Page 1


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬

‫‪8‬‬ ‫‪2‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬

‫مقدمة‬ ‫احلمد هلل املتفضل بكل نعمة ‪ ،‬وأصيل وأسلم عىل املبعوث رمحة هبذه األمة ‪ ،‬صىل اهلل عليه وعىل آله‬ ‫وصحبه ‪ ،‬أما بعد ‪:‬‬ ‫فأمحد اهلل سبحانه عىل اخلطوات الناجحة التي خطاها ملتقى املذاهب الفقهية والدراسات العلمية يف‬ ‫حوله األول ‪ ،‬يف جدية بادية ‪ ،‬متأ ِّط ًرا بلوازم البحث العلمي ‪ ،‬ومتح ِّل ًيا بأدوات الدرس والتحرير ‪ ،‬ومكتس ًيا‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫علمية فاعلة ‪َّ ،‬‬ ‫سخرت يف هذه األجواء ملكاهتا‬ ‫ثروات‬ ‫بحلل األدب بني أعضائه ؛ مما كان داف ًعا الستقطاب‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫إفادات بحثية ؛ صدرت من شتى البقاع ‪ ،‬بمختلف‬ ‫مطارحات علمية ‪ ،‬وأثمرت‬ ‫الفقهية البارعة ‪ ،‬فأنتجت‬ ‫املشارب الفقهية ‪ ،‬حتى بدت بواكري هذه اللون بإصدار النرشات الشهرية العلمية يف أوائل شهوره ‪ ،‬وها‬ ‫نحن نميض يف ٍّ‬ ‫خط آخر بابتداء عقد اللقاءات العلمية ‪ ،‬التي تستهدف نخ ًبا من أهل العلم ‪ ،‬نبتغي من ورائه‬ ‫جودة اإلثراء املعريف ‪.‬‬ ‫يب ‪ ،‬فضيلة الشيخ‬ ‫وقد استفتحنا أول لقاء علمي مع َع َل ٍم من أعالم اليمن ‪ ،‬هو العامل املربيِّ ‪ ،‬والشيخ األ ُّ‬ ‫الدكتور ‪ /‬عقيل بن حممد املقطري((( ‪ -‬بارك اهلل يف علمه وعمله ‪ -‬؛ ليطلعنا عىل موضو ٍع بالغ األمهية ‪ ،‬هو‬ ‫مادة أحد بحوثه ‪ ،‬بعنوان ‪ « :‬الفصام املبتدع بني أهل الفقه وأهل احلديث » ‪ ،‬وسبق اإلعالن عنه يف وقته‪، ‬‬ ‫وتم استقبال األسئلة واالستفسارات من األعضاء يف املدة املحدَّ دة ‪ ،‬وبعد عرضها عىل الشيخ ‪ ،‬وردتنا‬ ‫إجاباته التي نتيحها يف هذه النرشة ‪ ،‬واهلل وحده املوفق ‪.‬‬ ‫وكتب ‪ :‬عبد احلميد بن صالح الكراين‬ ‫املرشف العام مللتقى املذاهب الفقهية والدراسات العلمية‬

‫(( ( طالع خمترص سرية الشيخ العلمية والدعوية يف آخر صفحة من هذه النرشة ‪.‬‬

‫‪3‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫ال�س�ؤال الأول ‪ :‬حبذا أن تتحفنا بداية بتدوين خالصة كتابكم ‪ « :‬الفصام املبتدع بني أهل الفقه‬ ‫خريا !‬ ‫وأهل احلديث » ‪ ،‬جزيتم ً‬

‫جواب ال�س�ؤال الأول ‪ :‬أما كتايب ‪ « :‬الفصام املبتدع بني أهل الفقه وأهل احلديث » فكان بداية‬ ‫تدوينه من حني كتب الشيخ الغزايل كتابه ‪ « :‬السنة النبوية بني أهل الفقه واحلديث » ‪ ،‬وأثار ضجة ‪ ،‬ثم ُع ِقد‬ ‫مؤمتر يف أمريكا الشاملية ‪ -‬عقدته مجعية القرآن والسنة ‪ -‬فدعيت إلقاء بعض املحارضات ‪ ،‬وكان من ضمنها‬ ‫ملخص هذه الرسالة ‪ ،‬وحتتوي عىل مقدمة وتسعة أبواب ‪:‬‬ ‫الباب األول ‪ :‬يف جانب احلديث ‪ ،‬وحتته أربعة فصول ‪:‬‬ ‫‪- -‬الفصل األول ‪ :‬من هو املحدث ؟‬

‫‪- -‬الفصل الثاين ‪ :‬مدح أصحاب احلديث ‪.‬‬

‫‪- -‬الفصل الثالث ‪ :‬فيمن قدح يف أهل احلديث ‪.‬‬

‫ ‪-‬الفصل الرابع ‪ :‬يف ذم املبغضني ألهل احلديث ‪.‬‬‫الباب الثاين ‪ :‬جانب الفقه ‪ ،‬وفيه ثالثة فصول ‪:‬‬ ‫ ‪-‬الفصل األول ‪ :‬من هو الفقيه ؟‬‫‪- -‬الفصل الثاين ‪ :‬فضل الفقهاء ‪.‬‬

‫ ‪-‬الفصل الثالث ‪ :‬يف مدح الفقهاء ‪.‬‬‫الباب الثالث ‪ :‬األصل أن أهل احلديث هم أهل الفقه ‪ ،‬وفيه أقوال أهل العلم ‪.‬‬ ‫الباب الرابع ‪ :‬حقيقة الفصام بني الفقه واحلديث ‪.‬‬ ‫الباب اخلامس ‪ :‬الفقهاء يكملون املحدثني ‪.‬‬ ‫الباب السادس ‪ :‬نامذج من املحدثني غري الفقهاء ‪.‬‬ ‫الباب السابع ‪ :‬فضل من مجع بني الرواية والدراية ‪.‬‬ ‫وهي بحاجة إىل نظر وإضافات ‪.‬‬ ‫‪4‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫كثريا ما نجد لعلامء احلديث القدماء واملحدثني اجتهادات فقهية يف مسائل معينة‪، ‬‬ ‫ال�س�ؤال الثاين ‪ً :‬‬ ‫وربام مل ُيسبقوا إىل بعض هذه االجتهادات من قبل ‪ ،‬فريد عليهم أهل الفقه أو املناظر ألهل احلديث بأن‬ ‫صاحب هذه االجتهادات ليس من املتخصصني يف الفقه ؛ وبالتايل يبني عىل ذلك ر ّد هذه االجتهادات ‪،‬‬ ‫وعدم التعويل عليها ‪ ،‬فهل يمكن االعتامد عىل هذه االجتهادات من أهل احلديث ؟ وهل يتناىف األخذ‬ ‫باجتهاداهتم مع ما نسميه احرتام التخصص؟‬ ‫فقيها ‪ ،‬وأهنم كانوا یتحرون يف‬ ‫جواب ال�س�ؤال الثاين ‪ :‬مما جيب أن یعلم أن كل حمدث كان ً‬ ‫استنباطاهتم صحة احلدیث ‪ ،‬إال أنه جاءت فرتة ضعف للعلم وانتقل بعضهم جيمع األسانيد واالستكثار‬ ‫منها والتفاخر بأنه مجع كذا وكذا طري ًقا للحديث الفالين ‪ ،‬وهؤالء هم من ُأ ِ‬ ‫طلق عليهم باملسندين الذين مل‬ ‫ينشغلوا باملتون ‪ ،‬إال أن بعضهم بقي عىل الطريقة األوىل ‪ ،‬وحصل نوع افرتاق بني العلوم يف تلك الفرتة‪، ‬‬ ‫وكان منهم من هو منشغل باألسانيد دون التف ُّقه بمتوهنا ‪ ،‬حتى بدر منهم فتاوى مضحكة ‪ ،‬مثل ما نقل‬ ‫اخل َّطايب يف معامل السنن قال ‪ :‬وكان بعض مشاخينا يروي احلديث أن النبي ﷺ هنى عن احللق قبل الصالة‬ ‫يوم اجلمعة بإسكان الالم ! قال وأخربين أنه بقي أربعني سنة ال حيلق رأسه قبل الصالة ‪ ،‬قال ‪ :‬فقلت له ‪ :‬إنام‬ ‫نصت‬ ‫هذا احللق مجع حلقة ‪ ،‬وإنام كره االجتامع قبل الصالة للعلم واملذاكرة ‪ ،‬وأمر أن ُيشت َغل بالصالة ‪ ،‬و ُي َ‬ ‫ٍ‬ ‫بعض من هذا الصنف ‪.‬‬ ‫عيل ‪ .‬وكان من الصاحلني ‪ ،‬وهناك أخبار ن ُِقلت عن‬ ‫للخطبة ‪ .‬فقال ‪ :‬قد فرجت َّ‬ ‫[ينظر ‪ :‬الفصام املبتدع بني أهل الفقه وأهل احلديث ص ‪ . ]76‬ومنهم من بقي عىل الطريقة األوىل جام ًعا‬ ‫بني الفقه واحلديث ‪ ،‬ومنهم من انشغل بالفقه فقط ‪ ،‬حتى إنه ليستنبط االستنباطات ويفرع الفروعيات‬ ‫من احلديث الضعيف جدًّ ا ‪ ،‬وربام كان موضو ًعا ‪ ،‬وبالتايل فإن نقد بعض أهل العلم عىل أن فالنًا ليس من‬ ‫متجها هلذه‬ ‫املتخصصني بالفقه يتجه ملن انشغل بجمع األسانيد دون االنشغال بالفقه ؛ وعليه فيكون اللوم‬ ‫ً‬ ‫ُعمم عىل اجلميع ‪ ،‬كام حصل من بعض املتحاملني عىل أهل احلديث من املتقدمني واملتأخرين ‪ ،‬وال‬ ‫الفئة وال ت َّ‬ ‫أيضا من‬ ‫عتمد عىل اجتهادات أو أقوال هؤالء ‪ ،‬واألخذ بأقوال هؤالء يتناىف مع احرتام التخصص ‪ ،‬وهكذا ً‬ ‫ُي َ‬ ‫كان منشغلاً بالفقه دون الدراسة لعلم احلديث فإنه ال ُيعتمد اعتام ًدا كل ًّيا عىل اجتهاداته واستنباطاته ؛ ألنه قد‬ ‫يعتمد عىل حديث ضعيف جدًّ ا أو موضوع ‪ ،‬أما إن صدر االجتهاد من املحدِّ ث الفقيه ؛ فإنه يؤخذ باجتهاده‬ ‫نصا قاط ًعا ‪ ،‬بل جيوز نقضه باجتهاد مثله ‪.‬‬ ‫ما مل يوجد ما يعارضه ؛ فإن االجتهاد ليس ًّ‬ ‫ورحم اهلل اخلطيب البغدادي الذي حاول التوفيق بني الفريقني يف كتابه ‪ :‬الفقيه واملتفقه (‪- 71/2‬‬ ‫‪ )73‬حتت باب ‪ « :‬مثل العلامء يف األرض كمثل نجوم السامء هُيتدَ ى هبا يف ظلامت الرب والبحر » فلرياجع‬ ‫هنالك ‪.‬‬ ‫‪5‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫ال�س�ؤال الثالث ‪ :‬عن إمكانية تطبيق أصل اإلمجاع عند علامء احلديث ؛ هل يمكن ذلك ؟ بحيث‬ ‫ٍ‬ ‫حديث أو رشح معناه عىل ٍ‬ ‫نحو ما فال جيوز لغريهم يف‬ ‫إذا أمجع العلامء املحدِّ ثون يف عرص ما عىل تضعيف‬

‫عرص آخر أن خيرقوا هذا اإلمجاع بتصحيح نفس احلديث أو رشحه عىل ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫نحو خيالف ما أمجع عىل رشحه به يف‬ ‫السابق‪ ‬؟ وإذا كانت اإلجابة بالنفي ‪ ،‬فام الفرق بني إجراء اإلمجاع يف الفقه وعدم إجرائه يف احلديث ؟ أليس‬

‫دليل اإلمجاع قول اهلل تعاىل ‪﴿ :‬ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ‬ ‫ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [النساء ‪ ، ]115 :‬وسبيل املؤمنني ليس الفقه فقط ‪ ،‬بل كل‬ ‫الدين فهو طريقة وسبيل املؤمنني ؟‬ ‫جواب ال�س�ؤال الثالث ‪ :‬هذا ال يكاد يوجد ؛ ألن النظر يف أحوال الرجال مسألة تتفاوت فيه‬

‫األنظار ‪ ،‬خاصة مراتب التصحيح والتحسني والضعف اليسري ‪ ،‬وهكذا القول يف الرشح واالستنباط من‬ ‫متن احلديث ‪ ،‬لكنه أحيانًا يف مرتبة احلكم عىل احلديث بالوضع ‪ ،‬فقد حيدث ثمة اتفاق بني العلامء عىل القول‬ ‫بوضع احلديث ‪ ،‬وعليه فإن وقع اإلمجاع وتيقن من وقوعه ‪ ،‬أو كان املخالف واحدً ا ‪ ،‬أو خالف من ال يعتد‬

‫بخالفه ‪ ،‬أو ال يوجد خمالف ‪ ،‬أو ال يعلم خمالف فتجري فيه ما جيري يف اإلمجاعات الفقهية ؛ إذ النصوص‬ ‫ٍ‬ ‫ضاللة » ‪ ،‬و « وما رآه املسلمون حسنًا فهو عندَ اهلل‬ ‫جتتمع َّأمتي عىل‬ ‫عامة يف مسألة اإلمجاع ‪ ،‬مثل ‪ « :‬ال‬ ‫ُ‬ ‫حسن » ‪ ،‬وكذا اآلية ‪﴿ :‬ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ‬ ‫ٌ‬ ‫ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [النساء ‪. ]115 :‬‬

‫ٍ‬ ‫وقرينة خترجه عن‬ ‫واألصل أنه إذا صح احلديث وجب العمل به عىل ظاهره ‪ ،‬وال ُي َؤ َّول إال بدليل‬ ‫ٍ‬ ‫أصل آخر كاإلمجاع عىل عدم‬ ‫الظاهر ؛ ألن األصل العمل بالظاهر ‪ ،‬لكنه قد يتعارض هذا احلديث مع‬

‫العمل‪ ‬به ‪.‬‬

‫وأما إمجاعهم عىل االستنباط من احلديث فهناك من قال ‪ :‬إن كانت املسألة فيها قول واحد للسلف ؛‬ ‫فال جيوز إحداث قول ٍ‬ ‫ثان ‪ ،‬وإن كان فيها قوالن فال جيوز أن حيدث ثال ًثا ‪ ،‬وهكذا ‪.‬‬ ‫صح‬ ‫ال�س�ؤال الرابع ‪ :‬ال خيفى عىل اجلميع االختالفات بني أهل احلديث والفقهاء يف مسائل قد َّ‬ ‫فيها احلديث ‪ ،‬ومع ذلك يقع التباين بالتأويل ‪ ،‬واألخذ بقواعد الفقهاء ‪ ،‬أو االجتهاد بفهم مستقل واألمثلة‬ ‫فقها وحدي ًثا ؟‬ ‫كثرية‪ ، ‬فام الذي يضبط هذه املسألة ‪ ،‬نرجو التفصيل مع التمثيل للمسألة ً‬

‫‪6‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫أمر طبيعي‬ ‫جواب ال�س�ؤال الرابع ‪ :‬االختالف بني أهل احلديث والفقهاء بل بني الفقهاء أنفسهم ٌ‬ ‫منذ القرون املفضلة األوىل ‪ ،‬واألسباب كثرية كام ذكر ذلك شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه اهلل يف رسالته ‪:‬‬ ‫صحيحا ويس ِّلم‬ ‫«‪ ‬رفع املالم عن األئمة األعالم » فقد ذكر أن من أسباب االختالف ‪ :‬أن احلديث قد يكون‬ ‫ً‬ ‫بذلك الطرفان ‪ ،‬غري أن الذي مل يعمل بظاهر احلديث يعتذر بأن اإلمجاع خيالف ذلك النص ‪ ،‬واإلمجاع قائم‬ ‫عىل دليل لكنه غري معني ‪ ،‬أو يعتمد عىل قاعدة أدلتها أقوى وأكثر ‪ ،‬أو أن بعضهم يكون فهمه للنص غري‬ ‫حمظورا ‪ ،‬بل املحظور هو‬ ‫الظاهر ‪ ،‬وهذه املسألة يف نظري الكليل ستبقى من أسباب اخلالف ‪ ،‬وليس هذا‬ ‫ً‬ ‫اإلنكار العنيف ‪ ،‬أو التبديع والتضليل للمخالف ‪ ،‬أو إلزامه بالفهم الذي هو غري مقتنع به ‪ ،‬وهذا بالطبع‬ ‫يكون مقبولاً ممن هو أهل وبلغ رتبة االجتهاد ‪ ،‬وليس ممن جهل علم الفقه أو احلديث ؛ فاخلالف منه غري‬ ‫مقبول وال مؤثر ‪.‬‬

‫ُ‬ ‫رشب الرابع َة فاقت ُلوه‪، » ‬‬ ‫اخلمر فاجلِدُ وه ‪ ، ...‬فإذا‬ ‫الرجل‬ ‫رشب‬ ‫أما األمثلة عىل ذلك ‪ :‬فكحديث ‪ « :‬إذا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫فظاهر النص يقيض بقتل مدمن اخلمر ‪ ،‬وهناك من أهل العلم من يرى عدم العمل هبذا احلديث ؛ كون‬ ‫شخصا ُقتل يف حياة النبي ﷺ ‪ ،‬وال يف زمن‬ ‫اإلمجاع انعقد عىل عدم العمل هبذا احلديث ؛ ألنه مل ُين َقل أن‬ ‫ً‬ ‫اخللفاء الراشدين ‪ ،‬وال فيام بعد ‪ .‬بل قيل إن قول الصحايب يف شارب اخلمر ‪ « :‬ما أكثر ما يؤتى به » ٌ‬ ‫دليل عىل‬ ‫عدم العمل بحديث قتل مدمن اخلمر ‪ ،‬وإن كان ال يعرف املتقدم واملتأخر ‪ ،‬لكن ال ُيقال للمرتني والثالث‪: ‬‬ ‫ما أكثر ‪ .‬واهلل أعلم ‪.‬‬ ‫ين زكا َة هذا ؟ » قالت ‪ :‬ال ‪.‬‬ ‫ومن أمثلة ذلك ‪ :‬حتريم لبس الذهب املح َّلق استنا ًدا إىل حديث ‪ « :‬أتؤ ِّد َ‬ ‫سو َر ِك اهلل بسوارين من ٍ‬ ‫نار » ‪ ،‬وألثر أيب هريرة ريض اهلل عنه ‪ « :‬يا بنية إياك والذهب ؛ فإين‬ ‫قال ‪ « :‬أحت ِّب َ‬ ‫ني أن ُي ِّ‬ ‫ذر ريض اهلل عنه يف كنز الذهب والفضة ‪ .‬لكن من مل يعمل بظاهر‬ ‫أخاف عليك من اللهب » ‪ ،‬ومذهب أيب ٍّ‬ ‫ين زكا َة هذا ؟ ‪» ...‬‬ ‫مثل تلك النصوص قال ‪ :‬إنام حرم لبس الذهب ملن ال يؤدي الزكاة لقوله ﷺ ‪ « :‬أتؤ ِّد َ‬ ‫احلديث ‪.‬‬ ‫ومن األمثلة ‪ :‬قوله تعاىل ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ﴾ [النرص ‪ ]1 :‬؛ فهمها بعض الصحابة عىل‬ ‫ٌ‬ ‫إيذان‬ ‫ظاهرها ؛ فقالوا ‪ :‬أمرنا إذا جاء نرص اهلل أن نسبح اهلل ونستغفره ‪ .‬وقال ابن عباس ريض اهلل عنه ‪ :‬هذا‬

‫بقرب أجل رسول اهلل ﷺ ‪ ،‬فقال عمر ريض اهلل عنه ‪ :‬واهلل ما أعرف إال ذلك ‪ .‬يعني ما فهم ابن عباس‬ ‫ريض اهلل عنه ‪ ،‬وقد ضرُ ِ ب هذا مثالاً لتفسري القرآن بغري الظاهر كام يف كتب علوم القرآن ‪.‬‬

‫‪7‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫ال�س�ؤال اخلام�س ‪ :‬لقد سمعت من ينتقد املقولة ‪ « :‬إن أهل الفقه األطباء ‪ ،‬وأهل احلديث‬ ‫الصيادلة‪ ، » ‬وسمعت من يصححها فام القول فيها ؟ ما أريد أن أفهمه ‪ :‬ما الذي ُيذم يف الكالم عىل الفرق‬ ‫نسوي بني من ظل ثالثني عا ًما يدرس يوم ًّيا ‪12‬‬ ‫بني أهل احلديث وأهل الفقه ؟ إذ من املعلوم أنه ال جيوز أن ِّ‬ ‫األول ‪ :‬فهمه متسع لكثرة تعامله مع املفهومات‬ ‫ساعة فقه وساعتني حديث ‪ ،‬وبني من عكس ‪ ،‬ال شك أن َّ‬ ‫وتدربه عليها ؟‬ ‫جواب ال�س�ؤال اخلام�س ‪ :‬هذه املقولة ذكرها اخلطيب البغدادي يف نصيحة أهل احلديث ص (‪، 44‬‬ ‫‪ )45‬بإسنادين إىل عبيد اهلل بن عمرو ‪ ،‬قال ‪ :‬جاء رجل إىل األعمش فسأله عن مسألة وأبو حنيفة جالس فقال‬ ‫األعمش ‪ :‬يا نعامن قل فيها ‪ .‬فأجابه ‪ ،‬فقال األعمش ‪ :‬من أين قلت هذا ؟ فقال ‪ :‬من حديثك الذي حدثتناه ‪،‬‬ ‫أيضا ‪ ،‬قال ‪ « :‬كنا عند‬ ‫قال ‪ « :‬نعم نحن الصيادلة وأنتم األطباء » ‪ .‬ثم ذكر إسنا ًدا آخر إىل عبيد اهلل بن عمرو ً‬ ‫األعمش وهو يسأل أبا حنيفة عن مسائل وجييبه أبو حنيفة ‪ ،‬فيقول له األعمش ‪ :‬من أين لك هذا ؟ فيقول ‪:‬‬ ‫أنت حدَّ ثتنا عن إبراهيم بكذا ‪ ،‬حدَّ ثتنا عن الشعبي بكذا ‪ ،‬قال ‪ :‬فكان األعمش بعد ذلك يقول ‪ « :‬يا معرش‬ ‫الفقهاء ‪ ،‬أنتم األطباء ونحن الصيادلة » ‪.‬‬ ‫وذكر القايض عياض رمحه اهلل يف ترتيب املدارك (‪ )236 - 231/3‬يف ترمجة عبد اهلل بن وهب تلميذ‬ ‫فقيها غري حمدِّ ث ‪ ،‬وحمدِّ ًثا غري فقيه خال عبد اهلل بن‬ ‫اإلمام مالك ‪ :‬أن يوسف بن عدي قال ‪ :‬أدركت الناس ً‬ ‫فقيها حمدِّ ًثا زاهدً ا ‪ .‬قال ابن وهب ‪ :‬لوال أن اهلل أنقذين باملك والليث لضللت ‪ ،‬فقيل له ‪:‬‬ ‫وهب ؛ فإين رأيته ً‬ ‫كيف ذلك ؟ قال ‪ :‬أكثرت من احلديث فحيرَّ ين ‪ ،‬فكنت أعرض ذلك عىل مالك والليث فيقوالن يل ‪ :‬خذ هذا‬ ‫ودع هذا ‪ .‬يعني رمحه اهلل ‪ :‬أنه كان انشغاله األكثر بعلم احلديث ومل ينشغل بالفقه ؛ فكانت تحُيرِّ ه األحاديث‬ ‫املتعارضة ؛ فكان الليث ومالك يوفقان له بينها ‪.‬‬

‫وإال فاملك رأس املحدِّ ثني كام قيل ‪ :‬إذا ُذ ِكر احلديث فاملك النَّجم ‪ .‬ومع هذا كان من سادات الفقهاء ‪،‬‬ ‫أيضا من الفقهاء األجالء ‪ ،‬ومن قبل صاحب املقولة األعمش ؛ كان‬ ‫وهكذا الليث بن سعد كان حمدِّ ًثا وكان ً‬ ‫نصيب يف الفقه والتفسري ‪ ،‬لكن كانت بعض األحاديث ربام تغيب عنه ؛ بدليل أنه قال أليب حنيفة ‪ :‬من أين‬ ‫له‬ ‫ٌ‬ ‫نض اهلل امرءا ِ‬ ‫سم َع مقالتي فوعاها‪ ، ‬فأ َّداها‬ ‫ً‬ ‫قلت هذا ؟ أو ربام مل يفهمها ‪ ،‬ومل يتف َّقه فيها كام قال النبي ﷺ ‪ « :‬رَّ َ‬ ‫حامل ٍ‬ ‫كام ِ‬ ‫ِ‬ ‫فقه إىل َمن هو أفق ُه منه » ‪ .‬فالتفقه يف‬ ‫سم َعها ‪ُ ،‬فر َّب مبل ٍغ أوعى من سام ٍع » ‪ .‬ويف رواية ‪ُ « :‬فر َّب‬ ‫‪ « :‬من ي ِ‬ ‫رد‪ ‬اهلل‬ ‫النص هو املطلوب ‪ ،‬وهو خري ما أوتيه املسلم ‪ ،‬وخري ما تفنى فيه األعامر ؛ كام قال النبي ﷺ َ ُ‬ ‫ِ‬ ‫الدين » ‪.‬‬ ‫خريا يف ِّقه يف‬ ‫به ً‬ ‫‪8‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫قال العالمة ابن القيم رمحه اهلل يف بدائع الفوائد ص (‪ « : )254‬وأرشف العلوم وأنفعها علم احلدود‪، ‬‬ ‫وال سيام حدود املرشوع املأمور واملنهي ‪ ،‬فأعلم الناس أعلمهم بتلك احلدود ؛ حتى ال يدخل فيها ما ليس‬ ‫منها ‪ ،‬وال خيرج منها ما هو داخل فيها ‪ ،‬قال تعاىل ‪﴿ :‬ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜﮝ ﮞﮟ‬ ‫ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ [ التوبة ‪ ، ]97 :‬فأعدل الناس من قام بحدود األخالق واألعامل واملرشوعات‬ ‫معرفة وفضلاً » ‪.‬‬ ‫وقال ابن اجلوزي رمحه اهلل كام يف صيد اخلاطر ‪ « :‬الفقه عليه مدار العلوم ‪ ، ...‬فإن اتسع الزمان للتزيد‬ ‫من العلم فليكن من الفقه ؛ فإنه األنفع ‪ ،‬وقيد املهم من كل علم فهو سيد العلوم » ‪ .‬وقد عقد اخلطيب‬ ‫البغدادي رمحه اهلل فصلاً يف كتابه « الفقيه واملتفقه » أورد فيه ما يدل عىل جاللة الفقه والفقهاء فلرياجع ‪.‬‬ ‫ال�س�ؤال ال�ساد�س ‪ :‬سمعت شيخي يتكلم يف سياق رشف علم احلديث عىل باقي العلوم ‪ ،‬ثم إين‬ ‫أعرف أن هذه اجلزئية مفروغ منها ‪ ،‬وأظنُّها حمل إمجاع ؛ ألن علم احلديث والسند هو الذي يثبت للنص‬ ‫فائدة ‪ ،‬أو أنه ليس له فائدة وال حرمة وال اعتبار أصلاً ‪ ،‬لكن العجيب أن شيخي مل يتك َّلم هبذا املنطق ؛ ولكنه‬ ‫َّ‬ ‫استدل برشف علم احلديث من هذه اجلهة عىل خطأ من َّفرق بني أهل احلديث وأهل الفقه بالشكل املذموم‪ ‬؛‬ ‫فأرجو توضيح هذا األمر يل ؛ لتزول الغرابة إن شاء اهلل تعاىل ‪.‬‬ ‫جواب ال�س�ؤال ال�ساد�س ‪ :‬الشكل املذموم هو أن ُيقال ‪ :‬كل فقيه حمدث وال عكس ! أو أن أهل‬ ‫يفصل فيقال ‪ :‬األصل يف املحدِّ ثني األوائل أهنم كانوا فقهاء ‪،‬‬ ‫احلديث ال يؤخذ منهم الفقه ! والصحيح أن َّ‬ ‫أما املتأخرون فقد ابتعد بعضهم عن الفقه وانشغل باألسانيد ‪ ،‬وهكذا ابتعد بعض املنشغلني يف الفقه عن‬ ‫علم احلديث ؛ وأعمل الرأي والقياس ؛ ور َّد كل حديث يتصادم مع أقيسته ‪ ،‬واهلل أعلم ‪.‬‬ ‫ال�س�ؤال ال�سابع ‪ :‬هل للمبتدئ أن حيفظ املتون احلديثية ويضبط رشحها بدون الرجوع إىل املتون‬ ‫خريا ‪.‬‬ ‫الفقهية ‪ ،‬أو ضبط أحد املذاهب ؟ وجزاكم اهلل ً‬

‫جواب ال�س�ؤال ال�سابع ‪ :‬نعم للمبتدئ أن حيفظ املتون احلديثية كام حيفظ املتون الفقهية ‪ ،‬وهذه هي‬ ‫طريقة العلامء املتقدمني يف تل ِّقي العلوم ‪ ،‬وحني يريد الطالب أن يضبط رشوح تلك املتون ال بد أن يكون‬

‫يتحصل عىل امللكة الفقهية الكاملة ما مل يسلك‬ ‫بطريق الفقه املذهبي السائد يف البلد ‪ ،‬والطالب ال يمكن أن‬ ‫َّ‬ ‫الطريق املذهبي ؛ وإال كان يف فقهه يشء من التشويش ؛ والنافع للطالب أن يأخذ طريق املذهب السائد يف‬ ‫البلد ؛ حتى ال حيدث بلبلة يف صفوف عامة الناس ؛ وال يصطدم بالعلامء يف بلده ‪ ،‬ولكن جيتهد يف الطلب‬ ‫‪9‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫ليصل إىل مرتبة االجتهاد ‪ ،‬ولو عىل األقل أن يكون جمتهدً ا يف املذهب ‪ ،‬وليحذر الطالب من التقليد األعمى‬ ‫للمذهب ‪ ،‬وليكن معظماً لنصوص الوحيني ‪.‬‬ ‫ال�س�ؤال الثامن ‪ :‬من املعلوم أنه مل حيدث التفريق بني علمي احلديث والفقه يف العرص األول ؛ فقد‬ ‫كانت العلوم كلها خادمة للرشيعة ودون متييز بني عل ٍم وآخر ‪ ،‬ثم ملا تأسست العلوم اإلسالمية استقل كل‬ ‫علم بمفراداته عن اآلخر ‪ ،‬ونشأ علم احلديث ‪ ،‬وعلم الفقه ‪ ،‬وبدأت مالمح التصنيف والتفضيل بني ِ‬ ‫العلمني‬ ‫أصبحا‬ ‫تربز ؛ حتى ظهر املتعصبون هلذا العلم أو ذاك ‪ ،‬وبدلاً من سريمها يف طريق واحد خيدم الرشيعة‬ ‫َ‬ ‫متهاجرين كام قال اإلمام اخلطايب يف معامل السنن ‪ ،‬فهل يمكن إعطاء نبذة عن مسرية االتفاق واالفرتاق‬ ‫بينهام‪ ‬؟‬ ‫جواب ال�س�ؤال الثامن ‪ :‬األمر كام ذكرت ‪ ،‬والسبب يف ذلك ‪ :‬أن العلوم كانت فطرية سهلة ميرسة‪ ‬؛‬ ‫فقيها ‪ ،‬وكان يستفيد بعضهم‬ ‫مل يدخلها علم الكالم واملنطق الذي عقد العلوم ‪ ،‬فكان الفقيه حمدِّ ًثا ‪ ،‬واملحدِّ ث ً‬ ‫من بعض ‪ ،‬وكانت القواعد والفهوم منضبطة إىل حد كبري ‪ ،‬فكان حيرتم بعضهم رأي بعض ‪ ،‬فمن أخذ‬ ‫بقول هذا ال يعنف عليه املخالف ‪ ،‬بل إن رد عليه فيكون الرد علم ًّيا مؤ َّد ًبا من غري تعنيف ‪ ،‬فضلاً عن‬ ‫التضليل والتبديع ‪ ،‬حتى قال سفيان رمحه اهلل ‪ :‬إين أرى الرجل يأخذ بالقول الذي أراه حرا ًما فال أنكر عليه‪. ‬‬ ‫واملقصود إنكار هجر وتبديع ال اإلنكار العلمي ‪.‬‬ ‫لقد كان األئمة مالك والشافعي وأمحد وغريهم حمدِّ ثني وفقهاء ‪ ،‬وملا استقل التأصيل لعلمي الفقه‬ ‫سريا متواز ًيا ‪ ،‬لكن صار بعد ذلك لكل مذهب أتباع ‪ ،‬وبرز التعصب ‪ ،‬وق َّلت العناية‬ ‫واحلديث ‪ ،‬كانا يسريان ً‬ ‫بعلم احلديث ‪ ،‬بل وظهر من بعض املشتغلني بعلم احلديث انعدام العناية بالفقه ‪ ،‬وصار اهلم هو االستكثار‬ ‫من األسانيد ؛ فيتفاخرون بأن احلديث الفالين يروونه من كذا طريق ‪ ،‬مع العلم أن األئمة األربعة كلهم كان‬ ‫ينهى عن التعصب والتقليد األعمى ‪ ،‬بل كان الشافعي يستفيد من مالك ‪ ،‬وأمحد من الشافعي ‪ ،‬ومن نتائج‬ ‫هذا التعصب أن بعضهم عدَّ الشافعي مالك ًّيا ‪ ،‬ومنهم من عد أمحد شافع ًّيا ‪ ،‬وهكذا واهلل أعلم ‪.‬‬ ‫ال�س�ؤال التا�سع ‪ :‬هل اعتقاد أصحاب كل ف ٍّن من فنون العلم أهنم هم األفضل ‪ ،‬وعلمهم هو‬ ‫األوجب ؛ وأهنم هم الفرقة الناجية من عالمات التح ُّيز للعلم الذي جييدونه ؟ أما ماذا يمكن تسميته ؟‬ ‫بعضا ‪ ،‬وأن العامل املجتهد حيتاج‬ ‫جواب ال�س�ؤال التا�سع ‪ :‬األصل أن العلوم اإلسالمية خيدم بعضها ً‬ ‫إىل تلك العلوم جمتمعة ‪ ،‬فاملفرس مثلاً حيتاج إىل علم احلديث والفقه واألصول والنحو والبالغة والقراءات‬ ‫‪10‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫والناسخ واملنسوخ ‪ ...‬إلخ ؛ فهي خادمة ومكملة لبعضها البعض ‪ ،‬وهكذا كان األمر يف القرون املفضلة ؛ مل‬ ‫يظهر التح ُّيز إىل أي علم من العلوم ‪ ،‬وإن كان بعض العلوم مل يكن قد برز ‪ ،‬والتح ُّيز املذكور مل يظهر إال بعد‬ ‫القرون املفضلة ‪ ،‬وادعاء أصحاب ِّ‬ ‫كل ف ٍّن أهنم هم الفرقة الناجية هو من عالمات التح ُّيز وال شك ‪ ،‬هذا إن‬ ‫بعضا من العلامء كان إذا سئل عن الفرقة الناجية قال ‪ :‬هم أهل احلديث ‪ .‬واملقصود‬ ‫وجد ‪ ،‬لكني ال أعلم إال ً‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ثالث‬ ‫األم ُة إىل‬ ‫مستنبط من قول النبي ﷺ ‪« :‬‬ ‫بذلك يف مقابلة أهل األهواء والبدع ‪ ،‬وهذا‬ ‫وستفرتق هذه َّ‬ ‫وسبعني فرق ًة ‪ ،‬ك ُّلها يف ِ‬ ‫كان عىل ِ‬ ‫مثل ما أنا عليه‬ ‫النار إال واحد ًة » ‪ .‬قيل ‪ :‬من هي يا رسول اهلل ؟ قال ‪َ « :‬من َ‬ ‫اليو َم وأصحايب » ‪ .‬واملقصود املثلية يف منهج التلقي وطريقة االستدالل والسلوك واألخالق واملعتقد ‪...‬‬ ‫إلخ ‪ .‬وهذه املثلية باقية غري منقطعة ؛ فكل من سار عىل هذا النهج فهو من الفرقة الناجية ‪ ،‬سواء كان يف هذا‬ ‫فقيها أو طبي ًبا ‪ ...‬إلخ ‪.‬‬ ‫عالما أم عام ًّيا ‪ً ،‬‬ ‫املذهب أو ذاك ‪ ،‬وسواء كان ً‬

‫ونصوص العلامء كلها حممولة عىل هذا املعنى ‪ ،‬وكالمهم صادر يف مقابلة فرق الضالل كاملرجئة‬ ‫والرافضة واجلهمية واملعتزلة واخلوارج ‪ ،‬وكل من خالف يف أصل من أصول أهل السنة وليس ذلك يف‬ ‫مقابل املذاهب الفقهية ‪ ،‬قال شيخ اإلسالم ابن تيمية رمحه اهلل يف الفتاوى (‪ « : )11 - 9/4‬من املعلوم أن‬ ‫أهل احلديث يشاركون كل طائفة فيام يتحلون به من صفات الكامل ‪ ،‬ويمتازون عنهم بام ليس عندهم ؛‬ ‫فإن املنازع هلم ال بد أن يذكر فيام خيالفهم فيه طري ًقا أخرى ‪ ،‬مثل املعقول والقياس والرأي والكالم والنظر‬ ‫واالستدالل واملحاجة واملجادلة واملكاشفة واملخابرة والوجد والذوق ونحو ذلك ‪ ،‬وكل هذه الطرق ألهل‬ ‫قياسا ‪ ،‬وأصوهبم رأ ًيا ‪ ،‬وأسدهم كال ًما ‪،‬‬ ‫احلديث صفوهتا وخالصتها ؛ فهم أكمل الناس عقلاً ‪ ،‬وأعدهلم ً‬ ‫برصا‬ ‫وأصحهم ً‬ ‫نظرا ‪ ،‬وأهداهم استداللاً ‪ ،‬وأقومهم جدلاً ‪ ،‬وأمتهم فراسة ‪ ،‬وأصدقهم إهلا ًما ‪ ،‬وأحدهم ً‬ ‫ومكاشفة ‪ ،‬وأصوهبم سم ًعا وخماطبة ‪ ،‬وأعظمهم وأحسنهم وجدً ا وذو ًقا ‪ ،‬وهذا هو للمسلمني بالنسبة إىل‬ ‫سائر األمم ‪ ،‬وألهل السنة واحلديث بالنسبة إىل سائر امللل ‪.‬‬ ‫فكل من استقرأ أحوال العامل وجد املسلمني أحدَّ وأسدَّ عقلاً ‪ ،‬وأهنم ينالون يف املدة اليسرية من حقائق‬ ‫العلوم واألعامل أضعاف ما يناله غريهم يف قرون وأجيال ‪ ،‬وكذلك أهل السنة واحلديث جتدهم كذلك‬ ‫متمتعني ؛ وذلك ألن اعتقاد احلق الثابت يقوي اإلدراك ويصححه ‪ ،‬قال تعاىل ﴿ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾‬ ‫[حممد ‪ ، ]17 :‬وقال ‪﴿ :‬ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ‬

‫ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳﭴ‬ ‫ﭵ ﭶ ﭷ﴾ [النساء ‪ ، ]68 - 66 :‬وهذا ُيع َلم تارة بموارد النزاع بينهم وبني غريهم ‪ ،‬فال‬ ‫‪11‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫جتد مسألة خولفوا فيها إال وقد تبني أن احلق معهم ‪ ،‬وتارة بإقرار خمالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم‬ ‫إىل غريهم ‪ ،‬أو بشهادهتم عىل خمالفيهم بالضالل واجلهل ‪ ،‬وتارة بشهادة املؤمنني الذين هم شهداء اهلل يف‬

‫األرض ‪ ،‬وتارة بأن كل طائفة تعتصم هبم فيام خالفت فيه األخرى وتشهد بالضالل عىل كل من خالفها‬ ‫أعظم مما تشهد به عليهم ‪ ،‬فأما شهادة املؤمنني الذين هم شهداء اهلل يف األرض ؛ فهذا أمر ظاهر معلوم‬ ‫باحلس والتواتر لكل من سمع كالم املسلمني ‪ ،‬ال جتد يف األمة ع َّظم أحد تعظيماً أعظم مما عظموا به ‪ ،‬وال جتد‬

‫غريهم يعظم إال بقد ما وافقهم فيه ‪ ،‬كام ال ينقص إال بقدر ما خالفهم ؛ حتى إنك جتد املخالفني هلم كلهم‬ ‫وقت احلقيقة يقر بذلك ‪ ،‬كام قال اإلمام أمحد ‪ « :‬آية ما بيننا وبينهم يوم اجلنائز » ‪ .‬فإن احلياة بسبب اشرتاك‬ ‫الناس يف املعاش يعظم الرجل طائفته ‪ ،‬فأما وقت املوت فال بد من االعرتاف باحلق من عموم اخللق ؛ وهلذا‬

‫مل يعرف يف اإلسالم مثل جنازته ‪ ،‬مسح املتوكل موضع الصالة عليه فوجد ألف ألف وستامئة ألف سوى من‬ ‫صىل يف اخلانات والبيوت ‪.‬‬

‫وكذلك الشافعي وإسحاق وغريمها إنام نبلوا يف اإلسالم باتباع أهل احلديث والسنة ‪ ،‬وكذلك البخاري‬

‫وأمثاله إنام نبلوا بذلك ‪ ،‬وكذلك مالك واألوزاعي والثوري وأبو حنيفة وغريهم إنام نبلوا يف عموم األمة‬

‫وقبل قوهلم ملا وافقوا فيه احلديث والسنة ‪ ،‬وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم إال بسبب املواضع التي مل يتفق له‬

‫متابعتها من احلديث والسنة ؛ إما لعدم بالغها إياه ؛ أو العتقاده ضعف داللتها ‪ ،‬أو رجحان غريهم عليها ‪.‬‬ ‫ال�س�ؤال العا�شر ‪ :‬من أين أتى الفصل والتمييز بني احلديث والفقه ؟ ومتى بدأ هذا الفصل ؟‬ ‫املتعصبني ‪ ،‬ومن قبل املعادين ألهل احلديث والسنن‪، ‬‬ ‫جواب ال�س�ؤال العا�شر ‪ :‬أتى الفصل من قبل‬ ‫ِّ‬

‫الذين قدَّ موا العقل عىل النقل ‪ ،‬وسأذكر يف اإلجابة عىل السؤال التايل جوا ًبا تقريب ًيا متى كان ‪ ،‬وال شك أن‬ ‫هذا كان بعد القرون املفضلة ‪ ،‬وربام كان من مجلة األسباب ابتعاد بعض من انتسب إىل علم احلديث عن‬

‫التفقه يف املتون ‪ ،‬وإصدار بعض الفتاوى التي ال تستند عىل دليل فكان بعضهم يقول ‪:‬‬ ‫�ز‬ ‫�� ��أ خ‬ ‫� ا �ا � ن‬ ‫� او ���م�ل ل�ل‬ ‫�ب�� ر �ل� �ع�ل�م �ع��د �ه�م‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ذ‬ ‫�ل�ع�مرك �م�ا �ي��د ر�ي� ا �لب��ع�ي�ر �إ � ا �غ��د ا‬

‫���د�ه�ا‬ ‫ب ج� ي‬ ‫أ‬ ‫�ب�� �و��س�ا ق��ه‬

‫‪12‬‬

‫��ل�ا �ك�ع��ل� ا ��ل��أ ��ا‬ ‫�‬ ‫ع‬ ‫�إ‬ ‫م ب ر‬ ‫أ‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫� � ا � �م�ا � ا �لغ�� ا �ئ�ز‬ ‫و رح �ي� ر‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫وقد رد عليهم أبو عبد اهلل حممد بن عيل الصوري فقال ‪:‬‬

‫وقال بعضهم ‪:‬‬

‫�ق �� ن ا ن ��ل � ث أ ض‬ ‫ح �ع ن‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ا�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ه‬ ‫�‬ ‫�د‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫م‬ ‫�ل لم��ع� ���د ح�د��ي� � �و �ى‬ ‫أ‬ ‫�ذ أ � نْ‬ ‫��‬ ‫� �ب���عل��� �ت��ق�� �‬ ‫ل‬ ‫�‬ ‫ا‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ه‬ ‫بِ� ي�‬ ‫م و‬ ‫ُ‬ ‫�ذ‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫ظ‬ ‫�أ ����ع�ا � ا �ل�� � ن‬ ‫� ا ا �ل��د � ن‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ه‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ح‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ي ب ي� م و ي�‬ ‫ق�‬ ‫�‬ ‫�و �ل�ى ���و�ل���ه�م �و��م�ا �ق�د ر �و �وه‬ ‫�إ‬

‫�ع�ا ��ئ�ً‬ ‫�ب�ا �أ ��ه��ل�ه � �م ن‬ ‫�ي��د �عي��ه‬ ‫و�‬ ‫أ‬ ‫�‬ ‫ف ا ��‬ ‫ل‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫��ه�ل �خ��ل�ق� ا �ل��س�ف�ي��ه‬ ‫�‬ ‫ه‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ب‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫م‬ ‫�‬ ‫� ج� ل ج�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�ن‬ ‫ا �ل���تر�ه�ا ت� � او �ل�تم� �و��ي�ه‬ ‫م�‬ ‫��ج� �ك�ل ��ع�ا ��ل�م �و� �‬ ‫��فق�ي��ه‬ ‫را �‬ ‫�‬ ‫ع‬

‫أ‬ ‫ن‬ ‫��ح�م�د � خ���ب�ا‬ ‫ا ��ل��ن�ب� ��م‬ ‫ر‬ ‫دي�� ي�‬ ‫أ‬ ‫��ل�ا ت�ر�غ��� ن �ع ن ا ��ل‬ ‫�‬ ‫�ح�د ��ي ث� � �و ��ه��ل�ه‬ ‫ب� �‬ ‫� تأ‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫� ا‬ ‫��ه�لا � �ل��ف��ى� ���ثرا �ل��ه�د �ى‬ ‫�و�ل بر��م� ج� �‬

‫آ‬ ‫�ن����ع�م ال��م����ط���ة ��ل��ل���ف��ت � �ث�ا‬ ‫ى ر‬ ‫ي‬ ‫ف�أ‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ن‬ ‫ح��د�� ث� ��ه�ا‬ ‫ا‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫�‬ ‫ا‬ ‫�‬ ‫��ي‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�� �ل �ر ي� ل و ي � ر‬ ‫ا ��ل ش‬ ‫� ا�ز � �ة ل�� ا �أ�ن‬ ‫��‬ ‫�‬ ‫ا‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ه‬ ‫م��‬ ‫�غ‬ ‫�‬ ‫ور‬ ‫�و س ب‬

‫غ ضً أ‬ ‫��‬ ‫ح��د�� ث� � ���ش �ا ت��مً�ا‬ ‫��ا �م���� ا‬ ‫ل‬ ‫�‬ ‫ا‬ ‫�‬ ‫�ه‬ ‫�‬ ‫ي ب‬ ‫��� � ل ي و‬ ‫أ ا ��ل ت �أ ن أ ن ا � �‬ ‫� �و�م� �ع �م� �ب� ���ه�م� ���ص� را �لر��س�و�ل‬ ‫ذ خ ا �ف � ك �‬ ‫ا ذن‬ ‫� � �لق ��و��ل�ه‬ ‫��م� � ��ب �‬ ‫�ه�م �إ � �� � �ل ��و‬ ‫ن‬ ‫�‬ ‫� ا � �ة‬ ‫�ق� �ل�‬ ‫س� او �إ �ل��ي�ه �ك�ل �م�‬ ‫���� ب �‬

‫أ‬ ‫� ا � �ة ا �� � ن‬ ‫� � �ش‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫ع‬ ‫�‬ ‫ل�‬ ‫�د‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫��‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫��‬ ‫�ق‬ ‫�ي‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫ش� ��ط�ا �‬ ‫و‬ ‫ب ر �ب‬ ‫ي‬ ‫�‬ ‫ا �ش�� �‬ ‫ان‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫�ل���ه�م �ب�ل� �� ك �و �ل� ��ك�ر �‬ ‫ف ان‬ ‫� ا خ ا �� ف� � �أ � ق‬ ‫�م� �� ل ��وه �ل� �‬ ‫��ج�ل ���و�ل ��ل� �‬ ‫� أ‬ ‫أ‬ ‫ن‬ ‫��ئ‬ ‫� �و �‬ ‫�ح�ا �ل�ه � �و ��ق�ا � �ل �و�مك�ا �‬

‫وقال ابن القيم رمحه اهلل ‪:‬‬

‫ال�س�ؤال احلادي ع�شر ‪ :‬هل باإلمكان حتديد عرص زماين بدأ فيه الفصام املبتدع كام وسمتموه بني‬

‫املحدثني والفقهاء ؟‬

‫جواب ال�س�ؤال احلادي ع�شر ‪ :‬هذه مسألة حتتاج إىل استقراء تام ‪ ،‬لكني أستطيع أن أجزم أنه كان‬

‫بعد القرون املفضلة ‪ -‬كام سبق تأكيده ‪ -‬قال ابن اجلوزي رمحه اهلل يف تلبيس إبليس ص (‪ « : )118‬كان‬

‫الفقهاء يف قديم الزمان هم أهل القرآن واحلديث ؛ فام زال األمر يتناقص ‪ ،‬حتى قال املتأخرون ‪ :‬يكفينا أن‬ ‫نعرف آيات األحكام من القرآن ‪ ،‬وأن نعتمد عىل الكتب املشهورة يف احلديث كسنن أيب داود ونحوها ‪ .‬ثم‬ ‫أيضا ‪ ،‬وصار أحدهم حيتج بآية ال يعرف معناها ‪ ،‬وبحديث ال يدري أصحيح هو أم ال ؟‬ ‫استهانوا هبذا األمر ً‬ ‫وربام اعتمد عىل قياس يعارضه حديث صحيح ‪ ،‬وال يعلم لقلة التفاته إىل معرفة النقل ؛ إنام الفقه استخراج‬

‫‪13‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫من الكتاب والسنة ‪ ،‬فكيف يستخرج من يشء ال يعرفه ؟! ومن القبيح تعليق حكم عىل حديث ال يدري‬ ‫أصحيح هو أم ال ؟! » ‪.‬‬ ‫وقال اإلمام اخلطايب رمحه اهلل يف مقدمة معامل السنن بعد أن ذكر أن أهل العلم يف زمانه انقسموا إىل‬ ‫فريقني ‪ ،‬أهل حديث وأثر ‪ ،‬وأهل فقه ونظر ‪ ،‬وذكر أن كل طائفة يف احلقيقة مفتقرة لألخرى ‪ ،‬ثم ذكر أنه‬ ‫قد حصل بينهم التهاجر ‪ ...‬إلخ ‪ ،‬قال ‪ « :‬فأما هذه الطبقة الذين هم أهل األثر واحلديث فإن األكثرين منهم‬ ‫إنام وكدهم الروايات ومجع الطرق وطلب الغريب والشاذ من احلديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب ‪ ،‬ال‬ ‫يراعون املتون ‪ ،‬وال يفقهون املعاين ‪ ،‬وال يستنبطون رسها ‪ ،‬وال يستخرجون ركازها وفقهها ‪ ،‬وربام عابوا‬ ‫الفقهاء ‪ ،‬وتناولوهم بالطعن ‪ ،‬وادعوا عليهم خمالفة السنن ‪ ،‬وال يعلمون أهنم عن مبلغ ما أوتوه من العلم‬ ‫قارصون ‪ ،‬وبسوء من القول فيهم آثمون » ‪.‬‬ ‫يعرجون من احلديث إال عىل أقله ‪ ،‬وال‬ ‫« أما الطبقة األخرى ‪ :‬وهم أهل الفقه والنظر ؛ فإن أكثرهم ال ِّ‬ ‫يكادون يميزون صحيحه من سقيمه ‪ ،‬وال يعرفون جيده من رديئه ‪ ،‬وال يعبئون بام بلغهم منه أن حيتجوا به‬ ‫عىل خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلوهنا ووافق آرائهم التي يعتقدوهنا » ‪.‬‬ ‫تفهمتم فقه احلديث مل‬ ‫تفهموا فقه احلديث ؛ فإنكم إن َّ‬ ‫وقال وكيع بن اجلراح رمحه اهلل ‪ « :‬يا فتيان ‪َّ ،‬‬ ‫يقهركم أهل الرأي » ‪.‬‬ ‫أيضا ‪ « :‬لو أنكم تف َّقهتم احلديث وتعلمتموه ما غلبكم أصحاب الرأي ‪ ،‬ما قال أبو حنيفة يف‬ ‫وقال ً‬ ‫يشء حيتاج إليه إال ونحن نروي فيه با ًبا » ‪.‬‬ ‫قلت ‪ :‬وأبو حنيفة رمحه اهلل تُويف عام ‪ 150‬هـ ؛ فهذا واهلل أعلم هو أقدم تاريخ وقفت عليه يف تاريخ‬ ‫هذا الفصام النكد بني الفريقني ‪ ،‬واهلل أعلم ‪.‬‬

‫ولقد كان اخلطيب البغدادي رمحه اهلل من أبرز األئمة الذين محلوا لواء التوفيق بني الفريقني ؛ وقدَّ موا‬ ‫النصيحة هلام ‪ ،‬بأن َّ‬ ‫بعضا ‪ ،‬ويستفيد كل منهام مما عند اآلخر وجيالسه ‪ ،‬وبينَّ للفريقني أن كلاًّ منهام‬ ‫جيل بعضهام ً‬ ‫له الفضل الكبري ‪ ،‬وأن عليهام أن يتعاونَا عىل محل قول النبي ﷺ وفهمه ؛ فكل ميسرَّ ٌ ملا ُخ ِلق له ‪.‬‬ ‫ال�س�ؤال الثاين ع�شر ‪ :‬قال ابن اجلوزي يف صيد اخلاطر ‪ « :‬وقد كان املحدِّ ثون قديماً هم الفقهاء‬ ‫‪ ،‬ثم صار الفقهاء ال يعرفون احلديث ‪ ،‬واملحدثون ال يعرفون الفقه » ‪ .‬بنظركم ‪ :‬هل نلمس هذا يف واقعنا‬ ‫املعارص‪ ‬؟ بمعنى ‪ :‬وجود فقهاء ال يعرفون احلديث ‪ ،‬وحمدثون ال يعرفون الفقه ‪.‬‬ ‫‪14‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫جواب ال�س�ؤال الثاين ع�شر ‪ :‬نعم هذا موجو ٌد وبكثرة يف األزمنة املتأخرة ؛ حيث صار علم‬ ‫احلديث غري ًبا لدرجة أنك جتد العداء يظهر بأجىل صوره عىل املحدِّ ث الذي جيتهد يف إبراز السنة وبيان‬ ‫صحيحها من سقيمها ‪ ،‬كام حدث للعالمة األلباين رمحه اهلل تعاىل ‪.‬‬ ‫ال�س�ؤال الثالث ع�شر ‪ :‬قلتم يف أخر رسالتكم ‪ :‬الفصام املبتدع بني أهل الفقه وأهل احلديث ‪:‬‬ ‫«‪ ‬جيب أن يكون التفقه عىل غري الطريقة التقليدية ‪ ،‬بل ال بد من التحرر من املذهبية ‪ . » ...‬هل باإلمكان رشح‬ ‫الطريقة التي تروهنا يف دراسة الفقه ؟‬ ‫جواب ال�س�ؤال الثالث ع�شر ‪ :‬ليس املقصود إلغاء املذاهب املعتمدة ؛ وال التحذير من دراستها‪، ‬‬ ‫وال التفقه عىل الطريق املذهبي ‪ ،‬ولكن أال تكون الدراسة دراسة تقليد أعمى ‪ ،‬فالواجب عىل املعلم أن‬ ‫للنص ؛ حتى‬ ‫يتدرج مع طلبته ؛ حتى يوصلهم إىل االجتهاد ‪ ،‬ويبينِّ هلم املسائل التي خالف فيها املذهب ِّ‬ ‫يرتبوا عىل تعظيم النصوص ‪.‬‬ ‫ال�س�ؤال الرابع ع�شر ‪ :‬أمتنى تعليقكم عىل مقالة الشيخ الدكتور ‪ :‬عبد اهلل الرتكي ؛ بأنه ال داعي‬ ‫خصوصا وأن رجال كل مذهب وإىل اليوم يفرسون اتباعهم إلمامهم بام يعتقدون‬ ‫للمفاضلة بني األئمة ؛‬ ‫ً‬ ‫فيه من فضله وتقدمه ‪ ،‬بل وجدت هذا حتى يف ابن حزم الظاهري حينام أثنى الشافعي بأنه ميز االجتهاد من‬ ‫التقليد ‪ ،‬وأخرج الدليل من غيضه االستحسان ‪ ،‬ثم قدم عليه أمحد بإرشافه يف العلوم ثم قدم عليهم ‪.‬‬ ‫جواب ال�س�ؤال الرابع ع�شر ‪ :‬مقصود الشيخ الدكتور عبد اهلل الرتكي ‪ -‬واهلل أعلم ‪ -‬أنه ال داعي‬ ‫التعصب وإثارة النعرات ‪ ،‬ورفض احلق الذي عند األئمة‬ ‫للمفاضلة بني األئمة املفاضلة التي تؤدي إىل‬ ‫ُّ‬ ‫اآلخرين ‪ ،‬فرب مسألة أخطأ فيها اإلمام مالك نجد احلق فيها مع اإلمام أمحد رمحهام اهلل ‪ ،‬وأخرى أخطأ فيها‬ ‫أيضا ال‬ ‫اإلمام أمحد واحلق فيها عند اإلمام الشافعي رمحهام اهلل ‪ ،‬فالواجب أخذ احلق يف تلك املسائل ؛ وهكذا ً‬ ‫تؤدي املفاضلة إىل خلق انقسام يف البلد الواحد ‪ ،‬بل جيب عىل من أراد أن يتفقه أن يكون عىل طريقة املذهب‬ ‫السائد يف البلد ‪ ،‬وال مانع أن يكون جمتهدً ا من خالل تلك األصول ‪ ،‬وإال فإن التفاضل ال جيوز إنكاره فهو‬ ‫موجود ؛ فمثلاً ‪ :‬سعة املذهب املالكي يف باب الطهارة وضيقه يف الربويات ‪ ،‬بخالف املذهب الشافعي فإنه‬ ‫مضيق يف باب الطهارة ومرن يف أبواب البيوع ‪ ،‬واستناد اإلمام أمحد للحديث أكثر من غريه ‪.‬‬ ‫ومن قرأ كتب املناقب التي ُأ ِّلفت يف مناقب األئمة علم ذلك جل ًّيا ‪ ،‬ومل ينكر أحد من العلامء تلك‬ ‫املفاضلة ‪ ،‬واهلل أعلم ‪[ .‬هناية اللقاء] ‪.‬‬ ‫‪15‬‬


‫ربيع الأول ‪ 1430‬هـ (‪)1‬‬ ‫خمت�صر ال�سرية العلمية والدعوية‬ ‫لف�ضيلة ال�شيخ الدكتور ‪ /‬عقيل بن حممد املقطري حفظه اهلل‬ ‫رئي�س اللجنة العلمية بجمعية احلكمة اليمانية اخلريية (اليمن)‬ ‫�ضيف اللقاء في �سطور ‪:‬‬ ‫‪- -‬من مواليد اليمن ‪ ،‬وفيها تل َّقى تعليمه عىل يد ثلة من علامء اليمن من أشهرهم ‪:‬‬

‫ ‪-‬الشيخ املحدِّ ث مقبل بن هادي الوادعي ‪ ،‬ارحتل إىل مدينته صعدة ‪ ،‬والزمه ألكثر من ست سنوات ‪،‬‬‫درس عليه احلديث ‪.‬‬ ‫ ‪-‬الشيخ القايض حممد بن حييى شمسان ‪ ،‬أخذ عليه يف الفقه واألصول ‪.‬‬‫‪- -‬الشيخ سعيد بن حزام ‪ ،‬أخذ عليه يف العقيدة ‪.‬‬

‫ ‪-‬الشيخ عبد امللك بن داود عبد الصمد ‪ ،‬أخذ عليه يف الفقه والقواعد الفقهية ‪.‬‬‫مراحل الدرا�سة وال�شهادات العلمية ‪:‬‬ ‫‪- -‬حصل عىل معادلة بالشهادة اجلامعية من جامعة صنعاء يف عام ‪1989‬م ‪.‬‬

‫‪- -‬حصل عىل املاجستري عام ‪2000‬م يف احلديث وعلومه بدرجة امتياز من اجلامعة الوطنية ‪.‬‬

‫ ‪-‬حصل عىل الدكتوراه يف احلديث عام ‪2008‬م ‪ ،‬من اجلامعة العاملية اإلفريقية يف السودان ‪ ،‬وقد كان‬‫عنوان األطروحة ‪ « :‬كتاب أسباب النزول ‪ ،‬دراسة وحتقيق » للواحدي النيسابوري ‪.‬‬ ‫ ‪-‬له العديد من املؤلفات والتحقيقات تزيد عىل الثالثني بني جملد وكتاب وكتيب ‪.‬‬‫ ‪-‬شارك يف رحالت دعوية يف أمريكا ‪ ،‬وأروبا ‪ ،‬واهلند ‪ ،‬ودول اخلليج ‪.‬‬‫الأعمال التي ي�شغلها حال ًّيا ‪:‬‬ ‫‪- -‬رئيس اللجنة العلمية جلميعة احلكمة اليامنية ‪.‬‬

‫‪- -‬أستا ًذا للحديث وعلومه يف مركز املنار بمدينة تعز ‪.‬‬

‫ ‪-‬إلقاء الدروس واملحارضات يف مدينة تعز وغريها من مدن اليمن ‪ ،‬وكذلك إلقاء الدروس واملحارضات‬‫يف رحالت دعوية يف أمريكا ‪ ،‬وأروبا ‪ ،‬واهلند ‪ ،‬ودول اخلليج ‪.‬‬ ‫‪16‬‬


147  

2 )1( ‫هـ‬ 1430 ‫الأول‬ ‫ربيع‬ ‫آله‬ ‫وعىل‬ ‫عليه‬ ‫اهلل‬ ‫صىل‬ ، ‫األمة‬ ‫هبذه‬ ‫رمحة‬ ‫املبعوث‬ ‫عىل‬ ‫وأسلم‬ ‫وأصيل‬ ، ‫نعمة‬ ‫بكل‬ ‫املت...