Page 1

‫ُ‬ ‫تحفة‬ ‫◊ العدد األول ◊ ديسمبر ‪ ◊ 2013‬نابلس ◊ عشرة جنيهات ◊‬

‫أثريـــة‬ ‫تاريخية‬ ‫سياحية‬


‫☺ االفتتاحية‬ ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬ ‫تصــدر مجلــة حتفــة مــن قســم‬ ‫الصحافــة املكتوبــة وااللكترونيــة في‬ ‫جامعــة النجــاح الوطنيــة‪ ،‬نابلــس‪.‬‬ ‫وتســلط الضــوء فــي عددهــا األول‬ ‫علــى آثــار وتاريــخ مدينــة جنــن‬ ‫وقراهــا‪.‬‬ ‫حيــث اشــتمل هــذا العــدد علــى‬ ‫املواضيــع التاليــة‪ :‬قلعــة صانــور‪،‬‬ ‫وكنيســة برقــن‪ ،‬ومصنــع فخــار‬ ‫جبــع‪ ،‬وجبــال حريــش‪ ،‬وتــل دوثــان‬ ‫وتــل تعنــك‪ ،‬ونفــق بلعمــة‪ ،‬واجلامــع‬ ‫الكبيــر فــي جنــن‪.،‬‬ ‫كمــا احتــوت علــى بعــض أبيــات‬ ‫الشــعر‪.‬‬ ‫هدفــت هــذه اجمللــة الــى تســليط‬ ‫الضــوء علــى األماكــن االثريــة فــي‬ ‫مدينــة جنــن والترويــج لهــا‪ ،‬واثــراء‬ ‫القــارئ مبعلومــات تاريخيــة عــن تلــك‬ ‫االثــار‪ ،‬كان ال بــد مــن معرفتهــا‪ ،‬ومبــا‬ ‫أن اجمللــة تســنح عــرض الصــور وتعــد‬ ‫مــن الوســائل ذات املصداقيــة‪ ،‬فإنهــا‬ ‫الوســيلة األفضــل لتوثيــق تاريــخ‬ ‫مدينــة جنــن‪.‬‬

‫جامعة النجاح الوطنية‬ ‫كلية االقتصاد‬ ‫والعلوم االجتماعية‬ ‫قسم الصحافة‬ ‫املكتوبة وااللكترونية‬ ‫رئيس القسم‬ ‫د‪ .‬عبد اجلواد عبد اجلواد‬ ‫صدرت هذه اجمللة استكماال‬ ‫ملساق مشروع التخرج‬ ‫بإشراف‬ ‫د‪ .‬عبد اجلواد عبد اجلواد‬ ‫أ‪ .‬أسامة عبداهلل‬ ‫حترير النص‬ ‫يزن جرار‬ ‫تصميم وإخراج‬ ‫يزن جرار‬ ‫مجلة حتفة‬ ‫العدد األول‬ ‫ديسمبر ‪2013‬‬


‫المحتويات ☺‬ ‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫‪4‬‬

‫مراسلة شعرية بني اجلزار واجلرار‬

‫‪12‬‬

‫كنيسة برقني والعشرة البرص‬

‫‪14‬‬

‫أنامل فخارية ومنتجات فخرية‬

‫‪18‬‬

‫الفخار حرفة وصناعة‬

‫‪21‬‬

‫حريش حقيقة أم خيال؟‬

‫‪24‬‬

‫تل دوثان وجب يوسف‬

‫‪26‬‬

‫املسجد الكبير في جنني‬

‫‪32‬‬

‫نفق بلعمة األقدم في فلسطني‬

‫‪35‬‬

‫تل تعنك أقدم مدينة كنعانية‬

‫‪38‬‬


‫بالدنا‬ ‫فلسطني‬ ‫مصطفى مراد الدباغ‬

‫كــن رزيـنـا إذا أتتـك الـرزايا‬ ‫فالليالي من الزمان حبـاىل ‬

‫وصبورا إذا أتتك مصيبة‬ ‫مـثقالت يلدن كل عجيبـة‬

‫يذك ـ ـ ــر األمـ ـ ـ ـ ـ ــر‬ ‫ح ـ ـيـ ـ ـ ـ ــدر عـ ـ ـ ـ ــن‬ ‫نســبهم بأهنــم مــن‬ ‫البلقــاء وان جدهــم األول‬ ‫نــزل عرابــة مث تفرق ـوا يف‬ ‫القــرى وانتقلـوا اىل صانور‪.‬‬ ‫ويقــول عيســى اســكندر‬

‫املعلــوف «يــروى أن بــي‬ ‫اجل ـرار مــن أنســباء بــي‬ ‫عبــد اهلــادي ينتســبون اىل‬ ‫عــرب الشــقران» ويــرى‬ ‫هــذا ال ـرأي أيضــا احســان‬ ‫النمــر يف مؤلفــه تاريــخ‬ ‫جبــل نابلــس والبلقــاء‪.‬‬

‫ي‬

‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫‪4‬‬


‫ويقــول هبــذا الكثــر مــن الذيــن يعرفــون‬ ‫بذلــك مــن عائلــي عبــد اهلــادي وج ـرار‪.‬‬ ‫نشأ منهم الشيخ حممد اجلرار الذي عمر‬ ‫الداثــر مــن صانــور وحصنهــا‪ ،‬فصــارت‬ ‫قلعــة منيعــة‪ ،‬وهــو الــذي حاصــره عثمــان‬ ‫باشــا الصــادق الكرجــي وايل الشــام ســنة‬ ‫‪1178‬هـ ‪1764 -‬م‪ .‬وقد استنجد هذا‬ ‫الوايل باألمري يوســف بن ملحم الشــهايب‬ ‫حاكــم لبنــان علــى فتحهــا‪ .‬فتوجــه األمــر‬ ‫جبيــش مــن جبــل الشــوف وتوابعــه والتقــى‬ ‫بالوزيــر يف الطريــق وســار معــه وحاص ـرا‬ ‫القلعــة زمنــا طويــا وعــادا خمذولــن‪.‬‬ ‫وقيل كان عدم استيالء عثمان باشا على‬ ‫القلعــة تأخــر جيــش األمــر يوســف عــن‬ ‫القتــال واحلصــار ألنــه قيســي وأصحــاب‬ ‫القلعة مثله فمن مث مل حيمل جيشــه محلة‬ ‫صادقــة علــى قتالــه‪.‬‬ ‫ويف أيــام مشــيخة احلــاج يوســف اجل ـرار‬ ‫بــن حممــد زاد يف عمــار القريــة وبــى هبــا‬ ‫قصـراًكتــب علــى بابــه الرئيســي بيتــن مــن‬ ‫الشــعر‪:‬‬ ‫كن رزينا إذا أتتك الرزايا‬ ‫وصبورا إذا أتتك مصيبة‬ ‫فالليايل من الزمان حبـاىل‬ ‫مثقالت يلدن كل عجيبـة‬ ‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫‪5‬‬


‫وهــو الــذي حاصــره امحــد باشــا اجلـزار بنفســه‬ ‫مرتــن فعجــز عــن فتــح القلعــة‪ ،‬فوضــع لغمــا‬ ‫مــن البــارود انفجــر علــى جنــده وقتــل كثرييــن‬ ‫منهــم‪ ،‬واضطــره الســر اىل احلــج أن يرتكهــا‪.‬‬ ‫وكان ذلــك ســنة ‪1209‬ه ـ ‪1794 -‬م‪.‬‬ ‫وعلــى أثــر ذلــك اضطــر اجل ـزار ملصاحلــة آل‬ ‫اجل ـرار ولكــن شــيخهم احلــاج يوســف بقــي‬ ‫حــذرا مــن غــدره‪.‬‬ ‫وملــا تــويف اجل ـزار يف عــكا ســنة ‪1219‬ه ـ ‪-‬‬ ‫‪1804‬م‪ .‬تنفــس الشــيخ يوســف الصعــداء‪،‬‬ ‫وكان قــد وصلــه صــورة مــن األمــر الصــادر‬ ‫مــن الســلطان بتعيــن ابراهيــم باشــا واليــا علــى‬ ‫عــكا‪ ،‬فخــف لدمشــق ليعلــن والءه لل ـوايل‬ ‫اجلديــد وصحبــه يف طريقــه اىل عــكا‪.‬‬ ‫وبعــد وفــاة يوســف اجل ـرار املذكــور تــوىل‬ ‫مشــيخة قومــه ولــداه «احلــاج حممــد» و‬ ‫«احلــاج امحــد» وكان ذلــك يف عهــد ال ـوايل‬ ‫ســليمان باشــا العــادل‪.‬‬ ‫ويف ســنة ‪1246‬ه ـ ‪1830 -‬م‪ ،‬طلــب‬ ‫عبــداهلل باشــا وايل صيــدا والقــدس مــن آل‬ ‫ج ـرار أن يســلموه قلعتهــم فأب ـوا وأغلق ـوا‬ ‫عليهــم باهبــا‪ .‬فوجــه اليهــم فرقــة مــن جنــوده‬

‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫‪6‬‬

‫بقيــادة مدبــره ابراهيــم باشــا‪ ،‬ومعهــا املدافــع‬ ‫واملعــدات احلربيــة ملقاتلــة الثائريــن‪ .‬وعندمــا‬ ‫التقــت اجلنــود املنظمــة هبــم دارت رحــى‬ ‫احلــرب واشــتد القتــال بضــع ســاعات‪ ،‬كان‬ ‫النصــر فيهــا حليفــا للجنــود‪ ،‬فقتلـوا ‪ 94‬رجــا‬ ‫مــن املتمرديــن‪ ،‬كمــا قبض ـوا علــى ‪ 56‬نف ـرا‬ ‫منهــم‪ ،‬وأرغم ـوا الباقــن علــى االنســحاب‬ ‫لصانــور والتحصــن فيهــا‪.‬‬ ‫طــال احلصــار بــدون جــدوى‪ ،‬وقــد أظهــر‬ ‫العصاة قوة وممانعة فائقتني‪ ،‬وقتلوا من اجلند‬ ‫عددا كبريا‪ ،‬ومتكنوا من االســتيالء على كثري‬ ‫مــن الذخائــر‪ ،‬ممــا اســتدعى عبــداهلل باشــا‬ ‫وداه اىل احلــذر‪ .‬فبــدأ يفكــر بــأن العصــاة‬ ‫ليسـوا ممــن يســتخف هبــم‪ .‬فأرســل اىل األمــر‬ ‫«بشــر الشــهايب» الكبــر يســتنجده علــى‬ ‫كبــح شــكيمة الث ـوار‪ ،‬فاجتمــع لألمــر مــا‬ ‫ينيــف علــى مخســة آالف مقاتــل بــن فــارس‬ ‫وراجــل‪.‬‬ ‫ويف كانــون الثــاين مــن عــام ‪ 1830‬وصــل‬ ‫األمري وعسكره اىل عكا‪ ،‬فأمر الباشا بنزوله‬ ‫يف قصــر البهجــة‪ ،‬ونــزول عســكره حولــه يف‬ ‫اخليــام‪.‬‬


‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫‪7‬‬


‫تحفة‬ ‫ُ‬

‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫رحــب عبــداهلل باشــا باألمــر ترحيبــا بالغــا وأكرمــه‬ ‫هــو وولــده األمــر وحفيــده األمــر حممــود وبعــض‬ ‫حاشــيته خبلــع كثــرة وهدايــا فاخــرة‪ .‬وحــث األمــر‬ ‫علــى بــذل اهلمــة ألخــذ القلعــة قائــا «إن مل آخــذ‬ ‫صانــور أقتــل نفســي»‪ .‬فأجابــه األمــر «إين ال‬ ‫أفتــأ أهجــم عليهــا برجــايل حــى أدخلهــا»‪.‬‬ ‫ســارت اجليــوش اللبنانيــة بقيــادة أمريهــا فوصلـوا‬ ‫صانــور يف اليــوم الثالــث مــن رحيلهــم عــن عــكا‪،‬‬ ‫وبعــد أن مــروا يف طريقهــم بالناصــرة وجنــن‪،‬‬ ‫استقبلهم ابراهيم باشا مدبر (كتخدا) عبداهلل‬ ‫باشــا ورؤســاء اجلنــد واألمــر بشــر وحاشــيته‪،‬‬ ‫باملوســيقى واطــاق البــارود‪ ،‬وعهــدوا اليــه‬ ‫بقيادهتــم‪.‬‬ ‫كتــب األمــر اىل رؤســاء العصاةوهناهــم‬ ‫عــن مواصلــة الكفــاح وحذرهــم وخامــة‬ ‫العاقبــة وضــرب هلــم موعــدا للتســليم‪ .‬لبــث‬ ‫االمــر ينتظــر ج ـواب رســالته اىل ان مضــى‬ ‫الوقــت املضــروب وظــل مجهــور الث ـوار عازمــا‬ ‫علــى عــدم اخلضــوع‪.‬‬ ‫فأمر حينئذ األمري بتشديد احلصار باإلكثار‬

‫‪8‬‬


‫وصف القلعة‬

‫تشــتمل القلعــة علــى عــدد كبــر مــن‬ ‫املغــاور واآلبــار الــي كانـوا يلجئــون إليهــا‬ ‫وقــت احلصــار‪ ,‬وكانــت هــذه اآلبــار‬ ‫حتفــر يدويــا حيــث كانــت املصــدر األول‬ ‫والرئيســي للميــاه يف القريــة‪ .‬ومــن أهــم‬ ‫أمســاء هــذه اآلبــار بئــر «متــرك» وبئــر‬ ‫اجلامــع «بئــر احلــارة» وبئــر القوســة‪.‬‬

‫من اطالق املدافع‪ .‬فاهنزم أكثر أهايل القلعة‬ ‫وارســل االمــر رجالــه يقطعــون الطريــق علــى‬ ‫اآلتــن مــن نابلــس اىل م ـزار حريــش املواجــه‬ ‫لصانــور‪ ،‬ويف تلــك الليلــة رأى أولئــك الرجــال‬ ‫أناســا قادمــن اىل ذاك املـزار‪ ،‬فأطلقـوا عليهــم‬ ‫الرصــاص وقتل ـوا منهــم نف ـرا وهــرب الباقــون‪.‬‬ ‫ويف ليلــة اخلميــس ‪ 28‬شــعبان ‪ 1246‬هــ‪.‬‬ ‫وكان الفصــل شــتاء‪ .‬خــرج احملاصــرون مــن‬ ‫القلعــة‪ ،‬ودمرهــا األرنــاؤوط مــن عســكر الوزيــر‬ ‫واســتظهروا عليهــم وحاول ـوا أخــذ املدافــع‬ ‫منهــم‪ .‬فأرســل األمــر مجاعــة مــن عســكره‬ ‫فهزم ـوا الصانوريــن اىل القلعــة ودن ـوا مــن‬

‫يبلــغ مســطح القلعــة ‪ 675‬مــر مربــع‬ ‫وقــد هدمــت بعــض أبنيــة القلعــة بفعــل‬ ‫العوامــل اجلويــة واإلمهــال الــذي أصاهبــا‬ ‫والبنايــات اجلديــدة الــي غطــت عليهــا‪.‬‬ ‫ويشــر أهايل القرية أن ســور القلعة كان‬ ‫مبني ـاً قبــل أن يتــم بنــاءه الشــيخ حممــد‬ ‫الزبــن «ابــن ج ـرار»‪■.‬‬

‫جدراهنــا‪ ،‬وكانــت النســاء تغمــس اللحــف‬ ‫بالزيت وتشــعلها وترميها من القلعة خارجا‪،‬‬ ‫لينظــر رجاهلــن عســكر األمــر ويطلقـوا عليهــم‬ ‫الرصــاص‪.‬‬ ‫ودام القتــال اىل الصبــاح وقتــل مــن عســكر‬ ‫األمــر أحــد عشــر رجــا‪ ،‬ودام القتــال بعــد‬ ‫ذلــك ثالثــة أيــام‪ .‬ويف ‪ 15‬رمضــان جتمــع‬ ‫اخلارجــون‬ ‫الث ـوار‬ ‫عــن احلصــار وأخــذوا‬ ‫مينعــون اجلنــد مــن ورود املــاء‬ ‫يف قريــي (عجــة والفندقوميــة) فوثــب‬ ‫عليهــم مجاعــة مــن جنــد األمــر‬

‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫‪9‬‬


‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫‪10‬‬

‫فهزموهــم اىل قريــة عجــة واعتصم ـوا هبــا‪،‬‬ ‫فحاصرهــم رجــال األمــر فيهــا‪ ،‬مث ظهــروا‬ ‫عليهــم وهزموهــم‪ ،‬وأعمل ـوا فيهــم أقفيتهــم‬ ‫الســاح وأحرق ـوا القريــة‪.‬‬ ‫وعلــى أثــر هــذا االنتصــار كتــب الـوايل كتابــا‬ ‫اىل األمري يثين فيه على شــجاعته ومهته‪ ،‬مث‬ ‫أخــذ عســكر الوزيــر واألمــر بنهــب وحــرق‬ ‫القــرى اجملــاورة وأضرمـوا النــار يف كفــر راعــي‬ ‫والرامــة والعطــارة وســيلة الظهــر والفندقوميــة‬ ‫وغريهــا‪ .‬وهبــذا العمــل وقــع الرعــب يف قلوب‬ ‫الثـوار وابتــدأوا يستســلمون فئــة فئــة‪.‬‬ ‫وكان عبداهلل باشا يف تلك األثناء قد قبض‬ ‫علــى مشــايخ جبــل نابلــس وأبقاهــم يف‬ ‫عــكا‪ ،‬فاســتدعامهيوما وأخــذ يهــدد باألمــر‬ ‫بشــر وصولتــه‪ ،‬فجعل ـوا يعتــذرون اليــه بــأن‬ ‫مــا فعــل آل جـرار وغريهــم مل يكــن بعلمهــم‬ ‫وتعهــدوا لــه بدفــع مبلــغ وافــر نفقــة للجنــد‬ ‫ورهنـوا أوالدهــم عنــده‪ ،‬فأنعــم الوزيــر عليهــم‬ ‫خبلــع وصرفهــم اىل بالدهــم وســلمهم كتــاب‬ ‫األمــان للنابلســيني وبــي اجلـرار وأســعد بــك‬ ‫طوقان مهيجيهم‪ ،‬وطلب منهم أن يساعدوا‬ ‫األمــر يف إهنــاء أمــر صانــور‪ .‬ولكــن أســعد‬ ‫بــك كان بعــد تلــك املواقــع هــرب اىل نابلــس‬ ‫واعتــذر عــن احلضــور مبرضــه فأتــى ابــن عمــه‬ ‫مصطفــى بــك متســلم نابلــس وأفهمــه بــأن‬ ‫ال خــوف عليــه إذا هــو ســاعد علــى تســليم‬


‫القلعــة‪ .‬ولكنــه مل يقتنــع بذلــك‪ ،‬بــل أرســل‬ ‫أخــاه عبــداهلل بــك طوقــان اىل األمــر طالبـاً‬ ‫مــن هــأن يطمنــه خطيــا علــى حياتــه‪ ،‬إن‬ ‫هو ســاعد على تســليم صانور‪ ،‬وأن ال لوم‬ ‫عليــه فيمــا لــو رفــض احملصــورون التســليم‪.‬‬ ‫فحــرر لــه األمــر التأمــن املطلــوب مقســماً‬ ‫هبــدم نابلــس والقبــض عليــه إذا مل حيضــر‬ ‫بعــد ذلــك‪.‬‬ ‫ويف تلــك األثنــاء كان احلصــار قــد شــدد‬ ‫على صانور‪ ،‬وقطعت املياه عنها‪ ،‬فلم يعد‬ ‫بإمــكان احملصوريــن اخلــروج منهــا ليش ـربوا‬ ‫مــن ميــاه العيــون املوجــودة يف خارجهــا‪،‬‬ ‫كمــا وأن املدافــع كانــت قــد قتلــت الكثرييــن‬ ‫منهــم‪ ،‬ولــوال وجــود املغــاور يف داخــل القلعــة‬ ‫ملــا ســلم مــن أبطاهلــا أحــد‪ ،‬وقذفــت يف‬ ‫عضدهــم ومعنوياهتــم انتصــار جنــود األمــر‬ ‫والدولــة علــى أصدقائهــم وحلفائهــم مــن‬ ‫ســكان القــرى اجملــاورة‪ ،‬وعلمهــم مبــا حصــل‬ ‫لتلــك القــرى مــن هنــب وحــرق‪ .‬فقــرر‬ ‫احملاصــرون بقيــادة الشــيخ عبــداهلل اجل ـرار‬ ‫التســليم‪ ،‬ووســطوا يف ذلــك (يوســف آغــا‬ ‫الكــردي) أحــد ضبــاط الدولــة‪ ،‬وقــد كان‬ ‫هلــم معرفــة ســابقة بــه‪■.‬‬

‫لقطة من قلعة صانور تظهر قرية جبع املجاورة‪.‬‬

‫لقطة عامة لساحة قلعة وديوان آل جرار‪.‬‬

‫ثقب حدث بفعل املدافع يف الحصار‪ ،‬أغلق مؤخرا‪.‬‬

‫قلعة صانور وتاريخ آل جرار‬

‫‪11‬‬


‫اسرتاحة‬ ‫شعرية‬ ‫حصار عكا ‪1779‬‬

‫عندما استنجد اجلزار بالشيخ يوسف اجلرار‬ ‫بعــد أن اســتطاع نابليــون احتــال‬ ‫مصــر وغــزة ويافــا وحيفــا وصــل‬ ‫الــى مشــارف وأســوار عــكا‬ ‫الحتاللهــا وذلــك عــام ‪ 1779‬ميــادي‬ ‫فأرســل أحمــد باشــا الجــزار والــي عــكا رســالة‬ ‫علــى شــكل قصيــدة مــن الشــعر الشــعبي‬ ‫يســتنجد بالحــكام المحلييــن‪.‬‬ ‫وكان أشــهرهم وقتهــا الشــيخ يوســف جرار‬ ‫( أبــو داوود ) الــذي كان يلقــب بســلطان البــر‬ ‫وكان مركــز ســلطته قلعــة صانــور‪.‬‬ ‫وقــد حاصــر نابليــون مدينــة عــكا طويــا‬ ‫وتكبــد جيشــه خســائر فادحــة فــي األرواح‬ ‫والعتــاد واضطــر نابليــون لالنســحاب منكســرا‪.‬‬ ‫وهــي المــرة االولــى التــي يهــزم فيهــا‬ ‫نابليــون بفعــل المقاومــة الشرســة التــي‬

‫ب‬

‫مراسلة شعرية بني الجزار والجرار‬

‫‪12‬‬

‫أبداهــا أبنــاء منطقــة جبــل النــار ووقوفهــم‬ ‫جميعــا متحديــن فــي مقاومتــه وحســن‬ ‫بالئهــم فــي أســاليب الكــر والفــر علــى‬ ‫أطــراف ومقدمــة ومؤخــرة الجيــش الفرنســي‬ ‫علــى امتــداد مواقعــه‪.‬‬ ‫ممــا اضطرهــم فــي النهايــة الــى االنســحاب‬ ‫وقبــل أن يرحــل نابليــون رمــى بقبعتــه فــوق‬ ‫أســوار عــكا مــن غيظــه وقــال علــى األقــل‬ ‫مــرت قبعتــي مــن فــوق أســوارك يــا عــكا‬ ‫ورحــل نابليــون قائــا‪:‬‬ ‫( ســام عليــك يــا عــكا ســاما ال لقــاء بعــده‬ ‫) وهنــا أود أن أشــير الــى القصيــدة التــي‬ ‫أرســلها الجــزار الــى الشــيخ يوســف جــرار‬ ‫يطلــب النجــدة ورد الشــيخ يوســف جــرار‬ ‫عليهــا‪.‬‬


‫يقول المجاهد اللي فاض ما بو ‪ ..‬بدمع جرى مني على الوجنات‬ ‫يا غاديا مني على صيد حية ‪ ..‬جدً السرى ال تأمن السروات‬ ‫تهدي هداك اهلل خذلي رسالتي ‪ ..‬مرقومة بالخط من العبرات‬ ‫اقطع بها مرج ابن عامر وقبل ‪ ..‬تلفي على بالد بها نخوات‬ ‫تلفي على جنين مع رايق الضحى ‪ ..‬تلقى بها عاللي وقصور مبنيات‬ ‫طق الها بالسرع ال تأمن الونا ‪ ..‬قبًل على صانور فيها وبات‬ ‫تلقى بها سبع الفال سيد المال ‪ ..‬بسنين الغال صيتوا علينا فات‬ ‫قول له التحفظ الزالت يا طالب الثنا ‪ ..‬مضى اللي مضى زمانه وفات‬ ‫أجتنا الفرنساوي شبه الجراد والحصى ‪ ..‬سالطين سبعة مع سبع كرات‬ ‫يهدوا جوامعنا ويبنوا كنايس ‪ ..‬ويدعوا قناديل االسالم مطفيات‬ ‫أريد منكم فزعة عامرية ‪ ..‬يوم الوغى ما تهاب من شوفات‬ ‫تنطح كراديس لفرنج في جموعكم ‪ ..‬تخلي عيون الكفر مطفيات‬ ‫وعندمــا اســتلم الشــيخ يوســف جــرار الرســالة الجهــاد ونظــم القصيــدة التاليــة علــى نفــس‬ ‫بكــى وقــام باســتنهاض شــيوخ المنطقــة علــى الــوزن والمقــام يــرد بهــا علــى قصيــدة الجــزار‬

‫يقول أبو داوود من فؤاد ملوع ‪..‬بحس في قلبي لهيب الالهبات‬ ‫على مكاتيب أجتنا من بعيد ‪ ..‬من أفندينا لفين امبرشمات‬ ‫فضيتهن انسر علي خاطري ‪ ..‬قريتهن نزلت دموعي ساكبات‬ ‫ملة الكفار أجونا صايلين ‪ ..‬مرادهم يدعوا الجوامع داثرات‬ ‫يا جميل الستر ياحافظ البال ‪ ..‬يا مهيمن انت رب الكائنات‬ ‫آل طوقان اسحبولي سيوفكم ‪ ..‬واعتلوا سروجهن هالغاليات‬ ‫جيوسي يا أسد في يوم الطراد ‪ ..‬حامي الزينات صور المحصنات‬ ‫عبد الهادي نوض التعطي ونا ‪ ..‬انت كسار الجموع الماشيات‬ ‫يا نوابلسة نوضوا أجمعين ‪ ..‬نوضة العقبان من الجو خاويات‬ ‫سيروا على عكاجميعا كلكم ‪ ..‬قاوموا الشر في عكا بنات‬ ‫ودعوا حريمكم يا مسلمين ‪ ..‬كلنا اسالم على الدين الثبات‬ ‫من قتل منا فهذا يومه ‪ ..‬من سلم منا حظى بالفاخرات‬ ‫والطموهم لطمة الزير العنيد ‪ ..‬مثل عنتر أيام الجاهالت‬ ‫قال أبو داوود من قلب شجيع ‪ ..‬ما بقى عالحرب اال الثبات‪■.‬‬

‫مراسلة شعرية بني الجزار والجرار‬

‫‪13‬‬


‫تقرير‬ ‫صحفي‬ ‫يزن جرار‬

‫حتتضــن قريــة برقــن الواقعــة علــى‬ ‫بعــد حـوايل ‪ 4‬كــم غــرب جنــن‪،‬‬ ‫كنيســة القديــس جرجــس‪.‬‬ ‫والــي تســمى كنيســة برقــن أو كنيســة‬ ‫اخلضــر وهــي كنيســة أرثوذكســية أثريــة‪ ،‬مت‬ ‫بنــاء معظمهــا يف الفــرة البيزنطيــة‪ .‬وتعتــر‬ ‫رابــع أقــدم كنيســة يف العــامل‪ ،‬وخامــس موقــع‬ ‫كنيســي يف العــامل كلــه‪ .‬تقــع الكنيســة علــى‬ ‫تلــة صغــرة‪ ،‬تشــرف علــى شــارع رئيســي‬ ‫يوصــل برقــن جبنــن‪ ،‬ويربــط القريــة بالقــرى‬

‫ت‬

‫كنيسة برقني والعرشة الربص‬

‫‪14‬‬

‫اجملــاورة‪ .‬وال تعتــر اليــوم أشــهر معــامل البلــدة‬ ‫فحســب‪ ،‬بــل هــي مــن أهــم املعــامل التارخييــة‬ ‫بالضفــة الغربيــة‪.‬‬ ‫جــاء اســم قريــة برقــن مــن حتريــف لكلمــة‬ ‫«برصــن» الــي أصبحــت مــع مــرور الزمــن‬ ‫ايل برقــن‪ .‬أمــا اســم البلــدة قبــل اكتشــاف‬ ‫الكنيســة كان بيــت فلــوى‪.‬‬ ‫تتبــع الكنيســة لطائفــة الــروم األرثوذكــس‪،‬‬ ‫وقــد بــى اجلــزء األول منهــا منــذ ألفــي ســنة‪،‬‬ ‫أمــا اجلــزء الثــاين فشــيد يف عصــر امللــك‬


‫قســطنطني وأمــه هيالنــا قبــل‬ ‫ح ـوايل ‪ 1500‬ســنة‪.‬‬ ‫وتنبــع أمهيتهــا مــن كوهنــا‬ ‫خامــس مــكان مقــدس يف‬ ‫العــامل بالنســبة للمســيحيني‪،‬‬ ‫ورابــع أقــدم كنيســة يف العــامل‬ ‫أيضــا بعــد كنيســي املهــد‬ ‫والبشــارًة‪ ،‬وذكرهــا اإلجنيــل‪،‬‬ ‫ويف كتــاب «معج ـزات املســيح‪.‬‬ ‫وهــي الكنيســة الــي أشــفى يف مغارهتــا‬ ‫الســيد املســيح عشــرة مــن الــرص‪ ،‬أثنــاء‬ ‫رحلتــه مــن الناصــرة باجتــاه مدينــة القــدس‪،‬‬ ‫ويــروي اجنيــل «لوقــا» القصــة بالتفصيــل‪،‬‬ ‫ويشــر إىل املــكان‪ ،‬ويســهب يف احلديــث‬ ‫عــن مصــر الــرص الذيــن مل يشــكر أحــد‬ ‫منهــم الســيد املســيح‪ ،‬إال واحــداً ســامري‪،‬‬ ‫ومــن هنــا جــاء اســم البلــدة‪.‬‬ ‫عنــد دخولــك للكنيســة ســرعان مــا تأخــذك‬ ‫عينــاك إىل املغــارة الــي شــهدت معجــزة‬ ‫الســيد املســيح عيســى بــن مــرمي‪ ،‬يف إشــفاء‬ ‫العشــرة الــرص‪ ،‬والــي مت حجــز املرضــى‬ ‫فيهــا‪.‬‬ ‫ومــا إن يقــرب الزائــر مــن هــذه الكنيســة‪،‬‬ ‫حــى يشــتم رائحــة البخــور الــي تفــوح‬ ‫علــى مــدار الســاعة مــن الكنيســة العريقــة‬ ‫ذات األحجــار القدميــة الــي بــدت يف حلــة‬

‫جديــدة‪ ،‬عشــية االحتفــاالت‬ ‫بعيــد ال ــميالد اجمليــد‪.‬‬ ‫يف هــذا املــكان املقــدس‪،‬‬ ‫تكثــر األحاديــث عــن معجــزة‬ ‫الســيد املســيح يف إشــفاء‬ ‫عشــرة مرضــى أصيب ـوا بــداء‬ ‫الــرص‪ ،‬والتجــأوا للســيد‬ ‫املســيح طالبــن مســاعدته يف‬ ‫الشــفاء مــن هــذا املــرض‪ ،‬الــذي دفــع أهــايل‬ ‫البلــدة إىل احتجازهــم داخــل مغــارة مظلمــة‬ ‫ال ت ـزال قائمــة حــى حلظــة‪ ،‬خشــية انتشــار‬ ‫العــدوى‪ ،‬لفــرة طويلــة كان األهــايل يقدمــون‬ ‫الطعــام والشـراب هلــم‪ ،‬مــن خــال فتحــة يف‬ ‫أعلــى املغــارة‪ ،‬حــى أشــفاهم الســيد املســيح‬ ‫مــن هــذا الــداء‪ ،‬وعــادوا ملمارســة حياهتــم‬ ‫الطبيعيــة‪ ،‬كمــا جــاء يف إجنيــل «لوقــا»‪.‬‬ ‫وتقســم مبــاين الكنيســة‪ ،‬إىل قســمني أوهلمــا‬ ‫قبــل أكثــر مــن ‪،1700‬عــام وهــو الــذي‬ ‫شــهد معجــزة الســيد املســيح يف إشــفاء‬ ‫العشــرة الــرص يف منطقــة املغــارة‪.‬‬ ‫والثاين القسم اجملاور الذي أنشئ يف عهد‬ ‫امللــك قســطنطني ووالدتــه امللكــة هيالنــا‪،‬‬ ‫اللذيــن اعتنقــا الديانــة املســيحية‪ ،‬وجعــا‬ ‫منهــا الديانــة الرمسيــة لدولتهمــا‪ ،‬وأم ـرا ببنــاء‬ ‫املزيد من الكنائس ألغراض التعبد والتقرب‬ ‫مــن اهلل‪ ،‬وكانــت مــن بينهــا كنيســة برقــن‪.‬‬ ‫كنيسة برقني والعرشة الربص‬

‫‪15‬‬


‫وتدرجــت مســميات هــذه الكنيســة‪ ،‬الــي‬ ‫ورد امسهــا يف القــدم باســم «بيــت فلــوى»‪،‬‬ ‫ومــن مث «بروصــن» نســبة إىل العشــرة‬ ‫الــرص‪ ،‬وأصبحــت تعــرف منــذ ســنوات‬ ‫طويلــة‪ ،‬باســم كنيســة «برقــن» نســبة إىل‬ ‫اســم البلــدة املقامــة فيهــا‪.‬‬ ‫وجيــزم كثــرون مــن القاطنــن جبـوار الكنيســة‪،‬‬ ‫أهنم يسمعون أصوات أحلان وتراتيل دينية‪،‬‬ ‫ويشــتمون رائحــة البخــور تنبعــث مــن داخــل‬ ‫هذه الكنيســة‪ ،‬خالل ســاعات الليل‪ ،‬دون‬ ‫أن يكــون بداخلهــا أح ــد‪ ،‬يف وقــت تكثــر‬ ‫فيــه األحاديــث عــن أحــداث تشــهدها ذات‬ ‫الكنيســة‪ ،‬تشبه ال ــمعجزة‪.‬‬ ‫ورغــم صغــر مســاحة هــذه الكنيســة‪ ،‬الــي‬ ‫تضــم قاعــة صغــرة‪ ،‬إىل جانبهــا املغــارة‬ ‫القدميــة الــي وضــع بداخلهــا اهليــكل‪ ،‬إال‬ ‫أهنــا‪ ،‬كمــا يقــول معــن جبــور‪ ،‬الذي يواظب‬ ‫علــى متابعــة أمورهــا‪ ،‬تشــهد القداديــس‬ ‫واالحتفــاالت الدينيــة ألبنــاء رعيــة الــروم‬ ‫األرثوذكــس يف برقــن‪.‬‬

‫كنيسة برقني والعرشة الربص‬

‫‪16‬‬

‫يقــول جبــور إن هــذه الكنيســة شــهدت‬ ‫العديــد مــن الرتميمــات الــي كان أحدثهــا‬ ‫يف العــام ‪ ،2007‬ومت مــن خالهلــا وضــع‬ ‫جــرس يف أعلــى الكنيســة‪ ،‬يتــم اســتخدامه‬ ‫لإلعــان عــن األنبــاء الســعيدة أو احلزينــة‪،‬‬ ‫إضافــة إىل أعمــال ترميــم أخــرى هلــذه‬ ‫الكنيســة الــي أمــرت ببنائهــا القديســة‬ ‫هيالنــا‪ ،‬والــي مت تنفيذهــا بالتعــاون بــن‬ ‫البطريركيــة األرثوذكســية يف القــدس‪ ،‬ووزارة‬ ‫الســياحة واآلثــار يف الســلطة الوطنيــة‪ ،‬ومت‬ ‫خالهلــا اكتشــاف خنــادق وسـراديب أســفل‬ ‫الكنيســة‪ ،‬كانــت تســتخدم ألغ ـراض تنقــل‬ ‫املقاومــن مــن الرهبــان وال ــمسلمني‪ ،‬علــى‬ ‫حــد س ـواء‪ ،‬علــى مــر العصــور‪.‬‬ ‫تقــوم الكنيســة علــى مســاحة تقــدر بألــف‬ ‫مــر مربــع‪ ،‬وهــي مقســومة إىل ثالثــة أج ـزاء‬ ‫رئيســة‪ ،‬إضافــة إىل ســاحة وحديقــة وبنــاء‬ ‫حديــث العهــد لتعليــم األطفــال‪ ،‬وغرفــة‬ ‫إلقامــة اخلــوري‪.‬‬ ‫اجلــزء األول‪ ،‬وهــو األهــم‪ ،‬عبــارة عــن مغــارة‬


‫منحوتــة يف صخــرة‪ ،‬مبســاحة عش ـرين م ـراً‬ ‫تقريب ـاً‪ ،‬تعلوهــا نافــذة دائــرة‪ ،‬وهــي النافــذة‬ ‫الــي تقــول الروايــات التارخييــة أهنــا كانــت‬ ‫تســتخدم إلن ـزال الطعــام للمرضــى العشــرة‬ ‫الذيــن كانـوا مصابــن بالــرص‪ ،‬وتُركـوا فيهــا‬ ‫كحجــر صحــي‪.‬‬ ‫أمــا الشــطر الثــاين‪ ،‬فقاعتهــا املبنيــة منــذ‬ ‫ألــف ومخــس مائــة عــام تقريب ـاً‪ ،‬وهبــا كرســي‬ ‫املط ـران املنحــوت مــن حجــارة علــى شــكل‬ ‫رأســن ألســدين‪ ،‬جيلــس عليــه الكاهــن‬ ‫خــال مواعظــه الدينيــة‪ ،‬وجب ـواره اهليــكل‪،‬‬ ‫وهــو قســم تفصــل عنــه القاعــة حواجــز يف‬ ‫أعالهــا اثنــي عشــرة نافــذة صغــرة‪ ،‬ترمــز إىل‬ ‫عــدد تالميــذ الســيد املســيح‪ ،‬وال يســمح‬ ‫للنســاء بدخوهلــا وال حــى الســائحات‪،‬‬ ‫وهــو خمصــص يف األصــل للكاهــن‪ ،‬حــى‬ ‫أن أرضيتــه ال تنظــف إال مــن قبــل الرجــال‪،‬‬ ‫وعلــى حجارتــه اخلارجيــة كانــت هنــاك‬ ‫كتابــات قدميــة‪.‬‬ ‫فيمــا يعــد اجلــزء الثالــث مغــارة مفتوحــة‪ ،‬يف‬

‫الركــن الشــرقي للكنيســة‪ ،‬كانــت تســتخدم‬ ‫كمدرســة لتعليــم األطفــال‪ ،‬تعلوهــا قنطــرة‪.‬‬ ‫أمــا األس ـوار اخلارجيــة فقدميــة‪ ،‬ويعــود‬ ‫تاريــخ تشــييدها إىل ألــف ومخســمائة ســنة‪،‬‬ ‫كذللــك جرســها احلــايل ونافذهتــا الدائريــة‬ ‫مــا زالتــا علــى حالتهمــا منــذ مــا قبــل العــام‬ ‫‪.1948‬‬ ‫الكنيســة رغــم أمهيتهــا تعــاين قلــة يف عــدد‬ ‫الســياح‪ ،‬وخباصــة يف االنتفاضــة احلاليــة‪،‬‬ ‫كمــا أن بعدهــا عــن املركــز‪ ،‬جعلهــا مهمشــة‬ ‫رغــم أمهيتهــا الدينيــة والتارخييــة‪.‬‬ ‫ووفــق وكيلهــا نايــف قحــاز‪ ،‬مل تأخــذ‬ ‫الكنيســة حقهــا‪ ،‬واصبــح النــاس يهتمــون هبــا‬ ‫منذ فرتة العشـرين ســنة املاضية‪ ،‬ويأيت إليها‬ ‫املســيحيون مــن القــرى اجملــاورة يف مناســبات‬ ‫دينيــة‪.‬‬ ‫رممــت الكنيســة علــى ثــاث مراحــل‪ ،‬األوىل‬ ‫يف العــام ‪ ،1950‬مــن قبــل البطريركيــة‪،‬‬ ‫والثانيــة يف الثمانينيــات‪ ،‬والثالثــة يف العــام‬ ‫‪■.2003‬‬

‫كنيسة برقني والعرشة الربص‬

‫‪17‬‬


‫ريبورتاج‬ ‫صحفي‬ ‫يزن جرار‬

‫رحلة سياحية اىل مصنع فخار جبع‬

‫أنامــــل فخاريـــــــة ومنتجـــــــات فخريــــــة‬ ‫يف االيــام االوىل مــن شــهر كانــون‬ ‫االول لســنة ‪ 2011‬وصــل‬ ‫جمموعــة مــن الســياح اىل مصنــع الفخــار‬ ‫(الفاخــورة) يف قريــة جبــع ‪-‬جنــوب مدينــة‬ ‫جنــن‪ ،-‬جــاؤوا لكــي يســتمتعوا مبشــاهدة‬ ‫االلة الســحرية‪ ،‬اليت مسعوا عنها من أصدقاء‬ ‫هلــم ســبق وأن شــاهدوها‪ ،‬أو رمبــا قــرؤوا عنهــا‬ ‫يف بعــض الصحــف‪ ،‬فهــم قطع ـوا مســافات‬ ‫طويلــة ملشــاهدة تلــك اآللــة العجيبــة‪.‬‬ ‫قــد يشــدُّك الفضــول ملعرفــة هــذه اآللــة‪ ،‬ورمبــا‬ ‫قــد تســتغرب عنــد معرفتــك هلــا‪ ،‬وتســأل‬

‫ف‬

‫أنامل فخارية ومنتجات فخرية‬

‫‪18‬‬

‫نفســك مســتغربا‪ ،‬هــل تســتحق كل هــذا‬ ‫االســم؟‪.‬‬ ‫بالرغــم مــن بســاطة مكونــات هــذه االلــة‪ ،‬إال‬ ‫اهنــا تعتــر ســحرا حبــد ذاتــه‪ ،‬بالنســبة للســائح‬ ‫او املتفرج‪ .‬حيث تتكون هذه االلة السحرية‬ ‫مــن لوحــن دائريــن‪ ،‬أحدمهــا مــن اخلشــب‬ ‫والثــاين مــن املعــدن‪ ،‬وقضيــب معــدين يربــط‬ ‫اللوحــن معــا‪ ،‬وتســمى «الــدوالب»‪.‬‬ ‫هــذه االلــة الــي تزامــن وجودهــا مــع وجــود‬ ‫صناعــة الفخــار‪ ،‬اســتخدمت منــذ الفــي‬ ‫ســنة لنفــس الغــرض‪ ،‬وتســتخدم االن‪ ،‬ومل‬


‫ابالــغ حــن أؤكــد اهنــا ســتظل رم ـزا لصناعــة‬ ‫الفخــار وتســتخدم بعــد الفــي ســنة للغــرض‬ ‫ذاتــه‪ ،‬فهــي الشــي الوحيــد الــذي ال ميكــن أن‬ ‫يتغــر‪ ،‬يف هــذه احلرفــة‪ ،‬فعــا هــي تســتحق‬ ‫ان تدعــى االلــة الســحرية‪ ،‬ملــا هلــا مــن حركــة‬ ‫أنيقــة وسلســة‪ ،‬متاشــي حركــة يــدي احلــريف‬ ‫الــذي يســتخدمها‪ .‬فالســياح الذيــن أتـوا مــن‬ ‫أغلــب بقــاع األرض ليشــاهدوها هــم حمقــون‬ ‫بذلــك‪.‬‬ ‫التــف اجلميــع حــول الــدوالب‪ ،‬وجلس ـوا‬ ‫ينتظــرون املفاجــأة‪ ،‬ويراقبــون حــركات احلــريف‬ ‫الــذي يديــر هــذا الــدوالب‪ ،‬ويتحكــم بــه كمــا‬ ‫يقــود ســائق املركبــة احملــرف مركبتــه‪ ،‬فاحلــريف‬ ‫مجــال فاخــوري يتمتــع خبفــة يــد واحرتافيــة‪،‬‬ ‫كمــن ســبقوه مــن أســافه وأجــداده‪ ،‬الذيــن‬ ‫جلسـوا خلــف هــذا الــدوالب قبلــه‪ ،‬وهــم مــن‬ ‫علمــه هــذه احلرفــة‪ ،‬فــا حيــق لنــا ان ننســى‬ ‫فضــل هــؤالء الرجــال يف متجيــد ال ـراث‬ ‫الفلســطيين‪.‬‬ ‫مل يســتغرق فاخــوري وقتــا طويــا‪ ،‬يف جتهيــز‬ ‫امل ـواد الــي سيشــكل منهــا القطــع الفخاريــة‪،‬‬ ‫جلس خلف دوالبه ليقدم امتحانه‪ ،‬ويكمل‬ ‫مــا جــاء الســياح مــن أجلــه‪ .‬بالرغــم مــن خــرة‬ ‫ثالثــن عامــا او اكثــر‪ ،‬اال ان فاخــوري انتابــه‬ ‫نوع من اخلوف والرهبة‪ ،‬فسوف حيرص على‬

‫عجــب املتفرجــون مبــا قدمــه مــن صنــع‪.‬‬ ‫أن يُ َ‬ ‫امتــدت أنامــل فاخــوري برجفــة خفيفــة اىل‬ ‫قطعــة الصلصــال املوضوعــة علــى الــدوالب‪،‬‬ ‫ـدوره لتشــكيل‬ ‫وبــدأ بــركل قاعــدة الــدوالب ليـ ّ‬ ‫قطــع ال َف ْخــر وال َف َّخــار‪.‬‬ ‫يــدور الــدوالب ويبــدأ يســتذكر القصــص الــي‬ ‫حاكهــا مــن جلسـوا خلفــه علــى مــر الســنني‪،‬‬ ‫فقــد ت ـواىل عليــه منــذ دورتــه األوىل عش ـرات‬ ‫الرجــال العظمــاء‪ ،‬الذيــن تركـوا بصماهتم على‬ ‫ال ـواح اخلشــب‪ ،‬والصق ـوا كلمــات أحاديثهــم‬ ‫الريفيــة البســيطة‪ ،‬يف آذان أعمــدة املــكان‬ ‫وجدرانــه‪.‬‬ ‫بينما كان فاخوري منهمكا يف اهناء تشكيل‬ ‫القطــع الفخاريــة‪ ،‬وســط اصغــاء وصمــت‬ ‫مطبقــن‪ ،‬وصــل اىل حالــة مــن التأرجــح بــن‬ ‫الرهبــة واالســتمتاع مبــا يصنــع‪ ،‬فكعادتــه حيــرك‬ ‫اصابعــه ويلــف يديــه حــول عمــود الصلصــال‬ ‫(الطــن) ويكبلــه بقــوة لكــي ال يفلــت مــن‬ ‫قبضتــه‪ ،‬مســتخدما اصابــع يــده العشــر‪،‬‬ ‫فلــكل اصبــع وظيفتــه الــي تزيــد مــن مجــال‬ ‫التحفــة الفنيــة‪ ،‬وتضفــي عليهــا رونقــا ومجــاال‬ ‫ال يوصــف‪.‬‬ ‫لقــد اســتطاع فاخــوري ان يشــوق املتفرجــن‬ ‫ملــا أرادوا أن يصلـوا اليــه‪ ،‬النــه قــرر ان يصنــع‬ ‫قطعــة تأخــذ وقتــا أطــول غريهــا‪ ،‬فقــد غاصـوا‬ ‫أنامل فخارية ومنتجات فخرية‬

‫‪19‬‬


‫يف أفكارهــم بــن أصابــع يديــه‪ ،‬والتصقــت‬ ‫أعينهــم يف قطعــة «الطــن» الرطبــة‪ ،‬برتكيزهــم‬ ‫وحتديقهــم‪ ،‬يفكــرون فيمــا ينــوي أن يصنــع‪.‬‬ ‫مــن أول ركلــة للــدوالب‪ ،‬اىل اخــر ركلــة‪ ،‬كان‬ ‫صــوت احلشــد أخفــى مــن دبيــب النمــل‪،‬‬ ‫مــن شــدة صمتهــم‪ ،‬انتهــى فاخــوري ممــا‬ ‫يصنــع‪ ،‬مل يكــد يضــع القطعــة علــى اللــوح‬ ‫جبانبــه حــى انطلقــت تصف ـرات كامرياهتــم‬ ‫وبريــق أضوائهــا‪ ،‬وخيمــت علــى املــكان حالــة‬ ‫مــن الذهــول واالنبهــار‪ ،‬فكانــت هــذه هــي‬ ‫املفاجــأة الــي انتظروهــا‪ ،‬وقدم ـوا ملشــاهدهتا‬ ‫مــن ابعــد بقــاع االرض‪.‬‬ ‫مل تكــن ســوى جــرة مــاء‪ ،‬مرصعــة ببصمــات‬ ‫أناملــه الســحرية‪ ،‬ومعطــرة بشــيء مــن عــرق‬ ‫جبينــه‪ ،‬فخيــوط نســيجها ذات اللــون الـرايب‪،‬‬ ‫أبرقــت بلمعــان خافــت رغــم لوهنــا القــامت‪،‬‬ ‫بالنســبة لنــا كحضــارة اســامية عربيــة‪ ،‬اجلــرة‬ ‫شــيء اقــل مــن عــادي‪ ،‬فــا خيلــو أي بيــت‬ ‫فلســطيين مــن قطعــة‬ ‫فخاريــة‪ ،‬يزيــن فيهــا صاحبــه جــزءا مــن فنــاء‬ ‫بيتــه‪ ،‬او يضعهــا علــى حافــة طاولــة مكتبــه‪.‬‬ ‫لكــن بالنســبة للســياح فــإن تشــكيل هــذه‬ ‫القطعــة هــو ســحر حبــد ذاتــه‪.‬‬ ‫مــن املفاجــيء‪ ،‬أن الــزوار مل يســألوا عــن‬ ‫مصــدر قطعــة «الطــن» الــي اســتخدمها‬ ‫أنامل فخارية ومنتجات فخرية‬

‫‪20‬‬

‫يف تشــكيل التحفــة الفخاريــة‪ ،‬لكنهــم بــدأوا‬ ‫ينهالــون باألســئلة عــن مصــر هــذه التحفــة‪،‬‬ ‫فمــا شــغل باهلــم هــو معرفــة أيــن ســتذهب‪،‬‬ ‫كمــا كان حلمهــم الوحيــد يف تلــك اللحظــة‬ ‫هــو امتــاك حتفــة فنيــة مثلهــا‪.‬‬ ‫لكن فاخوري أجلمهم موضحا هلم أن هناك‬ ‫عــدة مراحــل تتبــع هــذه املرحلــة‪ ،‬فمرحلــة‬ ‫التجفيف‪ ،‬واإلعداد ملرحلة الحقة‪ ،‬تستغرق‬ ‫مــدة شــهر علــى األقــل‪ ،‬كمــا أن هنــاك حمطــة‬ ‫أخــرى هلــذه القطعــة‪ ،‬وهــي اخــر مرحلــة‪ ،‬يتــم‬ ‫فيهــا حــرق القطــع الطينيــة املشــكلة‪ ،‬واشــار‬ ‫فاخــوري‪ ،‬ان اجلــرة الــي ســرقت انظارهــم مل‬ ‫تصبــح حتفــة فنيــة بعــد‪.‬‬ ‫مل ينتظــر احــد الضيــوف انتهــاء فاخــوري‬ ‫مــن حديثــه‪ ،‬وقاطعــه طالبــا رؤيــة القطــع‬ ‫اجلاهــزة الــي حيلــم أي شــخص أجنــي مســع‬ ‫عــن فلســطني‪ ،‬أن يقتــي جمموعــة منهــا‪ ،‬مل‬ ‫يتـواىن فاخــوري عــن حتقيــق مطالــب ضيوفــه‪،‬‬ ‫ولــى هلــم رغباهتــم‪ ،‬ليزيدهــم بذلــك مــن كــرم‬ ‫فلســطني‪ ،‬وطيــب قريتــه جبــع الــي نزلـوا فيهــا‬ ‫ضيوفــا‪.‬‬ ‫وقبــل هنايــة جولتهــم الســياحية‪ ،‬أخــذ كل‬ ‫منهــم صــوره التذكاريــة‪ ،‬الــي رمســت بأيــدي‬ ‫فلســطينية ‪ ،‬كمــا ابتــاع كل منهــم مــا يلزمــه‬ ‫مــن تراثنــا الــذي نفخــر بــه‪■.‬‬


‫جمال فاخوري‪ :‬آثرت حرفة أجدادي على إكمال تعليمي‬ ‫مــن أقــدم ممارســات اإلنســان‬ ‫العمليــة اســتخدامه ال ـراب‬ ‫وتشــكيل الفخــار مــن الطــن‪ ،‬والفخــار مــن‬ ‫أقــدم املكتشــفات األثريــة عنــد اإلنســان‪،‬‬ ‫وعلمــاء اآلثــار يــرون يف هــذه املــادة ثــروة‬ ‫وثائقيــة حتكــي أقــدم األحــداث اإلنســانية‬ ‫عــر التاريــخ‪.‬‬ ‫ومــع ظهــور التطــور يف الصناعــات بــدأت‬ ‫حرفــة صناعــة الفخــار تشــهد تراجعــا‬ ‫ملحوظــا‪ ،‬لكــن عــددا بســيطا مــن احلرفيــن‬ ‫املهــرة مــا زال حيــارب مــن أجــل بقــاء حرفتــه‬ ‫وحرفــة أجــداده‪ ،‬ومــن هــؤالء احلرفيــن مجــال‬ ‫حممــد فاخــوري مــن قريــة جبــع‪.‬‬ ‫ظهــرت صناعــة الفخــار يف جبــع بعــد جمــيء‬ ‫عائلــة الفاخــوري مــن ســيناء املصريــة اىل‬ ‫الضفــة الغربية‪،‬وذلــك قبــل ح ـوايل ‪200‬‬ ‫عــام‪ ،‬حيــث تفــرع أبنــاء العائلــة اىل فرعــن؛‬ ‫الفــرع األول منهــم ســكن يف اخلليــل والثــاين‬ ‫ســكن يف جبــع وهــم أجــدادي‪ ،‬حيــث تزامــن‬

‫م‬

‫بــدء هــذه الصناعــة يف جبــع مــع جمــيء العائلــة‬ ‫قبــل ‪ 200‬عــام‪.‬‬ ‫أمــا بالنســبة إلســم عائلــة الفاخــوري‪ ،‬فإنــه‬ ‫ينســب بالطبــع إىل صناعــة الفخــار‪.‬‬ ‫قدميــا كانــت القطــع الفخاريــة تصنــع‬ ‫لالستعمال املنزيل اليومي‪ ،‬حيث كان الناس‬ ‫يســتعملون قطــع الفخــار لألغ ـراض التاليــة‪:‬‬ ‫الزيــر وإبريــق الشــرب لتخزيــن امليــاه وتربيدهــا‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫القــدرة والطناجــر الفخاريــة للطبــخ‪ ،‬الزبــادي‬ ‫واملغاطيــس تســتخدم يف املطبــخ‪ ،‬ال ُقجــة‬ ‫الفخار حرفة وصناعة‬

‫‪21‬‬


‫حلفــظ النقــود‪ ،‬وغريهــا‪...‬‬ ‫أمــا حديثــا فالقطــع الفخاريــة تســتخدم يف‬ ‫الغالب للزينة‪ ،‬فقليال ما جند أحدا يستخدم‬ ‫الفخــار لألغ ـراض املنزليــة‪ ،‬وأصبــح الفخــار‬ ‫يعترب شــكال من أشــكال الرتاث الفلســطيين‪.‬‬ ‫ختتلــف حرفــة الفخــار عــن مجيــع احلــرف‬

‫والصناعــات األخــرى‪ ،‬حيــث يتــم تعلمهــا‬ ‫بالوراثــة‪ ،‬فــا ميكــن للمتعلــم إتقاهنــا إال إذا‬ ‫تعلمهــا يف صغــره‪ ،‬حيــث يبــدأ مــن عمــر‬ ‫مثانيــة أع ـوام‪ ،‬وميــارس احلرفــة حتــت إش ـراف‬ ‫أبيــه وجــده‪ ،‬وحيتــاج مخســة أع ـوام إلتقاهنــا‪،‬‬ ‫«وبالنســبة يل فلــم أكمــل تعليمــي وآثــرت‬ ‫تعلــم حرفــة أجــدادي علــى التعليــم األكادميي‬ ‫فأتقنــت هــذه احلرفــة حــن كان عمــري ثالثــة‬ ‫عشــر عامــا» كمــا يقــول مجــال فاخــوري‪.‬‬ ‫هنــاك نوعــان مــن الرتبــة املســتخدمة مهــا ‪:‬‬ ‫و»الســمكة احلم ـرا»‪ ،‬يتــم‬ ‫مهــري»‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫«الز َ‬ ‫خلطهمــا ومزجهمــا معــا بطريقــة تســمى‬ ‫الفخار حرفة وصناعة‬

‫‪22‬‬

‫«التصويــل»‪ ،‬وهــذه الطريقــة تســتخدم إلزالــة‬ ‫احلصــى والش ـوائب مــن الرتبــة‪ ،‬حيــث يتــم‬ ‫بعــد مــزج الرتبتــن جتميــع اخلليــط اخلــاص‬ ‫املكــون مــن املــاء وال ـراب يف حــوض كبــر‪،‬‬ ‫ليــرك مــدة ســنة كاملــة ليتخمــر ويصبــح طينــة‬ ‫جاهــزة للتصنيــع‪.‬‬ ‫بعد ختمر الطني وجتهيزه‪ ،‬نقوم بعجن الكمية‬ ‫الالزمــة‪ ،‬إمــا يدويــا (الع ـراك) أو باســتخدام‬ ‫آلــة خاصــة ختــرج الطــن علــى شــكل أعمــدة‪،‬‬ ‫بعــد ذلــك يتــم معاجلــة أعمــدة الطــن علــى‬ ‫الــدوالب إلخ ـراج الشــكل النهائــي للقطــع‬ ‫الفخاريــة‪.‬‬ ‫وتــرك هــذه القطــع مــدة أســبوع لتجفيفهــا‬ ‫يف جــو مالئــم بعيــدا عــن اهل ـواء وأشــعة‬ ‫الشــمس‪ ،‬وبعــد جتفيفهــا يتــم إدخاهلــا اىل‬ ‫الفــرن «التنــور» مــدة أســبوع كامــل حلرقهــا‪،‬‬ ‫حيــث تصــل درجــة حـرارة الفــرن اىل ‪1000‬‬ ‫درجــة مئويــة‪.‬‬ ‫يقــول مجــال فاخــوري «االنتفاضــة تركــت أثـرا‬ ‫ســلبيا علــى مجيــع الصناعــات الفلســطينية‪،‬‬ ‫وليس على صناعة الفخار وحدها’ فالوضع‬ ‫االقتصــادي تراجــع بعــد بــدء االنتفاضــة لعــدم‬ ‫قدرتنــا علــى التصديــر اىل خــارج الضفــة‪،‬‬ ‫فقبل االنتفاضة كنا نصدر اىل خارج الضفة‬ ‫وبالــذات اىل اسـرائيل»‪■.‬‬


‫الفخار حرفة وصناعة‬

‫‪23‬‬


‫حريش حقيقة أم خيال؟!‬ ‫كالجنــدي الرابــض يف معســكره ال‬ ‫يتزحــزح قيــد امنلــة‪ ،‬وكشــجرة‬ ‫الصنوبــر املتجــذرة يف رحــم االرض‪ ،‬وكالنــر الذي‬ ‫يعانــق الســاء فــوق القمــة الشــاء‪ ،‬يجثــم مقام‬ ‫«حريــش» بحجارتــه القدميــة ومســاحات الرتبــة‬ ‫الحم ـراء الخصبــة التــي تبــث الحيــاة يف كل مــا‬ ‫هــو كائــن فــوق خامــس اعــى قمــة للجبــال يف‬ ‫فلســطني‪،‬هو جبــل «حريــش»‪.‬‬ ‫الجبــل الــذي يقــع شــال رشق بلــدة جبــاع قضاء‬ ‫جنــن‪ ،‬ويرتفــع قرابــة ‪764‬مــرا فــوق ســطح‬ ‫البحر‪،‬يقــف حــدا فاصــا بــن ارايض بلــديت جبــع‬ ‫وميثلــون قضــاء املحافظــة ذاتهــاويف الســياق ذاته‬ ‫يعــزو محمــود خليليــة ســبب تســمية الجبــل‬ ‫بهــذا االســم فيقول»ســمي جبــل حريــش بهــذا‬ ‫االســم نســبة اىل مقــام ويل اللــه حريــش الــذي‬ ‫مــات ودفــن هنــاك»‪.‬‬ ‫ماجــد فاخوري(‪)45‬عامــا مــن بلــدة جبــع يرجــع‬ ‫بذاكرتــه اىل الــوراء ليســتذكر مــا رواه والــده لــه‬ ‫حــول املقــام فيقول»للمقــام روايــة يعرفها معظم‬ ‫اهــايل البلــدة‪ ،‬وهــي ان مــا يقــال لــه ويل اللــه‬ ‫ســكن البلــدة واختــه حرشــة يف مغــارة قدميــة يف‬ ‫وســط البلــدة» مضيفــا انــه وبســبب ريبــة اهــل‬ ‫القريــة مــن ترصفاتــه‪ ،‬وال ســيام انــه كان خفيــف‬ ‫العقــل حســب تعبــره‪ ،‬وايضــا خــروج اغنامــه‬ ‫ورجوعهــا اىل البيــت وحدهــا االمــر الــذي زاد‬ ‫مــن دائــرة الشــكوك حولــه‪ ،‬مــا افقــد الجميــع‬ ‫صوابهــم‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫حريش حقيقة أم خيال؟‬

‫ك‬

‫أ من‬ ‫عل‬ ‫ى‬ ‫ج‬ ‫ب‬ ‫ال‬

‫جنين‬

‫وهموا للجزم بالحقيقة‪ ..‬اهو ويل ام ماذا؟‪.‬‬ ‫فــادي فشافشــة (‪ )35‬عامــا يعلــق عــى الروايــة‬ ‫مقتبســا مــن روايــة احــد العجائــز لــه قائال»جمع‬ ‫اهــايل البلــدة الحطــب يف وســط البلــدة‪ ،‬وقيــدوا‬ ‫حريــش ومــن ثــم القــوه وســط النــار‪ ،‬ليتحــول‬ ‫فجــأة ايل طــر اخــر ويفــر ليعتــي اســطح احــد‬ ‫املبــاين القدميــة والعاليــة انــذاك ويدعــو بالــر‬ ‫عــى اهــايل القريــة‪ ،‬ليطــر بعدهــا اىل الجبــل‬ ‫الــذي ســمي عــى اســمه»‪.‬‬ ‫بعكازتهــا التــي تتكــئ عليــه ويداهــا الخشــنتان‬ ‫تعــر الحاجــة متــام ســامه عــن حزنهــا الشــديد‬ ‫ملــا حصــل مــع «ويل اللــه حريــش»‪ ،‬مشــفقة يف‬ ‫الوقــت ذاتــه عــى اختــه التــي همــت مرسعــة‬ ‫خلــف اخيهــا الطائــر اىل قمــة الجبلــن بعدمــا‬ ‫كانــت تحــر العجــن لتعــد الخبــز لــه‪ ،‬وتــردف‬ ‫الحاجــة بقولها»عندمــا وصلــت اختــه املقــام‬ ‫اســندت يديهــا اىل واجهتــه مــا ادى اىل التصــاق‬ ‫العجــن عليهــا حيــث لبثــت لفـرات طويلــة عــى‬ ‫الواجهــة‪.‬‬ ‫مــن جهتــه يشــكك ماجــد فاخــوري بصحــة‬ ‫الروايــة التــي ال يجــد لهــا رصيــد علمــي عــى حد‬ ‫تعبــره‪ ،‬مؤكــدا يف الوقــت ذاتــه اىل انهــا محــض‬ ‫روايــات تناقلتهــا االجيــال جيــا بعــد جيــل‪.‬‬ ‫فيــا يــرى حســن ربايعة مــن بلــدة ميثلــون(‪)45‬‬ ‫عامــا ان املقــام الــذي يعتــي قمــة الجبــل‪ ،‬كان‬ ‫قــد ســكنه العــامل املتصــوف حريــش بــن عبــد‬ ‫اللــه ابــن خليفــة الــذي مــات ودفــن هنــاك‪،‬‬


‫فســمي الجبــل باســمه‪.‬‬ ‫احمــد فشافشــة (‪ )64‬عامــا مــن يعتقــد ان‬ ‫البنــاء القائــم عــى قمــة الجبــل مــا هــو اال‬ ‫موقعــا عســكريا ســابقا منــذ العهــد العثــاين‪،‬‬ ‫مشــرا اىل انــه كان نقطــة عســكرية تــم‬ ‫بناؤهــا بشــكل يتناســب مــع االبنيــة القدميــه‬ ‫اي اشــتاملها عــى قبة‪.‬ويــردف قائال»الرســائل‬ ‫العســكرية كانــت تنتقــل مــن خــال اشــعال‬ ‫النــار عــى قمــم الجبــال املرتفعــة والتــي كانــت‬ ‫متقابلــة مــع نقــاط عســكرية اخــرى»‪.‬‬ ‫«االن لــو وقفــت عــى قمــة الجبــل لرايــت‬ ‫عــددا مــن الجبــال التــي تضــم مقامــات‬ ‫وابنيــة قديــم» هــذا مــا يقولــه الشــاب احمــد‬ ‫مرعــي‪ ،‬مؤكــدا ان جميــع الجبــال التــي يقابلهــا‬ ‫«حريــش» تحتــوي عــى ابنيــة قدميــة االمــر‬ ‫الــذي يربهــن ان البنــاء كان وســيلة للتواصــل‬ ‫بــن النقــاط العســكرية‪.‬‬ ‫الجبــل مثلــه كبقيــة جبــال فلســطني شــارك يف‬ ‫العديــد مــن املعــارك التــي وقعــت عــى ارض‬ ‫فلســطني عــى حــد قــول فاخوري‪،‬مضيفــا ان‬ ‫قــوات فــوزي القاووقجــي اجتمعــت عــى قمــة‬ ‫الجبــل‪ ،‬وجــرى التحــاق العديــد مــن الثــوار‬ ‫بالقائــد الــذي خــاض الكثــر مــن املعــارك ضــد‬ ‫االحتــال االنجليــزي‪.‬‬ ‫الجبــل الــذي يقابــل جميــع املناطــق والقــرى‬ ‫املحيطــة عــدا جبــع حســب روايــات اهــل‬ ‫البلــدة يزيــد مــن احتامليــة صحــة القصــة‬ ‫املشــهورة بــن العامــة االمــر الــذي تؤكــد صحته‬ ‫كالمــه‪.‬‬

‫مــن الجديــر ذكــره ان االحتــال االرسائيــي‬ ‫بعــد احتاللــه للضفــة الغربيــة‪ ،‬شــق طرقــا‬ ‫تــؤدي اىل املقــام‪ ،‬عــى اعتبــاران مــا يطلقون‬ ‫عليه»خريــش» هــو قائــد يهــودي مــات‬ ‫ودفــن هنــاك حســب مــا ذكرتــه ذكرتــه‬ ‫الكتــب اليهوديــة‪ ،‬مشــرين يف الوقــت ذاتــه‬ ‫انــه ميتلــك االف مــن الدومنــات تســمى‬ ‫«امــاك خريــش»‪.‬‬ ‫الروايــات كثــرة واالحاديــث عــن املقــام‬ ‫والجبــل اكرث‪،‬لــذا تبقــى القضيــة ضائعــة‬ ‫بــن الحقيقــة والخيــال‪■.‬‬

‫حريش حقيقة أم خيال؟‬

‫‪25‬‬


‫تحقيق‬ ‫صحفي‬ ‫يزن جرار‬

‫«تل دوثان» مدينة تاريخية احتوت جب يوسف‬ ‫يعتــر تــل دوثــان مــن أهــم املواقــع‬ ‫األثريــة الفلســطينية‪ ،‬وهــو مــن‬ ‫أهــم مصــادر دراســة التاريــخ الفلســطيين‬ ‫القــدمي‪ .‬يقــع التــل علــى بعــد ‪ 6‬كلــم مــن‬ ‫مدينة جنني (‪ 2‬كلم عن بلدة عرابه) جرت‬ ‫فيه بعض احلفريات العلمية يف اخلمســينيات‬ ‫والســتينيات مــن القــرن العش ـرين مببــادرة مــن‬ ‫املدرســة األمريكيــة لألحبــاث الشــرقية‪.‬‬ ‫توصلــت نتائــج هــذه احلفريــات إىل الكشــف‬ ‫عــن تـوايل تتابــع ســكين يف املوقــع نفســه مــن‬ ‫‪ 19‬حقبــة تارخييــة رئيســية‪ ،‬حيــث أنتجــت‬

‫ي‬

‫تل دوثان وجب يوسف‬

‫‪26‬‬

‫الرتاكمــات هــذا التــل الكبــر‪ ،‬وكان مــن أهــم‬ ‫تلــك الفـرات هــي الفــرة الربونزيــة الكنعانيــة‪،‬‬ ‫فكانــت إحــدى أهــم املمالــك الكنعانيــة‬ ‫احلصينــة يف فــرة العصــور الربونزيــة‪ ،‬وقــد‬ ‫مت العثــور علــى أعــداد هائلــة مــن األدوات‬ ‫والقطــع األثريــة يف هــذا املوقــع‪،‬‬ ‫والــي يف معظمهــا إمــا ص ـ ّدر للخــارج أو‬ ‫موجود يف املتحف الفلسطيين يف القدس أو‬ ‫عمــان يف جبــل القلعــة‪ .‬وكانــت‬ ‫يف متحــف ّ‬ ‫متــر مــن هــذا املوقــع؛ الطريــق الــي تقطــع‬ ‫أواســط البــاد مــن مشاهلــا إىل جنوهبــا مث إىل‬


‫ســيناء فمصــر‪ ،‬وذكــر أن ســيدنا يوســف يومــن يف هــذا املــكان اجلديــد مــن اجلبــل‪،‬‬ ‫ـب مــن حــى يصــل إىل قطــع أثريــة مهمــا كان نوعهــا‬ ‫(عليــه الســام) ألقــي فيــه‪ ،‬أي اجلُـ ُّ‬ ‫قبــل إخوتـ ِـه‪ ،‬ويعــرف حاليًّــا بـ(نبــع احلفــرة)‪ ،‬ومثنهــا‪.‬‬ ‫متامــا لتــل دوثــان‪ ،‬وكان ذلــك‬ ‫وهــو جمــاور ً‬ ‫حســب الروايــات التارخييــة ســنة ‪1678‬‬ ‫ق‪.‬م‪ .‬وقصتــه مشــهورة ذكرهــا القـران الكــرمي‬ ‫يف ســورة يوســف‪.‬‬ ‫يف تلــك التلــة «دوثــان» الواقعــة علــى أطـراف‬ ‫قريــة بــر الباشــا غــرب مدينــة جنــن‪ ،‬رجــل‬ ‫تبــدو عليــه مالمــح الكهولــة‪ ،‬حيفــر بفــأس‬ ‫أمســك بكلتــا يديــه يف أرض اجلبــل الوعــرة‪ ،‬ويعــزو حممــود تنقيبــه عــن االثــار اىل ضيــق‬ ‫تبــدو علــى ذلــك الرجــل عالئــم الفقــر‪ ،‬ملــا احلــال وعســر املعيشــة‪ ،‬فيؤكــد بأنــه أب‬ ‫يلبســه مــن ثيــاب رثــة‪ ،‬وحليــة غــر مشــذبة‪ ،‬خلمســة أطفــال‪ ،‬ولــدان وثــاث بنــات‪ ،‬وهــو‬ ‫ذلــك الرجــل ينحــدر يف أصولــه لبلــدة قباطيــة عاطــل عــن العمــل منــذ فــرة وجيــزة‪ ،‬وبالــكاد‬ ‫قضــاء جنــن‪ ،‬مل يكــن حيفــر ليــزرع األرض‪ ،‬يســتطيع تأمــن قــوت يومــه ألوالده وعائلتــه‪،‬‬ ‫فــأرض اجلبــل وعــرة وغــر صاحلــة للزراعــة‪ ،‬بــل فوجــد يف هــذا العمــل ضالتــه بعــد ســنني‬ ‫كان يبحــث عمــا تبقــى مــن آثــار تارخييــة يف طويلــة مــن الضيــق والفقــر املدقــع‪.‬‬ ‫«هــؤالء البســطاء يبحثــون عــن اآلثــار لكــي‬ ‫تلــك املنطقــة بطــرق بدائيــة تقليديــة‪.‬‬ ‫يرتدد حممود على اجلبل منذ فرتات‪ ،‬لكنه مل يعيشوا‪ ،‬ويبيعوهنا لتجار فلسطينيني مهتمني‬ ‫يفلــح يف العثــور علــى مــا جــاء مــن أجلــه هــذه جبمــع القطــع األثريــة الذيــن بدورهــم يبيعوهنــا‬ ‫املرة‪ ،‬لكنه يؤكد أنه يف املرات السابقة‪ ،‬وجد للطــرف اإلسـرائيلي»‬ ‫قطعــا أثريــة تقــدر مبئــات الشـواقل‪ ،‬يف منطقــة هبــذه الكلمــات وصــف بســام أحــد رعــاة‬ ‫أخــرى قريبــة مــن اجلبــل‪ ،‬ويضيــف حممــود‪ ،‬األغنام باملنطقة ما جيري من عمليات حبث‬ ‫وهــو ميســح العــرق عــن جبينــه‪ ،‬ويتكــؤ علــى عــن اآلثــار‪ ،‬ويؤكــد بســام بأنــه خــال تواجــده‬ ‫فأســه بأنــه ســيواصل احلفــر الــذي بــدأه منــذ يف املنطقــة يلمــح أعــداداً تتزايــد تدرجييـاً‪ ،‬مــن‬ ‫تل دوثان وجب يوسف‬

‫‪27‬‬


‫املنقبــن عــن اآلثــار‪ ،‬ومجعهــا وإخفائهــا يف‬ ‫أكيــاس حبوزهتــم‪.‬‬ ‫ويضيــف بســام بــأن الظاهــرة يف انتشــار‬ ‫الفــت‪ ،‬منــذ هــدوء االنتفاضــة الثانيــة‪ ،‬وعــودة‬ ‫العالقــات أفضــل مــن الســابق مــع اجلانــب‬ ‫اإلسـرائيلي‪ ،‬حيــث يشــر بســام إىل إمكانيــة‬ ‫أي فلســطيين بالدخــول إىل املناطــق احملتلــة‬ ‫عــام ‪ 48‬والتعــرف علــى اليهــود‪ ،‬مــن ه ـواة‬ ‫مجــع القطــع األثريــة واالحتفــاظ هبــا‪.‬‬ ‫حــى هــؤالء البســطاء يســرقون بعضهــم‬ ‫البعــض‪ ،‬وكأن األمــر أشــبه بروايــة بوليســية‪،‬‬ ‫فيفيــد رمــزي بــأن جمموعــة مــن قريــة بــر الباشــا‬ ‫تغــر علــى أماكــن التنقيــب عــن اآلثــار‪ ،‬قبــل‬ ‫أن يكتمــل احلفــر‪ ،‬ليكمل ـوا بدورهــم احلفــر‬ ‫ويســتخرجوا القطــع األثريــة إن وجــدت‪،‬‬ ‫قبــل عــودة األشــخاص الســابقني إىل مــكان‬ ‫احلفــر‪.‬‬ ‫ويشــر التاجــر عطــا‪ ،‬بأنــه يشــري القطــع‬

‫تل دوثان وجب يوسف‬

‫‪28‬‬

‫األثريــة خمتلفــة األنـواع واألحجام واملواصفات‬ ‫مــن املنقبــن الذيــن يعثــرون عليهــا‪ ،‬بأســعار‬ ‫زهيــدة مقارنــة بالســعر الــذي يبيعهــا فيــه إىل‬ ‫تاجــر فلســطيين أكــر منــه حجمــا وث ـراءا‪.‬‬ ‫وحــول األنبــاء الــي تــردد بشــأن بيــع القطــع‬ ‫األثرية للجانب اإلسـرائيلي‪ ،‬فيؤكد عطا بأن‬ ‫ال علــم لــه هبــذا األمــر‪ ،‬وبأنــه يبيعهــا لتجــار‬ ‫أكــر منــه‪ ،‬فقــط كــي يكســب لقمــة عيشــه‬ ‫ورزقــه‪.‬‬ ‫أمــا موقــف مديريــة الســياحة واآلثــار فقــد‬ ‫ترمجــه الســيد زيــاد ابــو كحيــل حيــث أفــاد‬ ‫أن منطقــة تــل دوثــان مــا ت ـزال مصنفــة‬ ‫ضمــن املناطــق «ســي» الــي ختضــع لســيطرة‬ ‫االحتــال االس ـرائيلي وأشــار أبــو كحيــل ان‬ ‫اىل تعــرض املنطقــة ألعمــال نبــش وســرقه وان‬ ‫دور وزارة الســياحه واالثــار يف هــذه املرحلــة‬ ‫يتمثــل حبمايــة املنطقــة مــن اللصــوص حــى‬ ‫زوال االحتــال هنائي ـاً‪.‬‬ ‫وبالرجــوع اىل تقاريــر أعمــال التنقيــب‬ ‫االمريكيــة يف تــل دوثــان و يف الفصــل األول‬ ‫مــن أعمــال التنقيــب مت الكشــف عــن إحــدى‬ ‫عشــرة طبقــة مــن العصــر احلجــري املتأخــر‬ ‫(‪3000‬ق‪.‬م‪ ).‬إىل العصــر احلديــدي األول‬ ‫(‪ 1200‬ـ ‪ 900‬ق‪.‬م‪ ،).‬فكشف عن سور‬ ‫مــن أوائــل العصــر الربونــزي‪ ،‬يبلــغ مسكــه ‪11‬‬


‫قدمـاً عنــد القاعــدة وتســع أقــدام عنــد القمــة‪،‬‬ ‫وارتفاعــه ســت عشــرة قدم ـاً‪ ،‬وينتصــب مــن‬ ‫اخلارج عمودياً‪ ،‬ولكنه منحدر من الداخل‪.‬‬ ‫كمــا كشــف عــن ســامل يبلــغ عرضهــا ثــاث‬ ‫عشــرة قدمـاً‪ ،‬وتتكــون مــن مثــاين عشــرة درجــة‬ ‫خــارج ســور املدينــة‪ ،‬ويظــن أهنــا كانــت تــؤدي‬ ‫إىل الينابيــع واآلبــار‪ ،‬ووجــد يف الطبقــة الــي‬ ‫ترجــع إىل منتصــف العصــر الربونــزي ‪ ،‬هيــكل‬ ‫عظمــي لطفــل عمــره ســنتان‪ ،‬دفــن مــع جرتني‬ ‫صغريتــن وإبريقــن صغرييــن‪.‬‬ ‫ويرجــع الباحثــون املختصــون أن الطفــل‬ ‫املدفــون حتــت زاويــة ســور كبــر قــدم كقربــان‬ ‫لآلهلــة عنــد تدشــن الســور‪ ،‬وأســفر التنقيــب‬ ‫يف الفصــل األول أيضـاً عــن العثــور علــى حنــو‬ ‫أربعمائــة قطعــة أثريــة تشــمل أســلحة مــن‬ ‫الصـوان‪ ،‬وســرجاً‪ ،‬وطواحــن يدويــة‪ ،‬وأثقــاالً‬ ‫للنــول‪ ،‬وأســلحة برونزيــة‪ ،‬ويــد جــرة عليهــا‬ ‫ختم «جعران»من عصر اهلكسوس‪ ،‬وعدداً‬ ‫مــن اجل ـرار الســليمة‪ .‬واألواين والطاســات‪.‬‬ ‫ورَّكــز التنقيــب األمريكــي علــى قمــة التــل‪،‬‬ ‫فوجــد يف منطقــة القلعــة مصابيــح وعمــات‬ ‫إغريقيــة‪ ،‬وأيــاد «ج ـرار» رودســية منقــوش‬ ‫عليهــا باليونانيــة كمــا أن طبقــة العصــر‬ ‫احلديــدي قــرب احلافــة‪ ،‬كشــفت عــن «دن»‬ ‫أو»طســت» مــن العصــر احلديــدي األول لــه‬

‫أربــع عشــرة يــداً‪ ،‬وكذلــك عــن إنــاء أشــوري‬ ‫كبــر مــن العصــر احلديــدي الثــاين‪ ،‬وهــو‬ ‫مبثابــة دليــل صامــت علــى الغــزوات األشــورية‬ ‫يف القــرن الثامــن للميــاد‪.‬‬ ‫وعــن تاريــخ التنقيبــات األثريــة يف تــل دوثــان‬ ‫يقــول عمــر عـزام‪ ،‬موظــف يف وزارة الســياحة‬ ‫واالثــار جبنــن «أســفر التنقيــب عــام ‪1955‬‬ ‫عــن الكشــف جــزء مــن ســوق مــن العصــر‬ ‫احلديــدي الثــاين الــذي كان عبــارة عــن‬ ‫شــارع متوســط عرضــه أربعــة أقــدام‪ ،‬وميتــد‬ ‫طوي ـاً‪ ،‬حيــث وصــل التنقيــب يف ‪1956‬م‬ ‫إىل الكشــف عــن أكثــر مــن مائــة قــدم مــن‬ ‫امتــداده‪ ،‬وال ت ـزال البيــوت الــي حتيــط بــه‬ ‫مــن اجلانبــن قائمــة وموجــودة بارتفــاع ســبع‬ ‫أقــدام يف بعــض األماكــن‪ ،‬كمــا وجــدت علبــة‬ ‫للمجوهـرات حتتــوي علــى مخــس عشــرة قطعــة‬ ‫معدنيــة‪ ،‬أغلبهــا مــن اخلـوامت واألقـراط الفضيــة‬ ‫واألســاور وغريهــا مــن احللــي»‪.‬‬ ‫تل دوثان وجب يوسف‬

‫‪29‬‬


‫ويشــر ع ـزام اىل انــه يف ‪ 1956‬مت العثــور‬ ‫علــى بقايــا مدينــة مــن العصــر احلديــدي ‪،‬‬ ‫والدالئل فيها تشري اىل تدمريها بفعل حريق‬ ‫كبري‪،‬وقــد كشــف اختبــار الكربــون املشــع‬ ‫لقطعــة خشــب متفحمــة علــى أهنــا ترجــع ايل‬ ‫‪ 725 - 885‬ق ‪ .‬م‪ ،‬حبســب مــا أكــده‬ ‫علمــاء جامعــة كولومبيــا األمريكيــة‪ ،‬كمــا‬ ‫كشــف يف قمــة التــل عــن قصــر عــريب مكــون‬ ‫مــن ‪( 25‬مخــس وعشـرين) غرفــة حتيــط بفنــاء‬ ‫واســع‪ ،‬ويرجــع هــذا القصــر ايل ‪- 1200‬‬ ‫‪ 1400‬م ‪ .‬وهنــاك مخــس مســاحات اخــرى‬ ‫منخفضــة جمــاورة‪ ،‬كل مســاحة متثــل فنــاء ممــا‬ ‫حيمــل علــي الظــن بــأن القصــر كان يشــتمل‬ ‫علــي مائــة ومخســن غرفــة‪.‬‬ ‫أمــا يف ‪1958‬م فقــد كشــف التنقيــب عــن‬ ‫مبــي مــن طابقــن‪ ،‬وأرضيتــه مغطــاة بأل ـواح‬ ‫حجريــة‪ ،‬ولــه مداخــل مــن حجــارة منحوتــة‬ ‫جيداً‪ ،‬وبداخله حجرة متلؤها ســت وتســعني‬ ‫جرة مكسورة‪ ،‬من طراز واحد‪ ،‬وقد وجدت‬ ‫بقايــا العشـرات منهــا يف غــرف أخــرى‪ ،‬وكان‬ ‫ببعــض هــذه اجلـرار حنطــة ونــوى زيتــون‪ ،‬وأمــا‬ ‫الســنوات التاليــة فقــد شــهدت الكشــف عــن‬ ‫مبــى آخــر بــه حــوض حجــري كبــر للمــاء‬ ‫يرجــع اســتخدامه مــن قبــل اخلــدم أو احلـراس‪،‬‬ ‫وأح ـواض حجريــة يبلــغ قطــر الواحــد منهــا‬ ‫تل دوثان وجب يوسف‬

‫‪30‬‬

‫حنــو أربــع عشــرة قدم ـاً‪ ،‬وقــد وضعــت فيهــا‬ ‫ج ـرار مملــوءة بالقمــح»‪.‬‬ ‫ويكمــل كحيــل «يف هنايــة ‪1959‬م كشــف‬ ‫فصــول التنقيــب عــن ســور املدينــة ‪ -‬ويرجــع‬ ‫ايل أوائــل العهــد الربونــزي ‪ -‬يف املنحــدر‬ ‫الغريب لتل «دوثان»‪ ،‬وكذلك عثر على نفق‬ ‫ينحــدر إيل مدخــل كهــف كبــر‪ ،‬ويســتخدم‬ ‫كمقــرة‪ ،‬ويرجــع عهــده إىل عصــر القضــاة‪،‬‬ ‫وقد اهنار سقفه على أكثر من ‪ 2300‬آنية‬ ‫فخاريــة‪ ،‬منهــا مصابيــح ذات ســبع شــعالت‬ ‫علــى االقــل‪ ،‬وأكثــر مــن مخســن أداة مــن‬ ‫الربونــز‪ ،‬منهــا خناجــر ورؤس حـراب‪ ،‬وخـوامت‬ ‫وطاســات ومصباح‪ .‬وتتكون املقربة من أربع‬ ‫طوابــق تعــود لعصــور خمتلفــة مــا بــن ‪1400‬‬ ‫‪ 1100‬ق‪.‬م‪ .‬وهــي أغــى مقــرة باآلثــار‬‫التارخييــة وجــدت يف فلســطني حــى اآلن»‪.‬‬ ‫رغــم وجــود املنقبــن علــى اآلثــار‪ ،‬وتصاعــد‬ ‫عمليــات بيعهــا ووســائل نقلهــا مــن األرض‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬إال أن غالبية اجملتمع الفلسطيين‬ ‫مبــا فيهــم شــرحية املســؤولني ال ت ـزال حتتفــظ‬ ‫بعقليتهــا التقليديــة‪ ،‬فــرى يف االحتــال‬ ‫الشــماعة الــي تعلــق عليهــا ســرقات األرض‬ ‫وهتويــد حضارهتــا وأس ـرلة تارخيهــا‪ ،‬يف غفلــة‬ ‫عما جيري وراء الكواليس من عمليات سرقة‬ ‫غــر شــرعية تــودي بالوطــن إىل اهلاويــة‪■.‬‬


‫ت‬ ‫صباح اخلي ِر يا حقلَ احلكايا ِ‬ ‫ُ‬ ‫ت واألنغا ْم‪.‬‬ ‫ت والربابا ِ‬ ‫يا حقلَ النايا ِ‬ ‫صباح اخلير يا حقال ً‬ ‫باأللغام‪،‬‬ ‫يتفتح‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ت‬ ‫بالفراشا ِ‬ ‫بِقُ رُنْفُ َل ٍة‬ ‫ج الز ّ ْع َت ِر‬ ‫بأري ِ‬ ‫والنحل البر ّي‪..‬‬ ‫اب‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫بالقص ِ‬ ‫صباح اخلي ِر يا دوثان‬ ‫ُ‬ ‫هي‬ ‫دمع ٌة‪ ،‬حني ال تصافِ ُح َ‬ ‫ك‪َ ،‬‬ ‫اجلب‬ ‫ي ُد‬ ‫طفل مبلل ٌة بصو ِ‬ ‫ت ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫املرج‬ ‫اخليل التي‬ ‫بشهوة‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫تلعب في ِ‬ ‫العطش‪.‬‬ ‫وبشهو ِة‬ ‫ِ‬ ‫يا حقال ً‬ ‫ننبت فيهِ‬ ‫ُ‬ ‫وندف ُن فيهِ‬ ‫من ديوان دوثان‬ ‫للشاعر عبد السالم العطاري‬ ‫ونبعث فيهْ‪.‬‬ ‫ُ‬

‫تل دوثان وجب يوسف‬

‫‪31‬‬


‫تأمالت معمارية في‬

‫المسجد الكبير ب «جنين»‬ ‫تتجلى احلضارة العمرانية والبنائية‬ ‫يف مدينــة جنــن‪ ،‬يف أقــدم‬ ‫مســاجدها وأمجلهــا‪ ،‬حيــث يتصــدر اجلامــع‬ ‫الكبــر يف جنــن قائمــة التحــف املعماريــة‬ ‫واألثريــة ليكــون أهــم جامــع يف مدينــة جنــن‬ ‫أو علــى األرجــح يف الضفــة الغربيــة‪.‬‬ ‫يعــود جامــع جنــن الكبــر للحقبــة العثمانيــة‬ ‫يف فلســطني‪ ،‬ويقع وســط مدينة جنني مشال‬

‫ت‬

‫املسجد الكبري يف جنني‬

‫‪32‬‬

‫الضفــة الغــريب‪ .‬ويعتــر اجلامــع مــن أهــم املعــامل‬ ‫التارخييــة واألثريــة يف املدينــة‪ ،‬بــل هــو مــن أبــرز‬ ‫املعــامل التارخييــة يف احلضــارة اإلســامية يف‬ ‫فلســطني‪ .‬كمــا يعــد هــذا املســجد مــن أقــدم‬ ‫التحف املعمارية العثمانية يف البالد‪ .‬ويشار‬ ‫إىل انه يف املدينة مســجد اخر يشــبهه يدعى‬ ‫املسجد الصغري‪ .‬وهو مشابه له يف التصميم‬ ‫وفــرة البنــاء‪ ،‬كذلــك يشــبه تصميمــه جامــع‬


‫للعبــادة فحســب‪ ،‬بــل هــو ملتقــى املســافرين‬ ‫بــن الشــمال واجلنــوب مــن فلســطني إىل‬ ‫ســوريا ولبنــان‪ ،‬فقــررت أن تنشــئ مســجداً‪،‬‬ ‫هــو املســجد احلــايل ليكــون منــارة للعلــم‬ ‫ـأوى البــن الســبيل‪ ،‬وجيــد فيــه‬ ‫واإلميــان‪ ،‬ومـ ً‬ ‫الفقــر واملســكني طعامــه ومــأواه‪ ،‬فأنشــأته‬ ‫علــى مــدى عامــن يف مــكان موقــع مســجد‬ ‫إســامي صغــر بــي غــداة الفتــح اإلســامي‬ ‫للمدينــة ســنة ‪15‬ه ـ املوافــق ‪ 636‬للميــاد‪.‬‬ ‫تزيــد مســاحة اجلامــع املذكــور حالي ـاً عــن‬ ‫ثالثــة دومنــات وربــع‪ ،‬وهــي متتــد إىل القبلــة‬ ‫جنوبــا إىل مــا يعــرف ب ـ احلــوش عنــد مفــرق‬

‫اجلـزار يف عــكا واجلامــع الكبــر يف الرملــة‪.‬‬ ‫مت بنــاء املســجد يف أواخــر عهــد الســلطان‬ ‫العثمــاين املرحــوم ســليمان القانــوين يف حـوايل‬ ‫ســنة ‪974‬ه ـ املوافــق ‪ 1566‬ميالديــة‪ ،‬أي‬ ‫قبــل ح ـوايل مخســمائة عــام تقريب ـاً‪ .‬وقــد بنتــه‬ ‫الســيدة احملســنة الفاضلــة املرحومــة فاطمــة‬ ‫خاتون‪ .‬ومعىن خاتون هي السيدة الشريفة‪،‬‬ ‫وهــي كلمــة تركيــة مغوليــة األصــل‪ ،‬وهــي بنــت‬ ‫حممــد األشــرف بــن قانصــوه الغــوري‪ ،‬ســلطان‬ ‫املماليــك الــذي انتصــر عليــه الســلطان ســليم‬ ‫األول العثماين‪ ،‬يف معركة مرج دابق الشهرية‬ ‫يف مشــال حلــب الســورية يف ‪1516/8/23‬‬ ‫ميالديــة‪ .‬وفاطمــة خاتــون‪ :‬هــي زوجــة القائــد‬ ‫البوسين األصل (الال) مصطفى باشا وكلمة‬ ‫ّ‬ ‫(الال) بالرتكــي تعــي املــريب‪ ،‬وإقليــم البوســنة‬ ‫فتحــة املســلمون ســنة ‪ 1463‬للميــاد‪.‬‬ ‫مــرت الســيدة فاطمــة خاتــون مــن بلــدة‬ ‫جنــن يف رحلتهــا التارخييــة مــن لبنــان وســوريا‬ ‫مــروراً بفلســطني‪ ،‬وملــا وصلــت بلــدة جنــن‬ ‫أعجبهــا موقعهــا‪ ،‬حيــث البســاتني العامــرة‪،‬‬ ‫وامليــاه املتدفقــة ومــن حوهلــا مــرج بــن عامــر‬ ‫الشــهري بتارخيــه وخصوبــة أراضيــه‪ ،‬حيــث‬ ‫كانــت قــد أوقفــت الكثــر مــن األراضــي‬ ‫الــي مــرت‪ ،‬هبــا قــررت حينمــا وصلــت إىل‬ ‫شارعي أيب بكر وفيصل حالياً‪ ،‬مقابل باب‬ ‫موقــع املســجد احلــايل‪ ،‬ورأت أنــه ليــس مكانـاً‬ ‫ّ‬ ‫املسجد الكبري يف جنني‬

‫‪33‬‬


‫الســيباط ومــن اجلهــة الغربيــة حتــده القنــاة‬ ‫الــي كانــت تــأيت مــن أعــايل مدينــة جنــن‬ ‫مــن اجلهــة اجلنوبيــة الــي هــي معروفــة ب ـ عــن‬ ‫نيــي‪ ،‬وقــد أصبحــت اآلن حتــده حســبة‬ ‫اخلضــار املركزيــة يف وســط املدينــة بعــد أن‬ ‫جفــت قنــاة املــاء املذكــورة‪.‬‬ ‫ومــن اجلهــة الشــرقية حيــده الشــارع املتجــه‬ ‫مــن وســط مدينــة جنــن إىل مدينــة الناصــرة‬ ‫مــروراً مبدينــة العفولــة مــن أرض فلســطني‬ ‫الســليبة منــذ ســنة ‪ ،1948‬ويقابلــه مــن‬ ‫اجلهة الشرقية مباشرًة‪ ،‬الشارع املتجه مشاالً‬ ‫اىل مدرســة فاطمــة خاتــون للبنــات والــي‬ ‫كانــت مقـراً لــدار السـرايا احلكوميــة وحيــده‬ ‫مــن اجلهــة الشــمالية اآلن شــارع آخــر يتفــرع‬ ‫مــن شــارع الناصــرة ليلتقــي غرب ـاً بالشــارع‬ ‫املتجــه إىل مدينــة حيفــا مــن أرض فلســطني‬ ‫احملتلــة‪.‬‬ ‫أمــا مســاحة أصــل املســجد القــدمي القائــم‬ ‫حتــت قـُبَّــة اجلامــع الكبــرة‪ ،‬والــي تشــبه إىل‬ ‫حــد كبــر قبــة (مســجد اجل ـزار يف عــكا)‪،‬‬ ‫وقبــة (املســجد الكبــر يف مدينــة الرملــة)‪،‬‬ ‫وهــو مــا مييــز هــذه ِ‬ ‫القبــاب بتارخيهــا العريــق‪،‬‬ ‫وحضارهتــا اإلســامية‪ ،‬فتبلــغ مســاحتة مائــة‬ ‫ومخســون مرتاً مربعاً‪ .‬أما عرض اجلدارالذي‬ ‫ترتفــع فوقــه القبــة فيبلــغ م ـران‪■.‬‬ ‫املسجد الكبري يف جنني‬

‫‪34‬‬


‫تقرير‬ ‫صحفي‬ ‫يزن جرار‬

‫نفق بلعمة‬

‫األقدم واألعظم في فلسطين‬

‫ل‬

‫ال ي ـزال نفــق بلعمــة الواقــع عنــد‬ ‫املدخــل اجلنــويب ملدينــة جنــن‬ ‫واحملــاذي للطريــق الواصــل بــن مدينــي جنــن‬ ‫ونابلــس ‪-‬والــذي يعتقــد أنــه أقــدم اكتشــاف‬ ‫أثــري يف فلســطني‪ -‬ينتظــر اســتكمال ترميمــه‬ ‫واكتشــاف مكنوناتــه‪ ،‬وبــذل اجلهــد الــكايف‪،‬‬ ‫ووجــود التمويــل الــازم للتنقيــب عمــا تبقــى‬ ‫منــه‪ ،‬وحماولــة الولــوج إىل أعمــاق اخلربــة الــي‬ ‫حتتضنــه‪.‬‬

‫يقــع النفــق أســفل خربــة بلعمــة األثريــة والــي‬ ‫تقــدر مســاحتها ح ـوايل (‪ )90‬دومن ـاً‪ ،‬وميثــل‬ ‫املوقــع مراحــل حضاريــة خمتلفــة‪ ،‬متتــد مــن‬ ‫بدايــة العصــر الربونــزي املبكــر حـوايل ‪3000‬‬ ‫ق‪.‬م وحــى الفــرة العثمانيــة‪.‬‬ ‫وعــرف املوقــع بأمســاء عديــدة يف املصــادر‬ ‫التارخييــة فقــد ذكــر باســم (بيلعــام) يف‬ ‫املصــادر املصريــة والتــوراة‪ ،‬و(تلمــوت) يف‬ ‫املصــادر اليونانيــة‪ ،‬وذلــك حســب موقــع وزارة‬ ‫نفق بلعمة األقدم يف فلسطني‬

‫‪35‬‬


‫الســياحة واآلثــار‪.‬‬ ‫يقول مدير مكتب وزارة السياحة واآلثار يف‬ ‫جنــن‪ ،‬خالــد ربايعــة «أن النفــق شــيد ليكــون‬ ‫طريــق وممــر ســري خلربــة بلعمــة يف احلــروب‪،‬‬ ‫واحلــاالت الطارئــة‪ ،‬كمــا اســتخدم للوصــول‬ ‫اىل نبــع املــاء علــى قمــة اجلبــل‪ ،‬ومت اكتشــاف‬ ‫مرحلتــن مــن النفــق بطــول (‪125‬م)»‪.‬‬ ‫ويضيــف «كان املوقــع أحــد املــدن يف‬ ‫العصــر الربونــزي‪ ،‬احتلــه الفرعــون املصــري‬ ‫حتتمــس الثالــث يف القــرن اخلامــس عشــر‬ ‫ق‪.‬م‪ ،‬وكذلــك كان مدينــة هامــة يف العصــر‬ ‫احلديــدي وذلــك حســب املصــادر التوراتيــة‬ ‫ويبــدوا أن املوقــع حافــظ علــى أمهيتــه علــى‬ ‫طــول الفـرات الرومانيــة والبيزنطيــة والصليبيــة‬ ‫واأليوبيــة»‪.‬‬ ‫ويتابــع «وجــدت يف املوقــع قلعــة صغــرة ال‬ ‫زالــت قائمــة‪ .‬باإلضافــة اىل مقــام إســامي‬ ‫يف قمــة اجلبــل وهــو مقــام الشــيخ منصــور»‪.‬‬ ‫يقــول الســيد أبــو كحيــل انــه مت الكشــف عــن‬ ‫هذا النفق أثناء أعمال توســعة وتعبيد شــارع‬ ‫جنــن نابلــس ‪.‬‬ ‫يقــول أبــو كحيــل أن نفــق بلعمــه يعــود إىل‬ ‫‪ 2400‬سنه قبل امليالد وهو نفق مائي كان‬ ‫يربــط خربــة بلعمــه علــى قمــة التلــه بينابيــع‬ ‫املياه يف الوادي ‪ ,‬شــيدوه جبهد وكد لتكون‬ ‫نفق بلعمة األقدم يف فلسطني‬

‫‪36‬‬

‫بلدهتــم عصيــة علــى الغـزاة ‪.‬‬ ‫وداخــل هــذا النفــق تشــق األبصــار ظلمــة‬ ‫المــكان الهــادىء الــذي يبلــغ ارتفاعــه‬ ‫حوالــي خمســة أمتــار إذ تســتخدم مصابيــح‬ ‫اليــد لصعــود الــدرج الداخلــي الصخــري‬ ‫الــذي تكســوه األتربــة بفعــل عمليــات الحفــر‬ ‫والتنقيــب فــي المــكان‪.‬‬ ‫فــا تخلــو التعمــق فــي داخــل النفــق مــن‬ ‫الرهبــة والخــوف لمــن يدخلــه للوهلــة األولــى‬ ‫خاصــة مســاره المتعــرج لألعلــى و الفتحــات‬ ‫البــارزة علــى جنباتــه التــي يعتقــد أنهــا كانــت‬ ‫تســتخدم لتثبيــت مصابيــح اإلنــارة هنــاك‬ ‫وعلــى بعــد عــدة أمتــار عــن البركــة‪.‬‬ ‫يشاهد المتجول آثار عين للمياه إضافة إلى‬ ‫قنــاة منحوتــة فــي الصخــر تصــل بيــن البركــة‬ ‫وتلــك العينوعلــى بعــد أكثــر مــن عشـرين متـراً‬ ‫فــي الداخــل كانــت هنــاك بئــر للميــاه أيض ـاً‬ ‫وفوقهــا فتحــة صغيــرة حفــرت فــي الصخــر‬ ‫العلــوي يعتقــد أنهــا كانــت تســتخدم لنشــل‬ ‫الميــاه مــن البئــر‪.‬‬ ‫ومــن يرغــب المغام ـرات يكمــل تعمقــه فــي‬ ‫النفــق إذ يالحــظ مــن يســتمر فــي الســير‬ ‫داخــل النفــق وجــود مرابــط للخيــول مــا يشــير‬ ‫إلــى تعــدد اســتخدامات النفــق فــي ذلــك‬ ‫الوقــت‪■.‬‬


‫نفق بلعمة األقدم يف فلسطني‬

‫‪37‬‬


‫نبذة‬ ‫تاريخية‬ ‫يزن جرار‬

‫تل تعنك‬ ‫أقدم املدن الكنعانية يف فلسطني‬ ‫تعتــر قريــة تعنــك شــال‬ ‫غــرب جنــن‪ ،‬مــن أقــدم القــرى‬ ‫الفلســطينية الكنعانيــة‪ ،‬التــي ال زالــت‬ ‫قامئــة اىل اليــوم‪ ،‬فهــذه القريــة تحــوي آثــارا‬ ‫كنعانيــة مختلفــة‪ ،‬تــدل عــى قــدم هــذه‬ ‫املنطقــة التــي كانــت يومــا مــا مدينــة‬ ‫كنعانيــة‪ ،‬شــهدت حروبــا ومعــارك كثــرة‪،‬‬ ‫منهــا حــروب الفرنجــة‪ ،‬وكانــت تعنــك‬ ‫قلعــة مــن قــاع البــاد‪.‬‬

‫ت‬

‫تل تعنك أقدم مدينة كنعانية‬

‫‪38‬‬

‫وتحتــوي قريــة تعنــك عــى تــل انقــاض‬ ‫كنعانيــة‪ ،‬ومدافــن ومغــر (جمــع مغــار)‬ ‫منقــورة يف الصخــر‪ ،‬ونحــت ونقــر يف‬ ‫الصخــور‪.‬‬ ‫وبالرغــم مــن عراقــة هــذه املدينــة‬ ‫الكنعانيــة‪ ،‬إال ان الكثــر مــن قطعهــا‬ ‫االثريــة رسقهــا املنقبــون عــن االثــار وهــواة‬ ‫جمعهــا‪ ،‬وبدورهــم يرسبوهــا اىل اليهــود‬ ‫عــن طريــق الســارسة ومهــريب االثــار‪■.‬‬


‫املسجد األقىص املبارك‬

‫‪39‬‬


مجلة تحفة  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you