Issuu on Google+

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫هل استيقظ العرب من أحالم النهضة؟‬

‫لحظة التنوير التي انطفأت‬

‫بوب ديالن موسيقي‬ ‫أحرج نوبل وامتدح إسرائيل‬

‫السيد ياسين‪ :‬نظام اإلخوان‬ ‫ال يختلف عن والية الفقيه‬

‫أوباما من «الجرأة»‬ ‫إلى خيبة األمل‬ ‫‪www.alfaisalmag.com‬‬

‫الثقافة العربية‬ ‫بال إستراتيجية‬


alfaisalmag

@alfaisalmag

(+966 11) 4647851 ¢ùcÉa (+966 11) 4653027/ 4652255 ∞JÉg - ájOƒ©°ùdG á«Hô©dG áµ∏ªŸG 11411 ¢VÉjôdG (3) Ü.¢U www.alfaisalmag.com :ÊhεdE’G ™bƒŸG editorial@alfaisalmag.com :ÊhεdE’G ójÈdG


‫أسسها عام ‪1397‬هـ‪1977/‬م‬

‫األمير خالد الفيصل‬ ‫يصدرها‬

‫رئيس مجلس اإلدارة‬

‫األمير تركي الفيصل‬

‫العددان‬

‫في هذا العدد‬ ‫بوب ديالن الخائن يقاوم الزمن‬

‫‪56‬‬

‫الحرب الباردة الخفية التي تحرك العالم‬

‫‪68‬‬

‫المثقف الليبي يواجه العنف الطليق‬

‫‪72‬‬

‫شعريةُ المرأة الخليجية وفحولةُ اللغة‬

‫‪74‬‬

‫الفيصل تحاور السيد ياسين‬

‫‪84‬‬

‫العرب يتلمسون طريقهم في الظالم‬

‫‪94‬‬

‫أوباما وخيبة األمل‬

‫‪100‬‬

‫السرقات األدبية مستمرة‬

‫‪104‬‬

‫طه عبدالرحمن ورهان التأسيس‬

‫‪110‬‬

‫«ظل الريح» لإلسباني كارلوس زافون‬ ‫ّ‬

‫‪112‬‬

‫كتاب أتراك عبروا عن التهميش ووطأة الحداثة‬

‫‪122‬‬

‫رحيل ميشال بيتور‬

‫‪134‬‬

‫كل شيء‬ ‫الصحافة ليست َّ‬

‫‪142‬‬

‫«خنجر» رياض الصالح الحسين‬

‫‪154‬‬

‫رحلة حكواتي شرقي إلى الغرب‬

‫‪158‬‬

‫الناشر‬

‫دار‬

‫الثقافية‬

‫‪2‬‬

‫رئيس التحرير‬

‫ماجد الحجيالن‬ ‫‪editorinchief@alfaisalmag.com‬‬ ‫تعبر عن وجهة نظر‬ ‫ اآلراء المنشورة ّ‬‫كتَّابها‪ ،‬وال تم ِّثل رأي مجلة الفيصل‪.‬‬ ‫ تكفل المجلة حرية التعليق على‬‫موضوعاتها المنشورة شريطة االلتزام‬ ‫بالموضوعية‪.‬‬ ‫ تحتفظ المجلة بحقوق ملكيتها للمواد‬‫المنشورة فيها‪ ،‬ويتطلب إعادة نشر أي‬ ‫ورقيا الحصول على‬ ‫إلكترونيا أو‬ ‫مادة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫موافقة المجلة مع اإلشارة إلى المصدر‪.‬‬ ‫ ترسل المواد إلى بريد المجلة‬‫اإللكتروني‪:‬‬

‫‪editorial@alfaisalmag.com‬‬ ‫‪ -‬لالطالع على سياسة النشر يرجى زيارة‬

‫‪482 - 481‬‬

‫مقاالت‬

‫الموقع اإللكتروني‬

‫‪www.alfaisalmag.com‬‬ ‫ردمد‬ ‫‪٨٥٢٠ - ٠٤١١‬‬ ‫رقم اإليداع‬ ‫مكتبة الملك فهد الوطنية ‪41/2450‬‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫سلوى بكر‬ ‫زكي الميالد‬ ‫أحمد الصادق‬ ‫محمود الريماوي‬ ‫خيرية السقاف‬

‫‪61‬‬ ‫‪118‬‬ ‫‪140‬‬ ‫‪164‬‬ ‫‪184‬‬


‫مدن‬

‫تقارير‬

‫‪62‬‬

‫إقبال السعوديين‬ ‫على الفلسفة‪..‬‬

‫استعارة «الربيع العربي»‪ ،‬ذات‬ ‫الطابع الموسمي والتي تحيل‬ ‫إلى ثورات سنة ‪1848‬م في‬ ‫أوربا‪ ،‬وإلى قوة انتشارها عبر‬ ‫فضاء موزع على أمم مختلفة‪،‬‬ ‫كان لها على األقل فضل إبراز‬ ‫رغبة في المواطنة على‬ ‫الصعيد العربي‪.‬‬

‫‪146‬‬

‫مدن العالم العربي‪ :‬الربيع فالحنين إليه‬

‫هل هو ضرورة لجيل جديد؟‬

‫ثقافات‬

‫فنون‬

‫‪126‬‬

‫‪178‬‬

‫نصوص‬

‫ظالل مؤسس السوريالية‬ ‫كما تراءت لميشال فوكو‬

‫فرنسا تفتش في الكنوز‬ ‫اإلسالمية عن الوجه‬

‫عماد الورداني‬

‫‪137‬‬

‫جوان تتر‬

‫‪145‬‬

‫رافائيل ألبرتي‬

‫‪150‬‬

‫محمود قرني‬

‫‪162‬‬

‫يحيى امقاسم‬

‫‪166‬‬

‫عبدالله الرشيد‬

‫‪181‬‬

‫الحضاري لإلسالم‬

‫ملف العدد‬

‫انتكاسة التنوير‬ ‫شارك في الملف‪:‬‬ ‫ مراد وهبة‬‫ هاشم صالح‬‫ كمال عبداللطيف‬‫ سيار الجميل‬‫ إبراهيم البليهي‬‫ عبدالباري طاهر‬‫ موريس أبو ناضر‬‫ رشيد الخيون‬‫ ناجية الوريمي‬‫‪ -‬محمد الشيباني‬

‫‪10‬‬

‫‪3‬‬


‫المركز‬

‫أهل السنة والجماعة‬ ‫وأهواء السياسة في حلقة نقاش‬

‫األمير تركي الفيصل يترأس حلقة النقاش‬

‫‪4‬‬

‫جانب من النقاش‬

‫عقد مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات اإلسالمية‬

‫وأكد األمير تركي الفيصل أهمية عقد مثل هذه الحلقات‬

‫السنة والجماعة وأهواء السياسة»‪ ،‬ترأسها رئيس مجلس‬

‫والحاجة الماسة إلى توحيد كلمة األمة لمواجهة الظروف التي‬ ‫تم ّر بها‪ ،‬واالبتعاد من ّ‬ ‫كل ما يش ّتت جهودها‪ ،‬ويف ّرق صفوفها‪.‬‬

‫مطلع أكتوبر الماضي حلقة نقاش بعنوان‪« :‬مصطلح أهل‬

‫إدارة المركز األمير تركي الفيصل‪ .‬وشارك في هذه الحلقة التي‬

‫استمرت ساعات عدد من العلماء والمفكرين والمثقفين من‬ ‫داخل المملكة وخارجها‪ ،‬ومن هؤالء‪ :‬الشيخ الدكتور عبدالله‬

‫ابن محمد المطلق عضو هيئة كبار العلماء والمستشار في‬

‫الديوان الملكي‪ ،‬والدكتور أحمد عبادي األمين العام للرابطة‬

‫المحمدية للعلماء في المغرب‪ ،‬والدكتور رضوان السيد عضو‬ ‫المكتب السياسي في تيار المستقبل‪ ،‬والدكتور عبدالعزيز بن‬

‫عثمان بن صقر رئيس مركز الخليج لألبحاث‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫النقاشية التي تواكب التطورات واألحداث المستجدة‪،‬‬

‫من ناحية أخرى‪ ،‬وفي إطار سعي مركز الملك فيصل‬

‫للبحوث والدراسات اإلسالمية إلى توثيق أوجه التعاون مع‬ ‫مختلف المؤسسات البحثية والمنظمات اإلسالمية‪ ،‬أعقب‬

‫حلقة النقاش توقيع اتفاقية تعاون ثقافي وعلمي بين المركز‬ ‫والرابطة المحمدية للعلماء في المغرب‪ّ ،‬‬ ‫وقع عليها األمير‬ ‫تركي الفيصل رئيس مجلس إدارة المركز‪ ،‬والدكتور أحمد‬ ‫عبادي األمين العام للرابطة المحمدية للعلماء‪.‬‬


‫إصدارات المركز في معرض بجامعة الملك سعود‬

‫دشن األمير فيصل بن سعود بن عبدالمحسن مدير إدارة الشؤون الثقافية والعالقات العامة في المركز‪ ،‬والدكتور‬ ‫عبدالرزاق الزهراني عميد كلية السياحة واآلثار في جامعة الملك سعود‪ ،‬جناح المركز الذي أُقيم في جامعة الملك سعود‬

‫خالل الشهر الماضي‪ ،‬وضمّ عددًا من إصدارات المركز وإصدارات دار الفيصل الثقافية‪ ،‬وعددًا من الدوريات الثقافية‬

‫والعلمية المختلفة التي يصدرها المركز‪ ،‬بهدف تشجيع طالب الجامعة على توسيع معارفهم‪ ،‬ونشر ثقافة القراءة بينهم‪.‬‬

‫دانية الخطيب‪:‬‬ ‫فعال‬ ‫الضغط الخليجي على واشنطن غير ّ‬ ‫ّ‬ ‫أكدت الدكتورة دانية الخطيب‪،‬‬

‫ّ‬ ‫المتخصصة في العالقات العربية‬

‫األميركية‪ ،‬أن دول الخليج لم تنجح حتى‬

‫اآلن في تكوين لوبي فعّ ال في الواليات‬ ‫المتحدة األميركية‪.‬‬

‫جاء ذلك في حلقة نقاش ّ‬ ‫نظمها‬

‫المركز مطلع الشهر الماضي لمناقشة‬ ‫الدراسة التي أصدرها المركز حديثاً‬

‫بعنوان‪« :‬كيف يمكن للعرب إنشاء جماعة‬

‫ضغط‪-‬لوبي؟» ضمن سلسلة «دراسات» التي‬

‫يصدرها المركز باللغتين العربية واإلنجليزية‪.‬‬

‫سياسة الضغط المطلوبة‪ ،‬مع ضرورة فصل‬ ‫جهود بناء اللوبي عن السياسات الخاصة ّ‬ ‫بكل‬ ‫بلدٍ على حدةٍ‪ .‬وأشارت إلى ضرورة إشراك‬

‫القاعدة الشعبية لألميركيين العرب‪ ،‬وتعزيز‬ ‫الثقة بالنفس لديهم‪ ،‬وأن تستند جهود‬ ‫الضغط على األبحاث العلمية‪ ،‬واألهداف‬ ‫الواقعية‪ .‬وأ ّكدت الخطيب أهمية إنشاء‬ ‫مجموعة ضغط اليوم أكثر من أيّ‬

‫وقت مضى بعد أن فقد النفط قيمته‬

‫اإلستراتيجية‪ ،‬وتغيّر المزاج العام في‬

‫الواليات المتحدة األميركية إلى االنعزالية‪ ،‬وعدم‬

‫وشارك في حلقة النقاش مسؤولون ودبلوماسيون خليجيون‬

‫حاجة واشنطن إلى دول الخليج العربي لضبط سلوك إيران‪.‬‬

‫دانية الخطيب بأن تأخذ إحدى الدول العربية زمام المبادرة‪،‬‬ ‫وأن تدعو الدول األخرى إلى ّ‬ ‫تولي مهامّ معينة في إطار‬

‫ضغط‪-‬لوبي؟» يمكن زيارة موقع مركز الملك فيصل للبحوث‬

‫وعدد من أساتذة العلوم السياسية‪ ،‬وطالبت فيها الدكتورة‬

‫لالطالع على دراسة «كيف يمكن للعرب إنشاء جماعة‬

‫والدراسات اإلسالمية على الرابط‪www.kfcris.net :‬‬

‫‪5‬‬


‫المركز‬

‫إصدارات «الفيصل الثقافية» والمركز على موقع‬ ‫النيل والفرات ‪www.neelwafurat.com‬‬ ‫دشنت إدارة النشر والتسويق في‬

‫مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات‬

‫اإلسالمية مؤخرًا‪ ،‬شراكة مع موقع‬

‫«النيل والفرات» لنشر إصدارات المركز‬ ‫وإصدارات دار الفيصل الثقافية؛ لتكون‬

‫متاحة للجميع على مستوى الوطن العربي‬

‫والعالم‪ .‬وأوضح الدكتور هباس الحربي‬ ‫مدير النشر والتسويق في المركز أن اإلدارة‬

‫ستعمل جاهدة على استخدام الوسائل‬ ‫كافة التي تسهم في وصول هذه اإلصدارات‬

‫إلى الباحثين والمهتمين في جميع مجاالت‬ ‫اهتمامات الدار والمركز‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫دراسات جديدة إلدارة البحوث‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ست‬ ‫حديثا‬ ‫أصدرت إدارة البحوث في المركز‬

‫دراسات متنوّعة ضمن إصداراتها الثالثة‪ :‬دراسات‪،‬‬

‫ومسارات‪ ،‬وقراءات‪ ،‬باللغتين العربية واإلنجليزية‪،‬‬ ‫بواقع دراستين ّ‬ ‫لكل إصدار‪.‬‬ ‫صدر ضمن سلسلة «دراسات» عدد دراسات‬

‫رقم (‪ )12‬بعنوان‪« :‬كيف يمكن للعرب إنشاء جماعة‬ ‫ضغط‪-‬لوبي؟» للدكتورة دانية الخطيب‪ .‬وعدد دراسات‬ ‫رقم (‪ )13‬بعنوان‪« :‬أنشودة البحر األحمر‪ :‬مجتمعات‬ ‫وشبكات المسلمين الصينيين في الحجاز» للدكتورة‬

‫هيوجو جيونغ‪ .‬وصدر ضمن سلسلة «مسارات» عدد‬

‫مسارات رقم (‪ )25‬بعنوان‪« :‬قوات سوريا الديمقراطية‪:‬‬ ‫توافق بين واشنطن وموسكو وعداء مع تركيا»‪ ،‬وعدد‬

‫مسارات رقم (‪ )26‬عن الحزب الديمقراطي الكردستاني‬ ‫اإليراني‪ .‬وصدر ضمن سلسلة «قراءات» عدد قراءات‬

‫رقم (‪ )4‬بعنوان‪« :‬نقوش صفويَّة ‪ -‬صفائيَّة من قاع‬

‫األرنبيَّة أم جدير والعماريَّة في شمال المملكة العربية‬ ‫السعودية» للدكتور سليمان الذييب والدكتور مدّ الله‬

‫الهيشان‪ ،‬وعدد قراءات رقم (‪ )5‬بعنوان‪« :‬استهالك‬ ‫وإنتاج الطعام والشراب في المملكة النبطية» للدكتور‬

‫زياد السالمين‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫‪7‬‬

‫كاريكاتير‬


‫فعاليات‬

‫في محاضرة نظمها المركز عن الوضع‬ ‫السياسي واالقتصادي في الصين‬

‫باحثان‪ :‬سقوط االتحاد السوفييتي‬ ‫تحديا للحزب‬ ‫والربيع العربي ش ّكال‬ ‫ً‬ ‫الشيوعي الصيني‬ ‫فواز السيحاني‬

‫‪8‬‬

‫قدم الدكتور ين يان الباحث في المكون السياسي واالقتصادي الصيني‪ ،‬موج ًزا عن‬ ‫األحوال العامة في جمهورية الصين الشعبية‪ ،‬مشيرًا إلى اتسامها باالستقرار على الرغم‬ ‫ً‬ ‫قمعا للكثير من المظاهرات الجماهيرية؛ «ألن نظام الحكم هناك يخضع لسياسة‬ ‫مما عده‬ ‫الحزب الواحد وهو الحزب الشيوعي‪ ،‬الذي يعقد كل خمس سنوات من خالل المؤتمر‬ ‫ً‬ ‫جديدا»‪.‬‬ ‫رئيسا‬ ‫الوطني من أجل انتخاب‬ ‫ً‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫وتحدث الباحث ين يان في محاضرة نظمها في أكتوبر الماضي‬

‫مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات اإلسالمية بعنوان‪« :‬الوضع‬

‫السياسي واالقتصادي في الصين خالل حكم شي جين بينغ» عن‬ ‫تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي الصيني‪ ،‬موضحً ا أن انطالقته األولى‬

‫كانت في عام ‪1921‬م‪ ،‬باستخدام النضال المسلح حتى وصل إلى قمة‬

‫السلطة عام ‪1949‬م‪.‬‬

‫ين يان أشار‪ ،‬في المحاضرة‪ ،‬إلى األعداد الغفيرة التي تنتمي إلى‬ ‫ً‬ ‫مليونا‬ ‫عضوية الحزب الشيوعي؛ إذ تبلغ في الوقت الحالي نحو ‪60‬‬

‫من األعضاء‪ .‬وقال‪ :‬إن الحزب حاضر في مؤسسات الدولة المهمة‬ ‫والصلبة‪ ،‬ويتخذ من أفكار ماركس ولينين وتونغ‪ ،‬ونظريات شياو‬

‫بينغ‪ ،‬المنهج األساسي الذي يستنطق منه قراراته وتوجهاته‪.‬‬

‫قبل تولي الرئيس الحالي كان هناك مئة‬ ‫وثمانون ألف مظاهرة ُك ِبح جماحها‪ ،‬وهذا‬ ‫يعكس السبب األساسي الذي جعل منظومة‬ ‫السلطة في الصين تنفق على الدفاع‬ ‫الوطني الداخلي ميزانية تتجاوز ما تنفقه‬ ‫على منظومة الدفاع الخارجية والمؤسسات‬ ‫العسكرية المتعلقة بالحروب الخارجية‬ ‫مرحلة العهد الجديد أو ما تسمّى بـ«عبور النهر» وهي كناية عن انفتاح‬ ‫الصين نحو العالم من حولها‪ ،‬ومرحلة ما بعد الرجل الثوري «ماو»‪.‬‬

‫وفيما يتعلق بمكانة رئيس الدولة والدور المنوط به والشروط‬

‫من ناحية أخرى‪ ،‬وفي المحاضرة نفسها‪ ،‬عرض تشن وي‬

‫بلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا حتى يحق له الترشح واالنتخاب‪،‬‬

‫شركة «ميمورا»‪ ،‬أبرز المعضالت االقتصادية التي ستعانيها الصين‬

‫التي يجب أن يخضع لها‪ ،‬أوضح المحاضر أن الرئيس ينبغي أن يكون‬

‫وأن المجلس الوطني لنواب الشعب هو من يقوم باختياره أو عزله‬

‫المدير التنفيذي في واحدة من أهم الشركات الكبرى في العالم‬ ‫«إن لم تسعَ لتقديم بعض اإلصالحات واألفكار الجديدة التي تتناسب‬

‫وإقصائه‪ ،‬إذا حاد عن القوانين الدستورية‪ ،‬إضافة إلى أن مدة عمل‬ ‫الرئيس هناك‪ ،‬أو ما يسمى بالمدة الرئاسية‪ ،‬يجب ألاّ تتجاوز خمس‬

‫وقال تشن وي‪« :‬الصين وإن بدا اقتصادها مستق ًّرا وجيدًا في‬

‫وعن صالحيات الرئيس‪ ،‬فإنه يصدر القوانين بعد أن يوافق‬

‫من دون أن يمسها أي تغيير أو هبوط»‪ ،‬موضحً ا أنه بعد قراءة السياق‬

‫المفعول‪ .‬وذكر ين يان أن للمجلس الوطني الحق في تقرير أمور‬

‫والخاص انخفض بسبب التراكم في الناتج المحلي‪ ،‬لهذا قد نرى‬

‫سنوات‪ ،‬وال يجوز أن تستمر أكثر من مدّتين متتاليتين‪.‬‬

‫عليها المجلس الوطني لنواب الشعب ولجنته الدائمة لتصبح سارية‬ ‫كثيرة‪ ،‬ومنها‪ :‬تعيين وعزل رئيس مجلس الدولة‪ ،‬ونواب الرئيس‬ ‫وأعضاء مجلس الدولة‪ ،‬والوزراء ورؤساء اللجان‪ ،‬ورئيس جهاز‬

‫المحاسبات واألمن العام لمجلس الدولة‪ ،‬ومنح أوسمة الدولة‬

‫وألقاب الشرف‪ ،‬وإصدار العفو الخاص‪ ،‬وإعالن األحكام العرفية‪،‬‬ ‫وإعالن حالة الحرب‪ ،‬وإصدار أوامر التعبئة‪.‬‬

‫وفيما يتعلق بالصالحيات الخارجية فإن الرئيس‪ ،‬كما يقول‬

‫الباحث‪ ،‬يحق له أن يعتمد من يقوم بتمثيل جمهورية الصين‬ ‫خارجيًّا‪ ،‬كذلك يحق له اعتماد القرارات والمعاهدات الخارجية‬

‫شريطة أن يوافق عليها المجلس‪.‬‬

‫الرجل القوي الذي يحب بوتين‬

‫مع المنظومة العالمية الحالية»‪.‬‬

‫الوقت الحالي إال أن هذه المعجزة من المستحيل أن تستم ّر إلى األبد‬

‫االقتصادي للعشرين سنة الماضية «نجد أن االستهالك الحكومي‬ ‫في األشهر المقبلة أن الحكومة الصينية ستحاول أن تقوم بتنشيط‬

‫ً‬ ‫خصوصا بعد مجيء القيادة الجديدة»‪.‬‬ ‫االستهالك الحكومي‪،‬‬ ‫وأ ّكد تشن وي أن الحكومة الحالية تحاول إعادة الجودة إلى‬ ‫اقتصادها؛ «ألنه لم يتقدم بالسرعة التي كان يتوقعها‪ ،‬لذلك فإنها‬

‫تفكر حاليًا في نقل التركيز إلى جانب الواردات واالستثمارات العالمية‬ ‫ألن الطلب ضعيف نسبيًّا‪ ،‬وهذا لن يتحقق إال إذا تخلت الحكومة‬ ‫ً‬ ‫مملوكة لها كي‬ ‫عن المحاولة الدائمة في أن تجعل كل المشاريع‬

‫يتحقق التوازن‪ ،‬إضافة إلى أن ذلك سيجعل السوق تنافسيًّا وليس‬ ‫احتكاريًّا‪ ،‬وكي يتحقق ذلك ال بد للحكومة الصينية أن تقوم بالكثير‬

‫من اإلصالحات والتشريعات الجديدة»‪.‬‬

‫وتطرق المحاضر إلى أن الصين في عام ‪2012‬م تعرضت لحملة‬

‫ولفت المحاضر إلى أن الرئيس الصيني الحالي ي َ‬ ‫ُوصف في اإلعالم‬

‫هائلة من المواطنين؛ بسبب قضايا الفساد وإخفائها الكثير من‬

‫كثي ًرا «في تعزيز استقرار المجتمع الصيني‪ ،‬والتقليل من انتفاضته‬

‫ويواجه الحاكم المقبل‪ ،‬ويتمحور حول إعادة الثقة أو ما تسمى‬

‫الغربي بـ«الرجل القوي الذي يحب بوتين كثي ًرا»‪ ،‬موضحً ا أنه أسهم‬ ‫المزعجة؛ إذ إنه وقبل توليه الرئاسة كان هناك نحو مئة وثمانين‬ ‫ألف مظاهرة ُك ِبح جماحها‪ ،‬وهذا يعكس السبب األساسي الذي‬

‫جعل منظومة السلطة في الصين تنفق على الدفاع الوطني الداخلي‬ ‫ميزانية تتجاوز ما تنفقه على منظومة الدفاع الخارجية والمؤسسات‬

‫العسكرية المتعلقة بالحروب الخارجية»‪ .‬واستعرض ين يان مراحل‬

‫التطور المتنوعة التي مرت بها جمهورية الصين التي كان من أهمها‪:‬‬

‫الحقائق المهمة‪« ،‬وهذا يوضح التحدي الذي واجه الحاكم الحالي‪،‬‬ ‫حاليًا بحملة «ضرب النور»‪ ،‬وهي حملة شعبية أقصت نحو ستمائة‬ ‫مسؤول من مسؤولياتهم الحزبية‪ ،‬ما جعل الرئيس يحاول التقليص‬

‫من النظام البيروقراطي المركزي‪ ،‬وإعادة الثقة بين المجتمع‬

‫والدولة»‪ .‬وأكد تشن وي أن الدروس التاريخية كسقوط االتحاد‬ ‫ً‬ ‫حديثا شكلت تهديدًا ملموسً ا أمام‬ ‫السوفييتي قديمًا والربيع العربي‬ ‫صناع القرار وأمام الحزب؛ كي ال يقع في الموت القريب‪.‬‬

‫‪9‬‬


‫ملف العدد‬

‫لماذا التنوير اآلن؟‬

‫‪10‬‬

‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫فحصا ومساءلة ومراجعة‪،‬‬ ‫لحظة تستدعي سؤال التنوير‪،‬‬ ‫لعله لم توجد فيما مضى‬ ‫َّ‬ ‫يتلظى العرب بحروبها الوحشية ونزاعاتها الحادة‪ ،‬لحظة‬ ‫بقدر هذه اللحظة الراهنة التي‬ ‫عدمية ال ينتج منها سوى ظالم عميم له رائحة الدم ولونه‪ ،‬ظالم ال تعود معه الرؤية‬ ‫ممكنة ويستحيل معه ً‬ ‫أيضا التقدم أو حتى التراجع عما يحدث اليوم‪.‬‬ ‫هنا ال نبحث عن مناسبة لفتح مثل هذا الملف‪ ،‬ولكن سعيًا لتكثيف الحاجة في‬ ‫مثل هذه األوقات الكالحة إلى االستنارة‪ ،‬بما هي فعل ال يجلو الظالم الماثل بيننا وبين‬ ‫المستقبل فحسب‪ ،‬إنما ً‬ ‫أيضا ممارسة تعيد إلى الواجهة تلك المشاريع الكبرى التي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وبحثا عن‬ ‫تارة‪،‬‬ ‫أنتجها مفكرون وفالسفة عرب طوال مئة عام‪ ،‬لطرح األسئلة عليها‬ ‫أجوبة في صفحاتها تارة أخرى‪.‬‬ ‫لقد سعى مفكرون إلى إيجاد صيغ نهضوية تتعاطى مع الراسخ الموروث وتتقدم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫شارطا لديهم‪ ،‬ورأوا أنه‬ ‫شرطا‬ ‫بالثقافة العربية إلى المستقبل‪ ،‬كانت العودة إلى التراث‬ ‫بدون قراءة جديدة للتاريخ العربي لن نستطيع معالجة أزمات العقل العربي في حاضره‬ ‫وال تهيئته للحاق بالمستقبل‪ ،‬فيما تداول باحثون آخرون القيم الغربية المنطلقة من‬ ‫ثورات أوربا الثقافية والصناعية‪ ،‬ورأوا فيها العالج المجرب‪ ،‬وما بين المناهج والمدارس‬ ‫الفكرية من يسار ويمين‪ ،‬ومن الماركسية إلى الليبرالية تقلب الفكر العربي محاولاً‬ ‫إيجاد دواء لعلل التقهقر والتبعية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ثورة ثقافية‬ ‫وكان من المنتظر أن تكون حصيلة كل هذه األعمال الفكرية العميقة‬ ‫كبرى‪ ،‬تنهي حالة الركود والتخلف عن أمم الغرب والشرق‪ ،‬فجاءت ثورات األقطار‬ ‫العربية لتعيد رسم االستبداد وترسخ طبائعه وتصعد بأصوليات متوحشة وتعزز‬ ‫التناحر المذهبي واأليديولوجي‪ ..‬لقد ّ‬ ‫تفوق الواقع العربي اليوم على أسوأ كوابيس‬ ‫المفكرين العرب‪.‬‬ ‫ترى هل كانت مشاريع النهضة العربية فاشلة‪ ،‬وما تحصده المجتمعات العربية‬ ‫اليوم نتيجة لقصور هذه المشاريع عن الفهم وتهافتها؟ أم أن المفكرين كانوا يحذرون‬ ‫ًّ‬ ‫–حقا‪-‬‬ ‫مما آل إليه الحال ولم يكن أحد يستمع إليهم؟ في معنى آخر‪ :‬هل كان هناك‬ ‫ٌ‬ ‫مشروع نهضوي واضح المعالم وذو اتجاه واحد إلى المستقبل؟‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


11


‫إشكالية التنوير‬ ‫في العالم العربي‬ ‫مراد وهبة‬ ‫مؤسس الجمعية الدولية البن رشد والتنوير‬

‫إن لفظ إشكالية يعني أن ثمة قضية‬

‫يقال عنها‪ :‬إنها صادقة‪ ،‬ومع ذلك فإنها‬

‫تبدو كاذبة‪ .‬وإذا كان الصدق والكذب‬

‫‪12‬‬

‫متناقضين‪ ،‬فمعنى ذلك أن اإلشكالية‬ ‫تنطوي على تناقض‪.‬‬

‫والسؤال إذن‪ :‬أين يكمن التناقض في‬

‫التنوير؟‬

‫كان للفيلسوف األلماني العظيم ْ‬ ‫كانت‬

‫الذي يقف عند قمة التنوير في القرن الثامن‬

‫عشر مقال عنوانه «جواب عن سؤال‪:‬‬

‫ما التنوير؟» (‪1784‬م)‪ ،‬ويمكن إيجازه‬ ‫في شعاره القائل‪« :‬كن جري ًئا في إعمال‬

‫عقلك»‪ .‬وقد كان يقصد به أن ال سلطان‬ ‫على العقل إال العقل نفسه‪ .‬وترتب على‬ ‫ذلك القول بأن قياس مدى التنوير مردود‬ ‫إلى مدى سلطان العقل‪.‬‬

‫وتأسيسا على ذلك يمكن إثارة السؤال‬ ‫ً‬

‫اآلتي‪ :‬أين تكمن أزمة العقل فى إشكالية‬

‫التنوير؟‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫يف نوفمرب من عام ‪1978‬م انعقد يف الجزائر «مهرجان ابن‬

‫رشد» بتنظيم من الجامعة العربية والحكومة الجزائرية‪،‬‬ ‫وإذا بأبحاث املهرجان‪ ،‬يف معظمها‪ُ ،‬تضعف من شأن العقل‬

‫عند ابن رشد‪ .‬مثال ذلك بحث الدكتور عبدالكريم خليفة‬ ‫رئيس مجمع اللغة العربية األردين إذ يقول‪ :‬إنه يجب‬

‫إخراج الصراع الفلسفي بني الغزايل وابن رشد من مجال‬ ‫البحث الفلسفي الرصني؛ ألنه ينطوي عىل نربة انفعالية‪،‬‬

‫يف حني أنه كان الصراع التاريخي الذي حدد مسار العالم‬ ‫العربي يف اتجاه األصولية الدينية التي تبطل إعمال العقل‬

‫عام ‪1980‬م اجتمع في باريس أربعون‬ ‫عضوا من مشاهير مفكري العرب‬ ‫ً‬ ‫لتأسيس «حركة تنوير عربية»‪ .‬وكانت‬ ‫فكرة التأسيس هذه قد راودت أسرة‬ ‫تحرير مجلة «الطليعة» في عام‬ ‫‪1979‬م‪ .‬والمفارقة هنا أن ذلك االجتماع‬ ‫التأسيسي كان هو األول واألخير‬

‫يف النص الديني‪ ،‬وبالتايل يف النصوص األخرى أيًّا كانت‪.‬‬

‫أما زيك نجيب محمود فيطمس معالم التأويل عند ابن‬

‫رشد؛ إذ يرى أن ابن رشد ال يلجأ إىل التأويل إال للضرورة‪،‬‬ ‫حتى هذه الضرورة إن وجدت إنما تدلل عىل أن ظاهر‬ ‫الشريعة يؤيد ما نذهب إليه من تأويل‪ ،‬وبذلك يقيض زيك‬ ‫نجيب محمود عىل التفرقة التي يجريها ابن رشد بني املعنى‬

‫الظاهر واملعنى الباطن للنص الديني‪ .‬أما ألبري نادر فيذهب‬ ‫إىل أبعد مما ذهب إليه زيك نجيب محمود؛ إذ يرى أن من‬ ‫يقر بسلطان العقل فإنه سرعان ما ينزلق إىل التشكيك يف‬

‫الوحي‪.‬‬

‫تنويريون عرب يجتمعون يف باريس‬

‫يف مارس من عام ‪1980‬م اجتمع يف باريس أربعون‬

‫وتوفيق الحكيم يف يناير ‪1975‬م‪ .‬ويف ذلك الحوار كان رأيي أن‬

‫أوربا قد مرت بحركتني للتنوير‪« :‬تحرير العقل»‪ ،‬و«التزام‬ ‫العقل بتغيري الوضع القائم»‪.‬‬

‫أما الدول العربية ومن بينها مصر فلم تمر بهاتني‬

‫الحركتني‪ .‬وقد وافق توفيق الحكيم عىل هذا الرأي‪ ،‬ثم‬ ‫استطرد قائلاً ‪ :‬لقد ارتددنا إىل الوراء من بعد العشرينيات‬

‫والثالثينيات من القرن العشرين؛ بسبب الرجعية الدينية‬ ‫الخرافية التي ال تتفق مع جوهر الدين‪ ،‬ولكنها تتسرت‬ ‫باسم الدين لتلغي دائمً ا دور العقل‪ .‬انظروا كمثال ملهرجان‬ ‫املالبس يف الجامعة‪ .‬إنهم يقولون‪ :‬هذا زي إسالمي‪ ،‬وذاك‬ ‫زي غري إسالمي‪ .‬وهنا تذكر توفيق الحكيم املقاالت التي كان‬

‫عضوًا من مشاهري مفكري العرب لتأسيس «حركة تنوير‬

‫يكتبها يف عام ‪1939‬م بمناسبة صراعه مع السلطة الدينية‪.‬‬

‫مجلة «الطليعة» القاهرية يف عام ‪1979‬م‪ .‬واملفارقة هنا أن‬

‫العلمي‪.‬‬

‫عربية»‪ .‬وكانت فكرة التأسيس هذه قد راودت أسرة تحرير‬

‫ذلك االجتماع التأسييس كان هو األول واألخري‪ ،‬أي أنه قد‬ ‫أصيب بالفشل‪.‬‬

‫والسؤال إذن‪ :‬ملاذا فشل؟‬

‫ومن هنا دعا إىل ضرورة نشر العلمانية يف التفكري ويف املنهج‬ ‫إال أن هذا الصراع الذي تحدث عنه توفيق الحكيم‬ ‫ً‬ ‫سابقا عىل زمانه؛ ففي عام ‪1834‬م أصدر رفاعة رافع‬ ‫كان‬

‫الطهطاوي كتابًا عنوانه «تخليص اإلبريز يف تلخيص باريز»‬

‫وأجيب بسؤال‪ :‬ملاذا انعقد ذلك االجتماع يف باريس ولم‬

‫جاء فيه أنه ترجم اثنتي عشرة شذرة ملفكري التنوير‬ ‫ً‬ ‫شرطا لقراءة هذه الشذرات‪ ،‬وهو‬ ‫الفرنيس‪ ،‬ومع ذلك وضع‬

‫بنربة تشاؤمية يمكن القول‪ :‬إن أسرة تحرير مجلة‬

‫وبها حشوات ضاللية مخالفة لسائر الكتب السماوية‪،‬‬

‫التنوير‪ .‬وبنربة تفاؤلية يمكن القول‪ :‬إن اختيار باريس كان‬

‫لالنتباه ههنا أن مخطوط كتاب «تخليص اإلبريز» كان به‬

‫ينعقد يف أي بلد عربي‪ ،‬وبخاصة أنه يدعو إىل حركة تنوير‬

‫عربية؟‬

‫الطليعة لم تعرث عىل بلد عربي يقبل استضافة مؤتمر عن‬ ‫مردودًا إىل أنها عاصمة النور‪ ،‬حيث بزغت فيها حركة‬ ‫تنويرية يف القرن الثامن عشر من فالسفة التنوير‪ ،‬من‬

‫أمثال ديدرو وداالمبري وروسو وفولتري ومونتسكيو‪ .‬أما أنا‬ ‫فمنحاز إىل النربة التشاؤمية؛ ألن التساؤل يظل قائمً ا‪ :‬ملاذا‬ ‫لم تقبل الدول العربية استضافة مؤتمر التنوير؟ للجواب‬ ‫عن هذا التساؤل أستعني بحوار دار بني اليسار املصري‬

‫‪13‬‬

‫والسنة؛ ألنها محشوة بكثري من البدع‪،‬‬ ‫التمكن من القرآن‬ ‫ُّ‬

‫يقيمون عىل ذلك أدلة يعسر عىل اإلنسان ردها‪ .‬والالفت‬ ‫فقرات حذفها رفاعة قبل نشر كتابه‪ .‬ومن هذه الفقرات‬ ‫املحذوفة فقرة تتحدث عن إثبات علماء اإلفرنج لدوران‬

‫األرض حول الشمس‪.‬‬

‫والشيخ عيل عبدالرازق يف كتابه املعنون «اإلسالم‬

‫وأصول الحكم» أنكر الخالفة اإلسالمية بدعوى أنها ليست‬

‫من الخطط الدينية وال القضاء‪ ،‬وال غريها من وظائف‬

‫ملف العدد‬


‫الحكم ومراكز الدولة‪ ،‬إنما كلها خطط سياسية صرفة ال‬

‫عدم تكفري املؤول بدعوى خروجه عن اإلجماع‪ .‬ويف هذا‬ ‫املعنى قال ابن رشد‪« :‬ال يقطع ُ‬ ‫بكفر مَ نْ خرج عىل اإلجماع»‬

‫والسنة النبوية‬ ‫كتابه يحوي أمورًا مخالفة للقرآن الكريم‬ ‫ُّ‬

‫والحكمة من االتصال»‪.‬‬

‫شأن للدين بها‪ ،‬إنما تركها لنا لرنجع فيها إىل أحكام العقل‪.‬‬ ‫وكانت النتيجة محاكمته أمام هيئة كبار العلماء بدعوى أن‬

‫وإجماع األمة‪ ،‬ومن ثم صدر الحكم بإجماع اآلراء بإخراج‬

‫الشيخ عيل عبدالرازق من زمرة العلماء‪ ،‬وطرده من كل‬ ‫وظيفة لعدم أهليته للقيام بأي وظيفة دينية أو غري دينية‪.‬‬

‫الدخول يف عالقة عضوية بني الرشدية العربية‬

‫والرشدية الالتينية حتى يزول التوتر الحاد بني العالم‬ ‫اإلسالمي والعالم الغربي‪ ،‬ومن ثم تتوارى عبارة «تصادم‬

‫والالفت لالنتباه ههنا أن كتاب الشيخ عيل عبدالرازق‬

‫الحضارات» التي روَّج لها صموئيل هنتنغتون يف كتابه‬

‫‪ 3‬مارس ‪1924‬م‪ .‬ومن هنا يمكن القول بأن قرار هيئة كبار‬

‫بزغت يف السبعينيات من القرن املايض‪ ،‬وهي األصوليات‬

‫قد صدر بعد عام من إلغاء الخالفة اإلسالمية يف تركيا يف‬

‫العلماء بطرد الشيخ عيل عبدالرازق يتضمن ضمنيًّا انحياز‬ ‫هؤالء إىل الخالفة اإلسالمية‪ .‬وكل ما هو حادث من إرهاب‬

‫تثريه حركات إسالمية أصولية مثل حركة اإلخوان املسلمني‬ ‫وحركة داعش وحركة النصرة وغريها‪ ،‬إنما هو من أجل‬

‫إعادة الخالفة اإلسالمية‪ ،‬ليس فقط يف الدول اإلسالمية‪،‬‬ ‫إنما ً‬ ‫أيضا يف جميع الدول املوجودة عىل كوكب األرض‪.‬‬ ‫وإذا كانت األصولية تعني إبطال إعمال العقل يف النص‬

‫الديني‪ ،‬فاألصولية ضد التنوير الذي هو إعمال العقل‪،‬‬ ‫ليس فقط يف مجال الدين‪ ،‬إنما ً‬ ‫أيضا يف جميع مجاالت‬

‫‪14‬‬

‫يف كتابه املعنون «فصل املقال وتقرير ما بني الشريعة‬

‫الحياة اإلنسانية‪.‬‬

‫الخروج من األزمة‬

‫والسؤال بعد ذلك‪ :‬هل يف اإلمكان تأسيس تيار تنويري‬

‫للخروج من أزمة التنوير؟‬

‫جوابي باإليجاب‪ ،‬بشرط أن يستند هذا التيار التنويري‬

‫إىل تأسيس رشدية عربية ملواجهة األصوليات العربية‪ ،‬عىل‬ ‫أن تكون مكونات هذه الرشدية عىل النحو اآليت‪:‬‬

‫إن للنص الديني معنيني أحدهما ظاهر واآلخر باطن‪.‬‬

‫مشروعية إعمال العقل يف النص الديني للكشف عن‬

‫املعنى الباطن‪ ،‬وهو ما يسمى بالتأويل‪ ،‬وتعريفه عند ابن‬

‫املعنون هكذا يف عام ‪1997‬م؛ إذ التفت إىل ظاهرة جديدة‬ ‫الدينية التي أحدثت تغيريًا يف موازين القوى يف البلدان‬

‫اإلسالمية من انحياز إىل الحكومات الغربية إىل معاداتها‬

‫بعد ذلك‪ .‬ومن هنا أثار هنتنغتون السؤال اآليت‪:‬‬

‫هل املؤسسات الكوكبية وتوزيع القوى‪ ،‬وسياسات‬

‫واقتصاديات الدول يف القرن الحادي والعشرين هي التي‬ ‫ستشيع القيم الغربية‪ ،‬أم أن األصولية اإلسالمية هي التي‬ ‫ستشيع قيمها املستندة إىل إبطال إعمال العقل عىل نحو ما‬

‫ارتأى الفقيه ابن تيمية من القرن الثالث عشر؟‬

‫الرأي عندي أن التنوير‪ ،‬أو باألدق إعمال العقل‬

‫بجسارة‪ ،‬هو محور التغيري املقبل‪ .‬ويرتتب عىل ذلك نتيجة‬

‫حضارية هي أن العالم العربي ليس‬ ‫يف إمكانه إزالة إشكالية التنوير‬

‫إال بااللتزام بقيم التنوير‪.‬‬

‫إن هذا االلتزام لن يكون‬ ‫ممك ًنا إال بإحياء فكر‬ ‫ابن رشد بديلاً عن‬ ‫ابن تيمية‪ .‬وهذه‬ ‫هي مفارقة العالم‬ ‫العربي‪.‬‬

‫رشد أنه‪« :‬إخراج اللفظ من داللته الحقيقية ‪ -‬أي الحسية ‪-‬‬ ‫إىل حقيقته املجازية»‪.‬‬

‫العالم العربي ليس في إمكانه إزالة‬ ‫إشكالية التنوير إال بااللتزام بقيم التنوير‪.‬‬ ‫إال أن هذا االلتزام لن يكون ممك ًنا إال‬ ‫بإحياء فكر ابن رشد بديال عن ابن تيمية‪.‬‬ ‫وهذه هي مفارقة العالم العربي‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫جان جاك روسو‬


‫‪15‬‬

‫ملف العدد‬


‫التنوير العربي‬ ‫كمنقذ من الطائفية والمذهبية‬

‫هاشم صالح‬ ‫كاتب سوري‬

‫‪16‬‬

‫بداية أود طرح هذا السؤال‪ :‬لماذا يرفض الغربيون العودة‬ ‫إلى األصولية المسيحية؟ ألنهم يعرفون معنى التدين األصولي‬ ‫القديم وكل العصبيات الطائفية والمذهبية التي يحملها معه‬ ‫أو تحت طياته‪ .‬وهذا شيء يريدون تحاشيه بأي شكل كان؛ فقد‬ ‫عانوا حروب المذاهب المسيحية ما عانوا إلى درجة أن مجرد‬ ‫ذكراها يبث الرعب واالشمئزاز في النفوس‪ .‬يكفي أن نعلم أن‬ ‫حرب الثالثين عامً ا (‪1648-1618‬م) دمرت نصف ألمانيا تقريبًا‪،‬‬ ‫واجتاحت معظم أنحاء أوربا األخرى‪ .‬وهم ال يريدون العودة‬ ‫تمزيقا‪ُ .‬‬ ‫ً‬ ‫وقل األمر‬ ‫إلى هذه الحروب الطائفية التي مزقتهم‬ ‫ذاته عن الحرب األهلية الرهيبة التي جرت بين الكاثوليكيين‬ ‫والبروتستانتيين في فرنسا‪ .‬أصلاً التنوير جاء كرد فعل‬ ‫على هذه الحروب المذهبية التي حطمت‬ ‫أوربا‪ .‬الكاثوليكيون والبروتستانتيون‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بعضا‬ ‫يكفر بعضهم‬ ‫أيضا‬ ‫كانوا‬ ‫مثلما تفعل المذاهب والطوائف‬ ‫عندنا حاليًا‪ .‬كل طرف كان يدعي أنه يمثل العقيدة‬ ‫المسيحية القويمة المستقيمة التي ال تشوبها شائبة‪،‬‬ ‫وأن الطرف اآلخر منحرف عنها ومهرطق وزنديق‪ ،‬ومن ثم فهو‬ ‫كافر يحل دمه‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫وهذا يعني أن عقيدة الفرقة الناجية موجودة ً‬ ‫أيضا في‬

‫المسيحية‪ .‬جماعة البابا والفاتيكان يعتقدون اعتقادًا جازمً ا‬

‫أنهم هم الذين يمثلون المسيحية الحقة وليس البروتستانتيون‬ ‫أو األرثوذكس الروسيون أو غير الروسيين من يونانيين وصرب‬

‫ومسيحية شرقية عربية‪ .‬وعلى هذا األساس كان الكهنة‬

‫والقساوسة يهيجون المتدينين البسطاء بعضهم على بعض‬

‫الرتكاب المجازر والذبح على الهوية‪ .‬عندئذ قرر فالسفة التنوير‬ ‫فتح ملف العقيدة الالهوتية المسيحية‪ .‬واتخذوا قرارًا بتفكيكها‬ ‫واالنتقام منها حتى العظم! ماذا فعل بيير بايل وسبينوزا وفولتير‬

‫ومونتسكيو وروسو وديدرو والموسوعيون‪ ...‬إلخ؟ هذا ناهيك‬

‫عن كانط وهيغل وفويرباخ ونيتشه‪ ...‬إلخ‪ .‬هنا بالضبط يكمن‬ ‫جوهر مشروع التنوير الكبير الذي يريد بعض المثقفين العرب‬

‫القفز عليه بحجة أنهم تجاوزوه ووصلوا إلى مرحلة ما بعد‬ ‫الحداثة! برافو!‬

‫سؤال فلسفي مطروح على واقعنا العربي اإلسالمي‬

‫السؤال المطروح اآلن هو‪ :‬ما معنى اللحظة التاريخية‬

‫التي نعيشها حاليًا؟ في أي لحظة من التاريخ نتموضع نحن‬ ‫كعرب وكمسلمين؟ هل ًّ‬ ‫حقا تجاوزنا مرحلة الحداثة إلى ما بعد‬

‫الحداثة‪ ،‬والتنوير إلى ما بعد التنوير‪ ،‬كما فعلت مجتمعات أوربا‬ ‫المتقدمة؟ أم أننا ال نزال متخلفين عقليًّا ومتأخرين فكريًّا؟ لماذا‬

‫لم تعد تحصل أي مجزرة طائفية أو مذهبية في فرنسا أو ألمانيا‬

‫أو سويسرا في حين أنها كانت شائعة طيلة القرون الوسطى بل‬ ‫حتى القرن الثامن عشر؟ ينبغي أن نعترف بأننا‪ :‬ال نزال نتخبط‬

‫في أي لحظة من التاريخ نتموضع نحن‬ ‫كعرب وكمسلمين؟ هل ًّ‬ ‫حقا أننا تجاوزنا‬ ‫مرحلة الحداثة إلى ما بعد الحداثة‪،‬‬ ‫والتنوير إلى ما بعد التنوير‪ ،‬كما فعلت‬ ‫مجتمعات أوربا المتقدمة؟ أم أننا ال نزال‬ ‫فكريا؟‬ ‫متخلفين عقل ًّيا ومتأخرين‬ ‫ًّ‬ ‫لله‪ .‬نحن ال نشكو من أي شيء‪ .‬من قال لكم بأن عندنا مشكلة؟‬

‫نحن تجاوزنا مرح��ة الحداثة والتنوير بسنوات ضوئية ووصلنا‬ ‫إلى مرحلة ما بعد الحداثة وما بعد التنوير القديم التافه! لماذا‬

‫يريد هذا الشخص أن يعيدنا مئتي سنة إلى الوراء؟ وأنا أقول‪:‬‬

‫إني أريد إعادتكم أربعمئة سنة إلى الوراء وليس فقط مئتين!‬ ‫ليتكم توصلتم إلى مستوى الوعي األوربي في القرن السادس‬ ‫عشر! ليت شمس النهضة اإليطالية العظيمة َّ‬ ‫أطلت عليكم ولو‬ ‫لحظة واحدة فأضاءت عتماتِكم ودياجي َركم المتراكمة بعضها‬

‫فوق بعض منذ إغالق باب االجتهاد والدخول في عصر االنحطاط‬ ‫قبل ألف سنة‪ .‬ومن ثم كفانا مكابرة أيها األصدقاء‪ .‬ورحم الله‬

‫امرءً ا عرف قدر نفسه‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫الفرق بين المعاصرة الزمنية‬

‫والمعاصرة الفكرية أو اإلبيستمولوجية‬ ‫َ‬ ‫الفجوة التاريخية الكبيرة التي‬ ‫إذا لم نأخذ في الحسبان‬

‫تفصل الفكر األوربي عن الفكر العربي‪ ،‬أو تؤخر المجتمعات‬ ‫العربية عن تقدم المجتمعات الغربية‪ ،‬فإننا لن نفهم شي ًئا‬

‫في متاهات العصور الوسطى الطائفية التكفيرية‪ .‬نحن نتخبط‬ ‫في خضم الحروب المذهبية التي َّ‬ ‫حذر منها باألمس القريب‬

‫من شيء ولن نستطيع طرح أي مشكلة بشكل صحيح‪ ،‬ناهيك‬

‫هل تجاوز المجتمع الباكستاني مرحلة المجازر الطائفية؟ ماذا‬

‫واإلبيستمولوجي للفكر األوربي من جهة‪ ،‬والفكر العربي‬

‫األمير الشاعر المثقف خالد الفيصل‪ .‬أطرح عليكم هذا السؤال‪:‬‬

‫حصل فيه مؤخ ًرا من مجازر طائفية بل يحصل بشكل دوري من‬ ‫وقت آلخر؟ وقل األمر ذاته عن المجتمع األفغاني‪ .‬ماذا يحصل‬

‫في نيجيريا أو العراق أو سوريا‪ ...‬إلخ؟ وقس على ذلك بقية‬ ‫المجتمعات اإلسالمية والعربية من دون استثناء‪.‬‬

‫عن حلها وعالجها‪ .‬وهنا تطرح علينا مشكلة التحقيب الزمني‬ ‫اإلسالمي من جهة أخرى‪ .‬ينبغي لنا أن نعلم أن الفكر األوربي‬

‫مر بمختلف المراحل حتى اآلن وبشكل طبيعي تدريجي؛ مرحلة‬

‫العصور الوسطى المسيحية‪ ،‬فمرحلة الحداثة‪ ،‬فمرحلة ما بعد‬ ‫الحداثة‪ .‬وهنا ينبغي لنا أن نتفق على أمور؛ فمرحلة ما بعد‬

‫إن مناهضي التنوير يتحدثون عن األمور بكل خفة ‪-‬أو‬

‫الحداثة ال تعني إلغاء منجزات الحداثة‪ ،‬إنما تعني تصحيحً ا‬

‫على نفس مستوى االستنارة العقلية عند المجتمع الهولندي‬

‫أما منجزات الحداثة كالتنوير الديني وتجاوز الطائفية‬

‫استخفاف‪ -‬وكأن المجتمع السوري أو المصري أو السعودي يقف‬

‫أو الفرنسي‪ ،‬أو األوربي عمومً ا‪ .‬وأقصد باالستنارة العقلية هنا‬

‫انحسار العصبيات الطائفية والمذهبية بفضل هضم جماهير‬

‫لالنحرافات التي طرأت على الحداثة‪.‬‬

‫بوساطة العقل العلمي والدولة المدنية‪ ،‬فال أحد يريد التراجع‬

‫عنها‪ .‬ال ريب في أنهم أصبحوا يدعون إلى علمانية إيجابية‬ ‫منفتحة على البعد الروحاني لإلنسان ولكن من دون العودة إلى‬

‫الشعب (وليس فقط المثقفين) للفلسفة العقالنية الحديثة‬ ‫ً‬ ‫إلي‬ ‫وتجاوز المرحلة القروسطية للدين أو التدين‪.‬‬ ‫أحيانا يخيل َّ‬

‫النظام األصولي الطائفي القديم‪ ،‬أو التراجع عن الفكرة األساسية‬

‫أهلية مضمرة أو صريحة‪ .‬كل شيء على ما يرام عندنا والحمد‬

‫والقانون الذي ينطبق على الجميع‪ .‬وال أحد يريد التراجع عن‬

‫وكأنهم يقولون‪ :‬ال توجد طائفية عندنا وال مذهبية وال حروب‬

‫للعلمانية والدولة المدنية‪ .‬ال أحد يريد التراجع عن دولة الحق‬

‫ملف العدد‬


‫الحرية الدينية المطلقة‪ :‬أي حرية أن تتدين أو ال تتدين على‬

‫ً‬ ‫متخلفا عن ركب الحضارة علميًّا‬ ‫السادة‪ ،‬العالم اإلسالمي ليس‬ ‫وتكنولوجيًّا وفلسفيًّا فقط‪ .‬إنما هو متخلف دينيًّا والهوتيًّا ً‬ ‫أيضا‬

‫عبارته الشهيرة‪ :‬في أوربا يوجد إسالم بدون مسلمين‪ ،‬وعندنا‬

‫حاليًا شيء مضحك ومخجل‪ .‬إنه يفضحنا أمام البشرية كلها‪ .‬إنه‬

‫اإلطالق‪ ،‬بمعنى آخر فإن آية‪﴿ :‬ال إكراه في الدين﴾ مطبقة في‬

‫أوربا وليس في العالم اإلسالمي‪ .‬ولذلك قال اإلمام محمد عبده‬ ‫يوجد مسلمون بال إسالم‪ .‬بمعنى أن مكارم األخالق والدقة في‬

‫المواعيد واإلخالص في العمل كلها أشياء موجودة في أوربا‬ ‫ولكن ليست عندنا‪.‬‬

‫أكاد أسمعهم يقولون‪« :‬يا أخي‪ ،‬هذا الشخص يريد إعادتنا‬

‫إلى عصر التنوير األوربي‪ .‬إنه يريد إعادتنا مئتي سنة إلى الوراء‪.‬‬ ‫ما هذا الهراء؟! نحن تجاوزنا كل ذلك‪ .‬نحن في القرن العشرين‪،‬‬

‫بل الحادي والعشرين‪ .‬متى سيفهم هذا الشخص أننا لم نعد‬

‫في القرن الثامن عشر؟!»‪ .‬كر ٍّد على هذه المغالطة السهلة‬ ‫والمكابرة المضحكة(‪ )1‬سوف أقول ما يلي‪ :‬إني ال أريد إعادتكم‬

‫يعرينا على حقيقتنا‪ .‬هل تعتقدون أننا سنخرج من هذا المغطس‬ ‫الكبير الذي وقعنا فيه عن طريق مثل هذا الخطاب القروسطي‬ ‫التكفيري الذي يبثه شيوخ الفضائيات على مدار الساعة‪ ،‬ويمأل‬

‫العالم اإلسالمي من أقصاه إلى أقصاه؟‬

‫لقد أصبحنا مهزلة العالم كله‪ ،‬بل أصبحنا بعبعً ا يرعب‬

‫العالم‪ ،‬بعد أن كنا ذروة الحضارة إبان العصر الذهبي‪ .‬ومن ثم‬ ‫فالمسألة ليست مضحكة على اإلطالق‪.‬‬ ‫الصراع الجدلي الخلاَّ ق‬

‫بين مثقفي الحداثة ومثقفي القدامة‬

‫إلى القرن الثامن عشر فقط‪ ،‬إنما إلى القرن السادس عشر‬ ‫ً‬ ‫أيضا! هل تعتقدون أنكم تجاوزتم األسئلة التي طرحتها النهضة‬

‫قلتها مرارًا وتكرارًا في كتبي المتالحقة‪ :‬هناك فرق بين‬

‫عشر وبدايات النهضة األوربية األولى؛ حيث انهمكوا في ترجمة‬

‫(فولتير‪ ،‬وجان جاك روسو‪ ،‬ومونتسكيو‪ ،‬وكانط) وسواهم‬

‫اإليطالية العظيمة على الدين؟ بل أريد إعادتكم إلى القرن الثالث‬

‫علمائنا وفالسفتنا وبنوا على ذلك نهضتهم الكبرى‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫بالدرجة األولى‪ .‬ما يقال عن الدين في العالم العربي واإلسالمي‬

‫بل أريد إعادتكم إلى ما قبل ذلك بكثير‪ :‬إلى القرن الثامن‬

‫والتاسع والعاشر للميالد؛ أي إلى العصر الذهبي العربي‬ ‫اإلسالمي بالذات‪ .‬هل تعتقدون أننا تجاوزنا التساؤالت التي‬

‫طرحها ابن المقفع والتوحيدي والرازي والفارابي وابن سينا وابن‬

‫رشد والمعري وسواهم على الدين؟ بل حتى األسئلة التي طرحتها‬ ‫فرقة المعتزلة المتنورة العظيمة التي ال نستطيع طرحها اآلن‪ .‬أيها‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫التنوير الوسطي المؤمن والتنوير المتطرف الملحد؛ األول يمثله‬ ‫من عمالقة الفكر‪ ،‬والثاني يمثله (ديدرو‪ ،‬والبارون دولباك‪،‬‬

‫لم يعد هناك توتر ذهني أو صراع فكري‬ ‫في الساحة اإلسالمية؛ ألن أحد طرفي‬ ‫همش‬ ‫المعادلة‪ ،‬أي العقل الفلسفي‪ُ ،‬‬ ‫وقضي عليه‪ ،‬بل اتهم بالتكفير والزندقة‬ ‫ُ‬


‫ونيتشه) وآخرون عديدون‪ .‬وقد اخترت معسكري منذ البداية‬

‫أحدث النظريات الفلسفية واإلبيستمولوجية‪ ،‬ولهذا السبب‬

‫والقيم األخالقية العليا لتراثنا العربي اإلسالمي العريق‪ ،‬وقلت‬ ‫ً‬ ‫أيضا بأن تنويرنا لن يكون نسخة طبق األصل عن التنوير األوربي‪،‬‬

‫التقليديين المملة من كثرة التكرار واالجترار‪ .‬وهذا يعني أن‬

‫بكل وضوح؛ فأنا مع التنوير المؤمن بالله والعناية اإللهية‬

‫فإن دراساته عن الدين تبدو قوية ومقنعة‪ ،‬على عكس دراسات‬ ‫االحتكاك بين الدين والفلسفة مفيد لكال الطرفين‪ .‬ومن ثم فال‬

‫معاكسا له على طول الخط؛ فهناك إيجابيات عديدة في‬ ‫وال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وخصوصا في بداياته عندما كان ال يزال بري ًئا‬ ‫التنوير األوربي‪،‬‬

‫النهوض واستعادة العصر الذهبي مرة أخرى‪.‬‬

‫أي حال فإن صراع األضداد الذي جرى في أوربا بين الفالسفة‬

‫مندوحة عنه؛ ألنه «ال بد دون الشهد من إبر النحل»؛ كما‬

‫ولم ينحرف بعد‪ .‬وال بأس من استلهامها واالستضاءة بها‪ .‬وعلى‬ ‫ورجال الدين المسيحيين سوف يحصل ما يشبهه في الساحة‬

‫العربية‪ ،‬بل قد بدأ يحدث من اآلن‪ ،‬وبخاصة بعد أن وصل‬ ‫اإلخوان إلى سُ دَّ ة السلطة في بعض البلدان العربية قبل أن‬

‫يزاحوا عنها لحسن الحظ من متنوري مصر وتونس‪.‬‬

‫فمن الواضح أن الفهم اإلخواني لإلسالم يتعارض مع الفهم‬

‫العقالني المستنير‪ .‬والصراع محتوم بين الطرفين‪ .‬ولن نستطيع‬

‫تحاشي ذلك مهما فعلنا؛ فإما إسالم األنوار وإما إسالم اإلخوان‪.‬‬

‫انظر إلى ما حصل في مصر إبان حكم مرسي من صراعات‬ ‫حادة حول «األخونة»‪ :‬أي أخونة اإلدارة الحكومية والتلفزيون‬ ‫واإلعالم والثقافة وكل شيء‪ .‬ولكن الصراع ليس كله سلبيًّا كما‬ ‫ً‬ ‫سابقا‪ .‬على العكس تمامً ا‪ .‬كان هيغل يقول ما معناه‪« :‬ال‬ ‫ذكرت‬

‫شيءَ عظيمً ا في التاريخ يتحقق بدون صراعات البشر وأهوائهم‬

‫بد من إعادة االعتبار إلى الفلسفة والعقل الفلسفي إذا ما أردنا‬ ‫وختامً ا فإن تخبطات الربيع العربي شيء إجباري ال‬

‫يقول شاعرنا الكبير المتنبي الذي اكتشف معنى الجدل وقانون‬

‫التقدم قبل هيغل! وهذا يعني أن المرور بالمرحلة اإلخوانية‬ ‫األصولية على الرغم من صعوبتها وخشونتها شيء ال بد منه‬ ‫لكي نتحرر منها على طريقة‪« :‬وداوني بالتي كانت هي الداء»؛‬

‫كما يقول الشاعر الكبير أبو نواس‪ .‬لهذا السبب أقول بأننا‬

‫نعيش لحظة تقدمية من التاريخ العربي حتى لو كانت تبدو‬ ‫ً‬ ‫تراجعية‪ ،‬بل فجائعية‪.‬‬ ‫في ظاهرها‬ ‫الهوامش‪:‬‬

‫(‪ )1‬للرد عليهم كان يكفي أن أستشهد بذلك المهرجان الكبير الذي أقامته‬ ‫المكتبة الوطنية الفرنسية لالحتفال بالتنوير وفالسفته تحت إشراف‬

‫المفكر المعروف تزفيتان تودوروف عام ‪2006‬م‪ .‬وقد نظموه تحت‬ ‫الشعار الكبير التالي‪ :‬التنوير كإرث للمستقبل! بمعنى أن التنوير‬

‫الهائجة»‪ .‬ومن ثم فما نشهده حاليًا من اضطرابات في العالم‬

‫ال ينتمي إلى الماضي حتى بالنسبة إلى أوربا‪ ،‬فما بالك بالنسبة‬

‫الراكدة الهامدة هي وحدها التي ال تعرف معنى الصراع‪ ،‬ومن‬

‫إلى حد بعيد‪ .‬ولكن ماذا عن أوربا الوسطى والشرقية؟ ماذا عن روسيا‬

‫العربي قد يكون ظاهرة صحية وليست مرضية؛ فالمجتمعات‬ ‫ثم تجهل معنى االبتكار واإلبداع واالنتقال من حال إلى حال‪.‬‬

‫وعلى مدار التاريخ كان هناك صراع جدلي خصب بين‬

‫للشعوب التي لم تشهده بعد؟ ال ريب في أن أوربا الغربية استنارت‬ ‫السالفية األرثوذكسية؟ بولونيا ال تزال كاثوليكية جدًّا‪ ،‬على عكس‬ ‫فرنسا مثلاً ‪ .‬ومن ثم فهناك شعوب كثيرة ال تزال تنتظر أن تستنير‪.‬‬ ‫ال ريب في أنهم نظموا المعرض والمهرجان كرد فلسفي على ضربة‬

‫العقل الديني والعقل الفلسفي‪ .‬وحضارتنا العربية اإلسالمية لم‬ ‫ً‬ ‫متألقا إبان العصر الذهبي‬ ‫تبلغ أوجها إال عندما كان هذا الصراع‬ ‫ُ‬ ‫المجيد‪ .‬ولكن عندما توقف هذا الصراع وماتت الفلسفة أغلق‬

‫انظر الكتاب الجماعي الذي أصدروه بعد المؤتمر والمعرض تحت‬

‫الممل والتكرار واالجترار‪ ...‬لم يعد هناك توتر ذهني أو صراع‬

‫الفرنسية ‪2006‬م‪.‬‬

‫باب االجتهاد ودخلنا في عصر االنحطاط الطويل والفكر ُ‬ ‫األحادي‬

‫فكري في الساحة اإلسالمية؛ ألن أحد طرفي المعادلة‪ ،‬أي‬ ‫العقل الفلسفي‪ ،‬هُ مش ُ‬ ‫وقضي عليه‪ ،‬بل تم تكفيره وزندقته‪.‬‬ ‫وبموت العقل الفلسفي حصل جمود للعقل الديني فأصبح‬

‫فقي ًرا جدًّ ا من الناحية الفكرية؛ ألن الفلسفة لم تعد موجودة‬

‫‪ 11‬سبتمبر‪ ،‬ال ريب في أنهم كانوا يقصدون به الشعوب العربية‬ ‫واإلسالمية بالدرجة األولى‪ ،‬ولكن مسألة التنوير تخص الجميع‪.‬‬

‫نفس العنوان‪ :‬األنوار إرث للمستقبل‪ .‬مطبوعات المكتبة الوطنية‬ ‫‪Lumieres! Un heritage pourdemain. Collectif Bibliotheque‬‬ ‫‪Nationale de France 2006.‬‬

‫ومن ثم فالتنوير لم يصبح في ذمة التاريخ على عكس ما يتوهم بعض‬

‫المثقفين العرب!‪ ...‬بل إنه لم يبتدئ بعد بالنسبة لثقافات عديدة‬ ‫وشعوب كثيرة في العالم‪ ،‬إنه أمامنا ال خلفنا‪.‬‬

‫لكي تغذيه وتستفزه وتدفعه إلى المزيد من النضج واالنفتاح‪.‬‬

‫(‪ )2‬انظر كتابه الكبير عن اإلسالم ويقع في نحو ألف صفحة‪ .‬وقد ترجم‬

‫والعقل الديني في الغرب‪ .‬بصراحة ال وجه للمقارنة؛ فرجال‬

‫لألسف الشديد! ال نستطيع أن نقارن مشايخنا بهذا العالم الكبير‪.‬‬

‫للتدليل على ذلك يكفي أن نقارن بين العقل الديني عندنا‬ ‫الدين في أوربا يطلعون على كتب الفلسفة ويستفيدون منها في‬

‫تعميق اإليمان وفهم الدين‪ ،‬أما عندنا فيكتفون بقراءة الكتب‬ ‫التقليدية التي أكل عليها الدهر وشرب‪ .‬نضرب على ذلك مثلاً ‪:‬‬ ‫عالم الالهوت السويسري األلماني هانز كونغ(‪ .)2‬إنه مطلع على‬

‫‪19‬‬

‫إلى اإلنجليزية والفرنسية‪.Hans Kung :L’Islam.Cerf.Paris 2010 :‬‬

‫وهذا أكبر دليل على مدى تخلف الفكر الديني في بالدنا‪ .‬هناك مفكر‬

‫واحد يستطيع أن يرتفع إلى مستواه وربما يتفوق عليه هو‪ :‬محمد‬

‫أركون‪ ،‬أكبر مجدد للفكر اإلسالمي في هذا العصر‪ .‬ولكن من يستمع‬ ‫إلى محمد أركون؟ لحظته لم تحن بعد‪..‬‬

‫ملف العدد‬


‫‪20‬‬

‫مآالت التنوير‬ ‫في الفكر‬ ‫العربي المعاصر‬ ‫كمال عبداللطيف‬ ‫كاتب وباحث مغربي‪ ،‬أستاذ الفلسفة في‬ ‫جامعة محمد الخامس‬

‫ً‬ ‫موقفا من الراهن العربي‪ ،‬وما‬ ‫يضمر سؤال مآالت التنوير في الفكر العربي‬ ‫يتفاعل داخله من أنماط الصراع التي أفرزتها تداعيات الحراك االجتماعي الذي شمل‬ ‫العديد من البلدان العربية طيلة سنوات العقد الثاني من األلفية الثالثة‪ .‬وهو يضمر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫موقفا من نمط استيعاب الثقافة العربية المعاصرة لمكاسب عصر األنوار‪ ،‬كما‬ ‫أيضا‬ ‫َتمَ َّث َلها جيل الرواد في عصر النهضة العربية‪ ،‬ومن سار على دربهم من النخب التي‬ ‫ً‬ ‫انطالقا من إيمانها بأن القيم‬ ‫واصلت عمليات توطين وتوظيف قيم التنوير في ثقافتنا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫سندا داعمً ا لمتطلبات المشروع النهضوي العربي‪.‬‬ ‫المذكورة تشكل‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫نفرتض أن الذين يقبلون املضمرات املشار إليها يعتمدون‬

‫تصوُّرات محدَّدة للتاريخ وألدوار الفكر يف التاريخ‪ ،‬وهي تصوُّرات‬ ‫ُتغفل ُّ‬ ‫تعقد املجال التاريخي وال تعريه االهتمام املطلوب؛ لقوة‬

‫التقليد والتقاليد يف مجتمعنا وثقافتنا‪ .‬ونحن نرى أن الذين‬ ‫يعتقدون برتاجع قيم التنوير يف فكرنا يُغفلون أن التاريخ ال‬ ‫يسري بطريقة خطية متصاعدة‪ ،‬وأن موجات الحماسة ملشروع‬

‫التنوير وموجات االعرتاض عليه مقابل اإلعالء مجددًا من شأن‬ ‫الفكر املحافظ والقيم املرتبطة به‪ ،‬كما حصلت وتحصل يف فكرنا‬ ‫املعاصر‪ُ ،‬تعَ ّد مج َّرد عناوين كربى يف صراع تاريخي متواصل‪ ،‬وهو‬

‫التاريخية الحاصلة يف أوربا بدءً ا من القرن السابع عشر‪ ،‬بل إنها‬ ‫كما نتصورها ونفكر فيها‪ -‬تستوعب ذلك وتتجاوزه‪ ،‬وذلك بناء‬‫عىل معطيات التاريخ الذي أسهم يف تبلورها وتبلور املكونات املركبة‬

‫واملتناقضة التي نشأت يف سياقات صريورتها وتطورها‪.‬‬

‫ال نستكني يف نظرتنا لعصر األنوار ومكاسبه إىل تصورات ورؤى‬ ‫فكرية م َ‬ ‫ُغلقة‪ ،‬قدر ما نسلم بجملة من املبادئ النظرية التاريخية‬

‫العامة‪ ،‬التي تنظر إىل اإلنسان واملجتمع والطبيعة والتاريخ من‬

‫منظور يستوعب ثورات املعرفة والسياسة‪ ،‬كما تحققت وتتحقق‬ ‫يف التاريخ الحديث واملعاصر‪ ،‬ويف أوربا تحديدًا‪ ،‬موطن التشكل‬

‫َّ‬ ‫صراع ال يُحَ ُّل بني ليلة ُ‬ ‫يتطلب مسافات من‬ ‫وضحاها‪ ،‬إنه صراع‬ ‫الزمن َت ُطول أو َت ْق ُصر‪ ،‬تختفي ثم تعود‪ ،‬وذلك حسب أنماط بنائنا‬

‫األخرى بحكم شروط التحول العاملية‪ ،‬التي واكبت بعد ذلك‬

‫قد ال نكون مجازفني عندما نعلن أن مظاهر التوتر والتناقض‬

‫إن قوة املوقف الفلسفي الذي يحمله مشروع التنوير‪ ،‬تتمثل‬

‫يف بعض جوانبها إىل قصر النفس النظري املهيمن عىل معاركنا‬

‫إىل التغيري استنادًا إىل قيم بديلة لقيم التقليد املتوارثة؛ حيث‬ ‫ُ‬ ‫مغامرة البحث اإلنساين بدءً ا من عصر النهضة يف القرن‬ ‫فجرت‬

‫وصور تفاعلنا مع مقدمات أسس التنوير وقواعده‪.‬‬

‫والرتاجع‪ ،‬التي تشكل اليوم السمات األبرز يف فكرنا املعاصر‪ ،‬تعود‬

‫يف الفكر والسياسة واملجتمع‪ ..‬نحن هنا ال نفسر ظواهر تاريخية‬ ‫مركبة بعامل واحد‪ ،‬ولكننا نتصور أن القصور النظري يعد واحدً ا‬ ‫من العوامل املساعدة عىل فهم أكرث ً‬ ‫دقة لجوانب عديدة من‬ ‫ٍ‬ ‫إشكاليات التحول السيايس الحدايث والتحديثي يف عاملنا العربي‪.‬‬ ‫نحو استيعاب مقدمات األنوار‬

‫األول للمشروع األنواري‪ ،‬ثم يف باقي مناطق وقارات العالم‬ ‫عملية تعميم التنوير يف مختلف ثقافات العالم‪.‬‬

‫أولاً وقبل كل يشء يف الوعي بمبدأ املخاطرة اإلنسانية الساعية‬

‫‪16‬م‪ً ،‬‬ ‫آفاقا واسعة أمام العقل البشري‪ ،‬وهو األمر الذي ترتب عنه‬ ‫تبل ُو ُر مجموعة من القيم املعرفية واألخالقية الجديدة يف النظر إىل‬

‫الطبيعة واإلنسان واملستقبل‪.‬‬

‫ال تنفصل إذن يف نظرنا معارك املجال الثقايف والديني الحاصلة‬

‫يف مجتمعاتنا عن مشروع ترسيخ مقدمات األنوار وقيمها يف‬

‫لقد انطلقت معاركنا يف اإلصالح الديني والثقايف والسيايس‬

‫فكرنا‪ .‬وضمن هذا السياق نعترب أن انتشار دعاوى تيارات التط ُّرف‪،‬‬

‫املعارك املذكورة يف صورها املتعددة‪ ،‬استيعاب جملة من العناصر‬

‫مناسبة تاريخية جديدة‪ ،‬إلطالق مجابهات يكون بإمكانها أن‬ ‫تكشف فقر ومحدودية ُ‬ ‫وغ ْربَة التصورات املتصلة بهذه التيارات‪،‬‬

‫وإصالح املؤسسات منذ ما يقرب من قرنني من الزمان‪ ،‬وأتاحت لنا‬ ‫يف موضوع املرجعية السياسية الحداثية وما يرتبط بها من قيم‬

‫التنوير‪ .‬تكشف مظاهر التأخر العامة يف مجتمعاتنا اليوم‪ ،‬بما‬ ‫َ‬ ‫ُحصلة معاركنا وتجاربنا يف املجال‬ ‫ال يدع أي مجال للشك؛ أن م‬

‫املشار إليه لم تثمر ما يسعف بناءَ قواعد ارتكاز نظرية وتاريخية‬ ‫قادرة عىل تحصني مشروعنا يف النهوض‪ ،‬والتقليص من حِ َّدة‬ ‫أزماتنا املزمنة يف مجال التواصل مع ذاتنا ومع اآلخرين يف العالم‪.‬‬

‫وألننا نتصور أن التحوالت الهامة يف التاريخ من قبيل‬ ‫ُّ‬ ‫وتمثل مقدمات التنوير ومكاسب عصر األنوار‪ ،‬ومحاولة‬ ‫استيعاب‬ ‫تبيئتها بصورة ُمبْدِ َعة داخل نسيج حياتنا يف الفكر ويف املجتمع‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫نتمكن من تجاوُز‬ ‫تتطلب مواصلة الجهد والعمل دون كلل؛ لعلنا‬ ‫العوائق التي حالت وما ف ِتئت تحول بيننا وبني انخراط فاعل يف‬

‫العالم؛ وهو األمر الذي يسهم يف تهيئة الشروط املساعدة عىل‬ ‫بلوغ املرامي التي َّ‬ ‫سطرها ال َّنه َ‬ ‫ْض ِويُّون العرب يف تاريخنا املعاصر‪.‬‬ ‫وقبل تشخيص بعض جوانب من معارك التنوير يف فكرنا‪،‬‬

‫نشري إىل أن تصورنا للتنوير وقيمه ال يرتكز عىل مبادئ فكرية‬ ‫مغلقة‪ ،‬فليس فكر األنوار يف تصورنا مجرد جملة من املبادئ‬ ‫واملفاهيم املرتبطة ببعض األنساق واملنظومات الفلسفية والوقائع‬

‫‪21‬‬

‫ودعاوى تيارات التكفري والعنف يف ثقافتنا ومجتمعنا‪ ،‬يمنحنا‬

‫وهو األمر الذي يتيح لنا بناء الفكر املبدع؛ أي إنشاء خيارات‬ ‫مطابقة لتطلعاتنا يف النهضة والتقدم‪.‬‬ ‫تنوير عربي‬ ‫إبداع‬ ‫نحو‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬

‫َ‬ ‫وصف‬ ‫اعتاد الذين يناهضون قيم التنوير يف فكرنا العربي‬

‫لفكر ال عالقة له بتاريخنا وال‬ ‫املتنورين يف ثقافتنا بنعت الناقلني‬ ‫ٍ‬ ‫بثقافتنا ومجتمعنا‪ .‬وقد تأكد يف العقود األخرية من القرن املايض‬

‫‪-‬ويزداد تأكدًا اليوم وسط ما نعانيه يف مجتمعاتنا من تنامي‬

‫تيارات التطرف الديني بمختلف ألوانه‪ -‬أن حاجة املجتمعات‬ ‫العربية إىل مبادئ األنوار وقيم التنوير تتطلبها معركة اإلصالح‬

‫الثقايف واإلصالح الديني يف حاضرنا‪.‬‬

‫ال يتعلق األمر إذن بعملية نسخ لتجربة معينة يف‬ ‫ً‬ ‫اختالفا كليًّا عن‬ ‫التاريخ؛ تجربة حصلت يف مجتمعات مختلفة‬ ‫مجتمعاتنا‪ ،‬بل إنه يتعلق أساسً ا بتجربتنا الذاتية يف التاريخ‪.‬‬

‫وحاجتنا إىل التنوير اليوم تمليها وقائع ومعطيات عينية قائمة يف‬ ‫مجتمعاتنا وثقافتنا‪ .‬أما النموذج اآلخر‪ ،‬الذي حصل يف التاريخ‬

‫ملف العدد‬


‫يف سياقات أخرى وداخل مجتمعات أخرى‪ ،‬فيمكن أن نستفيد‬ ‫من رصيده الرمزي والتاريخي‪ ،‬كما يمكننا أن نعمل عىل تطوير‬

‫بعض معطياته ومكاسبه يف ضوء خصوصياتنا التاريخية‪ ،‬التي‬ ‫ال تستبعد وال تنفي تشابه بعض معطيات التاريخ‪ ،‬وإمكانية‬ ‫االستعانة بموضوع مواجهة قضاياه باالستفادة من دروسه‪.‬‬

‫يف جدليته التاريخية الحية‪ ،‬وقد شكل ‪-‬كما نعرف يف تاريخنا‪-‬‬ ‫مهما ًزا للحركة التاريخية املنتصرة لقيم األزمنة التي واكبته خالل‬

‫عصورنا الوسطى‪.‬‬

‫وهنا ال بد من توضيح أن قيم اإلسالم كما تبلورت يف التاريخ‪،‬‬

‫ٌ‬ ‫جملة‬ ‫إن تزايد مظاهر التطرف يف مجتمعاتنا ‪-‬وقد أسهمت‬

‫أفكار أقل ما يمكن أن‬ ‫ال عالقة بينها وبني ما هو شائع اليوم من‬ ‫ٍ‬

‫ينبغي أن تكون متنوعة بتنوع األدوار التي تمارسها اليوم يف‬

‫النيص والحديث أكرب من األحكام والفتاوى املحافظة واملرتددة‪ ،‬إنه‬

‫من العوامل يف توليدها‪ -‬تجعلنا نتصور أن معارك مواجهتها‬ ‫واقعنا‪ .‬وكلما ازداد عنف هذه املظاهر يف محيطنا االجتماعي‬ ‫والسيايس‪ ،‬ازدادت الحاجة إىل تطوير آليات ووسائل املواجهة‪،‬‬

‫بهدف توسيع مساحات التنوير والتسامح‪ ،‬واالنفتاح يف ثقافتنا‬ ‫ومجتمعنا‪ ،‬وهو األمر الذي يقلص ‪-‬متى ُع ِّمم‪ -‬من أدوار التط ُّرف‬

‫واملغاالة وأدوار بعض الفقهاء الذين يمنحون أنفسهم امتيازات‬

‫الكهنوت‪ ،‬وامتيازات مانحي صكوك الغفران‪ ،‬وذلك بإصدارهم‬ ‫فتاوى التكفري والجهاد ومخاصمة العالم‪.‬‬

‫توصف به هو غربتها عن التاريخ وعن اإلنس��ن‪ .‬فاإلسالم يف تاريخه‬

‫يف روحه العامة عبارة عن جهد يف التاريخ مشدود إىل التسامي‬ ‫وإىل املطلق‪ ،‬لهذا السبب نحن ال نتصور اإلسالم دون اجتهاد‪.‬‬

‫وضمن هذا األفق‪ ،‬نشري إىل أن اإلسالم ينفر من قيم املوت والقتل‬

‫والتخريب واالنغالق والتزمُّت‪ ،‬ليحرص بدل كل ذلك عىل إشاعة‬

‫قيم الحياة‪ ،‬قيم توسيع مساحة مكانة اإلنسان يف التاريخ‪.‬‬ ‫التنوير مطلب كوين يف عالم متحول‬

‫ال يتعلق األمر يف موضوع دفاعنا عن قيم التنوير يف العالم‬

‫يطرح مشكل تنامي إسالم التطرف يف واقعنا مطلب املواجهة‬ ‫بالتنوير والنقد؛ حيث ال يمكن أن ُتحَ و َِّل جماعات معينة التجربة‬

‫العربي اليوم‪ ،‬بعملية نسخ أو نقل لتجربة تمت يف التاريخ‪،‬‬

‫التجربة الروحية يف اإلسالم تتجاوز األحكام النمطية املحفوظة يف‬

‫يف سياق تاريخي محدد يف القرنني السابع عشر والثامن عشر يف‬

‫الروحية يف التاريخ اإلسالمي إىل تجربة متحجّ رة مغلقة‪ .‬إن‬

‫‪22‬‬

‫مستندة يف ذلك إىل تصورات ومبادئ ال عالقة بينها وبني اإلسالم‬

‫تراث ال يعدو أن يكون جزءً ا من تاريخ لم ينتهِ‪ .‬لهذا السبب نرى‬

‫أن عودة املحفوظات التقليدية بالصورة التي تتمظهر بها اليوم‬ ‫يف ثقافتنا ويف مجالنا الرتبوي والسيايس‪ ،‬يعود إىل عدم قدرتنا‬

‫عىل إنجاز ما يسعف بتطوير نظرتنا للدين والثقافة والسياسة يف‬

‫مجتمعاتنا‪ .‬إن فشل مشاريع اإلصالح الديني واإلصالح الرتبوي‬

‫يف فكرنا يُعَ ُّد من بني العوامل التي كرست –وتكرس‪ -‬مثل هذه‬ ‫العودات العنيفة إىل املعطيات العتيقة يف تراثنا وثقافتنا‪.‬‬

‫واألنوار ال تزال اليوم مطلبًا كونيًّا‪ .‬وقيم عصر األنوار التي نشأت‬

‫أوربا‪ ،‬تتعرض اليوم المتحانات عميقة يف سياق تاريخها املحيل‪،‬‬

‫وسياقات تاريخها الكوين‪ ،‬وذلك بحكم الطابع العام ملبادئها‪،‬‬

‫وبحكم تشابه تجارب البشر يف التاريخ‪ ،‬وتشابه عواملهم الروحية‬ ‫واملادية وعواملهم التاريخية يف كثري من مظاهرها وتجلياتها‪.‬‬

‫ترتبط حاجتنا إىل التنوير بأسئلة واقعنا‪ ،‬كما ترتبط بسؤال‬

‫االجتهاد يف فكرنا ويف كيفيات تعاملنا مع قيمنا الروحية‪ .‬وإذا‬

‫كنا نعرف أن املبدأ األكرب الذي وجه فكر األنوار يتمثل يف الدفاع‬

‫ننب الفكر اإلسالمي‬ ‫لم نتمكن من ترسيخ قيم االجتهاد‪ ،‬ولم ِ‬

‫عن عدم قصور اإلنسان‪ ،‬والسعي إلبراز قدرته عىل تعقل ذاته‬ ‫ومصريه بهدف ّ‬ ‫فك مغالق ومجاهل الكون والحياة؛ فإنه ال يمكن‬

‫ما فعلته التيارات املعادية لقيم العصر ويف قلبها قيم التنوير‬

‫مكان الصدارة يف العالم‪ ،‬ويمنح اإلنسان مسؤولية صناعة حاضره‬

‫املنفتح والقادر عىل تركيب تصورات جديدة للعالم‪ ،‬تتيح لنا‬

‫استيعاب مقدمات وأصول الحياة الجديدة يف عصرنا‪ .‬ولعل أخطر‬ ‫والتقدم يف فكرنا املعاصر‪ ،‬هو تعميمها لجملة من الدعاوى‬ ‫الرامية إىل استبعاد إمكانية تصالح ذواتنا التاريخية مع العالم‪،‬‬

‫من األمور المستعجلة اليوم في‬ ‫الثقافة العربية‪ :‬العمل على تأسيس‬ ‫جبهة للتنوير‪ ،‬من أجل أن تساعدنا على‬ ‫إيقاف مسلسالت التراجع واالنكفاء‪،‬‬ ‫درعا أماميةً‬ ‫جبهة يمكن أن تشكل ً‬ ‫لمواجهة أشكال االندحار الثقافي‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫ألحد أن يجادل يف أهمية هذا املبدأ‪ ،‬الذي يمنح العقل البشري‬

‫ومستقبله‪ .‬وتاريخ البشرية يقدم الدليل األكرب عىل قيمة هذا‬ ‫املبدأ‪ ،‬ولهذا السبب نحن معنيون بإشاعة القيم التي تتضمن‬

‫وتستوعب االعتزاز باإلنسان واإلعالء من مكانته ورسالته يف‬

‫الوجود‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ولعلنا نزداد تشبُّثا بهذا املبدأ عندما نعاين يف حاضرنا كثريًا‬ ‫من مظاهر تحقري اإلنسان والتنكيل به‪ ،‬فندرك بصورة أفضل‬

‫أهمية االنخراط يف تعزيز قيم التنوير يف حياتنا‪ ،‬وندرك يف اآلن‬ ‫ٌ‬ ‫شروط خارجية‪ ،‬وال‬ ‫نفسه أن حاجتنا اليوم لهذه القيم ال ُتمليها‬

‫تمليها إرادة نقل تكتفي بنسخ الجاهز‪ ،‬بل إن حاجتنا الفعلية لهذه‬ ‫القيم تحددها بكثري من القوة شروط حياتنا الواقعية والفعلية؛‬ ‫حيث يصبح توسيع فضاء العقل والنقد والتنوير مجالاً للمعاناة‬


‫والتوتر والجهد الذايت الخلاّ ق‪ ،‬يف عمليات بناء القيم واملبادئ التي‬

‫مأزق موصول بإرث تاريخي لم نتمكن بع ُد‬ ‫تتيح لنا الخروج من‬ ‫ٍ‬

‫من تشريحه ونقده تمهيدً ا إلعادة بنائه بتجاوزه‪.‬‬

‫نيس كثري من الذين يتحدثون اليوم عن إخفاق مشروع‬

‫التنوير يف فكرنا‪ ،‬أن املأثرة الكربى إنما هي لرواد اإلصالح الذين‬ ‫عملوا عىل غرس قيم العقل يف فكرنا اإلصالحي‪ ،‬ونيس هؤالء‬ ‫أن مهمة تركيب فكر التنوير يف ثقافتنا لم تكن مسألة نظرية‬

‫خالصة‪ ،‬بل إنها كانت منذ بداياتها األوىل أشبه ما تكون بعملية‬ ‫يف املواجهة‪ ،‬مواجهة سقف يف النظر واللغة‪ ،‬ومواجهة تاريخ من‬

‫االستبداد‪ ،‬وتاريخ من الهيمنة النصية‪ .‬لهذا اختلطت وتداخلت‬ ‫كثري من عناصر مهمتهم‪ ،‬رغم كل الجهود املضنية التي بذلوا‬

‫يف باب دعم وتعزيز منطق العقالنية ولغتها يف ثقافتنا‪ .‬ولعلهم‬ ‫نسوا ً‬ ‫أيضا أن التوجهات النظرية التأصيلية الجديدة التي ما فتئت‬

‫تنشأ يف فكرنا منذ هزيمة ‪1967‬م‪ ،‬وميالد ما أصبح يعرف بعتبة‬

‫«النهضة الثانية»‪ ،‬تعد يف العمق محصلة ملختلف‬ ‫ُصور التمرين والتمرس التي مارسها الجيل األول‬

‫والثاين من النهضويني العرب‪ .‬وهو ما‬ ‫يفيد أن مُحَ ِّص َل َة تطور عقالنية األنوار يف‬

‫فكرنا‪ ،‬تستمد قوتها من آلية الرتاكم‪،‬‬ ‫التي أسهم الفكر اإلصالحي العربي‬ ‫يف بنائها‪ ،‬لتشكل جهود املتأخرين‬

‫األحياء من مفكرينا يف أبعادها‬

‫النظرية العميقة‪ ،‬الصورة املتطورة‬ ‫إلسهامات رواد اإلصالح يف القرن‬ ‫التاسع عشر والنصف األول من‬

‫القرن العشرين‪.‬‬

‫اإلصالح ليس وصفة سحرية‬ ‫ينبغي أالّ نغفل هنا التأكي َد عىل أننا ال نتصور سهولة املعركة التي تنتظرنا‪ ،‬ذلك أن اإلصالح ليس وصفة سحرية من ِقذة من‬

‫شرور عالم نحن صانعوه‪ ،‬إنّ الطريق مفتوح أمامنا عىل مشروع بذل جهود وتضحيات ومنازالت كربى يف مجاالت عديدة‪ ،‬بهدف‬ ‫تعويد الذات عىل مواجهة أسئلة التاريخ والحرب واإلصالح‪ ،‬تعويد الذات عىل املواجهة بالتضحيات التي َت ْنذِ ُر الغايل والنفيس‬

‫لالنتصار عىل أعباء التاريخ‪ ،‬وما سيصنع لحظة حصول اإلصالح الذي نتطلع إليه؛ أي تعميم مكاسب التنوير ومغانمه الرمزية‪،‬‬

‫‪23‬‬

‫سيعد خالصة لرتاكم تاريخي‪ ،‬قد ال نكون عىل بيِّنة تامة من مختلف أبعاده وأفعاله‪.‬‬

‫وبناء عليه‪ ،‬تعد معركة التنوير يف بلداننا معركة شاملة ومر َّكبة‪ ،‬إنها معركة يف الفكر ويف السياسة واملجتمع والتاريخ‪،‬‬ ‫وكل إغفال ملجموع عناصرها يف تكاملها وتقاطعها وتداخلها‪ ،‬ي ِّ‬ ‫ُقلص من إمكانية اإلنجاز الذي نصبو إليه‪ .‬ولهذا السبب‪ ،‬يشكل‬

‫مشروع التنوير البؤرة الناظمة والجامعة ألسئلة اللحظة التاريخية الراهنة يف مجتمعنا‪ ،‬وقد كان األمر كذلك قبل أربعني سنة‪،‬‬ ‫ولعله سيستمر بعد هذه اللحظة بما يعادلها أو يفوقها يف َكمِّ الزمان‪ .‬إال أن األمر ينبغي عدم الرتاجع عنه أو التفريط فيه‪ ،‬هو أن‬ ‫نتخلىّ تحت أي ضغط أو إكراه تاريخي أو نظري عن مواصلة العمل من أجل زرع قيم التنوير والحداثة‪ ،‬وإعادة زرعها دُون َك َل ٍل‬

‫يف حاضرنا املفتوح عىل أزمنة مضت وأخرى قادمة‪.‬‬ ‫إن املمانعة التاريخية ْ‬ ‫َّ‬ ‫وال ِع َناد التاريخي الذي تمارسه قيود التقليد وأعباء التاريخ التي شكلت يف املايض جوانب من هويّتنا‪ ،‬كما‬ ‫نشأت وما فتئت تنشأ ويُعاد ُّ‬ ‫تشكلها يف التاريخ‪ ،‬يقتيض م ّنا العمل املتواصل يف اتجاه ابتكار أساليب جديدة يف الفكر ويف املمارسة‪،‬‬ ‫ملواصلة توطني مبادئ التنوير يف حاضرنا‪.‬‬

‫يمكن أن نؤكد إذن أنّ من األمور املستعجلة اليوم يف الثقافة العربية‪ :‬العمل عىل تأسيس جبهة للتنوير‪ ،‬من أجل أن تساعدنا‬

‫عىل إيقاف مسلسالت الرتاجع واالنكفاء‪ ،‬جبهة يمكن أن تشكل ً‬ ‫درعا أماميّة‪ ،‬ملواجهة أشكال االندحار الثقايف الحاصل يف بيئات‬

‫الثقافة العربية منذ عقود من الزمن‪ ،‬وذلك بفعل اتساع تيارات الفكر النيص املحافظ وتناميها‪ ،‬وانقطاع ‪-‬بل توقف‪ -‬وترية مغامرة‬ ‫االجتهاد واإلبداع يف فكرنا‪ .‬نحن هنا ال نتحدث عن نموذج حدايث جاهز‪ ،‬ذلك أنّ الحداثة إبداع يجسده تاريخ من املعارك‪ .‬وإذا كان‬

‫االنفجار العربي املتواصل قد أفرز مشهدً ا جديدًا يف الواقع العربي‪ ،‬واكتشف الجميع بامللموس أنّ التغيري ال يكون فقط بإسقاط‬ ‫النظم االستبدادية الفاسدة‪ ،‬بل ّإنه يتطلب رؤية شاملة ملختلف زوايا النهوض والتنمية‪.‬‬

‫إنّ بناء مجتمع عصري يحتاج اليوم إىل جبهة للتحرك‪ ،‬جبهة مسلحة بمبادئ الفكر املعاصر ومقدماته‪ ،‬جبهة قادرة عىل‬

‫إعادة بناء املجتمع من جديد‪ .‬ونحن نعتقد ّأنه لن تكون هناك مردودية لتحركات اليوم إذا لم تصنع الحدود التي تركب القطائع‬ ‫املطلوبة دون تر ُّد ٍد أو مخاتلة‪ ،‬مع مختلف أوجه التقليد واالستبداد ومظاهرهما يف مجتمعنا؛ األمر الذي يفيد أنّ املعركة مفتوحة‪.‬‬

‫ملف العدد‬


‫العرب من االستنارة‬ ‫إلى التشرذم‬ ‫سيار الجميل‬ ‫ّ‬ ‫مؤرخ عربي ‪ -‬المدير التنفيذي‬ ‫لمركز دراسات اكنك ‪ -‬تورنتو ‪ -‬كندا‬

‫‪24‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫العرب قد عاشوا في القرن العشرين بالرغم من ّ‬ ‫سيقول مؤرخو العرب بعد مئات السنين‪ :‬إنّ‬ ‫َ‬ ‫كل‬ ‫تناقضاتهم السياسية والفكرية؛ أزهى أزمنتهم الحديثة‪ ،‬بعد أن أحيت فيهم مشروعات النهضة مجاالت‬ ‫العقل واالستنارة واإلبداع‪ ،‬وأنهم قد نفضوا عنهم غبار الماضي‪ ،‬وخرجوا من سكون أكفان القرون التي‬ ‫سبقت اللحظة الزمنية للقرن العشرين ليلبسوا أثوا ًبا جديدة‪ ،‬وقد أبدعوا بعد أن انفتحت عقولهم‪،‬‬ ‫وتعاملوا مع أصالتهم‪ ،‬وخلقوا لهم أشياء جديدة لم يكونوا يعرفونها من قبل‪ ،‬بل إنهم انسجموا مع‬ ‫مشروعهم النهضوي ويقظتهم الفكرية‪ ،‬وناضلوا من أجل أن يكون لهم مكانهم تحت الشمس‪ ،‬لكنهم‬ ‫انتكسوا انتكاسات مريرة عند نهايات القرن العشرين‪ ،‬ودخلوا زم ًنا اختلفوا فيه عن أزمنة استنارتهم‬ ‫بالتقدم‪ ،‬فتغيّرت حاالتهم‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتبدلت أوضاعهم‪ ،‬وازدادت تناقضاتهم وباتوا‬ ‫النهضوية‪ ،‬بافتقادهم الوعي‬ ‫ّ‬ ‫يكره بعضهم ً‬ ‫يتعلموا منه شي ًئا‪ ،‬فهم لم يتوقفوا عن مشروعهم‬ ‫بعضا‪ ،‬وأخذوا يزيفون تاريخهم‪ ،‬ولم‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وتفشت في‬ ‫مخيفا؛ إذ غلبت عليهم الجهالة‪،‬‬ ‫تراجعا‬ ‫واستنارتهم فحسب‪ ،‬بل تراجعت خطاهم‬ ‫أوساطهم األميّة‪ ،‬وخبا فيهم الوعي بالزمن‪ ،‬بل ماتت فيهم جذوة التفكير والعقل‪ ،‬واندلعت عندهم‬ ‫الحروب‪ ،‬وعمّ ت في نفوسهم الكراهية! واألخطر من هذا وذاك ما حدث في مجتمعاتهم ونسيجهم‬ ‫الحضاري من تم ّزقات جراء أسباب غير مباشرة ما كانوا يحسبون حسابها ً‬ ‫أبدا ال في مرحلة االستنارة‬ ‫المد القومي العربي ونزاعاتهم الباردة‪ ،‬وصولاً‬ ‫األولى‪ ،‬وال في مرحلة الليبرالية الناشئة‪ ،‬وال في خضم ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫وخصوصا بعد سنة ‪1979‬م‪ ،‬تلك السنة‬ ‫المستبدين والطغاة‪،‬‬ ‫إلى مرحلة الحروب المجنونة وأزمنة‬ ‫التي اعتبرتها أخطر سنة في القرن العشرين؛ إذ سحبت منهم مشروعاتهم األولى‪ ،‬فتأخرت ثقافتهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتمدنة‪ ،‬وباتوا يبحثون لهم عن حلول بليدة من العصور الوسطى! كيف؟‬ ‫وتقلصت عالقاتهم‬ ‫مشروعات نهضوية عربية‬

‫مدارسهم األوىل‪ ،‬وطوّروا لغتهم العربية القاموسية‪ ،‬وعرفوا‬

‫قبل أن نحلل هذه اللحظة العربية الراهنة التي يكتنفها‬

‫تأسيس الصحافة من جرائد ومجالت‪ ،‬وطوّروا أساليبهم‬

‫باختصار ما كان عليه العرب إبان القرن العشرين؛ يك نرى‬

‫سنة مع دخولهم القرن العشرين‪ ،‬بدؤوا يشعرون بضرورة‬

‫الخروج منها‪ .‬مسرتشدين بتطوّر أجيالهم املعاصرة التي‬

‫رجال بُنا ٍة أوائل‬ ‫فعُ رفوا فيما بني الحربني العظميني بوجود‬ ‫ٍ‬ ‫كانوا وراء تأسيس عدد من املؤسّ سات والوزارات واملجامع‬

‫الغموض ويميّزها االقتتال والتشرذم بأنواعه‪ .‬دعونا نحلل‬

‫حجم الهاوية التي انزلقوا فيها اليوم وبات من الصعوبة‬

‫بدأت مع نهايات القرن التاسع عشر؛ حيث كانوا قد انفتحوا‬

‫عىل العالم‪ ،‬فرتجموا جملة من الكتب املمتازة‪ ،‬وتأسّ ست‬

‫عندما خرجنا من القرن العشرين كان‬ ‫عمالقة األدب والفكر والطرب والثقافة‬ ‫واحدا تلو اآلخر‪،‬‬ ‫واإلبداع يغادرون الحياة‬ ‫ً‬ ‫وغرقت مجتمعاتنا في ال وعي جمعي‬ ‫بالظالم الدامس‪ ،‬وأخذ الناس يفكرون‬ ‫بماضويات الزمن بعد مغادرتهم االستنارة‬ ‫نهائ ًّيا‪ ،‬بل وصل األمر إلى تكفير المبدعين‬ ‫والمفكرين والمؤسسين البناة األوائل‬

‫‪25‬‬

‫الكتابية وفنونهم األدبية وطرائق عيشهم‪ .‬ويف غضون ثالثني‬ ‫النهضة والتخلص من األجنبي وتكوين األوطان الحديثة‪،‬‬

‫العلمية والجامعات‪ ،‬وتطوّرت الثقافة العربية تطورًا إبداعيًّا‪،‬‬

‫وفكروا باالستقالالت الوطنية؛ إذ عرفوا قيمة أوطانهم‪ ،‬وقوة‬ ‫مجتمعاتهم وروعة ازدهارهم الحضاري‪ ،‬وكيفية اسرتجاع‬ ‫زهرة ماضيهم املتمدّ ن‪ ،‬كما عرفوا القوانني وتناغموا عربيًّا مع‬

‫بعضهم اآلخر باستحداث اإلذاعات العربية‪ ،‬والسينما‪ ،‬ودور‬ ‫النشر العربية‪ .‬ويكفي عىل سبيل املثال ال الحصر‪ ،‬ظهور امرأة‬

‫أسطورية عربية التفوا حولها ليسمعوها‪ ،‬وهي تشنف آذانهم‬

‫بالطرب العربي األصيل حتى أسموها‪« :‬كوكب الشرق»‪،‬‬ ‫فكانت وحدها عاملاً نهضويًّا وظاهرة تنويرية يف تجمّ عهم‪،‬‬

‫وهي فنانة قلما يجود الزمان بمثلها‪ ،‬جاءت من ريف مصر‬ ‫العربي لتوحّ د األسماع واألذواق العربية بني املشرق واملغرب‬ ‫العربيني عىل مدى خمسني سنة مضت‪.‬‬

‫ملف العدد‬


‫‪26‬‬

‫عوامل الفشل وخطورة عام ‪1979‬م وبدء الزمن الكسيح‬

‫ومع نهايات الحرب العاملية الثانية‪ ،‬تفاقمت تناقضاتهم‬

‫ومنذ تلك اللحظة البائسة‪ ،‬بدأ زمن كسيح تفاقم فيه‬ ‫االستبداد من قبل ّ‬ ‫حكام جائرين حاربوا االستنارة واالنفتاح‬

‫ضباط ثكنات إىل سُ دَّ ة الحكم ليحكموا من دون أيّة حكمة‪،‬‬

‫وجعل الشعوب تلهث وراء لقمة العيش والسكن والعمل‬

‫السياسية واأليديولوجية بحدوث انقالبات عسكرية ووصول‬ ‫وال أي دهاء‪ ،‬وال أيّ معرفة بطبيعة املجتمعات‪ ،‬مع أحزاب‬ ‫سياسيّة شمولية متشدّ دة ال تفقه طبيعة الحياة الحزبية‪،‬‬

‫وشغلوا الناس بتوافه األمور وبالشعارات الخاوية‪ .‬ناهيكم عن‬ ‫االنتقال من قوة العقل إىل العيش يف األوهام‪ ،‬فازداد جموح‬

‫خيالهم للخروج إىل العالم كأمة موحدة من دون أية دراسات‬

‫وآمنوا باالنغالق والتف ّرد بالسلطة‪ ،‬مع تبديد الرثوات‪،‬‬

‫واألمان‪ ،‬بل وصل األمر إىل إصدار قرارات جنونية‪ ،‬بإشعال‬

‫حروب‪ ،‬وقصف مدن‪ ،‬وإفقار شعوب؛ فبدأت تنحسر القوى‬ ‫االجتماعية الفاعلة‪ ،‬وتنكمش الحياة اإلبداعية لدى العرب‪،‬‬ ‫وبدأ الوعي ي َْذ ِوي‪ ،‬ودخل العرب يف مرحلة حروب أهلية‬ ‫وداخلية وإقليمية قاتلة‪ ،‬يف لبنان والعراق واليمن والجزائر‬ ‫وسوريا والسودان‪ ،‬وغريها‪ .‬وكانت هذه املرحلة كافية لخلق‬

‫ومفاهيم؛ إذ إنهم لم يدركوا حجم التنوّعات والتباينات فيها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫أثمانا‬ ‫ولم يتدارسوا الخلل الذي كان فيها‪ ،‬فكان أنْ دفعوا‬

‫مافيات وعصابات وجماعات إرهابية‪ ،‬مع زيادة االنحرافات‬

‫والصراعات األيديولوجية جراء التأثر بالحرب الباردة يف العالم‪،‬‬

‫ّ‬ ‫وتشكل البنية العمياء‬ ‫الدخول يف بحر الظلمات‪،‬‬

‫ٍّ‬ ‫تحد خطري واجهوه‬ ‫باهظة من الضحايا والخسائر أمام أخطر‬ ‫ممثلاً يف إسرائيل‪ ،‬ومع تفاقم االنقسامات السياسية والثقافية‬ ‫بقي الوعي الجمعي باالستنارة قويًّا‪ ،‬واألمل بالنهضة ساري‬

‫الفكرية بانعدام العقل والركض وراء األخيلة واألوهام!‬

‫وعندما خرجنا من القرن العشرين كان عمالقة األدب‬

‫والفكر والطرب والثقافة واإلبداع يغادرون الحياة واحدً ا‬

‫ً‬ ‫وخصوصا لدى جيل جديد كان يطمح لبناء املستقبل‬ ‫املفعول‪،‬‬ ‫أسوة باألمم األخرى حتى عام ‪1979‬م الذي أعتربه فاجعةً‬

‫تلو اآلخر‪ .‬وغرقت مجتمعاتنا يف ال وعي جمعي بالظالم‬

‫دين معمّ م إىل أعىل سلطة يف إيران‪ ،‬ومباشرة قال بتصدير‬

‫مغادرتهم االستنارة نهائيًّا‪ ،‬بل وصل األمر إىل تكفري املبدعني‬

‫هب إعصار مظلم للمرة األوىل بوصول رجل‬ ‫تاريخية؛ حيث ّ‬ ‫ثورته الطائفية باسم الدين نحو مجتمعاتنا التي بدأت تهتز‬

‫خالياها الراكدة‪ ،‬وعندما سمعنا بمصطلح «الصحوة الدينية»‬ ‫قلنا‪ :‬يا عجبًا! هل كانت مجتمعاتنا بال دين حتى تصحو؟!‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫الدامس‪ ،‬وأخذ الناس يفكرون بماضويات الزمن بعد‬

‫ً‬ ‫وخصوصا عندما‬ ‫واملفكرين واملؤسسني البناة األوائل‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ممزوجة باإلسالم السيايس‪،‬‬ ‫غدت السياسة –عىل أيديهم‪-‬‬

‫فتفاقم حجم الجماعات واألحزاب الدينية املتشدّ دة بعد‬


‫عام ‪1979‬م مع انقسام املجتمع العربي انقسامات حادة‪،‬‬

‫لحظة ‪2010‬م التي أسموها‪« :‬الربيع العربي» تحمل يف جوفها‬ ‫أسرار انتحارها؛ إذ اس ُتلبت تلك الثورات استالبًا من قوى‬

‫ّ‬ ‫وتقلص إنتاج القوى الفاعلة يف‬ ‫وانكماش النخب املبدعة‬

‫الغموض ويسودها اإلرهاب‪ ،‬ويميزها االقتتال والتشرذم‬ ‫ّ‬ ‫ولعل أقىس ما يمكن تخيّله اخرتاق إيران ملجتمعاتنا‬ ‫بأنواعه‪.‬‬

‫وبدأت الطائفية تلعب لعبتها سياسيًّا وإعالميًّا وثقافيًّا‪ ،‬بل‬ ‫انقسم ّ‬ ‫كل املثقفني العرب انقسامات حادة مع غياب العقل‬

‫أغلب مجتمعاتنا‪ ،‬وباتت األوضاع تنتقل من سيئ إىل أسوأ‬ ‫بدخول القرن الحادي والعشرين‪.‬‬ ‫َ‬ ‫لقد سجّ ل العرب يف أكرث من مكان حالة انتفاضة مع‬

‫تضخم قوة بشرية عربية شابة عانت يف نهايات القرن العشرين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحكام‪ ،‬وتبديد الرثوات‪،‬‬ ‫التصلب السيايس‪ ،‬واستبدادية‬

‫وغلبة اإلعالميات الكاذبة واملخادعة بوعود يف اإلصالح؛ فكانت‬

‫الظالم لتبدأ مرحلة ثالثني سنة نعيشها اليوم؛ حيث يكتنفها‬

‫باسم الطائفية ليتفجّ ر املزيد من الحروب واالقتتاالت والتم ّزقات‬ ‫االجتماعية‪ ،‬واالنقسامات الفكرية‪ .‬لقد هُ تكت أستار الثقافة‬

‫العربية‪ ،‬وأصبحت عدة مدن وعواصم عربية ميادينَ لصراعات‬ ‫ّ‬ ‫التخلف والتضليل‪ ،‬وابتذال الرتبويات‬ ‫دموية مع ازدياد حجم‬

‫والثقافات والفنون‪ ،‬وهجرة املاليني من العرب من أوطانهم‬ ‫ً‬ ‫بحثا عن أوطان جديدة لهم فيما وراء البحار‪.‬‬

‫هب‬ ‫عام ‪1979‬م أعتبره فاجعة تاريخية؛ إذ ّ‬ ‫إعصار مظلم للمرة األولى بوصول رجل‬

‫إن مأساة العرب اليوم ومحنتهم التاريخية تبدو للمؤرخ‬ ‫بنيوية عمياءَ يستعيص ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تتشكل من هياكل صعبة‬ ‫حلها؛ إذ‬

‫ومباشرة قال بتصدير ثورته الطائفية‬

‫استفحال التشبّث بالسلطة‪ ،‬وقهر اإلبداع وانعدام فرص‬

‫معمم إلى أعلى سلطة في إيران‪،‬‬ ‫دين‬ ‫ّ‬ ‫باسم الدين نحو مجتمعاتنا التي بدأت‬ ‫تهتز خالياها الراكدة‪ ،‬وعندما سمعنا‬ ‫ّ‬ ‫عجبا!‬ ‫بمصطلح «الصحوة الدينية» قلنا‪ :‬يا‬ ‫ً‬ ‫هل كانت مجتمعاتنا بال دين حتى تصحو؟!‬

‫جدًّ ا‪ ،‬وهي‪ :‬شمولية الحياة املعيشية‪ ،‬وغياب الح ّريات‪ ،‬مع‬ ‫نضوج املبدعني‪ ،‬وتفاقم اإلرهاب باسم الدين والنزول من‬

‫سماحته إىل املعتقدات الرخوة‪ ،‬وغلبة األساطري والخزعبالت‪،‬‬

‫ومحنة الطوائف وامللل واألقليات التي غدت تناحر األغلبيات‬

‫ردًّا عىل ثارات سيكولوجية قديمة‪ ،‬وكأنّ مجتمعاتنا لم تعرف‬

‫التعايش والوئام منذ آالف السنني‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫هل من استعادةٍ للتنوير والعقل؟‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫للمفكر بعيد النظر وعميق الرؤية‪ ،‬لكنها‬ ‫غامضة‬ ‫الحالة التي يعيشها العرب اليوم مع غلبة املشكالت‬ ‫ال أعتقد أبدً ا أن‬

‫تبدو غامضة لتلك الجماهري العريضة التي تفاقم حجم الجهل عندها حتى باألساسيات والبديهيات العامة‪ .‬وممّ ا زاد من‬

‫تفاقم حجم املحنة العربية اليوم‪ :‬الوسائل الحديثة التي هي نتاج حقيقي للعوملة التي يم ّر بها العالم اليوم‪ ،‬فإنْ كان العالم‬ ‫يعيش ثورة معرفية وعلمية واسعة األبعاد‪ ،‬فقد غدت هذه الوسائل الجديدة ليست سبيلاً للتواصل مع ثورة املعلومات‪ ،‬بل‬

‫أدوات قهرية االستخدام بتوظيفها يف سفاسف األمور‪ ،‬ويف توزيع العنف والعنف املضاد‪ ،‬فضلاً عىل دورها يف حدوث صدوع‬ ‫واسعة يف البنى الفكرية والقيم األخالقية مع انعدام الرتبويات القوية‪.‬‬

‫إنّ استعادة االستنارة العربية بحاجة إىل مشروعات تحديث واسعة النطاق يف العقلية وتبديل الذهنية من كونها مر ّكبة‬

‫ومنغلقة ومتناقضة إىل موحّ دة ومبسطة ومنفتحة بتغيري املناهج الرتبوية والتعليمية‪ ،‬واستحداث قوانني جديدة‪ ،‬وزرع‬

‫قيم فكرية نظيفة تتقبّل األشياء‪ ،‬وتخليص املجتمعات من ترسُّ باتها وأمراضها املستعصية‪ ،‬إضافة إىل والدة نخب لها ثقافتها‬ ‫الحقيقية التي تعتني باملبدعني‪ ،‬وإشباع الناس لحاجاتهم الضرورية‪ ،‬وتهذيب أذواقهم‪ ،‬وتجديد أساليبهم يف الحياة‪ ،‬وزرع‬

‫قيم جديدة يف التعايش مع اآلخر‪ ،‬وتقبّل أفكاره اإليجابية مع احرتام الزمن‪ ،‬ودقة اإلنتاج‪ ،‬ونقد الظواهر‪ ،‬وإتاحة الفرص‬ ‫للح ّريات‪ ،‬وتهذيب األذواق‪ ،‬وتجد��د القيم‪ ،‬واالعتناء بالثقافة العامة‪ ،‬وتحديث املؤسسات يف الدولة‪.‬‬

‫برجال بُنا ٍة من النهضويني الحقيقيني الذين لديهم القدرة عىل تربية أجيال‬ ‫إنّ تنوير العقل من أصعب املهام التي تناط‬ ‫ٍ‬ ‫جديدة يك يكونوا مادة أساسيّة يف ازدهار العرب إبان القرن الحادي والعشرين‪ .‬وهذا ال يتحقق يف ّ‬ ‫ظل األوضاع الحالية التي‬ ‫وصلت إىل درجة أدىن من االهرتاء‪ .‬إنني واثق بقدرة مجتمعاتنا العربية عىل االستجابة للتحدّ يات التاريخية‪ ،‬وكما أنجبت يف‬ ‫املايض أجيالاً من املبدعني والعمالقة يف الفكر واألدب والفن والعلوم وصنع الحياة املتحضرة‪ ،‬فإن أبناءهم وأحفادهم لهم‬

‫ً‬ ‫وخصوصا يف توظيف وسائل العصر الحديث ليتفوّقوا يف مجاالتهم ويكون لهم تأثريهم يف هذا العالم‪.‬‬ ‫القدرات نفسها‪،‬‬

‫ملف العدد‬


‫اختناق التنوير‬ ‫نتيجة حتمية‬

‫إبراهيم البليهي‬ ‫كاتب سعودي‬

‫‪28‬‬ ‫يقف بعض المهتمين حائرًا أمام عقم وعجز جهود التنوير منذ‬

‫أكثر من قرنين عن التأثير في الواقع العربي البائس‪ ،‬ولكن الحيرة‬ ‫تزول حين ندرك الطبيعة التلقائية لإلنسان‪ ،‬ونعرف الكيفية التي‬ ‫َّ‬ ‫ونتعقل أن اإلنسان كائن ثقافي‪،‬‬ ‫تتكون بها عقول الناس تلقائيًّا‪،‬‬

‫ونستوعب حقيقة أن كل جيل يرث بشكل تلقائي ثقافة الجيل الذي‬ ‫قبله بانتظام تلقائي صلب‪ ،‬وأن الثقافات كيانات متمايزة نوعيًّا‪،‬‬ ‫وأن المجتمعات محكومة بحتمية ثقافية حاسمة‪ ،‬وأن كل القوى‬ ‫المهيمنة في المجتمع ترعى هذه الحتمية وتحميها‪ ،‬وتمأل نفوس‬ ‫األجيال بإجالل السائد وتقديسه والوالء له والبراء‪ ،‬مما ُي َظن‬

‫أو ُي َتو ََّهم أنه يتعارض معه‪ ،‬وأن لكل فرد بنية ذهنية ووجدانية‬ ‫تختلف عن كل اآلخرين‪ ،‬فمن السهل أن يتبادلوا المعلومات‬

‫واألخبار والمعارف‪ ،‬لكن ال يمكن أن تتطابق تصوراتهم وأفكارهم‬ ‫ً‬ ‫تطابقا تامًّ ا حتى وإن ساروا متحدين‪.‬‬ ‫ورؤاهم‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫فاملواقف تقوم عىل محاوالت التوافق وليس التطابق‪ .‬إن‬

‫كل هذه العوامل وغريها تجعل رفض التغيري حتميًّا وتلقائيًّا‪،‬‬ ‫ألن التنوير يستهدف تغيري الواقع؛ فهو يتحرك باتجاه مضاد ملا‬

‫هو أثري ومخالط للنفوس‪ ،‬ومتجدد التأكيد‪ ،‬وكثيف التغذية‪،‬‬ ‫وعميق يف الوجدان‪ ،‬ومستقر يف العقول‪ ،‬ومتجذر يف التاريخ‪،‬‬

‫وراسخ يف الواقع‪ ،‬ومألوف ومتوارث وسائد ومستحكم‪.‬‬ ‫إن التنوير يحمله أفراد ُع َّزل ال يملكون سوى الفكر النيرِّ ‪،‬‬

‫مقابل مجتمعات فخورة بثقافاتها املتجذرة‪ ،‬وقوية بكياناتها‬

‫املتماسكة‪ ،‬لذلك لم يكن غريبًا أن تختنق كل جهود التنوير يف‬ ‫العالم العربي خالل القرنني املاضيني‪.‬‬

‫ومجتمعات وأممً ا‪،‬‬ ‫وال ُّن ُظم‪ ،‬فنتوَهَّ م أن البشرية أفرادًا‬ ‫ٍ‬ ‫قد قطعت مراحل متقدمة جدًّ ا من سالمة التفكري ُ‬ ‫وعمْ ق‬

‫اإلدراك‪  ،‬وأنها قد تجاوزت التفكري البدايئ التلقايئ‪ ،‬وأنها‬ ‫ُّ‬ ‫التحقق املوضوعي يف‬ ‫قد بلغت مستوى ال ُّرشد القائم عىل‬

‫كل أمورها‪ ،‬ولكن بقراء ٍة فاحصةٍ للتاريخ اإلنساين‪ ،‬وبالتأمل‬ ‫ُ‬ ‫الحقيقة املفزعة‪ ،‬وهي أن‬ ‫العميق يف ما يجري يف العالم تنجيل‬ ‫البشرية يف شكل عام ما زالت من الناحية الفكرية واألخالقية‬

‫بدايئ سحيق غارق يف التخلف والبؤس‪.‬‬ ‫تعيش يف مستوى‬ ‫ّ‬ ‫وأمام هذه املفارقة الصارخة بني التطور الحضاري املذهل‬ ‫يف وسائل وأدوات الحياة ويف القدرات العملية‪ ،‬مقابل التخلف‬

‫‪ ‬إن األصل يف كل الثقافات أنها ترفض وتقاوم بشكل‬

‫الشديد لعموم الناس وألكرث القيادات الثقافية والسياسية يف‬

‫ويتحقق التغيري النسبي إال بعد حروب طويلة دامية‪ ،‬فقد‬

‫تحقق من إنجازات عظيمة‪ ،‬إن فهم هذه املفارقة الصارخة ال‬

‫تلقايئ أيَّ فكر طارئ مغاير‪ ،‬حتى أوربا لم يؤثر فيها التنوير‬ ‫ٌ‬ ‫فئات‬ ‫انقسمت املجتمعات األوربية معه وضده‪ ،‬فانحازت‬ ‫مهمة وفاعلة إىل صف التنوير‪ ،‬وبقيت فئات أخرى تقاومه‬ ‫بشراسة؛ فاالنتصار النسبي للتنوير لم يتحقق إال بعد‬

‫مقاومات عنيفة‪ ،‬فلو لم تصادف ثورة مارتن لوثر هوى األمراء‬ ‫األملان كذريعة للتحرر من اإلمرباطورية املقدسة‪ ،‬ومن‪  ‬سلطة‬ ‫الكنيسة الكاثوليكية وقرارات البابا التعسفية ملا كان لها أن‬

‫تنتصر‪ ،‬ليس هذا فقط‪ ،‬إذ لم يكن ذلك وحده هو العامل الذي‬ ‫جعل أوربا تتقبل التنوير حتى وإن جاء التقبل ببطء وتلكؤ‪،‬‬

‫وإنما تضافرت عوامل كثرية انتهت بأوربا والغرب عمومً ا إىل‬ ‫هذا التحرر النسبي من أغالل التاريخ‪ ،‬واالنفكاك من بعض‬

‫القوالب الثقافية املوروثة‪ .‬وأهم هذه العوامل اإليجابية أن‬ ‫الثقافات األوربية هي يف األساس تفريعات للثقافة اليونانية‬ ‫بفكرها الفلسفي وعقلها النقدي‪ ،‬كما أنها قد ورثت الثقافة‬

‫الرومانية برتاثها القانوين العريق‪ ،‬وإرثها السيايس الفريد‪،‬‬

‫ولكن عىل رغم كل هذا‪ ،‬وعىل رغم مرور القرون عىل التحرر‬ ‫النسبي للغرب‪ ،‬فإن الشعوب الغربية ما زالت كغريها من‬ ‫الشعوب تقاد فتنقاد‪ ،‬فالكتل البشرية يف كل األمم ما زالت‬

‫تعيش بوعي زائف‪ ،‬وسيبقى أكرث الناس يف كل األمم إمَّ عات‬

‫مهما نالوا من تعليم مهني‪ ،‬فالناس يف كل املجتمعات هم‬ ‫مجرد ركاب يف سفينة التغيرُّ واالزدهار‪ ،‬أو يف سفينة التحجر‬

‫واالنحدار‪.‬‬

‫مفارقة صارخة‬

‫‪      ‬إن الواقع البشري ينطوي عىل مفارقة صارخة بني ما‬

‫يملكه من إمكانيات عظيمة وقدرات هائلة يف كثري من‪  ‬جوانب‬ ‫الحياة‪ ،‬وبني عجزه الفاضح عن معالجة مشكالته‪ ،‬فنحن‬

‫غالبًا تخدعنا اإلنجازات الحضارية الهائلة يف املجاالت العملية‬

‫واملهنية‪ ،‬ويف مجاالت الوسائل واألدوات والتنظيم واملؤسسات‬

‫العالم يف الجوانب الفكرية واألخالقية والحكمة‪ ،‬قياسً ا بما‬ ‫يتحقق إال بقراءة تاريخ الحضارة قراءة فاحصة‪ ،‬حيث نجده‬ ‫يجيب عن هذه املفارقة بأن يؤكد الحقائق اآلتية‪:‬‬

‫ْ‬ ‫وجدت نفسها‬ ‫األصل يف املجتمعات أنها تبقى منتظمة يف ما‬

‫عليه‪ ،‬فاالستمرار تلقايئ‪ ،‬أما التغيري فهو ضد هذا االنتظام‬

‫التلقايئ الحتمي‪ ،‬أما التطورات الحضارية املتحققة‬ ‫ُ‬ ‫تمخ َ‬ ‫َّ‬ ‫ض ْ‬ ‫عقول عدد‬ ‫ت عنها‬ ‫يف كل املجاالت فقد‬ ‫محدود جدًّ ا من الرواد الخارقني الذين‬ ‫تح َّركوا عكس التيارات السائدة خالل‬

‫‪29‬‬

‫التاريخ البشري كله‪ ،‬إنهم منذ طاليس‬ ‫وديمقراطيس وسقراط وأفالطون‬

‫وأرسطو وإقليدس‪  ‬وأرخميدس‬ ‫ودافنيش وكوبرنيكوس وجاليليو‬

‫ونيوتن ومونتاين ومارتن‬ ‫ْ‬ ‫وكانت‬ ‫لوثر وديكارت‬ ‫وفراداي ودالتون وباستور‬

‫وآينشتاين وأمثالهم من‬

‫األفراد الرواد‪  ‬االستثنائيني‪،‬‬

‫وكلهم لو اجتمعوا لن‬ ‫يتجاوز عددُهم عدَ َد ر َّكاب‬

‫طائرة كبرية‪ ،‬أو عدد ركاب‬ ‫قطار كبري‪ ،‬إنهم يمثلون نشا ًزا يف‬

‫الكرثة الهائلة من البشرية العمياء‪ ،‬لكننا‬ ‫نغفل عن هذه الحقيقة الكربى الصادمة‪،‬‬ ‫ونتحدث عن أن اإلنسان بطبيعته َط ْل ٌ‬ ‫عة‬

‫َي ِق ٌظ‪ ،‬وأنه متشو ٌ‬ ‫ِّف تلقائيًّا إىل أن‬

‫يعرف‪ ،‬والتاريخ البشري والواقع‬

‫كالهما يؤكد العكس تمامً ا‪،‬‬ ‫فاملندفعون خالل التاريخ‬

‫رينيه ديكارت‬

‫ملف العدد‬


‫البشري كله لالكتشاف‪ ،‬واملشغوفون باملعرفة‪ ،‬واملستغرقون‬ ‫يف محاولة الفهم املوضوعي العميق‪ ،‬هم أفرا ٌد معدودون‬

‫يمكن إحصاؤهم بأسمائهم‪ ،‬وهم يف نصاعة تفكريهم‪ ،‬ورفيع‬ ‫اهتمامهم‪ُ ،‬‬ ‫وعمق تركيزهم‪ ،‬ويف النتائج التي يتوصلون إليها‬

‫يكونون مغايرين تمامً ا لألنساق الثقافية السائدة يف كل العالم‪.‬‬ ‫إن األفكار الريادية الخارقة يف كل مراحل التاريخ قد‬

‫جاءت كومضات خاطفة وسط ظلمات حالكة‪ ،‬وكلها من دون‬ ‫ٌ‬ ‫ْ‬ ‫رفض قد يمتد‬ ‫قوبلت بالرفض واملقاومة‪ ،‬وهو‬ ‫أي استثناء قد‬ ‫ً‬ ‫قرونا‪ ،‬كما هي حالة اكتشاف أن األرض ليست مركز الكون‪،‬‬ ‫فقد بقي هذا االكتشاف مطمورًا أكرث من ثمانية عشر ً‬ ‫قرنا حتى‬

‫أعاد االكتشاف كوبرنيكوس‪ ،‬ومع أن معظم االكتشافات ال‬ ‫يمتد رفضها كل هذا االمتداد؛ إذ تجد من يستقبلها بالقبول‬ ‫بعد تلكؤ قد يطول أو ْ‬ ‫يق ُ‬ ‫صر حسب الحالة الثقافية السائدة‪،‬‬ ‫ولكن املؤكد أن الرفض يحصل دائمً ا بشكل تلقايئ‪ ،‬أما القبول‬

‫فال يأيت إال متأخ ًرا‪ ،‬وقد ال يأيت أبدً ا كما يف الثقافات الشديدة‬

‫االنغالق‪ .‬ويف الكتاب الذي لم أنشره بعدُ بعنوان «الريادة‬ ‫واالستجابة» َقدَّ ُ‬ ‫مت شواهد متنوعة عىل ذلك من التاريخ‬ ‫والواقع‪ ،‬ستكون كافية ملن يرغب يف االستبصار‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫حني َت ُ‬ ‫فكرة رائدة‪ ،‬أو‬ ‫دخل‬ ‫حقيقة علمية فارقة‪ ،‬أو تنظيمٌ‬

‫‪30‬‬

‫الفردي‪ ،‬فالوعي النقدي الفاحص املنفصل عن تفكري القطيع‬

‫ال عالقة له بالتعليم الجمعي بمختلف تخصصاته ومستوياته‪،‬‬ ‫بل التعليم نَّ‬ ‫املقن يكرس الوعي السائد‪.‬‬ ‫تجسيد األفكار الريادية الخارقة يرتبط باتجاه حركة‬

‫املجتمع‪ ،‬فإذا كانت حركة املجتمع باتجاه االزدهار‪ ،‬فإن‬

‫األفواج الذين تخرجهم الجامعات واملعاهد يتولون تجسيد‬ ‫الرؤى واألفكار الريادية التي تقبَّلها املجتمع‪ ،‬إذ يعمل ُّ‬ ‫كل‬ ‫فرد يف مجال اختصاصه‪ .‬إن إنتاجهم يمثل قطرات املاء التي‬

‫يتكوَّن منها نهر االزدهار‪ ،‬ولكن األفراد أنفسهم الذين أسهموا‬

‫يف تشييد االزدهار يف مجتمع تتجه حركته يف اتجاه النمو‪ ،‬لو‬

‫عملوا يف مجتمعات متخلفة فسوف يكون عملهم محكومً ا‬

‫باتجاه حركة املجتمع‪ ،‬وبذلك فقد يكون إسهامهم يف تكريس‬ ‫الواقع وليس تغيريه‪ ،‬أي يف تكريس التخلف واستحكام أركانه‬ ‫وإغالق منافذ الرؤية فيه‪.‬‬ ‫الثقافة السائدة‬

‫إن استيعاب هذه الحقائق يجعلنا ندرك أن التعليم يف‬

‫أي مجتمع محكومٌ بالثقافة السائدة وليس حاكمً ا لها‪ ،‬وأن‬

‫أفراد كل بيئة يتربمجون بثقافتها تلقائيًّا فيبقون محكومني‬

‫اجتماعي جديد متطور إىل ثقافة أي مجتمع‪ ،‬فإنها ال تدخل‬

‫بها‪ ،‬وتظل تتحكم بهم وتهيمن عىل اتجاههم وتفكريهم‬

‫بواسطة املمارسة واملعايشة والتكيف والتعود‪ ،‬فعموم الناس‬

‫فالربمجة التلقائية هي التي تحدد هوية‬

‫عن طريق الفهم العام‪ ،‬وإنما تصري جزءً ا من ثقافة املجتمع‬

‫ووجدانهم‪ ،‬وتحدد قيمهم واهتماماتهم‪،‬‬

‫يف املجتمعات املزدهرة ال يدركون سبب أو أسباب ازدهارهم‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫التحضر أو مركبة التحجُّ ر من غري‬ ‫فهم محمولون يف م ْركبة‬

‫فاإلنسان ال يولد بماهية أو هُ وية‬

‫تربمجوا بما هم عليه تربمُ جً ا تلقائيًّا بواسطة التكيف والتعود‪،���‬

‫طفولته قبل بزوغ وعيه‪.‬‬

‫أن يعرفوا كيف تكوَّنت هذه املركبة االجتماعية العامة‪  ،‬فقد‬ ‫وليس بواسطة التفهُّم واإلدراك‪ ،‬فاألفراد يف املجتمع كقطرات‬ ‫املاء يف النهر الزاخر‪ ،‬فلوال هذه القطرات ملا كان النهر لكن ال‬

‫أهمية ألية قطرة إال بكونها ضمن النهر‪.‬‬

‫ّ‬ ‫التعلم بمختلف مراحله‪ ،‬والتخ ُّرج من الجامعات‪ ،‬أو‬

‫حتى إنهاء دراسات عليا يف أي مجال‪ ،‬هدفه تكوين املهنيني‬ ‫من املمرض إىل جراح القلب‪ ،‬أو أستاذ الجامعة أو الباحث‬ ‫العلمي‪ ،‬فكل هذه املسارات ال تدل عىل تطور نوعي للوعي‬

‫التنوير يحمله أفراد ُعزَّ ل ال يملكون‬ ‫سوى الفكر الن ِّير مقابل مجتمعات‬ ‫فخورة بثقافاتها المتجذرة‪ ،‬وقوية‬ ‫بكياناتها المتماسكة‪ ،‬لذلك لم يكن‬ ‫غريبا أن تختنق كل جهود التنوير في‬ ‫ً‬ ‫العالم العربي خالل القرنين الماضيين‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫الفرد حسب البيئة التي ينشأ فيها‪،‬‬ ‫محددة‪ ،‬وإنما يتقولب تلقائيًّا يف‬ ‫إن كل إنسان يولد بقابليات‬

‫فارغة مفتوحة مطواعة‪ ،‬فيتشكل‬

‫عقله ووجدانه باألسبق إىل قابلياته‪ ،‬ثم‬ ‫يظل هذا األسبق يتحَ َّكم به مهما نال‬

‫من تعليم‪ ،‬فهذا األسبق يصري هو‬ ‫الذات عي ُنها‪ ،‬وهو املعيار املهيمن‬

‫لتقييم كل ما هو مغاي ٌر له‪ .‬إن‬ ‫الفرد‪ ‬ال يفكر إال من خالل هذا‬ ‫األسبق‪ ،‬فهو ال يرى أيَّ ‪ ‬يشء‬

‫ليوناردو دافنشي‬


‫إال بواسطته‪ ،‬فمن املحال أن يفكر املرء بتغيري ذاته إال بهزة فكرية‬ ‫مزلزلة توقظه من سباته‪ ،‬وتخرجه من غبطته الغافلة‪ ،‬وتفصله‬

‫عن التيار السائد‪ ،‬وهي حالة ال تحصل إال نادرًا‪ ،‬أما عموم الناس‬

‫فيبقون مأسورين بما تربمجوا به يف طفولتهم‪ ،‬فال يرون الحياة‬ ‫والدنيا إال من خالل هذا التربمُ ج التلقايئ‪.‬‬

‫أما التعليم الذي يضطرون لقضاء ربع قرن وهم يكابدونه‬

‫فيبقى محصورًا يف املجال املهني والعميل فقط‪ ،‬وكما يقول‬ ‫الدكتور فاخر عاقل يف كتابه (سيكولوجية اإلدراك)‪« :‬إن‬

‫املعلومات املبدئية تكون إطارًا ومفتاحً ا للمعلومات التالية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مخالفة للمعلومات األوىل فإنها‬ ‫وإذا كانت املعلومات التالية‬ ‫ُتلوى لتناسب املعلومات املبدئية»‪ .‬إن الناس يجهلون عن‬ ‫أنفسهم هذه الحقيقة األساسية‪ ،‬مع أنها أهَ مُّ من ركام‬

‫الحقائق الجزئية التي تمتئل بها أذهانهم ويهتم بها التعليم‪.‬‬

‫إن هذه الحقيقة املحورية التي أكدها الدكتور فاخر عاقل‬

‫قد باتت من الحقائق التي يكررها العلماء والباحثون‪ ،‬فهذا‬ ‫الطبيب املشهور العالم إدوارد دي بونو يقول بوضوح يف كتابه‬ ‫ُ‬ ‫املعلومة األوىل بتغيري حالة العقل‬ ‫(تعليم التفكري)‪« :‬تقوم‬

‫َ‬ ‫املعلومة الثانية ترتبط بها أو توافقها‪ ،‬وبهذه‬ ‫بشكل يجعل‬

‫‪ ‬األصل في كل الثقافات أنها ترفض‬ ‫أي فكر طارئ‬ ‫وتقاوم بشكل تلقائي َّ‬ ‫مغاير‪ ،‬حتى أوربا لم يؤثر فيها التنوير‬ ‫ويتحقق التغيير النسبي إال بعد حروب‬ ‫طويلة دامية‬

‫الطريقة يتم بناء األنماط»‪ .‬وألن الدماغ البشري ال يملك آلية‬ ‫ُّ‬ ‫للتحقق فإنه يعتمد املعلومات األسبق كمعيار للحكم عىل‬ ‫املعلومات التالية مهما كانت األوىل خاطئة‪ ،‬وألن مسائل‬

‫العلوم التي يتلقاها الدارسون يف التعليم ال تأيت وال يمكن أن‬ ‫تأيت إال متأخرة أي بعد أن تكون البنيات الذهنية والوجدانية‬ ‫قد َت َش َّك َل ْ‬ ‫ت يف مرحلة الطفولة املبكرة‪ ،‬فإنه ال يكون لها أي تأثري‬

‫‪31‬‬

‫إيجابي يف تصحيح ما تربمجت به القابليات بشكل تلقايئ من‬ ‫دون أي تمحيص‪.‬‬

‫التعليم في المجتمعات المتخلفة‬ ‫إن التعليم يف املجتمعات املتخلفة يكرس التخلف‪ ،‬ويعمق أسبابه‪ ،‬ويزيك البيئة الحاضنة له‪ .‬إن التعليم محكومٌ‬

‫باألوضاع القائمة؛ فإذا جاء ضمن ثقافة حرة ومنفتحة ونامية‪ ،‬فإنه ي ُّ‬ ‫ُمد املجتمع بالطاقات اإلنتاجية واإلبداعية التي‬ ‫ٌ‬ ‫تمهيد لتقدم أعظم‪ ،‬أما إذا جاء التعليم ضمن ثقافة مغلقة ومتخلفة‬ ‫تدفعه للمزيد من التقدم واالزدهار‪ ،‬فكل تقدم هو‬

‫ومرعوبة من األفكار املغايرة‪ ،‬فإنه يكرس االنغالق‪ ،‬ويرسخ التخلف‪ ،‬ويوصد العقول‪ ،‬ويشحن العواطف بالرفض العنيد‬ ‫األعمى ملقومات التقدم الطارئة‪.‬‬

‫َّ‬ ‫نتوهم أن تعميم التعليم‪ ،‬ونشر املدارس‪ ،‬واإلكثار من الجامعات‪ ،‬وإغداق اإلنفاق عليه‪ ،‬وتوفري فرص التعليم‬ ‫إننا‬

‫للجميع يؤدي تلقائيًّا إىل تهيئة املجتمعات لتحقيق التقدم واالزدهار‪ ،‬لكننا نغفل عن أن التعليم محكومٌ بالثقافة‬

‫السائدة‪ ،‬وليس بالعلوم الطارئة‪ ،‬ونتجاهل بأن املجتمعات محكومة بثقافاتها التلقائية املتوارثة‪ ،‬وليست محكومة‬ ‫بطالءات مجلوبة من خارجها‪.‬‬

‫إن املجتمعات تتناسل ثقافيًّا بشكل تلقايئ‪ ،‬وترفض ما يغاير تصوراتها وقيمها ومألوفاتها‪ ،‬فاألطفال يتربمجون‬ ‫ً‬ ‫اتفاقا كاملاً مع الربمجة‬ ‫تلقائيًّا بالثقافة السائدة قبل أن يلتحقوا بالتعليم‪ ،‬فتنغلق قابلياتهم عن قبول ما ال يتفق‬

‫التلقائية‪ ،‬لذلك ينبغي أن يدرك رجال الرتبية والتعليم واملسؤولون عن التنمية هذه الحقيقة األساسية‪ ،‬وأن يتفهموا‬

‫التغريات النوعية التي طرأت عىل الحضارة البشرية‪.‬‬

‫ملف العدد‬


‫انتكاسة التنوير والبنى‬ ‫االجتماعية والسياسية‬

‫‪32‬‬

‫عبدالباري طاهر‬ ‫كاتب يمني‬

‫ً‬ ‫دقيقا وعلميًّا لمعرفة داء انتكاسة التنوير في الوطن العربي‪ ،‬فال‬ ‫لكي يكون التشخيص‬ ‫بد من قراءة عميقة ودقيقة لنشأة «الدولة ُ‬ ‫الق ْطرية»‪ ،‬وللتدخالت االستعمارية في هذه‬ ‫ً‬ ‫خصوصا‪:‬‬ ‫المنطقة‪ ،‬بما فيها اتفاقات سايكس بيكو‪ ،‬واصطناع دول ُق ْطرية بحدود اصطناعية‬ ‫سوريا ولبنان والعراق‪ ،‬ووعد بلفور ‪1917‬م‪ ،‬ونكبة ‪ ،48‬وهزيمة ‪.67‬‬ ‫فشل التنوير ُيبحث عنه‪ ،‬وعن جذوره في البنية االقتصادية واالجتماعية والثقافية‬ ‫والسياسية‪ .‬شهد الوطن العربي التشظي منذ البدايات الباكرة لبناء الدولة ُ‬ ‫الق ْطرية‪ ،‬وغياب‬ ‫أو تغييب الكيان الواحد‪ ،‬أو وجود كيانات حضارية تتوافر لها شروط الديمومة والتطور‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫ولدت الدولة ُ‬ ‫الق ْطرية مصابة بوباء ما يسميه قسطنطني‬

‫والتكفري قائمني يف العديد من مناهج التدريس ووعظ املساجد‬

‫أو مركز ما قبل عصر الدولة‪ ،‬وتحقق االستقالل للعديد من هذه‬

‫أدى تراجع املد التنويري بعد هزيمة ‪ 67‬إىل عودة هذه‬

‫زريق بـ «العجز العربي»‪ .‬معظم األقطار العربية خرجت من دائرة‬

‫البلدان‪ ،‬ولكنها جلها لم تفلت من إرث القبيلة والطائفة‪ ،‬ولعب‬ ‫االستعمار دورًا يف الهيمنة عىل مصاير هذه البلدان وثرواتها‪ ،‬وهو‬ ‫ما باعد بينها وبني االنفتاح عىل عصور التنوير وتياراته‪ ،‬وحرمها‬

‫الحداثة والتجديد‪.‬‬

‫يرى املفكر العربي عيل أومليل يف كتابه «اإلصالحية العربية‬

‫والدولة الوطنية» أنه يف العصر الوسيط‪ ،‬ثم يف مستهل العصور‬ ‫الحديثة‪ ،‬التحقت ببالد اإلسالم هزيمتان‬

‫كبريتان أمام قوى أوربية‪ ،‬انتهت باحتالل‬ ‫مناطق من العالم اإلسالمي‪ :‬األوىل يف‬ ‫مواجهة الحروب الصليبية‪ ،‬والثانية‪ :‬أمام‬

‫القوى اإليبريية‪ ،‬ويرى أنه لم يجد ردة فعل‬ ‫إصالحية‪ ،‬وال وعيًا بالتأخر تجاه األجنبي‬ ‫الغالب‪ ،‬وال تساؤلاً عما يكون وراء تغلبه‪.‬‬

‫يستشهد أومليل بكتاب «إحياء علوم‬

‫الدين» لإلمام الغزايل‪ ،‬ويرى أنه محاولة‬ ‫إلصالح اإلسالم من داخله‪ ،‬وأضيف ً‬ ‫أيضا‬ ‫كتابي اإلمامني‪ :‬أحمد بن تيمية الحراين (ت‬

‫واإلعالم الرسمي‪.‬‬

‫اإلشكالية إىل بلدان مثل مصر‪ ،‬وكانت قد بدأت التجاوز منذ محمد‬ ‫عيل باشا وكتاب (اإلبريز يف تلخيص باريز)‪ ،‬وطرحت اإلشكالية‬

‫مجددًا يف تونس بعد بروز تيار النهضة اإلسالمي كامتداد لإلخوان‬ ‫املسلمني يف مصر مطلع الثمانينيات‪ ،‬لكن تونس التي عرفت كتاب‬

‫(أقوم املسالك يف معرفة أحوال املمالك) لخري الدين التونيس أبي‬ ‫ً‬ ‫مختلفا ً‬ ‫نوعا ما؛ فخري‬ ‫النهضة منذ عام ‪1873‬م‪ ،‬كان الوضع فيها‬

‫الدين التونيس كالحاكم املصري محمد عيل‬ ‫باشا‪ ،‬والسلطان محمود ومدحت باشا يف‬

‫تركيا يجمعهم موقف موحد قوامه كقراءة‬ ‫خري الدين ورفاعة الطهطاوي يف مصر‪ :‬أن‬ ‫املسلمني ضعفاء‪ ،‬وأن الطريق إىل عودة‬

‫القوة إليهم إنما يكمن يف أخذهم بالتكنيك‬ ‫والعلم اللذين أعطيا الغرب قوته‪.‬‬

‫يتوافق هؤالء الزعماء واملفكرون ً‬ ‫أيضا‬

‫عىل أن األخذ بمعالم الحياة األوربية ال‬ ‫يتعارض مع دعائم الدين اإلسالمي‪ ،‬وال‬

‫علي أومليل يبتعد باملسلمني من تعاليم دينهم‪ .‬ساد‬

‫‪728‬هـ) «السياسة الشرعية يف إصالح الراعي والرعية»‪ ،‬وتلميذه‬

‫موقفهم وقناعاتهم طابع التبسيط الذي أراد أن يسد الهوة بني‬

‫الشرعية»؛ فاإلسالم املكتفي بذاته ‪ -‬كما رآه الغزايل وابن تيمية‬

‫األساسية‪ ،‬واالكتفاء بموقف تربيري دفاعي‪ ،‬ولعل ذلك مصدر‬

‫ابن قيم الجوزية (ت ‪751‬هـ) «الطرق الحكمية يف السياسة‬ ‫وابن القيم‪ -‬لم يعد قائمً ا بعد تدخل أوربا الحديثة منذ النصف‬ ‫الثاين للقرن الثامن عشر؛ فلم يعد مفكرو املسلمني يعربون‬

‫عن إسالم عليه أن يرتد إىل ذاته وحدها لكشف الخلل وطلب‬

‫اإلصالح‪ ،‬إنما سيدخل اآلخر كبعد أسايس‪ ،‬ولعل طرح سؤال‬ ‫التأخر الذي طرحه شكيب أرسالن ومفكرون عديدون يف مراحل‬

‫متأخرة يعرب عن هذا املنحى املغاير‪.‬‬ ‫دولة ملغومة بالعنف‬

‫الثقافتني‪ :‬اإلسالمية واألوربية عن طريق القفز فوق املشكالت‬ ‫تأخر اإلصالحات‪ ،‬أو باألحرى انتكاستها يف تونس واملغرب‬ ‫العربي لعدة عقود‪ ،‬وهي ً‬ ‫أيضا سبب تراجع املشروطية يف تركيا‪،‬‬ ‫وانتكاستها يف إيران حتى اليوم‪.‬‬ ‫لاً‬ ‫يف كتابها (التنويري) تطرح دوريندا أوترام سؤا ‪ :‬ما التنوير؟‬ ‫يع ِّرف ْ‬ ‫كانت التنوير بكونه‪« :‬عملية خالص اإلنسان من سذاجته‬

‫التي جلبها لنفسه‪ ،‬وذلك عن طريق استخدامه للعقل دون أن‬ ‫يشوه التعصب تفكريه»‪.‬‬

‫إىل جانب اجتهادات وأعمال زمرة من الكتاب اآلخرين مثل‪:‬‬

‫ولدت الدولة العربية ملغومة بالعنف‪ ،‬ومسكونة بالقوة؛‬

‫فولتري‪ ،‬ومونتسكيو‪ ،‬وديدرو‪ ،‬ودالني برت‪ ،‬وروسو‪ ،‬وليسنغ‪،‬‬

‫أو السيف أصدق أنباء من الكتب‪ ،‬كقول أبي تمام‪ ،‬أو كقول‬

‫التنوير بمحو األمية‪ ،‬وشيوع املعرفة والتعلم‪ ،‬وزيادة اإلنتاج‬

‫فالله يزع بالسلطان ما ال يزع بالقرآن‪ ،‬كما قال عثمان بن عفان‪،‬‬ ‫املتنبي وهو شاعر (شغل الناس واألقالم والكتبا)‪ :‬حتى رجعت‬ ‫وأقا��مي قوائل يل‪ :‬املجد للسيف ليس املجد للقلم‪.‬‬

‫تضيف أن عملية التنوير لم تكن مقصورة عىل أوربا‪ ،‬وتحدد أسس‬

‫الزراعي‪ ،‬والثورة الصناعية التي كان التنوير مدماكها األسايس‪،‬‬ ‫وتربط بني الدين والتنوير يف ثالث قضايا‪ :‬حركات اإلصالح‬

‫يف عصر بناء الدولة ُ‬ ‫الق ْطرية بعد الحربني الكونيتني‪-1914 :‬‬ ‫‪1918‬م‪ ،‬و‪1945 -1937‬م ُطرح سؤال التأخر والتقدم‪ ،‬طرحه‬

‫املقدمات الضرورية واألساسية لعصر األنوار يف أوربا وأمريكا‪،‬‬

‫اإلسالم املكتفي بذاته عند الغزايل وابن تيمية وابن القيم‪ ،‬ظل‬

‫املايض‪ ،‬فإن الوضع اليوم أن األمية حسب إحصاءات منظمات‬

‫النهضويون العرب‪ ،‬وإن كان ال يعم املنطقة العربية كلها‪.‬‬

‫حاض ًرا يف العديد من بلدان الجزيرة والخليج‪ ،‬وظلت البدعة‬

‫‪33‬‬

‫الديني‪ ،‬والعالقة بني الدين والعقل‪ ،‬والدين والتسامح‪ .‬وإذا قرأنا‬

‫وعمدنا للمقاربة مع الحالة الراهنة عربيًّا‪ ،‬أو حتى بدايات القرن‬

‫دولية تصل إىل ‪ ،%60‬بما فيها أقدم البلدان تحض ًرا‪ :‬مصر‪ .‬أما عن‬

‫ملف العدد‬


‫عالقة الدين بالعقل فقد افتعلت عداوات‬

‫فتضعضعت حصانة العقل والجسد‪ ،‬وتراجع‬

‫العالمة املجتهد أحمد بن تيمية الذي ألف‬

‫واالستعمار غائبني عن هذا الصراع الذي‬

‫مقيتة بني الدين والعقل بما يزري بسلفية‬

‫التنوير‪ .‬لم تكن الصهيونية العاملية وال إسرائيل‬

‫كتابًا سماه (درء تعارض العقل والنقل)؛‬

‫أسهمت فيه املنظومة العربية جلها‪ ،‬وتنافست‬

‫فقد ساد يف العديد من البلدان العربية‬

‫يف نقش لوحته املفجعة‪ .‬الخوف من اإلبداع‪،‬‬

‫معاداة بني العقل والدين‪ ،‬لكأن الدين ضد‬

‫ورفض االجتهاد‪ ،‬وتجريم التجديد والحداثة‪،‬‬

‫العقل بما يتصادم مع جوهر الدين ونصوص‬

‫وسد األبواب والنوافذ أمام التغيري السلمي‬

‫القرآن يف غري آية‪.‬‬

‫وغاب عن أمتنا العربية اإلصالح الديني‬ ‫والتسامح ً‬ ‫أيضا‪ ،‬وسادت موجة من التكفري‬ ‫والتخوين عمت البالد والعباد‪ ،‬وضحاياها‬

‫أعاقت‪ ،‬بل أدت أنوار العصر يف الوطن‬ ‫فولتير‬

‫العربي‪ ،‬وأشرعت النوافذ واألبواب لتسيد‬ ‫الجهل‪ ،‬وتطاول ليل الفنت والحروب واملآيس؛‬

‫كرث يف غري منطقة؛ وكلها أسباب رئيسة النتكاسة التنوير الذي‬ ‫بدأ خجولاً متأولاً ومتواضعً ا‪ ،‬وتعرض لهزات عنيفة وانتكاسات‬

‫املواهب وخمود التنوير‪ ،‬ولعل أنموذج اليمن دال وفاجع‪.‬‬

‫باالجتهاد‪ ،‬وللرأي العام بالحسبة‪.‬‬

‫تدعى «املطرفية»‪ ،‬طرحت بعض اآلراء الكالمية حول حدوث العالم‬

‫متتالية؛ فالطهطاوي يتأول للديمقراطية بالشورى‪ ،‬ولحرية الرأي‬

‫بنية اجتماعية هرمة‬

‫فمقاصل التجريم والتخوين والتكفري لها األثر املدمر يف قتل‬ ‫يف منتصف القرن الخامس شهد اليمن ظهور فرقة من الزيدية‬

‫وإثبات الصانع‪ ،‬وأن الحوادث اليومية كالنباتات واملولدات واآلالم‬ ‫ونحوها‪ ،‬حادثة من الطبائع الحاصلة يف األجسام‪ ،‬ويذهبون إىل‬

‫والواقع أن املنطقة العربية كلها ظلت ترزح تحت حكم‬

‫عدم حصر اإلمامة يف البطنني (أبناء الحسن والحسني)‪ ،‬كما أشار‬

‫تحول حقيقي يف البنية االجتماعية االقتصادية‪ ،‬وال تغري أسايس‬

‫اليمن الفكري يف العصر العبايس)‪ ،‬وتعرضت هذه الفرقة لإلبادة‪،‬‬

‫الغلبة والقوة‪ ،‬محتفظة بالبنية االجتماعية الهرمة‪ ،‬ولم يجر‬

‫‪34‬‬

‫والتحول الديمقراطي وحرية الرأي والتعبري‬

‫يف القيم والتقاليد املوروثة من عصور الجهل والظالم‪ ،‬وجاءت‬

‫االنقالبات العسكرية لتحقيق إنجازات يف مجاالت معينة‪ ،‬لكنها‬ ‫‪ -‬وهذا هو األهم – اتسمت بطبيعة مزدوجة‪ ،‬ووعي ملتبس‪،‬‬

‫قطعت الطريق عىل التطور السلمي الديمقراطي‪ ،‬وغيبت‬

‫الحرية‪ ،‬وريفت املدينة‪ ،‬وهمشت املجتمع املدين‪ ،‬وصادرت حرية‬ ‫الرأي والتعبري‪ ،‬وحافظت عىل العصبيات القبلية‪ ،‬والطائفية‬

‫والجهوية‪ ،‬وغلبت اإلرادوية واالعتداد بالقوة حد العجز عن‬

‫حماية السيادة واالستقالل والرتاب الوطني‪.‬‬

‫أسهمت الخالفات الداحسية يف النظام العربي كله مشرقه‬

‫ومغربه‪ ،‬ملكياته وجمهورياته‪ ،‬يف تمزيق عرى األخوة العربية‪،‬‬

‫وأضعفت التضامن العربي‪ ،‬بل امتدت الخالفات داخل كل‬ ‫قطر بني االتجاهات الفكرية والحزبية والسياسية؛ فتصدعت‬

‫الوحدة الوطنية‪ ،‬وساد الوعي الزائف وعداوات الجاهلية األوىل؛‬

‫سادت موجة من التكفير والتخوين‬ ‫عمت البالد والعباد‪ ،‬وضحاياها كثر‬ ‫في غير منطقة؛ وكلها أسباب رئيسة‬ ‫النتكاسة التنوير الذي بدأ خجوال متأوال‬ ‫ومتواضعا‪ ،‬وتعرض لهزات عنيفة‬ ‫ً‬ ‫وانتكاسات متتالية‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫العالمة الباحث أحمد محمد الشامي يف موسوعته الفكرية (تاريخ‬ ‫وأسدل الستار عىل الجريمة‪.‬‬

‫كتاب الدكتور عيل محمد زيد «تيارات معتزلة اليمن» أول‬

‫من علق الجرس وتتالت الردود‪ .‬يف األعوام ‪1941 -1937‬م صدرت‬

‫يف املتوكلية اليمنية مجلة «الحكمة اليمانية» مثلت البداية‬ ‫الحقيقية للحداثة والتجديد والتنوير‪ ،‬صدر منها ‪ 28‬عددًا‪ .‬تبنت‬ ‫املجلة دعوات اإلصالح الديني‪ ،‬والتحديث السيايس‪ ،‬ونشر‬

‫الجديد‪ :‬القصيدة الحديثة‪ ،‬والقصة القصرية‪ ،‬والنقد األدبي‪،‬‬

‫واملقالة السياسية‪ .‬كان معظم محرريها من علماء الدين‪ ،‬وشاع‬

‫عنهم «اختصار القرآن»‪ ،‬وأعدم الكثريون منهم بعد فشل حركة‬

‫‪ 48‬الدستورية‪ ،‬وكانت االنتكاسة الثانية للتنوير يف اليمن‪ ،‬ولكن‬ ‫بحد السيف‪.‬‬

‫وأصدر مجموعة من األدباء يف املتوكلية اليمنية مجلة‬

‫«الربيد األدبي»‪ ،‬وقد صدرت منها بضعة أعداد ثم توارت‪ .‬ويف‬ ‫عدن صدرت مجلة (املستقبل) ‪1950- 1949‬م‪ ،‬وكانت األكرث حداثة‬

‫وعصرية وتنوي ًرا‪ ،‬اتهم سكرتريها املفكر العربي عبدالله عبدالرزاق‬ ‫باذيب بتهمة ازدراء األديان‪ ،‬وحوكم عىل مقاله‪« :‬مسيح جديد‬ ‫يتكلم اإلنجليزية»‪.‬‬

‫مقاصل التخوين والتجريم والتكفري‪ ،‬ابتداء باإلمامة‬

‫واالستعمار الربيطاين واإلسالم السيايس واألنظمة الشمولية‬

‫والدكتاتورية يف الشمال والجنوب‪ ،‬هي من توىل كرب إعاقة التنوير‬ ‫ووأده وتقتيل رواده‪.‬‬


‫و«ثنائية» المشرق‬ ‫التنوير‬ ‫ّ‬ ‫والمغرب في مشروع الجابري‬ ‫ناجية الوريمي‬ ‫باحثة تونسية‬

‫ّ‬ ‫العربي المعاصر مرك ًزا محور ًّيا ّ‬ ‫يؤكده تقاطعها مع سائر‬ ‫تحتل مسألة التنوير في الفكر‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نمطا‬ ‫مرادفا للعقالنيّة‪ ،‬التي اعتبرت‬ ‫شروط النهضة والتحديث‪ .‬ومصطلح التنوير يكاد يكون‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التعصب‪ ،‬والظالميّة‪ ،‬واإليمان‬ ‫الشد إلى الوراء؛ مثل‬ ‫التخلف وعوامل‬ ‫تفكيريًّا يضمن تجاوز‬ ‫االستداللي‪ .‬غير أنّ الزاوية التي ُن ِظر منها إلى هذه‬ ‫المنطقي‬ ‫بقوى معرفيّة تلغي التفكير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وبخاصة من مشروع فكريّ إلى آخر‪ ،‬وذلك‬ ‫عربي إلى آخر‪،‬‬ ‫المسألة كانت تختلف من مفكر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وفق المقاربات المنهجيّة و»األيديولوجيّة» المعتمدة‪ .‬فقد انطلق عد ٌد من المفكرين من حقيقة‬ ‫القصور الذي يشهده «العقل العربي» أو «العقل اإلسالمي»‪ ،‬وراحوا يبحثون في األسباب‬ ‫التاريخيّة واإلبستمولوجيّة التي جعلت هذا القصور مزم ًنا‪ ،‬وتسبّبت في فشل النهضة العربيّة‬ ‫وفي تعمّ ق التبعيّة لآلخر‪ .‬ومن اللاّ فت لالنتباه أن نجدهم م ّتفقين على العودة بجذور هذا‬ ‫ب مضت‪ ،‬حقب النشأة والتطوّر والجمود التي شهدها العقل العربي اإلسالمي‪.‬‬ ‫القصور إلى حِ َق ٍ‬

‫‪35‬‬

‫ملف العدد‬


‫ويعدّ مشروع محمّ د عابد الجابري يف هذا الصدد من أبرز‬ ‫ً‬ ‫نسقا ذا‬ ‫الشمويل الذي ّاتخذ‬ ‫املشاريع الفكريّة نظ ًرا إىل طابعه‬ ‫ّ‬

‫بني ٍة واضحةِ املنطلقات والنتائج‪ ،‬ونظ ًرا ً‬ ‫أيضا إىل قدرته عىل‬ ‫إثارة اإلشكاليّات املحرجة‪ ،‬واستثارة القارئ عرب استدراجه‬

‫إىل املشاركة يف الفعل النقديّ الذي انبنى عليه‪ .‬ومجادلة‬ ‫هذا املشروع من خالل نقاط عديدة منهجيّة ومعرفيّة‪ ،‬ال‬

‫اآلخر داخل اإلطار الحضاريّ الواحد الذي يجمعهما‪ .‬وهنا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫يقسم أنظمة‬ ‫يحقق التنوي َر‬ ‫يحق لنا أن نسأل‪ :‬كيف‬ ‫مشروع ّ‬

‫العقل العربي وفق معايري قديمة أنتجتها ظروف سياسيّة‬ ‫ال عالقة لها بالفكر وباإلبستمولوجيا؟ وكيف يستقيم أن‬ ‫َ‬ ‫كامل العقالنيّة‪ ،‬وننسب إىل األخرى كامل‬ ‫ننسب إىل جهةٍ ما‬

‫العربي»‪ ،‬بل‬ ‫تمس قيمته يف نقد «العقل‬ ‫يمكن بأيّة حال أن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫تاريخي واحد‪،‬‬ ‫اللاّ عقالنيّة‪ ،‬رغم ما يجمع بينهما من سياق‬ ‫ّ‬ ‫واختيارات ثقافيّة واحدة؟ ‪ ‬‬

‫الجغرايف ‪ -‬الثقايف الذي بنى عليه الجابري مشروعه النقديّ‬

‫املنهج اإلبستمولوجي يف قراءة الخطاب‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫لقد استفاد الجابري من الرصيد الهامّ الذي حققته‬

‫عىل العكس من ذلك تدعمه عن طريق التفكري معه وإثرائه‬ ‫باملساءلة والحوار‪ .‬ويف هذا املقال سنكتفي بمجادلة املعيار‬

‫الذي أسند إليه دورًا ال يُستهان به يف تحديد عوامل التنوير‬

‫العربي وعراقيله‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ص ّرح الجابري يف أكرث من سياق بأنّ العقالنيّة مفتاح‬ ‫َ‬ ‫شرطي النهضة‬ ‫التنوير‪ ،‬واعتربها ‪-‬إىل جانب الديمقراطيّة‪-‬‬

‫العربيّة املنشودة‪ .‬وراح يبحث يف مدى حضورها يف األنظمة‬

‫الفكريّة التي كوّنت ‪-‬وال تزال‪ -‬العقل العربي‪ ،‬معتقدً ا أنّ ذلك‬

‫الفلسفة الغربيّة الحديثة –بحكم اهتماماته الفلسفيّة‪ -‬يف‬

‫اإلسالمي ومنتجاته الفكريّة؛‬ ‫العربي‬ ‫مستوى تحليل الفكر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فقام بتطبيق املنهج اإلبستمولوجي يف قراءة الخطاب‪ ،‬معتربًا‬ ‫ّأننا يف أشدّ الحاجة إىل عمل من هذا القبيل بهدف تبينّ األسس‬

‫ً‬ ‫وخصوصا‬ ‫العربي‪،‬‬ ‫املعرفيّة واملنطقيّة التي قام عليها الفكر‬ ‫ّ‬ ‫النجاح يف حسن استثمار الجوانب العقليّة املميّزة يف تراثنا‬

‫الحضور هو الذي يمكن أن يؤسّ س لعقالنيّة عربيّة منفتحة‬ ‫ّ‬ ‫ومتجذرة يف‬ ‫عىل مكتسبات الحضارة اإلنسانيّة من ناحية‪،‬‬

‫والداعمة ملسار حداثة عربيّة‪ .‬وص ّرح بأنّ مشروعه «نقد العقل‬

‫سبيل إىل التجديد والتحديث إال من داخل الرتاث نفسه‬

‫العربي»‪( .‬تكوين العقل العربي‪:‬‬ ‫العربيّة التي أنتجت العقل‬ ‫ّ‬

‫تاريخ األمّ ة وهويّتها من ناحية ثانية؛ ّ‬ ‫ألنه –حسب رأيه‪« -‬ال‬

‫‪36‬‬

‫أنتجت فكرة املفاضلة بني املشرق واملغرب‪ :‬أيّهما يتقدّ م عىل‬

‫ّ‬ ‫الخاصة وإمكانيّاته الذاتيّة»‪ ،‬وذلك بتوظيف «وسائل‬ ‫وبوسائله‬

‫العربي» قائم عىل «تحليل األساس اإلبستمولوجي للثقافة‬

‫عصرنا املنهجيّة واملعرفيّة»‪( .‬بنية العقل العربي‪ :‬املركز الثقايف‬

‫الثقايف العربي‪ ،1991 ،‬ص‪ .)33‬وذلك بهدف الكشف عن‬ ‫املركز‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫نوعيّة اآلليّات العقليّة التي ّ‬ ‫–انطالقا‬ ‫تمكن من اكتساب املعرفة‬

‫غري أنّ مشروع الجابريّ رغم قيمته يف فهم الثقافة العربيّة‬ ‫فهمً ا جديدً ا‪ّ ،‬‬ ‫جانب منه لنزعة أيديولوجيّة؛‬ ‫ظل خاضعً ا يف‬ ‫ٍ‬

‫ّ‬ ‫وتوصل إىل بلورة ثالثة أنظمة هي‪:‬‬ ‫الفكريّ – ‪.»Epistémè‬‬ ‫ّ‬ ‫وسنتوقف عندها بعض اليشء؛‬ ‫البيان‪ ،‬والربهان‪ ،‬والعرفان‪.‬‬

‫العربي‪1991 ،‬م‪ ،‬ص‪.)568‬‬

‫ففيه تداخلت املعايري اإلبستمولوجيّة العلميّة‪ ،‬واملعايري‬ ‫ّ‬ ‫للمفكر‪ .‬وك ّنا‬ ‫(الجغرا‪-‬ثقافيّة) يف عالقتها باالنتماء الجغرايف‬ ‫نعتقد أنّ هذه املعايري قد ّ‬ ‫ولت مع ما ولىّ عهده من مواقف‬ ‫تقليديّة‪ ،‬حاربها الجابري نفسه دون هَ وادة‪ّ .‬إنها املعايري التي‬

‫من مبادئ وقواعد محدّ دة‪ -‬وهو ما يؤسّ س مفهوم «النظام‬

‫ألنّ دواعي تحديدها ومعايري توزيع الحقول املعرفيّة بينها هي‬

‫التي ستكشف عن معايري املفاضلة بني املشرق واملغرب‪ ،‬التي‬ ‫كانت توجّ ه من الداخل كامل املشروع الفكريّ الذي أسّ سه‬ ‫الجابريّ ‪.‬‬

‫أدرج الجابري ضمن نظام البيان نصوص العلوم عربيّة‬

‫املنشأ؛ وهي‪ :‬الفقه‪ ،‬والكالم‪ ،‬والنحو‪ ،‬والبالغة‪( .‬تكوين‬

‫بأن‬ ‫ّ‬ ‫صرح الجابري في أكثر من سياق ّ‬ ‫العقالنية مفتاح التنوير‪ ،‬واعتبرها ‪-‬إلى‬ ‫ّ‬

‫شرطي النهضة‬ ‫الديمقراطية‪-‬‬ ‫جانب‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫يحقق‬ ‫العربية المنشودة‪ ،‬لكن كيف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫العقل العربي‪133 -96 ،‬؛ بنية العقل العربي‪.)248 -13 ،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتتمثل خصائص هذا النظام يف أنّ «عمليّة التفكري محكومة‬ ‫البياين فاعليّة ذهنيّة ال تستطيع وال‬ ‫دومً ا بأصل؛ أي أنّ العقل‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫تقبل ممارسة أيّ نشاط إال انطالقا من أصل معطى ّ‬ ‫[نص‪ ،‬أي‬ ‫الكتاب والس ّنة] أو مستفاد مـن أصل معـطى [ما ثبت باإلجماع‬

‫يقسم أنظمة العقل‬ ‫مشروع‬ ‫التنوير‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬

‫والقياس]»‪( .‬بنية العقل العربي‪.)113 ،‬‬

‫سياسية ال عالقة لها بالفكر‬ ‫ظروف‬ ‫ّ‬

‫ّ‬ ‫النص أو استثماره؛ لذلك هو محدود الفعالية وال دور‬ ‫صحّ ة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫له إال يف حسن االتباع‪ .‬والخطابات املمثلة لهذا النظام ال تخرج‬

‫العربي وفق معايير قديمة أنتجتها‬ ‫وباإلبستمولوجيا؟‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫إذن ليس للعقل من دور يف هذا النظام إال االستدالل عىل‬

‫عمّ ا أنتجه أعالم من املشرق‪ ،‬هم سيبويه والشافعي والقاسم‬


‫الرسيّ ّ والجاحظ وابن األنباري والسريايف وأبو الحسن األشعريّ‬ ‫وابن ج ّن ّي والتوحيدي والقايض عبدالجبّار‪ ،‬وأبو الحسني‬ ‫البصريّ والسكايك‪ ،‬والقائمة طويلة‪ .‬ال يكشف تتبّعها عن‬ ‫أسماء مغربيّة إال نادرًا‪ .‬وكان حكم الجابري عىل هؤالء ّأنهم‬

‫جانبوا العقالنيّة؛ ّ‬ ‫ألنهم خضعوا لسلطة مرجعيّة ال تعدو أن‬

‫األعرابي» يف شبه الجزيرة‪( .‬بنية العقل العربي‪،‬‬ ‫تكون «عالم‬ ‫ّ‬

‫‪.)248‬‬ ‫ّ‬ ‫النظام الثاين هو العرفان‪ :‬ويتمثل يف أنّ الحصول عىل‬

‫العربي بحقولها املعرفيّة وأعالمها «املشارقة»‪ ،‬يُصاب القارئ‬

‫بخيبة أمل يف هذا العقل العربي الذي عمل وفق أنظمة تصادر‬

‫املعريف‪ .‬لكن فجأة ينبعث‬ ‫العقل أو هي تحدّ من فاعليته وإبداعه‬ ‫ّ‬ ‫ٌ‬ ‫املغربي؛ فخارج‬ ‫أمل فريدٌ من نوعه‪ ،‬مصدره املغرب والفكر‬ ‫ّ‬

‫النظم الثالثة املذكورة‪ ،‬ويف سياق ّ‬ ‫تفككها‪ ،‬يقدّ م الجابري فك ًرا‬ ‫مغربيًّا ‪ -‬أندلسيًّا تجاوز مآزقها اإلبستمولوجيّة وأسّ س عقلاً‬

‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ويتمثل هذا العقل يف منطق‬ ‫خالصا»‪ -‬حسب عبارته‪.‬‬ ‫«برهانيًّا‬

‫عقيل ِص ْرف‪ .‬كان هذا مع ابن حزم وابن باجة وابن رشد‬ ‫استدالل‬ ‫ّ‬

‫بالحس‪ ،‬بل بالكشف؛ وهو ما‬ ‫املعرفة «ال يكون بالعقل وال‬ ‫ّ‬

‫ّ‬ ‫بخاصة‪ .‬هؤالء عنده هم «أعالم‬ ‫والشاطبي‪ ،‬ومع ابن خلدون‬

‫العليا»‪( .‬تكوين العقل العربي‪ .)374 ،‬فالعرفان إلغاءٌ للعقل‪.‬‬ ‫وتمثل هذا النظام ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل التيّارات‬ ‫(بنية العقل العربي‪.)379 ،‬‬

‫حسب قوله‪( .‬بنية العقل العربي‪ .)541 ،‬فابن رشد ّ‬ ‫يمثل قمّ ة‬

‫يُلقى يف القلب إلقاءً عندما يرتفع الحجاب بينه وبني الحقيقة‬

‫العرفانيّة‪ ،‬الصوفيّة منها والشيعيّة‪ ،‬بروافدها األجنبيّة‬ ‫ً‬ ‫موقفا‬ ‫الشرقيّة‪ .‬وكان الجابري صريحً ا يف اإلعالن عن وقوفه‬

‫نقديًّا من «العرفان»‪ ،‬من منطلق تحليله العقالين املست ِند‬ ‫كما قال‪ -‬إىل «اإليمان بقدرة العقل عىل تفسري ّ‬‫كل الظواهر‬ ‫تفسريًا يعطيها معنى معقولاً »‪ ،‬ومن منطلق إيمانه «بقدرة‬

‫التجديد يف الثقافة العربيّة اإلسالميّة يف املغرب واألندلس»‪،‬‬ ‫برز الواحد منهم «كمَ عْ َلمة من معالم لحظة النقد التجاوزي»‪،‬‬ ‫ما وصل إليه العقل العربي يف ميدان الفلسفة‪ ،‬وابن خلدون‬ ‫ّ‬ ‫والسيايس يف الثقافة‬ ‫التاريخي واالجتماعي‬ ‫يمثل أوج الفكر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربيّة اإلسالميّة‪ ،‬والشاطبي ّ‬ ‫يمثل قمّ ة ما وصل إليه العقل‬

‫العربي يف ميدان األصول»‪( .‬بنية العقل العربي‪ .)538 ،‬وهؤالء‬ ‫جميعً ا «يقعون عىل مستوى واحد من النضج العقالين‪ ،‬وعىل‬

‫العقل عىل تفسري ما يسمّ يه العرفانيّون‪ :‬الكشف»‪( .‬بنية‬ ‫العقل العربي‪ .)375 -374 ،‬ويؤ ّكد أنّ الكشف العرفاين هو‬

‫العربي‪ .)538 ،‬ومن هنا يهيِّئ الجابري الفك َر املغربي لتمثيل‬

‫وأنّ أعالمه ال يتجاوزون حدود املشرق‪ ،‬من قبيل إخوان الصفا‬

‫العربي‪.‬‬ ‫التواصل يف مجال التنوير‬ ‫ّ‬

‫وعاش يف املشرق)‪ ،‬والطويس وغريهم‪ .‬وعندما ذكر ضمن هذا‬ ‫الشيعي القايض النعمان‪ ،‬ع ّرفه بفرتة‬ ‫النظام َع َلمً ا مغربيًّا هو‬ ‫ّ‬

‫عىل مدى استيعابنا للمكتسبات العلميّة واملنهجيّة املعاصرة‬

‫«أدىن درجات الفعالية العقليّة»‪( .‬بنية العقل العربي‪،)378 ،‬‬

‫والكليني والقشريي والهجويري وابن عربي‪( ،‬نشأ يف األندلس‬

‫انتمائه إىل املشرق مع املع ّز لدين الله الفاطمي مؤسّ س القاهرة‪.‬‬ ‫(بنية العقل العربي‪)321 ،‬؛ ح ّتى يحافظ عىل الصورة الناصعة‬ ‫لعقالنيّة مغربيّة كما سرنى‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫النظام الثالث هو الربهان‪ :‬يع ّرفه الجابري بأنه «يتأسّ س‬ ‫ّ‬ ‫الخاصة التي هي العقل وما يضعه من أصول‪ ،‬وليس‬ ‫بوسائله‬

‫له سلطات مرجعيّة خارجة عنه»‪( .‬بنية العقل العربي‪،)416 ،‬‬ ‫ّ‬ ‫وبأنه يقوم عىل «منطلقات منهجيّة وتصوّريّة مستمدّ ة من‬

‫درجة واحدة يف مجال التجديد واإلبداع العقليّني»‪( .‬بنية العقل‬

‫الحلقة العقليّة األوىل التي يمكن أن نربط معها اليوم أواصر‬ ‫كان هذا صريحً ا يف قوله‪« :‬ما ننشده اليوم من تحديث‬ ‫ّ‬ ‫يتوقف ليس فقط‬ ‫للعقل العربي وتجديد للفكر اإلسالمي‬ ‫مكتسبات القرن العشرين وما قبله وما بعده‪ -‬بل ً‬‫أيضا ولربّما‬ ‫ّ‬ ‫يتوقف عىل مدى قدرتنا عىل‬ ‫بالدرجة األوىل‬ ‫استعادة نقد ّي ِة ابن حزم‪ ،‬وعقالن ّي ِة ابن‬

‫رشد‪ ،‬وأصول ّي ِة الشاطبي‪ ،‬وتاريخ ّي ِة‬

‫ابن خلدون‪ ،‬هذه النزوعات‬ ‫العقليّة التي ال بدّ منها إذا أردنا‬

‫أن نعيد ترتيب عالقتنا برتاثنا‬ ‫بصورة ّ‬ ‫تمكننا من االنتظام فيه‬ ‫انتظامً ا يفتح مجالاً لإلبداع‪،‬‬

‫العلمي لذلك العصر (أي العصر القديم)؛ بل‬ ‫املعريف‬ ‫الحقل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لكل عصر‪ ...‬مثل االستنتاج واالستقراء والسببيّة»‪( .‬بنية العقل‬ ‫العربي‪ .)552 ،‬لكنّ العقل يف نظام الربهان املشرقي ّ‬ ‫ظل مُ ف َر ًغا‬

‫إبداع العقل العربي داخل‬

‫حسب استثمار الفالسفة املشارقة له‪ ،‬مثل الكندي والفارابي‬

‫« ا لشر و ط‬

‫اإلبداعي؛ ألنّ العقل فيه ال يعدو أن يكون‬ ‫العقيل‬ ‫من محتواه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫شكليًّا‪ ،‬ولم يبتعد كثريًا عن وظيفة خدمة البيان والعرفان‪،‬‬ ‫وابن سينا وغريهم‪.‬‬

‫‪37‬‬

‫الثقافة التي يتكوّن فيها»‪ .‬هذا‬ ‫ما بدا للجابري كفيلاً بتوفري‬

‫العقل العربي وخيبة األمل‬

‫إىل هذا الحدّ من تحديد أنظمة العقل‬

‫محمد الجابري‬

‫ملف العدد‬


‫الضروريّة لتدشني عصر تدوين جديد يف هذه الثقافة»‪ ،‬وذلك‬ ‫عن طريق «استعادة العقالنيّة النقديّة التي ّ‬ ‫دشنت خطابًا‬ ‫جديدً ا يف األندلس واملغرب»‪( .‬بنية العقل العربي‪ .)552 ،‬وال‬

‫يخفي يف هذا املستوى مفاضلته الصريحة بني هذه «املكتسبات»‬ ‫العقالنيّة املغربيّة وما اعتربه «تداخلاً تلفيقيًّا مكرّسً ا للتقليد يف‬

‫عالم البيان‪ ،‬وللظالميّة يف عالم العرفان‪ ،‬وللشكليّة يف عالم‬ ‫املشرقي مسؤولي َّة األزمة‬ ‫التلفيقي‬ ‫الربهان»‪ .‬وحمّ ل هذا التداخل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التي تردَّى فيها الفكر العربي ولم يخرج منها إىل اليوم‪( .‬بنية‬

‫العقل العربي‪.)559 -558 ،‬‬

‫هو ذا مشروع الجابري وفق توزيع (جغرايف ‪ -‬ثقايف)‪:‬‬

‫ودول خارجيّة أو شيعيّة يف شمال إفريقيا‪ .‬ومفاده أنّ الشرق‬

‫أفضل من الغرب «الخارج عن الشرعيّة»‪ .‬ور ّد املغاربة الفعل‬ ‫فقلبوا املفاضلة‪ .‬إذن هو موقف مرتبط بالسياسة ومقتضياتها‬

‫الظرفيّة‪ ،‬وال عالقة له باملعرفة وآليّات إنتاجها؛ فالبيان‬

‫والعرفان موجودان يف املشرق مثلما هما موجودان يف املغرب‪.‬‬ ‫وألنّ السياق ال يسمح بالتوسّ ع نكتفي باإلشارة إىل أنّ البيان يف‬ ‫الثقايف يف املغرب‪ ،‬وقاد‬ ‫صيغته املالكيّة كان مسيط ًرا عىل اإلنتاج‬ ‫ّ‬ ‫اإلمام سحنون حملته ضدّ املعتزلة بنفس الطريقة التي قاد بها‬

‫الشيعي‬ ‫ابن حنبل وأضرابه هذه الحملة يف املشرق‪ ،‬والعرفان‬ ‫ّ‬ ‫يف املغرب ُع ِرف مع الفاطميّني قبل انتقالهم إىل املشرق (مصر)‪.‬‬ ‫والربهان موجود يف املغرب مثلما هو موجود يف املشرق‪ ،‬بل ّ‬ ‫لعله‬

‫ُّ‬ ‫حظ املشرق فيه‪ :‬نظامان غاب فيهما العقل أو كان حضوره‬ ‫ً‬ ‫عقالين النزعة‬ ‫ضعيفا‪ ،‬وهما‪ :‬البيان‪ ،‬والعرفان‪ .‬ونظام‬ ‫فيهما‬ ‫ّ‬

‫هناك أوضح حضورًا يف مرحلة التأسيس‪ ،‬مع القدريّة أ ّولاً ‪ ،‬ثمّ‬

‫املغرب من العقالنيّة النقديّة املبدعة فهو وافر‪ ،‬كما رأينا‪.‬‬

‫إلشكاليّة املفاضلة رمت بظاللها عىل املعايري اإلبستمولوجيّة‬

‫لكن غلبت عليه الشكليّة وغاب اإلبداع وهو الربهان‪ .‬أمّ ا ّ‬ ‫حظ‬ ‫غريب هذا التوزيع الخاضع لفكرة قديمة مدارها املفاضلة بني‬ ‫ٌ‬ ‫تاريخي واحد‪ .‬إنهّ‬ ‫جه َت ْي حضارة واحدة وثقافة واحدة وسياق‬ ‫ّ‬

‫سيايس افتتحه العبّاسيّون عندما خرجت‬ ‫إعادة إنتاج ملوقف‬ ‫ّ‬ ‫من نفوذهم مناطق الغرب اإلسالمي‪ :‬األمويّون يف األندلس‪،‬‬

‫مع املعتزلة‪ ،‬ومع قسم من الفالسفة‪ .‬ونعتقد أنّ إثارة الجابري‬ ‫التي اعتمدها يف توزيع العلوم والحقول املعرفيّة داخل األنظمة‬ ‫الثالثة‪ .‬فعند التدقيق يف النماذج التي اعتمدها يف االستدالل‬ ‫عىل مادّة ّ‬ ‫كل نظام نتبينّ تعمّ ده السكوت عن النماذج التي‬

‫املتعسف لبعض منها؛‬ ‫تخالف منطق توزيعه‪ ،‬أو تعمّ ده التأويل‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫لحملها عىل دعم مشروعه املحمول مسبقا عىل مناصرة املغرب‪.‬‬

‫ولنقدّ م األمثلة التالية ألنّ السياق ال يسمح بالتوسّ ع كثريًا‪:‬‬

‫‪38‬‬

‫علم الكالم االعتزايل يف بداياته ‪-‬أي مع عمرو بن عبيد ومع‬ ‫واصل بن عطاء وال َّن َّظام والعالّف والجاحظ‪ -‬ال يمكن أن يُدرج‬

‫يف النظام البياين؛ ألنّ آليّات التفكري املعتمدة فيه ومنطق ترتيب‬

‫مصادر املعرفة مباينة ملا هو موجود يف النظام البياين‪ :‬ففي‬ ‫ّ‬ ‫محكمني‬ ‫الوقت الذي يضع فيه علماء الكالم العقل يف الصدارة‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النص‬ ‫عقيل‪ ،‬يضع الفقهاء‬ ‫النص وتأويله وفق منطق‬ ‫إيّاه يف فهم‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫مؤخرين العقل إىل املرتبة الرابعة باعتباره خادمً ا‬ ‫يف الصدارة‪،‬‬

‫ّ‬ ‫مشرقي‪.‬‬ ‫«النص» ليس أكرث‪ .‬وعلم الكالم يف بداياته‬ ‫لحقائق‬ ‫ّ‬ ‫الجابري يقع يف الخلط‬

‫ما أوقع الجابري يف هذا الخلط بينه وبني الفقه أو أصول‬

‫الفقه يف آليّات إنتاج املعرفة‪ ،‬هو عدم انتباهه إىل خصوصيّات‬

‫الكالمي يف مرحلته األوىل ‪-‬أي قبل الحدث «األشعريّ »‪-‬‬ ‫الخطاب‬ ‫ّ‬

‫البياين‪ ،‬جنبًا إىل‬ ‫وهذا ما جعله يقحم علم الكالم ضمن النظام‬ ‫ّ‬

‫كان حرص الجابري المسبق والواضح‬

‫جنب مع علم الفقه وأصوله‪ .‬لقد اقتصر الجابري عىل املفهوم‬ ‫ّ‬ ‫املتأخر لعلم الكالم الذي أحدثه األشعريّ ‪ ،‬عندما خرج عىل‬

‫العقالنية الالزمة اليوم لفعل‬ ‫عنوان‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫مؤشرات‬ ‫التحديث‪ ،‬وراء سكوته عن‬

‫خادمً ا لحقائق الشريعة مدافعً ا عنها ضدّ «أصحاب البدع»‪.‬‬ ‫َ‬ ‫وصلنا من نصوص ّ‬ ‫تمثل هذا الخطاب‬ ‫ونتبينّ من خالل ما‬

‫على جعل ثقافة الغرب اإلسالمي‬

‫العقالنية في المشرق‬ ‫ّ‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫ّ‬ ‫«نصيّة» لهذا العلم بأن جعله‬ ‫املعتزلة وأوجد صيغة س ّنيّة‬

‫أنّ مفهوم العقل عند املعتزلة األوائل يخضع لنفس اآلليّات‬ ‫ّ‬ ‫مفكري الغرب‬ ‫الفكريّة التي حدّ دها الجابري لدى بعض‬


‫‪39‬‬

‫اإلسالمي مثل ابن باجة وابن رشد‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يف املقابل‪ ،‬ال يمكن التسليم بأنّ ّ‬ ‫كل األعالم املغاربة الذين‬

‫لذلك كان حرص الجابري املسبق والواضح عىل جعل‬

‫ابن حزم وابن خلدون؛ فمفهوم العقل عند ابن حزم هو‬ ‫ّ‬ ‫النص‪ ،‬وال يمكنه ح ّتى القيام بعمليّة القياس‪ .‬وهو‬ ‫ما خدم‬

‫الحدايث املسقط عىل نصوص مغربيّة مثل نصوص ابن‬ ‫تأويله‬ ‫ّ‬

‫الربهاين «الخالص»‬ ‫وضعهم يف خانة العقل‪ ،‬أو يف النظام‬ ‫ّ‬ ‫‪-‬كما قال‪ -‬هم كذلك‪ .‬ويكفي أن نقف بعض اليشء عند‬

‫يرى أنّ الواقع –واقع املسلمني‪ -‬عليه أال يتغيرّ ح ّتى يبقى وفيًّا‬ ‫ً‬ ‫والنهايئ الذي أنزله الله‪ .‬وما دور‬ ‫ومتطابقا مع التشريع املكتمل‬ ‫ّ‬

‫ّ‬ ‫«النص»‪.‬‬ ‫العقل إال الوقوف عىل األحكام املوجودة بالضرورة يف‬ ‫ويؤ ّكد ابن حزم يف مسألة املرجعيّة التي يجب أن توجّ ه فعل‬ ‫اإلنسان‪ ،‬أن ال «حُ سنَ » وال ُ‬ ‫«قبحَ » إال ما ّ‬ ‫ً‬ ‫مخالفا‬ ‫علمنا الله‪،‬‬ ‫بذلك املعتزلة يف مفهومهم للحسن والقبح العقليّني؛ لذلك‬

‫فإنّ مكان ابن حزم هو «البيان» وليس «الربهان الخالص» وفق‬ ‫توزيع الجابري‪ .‬أمّ ا ابن خلدون فإنّ ّ‬ ‫كل ما ذكره الجابري يف‬

‫شأن عقالنيّته هو من باب اإلسقاط والتوظيف األيديولوجي‬

‫الصريح؛ فهو خطاب ال يتجاوز –من حيث نوعيّة دالالته ومن‬ ‫َ‬ ‫البياين؛ بل ّإنه الخطاب‬ ‫ثوابت النظام‬ ‫حيث آليّاته الفكريّة‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«النصيّة» التي يك ّرسها نظام‬ ‫الوحيد الذي نجح يف رفع الثوابت‬ ‫والتاريخي‪ .‬وقد درسنا‬ ‫االجتماعي‬ ‫البيان‪ ،‬إىل درجة القانون‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخلدوين‪ :‬األصول‬ ‫هذا الجانب يف كتابنا «حفريّات يف الخطاب‬ ‫ّ‬

‫السلفيّة ووهم الحداثة العربيّة» (سوريا‪ ،‬دار برتا‪2008 ،‬م)‪ ،‬وال‬

‫يمكن التوسّ ع فيه أكرث لضيق املقام‪.‬‬

‫ثقافة الغرب اإلسالمي عنوانَ العقالنيّة الالزمة اليوم لفعل‬ ‫ّ‬ ‫مؤشرات العقالنيّة يف املشرق‪،‬‬ ‫التحديث‪ ،‬وراء سكوته عن‬ ‫ّ‬ ‫الفلسفي؛ ووراء‬ ‫االعتزايل املبكر‪ ،‬أو‬ ‫داخل الفكر الس ّن ّي‪ ،‬أو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حزم والشاطبي وابن خلدون‪ .‬لقد قام يف هذه املسألة بالذات‬ ‫بعمليّة تطويع للمادّة املعرفيّة ح ّتى تستقيم مع موقف‬ ‫أيديولوجي مسبق‪.‬‬ ‫ّ‬

‫إنّ مجادلة الجابري يف قراءته لنصوص الثقافة العربيّة‪،‬‬

‫دليل عىل قدرة هذه القراءة عىل االستحواذ عىل القارئ‪،‬‬ ‫لكن بطريقة ال تسلبه حريّة التفكري؛ فهي مبنيّة أساسً ا عىل‬

‫«العقالنيّة النقديّة» وعىل فعل اإلبداع‪ ،‬وبقدر ما تنقد تقبل‬ ‫ّ‬ ‫توصل صاحبها من ورائها إىل التنبيه إىل الشروط‬ ‫النقد‪ .‬لقد‬

‫اإلبستمولوجيّة الالزمة لفعل التنوير العربي‪ ،‬وهي الشروط‬ ‫ّ‬ ‫لعل‬ ‫التي ال تزال يف حاجة إىل الكثري من املراجعات النقديّة‪،‬‬ ‫يف صدارتها مراجعة الثنائيّة البالية مشرق‪ -‬مغرب‪ .‬ثمّ أَ َلمْ يقل‬ ‫ابن خلدون يف هذه الثنائيّة‪« :‬ليس بني قطر املشرق واملغرب‬

‫ٌ‬ ‫تفاوت بهذا املقدار الذي هو تفاوت يف الحقيقة الواحدة»؟ ألم‬

‫يكن أوىل بالجابري ‪-‬وهو الذي يعيل عقالنيّة ابن خلدون‪ -‬أن‬ ‫ي ّتبعه يف هذا املوقف؟!‬

‫ملف العدد‬


‫التنوير يعني تحقيق‬ ‫الرقي لواقعنا العربي‬ ‫يعد التنوير األوربي من وجهة نظر تاريخية‪ ،‬وريث الحركة‬ ‫ّ‬ ‫سخرت جهودها للتوفيق بين الفلسفة اليونانية‬ ‫اإلنسية التي‬ ‫وآدابها‪ ،‬وبين التراث المسيحي في الدين من جهة أخرى‪ .‬كما‬ ‫يعد ر ّدة فعل على الظالمية األصولية التي كانت تهيمن على‬ ‫البشر في أوربا‪ .‬والتنوير بالمعنى الحرفي هو ّ‬ ‫ضد الظالم‪ ،‬ولكنه‬ ‫بالمعنى المجازي االستنارة العقلية المضادة للفهم المغلق للدين‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫موريس أبوناضر‬ ‫كاتب وأكاديمي لبناني‬


‫بدأ إشعاع هذه الحركة مع مارتن لوثر يف أملانيا الذي حاول‬

‫زعزعة اليقينيات القديمة يف منظومة الخطاب الديني‪ ،‬وأكمل‬ ‫انتشاره مع ديكارت الذي تم ّرد عىل فلسفة القرون الوسطى‬

‫القائمة عىل تراث الفكر األرسطي‪ ،‬ورأى أن املناهج السابقة يف‬

‫الفلسفة مليئة بالعيوب‪ ،‬وبعيدة من مواكبة العلم الجديد يف‬ ‫أوربا الذي ساد األوساط الثقافية مع نيوتن وغاليليو‪ .‬أما كانط‬ ‫فقد أوضح مفهوم التنوير بقوله‪« :‬التنوير يعني خروج اإلنسان‬

‫من قصوره العقيل‪ .‬وحالة القصور العقيل تعني عجز املرء عن‬ ‫استخدام عقله‪ ،‬إذا لم يكن موجّ هًا من شخص آخر‪ ،‬والخطأ‬

‫يقع علينا إذا كان هذا العجز ناتجً ا ال عن نقص يف العقل‪ ،‬بل‬

‫عن نقص يف التصميم والشجاعة عىل استخدام العقل‪ ،‬بدون‬ ‫أن نكون موجّ هني من شخص آخر‪ .‬لتكن تلك الشجاعة والجرأة‬ ‫عىل استخدام عقلك أيها اإلنسان»‪ .‬ويف مكان آخر من نصه‬

‫الشهري حول التنوير‪ ،‬نلحظ أن كانط يقدّ م لنا بعض العالمات‬ ‫عىل هذه العقبات التي تضغط عىل اإلنسان‪ ،‬وترعبه فال يعود‬ ‫ّ‬ ‫املعطل‪ .‬يقول كانط يف هذا السياق‪:‬‬ ‫يجرؤ عىل استخدام عقله‬

‫«ليس هناك إال طريقة وحيدة لنشر األنوار هي الحرية‪ ،‬ولكن‬

‫ما أن ألفظ هذه الكلمة‪ ،‬حتى أسمعهم يصرخون من كل‬

‫حذار من التفكري‪ ،‬الضابط يقول‪:‬‬ ‫حدب وصوب‪ :‬ال تفكروا‬ ‫ِ‬ ‫ال تفكروا تم ّرنوا‪ ،‬وجابي الضرائب يقول‪ :‬ال تفكروا ادفعوا‪،‬‬

‫والكاهن يقول‪ :‬ال تفكروا آمنوا»‪.‬‬ ‫محاربة الوحش الضاري‬

‫رفع فولتري كبري التنويريني طيلة حياته شعار محاربة‬

‫الوحش الضاري‪ ،‬أي التعصب واإلكراه يف الدين الذي يمارسه‬

‫رجال الكنيسة‪ ،‬ونشط يف محاربة االستبداد السيايس املرتبط‬ ‫بكل ذلك‪ ،‬من دون أن يعني هذا أن فولتري كان ضد النظام‬

‫املليك‪ ،‬أو ضد اإليمان املطلق‪ .‬فعىل عكس ما يروّج لم يكن‬ ‫فولتري ملحدً ا ماديًّا عىل طريقة فالسفة التنوير اآلخرين‪ ،‬إنما‬ ‫كان مؤم ًنا إيمان الفالسفة ال إيمان الكهنة ورجال الدين‪،‬‬ ‫وكان كما نقول اليوم داعية إىل تنوير العامة حتى تخرج‬

‫من ظلمات الجهل‪ ،‬والتعصب الديني‪ ،‬وتدخل يف مرحلة‬ ‫ّ‬ ‫التحضر والتقدّ م‪ .‬وقد فعل فولتري كل يشء ليك ينتزع السلطة‬ ‫ّ‬ ‫يخفف من هيمنتها عىل‬ ‫السياسية من براثن الكنيسة‪ ،‬وليك‬

‫ّ‬ ‫يخص‬ ‫العقول‪ ،‬وقد صدّ ق املستقبل توجّ هه األسايس فيما‬ ‫ً‬ ‫مشروعا كبريًا‪،‬‬ ‫هذه النقطة؛ ذلك أن القرن التاسع عشر أنجز‬

‫عندما فصل الدولة عن الكنيسة‪ ،‬وح ّرر السياسة من هيمنة‬ ‫املطارنة والكرادلة وبقية األصوليني‪ ،‬وكان ذلك أحد األسباب‬

‫األساسية لتقدّ م أوربا‪ ،‬وتحوّلها إىل منارة حضارية‪ .‬يف كتابه‬

‫‪41‬‬

‫املدعو بالقاموس الفلسفي يقول فولتري‪ :‬إنه يهدف إىل إحداث‬ ‫ثورة يف العقول‪ ،‬تكون مرتكزة عىل ممارسة العقل والروح‬

‫النقدية‪ ،‬وتتيح لنا التح ّرر من األفكار املتعصبة التي نرثها عن‬ ‫أهلنا‪ ،‬وهي كارهة لآلخر بشكل سابق؛ ألنه يختلف ع ّنا دي ًنا أو‬ ‫مذهبًا‪ ،‬أو أصلاً اجتماعيًّا‪ ،‬كما أنها تتيح لنا أن ّ‬ ‫نفكر بشكل ح ّر‪.‬‬ ‫ومعلوم أن فرنسا يف عصر فولتري كانت محكومة باالستبداد‬

‫السيايس املليك املتحالف مع األصولية املسيحية‪ ،‬وكان املجتمع‬ ‫خاضعً ا للتصورات الطائفية التي تحاول الحركات اإلسالمية‬

‫املتطرفة اليوم فرضها يف بعض املجتمعات العربية واإلسالمية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫التعصب الديني كرهً ا شديدً ا‬ ‫ومن املعروف أن فولتري كان يكره‬

‫ويراه عدوّه األوّل‪ ،‬وقد ك ّرس كل حياته ملحاربته‪ ،‬ولذلك‬ ‫أصبح اسمه رم ًزا ملناهضة املتشددين املتزمتني يف أي مكان‬ ‫ّ‬ ‫وخلد اسمه يف التاريخ كمناضل شديد‬ ‫كانوا وألي دين انتموا‪،‬‬ ‫املراس من أجل حرية الفكر‪ ،‬وكان يقول جملته الشهرية التي‬ ‫ذهبت مثلاً ‪ ،‬وأسست العقلية الديمقراطية يف الغرب يقول‪:‬‬

‫«قد أختلف معك يف الرأي‪ ،‬ولكني مستعدّ أن أدفع حيايت‬ ‫ثم ًنا من أجل أن تقول رأيك»‪ .‬باختصار كانت مضامني التنوير‬ ‫ّ‬ ‫تتحقق يف انحسار نفوذ الكنيسة‪ ،‬وهيمنتها‬ ‫بالنسبة لفولتري‬ ‫صالون مدام جيوفرين‬

‫عىل الدولة والعقول يف آن واحد‪ ،‬وتفكيك األفكار الطائفية‬

‫واملذهبية‪ ،‬والخرافات الدينية‪ ،‬وانبثاق إيمان جديد مضاد���

‫ملف العدد‬


‫لإليمان القديم‪ ،‬قائم عىل فكرة التسامح وحرية االعتقاد‪،‬‬ ‫وتوسيع دائرة الجمهور ّ‬ ‫املثقف‪ ،‬وأخريًا نشر الفكر العقالين‪.‬‬

‫الديمقراطية الليربالية وحقوق اإلنسان»‪.‬‬

‫جاء كوندروسيه بعد فولتري؛ ليك يرسّ خ املواقع نفسها‪،‬‬

‫بدأ خطاب التنوير يف العالم العربي مع بزوغ فجر النهضة‬

‫عىل يديه إىل أفضل وجه‪ .‬ولكن ما هذا التنوير بالنسبة إىل‬

‫وقد سعى رجاله التنويريون؛ أمثال رفاعة الطهطاوي‪،‬‬

‫ويعمّ ق االتجاه ذاته‪ ،‬ومعلوم أن برنامج التنوير وصل‬ ‫كوندروسيه‪ ،‬وكيف يمكن أن نصل إليه؟ يذهب هذا األخري إىل‬

‫ّ‬ ‫التوصل إليه إال عن طريق عقلية التفحص‬ ‫القول بأنه ال يمكن‬

‫يف القرن التاسع عشر بمرجعيات فكرية وأيديولوجية مختلفة‪،‬‬

‫وبطرس البستاين‪ ،‬مع اإلصالحيني اإلسالميني كمحمد عبده‪،‬‬

‫والشك بكل ما ورثناه عن القديم‪ ،‬وال يمكن التوصل إىل ذلك‬

‫ورشيد رضا‪ ،‬والليرباليني العلمانيني كفرح أنطون‪ ،‬وشبيل‬ ‫الشميل‪ ،‬وطه حسني‪ ،‬وسالمة موىس‪ ،‬سعى هؤالء إىل ّ‬ ‫بث‬

‫ّ‬ ‫التوصل إىل الحقيقة‪ .‬والتنوير‬ ‫الوحيدة التي نمتلكها من أجل‬

‫وغربلة الرتاث‪ ،‬ونقد الفقه القديم‪ ،‬وإعادة طرح املسألة‬

‫إال عن طريق الثقة بالعقل‪ ،‬ملاذا؟ ألن العقل هو الوسيلة‬ ‫يعني الحقيقة‪ ،‬يعني نور الحقيقة الذي يبدّ د ظلمات الجهل‬

‫ّ‬ ‫والتعصب واألحكام السابقة‪ .‬ولكن كيف يمكن لنا التأثري يف‬

‫عقول البشر وإخراجهم من ظلمات الجهل‪ .‬عن هذا السؤال‬ ‫يجيب املفكر الفرنيس بأن هناك ثالث طرائق‪ :‬إما الكتب‪ ،‬وإما‬

‫التشريع‪ ،‬وإما الرتبية‪.‬‬

‫مضامني التنوير الجديدة‪ ،‬وأهدافه الكربى يف السمو بالعقل‪،‬‬ ‫الدينية بشكل نقدي‪ ،‬والعمل عىل تحقيق العدالة االجتماعية‬

‫واملساواة‪ ،‬وتكريس قيم الحرية والديمقراطية‪ ،‬وحقوق‬ ‫ّ‬ ‫التعلم للتمكن من املعارف والعلوم‬ ‫اإلنسان‪ ،‬والدعوة إىل‬ ‫ً‬ ‫أشواطا جبارة يف الرقي والتقدّ م‪.‬‬ ‫أسوة بالغرب الذي قطع‬

‫تمحورت املضامني الجديدة التي جلبها املتنورون العرب‬

‫لم يكن فالسفة التنوير الذين ذكرناهم يف تيارهم العريض‬

‫ّ‬ ‫وبثوها يف بالدهم‪ ،‬ودعوا إىل اعتمادها‪ ،‬يف عدة مسائل‪ :‬أولها‬ ‫«التمدّ ن» الذي ّ‬ ‫تمثل يف إنجازات حققتها أوربا‪ ،‬وجعلتها يف‬

‫سيطرة رجال الدين عىل الحكم‪ ،‬والخلط بني السياسة‬

‫ّ‬ ‫ويخص جميع البشر‪ .‬وقد آمن التنويريون بأن التمدّ ن‬ ‫إنساين‪،‬‬

‫يستهدفون الدين بحدّ ذاته‪ ،‬وال حتى فكرة التعايل الرباين‪ ،‬وال‬

‫العقيدة األخالقية لهذا الدين أو ذاك‪ ،‬إنما كانوا يستهدفون‬

‫‪42‬‬

‫زائد انتصار دولة القانون واملؤسسات الحديثة‪ ،‬زائد انتصار‬

‫والدين‪ ،‬وترسيخ نظام طائفي‪ ،‬أو مذهبي‪ ،‬أو نشر أفكار‬

‫ّ‬ ‫التعصب األعمى والدفاع عنها‪ .‬بمعنى آخر‪ ،‬فالسفة التنوير لم‬ ‫يكن هدفهم رفض الدين‪ ،‬أو حرمان الناس من أديانهم‪ ،‬إنما‬

‫جعلهم أكرث تسامحً ا يف فهم هذه األديان وممارستها‪ ،‬كما كان‬ ‫هدفهم األسايس تدشني مبدأ حرية الوعي والضمري‪ ،‬ألوّل مرة‬

‫يف تاريخ الفكر البشري‪ ،‬فأنت حسب هؤالء ح ّر يف أن تؤمن‬

‫أو ال تؤمن‪ ،‬وكل إيمان قائم عىل القسر واإلكراه ال معنى له‪.‬‬ ‫تحرير فعل املعرفة‬

‫بكالم آخر‪ ،‬ح ّرر فالسفة التنوير فعل املعرفة بحدّ ذاته‪،‬‬

‫ففي الوقت الذي كان يكفي أن تقول‪ :‬إن املسيح قال‪ ،‬أو قال‬ ‫القديسون‪ ،‬أو قال آباء الكنيسة ليك يصدّ قك الناس‪ ،‬أي‬

‫أن فعل املعرفة يعتمد عىل هيبة األقدمني‪ ،‬ورجال الدين‪،‬‬ ‫أما يف عصر التنوير فإن مرجعية املعرفة لم تعد كذلك‪،‬‬ ‫إنما أصبحت العقل واملعرفة‪ّ .‬‬ ‫يلخص املفكر البلغاري األصل‬

‫الفرنيس الجنسية تودوروف يف كتابه األخري «روح التنوير»‬ ‫ّ‬ ‫يلخص التنوير بقوله‪« :‬انتصار العقالنية العلمية يف املجتمع‪،‬‬

‫الحر‬ ‫إن معاداة العقل‪ ،‬والبطش بالفكر‬ ‫ّ‬ ‫يؤخران الشعوب العربية في مسيرتها‬ ‫لتحقيق قيم التنوير‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫أوّل األمم املتقدّ مة‪ ،‬وهذا عائد إىل العمل والفكر الذي هو‬ ‫يرجع إىل فضائل ال بدّ من اكتسابها كالعلم والحرية والعمران‬

‫والوطنية‪ .‬وثانيها مسألة الرتبية التي ال تعني اكتساب العلوم‬ ‫فحسب‪ ،‬بل اكتساب الفضائل ً‬ ‫أيضا‪ ،‬فالرتبية تعني تعويض‬ ‫ّ‬ ‫التأخر بالعلم والعمل‪ ،‬والعلم ال يكسب اإلنسان املعارف‬


‫طه حسين‬

‫سالمة موسى‬

‫ّ‬ ‫يهذب طباعه ويشحذ هممه لخدمة الوطن‪.‬‬ ‫فقط‪ ،‬ولكنه‬ ‫وثالثها مسألة الوطن‪ ،‬فالرتبية الوطنية حسب البستاين‬ ‫والطهطاوي تؤسّ س للرابطة املعنوية بني أبناء الوطن‪ .‬وفكرة‬

‫الوطن حسب رواد التنوير ترتبط بالفضائل‪ ،‬أكرث مما ترتبط‬ ‫بالسياسة ومفهوم الدولة‪ ،‬إال أنها نتجت عن وعي بعمق‬ ‫التاريخ الذي يجمع أبناء الوطن‪ ،‬مهما اختلفت ديانتهم‪.‬‬

‫ورابعها مسألة الحرية التي تحدّث عنها التنويريون ودعوا‬ ‫ّ‬ ‫يتعلق بحرية التعبري والعمل‪.‬‬ ‫إليها‪ ،‬كانت مفهومً ا واسعً ا‬ ‫يقول الطهطاوي يف هذا السياق‪ :‬إن التمدن منوط بحرية‬ ‫انتشار املعارف‪ ،‬أما خري الدين التونيس فيع ّرف الحرية بأنها‬

‫وراء التمدن يف البالد األوربية‪ .‬وخامسها مسألة الدستور التي‬

‫تعني إقامة نظام سيايس يحدّ من السلطة املطلقة‪ ،‬وإقامة‬ ‫هيئات منتخبة تمارس الرقابة واملحاسبة‪.‬‬ ‫مقاومة حقبة االنحطاط‬

‫خيرالدين التونسي‬

‫تودوروف‬

‫لكن هذه املقاومة ما لبثت أن منيت بهزيمة تاريخية أمام قوة‬

‫إسرائيل عام ‪1967‬م‪ ،‬وكان أثر هذه الهزيمة كبريًا يف الشعوب‬ ‫العربية التي اكتشفت ّ‬ ‫تخلفها عىل جميع األصعدة‪ ،‬وأدركت‬ ‫أن مشروع التنوير الذي راهنت عليه‪ ،‬قد أجهض بمكوّناته‬

‫القائمة عىل الحرية والعدالة والعقالنية‪ .‬لقد فشل مشروع‬ ‫النهضة العربية الذي ساهم التنويريون يف بنائه؛ ألنه أخفق يف‬ ‫بناء خطاب عقالين‪ ،‬وانكفأ عىل الذات املاضوية مرة‪ ،‬وارتمى‬

‫يف أحضان الغرب مرة ثانية‪ .‬لذلك بقيت اليقينيات املطلقة يف‬

‫الدين واالجتماع سائدة‪ ،‬وبقيت حالة االستبداد مهيمنة يف‬ ‫الدين والسياسة ً‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫يعد بعض املفكرين أن مشروع التنوير العربي ال يزال يعاين‬

‫االنسداد التاريخي‪ ،‬وتقف يف وجه تحقيقه عدة معوقات‪ ،‬منها‬

‫أن سياسة التحديث التي اتبعت منذ أيام محمد عيل قبل مئتي‬ ‫سنة‪ ،‬ر ّكزت عىل نقل العلوم ال الفلسفة العميقة التي تقف‬

‫خلف العلوم‪ ،‬وثانيها الخوف من الفكر الراديكايل‪ ،‬أي الجذري‬

‫كما تكوّن مفهوم األنوار يف أوربا تعبريًا عن وظيفة‬

‫العميق الذي يدعو إىل القطيعة مع املايض‪ ،‬واالنفصال عن‬

‫التفكري‪ ،‬والحقائق العلمية‪ ،‬كذلك تكوّن مفهوم التنوير يف‬

‫الحركات اإلسالمية املتطرفة اليوم لتقدّ م صورة عن اإلسالم‬

‫فكرية‪ ،‬هي مقارعة الكنيسة وفكرها الظالمي املعادي لحرية‬ ‫العالم العربي‪ ،‬تعبريًا عن وظيفة مقاومة حقبة االنحطاط‪.‬‬

‫‪43‬‬

‫الرتاث‪ ،‬ومنها أطروحات اإلخوان املسلمني التي استفادت منها‬ ‫ّ‬ ‫التعصب الديني واملذهبي‪.‬‬ ‫الدموي‪ ،‬والنابذ لآلخر‪ ،‬والداعي إىل‬

‫استغالل فشل األيديولوجيات‬ ‫ّ‬ ‫استغلت الحركات اإلسالمية املتطرفة فشل األيديولوجيات القومية واملاركسية والليربالية التي تسعى لبناء دولة‬

‫الحق والقانون‪ ،‬وراحت ّ‬ ‫تقدم خطابًا للجماهري يعد بالخالص من الحاكم وظلمه وطغيانه‪ ،‬كما يعد بتحقيق قيم الدين‬ ‫يف حالتها الصافية والنقية‪ ،‬األمر الذي أ ّدى إىل ّ‬ ‫توقف الحوار بني العقل والدين‪ ،‬وإىل إشهار سيف العداء ضد قيم‬ ‫الحداثة والتنوير‪ ،‬وبذلك انتقل الفكر من القرن الحادي والعشرين إىل القرون الوسطى‪ ،‬وعصور االنحطاط الفكري التي‬

‫تميّزت بالتعصب والتزمت‪ ،‬وبذلك كانت نتائج هذا التوجه كارثية ومأساوية عىل اإلنسان يف العالم العربي‪.‬‬

‫إن معاداة العقل‪ ،‬والبطش بالفكر الح ّر يؤخران الشعوب العربية يف مسريتها لتحقيق قيم التنوير‪ ،‬ويضعها يف‬

‫موقع النابذ ألفكار اآلخرين واحرتامهم‪ ،‬لكن األمل ما زال معقو ًدا عىل صياغة رؤية مستقبلية تدفع بمشروع التنوير‬

‫نحو أهدافه املأمولة‪ ،‬رؤية تؤكد عىل التنمية الشاملة يف مجال العلوم واملعارف‪ ،‬وتكريس اإلبداع يف فضاء من الحرية‪،‬‬ ‫والرتكيز عىل مسالة املثاقفة مع الغرب بغض النظر عن االختالف الحاصل بني حضارتني متباينتني ثقافيًّا‪.‬‬

‫ملف العدد‬


‫دعوات التنوير‬ ‫بين السطوع والخفوت‬ ‫رشيد الخ ُّيون‬ ‫باحث عراقي دكتوراه في الفلسفة اإلسالمية‬

‫‪44‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫جاء النور مقابل الظالم‪ ،‬حتى إن هناك مَ ن ناقش المقابلة بينهما‪ ،‬على الحقيقة ال المجاز‪،‬‬ ‫محسوسا فماذا يكون َّ‬ ‫الظالم‪ ،‬هل هو جسم مِن األجسام‬ ‫السؤال‪ :‬إذا كان ال ُّنور جسمً ا‬ ‫ً‬ ‫وكان ُّ‬ ‫أم هو مجرد انقطاع ال ُّنور؟ كان ذلك في عام (‪1911‬م) على صفحات مجلة «العلم»‪ ،‬التي أنشأها‬ ‫الدين َّ‬ ‫الدين هبة ِّ‬ ‫(‪1910‬م) رجل ِّ‬ ‫الشهرستاني (ت ‪1967‬م)‪ ،‬وأحد المحاورين في تلك القضية كان‬ ‫َّ‬ ‫الشاعر والمهتم بالفلسفة جميل صدقي الزهاوي (ت ‪1936‬م)(‪.)1‬‬ ‫لن ندخل في تفاصيل المناظرة‪ ،‬لكنني أجد في هذه المناظرة‪ ،‬قبل أكثر مِن مئة عام‪،‬‬ ‫رمزية للحركة ال َّتنويرية‪ ،‬التي أخذت ُّ‬ ‫تدب آنذاك‪ ،‬وكان رمزاها داخل العراق‪ :‬الشهرستاني‪،‬‬ ‫والزهاوي‪ ،‬مع اختالفهما في األسلوب‪ ،‬عرفهما الباحث االجتماعي علي الوردي (ت ‪1995‬م)‬ ‫الدين‪ ،‬بينما سلك َّ‬ ‫بالرائدين الفكريين(‪)2‬؛ سلك َّ‬ ‫الشهرستاني لتحقيق «ال َّتنوير» طريق ِّ‬ ‫الثاني‬ ‫العلم حتى افتتن بنظرية داروين‪ ،‬وهو القائل‪« :‬المذهب القوي في رأيي هو مذهب داروين‬ ‫طريق ِ‬ ‫في ال ّنشوء واالرتقاء‪ ،‬وقد تبعته‪ ،‬ولم يتبعه غيري قبلي‪ ،‬وقد شاع بسببي في العراق»(‪.)3‬‬ ‫عندما ننظر يف النتيجة التي أسفر عنها الوضع السيايس‬

‫بالعراق‪ ،‬ال نجد نجاحً ا قاطعً ا لواحد منهما‪ ،‬مع‬ ‫واالجتماعي ِ‬ ‫العراقي منذ‬ ‫أن ال َّتقدم املدين والحضاري قد ساد يف املجتمع ِ‬

‫بداية الثالثينيات حتى نهاية الثمانينيات من القرن املايض‪،‬‬ ‫لكن ذهب كل ذلك أدراج ال ِّرياح‪ ،‬وكأنْ لم تتحقق نهضة‪،‬‬ ‫سوى ما كانت عىل طريقة الشهرستاين أو ال َّزهاوي‪ ،‬ومع‬ ‫مَ ن أيد كلاًّ منهما‪ ،‬ولو عاش الوردي إىل يومنا هذا لراجع ما‬

‫شواهد املتقدمني‬

‫إين ألجد يف العبارة التي قالها الخليفة األموي األول‬ ‫ّ‬ ‫بغض النظر عن مناسبتها‬ ‫معاوية بن أبي سفيان (ت ‪60‬هـ)‪،‬‬ ‫أو غرضها‪ ،‬إال أنها تبدو عميقة الداللة واملعنى يف التمييز‬

‫بني األزمنة‪ ،‬وهذا ال يتحقق إال بالدعوة إىل التحديث؛ قال‬ ‫َ‬ ‫زمان قد مىض‪ ،‬ومنك ُر‬ ‫معروف زما ِننا هذا منك ُر‬ ‫معاوية‪« :‬إن‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫معروف‬ ‫زما ِننا‬ ‫ري مِ ن الفتق»(‪.)6‬‬ ‫يأت‪ ،‬ولو أىت فال َّرتق خ ٌ‬ ‫زمان لم ِ‬ ‫ٍ‬

‫كتبه يف شأن ال َّرجلني‪« :‬نجحت دعوة ال َّزهاوي أخريًا‪ ،‬بينما‬ ‫أخفقت دعوة الشهرستاين؛ ذلك ألن ال َّتيار الحضاري جبار‬

‫أال يمكن اعتبار نزوع األمري األموي خالد بن يزيد (ت ‪85‬هـ)‬ ‫ً‬ ‫حركة تنويرية؟ وكان «أول مَ ن ترجم‬ ‫العلم والرتجمة‬ ‫إىل ِ‬

‫السادس عشر‬ ‫الغربية يف ترسيخ التنوير‪ ،‬بداية مِ ن القرن َّ‬

‫وركن من أركان ال َّتنوير‪ ،‬كذلك حركة الرتجمة يف العصر‬

‫ساحق‪ ،‬ال يقبل بأنصاف الحلول»(‪.)4‬‬ ‫ألن العربة َّ‬ ‫بالثبات ال التذبذب‪ ،‬وهذا ما يميز ال َّتجربة‬

‫امليالدي‪ ،‬وكم ضحايا سقطوا بني قطع الرأس يف املقصلة‬ ‫والحرق يف املحارق التي ُعدت ملن اتهموا ب ــ«الهرطقة»(‪ ،)5‬بينما‬

‫كتب النجوم والطب والكيمياء»(‪ .)7‬ومعلوم أن الرتجمة تعني‬ ‫ُ‬ ‫التالقح يف األفكار‪ ،‬وأحد أسس التقدم الثقايف والعلمي‪،‬‬ ‫العبايس‪ ،‬وظهور فرقة املعتزلة (يف القرن الثاين الهجري)‪،‬‬ ‫ورسائل إخوان َّ‬ ‫الصفا (يف القرن الرابع الهجري)‪ ،‬وحركة‬

‫تجربة التنوير بمنطقتنا اعتمدت عىل التقليد وليس األصالة‬

‫الفلسفة اإلسالمية‪ ،‬وكتب األدب التي أبرز مثال لها ما صنفه‬

‫والعقيدة‪ ،‬وبهذا ظهر االنشغال عن تحقيق الهدف بالنزاع‬

‫(ت ‪449‬هـ)‪ .‬وتكفي نظرة عىل حضارة بغداد العباسية لنفهم‬

‫آنذاك‪ ،‬وبني تيارين متفقني عىل الهدف مختلفني يف األسلوب‬

‫أبو حيان التوحيدي (ت ‪414‬هـ)‪ ،‬ثم ظاهرة أبي العالء املعري‬

‫كم كان التنوير حاض ًرا يف االقتصاد واالجتماع والثقافة ‪.‬‬

‫العراق سطع‬ ‫بني التنويريني أنفسهم؛ ففي حالة نموذج ِ‬ ‫التنوير‪ ،‬وخفت كأن لم يكن شي ًئا‪ ،‬وبقية بلدان املنطقة‬ ‫ً‬ ‫أيضا‪ ،‬ونموذج الربيع العربي أظهر هشاشة حركة التنوير‬

‫–كما أسلفنا‪ -‬يف االستمرار والثبات‪ ،‬فكل ما تقدم ضاع وسط‬

‫لكن ليس هذا الواقع كله‪ ،‬بل هناك عودة لتلك العودة‪،‬‬

‫نحن نعود إىل تلك النتف؛ ألصالتها‪ ،‬والضحايا الذين سقطوا‬

‫التي لم تتوقف يف يوم مِ ن األيام‪ ،‬وهي بني نجاح وفشل‪،‬‬ ‫وبوسائل وآليات أخرى تقوم عىل أساس فشل تيار اإلسالم‬

‫السيايس بفروعه كافة‪.‬‬

‫‪45‬‬

‫(‪)8‬‬

‫كل ما تقدم يمثل حركة تنويرية يف املجتمع‪ ،‬لكن العربة‬

‫الصراعات السياسية حتى حصل سقوط بغداد (‪656‬هـ)‪ ،‬وها‬

‫دونها‪ .‬وملحمد مهدي الجواهري (ت ‪1997‬م) ما يُعرب به‪:‬‬ ‫ُحد ُثنا‪ /‬بأنَّ َ‬ ‫ألف مسيح َ‬ ‫ٌ‬ ‫تأريخ ي ِّ‬ ‫دونها ُ‬ ‫«لثورة الفكر‬ ‫صلِبا»(‪.)9‬‬ ‫ٍ‬

‫ملف العدد‬


‫تطلعات املتأخرين‬

‫ٌ‬ ‫حركات تنويرية بالدعوة إىل‬ ‫بدأت يف العهود الالحقة‬

‫العلم والتقدم من دون النزوع عن الدين‪ ،‬ولم يُسجل أحد أنه‬ ‫ً‬ ‫عائقا‪ ،‬لكنَّ الخوف من ضياع أو تقهقر السائد من الفكر‬ ‫كان‬

‫واألعراف جعل املعارضني للتنوير يُشهرون الدين سالحً ا مِن دون‬ ‫نفي تطرف بعض أصحاب دعوات التنوير أنفسهم‪ ،‬ومحاوالت‬

‫استنساخ التجربة الغربية بحذافريها؛ فبعد إصالحات محمد‬ ‫عيل باشا (ت ‪1848‬م) وإرسال البعثات الطالبية إىل أوربا‪ ،‬اشتدَّت‬

‫الدعوات يف أقطار الدولة العثمانية لتحقيق التحديث‪ ،‬التي برزت‬ ‫بدعوة للتقدم االقتصادي واستخدام اآلالت؛ ففي عام ‪1869‬م‬ ‫كتب إبراهيم صبغة الله الحيدري (ت ‪1882‬م) لـ«حث العامة عىل‬

‫تعليم الصنائع واملعارف‪ ،‬بحيث ال يحتاجون إىل صنائع الدول‬

‫األجنبية وبناء املدارس واملكاتب»(‪.)10‬‬

‫َ‬ ‫الحركة ال َّتنويرية دعاهم إىل هذا‬ ‫غري أن الذين تصدروا‬

‫التصدر انبهارهم بالغرب‪ ،‬ويأيت يف املقدمة الشيخ ِرفاعة رافع‬ ‫َّ‬ ‫الطهطاوي (ت ‪1873‬م)‪ ،‬فأخذ يُصنف ويرتجم عن الفرنسية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويبث وعيًا يف طبقات املجتمع املصري‪ ،‬لكنه كاملنقطع عن‬

‫الواقع‪ ،‬مع أن الواقع كان خاليًا من بذرة نهضة‪.‬‬ ‫كان َّ‬ ‫الطهطاوي منبه ًرا وذائبًا يف الحضارة الغربية‪ ،‬وألنه‬

‫‪46‬‬

‫منبهر بها حاول تأكيد اإليمان ِّ‬ ‫الديني لفالسفتها قياسً ا عىل‬

‫فالسفة اليونان القدماء‪ ،‬وعىل ما يبدو للرتغيب بهم‪ .‬قال‪:‬‬

‫«بالد اإلنجليز والفرنسيس والنمسا‪ ،‬فإن حكماءها فاقوا‬ ‫الحكماء املتقدمني‪ ،‬كأرسطو وأفالطون وأبقراط وأمثالهم‪،‬‬

‫وأتقنوا الرياضيات والطبيعيات واإللهيات وما وراء الطبيعة‪،‬‬ ‫أشدَّ اإلتقان‪ ،‬وفلسفتهم أخلص مِ ن فلسفة املتقدمني؛ لمِ ا‬

‫أنهم يقيمون األدلة عىل وجود الله تعاىل‪ ،‬وبقاء األرواح‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫والثواب‬ ‫الدين‬ ‫والعقاب»(‪ .)11‬بعده طلب السيد جمال‬ ‫ِ‬

‫األفغاين (ت ‪1898‬م) التجديد عرب الوحدة اإلسالمية‪ ،‬مع‬

‫ما آلت إليه المنطقة أمسى ال ُيطاق‪،‬‬

‫ديني‬ ‫مِ ن تصاعد الغلو والتَّطرف ال ِّ‬

‫والمذهبي‪ ،‬وكل هذه المفردات توضع‬ ‫في خانة َّ‬ ‫الظالم‪ ،‬وببلدان كانت واحات‬ ‫َّ‬ ‫والشام‪،‬‬ ‫لذلك التَّنوير‪ ،‬كالعراق ومصر‬ ‫وبلدان المغرب العربي كتونس مثال‪ ،‬بما‬ ‫يمكن تحميل األنظمة االستبدادية‪ ،‬التي‬ ‫حمكت هذه البلدان‪ ،‬الحصة الكبرى مِ ن‬ ‫تقهقر مشاريع التَّنوير‪ ،‬وقد استعيض‬ ‫عنها باأليديولوجيات والقهر الحزبي‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫الحذر من الغربيني‪ ،‬ومِ ن استبداد فرد بأمة‪ ،‬ودعا إىل إنشاء‬

‫حزب وطني للمسلمني‪ ،‬وعول عىل السلطان عبدالحميد (ت‬ ‫‪1918‬م) يف جمع كلمة املسلمني‪ ،‬محببًا بأمجاد املايض البعيد‪،‬‬ ‫العراقي القديم(‪ ،)12‬داعيًا إىل الخروج مِ ن‬ ‫املصري القديم أو ِ‬

‫الجهل بالتعليم لألوالد والبنات عىل ٍّ‬ ‫حد سواء‪ .‬قال‪« :‬إنْ كان‬

‫العلم فيكم مقصورًا عىل الرجال‪ ،‬بل أعيذكم من أن تجهلوا‬ ‫أنه ال يمكن لنا الخروج من خطة الجهل‪ ،‬ومِ ن محبس‬

‫الذل والفاقة‪ ،‬ومِ ن ورطة الضعف والخمول‪ ،‬ما دامت‬

‫النساء محرومات من الحقوق‪ ،‬وغري عاملات بالواجبات»(‪.)13‬‬ ‫إال أن حلم األفغاين َّ‬ ‫تبخر بوفاته‪ ،‬ومِ ن بعد بانهيار الدولة‬

‫العثمانية‪ ،‬واستحالة تحقيق التنوير عربها‪ ،‬فلم تكن تملك‬ ‫الدوافع واملستلزمات‪.‬‬

‫ثم ذاب بعده حلم تلميذه الشيخ محمد عبده (ت ‪1905‬م)‪،‬‬

‫الذي حصر نهضة الشرق يف املستبدّ العادل ‪ ،‬إال أنه حمل‬ ‫(‪)14‬‬

‫رجال الدين فشل التجديد الديني‪ ،‬وتقهقر الشرق‪ ،‬بأبيات‬

‫ُ‬ ‫«ولست أبايل أن يُقال‪ :‬محمدٌ ‪/‬‬ ‫شعرية قالها يف أواخر حياته‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫أبل أو اكتظت عليه املآتم‪/‬ولكنه دينٌ أردت صالحه‪/‬أحاذ ُر أن‬


‫‪47‬‬

‫ٌ‬ ‫آمال يرجّ ون نيلها‪/‬إذا ّ‬ ‫مت ماتت‬ ‫تقيض عليه العمائمُ ‪/‬وللناس‬

‫األسباب األخالقية وأبرزها‪ :‬االستغراق يف الجهل‪ ،‬واستيالء‬

‫فــي تلـك اآلونــة ت ـص ــدَّ ر ال ـشـيـ ــخ عـب ــدال ــرح ـم ـ ــن ال ـكـ ــواك ـب ـ ــي‬

‫وفقد القوة املالية االشرتاكية بالتهاون يف الزكاة‪ ،‬ومعاداة العلوم‬

‫واشرتك فيها علماء مسلمون من األقطار كافة‪ -‬الدعوة إىل‬ ‫ً‬ ‫قياسا بما‬ ‫خفوتا‪،‬‬ ‫التنوير‪ ،‬وذلك بالبحث عن أسباب ما سموه‬ ‫ً‬

‫لم تحن الفرصة لوضع العالج لهذه األسباب؛ فالكواكبي‬ ‫تويف بعد أربع سنوات‪ ،‬وتش َّتت شمل الجمعية‪ ،‬ولم يظهر‬

‫واضمحلت عزائم»(‪.)15‬‬

‫(ت ‪1902‬م)‪ ،‬وأع ـض ــاء «أم ال ـق ــرى» ‪-‬الجـم ـع ـي ــة ال ـت ــي ي ـتـ ــرأس ـه ــا‬

‫تقدمت به أوربا‪ .‬كانت حوارات الجمعية تعقد بمكة‪ ،‬حدد‬

‫األعضاء أسباب الخفوت العام لدى املسلمني‪ ،‬يف اجتماعات‬

‫الجمعية (‪1897‬م)‪ ،‬ولخصها الكواكبي ‪-‬وكان يُشار إليه‬ ‫بالفرايت‪ ،‬وكذلك األعضاء أشري إليهم باأللقاب‪:-‬‬

‫أسباب سياسية وأبرزها‪ :‬تف ُّرق األمة إىل عصبيات وأحزاب‬

‫اليأس واإلخالد إىل الخمول‪ ،‬وانحالل الرابطة الدينية االحتسابية‪،‬‬

‫العالية‪ ،‬والتباعد عن املكاشفات واملفاوضات يف الشؤون العامة ‪.‬‬ ‫(‪)16‬‬

‫من ينوب عنه‪ ،‬لكننا نجد كتاب الكواكبي «طبائع االستبداد‬ ‫ومصارع االستعباد»‬

‫(‪)17‬‬

‫(‪1902‬م) ال يزال مؤث ًرا مستم ًّرا‪ ،‬بل يف‬

‫اآلونة األخرية بعد ظهور فرص لإلسالم السيايس يف الحكم‬

‫والجماعات املتطرفة والتدين بال وعي ديني سليم؛ بدا االهتمام‬ ‫يزيد بالكتاب‪ ،‬حتى ُطبع عدة طبعات‪ ،‬بالسوية مع كتاب‬

‫سياسية‪ ،‬والحكم املطلق‪ ،‬والحرمان من الحرية‪ ،‬وفقدان‬ ‫العدل واملساواة‪ ،‬ووجود علماء ِّ‬ ‫مدلسني وجهلة صوفيني‪.‬‬

‫الشيخ عيل عبدالرازق (ت ‪1967‬م) «اإلسالم وأصول الحكم»‬ ‫(‪1926‬م)‪ ،‬الذي وضع حدًّ ا فاصلاً بني الدين والسياسة‪ .‬ويأيت‬

‫وتأثري فنت الجدل يف العقائد الدينية‪ ،‬والتشدد يف الدين‪،‬‬

‫األمة وتنزيه امللة» (‪1909‬م) ‪ ،‬القائل بحكم الدُّ ستور‪ ،‬عىل‬ ‫اعتبار أن االستبداد الديني‪ ،‬وكما وضح الكواكبي ً‬ ‫متآخ‬ ‫أيضا‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫مع االستبداد السيايس‪ ،‬بل األول أخطر درجة‪.‬‬

‫أسباب دينية وأبرزها‪ :‬تأثري عقيدة الجرب يف أفكار األمة‪،‬‬

‫وإيهام الدَّ جالني بأمور سرية يف الدين‪ ،‬والتعصب للمذاهب‬

‫واآلراء وهجر النصوص‪ ،‬والعناد عىل نبذ الحرية الدينية‪.‬‬

‫(‪)18‬‬

‫ثالثهما كتاب الشيخ محمد حسني النائيني (ت ‪1936‬م) «تنبيه‬ ‫(‪)19‬‬

‫ملف العدد‬


‫ال يخفى‪ ،‬مِن غري هؤالء املتقدمني‪ ،‬هناك دعاة للتنوير‪،‬‬

‫من خارج املجال الديني‪ ،‬ومن املثقفني املسلمني مثل قاسم أمني‬ ‫(ت ‪1908‬م) يف دعوته لتحرير املرأة(‪ ،)20‬وجميل صدقي الزهاوي (ت‬ ‫‪1936‬م) يف شعره ونرثه(‪ ،)21‬وما واجهه من َع َنت املجتمع (‪1910‬م)‪،‬‬

‫ودعواته يف مجلس املبعوثان العثماين (‪1914‬م) التخاذ السبل‬ ‫الحديثة والعلمية يف االقتصاد والتعليم‪ ،‬وكان يقول ذلك يف‬

‫جلسات املجلس‪ ،‬حتى كاد يفتك به رجال الدين بعد أن نعتوه‬ ‫بالزنديق وامللحد(‪ ،)22‬وطه حسني (ت ‪1973‬م)‪َّ ،‬‬ ‫والضجة التي قامت‬

‫ضده (‪1926‬م)(‪ ،)23‬ومَعْ روف ال ُّرصايف (ت ‪1945‬م) يف شعره ونرثه(‪،)24‬‬

‫وإسماعيل مظهر(‪ )25‬يف ترجمته ألصل األنواع‪ ،‬وصالح الجعفري‬ ‫(ت ‪1979‬م) يف قصائده ضد ال َّتزمُّت(‪ ،)26‬وعبدالله القصيمي (ت‬ ‫‪1996‬م)‪ ،‬وله يف هذا الغرض أكرث من كتاب(‪ ،)27‬وغري هؤالء الكثري‪.‬‬

‫الربيع العربي أظهر هشاشة‬ ‫نموذج َّ‬ ‫حركة التنوير‪ ،‬التي لم تتوقف في‬ ‫يوم من األيام‪ ،‬وهي بين نجاح وفشل‪،‬‬ ‫لكن ليس هذا الواقع كله‪ ،‬بل هناك‬

‫‪48‬‬

‫عودة لتلك العودة‪ ،‬بوسائل وآليات‬ ‫ُأخرى‪ ،‬تقوم على أساس فشل التيار‬ ‫اإلسالمي السياسي‪ ،‬بفروعه كافة‬

‫من يتحمل الفشل؟‬ ‫نأت إال عىل جوانب منها لضيق املجال‪ ،‬قد انتهت مآالتها من دون‬ ‫ال نستطيع القول‪ :‬إن كل تلك الجهود‪ ،‬ولم ِ‬

‫رجعة‪ ،‬لكن يمكن القول‪ ،‬وهذا ما حصل بالفعل‪ :‬إنها تعرضت النتكاسات عىل يد األجيال التي تلتها‪ .‬ومن قراءة للوضع‬ ‫الحايل فإن الدعوة إىل التنوير والتجديد ستعود من جديد‪ ،‬بطرائق وأساليب مختلفة‪ ،‬فما آلت إليه املنطقة أمىس ال‬

‫يُطاق؛ من تصاعد الغلو والتطرف الديني واملذهبي‪ ،‬وكل هذه املفردات توضع يف خانة الظالم‪ ،‬وببلدان كانت واحات‬ ‫لذلك التنوير‪ ،‬كالعراق ومصر والشام‪ ،‬وبلدان املغرب العربي كتونس مثلاً ‪ ،‬بما يمكن تحميل األنظمة االستبدادية التي‬

‫َ‬ ‫الحصة الكربى من تقهقر مشاريع التنوير‪ ،‬وقد استعيض عنها باأليديولوجيات والقهر الحزبي‪.‬‬ ‫حكمت هذه البلدان‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫كذلك لم يُكتب النجاح للحركات أو الشخصيات الدينية‪ ،‬التي تدعو إىل التنوير بطريقتها؛ ألنها «ركزت عىل اإلصالح‬

‫الديني‪ ،‬ثم تطورت إىل حركات سياسية تحررية‪ ،‬حققت قدرًا من االستقاللية؛ فإنها ‪-‬أي هذه الحركات‪ -‬لم تستطع‪،‬‬

‫ألسباب أيديولوجية وسياسية‪ ،‬أن تؤسس نظامً ا اجتماعيًّا واقتصاديًّا يؤهلها لبناء نهضة عصرية؛ ألن أصحاب هذه‬

‫الحركات أو قادتها‪ ،‬كانت توجهاتهم منصبَّة بالدرجة األوىل عىل اإلصالح الديني‪ ،‬أو مقاومة املستعمر» (‪.)28‬‬

‫ما يُساعد عىل قوة عودة الدعوة إىل التنوير باملنطقة‪ :‬وجود وسائل التواصل املتقدمة‪ ،‬وإباحتها للناس كافة‪ ،‬وما‬

‫يُرافق ذلك من تأثري إيجابي عىل طرائق التفكري‪ ،‬صحيح أنها سيف ذو حدين‪ ،‬لكن الحاجة إىل التنوير قد تجاوزت‬

‫اإلخفاء‪ ،‬ومثلما حدث انتصار التنوير بأوربا بفعل املثقف وامللك(‪ ،)29‬سيكون بمنطقتنا‪ ،‬إن استقرت سياسيًّا‪ ،‬هذا يكتب‬ ‫تختف‬ ‫ويكشف ويحرض‪ ،‬وذا يصدر القوانني؛ فحكاية «خروج طائر الفينيق من الرَّماد» ليست ُخرافة يف رمزيتها‪ .‬لم‬ ‫ِ‬

‫الحاجة وال الدعوة للتنوير؛ إنما ظلت تتأرجح بني سطوع وخفوت‪ ،‬والظرف الحايل سيدفع باتجاه السطوع من جديد‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫هوامش‪:‬‬ ‫العلم (‪1912-1910‬م)‪ ،‬السنة األولى‪ ،‬العدد الثاني عشر‪ ،‬صفر‪1329 :‬هـ‪/‬آذار (مارس) ‪1911‬م‪ ،‬العراق‪ -‬ال َّنجف‪،‬‬ ‫(‪ )1‬الظلمة حقيقة وجودية أم عدمية‪ ،‬مجلة ِ‬ ‫المجلد الثاني‪ :‬ص ‪ 530‬وما بعدها‪.‬‬ ‫العراق الحديث‪ ،‬بغداد‪ :‬الطبعة الثانية‪1972 ،‬م‪ ،‬الجزء الثاني‪ ،‬ص ‪.9‬‬ ‫(‪ )2‬الوردي‪ ،‬لمحات اجتماعية من تاريخ ِ‬ ‫‪ 3‬الرشودي‪ ،‬عبدالحميد (ت ‪2015‬م)‪ ،‬ال ّزهاوي دراسات ونصوص‪ ،‬بيروت‪ :‬دار مكتبة الحياة‪1988 ،‬م‪ ،‬ص ‪.115‬‬ ‫(‪ )4‬الوردي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص ‪.11‬‬ ‫(‪ )5‬راجع‪ :‬التجربة الغربية َّ‬ ‫الثرية في تحقيق التنوير ومرادفه التسامح الديني‪ :‬لوكلير‪ ،‬جوزيف (ت ‪1988‬م)‪ ،‬تاريخ التسامح في عصر اإلصالح‪ ،‬ترجمة‪:‬‬ ‫بدعم من مؤسسة محمد ابن راشد آل مكتوم‪ ،‬بيروت‪ :‬المنظمة العربية للترجمة‪ ،‬الطبعة األولى‪2009 ،‬م‪.‬‬ ‫جورد سُ ليمان‪ ،‬نشر‬ ‫ٍ‬ ‫(‪ )6‬أحمد بن يحيى بن جابر البالذري (ت ‪279‬هـ)‪ ،‬أنساب األشراف‪ ،‬تحقيق‪ :‬سهيل زكار‪ ،‬ورياض زركلي‪ ،‬مج‪( ،5 :‬بيروت‪ :‬دار الفكر للطباعة والنشر‬ ‫والتوزيع‪ ،‬ط‪1996 ،1‬م)‪ .37 :‬أحمد بن محمد بن عبد ربه األندلسي (ت ‪328‬هـ)‪ ،‬العقد الفريد‪ ،‬تحقيق‪ :‬عبدالمجيد الترحيني‪ ،‬مج ‪( ،4‬بيروت‪ :‬دار‬ ‫الكتب العلمية‪ ،‬ط‪1983 ،1‬م)‪ .172-171 :‬هناك َمن نسب هذه الكلمة لعلي بن أبي طالب (اغتيل ‪40‬هـ)‪ ،‬مثلما جاء في خطبة ألنطوان الجميّل (ت ‪1948‬م)‬ ‫باإلسكندرية في جمعية االتحاد اللبناني‪ ،‬ثم شاع عنه (الجميّل‪ ،‬التسامح‪ ،‬مجلة الهالل‪ 1 ،‬نوفمبر‪1918 :‬م)‪ ،‬وبعد البحث في “نهج البالغة”‪ ،‬الذي قيل‬ ‫علي بن أبي طالب‪ ،‬لم نجدها‪ ،‬وها هي منسوبة إلى معاوية في مصدرين معتبرين في البحث‪.‬‬ ‫إنه تضمن كل ما قاله ُّ‬ ‫(‪ )7‬الجاحظ‪ ،‬عمرو بن بحر (ت ‪255‬هـ)‪ ،‬البيان والتبيين‪ ،‬تحقيق‪ :‬عبدالسالم محمد هارون‪ ،‬القاهرة‪ :‬مكتبة الخانجي‪ ،‬الطبعة السابعة‪ ،‬الجزء األول‪،‬‬ ‫ص ‪.328‬‬ ‫(‪ )8‬عواد‪ ،‬ميخائيل (ت ‪1995‬م)‪ ،‬حضارة بغداد في العصر العباسي‪ ،‬بيروت‪ :‬دار اليقظة ‪1981‬م‪ ،‬نشر المؤلف تلك الفصول في مجلة النفط ‪1954‬م‪.‬‬ ‫(‪ )9‬ديوان الجواهري‪ ،‬دمشق‪ :‬بيسان للنشر والتوزيع واإلعالم‪2000 ،‬م‪ ،‬الجزء الثالث‪ ،‬قصيدة أبي العالء المعري‪( :‬قف بالمعرة)‪ ،‬ص‪. 10‬‬ ‫(‪ )10‬الحيدري‪ ،‬عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد‪ ،‬لندن‪ :‬دار الحكمة‪ ،‬الطبعة األولى‪1998 ،‬م‪( ،‬منسوخة من طبعة قديمة)‪ ،‬ص ‪.25‬‬ ‫(‪ )11‬الطهطاوي‪ ،‬تخليص األبريز في تلخيص باريز‪ ،‬دمشق‪ :‬دار المدى للثقافة والنشر‪2002 ،‬م‪ ،‬ص ‪.30‬‬ ‫(‪ )12‬انظر‪ :‬األفغاني‪ ،‬سلسلة األعمال المجهولة‪ ،‬تحقيق‪ :‬علي شلش‪ ،‬لندن‪ :‬رياض الريس للكتب والنشر‪ ،‬بال تاريخ نشر‪ ،‬ص ‪.78‬‬ ‫(‪ )13‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.82-81‬‬ ‫(‪ )14‬اإلمام محمد عبده‪ ،‬ديوان النهضة‪ ،‬اختيار النصوص‪ :‬أدونيس‪ ،‬وخالدة سعيد‪ ،‬بيروت‪ :‬دار العلم للماليين‪ ،‬الطبعة األولى‪1983 ،‬م‪ ،‬ص ‪.163‬‬ ‫(‪ )15‬المصدر نفسه‪ ،‬ص ‪.243‬‬ ‫(‪ )16‬الكواكبي‪ ،‬ديوان النهضة‪ ،‬بيروت‪ :‬دار العلم للماليين‪ ،‬الطبعة األولى‪1982 ،‬م‪ ،‬ص ‪.209-205‬‬ ‫(‪ )17‬الكواكبي‪ ،‬طبائع االستبداد ومصارع االستعباد‪ ،‬تحقيق‪ :‬محمد عمارة‪ ،‬القاهرة‪ :‬دار الشروق‪2007 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )18‬عبدالرازق‪ ،‬اإلسالم وأصول الحكم‪ ،‬تونس‪ :‬دار الجنوب للنشر‪1996 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )19‬النائيني‪ ،‬تنبيه األمة وتنزيه الملة‪ ،‬تعريب‪ :‬عبدالحسن آل نجف‪ ،‬قم‪ :‬مؤسسة أحسن الحديث‪1419 ،‬هـ‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫(‪ )20‬كاتب وباحث مصري كردي األصل‪ ،‬اشتهر بمناصرته للمرأة ودفاعه عن حريتها‪ ،‬أكمل دراسة الحقوق بفرنسا‪ ،‬وعاد لمصر (‪1885‬م)‪ ،‬وعين في‬ ‫المحاكم وكيلاً للنائب العمومي ثم مستشارًا في محكمة التمييز‪ ،‬له كتاب‪“ :‬تحرير المرأة”‪ ،‬و”المرأة الجديدة”‪( .‬الزركلي‪ ،‬األعالم‪ ،‬مصدر سابق‪،‬‬ ‫ج ‪ ،6‬ص ‪.)19‬‬ ‫(‪ )21‬كان نائبًا في مجلس المبعوثان بإستانبول عن العراق‪ ،‬وفي جلساته (‪1914‬م) أعلن عن آرائه في التطور‪ ،‬وقبلها نشر مقالاً في الحجاب وتحرير المرأة‪،‬‬ ‫وامتدح في شعره نظرية التطور‪ ،‬على الرغم من أن والده وأخاه كانا مفت َييْن في بغداد‪( .‬راجع‪ :‬نبيل عبدالحميد عبد الجبار‪ ،‬النزعة العلمية في الفكر‬ ‫العربي الحديث‪ ،‬عمان‪ :‬دار دجلة‪ ،‬ط‪2007 ،1‬م‪ ،‬ص ‪ 333‬وما بعدها)‪.‬‬ ‫(‪ )22‬انظر‪ :‬فيضي‪ ،‬سليمان (ت ‪1951‬م)‪ ،‬مذكرات سليمان فيضي من رواد النهضة العربية في العراق‪ ،‬تحقيق‪ :‬باسل سليمان فيضي‪ ،‬لندن‪ -‬بيروت‪ :‬دار‬ ‫الساقي‪ ،‬ص ‪.189-188‬‬ ‫(‪ )23‬كتابه‪ :‬في الشعر الجاهلي‪ ،‬القاهرة‪ :‬مطبعة الكتب المصرية‪ ،‬ط‪1926 ،1‬م‪.‬‬ ‫(‪ )24‬ديوانه‪ :‬ديوان ال ُّرصافي‪ ،‬القاهرة‪ :‬المطبعة التجارية الكبرى بطلب من محمود حمي صاحب المكتبة العصرية ببغداد‪ ،‬ط‪1959 ،6‬م‪ .‬وكتابه الشخصية‬ ‫المحمدية أو حل اللغز المقدس‪ ،‬كولونيا‪ :‬منشورات الجمل‪2002 ،‬م‪ ،‬وسلسلة األعمال المجهولة‪ ،‬جمع‪ :‬نجدة فتحي صفوة‪ ،‬لندن‪ :‬رياض الريس‬ ‫للكتب والنشر‪ ،‬ويوسف ع ّز الدين‪ ،‬الرصافي يروي سيرة حياته‪ ،‬دمشق‪ :‬دار المدى‪2004 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )25‬نبيل عبدالحميد عبدالجبار‪ ،‬ال ّنزعة العلمية في الفكر العربي الحديث (مصدر سابق)‪ ،‬ص ‪ 399‬وما بعدها‪.‬‬ ‫(‪ )26‬راجع‪ :‬علي الخاقاني (ت ‪1979‬م)‪ ،‬شعراء الغري (ال َّنجفيات)‪ ،‬قمّ ‪ :‬مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي‪1408 ،‬هـ‪ ،‬ج ‪ ،4‬ص ‪ 299‬وما بعدها‪ .‬ومما‬ ‫قاله في نبذ التزمت (‪1926‬م)‪َ :‬‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫«وقيْدٍ طالما ُق ِّيد ُ‬ ‫حنانا يا أماثلنا‬ ‫نبذت به ورائي ال أبالي‪ /‬وإن غضب الكرام األقربونا‪/‬‬ ‫ْت فيه‪ /‬وأَهْ ِونْ بالرجال مقيدينا‪/‬‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حنانا أيها المتزمتونا‪ /‬تبعناكم على خطأٍ سنينا‪ /‬فأسفرت الحقيقة فاتبعونا»‪( .‬محمد جواد الغبان‪ ،‬المعارك األدبية حول تحرير المرأة في الشعر‬ ‫حنانا‪/‬‬

‫العراقي المعاصر‪ ،‬بغداد‪ :‬وزارة الثقافة العراقية‪ -‬دائرة العالقات الثقافية‪2006 ،‬م‪ ،‬ص ‪.)53‬‬ ‫(‪ )27‬عبدالله بن علي القصيمي‪ :‬مولود بقرية قريبة من بريدة من بلدات القصيم‪ ،‬هاجر إلى عدة بلدان‪ ،‬ودرس بالعراق وأقام بلبنان ومصر‪ ،‬يمكن التفريق‬ ‫بين مؤلفاته في الثالثينيات‪ ،‬التي كانت في وقت سَ َل ِفيّته‪ ،‬ومنها “البروق ال َّنجدية في اكتساح ُّ‬ ‫الظلمات الدجوية» (‪1931‬م)‪ ،‬بعدها كتب “هذي هي‬ ‫َّ‬ ‫األغالل” (‪1946‬م)‪ ،‬و”عاشق لعار التاريخ”‪“ ،‬لئال يعود هارون ال َّرشيد”‪( .‬عن نبذة التعريف به‪ ،‬في كتابه‪ :‬الثورة الوهابية‪ ،‬كولونيا‪ -‬بغداد‪ :‬منشورات‬ ‫الجمل‪2006 ،‬م)‪.‬‬ ‫(‪ )28‬كافود‪ ،‬محمد عبدال َّرحيم‪ ،‬إشكالية َّ‬ ‫الثقافة العربية بين األصالة والمعاصرة‪ ،‬ال َّدوحة‪ :‬دار قطري بن فجاءة‪1966 ،‬م‪ ،‬ص ‪.14‬‬ ‫(‪ )29‬هذا ما يخرج به من نتيجة قارئ كتاب لوكلير‪ ،‬تاريخ التسامح في عصر اإلصالح‪ ،‬مصدر سابق‪.‬‬

‫ملف العدد‬


‫أسئلة النهضة‬ ‫والتغيير‬ ‫محمد عبدالوهاب الشيباني‬ ‫كاتب يمني‬

‫‪50‬‬

‫إعادة قراءة تراث التنويريين اليمنيين المبكر‪ ،‬والتعريف به وبأصحابه‪ ،‬في هذه اللحظة‬ ‫المفصلية من تاريخ اليمن‪ ،‬يعد إسهامً ا حيويًّا في التقليل من تأثيرات الردة السياسية‪،‬‬ ‫والنكوص الوطني اآلخذين في التغلغل في الوعي الجمعي‪ ،‬بفعل أدوات الحرب‪،‬‬ ‫ومشروعاتها التفتيتية التي تحاول قوى االستبداد والتخلف (التاريخي) إعادة إنتاجها في‬ ‫الواقع‪ .‬وإن بدلت وقتها وأدواتها وخطابها‪ ،‬تظل هي نفسها قوى االستبداد التي عرّى زيفها‬ ‫وتخلفها أولئك التنويريون‪ ،‬قبل أكثر من ثمانين عامً ا‪ ،‬حين وضعوا أول حروف أسئلة‬ ‫النهضة والثورة في سفر التنوير المبجل‪.‬‬ ‫ليس ر ًّدا العتبار منجزهم الذي تعرض للنكران واإلهمال واإللغاء‪ ،‬إنما ً‬ ‫أيضا استلهامً ا‬ ‫لفكرة التمرد الخالق الملهم لطريق الحرية والمواطنة‪ ،‬الذي بشر به هذا التراث‪ ،‬في بلد‬ ‫يستحق أن يحيا أبناؤه بكرامة‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫ظن النخبويون اليمنيون‪ ،‬مطلع عشرينيات القرن املايض‪ ،‬أن‬

‫كون شخصيته الثقافية الرائدة «فحفظ الحديث والتفاسري‪ ،‬ودرس‬

‫العاملية األوىل (‪1918‬م)‪ ،‬وفرضت سيطرتها عىل اليمنني (األعىل‬

‫ولولعه بالبحث واالستطالع درس العهدين القديم والجديد‬

‫باستطاعة الدولة التي استقلت عن الحكم العثماين غداة الحرب‬

‫واألسفل)‪ ،‬الذهاب بعي ًدا نحو بناء دولة وطنية قوية وعصرية‪.‬‬ ‫لكن بعد عقد ونصف من قيام (اململكة املتوكلية)‪ ،‬سيصحو‬

‫اليمنيون من وهمهم الكبري؛ فاإلمام يحيى أحال مشروع الدولة‬ ‫إىل إقطاعية خاصة به وبأبنائه‪ .‬وبسبب عقليته التقليدية املحافظة‪،‬‬ ‫وتشدده الديني‪ ،‬وشحه الشديد‪ ،‬دمر كل يشء له عالقة ببناء‬

‫دولة مواطنة وخدمات‪.‬‬

‫القليلون من مثقفي عاصمة الحكم‪ ،‬وبعض املدن اليمنية‬

‫األخرى‪ ،‬الذين كانوا يقرؤون حالة النكوص هذه‪ ،‬عملوا كل ما‬ ‫يستطيعون‪ ،‬ليصل صوتهم الضعيف إىل املجتمع املغلق‪ .‬ويف‬ ‫سبيل ذلك قدموا التضحيات الكبرية‪ ،‬التي لم تقف عند حدود‬

‫التسفيه واملطاردة‪ ،‬أو تصل لالعتقال‪ ،‬بل امتدت لتنتهي يف حاالت‬ ‫كثرية إىل حبال املشانق‪ .‬غري أن فعلاً مقاو ًما مثل هذا‪ ،‬كان يفتح‬

‫أهم نافذة لدخول النور القليل لفعل التغيري‪.‬‬

‫العام الكارثة وصوت (اإلنتلجنسيا) الناهض‬

‫التاريخ والرياضيات والطب وأحوال البالد الشرقية والغربية‪،‬‬

‫عند حاخام صنعاء الكبري يحيى األبيض»‪ ،‬كما قال العزي صالح‬

‫السنيدار يف «الطريق إىل الحرية»‪.‬‬

‫وإىل جوار االثنني كان أحمد املطاع‪ ،‬الضابط املثقف‪ ،‬وثاين‬

‫رئيس تحرير ملجلة الحكمة بعد قتل رئيسها أحمد عبدالوهاب‬ ‫الوريث‪ ،‬وفيها استكمل ما ابتدأه الوريث من نشر موضوعات‬

‫عن اإلصالح (الديني والسيايس) يف حلقات متتابعة تحت‬ ‫ً‬ ‫متخذا من موضوع اللغة محورًا‬ ‫عنوان «يف سبيل اإلصالح»‪،‬‬

‫للمساءلة عن أسباب وعوامل انحطاط وسقوط الفكر‪ .‬محاكيًا‬ ‫وهو يف الطرف القيص واملغلق ذات األسئلة التي أنتجتها املراكز‬

‫الثقافية العربية آنذاك‪.‬‬

‫قبيل هذه الحقبة بقليل‪ ،‬كان املحامي محمد عيل لقمان‬

‫يف مدينة عدن يقارب سؤال النهضة والتنوير‪ ،‬بإصداره كتاب‬

‫«بماذا تقدم الغرب؟» يف عام ‪1933‬م‪ ،‬والكتاب يف توجهه العام‬ ‫خاض يف السؤال املركزي‪ ،‬الذي ظل يشغل الحيز األكرب من تفكري‬ ‫النهضويني العرب‪ ،‬وعد هذا الكتاب تمثيلاً واضحً ا للتوجهات‬

‫مع عام ‪1934‬م بدأ صوت جريء يعرب عن رفضه لطريقة إدارة‬

‫التنويرية التي استوعبتها مدينة عدن‪ ،‬التي شهدت يف عام ‪1925‬م‬ ‫والدة أول نا ٍد أدبي (رَأَسَ ُه لقمان نفسه)‪ ،‬وصولاً إىل تشكيل‬

‫وأدار معاركه (الفكرية) باألدوات نفسها التي امتلكت‪ ،‬يف الوقت‬

‫أحد املؤثرين الحيويني فيها‪ ،‬بخوض صحيفته «فتاة الجزيرة» هذا‬

‫اإلمام للبالد‪ ،‬بعقلية املالك املتزمت واملتعصب واملنغلق‪ .‬هذا الصوت‪،‬‬

‫خرج من البنية الثقافية املحافظة نفسها‪ ،‬التي كرسها نظام الحكم‪،‬‬ ‫عينه‪ ،‬أسلوبها البسيط‪ ،‬يف النفاذ إىل عقول كثري من املهجوسني‬

‫بالسؤال الكبري‪ :‬من نحن؟ وماذا نريد؟ وعربت عن تجليات هذا‬

‫الصوت طالئع التنويريني (العصاميني)‪ ،‬الذين لم يأتوا من حواضن‬

‫سياسية منظمة‪ ،‬أو مدارس فكرية حديثة‪ ،‬فقط بإمكانياتهم‬ ‫املعرفية البسيطة‪ ،‬خطوا أوىل الخطوات‪ ،‬يف الطريق الشاق والطويل‬

‫ملعارضة السلطة الغاشمة‪ ،‬وتعرية أدواتها املستخدمة يف االستبداد‬ ‫الديني‪ .‬وأكرث األسماء تمثيلاً لهذا املنزع الجديد الشيخ حسن‬ ‫الدعيس‪ ،‬الفالح الفيلسوف‪ ،‬الذي حضر يف معرتك املركز بوعيه‬ ‫الجديل املختلف واملؤثر‪ ،‬وهو اآليت من أحد جبال اليمن (األسفل)‪.‬‬

‫وخالل مدة قصرية استقطب العشرات من املثقفني امللولني من حكم‬ ‫اإلمام‪ ،‬والذين أصبحوا املشغل الفاعل يف نواة املعارضة السياسية‪،‬‬

‫األحزاب والنقابات فيها بعيد الحرب العاملية الثانية‪ .‬وكان لقمان‬ ‫املعرتك بكل مفرداته الضاجة‪.‬‬

‫يف عام ‪1937‬م أصدر الطالب األزهري أحمد محمد نعمان كتاب‬

‫«األنة األوىل»‪ ،‬الذي ُعد أول مطبوعة يف أدبيات األحرار اليمنيني‪،‬‬

‫وهي حسب عبدالودود سيف «متميزة عىل مستوى مرحلتها‬ ‫الوطنية (التنويرية)»‪ ،‬وقدم فيها كما يقول الدكتور أحمد القصري‪:‬‬

‫«رؤية مبكرة حول بعض جوانب التاريخ االجتماعي لليمن‪ ،‬وشرحً ا‬ ‫ألسباب الهجرة وأشكال اضطهاد الرعية باستخدام اإلمامة أساليب‬

‫(الخطاط) و(التنافيذ) و(التخمني) يف تحصيل الضرائب»‪.‬‬

‫هذا الطالب الذي سيتحول بعد سبعة أعوام‪ ،‬إىل قائد يف حركة‬ ‫ً‬ ‫إيمانا‬ ‫األحرار التي تشكلت يف عدن يف عام ‪1944‬م‪ ،‬وكان أكرثهم‬ ‫بالعلم كمدخل للتحول؛ ألنه رأى‪ ،‬خالل رحلة تعلمه التي ابتدأها‬

‫يف العشرينيات يف مدينة زبيد‪ ،‬وأتمها يف األزهر أواخر الثالثينيات‪،‬‬

‫التي بدأت تتحسس طريقها الشاق من «املقايل» وحلقات املسجد‪،‬‬ ‫متخذة من الخطاب الديني‪ ،‬وموضوعاته اإلشكالية‪ ،‬مدخلاً لنقد‬

‫أنه ال مناص أمام هذا الشعب للخروج من بؤسه وشقائه إال بالعلم‪.‬‬

‫وإىل جانبه ظهر األستاذ محمد عبدالله املحلوي‪ ،‬الذي دخل‬

‫يف مدرسة (ذبحان األهلية)‪ ،‬حيث عاش الصدمة املعرفية األوىل مع‬

‫بمعارضني عثمانيني‪ ،‬نفتهم السلطات العثمانية إىل اليمن كنوع‬

‫وحني قربه اإلمام أحمد‪ ،‬حني كان وليًّا للعهد‪ ،‬أوكل إليه‬ ‫ً‬ ‫مسجونا‬ ‫تدريس ابنه البدر‪ ،‬وإدارة املعارف‪ .‬ويف حجة‪ ،‬حيث كان‬

‫منظومة الحكم ورأسها‪.‬‬

‫هذا املعرتك بوعي عصراين أكرث انفتاحً ا؛ بسبب احتكاكه املباشر‬

‫من العقاب‪ ،‬فاكتسب منهم اللغات وبعض علوم العصر‪ ،‬التي‬

‫قادته بدورها إىل القراءات الفاحصة للفكر الديني‪ ،‬الذي بواسطته‬

‫‪51‬‬

‫وقد قىض النعمان سنوات كثرية يف تعليم اآلخرين ابتداء من عمله‬

‫األستاذ (محمد أحمد حيدرة)‪.‬‬

‫بعد ثورة ‪1948‬م‪ ،‬أنشأ (املدرسة املتوسطة) لتعليم األطفال‪ ،‬ويف‬

‫ملف العدد‬


‫ندائه للشعب اليمني لدعم (كلية بلقيس) التي افتتحت يف عام‬ ‫‪1961‬م يف الشيخ عثمان بعدن قال‪« :‬ال بد أن تعد مجموعة من‬

‫الشباب نفسها لتحمل مهمات التعليم بعقلية متفتحة تعي جيدًا‬ ‫أحوال شعبها‪ ،‬وتدرك املهالك التي طرح فيها باملواطنني»‪ ،‬لهذا‬ ‫ً‬ ‫مثقفا عضويًّا «اتخذ التعليم مدخلاً لإلصالح السيايس‬ ‫ُعد النعمان‬ ‫ورأى أن تنوير العقول هو أساس تطوير املجتمع واإلنسان»‪ ،‬كما‬

‫يرى هشام عيل يف كتابه «املثقفون اليمنيون والنهضة»‪.‬‬ ‫الحكمة وأخواتها ومشروع اإلصالح والتغيري‬

‫ً‬ ‫صوتا جديدًا للمعارضة‪ ،‬يوجه بعناية‬ ‫اليمنيني ومنوريها‪ ،‬لتكون‬

‫يف (ديسمرب ‪1938‬م) صدر أول أعداد مجلة «الحكمة‬

‫للمهاجرين اليمنيني املشتتني يف األصقاع‪ ،‬وقد التزمت منذ أعدادها‬

‫الشاب (من األدباء واملثقفني املطالبني باإلصالح) بإيجاد متنفس‬

‫وإن صاحبها‪ ،‬بحسب قادري أحمد حيدر يف كتابه «املثقفون وحركة‬

‫يمانية»‪ ،‬كوسيلة من وسائل سلطة اإلمام يحيى الحتواء الصوت‬

‫يمكن السيطرة عليه‪ ،‬وكان ظهور هذا الصوت معربًا عن حالة‬ ‫السخط الشديد‪ ،‬التي تملكت هذه الشريحة جراء انتكاسة‬

‫مشروع الدولة‪ ،‬وانغالقها املميت فكانت‪( ،‬ببساطتها وبدائيتها)‬

‫أول مطبوع يصدر يف عاصمة اإلمام يحيى‪ ،‬يفتح كوة صغرية‬

‫يف جدار االنغالق الصلب واملعتم‪ .‬وستعد «الحكمة» إضافة إىل‬ ‫صحيفة «فتاة الجزيرة» التي أصدرها الرائد محمد عيل لقمان يف‬

‫عدن ‪1940‬م‪ ،‬وصحيفة «صوت اليمن» التي صدرت يف ‪1946‬م عن‬

‫‪52‬‬

‫أبو بكر السقاف‬

‫عمر الجاوي‬

‫األحرار‪ ،‬األوعية املهمة التي استوعبت الصوتني املطالبني باإلصالح‬ ‫والتغيري معً ا‪ .‬لهذا ليس بمستغرب أن يكون قياديو هذه الصحف‬

‫وكتابها من أبرز شهداء ثورة ‪1948‬م ومعتقليها‪.‬‬

‫أما «الربيد األدبي» (مجموعة رسائل شخصية ذات طابع أدبي‪،‬‬

‫تبادلها فيما بينهم األدباء بني صنعاء وذمار وتعز يف األربعينيات)‪،‬‬

‫فسينظر إليها كمكملة للحلقات الثالث؛ ألنها حسب الدكتور سيد‬

‫مصطفى سالم‪« :‬نتاج مرحلة تاريخية واحدة‪ ،‬وخضعت لظروف‬ ‫سياسية ومؤثرات فكرية واحدة‪ ،‬لذلك كونت الحلقات يف مجموعها‬

‫تيارًا فكريًّا صاحب النشاط السيايس‪ ،‬الذي برز بأشكال مختلفة‪،‬‬

‫وانتهى بثورة ‪1948‬م»‪ .‬إضافة إىل صحيفة «السالم» التي أصدرها‬

‫يف (كارديف) عام ‪1948‬م‪ ،‬كأول صحيفة عربية تصدر يف اململكة‬ ‫املتحدة‪ ،‬الشيخ عبدالله عيل الحكيمي‪ ،‬أحد رواد مدرسة األحرار‬

‫طالئع التنويريين (العصاميين)‪ ،‬الذين لم‬ ‫يأتوا من حواضن سياسية منظمة‪ ،‬أو‬ ‫مدارس فكرية حديثة‪ ،‬فقط بإمكانياتهم‬ ‫المعرفية البسيطة‪ ،‬خطوا أولى الخطوات‪،‬‬ ‫في الطريق الشاق والطويل لمعارضة‬ ‫السلطة الغاشمة‪ ،‬وتعرية أدواتها‬ ‫المستخدمة في االستبداد الديني‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫األوىل بحرية الرأي والتعبري‪ ،‬لتكون فضاء ثقافيًّا إنسانيًّا مفتوحً ا‪.‬‬ ‫األحرار الدستوريني»‪« :‬صويف وثوري مقاوم‪ ،‬انخرط يف تيار حركة‬

‫التحرر الوطني العربية والقومية يف بلدان املغرب العربي من أجل‬

‫استقالل املنطقة من االستبداد واالستعمار‪ .‬ومن أوجهه البارزة‬

‫دعوته املبكرة لحوار األديان والثقافات والحضارات»‪ .‬صحيفة‬

‫السالم‪ ،‬التنويرية بحسب عبدالباري طاهر‪ ،‬نشرت منذ أعدادها‬ ‫األوىل اإلعالن العاملي لحقوق اإلنسان‪.‬‬

‫يف يوليو ‪1947‬م‪ ،‬غادرت من عدن صوب لبنان أول بعثة‬

‫تعليمية يمنية ألربعني طالبًا (يف سن املراهقة املبكرة تراوح أعمارهم‬

‫بني الثانية عشرة والخامسة عشرة) من مدن مملكة اإلمام الرئيسة‬ ‫(صنعاء ‪ -‬تعز ‪ -‬الحديدة) اختريوا بمقاييس فرضها األمري عبدالله‬

‫ابن اإلمام وزير املعارف وقتها‪ ،‬لحسابات سياسية يف إطار التنافس‬


‫داخل بيت الحكم‪ .‬األربعون طالبًا الذين نقلوا إىل‬

‫حواضن للوعي السيايس‪ ،‬وروافعه املنظمة‪ .‬ومن‬

‫يف لبنان (وما سيلتحق بهم من طالب مبتعثني‬

‫اليمنية املوحدة‪ ،‬التي ضمت أبناء جميع مناطق‬

‫بعض مدن مصر بعد عام واحد فقط من دراستهم‬

‫هذه البعثات‪ ،‬خرجت أول مرة الحركة الطالبية‬

‫من الشمال والجنوب‪ ،‬ومبتعثي األندية واألحزاب‬

‫اليمن‪ ،‬ودعت يف م��تمرها الدائم املنعقد يف يوليو‬

‫واألسر يف عدن) سيشكلون اللحظة الفارقة يف‬

‫‪1956‬م يف القاهرة إىل الوحدة اليمنية‪ ،‬وناهضت كل‬

‫التاريخ السيايس والثقايف الالحق لليمن‪.‬‬

‫ففي القاهرة حسب كيفن روزر يف كتابه‬

‫«بعثة األربعني الشهرية» كان هؤالء املبتعثون‬

‫دعوة تتناقض مع هذا التوجه‪ ،‬وهي بذلك أول من‬

‫محمد عبدالولي‬

‫«منجذبني ً‬ ‫سلفا إىل النشاط السيايس‪ ،‬ويف هذه العملية‪ ،‬صاغوا‬

‫أكد يف العصر الحديث عىل وحدة الشعب اليمني‬ ‫ووحدة األرايض اليمنية‪ ،‬وهو ما يعني أن فكر تلك‬

‫الحركة قد اتسم بالعمق‪ ،‬كما انطوى عىل نظرة استشراف تتسم‬

‫عالقات سياسية قيمة مع حركات يمنية وعربية متعددة‪ .‬وكانت‬

‫ببعد النظر حول مستقبل اليمن»‪ .‬كما يرى الدكتور أحمد القصري‬

‫السياسية متكيفة مع نموذج الثورة املصرية»‪ ،‬التي دخلت بكل‬

‫ومن هذه الحركة خرج كثري من وجوه التنوير والثورة والفكر‬

‫رؤاهم عن التطور االقتصادي‪ ،‬والعالقات األجنبية‪ ،‬والرتكيبة‬ ‫ثقلها يف معرتك التحول يف اليمن مع بزوغ ثورة سبتمرب‪ ،‬وكان فيها‬

‫لطالب البعثات يف القاهرة (عسكريني ومدنيني)‪ ،‬اإلسهام املميز‬ ‫فيها‪ ،‬من خالل وجودهم ككادر متعلم يف دوائرها ومؤسساتها‪،‬‬ ‫أو تحولهم إىل قادة سياسيني يف األحزاب (الدينية والقومية‬ ‫واليسارية) التي حضرت يف مشهد التحول الجديد‪ ،‬بوصفها‬

‫يف مخطوط «إصالحيون وماركسيون»‪.‬‬

‫واألدب والسياسة‪ ،‬وعربوا بكل وضوح عن وجه اليمن الجديد‪.‬‬ ‫وعىل سبيل الذكر ال الحصر يحضر هنا اسم الدكتور أبو بكر‬

‫السقاف املفكر اليساري الكبري‪ ،‬وعمر الجاوي السيايس واملثقف‬ ‫املختلف‪ ،‬ومحمد أحمد عبدالويل الروايئ الرائد‪ ،‬والشعراء إبراهيم‬

‫صادق‪ ،‬ومحمد أنعم غالب‪ ،‬وسعيد الشيباين‪.‬‬

‫التنويريون بين تعالي السياسي وانكسار المثقف‬ ‫منذ انطالق رحلة املعارضة السياسية املبكرة يف الثالثينيات‪ ،‬كان الهم األكرب الذي انشغلت به طالئعهم املثقفة‪،‬‬

‫‪53‬‬

‫هو كيفية إخراج البالد من عزلتها وتخلفها املريع‪ .‬ويف سبيل ذلك اتبعت هذه املعارضة العديد من الوسائل يف توصيل‬

‫رسالتها الوطنية‪ ،‬ابتداء بنصح الحاكم‪ ،‬ثم الدعوة لإلصالح يف إطار منظومة الحكم ذاتها‪ ،‬قبل االنتقال إىل التغيري يف‬ ‫إطارها‪ ،‬وصولاً إىل تغيري نظام الحكم برمته‪ ،‬واستبدال نظام آخر به هو النظام الجمهوري‪ ،‬الذي جاءت به ثورة ‪26‬‬ ‫سبتمرب‪1962‬م‪.‬‬

‫ويف كل املراحل ظهر املثقف الرائد‪ ،‬مذوبًا بفعله الحدود‪ ،‬بينه وبني السيايس يف الوظائف واألدوار «التي تحولت‬ ‫بمرور الوقت إىل حالة إشكالية‪ ،‬اقتضت الحاجة إىل إعادة مراجعة وفحص هذه املفاهيم‪ ،‬بدلاً من التماهي مع السيايس‬ ‫بوصفه السلطة ورأس املال‪ ،‬وبوصفه ً‬ ‫أيضا القوة املادية والرمزية» كما قال عيل حسن الفواز‪.‬‬

‫القوة ورأس املال الرمزي للسيايس‪ ،‬ستتكثف خالل خمسة عقود يف الحالة اليمنية‪ ،‬وعىل وجه الدقة فيما كان‬

‫يعرف بالجمهورية العربية اليمنية‪ ،‬التي امتد تأثريها إىل الجمهورية اليمنية بعد حرب ‪1994‬م‪ ،‬كسلطة تعيد إنتاج نفسها‬ ‫يف إطار التحالف القبيل العسكري الديني‪ ،‬ولم تنتج‪ ،‬حسب وليد عالء الدين سوى الخراب «وأخطر مظاهر هذا الخراب‬ ‫تمثلت يف كسر إرادة النخبة‪ ،‬التي تحول دورها من كونها تمثيلاً لسلطة املثقف النقدي والنقيض يف آن واحد‪ ،‬إىل كونها‬ ‫أدوات تربيرية لخطاب سيايس يفتقر إىل أدىن الروادع القانونية واألخالقية»‪.‬‬

‫لهذا ال غرابة يف أن نشهد اآلن وبعد خمسة عقود ونصف من ثورة ‪ 26‬سبتمرب‪ ،‬هذا االنقسام املريع يف بنية النخبة‬

‫«بفعل االستقطابات القوية والحادة‪ ،‬التي امتدت إىل شريحة املثقفني‪ ،‬الذين بدؤوا بالتحوصل داخل هوياتهم الضيقة‬

‫(السياسية واملناطقية والطائفية) حني لم يجدوا مؤسسات الثقافة التي ينتمون إليها‪ ،‬قادرة عىل حمايتهم‪ ،‬والتعبري عن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عوضا عن وحدته‬ ‫عنوانا النقسام املجتمع‪،‬‬ ‫استقالليتهم‪ ،‬وقبل هذا إذابة أحاسيسهم بالتمايز داخلها‪ ،‬فصاروا مع الوقت‬ ‫ً‬ ‫عنوانا ملتاريس املتحاربني يف كل الجبهات؛ ألنهم ببساطة لم يستطيعوا تشكيل صوت نابذ للحرب‬ ‫وتماسكه؛ بل صاروا‬

‫ومجر ٍِّم لها‪ ،‬بسبب الضغوط الشديدة عليهم‪ ،‬وبسبب هشاشة تكويناتهم الفكرية‪ ،‬التي من املفرتض أن تكون عابرة‬

‫للجغرافيا والطائفة والعائلة»‪ .‬كما أراد التنويريون األوائل‪.‬‬

‫ملف العدد‬


‫زمان الفيصل‬

‫‪54‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


55


‫تقارير‬

‫وليد السويركي‬ ‫شاعر ومترجم أردني‬

‫‪56‬‬

‫ال يزال يتجاهل اتصاالت لجنة نوبل‬ ‫والجدل يتصاعد حول فوزه‬

‫بوب ديالن‪..‬‬

‫«الخائن» وممتدح «بلطجية» إسرائيل‬ ‫يقاوم الزمن بشعرية جديدة‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫بوب ديالن‪« ..‬الخائن» وممتدح «بلطجية» إسرائيل يقاوم الزمن بشعرية جديدة‬

‫ّ‬ ‫المغني – الشاعر‬ ‫ما زال الجدل حول مفاجأة فوز‬ ‫اً‬ ‫متواصل‬ ‫األميركي بوب ديالن بجائزة نوبل لآلداب هذا العام‬

‫في الشرق والغرب‪ ،‬ولم يزد امتناع الفائز عن الر ّد على‬

‫ّ‬ ‫اتصاالت لجنة الجائزة وعن التعليق على خبر فوزه هذا‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫انصب بصورة‬ ‫واحتداما‪ .‬وإذا كان السجال قد‬ ‫الجدل إلاّ إثارة‬ ‫رئيسية على ما إذا كان ديالن يستحق هذا التكريم أم ال‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فإن فوزه بالجائزة أعاد إلى السطح كثيرًا من الخالفات‬ ‫والنقاشات حول الرجل ومسيرته الفنيّة‪.‬‬

‫ال يكاد أحد ممن اعترضوا على منح الجائزة لبوب ديالن‬ ‫ينكر ّأنه واحدٌ من أعظم ّ‬ ‫الشعراء في تاريخ الموسيقا الشعبية‬

‫ً‬ ‫وإبداعا عن نصوص عظام‬ ‫األميركية‪ ،‬وأنّ نصوصه ال تقل قيمة‬

‫كتاب األغنية مثل‪ :‬جون لينون‪ ،‬وجيم موريسون‪ ،‬ونيل يونغ‬

‫كموسيقي ومغنّ‬ ‫وغيرهم‪ ،‬لك ّنهم يشدّ دون على هوية ديالن‬ ‫ّ‬ ‫مُ ذكرين بصعوبة الفصل في أغانيه بين الكلمات واللحن واألداء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫شك‪ .‬ومع‬ ‫محل‬ ‫الصوتي مما يجعل انتماء نصوصه إلى األدب‬

‫االحتجاج وتبني مقوالت الدعاية الصهيونية‬

‫لكن السجال تعدّ ى مسألة جدارة ديالن بالجائزة إلى التذكير‬

‫باالضطراب والتناقض اللذين طبعا مسيرته ومواقفه السياسية‬ ‫والفكرية على وجه الخصوص‪ ،‬فالرجل الذي كان أيقونة غناء‬ ‫الفولك الملتزم مطلع ستينيات القرن العشرين‪ ،‬حيث ساند‬ ‫حركة الحقوق المدنية‪ ،‬ودافع عن حقوق السود في أميركا‪،‬‬

‫وغنى ضدّ الحرب والظلم والعنصرية‪ ،‬انتقل إلى موسيقا الروك‬ ‫واستخدام الغيتار الكهربائي منذ عام ‪1965‬م‪ ،‬مبتعدً ا في نصوصه‬

‫االعتراف بـ«شعرية» نصوص ديالن فإن كثيرين لم يتقبّلوا أن يدرج‬ ‫ّ‬ ‫مصاف شعراء كبار سبقوه إلى الفوز بالجائزة‬ ‫اسمه شاع ًرا في‬

‫من أغنية االحتجاج االجتماعية‪ ،‬فخاصمه كثيرون ووصفوه‬

‫موسيقا الروك الذي حظي بكل أشكال التكريم‪ ،‬ونال ما لم ينله‬

‫سوريالية‪ .‬وفي آواخر السبعينيات تحوّل من‬

‫ّ‬ ‫المعلقين أنّ أسطورة‬ ‫مثل نيرودا وسان جون بيرس‪ .‬ورأى بعض‬

‫غيره من أرفع الجوائز في حقل الموسيقا‪ ،‬ال يحتاج إلى جائزة‬ ‫نوبل قدر ما يحتاجها األدب‪ ،‬وأن منحه الجائزة قد حرم كتابًا‬

‫كبارًا مثل‪ :‬فيليب روث‪ ،‬هاروكي موراكامي‪ ،‬جويس كارول أوتس‬ ‫ّ‬ ‫المستحق‪ ،‬وذهب آخرون إلى ّأنه‬ ‫أو إسماعيل كاداري من التكريم‬ ‫حتى في فئة كتاب األغنية‪ ،‬ثمّ ة من هو جدير بالجائزة أكثر منه‪،‬‬

‫مثل‪ :‬ليونارد كوهين‪ ،‬وجوني كاش‪ ،‬أو باتي سميث‪.‬‬ ‫أمّ ا المدافعون عن فوز ديالن‪ ،‬فقد رأوا في فوزه مواكبةً‬

‫بالخائن‪ ،‬بعد أن اختار تناول ثيمات شخصيّة حميميّة بمسحة‬

‫اليهودية إلى المسيحية‪ ،‬وأصدر ثالثة‬ ‫ُ‬ ‫تخل من نبرة تبشيرية‪.‬‬ ‫ألبومات لم‬ ‫وقد استعاد الصحافي مايكل‪.‬‬

‫ف‪ .‬براون جانبًا آخر في ماضي‬

‫ديالن مذ ّك ًرا ّ‬ ‫بأنه اختار مساندة‬

‫إسرائيل‪ ،‬وتبنى مقوالت الدعاية‬

‫الصهيونية حين كتب بعد الغزو‬

‫للتحوالت الثقافية المعاصرة وزحزحة لحدود المؤسّ سة األدبية‬ ‫لتشمل أشكالاً تعبيرية ف ّنية وجمالية تتجاوز األجناس واألطر‬

‫«بلطجي الحارة»‪،‬‬ ‫أغنيته‬ ‫ّ‬

‫والشعبي‪ ،‬وإعادة تعريف األدب واألديب‪ ،‬مذكرين‬ ‫بين النخبويّ‬ ‫ّ‬

‫اإلسرائيلية‪:‬‬

‫المستقرة تقليديًّا وأكاديميًّا‪ ،‬وتوجّ هًا محمودًا نحو إلغاء الحدود‬

‫بأن الشعر في أصوله البعيدة‪ ،‬وعبر تقليد ممتدّ في التاريخ‬

‫قد ارتبط بالغناء والموسيقا‪ .‬كما حاجج آخرون بأن نصوص‬ ‫ديالن باتت تدرّس في العقود األخيرة في الجامعات األميركية‬

‫والبريطانية والكندية‪ ،‬وتعدّ عنها األطروحات األكاديمية‬

‫ّ‬ ‫المتخصصة‪ ،‬مما أدخلها في المتن األدبي وفي حقل‬ ‫والبحوث‬

‫الدراسات الثقافية بوصفها تعبي ًرا فنيًّا وجماليًّا عن الثقافة‬

‫الشعبية في أميركا‪.‬‬

‫اإلسرائيلي للبنان عام ‪1982‬م‬ ‫التي دافع فيها عن الجرائم‬

‫‪57‬‬


‫تقارير‬ ‫بلطجي الحارة مج ّرد رجل‪،‬‬ ‫«نعم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يحتل أرضهم‪،‬‬ ‫يقول أعداؤه ّإنه‬

‫وهم يفوقونه عددًا‪ :‬مليون مقابل واحد‪.‬‬

‫فال يمكنه الهروب أو الركض إلى أي مكان‪،‬‬ ‫بلطجي الحارة‪.‬‬ ‫ّإنه‬ ‫ّ‬

‫ّ‬ ‫كل إمبراطورية استعبدته زالت‪،‬‬

‫مصر وروما‪ ،‬حتى بابل العظيمة‪.‬‬ ‫وها هو قد صنع من رمال الصحراء ج ّن ًة‪ .»...‬وأعاد براون‬

‫إذ يقدم منذ ذلك الحين ما يقارب مئة حفل في ّ‬ ‫كل سنة‪ ،‬كما بلغ‬

‫عدد األلبومات التي أصدرها حتى اآلن ‪ 37‬ألبومً ا‪ .‬وها هو أكثر من‬ ‫ُق ّلد أو جرى استلهامه في تاريخ موسيقا الروك األميركية‪.‬‬ ‫نصوص مختارة‬ ‫لم يحل الظالم بعد‬

‫جذور هذه المواقف إلى مطلع السبعينيات‪ ،‬حين اقترب ديالن‬

‫الظالل تهبط‪ ،‬مكثت هنا النهار ّ‬ ‫كله‬

‫كاهان‪ ،‬وبيّن استمراره في رفضه في عام ‪2014‬م االستجابة لنداءات‬

‫والوقت يم ّر‪ ،‬كأن روحي غدت من الفوالذ‬

‫كثي ًرا من رابطة الدفاع اليهودية المتط ّرفة وامتدح زعيمها مائير‬ ‫حركة مقاطعة إسرائيل وإصراره على الغناء في تل أبيب‪.‬‬

‫وبعيدً ا من هذا السجال حول مواقف ديالن السياسية‪،‬‬

‫ً‬ ‫إجماعا على موهبته الفذة‪ ،‬كاتبًا وملح ًنا‪ ،‬وعلى كونه‬ ‫فإن ثمة‬

‫الموسيقي الوحيد الذي مارس‪ ،‬في حياته‪ ،‬تأثي ًرا كبي ًرا في أجيال‬

‫متعاقبة من المؤلفين ‪ -‬المغنين‪ :‬من البيتلز‪ ،‬ورولينغ ستونز‪،‬‬

‫وباتي سميث‪ ،‬إلى ديفيد بووي‪ ،‬وبروس سبرنغستين‪ ،‬أو ليني‬ ‫كرافيتز ‪ .‬فالرجل الذي أعلن عن «موته» موسيقيًّا أكثر من مرة‪،‬‬

‫‪58‬‬

‫نصف قرن على انطالقته‪ ،‬يجوب الطرقات والمدن ليقدم عروضه‬ ‫منذ أن ّ‬ ‫دشن في نهاية الثمانينيات ما أطلق عليه «جولة بال نهاية»‪،‬‬

‫كان يعود دائمً ا باقتراحات فنيّة وتعبيرات شعرية جديدة سواء غنى‬ ‫الفولك أو الروك أو البلوز‪ ،‬متحدّ يًا بذلك مرور الزمن‪ ،‬وما زال بعد‬

‫الج ّو شديد الحرارة فال أستطيع النوم‬

‫لم تزل لديّ الندوب التي لم تألمها الشمس‬

‫كاف ألستريح‬ ‫وما من مكان ٍ‬

‫حسي اإلنساني انتهى في المجاري‬ ‫فخلف ّ‬ ‫جمال ثمّ ة ألم‬ ‫كل‬ ‫ٍ‬

‫لقد كتبَت لي رسالة‪ ،‬وكانت لطيفة‪،‬‬

‫قالت فيها كل ما جال في خاطرها‬

‫ولست أدري لِمَ علي أن أكترث لها‪.‬‬ ‫لم يحل الظالم بعد‪ ،‬لكن ها هو يهبط‬

‫ألن غينسبرغ‪ ،‬بوب ديالن‪ ،‬مايكل مكلور‪ ،‬روبي روبرتسون (سان فرانسيسكو ‪1965‬م)‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫بوب ديالن‪« ..‬الخائن» وممتدح «بلطجية» إسرائيل يقاوم الزمن بشعرية جديدة‬

‫كنت في لندن‪ ،‬وكنت في باريس البهيجة‬

‫قبل أن يبتلعها البحر؟‬

‫لست أبحث عن أي شيء في عيني أيّ أحد‬ ‫ً‬ ‫أحيانا من أن يحمل‬ ‫وعبئي أثقل‬

‫قبل أن يغدوا أحرارًا؟‬

‫ُ‬ ‫تتب ُ‬ ‫وبلغت البحر‬ ‫َعت ال ّنهر‬

‫لم يحل الظالم بعد‪ ،‬لكن ها هو يهبط‬ ‫هنا ولدت‪ ،‬وهنا سأموت رغم أنفي‬ ‫قد يبدو أنني أتحرك غير ّأني ما زلت واقفاً‬ ‫ُّ‬ ‫خاو وخدر‬ ‫كل‬ ‫ٍ‬ ‫عصب في جسدي ٍ‬

‫ُ‬ ‫هربت إلى هنا‬ ‫ح ّتى إنني لم أعد أتذ ّكر مما‬ ‫همس صالة‬ ‫وال أسمع ولو‬ ‫َ‬

‫لم يحل الظالم بعد‪ ،‬لكن ها هو يهبط‬ ‫ّ‬ ‫مهب الريح‬ ‫في‬ ‫كم من طريق على اإلنسان أن يقطع‬ ‫ً‬ ‫إنسانا؟‬ ‫قبل أن تسمونه‬

‫بحر على اليمامة البيضاء أن تعبر‬ ‫كم من ٍ‬ ‫قبل أن تغفو على الرمل؟‬

‫كم مرة ينبغي أن تدوّيَ المدافع‬

‫قبل أن تحظر لألبد؟‬

‫مهب الريح!‬ ‫الجواب يا صديقي في‬ ‫ّ‬ ‫مهب الريح!‬ ‫الجواب يا صديقي في‬ ‫ّ‬ ‫كم من السنين ينبغي أن تدوم الجبال‬

‫كم من السنين ينبغي أن يعيش بعض الناس‬ ‫وكم من الم ّرات بوسع اإلنسان أن يدير‬

‫مدّ عيًا أنه ال يرى شي ًئا؟‬

‫مهب الريح‬ ‫الجواب‪ ،‬يا صديقي‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫مهب الريح‬ ‫الجواب في‬ ‫ّ‬

‫كم مرة ينبغي للمرء أن يحدّ ق في األعلى‬

‫قبل أن يبصر السماء؟‬ ‫كم ً‬ ‫أذنا ينبغي أن تكون للمرء‬

‫ّ‬ ‫يتمكن من سماع بكاء اآلخرين؟‬ ‫قبل أن‬ ‫وكم من الميتات ينبغي أن تحدث‬

‫قبل أن ندرك‬

‫أن كثي ًرا من الناس قد ماتوا؟‬ ‫مهب الريح‬ ‫الجواب‪ ،‬يا صديقي‪ ،‬في‬ ‫ّ‬ ‫الجواب في مهب الريح‬

‫حين خرجت في الصباح‬ ‫ّ‬ ‫ألتنفس الهواء الطلق‬ ‫حين خرجت صباحً ا‬ ‫بالقرب من توم بين‬

‫(٭)‬

‫لمحت أجمل فتاة قد مشت في السالسل يومً ا‬ ‫ُ‬ ‫مددت لها يدي‬

‫فتأبطت ذراعي‬

‫في تلك اللحظة بالضبط أدركت أنها تضمر لي ش ًّرا‬ ‫ُ‬ ‫صحت بها‪.‬‬ ‫«ابتعدي عني من فورك»‪،‬‬

‫«ولك ّني ال أريد»‪ ،‬قالت‪.‬‬

‫فقلت‪« :‬إنك ال تملكين خيارًا»‪.‬‬

‫ً‬ ‫هامسة‬ ‫إلي‬ ‫«أرجوك يا سيدي»‪ ،‬توسَّ َلت ّ‬ ‫ْ‬ ‫«سأقبَلك في الس ّر‪ ،‬وسنهرب معً ا إلى الجنوب»‬ ‫بشخصه‬ ‫عندها جاء توم بين‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫راكضا عبر الحقل‬ ‫مناديًا على الفتاة الجميلة‬ ‫ثم أمرها بأن تستسلم‪،‬‬

‫وفيما كانت ترخي عناقها‬ ‫ركض توم نحوي‬

‫«أنا آسف أيّها السيد»‪ ،‬قال لي‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫«آسف على ما فعلته»‪.‬‬

‫‪59‬‬


‫تقارير‬ ‫مثل شخص مجهول تمامً ا‬ ‫مثل حجر يتدحرج؟‬

‫لم تلتفتي لتري تقطيبة الحزن‬

‫ّ‬ ‫الخفة‬ ‫خلف أوجه المه ّرجين والعبي‬

‫حين جاؤوا جميعً ا يؤدون ألعابهم أمامك‬ ‫لم تدركي أن األمر سيِّئ‬

‫ما كان عليك أن تسمحي لآلخرين‬ ‫أن يتلقوا الرفسات بدلاً منك‬

‫ً‬ ‫حصانا فوالذيًّا‬ ‫كنت تركبين‬

‫دبلوماسي يحمل على كتفه‬ ‫صحبة‬ ‫ّ‬ ‫قطة سيامية‬

‫أكان مؤلمً ا اكتشافك‬

‫بوب ديالن و جوان باييز (‪1963‬م)‬

‫حجر يتدحرج‬ ‫مثل‬ ‫ٍ‬ ‫في غابر األيام‪ ،‬ارتديت أبهى الثياب‬

‫ورميت من عليائك ً‬ ‫قرشا للمتسولين‬ ‫كنت في أوجك‪ ،‬أليس كذلك؟‬

‫‪60‬‬

‫كان الناس ينادونك‪« :‬حاذري أيتها الدمية الطائشة‪..‬‬

‫ستسقطين»‬

‫فظننتهم يمزحون‪.‬‬

‫كان المتسكعون في الجوار يثيرون سخريتك‬ ‫لكنّ صوتك ال يعلو اآلن حين تتحدثين‬

‫وال تبدين فخورة إذ تضطرين لتسوّل وجبتك القادمة‬

‫كيف تشعرين‬

‫إذ أنت بال مأوى‬

‫مثل شخص مجهول تمامً ا‬ ‫مثل حجر يتدحرج؟‬ ‫‪...‬‬ ‫ارتدت أفضل المدارس‪,‬‬ ‫حس ًنا‪ ،‬اآلنسة «وحيدة»‪ ،‬لقد‬ ‫ِ‬ ‫الس ْكر‬ ‫لك ّنك تعرفين أنك لم تفعلي شي ًئا هناك سوى ُّ‬ ‫ولم ّ‬ ‫يعلمك أحدٌ كيف تعيشين على قارعة الطريق‬ ‫لكنك اآلن مرغمة على اعتياد األمر‬

‫كنت تقولين‪ :‬لن أساوم المتش ّرد الغامض‬

‫لكنك اآلن تدركين أنه ال يختلق األعذار‬

‫حين تحدّ قين في فراغ عينيه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫صفقة معك‪ ‬‬ ‫طالبة أن يعقد‬ ‫كيف تشعرين‬

‫إذ أنت بال مأوى‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫ّ‬ ‫بأنه لم يكن حيث يجدر به‬ ‫ّ‬ ‫بعد أن سلب منك كل ما وصلت إليه يده‪.‬‬ ‫كيف تشعرين‬

‫إذ أنت بال مأوى‬

‫مثل شخص مجهول تمامً ا‬ ‫مثل حجر يتدحرج؟‬

‫ّ‬ ‫وكل هؤالء الظرفاء‬ ‫أيتها األميرة في البرج‪،‬‬ ‫يشربون‪ ،‬واثقين من مستقبلهم‬

‫يتبادلون أثمن الهدايا‬ ‫فأجدر بك يا فتاتي‬

‫أن تنزعي خاتمك الماسي‪ ،‬وأن ترهنيه‪.‬‬

‫ّ‬ ‫تتسلي بنابليون في األسمال‪ ،‬بلغته في الحديث‪،‬‬ ‫لقد اعتدت أن‬

‫امضي إليه اآلن‪ ،‬ها هو يناديك‪ ،‬وال يمكنك الرفض‬

‫فحين ال تملكين شي ًئا‪ ..‬ليس ثمة ما تخسرين‬

‫أنت اآلن ال مرئية تمامً ا‪ ،‬وليس عندك ما تخفينه‬ ‫كيف تشعرين‬

‫إذ أنت بال مأوى‬

‫مثل شخص مجهول تمامً ا‬ ‫مثل حجر يتدحرج؟‬

‫هامش‪:‬‬

‫٭ توماس بين‪ّ :‬‬ ‫مفكر‪  ‬ثوري وراديكالي إنجليزي‪ .‬هاجر إلى‪ ‬أميركا‪ ‬عام‬ ‫‪1774‬م في سن السابعة والثالثين‪ ،‬حيث عمل في الصحافة‬ ‫و‪ ‬شارك في‪ ‬الثورة األميركية‪ .‬يعد أحد آباء أميركا المؤسّ سين‪.‬‬

‫تحوّل منزله في نيو روشيل إلى متحف‪.‬‬


‫مقال‬

‫المثقف العربي‪...‬‬ ‫غيمة في بنطلون‬ ‫منذ عدة عقود مضت أخذت مصداقية المثقف العربي داخل‬ ‫مجتمعاته تتراجع شي ًئا فشي ًئا‪ ،‬ولم يعد فاعلاً ‪ ،‬مؤث ًرا في اتخاذ القرار‬ ‫المجتمعي مثلما كان قبل ذلك‪ ،‬وبات هذا المثقف بال مصداقية‪ ،‬وعلى‬ ‫هامش الهامش‪ ،‬حتى إن صورته في اإلعالم واألعمال الدرامية صارت‬ ‫مشبوهة‪ ،‬مثيرة للسخرية والتندُّ ر في كثير من األحيان‪.‬‬ ‫يحدث ذلك في زمن صعب‪ ،‬تكون المجتمعات العربية فيه في‬ ‫أشد حاجتها إلى المثقف والثقافة‪ ،‬فظلمة الرؤى تشتد‪ ،‬وماضوية‬ ‫الفكر تطال كل صغيرة وكبيرة من الحياة العربية‪ ،‬والمثقف لم يعد‬ ‫ً‬ ‫مخططا لمشروعات مقترحة تعين هذه المجتمعات‬ ‫منتجً ا ألفكار‪ ،‬وال‬ ‫على تجاوز عثراتها والخروج من مأزقها‪ ،‬وقد تجلى في بعدها الشاسع‬ ‫عن جوهر العصر بشرقه وغربه‪ ،‬واستسالمها لتلك الغيبوبة الماضوية‬ ‫الدالة على أن العرب يحيون وكأنهم ليسوا من هذا العالم‪ ،‬وهذا الكون‬ ‫اإلنساني الراهن بالطبع‪ .‬يمكن إرجاع ظاهرة تراجع دور المثقف ألسباب‬ ‫كثيرة؛ منها ما هو سياسي‪ ،‬ومنها ما هو اقتصادي أو اجتماعي‪ ،‬فلقد‬ ‫تعددت األسباب والتراجع ثابت‪ ،‬ولكن يمكن أن يضاف لتلك األسباب‬ ‫ً‬ ‫مجتمعة سبب آخر يتعلق بتحوالت المثقف ذاته‪ ،‬وربما كانت هذه‬ ‫التحوالت هي المرتكز الرئيس لتراجع دور المثقف‪.‬‬ ‫َ‬ ‫مشعل‬ ‫لقد ظل المثقف منذ بداية العصر العربي الحديث حامل‬ ‫ِ‬ ‫النور المضيء لظلمة العصور الوسطى التي طالما رتع فيها العالم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫قابضا على هذا المشعل بيده كالقابض على‬ ‫ممسكا‬ ‫العربي‪ ،‬وقد ظل‬ ‫ً‬ ‫متسقا مع آرائه وأفكاره‪ ،‬ال يغيرها أو يبدلها أو يبيعها مهما‬ ‫الجمر‪،‬‬ ‫ً‬ ‫كانت األثمان‪ ،‬ولطالما كان قادرًا على قول‪ :‬ال‪ ،‬داحضا من يقولون‪:‬‬ ‫يغوه منصب أو سلطة أو مال‪ ،‬وكان جُ ُّل مثقفي‬ ‫نعم‪ ،‬وهو لم ِ‬ ‫يغره ولم ِ‬ ‫أزمنة التنوير العربية فقراءَ ‪ ،‬يعملون في مؤسسات التعليم المختلفة‬ ‫ّ‬ ‫ويعلمون‪ ،‬فبات لهم تالميذ ومريدون‪ ،‬وأشياع وأتباع فكر‪،‬‬ ‫يؤدّبون‬ ‫ّ‬ ‫يولون وجوههم شطر مجتمعاتهم وهمومها ويسعون لإلتيان بأفكار‬ ‫تجب أفكار من ربَّوهم وعلموهم إيجابية وتأثي ًرا‪.‬‬ ‫ربما‬ ‫ُّ‬ ‫لكن مثقف اليوم وحيد‪ ،‬صنع عزلته بانصياعه لسلطات االستبداد‬ ‫السياسي‪ ،‬واختار أن يكون مصنع أفكارها الرديئة‪ ،‬ومروّج بضاعتها‬ ‫الخاسرة التي مزقت الخرائط العربية ونكبت األوطان‪ .‬ولقد بات المثقف‬ ‫العربي من أكبر جامعي الذهب والدنانير‪ ،‬يلهث وراء كل من يملكها‬ ‫وينثرها له على األرض‪ ،‬وبات يصارع من أجل الجوائز والعطايا واألكل‬ ‫على موائد اللئام‪ ،‬وفوق ذلك كله يقفز قفزات األرنب البري بين‬ ‫الفضائيات ليبربر ويبرر ويفتك بكل كلمة حق وقيمة من قيم الخير‪،‬‬ ‫الحق باطلاً ‪ ،‬والزو َر ًّ‬ ‫َّ‬ ‫حقا‪ ،‬وهو ال يدري أن الناس صارت تدرك‬ ‫وليجعل‬ ‫حجمه الحقيقي‪ ،‬ودوره التغييبي‪ ،‬وأنه ‪-‬كما يقول الشاعر الروسي‬ ‫مايكوفيسكي‪ :-‬ليس إال غيمة في بنطلون‪.‬‬

‫سلوى بكر‬ ‫كاتبة مصرية‬

‫‪61‬‬ ‫ل مثقفي أزمنة‬ ‫كان ُج ُّ‬ ‫التنوير العربية فقراءَ‪،‬‬ ‫يعملون في مؤسسات‬ ‫التعليم المختلفة‬ ‫يؤدبون ويعلّمون‪ ،‬فبات‬ ‫ّ‬ ‫لهم تالميذ ومريدون‪،‬‬ ‫وأشياع وأتباع فكر‪،‬‬ ‫يو ُّلون وجوههم شطر‬ ‫مجتمعاتهم وهمومها‬ ‫ويسعون لإلتيان بأفكار‬ ‫تجب أفكار من‬ ‫ربما‬ ‫ُّ‬ ‫ر َّبوهم وعلموهم‬ ‫وتأثيرا‬ ‫إيجابية‬ ‫ً‬


‫تقارير‬

‫سوء الفهم واللبس ال يزاالن يكتنفانها‬

‫إقبال السعوديين على الفلسفة‪..‬‬

‫بح ًثا عن بديل للحداثة‬ ‫أم ضرورة لجيل جديد؟‬ ‫هدى الدغفق‬ ‫الفيصل‬

‫‪62‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫إقبال السعوديين على الفلسفة ‪ ..‬بح ًثا عن بديل للحداثة أم ضرورة لجيل جديد؟‬

‫أكثر من إشارة يحملها االهتمام بالفلسفة في أوساط السعوديين‪ ،‬االهتمام الذي هو آخذ‬ ‫في االتساع الف ًتا األنظار هنا وهناك‪ ،‬فاألمر ليس مجرد اقتناء كتاب فلسفي‪ ،‬وال عقد جلسة‬

‫ومناقشة لموضوع يتعلق بـ«الوجود»‪ ،‬و«الكينونة»‪ ،‬أو «األخالق» عند هذا الفيلسوف أو‬ ‫ذاك‪ ،‬كما أن األمر يتخطى تأسيس موقع إلكتروني ينشر مقاالت ومواد فلسفية‪.‬‬

‫إقبال السعوديين على الفلسفة يعني‪ ،‬ضمن ما يعنيه‪ ،‬االهتمام بقضايا كبرى وطيدة‬ ‫العالقة بالخطابات الفكرية المتصارعة حي ًنا والمتحاورة حي ًنا آخر‪ ،‬وربما يعني ً‬ ‫أيضا‪ ،‬كما‬ ‫يذكر بعض المشتغلين في حقل الفكر‪ ،‬إخفاق مشروع التنوير والحداثة‪ ،‬ومن ثم ال بد‬

‫من البحث عن بديل‪ .‬الولع بكل ما هو فلسفي‪ ،‬هو ولع بالتفكير المنطقي‪ ،‬ولع بمساءلة‬ ‫األشياء وعدم التسليم في سهولة‪ .‬هو ً‬ ‫أيضا البحث عن أسئلة جديدة‪ ،‬تستوعب جملة‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫مختلفا أقرب ما يكون إلى مأزق‬ ‫وضعا‬ ‫المشكالت التي يعانيها جيل الشباب‪ ،‬الذي يعيش‬

‫وجودي‪ ،‬نتيجة الخيبات الكثيرة بسبب انكسار األحالم وانتشار التطرف في كل شيء‪.‬‬ ‫الفلسفة عند هذا الجيل الشاب‪ ،‬ليست أيديولوجيا إنما‬

‫ثري ومتنوع يحرتم املنطق‬

‫االهتمام بالفلسفة يف ظل غياب فلسفي تعيشه الجامعات‬

‫جاد وفلسفة عميقة وحوار‬

‫علم‪ ،‬وطريقة يف التفكري ومنهج لرؤية الذات والعالم‪ .‬ويأيت‬ ‫ومقرراتها‪ ،‬إضافة إىل اللبس يف فهم الفلسفة وتلقيها عند‬

‫العامة‪ .‬ويؤكد مهتمون الحاجة إىل إعادة االعتبار للفلسفة‬ ‫ومفهومها‪ ،‬من خالل طرح تساؤالت عدة‪ ،‬من قبيل‪ :‬ماذا‬ ‫يعني غياب الخطاب الفلسفي بصفته أداة أساسية إلنتاج‬ ‫املعرفة؟ عىل أن هناك من يرى أن الفلسفة حاضرة يف عدد كبري‬

‫من الخطابات حتى الخطابات الدينية‪ ،‬باعتبار‏أن الفلسفة هنا‬

‫تعني التفكري بالعقل‪.‬‬

‫«الفيصل» سعت إىل عدد من املهتمني‪ ،‬وطرحت عليهم‬

‫أسئلة حول الفلسفة واالهتمام بها‪ ،‬وماذا يعني هذا االهتمام‬

‫عىل الرغم من األحكام التي تحيط بالفلسفة‪.‬‬ ‫تفكري فلسفي متوازن‬

‫يقول املشرف عىل الحلقة الفلسفية التي تعقد يف نادي‬

‫الرياض األدبي حمد الراشد‪ :‬إن الحلقة «تحاول أن تسهم يف‬

‫تفكري عقيل وفلسفي متوازن للفرد واملجتمع‪ ،‬سواء يف الحياة‬ ‫العامة أو يف املشهد الثقايف‪ ،‬وبالتايل فإن الحلقة تسعى جاهدة‬ ‫َ‬ ‫تعريفها الحقيقي بإدخال عنصر‬ ‫ألن ُتعيد إىل منظومة الثقافة‬ ‫الفكر والفلسفة داخل هذه املنظومة‪ ،‬وهو املحور املهم جدًّ ا‬

‫والعقل مع انتهاج فكر‬ ‫راق»‪ ،‬مؤكدً ا أن هذا الهدف‬ ‫ٍ‬

‫‪63‬‬

‫سيتحقق «بواسطة نخبة‬ ‫من األقالم الجميلة اآلن‬ ‫ويف مراحل الحقة‪ ،‬وهذا‬

‫ما تحاول «حلقة الرياض‬

‫الفلسفية» تحقيقه واقعً ا‬

‫حمد الراشد‬

‫من خالل إتاحة الفرصة لكل مثقف ومهتم وباحث ومفكر من‬ ‫الجنسني تفاعلاً أو كتابة‪ ،‬بل إن الحلقة تتطلع إىل مشاركة‬ ‫املرأة يف خلق مستقبل ثقايف وفكري مشرق؛ إذ إنها املحرك‬ ‫االجتماعي والفاعل املكمل آلمال الرجل وطموحه»‪.‬‬

‫ويوضح الراشد أن الفكر الفلسفي له أكرب األثر «نظ ًرا إىل‬

‫صلته القوية بالعقل الذي يميز اإلنسان عن غريه من الكائنات»‪.‬‬

‫وقال‪ :‬إن العرب تعودوا النظر إىل الفلسفة بوصفها بني طريف‬ ‫نقيض‪ ،‬إما ال مباالة وتهميش لها ويمثل ذلك قول العامة‪« :‬ال‬ ‫تتفلسف» جهلاً بما يدل عليه معنى التفلسف وأهميته‪ ،‬وإما‬ ‫النظر إىل الفلسفة بصفتها تمثل التعقيد يف الحياة والخطر‬

‫عىل عادات اإلنسان وعقيدته ومصالحه»‪.‬‬

‫الحلقة الفلسفية‪ ..‬الحلقة األقوى‬

‫الذي يحتاجه املجتمع واملثقف معً ا إىل جانب ما نلحظه من‬ ‫ً‬ ‫نطاقا‬ ‫اهتمام باآلداب والفنون»‪ .‬ويرى أن الثقافة «أوسع‬

‫وترى الكاتبة سارة الرشيدان‪ ،‬إحدى املواظبات عىل‬

‫ومن هنا فالحلقة الفلسفية تتطلع إىل تشكيل مشهد ثقايف‬

‫يتسم بالجدية والعمق‪ ،‬ويغطي مجاالت ال توجد لها‬

‫من ضيق األفق والتحيزات التي نشاهدها عىل أرض الواقع‪،‬‬

‫حضور الحلقة الفلسفية‪ ،‬أن ما يطرح يف الحلقة من أوراق‬


‫تقارير‬

‫دراسات متخصصة يف السعودية‪ .‬وتقول‪ :‬إن ما يحفزها عىل‬

‫يف محاولة سرب التجربة‬

‫يف الحلقة من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى أن بعض املشاركني‬

‫غري تقليدية من خالل‬

‫الحضور‪« ،‬املتعة التي أجدها يف الطرح الفلسفي والفكري‬ ‫يف الحلقة بطرحهم أو حتى بحضورهم ‏الشخيص يمثلون‬

‫صفوة مثقفة ومؤثرة يف املجتمع معرفيًّا‪ ،‬سواء أكانوا‬ ‫أساتذة جامعات أو كتابًا ومفكرين‪ ،‬وفيها يقدمون طرحهم‬

‫األعمق‪ ،‬ورؤاهم املعرفية الفكرية ‏املبنية عىل بحث وقراءة‬ ‫جادة للمعرفة وعلومها‪ ،‬وكثريًا ما كانت الحلقة سباقة‬ ‫يف طرح القضايا املختلفة عن السائد»‪ ،‬مشرية إىل أن األيام‬

‫أثبتت مصداقية الحلقة وجديتها «ألنها دأبت عىل تقييم‬

‫الفلسفة بوصفها منتجً ا‬ ‫ً‬ ‫مشرتكا‪ ،‬وممارسة‬ ‫إنسانيًّا‬ ‫إلنتاج املفاهيم التي تتحكم‬ ‫بحياة الفرد لتمده بأجوبة‬

‫عجزت األيديولوجيات أن‬

‫تمده بها‪ ،‬بشكل يعكس‬

‫خالد العنزي‬

‫هذا االرتباط الوجداين الرثي بني التاريخ وأسئلته والواقع‬ ‫أيضا سبب جوهري آخر يتعلق بأزمة تعثرُّ‬ ‫وتحوالته‪ .‬هناك ً‬

‫وقراءة الواقع قراءة ‏واعية غابت بغياب تدريس الفلسفة‪...‬‬ ‫باختصار تعد الحلقة الفلسفية منهلاً ‏فلسفيًّا ذا تأثري فاعل‬

‫مشروع التنوير الذي ذهب ضحية عدم قدرة هذين الخطابني‬

‫الثقافية الوطنية»‪.‬‬

‫ظال يتحركان كقوى فكرية مرجعية متصارعة داخل املجال‬

‫يف ظل إهمال الفلسفة وتهميشها يف كثري من املؤسسات‬

‫الكبريين (الخطاب الشرعي التقليدي والخطاب املدين) اللذين‬ ‫الفكري السعودي؛ من أجل بناء صيغة معرفية جامعة تمزج‬

‫انشغاالت فردية‬

‫الباحث يف الفكر اإلسالمي خالد العنزي قال‪ :‬إنه ال يمكن‬ ‫ُّ‬ ‫بالتشكل يف أروقة‬ ‫القول بأن فضاء فلسفيًّا ملموسً ا قد بدأ فعليًّا‬ ‫الخطاب الثقايف السعودي‪ ،‬فالتجربة‪ ،‬يف رأيه‪ ،‬ال تزال تتمثل‬

‫‪64‬‬

‫اإلنسانية بأدوات معرفية‬

‫يف مجرد انشغاالت ذات سمات فردية‪ .‬ويوضح العنزي أن‬ ‫صعود وتزايد االهتمام بالفلسفة يف املشهد الثقايف السعودي‪،‬‬ ‫«يعود إىل أسباب تتعلق بهذا التوق الذي يعرتي الجيل الجديد‬

‫حمد الراشد‪ :‬الحلقة الفلسفية تسعى‬ ‫ألن تعيد إلى منظومة الثقافة تعريفها‬ ‫الحقيقي بإدخال عنصر الفكر والفلسفة‬

‫بني األدوات والبنى املعرفية الكربى املؤسسة للعقل والوجدان‬ ‫اإلسالمي وهي‪ :‬الحكمة‪ ،‬والفلسفة‪ ،‬والشريعة يف مدرسة‬

‫واحدة»‪.‬‬

‫ويذكر العنزي أن الجيل الجديد خرج من منظومة‬

‫الثنائيات الحادة التي يتسم بها الواقع الثقايف اليوم يف‬ ‫السعودية‪« ،‬منحا ًزا إىل فضائه الخاص والوليد عىل أسس‬ ‫شبه مستقلة عن املشهد األم إىل حد ما‪ .‬ويتحتم أن يكون‬

‫ذلك الفضاء البديل هو الفضاء الفلسفي الذي نشهد تصاعده‬ ‫اليوم وإن كان من الصعب قراءة هذا التصاعد وتحليله بناء‬ ‫عىل قواعد ومنطلقات جليلة؛ لكونه كما سبق أن أشرت لم‬

‫يزل يدور يف مجال فردي صرف‪ ،‬يظهر كممارسة وليس له‬ ‫منتج أو رصيد معريف ناضج حتى اللحظة»‪.‬‬

‫تقاليد للكتابة الفلسفية‬ ‫أكد الكاتب شايع الوقيان وجود إرهاصات مبشرة لقراءة الفلسفة يف السعودية وكتابة النص الفلسفي‪« ،‬وثمة‬

‫إقبال ملحوظ من شرائح القراء عىل الكتاب الفلسفي»‪ .‬ويقول‪« :‬بما أن الفلسفة غائبة تمامً ا من نظم التعليم‬ ‫لدينا فإن األفق الذي سمح للقراء السعوديني باقتحام حقل الفلسفة هو أفق اإلنرتنت‪ .‬فوسائل التواصل االجتماعي‬

‫واملدونات اإللكرتونية واملنتديات شهدت كثافة يف انهماك شريحة ال بأس بها من القراء عىل الفكر الفلسفي‪ .‬لكن هذا‬

‫االنهماك لن يتطور إىل مرحلة النضج ما لم ترتسخ تقاليد للكتابة الفلسفية‪ .‬وأهم عوامل ترسيخ تقاليد فكر فلسفي‬ ‫هو السماح للفلسفة يف التعليم العام والتعليم األكاديمي‪ .‬فال وجود لدينا ألقسام أو كليات تعنى بالبحث الفلسفي‬ ‫واملنطقي‪ .‬وهذا خلل كبري ال يليق ببلد مهم عىل املستوى اإلقليمي والدويل كبالدنا»‪.‬‬

‫ويرى الوقيان أن ولوج الفلسفة إىل الحقل األكاديمي «سينقل االهتمام الفلسفي من املستوى الشخيص والفردي‬

‫إىل املستوى املؤسيس والرتبوي‪ .‬إضافة إىل أن القراءة الحرة يف الكتب الفلسفية ال تفيض إىل «التخصص» العلمي‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫إقبال السعوديين على الفلسفة ‪ ..‬بح ًثا عن بديل للحداثة أم ضرورة لجيل جديد؟‬

‫ويرى العنزي أن إفالس مشروع الحداثة‬ ‫والتنوير الذي يُعرب عنه اليوم ‪-‬تجاو ًزا‪-‬‬

‫عيسى الغيث‪ :‬الموقف‬ ‫المتشنج من الفلسفة وعلم‬

‫باملـش ــروع الليب ــرايل‪ ،‬قــد يـ ــؤدي إل ــى ت ــزايد‬

‫اإلقبال عىل هذا االتجاه الفلسفي‪« ،‬بل ربما‬

‫الكالم والمنطق تاريخ ًّيا جاء‬

‫كان هو املحرض وامللهم األكرب لنقله من‬

‫بسبب جهل أو سوء فهم‬

‫هامش املشهد الثقايف إىل خطاب منافس ملا‬

‫‏بعض العلماء لهذه العلوم‬

‫يسمى بالخطاب التنويري يف تحقيق توازن‬ ‫من نوع ما عىل مستوى الخطاب الثقايف‬ ‫الوطني العام»‪.‬‬

‫جهل أو سوء فهم‬

‫من ناحية أخرى‪ ،‬يرى رئيس مركز الوسطية لألبحاث‬

‫والدراسات الشيخ عيىس الغيث أن ‏املوقف املتشنج من‬ ‫الفلسفة وعلم الكالم واملنطق تاريخيًّا جاء بسبب «جهل أو‬

‫سوء فهم‏بعض العلماء لهذه العلوم اإلنسانية التي لو تأملنا‬ ‫القرآن الكريم والسنة املطهرة لوجدناهما‏يدعوان إليها؛ كاألمر‬ ‫الرباين بالتفكر والتأمل والتدبر والتعقل ونحوه‪ .‬وأما ‏املوقف‬

‫الحاد اليوم من كل جديد وتنفري الناس بهذا الغلو والتطرف‬

‫فبسبب الجهل بهذه ‏العلوم‪ ،‬وتعطيل العقول حتى أصبحت‬

‫جملة (عقالين) أو (تنويري) أو (تجديدي) محل تنابز ‏وتهكم‬

‫خالد العنزي‪ :‬تزايد االهتمام‬ ‫بالفلسفة في المشهد الثقافي‬ ‫السعودي‪ ،‬يعود إلى أسباب تتعلق‬ ‫بهذا التوق إلى محاولة سبر التجربة‬ ‫اإلنسانية بأدوات معرفية غير تقليدية‬

‫اإلنسانية‬ ‫عيسى الغيث‬

‫وتحقري لألسف الشديد‪ ،‬وال حل إال بالرجوع إىل تعاليم‬

‫اإلسالم الحقيقية الواردة يف ‏الكتاب والسنة التي دعت لعلم‬

‫الفلسفة والكالم واملنطق بما ال يخالف الدين‪ ،‬ويحقق املصلحة‬

‫‏العامة الدينية والدنيوية ويدرأ املفاسد عن البالد والعباد»‪.‬‬

‫‏ وللخالص من االلتباس بني الديني والفلسفي يشدد‬

‫الغيث عىل مسألة مهمة‪ :‬ال بد ‏من التفريق بني الفلسفة‬

‫وعلم الكالم واملنطق؛ فالفلسفة تهتم بمباحث كثرية منها‪:‬‬ ‫دراسة ‏الوجود‪ ،‬ودراسة املعرفة اإلنسانية‪ ،‬وكيف نحصل‬ ‫عليها‪ ،‬ودراسة القيم األخالقية‪ ،‬ودراسة ‏السياسة وغريها‪.‬‬

‫أما علم الكالم أو علم الجدل عند العرب فهو قرين الفلسفة‬

‫غالبًا‪ ،‬وقد انحرف‏عندهم عن مساره الشامل إىل الرتكيز عىل‬ ‫الجوانب العقدية‪ ،‬الف ًتا إىل أنه من هنا بدأ الخلل «ومن ثم‬

‫‏التحذير منه؛ إذ خرجت فرق متعددة متأثرة به؛ كالجهمية‪،‬‬ ‫واملعتزلة‪ ،‬واألشعرية ��غريهم‪ ،‬‏وأما علم املنطق فهو العلم‬ ‫الذي يبحث يف التفكري الصحيح‪ ،‬وكيف ننتقل بأحكامنا من‬

‫أشياء‏مجهولة تخفى علينا إىل أشياء أخرى معلومة (االنتقال‬ ‫من املجهول إىل املعلوم) مما يساعد ‏يف تنمية َ‬ ‫امللكة العقلية‬ ‫عىل التصور واإلبداع»‪.‬‬

‫الدقيق يف الفلسفة‪ .‬وكل ما نراه هو جهود فردية متنوعة تنتقل من فكر إىل فكر ومن‬

‫مذهب إىل مذهب من دون تأسيس حقيقي الشتغال فلسفي شامل وعميق‪ .‬بعبارة‬

‫أخرى‪ ،‬التخصص يف أي مجال علمي أو معريف سيؤدي بالضروري إىل نشوء «تقاليد‬ ‫علمية» وإىل بروز مجتمع معريف‪ .‬وهذا املجتمع املعريف هو أساس تطور أي علم‪ ،‬والعلم‬

‫ال يتطور بالجهود الفردية»‪.‬‬

‫ويرى الوقيان أن هناك ميلاً أكاديميًّا إىل العلوم التطبيقية‪ ،‬وإهمالاً للعلوم النظرية‪.‬‬

‫«حتى يف العلوم االجتماعية واإلنسانية عموما يلحظ اشتداد ذلك امليل التطبيقي‪ .‬وهذا‬ ‫أدى إىل انفصام الفكر العلمي األكاديمي عن الواقع املعيش‪ .‬ففي العلوم االجتماعية مثلاً‬

‫شايع الوقيان‬

‫نجد مصادرة عىل التعريفات النظرية التي قررها علماء االجتماع الغربيون‪ ،‬ومحاولة لتطبيق ذلك عىل واقعنا املغاير‪.‬‬ ‫وهذا خلل منهجي كبري؛ لذا فالحاجة إىل التنظري العلمي ملحة وضرورية‪ .‬والحديث عن التنظري العلمي واملنهجي‬ ‫يقودنا مباشرة إىل الفلسفة‪ .‬فكل املنظرين يف العلوم اإلنسانية هم فالسفة وقلما نجد منظ ًرا ال يعنى بالفلسفة»‪.‬‬

‫‪65‬‬


‫تقارير‬

‫أسئلة الذات والوجود‬

‫من جهة أخرى‪ ،‬أكد حسن ياغي مدير دار التنوير (إحدى‬

‫النوع من الكتابات لم يعد‬

‫الرئيسة) إقبال السعوديني عىل كتب الفلسفة بكثافة‪ ،‬ويرد هذا‬

‫أن يف هذا النوع من الكتب‬

‫دور النشر العربية التي تعد الفلسفة واحدة من اهتماماتها‬ ‫اإلقبال إىل أنه بقدر ما تصبح أسئلة الذات‪ ،‬والوجود والقيم‪،‬‬ ‫واألخالق واملايض والحاضر‪ ،‬أسئلة مطروحة يف حياة املجتمع‪،‬‬

‫«بقدر ما تصبح الفلسفة حاجة؛ ألنها ميدان هذه األسئلة»‪.‬‬ ‫ويقول‪ :‬إن هذه األسئلة التي تبدو بعيدة أو وهميّة «هي يف‬ ‫ّ‬ ‫واملتعلمات‬ ‫الحقيقة أسئلة ملحّ ة عىل جيل جديد من املتعلمني‬

‫الذين ما عادوا يتقبّلون فكرة العالقة مع اآلخر‪ ،‬وال العالقة بني‬ ‫الجنسني‪ ،‬وال العالقة بالسلطة (زمنية ودينية)‪ ،‬وال العالقة‬ ‫بالعالم‪ ،‬والعلم‪ ...‬كما كانت الحال لدى أهاليهم وأجدادهم‪.‬‬ ‫صحيح أنها أسئلة بسيطة‪ ،‬لكنها قويّة وملحّ ة إىل حد جعل‬

‫للفلسفة‪ ،‬وهي ميدان هذه األسئلة‪ ،‬حضورًا ينمو ويتزايد يف‬ ‫أوساطهم‪ .‬وهذا تعبري عن التطوّر الذي يحصل يف املجتمع‪.‬‬

‫فقبل سنوات عدة كانت كتب تطوير الذات هي الكتب األكرث‬ ‫رواجً ا لدى هذه الفئات‪ ،‬وبخاصة تلك الكتب التي تالمس قضايا‬

‫‪66‬‬

‫فلسفيّة أو دينيّة‪ ..‬لكن هذا‬

‫حسن ياغي‪ :‬الشبان والشابات‬ ‫السعوديون يحتاجون إلى معرفة‬ ‫تدلّهم على مواجهة القلق الذي‬ ‫يعيشونه نتيجة ألزمات المجتمع‬

‫يريض فئة من القراء أدركت‬

‫تكرارًا لألفكار نفسها‪ ،‬وأن‬ ‫مثل تلك القضايا تحتاج إىل‬

‫معرفة أعمق وقدرة أوسع‬ ‫ً‬ ‫عمقا يف النظر إىل‬ ‫وأكرث‬

‫األفكار التي تبني العالم»‪.‬‬

‫حسن ياغي‬

‫ويلفت حسن ياغي إىل أن الشبان والشابات «صاروا‬ ‫يحتاجون إىل معرفة ّ‬ ‫تدلهم عىل مواجهة القلق الذي يعيشونه‬

‫كنتيجة ألزمات املجتمع‪ .‬ويخطئ كثريًا من يظن أن يف هذا‬ ‫ً‬ ‫مروقا من املجتمع‪ .‬إنهم يبحثون عن الحلول التي من واجبهم‬ ‫البحث عنها‪ ،‬سواء عىل املستوى الفردي (وهذا مهم جدًّ ا)‪ ،‬أو‬

‫عىل املستوى األخالقي (وهذا له تأثري كبري وهم يرون الفارق بني‬ ‫الخارج والباطن)‪ .‬أو عىل مستوى القيم التي ّ‬ ‫تنظم حياة الناس‬ ‫ُ‬ ‫وتنظم عالقة الواحد (ة) منهم باآلخر»‪.‬‬

‫ويتطرق إىل أن بعض هؤالء أصبح «يفتش عن كلمة‬

‫فلسفة يف أي كتاب‪ ،‬كما لو أنها «موضة» وعليه أن يقتني‬

‫الكتاب وهو عاجز عن فهمه أو قراءته‪ .‬ولذلك ذهبنا باتجاه‬

‫تقديم كتب مبسطة بالفعل تساعد عىل تلمّ س بداية الطريق‬ ‫للتفكري الفلسفي‪ ،‬وهذا النوع من الكتب يلقى إقبالاً ممي ًزا‬ ‫يف السعودية»‪.‬‬

‫غياب المرأة عن الفلسفة‬ ‫تقول الكاتبة الدكتورة أمرية كشغري‪ :‬إن العالقة بني املرأة والكتابة الفكرية الفلسفية «يجب أن ينظر إليها من‬

‫زاويتني طبعتا تطور املجتمعات عىل مر العصور‪ ،‬أوالهما‪ :‬ظروف املجتمع وواقعه الثقايف الفكري‪ ،‬ثم موقع املرأة يف هذا‬

‫املجتمع بشكل عام وقدرتها عىل تجاوز القيود السوسيوثقافية املفروضة عليها‪ ،‬والخروج من دائرة االنشغال املعييش‬ ‫ً‬ ‫إنسانا»‪ .‬وتميض قائلة‪« :‬بداية ال بد أن نعرتف بأن‬ ‫اليومي بوصفها «أنثى» إىل أفق االنشغال الفكري الفلسفي بوصفها‬

‫الفلسفة عىل مر التاريخ ويف كل املجتمعات كانت تمثل مجالاً نخبويًّا‪ ،‬فاالنشغال الفلسفي كان يتطلب‪ ،‬إىل جانب‬

‫سعة املعرفة‪ ،‬وق ًتا كافيًا لالنشغال الفلسفي‪ ،‬لذا كان النصيب األوفر من حظ الرجل؛ إذ لم تحظ النساء بالتعليم أو‬ ‫الوقت الكايف للدخول يف مجال الحياة املعرفية الفكرية‪ ،‬ومع ذلك يمكن تعداد عدد من النساء الفالسفة (أو عىل أقل‬

‫تقدير مفكرات) يف الغرب مثل سيمون دي بوفوار‪ .‬أما مجتمعنا بشكل عام‪ ،‬فهو مجتمع غري صديق للتفكري النقدي‬ ‫وبناء املفاهيم‪ ،‬ولذلك فهو ال يؤسس لعملية بناء اإلنسان املفكر‪ .‬فالفلسفة إن لم تكن مجالاً محظورًا‪ ،‬كما تعودنا‪،‬‬ ‫فهي ضرب من الرتف والسفسطة عىل أحسن تقدير‪ ،‬املدارس ال تشجع عىل التفكري النقدي وال تبني املنهج العلمي يف‬ ‫الحكم عىل األشياء‪ ،‬كما أن وسائل اإلعالم لدينا ال تسهم يف تنمية االتجاهات النقدية الخلاّ قة لدى الفرد»‪.‬‬

‫وتلفت كشغري إىل أنه بناءً عىل تعريف الفلسفة بوصفها منظومة من األفكار واملفاهيم التي تفسر العالم وتقرتح‬

‫رؤية جديدة للعالقة بني اإلنسان والثقافة واملجتمع‪« ،‬يمكن القول بأنه ليس لدينا فالسفة من الرجال وال النساء»‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫إقبال السعوديين على الفلسفة ‪ ..‬بح ًثا عن بديل للحداثة أم ضرورة لجيل جديد؟‬

‫كتب محاصرة بالخوف‬

‫محرمة كعلم ومحظورة كاتجاه‪ ،‬ساهم‬

‫أما الكاتب والناشر عادل الحوشان (دار‬

‫بالطبع التصور الديني لها بنفيها وعدّ ها‬

‫حركة النشر املحلية «تدور يف إطار اآلداب‬

‫محاولة زحزحة هذا الثقل عىل مدى مئات‬

‫علمً ا منافيًا للعلوم الدينية‪ .‬ولنا أن نتخيّل‬

‫طوى)‪ ،‬فيقول‪ :‬إنه لسنوات طويلة ظلت‬

‫السنوات يف غضون عشر سنوات من عمر‬

‫وفروعها‪ ،‬وحبيسة مؤسسات رسمية‬

‫الحضارات املتقدمة»‪.‬‬

‫خاضعة للرقابة بشكل مباشر‪ ،‬لم تتطوّر‬ ‫حرية النشر املحلية إال يف العشر سنوات‬ ‫األخرية‪ ،‬وهو عمر متأخر كثريًا يف تطور‬

‫العلوم والكتاب تحديدً ا»‪.‬‬

‫عادل الحوشان‬

‫ويلحظ أن ما يسميه «الكتب املوضوعية»‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مكانا جديدً ا بعد سيادة الشكل‬ ‫«احتلت‬

‫األدبي سنوات طويلة»‪ .‬ويقول‪« :‬إن هناك‬

‫وفيما يخص الفلسفة وكتبها وأسئلتها يذكر أنها‬

‫ً‬ ‫أنواعا وأشكالاً أدبية شهدت حرب إزاحة‪ ،‬لكن «باملراوغة احتل‬

‫هي نفسها أسباب تأخر حركة النشر املحلية‪ ،‬يضاف‬

‫األخرية مع اتساع وسائل النشر والتواصل»‪ .‬ويلحظ عادل‬

‫ظلت «محاصرة بالخوف من طرحها؛ ألسباب تكاد تكون‬

‫إليها ما الحقها من تحريم ديني واجتماعي عىل مستوى‬

‫الجامعات‪ ،‬وعىل مستوى تظليل املفهوم العلمي لها»‪.‬‬ ‫ويشري إىل أنه لم تتوافر مصادر مهمة ألسس الفلسفة‬

‫غري الكتب املرتجمة «عىل الرغم من مرور أكرث ‪ 2500‬عام‬ ‫عىل أول إطالق للمعنى واملفهوم الفلسفي‪ ،‬وعدّ ت‬

‫األدب مكانه‪ ،‬وأتيح له املزيد من الفرص يف العشر سنوات‬ ‫الحوشان أن عناوين الفلسفة الكبرية «بدأت يف أخذ مكانها‬ ‫يف املعارض املحلية‪ .‬وامللحوظ ً‬ ‫أيضا أن القارئ أصبح يسأل‬ ‫ويجيب ويناقش ويسعى للحصول عىل كتاب الفلسفة‪ ،‬وكأنه‬

‫كان بانتظار الفرصة ليثبت نوعيته داخل املجتمع وينفي هذا‬ ‫الخوف غري املسوّغ طوال عقود»‪.‬‬

‫أميرة كشغري‪ :‬عزوف المرأة‬

‫عادل الحوشان‪ :‬القارئ أصبح يسأل‬

‫السعودية عن الفلسفة نتاج طبيعي‬

‫ويجيب ويناقش ويسعى للحصول‬

‫لظروف اجتماعية ثقافية تعيشها‬

‫على كتاب الفلسفة‪ ،‬وكأنه كان بانتظار‬

‫المرأة في مجتمعنا‬

‫المسوغ‬ ‫الفرصة لينفي هذا الخوف غير‬ ‫ّ‬

‫وتقول‪ :‬إن مسألة عزوف املرأة السعودية عن الفلسفة «نتاج طبيعي لظروف اجتماعية‬ ‫ثقافية تعيشها املرأة يف مجتمعنا‪ ،‬فاملرأة معطلة يف مجتمع يفرض وصايته عليها ويعدّ ها‬

‫ناقصة عقل‪ ،‬فكيف لناقصة عقل أن تفكر‪ ،‬وكيف لها أن تبدع يف مجال الفلسفة وهي‬ ‫محاطة بسياج من املمنوعات يتعامل معها عىل أساس أنها قاصرة!! إذن فموضوع‬

‫الفلسفة وعزوف املرأة عنها هو نتاج طبيعي لظروف اجتماعية ثقافية تعيشها املرأة‪ .‬وهذه‬ ‫الظروف تجعلنا ندرك أن موقع املرأة االجتماعي ومستواها الثقايف يعدّ مرآة تنعكس فيها‬

‫مواصفات هذا املجتمع وشروطه الحياتية»‪.‬‬

‫أميرة كشغري‬

‫وتذكر أن الدخول إىل عالم الفلسفة «يمثل املرتبة العليا يف هرم االحتياجات اإلنسانية؛ إذ تتعلق بطرح قضايا ال‬

‫يمكن أن يتعرض لها إال من انتهى من إشباع الحاجات األساسية‪ ،‬كما يقول عالم النفس ماسلو‪ .‬ومن الواضح أن املرأة‪،‬‬ ‫بشكل عام والسعودية بشكل خاص‪ ،‬ما زالت تصارع يف أسفل هرم الحاجات اإلنسانية األساسية‪ ،‬فكيف لها والحال‬ ‫ً‬ ‫ميدانا يأيت يف املرتبة العليا من مستويات الفكر؟ ما زالت املرأة تناضل من أجل كسب قضايا وحقوق‬ ‫كذلك أن تخوض‬

‫ً‬ ‫إنسانا كامل األهلية‪ ،‬يملك القدرة عىل اتخاذ قرارات حياته املصريية األساسية يف الزواج‬ ‫أساسية مثل حقها يف أن تكون‬ ‫والطالق وحضانة األطفال والعمل والحركة والسفر‪ .‬وليس لنا أن نتوقع منها أن تخوض مجال الكتابة الفلسفية وهي‬

‫لم تتجاوز األساسيات يف الحياة بعد»‪.‬‬

‫‪67‬‬


‫تقارير‬

‫جعلت من فيسبوك أكبر بلد على كوكب األرض‬

‫‪Big data‬‬

‫الحرب الباردةالخفية‬ ‫التي تحرك العالم‬ ‫محمود حامد الشريف‬ ‫كاتب مصري‬

‫‪68‬‬

‫ً‬ ‫وتحديدا في العقد الثاني من األلفية الثالثة‪ ،‬حر ًبا‬ ‫يشهد العالم في اآلونة األخيرة‪،‬‬ ‫ضروسا‪ ،‬لكنها حرب باردة‪ ،‬أو بلفظة أكثر دقة حرب خفية‪ ...‬المنتصر فيها‬ ‫اقتصادية‬ ‫ً‬

‫يستحق عن جدارة لقب «الجاسوس األعظم»‪ ،‬من ينتصر فيها سيعرف كل شيء عن أي‬

‫شيء عن الناس‪ :‬ماذا يأكلون؟ وما يدخرون في بيوتهم؟ ليس هذا فحسب‪ ،‬بل بال مبالغة‬ ‫سيعرف أي شيء تحسبه من أخص خصوصياتك؛ وتخجل من أن تصارح به زوجتك‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫هي حرب من أجل االستئثار بالبيانات املتاحة عىل الويب‪،‬‬

‫«‪ ،»Internet of things‬ومحركات البحث‪ ،‬وبرمجيات‬

‫والشركات التي يبحثون عنها‪ ،‬واألسهم‪ ،‬وطلبات التوظيف‪،‬‬

‫االجتماعي‪ ،‬والحبل عىل الجرار‪ .‬ومن خالل معالجة هذه‬

‫ومعرفة اهتمامات الجماهري‪ ،‬وأي املطاعم التي يذهبون إليها‪،‬‬

‫والوجهات السياحية‪ ،‬وتذاكر الطريان والفنادق‪ ،‬ثم تحليل‬

‫هذه البيانات‪ ،‬وفهم توجهات األفراد واألسواق من أجل التحكم‬ ‫يف األسواق والتوجهات‪ ،‬بل طرائق التفكري‪ ،‬وهي أكرب صناعة‬

‫قائمة اآلن‪ ،‬وهي التي جعلت من فيسبوك أكرب بلد عىل كوكب‬ ‫األرض‪ .‬هذا هو ما يعرف بـ« ‪ ،»Big data‬أي البيانات الكبرية‪،‬‬

‫وهي تشري إىل ذلك الكمّ الهائل من البيانات املتاحة‪ ،‬سواء‬ ‫كانت «مصادر متاحة للجمهور‪ -  ‬البيانات املتاحة عىل شبكات‬

‫التواصل االجتماعي – البيانات املتدفقة»‪ ،‬أو سواء كانت لدى‬ ‫شركة معينة تحتكر بيانات تخصها وتخص العاملني والعمالء‬

‫لديها؛ واألمر الحاسم هنا ليس يف امتالك البيانات‪ ،‬ولكن يف‬ ‫تحويل تلك البيانات إىل معلومات‪ ،‬واملعلومات إىل معرفة من‬ ‫أجل اتخاذ قرار مستنري‪ ،‬سواء كان هذا القرار يف مجال التجارة‬ ‫أو السياسة أو الحرب أو مباراة رياضية‪.‬‬

‫التجسس املعروفة باسم «‪ ،»cookies‬وشبكات التواصل‬ ‫البيانات يتم تحديد أنماط السلوك وردود الفعل والتنبؤ بها؛‬

‫وتصل درجة دقة النتائج إىل أكرث من ‪.%99‬‬

‫استحواذات «مايكروسوفت» عمالق الربمجيات‬

‫لعل إحدى املعارك الفاصلة يف أتون هذه الحرب كانت‬

‫منتصف شهر يونيو ‪2016‬م حني أعلنت شركة مايكروسوفت‪،‬‬ ‫وهي أكرب مصنع برمجيات يف العالم وشركة «لنكدإن»‪ ،‬وهي‬ ‫شبكة التواصل املهنية األشهر يف العالم عن استحواذ شركة‬

‫«مايكروسوفت» عىل شبكة «لنكدإن»‪ .‬بلغت قيمة الصفقة‬ ‫ما قدره ‪ 26‬مليارًا ومئتي مليون دوالر‪ .‬هذه الصفقة هي ثالث‬ ‫أكرب صفقة يف تاريخ العالم االقتصادي‪ .‬ليس هذا فحسب؛‬ ‫فإن «مايكروسوفت» تمتلك أكرب سحابة حاسوبية مهنية‬

‫«مكنز كبري لتخزين امللفات والبيانات واملعارف» و«شبكة‬

‫فقد نشرت إحدى القنوات الفضائية أن أملانيا طلبت من‬

‫لنكدإن» هي أكرب شبكة تضم أصحاب األعمال والباحثني عن‬

‫ملواجهة فريق إيطاليا يف يورو ‪2016‬م‪ ،‬وقدمت الشركة تطبيقني‬ ‫األول‪ »SAP Challenger Insights« :‬وهو يقدم تحليلاً‬

‫ويف عام ‪2012‬م اشرتت «مايكروسوفت» شبكة التواصل‬

‫«يامر» بمبلغ مليار ومئتي مليون دوالر‪ ،‬وهي شبكة تواصل‬

‫‪ »Insights Function‬وهو يقدم النصائح لحارس املرمى‬

‫وضمتها «مايكروسوفت» إىل حزمة تطبيقاتها املتاحة لتصبح‬

‫شركة «‪ ،»SAP‬وباستخدام تطبيقات «ال ِبغ داتا» توفري حلول‬

‫للطرق الهجومية والدفاعية للخصم؛ الثاين‪SAP Penalty« :‬‬ ‫واملدرب حول تسديدات الخصم؛ وفازت أملانيا باملباراة‪.‬‬

‫أدوات هذه الحرب هي السيطرة عىل مسارات تدفق هذه‬

‫البيانات من خالل السحابات الحاسوبية‪ ،‬وإنرتنت األشياء‬

‫وظائف‪.‬‬

‫ألصحاب املشاريع وللعاملني تحت سقف شركة واحدة‪،‬‬ ‫من جملة الخدمات املقدمة يف خدمة الربيد اإللكرتوين‬ ‫«آوتلوك»‪ .‬وقبل ذلك يف عام ‪2011‬م كانت «مايكروسوفت» قد‬

‫استحوذت عىل «سكايب» بمبلغ قدره ثمانية مليارات ونصف‬

‫‪69‬‬


‫تقارير‬

‫املليار دوالر؛ وللعلم فإن معظم املقابالت املهنية الدولية‬

‫والخاصة باملنظمات الدولية تتم من خالل «سكايب»‪.‬‬ ‫سيادة الدولة القومية‬

‫وقد نشرت الصحافة الفرنسية خالل شهر يوليو ‪2016‬م خربًا‬

‫مفاده تحذير من الحكومة الفرنسية لشركة «مايكروسوفت»‬

‫لقيام األخرية بنقل بيانات املستخدمني لنسخة «ويندوز» ‪2010‬م‬ ‫بشكل غري شرعي خارج حدود فرنسا‪ .‬أما إيران فقد طلبت يف شهر‬

‫مايو املايض من شبكات التواصل أن تحتفظ بالبيانات عىل خوادم‬ ‫داخل حدود إيران؛ مع العلم أن إيران تحظر موقعي فيسبوك‬

‫وتويرت‪ ،‬مثلها يف ذلك مثل الصني؛ إال أن املواطنني يتمكنون من‬ ‫الوصول إليها من خالل برمجيات تعرف تحت اسم «‪»proxy‬؛‬ ‫وتتيح إيران فقط برامج املراسلة اآلنية مثل «واتس‪-‬آب»‪.‬‬

‫أجل االستئثار بالبيانات المتاحة على‬ ‫الويب‪ ،‬ومعرفة اهتمامات الجماهير‪،‬‬ ‫ثم تحليل هذه البيانات من أجل التحكم‬ ‫في التوجهات وطرائق التفكير‪ ،‬وهي‬ ‫أكبر صناعة قائمة اآلن‬ ‫مجال الربمجيات؛ إذ قامت باالستحواذ عىل شركة «‪،»EMC‬‬

‫وكانت قيمة الصفقة ‪ 67‬مليار دوالر؛ وحتى ال يقع القارئ‬ ‫فريسة للعبة األرقام ننظر ملا وراء هذه األرقام‪ ،‬وما مجاالت‬ ‫عمل تلك الشركات؟ كلمة السر ليست قيمة الصفقة‪ ،‬كلمة‬

‫إن هذه االستحواذات التي تجري عىل هذا النحو ليس‬

‫السر تكمن يف طبيعة نشاط شركة «‪ ،»EMC‬فالشركة تعمل يف‬

‫اإلنرتنت» إن جاز لنا نحت هذا املصطلح؛ لكن هي باألساس‬

‫ومعالجتها‪ .‬والحوسبة السحابية هي ببساطة مصطلح يشري‬

‫الهدف منها فقط هو تعظيم حصة الشركات يف «اقتصادات‬

‫تهدف للسيطرة عىل هذه الصناعة لتحقيق الهدف األسمى‬ ‫املتمثل يف الوصول إىل أكرب قدر من البيانات املتاحة يف الفضاء‬

‫اإللكرتوين‪ .‬هي حرب تجسس اقتصادي باألساس‪ ،‬الهدف منها‬

‫‪70‬‬

‫ضروسا من‬ ‫حربا‬ ‫يشهد العالم حال ًّيا ً‬ ‫ً‬

‫السيطرة عىل أسواق العالم‪ ،‬وربما القضاء عىل فكرة السيادة‬

‫للدول القومية‪.‬‬

‫هوس البوكيمون‬

‫ولعل ظهور لعبة «بوكيمون» قد أثار املخاوف بشأن‬

‫عمليات التجسس‪ ،‬لكن ما ال يعلمه الكثريون أن الصالحيات‬ ‫املمنوحة لربنامج مثل «‪ »True-caller‬أو فيسبوك تفوق‬

‫بمراحل ما تحظى به لعبة «بوكيمون»‪ .‬فهي ال تستهدف‬

‫التجسس من خالل استخدامك لكامريا املوبايل كما زعم بعض‬ ‫الكتاب؛ تستهدف اللعبة الوصول للبيانات املتاحة عىل جهاز‬ ‫املوبايل باألساس‪ ،‬وبقاء املستخدم داخل تطبيق اللعبة‪ ،‬وأن‬ ‫يكون متصلاً شبكيًّا‪ ،‬وبهذا تستطيع أن تزيح «فيسبوك» من‬

‫مجال الحوسبة السحابية‪ ،‬وأمن املعلومات‪ ،‬وتخزين البيانات‬ ‫إىل الوصول اللحظي واآلين للمعلومات والبيانات يف أماكن‬

‫مختلفة من العالم من خالل الخوادم والشبكات واإلنرتنت‪.‬‬

‫تشهد هذه الحرب كل يوم واقعة استحواذ جديدة‪،‬‬

‫فوقت االنتهاء من تدوين هذا التحقيق أواخر شهر يوليو‬

‫الجاري استحوذت شركة «فريزون» عىل شركة «ياهو»‪،‬‬ ‫وتمتلك األخرية شبكتي «فليكر» و«تمبلر»‪ ،‬وبلغت قيمة‬

‫الصفقة خمسة مليارات دوالر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫نموذجا‬ ‫أوبر‬

‫ولتقريب فكرة املزاوجة بني «البغ داتا» والحوسبة‬

‫السحابية؛ لعلك تعاملت وإن لم تتعامل فحتمً ا سوف‬

‫تتعامل مع شركة «أوبر»‪ ،‬أو أي من الشركات التي قامت‬

‫بتقليد نشاطها؛ فشركة «أوبر» هذه ليست كما تعتقد مجرد‬ ‫شركة تعمل يف مجال النقل‪ ،‬بل هي شركة تعمل يف مجال‬

‫الحوسبة السحابية! فنشاط الشركة يقوم عىل فكرة عبقرية‬

‫تربعه عىل عرش اإلعالنات‪ .‬إن اللعبة يف جوهرها نتاج حملة‬

‫مفادها تقديم بيانات الوقت الحقيقي‪ ،‬بمعنى أن سائقي‬

‫شركة «سفن بارك داتا»‪ ،‬فإن معدل استخدام اللعبة فاق‬

‫بتحركاتهم وأماكن وجودهم؛ كما يتم تسجيل بياناتك أنت‬

‫دعائية‪ ،‬وحرب تكسري عظام بني عمالقة اإلنرتنت‪ ،‬فبحسب‬ ‫معدل بقاء املستخدم داخل شبكة «فيسبوك» و«يوتيوب»‪.‬‬

‫هي رغبة يف االستحواذ عىل الجمهور وبيانات الجمهور للفوز‬

‫بأكرب نصيب من كعكة اإلعالنات‪.‬‬ ‫أكرب صفقة استحواذ‬

‫كانت الصفقة يف أواخر عام ‪2015‬م لصالح شركة دل «‪»Dell‬‬ ‫وهي من أكرب مصنعي الحواسب يف العالم‪ ،‬وتعمل ً‬ ‫أيضا يف‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫التاكيس املسجلني يف تطبيق «أوبر» يسجلون البيانات الخاصة‬ ‫كطالب للخدمة‪ ،‬ومن خالل السحابة يتم الربط بني طلبك‬

‫وأقرب سائق مسجل يف خدمة «أوبر» يعمل يف نطاقك‬

‫الجغرايف‪ ،‬بحيث يصل إليك يف أقرب وقت ممكن‪.‬‬

‫وشركة «أوبر» مسجلة من بني أكرث مئة شركة يف العالم‬

‫جذبًا للموظفني وذلك بحسب قوائم «لنكدإن»؛ وتنتشر‬ ‫الشركة يف ‪ 444‬مدينة حول العالم؛ ومقرها يف كاليفورنيا‬ ‫عىل الساحل الغربي األمرييك‪ .‬وقد انتشر نشاط الشركة حول‬


‫جعلت من فيسبوك أكبر بلد على كوكب األرض «‪ ... »Big data‬الحرب الباردة الخفية التي تحرك العالم‬

‫محمد بن سلمان في لقاء مع مارك زوكربيرغ في الواليات المتحدة يونيو ‪2016‬م‬

‫العالم‪ ،‬وقامت شركات كثرية داخل أمريكا وخارجها بتقليد‬

‫ويل العهد السعودي األمري محمد بن سلمان شهر يونيو ‪2016‬م‬

‫إن املستقبل ملن يتحكم يف صناعة «البغ داتا»‪ ،‬ولعل‬

‫العاملة يف وادي السيليكون‪ ،‬وأشارت الصحافة السعودية‬

‫القادمة‪ ،‬هي تلك املتعلقة بمجال هندسة البيانات‪ ،‬والتنقيب‬

‫يف حال انتهاء عصر النفط‪ ،‬أو تهاوي أسعاره بشكل يقارب‬

‫النشاط حتى ظهر مصطلح أبرنة «‪.» uberization‬‬

‫املهارات األكرث طلبًا‪ ،‬والتي تطلبها جهات التوظيف يف املرحلة‬ ‫عنها‪ ،‬وتحويل هذه البيانات إىل معلومات ذات داللة معينة‪،‬‬ ‫والخروج بما يعرف بقرار مستنري «‪well-informed‬‬

‫‪.»decision‬‬

‫ولعل هذا هو السبب الذي جعل أكرب اقتصاد نفطي‬

‫«السعودية» يسعى لالستثمار يف هذا القطاع‪ ،‬وكانت زيارة ويل‬

‫ترجمة عملية لهذا؛ إذ التقى الرؤساء التنفيذيني للشركات‬

‫صراحة إىل استثمار اململكة يف البيانات الكبرية «بغ داتا» كبديل‬

‫كلفة اإلنتاج‪.‬‬

‫تكتمل الدائرة بما يعرف بإنرتنت األشياء « ‪Internet‬‬

‫‪ ،»of things‬وهو التواصل الشبيك بني األجهزة واملعدات‪،‬‬ ‫مثلاً تتصل ثالجة املنزل إنرتنتيًّا بالسوق التجاري‪ ،‬وتطلب‬

‫أوتوماتيكيًّا بصورة آلية حليبًا‪ ،‬ودجاجة مجمدة‪ ،‬وعلبة آيس‬

‫كريم؛ وذلك بناء عىل بيانات سبق إدخالها يف نظام الثالجة يف‬ ‫حال عدم وجود أصناف معينة بداخلها‪ ،‬وكل ذلك من خالل‬

‫توجه السعودية لالستثمار في‬

‫أجهزة استشعار‪ ...‬ولعل هذا يفسر استحواذ شركة غوغل عىل‬

‫شركة نستله؛ لكن ما هو أعقد من ذلك أن يفهم الجهاز أو‬

‫البيانات الكبيرة «بغ داتا» كبديل‬

‫الجماد احتياجاتك حتى أنك قبل أن تنقر كلمة معينة للبحث‬

‫تهاوي أسعاره بشكل يقارب كلفة‬

‫وذلك من خالل تحليل أنماط السلوك‪.‬‬

‫في حال انتهاء عصر النفط‪ ،‬أو‬ ‫اإلنتاج‬

‫عنها عىل محرك البحث يأتيك الجهاز باملعلومات قبل طلبها‪،‬‬ ‫الخالصة هي‪ :‬تحليل أنماط السلوك للتنبؤ بالفعل ورد‬

‫الفعل من أجل السيطرة والتوجيه‪.‬‬

‫‪71‬‬


‫تقارير‬

‫في زمن القذافي وما بعده‪..‬‬

‫المثقف الليبي‬ ‫يواجه العنف ال��ليق‬

‫‪72‬‬

‫كنت أؤكد‪ ،‬كلما سنحت المناسبة‪ ،‬أنني أرى أن‬ ‫الحركة الثقافية الليبية الحديثة‪ ،‬تتميز بكونها‪،‬‬ ‫مقاومة‪ .‬فهي تتقدم‬ ‫إجمالاً ‪ ،‬حركة ثقافية‬ ‫ِ‬ ‫وتتطور بمشقة‪ ،‬تشتد أو تخفت‪ ،‬بين حقبة‬ ‫وأخرى‪ ،‬لكنها لم تنعدم في أي حقبة‪ .‬إنها‪ ،‬في‬ ‫المحصلة‪ ،‬تتقدم رغمً ا عن الظروف المعاكسة‪،‬‬ ‫وليس بسببها‪.‬‬ ‫تاريخيًّا‪ ،‬من المعروف أن ليبيا ظلت من أمالك‬ ‫الدولة العثمانية حتى نهاية العشرية األولى من‬ ‫القرن العشرين‪ .‬ومع صدور الدستور العثماني‪،‬‬ ‫الذي عرف باسم «المشروطية»‪ ،‬سنة ‪1908‬م‪،‬‬ ‫الذي سمح بالصحافة الخاصة في الواليات‬ ‫التابعة للدولة العثمانية‪ ،‬ومنها ليبيا‪ ،‬أو ما كان‬ ‫يعرف بإيالة طرابلس‪ ،‬بدأت تظهر تلمسات األدب‬ ‫الحديث لدى بعض الكتاب والمثقفين الليبيين‪.‬‬ ‫«دكتور أحمد إبراهيم الفقيه‪ ،‬بدايات القصة‬ ‫الليبية القصيرة‪ ،‬المنشأة العامة للنشر والتوزيع‬ ‫واإلعالن‪ .‬طرابلس‪1985 ،‬م‪ ،‬ص ‪.»8‬‬

‫عمر أبو القاسم الككلي‬ ‫كاتب ليبي يقيم في مصر‬

‫لكن هذا الوضع لم يستمر سوى برهة وجيزة‪ ،‬إذ سرعان ما‬

‫وقعت البالد تحت االستعمار اإليطايل االستيطاين مع نهايات سنة‬ ‫‪1911‬م‪ ،‬فأُوقِف‪ ،‬بذلك‪ ،‬مسار التطور الثقايف يف ليبيا‪ ،‬بحيث لم‬

‫تنشأ تحت نري االحتالل اإليطايل ما تمكن تسميته بحركة ثقافية‪ ،‬ال‬ ‫بالعربية وال حتى باإليطالية‪ ،‬ذلك أن هذا االستعمار كان استعمارًا‬ ‫استيطانيًّا لم يكن يهدف إىل استعمار البالد وطلينة الليبيني «عىل‬

‫خالف االستعمار الفرنيس يف الجزائر الذي كان يهدف إىل فرنسة‬ ‫الجزائريني» إنما كان يبتغي إفراغ البالد من سكانها‪ ،‬وإحالل‬

‫اإليطاليني بدلهم؛ ألنه «عىل العكس من وضع االستعمار الفرنيس‬ ‫يف الجزائر» كان لديه فائض يف اليد العاملة‪ .‬كما أن سيطرة الفاشية‬ ‫عىل إيطاليا سنة ‪1922‬م كانت نكبة للثقافة يف إيطاليا ذاتها‪ .‬إضافة إىل‬ ‫أنه لم تتح لهذا االستعمار فرص االستقرار بسبب قصر مدة بقائه‬

‫يف البالد «حوايل ثالثني سنة»‪ ،‬وبسبب املقاومة الباسلة التي أبداها‬

‫الليبيون طوال عشرين سنة‪ ،‬وحدوث الحربني العامليتني املعروفتني‪.‬‬

‫كان ال بد من انتظار جالء االستعمار اإليطايل عن ليبيا بداية‬

‫أربعينيات القرن املايض‪ ،‬ووقوع البالد تحت اإلدارة الربيطانية‪ ،‬وهو‬ ‫الظرف الذي أتاح عودة كثري من املثقفني الليبيني املهاجرين‪ ،‬وتحرر‬ ‫من بقي من املثقفني يف أرض الوطن‪ ،‬وظهور الصحف الوطنية‪،‬‬

‫حتى تبدأ الحركة الثقافية الليبية يف االنتعاش واالنطالق من جديد‪.‬‬ ‫استمر هذا الحراك‪ ،‬بقدر معقول من الحرية‪ ،‬بعد نشوء‬ ‫دولة االستقالل امللكية سنة ‪1952‬م إىل وقوع االنقالب‬ ‫العسكري الذي قاده معمر القذايف‪ ،‬واستيالء‬ ‫العسكر عىل السلطة‪ ،‬ثم تجمع مقاليد هذه‬ ‫السلطة كافة يف يد معمر القذايف الذي‬ ‫أسفر «ولم يكن يف هذا الجانب‬ ‫متمي ًزا عن زمالئه يف مجلس‬

‫قيادة الثورة» عن عداء‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫وحقد ضد الثقافة واملثقفني‪ .‬فضيق عىل الحركة الثقافية‪،‬‬ ‫وجعلها تسري عىل ساق واحدة‪ ،‬وتتنفس بصعوبة‪ ،‬وطارد الكتاب‬

‫واملثقفني وسجنهم‪ ،‬لكن الحركة الثقافية الليبية حافظت‪ ،‬عىل‬ ‫رغم كل يشء‪ ،‬عىل قدر من النشاط‪ ،‬ولم تخمد خمودًا كاملاً ‪.‬‬ ‫انعتاق املثقفني من القمع‬

‫بمجرد سقوط «أو إسقاط» نظام معمر القذايف مع نهايات‬

‫سنة ‪2011‬م تفجر أمل جياش بأن عهدً ا من الحريات العامة‪ ،‬ويف‬

‫أساسها طبعً ا حرية التعبري‪ ،‬والديمقراطية يطرق اآلن الباب‪،‬‬

‫معمر القذافي‬

‫أحمد إبراهيم الفقيه‬

‫املثقفون ينقسمون عىل أنفسهم‬

‫بإلحاح‪ ،‬وأن أوان ازدهار الثقافة‪ ،‬وانعتاق املثقفني من املحاصرة‬

‫صحيح أنه‪ ،‬باستثناء بعض ممن كان لهم نشاط بارز يف‬

‫مجاالت أخرى‪ ،‬بعضها لم يسمح بنشره إبان عهد معمر القذايف‪.‬‬

‫النطاق ضد الكتاب واملثقفني‪ ،‬عىل غرار الحملة التي شنت عىل‬

‫والقمع أصبح عىل راحة اليد‪ ،‬فصدرت كتب عدة يف األدب ويف‬ ‫ظهرت كتب تتناول مجاالت لم تكن مطروقة يف الكتابة‬

‫الليبية من قبل‪ .‬توزعت هذه املجاالت بني ما تمكن تسميته «رواية‬

‫املنفى» التي تتخذ من وضع طالبي اللجوء السيايس يف أوربا‪،‬‬ ‫وحياتهم يف معسكرات اللجوء مدار سردها‪ ،‬والحديث عن نظام‬

‫القذايف الطغياين‪ ،‬أو تسجيل يوميات ثورة ‪ 17‬فرباير‪ ،‬أو تناول‬

‫تجربة بعضهم يف السجن‪ ،‬سواء إبان حكم القذايف‪ ،‬أم خالل‬ ‫أحداث الثورة‪ ،‬وصدرت الصحف‪ ،‬وانعقدت الندوات‪ ،‬ونشط‬

‫الكتاب واملثقفون‪.‬‬

‫املجال الحقوقي العام‪ ،‬لم تشن حمالت اغتيال وخطف واسعة‬

‫العسكريني املحرتفني يف الجيش الليبي واإلعالميني‪ ،‬لكن يف هذا‬

‫املناخ اختنق املثقفون والكتاب وانقسموا عىل أنفسهم‪ ،‬فمنهم‬ ‫من تمرتس‪ ،‬عل ًنا أو ضم ًنا‪ ،‬وراء متاريس جهته أو مدينته أو‬ ‫قبيلته أو إثنيته‪ ،‬ومنهم من تمسك برؤيته الوطنية العامة‪،‬‬

‫وحاول املحافظة عىل رؤية متوازنة موضوعية‪ ،‬ومشكلة هؤالء‬

‫أنه ليس ثمة من يحميهم؛ ألنهم ليسوا محل رضا األطراف‬ ‫املتخاصمة واملتنازعة قاطبة‪ ،‬فغادر البالد منهم من استطاع إىل‬ ‫مغادرتها سبيلاً ‪.‬‬

‫يف نظام معمر القذايف الشمويل كان ثمة نظام سيايس‬

‫لكن تبني أن الحال كانت مماثلة ملحتوى حكاية جحا حني‬ ‫مأل جرة طي ًنا مغطى بطبقة رقيقة من العسل‪ ،‬وأخذها لبيعها‬

‫ودولة‪ ،‬وكان النظام‪ ،‬عرب أجهزته األمنية‪ ،‬يحتكر العنف‪ .‬كنا‬

‫الله!» «بالدارجة الليبية‪ .‬واملعنى‪ :‬بعد عمق أصبعني تصل‬

‫نحاول أن نفعل ما يريض ضمائرنا محاذرين تجاوز «الخطوط‬

‫يف السوق مناديًا عليها «صبعني والحق الطني! يا عامي عماك‬

‫الطني‪ .‬أيها األعمى [الغبي] لقد أعماك الله»‪ ،‬إذ سرعان ما‬ ‫ً‬ ‫جارفا‪ ،‬وأن ما كان يطرق الباب هو‬ ‫اتضح أن األمر كان وهمً ا‬ ‫استبداد جديد أشد من األول وأبشع‪ ،‬وأن ما كانت تالمسه‬

‫أيادي الجميع‪ ،‬ويف الطليعة منهم املثقفون‪ ،‬قيود أعتى وأوجع‪.‬‬ ‫لقد بدا األمر كما لو أنه كان خدعة مدبرة‪ ،‬وكمي ًنا منصوبًا‬

‫بمهارة وحنكة وقع فيه الشعب الليبي بسهولة كاملة‪.‬‬

‫فسريعً ا ما انطلقت الجماعات الدينية التكفريية من‬

‫قمقمها أو عقالها «باألحرى خرجت من كهوفها»‪ ،‬وشرعت يف‬

‫شن حربها التكفريية التي ال تجيد عداها‪ .‬بعض هذه الجماعات‬

‫لم تكن تنتهج أسلوب القتل‪ ،‬إنما تركته لغريها من الجماعات‬ ‫التكفريية املسلحة‪ .‬فكرثت حاالت اقتحام املكتبات‪ ،‬وترويع‬

‫أصحابها‪ ،‬ومصادرة بعض الكتب بتعليالت مختلفة‪ .‬كما‬ ‫تقاسمت السيطرة عىل البالد وحياة املواطن اليومية جماعات‬ ‫مسلحة اختلط فيها الديني بالجهوي باملديني بالقبيل بالعرقي‬

‫باالرتزاقي‪ ،‬وصار مناخ الخوف سيدً ا‪ ،‬واالغتيال والخطف واملوت‬ ‫بالرصاص الطائش ً‬ ‫شأنا يوميًّا‪.‬‬

‫نعرف‪ ،‬تقريبًا‪ ،‬ما الذي يزعج النظام‪ ،‬وما الذي ال يزعجه‪ ،‬وكنا‬

‫الحمراء»‪ .‬اآلن‪ ،‬لم يعد ثمة دولة‪ ،‬باملعنى السيادي والوظيفي‪،‬‬ ‫وال يوجد نظام سيايس يحتكر العنف يمكن تحديد إطار عام‬

‫للتعامل معه‪ .‬إن ما يوجد حاليًّا جماعات «يك ال أقول عصابات»‬

‫تسيطر عىل البلد‪ ،‬ولكل منها رؤيتها الخاصة للمحلل واملحرم‪،‬‬ ‫وما يجوز وما ال يجوز‪.‬‬

‫مع ذلك‪ ،‬ما زال قلب الحركة الثقافية الليبية ينبض‪ ،‬وإن‬

‫بمشقة‪ .‬فما زال بعض املثقفني والكتاب يقيم الندوات‪ ،‬ويمارس‬

‫الكتابة يف الفضاء املتاح ووفق الهامش املتوافر‪ ،‬ومنهم من‬ ‫ً‬ ‫محافظا عىل الكتابة يف الشأن الليبي من بؤر الخطر حيث‬ ‫ظل‬

‫الغياب الكامل‪ ،‬الفعيل والصوري‪ ،‬للدولة وانعدام األمان‪ .‬وما‬

‫زال كثري من الشباب‪ ،‬ذكور وإناث‪ ،‬يشكلون نوادي للقراءة‪،‬‬ ‫ويتجادلون يف ما يقرؤون‪ ،‬ويقرتحون كتبًا للقراءة‪ ،‬ويقيمون‬ ‫معارض متواضعة للكتاب‪ ،‬إىل غري ذلك‪.‬‬

‫لكن املرحلة الحالية تعد أسوأ مرحلة تمر بها الحركة‬

‫الثقافية الليبية عرب تاريخها الحديث‪ .‬ونود أال تطول هذه‬

‫املرحلة أكرث‪.‬‬

‫‪73‬‬


‫دراسات‬

‫ُ‬ ‫شعرية المرأة الخليجية‬ ‫ُ‬ ‫وفحولة اللغة‬ ‫قراءة في المشهد والتج ّلي‬ ‫ور‬ ‫حبيب ُب ْ‬ ‫ـوه ُـر ْ‬ ‫أستاذ األدب والنقد الحديث‬ ‫المشارك في جامعة قطر‬

‫‪74‬‬

‫ارتبطت شعرية المرأة الخليجية المعاصرة بعنصري‬

‫الصدام والدهشة‪ ،‬كفعل انقالبي على أرض الواقع‬ ‫وموروث مكرَّس بسلطة ذكورية خرقت المتخيل الثقافي‬

‫واألدبي منذ القرن الثالث الهجري؛ حين كان النقد‬ ‫ذكور ًّيا والكتابة ذكورية واللغة ً‬ ‫أيضا‪ ،‬ولم ُيسند للمرأة‬ ‫حينها وإلى يومنا سوى المعنى والصورة اللتين تتسابق‬ ‫الذكورة إلى نسجهما وفق معايير جسدية وثيولوجية‬

‫ّ‬ ‫ومعدة من قبل‪ .‬من هنا ظهرت الكتابة الشعرية‬ ‫مفروضة‬ ‫في الخليج كفعل انقالبي؛ ألن «الشرط األساسي في‬

‫كل كتابة جديدة هو شرط انقالبي‪ ،‬وهو شرط ال يمكن‬

‫التساهل فيه أو المساومة عليه‪ ،‬وبغير هذا الشرط‬ ‫ً‬ ‫تأليفا لما سبق تأليفه‪ ،‬وشرحً ا لما‬ ‫االنقالبي تغدو الكتابة‬ ‫انتهى شرحه‪ ،‬ومعرفة بما سبق معرفته»‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫إن السبب الرئيس يف تحرر الكتابة النسوية يف منطقة‬

‫وعن الكتابة الثقافية «وتفردت الفحولة باللغة‪ ،‬فجاء الزمن‬ ‫مكتوبًا ومسجلاً بقلم املذكر واللفظ الفحل‪.)3(»...‬‬

‫يف إبرازه مختلف مظاهر الحياة الخليجية املعاصرة‪ ،‬سواء‬

‫من الشواعر الخليجيات يف فضاء املمارسة والكتابة اإلبداعية‪،‬‬ ‫فهناك أسماء برزت منذ عقود (الثمانينيات) وال تزال ُتفاعل‬

‫الخليج من سلطة الفحولة وتكريس املعنى‪ ،‬هو الرغبة‬

‫الجامحة يف تحقيق الذات ضمن فضاء ثقايف مميز‪ ،‬ساهمت‬ ‫كانت هذه املظاهر ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية‪ ،‬بل إن‬

‫الثيمة الفاعلة يف تقديري ذاتية؛ تحاول خاللها كل شاعرة‬ ‫أن تنتقل إىل مرحلة وأد الفحولة من خالل وأد لغتها‪،‬‬

‫ومتطلباتها الثقافية الراسخة عرب الزمن‪ ،‬والتخلص من أزلية‪:‬‬ ‫املرأة معنى والرجل لغة‪ .‬وعليه فقد «كتبت املرأة أخريًا ودخلت‬ ‫ّ‬ ‫وفكت شفرتها‪،‬‬ ‫إىل لغة اآلخر واقتحمتها‪ ،‬ورأت أسرارها‪،‬‬

‫فتكلمت املرأة عن مأساتها الحضارية‪ ،‬وأعلنت إدانتها للثقافة‬

‫والحضارة‪ ،‬وبينت أن هذه الحضارة املزعومة ليست تحض ًرا أو‬ ‫تطورًا فكريًّا؛ فالحضارة التي تقمع املرأة ليست حضارة‪.)1(»...‬���

‫إن فعل الكتابة الشعرية املعاصرة يف املجتمعات العربية‬

‫عمومً ا‪ ،‬واملجتمع الخليجي عىل وجه التخصيص‪ ،‬هي كتابة‬

‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وقت مقاربة تفصيالت هذا املقال‪ ،‬عددًا كبريًا‬ ‫جلت‬ ‫سَ‬

‫الكتابة والتشكيل وفق قناعات ذاتية ومتطلبات شكلية‬

‫ومعرفية نامية ومتغرية‪ .‬ويف املقابل كانت أسماء أخرى تيضء‬ ‫يف مرحلة ثم يخفت ضوؤها؛ وكأنها اعتزلت أو تنتظر لحظة‬ ‫التجيل من جديد‪ ،‬فظاهرة االعتزال يف األدب الخليجي النسوي‬ ‫ً‬ ‫سابقا من رواسب ثقافية‬ ‫ظاهرة حاضرة بقوة وبفعل ما ذكر‬ ‫وحموالت حضارية‪ .‬و مع هذا فإن الشاعرات االنقالبيات عىل‬

‫نظرية الفحولة ومنطق لغة الفحولة رفضن دومً ا مفهوم‬ ‫األنوثة كمعنى؛ وقد ساهم يف تسجيل حضورهن ضمن‬

‫املشهد األدبي الخليجي أسباب كثرية‪ ،‬ربما تكون الصحافة‬ ‫بعد انتشار التعليم يف صفوف البنات هي أبرز العوامل ّ‬ ‫املنشطة‬

‫تقف عند معادلة الذات واآلخر‪ ،‬واألنا واألنا اآلخر ضمن‬

‫لألدب النسوي يف الخليج‪ ،‬وتناولت األديبة اإلماراتية «ظبية‬

‫الشاعرة يف منطقة الخليج يتطلب كسر جدلية الصراع الثقايف‬

‫«إننا يف مرحلة تحول وانتقال ثقايف وحضاري وسيايس كبرية‪،‬‬

‫إطار إبستيمولوجي وسايكولوجي متداخلني؛ فتحقيق الذات‬ ‫الكامن يف املحموالت املرتاكمة منذ القرنني الثالث والرابع‬

‫الهجريني‪ ،‬وعىل مدّ األزمنة واألمكنة ال تستقيم العملية‬ ‫االنقالبية إال بإعالء الذات وتضخيم األنا األنثوية يف فضاء‬

‫كتابة نسوية مدعمة بنظرية وافدة عىل املنطقة؛ عدت من بني‬ ‫الروافد األساسية املؤثرة يف تفعيل الكتابة الشعرية النسوية‬

‫يف الخليج‪.‬‬

‫لقد تساءل الدكتور عبدالله الغذامي حني قارب اإلشكالية‬

‫قائلاً ‪ ...« :‬هل تستطيع املرأة أن تسجل من خالل إبداعها‬ ‫ً‬ ‫اختالفا أنثويًّا إيجابيًّا يضيف إىل اللغة والثقافة بعدً ا‬ ‫اللغوي‬

‫إنسانيًّا جديدً ا‪ ،‬ويجعل من التعبري اللغوي تعبريًا ذا جسد‬

‫خميس» أسباب التطور واالنتشار ألدب املرأة يف الخليج قائلة‪:‬‬ ‫إن التغريات الحادة يف املجتمعات الخليجية والتقدم املادي‬

‫السريع‪ ،‬وتحول املنطقة إىل بوتقة للعوملة عىل كل املستويات‪،‬‬ ‫ال بد أن يفرز ً‬ ‫طرقا جديدة للتعبري عن الذات بما يف ذلك التعبري‬ ‫األدبي والفني‪ ،‬وهي مرحلة سوف يرافقها الكثري من اإلنتاج‬ ‫اإلبداعي األدبي‪ . »...‬وعليه أضحى الشعر النسوي ظاهرة‬ ‫(‪)4‬‬

‫وملمحً ا ومتطلبًا اقتحاميًّا‪ ،‬ورافدً ا من روافد الشعرية العربية‬ ‫املعاصرة املدجّ جة بجدلية الهدم والتأسيس‪ :‬هدم ثنائية‬

‫الفحولة والذكورة‪ ،‬وتأسيس الثنائية النسوية واللغة بعيدً ا‬

‫من منطق‪ :‬الرجل لغة‪ ،‬واملرأة معنى‪.‬‬

‫ونظ ًرا للعدد الكبري من الشواعر املتميزات والحامالت للواء‬

‫التأسيس الشعري النسوي‪ ،‬ارتأيت أن أعرض نماذج منتقاة‬

‫طبيعي حينما يسري عىل قدمني اثنتني مؤنثة ومذكرة‪ ،‬ويجعل‬ ‫األنوثة معادلاً إبداعيًّا يوازي الفحولة وال يقل عنها وال يقبل‬

‫من التشكيل الشعري الحر والنرثي لكل من‪ :‬الشاعرة هدى‬

‫أنطلق من هذا التساؤل املعريف املهم ملقاربة بعض النماذج‬

‫والشاعرة سعاد الصباح «الكويت»‪،‬والشاعرة زكية مال الله‬

‫الكتابة‪ ،‬وإعادة إنتاج املختلف واملتشاكل يف الثقافة العربية من‬

‫تقدير أكاديمي وشخيص مضمونه أن القصيدة الحديثة حرة‬

‫بكون األنوثة فحولة ناقصة؟»(‪.)2‬‬

‫اإلبداعية الخليجية‪ ،‬عند شواعر أعتقد أنهن أدركن الغاية من‬ ‫خالل هدم نظرية الفحولة اللغوية‪ ،‬وتأسيس الذات األنثوية‬ ‫بعد غياب األنوثة التام عرب التاريخ؛ كونها غابت عن اللغة‬

‫سعدي «اإلمارات»‪ ،‬والشاعرة صالحة غابش «اإلمارات»‪،‬‬ ‫«قطر»‪ ،‬ولعل السبب يف هذا االنتقاء والتخصيص يرجع إىل‬

‫«شعر التفعيلة» كانت أو نرثية «قصيدة نرث» هي أفضل ثيمة‬ ‫عرض لثنائية الرفض والبناء الشعريني ‪.‬‬ ‫يمكنها أن َت ِ‬

‫‪75‬‬


‫دراسات‬

‫ُهدى َّ‬ ‫عدي‪..‬‬ ‫الس ِ‬ ‫ّ‬ ‫الحس القومي وإدراك تفصيالت الذات‬ ‫بني تفعيل‬

‫تعاملت هدى السعدي كشاعرة يف مختلف دواوينها‬

‫الشعرية مع التفصيالت اليومية للحياة العربية املعاصرة‬

‫بمختلف أبعادها القومية واالجتماعية‪ ،‬فكتبت عن الوطن‬ ‫وعن املقاومة يف العراق وفلسطني ومختلف البلدان العربية‪،‬‬

‫ظهر هذا جليًّا يف ديوانها األول «دموع البنفسج» حيث ترافقت‬

‫املعاين يف قصيدة هدى مع سيل جارف من الدفق الثوري‬

‫العربي الذي فرضته املقاومة الحرة والشريفة عىل خط مسار‬ ‫الكتابة عندها‪ .‬لقد جاء شعرها وهي بعيدة جغرافيًّا عن‬

‫مواقع الثوار ليعطي داللة فكرية وبنيوية عميقة‪ ،‬أساسها‬ ‫ذلك التأثري الشعري يف الوجدان القومي؛ حيث اخ َتصر الشعر‬ ‫العفوي املدرك يف أسطر قصائدها كل مساحات الزمن‪ ،‬لتعلن‬

‫وحدة الشعور القومي وما يستتبعه من تأثريات تجمع ماجدة‬ ‫اإلمارات إىل ماجدات فلسطني والعراق ولبنان‪.‬‬

‫حرصت هدى السعدي يف مختلف قصائدها عىل إحداث‬

‫الدهشة الشعرية يف املتلقي‪ ،‬بل سعت إىل تأكيد ذلك من‬

‫خالل مستويات خطاب تشدك مباشرة إىل الصرخة املنبعثة‬

‫‪76‬‬

‫من بني الكلمات‪ ،‬حينها تتعمَّ د الغوص يف جدران سجون‬ ‫الذات لتكتشف انتخاءات أمة عربية‪ ،‬تقول يف قصيدة «عبلة»‬

‫توايس املعتقالت العراقيات‪:‬‬

‫هذا دمي‪..‬‬ ‫َ‬ ‫قد جاءنا ناعي الكرام ِة نادبًا أقما َر بغدا َد السبية يف‬ ‫الهوادج َ‬ ‫مأتم‬ ‫عرس‪..‬‬ ‫ذات‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫يزدانُ‬ ‫مربقعً‬ ‫ا بنقابها لم تؤت كلة خدرها‬ ‫العفاف‬ ‫من كان‬ ‫من بابها‬

‫ُ‬ ‫ظهر‬ ‫رت فوق‬ ‫لكنها هُ تكت ‪-‬ويا للعار‪ -‬من حُ جّ ابها و‬ ‫يبيت عن ُ‬ ‫ِ‬ ‫حشي ٍة‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫عبس كلها ‪ ..‬شمّ اء فوق سرا ِة أدهمَ مُ لجم‬ ‫وتبيت عبلة دون‬ ‫ٍ‬

‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫أوا ُه يا مجدً ا ي ْ‬ ‫ويباع كل قرارتني‬ ‫املتاع‬ ‫ُضاع كأنـه سقط‬

‫بدرهم‬ ‫ٍ‬ ‫زفراته انبطحت توسد خدها التاريخ‬

‫شوق بات يزهر بالردى‬ ‫تقضم شوك‬ ‫ٍ‬ ‫متمجسا مته ِّودًا‬ ‫ً‬

‫الســدى‬ ‫ات ُّ‬ ‫متنعمً ا بسعري ج ّن ِ‬ ‫ً‬ ‫شرفا لنا ولغت به سود الكالب‪..‬‬ ‫أوا ُه يا‬

‫زمزم‬ ‫ومضمضت أفواهها من‬ ‫ٍ‬ ‫مالب‬ ‫ضاقت مرامي أرضنا عن عرضنا لم يبق فيها من‬ ‫ْ‬

‫الشارب املرتنم‬ ‫الذباب‪ ..‬بها يغني وحده هزجً ا كفعل‬ ‫فرتى‬ ‫ْ‬ ‫ِ‬ ‫وأنت تعطنيَ الورى درس الفدى‬ ‫الل ُه يا بنت العراق‬ ‫ِ‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫هدى السعدي‬

‫وتبس ِم‬ ‫بتألم‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫الل ْه إذ ت ِقفنيَ ما بني املدى تتهكمنيَ عىل الردى‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫أعراض سدى‬ ‫وتعلمني‬ ‫النخل أن زوابع األنواءِ‬

‫لن تركعي يف وجهها‪ ،‬لن ُتهزمي‪..‬‬ ‫(‪)5‬‬ ‫أو ُتعدِ مي الجنب الذي استشرى بنا أو ُتعدَ مي‬ ‫وتقف الشاعرة ً‬ ‫أيضا عند ظاهرة تفعيل الحزن وتثويره‬

‫ومساءلته ضمن جدلية أزلية تؤسس لثيمة شعرية تضاف‬ ‫ملختلف ثيمات الصورة يف الديوان‪ ،‬إنها تخاطب حزنها الذايت‬

‫والعربي والقومي معً ا‪ ،‬وتسائل ذاتها األنثوية وتبحث عن‬

‫االنعتاق من قيود املايض والراهن‪ ،‬تؤسس لفلسفة يف الكتابة‬

‫لها مسوغاتها ضمن إشارات الدهشة يف القصيدة الحرة‪ ،‬تقول‬

‫يف قصيدة «باختصار»‪:‬‬

‫وتدمدمُ األشواق يف روحي‬ ‫ُ‬ ‫يسابق عدوَها‬ ‫عد ُو األنني‬

‫فيغيب عن وعيي القرا ْر‬

‫ويصارع األفكا َر يف رأيس‬ ‫الطفل‬ ‫نشيجُ‬ ‫ِ‬ ‫٭٭٭‬

‫األشواق‬ ‫اخضرا ُر مالمح‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫الكحل‬ ‫و‬ ‫اء‬ ‫ن‬ ‫الح‬ ‫يف معزوفة‬ ‫ِ‬ ‫احمرا ُر مشارق األحالم‬ ‫من َخ َفر الوليد ِة‬ ‫َ‬ ‫جمرة الخدين‬ ‫وهي تنضحُ‬ ‫الضحوك‬ ‫بالدمع‬ ‫ِ‬


‫شعريةُ المرأة الخليجية وفحولةُ اللغة‪ ..‬قراءة في المشهد والتجلّي‬

‫تشمُّ أمشاج السعاد ِة‬

‫إذ تضم لصدرها همس القالد ِة‬ ‫ً‬ ‫ساهمة‬ ‫العرس‬ ‫يف ثياب‬ ‫ِ‬ ‫يناغيها السوا ْر‬

‫ُ‬ ‫وتجادل األقدا َر يف زمن الذكور ِة‬ ‫يف‬ ‫شهرزا ٌد َّ‬

‫تأبى أن يُهدهدَ ها لتغف َو يف سرير النوم‬ ‫(‪)6‬‬ ‫إلاّ ‪ ..‬شه َريــا ْر‬ ‫لم تستطع الشاعرة كإنسانة وأنثى أن توقف مستويات‬

‫البوح الذايت يف ديوانيها «دموع البنفسج» و«أبجدية البوح‬

‫الصاخب»؛ وعىل الرغم من استعارتها الشخوص التاريخية‬ ‫النسوية املتفردة مثل «عبلة» و«شهرزاد» وغريهما من الذاكرة‬

‫واع مع‬ ‫الشعرية والسردية العربية القديمة يف عملية تناص ٍ‬ ‫التاريخ‪ ،‬فإنها يف قصائد أخرى قررت التج ّرد من كل التماهيات‬

‫ال تتصل‬

‫كلمات س ْر‬ ‫إين وضعت لهاتفي‬ ‫ِ‬ ‫فاعلم إذن‬ ‫أن اتصالك لن يصلْ‬ ‫َ‬ ‫اللغة‬ ‫سأعامل‬

‫َ‬ ‫وبينك‬ ‫التي بيني‬ ‫بالضمري املنفصلْ‬ ‫٭٭٭‬

‫ال تتصل‬

‫رسبت من األجواء‬ ‫ُ‬ ‫مغنطة الهواءْ‬

‫فكيف يمكنك اللقاء‬

‫عىل أثري منحس ْر‬ ‫٭٭٭‬ ‫يا ضمّ ًة‬

‫املضمونية يف النص الشعري‪ ،‬واكتفت بتفعيل الذات الشاعرة‬

‫أمَّ ُ‬ ‫لت رفعَ اسمي بها‬

‫سعت إىل رفضها داخل التشكيل الشعري الحر‪ ،‬تقول يف‬

‫كن شاع ًرا‬

‫كأنثى رافضة ألحكام الذكورة ضمن سياقات اجتماعية طاملا‬

‫قصيدة «نجوى»‪:‬‬ ‫ْ‬ ‫تتصل‬ ‫ال‬

‫من قال إين أنتظ ْر‬

‫فإذا بها بعد التأمل حرف جَ ْر‬ ‫واجعل سواقي الخمر‬ ‫تجري تحت أبيات الغزلْ‬ ‫ً‬ ‫نجمة‬ ‫كن‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫مناط َ‬ ‫زحل‬ ‫ك يف‬ ‫واجعل‬

‫يومي ميلءٌ باألغاين والصو ْر‬

‫باملختصر‪:‬‬

‫فراغ‬ ‫تفتش عن ٍ‬ ‫املشحون ظِ ْل‬ ‫ما له يف عمرها‬ ‫ِ‬

‫فلن أكون سوى قمر‬

‫لحظات ساعايت‬

‫والوقت يف وقتي‬

‫كن ما تشاء‬

‫ونقرأ لها ً‬ ‫أيضا يف منت الديوان خطابًا سوداويًّا قاتمة صوره‪،‬‬

‫يفتش عن مدا ُه‬ ‫ُ‬ ‫الوقت الثمِ ْل‬ ‫وكيف يملك وعيَه‬

‫أسئلة وجودية كثرية ال تقدَّم لها إجابة ضمن حوارية النص‬

‫يا هذا‬ ‫َ‬ ‫فلست املنتظ ْر‬

‫أنقاض عوالم الظلمة واملأساة‪ .‬لقد استطاعت هدى الشاعرة‬ ‫األنثى أن تستعري يف قصيدتها ً‬ ‫نمطا تشكيليًّا شاع وازدهر عند‬

‫إن كنت تحسب أنك املهديُّ‬

‫٭٭٭‬

‫ارتبطت شعرية المرأة الخليجية المعاصرة‬ ‫بعنصري الصدام والدهشة‪ ،‬كفعل‬ ‫مكرس‬ ‫انقالبي على أرض الواقع وموروث‬ ‫َّ‬ ‫بسلطة ذكورية خرقت المتخيل الثقافي‬ ‫واألدبي منذ القرن الثالث الهجري‬

‫يربز ذلك يف قصيدة «أول النعت»‪ ،‬حيث تتشاكل أمام املتلقي‬ ‫املعتم‪ ،‬إنما تومئ وتشري وتؤسس إىل عالم سريايل جديد عىل‬

‫شعراء العصر الحديث يف فرنسا؛ أمثال‪« :‬رامبو» و«ماالرميه»‪،‬‬

‫و«لويس برتران» وغريهم‪ ،‬إنها تقود املتلقي بفحولة اللغة‬ ‫واملعنى نحو إدراك سوداوية املدينة العربية شأن «بودلري» وق َتما‬ ‫أدرك «سوداوية باريس» يف ديوانه الشعري الشهري‪ .‬تقول‪:‬‬ ‫غضب شديدْ‬ ‫ٌ‬

‫يجتاح شريان الوليدْ‬

‫يف عتمة الرحم املنوَّر بالظالمْ‬ ‫يف ذلك الكون‬

‫‪77‬‬


‫دراسات‬

‫َ‬ ‫املدبل ِج وَفق (إيزو) القدرة العليا‬

‫الشعر من فن نظم الشعر‪ ،‬والبحث عن إيقاع نرثي أنثوي‬

‫٭٭٭‬

‫عن السائد يف الشعرية الكالسيكية عند املرأة‪ .‬فضلت صالحة‬

‫قياسً ا‪ ..‬ال يقل و ال يزيدْ !‬

‫ذاك الجننيُ‬ ‫الغاضب اآلت‬ ‫ُ‬

‫اعتماد لغة النرث‪ ،‬وق ّررت أن تكتب بالنرث؛ ألنه بكل بساطة‬

‫َ‬ ‫لعال ٍم‬ ‫يك ال يجيء‬ ‫ال بد لألنفاس يف قانون ِه‬

‫يدرك مباشرة رفضها املستمر للقوالب الجاهزة واإليقاعات‬

‫يكوّر نفس ُه‬

‫يح ّررها من القوالب الجاهزة‪ ،‬وهذا ما جعل قارئ شعرها‬

‫الجاهزة؛ فمضت هاربة من الشعر إىل النرث‪ ،‬ومن الرتاكيب‬

‫من حمل دمغات الربيدْ !‬

‫البالغية والقيم الداللية املسطرة إىل مرونة الفكرة الشعرية‬

‫األم تزفر روحها‪..‬‬

‫قبولها بسهولة يف النظم التقليدي‪.‬‬

‫٭٭٭‬

‫والطفل يلعق نبضه‬ ‫ً‬ ‫متمسكا بقرار ِه‬

‫أن ال يزجّ بنفس ِه‬ ‫يف عالم الق َر ِف الجديدْ‬ ‫عينا ُه مغلقتانْ‬

‫تتجمع األطراف‬ ‫ً‬ ‫خوفا‬

‫والقوابل تستج ُّر ْه‬

‫والشقاء يلوح ش ُّر ْه‬

‫‪78‬‬

‫تستمد منه قصائدها نتائج شعرية جديدة ومختلفة تمامً ا‬

‫ُ‬ ‫الغبي‬ ‫والهينمات تموج بالفرح‬ ‫ّ‬ ‫تزف بشرى لألب املشغوف‬ ‫بالنبأ السعيدْ‬

‫والغيب يضحك ساخ ًرا‬

‫التي يخلقها النرث جراء إغنائه للشاعرية ببضع صيغ ال يمكن‬ ‫لقد أدرك هذه الثيمة الرؤيوية يف أشعار صالحة الناقد‬

‫ناصر أبو عون حني قال‪« :‬تدخل صالحة غابش إىل الذات‬ ‫ّ‬ ‫املنكسة حي ًنا والشامخة أحايني كثرية موصولة‬ ‫العربية‬

‫بمنجز إبداعي ينتمي إىل جيل الرواد يف قصيدة النرث اإلماراتية‬

‫وتجربة شعرية ث ّرة يؤرَّخ لها بديوانني سابقني‪ ،‬ويعدُّ (املرايا‬

‫ليست هي) أكرث تعبريًا عن رؤيتها الشعرية؛ حيث تنكشف‬

‫فيه عورة الروح‪ ،‬وتتوارى الذات خلف زجاج هش تتبدى عىل‬

‫سطحه الخارجي انكسارات العقل العربي‪ ،‬بينما املرايا كاذبة‬

‫تعكس تضخم الذات بينما هي تنطوي عىل خراب وخواء‬ ‫معريف ونفيس‪ .‬وربما يكون ديوانها األول «بانتظار الشمس»‬

‫يحمل حداثة التجربة وإن كان ييش بمحاولة جادة للبحث عن‬

‫موطئ قدم للشاعرة عىل طريق الذائقة الشعرية العربية‪ .‬ويف‬ ‫ديوانها الجديد تحاول أن تفتح كوة تتسع شي ًئا فشي ًئا يف جدار‬

‫إذ ما هنا بيت القصيد !‬

‫التقاليد وخيمة األعراف‪ ،‬تحاول أن تخلق لها وجودًا وتحقق‬ ‫بالنص الشعري حياة باذخة باألسرار وزاخمة بالزمن ال ُتصلح‬

‫صالحة غابش‪..‬‬ ‫ُر ؤيا الرفض َ‬ ‫َ‬ ‫وفرادة التشكيل‬

‫الداخل‪ ،‬وشموخه يف الوقت ذاته»(‪ .)8‬‬

‫‪...‬‬

‫(‪)7‬‬

‫ما أفسده الدهر‪ ،‬ولكنها تكتب عطب الروح وعلوها وكسور‬ ‫يف ديوانها «بمن تلوذين يا بثني» كتبت صالحة من منطلق‬

‫استطاعت صالحة غابش منذ منتصف الثمانينيات تحقيق‬

‫القصيدة كوحدة موضوعية متكاملة‪ ،‬شأنها يف ذلك شأن‬

‫عىل وجه التخصيص‪ ،‬بدأت مسارها الشعري بمقارعة عمود‬

‫ضمن فضاء املتخيل املدعم بلغة القناع‪ ،‬ولعل الهدف من هذا‬

‫الحلم الذي تفجر يف شريان األدب الخليجي عمومً ا واإلمارايت‬ ‫الشعر فكتبت القصيدة العمودية التي أرهقتها متطلباتها‪ ،‬ولم‬ ‫تستطع التخلص من قيودها وهي املرأة التي انتهجت التمرد‬ ‫عىل واقع ذكوري ملزم يف مختلف حيثيات الكتابة إال بعد ولوج‬

‫عوالم الرؤيا والتشكيل من خالل كتابة قصيدة النرث‪ ،‬حيث‬ ‫ً‬ ‫اختالفا جوهريًّا من حيث التحديثات املضمونية‬ ‫لحظ القارئ‬

‫والبنائية الوافدة عىل أنموذج النص القصيدة عند غابش‪.‬‬

‫تولدُ القصيدة عندها من رغبة أنثوية جامحة يف التح ّرر‬

‫شعراء ورواد قصيدة النرث‪ ،‬ففضلت أن تقوم بتأطري الرؤيا‬ ‫هو خلق نوع من الدهشة الشعرية غري املألوفة عند املتلقي‬

‫الخليجي الذي تعوّد لغة الوصف واجرتار املعاين الجاهزة‪،‬‬

‫ضمن السياق االجتماعي من جهة‪ ،‬وفحولة لغة الذكورة من‬ ‫جهة أخرى‪.‬‬

‫يقودنا عنوان الديوان إىل استحضار الوجع األنثوي عرب‬

‫التاريخ من خالل قصة «بثينة بنت املعتمد بن عباد؛ وهي‬

‫واالنعتاق‪ ،‬ومن تمر ٍد عىل التقاليد الشعرية والعروضية‪،‬‬

‫األمرية التي شهدت مباهج الحياة‪ ،‬لها‪ ‬شعر كثري‪ ‬لم يبق‬ ‫منه إال قليل‪ ،‬إذ عندما حلت النكبة بأبيها‪ ‬امللك املعتمد‪ ‬وأُسر‬

‫وبخاصة «املرايا ليست هي» و«بمن تلوذين يا بثني» هو إبعاد‬

‫من نساء القصر‪ ،‬فاشرتاها أحد تجار إشبيلية يف األندلس‬

‫وعىل تقاليد اللغة ذاتها‪ ،‬وكان هدفها يف دواوينها األربعة‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫وتعرض قصره للسلب والنهب‪ ،‬كانت بثينة يف جملة من سبي‬


‫شعريةُ المرأة الخليجية وفحولةُ اللغة‪ ..‬قراءة في المشهد والتجلّي‬

‫وأهداها إىل ابنه وهو ال يعلم من أمرها شي ًئا‪ ،‬فلما أراد االبن‬ ‫الدخول بها امتنعت وأظهرت له نسبها‪ ،‬وقالت‪ :‬ال أحل لك‬

‫إال بعقد يوافق عليه أبي‪ ،‬وأشارت عليه بتوجيه كتاب إىل أبيها‬

‫الذي كان أمر أسرها أسوأ عليه من زوال امللك لتعلقه الشديد‬ ‫بها‪ .‬فكتبت خطابًا إليه َ‬ ‫ضمَّ نت فيه قصتها كاملة‪ ،‬وجعلت‬

‫منه قصيدة موشاة بحكمة الشيوخ وهي يف عمر الزهور‪ ،‬ومن‬ ‫شعرها قولها ملا كانت هي وأبوها يف األسر‪:‬‬ ‫اسمع كالمي واستمع ملقالتي‬

‫فهي السلوك بدت عىل األجياد‪ ‬‬

‫ال تنكروا أنـي سبيت وأنني‬

‫بنت مللـك من بني عبــاد‬

‫صالحة غابش‬

‫(‪)9‬‬

‫فجاء ديوان صالحة بما يحمل عنوانه من أبعاد ودالالت‬

‫سيميائية الصورة عبارة عن عملية اقتحام ونفور لكل ما هو‬

‫نمطي يكسر التواصل‪ ،‬وأسست قصائده يف تقديري للبديل‬

‫الشعري غري الثابت زمنيًّا‪ ،‬وتمكنت من توجيه املتلقي لديوانها‬

‫نحو الحالة الفنية املدركة كليًّا وليست متفردة يف قصائد وأسطر‬ ‫شعرية ‪ .‬تقول يف قصيدة «مسك الرميكية» أين تستحضر‬

‫التاريخ وتومئ إىل قصة بثينة بنت املعتمد بن عباد األندليس ‪:‬‬

‫فاختتمت القصائد باسمه‬ ‫إهداء روح إليه‬

‫(‪)10‬‬

‫لقد أدركت الشاعرة صالحة غابش كيفية تثوير الذات‬

‫وبعتبات نصي ٍة لها‬ ‫بتاريخ‪،‬‬ ‫األنثوية من خالل ربط راهنها‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬

‫دالالتها يف الزمن املايض؛ ولذلك «دالالت عديدة‪ ،‬منها أنها‬ ‫بصدد تقديم فكرة معينة‪ ،‬وأنها حريصة عىل تقديم رؤيتها‬

‫ملتلقيها كاملة‪ ،‬وهو ما يجعلها من أولئك الشعراء الذين ال‬ ‫يرون يف الحداثة الشعرية مجرد شكل ولغة‪ ،‬بل إنها تعرب عن‬

‫ألآلن رهن محاولة الحلم أنت‪..‬‬

‫همٍّ ‪  ‬خاص‪ ،‬هو يف املحصلة‪ ،‬همٌّ عامٌّ ‪ ،‬وإن كانت الشاعرة تعتمد‬

‫حتى تفيق اليمامات يف صوت هذا املدى؟‬

‫التحسر‬ ‫مجرد ذكر خسارة امللك‪ ،‬وسقوط األندلس‪ ،‬لتدفع إىل‬ ‫ّ‬

‫وأغنية تتأجل‬

‫ألآلن يكسرك االنتظار؟‬

‫ً‬ ‫رغيفا‬ ‫تقاسمك الحزن يف رحلة العابرين‬

‫وحيدً ا‬

‫يحاور رائحة الطرقات‪..‬‬

‫الرمز‪ ،‬والقناع‪ ،‬واإلسقاط‪ ،‬عرب تساوق السبي حتى اآلن‪ .‬إن‬

‫عىل ذلك الفردوس املفقود‪ ،‬الذي تتناوله بثينة‪ ،‬وبمرارة كبرية‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫مشخصة أسباب ذلك‪ ،‬من خالل البطانة الفاسدة حول والدها‬ ‫امللك‪ ،‬يك تقدم املفارقة الصارخة وهي سبي نساء قصر امللك‪،‬‬

‫وسقوط العرش‪ ،‬وبيع ابنة امللك نفسه‪ ،‬التي تأبى ذلك من‬

‫ولم ينكسر قلم يتقاسمه الدفء‬

‫خالل إصرارها عىل أن يتم اقرتانها بابن التاجر اإلشبييل بعد‬

‫ليكتب وردته يف يديك‬

‫للحدث التاريخي‪ ،‬ومن ثم وضعه يف سياق جديد‪ ،‬من قبلها‪،‬‬

‫لحظة جاء فتاك‬

‫وأهداك مسك رميكية‬ ‫قدماها طني املنايف‬

‫وأشعل يف األبجدي ِة موقده‬

‫إن السبب الرئيس في تحرر الكتابة‬

‫مباركة أبيها‪ .‬ثمّ ة التقاط ذيك وبارع من جانب الشاعرة الالحقة‬ ‫إلثارة أسئلة اللحظة األكرث إيالمً ا» ‪.‬‬ ‫(‪)11‬‬

‫ويجد املتلقي وقارئ باقي قصائد الديوان أن كثريًا منها‬ ‫يحمل قاسمً ا مشرت ًكا واحدً ا؛ إنه الحزن املرتامي بني سطور‬

‫القصيدة والكامن يف رؤاها الباهتة منذ سقوط عرش املعتمد بن‬ ‫عباد إىل يومها‪ ،‬إنه التماهي مع التاريخ ومع الوجع األنثوي عند‬ ‫بثينة املرأة وبثينة الشاعرة‪ ،‬وهي الحال ً‬ ‫أيضا عند صالحة غابش‬

‫النسوية في منطقة الخليج من سلطة‬

‫املرأة يف زمن سقطت فيه أقنعة الخشية األبدية‪ .‬إن القصائد‬

‫الجامحة في تحقيق الذات ضمن فضاء‬

‫قصائد امرأة وشاعرة يطوقها الفقدان واأللم؛ يتضح ذلك‬

‫الفحولة وتكريس المعنى‪ ،‬هو الرغبة‬ ‫ثقافي متميز‬

‫الوارد فيها اسم «بثينة» ببعدها يف التاريخ أو يف الراهن‪ ،‬هي‬ ‫جليًّا يف قصيدة «ال تنكروا أين سبيت» حيث بثينة املرأة ساكنة‬

‫وخاضعة ملصريها‪ .‬تقول‪:‬‬

‫‪79‬‬


‫دراسات‬

‫هنا كنت أدفن دمعة صربي‬

‫بالكينونة األنثوية‪ ،‬فرسمت الكلمة الشعرية وفق متطلبات‬

‫التي سخرت من وفايئ‬ ‫وظلت تراقبني أتجمد شي ًئا فشيئاً‬

‫تؤسسها الروح‪ ،‬فأصبحت القصيدة عند سعاد يف كثري من‬

‫أمزق أوراق كل الوعود‬

‫بثلج انتظارايت الساذجة‬

‫(‪)12‬‬

‫وتصر الشاعرة عىل البوح بالوجع األنثوي الخليجي بجرأة‬

‫حني تجعل من بثينة اسمً ا تقف عىل قدميه دالالت األنوثة‬

‫والذكورة الحاملة لأللم الدفني منذ زمن وأد البنات‪ .‬لقد‬ ‫أدركت أن أسر بثينة هو املعادل السيميايئ والداليل للسر الواقع‬ ‫عىل املرأة املكفنة بسوادها‪ ،‬ومع هذا ال يبقى لبثينة وللمرأة يف‬

‫املخيال الرؤيوي عند الشاعرة صالحة إال االنتظار‪ .‬تقول‪:‬‬ ‫ظنك واقفة‬ ‫مدينة‬ ‫ِ‬

‫تتأهب منذ سنني لضوء فتى‬ ‫ليس يؤملك‬

‫يعرب الحلم نحوك سيدة أنت أوىل‬

‫عىل عرش دولته‬

‫تخرجني إىل ضوئه تصعدين املنصة شاعرة حرة‬

‫‪80‬‬

‫تطلقني اسمه بني أفق وماء‬

‫فتلتقط البجعات حديثك عنه غناء‬

‫تماهى بأبيض رقصتها الهادئة‬

‫(‪)13‬‬

‫ذاتها الرافضة لكل سلطة خارجية ال يفرضها الجسد وال‬

‫دواوينها عبارة عن قصيدة نحت جمايل بمهارات برناسية ؛‬ ‫تقول يف املقطع األول من قصيدة «لألُنثى قصيدتها وللرجل‬ ‫(‪)15‬‬

‫شهوة القتل»‪:‬‬

‫َ‬ ‫سيظ ُّلونَ َورَائـي‬ ‫بالبواريـدِ َورَائـي‬

‫ـني َورَائـي‬ ‫و ال َّ‬ ‫ـسـكاك ِ‬ ‫لاَّ‬ ‫خيصات َورَايئ‪..‬‬ ‫ت ال َّر‬ ‫ِ‬ ‫و املَج ِ‬ ‫فـأنـا أع ُ‬ ‫ـرف مـا مَ ـ ْوق ُِـفـهُـمْ‬

‫ـات الـ ِّنـسـاءِ ‪..‬‬ ‫مِ ـنْ كِـتـاب ِ‬ ‫غـيـ َر أنيِّ ‪..‬‬

‫مـا تـعـ َّود ُ‬ ‫ْت بـأن أن ُـظـ َر يـومـًا لـلـوَراءِ ‪..‬‬ ‫فـأنـا أع ُ‬ ‫ـرف دَربـي جـيـدً ا‬

‫ـصـعـالـي ُ‬ ‫وال َّ‬ ‫ـك عـلـى َك ْـثـ َر ِت ��ـهـمْ‬ ‫ـب حِ ـذائـي‬ ‫لـن يـطـالـوا أبـدً ا َكعْ َ‬ ‫ً‬ ‫لـن يـنـالـوا َشعْ ـ َر ًة واحـدة مـنْ كِـ ْبـريـائـي‬ ‫فـلـقـد عـ ََّلـمـَنـي ال ِّ‬ ‫ـشـعْ ـ ُر‪ ،‬بـأنْ أمـْ ِـشـي‬

‫ـسـمـاءِ ‪..‬‬ ‫ورأسـي فـي ال َّ‬

‫(‪)16‬‬

‫لقد أدركت الشاعرة العربية املعاصرة ‪-‬وهي واحدة منهن–‬

‫لقد تمكنت صالحة غابش يف دواوينها املختلفة‪ ،‬وبخاصة‬

‫أن قصيدة النحت الجمايل والجسدي هي أفضل وسيلة لتقديم‬

‫الوصول أو إنتاج املشاعر التي تسهل الخيال املعريف بحسب قول‬

‫شاذة عن طقوس القبيلة ومعايري الكتابة الذكورية‪ ،‬فعملية‬ ‫التجاوز والكسر والتخطي ّ‬ ‫تولد بالضرورة عملية تشكيل وإبداع‬

‫يف قصائدها النرثية أن تدرك القدرة عىل فهم املشاعر وعىل‬ ‫«بيرت سالفوين» فيما يعرف بنظرية الذكاء العاطفي والعقل‬ ‫الوجداين‪ ،‬لهذا حملت دواوينها األربعة دالالت املكان بأبعاده‬

‫الثالثة‪ ،‬فتحضر القبيلة كمكان يطغى بجربوته عىل املشاعر‬ ‫واألحالم الخافتة‪ ،‬تقول يف قصيدة «فضايئ واألجنحة»‪:‬‬ ‫نار‏‬ ‫الحزن قبيلة ٍ‬ ‫تحرق كل وثائقها يف قلب فتاة‏‬ ‫تنمو فوق رمال براءتها‏‬

‫وحديث يسرق ذاته‏‬

‫البديل الجديد ضمن فضاء الرفض االجتماعي بمقاييس جمالية‬

‫ّ‬ ‫املتسلط‪ ،‬حيث‬ ‫وخلق مختلفة تمامً ا عن ذوقية الشرع الذكوري‬ ‫تعمد إىل تصوير كل ما أضحى مكسورًا أو متخطى أو متجاو ًزا‪،‬‬ ‫سواء بفعل رفض الزمن له‪ ،‬أو بحكم عدم مطابقته لواقع‬

‫الحال؛ هذا ما جعلها يف قصيدة «تمنيات استثنائية لرجل‬ ‫استثنايئ» تؤسس ملفهوم حب برنايس جديدة معامله‪ ،‬تقول يف‬

‫املقطع األول من القصيدة الطويلة‪:‬‬

‫ثم يغادر ثكنته املطمورة يف اسرتخاء ال يهدأ‬

‫عـامٌ سـعـيـدْ ‪..‬‬

‫سعاد الصباح‪..‬‬ ‫ومستويات النحت الجمايل‬

‫ـب سـعـيـد»‪.‬‬ ‫«حُ ٌّ‬ ‫َ‬ ‫ـات حـيـنَ نـقـولـهـا كـاآلخـريـنْ ‪.‬‬ ‫مـا أضـ َي َـق الـكـ ِلـم ِ‬

‫ديوان اآلن عرفت‪..‬‬

‫(‪)14‬‬

‫صرخت الكويتية سعاد منذ سبعينيات القرن املايض‬

‫يف وجه املجتمع الذكوري الذي حاول سلبها الحق يف البوح‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫عـامٌ سـعـيـدْ ‪..‬‬ ‫َ‬ ‫إنيِّ أُف ِّ‬ ‫أنْ‬ ‫ـعْ‬ ‫ـضـ َنا‪:‬‬ ‫ب‬ ‫ـ‬ ‫ِ‬ ‫ل‬ ‫ـول‬ ‫ق‬ ‫ـ‬ ‫ن‬ ‫ـض ُـل‬ ‫َ ِ‬

‫أنـا ال أريـدُ بـأنْ تـكـونَ عـواطـفـي‬ ‫ـات اآلخـريـنْ ‪..‬‬ ‫مَ ـ ْنـقـول ًـة عـن أُمْ ـ ِنـي ِ‬


‫شعريةُ المرأة الخليجية وفحولةُ اللغة‪ ..‬قراءة في المشهد والتجلّي‬

‫ً‬ ‫انطالقا من واقع املرأة العربية من جهة ومن كونها‬ ‫املطعّ مة‬

‫عضوًا يف املنظمّ ة العربية لحقوق اإلنسان‪ ،‬فقد تطوّعت‬

‫للدفاع عن حقوق بنات جنسها بصوت قوي صريح‪ .‬صوَّرت ما‬ ‫تعانيه املرأة املكبوتة واملخنوقة الصوت يف املجتمعات الذكورية‪.‬‬ ‫وعكفت عىل تثوير حق املرأة يف الحب واإلحساس باآلخر ضمن‬

‫حق أنوتثها املغيب‪ ،‬فصرخت يف قصيدة «املجنونة» صرخة‬ ‫الشاعر الربنايس الثائر عىل واقع ال يجعل الحب دستورًا أبديًّا‬

‫للحياة‪ ،‬تقول‪:‬‬

‫سعاد الصباح‬

‫أنـا أرف ُ‬ ‫ـات الـبـريـدْ ‪..‬‬ ‫ـض الـحُ َّ‬ ‫ـب الـمُ ـعـ َّبـأَ فـي بـطـاق ِ‬ ‫إنيّ أحـِ ُّب َ‬ ‫ـسـ َنـهْ‪..‬‬ ‫ـات ال َّ‬ ‫ـك فـي بـداي ِ‬ ‫وأنـا أحِ ـ ُّب َ‬ ‫ـسـ َنـهْ‪..‬‬ ‫ـات ال َّ‬ ‫ـك فـي نـهـاي ِ‬ ‫ـب أكـ َبـ ُر مِ ـن جـمـيـع األزمِ ـ َنـهْ‬ ‫فـالـحُ ُّ‬

‫أنا يف حالة ٍّ‬ ‫حب ليس يل منها شفاءْ‬ ‫ٌ‬ ‫مقهورة يف جسدي‬ ‫وأنا‬

‫كماليني النساءْ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫تطايرت د ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُخانا يف‬ ‫تنفخ يف أُ ْذين‬ ‫األعصاب لو‬ ‫مشدودة‬ ‫وأنا‬ ‫ِ‬ ‫الهواءْ‬

‫٭٭٭‬

‫يا حبيبي‪:‬‬

‫ـب مـن جـمـي ِـع األمـكِـ َنـ ْه‬ ‫ـب أرحَ ُ‬ ‫والـحُ ُّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ولـذا أُف ِّ‬ ‫ـضـ َنا‬ ‫ـضـل أنْ نـقـول لـِ َبـعْ ِ‬

‫ٌ‬ ‫ً‬ ‫عشقا‬ ‫دائخة‬ ‫إنني‬ ‫فلملمني ِّ‬ ‫بحق األنبياءْ‬

‫ـب يـثـو ُر عـلـى الـطـقـوس الـمـسـرحـ َّيـ ِة فـي الـكـالمْ‬ ‫حُ ٌّ‬ ‫ـب يـثـو ُر عـلـى ُ‬ ‫ـول‪..‬‬ ‫ص‬ ‫األ‬ ‫حُ ٌّ‬ ‫ِ‬ ‫ـذور‪..‬‬ ‫عـلـى الـج ِ‬

‫٭٭٭‬

‫ـب سـعـيـد‪»..‬‬ ‫«حُ ٌّ‬

‫عـلـى الـنـظـامْ ‪..‬‬ ‫َّ‬ ‫ـب يـح ُ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫أنْ‬ ‫حُ ٌّ‬ ‫ـاول يـغـ ِّيـ َر كـل شـيءٍ‬ ‫ـس الـغـرامْ ‪!!..‬‬ ‫فـي قـوامـي ِ‬

‫(‪)17‬‬

‫من هنا صار الشعر عند سعاد الصباح املرأة الثائرة‬

‫بأنوثتها مثل «كلمة السر؛ من عرف متى يقولها وكيف‬ ‫يقولها استطاع أن يزحزح الصخرة املسحورة عن املغارة‪،‬‬

‫ويصل إىل صناديق املرجان والحور املقصورات يف الجنان‪..‬‬ ‫الشعر يمد يده إىل األشياء امليتة فيحييها كما فعل موىس‬

‫تمامً ا‪ ،‬والفارق الوحيد‪ ،‬أن أداة موىس هي العصا‪ ..‬وأداة‬ ‫الشعر هي القلم‪»)18(..‬‬

‫وتشرتك سعاد الصباح يف تشكيل الصورة الربناسية‬

‫أصبح الوعي الماثل في كتابة المرأة‬ ‫وعيا بالفكر اإلنساني العام المطروح‬ ‫ً‬ ‫عبر انبثاق مفهوم النسوية في‬ ‫الرؤى والمفاهيم الغربية المعاصرة‬

‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫الشمايل وأشواقي‬ ‫القطب‬ ‫أنت يف‬ ‫بخط االستواءْ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬

‫للحب وما يل سوي‬ ‫انتمايئ هو‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫الحب انتماءْ‬

‫(‪)19‬‬

‫وعن الحب وعمّ ن ُتحب قالت يف الجزء األول من قصيدة‬

‫«تمنيات استثنائية‬ ‫لرجل استثنايئ» ‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫(‪)20‬‬

‫إن آلية التخيُّل اإلستاطيقي التي تندرج من األدىن إىل‬

‫األعىل‪ ،‬حتى تصل إىل الالمحدود تنبئ عن قدرة الشاعرة‬

‫العربية الربناسية يف حقل الرياضيات اإلقليدية التي تبدع‬ ‫فيها شي ًئا أكرث من أن تحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب‪.‬‬ ‫إنَّ هذه الطريقة الكالسيكية التي تتخصص بمعالجة‬

‫جانب الواقع املوضوعي من زاوية املجال‪ ،‬وضمن تشعبات‬ ‫وأبنية هندسية‪ ،‬تؤدي بها إىل اإلطالق الساكن والخروج‬

‫عن مجال التفاعل الحيوي بني الفكر والطبيعة من جهة‪،‬‬

‫واإلحساس والواقع من جهة ثانية‪ ،‬ال تأخذ من الكالسيكية‬ ‫ّ‬ ‫تشكله‬ ‫التي استوعبت مناخات الفكر اإلنساين منذ فجر‬ ‫حتى اليوم‪ ،‬سوى القشرة الخارجية‪ ،‬التي ستبقى عىل‬

‫سطح الواقع تطفو ضمن عالئقها الذهنية املتشابكة‪.‬‬

‫زكية مال الله‪..‬‬ ‫والكتابة بالكشف والبحث عن الرؤيا (قطر)‬

‫تنتهج الشاعرة زكية مال الله أسلوب الصدام مع الذات‬

‫‪81‬‬


‫دراسات‬

‫ً‬ ‫بحثا عن األبعاد األنثوية‬ ‫من منظور التجيل والحضور؛‬

‫حيث أنا لم أبذر بعد‪..‬‬

‫الثقايف الراهن‪ ،‬ولتحقيق هذا التجيل أدركت الشاعرة أن آليات‬

‫يكتبني يف الالمحدود‪..‬‬

‫الرافضة لسلطة اآلخر عرب تكريس الفعل ضمن املوروث‬ ‫القصيدة التقليدية ال تستطيع أن تفعل البوح األنثوي الكامن‬ ‫يف دخيالئها‪ ،‬وعليه قررت الكتابة بأدوات جديدة تمكنها من‬

‫تأسيس الذات األنثوية الفاعلة تجاه متلق ذكوري طاملا رفض‬ ‫كينونتها املتشاكلة واملختلفة عن كينونته وعن تفكريه‪...‬‬

‫لقد أدركت الشاعرة زكية مال الله أن الكتابة تساؤل‪ ،‬وأن‬

‫كل محاولة يف عوالم الشعر املعاصر لتقديم إجابة عما نطرحه‬

‫من تساؤل هو طمس لروح الشعرية والشاعرية يف الذات‬

‫املبدعة‪ ،‬فقررت يف تقديري الكتابة من منطلق الكشف والبحث‬ ‫عن الرؤيا‪ ،‬من منطق أن كل راءٍ كشاف وكل كشاف مبدع‪،‬‬

‫فجاء إبداعها متقاطعً ا من ذاتها الرائية رؤيا األنثى املختلفة عن‬

‫الذات وعن اآلخر معً ا‪ ...‬تقول يف أسطر من قصيدة اعرتافات‪:‬‬

‫أكتبه يف الالمعنى‬

‫وتقرتب هذه الرؤيا املشعة من أسطر القصيدة – النص‬

‫من موقف «ألبريس» حني قال‪ :‬إن الشعر ال يمكن أن يحدوه‬ ‫منطق لغوي معينّ ‪ ،‬ألنه يخلق لغته الخاصة به دون النرث الذي‬

‫عادة ما يرتبط بقوانني تقرتب إىل العقل واالنضباط‪ ،‬فالشعر‬

‫هو التعبري «بواسطة اللغة البشرية عن انفعال أو حقيقة‬ ‫لم ُتخلق اللغة البشرية للتعبري عنه‪ ،‬وبذلك يصبح الشعر‬ ‫خات ً‬ ‫مُ َ‬ ‫لة‪ ،‬تمردًا‪ ،‬نضالاً ضد اللغة»(‪ ،)24‬ويتكرر هذا يف الكثري‬

‫من قصائدها‪ ،‬وبخاصة يف ديوان أسفار الذات حيث تعكف‬ ‫الشاعرة من منظور سريايل عىل استنطاق األنا ضمن الجسد‬

‫األنثوي املضمر‪ ،‬تقول يف أسطر من قصيدة هذيان جسد‪:‬‬

‫من بدء التكوين وخلق املوجودات‬

‫ال يعنيه أن يتكوم بني مداه‬

‫جللني عبق‬

‫يتسلط خلف حدود القمر‬

‫يلعق هذيان الشمس‬

‫اشتعلت نار يف طيني‪..‬‬

‫‪82‬‬

‫(‪)23‬‬

‫انسابت يف جلد تصاويري أشباه‬

‫يلبس تاج امللكوت‬

‫أرصفة تعرتض الخصالت‬

‫يتآكل من دوده‬

‫تكبو ‪ ..‬تتساقط‬

‫يكتب بالصلصال‬

‫ال يعنيه أن يدعى بالجسد الرق‬

‫الشق األول «المرأة»‬

‫يرغب أن يدفن يف مقربة عاج‬

‫تتماوج‬

‫يلعقها غيم النظرات‬

‫زكية مال الله‬

‫الشق الثاين «مرآة»‬

‫والشق الثالث أسفار من وجه مرسوم القسمات‬ ‫أتعرث بني سطور الخط وأفواج الكلمات‬

‫تنشق نقاطي‬

‫ال قيد‪ ..‬قد حل وثاقي‪..‬‬

‫(‪)21‬‬

‫الجسد أنا‬

‫قد كنت بما أحببت‬

‫فاستعمرين الدود‬

‫(‪)25‬‬

‫يتسارع عرض الذات والكشف عن الرؤيا يف مختلف أشعار‬

‫زكية مال الله‪ ،‬وبخاصة قصائد النرث منها‪ ،‬حيث تستعيض‬

‫الشاعرة عن األسس النمطية يف القصيدة التقليدية بآليات‬

‫وعىل ُخطا اعرتافات الذات املتجلية الهاربة نحو أفق‬

‫حداثية مستلهمة من الروافد الفرنسية يف تشكيل القصيدة‬

‫(نسبة آلرثر رامبو) يف قصيدة النرث‪ ،‬وهي الطريقة التي تؤسس‬

‫املختلفة وتجربتها التشكيلية يف مجال القصيدة بأن «الشعر‬

‫توقعاتها األنثوية‪ ،‬تكتب زكية مستعرية الطريقة الرامبوية‬ ‫للرفض املطلق يف عالم عبثي يفيض لالمعقول‪ ،‬إنها تحاول أن‬ ‫ّ‬ ‫املصفى‬ ‫تجعل من النص – القصيدة يف أبهى تجلياته الكالم‬

‫املتألق‪ ،‬الخارق للعادة يف محاولة مستمرة لهدم االحتذاء‪ ،‬إنه‬ ‫ٌ‬ ‫تشكيل جديد للسكون بواسطة الكلمات(‪ ....)22‬تقول يف قصيدة‬ ‫سفر البهجة‪:‬‬

‫يصعد بي‬

‫حيث الالمطلق‪..‬‬ ‫الالموجود‪..‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫الرؤيا‪ ،‬لقد آمنت زكية يف تقديري ومن خالل استقراء أشعارها‬

‫ال يتكلم عن العالم بقدر ما يتكلم بلسان العالم‪ ،‬وليس من‬ ‫مهامه تفسري العالم وتوضيحه لك؛ بل املنتظر منه هو صوغ‬ ‫تجربة مع العالم تعتمد صلة حميمية بمكوناته تسبق كل‬

‫فكرة عنه؛ ألن وظيفته الجوهرية هي اإليحاء وليس املطابقة‪.‬‬ ‫إنه السم ّو بتعبريية األشياء والسعي إىل إحداث عملية‬

‫تشويش مقصودة يف قاموس اللغة حني تسند صفات ألشياء‬ ‫غري معهودة ُتربك القرائن بني املسند واملسند إليه‪ .)26(»..‬أقف‬ ‫يف النهاية وقفة تقدير للشعرية العربية النسوية يف الخليج‬


‫شعريةُ ��لمرأة الخليجية وفحولةُ اللغة‪ ..‬قراءة في المشهد والتجلّي‬

‫ملا لها من وسائل تفعيل الذات وامتطاء صهوة املتغري‪ ،‬ونبذ‬

‫والف ًتا‪ ،‬واستطاع أن يؤسس لظاهرة فنية وتشكيلية جديدة يف‬

‫ّ‬ ‫خص الذكورة بالتفرد‬ ‫الثابت الذي طاملا أرهق الكتابة حني‬ ‫اللفظي صياغة وتشكيلاً ‪ ،‬وجعل املرأة معنى ضمن فضاءات‬

‫اإلصدارات الشعرية النسوية يف مدة وجيزة تمثلت يف العقود‬

‫الكتابة النسوية الخليجية وصلت إىل ملتقى حضاري تثاقفي‬

‫ثانيًا‪ -‬أصبح الوعي املاثل يف كتابة املرأة وعيًا بالفكر اإلنساين‬

‫النظم الذكوري‪ ،‬هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى نسجل أن‬

‫مهم‪ ،‬جراء الطفرة االجتماعية واالقتصادية الكبرية التي‬ ‫تعيشها بلدان الخليج منذ التسعينيات من القرن املايض‪،‬‬

‫وهو ما انعكس عىل مستويات الكتابة األدبية عامة والشعرية‬

‫خاصة‪ ،‬فراجعت الشاعرة الخليجية حاضرها وماضيها معً ا‪،‬‬ ‫وانطلقت بعد مقاربة واعية للتاريخ يف ضوء متطلبات الراهن‬

‫لتؤسس عوامل رؤيا مبنية عىل جملة من التساؤالت الفكرية‬ ‫والفلسفية عجلت بظهور أنماط شعرية تتماىش مع التصور‬ ‫الفكري الجديد عندهن‪ .‬ولعل هذا ما يفسر الحضور القوي‬

‫لقصيدة النرث وشعر التفعيلة‪ .‬كما ال يجب إغفال املناخ الثقايف‬ ‫الجيد يف دول الخليج وانتشار الدورات الفكرية والثقافية‬

‫والورشات التدريبية النقدية واألدبية‪ ،‬واألمسيات الشعرية‪،‬‬ ‫والقراءات األدبية املختلفة يف بعث مواهب التشكيل بقوة‪.‬‬

‫الشعرية العربية‪ ،‬ويستدل عىل هذا بالعدد الوفري واملتميز من‬ ‫الثالثة األخرية‪.‬‬

‫العام املطروح عرب انبثاق مفهوم النسوية يف الرؤى واملفاهيم‬ ‫الغربية املعاصرة‪ .‬ويتجىل هذا يف تعدد أنماط النتاج اإلبداعي‬ ‫النسوي الخليجي وتحوله جماليًّا ودالليًّا إىل مشروع مكاشفة‬ ‫ووعي ومثاقفة يف اآلن ذاته‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ثالثا‪ -‬تمكنت الشواعر –النسويات– الخليجيات من مقاربة‬

‫وتمثل نماذج التشكيل املعاصرة؛ فلقد وفر لهن الشعر الحر‬

‫وقصيدة النرث آليات ممارسة الرفض والتأسيس معا‪ ،‬وجعلهن‬

‫لصب تجربتهن املكتومة عرب عصور مديدة‬ ‫يدركن الوعاء املناسب‬ ‫ّ‬

‫لبث شجونهن ونفث همومهن‪.‬‬

‫رابعً ا‪ -‬عملت الشعرية النسوية املعاصرة يف الخليج عىل‬

‫كسر جدلية الصراع الثقايف الكامن يف املحموالت املرتاكمة منذ‬ ‫القديم‪ ،‬وعىل إعالء الذات وتضخيم األنا األنثوية يف فضاء كتابة‬

‫ومجمل القول يف فلسفة املقاربة السابقة نسجله يف النتائج اآلتية‪:‬‬ ‫أولاً ‪ -‬حضر التأسيس للكتابة النسوية يف الخليج حضورًا قويًّا‬

‫األساسية املؤثرة يف تفعيل الكتابة الشعرية النسوية يف الخليج‪.‬‬

‫هوامش وإحاالت البحث ‪:‬‬ ‫(‪ )1‬راجع ‪:‬‬ ‫‪Catharine Stimpson: The Building of feminist Criticism,‬‬ ‫‪published in R .Cohen ed. New York.1989.p135.‬‬ ‫(‪ )2‬عبد الله الغذامي‪ :‬املرأة واللغة‪ ،‬ص ‪.10‬‬ ‫(‪ )3‬املرجع نفسه‪ ،‬ص ‪.11‬‬ ‫(‪ )4‬ظبية خميس‪ :‬أدب العورة‪ ،‬مجلة الدوحة‪ ،‬مجلة شهرية ثقافية تصدر‬ ‫عن وزارة الثقافة القطرية‪ ،‬عدد ‪.21‬‬ ‫(‪ )5‬هدى السعدي‪ :‬دموع البنفسج‪ ،‬دار عكرمة‪،‬دمشق‪ ،‬سوريا‪2004 ،‬م‪ ،‬ص‬ ‫‪.32‬‬ ‫(‪ )6‬املصدر نفسه ص ‪.43‬‬ ‫(‪ )7‬نفسه ص ‪.46‬‬ ‫(‪ )8‬ناصر أبو عون‪ :‬جريدة ُعمان‪ ،‬الصادرة يف سلطنة ُعمان‪ ،‬امللحق الثقايف‪:‬‬ ‫شرفات األدبي‪ ،‬نقال عن الرابط اآليت‪:‬‬ ‫‪http://nasseroon.maktoobblog.com‬‬ ‫(‪ )9‬سهيل زكار‪ :‬يف التاريخ العبايس واألندليس‪ :‬السيايس والحضاري‪ ،‬جامعة‬ ‫دمشق ‪1998‬م‪،‬ص ‪ 338‬وما بعدها‪.‬‬ ‫(‪ )10‬صالحة غابش‪ :‬ديوان «بمن تلوذين يا بثني»‪ ،‬دائرة الثقافة واإلعالم‪،‬‬ ‫الشارقة ‪2002‬م‪،‬ص ‪.35‬‬ ‫(‪ )11‬إبراهيم اليوسف‪ :‬صالحة غابش واالشتغال يف قلب الحداثة الشعرية‪،‬‬ ‫جريدة الخليج الثقايف‪،‬تصدر عن ملؤسسة دار الخليج للصحافة والطباعة‬ ‫والنشر عدد‪2010/10/26 ،‬م ‪.‬‬ ‫(‪ )12‬صالحة غابش‪ :‬ديوان «بمن تلوذين يا بثني»‪ ،‬ص ‪.14‬‬ ‫(‪ )13‬املصدر نفسه ص ‪.65‬‬ ‫(‪ )14‬صالحة غابش‪ :‬ديوان فضايئ واألجنحة‪ ،‬منشورات الدار املصرية‬ ‫اللبنانية‪ ،‬القاهرة ‪1998‬م‪ ،‬ص ‪.34‬‬

‫(‪ )15‬الربناسية ‪ :Le parnassisme ou le Parnasse‬مذهب أدبي فلسفي‬ ‫ال ديني قام عىل معارضة الرومانسية من حيث أنها مذهب الذاتية يف‬ ‫الشعر‪ ،‬وعرض عواطف الفرد الخاصة عىل الناس شعرًا واتخاذه وسيلة‬ ‫للتعبري عن الذات‪ ..‬بينما تقوم الربناسية عىل اعتبار الفن غاية يف ذاته ال‬ ‫وسيلة للتعبري عن الذات‪ ،‬وهي تهدف إىل جعل الشعر ف ًّنا موضوعيًّا‬ ‫همه استخراج الجمال من مظاهر الطبيعة أو إضفاؤه عىل تلك املظاهر‪،‬‬ ‫وترفض الربناسية التقيد ً‬ ‫سلفا بأي عقيدة أو فكر أو أخالق سابقة‪ .‬وهي‬ ‫تتخذ شعار «الفن للفن»‪.‬‬ ‫(‪ )16‬سعاد الصباح‪ :‬امرأة بال سواحل‪ ،‬قصيدة‪ :‬لألنثى قصيدتها‪ ،‬وللرجل‬ ‫شهوة القتل‪ ،‬دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع‪ ،‬الكويت‪1994 ،‬م‪ ،‬ص‪.61‬‬ ‫(‪ )17‬سعاد الصباح‪ :‬آلئل الخليج‪ ،‬مختارات شعرية بالعربية واألملانية‪ .‬ترجمة‬ ‫د‪ .‬عدنان جواد الطعمة‪ .‬ط‪ /1‬ماربورغ‪1995 ،‬م‪ ،‬ص ‪.81‬‬ ‫(‪ )18‬نزار قباين‪« :‬الله والشعر»‪ ،‬مجلة «اآلداب» البريوتية‪ ،‬عدد ‪ ،4‬إبريل‬ ‫‪1957‬م‪ ،‬ص ‪. 2‬‬ ‫(‪ )19‬سعاد الصباح‪ :‬آلئل الخليج‪ ،‬ترجمة د‪ .‬عدنان جواد الطعمة‪ ،‬ص ‪.123‬‬ ‫(‪ )20‬املصدر نفسه ص ‪.138‬‬ ‫(‪ )21‬زكية مال الله‪ ،‬ديوان‪ :‬أسفار الذات‪ ،‬األعمال الكاملة‪ ،‬ج ‪ ،2‬املجلس‬ ‫الوطني للثقافة والفنون والرتاث‪ ،‬قطر‪2006 ،‬م‪.‬‬ ‫(‪ )22‬بنظر حمادي‪ ،‬عبد الله ‪ .‬الربزخ والسكني‪ ،‬دار هومة للطباعة والنشر‬ ‫والتوزيع‪ ،‬ط‪ ،3‬الجزائر‪2002،‬م‪ ،‬ص ‪.5‬‬ ‫(‪ )23‬زكية مال الله‪ ،‬ديوان‪ :‬مرجان الضوء‪ ،‬مركز الحضارة العربية‪،‬ط‪،1‬‬ ‫القاهرة‪2006 ،‬م‪ ،‬ص ‪.64‬‬ ‫(‪ )24‬ألبريس‪ ،‬ر‪ .‬م ‪ .‬االتجاهات األدبية الحديثة‪ ،‬ترجمة جورج طرابييش‪،‬ط‪،3‬‬ ‫منشورات عوبدات‪ ،‬بريوت ‪ /‬باريس‪1983 ،‬م‪ ،‬ص ‪.126‬‬ ‫(‪ )25‬زكية مال الله‪ ،‬ديوان‪ :‬من أسفار الذات‪،‬‬ ‫(‪ )26‬حمادي‪ ،‬عبدالله ‪ .‬الربزخ والسكني‪ ،‬ص ‪. 6‬‬

‫نسوية مدعمة بنظرية وافدة عىل املنطقة؛ عدت من بني الروافد‬

‫‪83‬‬


‫حوار‬

‫المفكر المصري طالب النخب السياسية بالتجديد‬

‫السيد ياسين‪:‬‬

‫صراع الهويات في العالم العربي بلغ حالة التو ُّحش‪..‬‬ ‫ونظام اإلخوان ال يختلف عن والية الفقيه‬

‫حاوره في القاهرة‬ ‫محمد الحمامصي‬

‫‪84‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫تنطلق رؤى وتحليالت المفكر وأستاذ علم االجتماع السياسي السيد ياسين سياسيًّا وثقافيًّا وفكريًّا‬

‫واجتماعيًّا من قراءات علمية عميقة للقضايا والظواهر واألحداث والمشكالت التي يتعرض لها المجتمع‬

‫المصري والعربي‪ .‬فهو يتابع التغيرات والتطورات في مناهج البحث جنبًا إلى جنب الدراسات والبحوث التي‬

‫تتناول ما يطرأ في المنطقة العربية والعالم‪ ،‬ويجيد طرح األسئلة وال ييأس من البحث عن إجابات لها‪.‬‬

‫اشتغل منذ وقت مبكر من مسيرته العلمية على الشخصية العربية والفكر القومي ومفهوم المواطنة‬ ‫اً‬ ‫طويل أمام العولمة‪ ،‬مفهومها وتأثيرها وانعكاساتها عربيًّا وعالميًّا‪ .‬لكن‬ ‫وحوار الحضارات‪ ،‬كما توقف‬ ‫َ‬ ‫مع تصاعد التطرف والتكفير والعنف ّ‬ ‫القتل منهجً ا ونظرية في أوائل ثمانينيات‬ ‫وتبني الجماعات اإلرهابية‬

‫القرن العشرين‪ ،‬بدأ السيد ياسين العمل على تحليل ونقد الظاهرة ليقدم خارطة مهمة لجماعات اإلسالم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومفندا األسس التي قامت عليها مجمل أفكار وآراء قادتها‪.‬‬ ‫كاشفا‬ ‫السياسي‪،‬‬ ‫التحق بالمعهد القومي للبحوث الجنائية «المركز القومي للبحوث حاليًا» عام ‪1957‬م ليمضي فيه‬

‫‪ً 18‬‬ ‫عاما‪ ،‬حيث تركه عام ‪1975‬م لكي يصبح مديرًا لمركز الدراسات السياسية واإلستراتيجية في األهرام‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ناشئا وقتها «عام ‪1964‬م» وكذلك علم االجتماع السياسي‪.‬‬ ‫واعتنى بعلم االجتماع األدبي الذي كان ال يزال‬ ‫وفي عام ‪1967‬م وهو عام النكسة والهزيمة والمرارة اتجه‬ ‫ً‬ ‫دراسة علمية‪ ،‬وانضمَّ إلى مركز‬ ‫إلى دراسة المجتمع اإلسرائيلي‬

‫الدراسات الفلسطينية والصهيونية باألهرام عام ‪1968‬م الذي‬ ‫تحول بعد ذلك إلى مركز الدراسات السياسية واإلستراتيجية‪،‬‬

‫وكان هذا التحول وراء تعمقه في دراسة مناهج ونظريات‬ ‫البحوث اإلستراتيجية‪ ،‬وقد رَأَس هذا المرك َز خالل المدة من‬ ‫ً‬ ‫أستاذا لعلم االجتماع السياسي‬ ‫‪ 1975‬إلى ‪1994‬م؛ حيث ُعيِّن‬

‫بالمركز القومي للبحوث االجتماعية والجنائية‪.‬‬

‫وفي عام ‪2012‬م أعاد تأسيس «المركز العربي للبحوث‬

‫والدراسات» وضم إليه مجموعة من الخبراء في االقتصاد وعلم‬

‫السياسة وعلم االجتماع وعلوم اإلعالم والتاريخ‪ ،‬وال يزال يرأس‬ ‫هذا المركز حتى اآلن‪.‬‬

‫العلوم والفنون واآلداب‪ ،‬وجائزة الدولة التقديرية في العلوم‬

‫االجتماعية‪.‬‬

‫«الفيصل» التقته في القاهرة فكان هذا الحوار الشامل‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫في مقال لك بعنوان‪« :‬الهويات المتوحشة» أشرت‬

‫إلى «نظرية التكفير»‪ ..‬هل هناك نظرية للتكفير؟ ومن وضعها؟‬

‫وما األسس التي تقوم عليها؟‬

‫نعم هناك نظرية متكاملة للتكفير‪ ،‬فقد سبق لي أن قمت‬

‫بدراسة متكاملة لكتب المراجعات التي قامت بها الجماعة‬

‫اإلسالمية التي بلغ عددها ‪ 25‬كتابًا‪.‬‬ ‫ِّ‬ ‫المنظرين لهذه الجماعة اسمه الدكتور‬ ‫واكتشفت أن أحد‬ ‫فضل ‪-‬وهو اسم حركي ألحد قيادات الجماعة من محافظة‬

‫من مؤلفات السيد ياسين‪« :‬أسس البحث االجتماعي‪،‬‬

‫الفيوم‪ -‬له كتاب بعنوان‪« :‬العمدة في إعداد العدة» عدد‬

‫الذات ومفهوم اآلخر‪ ،‬ومصر بين األزمة والنهضة‪ ،‬وتحليل‬

‫لخص كتابه ونظريته هذه في وثيقة «ترشيد العمل الجهادي في‬

‫ودراسات في السلوك اإلجرامي‪ ،‬والشخصية العربية بين تصور‬ ‫مفهوم الفكر القومي‪ ،‬والسياسة الجنائية المعاصرة ودراسة‬ ‫نقدية للدفاع االجتماعي‪ ،‬وحوار الحضارات في عالم متغير‪،‬‬

‫والوعي التاريخي والثورة الكونية‪ ،‬والزمن العربي والمستقبل‬ ‫العالمي‪ ،‬والعولمة والطريق الثالث‪ ،‬والعالمية والعولمة‪،‬‬

‫وتشريح العقل اإلسرائيلي‪ ،‬والمعلوماتية وحضارة العولمة‪،‬‬ ‫واألسطورة الصهيونية واالنتفاضة الفلسطينية‪ ،‬والمواطنة في‬

‫زمن العولمة‪،‬والحوار الحضاري في عصر العولمة‪.‬‬

‫وقد حصل على العديد من الجوائز واألوسمة؛ منها‪ :‬جائزة‬

‫العويس‪ ،‬ووسام االستحقاق األردني من الطبقة اأ��ولى‪ ،‬ووسام‬

‫صفحاته (‪ )500‬صفحة‪ ،‬يتضمن نظرية كاملة في التكفير‪ ،‬وقد‬ ‫مصر والعالم»‪ .‬وفي تقديري أن هذه الوثيقة النظرية هي األساس‬

‫الذي اعتمدت عليه الجماعات اإلرهابية المتطرفة في تكفير‬

‫الحكام وتكفير المجتمعات؛ ألنها ال تطبق الشريعة اإلسالمية‬ ‫وتكفير غير المسلمين‪ ،‬بل تكفير بعض المسلمين ً‬ ‫أيضا بشروط‬ ‫ِّ‬ ‫المنظر على‬ ‫معينة‪ .‬وتقوم هذه النظرية لهذا اإلرهابي المتطرف‬

‫ُلزم‬ ‫مقدمة أساسية‪ ،‬يقول ‪-‬وهنا أقتبس من كالمه‪« :-‬واإلسالم م ِ‬ ‫لجميع المكلفين من اإلنس والجن من وقت بعثة النبي صلى الله‬

‫عليه وسلم وإلى يوم القيامة»‪ .‬ومن ثم فالبشر جميعهم منذ‬

‫البعثة النبوية إلى يوم القيامة أمة الدعوة «المدعوون العتناق‬

‫‪85‬‬


‫حوار‬

‫دين اإلسالم»‪ ،‬فمن استجاب منهم لذلك فهم «أمة اإلجابة»‪.‬‬

‫األصلي ضرورة أساسية؛ ألنه بناء على هذه اآلليات ُع ّد قتل‬ ‫المسلمين وغيرهم حاللاً وكذلك استباحة أموالهم وممتلكاتهم‪.‬‬

‫ويسرتسل الدكتور فضل فيقول‪« :‬ومعنى إلزام دين اإلسالم أن الله‬ ‫سبحانه لن يحاسب جميع خلقه املكلفني منذ بعثة النبي صىل الله‬ ‫عليه وسلم إىل يوم القيامة إال عىل أساس دين اإلسالم»‪ ،‬والنتيجة‬ ‫هي‪« :‬فمن مل يعتنق دين اإلسالم أو اعتنقه ثم خرج عن رشيعته‬ ‫ٍ‬ ‫بناقض من نواقض اإلسالم فهو هالك ال محالة إن مات عىل ذلك»‪.‬‬ ‫واستند الدكتور فضل يف هذا الحكم الخطري عىل آية قرآنية هي قوله‬ ‫سبحانه وتعاىل‪﴿ :‬ومن يبتغ غري اإلسالم دي ًنا فلن يُقبل منه وهو يف‬ ‫اآلخرة من الخارسين﴾ [آل عمران‪ .]85 :‬وأيد كالمه باقتباس من‬ ‫كالم شيخ اإلسالم ابن تيمية‪« :‬ومعلوم باالضطرار من دين املسلمني‬ ‫وباتفاق جميع املسلمني أن من س ّوغ اتباع غري دين اإلسالم أو اتباع‬ ‫رشيعة غري رشيعة محمد صىل الله عليه وسلم فهو كافر»‪.‬‬

‫«التوحشي» وراء هذه الهوية بكل أنماطها؟‬

‫مبدئية هي‪« :‬إن اإلسالم يتحقق بتقديم مراد الرب على مراد‬

‫يسفر عن وجهه إال في لحظات تاريخية فارقة‪ ،‬لكن المشكلة اآلن‬

‫وهكذا يمضي فضل في نظريته التكفيرية ويبنيها على مقولة‬

‫النفس‪ ،‬فإن ينقص أو ينتقص بمخالفة ذلك والمخالفة درجات‪:‬‬ ‫أولاً من قدم مراد نفسه على مراد ربه في أشياء يسيرة فهذا‬ ‫مرتكب الصغائر و«هي العصيان»‪ ،‬ثانيًا من قدم مراد نفسه على‬

‫‪86‬‬

‫والتأويل المنحرف‪ ،‬والكشف عن ذلك في النص الجهادي‬

‫ويقول الدكتور فضل‪« :‬من لم يدخل اإلسالم يجوز قتاله‬

‫في الداخل أو في الخارج»‪ .‬إذن نحن أمام نظرية للتكفير‪ ،‬وهذه‬

‫النظرية هي التي اعتمد عليها تنظيما القاعدة وداعش‪ ،‬وبخاصة‬ ‫ً‬ ‫متوافقا مع‬ ‫أن كتاب «العمدة في إعداد العدة» صادر عام ‪1988‬م‬ ‫بدايات تأسيس تنظيم القاعدة‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫تعددت مقاالتك حول «الهوية» سماتها ومشكالتها‬

‫وخرائطها وصراعاتها‪ .‬هل اإلشكالية اآلن في المشهد العربي‬

‫صراع الهويات قائم في كل العصور‪ ،‬غير أنه كان كام ًنا ولم‬

‫أن الهويات متصارعة في العالم العربي وقد انتقلت من حالة‬ ‫التوازن إلى حالة الصراع‪ .‬هناك تعدد في الهويات في العالم‬ ‫العربي؛ هناك الهوية القبلية مقابل الدولة‪ ،‬وهناك الصراع‬

‫مراد ربه في أشياء كبيرة فهذا مرتكب الكبائر و«هو الفسوق»‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ثالثا من قدم مراد نفسه على مراد ربه في أشياء عظيمة فقد‬

‫ً‬ ‫صراعا مذهبيًّا مستع ًرا بين الشيعة والسنة‪ .‬غير‬ ‫والبربر‪ ،‬ونجد‬

‫عليها النظرية وهي الصغائر والكبائر واألشياء العظيمة‪.‬‬

‫في اليمن بين الحوثيين وأهل السنة‪ ،‬وما يحدث في سوريا على‬

‫وقع في الكفر»‪ .‬وهنا غموض في المفاهيم األساسية التي تقوم‬ ‫ويسترسل في مجال تعداد‬

‫المحظورات الشرعية ليصل إلى‬

‫أن «اضطرار البعض إلى عمل‬

‫لجوء سياسي لدى الدول األجنبية‬ ‫«بالد‬

‫الكفار‬

‫األصليين»‬

‫فيكون‬

‫بذلك قد دخل في الكفر تحت حكم‬

‫الكفار وقوانينهم باختياره»‪ .‬ويقرر أن‬

‫«الشريعة لم ُت ِبحْ آلحاد الرعية معاقبة‬

‫عامة الناس أو إقامة الحدود عليهم»‪،‬‬

‫وهذه بديهية ألنها من مهام الدولة‬

‫بين األعراق ونموذجه الصراع بين األكراد والعرب وبين العرب‬

‫أنه إذا تأملنا ما يحدث في ليبيا بين القبائل والدولة‪ ،‬وما يحدث‬ ‫وجه الخصوص بين النظام العلوي وبقية طوائف‬ ‫الشعب؛ أدركنا أن صراع الهويات انتقل من‬ ‫حالة الصراع العنيف إلى حالة التوحش التي‬ ‫ال سابقة لها في التاريخ العربي الحديث‬ ‫والمعاصر‪.‬‬

‫حالة‬

‫ممارسة يومية لكل األطراف المتصارعة‬ ‫في سوريا‪ ،‬لكن النموذج الرئيس‬ ‫لحالة التوحش يمثلها تنظيم‬ ‫«داعش»‪.‬‬

‫المعاصرة‪ ،‬غير أن الوثيقة قررت أنه ال‬

‫يستثنى من ذلك إال إقامة المسلم الحدود‬ ‫على عبيده‪ ،‬فأي عبيد وفي أي عصر! لقد َّ‬ ‫ولى‬ ‫عصر العبيد إلى غير رجعة‪.‬‬

‫التوحش‬

‫التي‬

‫أصبحت‬

‫بيت‬

‫القصيد‬

‫أن‬

‫المسألة بدأت بمفهوم تكفيري‬ ‫لغير المسلمين‪ ،‬ثم تحولت‬

‫الجماعات التكفيرية إلى جماعات‬

‫إرهابية سوَّغت لنفسها ممارسة أفعال العنف حتى‬

‫إن فهم النص الجهادي األصلي الذي ورد في الكتب المطوّلة‬

‫ض ّد بعض المسلمين «الذين يوافقون الطاغوت على سياساته»‬

‫و«الجامع في طلب العلم الشريف»‪ ،‬و«التضحية في التقرب‬

‫والداخل‪ ،‬فانتقلنا من التكفير إلى التوحش‪ ،‬والتوحش يتجلى‬ ‫ّ‬ ‫وشكلها‬ ‫في داعش وخالفتها اإلسالمية المزعومة التي أسسها‬

‫السابقة للدكتور فضل مثل‪« :‬العمدة في إعداد العدة»‪،‬‬

‫ً‬ ‫وخصوصا الكتاب األول الذي انبثقت منه وثيقة‬ ‫إلى الله تعالى»‪،‬‬ ‫نظرية التكفير؛ يحتاج إلى تحليل نقدي فقهي على أساس أن‬

‫هذه النصوص التكفيرية إنما تقوم أساسً ا على القياس الخاطئ‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫وبالطبع كل األجانب غير المسلمين يجوز قتالهم في الخارج‬

‫اإلرهابي «أبو بكر البغدادي»‪ ،‬ومارس التوحش عل ًنا بقطع رقاب‬ ‫الرهائن وإحراقهم وإغراقهم‪.‬‬


‫المفكر المصري «السيد ياسين»‪ ..‬طالب النخب السياسية القديمة والجديدة بالتجديد‬

‫لقد اكتشفت كتابًا ألحد ِّ‬ ‫منظري القاعدة‬

‫وألضرب لك مثالاً ‪ :‬شيخ األزهر الجليل‬

‫«إدارة التوحش‪ ..‬أخطر مرحلة ستمر بها‬ ‫ً‬ ‫تعريفا لهذه اإلدارة أنها‪« :‬إدارة‬ ‫األمة»‪ ،‬يقدم‬

‫فيها مجموعة من المثقفين من االتجاهات‬ ‫ُ‬ ‫شاركت فيها‪.‬‬ ‫كافة‪ ،‬ومشايخ األزهر‪ ،‬وقد‬

‫نظرية‪ ،‬وما نراه من ممارسات داعش يمثل‬

‫ُ‬ ‫وجهت نقدً ا لألزهر‬ ‫فيها‪ .‬في االجتماع األخير‬

‫اسمه «أبو بكر ناجي ‪-‬اسم حركي‪ -‬بعنوان‪:‬‬

‫اإلمام أحمد الطيب عقد لقاءات عدة شارك‬

‫الفوضى المتوحشة» ويضع مهماتها بوصفها‬

‫وحقيقة أصدر األزهر وثائق مهمة‪ ،‬شاركنا‬ ‫قلت فيه‪ :‬إن األزهر ّ‬ ‫قصر في تفنيد الخطاب‬

‫تطوي ًرا لنظرية التكفير التي وضعها الدكتور‬ ‫فضل وأمثاله من فقهاء اإلرهاب‪ ،‬ولنظرية‬

‫التوحش التي وضعها «أبو بكر ناجي»‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫تجديد الخطاب الديني أحد أبرز‬

‫توجهات النظام في مصر اآلن‪ ،‬فهل تم‬ ‫إنجاز شيء في هذا الشأن؟‬

‫التكفيري‪ ،‬وذكرت لهم قصة الدكتور‬ ‫فضل ونظريته التكفيرية‪ ،‬وقلت‪ :‬هل هذا‬

‫التأويل صحيح أم هو تأويل منحرف؟ فجاء‬ ‫ً‬ ‫حديثا نبويًّا أن واحدً ا‬ ‫أبو بكر البغدادي رد اإلمام بأن هناك‬

‫خا َم َره الموت وتسأله عن اإلسالم أم ال‪...‬‬

‫ثم قال‪ :‬إن األستاذ السيد ياسين يتحدث في العموميات‪ ،‬وكان‬

‫في مصر لم ينجز شيء ألسباب متعددة‪ :‬أولاً المشكلة‬

‫ذلك أمام المشاركين من المثقفين والمشايخ‪ .‬فقلت‪ :‬يا فضيلة‬

‫األيديولوجي‪ ،‬فمن ناحية تعليم ديني خالص يساعد على بلورة‬

‫لن أطبق حديث الذبابة مهما كانت صحة سنده؛ ألنه يتنافى مع‬

‫الحقيقية هي ازدواجية التعليم التي تعد أحد أسباب التطرف‬ ‫رؤى للحياة تتسم باالنغالق‪ ،‬ومن ناحية أخرى تعليم مدني‬ ‫مشوه‪ .‬التعليم الديني يقوم على النقل وال يقوم على العقل‪،‬‬ ‫اجترار التفسيرات القديمة وع ّدها معاصرة‪ ،‬وهذا غير صحيح‪،‬‬

‫ً‬ ‫مشروعا‪ ،‬وسأتحدث اآلن في الجزئيات‪،‬‬ ‫اإلمام‪ ،‬وجهت لي نقدً ا‬ ‫قواعد الصحة العامة‪ ،‬لن أطبقه‪ ،‬وهناك متون متعددة ال يجوز‬ ‫تطبيقها اآلن‪ ،‬فات أوانها‪ .‬من هنا‪ :‬المدخل للتجديد الديني هو‬

‫االنتقال من نقد السند إلى نقد المتن‪ ،‬هذه رسالتي لكم‪.‬‬

‫والتعليم المدني يقوم على معلومات تافهة‪ .‬هذا الفصل بين‬ ‫التعليم الديني والمدني إحدى المشكالت‪ ،‬ال بد من ّ‬ ‫فض‬

‫الخرافات التي تنسب لمصادر دينية‪ ،‬وهي ليست كذلك‪.‬‬

‫قائم على تأسيس العقل العلمي الناقد الذي يطرح كل شيء‬

‫الجماعات المتطرفة‪ ،‬التي تضفي الشرعية الدينية على أهدافها‬

‫هذه االزدواجية في التعليم ليصبح هناك نظام تعليمي واحد‬ ‫للمساءلة‪ ،‬وليس على العقل االتباعي الذي يقوم على التلقين‬

‫والحفظ‪.‬‬

‫ثانيًا‪ :‬كيف يمكن لألزهريين إعمال العقل في تفسير وتأويل‬

‫النصوص الدينية؟ هذا هو التحدي‪ ،‬هم ال يمارسون إعمال العقل‪.‬‬

‫خطورة الهوية اإلسالمية المتخيلة‬ ‫تظهر حين تتحول إلى حركات «أصولية»‬ ‫لها قيادات وقواعد على األرض‪،‬‬ ‫وتسعى إلى تغيير المجتمعات‪ ،‬سواء‬ ‫بالدعوة أم بالعنف‬ ‫معدل األمية في مصر ‪ ،%26‬و‪ 26‬مليون‬ ‫مصري تحت خط الفقر‪ ،‬و‪ 18‬مليو ًنا‬

‫إن التعليم الديني التقليدي أكثر استعدادًا لقبول وتصديق‬

‫إضافة إلى آلية التأويل المنحرف للنصوص الدينية التي تطبقها‬ ‫وأساليبها اإلجرامية‪ ،‬ومن بينها استحالل أموال غير المسلمين‪،‬‬

‫وشرعية قتلهم سعيًا وراء تحقيق هدفهم األسمى وهو االنقالب‬ ‫على الدول العلمانية‪ ،‬وتأسيس الدول الدينية التي تقوم على‬

‫الفتوى وليس على التشريع‪ ،‬تحت رقابة الرأي العام‪ ،‬بواسطة‬

‫مجالس نيابية منتخبة في سياق نظام ديمقراطي يقوم أساسً ا‬ ‫على االنتخابات الدورية وتداول السلطة‪ ،‬وحرية التفكير والتعبير‬

‫والتنظيم وسيادة القانون‪.‬‬

‫تنقية المناهج من الخزعبالت‬

‫ـــــ‬

‫مستمر؟‬

‫كيف السبيل لإلصالح والتعليم الديني التقليدي‬

‫ال بد من تنقية المناهج األزهرية في المعاهد والكليات من‬

‫الخزعبالت والحكاية الخرافية‪ ،‬والقيام بثورة معرفية تركز على‬ ‫هذه المناهج العتيقة البالية‪ ،‬سواء في المعاهد األزهرية التي‬

‫يعيشون في العشوائيات‪ ،‬وهذا يشكل‬

‫تخصصت في تعليم الفكر الديني‪ ،‬أم في مؤسسات التعليم‬

‫غزو عقولها البسيطة باألفكار المتطرفة‬

‫مستنير‪ ،‬ثانيًا ال بد من التطبيق الدقيق لقواعد التفسير وقواعد���

‫كارثة ثقافية‪ ،‬هذه ماليين من السهل‬

‫المدني الزاخرة بقشور العلم‪ ،‬التي ال محل فيها لفكر ديني‬

‫التأويل بشكل عصري‪.‬‬

‫‪87‬‬


‫حوار‬

‫إن هذه الثورة المعرفية المقترحة لها أركان أساسية‪ ،‬أهمها‬

‫على اإلطالق تأسيس العقل النقدي الذي يطرح كل الظواهر‬

‫االجتماعية والثقافية والطبيعية للمساءلة وفق قواعد التفكير‬ ‫ّ‬ ‫المسلم بها في علوم الفلسفة والمنطق‪ .‬وتشت ّد الحاجة‬ ‫النقدي‬

‫إلى تكوين العقل النقدي بعد ثورة المعلومات التي أدت إلى‬

‫تدفقها في كل المجاالت المعرفية على شبكة اإلنترنت؛ مما‬ ‫يستدعي في المقام األول عقلاً نقديًّا؛ ألن المعلومات ال تكوّن‬ ‫معرفة‪ ،‬ومن هنا أهمية تصنيف هذا الفيض من المعلومات‬ ‫للتفرقة بين الصحيح والزائف والمتحيّز والموضوعي‪ .‬والركن‬ ‫الثاني تجسير الفجوة بين العلوم الطبيعية والعلوم االجتماعية‬

‫على أساس مبدأ وحدة العلوم‪ ،‬والركن الثالث هو الدراسة‬ ‫العلمية للسلوك الديني لمعرفة صوره وأنماطه السوية‬ ‫والمنحرفة على السواء‪ .‬والركن الرابع واألخير استخدام‬

‫االكتشافات الجديدة في علم اللغة والمنهجيات المستحدثة في‬

‫تحليل الخطاب لتأويل اآليات القرآنية حتى تتناسب أحكامها مع‬ ‫روح العصر‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫‪88‬‬

‫أال تعتقد أن سطوة الفكر السلفي المتطرف والمتشدد‬

‫في الشارع العربي تؤشر إلى هزيمة المثقفين والقيم الثقافية‬ ‫الليبرالية؟‬

‫ال‪ ،‬الفكر السلفي جيوب فكرية متخلفة‪ ،‬مقضي عليها‬

‫بالزوال؛ ألنها مخالِفة لروح العصر‪ ،‬ومخالِفة للفهم الصحيح‬ ‫للدين اإلسالمي‪ .‬في مناقشتي مع شيخ األزهر الدكتور أحمد‬ ‫الطيب قلت له‪ :‬أنا أرى التركيز في الحوار مع العالم على‬

‫المقاصد العليا لإلسالم؛ القيم األساسية لإلسالم في الحرية‬

‫والعدالة والكرامة اإلنسانية‪ .‬وأضفت أنه في سورة الحجرات‬ ‫هناك آية يقول فيها المولى عز وجل‪} :‬يا أيها الناس إنا خلقناكم‬ ‫من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند‬

‫الله أتقاكم إن الله عليم خبير{ [الحجرات‪ ،]13 :‬يمكن أن تصبح‬

‫أيقونة لحوار الحضارات لو طرحناه على العالم‪ ،‬الله عز وجل‬

‫الملمح العربي األساسي انهيار الدولة‬ ‫الوطنية‪ ،‬والتحدي المطروح على‬ ‫المشهد اآلن والمهمة الكبرى‪ :‬هل‬ ‫سنستطيع إقامة وبناء الدولة الوطنية‬ ‫مرة أخرى‪ ،‬أم ال؟‬ ‫يقول‪} :‬جعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا{ ال لتتقاتلوا‪ ،‬وليس‬

‫لكي يحارب المسلمون العالم كله ليدخلوه في اإلسالم‪ ،‬هذا‬ ‫مضاد لروح اإلسالم‪ ،‬ومن ثم عند الحوار مع اآلخر نذكر له هذه‬

‫اآلية القرآنية التي تصلح شعارًا لحوار الحضارات‪.‬‬ ‫َ‬ ‫فريق من الناس‪ ،‬وليس الناس عمومً ا‪ ،‬غزت عقولهم‬ ‫البسيطة أفكا ُر السلفية الرجعية‪ ،‬وأثرت في ملبسهم‬ ‫وسلوكهم‪ ،‬وليس صحيحً ا أنهم بأغلبية تهدد األمة المصرية‪،‬‬ ‫هم أقلية وليسوا أغلبية‪ ،‬وأقلية منقرضة‪ .‬وحين تتابع الفتاوى‬

‫التافهة الجاهلة لشخص مثل ياسر برهامي تدرك أن هذا عقل‬ ‫متخلف‪ ،‬وهذه العقول المتخلفة تأثيرها سيزول مع الزمن‬

‫بارتفاع مستوى التعليم والوعي االجتماعي والثقافي‪.‬‬ ‫دولة موازية‬

‫ـــــ‬

‫ً‬ ‫فارقا بين جماعة اإلخوان المسلمين‬ ‫هل ترى‬

‫وجماعات السلفيين على اختالفها‪ ،‬مع مالحظة أن النظام‬ ‫الحالي في مصر مع الجماعات السلفية؟‬ ‫أولاً ‪ :‬ال أوافقك في أمر التحالف بين النظام والجماعات‬

‫السلفية‪ ،‬وهو أمر خارج سياق السؤال‪ ،‬وبالنسبة لإلخوان‬ ‫والسلفيين َ‬ ‫فثمَّ قواعد مشتركة بينهما تتمثل في العودة إلى‬

‫الدين وتطبيق الشريعة‪ ،‬لكن لإلخوان المسلمين خصوصية في‬ ‫هذا الشأن؛ لديهم مشروع متكامل أسميته «الهوية المتخيلة»‪،‬‬

‫الهوية اإلسالمية المتخيلة كما يتبناها اإلخوان وجماعات دينية‬

‫أخرى متطرفة‪ ،‬تتحدث عن أن هويتنا ليست عربية وال مصرية‬ ‫وال عراقية وال كويتية‪ ...‬إلخ‪،‬‬ ‫هويتنا إسالمية‪ ،‬ننتمي لإلمة‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬وهم بالتالي ال‬ ‫يعترفون بالوطن وال الوطنية‪.‬‬ ‫سيد قطب كان يقول‪« :‬الوطن‬ ‫حفنة من تراب عفن»‪ ،‬إهدار‬

‫قيمة‬

‫الوطن‬

‫والوطنية‪،‬‬

‫هم يتوحدون مع األممية‬

‫اإلسالمية‪ ،‬حلمهم تغيير النظم‬

‫العلمانية «الكافرة» ‪-‬في رأيهم‪-‬‬ ‫في الدول العربية وإقامة الدولة‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫المفكر المصري «السيد ياسين»‪ ..‬طالب النخب السياسية القديمة والجديدة بالتجديد‬

‫الدينية التي تطبق شرع الله كما يفهمونه هم؛ تمهيدً ا السترداد‬

‫االقتصادية الغربية بزعم أنها تقوم على ال ِّربا المحرم‪ ،‬وتأسيس‬

‫يحكم المسلمين في كل أنحاء العالم‪ .‬هذا هو مشروع اإلخوان‬

‫كبرى؛ ألن البنوك اإلسالمية لها تعامالت اقتصادية كثيفة مع‬

‫حكم الخالفة اإلسالمية؛ أن يكون هناك خليفة إسالمي واحد‬

‫المسلمين ومن يتبعونهم‪ ،‬وهو مختلف عن مشروع السلفيين‪.‬‬ ‫السلفيون يجترون بعض اآليات واألحاديث بطريقة متخلفة‪ ،‬أما‬

‫اإلخوان فلديهم مشروع ولديهم صالت دولية واخترقوا أماكن‬

‫كثيرة في الواليات المتحدة األميركية وأوربا‪.‬‬

‫اإلخوان جماعة سياسية في المقام األول وليست جماعة‬

‫إسالمية‪ ،‬ومنظمة تنظيمً ا حديديًّا يقوم‬

‫على السمع والطاعة والبيعة للمرشد‬

‫العام‪ ،‬تنظيمها الداخلي يشكل دولة‬

‫موازية للدولة القائمة‪ .‬المرشد العام هو‬

‫رئيس الجمهورية‪ ،‬ومكتب اإلرشاد هو‬

‫مجلس الوزراء‪ ،‬ومجلس الشورى هو مجلس‬

‫النواب‪ ،‬ورؤساء المكاتب اإلدارية بالمحافظات‬

‫هم المحافظون‪ ،‬ورؤساء الشعب هم الحكم‬

‫المحلي‪ .‬دولة موازية‪ ،‬لديها مشروع سياسي‬

‫يقوم على تغيير الدول بالعنف أو القوة أو بطرق‬

‫سلمية باالنتخابات‪ ،‬واسترداد الخالفة اإلسالمية‪.‬‬

‫لو عدت إلى تصريح الدكتور محمد بديع المرشد‬

‫ما أطلقوا عليه «االقتصاد اإلسالمي»‪ ،‬وهو في الواقع خدعة‬ ‫البنوك الرأسمالية الربوية‪ .‬واألساس الرابع ويقوم على «ذهنية‬ ‫التحريم»‪ ،‬لو استخدمنا عنوان الكتاب الشهير للفيلسوف‬

‫السوري صادق جالل العظم‪ ،‬وهي التي أطلق عليها في عهد‬

‫الرئيس اإلخواني محمد مرسي «أسلمة المجتمع»‪ ،‬بمعنى فرض‬ ‫قيود صارمة على السلوك االجتماعي للمواطنين‪،‬‬ ‫وممارسة الرقابة على األعمال الفكرية واألدبية‬ ‫والفنية‪ ،‬ويمارس فيه التحريم بكل تزمُّت من‬ ‫خالل مصادرة الكتب واألعمال الفنية وي ّتهم‬ ‫أصحابها بالكفر والردّة عن اإلسالم‪ .‬وأخي ًرا‬ ‫األساس الخامس ‪-‬وهو أخطرها جميعً ا‪-‬‬

‫ألنه يتعلق بالقيم ورؤية العالم التي‬ ‫تنحصر لدى المؤمنين بهذا المشروع‬ ‫ّ‬ ‫وتحكمه في‬ ‫في استعادة الماضي‬ ‫الحاضر‪ ،‬بما في ذلك رفض الحداثة‬

‫ً‬ ‫وخصوصا الحداثة الفكرية‬ ‫الغربية‪،‬‬

‫التي شعارها أن‪« :‬العقل ‪-‬وليس النص‬

‫ّ‬ ‫محك الحكم على األشياء»‪.‬‬ ‫الديني‪ -‬هو‬

‫العام لإلخوان المسلمين بعد أن حصل حزب الحرية والعدالة‬

‫وخطورة الهوية اإلسالمية المتخيَّلة تظهر حين تتحول إلى‬

‫التحقق وبعد أن نتمكن سنصبح أساتذة العالم»‪ .‬هذا حلمهم‪.‬‬

‫تغيير المجتمعات‪ ،‬سواء بالدعوة أم بالعنف‪ .‬وهذا العنف‬ ‫مارس ْته الحركات األصولية اإلسالمية بالفعل في الستينيات‬

‫مجلسي الشعب‬ ‫اإلخواني وحزب النور السلفي على األغلبية في‬ ‫َ‬ ‫والشورى‪ ،‬صرح قائلاً ‪« :‬يبدو أن حلم حسن البنا قد قارب على‬ ‫وكذلك عندما نجح محمد مرسي في االنتخابات الرئاسية التقاه‬ ‫محمد بديع وقبّل رأسه وقال‪« :‬أحلك من البيعة»‪ ،‬والحقيقة‬ ‫أنه لم يحله من البيعة؛ إذ اكتشفنا أن مكتب اإلرشاد هو من كان‬

‫يدير البالد بأوامر ملزمة لمرسي؛ ألن مرسيًا كان تابعً ا للمرشد‬

‫رئيسا للجمهورية‪.‬‬ ‫حتى بعد أن أصبح ً‬

‫ـــــ‬

‫حركات «أصولية» لها قيادات وقواعد على األرض‪ ،‬وتسعى إلى‬

‫في مصر وغيرها من الدول اإلسالمية‪ ،‬وترتب عليه سقوط‬ ‫مئات الضحايا‪ ،‬وقد تحول في السنوات األخيرة على يد تنظيم‬

‫«القاعدة» بقيادة أسامة بن الدن‪ ،‬ومؤخ ًرا في صورة «الخالفة‬ ‫اإلسالمية» التي يتولى قيادتها اإلرهابي أبو بكر البغدادي إلى‬ ‫إرهاب معولم يوجه ضرباته للمسلمين وغير المسلمين في‬

‫مختلف بالد العالم‪ .‬بعبارة أخرى‪ :‬الخطورة تتمثل في تحول‬

‫ما األسس التي تقوم عليها هذه الهوية اإلسالمية‬ ‫اً‬ ‫ومستقبل؟‬ ‫المتخيَّلة؟ وما الذي تحمله من خطورة اآلن‬

‫حركات أصولية تعتمد العنف وسيلة رئيسة لها للوصول إلى‬

‫واعتماد الشورى نظامً ا سياسيًّا ‪-‬وإن كانت جماعات اإلخوان‬

‫وأخطر من ذلك كله محاولة غزو العالم كله لكي يدين‬

‫تقوم على أسس عدة‪ ،‬أهمها رفض الديمقراطية الغربية‬

‫هذه الجماعات التي تعتنق الهوية اإلسالمية المتخيَّلة إلى‬

‫السلطة وتحكيم شرع الله كما يفهمونه هم‪.‬‬

‫والسلفيون عدلوا من موقفهم من رفض الديمقراطية سعيًا‬

‫باإلسالم حتى لو تحقق ذلك باإلرهاب الذي يترتب عليه عادة‬

‫الرئاسية كما أشرنا‪ .‬واألساس الثاني للهوية اإلسالمية المتخيَّلة‬

‫لمفهوم األصولية ودراسة مختلف تجلياته في الواقع له أهمية‬

‫للوصول إلى عضوية المجالس البرلمانية المنتخبة واالنتخابات‬

‫سقوط مئات الضحايا األبرياء‪ .‬وفي تقديرنا‪ :‬أن التحديد الدقيق‬

‫يتمثل في مكو ٍِّن معرفي أطلقوا عليه «أسلمة المعرفة»‬ ‫بمعنى االستحواذ على المعرفة الغربية في العلوم االجتماعية‬

‫تدور بين الجماعات اإلرهابية اإلسالمية والنظم السياسية‬

‫حتى يصبغها بصبغة إسالمية‪ .‬واألساس الثالث هو رفض النظرية‬

‫التخطيط للمستقبل بمعنى تكاتف جهود الدول لمحاربة‬

‫وأسلمتها‪ ،‬بمعنى إعطاء خالصات لهذه المعرفة لكاتب إسالمي‬

‫قصوى‪ ،‬ليس في فهم الصراعات الدموية في الحاضر التي‬ ‫العربية واإلسالمية القائمة أو الدول الغربية فحسب‪ ،‬بل في‬

‫‪89‬‬


‫حوار‬

‫اإلرهاب وللتخطيط المستقبلي إلشباع حاجات الشعوب المادية‬

‫ومقاالت عدة في هذا المجال‪ ،‬فإن أهم ما فيه في الواقع هو‬

‫الشديدة‪.‬‬

‫ألسابيع عدة على صفحات جريدة «األهرام»‪ .‬هذه المناظرة لم‬

‫والمعنوية للقضاء النهائي على المشروع األصولي بمخاطره‬

‫ـــــ‬

‫أشرت في أكثر من موضع في كتاباتك إلى تشابه نظام‬

‫أخطط لها‪ ،‬وبدأت بمقالة نقدية عنوانها «الحركة اإلسالمية‬ ‫بين حلم الفقيه وتحليل المؤرخ»‪ ،‬وسرعان ما ر ّد عليها الشيخ‬

‫اإلخوان المسلمين مع نظام والية الفقيه في إيران‪ ،‬هل ذلك‬

‫القرضاوي بمقالة حاول فيها تفنيد آرائي حول أوهام إحياء نظام‬

‫ال‪ ،‬لقد قلت‪ :‬إن نظام اإلخوان أ��به بنظام والية الفقيه‬ ‫ولكن على الطريقة الس ّنيّة‪ .‬لماذا تطرقت لهذا األمر؟ ألن اإلخوان‬

‫والخليفة»‪ ،‬واختتم الشيخ القرضاوي المناظرة بمقال أخير له‬ ‫عنوانه‪« :‬تعقيب حول مقال اإلمبراطورية والخليفة»‪.‬‬

‫يريدون إقامتها وأرسلوه إلى المثقفين المصريين‪ ،‬وكنت من‬

‫الفكر النظري لجماعة اإلخوان إلى فكر إرهابي يقوم على تكفير‬

‫وراء تقارب اإلخوان وإيران؟‬

‫ً‬ ‫مشروعا حول تصوراتهم للدولة التي‬ ‫قبل ثورة ‪ 25‬يناير عملوا‬ ‫بين المثقفين الذين تلقوا نسخة من المشروع‏‪،‬‏ واكتشفت من‬

‫واقع النصوص أنه ليس سوى مشروع لتأسيس دولة دينية في‬ ‫مصر في ضوء مذهب والية الفقيه على الطريقة السنية‏؛ إذ َّ‬ ‫نص‬ ‫المشروع على تشكيل مجلس أعلى للفقهاء ُتعرض عليه قرارات‬ ‫رئيس الجمهورية وقرارات المجالس النيابية إلقرارها‏‪ ،‬فإنْ وافق‬

‫‪90‬‬

‫تسجيل دقيق للمناظرة التي دارت بيني وبين يوسف القرضاوي‬

‫الخالفة اإلسالمية‪ ،‬و َر َددْت عليه بمقال عنوانه‪« :‬اإلمبراطورية‬

‫هذه المناظرة كانت حوارًا فكريًّا‪ ،‬مقدمة رصدي لتحول‬

‫ً‬ ‫وخصوصا‬ ‫غير المسلمين‪ ،‬بل على تكفير المسلمين أنفسهم‪،‬‬

‫الحكام الذين ال يحكمون بالشريعة اإلسالمية والجماهير‬ ‫المسلمة التي تستسلم لهم وال تخرج عليهم‪ .‬وقد تب َّنت هذا‬ ‫الفكر التكفيري جماعتان إرهابيتان مصريتان هما‪ :‬جماعة‬

‫«الجهاد»‪ ،‬و«الجماعة اإلسالمية»‪ ،‬اللتان قامتا بأعمال إرهابية‬

‫كان بها‪ ،‬وإن لم يوافق فال‪ .‬وقد تخلصت الجماعة من هذا البند‬ ‫في المشروع بعد ِّ‬ ‫ً‬ ‫عنيفة على هذا النص‪ ،‬لكن‬ ‫انتقادات‬ ‫تلقيها‬ ‫ٍ‬

‫وهناك كتابات نقدية مبكرة لغيري أبرزهم عبدالرحيم علي‪،‬‬

‫التأويل المنحرف‬ ‫َ‬ ‫تتبعت النماذج‬ ‫في كتابك «نقد الفكر الديني»‬

‫اإلرهابية والمتطرفة‪ ،‬وله كتب في نقد الفكر الديني مبكرة جدًّا‬ ‫عن اإلخوان المسلمين وغيرها‪ ،‬وهناك ُك َّتاب آخرون‪ ،‬لقد حُ ِّل َلت‬

‫اإلخوان المسلمين إلى جحيم داعش مرورًا بالفكر التكفيري‬ ‫لجماعات مثل جماعة الجهاد والجماعة اإلسالمية»‪ ،‬أَ َما من‬

‫إرهابية تتستر وراء آيات قرآنية وأحاديث وتمارس «التأويل‬

‫بعد أن كانت قد كشفت النقاب عن وجهها الحقيقي‏‪.‬‏‬

‫ـــــ‬

‫المتعددة للفكر الديني‪ ،‬التي لخصتها في عبارة «من يوتوبيا‬

‫سبيل لحل إشكاليات الفكر الديني؟‬ ‫ٍ‬

‫الفكر الديني متعدد؛ هناك فكر محافظ‪ ،‬وآخر متشدد‪،‬‬

‫وآخر إصالحي وتجديدي‪ ...‬إلخ‪ ،‬هناك مراوحة كاملة من‬

‫التباينات واالختالفات في الفكر الديني‪ ،‬الشيخ محمد عبده‪،‬‬ ‫والشيخ عبدالمتعال الصعيدي‪ ،‬والشيخ علي عبدالرازق‪ ،‬كانوا‬ ‫ً‬ ‫متطرفا‪ ،‬بل هو إمام‬ ‫من المجددين‪ ،‬سيد قطب كان تكفيريًّا‬ ‫المكفرين وصاحب نظرية التكفير األساسية‪ ،‬إذن هناك تعدد‬

‫وفروق فيما يسمى الفكر الديني‪.‬‬

‫ُ‬ ‫مارست نقدً ا للتوجهات المتطرفة في هذا الفكر التي لو‬ ‫وقد‬

‫تحققت ألدت إلى تفكك الدول العربية والتغيير القسري لهويتها‬ ‫ُ‬ ‫وبدأت هذا المشروع النقدي في‬ ‫الوطنية وتوجهاتها القومية‪.‬‬

‫منتصف التسعينيات من القرن العشرين‪ ،‬وجمعت أبحاثي في‬

‫هذا المجال في كتاب من جزأين عنوانه‪« :‬الكونية واألصولية‬ ‫ْ‬ ‫نشرته في‬ ‫وما بعد الحداثة‪ :‬أسئلة القرن الحادي والعشرين»‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وخصصت الجزء الثاني‬ ‫المكتبة األكاديمية بالقاهرة‪.‬‬ ‫عام ‪1996‬م‬

‫ألبحاثي النقدية للفكر الديني وجعلت عنوانه «أزمة المشروع‬ ‫ً‬ ‫أبحاثا‬ ‫اإلسالمي المعاصر»‪ .‬وعلى الرغم أن هذا الجزء ضم‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫عدة كان أبرزها واقعة ذبح السياح في مدينة األقصر‪.‬‬

‫الذي كان يكتب منذ الستينيات وجمع وثائق عديدة عن الجماعات‬

‫الظاهرة ُ‬ ‫وت ِّ‬ ‫وصل إلى ُصلبها‪ ،‬كاشفة أن هذه الجماعات جماعات‬

‫المنحرف والتأويل الخاطئ»‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫ما مصير إستراتيجيتك الثقافية التي طرحتها منذ ما‬

‫يقرب من عامين إلصالح المنظومة الثقافية المصرية؟‬ ‫لاً‬ ‫ه ــذه اإلس ـت ــرات ـي ـج ـي ـ ــة خ ـض ـع ــت ل ـحـ ـ ــوار مجتمعي؛ أو وزير‬ ‫الثقافة السابق الدكتور جابر عصفور كوّن لجنتين متخصصتين‪،‬‬

‫ُ‬ ‫قمت بطرح اإلستراتيجية أمامهما وجرت مناقشتها‪ ،‬ثم طبع منها‬ ‫آالف من النسخ ُ‬ ‫وعرضت على الشباب إلجراء ح ـ ـ ــوار مجتمعـ ـ ــي‪،‬‬ ‫ونتـ ـ ــائج هـ ـ ــذه الحوارات موجودة في الوزارة‪ ،‬لكن لم تستكمل‬ ‫العملية ومن ثم لم تخرج الحوارات بوثيقة عمل‪ .‬وعقب خروج‬ ‫جابر عصفور من الوزارة ومجيء وزير آخر انتهى األمر‪ ،‬كالعادة‪،‬‬

‫نظرية اإلسالم الليبرالي نظرية أميركية‬ ‫تستهدف إمكانية إنشاء إسالم ليبرالي‬ ‫لتجنيد شركاء إسالميين معتدلين لتنفيذ‬ ‫المخطط األميركي في المنطقة‪.‬‬


‫المفكر المصري «السيد ياسين»‪ ..‬طالب النخب السياسية القديمة والجديدة بالتجديد‬

‫ليس هناك استمرارية؛ الوزير الجديد ال‬

‫ـــــ‬

‫يستكمل مشروعات الوزير السابق ويبدأ من‬

‫تقليد ًّيا ويفرض سيطرته على الخطاب‬

‫الصفر‪ ،‬تقليد بيروقراطي مصري أصيل‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫وماذا إذا كان هذا الخطاب الثقافي‬

‫الحداثي العصري؟‬

‫كيف تقرأ المشهد الثقافي المصري‬

‫نعم‪ ،‬هناك خطاب تقليدي يتبناه‬

‫أقرؤه كما قلت في اإلستراتيجية‬

‫يبسط رواقه على مختلف جنبات المجتمع‬

‫اآلن؟‬

‫مثقفون من اتجاهات فكرية شتى‪ ،‬وهو‬

‫الثقافية المنشورة‪ ،‬أنه في ضوء المؤشرات‬

‫االجتماعية‪ ،‬نرى التالي‪ :‬معدل األمية في‬

‫العربى‪ ،‬ويخوض معركة شرسة مع‬ ‫علي عبدالرازق‬

‫الخطاب العصري الذي يتبناه مثقفون من‬

‫مصر ‪ ،%26‬و‪ 26‬مليون مصري تحت خط‬ ‫ً‬ ‫مليونا يعيشون في العشوائيات‪ ،‬وهذا يشكل كارثة‬ ‫الفقر‪ ،‬و‪18‬‬

‫للخطاب التقليدي أنه يتشبَّث بالماضي‪ ،‬وهذا الماضي المختار‬

‫المتطرفة‪ ،‬من هنا جاء عنوان اإلستراتيجية‪« :‬نحو سياسة‬

‫من مواجهة الواقع‪ ،‬وال يعترف بالتغيرات العالمية‪ ،‬أو على‬

‫ثقافية‪ ،‬هذه ماليين من السهل غزو عقولها البسيطة باألفكار‬ ‫ثقافية جماهيرية»‪ ،‬بمعنى أننا ما لم نصل إلى الماليين في‬

‫القرى والنجوع فال أمل‪ ،‬من خالل قصور الثقافة‪ ،‬مع تطويرها‬

‫وتكوين كوادر ثقافية مدربة في وزارة الثقافة‪ ،‬تعود إلى قصرها‬ ‫لتؤدي مهامها في نشر فكرة اإلسالم الوسطي والوعي الثقافي‬

‫واالجتماعي‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫ً‬ ‫إمكانية لتطبيق إستراتيجيتك الثقافية؟‬ ‫هل ترى‬

‫لو أن هناك إرادة سياسية أو إرادة ثقافية حتمً ا كانت‬

‫ستتوافر اإلمكانية لتطبيقها‪.‬‬ ‫ً‬ ‫المتابع للحركة الثقافية العربية والمصرية أيضا يرى‬

‫ـــــ‬

‫مشارب فكرية مغايرة‪ .‬والسمات األساسية‬

‫المتخيل يختلف بحسب هوية منتج الخطاب‪ ،‬وهو خطاب يهرب‬ ‫األقل يحاول التهوين من شأنها‪ ،‬أو يدعو بصورة خطابية للنضال‬ ‫ضدها ومن غير أن يعرف القوانين التي تحكمها‪ ،‬ومن سماته‬ ‫إلقاء مسؤولية القصور واالنحراف على القدر أو على الضعف‬

‫البشري أو على األعداء‪ ،‬وهو في ذلك عادة ما يتبنى نظرية‬ ‫تآمرية عن التاريخ‪ ،‬وهو أخي ًرا ينزع ‪-‬في بعض صوره البارزة‪ -‬إلى‬ ‫ّ‬ ‫بغض النظر عن‬ ‫اختالق عوامل مثالية يحلم دعاته بتطبيقها‪،‬‬

‫إمكانية التطبيق‪ ،‬أو بُعدها عن الواقع‪.‬‬

‫أما الخطاب العصري فهو خطاب عقالني‪ ،‬يؤمن بالتطبيق‬

‫الدقيق للمنهج العلمي‪ ،‬وعادة ما يتبنى رؤية نقدية للفكر‬

‫وللمجتمع وللعالم‪ ،‬وهو خطاب مفتوح أمام التجارب اإلنسانية‬

‫ً‬ ‫انقساما بين المثقفين حول ما يجري في المنطقة العربية‪...‬‬

‫المتنوعة يأخذ منها بال عقد‪ ،‬ويرفض بعضها من موقع الفهم‬

‫ال مشكلة في ذلك؛ ألن هذا منطقي؛ الختالف‬

‫التاريخية الكبرى‪ ،‬كما أنه يعرف أنه في عالم السياسة ليست‬

‫الثورات‪ 25 ،‬يناير وغيرها‪ ،‬ألم تكن هناك انقسامات بين المثقفين‬

‫من أن الحقيقة نسبية وليست مطلقة‪ ،‬وأن السبيل لمعرفتها هو‬

‫ما تفسيرك لذلك؟‬

‫األيديولوجيات السياسية وتقدير المواقف واألحداث‪ ،‬قبل‬ ‫العرب؟ بالطبع كان هناك انقسامات حول الوحدة والقومية‬

‫العربية‪ ،‬الطريق نحو التنمية االشتراكية‪ ،‬غزو العراق للكويت‪،‬‬ ‫تيارات اإلسالم السياسي‪ .‬االنقسامات موجودة‬

‫وفي كل المجتمعات بما فيها المجتمعات‬

‫الغربية؛ في فرنسا يوجد يمين ووسط‬

‫ويسار‪ ،‬فهذا وضع طبيعي‪ ،‬وليس انقسامً ا‬

‫لكن تيارات سياسية متصارعة‪ ،‬والمثقف‬

‫حسب أيديولوجيته وتكوينه الثقافي وتربيته‬

‫وقراءاته وانحيازاته يتخذ مواقفه‪ .‬إن ثورة ‪25‬‬ ‫ٌ‬ ‫إجماع عليها؛ هناك المؤيدون‬ ‫يناير ليس هناك‬

‫وهناك المعارضون‪ ،‬وهناك المتشككون‪ ،‬وهذا‬

‫منطقي في أي ظاهرة تاريخية أو سياسية أن تحدث‬

‫اختالفات في التقييم‪.‬‬

‫واالقتدار والثقة بالنفس‪ ،‬وال يخضع إلغراءات نظرية المؤامرة‬ ‫هناك عداوات دائمة أو صداقات خالدة‪ ،‬إضافة إلى أنه ينطلق‬ ‫الحوار الفكري والتفاعل الحضاري‪ ،‬وال يدعو لمقاطعة العالم أو‬ ‫االنفصال عنه‪ ،‬وال يدعو إلى استخدام القوة والعنف‪ ،‬وال يمارس‬ ‫ُ‬ ‫اإلرهاب المادي أو الفكري‪.‬‬ ‫دعاته‬ ‫َ‬ ‫اإلسالم الليبرالي‬

‫ـــــ‬

‫ً‬ ‫أيضا مسألة‬ ‫أثرت في كتاباتك‬

‫وجود نظرية اإلسالم الليبرالي‪ ،‬وهي‬ ‫أميركية باألساس‪ ،‬أين تكمن جذورها‬ ‫وماذا كان المستهدف منها؟‬

‫إن نظرية اإلسالم الليبرالي نظرية‬

‫أميركية تستهدف إمكانية إنشاء‬ ‫إسالم ليبرالي لتجنيد شركاء‬

‫إسالميين معتدلين لتنفيذ المخطط‬

‫‪91‬‬


‫حوار‬

‫األميركي في المنطقة‪ ،‬واألب الحقيقي للنظرية هو عالم‬

‫األمن القومي بمؤسسة راند األميركية‪ ،‬الذي صدر عام ‪2003‬م‬

‫اإلسالمية‪ :‬نقد لأليديولوجيات التنموية» الصادر ‪1978‬م‪ ،‬وهو‬

‫واإلستراتيجيات»‪ .‬والغرض من هذه النظرية تسويغ شرعية‬

‫السياسة األميركي المعروف «ليونارد بايندر» في كتابه «الليبرالية‬

‫دراسة للعالقة بين الليبرالية اإلسالمية والليبرالية السياسية‪،‬‬ ‫يضع فيها المؤلف في اعتباره الرأي الذي مؤدَّاه أن العلمانية‬ ‫تنخفض معدالت قبولها‪ ،‬ومن المستبعد أن تصلح أساسً ا‬

‫أيديولوجيًّا لليبرالية السياسية في الشرق األوسط‪ .‬ويتساءل فيما‬

‫إذا كان من الممكن بلورة ليبرالية إسالمية‪ ،‬ويخلص إلى أنه بغير‬

‫تيار قوي لليبرالية اإلسالمية فإن الليبرالية السياسية لن تنجح في‬

‫الشرق األوسط‪ ،‬بالرغم من ظهور دول بورجوازية‪.‬‬

‫وقد تبلورت هذه النظرية في التقرير اإلستراتيجي ال��طير‬

‫الذي كتبته الباحثة «شيرلي بينارد» التي تعمل في قسم‬

‫هناك خطاب تقليدي يتبنَّاه مثقفون‬ ‫من اتجاهات فكرية شتى‪ ،‬وهو يبسط‬ ‫رواقه على مختلف جنبات المجتمع‬ ‫العربي‪ ،‬ويخوض معركة شرسة مع‬ ‫الخطاب العصري الذي يتبناه مثقفون‬

‫‪92‬‬

‫من مشارب فكرية مغايرة‬

‫بعنوان «اإلسالم المدني الديمقراطي‪ :‬الشركاء والموارد‬ ‫اإلخوان المسلمين في الحكم؛ ألن اإلخوان في نظر األميركان‬

‫معتدلون بالمقارنة مع الجماعات المتطرفة واإلرهابية األخرى‪.‬‬

‫ومن هنا كان تأييدهم لحكم اإلخوان وغضبهم وعدم اعترافهم‬ ‫بثورة ‪ 30‬يونيو‪ ،‬ثم إزاحتهم من الحكم في ‪ 3‬يوليو‪ .‬كان الحلم‬ ‫األميركي هو التحالف مع اإلخوان كحائط صد ضد داعش‬

‫والحركات المتطرفة واإلرهابية األخرى‪ ،‬بزعم أن اإلخوان أقل‬ ‫ً‬ ‫تطرفا وأكثر اعتدالاً ‪ ،‬وهذا وهم من األوهام‪.‬‬ ‫انهيار الدولة الوطنية‬

‫ـــــ‬

‫كيف ترى المشهد العربي الراهن في ضوء ما يجري‬

‫في سوريا والعراق وليبيا واليمن؟‬

‫سوف أصف لك المشهد الراهن‪ :‬بعد ‪ 25‬يناير ‪2011‬م انهارت‬

‫الدولة الوطنية العربية‪ ،‬انهيار الدول‪ ،‬سوريا وليبيا واليمن‬ ‫والعراق‪ ،‬الملمح العربي األساسي انهيار الدولة الوطنية‪،‬‬

‫والتحدي المطروح على المشهد اآلن والمهمة الكبرى‪ :‬هل‬

‫سنستطيع إقامة وبناء الدولة الوطنية مرة أخرى أم ال؟ األمر‬

‫بحاجة إلى جهود ضخمة‪ ،‬يعني سقطت ليبيا في يد القبائل‬

‫صياغة دور الدولة‬ ‫ً‬ ‫أحداثا جسيمة‪ ،‬وقال‪ :‬إن الدولة المصرية «استطاعت أن تستر ّد‬ ‫أوضح المفكر العربي السيد ياسين أن ‪ 30‬يونيو شهد‬ ‫ً‬ ‫هويتها الوطنية التي كادت أن تشوهها جماعة اإلخوان‪ ،‬وكما قلت سابقا‪ ،‬ال تؤمن بفكرة الوطن وال الوطنية‪ ،‬إنما تؤمن‬ ‫باألممية اإلسالمية؛ كالم خطير‪ .‬ما حدث في ‪ 30‬يونيو هو عودة الدولة التنموية‪ ،‬الدولة التي تخطط للتنمية وتقوم بها‬

‫بأجهزتها من دون أن تستبعد القطاع الخاص‪ ،‬فالنظام السياسي الجديد الذي انبثق من ثورة ‪ 30‬يونيو يعيد اآلن صياغة دور‬ ‫ً‬ ‫وعريضا لعودة نموذج الدولة التنموية التي رسختها ثورة يوليو ‪1952‬م‪ ،‬باعتبار أن مهمتها‬ ‫الدولة ويفسح الطريق واسعً ا‬

‫الرئيسة هي التنمية الشاملة من خالل القيام بمشروعات قومية كبرى»‪.‬‬

‫ولفت إلى أن الرئيس السيسي «بدأ هذا العصر التنموي الجديد في مصر بمشروع قناة السويس الجديدة التي اعتمد‬ ‫ً‬ ‫ساحقا‪ ،‬وعلى اإلدارة الهندسية للقوات المسلحة في‬ ‫فيها ألول مرة في تمويلها على االكتتاب الشعبي الذي نجح نجاحً ا‬

‫تنفيذه في عام واحد بدالً من ثالثة أعوام كما كان مقدرًا‪ ،‬وتم ذلك على أعلى مستوى‪ .‬وقد ُت ِّوج هذا المشروع القومي الكبير‬ ‫بافتتاح تاريخي حضره جملة من ملوك ورؤساء العالم‪ .‬وقد أعلن ً‬ ‫أيضا عن مشروع زراعة المليون ونصف المليون فدان‪،‬‬ ‫إضافة إلى مشروع بناء عاصمة جديدة‪ .‬ويعني ذلك أن الدولة التنموية عادت بأقوى مما كانت حتى في الحقبة الناصرية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫إقطاعا للنظام الخاص كما فعلت الدولة في عهد السادات أو في عصر مبارك الذي تزاوجت فيه السلطة‬ ‫ولم تعد التنمية‬ ‫مع الثروة؛ مما أدى إلى استفحال الفساد وإفقار ماليين المصريين»‪.‬‬

‫إال أن هذا ‪-‬في رأي السيد ياسين‪ -‬لن يحل المشكلة‪« ،‬إذا كانت الدولة تتجدد لدولة تنموية فإن بقية المفردات‬

‫السياسية لم تتجدد‪ ،‬األحزاب السياسية التقليدية لم تتجدد ومنظمات المجتمع المدني لم تتجدد والمثقفون والحركة‬ ‫الثقافية لم تتجدد معرفيًّا‪ ،‬والنخب السياسية لم تتجدد‪ .‬كيف تتجدد األحزاب السياسية؟ بأن تصبح أحزابًا تنموية ومواكبة‬

‫ومتناغمة مع الدولة التنموية الصاعدة‪ ،‬فال بد من قيام هذه األحزاب بثورة مؤسسية ‪-‬إن صح التعبير‪ -‬من شأنها القضاء‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫المفكر المصري «السيد ياسين»‪ ..‬طالب النخب السياسية القديمة والجديدة بالتجديد‬

‫فهل نستطيع استرداد الدولة منها؟ نفس األمر في سوريا واليمن‬

‫والعراق‪ ،‬هذا هو التحدي الحقيقي أن هناك انهيارًا في النظام‬

‫العربي نتيجة انهيار الدولة الوطنية‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫ما رأيك في قضية الصراع الشيعي السني‪ ،‬وهل هذا‬

‫الصراع حقيقي؟‬

‫بالطبع الصراع حقيقي؛ ألن العقائد الشيعية عقائد‬

‫منحرفة في األصل‪ ،‬لقد نقلوا الصراع القديم على الخالفة إلى‬ ‫ً‬ ‫مطلقا‪،‬‬ ‫الحاضر‪ ،‬يعني الهجوم على الصحابة أمر غير مقبول‬ ‫مذهب والية الفقيه غير مقبول سنيًّا؛ هناك خالفات في المعتقد‬

‫الديني‪ ،‬وهناك خالفات سياسية في شكل الحكم‪ ،‬في إيران‬ ‫هناك ما يسمى «مجلس تشخيص مصلحة النظام»‪ ،‬و«المرشد‬

‫األعلى»‪ ،‬و«الولي الفقيه»‪ ،‬هذا غير موجود في الفكر السني‪ ،‬في‬ ‫ً‬ ‫صراعا؛ ألنه‬ ‫الفكر السني هناك الخليفة‪ .‬وهذا بالطبع يستدعي‬

‫خالفات جوهرية في العقائد الدينية‪ ،‬يعني أهل السنة ال يقبلون‬ ‫ً‬ ‫إطالقا الطعن في الصحابة‪ ،‬وجزء من الطقوس الشيعية هو‬ ‫الطعن في الصحابة‪ً ،‬‬ ‫أيضا لديهم مذهب خاص «والية الفقيه»‬

‫ال وجود له لدى أهل السنة والجماعة‪.‬‬

‫ـــــ‬

‫في رأيك‪ :‬هل تتمدد إيران في المنطقة في ظل‬

‫االنقسام بين أهل السنة؟‬

‫التمدد اإليراني يرجع إلى أمور دولية وإقليمية‪ ،‬وليس له‬

‫عالقة بوضع السنة‪ ،‬لكن له عالقة بأوزان القوى النسبية في‬

‫الدول العربية‪ ،‬هناك محظورات على إيران دوليًّا أال تتمدد على‬ ‫حساب دول أخرى‪ ،‬وهناك محظورات إقليمية ً‬ ‫أيضا عليها‪ ،‬لن‬

‫تقبل الدول باالستعمار أو االحتالل أو السيطرة من جانب إيران‪،‬‬ ‫لكن محك المسألة ميزان القوى النسبي لكل دولة وقدرتها‬

‫على إيقاف التمدد‪ ،‬هذه هي الفكرة‪ ،‬وليس لألمر عالقة بكونها‬

‫شيعية أو سنية‪.‬‬

‫نهائيًّا على البيروقراطية الحزبية‪ ،‬ووضع تقاليد رفيعة المستوى لدوران نخبة القيادات الحزبية‪ ،‬بحيث ال تبقى قيادة‬

‫حزبية ما ‪-‬أيًّا كان موقعها‪ -‬أكثر من عامين؛ سعيًا وراء تجديد دماء الحزب‪ ،‬والدفع بصفوف الشباب إلى األمام‪ ،‬وتفريخ‬

‫القيادات الحزبية التي ستصبح من خالل الممارسة هم رجال الدولة في قابل األيام‪ .‬كذلك منظمات المجتمع المدني‬ ‫التي تركز على حقوق اإلنسان على الطريقة الغربية نسيت حق اإلنسان في العمل والسكن والرعاية الصحية‪ ،‬أليس بناء‬ ‫الرئيس عبد الفتاح السيسي مساكن جديدة لسكان العشوائيات في األسمرات احترامً ا لحقوق اإلنسان‪ ،‬أم أن حقوق‬

‫اإلنسان فقط حرية التظاهر؟ هناك حقوق إنسان ثقافية واقتصادية»‪.‬‬

‫وتطرق إلى الكتاب الذي أصدره في المركز العربي للبحوث والدراسات‪ ،‬وقال‪ :‬إنه ناقش فيه «أهم المشكالت التي‬

‫تواجه الدولة التنموية الراهنة‪ ،‬وهي‪ :‬النظام السياسي وتوجهات السياسة الخارجية والسياسات االقتصادية الجديدة‬

‫والممارسة السياسية الواقع والمستقبل‪ ،‬والمشكالت االجتماعية الراهنة وسياسات الشباب واألوضاع الثقافية‬ ‫والسياسة الثقافية الجماهيرية المقترحة‪ ،‬وتطوير السياسات التعليمية‪ ،‬وترشيد السياسة اإلعالمية ودور اإلعالم في‬

‫مواجهة اإلرهاب‪ ،‬والمحليات الواقع والمأمول‪ ،‬وأخيرًا السياسات البديلة للطاقة‪ .‬إنها خريطة تحليلية ونقدية كاملة‬ ‫للمشكالت المصرية الراهنة‪ُّ ،‬‬ ‫خبير في تخصصه يقوم بالوصف الدقيق للمشكلة محل البحث باستخدام المؤشرات‬ ‫كل‬ ‫ٍ‬

‫الكمية والكيفية‪ ،‬وأن يقوم باقتراح سياسات بديلة للسياسات القائمة‪ ،‬مع اقتراح مشروعات القوانين المطلوب إصدارها‬ ‫لتطبيق السياسات المقترحة‪ .‬إذن المعارضة هنا معارضة نقدية علمية ب ّناءة وليست غوغائية أو مظاهرات»‪.‬‬ ‫ويرى ياسين أن مصر تسير على الطريق الصحيح‪« ،‬إذا تجددت المؤسسات واألحزاب والمنظمات وأصبح لدى‬

‫المثقفين فضيلة التجدد المعرفي‪ ،‬ال بد من التعرف إلى التغيرات العالمية ومنطق هذه التغيرات‪ ،‬العالم يتغير وال‬ ‫يعرفون عن هذا التغير شي ًئا‪ ،‬والنخب السياسية القديمة والجديدة ال بد أن تتجدد‪ ،‬واألحزاب ال بد أن تصبح أحزابًا‬ ‫حقيقية‪ ،‬وأن تمارس على نفسها النقد الذاتي لكي تخرج برؤية تعمل عليها ً‬ ‫وفقا للدولة التنموية التي شرعت في البدء‪.‬‬ ‫انظر إلى حزب الوفد‪ ،‬هناك انشقاقات حول زعامة الحزب»‪.‬‬

‫‪93‬‬


‫قضايا‬

‫مثقفون أرجعوا السبب إلى نظرة األنظمة‬ ‫ثانويا‬ ‫إلى الثقافة بصفتها شي ًئا‬ ‫ًّ‬

‫بال إستراتيجية ثقافية‬ ‫العرب يتلمسون طريقهم في الظالم‬ ‫صبحي موسى‬ ‫القاهرة‬

‫‪94‬‬

‫على الرغم من تأكيد وزراء الثقافة العرب أهمية التفكير اإلستراتيجي‪ ،‬وتشديدهم في‬ ‫مؤتمرهم الذي يعقد سنويًّا في إحدى العواصم العربية‪ ،‬على وجود خطط إستراتيجية‬ ‫طويلة األمد تهدف إلى رفع مستوى الوعي لدى المجتمع‪ ،‬إال أن المتأمل لواقع الثقافة‬ ‫العربية ال يكاد يلمس أي أثر لتفكير إستراتيجي‪ ،‬فهل فعلاً لدينا إستراتيجية ثقافية‬ ‫ً‬ ‫بعدا مؤسسيًّا؟ أم أن العرب يفتقدون فعلاً التفكير‬ ‫تنظم العمل الثقافي وتعطيه‬ ‫اإلستراتيجي؟‪ ...‬إذا كان األمر كذلك فما األسباب التي جعلتنا بال خطط مدروسة‬ ‫بأهداف تعمل المؤسسات على تحقيقها في مراحل منتظمة‪ ،‬ثم كيف يمكن للثقافة‬ ‫العربية أن تقوم بدورها تجاه المجتمع‪ ،‬في ظل هذا الغياب؟‬ ‫«الفيصل» لجأت إلى عدد من المثقفين العرب؛ لمعرفة إن كان لدينا إستراتيجية ثقافية‬ ‫حقيقية في بلدان العالم العربي أم ال‪ ،‬وإذا كانت موجودة فلماذا ال يتم تفعيلها؟‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫يف البدء أكد وزير الثقافة املصري األسبق الدكتور شاكر‬

‫عبدالحميد عدم وجود إسرتاتيجية ثقافية يف بلدان العالم‬

‫العربي‪ ،‬موضحً ا أن غالبية األنظمة العربية «تعدّ الثقافة‬ ‫ً‬ ‫مرتبطا بالتسلية والرتفيه‪ ،‬وليس تكوين اإلنسان‪،‬‬ ‫شي ًئا ثانويًّا‬ ‫أو أن للثقافة دورًا فعالاً يف املكون االقتصادي للدولة والبشر‪،‬‬

‫ومن ثم فهذه األنظمة تعدّ الثقافة كما يقولون‪« :‬فض‬ ‫مجالس»‪ ،‬والثقافة يف نظر كثري من املسؤولني مجرد رقص‬

‫وغناء‪ ،‬ويف بعض األحيان شعر وقصة وفن تشكييل»‪.‬‬

‫ويلفت عبدالحميد إىل أن الثقافة «هي كل ما يخص‬

‫حياة اإلنسان‪ ،‬بدءً ا من املأكل واملشرب وأدوات العمل‬ ‫وطريقة التفكري وصولاً إىل اآلداب والفنون والقيم واملفاهيم‪،‬‬

‫وبالتايل فأي إسرتاتيجية عليها أن تضع كل هذه الحسابات‬ ‫يف مخيلتها‪ ،‬لكن الواقع يخربنا بنقيض ذلك‪ ،‬ومن ثم فكل‬

‫مسؤول يتحرك وفق أهواء شخصية ورؤية يومية يحكمها‬ ‫«الشو اإلعالمي»��� ،‬أما فكرة وجود مفهوم كيل متكامل فهذا‬

‫غري وارد‪ ،‬وفكرة اإلسرتاتيجية نفسها غري موجودة»‪.‬‬

‫وأضاف عبدالحميد‪« :‬وبالرغم من ذلك فما زلت أحلم‬

‫بوجود تكامل بني بلدان العالم العربي يمكنه أن يخلق لنا‬

‫رؤية ثقافية واحدة‪ ،‬وإن كان ذلك أم ًرا يحتاج إىل سنوات‬ ‫من التعاون يك يتحقق؛ لذا فإننا يمكننا أن نبدأ بعمل‬

‫خريطة واحدة للعالم العربي‪ ،‬خريطة تخربنا باملواقع‬ ‫الثقافية املوجودة يف كل بلدان العالم العربي‪ ،‬تخربنا بكل‬

‫مواقع وقاعات الفن التشكييل وأنشطته‪ ،‬تخربنا بتباين‬ ‫املناطق العربية من الفقر إىل الغنى‪ ،‬من العشوائيات إىل‬ ‫الصحراويات‪ ،‬خريطة نرى أنفسنا من خاللها‪ ،‬وحينها سوف‬ ‫ينتبه الجميع إىل ما يجب عليهم عمله حيال ما يرونه عىل‬

‫هذه الخريطة‪ ،‬وهذه بداية وضع إسرتاتيجية ثقافية عربية‬

‫شبه موحدة‪ ،‬أو عىل األقل متالئمة مع كل هذا التنوع‬ ‫والتباين والتفاعل العربي»‪.‬‬

‫أما رئيس قسم املكتبات بجامعة حلوان والرئيس‬

‫األسبق لدار الكتب املصرية الدكتور زين عبدالهادي‪ ،‬فأوضح‬

‫شاكر عبدالحميد‪:‬‬ ‫فكرة اإلستراتيجية نفسها غير‬ ‫موجودة‪ ،‬وكل مسؤول يتحرك وفق‬ ‫أهواء شخصية ورؤية يومية يحكمها‬ ‫الشو اإلعالمي‬ ‫وتساءل عبدالهادي‪ً :‬‬ ‫إذا كيف يمكننا بناء إسرتاتيجية‬

‫للثقافة يف هذه البيئة الطاردة؟ ربما كان لدينا يف مصر يف‬ ‫نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات مثل هذه البيئة بشكل‬ ‫أو بآخر‪ ،‬فانتشرت صناعة الكتاب والسينما واملسرح واألدب‬

‫والفن التشكييل وغري ذلك‪ ،‬لكن العقل الذي بنى ذلك ليس‬

‫كالعقل املوجود اآلن‪ ،‬فهناك تحالفات سياسية دينية‪،‬‬ ‫وهناك تحالفات مذهبية وعرقية أو فئوية‪ ،‬وكلها تحالفات‬ ‫ترى يف الثقافة مجالاً للزندقة‪ ،‬وليست صناعة يمكن أن‬

‫تسهم يف العالم العربي بنسبة مئوية كبرية يف اقتصاد‬ ‫الخدمات»‪.‬‬

‫وذهب إىل أن الفكر السيايس والديني املتطرف «يلتهم يف‬

‫طريقه كل يشء‪ .‬ولم نصل بعد ‪ -‬كدول وجماعات وأفراد‪ -‬إىل‬

‫درجة من النضج التي تمكننا من التوجه نحو اقتصاد معرفة‬

‫مبني عىل مفاهيم إنسانية عظيمة؛ إذ يعاين اإلنسان العربي‬

‫من نقص شديد يف املعرفة‪ ،‬بدليل القرارات الخاطئة التي يتم‬

‫اتخاذها كل يوم‪ ،‬لذلك لم يحن بعد الوقت إلسرتاتيجيات‬

‫الثقافة؛ ألن األرض نفسها تمتئل اآلن باملطبات والغبار‬

‫واملعارك الطاحنة‪ ،‬دعنا نأمل يف املستقبل القريب أن يتفهم‬ ‫العالم العربي مدى حاجته إلسرتاتيجيات ثقافية توازي ما‬ ‫هو موجود بالعالم املتقدم وتفوقه»‪.‬‬

‫أن الثقافة تحتاج إىل دعم سيايس كبري يأيت من الدولة‬

‫ومؤسساتها الكبرية املتحكمة‪« ،‬ومن دون ذلك تظل الثقافة‬ ‫ً‬ ‫واع بقيمتها وأهميتها‪،‬‬ ‫هامشا‪ ،‬كما أنها تحتاج إىل عقل ٍ‬ ‫ومدى تأثريها يف الشارع‪ ،‬وأشك كثريًا يف وجود مثل هذا‬

‫العقل يف العالم العربي‪ ،‬وتحتاج إىل بيئة حاضنة ملفهوم‬ ‫الثقافة بكل أشكاله‪ ،‬وأشك ً‬ ‫أيضا بأن هناك يف العالم العربي‬

‫هذه البيئة‪ ،‬وإن كانت بعض دول الخليج اآلن لديها هذه‬ ‫املساحة وبشكل محدود»‪.‬‬

‫زين عبدالهادي‪:‬‬ ‫كيف يمكننا بناء إستراتيجية للثقافة‬ ‫في هذه البيئة الطاردة؟‬

‫‪95‬‬


‫قضايا‬

‫للتأسيس من جديد إلسرتاتيجيات ثقافية عربية؟ أو ربما‬ ‫مصرية أو سورية أو مغربية أو خليجية‪ّ ...‬‬ ‫كل عىل حدة؟‬ ‫وهل يمكن لهذه اإلسرتاتيجيات أن تلقى قبولاً إقليم ًّيا وعامل ًّيا؟‬

‫نديم الوزة‪:‬‬ ‫ما العوامل الممكنة لتأسيس‬ ‫إستراتيجيات ثقافية عربية؟‬ ‫الشاعر والناقد السوري نديم الوزة يرى أننا عندما‬ ‫نتحدّ ث عن إسرتاتيجيات ثقافية يف بلدان فائتة حضار ًّيا مثل‬

‫البلدان العربية‪« ،‬فإننا أمام سؤال التأسيس الذي فشلت هذه‬ ‫ً‬ ‫مجتمعة أو منفردة يف اإلجابة عنه إن كان إحيائ ًّيا مع‬ ‫البلدان‬

‫عىل ما أرى يف ّ‬ ‫ظل األنظمة الحالية‪ ،‬ومنظومات معارضاتها‬ ‫عيل اإلجابة‪ ،‬وإن كنت ما زلت ّ‬ ‫ّ‬ ‫أفكر بها!»‪.‬‬ ‫الهشة‪ ،‬يصعب ّ‬ ‫من جانبه أرجع الروايئ املصري محمد املنيس قنديل غياب‬

‫إسرتاتيجية ثقافية يف العالم العربي ككل‪« ،‬إىل أننا نعيش يف‬

‫عالم عربي مأزوم‪ ،‬وكل عوارض األزمة العربية تتجسد يف‬ ‫الثقافة‪ ،‬ومن ثم ال توجد لدينا سياسات ثقافية‪ ،‬وربما كانت‬ ‫لدينا مشروعات طموحة يف زمن ما‪ ،‬كانت لدينا مجالت‬

‫عصر النهضة أو حداث ًّيا مع املدّ القومي؛ وهذا بسبب فقدان‬

‫العوامل الذاتية واملوضوعية إلنجاح مثل هذه اإلسرتاتيجيات‪.‬‬ ‫ويبدو السؤال حاليًا أكرث تعقيدً ا يف ّ‬ ‫ظل العوملة من جهة‪،‬‬ ‫ويف ّ‬ ‫ظل األنظمة التي هي امتداد للفشل العربي وعامل من‬

‫عوامله األساسية من جهة أخرى‪ .‬بهذا املعنى يستطيع من‬ ‫يحلم بمستقبل ما أليّ من البلدان العربية املتشظية أو يف‬

‫‪96‬‬

‫طريقها إىل ذلك؛ أن يتساءل‪ :‬ما العوامل أو الحوامل املمكنة‬

‫المنسي قنديل‪:‬‬ ‫كل عوارض األزمة العربية تتجسد‬ ‫في الثقافة‪ ،‬ومن ثم ال توجد لدينا‬ ‫سياسات ثقافية‬

‫عائشة البصري‪:‬‬

‫تعد القطاع الثقافي غير منتج‬ ‫الدولة‬ ‫ّ‬ ‫من جانبها أكدت الشاعرة والروائية والفنانة التشكيلية املغربية عائشة البصري أن ما‬

‫تعرفه عن السياسات الثقافية يف البلدان العربية ال يسمح لها بإصدار أحكام‪ .‬وإن كانت‬ ‫قد الحظت يف العموم أن هناك بعض الديناميات التي تشهدها بلدان عربية‪ ،‬مثل مصر‬

‫وتونس ولبنان والجزائر وبعض البلدان يف منطقة الخليج‪ ،‬وقالت البصري‪« :‬سأتحدث عن‬

‫عائشة البصري‬

‫املغرب فقط‪ ،‬فأول مرة فكرت الدولة املغربية يف هيكلة قطاع الثقافة كان ذلك سنة ‪1968‬م‪ ،‬بإسناده إىل وزارة التعليم‪ .‬ثم‬ ‫أُلحقت بوزارة األوقاف والشؤون اإلسالمية بعد ذلك‪ .‬قبل أن يستقل قطاع الثقافة بوزارة خاصة به سنة ‪1974‬م‪ .‬الواقع أن‬

‫الشأن الثقايف يف املغرب اهتم به املجتمع املدين قبل أن تهتم به الدولة‪ .‬فقد تأسس اتحاد كتاب املغرب سنة ‪1961‬م‪ .‬وظهرت‬

‫مجالت ثقافية مستقلة منذ بداية الستينيات‪ .‬فاهتمام الدولة بالشأن الثقايف كان رد فعل‪ .‬حني أدركت أن الثقافة بدأت‬ ‫تصبح من اهتمامات اليسار املغربي‪ .‬والحديث يطول بهذا املعنى التاريخي‪ً .‬‬ ‫إذا‪ ،‬فاملغرب ظل يمتلك سياسة ثقافية تشمل‬

‫مجاالت‪ :‬الرتاث والفنون والنشر وترويج الكتاب وسوق القراءة العمومية‪ ،‬والدبلوماسية الثقافية‪ ...‬إلخ»‪.‬‬

‫وتلفت البصري إىل أن اإلخفاق الذي ظل يطبع السياسات الثقافية العمومية يف املغرب‪« ،‬يرجع إىل انعدام مشروع ثقايف‬

‫ً‬ ‫وطني من جهة‪ ،‬كما أن الدولة ظلت دائمً ا ّ‬ ‫قطاعا غري منتج‪ ،‬بالرغم من أنه استثمار يف رأس املال‬ ‫تعد القطاع الثقايف‬

‫البشري‪ .‬ما يفسر أن وزارة الثقافة ظلت تخصص لها أصغر االعتمادات املالية‪ .‬وهي أرقام يصعب أن تستجيب لتطلعات‬ ‫ومطامح الفاعلني يف املجال الثقايف املغربي»‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫بال إستراتيجية ثقافية العرب يتلمسون طريقهم في الظالم‬

‫ثقافية كربى‪ ،‬لكن كل األشياء َت َف َّت َت ْ‬ ‫ت‪ ،‬وكل بلد يحاول عىل‬ ‫حدة‪ ،‬ومن ثم حجم العمل الثقايف أصبح خاف ًتا‪ ،‬االهتمام‬

‫بالثقافة وتفعيلها بشكل عام أصبح خاف ًتا‪ ،‬نظ ًرا ألننا نعيش‬ ‫يف جزر منعزلة‪ ،‬بلدان العالم العربي جميعها تعيش يف‬

‫جزر منعزلة‪ ،‬وتعيش يف أزمة التخلف‪ ،‬إننا نكتشف كل فرتة‬ ‫ً‬ ‫تخلفا‪ ،‬وندخل كل معركة جديدة ونحن أكرث‬ ‫أننا صرنا أكرث‬ ‫ً‬ ‫تخلفا مما سبق‪ ،‬حتى يف إنتاجنا الثقايف‪ ،‬فقد صار من النادر‬

‫وجود أعمال مهمة‪ ،‬أو مجالت مهمة‪ ،‬أو مشروعات مهمة‪،‬‬

‫واإلعالم ال يروج إال لألشياء التافهة‪ ،‬التلفزيون ال يعرض‬ ‫إال املسلسالت واإلعالنات‪ ،‬كل األمور طابعها صار تجار ًّيا‪،‬‬ ‫والثقافة بمعناها املجرد لم تعد موجودة»‪.‬‬

‫وأضاف قنديل فيما يخص تمنياته للبدء يف وضع‬ ‫هذه اإلسرتاتيجية العربية الكربي قائلاً ‪« :‬كنت أتمنى أن‬

‫علوان الجيالني‪:‬‬ ‫مشكالت بنيوية عميقة تعوق‬ ‫التنمية بشكل عام وعلى رأسها‬ ‫التنمية الثقافية‬ ‫لتلك املؤسسات التي يجب بديهيًّا أن تكون ذات شخصية‬ ‫اعتبارية‪ ،‬ويتوزع نشاطها عىل كل أشكال الثقافة والتعبري‬ ‫واإلبداع بحرية كاملة وتمويل سخي رسمي وأهيل‪ .‬وتلك‬

‫توجد دار نشر عربية موحدة‪ ،‬أو مؤسسة كربى للرتجمة‬ ‫العكسية إىل اآلخر‪ ،‬بحيث تدفعنا قليلاً إىل دائرة النور‪ ،‬أو‬

‫نشهدها بني الحني واآلخر هنا وهناك أشبه ما تكون بالجزر‬

‫وتقوم بدعمها وتوزيعها يف العالم كله‪ ،‬كنت أتمنى أن‬

‫وقال‪ :‬إن وجود إسرتاتيجية ثقافية «يعني وجود‬

‫أن توجد مؤسسات تختار األعمال السينمائية الحقيقية‪،‬‬

‫توجد فرقة مسرحية جوالة يف العالم العربي ككل‪ .‬أشياء‬

‫كثرية أتصور أو أتمنى أن تحدث لكن ال توجد إسرتاتيجية‬ ‫حقيقية لفعل ذلك»‪.‬‬

‫شروط يستحيل أن تكون موجودة إال عىل شكل مبادرات‬

‫املعزولة‪ .‬وغالبًا ما تفرت وتتقهقر بعد حني»‪.‬‬

‫مجموعة مؤسسات يف شتى مجاالت العمل الثقايف تعمل‬ ‫عىل طريقة األواين املستطرقة‪ ،‬أي تتكامل جهودها وترتادف‬

‫اشتغاالتها لتؤدي وظيفتها عىل نحو مكتمل‪ ...‬ناهيك عن‬

‫ورفض الشاعر والناقد اليمني علوان الجيالين الحديث‬

‫كونها ذات رسالة من شقني؛ شق يتوجه إىل الداخل‪ ،‬وشق‬

‫العربية كل عىل حدة‪ ،‬مؤكدً ا أن هذا الحديث بات ال‬

‫والتسويق والرتويج للفنون املختلفة‪ ...‬فهل هذا موجود‬

‫عن فكرة إسرتاتيجية عربية أو إسرتاتيجيات للبلدان‬

‫يقوم عىل أساس؛ «إذ إن ثلث دول العالم العربي يفتقر‬ ‫إىل وجود الدولة بمعناها املتعارف عليه‪ ،‬كما هي الحال‬

‫يتوجه إىل العالم بما يعنيه ذلك من قدرات عىل الرتجمة‬ ‫عندنا؟!»‪.‬‬

‫يف اليمن والعراق وسوريا ولبنان وليبيا‪ ..‬وثلث آخر تفرتسه‬

‫مشكالت بنيوية عميقة تعوق التنمية بشكل عام‪ ،‬وعىل‬ ‫رأسها التنمية الثقافية املستدامة كما هي الحال يف مصر‬

‫والسودان وتونس واألردن والبحرين‪ ،‬والثلث األخري يتمتع‬

‫بقدر كبري من الرخاء واالستقرار لكن البنى املجتمعية تحول‬

‫دون استثمار هذا الرخاء واالستقرار وتحويله إىل خادم‬ ‫جيد للتنمية الثقافية»‪ .‬ويشري الجيالين إىل أن املقصود‬ ‫باإلسرتاتيجية الثقافية «هو وجود خطة إسرتاتيجية دقيقة‬

‫يدرس فيها الواقع الثقايف بشكل دقيق وتحدد األهداف‪،‬‬

‫وتعد الربامج التنفيذية لتلك األهداف‪ ،‬ويتم وضع آليات‬ ‫لعمل املؤسسات عىل نحو ما يتم يف دول العالم املتقدمة‬

‫التي تعتمد عىل مناهج صارمة وتطوير وتحديث مستمرين‬

‫ألساليب العمل والتنفيذ‪ ،‬وعىل رأس ذلك مراكمة مجموعة‬

‫من القيم املؤسسية التي تضمن البقاء والنمو واالستمرارية‬

‫عيد إبراهيم‪:‬‬ ‫السياسة الثقافية هي الدليل‬ ‫ترقي المجتمع‬ ‫الوحيد على ّ‬ ‫بينما ذهب الشاعر واملرتجم املصري محمد عيد إبراهيم‬ ‫ّ‬ ‫ترقي‬ ‫إىل أن السياسة الثقافية هي الدليل الوحيد عىل‬ ‫ىّ‬ ‫يتفش يف كل يشء تنطلق الثقافة‬ ‫املجتمع‪« ،‬فالنظام حني‬ ‫إىل نمط أمني‪ ،‬ال تظهر فيه تلك املظاهر التي تبني سوءاته‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أظل أمي ًنا‬ ‫العربي‪ ،‬حتى‬ ‫وال أستطيع قطعً ا الكالم عن العالم‬ ‫ّ‬

‫يف وجهة نظري‪ ،‬ويكفيني وزيادة مشاكل الثقافة يف مصر»‪.‬‬

‫‪97‬‬


‫قضايا‬

‫وطبق عيد رؤيته من خالل ما جرى يف الثقافة املصرية‬ ‫عقب قيام ثورة يناير قائلاً ‪« :‬بالنظر إىل ما حدث لدينا من‬ ‫ثورة ُنقضت بل سارت باألمور إىل ما هو أسوأ مما قبلها‪،‬‬ ‫فأرى أن وزراء الثقافة املتعاقبني منذ بداية الثورة‪ ،‬ومع‬

‫احرتامي للجميع‪ ،‬لم يكن لديهم الطاقة لتنفيذ ما يرون؛‬ ‫لعدة أسباب‪ :‬أن النظام يرى الثقافة وكأنها الحلقة األضعف‬

‫فباستطاعته الضغط عىل مسؤوليها أو تخفيض امليزانية أو‬

‫تعيني مسؤولني غري أكفاء‪ ،‬وبعضهم ال ناقة له أو جمل‬ ‫أصلاً يف التنظري الثقايف‪ ،‬أو حتى التنفيذ اإلداريّ ‪ ،‬كما كان‬

‫السيايس ‪-‬بل ال يزال‪ -‬مشدودًا‪ّ ،‬‬ ‫كل يوم هو يف شأن‪،‬‬ ‫الج ّو‬ ‫ّ‬

‫اإلستراتيجية الثقافية ستجنبنا‬ ‫مرحلة الدمار االقتصادي والسياسي‬ ‫واالجتماعي‬ ‫تؤمن بالثقافة‪ ،‬أو تناصبها العداء وتتجاهلها عن عمد‪ ،‬ويف‬

‫فكيف تستق ّر األوضاع‪ ،‬ومتى‪ ،‬وأين‪ ،‬وملاذا؛ إىل آخر الكلمات‬ ‫تحكم ّ‬ ‫ّ‬ ‫ىّ‬ ‫كل‬ ‫تتفش أمراض وعلل‪ ،‬منها‬ ‫االستفهامية؟ ولذلك‬

‫تقديري إيمان الحكومات بدور الثقافة بائس جدًّ ا‪ ،‬ومشوّه‪،‬‬

‫املبعَ دين‪ ،‬فانهار مستوى الكتب واملطبوعة الثقافية أكرث من‬

‫يبعد عن معنى الثقافة باعتبارها جوهر بناء الدولة‪ ،‬والسبيل‬

‫فريق يف منصب أو مطبوعة‪ ،‬يخدم بها املقربني‪ ،‬ويلوي عنق‬ ‫ذي قبل‪ .‬عمومً ا‪ ،‬هذه أعراض لغياب السياسة الثقافية‪،‬‬

‫حيث ال رقيب وال حسيب ملا يقوم به كل منا يف موقعه‪،‬‬

‫‪98‬‬

‫فاطمة بوهراكة‪:‬‬

‫فالثقافة تعني الرتفيه‪ ،‬أو الدعاية الوطنية‪ ،‬وغري ذلك مما‬

‫الرقي والتقدم اإلنساين‪،‬‬ ‫لبناء األفراد‪ ،‬واملعبرّ الحقيقي عن‬ ‫ّ‬ ‫وهكذا ينتقل بؤس إيمان الحكومات بالثقافة إىل اإلعالم‪ ،‬ومن‬

‫ثم إىل املجتمع‪ ،‬أما األزمة األخرى فتأيت نتيجة طبيعية لألوىل‬

‫ناهيك عن غياب مفهوم الجمهور أو املتلقي‪ ،‬فبارت سلعة‬ ‫الثقافة أو تكاد‪ ،‬ويكفينا أىس أن الكتب اإلبداعية مثلاً لم تعد‬

‫وتتمثل يف عشوائية الفعل الثقايف‪ ،‬فهو ال ينطلق من قاعدة‬

‫عىل حني تقول الباحثة املغربية فاطمة بوهراكة صاحبة‬

‫فقط‪ ،‬أو اهتمامهم املرحيل‪ ،‬وتلك العشوائية تقتل الثقافة؛‬

‫ً‬ ‫مليونا!»‪.‬‬ ‫تو ّزع أكرث من مئتي نسخة وسط شعب تعداده ‪90‬‬

‫موسوعة الشعراء العرب‪« :‬من وجهة نظري الشخصية ومن‬ ‫خالل تجربتي املتواضعة يف فعاليات الحقل الثقايف العربي‬ ‫أستطيع أن أقول‪ :‬إننا ال نتوافر عىل إسرتاتيجيات ثقافية حقيقية‬

‫يف أوطاننا العربية‪ ،‬رغم تفاوتها من بلد إىل آخر‪ ،‬والسبب يف‬ ‫ذلك يعزى إىل عدم االعرتاف بقيمة الدور الثقايف داخل الشعوب‬

‫التي عرفت تقهق ًرا فكريًّا خطريًا أوصل بعضها إىل تدمري بلدانها‬

‫تحت ما يسمى بالربيع العربي‪ ،‬فلو كانت هناك إسرتاتيجية‬ ‫حقيقية للنهوض باملشاريع الثقافية الجادة التي تخدم العقلية‬

‫البشرية باألوطان العربية ملا كانت نتيجتها بهذا الحال» ‪.‬‬

‫وتذكر فاطمة بوهراكة أنه آن األوان «لوضع خطط‬

‫ثابتة‪ ،‬بل يعتمد عىل مزاج صانعي القرار‪ ،‬أو وعيهم الفردي‬ ‫ألن الثقافة يف جوهرها تنظيم للعالم اإلنساين‪ ،‬وال يمكن أن‬

‫تؤدي رسالتها بعشوائية»‪.‬‬

‫ويشري فتحي عبدالسميع إىل جهود ثقافية ألفراد يؤمنون‬

‫بالثقافة ويستوعبون قيمتها‪« ،‬لكن تلك الجهود تتحطم يف‬ ‫الغالب؛ ألنها تتأثر باملناخ العام املعادي جهلاً أو عمدً ا للثقافة‪،‬‬

‫كما أن الواجب الثقايف أكرب من الطاقات الفردية رغم أهميتها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مرهونا بإرادة‬ ‫وهكذا يبقى وضع إسرتاتيجيات ثقافية فعالة‬

‫الحكومات‪ ،‬أو املؤسسات األهلية‪ ،‬ويبقى الجهد الفردي مجرد‬ ‫حفاظ عىل راية مهزومة‪ ،‬واستغاثة طويلة املدى تعلن عن‬

‫إسرتاتيجية للعمل الثقايف الجاد‪ ،‬ودعمه ماديًّا يف جميع‬

‫الدول العربية حتى ال نضطر إىل الوصول ملرحلة الدمار‬ ‫االقتصادي والسيايس واالجتماعي بسبب تفريط دولنا يف‬

‫دعم املجال الفكري والثقايف‪ ،‬فما أحوجنا إىل أن يكون‬

‫اإلنسان املناسب يف املكان املناسب بغية الوصول إىل شاطئ‬

‫األمان من خالل هذه اإلسرتاتيجية» ‪.‬‬

‫ويذهب الشاعر فتحي عبدالسميع إىل أن املجتمع العربي‬

‫«يعاىن أزمتني كبريتني‪ ،‬تتمثل األوىل يف ضعف اهتمام‬

‫الحكومات العربية بالثقافة‪ ،‬ويبلغ األمر حد الشعور بأنها ال‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫فتحي عبدالسميع‪:‬‬ ‫يبقى وضع إستراتيجيات ثقافية‬ ‫فعالة مرهو ًنا بإرادة الحكومات‪ ،‬أو‬ ‫المؤسسات األهلية‬


‫بال إستراتيجية ثقافية العرب يتلمسون طريقهم في الظالم‬

‫بائسا»‪.‬‬ ‫بؤس املصري الذي ينتظرنا‪ ،‬ما دام الوضع الثقايف ً‬

‫بصلة ملصلحة الوطن األكرب أو األصغر (طبقتها أمريكا بشكل‬ ‫كامل يف العراق)‪.‬‬

‫تخبط وعشوائية‬

‫ويشري إىل أنه «لو تتبعنا مسار األحداث‬

‫يرى الكاتب السعودي عيد الناصر أن‬

‫منذ بداية القرن العشرين حتى هذا اليوم‬

‫كافة‪« ،‬تعيش حالة تخبط وعشوائية‬

‫وإسرتاتيجيات كربى تحاول السيطرة عىل‬

‫لوجدنا أنها حدثت بفعل وجود خطط‬

‫األمة يف هذه املرحلة التاريخية بأقطارها‬

‫وارتجالية‬

‫عىل‬

‫املستويات‬

‫مقدرات البشرية يف كل مكان‪ ،‬بما يف ذلك‬

‫السياسية‬

‫وطننا العربي الكبري‪ ،‬عرب استخدامها لكل‬

‫واالقتصادية واالجتماعية‪ ،‬وعليه فإنه ألمر‬

‫طبيعي جدًّ ا‪ ،‬وكتحصيل حاصل‪ ،‬أن نعيش‬

‫عيد الناصر‬

‫السبل وأدوات القهر البشعة والناعمة عىل‬

‫عىل نفس مسار التخبط والعشوائية فيما يخص الفن والفكر‬

‫السواء‪ .‬وكانت النقطة الرئيسية يف محاولة السيطرة هي‬

‫أن ما يحدث اآلن هو نفسه إسرتاتيجية‪ ،‬ولكنها إسرتاتيجية‬

‫إلخ)؛ ألن من يمتلك السيطرة عىل مكونات التفكري يمتلك‬

‫والثقافة‪ .‬ولكن باإلمكان رؤية األمر من زاوية أخرى‪ ،‬وهو‬ ‫باملعنى السلبي وليس املعنى اإليجابي‪ ،‬إسرتاتيجية تهدف‬

‫إىل تفكيك وتمزيق العالقات الروحية والثقافية واالجتماعية‬ ‫والسياسية التي تكونت ونسجت خيوطها عىل مدى مئات‬ ‫السنني بني أبناء الوطن العربي ألهداف وأغراض ال تمت‬

‫التغلغل يف العقول عرب الثقافة (فكر وفن وأدب وسياحة ‪...‬‬ ‫القدرة عىل توجيه املستهلك لتلك الثقافة أينما شاء»‪.‬‬

‫ويعتقد الناصر أن استمرار األوضاع عىل ما هي عليه‬

‫«يعني املزيد من الفرقة الثقافية والتمزق االجتماعي والسيايس‬

‫والدماء النازفة بال مربر أو قيمة إنسانية أو أخالقية»‪.‬‬

‫سعد البازعي‪:‬‬

‫‪99‬‬

‫ما أكثر اإلستراتيجيات وما أقل العمل بها‬ ‫قال عضو مجلس الشورى السعودي الناقد الدكتور سعد البازعي‪ :‬إن «اإلسرتاتيجية»‬ ‫من املفردات «التي تكاد تهيمن عىل الخطاب اإلعالمي والتنموي يف بالدنا وبالد كثرية‬

‫تشبهها‪ .‬نشكو من غياب اإلسرتاتيجيات ونقصد بها التخطيط‪ ،‬فتبدو الجهود تبذل عىل‬

‫سعد البازعي‬

‫غري هدى أو بشكل عفوي‪ ،‬إن لم نقل‪ :‬عشوايئ‪ .‬غري أننا يف الوقت نفسه نعيش تخمة يف اإلسرتاتيجيات‪ ،‬وهل خطط‬ ‫التنمية إال إسرتاتيجيات؟ فما الذي أدى إليه العمل عليها وتبويبها والسعي للسري بمقتضاها؟ ال شك أن هناك نجاحً ا‬ ‫ما قد تحقق‪ ،‬وأن أشياء كثرية أنجزت‪ ،‬لكني ال أدري ما مقدار ذلك الذي أنجز‪ ،‬وما مقدار الذي لم ينجز‪ ،‬وملاذا‪ .‬إحدى‬

‫املشكالت هي أننا قلما نتحاور عىل نحو شفاف حول تلك الخطط أو اإلسرتاتيجيات»‪.‬‬

‫كاف إلنجاز ذلك العمل؟ هل وجود اإلسرتاتيجية ضمان‬ ‫ويتساءل البازعي‪« :‬هل العمل وفق إسرتاتيجية بحد ذاته‬ ‫ٍ‬ ‫بالنجاح؟ أعتقد أن اإلجابة ستكون بال؛ ألن الخطط سهلة من حيث هي تصورات تبنى عىل وقائع ومعلومات‪ ،‬لكنها‬

‫ً‬ ‫أيضا تنطوي عىل الكثري من األماين غري املختربة والتي كثريًا ما ترتاجع أمام قسوة الواقع»‪.‬‬

‫ويرى أن ذلك «ال شك ليس مربرًا لعدم التخطيط‪ ،‬واملؤسسات الثقافية بشكل خاص بحاجة إىل التخطيط‪ ،‬بل هي‬

‫األوىل أن تكون واعية بذلك من حيث هي قائدة للمجتمع برؤيتها املستقبلية وطموحاتها الكبرية‪ .‬لكن التخطيط دون‬

‫مقدرة عىل التنفيذ سيتحول إىل نوع من الرضا الذايت واملؤقت‪ .‬لقد كنت ضمن لجنة وضعت إسرتاتيجية لوزارة الثقافة‬ ‫عند إنشائها‪ ،‬وحتى اليوم ال أرى من تلك الخطة شي ًئا عىل أرض الواقع‪ ،‬بل إن الوزارة حاليًا تفكر يف إسرتاتيجية أخرى‪.‬‬ ‫فما أكرث اإلسرتاتيجيات وما أقل العمل بها»‪.‬‬


‫بورتريه‬

‫من «جرأة األمل» إلى خيبته‪:‬‬ ‫مقاربة ثقافية فيما آلت إليه‬ ‫أحمد بوقري‬ ‫كاتب سعودي‬

‫«األوبامية»‬ ‫ّ‬ ‫لما كتبت قبل ثمانية أعوام مقالة عن الظاهرة األوبامية البازغة‬

‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫شرت في كتابي‪ :‬السيف والندى)‪ ،‬وهي في ذروة صعودها‬ ‫(ن‬ ‫مفعما باألمل ًّ‬ ‫ً‬ ‫حقا‪ ،‬وما أكتبه اآلن عن الظاهرة في‬ ‫السياسي‪ ،‬كنت‬

‫ً‬ ‫مفعما بالخيبة‪ ،‬خيبة األمل ومرارته هي ما توسم به‬ ‫أفولها أجدني‬ ‫ً‬ ‫متصفا بالجرأة المأمولة طيلة أعوام حكمه‬ ‫ال جرأته! فأوباما لم يكن‬

‫الثمان‪ ،‬والجرأة التي أقصد‪ :‬جرأة الفعل السياسي‪ ،‬وشجاعة قيادة‬

‫العالم إلى ضفاف األمل بالعيش اآلمن والمستقر‪ ،‬واألكثر أهمية‬

‫‪100‬‬

‫تأسيس براديغم جديد في الرؤية والمعرفة السياسية الكونية إزاء‬

‫مشكالت وأزمات عالمنا المعاصر‪.‬‬ ‫تأملنا منه أن يقترح هذه الرؤية الجديدة واإلستراتيجية‬

‫ننسى أن دور أوباما في المنظومة اإلدارية األميركية هو أحد‬

‫نكن أمام براديغم سياسي كوني جديد يضفي على التصور‬

‫قواعد التكتيك واإلستراتيجية المؤسسية‪ ،‬وال يكفي تأثيره‬

‫المغايرة‪ ،‬لكننا كما خبرنا من سنواته الثمان العجاف لم‬

‫األدوار وليس كلها وأهمها؛ فهو ال يستطيع أن يخرج من‬

‫السياسي األميركي العتيد أبعادًا إنسانية وأخالقية مغايرة‬ ‫لما آلت إليه من توحش عولمي؛ بل ك ّنا أمام أوباما طائعً ا‬ ‫ً‬ ‫وجبانا خاضعً ا لمواضعات الفكر اإلس��راتيجي المتجدد دومً ا‬

‫اإلستراتيجية العامة‪ ،‬فروح الفردية‪ ،‬وروح المغامرة‬

‫ومستسلمً ا تمامً ا لخطوطه العريضة المرتبطة بالحفنة‬

‫ولو كان شكليًّا وإن كان مصدره فرديًّا يعد سمة أساسية في‬

‫في صور تنكيله بمصائر الشعوب وثرواتها واستقرارها‪،‬‬ ‫المالية والعسكرية المهيمنة وتحالفاتها‪.‬‬

‫وال نعلم حتى اآلن هل أحالم أوباما النبيلة المؤملة في‬

‫خال من القهر والتعسف وكبرياء القوة سحقت‬ ‫عالم جديد‬ ‫ٍ‬

‫بال إرادة منه؟‬

‫بمفرده لتغيير قاعدة واحدة من قواعد اللعبة السياسية»‪.‬‬ ‫لكنني هنا أضيف ً‬ ‫أيضا حقيقة أخرى عن هذه المنظومة‬ ‫والتحمّ س للمبادرات الفردية المُ ضافة‪ ،‬والهوس بالتغيير‬ ‫طبيعة ومكونات الثقافة األمريكية‪ ،‬وعقلها السياسي القديم‬ ‫والمعاصر في آن‪.‬‬

‫المزاج األميركي‬

‫أم بإرادة رغبوية إدارية مشتركة ومتفق عليها تكتيكيًّا‪،‬‬

‫وهذه المعرفة التاريخية بالمزاج األميركي هي ما جذبنا‬

‫استوحش واستمرأ التوحش؟ هنا علينا أال نبتعد عن حقيقة‬

‫الرئاسة ألول مرة‪ .‬وهو ما جعلني أقول في السياق نفسه في‬ ‫مقالي السابق‪« :‬إن أوباما ليس إال اب ًنا للمؤسسة السياسية‬

‫أو أنها اصطدمت بقوة دفع التاريخ السياسي التقليدي الذي‬ ‫جذرية في المشهد السياسي األميركي كما عبر عنه المفكر‬ ‫المصري المعروف سيد القمني في واحدة من تحليالته بعد‬

‫خطاب أوباما في القاهرة العام ‪٢٠٠9‬م‪ ،‬إذ قال ما معناه‪« :‬ال‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫إلى هذه الظاهرة المغايرة‪ :‬ظاهرة صعود زنجي إلى سدة‬

‫العتيدة‪ ،‬وليس ناقمً ا عليها كما توهم بعضهم‪ ،‬وهو ليس‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مخل ً‬ ‫منقذا أو‬ ‫مفترضا للبشرية المعذبة جراء سياسات‬ ‫صا‬


‫مؤسسته السياسية الخرقاء‪ ،‬بل هو ثمرة أنضجتها‬ ‫وأفرزتها ممارساتها المهيمنة عولميًّا من حيث ال‬ ‫تريد ولم تتوقع»‪ .‬إلى أن قلت في آخر السطر‪:‬‬ ‫ً‬ ‫جملة من الحقائق والوقائع‬ ‫«يخلق انتخاب أوباما‬

‫المستقبلية المتخيلة في تصوري‪ ،‬فهذا االنتخاب‬

‫االستثنائي ليس إال حركة ضمير مستترة للمخيلة‬

‫األميركية الجامحة والجريحة‪ ،‬المتعبة والمبدعة‬

‫في آن»‪.‬‬

‫ّ‬ ‫تكشف لنا بعد هذه السنوات‬ ‫لنسأل اآلن‪ :‬ما الذي‬

‫العجاف من حكم أوباما ألكبر دولة رأسمالية مؤثرة في‬

‫العالم؟ في التحليل الثقافي يمكنني القول بدءً ا‪ :‬تكشفت زعامته‬ ‫ككاريزما خطابية مفوّهة ليس أبعد‪ ،‬على المستوى الشخصي‬ ‫للرجل‪ ،‬الرجل يمتلك ملكات الكالم الهادئ الرصين‪ ،‬وهي ميزة‬ ‫ً‬ ‫خالفا لمن كان قبله‬ ‫يحسد عليها‪ ،‬وال يمتلك ملكات األثر الكوني‬ ‫الذي امتلك المؤثر الفاعل‪ ،‬وأقصد بوش الصغير الذي تميز‬ ‫بفعله التدميري الوحشي‪ ،‬ولم يتميز برصانة القول وذكاء‬ ‫الكلمة المهذبة‪.‬‬

‫بمعنى أن قوة خطاب أوباما لم توازها على األرض قوة‬

‫الفعل! من القول إلى الفعل كانت هناك فجوة هائلة من‬ ‫االضطراب الذهني‪ ،‬والتشوش اإلستراتيجي‪ ،‬صراع فردي‬

‫نفسي وفكري واجتماعي عاشته األوبامية من مستوى‬ ‫الخطاب إلى مستوى الضرورة الفعلية الممكنة‪ ،‬في وجُ ود‬ ‫طبقة سياسية وطغمة مالية حاكمة في الخفاء وغير‬ ‫رحيمة‪ ،‬تعمل من وراء كواليس المسرح السياسي‪،‬‬ ‫وتحيك التآمرات واألحابيل‪ ،‬وتضع العراقيل‪.‬‬

‫أوباما في نظري لم ي ُِجد استخدام ثقافته اإلنسانية‬

‫المرموقة كما انطوى عليه خطابه السياسي‪ ،‬أو هو‬ ‫لم ي ُِرد االصطدام بثقافة الواقعية السياسية الرائجة‬ ‫تاريخيًّا التي اصطبغت باالستعالء العولمي‪،‬‬ ‫وتفشت فيها روح الهيمنة وشهوة االحتواء‪ ،‬وفعلاً‬ ‫ّ‬ ‫تكشف الرجل جزءً ا أصيلاً من منظومة ونسيج‬ ‫الطبقة السياسية المسيطرة‪ ،‬فاستسلم‬ ‫خياله السياسي الخالق المغاير ألحابيلها‪،‬‬

‫المحاصر للرؤية قصيرة النظر‬ ‫وأعطبه األفق‬ ‫ِ‬ ‫والمترددة التي ّاتبعها في معالجاته‬

‫السياسية ألزمات المنطقة العربية‬ ‫ومشكالت العالم‪.‬‬

‫الوجه التطهري‬

‫مجيء أوباما من قلب األقلية‬

‫السوداء المقهورة تاريخيًّا في أرض‬

‫‪101‬‬


‫بورتريه‬

‫أميركا‪ ،‬إنما كان يمثل الوجه اآلخر المختفي في السياسة‬

‫لمتناقضات عدة‪ ،‬مجتمع عجيب بتعقيداته البنيوية‪ ،‬ومفعم‬ ‫ٍ‬

‫والمساواة‪ ،‬فكما هو معروف فللسياسة األميركية وجهان‪:‬‬

‫وتنوعات حاكمة وال تحكم)‪،‬‬ ‫خيارات‬ ‫(هناك خزان من‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬

‫األميركية‪ ،‬الوجه التطهري المبدئي‪ ،‬وجه التسامح والحريّة‬

‫وجه يمثل القوة الطاغية المتفردة ماليًّا وطبقيًّا‪ ،‬ووجه آخر‬ ‫تحرر‬ ‫يمثل القوة ‪ /‬الظل‪ ..‬أقليات وأعراق مظلومة‪ ،‬وحركات‬ ‫ٍ‬ ‫عرقية‪ ،‬وحسب ما يرى المفكر الفلسطيني األميركي إدوارد‬ ‫سعيد فإن للمجتمع األميركي ً‬ ‫أيضا وجهًا آخر مغاي ًرا لما هو‬ ‫ظاهر في سياسات الطبقة الحاكمة‪ ،‬ولمعرفة هذا الوجه‬

‫في حقيقته الوجودية يصبح من الملحّ معرفة الديناميات‬ ‫الداخلية لتشكل هذه السمات األخرى الفاعلة في حركيّة‬ ‫انصهار‬ ‫المجتمع األمريكي المعاصر‪ ،‬الذي هو بوتقة‬ ‫ٍ‬

‫بتياراته االجتماعية والسياسية المعاكسة والبديلة والمنتظرة‬ ‫تفرضها البنية المتجددة لمنظومة الفكر اإلستراتيجي‪ ،‬ويلجأ‬ ‫إليها الوعي الجمعي المأزوم في لحظة تاريخية طارئة‪ ،‬غير‬ ‫أن الطبقة السياسية الطاغية والمعاندة كثي ًرا ما تختزل هذه‬

‫التيارات لمصلحتها ووفق سياقات أهدافها اآلنية‪ ،‬وكثي ًرا ما‬ ‫ً‬ ‫مفرغة إياها من‬ ‫شعارات تبسيطية مسطحة‪،‬‬ ‫تحولها إلى‬ ‫ٍ‬ ‫وعودها ومضموناتها االجتماعية النقيضة‪.‬‬

‫فالدينامية الداخلية التي حدثنا عنها إدوارد سعيد في‬

‫بعض أفكاره النيرة عنى بها معرفة طبيعة مواقف اإلنسان‬

‫«األسود» والعقدة الثقافية‬ ‫رؤية األسود عبر رؤية األبيض لم تكن إال عقدة ثقافية‪ ،‬ومشكلة نفسية تك ّرست عبر السياق‬

‫التاريخي للهيمنة الطبقية على األقليات المظلومة‪ ،‬فالنغمة األخالقية الجهيرة التي طربنا لها‬ ‫بنغمات نشاز سيطر عليها قرع طبول‬ ‫نحن في عالمنا العربي في خطاباته السياسية اختلطت‬ ‫ٍ‬

‫الطبقة السياسية العتيدة والمتربصة‪ .‬تلك الطبول الصاخبة كانت تصم أذنيه‪ ،‬وتشوّش‬

‫‪102‬‬

‫وجدانه النقي المزدوج‪ ،‬وفكره ذا الملمح اإلنساني الفردي المنكسر‪ ،‬دفنت تيارًا سياسيًّا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عميقا في المجرى التاريخي للتفكير السياسي اإلستراتيجي‬ ‫ناهضا كان بمكنته أن يحفر‬

‫برمته‪ ،‬ويؤسس لرؤية سياسية جديدة‪.‬‬ ‫وهكذا ً‬ ‫أيضا تلمسنا أثر هذه النغمات األخالقية الخافتة في مواقف سياسية‬ ‫متذبذبة‪ ،‬وجدناها جلية واضحة في تراجعه وتقاعسه في االنحياز التاريخي‬ ‫الضدي ألحداث منطقتنا العربية‪ ،‬انحيازه الضدي لمنطق الثورة السورية‪،‬‬ ‫والثورة المصرية‪ ،‬ففي حالة األولى تركها لمصيرها لتأخذ مداها في تأجيج‬

‫الصراع األهلي الداخلي‪ ،‬وإحداث التفكيك والتمزيق الجغرافي للدولة السورية‬ ‫امتثالاً‬ ‫ألهداف مشتركة بعيدة في اإلستراتيجية األميركية وربيبتها إسرائيل‪،‬‬ ‫ٍ‬

‫كبادئة لتمزيق الشرق العربي كله وتفكيكه‪ ،‬ومن ثمّ إعادة تشكيله‪.‬‬ ‫أما في حالة الثورة المصرية فانتصر لها ً‬ ‫زيفا في انحيازه المشبوه لصعود‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫المتمثل في اإلخوان المسلمين‪ ،‬فيما كان يبدو له متسقا مع الرؤية‬ ‫تيار اإلسالم السياسي‬ ‫ً‬ ‫اإلستراتيجية األميركية المهيمنة‪ ،‬ومتسقا مع منطقها الجديد في النأي عن خوض الحروب‬ ‫الخارجية المباشرة التي اقترفها كل من بوش االبن‪ ،‬ومن قبله بوش األب‪ .‬أما منطقه االقتصادي‬

‫االجتماعي فقد تماسك وتماهى إلى حد كبير ونسبي مع رؤيته في جملة من اإلصالحات‬

‫السطحية التي امتثلت لها الطبقة السياسية العتيدة على مضض‪ ،‬وهي اآلن ما تؤول إليه‪،‬‬

‫ونرى مالمح تراجعها إلى منطق التنكيل فيما لو فازت الترامبية البديلة!‬

‫ً‬ ‫مهترئا وغير ذي اتساق مع ما جاء به‬ ‫لقد كان الخطاب السياسي ألوباما‬

‫من تضمينات للبعد اإلنساني األخالقي‪ ،‬وتم تفريغه من محتواه الثقافي‪ ،‬ومن‬ ‫ً‬ ‫وزائفا ومنتميًا بامتياز ألهداف‬ ‫لكثير من األزمات الكونية باه ًتا‬ ‫هنا جاء حسمه‬ ‫ٍ‬

‫النموذج األميركي المهيمن ذي الطبيعة اإلمبراطورية التي تروم خضوع الجغرافيا‬ ‫األرضية لشهواتها‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫من «جرأة األمل» إلى خيبته‪ :‬مقاربة ثقافية فيما آلت إليه «األوبامية»‬

‫األميركي اليومية والمتحولة؛ فهو معزول جغرافيًّا‪،‬‬

‫ومهموم باألساس بحاجاته الشخصية الصغيرة وقضاياه‬ ‫الشديدة في محليتها‪ .‬هذه الدينامية النفسية العجيبة هي‬

‫في ظني التي وقع أوباما في أحابيلها‪ ،‬ولم يستطع خروجً ا‬

‫من حصارها‪ ،‬فكان بالنسبة له هذا الخروج المغامر من هذا‬

‫الطوق االجتماعي بمثابة قفزة في الفراغ التاريخي!‬ ‫فعندما ّ‬ ‫بشر بنموذج أميركي ذي نزعة إنسانية حال‬

‫سنوات قليلة‪،‬‬ ‫ترشحه في ‪٢٠٠٨‬م‪ ،‬فقد مصداقيته القولية بعد‬ ‫ٍ‬

‫فاستعاد هذا النموذج المتخيّل والمقترح وجهه الحقيقي‪،‬‬

‫وجهه األصيل القبيح بقوة دفع هيمنة الطبقة السياسية‬

‫المتكونة من مالك المال‪ ،‬ومالك المآل الكوني‪ ،‬وأقصد‬ ‫الطبقة الحاكمة المأزومة التي كان همها الخروج من مأزقها‬

‫االقتصادي الطارئ الذي كاد يودي بأسس إمبراطوريتها‬

‫الكونية‪ ،‬فلجأت إلى صورتها األخرى‪ ،‬وقد وجدتها ناضجة‬

‫في مالمح الظاهرة األوبامية المغرية!‬

‫الضرورة التاريخية الضاحكة كانت ترى في صعود هذه‬

‫تحول بنيوي؛ بل مخرجً ا افتراضيًّا‬ ‫الظاهرة البديلة ليس داللة‬ ‫ٍ‬ ‫من مرحلة البوشية المتوحشة وما قبلها‪ ،‬البوشية التي‬ ‫أغرقت صورة اإلمبراطورية المضمحلة في وحل المشكالت‬ ‫العالمية التي صارت عب ًئا أكثر تهديدً ا للنموذج األميركي ‪-‬‬ ‫المثال التاريخي الرأسمالي الكوني للهيمنة‪.‬‬

‫ركوب التاريخ الجريح‬ ‫لاً‬ ‫وهكذا تم اكتشاف أن انتخاب أوباما ممث للطبقة‬

‫الوسطى الطامحة للوجود السياسي‪ ،‬الطبقة المتعلمة‬ ‫والمتحررة‪ ،‬سليلة الفكر التحرري واإلنساني‪ ،‬ليس في نهاية‬

‫المطاف إال إحدى المغامرات السياسية األميركية المعروفة‬ ‫بقدرتها الجموح على ركوب التاريخ الجريح‪ ،‬والقفز منه‬

‫صراع فردي نفسي وفكري واجتماعي‬ ‫عاشته األوبامية من مستوى الخطاب‬ ‫إلى مستوى الضرورة الفعلية الممكنة‬ ‫في وجود طبقة سياسية وطغمة‬ ‫مالية حاكمة في الخفاء وغير رحيمة‬ ‫تاريخ متجد ٍد يعاود السيطرة‪ ،‬ويجدد الهيمنة من بعد‬ ‫إلى‬ ‫ٍ‬ ‫المأزق التركيبي ��لسياسي االقتصادي الذي اجتاح صورة‬ ‫الحلم السياسي األمريكي في أقسى استبداديته ومحوريته‬

‫الكونية‪.‬‬

‫إن بزوغ الظاهرة الترامبية الجديدة اآلن بما تنطوي عليه‬ ‫من شوفينية وعنصرية وتمركز مالي طبقي‪ ،‬ليس إال دليلاً‬

‫على صلف منطق القوة واالستعالء الفردي‪ .‬وهو دليل على‬

‫منطق المغامرة ذاته‪ ،‬ومعاودة منطق المقامرة في الدينامية‬

‫الداخلية المضطربة في الفكر السياسي األميركي المعاصر‪.‬‬ ‫ما سبق قوله عن الدينامية الداخلية المستترة يقودني للقول‬

‫بشكل غير ظني‪ ،‬إن التفكير المزدوج ألوباما هو الذي أوقعه‬ ‫ٍ‬

‫طيلة سنوات حلمه السياسي المتعثر في إخفاقات جمة على‬ ‫المستوى السياسي الخارجي‪ ،‬وإخفاقات اقتصادية نسبية‬

‫على المستوى االجتماعي الداخلي‪.‬‬

‫وعوده السياسية المتركزة في ثيمته الشعارية المغوية‪:‬‬

‫«التغيير» التي سيطرت على حملته االنتخابية لم تصمد‬ ‫طويلاً أمام حقائق وبنيات هذا التفكير والوعي المزدوج‪،‬‬ ‫معانيًا منه بين شدٍ وجذب في مدى رؤيته الكونية في حل‬

‫المشكالت واألزمات المتراكمة‪ .‬نكرر القول بأن أوباما كان‬ ‫مشدودًا إلى تاريخه القهري األسود إذا جاز التعبير‪ ،‬غير أنه‬ ‫بشكل ال ينكره حصيف إلى رؤية الحلول من‬ ‫لم يكن منفل ًتا‬ ‫ٍ‬

‫خالل منظور ذات الطبقة السياسية العتيدة‪.‬‬

‫‪103‬‬


‫تحقيق‬

‫‪104‬‬ ‫سامر إسماعيل‬ ‫دمشق‬

‫من االختالس والقرصنة‬ ‫إلى النشر غير القانوني‬

‫السرقات األدبية مستمرة‬ ‫في أشكال وأقنعة جديدة‪..‬‬ ‫و«حقوق المؤلف» نمر بال مخالب‬ ‫دانتي‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫ً‬ ‫جميعا بعد أن أصابوا من «كتاباتهم» ما أصابوه في مشارق‬ ‫مشاهير السرقات األدبية ماتوا‬

‫األرض ومغاربها‪ ،‬يكفي فقط أن نقرأ كتاب «الكوميديا اإللهية» لدانتي (‪1321-1256‬م) حتى نعرف‬

‫حجم السرقة الموصوفة لألديب اإليطالي من «رسالة الغفران» ألبي العالء المعري‪ ،‬و«الفتوحات‬ ‫رجما من العربية إلى «القشتالية» عام ‪1264‬م على‬ ‫المكيّة» لمحيي الدين بن عربي؛ الكتابان اللذان ُت ِ‬

‫يد الطبيب اليهودي إبراهيم الحكيم‪ ،‬بأمر من ملك قشتالة ألفونسو العاشر‪ .‬لكن السرقات األدبية‬ ‫اً‬ ‫ً‬ ‫وتعريفا «أدبيًّا» مغايرًا فيما بعد بين «تناص وتالص»‪ ،‬وترجمة ونسخ‪ ،‬ونقل وتقليد‪،‬‬ ‫شكل‬ ‫أخذت‬ ‫ومعالقة ومعارضة ومحاكاة؛ وهذا يجعل البحث هنا عن «األصالة» ضر ًبا من المستحيل؛ فالبشر‬

‫بطريقة أو بأخرى‪ ،‬على حد تعبير الفيلسوف األلماني نيتشه‪.‬‬ ‫جميعهم «ورثة» من بعضهم اآلخر‬ ‫ٍ‬ ‫مافيات الصحافة الثقافية‬

‫كأن النسخة األصلية باتت «خطيئة أصلية» في عرف من يحاولون‬

‫ظاهرة السرقات األدبية والفنية واإلبداعية العربية عمومً ا‬ ‫ً‬ ‫مختلفا في التزوير والتحريف والسطو على‬ ‫اكتست اليوم لبوسً ا‬

‫األحرار الذين ال يخضعون ألي سلطة معنوية أو قضائية تح ّد من‬

‫الصحافة الثقافية اإللكترونية‪ ،‬وأبطال المدوّنات‪ ،‬وأدباء‬

‫األصلية‪ ،‬ومن دون حسيب أو رقيب‪.‬‬

‫المكتبة العالمية؛ ففي عصر «الميديا» المفتوحة‪ ،‬ومافيات‬ ‫الفيسبوك‪ ،‬ونسخ موقع «غوغل» لماليين الكتب وتخزينها‬ ‫لصالحه من دون االكتراث بحقوق مؤلفيها‪ ،‬أو االمتثال للدعاوى‬

‫القضائية المرفوعة ضد القائمين على محرك البحث األشهر في‬ ‫العالم من مئات الك ّتاب وورثتهم؛ بسبب هذا وغيره بات من‬

‫الصعب الحصول على «النسخة األصلية» من دون تشويهات‬ ‫ُتبذل على مدار الساعة في كل أرجاء الكوكب‪.‬‬ ‫يتعرض النص األصلي باستمرار إلى تحوير ممنهج يجعل‬ ‫ً‬ ‫أحيانا‪ -‬أم ًرا صعبًا جدًّا؛‬ ‫من مهمة معرفته ‪ -‬حتى من أصحابه‬

‫إخفاء سرقاتهم وتمويهها؛ ناهيك عن مجموعات المترجمين‬ ‫نقلهم لذخائر المسرح والسينما والرواية والقصة إلى غير لغاتها‬ ‫الكاتب السوري حسن م‪ .‬يوسف يع ّرف السرقة األدبية‬

‫بأنها‪« :‬أخذ ما للغير خفية‪ ،‬والسرقة األدبية هي قيام أحد ما‬

‫بنسخ نص أبدعه شخص آخر وتقديمه على أنه له‪ .‬والحق أن‬ ‫هذا المصطلح يخضع لتأويالت شتى حتى ضمن إطار الثقافة‬

‫الواحدة»‪ ،‬ويتابع يوسف‪« :‬من المعروف أن مبادئ حقوق‬ ‫المؤلف ال تحمي األفكار‪ ،‬وإنما تحمي تعبير المؤلف عنها‪ ،‬إال‬

‫أننا نقرأ ما يشي بأن هذا المصطلح اكتسب طبيعة مطاطية؛ ألن‬

‫كل مستخدم يعطيه ما يناسب وجهة نظره‪ ،‬حتى بات يختلف‬

‫‪105‬‬


‫تحقيق‬

‫باختالف المصالح كما مصطلح اإلرهاب تمامً ا!»‪.‬‬

‫قبل سنوات نشرت الباحثة اإلنجليزية آندي ميدهيرست‬

‫دراسة الفتة في الملحق الفني لجريدة «األوبزيرفر» الصادر يوم‬

‫األحد ‪ 4‬أيلول «سبتمبر» ‪1994‬م‪ ،‬بعنوان «الرائعون السبعة‪،‬‬

‫يستمرون ويستمرون»‪ ،‬وقد قالت في مقدمة بحثها‪« :‬لم تعد‬

‫هناك أفكار جديدة‪ ،‬هناك طرق مختلفة لقول األشياء نفسها»‪.‬‬

‫وبعد ذلك تشير الباحثة إلى سبع حبكات أساسية تكمن في قلب‬ ‫أي نوع من الكتابة النثرية‪ .‬وهي تورد تلك الحبكات من خالل‬

‫أسماء أشهر األعمال التي تعبّر عنها‪ :‬حبكة روميو وجولييت‪،‬‬ ‫حبكة الطرف الثالث‪ ،‬حبكة العنكبوت والذبابة‪ ،‬حبكة الضعف‬ ‫القاتل‪ ،‬حبكة الصفقة الفاوستية‪ ،‬حبكة كانديد أو انتصار‬

‫البراءة‪ ،‬حبكة ساندريال‪.‬‬

‫يتفق األديب حسن م‪ .‬يوسف مع كالم الباحثة اإلنجليزية‬

‫فيما ذهبت إليه‪« :‬الفنانون األوائل‪ ،‬كما الجغرافيون األوائل‪،‬‬ ‫اكتشفوا الحبكات الكبرى كلها‪ ،‬والقارات كلها‪ ،‬ونحن اآلن‪ ،‬في‬

‫الجغرافيا والفن‪ ،‬نعيش عصر اكتشاف التفاصيل! ما يؤسف له‬ ‫هو أن طالب الشهرة سوقوا دسائسهم األدبية كسرقات‪ ،‬فقاموا‬

‫باتهام أهم الكتاب واألدباء العرب بالسرقة‪ ،‬بهدف سرقة األضواء‬ ‫منهم‪ ،‬وقد طالت اتهامات هؤالء المتنبي وطه حسين ومحمد‬

‫‪106‬‬

‫مندور وإبراهيم ناجي وأدونيس»‪.‬‬

‫سرقات خبيثة وأخرى حميدة!‬

‫الشاعر والمسرحي التونسي حكيم مرزوقي يدعو إلى إقامة‬

‫«مرصد أدبي» يشهّر من خالله بكل من يسطو على متاع اآلخرين‪،‬‬

‫حسن م‪ .‬يوسف‪ :‬ما يؤسف له هو‬ ‫أن طالب الشهرة سوقوا دسائسهم‬ ‫األدبية كسرقات‪ ،‬فقاموا باتهام أهم‬ ‫الكتاب واألدباء العرب بالسرقة‪ ،‬بهدف‬ ‫سرقة األضواء منهم‪ ،‬وقد طالت‬ ‫اتهامات هؤالء المتنبي وطه حسين‬ ‫ومحمد مندور وإبراهيم ناجي وأدونيس‬ ‫وآلياتها ومح ّرضاتها النفسية واالجتماعية واحدة من حيث هي‬

‫وينسبه إلى نفسه في مختلف حقول األدب والفكر والفن‪ ،‬أسوة‬ ‫ّ‬ ‫وتتعقب‬ ‫بتلك المراصد التي تنشط في المجتمعات المدنية‪،‬‬

‫رغبة كامنة‪ ،‬وسعي للتفوّق المادي والمعنوي على اآلخر؛ عبر‬

‫ويعقب مرزوقي‪« :‬قد يبتسم ويسخر في س ّره كل من يعتبر األمر‬

‫وبتواطؤ مع مؤسسات اجتماعية ضمن منظومة فساد واضحة‬

‫االنتهاكات الحقوقية فتفضح مرتكبيها في الدول والمؤسسات‪.‬‬

‫دعوة طوباويّة‪ ،‬وضربًا من (الفذلكة الثقافية) في مجتمعات‬ ‫تنخرها شتى األمراض ما عدا (أحمدها وأنبلها) في التهام الكتب‪،‬‬

‫وإدمان حشيشة الفن والمعرفة؛ وقد يذهبون معي بعيدً ا‬ ‫ويفرضون ‪ ‬جدلاً أنّ المراصد األدبية قد أُقيمت على قدم وساق‬

‫حصي المتلبسون من (اللصوص األذكياء)‪ ،‬والزجّ بهم‬ ‫وقلم‪ .‬وأُ ِ‬

‫ضمن لوائح سوداء قصد التشهير‪ ،‬وردع كل من تسوّل له نفسه‬ ‫ّ‬ ‫األكف الناعمة من‬ ‫(الطمّاعة الذوّاقة) االعتداء على أصحاب‬ ‫ّ‬ ‫يجف حبرها‬ ‫(بروليتاريا) اإلبداع‪ ،‬فتعيد لألقالم حقها قبل أن‬

‫وتعود إلى غمدها»‪.‬‬ ‫لكن هل س ُتفتح غرف التحقيق‪ُ ،‬‬ ‫وتقام المحاكم‪ ،‬وتنصب‬ ‫ّ‬ ‫المقاصل لألقالم المزوّرة‪ ،‬فينصف المعتدى عليه‪ ،‬ويمكن من‬ ‫استرداد حقوقه المعنوية والمادية؟ يتساءل حكيم المرزوقي‬ ‫ويجيب‪« :‬الحقيقة التي ال تقبل الجدل هو أنّ فعل السرقة‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫االعتداء على ممتلكاته من‪ ‬دون اعتبار أخالقي أو رادع قانوني؛‬

‫ال غبار عليها»‪.‬‬

‫يقول فقهاء القانون‪ :‬ال جريمة وال عقوبة إال بنص قانوني؛‬

‫لكن جرائم السطو األدبي استمرت وتستمر حتى بعد سن‬ ‫ظلت ً‬ ‫القوانين الخجولة في الملكية الفكرية التي ّ‬ ‫ترفا حضاريًّا في‬

‫ورقي وبال مخالب‪،‬‬ ‫سوريا وغيرها من البالد العربية؛ مجرد نمر‬ ‫ّ‬ ‫كما غابت العقوبات إال فيما ندر‪ ،‬ذلك أنّ هذه النصوص جاءت‬

‫في البالد العربية كنوع من ذ ّر الرماد‪ ،‬والتبجّ ح بأننا أمة تحترم‬ ‫المبدعين‪ ،‬وتدافع عنهم‪.‬‬

‫مسألة يرى فيها األديب التونسي حكيم المرزوقي‪« :‬أنه ال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المتعلقة‬ ‫‪ ‬غض الطرف فيما يخص الملكية الفكرية‬ ‫بأس من‬

‫بمنجزات عالميّة من شأنها أن تنقذ مجتمعات فقيرة بكاملها من‬ ‫ّ‬ ‫تتعلق بأمنها الغذائي وثرواتها‬ ‫األوبئة كاللقاحات الدوائية‪ ،‬أو‬ ‫ً‬ ‫إطالقا في عدم االستجابة لجشع‬ ‫الطبيعيّة؛ إذ إنني ال أرى حرجً ا‬


‫السرقات األدبية مستمرة في أشكال وأقنعة جديدة‪ ..‬و«حقوق المؤلف» نمر بال مخالب‬

‫الشركات المحتكرة ذات النشاط الربحي‪ .‬كما ال أجد مانعً ا من‬

‫تحويل النصوص العالمية إلى أعمال درامية محليّة من دون‬ ‫ّ‬ ‫المتخصصين؛ فما زلت أنتصر‬ ‫التغافل عن ذكر المصدر لدى‬

‫لنظرية روبن هود وطرفة بن العبد في جدوى العدالة االجتماعية‪،‬‬ ‫وإعادة توزيع الثروة عبر افتكاكها من خزائن المترفين ال من‬ ‫أدراج ‪ ‬المبدعين طبعً ا‪ ...‬ألم يكن هؤالء الصعاليك مبدعين؟‬

‫فلماذا لم تسرق منهم جذوة اإلبداع في العصور الحديثة‬ ‫المتسمة بثقافة الطمع والجبن؟»‪.‬‬

‫لقد كان العرب على حق في تقديرهم ‪ ‬لمبدأ «االقتباس»؛‬

‫ذلك أنّ هذا المصطلح جاء من فعل اقتناء قبس النار من خيمة‬ ‫نحو األخرى؛ كي تعمّ الفائدة ُ‬ ‫وتضاء مضارب القبيلة‪ ،‬وكذلك‬

‫الشأن في مصطلح «االستنباط» الذي يعود أصله إلى حضارة‬

‫ناظم مهنا‬

‫خليل صويلح‬

‫ال تتعدى الحائط الهش للموقع‪ ،‬يعقب خليل صويلح‪ ،‬ويقول‪:‬‬ ‫«ربما كان (ماريو) بطل رواية أنطونيو سكارميتا (ساعي بريد‬

‫نيرودا) من أروع لصوص األدب؛ إذ كان يهدي حبيبته مقاطع‬

‫العرب األنباط في منطقة وادي موسى‪ ،‬وعليه فقد سمّي كل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫خصوصا في بدايات‬ ‫استنباطا‪،‬‬ ‫تطوير في شؤون الدولة والمجتمع‬

‫شاعريته المستعارة‪ .‬لكنني أظن أن فوضى ما نعيشه اليوم‪،‬‬

‫«التناص» الحديث كثير منه سرقة مب ّررة وغير موصوفة‪ ،‬وكان‬

‫وليست خيانة‪ ،‬بدليل انطفاء مثل هذه االنتهاكات بسرعة‪ ،‬ليعود‬ ‫أصحابها إلى الساحة ببزة أدبية جديدة‪ ،‬وكأن شي ًئا لم يحدث»‪.‬‬

‫العصر األموي؛ أمّا «التضمين» و«االستعارة» و«المعارضة» في‬ ‫الشعر العربي القديم فتنمّ عن نبل في اإلشارة إلى المصدر؛ لكنّ‬

‫األجدر تسميته بـ«التالص»‪.‬‬

‫من شعر نيرودا لتعزيز عالقته بها‪ ،‬قبل أن تكتشفه أمها‪ ،‬وتدمّر‬

‫جعلت من السرقة األدبية في حالة اكتشافها‪ ،‬مجرد وجهة نظر‪،‬‬

‫سرقة مع بعض التضليل‬

‫موسوعة للسرقات‬

‫القاص واألديب ناظم مهنا يعقب على الموضوع ساردًا‬ ‫ً‬ ‫أيضا مع السرقات األدبية‪:‬‬ ‫حكايته‬

‫«ال أعلم مصير (موسوعة السرقات‬ ‫األدبية) التي أُعلن عن قرب صدورها‬

‫ُ‬ ‫أنهيت قراءة‬ ‫«منذ أيام قليلة مضت‪،‬‬

‫على هذا الخبر وقتها‪ ،‬بأنها الموسوعة‬

‫صفحة‪ ،‬اشتبهت بترجمة الكتاب‪،‬‬ ‫وتذ ّك ُ‬ ‫رت أن في مكتبتي طبعة قديمة‬

‫قبل سنوات»‪ ،‬يقول الروائي السوري‬ ‫خليل صويلح‪ ،‬ويضيف‪« :‬لكنني ّ‬ ‫علقت‬

‫كتاب مترجم يتجاوز السبعمائة‬

‫الوحيدة التي ال يتمنى كاتب عربي أن‬

‫للكتاب نفسه بجزأين لمترجم آخر‬

‫يجد اسمه في فهرسها‪ .‬أظن أن (غوغل)‬

‫من بلد آخر‪ ،‬وأن الترجمة مسروقة‬

‫لجم مثل هذه االعتداءات‪ ،‬نظ ًرا‬

‫مع بعض التضليل‪ ،‬وهذا مشين‪ ،‬ال‬

‫لسهولة كشفها‪ ،‬وانتفاء المسافات‬

‫سيما أن الترجمة المسروقة صادرة عن‬

‫بين الجغرافيات المتباعدة‪ ،‬بسطوة‬

‫مؤسسة نشر رسمية قد تفقد مكانتها‬

‫الميديا‪ ،‬على رغم أن محاوالت االنتهاك‬ ‫ّ‬ ‫تتوقف‪ ،‬أقله في الشوارع الخلفية‬ ‫لم‬ ‫للكتابة‪ ،‬عن طريق ك ّتاب مغمورين‬ ‫ً‬ ‫سابقا يخشون‬ ‫ال يمتلكون رصيدً ا‬ ‫إهداره»‪ .‬اليوم هناك نوع من اللصوصية‬ ‫المضمرة‪ ،‬وذلك بتحويل فلم أجنبي‬

‫إلى رواية‪ ،‬بإضافة توابل محليّة على‬

‫الحدث‪ ،‬بقصد إخفاء معالم الجريمة‪،‬‬ ‫أو اللجوء إلى مواقع التواصل االجتماعي‬

‫ولطش شذرة من هنا وشذرة من هناك‪،‬‬ ‫من دون ذكر صاحبها‪ ،‬لمآرب عاطفية‬

‫إذا ما استمرت في التهاون بهذه‬ ‫األمور»‪ .‬السرقات األدبية أمر شائع جدًّ ا‬

‫حكيم المرزوقي‪ :‬لكن هل‬ ‫ستُفتح غرف التحقيق‪ ،‬وتُقام‬ ‫المحاكم‪ ،‬وتنصب المقاصل‬ ‫المزورة فينصف‬ ‫لألقالم‬ ‫ّ‬

‫في التاريخ األدبي‪ ،‬وقد أفرد لها النقاد‬

‫العرب القدامى صفحات عديدة في‬ ‫كتبهم‪ ،‬ويكاد ال يخلو كتاب نقد قديم‪،‬‬

‫بقليل أو بكثير‪ ،‬من ذكر هذا الداء‪-‬‬ ‫يضيف القاص السوري مه ّنا ويتابع‪:‬‬

‫المعتدى عليه‪ ،‬ويم ّكن من‬

‫«ابن رشيق يتحفنا بأنواع عديدة من‬

‫والمادية؟‬

‫االصطراف‪ ،‬واالجتالب‪ ،‬واالنتحال‪،‬‬

‫استرداد حقوقه المعنوية‬

‫السرقات في كتاب (العمدة) منها‪:‬‬

‫واالهتدام‪،‬‬

‫واإلغارة‪،‬‬

‫والمرافدة‪،‬‬

‫‪107‬‬


‫تحقيق‬

‫واالستلحاق‪ ،‬وكلها قريب من قريب في باب السرقات‪ .‬ومنها‬ ‫عند بعضهم‪ :‬االختالس‪ ،‬والعكس‪ ،‬والمواردة (التوارد)‪،‬‬

‫والتلفيق‪ ،‬وااللتقاط‪ ،‬وبعضهم يسميه االجتذاب والتركيب‪.‬‬

‫وابن األثير جمعها في ثالثة أقسام‪ :‬نسخ‪ :‬أخذ اللفظ والمعنى‪.‬‬ ‫وسلخ‪ :‬أي أخذ بعض المعنى‪ .‬ومسخ‪ :‬أي إحالة المعنى إلى ما‬

‫الجرجاني‪ -‬كما يقول األديب ناظم مهنا‪ -‬رفض هذا النعدام‬ ‫ّ‬ ‫ولشكه بإمكان أن يأتي أحد‬ ‫وجود معنى عار من لفظ يدل عليه‪،‬‬

‫بلفظ من عنده لمعنى من المعاني‪ ،‬وأن التغير في اللفظ يتبعه‬ ‫تغير في المعنى والعكس ً‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫شعراء كبار اتهموا بالسرقة‬ ‫اتهموا بالسرقات! من امرئ‬ ‫شعراؤنا األقوياء جُ ُّلهم ِ‬

‫دونه»‪ .‬بعض النقاد خفف من قسوة المصطلح فقال ابن قتيبة‬

‫بـ «االحتذاء أو األخذ»‪ .‬ورأى ابن رشيق أن اتكال الشاعر على‬ ‫السرقة بالدة وعجز‪ ،‬وتركه كل معنى سُ بق إليه جهل‪ ،‬وخير‬

‫الحاالت الوسط‪ ،‬والمخترع له فضل االبتداع‪ ،‬غير أن المُ تبع إذا‬

‫تناول معنى فأجاده في أحسن كالم؛ فهو أول من مبتدعه‪ ،‬وله‬ ‫فضيلة حسن االقتداء‪ .‬وثمة من رأى منهم أن من أخذ معنى‬ ‫عاريًا‪ ،‬فكساه ً‬ ‫لفظا من عنده‪ ،‬كان أحق به‪ .‬إال أن عبدالقاهر‬

‫القيس‪ ،‬مرورًا بأبي نواس‪ ،‬وأبي تمام‪ ،‬والبحتري‪ ،‬والمتنبي‪،‬‬

‫وحتى أدونيس‪ .‬إنما ال بد أن نميز السرقة األدبية المذمومة‪،‬‬ ‫من التأثر الذي تتوالد منه السالالت األدبية وتتفاعل‪ -‬يشرح‬ ‫الكاتب ناظم مهنا وجهة نظره في ذلك قائلاً ‪« :‬على رغم تداخل‬

‫ً‬ ‫أحيانا يكون الخيط الذي يفصل بينهما واهيًا؛ ففي‬ ‫الحالتين‬

‫محمد مظلوم‪ :‬تعرضت ألنواع من السرقة‬ ‫يرى الكاتب والشاعر العراقي محمد مظلوم أن عبارة (سرقة أدبية) تنطوي‬

‫على «تناقض داخلي في هذا التضاد الظاهر بين الصفة والموصوف‪ ،‬فالسرقة‬

‫‪108‬‬

‫ً‬ ‫إبداعا‪ ،‬لذا ال يمكن للسرقة أن تكون أدبًا‪ ،‬مع أنها‬ ‫تتناقض مع األدب بوصفه‬ ‫ً‬ ‫أحيانا إلى أن تغدو ضربًا من اإلبداع المحتال! النقاد العرب القدامى انتبهوا‬ ‫ترقى‬

‫ِّ‬ ‫متشددين فيه‪ ،‬فص َّنفوا حتى السرقات في المعاني ً‬ ‫نوعا‬ ‫لهذا الجانب فكانوا‬

‫من اإلغارة والغزو بما تحمله من معاني السلب والنهب‪ ،‬وحتى القتل واألسر!‬

‫وبخاصة عندما يكون المعنى المغار عليه شخصيًّا ومبتكرًا‪ ،‬وليس معنى عامً ا‬ ‫مبذولاً ‪ .‬في تجربتي الكتابية واجهت هذا النوع من االستحواذ غير الشرعي على‬

‫عبارات وأفكار معينة بدرجات متفاوتة في نصوصي وكتاباتي األخرى‪ ،‬لكنني لم‬ ‫أحفل لألمر كثيرًا‪ ،‬حتى إنني أوجدت لبعضها مبررًا من دون التدقيق في سوء‬ ‫النوايا المحتمل‪ ،‬فأحلتها إلى اإلعجاب والتأثر وحتى التخاطر!»‪.‬‬

‫ً‬ ‫مبلغا خطيرًا‪ ،‬وسط‬ ‫في لحظتنا الراهنة انتعشت قضية السرقات األدبية مع انتشار وسائل التواصل الحديثة لتبلغ‬

‫هذا الكم المخيف من النصوص المتناسخة‪ ،‬وال أقول المتشابهة حتى «تشابه البقر علينا» في ظالم هائل معبر عن‬

‫ظالمية ثقافية راهنة‪ .‬وهي ظاهرة استشرت ولم تجد من يرصدها أو يدينها‪ ،‬حتى أصبحت جزءً ا من أخالق العصر _‬ ‫يضيف الشاعر العراقي متابعً ا‪« :‬مع شيوع تقنيات (النسخ واللصق) في وسائل الكتابة الحديثة أصبح األمر أقل عناءً من‬

‫(اإلغارة)‪ ،‬ولم يعد السارق بحاجة حتى إلى نسخ ما يسرقه بالقلم والورقة ليخطر له إبدال عبارة أو كلمة أو حتى فاصلة!‬ ‫ّ‬ ‫نتحدث عن نصوص وأفراد‪ ،‬بل ثمة مؤسسات‌ ومنابر قامت على هذا النوع من االستيالء غير الشرعي»‪ .‬بيد‬ ‫وهنا لم نعد‬

‫أن هذا النوع من السرقات يبقى ضربًا ساذجً ا من السرقة‪ ،‬وما لصوصه سوى ضحايا لغوايات النص اآلخر‪ ،‬ففي نهاية‬ ‫المطاف ال يمكن االستحواذ التاريخي على نص اآلخر‪ .‬فالنص كالذكورة واألنوثة ال يمكن أن ُتسرق‪ ،‬بل يمكن أن تشوَّه‬ ‫وتمسخ فحسب!‬

‫في موازاة هذا النوع ثمة سرقات أخرى يصفها محمد مظلوم «بأنها سرقات محترفين‪ ،‬كأن يقوم أحدهم بسرقة‬

‫جهدك اعتباريًّا وماديًّا‪ ،‬وتسويقه في عمل يدر عليه مردو ًدا ماديًّا‪ ،‬هذا النوع من السرقة تعرضت له كذلك‪ ،‬وهو‬

‫لصوصية صريحة من دون أدنى مواربة نقدية‪ ،‬فهي ال تحتمل الكثير من مقوالت التناص والتأثر والتخاطر والقصة‬

‫المأثورة عن الحافرين!»‪.‬‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫السرقات األدبية مستمرة في أشكال وأقنعة جديدة‪ ..‬و«حقوق المؤلف» نمر بال مخالب‬

‫نصوص الحداثة وما بعد الحداثة‪ ،‬يأخذ التفاعل بين النصوص‬ ‫أشكالاً متعددة من التضمين أو عملية ابتالع وهضم نصوص‬

‫أخرى في نص واحد‪ ،‬ويعدّ بعضهم هذا سرقة‪ .‬وفي ذاكرتي‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وسمعت بها عن سرقات أدبية‬ ‫عاصرتها‬ ‫عشرات الشواهد التي‬ ‫تبلغ وقاحتها حد الطرافة‪ ،‬فلقد تع ّر ُ‬ ‫ضت لحالتين مختلفتين‬ ‫من هذا التماس بين السرقة والتفاعل ال مجال وال جدوى من‬

‫الخوض فيهما؛ إال أنه ال يشغلني كثي ًرا موضوع السرقات‬ ‫األدبية‪ ،‬وال توجد ملكية خاصة لألفكار‪ ،‬وكما قال األسالف‪:‬‬

‫نذير جعفر‬

‫المعاني مطروحة في الطرقات لمن يشاء‪ .‬إال أنني أرى أن‬

‫ً‬ ‫مخلصا لمخيلته ولشخصيته‪ .‬وأعتقد‬ ‫على الكاتب أن يكون‬ ‫أن السرقة بشكلها البشع والوقح شائعة اليوم في عالمنا‬

‫الصفيق‪ ،‬العدواني إلى هذا الحد‪ ،‬حيث كل شيء فيه مباح‬ ‫بما في ذلك الحياة ذاتها!»‪.‬‬ ‫السارق قاضيًا‬

‫من المفارقات العجيبة أن كثي ًرا من الصفحات على مواقع‬

‫التواصل االجتماعي التي تحمل اسم «السرقات األدبية»‪،‬‬

‫أو «معً ا ضد السرقات األدبية» تضم عضوية بعض لصوص‬

‫األدب والترجمة المشهود لهم! وشر البلية ما يجعل السارق‬

‫قاضيًا! فكم هو واطئ حائط األدب والفكر والفلسفة والعلم!‬ ‫لاً‬ ‫أمي‬ ‫– يعلق بدوره الناقد نذير جعفر متسائ ‪« :‬كيف للص ّ‬ ‫مبتدئ أن يحسب ألف حساب لسرقة مادية عينية صغيرة‪،‬‬

‫وال يتوانى لص «مثقف» عن سرقة شكسبير أو نجيب محفوظ‬ ‫أو أدونيس أو لوتريامون أو رامبو أو الحالج بضغطة واحدة في‬ ‫وضح النهار! ال بل سرعان ما ي ّ‬ ‫ُنصب ذلك اللص (المثقف) نفسه‬

‫قاضيًا‪ ،‬ويوجّ ه التهمة لهؤالء الذين سرقهم ليبعد الشبهة عما‬ ‫اقترفه ّ‬ ‫بحقهم!»‪.‬‬ ‫كثير مما يسمى سرقات أدبية في التراث ليس سوى‬

‫تناص وتوارد صور وأفكار وتشابه في سياق التجارب اإلنسانية‪،‬‬ ‫ومع ذلك عدّ ه القدماء سرقات‪ ،‬ولم يتساهلوا مع أصحابها‬ ‫سواء على مستوى بيت من الشعر أو مطلع قصيدة أو صورة‬

‫بيانية‪ ،‬أما اليوم فهناك سرقات موصوفة كاملة لكتب بعينها‪،‬‬ ‫وأبحاث‪ ،‬ورسائل جامعية‪ ،‬ودواوين شعر‪ ،‬وهي تمر دون‬ ‫ملتبسا‬ ‫ضجيج ألن هذا الحقل‪ ،‬حقل السرقات األدبية بات‬ ‫ً‬

‫ومشبوهً ا‪ ،‬بسارقيه ومسروقيه وشهوده وقضاته! ال بل إن‬

‫جرائم السطو األدبي مستمرة حتى‬ ‫بعد سن القوانين الخجولة في الملكية‬ ‫الفكرية التي ظلّت ترفً ا حضاريا في‬ ‫البالد العربية‬

‫إبراهيم المصري‬

‫كثي ًرا ممن يدعون سرقة نتاجهم أو يسرقون نتاج غيرهم ليسوا‬

‫سوى متطفلين على اإلبداع‪ ،‬وغايتهم لفت األنظار‪ ،‬أو تحقيق‬ ‫ربح ما‪ ،‬أو نيل شهادة ليس غير! حتى قوانين الملكية الفكرية‬ ‫ّ‬ ‫الحق! فمن يملك شرعية‬ ‫لم ُتفعّ ل في بالدنا حتى اآلن إلحقاق‬

‫توجيه االتهام أو الحكم بالبراءة؟‬ ‫قرصنة‬

‫َ‬ ‫إليك على أنك ُتلقي مزحة‪ ،‬لو تحدثت عن‬ ‫سوف يُنظر‬

‫(حقوق الملكية الفكرية في العالم العربي) ‪ -‬يقول الشاعر‬

‫والروائي المصري إبراهيم المصري‪« :‬تلك الحقوق المتصلة‬ ‫أصيل ينتجه إنسانٌ ما أو يخترعه‪ ،‬وإذا كانت هذه الحقوق‬ ‫بإنتاج‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬

‫واضحة الحدود إلى حد كبير في شأن المنتجات الصناعية‬ ‫على سبيل المثال‪ ،‬فإنها تكاد تنعدم في المنتجات اإلبداعية‪،‬‬ ‫إذ عدا السرقة المباشرة التي يتم فيها سرقة كتاب بالكامل أو‬

‫بعض فصوله‪ ،‬فإن الغموض هو السائد في عدد ال يُحصى من‬ ‫السرقات‪ ،‬ال تتطلب أكثر من تمويه أو إعادة صياغة‪ ،‬ليصبح ثمة‬

‫مُنتج جديد لم يتعب صاحبه في إنتاجه‪ .‬لكن حتى لو أمسكنا‬ ‫أحدً ا بالجُ رم المشهود‪ ،‬فمن سيحاكمه أو يحاسبه؟ حتى لو‬ ‫ً‬ ‫حُ وسب قضائيًّا‪َّ ،‬‬ ‫طليقا بعد أن يدفع غرامة على سبيل‬ ‫فإنه يظل‬ ‫التعويض‪ ،‬وثمة حكاية تم تداولها مدة طويلة عن (شاعر مصري‬

‫ً‬ ‫نصوصا من شاعر آخر في صعيد‬ ‫مشهور تلفزيونيًّا) سرق كما قيل‬

‫مصر‪ ،‬وهذه النصوص مصنفة ضمن (فن الواو) أحد فنون القول‬

‫الشعبي في الصعيد‪ ،‬وبعد الحكم على الشاعر الذي قيل إنه‬

‫سرق وتغريمه خمسة آالف جنيه‪ ،‬حكمت محكمة النقض بعد‬ ‫ثالث سنوات من الجدل حول هذه القضية ببراءة الشاعر‪ ،‬إذ يُع ُّد‬

‫من (الشطارة) في بلد كمصر أن تدوس القانون وتعبر عليه إلى‬ ‫مصلحتك الشخصية‪ .‬وإذا خرجنا من السرقات األدبية والفكرية‬ ‫إلى عالم النشر العربي‪ ،‬فماذا يمكن أن نقول عن الطباعة‬

‫الالقانونية للكتب‪ ،‬إلى حد أن روائيًّا مصريًّا مشهورًا يشكو من أنه‬ ‫يجد نسخ روايته المزيفة طباعيًّا أي (المقرصنة بالفعل) مطروحة‬

‫للبيع على بسطات باعة الصحف في القاهرة!»‪.‬‬

‫‪109‬‬


‫كتب‬

‫طه عبدالرحمن‬ ‫ورهان التأسيس ألنموذج فكري جديد‬ ‫المهدي مستقيم‬ ‫باحث مغربي‬

‫يعد المفكر المغربي طه عبدالرحمن‪ ،‬أحد أكبر سدنة الدرس الفلسفي المنطقي في‬ ‫العالم العربي‪ ،‬وما يرتبط به من قضايا ذات صلة بفلسفة اللغة‪ ،‬وقد شرع في تطوير‬ ‫قضايا ومحاور هذا الدرس منذ وقت مبكر‪ ،‬إثر التحاقه سنة ‪1969‬م بالتدريس بشعبة‬ ‫الفلسفة بكلية محمد الخامس لآلداب والعلوم اإلنسانية‪ ،‬وخلف طه آثارًا عظيمة‪ ،‬تجلو‬ ‫عن أصالة المجهودات التي ما انفك يبذلها بكثير من الحنكة األكاديمية والكفاءة العلمية‪،‬‬ ‫توجت بإصداره مجموعة من الدراسات المهمة‪ ،‬التي تعبر عن قناعاته وتوجهاته واختياراته‬ ‫وتمثالته لنمط القول الفلسفي الذي يدعي أن بإمكانه أن يخدم إنماءنا واستدراك ما فاتنا‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫استهل طه عبدالرحمن إصداراته بمصنفه األول سنة ‪1979‬م تحت‬

‫يستطيع أن يمنح للذات ما يهبها الرضا والقرب من طبيعة اإلنسان‬ ‫ومعنى العالم وحقيقة الله‪ .‬وهو مشروع سيكتشف المطلع عليه‪ ،‬أنه‬

‫ثان سنة ‪1983‬م بعنوان‬ ‫عنوان «اللغة والفلسفة»‪ ،‬ثم أعقبه بإصدار ٍ‬ ‫«المنطق والنحو الصوري»‪ ،‬وثالث بعنوان «فقه الفلسفة»‪ ،‬وهو عبارة‬

‫أمام جهد نظري كبير‪ ،‬جهد يعتني‪ ،‬كما قال المفكر كمال عبداللطيف‪،‬‬

‫«الفلسفة والترجمة»‪ ،‬والثاني بعنوان «القول الفلسفي‪ ،‬كتاب المفهوم‬

‫الدقة والتدقيق باعتبارها الزمة أساسية في الكتابة الفلسفية‪ ،‬وذلك من‬

‫عن مشروع في جزأين‪ ،‬صدر منه الجزء األول سنة ‪1995‬م بعنوان فرعي‪:‬‬

‫والتأثيل»‪ ،‬وقد هدفت هذه اإلصدارات التي شيد على أثرها طه مسيرته‬ ‫الفكرية‪ ،‬استنطاق أسس فلسفة اللغة والمنطق‪ .‬ثم عرج بعد ذلك‬ ‫إلى التناول النقدي لألطروحات والتصورات السائدة في الفكر الفلسفي‬

‫المغربي والعربي ككل‪ ،‬مفصحً ا عن توجهه الفكري‪ ،‬المؤسس على‬ ‫تجربة روحية تنهل من المبادئ األخالقية التخلقية‪ ،‬وذلك في إصداراته‬

‫الموسومة بـ «في أصول الحوار وتجديد علم الكالم» (‪1987‬م)‪ ،‬و«العمل‬ ‫الديني وتجديد العقل» (‪1989‬م)‪ ،‬ثم «تجديد المنهج في تقديم التراث»‬ ‫(‪1994‬م)‪ .‬وتصنف بقية إصدارات طه ضمن مقولة «االئتمان»‪ ،‬وتدخل‬

‫فيها مجموعة من الدراسات التي أصدرها طه تبا ًعا في هذا المجال‪.‬‬ ‫نقد تيارات التقليد والحداثة‬

‫إن هذه المصنفات التي خطها طه عبد الرحمن بكثير‬

‫من الحنكة والدقة‪ ،‬إنما تجلو عن مشروع فكري ضخم‪،‬‬

‫يتغيا نقد تيارات التقليد والحداثة في الفكر المغربي‬

‫والعربي‪ ،‬سعيًا منه إلى تحقيق نوع من االستقالل الفلسفي‬

‫المبدع‪ ،‬ينهل من تجربة روحية عقدية‪ ،‬تربط صفاء السريرة‬

‫بالعقل العملي الصوفي‪ ،‬على أن هذا األخير هو وحده من‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫«بالكلمات والعبارات كما يعتني بالمفاهيم والتصورات‪ ،‬مستوعبًا خاصية‬

‫أجل مقالة واضحة المعالم‪ ،‬وعبارة مسبوكة بكثير من العناية»‪( .‬كمال‬

‫عبداللطيف‪ ،‬أسئلة الفكر الفلسفي في المغرب‪ ،‬المركز الثقافي العربي)‪.‬‬ ‫يضعنا مشروع طه‪ ،‬أمام براديغم أو أنموذج إرشادي‪ ،‬يهدف إلى‬

‫إعادة النظر في متخيلنا االجتماعي‪ ،‬وفي القضايا التي يخوض فيها الفكر‬

‫العربي المعاصر‪ ،‬ويعرف طه عبدالرحمن بهذا البراديغم أو األنموذج‬

‫في كتابه بؤس الدهرانية‪ ،‬إذ يقول‪« :‬نستعمل (األنموذج) هاهنا بمعنى‬ ‫غير (النموذج)‪ ،‬ولو أنهما مشتقان من أصل لغوي واحد‪ ،‬فـ(النموذج)‬

‫عبارة عن (المثال) بمعنى (الطراز)‪ ،‬ومقابله اإلنجليزي هو ‪ Model‬أو‬ ‫‪ ،Pattern‬في حين نقصد بـ(األنموذج)‪ ،‬على وجه اإلجمال‪ ،‬منهجية‬


‫متبعة ورؤية محددة للعالم‪ ،‬فمثال نظرية نيوتن في الجاذبية أنموذج‪،‬‬

‫• «المنهجية التداولية»‪ :‬تقويم العمل الفلسفي ال يتوصل إليه‬

‫‪( Paradigme‬طه عبدالرحمن‪ ،‬بؤس الدهرانية‪ :‬النقد االئتماني للفصل‬

‫إبداعه الذي يميزه ويتفرد به عن باقي اإلنتاجات الثقافية األخرى‪ ،‬فإن‬

‫ونظرية أينشتاين في النسبية أنموذج آخر‪ ،‬ومقابله اإلنجليزي هو‬ ‫بين األخالق والدين‪ ،‬الشبكة العربية لألبحاث والنشر)‪ .‬إنه أنموذج‬ ‫مؤسس على قناعة ذاتية عميقة تخص تجربة طه اإليمانية‪ ،‬وقائم على‬

‫ترسانة نظرية ومفاهيمية سميكة‪ ،‬تحاجج من أجل سالمة هذه التجربة‪،‬‬ ‫وتبرهن على نجاعتها وصدقها وإمكانيات تعميمها خدمة لتصور معين‬

‫للعالم وللزمان‪.‬‬

‫الخيوط الكبرى الناظمة‬

‫إال بفقه آليات التداول الخاصة بالفيلسوف‪ ،‬إذا كان للتراث اإلسالمي‬ ‫للتراث الغربي (اليوناني واألوربي) إبداعه الخاص به‪ ،‬ومن منطلق الدعوة‬ ‫إلى التعارف التي تقتضي االنفتاح المعرفي والتالقح الفكري بين األمم‪،‬‬ ‫فإن استكشاف «المنهجية الفلسفية» التي اتبعتها ثقافة الغرب إلنتاج‬ ‫نموذجها الخاص في إبداع قولها الفلسفي يكون ً‬ ‫شرطا ضروريًّا الستئناف‬

‫مسيرتنا الفلسفية اإلبداعية بعد عصر االنحطاط‪ ،‬من هنا دعوة طه إلى‬

‫النظر في الصنعة الفلسفية الغربية من منطلق علمي‪ ،‬ال فلسفي‪ ،‬حتى‬

‫نتمكن من الدخول إلى مصنع الفيلسوف وهو يضع ترجمته لنصوص‬

‫يصعب على القارئ مسايرة المشروع «الطاهائي»‪ ،‬من دون إدراكه‬

‫غيره من الفالسفة‪ ،‬ويبدع مفهومه‪ ،‬ويضع تعريفه‪ ،‬ويبني دليله‪،‬‬

‫حدا بالدكتور رضوان مرحوم إلى القول في التقديم الذي خصه لكتاب‬

‫مشروع «فقه الفلسفة» بوصفه جهدًا نظريًّا ينبغي أن تضطلع به أجيال‬

‫للخيوط الكبرى الناظمة لألنموذج الذي يتأسس عليه‪ ،‬ولعل ذلك ما‬ ‫طه المعنون بـ(سؤال المنهج في أفق التأسيس ألنموذج فكري جديد)‪:‬‬

‫«ولما كان الحديث عن (أنموذج النظر) ينبني على منهجية غير مسبوقة‪،‬‬ ‫ويؤسس ً‬ ‫نمطا معرفيًّا متمي ًزا – أي جملة من الصور والنظريات والمفاهيم‬

‫ويسلك وفق مقتضيات قوله الفلسفي‪ ،‬لهذا‪ ،‬يتعين التعامل مع‬ ‫مجتمعة من الباحثين والمفكرين‪ ،‬من أجل استكشاف المنهجية التي‬ ‫صيغت بها الفلسفة عند العرب‪ ،‬وذلك بقصد استعمالها بما يتناسب‬

‫مع مقتضياتنا التداولية في تحصيل أسباب اإلبداع‪.‬‬

‫والمسلمات واألحكام واألدلة التي تنبني عليها المعرفة اإلنسانية في مدة‬

‫• «المنهجية الحجاجية»‪ :‬التقويم المنطقي للتراث اإلسالمي‬

‫المنهجية باعتبارها توجه النظر وترشده إلى تحصيل مطلوبه»‪ .‬ومن ثم‬

‫المنهجية التي تم استمدادها من التراث اإلسالمي واستكشافها في‬ ‫الفلسفة الغربية لها ً‬ ‫أيضا شرائط منطقية‪ ،‬ومقتضيات حجاجية‪ ،‬فيكون‬

‫معينة ‪ -‬لزم التطرق إلى (األطر المفاهيمية) التي تلزم عن استعمال هذه‬ ‫فإن قارئ المشروع مطالب حسب رضوان مرحوم‪ ،‬بإدراك ترسانة كبيرة‬

‫ًّ‬ ‫خاصا بفكر طه‬ ‫من المفاهيم المنهجية التي تشكل معجمًا اصطالحيًّا‬

‫عبدالرحمن‪ ،‬وهذه المفاهيم هي‪:‬‬

‫• «المنهجية التكاملية»‪ :‬تقويم التراث اإلسالمي العربي ال يصح‬

‫إال بفقه المنهاج التكاملي الخاص بهذا التراث‪ ،‬يرى طه أن تحقيق‬

‫والخطاب الفلسفي ال يصح إال بقانون المنطق الحجاجي‪ ،‬ذلك أن‬

‫النهوض بإمكانياتنا الفكرية‪ ،‬واستئناف عطائنا اإلبداعي محتاجً ا‪ ،‬لكي‬

‫يحيط بتمام عرضه‪ ،‬إلى تحصيل قوانين هذه‬ ‫المنهجية‪ ،‬واستعمالها عند صياغة نظرياتنا‬

‫الفكرية‪( .‬طه عبدالرحمن‪ ،‬سؤال المنهج‬

‫اإلبداع الذي يوصلنا إلى التحرر الفكري ال يتم إال بواسطة استخراج‬ ‫المنهجية التي ّ‬ ‫نظر لها من تقدّمنا من النظار المسلمين ممن حافظ‬

‫المؤسسة العربية للفكر واإلبداع)‪.‬‬

‫استقاللية عقل المسلم‪ ،‬وهذه المنهجية المستنبطة من التراث ينبغي‬

‫الطاهائي إلى ممارسة‬

‫على الخصوصية التداولية لثقافته اإلسالمية األصلية‪ ،‬وكرس في كتاباته‬ ‫إعمالها عند تقويم عطاء المتقدمين في مختلف المجاالت التي خاضوا‬

‫فيها بنظرهم‪ ،‬وهو األمر الذي يوجب االبتعاد عن األحكام المتسرعة‬

‫والدعاوى األيديولوجية التي أطلقها بعض من خاض في تقويم التراث‪،‬‬ ‫ألن التمكن من وسائل النظر في التراث يتقدم طلب المعرفة بمضامين‬ ‫هذا التراث‪.‬‬

‫يتغيا طه عبدالرحمن نقد تيارات‬ ‫التقليد والحداثة في الفكر المغربي‬ ‫سعيا منه إلى تحقيق نوع من‬ ‫والعربي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫االستقالل الفلسفي المبدع ينهل من‬ ‫تجربة روحية عقدية‪ ،‬تربط صفاء السريرة‬ ‫بالعقل العملي الصوفي‬

‫في أفق التأسيس ألنموذج فكري جديد‪،‬‬ ‫أخي ًرا‪ ،‬يركن المشروع‬

‫نوع من النقد الصوفي‬ ‫للحداثة‪ ،‬ويلجأ من‬

‫أجل ذلك في أحايين عديدة‪،‬‬

‫إلى توظيف لغة دعوية تقليدية‬ ‫محافظة‪ ،‬ليبرز بذلك جاهلية‬

‫وبهيمية ومادية الحضارة المعاصرة‪،‬‬ ‫حضارة الحداثة والتقنية‪،‬‬

‫وهذا ما يبعد طه‬

‫عبدالرحمن كما يقول‬ ‫كمال عبداللطيف‪،‬‬

‫عن الطموح الذي‬ ‫أعلن عنه‪.‬‬

‫‪111‬‬


‫ثقافات‬ ‫كتب‬

‫‪112‬‬

‫«ظل الريح» لإلسباني كارلوس زافون‬ ‫ّ‬

‫متخيلين‬ ‫اقتفاء آثار أبطال‬ ‫ّ‬ ‫دمرتهم الحروب‬ ‫ّ‬

‫كارلوس زافون‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫هيثم حسين‬ ‫كاتب سوري يقيم في لندن‬

‫ّ‬ ‫«ظل الريح» الغوص في التاريخ‪ ،‬واقتفاء‬ ‫اإلسباني كارلوس زافون (‪1964‬م) في روايته‬ ‫يحاول‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والمستجدة‪،‬‬ ‫أثر شخصياته في تنقالتها بين أمكنة وأزمنة مختلفة‪ ،���ليلتقط المتغيّرات الطارئة‬ ‫والتراكمات التي أنتجتها خالل رحلة العبور إلى اآلخر الذي يكون في الوقت نفسه صورة الذات في‬ ‫تمرئيها وتغيّرها‪ .‬هل للريح أيّ ّ‬ ‫ظل؟ هل للكتب أ ّية ظالل؟ هل يمكن اقتفاء ظالل متخيّلة لبعض‬

‫ّ‬ ‫ماض ضائع في متاهة الزمن وكهف‬ ‫الظل إلى أثر‬ ‫األشياء واألفكار العصيّة القبض عليها؟ هل يرمز‬ ‫ٍ‬

‫الذات؟ إلى أيّ ّ‬ ‫حد يمكن تلمّ س آثار أحداث مفترضة على المرء في رحلته نحو اكتشاف محيطه‬ ‫وعالمه؟ هل يتحوّل اإلنسان إلى ّ‬ ‫ظل لنفسه وغيره في أزمنة الحرب؟ هل تغدو الكتب مصدر‬ ‫تعاسة ألصحابها‪ ،‬وباعثة على تبديدهم كظالل في ضوء الوقائع األليمة؟‬ ‫هذا بعض من األسئلة التي يثريها زافون‪ ،‬روايته (نشرتها‬

‫دار مسكيلياين يف تونس برتجمة معاوية عبداملجيد ‪2016‬م) التي‬ ‫ّ‬ ‫يستهلها بفصل «مقربة الكتب املنسيّة»‪ ،‬يعود إىل مدينة برشلونة‬ ‫ّ‬ ‫يسلم السرد لراويه الفتى الصغري دانيال الذي‬ ‫سنة ‪1945‬م‪،‬‬

‫يقتاده والده املكتبي إىل مكان سرّيّ ‪ ،‬ويطلب منه عدم إخبار أيّ‬ ‫أحد عنه‪ .‬يتذ ّكر دانيال ّأنه ما إن وضعت الحرب األهلية أوزارها‬ ‫ح ّتى اجتاحت الكولريا البالد وسلبت منهم والدته‪ .‬تغيرّ ت حياة‬

‫الفتى الذي نشأ بني الكتب‪ ،‬وبصحبة أصدقاء خياليّني يسكنون‬ ‫صفحات الكتب الذابلة ذات الرائحة الفريدة‪ ،‬بعد زيارته ملقربة‬ ‫الكتب املنسيّة‪ ،‬وهو الذي كان قد اعتاد عىل حكاية بعض األحداث‬

‫الخيالية لروح والدته الراحلة‪ ،‬ويشعر باألمان وهو يستحضرها‬ ‫ويشركها معه يف خياالته وأحالمه وأفكاره‪.‬‬

‫ّ‬ ‫منصات املكتبة‬ ‫الحظ الراوي وجود عشرات األشخاص عىل‬

‫ودعائمها‪ ،‬عرف بعضهم‪ ،‬بدوا ملخيلته الربيئة كأنهم جماعة س ّرية‬ ‫من الخيميائيّني يتآمرون عىل يشء ما يف غفلة من العالم‪ .‬يخربه‬ ‫ّ‬ ‫خفي‪ّ .‬‬ ‫والده أنّ ذاك املكان س ّر‪ّ ،‬‬ ‫مجلد‬ ‫كل كتاب أو‬ ‫وأنه معبد‪ ،‬حرم‬ ‫ّ‬

‫كل غالف يحوي وراءه عاملًا ال نهاية له‪ ،‬عاملًا ّ‬ ‫أنّ ّ‬ ‫يحفز النفس عىل‬

‫استكشافه‪ ،‬بينما يهدر الناس يف الخارج أوقاتهم يف متابعة مباريات‬ ‫كرة القدم واملسلسالت‪ ،‬وينفقون املال عىل جهلهم ً‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫طفولة ضائعة‬

‫ال يدري إن كان األمر يتعلق بتأمّ الته أو بالصدفة‪ ،‬لك ّنه أيقن‬

‫ّأنه وجد الكتاب الذي سيتب ّناه‪ ،‬اقرتب منه بحذر وتلمسه‪ ،‬كان‬ ‫ّ‬ ‫«ظل الريح» ملؤلف اسمه خوليان كاراكاس‪ ،‬ينكب عىل‬ ‫عنوانه‬

‫قراءة القصة التي يتعلق بها ويغوص يف تفاصيلها‪ ،‬ويشعر بها‬ ‫ّ‬ ‫معقدة‪ ،‬رجل يبحث عن والده الحقيقي بعد‬ ‫تتحوّل إىل ملحمة‬ ‫أن أخربته أمه قبل وفاتها بلحظات عنه‪ ،‬يناضل بطلها ً‬ ‫بحثا عن‬

‫طفولته الضائعة وشبابه املفقود حيث تتجىل شي ًئا فشي ًئا ظالل‬ ‫حب ملعون تالحقه حتى آخر يوم من عمره‪.‬‬

‫منغمسا يف‬ ‫يلفت الراوي إىل أنّ بنية الرواية التي يجد نفسه‬ ‫ً‬

‫قراءتها وأحداثها تذكره بالدمية الروسية التي تحتوي عىل عدد‬ ‫ال يحىص من الدمى املتشابهة‪ .‬والسرد متشظ إىل ألف حكاية‪،‬‬

‫تعيش فيه روح ما‪ ،‬روح من ّألفه وأرواح من قرؤوه وأرواح من‬ ‫وأنه يف ّ‬ ‫عاشوا وحلموا بفضله‪ّ ،‬‬ ‫كل م ّرة يغيرّ الكتاب صاحبه‪ ،‬أو‬

‫االنعكاسات‪ ،‬لكنها تظل محافظة عىل وحدة بنيتها‪ .‬وهذه البنية‬

‫بعد أن تجوّل الفتى دانيال يف تلك املتاهة‪ ،‬واستنشق عبق الصفحات‬ ‫ّ‬ ‫يتنقل بني الرفوف واألروقة التي‬ ‫القديمة والسحر والغبار‪ ،‬راح‬

‫روايته وطريقة هندسته ملعمارها الف ّن ّي‪ .‬يرى دانيال أن ذاك الكتاب‬ ‫ّ‬ ‫وكأنه حني‬ ‫انتشله من أرض إىل أخرى‪ ،‬أنقذه من عالم غريب‪،‬‬

‫تلمس نظرات جديدة صفحاته تستحوذ الروح عىل قوة إضافية‪.‬‬

‫كانت تشعره ّ‬ ‫بأنها تعرف عنه أكرث مما يعرف عن نفسه‪ .‬ملع يف رأسه‬

‫وكأنّ‬ ‫ّ‬ ‫القصة تدخل يف معرض للمرايا فتنقسم إىل عشرات‬

‫التي يتحدّث عنها راويه يف وصفه للرواية املتخيلة هي نفسها بنية‬

‫أنقذه من مقربة الكتب املنسية بادله الكتاب وفاء بوفاء‪ ،‬وأنقذه‬

‫‪113‬‬


‫كتب‬ ‫بدوره من عجلة االستهالك والتسليع‪ ،‬وح ّرر خياالته وأفسح له‬ ‫مجالاً للتح ّرك والتفكري بعيدً ا من قيود الواقع وظالل الحرب‬ ‫الكابوسية التي تغرق البالد‪.‬‬

‫ينتقل زافون من شخصية إىل أخرى‪ ،‬يسلط األضواء عليها‪،‬‬ ‫بحيث يوحي ّأنها استلمت زمام األحداث‪ ،‬يف لعبة تناسل شخصيات‬

‫ال تنتهي إال بالوصول إىل املآالت التي يختارها يف سنة ‪1966‬م‪ ،‬حيث‬ ‫الفتى دانيال يغدو رجلاً خرب كثريًا من التجارب الحياتية‪ ،‬تع ّرف‬

‫إىل أسرار وألغاز كثرية يف أثناء رحلة بحثه عن روائيه املجهول‬ ‫خوليان كاراكاس‪ ،‬ويكتشف أنه صورة عن ماضيه ومستقبله ربّما‪.‬‬

‫«فريمني‪ ،‬جوستابو‪ ،‬برسلوه‪ »..‬وغريهم من الشخصيات التي‬ ‫ّ‬ ‫تؤثث فضاء الرواية بأفكارها وارتحاالتها‪ ،‬تساهم بتوثيق شهاداتها‬ ‫عن الحكايات والشخصيات الواقعية املستعادة بصيغ ش ّتى‪،‬‬

‫ربّما تختلف حكايات مزيّفة يف مسعى لتزييف الواقع أو الر ّد عىل‬

‫التزييف نفسه‪ ،‬وتكون أمام امتحان التاريخ واختبار الرواية‪ .‬هناك‬ ‫كارال التي تكشف بدورها جزءً ا من الس ّر‪ ،‬أو تساهم يف شرح بعض‬

‫التفاصيل املحيطة بالحوادث التي ينبش عنها دانيال‪ ،‬وما أن يميض‬

‫الروايئ نفسه‬ ‫الروايئ املفرتض ح ّتى يغدو ذاك‬ ‫الراوي يف بحثه عن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بطلاً يف حكايته املتخيّلة عنه‪ ،‬تكون حكاية الرواية هي أهمّ ما يبحث‬

‫‪114‬‬

‫عنه‪ ،‬كما يكون البحث املضني عن شخصية الكاتب املجهولة وحياته‬ ‫وأسراره يف ّ‬ ‫ظل االهتمام برحلته واكتشافاته‪.‬‬ ‫شبح وخيال وأسطورة‬

‫ماض لخوليان الذي يتحوّل إىل شبح‬ ‫يستمتع دانيال باختالق‬ ‫ٍ‬

‫وخيال وأسطورة بالنسبة له‪ ،‬وال سيما حني تعمقه يف السؤال‬ ‫عنه ممّ ن يفرتض ّأنهم كانوا عىل صلة به‪ ،‬وكيف ّأنه م ّر بعالقة‬ ‫تاريخي‪ ،‬حيث «بينيلوب»‬ ‫حب مع «بينيلوب»‪ ،‬وهنا يكون إسقاط‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫يستنطق زافون شخصياته ليحكي‬

‫روايئ غامض‪ ،‬عرب افرتاضات وحكايات‬ ‫اإلغريقية حاضرة يف حياة‬ ‫ّ‬

‫ّ‬ ‫لفك‬ ‫عنه‪ ،‬انطلقت من مقربة الكتب التي كانت بمثابة شرارة‬ ‫طالسم التاريخ والواقع معً ا‪.‬‬

‫الروايئ املتخيّل الذي يبحث عنه ويتقصىّ أثره‬ ‫يتماهى الراوي مع‬ ‫ّ‬

‫ويتح ّرى سريته‪ ،‬يتخيّله حني كان يف عمره وما إن كان سعيدً ا يف‬ ‫تلك األثناء‪ ،‬ويفكر لوهلة أن األشباح الوحيدة هي أشباح الغياب‬

‫والفقدان‪ ،‬وأنّ ذاك الضوء الذي يبتسم له كان مج ّرد ضوء عابر‪.‬‬ ‫الثواين ّ‬ ‫ويتم ّنى لو ّأنه ّ‬ ‫التمسك به‪ .‬يستنطق‬ ‫لعله يستطيع‬ ‫ظل لبعض‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫زافون شخصياته ليحيك عىل ألسنتها تنبّؤات عن املستقبل يف النصف‬ ‫الثاين من القرن العشرين‪ ،‬من ذلك مثلاً استشراف بطله فريمني‬

‫ما سيغدو عليه التلفزيون من تأثري يف املستقبل‪ ،‬وهو يصفه ّ‬ ‫بأنه‬ ‫املسيح الدجال‪ ،‬وأنه لن يعود بوسع الناس فعل أيّ يشء من دون‬

‫االستعانة به‪ ،‬وأنّ الكائن البشريّ سيتقهقر إىل العصر الحجريّ ‪ ،‬إىل‬

‫بربريّة العصور الوسطى‪ ،‬بل إىل مرحلة تخطاها الحلزون يف نهاية‬

‫العصور الجليدية‪ .‬وتراه يعرب عن سخطه وتربّمه من االستهالكية‬ ‫التي تجتاح العالم‪ ،‬وكيف أنّ التسليع دمّ ر كثريًا من التفاصيل‬

‫تنبؤات عن المستقبل‪،‬‬ ‫على ألسنتها ّ‬

‫الجميلة‪ ،‬يص ّرح بأىس أنّ العالم لن يفنى بسبب قنبلة نوويّة كما‬

‫سيغدو عليه التلفزيون‪ ،‬وهو يصفه‬

‫الواقع إىل نكتة سخيفة‪ .‬يستمع بطله إىل رأي يقول‪ :‬إنه يف األشهر‬

‫مثل استشراف بطله فيرمين ما‬ ‫بأ ّنه المسيح الدجال‪ ،‬وأنه لن يعود‬ ‫أي شيء من دون‬ ‫بوسع الناس فعل ّ‬ ‫البشري‬ ‫وأن الكائن‬ ‫االستعانة به‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحجري‪ ،‬إلى‬ ‫سيتقهقر إلى العصر‬ ‫ّ‬ ‫بربرية العصور الوسطى‪ ،‬بل إلى‬ ‫ّ‬ ‫مرحلة تخطاها الحلزون في نهاية‬ ‫العصور الجليدية‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫تقول الصحف‪ ،‬بل بسبب االبتذال واإلفراط يف التفاهة التي ستحوّل‬

‫األوىل من الحرب اختفى الكثري من األشخاص دون أن يرتكوا أث ًرا‬ ‫وراءهم‪ ،‬ويتج ّنب الجميع التحدّث عنهم‪ ،‬والقبور الجماعية كثرية‪،‬‬ ‫ويغدو معها من املستحيل العثور عىل شخص مفقود أو قرب له‬

‫وسط تلك الفوىض الكارثيّة واملقابر الجماعية املنتشرة‪.‬‬

‫يتبدّ ى مسعى زافون يف التحريض للبحث عن املفقودين‬

‫والراحلني‪ ،‬وتوثيق حكاياتهم وحيواتهم‪ ،‬وعدم التعامل معهم‬ ‫ّ‬ ‫التأثر لهم كأرواح راحلة ينبغي إعادة االعتبار‬ ‫كأرقام‪ ،‬وضرورة‬ ‫لها‪ ،‬كما يظهر مسعاه يف تشييد مقربة للكتب املنسية لتكون عبارة‬

‫عن مكتبة حياة الراحلني‪ ،‬يدوّن فيها تفاصيلهم وأخبارهم‪.‬‬


‫إصدارات‬

‫صور الجهاد ‪ -‬من تنظيم القاعدة إلى داعش‬

‫المؤلف‪ :‬سالمة كيلة‬

‫الناشر‪ :‬منشورات المتوسط‬

‫يشير المؤلف في هذا الكتاب إلى «البيئة» التي أنتجت «جهاديين»‪ ،‬نتيجة وضع الفقر‬

‫والتهميش‪ ،‬كما يربط األمر بمسار سياسي يفرض توظيف هؤالء‪ ،‬وهنا يبرز الفارق بين‬ ‫ّ‬ ‫مخلفة ومهمّ شة وتكتيكات دول‪ .‬فالمسألة ليست مسألة دين‪ ،‬بل هي سياسة‪،‬‬ ‫«بيئة»‬ ‫بمعنى أن الظاهرة متعدّ دة المستويات‪ ،‬وال ترتبط بالدين‪ ،‬أو التديّن فقط؛ ففيها ما‬ ‫ّ‬ ‫يتعلق بالبيئة التي ت ّتسم بالتهميش والفقر‪ ،‬وما ُتنتجه من وعي‪ ،‬لكن فيها كذلك تداخالت‬ ‫سياسية وإستراتيجية‪.‬‬

‫اليمن من اإلمامة إلى عاصفة الحزم‬

‫المؤلف‪ :‬مجموعة من الباحثين العرب‬

‫الناشر‪ :‬المسبار للبحوث والدراسات‬

‫بدأت في اليمن منذ عام ‪2011‬م فوضى أمنية وأيديولوجية تخضع لرغبات إيران‬

‫التوسعية بعد ترويجها لمفهوم اإلمامة‪ ،‬بجانب ارتفاع نسبة األمية بما يعادل «‪،»%48‬‬

‫وارتفاع التكتل القبلي؛ ما يعني عجز النظام السابق عن تكوين دولة حديثة بمؤسسات‬

‫صلبة أو خدمية‪ .‬كما يتناول الباحثون في هذا الكتاب أشكال التطور بين العالقة الحوثية‬ ‫والواليات المتحدة األميركية‪.‬‬

‫‪116‬‬ ‫مهنة العيش‬

‫المؤلف‪ :‬تشيزاري بافيزي‬

‫المترجم‪ :‬عباس المفرجي‬

‫الناشر‪ :‬دار المدى‬

‫أخي ًرا‪ :‬تم نقل المذكرات إلى العربية وهي تتناول الكثير من العوالم المدهشة لهذا‬ ‫ً‬ ‫انطالقا من القبض عليه بعد أن ثبتت عليه تهمة ِّ‬ ‫َ‬ ‫رسائل من‬ ‫تلقيه‬ ‫االسم األدبي العمالق‪،‬‬

‫سجين سياسي‪ ،‬مرورًا بنفيه إلى جنوب إيطاليا واستدعائه للتجنيد في الجيش الفاشي‪،‬‬

‫واشتراكه في الحزب الشيوعي اإليطالي‪ ،‬وانتهاءً بقصة الحب القصيرة الفاشلة مع الممثلة‬

‫األميركية «كونستانس داولينغ» التي هجرته وعادت إلى بالدها؛ ليهدي إليها آخر أعماله‬ ‫قبل أن يقرر االنتحار‪.‬‬

‫معنى المعنى‬

‫المؤلف‪ :‬أوغدن‪ ،‬ورتشاردز‬

‫المترجم‪ :‬كيان أحمد حازم‬

‫الناشر‪ :‬دار الكتاب‬

‫ليست اللغة واضحة كما يعتقد البعض‪ .‬إنها أخطر النعم كما يقول المفكر «هايدغر»‪،‬‬ ‫ً‬ ‫مراوغة؛ لهذا السبب حاول كثير من الفالسفة والمفكرين أن يحولوا اللغة‬ ‫وأكثر األشياء‬ ‫ّ‬ ‫الدال بالمدلول‪ ،‬إال أن تلك المحاوالت فشلت ولهذا السبب قال‬ ‫إلى أرقام كي يلتصق‬ ‫المفكر الشهير «نيتشه»‪ :‬ال توجد حقيقة في اللغة سوى شيء واحد‪ :‬أنها بدون معنى»‪.‬‬ ‫لهذا كله حاول المؤلفان ‪-‬وهما باحثان في جامعة كمبردج‪ -‬أن يحسما هذه المسألة‬

‫الشائكة لكل المهتمين بالفكر اللغوي‪.‬‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫فلسطين في الكتابة التاريخية العربية‬

‫المؤلف‪ :‬ماهر الشريف‬

‫الناشر‪ :‬دار الفارابي‬

‫عالقة فلسطين بالتاريخ هي المحرك األساسي لما كتبه المؤلف بعد أن تناول القضية‬

‫الفلسطينية وإشكالياتها في قلب تاريخ فلسطين المعاصر‪ ،‬وتاريخ فلسطين القديم‪،‬‬ ‫وتاريخ فلسطين في العصر اإلسالمي‪ ،‬مؤكدً ا بعد ذلك كله أن تاريخ فلسطين يتعرض‬

‫حاليًا لمحاولة جادة الغتياله من الذاكرة الجمعية‪.‬‬

‫في ظل العنف‬

‫المؤلف‪ :‬مجموعة من األكاديميين‬

‫ترجمة‪ :‬كمال المصري‬

‫الناشر‪ :‬المجلس الوطني للثقافة والفنون واآلداب(الكويت)‬

‫يبدو أن البنك الدولي ال يقوم بمهمته األساسية والحيوية ‪-‬كما يذكر الباحثون‪ -‬في‬

‫تعزيز التنمية في الدول الناشئة‪ ،‬بقدر ما يقوم بممارسة العنف المالي والسياسي لتحقيق‬ ‫مكاسبه التي يطمح لها‪ ،‬بدليل تشكيل ائتالفات ومجموعات خاضعة لما يريد‪ .‬لقد تحكم‬

‫البنك الدولي بقيادة الواليات المتحدة في توجيه االستثمارات المهمة إلى أبعاد جغرافية‬

‫معينة من دون أخرى‪ ،‬بمعنى أنه يمارس سياسة اإلفقار لتحقيق التبعية‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫سهوا‬ ‫كان هذا‬ ‫ً‬

‫المؤلف‪ :‬أنسي الحاج‬

‫الناشر‪ :‬دار نوفل‬

‫لم نعرف كل القصائد التي كتبها الشاعر اللبناني الشهير أنسي الحاج قبل أن يرحل‬

‫ً‬ ‫وخصوصا تلك التي كان يريد نشرها قبل أن يموت‪ .‬دار نوفل حاولت‬ ‫إلى األبد عن الحياة‪،‬‬ ‫جمع ذلك كي ال يضيع في غياهب النسيان بعد أن تواصلت مع أقربائه‪ ،‬وأصدقائه‪ ،‬وقبل‬ ‫ً‬ ‫سابقا‪.‬‬ ‫الجميع عائلته‪ ،‬لتقدم لنا عشرات النصوص والقصائد التي لم نقرأها‬

‫أجساد جافة‬

‫المؤلف‪ :‬عبدالله التعزي‬

‫الناشر‪ :‬كلمات‬

‫عندما أصدر الملك فيصل قرار تحرير العبيد في السعودية‪ ،‬اختفت من أنحاء مكة‬

‫المكرمة كلها تلك الجارية التي اعتنت بسعدية ذات السنوات الخمس التي توفيت والدتها‬ ‫أثناء والدتها‪ .‬لم يكن هناك سوى زوجات والدها الثالث ليقررن مصيرها‪ ،‬فتاجرن بها‪.‬‬ ‫كيف كبرت سعدية الفاتنة الجمال؟ طفلة عذراء‪ ،‬وفي شيخوختها حكايات سبعة رجال‬

‫مسنين‪ ،‬تدوخهم بأكواب الشاي السحرية كي تستأنف اللعب بدمى العرائس‪ ،‬تلك الدمى‬

‫اللواتي يحدثنها منذ كانت في الثالثة عشرة من العمر‪.‬‬


‫مقال‬

‫فكرة تعارف‬ ‫الحضارات‪..‬‬ ‫وكيف تطورت؟‬ ‫في صيف ‪1997‬م نشرت مقالة موسعة في مجلة الكلمة بعنوان‪:‬‬

‫«تعارف الحضارات»‪ ،‬وكان هذا أول إعالن عن هذه الفكرة بهذا النحت‬

‫زكي الميالد‬ ‫كاتب سعودي‬

‫البياني‪ ،‬وبهذا الصك االصطالحي‪ ،‬وجاء انبثاق هذه الفكرة من حصيلة‬ ‫تأمالت مستفيضة من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى من حصيلة متابعات‬ ‫متصلة ومتجددة لحقل الدراسات الحضارية‪.‬‬

‫واستندت في تكوين هذه الفكرة إلى أصل من القرآن الكريم‪ ،‬الذي‬

‫هو األصل األول وأصل األصول حسب قول علماء األصول‪ ،‬وتحدد ذلك‬

‫في اآلية الكريمة التي سميتها آية التعارف الواردة في سورة الحجرات في‬

‫قوله تعالى‪} :‬يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا‬

‫‪118‬‬

‫وقبائل لتعارفوا{ [الحجرات‪.]13 :‬‬

‫وبعد الفحص والنظر في هذه اآلية‪ ،‬وجدت أنها تضمنت اإلشارة‬

‫إلى مبادئ كلية وأبعاد إنسانية عامة‪ ،‬تضعنا أمام األفق اإلنساني الكلي‬ ‫الذي يتوجه فيه الخطاب إلى الناس كافة‪ ،‬والتعارف هو المفهوم الذي‬

‫حاولت هذه اآلية تحديده وتأكيده والنص عليه‪ ،‬من خالل سياق وخطاب‬

‫يبرز قيمته بوصفه مفهومً ا إنسانيًّا عامًّ ا يتصل بالناس كافة‪ .‬وبمنطق‬

‫التحليل‪ ،‬يمكن الكشف عن هذه المبادئ اإلنسانية الكلية والعامة في‬

‫اآلية المذكورة على هذا النحو‪:‬‬ ‫أولاً ‪ :‬خطاب إلى الناس كافة «يا أيها الناس»‪ ،‬سورة الحجرات هي‬ ‫من السور المدنية‪ ،‬الخطاب فيها متوجه من البداية إلى النهاية للمؤمنين‬

‫فكرة اإلنسانية التي‬ ‫تشمل دون تمييز في‬ ‫العرق أو الحضارة كل‬ ‫أشكال النوع البشري‪ ،‬لم‬ ‫تظهر سوى متأخرة ج ًّدا‬

‫بلسان «يا أيها الذين آمنوا»‪ ،‬لكنه تغير في هذه اآلية وتحول الخطاب إلى‬

‫الناس بلسان «يا أيها الناس»‪ ،‬وهذا تحول من الخاص إلى العام في مورد‬ ‫يقتضي تقديم العام على الخاص‪ ،‬بما يوحي إلى أن اآلية بصدد اإلشارة‬

‫لمبادئ إنسانية كلية وعامة‪ .‬ولو اتصل الخطاب في هذه اآلية‪ ،‬واتجه‬ ‫حص ًرا وتحديدً ا إلى المؤمنين‪ ،‬لتغير سياق اآلية وموردها‪ ،‬ولكان لها مورد‬

‫غير المورد الذي نتحدث عنه‪ ،‬ونعني به مورد تعارف الحضارات‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وبالغة‪ ،‬نجد أن هذه الكلمة‬ ‫لغة‬ ‫وعند التوقف تجاه كلمة الناس‬ ‫فيها عموم استغراقي لجنس اإلنسان بغض النظر عن جميع صفاته‬

‫العارضة‪ ،‬وهي من الكلمات التي ال تقبل التجزئة وال التقابل وال اإلضافة‬

‫وال الحصر النوعي‪ ،‬فمن جهة التجزئة فإن كلمة الناس ال تتجزأ إلى‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫مفرد وتثنية‪ ،‬بخالف الحال مثلاً مع كلمة الشعب التي تقبل التجزئة‪ ،‬فيقال‪ :‬شعب للمفرد‪ ،‬وشعبان للتثنية‪ ،‬وشعوب‬ ‫للجمع‪ .‬ومن جهة التقابل‪ ،‬فكلمة الناس من الكلمات التي ال تقابل لها‪ ،‬بخالف الحال مثلاً مع كلمة الجماهير التي تقابلها‬ ‫كلمة النخبة‪ .‬ومن جهة اإلضافة‪ ،‬فكلمة الناس كذلك ال تقبل اإلضافة‪ ،‬بخالف الحال مثلاً مع كلمة األمة التي تقبل اإلضافة‪،‬‬ ‫فيقال‪ :‬األمة العربية‪ ،‬واألمة اإلسالمية‪ ،‬واألمة المصرية‪ ،‬واألمة الفرنسية‪ ،‬وهكذا‪.‬‬

‫ومن جهة الحصر النوعي‪ ،‬فكلمة الناس ال تنصرف إلى جانب الذكورة فحسب‪ ،‬وال إلى جانب األنوثة فحسب‪ ،‬فهي ال‬ ‫ً‬ ‫مستغرقا عموم جنس‬ ‫تتحدد بنوع معين‪ .‬األمر الذي يعني أن خطاب «يا أيها الناس»‪ ،‬هو خطاب متوجه إلى الناس كافة‬ ‫اإلنسان‪ ،‬ناظ ًرا لهم على تعدد وتنوع أعراقهم وألوانهم‪ ،‬لغاتهم وألسنتهم‪ ،‬دياناتهم ومذاهبهم‪ ،‬ذكورهم وإناثهم‪ ،‬إلى غير‬

‫ذلك من تمايزات أخرى‪.‬‬

‫لهذا كله يمكن اعتبار كلمة الناس‪ ،‬من المصطلحات القرآنية التي وردت وتواترت وتكررت في ‪ 53‬سورة مكية ومدنية‪،‬‬

‫طويلة وقصيرة‪ ،‬وتسمّت بها آخر سورة‪ ،‬وجاءت في موضع آخر كلمة في القرآن «من الجنة والناس»‪ ،‬حتى قيل‪ :‬إن القرآن‬ ‫يبدأ بـ‪ :‬بسم الله‪ ،‬وينتهي بكلمة الناس‪.‬‬

‫ثانيًا‪ :‬تذكير بوحدة األصل اإلنساني «إنا خلقناكم من ذكر وأنثى»‪ ،‬أراد القرآن بهذا القول أن يقرر أعظم حقيقة في‬

‫مجال االجتماع اإلنساني‪ ،‬هي حقيقة وحدة األصل اإلنساني‪ ،‬وتعني أن الناس مهما تعددت وتنوعت أعراقهم وأجناسهم‪،‬‬

‫لغاتهم وألسنتهم‪ ،‬ألوانهم وأشكالهم‪ ،‬بيئاتهم وأمكنتهم إلى غير ذلك من اختالفات أخرى‪ ،‬مع ذلك فإنهم يرجعون إلى‬ ‫أصل إنساني واحد‪.‬‬

‫والقصد من هذا األمر‪ ،‬ضرورة أن يدرك الناس هذه الحقيقة‪ ،‬ويتعاملوا معها كقاعدة إنسانية وأخالقية في نظرتهم‬

‫ألنفسهم‪ ،‬وفي نظرة كل أمة وحضارة إلى غيرها‪ ،‬كما لو أنهم ينتمون إلى أسرة إنسانية واحدة ممتدة على مساحة هذه‬

‫األرض‪ ،‬ويمثل هذا األمر أقوى سبيل أخالقي للتخلص من نزعات التعالي والعنصرية والطبقية والكراهية والتراتب بين البشر‪.‬‬ ‫ماضي السالالت البشرية‬

‫ً‬ ‫وحديثا‪ ،‬واختلفوا حولها‪ ،‬وتعددت آراؤهم‬ ‫وطالما شغلت قضية وحدة األصل اإلنساني اهتمامات العلماء قديمً ا‬

‫ونظرياتهم وتباينت‪ ،‬وذهبوا يفتشون عنها ويتحققون بدراسة تاريخ األجناس واألعراق‪ ،‬وماضي السالالت البشرية‪ ،‬ووجدوا‬

‫فرصتهم للتحقق منها بالعودة إلى ما عرف في أدبياتهم بالمجتمعات البدائية‪.‬‬

‫مع ذلك ظلت هذه القضية موضع جدل وشك في ساحة الفكر اإلنساني‪ ،‬يصعب التسليم بها عند البعض‪ ،‬وهذا ما كشف‬

‫عنه بوضوح كبير عالم األنثربولوجيا الفرنسي كلود ليفي شترواس (‪2009-1908‬م) في كتابه الوجيز «العرق والتاريخ» الصادر سنة‬

‫‪1952‬م‪ ،‬بقوله‪« :‬نحن نعلم أن فكرة اإلنسانية التي تشمل دون تمييز في العرق أو الحضارة كل أشكال النوع البشري‪ ،‬لم تظهر‬ ‫سوى متأخرة جدًّ ا‪ ،‬ولم تعرف إال انتشارًا محدودًا‪ ،‬وحيث إنها وصلت إلى أعلى درجات تطورها‪ ،‬ليس مؤكدً ا على اإلطالق‬ ‫والتاريخ القريب يثبت ذلك‪ ،‬أنها ترسخت بمنأى عن االلتباس والتقهقر‪ ،‬ولكن كان يبدو بالنسبة لقطاعات واسعة من الجنس‬ ‫البشري وطوال عشرات األلوف من السنين‪ ،‬أن هذه الفكرة كانت غائبة غيابًا كليًّا»‪.‬‬ ‫لهذا فإن ما قرره القرآن الكريم‪ ،‬يمثل شي ًئا كبي ًرا بالنسبة إلى علماء األجناس واألعراق والسالالت البشرية وعلماء‬

‫االجتماع والتاريخ واألنثربولوجيا‪ ،‬وهؤالء هم األقدر من غيرهم على تقدير حقيقة وحدة األصل اإلنساني بين الناس كافة‪.‬‬

‫ً‬ ‫ثالثا‪ :‬إقرار بالتنوع اإلنساني «وجعلناكم شعوبًا وقبائل»‪ ،‬بعد التأكيد على وحدة األصل اإلنساني‪ ،‬جاء اإلقرار بمبدأ التنوع‬

‫اإلنساني‪ ،‬بمعنى أن وحدة األصل اإلنساني ال تقتضي أن يجتمع الناس كافة ويعيشوا في مجتمع واحد ومكان واحد‪ ،‬وحينما‬ ‫َ‬ ‫وقبائل‪ ،‬وتعددت وتنوعت أجناسهم وأعراقهم ولغاتهم وألوانهم فهذا ال يعني أبدً ا أن ال رابط بينهم‪ ،‬فوحدة‬ ‫توزعوا شعوبًا‬ ‫األصل اإلنساني ال تنفي حقيقة التنوع اإلنساني‪ ،‬كما أن التنوع اإلنساني ال ينفي حقيقة وحدة األصل اإلنساني‪.‬‬

‫والتنوع اإلنساني الذي قررته هذه اآلية‪ ،‬هو ما ظهر إلى الوجود وتجلى في تاريخ االجتماع اإلنساني بمختلف مراحله‬

‫وأطواره‪ ،‬وثبت كحقيقة اجتماعية وتاريخية ال خالف عليها وال نزاع في جميع حقول الدراسات االجتماعية والتاريخية‬

‫والحضارية واألنثربولوجية وغيرها‪.‬‬

‫رابعً ا‪ :‬خطاب إلى الناس كافة‪ ،‬وتذكير بوحدة األصل اإلنساني‪ ،‬وإقرار بالتنوع بين اإلنساني‪ ،‬فما هو شكل العالقة بين‬

‫الناس؟ من بين كل المفاهيم المحتملة في هذا الشأن‪ ،‬يتقدم مفهوم التعارف «لتعارفوا»‪ .‬األمر الذي يعني أن تنوع الناس‬

‫‪119‬‬


‫مقال‬

‫إلى شعوب وقبائل وتكاثرهم وتوزعهم في أرجاء األرض‪ ،‬ال يعني أن يتفرقوا‪ ،‬وتتقطع بهم السبل‪ ،‬ويعيش كل شعب وأمة‬ ‫وحضارة في عزلة وانقطاع‪ .‬كما ال يعني هذا التنوع أن يتصادم الناس‪ ،‬ويتنازعوا فيما بينهم من أجل الثروة والقوة والسيادة‪،‬‬

‫إنما ليتعارفوا‪.‬‬

‫وال يكفي أن يدرك الناس أنهم من أصل إنساني واحد فال يحتاجون إلى التعارف‪ ،‬أو أن يتوزعوا إلى شعوب وقبائل‬

‫ويتفرقوا في األرض فال يحتاجون إلى التعارف‪ .‬وألن التعارف بين شعوب وقبائل؛ أي بين مجتمعات وجماعات‪ ،‬وليس بين‬

‫أفراد‪ ،‬فهو يصدق على جميع أشكال الجماعات الصغيرة والكبيرة‪ ،‬ومنها الشعوب والمجتمعات واألمم حتى الحضارات؛‬

‫لذلك جاز لنا استعماله في مجال الحضارات‪ ،‬االستعمال الذي نتوصل منه إلى مفهوم واصطالح «تعارف الحضارات»‪.‬‬

‫خامسا‪ :‬إذا انطلقنا من زاوية التفاضل والمقارنة‪ ،‬لنتساءل‪ :‬لماذا لم تستخدم اآلية كلمة لتحاوروا‪ ،‬أو لتوحدوا‪ ،‬أو‬ ‫ً‬

‫لتعاونوا‪ ،‬إلى غير ذلك من كلمات ترتبط بهذا النسق‪ ،‬ويأتي التفضيل لكلمة «لتعارفوا»؟ وهذا هو مصدر القيمة والفاعلية‬

‫في مفهوم التعارف‪ ،‬فهو المفهوم الذي يؤسس لتلك المفاهيم المذكورة (الحوار‪ ،‬الوحدة‪ ،‬التعاون)‪ ،‬ويحدد لها شكلها‬

‫ودرجتها وصورتها‪ ،‬وهو الذي يحافظ على فاعليتها وتطورها واستمرارها‪ ،‬هذا من جهة اإليجاب‪ .‬أما من جهة السلب فإن‬

‫التعارف هو الذي يزيل مسببات النزاع والصدام والصراع‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وحينما توصلت لهذا المفهوم وجدت أنه أكثر دقة وضبطا وإحكامً ا من مفهوم حوار الحضارات‪ ،‬وهذا ما وجده كذلك بعض‬ ‫ً‬ ‫الحقا على هذا المفهوم‪ ،‬وعبروا عن ذلك في كتابات نشروها‪ ،‬فهل الحضارات تتحاور؟ وبأية صورة تتحاور؟‬ ‫الذين تعرفوا‬ ‫وتأكد عندي هذا األمر‪ ،‬حينما عدت إلى بعض أهل االختصاص في مجال الحضارات‪ ،‬فوجدت أنهم في دراساتهم حول‬

‫الحضارة والحضارات‪ ،‬قد تحدثوا عن مفاهيم أخرى عند الحديث عن العالقات بين الحضارات‪ ،‬ولم يتحدثوا عن مفهوم حوار‬ ‫الحضارات‪ ،‬فبعضهم تحدث عن تعاون الثقافات مثل‪ :‬كلود ليفي شترواس في كتابه «العرق والتاريخ»‪ ،‬وبعضهم تحدث عن‬

‫تفاعل الحضارات مثل‪ :‬قسطنطين زريق (‪2000-1909‬م) في كتابه «في معركة الحضارة»‪ ،‬وبعضهم تحدث عن تباين الحضارات‬

‫‪120‬‬

‫مثل‪ :‬روالن بريتون في كتابه «جغرافيا الحضارات»‪ ،‬وبعضهم تحدث عن صراع الحضارات مثل‪ :‬حسين مؤنس (‪1996-1911‬م)‬ ‫في كتابه «الحضارة»‪ ،‬وهكذا غيرهم‪.‬‬

‫وما إن عرف مفهوم تعارف الحضارات‪ ،‬حتى أخذ طريقه سريعً ا إلى المجال التداولي‪ ،‬ونال شهرة واسعة‪ ،‬واكتسب‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫معروفا‬ ‫محافظا على هذه الوتيرة الصاعدة‪ ،‬وقد تجاوز مرحلة بناء المفهوم‪ ،‬وبات‬ ‫اهتمامً ا كبي ًرا‪ ،‬وتطورًا متراكمً ا‪ ،‬وما زال‬

‫ً‬ ‫ومتحركا في حقل الدراسات الحضارية‪.‬‬ ‫مفهوم تعارف الحضارات‬

‫ومن جهة التطور‪ ،‬فقد شهد مفهوم تعارف الحضارات تطورات مهمة وعلى أكثر من صعيد‪ ،‬فعلى صعيد التأليف هناك‬

‫حتى هذه اللحظة –حسب ما رصدت‪ -‬خمسة عشر كتابًا تحدث عن هذا المفهوم وتطرق له بصور متعددة‪ ،‬تارة بصورة‬

‫الحديث الكامل عن المفهوم‪ ،‬مثل الكتابين اللذين قمت بإعدادهما وتحريرهما‪ ،‬وهما‪ :‬كتاب «تعارف الحضارات»‪ ،‬الصادر‬

‫عن دار الفكر بدمشق سنة ‪2006‬م‪ ،‬وكتاب «تعارف الحضارات‪ ..‬رؤية جديدة لمستقبل العالقات بين الحضارات» الذي حررته‬

‫باالشتراك مع الدكتور صالح الدين الجوهري‪ ،‬الصادر عن مكتبة اإلسكندرية سنة ‪2014‬م‪.‬‬

‫وتارة بتخصيص فصل كامل‪ ،‬كما في كتاب الباحث العراقي الدكتور علي عبود المحمداوي «اإلسالم والغرب من صراع‬

‫الحضارات إلى تعارفها» الصادر في بغداد سنة ‪2010‬م‪ ،‬الذي احتوى على فصل بعنوان‪« :‬تعارف الحضارات»‪.‬‬

‫وتارة بتخصيص مقالة كاملة‪ ،‬كما في كتاب الباحث المصري أسامة األلفي «عوامل قيام الحضارات وانهيارها في القرآن‬

‫الكريم» الصادر في القاهرة ‪2006‬م‪ ،‬الذي احتوى على مقالة بعنوان‪« :‬تعارف الحضارات ال تصادمها»‪ ،‬وكذا في كتاب الباحث‬

‫العراقي الدكتور رسول محمد رسول «نقد العقل التعارفي‪ ..‬جدل التواصل في عالم متغير» الصادر في بيروت سنة ‪2005‬م‪،‬‬ ‫الذي احتوى على مقالة بعنوان‪« :‬التعارف الحضاري في ضوء متغيرات العالم الجديد»‪.‬‬

‫إلى جانب الحديث النقدي حول المفهوم‪ ،‬كما في كتاب الباحث الجزائري الدكتور محمد بوالروايح «نظريات حوار‬

‫وصدام الحضارات» الصادر في قسنطينة سنة ‪2010‬م‪ ،‬الذي خصص قسمً ا حمل عنوان‪« :‬أفكار زكي الميالد على محك النقد»‪.‬‬

‫وهذه المؤلفات الخمسة عشر التي توصلت إليها‪ ،‬صدرت في السعودية ومصر ولبنان وسوريا والعراق واألردن وقطر والجزائر‪.‬‬ ‫وعلى صعيد المقاالت‪ ،‬فقد وجدت بعد الرصد والمتابعة أن هناك ما يزيد على خمسين مقالة حملت في عناوينها تسمية‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫فكرة تعارف الحضارات‪ ..‬وكيف تطورت؟‬

‫تعارف الحضارات‪ ،‬نشرت في صحف ومجالت ودوريات يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية‪ ،‬وبعضها ُنشر في مجالت جامعية‬

‫محكمة‪ ،‬صدرت هذه المقاالت في معظم الدول العربية تقريبًا‪.‬‬

‫وعلى صعيد الرسائل الجامعية‪ ،‬فقد نوقشت هذه الفكرة في عدد من الرسائل الجامعية‪ ،‬بعض هذه الرسائل حمل في‬

‫عناوينه تسمية تعارف الحضارات‪ ،‬وهذه الرسائل هي‪« :‬تعارف الحضارات‪ ..‬األطروحة البديل في التعامل مع اآلخر»‪ ،‬رسالة‬

‫ماجستير في الفلسفة من إعداد الباحث العراقي علي المحمداوي‪ ،‬كلية اآلداب‪ ،‬جامعة بغداد‪ ،‬إشراف‪ :‬الدكتور نبيل رشاد‬ ‫سعيد‪ ،‬نوقشت بتاريخ ‪ 7‬أكتوبر ‪2007‬م‪.‬‬

‫و«البعد اإلنساني لفكرة تعارف الحضارات عند زكي الميالد»‪ ،‬رسالة ماجستير في فلسفة الحضارة‪ ،‬من إعداد الطالبتين‬

‫الجزائريتين‪ :‬سمية غريب وحنان بن صغير‪ ،‬إشراف‪ :‬الدكتور قويدري األخضر‪ ،‬جامعة عمار ثليجي‪ ،‬كلية العلوم اإلنسانية‬

‫واالجتماعية‪ ،‬مدينة األغواط جنوب الجزائر‪ ،‬نوقشت بتاريخ األربعاء ‪ 18‬شعبان ‪1436‬هـ‪ 3/‬يونيو ‪2015‬م‪ .‬و«الخلفية الدينية‬

‫لنظرية تعارف الحضارات عند زكي الميالد»‪ ،‬رسالة تخرج في الفلسفة‪ ،‬من إعداد الطالبتين‪ :‬صحراوي نادية وطاهري الزهرة‪،‬‬

‫إشراف الدكتور قويدري األخضر‪ ،‬المدرسة العليا لألساتذة‪ ،‬قسم الفلسفة‪ ،‬األغواط ‪ -‬الجزائر‪ ،‬نوقشت بتاريخ األحد ‪15‬‬

‫شعبان ‪1437‬هـ الموافق ‪ 22‬مايو ‪2016‬م‪.‬‬

‫مستقبل العالقة بين الحضارات‬ ‫هناك رسائل ناقشت الفكرة باهتمام كبير وخصصت لها فصلاً واحدً ا أو أكثر‪ ،‬وهذه الرسائل هي‪« :‬إشكالية مستقبل‬

‫العالقة بين الحضارات‪ ..‬زكي الميالد نموذجً ا»‪ ،‬رسالة ماجستير في فلسفة الحضارة‪ ،‬من إعداد الباحثة الجزائرية‪:‬‬

‫شبلي هجيرة‪ ،‬إشراف‪ :‬الدكتور عمراني عبدالمجيد‪ ،‬جامعة الحاج لخضر‪ ،‬مدينة باتنة – الجزائر‪ ،‬كلية العلوم اإلنسانية‬ ‫واالجتماعية والعلوم اإلسالمية‪ ،‬قسم العلوم اإلنسانية‪ ،‬شعبة الفلسفة‪ ،‬نوقشت بتاريخ ‪ 13‬يونيو ‪2013‬م‪.‬‬

‫و«الحداثة واالجتهاد عند زكي الميالد»‪ ،‬رسالة ماجستير في الفلسفة‪ ،‬من إعداد الطالبة‪ :‬بزخامي زوليخة‪ ،‬إشراف‪:‬‬

‫الدكتور براهيم أحمد‪ ،‬تخصص فكر عربي معاصر‪ ،‬جامعة عبدالحميد بن باديس‪ ،‬كلية العلوم االجتماعية‪ ،‬مدينة‬

‫مستغانم‪ -‬الجزائر‪ ،‬نوقشت بتاريخ ‪ 10‬ربيع األول ‪1437‬هـ ‪ 20 /‬يناير ‪2016‬م‪ .‬و«صدام الحضارات وموقف المفكرين منه زكي‬

‫الميالد أنموذجً ا»‪ ،‬رسالة ماجستير في الفلسفة اإلسالمية والحضارة المعاصرة‪ ،‬من إعداد الطالب‪ :‬اسضاعي عيسى‪،‬‬ ‫إشراف‪ :‬الدكتورة رشيدة صاري‪ ،‬جامعة وهران‪ 2‬محمد بن أحمد‪ ،‬كلية العلوم االجتماعية‪ ،‬وهران‪ -‬الجزائر‪ ،‬نوقشت‬

‫بتاريخ األحد ‪ 29‬شعبان ‪1437‬هـ ‪ 5 /‬يونيو ‪2016‬م‪.‬‬

‫وعلى صعيد الندوات والمؤتمرات‪ ،‬فهناك حتى هذه اللحظة ثالث ندوات وطنية ودولية‪ ،‬عقدت حول هذه الفكرة‪،‬‬

‫وبحسب تعاقبها الزمني هي‪ :‬ندوة «تعارف الحضارات في ظل األسرة اإلنسانية الواحدة»‪ ،‬نظمها‪ :‬معهد جمعية الفتح‬ ‫اإلسالمي بدمشق بالتعاون مع جامعة هاتفورد سيمزي األميركية‪ ،‬عقدت بدمشق في يناير ‪2008‬م‪ .‬ومؤتمر «تعارف‬ ‫الحضارات»‪ ،‬نظمته‪ :‬مكتبة اإلسكندرية بالتعاون مع مركز الحوار في األزهر الشريف ومركز الدراسات الحضارية وحوار‬

‫الثقافات بجامعة القاهرة‪ ،‬عقد باإلسكندرية في المدة ‪ 15 - 14‬جمادى اآلخرة ‪1432‬هـ الموافق ‪ 19 - 18‬مايو ‪2011‬م‪ .‬وندوة‬

‫«الحضارات بين الحوار والتصادم والتعارف» نظمتها‪ :‬جامعة وهران‪ ،‬وجاءت ضمن مشروع قيم السلم في الفلسفة‬

‫المعاصرة‪ ،‬عقدت بوهران غرب الجزائر في ‪ 26‬يونيو ‪2014‬م‪ .‬وعلى صعيد مناهج التعليم‪ ،‬فقد أدرجت هذه الفكرة ضمن‬ ‫المقرر الدراسي لكتاب التاريخ للصف الحادي عشر في دولة اإلمارات العربية المتحدة‪ ،‬المقرر الجديد والمطور الذي‬

‫وضع سنة ‪1430‬هـ ‪2009‬م‪ ،‬وتدرس هذه الفكرة ضمن وحدة نظريات التفاعل الحضاري‪ ،‬وأشار الكتاب إلى أربع نظريات هي‬ ‫بحسب ترتيبها وبيانها في الكتاب‪ :‬أولاً ‪ :‬نظرية صراع الحضارات من وجهة نظر صمويل هنتينغتون‪ .‬ثانيًا‪ :‬نظرية حوار‬

‫الحضارات من وجهة نظر روجيه غارودي‪ً .‬‬ ‫ثالثا‪ :‬نظرية نهاية التاريخ من وجهة نظر فرانسيس فوكوياما‪ .‬رابعً ا‪ :‬نظرية‬ ‫تعارف الحضارات من وجهة نظر زكي الميالد‪.‬‬

‫هذه لمحة عن بعض التطورات المهمة‪ ،‬وما زالت هذه الفكرة تشق طريقها نحو التجدد والتطور‪ .‬وما تحتاج إليه‬

‫الحضارات في عالم اليوم هو التعارف الذي يرفع الجهل بصوره كافة‪ ،‬الجهل المسبب للصدام بين الحضارات‪ ،‬في‬ ‫المقابل أن التعارف هو الذي حافظ على تعاقب الحضارات في التاريخ اإلنساني‪.‬‬

‫‪121‬‬


‫ثقافات‬

‫كتاب أتراك عبروا عن التهميش‬ ‫والوحدة ووطأة الحداثة‬

‫«نوبل» أورهان باموك تضع األدب‬ ‫التركي على الخريطة األدبية للعالم‬ ‫صفوان الشلبي‬ ‫مترجم أردني عن التركية‬

‫في عام ‪2006‬م أصبح أورهان باموك أول كاتب‬

‫‪122‬‬

‫تركي ُيمنح جائزة نوبل لآلداب‪ ،‬على روايته‬ ‫«اسمي أحمر»‪ .‬هذا الحدث ّ‬ ‫أكد موقع تركيا على‬

‫الخريطة األدبية للعالم‪ ،‬كما ّ‬ ‫أكد أهمية األدب‬ ‫التركي في سياق الدراسات األدبية المقارنة‬ ‫والعالمية المعاصرة‪ ،‬ووضع األدب التركي‬

‫في دائرة الضوء الدولي‪ ،‬وساعد على ظهور‬ ‫جمهور جديد سواء لباموك أو لغيره من الك ّتاب‬ ‫األتراك‪ .‬بدأ اسم أورهان باموك يلمع بعد أن‬

‫نال جائزة أورهان كمال للرواية على روايته‬

‫جودت بك وأوالده‪ ،‬عام ‪1983‬م‪ ،‬وتبع هذه‬

‫الرواية التي وصلت إلى كتلة عريضة من القراء‬ ‫روايات أخرى؛ مثل‪ :‬المنزل الصامت‪ ،‬والقلعة‬ ‫البيضاء‪ ،‬والكتاب األسود‪ ،‬وغيرها‪ .‬عكس‬

‫باموك في رواياته عالمً ا يمزج الوهم والواقع‬ ‫من خالل إسقاطات صنعها من التاريخ التركي‬ ‫والحكايات القديمة‪ ،‬وأظهر اهتمامً ا بالقضايا‬

‫الساخنة المحلية منها والعالمية‪.‬‬ ‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬


‫يشار كمال‬

‫عزيز نيسين‬

‫ناظم حكمت‬

‫خالدة أديب أضيفار‬

‫ً‬ ‫حديثا عىل مستوى املجالني‬ ‫هذا االهتمام وإن ظهر‬ ‫األكاديمي والعام‪ ،‬فال بد من التنويه بأن لألدب الرتيك تاريخاً‬ ‫ً‬ ‫عميقا بصبغة عثمانية يمتد من نهايات القرن الثامن عشر‬

‫وقت قريب جدًّ ا‪ .‬ولو ألقينا نظرة إحصائية عىل الك ّتاب يف مجال‬

‫ليشمل مجاالت األدب املختلفة‪ .‬أسماء المعة ظهرت يف املراحل‬

‫(‪1990-1910‬م) لتبينّ لنا أن هناك (‪ )81‬كاتبة قصة من أصل (‪)750‬‬

‫ليصل إىل مرحلة تأسيس الدولة عام ‪1923‬م من القرن املايض‬ ‫املتقدمة‪ ،‬نالت فرص ترجمة أعمالها إىل عدد من اللغات‬

‫العاملية‪ ،‬كان أبرزها خالدة أديب أضيفار‪ ،‬وناظم حكمت‪،‬‬ ‫وعزيز نسني‪ ،‬ويشار كمال الذي ر ُّشح لنيل جائزة نوبل أكرث‬ ‫من مرة‪ ،‬وقبل أورهان باموك بسنوات عدّ ة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫لكن ترجمة األدب الرتيك إىل اللغة العربية ظلت خجولة‬

‫ومحدودة حتى عهد قريب‪ ،‬وما ظهر من ترجمات لبعض‬ ‫الك ّتاب عىل مدى العقود املاضية‪ ،‬كان بجهود فردية‪ ،‬وال‬

‫كتاب ال كاتبات‬ ‫ّ‬ ‫ظل الرتكيز يف الرتجمة عىل أدب الك ّتاب دون الكاتبات حتى‬

‫القصة وحدها دون غريها من املجاالت األخرى يف املدة ما بني‬ ‫كاتبًا وكاتبة‪ ،‬نشرن (‪ )278‬مجموعة قصصية من أصل (‪)2760‬‬ ‫كتاب قصة‪ .‬لقد استطاعت املرأة الرتكية أن تثبت نفسها يف‬

‫الوسط األدبي بهويتها الخاصة‪ ،‬وحصلت عىل مستوى تفوقت‬

‫فيه عىل الكاتب الرجل‪ ،‬وذلك بفضل مساهماتها الكبرية يف‬

‫أغوار ما كان للرجل أن يكتشفها‪ ،‬فنالت أربعني جائزة‬ ‫سرب‬ ‫ٍ‬ ‫أدبية يف مجال القصة من أصل تسع وتسعني جائزة مُ نحت؛‬ ‫مثل‪ :‬جائزة سعيد فائق‪ ،‬وجائزة خلدون تانر‪ ،‬وجائزة يونس‬

‫تتناسب مع عددهم وغزارة إنتاجهم عىل اختالف مراحل هذا‬

‫نادي للقصة القصرية‪ ،‬منذ خمسينيات القرن املايض حتى عام‬

‫يعرف من األتراك سوى عدد محدود‪ ،‬وأن القراء األتراك ال‬

‫املمنوحة من املجمع اللغوي الرتيك وجوائز يونس نادي للرواية‬

‫األدب وتنوّعه‪ .‬بدورنا ال نستغرب إن كان القارئ العربي ال‬

‫يعرفون من العرب سوى القليل‪ ،‬فالرتجمة من الرتكية إىل‬ ‫العربية أو العكس‪ ،‬يغلب عليها النشاط الفردي والتطوعي‬ ‫ممن أجاد اللغة‪.‬‬

‫‪2016‬م‪ .‬إضافة إىل ما نالته من جوائز يف املجاالت األدبية األخرى‬

‫والشعر والعلوم االجتماعية والسيناريو وجائزة أورهان كمال‬

‫للرواية وغريها من الجوائز األدبية األخرى‪.‬‬ ‫ً‬ ‫حديثا‪ ،‬وبعد كسر الجليد الذي كان قائمً ا بني األدبني‬

‫ً‬ ‫تسارعا يف حركة ترجمة األدب الرتيك‬ ‫العربي والرتيك‪ ،‬نرى‬ ‫إىل العربية ونلحظ تناميًا نحو أعمال الكاتبات الرتكيات‪،‬‬ ‫وبدأنا نشهد والدة جيل جديد من الرتجمات ألعمال كاتبات‬ ‫مثل آي ِفر ْ‬ ‫تونتش‪ ،‬وأصيل أردوغان‪ ،‬وإيبك تشالِشالر‪ ،‬وأليف‬ ‫شافاك ‪ .‬وعىل الرغم من ذلك فما زال العرب يجهلون أسماء‬ ‫كثرية لك ّتاب وكاتبات ملعت عىل صفحات األدب الرتيك؛ أمثال‪:‬‬

‫سعيد فائق‪ ،‬وخلدون تانر‪ ،‬وعدالت آغا أوغلو‪ ،‬وفوروزان‪،‬‬

‫في حقبة السبعينيات ابتعد الفنانون‬ ‫من االهتمامات الجمالية‪ ،‬وأصبحوا جزءًا‬ ‫من الصراع األيديولوجي فاستسلموا‬ ‫لألفكار والشعارات‬

‫‪123‬‬


‫ثقافات‬

‫ونديم غورسيل‪ ،‬وإردال أوز‪ ،‬وعائشة كولني‪ ،‬وأويا بايدار‪،‬‬ ‫وأيال كوتلو‪ ،‬ونزيهة مرييتش‪ ،‬وتومريس أويار‪ ،‬وبكري يلدز‪،‬‬ ‫وبيلغا كاراسو‪ ،‬وجاي سانجاك‪ ،‬وأصيل أردوغان‪ ،‬ومصطفى‬ ‫كوتلو‪ ،‬وأسماء كثرية أخرى ال يتسع املجال لذكرها‪ ،‬رغم أنها‬

‫أثرت األدب الرتيك الحديث واملعاصر بإنتاج أدبي رفيع املستوى‪.‬‬

‫بعد انتقال األدب الرتيك تحت تأثري الحضارة الغربية من‬

‫مرحلة أدب األمة إىل مرحلة األدب يف عهد الجمهورية‪ ،‬اتجه نحو‬ ‫الواقعية االجتماعية كنسق أدبي جديد‪ ،‬وملع اسم ك ّتاب مبدعني‬ ‫يف مجال الرواية؛ مثل‪ :‬رشاد نوري‪ ،‬وخالدة أديب أضيفار‪،‬‬ ‫وآخرين‪ ،‬كما وُلدت حداثة حقيقية يف مجال الشعر عىل يد‬

‫ال نستغرب إن كان القارئ العربي ال‬ ‫يعرف من األتراك سوى عدد محدود‪،‬‬ ‫وأن القراء األتراك ال يعرفون من العرب‬ ‫سوى القليل‪ ،‬فالترجمة من التركية إلى‬ ‫العربية أو العكس‪ ،‬يغلب عليها النشاط‬ ‫الفردي والتطوعي ممن أجاد اللغة‬

‫فقير بايكورت‬

‫طارق بوورا‬

‫ناظم حكمت الذي ابتعد من مفهوم األبيات والعروض يف شعره‪.‬‬ ‫كما ظهرت القصة القصرية بمفهوم جديد‪ ،‬تتناول هموم رجل‬

‫الشارع‪ ،‬وانطلقت نحو الريف والقرية وشجون املجتمع بعيدًا من‬

‫املثقف االنعزايل بريادة سعيد فائق وصباح الدين عيل‪.‬‬

‫كانت «معاهد القرى» التي انتشرت بعد الجمهورية‪،‬‬

‫أداة لظهور جيل جديد من أوالد الريف املتعلمني الذين‬ ‫أضاف مبدعوهم كثريًا إىل األدب‪ .‬وهكذا انعكست يف األدب‬

‫حياة الناس يف القرى واملدن‪ ،‬بكل مشكالتها وتوقها ورغباتها‬

‫وتناقضاتها وصعوباتها االقتصادية واالجتماعية‪ .‬لذلك نرى يف‬ ‫الخمسينيات والستينيات ك ّتابًا بدؤوا يركزون بدرجة كبرية عىل‬

‫‪124‬‬

‫وسط فوضوي واستقطاب أيديولوجي‬ ‫مع بدايات عقد السبعينيات وما شهده من انقسام‬

‫عدالت آغا أوغلو وتومريس أويار وفريدة تشيتشك أوغلو‬

‫واليسار وانقطاع الحوار‪ .‬تأثرت الحياة األدبية بهذا الوسط‬

‫ونديم غورسيل وخلقي أكتونتش‪ ،‬بالمقابل‪ ،‬كتبت‬

‫سياسي حاد‪ ،‬وانقطاع جسور التواصل بين اليمين‬

‫الفوضوي‪ ،‬وقصرت المسافة بين السياسة والفن بجميع‬ ‫مجاالته‪ ،‬حتى تماثلوا‪ .‬في هذه المرحلة ابتعد الفنانون‬

‫من االهتمامات الجمالية‪ ،‬وأصبحوا جزءً ا من الصراع‪،‬‬ ‫فاستسلموا لألفكار والشعارات في ظِ ل تلك المشكالت‬ ‫السياسية‪ .‬كانت هيمنة العقيدة _ األيديولوجية سائدة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫توقعات الصراع الطبقي‪ .‬لقد‬ ‫وتركز على‬ ‫على الفن‪،‬‬

‫ً‬ ‫قصصا بالمفهوم الواقعي إلى جانب سليم إلري‬ ‫يكتبن‬ ‫ً‬ ‫قصصا محافظة ومرتبطة بالماضي‬ ‫سيفينتش تشوكوم‬ ‫لاّ‬ ‫ّ‬ ‫القاصة‬ ‫إلى جانب مصطفى كوتلو‪ .‬كما يجب أ نغفل عن‬

‫االنطباعية فروزان التي تمكنت من تجديد إمكانيات النص‬

‫السردي القصير‪ ،‬وقامت بهدوء وبصيرة‪ ،‬بفضح جور‬ ‫العالم الذي شيّده الرجال على حساب حقوق المرأة‬ ‫والرجل معً ا‪ .‬والشاعر أنيس باتور الذي تجاوز حدود الشعر‬

‫اشترك كل الفنانين في هذه الرؤية‪ ،‬كما يمكن رؤية نهج‬

‫نحو النثر والنص المستوحى من السيرة الذاتية‪ ،‬ضمن‬

‫الحقبة‪ .‬اإلضرابات‪ ،‬وقمع الدولة‪ ،‬وأحداث الطالب هي‬

‫فقد أدى فتور المجتمع وابتعاده من السياسة إلى نزوع‬

‫مماثل في كتابات ك ّتاب الرواية والقصة والمسرح في تلك‬ ‫الموضوعات الرئيسة في معظم المجاالت األدبية‪ .‬كما‬

‫كانت لغة قصة الحقبة حادة وأليمة وغاضبة‪.‬‬

‫في ظل العيش في هذا المجال السياسي‪ ،‬نرى‬

‫االستقطاب األيديولوجي الحاد في األدب‪ ،‬وعندما كانت‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫مقاربة مبتكرة وكيفيّة لفن السرد‪ .‬أما عقد الثمانينيات‪،‬‬

‫المثقفين وتقربهم نحو المعرفة والفن‪ .‬على حين القت‬ ‫المؤلفات حول التاريخ التركي إقبالاً‬ ‫ً‬ ‫شديدا من الجيل‬ ‫الجديد‪ ،‬فلمع اسم مصطفى َسبَتجي أوغلو بسلسلة‬

‫رواياته حول تاريخ الدولة العثمانية وانتصاراتها‪.‬‬


‫كتاب أتراك عبروا عن التهميش والوحدة ووطأة الحداثة‬

‫حقائق الحياة الريفية والقروية‪ ،‬وفتحوا مجالاً رحبًا يف التأليف‬ ‫األدبي الريفي الذي يرتجم حياة القرويني وأهل الريف الرتيك‬

‫بما يحيطها بجميع صورها‪ ،‬فلمع اسم فقري بايكورت‪ ،‬ويشار‬

‫كمال‪ ،‬وكمال طاهر‪ ،‬ويوسف أطيلغان‪ ،‬ونزيهة مريتش‪،‬‬

‫ًّ‬ ‫خاصا به تسوده اإلشارات‪ ،‬وركز‬ ‫وطوّر بيلغا كاراسو أسلوبًا‬ ‫أورهان كمال عىل هموم املجتمع باختالف فئاته بأسلوبه‬ ‫الخاص‪ .‬وتعاطى طارق بوورا وخلدون تانر يف مؤلفاتهما مع‬

‫النهج الواقعي‪.‬‬

‫القصة واملهمشون واملهووسون‬

‫بعد عام ‪1990‬م عادت القصة إىل املسار الذي وضعه سعيد‬

‫فائق وأورهان كمال بالحديث عن األفراد املهمشني الذين ال‬ ‫نشعر بوجودهم يف حياتنا‪ ،‬وأُبعدوا جانبًا كاملشردين يف‬

‫نديم غورسيل‬

‫أليف شافاك‬

‫وإن امتازت بغزارة إنتاجها‪ .‬إىل جانب ِشب ِنم إشيغوزال التي‬ ‫امتازت بأسلوبها الخاص بعرض السلوك السيئ يف األدب‬

‫وطرحه يف أكرث الحاالت غرابة‪ ،‬تع ّري الواقع يف تركيا وتش ّرحه‪،‬‬ ‫وتكتب عن التناقضات بني العلمانيني واملتديّنني‪ ،‬وعن الهوّة‬

‫الشوارع واملهووسني ومدمني الكحول‪ ،‬وعن فقدان الغنى‬

‫التي تفصل بني املناطق الريفية واملدن الكربى بلغة مستفزة‪.‬‬ ‫كما ظهر عدد كبري من الك ّتاب الشباب استطاع أن ينافس‬

‫واملواجهة واالنطواء من املوضوعات األساسية‪ ،‬إضافة إىل‬

‫‪2016‬م بجائزة أورهان كمال للرواية‪ ،‬وجائزيت سعيد فائق‬

‫الروحي والصراع بني األجيال وتأثري الحداثة املدمر يف الفرد‬

‫واألسرة والطفولة‪ .‬وبات الحديث عن الشعور بالوحدة‬

‫تغيرّ أفكار الشباب وأن الحياة بالنسبة لهم امتحان وتوجههم‬ ‫إلعطاء منحى لحياتهم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مع األخذ يف الحسبان أن معظم الكتاب األوائل يف‬

‫العقود املاضية ما زالوا يكتبون يف املجالت‪ ،‬ويُصدرون الكتب‬ ‫بنشاط‪ُ ،‬‬ ‫وتعاد طباعة كتبهم‪ ،‬بل تعرض مسرحياتهم عىل‬ ‫خشبات املسرح؛ مثل‪ :‬عدالت آغا أوغلو كاتبة القصة والرواية‬ ‫واملسرح‪ ،‬ونديم غورسيل الذي امتاز بغزارة نتاجه األدبي منذ‬

‫بداية نشاطه األدبي عام ‪1960‬م ليصدر هذا العام ‪2016‬م أحدث‬

‫«ارو يل عن إيطاليا»‪ ،‬ونال عددًا من الجوائز‬ ‫مؤلفاته بعنوان‪:���‬ ‫ِ‬

‫األدبية الرتكية والعاملية‪ .‬وعىل الرغم من أن معظم مؤلفاته قد‬ ‫ترجمت إىل أكرث من عشرين لغة عاملية‪ ،‬فإن ما ترجم منها إىل‬

‫العربية ال يتجاوز عدد أصابع اليد‪.‬‬

‫عىل الجوائز األدبية الرتكية السنوية‪ ،‬ليفوزوا يف األعوام ‪-2011‬‬

‫وخلدون تانر للقصة‪ ،‬وجائزيت يونس نادي للرواية والقصة؛‬

‫مثل‪ :‬إبراهيم يلدرم عن روايته «الفخامة التاسعة»‪ ،‬وحسني‬

‫آركان عن روايته «اللص والربغوازي»‪ ،‬وحمدي كوتش عن‬ ‫روايته «الناسك»‪ ،‬ويييت َبنرَ عن روايته «عودة الخيالء»‪ ،‬وبورا‬ ‫عبدو عن مجموعته القصصية «ق َت َلنا املدعو بالعضاض»‪،‬‬ ‫وماهر أونسال عن مجموعته القصصية «كم كنا جميالت»‪،‬‬

‫وهاندة غوندوز عن مجموعتها القصصية عىل «امتداد النهر»‪،‬‬ ‫وسينة أرغون عن مجموعتها القصصية «هي الحياة»‪.‬‬

‫وحظي التأليف املسرحي باالهتمام مع بدايات مرحلة‬

‫األدب الجمهوري حتى يومنا هذا‪ ،‬وسار ضمن خط متفاعل مع‬ ‫املجتمع وهمومه‪ ،‬وامتاز بنهجه االنتقادي الواقعي‪ ،‬وظهرت‬

‫نخبة من املؤلفني املبدعني بأقالمهم وأعمالهم‪ ،‬وأفرزت‬

‫وظهر إىل جانب الجيل القديم‪ ،‬جيل جديد من الك ّتاب‪،‬‬

‫ً‬ ‫نصوصا مسرحية موفقة تضارع املستويات الغربية‬ ‫قريحتهم‬

‫العربية‪ ،‬وملع اسمها عىل الساحة األدبية العربية‪ ،‬وشهدت‬

‫داخلها النقد السيايس الالذع والرفيع يف آن واحد‪ ،‬وكان من أملع‬

‫مثل أليف شافاك التي حظي نتاجها األدبي برتجمة واسعة إىل‬

‫اهتمامً ا شديدً ا أكرث مما شهدته بني األوساط األدبية يف بلدها‪،‬‬

‫عبر األدب التركي عن فقدان الغنى‬ ‫الروحي وتأثير الحداثة المدمر في‬ ‫الفرد واألسرة والطفولة‪ ،‬وأصبح‬ ‫الشعور بالوحدة والمواجهة واالنطواء‬ ‫من الموضوعات األساسية لألدباء‬

‫باملعنى املعاصر من حيث الطابع واملضمون‪ ،‬كما حملت يف‬ ‫هذه األسماء خلدون تانر وعدالت آغا أوغلو التي حملت ريادة‬ ‫ً‬ ‫ومضمونا إضافة إىل ريادتها يف‬ ‫التأليف املسرحي الرتيك غزارة‬

‫مجايل الرواية والقصة‪ .‬كما ظهرت نصوص أخرى بموضوعات‬ ‫مستوحاة من التاريخ العثماين مع الرتكيز عىل مالحم البطولة‬

‫الشعبية واألساطري بلغة شعرية رائعة جدًّا‪ .‬لكن التأليف‬ ‫املسرحي لم يكن أسعد ًّ‬ ‫حظا من مجاالت األدب األخرى يف‬ ‫لاً‬ ‫الثمانينيات‪ ،‬فشهد ركودًا مماث للمجاالت األدبية األخرى‪.‬‬

‫قصارى الكالم‪ ،‬تحتاج مواكبة هذا األدب القريب البعيد‬

‫إىل جهود عظيمة سواء عىل املستوى األكاديمي أو العام‪.‬‬

‫‪125‬‬


‫ثقافات‬

‫ظالل مؤسس الحركة السوريالية كما تراءت لميشال فوكو‪:‬‬

‫وجود أندريه بريتون الباهر خلق حوله‬ ‫شاسعا ما زلنا ضائعين فيه‬ ‫فراغً ا‬ ‫ً‬

‫ترجمة وإعداد‪ :‬أحمد فرحات‬ ‫شاعر ومترجم لبناني‬

‫‪126‬‬

‫في عام ‪1966‬م‪ ،‬وهو العام الذي انتقل‬ ‫فيه الفيلسوف الفرنسي الكبير ميشال‬ ‫فوكو إلى تونس ليدرّس الفلسفة في‬ ‫جامعتها‪ ،‬كانت وفاة أندريه بريتون‪،‬‬ ‫الشاعر الفرنسي الكبير‪ ،‬ومؤسّ س‬ ‫الحركة السوريالية ورمزها اإلبداعي‬ ‫ّ‬ ‫المتقدم‪ ،‬إن على مستوى إصدار‬

‫البيانات الشعرية الخاصة بها‪ ،‬أو على‬ ‫مستوى التنظير المفتوح ألطروحاتها‬ ‫النقدية و«الفلسفية» المفارقة‪ ،‬التي‬ ‫استمرت إلى حين غاب الشاعر عن‬ ‫وجه هذه الدنيا‪.‬‬ ‫وقبل أن يستقل الطائرة إلى تونس‬ ‫بأيام‪ ،‬كان مندوب مجلة ‪Art‬‬ ‫‪ Etloisirs‬الفرنسية‪ ،‬كلود ّ‬ ‫بونفوا قد‬ ‫أجرى هذا اللقاء مع الفيلسوف ميشال‬ ‫فوكو (العدد ‪ ،54‬تاريخ ‪ 5‬أكتوبر ‪1966‬م)‬ ‫بمناسبة رحيل الشاعر السوريالي‬ ‫أندريه بريتون‪ ،‬الذي شهد جنازته في‬ ‫حشد ّ‬ ‫ٌ‬ ‫قل‬ ‫باريس في ‪ 28‬سبتمبر ‪1966‬م‬ ‫نظيره من الشعراء والنقاد والفنانين‬ ‫والمفكرين الفرنسيين‪ ،‬من مختلف‬ ‫التجمّ عات السياسية واأليديولوجية‪،‬‬

‫ميشال فوكو‬

‫العددان ‪ 482 - 481‬صفر ‪ -‬ربيع األول ‪1438‬هـ ‪ /‬نوفمبر ‪ -‬ديسمبر ‪2016‬م‬

‫إضافة إلى التيارات النقدية والمذاهب‬ ‫الشعرية واألدبية والفنية‪.‬‬


‫لم تذكر مصادر املعلومات األدبية والثقافية الفرنسية أي‬ ‫صلة مباشرة مليشال فوكو بالسورياليني‪ ،‬أو بمن ّ‬ ‫تبقى من رموز‬

‫حركتهم وأفرادها‪ ،‬داخل فرنسا وأوربا والواليات املتحدة‪ ،‬اللهم‬

‫إال معلومات عامة‪ ،‬شتيتة ومبعرثة‪ ،‬ذكر بعضها الشاعر والكاتب‬ ‫ً‬ ‫الكروايت رادوفان إيفيسك‪ ،‬الذي ّ‬ ‫صديقا وفيًّا لربيتون حتى آخر‬ ‫ظل‬

‫يوم من حياته (أي حياة بريتون)‪ ،‬ويقال‪ :‬إنه هو من رافق جثمان‬ ‫مؤسّ س السوريالية إىل مثواه البارييس األخري‪ ،‬ووضع‪ ،‬حتى بيديه‪،‬‬ ‫مع آخرين‪ ،‬النعش يف الرتاب قائلاً ‪« :‬نم هان ًئا يف قصيدتك الجديدة‬ ‫َ‬ ‫أكملت ما عليك‬ ‫يا صديقي أندريه‪ ..‬وغادرها وقتما تشاء‪ ،‬فقد‬ ‫لنفسك أولاً ‪ ،‬ولإلنسان يف كل مكان عىل هذه األرض الهالكة‪ ،‬ثانيًا»‪.‬‬ ‫ويقول إيفيسك‪« :‬من املؤكد أن ميشال فوكو كان يعرف‪،‬‬

‫يف الصميم‪ ،‬ماهيّة السوريالية ودواعي ظهورها وثورتها األدبية‬ ‫والنقدية واالجتماعية والسياسية؛ فهي قامت أصلاً كر ّد فعل‪،‬‬

‫من الجوارح واألعماق‪ ،‬عىل الحروب التي اجتاحت أوربا ومسخت‬ ‫إنسانها‪ ،‬وشيّأته حتى آخر حدود التشيّؤ‪ ،‬وال يمكن الر ّد عليها‪،‬‬ ‫إلاّ بما قامت به السوريالية نفسها‪ ،‬أي إطالق مواقف احتجاجية‬

‫مضادّة حاسمة‪ ..‬ودائمً ا من مواقع ح ّرة‪ ،‬طبيعية‪ ،‬عفوية‪ ،‬آلية‬

‫أندريه بريتون‬

‫فيما يأيت نص الحوار‪:‬‬

‫مـاذا يمثل أندريه بريتون والسـوريالية يف عام ‪1966‬م‬

‫لفيلسوف يتساءل حول اللغة واملعرفة؟‬

‫ومنفلتة من أي رقابة كابحة مسبّقة»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ويف رأي إيفيسك أن شي ًئا مشرتكا كان يجمع ميشال فوكو‬

‫املؤسّ سني‪ .‬فهناك البنـَّاؤون الذين يضعون الحجر األول‪ .‬وهناك‬

‫ونزالئها من كل الفئات والطبقات‪ ،‬واالهتمام بهذا النوع من‬

‫إىل الذين يحفرون‪ :‬أقرب من «نيتشه» م ّنا إىل «هوسريل»‪ ،‬من «بول‬

‫بأندريه بريتون‪ ،‬وهو االهتمام بالطب النفساين‪ ،‬وزيارة املصحّ ات‬

‫الناس (املجانني باللغة السائدة يف كل مكان)‪ ،‬الذين ربما كانوا‬ ‫تشكل ّ‬ ‫ّ‬ ‫ضالة الجميع‪ ،‬بل يمتلكونها ً‬ ‫أيضا‪،‬‬ ‫يعرفون «الحقيقة» التي‬

‫نحو أكرث‬ ‫ويحتجّ ون عربها عىل كل ظلم الحق باإلنسان‪ ،‬وعىل‬ ‫ٍ‬ ‫بكثري من مدّعي التنوير والعدالة أنفسهم؛ فالتنويريون يمارسون‬ ‫ً‬ ‫أحيانا‪ ،‬ويمشون‪ ،‬حتى يف‬ ‫عقالنيتهم بشكل دوغمايئ وظالمي‬ ‫ً‬ ‫وخصوصا حينما تفرتض‬ ‫ركاب األنظمة الدكتاتورية‪ ،‬بإرادتهم غالبًا‪،‬‬

‫مصالحهم ذلك‪ ،‬سواء أفصحوا عن أمر هذه املصالح أم لم يفصحوا‪.‬‬ ‫وما يجمع بينهما بعد‪ ،‬قولهما بعاملية كل من الفيلسوف‬

‫والشاعر؛ إذ إن األخريين يتحدثان بقضايا اإلنسان بشكل عام‪:‬‬ ‫كالحرية والحقيقة والسلطة والعلم واملستقبل‪ ،‬والتفاعالت‬ ‫الحاصلة بني الفرد والجماعات‪ ،‬التي ينتمي إليها وتلك التي ال ينتمي‬

‫إليها‪ .‬كما يستشعر كل من الفيلسوف والشاعر أن عليهما أن يكونا‬

‫قادرين عىل أن يتخذا لنفسيهما‪ ،‬بني تارة وأخرى‪ ،‬جملة مواقف‬ ‫ذات معنى لآلخرين‪ ..‬كل اآلخرين‪.‬‬

‫‪ -‬االنطباع الذي أملكه هـو أن ثمة عائلتني اثنتني كبريتني من‬

‫الذين يحفرون ويفرغون الحفرة‪ .‬ولعلنا نحن يف حـيِّزنا املتغـيرِّ أقرب‬ ‫كيل» م ّنا إىل «بابلو بيكاسو»‪ .‬وبريتون ينتمي إىل هذه العائلة‪ .‬ويقي ًنا‬

‫أن املؤسسة السـوريالية قـد قنـّعَ ت وموّهت هذه املبادرات الكربى‬ ‫الخرساء التي كانت تفتح الفضاء أمامهم‪ .‬ومن يدري‪ ،‬فلربمـا كانت‬

‫اللعبة هي هذه وحسب‪ ،‬أي خداع السورياليني‪ :‬االفتتاح بطقوس‬ ‫بعد‪ ،‬وتنمّ ي الصحراء بوضع حدود‬ ‫تبدو كأنها تقيص وتسـتثني وتسـ َت ِ‬ ‫قاهرة‪ .‬ونحن عىل أي حـال‪ ،‬ال نزال حاليًّا يف الفجوة التي َّ‬ ‫خلـفها‬ ‫بريتون خلفه‪.‬‬

‫أفتكون هذه الفجوة قـديمة؟‬ ‫رجل ميت؛ ليس ألنـه‬ ‫كصورة‬ ‫ طويلاً مـا رأيت صورة بريتون‬‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫توقف عن أن يكون حيًّا بالنسبة إلينا‪ ،‬أو ألنـه لم يعـد يعنينا‪ ،‬بل ألن‬ ‫ً‬ ‫وانطالقا منه (حول هذا الوجود‬ ‫وجوده الرائع الباهر خلق حوله‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وانطالقا منه) فراغـًا شـاسعً ا‪ ،‬ما زلنـا ضائعني فيه‪ .‬لديّ انطباع بأننـا‬ ‫عشنا ومشينا وركضنا ورقصنا وأرسلنا إشارات وأومأنا بإيماءات‪،‬‬

‫وقمنا بمبادرات‪ ،‬ومـا أتانـا ر ّد وال جواب‪ ،‬من الحـيِّز املقدس الذي‬

‫يحيط بمثوى بريتون‪ ،‬املمدّ د جامدً ا بال حراك‪ ،‬مكسيًّا بالتـرب؛ وهـذا‬

‫ليس ألقول‪ :‬إنـه بعيـدٌ عنا‪ ،‬وإنمـا بأننـا ك ّنا قريبني منه تحت جربوت‬

‫صورة بريتون كشاعر الالمعقول يجب أن‬ ‫تواكبها صورة أخرى تشي بأنه شاعر‬ ‫المعرفة‬

‫صولجانه األسـود‪ .‬موت أندريه بريتون اليوم‪ ،‬هـو بمنزلة مضاعفة‬ ‫والدتنا‪ .‬بريـتون كان‪ ،‬وال يزال ً‬ ‫شأنا آخر‪ .‬إنـه ميت جبّار وقريب‪ ،‬كما‬

‫كان «آغـاممنون» لكل إغريقي قديم‪ .‬هـذه هي ظالل أندريه بريتون‬ ‫وخياله والكيفية التي يرتاءى بها يل‪.‬‬

‫‪127‬‬


‫ثقافات‬ ‫هـذا الحضور شبه املقدس‪ ،‬هذه الفجوة التي ّ‬ ‫خلفتها‬

‫السـوريالية‪ ،‬ال تنتمي إىل سحر املتخيّل‪ ،‬لكنها تفرتض تقدمة‬

‫أساسية ومساهمة جوهرية يف الفكر املعاصر‪ ..‬بمـاذا يدين هذا‬ ‫الفكر ألندريه بريتون؟‬

‫أليس هناك لربيتون سلطان كتابة؟‬

‫ـ أعتقـد أن الكتابة هي يف حدّ ذاتها لربيتون‪ ،‬سلطان تغيري‬

‫ مـا يبدو يل مهـمًّا‪ ،‬هـو أن بريتون ّ‬‫تمكن من القيام بتبليغ‬

‫العالم‪ .‬كانت اللغة وكانت الكتابة‪ ،‬حتى نهاية القرن التاسع عشر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويتفكك ويرت ّكب‪ .‬وعىل أي‬ ‫أداتني ش ّـفافتني ينعكس فيهما العالم‬

‫يسع األدب الفرنيس أن يكون نسيجً ا منسوجً ا من امللحوظات‬ ‫والتحليالت واألفكار‪( ،‬من بداياته) وصولاً إىل بريتون‪ ،‬إلاّ أنـه لم‬

‫من مواجهة العالم‪ ،‬وموازنته ومراجحته‪ ،‬والتعويض عنه‪ ،‬حتى‬

‫هذين الوجهني اللذين طاملـا كانـا غريبني‪ :‬الكتابة واملعرفة؛ كان‬

‫يكن ‪-‬إلاّ لدى ديديرو‪ -‬أدب معرفة‪ .‬وهـذا يف اعتقادي هـو الفارق‬ ‫الكبري بني الثقافتني األملانية والفرنسية‪ .‬كان بريتون يف ّ‬ ‫تلقيه املعرفة‬ ‫يف مختلف امتداداتها (علم النفس التحلييل‪ ،‬علم السالالت‪ ،‬تاريخ‬

‫الفن‪ )...‬بمنزلة غوته فرنيس‪ .‬هناك صورة ال بـدّ أن يكون مصريها‬

‫املحو والزوال‪ ،‬هي التي تجعل من بريتون شاعر الالمعقول‪ .‬وهذه‬ ‫صورة ال بـدّ أن تواكبها وتتطابق معها‪ ،‬ال أن تعارضها أو تضادّها‪،‬‬

‫صورة بريتون شاعر املعرفة‪.���‬ ‫ٌ‬ ‫لكن هذا التسريح لألدب من الخدمة‪ ،‬بما هـو جهل مستملح‬ ‫الذائقة (عىل طريقة أندريه جـيد) يجـد لنفسه تأكيدً ا فريـدً ا لدى‬

‫بريتون‪ .‬األدب لدى األملـان (غوته‪ ،‬توماس مان‪ ،‬هريمان بروخ) يكون‬

‫معرفة عندما يكون مشروع استبطان ومشروع ذاكرة‪ ،‬فتكون‬

‫‪128‬‬

‫سلطان تغيري العالم‬

‫ّ‬ ‫يشكالن جـزءً ا من العالم‪ .‬لكن‬ ‫حال‪ ،‬فإن الكتـابة والخطاب‪ ،‬كانا‬ ‫ّ‬ ‫ربمـا كان ثمـة كتابة‪ ،‬هي من الجذرية ومن التسيّد‪ ،‬بحيث تتمكن‬

‫تـدمريه باملطلق‪ ،‬والتوهج والتأللؤ خارجه‪ .‬والواقع أن هذه التجربة‬ ‫تبـدأ بالتجليّ يف (كتاب نيتشه) هـو ذا االنسان ‪ eccehomo‬ولدى‬

‫كنقض للعالم وكمضا ّد‬ ‫الشاعر ستيفان ماالرميه‪ .‬تجربة الكتاب‬ ‫ٍ‬ ‫له‪ ،‬نجدها لدى بريتون‪ ،‬وهي تجـربة أسهمت يف تحريك وضعية‬ ‫الكتابة ومنزلتها‪ ،‬