمرة مــع الظــروف التقنيــة‪ ،‬ويقول‪:‬‬ ‫«يكــون مــن الصعــب الحفــاظ علــى الجانــب‬ ‫العملــي فــي المــواد‪ ،‬لكننــا نقــدّم المحاضــرات‬ ‫النظريــة‪ ،‬ونعــوّض مــا يمكــن تعويضــه‪».‬‬ ‫فــي الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة‪ ،‬خليــة‬ ‫نحــل لتجهيــز عــدّة أماكــن بديلــة لتقديــم‬ ‫المحاضــرات‪ .‬توضــح م‪ .‬فــدوى القطــاع‪،‬‬ ‫مســاعدة مديــر البرامــج بالكليــة الجامعيــة‪،‬‬ ‫أن الكليــة تو ّفــر دعمًــا فنيًــا وتقنيًــا لضمــان‬ ‫ّ‬ ‫وصــول الطــاب إلــى المحتــوى التعليمــي‪،‬‬ ‫وتقــول‪:‬‬ ‫«حتــى فــي ظــروف النــزوح‪ ،‬نوفــر مســاحات‬

‫مــزوّدة بالكهربــاء واإلنترنــت لضمــان اســتمرار‬ ‫الدراســة‪».‬‬ ‫جامعة غزة‬ ‫أمــا فــي جامعــة غــزة‪ ،‬فيتحــدث د‪ .‬حاتــم‬ ‫العســولي‪ ،‬مديــر فــرع الجنــوب‪ ،‬عــن جهــود‬ ‫الجامعــة فــي مواجهــة األزمــة‪ ،‬ويقــول‪ »:‬نجهّــز‬ ‫مســاحات تعليميــة بديلــة مــزوّدة بالكهربــاء‬ ‫واإلنترنــت فــي أماكــن آمنــة‪ ،‬ونو ّفــر دعمًــا‬ ‫نفســيًا وتقنيًــا مســتمرًا للطلبــة والمحاضريــن‬ ‫لمســاعدتهم علــى التكيّــف‪».‬‬ ‫جامعــة القدس المفتوحة‬ ‫ّ‬ ‫يشــكل‬ ‫وفــي جامعــة القــدس المفتوحــة‪،‬‬ ‫ًّ‬ ‫حــا أساســيًا لضمــان‬ ‫التحــوّل الرقمــي‬ ‫ّ‬ ‫ويؤكــد د‪ .‬حســين ســعد‪،‬‬ ‫اســتمرارية التعليــم‪.‬‬ ‫أن‬ ‫المحاضــر األكاديمــي بكليــة اإلعــام‪ّ ،‬‬ ‫الجامعــة تبــذل جهــودًا كبيــرة لتوفيــر أجهــزة‬ ‫للمحاضريــن‪ ،‬وتجهيــز أماكــن آمنــة للطلبــة‬ ‫النازحيــن‪.‬‬ ‫صمــود يتحدّى الدمار‬ ‫رغــم التحديــات النفســية واإلنســانية‪ ،‬ال‬ ‫يستســلم الطلبــة‪ ،‬بــل يقاومــون الظــروف‬ ‫القاســية بطــرق مختلفــة‪ .‬فــي كل درس‪ ،‬فــي‬ ‫كل محاضــرة‪ ،‬وفــي كل خطــوة نحــو التخــرّج‪،‬‬ ‫يتحــوّل التعليــم فــي غــزة إلــى فعــل صمــود‪،‬‬ ‫وإيمــان بالحيــاة‪ ،‬وتشــبّث بالمســتقبل‪ ،‬حتــى‬ ‫فــي أحلــك اللحظــات‪.‬‬ ‫ويصــف فتحــي زيــارة‪ ،‬طالــب فــي الكليــة‬ ‫ً‬ ‫قائــا‪« :‬رغــم تو ّفــر مــكان‬ ‫الجامعيــة‪ ،‬تجربتــه‬ ‫أن‬ ‫للتعليــم مــزوّد بالكهربــاء واإلنترنــت‪ ،‬إال ّ‬ ‫النــزوح والظــام يؤ ّثــران ســلبًا علــى تركيــزي‪.‬‬ ‫التحــوّل الرقمــي يســاعد‪ ،‬لكــن التجربــة تؤ ّثــر‬ ‫علــى جــودة تعليمــي‪».‬‬ ‫أمــا أســعد الحطــاب‪ ،‬طالــب الهندســة فــي‬

‫جامعــة األزهــر بغــزة‪ ،‬فيتحــدث عــن معاناتــه‪،‬‬ ‫ويقــول‪« :‬رغــم ضعــف البدائــل المناســبة‬ ‫لحضــور المحاضــرات وتســليم التكاليــف‪ ،‬أضطر‬ ‫للبحــث عــن مــكان آمــن أتابــع فيــه دراســتي‬ ‫وســط الفوضــى فــي مراكــز النــزوح‪».‬‬ ‫ويشــير د‪ .‬كمــال مرتجــى‪ ،‬محاضــر فــي‬ ‫الجامعــة اإلســامية‪ ،‬إلــى صعوبــات التواصــل‬ ‫مــع الطــاب‪ ،‬ويقــول‪ »:‬يصبــح التواصــل مــع‬ ‫الطــاب أكثــر صعوبــة بســبب ضعــف الشــبكة‪،‬‬ ‫لكننــا نســتمر فــي تقديــم المحاضــرات عبــر‬ ‫المنصــات اإللكترونيــة قــدر اإلمــكان‪ ،‬رغــم‬ ‫تراجــع جــودة التعليــم‪».‬‬ ‫البدائل واإلبداع‬ ‫تواصــل الجامعــات تقديــم الدعــم الفنــي عبــر‬

‫المنصــات اإللكترونيــة‪ ،‬وتوفيــر األجهــزة‬ ‫وخدمــات اإلنترنــت فــي أماكــن آمنــة‪ .‬ويُعــدّ‬ ‫التحــول الرقمــي‪ ،‬رغــم التحديــات‪ ،‬طــوق نجــاة‬ ‫للطلبــة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ويؤكــد د‪ .‬حســين ســعد‪ ،‬مــن جامعــة القــدس‬ ‫ً‬ ‫المفتوحــة‪ ،‬قائــا‪« :‬نعتمــد علــى منصــات‬ ‫التعليــم الرقميــة والبرمجيــات التفاعليــة‬ ‫لتعويــض غيــاب الصفــوف التقليديــة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يشــكل أداة فعّالــة للطلبــة الذيــن ال‬ ‫وهــذا‬ ‫يســتطيعون الحضــور‪».‬‬ ‫خيــار ال رجعة فيه‬ ‫فــي غــزة‪ ،‬ال يأتــي العلــم مــن أبــراج عاليــة‪ ،‬بــل‬ ‫مــن بيــن الــركام‪ .‬هنــا‪ ،‬ال تُقــاس الشــهادة‬ ‫بعــدد ســنوات الدراســة‪ ،‬بــل بعــدد االنفجــارات‬

‫التــي ينجــو منهــا الطالــب‪ ،‬وبالليالــي التــي‬ ‫يــدرس فيهــا علــى ضــوء شــمعة‪ ،‬أو مــن داخــل‬ ‫خيمــة نــزوح‪.‬‬ ‫وبينمــا ينشــغل العالــم بعــدّ الخســائر‪ ،‬ينشــغل‬ ‫تخــرّج‬ ‫طــاب غــزة بعــدّ خطواتهــم نحــو‬ ‫ٍ‬ ‫صعــب المنــال‪ ...‬لكنــه قــادم‪.‬‬ ‫منــذ بدايــة العــدوان‪ ،‬يتغيّــر مشــهد الجامعــات‬ ‫الغزيــة؛ تتحــوّل القاعــات إلــى ركام‪ ،‬والمكاتــب‬ ‫إلــى أطــال‪ ،‬لكــن إرادة الصمــود تعيــد الحيــاة‬ ‫إلــى الشاشــات الصغيــرة‪ .‬تقــاوم الجامعــات‬ ‫فــي غــزة – بطواقمهــا وطلبتهــا – انقطــاع‬ ‫الكهربــاء‪ ،‬وانهيــار البنيــة التحتيــة‪ ،‬وظــروف‬ ‫النــزوح‪ ،‬لتقــول للعالــم‪« :‬ال صــوت يعلــو فــوق‬ ‫صــوت العلــم‪».‬‬


‫‪8‬‬ ‫إعالميون لمعوا‬ ‫شاهد على اإلبادة‬ ‫الخريج «طالل العروقي»‪ :‬من ُمذيع الفرح إلى‬ ‫ٍ‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫كيف يصنع طلبة اإلعالم‬ ‫فرصتهم في قلب الحرب؟‬

‫جالل أحمد‪/‬الميدان‪:‬‬

‫في قلب مخيم النصيرات بقطاع‬ ‫الصحفي طالل‪،‬‬ ‫غزة‪ ،‬يقف‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أثقل من‬ ‫لرسالة‬ ‫شاهدا وحامل‬ ‫ٍ‬ ‫ًّ‬ ‫صحفيا عابرا‪ً،‬‬ ‫الجبال‪ .‬طالل ليس‬ ‫ٌ‬ ‫صوت صقلته السنوات‬ ‫بل هو‬ ‫في قاعات العلم‪ ،‬واإلذاعة‪،‬‬ ‫واالحتفاالت‪ ،‬قبل أن تصقله‬ ‫ٌ‬ ‫حرب شرسة في ميدان الموت‬ ‫والحقيقة‪ .‬حكايته ُ‬ ‫قصة ّ‬ ‫تدر ٍج‬ ‫مهنة ّ‬ ‫أحبها منذ الصغر‪،‬‬ ‫في‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مهمة‬ ‫تحولت على حين غرة إلى‬ ‫ٍ‬ ‫وجودية‪ ،‬ومسا ٍر من الفرح إلى‬ ‫قلب الجحيم‪.‬‬

‫ُ‬ ‫بداية الحكاية‬ ‫تخــرّج طــال محمــود العروقــي ابــن العقــد‬ ‫الثالــث مــن تخصــص اإلعــام وتكنولوجيــا‬ ‫االتصــال فــي الكليــة الجامعيــة للعلــوم‬ ‫التطبيقيــة‪ ،‬وحصــل علــى دبلومــاتٍ‬ ‫متخصصــة فــي العالقــات العامــة‪ ،‬واإلعــام‪،‬‬ ‫واإلعــداد والتقديــم التلفزيونــي‪ .‬بــدأ مســيرته‬ ‫المهنيــة خطــو ًة بخطــوة؛ مــن عقــدٍ وجيــز‬ ‫فــي إذاعــة محليــة‪ ،‬إلــى تقديــم حلقــات مرئيــة‬ ‫ً‬ ‫وصــول إلــى كونــه‬ ‫علــى منصــات التواصــل‪،‬‬ ‫وجهًــا مألو ًفــا فــي كبــرى قاعــات غــزة‪ ،‬عري ًفــا‬ ‫الحتفــاالت التخــرج‪ ،‬ومؤتمــرات علميــة وطبيــة‪،‬‬

‫أ‪ .‬علي أكرم أبو شــنب‬

‫مــدرس إعــام ‪ -‬الكلية الجامعية للعلــوم التطبيقية‬

‫دائمــاً مــا كان الســعي نحــو الميــدان‬ ‫الصحفــي حلم ـاً يرافــق طلبــة اإلعــام منــذ‬ ‫ســنواتهم الجامعيــة األولــى‪ ،‬إال أن الحــرب‬ ‫علــى غــزة جعلــت مــن الحلــم واقعًــا قاســيًا‬ ‫وصوتًــا مميــزًا فــي مجــال التعليــق الصوتــي‬ ‫ألكثــر مــن ســت ســنوات‪.‬‬ ‫الحــرب علــى غــزة دفعتــه إلــى االنضمــام إلــى‬ ‫ً‬ ‫مراســا ينقــل الصــورة مــن‬ ‫شــبكة الجزيــرة‪،‬‬ ‫ـاع محاصــر‪ ،‬متجهًــا نحــو إتقــان أدوات‬ ‫قلــب قطـ ٍ‬ ‫مهنــةٍ لــم يكــن يعلــم أنهــا ســتصبح يومًــا‬ ‫ســاحه وميــدان صراعــه األكبــر‪.‬‬ ‫يــرى طــال فــي نفســه وزمالئــه ســفراء لهــذه‬ ‫الرســالة؛ واجبهــم األخالقــي واإلنســاني يحتــم‬ ‫عليهــم أن يكونــوا عيــون غــزة التــي تــرى‪،‬‬ ‫وألســنتها التــي تــروي «المعانــاة والقهــر‬ ‫والظلــم» الــذي يتعــرض لــه شــعبهم‪.‬‬ ‫هــذه الرســالة تضعهــم مباشــر ًة فــي فوهــة‬ ‫الخطــر‪ .‬يقــول طــال‪:‬‬

‫حركة لنا هي‬ ‫كل‬ ‫ٍ‬ ‫تحد‪ ...‬المستهدف‬ ‫ٍّ‬ ‫األول هو الصحفي‪.‬‬ ‫كل خطــوة محفوفــة بخطــر االســتهداف‬ ‫ـل‬ ‫المباشــر‪ .‬الصحفــي فــي غــزة ليــس مجــرد ناقـ ٍ‬ ‫للخبــر‪ ،‬بــل هــو جــزء مــن الخبــر‪ ،‬هــدفٌ تســعى‬ ‫آلــة الحــرب إلســكاته لقتلنــا وطمــس الصــورة»‪.‬‬ ‫إصاب ٌة ونجاة‬ ‫توجــه طــال إلــى شــمال النصيــرات‪ ،‬منطقــة‬ ‫«المفتــي»‪ ،‬برفقــة طواقــم اإلســعاف إلجــاء‬ ‫عائــاتٍ محاصــرة‪ .‬كان يو ّثــق األحــداث‪،‬‬

‫فاســتُهدف مباشــر ًة بقصــف مدفعــي‪ .‬أصيــب‬ ‫طــال وزمــاؤه‪ ،‬وتضــررت المركبــات‪ .‬فــي‬ ‫لحظــةٍ مــن الذعــر‪ ،‬حاولــوا االحتمــاء‪ ،‬لكــن‬ ‫طائــرات «الكوادكابتــر» الحقتهــم‪ ،‬تطلــق النــار‬ ‫عليهــم مباشــر ًة‪.‬‬ ‫كانــت لحظــاتٌ يصفهــا طــال بأنهــا «غايــة‬ ‫فــي الصعوبــة والفظاعــة»‪ .‬كان اليقيــن أنهــا‬ ‫النهايــة‪ .‬لكنهــم نجــوا «بأعجوبــة»‪ ،‬ووصلــوا‬ ‫إلــى المستشــفى‪ .‬هــذه التجربــة‪ ،‬وغيرهــا مــن‬ ‫مواقــف القصــف التــي نجــا منهــا‪ ،‬لــم تكســر‬ ‫روحــه‪« ،‬الــروح المعنويــة ال تُقتــل»‪ ،‬يؤكــد‬ ‫طــال بشــهادته الحيّــة‪.‬‬ ‫رغــم مشــاهد المــوت والدمــار التــي يراهــا‬ ‫يوميًّــا‪ ،‬ورغــم أن زمــاءه وأهلــه وأصدقــاءه‬ ‫يُقتلــون أمــام عينيــه‪ ،‬لــم تؤثــر اإلصابــة‬ ‫علــى حالتــه النفســية أو توقفــه فــي العمــل‪.‬‬ ‫بــل علــى العكــس‪ ،‬يــرى أن التجربــة غيّــرت‬ ‫نظرتــه للصحافــة نحــو األفضــل‪ ،‬وأدرك بعمــق‬ ‫أن‪ :‬الــذي يخشــى أن تظهــر الصــورة وتصــل‬ ‫الرســالة إلــى العالــم‪.‬‬ ‫الصحفــي الفلســطيني‪ ،‬رغــم اســتهدافه‬ ‫واغتيــال المئــات مــن زمالئــه‪ ،‬يشــكل فار ًقــا‬ ‫حقيقيًّــا فــي كشــف جرائــم االحتــال‪ ،‬وإظهــار‬ ‫حقيقــة مــا يتعــرض لــه الشــعب مــن إبــادة‪.‬‬ ‫مهن ٌة ومشاعر‬ ‫فــي خضــم هــذا ك ّلــه‪ ،‬يواجــه طــال صراعًــا‬ ‫داخليًّــا مريــرًا بشــكل يومــي خــال عملــه‪:‬‬ ‫كيــف يحافــظ علــى توازنــه بيــن المهنــة‬

‫والمشــاعر؟ كيــف يغطــي مجــزرة أُبيــدت فيهــا‬ ‫عائلــ ٌة كاملــة؟ كيــف يــرى األشــاء والدمــاء‪،‬‬ ‫وينهــار كإنســان‪ ،‬وفــي الوقــت ذاتــه يُطلــب‬ ‫منــه أن يوثــق وينقــل هــذه اإلبــادة للعالــم؟‬ ‫إنــه تحــدٍّ يفــوق الوصــف‪ ،‬يجعلــه أحيانًــا‬ ‫حائــرًا بيــن التماســك واالنهيــار‪ .‬لكنــه ضــروري‬ ‫إليصــال الصــورة التــي يجــب أن تصــل‪،‬‬ ‫«بالرغــم مــن المآســي التــي نشــاهدها بشــكل‬ ‫يومــي»‪ ،‬كمــا يقــول‪.‬‬ ‫الرسالة‬ ‫فــي هــذه الرحلــة القاســية‪ ،‬ال ينســى طــال‬ ‫رفقــاء دربــه مــن الصحفييــن واإلعالمييــن‪،‬‬ ‫الذيــن يصــف عالقتهــم بأنهــا عالقــة «إخــوة‬ ‫وزمالــة وصداقــة‪ ...‬رفقــاء الحــرب»‪ .‬يعيشــون‬ ‫ويموتــون ويُصابــون ويجوعــون معًــا‪،‬‬ ‫ويشــكلون شــبكة دعــم ال غنــى عنهــا فــي هــذا‬ ‫الواقــع القاســي‪.‬‬ ‫ويــرى أن اإلعــام الفلســطيني هــو الواجهــة‬ ‫الحقيقيــة التــي واجهــت الدعايــة اإلســرائيلية‬ ‫وكشــفت جرائــم االحتــال‪ ،‬إذ إن معظــم‬ ‫الصحفييــن العامليــن علــى األرض خــال هــذه‬ ‫الحــرب هــم فلســطينيون‪.‬‬ ‫رســالة طــال األخيــرة‪ ،‬هــي رســالة الشــعب‬ ‫الفلســطيني للعالــم‪« :‬رســالة الشــعب لــن نـ ّ‬ ‫ـكل‪،‬‬ ‫ولــن نتوقــف عــن حملهــا‪».‬‬ ‫يريــد طــال للعالــم كلــه أن يعــرف غــزة حقيقـ ً‬ ‫ـة‪،‬‬ ‫أن يعــرف مــا تتعــرض لــه مــن إبــادة‪ ،‬وأن يــرى‬ ‫الحقيقــة بكامــل زواياهــا‪.‬‬

‫وســاحة اختبــار حقيقيــة‪ ،‬فقــد وجــد الطلبــة‬ ‫والخريجــون الجــدد أنفســهم فــي قلــب‬ ‫الحــدث‪ ،‬يوثقــون بكاميــرات هواتفهــم‪،‬‬ ‫ويصنعــون محتواهــم بيــن ركام البيــوت‬ ‫والخيــام‪ ،‬وعــن القصــص الموجعــة فــي‬ ‫المشــافي ومراكــز اإليــواء‪.‬‬ ‫فــي قلــب ســاحة التدريــب العملــي‬ ‫الميدانــي‪ ،‬كانــت شــوارع غــزة وســاحات‬ ‫المستشــفيات ممــرًا لطلبــة اإلعــام؛‬ ‫لتوثيــق الحقيقــة وصقــل المهــارة‬ ‫الصحفيــة‪ ،‬فقــد تســلق الطلبــة جبــال‬ ‫الــركام‪ ،‬ونقلــوا الحقيقــة مــن قلــب‬ ‫الحــدث‪ ،‬لتتحــول الحــرب علــى يدهــم‬ ‫لمحــرك تجربــة وعمــل حقيقــي‪ ،‬ورغــم‬ ‫خطــورة العمــل الميدانــي إال أنــه كان‬ ‫اســتثمارًا جيــداً لتوثيــق القصص ونشــرها‪،‬‬ ‫واالنخــراط فــي بيئــة العمــل الصحفــي‬ ‫ميدانيًــا‪ ،‬ممــا منحهــم خبــرة حقيقيــة ال‬ ‫تو ّفرهــا قاعــات الدراســة‪ ،‬فــكل خطــوة‬ ‫بالميــدان تصبــح درســاً عمليــاً ال يُنســى‪.‬‬ ‫ورغــم الصعوبــات والخطر‪ ،‬إال أنني أرى أن‬ ‫هــذه المرحلة كانــت –برغم ألمها– فرصة‬ ‫نادرة لصقــل المهارات‪ ،‬وبناء الخبرات‪،‬‬ ‫واكتســاب الثقة‪ ،‬ولهذا‪ ،‬أنصح طلبة‬

‫بين المحاضرات والميدان‬

‫الصحافة واإلعــام والخريجين الجدد بـ‪:‬‬ ‫‪ .1‬العمــل التطوعــي اإلعالمــي‪ :‬انخــرط في‬

‫الطالبة «الفيومي» جعلت‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫الخوف ُسلما لطموحها‬

‫تغطيــة األنشــطة‪ ،‬وشــارك ووثــق القصــص‬ ‫المحليــة‪ ،‬حتــى ولــو بــدون مقابــل مــادي‬ ‫بالبدايــة‪.‬‬ ‫‪ .2‬اســتخدم مــا تملــك‪ :‬ال تنتظــر كاميــرا‬

‫محمــد عبيد‪/‬الميدان‪:‬‬

‫لم يكن الطريق نحو الصحافة‬ ‫ً‬ ‫سهل أمام الطالبة الصحفية‬ ‫«ياسمين الفيومي»‪ ،‬ذات الثالثة‬ ‫والعشرين ً‬ ‫عاما‪ ،‬التي تجمع بين‬ ‫الدراسة والتغطية الميدانية في‬ ‫حلم اإلعالم‬ ‫منــذ طفولتهــا‪ ،‬تحلــم ياســمين بدراســة اإلعــام‪،‬‬ ‫لكــن التقاليــد فــي غــزة تفــرض عليهــا خيــارات‬ ‫مختلفــة‪ .‬تلتحــق بتخصــص الســكرتارية الطبيــة‬ ‫ً‬ ‫اســتجابة لضغــوط أهلهــا‪ ،‬لكنهــا ال تجــد نفســها‬ ‫فيــه‪ ،‬فتقــرّر تحــدي المجتمــع وتنتقــل لدراســة‬ ‫اإلعــام والتكنولوجيــا فــي الكليــة الجامعيــة للعلــوم‬ ‫التطبيقيــة بغــزة‪ ،‬متجــاوز ًة كل العراقيــل التــي تــكاد‬ ‫تُثقــل مســيرتها‪.‬‬ ‫لحظة التحوّل‬ ‫تســتعد ياســمين للذهــاب إلــى الجامعــة صبــاح يــوم‬ ‫انــدالع الحــرب ‪/7‬أكتوبــر‪2023‬م‪ ،‬وفــي غضــون‬ ‫ســاعات قليلــة‪ ،‬يتبيــن أن الحيــاة تغيــرت بالكامــل‪.‬‬ ‫تمــرّ ســاعات إضافيــة حتــى تخــرج مــن منزلهــا مــع‬ ‫عائلتهــا وتبــدأ رحلــة النــزوح‪ ،‬مدركـ ً‬ ‫ـة أن بيتهــا قــد‬ ‫ال تعــود إليــه أبــدًا‪.‬‬ ‫ورغــم الخــوف‪ ،‬ال تتراجــع عــن حلمهــا‪ ،‬بــل تســتخدم‬ ‫منصــات التواصــل االجتماعــي لنقــل الصــورة إلــى‬ ‫ً‬ ‫مقاومــة فكــرة أن الحــرب قــد تســلبها‬ ‫العالــم‪،‬‬ ‫مســتقبلها الصحفــي‪ .‬وبعــد فتــرة مــن التــردّد‪،‬‬ ‫تقــرّر النــزول إلــى الميــدان‪.‬‬

‫متقدمــة‪ ،‬فهاتفــك أداة إعــام قويــة إن‬ ‫أحســنت اســتخدامها‪.‬‬

‫بيئة محفوفة بالمخاطر‪ .‬بين‬ ‫قصف الطائرات ونزوح العائالت‪،‬‬ ‫أصبحت ياسمين ً‬ ‫صوتا ُي ِ ّ‬ ‫دون‬ ‫الحقيقة وسط ركام الحرب‪.‬‬ ‫أول تغطية‬ ‫تكــون تغطيتهــا األولــى مليئــة بالمشــاهد الصادمــة‪،‬‬ ‫لكــن أكثــر مــا يهزّهــا هــو توثيــق لحظــة استشــهاد‬ ‫طفــل مــن األطفــال الخــدّج؛ تنهــار حينهــا بالبــكاء‪،‬‬ ‫وتتســاءل‪« :‬مــا ذنبهــم ليُقتلــوا بــدم بــارد؟» ولكــن‬ ‫ٍ‬ ‫ذلــك ال يكــون نهايــة القصــة‪ ،‬بــل بدايــة إلصرارهــا‬ ‫علــى نقــل الحقيقــة‪.‬‬ ‫تحصــل ياســمين علــى فرصــة عمــل مــع راديــو‬ ‫«علــم» فــي الخليــل‪ ،‬ثــم تنضــم إلــى قنــوات محليــة‬ ‫أخــرى‪ ،‬حيــث تعمــل كمراســلة ومصــورة‪ ،‬مو ّث ً‬ ‫قــة‬ ‫الجرائــم بحــق المدنييــن فــي غــزة‪.‬‬ ‫لكــن خطــر االســتهداف يالحقهــا يوميًــا‪ ،‬خاصــة‬ ‫بعــد تصاعــد اســتهداف الصحفييــن‪ .‬تــرى زمالءهــا‬ ‫يرحلــون واحــدًا تلــو اآلخــر‪ ،‬فتســأل نفســها‪« :‬هــل‬ ‫حــان دوري ألكــون مثلهــم؟»‬ ‫الخوف والصدمة‬ ‫ال يكــون الخــوف بعيــدًا عــن ياســمين‪ ،‬لكنهــا تتع ّلــم‬ ‫التعامــل معــه‪ ،‬مــردّد ًة‪« :‬ال يوجــد متّســع لخســارات‬ ‫جديــدة أخــرى‪ ».‬تحــرص علــى إخفــاء زي الصحفــي‬ ‫ً‬ ‫مدركــة أن‬ ‫األزرق لتجنّــب رصدهــا مــن الطائــرات‪،‬‬ ‫مجــرّد حمــل الكاميــرا قــد يجعلهــا هد ًفــا‪.‬‬

‫ابــن أرشــيفاً إعالميــاً‪ :‬صــور‪ ،‬تقاريــر‪،‬‬ ‫‪ِ .3‬‬ ‫مقاطــع قصيــرة ســتُظهر مســتواك وتكــون‬ ‫دليــ ً‬ ‫ا علــى قدراتــك عنــد التقديــم ألي‬ ‫فرصــة عمــل‪.‬‬ ‫‪ .4‬تشــبيك العالقــات‪ :‬تواصــل مــع‬ ‫الصحفييــن‪ ،‬شــارك أعمالــك‪ ،‬وكــن قريبًــا‬ ‫التحدي األكبر‬ ‫رغــم كل الضغــوط‪ ،‬تواصــل ياســمين دراســتها‪،‬‬ ‫وتحقــق الدرجــات العليــا‪ .‬تــوازن بيــن ســاعات‬ ‫الصبــاح فــي التغطيــة‪ ،‬وســاعات الليــل فــي الدراســة‬ ‫ً‬ ‫متحدّيــة كل العوائــق‪.‬‬ ‫واالختبــارات‪،‬‬ ‫يكــون أســاتذتها فــي الجامعــة مــن أكبــر الداعميــن‬ ‫لهــا‪ ،‬إذ يجــدون فيهــا نموذجًــا للطالــب الصحفــي‬ ‫الــذي يجمــع بيــن الميــدان والدراســة‪ ،‬فيشــجّعونها‬ ‫علــى االســتمرار رغــم اإلبــادة التــي تتعــرض لهــا‬ ‫غــزة‪.‬‬ ‫تحــاول ياســمين التأقلــم مــع الظــروف‪ ،‬لكــن الحيــاة‬ ‫فــي الخيمــة بعــد النــزوح تكــون صادمــة‪ ،‬خاصــة‬ ‫بعــد فقــدان اإلحســاس باألمــان والبيــت المســتقر‪.‬‬ ‫أمــا أســرتها‪ ،‬فيســيطر عليهــم الخــوف‪ ،‬إذ يــرون أن‬ ‫تغطيتهــا للواقــع تجعلهــا أقــرب للخطــر يومًــا بعــد‬ ‫يــوم‪.‬‬ ‫ومــن أقســى اللحظــات التــي تمــرّ بهــا‪ ،‬يكــون‬ ‫اســتهداف مركبــة زمالئهــا الصحفييــن‪ ،‬حيــث تشــعر‬ ‫حينهــا أن الحــرب تصبــح أكثــر قســو ًة ممــا تتخيلــه‪.‬‬

‫رسالة الصحافة‬ ‫رغــم كل شــيء‪ ،‬تؤمــن ياســمين أن الصحافــة ليســت‬ ‫مجــرد مهنــة‪ ،‬بــل مســؤولية ورســالة‪ .‬ولهــذا‪ ،‬توجّــه‬ ‫رســالتها إلــى زمالئهــا الطلبــة والصحفييــن الجــدد‪،‬‬ ‫وتقــول‪:‬‬ ‫«أنتــم أيقونــة الصحافــة‪ ،‬كمــا كانــت شــيرين أبــو‬ ‫عاقلــة وغيرهــم مــن الصحفييــن األحــرار‪ .‬اســتمرّوا‬ ‫بالقلــم والصــوت والصــورة‪ ،‬تحــرروا مــن أي خــوف‪...‬‬ ‫أنتــم األبطــال‪».‬‬ ‫مســتقبل رغم الحرب‬ ‫ال تكــون تجربتهــا فــي اإلعــام مجــرد وظيفــة‪ ،‬بــل‬ ‫طري ًقــا نحــو طموحــات أكبــر‪ ،‬إذ تتطلــع للعمــل فــي‬ ‫قنــاة مرموقــة إعالميًــا ومهنيًــا‪ ،‬ومواصلــة رحلتهــا‬ ‫فــي الصحافــة رغــم كل الصعوبــات‪.‬‬ ‫واآلن‪ ،‬تقــف ياســمين علــى أبــواب التخــرّج‪ ،‬ليســت‬ ‫فقــط كطالبــة إعــام‪ ،‬بــل كنمــوذج يُحتــذى بــه فــي‬ ‫اإلرادة والتحــدي‪ ،‬حاملـ ً‬ ‫ـة قلمهــا وكاميرتهــا لتكــون‬ ‫صــوت غــزة فــي العالــم‪.‬‬

‫مــن المؤسســات اإلعالميــة ولــو عبــر‬ ‫التدريــب أو المســاعدة‪.‬‬ ‫‪ .5‬تع ّلــم باســتمرار‪ :‬اســتثمر وقتــك فــي‬ ‫تع ّلــم أدوات التحريــر‪ ،‬المونتــاج‪ ،‬الكتابــة‬ ‫الصحفيــة‪ ،‬وحتــى الــذكاء االصطناعــي فــي‬ ‫اإلعــام‪.‬‬ ‫فــي النهايــة كل تلــك الظــروف المؤلمــة‬ ‫وهــذه المرحلــة القاســية‪ ،‬يمكــن أن‬ ‫تكــون بوابــة عبــور نحــو احتــراف المهنــة‪،‬‬ ‫وإيصــال صــوت غــزة للعالــم‪ ،‬لكــن بشــرط‬ ‫أن يكــون األداء الصحفــي إنســانيًا‪ ،‬مهنيًا‪،‬‬ ‫يهــدف إلبــراز معانــاة النــاس بكرامــة دون‬ ‫اســتغالل‪ ،‬وبوعــي يليــق برســالة اإلعــام‪.‬‬


‫‪9‬‬

‫إعالميون لمعوا‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫الطالب الشهيد حسام شبات‪ :‬عندما ترخص الحياة من أجل الحقيقة‬ ‫عــدي أبو حمد‪/‬الميدان‪:‬‬

‫من قلب غزة الجريحة‪ ،‬حيث يختلط البارود بأصوات األمل‪ ،‬اختار أن‬ ‫ُيمسك بالكاميرا‪ ،‬وأن يواجه الموت كي ال يموت الصوت‪.‬‬ ‫هناك‪ ،‬بين الغبار والركام‪ُ ،‬ولدت حكاية شجاعة استثنائية؛ حكاية‬ ‫شاب آمن بأن الصورة قادرة على تحريك ضمير العالم‪ ،‬وأن الكلمة‬ ‫يمكن أن تقف في وجه المدفع‪.‬‬ ‫حســام شــبات‪ ،‬لــم يكــن مجــرد مراســل‪ ،‬بــل كان‬ ‫شــاهدًا علــى األحــداث‪ ،‬يواجــه المــوت بابتســامة‬ ‫واثقــة‪ ،‬ويســجل التاريــخ بكاميرتــه وكلماتــه‪ .‬لــم‬ ‫يهــرب مــن األزمــات‪ ،‬بــل اختــار أن يكــون جــز ًءا‬ ‫منهــا‪ ،‬حامــ ً‬ ‫ا رســالة إنســانية ينقلهــا بالصــورة‬ ‫والكلمــة‪ .‬وهكــذا‪ ،‬ارتقــى شــهيدًا فــي ســبيل نقــل‬ ‫الحقيقــة‪ ،‬ليخلــد اســمه فــي ذاكــرة األجيــال القادمــة‬ ‫رمــزًا للشــجاعة والتضحيــة‪.‬‬

‫حــب اإلعالم وبداية التحدي‬

‫وُلــد حســام فــي بلــدة بيــت حانــون شــمال قطــاع‬ ‫غــزة‪ ،‬وهــي بلــدة تعكــس جانبًــا مــن معانــاة وآمــال‬ ‫ســكان القطــاع‪ .‬نشــأ فــي بيئــة مليئــة بالتحديــات‪،‬‬ ‫حيــث كانــت الحــرب والفقــر جــز ًءا مــن حياتــه‬ ‫اليوميــة‪ ،‬لكنهــا فــي الوقــت ذاتــه كانــت بيئــة غنيــة‬ ‫باألحــام والطموحــات التــي شـ ّ‬ ‫ـكلت شــخصيته منــذ‬ ‫صغــره‪.‬‬ ‫كان حســام شــغو ًفا بعالــم اإلعــام‪ ،‬متابعًــا لألخبــار‪،‬‬ ‫ً‬ ‫محلــا لألحــداث‪ .‬هــذا الشــغف دفعــه الكتشــاف‬ ‫موهبتــه الحقيقيــة فــي الصحافــة‪ ،‬حيــث كان يحلــم‬ ‫بــأن يكــون جــز ًءا مــن هــذا العالــم الكبيــر‪ ،‬الــذي‬ ‫اعتبــره وســيلة للتغييــر والتأثيــر‪.‬‬ ‫مــن جهتــه‪ ،‬يوضــح شــقيقه محمود شــبات أن حســام‬ ‫بــدأ مشــواره اإلعالمــي عــام ‪ ،2014‬حيــن كان‬ ‫يغطــي األحــداث المحليــة فــي بلدتــه بيــت حانــون‪،‬‬ ‫خــال تصاعــد االشــتباكات هنــاك‪ .‬كان يراهــن علــى‬ ‫الكلمــة والصــورة كأدوات للتغييــر‪ ،‬يســعى مــن‬ ‫خاللهمــا إلــى نقــل معانــاة شــعبه وكشــف الحقيقــة‪،‬‬ ‫مهمــا كانــت مؤلمــة أو صادمــة‪.‬‬ ‫كان يؤمــن بــأن اإلعــام هــو الوســيلة األهــم‬ ‫إليصــال صــوت النــاس ومعاناتهــم‪ ،‬لذلــك عمــل بــا‬ ‫كلــل علــى توثيــق كل لحظــة‪ ،‬مؤمنًــا أن اإلعــام هــو‬ ‫معركتــه مــن أجــل العدالــة‪.‬‬

‫وتفاقــم األحــداث‪ ،‬ازداد إصــرارًا علــى التواجــد فــي‬ ‫قلــب المعركــة‪ ،‬لتوثيــق كل لحظــة‪ .‬كان يؤمــن بــأن‬ ‫كلماتــه وصــوره ســتكون شــاهدًا علــى الجرائــم‬ ‫التــي يرتكبهــا االحتــال بحــق الشــعب الفلســطيني‪.‬‬ ‫يقــول زميلــه‪ ،‬مراســل الجزيــرة مباشــر محمــد‬ ‫الشــريف‪« :‬كان حســام يواجــه خطــرًا داهمًــا فــي‬ ‫كل لحظــة‪ ،‬لكنــه لــم يتــردد فــي نقــل الصــورة‬ ‫الحقيقيــة‪ .‬كنــا نعلــم أن الحــرب تســتهدفنا‪ ،‬لكنــه‬ ‫كان يؤمــن بــأن صــوت اإلعــام قــد يوقــف آلــة‬ ‫القتــل‪ .‬كان شــجاعًا لدرجــة أننــا كنــا نخشــى عليــه‬ ‫فــي بعــض األحيــان‪ ،‬لكنــه ظــل ثابتًــا فــي موقفــه‪».‬‬

‫لحظات مؤثرة‬

‫الحــرب فــي غــزة لــم تكــن مجــرد مشــهد يــراه مــن‬ ‫بعيــد‪ ،‬بــل كانــت جــز ًءا مــن حيــاة حســام‪ .‬كثيــرًا مــا‬ ‫بــدا عليــه التأثــر العميــق أثنــاء تغطيتــه لألحــداث‪.‬‬ ‫كانــت مشــاهد األطفــال الناجيــن مــن المجــازر‪،‬‬ ‫والنســاء الثكالــى اللواتــي فقــدن أبناءهــن‪ ،‬مــن أكثــر‬ ‫الصــور التــي تركــت أثــرًا بالغًــا فيــه‪.‬‬ ‫يقــول الصحفــي عبــد اهلل أبــو كميــل‪ ،‬مراســل‬ ‫الجزيــرة مباشــر‪« :‬كان حســام يتألــم‪ ،‬لكنــه يواصــل‬ ‫عملــه دون أن يظهــر ذلــك للجمهــور‪ .‬كان يــرى فــي‬ ‫كل طفــل جرحًــا‪ ،‬وفــي كل أم ألمًــا ال يُحتمــل‪ .‬كان‬ ‫يعمــل وســط حزنــه‪ ،‬ليكــون لســان حــال أولئــك‬ ‫النــاس‪».‬‬

‫اســتطاع أن يمــأ ً‬ ‫فراغــا حقيقيًــا فــي غــزة‪ ،‬وكان‬ ‫مــن الصحفييــن المميزيــن الذيــن يكتبــون تاريــخ‬ ‫شــعبهم بأناملهــم‪».‬‬ ‫أمــا زميلــه فــي الدراســة‪ ،‬جــال أحمــد‪ ،‬فيشــير إلــى‬ ‫أن حســام كان مــن األشــخاص الذيــن يُلهمــون‬ ‫اآلخريــن لألفضــل‪ .‬لــم يكــن مجــرد صحفــي‬ ‫موهــوب‪ ،‬بــل كان قائــدًا‪ ،‬دائمًــا مــا يمــدّ زمــاءه‬ ‫بالدعــم والنصائــح‪ ،‬ويحفزهــم علــى العمــل بجــد‪.‬‬ ‫بــدوره‪ ،‬ينــوه زميلــه محمــد الحرثانــي‪« :‬تمتــع‬ ‫حســام بشــخصية قياديــة وذوق رفيــع‪ .‬أحــب العمــل‬ ‫الجماعــي‪ ،‬وكان دائمًــا المبــادر فــي مشــاريع التخــرج‬ ‫واألعمــال اإلعالميــة‪ .‬فقدنــاه كزميــل وصديــق‪ ،‬لكــن‬ ‫إرثــه ســيبقى حيًــا فــي كل قاعــة إعــام‪».‬‬

‫خــال التغطيــة‪ ،‬اســتُهدف حســام بشــكل مباشــر‬ ‫مــن قبــل قــوات االحتــال اإلســرائيلي‪ ،‬فاستشــهد‪،‬‬ ‫لينضــم إلــى قافلــة شــهداء اإلعــام فــي فلســطين‪.‬‬ ‫قال زميله محمد الشريف‪:‬‬

‫كان حسام في‬ ‫قلب المعركة‪،‬‬ ‫شهادات حية‬ ‫بفخــر وحــزن‪ ،‬تحــدث مدرســو حســام فــي الكليــة‬ ‫ورغم الخطر الكبير‪ ،‬لم‬ ‫الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة عــن مســيرته‪ .‬يقــول‬ ‫د‪ .‬خضــر الجمالــي‪ ،‬عميــد العلــوم اإلنســانية‬ ‫يتراجع عن التغطية‪ .‬كان‬ ‫واإلعــام فــي الكليــة الجامعيــة‪« :‬كان حســام شــابًا‬ ‫آخر مهمة‬ ‫فلســطينيًا مبدعًــا‪ ،‬صاحــب رؤى وطموحــات كبيـ‬ ‫كانــت آخــر مهــام حســام تغطيــة التوغــل اإلســرائيلي‬ ‫ـرة‪ .‬فــي المناطــق الشــرقية مــن بيــت حانــون‪ ،‬التــي يؤمن بأن كل لحظة‬ ‫امتلــك شــغ ًفا حقيقيًــا بالمهنــة‪ ،‬وكان يســعى دومًــا‬ ‫للتميّــز‪ .‬كان مصممًــا علــى أن يكــون صوتــه‬ ‫كانــت حينهــا مــن أكثــر المناطــق ســخونة‪ .‬كان‬ ‫يعلم يوثقها هي شهادة حية‬ ‫إصرار علــى نقل الحقيقة‬ ‫مســموعًا‪ ،‬وأن تكــون كلماتــه فــي خدمــة الحقيقــة‪».‬‬ ‫تمامًــا أن الخطــر يحيــط بــه مــن كل جانــب‪ ،‬لكنــه‬ ‫هــو‬ ‫الصحفييــن‬ ‫مــا يميــز حســام عــن غيــره مــن‬ ‫اإلعــام‬ ‫قســم‬ ‫رئيــس‬ ‫عكيلــة‪،‬‬ ‫ســامي‬ ‫د‪.‬‬ ‫وأضــاف‬ ‫قــرر االســتمرار فــي‬ ‫عملــه‪،‬فــيدونحياتأنــه‪.‬يعلــم أن هــذه على جرائم االحتالل‬ ‫أن‬ ‫دون‬ ‫بشــجاعة‪،‬‬ ‫إصــراره علــى نقــل الحقيقــة‬ ‫تــرك‬ ‫ســنه‪،‬‬ ‫صغــر‬ ‫«رغــم‬ ‫االتصــال‪:‬‬ ‫وتكنولوجيــا‬ ‫المهمــة ســتكون األخيــرة‬ ‫يحســب حســابًا لنفســه‪ .‬ومــع اشــتداد القصــف‬

‫حســام بصمــة كبيــرة فــي الميــدان اإلعالمــي‪.‬‬

‫الوداع‬

‫قبــل استشــهاده بفتــرة قصيــرة‪ ،‬اصطحــب حســام‬ ‫والدتــه لشــراء خاتــم ذهــب بمناســبة عيــد األم‪ .‬فــي‬ ‫تلــك اللحظــة‪ ،‬بــدا ســعيدًا وكأنــه يودّعهــم‪ .‬قــال‬ ‫شــقيقه محمــود شــبات‪« :‬بــدت تلــك اللحظــة كأنهــا‬ ‫وداع‪ .‬شــعرنا بشــيء مــا‪ .‬كان يبتســم ابتســامة‬ ‫عميقــة‪ ،‬وكأن قلبــه كان يــدرك مــا هــو قــادم‪».‬‬ ‫فــي ‪ 24‬مــارس ‪ ،2025‬استُشــهد حســام فــي قصــف‬ ‫ّ‬ ‫شــكل استشــهاده‬ ‫إســرائيلي اســتهدف مركبتــه‪.‬‬ ‫صدمــة للجميــع‪ ،‬لكــن‪ ،‬رغــم الحــزن العميــق‪ ،‬أكــد‬ ‫الجميــع أن ذكــراه ســتبقى حيّــة فــي قلوبهــم‪ .‬تــرك‬ ‫وراءه إر ًثــا إعالميًــا كبيــرًا‪ ،‬وأصبــح رمــزًا للصحفييــن‬ ‫الذيــن ضحــوا بحياتهــم مــن أجــل إيصــال الحقيقــة‪.‬‬ ‫رســم حســام شــبات صــور ًة لألمــل والشــجاعة‪،‬‬ ‫وبقيــت كلماتــه وصــوره شــاهدًا علــى معاناة شــعبه‪.‬‬ ‫ســيظل رمــزًا لألجيــال القادمــة‪ ،‬التــي ســتتذكره‬ ‫كأحــد أبطــال اإلعــام فــي العصــر الحديــث‪ .‬ورغــم‬ ‫رحيلــه‪ ،‬ســيظل صوتــه حيًــا فــي كل زاويــة مــن غــزة‪،‬‬ ‫كل خبــر‪ ،‬كل صــورة‪ ،‬وفــي كل كلمــة شــجاعة‪.‬‬

‫الطالب الصحفي بشير أبو الشعر‪ٌ :‬‬ ‫صوت في وجه قرقعة القنابل‬ ‫محمــد الحرتاني‪/‬الميدان‪:‬‬ ‫أنشــأ بشــير مجموعــة غرفــة غــزة اإلخباريــة علــى الواتــس أب‬

‫ويخطــط لمواصلــة دراســاته العليــا حتــى الدكتــوراة‪ .‬ويوجــه‬

‫فــي اغســطس‪/‬آب ‪ ،2024‬وهدفهــا جمــع معلومــات مــن مصــادر‬

‫رســالة للطــاب‪« :‬ال تستســلموا… فالتعليــم عبــادة‪ ،‬وثمــار‬

‫خاصــة حــول مجمــل االســتهدافات فــي مدينــة غــزة وشــمالها‪،‬‬

‫التضحيــات ســتُجنى»‪.‬‬

‫في الحرب الدامية التي يشهدها قطاع‬ ‫غزة برزت العديد من النماذج الصحفية‬ ‫المميزة‪ ،‬والتي ربما ما كان لها لتلمع لوال‬ ‫نيران الصواريخ ولهيب القنابل‪ ،‬ومعاناة‬ ‫الجوع‪.‬‬

‫لالســتفادة منهــا فــي صياغــة رســالتهم االعالميــة الخاصــة‪.‬‬

‫فــي مشــهد لخــص فيــه عمــق الظــروف اإلنســانية الصعبــة‪ ،‬عرض‬ ‫مضطــراً بشــير كاميرتــه ‪-‬مصــدر رزقــه الوحيــد للبيــع بالمقايضــة‬

‫يحــاول الصحفــي بشــير أن يــوازن بيــن ثالثــة أدوار‪ :‬رب أســرة‬

‫مقابــل كيــس مــن الطحيــن‪ ،‬األمــر الــذي عكــس مــدى تفاقــم‬

‫«بشــير فتحــي أبــو الشــعر» (‪ 41‬عامًــا) تصــدر كوجــه إعالمــي‬

‫يعيــل ســتة أطفــال‪ ،‬وطالــب جامعــي يســعى للحفــاظ علــى معــدل‬

‫التغطيــات الصحفيــة للحــرب علــى قطــاع غــزة‪ ،‬وظهــر إصــراره‬

‫تراكمــي مرتفــع‪ ،‬وصحفــي ميدانــي ينقــل المعانــاة اليوميــة ألهلــه‬

‫الجــوع وصعوبــة الحصــول علــى الطعــام فــي غــزة‪ ،‬وكان لمنشــوره‬ ‫الــذي هــدف فيــه إليجــاد طعــام ألســرته‪ ،‬أثــراً كبيــراً ورواجاً واســعاً‪،‬‬

‫علــى نقــل معانــاة شــعبه رغــم التحديــات الجســام التــي يواجههــا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وصــول إلــى تدميــر منزلــه‪ ،‬دون أن‬ ‫بــد ًءا مــن فقــدان أحبائــه‬

‫تحــت القصــف‪ .‬ويعمــل أحيانًــا فــي وظائــف مؤقتــة أو مجهــدة‬

‫ممــا ســلط الضــوء علــى معانــاة المواطنيــن فــي غــزة وصعوبــة‬

‫جســديًّا لتأميــن لقمــة العيــش واكمــال دراســته‪.‬‬

‫حصولهــم علــى الطعــام‪ ،‬نتيجــة إغــاق المعابــر وفــرض الحصــار‬

‫الكاميــرا مقابل الغذاء‬

‫وتعمــل المجموعــة علــى ورفــد الزمــاء الصحفييــن بالتطــورات‬

‫أدوار متعددة‬

‫إصرار ال ينكسر‬

‫يثنيــه ذلــك عــن مواصلــة رســالته اإلعالميــة والتعليميــة‪.‬‬

‫يــدرس بشــير تخصــص اإلعــام وتكنولوجيــا االتصــال فــي الكليــة‬

‫فــي ‪ 14‬ينايــر ‪ ،2025‬تعرضــت العمــارة التــي يســكن فيهــا‬

‫علــى غــزة منــذ أشــهر‪ ،‬وعــزز بمنشــوره دوره الصحفــي اإلنســاني‬ ‫الــذي يحمــل همــوم شــعبه ويتحــدث بصوتهــم معبــراً عــن قســوة‬

‫الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة بغــزة‪ ،‬وعــن ســبب اختيــاره رغــم‬

‫بشــير لقصــف إســرائيلي مباشــر أثنــاء اســتعداده للخــروج لتغطيــة‬

‫الظــروف واشــتداد المعانــاة‪.‬‬

‫تقدمــه فــي العمــر يقــول‪« :‬اختــرت الصحافــة ألنهــا ســاحنا لنقــل‬

‫األحــداث‪ ،‬مــا أدى إلــى استشــهاد ســتة مــن أطفــال عائلتــه وإصابة‬

‫خــال الحــرب عمــل مراســا صحفيــا ومصــور قصــص إنســانية‬

‫والدتــه وزوجــة أخيــه‪ ،‬وتدميــر المنــزل‪ .‬ورغــم االســتهداف واصــل‬ ‫ً‬ ‫قائــا‪« :‬رســالتنا أكبــر مــن‬ ‫عملــه الصحفــي مــن المستشــفى‪،‬‬

‫لصالــح منصــة ســاحات فــي تركيــا‪ ،‬وعمــل صحفيــا بالقطعــة مــع‬

‫األلــم… لــن نضعــف»‪.‬‬

‫التمسك بالجذور‬

‫آمنــة للطلبــة‪ ،‬ويعتبرهــم‪« :‬عمــود البلــد وقــادة التطــور»‪ .‬ويختتم‪:‬‬ ‫«األمــل يولــد مــن األلــم… وســنبقى هنــا مرابطيــن حتــى آخــر‬

‫يرفــض بشــير فكــرة الهجــرة رغــم الخطــر قائــا‪« :‬حتــى لــو وُجــد‬

‫نفــس»‪.‬‬

‫األمــان خــارج فلســطين‪ ،‬فأماننــا الحقيقي هنــا»‪ .‬ويؤكــد أن إصراره‬

‫بشــير أبــو الشــعر ليــس مجــرد ســرد قصــة‪ ،‬بــل تجســيد لــروح‬ ‫شــعب يقــاوم بالكلمــة والصــورة‪ ،‬ويصنــع مــن األلــم قــو ًة تُلهــب‬

‫تلفزيــون فلســطين‪ ،‬واذاعــة الشــمس فــي الناصــرة‪ ،‬واذاعــة‬

‫ويــرى بشــير فــي التعليــم منفـ ً‬ ‫ـذا لألمــل ووصيــة الشــهداء‪ ،‬حيــث‬

‫ووقــوف عائلتــه‪.‬‬

‫العالــم بأكملــه‪ .‬ويختــم حديثــه معنــا بالقــول‪« :‬ربنــا يختبرنــا‬

‫بســمة فــي الخليــل‪.‬‬

‫حصــل علــى دبلــوم فــي الصحافــة بتقديــر امتيــاز عــام ‪،2014‬‬

‫يحلــم بشــير فــي المســتقبل أن يســتطيع توفيــر بيئــة تعليميــة‬

‫بالصبــر… ومــن يــرضَ بقضائــه يُكرمــه باألجــر»‪.‬‬

‫صــوت قضيتنــا‪ ،‬خاصــة مــع تحيــز اإلعــام األجنبــي»‪.‬‬

‫نابــع مــن إيمانــه بالقضــاء والقــدر‪ ،‬ودعــم زمالئــه الصحفييــن‪،‬‬


‫‪10‬‬

‫عين الميدان‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫مشاهد من دمار الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية‬


‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫عين الميدان‬

‫‪11‬‬

‫مشاهد من دمار الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية‬


‫نزيف الحرب‬

‫‪12‬‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫ّ‬ ‫لتودع تسعة من عائلتها‬ ‫الطالبة «الحسنات» خرجت من تحت الركام ِ‬ ‫سجى عياد‪/‬الميدان‪:‬‬

‫في غزة‪ ،‬ال ُتقاس الخسارات‬ ‫باألرقام وحدها‪ ،‬بل ُتقاس‬ ‫بالقلوب التي انكسرت‪،‬‬ ‫واألحالم التي ُط ِمست‪،‬‬ ‫واألرواح التي غابت تحت‬ ‫الركام‪ .‬في قلب هذه المأساة‪،‬‬ ‫تقف «جنين طاهر الحسنات»‬ ‫مــا قبل العاصفة‬

‫كانــت حيــاة جنيــن مثاليــة كمــا تصفهــا‪ :‬بيــتٌ‬ ‫دافــئ‪ ،‬عائلــة مترابطــة‪ ،‬أصدقــاء‪ ،‬طمــوح جامعــي‪،‬‬ ‫وحضــور الفــت علــى وســائل التواصــل االجتماعــي‪.‬‬ ‫تقــول‪:‬‬ ‫«إخوتــي كانــوا عالمــي‪ ،‬كانــوا يشــبهونني أكثــر مــن‬ ‫أي أحــد‪ ،‬وإذا أردتُ الجلــوس مــع مــن يفهمنــي‪،‬‬ ‫كنــت أذهــب إليهــم‪».‬‬ ‫تفوقــت فــي دراســتها األكاديميــة فــي الكليــة‬ ‫الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة بغــزة‪ ،‬فكانــت مــن‬ ‫الطالبــات المتميــزات فــي كليــة التمريــض‪ ،‬تواظــب‬ ‫علــى حضــور المحاضــرات‪ ،‬حتــى تلــك التــي تبــدأ‬ ‫عنــد الثامنــة صباحًــا‪ .‬كانــت شــخصية قياديــة‬ ‫ومبدعــة‪ ،‬تمــزج بيــن الحــزم والمــرح‪ ،‬وتحظــى‬ ‫باحتــرام أســاتذتها وزمالئهــا علــى حــد ســواء‪.‬‬ ‫شــاركت فــي فعاليــات جامعيــة عــدة‪ ،‬وأدارت حفــات‬ ‫تخــرّج واحتفــاالت الطلبــة المتفوقيــن‪ ،‬ووصلــت إلــى‬ ‫المراحــل النهائيــة فــي مســابقة «يــوكاس شــو»‪.‬‬

‫فقدت كل شيء‬

‫بتاريــخ ‪ 20‬نوفمبــر ‪ 2023‬فــي حــي الــدرج‪ ،‬داخــل‬ ‫بيــت مــن ثالثــة طوابــق‪ ،‬كانــت العائلــة تســتعد‬ ‫للنــوم حيــن باغتتهــم الصواريــخ‪ .‬تــروي جنيــن‪:‬‬ ‫«كان كل واحــد فــي فراشــه‪ ...‬ســمعنا صــوت‬ ‫الطائــرة‪ ،‬ظننــاه تحلي ًقــا عاديًــا‪ ،‬لكنــه كان نذيــر‬ ‫المجــزرة‪ .‬أُطلقــت أربعــة صواريــخ دفعــة واحــدة‪،‬‬ ‫بــا ســابق إنــذار‪ ،‬كنــا ننتظــر هدنــة‪ ،‬ال موتًــا بهــذا‬ ‫الشــكل‪».‬‬ ‫فــي ثــوانٍ معــدودة‪ ،‬خســرت جنيــن إخوتهــا‬ ‫الثمانيــة‪ٌّ ،‬‬ ‫وكل منهــم كان يحمــل قصــة‪ ،‬وأحالمًــا‪،‬‬ ‫وســيرة‪:‬‬ ‫• مازن (‪ 49‬عامًا)‪ :‬مدير في وزارة الصحة‬

‫شاهدة ّ‬ ‫حية على األلم‬ ‫والصمود‪ .‬طالبة التمريض التي‬ ‫فقدت تسعة من أفراد عائلتها‬ ‫في لحظة واحدة‪ ،‬وخرجت من‬ ‫تحت األنقاض ال تحمل جراح‬ ‫الجسد فحسب‪ ،‬بل وجع الروح‬ ‫الذي ال ُيبرأ‪.‬‬ ‫• أحمد (‪ 40‬عامًا)‪ :‬استشاري ومدرب إدارة‬ ‫• تســاهيل (‪ 38‬عامًــا)‪ :‬ضابطــة فــي الشــرطة‬ ‫ا لنســا ئية‬ ‫• معاذ (‪ 30‬عامًا)‪ :‬مبرمج‬ ‫• والء (‪ 27‬عامًا)‪ :‬مذيعة وأم لطفلين‬ ‫• سلسبيل (‪ 25‬عامًا)‪ :‬مهندسة برمجيات‬ ‫• عز الدين (‪ 20‬عامًا)‪ :‬توأم جنين ومبرمج‬ ‫• المعتــز بــاهلل (‪ 18‬عامًــا)‪ :‬طالــب ســنة أولــى فــي‬ ‫البرمجــة‬

‫صوت الحياة‬

‫تصــف جنيــن لحظــات نجاتهــا قائلــة‪« :‬رأيــتُ نفســي‬ ‫أمــوت ببــطء‪ ،‬أســمع أصــوات الناجيــن والشــهداء‬ ‫حولــي‪ ،‬أصــرخ‪ ...‬وال أحــد يســمعني‪».‬‬ ‫تــم انتشــالها حيّــة‪ ،‬مثخنــة بالجــراح والصدمــة‪.‬‬ ‫وحيــن علمــت أن والدتهــا نجــت‪ ،‬تمسّــكت باألمــل‬ ‫القليــل المتبقــي‪« :‬طالمــا أن أمــي علــى قيــد الحيــاة‪،‬‬ ‫فمصابنــا مهمــا اشــتدّ يبقــى أهــون‪ ...‬كانــت أمّــي‬ ‫شــعلة األمــل‪».‬‬ ‫واجهــت جنيــن انهيــارًا نفســيًا‪ ،‬لكنهــا رفضــت‬ ‫ً‬ ‫وســيلة للعــاج‪،‬‬ ‫االستســام‪ .‬اتخــذت مــن الكتابــة‬ ‫فصــارت تســرد ذكرياتهــا مــع كل فــرد مــن عائلتهــا‪:‬‬ ‫«كان األلــم أكبــر مــن أن يُبكــى عليــه‪ ...‬فصــرت‬ ‫أكتــب ألتخفــف‪ ،‬ألســتوعب‪ ،‬أللملــم نفســي‪».‬‬ ‫ووجــدت فــي اإليمــان مرتكــزًا للصمــود‪« :‬اهلل ال‬ ‫يُحمّــل أحــدًا مــا ال يطيــق‪ ،‬وال يختــار ألشــد معاركــه‬ ‫إال أقــوى جنــوده‪».‬‬

‫النهوض من الرماد‬

‫بعــد عــام مــن االنقطــاع‪ ،‬عــادت جنيــن إلــى التدريــب‬ ‫العملــي فــي المستشــفى‪ ،‬مدفوعـ ً‬ ‫ـة بدعــم صديقاتها‬ ‫اللواتــي رفضــن أن تنكســر‪« :‬قالــوا لــي‪ :‬يجــب أن‬ ‫تعــودي‪ ...‬كنــا نســتند إليــك‪ ،‬وعلينــا أن نــراك قويــة‬

‫لنقــوى بــك‪».‬‬ ‫واصلــت تدريبهــا الســتكمال متطلبــات مزاولــة‬ ‫المهنــة‪ ،‬وأدّت ســاعاتها بتفــانٍ رغــم عــبء الفقــد‬ ‫والذكريــات‪.‬‬

‫مــن أخت صغرى إلى «أم»‬

‫تحوّلــت جنيــن مــن األخــت الصغــرى إلــى عمــود‬ ‫البيــت‪ .‬صــارت مســؤولة عــن والدتهــا وأختهــا‬

‫الناجيتيــن‪ ،‬تحيطهمــا بالرعايــة واالهتمــام‪« :‬صــرتُ‬ ‫أُديــر كل تفاصيــل حياتهمــا‪ ...‬حتــى تمنيــت أن أرحــل‬ ‫قبلهمــا‪ ،‬كــي ال أتحمّــل صدمــة جديــدة‪».‬‬ ‫رغــم األلــم‪ ،‬أصــرّت جنيــن علــى التخــرّج‪ .‬أنهــت‬ ‫دراســتها بمعــدل جيــد جــدًا‪ ،‬وتقــول‪« :‬كنــتُ‬ ‫معروفــة فــي الجامعــة‪ ،‬وكان لــي حضــور مميــز‪ ...‬مــا‬ ‫زلــت أتذكــر وقوفــي علــى المنصــة‪ ،‬واألنظــار تتجــه‬

‫نحــوي بإعجــاب وفخــر‪».‬‬ ‫قصــة جنيــن ليســت مجــرد روايــة مأســاوية؛ بــل هــي‬ ‫شــهادة ناطقــة بــأن اإلنســان قــادر علــى النهــوض‬ ‫مــن بيــن الرمــاد‪ ،‬وأن مــن رحــم األلــم تولــد قــوة‬ ‫ال تُقهــر‪ .‬جنيــن تمثــل آالف الطالبــات الفلســطينيات‬ ‫اللواتــي تحديــن المســتحيل‪ ،‬ومــا زلــن يواصلــن‬ ‫دربهــن رغــم الجــراح‪.‬‬


‫نزيف الحرب‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫الخريجة «زينب البرعي»‪ :‬جعلت من التمريض نافذة عمل وأمل‬ ‫لينا شرف‪/‬الميدان‪:‬‬

‫تقف زينب تيسير البرعي‪ ،‬ابنة‬ ‫الثانية والعشرين ً‬ ‫ربيعا‪ ،‬خريجة‬ ‫التمريض من الكلية الجامعية‬ ‫للعلوم التطبيقية‪ ،‬على أنقاض‬ ‫بيت أهلها في البلدة القديمة‬ ‫بمدينة غزة‪ ،‬تبحث بين الركام‬ ‫عن بقايا حياة‪.‬‬ ‫فــي مســاء الثانــي مــن نوفمبــر ‪ ،2023‬تمــام‬ ‫السادســة‪ ،‬وبعــد دقائــق مــن صــاة المغــرب‪،‬‬ ‫اســتهدفت طائــرات االحتــال منــزل أهلهــا‪،‬‬ ‫الــذي نزحــت إليــه بعــد دمــار بيتهــا فــي منطقــة‬ ‫«المغراقــة» وســط القطــاع‪ .‬تمــزّق البيــت‪ ،‬وكل‬ ‫مــن فيــه‪.‬‬ ‫كانــت الغرفــة التــي تواجــدت فيهــا تضــم ســتة‬ ‫أرواح‪ :‬زينــب‪ ،‬والدتهــا‪ ،‬والدهــا‪ ،‬ابنتهــا الصغيــرة‬ ‫«ســيال»‪ ،‬شــقيقتها «شــهد»‪ ،‬وابــن شــقيقتها‬ ‫«ســيف الديــن»‪ .‬وحدهــا زينــب خرجــت علــى قيــد‬ ‫الحيــاة‪ ،‬مثخنــة بالجــراح‪.‬‬

‫صاروخ الموت‬ ‫فــي لحظــة الضربــة‪ ،‬كانــت تحتضــن ابنتهــا‬ ‫ووالدتهــا علــى الســرير‪ .‬كل شــيء انهــار فجــأة‪:‬‬ ‫الجــدران‪ ،‬الســقف‪ ،‬والطمأنينــة‪ .‬تقــول زينــب إنهــا‬

‫لــم تــرَ شــي ًئا ســوى الغبــار والتــراب‪ ،‬ولــم تســمع‬

‫تتســاءالن‪ :‬كيــف يعيــش النــاس بعــد فقــد أزواجهــم‬

‫ســوى الصــراخ واالنفجــار‪.‬‬

‫وأطفالهــم؟ لــم تكــن تــدرك أن هــذا الســؤال‬

‫تحــت الــركام‪ ،‬صمــدت نحــو ثالثيــن دقيقــة‪ ،‬ال تــدري‬

‫ســيصير جــز ًءا مــن حياتهــا بعــد دقائــق‪.‬‬

‫مــا إذا كانــت ســتموت أم تبقــى‪ ،‬لكــن شــي ًئا واحــدًا‬

‫ال تســتطيع زينــب نســيان ليالــي الخميــس‪ ،‬وجلســات‬

‫كان واضحًــا‪ :‬الوجــع لــن يرحــل أبــدًا‪.‬‬

‫الجمعــة مــع العائلــة‪ ،‬وال فطورهــم الجماعــي علــى‬

‫بال وداع‬

‫البحــر‪ ،‬وال ضحــكات والدهــا‪.‬‬

‫عندمــا زحفــت خارجـ ً‬ ‫ـة‪ ،‬التقــت بشــقيقها الــذي ســألها‬

‫كل هــذه التفاصيــل تحوّلــت فجــأة إلــى أطــال‬

‫عــن والدتــه وابنتــه‪ ،‬فــردّت بكلمــات قليلــة‪ ،‬لــم‬

‫ذاكــرة‪ ،‬تســكن عقلهــا وتنهــك قلبهــا‪.‬‬

‫يكــن بهــا مســاحة للنجــاة‪« :‬كلهــم راحــوا‪ ،‬محــدش‬

‫عزيمة وأمل‬

‫ضايــل‪».‬‬

‫رغــم كل مــا حــدث‪ ،‬لــم تنكســر‪ .‬تعمــل اليــوم فــي‬

‫اإلصابــات فــي يدهــا ورجلهــا بــدت ضئيلــة أمــام مــا‬

‫مهنتهــا التــي أحبّتهــا‪ ،‬فــي مستشــفى الصحابــة‪،‬‬

‫فــي قلبهــا‪ .‬فقــدت كل شــيء دفعــة واحــدة‪ :‬العائلــة‪،‬‬

‫ولقــد اختــارت حضانــة األطفــال فيهــا؛ ألنهــا تــرى‬

‫األم‪ ،‬الحضــن‪ ،‬والطفلــة‪ .‬الطفلــة التــي لــم تودّعهــا‬

‫األطفــال هنــاك امتــدادًا لطفلتهــا الشــهيدة‪.‬‬

‫إال بالكفــن‪.‬‬ ‫لــم تــرَ جث ًثــا‪ ،‬ولــم تحضــن أحــدًا للمــرة األخيــرة‪.‬‬ ‫وحدهــا «ســيال» أُحضــرت إليهــا بعــد استشــهادها‪،‬‬

‫كل طفــل يمــرّ أمامهــا يُشــبه «ســيال» بطريقــة مــا‪،‬‬ ‫يشــعر أحــد بمــا شــعرت بــه يومًــا‪.‬‬

‫مغ ّلفــة بالبيــاض‪.‬‬

‫تصــرّ علــى البقــاء فــي غــزة‪ ،‬رغــم النــزوح‪ ،‬رغــم‬

‫الحديث األخير‬

‫لذلــك تمنحهــم كل مــا تملكــه مــن الحنــان‪ ،‬حتــى ال‬

‫الخــوف‪ ،‬رغــم الدمــار‪« .‬هــاي بلــدي‪ .‬كبــرت فيهــا‪،‬‬

‫تتحــدث زينــب عــن والدتهــا كأنهــا ال تــزال هنــاك‪:‬‬

‫وهــون ريحــة أهلــي بــكل شــارع‪».‬‬

‫«أمــي كانــت أقــرب إنســانة إلــيّ‪ .‬كانــت تحكيلــي‬

‫تحلــم أن تعمــل مــع المنظمــات اإلنســانية التــي‬

‫دايمًــا‪ :‬كمّلــي حلمــك‪ ،‬واشــتغلي ع حالــك‪».‬‬

‫تُعنــى باألطفــال‪ ،‬ألنهــم ‪ -‬كمــا تقــول ‪ -‬الفئــة التــي‬

‫واليــوم‪ ،‬تســتمر زينــب فقــط مــن أجــل تنفيــذ وصايــا‬

‫دُمّــرت بشــكل لــم يُعطِهــا أحــد حقهــا‪.‬‬

‫والدتهــا‪ ،‬وألجــل الطفلــة التــي رحلــت بيــن ذراعيهــا‪.‬‬

‫وعندمــا تســألها عــن الحلــم الشــخصي‪ ،‬ال تتــردد‪ ،‬وال‬

‫قبــل الغــارة بوقــت قصيــر‪ ،‬كانــت تجلــس مــع‬

‫تتفلســف‪ ،‬تقولهــا كمــا هــي‪ ،‬بهــدوء يشــبه المــوت‪:‬‬

‫والدتهــا وتتحدثــان عــن الشــهداء اآلخريــن‪ .‬كانتــا‬

‫«حلمي الوحيد‪ ...‬إني ألتقي بأهلي‪».‬‬

‫الطالبة المتفوقة «رغد حسنين»‬ ‫ألهمت زميالتها في حياتها وشهادتها‬ ‫سجى عياد‪/‬الميدان‪:‬‬

‫وجوه ال تمحى‪ُّ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫تظل ّ‬ ‫حية رغم الغياب‪ ،‬نابضة بالحضور ولو طال الفقد‪ .‬كانت رغد‬ ‫في ذاكرة القلب‪،‬‬ ‫ً‬ ‫واحدة من تلك الوجوه؛ شابة فلسطينية طموحة‪ ،‬طالبة إعالم متفوقة في الكلية الجامعية‬ ‫حسنين‬ ‫ُ‬ ‫للعلوم التطبيقية بغزة‪ ،‬عرفت بأخالقها الرفيعة وروحها النقية وابتسامتها اللطيفة‪ .‬كانت على أعتاب‬ ‫التخرج‪ ،‬تحلم بمستقبل مشرق تصنعه بكلمتها وصورتها‪ ،‬وتمضي نحوه بخطى ثابتة وإيمان ال يلين‪.‬‬ ‫دفء الحضور‬ ‫تــروي شــقيقتها إينــاس حســنين أن رغــد هــي‬ ‫االبنــة الرابعــة بيــن ســبعة أبنــاء لــأب ياســر‬ ‫حســنين (‪ 53‬عامًــا) واألم هنــادي (‪ 49‬عامًــا)‪.‬‬ ‫ترتيــب اإلخــوة‪ :‬محمــد‪ ،‬إينــاس‪ ،‬نايــف‪ ،‬رغــد‪،‬‬ ‫جمانــة‪ ،‬دانــة‪ ،‬وأســعد‪ .‬نشــأت األســرة فــي حــي‬ ‫الشــجاعية‪ ،‬فــي بيــتٍ دافــئ تحفــه المحبــة‬ ‫والترابــط‪ ،‬وتغمــره روح التعــاون والعطــاء‪.‬‬ ‫بيــتٌ ينبض بالحياة‬ ‫تقــول إينــاس إن العائلــة كانــت شــديدة‬ ‫التماســك‪ ،‬وكانــت رغــد األقــرب إليهــا‪ ،‬تعشــق‬ ‫التصويــر والرحــات‪ ،‬تمــأ المنــزل بالحيويــة‪،‬‬ ‫وتضفــي عليــه بهجــة ال تُنســى‪ .‬ومــع بدايــة‬ ‫العــدوان‪ ،‬اضطــرت العائلــة للنــزوح مــن‬ ‫الشــجاعية‪ ،‬فتنقلــت بيــن الزوايــدة والمغــازي‬ ‫ومناطــق أخــرى فــي الجنــوب‪ .‬لكــن مشــقة‬ ‫التنقــل والحنيــن للبيــت دفعهــم للعــودة إلــى‬ ‫الشــجاعية‪ ،‬حيــث أقامــوا فــي منــزل خالهــم‬ ‫بشــارع بغــداد‪.‬‬ ‫ليلة المجزرة‬ ‫تســتحضر إينــاس تلــك الليلــة قائلــة‪« :‬فــي‬ ‫‪ 7‬نوفمبــر‪ ،2023‬تحوّلــت الشــجاعية إلــى‬ ‫مشــهد يشــبه يــوم القيامــة‪ .‬المجــازر كانــت‬ ‫فــي كل زاويــة‪ ،‬وعائلتــي كانــت هنــاك‪ ،‬بينمــا‬ ‫كنــت فــي بيــت زوجــي‪ .‬لــم أكــن معهــم‪ ،‬ولــم‬ ‫أعــرف مــا كانــوا يفعلونــه وقــت القصــف‪».‬‬ ‫استشهاد جماعي‬ ‫تتابــع إينــاس بحــزن عميــق‪« :‬استُشــهد جميــع‬ ‫أفــراد العائلــة فــي اللحظــة نفســها بســبب‬ ‫ضغــط الصــاروخ‪ ،‬ولــم ينــجُ أحــد‪ .‬تــم انتشــال‬ ‫جثامينهــم فــي اليــوم ذاتــه‪ ،‬باســتثناء والــدي‬ ‫وأخــي نايــف‪ ،‬اللذيــن عُثــر عليهمــا بعــد ثالثــة‬ ‫أيــام‪».‬‬ ‫كانــت لحظــة تلقــي الخبــر كابوسًــا ال يُحتمــل‪،‬‬ ‫صدمــة مــا تــزال آثارهــا تنهــش الــروح‪،‬‬ ‫ومحاولــة التعايــش مــع هــذا الفقــد الجســيم‬ ‫مســتمرة إلــى اليــوم‪.‬‬ ‫تقــول إينــاس بحرقــة‪« :‬لــو بقيــت رغــد حيّــة‪،‬‬

‫لكانــت أول مــن يدافــع عــن شــعبنا بالكلمــة‬ ‫والصــورة‪ .‬لــو كانــت بيننــا‪ ،‬لقالــت للعالــم‪ :‬ال‬ ‫تنســوا غــزة‪ ،‬وال تنســوا الشــهداء‪».‬‬ ‫رغد في الجامعة‬ ‫تقــول زميلتهــا فــي الدراســة أســيل شــمالي‪:‬‬ ‫«كانــت رغــد إنســانة ال تُنســى‪ .‬قريبــة مــن‬ ‫الجميــع‪ ،‬محبّــة بطبعهــا‪ ،‬صادقــة فــي تعاملها‪،‬‬ ‫نقيــة فــي روحهــا‪ ،‬وعميقــة فــي نظرتهــا‬ ‫لذاتهــا‪ .‬لــم تســعَ يومًــا للفــت االنتبــاه أو‬ ‫لرضــى اآلخريــن‪ ،‬كانــت تؤمــن أن قيمتهــا‬ ‫تنبــع مــن داخلهــا‪ ،‬ال ممــا يــراه النــاس‪».‬‬ ‫تضيــف أســيل‪« :‬كان صــوت رغــد داف ًئــا‬ ‫وعذبًــا‪ ،‬حلمــت بإطــاق بودكاســت حــول‬ ‫التأمــل والديــن والصحــة النفســية‪ .‬كانــت‬ ‫تُرســل لنــا تســجيالت بصوتهــا تطلــب آراءنــا‪،‬‬ ‫واليــوم أصبحــت تلــك التســجيالت موجعــة فــي‬ ‫غيابهــا‪».‬‬ ‫وتــروي موق ًفــا مــن مســيرات العــودة‪ ،‬حيــن‬ ‫تأثــرت رغــد بقصــة أحــد الجرحــى‪ ،‬وقالــت‬ ‫بتأمــل‪« :‬كيــف ممكــن نكمّــل الحيــاة بعــد مــا‬ ‫نســمع القصــص هــاي؟»‪ ،‬مضيفـ ً‬ ‫ـة أن رغــد لــم‬ ‫تكــن تــرى فــي اآلخريــن مجــرد حــاالت صحفيــة‪،‬‬ ‫بــل قضايــا إنســانية تســتحق أن تُــروى بصدق‪.‬‬ ‫شخصية متزنة‬ ‫تقــول د‪ .‬نــداء الدريملــي‪ ،‬أســتاذة رغــد فــي‬ ‫الجامعــة‪ ،‬إنهــا كانــت طالبــة هادئــة ومتزنــة‪،‬‬ ‫تتجنــب الخالفــات وتحــرص علــى تهدئــة‬ ‫األجــواء‪ .‬كانــت دائمًــا مبــادرة لإلصــاح‪،‬‬ ‫متعاونــة ومجتهــدة‪ ،‬تســعى للتميّــز األكاديمي‬ ‫بــروح نقيّــة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫تضيــف الدكتــورة نــداء‪« :‬كانــت رغــد تشــارك‬ ‫بفعاليــة‪ ،‬تبــدي آراءهــا بثقــة واحتــرام‪ ،‬تنثــر‬ ‫روح األلفــة فــي القاعــة بخفــة ظلهــا وأناقتهــا‬ ‫الفكريــة‪ .‬جمعــت بيــن الجديــة في التع ّلــم وروح‬ ‫المــرح‪ ،‬وتميّــزت بقــدرات إعالميــة فريــدة‪ ،‬مــن‬ ‫أبرزهــا اإلبــداع والتفكيــر النقــدي‪ ،‬إضافـ ً‬ ‫ـة إلــى‬ ‫قدرتهــا علــى اإللقــاء والتعبيــر بوضــوح وثقــة‪،‬‬ ‫مــا يـ ّ‬ ‫ـدل علــى شــخصية ناضجــة ومتمكنــة‪».‬‬

‫حضور ال يُنسى‬ ‫وتؤكــد الدكتــورة نــداء أن رغــد كانــت محبّــة‬ ‫للجميــع‪ ،‬لطيفــة فــي تعاملهــا‪ ،‬تجمــع بيــن‬ ‫االجتهــاد واألخــاق الرفيعــة‪ .‬كان لهــا أثــر‬ ‫ملمــوس فــي القاعــة مــن خــال تفاعلهــا‬ ‫اإلنســاني الراقــي ونقاشــاتها العميقــة‪.‬‬ ‫تختتــم الدكتــورة نــداء حديثهــا بكلمــات‬ ‫تفيــض ألمًــا واعتــزازًا‪« :‬رغــد لــم تكــن مجــرد‬ ‫طالبــة متفوقــة‪ ،‬بــل مواطنــة صادقــة‪ ،‬حملــت‬ ‫روح المســؤولية واالنتمــاء بــكل إخــاص‪.‬‬ ‫نحتســبها شــهيدة عنــد اهلل‪ ،‬ونســأله أن يرفــع‬ ‫مقامهــا‪ ،‬ويجبــر قلــوب أهلهــا ومحبيهــا بمــا ال‬ ‫يُفقدهــم صبرهــم‪».‬‬

‫عائلة الطالبة الشهيدة‬ ‫رغد حسنين‬

‫‪13‬‬


‫‪14‬‬

‫نزيف الحرب‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫ّ ُ‬ ‫المحاضر «الكويفي»‪ :‬ودع أسرته وعاد ليواصل محاضراته‬

‫مصعــب أبو زيد‪/‬الميدان‪:‬‬

‫من قلب المأساة التي يعيشها‬ ‫قطاع غزة‪ ،‬وبين أنقاض البيوت‬ ‫وصدى الغارات‪ ،‬تبرز قصة‬ ‫ُتالمس جوهر الصمود اإلنساني‪.‬‬ ‫«محمــد إســماعيل الكويفــي»‪ ،‬المــدرس فــي قســم‬ ‫اإلعــام وتكنولوجيــا االتصــال بالكليــة الجامعيــة‬ ‫للعلــوم التطبيقيــة‪ ،‬الــذي فقــد منزلــه وأســرته فــي‬ ‫َّ‬ ‫يتخــل عــن مواصلــة‬ ‫أحــد أعنــف أيــام الحــرب‪ ،‬لــم‬ ‫رســالته التعليميــة والعنايــة بطالبــه‪ .‬حمــل جراحــه‪،‬‬ ‫وجلــس ِّ‬ ‫يعلــم طالبــه تحــت القصــف‪ ،‬مؤمنًــا‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫وبــأن‬ ‫بــأن رســالته التعليميــة ال يجــب أن تمــوت‪،‬‬ ‫المعرفــة قــد تكــون آخــر مــا تب ّقــى ليربطــه بالحيــاة‪.‬‬

‫ذاكرة األلم‬

‫يســتذكر الكويفــي مــا حــدث معــه فــي‬ ‫‪2024/07/03‬م‪ ،‬فيقــول‪« :‬دخلــتُ البيــت مــع أذان‬ ‫المغــرب كعادتــي‪ .‬جلســتُ علــى ســريري المُث َقــل‬ ‫بهمــوم اليــوم‪ .‬رائحـ ُ‬ ‫ـة الطعــام تتسـ ّلق مــن المطبخ‪،‬‬ ‫وصــوت مُعتصــم‪ ،‬ابنــي‪ ،‬يهمــس ألختــه صَبــا‪:‬‬ ‫(قولــي لبابــا بعــد األكل نريــد مشــاهدة التلفــاز)‪.‬‬ ‫مــررتُ بجانــب زينــة النائمــة‪ ،‬فرأيــتُ شَــعرها‬ ‫الذهبــي يتمايــل كحقــل قمــح‪ .‬أكملــتُ طريقــي إلــى‬ ‫الغرفــة المجــاورة وأنــا أردد‪( :‬ربنــا يســ ّلمكم)‪».‬‬ ‫ويتابــع‪ ،‬وقــد ذرفــت عينــاه بالدمــوع‪« :‬بينمــا كنــت‬ ‫أســتعدُّ لصــاة المغــرب‪َّ ،‬‬ ‫رن جــرس هاتفــي‪ .‬جــاري‬ ‫«أبــو ثائــر» يدعونــي لســهرة قهــوة‪ .‬اعتــذرت‪:‬‬

‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫ليلــة أخــرى‪ .‬أغلقــتُ‬ ‫تعبــان يــا عزيــزي… ربمــا‬ ‫الهاتــف‪ ،‬وأكملــتُ صالتــي‪ .‬بعــد الصــاة‪ ،‬اســتلقيتُ‬ ‫علــى األرض كجثــة‪ .‬قلــتُ فــي نفســي‪( :‬العشــاء‬ ‫قريــب‪ ،‬ســأصلي ثــم أهــرب إلــى ســريري)‪».‬‬

‫الفاجعة‬

‫«فجــأة‪ ...‬فتحــتُ عينــيّ ألجــد األلــم ينهــش جســدي‬ ‫كالوحش‪ .‬أســمع همســاتٍ مبهمــة‪ ،‬كأنمــا أصواتهم‬ ‫تأتــي مــن قــاع بحــر مظلــم‪ .‬حاولــت النهــوض‪ ،‬فــإذا‬ ‫بعظامــي تصــارع تحــت الجلــد‪ .‬علمــتُ حينهــا أننــي‬ ‫فــي مستشــفى المعمدانــي»‪ ،‬يقــول الكويفــي‪.‬‬ ‫بصــوتٍ متقطــع يواصــل حديثــه‪« :‬أقبــل نحــوي‬ ‫عديلــي «أبــو تامــر»‪ ،‬عينــاه تنضحــان بالكارثــة‪:‬‬ ‫( ُقصِــف بيتكــم… زوجتــك و»معتصــم» و»صَبــا»…‬ ‫شــهداء)‪ .‬كلماتــه كالمطرقــة تهشــم جمجمتــي‪.‬‬ ‫أمــا «زينــة»‪ ...‬فهــي مصابــة‪ .‬حاولــتُ الصــراخ‪ ،‬فلــم‬ ‫شــهيق مكســور‪( :‬إنــا هلل وإنــا إليــه‬ ‫يخــرج ســوى‬ ‫ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫وتحطمــي‪».‬‬ ‫راجعــون)‪ .‬وحمــدتُ اهلل فــي ضعفــي‬ ‫يوضــح الكويفــي َّ‬ ‫أن الوقــت ال يعالــج‪ ،‬ولكنــه‬ ‫يُخفــف األلــم‪ .‬فالهــروب مــن الواقــع‪ ،‬وإشــغال‬ ‫وقتــه بالكامــل‪ ،‬هــو مــا ســاعده بعــض الشــيء فــي‬ ‫التخفيــف عنــه‪ ،‬رغــم التأثيــر الكبيــر الــذي طــرأ علــى‬ ‫حياتــه وحالتــه النفســية؛ حيــث أصبــح مُشــرّدًا فــي‬ ‫المــدارس‪ ،‬ومراكــز اإليــواء‪ ،‬والخيــام‪ ،‬بعــد أن كان‬ ‫يملــك كل شــيء‪.‬‬

‫التعليــم في الحرب‬

‫ويشــير إلــى َّ‬ ‫أن الدافــع األساســي الســتمراره فــي‬ ‫التدريــس‪ ،‬رغــم ظروفــه الخاصــة وظــروف القطــاع‬ ‫عامــة‪ ،‬هــو قناعتــه بــأن يكــون لــه دور فــي تعليــم‬

‫جيــل متعلــم ينفــع هــذا الوطــن‪.‬‬ ‫الطــاب‪ ،‬وإنشــاء‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بالرغــم مــن الظــروف الصعبــة التــي تُواجهــه‪،‬‬ ‫مــن انقطــاع الكهربــاء‪ ،‬والنــزوح‪ ،‬والوضــع النفســي‬ ‫الــذي يمــرُّ بــه‪ ،‬إال أنَّــه تميــز فــي دروســه‪ ،‬وكانــت‬ ‫األفضــل مــن حيــث اإلعــداد والجهوزيــة والترتيــب‪،‬‬ ‫وذلــك بفضــل خبرتــه الطويلــة فــي مجالــي اإلعــام‬ ‫والتكنولوجيــا‪.‬‬

‫الرسالة‬

‫ذكــر أهميــة دور األكاديمــي فــي التعليــم‪ ،‬حيث يعمل‬

‫علــى زيــادة التوعيــة فــي المجــاالت المتخصصــة‪،‬‬ ‫مــن خــال النشــر علــى المنصــات‪ ،‬وتقديــم‬ ‫الشــروحات‪ ،‬خصوصًــا فــي األزمــات والمشــكالت‬ ‫الداخليــة والخارجيــة‪ ،‬وتوضيــح وجهــات نظــره‪ .‬كمــا‬ ‫لــه دور كبيــر فــي حيــاة الطالــب ومجتمعــه‪ ،‬فالتعليــم‬ ‫ً‬ ‫جيــا قــادرًا علــى القيــادة‪ ،‬وإدارة بلــده‪،‬‬ ‫يصنــع‬ ‫ً‬ ‫وجيــا يطــوّر نفســه لخدمــة مجتمعــه‪.‬‬ ‫يُقــدّم الكويفــي شــكره إلدارة الكليــة الجامعيــة‬ ‫لتقديمهــم الدعــم لــه الســتمرار تدريســه‪ ،‬وألنهــم‬

‫أتاحــوا لــه الفرصــة فــي التدريــس مــن دون أي‬ ‫ضغوطــات‪.‬‬ ‫مــن بيــن الرمــاد تنهــض اإلرادة‪ .‬يُواصــل األســتاذ‬ ‫محمــد الكويفــي رســالته‪ ،‬ليقــول للعالــم إن التعليــم‬ ‫فــي غــزة ليــس رفاهيــة‪ ،‬بــل مقاومــة‪ ،‬وأن الخســارات‬ ‫الكبــرى ال تُطفــئ نــور الرســالة‪ ،‬بــل تزيدهــا‬ ‫توهُّجًــا‪.‬‬

‫األمومة والجامعة والنزوح‪ :‬خمسون ً‬ ‫يوما من األسر والتعذيب لصاحب‬ ‫رفاق درب الطالبة «غيداء الشوا» «البنطال األبيض»‬ ‫في الحرب‬

‫وســيم الجملة‪/‬الميدان‪:‬‬

‫جالل أحمد‪/‬الميدان‪:‬‬

‫“غيداء وبالل” حكاية من‬ ‫حكايات ّ‬ ‫الحب الصافي القديم‪،‬‬ ‫بنكهة فلسطينية‪ .‬اختارا‬ ‫بعضهما ليكونا ً‬ ‫معا في رحلة‬ ‫العمر‪ .‬شهران فقط من الزواج‬ ‫كانا كافيين لبناء األحالم ورسم‬ ‫مالمح صورة الغد‪.‬‬ ‫فقــدٌ ال يُحتمل‬

‫مــع اشــتداد وطــأة الحــرب علــى غــزة‪ ،‬بــدأت غيــداء‬ ‫الشــوا‪ ،‬طالبــة اإلعــام فــي الكليــة الجامعيــة للعلــوم‬ ‫التطبيقيــة‪ ،‬تشــعر بالخــوف علــى كل شــيء حولهــا‪.‬‬ ‫وفــي يــوم الجمعــة‪ ،‬الســابع عشــر مــن نوفمبــر‬ ‫‪ ،2023‬بينمــا كان زوجهــا بــال يهــمّ بفتــح كــراج‬ ‫عملــه‪ ،‬اختطفتــه يــد الغــدر فــي لحظــة قصــفٍ‬ ‫مفاجئــة‪.‬‬ ‫لــم تكــن غيــداء لتســتوعب األمــر؛ بــال هنــاك‪ ،‬فــي‬ ‫األســفل‪ ،‬محمــيٌّ فــي الكــراج‪ ،‬لكــن الحقيقــة كانــت‬ ‫أقســى مــن التصــوّر‪ .‬نزلــت مســرعة وســط الــركام‬ ‫والفوضــى والصرخــات‪ ،‬تبحــث عــن «باللهــا”‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫لحظــة رؤيتهــا والــد زوجهــا يحتضنــه باكيًــا‬ ‫بكلمــاتٍ تقطــر ألمًــا‪« :‬كســرت ظهــري يــا بابــا‪...‬‬ ‫ميــن بعــدك يوقــف جنبــي؟»‪ ،‬كانــت هــي اللحظــة‬ ‫التــي ّ‬ ‫تحطــم فيهــا جــز ٌء مــن روح غيــداء إلــى األبــد‪.‬‬ ‫حاولــوا إســعافه‪ ،‬وتمسّــكت ببصيــص أمــل‪ ،‬لكــن‬ ‫بــال‪ ،‬حبيــب الــروح‪ ،‬رحــل شــهيدًا‪.‬‬

‫قلبان في الســماء‬

‫أصــوات القصــف‪ ،‬توفيــر احتياجاتــه األساســية وســط‬ ‫شــحّ المــوارد‪ ،‬ومحاولــة منحــه األمــان النفســي فــي‬ ‫عالــم ال يعــرف األمــان‪.‬‬ ‫تــرى غيــداء فــي عينــي ابنهــا مســؤولية كبــرى‪،‬‬ ‫ووعــدًا لروحَــي بــال ووســيم بــأن ينشــأ هــذا الطفل‬ ‫قويًــا وســعيدًا‪ .‬تقــول غيــداء‪« :‬عندمــا يــرى بــال‬ ‫الصغيــر صــور والــده وخالــه علــى الهاتــف‪ ،‬يبتســم‬ ‫كأنــه يعرفهمــا”‪.‬‬

‫عودة إلى الدراسة‬

‫ـل عميــق‪ ،‬بيــن رعايــة بــال الصغيــر‬ ‫فــي لحظــة تأمـ ٍ‬ ‫وعــبء الذكريــات المؤلمــة‪ ،‬أدركــت غيــداء أنهــا‬ ‫فعــل يتجــاوز البقــاء علــى قيــد الحيــاة‪.‬‬ ‫بحاجــة إلــى ٍ‬ ‫وهنــا تج ّلــت عظمــة الــروح؛ قــررت غيــداء أن تعــود‬ ‫إلــى مقاعــد الدراســة فــي الكليــة الجامعيــة‪.‬‬ ‫ـرار عــادي‪ ،‬بــل هــو فعــل‬ ‫تضيــف‪« :‬لــم يكــن مجــرد قـ ٍ‬ ‫تحــدٍّ بطولــي فــي وجــه اليــأس والدمــار‪ .‬دراســتي‬ ‫لإلعــام لــم تعــد حلمًــا شــخصيًا فقــط‪ ،‬بــل أصبحــت‬ ‫أمانــة تجــاه ابنــي‪ ،‬وســيلة لتمكينــه‪ ،‬لفتــح أبــواب‬ ‫الحيــاة لــه فــي عالــم أغلــق أبوابــه فــي وجــه غــزة”‪.‬‬ ‫ٍ‬

‫بالعلم ننجو‬

‫لــم تكــد تمــرّ أيــام الحــزن األولــى‪ ،‬ولــم تتعــافَ‬ ‫الــروح بعــدُ مــن صدمــة الفقــد األكبــر‪ ،‬حتــى تلقــت‬ ‫غيــداء ضربــة ثانيــة مزّقــت مــا تبقــى مــن قلبهــا‪.‬‬ ‫وســيم‪ ،‬الشــقيق والصديــق‪ ،‬المقــرّب مــن زوجهــا‬ ‫بــال‪ ،‬والــذي احتضــن غيــداء ووعدهــا أن يكــون‬ ‫كأب لطفلهــا الــذي تحملــه‪ ،‬ارتقــى شــهيدًا فــي‬ ‫الســادس عشــر مــن ديســمبر ‪.2023‬‬ ‫وســيم الشــوا‪ ،‬الــذي كان يحــاول ترميــم مــا كســرته‬ ‫الحــرب فــي نفــس غيــداء‪ ،‬رحــل هــو اآلخــر بينمــا كان‬ ‫يؤمّــن لــوازم بيتــه‪ .‬فقــدت غيــداء عمــودي خيمتهــا‪:‬‬ ‫الرجــل الــذي اختارتــه ليكــون شــريك حياتهــا‪ ،‬واألخ‬ ‫الــذي كان ســندها األقــوى‪ .‬وجــعٌ مضاعــفٌ ال يمكــن‬ ‫للكلمــات وصــف عمقــه‪.‬‬

‫التع ّلــم فــي غــزة اليــوم معركــة حقيقيــة؛ ال يوجــد‬ ‫إنترنــت مســتقر‪ ،‬وال كهربــاء‪ ،‬والبحــث عــن مــكان‬ ‫لالتصــال بالجامعــة اإللكترونيــة يعنــي المخاطــرة‬ ‫بالخــروج إلــى مناطــق قــد تكــون خطــرة‪.‬‬ ‫الموازنــة بيــن المحاضــرات وواجبــات األمومــة أمــرٌ‬ ‫مرهــقٌ للغايــة‪ .‬فــي الســاعات القليلــة التــي يغفــو‬ ‫فيهــا بــال الصغيــر‪ ،‬تتحــول غرفــة غيــداء الصغيــرة‬ ‫إلــى ســاحة معركــة مــع الكتــب والشاشــات‪.‬‬ ‫هــي تقتطــع مــن راحتهــا‪ ،‬ومــن نومهــا‪ ،‬ومــن وقتهــا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مدفوعــة بحــبٍّ غيــر مشــروط‬ ‫لتنهــل مــن العلــم‪،‬‬ ‫البنهــا‪ ،‬ووعــدٍ صامــتٍ لروحَــي بــال ووســيم بــأن‬ ‫أمانتهمــا لــن تضيــع‪.‬‬

‫ورغــم صعوبــة الحمــل فــي ظــل النــزوح المســتمر‪،‬‬ ‫والجــري فــي الشــوارع‪ ،‬حفــظ اهلل أمانتــه‪ .‬ففــي‬ ‫الســابع مــن يونيــو ‪ ،2024‬وُلــد بــال الصغيــر‪،‬‬ ‫أمــل‬ ‫يحمــل اســم والــده‪ ،‬ويحمــل معــه إشــراقة‬ ‫ٍ‬ ‫وســط الــركام‪.‬‬ ‫حــرب ضاريــة‪،‬‬ ‫ظــروف‬ ‫فــي‬ ‫صعبــة‪،‬‬ ‫كانــت والدة‬ ‫ٍ‬ ‫اضطــر أهلهــا للنــزوح مجــددًا صبــاح يــوم والدتــه‪.‬‬ ‫لكــن وجــود الطفــل كان كالوقــود الــذي يدفــع غيــداء‬ ‫لالســتمرار‪.‬‬ ‫تربيــة بــال فــي غــزة معركــة يوميــة‪ :‬حمايتــه مــن‬

‫أكبــر مخاوفهــا هــو أن يخســرها ابنهــا‪ ،‬أو أن تخســره‬ ‫هــي‪ .‬لكــن هــذا الخــوف ذاتــه يتحــول إلــى قــوة‬ ‫دافعــة‪ .‬تــدرس بجــدٍّ لتتخــرج‪ ،‬وتجــد عمـ ً‬ ‫ـا كريمًــا‪،‬‬ ‫وتؤمّــن لبــال حيــا ًة يســتحقها‪.‬‬ ‫هــي تحلــم لــه بطفولــة طبيعيــة‪ ،‬باللعــب فــي‬ ‫الحدائــق‪ ،‬بالركــوب علــى المراجيــح التــي حُــرم منهــا‬ ‫أطفــال غــزة‪ .‬تحلــم باألمــان لغــزة‪ ،‬وباألمــان البنهــا‪.‬‬ ‫غيــداء رســال ٌة للعالــم بــأن الــروح الفلســطينية ال‬ ‫تُكســر‪ ،‬وأن األمــل بالمســتقبل يتجــدد مــع كل كلمــة‬ ‫تُقــرأ‪ ،‬ومــع كل محاضــرة‪ ،‬ودرس‪ ،‬وكتــاب‪.‬‬

‫حمـ ٌ‬ ‫ـل وأمومة تحت النار‬

‫خوف وأمومة وصبر‬

‫في صباح رمادي من أيام‬ ‫الحرب على غزة‪ ،‬يقف «محمد‬ ‫عبيد»‪ ،‬طالب بكالوريوس اإلعالم‬ ‫في الكلية الجامعية للعلوم‬ ‫التطبيقية‪ ،‬قرب مستشفى‬ ‫الشفاء بعد حصار دام ً‬ ‫أياما‪.‬‬ ‫ً‬ ‫يخرج بحثا عن األمان بتنسيق‬ ‫ً‬ ‫متجها‬ ‫من الصليب األحمر‪،‬‬ ‫ً‬ ‫جنوبا عبر طريق صالح الدين‪،‬‬ ‫دون أن يدرك أن عبوره من‬ ‫حاجز «نيتساريم» سيقوده إلى‬ ‫خمسين ً‬ ‫يوما من الجحيم في‬ ‫سجون االحتالل‪.‬‬ ‫فــي صبــاح رمــادي مــن أيــام الحــرب علــى غــزة‪،‬‬ ‫يقــف «محمــد عبيــد»‪ ،‬طالــب بكالوريــوس اإلعــام‬ ‫فــي الكليــة الجامعيــة للعلــوم التطبيقيــة‪ ،‬قــرب‬ ‫مستشــفى الشــفاء بعــد حصــار دام أيامًــا‪ .‬يخــرج‬ ‫بح ًثــا عــن األمــان بتنســيق مــن الصليــب األحمــر‪،‬‬ ‫متجهًــا جنوبًــا عبــر طريــق صــاح الديــن‪ ،‬دون أن‬ ‫يــدرك أن عبــوره مــن حاجــز «نيتســاريم» ســيقوده‬ ‫إلــى خمســين يومًــا مــن الجحيــم فــي ســجون‬ ‫االحتــال‪.‬‬

‫االعتقال‬

‫فــي ‪ 14‬نوفمبــر ‪ ،2023‬عنــد الحاجــز الــذي تســميه‬ ‫ّ‬ ‫«الحلبــة»‪ ،‬ينــادي جنــدي‪:‬‬ ‫قــوات االحتــال‬ ‫«أبو البنطلون األبيض‪ ،‬تقدّم!»‬ ‫يلتفــت محمــد بدهشــة‪ ،‬يتحســس بنطالــه ويقــول‪:‬‬ ‫«أنــا؟»‬ ‫يرد الجندي ببرود‪« :‬نعم‪ ،‬أنت‪».‬‬ ‫يتقــدّم محمــد بخطــى متــرددة نحــو الجنــود‬ ‫المتمركزيــن علــى تلــة تبعــد نحــو مئــة متــر‪ .‬وأثنــاء‬ ‫تأملــه للمشــهد‪ ،‬تقــع عينــاه علــى أطفــال ونســاء‬ ‫وشــباب محتجزيــن‪ ،‬وجوههــم شــاحبة وأجســادهم‬ ‫ترتجــف بــردًا وخو ًفــا‪ .‬يأمــره الجنــدي برفــع يديــه‬ ‫وإبــراز هويتــه‪ ،‬يلتقــط لــه صــورة‪ ،‬ثــم يقــول‪:‬‬ ‫«اجلــس علــى الجنــب‪».‬‬

‫اللحظة الفاصلة‬

‫بعــد لحظــات‪ ،‬يُنــادى اســمه مجــددًا‪ .‬يظــن أن‬ ‫عودتــه ألهلــه باتــت وشــيكة‪ ،‬لكنــه يُفاجــأ بمــا‬ ‫يخالــف كل تو ّقعاتــه‪ ،‬وهــو واثــق مــن براءتــه‪.‬‬ ‫يُطلــب منــه خلــع مالبســه بالكامــل‪ ،‬والتخلــص‬ ‫مــن كل مــا يملــك‪ :‬هاتفــه‪ ،‬مالــه‪ ،‬جــواز ســفره‪ .‬ثــم‬ ‫يُقتــاد إلــى العــراء وســط جــو بــاردٍ قــارس‪ ،‬ويُجبــر‬ ‫أرض مليئــة بالحجــارة الحــادة‪،‬‬ ‫علــى االســتلقاء فــوق ٍ‬ ‫مــع مــن اعتُقلــوا معــه‪ ،‬وقــد انهــال الجنــود عليهــم‬ ‫ضربًــا‪ُ ،‬‬ ‫بكســور وكدمــات‪.‬‬ ‫فأصيبــوا‬ ‫ٍ‬

‫ومــع أول قطــرات المطــر‪ ،‬يبــدأ المعتقلــون‬ ‫باالرتجــاف‪ ،‬ويصرخــون بصــوتٍ واحــد‪« :‬يــا رب‪ ،‬يــا‬ ‫رب‪ ،‬يــا رب‪ ...‬أوقــف المطــر!»‬ ‫لكــن هــذا الصــوت يُرعــب الجنــود‪ ،‬فيُمعنــون فــي‬ ‫قســوتهم‪ ،‬ويصبّــون مزيــدًا مــن الوحشــية‪ ،‬وكأن‬ ‫اإلنســانية جريمــة‪.‬‬ ‫فــي اليــوم الــذي تجتمــع فيــه كل ألــوان القهــر‪،‬‬ ‫يُنقــل محمــد إلــى منطقــة عســكرية تُعــرف بـ»غالف‬ ‫غــزة»‪ ،‬حيــث يدخــل دهاليــز التعذيــب‪ .‬هنــاك‪ ،‬ال‬ ‫وقــت لــه معنــى‪ ،‬وال الوجــوه تحمــل رحمــة‪ .‬يقضــي‬ ‫عشــرة أيــام مــن الضــرب‪ ،‬والتحقيــق‪ ،‬والتجويــع‪،‬‬ ‫واإلذالل‪ ،‬دون توجيــه تهمــة حقيقيــة‪ .‬ثــم تُحضــره‬ ‫شــرطة االحتــال وتنقلــه إلــى ســجن النقــب‪.‬‬

‫ا لتحقيق‬

‫فــي ســجن النقــب‪ ،‬تبــدأ رحلــة األســر الحقيقيــة‪.‬‬ ‫ثالثــة أيــام مــن التحقيــق المتواصــل‪ ،‬ســاعات مــن‬ ‫الضــرب مقابــل ســاعة واحــدة مــن األســئلة التــي ال‬ ‫تشــير إلــى أي تهمــة فعليــة‪ ،‬بــل تتركــز حــول جمــع‬ ‫«معلومــات»‪.‬‬ ‫األسئلة؟ مجرد واجهة للتعذيب‪:‬‬ ‫«أين كنت في ‪ 7‬أكتوبر؟»‬ ‫«أين توجد األنفاق؟»‬ ‫«هل تعرف مكانًا للمقاومين؟»‬ ‫لكن ال شيء يُدين محمد‪ .‬ال دليل‪ ،‬ال اعتراف‪.‬‬ ‫فــي إحــدى جلســات التحقيــق‪ ،‬يفتــح المح ّققــون‬ ‫هاتفــه‪ ،‬ويجــدون صــورًا ألشــاء أطفــال التقطهــا‬ ‫أثنــاء الحــرب‪ ،‬فيســألونه عنهــا‪.‬‬ ‫يرد محمد‪« :‬أنتم من تقتلونهم‪».‬‬ ‫فيجيــب المح ّقــق ببــرود‪« :‬هــذه حماس‪ ،‬تســتخدمهم‬ ‫كدروع بشــرية‪».‬‬ ‫فيقول محمد‪« :‬وهل هذا يبرّر قتل األطفال؟!»‬ ‫فيــردّ المح ّقــق بانعــدام ضميــر‪« :‬هــؤالء األطفــال‪،‬‬ ‫حيــن يكبــرون‪ ،‬ســيكونون حمــاس‪».‬‬ ‫وحيــن يعجــزون عــن توجيــه تهمــة‪ ،‬يســخر المحقــق‬ ‫قائـ ً‬ ‫ا‪:‬‬ ‫«حتــى لــو لــم نجــد عليــك تهمــة‪ ،‬فأنــت متهــم ألنــك‬ ‫أكلــت الحلــوى يــوم ‪ 7‬أكتوبر!»‬ ‫فــي ذلــك اللحظــة‪ ،‬يــدرك محمــد عبثيــة مــا يســمى‬ ‫«العدالــة» فــي ســجون االحتــال‪.‬‬

‫وفجــأة‪ ،‬فــي اليــوم الخامــس‪ 10 ،‬فبرايــر ‪،2024‬‬ ‫يُطلــب منــه االســتحمام‪ ،‬ويُعطــى مالبــس جديــدة‬ ‫ومــواد تنظيــف – فقــط تجهيــزًا لتســليمه عبــر معبــر‬ ‫كــرم أبــو ســالم إلــى األمــم المتحــدة‪ ،‬حيــث يُفــرج‬ ‫عنــه‪...‬‬ ‫وعندمــا تطــأ قدمــه األرض خــارج األســوار‪ ،‬ويصــل‬ ‫إلــى معبــر كــرم أبــو ســالم‪ ،‬يقــول‪:‬‬ ‫«شــعرت وكأننــي أتن ّفــس للمــرة األولــى‪ .‬الحريــة لهــا‬ ‫طعــم‪ ...‬كنــت قد نســيته‪».‬‬ ‫يخــرج محمــد‪ ...‬لكــن بداخلــه صرخــة لــم تنتــهِ‪.‬‬ ‫تجربــة تتــرك أثــرًا نفســيًا عمي ًقــا‪ ،‬فيلــزم الصمــت‬ ‫لفتــرة طويلــة‪ ،‬يحــاول خاللهــا إعــادة ترتيــب مــا‬ ‫تبقــى مــن روحــه‪.‬‬

‫يصــف محمــد المعاملــة بأنهــا فــوق احتمــال البشــر‪:‬‬ ‫ً‬ ‫طفــا‪ ،‬نظافــة معدومــة‪ ،‬وال ُفــرُش‬ ‫طعــام ال يكفــي‬ ‫تُلقــى خــارج الزنازيــن ليُجبــر األســرى علــى النــوم‬ ‫علــى األرض البــاردة‪ .‬ال قوانيــن‪ ،‬ال شــرائع‪ ،‬فقــط‬ ‫وحشــية تتغــذى علــى الصمــت‪.‬‬ ‫يقول‪« :‬لم يكن هناك ما يشبه الحياة‪».‬‬ ‫بيقيــن داخلــي‬ ‫ومــع كل ذلــك‪ ،‬يحتفــظ محمــد‬ ‫ٍ‬ ‫ـل بــأن يعــود ألهلــه ســالمًا‪ ،‬أكثــر مــا‬ ‫بالحريــة‪ ،‬وأمـ ٍ‬ ‫يخشــاه أن يكــون أحدهــم قــد أصيــب بســوء خــال‬ ‫غيابــه‪.‬‬

‫رغم كل ما مرّ به‪ ،‬ال ينكسر محمد‪.‬‬ ‫يقــول‪« :‬هــذا أقــل مــا يمكــن أن أقدّمــه لفلســطين‪.‬‬ ‫هنــاك مــن يقــدّم روحــه‪ .‬نحــن فــداء لهــذا الوطــن‪».‬‬ ‫ويتابــع دراســته عــن بُعــد‪ ،‬رغــم الدمــار‪ ،‬رغــم‬ ‫الحــرب‪ ،‬رغــم القصــف‪.‬‬ ‫أمــا اإلعــام؟ فــا يتراجــع عنــه‪ ،‬بــل يــزداد شــغ ًفا بــه‪،‬‬ ‫زمــن تختلــط فيــه‬ ‫ليكــون «صوتًــا للحقيقــة فــي‬ ‫ٍ‬ ‫الروايــة بالــدم‪».‬‬ ‫مــن قلــب العتمــة‪ ،‬يخــرج محمــد بصوتــه‪ ،‬ال بظلــه‪،‬‬ ‫شــاهدًا علــى جريمــة‪ ،‬ومراسـ ً‬ ‫ـا مــن خلــف القضبــان‪.‬‬

‫ظروف ال تُحتمل‬

‫الحرية المؤجلة‬

‫تمــر األيــام ثقيلــة‪ ،‬قلــب محمــد يتــآكل خو ًفــا علــى‬ ‫أهلــه‪:‬‬ ‫هل أصابهم مكروه؟ هل سيرى النور مجددًا؟‬ ‫وحيــن يأتــي يــوم اإلفــراج‪ ،‬ال يُصــدّق‪ .‬يو ّقــع علــى‬ ‫ورقــة‪ ،‬ويســمع كلمــة «شَــحرور» – أي مفــرج عنــه –‬ ‫فتنهــار دموعــه‪ .‬لكــن الفــرج ال يأتــي فــورًا‪ .‬يُنقــل‬ ‫مجــددًا إلــى «غــاف غــزة»‪ ،‬ويقضــي خمســة أيــام‬ ‫جديــدة مــن االنتظــار والشــك‪.‬‬ ‫ـا؟ أم أن هنــاك فصـ ً‬ ‫هــل ســيفرج عنــه فعـ ً‬ ‫ـا جديــدًا‬ ‫مــن العــذاب؟‬

‫قيد مكسور‬

‫بعد األسر‬


‫قضايا‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫‪15‬‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مسيحيو غزة يصمدون وسط اإلبادة ويفتحون كنائسهم لإليواء‬ ‫فرح قنيطة‪/‬الميدان‪:‬‬

‫في قلب الدمار والحصار‪ ،‬وبين دخان الحرب ولهيب‬ ‫العدوان‪ ،‬تعيش الطائفة المسيحية في قطاع غزة‬ ‫ً‬ ‫فصال من فصول المعاناة الفلسطينية‪ .‬لم تكن الحرب‬ ‫التي اندلعت في أكتوبر ‪ 2023‬مجرد قصف واستهداف‬ ‫عشوائي‪ ،‬بل تجاوزت ذلك لتغدو حرب إبادة جماعية لم‬ ‫كنيســة دير الالتين‬

‫مــن بيــن أبــرز هــذه الكنائــس‪ ،‬تبــرز «كنيســة ديــر‬ ‫الالتيــن» فــي البلــدة القديمــة وســط مدينــة غــزة‪،‬‬ ‫والتــي يعــود تاريــخ تأسيســها إلــى القــرن التاســع‬ ‫عشــر‪ .‬مــع انــدالع الحــرب‪ ،‬بــادرت الكنيســة بفتــح‬ ‫أبوابهــا أمــام النازحيــن المســيحيين‪ ،‬تمامًــا كمــا‬ ‫فعلــت خــال حــرب عــام ‪.2021‬‬ ‫جــورج أنطــون‪ ،‬المتحــدث باســم الكنيســة ورئيــس‬ ‫لجنــة الطــوارئ فيهــا‪ ،‬يؤكــد أن الكنيســة اســتقبلت‬ ‫منــذ بدايــة الحــرب نحــو ‪ 1300‬نــازح‪ ،‬بقــي منهــم‬ ‫اليــوم حوالــي ‪ 450‬شــخصًا‪ ،‬بينهــم كبــار ســن‬ ‫وأطفــال وذوو احتياجــات خاصــة يتواجــدون فــي‬ ‫ملجــأ «دار المحبــة والســام» التابــع لراهبــات األم‬ ‫تيريــزا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وأشــار أنطــون إلــى أن لجنــة الطــوارئ شــكلت لجانًــا‬ ‫فرعيــة لتوفيــر مــا يلــزم مــن غــذاء ودواء وخدمــات‬ ‫صحيــة‪ ،‬رغــم التحديــات الكبــرى مثــل انقطــاع‬ ‫الكهربــاء‪ ،‬نقــص المحروقــات‪ ،‬غــاء األســعار‪،‬‬ ‫والحصــار الخانــق‪.‬‬

‫حياة النزوح‬

‫عيســى أنطــون‪ ،‬أحــد النازحيــن داخــل الكنيســة‪،‬‬ ‫يصــف حالــه منــذ أن لجــأ إليهــا فــي ‪ 10‬أكتوبــر‬ ‫‪ ،2023‬بعــد أن اســتهدف االحتــال برجًــا ســكنيًا‬

‫بشرا وال ً‬ ‫تستثن ً‬ ‫حجرا‪ ،‬ولم تفرق بين دين أو طائفة‪ .‬في‬ ‫ِ‬ ‫هذه األرض الصغيرة‪ ،‬حيث يسكن األمل في القلوب‬ ‫ً‬ ‫رغم الخراب‪ّ ،‬‬ ‫حاضنة‬ ‫تحولت الكنائس إلى مراكز لإليواء‪،‬‬ ‫مالذا ً‬ ‫للنازحين المسيحيين الذين وجدوا فيها ً‬ ‫آمنا بعد أن‬ ‫فقدوا منازلهم وحياتهم السابقة‪.‬‬

‫فــي تــل الهــوى حيــث كان يقيــم‪ .‬يقــول بأســى‪:‬‬ ‫«فقــدت والدتــي وشــقيقتيَّ بعــد اســتهداف ســاحات‬ ‫الكنيســة بقنابــل الغــاز وقنــص مباشــر‪ .‬نجونــا‬ ‫ّ‬ ‫تشــظت‪».‬‬ ‫جســديًا‪ ،‬لكــن أرواحنــا‬ ‫أمــا كريســتينا ســبيرو أبــو داود‪ ،‬البالغــة مــن العمــر‬ ‫‪ 27‬عامًــا‪ ،‬فتقــول‪« :‬الخــوف يطاردنــي كل يــوم‪،‬‬ ‫فقدنــا الشــعور باألمــان‪ ،‬والحيــاة هنــا أقــرب إلــى‬ ‫ســجن‪ ...‬لــم أعــد قــادرة علــى التكيّــف»‪.‬‬ ‫تؤكــد كريســتينا أن الوجــود داخــل الكنيســة كنازحــة‬ ‫ال يضمــن األمــن‪ ،‬وتناشــد العالــم لوقــف المجــازر‬ ‫بحــق المدنييــن‪.‬‬

‫مؤسسات إغاثية‬

‫مــع تزايــد أعــداد النازحيــن‪ ،‬نشــطت مؤسســات‬ ‫إنســانية فــي تقديــم الدعــم للطائفــة المســيحية‪،‬‬ ‫علــى رأســها «كاريتــاس القــدس» و»اإلغاثــة‬ ‫الكاثوليكيــة» و»أنيــرا» و»مينونايــت» و»المطبــخ‬ ‫العالمــي»‪.‬‬ ‫جــورج أنطــون‪ ،‬مديــر «كاريتــاس القــدس» فــي‬ ‫غــزة‪ ،‬تحــدث عــن الجهــود الكبيــرة لتأميــن المــواد‬ ‫الغذائيــة‪ ،‬األدويــة‪ ،‬والمســاعدات الماليــة للعائــات‬ ‫المتضــررة‪ ،‬رغــم الظــروف القاســية‪.‬‬ ‫كمــا بــادرت كنيســة ديــر الالتيــن‪ ،‬بالتعــاون مــع‬ ‫كاريتــاس‪ ،‬إلــى فتــح نقطــة طبيــة شــاملة بداخــل‬

‫الكنيســة تتكــون مــن عيــادة‪ ،‬صيدليــة ومختبــر‪،‬‬ ‫ويعمــل فيهــا أطبــاء وصيادلــة رغــم ضعــف‬ ‫اإلمكانيــات وشــح المســتلزمات‪.‬‬

‫األمــراض وحمالت التوعية‬

‫الدكتــور يوســف الصايــغ‪ ،‬رئيــس األطبــاء فــي مركــز‬ ‫كاريتــاس‪ّ ،‬‬ ‫أكــد أن ضعــف اإلمكانيــات أودى بحيــاة‬ ‫العديــد مــن الجرحــى‪.‬‬ ‫وذكــر الدكتــور خليــل مســعود أن التدخــل الســريع‬ ‫أســهم فــي ضبــط الوضــع الصحــي ومنــع تفشــي‬ ‫األوبئــة‪ ،‬مؤكــدًا اســتمرار حمــات التوعيــة كجــزء‬ ‫أساســي مــن االســتجابة اإلنســانية داخــل الكنيســة‪.‬‬ ‫استجابة متخصصة‬ ‫فــي يوليــو الماضــي‪ ،‬أُطلــق مشــروع مشــترك‬ ‫لتقديــم خدمــات طــب األســنان ألبنــاء الطائفــة‪ ،‬بيــن‬ ‫مركــز «بيــت المقــدس لألســنان» والدكتــور بولــص‬ ‫ســويلم‪.‬‬ ‫الدكتــور حمــاد أهــل‪ ،‬طبيــب فــي المركــز‪ ،‬أوضــح‬ ‫أن رعايــة خاصــة تُقــدّم للمرضــى المســيحيين‪،‬‬ ‫خصوصًــا مــن حيــث تعقيــم األدوات والتصويــر‬ ‫الدقيــق باألشــعة حســب رغباتهــم‪.‬‬ ‫ويُشــرف علــى التعقيــم األســتاذ محمــد جــواد‬ ‫قنيطــة‪ ،‬فنــي األســنان‪ ،‬بالتعــاون مــع المستشــفى‬ ‫األهلــي المعمدانــي‪.‬‬

‫ووجــه الدكتــور حمــاد رســالة للمجتمــع يدعــو فيهــا‬ ‫إلــى الوحــدة واالهتمــام بالصحــة العامــة‪ ،‬مؤكــدًا‬ ‫أن أبــواب المركــز مفتوحــة لجميــع أبنــاء الشــعب‬ ‫الفلســطيني دون تمييــز‪.‬‬

‫دعم تعليمي ونفســي‬

‫لــم تقتصــر جهــود الكنيســة علــى اإلغاثــة‪ ،‬بــل‬ ‫شــملت أيضًــا الجانــب التعليمــي‪.‬‬ ‫يشــير جــورج أنطــون إلــى أن مــدارس مثــل‬ ‫«الراهبــات الورديــة» و»العائلــة المقدســة» و»ديــر‬ ‫الالتيــن» بالتنســيق مــع وزارة التربيــة والتعليــم‬ ‫ً‬ ‫فصــول بديلــة مبنيــة‬ ‫فــي الضفــة الغربيــة‪ ،‬وفــرت‬ ‫مــن الخشــب والنايلــون داخــل الكنيســة‪ ،‬مــزودة‬ ‫بالكــوادر والقرطاســية الالزمــة لضمــان اســتمرارية‬ ‫التعليــم‪.‬‬ ‫ويجــري حاليًــا االســتعداد لتقديــم االختبــارات‬ ‫النهائيــة للطلبــة رغــم كل التحديــات‪.‬‬ ‫كمــا يتــم تقديــم برامــج دعــم نفســي‪ ،‬إذ تــم تقســيم‬ ‫العائــات حســب الفئــات العمريــة لتســهيل التدخــل‬ ‫النفســي المناســب‪ ،‬وتنظيــم جلســات وبرامــج صــاة‬ ‫وتواصــل روحــي تســهم فــي التخفيــف مــن آثــار‬ ‫الحــرب النفســية‪.‬‬

‫تضامن بين المســيحيين والمســلمين‬

‫رغــم المعانــاة‪ ،‬شــكلت كنيســة ديــر الالتيــن‬ ‫نموذجًــا حيًــا للوحــدة الوطنيــة‪.‬‬ ‫فقــد تقاســم المســيحيون مــا يصلهــم مــن‬ ‫مســاعدات مــع جيرانهــم المســلمين‪ ،‬ووزعــت‬ ‫الكنيســة الطحيــن والتمــر قبيــل عيــد الفطــر علــى‬ ‫العائــات المســلمة‪.‬‬ ‫كمــا ســاهمت الكنيســة بشــكل غيــر مباشــر فــي‬ ‫خفــض أســعار الســلع الغذائيــة عبــر إدخــال شــحنات‬ ‫عبــر معبــر كــرم أبــو ســالم‪ ،‬وتعاونــت مــع وزارة‬ ‫االقتصــاد لدراســة تأثيــر هــذا التدخــل فــي الســوق‬ ‫المحليــة‪.‬‬ ‫وأســهمت الكنيســة فــي حمايــة الممتلــكات‬ ‫المجــاورة لهــا خــال اجتيــاح البلــدة القديمــة‪ ،‬حتــى‬ ‫عــودة ســكانها المســلمين إلــى بيوتهــم‪.‬‬ ‫وســط نيــران الحــرب‪ ،‬تحوّلــت كنيســة ديــر الالتيــن‬ ‫إلــى أكثــر مــن مجــرد مبنــى دينــي؛ صــارت مركــزًا‬ ‫ً‬ ‫متكامــا لإليــواء‪ ،‬والخدمــات الصحيــة‪ ،‬والتعليــم‪،‬‬ ‫والدعــم النفســي‪ ،‬بــل وللنمــوذج الفلســطيني فــي‬ ‫التآخــي بيــن المســلمين والمســيحيين‪.‬‬

‫سكان غزة‪ :‬نريد قطرة ماء نظيفة‪ ...‬لنعيش‬ ‫نــدى حســونة ‪ -‬مي أبــو عمر ‪ -‬هيا الكحلوت ‪ -‬شــيماء عليوة ‪ /‬الميدان‪:‬‬

‫في قطاع غزة المحاصر‪ّ ،‬‬ ‫تحولت‬ ‫مياه الشرب من ّ‬ ‫حق إنساني‬ ‫أساسي إلى معركة يومية من‬ ‫أجل البقاء‪ .‬مع تصاعد الحرب‬ ‫وتفاقم تداعياتها‪ ،‬انهارت‬ ‫البنية التحتية الهشة ً‬ ‫أصال‪ ،‬لتصل‬ ‫أزمة المياه إلى مستوى وصفته‬ ‫منظمات دولية بـ»الكارثي»‪،‬‬ ‫خاصة مع تراجع الوصول إلى‬ ‫مياه نظيفة وآمنة‪.‬‬ ‫وصــول محدود للمياه‬ ‫المهنــدس منــذر شــبالق‪ ،‬مديــر عــام مصلحــة ميــاه‬ ‫بلديــات الســاحل يقــول للميــدان‪ ،‬وصــف الوضــع‬ ‫المائــي فــي غــزة بأنــه «ال يُطــاق»‪ ،‬مشــيرًا إلــى‬ ‫أن كميــات الميــاه المنتجــة والموزعــة تق ّلصــت‬ ‫بشــكل حــاد بســبب االســتهداف المباشــر لمحطــات‬ ‫التحليــة وشــبكات الكهربــاء‪ .‬هــذا التأثيــر انعكــس‬ ‫بشــكل خــاص علــى المناطــق الشــمالية والمخيمــات‬ ‫المكتظــة بالســكان‪.‬‬ ‫وأوضــح شــبالق أن «فــي بعــض المناطــق‪ ،‬ال يحصل‬ ‫الفــرد علــى أكثــر مــن ‪ 3‬إلــى ‪ 4‬لتــرات يوميًــا‪ ،‬فــي‬ ‫حيــن أن الحــد األدنــى الموصــى بــه عالميًــا هــو‬

‫أبعــاد صحية خطيرة‬

‫‪ 15‬لتــرًا»‪ ،‬مؤكــدًا أن الميــاه التــي تُــوزع تُخضــع‬ ‫للفحوصــات الصحيــة‪ ،‬لكــن ظــروف التخزيــن غيــر‬

‫الدكتــور محمــود رزق‪ ،‬أخصائــي األمــراض الباطنيــة‪،‬‬

‫الصحيــة داخــل أماكــن النــزوح تتســبب بتلوثهــا‬

‫يشــير للميــدان إلــى ارتفــاع حــاد فــي حــاالت أمراض‬

‫وانتشــار األمــراض‪.‬‬

‫الجهــاز الهضمــي نتيجــة تلــوث الميــاه‪« .‬نســجل‬

‫التلوث وانتشــار األمراض‬

‫يوميًــا حــاالت مــن اإلســهال الحــاد‪ ،‬والتهابــات‬

‫تقاريــر مصلحــة الميــاه تشــير إلــى أن نســبة‬

‫معويــة‪ ،‬وأحيانًــا حــاالت تســمم‪ ،‬خصوصًــا عنــد‬ ‫األطفــال وكبــار الســن»‪ ،‬مضي ًفــا أن التهــاب الكبــد‬

‫تلــوث الميــاه الجوفيــة تجــاوزت ‪ %97‬قبــل الحــرب‬ ‫بســنوات‪ ،‬ورغــم محــاوالت تحســين التوزيــع لتغطيــة‬

‫‪ A‬المرتبــط بســوء الصــرف الصحــي أصبــح شــائعًا‪.‬‬

‫نحــو ‪ %40‬مــن المناطــق‪ ،‬أدّى التدميــر الواســع‬

‫وأضــاف رزق أن النصائــح الطبيــة بغلــي الميــاه أو‬

‫للبنيــة التحتيــة خــال الحــرب إلــى تراجــع حــاد فــي‬

‫تصفيتهــا ال تكفــي‪ ،‬ألن كثيــرًا مــن العائــات ال‬

‫توفــر الميــاه الصالحــة للشــرب‪ ،‬مــا فاقــم أزمــة‬

‫تملــك األدوات أو اإلمكانيــات الالزمــة‪« .‬انعــدام‬

‫األمــن المائــي‪.‬‬

‫البدائــل يتــرك الســكان تحــت رحمــة ميــاه غيــر‬

‫خــال جولــة فــي عــدد مــن مراكــز اإليــواء‪ ،‬مــن‬

‫آمنــة»‪ ،‬قــال‪.‬‬

‫مليــون دوالر‪.‬‬

‫دعوات لتدخل عاجل‬

‫ويشــدد شــبالق علــى أن الحلــول العاجلــة يجــب أن‬

‫بتقاريــر منظمــات مثــل «أوكســفام» التــي اتهمــت‬ ‫االحتــال باســتخدام الميــاه كســاح ضغــط علــى‬ ‫المدنييــن‪.‬‬

‫طعــم غريــب ورائحــة كريهــة للميــاه‪ ،‬إضافــة إلــى‬ ‫ٍ‬ ‫احتوائهــا علــى شــوائب‪ .‬وأبلــغ نازحــون عــن انتشــار‬

‫خطة طوارئ‬

‫تتضمــن توزيــع فالتــر وتعقيــم الميــاه فــي المصــدر‪،‬‬

‫ويتابــع شــبالق أنــه فــي ظــل هــذا الواقــع‪ ،‬تحــاول‬

‫والتعــاون مــع منظمــات دوليــة مثــل اليونيســف‬

‫مصلحــة ميــاه الســاحل التحــرك وفــق خطــة طــوارئ‬

‫حــاالت مــن التقيــؤ‪ ،‬اإلســهال‪ ،‬والتهابــات المعــدة‪،‬‬

‫وأوكســفام لدعــم قــدرات الســكان‪ .‬كمــا دعــا إلــى‬

‫المواطــن محمــود الكحلــوت (‪ 52‬عامًــا)‪ ،‬مــن‬ ‫ســكان غــزة‪ ،‬وصــف المأســاة قائـ ً‬ ‫ـا‪« :‬صرنــا نشــتري‬

‫ثالثيــة المراحــل‪ :‬االســتجابة العاجلــة عبــر نقــل‬

‫خصوصًــا بيــن األطفــال‪.‬‬

‫ضــرورة حمايــة منشــآت الميــاه مــن االســتهداف‪،‬‬

‫الميــاه بأســعار باهظــة‪ ،‬ومــع ذلــك ال نجــد مــا‬

‫الميــاه بالصهاريــج‪ ،‬والتعافــي مــن خــال إعــادة‬

‫المواطنــة أم ســائد موســى‪ ،‬نازحــة مــن حــي‬

‫وإدخــال مــواد التعقيــم والصيانــة رغــم الحصــار‪.‬‬

‫يكفــي للشــرب‪ .‬فــي ديســمبر ‪ 2023‬شــربنا مياهًــا‬

‫تأهيــل الشــبكات‪ ،‬واإلعمــار بتنفيــذ مشــاريع‬

‫بينهــا مدرســة الــدرج‪ ،‬رُصــدت شــكاوى مــن‬

‫المياه كسالح‬

‫حياة مهددة‬

‫مالحــة مليئــة بالشــوائب‪ .‬زوجتــي أصيبــت بمــرض‬

‫الشــجاعية وتُقيــم فــي مدرســة الــدرج‪ ،‬أوضحــت أن‬

‫اســتراتيجية بدعــم المانحيــن‪.‬‬

‫أطفالهــا أصيبــوا بأمــراض متكــررة‪ .‬تقــول‪« :‬نقــوم‬

‫مــن جهــة أخــرى‪ ،‬يــرى المهنــدس شــبالق أن‬

‫كلــوي‪ .‬هــذه ليســت حيــاة»‪.‬‬

‫وينــوه أنــه جــرى بالفعــل تأميــن أكثــر مــن ‪50‬‬

‫بتصفيــة الميــاه وغليهــا قبــل اســتخدامها‪ ،‬لكننــا ال‬ ‫نثــق بهــا إطال ًقــا‪ .‬نناشــد الجهــات المختصــة بتوفيــر‬

‫اســتهداف محطــات الميــاه ال يمكــن اعتبــاره‬

‫أزمــة الميــاه فــي غــزة لــم تعــد أزمــة خدماتيــة‬

‫مليــون دوالر لهــذه الخطــة‪ ،‬لكــن حجــم الدمــار‬

‫عرضيًــا‪« .‬قصــف مرافــق الميــاه رغــم طبيعتهــا‬

‫فحســب‪ ،‬بــل أصبحــت كارثــة إنســانية شــاملة‬

‫هائــل‪ ،‬إذ تُقــدّر الخســائر فــي قطاعــي الميــاه‬

‫مــاء نظيــف»‪.‬‬

‫المدنيــة يشــير إلــى سياســة متعمــدة لحرمــان‬

‫تهــدد حيــاة أكثــر مــن مليونــي إنســان‪ .‬فــي ظــل‬

‫والكهربــاء والصــرف الصحــي بأكثــر مــن ‪600‬‬

‫الســكان مــن حقهــم فــي الحيــاة»‪ ،‬قــال‪ ،‬مستشــهدًا‬

‫غيــاب اســتجابة دوليــة فعّالــة‪.‬‬

‫«الجيش اإلسرائيلي»‪ ...‬يستخدم السرطان في غزة ً‬ ‫سالحا لإلبادة‬ ‫هدايــة أبــو حصيرة ‪ -‬آية أبو مراحيل ‪ -‬هيــا الغزالي‪/‬الميدان‪:‬‬

‫بين أزيز الطائرات‪ ،‬وقصف‬ ‫المنازل‪ ،‬وانهيار المنظومة‬ ‫الصحية‪ ،‬ال يزال مرضى السرطان‬ ‫في قطاع غزة يخوضون‬ ‫معركة من أجل البقاء‪ .‬الحرب‬ ‫التي بدأت في السابع من أكتوبر‬ ‫تستثن ً‬ ‫أحدا‪ ،‬فإلى جانب‬ ‫‪ 2023‬لم ّ ِ‬ ‫القصف‪ ،‬شكل الحصار وإغالق‬ ‫المعابر ً‬ ‫سالحا آخر ينهش أجساد‬ ‫المرضى‪ ،‬ويقضي على ما تبقى‬ ‫من فرص حياتهم‪.‬‬

‫ففــي الوقــت الــذي يتطلــب فيــه مريــض الســرطان‬ ‫رعايــة طبيــة دقيقــة‪ ،‬ونظامًــا غذائيًــا خاصًــا‪،‬‬ ‫وســفرًا للعــاج خــارج القطــاع المحاصــر‪ ،‬بــات كل‬ ‫ذلــك ضربًــا مــن المســتحيل‪ .‬لتتحــول رحلتهــم‬ ‫العالجيــة إلــى مأســاة مزدوجــة‪ :‬جســدية ونفســية‪.‬‬ ‫رحلة عالج‬ ‫تقــول حكمــت مصطفــى أبــو رحمــة (‪ 50‬عامًــا)‪،‬‬ ‫المصابــة بســرطان الغــدد اللمفاويــة منــذ عــام‬ ‫‪ ،2014‬إن حالتهــا كانــت مســتقرة بعــد ســنوات‬ ‫مــن تلقــي العــاج داخــل قطــاع غــزة‪ ،‬إلــى أن بــدأت‬ ‫الحــرب األخيــرة‪ ،‬فانهــارت معهــا فــرص االســتمرار‬ ‫فــي البروتوكــول العالجــي‪.‬‬ ‫«تــم حرمانــي مــن العــاج منــذ بدايــة الحــرب‬ ‫فــي ‪ ،2023‬مــا أدى إلــى تدهــور صحتــي بشــكل‬ ‫كبيــر‪ ،‬وأصبحــت أعانــي مــن ضعــف فــي المناعــة‪،‬‬

‫وانســداد فــي الحالــب‪ ،‬وأُصبــت بالحــزام النــاري‬ ‫بســبب اســتخدام ميــاه ملوثــة»‪ ،‬تقــول أبــو رحمــة‬ ‫بحــزن‪.‬‬ ‫تتابــع حكمــت أن خضوعهــا لعمليتيــن بســبب‬ ‫انســداد الحالــب واجــه عقبــات كبيــرة بســبب‬ ‫نقــص المعــدات الطبيــة واالزدحــام الشــديد‪،‬‬ ‫موضحــة أن رحلــة الحصــول علــى العــاج صــارت‬ ‫أكثــر إيالمًــا مــن المــرض نفســه‪.‬‬ ‫تختــم حكمــت رســالتها بنــداء إنســاني‪« :‬أناشــد‬ ‫المجتمــع الدولــي أن ينظــر إلينــا بعيــن الرحمــة‪،‬‬ ‫ويوفــر لنــا ســبل العــاج فــي الخــارج‪ ،‬فالحيــاة هنــا‬ ‫ال تطــاق»‪.‬‬ ‫جســدٌ أنهكه العالج‬ ‫مــن جانبهــا‪ ،‬تُعانــي الشــابة العشــرينية أشــجان‬ ‫أبــو عطايــا مــن تبعــات تلقيهــا ‪ 12‬جرعــة عــاج‬

‫كيمــاوي‪ ،‬وتحتــاج اآلن إلــى صــور رنين مغناطيســي‬ ‫بشــكل دوري‪ .‬تقــول‪:‬‬ ‫«الكيمــاوي دمّــر جســدي‪ ،‬وكنــت بحاجــة لنظــام‬ ‫غذائــي خــاص وميــاه نظيفــة‪ ،‬لكــن ال شــيء مــن‬ ‫هــذا متوفــر‪ .‬كل مــا نأكلــه معلبــات‪ ،‬والميــاه‬ ‫ملوثــة‪ ،‬وهــذا أمــر قاتــل لمرضــى الســرطان»‪.‬‬ ‫رغــم حصولهــا علــى تحويلــة طبيــة للعــاج بالخــارج‬ ‫منــذ عشــرة أشــهر‪ ،‬فــإن اســتمرار إغــاق المعابــر‬ ‫حــال دون مغادرتهــا غــزة‪ ،‬لتبقــى فــي دوامــة مــن‬ ‫األلــم واالنتظــار‪.‬‬ ‫وفــي منتصــف مايــو ‪ ،2024‬أعلنت منظمــة الصحة‬ ‫العالميــة خــروج مستشــفى غــزة األوروبــي عــن‬ ‫الخدمــة‪ ،‬بعــد تعرضــه لهجــوم إســرائيلي‪ ،‬ليُغلــق‬ ‫بذلــك آخــر منفــذ طبــي رئيســي لمرضــى الســرطان‬ ‫والقلــب فــي القطــاع‪.‬‬

‫‪ 13‬ألــف مريض‪ :‬أرقام مفزعة‬ ‫وتشــير إحصــاءات وزارة الصحــة فــي غــزة إلــى أن‬ ‫عــدد مرضــى الســرطان تجــاوز ‪ 13‬ألــف حالــة منــذ‬ ‫بدايــة الحــرب‪ ،‬بينهــم أكثــر مــن ‪ 3000‬حالــة‬ ‫جديــدة‪.‬‬ ‫وقــد تســببت الحــرب فــي وفــاة عــدد كبيــر مــن‬ ‫هــؤالء المرضــى نتيجــة غيــاب العــاج وتأخيــر‬ ‫التحويــات الطبيــة‪.‬‬ ‫وفقــد القطــاع خــال الحــرب عــددًا مــن األطبــاء‬ ‫المتخصصيــن‪ ،‬أبرزهــم د‪ .‬حســام حمــادة ود‪.‬‬ ‫محمــد الدبــور‪ ،‬وهــو مــا فاقــم أزمــة التشــخيص‬ ‫والعــاج‪ ،‬خاصــة مــع نــدرة الكــوادر الطبيــة‬ ‫المؤهلــة‪.‬‬ ‫وبينمــا يغيــب األمــل‪ ،‬يظــل النــداء اإلنســاني‬ ‫مســتمرًا‪« :‬افتحــوا المعابــر‪ ،‬امنحونــا الحيــاة»‪.‬‬


‫‪16‬‬

‫مبادرون‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫الطالب الراوي «دياب»‬ ‫رحلة نزوح مع األدب ُ‬ ‫المقاوم‬ ‫محمد شــمالي‪/‬الميدان‪:‬‬

‫ُ‬ ‫كنت أظن أنني أكتب حين أحتاج إلى الكتابة‪ ،‬لكن‬ ‫ما أدركته خالل الحرب أن الكتابة هي التي تحتاجنا‬ ‫ُ َّ‬ ‫ً‬ ‫دون‪.‬‬ ‫أحيانا‪ ...‬هي أمانة‪ ،‬وواجب‪ ،‬وشهادة ال بد أن ت‬ ‫بهذه الكلمات يصف طالب‬ ‫اإلعالم في الكلية الجامعية‬ ‫للعلوم التطبيقية‪ ،‬بالل دياب‬ ‫(‪ً 20‬‬ ‫عاما)‪ ،‬تجربته االستثنائية‬ ‫في تأليف الروايات والقصص‬ ‫خالل واحدة من أقسى المآسي‬ ‫اإلنسانية التي ّ‬ ‫مر بها قطاع غزة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ميدانيا‪ ،‬وال‬ ‫صحفيا‬ ‫لم يكن بالل‬ ‫ً‬ ‫مراسل ً‬ ‫حربيا‪ ،‬لكنه حمل السالح‬ ‫الذي يعرفه ً‬ ‫جيدا‪ :‬القلم‪.‬‬

‫العنــوان «هُــم» لــم يكــن اختيــارًا عشــوائيًا‪ ،‬بــل‬ ‫جــاء مــن وعــي اجتماعــي نقــدي‪.‬‬ ‫«كنــتُ دائمًــا أســمع النــاس يقولــون‪ :‬هُــم الســبب‪،‬‬

‫«حيــن تــرى أن قصـ ً‬ ‫ـة واحــدة يمكــن أن تُحــدث هــذا‬ ‫األثــر‪ ،‬تــدرك كــم هــو كبيــر دور الكلمــة»‪ ،‬يقــول‬ ‫بــال‪.‬‬

‫هُــم الذيــن دمّــروا‪ ،‬هُــم الذيــن خانــوا‪ ...‬ولكــن‬ ‫قليــل مــن يســأل‪ :‬مــاذا عنّــا؟»‬ ‫هكــذا أراد بــال أن يجعــل العنــوان مــرآ ًة للمجتمــع‪،‬‬ ‫وصرخــة تأمــل ومحاســبة‪.‬‬ ‫ـة وال هوايـ ً‬ ‫ال يــرى بــال الكتابــة رفاهيـ ً‬ ‫ـة‪ ،‬بــل يعتبرها‬ ‫شـ ً‬ ‫ـكل مــن أشــكال المقاومة‪.‬‬ ‫«المقاومــة ليســت ســاحًا فقــط‪ .‬أن تكتــب‪ ،‬أن‬

‫بــال ديــاب‪ ،‬طالــب متفــوق فــي تخصــص اإلعــام‬

‫تو ّثــق‪ ،‬أن تشــرح للنــاس مــا يحــدث بلغتهــم‬

‫وتكنولوجيــا االتصــال بالكليــة الجامعيــة‪ ،‬يحصــل‬

‫وأحالمهــم وألمهــم‪ ...‬هــذا شــكل مــن أشــكال‬

‫علــى امتيازيــن متتالييــن ويتصــدر دفعتــه أكاديميًــا‪.‬‬

‫الصمــود»‪ ،‬يقــول بــال‪.‬‬

‫لديــه توجــه أدبــي أذكتــه الحــرب علــى غــزة‪ .‬يقــول‬

‫ويؤكــد أنــه خــال لحظــات النــزوح‪ ،‬حينمــا كان يبيــت‬

‫فــي حديثــه‪:‬‬

‫فــي شــوارع رفــح‪ ،‬يكتــب أكثــر فقراتــه ألمًــا وتأثيــرًا‪،‬‬

‫«شــعرتُ أن الكلمــة الحــرة عبــر النصــوص األدبيــة‬

‫وكذلــك بعــد فقدانــه ألشــخاص أعــزاء‪ ،‬وتعرضــه‬

‫تســتطيع أن توقــظ الضميــر‪ ،‬وتعيــد طــرح األســئلة‬

‫لمواقــف حياتيــة مؤلمــة‪.‬‬

‫التــي ال يجــرؤ أحــد علــى طرحهــا‪».‬‬

‫«لــم أكــن أفتعــل العاطفــة ألكتــب‪ ،‬كنــتُ أعيشــها‬

‫بداية الحرب‬

‫بــكل مــا فيهــا مــن وجــع»‪ ،‬هكــذا يصــف تلــك‬

‫فــي اليــوم األول للحــرب‪ ،‬يبــدأ بــال كتابــة روايتــه‬

‫اللحظــة‪.‬‬

‫األولــى التــي حملــت عنــوان «هُــم»‪ .‬يحملهــا معــه‬

‫بعــد انتهــاء الروايــة‪ ،‬يســعى بــال جاهــدًا إلــى‬

‫وهــو يتنقــل نازحًــا مــن منطقــة إلــى أخــرى داخــل‬

‫نشــرها رغــم الظــروف المعقــدة‪ ،‬وينجــح فــي‬

‫غــزة‪ ،‬مــن الشــمال إلــى رفــح‪ ،‬ثــم إلــى ديــر البلــح‪،‬‬

‫إصدارهــا فــي مصــر‪ ،‬حيــث تبــدأ فــي الوصــول إلــى‬

‫ً‬ ‫متنقــا بيــن المــدن والمخيمــات‪ ،‬دائمًــا ومعــه‬

‫القــرّاء‪.‬‬

‫أوراقــه وقلمــه‪.‬‬

‫تُــوزَّع الروايــة إلكترونيًــا علــى منصــات كبــرى‬

‫الروايــة ليســت مجــرد ســرد خيالــي‪ ،‬بــل وثيقــة‬

‫مثــل «نيــل وفــرات» و»أمــازون»‪ ،‬لتصــل إلــى‬

‫وطنيــة وإنســانية ُكتبــت بلغــة صادقــة وحيــة‪.‬‬

‫جمهــور عربــي واســع‪ ،‬وتُصبــح شــاهد ًة علــى تجربــة‬

‫يصفهــا بــال بأنهــا محاولــة لـــ «تســجيل شــهادة»‪،‬‬

‫شــخصية وجماعيــة فــي آنٍ واحــد‪.‬‬

‫أثر الرواية‬

‫تمامًــا كمــا يفعــل المصــور أو المراســل‪ ،‬لكــن‬ ‫بأســلوب األدب‪.‬‬

‫ومــن القصــص الالفتــة التــي يرويهــا الكاتــب‪ ،‬أن‬

‫«الكتــب ال تُنســى‪ .‬الروايــات تعيــش‪ ،‬وتحمــل بيــن‬

‫أحــد القــرّاء فــي غــزة‪ ،‬بعــد قــراءة الروايــة‪ ،‬يقــرّر‬

‫صفحاتهــا مــا قــد يُنســى أو يُطمَــس فــي زحمــة‬

‫البقــاء فــي منزلــه أثنــاء تهديــد مباشــر بالقصــف‪ ،‬مما‬

‫األخبــار»‪ ،‬يقــول بــال‪.‬‬

‫يُلهــم ســكان الحــي بأكملــه علــى الصمــود‪.‬‬

‫ماذا بعد هُم؟‬ ‫لــم يتوقــف بــال عنــد «هُــم»‪ ،‬بــل يؤلــف كتابيــن‬ ‫جديديــن‪ :‬األول بعنــوان «قلــم البــاد الجــريء»‪ ،‬وهو‬ ‫مجموعــة قصصيــة تنطلــق مــن الحــرب‪ ،‬لكنهــا تركز‬ ‫علــى التجربــة اإلنســانية فــي تفاصيلهــا‪ .‬أمــا الثانــي‪،‬‬ ‫«كتــاب الكتابــة»‪ ،‬فهــو خالصــة تجربــة الكاتــب فــي‬ ‫تطويــر أدواتــه اإلبداعيــة‪ ،‬ويقــدّم فيــه نصائــح‬ ‫عمليــة للشــباب الراغبيــن فــي دخــول عالــم الروايــة‬ ‫والكتابــة األدبيــة‪.‬‬ ‫ويعمــل حاليًــا علــى مشــروع روائــي طويــل تحــت‬ ‫اســم «شــموس فــوق االحتــال»‪ ،‬يتنــاول مــن خاللــه‬ ‫شــخصيات واقعيــة فــي المجتمــع الفلســطيني‪،‬‬ ‫ويطمــح أن يكــون هــذا العمــل بمثابــة مرجــع أدبــي‬ ‫وإنســاني فــي المســتقبل‪.‬‬ ‫فــي ختــام حديثــه‪ ،‬يوجّــه بــال رســالة للشــباب‬

‫ّ‬ ‫«تكيات الحرب»‪« :‬المالذ األخير للبطون الجائعة»‬ ‫أســماء المبيض‪/‬الميدان‪:‬‬

‫في ظل حرب اإلبادة على‬ ‫قطاع غزة منذ السابع من‬ ‫أكتوبر ‪ ،2023‬تنتشر في القطاع‬ ‫مراكز توزيع الطعام‪ ،‬وهي‬ ‫ّ‬ ‫بـ»التكيات»‪ ،‬لتقديم‬ ‫ما ُيعرف‬ ‫الطعام للنازحين المتضررين من‬ ‫هذه الحرب الجائرة‪.‬‬ ‫وتلجــأ العديــد مــن المؤسســات اإلغاثيــة الدوليــة‪،‬‬ ‫والمؤسســات الخاصــة‪ ،‬وأصحــاب الضميــر الحــي‪،‬‬ ‫إلــى إقامــة نقــاط لتوزيــع الطعــام والمــاء علــى‬ ‫النازحيــن الذيــن يُجبــرون علــى الخــروج مــن‬ ‫مناطــق ســكناهم‪ ،‬ويلجــؤون إلــى مراكــز اإليــواء‬ ‫فــي المــدارس والمخيمــات والمناطــق اإلنســانية‪.‬‬ ‫وتعمــل هــذه المؤسســات جاهــدة علــى الحــدّ مــن‬ ‫المجاعــة المتربصــة بهــم‪.‬‬

‫طوابير النازحين‬

‫تدفــع الحاجــة الماسّــة المواطنيــن إلــى االصطفــاف‬ ‫فــي طوابيــر طويلــة للحصــول علــى كميــات ضئيلــة‬ ‫مــن الطعــام بالــكاد تكفــي لســد رمقهــم‪ ،‬فــي ظــل‬ ‫افتقارهــم للمقومــات األساســية إلعــداد الطعــام‪،‬‬ ‫مــن خضــار أو حطــب أو حتــى المــال الــازم للشــراء‪.‬‬ ‫وتكــون «التكيّــات»‪ ،‬المدعومــة مــن جهــات خيريــة‬

‫ومؤسســات إغاثيــة‪ ،‬هــي الســبيل الوحيــد للحصــول‬ ‫علــى طعــام بســيط مثــل المكرونــة‪ ،‬والعــدس‪،‬‬ ‫والفاصوليــا‪ ،‬واألرز‪.‬‬

‫جهود إغاثية‪.‬‬

‫بالــكاد يكفــي لألعــداد الهائلــة التــي تعتمــد علــى‬ ‫هــذه «التكيّــات»‪ ،‬بعــد أن ّ‬ ‫تقطعــت بهــم الســبل‬ ‫فــي توفيــر أدنــى مقومــات الحيــاة‪ ،‬فلجــأوا إلــى‬ ‫«التكيّــات»‪.‬‬

‫قالبــت صحيفــة «الميــدان» «أبــو الحســن أبــو‬

‫تحديات متصاعدة‬

‫خــدة»‪ ،‬أحــد المســؤولين عــن تكيــة «رحمــاء‬

‫ويفيــد «أشــرف الشــوبكي»‪ ،‬عضــو إداري فــي‬

‫بينهــم»‪ ،‬و»محمــود الكفارنــة» منــدوب مخيــم‬

‫مؤسســة «أنيــرا»‪ ،‬بأنهــم يحاولــون جاهديــن‬

‫«فجــر الحريــة»‪ ،‬و»أحمــد الكفارنــة» منــدوب مخيــم‬

‫توفيــر الطعــام للعديــد مــن المخيمــات المنتشــرة‬

‫«النخيــل» فــي خانيونــس‪ ،‬وجميعهــم أكــدوا لنــا‬

‫فــي الجنــوب‪ ،‬ورغــم غــاء أســعار المــواد الخــام‪،‬‬

‫أنهــم يحاولــون جاهديــن توفيــر كميــات كافيــة مــن‬

‫ويواصلــون جهودهــم الدؤوبــة لالســتجابة لمئــات‬

‫الطعــام للعائــات النازحــة‪ ،‬وبجــودة مناســبة‪ ،‬رغــم‬

‫آآلف النازحيــن علــى طــول القطــاع‪.‬‬

‫قلــة اإلمكانيــات المتاحــة لهــم‪ ،‬وأن «التكيّــات»‬

‫وفــي الســياق ذاتــه‪ ،‬يذكــر «ســيف الديــن ســرور»‪،‬‬

‫علــى ضعــف حالهــا إال أنهــا تســد بعضــا مــن رمــق‬

‫مديــر مخيــم «ســنابل» فــي خانيونــس‪ ،‬أنهــم‬

‫الجــوع لــدى النازحيــن‪.‬‬

‫يتواصلــون مــع الجهــات المختصــة‪ ،‬كالتنميــة‬

‫ويحدثنــا أحــد العامليــن فــي «تكيّــات» «المطبــخ‬

‫االجتماعيــة والصليــب األحمــر‪ ،‬لتزويــد «التكيّــات»‬

‫العالمــي» (‪« ،)WCK‬نائــل الغــول»‪ ،‬عــن عملــه‬

‫بالغــاز والمــواد الخــام الالزمــة لتحضيــر الطعــام‪ ،‬فــي‬

‫اليومــي فــي المطبــخ‪ ،‬وعــن الجهــد المبــذول فــي‬

‫ظــل الحصــار المســتبد‪.‬‬

‫ســبيل إطعــام اآلالف مــن الجيــاع‪ ،‬فيقــول‪ :‬يقــوم‬

‫وعلــى الرغــم مــن كل هــذه التحديــات التــي تُحاصــر‬

‫المطبــخ بطهــو مــا يقــارب ‪ 25‬قــدرًا يوميًــا فــي‬

‫النازحيــن‪ ،‬وتواجــه المؤسســات اإلغاثيــة فــي توفيــر‬

‫منطقــة البركــة بديــر البلــح‪ ،‬وونوزعهــا علــى عــدد‬

‫المــواد الخــام والغــاز أو حتــى الحطــب الــازم لتحضير‬

‫مــن المخيمــات القريبــة‪ ،‬ناهيــك عــن مــا تقدمــه‬

‫الطعــام‪ ،‬يســتمر الســعي الحثيــث والــدؤوب لتوفيــر‬

‫سلســلة المطابــخ التابعــة للمطبــخ العالمــي‬

‫مــا يمكــن إيجــاده مــن غــذاء للنازحيــن المنكوبيــن‪،‬‬

‫المنتشــرة فــي جنــوب القطــاع وشــماله‪.‬‬

‫فــي ظــل هــذه الحــرب واإلبــادة المتواصلــة علــى‬

‫ويشــير الغــول إلــى أن هــذا العــدد مــن القــدور‬

‫قطــاع غــزة‪.‬‬

‫الذيــن عاشــوا تجــارب مشــابهة‪:‬‬

‫بــال ديــاب لــم يكــن صحفيًــا عاديًــا‪ ،‬وال كاتبًــا‬

‫«لــكل شــاب عــاش مــا عشــناه‪ ،‬اعــرف أن‬

‫هاويًــا‪ .‬هــو شــاهد وناقــل وشــاعر اللحظــة‪ .‬روايتــه‬

‫لــك أمانــة‪ .‬كل واحــد فينــا عنــده شــيء‬

‫«هُــم» ليســت فقــط أدبًــا مــن غــزة‪ ،‬بــل أدب عــن‬

‫يقــدر يقدمــه‪ .‬مــن يســتطيع أن يكتــب‪،‬‬

‫غــزة‪ ،‬ومــن أجــل غــزة‪.‬‬

‫فليكتــب؛ فالكلمــة أحيانًــا تُنقــذ حيًّــا‬

‫فــي عالــم يمتلــئ بالصــراخ‪ ،‬قــرر أن يكتــب بهــدوء‪...‬‬

‫ً‬ ‫كامــا‪».‬‬

‫فــدوّى صوتــه فــي كل مــكان‪.‬‬


‫‪17‬‬

‫مبادرون‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫الطالبة المبادرة «لينا جندية»‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫حولت صفحاتها االجتماعية إلى منصات للدعم اإلنساني في غزة‬ ‫التحديات‬

‫سمر المصدر‪/‬الميدان‪:‬‬

‫علــى الرغــم مــن النجــاح الكبيــر الــذي‬

‫في ظل العدوان المستمر على‬ ‫قطاع غزة‪ ،‬أظهرت لينا أحمد‬ ‫جندية‪ ،‬الطالبة في الكلية‬ ‫الجامعية للعلوم التطبيقية‪،‬‬ ‫كيف يمكن لوسائل التواصل‬ ‫االجتماعي أن تكون أداة قوية‬ ‫للتغيير االجتماعي والعمل‬ ‫اإلنساني‪ .‬فقررت أن تستخدم‬ ‫تلك المنصات لتوثيق معاناة‬ ‫أهالي القطاع‪ ،‬ومن خالل‬ ‫انستغرام وفيسبوك وتيك توك‪،‬‬ ‫تفاعلت لينا مع جمهورها في‬ ‫جميع أنحاء العالم‪ ،‬ونجحت في‬ ‫جمع تبرعات ساعدت في تأمين‬ ‫االحتياجات األساسية للمتضررين‬ ‫من الحرب‪.‬‬

‫حققتــه مبــادرة لينــا‪ ،‬فقــد واجهــت العديــد‬ ‫مــن التحديــات‪ ،‬منهــا التهديــدات األمنيــة‬ ‫المســتمرة التــي أعاقــت قدرتهــا علــى التنقــل‬ ‫فــي المناطــق المتضــررة‪ .‬عــاوة علــى ذلــك‪،‬‬ ‫واجهــت صعوبــة فــي الحصــول علــى تمويــل‬ ‫مســتدام لمشــاريعها اإلنســانية‪ ،‬حيــث يعتمــد‬ ‫الدعــم فــي غالبيتــه علــى التبرعــات الفرديــة‬ ‫مــن المتابعيــن المحلييــن والدولييــن‪.‬‬ ‫وتوضــح لينــا‪« :‬نحــن نحتــاج إلــى تعــاون أكبــر‬ ‫مــع المنظمــات الدوليــة لدعــم المبــادرات‬ ‫الصغيــرة‪ .‬وبــدون الدعــم المســتمر‪ ،‬ســيكون‬ ‫مــن الصعــب تحقيــق االســتدامة فــي مشــاريعنا‬

‫منذ بداية العدوان‪،‬‬ ‫أدركت أن دوري ليس‬ ‫فقط كطالبة‪ ،‬بل كإنسانة‬ ‫يجب أن تكون ً‬ ‫صوتا لمن‬ ‫ال صوت له‪.‬‬

‫بــدأت لينــا مبادرتهــا اإلنســانية باســتخدام‬ ‫وســائل التواصــل االجتماعــي لتوثيــق حيــاة‬ ‫النــاس فــي غــزة‪ ،‬ومشــاركة هــذه القصــص‬ ‫مــع جمهورهــا العالمــي‪ .‬وقــد القــت المبــادرة‬ ‫تفاعـ ً‬ ‫ـا كبيــرًا مــن المتابعيــن‪ ،‬الذيــن ســارعوا‬ ‫فــي التبــرع لمســاعدة العائــات النازحــة‪.‬‬

‫وتتابــع حديثهــا عــن التحديــات‪« :‬كان الوصــول‬ ‫إلــى العائــات المحتاجــة أمــرًا صعبًــا؛‬ ‫فالمناطــق المدمــرة كانــت بعيــدة ووســائل‬ ‫النقــل محــدودة للغايــة‪ .‬لكــن رغــم ذلــك‪،‬‬ ‫كان لدينــا أمــل فــي الوصــول إلــى أكبــر عــدد‬ ‫ممكــن مــن العائــات المتضــررة‪».‬‬ ‫ورغــم هــذه التحديــات‪ ،‬لــم تتوقــف لينــا عــن‬ ‫مســاعدة أهلهــا فــي غــزة‪ .‬وفــي كل مــرة كانــت‬ ‫تواجــه صعوبــة‪ ،‬كانــت تســتعين بفريقهــا‬

‫وفــي بــث مباشــر عبــر إنســتغرام‪ ،‬شــاركت‬

‫الصغيــر مــن المتطوعيــن الذيــن يســاعدونها‬

‫لينــا تفاصيــل معانــاة األســر التــي تعيــش فــي‬

‫فــي تنفيــذ األنشــطة والمهــام‪.‬‬

‫الخيــام‪ ،‬ممــا ســاعد فــي جمــع تبرعــات كافيــة‬

‫وتســعى لينــا أحمــد جنديــة إلــى توســيع نطــاق‬

‫لتغطيــة احتياجــات أكثــر مــن ‪ 500‬عائلــة‪.‬‬

‫مبادرتهــا وتحويلهــا إلــى مؤسســة مســتقلة‬

‫تقــول‪« :‬كنــت أشــارك معهــم الواقــع الــذي‬

‫قــادرة علــى تقديــم دعــم مســتدام ألهالــي‬

‫نعيشــه‪ ،‬مــن خــال فيديوهــات حيــة وصــور‬

‫غــزة‪.‬‬

‫تُظهــر مدى القســوة التــي نواجههــا كل يوم‪».‬‬

‫لقــد أصبحــت وســائل التواصــل االجتماعــي‬

‫وكان لهــذا التفاعــل أثــر كبيــر فــي توفيــر الدعم‬

‫بالنســبة إلــى لينــا أكثــر مــن مجــرد منصــة‬

‫الغذائــي والنفســي لمئــات العائــات المتضــررة‬

‫للتواصــل؛ إذ تحولــت إلــى أداة حيويــة لجــذب‬

‫مــن العــدوان‪.‬‬

‫الدعــم وتســليط الضــوء علــى الواقــع اإلنســاني‬

‫اســتطاعت لينــا أن تُبــرز معانــاة الفلســطينيين‬

‫فــي غــزة‪ .‬وتختــم حديثهــا قائلــة‪« :‬وســائل‬

‫فــي غــزة للعالــم‪ ،‬وأصبحــت أحــد وجــوه العمــل‬ ‫الخيــري واإلنســاني فــي أوقــات األزمــات‪.‬‬

‫اإلنســانية‪».‬‬

‫التواصــل االجتماعــي هــي مصدرنــا األساســي‬ ‫وقــد هــدف المشــروع إلــى توفيــر المــواد‬

‫بمثابــة نقطــة تحــول لنــا فــي تقديــم الدعــم‬

‫كمــا اســتهدفت لينــا األســر المهمشــة‪ ،‬وخاصــة‬

‫للتواصــل مــع العالــم الخارجــي‪ .‬مــن خــال‬

‫إنجازات‬

‫الغذائيــة األساســية للعائــات المتضــررة‪ ،‬التــي‬

‫الغذائــي‪ .‬خــال األزمــة‪ ،‬اســتطعنا توزيــع‬

‫النســاء واألطفــال‪ ،‬مــن خــال زيــارة العائــات‬

‫القصــص الواقعيــة والتحديثــات المســتمرة‪،‬‬

‫مــن أبــرز المشــاريع التــي نفذتهــا لينــا مــع‬

‫تأثــرت بشــدة نتيجــة ارتفــاع أســعار الســلع‬

‫الخضــروات واللحــوم علــى العائــات التــي لــم‬

‫وتقديــم الدعــم المباشــر لهــا‪ ،‬معتبــرة أن‬

‫تمكنــا مــن إظهــار الحقيقــة التــي يعيشــها‬

‫فريقهــا مشــروع «إعمــار الحيــاة فــي غــزة»‪،‬‬

‫األساســية بســبب الحــرب وإغــاق المعابــر‪.‬‬

‫تجــد مــا يكفــي مــن الطعــام فــي األســواق‬

‫الشــفافية فــي التعامــل مــع التبرعــات عنصــر‬

‫شــعبنا يوميًــا‪ ،‬ممــا ســاعدنا علــى تقديــم‬

‫الــذي تــم بدعــم مــن متبرعيــن مــن ألمانيــا‪.‬‬

‫وتشــير لينــا إلــى المشــروع قائلــة‪« :‬كان‬

‫بســبب األســعار المرتفعــة‪».‬‬

‫أساســي للحفــاظ علــى مصداقيــة المبــادرة‪.‬‬

‫الدعــم لمــن هــم فــي أمــسّ الحاجــة إليــه‪».‬‬

‫المعيد «رامي بلبل»‪ :‬يصنع من الركام «مساحة أمل»‬ ‫لينا شرف‪/‬الميدان‪:‬‬

‫ّ‬ ‫يسطر الشاب رامي بلبل (‪27‬‬ ‫ً‬ ‫عاما)‪ ،‬خريج اإلعالم وتكنولوجيا‬ ‫الجامعية‬ ‫االتصال من الكلية‬ ‫التطبيقية‪ً ،‬‬ ‫قصة مختلفة‬ ‫للعلوم‬ ‫ّ‬ ‫زمن تحول فيه األمل إلى‬ ‫في ٍ‬ ‫مقاومة صامتة‪.‬‬

‫يكــون مجــرد ضحيــة‪ ،‬ومــع كل فقــدان‪ ،‬كان يصنــع‬

‫يســتطرد رامــي‪« :‬مشــروعي مــش بــس مــكان‪ ،‬هــو‬

‫قــرارًا جديــدًا بــأن يســتمر‪ .‬بحــث طويــل خــال‬

‫رســالة‪ :‬إنــه رغــم الدمــار‪ ،‬نقــوم مــن تحــت الرمــاد‪،‬‬

‫الحــرب عــن فرصــة عمــل‪ ،‬وســعي مريــر إليجــاد‬

‫كطائــر العنقــاء تمامًــا»‪.‬‬

‫مصــدر دخــل يحفــظ كرامتــه‪ ،‬حتــى وُلــدت الفكــرة‬

‫ويــرى أن مشــروعه ســاعد المجتمــع المحلــي بشــكل‬

‫مــن رحــم الحاجــة‪ :‬إنشــاء مســاحة عمــل فــي مدينــة‬

‫فعلــي‪ ،‬ســواء أفــرادًا أو فر ًقــا شــبابية‪ ،‬ألن الحاجــة‬

‫غــزة تو ّفــر اإلنترنــت والكهربــاء لــكل مــن فقــد‬

‫لهــذا النــوع مــن المســاحات كانــت ومــا زالــت‬

‫مكانــه اآلمــن للعمــل‪.‬‬

‫مُلحّــة‪.‬‬

‫حمــل رامــي حلمــه األكاديمــي منــذ ســنوات‪،‬‬

‫يوضــح بلبــل أن حاجتــه كشــاب إلــى مصــدر طاقــة‬

‫غزة تستحق‬

‫وتن ّقــل بيــن قاعــات المحاضــرات كمعيــد فــي قســم‬

‫وإنترنــت ح ّفــزت فكــرة قديمــة لديــه‪ ،‬وهــي إيجــاد‬

‫أمــا عــن االستســام‪ ،‬فبالنســبة لرامــي‪ ،‬هــي كلمــة‬

‫الوســائط المتعــددة واإلعــام بالكليــة الجامعيــة‪،‬‬

‫مســاحة عمــل حــرّة تُشـ ّ‬ ‫ـكل مســاحة حيــاة للشــباب‪،‬‬

‫محذوفــة مــن قاموســه‪« :‬طــول مــا أنــا بتنفــس‪ ،‬كل‬

‫ً‬ ‫حامــا شــغفه علــى راحتيــه‪ ،‬حتــى جــاءت الحــرب‬

‫ويتابــع‪« :‬وبالرغــم مــن شُــحّ المــواد الخــام وارتفــاع‬

‫مــا هدمــوا رح أبنــي مــن جديــد‪ .‬االستســام مــش‬

‫اإلســرائيلية علــى غــزة ‪ ،2023‬ومزّقــت معــه الكثيــر‬

‫أســعارها الجنونــي‪ ،‬والخــوف الــذي يُخيّــم علــى كل‬

‫خيــار‪ ،‬الحيــاة للــي بيقاتــل‪ ،‬مــش للــي بيستســلم»‪.‬‬

‫مــن األحــام‪.‬‬

‫شــيء‪ ،‬كان اإليمــان بالحــق فــي الحيــاة أقــوى مــن‬

‫كمــا ينصــح رامــي الشــباب الذيــن فقــدوا أعمالهــم‬

‫يقــول رامــي بألــم‪ :‬مــع أولــى قذائــف الحــرب‪ ،‬تغيّــر‬

‫كل الصعوبــات»‪.‬‬

‫بـ ّ‬ ‫ـأل ينتظــروا المعجــزات‪« :‬ابــدأ بأبســط اإلمكانيــات‪،‬‬

‫كل شــيء‪« ،‬لحظــة وحــدة كانــت كفيلــة تاخــذ منــي‬

‫مالذ الشباب‬

‫بيتــي‪ ،‬أصحابــي‪ ،‬شــغلي‪ ،‬مصــدر رزقــي وأمانــي‪.‬‬

‫مســاحة العمــل التــي أنشــأها رامــي اليــوم صــارت‬

‫الحقيقــي ال بينكســر»‪.‬‬

‫فالحــرب هــذه المــرة لــم تكــن مجــرد عــدوان عابــر‪،‬‬

‫ً‬ ‫مــاذا للشــباب والطــاب والفريالنســرز؛ مــكان‬

‫ومــع أن واقــع غــزة يفــرض تحديــات يوميــة‪ ،‬إال أن‬

‫بــل زلــزال اقتلــع جــذور االســتقرار مــن األرض»‪.‬‬

‫هــادئ‪ ،‬مــزوّد بخدمــات أساســية باتــت حلمًــا صعــب‬

‫ً‬ ‫مســتقبل‪ ،‬حيــن‬ ‫رامــي يخطــط لتوســيع مشــروعه‬

‫ال تكن ضحية‬

‫المنــال‪ ،‬ومتنفسًــا ّ‬ ‫يُذكرهــم بــأن الحيــاة كانــت ومــا‬

‫تســمح الظــروف‪ ،‬مؤمنًــا أن البنــاء ال يجــب أن‬

‫زالــت ممكنــة‪ ،‬رغــم كل شــيء‪.‬‬

‫يتوقــف‪ ،‬ألن غــزة تســتحق الحيــاة‪.‬‬

‫بالرغــم مــن كل هــذا االنهيــار‪ ،‬رفــض رامــي أن‬

‫ال تنتظــر فرصــة‪ ...‬اصنعهــا بنفســك‪ .‬الحلــم‬


‫أقالم واعدة‬

‫‪18‬‬ ‫بقلم ندى حسونة‬

‫عندما يكون الصمت جريمة‬

‫فــي زمــن تُرفــع فيــه شــعارات العدالــة وحقــوق اإلنســان‬

‫النصيــرات‪ ،‬تعبّــر بكلماتهــا عبــر منصــة «إنســتغرام» عــن هــذا‬

‫«لــو وقعــت هــذه المجــازر فــي أي مــكان آخــر غيــر غــزة‪،‬‬

‫األلــم العميــق‪:‬‬

‫الهتــزت العواصــم‪ ،‬ولطــارت طائــرات اإلنقــاذ‪ ،‬ولعُقــدت‬

‫كرايــاتٍ ينشــدها العالــم‪ ،‬يقــف المجتمــع الدولــي عاجــزًا‬ ‫أو متواط ًئــا أمــام مشــاهد الدمــار والمجــازر التــي تحيــط‬

‫«أوالدي يســألونني‪ :‬ليــش محــدا بيوقــف الحــرب؟ شــو عملنــا‬

‫محاكمــات دوليــة‪».‬‬

‫بالمدنييــن فــي غــزة‪ .‬هــدم البيــوت علــى رؤوس ســاكنيها‪،‬‬

‫إحنــا؟ مــا عنــدي جــواب‪ .‬العالــم ســاكت‪ ،‬وكأنــه بيشــوفنا ومــش‬

‫اختفــاء أحيــاء بأكملهــا‪ ،‬وقتــل األطفــال وهــم فــي أحضــان‬

‫شــايفنا‪».‬‬

‫لكــن ألن الضحايــا فلســطينيون‪ ،‬تُغلــق العيــون‪ ،‬وتُســدّ‬ ‫اآلذان‪ ،‬ويتأجــل التحــرّك إلــى مــا بعــد الكارثــة‪ ،‬إن ّ‬ ‫تذكرهــا‬

‫نومهــم‪ ،‬ليســت ســوى مشــاهد باتــت مألوفــة‪ .‬ومــع ذلــك‪،‬‬

‫هــذه الكلمــات تلخّــص مأســاة عابــرة للحــدود‪ .‬حيــن تُتــرك أمّ‬

‫أحــد‪.‬‬

‫تتجسّــد ردود فعــل الــدول الكبــرى فــي بيانــات «قلــق»‬

‫فلســطينية لتبــرّر لصغارهــا ســبب اســتهدافهم‪ ،‬وتعجــز عــن‬

‫فــي ظــل هــذه المأســاة‪ ،‬يتّضــح أن الحيــاد فــي زمــن‬

‫و»دعــوات لضبــط النفــس»‪ ،‬التــي ال تليــق بحجــم المأســاة‪.‬‬

‫تقديــم تفســير ســوى أن العالــم بــاع إنســانيته‪ ،‬يتجــاوز الجــرح‬

‫المجــازر ليــس خيــارًا محايــدًا‪ ،‬بــل جريمــة مضاعفــة‪ .‬حيــن‬

‫إن الصمــت الدولــي اليــوم ليــس مجــرد غيــاب للكلمــة‪ ،‬بــل‬

‫حــدود المــكان ليصــل إلــى ضميــر البشــرية ك ّلهــا‪.‬‬

‫يُقتــل المدنيــون عمــدًا‪ ،‬ويُحرمــون مــن أبســط مقوّمــات‬

‫هــو فعــل مؤلــم يفــوق وقــع أصــوات القصــف المتواصلــة‪.‬‬

‫الصمــت الدولــي اليــوم ال يمكــن اعتبــاره حيــادًا‪ ،‬بــل هــو‬

‫الحيــاة مــن عــاج ومــاء وغــذاء وكهربــاء‪ ،‬يصبــح الصمــت‬

‫فالذيــن يمتلكــون القــدرة علــى التدخّــل واإلنقــاذ‪ ،‬لكنهــم‬ ‫يختــارون الصمــت أو الموقــف المتح ّفــظ‪ ،‬يتحوّلــون مــن‬

‫شــكل مــن أشــكال العنــف الممــوّه‪ .‬ففــي ظــل مقتــل عائــات‬

‫الدولــي خيانــة أخالقيــة جســيمة‪.‬‬

‫بأكملهــا‪ ،‬وبتــر أجســاد أطفــال أمــام أعيــن العالــم‪ ،‬تتالشــى‬

‫كل لحظــة صمــت مــن هــذا العالــم «المتحضّــر» تعنــي‬

‫شــهود علــى المأســاة إلــى شــركاء فيهــا‪ .‬إنهــم يمــدّون‬

‫القيــم اإلنســانية أمــام عبــارات التنديــد الخافتــة التــي ال تترجــم‬

‫ضحايــا أكثــر‪ ،‬ودمــاء تُســفك بــا حســاب‪ .‬وفــي غــزة‪،‬‬

‫يــد العــون الخفيّــة الســتمرار معانــاة المدنييــن‪ ،‬خصوصًــا‬

‫إلــى أفعــال حقيقيــة‪ .‬مــن ال يديــن القتــل المتعمــد‪ ،‬يفتــح البــاب‬

‫تُكتــب كل دقيقــة بــا موقــف مســؤول بلــون الــدم‪ .‬وربمــا‪،‬‬

‫األطفــال الذيــن يســقطون بيــن الحيــن واآلخــر ضحايــا‬

‫أمــام المزيــد مــن االنتهــاكات‪ ،‬ومــن يســاوي بيــن الضحيــة‬

‫ســيأتي اليــوم الــذي تُســأل فيــه اإلنســانية كلهــا بصــوت‬

‫لسياســات دوليــة مغ ّلفــة بالمصالــح‪.‬‬

‫والجــاد يتخلــى عــن مفهــوم العدالــة‪.‬‬

‫مــدوٍّ‪:‬‬

‫لفتنــي كالم آمنــة الجديلــي‪ ،‬أمٌّ ألربعــة أطفــال مــن مخيــم‬

‫قالها المفكر البريطاني جورج غاالوي بوضوح‪:‬‬

‫بقلم وسيم الجملة‬

‫«زمالء اإلعالم»‬ ‫جمعنا الحلم‪ّ ،‬‬ ‫وفرقتنا الحرب‬

‫يمضــي الوقــت ســريعًا‪ ،‬وتســرق الحــرب منّــا أجمــل لحظــات‬ ‫الحيــاة دون ســابق إنــذار‪ .‬مــا أقســى أن نــدرك – فــي لحظــة‬ ‫خاطفــة – أننــا فقدنــا مــن شــاركونا أجمــل فصــول الحكايــة‪.‬‬ ‫لــم يكــن تخصــص اإلعــام فــي الكليــة الجامعيــة مجــرّد‬ ‫قاعــات ودروس ومحاضــرات؛ بــل كان بيتًــا جمعنــا بــأرواح‬ ‫صنعــت مــن كل يــوم تجربــة ال تُنســى‪.‬‬ ‫فــي أروقــة الكليــة‪ ،‬فــي صــوت األســتاذ وهــو يشــرح‪ ،‬فــي‬ ‫األجهــزة التــي جلســنا أمامهــا نحــرّر ونمنتــج ونبــدع‪ ...‬فــي‬ ‫كل زاويــة ذكــرى‪ ،‬وفــي كل زاويــة أثــر لهــم‪ .‬أتذكرهــم واحــدًا‬ ‫واحــدًا‪ :‬مــن حمــل الكاميــرا كأنهــا ســيف‪ ،‬ومــن أصــرّ أن‬ ‫تُصــاغ الفكــرة بإتقــان‪ ،‬ومــن أضحكنــا وســط التوتــر‪ ،‬ومــن‬ ‫و ّثــق بعدســته لحظاتنــا التــي أصبحــت كنــزًا فــي الذاكــرة‪.‬‬ ‫مــا زلــت أذكــر أول أيامنــا‪ ،‬وارتباكنــا أمــام الميكروفــون‬ ‫وعدســة الكاميــرا‪ ،‬وضحكاتنــا حيــن نخطــئ فــي قــراءة‬ ‫النشــرة‪ .‬كنــا أكثــر مــن زمــاء‪ ،‬كنــا إخــوة وأخــوات‪ ،‬رفقــاء‬

‫بقلم قمر نشوان‬

‫لماذا سكتّم؟‬

‫ومشــوار ال يُشــبهه شــيء‪.‬‬ ‫شــغف‬ ‫ٍ‬ ‫وال يمكــن أن أنســى لحظــات الخــروج مــن االمتحانــات‪ ،‬و»يــا‬ ‫عينــي» إن جــاء ســؤال مــن خــارج الوحــدات! وال أنســى حيــن كان‬ ‫ً‬ ‫متســاهل معنــا‪ ،‬فنــكاد جميعًــا نحصــل علــى العالمــة‬ ‫المراقــب‬ ‫الكاملــة‪.‬‬ ‫الجامعــة التــي أصبحــت اليــوم ركامًــا‪ ،‬مــا زالــت تســكننا‪ .‬كل‬ ‫صــورة علــى هاتفــي تحمــل حكايــة‪ ،‬وكل زاويــة تحكــي قصــة مــن‬ ‫ســاعدني أو ســاعدته‪ ،‬مــن ســهرنا معًــا ننجــز مشــروعًا‪ ،‬أو مــن‬ ‫ضحكنــا معــه بعــد امتحــان عصيــب‪ .‬لــم يكونــوا عابريــن‪ ،‬بــل‬ ‫تركــوا فــي قلبــي أثــرًا ال يُمحــى بالغيــاب‪...‬‬ ‫فلترقــد أرواح مــن فقدناهــم بســام‪ ،‬ولتبــقَ أســماؤهم محفــورة‬ ‫فــي القلــب‪ .‬وســأبقى أكتــب عنهــم‪ ،‬ال ألننــي أخشــى نســيانهم‪،‬‬ ‫بــل ألن الحــروف وحدهــا تُواســي القلــب حيــن يعجــز عــن الــكالم‪.‬‬ ‫هنــا‪ ،‬نســجّل أســما ًء ليســت مجــرّد حــروف‪ ،‬بــل أرواحًــا شــاركتنا‬ ‫الــدرب‪ ،‬وتربّــت معنــا علــى حلــم الكاميــرا والميكروفــون والكلمــة‬

‫ً‬ ‫مراســا ينقــل‬ ‫الحــرة‪ .‬بعضهــم كان يحلــم بــأن يكــون‬ ‫الحقيقــة‪ ،‬وآخــر كان يــرى مســتقبله فــي اإلخــراج أو اإلعــداد‬ ‫أو التصويــر‪ .‬جمعنــا الحلــم‪ ،‬وفرّقتنــا الحــرب‪ ،‬لكنهــم لــم‬ ‫يغــادروا الذاكــرة يومًــا‪.‬‬ ‫«وهــا هنــا نكتــب أســماء شــهداء طلبــة اإلعــام فــي الكليــة‬ ‫الجامعيــة وفــا ًء لهــم وتخليــدًا لذكراهــم»‪:‬‬ ‫مــن الطــاب‪ :‬إبراهيــم الفــي‪ ،‬مصعــب عاشــور‪ ،‬حســن البيــاع‪،‬‬ ‫بهــاء عيــاد‪ ،‬حســام شــبات‪ ،‬عمــر الديــراوي‪ ،‬خالــد صالــح‪،‬‬ ‫عبدالعزيــز كالب‪ ،‬ســعدي مــدوخ‪ ،‬عــاء النمــر‪ ،‬عبــد الهــادي‬ ‫حبيــب‪ ،‬حمــزة الدحــدوح‪ ،‬محمــد عيــاش‪ ،‬محمــود الشــاقورة‪،‬‬ ‫عاصــم حبيــب‪ ،‬جهــاد طافــش‪ ،‬أمجــد حبــوش‪ ،‬أمجــد عزيــز‪،‬‬ ‫أميــر هنيــة‪ ،‬حــازم هنيــة‪.‬‬ ‫ومــن الطالبــات‪ :‬دينــا البطنيجــي‪ ،‬أحــام العجلــة‪ ،‬ســمية‬ ‫عبدربــه‪ ،‬أمــل زهــد‪ ،‬حنــان عيــاد‪ ،‬فاطمــة حميــد‪ ،‬رغــد‬ ‫حســنين ‪.‬‬

‫شهيد الكلمة والصورة في غزة‬

‫اغتيــال الصحفــي حســن أصليــح‪ .‬لــم يكــن ذلــك مجــرد‬ ‫اســتهداف لصحفــي‪ ،‬بــل محاولــة لطمــس الحقيقــة‪ ،‬وقتــل‬ ‫الصــورة التــي فضحــت الجرائــم واالنتهــاكات اإلســرائيلية‪.‬‬ ‫لــم يكــن حســن أصليــح مجــرد ناقــل للخبــر‪ ،‬بــل كان شــاهدًا‬ ‫حقيقيًــا علــى معانــاة المواطنيــن فــي قطــاع غــزة‪ ،‬حيــث‬ ‫كان صوتــه صاد ًقــا وثابتًــا فــي زمــن قلــت فيــه الجــرأة‬ ‫والموضوعيــة‪ .‬وقــد دفــع حياتــه ثمنًــا اللتزامــه بنقــل جرائــم‬ ‫االحتــال حتــى اللحظــات األخيــرة مــن عمــره‪.‬‬ ‫فــي زمــن أصبحــت فيــه الكلمــة ســاحًا‪ ،‬كان حســن يحمــل‬

‫بقلم سجى عياد‬ ‫فــي قطــاع غــزة‪ ،‬لــم تعــد الحــرب مجــرد حــدث طــارئ‪ ،‬بــل‬ ‫واقعًــا يتكــرر ويتــرك بصماتــه القاســية علــى كل جانــب مــن‬ ‫جوانــب الحيــاة‪ ،‬وكان للقطــاع التعليمــي النصيــب األكبــر‬ ‫مــن الضــرر‪ .‬فمــع كل عــدوان‪ ،‬تُدمَّــر المــدارس والجامعــات‪،‬‬ ‫ويُقتــل الطلبــة والمعلمــون‪ ،‬وتتحــول قاعــات الــدرس إلــى‬ ‫مالجــئ للنازحيــن أو ركام متناثــر‪.‬‬ ‫مدارس تحت النار‬ ‫أكثــر مــن نصــف مــدارس غــزة تعرّضــت ألضــرار مباشــرة أو‬ ‫غيــر مباشــرة خــال الحــرب األخيــرة‪ ،‬وبعضهــا تحــوَّل إلــى‬ ‫ّ‬ ‫مكتظــة تفتقــر ألبســط المقومــات اإلنســانية‪،‬‬ ‫مراكــز إيــواء‬ ‫ناهيــك عــن أنهــا لــم تعــد صالحــة لتقديــم التعليــم‪ ،‬خاصــة‬ ‫وأت بنيتهــا التحتيــة وفصولهــا الدراســية وممراتهــا تعرضــت‬ ‫للخــراب وبحاجــة للصيانــة‪ ،‬وتشــير تقاريــر أمميــة إلــى أن‬ ‫اســتهداف المــدارس كان ممنهجًــا فــي كثيــر مــن المناطــق‪،‬‬ ‫ممــا أدى إلــى تو ّقــف التعليــم آلالف الطلبــة‪.‬‬

‫كاميــرا وقلــم‪ ،‬ويحــاول إيصــال رســالة المظلوميــن والمكلوميــن‬ ‫والنازحيــن والجوعــي فــي غــزة‪.‬‬ ‫اســتهدف حســن للمــرة الثانيــة أثنــاء تلقيــه العــاج فــي مستشــفى‬ ‫ناصــر بخانيونــس جنــوب قطــاع غــزة‪ ،‬ممــا أدى إلــى استشــهاده‬ ‫فجــر يــوم الثالثــاء ‪ 13‬مايــو ‪ ،2025‬وهــي حادثــة يســجل فيهــا‬ ‫الجيــش اإلســرائيلي انتهاكيــن‪ ،‬األول لصحفــي‪ ،‬والثانــي لمريــض‬ ‫يتلقــى العــاج‪.‬‬ ‫مــا جــرى فــي مستشــفى ناصــر الطبــي ليــس انتهــاك للقانــون‬ ‫الدولــي‪ ،‬بــل ضربــة قاســية لــكل منتظومــة حقــوق اإلنســان‪،‬‬

‫ومهنــة البحــث عــن الحقيقــة‪.‬‬ ‫رحيــل حســن خســارة كبيــرة‪ ،‬ليــس فقط لإلعــام الفلســطيني‪،‬‬ ‫بــل لــكل مــن كان يؤمــن بــأن الكلمــة أقــوى مــن الرصاصــة‪،‬‬ ‫لكــن ذلــك لــن يُســكت صــوت الحقيقــة ومحاولــة فضــح‬ ‫الجرائــم فــي غــزة‪.‬‬ ‫ســيبقى حســن أصليــح رمــزًا للحقيقــة والشــجاعة‪ ،‬والمقاومــة‬ ‫بالكلمــة‪ ،‬والكرامــة االنســانية‪ .‬وســيكون استشــهاده وصمــة‬ ‫عــار علــى جبيــن صمــت العالــم‪ ،‬وســيبقى مثـ ً‬ ‫ـال يُحتــذى بــه‬ ‫فــي اإلصــرار علــى أداء الواجــب المهنــي فــي أصعــب الظــروف‪.‬‬

‫جراح ال تندمل‬ ‫في جسد المعرفة‬ ‫خسائر بشرية‬ ‫فقــد القطــاع التعليمــي المئــات مــن الطلبــة والمعلميــن‪ ،‬بعضهــم‬ ‫ُقتــل تحــت القصــف‪ ،‬وآخــرون تحــت األنقــاض‪ ،‬وتــرك ذلــك ً‬ ‫فراغــا ال‬ ‫يمكــن تعويضــه بســهولة‪ .‬تقــول طالبــة جامعيــة فقــدت أســتاذها‬ ‫فــي إحــدى الغــارات‪:‬‬ ‫«كان أســتاذنا يع ّلمنــا الحلــم وســط الخــراب‪ ،‬فجــأة رحــل‪ ،‬ولــم‬ ‫نســتوعب حتــى اآلن أنــه لــن يعــود‪».‬‬ ‫حافة االنهيار‬ ‫مــع انقطــاع الكهربــاء‪ ،‬وصعوبــة الوصــول إلــى اإلنترنــت‪ ،‬ونقــص‬ ‫الكتــب والمســتلزمات الدراســية‪ ،‬أصبــح التعليــم فــي غــزة تحدّيًــا‬ ‫ـا بديـ ً‬ ‫يوميًــا‪ .‬حتــى المنصــات اإللكترونيــة التــي كانــت حـ ًّ‬ ‫ـا خــال‬ ‫جائحــة كورونــا‪ ،‬لــم تعــد ممكنــة فــي ظـ ّ‬ ‫ـل الظــروف الحاليــة‪.‬‬ ‫أثر نفســي عميق‬ ‫لــم يقتصــر الضــرر علــى البنيــة التحتيــة‪ ،‬بــل طــال الصحــة‬ ‫النفســية للطلبــة‪ .‬أطفــال فــي عمــر الزهــور باتــوا يعانــون مــن‬

‫اضطرابــات نفســية وخــوف دائــم‪ .‬كثيــر منهــم فقــدوا ذويهــم‪،‬‬ ‫وأصدقاءهــم‪ ،‬ومنازلهــم‪ ،‬ولــم يعــد لديهــم بيئــة آمنــة للتع ّلــم‪.‬‬ ‫يقفــون علــى طابــور الميــاه والتكيــة إلحضــار الطعــام فــي ظــل‬ ‫المجاعــة الفاحشــة‪ ،‬بـ ً‬ ‫ـدل مــن الوقــوف فــي طابــور المدرســة‪.‬‬ ‫صمود‬ ‫رغــم كل ذلــك‪ ،‬يواصــل الكثيــر مــن المعلميــن والخريجيــن‬ ‫ممارســة التعليــم داخــل مراكــز اإليــواء وفــي الخيــام‪ ،‬حتــى ال‬ ‫تُطمــس عقــول األجيــال وال تُمحــى مــن ذاكرتهــم‪ .‬الكثيــر‬ ‫مــن مشــاهد التعليــم وســط الدمــار‪ ،‬والطــاب يحملــون‬ ‫دفاترهــم بيــن األنقــاض‪ ،‬أصبحــت رمــزًا لصمــود شــعب ال‬ ‫يعــرف االستســام‪.‬‬ ‫يبقــى التعليــم ســاح كل إنســان فــي غــزة‪ ،‬وجبهــة مــن جبهات‬ ‫الصمــود‪ ،‬ومــع كل رصاصــة تســتهدف مقعــدًا دراســيًا‪ ،‬هنــاك‬ ‫عزيمــة تنهــض لتقــول‪« :‬ســنكتب رغــم األلــم‪ ،‬وســنتعلم رغــم‬ ‫الــركام‪».‬‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫تجربتي في النزوح‬ ‫والعيش في الخيم‬ ‫بقلم‬ ‫أسماء المبيض‬ ‫«فــي الحــرب‪ ،‬ال أحــد يعــود كمــا كان‪ ...‬حتــى الذيــن‬ ‫نجــوا‪».‬‬ ‫أنــا أســماء‪ ،‬مــن غــزة‪ ،‬مطلقــة أبلــغ مــن العمــر ‪٤٥‬‬ ‫عامـاً‪ ،‬أم لخمســة أطفــال‪ ،‬وطالبــة جامعيــة كانــت تحلــم‬ ‫بمســتقبل عــادي‪.‬‬ ‫لكــن الحــرب ســرقت منــي أكثــر مــن عــام ونصــف مــن‬ ‫عمــري‪ ،‬مــن علمــي‪ ،‬ومــن أمانــيّ الصغيــرة‪.‬‬ ‫لــم أختــر أن أكــون بطلــة‪ ،‬ولــم أتــدرّب علــى النجــاة‪ ،‬كل‬ ‫مــا فعلتــه أننــي تمســكت بالحيــاة فــي زمــن يســحق كل‬ ‫شــيء جميــل‪.‬‬ ‫بدايــة الجحيــم‪ :‬مــن مقاعــد الدراســة إلــى ممــرات‬ ‫النــزوح‬ ‫فــي الســابع مــن أكتوبــر ‪ ،2023‬تبدلــت مالمــح‬ ‫حياتــي‪ .‬كنــت طالبــة فــي الســنة الثالثــة بقســم اإلعــام‬ ‫وتكنولوجيــا االتصــال‪ .‬لكــن فــي لحظــة‪ ،‬تغيــر كل شــيء‪.‬‬ ‫بــدأ القصــف علــى حــي الشــجاعية حيــث بيــت عائلتــي‪،‬‬ ‫وهنــاك بــدأت أول فصــول الجحيــم‪.‬‬ ‫حيــاة توقفت‪ ..‬وقصف ال يهدأ‬ ‫ّ‬ ‫شــل العــدوان الحيــاة‪ .‬توقفــت الدراســة‪ ،‬أغلقــت‬ ‫المؤسســات‪ ،‬واختفــت مالمــح المدينــة‪ .‬انقطعــت‬ ‫الكهربــاء والمــاء‪ ،‬وغابــت االتصــاالت‪ .‬جلســنا فــي‬ ‫ظلمــة مرعبــة نتابــع صــور المجــازر بصمــت‪ ،‬بيــن قصــف‬ ‫متواصــل واتصــال متقطــع‪.‬‬ ‫نــزوح متكرر وال وجهة آمنة‬ ‫نزحنــا مــن بيتنــا إلــى بيــوت األقــارب‪ ،‬ثــم إلى مستشــفى‬ ‫الشــفاء‪ ،‬وبعدهــا جنوبًــا إلــى البريــج‪ ،‬حيــث ســبقني‬ ‫أطفالــي برفقــة والدهــم إلــى النصيــرات‪.‬‬ ‫لم أكن أحمل شي ًئا سوى الخوف‪.‬‬ ‫تــوزع أطفالــي فــي مناطــق متفرقــة‪ ،‬فيمــا كان الرابــع‬ ‫فــي ترتيــب أبنائــي فــي مصــر يــدرس وحــده‪.‬‬ ‫كل ليلــة أنــام علــى أســئلة موجعــة‪ :‬هــل بكــى دون أن‬ ‫يجــد مــن يواســيه؟ هــل مــرض ولــم أكــن بجانبــه؟‬ ‫مدرســة الحلو‪ ...‬والنوم في ممر بارد‬ ‫فــي مخيــم البريــج‪ ،‬ســكنت فــي مدرســة الحلــو‪ .‬ال‬ ‫خصوصيــة‪ ،‬ال دفء‪ ،‬فقــط حفنــة مــن األمــل تحــت‬ ‫الوســادة‪ .‬المســاعدات شــحيحة‪ ،‬بالــكاد تكفينــا‪.‬‬ ‫لكــن الحــرب لــم تنتــهِ‪ ،‬بــل انت َقلــتْ إلــى البريــج‪،‬‬ ‫فانتقلنــا إلــى ديــر البلــح‪ .‬ثــم تفرّقنــا مــرة أخــرى‪ :‬أنــا‬ ‫هنــا‪ ،‬وأطفالــي هنــاك‪ ،‬تحــت خطــر القصــف‪.‬‬ ‫الخيمــة‪ :‬رواية من البؤس‬ ‫ً‬ ‫ســكنا خيمــة ال تقينــا بــردًا وال تمنحنــا ظــا‪ .‬المطــر‬ ‫يتســرب مــن تحتنــا‪ ،‬والشــمس تحرقنــا مــن فــوق‪ .‬تلــك‬ ‫الروايــات التــي قرأتهــا عــن البؤســاء أصبحــت واقعــي‪.‬‬ ‫خيمــة ال تصلــح للســكن‪ ..‬وال حتــى للبــكاء الطوابيــر‬ ‫الطويلــة لــكل شــيء‪ :‬حمــام‪ ،‬ميــاه‪ ،‬خبــز‪ ،‬كهربــاء‪.‬‬ ‫نــزح أبنائــي إلــى رفــح؛ فنزحــت مــرة أخــرى هــذه المــرة‬ ‫إلــى معبــر كــرم أبــو ســالم» مخيــم الجمــارك» فــي رفــح‪.‬‬ ‫لــم يكــن لــدي خيــار أخــر أردت أن أكــون قريبــة مــن‬ ‫أبنائــي قــدر المســتطاع‪.‬‬ ‫مللــت الطوابيــر واالنتظــار حتــى شــحن الهاتــف أو‬ ‫اســتالم تحويلــة بســيطة كان تحديًــا مريــرًا‪.‬‬ ‫بيــن القراءة والتطــوع‪ ...‬محاولة للثبات‬ ‫رغــم توقــف الدراســة‪ ،‬حاولــت القــراءة ألشــغل وقتــي‪،‬‬ ‫لكــن الضجيــج أنهكنــي‪.‬‬ ‫فقــررت التطــوع كإحصائيــة‪ ،‬أســاعد فــي توزيــع‬ ‫المســاعدات والتواصــل مــع مؤسســات لتأميــن الطــرود‬ ‫الغذائيــة‪ ،‬ولــم يكــن االمــر ســهال أبــداً فخــرَّت قــواي‬ ‫وانهــار جســدي تعبــاً ولكــن عزيمتــي كانــت قويــة‪،‬‬ ‫تمالكــت نفســي حيــث ال وقــت لإلنهيــار أو االستســام‪.‬‬ ‫رصاصة في خانيونــس‪ ...‬والموت يالحقني‬ ‫حيــن اجتــاح الجيــش رفــح‪ ،‬انتقلنــا إلــى خانيونــس انــا‬ ‫وأبنائــي‪ ،‬ولكــن كل منــا كان فــي مــكان مختلــف‪ ،‬وهنــاك‬ ‫كاد المــوت يطالنــا‪ .‬أُصيــب أخــو صديقتــي أمــام أعيننــا‪،‬‬ ‫فهربنــا مجــددًا إلــى ديــر البلــح‪ ،‬بينمــا ظــل أطفالــي فــي‬ ‫خانيونــس‪.‬‬ ‫كل صوت انفجار كان يعني لي‪ :‬هل نجا أطفالي؟‬ ‫العودة للجامعة‪ ...‬رغم كل شــيء‬ ‫حيــن ُفتــح بــاب التســجيل‪ ،‬تــرددت كثيــرًا‪ :‬هــل أقــدر؟‬ ‫هــل اإلنترنــت سيســاعدني؟‬ ‫لكننــي بــدأت‪ .‬رغــم البــطء‪ ،‬رغــم االنقطــاع‪ ،‬رغــم‬ ‫القصــف‪ ،‬رغــم الضجيــج‪.‬‬ ‫واجهــت صعوبــات فــي تســليم المهــام‪ ،‬فــي تحميــل‬ ‫المحاضــرات‪ ،‬فــي التركيــز وســط أصــوات الطائــرات‪.‬‬ ‫بكيت كثيرًا‪ .‬لكنني واصلت‪.‬‬ ‫الحــرب طاحنــة‪ ...‬ولكنها لن تهزمني‬ ‫ورغــم كل شــيء‪ ،‬أكملــت العــام‪ ،‬لــم أستســلم‪ ،‬بــل‬ ‫قاومــت ُألكمــل الطريــق الــذي حلمــت بــه‪.‬‬ ‫والتــزال الحــرب ورحــات النــزوح مســتمرة‪ ،‬والزلــت‬ ‫أواصــل دراســتي بيــن القصــف والخــوف هنــا فــي غــزة‬ ‫مــرة أخــرى‪.‬‬ ‫فالحرب مهما سلبتنا‪ ،‬لن تسلبنا إرادتنا في الحياة‪.‬‬


‫أقالم واعدة‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫بقلم لينا شرف‬

‫‪19‬‬

‫ّأم‪ ،‬طالبة‪ ،‬ناجية‪ ،‬وملهمة‬

‫عندما تصبح‬ ‫الخيمة ً‬ ‫بيتا‬ ‫وجامعة‬

‫فــي مدينــةٍ اعتــادت أن تُصقــل أبناءهــا بالنــار قبــل أن‬

‫نشــرة‪ ،‬بــل نيرانًــا فــي قلبهــا‪ ،‬وحري ًقــا فــي تفاصيــل بيتهــا‪ ،‬نزحــت‬

‫وتحمــل لقــب “أم” بــكل تفاصيلــه‪ ،‬وتــوازن بيــن طفــل يحتــاج‬

‫تُعطيهــم الخبــز‪ ،‬وُلــدت لينــا شــرف‪ ،‬التــي لــم تكــن قــد‬

‫مــع عائلتهــا‪ ،‬انقطعــت الكهربــاء‪ ،‬انقطــع اإلنترنــت‪ ،‬وانقطعــت‬

‫حنانهــا‪ ،‬ومهنــة تحتــاج عقلهــا‪ ،‬ومجتمــع يحتــاج صوتهــا‪ ،‬لكــن‬

‫تجــاوزت الرابعــة عشــرة مــن عمرهــا حيــن بــدأت تضــع‬

‫الحيــاة‪ ،‬لكنهــا لــم تستســلم‪ ،‬كانــت تخــرج كل صبــاح‪ ،‬تبحــث عــن‬

‫المفاجــأة لــم تكــن فــي كل مــا ســبق‪ ،‬بــل فــي قدرتهــا علــى‬

‫قدمهــا فــي عالــم ال يعــرف فيــه الكبــار مــن أيــن يبــدأون‪ ،‬فــي‬ ‫ٍ‬ ‫الوقــت الــذي كانــت فيــه فتيــات جيلهــا منشــغالت بالمدرســة‬

‫مــكان تلتقــط منــه نقطــة إنترنــت‪ ،‬جربــت أســطح البنايــات‪ ،‬زوايــا‬

‫تحــوّل الحــزن إلــى وعــي‪ ،‬والمأســاة إلــى أداة مقاومــة‪ ،‬وفــي‬

‫الشــوارع‪ ،‬وحتــى “إنترنــت الشــارع” الــذي كانــت تصــل إليــه بعــد‬

‫أوج الحــرب‪ ،‬بيــن أنقــاض المبانــي‪ ،‬فتحــت لينــا نافذتهــا‬

‫أو األحــام المؤجلــة‪ ،‬كانــت هــي تمســك بالحاســوب وتكتــب‬

‫ســاعات مــن االنتظــار مقابــل كلمــة ســر تُعطــى بورقــة مكتوبــة‪،‬‬

‫علــى العالــم عبــر منصــات التواصــل االجتماعــي‪ ،‬فلــم تكــن‬

‫أولــى خطواتهــا فــي عالــم العمــل الحــر‪ ،‬ال مــدرّب وال دليــل وال‬

‫لــم تكــن المســألة مجــرد عمــل‪ ،‬بــل هويــة‪ ،‬كانــت تقاتــل لتســتعيد‬

‫مجــرد مشــاركة أخبــار‪ ،‬بــل تعليقــات حــادة‪ ،‬ســاخرة‪ ،‬تُصيــب‬

‫دعــم‪ ،‬ســوى شــغف خالــص وفضــول ال يشــبه سِــنّها‪.‬‬

‫صوتهــا‪ ،‬لتبقــى‪ ،‬لتُثبــت أن الغيــاب ليــس خيــارًا‪.‬‬

‫الهــدف دون مواربــة‪ ،‬بأســلوبها الــاذع الســاخر‪ ،‬اســتطاعت‬

‫كانــت الطفلــة الصغيــرة تجلــس علــى األرض‪ ،‬تســرق لحظــات‬

‫وفــي لحظــة لــم تكــن تتوقعهــا‪ ،‬وصلهــا بريــد إلكترونــي مــن‬

‫أن تُحاكــي النــاس بلغتهــم‪ ،‬وتقــول مــا ال يُقــال‪ ،‬ارتفــع عــدد‬

‫مــن الكهربــاء كلمــا عــاد التيــار‪ ،‬تفتــح حاســوبها المتواضــع‪،‬‬

‫مؤسســة دوليــة‪“ :‬تــم قبولــك للعمــل معنــا لفتــرة مؤقتــة”‪ ،‬لــم‬

‫متابعيهــا بســرعة‪ ،‬وصــارت منصتهــا متنفسًــا للكثيريــن‪،‬‬

‫وتبــدأ العمــل فــي صمــت‪ ،‬لــم تكــن تعلــم أن هــذه اللحظــات‬

‫تكــن فرصــة فقــط‪ ،‬بــل انتصــارًا‪ ،‬عــادت للعمــل مــن وســط‬

‫ً‬ ‫بديــا عــن اإلعــام الرســمي‪.‬‬ ‫وصوتًــا‬

‫ســتصنع لهــا مســتقب ً‬ ‫ال مختلفــاً‪ ،‬تقدّمــت علــى عشــرات‬

‫الدمــار‪ ،‬بنظــام مؤقــت‪ ،‬وبطاقــة هاتــف محمــول‪ ،‬وبعزيمــة ال‬

‫لكــن لينــا لــم تحتكــر الضــوء‪ ،‬فكلمــا جاءهــا مشــروع‪ ،‬نظــرت‬

‫المشــاريع‪ ،‬تع ّلمــت مــن الفشــل أكثــر ممــا تع ّلمــت مــن‬

‫يمكــن محاصرتهــا‪.‬‬

‫حولهــا‪ ،‬مــن يحتــاج العمــل أكثــر؟ مــن فقــد بيتــه ووظيفتــه‬

‫النجــاح‪ ،‬ثــم بــدأت أولــى النجاحــات تتســلل بصمــت‪ ،‬تكريــم‬

‫وبعــد انتهــاء التجربــة‪ ،‬لــم تعــد كمــا كانــت‪ ،‬أصبحــت أكثــر خبــرة‪،‬‬

‫ومســتقبله؟ تعطيــه المشــروع‪ ،‬تدعمــه حتــى يُتمــه‪ ،‬ويســتلم‬

‫فــي مؤسســة‪ ،‬دعــوة لتقديــم دورة‪ ،‬ثــم أخــرى‪ ،‬حتــى صــارت‬

‫أكثــر وضوحًــا‪ ،‬وأكثــر تصميمًــا علــى أن تبنــي نفســها مــن جديــد‪،‬‬

‫أجــره بالكامــل‪ ،‬لــم تكــن تفعــل ذلــك مــن بــاب الفضــل‪ ،‬بــل‬

‫أرض الواقــع‪.‬‬

‫تُدعــى إللقــاء تدريبــات فــي مؤسســات ُكبــرى‪ ،‬لفئــات عمريــة‬

‫لتعــرض عليهــا بعــد ذلــك شــركة محليــة العمــل ضمــن طاقمهــا‪،‬‬

‫مــن بــاب الوفــاء‪ ،‬فهــي تعــرف معنــى أن تبــدأ مــن ال شــيء‪،‬‬

‫ال يخطــر فــي بــال الطالــب الجامعــي أن تتحــوّل حياتــه‬

‫مختلفــة‪ ،‬وهــي مــا تــزال تلميــذ ًة لــم تغــادر مقاعــد الدراســة‪.‬‬

‫لتتولــى مســؤولية تنظيــم قنــوات االتصــال‪ ،‬وتطويــر العالقــات‬

‫وتؤمــن أن مــن ذاق الظلــم‪ ،‬ال يمكــن أن يســمح لــه بــأن يُعــاد‬

‫ثــم جــاءت الحــرب‪ ،‬كان يومًــا ال يُنســى عندمــا جــاء خبــر‬

‫مــع المؤسســات الصحفيــة والدوليــة‪ ،‬واإلشــراف علــى التعــاون مــع‬

‫علــى غيــره‪.‬‬

‫استشــهاد شــقيقها الــذي لــم يُكســرها فقــط‪ ،‬بــل ّ‬ ‫شــل كل‬

‫منظمــات المجتمــع المدنــي ‪.‬‬

‫لينــا حكايــة حقيقيــة‪ ،‬فيهــا كل مــا فــي غــزة مــن وجــع‪ ،‬وكل مــا‬

‫بحصيــر‬ ‫أرض مفروشــة‬ ‫مــن مقاعــد القاعــات إلــى ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مهتــرئ‪ ،‬تحــت قمــاش نايلــون ال يقــي حــرًّا وال بــردًا‪.‬‬

‫مــا فــي داخلهــا‪ ،‬لــم تكــن الحــرب هــذه المــرة خبــرًا فــي‬

‫وفــي خضــم كل هــذا‪ ،‬كانــت تتابــع دراســتها الجامعيــة بتفــوق‪،‬‬

‫فيهــا مــن حيــاة‪ ،‬حكايــة فتــاة رفضــت أن تكــون مجــرد ناجيــة ‪.‬‬

‫بقلم‬ ‫أحمد ابراهيم‬ ‫فــي بقعــةٍ منســيّة مــن هــذا العالــم‪ ،‬حيــث ال شــيء‬ ‫يشــبه الحيــاة الطبيعيــة‪ ،‬تتداخــل مفــردات الواقــع‬ ‫لتولــد مشــاهد اســتثنائية‪ .‬هنــاك‪ ،‬فــي زوايــا الخيــام‬ ‫المتراصّــة علــى امتــداد األفــق‪ ،‬تتحــوّل الخيمــة مــن‬ ‫مــاذٍ مؤ ّقــت إلــى بيــتٍ دائــم‪ ،‬ومــن مــأوى طــارئ إلى‬ ‫قاعــة دراســة‪ .‬بيــن دفتــر المحاضــرة وتــد الخيمــة‪،‬‬ ‫ينبــت الحلــم رغــم الرمــاد‪ ،‬وتُكتــب حكايــات مــن صبـ ٍـر‬ ‫ومقاومــة ال تُــدرّس فــي الجامعــات‪ ،‬بــل تُعــاش علــى‬

‫مصبــاح‬ ‫وال يتوقــع أن يُذاكــر علــى ضــوء شــمعة أو‬ ‫ٍ‬ ‫يعمــل ببطاريــة شــبه فارغــة‪ ،‬بينمــا تقاطعــه أصــوات‬ ‫القصــف‪ ،‬أو بــكاء األطفــال‪ ،‬أو صفيــر الريــاح التــي‬ ‫تعبــث بجــدران الخيمــة‪.‬‬

‫شهيد بال وجبة‬

‫بقلم نور أبو هدة‬

‫الجامعــة في حقيبة‬ ‫يحمــل الطلبــة كتبهــم ودفاترهــم فــي حقائــب تشــبه‬ ‫حقائــب النــزوح‪ .‬ال يعلمــون أيــن ســينتهي بهــم اليوم‪،‬‬

‫فــي غــزة‪ ،‬الجــوع ليــس عابــرًا‪ ،‬بــل هــو ضيــفٌ دائــم‪ ،‬يُطيــل‬

‫ليعيــش يومًــا آخــر‪ .‬لكــن الحــرب حاصرتــه بالجــوع‪ ،‬وحاصــرت‬

‫لــم تعــد التكايــا مجــرّد مبــادرات موســمية‪ ،‬بــل أصبحــت‬

‫وال أيــن سيفترشــون األرض لحضــور محاضراتهــم‬

‫المكــوث فــي كل بيــت‪ ،‬وال يرحــل حتــى يخطــف حيــاة أو يتــرك‬

‫والدتــه بالحســرة‪ ،‬حتــى رحــل قبــل أن يتلقــى عالجًــا أو حتــى لقمـ ً‬ ‫ـة‬

‫مؤسســات يوميــة للبقــاء‪ ،‬تمنــح غــزة مــا تب ّقــى مــن القــدرة‬

‫عبــر اإلنترنــت‪ ،‬إن توفــرت الشــبكة‪ ،‬أو لمراجعــة مــا‬

‫ندبـ ً‬ ‫ـة فــي الــروح‪.‬‬

‫تُنقــذه‪.‬‬

‫علــى الصمــود‪ .‬ولوالهــا‪ ،‬لــكان الجــوع قــد حصــد أرواحًــا أكثــر‬

‫اســتطاعوا مــن دروس‪ ،‬إن وُجــدت الكهربــاء‪ .‬كل‬

‫فمــع اســتمرار العــدوان اإلســرائيلي‪ ،‬تتراجــع الحيــاة إلــى‬

‫تقول والدته في مشهد هزّ قلوب العالم‪:‬‬

‫ممــا فعــل القصــف‪.‬‬

‫خطوطهــا األولــى‪ ،‬حيــث ال كهربــاء‪ ،‬وال مــاء‪ ،‬وال دواء‪ ،‬وال حتــى‬

‫«مــا كانــش معانــا نطعميــه‪ ..‬جســمه صــار يضعــف يــوم عــن‬

‫صمود من دون ‪..‬‬

‫يــوم يشـ ّ‬ ‫ـكل تحدّيًــا جديــدًا‪ ،‬ليــس فقــط فــي ســبيل‬

‫رغيــف خبــز‪.‬‬

‫يــوم‪ ،‬وكل مــا نطلــب مســاعدة يقولولنــا اســتنوا‪ ..‬حتــى مــا قــدر‬

‫فــي غــزة‪ ،‬لــم تعــد الحيــاة تُقــاس برفاهيــة الكهربــاء أو المــاء‪،‬‬

‫النازحــون المنتشــرون فــي الخيــام ال يحلمــون بوجبــة كاملــة‪،‬‬

‫يســتنى»‪.‬‬

‫بــل بكيفيــة النجــاة بالحــد األدنــى‪.‬‬

‫بــل بفتــاتٍ يســدّ الرمــق‪ .‬بعــض العائــات تتشــارك علبــة‬

‫يــزن لــم يُقتــل بصــاروخ‪ ،‬بــل بانقطــاع الســبل‪ .‬مــات طفـ ً‬ ‫ـا صغيرًا‪،‬‬

‫هنــا‪ ،‬ينــام النــاس وهــم ال يعلمــون إن كانــوا ســيجدون رغي ًفــا‬

‫فاصوليــاء واحــدة‪ ،‬وأطفــال يخلــدون للنــوم علــى بطــونٍ‬

‫منســيًّا فــي خريطــة الغــذاء والــدواء‪ ،‬تـ ً‬ ‫ـاركا خلفــه سـ ً‬ ‫ـؤال ً‬ ‫ثقيل‪:‬‬

‫فــي الغــد‪ ،‬أو إن كانــت القذيفــة ستســبق الجــوع إلــى بيوتهــم‪.‬‬

‫فارغــة‪ ،‬وأمهــات يُخفيــن وجعهــن تحــت صمــتٍ ثقيــل‪ ،‬كــي ال‬

‫كم ً‬ ‫طفل آخر سيموت ألنه فقط‪ ...‬لم يجد ما يأكله؟‬

‫األسئلة لم تعد عن الغد‪ ،‬بل عن اللحظة‪:‬‬

‫تكايــا الحياة‪ ..‬آخر ما تب ّقى‬

‫تنهــار صــورة األمــان فــي عيــون صغارهــن‪.‬‬

‫هل سيبقى الجسد واق ًفا؟! وهل تبقى الروح صامدة؟!‬

‫التحصيــل األكاديمــي‪ ،‬بــل مــن أجــل البقــاء علــى قيــد‬ ‫الحيــاة‪ ،‬وســط ظــروفٍ تنعــدم فيهــا أبســط مقومــات‬ ‫اإلنســانية‪.‬‬ ‫خيمة‪ ...‬وبوابة أمل‬ ‫ورغــم القهــر‪ ،‬ال يتخ ّلــى هــؤالء الطلبــة عــن أحالمهــم‪.‬‬ ‫يُصــرّون علــى مواصلــة تعليمهــم‪ ،‬وكأنهــم يعلنــون‬ ‫ً‬ ‫مســتقبل ال يشــبه‬ ‫للعالــم‪« :‬نحــن هنــا‪ ،‬نصنــع‬

‫مات دون أن يشبع‬

‫فــي ظــل االنهيــار الكامــل للخدمــات‪ ،‬وغيــاب األســواق‪ ،‬وانقطــاع‬

‫ورغــم هــذا الخــراب‪ ،‬مــا زال النــاس يتشــبّثون بمــا تب ّقــى‪ .‬ألن‬

‫فــي شــمال قطــاع غــزة‪ ،‬وتحديــدًا فــي بلــدة بيــت حانــون‪،‬‬

‫سالســل اإلمــداد‪ ،‬بــرزت التكايــا – المطابــخ الخيريــة – كخــط‬

‫فــي غــزة‪ ،‬الكرامــة ال تُشــترى‪ ،‬حتــى وإن كانــوا يأكلــون الزيــت‬

‫غــاب الطفــل يــزن الكفارنــة‪ ،‬البالــغ مــن العمــر عشــرة أعــوام‪،‬‬

‫الدفــاع األخيــر عــن الجائعيــن‪.‬‬

‫والزعتــر – إن وجــدوا الملــح أصـ ً‬ ‫ـا – فالبقــاء فــي حــد ذاتــه فعــل‬

‫بعــد معانــاة صامتــة مــع ســوء التغذيــة ونقــص الرعايــة‬ ‫الصحيــة‪.‬‬

‫ـن ومخيــم‪ ،‬تطهــو التكايــا مــا توفــر مــن عــدس‬ ‫فــي كل حــيٍّ وركـ ٍ‬

‫مقاومة‪.‬‬

‫مع ّلقــة‪ ،‬وكتبًــا مكدّســة فــي ركــن‪ ،‬ودفاتــر محفوظــة‬

‫أو أرز أو حســاء‪ ،‬وتــوزّع وجبــات قــد تكــون هــي الفــارق بيــن الحيــاة‬

‫والمعجــزة هنــا ليســت أن تعيــش جيــدًا‪ ،‬بــل أن تبقــى حيًــا‬

‫بعنايــة بيــن أغطيــة رطبــة‪ .‬يتبادلــون المراجــع‪،‬‬

‫لــم يكــن يــزن يحلــم بالكثيــر‪ ،‬فقــط بوجبــة تســد جوعــه‬

‫والمــوت لعائلــة كاملــة‪.‬‬

‫رغــم كل مــا فقدتــه‪.‬‬

‫ويشــرح بعضهــم لبعــض‪ ،‬ويُقيمــون مجموعــات‬

‫حاضرنــا»‪ .‬كثيــرون منهــم يُحوّلــون خيامهــم إلــى‬ ‫فصــول دراســية مصغّــرة؛ فتجــد داخلهــا ســبورة‬ ‫ٍ‬

‫دراســية صغيــرة‪ ،‬لع ّلهــم ينتصــرون علــى الجهــل‪ ،‬كمــا‬

‫بقلم عبير غراب‬

‫«يزن»‪ ...‬الناجي الوحيد‬ ‫من المجزرة‬

‫ـب مــن صباحــات الحــرب علــى غــزة‪ ،‬خــرج‬ ‫ـاح كئيـ ٍ‬ ‫فــي صبـ ٍ‬ ‫يــزن‪ ،‬الطفــل ذو الســبعة أعــوام‪ ،‬مــن بيــن األنقــاض‬ ‫ً‬ ‫ممســكا ببطانيــة ممزقــة‪ ،‬يبحــث بعينيــه عــن وجــه‬

‫كل مــن زاره مــن الطواقــم الطبيــة واإلنســانية‪ ،‬غــادر وهــو‬ ‫يحمــل وجعًــا جديــدًا لــم يكــن مشــهد الطفــل الجريــح‬ ‫مؤلمًــا فقــط‪ ،‬بــل ســؤاله المتكــرر‪« :‬هــل راحــوا كلهــم؟ أنــا‬ ‫لحالــي؟» كان كافيًــا ليهــزّ قلــوب الجميــع‬ ‫«حياة بعد الموت»‬ ‫بعــد أن اختُطــف منــه كل شــيء فــي لحظــة‪ ،‬وجــد يــزن‬ ‫نفســه فــي بيــت جدتــه‪ ،‬تحيــط بــه جــدران ال تشــبه بيتــه‪،‬‬

‫حــي علــى عمــق الجريمــة وجهــه يحمــل الحكايــة كاملــة‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫المحطمــة‪ ،‬والذكريــات المحروقــة‪ ،‬والليــل‬ ‫الطفولــة‬ ‫الطويــل الــذي لــن يُطفــأ بســهولة‪ .‬قصتــه تفضــح‬ ‫صمــت العالــم‪ ،‬وتُعيــد تعريــف كلمــة «النجــاة» كأشــد‬ ‫أشــكال العــذاب حيــن يفقــد اإلنســان كل مــن يحــب‬ ‫دفعــة واحــدة‪.‬‬ ‫«رسالة طفل إلى العالم»‬

‫فــي لحظــة واحــدة‪ ،‬فقــد يــزن والــده‪ ،‬والدتــه‪ ،‬أختــه‬ ‫الصغيــرة مــرح‪ ،‬وخالتــه‪ ،‬فــي قصــف اســتهدف المنــزل‬ ‫الــذي كانــوا يــأوون إليــه كان نائمًــا فــي الزاويــة األبعــد‬ ‫مــن الغرفــة حيــن انفجــر كل شــيء اســتيقظ مذعــورًا‪،‬‬ ‫مغطــى بالتــراب والدمــاء‪ ،‬والهــدوء المخيــف الــذي يلــي‬ ‫العاصفــة نجــا جســده‪ ،‬لكــن قلبــه لــم ينــجُ سُــحب مــن‬ ‫بيــن الــركام وهــو ال يصــرخ‪ ،‬ال يبكــي‪ ،‬فقــط يتمتــم‬ ‫«ويــن مامــا؟ مــرح كانــت جنبــي‪.»...‬‬ ‫اليُتم المفاجئ‬ ‫نُقــل يــزن إلــى المستشــفى‪ ،‬وهنــاك جلــس وحيــدًا علــى‬ ‫الســرير‪ ،‬نظراتــه تائهــة‪ ،‬وأســئلته أكبــر مــن عمــره لــم‬ ‫يفهــم لمــاذا لــم يســتيقظوا معــه‪ ،‬لمــاذا ذهبــوا كلهــم‬ ‫وتركــوه‪ ،‬ولمــاذا عليــه أن يواجــه هــذا العالــم وحــده‬

‫وأصــوات ليســت تلــك التــي اعتــاد ســماعها لكــن وســط كل‬ ‫الغربــة‪ ،‬كانــت هنــاك يــدٌ تمتــد نحــوه بلطــف‪ :‬زوجــة عمــه‪،‬‬ ‫التــي احتضنتــه كمــا لــو كان أحــد أبنائهــا‪ ،‬وربمــا أكثــر لــم‬ ‫تتركــه يشــعر لحظــة أنــه وحيــد‪ ،‬كانــت تمســح علــى رأســه‬ ‫كلمــا خنقتــه الذكريــات‪ ،‬وتعــد لــه طعامــه المفضــل فــي‬ ‫محاولــة لكســر صمتــه الطويــل أصبحــت لــه أمًــا جديــدة‬ ‫مــن رحــم الفقــد‪ ،‬تمنحــه حنانًــا ينبــت فــي أرض موجوعــة‪،‬‬ ‫وتعيــد إليــه مالمــح الطفولــة التــي حاولــت الحــرب أن‬ ‫تســرقها‪ .‬وبيــن حضــن جدتــه وابتســامة هــذه المــرأة‪ ،‬بــدأ‬ ‫ً‬ ‫مقاومــة للحــزن‬ ‫يــزن يتنفــس مــن جديــد‪ ،‬ال نســيانًا‪ ،‬بــل‬ ‫بالحيــاة‪.‬‬ ‫صرخة من تحت األنقاض‬ ‫يــزن ليــس مجــرد طفــل نجــا مــن القصــف‪ ،‬بــل هــو شــاهد‬

‫قصــة يــزن ليســت مجــرد مأســاة فرديــة‪ ،‬بــل شــهادة‬ ‫حيــة علــى أن مــا يحــدث فــي غــزة ليــس أرقامًــا فــي‬ ‫نشــرات األخبــار‪ ،‬بــل أرواح تُقتــل‪ ،‬وعائــات تُمحــى‪،‬‬ ‫ـاس ال‬ ‫وأطفــال يُتركــون وحدهــم فــي مواجهــة كــونٍ قـ ٍ‬ ‫يفهــم معنــى أن ينجــو طفــل مــن المــوت ليقضــي عمــره‬ ‫فــي اليُتــم‪.‬‬ ‫يــزن‪ ،‬بــكل وجعــه وهدوئــه‪ ،‬يكتــب برســائل عينيــه‬ ‫مــا لــم يقلــه أحــد‪ :‬أن العدالــة غائبــة‪ ،‬وأن الحــروب ال‬ ‫تنتهــي حيــن تتوقــف الصواريــخ‪ ،‬بــل تبــدأ ح ًقــا عندمــا‬ ‫يضطــر طفــل أن يتعلــم كيــف يكبــر بــا أحــد‪ .‬فــي‬ ‫قصــة يــزن دعــوة مفتوحــة للعالــم أن يصحــو‪ ،‬أن يــرى‪،‬‬ ‫أن يتوقــف عــن تجاهــل األلــم المتراكــم فــي غــزة‪ ،‬ألن‬ ‫صمــت العالــم هــو الــذي يطيــل عمــر المجــازر‪.‬‬

‫يعرفــه‪ ،‬عــن يــدٍ تطمئنــه‪ ،‬عــن صــوت أمــه‪ ،‬أو ضحكــة‬ ‫أختــه «مــرح» لكــن المدينــة كانــت صامتــة‪ ،‬والمجــزرة‬ ‫ـق لــه شــي ًئا إال األلــم‪.‬‬ ‫التــي أودت بعائلتــه لــم تُبـ ِ‬ ‫تفاصيل الفقد الكامل‬

‫حاولــوا النجــاة مــن القصــف‪.‬‬ ‫األساتذة أيضًا نازحون‬ ‫وال يقتصــر النــزوح علــى الطلبــة فقــط؛ فكثيــر مــن‬ ‫أعضــاء الهيئــة التدريســية يجــدون أنفســهم داخــل‬ ‫الخيــام أيضًــا‪ .‬وبرغــم األلــم المشــترك‪ ،‬يُواصلــون‬ ‫بــروح مــن التضحيــة‪ ،‬يحاولــون‬ ‫رســالتهم التعليميــة‬ ‫ٍ‬ ‫بـ ّ‬ ‫ـث األمــل فــي نفــوس الطلبــة‪ ،‬ويُشــجّعونهم علــى‬ ‫الصمــود‪.‬‬ ‫رســالة ال تحتاج ترجمة‬ ‫ً‬ ‫حكايــة محليــة‬ ‫قصــة الطلبــة فــي الخيــام ليســت‬ ‫فحســب‪ ،‬بــل رســالة لإلنســانية كلهــا‪ ،‬مفادهــا أن‬ ‫التعليــم ليــس رفاهيــة‪ ،‬بــل حــقٌّ أصيــل‪ ،‬وأن اإلنســان‬ ‫قــادر علــى التمسّــك بحلمــه حتــى فــي أحلــك الظــروف‪.‬‬ ‫هــذه المشــاهد ال تحتــاج إلــى لغــة لتُفهــم‪ ،‬وال إلــى‬ ‫ترجمــة لتصــل‪ ،‬بــل يكفــي أن تُــروى لتختــرق جــدران‬ ‫الصمــت العالمــي‪.‬‬ ‫بيــن دفتــر المحاضــرة وتــد الخيمــة‪ ،‬تُكتــب ســطور‬ ‫مــن اإلصــرار والعزيمــة‪ .‬وبيــن الضيــق واأللــم‪ ،‬يشــرق‬ ‫نــورٌ مــن المعرفــة ال تســتطيع الظــروف أن تطفئــه‪.‬‬ ‫فهــؤالء الطلبــة‪ ،‬وهــم يدرســون علــى ركام الحاضــر‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مســتقبل قــد يكــون أجمــل ممــا يتصــور‬ ‫يبنــون‬ ‫الجميــع‪ ...‬فقــط ألنهــم لــم يتخ ّلــوا عــن الحلــم‪.‬‬


‫األخيرة‬

‫‪20‬‬

‫العدد العاشر ‪2025-2024 -‬‬

‫قد ْي َسةُ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫الغ َض ِب‬ ‫بقلم‪ /‬د‪ .‬سامي عكيلـة‬ ‫رئيس قسم اإلعالم وتكنولوجيا االتصال‬

‫ْاصع َـ ْد َلغ َّــز َة َو ْاج ُ‬ ‫ــث لِ ُـط ْـه ِرهـا‬ ‫هابـها َم ْو ٌت ما َ‬ ‫ما َ‬ ‫عابـها َه َــر ُب‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫ـعـال ُ‬ ‫الـه ْ‬ ‫واخ ْ‬ ‫ــلع نِ َ‬ ‫ـــو ِن َف َغ َـــزة‬ ‫قد ْي َس ُة ِ ْ‬ ‫ِّ‬ ‫راب َص ْم ُتها َغ َض ُب‬ ‫المح ِ‬ ‫َّ ُّ ُّ‬ ‫ْ‬ ‫بالذ َرى َي ْسمـو‬ ‫َو َوج ُه َهــا الشامي‬ ‫ُع ًــل َ‬ ‫ـواني ُ‬ ‫وغ ْ‬ ‫الع ْـهــ ِر َت ْن َـت ِـق ُـب‬ ‫ْ َْ ُ ُ َ َ ْ‬ ‫ــجـد َت ُ‬ ‫كـت ُـبـهــا‬ ‫ِإقـرأ دروس‬ ‫الم ِ‬ ‫ما َ‬ ‫َ‬ ‫الت َ‬ ‫الع َر ُب‬ ‫صاغ َها َغ ْر ٌب ما ق ِ‬ ‫الم َـاء ِب َ‬ ‫َأ َو ُك ْن َت َت ْر ُجـو َ‬ ‫قيعة‬ ‫الس ْل ِـم َم ُ‬ ‫اؤه َل َه ُ‬ ‫َف َس ُ‬ ‫ــب‬ ‫راب ِّ‬ ‫ٌ‬ ‫قـاو ْم َه َت ْـف ُـت َّ‬ ‫الظ ْـل ُم ُم ْن َـت ِــفـش‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال َع َ‬ ‫ــود َإن الن ْص َ‬ ‫ــــر َيقـــــتـ ِر ُب‬ ‫للع َ‬ ‫األر ُض َج َ‬ ‫ْ‬ ‫ــدا ِإ َر ًبـا‬ ‫وعـى ِ‬ ‫َ‬ ‫َ َ َْ‬ ‫أ ْط ِع ْـم ج َه ّـن َم أك ُل َهـا َح َص ُـب‬ ‫َو َد ْع نِ ً‬ ‫فـاقا َّإن َ‬ ‫القـاع ُم ْز َد ِح ٌـم‬ ‫ول ق َـ ْد َ‬ ‫مـات ِـت ُ‬ ‫وال ق َـ َ‬ ‫الخ َـط ُب‬ ‫ُ‬ ‫َه ْل ك ْـن َـت َت ْرجـو فيهــا َم ْغنم ًـا‬ ‫ْ ْ ُ ً َ‬ ‫ـاك َف ُد َ‬ ‫ونها َ‬ ‫اله َر ُب‬ ‫فاس ِرع خط‬ ‫َ ُ‬ ‫ْإن َ‬ ‫العي ْـش َم ْح َــر َقة‬ ‫كـان َم ْعـها‬ ‫ُْ ْ َ ُ َ‬ ‫مي َ‬ ‫ــك َع ْظ َ‬ ‫الح َط ُب‬ ‫فاكتب فديت‬ ‫فع َج َ‬ ‫ا ِْر ْ‬ ‫بين َك يا َس َ‬ ‫لب‬ ‫ليل ُم ْط ِ‬ ‫ُ ُّ َ َّ ٌ َ ْ ُ ُ َّ‬ ‫الط َل ُ‬ ‫ــب‬ ‫فالحـر نـزاع وقهـره‬ ‫ُ‬ ‫ال َت ْر ِج ُـع َاأل ْو ُ‬ ‫طــان ِب ُذ ِ ّل َت َو ّس ٍـل‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫الط َـر ُب‬ ‫يومــا َمـا جـاء ِب ِع ّ ِــزها‬ ‫ُ‬ ‫َ ُ َ َ‬ ‫ــت الك َــر ُب‬ ‫ا ِْص ِب ْـــر َرج ْوتك َزال ِ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫ُ‬ ‫عاج َ‬ ‫ــل َن ْخ َــل َف َات ُه ّالر َط ُب‬ ‫مـن‬

‫اآلراء الــواردة فــي الصحيفــة ال تعبر بالضرورة عــن رأي الكلية الجامعية‬ ‫نســعد بمالحظاتكم على ‪head_media@ucas.edu.ps‬‬

‫اإلشراف العام‬

‫رئيس التحرير والمحرر المسؤول‬

‫سكرتير التحرير‬

‫د‪ .‬خضر مصطفى الجمالي‬

‫د‪ .‬سامي عبد الرؤوف عكيلة‬

‫أ‪ .‬علي أكرم أبو شنب‬

‫هيئة التحرير‬

‫طلبة اإلعالم في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية‬


Turn static files into dynamic content formats.

Create a flipbook
صحيفة الميدان_العدد العاشر by علي أكرم علي أبو شنب - Issuu