Page 1

‫املجلد ‪ 28‬ـــ العددان ‪6/5‬‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪May / June 2012‬‬

‫النمل وفنون احلرب‬

‫العددان ‪ 290/ 289‬ــــ السعر‪ 1.500 :‬دينار كويتي‬

‫صيغة حسابية حلل األزمة االقتصادية‬

‫سبيل جديد‬ ‫لعمر مديد‬ ‫جتارب على التفكير‬

‫>شتاينمان<‪ :‬مرضه وفوزه بجائزة نوبل‬

‫عند التشريح‪ :‬قلوب تكشف عما أصابها‬

‫جهود إلنقاذ شجرة الكاكاو‬


‫جـائزة الكـويت لـعـام ‪2012‬‬ ‫دعــوة للترشيح‬

‫متش� � ��يا مع أهداف مؤسس� � ��ة الكويت للتقدم العلمي‪ ،‬وحتقيقا ألغراضها في دعم اإلنتاج العلمي وتشجيع العلماء والباحثني‪،‬‬ ‫تقوم املؤسس� � ��ة بتخصيص جوائز في مجاالت العلوم واآلداب والفنون والتراث‪ ،‬وذلك وفق برامجها الس� � ��نوية‪ .‬وتسجل املؤسسة‬ ‫من خالل هذه اجلوائز اعترافها باإلجنازات الفكرية املتميزة التي تخدم التقدم العلمي‪ ،‬وتفتح الطريق أمام اجلهود املبذولة لرفع‬ ‫املستوى احلضاري في مختلف امليادين‪.‬‬ ‫وموضوعات جائزة الكويت لعام ‪ 2012‬هي في املجاالت اخلمسة اآلتية‪:‬‬

‫علم األحياء اجلزيئي‬ ‫٭ الـعـلـوم األســـاسـية‪:‬‬ ‫الطاقة‬ ‫٭ الـعـلـوم التـطبـيقـيـة‪:‬‬ ‫٭ العلوم االقتصادية واالجتماعية‪ :‬علم اإلدارة‬ ‫املسرح‬ ‫٭ الـفـنـون واآلداب‪:‬‬ ‫٭ التراث العلمي العربي واإلسالمي‪ :‬التراث العلمي العربي واإلسالمي‬

‫‪Molecular Biology‬‬ ‫‪Energy‬‬

‫‪Management Science‬‬ ‫‪Theatre‬‬

‫‪Arabic and Islamic Scientific Heritage‬‬

‫تُخصص املؤسس� � ��ة س� � ��نويا لكل مجال من هذه املجاالت جائزتني مقدار كل منهما ‪ 30 000‬د‪.‬ك‪( .‬ثالثون ألف دينار كويتي)‪،‬‬ ‫متن� � ��ح األول� � ��ى لواحد (أو أكثر) من أبن� � ��اء دولة الكويت ومتنح الثانية لواحد (أو أكثر) من أبن� � ��اء الدول العربية األخرى‪ .‬كما تقدم‬ ‫املؤسسة مع اجلائزة النقدية ميدالية ذهبية ودرع املؤسسة وشهادة تقديرية تبني مميزات اإلنتاج بصورة مختصرة‪.‬‬ ‫ويتم منح جائزة الكويت وفق الشروط اآلتية‪:‬‬ ‫ـــ أن يكون اإلنتاج مبتكرا وذا أهمية بالغة بالنسبة إلى احلقل املقدم فيه ومنشورا خالل السنوات العشر املاضية‪.‬‬ ‫ـــ أال يكون املرشح قد نال جائزة عن اإلنتاج املقدم من أي جهة أخرى‪.‬‬ ‫ـــ تقبل املؤسسة طلبات املتقدمني وترشيحات اجلامعات والهيئات العلمية‪ ،‬كما يحق لألفراد احلاصلني على هذه اجلائزة ترشيح‬ ‫من يرونه مؤهال لنيلها وال ُتقبل ترشيحات الهيئات السياسية‪.‬‬ ‫ـــ يتضمن الترشيح السجل العلمي للمرشح ونبذة مختصرة عن حياته وإنتاجه ومبررات ترشيحه لنيل اجلائزة‪.‬‬ ‫ـــ ال يعاد اإلنتاج املقدم إلى ِ‬ ‫مرسله سواء فاز املرشح أو لم يفز‪.‬‬ ‫ـــ ال تقبل االعتراضات على قرارات املؤسسة بشأن منح اجلوائز‪.‬‬ ‫ـــ على الفائز أن يقدم محاضرة عن اإلنتاج الذي نال عنه اجلائزة‪.‬‬ ‫ـــ تعبئة منوذج بيان السيرة الذاتية اخلاص باجلائزة‪.‬‬ ‫ـــ تقبل الترشيحات حتى ‪ 2012/12/1‬مرفقة بأربع نسخ من اإلنتاج املقدم‪.‬‬

‫ترسل الترشيحات واالستفسارات بشأن اجلائزة إلى العنوان اآلتي‪:‬‬ ‫السيد مدير عام‬ ‫مؤسسة الكويت للتقدم العلمي‬ ‫ص‪.‬ب‪ 25263 :‬الصفاة ‪ 13113‬ــ دولة الكويت‬ ‫فاكس‪ (+965) 22403891 :‬ـــ هاتف‪ (+965) 22429780 :‬ـــ البريد اإللكتروني‪:‬‬ ‫كما ميكنكم زيارة موقع املؤسسة اإللكتروني ‪ www.kfas.org‬للتعرف على اجلائزة وشروطها وطرق التقدم لنيلها‪.‬‬ ‫‪prize@kfas.org.kw‬‬


‫املجلد ‪ 28‬ـــ العددان‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪290/289‬‬

‫الهيئة االستشارية‬

‫عدنان شهاب الدين‬ ‫رئــيـس الهيـئــــة‬

‫عبداللطيف البدر‬ ‫نائب رئيس الهيئة‬

‫عدنان احلموي‬

‫رئيس حترير مجلة العلوم‬ ‫مراسالت التحرير توجه إلى‪:‬‬ ‫مؤسسة الكويت للتقدم العلمي‬ ‫شارع أحمد اجلابر‪ ،‬الشرق ‪ -‬الكويت‬ ‫ص‪.‬ب ‪ 20856 :‬الصفاة‪ ،‬الكويت ‪13069‬‬ ‫عنوان البريد اإللكتروني‪ - oloom@kfas.org.kw :‬موقع الوِ ب‪www.oloommagazine.com :‬‬ ‫هاتف‪ - )+965(22428186 :‬فاكس ‪)+965(22403895 :‬‬ ‫اإلعالنات في الوطن العربي يتفق عليها مع قسم اإلعالنات باملجلة‪.‬‬

‫‪Advertising correspondence from outside the Arab World should be addressed to‬‬ ‫‪SCIENTIFIC AMERICAN 415, Madison Avenue, New York, NY 10017 - 1111‬‬ ‫‪Or to MAJALLAT AL-OLOOM, P.O.Box 20856 Safat, Kuwait 13069 - Fax. (+965) 22403895‬‬

‫‬

‫عضو الهيئة ــ رئيس التحرير‬

‫شارك في هذا العدد‬ ‫خضر األحمد‬ ‫سعيد األسعد‬ ‫خليل أومري‬ ‫عمر البزري‬ ‫إبراهيم بالل‬ ‫عدنان جرجس‬ ‫محمد حتاحت‬ ‫عدنان احلموي‬ ‫ناديا حيدر‬ ‫سامر الرفاعي‬ ‫قاسم سارة‬ ‫محمد شاهني‬ ‫نوار العوا‬ ‫عصام قاسم‬ ‫عزت قرني‬ ‫أحمد الكفراوي‬ ‫أنطون مارين‬ ‫حامت النجدي‬ ‫علي النفيلي‬

‫سعر العدد‬ ‫األردن‬ ‫اإلمارات‬ ‫‪20‬‬ ‫البحرين ‪1.800‬‬ ‫تونس‬ ‫‪2.5‬‬ ‫اجلزائر‬ ‫‬ ‫جيبوتي ‬ ‫السعودية ‪20‬‬ ‫‪1.800‬‬

‫>‬

‫دينار‬ ‫درهم‬ ‫دينار‬ ‫دينار‬ ‫دينار‬ ‫فرنك‬ ‫ريال‬

‫مراكز توزيع‬

‫السودان ‬

‫جنيه‬ ‫ليرة‬ ‫شلن‬ ‫‬‫ريال‬

‫سوريا‬ ‫‪100‬‬ ‫الصومال ‬ ‫العراق ‪-‬‬ ‫ُعمان‬ ‫‪2‬‬ ‫فلسطني ‪$ 1.25‬‬ ‫‪ 20‬ريال‬ ‫قطر‬

‫الكويت‬ ‫لبنان ‬ ‫ليبيا‬ ‫‬ ‫مصر‬ ‫‪7‬‬ ‫املغرب ‪30‬‬ ‫موريتانيا ‬ ‫اليمن‬ ‫‪250‬‬

‫‪1.500‬‬

‫دينار‬ ‫ليرة‬ ‫دينار‬ ‫جنيه‬ ‫درهم‬ ‫أوقية‬ ‫ريال‬

‫‪4‬‬ ‫‪2.5‬‬

‫‪₤‬‬ ‫‪CI‬‬

‫‪Britain‬‬ ‫‪Cyprus‬‬

‫‪6‬‬

‫‪€‬‬

‫‪6‬‬

‫‪€‬‬

‫‪Greece‬‬

‫‪6‬‬

‫‪€‬‬

‫‪Italy‬‬

‫‪6‬‬

‫‪$‬‬

‫‪U.S.A.‬‬

‫‪6‬‬

‫‪€‬‬

‫‪France‬‬

‫‪Germany‬‬

‫[ ما يعادل بالعملة احمللية دوالرا أمريكيا ونصف الدوالر (‪])USA $ 1.5‬‬

‫في األقطار العربية (انظر الصفحة ‪.)83‬‬

‫االشتراكات‬ ‫ترسل الطلبات إلى قسم االشتراكات باملجلة‪.‬‬ ‫ للطلبة وللعاملني في سلك‬ ‫التدريس و‪/‬أو البحث العلمي‬ ‫ لألفراد‬ ‫ للمؤسسات‬

‫بالدينار الكويتي‬

‫بالدوالر األمريكي‬

‫‪12‬‬

‫‪45‬‬

‫‪16‬‬

‫‪56‬‬

‫‪32‬‬

‫‪112‬‬

‫مالحظة‪ :‬حتول قيمة االشتراك بشيك مسحوب على أحد البنوك في دولة الكويت‪.‬‬

‫بزيارة موقع املجلة ‪ www.oloommagazine.com‬ميكن االطالع على مقاالت اإلصدارات املختلفة اعتبارا من العدد ‪.1995/1‬‬

‫كما ميكن االطالع على قاموس مصطلحات‬

‫باتباع التعليمات الواردة على الصفحة الرئيسية للموقع‪.‬‬

‫بنسـخة مجـانية من قرص ‪ CD‬يتضمن خالصات مقاالت هذه املجلة منذ نشأتها‬ ‫ميكـن تزويــد املشـتركني في‬ ‫عام ‪ 1986‬والكلمات الدالة عليها‪ .‬ولتشغيل هذا القرص في جهاز ُمدعم بالعربية‪ ،‬يرجى اتباع اخلطوات التالية‪:‬‬ ‫‪ -1‬اختر ‪ Settings‬من ‪ start‬ثم اختر ‪Control Panel‬‬ ‫‪ -2‬اختر ‪Regional and Language Options‬‬ ‫‪ -3‬اختر ‪ Arabic‬من قائمة ‪ Standards and Formats‬ثم اضغط ‪OK‬‬ ‫حقوق الطبع والنشر محفوظة ملؤسسة الكويت للتقدم العلمي‪ ،‬ويسمح باستعمال ما يرد في‬

‫شريطة اإلشارة إلى مصدره في هذه املجلة‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫املجلد ‪ 28‬ـــ العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫‪4‬‬

‫فلسفة جتريبية‬ ‫جتارب على التفكير‬ ‫>‪ .J‬كنوب<‬

‫عزت قرني ــ عدنان احلموي‬

‫يقوم الفالسفة اليوم بإجراء جتارب علمية على طبيعة اإلرادة احلرة وطبيعة اخلير والشر‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫علم املناعة‬ ‫العالِم املريض‬

‫>‪ .K‬هارمون<‬

‫قاسم سارة ــ أحمد الكفراوي‬

‫كان >‪ .M .R‬شتاينمان< يعتقد أن األمر الرئيسي في شفاء السرطان يكمن في اجلهاز‬ ‫املناعي‪ .‬وبعد أن ُشخصت إصابته بسرطان البنكرياس (املعثكلة) في عام ‪ ،2007‬استفاد‬ ‫من األبحاث التي كان يجريها إلطالة حياته لفترة كانت كافية لفوزه بجائزة نوبل‪.‬‬ ‫‪16‬‬

‫تاريخ العلوم‬ ‫مجد عظيم‪ ...‬في السباق‬ ‫إلى القطب اجلنوبي‬

‫عمر البزري ــ خضر األحمد‬

‫>‪ .J .E‬الرسون<‬

‫اجلنوبي‪ ،‬رفض املكتشف >‪ .F .R‬سكوت< أن يضحي بخطته‬ ‫في سباقه إلى القطب‬ ‫ّ‬ ‫العلمية الطموحة‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫تقانة املعلومات‬ ‫الوِ ّب الظل‬

‫>‪ .J‬ديبل<‬

‫نوار العوا ــ حامت النجدي‬ ‫&‬ ‫التحرير‬

‫متتلك احلكومات والشركات سيطرة على اإلنترنت أكثر من أي وقت مضى‪.‬‬ ‫ويرغب الناشطون الرقميون اآلن في بناء شبكة بديلة ال ميكن إيقافها أو ترشيح‬ ‫محتوياتها أو إغالقها أبدا‪.‬‬ ‫‪30‬‬

‫سلوك احليوان‬ ‫النمل وفنون احلرب‬

‫>‪ .W .M‬موفيت<‬

‫عصام قاسم ــ محمد شاهني‬

‫بشكل مذهل‪ ،‬تشبه معارك مستعمرات النمل العمليات العسكرية التي يقوم بها البشر‪.‬‬ ‫‪36‬‬

‫حوسبة‬ ‫صيغة حسابية حلل األزمة االقتصادية‬ ‫>‪ .H .D‬فريدمان<‬

‫سعيد األسعد ــ عدنان جرجس‬ ‫&‬ ‫التحرير‬

‫على الرغم من الدروس املستمدة من االنهيار االقتصادي عام ‪ ،2008‬ميضي شارع املال‬ ‫في نيويورك (وول ستريت) باملراهنة على مستقبلنا بعلم قاصر‪.‬‬ ‫‪2‬‬


‫‪42‬‬

‫زراعة مستدامة‬

‫مستقبل الشوكوال‬

‫>‪ .H‬شميتز< ‪ .Y .H> -‬شاپيرو<‬

‫ناديا حيدر ــ محمد حتاحت‬ ‫&‬ ‫التحرير‬

‫يتسابق الباحثون إلنقاذ شجرة الكاكاو من املخاطر التي تتهددها‪ ،‬وتلبية للطلب‬ ‫العاملي املتزايد على الشوكوال وحلماية مورد رزق مزارعي الكاكاو‪.‬‬ ‫علم احلياة‬ ‫سبيل جديد لعمر مديد‬

‫‪48‬‬

‫>‪ .D‬ستيپ<‬

‫سامر الرفاعي ــ علي النفيلي‬ ‫&‬ ‫التحرير‬

‫كشف األحيائيون النقاب عن آلية قدمية تؤخر الشيخوخة‪ .‬وميكن للعقاقير التي حترض‬ ‫هذه اآللية أن تؤجل العديد من األمراض املوهِ نة في الشيخوخة‪.‬‬ ‫طب شرعي (عدلي)‬

‫‪58‬‬

‫خبرة‬ ‫قلوب ُم ِ‬

‫عدنان احلموي ــ‬

‫>‪ .A‬تشن<‬

‫التحرير‬

‫إن أفضل الصور ملا أصاب قلب إنسان تأتي عن طريقة قدمية العهد وهي تشريح اجلثث‪.‬‬ ‫‪60‬‬

‫فيزياء‬ ‫ُ‬ ‫علم الهالة الق َز َحة‬

‫>‪ .M .H‬نوسينسڤيك<‬

‫إبراهيم بالل ــ أنطون مارين‬ ‫&‬ ‫التحرير‬

‫صار إلحدى أجمل الظواهر اجلوية تفسير حاذق مدهش‪.‬‬ ‫‪66‬‬

‫طب‬ ‫جدل واسع النطاق حول سرطان البروستاته‬ ‫>‪ .B .M‬گارنيك<‬

‫خليل أومري ــ قاسم سارة‬

‫تشير األدلة إلى أن الفحص املبكر لسرطان البروستاته يؤدي إلى أضرار تفوق‬ ‫منافعه‪ .‬فما هي احلال اآلن؟‬ ‫‪74‬‬

‫تقانة‬ ‫ِقسم ما قبل وقوع اجلرمية‬ ‫>‪ .J‬ڤالهوس<‬

‫حامت النجدي ــ عدنان احلموي‬

‫إن تقانة احلاسوب غنية بالبيانات التي مت ِّكن الشرطة من معرفة األمكنة التي يحتمل‬ ‫وقوع جرمية فيها في شتى مدن الواليات املتحدة‪ .‬فهل هذه التقانة ناجحة فعال؟‬ ‫‪ 81‬أخبار علمية‬ ‫>‬ ‫>‬

‫مكتسبات وراثية‬ ‫أدوات للحياة‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪3‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫جتارب على التفكير‬

‫()‬

‫بعض الفالسفة يفعلون اليوم ما هو أكثر من التفكير بعمق‪ ،‬فهم يقومون‬ ‫بإجراء جتارب علمية تتعلق بطبيعة اإلرادة احلرة وطبيعة اخلير والشر‪.‬‬ ‫>‪ .J‬كنوب<‬

‫ما أن تفكر في تخصص علم الفلسفة‪ ،‬حتى تندفع إلى‬ ‫ذهنك صورة معينة‪ :‬فرمبا تتصور أمامك صورة ش� � ��خص‬ ‫يجلس جلس� � ��ة مريح� � ��ة على مقعد ذي ذراع� �ي��ن‪ ،‬تائها بني‬ ‫أفكاره‪ ،‬وهو يتمعن في بعض الكتب القدمية‪ .‬ورمبا تخيلت‬ ‫الفلسفة ميدانا للبحث شديد األكادميية ومبهما بطبيعته وال‬ ‫يربطه ش� � ��يء بأي من أساس� � ��يات العلم في نشاطه الفعلي‪،‬‬ ‫وفي جميع األحوال‪ ،‬فإن� � ��ك على األغلب لن تفكر في أناس‬ ‫يغادرون منازلهم ويجرون جتارب علمية‪.‬‬ ‫وم� � ��ع ذلك‪ ،‬فقد ح� � ��دث أمر غريب إلى ح � � � ّد ما‪ :‬ذلك أن‬ ‫جماعة من فالسفة شبان بدؤوا يقومون حتديدا بعمل ذلك‪.‬‬ ‫وحجة هؤالء «الفالس���فة التجريبي�ي�ن(‪ »)1‬هي أن األبحاث‬ ‫التي تدور حول أعمق أس� � ��ئلة الفلسفة ميكن أن تزداد ثراء‬ ‫وحي� � ��اة عن طريق األبحاث الفعلي� � ��ة حول كيف يفكر الناس‬ ‫وكيف يشعرون على نحو ما يحدث فعال‪ .‬وفي سعيهم إلى‬ ‫حتقيق تقدم بشأن تلك القضايا العميقة‪ ،‬يقومون باستخدام‬ ‫س� � ��ائر مناهج علم االس���تعراف(‪ )2‬املعاصر‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإنهم‬ ‫يجرون التجارب‪ ،‬ويشكلون مع سيكولوجيني فرقا مشتركة‬ ‫وينش� � ��رون أبحاثا ف� � ��ي مجالت كانت مخصصة أساس� � ��ا‬ ‫للعلميني‪ .‬وقد كانت نتيجة ذلك شيئا قريبا من الثورة‪ .‬ومع‬ ‫أن ه� � ��ذه احلركة لم تكد تب� � ��دأ إال منذ أعوام قليلة‪ ،‬فإنها قد‬ ‫أفرخ� � ��ت بالفعل مئات من املق� � ��االت العلمية‪ ،‬وأظهرت تيارا‬ ‫متصال من النتائج املدهش� � ��ة وأدت إلى مواقف وآراء تتسم‬ ‫بالقوة الكبيرة من شتى اجلوانب‪.‬‬ ‫وللوهل� � ��ة األولى‪ ،‬قد يبدو كل هذا باعثا على اس� � ��تغراب‬

‫عميق‪ ،‬فكأن الفالسفة بهذا قد توقفوا عن إنتاج فلسفة حقة‬ ‫وأخذوا في تغيير مس� � ��ار أبحاثهم نحو أمر مختلف متاما‪.‬‬ ‫وم� � ��ع هذا‪ ،‬فلعل هذه املقاربة ليس� � ��ت ف� � ��ي الواقع بالغرابة‬ ‫التي تظهر عليها عند النظر إليها للمرة األولى‪ .‬ففي برامج‬ ‫األبحاث العلمية النموذجية يس� � ��تعمل العلماء أدوات معينة‬ ‫(التليس���كوب(‪ )3‬ف� � ��ي علم الفلك‪ ،‬وامليكروس� � ��كوب في علم‬ ‫األحياء وغير ذلك)‪ .‬وعادة ال يفكر العلماء كثيرا في ش� � ��أن‬ ‫تلك األدوات نفسها‪ ،‬وإمنا يأخذون في استخدامها من أجل‬ ‫الوصول إلى الوقائع القائمة في العالم اخلارجي على نحو‬ ‫مستقل عن اإلنس� � ��ان‪ .‬وأحيانا قد تظهر املعلومات الناجتة‬ ‫من أدواتهم‪ ،‬مبظهر غير قابل للتصديق متاما‪ ،‬أو قد تكون‬ ‫متعارضة مع اآلراء املعتمدة بناء على نظرية معينة‪ ،‬كما قد‬ ‫تكون هي نفس� � ��ها متناقضة ذاتيا‪ .‬وفي مثل هذه احلاالت‪،‬‬ ‫ف� � ��إن ما قد ثبت أنه مفيد حقا ه� � ��و أن يتحول نظر الباحث‬ ‫العلمي من الوقائع ذاتها التي يحاول أساس� � ��ا أن يدرسها‪،‬‬ ‫لكي ينظر نظرا فاحصا في األدوات التي يس� � ��تخدمها هي‬ ‫نفس� � ��ها‪ .‬حتى إن املرء قد يجد فعال أن أفضل طريقة حلل‬ ‫مش� � ��كلة ما في عل� � ��م الفلك إمنا هي البدء بالقيام بدراس� � ��ة‬ ‫علمية للتليسكوبات‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن الفالس� � ��فة ال يس� � ��تخدمون التليس� � ��كوبات وال‬ ‫امليكروس� � ��كوبات‪ .‬وإمن� � ��ا نحن نعتمد كلية إل� � ��ى حد ما‪ ،‬على‬ ‫() ‪THOUGHT EXPERIMENTS‬‬

‫(‪ experimental philosophers )1‬أو الفالسفة املستخدمون للتجارب في أبحاثهم‪.‬‬ ‫(‪ cognitive science )2‬أو علم اإلدراك‪.‬‬ ‫(التحرير)‬ ‫(‪ telescope )3‬أو املقراب‪.‬‬

‫باختصار‬ ‫إن الصورة النمطية للفيلس������وف تعرضه على هيئة ش������خص‬ ‫بالغ الرقة والش������فافية غارق في أفكاره ومنعزل عن االهتمامات‬ ‫الدنيوية في احلياة اليومية‪.‬‬ ‫ولكن ها هي س���ل��الة جديدة م������ن املفكرين تبدأ باالعتماد على‬ ‫عل������وم االس������تعراف (اإلدراك والتفكي������ر) من أج������ل التدقيق في‬ ‫‪4‬‬

‫موض������وع كيف يدرك الن������اس العالم على الطريق������ة املعينة التي‬ ‫يدركونه عليها‪.‬‬ ‫فاالجتاه������ات اجلديدة التي ُيقدمها تيار الفلس������فة التجريبية‬ ‫ميكنها أن توضح لنا ما إذا كانت هناك بالفعل إرادة حرة أم ال‪،‬‬ ‫وما إذا كانت األخالقية أمر تكوين نسبي أم ليست كذلك‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


‫املؤلف‬

‫‪Joshua Knobe‬‬

‫>كنوب< أستاذ مساعد في قسم الفلسفة بجامعة‬ ‫ييل وأحد مؤسسي اجتاه الفلسفة التجريبية‪.‬‬ ‫وهو مشهور بتصوره ملا سمي «أثر كنوب»‪،‬‬ ‫الذي يقول إن األحكام األخالقية للفرد لها تأثير‬ ‫مدهش في طرائق فهم الناس للعالم‪.‬‬

‫أداة مح� � ��ددة واحدة‪ ،‬وه� � ��ي العقل‬ ‫البش� � ��ري‪ ،‬وهو ال� � ��ذي ينتج األفكار‬ ‫التي ُتس � � � ِّير مهنتنا‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن‬ ‫املبدأ األساس� � ��ي نفسه ينطبق على‬ ‫هذه احلالة أيضا‪ .‬فالقاعدة الغالبة‬ ‫هي أننا ال نهتم كثيرا بالكيفية التي‬ ‫تعمل به� � ��ا عقولنا‪ ،‬وإمنا ببس� � ��اطة‬ ‫نس� � ��تخدمها للوصول إل� � ��ى حقيقة‬ ‫مس� � ��تقلة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن هذا املسار‬ ‫وطريقة النظر تفش� � ��ل أحيانا‪ ،‬حيث‬ ‫يحدث بني حني وآخ� � ��ر أن تتجاذب‬ ‫عقولن� � ��ا بني اجتاهني‪ ،‬تقريبا كما لو‬ ‫كان في داخلنا صوت� � ��ان مختلفان‬ ‫يجيب كل منهم� � ��ا إجابة متعارضة‬ ‫مع إجابة اآلخر عن السؤال نفسه‪.‬‬ ‫وفي مثل هذه املواقف‪ ،‬فلرمبا يكون‬ ‫مفيدا أن نقوم باستكش� � ��اف العقل‬ ‫نفس� � ��ه وأن ننظر نظ� � ��رة علمية إلى‬ ‫مصادر حدوسنا وحدوس(‪ )1‬غيرنا الفلسفية‪.‬‬ ‫هنا يأتي دور الفلس� � ��فة التجريبي� � ��ة‪ .‬والفكرة املفتاح في‬ ‫هذا الش� � ��أن هي أنه إذا كان م� � ��ن املمكن التوصل إلى فهم‬ ‫أفضل للعوامل الس� � ��يكولوجية القائم� � ��ة من وراء احلدوس‬ ‫الفلس� � ��فية‪ ،‬فيكون لدين� � ��ا إدراك أفضل ألي احلدوس تكون‬ ‫األجدر بثقتنا‪ ،‬وأيه� � ��ا ينبغي علينا أن نصرف النظر عنها‪،‬‬ ‫ألنها تكون مما ال ميكن االعتماد عليه أو تكون مضللة‪.‬‬ ‫هذا العمل هو الذي سوف يوفر لنا‪ ،‬فيما نأمل‪ ،‬فهما أفضل‬ ‫العتقادات الناس حول القضايا الفلسفية الكبرى‪ .‬فكيف يصل‬ ‫بعض األفراد إلى االعتقاد ف� � ��ي حرية اإلرادة؟ وهل يرون في‬ ‫دعاويهم األخالقية(‪ )2‬حقائق موضوعية؟ وسوف تكون لنتائج‬ ‫ه� � ��ذا العمل‪ ،‬في نهاية األمر‪ ،‬متضمنات عملية تخص األحكام‬

‫القضائية ومبحث األخالق وغيرهما من احلقول‪.‬‬ ‫حرية اإلرادة‪ ،‬أسلوب جتريبي‬

‫()‬

‫تخ ّيل أنك ش� � ��اهد عل� � ��ى ارتكاب جرمية قت� � ��ل‪ .‬وقد يبدو لك‬ ‫في البداية‪ ،‬وأنت تنظر إلى املش� � ��هد املاث� � ��ل أمامك‪ ،‬أنه من‬ ‫الواضح أن القاتل مس� � ��ؤول خلقيا عما فعله وأنه يس� � ��تحق‬ ‫متاما العقاب‪ .‬واآلن‪ ،‬افت� � ��رض أنك توقفت لتمعن النظر في‬ ‫() ‪FREE WILL, EXPERIMENTAL-STYLE‬‬

‫(‪ )1‬جمع «حدس» ‪ :intuition‬واصطالحا هو فكرة تظهر للذهن فورا ومباشرة‪ ،‬ولكن من‬ ‫الظاهر أن اللفظ يستخدم هنا في معنى متوسط بني «احلدس» باملعنى االصطالحي‬ ‫و «الفكرة» باملعنى العام‪.‬‬ ‫(‪moral claims )2‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪5‬‬


‫األمر من الوجهة الفلس� � ��فية‪ .‬من املفترض أن فعل القاتل قد‬ ‫تس� � ��ببت في حدوثه حاالت ذهنية معينة عنده‪ ،‬ومن احملتمل‬ ‫أن ه� � ��ذه احلاالت الذهنية قد تس� � ��ببت فيه� � ��ا أحداث أخرى‬ ‫س� � ��ابقة عليها‪ ،...‬وهكذا بحيث إنه رمبا كان فعل القاتل ما‬ ‫هو إال احللقة األخيرة من سلس� � ��لة ميكن تتبعها حتى نصل‬ ‫إل� � ��ى وقائع معينة حول جيناته وبيئت� � ��ه‪ .‬ولكن‪ ،‬إذا كان هذا‬ ‫التسلس� � ��ل هو الذي ش� � ��كل القاتل‪ ،‬فهل يحق لنا أن نعتبره‬ ‫مسؤوال خلقيا عما ارتكبه؟ إن بعض الفالسفة يقولون نعم‪،‬‬ ‫وآخرون يقولون كال‪ ،‬ويستمر األخذ والر ّد بني هذين املوقفني‬ ‫بال نهاية‪ .‬وتلك هي املشكلة القدمية‪ ،‬مشكلة اإلرادة احلرة‪.‬‬ ‫فكرت مع فيلسوف التجريب >‪ .Sh‬نيكولز< [من جامعة‬ ‫لقد‬ ‫ُ‬ ‫أريزونا] أن الصراع الذي قام حول هذه املشكلة رمبا تعود‬ ‫جذوره إلى توتر أخذ ورد بني شكلني من أشكال االستعراف‬ ‫البشري‪ .‬فقدرتنا على التأمل النظري املجرد قد تؤدي بنا إلى‬ ‫التفكير بطريقة معينة‪ ،‬بينما االستجابات املباشرة ملشاعرنا‬ ‫تدفعن� � ��ا باالجتاه املعاكس متاما‪ .‬إن أح� � ��د الدوافع يخبرنا‪:‬‬ ‫«إنك لو فكرت في األمر بطريقة عقالنية‪ ،‬فس� � ��تجد أن سلوك‬ ‫القاتل ما هو إال حلقة واحدة في سلسلة سببية معقدة‪ ،‬ومن‬ ‫ثم ال ميكن إطالقا اعتبار القاتل فعليا حرا أو مس� � ��ؤوال‪ ».‬ثم‬ ‫يقتحم دافع آخر ويقول‪« :‬توقف! إن هذا الشخص ما هو إال‬ ‫قاتل‪ ،‬وال مفر من أن يالم على فعلته تلك‪».‬‬ ‫وق� � ��د أجريت باالش� � ��تراك مع >نيكول� � ��ز< جتربة‪ ،‬بادئني‬ ‫بس� � ��ؤال املش� � ��اركني فيها حول كون افتراضي («كون ‪)»A‬‬ ‫يكون فيه كل ما يفعله أي ش� � ��خص محددا متاما عن طريق‬ ‫َسلسلة سببية(‪ )1‬متتد إلى املاضي‪.‬‬ ‫وعش� � ��وائيا خصص كل مشارك في التجربة لواحد من‬ ‫املوقفني من القضية املطروحة‪ .‬وقد وجه إلى أصحاب أحد‬ ‫املوقفني الس� � ��ؤال التالي بهدف أن يس� � ��تثير عندهم التأمل‬ ‫النظري املجرد‪:‬‬ ‫«في الكون ‪ ،A‬هل من املمكن للناس أن يكونوا مسؤولني‬ ‫مسؤولية أخالقية تامة عن أفعالهم؟»‬ ‫وأما أصح� � ��اب املوقف اآلخر‪ ،‬فقد عرضت عليهم قصة‬ ‫ش� � ��ديدة الواقعية‪ ،‬بل ومفزع� � ��ة‪ ،‬وذلك بهدف أن تحُ دث هذه‬ ‫القصة عندهم اس� � ��تجابة ملوقفهم تقوم على املشاعر بأكثر‬ ‫من أي شيء آخر‪:‬‬ ‫«في الكون ‪ ،A‬كان هناك رجل اسمه « ِبلْ»‪ ،‬وكان مفتونا‬ ‫بس� � ��كرتيرته‪ ،‬حتى إنه قرر أن الطريق� � ��ة الوحيدة ألن يكون‬ ‫معها هي أن يقتل زوجته وأطفاله الثالثة‪ .‬وكان يعلم أنه من‬ ‫املس� � ��تحيل ألحد أن يهرب من منزله في حالة اندالع حريق‬ ‫في� � ��ه‪ .‬وقبل انطالقه برحلة عمل‪ ،‬أع ّد أداة حلرق منزله وقتل‬ ‫‪6‬‬

‫عائلته‪ .‬فهل ُيعتبر « ِبل» مسؤوال مسؤولية أخالقية تامة عن‬ ‫قتل زوجته وأطفاله؟»‬ ‫وقد مال هؤالء الذين وجه إليهم السؤال النظري املجرد‬ ‫إل� � ��ى اإلجابة عنه بالنفي‪ :‬فال أحد ميكن اعتباره مس� � ��ؤوال‬ ‫م� � ��ن الناحية األخالقية في كون حتم���ي(‪ ،)2‬بينما مال أولئك‬ ‫املشاركون الذين ُو ِّجه إليهم السؤال الثاني‪ ،‬األكثر واقعية‪،‬‬ ‫إلى األخذ بوجه� � ��ة النظر املضادة متام� � ��ا‪ ،‬قائلني إن ّ‬ ‫«بل»‬ ‫مسؤول فعال عما ارتكبه‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فإن الناس يرون‬ ‫من الناحية النظرية (املجردة) أنه ال أحد يعتبر مسؤوال من‬ ‫الناحية األخالقية في كون حتمي‪ ،‬بينما إذا ما هم ووجهوا‬ ‫بقصة عن فرد معني تورط في القيام بعمل فيه خسة وغدر‪،‬‬ ‫فإنهم يكونون راغبني متاما في القبول بأنه مسؤول مسؤولية‬ ‫أخالقية بغض النظر عن طبيعة الكون الذي يعيش فيه‪.‬‬ ‫ومع أن هذه الدراس� � ��ة األولى كانت صغيرة نس� � ��بيا‪ ،‬إذ‬ ‫أجريت على عشرات قليلة من الطلبة اجلامعيني األمريكيني‪،‬‬ ‫إال أن الس� � ��نوات القليلة التالية ش� � ��هدت عددا من محاوالت‬ ‫استكش� � ��اف هذه الظواهر بطريقة أكثر دقة‪ .‬وقد استخدمت‬ ‫إحدى هذه التجارب عينة مكونة من عدد كبير من املشاركني‬ ‫(أكثر من ألف مشارك)؛ كما نظرت جتربة أخرى إلى حدوس‬ ‫املشاركني في الوضع املجرد من خالل انتماءاتهم إلى ثقافات‬ ‫مختلفة (من الهند وهونگ كونگ وكولومبيا والواليات املتحدة‬ ‫األمريكية)‪ .‬ودائما عبر هذه التجارب‪ ،‬كانت نتائج الدراسة‬ ‫األولى تع� � ��ود مرة بعد أخرى إلى الظه� � ��ور‪ .‬وهكذا‪ ،‬أصبح‬ ‫من الظاهر حقا أننا قد أمس� � ��كنا بنتيجة أو أثر حقيقي‪ ،‬وإن‬ ‫استمرت األسئلة اخلاصة في تفسير كيفية قيام تلك النتيجة‬ ‫أو األث� � ��ر‪ :‬فهل ذلك األثر هو مظهر في الواقع لالختالف بني‬ ‫طريق� � ��ة التفكير النظرية وتلك الواقعي����ة(‪)3‬؟ ومن أجل حتري‬ ‫هذه القضية على نحو أوس� � ��ع‪ ،‬فقد احتجنا إلى دراس� � ��ات‬ ‫تستخدم طرائق مختلفة نوعا ما‪.‬‬ ‫وقد قامت الفيلسوفة التجريبية >‪ .Ch‬وايگل< [من جامعة‬ ‫يوت� � ��ا ڤالي] بإجراء اختبار أنيق والفت للنظر إلى حد بعيد‪.‬‬ ‫ذل� � ��ك أنه قد ُطلب إلى جميع املش� � ��اركني ف� � ��ي االختبار أن‬ ‫يتخيلوا أنهم يستمعون إلى محاضرة فلسفية حول مشكلة‬ ‫َ‬ ‫احملاض� � ��رة‪ ،‬التي ُطلب إليهم‬ ‫اإلرادة احلرة‪ .‬وقد ش � � � َرحت‬ ‫تخيلها‪ ،‬تلك املشكلة بصفة عامة ثم انتهت بذكر املثال نفسه‬ ‫ال� � ��ذي وصف من قبل هنا‪ :‬عن الرجل الذي يعيش في كون‬ ‫حتمي ويق� � ��وم بقتل زوجته وأطفاله‪ .‬ولك� � ��ن >وايگل< قامت‬ ‫بإدخال تعديل على هذه القص� � ��ة هو غاية في البراعة‪ :‬فقد‬ ‫(‪chain of causation )1‬‬

‫(‪deterministic universe )2‬‬

‫(‪ concrete )3‬أو متعينة‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫(التحرير)‬


‫ُطلب إلى بعض املش� � ��اركني أن يتخيلوا أن احملاضرة كانت‬ ‫حتدث «قبل بضع سنني»‪ ،‬بينما طلب إلى بعضهم اآلخر أن‬ ‫يتخيلوا أنها كانت حتدث «قبل بضعة أيام‪».‬‬ ‫()‬ ‫هل األخالقية أمر نسبي؟‬ ‫وربمّ � � ��ا ال يبدو أن لهذا التعديل أي صلة قوية مبس� � ��ألة‬ ‫اإلرادة احلرة‪ ،‬إ ّال أنه متصل كثيرا مبسألة اإلدراك البشري‪ .‬لق� � ��د ركزت حتى اآلن على القضاي� � ��ا التي ميكن أن تبدو إلى‬ ‫فقد أظهرت سلس� � ��لة طويلة من الدراس� � ��ات التجريبية أن حد ما عويصة أو أكادميية‪ ،‬ولكن الفلس� � ��فة التجريبية ميكنها‬ ‫تخيل حدث حصل في فترة زمنية بعيدة‬ ‫أيضا أن تس� � ��اعد على إلقاء الضوء على‬ ‫إن االستقصاءات‬ ‫نس� � ��بيا يؤدي بالناس إلى اس� � ��تخدام‬ ‫األس� � ��ئلة التي تق� � ��ع في صمي� � ��م اجلدل‬ ‫نوع مختلف من العملية االس� � ��تعرافية البحثية حول األسباب املعاصر بشأن األخالقية‪.‬‬ ‫(اإلدراكي� � ��ة والتفكيري� � ��ة)‪ :‬فهي تكون‬ ‫لنتخي� � ��ل أن «س� � ��مير» و «كم� � ��ال»‬ ‫التي تدعو الناس‬ ‫�توى‬ ‫ينتمي� � ��ان إلى ثقافت� �ي��ن مختلفتني‪ .‬وبينمـا‬ ‫جتريدية ونظرية أكثر‪ ،‬وعلى مس� � � ً‬ ‫والشعور‬ ‫التفكير‬ ‫إلى‬ ‫ٍ‬ ‫عال‪ .‬وبعبارة أخرى‪ ،‬فإن القصة التي‬ ‫يقـول «س� � ��مير»‪« :‬إن ضرب اآلخرين من‬ ‫ت� � ��دور حول م� � ��ا حدث في زم� � ��ن أبعد بالطريقة التي تعودوا‬ ‫الناس ه� � ��و عمل س� � ��يىء أخالقيا»‪ ،‬فإن‬ ‫(‪)1‬‬ ‫«كم� � ��ال» يقول‪« :‬إن ض� � ��رب اآلخرين أمر‬ ‫ميكن أن تس� � ��تثير عملية تأملية إلى عليها‪ ،‬ميكن أن توفر‬ ‫درجة أعلى من غيرها («حسنا‪ ،‬لو أنك‬ ‫س� � ��ليم ومقبول متاما‪ ،‬فما هو إال الطريقة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫األفكار‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫ثمين‬ ‫ا‬ ‫تبصر‬ ‫فكرت في األم� � ��ر بطريقة عقالنية‪،)»...‬‬ ‫املناسبة إلثبات قوة الشخص وبسالته‪».‬‬ ‫بينم� � ��ا القصة األخرى ح� � ��ول ما حدث الفلسفية التي تستحق وهن� � ��ا نواجـه س � � �ـــؤاال صعبـ� � ��ا‪ :‬فبمـا أن‬ ‫في زمن أقرب لعلها تس� � ��تثير حدوسا‬ ‫«لس� � ��مير» و «كمال» رأي� �ي��ن متعارضني‪،‬‬ ‫فعال أن تعتنق‪.‬‬ ‫أكثر واقعية عند الفرد («انتظر! إن هذا‬ ‫فه� � ��ل من املمكن أن يك� � ��ون أحدهما على‬ ‫الش� � ��خص ما هو إال قاتل!»)‪ .‬وقـد كـ� � ��ان مـن الطبيعـي أن خطـأ؟ أم أن� � ��ه ال توجد في هذه احلالة إجابة صحيحة واحدة‬ ‫جتـد >واي� � ��گل< أن تعديلها كان يغير م� � ��ن حدوس الناس‪ :‬وحاس� � ��مة‪ ،‬بحيث إن كال منهما ميكن له أن يكون على صواب‬ ‫فهؤالء الذين طلب إليهم أن يتخيلوا حدثا مت قبل فترة أطول بالنسبة إلى نظام القيم الثقافية اخلاصة به؟‬ ‫انتهوا إلى أن يصبحوا أقل ميال إلى القول إن البشر ميكن‬ ‫وه� � ��ذا الس� � ��ؤال‪ ،‬من بني س� � ��ائر األس� � ��ئلة النظرية التي‬ ‫لهم أن يكونوا مسؤولني مسؤولية أخالقية‪ ،‬حتى وإن كانوا تناقشها الفلسفة‪ ،‬كان من أكثرها استقطابا لآلراء املتخالفة‬ ‫يعيشون في كون حتمي‪.‬‬ ‫ف� � ��ي إطار احلضارة الغربية ككل‪ .‬وغالبا ما يتجه معس� � ��كر‬ ‫ويب� � ��دو اآلن أنه م� � ��ن املقبول أكثر وأكث� � ��ر أن حس احليرة الراديكالي� �ي��ن‪ ،‬على تنوع أطيافهم‪ ،‬إل� � ��ى القول إنه ال توجد‬ ‫والتردد والصراع الداخلي عند الناس بش� � ��أن مشكلة اإلرادة حقيق� � ��ة مطلقة واحدة مف� � ��ردة‪ ،‬وأن األخالقية هي دائما أمر‬ ‫احلرة‪ ،‬رمب� � ��ا يتبني أنه ناجم بالفعل ع� � ��ن توتر وتنازع ما بني نسبي في جوهرها‪ ،‬بينما املفكرون الذين يغلب عليهم اجتاه‬ ‫أحكامهم األكثر جتريدا ونظري ًة واستجاباتهم ملشاعرهم األكثر احملافظ� �ي��ن غالبا م� � ��ا يؤكدون على وج� � ��ود حقائق أخالقية‬ ‫واقعية‪ .‬كما أن للمواقف التي يجدون أنفس� � ��هم فيها في حلظة موضوعية ‪ .objective‬وقد تدخل البابا >بنيدكتوس السادس‬ ‫معينة‪ ،‬تأثيرا بارزا في املواقف األخالقية التي قد يتخذونها‪ .‬عشر< بنفس� � ��ه حديثا في هذا النقاش‪ ،‬حني أعلن أن اجتاه‬ ‫وال ريب ف� � ��ي أن مجرد قبول هذه الفرضية من قبل عدد القول بالنس� � ��بية األخالقية ي� � ��ؤدي «إلى اخللط واالضطراب‬ ‫قليل من الدراس� � ��ات األولي� � ��ة ال يبرهن عل� � ��ى صحتها‪ .‬بل أخالقيا أو فكريا‪ ،‬وإلى تدني املعايير األخالقية‪ ،‬وإلى فقدان‬ ‫إن الفيلس� � ��وف التجريبي >‪ .E‬ناهمي� � ��اس< [من جامعة والية االحترام الذاتي‪ ،‬بل وإلى انقطاع األمل‪».‬‬ ‫وفي محاولة للوصول إلى اجلذور السيكولوجية لهذا‬ ‫جورجي� � ��ا] قد تقدم بفرضية منافس� � ��ة مهم� � ��ة‪ ،‬وهي ال تقول‬ ‫بوجود تنازع بني العقل واملش� � ��اعر‪ ،‬وم� � ��ن املتفق عليه على اجلدل‪ ،‬فإن الس� � ��يكولوجي >‪ .T .E‬كوكل� � ��ي< [من جامعة‬ ‫نطاق واسع أن الدالئل املتاحة اآلن نتيجة للتجارب املذكورة ميتش� � ��يگان التكنولوجي� � ��ة] والفيلس� � ��وف >‪ .A‬فلتز< [من‬ ‫ليس� � ��ت كافية من أجل حل سائر املشكالت الكبرى في هذا جامعة ‪ ]Schreiner‬طرحا على املش� � ��اركني في دراستهما‬ ‫احلق� � ��ل‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن ما لدين� � ��ا هنا هو حتما بداية جديدة‬ ‫() ?‪IS MORALITY RELATIVE‬‬ ‫على أقل تقدير‪ .‬ومع أن هناك قدرا كبيرا من األبحاث علينا‬ ‫(‪reflective process )1‬‬

‫إجنازه‪ ،‬إ ّال أننا اآلن في مستهل برنامج من البحث التجريبي‬ ‫حول اجلذور السيكولوجية لفهم الناس لإلرادة احلرة‪.‬‬

‫التتمة في‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫الصفحة ‪15‬‬

‫‪7‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫العا ِلم املريض‬

‫()‬

‫عندما أصيب <‪ .M .R‬شتاينمان>(‪ )1‬بسرطان البنكرياس‬ ‫(املعثكلة)‪ ،‬وضع ما لديه من نظريات تتعلق بالسرطان وباجلهاز املناعي‬ ‫موضع االختبار‪ ،‬فحافظ ذلك على حياته لفترة أطول مما كان يتوقع‪،‬‬ ‫ولكن أقصر بثالثة أيام من أن يعلم بفوزه بجائزة نوبل‪.‬‬ ‫>‪ .K‬هارمون<‬

‫بينما كان >‪ .M .R‬ش� � ��تاينمان< ميعن النظر عبر املجهر ذات‬ ‫يوم‪ ،‬ملح ش� � ��يئا لم يس� � ��بق ألحد أن رآه من قبل‪ ،‬وكان هذا في‬ ‫بداية الس� � ��بعينات‪ ،‬عندها كان >شتاينمان< باحثا في جامعة‬ ‫روكفلر‪ ،‬وعندها كان العلماء يواصلون جمع اللبنات األساسية‬ ‫ف� � ��ي بناء اجلهاز املناعي‪ ،‬وكانوا ق� � ��د أدركوا أن هناك خاليا‬ ‫بائية ‪ ،B cells‬وهي من خاليا الدم البيضاء التي تساعد على‬ ‫تع� � ��رف الغزاة األجانب‪ ،‬وأن هناك خاليا تائية ‪ ،T cells‬وهي‬ ‫من� � ��ط آخر من خاليا الدم البيضاء‪ ،‬تهاجم تلكم الغزاة‪ .‬إال أن‬ ‫م� � ��ا أوقع العلماء في احليرة هو ما الذي في املقام األول يدفع‬ ‫اخلاليا البائية والتائية للعمل‪ .‬ولعل >شتاينمان< قد ملح ما ظن‬ ‫أن� � ��ه قد يكون اللبنة املفقودة‪ ،‬وهي خاليا غريبة الش� � ��كل ذات‬ ‫أذرع نحيفة وال تشبه أي خاليا سبق له أن رآها من قبل‪.‬‬ ‫وما لبث أن اتضح أن حدس >ش� � ��تاينمان< كان صحيحا‪،‬‬ ‫ف� � ��إن املعتقد اآلن أن هذه اخلالي���ا املتغصنة ‪،dendritic cells‬‬ ‫حسبما سماها >ش� � ��تاينمان<‪ ،‬تؤدي دورا حاسما في كشف‬ ‫ما يغزو اجلسم‪ ،‬وفي االس� � ��تجابة املناعية ضده‪ ،‬فهي تط ّوق‬ ‫من يتطفل بأذرعه� � ��ا‪ ،‬وتهضمه‪ ،‬وحتمله عائدة به إلى األمناط‬ ‫األخرى من اخلاليا املناعي� � ��ة‪ ،‬وفي الواقع فإنها «تعلمهم» ما‬

‫ال� � ��ذي ينبغي عليه� � ��م مهاجمته‪ .‬لقد كان هذا االكتش� � ��اف من‬ ‫املعالم الرئيس� � ��ية‪ ،‬ألنه فسر‪ ،‬وبإس� � ��هاب غير مسبوق‪ ،‬كيف‬ ‫تعمل اللقاحات‪ ،‬ودفع بـ>شتاينمان< ليحتل مكانا مرموقا في‬ ‫الطبقة العليا في مهنته‪.‬‬ ‫وتعد قصة >شتاينمان< من القصص النموذجية من أوجه‬ ‫متعددة‪ :‬فهي قصة عالم المع يصل إلى اكتش� � ��اف كبير يلهم‬ ‫جي� �ل��ا جديدا من الباحثني‪ ،‬وفي احلقيقة ف� � ��إن الرؤية الثاقبة‬ ‫التي كان >ش� � ��تاينمان< يتمتع بها جديرة بالتقدير‪ ،‬ملا كان لها‬ ‫من آثار في العلْم وفي >شتاينمان< شخصيا‪.‬‬ ‫ومبرور سنوات‪ ،‬تشكل لدى >شتاينمان< اعتقاد بأن اخلاليا‬ ‫املتغصنة س� �ل��اح ذو أهمية حاسمة للتصدي ألكثر األمراض‬ ‫تنفيرا‪ ،‬بدءا بالس� � ��رطان وانتهاء باإليدز‪ .‬وبدا أن >شتاينمان<‬ ‫وم� � ��ا لديه من ش� � ��بكة من الزمالء في العال� � ��م‪ ،‬يحرزون تقدما‬ ‫طيبا في طريقهم نحو إثبات صحة ما ذهب إليه >شتاينمان<‪،‬‬ ‫عندما اتخذ منحى قصته انعطافا غير عادي‪.‬‬ ‫ففي ع� � ��ام ‪ ،2007‬ش� � � َّ‬ ‫�خص األطباء إصابة >ش� � ��تاينمان<‬ ‫() ‪THE PATIENT SCIENTIST‬‬ ‫(‪Ralph M. Steinman )1‬‬

‫باختصار‬ ‫كان >‪ .M .R‬ش� � ��تاينمان< أو َل شخص يصف اخلاليا املتغصنة التي‬ ‫تؤدي دورا رئيس� � ��يا في توجيه االستجابات املناعية‪ .‬وقد اشتق اسمها‬ ‫من أغصان الشجرة‪.‬‬ ‫فاخلالي� � ��ا املتغصنة وهي التي تعلم اخلالي� � ��ا املناعية ما هو الهدف‬ ‫ال� � ��ذي ينبغي عليها أن تهاجمه‪ ،‬فإنها تش� � ��كل اآلن مح� � ��ور العديد من‬ ‫اللقاحات التجريبية املضادة للسرطان ولڤيروس العوز املناعي‪.‬‬ ‫‪8‬‬

‫عندما ُشخِّ صت إصابة >شتاينمان< بسرطان البنكرياس (املعثكلة)‬ ‫عام ‪ ،2007‬حتول >ش� � ��تاينمان< مع ش� � ��بكة من زمالئ� � ��ه إلى اللقاحات‬ ‫اجلديدة ملعاجلة مرضه‪.‬‬ ‫اعتق������د زمالء >ش������تاينمان< أن اللقاحات س������تطيل حياته ملدة‬ ‫أط������ول بكثير من الفترة املعتادة‪ .‬ومات قب������ل ثالثة أيام من فوزه‬ ‫بجائزة نوبل‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


‫بس� � ��رطان البنكرياس (املعثكلة)‪ ،‬وهو مرض اليرحم‪ ،‬إذ يقتل‬ ‫أربعة من بني كل خمس� � ��ة من املصابني به خالل السنة األولى‬ ‫م� � ��ن إصابته‪ .‬وفي نهاية املطاف‪ ،‬فإن املس� � ��اعدة التي قدمتها‬ ‫اخلاليا التي اكتشفها >شتاينمان< في بداية مسيرته املهنية‪،‬‬ ‫واألصدق� � ��اء الذين ك ّونهم وهو يش� � ��ق طريقه‪ ،‬لن تقتصر على‬ ‫قتاله للسرطان فحسب‪ ،‬بل ستمد في عمره فترة تكفي ليحوز‬ ‫جائزة نوبل‪ .‬فقد مات >ش� � ��تاينمان< في الش� � ��هر ‪ ،2011/9‬قبل‬ ‫ثالثة أيام من َو َم َ‬ ‫ضانِ هاتفه اجلوال حامال ألس� � ��رته رس� � ��الة‬ ‫تفيد بأنه قد حاز تلك اجلائزة‪.‬‬ ‫عقل متح ِّفز‬

‫()‬

‫لم يواجه >ش� � ��تاينمان< قضي� � ��ة بيولوجية ج� � ��ادة إال عندما‬ ‫وص� � ��ل إلى جامعة م� � ��اك گيل ‪ McGill‬باعتب� � ��اره طالبا فيها‪،‬‬ ‫فما أن وصل إليها حتى استحوذ عليه عالَم اخلاليا املناعية‬ ‫الدقي� � ��ق‪ ،‬وه� � ��و ما أوصله إل� � ��ى مختب� � ��ر >‪ .A .Z‬كوهني< [في‬ ‫مؤسس� � ��ة روكفلر]‪ .‬وفي مكتب >شتاينمان<‪ ،‬سنجده ي ْعرض‬ ‫في مرحلة الحقة قوال مقتبس� � ��ا من العال� � ��م املذهل في حقل‬ ‫امليكروبيولوجيا في القرن التاس� � ��ع عشر >لويس باستور<‪:‬‬ ‫«احلظ يحابي العقول املتحفزة‪ ».‬وتقول >‪ .S‬شلزينگر< [وهي‬ ‫زميلة وصديقة رافقت >ش� � ��تاينمان< طيلة مس� � ��يرته العلمية]‬ ‫وهي تتحدث عن اخلاليا‪« :‬لقد كان >‪ .R‬ش� � ��تاينمان< متحفزا‬ ‫جدا وبص� � ��ورة فائقة‪ ،‬فقد كان مؤهال لتحقيق االكتش� � ��اف‪،‬‬ ‫ومبا أنن� � ��ا أتينا على ذكر هذا‪ ،‬فإنه ق� � ��د أدرك بالفطرة أنها‬ ‫كانت مهمة»‪ .‬وتتابع >ش� � ��لزينگر< الق� � ��ول إن احلدس والثقة‬ ‫في املالحظة هما اللذان مكّنا >ش� � ��تاينمان< من حتقيق هذا‬ ‫االكتشاف األصيل‪ ،‬فكسب بالتالي إعجاب زمالئه‪.‬‬ ‫وبعد أن اكتشف >ش� � ��تاينمان< اخلاليا املتغصنة‪ ،‬قضى‬ ‫العقدي� � ��ن التاليني ف� � ��ي إقن� � ��اع املجتمع العلم� � ��ي بأهمية تلك‬ ‫اخلاليا‪ ،‬وذل� � ��ك بالتعريف بكيفية عملها وكيف ميكن للباحثني‬ ‫العمل معها‪ .‬وتقول >ش� � ��لزينگر<‪« :‬لقد قا َتلَ‪ ،‬وفي احلقيقة ال‬ ‫توج� � ��د كلمة أخرى بديلة عن هذه الكلم� � ��ة‪ ،‬إلقناع الناس بأن‬ ‫اخلاليا املتغصنة كيان متميز من غيره»‪ ،‬وكانت >ش� � ��لزينگر<‬ ‫قد بدأت العمل في مختبر ش� � ��تاينمان عام ‪ ،1977‬عندما كانت‬ ‫ال تزال في املدرسة الثانوية‪ ،‬وتقول >شلزينگر<‪ ،‬إنه حتى في‬ ‫ذل� � ��ك الوقت لم يكن الناس في املختبر ذاته على قناعة بوجود‬ ‫مثل تلك اخلاليا املتغصنة‪ ،‬نظرا لصعوبة زيادة عددها‪ .‬وفي‬ ‫ذلك الوقت‪ ،‬كان >شتاينمان< ال يزال يواصل عمله على طاولة‬ ‫املختبر‪ ،‬وتتذكر >شلزينگر< جلوسها معه على مجهر برأسني‪،‬‬ ‫وهما يتفحصان اخلاليا‪ ،‬وتقول‪« :‬لقد كان يحب مجرد النظر‬ ‫إليها‪ »،‬وتتابع القول مبتس� � ��مة بسبب تلك الذكرى‪« :‬لقد كانت‬

‫هناك متع� � ��ة كبيرة في جميع ما وصل إليه >ش� � ��تاينمان< من‬ ‫اكتشافات صغيرة‪».‬‬ ‫وبحلول الثمانينات‪ ،‬فإن >ش� � ��تاينمان< الذي تدرب ليكون‬ ‫طبيبا‪ ،‬بدأ بالبحث عن طرق ميكن من خاللها مساعدة الناس‬ ‫بتطبيق اكتش� � ��افه للخاليا املتغصنة على نحو مباش� � ��ر‪ .‬فعلى‬ ‫م� � ��دى العقود القليلة التالية‪ ،‬ومع زيادة تقبل تلك اخلاليا على‬ ‫وسع مختبر شتاينمان من نطاق تركيزه‪ ،‬ليشمل‬ ‫نطاق واسع‪ّ ،‬‬ ‫األبح� � ��اث حول اللقاحات التي تس� � ��تند إلى اخلاليا املتغصنة‬ ‫في مجال اإليدز والتدرن (الس� � ��ل)‪ ،‬إلى جانب األبحاث حول‬ ‫معاجلة الس� � ��رطان‪ .‬وحول األمراض التي أمكن الوقاية منها‬ ‫بالفعل باللقاحات‪ ،‬مثل اإلنفلونزا واجلدري‪ ،‬فإن الذين ينجون‬ ‫منها يطورون لديهم مناعة تس� � ��تمر مدى احلياة‪ .‬وميثل اإليدز‬ ‫والتدرن والس� � ��رطان حتديا أكبر شأنا‪ ،‬نظرا ألنها تبدو أكثر‬ ‫ق� � ��درة على التغلب على اجله� � ��از املناعي‪ ،‬حتى إنها‪ ،‬في حالة‬ ‫اإليدز‪ ،‬تختط� � ��ف اخلاليا املتغصنة لتجبرها على القيام بعمل‬ ‫() ‪A PREPARED MIND‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪9‬‬


‫الڤيروس� � ��ات ذاتها‪ ،‬وتقول >ش� � ��لزينگر<‪« :‬كان >ش� � ��تاينمان‬ ‫يق� � ��ول‪« :‬إن علينا أن نكون أكثر ذكاء من الطبيعة»‪ .‬وكان هذا‬ ‫يعني أن تقدمي املساعدة للخاليا املتغصنة يتم بإعطائها املزيد‬ ‫من املعلومات التي تستهدف الڤيروس (احلمة) أو الورم الذي‬ ‫يتعني على اجلهاز املناعي تشكيل هجوم ضده‪.‬‬ ‫وفي التسعينات‪ ،‬كان >شتاينمان< يعمل مع >‪ .M‬دودابكر<‬ ‫[ال� � ��ذي يعم� � ��ل اآلن في جامعة يي� � ��ل] و>‪ .N‬ب� � ��اردواج< [التي‬ ‫تعمل اآلن في جامعة نيويورك] وأوجد س� � ��يرورة الستخالص‬ ‫اخلاليا املتغصنة من الدم ويعدها للتش� � ��غيل باملس���تضدات‬ ‫‪ ،antigens‬وهي ش� � ��دف بروتينية واشية (منامة)‪ ،‬مستمدة من‬ ‫اإلنتان���ات (العداوى) ‪ ،infections‬مثل اإلنفلونزا والكزاز‪ ،‬ثم‬ ‫إعادة تلك اخلاليا إلى اجلسم‪ ،‬لتكوين مناعة أكثر قوة‪ .‬وتعمل‬ ‫هذه التقانة كأساس للقاح مضاد لسرطان البنكرياس‪ ،‬يدعى‬ ‫پروڤنج ‪ ،Provenge‬وحظي باملوافقة عليه عام ‪ ،2010‬وقد أثبت‬ ‫أن� � ��ه يطيل عمر املرضى في املراحل النهائية من مرضهم‪ ،‬ولو‬ ‫لشهور قليلة فقط‪.‬‬ ‫<‬

‫التجربة النهائية‬

‫()‬

‫في مطلع عام ‪ ،2007‬كان >ش� � ��تاينمان< في كولورادو يش� � ��ارك‬ ‫في مؤمتر علمي‪ ،‬وسرعان ما انقلبت الرحلة إلى إجازة عائلية‬ ‫للتزلج عل� � ��ى اجلليد‪ ،‬وعنده� � ��ا عانى >ش� � ��تاينمان< مع ابنتيه‬ ‫م� � ��ا بدا لهم جميع� � ��ا أنها عدوى أصابت املعدة‪ .‬وس� � ��رعان ما‬ ‫متاثلت االبنتان للش� � ��فاء‪ ،‬أما >ش� � ��تاينمان< فقد تأخر شفاؤه‪،‬‬ ‫وم� � ��ا أن رجع إلى منزله حتى ظه� � ��ر عليه اليرق���ان ‪،jaundice‬‬ ‫وفي األسبوع الثالث من الش� � ��هر ‪ 2007/3‬أجرى >شتاينمان<‬ ‫تصوي���را طبقيا محوريا ‪ ،CT scan‬فوجد طبيب األشعة ورما‬ ‫ف� � ��ي البنكرياس لدى >ش� � ��تاينمان<‪ ،‬وأن الورم منذ ذلك الوقت‬ ‫قد انتش� � ��ر إلى العقد اللمفية‪ .‬عند ذلك عرف >ش� � ��تاينمان< أن‬ ‫ف� � ��رص بقائه على قيد احلياة ضئيلة‪ ،‬إذ إن ما يقرب من ‪%80‬‬ ‫من مرضى سرطان البنكرياس ميوتون خالل سنة واحدة من‬ ‫إصابتهم بهذا املرض‪.‬‬ ‫وتتذكر >أليكس� � ��يس<‪ ،‬ابنة >ش� � ��تاينمان< م� � ��ا قاله أبوها‪:‬‬ ‫«عندما أخبرنا والدي باألمر ألول مرة‪ ،‬قال لنا‪ʼ :‬ال تبحثوا عن‬ ‫املعلومات ح� � ��ول هذا املوضوع في گوگل‪ ،ʻ‬واكتفوا باإلصغاء‬ ‫إل� � � ّ�ي» وقد ش� � ��عرت حينذاك كم� � ��ا لو أن أحدا م� � ��ا قد لكمها‪،‬‬ ‫وتابعت القول‪« :‬لقد أوضح بالفعل لألس� � ��رة أنه مع أن مرضه‬ ‫بال� � ��غ اخلط� � ��ورة‪ ،‬إال أنه في وضع جيد ج� � ��دا‪ ».‬فعلى خالف‬ ‫احلال مع املرضى العاديني بالسرطان‪ ،‬كان لدى >شتاينمان<‬ ‫الفرص� � ��ة للوصول إلى الكثير من أفضل اختصاصيي العالم‬ ‫‪10‬‬

‫في علم املناعة وعلم األورام‪ ،‬وكذلك‪ ،‬ورمبا يكون األمر األكثر‬ ‫أهمية‪ ،‬الوصول إلى معظم معاجلاتهم الواعدة‪.‬‬ ‫وعندما س� � ��معت >شلزينگر< هذه األنباء‪ ،‬شعرت باالنهيار‬ ‫وس� � ��ارعت إلى الوقوف بجانب املش� � ��رف عليه� � ��ا‪ ،‬وبدأت مع‬ ‫>شتاينمان< وأكثر الزمالء قربا منهما وهي >‪ .M‬نوسينزويگ<‪،‬‬ ‫بإجراء مكاملات هاتفية‪ ،‬للتش� � ��ارك باملعلومات مع الزمالء في‬ ‫جميع أرجاء العالم‪ .‬وكان >شتاينمان< على اقتناع بأن أجدر‬ ‫الطرق بالثقة للش� � ��فاء من أي ورم ه� � ��ي تطوير املناعة ملواجهة‬ ‫الورم من خالل اخلاليا املتغصنة اخلاصة به‪ .‬وقد كان الوقت‬ ‫املتاح للزمالء إلثبات صحة ذلك محدودا‪.‬‬ ‫ومن بني املكامل� � ��ات الباكرة التي أجراها >ش� � ��تاينمان< بعد‬ ‫تشخيص إصابته‪ ،‬اتصاله بأحد املتعاونني معه منذ وقت طويل‪،‬‬ ‫وهو >‪ .J‬بانش� � ��يرو<‪ ،‬مدير معهد بايلور ‪ Baylor‬ألبحاث املناعة‬ ‫في داالس‪ .‬وعن� � ��د ذلك هاتف >بانش� � ��يرو< الباحثة في معهد‬ ‫بايلور >‪ .K .A‬پالوكا< حول ذلك‪ ،‬وهي ت ْعرف >ش� � ��تاينمان< منذ‬ ‫التس� � ��عينات‪ .‬فم� � ��ع أن لديها لقاحا جتريبي� � ��ا تعتقد أنه ميكن‬ ‫أن يس� � ��اعد >ش� � ��تاينمان<‪ ،‬فإنها عانت حتديات شخصية في‬ ‫محاولته� � ��ا الفص� � ��ل في تعاملها بهذا الش� � ��أن ب� �ي��ن الصديق‬ ‫واملريض والعالِم‪».‬‬ ‫ومن جانبها‪ ،‬اتصلت >ش� � ��لزينگر< هاتفي� � ��ا ِبـ >‪ .C‬نيكوليت<‬ ‫[وهو أحد األصدقاء املتعاونني معها منذ سنوات عديدة وكبير‬ ‫املسؤولني العلميني في مؤسسة ‪ Argos‬للمعاجلات‪ ،‬وهي شركة‬ ‫لألدوية (في ديرهام بكارولينا) تس� � ��تند إلى الرنا ‪ ،RNA‬وكان‬ ‫>شتاينمان< قد أسهم في تأسيسها] الذي اضطرب من األخبار‬ ‫فحشد زمالءه في غضون دقائق من انتهاء املكاملة الهاتفية‪.‬‬ ‫وق� � ��د ط ّور فريق >نيكوليت< لقاح� � ��ا للخاليا املتغصنة كان‬ ‫في املرحلة الثانية (املرحلة املتوسطة) من التجارب السريرية‬ ‫ملعاجلة س� � ��رطان الكلية املتقدم‪ ،‬وتسعى املعاجلة التي طورتها‬ ‫مؤسس� � ��ة ‪ Argos‬إلى جتنيد اخلالي� � ��ا املتغصنة لدى املريض‬ ‫نفس� � ��ه ملواجهة الورم‪ ،‬وذلك بتعريضها ملواد جينية مس� � ��تمدة‬ ‫من ال� � ��ورم‪ ،‬وهي مواد حترضها على حش� � ��د اخلاليا التائية‬ ‫ولإلعداد لهجمة مالئمة‪.‬‬ ‫وح � � � ّدد األطب� � ��اء األس� � ��بوع األول م� � ��ن الش� � ��هر ‪2007/4‬‬ ‫الستئصال جزء من البنكرياس لدى >شتاينمان<‪ ،‬وهي عملية‬ ‫جراحية يطلق عليها اس� � ��م عملية ويپ���ل ‪ ،Whipple‬وهي جزء‬ ‫م� � ��ن معاجلة تقليدية يكثر إجراؤها للحصول على مآل أفضل‬ ‫لـ>شتاينمان<‪ ،‬وس� � ��يحتاج >نيكوليت< إلى هذا اجلزء من هذا‬ ‫الورم ليستخلص منه اللقاح الالزم ولم يتبق لـ>نيكوليت< سوى‬ ‫أي� � ��ام قليلة للحصول على موافق� � ��ة اإلدارة ‪ FDA‬في الواليات‬ ‫() ‪THE FINAL EXPERIMENT‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫أساسيات‬

‫جرعة من دوائه‬ ‫اخلاص به‬

‫➊‬

‫()‬

‫لقد اس���تفادت عدة معاجلات جتريبية مضادة‬ ‫للسرطان تلقاها >شتاينمان< من اخلاليا التي‬ ‫س���اعد هو نفسه على اكتشافها‪ ،‬والتي جعلته‬ ‫يرب���ح جائزة نوبل‪ .‬إذ يواصل اجلهاز املناعي‬ ‫قت���ل اخلاليا الس���رطانية‪ ،‬ولك���ن األورام ما أن‬ ‫تتس���لل بكميات كافية عبر الدفاعات الطبيعية‬ ‫للجس���م حتى تتمكن من الس���يطرة عليها ومن‬ ‫خ���داع اخلالي���ا املناعي���ة لتتقبله���ا باعتبارها‬ ‫جزءا من اجلس���م‪ .‬فإذا أصبح باإلمكان تدريب‬ ‫اخلاليا املتغصنة‪ ،‬وهي اخلاليا التي تس���اعد‬ ‫عل���ى البدء باالس���تجابة املناعي���ة‪ ،‬على تعرف‬ ‫ال���ورم باعتب���اره ش���يئا أجنبيا ينبغ���ي عليها‬ ‫مهاجمت���ه‪ ،‬فم���ن احملتمل أن يك���ون مبقدورها‬ ‫التخلص من اخلاليا اخلبيثة‪.‬‬

‫خلي���ة‬ ‫متغصنة‬

‫مادة جينية ورمية‬

‫املُ ْمرضات ‪( pathogens‬العوامل املسببة‬ ‫لألمراض)‪.‬‬

‫مستضد‬ ‫سرطاني‬

‫➋‬ ‫خلية متغصنة‬ ‫ناضجة‬

‫خلية تائية‬ ‫مساعدة‬

‫خلية تائية‬ ‫قاتلة‬

‫مستضد نوعي‬ ‫للسرطان‬

‫تستخلص اخلاليا املتغصنة من دم املريض‬ ‫وتعرض بشكل مباشر لبروتينات أخرى‬ ‫مستمدة من ذلك النمط من السرطان (وتدعى‬ ‫أيضا باملستضدات‪ ،‬وهي تستثير االستجابة‬ ‫املناعية)‪ ،‬أو تعرض ملادة جينية مستخلصة‬ ‫من الورم لدى املريض نفسه (والتي تنتج‬ ‫بدورها مستضدات ذات سمات شخصية)‪،‬‬ ‫فتلتقط اخلاليا تلك املادة بالطريقة ذاتها التي‬ ‫تؤديها في اجلسم عندما تصادف ومتتص‬

‫➌‬

‫سيتوكينات‬

‫خلية تائية‬ ‫قاتلة مفعلة‬

‫بغية حتضير خاليا متغصنة مغروس فيها‬ ‫املستضدات تعمل على بدء االستجابة املناعية‬ ‫التي تستهدف الورم‪ ،‬تضاف مركبات منشطة‪،‬‬ ‫من أجل زيادة عدد هذه اخلاليا‪ ،‬ومن أجل‬ ‫اإلسراع في إيصالها إلى حالتها الناضجة‬ ‫التي تعْ رض املستضدات‪ ،‬قبل إعادة حقنها‬ ‫ثانية في املريض‪.‬‬

‫وفي اجلسم‪ ،‬فإن اخلاليا املتغصنة التي‬ ‫متت برمجتها‪ ،‬ستتصرف بالطريقة نفسها‬ ‫كما لو كانت في حالة استجابة مناعية‬ ‫فطرية‪ ،‬وذلك بعرض املستضدات للخاليا‬ ‫املناعية األخرى‪ ،‬مثل اخلاليا التائية‬ ‫املساعدة واخلاليا التائية القاتلة‪ ،‬فإذا سار‬ ‫كل شيء على نحو جيد‪ ،‬فإن اخلاليا التائية‬ ‫تأخذ األوامر اخلاصة بالورم‪ ،‬وتنسق بني‬ ‫بعضها البعض‪ ،‬بإطالق إشارات بروتينات‬ ‫السيتوكني ‪ ،cytokine‬للبحث عن اخلاليا‬ ‫الورمية وتدميرها‪.‬‬

‫ورم‬

‫املتحدة األمريكية على إدخال >ش� � ��تاينمان< في التجربة التي‬ ‫يديره� � ��ا‪ ،‬وقد متكن الفريق من احلصول على تلك املوافقة في‬ ‫الوقت املناسب متاما‪.‬‬ ‫ومع ضمان احلصول على اخلاليا الورمية‪ ،‬وبينما كانت‬ ‫املعاجلة التي تهيئها ش� � ��ركة ‪ Argos‬قيد اإلعداد‪ ،‬وهي عملية‬ ‫قد تستغرق شهورا‪ ،‬بدأ >شتاينمان< بتلقي معاجلات أخرى‪،‬‬ ‫فبعيد اجلراحة بدأ مبعاجلة كيميائية منوذجية قوامها مادة‬ ‫اجليمسيتيبني ‪ ،Gemcitibine‬وبعدها‪ ،‬وفي نهاية الصيف‪،‬‬ ‫أدرج األطباء >ش� � ��تاينمان< ضمن دراس� � ��ة تس� � ��تخدم لقاح‬

‫يدعى ‪ ،GVAX‬وهو لقاح يستند إلى اخلاليا املتغصنة‪ ،‬وكان‬ ‫موضوع دراسة تستهدف معاجلة سرطان البنكرياس‪ ،‬وقد‬ ‫أسهمت >‪ .E‬جافي< [من جامعة جونز هوپكنز] في تطويره‪،‬‬ ‫ويعطى ف� � ��ي مركز دانا ‪ -‬فاربر‪/‬هارڤارد للس� � ��رطان‪ ،‬وهو‬ ‫لقاح يس� � ��تخدم فيه مس� � ��تضد عام (غير متخصص) للورم‪،‬‬ ‫شأنه في ذلك شأن لقاح پروڤنج الذي يستخدم في سرطان‬ ‫البروس� � ��تاته (املوثة)‪ .‬وف� � ��ي وقت مبكر م� � ��ن املرحلة الثانية‬ ‫() ‪A Dose of His Own Medicine‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪11‬‬


‫للدراس� � ��ة‪ ،‬عاش مرضى س� � ��رطان البنكرياس الذين تلقوا‬ ‫اللقاح فترة تزيد أربعة أش� � ��هر وس� � ��طيا عما عاش� � ��ه أولئك‬ ‫الذين لم يتلقوا اللقاح‪ ،‬وانتهى األمر ببعضهم أن يعيش� � ��وا‬ ‫عدة سنوات‪ .‬وهكذا‪ ،‬وعلى مدى شهرين‪ ،‬كانت >شلزينگر<‬ ‫تسافر إلى بوسطن مع >شتاينمان< كل أسبوع تقريبا‪ ،‬بدءا‬ ‫من أواخر الصيف‪ .‬وتقول >شلزينگر< وهي تنظر عبر إحدى‬ ‫زوايا نافذتها إلى الس� � ��ماء الزرقاء الصافية الش� � ��احبة بعد‬ ‫ظهر أحد أيام الش� � ��هر العاش� � ��ر‪« :‬أتذكر أننا كنا نسير في‬ ‫أحد األيام التي تشبه يومنا هذا في بوسطن‪ ،‬وكنت أفكر في‬ ‫أن >شتاينمان< لن يرى خريفا آخر‪ ،‬وكنت حزينة جدا‪».‬‬ ‫إال أن اخلريف جاء وانقضى‪ ،‬وبقي >ش� � ��تاينمان< بصحة‬ ‫جيدة نس� � ��بيا‪ .‬وفي الش� � ��هر ‪ 2007/9‬تلقى >شتاينمان< جائزة‬ ‫>ألبرت الس� � ��كر< عن األبحاث الطبية األساسية‪ ،‬والتي تعتبر‬ ‫متهيدا للفوز بجائزة نوبل؛ كما أجرى سلس� � ��لة من املقابالت‬ ‫الڤيديوية‪ .‬وفي تلك املقابالت حتدث >شتاينمان< بالتفصيل عما‬ ‫تبش� � ��ر به اخلاليا املتغصنة من جناح في مكافحة السرطان‪،‬‬ ‫مع التنويه بأن الهجمة املناعية تكون موجهة بدقة وذات نوعية‬ ‫رفيعة‪ ،‬وأنها غير ذات س� � ��مية‪ ،‬بخ� �ل��اف املعاجلة الكيميائية‪.‬‬ ‫وقد قال >شتاينمان<‪« :‬إن هذا مينحنا إمكانية احلصول على‬ ‫منط جديد بالكامل من معاجلة الس� � ��رطان‪ ،‬ولكننا نحتاج إلى‬ ‫األبحاث والصبر الكتشاف القواعد والكتشاف املبادئ‪».‬‬ ‫وفي بعض األحيان كان >شتاينمان< يبدي صبرا يزيد على‬ ‫ما كان زمالؤه يودون‪ .‬فقد طلب في البدء دورة عالجية بطيئة‬ ‫جدا له‪ ،‬بحيث ميكن لفريقه أن يراقبوا االستجابة املناعية لديه‬ ‫بع� � ��د االنتهاء من كل معاجلة‪ ،‬وقبل البدء باملعاجلة التي تليها‪،‬‬ ‫إال أن >شلزينگر< و>نوس� � ��ينزويگ< أقنعتاه في النهاية بأنهم‬ ‫ببس� � ��اطة ليس لديهم الوقت الكافي لذلك‪ .‬فلو مات س� � ��تنتهي‬ ‫التجربة وكذلك البيانات التي ُجمعت‪.‬‬ ‫وبحلول الشهر ‪ 2007/11‬أصبح اللقاح الذي أعدته شركة‬ ‫‪ Argos‬جاهزا بانتظار أن يس� � ��تخدمه >شتاينمان<‪ ،‬وهو لقاح‬ ‫مت اصطناع� � ��ه بتس� � ��ريب اخلالي� � ��ا التي اس� � ��تخلصت من دم‬ ‫>ش� � ��تاينمان<‪ ،‬مع مادة جينية اس� � ��تخلصت م� � ��ن الورم الذي‬ ‫أصيب به‪ ،‬وكان >شتاينمان< قد أنهى لت ِّوه املعاجلة الكيميائية‪،‬‬ ‫ف ُأ ْد ِرج في جتربة لشركة ‪ Argos‬حول سرطان اخلاليا الكلوية‪،‬‬ ‫وفق بروتوكول دراسة مريض ‪ -‬منفرد‪.‬‬ ‫وفي مطلع ع� � ��ام ‪ 2008‬تابع األطباء >ش� � ��تاينمان< باللقاح‬ ‫الذي طورت� � ��ه >پالوكا<‪ ،‬وكان قيد التطوي� � ��ر من أجل معاجلة‬ ‫املالني ‪ .melanoma‬وهذا اللق� � ��اح يتألف من مجموعة‬ ‫ال���ورم‬ ‫ّ‬ ‫منتقاة من الپپتيدات النوعية للورم (ش� � ��دف أو قطع بروتينية)‪.‬‬ ‫ولعل هذا ما دفع >پالوكا< للظن بإمكانية إعادة توجيه الغرض‬ ‫‪12‬‬

‫معاجلات‬

‫جتربة (ذاتية) كبرى‬

‫()‬

‫بعد أن مت تش���خيص إصابته بالس���رطان‪ ،‬تلقى >ش���تاينمان< فيضا من‬ ‫الع���روض من أصدقائه وزمالئه لكي يختبر معاجلات جتريبية مختلفة‪.‬‬ ‫واستنادا إلى تقييمه للبيانات وملناقشته مختلف اخليارات مع شركائه‬ ‫في العمل‪ ،‬استقر رأي >شتاينمان< على معاجلات مناعية جديدة متعددة‬ ‫كانت تخضع للتقييم في دراسات سريرية كان بإمكانه أن ُي ْد َرج ضمنها‬ ‫وفق���ا لبروتوكول املريض الوحيد اخلاص‪ ،‬بدال من إخضاعه للتصاميم‬ ‫األصلي���ة الت���ي وضعه���ا الباحث���ون في تلك الدراس���ات‪ .‬وق���د تخلل تلك‬ ‫اللقاح���ات الت���ي كان بعضه���ا قد صمم خصيصا لتالئم الس���رطان لديه‪،‬‬ ‫جلسات من املعاجلات التقليدية والكيميائية التجريبية‪.‬‬ ‫صيف وخريف ‪2007‬‬ ‫لقاح اخلاليا املتغصنة ‪ GVAX‬موجه نحو سرطان البنكرياس (املعثكلة)‪ ،‬مت‬ ‫تطويره في جونز هوپكنز‪ ،‬وقدم في مركز دانا‪-‬فاربر‪/‬هارڤرد للسرطان‪.‬‬ ‫أواخر ‪2007‬‬ ‫معاجلة مبثبطات إطالق اإلشارات للخاليا في دراسات أجريت في مؤسسة‬ ‫‪Genentech‬؛ محاوالت لكبح التواصل اخللوي غير السوي الذي ميكن أن يدعم‬ ‫تكاثر الورم‪.‬‬ ‫شتاء ‪ 2007‬وطيلة ربيع ‪2008‬‬ ‫لقاح ‪ Argos‬الذي يستند إلى اخلاليا املتغصنة والذي هو قيد التطوير من أجل‬ ‫سرطان الكلية‪.‬‬ ‫منذ ‪ 2008‬وطيلة ‪2010‬‬ ‫لقاح اخلاليا املتغصنة من أجل الورم املالني ‪ melanoma‬الذي مت تطويره في‬ ‫جامعة بايلور‪.‬‬ ‫أواسط ‪2010‬‬ ‫جرعة تعزيزية بالپپتيدات املستمدة من اللقاح الذي مت حتضيره في جامعة بايلور‬ ‫مع مادة مؤسسة ‪ Oncovir‬التجريبية املنبهة للمناعة هيلتونول ‪ ،Hiltonol‬وهو‬ ‫لقاح ينبه حتفز اجلهاز املناعي جزئيا بإطالق إشارة جزيء اإلنترفيرون‪.‬‬ ‫شتاء وصيف ‪2010‬‬ ‫إن اإلپيليموماب ‪ Ipilimumab‬الذي تصنعه شركة ‪ ،Bristol-Myers Squibb‬وهو‬ ‫ضد ‪ antibody‬وحيد النسيلة (جزيء تتم صناعته ليرتبط بهدف نوعي)؛ وقد أقرته‬ ‫اإلدارة ‪ FDA‬الستخدامه في معاجلة الورم املالني‪.‬‬

‫منه ليستهدف السرطان لدى >شتاينمان<‪ ،‬من خالل استخدام‬ ‫پپتيدات مستمدة من الورم الذي أصاب >شتاينمان< بدال من‬ ‫املستضدات املستخلصة من الورم املالني‪.‬‬ ‫وانهالت على >شتاينمان< عروض أخرى مبعاجلات جتريبية‬ ‫من جميع أرجاء العالم‪ .‬وتق� � ��ول >پالوكا<‪« :‬لقد عرض كل من‬ ‫يستطيع أفضل ما يقدر عليه»‪ .‬فعقود السنوات التي أمضاها‬ ‫>ش� � ��تاينمان< في األبحاث املش� � ��تركة وحدت املجال البحثي‪،‬‬ ‫واآلن تبادر ش� � ��بكة العلماء إلى مساعدة أحد أفرادها‪ .‬ويقول‬ ‫>ش� � ��تاينمان<‪« :‬يفكر الناس في العلم على أنه عملية انعزالية‪،‬‬ ‫واحلقيق� � ��ة إنه عملي� � ��ة اجتماعية للغاي� � ��ة؛ فالطبيعة االجتماعية‬ ‫لعملنا سهلت تدفق ذلك الكم الهائل من املوارد الذهنية‪».‬‬ ‫إضافة إلى املعاجلة النموذجية‪ ،‬اس� � ��تكمل >ش� � ��تاينمان<‬ ‫() ‪A Grand (Self-) Experiment‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫االندراج في أربع دراسات سريرية قيد التطبيق حول معاجلات‬ ‫للسرطان تس� � ��تند إلى اخلاليا املتغصنة وفقا لشروط خاصة‬ ‫باملريض‪ ،‬وكان معظم هذه املعاجلات لم يخضع لالختبار بعد‬ ‫في معاجلة س� � ��رطان البنكرياس‪ ،‬إلى جانب معاجلات مناعية‬ ‫وكيميائية جتريبي� � ��ة متعددة أخرى‪ .‬وقد قادت >ش� � ��لزينگر<‪،‬‬ ‫(وهي عضو في مجلس املراجعة املؤسسية ملؤسسة روكفلر)‪،‬‬ ‫املعاجلات التي تلقاها >ش� � ��تاينمان< من خالل جميع القنوات‬ ‫الالزمة في جلنة املراجعة ملؤسسة روكفلر وفي اإلدارة ‪،FDA‬‬ ‫للتأكد من اتباع البروتوكوالت النموذجية‪ .‬كما أن >شلزينگر<‬ ‫كانت تعطي >ش� � ��تاينمان< بنفس� � ��ها اللقاح� � ��ات عندما يكون‬ ‫باإلمكان إعطاؤها له في مؤسسة روكفلر‪.‬‬ ‫وقد أجرى >شتاينمان< التجربة الكبرى اخلاصة به مثلما‬ ‫كان ُيجري التجارب األخرى ف� � ��ي املختبر‪ ،‬فكان على الدوام‬ ‫يعتني بجمع البيانات‪ ،‬وبتقييم الب ِّينات‪ ،‬وبإصدار التعليمات‪.‬‬ ‫وال تزال لدى >شلزينگر< سالسل من البريد اإللكتروني تعود‬ ‫إلى تلك الفترة‪ ،‬وفيها الرس� � ��ائل التي وردت من >شتاينمان<‬ ‫مكتوبة باألحرف الكبيرة‪ ،‬وفقا ألس� � ��لوبه ف� � ��ي الكتابة‪ ،‬وكان‬ ‫يراقب كيفية اس� � ��تجابة جسمه للمعاجلة مراقبة لصيقة‪ .‬وفي‬ ‫عام ‪ ،2008‬وخالل الفترة التي كان يخضع >ش� � ��تاينمان< فيها‬ ‫للمعاجل� � ��ة التي قدمته� � ��ا له >پالوكا<‪ ،‬ج� � ��اءت >پالوكا< لزيارة‬ ‫مدين� � ��ة نيويورك‪ .‬وبعد أن أعطت >ش� � ��لزينگر< لـ>ش� � ��تاينمان<‬ ‫اجلرعة اخلاصة به من اللقاح‪ ،‬ذهب الثالثة معا لتناول طعام‬ ‫العشاء‪ .‬وعندما انتهوا من تناول طعامهم‪ ،‬أصر >شتاينمان<‬ ‫عليه� � ��م أن يتوقفوا ف� � ��ي الفندق الذي تقيم ب� � ��ه >پالوكا< حتى‬ ‫يتيحوا له الفرصة ليريهم التورم الذي ظهر على س� � ��اقه حول‬ ‫موقع احلقن‪ .‬وتقول >ش� � ��لزينگر<‪« :‬إنه كان ش� � ��ديد احلماس‬ ‫ح� � ��ول ذلك»‪ .‬وتتابع القول‪« :‬لقد قال‪ :‬هذه هي اخلاليا التائية»‬ ‫مشيرا إلى أن جسمه فيه استجابة مناعية جتاه اللقاح‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫«إنه أمر عظيم‪».‬‬ ‫وتق� � ��ول >پال� � ��وكا< إن الت� � ��ورم املوضعي أظهر أن جس� � ��م‬ ‫>شتاينمان< كان يتفاعل جتاه اللقاح‪ ،‬مع أنه ال ميكنها التأكد‬ ‫م� � ��ن أن اخلاليا التائية التي مت حش� � ��دها كانت نوعية للورم‪.‬‬ ‫وكما أش� � ��ارت >پالوكا<‪ ،‬فإن جميع اللقاحات تعمل من خالل‬ ‫اخلاليا املتغصنة‪ ،‬إال أن ما مييز معاجلة >پالوكا< من غيرها‬ ‫من املعاجلات التي جربها >ش� � ��تاينمان< هو أنها بدال من ترك‬ ‫التعرض حملض الصدفة‪ ،‬ف� � ��إن الباحثني تعاملوا مع اخلاليا‬ ‫املتغصن� � ��ة خارج اجلس� � ��م ببراعة من أجل حتس� �ي��ن الفرص‬ ‫لتدريب اخلاليا التائية على مهاجمة الورم‪ .‬وملا لم يكن بوسع‬ ‫>ش� � ��لزينگر< أن ترى الب ِّينات بنفسها‪ ،‬قالت‪« :‬إن >شتاينمان<‬ ‫إلي هذه التوصيفات ملواضع أخذه للقاحات‬ ‫أراد أن يرس� � ��ل ّ‬

‫مع الكثير من احلماسة»‪ ،‬ويتضمن ذلك معلومات عن هيئة تلك‬ ‫املواقع وحجمها‪ ،‬وعن كيفية إحساسه بكل موقع‪.‬‬ ‫مي ‪ ،tumor marker‬وهو‬ ‫الو َر ّ‬ ‫وما لبث أن أصبح الواس���م َ‬ ‫مستوى أحد البروتينات التي تشير إلى مدى تقدم السرطان‪،‬‬ ‫(الذي كان يتذبذب صعودا وهبوطا على طول مسار املعاجلة)‪،‬‬ ‫مبثابة مقياس يسجل جميع سلوكياته (سلوكيات الورم)‪ ،‬وحني‬ ‫انخفض هذا الواسم للمرة الثانية‪ ،‬أرسل >شتاينمان< رسالة‬ ‫بالبريد اإللكتروني‪ ،‬وكتب في الس� � ��طر املخصص ملوضوعها‪:‬‬ ‫«لقد كررنا التجربة»‪ ،‬وقد كان الفرح ظاهرا في هذه الرس� � ��الة‬ ‫ألولئك الذين عرفوا فرحه بالنصر العلمي‪.‬‬ ‫إال أن األخبار الطيبة التي أرضت >ش� � ��تاينمان< املريض‬ ‫لم تكن تتمتع باجلودة الكافية إلرضاء >ش� � ��تاينمان< العا ِلم‪.‬‬ ‫فمعرفت� � ��ه ب� � ��أن التجربة الت� � ��ي يخضع لها ه� � ��ي جتربة على‬ ‫ش� � ��خص واحد‪ ،‬ويصعب أن تكون جتربة علمية‪ ،‬س� � ��ببت له‬ ‫إحباط� � ��ا النهاية له‪ .‬وم� � ��ع املعاجلات التجريبي� � ��ة التي تُطبق‬ ‫متقاربة جدا من بعضها‪ ،‬وتتخللها املعاجلات الكيميائية‪ ،‬كان‬ ‫من املستحيل معرفة السبب الذي أدى إلى خفض مستويات‬ ‫الواسم احليوي الورمي‪.‬‬ ‫ومع ذلك كله‪ ،‬جمع >ش� � ��تاينمان< بعض البيانات الفاصلة‬ ‫املثيرة لالهتمام على طول الطريق‪ .‬ففي واحد من االختبارات‬ ‫التي جتريها >پالوكا< من أجل املراقبة املناعية‪ ،‬وجدت >پالوكا<‬ ‫أن م� � ��ا يقرب من ‪ %8‬من اخلاليا التائية املعروفة باس� � ��م ‪CD8‬‬ ‫(والتي تعرف باخلاليا التائية القاتلة ‪ ،)killer T cells‬كانت‬ ‫تستهدف اس� � ��تهدافا نوعيا للورم لدى >شتاينمان<‪ .‬ويبدو أن‬ ‫ذلك ال ميث� � ��ل الكثير‪ ،‬ولكن بالنظر إل� � ��ى مجمل العوامل التي‬ ‫تسبب األمراض التي ميكن أن يواجهها اجلسم ويشن هجمة‬ ‫ضدها‪ ،‬فإن ‪ %8‬يعد «عددا ضخما»‪ ،‬على حد قول >شلزينگر<‪،‬‬ ‫وتضيف‪« :‬وهكذا فإن شيئا ما قد أدى إلى متنيع >شتاينمان<‪،‬‬ ‫أو أن مجموعة من األشياء قد أدت إلى متنيعه‪».‬‬ ‫موت قبل األوان ببضعة أيام‬

‫()‬

‫سافر >ش� � ��تاينمان< وزوجته >كلوديا< في الشهر ‪ 2011/6‬إلى‬ ‫إيطاليا لالحتفال بالذكرى الس� � ��نوية األربعني لزفافهما‪ ،‬وذلك‬ ‫بعد شهرين فقط ملا أش� � ��ار إليه >شتاينمان< بأنه ذكرى ويپل‬ ‫الس� � ��نوية الرابعة ‪ ،Whipple-versary‬تكرمي� � ��ا لذكرى العملية‬ ‫اجلراحية التي أجريت له في الش� � ��هر ‪ .2007/4‬وهكذا أصبح‬ ‫هناك بالفعل جتاوز بعيد ملتوسط فترة البقيا لشخص مصاب‬ ‫بهذا النمط من السرطان‪.‬‬ ‫() ‪A DEATH, DAYS TOO SOON‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪13‬‬


‫وفي منتصف الشهر ‪ 2011/9‬كان >شتاينمان< ال يزال يعمل‬ ‫في مختبره‪ ،‬وكانت التدابير قد اتخذت إلعادة البدء مبعاجلة‬ ‫‪ .Argos‬وعنده� � ��ا أصي� � ��ب بداء ذات الرئ� � ��ة (بالتهاب رئوي)؛‬ ‫وتتذكر ابنته >أليكس� � ��يس<‪« :‬عندما مت قبوله في املستشفى‪،‬‬ ‫قال إنه لن ينجو هذه املرة‪ ».‬ولكن بعد أن قضى والدها أربعة‬ ‫أعوام ونص� � ��ف بصحة طيبة وجدت أن م� � ��ن الصعب عليها‬ ‫أن تصدق أنه لن يكون أمامها س� � ��وى أي� � ��ام قليلة لتقضيها‬ ‫مع� � ��ه‪ ،‬وكان اليزال يواصل مراجع� � ��ة البيانات التي ترد إليه‬ ‫من مؤسس� � ��ة روكفلر لفترة امتدت حتى ‪ .2011/9/24‬وبتاريخ‬ ‫‪ ،2011/9/30‬مات >شتاينمان< عن عمر يناهز ‪ 68‬عاما بسبب‬ ‫فش� � ��ل تنفس� � ��ي ناجم عن داء ذات الرئة ولم يستطع اجلسم‬ ‫الذي أضعفه السرطان أن يصمد أمام هذا الداء‪.‬‬ ‫وقد تنازعت أس� � ��رة >شتاينمان< بش� � ��أن كيفية البدء بنقل‬ ‫اخلبر إلى الشبكة الواسعة من األصدقاء والزمالء في جميع‬ ‫أرج� � ��اء العالم‪ .‬فخططوا لزيارة املختبر القدمي لـ>ش� � ��تاينمان<‬ ‫ال� � ��ذي كان يعمل فيه حتى وقت قريب‪ ،‬إلخبار من كان فيه في‬ ‫يوم االثنني املوافق ‪ .2011/10/3‬ولكن اتصاال من س� � ��توكهولم‬ ‫جاء في وقت مبكر من ذلك اليوم‪ ،‬وقبل أن يستيقظ أي منهم‪.‬‬ ‫وكان هاتف >ش� � ��تاينمان< من نوع ‪ Black Berry‬بحوزة زوجته‬ ‫بعد أن ُو ِضع في هيئة الصامت‪ ،‬فاختلس� � ��ت نظرها من نومها‬ ‫العمي� � ��ق في الصب� � ��اح الباكر لترى ومضان رس� � ��الة جديدة‪،‬‬ ‫وفي تلك اللحظة ذاتها قرع س� � ��معها رنني رس� � ��الة في البريد‬ ‫اإللكتروني لتخبر >شتاينمان< برقة وأدب أنه فاز بجائزة نوبل‬ ‫لعام ‪ 2011‬في الفيزيولوجيا أو الطب‪.‬‬ ‫وقد كانت االس� � ��تجابة األولى كما قالت >أليكسيس<‪« :‬لقد‬ ‫صرخنا جميعا قائلني‪ :‬اللعنة‪ »،‬وكان اخلاطر التالي‪« :‬لنذهب‬ ‫ونوقظ أبانا‪».‬‬ ‫أما بالنس� � ��بة إلى بقية أنحاء العال� � ��م‪ ،‬فإنه لم يظهر أن‬ ‫فيما أعلنته جلنة جائزة نوبل بأسا‪ ،‬فبدأت كتابة املقاالت‪،‬‬ ‫وص� � ��درت البيانات حول >ش� � ��تاينمان< وح� � ��ول الفائز ْين‬ ‫اآلخر ْين‪ ،‬وهما >‪ .B‬بوتلر< [من معهد س� � ��كريپس ‪Scripps‬‬ ‫لألبحاث] و>‪ .J‬هوفم� � ��ان< [من املركز الوطني الفرنس� � ��ي‬ ‫لألبحاث العلمية] حتى مرت ساعات قليلة تلت ذلك‪ ،‬عندما‬ ‫تسربت األخبار عن موت >شتاينمان<‪ .‬وتنص القواعد في‬ ‫جائ� � ��زة نوبل عل� � ��ى أنها ال ميكن أن متن� � ��ح بعد املوت‪ ،‬إال‬ ‫أن� � ��ه إذا مات الفائز بها في املدة بني إعالنها في الش� � ��هر‬ ‫‪ 10‬ومراس� � ��م االحتفال بتقدميها في الشهر ‪ ،12‬فإن الفائز‬ ‫أو الفائ� � ��زة ميكن أن يبقى على قائم� � ��ة الفائزين‪ .‬وقد دفع‬ ‫ه� � ��ذا التوقيت الغريب باللجنة إلى إجراء مداوالت للمتابعة‬ ‫اللصيقة قبل اإلعالن في وقت متأخر من ذلك اليوم عن أن‬ ‫‪14‬‬

‫>شتاينمان< ال يزال في عداد الفائزين بجائزة نوبل‪.‬‬ ‫وبعد أيام معدودة فقط من إعالن فوز >شتاينمان< بجائزة‬ ‫نوب� � ��ل‪ ،‬وتطاير األخب� � ��ار عن موته عبر وس� � ��ائل اإلعالم‪ ،‬وجه‬ ‫االتهام إلى س� � ��رطان البنكرياس بأنه كان وراء موت املؤسس‬ ‫املش� � ��ارك واملدير التنفيذي لشركة آپل >‪ .S‬جوبز< “الذي كان‬ ‫مصابا بشكل نادر وبطيء النمو من املرض” وهو ورم النسيج‬ ‫العصب���ي الغ���دي ‪ ،neuroendocrine tumor‬فعاش مدة ثمانية‬ ‫أعوام بعد تش� � ��خيص إصابته باملرض‪ ،‬وهو أكثر من متوسط‬ ‫فترة البقاء على قيد احلياة بالنسبة إلى مرضه‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن‬ ‫>شتاينمان< جتاوز املدة التي كانت متوقعة‪« ،‬فال شك في أن‬ ‫شيئا ما قد أطال فترة حياته»‪ ،‬كما تقول >شلزينگر<‪.‬‬ ‫ويواص� � ��ل الباحثون العمل من أجل تعرف الس� � ��بب الذي‬ ‫أط� � ��ال حياة >ش� � ��تاينمان<‪ .‬فف� � ��ي مطلع عام ‪ 2012‬س� � ��تك ِّر ُس‬ ‫مؤسس ُة بايلور مرك َز >شتاينمان< من أجل اللقاحات املضادة‬ ‫للس� � ��رطان‪ ،‬وتطور >پالوكا< دراس� � ��ة س� � ��ريرية حول معاجلة‬ ‫س� � ��رطان البنكرياس باللق� � ��اح ذاته ال� � ��ذي أمكنها صنعه من‬ ‫أجل >ش� � ��تاينمان<‪ .‬وفي مؤسسة ‪ ،Argos‬تواصل >نيكوليت<‬ ‫انطالقها بقوة ف� � ��ي صناعة اللقاح املضاد لس� � ��رطان الكُلية‪،‬‬ ‫وتقول‪« :‬هناك ش� � ��عور بالواجب جتاه >شتاينمان< في حتقيق‬ ‫ذلك األمر‪ ».‬وهم يخططون إلطالق املرحلة الثالثة من الدراسة‬ ‫السريرية لذلك اللقاح املضاد لسرطان الكلية الذي مت جتريبه‬ ‫على >شتاينمان<‪.‬‬ ‫وتعتقد >ش� � ��لزينگر< من جانبه� � ��ا أن تدخالت زمالئها قد‬ ‫أس� � ��همت في نهاية املطاف‪ .‬وتقول‪« :‬إن الرسالة العلمية هي‪:‬‬ ‫إن للمناع� � ��ة تأثيرا بالغا‪ »،‬ولك� � ��ن الدرس النهائي هو ما أحب‬ ‫>ش� � ��تاينمان< أن ينصح به‪ .‬وتتذكر >شلزينگر< أنه اعتاد أن‬ ‫يق� � ��ول للناس‪« :‬هناك الكثير من األش� � ��ياء األخرى التي الزال‬ ‫>‬ ‫بإمكانهم اكتشافها‪ ،‬وهذه األشياء موجودة بالفعل‪».‬‬ ‫>‪ .K‬هارمون< من احملررين املساعدين في مجلة ساينتفيك أمريكان‪.‬‬

‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, January 2012‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫تتمة الصفحة ‪( 7‬جتارب على التفكير)‬

‫قصة ح� � ��ول أناس يعلنون آراء متض� � ��ادة حول موضوع‬ ‫أخالقي ما‪ ،‬ثم ُس � � �ئِل املش� � ��اركون بعد ذلك عما إذا كان‬ ‫ينبغ� � ��ي أن يوصف أحد األطراف بأن� � ��ه على خطأ (وهذه‬ ‫هي اإلجابة املناوئة لالجتاه النس� � ��بي‪ ),‬أم لعل األمر أنه‬ ‫ال يوجد موق� � ��ف واحد مفرد هو الصحيح (وهذه اإلجابة‬ ‫النسبية‪ ).‬ثـم إن دراسـة >كوكلي< و >فلتز< تضمنت أيضا‬ ‫انحرافا مهما‪.‬‬ ‫لق� � ��د ط ّبقا عل� � ��ى كل مش� � ��ارك معيارا منوذجيا لس� � ��مة‬ ‫الشخصية وهو «االنفتاح على اخلبرة‪ »,‬وأصبح مبقدورهما‬ ‫أن يحددا أي املشاركني هو أكثر انفتاحا على اخلبرة وأيهم‬ ‫أكث� � ��ر انغالقا‪ .‬وقد أثبتت النتائج وجود ارتباط قوي‪ :‬فكلما‬ ‫عال املش� � ��ارك من حيث انفتاحه عل� � ��ى اخلبرة‪ ،‬زاد احتمال‬ ‫تأييده لإلجابة النسبية‪.‬‬ ‫وهذه الدراس� � ��ات تقت� � ��رح فرضية علمية ح� � ��ول جذور‬ ‫االجتاه النسبي‪ .‬فرمبا كان االجنذاب الذي يشعر به الناس‬ ‫أحيانا نحو النسبية األخالقية على عالقة بنوع ما من أنواع‬ ‫االنفت� � ��اح‪ .‬فعندما يجابهون وجهات نظر أخرى وطرق حياة‬ ‫مختلفة‪ ،‬فإنهم يشعرون بأنهم مدفوعون إلى األخذ باالجتاه‬ ‫النسبي‪ ،‬وذلك إلى درجة أنهم ينفتحون أمام تلك اإلمكانات‬ ‫األخرى‪ ،‬بل ويتلبسونها بخيالهم‪.‬‬ ‫وقـد ظهـ� � ��ر اختبـار مبتكـر لقيـاس صحـة هذه الفرضية‪،‬‬ ‫ق� � ��ام به العاملان الس� � ��يكولوجيان >‪ .G‬گ� � ��ودون< [من جامعة‬ ‫بنس� � ��لڤانيا] و >‪ .J‬دارلي< [من جامعة برنستون] حيث قاما‬ ‫بقياس طرق التفكير لدى املش� � ��اركني ف� � ��ي االختبار‪ ،‬وذلك‬ ‫بعرض معضلة منطقية على كل واحد منهم‪ ،‬ومن عناصرها‬ ‫َ‬ ‫وض ُع عدد من الوحدات في تش� � ��كيل م� � ��ا وبطريقة معينة‪.‬‬ ‫ومع أن املش� � ��كلة كان� � ��ت تبدو في ظاهرها وكأنها مش� � ��كلة‬ ‫عادي� � ��ة‪ ،‬إال أن األمر احتوى على حيل� � ��ة دقيقة‪ :‬ذلك أنه لم‬ ‫يك� � ��ن من املمكن الوصول إلى اإلجابة الصحيحة إال بالنظر‬ ‫إلى املش� � ��كلة من وجهات نظر متعددة‪ .‬وهكذا‪ ،‬فإن املسألة‬ ‫املركزي� � ��ة في ذلك البحث إمن� � ��ا كان موضوعها العالقة بني‬ ‫قدرات الناس على حل هذه املش� � ��كلة وبني حدوس� � ��هم في‬ ‫ش� � ��أن االجتاه النسبي‪ .‬وقد كان من املدهش إلى حد ما أن‬ ‫الباحث� �ْي��نْ توصال‪ ،‬من جديد‪ ،‬إلى وج� � ��ود ارتباط قوي بني‬ ‫األمرين‪ :‬فهؤالء املش� � ��اركون الذين تناولوا حل املشكلة على‬ ‫نحو صائب كانوا من القادرين إلى درجة عالية على تقدمي‬ ‫إجابات تتسم بالنسبية‪.‬‬ ‫ومن ثم‪ ،‬بدأنا ندرك نوعا من التوافق‪ :‬فلدينا سلسلة من‬ ‫دراس� � ��ات مختلفة‪ ،‬قام بها باحثون مختلفون بتطبيق طرائق‬ ‫مختلفة متاما‪ ،‬ومع ذلك فإن هذه الدراس� � ��ات جميعها دل ّلت‬

‫عل� � ��ى نتيجة أساس� � ��ية واحدة‪ :‬أن الن� � ��اس مييلون إلى تبني‬ ‫مذهب النسبية طاملا أنهم يستطيعون جعل أنفسهم منفتحني‬ ‫على وجهات النظر املمكنة األخرى‪ .‬وهذه النتيجة قد تعيننا‬ ‫أمس احلاجة إليها‪ ،‬حول أحد‬ ‫عل� � ��ى حيازة بصيرة نحن في ِّ‬ ‫من أكثر أشكال اجلدل الفلسفي الدائمة في عصرنا هذا‪.‬‬ ‫هل علينا أن نهمل املعرفة‬ ‫غير املؤسسة على خبرات مباشرة؟‬

‫()‬

‫لنفترض اآلن‪ ،‬ملجرد متابعة املناقشة‪ ،‬أن الفلسفة التجريبية‬ ‫اس� � ��تمرت في حتقيق تق� � ��دم‪ ،‬ولنتخيل أن جميع أس� � ��ئلتنا‬ ‫املعتم� � ��دة على التجرب� � ��ة واملعاينة قد حلت‪ ،‬وأننا س� � ��نصل‬ ‫ف� � ��ي نهاية املطاف إلى فه� � ��م دقيق للعمليات االس� � ��تعرافية‬ ‫(اإلدراكية والتفكيرية) آلراء الناس الفلس� � ��فية‪ .‬ولكن‪ ،‬حتى‬ ‫في ه� � ��ذه احلالة‪ ،‬فقد يبدو أننا لم جنابه بعد مجابهة كاملة‬ ‫السؤال األصلي في صلب احلوار الفلسفي‪ :‬وهو حتديدا‪:‬‬ ‫هل هذه اآلراء صائبة حقا أم خاطئة‪ .‬وهذا السؤال األخير‬ ‫ق� � ��د يرى بعض الناس أنه بالذات ليس من نوع األمور التي‬ ‫ق� � ��د يكون من املمكن اإلجابة عنه بإج� � ��راء جتارب‪ .‬وهكذا‪،‬‬ ‫آج� �ل��ا أو عاج� �ل��ا‪ ،‬ال بد من أن يعود بعض الفالس� � ��فة إلى‬ ‫اجللوس على املقعد ذي الذراع� �ي��ن‪ ،‬ليتفكروا تفكرا عميقا‬ ‫في شأن القضايا الفلسفية ذاتها‪.‬‬ ‫وإذا أخذن� � ��ا وجهة النظ� � ��ر هذه بالذات‪ ،‬فإنها س� � ��ليمة‬ ‫ومناس� � ��بة إلى حد بعيد‪ ،‬وس� � ��وف يقبلها أي فيلسوف بكل‬ ‫سرور‪ .‬إ ّال أنه سيكون من اخلطأ الكبير أن نعتبرها وكأنها‬ ‫تك ِّون اعتراضا ناسفا ملشروع الفلسفة التجريبية كله‪ .‬فلم‬ ‫يق� � ��ل أحد إن على الفالس� � ��فة أن يهجروا أش� � ��كال التفكير‬ ‫األخ� � ��رى وأن يش� � ��غلوا كل وقتهم بإجراء جت� � ��ارب‪ ،‬وإمنا‬ ‫باألحرى ه� � ��و أن يصبح العمل التجريب� � ��ي جزءا من بحث‬ ‫فلسفي أوسع مدى‪ .‬فالفلسفة التجريبية ال تفعل شيئا غير‬ ‫أن تضيف أداة جديدة إلى صندوق أدوات الفيلسوف‪ .‬فلعله‬ ‫من املفيد أحيانا‪ ،‬ونحن جنلس في مقاعدنا نتصارع حول‬ ‫اعتقاداتن� � ��ا املختلفة‪ ،‬بل ومن الالزم أيضا هنا أو هناك‪ ،‬أن‬ ‫نتوصل إلى فهم أفضل للعمليات االس� � ��تعرافية (اإلدراكية‬ ‫>‬ ‫والتفكيرية) التي تؤدي إلى ظهور تلك االعتقادات‪.‬‬ ‫() ?‪SHOULD WE BURN THE ARMCHAIR‬‬

‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, November 2011‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪15‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫مجد عظيم‪ ...‬في السباق إلى القطب اجلنوبي‬

‫()‬

‫اجلنوبي‪ ،‬رفض‬ ‫في سباقه إلى القطب‬ ‫ّ‬ ‫>‪ .F .R‬سكوت< أن يضحي بخطته العلمية الطموحة‪.‬‬ ‫>‪ .J .E‬الرسون<‬

‫قب� � ��ل ما يزي� � ��د على مئة ع� � ��ام‪ ،‬في الش� � ��هر ‪ ،1911/6‬قبع‬ ‫>س� � ��كوت< مع اثنني وثالث� �ي��ن مستكش� � ��فا ‪ -‬ومعظمهم من‬ ‫العلمي� �ي��ن البريطانيني وضباط البحري� � ��ة ورواد البحار ‪ -‬في‬ ‫اجلنوبي‪ ،‬حيث ال ترتفع الشمس البتة فوق‬ ‫ظالم شتاء القطب‬ ‫ّ‬ ‫الس� � � ُ�ب َل إل� � ��ى البحار احمليطة‪ .‬فدرجات‬ ‫األفق‪ ،‬ويغل ُِق اجللي ُد ُّ‬ ‫احلرارة على جزي� � ��رة روس‪ ،‬وهي النقطة األبعد جنوبا التي‬ ‫وصلتها سفينة >سكوت<‪ ،‬تنخفض في الشتاء دون ‪ 45‬درجة‬ ‫�ف الثلجي ُة الواحدة تلو‬ ‫مئوي� � ��ة حتت الصفر‪.‬‬ ‫وتهب العواص� � � ُ‬ ‫ّ‬ ‫األخرى‪ .‬وفي غياب أجهزة لالتصاالت الالس� � ��لكية وانقطاع‬ ‫تام عن العالم‪ ،‬لم يكن بوس� � ��ع املستكش� � ��فني س� � ��وى انتظار‬ ‫أي� � ��ام الربيع األط� � ��ول واألكثر‪ ،‬وذلك في الش� � ��هر ‪ 10‬من كل‬ ‫ع� � ��ام‪ ،‬كي يتس� � ��نى لبعضهم عبور ما يق� � ��ارب ‪ 1500‬كيلومتر‬ ‫�دي واجلبال والهضاب القطبية‪ ،‬إلى أن‬ ‫من الرصيف اجللي� � � ّ‬ ‫أي كان‪ ،‬ما عدا وقوعها في قعر‬ ‫يصلوا نقطة ال تثير اهتمام ّ‬ ‫الكرة األرضية‪.‬‬ ‫وكانت حملتان بريطانيتان قد حاولتا الوصول إلى القطب‬ ‫اجلنوبي س� � ��ابقا‪ .‬وقاد >س� � ��كوت< إحداهما بني عامي ‪1901‬‬ ‫و‪ ،1904‬ف� � ��ي حني قاد >ش� � ��اكلتون< احلملة األخرى بني عامي‬ ‫‪ 1907‬و‪ .1909‬ول� � ��م تنجح أي منهما في الوصول إلى مبتغاها‪.‬‬ ‫ولكن >سكوت< كان متفائال جدا أثناء اإلعداد حملاولته األخيرة‪،‬‬ ‫إذ استند إلى التجارب السابقة‪ ،‬ليضع خطة منوذجية‪ ،‬حلملة‬ ‫أراد لها أن حتقق أهدافا علمية طموحة‪ ،‬إضافة إلى أن تكون‬ ‫اجلنوبي‪ .‬وكان >س� � ��كوت<‬ ‫احلمل � � � َة األولى التي تصل القطب‬ ‫ّ‬

‫قد أرس� � ��ل عددا من الفرق العلمية الستكشاف حوض روس‬ ‫البحري‪ ،‬جلمع املس� � ��تحاثات وللحصول عل� � ��ى بيانات وعلى‬ ‫مجموع� � ��ة من املعلومات املهمة علميا‪ .‬وقضت خطته بأن يتجه‬ ‫الفريق الذي يق� � ��وده ببطء نحو اجلنوب في الربيع ليتمكن من‬ ‫البريطاني في القطب بحل� � ��ول الصيف‪ ،‬قبل أن‬ ‫العلَ� � ��م‬ ‫ّ‬ ‫غرس َ‬ ‫يع� � ��ود أدراجه مكلال مبجد م� � ��زدوج لوصوله القطب اجلنوبي‬ ‫قبل سواه وملا حقق من اكتشافات علمية‪.‬‬ ‫منحت أشهر الشتاء الطويل >سكوت< الوقت الكافي للتفكير‬ ‫في قرار خطير كان قد اتخذه قبل أربعة أش� � ��هر‪ ،‬قبل أن ُي ِ‬ ‫حكم‬ ‫القطبي قبضته على فريق املستكش� � ��فني‪ .‬ففي الشهر‬ ‫الش� � ��تاء‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،1911/2‬حني كانت فرقة صغيرة من رجال >سكوت< تسعى إلى‬ ‫الوصول إلى أرض امللك إدوارد السابع ‪ -‬وهي بقعة من القارة‬ ‫القطبي� � ��ة تكاد تكون مجهولة متاما وتقع على الطرف الش� � ��رقي‬ ‫م� � ��ن رف روس اجللي���دي(‪ - )1‬وج� � ��دت أن مجموعة أخرى من‬ ‫املستكش� � ��فني قد أنش� � ��أت مخيم ّا لها عند حافة الرف البحري‪،‬‬ ‫على بعد نحو ‪ 560‬كيلومترا من مخيم >س� � ��كوت<‪ .‬وتبني أن هذه‬ ‫املجموعة املؤلفة من تس� � ��عة رجال قد قدم� � ��ت من النرويج‪ ،‬وأن‬ ‫قائده� � ��ا كان >‪ .R‬آموندس� � ��ن<‪ ،‬وهو خبير قطب� � � ّ�ي وكان أول من‬ ‫اجتاز املمر الش� � ��مالي الغربي ش� � ��مال كندا على مزجلة جترها‬ ‫الكالب القطبية‪ .‬وكان >آموندس� � ��ن< ق� � ��د أعلن أنه ينوي التوجه‬ ‫�مالي‪ ،‬الذي يبعد مسافة تناهز العشرين ألف‬ ‫نحو القطب الش� � � ّ‬ ‫() ‪GREATER GLORY‬‬ ‫(‪Ross Ice Shelf )1‬‬

‫باختصار‬ ‫تذكر كتب التاريخ أن >‪ .R‬آموندس� � ��ن< تغلب على >‪ .F .R‬سكوت<‪ ،‬في‬ ‫اجلنوبي عام ‪ .1911‬ولكن ما ال يأتي ذكره في كثير‬ ‫السباق إلى القطب‬ ‫ّ‬ ‫م� � ��ن املراجع أن رحلة >س� � ��كوت< تض ّمنت مش� � ��اريع متيزت بطموحات‬ ‫علمية كبيرة‪ ،‬وأنه جنح في حتقيق معظمها في آخر املطاف‪.‬‬ ‫فق� � ��د قام فريق >س� � ��كوت< بالعديد من الرح� �ل��ات اجلانبية بحثا عن‬ ‫‪16‬‬

‫التنافس‬ ‫املس� � ��تحاثات وعن أد ّلة علمية أخرى‪ ،‬على الرغ� � ��م من التزامه‬ ‫َ‬ ‫مع >آموندسن<‪.‬‬ ‫ومن أكثر اكتشافات >سكوت< أهمية مستحاثات نبتة مغرقة في القدم‬ ‫اسمها گلوسوپتيريس ‪ ،Glossopteris‬ق ّدمت دليال مهما دعم نظرية تطور‬ ‫األنواع التي كان >داروين< قد وضعها قبل ذلك بعدة سنوات‪.‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫املؤلف‬ ‫‪Edward J. Larson‬‬

‫أستاذ التاريخ واحلقوق في جامعة پپرداين ‪Pepperdine‬‬ ‫‪ ،University‬ومؤلف تسعة كتب في تاريخ العلوم‪ ،‬منها كتاب‬ ‫حاز جائزة پوليتزر عنوانه «صيف اآللهة»(‪ ،)1‬ويتحدث فيه‬ ‫عن محاكمة >سكوپس<‪ ،‬األستاذ الذي دافع عن تعليم‬ ‫نظريات التطور في عشرينات القرن املاضي‪ .‬وآخر كتبه‬

‫«إمبراطورية اجلليد‪ :‬سكوت وشاكلتون والعصر الذهبي‬ ‫اجلنوبي(‪ »،)2‬الذي صدر مؤخرا عن‬ ‫لعلوم قارة القطب‬ ‫ّ‬

‫مطبعة جامعة يال ‪.Yale University Press‬‬

‫كيلومت� � ��ر إلى الش� � ��مال من موق� � ��ع ُمخ ّيمه‪،‬‬ ‫ولكنه ح ّول هدفه سـ ّرا نحو القطب اجلنوبي‬ ‫جليدي ضخم أطلق عليه‬ ‫ّ أحد أعضاء فريق >سكوت<‪ ،‬الذين بلغ تعدادهم اثنني وثالثني‪ ،‬يتزلج عبر هيكل‬ ‫ّ‬ ‫(‪)4‬‬ ‫(‪)3‬‬ ‫اجلنوبي‪.‬‬ ‫ليناف� � ��س املستكش� � ��فني البريطاني� �ي��ن دون اسم القلعة بيرگ ‪ ،‬بعيدا عن شاطئ جزيرة روس ‪ ،‬في قا ّرة القطب‬ ‫ّ‬ ‫علمهم‪ .‬وكان املستكشفون النرويجيون قد‬ ‫ارحتلوا بأمتعة خفيفة‪ ،‬ألنهم لم يطمحوا إلى إجناز اكتش� � ��افات القطب‪ ،‬أو االلتزام باخلطة التي كان قد وضعها للحملة‪ .‬وفي‬ ‫علمية‪ .‬بل إن املجموعة النرويجية كانت تخطط لالنطالق بسرعة نهاية املطاف‪ ،‬حزم أمره بالسير وفقا ملا كان قد خطط سابقا‪.‬‬ ‫نحو القطب‬ ‫اجلنوبي على مزالق فردية مصطحبة مزالج جترها ف� � ��د ّون في مذكراته عن التحدي الذي طرحه اكتش� � ��اف فريق‬ ‫ّ‬ ‫ال� � ��كالب القطبية من قاعدة أقرب إلى القطب اجلنوبي بنحو مئة >آموندس� � ��ن< ما يلي‪« :‬إن النهج الصحيح واألكثر حكمة‪ ،‬هو‬ ‫كيلومتر من املوقع الذي انتقته فرقة >سكوت< مخ ّيما لها‪ .‬وهكذا أن نس� � ��تمر متاما‪ ،‬كما لو أن ش� � ��يئا لم يحدث‪ ».‬وقد س� � ��اوره‬ ‫حتولت الغاية األساس� � ��ية لفريق >سكوت< فجأة من مهمة علمية الش� � � ّ�ك في قدرة فريق >آموندسن< على اجتياز مئات األميال‬ ‫تتضمن بلوغ القطب اجلنوبي إلى سباق‪.‬‬ ‫بسرعة في قفار غير معروفة‪ ،‬لكنه كان يعي أنّه غير قادر على‬ ‫لقد سـ ّبب خبر وجود مجموعة >آموندسن< أزمة في مخيم الفوز لو مت ّكن منافس� � ��ه من ذلك‪ .‬ومن وجهة نظر تاريخية‪ ،‬ال‬ ‫>س� � ��كوت<‪ .‬فقد اقترح بعض أفراد فريقه التح ّول عن الغايات بد أن نشعر بالعرفان باجلميل ألن >سكوت< لم ينبذ األبحاث‬ ‫العلمية التي كان الفريق قد التزم بتحقيقها‪ ،‬والتركيز على مهمة‬ ‫لينخرط في مج ّرد س� � ��باق نحو القطب‪ ،‬ذلك ألن حملته أثمرت‬ ‫الوصول إلى القطب اجلنوبي في أقصر زمن ممكن‪ .‬وقد قال‬ ‫العدي� � ��د من النتائج العلمي� � ��ة الثمينة‪ .‬ولك� � ��ن والءه للعلم ك ّلفه‬ ‫هؤالء إن� � ��ه إذا كان القص ُد االختيا َر بني حتقيق أهداف علمية‬ ‫وأفراد فريقه ثمنا فاق جميع احلدود‪.‬‬ ‫للحملة‪ ،‬والوصول إلى القطب اجلنوبي قبل املجموعة النرويجية‪،‬‬ ‫فمن األفضل انتقاء اخليار الثاني‪ .‬ولكن‪ ،‬كان لـ>سكوت< رأي‬ ‫()‬ ‫انشغال بالعلوم‬ ‫مغاي� � ��ر‪ .‬فرحلته األول� � ��ى إلى قارة القط� � ��ب اجلنوبي كانت قد‬ ‫جلبت وفرة من العين� � ��ات اجليولوجية والبيولوجية والبيانات ك ّون� � ��ت العلوم دوما جانبا مهما م� � ��ن تراث البحرية امللكية في‬ ‫امليتيورولوجي���ة ‪ meteorological‬واملغنطيس� � ��ية‪ ،‬إضافة إلى بريطانيا ‪ -‬وقد كان >س� � ��كوت<‪ ،‬قبل كل ش� � ��يء‪ ،‬ضابطا في‬ ‫اكتش� � ��افات مهمة في علوم احمليطات ‪ oceanography‬وعلوم س� �ل��اح البحرية البريطانية‪ .‬وتضمن� � ��ت احلمالت الثالث التي‬ ‫اجلليدي���ات ‪ .glaciology‬ورأى >س� � ��كوت< أن اجلانب العلمي ُن ِّظمت ف� � ��ي أوائل القرن العش� � ��رين فيزيائي� �ي��ن وجيولوجيني‬ ‫وبيولوجي� �ي��ن‪ .‬وملا كان تطور األنواع من القضايا املركزية في‬ ‫من احلملة الراهنة ال يقل أهمية عن سواه‪.‬‬ ‫وعل� � ��ى حني لم يكن >س� � ��كوت< يتوقع املنافس� � ��ة في بداية‬ ‫() ‪Scientific Diversions‬‬ ‫(‪Summer for the Gods )1‬‬ ‫النرويجي‪،‬‬ ‫احلملة‪ ،‬فقد وجد نفس� � ��ه‪ ،‬بعد اكتش� � ��اف منافسه‬ ‫(‪An Empire of Ice: Scott, Shackleton and the Heroic Age of Antarctic Science )2‬‬ ‫ّ‬ ‫(‪Castle Berg )3‬‬ ‫مضطرا لالختي� � ��ار بني املراهنة بجميع م� � ��ا ميتلك على بلوغ‬ ‫(‪Ross Island )4‬‬ ‫رحلة جانبية‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪17‬‬


‫محدد املوقع‬

‫أكثر من مجرد سباق‬

‫()‬

‫يختلف املس���ار الذي اتخذه >‪ .F .R‬س���كوت< (اخل���ط األحمر) عن ذاك الذي‬ ‫اتبع���ه >‪ .R‬آموندس���ن< الذي وصل أوال (اخلط األخض���ر)‪ .‬وقبل أن ينطلق‬ ‫>س���كوت< من القاعدة الرئيس���ية التي اتخذها حلملته في رأس إيڤانز(‪،)1‬‬ ‫ك��� ّرس رجال���ه عدة أش���هر للقي���ام بأبحاث ف���ي مضم���ار اجليولوجيا وفي‬ ‫مج���االت أخ���رى من العلوم ف���ي جزيرة روس وحولها‪ ،‬ف���ي رأس كروزير(‪)2‬‬ ‫َ‬ ‫وڤيكتوري���ا الن���د‪ .‬كان���ت األبحاث العلمي���ة ذات أهمية فائقة بالنس���بة إلى‬ ‫>س���كوت<‪ ،‬حت���ى إن���ه ورفاقه ‪ .E> -‬إيڤانز< و>‪ .L‬أوت���س< و >‪ .R .H‬باورز<‬ ‫و>‪ .A .E‬ويلسون< ‪ -‬جمعوا نحو ‪ 18‬كيلوغراما من املستحاثات والصخور‬ ‫اجلنوبي‪.‬‬ ‫أثناء رحلة العودة من القطب‬ ‫ّ‬ ‫رأس‬ ‫كروزير‬ ‫َ‬

‫جزيرة روس‬

‫‪+‬جبل إربوس‬

‫‪0‬‬

‫أر‬ ‫ضڤ‬ ‫يكتوريا‬

‫ميل‬

‫‪20‬‬

‫‪10‬‬

‫مخيم‬ ‫رأس‬ ‫إيڤانز‬

‫بحر روس‬

‫جزيرة روس‬

‫خليج‬ ‫احليتان‬

‫رصيف روس‬ ‫اجلليدي‬

‫أرض امللك‬ ‫إدوارد السابع‬

‫وفاة‬

‫>إيڤانز<‬

‫>أوتس<‬

‫مجلدة بيردمور‬ ‫بية‬

‫وفاة‬

‫وفاة >سكوت<‬ ‫و>ويلسون< و>باورز<‬

‫ال‬ ‫قط‬

‫مجلدة آكسل‬ ‫هايبرك‬

‫اله‬

‫نيوزيلندة‬

‫ضبة‬

‫قارة القطب‬ ‫اجلنوبي‬ ‫ِ‬ ‫آموندسن<‬ ‫>‬

‫قارة القطب‬ ‫اجلنوبي‬

‫القطب‪+‬‬

‫اجلنوبي‬

‫مسار‬ ‫مسار‬ ‫حمالت استكشافية أخرى لفريق >سكوت<‬ ‫موقع وفاة في طريق العودة‬ ‫ميل ‪200‬‬ ‫‪100‬‬ ‫>سكوت<‬

‫‪0‬‬

‫العلوم آنذاك‪ ،‬فقد تر ّكز اهتمام العلم ّيني على األدلة املستحاثية‬ ‫األكثر أهمية‪ :‬كنبات� � ��ات احلقبة الپاليوزوية ‪ ،Paleozoic‬التي‬ ‫تدعى گلوسوپتيريس ‪ .Glossopteris‬إن منتقدي داروين الذين‬ ‫يدافعون عن التفس� � ��ير اخلَ لْقي ‪ creationist‬لنشوء احلياة على‬ ‫كوكب األرض‪ ،‬كانوا يش� � ��يرون إلى ظهور هذه النباتات ذات‬ ‫األوراق العريضة‪ ،‬بطريقة مفاجئة ومتزامنة‪ ،‬في مس� � ��تحاثات‬ ‫قارات متباعدة في إفريقيا وأستراليا وأمريكا اجلنوبية‪ .‬وفي‬ ‫ر ّده على هؤالء‪ ,‬افترض >داروين< تواصل اليابسة في منطقة‬ ‫القطب اجلنوبي مع اليابس� � ��ة على هذه القارات‪ .‬وكانت حملة‬ ‫>سكوت< األولى قد عثرت على عروق الفحم بني صخور القطب‬ ‫اجلنوبي‪ ,‬مما أشار إلى ازدهار احلياة النباتية هناك‪ .‬ومن ثم‬ ‫فإن >شاكلتون< كان قد عثر على مستحاثات نباتية‪ ,‬لكن أحدا‬ ‫لم يتمكن من العثور على مس� � ��تحاثات الگلوسوپتيريس‪ .‬وكان‬ ‫>سكوت< يأمل بأن تحُ سم هذه املسألة في حملته األخيرة‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫وقد اقتضت خطة >س� � ��كوت< القطبية تكوين ٍ‬ ‫عدد من فرق‬ ‫العمل تنش� � ��ق عن الفريق الرئيس على مراحل‪ ،‬إلى أن ُيكمل‬ ‫فريق صغير من املستكش� � ��فني التوجه نحو القطب سيرا على‬ ‫األقدام‪ .‬واعتقد >سكوت< أن هذا األسلوب يوفر هامشا أفضل‬ ‫ألمان املستكش� � ��فني‪ ،‬ثم إنه قد يتي� � ��ح فرصة للقيام باألبحاث‪،‬‬ ‫ورسم >س� � ��كوت< خرائط للمناطق التي يعبرها الفريق‪ .‬وكان‬ ‫ق� � ��د قرر أن يبع� � ��ث بالعديد من فرق االستكش� � ��اف طوال مدة‬ ‫مكوثه في قارة القطب اجلنوبي‪ ،‬بحيث تتركز مهام هذه الفرق‬ ‫جمع األدلة العلمية‪ .‬ومع أنه كان مبقدور >سكوت<‬ ‫متاما على َ‬ ‫إعفاء مجموعات الباحثني من مهامها الش� � ��اقة‪ ،‬بحيث تتر ّكز‬ ‫جهود الفري� � ��ق برمته على الرحلة القطبي� � ��ة‪ ،‬إال أنه اختار أال‬ ‫يفعل ذلك‪ .‬وقد ك ّلف عددا من العلميني واملهندسني بالبقاء في‬ ‫املخيم الذي اتخذه قاعدة للحملة‪ ،‬لتس� � ��جيل البيانات املناخية‬ ‫واملغنطيسية‪ ،‬في حني ك ّلف البحارة والعلماء املختصني بعلوم‬ ‫البح� � ��ار‪ ،‬الذين بقوا على منت باخ� � ��رة احلملة‪ ،‬بإجراء جتارب‬ ‫اجلنوبي‪ .‬ولم يب ّدل >سكوت< أيا من‬ ‫لتعرف خصائص احمليط‬ ‫ّ‬ ‫هذه األمور لدى اكتشافه حملة >آموندسن< املنافِ سة‪.‬‬ ‫كانت أولى املجموعات التي أع ّدها >س� � ��كوت< قد غادرت‬ ‫املخيم املوج� � ��ود في القاعدة في الش� � ��هر ‪ ،1911/1‬قبل تعرف‬ ‫موقع >آموندس� � ��ن<‪ .‬لقد أرس� � ��ل >سكوت< عش� � ��رة رجال في‬ ‫مجموعتني منفصلتني الستكش� � ��اف اجلبال واجلليديات على‬ ‫اجلنوبي‪ .‬وحتى بعدما اكتش� � ��فت املجموعة‬ ‫أرض قارة القطب‬ ‫ّ‬ ‫الكبرى مخيم >آموندس� � ��ن<‪ ،‬عادت إل� � ��ى احلقل للقيام مبهمة‬ ‫(‪)3‬‬ ‫علمية أخرى ‪ -‬دراس� � ��ة الكتل الصخري� � ��ة الناتئة واملجالد‬ ‫واخللجان على طول الس� � ��احل الش� � ��مالي ف� � ��ي منطقة تدعى‬ ‫ڤيكتوريا الند(‪ .)4‬وأمضى هذا الفريق شتاء عام ‪ 1911‬حسب‬ ‫اخلطط الس� � ��ابقة في هذا املوقع‪ ،‬دون أن يس� � ��هم في اجلهود‬ ‫اجلنوبي‪ .‬وبعد أن أمضت‬ ‫الرامية إلى الوصول إلى القط� � ��ب‬ ‫ّ‬ ‫هذه املجموعة ش� � ��تاء ثانيا لم يكن في احلس� � ��بان‪ ،‬عادت إلى‬ ‫قاعدة >س� � ��كوت< في الش� � ��هر ‪ ،1912/11‬محمل� � ��ة بالعديد من‬ ‫املس� � ��تحاثات‪ ،‬إضافة إلى طبعة شجرة من نوعية فائقة‪ ،‬ولكن‬ ‫دون أن تتضمن هذه املستحاثات الگلوسوپتيريس‪.‬‬ ‫واملجموع� � ��ة األصغ� � ��ر من رفاق >س� � ��كوت<‪ ،‬الت� � ��ي كان في‬ ‫ِعدادها اجليولوجيينّ >‪ .G .T‬تايلور< و>‪ .F‬دبنهام<‪ ،‬استكش� � ��فت‬ ‫خ� �ل��ال الش� � ��هرين ‪ 2‬و ‪ 3‬في عام ‪ 1911‬الودي� � ��ان اجلافة والقمم‬ ‫املع ّراة واجلليديات الضخمة في املنطقة الشاطئية الوسطى من‬ ‫ڤيكتوريا الند‪ .‬وقضت هذه البعثة أش� � ��هر الشتاء‪ ،‬من الشهر ‪4‬‬ ‫() ‪More Than a Race‬‬ ‫(‪Cape Evans )1‬‬ ‫(‪Cape Crozier )2‬‬ ‫(‪glaciers )3‬‬ ‫(‪Victoria Land’s )4‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫‪3‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫‪4‬‬

‫‪5‬‬

‫‪6‬‬

‫‪7‬‬

‫لقطات علمية‬

‫الص����ورة ‪> :1‬س����ـكوت< ف����ي قاعدة احلملة يُ����دوِّ ن أعمال احلمــل����ة ومغامراتها في‬ ‫س����جله اخلاص‪ .‬الصورة ‪> :2‬س����كوت< و>باورز< و>‪ .C .G‬سيمپسون< و>إيڤانز<‬ ‫ينطلقون الستكشاف سلسلة اجلبال في ڤيكتوريا الند‪ .‬الصورة ‪ :3‬طائر البطريق‬ ‫اإلمبراط� � ��وري ‪ emperor penguin‬يرت����اح‪ .‬الصورة ‪> :4‬باورز< و>ويلس����ون< و>‪.A‬‬

‫وحتى الشهر ‪ 10‬من عام ‪ ،1911‬في القاعدة الرئيسية في تفحص‬ ‫ما جلبت البعثة من َل َقى ‪ findings‬تضمنت الكثير من املستحاثات‬ ‫(ولكن من دون أثر للگلوس� � ��وپتيريس حتى ذلك احلني)‪ .‬ومن ثم‬ ‫غادر >تايل� � ��ور< و >دبنهام< القاعدة للقيام برحلة استكش� � ��افية‬ ‫أطول من س� � ��ابقتها ف� � ��ي تاريخ مبكر من الش� � ��هر ‪ 11‬من العام‬ ‫ذاته‪ُ ،‬بعيد انطالق >س� � ��كوت< إلى القط� � ��ب‪ .‬وأخذا معهما أكثر‬ ‫متزجل� � ��ي احلملة مهارة‪ .T> ،‬ك� � ��ران< والضابط الغ ّر >‪ .R‬فورد<‪،‬‬ ‫الذي اش� � ��تهر بقوته الفائقة في س� � ��حب املزالجة‪ ،‬ليساعد على‬ ‫تخـطي املنــاطــق الوعــرة‪ .‬ويش � � �ـكل تكليف >س� � ��كوت< لـ>كران<‬ ‫و>ف� � ��ورد< مبصاحبة رحلة االستكش� � ��اف العلمي دليال إضافيا‬ ‫على مدى التزامه بالغايات العلمية للحملة‪ .‬وهو التزام أتي ُأ ُكلَه‪:‬‬

‫تشيري‪-‬كارارد< يستعدون لالنطالق نحو رأس كروز َير ليجمعوا بيوض البطريق‬ ‫اإلمبراطوري‪ .‬الصورة ‪ :5‬البيولوجي >‪ .W .E‬نيلسون< يتفحص املعدات املصممة‬ ‫جلم����ع عينات بحرية‪ .‬الصورة ‪> :6‬سيمپس����ون< يــرصـــد معطي����ات مناخيــــة في‬ ‫محطـــة ش����يــدت في رأس إيڤانز‪ .‬الصورة ‪ :7‬اجليــولــوجــي >‪ .F‬دبنهام< يش����حذ‬ ‫عينات من الصخور‪.‬‬

‫فقد متكن >تايلور< و >فورد< من استكشاف منطقة شاسعة من‬ ‫اجلبال واجلليديات التي لم تك� � ��ن معروفة من قبل‪ ،‬حيث وجدا‬ ‫مجموعة رائعة من مستحاثات احلقبة الپاليوزوية (ولكن لألسف‬ ‫من دون أثر للگلوسوپتيريس)‪.‬‬ ‫متابعة طيور البطريق‬

‫()‬

‫ولكن االنشغال األبعد أثرا عن اجلهود املك ّرسة لبلوغ القطب‬ ‫اجلنوبي‪ ،‬كان بس� � ��بب وعد قطعه >س� � ��كوت< لـ>‪ .A‬ويلسون<‬ ‫ّ‬ ‫لكي يوافق على االنضمام إلى احلملة‪ .‬وكان >ويلسون<‪ ،‬وهو‬ ‫مخت� � ��ص في علم احليوان ‪ ،zoology‬قد أس� � ��هم بجدارة في‬ ‫() ‪PURSUING PENGUINS‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪19‬‬


‫خيبة أمل وموت‬

‫لـ>سكوت< و>إيڤانز<‬

‫أخذت هذه الصورة‬ ‫و>أوتس< و>ويلسون<‪ ،‬من قبل‬ ‫بعد عثورهم على َع َل ٍم تركه >آموندسن<‪.‬‬ ‫وقد دوّ ن >سكوت< آخر كلماته (في األعلى)‬ ‫بتاريخ ‪ ،1912/3/20‬ورمبا كان ذلك قبل‬ ‫وفاته بوقت قصير‪.‬‬ ‫>باورز<‬

‫اجلنوبي‪ ،‬وعثر حينذاك‬ ‫حملة >س� � ��كوت< األولى إلى القط� � ��ب‬ ‫ّ‬ ‫على مستعمرة لطيور البطريق اإلمبراطوري في رأس كروز َير‬ ‫على جزيرة روس‪ .‬وقد اكتش� � ��ف أن هذه الطيور‪ ،‬التي ُيعتقد‬ ‫أنها تنتمي إل� � ��ى فصيلة مغرقة في الق� � ��دم‪ ،‬تضع وحتتضن‬ ‫بيوضها في فصل الش� � ��تاء‪ .‬لذا وعد >س� � ��كوت< >ويلسون<‬ ‫بالع� � ��ودة إلى مس� � ��تعمرة طي� � ��ور البطري� � ��ق اإلمبراطوري في‬ ‫منتصف الشتاء‪ ،‬ليرى إن كانت أجنة هذه الطيور متتلك بقايا‬ ‫من أس� � ��نان الزواحف التي انش� � ��قت عنها‪ .‬وكان >ويلسون<‬ ‫يأم� � ��ل بأن يبرهن على أن الطيور نش� � ��أت ع� � ��ن الزواحف في‬ ‫العصور الغابرة‪.‬‬ ‫وقد أخذت هذه الرحلة >ويلسون< ومساعده >‪ .A‬تشيري‪-‬‬ ‫كارارد< و >‪« .H .R‬بي� � ��ردي» ب� � ��اورز<‪ ،‬وهم م� � ��ن خيرة رجال‬ ‫>سكوت<‪ ،‬بعيدا عن القاعدة بسبب قضائهم مدة في عمليات‬ ‫التخطي� � ��ط واالس� � ��تعداد للرحلة نحو القط� � ��ب‪ ،‬وع ّرضت هذا‬ ‫الفريق للمخاطر غير املعلومة التي ينطوي عليها الترحال أثناء‬ ‫القطبي‪ .‬فانطلق >ويلسون< ومجموعته في ‪1911/6/27‬‬ ‫الشتاء‬ ‫ّ‬ ‫اجلليدي‪.‬‬ ‫رف روس‬ ‫ليقطعوا ما ينوف على ‪ 110‬كيلومترات عبر ّ‬ ‫ّ‬ ‫وجروا معهم قرابة ‪ 380‬كيلوغراما من املعدات العلمية وألبسة‬ ‫الش� � ��تاء واملؤونة‪ ،‬ح ّملوها عل� � ��ى مزجلتني بلغ طول كل منهما‬ ‫ثالث� � ��ة أمتار‪ ،‬ربطتا الواحدة باألخرى‪ ،‬ثم بالرجال الذين كان‬ ‫عليهم ج ّرهما‪.‬‬ ‫ارحتلت مجموعة >ويلس� � ��ون< عب� � ��ر جزيرة روس باجتاه‬ ‫اجلنوب‪ ،‬حيث كانت درجات احلرارة تنخفض مرارا وتكرارا‬ ‫إلى ما دون ‪ 56‬درجة مئوية حتت الصفر‪ .‬وأجبرت التضاريس‬ ‫الس� � ��طحية‪ ،‬التي أضحت أكثر وعورة بسبب البرد الشديد‪،‬‬ ‫‪20‬‬

‫أعضاء الفريق على اس� � ��تعمال املزالج بالتناوب‪ ،‬بحيث كان‬ ‫عليهم الس� � ��ير مس� � ��افة ثالثة كيلومترات‪ ،‬مقابل كل كيلومتر‬ ‫كانوا يركبون خالله على املزالج‪ .‬وبعد ثالثة أسابيع من العمل‬ ‫الشاق‪ ،‬وصل الفريق إلى ركام ّ‬ ‫يطل على رأس كروز َير‪ .‬وهناك‬ ‫بنوا ألنفس� � ��هم كوخا حجريا ليقوموا بتفحص أجنة البطريق‬ ‫ضمنه‪ ،‬قبل أن تتح� � ��ول البيوض إلى كتل صلبة من اجلليد‪.‬‬ ‫اس� � ��تخدم الفريق في تش� � ��ييد الكوخ إحدى املزجلتني دعامة‬ ‫للس� � ��قف‪ .‬كما بنوا للكوخ سقفا من القماش السميك نشروه‬ ‫فوق اجلدران األربعة‪ .‬وس ّدوا شقوق اجلدران بواسطة الثلج‬ ‫كما ر ّكبوا مدفأة تستخدم شحوم احليوانات القطبية وقودا‪.‬‬ ‫ومن ثم اس� � ��تغلوا نور الش� � ��فق القطبي الباهت‪ ،‬الذي يضيء‬ ‫اجلليد لبضع س� � ��اعات في منتصف النهار‪ ،‬لتجاوز متاهات‬ ‫من الكتل والش� � ��قوق اجلليدي� � ��ة نحو املنطقة التي يعش� � ��ش‬ ‫فيه� � ��ا طائر البطريق اإلمبراط� � ��وري‪ .‬فوصلوا إليها حني كان‬ ‫الضوء ينحسر‪ .‬وقد قال >تش� � ��يري‪-‬كارارد< متحسرا‪« :‬لقد‬ ‫العلمي‪،‬‬ ‫كان ف� � ��ي متناولن� � ��ا أدلة ذات أهمية قص� � ��وى للتقدم‬ ‫ّ‬ ‫وكنا على وش� � ��ك حتويل نظريات علمي� � ��ة إلى حقائق‪ ،‬بفضل‬ ‫كل مش� � ��اهدة كنا جنريها ‪ -‬ولم يكن بوس� � ��عنا إضاعة حلظة‬ ‫واحدة‪ ».‬وهكذا انتشلوا ستا من بيوض البطريق‪ ،‬وركضوا‬ ‫نحو الكوخ الذي شيدوه على أمل العودة النتشال املزيد من‬ ‫البيض فيما بعد‪.‬‬ ‫ولكن عاصفة هوجاء داهمتهم خالل الليل‪ ،‬فكان الس� � ��قف‬ ‫القماش� � ��ي‪ ،‬الذي وضعوه فوق كوخه� � ��م‪ ،‬يرتفع ثم يقع حتت‬ ‫وط� � ��أة الزوابع‪ ،‬إلى أن متزق متاما ظه َر اليوم الثالث الذي تال‬ ‫بداي� � ��ة العاصفة‪ ،‬بفعل الصقيع والرياح العاتية ‪ ،‬تاركا رجال‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


‫احلملة ليخت ِبئ كلٌّ منهم في كيس نومه حتت الثلوج املندفعة‪.‬‬ ‫وبعد يوم آخر من الطقس العاصف قرر >ويلس� � ��ون< التخلي‬ ‫عن مس� � ��عاه‪ ،‬فكتب في س� � ��جل الرحلة‪« :‬كان علينا االعتراف‬ ‫بالهزمية أمام الطقس والظالم الدامس في رأس كروز َير‪ ».‬أما‬ ‫البيوض القليلة التي قام الرجال بجمعها‪ ،‬فقد ضاع بعضها‬ ‫وجت ّمد اآلخر‪ ،‬وهذا جعلها عدمية الفائدة في أبحاثهم‪.‬‬ ‫كان الرج� � ��ال منهكني جدا في رحلة العودة إلى املخيم‪ ،‬إذ‬ ‫انخفضت درجات احلرارة دون ‪ 56‬درجة مئوية حتت الصفر‪،‬‬ ‫وأضح� � ��ت أكياس النوم عدمية الفائدة لوقايتهم من البرد‪ .‬ولم‬ ‫ين� � ��م أحد منهم إال قليال ف� � ��ي الليل؛ وبلغ التعب بـ>تش� � ��يري‪-‬‬ ‫كارارد< و>ب� � ��اورز< حد ًا جعلهما ينامان وهما يجران املزالج‪.‬‬ ‫حتى إن >باورز< س� � ��قط في ش� � ��رخ ثلجي عميق وبقي معلقا‬ ‫باحلب� � ��ال الت� � ��ي كان يج ّر به� � ��ا املزجلة إلى أن أنق� � ��ذه رفاقه‪.‬‬ ‫واصطكت أس� � ��نان >تشيري‪-‬كارارد< من البرد حتى حتطمت‪.‬‬ ‫وعندم� � ��ا وصلوا املخيم في الش� � ��هر ‪ ،1911/8‬كان وزن كل من‬ ‫األكي� � ��اس التي حملوها قد ازداد بنحو ‪ 14‬كيلوغراما بس� � ��بب‬ ‫اجللي� � ��د الناجم عن جتمد الثلج املنصه� � ��ر والتعرق‪ .‬وقد قال‬ ‫>س� � ��كوت<‪« :‬لقد بدت عليهم املعاناة بس� � ��بب الطقس أكثر من‬ ‫أي إنسان رأيته‪ ،‬إذ علت الندوب والتجاعيد وجوههم‪ ،‬وفقدت‬ ‫ّ‬ ‫وابيضت أيديهم وتقرحت‪ ،‬بس� � ��بب التعرض‬ ‫أعينه� � ��م بريقها‪،‬‬ ‫الدائم للرطوبة والبرد القارس‪».‬‬ ‫إال أن >باورز< استعاد نش� � ��اطه بسرعة وانطلق ثانية‬ ‫إلى املي� � ��دان‪ .‬ففي الش� � ��هر ‪ ،1911/9‬غ� � ��ادر املخيم للمرة‬ ‫ـوبي‪ ،‬واصطحبه‬ ‫األخيرة قب� � ��ل االنطالق نحـو القطب اجلن ّ‬ ‫>س� � ��كوت< مع >‪ .E‬إيڤانز< في رحل� � ��ة قطعوا خاللها ‪280‬‬ ‫كيلومت� � ��را لتفحص أوتاد كان فري� � ��ق آخر قد نصبها في‬ ‫بع� � ��ض املجال� � ��د‪ ،‬وقياس م� � ��دى حتركه� � ��ا‪ .‬وكان اجتياز‬ ‫اجلبال التي اعترضت طريق الفريق مضنيا‪ ،‬ألنهم كانوا‬ ‫يج � � � ّرون مزجلة ثقيلة في درج� � ��ات حرارة بلغت ‪ 40‬درجة‬ ‫مئــويـــة حتــت الصفـــر‪ ،‬وكــان عليهـم أن يقطعــوا مسافــة‬ ‫‪ 56‬كيلومترا خالل مدة ال تزيد على ‪ 24‬ساعة‪ .‬وحينذاك‬ ‫كتب >دبنهام< في س������جل الرحل������ة‪« :‬ليس من الواضح‬ ‫متام������ا ملاذا يزمعون الذه������اب‪ ».‬وعلى األرجح فقد كان‬ ‫الدافع علم ّيا‪ .‬وكان >سكوت< قد كتب في مذكراته قبل‬ ‫تلك الرحلة‪« :‬ف������ي الواقع إن األحوال ُمرضية من كافة‬ ‫األوجه‪ .‬وإذا جنحنا بالوصول إلى القطب‪ ،‬حتى وإن لم‬ ‫نكن أول من يصل إليه‪ ،‬فلن يحول ش������يء‪ ،‬دون اعتبار‬ ‫ه������ذه احلملة واحدة م������ن أكثر احلم���ل��ات التي دخلت‬ ‫املناطق القطبية أهمية‪ ».‬وقد أثبتت االكتشافات العلمية‬ ‫التي حققتها احلملة ما تنبأ به‪.‬‬

‫بداية الرحلة القطبية‬

‫()‬

‫إن حا َل الطقس الرديء والتأخير الذي سببته اجلهود اجلانبية‬ ‫الت� � ��ي قامت به� � ��ا احلملة‪ ،‬حاال دون انطالق رحلة >س� � ��كوت<‬ ‫القطبية في أوانها‪ .‬وعندما انطلق >س� � ��كوت< في آخر املطاف‬ ‫ِ‬ ‫آموندسن< قد سبقه باثني عشر يوما‪.‬‬ ‫في ‪ ،1911/11/1‬كان >‬ ‫لقد كتب >س� � ��كوت< قبيل مغادرته املخيم‪« :‬ال أدري كيف‬ ‫ِ‬ ‫آموندس� � ��ن< في الوصول إلى القطب‪،‬‬ ‫ميكنني تقدير فرص >‬ ‫فقد ق ّررت في وقت مبكر أن أتصرف كما لو لم يكن موجودا‪.‬‬ ‫فأي محاولة ملسابقته كانت ستدمر خطتي‪ ».‬وهكذا فإن رحلة‬ ‫>سكوت< إلى القطب كانت مصممة وفقا العتبارات السالمة‬ ‫ال السرعة‪ .‬لذا تضمنت املجموعة التي غادرت مخيم القاعدة‬ ‫عددا من فرق الدعم‪ ،‬كان أحدها مزودا بقاطرات جت ّر املزالج‬ ‫فوق ال � � � ّرف اجلليدي في أول الرحلة‪ ،‬ف� � ��ي حني زودت فرق‬ ‫أخ� � ��رى بالكالب وامله� � ��ور لتتمكن من الوص� � ��ول إلى اجلبال‬ ‫عند مجلدة بيردمور(‪ ،)1‬ورمبا تس� � ��لقِ ها‪ ،‬وذلك كي تقوم هذه‬ ‫الفرق بتخزين املؤونة في مواقع محددة‪ ،‬ليستخدمها الفريق‬ ‫القطبي في طريق الع� � ��ودة‪ .‬وكان على كل من هذه الفرق أن‬ ‫ّ‬ ‫تقفل عائدة إل� � ��ى املخيم في القاعدة بعد أن تخزن حمولتها‪.‬‬ ‫وفي نهاية املطاف تبقى فرقة صغيرة لتجتاز املرحلة األخيرة‬ ‫إلى القطب‪ .‬وكان على هذه الفرقة أن تس� � ��حب مزجلة واحدة‬ ‫عب� � ��ر الهضبة القطبية التي يف� � ��وق ارتفاعها ثالثة آالف متر‪.‬‬ ‫وكان� � ��ت مس� � ��يرة املجموعة مرهق� � ��ة‪ ،‬إذ إن س� � ��رعتها كانت‬ ‫محكومة بالسرعة التي تسير بها أبطأ مكوناتها‪ ،‬وهي املهور‬ ‫التي كان عليها الس� � ��ير في ثلوج طري� � ��ة وكانت تغوص فيها‬ ‫حتى أفخاذها‪ .‬وكانت حتتاج إلى العلف واحلماية من الريح‬ ‫عندما تتوقف املجموعة لالستراحة‪.‬‬ ‫وفي ‪ ،1912/1/3‬اس� � ��تدار فريق الدع� � ��م األخير متجها نحو‬ ‫القطبي ‪-‬‬ ‫مخيم القاع� � ��دة عبر الهضبة القطبية‪ .‬وواجه الفريق‬ ‫ّ‬ ‫املكون من >سكوت<‪> ،‬ويلسون<‪> ،‬باورز<‪> ،‬إيڤانز< ونقيب في‬ ‫البريطاني اسمه >‪« .L‬تيتوس» أوتس< ‪ -‬منطقة جليدية‬ ‫اجليش‬ ‫ّ‬ ‫امتدادها ‪ 240‬كيلومترا‪ ،‬لم ُتتِح فرصة للبحث العلمي‪ ،‬س� � ��وى‬ ‫القيام بقراءات ميتريولوجية منتظمة ومراقبة السطوح اجلليدية‬ ‫املعرضة دوما للرياح التي تهب عليها‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫آموندسن< ورجاله‪ ،‬فقد كانوا يتحركون بسرعة‪ .‬كانت‬ ‫أما >‬ ‫اجلنوبي‬ ‫كالبه تسحب املزالج بطريقة جيدة‪ ،‬فوصل فريقه القطب‬ ‫ّ‬ ‫في ‪ 1911/12/14‬بعد ش� � ��هرين من التزلج‪ .‬وم� � ��رت رحلة العودة‬ ‫بس� � ��رعة أكبر‪ ،‬إذ كان س� � ��طح اجلليد قد أضحى أكثر متاسكا‪،‬‬ ‫() ‪The Polar Journey Begins‬‬ ‫(‪Beardmore Glacier )1‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫التتمة في‬

‫الصفحة ‪29‬‬

‫‪21‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫ال ِو ّب الظل‬

‫()‬

‫للحكومات والشركات سيطرة على اإلنترنت أكثر‬ ‫من أي وقت مضى‪ .‬واآلن يرغب الناشطون الرقميون في بناء‬ ‫شبكة بديلة ال ميكن إيقافها أو ترشيح محتوياتها أو إغالقها أبدا‪.‬‬ ‫>‪ .J‬ديبل<‬

‫بعد منتصف ليلة ‪ ،2011/1/28‬وبعد أن واجهت احلكومة‬ ‫املصري� � ��ة ثالثة أي� � ��ام كاملة من املظاه� � ��رات املناهضة التي‬ ‫ُنظِّ َم بعضها جزئيا عبر املوقع فيس� � ��بوك وغيره من شبكات‬ ‫التواصل االجتماعي‪ ،‬قامت بس� � ��ابقة في تاريخ االتصاالت‬ ‫ف� � ��ي الق� � ��رن احل� � ��ادي والعش� � ��رين قطعت فيه� � ��ا اتصاالت‬ ‫اإلنترن� � ��ت‪ .‬وبقيت الطريقة التي فعلت بها ذلك غير واضحة‪،‬‬ ‫ولكن الدالئل تشير إلى أن خمس مكاملات هاتفية من جهات‬ ‫نافذة مع مزودي خدمة اإلنترنت األساس� � ��يني في البالد هي‬ ‫كل ما لزم‪ .‬فسجالت تسيير احلركة في الشبكة‪ ،‬تشير إلى‬ ‫أن مزود اخلدمة الرئيسي‪ ،‬وهو املصرية لالتصاالت(‪ ،)1‬قد‬ ‫بدأ بقطع اتصاالت زبائنه باإلنترنت في الس� � ��اعة ‪ 12:12‬ليال‬ ‫بتوقيت القاهرة‪ .‬وفي غضون الدقائق الثالث عشرة التالية‪،‬‬ ‫تبعته امل� � ��زودات األربعة األخرى‪ .‬وفي الس� � ��اعة ‪ 12:40‬ليال‬ ‫اكتملت العملية‪ .‬ويقدر أن نسبة ‪ %93‬من وصالت اإلنترنت‬ ‫في مصر أصبحت حينئذ غير متاحة‪ .‬وعند ش� � ��روق شمس‬ ‫اليوم التالي‪ ،‬شق احملتجون طريقهم إلى ميدان التحرير في‬ ‫ظل ظالم رقمي كامل تقريبا‪.‬‬ ‫ل� � ��م يحق� � ��ق قطع اإلنترن� � ��ت‪ ،‬م� � ��ن الناحيت� �ي��ن التكتيكية‬ ‫واالستراتيجية‪ ،‬مكاسب كثيرة‪ ،‬فقد كانت احلشود في ذاك‬

‫اليوم ضخمة جدا‪ ،‬وس� � ��يطر املتظاهرون على الس� � ��احة‪ .‬إال‬ ‫أن الدرس العملي املتمثل بعدم مناعة اإلنترنت من اإليقاف‬ ‫بأوامر عليا‪ ،‬كان مقلقا ورمبا متأخرا‪.‬‬ ‫لقد ُبذلت مساع كثيرة بخصوص مقدرة اإلنترنت على‬ ‫مقاومة الس� � ��يطرة عليها‪ .‬و ُيذكر أن األصول التقانية لهذه‬ ‫الش� � ��بكة تعود إلى الس� � ��عي في حقبة احلرب الباردة إلى‬ ‫بنية حتتية لالتصاالت على درجة من املناعة ال تس� � ��تطيع‬ ‫عنده� � ��ا حت� � ��ى الهجمات النووي� � ��ة إيقافها‪ .‬وم� � ��ع أن ذلك‬ ‫صحيح نس� � ��بيا فقط‪ ،‬فإنه يدل على بعض القوة املتأصلة‬ ‫في تصميم اإلنترنت الالمركزي األنيق‪ .‬فبوجود املسارات‬ ‫الفائضة املتعددة بني أي عقدتني من الش� � ��بكة‪ ،‬وملقدرتها‬ ‫على اس� � ��تيعاب عقد جديدة بطرفة عني‪ ،‬فإن البروتوكول‬ ‫‪ ،TCP/IP‬الذي ُيع ِّرف اإلنترنت‪ ،‬يستطيع ضمان استمرار‬ ‫تدفق البيان� � ��ات بغض النظر عن عدد العقد املتوقفة‪ ،‬وعن‬ ‫()‬ ‫(‪)1‬‬ ‫(‪)2‬‬

‫‪THE SHADOW WEB‬‬ ‫‪Telecom Egypt‬‬

‫شبكة تعمل فيها كل عقدة مس ِّيرا‪ ،‬بغض النظر عن كونها متصلة بشبكة أخرى أم‬ ‫ال‪ .‬أما فيما يخص التسمية اللغوية‪ ،‬فكلمة ‪ mesh‬تصف بنية لها شكل شبكة صيد‬ ‫األسماك املكونة عمليا من عرى متجاورة‪ .‬وبهذا املعنى تكون مجموعة عقد الشبكة‬ ‫(التحرير)‬ ‫موضع االهتمام هنا مشابهة بشكلها لعرى شبكة صيد األسماك‪.‬‬

‫باختصار‬ ‫صمم� � ��ت اإلنترنت لتكون نظاما موزعا ميكن فيه لكل عقدة أن تتصل‬ ‫ُ‬ ‫بالعديد من العقد األخرى‪ .‬وس� � ��اعد ه� � ��ذا التصميم على جعلها مقاومة‬ ‫للرقابة أو للهجوم اخلارجي‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن‪ ،‬في الواق� � ��ع العملي‪ ،‬يقع معظم املس� � ��تخدمني األفراد على‬ ‫أطراف الش� � ��بكة‪ ،‬ويرتبطون معها بواسطة مزود خدمة اإلنترنت فقط‪.‬‬ ‫ف� � ��إذا جرى إيقاف هذا املزود عن العم� � ��ل‪ ،‬أدى ذلك إلى منع نفاذهم‬ ‫إلى اإلنترنت‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫ثم� � ��ة حل بديل وش� � ��يك الظهور على ش� � ��كل ش���بكات عُ َروي���ة‬

‫‪mesh‬‬

‫‪ networks‬السلكية‪ ،‬وهي نظم بسيطة تربط املستخدمني النهائيني معا‪،‬‬ ‫وتلتف آليا على إجراءات اإليقاف والرقابة‪.‬‬ ‫إال أن أي ش� � ��بكة ُع َروي� � ��ة حتت� � ��اج إل� � ��ى وج� � ��ود ع� � ��دد أصغري من‬ ‫املستخدمني على األقل كي تعمل على نحو مناسب‪ .‬ولذا على املطورين‬ ‫إقناع املس� � ��تخدمني احملتملني مبقايضة س� � ��هولة االستخدام باملزيد من‬ ‫اخلصوصية وحرية النفاذ‪.‬‬ ‫(‪)2‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫إلى اإلنترن� � ��ت عن ‪ 80‬مليون مصري‪ ،‬فإن األمور لم تس� � ��ر‬ ‫متام� � ��ا على ذلك النحو عملي� � ��ا‪ .‬ولم يكن إيقاف اإلنترنت في‬ ‫مص� � ��ر إال مثاال صارخا من قائمة متنامية من احلاالت التي‬ ‫تبني عدم مناعتها من الس� � ��يطرة عليها من جهات عليا‪ .‬ففي‬ ‫أثناء الثورة التونسية قبل ش� � ��هر من ذلك‪ ،‬اتبعت السلطات‬ ‫املؤلف‬ ‫نهجا أكثر تخصيصا بحجبها مواقع معينة فقط من ش� � ��بكة‬ ‫‪Julian Dibbell‬‬ ‫يكتب عن اإلنترنت والثقافة الرقمية منذ نحو عقدين‪ ،‬وهو مؤلف كتاب «نقود اإلنترنت الوطنية‪ .‬وفي االضطرابات التي أعقبت االنتخابات‬ ‫اللعب‪ :‬كيف استقلت من عملي اليومي وحصلت على املاليني من جتارة‬ ‫اإليراني� � ��ة في عام ‪ ،2009‬قلصت الس� � ��لطات حركة اإلنترنت‬ ‫الغنائم االفتراضية‪ )1(»،‬وهو محرر أفضل كتابة تقانية في عام ‪.2010‬‬ ‫على املس� � ��توى الوطني بدال من إيقافه� � ��ا كليا‪ .‬ووفر «جدار‬ ‫النار العظيم»(‪ )2‬للحكومة الصينية طوال سنوات مقدرة على‬ ‫كون توقفها ناجما عن قنبلة ذرية أو عن حكومة مستبدة‪ .‬حجب أي موقع تختاره‪ .‬وفي الدميوقراطيات الغربية‪ ،‬سمح‬ ‫ووفقا ملقولة ناشط احلقوق الرقمية >‪ .J‬گيلمور< الشهيرة‪ :‬ائتالف مزودي خدمة اإلنترنت لعدد متناقص من الشركات‬ ‫ُفسر اإلنترنت الرقابة على أنها عطل وتلتف عليه‪».‬‬ ‫بالتحك� � ��م في حصص متزايدة من حرك� � ��ة اإلنترنت‪ ،‬معطيا‬ ‫«ت ِّ‬ ‫ص ِّممت اإلنترن� � ��ت لتفعله عل� � ��ى أية حال‪.‬‬ ‫ذاك ه� � ��و م� � ��ا ُ‬ ‫(‪Play Money: Or How I Quit My Day Job and Made Millions Trading Virtual )1‬‬ ‫ولكن إذا اس� � ��تطاعت خم� � ��س مكاملات هاتفي� � ��ة قطع النفاذ‬ ‫(‪great firewall )2‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪23‬‬


‫كيف تعمل‬

‫مخاطر الشبكات املركزية‬

‫()‬

‫عندما هددت االحتجاجات التي أججها الفيسبوك احلكومة املصرية‬ ‫في الس����نة املاضية‪ ،‬اختفت اإلنترنت من مصر‪ .‬وتش����ير الس����جالت‬ ‫إل����ى أن جميع م����زودي خدمة اإلنترنت الرئيس����يني في مصر قطعوا‬ ‫اتصاالت املستخدمني ببعضهم خالل بضع دقائق‪ .‬والنظام الوحيد‬ ‫الذي لم يختف هو مجموعة نور ‪ Noor Group‬التي كانت تخدم سوق‬ ‫األوراق املالية املصرية‪ ،‬والتي أغلقت بعد أربعة أيام‪.‬‬

‫عدد وصالت اإلنترنت العاملة‬

‫‪800‬‬

‫مزوّ دو خدمة اإلنترنت‬

‫‪Telcom Egypt‬‬ ‫‪Link Egypt‬‬ ‫‪Etisalat Misr‬‬ ‫‪Raya Telecommunications‬‬ ‫‪Internet Egypt‬‬ ‫‪Noor Group‬‬

‫‪ 10:45‬مساء‬ ‫(‪ 31‬يناير)‬

‫‪1:00‬‬

‫‪400‬‬

‫‪12:30‬‬

‫صباحا‬

‫صباحا‬

‫‪0‬‬

‫منتصف الليل‬ ‫(‪ 28‬يناير ‪)2011‬‬

‫شبكات التخدمي احمللي الشائعة‬

‫يعتمد مستخدمو اإلنترنت حاليا على وصلة وحيدة للوصول إلى الشبكة‬ ‫العامة‪ ،‬وهي الوصلة التي يوفرها مزود خدمة اإلنترنت الذي يقدم خدماته‬ ‫إلى ماليني األفراد‪ .‬فإذا توقف مزود خدمة إنترنت‪ ،‬وجد كافة زبائنه أنفسهم‬ ‫في عتمة رقمية ‪.digital darkness‬‬

‫إيقاف مزود اخلدمة‬

‫عمليات نظامية‬ ‫مسار االتصال‬

‫مستخدم‬

‫الزبائن مفصولون‬

‫مزود‬ ‫خدمة‬ ‫إنترنت‬

‫الشبكات العُ َروية الالمركزية‬

‫في الشبكة العُ َروية‪ ،‬ميكن لكل مستخدم استقبال معلومات وإرسالها‪ ،‬وأن‬ ‫يكون وسيطا لنقل معلومات اآلخرين نيابة عن بقية احلواسيب املوصولة‬ ‫بالشبكة‪ .‬وفي هذه احلالة‪ ،‬ميكن إليقاف مزود خدمة اإلنترنت أن يبطئ‬ ‫االتصاالت‪ ،‬إال أن الشبكة الظل تُبقي االتصاالت قائمة من خالل تسييرها‬ ‫للمعلومات بااللتفاف على املسارات الرئيسية‪.‬‬

‫عمليات طبيعية‬ ‫شبكة ظل‬

‫مزوّ د خدمة اإلنترنت متوقف‬

‫مسيِّر‬ ‫املستخدِ م‬

‫يبقى مستخدمو الشبكة‬ ‫الع َروية متصلني‬ ‫ُ‬

‫كومكاس� � ��ت ‪ Comcast‬و ‪ AT&T‬احلافز‬ ‫م� � ��زودي خدمة مثل‬ ‫ْ‬ ‫والقوة لتوس� � ��يع احلركة املقدمة من قبل ش� � ��ركات اتصاالت‬ ‫حلفائهم على حساب منافسيهم‪.‬‬ ‫ما الذي جرى وهل ميكن إصالحه؟ هل ميكن لإلنترنت أن‬ ‫(‪)1‬‬ ‫تعود إلى العمل ثاني� � ��ة مبرونة ديناميكية كإنترنت >گيلمور<‬ ‫املثالية‪ ،‬وأن تقاوم بنيويا سيطرة احلكومات والشركات عليها؟‬ ‫ثمة مجموعة صغيرة‪ ،‬ولكنها متفرغة‪ ،‬من النشطاء الرقميني‪،‬‬ ‫تعمل على ذلك‪ .‬وفيما يلي طريقة لتحقيق هذا الهدف‪.‬‬ ‫إنه عصر يوم صيفي مشمس في محطة توليد الكهرباء‬ ‫في ڤاين ِز َّمرينگ ‪ Wien-Semmering‬في ڤينا بالنمس� � ��ا‪ .‬وقد‬ ‫أمضى >‪ .A‬كاپالن< الدقائق الس� � ��بع السابقة محصورا في‬ ‫مصع� � ��د خدمة ضيق مظلم متوجها إل� � ��ى أعلى برج مدخنة‬ ‫احملطة الذي يبلغ ارتفاعه ‪ 200‬متر‪ ،‬وهو أعلى منش� � ��أة في‬ ‫املدينة‪ .‬وعندما وضع >كاپ� �ل��ان< قدميه أخيرا على املنصة‬ ‫في قمة املدخنة‪ ،‬كان املش� � ��هد احمليط به رحبا‪ ،‬وظهرت فيه‬ ‫تالل سفوح جبال األلب غربا‪ ،‬وسهول احلدود السلوڤاكية‬ ‫اخلضراء ش� � ��رقا‪ ،‬والدان� � ��وب املتأللئ في األس� � ��فل‪ .‬ولكن‬ ‫>كاپ� �ل��ان< لم يأت إلى هنا لالس� � ��تمتاع باملش� � ��هد‪ ،‬بل تقدم‬ ‫مباشرة إلى حافة املنصة لفحص أربعة مُ سيِّرات(‪Wi-Fi )2‬‬ ‫الس� � ��لكية صغيرة محمية من العوام� � ��ل اجلوية ومثبتة على‬ ‫سور املنصة اخلارجي‪.‬‬ ‫تشكل هذه املس � � � ِّيرات عقدة واحدة في شبكة مجتمعية‬ ‫نكفوير ‪ ،FunkFeuer‬أي منارة راديوية‪،‬‬ ‫غير ربحية تس� � ��مى ُف‬ ‫َ‬ ‫وقد أس� � ��هم >كاپالن< في تأسيسها بصفته املطور الرئيسي‬ ‫لها‪ .‬وترتبط اإلشارات التي ترسلها هذه املسيرات وتلتقطها‪،‬‬ ‫بطريقة مباش� � ��رة أو غير مباش� � ��رة‪ ،‬بنحو ‪ 200‬عقدة مماثلة‬ ‫منتش� � ��رة على أس� � ��طح املباني في ڤينا الكب� � ��رى‪ ،‬وميتلكها‬ ‫ويصونها املس� � ��تخدمون الذين قاموا بتركيبها لديهم‪ ،‬ومتثل‬ ‫عرض حزمته� � ��ا جزءا من وصل� � ��ة إنترنت مش� � ��ت َركة عالية‬ ‫الس� � ��رعة يصل مداها واتس� � ��اع رقعتها إلى حيث يستطيع‬ ‫>كاپالن< رؤيته من قمة املدخنة‪.‬‬ ‫(‪)3‬‬ ‫ُتعرف فنكفوير مبا يسمى بالشبكة العُ رَوية الالسلكية ‪.‬‬ ‫وليس لهذه الشبكة رسوم لالتصال‪ ،‬وكل ما يلزمك هو جهاز‬ ‫يبل� � ��غ ثمنه ‪ 150‬دوالرا (مس � � � ِّير لينكس� � ��يس ‪ ،Linksys‬مثال‪،‬‬ ‫موضوع في علبة بالستيكية‪ ،‬وفقا لقول >كاپالن<)‪ ،‬وسطح‬ ‫لوضع املس � � � ّير عليه‪ ،‬وخط نظر لالتصال بعقدة واحدة على‬ ‫األقل‪ .‬وليس االتصال الراديوي املباشر بأكثر من بضع عقد‬ ‫()‬ ‫(‪)1‬‬ ‫(‪ُ :routers )2‬مس ِّيرات أو راوترز‪.‬‬ ‫(‪wireless mesh network )3‬‬

‫‪The Perils of Centralized Networks‬‬ ‫‪Gilmore‬‬

‫‪24‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫أخرى ضروريا‪ ،‬ألن كل عق� � ��دة تعتمد على جاراتها لتمرير‬ ‫أي بيانات ترغب في إرس� � ��الها إلى العقد التي ال تس� � ��تطيع‬ ‫بلوغها‪ .‬وفي األش� � ��هر األولى لهذه الشبكة‪ ،‬وبعد أن أطلقها‬ ‫>كاپالن< وصديقه >‪ .M‬باور< في عام ‪ ،2003‬لم يتجاوز عدد‬ ‫عقدها الكلي ‪ 12‬عقدة‪ ،‬وكان منط اإلرسال فيها‪ ،‬املتسلسل‬ ‫م� � ��ن عقدة إلى أخرى‪ ،‬متقطعا وغير متجانس؛ وعندما كانت‬ ‫تتعطل عقدة واحدة فقط‪ ،‬كان احتمال انقطاع االتصال بني‬ ‫بقية العقد مرتفعا‪ ،‬وأهم م� � ��ن ذلك‪ ،‬كانت الوصلة اخلارجة‬ ‫إلى اإلنترنت تنقطع أيضا‪ .‬ويس� � ��تذكر >كاپالن< أن احلفاظ‬ ‫عل� � ��ى الش� � ��بكة وهي تعمل عل� � ��ى مدار الس� � ��اعة كان «أمرا‬ ‫صعبا‪ ».‬فقد قام مع >باور< بزيارات منزلية عديدة للمساعدة‬ ‫على إصالح عقد املس� � ��تخدمني املتعطل� � ��ة‪ ،‬ومنها زيارة في‬ ‫الساعة الثانية صباحا صعدا خاللها إلى السطح في أثناء‬ ‫عاصفة ثلجي� � ��ة بلغت درجة احلرارة فيه� � ��ا ‪ 15‬درجة مئوية‬ ‫حتت الصفر‪.‬‬ ‫وأخذت الشبكة فنكفوير بالنمو مع ازدياد معرفة املجتمع‬ ‫احمللي التقنية مبا توفره وفقا ملبدأ «عاجلها بنفسك‪ ».‬وعندما‬ ‫أصب� � ��ح عدد العقد بني ‪ 30‬و‪ 40 ‬عقدة‪َ ،‬غ َد ْت الش� � ��بك ُة ذاتي َة‬ ‫االس� � ��تمرار بالعمل‪ .‬فقد كان توزعها الهندس� � ��ي غنيا بقدر‬ ‫كاف لتمك� �ي��ن أي عقدة من العثور دائما على مس� � ��ار بديل‬ ‫كانت توفره عقدة قب� � ��ل أن تخرج من اخلدمة‪ ،‬وذلك بعد أن‬ ‫جتاوز عدد عقد الش� � ��بكة العدد األصغري الالزم «النطالق‬ ‫سحر الشبكات ال ُع َروية‪ »،‬وفقا لقول >كاپالن<‪.‬‬ ‫وتُع ُّد تقانة الش� � ��بكات ال ُع َروية تقانة جديدة نس� � ��بيا‪ ،‬ولكن‬ ‫«الس� � ��حر» الذي يتحدث عنه >كاپالن< ليس جديدا‪ ،‬فهي تتبع‬ ‫املبدأ نفس� � ��ه الذي قامت عليه سمعة اإلنترنت منذ نشأتها من‬ ‫اخلزِّن واإلرس���ال(‪»)1‬‬ ‫حيث املرونة البنيوي� � ��ة‪ .‬فبموجب مبدأ « َ‬ ‫‪ store-and-forward‬بطريقة ابتدال الرزم(‪،packet-switched )2‬‬ ‫يس� � ��تطيع أي حاس� � ��وب مرتبط بالش� � ��بكة إرس� � ��ال املعلومات‬ ‫واستقبالها‪ ،‬إضافة إلى توجيهها نيابة عن غيره من احلواسيب‬ ‫أيضا‪ ،‬ولذا ُيع ُّد سمة بنيوية أساسية في اإلنترنت منذ نشوئها‪.‬‬ ‫فهو الذي يحقق ببس� � ��اطة الوفرة في مس� � ��ارات النقل املتاحة‬ ‫التي مت ِّكن الش� � ��بكة من «االلتفاف على العطل‪ ».‬إنه هو الذي‬ ‫يجعل اإلنترنت صعبة اإليقاف‪ ،‬نظريا على األقل‪.‬‬ ‫ل� � ��و كان واق� � ��ع اإلنترنت العمل� � ��ي حاليا أكث� � ��ر قربا من‬ ‫تصميمها النظري‪ ،‬لكانت الش� � ��بكات ال ُع َروية غير ضرورية‪.‬‬ ‫ولكن منذ أن تخطت اإلنترنت أصولها األكادميية في العقدين‬ ‫األخيري� � ��ن وغدت خدمة جتارية عميمة على النحو الذي هي‬ ‫علي� � ��ه اآلن‪ ،‬تناقصت أهمية الدور ال� � ��ذي يؤديه مبدأ‪ ‬اخلزن‬

‫واإلرس� � ��ال‪ .‬فالغالبية العظمى م� � ��ن العقد التي أضيفت إلى‬ ‫الش� � ��بكة في تلك الفترة هي حواسيب منازل وأعمال َر َبطَ ها‬ ‫باإلنترن� � ��ت مزودو خدمة إنترنت‪ .‬ووفق� � ��ا لنموذج الربط عبر‬ ‫املزودين‪ ،‬ال ميثل حاس� � ��وب الزبون محطة وس� � ��يطة‪ ،‬بل هو‬ ‫نقطة انتهائية أو عقدة طرفية مبرمجة لإلرسال واالستقبال‬ ‫عبر حواس� � ��يب مزود اخلدمة حصرا فقط‪ .‬وبكلمات أخرى‪،‬‬ ‫ل� � ��م ِ‬ ‫يضف من� � ��و اإلنترنت االنفجاري مس� � ��ارات جديدة إلى‬ ‫خريطة الش� � ��بكة بقدر ما أضاف إليها من مسارات وحيدة‬ ‫املنفذ‪ ،‬وهذا ما جعل مزودي اخلدمة وغيرهم من ش� � ��ركات‬ ‫االتص� � ��االت‪ ،‬نقاطا مركزية للتحك� � ��م في مئات ماليني العقد‬ ‫الت� � ��ي يخدمونه� � ��ا‪ .‬وفي ه� � ��ذه احلالة‪ ،‬ال تتوف� � ��ر لتلك العقد‬ ‫إمكاني� � ��ة االلتفاف على العطل ح� �ي��ن ُّ‬ ‫تعطل مزود اخلدمة أو‬ ‫إيقافه‪ .‬وفي احملصلة‪ ،‬وبدال من أن يجعل املزودون اإلنترنت‬ ‫صعبة اإليقاف‪ ،‬أصبحوا هم أداة اإليقاف‪.‬‬ ‫أما الش� � ��بكات ال ُع َروية فتفعل متاما م� � ��ا ال يفعله مزود‬ ‫خدمة اإلنترنت‪ :‬فهي جتعل حاس� � ��وب املس� � ��تخدم النهائي‬ ‫يعمل بوصفه محطة وس� � ��يطة لنق� � ��ل البيانات‪ .‬وبكلمات أقل‬ ‫تقنية‪ ،‬حتول املس� � ��تخدمني من مجرد مس� � ��تهلكني لإلنترنت‬ ‫إلى مزودي إنترنت ألنفس� � ��هم [انظ� � ��ر املؤطر في الصفحة‬ ‫املقابل� � ��ة]‪ .‬وإذا أردت تلمس معنى ذل� � ��ك على نحو أفضل‪،‬‬ ‫ميكنك النظر إلى ما كان ميكن أن يحدث بتاريخ ‪2011/1/28‬‬ ‫لو تواص� � ��ل املصريون بطريقة الش� � ��بكات ال ُع َروية بدال من‬ ‫التواص� � ��ل عبر بضع� � ��ة مزودي خدمة‪ .‬فف� � ��ي احلد األدنى‪،‬‬ ‫كان إغالق الشبكة سيتطلب أكثر بكثير من خمس مكاملات‬ ‫هاتفي� � ��ة‪ .‬فنظرا ألن كل مس� � ��تخدم ف� � ��ي الش� � ��بكة ال ُع َروية‬ ‫ميتلك ج� � ��زءا صغيرا من البنية التحتية الش� � ��بكية ويتحكم‬ ‫فيه‪ ،‬فإن إيقافها كان س� � ��يتطلب عددا من املكاملات الهاتفية‬ ‫يساوي عدد املس� � ��تخدمني‪ ،‬إضافة إلى إقناع معظم أولئك‬ ‫املستخدمني بإيقاف اخلدمة‪ ،‬وهو عدد أكبر كثيرا من عدد‬ ‫املديرين التنفيذيني لدى مزودي اخلدمة‪.‬‬ ‫ُيع ّد >‪ .S‬ماينراث< شخصا مفتاحيا في مشهد الشبكات‬ ‫ال ُع َروية املجتمعية منذ ظهورها‪ .‬فقد ساعد في أثناء دراسته‬ ‫اجلامعية بجامعة ‪ Illinois‬على البدء بإنشاء شبكة تشامپني‬ ‫أوربانا املجتمعية الالس� � ��لكية )‪ ،(CUWiN‬وهي من أولى تلك‬ ‫ووج� � ��ه»‪ :‬تقنية اتصاالت تس� � ��تقبل فيها البيانات في محطة وس� � ��يطة‬ ‫(‪ )1‬أو «خ � � �زّن ّ‬ ‫وتخزن إلى حني توفر مس� � ��ار لها باجتاه املكان املرس� � ��لة إلي� � ��ه أو باجتاه عقدة‬ ‫وسيطة أخرى‪.‬‬ ‫(‪ )2‬منط من إرسال البيانات جتزأ فيه الرسالة إلى عدد من الرزم املستقلة التي ترسل عبر‬ ‫الشبكة مستقلة بعضها عن بعض وجترى إعادة جتميعها في طرف االستقبال‪.‬‬ ‫(التحرير)‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪25‬‬


‫الشبكات في الواليات املتحدة األمريكية‪ .‬وفي مرحلة الحقة‪،‬‬ ‫ش� � ��ارك في تكوين فريق طوارئ من املتطوعني بعد إعصار‬ ‫كاترينا قام بإنشاء شبكة السلكية على عجل امتدت مسافة‬ ‫‪ 60‬كيلومت� � ��را من املنطقة املنكوب� � ��ة‪ ،‬وأعادت االتصاالت إلى‬ ‫العمل في األس� � ��ابيع األولى بعد اإلعصار‪ .‬وخالل مسيرته‬ ‫املهنية‪ ،‬انتقل إلى مدينة واشنطن بغية تأسيس شركة أعمال‬ ‫خاصة في مجال الشبكات الالسلكية املجتمعية‪ ،‬ولكن بدال‬ ‫من حتقيق ذلك‪« ،‬اصطادته‪ »،‬على حد قوله‪ ،‬مؤسسة أمريكا‬ ‫اجلديدة(‪ ،)1‬وهي خزان أفكار ذو قدرات عالية‪ ،‬ووظفته فيها‬ ‫لتولي� � ��د مبادرات تقاني� � ��ة جديدة واإلش� � ��راف عليها‪ .‬وهناك‬ ‫كوم ِ‬ ‫وشن‬ ‫أطلق في وقت مبكر من العام الس� � ��ابق مش� � ��روع ُّ‬ ‫‪ Commotion‬الالس� � ��لكي‪ ،‬وهو مشروع جديد في الشبكات‬ ‫ال ُع َروية الالسلكية املفتوحة املصدر‪ ،‬جرى دعمه مبنحة من‬ ‫وزارة اخلارجية األمريكية مقدارها مليونا دوالر‪.‬‬ ‫والهدف القريب األجل للمشروع هو تطوير تقانة قادرة‬ ‫على «إبطال أي إيقاف كامل للش� � ��بكة وأي نوع من أنواع‬ ‫الرقابة املركزية‪ »،‬وفقا لقول >ماينراث<‪ .‬ولتوضيح الفكرة‪،‬‬ ‫أنشأ >ماينراث< مع زمالئه من املطورين األساسيني ملشروع‬ ‫كوم ِ‬ ‫وشن ما أس� � ��موه منوذجا أوليا لـ «إنترنت في حقيبة‪»،‬‬ ‫ُّ‬ ‫وهو مجموع� � ��ة صغي� � ��رة متكاملة من عتادي� � ��ات االتصال‬ ‫الالس� � ��لكي مالئمة للتهريب إل� � ��ى أراضي احلكومات التي‬ ‫حتجب اإلنترنت‪ .‬ومن هناك ميكن للمعارضني والناشطني‬ ‫توفي� � ��ر تغطية إنترنت ال ميكن إيقافه� � ��ا‪ .‬وتلك احلقيبة هي‬ ‫جتميع لتقانات ليست تامة التكامل‪ ،‬ولكنها فعالة ومعروفة‬ ‫جيدا للمتحمس� �ي��ن للش� � ��بكات ال ُع َروية‪ ،‬وميك� � ��ن ألي ٍ‬ ‫هاو‬ ‫جتميعها وتشغيلها‪.‬‬ ‫أما السؤال الطويل األجل الذي يطرحه >ماينراث< وزمالؤه‬ ‫فهو «كيـف ميكن جعل إعداد املنظومة س� � ��هال لتنفيذه من قبل‬ ‫الـ ‪ %99.9‬املتبقني من غير الهواة من الناس؟» ألنه كلما زاد عدد‬ ‫مستخدمي الشبكة ال ُع َروية صعبا‪ ،‬ازدادت صعوبة إيقافها‪.‬‬ ‫إن هذا جلي عدديا إلى حد ما‪ :‬فالش� � ��بكة ال ُع َروية املؤلفة‬ ‫من ‪ 100‬عقدة حتتاج إلى جهد أقل إليقافها‪ ،‬عقدة تلو أخرى‪،‬‬ ‫من اجلهد الالزم إليقاف شبكة ذات ‪ 1000‬عقدة‪ .‬ولعل األهم‬ ‫من ذلك هو أن الش� � ��بكة ال ُع َروية التي هي أكبر حتتوي على‬ ‫وصالت أكثر م� � ��ع اإلنترنت العامة‪ .‬وتصبح هذه الوصالت‬ ‫الصاع���دة(‪ uplinks )2‬إل� � ��ى اإلنترن� � ��ت‪ ،‬وهي عق� � ��د البوابات‬ ‫املو ّزع� � ��ة املتناثرة والت� � ��ي متثل نقاط االختناق بني الش� � ��بكة‬ ‫ال ُع َروية وبقية اإلنترنت‪ ،‬أكثر مناعة مع زيادة حجم الش� � ��بكة‬ ‫ال ُع َروية‪ .‬وبوجود مزيد من الوصالت الصاعدة اآلمنة ضمن‬ ‫‪26‬‬

‫الش� � ��بكة ال ُع َروية احمللي� � ��ة‪ ،‬ينخفض ع� � ��دد االتصاالت التي‬ ‫تتعرض لالضطراب بس� � ��بب انقطاع وصلة ما مع الش� � ��بكة‬ ‫العامة‪ .‬ومل� � ��ا كان بإمكان أي عقدة في الش� � ��بكة ال ُع َروية أن‬ ‫تصبح وصلة صاعدة باستخدام أي وصلة إنترنت خارجية‬ ‫ميكن العثور عليها (وصلة هاتفية عبر مزود خدمة أو هاتف‬ ‫خلوي ذكي موصول بالشبكة‪ )،‬فإن ازدياد عدد عقد الشبكة‬ ‫ال ُع َروية يعني أيضا زيادة احتمال استعادة االتصال بالعالم‬ ‫اخلارجي سريعا‪.‬‬ ‫وبكلم� � ��ة واحدة‪ ،‬حجم الش� � ��بكة مهم‪ .‬إال أن الس� � ��ؤال‬ ‫املفت� � ��وح لدى املهتمني بالش� � ��بكات ال ُع َروية عن املدى الذي‬ ‫ميكن توس� � ��يع حجم الش� � ��بكة إليه صار س� � ��ؤاال ضاغطا‪.‬‬ ‫فحتى اإلمكانية النظرية الستيعاب الشبكات ال ُع َروية لعدد‬ ‫كبي� � ��ر من العقد م� � ��ن دون أن يؤثر ذلك ف� � ��ي أدائها تأثيرا‬ ‫ملموس� � ��ا‪ ،‬يبقى موضع خ� �ل��اف‪ ،‬تبعا للع� � ��دد الذي ميكن‬ ‫أن ُيعتب� � ��ر مهما‪ .‬وقبل بضع س� � ��نوات فق� � ��ط‪ ،‬جادل بعض‬ ‫مهندسي الش� � ��بكات في أن حجم الشبكة ال ُع َروية ال ميكن‬ ‫أن يزي� � ��د على بضع مئات من العقد‪ .‬ولكن أعداد العقد في‬ ‫كبرى الش� � ��بكات ال ُع َروية البحتة تص� � ��ل حاليا إلى بضعة‬ ‫آالف‪ ،‬وثمة عشرات من الشبكات املجتمعية املزدهرة‪ ،‬منها‬ ‫ما يس� � ��تخدم بنى حتتية هجينة فقارية وعُ رَوية(‪ )3‬جلعل‬ ‫عدد العقد فيها يصل إلى ‪ 5000‬عقدة (ومن أمثلتها ش� � ��بكة‬ ‫مدين� � ��ة أثينا الالس� � ��لكية في اليونان)‪ ،‬وحت� � ��ى إلى ‪15 000‬‬ ‫عقدة (ومن أمثلتها الشبكة ‪ Guifi.net‬داخل مدينة برشلونة‬ ‫وما حولها)‪ .‬إال أن ثمة ش� � ��ك ًا في إمكانية كون الش� � ��بكات‬ ‫ال ُع َروية أكبر من ذلك من ناحية تعامل البشر معها‪ ،‬آخذين‬ ‫في احلس� � ��بان كي� � ��ف ينظر معظم الناس إل� � ��ى التعامل مع‬ ‫تقانات صعبة ومعقدة كالشبكات ال ُع َروية‪.‬‬ ‫(‪)4‬‬ ‫وخالف� � ��ا ملعظ� � ��م التقان����ات املفتوح����ة املص����در ‪ ،‬التي‬ ‫تس� � ��عى إلى التقليل من أهمية واجهة التخاطب(‪ )5‬الودودة‬ ‫للمس� � ��تخدم‪ ،‬بدأ أنصار الشبكات ال ُع َروية يدركون أهميتها‬ ‫كوم ِ‬ ‫وشن ليس وحيدا‬ ‫لتبس� � ��يط عتادياتهم‪ .‬ومع أن املشروع ُّ‬ ‫في س� � ��عيه نحو جعل الش� � ��بكات ال ُع َروية أبسط استخداما‪،‬‬ ‫إال أنه يقترح تبس� � ��يطا جذريا فريدا ينطوي على االستغناء‬ ‫ع� � ��ن جتهيزات العق� � ��د ال ُع َروية م� � ��ن حيث املب� � ��دأ‪ ،‬بدال من‬ ‫)‪New America Foundation (1‬‬

‫(‪ uplink )2‬الوصلة الصاعدة إلى اإلنترنت هي الوصلة التي تربط بني الشبكة املجتمعية‬ ‫واإلنترنت‪.‬‬ ‫(‪)3‬‬ ‫(‪)4‬‬ ‫(‪:user-friendly interface )5‬‬

‫‪hybrid mesh-and-backbone infrastructures‬‬

‫‪open-source technologies‬‬

‫واجهة تخاطب ودودة للمستخدم‪،‬‬ ‫‪ :Interface‬النقطة التي تلتقي عندها منظومتان أو هيئتان وتتفاعالن معا‪.‬‬ ‫(التحرير)‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫تسهيل تركيبها وتشغيلها في املنازل وأمكنة العمل‪ .‬ويقول‬ ‫>ماينراث<‪« :‬الفكرة هي أن� � ��ه ميكنك إعادة تعريف أغراض‬ ‫الهواتف اخللوية واحلواسيب احملمولة واملس ّيرات الالسلكية‬ ‫وغيرها‪ »،‬ويقول أيضا‪« :‬وبناء شبكة مما هو متوفر فعال في‬ ‫جيوب األش� � ��خاص وحقائب كتبهم‪ ».‬ويسمي ذلك بالشبكة‬ ‫«القائمة على جتهيزة املس� � ��تخدم بوصفها بنية حتتية لها‪».‬‬ ‫ووفق� � ��ا للنموذج الذي يقترحه‪ ،‬ف� � ��إن كل ما تقتضيه إضافة‬ ‫عقدة أو أكثر إلى الش� � ��بكة هو تغيي� � ��ر وضعية مفتاح‪ .‬يقول‬ ‫>ماين� � ��راث<‪« :‬م� � ��ن حيث اجلوهر‪ ،‬تضغ� � ��ط زرا في جهازك‬ ‫اخللوي آيفون أو أندريود وتقول انضم إلى الش� � ��بكة‪ . ‬يجب‬ ‫أن نصل إلى ذلك املستوى من السهولة‪».‬‬ ‫تخيل اآلن عاَملا وصلت فيه الشبكات ال ُع َروية في النهاية‬ ‫إلى ذلك املستوى من الس� � ��هولة‪ ،‬وتخلصت من العقبة التي‬ ‫تواجه قابلية االستخدام الواس� � ��ع النطاق لتصبح‪ ،‬إلى حد‬ ‫ما‪ ،‬مج� � ��رد تطبيق آخر يعمل في خلفية جهاز خلوي‪ .‬فماذا‬ ‫يحدث بعدئذ؟ هل ستقلص التكلفة املنخفضة خلدمة إنترنت‬ ‫يش ِّغلها مستخدموها‪ ،‬خيارات اإلنترنت التجارية إلى ح ّد أن‬ ‫تُخل� � ��ي آخر إقطاعيات تزويد خدمة اإلنترنت احمللية‪ ،‬املجا َل‬ ‫أمام شبكة ُع َروية واحدة تغطي العالم كله؟‬ ‫يرى أكثر املؤيدين لالمركزية الشبكة أن ذلك لن يحصل‪.‬‬ ‫«فف� � ��ي رأي إن هذا النوع من املنظومات س� � ��وف ميثل دائما‬ ‫ش� � ��بكة إنترنت ضعيف� � ��ة‪ »،‬وفقا لقول >‪ .J‬زيتران< [األس� � ��تاذ‬ ‫في كلية احلقوق بهارڤ� � ��ارد‪ ،‬ومؤلف‪« :‬مس����تقبل اإلنترنت‪:‬‬ ‫وطريقة إيقافها»(‪ .])1‬وس� � ��وف يسعد >زيتران< أن يرى نهج‬ ‫الشبكات ال ُع َروية ناجحا‪ ،‬ولكنه يدرك أنه رمبا ال يرقى أبدا‪،‬‬ ‫من حيث الكفاءة‪ ،‬إلى مس� � ��توى بعض الشبكات املتحكم فيها‬ ‫مركزي� � ��ا‪ .‬ويقول‪« :‬ثمة مزايا حقيقية للمركزية‪ ،‬منها س� � ��هولة‬ ‫االستخدام‪ ».‬ويشكك >‪ .R‬روكا<‪[ ،‬مؤسس الشبكة] أيضا في‬ ‫قدرة الش� � ��بكات ال ُع َروية على إخراج مزودي خدمة اإلنترنت‬ ‫من العمل‪ ،‬وللس� � ��بب ذاته يرى أن تلك الشبكات لن تستحوذ‬ ‫على أكثر من ‪ %15‬من سوقها‪ .‬ولكن حتى عند هذا املستوى‬ ‫املنخفض م� � ��ن النفاذ‪ ،‬ميكن للش� � ��بكات ال ُع َروي� � ��ة أن « ُتط ِّهر‬ ‫الس� � ��وق‪ »،‬على حد قول >روكا<‪ ،‬ألنه� � ��ا تفتح اإلنترنت لذوي‬ ‫الدخل املنخفض الذين ال يستطيعون حتمل تكلفة النفاذ إلى‬ ‫اإلنترنت بطريقة أخرى‪ ،‬وتدفع مبزودي اخلدمة املهيمنني إلى‬ ‫تخفيض األسعار جلميع املستخدمني‪.‬‬ ‫ولكن مهما كان مقدار الترحيب بتلك املفاعيل االقتصادية‪،‬‬ ‫فإن املفاعي� � ��ل املدنية التي هي أكثر أهمي� � ��ة‪ ،‬واملتمثلة مبقاومة‬ ‫الش� � ��بكات ال ُع َروية املبنية فيها للرقاب� � ��ة واحل َْجب‪ ،‬حتتاج إلى‬

‫حصة تزيد كثيرا على ‪ %15‬من السوق كي تزدهر‪ .‬وإذا كان من‬ ‫الواضح أن قوى الس� � ��وق وحدها لن تساعد الشبكات ال ُع َروية‬ ‫على بلوغ رقم أعلى‪ ،‬كان السؤال‪ :‬من القادر إذ ًا على ذلك؟‬ ‫عادة‪ ،‬عندما تخفق األسواق في تقدمي خدمة اجتماعية‪،‬‬ ‫ف� � ��إن أولى اجلهات التي يجري التوجه نحوها إلصالح ذلك‬ ‫هي احلكوم� � ��ة‪ .‬وفي هذه احلالة خصوصا‪ ،‬ليس ذلك مكانا‬ ‫س� � ��يئا للتوجه إليه‪ .‬فالشبكة ال ُع َروية نفسها التي تلتف على‬ ‫الرقاب� � ��ة معتبرة إياها عطال‪ ،‬تس� � ��تطيع االلتفاف على عطل‬ ‫حقيقي بالكفاءة نفس� � ��ها‪ ،‬وهذا ما يجعله� � ��ا قناة اتصاالت‬ ‫مثالي� � ��ة ملواجهة األعاصي� � ��ر والزالزل والك� � ��وارث الطبيعية‬ ‫األخرى التي عادة ما تتولى احلكومات مهمة احلماية منها‪.‬‬ ‫ل� � ��ذا يرى >زيت� � ��ران< أن من احلكمة أن تس� � ��هم احلكومات‬ ‫بفعالية في نش� � ��ر الش� � ��بكات ال ُع َروية‪ ،‬ال بني املعارضني في‬ ‫الدول األخرى فحس� � ��ب‪ ،‬بل بني مواطنيه� � ��ا أيضا‪ .‬وكل ما‬ ‫يتطلب� � ��ه ذلك هو أن يكون كل هاتف خلوي يباع في الواليات‬ ‫املتحدة مزودا بإمكانات ش� � ��بكة طوارئ ُع َروية‪ ،‬بحيث يكون‬ ‫جاه� � ��زا ليتحول إلى عقدة وس� � ��يطة مبجرد الضغط على زر‬ ‫فيه‪ .‬ومن ناحية السياس� � ��ة العامة‪ ،‬يقول >زيتران< ‪« :‬ينبغي‬ ‫بناء ذلك من دون إبطاء‪ ،‬وعلى هيئات األمن الوطني وسلطات‬ ‫فرض القانون َد ْع ُم ذلك‪».‬‬ ‫إال أنه من السهل تصور العقبة املتمثلة بهيئات فرض القانون‬ ‫وهي تتهم ش� � ��بكة ُع َروية وطنية بأنها وس� � ��يلة لتيسير اتصاالت‬ ‫املجرمني واإلرهابيني ببعضهم بعيدا عن شركات الهاتف وتزويد‬ ‫خدمة اإلنترنت التي تس� � ��هل الرقاب� � ��ة‪ .‬تلك هي التعقيدات التي‬ ‫يواجهها االعتماد على احلكومة في دعم الشبكات ال ُع َروية‪ ،‬في‬ ‫الوقت الذي تكون فيه احلكومات هي غالبا التي تحُ ِدث الضرر‬ ‫الذي تَعِ د الشبكات ال ُع َروية بإصالحه‪.‬‬ ‫لذا ثمة ش� � ��ك في أن يكون من املمك� � ��ن االعتماد على قيام‬ ‫احلكومات بتلك املهمة على نحو أفضل مما تفعله األس� � ��واق‪.‬‬ ‫إال أنه لدى >‪ .E‬موگ ِلن< بعض األفكار بخصوص حتقيق ذلك‪.‬‬ ‫و>موگ ِلن< هو أستاذ حقوق في جامعة كولومبيا‪ ،‬وبقي سنوات‬ ‫كثي� � ��رة محاميا ملؤسس� � ��ة البرمجيات احل� � ��رة ‪Free Software‬‬ ‫‪ ،Foundation‬وهي مجموعة ال ربحية من الناشطني الرقميني‪.‬‬ ‫وفي الش� � ��هر ‪ ،2012/2‬مس� � ��توحيا جزئيا من األخبار القادمة‬ ‫من تونس‪ ،‬أعلن >موگ ِلن< مش� � ��روعا أس� � ��ماه فريدوم بوكس‬ ‫‪ ،FreedomBox‬أي صن� � ��دوق احلري� � ��ة‪ .‬وأعلن أيضا أنه يبحث‬ ‫عن متويل لتأسيس املشروع‪ ،‬وذلك على موقع جمع التبرعات‬ ‫كستارتر ‪ ،Kickstarter‬ومتكَّن من حتصيل ‪ 60 000‬دوالر‬ ‫مثل ِك ّ‬ ‫خالل خمسة أيام‪.‬‬ ‫)‪The Future of the Internet: And How to Stop It (1‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪27‬‬


‫وثمة عدد من أوجه التشابه بني املشروعني فريدوم بوكس‬ ‫وكوم ِ‬ ‫وش� � ��ن‪ ،‬بعضه� � ��ا كان محض مصادف� � ��ة‪ ،‬على حد قول‪:‬‬ ‫ُّ‬ ‫>ماين� � ��راث< (مع أنه عض� � ��و في اللجنة التقنية االستش� � ��ارية‬ ‫كوم ِ‬ ‫وش� � ��ن‪ ،‬حطم‬ ‫ملؤسس� � ��ة فري� � ��دوم بوك� � ��س)‪ .‬فعلى غ� � ��رار ُّ‬ ‫املش� � ��روع فريدوم بوكس التوقعات بنموذجه االس� � ��تعراضي‬ ‫األولي ‪ ،FreedomBox‬وهو جهاز شبكة حجمه يساوي تقريبا‬ ‫حجم لبنة آجر صغيرة‪ ،‬وثمنه يساوي «‪ 149‬دوالرا عند شرائه‬ ‫بكميات صغيرة‪ ،‬وسوف يستعاض عنه في النهاية بحفنة من‬ ‫العتاديات بنصف التكلفة أو أقل‪ »،‬وفقا لقول >موگ ِلن<‪.‬‬ ‫كوم ِ‬ ‫وشن‪ ،‬ال يرتبط فريدوم بوكس‬ ‫ومرة أخرى على غرار ُّ‬ ‫ب� � ��أي صيغة عتادية محددة‪ ،‬بل هو مجموعة برمجيات ميكن‬ ‫أن ُتن َّفذ في عدد كبير من وحدات املعاجلة املركزية املرتبطة‬ ‫ش� � ��بكيا‪ ،‬واملنتشرة في منازلنا ومختلف مناحي حياتنا مثل‬ ‫«الغبار حتت األرائك‪ »،‬وفقا لقول >موگ ِلن<‪ .‬وميكن جلميع تلك‬ ‫الوح� � ��دات أن تصبح بنية حتتية إلنترنت «تعيد للخصوصية‬ ‫توازنها»‪ ‬وتسترجع مفهوم «ش����بكة األن����داد الالمركزية(‪».)1‬‬ ‫إن ثمة عناوي� � ��ن بروتوكول إنترنت ف� � ��ي التجهيزات امللحقة‬ ‫بأجهزة التلفاز وف� � ��ي الثالجات‪ ،‬وأي منها‪ ،‬يقول >موگ ِلن<‪،‬‬ ‫ميك� � ��ن أن يكون جهاز فريدوم بوكس‪ .‬ليس هذا ملجرد جعل‬ ‫البنية التحتية المركزية فحس� � ��ب‪ ،‬بل أيضا جلعل البيانات‬ ‫المركزية‪ .‬وعلى سبيل املثال‪ ،‬يرى >موگ ِلن< أن تركيز بيانات‬ ‫املس� � ��تخدم في خدمات ُس����حبية(‪ cloud services )2‬من قبيل‬ ‫الفيس� � ��بوك وگوگل‪ ،‬هو تهدي� � ��د للخصوصية وحرية التعبير‬ ‫مياثل التهديد الن� � ��اجت من تركيز احلركة في مزودات خدمة‬ ‫اإلنترنت‪ .‬وملواجهة هذا التوجه‪ ،‬س� � ��وف ُيس����تمثل(‪ )3‬فريدوم‬ ‫بوك� � ��س للعمل في ش� � ��بكات تواصل اجتماع� � ��ي أخرى مثل‬ ‫دياس����پورا ‪ Diaspora‬الت� � ��ي تخزن بياناتك الش� � ��خصية في‬ ‫حاس� � ��وبك‪ ،‬دون أن يش� � ��اركك فيها سوى األشخاص الذين‬ ‫تختارهم عبر شبكات الند للند(‪.)4‬‬ ‫وم� � ��ع ذلك‪ ،‬يق� � ��ول >موگ ِل� � ��ن< إن العنصر األساس� � ��ي في‬ ‫هذا املش� � ��روع هو «اإلرادة السياس� � ��ية التي يظهرها جيل من‬ ‫الش� � ��باب الذين باعتمادهم على الش� � ��بكات االجتماعية يزداد‬ ‫وعيه� � ��م بنقاط ضعفهم وضعف اآلخرين في الش� � ��بكة‪ ».‬وهذه‬ ‫اجلدية ه� � ��ي ما ُيع ِّول علي� � ��ه في التحفيز اجلزئ� � ��ي لكثير من‬ ‫املبرمجني املش� � ��اركني في هذا املش� � ��روع‪ .‬وهي أيضا أرجح‬ ‫الدوافع العتماد املس� � ��تخدمني هذه التقانة‪ .‬ويرى >موگ ِلن< أنه‬ ‫في غياب حملة مس� � ��تدمية من الدعاي� � ��ة التقنية‪ ،‬ليس واضحا‬ ‫ما هو الش� � ��يء الذي سوف ينبه املستخدم العادي إلى التكلفة‬ ‫الباهظة لتآكل احلرية واخلصوصية التي ندفعها لقاء سهولة‬ ‫‪28‬‬

‫االستخدام وغيرها من املزايا املباشرة واحملسوسة‪.‬‬ ‫ويقول >موگ ِلن<‪« :‬ال ُي ِ‬ ‫حس� � ��ن الناس تقدير اخلطر الناجم‬ ‫عن انعدام اخلصوصي� � ��ة بنفس قدر اس� � ��تهانتهم بالعواقب‬ ‫التراكمي� � ��ة لألفعال األخ� � ��رى املدمرة بيئيا»‪ ‬الت� � ��ي من قبيل‬ ‫رمي النفايات والتلوث‪ .‬ويتابع‪« :‬إنه من الصعب على البش� � ��ر‬ ‫التفكي� � ��ر بيئيا‪ ،‬فهذا ليس من بني األش� � ��ياء التي تطور دماغ‬ ‫الرئيسيات لفعلها‪».‬‬ ‫يوح� � ��ي ذلك بأن إعادة اختراع اإلنترنت ال ميكن أن تكون‬ ‫مس� � ��ألة تغييرات تقنية ضئيلة فحسب‪ .‬بل إنها تتطلب حراكا‬ ‫سياس� � ��يا واس� � ��عا وطويل األجل كاحلراك البيئ� � ��ي‪ .‬وإذا لم‬ ‫تس� � ��تطع احلكومة أو السوق نقلنا إلى هناك‪ ،‬رمبا كان تغيير‬ ‫الوع� � ��ي اجلماعي وحده هو الذي س� � ��يفعل ذلك‪ ،‬على غرار ما‬ ‫فعلت� � ��ه حركة ا ُ‬ ‫دور النفايات أحد من‬ ‫خل ْ‬ ‫ضر بقوة اإلرادة‪ .‬لم ُي ِّ‬ ‫قبل‪ ،‬ومع ذلك نحن نفعل ذلك اآلن‪ .‬وال أحد يس� � ��تخدم البنية‬ ‫التحتية ال ُع َروية اآلن‪ ،‬ولكننا قد نفعل ذلك يوما ما‪.‬‬ ‫وحتى عندئ� � ��ذ‪ ،‬ليس ثمة من إجراء تقني واحد ميكن أن‬ ‫يكون كافي� � ��ا للحفاظ على احلريات الت� � ��ي توفرها اإلنترنت‬ ‫وحتتضنه� � ��ا‪ .‬ويعود ذلك‪ ،‬ف� � ��ي النهاية‪ ،‬إل� � ��ى أن اإلنترنت‪،‬‬ ‫حت� � ��ى ولو كانت مثالية ومنيعة‪ ،‬ال تس� � ��تطيع وحدها مقاومة‬ ‫القوى االقتصادية واالجتماعية التي تدفع نحو إعادتها إلى‬ ‫املركزية‪ .‬والش� � ��بكات ال ُع َروية هي واحدة من الطرائق التي‬ ‫ميكن أن تس� � ��اعد على املقاومة‪« .‬إن هذه الشبكات ال ُع َروية‬ ‫مناسبة للمجتمعات‪ ،‬وكلما ازداد حجمها أصبحت أفضل‪»،‬‬ ‫عل� � ��ى حد قول >كاپالن< [مؤس� � ��س فنكفوي� � ��ر]‪ .‬ولكن حتى‬ ‫الش� � ��بكة ال ُع َروية الواحدة التي تغط� � ��ي العالم كله‪ ،‬ميكن أن‬ ‫تك� � ��ون مهددة باتباع اخلطوات التطورية نفس� � ��ها التي أدت‬ ‫إلى تشويه اإلنترنت احلالية‪ .‬ويضيف >كاپالن<‪« :‬الشبكات‬ ‫ال ُع َروية ليست بديال عن اإلنترنت‪ ،‬بل هي جزء منها فقط وال‬ ‫>‬ ‫مكان لألفكار املثالية هنا‪».‬‬ ‫(‪)1‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫(‪optimized )3‬‬ ‫(‪peer-to-peer )4‬‬

‫‪a decentralized network of peers‬‬

‫خدمات توفر حوسبة وخزن ًا للبيانات في اإلنترنت‪.‬‬ ‫(التحرير)‬ ‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, March 2012‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫تتمة الصفحة ‪( 21‬مجد عظيم‪ ...‬في السباق إلى القطب اجلنوبي)‬

‫ث� � ��م إن الطريق كان في معظمه منحدرا‪ .‬وقد كتب >آموندس� � ��ن‬ ‫يقول‪« :‬لقد كانت الريح تدفعنا دوما من اخللف‪ ،‬وكانت الشمس‬ ‫ِ‬ ‫آموندس� � ��ن<‬ ‫مش� � ��رقة‪ ،‬وع ّم الدفء طوال الوقت‪ ».‬ومتكن فريق >‬ ‫من زيادة حصص الطعام للرجال والكالب باس� � ��تمرار‪ ،‬إذ كان‬ ‫يتزود من املستودعات التي كان قد تركها على مسافات منتظمة‪.‬‬ ‫وهكذا عاد الفريق إلى مخيم القاعدة بعد خمس� � ��ة أسابيع فقط‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫آموندسن<‪.‬‬ ‫وخالل تلك الرحلة‪ ،‬ازداد وزن >‬ ‫وصل >س� � ��كوت< إلى القطب ف� � ��ي ‪ 1912/1/17‬ليجد ال َعلَم‬ ‫النرويجي منصوبا‪ .‬فكتب‪« :‬يا إلهي‪ ،‬يا له من مكان مر ِّوع‪».‬‬ ‫<‬

‫مسيرة العودة‬

‫()‬

‫ولكن األس� � ��وأ كان في طريقه إليهم‪ .‬فق� � ��د حتول الطقس إلى‬ ‫برد قارس‪ ،‬واتخذ الثلج ملمس� � ��ا رمليا‪ .‬ويوما بعد آخر‪ ،‬كان‬ ‫رجال احلملة ميلؤون دفاتر تدوين يومياتهم بالشكوى ذاتها‪:‬‬ ‫فق� � ��د كان عليهم أن يجروا املزجلة طوال الوقت دون أن تنزلق‬ ‫على س� � ��طح اجلليد؛ ودون أن تنغرس بعمق في سطح اجلليد‬ ‫احلبيبي‪ ،‬وكان ذلك يجعل عوارضها تش� � ��ق أثالما في الثلوج‬ ‫اخلش� � ��نة‪ .‬وعلى الرغم م� � ��ن أن مخزون الطع� � ��ام صمد حتى‬ ‫ذلك احلني‪ ،‬إال أنه لم يو ّفر الكالوريات (الس� � ��عرات احلرارية)‬ ‫الالزمة للسير في مثل هذه الظروف الصعبة‪.‬‬ ‫وقد أضح� � ��ى الرجال منهكني إلى أبع� � ��د احلدود‪ .‬وجرح‬ ‫>إيڤان� � ��ز< يده في حادثة‪ ،‬فأصيب� � ��ت بالتهاب‪ .‬وعانى >أوتس<‬ ‫قضم���ة للصقي���ع ‪ frostbite‬في أطرافه‪ .‬وعل� � ��ى الرغم من أن‬ ‫أحدا لم يش� � ��خص حالتهم‪ ،‬إال أنهم أبدوا جميعا أعراض داء‬ ‫اإلس���قربوط ‪ .scurvy‬وم� � ��ع كل ذلك‪ ،‬فق� � ��د كانوا يخصصون‬ ‫وقتا للقيام بالدراس� � ��ات اجليولوجية‪ .‬فعند نزولهم من مجلدة‬ ‫بيردم� � ��ور توجهوا نح� � ��و ركام يق� � ��ع بالقرب من جب���ل بكلي‬ ‫‪ .Mount Buckley‬وكت� � ��ب >س� � ��كوت< بعد تن� � ��اول طعام الغداء‬ ‫ف� � ��ي ‪« :1912/2/8‬لقد بدا الركام مثي� � ��را لالهتمام لدرجة أنني‬ ‫قررت أن نخ ّيم للقيام بدراسات جيولوجية‪ .‬لقد وجدنا أنفسنا‬ ‫عمودي من حجر بيكون ‪ Beacon‬الرملي‪،‬‬ ‫بالقرب م� � ��ن جرف‬ ‫ّ‬ ‫الذي كان يتعرض للحت الس� � ��ريع بفعل عوامل الطبيعة‪ ،‬وفيه‬ ‫عروق واضحة للعيان من الفحم احلجري‪ .‬وضمن هذه العروق‬ ‫تعرف عدد من الطبعات‬ ‫مت ّكن >ويلس� � ��ون<‪ ،‬بحدة بصره‪ ،‬من ُّ‬ ‫النباتية‪ ،‬كان آخرها قطعة من الفحم احلجري رس� � ��مت عليها‬ ‫طبقات من أوراق نباتات متفحمة بطريقة جميلة‪».‬‬ ‫بالگلوسوپتيريس‪ .‬ومبساعدة‬ ‫ّ‬ ‫بدت النباتات املتفحمة شبيهة‬ ‫>ب� � ��اورز< متكن >ويلس� � ��ون< من أخذ نح� � ��و ‪ 17‬كيلوغراما من‬ ‫املستحاثات وعينات الصخور‪.‬‬ ‫وبعد املسيرة املتعثرة التي استغرقت أسبوعا في الهبوط‬

‫من عل� � ��ى املجلدة‪ ،‬فقد >إيڤانز< بالتدري� � ��ج قدرته على حتديد‬ ‫اجتاهه‪ ،‬ثم فقد الوعي وتوفي في ‪ .1912/2/17‬وتفاقمت إصابة‬ ‫>أوت� � ��س< بقضمة الصقيع إلى ح� � ��د منعه من مجاراة زمالئه‪،‬‬ ‫ولكنه أبى أن يعيق مس� � ��يرتهم‪ .‬وعوضا عن ذلك‪ ،‬ترك اخليمة‬ ‫التي كانوا قد نصبوها ليس� � ��تريحوا قائ� �ل��ا‪« :‬إني ذاهب إلى‬ ‫اخلارج‪ ،‬وقد أغيب بعض الوقت‪ »،‬ولكنه لم يعد قط‪.‬‬ ‫خطا اآلخرون خطواتهم األخيرة في ‪ .1912/3/19‬وكانوا قد‬ ‫تركوا كل ما كانوا يحملون‪ ،‬عدا ما ّ‬ ‫قل من حاجات أساسية‪ .‬وقد‬ ‫أشار >ويلسون< إلى أنهم أبقوا بحوزتهم مذكراتهم‪ ،‬وسجالت‬ ‫مالحظاتهم احلقلية‪ ،‬والعينات اجليولوجية‪ ،‬وحملوا جميع هذه‬ ‫األش� � ��ياء إلى مخيمهم األخير الذي أقاموه على مسافة ال تزيد‬ ‫على ‪ 17‬كيلومترا من مس� � ��تودع حوى من الزاد واملؤن ما كان‬ ‫سيس� � ��مح لهم مبواصلة املسيرة حتى مخيم القاعدة‪ .‬وفي هذا‬ ‫املخيم‪ ،‬هبت عليهم عاصفة ثلجي� � ��ة هوجاء‪ ،‬حاصرتهم ثمانية‬ ‫أيام‪ ،‬نفد خاللها الطعام والوقود فماتوا معا‪ .‬كان >ويلس� � ��ون<‬ ‫و>باورز< في وضع النائم و>سكوت< بينهما‪ ،‬كيس نومه نصف‬ ‫مفتوح‪ ،‬وأحد ذراعيه ممدود عبر جسد >ويلسون<‪.‬‬ ‫وهك� � ��ذا وجدته� � ��م مجموعة أرس� � ��لت للبح� � ��ث عنهم في‬ ‫الربي� � ��ع التالي؛ وجدته� � ��م مع س� � ��جالتهم وعيناتهم‪ .‬وتبني‬ ‫أن >ويلس� � ��ون< كان مصيبا بش� � ��أن املستحاثات‪ :‬فقد كانت‬ ‫بالفعل تعود لنبات الگلوسوپتيريس‪ ،‬الذي بحثوا طويال عن‬ ‫آث� � ��اره في حملته� � ��م‪ .‬وقد كتب >دبنهام< فيم� � ��ا بعد ما يلي‪:‬‬ ‫«إن املس� � ��تحاثات‪ ،‬التي عادت به� � ��ا املجموعة القطبية‪ ،‬هي‬ ‫من النوعية األكثر قدرة على حسم اجلدال‪ ،‬الذي دار زمنا‬ ‫طوي� �ل��ا ب� �ي��ن اجليولوجيني حول طبيعة احت� � ��اد قارة القطب‬ ‫اجلنوب� � � ّ�ي ‪ Antarctica‬بأستراالس� � ��يا ‪ .Australasia‬كان هذا‬ ‫ل ُيسعد >ويلسون<‪ .‬فقد كان باحثا غير مهاود بحماسة دينية‬ ‫ش� � ��ديدة‪ .‬لقد كان >داروين< على حقّ وقد أسهم >ويلسون<‬ ‫>‬ ‫في البرهان على ذلك‪.‬‬ ‫() ‪THE MARCH BACK‬‬

‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, June 2011‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪29‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫النمل وفنون احلرب‬

‫()‬

‫تشبه معارك النمل بشكل مذهل العمليات العسكرية لدى البشر‪.‬‬ ‫>‪ .W.M‬موفيت<‬

‫ينتش� � ��ر املقاتلون الشرس� � ��ون على جميع اجلوانب‪ ،‬ومتتد‬ ‫املعرك� � ��ة ‪ -‬إلى ما وراء مجال رؤيتي ‪ -‬بعنف ال ميكن إدراكه‪.‬‬ ‫فيس� � ��تمر اجتياح عش� � ��رات اآلالف من املقاتل� �ي��ن االنتحاريني‬ ‫الشديدي العزم في التقدم إلى األمام امللتزمني بأداء الواجب‪،‬‬ ‫وال يحي� � ��د املقاتلون عن املواجهة وال يتراجعون حتى في وجه‬ ‫املوت‪ .‬فاالشتباكات قصيرة ووحشية‪ .‬فجأة‪ ،‬يقبض ثالثة من‬ ‫املش� � ��اة على أحد األعداء ويقيدونه في مكانه حتى يتقدم أحد‬ ‫احملاربني األكبر حجما ليقطع أوصال جس� � ��د األس� � ��ير تاركا‬ ‫إياه نازفا ومحطما‪.‬‬ ‫رجع� � ��ت إلى الوراء مع كاميرت� � ��ي‪ ،‬الهثا في الهواء الرطب‬ ‫لغاب� � ��ات ماليزيا املطيرة‪ ،‬مذ ِّكرا نفس� � ��ي ب� � ��أن املتقاتلني منل‬ ‫وليس� � ��وا بشرا‪ .‬أمضيت أش� � ��هرا أو ّثق حاالت املوت هذه‪ ،‬من‬ ‫خالل كاميرا ميدانية أس� � ��تعملها كميكروس���كوب(‪ ،)1‬إال أنني‬ ‫ومازلت أجد أنه من الس� � ��هل أن أنسى أنني أشاهد حشرات‬ ‫صغيرة‪ ،‬وقد كانت في هذه احلالة نوعا من النمل يدعى النمل‬ ‫الغازي ‪.Pheidologeton diversus‬‬ ‫لطاملا ع� � ��رف العلماء أن أنواعا معينة م� � ��ن النمل (والنمل‬ ‫األبيض) تش� � ��كل مجتمعات متماس� � ��كة يص� � ��ل تعدادها إلى‬ ‫املالي� �ي��ن وأن هذه احلش� � ��رات تأتي بس� � ��لوكيات معقدة‪ .‬هذه‬ ‫املمارسات تشمل أمورا مثل إدارة املرور‪ ،‬ومجهودات الصحة‬ ‫العامة‪ ،‬وتدجني احملاصيل‪ ،‬وقد يكون السلوك األكثر إثارة هو‬ ‫احلرب‪ :‬اشتباك مس� � ��تعِ ٌر بني مجموعتني تخاطر فيه كلتاهما‬ ‫بالدمار الش� � ��امل‪ .‬وفى احلقيقة‪ ،‬ومن هذا اجلانب وغيره من‬ ‫اجلوانب‪ ،‬فإننا ‪ -‬أي اإلنسان احلديث ‪ -‬أكثر تشابها بالنمل‬ ‫باختصار‬ ‫يعيش بعض أنواع النمل في مستعمرات مؤلفة من آالف أو ماليني‬ ‫األفراد التي تذهب حملاربة مس� � ��تعمرات أخرى للحصول على املوارد‬ ‫كاألرض أو الغذاء‪.‬‬ ‫وتس� � ��تخدم مختلف احلشرات أساليب القتال التى ميكن أن تكون‬ ‫مماثلة على نحو الفت للنظر‪ ،‬لتلك املس� � ��تخدمة من قبل البشر والتي‬ ‫ميكن أن تختلف وفقا للحالة‪.‬‬ ‫وما يعزز قدرة النمل في احلرب هو والؤه املطلق ملستعمرته‪.‬‬ ‫‪30‬‬

‫مقارن� � ��ة بأقرب أقربائنا من األحي� � ��اء‪ :‬القرود التي‬ ‫تعيش ف� � ��ي مجتمعات أصغر‬ ‫بكثي� � ��ر‪ .‬ومع ذل� � ��ك لم يدرك‬ ‫الباحث� � ��ون إال مؤخ� � ��را إلى‬ ‫أي مدى تعكس اس� � ��تراتيجيات احلرب عند النمل‬ ‫استراتيجياتنا‪ .‬فقد اتضح أن احلرب تتضمن عند النمل كما‬ ‫عند البش� � ��ر مجموعة مذهلة من اخلي� � ��ارات التكتيكية حول‬ ‫طرق الهجوم والقرارات االستراتيجية فيما يخص متى‬ ‫وأين ُت َش ّن احلرب‪.‬‬ ‫الصدمة والترويع‬

‫()‬

‫ومما هو الفت للنظر أنه على الرغم من االختالفات احلادة بني‬ ‫النمل والبش� � ��ر بيولوجيا وفى البنية االجتماعية‪ ،‬إال أنه توجد‬ ‫تشابهات بينهما فى احلرب‪ .‬تتألف مستعمرات النمل بشكل‬ ‫أساسي من إناث عقيمة تعمل كشغّ االت ‪ workers‬أو‬ ‫كجنود‪ ،‬وأحيانا بعض الذكور القصيري‬ ‫العم���ر ‪ drones‬الذين يقتصر دورهم على‬ ‫التلقي� � ��ح‪ ،‬إضافة إلى ملك� � ��ة خصبة أو أكثر‪.‬‬ ‫ويعمل األفراد من دون وجود تراتبية هرمية للس� � ��لطة أو قائد‬ ‫دائم‪ .‬فمع أن امللكات تشكل مركز احلياة فى املستعمرة ألنهن‬ ‫يتكاث� � ��رن‪ ،‬إال أنهن ال يقدن اجلنود أو ينظمن العمل‪ .‬بل تكون‬ ‫املستعمرات المركزية بشغاالت‪ ،‬كل منها منفردة تعرف القليل‬ ‫ع� � ��ن اتخاذ قرارات املعركة‪ ،‬ولكنه� � ��ا كمجموعة تثبت كفاءتها‬ ‫ومن دون إش� � ��راف ‪ -‬وهو ما يعرف بذكاء الس���رب(‪swarm )2‬‬ ‫‪ .intelligence‬وعل� � ��ى الرغم من أن النمل والبش� � ��ر لهما طرق‬ ‫حياتية مختلفة فإنهم يخوضون حروبهم للعديد من األس� � ��باب‬ ‫االقتصادية املتشابهة؛ تتضمن احلصول على مناطق للسكن‬ ‫أو املقاطع� � ��ات أو الطعام‪ ،‬وحت� � ��ى القوة العاملة حيث يختطف‬ ‫() ‪ANTS AND THE ART OF WAR‬‬ ‫() ‪SHOCK AND AWE‬‬ ‫(‪ )1‬مجهر‪.microscope :‬‬

‫(‪ )2‬ذكاء الس� � ��رب‪ :‬هو الذكاء اجلمعي لألنظمة الالمركزية الذاتية التنظيم سواء أكانت‬ ‫(التحرير)‬ ‫طبيعية أو اصطناعية‪.‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫املؤلف‬ ‫‪Mark W. Moffett‬‬

‫زمي� � ��ل باحث ف� � ��ي املتحف السميثس� � ��ونيان الوطن� � ��ي للتاريخ‬ ‫الطبيعي‪ ،‬يدرس س� � ��لوك النمل‪ .‬زار املناطق االس� � ��توائية في‬ ‫األمريكتني وآسيا وإفريقيا لتوثيق مجتمعات النمل واكتشاف‬ ‫أنواع جدي� � ��دة لكتابه «مغامرات بني النمل ‪Adventures among‬‬ ‫‪( »Ants‬مطبوعات جامعة كاليفورنيا‪.)2011 ،‬‬

‫يهاجم النمل الغازي ‪Marauder‬‬ ‫‪ ants‬من إحدى املستعمرات فردا‬ ‫من مستعمرة منافسة ممزقا‬ ‫أوصاله ببطء‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪31‬‬


‫بعض أنواع النمل منافسيهم ليكونوا عبيدا‪.‬‬ ‫إن التكتيكات التي يس� � ��تخدمها النم� � ��ل في احلرب تعتمد‬ ‫على ما هو على احملك‪ .‬فبعض أنواع النمل تنجح في املعركة‬ ‫م� � ��ن خالل الهج� � ��وم املتواص� � ��ل‪ ،‬مذكرة باجلن� � ��رال الصيني‬ ‫>س� � ��ان تزو< الذي أك� � ��د في كتابه «فن احل���رب»(‪ )1‬وفي القرن‬ ‫الس� � ��ادس قبل امليالد بأن «الس� � ��رعة هي جوهر احلرب»‪ .‬في‬ ‫أن� � ��واع النمل احمل� � ��ارب‪ ،‬من األنواع الت� � ��ي تعيش في املناطق‬ ‫الدافئة حول العالم‪ ،‬وبع� � ��ض األنواع األخرى كالنمل الغازي‬ ‫اآلسيوي‪ ،‬تتقدم بهيجان مئات بل حتى ماليني األفراد ضمن‬ ‫كتيبة محكم� � ��ة‪ ،‬مهاجمة الفرائس واألع� � ��داء التي تقع عليها‪.‬‬ ‫�اهدت في غانا ما يشبه س� � ��جادة هائجة من شغاالت‬ ‫وقد ش� � � ُ‬ ‫النمل احملارب من النوع ‪ Dorylus nigricans‬تقوم معا بتقصي‬ ‫مس� � ��احة بعرض ‪ 100‬ق� � ��دم‪ .‬هذا النمل احمل� � ��ارب األفريقي ‪-‬‬ ‫ال� � ��ذي يتحرك في صفوف عريضة‪ ،‬في أن� � ��واع مثل ‪Dorylus‬‬ ‫‪ ،nigricans‬ويدعى «النمل اجلرار» ‪ُ - driver ants‬يش ّرح اللحم‬ ‫بفكني كالشفرات‪ ،‬ويستطيع أن يقضي في عجلة على ضحايا‬ ‫يبلغ حجمها ضعف حجم� � ��ه آالف املرات‪ .‬ومع أن الفقاريات‬ ‫عادة ما تستطيع الهرب من النمل‪ ،‬فقد رأيت مرة في الغابون‬ ‫بقرة وحش� � ��ية واقعة في ش� � ��رك تؤكل حية من قبل مستعمرة‬ ‫من النمل اجلرار‪ُ .‬ي ِبعد كل من النمل احملارب والنمل الغازي‬ ‫النم � � � َل املنافس ع� � ��ن الطعام‪ ،‬فعدد جنودهم الكبير يس� � ��تطيع‬ ‫التف� � ��وق على أي منافس في الس� � ��يطرة على مصادر غذائها‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن النمل احملارب يعمد دوما تقريبا إلى االصطياد ضمن‬ ‫جماعات ألهداف أكثر خبثا‪ ،‬كاقتحام مجتمعات النمل األخرى‬ ‫لالستيالء على يرقات وعذارى املستعمرة كطعام‪.‬‬ ‫تذكرنا الكتائب املتقدمة للنمل احملارب والغازي بالتشكيالت‬ ‫القتالية التي اس� � ��تخدمها اإلنس� � ��ان منذ عهود الس� � ��ومريني‬ ‫القدمية وحتى اجلبهات املنظمة في احلرب األهلية األمريكية‪.‬‬ ‫حيث تتقدم هذه الكتائب دون وجهة محددة ‪ -‬كما يفعل البشر‬ ‫أحيان� � ��ا ‪ -‬مما يجعل كل غارة أش� � ��به باملقام� � ��رة إذ قد تتقدم‬ ‫عبر أراض قاحلة وال جتد فيها ش� � ��يئا‪ .‬وترسل أنواع أخرى‬ ‫من النمل مجموعات صغيرة من الش� � ��غاالت تدعى بالكشافة‪،‬‬ ‫تخرج من العش لتبحث فرادى عن الطعام‪ .‬وبانتش� � ��ارها في‬ ‫مناطق واس� � ��عة‪ ،‬بينما تظل بقية أفراد املس� � ��تعمرة في العش‪،‬‬ ‫تالقي فرائس وأعداء أكثر‪.‬‬ ‫ولكن املستعمرات التي تعتمد على الكشافة قد َت ْقتل ‪ -‬فى‬ ‫املجمل ‪ -‬أعدادا أقل من األعداء‪ ،‬إذ يتعني على الكشاف أن‬ ‫يعود إلى العش لتشكيل قوة مقاتلة (ويفعل ذلك عادة بإفراز‬ ‫مادة كيميائية تس� � ��مى «فيرومون» ‪ )pheromone‬لكي تتبعها‬ ‫القوات االحتياطية‪ .‬وبينما يذهب الكشاف الستدعاء املقاتلني‬ ‫‪32‬‬

‫للمعركة‪ ،‬قد ينس� � ��حب الع� � ��دو أو يعيد جتمعه‪ .‬وعلى العكس‬ ‫م� � ��ن ذلك فإن ش� � ��غاالت النمل الغازي أو احملارب تس� � ��تطيع‬ ‫استدعاء أي مس� � ��اعدة مطلوبة‪ ،‬حيث ميشي خلفها مباشرة‬ ‫عدد وفير من املس� � ��اعدين‪ ،‬والنتيجة هي حتقيق أقصى قدر‬ ‫من الصدمة والترويع‪.‬‬ ‫توزيع القوات‬

‫()‬

‫ال تنت� � ��ج القوة املميت� � ��ة للنمل الغازي واحمل� � ��ارب من العدد‬ ‫الضخم للمقاتلني فحسب‪ ،‬حيث أظهرت أبحاثي عن النمل‬ ‫الغ� � ��ازي أن احملاربني يتم نش� � ��رهم بطريقة تزي� � ��د الفعالية‬ ‫وتنقص التكلفة على املستعمرة‪ .‬وتعتمد الكيفية التى ينتشر‬ ‫بها األفراد على حجم األنثى‪ ،‬حيث إن حجم شغاالت النمل‬ ‫الغازي يختلف فيما بني أفراده أكثر من أي نوع منل آخر‪.‬‬ ‫وتتحرك الش���غاالت الصغري���ات(‪( )2‬جنود املشاة التي متت‬ ‫اإلشارة إليهم في االفتتاحية) بسرعة إلى اخلطوط األمامية‪،‬‬ ‫وه� � ��ي منطقة اخلطر الت� � ��ي يجري أول م� � ��رة فيها مواجهة‬ ‫مس� � ��تعمرات النمل املنافس أو الفريسة‪ .‬وال متتلك الشغالة‬ ‫ٍ‬ ‫مساو‬ ‫الصغرى منفردة فرصة للنجاة أكثر من فرصة فرد‬ ‫لها في احلجم من أفراد الكشافة في أنواع النمل الصياد‬ ‫‪ ،lone-hunting species‬ولك� � ��ن أعدادها الكبيرة على اجلبهة‬ ‫تشكل متراس� � ��ا كابحا‪ .‬ومع أن بعضها قد ميوت في أثناء‬ ‫ذلك‪ ،‬إال أن الش� � ��غاالت الصغري� � ��ات تتمكن من إبطاء العدو‬ ‫أو جعله عاجزا حتى وصول الش� � ��غاالت األكبر حجما التي‬ ‫ُتعرف باألواس� � ��ط والكبريات والتي توج� � ��ه الضربة املميتة‪.‬‬ ‫ومع أن الش� � ��غاالت الكبريات أقل عددا بكثير من الشغاالت‬ ‫الصغريات إال أنهن أش� � ��د خطرا حي� � ��ث يصل وزن بعض‬ ‫أفرادها إلى خمسمئة ضعف الشغالة الصغرى‪.‬‬ ‫تقل� � ��ل تضحيات الش� � ��غاالت الصغريات من نس� � ��بة موت‬ ‫الش���غاالت األواسط(‪ )3‬والكبريات والتي تتطلب من املستعمرة‬ ‫م� � ��وارد أكثر لتنش� � ��ئتها واحلفاظ عليها‪ .‬فتعري� � ��ض املقاتلني‬ ‫األقل تكلف� � ��ة للخطر األكبر تكتيك معروف عب� � ��ر التاريخ‪ .‬لقد‬ ‫مارس� � ��ت املجتمعات القدمية التي عاشت على ضفاف األنهار‬ ‫هذا التكتي� � ��ك بتجنيد املزارعني املتوفرين بأعداد كبيرة وبثمن‬ ‫بخ� � ��س‪ ،‬حيث يت� � ��م حتميلهم العبء األكبر م� � ��ن احلرب‪ ،‬بينما‬ ‫تقبع النخبة من اجلن� � ��ود الذين تلقوا أفضل التدريب وأفضل‬ ‫األس� � ��لحة والعتاد بأمان نس� � ��بيا ضمن هذه اجلحافل‪ .‬وكما‬ ‫تهزم اجليوش البشرية أعداءها من خالل االستنزاف محطمني‬ ‫()‬ ‫(‪)1‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫(‪)3‬‬

‫‪ALLOCATING THE TROOPS‬‬ ‫‪The Art of War‬‬ ‫‪medias‬‬ ‫‪minor workers‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫في امليدان‪ :‬متسك بعض‬ ‫شغاالت النمل احلائك‬ ‫‪ ants‬بشغالة أقوى من النمل‬ ‫احملارب ساحبات إياها‬ ‫حتى تقطعها إلى أشالء (‪.)1‬‬ ‫تقف منلة العسل ‪honeypot‬‬ ‫‪ ant‬الصغيرة على حصاة‬ ‫لتبدو أكبر حجما (‪ .)2‬وفي‬ ‫خدعة انتهازية تروع عدوها‬ ‫األكبر حجما تقف شغالة منل‬ ‫صغيرة (وليدة) من النوع‬ ‫احملارب على رأس شغالة‬ ‫يافعة من النوع نفسه‪ ،‬وتقوم‬ ‫الشغاالت الصغيرات بإمساك‬ ‫العدو بينما تقوم الكبيرة‬ ‫بقتله (‪ .)3‬متزق منلة املفجر‬ ‫‪weaver‬‬

‫‪1‬‬

‫‪2‬‬

‫االنتحارية‬

‫‪ ant‬احلمراء نفسها مطلقة‬ ‫غراء أصفر ساما على عدوها‬ ‫فيموت االثنان فورا (‪.)4‬‬

‫‪4‬‬ ‫‪3‬‬

‫العدو وحدة تلو األخرى بدال من الهجوم دفعة واحدة – وهي‬ ‫اس� � ��تراتيجية حربية معروفة بـ«الهزمية على التتابع» ‪defeat‬‬ ‫‪ - in detail‬كذلك يحصد النمل الغازي أعداءه شيئا فشيئا مع‬ ‫تقدم الغارة بدال من االشتباك مع العدو بكامل قوته‪.‬‬ ‫إضافة إلى قتل أنواع أخرى من األعداء والفرائس‪ ،‬يدافع‬ ‫النمل الغازي بشدة عن املناطق احمليطة بالعش والطعام ضد‬ ‫مس� � ��تعمرات النم� � ��ل الغازي األخرى‪ ،‬حيث تبقى الش� � ��غاالت‬ ‫األواسط والكبريات في اخللف‪ ،‬بينما متسك كل شغالة صغرى‬ ‫بأحد أطراف اخلصم‪ .‬وتدوم هذه املواجهات لس� � ��اعات وهي‬ ‫أكثر فتكا من مواجهات النمل الغازي مع منافس� � ��يه اآلخرين‪،‬‬ ‫حيث تش� � ��تبك مئات من النمل الصغير على مس� � ��احة بضعة‬ ‫أقدام مربعة مقطعة بعضها إربا‪.‬‬ ‫وتش� � ��كل هذه الص� � ��ورة من قتال احلش� � ��رات وجها لوجه‬ ‫الطريقة الش� � ��ائعة في القتل عن� � ��د النمل‪ .‬فاملوت حتمي تقريبا‬ ‫مما يعكس رخص اليد العاملة في املستعمرات الكبيرة‪ .‬وفي‬ ‫أنواع النمل األكثر اكتراثا بخسارة احملاربني‬ ‫حني تس� � ��تخدم‬ ‫ُ‬ ‫أسلح ًة طويلة املدى متكنها من إيذاء العدو أو إعاقته من بعيد؛‬ ‫فمثال‪ ،‬تشتيت عدوها برش رذاذ يشبه الرماح كما يفعل منل‬ ‫اخلش���ب ‪ Formica wood ants‬في أوروبا وأمريكا الش� � ��مالية‪،‬‬ ‫أو بإلقاء أحجار صغي� � ��رة على رؤوس العدو كما يفعل النمل‬ ‫‪ Dorymyrmex bicolor‬في أريزونا‪.‬‬ ‫وتظهر أبحاث يقوم بها >‪ .N‬فرانكس< [يعمل حاليا في جامعة‬

‫‪suicide bomber‬‬

‫بريس� � ��تول بإنكلترا] مع زمالئه أن العنف املنظم الذي ميارسه‬ ‫النمل الغ� � ��ازي واحملارب ينس� � ��جم مع قانون مربع النكس���تر‬ ‫‪ ،Lanchester’s square law‬وه� � ��و واحد من املعادالت التي طورت‬ ‫في احلرب العاملية األولى من قبل املهندس >‪ .F‬النكستر< حملاولة‬ ‫فهم االس� � ��تراتيجيات والتكتيكات احملتملة للقوات املعادية‪ .‬فقد‬ ‫أظه� � ��رت معادالت� � ��ه الرياضياتية أن� � ��ه عندما يندل� � ��ع العديد من‬ ‫االشتباكات في وقت واحد في ميدان صراع‪ ،‬يتفوق العدد على‬ ‫تعرض شغاالت النمل األكبر حجما‬ ‫قوة القتال الفردية‪ .‬لذلك ال ِّ‬ ‫نفس� � ��ها للخطر إال عندما يكون اخلطر كبيرا‪ ،‬على سبيل املثال‪،‬‬ ‫تندفع الشغاالت من جميع األحجام للمشاركة في الدفاع عندما‬ ‫ُي ِ‬ ‫قدم عالم حش� � ��رات س� � ��اذج مبا فيه الكفاية على نبش عشها‪،‬‬ ‫حيث ُتسبب الشغاالت الكبريات اللسعات األكثر ضراوة‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فإن قانون مربع النكس� � ��تر ال ينطبق على جميع‬ ‫حاالت البش� � ��ر املتحاربني‪ ،‬وكذلك ال يصف جميع س� � ��لوكيات‬ ‫النمل ف� � ��ي القتال‪ .‬ويقدم النم���ل الـُمس���ترِ قُّ (‪slave-making )1‬‬ ‫‪ ants‬اس� � ��تثناء مذهال‪ .‬يسرق بعض مس� � ��ترقي النمل صغا َر‬ ‫مستعمرتهم املس� � ��تهدفة ليقوموا بتنش� � ��ئتها كرقيق فى عش‬ ‫النملة املس� � ��ترقة‪ .‬ومينح الدرع القوي‪ ،‬والذي يتمثل بالهيكل‬ ‫اخلارجي‪ ،‬والفكوك الشبيهة باخلناجر‪ ،‬مسترقي النمل قدرات‬ ‫قتالية فائقة‪ .‬إال أن أعدادها أقل كثيرا عن النمل املس� � ��تهدف‬ ‫في املستعمرات التي تُغير عليها‪ .‬ولتحاشي اإلبادة فإن بعض‬ ‫مس� � ��ترقي النمل يطلق مادة كيميائية «دِ عائية» تشيع الفوضى‬ ‫في املس� � ��تعمرة املغار عليها مانعة ش� � ��غاالتها من مهاجمتهم‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫مستر َّق ُة ‪ :‬منلة تغزو أوكار منل من نوع آخر فتحمل منها يرقاناتها لتنشئتها‬ ‫(‪ )1‬منلة‬ ‫(التحرير)‬ ‫في عشها وتتخذ منها رقيقا‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪33‬‬


‫وكما أوضح بعد ذلك >فرانكس< [كان وقتها في جامعة باث]‬ ‫وتلمي� � ��ذه >‪ .L‬بارتريدج< ف� � ��إن النمل يتبع بذلك اس� � ��تراتيجية‬ ‫أخرى من اس� � ��تراتيجيات النكس� � ��تر‪ ،‬والتي قد تنطبق أحيانا‬ ‫على البش� � ��ر أيضا‪ .‬ويقول هذا القانون الذي يدعى بالقانون‬ ‫ّ‬ ‫اخلط ّي‪ :‬إنه في حالة االش� � ��تباكات الفردية – وهو ما تس� � ��مح‬ ‫به امل� � ��ادة الكيميائية الدعائية – يكون النصر مؤكدا للمقاتلني‬ ‫األق� � ��وى‪ ،‬حتى عندما يكونون األقل ع� � ��ددا‪ .‬وفي احلقيقة فإن‬ ‫املس� � ��تعمرة احملاصرة من قبل النمل املسترق غالبا ما تسمح‬ ‫للغزاة بالسلب دون أي قتل أو قتال‪.‬‬ ‫تعتمد قيمة املقاتل عند النمل فى مستعمرته على املخاطر‬ ‫الت� � ��ي يواجهها‪ ،‬فكلم� � ��ا كان أكثر قابلي� � ��ة ألن يضحى به زاد‬

‫سيطرة أرضية‬

‫()‬

‫تظهر مراقبة النمل احلائك ‪ weaver ants‬استراتيجيات حربية‬ ‫أخرى مش� � ��ابهة الستراتيجيات البش� � ��ر‪ .‬يحتل النمل احلائك‬ ‫جزءا كبيرا من الغصون العالية في الغابات االس� � ��توائية في‬ ‫إفريقيا وآس� � ��يا وأس� � ��تراليا حيث قد متتد املس� � ��تعمرات عبر‬ ‫عدة أش� � ��جار وحتوي أكثر من نصف مليون فرد مما يش� � ��به‬ ‫التجمع� � ��ات الهائلة لبعض النمل احملارب‪ .‬كما يتش� � ��ابه النمل‬ ‫احلائك واحملارب ف� � ��ي العدائية العالية‪ ،‬ومع ذلك فإن للنوعني‬ ‫أس� � ��اليب عمل مختلفة متاما‪ .‬فبينم� � ��ا ال يدافع النمل احملارب‬ ‫عن أراضيه ألنه يبقى متراصا في أثناء بحثه عن أنواع النمل‬

‫إغالق باب الدخول‪ :‬تقوم منلة من جنس ‪( Stenamma‬في الوسط) بإغالق باب العش بحصاة ملنع النملة احملاربة (في اليمني) من دخول عشها‪.‬‬

‫احتمال أن يوضع في وجه املخاطر‪ .‬وعلى سبيل املثال يجري‬ ‫استخدام شغاالت عجائز أو مقعدات كحراس ملسارات الرعي‬ ‫في النمل الغ� � ��ازي‪ ،‬التي غالبا ما تص� � ��ارع للبقاء منتصبات‬ ‫بينما تندفع بقوة نحو املتطفلني‪ .‬وكما أوردت >‪ .D‬كاسيل< [من‬ ‫جامعة جنوب فلوريدا] في مجل� � ��ة ‪ Naturwissenschaften‬عام‬ ‫‪ ،2008‬فإن الش� � ��غاالت األكبر عمرا (بالشهور) فقط من النمل‬ ‫الن���اري ‪ fire ant‬تنخ� � ��رط في القتال‪ ،‬بينما تهرب الش� � ��غاالت‬ ‫بعمر أسابيع‪ ،‬وتتظاهر األفراد بعمر أيام باملوت مستلقية دون‬ ‫حركة‪ ،‬وذلك عندما تتعرض للهجوم‪ .‬فمن وجهة نظر النمل قد‬ ‫يبدو أن جتنيد الصغار األصحاء كما يفعل البشر عمل عبثي‪.‬‬ ‫ولكن علماء األنثروبولوجيا (علم دراس� � ��ة اإلنس� � ��ان) وجدوا‬ ‫بعض األدل� � ��ة على أنه على األقل في بع� � ��ض الثقافات ُيخ ِّلف‬ ‫احملاربون الناجحون ذرية أكثر‪ .‬وهذه األفضلية التكاثرية قد‬ ‫جتعل القتال مجزيا في مقابل املخاطر بالنسبة إلى احملاربني‬ ‫الشباب‪ ،‬وهي ميزة تفتقدها شغاالت النمل التي ال تتكاثر‪.‬‬ ‫‪34‬‬

‫األخرى ليهاجمها طلبا للطعام‪ ،‬تبقى مستعمرات النمل احلائك‬ ‫متحصنة في موقع واحد‪ ،‬ناشرة شغاالتها على اتساع املكان‬ ‫إلبقاء املنافسني خارج كل بوصة من أراضيها‪.‬‬ ‫ويس� � ��يطر النمل احلائك ببراعة على مناطقه بني األشجار‬ ‫من خ� �ل��ال الدفاع عن بعض النقاط احلرج� � ��ة‪ ،‬كمنطقة التقاء‬ ‫جذع الش� � ��جرة باألرض‪ .‬أم� � ��ا األعش� � ��اش‪/‬الثكنات الكثيفة‬ ‫األوراق فتقام اس� � ��تراتيجيا على قمة الش� � ��جر موزِّعة اجلنود‬ ‫إلى األماكن التي تكون أكثر حاجة إليهم‪.‬‬ ‫كما تتمتع ش� � ��غاالت النمل احلائك باس� � ��تقاللية أكبر من‬ ‫ش� � ��غاالت النمل احمل� � ��ارب‪ .‬إذ يؤدي النمل احمل� � ��ارب وظيفته‬ ‫بتجريد شغاالته من استقالليتها‪ .‬وألن مقاتلي النمل احملارب‬ ‫يبقون قرب مجموعاتهم املتقدمة فإنهم يحتاجون إلى إشارات‬ ‫اتصال قليلة نسبيا‪ ،‬وهم يستجيبون لوجود األعداء والفرائس‬ ‫بطريقة عالي� � ��ة التنظيم‪ .‬وعلى العكس من ذلك فإن ش� � ��غاالت‬ ‫()‬

‫‪TERRITORIAL CONTROL‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫النمل احلائك تتجول بحرية أكبر‪ ،‬مبدية استجابات أكثر تنوعا‬ ‫في مواجهة الفرص والتهديدات‪ .‬تذكرنا هذه االختالفات في‬ ‫األس� � ��لوب بالفروقات بني صرامة جيوش >فردريك األعظم<‪،‬‬ ‫ومرونة وحركية قوات >نابليون بونابرت<‪.‬‬ ‫وكالنم� � ��ل احملارب‪ ،‬يتخذ النمل احلائ� � ��ك إجراءات مماثلة‬ ‫عند التعامل مع العدو أو الفريس� � ��ة‪ ،‬وفي كلتا احلالتني يفرز‬ ‫القصية‬ ‫ّ‬ ‫النمل احلائك فيرومون جتنيد قصير املدى من غدته‬ ‫‪ sternal gland‬الس� � ��تدعاء التعزيزات القريبة لتضطلع بالقتل‪،‬‬ ‫بينما تختص مراسالت النمل احلائك األخرى بحالة احلرب‪.‬‬ ‫فعندما تعود ش� � ��غالة من معركة مع مس� � ��تعمرة أخرى فإنها‬ ‫تهز جسمها هزا عنيفا عند املرور بنمالت أخريات لتحذيرهن‬ ‫للمعركة القائمة‪ ،‬وفي الوقت نفسه فإنها تطلق رائحة مختلفة‬ ‫عل� � ��ى طول الطريق‪ ،‬وه� � ��ي فيرومون يفرز من غدة املس���تقيم‬ ‫‪ rectal gland‬إلرشاد رفيقاتها في املستعمرة إلى موقع املعركة‪.‬‬ ‫إضافة إلى ذلك والحتالل منطقة خالية‪ ،‬تس� � ��تخدم الشغاالت‬ ‫إش� � ��ارة أخرى‪ ،‬وذلك بالتبرز في املنطق� � ��ة‪ ،‬متاما كما تعرف‬ ‫الكالب منطقتها بالتبول فيها‪.‬‬ ‫مسألة حجم‬

‫()‬

‫في كل من النمل والبشر يرتبط امليل إلى خوض حرب حقيقية‪،‬‬ ‫بش� � ��كل عام عل� � ��ى األقل‪ ،‬بحجم املجتمع‪ .‬فن� � ��ادرا ما تخوض‬ ‫املس� � ��تعمرات الصغي� � ��رة حروبا طويلة إال ف� � ��ي حالة الدفاع‪.‬‬ ‫ومث� � ��ل مجتمعات اجلمع وااللتقاط البش� � ��رية‪ ،‬وهم في الغالب‬ ‫الرح� � ��ل‪ ،‬والذين مييلون إلى العيش كفافا‪ ،‬فإن مجتمعات‬ ‫من َّ‬ ‫النمل البالغة الصغر والتي تتألف فقط من بضع عشرات من‬ ‫األفراد ال تقيم بنى حتتية ثابتة من مسارات ومخابئ طعام أو‬ ‫أماكن إيواء تس� � ��تحق املوت من أجلها‪ .‬وفي أوقات النزاعات‬ ‫احلادة بني املجموعات س� � ��وف يختار هذا النمل كنظرائه من‬ ‫ِ‬ ‫الهرب على القتال‪.‬‬ ‫البشر‬ ‫َ‬ ‫وقد متتل� � ��ك املجتمعات الصغيرة احلجم موارد أكثر لتدافع‬ ‫عنها‪ ،‬إال أنها تبقى صغيرة مبا يكفي لتفضل س� �ل��امة جنودها‬ ‫على التضحية بهم‪ .‬ويعيش منل العسل ‪ honeypot ants‬في جنوب‬ ‫غرب الواليات املتحدة في مس� � ��تعمرات متوسطة احلجم حتوي‬ ‫بضع� � ��ة آالف من األفراد‪ ،‬ويعطي مثاال لتجنب هذه احلش� � ��رات‬ ‫للخطر‪ .‬وللفوز بفريس� � ��ة قريبة دون منافس� � ��ة‪ ،‬تقوم املستعمرة‬ ‫بإج� � ��راء مناورة اتقائية بجوار ع� � ��ش قريب إللهاء العدو بدال من‬ ‫املخاطرة مبعارك مميتة‪ .‬وخالل هذه املناورة يقف املتنافس� � ��ون‬ ‫عاليا على أطراف أرجلهم الست ويدور أحدهم حول اآلخر في‬ ‫دوائر‪ .‬يعكس هذا السلوك الذي يشبه االستعراض باملشي على‬ ‫العصي في االس� � ��تعراض االحتفـــالي للقــوة الــذي يحصل دون‬

‫إراقة للــدمـاء والشائع بني العشــائر البشــريــة الصغيـرة‪ .‬وكما‬ ‫اقتــرح البيولوجيان >‪ .B‬هولدوبل� � ��ر< [من جامعة والية أريزونا]‬ ‫و >‪ .E .O‬ويلس� � ��ون< [من جامعة هارڤارد] أنه وبشيء من احلظ‬ ‫ميك� � ��ن للمس� � ��تعمرة ذات النمل املس� � ��تعرض األصغر حجما ‪-‬‬ ‫والتي غالبا ما تكون من املستعمرة األضعف ‪ -‬االنسحاب دون‬ ‫خس� � ��ارة أفراد منها‪ ،‬ولكن اجلانب املنتصر قد يستغل الفرصة‬ ‫إذا أتيحت له ُملْ ِحقا أضرارا فادحة بأعدائه‪ ،‬ملتهما صغارها‪،‬‬ ‫ومختطفا ش� � ��غاالت تدعى باملمتلئات النتفاخه� � ��ا بالطعام الذي‬ ‫جتت ّره عن� � ��د احلاجة من أجل رفقاء العش اجلوعى‪ .‬ويس� � ��حب‬ ‫منل العسل املنتصر الشغاالت املمتلئات إلى عشه حيث يبقيها‬ ‫كعبيد‪ .‬ولتجنب هذا املصير تقوم الشغاالت املستطلعات بتقصي‬ ‫املناورة والتأكد من أن األعداء ال يتفوقون بالعدد‪ ،‬وتتخذ القرار‬ ‫باالنسحاب عند احلاجة‪.‬‬ ‫تش� � ��يع املعارك الكاملة بني أنواع النمل ذات املستعمرات‬ ‫الناضج� � ��ة والتى تتكون من مئات اآلالف أو أكثر من األفراد‪.‬‬ ‫وميي� � ��ل العلم� � ��اء إلى اعتب� � ��ار أن مجتمعات هذه احلش� � ��رات‬ ‫االجتماعية الكبيرة غير فعالة ألنها تنتج ملكات جديدة وذكورا‬ ‫بنس� � ��بة أقل مما يتم في املجموع� � ��ات األصغر‪ .‬وبدال من ذلك‬ ‫أراها‪ ،‬منتجة للغاية بحيث لديها اخليار لتس� � ��تثمر ليس فقط‬ ‫في التكاثر وإمنا أيضا ف� � ��ي قوى العمل التي تقوم بأكثر من‬ ‫متطلبات العمل املعتادة ‪ -‬تش� � ��به كثيرا اس� � ��تثمار أجسامنا‬ ‫لألنس� � ��جة الدهنية والتي نلجأ إليها عند احلاجة‪ .‬وقد افترض‬ ‫عدة باحثني أنه كلما زاد حجم املستعمرة قل حجم العمل على‬ ‫أفراد النمل مما يترك العديد من الشغاالت دون عمل تقوم به‬ ‫في وقت ما‪ .‬ومن ثم يتيح منو املس� � ��تعمرات تخصيص جيش‬ ‫أكبر قد يس� � ��تفيد من قانون مربع النكستر بشكل أفضل في‬ ‫مواجهاته مع األعداء‪ .‬وبش� � ��كل مشابه يرى العديد من علماء‬ ‫األنثروبولوجي� � ��ا أن احلروب قد ظه� � ��رت فقط بعد االنفجارات‬ ‫السكانية واحمل ّفزة باختراع الزراعة‪.‬‬ ‫متعضيات فائقة ومستعمرات فائقة‬

‫()‬

‫في نهاية األمر تنش� � ��أ القدرة على األشكال املتطرفة للحرب‬ ‫عند النمل من الوحدة االجتماعية التي توازي وحدة اخلاليا‬ ‫����ض ‪ organism‬ما‪ .‬وتتعرف اخلالي� � ��ا بعضها من‬ ‫ف� � ��ي متع ٍ‬ ‫خالل دالئل كيميائية على س� � ��طحها‪ ،‬ويهاجم جهاز املناعة‬ ‫السليم أي خلية ذات دالئل مختلفة‪ .‬وفي معظم املستعمرات‬ ‫الس� � ��ليمة‪ ،‬يتعرف النمل أيضا بعضه اآلخر من خالل دالئل‬ ‫كيميائية على س� � ��طح أجس� � ��امه‪ ،‬في حني يتجنب أو يهاجم‬ ‫() ‪A MATTER OF SIZE‬‬ ‫() ‪SUPERORGANISMS AND SUPERCOLONIES‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫التتمة في‬

‫الصفحة ‪41‬‬

‫‪35‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫صيغة حسابية‬ ‫حلل األزمة االقتصادية‬

‫()‬

‫على الرغم من الدروس املستمدة من االنهيار االقتصادي‬ ‫عام ‪ ،2008‬ميضي وول ستريت باملراهنة على مستقبلنا بعلم قاصر‪.‬‬ ‫>‪ .H .D‬فريدمان<‬

‫إن انهيار س� � ��وق املال عام ‪ ،2008‬ال� � ��ذي أغرق العالم في‬ ‫رك� � ��ود اقتصادي وما زال يترنح حت� � ��ت وطأة تداعياته‪ ،‬يعزى‬ ‫إلى أس� � ��باب عديدة‪ ،‬منها س� � ��بب رياضيات���ي(‪ .)1‬فقد طورت‬ ‫شركات االس� � ��تثمار املالي أس� � ��اليب معقدة الستثمار أموال‬ ‫عمالئه� � ��ا‪ ،‬وأصبحت مبوجبها تعتمد على معادالت مبهمة في‬ ‫تقدي� � ��ر املخاطر التي تواجهها‪ .‬ولكن كم� � ��ا علمنا مبرارة قبل‬ ‫ثالث س� � ��نوات أن تلك املعادالت‪ ،‬أو النماذج‪ ،‬لم تكن س� � ��وى‬ ‫انعكاسات ضعيفة للعالم احلقيقي‪ ،‬وقد تكون لألسف مضللة‬ ‫في بعض األحيان‪.‬‬ ‫وبطبيعة احلال‪ ،‬ف� � ��إن عالَم املال ليس الوحيد في اعتماده‬ ‫على مناذج رياضياتية ‪ mathematical models‬غير موثوق بها‬ ‫دوما كي تكون دليال نقتدي به في صنع القرارات‪ .‬ويس� � ��عى‬ ‫العلم� � ��اء جاهدين إلى مقارعة هذه النماذج والتغلب عليها في‬ ‫ميادين كثيرة – تشمل علم املناخ وتآكل السواحل والسالمة‬ ‫يوصفونها‬ ‫النووي� � ��ة – التي إما أن تكون فيه� � ��ا الظواهر التي ِّ‬ ‫بالغة التعقيد‪ ،‬أو أن تكون املعلومات التي ينش� � ��دونها عسيرة‬ ‫املن� � ��ال‪ ،‬أو أن جتتمع الصفتان معا‪ ،‬كم� � ��ا في حالة النماذج‬ ‫أي مضمار آخر‬ ‫املالي���ة ‪ .financial models‬بي� � ��د أنه ل� � ��م يحظ ُّ‬ ‫من النش� � ��اط البشري مبثل هذا القدر من القناعة بعلم قاصر‬ ‫كالذي حظي به علم املال‪.‬‬ ‫وكانت القوة املفترضة لنماذج تقييم املخاطر ‪risk models‬‬ ‫هي التي منحت شركات االستثمار الثقة لرفع رهاناتها مببالغ‬

‫مالية ضخمة من األموال املقترضة‪ .‬ومن ش� � ��أن تلك النماذج‬ ‫أن تعلم هذه الش� � ��ركات مب� � ��دى اخلطر الذي تنطوي عليه هذه‬ ‫الرهان� � ��ات‪ ،‬وما هي االس� � ��تثمارات األخرى الت� � ��ي ميكن أن‬ ‫تعوض عن ذلك اخلطر‪ .‬غير أن الش� � ��كوك الكبيرة التي تعتري‬ ‫هذه النماذج قد أكسبتها ثقة زائفة‪ .‬ويقول >‪ .D‬كوالندر< [وهو‬ ‫خبير اقتصادي في كلية ميديلبيري أجرى دراسات على أزمة‬ ‫ع� � ��ام ‪ ]2008‬في معرض حديثه ع� � ��ن هذا األمر‪« :‬إننا ال منتلك‬ ‫املعرفة الكافية للتوص� � ��ل إلى فهم نظري جيد للمخاطر املالية‬ ‫التي نواجهه� � ��ا‪ ،‬وأن االعتقاد أننا منتلك من� � ��اذج قادرة على‬ ‫تفسير كل ما نراه في األسواق من ممارسات غير مؤكدة وال‬ ‫ميكن التنبؤ بها‪ ،‬لي� � ��س إال ضربا من اجلنون‪ .‬ولكن هذه هي‬ ‫الطريقة التي يتم فيها استخدام النماذج في الوقت الراهن‪».‬‬ ‫ومن الس� � ��ذاجة مبكان إلقاء املس� � ��ؤولية في حدوث األزمة‬ ‫االقتصادي� � ��ة على مناذج املخاطر؛ إذ ال ش� � ��ك في أن عوامل‬ ‫بش� � ��رية أخرى ‪ -‬سياس� � ��ية ورقابية ‪ -‬كان لها دور فاعل في‬ ‫حدوثه� � ��ا‪ .‬بي� � ��د أن هذا ال يلغ� � ��ي فكرة أن النم� � ��اذج لها صلة‬ ‫مهم� � ��ة بحدوث تلك األزمة‪ .‬ولعلها أحد الش� � ��روط التي ال غنى‬ ‫عنها في تس� � ��بب وقوع الكارثة االقتصادي� � ��ة‪ .‬وبوجود الكثير‬ ‫على احملك‪ ،‬أنفقت الش� � ��ركات املالية ‪ -‬على مدى الس� � ��نوات‬ ‫الثالث املاضية ‪ -‬عشرات ماليني الدوالرات في دعم مناذجها‬ ‫()‬ ‫(‪)1‬‬

‫‪A FORMULA FOR ECONOMIC CALAMITY‬‬ ‫‪mathematical‬‬

‫باختصار‬

‫أسهمت النماذج املتطورة‪ ،‬التي اعتمدتها شركات االستثمار حلساب‬ ‫احتماالت املخاطر‪ ،‬في انهيار سوق املال عام ‪.2008‬‬ ‫إن مناذج املخاطر هذه – مع سعة انتشارها – أسقطت من اعتبارها‬ ‫قوى مهمة لها تأثيرها الفاعل في السوق‪.‬‬ ‫‪36‬‬

‫ويسعى الباحثون إلى استنباط طرائق لاللتفاف على هذه املعوقات‪،‬‬ ‫ومنع تكرار انهيار السوق‪.‬‬ ‫بيد أن هذه االستراتيجيات قد حتد من األرباح مما يرجح عدم تبني‬ ‫املصارف لها ما لم تكن مضطرة إلى ذلك‪.‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫املؤلف‬

‫‪David H. Freedman‬‬

‫منذ ثالث� �ي��ن عاما و>فريدمان< ينكب على دراس� � ��ة العلوم‬ ‫واألعم� � ��ال والتقان� � ��ة‪ ،‬وكان آخ� � ��ر كتاب له ص� � ��در بعنوان‬ ‫«اخلط� � ��أ»‪ ،‬يبحث ف� � ��ي موضوع القوى الت� � ��ي تدفع العلماء‬ ‫وغيرهم من خيرة اخلبراء إلى تضليلنا‪.‬‬

‫اخلاصة مبخاطر االس� � ��تثمار‪ ،‬عل� � ��ى أمل أن‬ ‫متنع هذه النم� � ��اذج اجلديدة تكرار حدوث أي‬ ‫ن� � ��وع من االنهيار املش� � ��ابه ملا ح� � ��دث في عام‬ ‫‪ .2008‬غير أن ذلك لم يكن على األرجح س� � ��وى‬ ‫أم� � ��ل ال رجاء في� � ��ه أو حالة م� � ��ن تعليل النفس‬ ‫ٍ‬ ‫بجدية‬ ‫باألماني‪ .‬ويش� � ��ك خبراء النماذج املالية‬ ‫في إمكانية حتس� �ي��ن من� � ��اذج املخاطر بطريقة‬ ‫جوهري� � ��ة‪ .‬ومفاد هذا ال� � ��كالم واضح بقدر ما‬ ‫(‪)1‬‬ ‫هو مخيف وميكن اختزاله في أن‪ :‬املصارف‬ ‫وشركات االس� � ��تثمار تدفع باالقتصاد العاملي‬ ‫إلى مس� � ��تقبل مهدد إلى درج� � ��ة كبيرة بخطر‬ ‫تكرار املاضي‪.‬‬ ‫املستقبل املشرق‬ ‫على أعتاب عام ‪2007‬‬

‫()‬

‫من السهل‪ ،‬إلى حد ما‪ ،‬فهم انهيار مناذج تقييم املخاطر في‬ ‫عامي ‪ 2007‬و‪2008‬؛ فق� � ��د كان يفترض في تلك النماذج أن‬ ‫حتاكي التفاعالت املعقدة للعديد من قوى السوق بعضها مع‬ ‫بعض‪ ،‬مبا فيها تقلبات األسواق‪ ،‬وتغيرات معدالت الفائدة‪،‬‬ ‫وأسعار األسهم املختلفة والسندات وعقود اخليار وغيرها‬ ‫م� � ��ن األدوات املالية‪ .‬وحتى وإن حققت ذلك ‪ -‬وهذا موضع‬ ‫خالف ‪ -‬فإنها فشلت في تفسير أحد السيناريوهات املهمة‬ ‫وهو‪ :‬ماذا يحدث عندما يزمع اجلميع بيع مقتنياتهم جميعها‬ ‫(من أرصدة وأوراق مالية) في وقت واحد؟ وهذا ما حصل‬ ‫بالضبط في تلك األيام احلالكة من الشهر ‪ ،2008/12‬عندما‬ ‫ق� � ��ررت احلكومة األمريكية عدم تق� � ��دمي العون املالي الالزم‬ ‫إلنقاذ ش� � ��ركة ليمان برذرز ‪ Lehman Brothers‬من اإلفالس‪،‬‬ ‫مما أدى إلى إعسار املؤسس� � ��ة املرموقة وعجزها عن دفع‬ ‫اس� � ��تحقاقات دائنيه� � ��ا‪ .‬ولم يتم تفادي انهيار املؤسس� � ��ات‬ ‫األخ� � ��رى الواحدة تل� � ��و األخرى كأحج� � ��ار الدومينو إال من‬

‫خ� �ل��ال قيام احلكوم� � ��ة الفيدرالية بضخ كمي� � ��ات طائلة من‬ ‫األموال إلنقاذها‪.‬‬ ‫وقد أش� � ��ارت مناذج اخلسارة على مدار عام ‪ 2007‬إلى أن‬ ‫احتمال تعثر أي مؤسسة كبرى كان ضئيال وفي حدوده الدنيا‪.‬‬ ‫وي� � ��رى >‪ .M‬آڤيالنيدا< [وهو عالم رياضيات وخبير في مناذج‬ ‫املخاطر املالية يعمل في جامعة نيويورك] أن إحدى املشكالت‬ ‫الكبيرة كانت إس� � ��قاط هذه النماذج ألحد املتغيرات األساسية‬ ‫التي تؤثر في س� �ل��امة احملفظة االستثمارية‪ :‬أال وهو السيولة‬ ‫‪ ،liquidity‬أو قدرة سوق ما على التوفيق بني الشاري والبائع‪.‬‬ ‫ففقدان متغير أساس� � ��ي ُيعتبر مشكلة كبيرة ‪ -‬إذ إن املعادلة‬ ‫التي تتنبأ مثال باحتم� � ��ال تأخر وصول رحلة جوية‪ ،‬لن تكون‬ ‫ذات مصداقي� � ��ة كبيرة إذا لم تتضم� � ��ن مصطلحا رياضياتيا‬ ‫ميث� � ��ل التأخيرات الناجمة عن األح� � ��وال اجلوية‪ .‬ورمبا تكون‬ ‫السيولة أهم متغير في تقدير مخاطر التعثر في األوراق املالية‬ ‫بضم� � ��ان رهن عقاري‪ ،‬وه� � ��ي األدوات املالية املختلفة املرتبطة‬ ‫بانفج� � ��ار قروض الس� � ��كن التي منحت على مدى الس� � ��نوات‬ ‫()‬

‫‪THE ROSY FUTURE CIRCA 2007‬‬

‫(‪ )1‬البنوك‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪37‬‬


‫العش� � ��ر املاضي� � ��ة ملقترضني خطرين‪ ،‬والس� � ��يما للمقترضني‬ ‫بالره���ن العق���اري ‪ .)1(sub-prime borrowers‬وعندم� � ��ا ب� � ��دأت‬

‫أسعار املس� � ��اكن بالهبوط عام ‪ ،2008‬لم يكن أحد متأكدا من‬ ‫القيم� � ��ة احلقيقية لتلك األدوات املالي� � ��ة‪ ،‬وأفضى ذلك بالنتيجة‬ ‫إلى توقف التداول بها – وهذا يعني أن األدوات أصبحت «ال‬ ‫سائلة»(‪ .)2‬وهذا األمر جعل املصارف التي متتلك هذه األدوات‬ ‫غير قادرة على حتويله� � ��ا إلى نقد‪ ،‬مما أثار الذعر في نفوس‬ ‫املستثمرين‪ .‬ويقول >آڤيالنيدا< إنه لو كانت النماذج املالية قد‬ ‫متكنت من حتديد مخاطر الالس���يولة ‪ illiquidity‬بشكل جيد‪،‬‬ ‫لكان مبقدور املصارف تخفيض أس� � ��عار هذه األدوات‪ ،‬بحيث‬ ‫يتمكن املشترون من املجازفة مببالغ أقل‪.‬‬ ‫ومع أن إس� � ��قاط متغير أساس� � ��ي يبدو خطأ فادحا‪ ،‬إال أن‬ ‫العلم� � ��اء يرتكبون هذا اخلطأ على ال� � ��دوام‪ .‬ففي بعض األحيان‬ ‫يرتكب العلماء هذا اخلطأ لعدم إدراكهم أهمية الدور الذي يؤديه‬ ‫هذا املتغير‪ ،‬أو لعدم معرفتهم بكيفية تفسيره‪ .‬وهذا ميثل ‪ -‬في‬ ‫نظر >كوالندر< ‪ -‬مش� � ��كلة في علم املن� � ��اخ‪ ،‬حيث غالبا ما تفتقر‬ ‫السحب‪ .‬فهو يرى «أن‬ ‫النماذج إلى مصطلحات تفسر تأثيرات ُّ‬ ‫السحب تتحكم في نسبة ‪ 60‬في املئة من الطقس‪ ،‬ولكن النماذج‬ ‫عادة ما تتجاهلها‪ .‬وعندما تعجز عن وضع منوذج لعامل ميتلك‬ ‫ذل� � ��ك النوع من التأثير في النتيج� � ��ة‪ ،‬يتعني عليك حينئذ إصدار‬ ‫العديد من األحكام اخلاصة بقبول تلك النتائج أو رفضها‪ ».‬وهذه‬ ‫املشكلة تبرز في حاالت أخرى كثيرة‪ :‬فكيف ميكنك مثال تفسير‬ ‫رغبة اجلمهور في أخذ لقاحات عند وضع منوذج لتفشي شكل‬ ‫جديد وخطير من اإلنفلونزا؟ أو تفس� � ��ير قدرة فرق االس� � ��تجابة‬ ‫للطوارئ على استبدال القطع التالفة‪ ،‬وإخماد احلرائق الناجمة‬ ‫عن شدة احلرارة في محطات الطاقة النووية‪.‬‬ ‫وعندم� � ��ا يتم بوضوح تعرف اخلطأ ف� � ��ي منوذج ما (وهو‬ ‫أمر ليس من اليس� � ��ير التوصل إليه ع� � ��ادة)‪ ،‬فقد يكون قابال‬ ‫لإلصالح ورمبا يتعذر القي� � ��ام بذلك‪ .‬ويرى >‪ .R‬جارو< [وهو‬ ‫أس� � ��تاذ جامعي مخت� � ��ص في علم امل� � ��ال واالقتصاد بجامعة‬ ‫كورني� � ��ل‪ ،‬وينصب جل اهتمامه على مناذج املخاطر] أنه ليس‬ ‫من السهل تفسير انعدام الس� � ��يولة في حالة مناذج املخاطر‬ ‫املالية‪ ،‬ألن انعدام السيولة مييل بطبيعته إلى أن يكون الخطِّ يا‬ ‫‪ nonlinear‬أكثر من الس� � ��لوك الطبيعي لألس� � ��عار‪ .‬فاألسواق‬ ‫تتحول من حالة الس� � ��يولة العالية إلى حالة انعدام الس� � ��يولة‬ ‫بلمح البصر‪ ،‬وهي بذلك أش� � ��به بالف� � ��ارق بني تصميم منوذج‬ ‫جريان الهواء حول طائرة تسير في طيرانها بسرعات طبيعية‬ ‫وجريانه حول طائرة تخترق جدار الصوت (ثمة طائرات كثيرة‬ ‫وقعت مبأزق وواجهتها متاعب قبل أن يتمكن مصممو مناذج‬ ‫الطيران من إصالح ذلك اخللل)‪ .‬ويعمل >جارو< على إضافة‬ ‫‪38‬‬

‫املصارف وشركات خطر انع� � ��دام الس� � ��يولة إلى‬ ‫النماذج‪ ،‬غي� � ��ر أنه يحذر من‬ ‫االستثمار تدفع‬ ‫أن املعادالت الناجمة رمبا ال‬ ‫باالقتصاد العاملي‬ ‫متتلك حلوال محكمة ووحيدة‪.‬‬ ‫إلى مستقبل مهدد أما انعدام السيولة فهو حالة‬ ‫ال ميكن التنبؤ بها أساسا ‪-‬‬ ‫بخطر عظيم من‬ ‫فليس ثمة منوذج رياضياتي‬ ‫تكرار األزمات‬ ‫ميكن� � ��ه حتديد الوق� � ��ت الذي‬ ‫يقرر فيه املشترون بأن إحدى‬ ‫املاضية‪.‬‬ ‫األدوات املالي� � ��ة ال تس� � ��تحق‬ ‫املجازفة بأي س� � ��عر كان‪ .‬ولتفسير هذا السلوك‪ ،‬ال بد من أن‬ ‫توفر النماذج طيفا واس� � ��عا من احللول املمكنة‪ ،‬التي ال يخلو‬ ‫أي قرار يتخذ بش� � ��أن تبني أحدها من اإلش� � ��كاليات‪ .‬ويقول‬ ‫>ج� � ��ارو< معقبا على مناذج� � ��ه‪« :‬إن النماذج التي أعمل عليها‬ ‫ذات فائدة محتملة لتقدير مخاطر انعدام الس� � ��يولة‪ ،‬غير أنها‬ ‫أبعد ما تكون عن الكمال‪».‬‬ ‫ومن املؤسف أن عدم إدراك مخاطر انعدام السيولة لم يكن‬ ‫هو املش� � ��كلة الوحيدة األساس� � ��ية؛ فقد صممت مناذج املخاطر‬ ‫املالي� � ��ة لتركز بصفة خاصة على اخلطر الذي ميكن أن تواجهه‬ ‫أي مؤسس� � ��ة بشكل منفرد‪ .‬وكان هذا األمر يبدو منطقيا دائما‬ ‫ألن املؤسس� � ��ات ال تهتم إال بحجم املخاط� � ��ر التي تتعرض لها‬ ‫بال� � ��ذات‪ ،‬وكانت اجلهات الرقابية تفت� � ��رض أنه إذا كان اخلطر‬ ‫الذي يهدد كل مؤسس� � ��ة على حدة متدني� � ��ا‪ ،‬فإن ذلك يعني أن‬ ‫النظام كان آمنا‪ .‬إال أنه تبني بأن هذا االفتراض ليس س� � ��ليما‪،‬‬ ‫عل� � ��ى حد تعبير >‪ .R‬كونت< [مدير مركز الهندس� � ��ة املالية(‪ )3‬في‬ ‫جامع� � ��ة كولومبيا] الذي يرى أنه في منظومة ما إذا تعرض أي‬ ‫عنصر من مكوناتها املتضامنة بش� � ��كل منف� � ��رد لتهديد ضئيل‬ ‫بخطر الفشل‪ ،‬فإن املخاطر التي تهدد املنظومة بكاملها ستكون‬ ‫بالغة‪ .‬تخيل مثال ‪ 30‬ش� � ��خصا يس� � ��يرون جنب� � ��ا إلى جنب عبر‬ ‫حقل‪ ،‬متراص� �ي��ن متكاتفني بحيث حتيط ذراعا كل منهم بكتفي‬ ‫صاحبي� � ��ه‪ ،‬ومن غير املرجح تعث� � ��ر أي فرد من املجموعة‪ ،‬ولك ْن‬ ‫هناك احتمال وارد بأن تزل قدم أحد أفراد املجموعة فيتعثر –‬ ‫وهذا املتعثر قد ُي ْس ِق ُط معه عددا من املصطفني إلى جانبه‪ .‬ذلك‬ ‫هو حال املؤسس� � ��ات املالية في نظر >كونت<‪ ،‬الذي يتابع قائال‪:‬‬ ‫()‬

‫‪THE DISASTER MAP‬‬

‫(‪ illiquid )1‬أو معدوم السيولة‪.‬‬ ‫(‪ )2‬مقترض ذو تاريخ ائتماني غير ناصع (من حيث االلتزام واملصداقية)‪ ،‬ومن ثم يعد‬ ‫مصدر خطر للجهات الدائنة أو املقرضة‪ .‬من مظاهر س� � ��لوكه‪ :‬تخلفه عن تس� � ��ديد‬ ‫قروضه واستحقاقات بطاقات ائتمانه‪ .‬ويقال إن تفشي اإلقراض لهذا الصنف من‬ ‫الناس هو الذي أطلق ش� � ��رارة أزمة الرهون العقارية‪ ،‬التي بلغت أوجها عام ‪2008‬‬ ‫في الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫(التحرير)‬ ‫(‪Centre for Financial Engineering )3‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫«حتى عام ‪ ،2008‬لم تك� � ��ن اجلهات الرقابية تأخذ في اعتبارها‬ ‫الرواب� � ��ط بني هذه املصارف عند قياس حجم املخاطر‪ ،‬في حني‬ ‫كان عليه� � ��ا أن تلح� � ��ظ على األقل أن جميع ه� � ��ذه املصارف قد‬ ‫وضعت استثماراتها في سوق الرهن العقاري(‪».)1‬‬ ‫خريطة الكارثة‬

‫()‬

‫يش� � ��ير >كونت< إلى أن صناعة توليد الطاقة الكهربائية تواجه‬ ‫مشكلة مشابهة؛ فاحتماالت تعطل واحدة من محطات التوليد‬ ‫ضئيلة‪ ،‬ولكنها حتدث ب� �ي��ن احلني واآلخر في موقع ما‪ ،‬وهذا‬ ‫ق� � ��د يؤدي إلى زيادة الضغط واحلمولة على احملطات األخرى‬ ‫للشبكة مما يهدد بانقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع‬ ‫وحدوث تعتيم ش� � ��امل كالذي ش� � ��هدته الوالي� � ��ات املتحدة في‬ ‫األع� � ��وام الثالث� � ��ة‪ 1965 :‬و‪ 1977‬و‪ .2003‬ولتخفي� � ��ض مثل هذا‬ ‫اخلطر الش� � ��امل الذي يه� � ��دد املنظومة كلها‪ ،‬تقوم ش� � ��ركات‬ ‫الطاقة الكهربائية بإجراء ما يس� � ��مى االختبار ‪ ،N-1‬وذلك من‬ ‫خ� �ل��ال تعطيل إحدى احملطات عمدا ف� � ��ي محاولة منها ملعرفة‬ ‫الس� � ��يناريوهات احملتملة والتنبؤ مبدى تأثير ذلك في س� � ��ائر‬ ‫احملطات في الش� � ��بكة‪ .‬بيد أن >كونت< يش� � ��ير إلى أن صناعة‬ ‫الطاقة الكهربائية لديها م� � ��ن اإلمكانات ما يؤهلها ملعرفة آلية‬ ‫ارتب� � ��اط محطاتها معا‪ .‬غي� � ��ر أن النظام املالي على عكس ذلك‬ ‫مبهم وأش� � ��به بصندوق أسود‪ .‬يقول >كونت< في هذا الصدد‪:‬‬ ‫«إنه في الوقت الراهن ال أحد يعرف شكل النظام املالي وطبيعة‬ ‫التب� � ��ادالت املالية التي تتم وما ه� � ��و حجمها وماهي األطراف‬ ‫املش� � ��تركة فيها‪ .‬وهذا يعني أننا ال نستطيع أن نتنبأ بالعواقب‬ ‫التي قد تصيب املص� � ��ارف األخرى من جراء انهيار مصرف‬ ‫مث� � ��ل ليمان برذرز‪ .‬ففي عام ‪ 2008‬أمض� � ��ت اجلهات الرقابية‬ ‫نحو ‪ 48‬س� � ��اعة للتوصل إلى مجرد تخمني حول تداعيات هذا‬ ‫االنهيار على سائر املصارف‪».‬‬ ‫واحلل الظاهر يتمثل بوضع مخطط لتلك الروابط‪ .‬وقد كان‬ ‫>كونت< واحدا من األشخاص الذين كانوا فاعلني في ممارسة‬ ‫الضغط على املؤسس� � ��ات املالية إللزامه� � ��ا باإلبالغ عن جميع‬ ‫تعامالته� � ��ا املصرفية إلى جهاز مرك� � ��زي ‪ -‬تع ّينه احلكومة –‬ ‫يكلف مبهمة جمع البيانات‪ ،‬ليس على الصعيد احمللي فحسب‪،‬‬ ‫وإمنا أيضا على الصعيد الدولي‪ ،‬وذلك نظرا لس� � ��هولة حركة‬ ‫ونقل األموال عبر احلدود هذه األيام‪ .‬بيد أن املصارف ال حتبذ‬ ‫القيام بذلك واإلبالغ عن بياناته� � ��ا املالية‪ .‬وذلك ألن اإلفصاح‬ ‫العلني عن عملية اس� � ��تثمارية كبي� � ��رة جارية قد يثير موجة من‬ ‫الش� � ��راء (بدافع التقليد األعمى) ويرفع األسعار‪ ،‬في حني أن‬ ‫ط� � ��رح عدد كبير من األس� � ��هم للبيع بس� � ��عر منخفض قد يكون‬ ‫مؤش� � ��را إلى وجود مش� � ��كالت مالية‪ ،‬مما قد يدفع املستثمرين‬

‫إلى س� � ��حب أموالهم‪ .‬وميكن مواجه� � ��ة ومعاجلة هذه املخاوف‬ ‫عن طريق ضمان س� � ��رية البالغات التي تقدم إلى جهاز جمع‬ ‫البيانات‪ ،‬على حد قول >كونت<‪ ،‬الذي يضيف مفس� � ��را‪« :‬منذ‬ ‫سنوات تتبادل احلكومات البيانات السرية اخلاصة التي تتعلق‬ ‫بالق� � ��درات النووية م� � ��ع هيئات دولية‪ .‬وبالتأكي� � ��د فإن البيانات‬ ‫املالية ليست أكثر حساسية أو سرية من هذه املعلومات»‪ .‬وفي‬ ‫احلقيقة‪ ،‬فإن القانون املسمى ‪ ،)2(Dodd-Frank Act‬الذي أقرته‬ ‫الواليات املتحدة عام ‪ 2010‬ينص على إحداث «مركز لألبحاث‬ ‫املالي� � ��ة» يخدم ‪ -‬من حي� � ��ث املبدأ – كجهاز جلم� � ��ع البيانات‬ ‫لصالح املؤسس� � ��ات األمريكية‪ .‬ومع ذلك فليس ثمة دليل حتى‬ ‫اآلن عل� � ��ى قدرة أي جهاز على جمع جمي� � ��ع البيانات الالزمة‬ ‫لوضع خريطة مفصلة تواكب مستجدات النظام املالي العاملي‪،‬‬ ‫مم� � ��ا يعني أننا قد نظل غافل� �ي��ن عن املخاطر التي تهدد النظام‬ ‫برمته كما كان حالنا في عام ‪.2007‬‬ ‫وحت� � ��ى وإن توفرت للهيئ� � ��ات الرقابية البيان� � ��ات املطلوبة‪،‬‬ ‫ف� � ��إن النماذج ال ت� � ��زال تفتقر إل� � ��ى احلنكة الكافي� � ��ة للتعامل‬ ‫معها‪ .‬ويرى >‪ .D‬دوفي< [أس� � ��تاذ مادة إدارة املوارد املالية في‬ ‫جامعة ستانفورد] أن النماذج احلالية هي مناذج قائمة على‬ ‫االحتم���ال ‪ – probabilistic‬فهي بدال من أن تبني افتراضات‬ ‫حول املس� � ��تقبل‪ ،‬تقوم باس� � ��تبعاد أي احتمال حلدوث تخلف‬ ‫مالي حت� � ��ت أي ظرف من الظروف التي ال عد لها وال حصر‪،‬‬ ‫والتي قد تسود في املس� � ��تقبل‪ .‬ومن البديهي القول إن القيام‬ ‫بذلك بكل ثقة ال يتطلب كما هائال من البيانات اجلارية فحسب‪،‬‬ ‫وإمنا أيضا فهما عاليا ملختلف الق� � ��وى الفاعلة والرياضيات‬ ‫املعقدة فضال عن قدرة حاس� � ��وبية هائل� � ��ة‪ .‬وهذا ينطبق على‬ ‫املصارف الفردية املستقلة حصرا‪ .‬أما الفكرة القائلة بتعميم‬ ‫تلك املطالب الش� � ��اقة على كامل املنظوم� � ��ة املالية‪ ،‬فهي مجرد‬ ‫هراء على حد تعبير >دوفي<‪.‬‬ ‫ويقترح >دوفي< بديال آخـر‪ :‬وهو سيناريو اختبار إجهاد‬ ‫‪ ،scenario stress testing‬أو ‪ -‬بعبارة أبسط – تفصيل عدد من‬ ‫السيناريوهات الواضحة املعالم التي ميكن أن تشكل مخاطر‬ ‫غير عادية تهدد س� �ل��امة أداء أحد املصارف‪ .‬ولعل أبسط هذه‬ ‫املش� � ��كالت هو حتديد معال� � ��م خطر تقصي� � ��ر أو تخلف مالي‬ ‫ضمن س� � ��يناريو منضبط‪ .‬وعلى سبيل املثال‪ ،‬إن كنت حتاول‬ ‫فهم املخاطر املترتبة على عدم مقدرتك تس� � ��ديد أقساط الرهن‬ ‫العقاري في مرحلة معينة‪ ،‬فكِّر كم كان األمر س� � ��يكون أسهل‬ ‫في افتراض كيفية حتمل أعباء اقتطاع نس� � ��بة ‪ 10‬في املئة من‬ ‫الراتب‪ ،‬أكثر من االضطرار إلى حساب ما ميكن أن تؤول إليه‬ ‫(‪)1‬‬

‫‪mortage‬‬

‫(‪ )2‬لإلصالح وحماية املستهلك‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪39‬‬


‫األمور في مواجهة أي حدث من األحداث املستقبلية املمكنة أو‬ ‫جميع هذه األحداث مجتمعة‪ .‬فبالنس� � ��بة إلى املصارف‪ ،‬ميكن‬ ‫أن يكون من بني الس� � ��يناريوهات املختارة هبوط سوق األوراق‬ ‫املالية‪ ،‬والتخلف عن تس� � ��ديد أقساط الرهن العقاري‪ ،‬وارتفاع‬ ‫معدالت الفائدة إلى نسب عالية‪ ،‬وهكذا دواليك‪ .‬وستشمل هذه‬ ‫الس� � ��يناريوهات أيضا تخلف واحدة أو أكثر من املؤسس� � ��ات‬ ‫املالي� � ��ة‪ ،‬ملعرفة كيف ميكن لهذا النوع من التخلف أن يؤثر في‬ ‫املصرف الذي يخضع لالختبار‪ .‬ويقول >دوفي<‪« :‬تكمن الفكرة‬ ‫هنا في إرس� � ��ال صدمات كبي� � ��رة مصطنعة حتاكي الصدمات‬ ‫الطبيعية عبر احملفظة االس� � ��تثمارية ملصرف ما‪ ،‬ومن ثم رصد‬ ‫أداء ه� � ��ذا املصرف في مواجهة هذه الصدمات واالنطالق إلى‬ ‫األمام‪ .‬وليس من املهم معرفة احتمال حدوث سيناريو خاص؛‬ ‫وإمنا من ش� � ��أن ذلك أن ي� � ��زودك مبعلومات وافرة حول أين قد‬ ‫تواجه مشكالت‪».‬‬ ‫ويوصي >دوفي< بأن يطلب إلى املصارف االستجابة لنحو‬ ‫‪ 10‬من السيناريوهات املختلفة املختارة بعناية‪ ،‬التي يتصل كل‬ ‫منها بجانب من التخلف أو التقصير احملتمل ألي من املصارف‬ ‫العشرة املختلفة‪ .‬فإذا قامت عشرة مصارف بفعل ذلك‪ ،‬على حد‬ ‫قول >دوفي<‪ ،‬فإنه سيكون لدينا مصفوفة أبعادها ‪،10x10x10‬‬ ‫من ش� � ��أنها أن توضح للهيئ� � ��ات الرقابية أي� � ��ن تكمن املخاطر‬ ‫التي ته� � ��دد املنظومة برمتها‪ .‬فلو طلب إلى مصارف رئيس� � ��ية‬ ‫محددة‪ ،‬في عام ‪ 2006‬مثال‪ ،‬أن تق ّيم أثر التخلفات في الرهون‬ ‫العقارية املتفاقمة على محافظها االستثمارية وتداعيات انهيار‬ ‫مؤسستني ماليتني عمالقتني‪ ،‬الستطاعت الهيئات الرقابية على‬ ‫األرج� � ��ح توفير جميع ما يلزمها من معلومات التخاذ إجراءات‬ ‫الس� � ��تنهاض املنظومة املالية لتس� � ��وية وضعها املتأرجح‪ .‬ويقر‬ ‫>دوفي< بأن اجلانب الس� � ��لبي لهذه املقاربة يتمثل بأن اختبار‬ ‫اإلجه� � ��اد ليس بإمكانه عمليا اس� � ��تيعاب أكثر من جزء صغير‬ ‫جدا من الس� � ��يناريوهات التي ميكن مواجهتها ‪ -‬فال ميكن أن‬ ‫يطلب إلى املصرف إصدار عدد كبير من التقديرات خلس� � ��ائر‬ ‫ومخاطر آالف الس� � ��يناريوهات املختلفة التي تتعلق بتقصير أو‬ ‫تخل� � ��ف مئات املصارف املختلفة‪ .‬وهذا يعني أنه حتى في حال‬ ‫ظهور النظام بعد اختبار السيناريو على أنه مستقر نسبيا في‬ ‫وجه هذه الصدمات احملددة‪ ،‬ف� � ��إن النظام رمبا يبقى معرضا‬ ‫لالنهي� � ��ار بفعل عدد ال حصر له من الس� � ��يناريوهات األخرى‬ ‫التي لم تكن جزءا من االختبار‪.‬‬ ‫وثمة مش� � ��كلة أخرى تتعلق بوض� � ��ع مناذج معقدة‪ ،‬هي أن‬ ‫تعقيــدهــا بحــد ذاتــ� � ��ه يغــدو عـائقـــا عند نقطة معينـــة‪ .‬ويقــول‬ ‫>‪ .P‬ويلموت< [وهو متخصص في الرياضيات التطبيقية ومدير‬ ‫س� � ��ابق لصندوق التحوط]‪ :‬غالبا م� � ��ا ينتهي املطاف بواضعي‬ ‫‪40‬‬

‫النم� � ��اذج إلى إغ� � ��راق إبداعاتهم بعش� � ��رات الش� � ��روط املثقلة‬ ‫باملتغيرات والثوابت ‪ -‬يضيف كل ش� � ��رط منها خطأ محتمال‬ ‫بصورة تراكمية‪ ،‬بحيث يكون التأثير الصافي بعيدا كل البعد‬ ‫عن الدقة‪ .‬وينادي >ويلموت< بضرورة إيجاد ما يسميه «البقعة‬ ‫الرياضياتي� � ��ة البارعة»‪ ،‬حيث ميتل� � ��ك النموذج عددا كافيا من‬ ‫الش� � ��روط جتعله أق� � ��رب ما يكون إلى الواقعي� � ��ة‪ ،‬مع احتفاظه‬ ‫بدرجة من البس� � ��اطة تتيح فهم وظيفته ومواطن قصوره فهما‬ ‫كامال‪ .‬ويضيف‪ :‬إن قلة فقط م� � ��ن واضعي النماذج ينجحون‬ ‫في إيجاد ذلك التوازن‪.‬‬ ‫وأغلب الظن أن مناذج املخاطر املالية س� � ��تبقى غير موثوق‬ ‫بها لس� � ��نوات قادمة‪ .‬فماذا عس� � ��انا أن نفعل حيالها إذن؟ إن‬ ‫اخليار احلقيق� � ��ي الوحيد يتمثل بعدم الوث� � ��وق بهذه النماذج‬ ‫مهم� � ��ا ب� � ��دت املعادالت حس� � ��نة نظري� � ��ا‪ .‬على أن ه� � ��ذا الرأي‬ ‫يتع� � ��ارض مع روح منظومة القيم التي تنادي بها س� � ��وق املال‬ ‫األمريكية (وول ستريت)‪ .‬يقول >جارو<‪« :‬لم تكن هناك دوافع‬ ‫لعدم الوثوق بالنماذج‪ ،‬ألن من ميتلكون زمام األمور ما برحوا‬ ‫يجمعون ثروات طائلة باس� � ��تعمالها‪ .‬وقد كان االعتقاد السائد‬ ‫ل� � ��دى اجلميع أن النم� � ��اذج كانت تعمل على م� � ��ا يرام إلى أن‬ ‫وقعت األزمة‪ .‬وهم اليوم يستعيدون ثقتهم بها مجددا‪ ».‬ويؤكد‬ ‫>جارو< أن النماذج والبيانات ستش� � ��هد على األرجح حتسنا‪،‬‬ ‫ولكنه لن يكون كافيا لتسويغ الثقة الزائدة بالنتائج‪.‬‬ ‫فإذا راعت الهيئات الرقابية هذه احملاذير‪ ،‬فإنها ستلزم‬ ‫املص� � ��ارف باالحتفاظ مبزي� � ��د من الس� � ��يولة النقدية والقيام‬ ‫باستثمارات أكثر أمنا‪ .‬وسيكون ثمن هذا االحتراز املعقول‪،‬‬ ‫كم� � ��ا يراه >آڤيالنيدا<‪ ،‬منظوم� � ��ة ال تعمل بالدرجة ذاتها من‬ ‫الكفاءة – ومبعنى آخر‪ ،‬إن املس� � ��تثمرين س� � ��يصبحون في‬ ‫املتوسط أقل ثراء خارجها‪ .‬وسوف جتني املصارف أرباحا‬ ‫أقل كما أنها ستقوم بتقليل عمليات إقراض األموال‪ .‬وسنجد‬ ‫جميعا بعض العناء في التقدم إلى األمام‪ ،‬غير أننا سنكون‬ ‫انطالق بدون روية وعلى غير‬ ‫أقل عرضة ألخطار محدقة نتيجة‬ ‫ٍ‬ ‫>‬ ‫هدى‪ .‬تلك هي املقايضة‪.‬‬ ‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, November 2011‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫تتمة الصفحة ‪( 35‬النمل وفنون احلرب)‬

‫الغرباء ذوي الرائحة املختلف� � ��ة‪ .‬ويحمل النمل هذه الرائحة‬ ‫ك َعلَ ٍم وطني موشوم على جس� � ��مه‪ ،‬ويعني استدامة الرائحة‬ ‫أن ح� � ��رب النمل الميكن أن تنتهي أبدا إذا اس� � ��تولت إحدى‬ ‫املس� � ��تعمرات على مس� � ��تعمرة أخ� � ��رى‪ .‬فتبدي� � ��ل الوالء في‬ ‫منتصف الطريق مستحيل بالنسبة إلى النمل البالغ‪ .‬ورمبا‬ ‫في ما عدا بعض االس� � ��تثناءات النادرة ‪ -‬فإن كل ش� � ��غالة‬ ‫تكون جزءا من املستعمرة التي ولدت فيها حتى متوت‪( ،‬وال‬ ‫يعني ذلك أن مصالح النمل واملستعمرة تكون دائما متناغمة‪،‬‬ ‫حيث حتاول الش� � ��غاالت في بعض األنواع التكاثر ‪ -‬وتحُ بط‬ ‫محاولتها ‪ -‬وهذا يشبه كثيرا ما ميكن أن يحدث من تعارض‬ ‫متعض م� � ��ا‪ ).‬وهذا التماهي مع‬ ‫املصال� � ��ح بني اجلينات في‬ ‫ٍ‬ ‫مستعمرته هو كل ما ميتلكه النمل ألنه يشكل مجتمعات غير‬ ‫متمايزة‪ :‬ففي ما عدا قدرتها على التمييز بني طبقات اجلنود‬ ‫وامللكات‪ ،‬فإن شغاالت النمل الميكنها تع ّرف بعضها اآلخر‬ ‫كأفراد‪ .‬والتزامهن االجتماع� � ��ي املطلق هو امليزة اجلوهرية‬ ‫متعض فائ����ق ‪ superorganism‬يكون فيه‬ ‫ٍ‬ ‫للعيش كج� � ��زء من‬ ‫موت ش� � ��غالة ليس أكثر من جرح إصب� � ��ع‪ .‬وكلما زاد حجم‬ ‫املستعمرة‪ ،‬تضاءل الشعور بهذا اجلرح الصغير‪.‬‬ ‫واملثال األكثر إثارة للدهش� � ��ة على الوالء للمس� � ��تعمرة في‬ ‫عالم النمل هو املتمثل بالنم� � ��ل ‪ .Linepithema humile‬ومع أن‬ ‫موطنه األرجنتني إال أنه انتش� � ��ر في أج� � ��زاء أخرى كثيرة من‬ ‫بقاع العالم عبر الس� � ��فر على وس� � ��ائل الشحن لدى اإلنسان‪.‬‬ ‫ومتت� � ��د أكبر ه� � ��ذه املس���تعمرات الفائق���ة ‪ supercolonies‬في‬ ‫كاليفورنيا من سان فرانسيس� � ��كو وحتى احلدود املكسيكية‪،‬‬ ‫وقد تضم أكثر من تريليون من األفراد احلاملة للهوية الوطنية‬ ‫نفسها‪ .‬وفي كل شهر متوت ماليني من النمل األرجنتيني على‬ ‫جبهات املعارك التي متتد إلى أميال حول س� � ��ان دييگو‪ ،‬حيث‬ ‫حتدث الصدامات مع ثالث مستعمرات أخرى في حروب رمبا‬ ‫تواصلت منذ وصول هذه األنواع إلى الوالية قبل قرن مضى‪.‬‬ ‫وينطبق هنا قانون مربع النكستر بحدة في هذه املعارك‪ ،‬حيث‬ ‫تتم االس� � ��تعاضة عن الكائنات البالغ� � ��ة الصغر عند انهيارها‬ ‫بإم� � ��دادات غير قابل� � ��ة للنفاد من التعزي� � ��زات الدائمة‪ .‬وتصل‬ ‫كثافة ش� � ��غاالت األرجنتني في املتوسط إلى بضعة ماليني في‬ ‫مس� � ��احة فناء من أفنية الضواحي‪ ،‬متفوقة بأعدادها على أي‬ ‫أنواع محلية تواجهها‪ .‬لذلك فإن املس� � ��تعمرات الفائقة تسيطر‬ ‫على مناطق كاملة‪ ،‬قاتلة كل منافس تقابله‪.‬‬ ‫ما الذي مينح هذا النمل األرجنتيني قدرة قتالية ال هوادة‬ ‫فيها؟ تظهر عدة أنواع من النمل مثل بعض املخلوقات األخرى‬ ‫مبا فيها البش� � ��ر تأثير «العدو القري� � ��ب» والذي يعني أنه بعد‬ ‫فترة من الصراع تقل معدالت املوت بشكل حاد عندما يستقر‬

‫الطرفان املتنازعان على ح� � ��دود حيادية – وغالبا ما يتم ذلك‬ ‫ف� � ��ى أراض غير مأهولة ال يعبرها أحد فيما بني الطرفني‪ .‬ففي‬ ‫الس� � ��هول الفيضية حيث نش� � ��أ النمل األرجنتيني يتعني على‬ ‫املس� � ��تعمرات املتحاربة إيقاف القت� � ��ال في كل مرة يرتفع املاء‬ ‫مجب� � ��را النمل على اللجوء إلى أراض مرتفعة‪ .‬وهذا الصراع‬ ‫ال يس� � ��تقر أبدا‪ ،‬وال تنتهي املعركة أبدا‪ .‬وهكذا ال يتم حس� � ��م‬ ‫حروبها بل تستمر إلى عقود‪.‬‬ ‫يذكر االنفج� � ��ار العنيف ملس� � ��تعمرات النم� � ��ل الفائقة‬ ‫بالقوى االستعمارية البشرية العظمى التي أبادت في وقت‬ ‫م� � ��ا املجموعات األصغر منها من الس� � ��كان األصليني في‬ ‫أمريكا إلى السكان األصليني في أستراليا‪ .‬وحلسن احلظ‬ ‫ال يش� � ��كل البش� � ��ر متعضيات فائقة باملعنى الذي وصفته‪:‬‬ ‫حيث ميكن للوالء البشري أن يتغير عبر الزمن مما يفسح‬ ‫املج� � ��ال للمهاجرين‪ ،‬ويس� � ��مح لألمم بأن تع ّرف نفس� � ��ها‬ ‫مبرونة‪ .‬ومع أنه ال مفر من احلرب عند كثير من النمل‪ ،‬إال‬ ‫>‬ ‫أنه‪ ،‬بالنسبة إلينا‪ ،‬ميكن جتنبه‪.‬‬ ‫مراجع لالستزادة‬

‫ر�سالة من املراجع العلمي لهذا املقال ينعى فيها‬ ‫الأ�ستاذ «عبداحلافظ حلمي حممد» (رحمه اهلل)‪:‬‬ ‫قلي� � ��ل أولئك الذين يبذلون العطاء دون انتظار مردود له‪ ،‬وقليل أولئك‬ ‫الذي� � ��ن يعتصرون فكرهم من أجل عمله� � ��م دون انتظار تكرمي أو تقدير‪،‬‬ ‫وقلي� � ��ل أيضا أولئك الذين يقدم� � ��ون خالصة جتاربهم إلى أجيال جديدة‬ ‫ويغرس � � �ـون فيهم حـ� � ��ب الوالء واالنتماء من أجل احلف� � ��اظ على األصالة‪.‬‬ ‫هكذا كان فقيدنا العزيز‪.‬‬ ‫أس� � ��تاذنا عبداحلافظ حلمي محمد‪ ...‬إلي� � ��ك في عالم بال ألقاب أو‬ ‫نعوت أو أحقاد‪ ،‬إليك يا من فرضت نفس� � ��ك علينا بالتواضع اجلم‪ ،‬وعفة‬ ‫اللسان‪ ،‬ودماثة اخللق‪ ...‬إليك يا من خ ّلفت وراءك هذا الرصيد العظيم من‬ ‫احملب� � ��ة والعطاء والوفاء والعلم والعمل الطيب‪ ...‬أقول لك‪ ...‬إنك باق بهذا‬ ‫وحي في قلب كل من َس ِع َد بالقرب منك‪ ،‬إنك باق معنا بذكراك الطيبة‬ ‫كله ٌّ‬ ‫ومآثرك اخلالدة‪ .‬وندعو الله لك بحسن اجلزاء ففيك يعز العزاء‪.‬‬ ‫تلميذك‬

‫محمد عبداحلميد شاهني‬

‫أستاذ متفرغ بقسم العلوم البيولوجية‬ ‫كلية التربية ‪ -‬جامعة عني شمس‬

‫‪Scientific American, December 2011‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪41‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫مستقبل الشوكوال‬

‫()‬

‫يتسابق الباحثون إلنقاذ شجرة الكاكاو من املخاطر التي تتهددها‪،‬‬ ‫وتلبية الطلب العالمَي املتزايد على الكاكاو املصنوع من بذورها‪.‬‬ ‫>‪ .H‬شميتز< ‪ .Y .H> -‬شاپيرو<‬

‫لقد كان الكاكاو غذاء اآللهة لدى شعوب املايا القدمية‪.‬‬

‫واس� � ��تخدمه الكوبي� � ��ون في القرن التاس� � ��ع عش� � ��ر كمثير‬ ‫للرغب� � ��ة اجلنس� � ��ية‪ .‬وفي القرن العش� � ��رين أوص� � ��ت الطاهية‬ ‫األمريكية الش� � ��هيرة >‪ .F‬فارمر< بـ «تأثيره املنش� � ��ط» لـ «حاالت‬ ‫س� � ��وء الهضم»‪ .‬وعبر التاريخ‪ ،‬ث َّم� � ��ن الناس الكاكاو ‪ -‬املكون‬ ‫األساسي للش� � ��وكوال ‪ -‬وهو تقليد ال يزال جاريا في عصرنا‬ ‫احلديث‪ .‬فس� � ��ينفق األمريكيون في عيد العشاق القادم وحده‬ ‫م� � ��ا قد يصل إل� � ��ى ‪ 700‬مليون دوالر على الش� � ��وكوال‪ .‬وينفق‬ ‫الن� � ��اس حول العالم أكثر من ‪ 90‬بليون دوالر في الس� � ��نة على‬ ‫َ‬ ‫العرض في املستقبل القريب مع‬ ‫الطلب‬ ‫هذه املتعة‪ .‬وقد يفوق‬ ‫ُ‬ ‫الزيادة في الطلب بس� � ��بب النمو الس� � ��كاني واألعداد املتزايدة‬ ‫لشعوب العالم النامي التي تستطيع شراء الشوكوال‪.‬‬ ‫وال تقتصر أهمية إنتاج الكاكاو على إشباع ح ِّبنا اجلمعي‬ ‫للحلويات‪ :‬إذ يعتمد خمسة إلى ستة ماليني مزارع في املناطق‬ ‫االستوائية الذين يزرعون أشجار الكاكاو على مبيعات بذورها‬ ‫كمورد لكس� � ��ب رزقهم‪ .‬ويس� � ��تخرج العمال البذور (وغالبا ما‬ ‫تس� � ��مى حبوبا) من قرون تش� � ��به كرة القدم األمريكية ومن ثم‬ ‫يخمرونها ويجففونها لتش� � ��كل شراب وزبدة وبودرة الكاكاو‪.‬‬ ‫كما تعتمد معيشة ‪ 40‬إلى ‪ 50‬مليونا آخرين على طريق اإلنتاج‬ ‫الطوي� � ��ل الذي تقطعه بذور الكاكاو م� � ��ن املزرعة إلى عرضها‬ ‫كحل� � ��وى على رفوف املتاجر‪ .‬وفي س� � ��احل العاج‪ ،‬الذي ينتج‬ ‫‪ 40‬في املئة من إجمالي إنتاج العالم من الكاكاو‪ ،‬تش � � �كِّل هذه‬ ‫الزراعة ‪ 15‬في املئة من الناجت احمللي اإلجمالي )‪ (GDP‬وتوفر‬ ‫العمل خلمسة في املئة من السكان‪.‬‬

‫لق� � ��د ذك� � ��ر >‪ .P‬لي� � ��دراخ< [من املرك� � ��ز الدول� � ��ي للزراعة‬ ‫االستوائية‪ ،‬الذي قاد األبحاث األخيرة حول آثار تغير املناخ‬ ‫في زراعة الكاكاو بساحل العاج وغانا] أن «العديد من هؤالء‬ ‫املزارعني يعتبرون أش� � ��جار ال� � ��كاكاو مبنزلة أجهزة الصرف‬ ‫اآلل� � ��ي ‪ .ATM‬يقطفون بعض الق� � ��رون ويبيعونها ليجنوا املال‬ ‫بس� � ��رعة لدفع رس� � ��وم املدارس أو النفقات الطبية‪ .‬فبالتأكيد‬ ‫تؤدي هذه األش� � ��جار دورا مهما في احلياة الريفية»‪ .‬إذ تنتج‬ ‫تل� � ��ك الدول‪ ،‬مع نيجيريا والكامي� � ��رون‪ 70 ،‬في املئة من إمداد‬ ‫الكاكاو العاملي‪.‬‬ ‫ولكن «ش���جرة الش���وكوال» الغضة ‪ Theobroma cacao‬في‬ ‫خطر‪ .‬فقد كانت هذه الشجرة دوما عرضة للتلف بفعل العدوى‬ ‫باحلشرات والفطريات‪ .‬وفي عام ‪ - 1988‬بعد ستة أعوام فقط‬ ‫من تأس� � ��يس شركتنا ‪ Incorporated‬و ‪ Mars‬ملركز علوم الكاكاو‬ ‫في منطق� � ��ة زراعة الكاكاو املزدهرة في باهيا بالبرازيل ‪ُ -‬عثر‬ ‫على املرض الفطري مكنسة الساحرة(‪ )1‬في املنطقة‪ .‬فقد الحظ‬ ‫كالن� � ��ا أنه خفض اإلنتاج بنس� � ��بة ‪ 80‬في املئة‪ ،‬مما دفع الناس‬ ‫الذي� � ��ن زرعت عائالته� � ��م الكاكاو ألجيال إل� � ��ى هجر مزارعهم‬ ‫واالنتقال إلى أكش� � ��اك الصفي� � ��ح – مما دمر إلى حد كبير في‬ ‫السنوات القليلة املاضية أرشيفا واسعا من املعرفة حول زراعة‬ ‫الكاكاو ُجمع عبر قرون‪ .‬كما ينتشر اليوم مرض فطري خطير‪،‬‬ ‫()‬

‫‪THE FUTURE OF CHOCOLATE‬‬

‫)‪ witche’s broom (1‬م� � ��رض يصيب األش� � ��جار‪ ،‬تنقله أنواع مختلف� � ��ة من املتعضيات؛‬ ‫واألنش� � ��طة البش� � ��رية هي أحيانا مس� � ��ؤولة عن إدخال هذه املتعضيات‪ ،‬كأن يقوم‬ ‫(التحرير)‬ ‫شخص بتقليم خاطىء لشجرة تاركا إياها عرضة للمرض‪.‬‬

‫باختصار‬ ‫إن طلب املستهلكني على الشوكوال‪ ،‬التي تحُ ّ‬ ‫ضر من مسحوق الكاكاو‬ ‫املصنوع من بذور شجرة الكاكاو‪ ،‬في تزايد مستمر‪.‬‬ ‫ولكن ش� � ��جرة الكاكاو معرضة لتهديد احلش� � ��رات والعدوى الفطرية‬ ‫وتغير املناخ وعدم متكن املزارعني من احلصول على األس� � ��مدة وغيرها‬ ‫‪42‬‬

‫من املنتجات التي تعزز الغلة‪.‬‬

‫ويعم� � ��ل الباحثون على دعم الش� � ��جرة الهش� � ��ة من خالل اإلنس���ال‬ ‫(التهج�ي�ن) االنتقائ���ي ‪ selective breeding‬وتثقي� � ��ف املزارعني وتقنيات‬

‫الزراعة املبتكرة والري وإدارة مكافحة األوبئة‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


‫اجلبهات‪ ،‬قد تنزلق زراعة الكاكاو إلى قاع دوامة يصعب اخلروج‬ ‫منها‪ .‬وحتقيقا لهذه الغاية‪ ،‬يعمل الباحثون اآلن على إيجاد س� � ��بل‬ ‫ملضاعفة الغلة بش� � ��كل مس� � ��تدام‪ .‬وتتضمن بع� � ��ض هذه اجلهود‬ ‫تعاونا غير مسبوق بني املزارعني والشركات واجلامعات والهيئات‬ ‫احلكومية‪ ،‬مب� � ��ا فيها وزارة الزراعة في الوالي� � ��ات املتحدة‪ .‬وكان‬ ‫أحد أش� � ��كال هذا التعاون‪ ،‬بقيادة ش� � ��ركة ‪َ ،Mars‬سلسلة جينوم‬ ‫ال���كاكاو(‪ )2‬في محاولة إليجاد طرق إلكثار أشجار أكثر قدرة على‬ ‫التحمل‪ .‬ومازال يتعني حتديد ما إذا كانت هذه اجلهود س� � ��تنجح‬ ‫ف� � ��ي زيادة الغلة بش� � ��كل كاف إلنقاذ م� � ��ورد رزق املزارعني وتلبية‬ ‫شغف العالم بالشوكوال‪ ،‬وإن كنّا نرى بعض اإلشارات الواعدة‪.‬‬

‫وه� � ��و تعفن القرون أبيض البقع(‪ ،)1‬في أمريكا الالتينيــة ومن‬ ‫املتوقع أن يصل قريبــا جدا إلى البرازيل‪ ،‬وقد يكون حتى أكثر‬ ‫تدميرا من مكنس� � ��ة الس� � ��احرة‪ .‬وماذا سيحدث إذا ما أدخلت‬ ‫مكنس� � ��ة الساحرة إلى غرب إفريقيا‪ ،‬سواء عن طريق الصدفة‬ ‫أو من خالل اإلرهاب البيولوجي (احليوي) ‪bioterrorism‬؟‬ ‫ومم� � ��ا يجعل األمور أكثر س� � ��وءا أن العديد من املزارعني‪،‬‬ ‫والس� � ��يما في إفريقيا‪ ،‬يعانون الكثير من أجل احلصول على‬ ‫أفضل البذور واألس� � ��مدة واملبيدات الفطرية‪ ،‬ناهيك عن تعلم‬ ‫كيفية استخدامها بشكل صحيح‪ .‬ومن ثم فإن الغلة ‪ -‬والدخل‬ ‫ال� � ��ذي ُيجنى منها ‪ -‬ال تتجاوز ثلث طاقاتهم أو أقل‪ .‬وحتى لو‬ ‫لَ � � � ْم حتل الكارثة‪ ،‬يرزح املَزارعون حتت عبء تلبية الطلب املُلح‬ ‫()‬ ‫الهجوم على الكاكاو‬ ‫املتوق� � ��ع على الكاكاو‪ ،‬إذ يق ّدر املصنّعون إنتاج الكاكاو حاليا‬ ‫إن جزءا من املش� � ��كلة التي تواجه مزارعي الكاكاو‪ ،‬بغض‬ ‫بنح� � ��و ‪ 3.7‬مليون طن متري‪ ،‬ويتوقع� � ��ون أن يصل الطلب إلى‬ ‫النظر عن الضغط الذي ميارس عليهم من أجل زيادة الغلة‪ ،‬هو‬ ‫أربعة ماليني طن متري بحلول عام ‪.2020‬‬ ‫ف� � ��ي ضوء هذه التحديات‪ ،‬فإنن� � ��ا ‪ -‬نحن وآخرون في صناعة‬ ‫() ‪THE ASSAULT ON COCOA‬‬ ‫)‪frosty pod rot (1‬‬ ‫الش� � ��وكوال ‪ -‬قلقون ألنه إذا لم يتم العمل بس� � ��رعة على عدد من‬ ‫)‪sequenced the cacao genome (2‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪43‬‬


‫املؤلفان‬ ‫‪Harold Schmitz‬‬

‫>شميتز< هو املسؤول العلمي الرئيس للشركة ‪.Mars Incorporated‬‬ ‫وهو عالم غذاء عن طريق التدريب‪ .‬يركز >شميتز< على سلسلة‬ ‫قيمة إنتاج الغذاء وتأثيرها في صحة اإلنسان واحليوانات األليفة‬ ‫وفي االستدامة اإليكولوجية والبيئية واالجتماعية والثقافية‪ .‬ويعمل‬ ‫في اللجنة التنفيذية للمائدة املستديرة لألبحاث بني احلكومة‬ ‫واجلامعة والصناعة في األكادمييات الوطنية‪.‬‬ ‫‪Howard-Yana Shapiro‬‬

‫>شابيرو< هو مسؤول موظَّ في علوم النبات واألبحاث اخلارجية في‬ ‫شركة ‪ .Mars‬وهو أيضا أستاذ مساعد في علوم النبات بجامعة‬ ‫كاليفورنيا‪ ،‬ديڤيس ‪ .Davis‬وقد قاد املجهود العاملي لتحديد َس ْل َسلة‬ ‫جينوم شجرة الكاكاو ‪.Theobroma cacao‬‬

‫أن احملصول صعب النمو‪ .‬لقد نشأت شجرة الكاكاو في منطقة‬ ‫األمازون العليا‪ ،‬فيما يعرف اليوم باإلكوادور‪ ،‬ومت استيرادها‬ ‫إلى إمبراطورية األومليك ‪ Olmec‬املكس� � ��يكية التي استأنستها‬ ‫ومن ثم أرسلتها إلى املايا واألزتيك‪ .‬وحمل البحارة البرتغاليون‬ ‫واإلس� � ��بان الشجرة إلى املس� � ��تعمرات في إفريقيا وآسيا‪ .‬وال‬ ‫تزال ش� � ��جرة الكاكاو اليوم تنمو فق� � ��ط في نطاق ضيق ضمن‬ ‫نحو ‪ 18‬درجة شمال‪ ،‬جنوب خط االستواء‪ .‬وهي تفضل الترب‬ ‫الغنية ذات التصري� � ��ف اجليد‪ ،‬والتي غالبا ما تكون نادرة في‬ ‫املنطقة االس� � ��توائية‪ .‬كما تتطلب حرارة ورطوبة تترافق معهما‬ ‫مجموعة كبيرة من املشكالت الفطرية والڤيروسية واحلشرية‪.‬‬ ‫فإضافة إلى مكنس� � ��ة الساحرة وتعفن القرون أبيض البقع في‬ ‫األمريكتني‪ ،‬تشمل التهديدات األخرى للشجرة ڤيروس غصن‬ ‫الكاكاو املت���ورم ‪ cocoa swollen shoot virus‬في غرب إفريقيا‪،‬‬ ‫وعث� � ��ة تدعى حفار قرون ال���كاكاو ‪ cocoa pod borer‬في جنوب‬ ‫شرق آس� � ��يا‪ ،‬ف ُت ْح ِدث العثة خسائر سنوية في احملصول تقدر‬ ‫عادة ِبـ ‪ 600‬مليون دوالر‪ .‬وتعــاني أش� � ��جار الكـاكـاو في غـانـا‬ ‫التلف الذي تسببه احلشرات وعفن القرون األسود ‪black pod‬‬ ‫َ‬ ‫‪ rot‬وعف���ن املاء ‪ water mold‬وڤيروس الغصن املتورم‪ .‬ويخشى‬ ‫اخلبراء من أن هذه األوبئة قد بدأت أيضا مبهاجمة األش� � ��جار‬ ‫األفضل صحة في س� � ��احل العاج املجاور‪ .‬ونشعر بالقلق ألنه‬ ‫ميك� � ��ن إلفريقيا وآس� � ��يا أن تعانيا انهيارا ش� � ��بيها بذلك الذي‬ ‫حصل في البرازيل بسبب هذه التهديدات‪.‬‬ ‫كما يس� � ��هم التنوع اجليني(‪ )1‬احملدود للشجرة في تفاقم‬ ‫املش � � �كــلــة‪ .‬فقــــد وجــــد عــــالـــم الــوراثـــــة املختــص بــالكــاكــاو‬ ‫>‪ .C .J‬موتامايور< وزمالؤه في ش� � ��ركة ‪ Mars‬من خالل تعقب‬ ‫اجلينيات ‪ genetic tracing‬أن الكاكاو يحتوي على ‪ 10‬أصناف‬ ‫رئيسة مختلفة تنتمي جميعها إلى النوع الواحد نفسه‪ .‬وهكذا‪،‬‬ ‫ومع أن التش� � ��ابه بني الس� �ل��االت يعني أن املزارعني ميكن أن‬ ‫يستنس���لوها (يهجنوه���ا)(‪ )2‬بسهولة‪ ،‬ولكن هذا يعني أيضا‬ ‫‪44‬‬

‫أن الس� �ل��االت التي جرى جمعها ال حتتوي على ما يكفي من‬ ‫تنوع لتوفير صالدة طبيعية أكبر جتاه األوبئة واألمراض؛ ومن‬ ‫ثم فإن وجود س� �ل��الة واحدة معرضة جينيا لإلصابة باملرض‪،‬‬ ‫يجعل احتمال استسالم جميعها للمرض كبيرا‪ .‬وعندما يخزن‬ ‫املزارع� � ��ون بذورهم اخلاصة ليزرعوا منها أش� � ��جارا جديدة‪،‬‬ ‫فإن هذا التكاثر ما بني األشجار الشبيهة ببعض يجعلها أكثر‬ ‫عرضة لإلصابة باألمراض الناجتة من احلشرات والفطور‪.‬‬ ‫وإضافة إلى املش� � ��كالت املعتادة‪ ،‬يبدو أن ظروف الزراعة‬ ‫ت� � ��زداد صعوبة‪ .‬فق� � ��د زادت الظواهر املناخي� � ��ة القصوى مثل‬ ‫الفيضانات واجلفاف والعواصف املطيرة‪ ،‬من صعوبة الزراعة‬ ‫في املنطقة االس� � ��توائية‪ .‬وق� � ��د بدأ التغي� � ��ر املناخي بتضخيم‬ ‫ه� � ��ذه الظواهر القصوى‪ ،‬مما ق� � ��د يزيد من حدة تغلغل اآلفات‬ ‫وي ّ‬ ‫خل بإمدادات املياه‪ .‬لقد تنبأت اللجنة الدولية‬ ‫واألم� � ��راض ُ‬ ‫(‪)3‬‬ ‫للتغي���ر املناخي ف� � ��ي تقرير عام ‪ 2007‬أنه بحلول عام ‪2020‬‬ ‫قد تنخف� � ��ض الغلة من احملاصي���ل البعلي���ة(‪ )4‬في أفريقيا ‪-‬‬ ‫والتي تش� � ��كل الغالبية العظمى م� � ��ن احملاصيل اإلفريقية‪ ،‬مبا‬ ‫في ذلك الكاكاو ‪ -‬بنس� � ��بة قد تصل إلى ‪ 50‬في املئة في بعض‬ ‫الدول‪ .‬كما وتو َّقع التقرير نفسه زيادة في درجة احلرارة وما‬ ‫يراف� � ��ق ذلك من نضوب في املي� � ��اه العذبة في منطقة األمازون‬ ‫بحلول منتص� � ��ف هذا القرن‪ .‬إضافة إلى ذل� � ��ك‪ ،‬تتنبأ أبحاث‬ ‫>ليدراخ< بش� � ��أن آثار تغير املناخ في غانا وساحل العاج بأن‬ ‫مناط� � ��ق زراعة الكاكاو املثالية س� � ��تتحول إلى ارتفاعات أعلى‬ ‫بس� � ��بب ارتفاع درجات احلرارة‪« .‬املشكلة هي أن معظم غرب‬ ‫إفريقيا منبس� � ��ط نس� � ��بيا‪ ،‬ويخلو م� � ��ن أي مرتفعات» كما ذكر‬ ‫>ليدراخ< في أحد البيانات الصحافية للش� � ��هر ‪ .2011/9‬ومن‬ ‫ث� � ��م ميكن لتغيرات املناخ أن تؤدي إلى نقص حاد في املناطق‬ ‫املناس� � ��بة لنمو محاصيل ال� � ��كاكاو‪ .‬ففي أندونيس� � ��يا حاليا‪،‬‬ ‫أصبحت األمطار املوس� � ��مية السنوية أكثر غزارة ولكنها تدوم‬ ‫لفترات أقصر‪ ،‬وغالبا ما تؤدي إلى سقوط األزهار عن أشجار‬ ‫الكاكاو‪ ،‬وبهذا متنع تشكل القرون‪.‬‬ ‫يزيد الفق� � ��ر من حدة هذه التحديات‪ .‬ففي س� � ��احل العاج‬ ‫وغان� � ��ا‪ ،‬فإن احلركة الداخلية للس� � ��كان املنحدرين من أصول‬ ‫عرقية متنوعة إضافة إلى الهجرة من بوركينا فاسو املجاورة‬ ‫لها واألشد فقرا‪ ،‬تولد فقط توترا بني األغنياء والفقراء‪ ،‬ولكنها‬ ‫أس� � ��همت أيضا في إبهام حقوق امللكي� � ��ة‪ .‬ففي كلتا الدولتني‪،‬‬ ‫يت� � ��ردد املزارعون في االس� � ��تثمار في أش� � ��جار رمبا ال يرثها‬ ‫أطفالهم‪ ،‬وقد اليرغب كثيرون في االس� � ��تمرار بزراعة الكاكاو‬ ‫(‪genetic variation )1‬‬ ‫(‪crossbreed )2‬‬ ‫(‪the Intergovernmental Panel on Climate Change )3‬‬ ‫(‪ rain-fed crops )4‬محاصيل تعتمد على األمطار‪.‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫يصيب فطر القرون األسود قرون بذور شجرة الكاكاو في الفلبني (الصورة في اليمني)‪ .‬وزراعة‬ ‫الكاكاو مع احملاصيل األخرى‪ ،‬مثل جوز الهند في البرازيل‪ ،‬توفر الدخل والغذاء على مدار‬ ‫السنة‪ ،‬وتزيد من قدرة احملاصيل على االحتفاظ باملاء (الصورة في اليسار)‪.‬‬

‫إال إذا كانت هناك إمكانية لتحس� �ي��ن إنتاجية الشجرة بشكل‬ ‫كبير‪ .‬فالشباب يهجرون مناطق زراعة الكاكاو‪ ،‬وهو ما يترجم‬ ‫إلى زيادة متوسط عمر املزارعني وانخفاض مستوى تعليمهم‪.‬‬ ‫ولسوء احلظ ينخفض اس� � ��تخدام األسمدة واملبيدات الفطرية‬ ‫واحلش� � ��رية ‪ -‬الت� � ��ي ميكن أن تعزز إنتاج احملاصيل بش� � ��كل‬ ‫كبي� � ��ر ‪ -‬أو يكاد أن يكون معدوما في املنطقة‪ ،‬ألن املزارعني ال‬ ‫يستطيعون حتمل نفقاتها وال يعرفون كيف يستخدمونها بشكل‬ ‫فعال‪ .‬وحتى لو كانوا يس� � ��تطيعون دفع تكاليف هذه األدوات‪،‬‬ ‫ف� � ��إن وجود املَزارع في مواقع نائية ال ميكن الوصول إليها إال‬ ‫عبر طرق سيئة الصيانة‪ ،‬يعني أن احلكومات والتجار يجدون‬ ‫صعوبة في الوص� � ��ول إلى املزارعني بهذه املنتجات وتزويدهم‬ ‫مبعرفة كيفية استخدامها بالشكل األفضل‪.‬‬ ‫إنقاذ الشوكوال‬

‫()‬

‫وألن اآلف� � ��ات واألمراض وتغير املن� � ��اخ والفقر تهدد إنتاج‬ ‫ال� � ��كاكاو‪ ،‬يجب أن يتم العمل على جميع هذه القضايا لزيادة‬ ‫الغالل من دون اللجوء إلى تخريب الغابات املطيرة للحصول‬ ‫على أراض صاحل� � ��ة للزراعة‪ .‬وال بد من إعادة اس� � ��تصالح‬ ‫األراضي املهجورة بتخصيب التربة باألسمدة وزراعة األشجار‬ ‫والشجيرات للسيطرة على التعرية‪ .‬وبينما يق َّدر متوسط الغلة‬ ‫العاملية بنحو ‪ 450‬كيلوغرام� � ��ا من حبوب الكاكاو في الهكتار‬ ‫الواحد‪ ،‬فإنه ميكن للمحاصيل التي تراعى باستخدام تقنيات‬ ‫الزراعة احلديثة أن تنتج بس� � ��هولة ‪ 1500‬كيلوغرام أو أكثر في‬

‫الهكتار الواحد‪ .‬وبالنسبة إلى العديد من مزارعي الكاكاو في‬ ‫ال� � ��دول النامية‪ ،‬فإن مضاعفة غالته� � ��م ثالث مرات يعني رفع‬ ‫احل� � ��د األدنى لدخل الفرد من مس� � ��توى الفقر عند حد دوالر‬ ‫واحد إلى مستوى املعيشة املقبولة عند ثالثة دوالرات يوميا‪.‬‬ ‫لقد خطا العلم خطوة حاس� � ��مة باجت� � ��اه زيادة الغالل قبل‬ ‫نح� � ��و عامني‪ ،‬وذل� � ��ك عندما قمنا كمجموعة م� � ��ن الباحثني من‬ ‫ش� � ��ركة ‪ Mars‬وإدارة خدمات األبح� � ��اث الزراعية )‪ (ARS‬في‬ ‫وزارة الزراعة األمريكية وشركة ‪ IBM‬وغيرها من املؤسسات‬ ‫بسلس� � ��لة وحتليل جينوم ما يدع� � ��ى بالصنف ‪ Matina 1-6‬من‬ ‫َ‬ ‫الـ ‪ T. cacao‬الـــذي يعتبــره كثيـــر مــن اخلبــــراء أصــل ‪ %96‬أو‬ ‫أكثر من مجمل ال� � ��كاكاو املزروع حول العالم‪ .‬ومن ثم جعلنا‬ ‫النتائج متاحة مجانا للجميع ‪ -‬مبا في ذلك منافس� � ��ي شركة‬ ‫‪ - Mars‬من خالل ش� � ��بكة اإلنترنت ألننا شعرنا بأنه ال توجد‬ ‫مؤسس� � ��ة واحدة متتلك املوارد الالزمة لك� � ��ي تقوم في الوقت‬ ‫املناسب باإلنس� � ��ال (التربية) الالزم إلنقاذ النوع من األزمات‬ ‫املختلف� � ��ة الت� � ��ي يواجهها‪ .‬ولكن ل� � ��م يتلقّ ال� � ��كاكا ُو االهتما َم‬ ‫اجليني الذي بذل على السلع مثل األرز والذرة والقمح – ذلك‬ ‫حس� � ��ن بش� � ��كل كبير من غلة هذه احملاصيل‪.‬‬ ‫االهتمام الذي َّ‬ ‫(أعلن احتاد آخر‪ ،‬بقيادة منظمة األبحاث الزراعية الفرنس� � ��ية‬ ‫‪ ،CIRAD‬سلسلته لصنف مختلف من الكاكاو بعد وقت قصير‬ ‫للسل َْس ِلة التي قمنا بها‪).‬‬ ‫من نشرنا َّ‬ ‫ولكي تكون األبحاث اجلزيئي� � ��ة التي جترى في مختبرات‬ ‫()‬

‫‪SAVING CHOCOLATE‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪45‬‬


‫اختالف إقليمي‬

‫جهود عاملية لتعزيز محاصيل الكاكاو‬

‫()‬

‫تنمو أشجار الكاكاو فقط في نطاق ضيق ضمن ‪ 18‬درجة شمال وجنوب خط االستواء‪ .‬وتختلف التهديدات التي تتعرض لها محاصيل الكاكاو من منطقة‬ ‫إلى أخرى‪ .‬وفيما يلي أمثلة عن مشكالت محاصيل الكاكاو املهدَّدة باملخاطر في جميع أنحاء املنطقة االستوائية واحللول املمكنة‪:‬‬

‫تهديدات‬ ‫هطول املطر الذي ال ميكن االعتماد‬ ‫عليه في البرازيل ميكن أن يسوء‬ ‫في ظروف التغير املناخي‪ ،‬معرضا‬ ‫محاصيل الكاكاو لعوز مياه مدمِّ ر‪.‬‬

‫تعفن القرون أبيض البقع‪ ،‬وهو مرض‬ ‫فطري يهاجم قرون الكاكاو‪ ،‬انتشر‬ ‫عبر أمريكا الالتينية وميكن أن ينتقل‬ ‫إلى البرازيل قريبا‪.‬‬

‫الفقر في غانا واألجزاء األخرى من غرب‬ ‫إفريقيا يعني أن املزارعني ال يستطيعون حتمل‬ ‫نفقات األسمدة واملبيدات الفطرية واحلشرية –‬ ‫والتي ميكن أن تعزز إنتاج احملصول – وليس‬ ‫لديهم التدريب الالزم الستخدامها بشكل فعّ ال‪.‬‬

‫حفار قرون الكاكاو‪ ،‬وهو عثة تتغذى‬ ‫يرقاتها داخل قرون الكاكاو وتتلف البذور‪،‬‬ ‫وفي جنوب شرق آسيا‪ ،‬ميكن أن يتسبب‬ ‫بخسائر في احملصول السنوي تقدر‬ ‫مبئات املاليني من الدوالرات‪.‬‬

‫ِحزام منو‬ ‫الكاكاو‬

‫تطوير نظم زراعية حراجية مختلطة‪ .‬إن‬ ‫زراعة الكاكاو بني احملاصيل الغذائية‬ ‫واألشجار املنتجة للخشب أو العلف‬ ‫حتسن القدرة على االحتفاظ باملاء في‬ ‫جميع أنحاء املنظومة من خالل تنويع‬ ‫تركيبة اجلذور في مصفوفة األشجار‪.‬‬

‫حلول‬

‫تربية أشجار أكثر حتمال‪ .‬باستخدام‬ ‫خريطة جينوم الكاكاو‪ ،‬قام الباحثون‬ ‫بتحديد اجلني املسؤول عن مقاومة‬ ‫تعفن القرون املُ َجلد‪ .‬يطعِّ م املزارعون‬ ‫أشجارهم بأغصان من أصناف مقاومة‪.‬‬

‫‪46‬‬

‫مساعدة املزارعني على مساعدة أنفسهم‪.‬‬ ‫يعمل برنامج كسب الرزق من الكاكاو على‬ ‫توعية املزارعني وتعزيز تنويع احملاصيل‬ ‫وحتسني كفاءة ِسلسلة التزويد‪.‬‬

‫‪1,000,000‬‬

‫دول العال� � ��م املتقدم ف ّعالة‪ ،‬يج� � ��ب أن تتواصل مع ما يقوم به‬ ‫املربّ���ون(‪ )1‬على أرض الواقع في العالم النامي‪ .‬ولذلك نظمت‬ ‫ش� � ��ركة ‪ Mars‬وإدارة خدمات األبح� � ��اث الزراعية ‪ ،ARS‬خالل‬ ‫العقد املاضي‪ ،‬شبكات ملربي الكاكاو في غرب إفريقيا وجنوب‬ ‫شرق آسيا وأمريكا الالتينية‪ .‬يستخدم املربون جينوم الكاكاو‬ ‫للبح� � ��ث في محاصيل الكاكاو في العال� � ��م عن جينات مقاومة‬ ‫احملس� � ��نة وكفاءة اس� � ��تخدام املياه ومغذيات‬ ‫األمراض والغلة‬ ‫َّ‬ ‫التربة والتأقلم مع التغير املناخي‪ .‬وبفضل مثل هذا التعاون‪،‬‬ ‫وجد >‪ .W‬فيليبس‪-‬مورا< [ ُمرب في كوس� � ��تاريكا] صنفا أظهر‬ ‫بعض املقاومة لتعفن القرون أبيض البقع‪ ،‬وقام بإرسال عينات‬ ‫لعلماء البيولوجيا اجلزيئية في الشبكة الذين استطاعوا فيما‬ ‫بعد اس� � ��تخدام خريطة اجلينوم لتحديد اجلني املس� � ��ؤول عن‬ ‫املقاومة للفطر املرعب في هذا الصنف‪ .‬وفي جهوداإلنس� � ��ال‬ ‫(التربي� � ��ة) الالحقة‪ ،‬يس� � ��تطيع املربون بس� � ��رعة حتديد ما إذا‬

‫تطوير تقنيات املكافحة املتكاملة لألوبئة‪.‬‬ ‫لم يعد بعض املزارعني يعتمد على املبيدات‬ ‫احلشرية فقط التي ميكن أن تلحق الضرر‬ ‫بالتنوع احليوي احمللي‪.‬س فهم‪ ،‬على سبيل‬ ‫املثال‪ ،‬يستعملون أعداء طبيعية حلفار‬ ‫القرون للمساعدة على السيطرة عليه‪.‬‬

‫‪200,000‬‬

‫‪1,000 10,000‬‬

‫إنتاج الكاكاو‬

‫(أطنان مترية‪)2009 ،‬‬

‫كان� � ��ت األصناف اجلديدة حتمل تلك الصفة أو صفات أخرى‬ ‫مفيدة للجيل القادم من أش� � ��جار الكاكاو‪ .‬وقد بدأ املزارعون‬ ‫في أمريكا الالتينية اليوم بالفعل بتطعيم أشجارهم بأجزاء من‬ ‫أغصان هذه النباتات اجلديدة‪.‬‬ ‫لقد س� � ��بق وح ّدد املربون أصنافا تقاوم املكنسة الساحرة‪،‬‬ ‫ولكنها ال تنت� � ��ج كاكاوا عالي اجلودة‪ .‬وتزيد الطريقة اجلديدة‬ ‫في التربية من احتمال إمكانية دمج مثل هذه الصفات املرغوبة‬ ‫كاملقاومة واجلودة في صنف واحد من خالل تهجني (إنسال)‬ ‫مدروس بعناية‪ .‬وفي س� � ��ياق مشابه‪ ،‬اكتشف الباحثون منطا‬ ‫من الكاكاو مقاوما ملرض متاوت األقنية الوعائية ‪vascular-‬‬ ‫‪ streak dieback‬في جنوب ش� � ��رق آس� � ��يا‪ ،‬وهم يقومون حاليا‬ ‫بتحليل األسس اجلينية ‪ genetic underpinnings‬لهذه الصفة‪.‬‬ ‫() ‪Global Efforts to Boost Cacao Crops‬‬ ‫(‪breeders )1‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫ويأمل خبراء الكاكاو في نهاية املطاف بتهجني أشجار مقاومة‬ ‫للفط� � ��ور واآلفات األخرى وتتحمل احل� � ��رارة وندرة املياه التي‬ ‫تصاحب غالب� � ��ا تغير املناخ مع احملافظ� � ��ة على جودة حبوب‬ ‫الكاكاو‪ .‬كما يريدون إنتاج أش� � ��جار أقل طوال‪ .‬فخالل موسم‬ ‫احلص� � ��اد‪ ،‬يقطع املزارعون قرون ش� � ��جرة الكاكاو باملقصات‬ ‫عن� � ��د نهايات الف� � ��روع الطويلة‪ .‬ويحرصون بش� � ��دة على أن ال‬ ‫يتلفوا موقع منو القرون‪ .‬حتتاج ش� � ��جرة أقصر ‪ -‬لكن بالقدر‬ ‫نفس� � ��ه أو أكثر من اإلنتاجية ‪ -‬إلى موارد أقل إلنتاج القرون‬ ‫ويكون حصادها أكثر سهولة‪.‬‬ ‫ولكن حتى األش� � ��جار القصيرة واملقاومة للجفاف بحاجة‬ ‫إل� � ��ى بعض املياه‪ .‬ففي نهاية املط� � ��اف‪ ،‬بغض النظر عن كفاءة‬ ‫أصنافنا‪ ،‬سوف يتحتم على مزارعي الكاكاو أن يكتشفوا كيف‬ ‫ي� � ��روون املزيد من احملاصيل بدال م� � ��ن االعتماد على األمطار‬ ‫املتقلبة‪ .‬ويتبنى املزارعون والعلماء وهيئات الدعم واملؤسسات‬ ‫سبال مختلفة حلل هذه املش� � ��كلة في مختلف املناطق‪ .‬فتعمل‬ ‫البرازي� � ��ل على اس� � ��تراتيجيتني مختلفتني متام� � ��ا‪ .‬يجري في‬ ‫األولى تدريب صغار املزارعني على تطوير نظم زراعية حرجية‬ ‫مختلطة‪ُ ،‬تزرع وفقها أشجار الكاكاو بني احملاصيل الغذائية‬ ‫واألش� � ��جار التي تنتج العلف واألش� � ��جار التي تنتج اخلشب‪.‬‬ ‫ويحس� � ��ن هذا املزج القدرة على االحتفاظ باملاء في النظام كله‬ ‫ِّ‬ ‫وذلك من خالل تنويع تركيبة اجلذور في مصفوفة األش� � ��جار‬ ‫جميعها‪ .‬وتأخذ االس� � ��تراتيجية الثانية اجتاها معاكسا حيث‬ ‫تعتم� � ��د على إقامة مزارع شاس� � ��عة من أش� � ��جار الكاكاو في‬ ‫منطقة باهيا بالبرازي� � ��ل‪ ،‬على ارتفاع أعلى ‪ -‬بعيدا عن نطاق‬ ‫األوبئة واألمراض التقليدية ‪ -‬في مناطق مشمسة‪ ،‬ور ّيها مبياه‬ ‫مدعمة باألس� � ��مدة لتحقيق إنتاجية قصوى‪ .‬ويقوم املزارعون‬ ‫َّ‬ ‫انخفاض منس� � ��وب املياه‬ ‫الڤيتناميون ‪ -‬الذين يعاني بعضهم‬ ‫َ‬ ‫نتيجة لالستخدام غير املستدام للمياه اجلوفية ‪ -‬ببناء خزانات‬ ‫جلمع مياه األمطار لري أشجار الكاكاو‪.‬‬ ‫وكم� � ��ا هي احلال بالنس� � ��بة إلى إمدادات املي� � ��اه‪ ،‬فإن لكل‬ ‫منطقة من مناطق زراعة ال� � ��كاكاو في العالم مجموعة خاصة‬ ‫من التحديات وبها عدد من املنظمات التي تعنى مبعاجلة هذه‬ ‫التحديات‪ .‬ففي أوائل عام ‪ ،2009‬بدأت مؤسسة الكاكاو العاملية‬ ‫)‪ (WCF‬برنــامجا بـ ‪ 40‬مليون دوالر‪ ،‬وبتمويــل مـن مؤسـس� � ��ة‬ ‫بيل وميليندا گيتس و‪ 16‬ش� � ��ركة‪ ،‬لتحس� �ي��ن األحوال املعيشية‬ ‫لنحو ‪ 200 000‬مزارع كاكاو في خمس من دول غرب ووس� � ��ط‬ ‫إفريقيا‪ .‬ويعمل برنامج اخلمس س� � ��نوات الذي يعنى بكس� � ��ب‬ ‫الرزق من الكاكاو على تعزيز معرفة وتنافسية املزارع وحتسني‬ ‫اإلنتاجية والنوعية‪ ،‬وتشجيع تنويع احملاصيل وحتسني كفاءة‬ ‫عمليات اإلنت� � ��اج‪ .‬ويعتمد البرنامج على سلس� � ��لة ناجحة من‬

‫املدارس امليدانية ملؤسس� � ��ة ال� � ��كاكاو العاملية ِ‬ ‫املوجهة ملزارعي‬ ‫الكاكاو األفارقة‪ ،‬على غرار مدارس املزارعني امليدانية ملنظمة‬ ‫األغذية والزراعة ل� �ل��أمم املتحدة )‪ .(FAO‬وقد اختار القائمون‬ ‫على املدرسة زعماء املزارعني احملليني ليقوموا باجلزء األكبر‬ ‫م� � ��ن التعليم‪ .‬وإضافة إلى تغطية مواضيع واضحة مثل إدارة‬ ‫األم� � ��راض والتقليم واحلص� � ��اد‪ ،‬تناولت امل� � ��دارس مواضيع‬ ‫مثل املالريا وڤيروس اإليدز (نقص املناعة البش� � ��رية) واألمن‬ ‫والس� �ل��امة في املزارع‪ ،‬وجتنب عمالة األطفال‪ .‬وطبقا لرئيس‬ ‫مؤسسة الكاكاو العاملية >‪ .B‬گيتون<‪ ،‬زادت دخول املتخرجني‬ ‫في املدارس بنسبة ‪ 23‬إلى ‪ 55‬في املئة‪.‬‬ ‫وفي جنوب شرق آس� � ��يا‪ ،‬يحصل املزارعون على التدريب‬ ‫ال� � ��ذي يحتاجون إليه بس� � ��بب توفر خدمات إرش� � ��ادية أفضل‪.‬‬ ‫ولكن العقبة الرئيسة هناك هي تطوير تقنيات اإلدارة املتكاملة‬ ‫لألوبئة للتعامل مع حفار القرون املد ِّمر ‪ -‬وهو العمل الذي قد‬ ‫بدأ للتو‪ .‬وتشمل مثل هذه التقنيات استخدام املصايد املعتمدة‬ ‫على الفرمون والنمل األسود (األعداء الطبيعية حلفار القرون)‬ ‫للسيطرة على العثة وعدم االعتماد على املبيدات احلشرية فقط‪،‬‬ ‫التي ميكن أن تلحق الضرر بالتنوع احليوي في املنطقة‪.‬‬ ‫إن زيادة إنتاج الكاكاو إلى ثالثة أضعاف بشكل مستدام‬ ‫ممكنة متاما‪ .‬حي� � ��ث توجد اليوم األس� � ��مدة الفعالة ومبيدات‬ ‫الفط� � ��ور وبرامج التدري� � ��ب‪ ،‬ويبدأ العلم� � ��اء بتطوير أصناف‬ ‫مقاومة لبعض املش� � ��كالت التي الزمت ش� � ��جرة الكاكاو فترة‬ ‫ولكن توفير جمي� � ��ع هذه امل� � ��وارد للمزارعني الفقراء‬ ‫طويل� � ��ة‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫والعامل� �ي��ن في مناط� � ��ق نائية‪ ،‬بحيث يصبح� � ��ون أفضل حاال‬ ‫وعلى اتص� � ��ال أفضل‪ ،‬يع ّد مهمة كبيرة للغاية بالنس� � ��بة إلى‬ ‫أي حكوم� � ��ة مبفردها أو أي وكالة م� � ��ن وكاالت األمم املتحدة‬ ‫أو شركة أو مشروع‪ .‬وسوف يحتاج حتقيق ذلك الهدف إلى‬ ‫حتالفات مبتكِ رة ونش� � ��يطة‪ .‬ولكننا متفائلون بأنه سوف يكون‬ ‫هنالك مستقبل أكثر أمنا للشوكوال والنظام البيئي االجتماعي‬ ‫والثقافي واإليكولوجي الواس� � ��ع الذي تدعمه‪ ،‬ومع هذا ال بد‬ ‫من القول هنا إن جعل الكاكاو محصوال مستداما حقا سوف‬ ‫>‬ ‫يكون في الواقع حتديا كبيرا جدا‪.‬‬ ‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, February 2012‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪47‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫سبيل جديد لعمر مديد‬

‫()‬

‫كشف الباحثون النقاب عن آلية قدمية تؤخر‬ ‫الشيخوخة‪ .‬وقد تتمكن العقاقير التي حتفِّز‬ ‫تلك اآللية من تأخير حدوث السرطان والسكري‬ ‫وغيرهما من أمراض الشيخوخة األخرى‪.‬‬ ‫>‪ .D‬ستيپ<‬

‫في صب� � ��اح رائق من الش� � ��هر ‪ 1964/11‬أبحرت س� � ��فينة البحرية امللكية‬ ‫الكندية «كيپ س� � ��كوت» من هاليفاكس‪ ،‬نوڤاس� � ��كوتيا‪ ،‬ف� � ��ي بعثة ملدة أربعة‬ ‫أش� � ��هر‪ .‬وبقيادة الراحل >ستانلي سكورينا< [األس� � ��تاذ املغامر من جامعة‬ ‫ماگي� � ��ل] توج� � ��ه الفريق املؤلف م� � ��ن ‪ 38‬عاملا على منت الس� � ��فينة إلى جزيرة‬ ‫إيستر(‪ ،)1‬وهي جزيرة بركانية تنبثق في وسط احمليط الهادي على بعد ‪2200‬‬ ‫ميل غربي تش� � ��يلي‪ .‬وقتها كانت خطط بناء مطار عل� � ��ى تلك اجلزيرة النائية‬ ‫تجُ رى على قدم وس� � ��اق‪ ،‬وهي مش� � ��هورة بتماثيله� � ��ا الغامضة ذات الرؤوس‬ ‫الهائلة‪ .‬وقد رغب الفريق في دراس� � ��ة السكان والنبات واحليوان ‪flora and‬‬ ‫‪ fauna‬التي كانت وال تزال إلى حد كبير غير متأثرة باملدنية احلديثة‪.‬‬ ‫اس� � ��تقبل أهل اجلزي� � ��رة بحرارة فريق >س� � ��كورينا< الذي اصطحب معه‬ ‫مئات العينات م� � ��ن النباتات واحليوانات‪ ،‬وكذلك من دم ولعاب كافة املقيمني‬ ‫الـتس� � ��عمئة وتس� � ��عة وأربعني‪ .‬لقد اتضح أن أنبوب اختب� � ��ار يحوي عينة من‬ ‫الترب� � ��ة هو اجلائ� � ��زة الكبرى‪ :‬فقد احت� � ��وى بكتي���رة ‪ bacterium‬تصنع مادة‬ ‫() ‪A NEW PATH TO LONGEVITY‬‬ ‫(‪Easter Island )1‬‬

‫باختصار‬ ‫ف� � ��ي عام ‪ 2009‬اكتش� � ��ف العلماء أن عقارا يس� � ��مى راپاميس�ي�ن ‪ rapamycin‬قد‬ ‫يطيل ‪ -‬بش� � ��كل واض� � ��ح  ‪ -‬العمر في الفئران‪ ،‬وهو يقوم بذلك بالتأثير في نش� � ��اط‬ ‫بروتني يسمى ‪ TOR‬الثديي أو ‪.mTOR‬‬ ‫هذه النتيجة هي الدليل األكثر إقناعا حتى اآلن على إمكانية إبطاء الشيخوخة في‬ ‫الثدييات باس� � ��تخدام العقاقير‪ ،‬وأثارت هذه النتيجة االهتمام بدراسة دور البروتني‬ ‫‪ mTOR‬في عملية الشيخوخة‪.‬‬ ‫كما سلطت النتيجة الضوء على لغز‪ :‬ملاذا يؤدي تثبيط النمو والتكاثر اخللويني ‪-‬‬ ‫أحد آثار التدخل في عمل البروتني ‪ - mTOR‬إلى إطالة مدى العمر؟‬ ‫تؤج� � ��ل أو تخ ّفف من وطأة‬ ‫وق� � ��د تفضي األبحاث في هذه املس� � ��ألة إل� � ��ى أدوية ّ‬ ‫االضطرابات املرتبطة بالش� � ��يخوخة ‪ -‬من مرض ألزهامير إلى الس� � ��رطان والسكتة‬ ‫القلبية‪ ،‬ورمبا حتى إطالة الفترة التي ميكن أن يحياها البشر‪.‬‬ ‫‪48‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


49

(2012) 6/5


‫املؤلف‬

‫‪David Stipp‬‬

‫>ستيپ< كاتب في العلوم من مدينة بوسطن‪ ،‬تركز اهتمامه على علم الشيخوخة‬ ‫‪ gerontology‬منذ أواخر تسعينات القرن املاضي‪ .‬صدر كتابه حول هذا املوضوع‬

‫«عقار الشباب‪ :‬علماء على مشارف ثورة ضد الشيخوخة»‬

‫‪The Youth Pill: Scientists‬‬

‫‪ at the Brink of an Anti-Aging Revolution‬في عام ‪ .2010‬وهو «يد ِّون» حول علم‬ ‫الشيخوخة على املوقع اإللكتروني ‪.www.davidstipp.com‬‬

‫كيميائية دفاعية ذات خاصية مدهش� � ��ة – أال وهي القدرة على‬ ‫إطالة العمر في أنواع مختلفة‪.‬‬ ‫وحالي� � ��ا‪ ،‬ب ّينت عدة ف� � ��رق أن املادة الكيميائية املس� � ��ماة‬ ‫(‪)1‬‬ ‫راپاميس��ي�ن تزيد «امل����دى األقصى للعمر» ‪the maximum‬‬ ‫‪ life span‬الذي حتي� � ��اه فئران التجارب إلى ما هو أطول من‬ ‫عمر الفئران غير املعاجلة به‪ .‬في حني تقوم ادعاءات التشكيك‬ ‫في مضادات الش� � ��يخوخة أحيانا على أس� � ��اس أن البيانات‬ ‫تظهر ازدياد معدل مدى العمر‪ ،‬األمر الذي قد يتحقق بفعل‬ ‫املضادات احليوية أو عقاقي� � ��ر أخرى تخفض حاالت املوت‬ ‫املبكر‪ ،‬ولكن ال عالقة لها بالشيخوخة‪ .‬وباملقابل‪ ،‬فإن ازدياد‬ ‫املدى األقصى للعمر (الذي يقاس غالبا كمتوسط مدى العمر‬ ‫للعشرة في املئة من السكان األطول عمرا) هو السمة املميزة‬ ‫إلبطاء الشيخوخة‪ .‬ما من عقار آخر أطال بشكل مقنع املدى‬ ‫صل‬ ‫األقص� � ��ى للعمر في أي من أقربائن� � ��ا من الثدييات‪ ،‬و َت َو ُّ‬ ‫عِ لم الش� � ��يخوخة إلى هذا العقار بعد طول انتظار س� � ��يكون‬ ‫مبثابة اختراق حاجز الصوت‪ .‬لذا أحدث النجاح في الفئران‬ ‫حتوال جذريا لدى العلماء الذين يدرسون الشيخوخة وكيفية‬ ‫تخفيف آثارها‪ .‬إذ يرغب علماء الشيخوخة ‪gerontologists‬‬ ‫بش� � ��دة في العثور على ّ‬ ‫تدخل بسيط يبطئ الشيخوخة‪ ،‬ليس‬ ‫فقط ملجرد إطالة العمر‪ ،‬بل ألن كبح الش� � ��يخوخة س� � ��يكون‬ ‫مبثاب� � ��ة ّ‬ ‫حل عام لتأجيل أو إبط� � ��اء تقدم العديد من القصور‬ ‫الذي نُصاب به عندما نتقدم بالس� � ��ن‪ ،‬من الس����ا ّد (غش����اوة‬ ‫العني) ‪ cataract‬إلى السرطان‪.‬‬ ‫ولس� � ��نوات بقيت آمال علماء الش� � ��يخوخة في اكتش� � ��اف‬ ‫مركبات مضادة للش� � ��يخوخة متذبذب� � ��ة كما لو كانت في مهب‬ ‫الريح‪ .‬فارتفع التفاؤل مع اكتشاف طفرات جينية تطيل املدى‬ ‫األقصى للعم� � ��ر في احليوانات ومع املفاهي� � ��م اجلديدة حول‬ ‫كيفية إحداث األثر نفس� � ��ه بتقيي���د الكالوريات (الس���عرات‬ ‫احلراري���ة) ‪ calorie restriction‬ف� � ��ي كثير من األنواع‪ .‬لم تقدم‬ ‫االكتش� � ��افات بعد ‪ -‬مع كل تباشيرها ‪ -‬أي عقاقير ميكن أن‬ ‫‪50‬‬

‫مت � � � َّد من احلدود القصوى لطول العم� � ��ر في الثدييات‪ .‬مع أن‬ ‫تقييد الكالوريات ‪ -‬الذي يشتمل على نظم غذائية مالئمة ولكن‬ ‫أقرب إلى ح� � ��دود املجاعة ‪ -‬ميكن أن يق� � ��وم بذلك وأن يؤخر‬ ‫أيضا السرطان واألمراض العصبية التنكسية وداء السكري‬ ‫واالضطرابات األخرى ذات الصلة بالعمر في الفئران‪ ،‬إال أن‬ ‫احلمية الشديدة ليست اختيارا مالئما إلبطاء الشيخوخة في‬ ‫معظم الكائنات الفانية ‪.mortals‬‬ ‫في عام ‪ 2006‬بدا أن املركب ريس� � ��ڤيراترول ‪- resveratrol‬‬ ‫املكون الش� � ��هير في النبيذ األحمر الذي يحدث تأثيرات مماثلة‬ ‫لتقيي� � ��د الكالوري� � ��ات في الفئ� � ��ران ‪ -‬قد يتمكن م� � ��ن اختراق‬ ‫تقصر‬ ‫احلاجز وذل� � ��ك عندما تبني أنه يحد من التأثيرات التي ّ‬ ‫العم� � ��ر والناجتة م� � ��ن حمية عالي� � ��ة الدهون ف� � ��ي القوارض‪.‬‬ ‫ولك� � ��ن هذه املادة‪ ،‬التي يعتقد أنه� � ��ا تؤثر في إنزميات معروفة‬ ‫بالسيرتوينات ‪ ،sirtuins‬فشلت الحقا في إطالة املدى األقصى‬ ‫للعمر ف� � ��ي الفئران التي تقدم لها حمي� � ��ة طبيعية‪ .‬ولكن فجأة‬ ‫أشرقت من جديد جوانب الصورة احملبطة وذلك عندما ُأعلنت‬ ‫نتائج الراپاميس� �ي��ن في منتصف عام ‪ .2009‬إذ أصدرت ثالثة‬ ‫مختبرات تقريرا مش� � ��تركا يقول إن الراپاميس� �ي��ن‪ ،‬املعروف‬ ‫حينئذ كمثبط للنمو اخللوي‪ ،‬أطال املدى األقصى للعمر بنحو‬ ‫‪ %12‬ف� � ��ي فئ� � ��ران خضعت لثالث جت� � ��ارب متوازية ممولة من‬ ‫املعهد القومي للش� � ��يخوخة(‪ .)2‬وأكثر من ذلك ولدهش� � ��ة علماء‬ ‫الش� � ��يخوخة‪ ,‬أطال العقار معدل البقاء للفئران املسنة مبقدار‬ ‫الثلث والتي كان يعتقد أنها متضررة بفعل كبر الس� � ��ن لدرجة‬ ‫متنعها من االستجابة‪.‬‬ ‫إن اجتياز الراپاميسني عقبة مدى العمر عند الثدييات لفت‬ ‫االنتباه إلى آلية عمرها بليون سنة يبدو أنها تنظم الشيخوخة‬ ‫ف� � ��ي الفئران وعدد م� � ��ن احليوانات األخرى‪ ،‬وق� � ��د تقوم بذلك‬ ‫في اإلنس� � ��ان أيضا‪ .‬واحملرك الرئيسي لهذه اآللية هو بروتني‬ ‫يس� � ��مى ‪( TOR‬اختـصــارا لـ ‪ Target of Rapamycin‬أي هـــدف‬ ‫َّ‬ ‫كمخطط لهذا البروتني‪.‬‬ ‫الراپاميسني) وكذلك اجلني الذي يعمل‬ ‫حاليا‪ ،‬يخضع البروتني ‪ TOR‬لتمحيص ش� � ��ديد في كل من علم‬ ‫الش� � ��يخوخة والطب التطبيقي‪ ،‬وذلك بسبب العدد املتنامي من‬ ‫الدراس� � ��ات على احليوان واإلنسان والتي تشير إلى أن تثبيط‬ ‫نشاط النسخة اخلاصة بالثدييات من هذا البروتني (ويرمز لها‬ ‫ب ِـ ‪ )mTOR‬في اخلاليا قد يقلل من خطر األمراض الرئيس� � ��ية‬ ‫املرتبطة بالعمر مبا فيها الس� � ��رطان واأللزهامير وباركنس� � ��ون‬ ‫وتن ّكس عضلة القلب والس� � ��كري من النمط ‪ 2‬وهشاشة العظام‬ ‫والضمور الشبكي (التنكّ س البقعي) ‪.macular degeneration‬‬ ‫(‪)1‬‬ ‫(‪)2‬‬

‫‪rapamycin‬‬ ‫‪the National Institute on Aging‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫نقطة حتول‬

‫ضمني� � ��ا‪ ,‬يدل التن� � ��وع املده� � ��ش للفوائد‬ ‫احملتمل� � ��ة على أنه لو أمك� � ��ن إيجاد أدوية‬ ‫ف���ي ع���ام ‪ 2009‬أظهرت ثالث جتارب متوازية على الفئران أن عقارا يس���مى الراپاميس�ي�ن أطال املدى‬ ‫ق� � ��ادرة على اس� � ��تهداف البروتني ‪mTOR‬‬ ‫األقصى لعمر احليوانات بنس���بة إضافية من ‪ %9‬إلى ‪( %14‬يع ّرف املدى األقصى للعمر بأنه متوس���ط‬ ‫عم���ر العش���رة ف���ي املئة من األفراد األطول عمرا م���ن النوع)‪ .‬وكانت هي املرة األول���ى التي يزيد فيها‬ ‫بأمان ودقة ألمكن اس� � ��تخدامها في إبطاء‬ ‫ثديي‪ .‬و ّلد هذا االجن���از أم َ‬ ‫ال جديدا‪ ،‬بأنه‬ ‫دواء‪ ،‬بش���كل مقن���ع‪ ،‬احلد األقصى لط���ول العمر في حيوان‬ ‫ّ‬ ‫عملية الش� � ��يخوخة في البشر مثلما يفعل‬ ‫يوما ما‪ ،‬ميكن لدواء بسيط أن يؤخر الشيخوخة ويحمي صحة البشر في املراحل املتقدمة من العمر‪،‬‬ ‫إال أن اآلثار اجلانبية للراپاميسني ستحول ‪ -‬على األرجح ‪ -‬دون أن يكون هو هذا العقار‪.‬‬ ‫الراپاميسني في الفئران وأنواع أخرى ‪-‬‬ ‫إنه� � ��ا إمكاني� � ��ة ذات مغ� � ��زى عميق للطب‬ ‫حياة أطول للفئران‬ ‫ّ‬ ‫الوقائي‪( .‬لس� � ��وء احلظ فإن للراپاميسني‬ ‫حتكم‬ ‫مجموعة‬ ‫مع راپاميسني‬ ‫إناث‬ ‫آثارا جانبية متنع غالبا اختبار قدرته على‬ ‫جميع الدراسات‬ ‫زيادة ‪%14‬‬ ‫دراسة ‪1‬‬ ‫إبطاء الشيخوخة في البشر‪).‬‬ ‫دراسة ‪2‬‬ ‫وهن� � ��اك توقع� � ��ات مش� � ��ابهة لعقاقير‬ ‫دراسة ‪3‬‬ ‫تؤثر ف� � ��ي جزيئ� � ��ات أخ� � ��رى‪ ،‬خصوصا‬ ‫ذكور‬ ‫السيرتوينات(‪ .)1‬فما هو الشيء املختلف‬ ‫جميع الدراسات‬ ‫زيادة ‪%9‬‬ ‫دراسة ‪1‬‬ ‫ف� � ��ي البروتني ‪mTOR‬؟ إن اكتش� � ��اف قيام‬ ‫دراسة ‪2‬‬ ‫عق� � ��ار ما بإطال� � ��ة املدى األقص� � ��ى للعمر‬ ‫دراسة ‪3‬‬ ‫بش� � ��كل مقنع في حي� � ��وان ثديي من خالل‬ ‫‪ 0‬يوم‬ ‫‪1,500‬‬ ‫‪300‬‬ ‫‪600‬‬ ‫‪900‬‬ ‫‪1,200‬‬ ‫التأثي� � ��ر في اجلزيء‪ ،‬يعن� � ��ي أن البروتني‬ ‫‪ mTOR‬يؤدي دورا مركزيا في الشيخوخة‬ ‫ف� � ��ي الثديي� � ��ات‪ ،‬وأن الباحثني اآلن أقرب م� � ��ن أي وقت مضى لألعضاء املزروعة‪ .‬وفي عام ‪ 1999‬حصل الراپاميس� �ي��ن على‬ ‫لفهم عملية الش� � ��يخوخة‪ .‬يقول >‪ .K‬فلورك� � ��ي< [املختص بعلم موافقة إدارة الغذاء والدواء األمريكية )‪ (FDA‬لالس� � ��تخدام في‬ ‫الش� � ��يخوخة مبختبر جاكسون في بارهاربر‪ ،‬واملؤلف املشارك املرض� � ��ى الذين خضعوا لزرع كلى‪ .‬وفي الثمانينات من القرن‬ ‫في دراس� � ��ة الراپاميس� �ي��ن في الفئران]‪« :‬إنه [البروتني ‪ ]TOR‬العش� � ��رين َع ِل َم الباحثون أيضا أن العق� � ��ار يثبط منو األورام‪،‬‬ ‫ص ِّرح باس� � ��تخدام مشتقني من هذا العقار ‪-‬‬ ‫بالتأكيد يبدو كما لو كان اللعبة األكبر في املدينة اآلن وسيظل ومنذ عام ‪ُ 2007‬‬ ‫كذلك على األرجح للعقد القادم‪».‬‬ ‫تيمس���يروليميوس ‪ temsirolimus‬م� � ��ن ش� � ��ركة فايزر ‪،Pfizer‬‬ ‫وإيڤيروليم���وس ‪ everolimus‬من شركة نوڤارتس ‪- Novartis‬‬ ‫()‬ ‫قصة البروتني ‪TOR‬‬ ‫لعالج أنواع مختلفة من السرطان‪.‬‬ ‫وقد جد علماء احلياة أن قابلية الراپاميس� �ي��ن لكبح تكاثر‬ ‫ب� � ��دأ البحث الذي قاد إلى اكتش� � ��اف تأثير البروتني ‪TOR‬‬ ‫في الشيخوخة يتشكل عندما س ّلمت بعثة >سكورنيا< عيناتها اخلاليا في كل من اخلميرة والبش� � ��ر خاصية مثيرة للفضول‬ ‫من الترب� � ��ة إلى ما كان حينئذ مختبرات آيرس� � ��ت ‪ Ayerst‬في بش� � ��دة‪ ،‬فاملركب يثبط أعمال جني منظ� � ��م للنمو ومحفوظ عبر‬ ‫مونتري� � ��ال‪ .‬وق� � ��د كان باحثو األدوية يعث� � ��رون على مضادات بليون س� � ��نة من التطور تفصل بني اخلميرة والبش� � ��ر‪( .‬تنمو‬ ‫حيوية في حفنات من التربة منذ األربعينات من القرن املاضي‪ ،‬اخلاليا ويزيد حجمها عندما تتهيأ لالنقس� � ��ام والتكاثر)‪ .‬وفي‬ ‫ولذلك قام الباحثون في معامل آيرست بفحص العينات بحثا ع� � ��ام ‪ 1991‬حدد >‪ .N .M‬هال< وزمالؤه [م� � ��ن جامعة بازل في‬ ‫سويس� � ��را] الهدف العتيق باكتش� � ��افهم أن الراپاميسني يثبط‬ ‫عن مضادات امليكروبات(‪.)2‬‬ ‫وفي ع� � ��ام ‪ 1972‬عزلوا مثبطا للفطر(‪ )3‬أطلقوا عليه اس� � ��م تأثير جينني يحكمان النمو في اخلميرة‪ ،‬وقاموا بتس� � ��ميتهما‬ ‫راپاميس� �ي��ن‪ ،‬ذلك ألن جزيرة إيستر معروفة محليا باسم راپا اجلني ‪ TOR1‬واجلني ‪ .TOR2‬وبعد ثالث سنوات مت ّكن عدد من‬ ‫نوي ‪ .Rapa Nui‬وفي البدء‪ ،‬أملت مختبرات آيرست باستخدامه الباحثني من بينهم >‪ .S‬ش� � ��ريبر< [من جامعة هارڤارد] وكذلك‬ ‫ملعاجلة عدوى اخلمي���رة ‪ .yeast infection‬ولكن العلماء الذين >‪ .D‬س� � ��اباتيني< [الذي يعم� � ��ل اآلن في معهد وايتهد لألبحاث‬ ‫كانوا يستكشفون خصائصه في دراسات مزرعة اخلاليا وفي‬ ‫() ‪TOR’S STORY‬‬ ‫() ‪The Making of Supermice‬‬ ‫األجهزة املناعية لدى احليوانات وجدوا أنه يعوق تكاثر اخلاليا‬ ‫(‪the sirtuins )1‬‬ ‫(‪antimicrobials )2‬‬ ‫املناعية‪ ،‬وعوضا عن ذلك يشجع منوها فيمنع الرفض املناعي‬ ‫(‪fungal inhibitor )3‬‬

‫صناعة فئران فائقة‬

‫()‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪51‬‬


‫آلية‬

‫قصة البروتني‬ ‫‪ :TOR‬جزيء‬ ‫جيكل وهايد‬ ‫()‬

‫يطيل الرپاميس�ي�ن عم���ر اخلميرة‬ ‫يس���مى بالبروتني‬ ‫بتثبيط بروتني‬ ‫ّ‬ ‫‪ ،TOR‬كذلك يبطئ تقييد الكالوريات‬ ‫الش���يخوخة وذل���ك جزئيا بس���بب‬ ‫تأثيره في البروتني ‪ .TOR‬وتش���ير‬ ‫األبحاث حول كيفية عمل البروتني‬ ‫ف���ي اخلاليا وحول الس���بب في أن‬ ‫تثبيطه يبطئ الش���يخوخة إلى أن‬ ‫البروتني ‪ TOR‬ذو خواص مالئكية‬ ‫وش���يطانية ف���ي آن واح���د‪ .‬فه���و‬ ‫جزيء حساس باملغذيات ضروري‬ ‫للنم���و والتطور ف���ي بداية احلياة‬ ‫(اليس���ار القري���ب)‪ .‬إال أن نش���اطه‬ ‫املستمر بعد النضج ميكن أن يضر‬ ‫بعم���ل اخللي���ة (اليس���ار البعي���د)‬ ‫وم���ن ثم يؤذي األنس���جة‪ .‬يش���تبه‬ ‫الدارس���ون ب���أن آث���ار البروت�ي�ن‬ ‫‪ TOR‬ه���ذه في املراحل املتقدمة من‬ ‫العمر‪ ،‬تؤدي دورا في الشيخوخة‬ ‫في البش���ر وفي األمراض املرتبطة‬ ‫به���ا‪ .‬واألش���كال هن���ا‪ ،‬الت���ي تركز‬ ‫عل���ى البروتني ‪ TOR‬ف���ي الثدييات‬ ‫)‪ (mTOR‬هي مبس���طة بشكل كبير‪:‬‬ ‫يؤث���ر البروت�ي�ن ‪ mTOR‬ويتأث���ر‬ ‫بش���بكة معق���دة م���ن اجلزيئات في‬ ‫اخلالي���ا (األس���هم متث���ل التحفيز‬ ‫واخلطوط األخرى متثل التثبيط)‪.‬‬

‫الطيب‪ :‬مركب‬ ‫حساس باملغذيات‬ ‫ضروري في بداية‬ ‫العمر‬

‫صناعة‬ ‫البروتينات‬ ‫والدهون‪ ،‬اخلاليا‬ ‫تنمو وتتكاثر‬

‫مغذيات‬

‫يحدث البروتني‬ ‫العديد من آثاره كجزء من‬ ‫مركب اسمه ‪.mTORC1‬‬ ‫عندما يكون الطعام وفيرا‬ ‫(في األعلى)‪ ،‬األمر الذي‬ ‫يقتضي إنتاجا متزايد ًا من‬ ‫اإلنسولني والبروتينات ذات‬ ‫الصلة (املعروفة بعوامل‬ ‫النمو ‪،)growth factors‬‬ ‫يتفاعل املركب ‪mTORC1‬‬ ‫مع األغذية وعوامل النمو‬ ‫بتنبيه تخليق مكونات‬ ‫خلوية (البروتينات‬ ‫والدهون خاصة) ومعززا‬ ‫النمو واالنقسام اخللويني‪.‬‬ ‫وفي الوقت نفسه‪ ،‬يعطي‬ ‫املركب تعليماته للخاليا‬ ‫لالمتناع عن البلعمة الذاتية‬ ‫‪ ،autophagy‬وهي عملية‬ ‫حت ِّلل عضيّات املتقدرات‬ ‫‪ mitochondria‬املعطوبة‬ ‫(مصانع الطاقة في اخلاليا)‬ ‫واجلزيئات األخرى‪.‬‬ ‫عندما يندر الطعام‬ ‫أو املوارد األخرى (في‬ ‫ّ‬ ‫املركب‬ ‫األسفل) يقل نشاط‬ ‫‪ mTORC1‬جاعال اخلاليا‬ ‫تركز على حفظ الذات ‪self-‬‬ ‫‪ preservation‬عوضا عن‬ ‫التكاثر‪ .‬وخالل ذلك‪ ،‬تزداد‬ ‫عملية البلعمة الذاتية لتقدم‬ ‫بشكل طارئ واردا من املواد‬ ‫األولية للتصليح اخللوي‬ ‫ولتوليد الطاقة‪.‬‬ ‫‪mTOR‬‬

‫�تس] ك ًّ‬ ‫ال على‬ ‫البيوكيميائي� � ��ة في كِ مبردج بوالية ماساتشوس� � � ّ‬ ‫حدة من عزل اجلني ‪ TOR‬في الثدييات‪ .‬ومن املعروف اآلن أن‬ ‫العديد من األنواع‪ ،‬من بينها الديدان واحلش� � ��رات والنباتات‪،‬‬ ‫متتلك جينات ‪ TOR‬التي حتكم منو اخللية‪.‬‬ ‫وخالل التس� � ��عينات م� � ��ن القرن املاضي ع� � ��رف الباحثون‬ ‫الكثي� � ��ر جدا ع� � ��ن أدوار هذا اجلني في اخللية وفي اجلس� � ��م‬ ‫ككل‪ ،‬واتض� � ��ح في النهاية تأثير العدي� � ��د من هذه األدوار في‬ ‫(‪)1‬‬ ‫الش� � ��يخوخة‪ .‬فوجد الباحثون أن هذا اجل� �ي��ن بالذات يكوّ د‬ ‫إنزمي� � ��ا‪ ،‬أو بروتينا محفِّزا(‪ ،)2‬الذي يتحد في الس� � ��يتوبالزم‬ ‫مع عدة بروتينات أخرى لتكوين مركب يسمى ‪ ،TORC1‬الذي‬ ‫يش� � ��رف على عدد كبير من األنش� � ��طة املرتبطة بنمو اخلاليا‪.‬‬ ‫ويؤثر الراپاميسني بشكل رئيسي في املركب ‪ .TORC1‬وهناك‬ ‫مركب ثان مفهوم بدرجة أقل ويس� � ��مى ‪ TORC2‬يشتمل أيضا‬ ‫على اإلنزمي ‪.TOR‬‬ ‫‪52‬‬

‫احلالة‪:‬‬

‫توافر املوارد‬

‫بروتينات ودهون‬ ‫إنتاج اإلنسولني‬ ‫وغيره من‬ ‫عوامل النمو‬

‫جزيء معطوب‬

‫مركب ‪ mTORC1‬مفعَّ ل‬ ‫مركب‬

‫عضية متقدرة‬ ‫معطوبة‬

‫تثبيط البلعمة‬ ‫الذاتية (حتليل‬ ‫املكونات اخللوية‬ ‫املعطوبة)‬

‫‪mTORC1‬‬

‫ذاتي‬ ‫ملتهم‬ ‫ّ‬

‫مركب ‪ mTORC1‬مثبَّط‬ ‫تناقص إنتاج‬ ‫عامل النمو‬

‫تتزايد البلعمة‬ ‫الذاتية‪ ،‬مو ّفرة‬ ‫املواد لصيانة‬ ‫وإصالح اخللية‬

‫تثبيط منو‬ ‫اخللية وتكاثرها‬

‫احلالة‪:‬‬

‫شح املوارد‬ ‫ّ‬

‫أجزاء ميكن‬ ‫إعادة استخدامها‬

‫وق� � ��د أوضحت الف� � ��رق البحثية أيض� � ��ا أن البروتني‬ ‫حساس للمغذيات‪ .‬فعندما يفيض الغذاء يزيد نشاط البروتني‬ ‫‪ TOR‬مش� � ��جعا اخلاليا على زيادة إنتاجها العام من البروتني‬ ‫وعلى االنقس� � ��ام‪ .‬وعندما يندر وجود الغذاء يقل نش� � ��اط هذا‬ ‫البروت� �ي��ن وحتفظ املوارد نتيجة لنقص كل من التصنيع العام‬ ‫للبروتني وانقس� � ��ام اخلاليا‪ .‬وفي الوقت نفس� � ��ه‪ ،‬تنشط عملية‬ ‫تس� � ��مى البلعم����ة الذاتي����ة (االلته����ام الذات����ي) ‪:autophagy‬‬ ‫تقوم اخلاليا بتكس� � ��ير املكونات املعطوبة كالبروتينات التالفة‬ ‫وعضيات املتق����درات ‪( mitochondria‬محط� � ��ات توليد الطاقة‬ ‫ف� � ��ي اخللية) املعطوب� � ��ة وظيفيا‪ ،‬مولدة منتج� � ��ات ثانوية ميكن‬ ‫استغاللها كوقود أو كمواد بناء‪ .‬والفئران الوليدة تعتمد على‬ ‫البلعمة الذاتية للحصول على الطاقة قبل أن تبدأ بالرضاعة‪.‬‬

‫‪TOR‬‬

‫() ‪TOR Story: A Jekyll and Hyde Molecule‬‬ ‫(‪encode )1‬‬ ‫(‪catalytic protein )2‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫الشرير‪ :‬قوة مخربة‬ ‫في املراحل املتقدمة‬ ‫من العمر‬

‫النتيجة‪:‬‬

‫منو املتعضي‬ ‫غير الناضج‬

‫احلالة‪:‬‬

‫استمرار نشاط‬ ‫املركب ‪mTOR‬‬

‫بعد النضج‪ ،‬ميكن أن يؤدي‬ ‫ّ‬ ‫املركب‬ ‫استمرار نشاط‬ ‫‪( mTORC1‬في األعلى)‬ ‫إلى تصنيع كميات أكثر‬ ‫من الالزم من البروتني‬ ‫وإلى تشيكل البروتينات‬ ‫القابلة للتكتل الضارة‪ .‬كما‬ ‫ميكن أن يؤدي إلى تكاثر‬ ‫غير مرغوب فيه لبعض‬ ‫أمناط اخلاليا (مثل خاليا‬ ‫العضالت امللساء التي ميكن‬ ‫أن تسهم في حدوث تصلب‬

‫الشرايني‬ ‫وناقضات العظم‬

‫‪atherosclerosis‬‬

‫النتيجة‪:‬‬

‫تباطؤ النمو إلى حني‬ ‫توافر موارد كافية‬

‫‪ osteoclasts‬التي تؤدي‬ ‫إلى تآكل العظام)‪ .‬إضافة‬ ‫إلى ذلك‪ ،‬قد يؤدّي إلى‬ ‫تراجع في وظيفة اخللية‬ ‫(مثل تناقص احلساسية‬ ‫لإلنسولني) وتعزيز‬ ‫شيخوختها (عندما تتوقف‬ ‫اخلاليا عن االنقسام لكنها‬ ‫تنمو وتكبر بشكل غير‬ ‫طبيعي وتصبح سامة‬ ‫جليرانها)‪ .‬يكبح نشاط‬ ‫املركب ‪ mTORC1‬أيضا‬ ‫عملية البلعمة الذاتية‪،‬‬ ‫مؤديا إلى تراكم املواد‬ ‫املعطوبة في اخللية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫املركب ‪mTORC1‬‬ ‫تثبيط‬ ‫(في األسفل) يؤثّر في‬ ‫التأثيرات املذكورة‬ ‫أعاله ويعتقد أنه يبطئ‬ ‫الشيخوخة بهذه الطريقة‪.‬‬

‫خلية كبيرة في العمر‬ ‫خلية معطوبة‬ ‫بعض اخلاليا‬ ‫تتكاثر أكثر من‬ ‫الالزم وبعضها‬ ‫يشيخ‪ ،‬وتتراكم‬ ‫في العديد منها‬ ‫البروتينات غير‬ ‫الطبيعية أو التي‬ ‫تعاني شكال من‬ ‫أشكال اخللل‬

‫تراكم‬ ‫البروتني‬

‫النتيجة‪:‬‬

‫تراجع وظائف اخللية‬ ‫والنسيج‪ ،‬ظهور األمراض‬ ‫ذات الصلة بالعمر‬

‫تثبيط البلعمة‬ ‫الذاتية‬

‫ازدياد البلعمة‬ ‫حتسن‬ ‫الذاتية‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الصيانة واإلصالح‬ ‫الذاتيني للخاليا‬

‫راپاميسني‪ ،‬أو‬ ‫تقييد الكالوريات‬ ‫أو أي مثبِّط آخر‬

‫احلالة‪:‬‬

‫النتيجة‪:‬‬

‫تباطؤ الشيخوخة‪ ،‬وبقاء‬ ‫النسيج بحالة صحية‬ ‫جيدة لفترة أطول‬

‫انخفاض التكاثر‬ ‫اخللوي والشيخوخة‪،‬‬ ‫الضرر اخللوي في‬ ‫حده األدنى‬

‫ال ّتدخل لتثبيط نشاط‬ ‫البروتني ‪mTOR‬‬

‫وعندما يتوفر الغذاء من جديد‪ ،‬ترتد ثانية عالقة التأرجح بني‬ ‫البروتني والبلعمة الذاتية فيزداد نشاط البروتني ‪ TOR‬وتتباطأ‬ ‫البلعمة الذاتية‪.‬‬ ‫وقد اكتشف الباحثون أيضا أن مسارات اإلشارة ‪signaling‬‬ ‫‪ pathways‬التي يتحكم فيها كل من البروتني ‪ TOR‬واإلنسولني‬ ‫تكون مرتبطة معا‪ ،‬ومس� � ��ارات اإلشارة هذه عبارة عن سلسلة‬ ‫م� � ��ن العمليات اجلزيئي� � ��ة التي تتحكم في أنش� � ��طة اخللية‪ .‬إن‬ ‫اإلنس� � ��ولني هو الهرمون الذي يفرزه البنكرياس بعد الوجبات‬ ‫لين ّبه العض� �ل��ات وغيرها من اخلاليا المتصاص الگلوكوز من‬ ‫الدم لتأمني الطاقة‪ .‬ولكن هذا ليس كل ما يقوم به اإلنس� � ��ولني‪،‬‬ ‫فهو عامل منو‪ ،‬يساعد مع بروتينات أخرى ذات صلة على تعزيز‬ ‫مس� � ��ار البروتني ‪ ،TOR‬وهو سلوك يساعد على حتفيز اخلاليا‬ ‫في اجلس� � ��م ككل لتنمو وتتكاثر استجابة لتناول الطعام‪ .‬وفي‬ ‫سمة أخرى مهمة للصحة‪ ،‬فإن الصالت بني مسارات البروتني‬

‫‪ TOR‬ومسارات اإلنسولني تتضمن عروة تغذية مرتدة عكسية‬

‫‪ :negative feedback loop‬اِستثارة البروتني ‪ TOR‬جتعل اخلاليا‬ ‫أقل حساس� � ��ية إلشارات اإلنس� � ��ولني‪ .‬وإن اإلفراط املزمن في‬ ‫األكل سينشط عندئذ البروتني ‪ TOR‬بشكل مفرط فيتزايد عدم‬ ‫اس� � ��تجابة اخلاليا لإلنس� � ��ولني؛ ومقاومة اإلنسولني هذه ميكن‬ ‫بدورها أن تؤدي إلى مس� � ��تويات مرتفعة من الس� � ��كر في الدم‬ ‫وداء الس� � ��كري وميكن أيضا أن تسهم في حدوث اضطرابات‬ ‫أخرى مرتبطة بالعمر مثل مشكالت القلب‪.‬‬ ‫كذلك يستجيب البروتني ‪ TOR‬لإلجهاد اخللوي ‪cellular‬‬ ‫‪ stresses‬الن� � ��اجت مما هو أكثر من نقص املغذيات‪ ،‬مبا في ذلك‬ ‫املستويات املنخفضة من األكسجني والدنا ‪ DNA‬التالف‪ .‬وعلى‬ ‫العموم عندما تستش� � ��عر اخلاليا مبا يهدد بقاءها‪ّ ،‬‬ ‫يقل نشاط‬ ‫البروتني ‪ .TOR‬ونتيجة لذلك التباطؤ في إنتاج البروتني وتكاثر‬ ‫اخللي� � ��ة تتحرر املوارد حتى تس� � ��تطيع اخلاليا توجيهها نحو‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪53‬‬


‫إصالح الدنا واإلجراءات الدفاعية األخرى‪ .‬فتشير الدراسات‬ ‫عل� � ��ى ذبابة الفاكهة إلى أنه م� � ��ع تقليص عمليات بناء البروتني‬ ‫ف� � ��ي حالة اإلنذار هذه‪ ،‬فإن تصنيع البروتني يتحول أيضا في‬ ‫اجتاه يقود إلى إنتاج انتقائي لبعض املكونات الرئيس� � ��ية في‬ ‫املتقدرات‪ ،‬رمبا ملساعدة اخلاليا على جتديد أجهزتها املولدة‬ ‫للطاقة‪ .‬وال ش� � ��ك في أن هذه «االس� � ��تجابة املتعددة اجلوانب‬ ‫لإلجه� � ��اد» تط� � ��ورت ملس� � ��اعدة اخلاليا على حت ّم� � ��ل الظروف‬ ‫القاس� � ��ية‪ ،‬ولكن ميكنها أيضا أن تقوي اخلاليا ‪ -‬بشكل غير‬ ‫مقصود ‪ -‬ضد نوائب الزمن‪.‬‬ ‫كشف حلقة الوصل بالشيخوخة‬

‫()‬

‫تع� � ��ود فك� � ��رة أن البروت� �ي��ن ‪ TOR‬يؤثر في الش� � ��يخوخة إلى‬ ‫اكتشافات في منتصف تس� � ��عينات القرن املاضي تشير إلى‬ ‫أن اخلاليا احملرومة من الغذاء حت ّد من النمو بتقليل نش� � ��اط‬ ‫البروتني ‪ .TOR‬وكان علماء الش� � ��يخوخة قد ش� � ��اهدوا ش� � ��يئا‬ ‫مشابها من قبل‪ :‬ففي عام ‪ 1935‬بينّ >‪ .C‬ماكي< [اختصاصي‬ ‫التغذي� � ��ة في جامعة كورنيل] أن إخضاع جرذان يافعة حلمية‬ ‫غذائية قاس� � ��ية – على مشارف التجويع ‪ -‬يجعلها تنمو ببطء‬ ‫ويطيل عمرها بش� � ��كل غير عادي‪ .‬وقد ث ُبت منذ ذلك احلني أن‬ ‫تقييد الكالوريات يزيد امل� � ��دى األقصى للعمر في أنواع متتد‬ ‫من اخلمائر إلى العناكب إلى الكالب‪ ،‬ويشير دليل مبدئي إلى‬ ‫أن ذلك يحدث في النسانيس أيضا‪ .‬فإنقاص املعدل الطبيعي‬ ‫لتن� � ��اول الكالوريات بنح� � ��و الثلث في وقت مبك� � ��ر من احلياة‬ ‫يزيد عموما املدى األقص� � ��ى للعمر بنحو ‪ 30‬إلى ‪ 40‬في املئة‪،‬‬ ‫وذلك على ما يبدو بتأجيل التدهور املرتبط بالش� � ��يخوخة؛ ففي‬ ‫‪54‬‬

‫الدراسات الطويلة األمد حول تقييد الكالوريات بدت نسانيس‬ ‫الريسوس املسنة بحالة صحية جيدة وأكثر شبابا من املعتاد‬ ‫بالنسبة إلى سنها‪.‬‬ ‫تقصر‬ ‫وهذه املقاربة ليس� � ��ت فاعلة دوما – فهي في الواقع ِّ‬ ‫عمر بعض س� �ل��االت فئران التجارب – ولكن املزيد من األدلة‬ ‫يشير إلى أن تقييد الكالوريات قد يؤدي إلى شيخوخة صحية‬ ‫في البش� � ��ر مثلما يحدث في النس� � ��انيس‪ .‬لذا فإن اكتش� � ��اف‬ ‫مركب� � ��ات تس� � ��تحضر آثار تقيي� � ��د الكالوريات دون الش� � ��عور‬ ‫باجل� � ��وع هو اله� � ��دف األقصى بالنس� � ��بة إلى العلم� � ��اء الذين‬ ‫يدرسون الشيخوخة‪.‬‬ ‫ومع بداية القرن الواحد والعش� � ��رين عرف الباحثون ما يكفي‬ ‫ع� � ��ن البروتني ‪ TOR‬ليخمنوا أن تثبيط تأثيره في اخلاليا ميكن أن‬ ‫يحاكي تقييد الكالوريات‪ .‬وفي عام ‪ 2003‬قاد >‪ .T‬ڤيالي< [باحث‬ ‫مجري زائر في جامعة فريبورگ بسويسرا] دراسة عن الدودة‬ ‫ّ‬ ‫اإلس���طوانية ‪ roundworm‬ق ّدم� � ��ت أول بره� � ��ان عل� � ��ى أن تثبيط‬ ‫البروتني ‪ TOR‬ميكن أن يؤخر الشيخوخة‪ :‬عن طريق تثبيط بناء‬ ‫البروتني ‪ TOR‬في الديدان جينيا؛ ورفع هو وزمالؤه معدل مدى‬ ‫عم� � ��ر الديدان إلى أكث� � ��ر من الضعف‪ .‬وبعد ع� � ��ام واحد‪ ،‬ب ّينت‬ ‫دراسة أجريت في معهد كاليفورنيا للتقانة‪ ،‬وقادها >‪ .P‬كاباهي<‬ ‫[ال� � ��ذي يعمل حالي� � ��ا في معهد بوك ‪ Buck‬ألبحاث الش� � ��يخوخة‬ ‫في نوڤاتو بوالية كاليفورنيا] أن كبح نش� � ��اط البروتني ‪ TOR‬في‬ ‫ذبابة الفاكهة أطال أيضا معدل مدى عمرها وحماها من عواقب‬ ‫نظم احلمية عالية الدهون‪ ،‬متام� � ��ا كما يفعل تقييد الكالوريات‪.‬‬ ‫وف� � ��ي عام ‪ 2005‬أ ّك� � ��د >‪ .B‬كنيدي< [ال� � ��ذي كان يعمل وقتها في‬ ‫جامعة واش� � ��نطن] مع زمالئه مجددا الصلة بني البروتني ‪TOR‬‬ ‫والشيخوخة بإظهار أن تعطيل جينات املسارات املتباينة للبروتني‬ ‫‪ TOR‬في خاليا اخلميرة أطال عمرها‪.‬‬ ‫وهذه الدراس� � ��ات‪ ،‬إضافة إلى غيرها من دراسات البروتني‬ ‫‪ ،TOR‬كانت مثيرة بش� � ��كل خاص ألنها تقترح أن تثبيط البروتني‬ ‫‪ TOR‬يحاك� � ��ي ليس فقط تقييد الكالوري� � ��ات ولكن أيضا جينات‬ ‫طافرة معروفة بإطالة العمر‪ .‬وقد ِ‬ ‫اكتش� � ��ف أول جني من جينات‬ ‫الش���يخوخة ‪ gerontogenes‬ه� � ��ذه قبل نحو عق� � ��د من الزمن في‬ ‫الديدان اإلس� � ��طوانية التي جرت مضاعفة متوسط عمرها ومداه‬ ‫األقصى بواس� � ��طة طف� � ��رات‪ ،‬تبني الحق� � ��ا أنها تكبح إش� � ��ارات‬ ‫اإلنسولني اخلاص بهذا النوع‪ .‬إن االكتشاف بأن الشيخوخة ‪-‬‬ ‫التي اعت ُِقد سابقا أنها معقدة إلى درجة مستعصية على الفهم‪،‬‬ ‫ميكن إبطاؤها إلى حد كبير بتعديل جني واحد ‪ -‬قد ساعد على‬ ‫جعل علم الشيخوخة موضوعا ساخنا؛ واقترح ‪ -‬من بني جملة‬ ‫أمور أخرى ‪ -‬أنه ميكن تأخير الش� � ��يخوخة في البشر بواسطة‬ ‫()‬

‫‪FINDING THE AGING LINK‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫العقاقير‪ .‬وتع ّززت هذه الفكرة باكتشاف جينات شيخوخة متنوعة‬ ‫في الفئران‪ ،‬وذلك في نهاية التسعينات من القرن املاضي وبداية‬ ‫القرن احلالي‪ ،‬تكبح إش� � ��ارات النمو مب� � ��ا فيها تلك املوجهة إلى‬ ‫اخلاليا بواس� � ��طة اإلنسولني وهرمون قريب الصلة يسمى عامل‬ ‫النمو ش���بيه اإلنس���ولني ‪ .insulinlike growth factor 1‬وفي عام‬ ‫‪ 2003‬س� � ��جل فأر حامل لهذه الطفرة رقما قياس� � ��يا لطول العمر‬ ‫بالنس� � ��بة إلى نوعه‪ :‬قرابة خمس س� � ��نوات‪ .‬فبش� � ��كل عام تعيش‬ ‫فئران التجارب مدة أقل من ‪ 30‬شهرا‪.‬‬ ‫وقد تَعتقد أن الروابط بني البروتني ‪ TOR‬وتقييد الكالوريات‬ ‫وجينات الش� � ��يخوخة قد ألهمت س� � ��باقا محموما الختبار أثر‬ ‫الراپاميس� �ي��ن في إطالة العمر في الثديي� � ��ات‪ .‬إ ّال أن اخلبراء‬ ‫في ش� � ��يخوخة الثدييات «لم يأخذوا الراپاميسني محمل اجلد‬ ‫فعليا» كما يقول >‪ .S‬أوس� � ��تاد< [عالِم الش� � ��يخوخة في معهد‬ ‫بارشوب لدراس� � ��ات طول العمر والشيخوخة(‪ )1‬مبركز جامعة‬ ‫تكساس للعلوم الصحية بسان انطونيو]‪ .‬والسبب في ذلك أن‬ ‫الراپاميسني كان معروفا ككابح للمناعة ‪،immunosuppressant‬‬ ‫لذا ش� � ��اع االفتراض بأن إعطاءه لفترات طويلة سيكون ساما‬ ‫للثديي� � ��ات‪ .‬ومع ذلك فقد اس� � ��تنتج >‪ .D .Z‬ش� � ��ارب< [زميل من‬ ‫زمالء >أوستاد< في معهد بارش� � ��وب وهو ذو عقلية مستقلة]‬ ‫خالف ذلك بعد دراسة أبحاث البروتني ‪ .TOR‬ففي عام ‪2004‬‬ ‫ش� � ��رع في دراس� � ��ة كبيرة عن مدى عمر الفئران التي أعطيت‬ ‫جرعات من الراپاميسني لفترات طويلة‪.‬‬ ‫في أول األمر‪ ،‬بدت الدراس� � ��ة املمولة من املعهد القومي‬ ‫للشيخوخة كما لو كانت تسير بشكل سيئ‪ ،‬إذ ّ‬ ‫أخرت مشكل ُة‬ ‫مزج تركيبة العقار في طعام الفئران البدء بتقدمي اجلرعات‬ ‫حتى صار عمر قوارض الدراس� � ��ة ‪ 20‬شهرا‪( ،‬ما يعادل ‪60‬‬ ‫سنة بالنسبة إلى البشر)‪ .‬وفي هذه املرحلة يقول >أوستاد<‪:‬‬ ‫«ال أح� � ��د‪ ،‬وأعني فعال ال أحد‪ ،‬تو ّقع جن� � ��اح التجربة حقا»‪.‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬حتى تقييد الكالوريات ال يطيل ‪ -‬بدرجة موثوق‬ ‫بها ‪ -‬مدى عمر مثل هذه احليوانات املس� � ��نة‪ .‬ولكن في عام‬ ‫‪ 2009‬قامت ثالثة مختبرات متخصصة في علم الش� � ��يخوخة‬ ‫مجتمعة بإجراء تلك الدراس� � ��ة – >‪ .R‬سترونگ< [من معهد‬ ‫بارش� � ��وب]‪ ،‬و>‪ .D‬هاريس� � ��ون< [من مختبر جاكسون] و>‪.R‬‬ ‫ميلر< [من جامعة ميتش� � ��گان‪ ،‬آن آربر] ‪ -‬وصنعوا التاريخ‬ ‫بنشرهم تقريرا بأن العقار قد رفع مدى العمر املتوقع ‪life‬‬ ‫‪ expectancy‬بنس� � ��بة مذهلة قدرها ‪ %28‬في ذكور القوارض‬ ‫املس� � ��نة و‪ %38‬في اإلناث مقارنة باحليوانات في مجموعة‬ ‫التحكم ‪ .control animals‬وارتفع املدى األقصى للعمر بنسبة‬ ‫‪ %14‬في اإلناث و‪ %9‬في الذكور‪.‬‬ ‫وسريعا تبعت تلك النتائج املثيرة في الفئران نتائج أخرى‬

‫ّ‬ ‫توضح أهمية البروتني ‪ TOR‬في الشيخوخة‪ .‬فذكر باحثون من‬ ‫كلية جامعة لندن في تقرير لهم بأن تعطيل جني يسمى ‪،S6k1‬‬ ‫الذي ُيسهل حتكم اإلنزمي ‪ mTOR‬في تصنيع البروتني – يجعل‬ ‫إناث الفئران مقاومة لألمراض املرتبطة بالس� � ��ن ويطيل املدى‬ ‫األقصى لعمرها‪( .‬ولس� � ��بب غامض أظهرت الذكور استفادة‬ ‫ضئيلة)‪ .‬كذلك ذكرت تقارير املختبرات األمريكية الثالثة التي‬ ‫اختبرت تأثير الراپاميس� �ي��ن في الفئ� � ��ران ألول مرة‪ ،‬أن البدء‬ ‫بإعطاء جرعات لقوارض بعمر تسعة أشهر أطال عمرها بنحو‬ ‫املقدار نفس� � ��ه ال� � ��ذي أطاله البدء بإعطاء ه� � ��ذه اجلرعات عند‬ ‫عمر ‪ 20‬ش� � ��هرا‪ ،‬مما يقترح بأن الراپاميسني يصبح ذا فائدة‬ ‫بالدرجة األولى بع� � ��د منتصف العمر‪ ،‬رمبا ألنها املرحلة التي‬ ‫يحدث فيها معظم التدهور الذي يقاومه العقار‪.‬‬ ‫إن حقيق� � ��ة أن تثبيط البروتني ‪ TOR‬يطيل أعمار عدة أنواع‬ ‫م� � ��ن األحياء تبرز اآلن كمنارة في غموض املعلومات اجلزيئية‬ ‫الذي يحيط بالش� � ��يخوخة‪ .‬إال أن ه� � ��ذه األهمية ال تعني‪ ،‬على‬ ‫الرغم من ذلك‪ ،‬أن الس� � ��بل األخرى غير مهم� � ��ة لطول العمر‪.‬‬ ‫فف� � ��ي الواقع‪ ،‬يتزايد تصوير علماء الش� � ��يخوخة للمس� � ��ارات‬ ‫الت� � ��ي يؤثر فيها تقيي� � ��د الكالوريات كما ل� � ��و كانت تنتمي إلى‬ ‫شبكة متعددة اجلوانب ومعقدة ميكن أن حت َّرض بطرق عديدة‬ ‫لتعزيز شيخوخة صحية‪ .‬وتتضمن مكونات الشبكة اإلنزميات‬ ‫املرتبطة باإلنس� � ��ولني وبروتينات تس� � ��مى ‪ FoxOs‬التي ِّ‬ ‫تنشط‬ ‫اس� � ��تجابة اخلاليا للعوامل املجهِ دة‪ .‬كما يشير دليل مهم إلى‬ ‫أن الس� � ��يرتوينات تس� � ��اعد على توليد فوائد مثل فوائد تقييد‬ ‫الكالوري� � ��ات في الثدييات؛ وفي بعض األحيان قد تس� � ��هم في‬ ‫تثبيط البروتني ‪ .TOR‬وعند ه� � ��ذه النقطة‪ ،‬يبدو وكأن البروتني‬ ‫‪ TOR‬هو أش� � ��به ما يكون بوحدة املعاجلة املركزية في الشبكة‪،‬‬ ‫فيدمج مدخ� �ل��ات مختلفة لضبط مع ّدل التقدم في العمر‪ ،‬على‬ ‫األقل في العديد من األنواع ورمبا في البشر أيضا‪.‬‬ ‫لغز ُيحل‬

‫()‬

‫ف� � ��ي محاولة للوصول إلى فهم أفض� � ��ل للكيفية التي يطيل بها‬ ‫تثبيط البروتني ‪ TOR‬وتقيي� � ��د الكالوريات مدى العمر في مثل‬ ‫ذلك العدد من األنواع‪ ،‬وجد الباحثون أنفسهم أمام لغز قدمي‪:‬‬ ‫ملاذا تتطور أي آلية لتأخير الشيخوخة؟‬ ‫ح ّير املوض� � ��وع علماء احلياة املتخصص� �ي��ن في التطور‪،‬‬ ‫ألن االنتق���اء الطبيع���ي ‪ natural selection‬يعم� � ��ل على تعزيز‬ ‫تكاثر ناجح‪ ،‬ولي� � ��س ليمكِّن املتعضي���ات (الكائنات احلية)‬ ‫‪ organisms‬من االس� � ��تمرار لوقت إضافي بلعبة احلياة والبقاء‬ ‫() ‪AN ENIGMA UNRAVELS‬‬ ‫(‪Barshop Institute for Longevity and Aging Studies )1‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪55‬‬


‫مفعمة باحلي� � ��اة في أعمار يكون أف� � ��راد نوعها في العادة قد‬ ‫ُأبيدوا بفعل احليوانات املفترسة أو العدوى أواحلوادث أو ما‬ ‫شابه‪ .‬وبسبب مثل هذه العوامل اخلارجية التي تعرض البقاء‬ ‫للخطر‪ ،‬ج ّهز التطور ‪ -‬بش� � ��كل فع� � ��ال ‪ -‬املخلوقات لكي حتيا‬ ‫م� � ��دة كافية للتكاثر قبل أن تفعل البيئة فعلها بها؛ ومع تناقص‬ ‫احتماالت اس� � ��تمرار بقائها‪ ،‬فإنها تتدهور كاملنازل املهجورة‪.‬‬ ‫إال أن تقيي� � ��د الكالوريات يؤخر التده� � ��ور الناجم عن املراحل‬ ‫األخيرة من العمر في أنواع متباينة جدا‪ ،‬مما يش� � ��ير ضمنيا‬ ‫إلى أنه يح ِّفز آلية قدمية ‪ -‬وما تزال محفوظة ‪ -‬شكَّلها االنتقاء‬ ‫الطبيعي لتبطئ الشيخوخة في بعض الظروف‪.‬‬ ‫ويذهب أحد حلول هذا اللغز الذي كثيرا ما يشار إليه‪ ،‬إلى‬ ‫أن تقييد الكالوريات ين ِّبه اس� � ��تجابة تطورية للجوع تكبح تق ّدم‬ ‫املتعضي في العمر خالل فترات القحط ليتمكن من البقاء وقتا‬ ‫كافيا للتكاثر عندما تتحس� � ��ن األحوال‪ .‬أم� � ��ا النقاد من أمثال‬ ‫>أوس� � ��تاد< [من معهد بارشوب]‪ ،‬فيردون بأنه ليس هناك دليل‬ ‫على أن النظم الغذائية املنخفضة الكالوريات جتعل احليوانات‬ ‫في البرية تعيش أط� � ��ول‪ ،‬فقد لوحظ أن تقييد الكالوريات يطيل‬ ‫م� � ��دى العمر فقط في حيوانات التج� � ��ارب املدللة‪ .‬أما حيوانات‬ ‫البري� � ��ة النحيفة بالفعل واملنهكة بفع� � ��ل اجلوع فقد تكون لديها‬ ‫فرص� � ��ة ضئيلة ف� � ��ي البقاء م� � ��دة طويلة كافية لالس� � ��تفادة من‬ ‫اجلينات التي تبطئ الشيخوخة‪ ،‬وللتمكن من نقل هذه اجلينات‪،‬‬ ‫مما سيؤدي إلى تطور استجابة اجلوع‪.‬‬ ‫ويعتقد بعض علماء الشيخوخة بحل آخر للمعضلة قد يكون‬ ‫أكثر منطقية‪ :‬إن تقيي� � ��د الكالوريات يطيل العمر كتأثير جانبي‬ ‫جانبي الستجابات تطورت ألغراض ال عالقة لها بالشيخوخة‪.‬‬ ‫فمثال يقدم >أوستاد< فرضية تقول إنه في فترات القحط تتشعب‬ ‫احليوان� � ��ات وت� � ��أكل أطعمة غير مألوفة‪ ،‬فتُعرض نفس� � ��ها ملواد‬ ‫س� � ��امة غير موجودة في غذائها التقليدي‪ .‬هذا «البحث الشاق‬ ‫ع���ن القوت» ‪ hard foraging‬قد ُيطور ميال إلى حتفيز الدفاعات‬ ‫الداخلية ضد السموم عندما يشتد اجلوع‪َّ ،‬‬ ‫فتنشط االستجابة‬ ‫اخللوي���ة لإلجهاد ‪ cellular stress response‬ولعمليات اإلصالح‬ ‫املصاحبة لها‪ ،‬وبذلك ودومنا قصد تتأخر الشيخوخة‪.‬‬ ‫منذ س� � ��نوات قليلة‪ ،‬استغلّ >‪ .M‬بالگوسكلوني< [الباحث‬ ‫ف� � ��ي الس� � ��رطان مبعهد روزويل پ� � ��ارك للس� � ��رطان في والية‬ ‫نيويورك] االكتش� � ��افات حول البروت� �ي��ن ‪ TOR‬ليقترح نظرية‬ ‫أخرى تشرح التأثير السحري لتقييد الكالوريات والذي يبدو‬ ‫كم� � ��ا لو كان قد نتج مصادفة‪ .‬هذا املواطن الروس� � ��ي‪ ،‬الذي‬ ‫تنوعت أبحاثه في الس� � ��رطان وبيولوجيا اخللية‪ ،‬اس� � ��توحى‬ ‫نظريته م� � ��ن فكرة غير تقليدية‪ :‬إن الق� � ��درة على النمو‪ ،‬التي‬ ‫تبدو اجلوهر األساسي للشباب‪ ،‬هي التي تقودنا نحو القبر‬ ‫‪56‬‬

‫في املرحلة األخيرة من احلياة‪ .‬فيفترض >بالگوسكلوني< أن‬ ‫تقييد الكالوريات يطيل العمر بالتحكم في التأثيرات العكسية‬ ‫للمراح� � ��ل املتقدمة من العمر على مس� � ��ارات النمو‪ ،‬ومن أهم‬ ‫هذه املسارات البروتني ‪.TOR‬‬ ‫وتقول نظرية >بالگوسكلوني< إن البروتني ‪ ،TOR‬الضروري‬ ‫للنمو والتكاثر‪ ،‬يصبح هو محرك الشيخوخة بعد الوصول إلى‬ ‫النضج‪ .‬وحترض إش� � ��ارات النمو الصادرة عنه تكاثر خاليا‬ ‫العضالت امللس� � ��اء في جدران الشرايني (خطوة أساسية في‬ ‫تصل���ب الش���رايني ‪ ،)atherosclerosis‬وتراك� � ��م الدهون (الذي‬ ‫يس� � ��اعد على حتفيز االلتهاب� � ��ات في اجلس� � ��م ككل)‪ ،‬وتطور‬ ‫املقاوم���ة لإلنس���ولني ‪ ،insulin resistance‬وتكاث� � ��ر اخلالي� � ��ا‬ ‫املسماة بناقضات العظم ‪ osteoclasts‬التي تنخر العظام‪ ،‬ومنو‬ ‫األورام‪ .‬إضاف� � ��ة إلى ذلك‪ ،‬ومع تراج� � ��ع البلعمة الذاتية‪ ،‬يدعم‬ ‫البروتني ‪ TOR‬بناء البروتينات القابلة للتكتل ‪aggregation-‬‬ ‫‪ prone proteins‬وعضيات املتق� � ��درات املعطوبة وظيفيا‪ ،‬والتي‬ ‫تنف� � ��ث ج���ذورا ح���رة ‪ free radicals‬تتلف الدن���ا ‪ DNA‬وتضر‬ ‫بعمليات األيض املنتجة للطاقة في اخلاليا‪ .‬كما يس� � ��هم أيضا‬ ‫في تراكم البروتينات املقاومة لضمور العصبونات‪ ،‬وهي عملية‬ ‫ت� � ��ؤدي دورا في داء ألزهامير وفي أش� � ��كال أخرى من تن ّكس‬ ‫األعصاب‪ .‬وبينّ >بالگوسكلوني< أنه في أواخر العمر تستطيع‬ ‫إش� � ��ارات البروتني ‪ TOR‬قدح هرم اخللي� � ��ة أيضا‪ ،‬وهي حالة‬ ‫تش� � ��به ليلة امليت احلي ‪ ،night of the living dead‬حيث تد ّمر‬ ‫فيها اخلاليا القريبة وتقوض قدرة األنسجة على التجدد‪.‬‬ ‫ويجادل >بالگوسكلوني< بأن كل هذا يدلّ على أن التطور‬ ‫لم ينش� � ��ئ آلية ته� � ��دف إلى إبطاء الش� � ��يخوخة‪ .‬بل إن تأثيرت‬ ‫إطالة احلياة للراپاميس� �ي��ن‪ ،‬أو بس� � ��بب تقييد الكالوريات‪ ،‬أو‬ ‫بفعل الطفرات اجلينية التي تث ّبط الهرمونات احملفزّة للنمو‬ ‫‪ ،progrowth hormones‬ه� � ��ي مج� � ��رد مصادف� � ��ات من صدف‬ ‫الطبيعة ‪ -‬التي تؤثر فيما أطلق عليه «النمو امللتوي»(‪ )1‬للتقدم‬ ‫في الس� � ��ن‪ ،‬وجتعل� � ��ه يقوم بعمله ببطء أكثر م� � ��ن املعتاد‪ .‬وفي‬ ‫الواقع‪ ،‬يعمل مس� � ��ار البروتني ‪ TOR‬إلى ح� � ��د كبير كبرنامج‬ ‫للش� � ��يخوخة حتى وإن كان قد تش ّكل لدعم عمليات النمو في‬ ‫املراحل املبكرة‪.‬‬ ‫وم� � ��ع أن نظري� � ��ة >بالگوس� � ��كلوني< جدي� � ��دة‪ ،‬إال أن أحد‬ ‫اقترحت عام‬ ‫العناصر الرئيسية امللهمة كانت فرضية رصينة ِ‬ ‫‪ 1957‬م� � ��ن قبل الراحل >‪ .G‬ويليامز< [اختصاصي علم احلياة‬ ‫التطوري]‪ .‬فقد وضع فرضية تقول إن الشيخوخة حتدث بفعل‬ ‫جينات ذات وجهني تكون مفيدة في بداية احلياة ولكن ضارة‬ ‫رجح التطور مثل هذه اجلينات (متعددة املظهر‬ ‫فيما بعد‪ .‬وقد ّ‬ ‫(‪)1‬‬

‫‪twisted growth‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫والعدائي� � ��ة) ألن ‪ -‬وكما يقول >ويليام� � ��ز< ‪ -‬االنتقاء الطبيعي‬ ‫«يتحي� � ��ز لصالح الصبا ضد الش� � ��يخوخة في كل مرة ينش� � ��أ‬ ‫فيها صراع مصالح»‪ .‬وينظر >بالگوسكلوني< للبروتني ‪TOR‬‬ ‫كمثال جوهري على مثل هذه اجلينات‪.‬‬ ‫وكمث� � ��ل العدي� � ��د م� � ��ن النظريات اجلدي� � ��دة‪ ،‬ف� � ��إن نظرية‬ ‫>بالگوس� � ��كلوني< نظرية خالفية‪ .‬إذ ي� � ��رى بعض العلماء أنها‬ ‫متنح البروت� �ي��ن ‪ TOR‬وزنا أكبر مما ينبغ� � ��ي‪ ،‬في حني يعتقد‬ ‫آخرون أن وجوها أخرى للبروتني ‪ - TOR‬مختلفة عن حتفيز‬ ‫النم� � ��و ‪ -‬ه� � ��ي الوجوه اجلوهري� � ��ة؛ فعلى س� � ��بيل املثال ينظر‬ ‫البع� � ��ض إلى أن تثبيط البروتني ‪ TOR‬لعملية البلعمة الذاتية ‪-‬‬ ‫التي جت� � ��دد مكونات اخلاليا ‪ -‬على أن� � ��ه التأثير الرئيس في‬ ‫عملية الش� � ��يخوخة‪ .‬ولكن مازال بع� � ��ض خبراء البروتني ‪TOR‬‬ ‫يعتقدون أن النظرية معقولة‪ِ ،‬‬ ‫ويرجع >هال< [من بازل] الفضل‬ ‫إلى >بالگوس� � ��كلوني< «ألنه ربط بني نقاط ال يراها اآلخرون»‪،‬‬ ‫وأضاف‪« :‬وأنا أميل إلى االعتقاد بأنه محق‪».‬‬ ‫البروتني ‪ TOR‬ومستقبل الطب‬

‫()‬

‫إذا كان البروتني ‪ TOR‬دافعا رئيس� � ��يا للش� � ��يخوخة‪ ،‬فما هي‬ ‫خي� � ��ارات نزع أنياب� � ��ه؟ قد متنع اآلثار اجلانبية للراپاميس� �ي��ن‬ ‫ترشيحه كعقار مضاد للشيخوخة في البشر‪ ،‬فباإلضافة إلى‬ ‫أمور أخرى‪ ،‬قد يرفع نسبة الكوليسترول في الدم ويسبب فقر‬ ‫الدم ويعوق التئام اجلروح‪.‬‬ ‫قد يك� � ��ون عقار آخر هو امليتفورم�ي�ن ‪ metformin‬البديل‪،‬‬ ‫م� � ��ع احلاجة إلى مزيد م� � ��ن االختبارات لتقييم ه� � ��ذه الفكرة‪.‬‬ ‫فامليتفورمني هو أكثر األدوية املوصوفة لعالج داء الس� � ��كري‬ ‫شيوعا – يتناوله املاليني خلفض گلوكوز الدم بأمان ولفترات‬ ‫طويل� � ��ة‪ .‬إال أن آلية تأثيره غير مفهومة بش� � ��كل جيد‪ ،‬ولكن من‬ ‫املعروف أنه يثبط مس� � ��ار البروتني ‪ TOR‬وينش� � ��ط إنزميا آخر‬ ‫مرتبطا بالشيخوخة يسمى ‪ ،AMPK‬والذي يحفز كذلك تقييد‬ ‫الكالوريات فيعزز بذلك رد فعل اخلاليا لإلجهاد‪ .‬وقد تبني أيضا‬ ‫أن امليتفورمني يحاكي تأثير تقييد الكالوريات في مس� � ��تويات‬ ‫نش� � ��اط اجلني في الفئران‪ ،‬وتشير بعض الدالئل إلى أنه ميكن‬ ‫أن يطي� � ��ل املدى األقصى للعمر في الق� � ��وارض‪ .‬ومازلنا نبعد‬ ‫س� � ��نوات عن معرفة ما إذا كان بإمكان امليتفورمني أن يحاكي‬ ‫تقييد الكالوريات في البش� � ��ر‪ ،‬ولكن جت� � ��رى حاليا اختبارات‬ ‫صارمة حول قابليته إلطالة مدى العمر في الفئران‪.‬‬ ‫إن تعزي� � ��ز إطالة عمر اإلنس� � ��ان بقدر يتناس� � ��ب مع تأثير‬ ‫الراپاميس� �ي��ن في مدى عمر الفئ� � ��ران ميكن أن يضيف من ‪5‬‬ ‫إلى ‪ 10‬س� � ��نوات في املتوسط إلى عمر اإلنسان‪ .‬وسيكون هذا‬ ‫حتس� � ��نا هائال‪ .‬وفي احلقيقة‪ ،‬ارتفع م� � ��دى العمر املتوقع في‬

‫البالد املتقدم� � ��ة كثيرا خالل القرن املاض� � ��ي‪ ،‬وعندما يتصل‬ ‫األمر مبوضوع الش� � ��يخوخة نكون مثل الرياضيني األوملبيني‬ ‫الذين يحاولون باستمرار حتسني أرقامهم القياسية مبكاسب‬ ‫صغي� � ��رة – لقد ارتفع معدل مدى احلياة في الواليات املتحدة‬ ‫األمريكية أكثر من ‪ %50‬خالل القرن العشرين‪ ،‬وارتفع خالل‬ ‫العقد املاضي مبا هو أقل بقليل من ‪.%2‬‬ ‫ومبا أننا خ ّفضنا معدل الوفيات املبكرة إلى أقل حد ممكن‬ ‫تقريبا‪ ،‬فإن الزيادة في معدل احلياة املتوقعة س� � ��تتطلب ‪ -‬عند‬ ‫ه� � ��ذه النقطة ‪ -‬صد أمراض الش� � ��يخوخة‪ .‬والتزايد املطّ رد في‬ ‫تكاليف طب الش� � ��يخوخة يش� � ��ير إلى أن هذا طلب باهظ الثمن‪.‬‬ ‫ولكن العقاقير التي تبطىء الش� � ��يخوخة قد تتدبر األمر بنفقات‬ ‫معقولة‪ .‬وفي احلقيقة‪ ،‬س� � ��تعمل كأدوية وقائية ميكنها أن تؤجل‬ ‫أو تؤخ� � ��ر أمراض املراحل املتقدمة م� � ��ن أعمارنا ‪ -‬مثل فقدان‬ ‫الذاكرة وهشاش� � ��ة العظام وعتامة عدس� � ��ة العني والس� � ��رطان‬ ‫وفقدان كتلة العضالت وقوتها والصمم وحتى التجاعيد – مثل‬ ‫األدوية التي تخفض الكوليس� � ��ترول وضغط الدم التي تساعدنا‬ ‫اآلن على مقاوم� � ��ة الذبحات القلبية الت� � ��ي حتدث في منتصف‬ ‫العمر‪ .‬وس� � ��وف تضمن لنا هذه األدوية الفترة التي نكون فيها‬ ‫ما نزال مفعمني باحلياة قبل أن نضعف ومنوت‪.‬‬ ‫إال أن تطوير مثل هذه العقاقير لن يكون س� � ��هال‪ .‬وأحد‬ ‫العوائق هو عدم وجود طريقة موثوقة لقياس معدل الشيخوخة‬ ‫في البشر‪ ،‬فوجود مقياس جيد سيمكّ ن الباحثني من اختبار‬ ‫الفعالية دومنا حاجة إلى إجراء جتارب طويلة يتعذر القيام‬ ‫بها‪ .‬إ ّال أن إيجاد أدوية آمنة مضادة للش� � ��يخوخة يستحق‬ ‫ب� � ��ذل كل جه� � ��د‪ ،‬حتى ولو ملجرد تعزيز ش� � ��يخوخة صحية‬ ‫يظن أن قارورة‬ ‫بصرف النظر عن إطال� � ��ة العمر‪ .‬فمن كان ّ‬ ‫حت� � ��وي زِ بال ‪ُ dirt‬غرفت قبل خمس� � ��ة عقود تقريبا قد يغدو‬ ‫يوم� � ��ا تربة خصب� � ��ة ألبحاث ميكن أن ت� � ��ؤدي إلى مزيد من‬ ‫>‬ ‫سنوات حياة جيدة؟‬ ‫()‬

‫‪TOR AND MEDICINE’S FUTURE‬‬

‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, January 2012‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪57‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫قلوب ُم ِ‬ ‫خبرة‬

‫()‬

‫على الرغم من التقدم في التصوير الطبي‪،‬‬ ‫فمازال فحص جثة امليت وتشريحها يوفران‬ ‫للخبراء أفضل صورة لعلاّ تنا املرضية‪.‬‬ ‫>‪ .A‬تشن<‬

‫ال ش���ك أن قل���ب اإلنس���ان يتحمل الكثير خ�ل�ال حياته‪.‬‬ ‫وميكن للتصوير الطبي املاهر (احملنك) أن يوفر استبصارا‬ ‫‪ insight‬ح���ول م���ا يحتمل���ه ه���ذا القلب وم���ا يمُ رضه‪ ،‬لكن‬ ‫املعلومات املباشرة أكثر تأتي من تشريح جثة امليت‪.‬‬ ‫ستراسهامي<‬ ‫في عام ‪ ،2000‬قضت املصورة الطبية >‪.A‬‬ ‫ّ‬ ‫أيام���ا ف���ي محفظ جثث ‪ morgue‬غي���ر معلن عنه‪ ،‬وهي‬ ‫تلتقط صور العضو بعد حلظات من إزالته‪ .‬لقد غادرت‬ ‫محفظ اجلثث ولديها سلسلة من الصور الطبية التي‬ ‫تع���رض (باجتاه عقارب الس���اعة من أس���فل اليس���ار)‬ ‫قلوب���ا‪ :‬اخترقته���ا طلق���ة ناري���ة‪ ،‬ضررته���ا الس���منة‪،‬‬ ‫أصيب���ت بالس���رطان وأوهنته���ا ُجرعة مخ���در زائدة‪.‬‬ ‫وفي الوسط قلب سليم لطفل‪ .‬والصور املعروضة هنا‬ ‫تنشر ألول مرة‪.‬‬ ‫ومقارنة قلوب أفراد أصحاء بقلوب أفراد ِسمان ُتظهر‬ ‫كيف حتورت أشكال (القلوب) األخيرة بطرق غير صحية‪.‬‬ ‫ويقول >‪ .M‬لوير< [من املعهد الوطني للقلب والرئة والدم]‪:‬‬ ‫«إن األبحاث تش����ير إلى أن للش����حم تأثيرات ُمس ّممة ‪toxic‬‬ ‫لي����س فقط في الشرايني التاجية ‪ coronary arteries‬وإمنا‬ ‫في عضلة القلب نفس����ها‪ ».‬فف����ي الصورة‪ ،‬من الواضح أن‬ ‫الش����حم يحي����ط بالعض����و وأن العضل����ة قد توس����عت‪ .‬أما‬ ‫تأثي����رات اجلرعات املخدرة والس����رطان الذي ينتش����ر إلى‬ ‫القل����ب‪ ،‬فهي هن����ا أقل ظه����ورا؛ وكلتا احلالت��ي�ن ميكنهما‬ ‫‪58‬‬ ‫‪58‬‬

‫تبديل عمل الصمامات ‪ valve function‬وسريان الدم‪.‬‬ ‫وعل���ى الرغ���م م���ن أهميته���ا لألبح���اث الطبي���ة‪ ،‬فإن‬ ‫عمليات تش���ريح اجلثث تشهد حاليا تراجعا‪ .‬ففي بيان‬ ‫رس���مي أعلنت مراك� � ��ز الواليات املتحدة للتحكم في األوبئة‬ ‫والتغلب عليها(‪ )1‬أن معدل إجراء هذه العمليات قد تراجع‬ ‫بنس���بة ‪ 50‬في املئة ما بني عامي ‪ 1972‬و ‪ 2007‬بس���بب‬ ‫عوامل كالتغييرات في قوانني الواليات التي تتحكم في‬ ‫حتديد أي الوفيات ميكن التفحص عنها‪ ،‬وكذلك بسبب‬ ‫قلة تغطية التأمني لهذا اإلجراء‪.‬‬ ‫وم���ع أن ثمة تقدمات تذكر ف���ي التصوير الطبي بعد‬ ‫الوف���اة‪ ،‬فق���د عجزت ه���ذه التقانة عن تش���خيص بعض‬ ‫ح���االت أم���راض القل���ب والس���رطان‪ .‬وفي مق���ال خاص‬ ‫مبحرري وقائع الطب الباطني(‪ )2‬نشر في مطلع هذا العام‪،‬‬ ‫ذكرت >‪ .E‬بورتون< و>محمود موس���ى باشا< [من جامعة‬ ‫ج���ون هوپكن���ز] أن���ه ما ل���م تتحس���ن تقان���ات التصوير‬ ‫الطب���ي‪ ،‬فإن «تش���ريح اجلثة بع���د الوفاة يبق���ى املعيار‬ ‫>‬ ‫الذهبي لتحديد أسباب هذه الوفاة‪».‬‬ ‫>‪ .A‬تشن< مساعدة محرر التصوير مبجلة ساينتفيك أمريكان‪.‬‬ ‫() ‪ TELLTALE HEARTS‬أو قلوب تنم عما أصابها‪.‬‬

‫(‪The U.S. Centers for Disease Control and Prevention )1‬‬

‫(‪Annals of Internal Medicine )2‬‬

‫‪Scientific American, May 2012‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


‫قلب مصاب بالسرطان‬

‫قلب بالغ سمني‬

‫قلب طفل سليم‬

‫قلب مراهق متعاط‬ ‫جلرعات مخدرة زائدة‬

‫قلب مصاب بطلقة نارية‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪59‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫علم الهالة ال ُق َز َحة‬

‫()‬

‫أصبح إلحدى أجمل الظواهر اجلوية تفسير حاذق مدهش‪ .‬ودراسة هذه‬ ‫الظاهرة تساعد أيضا على التنبؤ بالدور الذي تؤديه الغيوم في تغير املناخ‪.‬‬ ‫>‪ .M .H‬نوسينسڤيك<‬

‫ِ‬ ‫حاو ْل أثناء رحلة نهارية في طائرة‪ ،‬أن تختار مقعدا بجوار‬ ‫نافذة يتي� � ��ح لك أن ترى ظل الطائرة على الغيوم‪ ،‬وهذا يتطلب‬ ‫معرفة اجتاه رحلة الطائرة بالنسبة إلى موضع الشمس‪ .‬فإذا‬ ‫حالفك احلظ‪ ،‬تكافأ مبشاهدة واحد من أجمل املناظر اجلوية‬ ‫كلها‪ ،‬وهو هالة مضيئة متعددة األلوان حتيط بالظل‪ .‬وحلقاتها‬ ‫ليست حلقات قوس ُق َزح‪ ،‬ولكنها ذات أثر مختلف وأدق يدعى‬ ‫هال���ة ُق َزحة ‪ .glory‬ويكون هذا األمر أكثر سحرا عندما تكون‬ ‫الغيوم أكثر قربا‪ ،‬ألنه ميأل األفق بكامله عندئذ‪.‬‬ ‫إذا كنت من متس� � ��لقي اجلبال‪ ،‬ميكنك أيضا أن تش� � ��اهد‬ ‫هالة قزحة فورا بعد ش� � ��روق الشمس حول الظل الذي يلقيه‬ ‫رأسك على الغيوم القريبة‪ .‬وفيما يلي وصف ألول مشاهدة‪،‬‬ ‫وقد ورد في تقرير ُنش� � ��ر ع� � ��ام ‪ ،1748‬وقبل ذل� � ��ك بعقد من‬ ‫الزمن َق ّدمه أعضاء في بعثة استكش� � ��اف علمية فرنسية إلى‬ ‫قمة پامبامارا(‪ )1‬املوجودة فيما يدعى اآلن اإلكوادور‪« :‬تبددت‬ ‫الغيمة التي كانت تغمرنا‪ ،‬وس� � ��محت مبرور أش� � ��عة الشمس‬ ‫املش� � ��رقة‪ ..‬فرأى كل من� � ��ا عندئذ ظله ملقى عل� � ��ى الغيمة‪...‬‬ ‫وم� � ��ا بدا الفتا للنظر أكثر من غي� � ��ره هو ظهور إكليل أو هالة‬ ‫ُقز ََحة حول ال� � ��رأس‪ ،‬تتك ّون من ثالث أو أربع دوائر صغيرة‬ ‫متمركزة(‪ )2‬بألوان ساطعة جدا‪ ..‬وكان ما س ّبب دهشة بالغة‬ ‫لألشخاص الستة أو السبعة احلاضرين‪ ،‬أن كل واحد منهم‬ ‫رأى الظاهرة تتش� � ��كل حول ظل رأسه وحده فقط‪ ،‬ولم ُي َر أي‬

‫شيء حول رؤوس اآلخرين‪».‬‬ ‫وكثيرا ما اعتبر الدارس� � ��ون أن الهالة التي ُترسم حول‬ ‫رؤوس القديسني واألباطرة في تصاوير األيقونات‪ ،‬سواء في‬ ‫الش� � ��رق أو في الغرب‪ ،‬قد تكون متثيال للهالة القزحة‪ .‬وتع ّبر‬ ‫قصيدة >‪ .T .S‬كولريدگ< الش� � ��هيرة املعنونة «الوفاء للش� � ��يء‬ ‫املثالي» تقدي� � ��را وإجالال مجازيا لهذه الظاهرة‪ .‬وقد اخترع‬ ‫الفيزيائي االس� � ��كتلندي >‪ .R .T .C‬ولس� � ��ون< في أواخر القرن‬ ‫التاس� � ��ع عشر «غرفة الس� � ��حاب» في محاولة منه الستعادة‬ ‫تل� � ��ك الظاهرة في املختبر‪( .‬لقد فش� � ��ل >ولس� � ��ون< في ذلك‪،‬‬ ‫ولكنه سرعان ما تبني أنه يستطيع استعمال غرفة السحاب‬ ‫هذه للكش� � ��ف عن اإلش� � ��عاع‪ ،‬فنال أخيرا جائزة نوبل على‬ ‫اختراعه هذا‪).‬‬ ‫إن ظ� � ��ل املراقب أو الطائرة ال يؤدي أي دور في تش� � ��كل‬ ‫هال� � ��ة قزحة‪ .‬والس� � ��بب الوحيد الرتباطهما ه� � ��و أن الظالل‬ ‫تعني االجتاه املعاكس للش� � ��مس في الس� � ��ماء‪ ،‬مما يعني أن‬ ‫الهالة القزحة هي مفعول تشتت خلفي(‪ ،)3‬به ينحرف ضوء‬ ‫الشمس مبا يقرب من ‪ 180‬درجة‪.‬‬ ‫وميك� � ��ن أن نفكر في أن مفعوال معروفا كهذا‪ ،‬يدخل في‬ ‫() ‪ ،THE SCIENCE OF THE GLORY‬وسميت هالة ُقزَحة نسبة إلى قوس‬ ‫(‪Pambamarca )1‬‬ ‫(‪concentric )2‬‬ ‫(‪backscattering effect )3‬‬

‫ُقزح ‪.rainbow‬‬

‫باختصار‬ ‫إذا نظرت نحو األس� � ��فل إلى غيمة‪ ،‬من جبل ع� � ��الٍ أو من طائرة‪،‬‬ ‫فقد حتظى أحيانا برؤية هال� � ��ة ُقز ََحة‪ :‬حلقات ضوء مل ّونة حول ظلك‬ ‫أو ظل الطائرة‪.‬‬ ‫تنت� � ��ج األلوان‪ ،‬كما في قوس قزح‪ ،‬من قطيرات املاء املجهرية التي‬ ‫تك � � � ّون الغيوم‪ ،‬ولك� � ��ن الفيزياء‪ ،‬في حالة الهال� � ��ة ال ُقز ََحة‪ ،‬تكون أكثر‬ ‫حذقا ورهافة‪.‬‬ ‫‪60‬‬

‫الطاقة الضوئية التي ترتد عن الهالة ال ُقز ََحة بشكل حزمة‪ ،‬تصدر‬ ‫على األغلب عن تنفّق املوجة‪ ،‬وهذا يعني أن األشعة الضوئية التي ال‬ ‫تصيب القطيرة‪ ،‬تبقى قادرة على نقل الطاقة إلى داخلها‪.‬‬ ‫والفهم املكتس� � ��ب من دراس� � ��ة الهالة ال ُقز ََحة يساعد علماء املناخ‬ ‫على حتسني مناذجهم عن كيفية مساهمة الغطاء السحابي في تغيير‬ ‫املناخ‪ ،‬أو في تخفيف هذا التغيير‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


61

(2012) 6/5


‫املؤلف‬ ‫‪H. Moysés Nussenzveig‬‬

‫>نوسينسڤيك< أستاذ فيزياء فخري باجلامعة الفدرالية في ريو دي جانيرو‪،‬‬ ‫بور ْن» ‪ Max Born‬التي متنحها اجلمعية األمريكية‬ ‫حائز على جائزة «ماكس ْ‬ ‫للبصريات(‪ .)1‬لقد وضع مقاربات نظرية مبتكرة ملجال واسع من الظواهر‬ ‫الضوئية‪ .‬وهو يدير حاليا‪ ،‬عدة أبحاث في الفيزياء احليوية اخللوية‪.‬‬

‫عل� � ��م الضوء‪ ،‬وهو ف� � ��رع جليل في الفيزي� � ��اء‪ ،‬كان ال بد أن‬ ‫يكون قد ُف ِّس� � ��ر منذ زمن طوي� � ��ل‪ .‬إال أن «هذه الظاهرة التي‬ ‫هي قدمية ِق َدم العالَم» حسب كلمات تقرير عام ‪ ،1748‬بقيت‬ ‫تقف حتديا في وجه العلماء لقرون خلت‪ .‬وأقواس قزح هي‬ ‫نفسها أكثر تعقيدا بكثير مما تؤدي كتب الفيزياء التمهيدية‬ ‫إلى االعتقاد به‪ .‬ومع ذلك فإن أقواس قزح هي أبسط بكثير‬ ‫من الهالة القزحة‪.‬‬ ‫فس� � ��ر كل من الهال� � ��ة القزحة وقوس‬ ‫م� � ��ن حيث املبدأ‪ُ ،‬ي ّ‬ ‫قزح استنادا إلى نظرية الضوء العادية التي كانت معروفة‬ ‫بالفع� � ��ل منذ أوائل القرن العش� � ��رين‪ ،‬حني وضع الفيزيائي‬ ‫األملاني >‪ .G‬ماي< ح ّ‬ ‫ال رياضياتيا دقيقا يبينّ كيف يتش� � ��تت‬ ‫الضوء بقطي� � ��رات املاء‪ .‬ومع ذلك فإن الش� � ��يطان يكمن في‬ ‫التفاصي� � ��ل‪ .‬فطريق� � ��ة >م� � ��اي< تتطلب جمع حدود تس� � ��مى‬ ‫موج���ات جزئية(‪ ،)2‬واجلمع يش� � ��تمل على عدد النهائي من‬ ‫ه� � ��ذه احلدود‪ ،‬وإن كان الواقع العملي يحتاج فقط إلى عدد‬ ‫محدود منها‪ ،‬إال أن طريقة >ماي< تبقى تتطلب تقدير املئات‬ ‫إل� � ��ى اآلالف من العب� � ��ارات الرياضياتي� � ��ة‪ ،‬كل منها معقدة‬ ‫إلى حد م� � ��ا‪ .‬وإذا وضعنا الصيغ الرياضياتية في محاكاة‬ ‫حاسوبية‪ ،‬فإنها تعطي النتيجة الصحيحة‪ ،‬ولكنها ال تعطي‬ ‫أي تعمق ف� � ��ي املفاعيل الفيزيائية املس� � ��ؤولة عن الظاهرة‪:‬‬ ‫فحلّ >ماي< ليس سوى «صندوق أسود» رياضياتي‪ ،‬يعطي‬ ‫بدخل معينّ ‪ .‬ومن املناس� � ��ب هنـا أن‬ ‫خرجا ما عندما ُيغذّى ْ‬ ‫نشير إلى مالحظـــة الفيزيــائي >‪ .E‬فيگنر< [حائز على جائزة‬ ‫نوبل]‪« :‬جميل جدا أن يفهم احلاسوب املسألة‪ ،‬ولكنني أود‬ ‫أن أفهمها أن� � ��ا أيضا‪ ».‬فاإلميان األعمى بالقوة الغاش� � ��مة‬ ‫للعمليات احلاسوبية النهمة لألرقام‪ ،‬ميكنه أن يؤدي أيضا‬ ‫إلى استنتاجات غير صحيحة‪ ،‬كما سيتبينّ الحقا‪.‬‬ ‫بدأت عام ‪ 1965‬بوضع برنامج أبحاث يتضمن أش� � ��ياء‬ ‫ُ‬ ‫‪62‬‬

‫عديدة‪ ،‬من بينها إيجاد تفسير فيزيائي كامل للهالة القزحة –‬ ‫وهو هدف مت حتقيقه نهائيا عام ‪ ،2003‬مبساعدة العديد من‬ ‫األعوان طوال ال ّد ْرب‪ .‬وتض ّم� � ��ن اجلواب «تن ُّفق املوجة(‪:)3‬‬ ‫احمليرة في‬ ‫عب� � ��ور املوجة من نفق»‪ ،‬وهو أحد أكثر املفاعيل‬ ‫ّ‬ ‫الفيزياء‪ ،‬وكان >‪ .I‬نيوتن< أول من شاهده عام ‪ .1675‬وتنفُّق‬ ‫املوجة هو أس� � ��اس واحد من أمناط شاشة اللمس احلديثة‬ ‫املستعملة في احلواسيب والهواتف اخللوية‪ .‬وهو عامل مهم‬ ‫في مسألة معقدة مشهورة – ال تزال غير محلولة بالكامل –‬ ‫وهي حتديد مساهمة الهباء اجلوي(‪ )4‬الذي يتضمن الغيوم‬ ‫وكذلك الغبار والسخام(‪ )5‬أيضا‪ ،‬في تغير املناخ‪.‬‬ ‫موجات وجسيمات‬

‫()‬

‫وعبر التاري� � ��خ‪ ،‬ق ّدم الفيزيائيون عدة تفس� � ��يرات للهالة‬ ‫القزحة‪ ،‬ثبت أنها غير صحيحة‪ .‬ففي بداية القرن التاس� � ��ع‬ ‫عش� � ��ر‪ ،‬اقت� � ��رح الفيزيائ� � ��ي األملان� � ��ي >‪ .V .J‬فراونهوفر< أن‬ ‫ضوء الش� � ��مس املتش���تت(‪ ،)6‬أي املنعكس إلى اخللف‪ ،‬عن‬ ‫القطيرات العميقة في غيمة‪ ،‬ينعرج عن القطيرات املوجودة‬ ‫في طبقاتها اخلارجية‪ .‬واالنعراج(‪ )7‬هو إحدى امليزات التي‬ ‫تع ّبر عن الطبيعة املوجية للضوء التي تس� � ��مح له «بااللتفاف‬ ‫ح� � ��ول الزوايا» متاما كما تتمكن موج� � ��ة بحرية من اجتياز‬ ‫عائ� � ��ق يعترضها مثل قضيب رأس� � ��ي‪ ،‬فتج� � ��ري كما لو أن‬ ‫العائق لم يكن موجودا على اإلطالق‪.‬‬ ‫كانت فكرة >فراونهوفر< أن تشتتا مضاعفا كهذا ميكنه‬ ‫أن يعط� � ��ي حلقات انع� � ��راج مل ّونة مثل اإلكلي� � ��ل الذي ُيرى‬ ‫على الغي� � ��وم احمليطة بالقمر في الس� � ��ماء‪ .‬ولكن الفيزيائي‬ ‫الهن� � ��دي >‪ِ .B .B‬ر ّي< رفض اقتراح >فراونهوفر< عام ‪،1923‬‬ ‫إذ الح� � ��ظ بعد جت� � ��ارب أجراها على غي� � ��وم اصطناعية‪ ،‬أن‬ ‫حللقات الهالة القزحة توزعا في الس� � ��طوح واأللوان يختلف‬ ‫كثيرا عنه في األكاليل‪ ،‬وأن هذه احللقات تنتج مباشرة من‬ ‫الطبق� � ��ات اخلارجية من الغيمة‪ ،‬بتش� � ��تت خلفي وحيد على‬ ‫قطيرات املاء املنفردة‪.‬‬ ‫ح� � ��اول > ِر ّي< تعليل دور التش� � ��تت اخللفي مس� � ��تعينا‬ ‫بالضوء الهندس� � ��ي‪ ،‬املرتبط تاريخيا بالنظرية اجلس� � ��يمية‬ ‫للضوء‪ ،‬الذي ميثل انتش� � ��اره وفق أش� � ��عة مس� � ��تقيمة بدال‬ ‫() ‪WAVES AND PARTICLES‬‬ ‫(‪Optical Society of America )1‬‬ ‫(‪partial waves )2‬‬ ‫(‪wave tunneling )3‬‬ ‫(‪atmospheric aerosols )4‬‬ ‫(‪soot )5‬‬ ‫(‪scattered )6‬‬ ‫(‪diffraction )7‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫من املوج� � ��ات‪ .‬وعندما يالقي الضوء س� � ��طحا فاصال بني‬ ‫وس� � ��طني مختلفني‪ ،‬كاملاء والهواء‪ ،‬ف� � ��إن جزءا منه ينعكس‬ ‫واجلزء اآلخر ينفذ‪ ،‬أو نقول ينكس� � ��ر (واالنكسار هو الذي‬ ‫يجع� � ��ل قلم الرصاص املغمور حتى منتصفه في املاء يبدو‬ ‫مكس� � ��ورا)‪ .‬فالضوء الذي يدخل قطيرة املاء‪ ،‬ينعكس مرة‬ ‫أو مرات على اجلان� � ��ب املقابل من القطيرة‪ ،‬قبل أن يخرج‬ ‫منها‪ .‬وقد أخذ > ِر ّي< باحلسبان الضوء الذي ينتشر وفق‬ ‫محور القطيرة والذي ينعكس على نفس� � ��ه إلى اخللف عند‬ ‫دخوله إليها وعند انعكاسه على جانبها املقابل‪ .‬وحتى إذا‬ ‫اعتبرنا االرت� � ��دادات احملورية املتعددة إلى األمام واخللف‬ ‫ف� � ��إن نتائجها ضعيفة جدا وبعي� � ��دة كثيرا عن تعليل ظهور‬ ‫الهاالت ال ُقز ََحة‪.‬‬ ‫وعلي� � ��ه ف� � ��إن نظرية الهال� � ��ة القزحة يج� � ��ب أن تتخطى‬ ‫الضوء الهندس� � ��ي‪ ،‬وأن تأخذ باحلس� � ��بان أيضا الطبيعة‬ ‫املوجية للضوء – وخاصة مفاعيلها املوجية مثل االنعراج‪.‬‬ ‫واالنعراج‪ ،‬على عكس االنكس� � ��ار‪ ،‬يزداد شدة مع ازدياد‬ ‫الط� � ��ول املوجي‪ .‬وك� � ��ون الهالة القزحة مفع� � ��وال انعراجيا‪،‬‬ ‫ُيرى من واق� � ��ع أن حافاتها الداخلية زرقاء‪ ،‬بينما حافاتها‬ ‫اخلارجية حمراء؛ وهذا يقابل على التوالي‪ ،‬أطواال موجية‬ ‫قصيرة وطويلة‪.‬‬ ‫إن النظرية الرياضياتي� � ��ة لالنعراج حول كرة‪ ،‬كما في‬ ‫ري<‪ ،‬حتسب احلل‬ ‫حال قطيرة املاء‪ ،‬واملعروفة بتش� � ��تت > ّ‬ ‫باعتباره مجم� � ��وع حدود النهائية الع� � ��دد تدعى املوجات‬ ‫اجلزئي���ة(‪ .)1‬وكل موج� � ��ة جزئية يكون كل ح ّد من حدودها‬ ‫دا ّل� � ��ة معقّدة لق ّد القطي� � ��رة ولقرينة انكس���ارها(‪ – )2‬وهي‬ ‫قياس ملدى انحراف األش� � ��عة الضوئية الذي يس� � ��ببه املاء‬ ‫مقارنة بغيره من األوس� � ��اط ‪ -‬ولبعد الشعاع الضوئي عن‬ ‫مركز القطيرة‪ ،‬والذي يس� � ��مى وس� � ��يط اصطدام الشعاع‪.‬‬ ‫وتنطوي احلسابات في تشتت ‪ Mie‬من قطيرات مدى واسع‬ ‫من القدود‪ ،‬على صعوبة ال ميكن ح ّلها من دون حاس� � ��وب‬ ‫عالي السرعة‪ ،‬األمر الذي لم يتيسر حتى تسعينات القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬حني أصبحت سرعات احلواسيب الفائقة كافية‬ ‫إلعط� � ��اء نتائج واقعية للمدى الواس� � ��ع من قدود القطيرات‬ ‫التي توجد في الغيوم‪ .‬وكان الباحثون بحاجة إلى وسائل‬ ‫أفضل للتمكن من فهم كل ما يجري‪.‬‬ ‫وقد ق ّدم >‪ .C .H‬ڤان دي هولس� � ��ت< [الرائد في علم الفلك‬ ‫تبصر ذي مغزى في التفس� � ��ير‬ ‫الرادي� � ��وي احلدي� � ��ث] أول ّ‬ ‫الفيزيائي للهالة ال ُقز ََحة في منتصف القرن العش� � ��رين‪ .‬فقد‬ ‫أشار إلى أن الشعاع الضوئي الذي يدخل القطيرة بالقرب‬ ‫من حافتها‪ ،‬ميكنه أن ي ّتبع مس� � ��ارا على ش� � ��كل احلرف ‪V‬‬

‫شروط حدوث الهالة ال ُق َز َحة‬

‫ملاذا حتيط الهالة دوما بظلك؟‬

‫()‬

‫مل���ا كان���ت الهالة ال ُق َز َح���ة ناجتة من ضوء يرتد إل���ى اخللف على االجتاه‬ ‫نفس���ه ال���ذي جاء منه‪ ،‬فه���ي تتطلب تراصفا خاصا يح���دث مصادفة بني‬ ‫الش���مس واملراق���ب والغيم���ة‪ .‬وعليه ف���إن اإلكليل ُيرى دوما بش���كل هالة‬ ‫حتيط بظل املراقب على الغيمة‪ .‬وألوان الطيف املختلفة تخرج من زوايا‬ ‫قزحي األلوان‪.‬‬ ‫تختلف قليال عن بعضها‪ ،‬فتشكل منطا‬ ‫َّ‬

‫هالة قزحة‬

‫شعاع ضوئي‬

‫داخل القطيرة‪ ،‬إذ يرت ّد على جزئها اخللفي ويعود بالضبط‬ ‫متاما على االجتاه نفسه الذي أتى منه‪ .‬وملا كانت القطيرات‬ ‫متناظرة‪ ،‬فإن وس� � ��يط االصطدام املؤاتي ال يحدث فقط من‬ ‫أجل ش� � ��عاع واحد فقط من حزمة األشعة املتوازية الواردة‬ ‫من الش� � ��مس‪ ،‬بل من أجل مجموعة من األش� � ��عة تقع كلها‬ ‫على دائرة كاملة‪ ،‬وتبعد جميعها املس� � ��افة نفسها عن مركز‬ ‫القطي� � ��رة – وهذا املفعول التبئي���ري(‪ )3‬يع ّزز إلى حد كبير‬ ‫التشتت اخللفي‪.‬‬ ‫يبدو التفسير واضحا متاما‪ ،‬إال أنه لسوء احلظ ينطوي على‬ ‫عائق خطير‪ .‬فالش� � ��عاع الضوئي ال� � ��ذي يدخل القطيرة ويخرج‬ ‫() ?‪Why Does It Always Surround Your Shadow‬‬ ‫(‪partial waves )1‬‬ ‫(‪the refractive index )2‬‬ ‫(‪a focusing effect )3‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪63‬‬


‫كيف تخلق الطبيعة الهالة ال ُق َز َحة‬

‫ضوء في نهاية النفق‬

‫()‬

‫عرفت الهالة ال ُق َز َحة منذ قرون‪ ،‬ولكن الباحثني لم يكتس���بوا عنها‬ ‫معمق���ة إال ف���ي الس���نوات األخي���رة‪ ،‬وبعد بعض‬ ‫نظ���رة فيزيائي���ة‬ ‫ّ‬ ‫البدايات اخلاطئة‪ ،‬و ُبنِ َيت هذه النظرة على ظاهرة تدعى التن ّفق‪.‬‬

‫محاولة «خاطئة» وأخرى أفضل‬

‫ح���اول الباحثون أوال عزو الظاهرة ببس���اطة إلى ارت���داد الضوء إلى اخللف‬ ‫داخل قطيرات املاء املجهرية التي تش���كل الغيوم‪ .‬فاألش���عة الضوئية تنحرف‬ ‫(تنكس���ر) عن���د دخولها القطي���رة ثم تنعك���س داخلها‪ .‬ثم تنح���رف ثانية عند‬ ‫خروجها منها‪ ،‬عائدة إلى اخللف وفق االجتاه الذي وردت منه (يسار الشكل‬ ‫الس���فلي)‪ .‬ولكن املاء ال يحرف األشعة الضوئية بالقدر الكافي لكي تعود إلى‬ ‫اخللف وفق االجتاه الذي وردت منه‪.‬‬ ‫وافترضت نظرية ثانية أن األش���عة الضوئية التي تلْفح القطيرة ميكن أن‬ ‫تنقلب مؤقتا إلى الطبيعة املوجية على شكل موجات سطحية كهرمغنطيسية‪.‬‬ ‫وباتّب���اع الض���وء الس���طح املنحني ملس���افات قصي���رة (تُرى مكبّ���رة في ميني‬ ‫الش���كل الس���فلي)‪ ،‬قبل أن يدخل ويخرج من القطيرة‪ ،‬ميكنه أن ينعطف متاما‬ ‫بالزاوي���ة الالزم���ة ليعود وفق االجتاه نفس���ه الذي ورد ب���ه‪ .‬وهذا األثر ميكن‬ ‫أن يح���دث‪ ،‬غير أنه ال يقدم إال مس���اهمة صغيرة ف���ي الطاقة الكلية التي ترى‬ ‫في الهالة ال ُق َز َحة‪.‬‬

‫موجات سطحية‬ ‫كهرمغنطيسية‬

‫شعاع ضوئي‬

‫قطيرة ماء‬

‫فهم أكمل‬

‫وأخي���را‪ ،‬فس���رت نظرية رياضياتية لتش���تت الض���وء الهالة ال ُق َز َح���ة عن طريق‬ ‫حسابات طويلة‪ ،‬إال أنها لم تقدم نظرة معمقة داخل املضمون الفيزيائي‪ .‬وبدال‬ ‫من ذلك برهن املؤلف على أن معظم الضوء املشاهد في احللقة ال ُق َز َحة ناجت من‬ ‫«تن ّفق» الطاقة إلى داخل قطيرات املاء من األش���عة الضوئية التي تبدو وكأنها‬ ‫أخطأت القطيرات جميعها‪ .‬والتن ّفق هو أحد املظاهر املشتركة بني جميع أنواع‬ ‫املوجات في كل من الفيزياء الكمومية والفيزياء التقليدية‪.‬‬

‫الضوء يتن ّفق عابرا‬ ‫أشعة ضوئية‬

‫الضوء يتن ّفق عابرا‬

‫منها‪ ،‬يعاني انحرافا بس� � ��بب االنكس� � ��ار‪ ،‬غير أن قرينة انكسار‬ ‫املاء ليست كبيرة إلى احلد الذي يشتت الشعاع إلى اخللف على‬ ‫اجتاهه نفس� � ��ه بعد انعكاس داخلي وحيد‪ .‬وأفضل ما يستطيع‬ ‫املاء فعله هو إرجاع الضوء إلى اخللف في اجتاه معاكس يحيد‬ ‫عن االجتاه األصلي للشعاع بزاوية بحدود ‪.14°‬‬ ‫وفي عام ‪ 1957‬اقترح >‪ .D .V‬هولست< أن فجوة الزاوية ‪14°‬‬ ‫ميكن جتسيرها مبسارات إضافية ينتشر الضوء فيها كموجة‬ ‫سطحية على طول سطح القطيرة‪ .‬واملوجات السطحية املرتبطة‬ ‫بالسطح الفاصل بني وسطني مختلفني تنشأ في حاالت متباينة‪.‬‬ ‫ْفح‬ ‫وفكرتها كانت قائمة على أن الشعاع الوارد مماسيا قد يل ُ‬ ‫س� � ��طح القطيرة‪ ،‬ويسير على طول س� � ��طحها ملسافة قصيرة‪،‬‬ ‫ثم ينتش� � ��ر عبر القطيرة حتى جانبه� � ��ا اخللفي‪ .‬وهناك ميكنه‬ ‫أن يعود إلى االنتش� � ��ار ثانية على طول الس� � ��طح وينعكس إلى‬ ‫اخللف عبر القطيرة‪ .‬وقد يعيده عبور أخير على طول السطح‬ ‫إلى طريقه‪ .‬ويكون األثر الكلي لكل ذلك أن يتش� � ��تت الش� � ��عاع‬ ‫إلى اخللف سالكا االجتاه نفسه الذي جاء منه‪.‬‬ ‫وتكم� � ��ن إح� � ��دى الصعوبات في أن املوجات الس� � ��طحية‬ ‫تفقد طاقة عند بثها اإلش� � ��عاع مماس� � ��يا‪ ،‬إال أن >هولست<‬ ‫يخ ّمن أن هذا التخامد يتع ّوض بأكثر منه من تعزيز التبئير‬ ‫احملوري(‪ .)1‬وفي الوقت الذي اقترح فيه >هولست< تخمينه‪،‬‬ ‫لم يكن يوجد أي إجراء كمي لتقدير دور املوجات السطحية‪.‬‬ ‫ومازالت جميع املعلومات املتعلقة باألساس الفيزيائي للهالة‬ ‫ال ُقز ََحة‪ ،‬مبا فيها دور املوجات السطحية‪ ،‬محتواة ضمنا في‬ ‫سلسلة موجات ‪ Mie‬اجلزئية‪ :‬كان التحدي كيف نستخلص‬ ‫هذه املعلومات‪.‬‬ ‫عقل يهزم حاسوبا‬

‫ّ‬ ‫احلل الوحيد املمكن للغز الهاالت‬ ‫ليست املوجات الس� � ��طحية‬ ‫طرحت مع >‪ .W‬ويسكومب< [من مركز‬ ‫َحة‪ .‬ففي عام ‪1987‬‬ ‫ُ‬ ‫ال ُقز َ‬ ‫الطي� � ��ران الفضائي التابع لوكالة ‪ NASA‬ف� � ��ي گودارد بوالية‬ ‫ميريالن� � ��د] نظرة جدي� � ��دة معمقة عن االنع� � ��راج‪ :‬وفيها ميكن‬ ‫لألش� � ��عة الضوئية التي تعبر خارج الكرة أن تقدم مس� � ��اهمة‬ ‫كبيرة‪ .‬ويبدو هذا‪ ،‬للوهلة األولى‪ ،‬غير معقول‪ .‬فكيف ميكن أن‬ ‫يتأثر ش� � ��عاع ضوئي بقطيرة‪ ،‬حتى ولو لم يكن قد م ّر خاللها؟‬ ‫ومع ذلك فإن للموجات – وخاصة املوجات الضوئية –مقدرة‬ ‫غير محدودة على «التن ّفق» ‪ tunneling‬أي القفز فوق احلواجز‪،‬‬ ‫فالطاق� � ��ة الضوئية مثال ميكنها أن تتس� � ��رب إلى اخلارج في‬ ‫() ‪Light at the End of a Tunnel‬‬ ‫() ‪MIND BEATS COMPUTER‬‬ ‫(‪axial-focusing )1‬‬

‫‪64‬‬

‫()‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫ظ� � ��روف يتوقع فيها أن تبقى محصورة داخل الوس� � ��ط‪ ،‬وذلك‬ ‫كما ُيرى في احلالة التالية‪.‬‬ ‫كم� � ��ا هو معهود فإن الضوء املنتش� � ��ر عادة في وس� � ��ط ما‬ ‫كالزج� � ��اج أو املاء ينعكس انعكاس� � ��ا كليا عند الس� � ��طح الذي‬ ‫يفصله عن وس� � ��ط آخر قرينة انكس� � ��اره أصغر‪ ،‬كالهواء‪ ،‬إذا‬ ‫ورد على السطح الفاصل بزاوية واسعة بالقدر الكافي‪ .‬ومثل‬ ‫هذا االنعكاس الكلي الداخلي هو الذي يحفظ اإلشارات داخل‬ ‫األلياف الضوئية(‪ ،)1‬على س� � ��بيل املث� � ��ال‪ .‬ومع ذلك حتى ولو‬ ‫ارت ّد الض� � ��وء بكامله إلى اخلل� � ��ف‪ ،‬إال أن احلقلني الكهربائي‬ ‫واملغنطيس� � ��ي اللذين يؤلفان املوج� � ��ات الضوئية ال يتناقصان‬ ‫بالكامل إلى الصفر عند السطح الفاصل‪ ،‬بل بدال من ذلك يبقى‬ ‫احلقالن ميتدان إلى مدى قصير فيما بعد الس� � ��طح الفاصل‪،‬‬ ‫مش� � ��كلينْ ما يسمى موجات متالشية(‪ )2‬التي ال تنتشر بعيدا‬ ‫عن اجلوار املباشر للسطح الفاصل‪ ،‬وال حتمل معها أي طاقة‬ ‫عبر احل ّد‪ .‬وموجات التالش� � ��ي جتعل احلقل الكهرمغنطيسي‬ ‫بجوار السطح يهتز في مكانه كما تهتز أوتار القيثارة‪.‬‬ ‫ما وصفته اآلن هو حالة ال يحدث فيها تن ّفق‪ ،‬أما إذا وضع‬ ‫وس� � ��ط ثالث ضمن مس� � ��افة قصيرة من احل� � ��د بحيث يتراكب‬ ‫مع املوجات املتالشية‪ ،‬فتستطيع املوجات استئناف انتشارها‬ ‫خارجا في هذا الوس� � ��ط الثالث‪ ،‬وهكذا تسحب الطاقة بعيدا‪.‬‬ ‫ونتيجة ذل� � ��ك يضعف االنعكاس الكلي الداخلي في الوس� � ��ط‬ ‫األصلي‪ .‬وهكذا جرى التن ّفق اآلن عبر الوس� � ��ط األوسط الذي‬ ‫عمل في البداية كحاجز‪.‬‬ ‫ميكن أن يحدث تن ّفق محسوس فقط عندما يكون عرض‬ ‫الفج� � ��وة ال يزيد كثي� � ��را على طول موج� � ��ي واحد‪ ،‬أي نحو‬ ‫نصف مكرون أو أقل في حالة الضوء املرئي‪ .‬حتى >نيوتن<‬ ‫نفسه كان قد الحظ هذه الظاهرة عام ‪1675‬؛ إذ كان يتحقق‬ ‫من مناذج التداخل(‪ )3‬املعروفة اآلن باس� � ��م حلقات >نيوتن<‪،‬‬ ‫بوضعه عدس� � ��ة محدبة فوق لوحة زجاجية مس� � ��توية‪ .‬وكان‬ ‫ينبغي أال تظهر احللقات إال عندما ينتش� � ��ر الضوء مباشرة‬ ‫من العدس� � ��ة إلى اللوحة‪ .‬إال أن ما وج� � ��ده >نيوتن< هو أنه‬ ‫حتى في حالة وجود فجوة هوائية ضيقة جدا تفصل سطح‬ ‫العدس� � ��ة عن س� � ��طح اللوحة‪ ،‬بحيث ال يعود السطحان على‬ ‫مت� � ��اس تام كل منهما باآلخر – فإن بعض الضوء املفترض‬ ‫فيه أن ينعكس انعكاس� � ��ا كليا داخليا‪ ،‬قد قفز بدال من ذلك‬ ‫فوق الفجوة الهوائية‪.‬‬ ‫إن التن ّفق مضاد للتوقع احلدسي إلى حد كبير‪ .‬وكان‬ ‫الفيزيائي >‪ .G‬گاموف< الروس� � ��ي املولد‪ ،‬أول من استعمله‬ ‫في امليكانيك الكمومي عام ‪ ،1928‬ليش� � ��رح كيف تستطيع‬ ‫بعض النظائر املش� � ��عة إصدار جس� � ��يمات ألفا‪ .‬فقد الحظ‬

‫>گاموف< أن جسيمات ألفا ال متتلك من الطاقة ما يكفيها‬ ‫لكي تنفلت من النوى الكبيرة‪ ،‬متاما كما ال تستطيع قذيفة‬ ‫مدف� � ��ع َ‬ ‫بلوغ س� � ��رعة االنفالت الكافي� � ��ة للتخلص من حقل‬ ‫التثاقل األرضي‪ .‬واس� � ��تطاع أن يبرهن على أن جسيمات‬ ‫ألفا بفضل طبيعتها الش� � ��بيهة باملوجي� � ��ة تبقى قادرة على‬ ‫التن ّفق عبر فجوة الطاقة هذه واالنفالت‪.‬‬ ‫ومع ذلك وعلى عكس االعتقاد السائد‪ ،‬فإن التن ّفق ليس‬ ‫مفعوال كمومي� � ��ا حصرا‪ :‬فهو يحدث أيض� � ��ا في املوجات‬ ‫املتعارف� � ��ة‪ .‬فضوء الش� � ��مس الذي مير خ� � ��ارج قطيرة املاء‬ ‫في غيمة ما‪ ،‬ميكنه وخالفا جلميع التوقعات احلدس� � ��ية أن‬ ‫يتغلغل إلى داخلها بالتن ّفق‪ ،‬وأن يس� � ��هم بهذه الطريقة في‬ ‫إنتاج الهالة ال ُقز ََحة‪.‬‬ ‫قمت مع >وايس� � ��كومب<‬ ‫وف� � ��ي حتليل أولي عام ‪ُ ،1987‬‬ ‫ّ‬ ‫مفضضة‪،‬‬ ‫بدراسة التشتت عن كرة عاكسة كليا‪ ،‬مثل كرة‬ ‫فوجدنا أن املوجات اجلزئية املرافقة ألشعة احلد العلوي‪،‬‬ ‫ميكنها‪ ،‬إذا مرت األش� � ��عة قريبة كفاية من الكرة‪ ،‬أن تتن ّفق‬ ‫على ط� � ��ول الطريق إلى الس� � ��طح‪ ،‬وتبقى تق ّدم مس� � ��اهمة‬ ‫محسوسة في االنعراج‪.‬‬ ‫وفي حالة كرة ش� � ��فافة‪ ،‬كما في قطيرة املاء‪ ،‬تستطيع املوجة‬ ‫التي تتن ّفق من الس� � ��طح أن تنتشر داخل القطيرة‪ ،‬وحاملا تصل‬ ‫إلى سطح القطيرة الداخلي تصدمه بزاوية واسعة كفاية فتنعكس‬ ‫عنه انعكاسا كليا‪ ،‬فتبقى مأسورة في الداخل‪ .‬ومثل ذلك يحدث‬ ‫للموجات الصوتية‪ :‬ففي بهو الهمس املشهور حتت قبة كاتدرائية‬ ‫القديس بولس في لندن‪ ،‬إذا همس ش� � ��خص مقابل اجلدار في‬ ‫جانب منه‪ ،‬ميكن سماعه في اجلانب اآلخر البعيد‪ ،‬ألن الصوت‬ ‫يعاني عدة انعكاسات مرت ّدا حول اجلدران املق ّوسة‪.‬‬ ‫وفي حالة املوجات الضوئية‪ ،‬فإن الضوء الذي يتن ّفق وهو‬ ‫داخل‪ ،‬ميكن� � ��ه أيضا أن يتن ّفق وهو عائ� � ��د إلى اخلارج‪ .‬ومن‬ ‫تقوي نفس� � ��ها بعد‬ ‫أجل بعض األط� � ��وال املوجية‪ ،‬فإن املوجة ّ‬ ‫انعكاس� � ��ات داخلية متعددة بفعل التداخ� � ��ل الب ّناء‪ ،‬وتنتج ما‬ ‫يعرف بتج� � ��اوب ‪ .Mie‬وهذا املفعول يش� � ��به دفع أرجوحة في‬ ‫أوقات تتوافق مع إيقاع اهتزاز نوسانها(‪ )4‬الطبيعي‪ ،‬فتنساق‬ ‫مرتفع� � ��ة أعلى فأعل� � ��ى‪ .‬وأي تغيير طفيف ف� � ��ي الطول املوجي‬ ‫يكفي إلزالة توليف التجاوب‪ ،‬لذا فإن جتاوبات ‪ Mie‬حا ّدة جدا‬ ‫ومركّزة وتؤدي إلى زيادة كبيرة في الشدة‪.‬‬ ‫خالصة القول‪ :‬هناك ثالثة مفاعيل ممكنة تتنازع أولوية‬ ‫(‪optical fibers )1‬‬ ‫(‪evanescent waves )2‬‬ ‫(‪ interference )3‬أو موجات‬ ‫(‪pendulum )4‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫أو بندول‪.‬‬

‫مضمحلة‪.‬‬

‫التتمة في‬

‫الصفحة ‪73‬‬

‫‪65‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫جدل واسع النطاق حول سرطان البروستاته‬

‫()‬

‫تشير األدلة إلى أن املسح املبكّر الحتمال اإلصابة بسرطان‬ ‫البروستاته يؤدي إلى أضرار تفوق منافعه‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫فما هي احلال اآلن؟‬ ‫>‪ .B .M‬گارنيك<‬

‫ف� � ��ي خريف ع� � ��ام ‪ 2011‬أثارت مجموع� � ��ة عمل اخلدمات‬ ‫الوقائي� � ��ة في الواليات املتحدة األمريكية ضجة مدوية‪ ،‬عندما‬ ‫جادلت في أن الرجال األصحاء يجب أن يتوقفوا عن إجراء‬ ‫اختب� � ��ارات الدم الروتينية كمس� � ��ح مب ّك� � ��ر الحتمال اإلصابة‬ ‫بسرطان البروستاته‪ .‬كما جادلت في أن حتليل أفضل األدلة‬ ‫املتوف� � ��رة لم ُيظهر س� � ��وى فائدة ضئيل� � ��ة أو أن ال فائدة على‬ ‫املدى الطويل من اختبار املس���تضد النوعي للبروستاته أو‬ ‫اختص� � ��ارا ‪ ،)2(PSA‬لدى معظم الرجال الذين ال تظهر عليهم‬ ‫أعراض املرض؛ أي إن املسح املب ّكر ال ينقذ األرواح‪ .‬بل كان‬ ‫يع ّرض مئات اآلالف م� � ��ن الرجال الذين أجري لهم االختبار‬ ‫وتبني أنهم مصابون بسرطان البروستاته ملضاعفات شائعة‪،‬‬ ‫مثل العنانة(‪ )3‬وس� � ��لس البول (نتيجة االستئصال اجلراحي‬ ‫للبروستاته)‪ ،‬والنزف الشرجي (بسبب املعاجلة اإلشعاعية)‪.‬‬ ‫وفي واقع األمر‪ ،‬تقدر مجموعة العمل أن ما يزيد على مليون‬ ‫رجل قد تلقوا معاجلات بسبب إجرائهم لالختبار ‪ ،PSA‬وهو‬ ‫م� � ��ا كانوا يخضع� � ��ون له قبل عام ‪ .1985‬كم� � ��ا أن ما ال يقل‬ ‫ع� � ��ن ‪ 5000‬من ه� � ��ؤالء الرجال لقوا حتفه� � ��م بعد وقت قصير‬ ‫من تلقيهم تل� � ��ك املعاجلات‪ ،‬كما عانى ‪ 300 000‬آخرون منهم‬ ‫�لس البول أو كليهما مع� � ��ا‪ .‬وبدال من أن يقابل‬ ‫العنان َة أو س� � � َ‬ ‫إع� �ل��ان مجموعة العمل عن تقريرها باملديح ملا يؤدي إليه من‬ ‫إنقاذ املزيد من الرج� � ��ال من املعاناة من مصير مماثل‪ ،‬فإنه‬ ‫س� � ��رعان ما قوبل بغضب ش� � ��ديد وبحجج متناقضة من قبل‬

‫العديد م� � ��ن املجموعات املهنية الطبية‪ ،‬وم� � ��ن بينها اجلمعية‬ ‫األمريكية ألطباء اجلهاز البولي‪.‬‬ ‫ولم يكن هذا اجلدل أمرا جديدا‪ .‬فقد جتادل اخلبراء منذ وقت‬ ‫طويل حول قيمة االختبار ‪ ،PSA‬إال أن الغلبة التزال حتى الوقت‬ ‫احلاضر للرأي املس� � ��اند إلجراء االختبار‪ .‬ولكنني من موقعي‬ ‫كطبيب أورام مختص بس� � ��رطان البروستاته‪ ،‬أتفق جوهريا مع‬ ‫تقيي� � ��م مجموعة العمل لألدل� � ��ة‪ .‬إذ ال يدرك معظم الناس خارج‬ ‫الوسط الطبي مدى هشاشة األدلة التي تدعم إجراء اختبارات‬ ‫املس� � ��ح املب ّكر‪( .‬ال يكن لديك أدنى ش� � ��ك في أن االختبار ‪PSA‬‬ ‫اليزال يقدم معلومات ق ّيمة‪ ،‬ولكن بعد أن يتم تشخيص سرطان‬ ‫البروس� � ��تاته بالفع� � ��ل)‪ ،‬كما ال يدرك عامة الناس مدى ش� � ��يوع‬ ‫املضاعفات التي قد تنتج حتى من املعاجلات املتقدمة جدا التي‬ ‫ير ّوج لها املؤيدون لها على أنها أكثر املعاجلات تطورا‪.‬‬ ‫ومع اس� � ��تمرار اجلدل حول االختب� � ��ار ‪ PSA‬تتصاعد وتيرة‬ ‫املناقش� � ��ات حول س� � ��ؤال متصل باملوضوع أال وهو‪ :‬هل ينبغي‬ ‫معاجل� � ��ة األفراد الذين يتبني من املس� � ��ح املب ّكر إصابتهم ‪ -‬في‬ ‫نهاية األمر ‪ -‬بس� � ��رطان البروس� � ��تاته‪ ،‬ومتى ينبغي معاجلتهم؟‬ ‫)(‬

‫‪THE GREAT PROSTATE CANCER DEBATE‬‬

‫)‪(2‬‬ ‫)‪(3‬‬

‫‪the prostate-specific antigen‬‬ ‫‪impotence‬‬

‫)‪ (1‬ملزيد من املعلومات حول سرطان البروستاته‪ ،‬انظر‪:‬‬ ‫‪ ،‬العدد ‪ ،(1995) 5‬ص ‪18‬‬ ‫«معضالت سرطان البروستاته (املوثة)»‪،‬‬ ‫‪ ،‬العدد املزدوج ‪ ،(1999) 7/6‬ص ‪20‬‬ ‫«محاربة سرطان البروستاته»‪،‬‬ ‫(التحرير)‬

‫باختصار‬ ‫أظهرت الدراسات أن اس� � ��تخدام اختبار الدم في الفحص املبكر عن‬ ‫سرطان البروستاته لن يؤدي إلى انخفاض كبير في خطر املوت بسببه‪.‬‬ ‫وم� � ��ن احملتمل أن مئ� � ��ات اآلالف من الرجال قد عان� � ��وا آثارا جانبية‬ ‫شديدة نتيجة تلقي املعاجلات غير الضرورية‪.‬‬ ‫‪66‬‬

‫إال أن الكثير من األطب� � ��اء ومن اجلمعيات الطبية املهنية يعتقدون أن‬ ‫الفحص املبكر الواسع النطاق يؤدي إلى إنقاذ األرواح‪.‬‬ ‫ولكن أصبح من الثابت اآلن أن الفحص املبكر عن سرطان البروستاته مع‬ ‫التأخر في بدء املعاجلة قد يكون حال توفيقيا ف ّعاال في معظم احلاالت‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


‫وهنا أيضا تدعم األدل ُة إحداثَ تغيرات مهمة في هذا الس� � ��ياق‪،‬‬ ‫وهي تغييرات تقضي باالبتعاد عن اإلسراع في تطبيق املعاجلات‬ ‫ّ‬ ‫املبكر‪.‬‬ ‫لديهم بعد خضوعهم الختبار الكشف‬ ‫اجلذرية على جمي� � ��ع املرضى‪ ،‬وباالجتاه نحو اتباع أس� � ��اليب‬ ‫تتوخى املزيد من احليطة وتتعامل مع كل شخص على حدة‪.‬‬ ‫أما األس� � ��اس العميق لهذه املواقف املتغيرة فهو إدراك أن على نطاق واسع‪ ،‬ومبعاجلة كل من تكون نتائجه إيجابية‪.‬‬ ‫بإمكان س� � ��رطان البروستاته أن يتخذ مسارا يختلف اختالفا‬ ‫إال أن الواقع احلقيقي بعيد كل البعد عن هذا‪ .‬فاالختبار‬ ‫كبي� � ��را بني مريض وآخر‪ ،‬وأن املعاجلة «الباكرة» ليس� � ��ت هي ‪ PSA‬ال يخب� � ��رك م� � ��ا إذا كان رج� � ��ل م� � ��ا مصاب� � ��ا بالفعل‬ ‫العالج الذي يصلح جلميع املرضى‪ ،‬والتي كان جميع األطباء‪ ،‬بالس� � ��رطان‪ ،‬بل يخبرك بأن هذا الرج� � ��ل قد يكون مصابا‬ ‫وأنا منهم‪ ،‬يعتقدون أنها كذلك‪.‬‬ ‫ب� � ��ه‪ .‬إذ يقيس االختبار كمية أح� � ��د البروتينات الذي يدعى‬ ‫املس� � ��تضد النوعي للبروس� � ��تاته‪ ،‬وهو پروتني تنتجه خاليا‬ ‫()‬ ‫مصدر االختالف في اآلراء‬ ‫البروستاته‪ ،‬وميكن أن يرتفع مستواه نتيجة أسباب مختلفة‪،‬‬ ‫ويعود مصدر االختالف في اآلراء إلى القصور الش� � ��ديد في منها التضخم احلميد لغدة البروستاته الذي يحدث بتقدم‬ ‫اختبار املسح املب ّكر وفي املعاجلات‪ .‬ففي عالم مثالي سيتعرف العمر أو العدوى أو النش� � ��اط اجلنس� � ��ي أو تكاثر اخلاليا‬ ‫اختبار املس� � ��ح املبكّر فق� � ��ط حاالت الس� � ��رطان التي قد تودي اخلبيث� � ��ة‪ .‬وهكذا فإن النتيج� � ��ة اإليجابية تعني وجوب أخذ‬ ‫بحياة املصابني به إذا لم تعالج‪ .‬وعندها فإن الرجال املصابني خزعة من الرجال‪ ،‬وهو أمر يس� � ��بب قدرا من اإلزعاج وقد‬ ‫بس� � ��رطانات صغيرة احلجم وقابلة للشفاء سيتلقون املعاجلة‪ُ ،‬يع ّرض للخطر‪ .‬إال أن ذلك ليس أسوأ ما في املوضوع‪ ،‬إذ‬ ‫وس� � ��تنقذ أرواحهم‪ .‬وفي احلاالت املثالي� � ��ة لن تكون املعاجلات ميكن للخزعة أن مت ّيز الرجال املصابني بالسرطان بالفعل‬ ‫ف ّعالة فحسب بل إنها لن تؤدي إلى حدوث آثار جانبية خطيرة‪.‬‬ ‫)( ‪THE SOURCE OF THE CONTROVERSY‬‬ ‫ومن هنا فإن مثل هذا الس� � ��يناريو سيب ّرر القيام باملسح املبكّر‬ ‫)‪electron micrograph (1‬‬

‫منو بطيء‪ :‬إن خاليا س���رطان البروستاته (التي تظهر في صورة التقطت مبجهر‬ ‫إلكترون� � ��ي(‪ )2‬ماس���ح ُمع ّزز األلوان) لن تس���بب مش���كالت تذكر إذا ترك���ت حلالها في‬ ‫معظم‪ ،‬وليس جميع‪ ،‬الرجال عدميي األعراض ‪ asymptomatic‬الذين اكتشفت األورام‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪67‬‬


‫املؤلف‬ ‫‪Marc B. Garnick‬‬

‫>گارنيك<‪ :‬طبيب وباحث‪ ،‬وخبير في سرطان البروستاته بكلية الطب في هارڤرد‬ ‫وفي مركز الشماسة الطبي في بوسطن‪ ،‬كما يرأس حترير تقرير هارڤرد السنوي‬ ‫حول أمراض البروستاته‪.‬‬

‫ممن هم في الغالب غير مصابني به‪ .‬ولكن املشكلة احلقيقية‬ ‫تكم� � ��ن في أن األطباء ال ميتلكون طريقة موثوقة لتحديد أي‬ ‫من هذه الس� � ��رطانات الصغيرة التي اكتشفت في اخلزعة‬ ‫من احملتمل أن تكون خطرة وأي منها لن تزعج الرجل طيلة‬ ‫حياته‪( .‬وفي احلقيقة فإن دراس� � ��ات تشريح اجلثة أظهرت‬ ‫أن أكثر من نصف عدد الرجال الذين هم في اخلمس� � ��ينات‬ ‫م� � ��ن عمرهم‪ ،‬وأكثر من ثالثة أرب� � ��اع الرجال الذين هم في‬ ‫الثمانينات من عمرهم ف� � ��ي الواليات املتحدة األمريكية من‬ ‫املصابني بسرطان البروس� � ��تاته‪ ،‬ماتوا بسبب آخر غيره‪).‬‬ ‫وع� � ��دم اليقني ه� � ��ذا يعني أن األطب� � ��اء ال يعرفون على وجه‬ ‫التأكيد من يحت� � ��اج إلى عالج للبقاء على قيد احلياة‪ ،‬ومن‬ ‫ميكن أن يحيا من دون معاجلة‪.‬‬ ‫ول� � ��ن يكون هذا الغموض بهذا القدر من الس� � ��وء إذا خلت‬ ‫املعاجل� � ��ات من املخاط� � ��ر‪ .‬فعندها قد يكون م� � ��ن اجلدير بذل‬ ‫اجله� � ��ود وتك ُّبد التكاليف اإلضافية ملعاجلة كل ش� � ��خص في‬ ‫سبيل إنقاذ حياة العدد القليل من املرضى ممن يحتاجون إلى‬ ‫املعاجل� � ��ة بالفعل‪ .‬إال أن املعاجلة بعيدة كل البعد عن أن تخلو‬ ‫من املخاطر‪ .‬ومع األسف فإن غدة البروستاته تقع بالقرب من‬ ‫امل َِعى املس���تقيم(‪ )1‬واملثانة والقضيب‪ ،‬مما يجعل من الصعب‬ ‫اس� � ��تئصالها جراحيا أو معاجلتها باإلشعاع من دون حدوث‬ ‫مضاعفات طويلة األمد‪.‬‬ ‫إن ل� � ��كل منط من املعاجلة ما يصاحبه من اآلثار اجلانبية‪،‬‬ ‫إذ تؤدي املعاجلة اجلراحية في معظم األحيان (االس� � ��تئصال‬ ‫اجلذري املفتوح للبروستاته) إلى تسرب البول الذي ينتج في‬ ‫الغالب ألن إزالة البروس� � ��تاته تتطلب فصل القس� � ��م السفلي‬ ‫م� � ��ن املثانة عن القناة البولية التي مت� � ��ر عبر القضيب‪ .‬ويعمد‬ ‫اجلراحون في مرحلة الحقة إلى إعادة وصل املثانة باإلحليل‪،‬‬ ‫إال أن الضرر الذي يصيب العضلة التي تتحكم في التبول قد‬ ‫يؤدي إلى الس� � ��لس البولي‪ .‬وفي الوقت نفسه فإن األعصاب‬ ‫واألوعية الدموية التي تتحكم في االنتصاب قد تتعرض للضرر‬ ‫أثناء اجلراحة‪ ،‬مما يؤدي إلى العنانة‪ ،‬ومع أن اإلعالنات تشيد‬ ‫‪68‬‬

‫باملع� � ��دالت املنخفضة من املضاعفات ف� � ��ي اجلراحة مبعاونة‬ ‫اإلنسالة(‪ ،)2‬إال أنه لم تجُ ر أي دراسات مستقلة وكبيرة تقارن‬ ‫بصرامة بني هاتني املقاربتني من املعاجلة‪.‬‬ ‫وإضافة إلى العنانة‪ ،‬فإن معاجلة البروستاته باإلشعاع‬ ‫ت� � ��ؤدي في غالب األحيان إلى تدمير املس� � ��تقيم واملثانة‪ ،‬ألنه‬ ‫من الصعب تفادي تش� � ��تت اإلش� � ��عاع الذي يؤثر في القسم‬ ‫األمامي من املستقيم وفي قاعدة املثانة‪ .‬كما أنه يغلب حدوث‬ ‫نزف من املس� � ��تقيم وتس� � ��رب البراز منه‪ ،‬ولكن من الشائع‬ ‫ع� � ��دم تواتر اإلبالغ عن هذه اآلثار اجلانبية لكل من املعاجلة‬ ‫اإلشعاعية (ومنها املعاجلة باملواد الفعالة املش ّعة والغرسات‬ ‫املش � � � ّعة)‪ ،‬واملعاجلة اجلراحية‪( .‬على هامش املوضوع‪ :‬إن‬ ‫اآلثار اجلانبية للمعاجلة الطبية الدوائية املستخدمة ملعاجلة‬ ‫حاالت الس� � ��رطان املتقدمة ‪ -‬وهي إم� � ��ا معاجلة هرمونية أو‬ ‫معاجلة مناعية أو معاجلة كيميائية ‪ -‬تتضمن فقدان الرغبة‬ ‫اجلنس� � ��ية والعنانة وزي� � ��ادة الوزن وترقق العظ� � ��ام واله ّبات‬ ‫الس� � ��اخنة واضطراب� � ��ات تلحق بالقلب والكب� � ��د‪ ).‬ولذا فعند‬ ‫اتخ� � ��اذ القرار بـاملعاجلة‪ ،‬البد م� � ��ن أن يوازن بني مخاطرها‬ ‫احلقيقية مقابل منافعها احملتملة‪.‬‬ ‫حتديث الدالئل اإلرشادية‬ ‫إن األدلة املضادة للمس� � ��ح املب ّكر باس� � ��تخدام االختبار ‪PSA‬‬ ‫آخ� � ��ذة في التزايد منذ مدة‪ .‬ففي عام ‪ - 2008‬الذي كان آخر‬ ‫مرة راجعت في� � ��ه مجموعة عمل اخلدم� � ��ات الوقائية الدالئ َل‬ ‫اإلرش� � ��ادية حول االختبار ‪ - PSA‬أوصت وقتها بأن يتوقف‬ ‫األطب� � ��اء عن إج� � ��راء االختبار للرجال الذي� � ��ن ال تظهر عليهم‬ ‫األع� � ��راض وممن تتج� � ��اوز أعمارهم ‪ 75‬عاما‪ .‬فقد أش� � ��ارت‬ ‫البيانات إلى أن معظ� � ��م الرجال الذين جتاوزت أعمارهم ‪75‬‬ ‫عاما ولديهم س� � ��رطان البروس� � ��تاته يغلب أن ميوتوا بسبب‬ ‫ُشرت دراستان‬ ‫آخر‪ .‬وبعد مضي سنة واحدة فقط على ذلك ن ْ‬ ‫(‪)3‬‬ ‫كبيرت� � ��ان جدا تتبعان منه� � ��ج متحيص االحتم���االت ‪ ،‬وبدا‬ ‫أنهم� � ��ا قد وضعت� � ��ا القول الفصل في ه� � ��ذه القضية للرجال‬ ‫األصغر سنا أيضا‪.‬‬ ‫ويش� � ��ار عادة إلى هاتني الدراس� � ��تني بالدراسة األوروبية‬ ‫والدراس� � ��ة األمريكية‪ ،‬على الترتيب‪ ،‬وقد ش� � ��ملت الدراستان‬ ‫()‬

‫)(‬

‫‪UPDATING THE GUIDELINES‬‬

‫)‪ rectum (1‬واختصارا‪ :‬مستقيم‪.‬‬ ‫)‪ robot-assisted surgery (2‬وإنسالة نحت من إنسان‪-‬آلي ‪.robot‬‬ ‫(‪ )3‬دراس� � ��ة متحيص االحتماالت ‪ :prospective study‬دراسة طويلة األمد تقوم مبتابعة‬ ‫مجموعة من األفراد ذوي صفات مشتركة ومختلفني في عدد من العوامل األخرى‪،‬‬ ‫لتمحي� � ��ص احتماالت تأثير هذه العوامل في نتائج معينة‪ .‬ويش� � ��يع اس� � ��تخدام هذا‬ ‫املنه� � ��ج في دراس� � ��ة األمراض إذ ال ميكن ‪ -‬من منطلق أخالقي ‪ -‬تعريض البش� � ��ر‬ ‫(التحرير)‬ ‫لعوامل خطرة بهدف البحث والتجربة العلمية‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


‫الرج� � ��ال األصحاء وليس الرجال املرضى‪ ،‬وكان معظمهم في‬ ‫اخلمسينات أو الس� � ��تينات من العمر‪ ،‬ومت تقسيمهم عشوائيا‬ ‫إل� � ��ى مجموعتني‪ ،‬خضعت املجموعة األولى منهما إلى مس� � ��ح‬ ‫مب ّك� � ��ر دوري باالختبار ‪ PSA‬أو الفحص الش� � ��رجي باإلصبع‬ ‫(حيث ميد الطبيب إصبعه عبر الشرج لتع ّرف أي تغيرات غير‬ ‫طبيعية تطرأ على البروستاته)‪ ،‬أو بكليهما معا‪ .‬فإذا عثر على‬ ‫نتائ� � ��ج غير طبيعية في أي منهما تؤخ� � ��ذ خزعة من الـمريض‪،‬‬ ‫وإذا م� � ��ا أظهرت اخلزعة وجود الس� � ��رطان فيوصى بش� � ��كل‬ ‫عام باملعاجلة‪ .‬أم� � ��ا املجموعة الثانية من الرجال فلم ت ُو ّفر لها‬ ‫االختب� � ��ارات الدورية‪ ،‬إال أنها تل ّقت الرعاي� � ��ة الطبية التقليدية‬ ‫عند احلاجة‪ .‬فعلى س� � ��بيل املثال‪ ،‬إذا بدأت أعراض سرطان‬ ‫البروس� � ��تاته بالظهور عليهم‪ ،‬مث� � ��ل صعوبة التبول (والتي هي‬ ‫أيضا إحدى عالمات التضخم احلميد لغدة البروستاته) حينها‬ ‫جترى لهم االختبارات‪ .‬وفي نهاية الفترة املعينة للدراسة ُق ّيم‬ ‫املشاركون في الدراسة وفق نتيجتني مهمتني‪:‬‬

‫فهم األرقام‬

‫بيانات مخيبة لآلمال‬

‫()‬

‫بدءا من تس���عينات القرن العش���رين أدى استخدام واسع النطاق لالختبار‬ ‫‪ PSA‬للفح���ص املبك���ر عن س���رطان البروس���تاته إل���ى ازدياد كبي���ر في عدد‬ ‫احل���االت املُ ّ‬ ‫ش���خصة (الل���ون األزرق)‪ ،‬وتال ذلك مباش���رة الب���دء بانخفاض‬ ‫أع���داد الوفيات الناجمة عن س���رطان البروس���تاته (الل���ون األحمر)‪ ،‬إال أن‬ ‫ه���ذه االجتاه���ات ال تثب���ت وج���ود عالقة س���ببية بينها‪ .‬واحلقيق���ة أنه في‬ ‫عام ‪ 2009‬أثبتت دراس���تان علميتان صارمتان تس���تخدمان منهج متحيص‬ ‫احتم���االت أن االختب���ار ‪ PSA‬ل���م يقدم مناف���ع تذكر‪ ،‬أو رمب���ا مجرد منفعة‬ ‫ضئيلة فيما يتعلق بأسباب الوفيات‪ .‬وقد يكون التضاؤل في عدد الوفيات‬ ‫املوضح في الش���كل أدناه نتيجة للتغي���رات في أمناط احلياة‪ ،‬أو قد يكون‬ ‫نتيجة االزدياد في اس���تخدام األدوية اخلافضة ملس���تويات الكوليستيرول‬ ‫وتس���مى مركبات الس���تاتني‪ ،‬والتي تتمتع بآثار مضادة لاللتهاب قد تقي‬ ‫من السرطان‪.‬‬

‫التغيرات في تشخيص سرطان البروستاته في الواليات‬ ‫املتحدة األمريكية‪ ،‬والوفيات الناجمة عنه‪.‬‬ ‫(عدد احلاالت لكل ‪ 100 000‬رجل)‬

‫‪200‬‬

‫> هل عاش الرجال الذين أجريت لهم االختبارات‬ ‫وتلقوا املعاجلات فترة أطول مما عاشه الرجال الذين‬ ‫لم جتر لهم االختبارات؟‬ ‫> هل ّ‬ ‫قل احتمال الوفاة بسبب سرطان البروستاته‬ ‫لدى الرجال الذين أجريت لهم االختبارات وتلقوا‬ ‫املعاجلات ع ّما هو عليه لدى الرجال الذين لم جتر‬ ‫لهم االختبارات؟‬ ‫وقد أظهرت الدراستان‪ ،‬وبشكل واضح‪ ،‬أن الرجال الذين‬ ‫أجري� � ��ت لهم االختبارات وتلقوا املعاجلات في الدراس� � ��تني لم‬ ‫يعيش� � ��وا فترة أطول مما عاش� � ��ه الرجال الذي� � ��ن لم جتر لهم‬ ‫االختبارات‪ ،‬كما أظهرت الدراسة األوروبية وحدها أن الرجال‬ ‫الذين أجريت له� � ��م االختبارات وتلقوا املعاجلات كان احتمال‬ ‫وفاتهم بس� � ��بب سرطان البروستاته أقل مبقدار ‪ %20‬مما لدى‬ ‫الرجال الذين لم جتر لهم االختبارات؛ إال أن مثل هذا النقص‬ ‫في معدل الوفيات بسبب س� � ��رطان البروستاته لم يالحظ في‬ ‫الدراسة األمريكية‪.‬‬ ‫وتابع� � ��ت الدراس� � ��ة األوروبية حتليالتها فحس� � ��بت عدد‬ ‫الرجال الذين ينبغي خضوعه� � ��م للفحص ّ‬ ‫املبكر وعالجهم‬ ‫من أجل تفادي وفاة واحدة نتيجة لس� � ��رطان البروس� � ��تاته‪.‬‬ ‫فقد تزاي� � ��دت أهمية حتديد املعدل ال� � ��ذي يطلق عليه العدد‬ ‫الضروري للمس���ح املبكّ ���ر أو اختصارا ‪ ،)1(NNS‬وذلك في‬ ‫محاولة لتحديد أي اختبارات الفحص ّ‬ ‫املبكر هي التي تقدم‬ ‫أكبر مس� � ��اعدة للمريض‪ .‬وقد حدد الباحثون األوروبيون أن‬

‫‪150‬‬

‫التشخيص‬

‫‪100‬‬

‫‪50‬‬

‫الوفيات‬ ‫‪0‬‬ ‫‪2005‬‬

‫‪1995‬‬

‫‪1985‬‬

‫‪1975‬‬

‫إنقاذ حياة رجل واحد من س� � ��رطان البروس� � ��تاته يقتضي‬ ‫إجراء الفحص ّ‬ ‫املبكر ل ِـ ‪ 1400‬رجل‪ ،‬وس� � ��يؤدي ذلك إلى أن‬ ‫يتلقى ‪ 48‬رجال املعاجلة‪ .‬وعلى هذا فإن ‪ 47‬رجال سيتلقون‬ ‫املعاجلة من دون ضرورة‪ ،‬وسيعاني العديد منهم أعراضا‬ ‫جانبية على قدر اليس� � ��تهان به من اخلطورة‪ ،‬وذلك كله من‬ ‫أجل إنقاذ حياة رجل واحد من س� � ��رطان البروستاته‪ .‬ومع‬ ‫ذلك‪ ،‬وعلى الرغم من النجاح في وقاية رجل واحد من املوت‬ ‫بسبب س� � ��رطان البروستاته‪ ،‬فإن قيمة الفحص ّ‬ ‫املبكر لذلك‬ ‫الرجل الواح� � ��د موضع نقاش نظ� � ��را ألن املعدل اإلجمالي‬ ‫للوفيات الناجمة عن جميع األسباب كان متساويا لدى كلتا‬ ‫املجموعت� �ي��ن التي خضعت للفحص املبكّر والتي لم تخضع‬ ‫له‪ .‬وتش� � ��ير التحليالت اإلضافية التي أجريت مؤخرا على‬ ‫)( ‪Disappointing Data‬‬ ‫)‪number needed to screen (1‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪69‬‬


‫تشريح املخاطر‬

‫مصادر محتملة للمضاعفات‬

‫()‬

‫َ‬ ‫استئصال البروس���تاته أواملعاجلة اإلشعاعية لتدمير‬ ‫تتضمن معاجلات س���رطان البروستاته اجلراحية‬ ‫هذا الس���رطان‪ .‬إال أن موقع غدة البروس���تاته‪ ،‬وهي الغدة التي تنتج جزءا من الس���ائل املنوي‪ ،‬يعني أن‬ ‫تؤدي هاتان املعاجلتان في معظم األحيان إلى آثار جانبية‪ .‬ونظرا ملوقع البروستاته حتت املثانة وأمام‬ ‫امل َِعى املس���تقيم وبالقرب من األعصاب التي تس���اعد على انتصاب القضيب‪ ،‬فإن املضاعفات التي تنجم‬ ‫عن املعاجلة اإلشعاعية واجلراحية قد تتضمن سلس البول والعنانة والنزف الشرجي‪.‬‬

‫احلويصلة‬ ‫املنوية‬

‫املثانة‬

‫اإلحليل‬

‫غدة البروستاته‬ ‫القناة الدافقة‬ ‫ا ِملعَ ى املستقيم‬

‫توف� � ��ي آباؤه� � ��م أو أخوالهم أو‬ ‫أعمامهم أو أجدادهم بس� � ��بب‬ ‫سرطان البروس� � ��تاته قبل سن‬ ‫السبعني ‪ -‬ميكنهم أن يتخذوا‬ ‫قرارا معقوال للخضوع للفحص‬ ‫املب ّكر الروتيني لالختبار ‪.PSA‬‬ ‫وم� � ��ن وجه� � ��ة النظ� � ��ر العملية‪،‬‬ ‫وكطبي� � ��ب‪ ،‬فإنن� � ��ي أج� � ��د من‬ ‫الصعب حرمانه� � ��م من إجراء‬ ‫الفحص املب ّكر باالختبار ‪،PSA‬‬ ‫والسيما إذا ما طلبوا إجراءه‪.‬‬ ‫فم� � ��ن احملتمل أنهم ق� � ��د ورثوا‬ ‫اس� � ��تعدادا وراثي� � ��ا لإلصابة‬ ‫به� � ��ذا امل� � ��رض مم� � ��ا يجعلهم‬ ‫أكثر عرضة لإلصابة به‪ ،‬وهم‬ ‫يختلفون بذلك عن بقية الناس‪.‬‬ ‫وق� � ��د نتمك� � ��ن خ� �ل��ال األعوام‬ ‫القليلة القادمة من االس� � ��تفادة‬ ‫من اختب� � ��ارات جيني� � ��ة معينة‬ ‫لتع ّرف األفراد الذين ينبغي أن‬ ‫ينتبهوا أكثر للمخاطر التي قد‬ ‫يتعرضون لها‪.‬‬ ‫السيد >‪ <.H‬يرفض‬

‫()‬

‫املجموعات الفرعية ضمن الدراس� � ��ة األوروبية إلى أن عدد‬ ‫الرجال الذي� � ��ن ينبغي معاجلتهم قد ينخفض إلى ‪ .12‬ولكن‬ ‫النتائج األكثر إيجابية وردت جميعها من منطقة واحدة في‬ ‫الس� � ��ويد‪ ،‬وعلى ه� � ��ذا فقد يكون من املتع� � ��ذر أن تُط ّبق على‬ ‫نطاق واسع‪.‬‬ ‫وكم� � ��ا هو احلال دائما في الدراس� � ��ات الطبي� � ��ة‪ ،‬البد من‬ ‫أخذ عدد من االحتياطات في االعتبار‪ .‬ففي حني تش� � ��ير هذه‬ ‫البيان� � ��ات بقوة إلى أنه الينبغي عل� � ��ى معظم الرجال األصحاء‬ ‫الذين ال َي ْش � � � ُكون من األعراض اخلضوع الختبارات الفحص‬ ‫املب ّك� � ��ر الروتين� � ��ي‪ ،‬فإن الرج� � ��ال الذين لديهم ح� � ��االت عائلية‬ ‫سابقة من اإلصابة بسرطان البروستاته ‪ -‬مثل الرجال الذين‬ ‫‪70‬‬

‫وق� � ��د حدث أن أح� � ��د مرضاي‬ ‫ق� � ��د تنبأ قب� � ��ل ‪ 16‬عاما مضت‬ ‫باملوقف الذي اتخذته مجموعة‬ ‫عمل اخلدمات الوقائية‪ ،‬عندما‬ ‫كان عم� � ��ره ‪ 54‬عاما‪ .‬ففي عام‬ ‫‪ ،1996‬اتخذ الس� � ��يد >‪ <.H‬قرارا يخالف مشورة جميع األطباء‬ ‫املتخصص� �ي��ن بطب األورام الذين استش� � ��ارهم وكنت واحدا‬ ‫منه� � ��م‪ ،‬حيث اتخذ قرارا باالمتن� � ��اع عن تلقي أي معاجلة بعد‬ ‫أن أدى االختبار ‪ PSA‬الدوري الذي خضع له إلى تش� � ��خيص‬ ‫إصابته بسرطان البروستاته‪ .‬حتى في ذلك الوقت‪ ،‬فإن قراءته‬ ‫للدراس� � ��ات التي كانت متوافرة آنذاك قادته لالس� � ��تنتاج بأن‬ ‫هذا النوع اخلاص من الس� � ��رطان لن يتسبب على األرجح في‬ ‫وفات� � ��ه‪ ،‬وذلك على األقل على امل� � ��دى القريب‪ .‬واألكثر من ذلك‬ ‫فقد اس� � ��تنتج أيضا أن التأخر في تلقي املعاجلة قد يثبت أنه‬ ‫)( ‪Potential for Complications‬‬ ‫)( ‪MR. H. SAYS NO‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫مفي� � ��د له إذا ما ظه� � ��رت معاجلات أكثر حداث� � ��ة وأكثر فعالية‬ ‫خالل الس� � ��نوات القليلة القادمة‪ .‬وعلى هذا األس� � ��اس رفض‬ ‫تلقي أي معاجلة فورية‪ ،‬لكنه تبنى عادات صحية أكثر وأنقص‬ ‫وزنه‪ .‬وفي كل عام من األع� � ��وام التي مرت بعد اتخاذه قراره‬ ‫الش� � ��جاع‪ ،‬كنت أنصح الس� � ��يد >‪ ،<.H‬كما أحب أن أشير إليه‬ ‫هنا‪ ،‬بأن يتلقى املعاجلة‪ .‬وفي كل عام كان يرفض االس� � ��تجاب َة‬ ‫ملشورتي بالثبات نفسه‪.‬‬ ‫وبعد مرور س� � ��ت عشرة س� � ��نة‪ ،‬اليزال الس� � ��يد >‪ <.H‬على‬ ‫قيد احلياة‪ ،‬واليزال الورم محدودا في غدة البروس� � ��تاته لديه‪.‬‬ ‫فلم يخضع للجراحة‪ ،‬ولم يتلق معاجلات إش� � ��عاعية أو دوائية‬ ‫إلصابته بالسرطان‪ .‬وقد ارتفعت مستويات املستضد النوعي‬ ‫للس� � ��رطان لديه من ‪ 7‬لتصل إلى ‪ ،18‬وهو معدل ارتفاع بطيء‬ ‫جدا‪ ،‬يش� � ��ير إلى أن السرطان لديه ينمو ببطء شديد‪( .‬بالطبع‪،‬‬ ‫ل� � ��و كنا نعرف هذه املعلومات في ع� � ��ام ‪ 1996‬لكان اتخاذ قرار‬ ‫عدم العالج أس� � ��هل بكثير)‪ .‬ومن خالل مطالبته ببراهيننا على‬ ‫توصياتنا صار السيد >‪ <.H‬قادرا على اتخاذ قرار وعلى جتنب‬ ‫املقايضة بني مخاطر تكاد تكون محققة مبنافع غير مؤكدة‪.‬‬ ‫افتراضات متغيرة‬

‫()‬

‫ف� � ��ي احلقيقة عندما قابلت الس� � ��يد >‪ <.H‬للمرة األولى لم تكن‬ ‫توصياتنا مس� � ��تندة إلى دراسات سريرية قوية‪ ،‬بل إلى فكرة‬ ‫خاطئة حول كيفية سلوك سرطان البروستاته مع مرور الوقت‪.‬‬ ‫كنا نعرف أن بعض أورام البروس� � ��تاته تكون بطيئة النمو وأن‬ ‫بعضها اآلخر على درجة كبيرة من الشراس� � ��ة‪ .‬إال أننا كنا ال‬ ‫نزال نفترض أن معظ� � ��م األورام تتفاقم في النهاية من أورام‬ ‫سرطانية صغيرة احلجم إلى أورام كبيرة احلجم‪ ،‬ثم تصبح‬ ‫أوراما انتقالية تنتشر في جميع أنحاء اجلسم ويتعذر الشفاء‬ ‫منها‪ .‬وهكذا فإن اكتش� � ��اف الس� � ��رطان ف� � ��ي مراحله املبكرة‬ ‫واس� � ��تئصاله أو تدميره سيعني أننا متكنّا في معظم احلاالت‬ ‫تقريبا من إنق� � ��اذ املصاب به‪ .‬وقد قادنا هذا االفتراض الذي‬ ‫يبدو منطقيا إلى تقدمي املشورة ملرضانا باخلضوع للمعاجلة‬ ‫فور اكتش� � ��اف الورم في أبكر مراحله‪ ،‬وأن يع ّدوا أنفس� � ��هم‬ ‫س� � ��عداء احلظ لقيامهم بذلك‪ .‬وبالطبع تستند جميع برامجنا‬ ‫للفحص املبكر للسرطان إلى هذا املنطق‪.‬‬ ‫ولكن مع األس� � ��ف‪ ،‬فإن بيان� � ��ات الوف ّيات التي جمعت على‬ ‫مدى ‪ 25‬عاما املاضية تشير إلى أن التاريخ الطبيعي لسرطان‬ ‫البروس� � ��تاته ليس بس� � ��يطا كما كنت وزمالئي نعتقد من قبل‪.‬‬ ‫وفي احلقيقة‪ ،‬لقد انخفض معدل الوفيات الناجمة عن سرطان‬ ‫البروس� � ��تاته عن ذروته التي كان عليها في التس� � ��عينات‪ .‬وفي‬ ‫حني يحتج املؤيدون للفحص املب ّكر عن س� � ��رطان البروستاته‬

‫بأن هذا االنخفاض قد يك� � ��ون مرتبطا بإجراء االختبار ‪،PSA‬‬ ‫إال أن ما وصلوا إليه من استنتاجات لم تستند‪ ،‬كما سبق أن‬ ‫رأينا‪ ،‬إلى دراس� � ��ات متحيص االحتماالت‪ .‬وإلى جانب ذلك‪،‬‬ ‫ف� � ��إن صح فهمن� � ��ا لكيفية منو ورم البروس� � ��تاته وتفاقمه‪ ،‬كان‬ ‫م� � ��ن املفترض أن ينخفض معدل الوفي� � ��ات بقدر أكبر وبوتيرة‬ ‫أس� � ��رع‪ .‬وفي احلقيق� � ��ة‪ ،‬فإننا‬ ‫إن القرار األولي‬ ‫نع� � ��رف اآلن أن الكثي� � ��ر م� � ��ن‬ ‫سرطانات البروستاته ال تتفاقم‬ ‫بعدم اخلضوع‬ ‫على اإلطالق‪ .‬وإن منوها يجري‬ ‫للمعاجلة رمبا ال‬ ‫بوتيرة بالغة البطء‪.‬‬ ‫يكون بالضرورة‬ ‫وم� � ��ع اكتش� � ��اف الباحثني‬ ‫للمزي� � ��د م� � ��ن األمثل� � ��ة عل� � ��ى‬ ‫هو القرار‬ ‫الس� � ��رطانات الت� � ��ي يج� � ��ري‬ ‫النهائي‪ .‬فالتزال‬ ‫تش� � ��خيصها وف� � ��ق التب� � ��دالت‬ ‫هناك معاجلات‬ ‫اخللوية غي� � ��ر الطبيعية ولكنها‬ ‫متاحة الحقا‪ ،‬ولن مع ذلك تنمو ببطء شديد‪ ،‬فهي‬ ‫ال تنتشر وال تؤدي إلى الوفاة‪،‬‬ ‫تتغير النتائج‪.‬‬ ‫جن� � ��د أن هن� � ��اك نقاش� � ��ا حول‬ ‫إعطاء هذه األورام اسما مختلفا‪ ،‬مثل أورام كسولة ‪indolent‬‬ ‫‪ ،tumors‬للتأكي� � ��د على حقيقة أنها ال حتت� � ��اج بالضرورة إلى‬ ‫معاجلة طويل� � ��ة األمد أو رمبا أبدا‪ .‬وبالطبع‪ ،‬نحن ال نعلم في‬ ‫البدء عند تش� � ��خيص هذه األورام أيها سيكون كسوال‪ ،‬إال أنه‬ ‫من املمكن أن يكون لدينا شك قوي استنادا إلى اخلصائص‬ ‫املختلفة لل� � ��ورم‪ ،‬وميكن تأكيد هذا االفتراض برصد املرضى‬ ‫عبر الوقت‪.‬‬ ‫ممارسات متغيرة‬

‫()‬

‫ال تقل صعوبة تغيير العادات املترس� � ��خة في الطب عما هي‬ ‫عليه في مجاالت احلياة األخرى‪ .‬فسيكون هناك العديد من‬ ‫الرجال (فضال عن أطبائهم)‪ ،‬الذين ببس� � ��اطة لن يش� � ��عروا‬ ‫ألبتة باالرتياح لالمتن� � ��اع عن إجراء االختبار ‪ PSA‬بعد كل‬ ‫هذه الس� � ��نوات م� � ��ن النصيحة التي ّ‬ ‫أك� � ��دت على ضرورته‪.‬‬ ‫وس ُيقس� � ��م بعض األف� � ��راد على أن االختب� � ��ار ‪ PSA‬قد أنقذ‬ ‫حياتهم‪ .‬وحلسن احلظ‪ ،‬فإنني أعتقد أننا نستطيع اآلن تد ُّبر‬ ‫رعاية املرضى بطرق ميكنه� � ��ا حمايتهم من املعاجلات غير‬ ‫الضروري� � ��ة‪ .‬وميكن لهذا األس� � ��لوب أن يوفر حال لـمعضلة‬ ‫التساؤل «هل نعالج أم ال نعالج»‪ .‬ويتألف هذا األسلوب من‬ ‫تأخير البدء باملعاجلة حتى يفصح السرطان عن نفسه على‬ ‫)( ‪CHANGING ASSUMPTIONS‬‬ ‫)( ‪CHANGING PRACTICE‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪71‬‬


‫نحو أكثر وضوحا‪ ،‬فنعرف هل هو كسول أو بطيء النمو أو‬ ‫أنه من احملتمل أن يكون مميتا‪.‬‬ ‫في عيادتي‪ ،‬هناك نس� � ��بة كبيرة من الرج� � ��ال الذين أق ّدم‬ ‫لهم الرعاية إلصابتهم بس� � ��رطان البروس� � ��تاته ال يتلقون في‬ ‫الوق� � ��ت احلاض� � ��ر أي معاجلة‪ .‬وبدال من ذل� � ��ك ينخرطون في‬ ‫برنام� � ��ج كان ُيطلق عليه االنتظار احل����ذر ‪،watchful waiting‬‬ ‫وهو اليوم أكثر تعقيدا ويعرف باس� � ��م برنامج الرصد الفاعل‬ ‫مع تأخير اللجوء إلى املعاجلة(‪ .)1‬وبعبارة أخرى فإن هؤالء‬ ‫الرجال قد اختاروا إجراء الفحص املب ّكر باالختبار ‪ PSA‬وقد‬ ‫علم� � ��وا بإصابتهم بالورم‪ ،‬ولكنهم اختاروا عدم تلقي املعاجلة‬ ‫فورا‪ .‬عوضا عن ذلك فإنهم قد اختاروا االس� � ��تمرار مبراقبة‬ ‫مس� � ��تويات املس� � ��تضد النوعي ‪ PSA‬لديهم‪ ،‬مع أخذ خزعات‬ ‫دورية من غدة البروس� � ��تاته ملراقبة نشاط الورم‪ .‬وفي الشهر‬ ‫‪ 2011/12‬عق� � ��دت معاهد الصحة الوطني� � ��ة )‪ )2((NIH‬اجتماعا‬ ‫ملجموعة من اخلبراء من أجل دراس� � ��ة األدلة‪ ،‬وقد أعلنت هذه‬ ‫املجموع� � ��ة من اخلب� � ��راء أن «الرصد الفاعل ق� � ��د بزغ كخيار‬ ‫قابل للتطبيق وينبغي أن يتاح للمرضى املصابني بس� � ��رطان‬ ‫البروستاته املنخفض املخاطر‪».‬‬ ‫وتؤخذ املعاجلة باحلسبان إذا أظهرت خزعات إضافية أن‬ ‫الورم قد ازداد في احلجم‪ ،‬أو أن نتائج املستضد النوعي ‪PSA‬‬ ‫تزداد بوتيرة سريعة‪ ،‬أو أن اخلاليا التي فحصت في اخلزعات‬ ‫اجلديدة أبدت مظاهر أكثر خطورة حتت الفحص املجهري(‪،)3‬‬ ‫وذلك وفق مقياس گليس���ون ‪ .Gleason score‬وتش� � ��ير النتائج‬ ‫التي أس� � ��فرت عنها دراس� � ��ة كندية طويلة األمد إلى أن معدل‬ ‫الوفيات بني الرجال الذي� � ��ن اختاروا الرصد الفاعل بلغ ‪ 1‬في‬ ‫املئة على مدى عشر سنوات‪ ،‬وذلك مقارنة بـ ‪ 0.5‬في املئة خلطر‬ ‫الوفاة بس� � ��بب املضاعفات التي حتدث في الش� � ��هر األول بعد‬ ‫العملية اجلراحية الستئصال البروستاته‪.‬‬ ‫والفكرة هنا هي أن القرار األولي بعدم اخلضوع للمعاجلة‬ ‫لن يكون بالضرورة قرارا نهائيا‪ .‬إذ ستبقى املعاجلة اجلراحية‬ ‫واملعاجلة اإلش� � ��عاعية واملعاجلات األخ� � ��رى متوفرة في وقت‬ ‫الحق‪ ،‬وتش� � ��ير البيانات إلى أن نتائج املعاجلة لن تتأثر تأثرا‬ ‫س� � ��لبيا بالتأخر في الب� � ��دء باملعاجلة‪ .‬فبالنس� � ��بة إلى الرجال‬ ‫الذين س� � ��يحتاجون في نهاية األمر إل� � ��ى املعاجلة‪ ،‬قد يكون‬ ‫من املناس� � ��ب اس� � ��تخدام تقنيات حديثة في املعاجلة يقتصر‬ ‫تدميره� � ��ا على اجلزء الس� � ��رطاني من البروس� � ��تاته (وتدعى‬ ‫اس����تئصال الكتلة من البروستاته ‪ prostate lumpectomy‬أو‬ ‫املعاجل����ة البؤري����ة ‪ ،)focal therapy‬كما أنها تؤدي إلى آثار‬ ‫جانبية أقل‪ ،‬مع أنه لم تستكمل بعد في هذا الصدد دراسات‬ ‫مقارنة صارمة‪.‬‬ ‫‪72‬‬

‫أما بالنسبة إلى ‪ %4‬من الرجال في أمريكا من املصابني‬ ‫بسرطان البروستاته واملنتشر إلى عظامهم أو إلى األعضاء‬ ‫األخرى لديه� � ��م‪ ،‬فال تتوفر لهم معاجلة ش� � ��افية حتى اآلن‪،‬‬ ‫إ ّال أن املعاجلات تزداد فعاليتها ش� � ��يئا فشيئا بوتيرة بطيئة‪.‬‬ ‫فاألدوية احلاصرة للتستستيرون(‪ )4‬والتي تؤثر في قابلية‬ ‫النمو لدى السرطان‪ ،‬متثل الرعاية النمطية للحاالت املتقدمة‪.‬‬ ‫ولكن في نهاية املطاف تتفوق مجموعة قليلة من خاليا الورم‬ ‫عل� � ��ى هذا العزل الكيميائي‪ ،‬فتمض� � ��ي في إحداث األضرار‬ ‫املدمرة‪ .‬ومؤخ� � ��را‪ ،‬وافقت إدارة الغذاء وال� � ��دواء األمريكية‬ ‫)‪ (FDA‬على أس � � �ــلوبني جــديدين ملعاجل� � ��ة املراحل املتأخرة‬ ‫مـــن املــ� � ��رض‪ .‬ويتضمــن األس � � �ــلوب األول عمليــة كيميائيــة‬ ‫حيوي� � ��ة معقدة تعـــزز مــن قـــدرة اجلهــاز املناعي على تدمير‬ ‫اخلـاليــا اخلبيثــــة [انظــر‪« :‬حليــف جــديــد ضـد السرطان»‪،‬‬ ‫‪ ،‬العددان ‪ ،(2012) 4/3‬ص ‪.]40‬‬ ‫أما األسلوب الثاني فهو دواء يدعى أبيراترون ‪،abiraterone‬‬ ‫وهو يوقف إنتاج التيستستيرون في خاليا سرطان البروستاته‪.‬‬ ‫وقد اتضح من الدراس� � ��ات التي أجريت على املعاجلتني أنهما‬ ‫يطيالن فترة البقاء على قيد احلياة مبقدار أربعة أش� � ��هر‪ .‬أما‬ ‫املعاجلات األخرى التي تستهدف اجلزيئات التي حتتاج إليها‬ ‫خاليا الورم حتى تنمو وتنتشر فال تزال قيد الدراسة‪.‬‬ ‫لقد تعلمنا الكثير عن س� � ��رطان البروس� � ��تاته خالل السنوات‬ ‫املنصرمة‪ ،‬منذ أن اختار السيد >‪ <.H‬العزوف عن معاجلة الورم‬ ‫الذي تبني فيم� � ��ا بعد أنه ورم بطيء جدا في النمو‪ .‬وهذه املعرفة‬ ‫تحُ ّس� � ��ن من قدرتنا على تصميم معاجلات تناسب كل فرد على‬ ‫حدة‪ ،‬بدال من إعطاء املعاجلة ذاتها لكل فرد‪ .‬كما َ‬ ‫أرش َدت األطباء‬ ‫أيضا إلى أنه يجب أن يكونوا واضحني جدا مع أنفس� � ��هم ومع‬ ‫مرضاه� � ��م حول ما يعرفونه بالفعل م� � ��ن الناحية العلمية‪ ،‬وما ال‬ ‫يعرفونه‪ ،‬وأن تتوفر لديهم الش� � ��جاعة للعمل استنادا إلى األدلة‬ ‫>‬ ‫وليس استنادا إلى معتقداتهم وحدها‪.‬‬ ‫)‪active surveillance with delayed intention to treat (1‬‬ ‫)‪the National Institutes of Health (2‬‬

‫(‪ )3‬امليكروسكوبي‪.‬‬

‫)‪testosterone-blocking medication (4‬‬

‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, February 2012‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫تتمة الصفحة ‪( 65‬علم الهالة ال ُق َز َحة)‬

‫املس� � ��اهمات في ظاهرة الهالة ال ُقز ََحة‪ :‬األش� � ��عة التي ترد‬ ‫على الك� � ��رة‪ ،‬مبا فيها تش� � ��تت ‪ Mie‬اخللفي احملوري وفق‬ ‫الضوء الهندس� � ��ي؛ وأش� � ��عة احلافة التي تتضمن موجات‬ ‫>هولس� � ��ت< السطحية؛ وأخيرا املس� � ��اهمات من جتاوبات‬ ‫‪ Mie‬الت� � ��ي تنش� � ��أ عن تن ّفق الضوء‪ .‬وف� � ��ي عام ‪ 1977‬قمت‬ ‫مع >‪ .V‬كيري< [وكان عندئذ في جامعة روشستر] بتقدير‬ ‫مس� � ��اهمة أش� � ��عة احلافة‪ ،‬مبا فيها ح ّد >هولس� � ��ت<‪ ،‬وفي‬ ‫ع� � ��ام ‪ 1994‬عاجلت التجاوبات م� � ��ع >‪ .G .L‬گوميارس< [من‬ ‫اجلامعة االحتادية في ري� � ��و دي جانيرو]‪ .‬وفي عام ‪2002‬‬ ‫أجري� � ��ت حتليال مفصال لتحديد أي م� � ��ن هذه املفاعيل هو‬ ‫األكثر أهمية‪ ،‬فتبني أن التش� � ��تت اخللفي احملوري مهمل‪،‬‬ ‫وأن املساهمات الرئيس� � ��ية تأتي من جتاوبات التن ّفق فوق‬ ‫احلافة‪ .‬واالس� � ��تنتاج الذي ال مفر منه هو أن الهالة ال ُقز ََحة‬ ‫هي مفعول ماكروي(‪ )1‬لتن ّفق الضوء‪.‬‬ ‫هاالت ُق َز َحة ومناخ‬

‫()‬

‫وإضافة إلى أن مفاعيل التن ّفق الضوئي ترضينا فكريا‬ ‫بتوفير فهم نهائي ملنش� � ��أ الهاالت املقزح� � ��ة‪ ،‬فإن لها أيضا‬ ‫تطبيقات عملية‪ .‬فقد اس� � ��تعمل نس� � ��ق بهو الهمس في بناء‬ ‫الليزرات باس� � ��تعمال القطيرات املائي� � ��ة امليكروية وكرات‬ ‫صلب� � ��ة ميكروي� � ��ة‪ ،‬وفي بن� � ��اء غيرها من الهندس� � ��ات مثل‬ ‫دث تطبي� � ��ق للتن ّفق الضوئي هو‬ ‫األق� � ��راص امليكروية‪ .‬وأ َْح ُ‬ ‫استعماله في شاش� � ��ات اللمس املتعدد‪ .‬فاقتراب اإلصبع‬ ‫من الشاشة يؤدي دور عدسة >نيوتن< احمل ّدبة‪ ،‬مما يسمح‬ ‫للضوء بالتنفق عبرها‪ ،‬ثم بالتش� � ��تت إلى اخللف مش� � ��كال‬ ‫إش� � ��ارة‪ .‬كما يوجد ملوجات الضوء املتالشية التي يولدها‬ ‫التن ّفق أيضا عدة تطبيقات مهمة في تقانة تدعى ميكروية‬ ‫احلق���ل القريب(‪ ،)2‬ألنها تتمكن من حتليل تفاصيل أصغر‬ ‫من الطول املوجي – متجاوزة بذلك ح ّد االنعراج املعروف‬ ‫الذي تعطي امليكروسكوبات (املجاهر) العادية حتته أخيلة‬ ‫مش ّوشة غير واضحة‪.‬‬ ‫ورمبا كان األمر احلاسم هو أن نفهم كيف أن التشتت عن‬ ‫القطيرة الزم لتقدير شأن الغيوم في تغير املناخ‪ .‬فاملاء شفاف‬ ‫جدا ف� � ��ي الطيف املرئي‪ ،‬إال أنه‪ ،‬مثل ثنائي أكس� � ��يد الكربون‬ ‫وغيره من غازات االحتباس احلراري (الدفيئة) ‪greenhouse‬‬ ‫‪ ،gases‬ميتص بعض ُنطق األش� � ��عة حت� � ��ت احلمراء‪ .‬وملا كانت‬ ‫جتاوبات ‪ Mie‬تتضمن عادة مس� � ��ارات طويلة مع عدد ضخم‬ ‫من االنعكاسات الكلية الداخلية‪ ،‬فإن قطيرة صغيرة قد تنتهي‬ ‫إلى امتصاص ق ْدر كبير من اإلش� � ��عاع‪ ،‬وال سيما إذا احتوى‬

‫املاء على مل ّوثات‪ .‬ومع تغير الغالف السحابي‪ ,‬فهل سيساعد‬ ‫ه� � ��ذا التغير على االحتفاظ بب� � ��رودة كوكب األرض‪ ،‬عن طريق‬ ‫عكس� � ��ه مزيدا من ضوء الشمس إلى اخللف نحو الفضاء‪ ،‬أو‬ ‫هل سيس� � ��هم في تس� � ��خني هذا الكوكب عن طريق قيامه بدور‬ ‫غطاء إضافي يأسر اإلشعاع حتت األحمر؟‬ ‫منذ عقد من الزمن أو نحو ذلك‪ ،‬أجنزت محاكاة لتش� � ��تت‬ ‫الضوء عن الغيوم حسابات ‪ Mie‬من أجل عدد قليل نسبيا من‬ ‫أقطار القطيرات التي كان يعتقد أنها متثل الغيوم االعتيادية‪.‬‬ ‫وهذه القاع� � ��دة التقديرية اختزلت احلاج� � ��ة إلى الزمن الالزم‬ ‫لتش� � ��غيل احلواس� � ��يب الفائقة – ولكنها لم تتوقع وجود خطأ‬ ‫بينت ‪ -‬مس� � ��تخدما الطرائق التي كنت‬ ‫خفي‪ .‬ففي عام ‪ُ ،2003‬‬ ‫ّ‬ ‫ق� � ��د طورتُها لتحليل أقواس قزح والهاالت ال ُقز ََحة ‪ -‬أن طرائق‬ ‫احمل� � ��اكاة املعهودة ميكن أن تقع في أخطاء قد تصل إلى ‪%30‬‬ ‫ف� � ��ي نطق ضيقة من الطيف‪ .‬فبقوته� � ��ا الضاربة قد ميكنها أن‬ ‫حتس� � ��ب التش� � ��تت عن القطيرات باعتيانها(‪ )3‬قدودا مختارة‬ ‫منها‪ ،‬ولكنها ُت ْغفل مس� � ��اهمات مهمة من عدة جتاوبات ضيقة‬ ‫تقع ما بني هذه القدود – فمثال إذا كانت احلس� � ��ابات تجُ رى‬ ‫لق� � ��دود قدرها مك� � ��رون واحد أو مكرون� � ��ان أو ثالثة مكرونات‬ ‫وهك� � ��ذا‪ ،‬فإنها تغف� � ��ل جتاوبا حادا جدا يح� � ��دث عند ‪ 2.4‬من‬ ‫املكرونات‪ .‬وق� � ��د تأكد توقعي هذا عام ‪ 2006‬بالدراس� � ��ة التي‬ ‫أخذت في احلسبان توزع قدود القطيرات في الغالف اجلوي‪.‬‬ ‫لذلك جرى في الس� � ��نوات األخيرة حتديث النماذج‪ ،‬كي تشمل‬ ‫قدود القطي ّرات بزيادات أصغر من ذلك بكثير‪.‬‬ ‫وكما ح� � ��ذر >ويگنر<‪ ،‬فحتى النتائج التي يجرى احلصول‬ ‫عليه� � ��ا ع� � ��ن طريق أح� � ��دث احلواس� � ��يب الفائق� � ��ة‪ ،‬والتي إذا‬ ‫تبصر فيزيائي‪ ،‬رمبا لن تكون مأمونة‪ .‬ولعل‬ ‫اس� � ��تخدمت دون ّ‬ ‫هذا األمر يجعلك تتأمل فيه‪ ،‬في املرة القادمة‪ ،‬حني جتلس في‬ ‫>‬ ‫طائرة على مقعد بجوار نافذة‪.‬‬ ‫() ‪GLORIES AND CLIMATE‬‬

‫(‪ macroscopic )1‬أو جهري؛ ونقول ‪ microscopic‬ميكروي أو مجهري‪.‬‬ ‫(‪near-field microscopy )2‬‬ ‫(‪sampling )3‬‬

‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, January 2012‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪73‬‬


‫املجلد ‪ 28‬العددان‬ ‫مايو‪ /‬يونيو ‪2012‬‬

‫‪6/5‬‬

‫ِقسم ما قبل وقوع اجلرمية‬

‫()‬

‫إن مدن الواليات املتحدة غنية بالبيانات التي توفرها تقانة احلوسبة والتي‬ ‫ميكن أن تساعد الشرطة على معرفة األمكنة التي يحتمل وقوع جرمية فيها‪.‬‬ ‫واجلرمية في تراجع‪ ،‬وتلك التقانة في توسع‪ .‬ولكن‪ ،‬هل هي ناجحة فعال؟‬ ‫>‪ .J‬ڤالهوس<‬

‫أقوم هذه الليلة مع الش� � ��رطي >‪ .J‬كنينگهام< بتعقب بعض‬ ‫املجرم� �ي��ن‪ .‬وحتديدا‪ ،‬لصوص املن� � ��ازل‪ .‬وليس في أي مكان‪:‬‬ ‫فمع أن مدين� � ��ة ممفيس تغطي ‪ 315‬ميال مربعا‪ ،‬فقد اقتصرت‬ ‫منطق� � ��ة حترياتن� � ��ا على بضع� � ��ة مربعات من مباني الش� � ��قق‬ ‫وح ِّدد‬ ‫السكنية القرميدية في جزء من املدينة موبوء باجلرمية‪ُ .‬‬ ‫تاري� � ��خ التحريات وتوقيتها بدقة أيض� � ��ا‪ :‬يوم اخلميس ما بني‬ ‫الساعة الرابعة والساعة العاش� � ��رة مساء‪ .‬واملهمة تبدأ اآلن‪.‬‬ ‫وعندما غادرن� � ��ا املخفر‪ ،‬قال >كنينگهام<‪« :‬ال أتوقع مطاردات‬ ‫بالس� � ��يارات هذه الليلة‪ ،‬ولكن إذا حص� � ��ل ذلك‪ ،‬فعليك وضع‬ ‫حزام األمان‪».‬‬ ‫وصلت مع >كنينگهام< بس� � ��يارة الش� � ��رطة رقم ‪ 6540‬إلى‬ ‫املنطق� � ��ة احملددة في تقرير يحمله بيده‪ .‬وكان س� � ��عينا وراء َم ْن‬ ‫ميكن أن يكون لص منازل عموما‪ ،‬فقد قال >كنينگهام<‪« :‬إنني‬ ‫أبحث عن أش� � ��خاص يبدو عليهم أن ليس لديهم مكان ليذهبوا‬ ‫إليه‪ ».‬وأحد املش� � ��تبه بهم رجل اس� � ��مه >دڤ� �ي��ن< قد يكون وراء‬ ‫موجة حديثة من الس� � ��رقات في املنطق� � ��ة‪ ،‬وصورته تظهر على‬ ‫شاشة ملس مثبتة على لوحة قيادة السيارة‪.‬‬ ‫شخص‬ ‫دخلنا إلى موقف سيارات أحد املباني ببطء؛ فرآنا‬ ‫ٌ‬ ‫وهو يتلفت حوله‪ ،‬فاختفى بسرعة في فناء داخلي ألحد األبنية‪.‬‬ ‫س � � � ّرع >كنينگهام< الس� � ��يارة وأخذنا جنول على ثالثة جوانب‬ ‫من املجمع السكني‪ ،‬وانطلقت أصوات انزالق العجالت حينما‬

‫توقفنا فجأة في اللحظة املناس� � ��بة لنعترض الرجل وهو يخرج‬ ‫من اجلانب اآلخر‪ ،‬وقفز >كنينگهام< من السيارة وجرى خلفه‬ ‫وهو يصرخ‪ْ :‬‬ ‫«قف‪».‬‬ ‫والش� � ��رطي اجليد يعرف األمكن� � ��ة املوبوءة باجلرمية في‬ ‫منطقته‪ ،‬حيث يسهل عليه القبض على املجرمني فيها‪ ،‬إال أن‬ ‫معرفة >كنينگهام< باملنطقة كانت مدعومة هذه الليلة بتنبؤات‬ ‫عن اجلرمية ق� � ��ام بها مختص� � ��ون اجتماعي� � ��ون ومحققون‬ ‫ورياضياتيون عن طريق احلوس����بة(‪ .)1‬فثمة تعاون بني قسم‬ ‫ش� � ��رطة ممفيس وجامعة هذه املدينة مبوجب نظام يس� � ��مى‬ ‫ك����راش أزرق ‪( Blue CRUSH‬تتأل� � ��ف الكلم� � ��ة ‪ CRUSH‬من‬ ‫األحرف األولى من اجلملة الت� � ��ي تعني «تقليص اجلرمية‬ ‫عن طريق التاريخ اإلحصائي»(‪ ،))2‬وتعزى إلى هذا التعاون‬ ‫املساعدة على خفض أعداد أعمال العنف واالعتداءات على‬ ‫األمالك اخلاصة بنس� � ��بة ‪ %26‬في ش� � ��تى أنحاء املدينة منذ‬ ‫انط� �ل��اق ذلك البرنامج في ع� � ��ام ‪ .2006‬وانخفضت حوادث‬ ‫سرقة الس� � ��يارات واعتداءات الس� � ��رقة العنيفة في األماكن‬ ‫العامة وجرائم القتل بنسبة ‪.%40‬‬ ‫ليس� � ��ت برامج احلسابات الرقمية ش� � ��يئا جديدا في عمل‬ ‫() ‪THE DEPARTMENT OF PRE-CRIME‬‬

‫(‪ )1‬باستخدام احلواسيب‪.‬‬

‫(‪Crime Reduction Utilizing Statistical History )2‬‬

‫باختصار‬ ‫تجَ م� � ��ع تقنيات حفظ األم� � ��ن التنبئي بني البيان� � ��ات اجلُرمية املعهودة‬ ‫ومعلوم� � ��ات غير مألوفة من قبيل أيام دف� � ��ع األجور‪ ،‬وذلك لتوليد تنبؤات‬ ‫عن األمكنة التي يحتمل حصول جرائم فيها باملستقبل‪.‬‬ ‫نظام ِ‬ ‫أمن تنبئيا يسمى كراش أزرق‬ ‫استعملت شرطة ممفيس‬ ‫حفظ ٍ‬ ‫َ‬ ‫بغي� � ��ة تقليص مع� � ��دالت اجلرمية في املدينة‪ .‬ومنذ أن ُنش� � ��ر هذا النظام‬ ‫‪74‬‬

‫رس� � ��ميا في ش� � ��تى أنحاء املدينة عام ‪ ،2006‬انخفض� � ��ت معدالت جرائم‬ ‫العنف والسرقات الرئيسية مبقدار ‪ 26‬في املئة‪.‬‬ ‫وتثير تقنيات حفظ النظام التنبئي تس� � ��اؤالت عن إمكان اس� � ��تعمالها‬ ‫إلدانة أشخاص قبل ارتكابهم جرمية‪ .‬يضاف إلى ذلك أن املختصني بعلم‬ ‫اجلرمية غير متيقنني من أن تلك التقنيات سوف تكون ناجحة فعال‪.‬‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬


‫املؤلف‬ ‫‪James Vlahos‬‬

‫يكت� � ��ب عن العلم والتقان� � ��ة والترحال‪ .‬وهو أحد احملررين املؤسس� �ي��ن ملجلة‬ ‫‪ ،Geographic Adventure‬ويكت� � ��ب بانتظ� � ��ام للمج� �ل��ات ‪ New York Times‬و‪National ‬‬ ‫‪ Geographic Traveler‬و ‪ Popular Science‬و ‪.Popular Mechanics‬‬ ‫‪National‬‬

‫الش� � ��رطة‪ ،‬ومن أمثلة هذه البرامج برنامج قسم شرطة مدينة‬ ‫نيوي���ورك(‪ )1‬الواسع االنتش� � ��ار الذي يزود املسؤولني بخرائط‬

‫مح َّدثة بانتظام ملناطق انتش� � ��ار اجلرمية‪ ،‬وذلك منذ وضعه في‬ ‫اخلدمة في منتصف تس� � ��عينات القرن العشرين‪ .‬يضاف إلى‬ ‫ذلك أن حف���ظ األمن التنبئي(‪ )2‬قد غدا في الس� � ��نوات القليلة‬ ‫املاضية على درجة عالية من التطور‪ .‬ولم يعد املختصون بعلم‬ ‫اجلرمية الطموحون مقتصرين على حتليل بيانات املاضي‪ ،‬بل‬ ‫إنهم يحاولون أيضا التنبؤ باملستقبل‪.‬‬ ‫واليوم يعتبر حفظ األمن التنبئي واحدا من أسخن املواضيع‬ ‫في مجال فرض القانون‪ ،‬وثمة أكثر من عشرة برامج جتريبية‬ ‫قيد التنفيذ في الواليات املتحدة وأوروبا‪ .‬إال أن اجلانب السيئ‬ ‫من نهج قراءة املس� � ��تقبل هذا‪ ،‬هو أنه ما مِ ْن أحد يعرف بيقني‬ ‫أنه س� � ��وف يكون ناجحا‪ .‬فأس� � ��باب اجلرمية معقدة ومتعددة‬ ‫اجلوان� � ��ب‪ ،‬وهذا ما يجعل من الصعب حتديد االس� � ��تراتيجية‬ ‫الفضلى ملكافحتها‪ .‬واملختصون مبكافحة اجلرمية ما زالوا في‬ ‫طور البدء بالفص� � ��ل بني مفاعيل حفظ األمن التنبئي والعوامل‬ ‫األخرى الهائلة الع� � ��دد التي تقلص اجلرمية‪ ،‬ومنها مثال تقدم‬ ‫املجتمع األمريكي بالس� � ��ن‪ .‬وكل ما يعرف� � ��ه املختصون معرفة‬ ‫يقينية هو أن ما تقوم به الشرطة صحيح‪ ،‬ففي الواليات املتحدة‬ ‫تقلصت اجلرمية إلى أدنى مستوياتها في أربعة عقود‪.‬‬ ‫وعندما اطلع >كنينگهام< حامال ش� � ��هادة قيادة الس� � ��يارة‬ ‫اخلاصة بالرج� � ��ل‪ ،‬كانت الص� � ��ورة املوج� � ��ودة عليها مماثلة‬ ‫عمليا لصورة >دڤني< الظاهرة على الشاش� � ��ة في الس� � ��يارة‪.‬‬ ‫أما اس� � ��مه‪ ،‬فلم يكن مطابقا‪ .‬واعتبر >كنينگهام< احلالة بأنها‬ ‫اشتباه بالشخصية‪ ،‬ولذا ترك الرجل ميضي في طريقه قائال‪:‬‬ ‫«إنه يوم سعده‪».‬‬ ‫مسرح اجلرمية‬

‫()‬

‫يب� � ��دو حفظ األمن التنبئي وكأنه ينتمي إلى املس� � ��تقبل املش� � ��ؤوم‬ ‫الذي تخيله الكاتب >‪ .K .Ph‬دك< في قصته القصيرة‪ ،‬املنش� � ��ورة‬ ‫في عـــ� � ��ام ‪ 1956‬بعنـــوان تقــريــ���ر األقــليـ���ة(‪( )3‬التي أخـــرجهـــا‬

‫>‪ .S‬ش� � ��پيلبرگ< فيلما س� � ��ينمائيا فيما بعد) وتصف مس� � ��تقبال‬ ‫تقبض فيه الش� � ��رطة على املجرمني قبل ارتكابهم اجلرمية‪ .‬وفي‬ ‫احلياة الواقعية‪ ،‬يعتمد هذا النهج على محللي جرائم يستعملون‬ ‫برمجيات حاس� � ��وبية عوضا عن البصيرة اخلارقة التي يتصف‬ ‫بها أش� � ��خاص يقبعون في غرف معتم� � ��ة‪ .‬وذلك النهج ال يخبرك‬ ‫أيضا عمن سوف يرتكب جرمية‪ ،‬بل يعطي أفضل تخمني جلميع‬ ‫األشياء األخرى‪ :‬نوع اجلرمية واملكان والزمن اللذان ستحصل‬ ‫فيهما‪ .‬ويقول >‪ .J‬ويليامز< [مدير حتليل اجلرمية لدى قسم شرطة‬ ‫ممفيس]‪« :‬البعض يقول إنه ال ميكن التكهن مبا س� � ��وف يحصل‬ ‫في املستقبل‪ .‬لكننا نقول‪ :‬بلى نستطيع‪».‬‬ ‫ولك� � ��ن بصرف النظر عن اعتراضات الرجعيني‪ ،‬فإن هذا‬ ‫النهج ليس إال مثاال قويا حلقل يس� � ��مى «حتلي�ل�ا تنبئيا(‪»)4‬‬ ‫(‪)5‬‬ ‫ما زال شائعا حتى اليوم‪ ،‬خالفا للسيارات الصاروخية‬ ‫واجلع���ب النفاث���ة(‪ )6‬التي جرى التنبؤ به� � ��ا أيضا في عهد‬ ‫الرئيس الراحل >آيزنهاور<‪.‬‬ ‫() ‪THE SCENE OF THE CRIME‬‬ ‫(‪CompStat )1‬‬ ‫(‪predictive policing )2‬‬ ‫(‪The Minority Report )3‬‬ ‫(‪predictive analytics )4‬‬ ‫(‪ :rocket cars )5‬سيارة تعمل مبحرك‬

‫صاروخي‪.‬‬ ‫(‪jet packs )6‬س‪ :‬جعبة تعمل مبحرك نفاث وحتمل على الظهر لترفع حاملها بواس� � ��طة‬ ‫(التحرير)‬ ‫محرك نفاث في داخلها‪.‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪75‬‬


‫هل تؤدي الغرض منها؟‬

‫دعوى قضائية إذا أمكن التنقيب عنها ضمن جبل‬ ‫انخفاض معدالت اجلرمية في الواليات‬ ‫سنوات انخفاض‬ ‫أنق� � ��اض معلوماتي� � ��ة‪ .‬فيما س� � ��بق‪ ،‬كان احملققون‬ ‫املتحدة وممفيس (‪)100 = 2006‬‬ ‫()‬ ‫معدالت اجلرمية‬ ‫يقرؤون املعلومات اإلحصائية اخلاصة باللصوص‬ ‫‪100‬‬ ‫تتص���ف العوام���ل التي ت���ؤدي إلى‬ ‫بأعينهم‪ ،‬وذلك بالس� � ��حب املتتالي لسجالت تراكم‬ ‫اجلرمية بالتعقيد والتنوع الشديد‪،‬‬ ‫عليه� � ��ا غبار مخازنها‪ ،‬أو ببس� � ��اطة بتوقع أن ثمة‬ ‫وهذا ما يجعل ر ّد معدالت اجلرمية‬ ‫‪90‬‬ ‫إلى أس���باب رئيس���ية صعب���ا جدا‪.‬‬ ‫ش� � ��يئا ما مشبوها س� � ��وف يحصل‪ .‬أما البرنامج‬ ‫وم���ع ذل���ك ف���إن ثم���ة دلي�ل�ا على أن‬ ‫‪ ،CompStat‬فق� � ��د أدخل حتليلَ بيان���ات منتظما‬ ‫االس���تراتيجيات التنبئي���ة التي من‬ ‫قبي���ل النظ���ام ك���راش أزرق املطبق‬ ‫‪80‬‬ ‫شبه مؤمتت(‪ )3‬إلى أعمال الشرطة‪ ،‬وما تغير منذ‬ ‫ف���ي ممفي���س ق���د س���اعدت عل���ى‬ ‫أيام اس� � ��تعماله األولى ليس فقط مقدار املعلومات‬ ‫معدل جرائم العنف في الواليات املتحدة‬ ‫تقلي���ص اجلرمي���ة فيه���ا‪ .‬فمنذ عام‬ ‫معدل جرائم السرقة في الواليات املتحدة‬ ‫التي يجري تس� � ��جيلها‪ ،‬وإمنا أيضا السرعة التي‬ ‫‪ ،2006‬حينما تأس���س النظام كراش‬ ‫معدل جرائم العنف في ممفيس‬ ‫‪70‬‬ ‫أزرق‪ ،‬ش���هدت املدينة انخفاضا في‬ ‫ممفيس‬ ‫في‬ ‫السرقة‬ ‫جرائم‬ ‫معدل‬ ‫ميكن حتليلها بها مبس� � ��اعدة احلاس� � ��وب‪ .‬ويقول‬ ‫مع���دالت جرائم العنف والس���رقات‬ ‫النقي� � ��ب >‪ .S‬مالينويس� � ��كي< [الذي ي� � ��رأس أعمال‬ ‫الرئيس���ية أش���د مما ش���هدته سائر‬ ‫‪2006 2007 2008 2009 2010‬‬ ‫مدن الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫التحليل لدى قس� � ��م ش� � ��رطة لوس أجنلس]‪« :‬لقد‬ ‫اعتدن� � ��ا النظ� � ��ر إل� � ��ى إحصائيات اجلرائ� � ��م التي‬ ‫إن توصية دار النشر أمازون ‪ Amazon‬بقراءة كتب معينة‪ ،‬لدينا كل س� � ��نة والقول‪« :‬عجبا‪ ،‬س إلى ما حصل‪ ».‬ثم أخذنا‬ ‫بن� � ��اء على خوارزمي� � ��ات اختبار للذوق‪ ،‬هي ن� � ��وع من التحليل ننظر إليها ش� � ��هريا فأس� � ��بوعيا‪ ،‬فيوميا‪ ،‬وهي اآلن بني أيدينا‬ ‫التنبئ� � ��ي‪ .‬وثمة ش� � ��ركات بطاق� � ��ات ائتمانية تس� � ��تعمل برامج باستمرار‪».‬‬ ‫وحفظ األمن التنبئي في ممفيس يتواله مركز اجلرمية في‬ ‫عرافة(‪ )1‬وتنبؤ حاس� � ��وبية لتحديد الزبائ� � ��ن املتذمرين‪ ،‬ومن ثم‬ ‫تق� � ��دمي عروض لهم أكثر إغراء كي ال يتحولوا إلى اس� � ��تعمال الزم���ن احلقيقي(‪ - )4‬الذي يتخفى في مبنى مكاتب متواضع‬ ‫بطاقات أخرى‪ ،‬في حني أن الش� � ��ركة ‪ Blue Cross‬تأمل بالتنبؤ ف� � ��ي مركز املدينة‪ ،‬وذلك بطريقة مالئمة حلماية رجال مكافحة‬ ‫باخلدمات الصحية التي س� � ��وف يحتاج إليها مشتركو التأمني اجلرمي� � ��ة‪ .‬وقد مررن� � ��ي >ويليامز< بنحو عش� � ��رة من احملللني‬ ‫اجلالس� �ي��ن في صف� � ��وف حلقية ينقرون عل� � ��ى لوحات مفاتيح‬ ‫الصحي لديها في السنوات املقبلة‪.‬‬ ‫لقد اعتمد البش� � ��ر في الس� � ��ابق على اخلبرة واحلدس في حواسيبهم‪ .‬وتغطي جدران القاعة األمامية واجلانبية شاشات‬ ‫التنبؤ باملس� � ��تقبل‪ .‬وميكن للناس أن يكونوا ناجحني في التنبؤ إس� � ��قاط تري خرائط للمدينة محمل� � ��ة بأيقونات ومدخالت من‬ ‫باجلرمية القائم على احلدس أيضا‪ ،‬وفقا ملا بينه >‪ .M‬گالدول< آالت تصوير اس� � ��تطالعية‪ .‬ويتحرك ش� � ��ريط أخبار عند أعلى‬ ‫في كتابه الش� � ��هير «طرفة عني» ‪ Blink‬املنشور في عام ‪ .2007‬إحدى الشاش� � ��ات معطي� � ��ا آخر اجلرائم الت� � ��ي وردت تقارير‬ ‫ولكن أنصار التحليل التنبئي يقولون إن حجم املعلومات التي عنها‪ ،‬ومنها «سرقة من سيارة في الساعة ‪ 12:30:46‬مساء‪».‬‬ ‫وقدمن� � ��ي >ويليام� � ��ز< ف� � ��ي قاعة املؤمت� � ��رات إل� � ��ى >‪.R .W‬‬ ‫نولدها كل يوم بآالت التصوير واحلواسيب والهواتف الذكية‬ ‫قد منا منوا يصعب اس� � ��تيعابه‪ .‬وقد كتب >‪ .I‬آيرس< في كتابه يانيكويسكي< املتخصص في علم اجلرمية لدى جامعة ممفيس‬ ‫التحليلي املؤثر «حاس���بات رقمية فائق���ة» ‪ Super Crunchers‬وأحد املخططني األصليني للنظام كراش أزرق‪ .‬فقد ُزرعت بذور‬ ‫املنش� � ��ور في عام ‪« :2008‬ما عادت قواعد بيانات الش� � ��ركات املش� � ��روع حينما طلبت الشرطة مس� � ��اعدته على تقليص معدل‬ ‫واحلكومة تقاس بامليگا أو الگيگابايت‪ ،‬بل بالتِ را ‪ tera‬أو حتى االغتصاب اجلنس� � ��ي في املدينة الذي احت� � ��ل املوقع األول أو‬ ‫الثاني طوال عقدين في الواليات املتحدة‪ .‬فدعى >يانيكويسكي<‬ ‫بال ِبتاباي� � ��ت (‪ 1000‬تِرابايت)‪ ».‬وه� � ��ذا ينطوي على أن فرضية‬ ‫طرفة العني صارت غير صاحلة بعد أن أصبحنا عائمني على إل� � ��ى اجتماعات ملجموع� � ��ات متثل الضحايا وزار ش� � ��خصيا‬ ‫بح� � ��ر هائل جدا من املعلومات‪ ،‬ال ميكن ألي عقل بش� � ��ري أن مواق� � ��ع حصلت فيها اعتداءات‪ .‬إال أن أقوى األفكار جاءت من‬ ‫يبح� � ��ر فيه وحده بذكاء‪ ،‬ولذا ال بد م� � ��ن اللجوء إلى آالت ذات بيانات من أكوام تقارير الش� � ��رطة التي تتضمن أوقات ومواقع‬ ‫وأوصاف اعتداءات تخص نحو ‪ 500‬عملية اغتصاب‪ .‬وكشف‬ ‫بصيرة(‪ )2‬أيضا‪.‬‬ ‫وفي عمل الش� � ��رطة‪ ،‬فإن كل استدعاء إلى اخلدمة وتوقف‬ ‫() ‪Down Years‬‬ ‫(‪soothsay )1‬‬ ‫حلركة املرور ومقابلة على الرصيف والقبض على مجرم يو ّلد‬ ‫(‪visionary )2‬‬ ‫(‪regular semiautomated data analysis )3‬‬ ‫بيان� � ��ات تغري احملللني بالعثور على أدلة جنائية متكن من رفع‬ ‫(‪Real Time Crime Center )4‬‬ ‫‪76‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫التحلي� � ��ل أن كثيرا من االعتداءات عل� � ��ى الضحايا حصل في‬ ‫ظروف متشابهة‪ :‬حينما يغادرون منازلهم الستعمال الهواتف‬ ‫العمومي� � ��ة املركبة خارج دكاكني تعمل حت� � ��ى وقت متأخر من‬ ‫الليل‪ .‬وطلبت الشرطة إلى أصحاب الدكاكني إدخال الهواتف‬ ‫العمومية إلى داخل دكاكينهم‪ ،‬فأدى ذلك إلى انخفاض واضح‬ ‫في معدل االغتصاب في ممفيس‪.‬‬ ‫م� � ��ن حيث اجلوه� � ��ر‪ ،‬كان ذلك مثاال لبرنام� � ��ج حفظ األمن‬ ‫التنبئي ‪ .1.0‬وباس� � ��تعمال برمجي� � ��ات حتليلية ملعرفة ما حصل‬ ‫في املاضي القريب‪ ،‬افترض >يانيكويسكي< ورفاقه على نحو‬ ‫صحيح أن جرائم مشابهة ميكن أن حتصل ثانية في املستقبل‬ ‫القريب‪ .‬وتطورت تقني� � ��ات التنبؤ منذئذ وصارت أقوى‪ ،‬متيحة‬ ‫للش� � ��رطة تخمني أمن� � ��اط اجلرمية املختفية ضم� � ��ن مجموعات‬ ‫البيانات الهائلة‪ ،‬والتي يصل عددها إلى مئات آالف السجالت‪،‬‬ ‫في عملية لفصل اإلش� � ��ارة عن ضجيج احمليط الذي ميكن أن‬ ‫يطغى على احملقق البشري العادي‪.‬‬ ‫وغ� � ��دت هذه املنهجية أكثر تعقيدا أيضا‪ .‬فاملس� � ��تقبل ليس‬ ‫دائما مرآة للماضي‪ ،‬ولذا على املختصني بعلم اجلرمية حتديد‬ ‫جميع عوامل اجلرمية املختلفة‪ ،‬مع مفاعيلها منفردة ومجتمعة‪.‬‬ ‫ويش� � ��رح >‪ .J .P‬برانتينگهام< [اخلبير بحفظ األمن التنبئي لدى‬ ‫جامع� � ��ة كاليفورني� � ��ا] الصعوبة اجلوهرية في ذلك متس� � ��ائال‪:‬‬ ‫«بافت� � ��راض وجود مجموعة من اجلرائم اليوم‪ ،‬هل ميكننا بناء‬ ‫من� � ��وذج رياضياتي ووصف األمناط املتوقعة للجرمية غدا على‬ ‫أساس احتمالي؟»‬ ‫وتشبه نتائج برنامج حفظ األمن التنبئي ‪ 2.0‬ما يحصل في‬ ‫ريتشموند بڤرجينيا‪ .‬فهذا البرنامج‪ ،‬وعلى غرار حالة ممفيس‪،‬‬ ‫يحتوي على برمجيات حتليلية طورتها الش� � ��ركة ‪ .IBM‬وهناك‬ ‫حتلل حواس� � ��يب الش� � ��رطة كل جرمية من حيث وقت حدوثها‬ ‫ف� � ��ي اليوم‪ ،‬واليوم من األس� � ��بوع ومن الش� � ��هر‪ .‬وحتدد مواقع‬ ‫االعتداء بعنوان الش� � ��ارع وبقربها من أماكن معروفة من قبيل‬ ‫أجهزة الصرافة اآللية واحلدائق واحلانات‪ .‬وتزود احلواسيب‬ ‫بأيام دفع األجور لدى الش� � ��ركات احمللية‪ ،‬وبجداول املناسبات‬ ‫الرياضية واملوسيقية احمللية‪ .‬وكل شيء‪ ،‬من مواعيد معارض‬ ‫األسلحة حتى حالة الطقس وأطوار القمر‪ُ ،‬يعتبر ذا أهمية في‬ ‫هذا املضمار‪.‬‬ ‫وتقيي� � ��م كيفي� � ��ة تأثير جميع تل� � ��ك العوامل ف� � ��ي اجلرائم‬ ‫املستقبلية‪ ،‬يتطلب شراكة بني الناس واحلواسيب‪ ،‬يجلب فيها‬ ‫كل ط� � ��رف ق� � ��وة مختلفة إلى الطاولة‪ .‬فاحلواس� � ��يب تتفوق في‬ ‫حتديد التوجهات اإلحصائية‪ ،‬وعلى رجال الشرطة تفسيرها‪،‬‬ ‫وفقا لقول العقيد >‪ .H‬س� � ��تارنس< لدى قس� � ��م شرطة ممفيس‪.‬‬ ‫َعرف س� � ��بب اجلرمية حتى يأتي ش� � ��رطي الشارع‬ ‫ويقول‪« :‬ال ت ِ‬

‫ال� � ��ذي يعرف منطقت� � ��ه‪ .‬وما يجب عليك االهتمام به هو س� � ��بب‬ ‫املشكلة‪ ،‬وليس املشكلة بحد ذاتها‪».‬‬ ‫تبدأ عملية حفظ األمن التنبئي غالبا باش� � ��تباه يحصل لدى‬ ‫الش� � ��رطي‪ ،‬من قبيل أن اعتداءات الس� � ��رقة تزداد بالقرب من‬ ‫أجه� � ��زة الصرف اآللي في أيام دفع األج� � ��ور‪ .‬وميكن للتحليل‬ ‫احلاس� � ��وبي تأكيد أو نفي صحة الش� � ��بهة‪ ،‬مع إضافة تعديل‬ ‫طفيف إليها‪ .‬وعلى سبيل املثال‪ ،‬قد يتبني أن اعتداءات السرقة‬ ‫بالق� � ��رب من مجموعة معينة من تل� � ��ك األجهزة تبلغ ذروتها في‬ ‫أيام دف� � ��ع األجور‪ ،‬وهذا ما يقتضي متوضع رجال الش� � ��رطة‬ ‫في مناطق هذه األجهزة‪ .‬وفي ريتش� � ��موند‪ ،‬ش� � ��عرت الشرطة‬ ‫بأن جرائم العنف قد ازدادت بعد إقامة معرض لألس� � ��لحة في‬ ‫املدينة‪ .‬وبني التحليل احلاس� � ��وبي له� � ��ا أن خطر جرائم العنف‬ ‫لن يبلغ ذروته في عطلة نهاية األسبوع الذي أقيم فيه املعرض‬ ‫وفقا للمتوقع‪ ،‬بل بعد أسبوعني‪ .‬وهذا ما حصل‪.‬‬ ‫وتتفوق احلواس� � ��يب على البشر بسبب قدرتها الهائلة على‬ ‫املعاجلة‪ ،‬وعدم انشغالها باالفتراضات القبلية(‪ )1‬التي يقومون‬ ‫(‪)2‬‬ ‫بها‪ .‬وفي كتاب التنقيب ع���ن البيانات والتحليل التنبئي‬ ‫الصادر في عام ‪ ،2007‬يصف املؤلف وضابط الشرطة السابق‬ ‫>‪ .C‬م� � ��اك كيو< اكتش� � ��افا يتناق� � ��ض مع احلس الع� � ��ام قام به‬ ‫مختصون بعلم اجلرمية في ڤرجينيا‪ ،‬أثناء إجرائهم حسابات‬ ‫باس� � ��تخدام حواس� � ��يبهم‪ ،‬على أنواع الن� � ��اس الذين يرغمون‬ ‫اآلخرين على ممارس� � ��ة اجلنس حينما ال يكونون راغبني فيه‪.‬‬ ‫ويق� � ��ول >ماك كيو<‪ « :‬ليس من املفاجئ أن يكون تاريخ ما قبل‬ ‫االعت� � ��داء أكثر املتغي� � ��رات املفيدة في التنب� � ��ؤ باجلرمية‪ .‬ولكن‬ ‫املفاجئ حقا هو أن تكون جرمية س� � ��رقة بيوت سابقة‪ ،‬مؤشرا‬ ‫عمليا إلى اعتداء جنس� � ��ي يقوم به غري� � ��ب‪ ،‬أفضل من اعتداء‬ ‫جنسي سابق‪ ».‬وعلى وجه اخلصوص‪ ،‬يعتبر املجرمون الذين‬ ‫دخلوا منازل س� � ��ابقا‪ ،‬ولم يس� � ��رقوا إال القليل‪ ،‬أو لم يسرقوا‬ ‫شيئا‪ ،‬أكثر احتماال للقيام الحقا باغتصاب‪ .‬ولعلهم كانوا في‬ ‫دخولهم يستطلعون ضحية الغتصابها دون االهتمام بالسرقة‪.‬‬ ‫لذا‪ ،‬حينما بينت احلواس� � ��يب فيما بعد ازديادا في اختراقات‬ ‫لبيوت لم حتصل فيها سرقات‪ ،‬جرى حتذير السكان من وجود‬ ‫مغتصبني جنسيني فيما بينهم‪.‬‬ ‫حت� � ��ى إن البرمجي� � ��ات التنبئي� � ��ة ال حتتاج إل� � ��ى االبتداء‬ ‫بفرضية يضعها مش� � ��رف بشري‪ ،‬مع أن ذلك ميكن أن يكون‬ ‫مفيدا‪ .‬فاحلواس� � ��يب تستطيع اإلبحار في محيط من البيانات‬ ‫وحتديد خوارزميات التنبؤ آليا في س� � ��يرورة تس� � ��مى قاعدة‬ ‫اس����تنتاج(‪ .)3‬أ ِ‬ ‫َدخ � � � ْل مجموعة من البيانات إلى احلاس� � ��وب‪،‬‬ ‫(‪preconceptions )1‬‬ ‫(‪Data Mining and Predictive Analysis )2‬‬ ‫(‪rule induction )3‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪77‬‬


‫آلية العمل‬

‫هزات ارتدادية ُج ْرمِ َّية‬

‫()‬

‫ب�ّي�نّ بح���ث حدي���ث ف���ي علم اجلرمي���ة أن ثم���ة الكثي���ر مما هو مش���ترك بني‬ ‫اجلرمية والزالزل‪ .‬فمناطق معينة‪ ،‬سواء أكانت ضواحي تعج باجلرمية أم‬ ‫خطوط تصدع أرضية‪ ،‬هي التي س���وف تعاني بأرجحية عالية‪ .‬وبالطريقة‬ ‫نفسها التي تخلف بها الزالزل هزات ارتدادية‪ ،‬ثمة نزعة نحو زيادة ضئيلة‬ ‫مؤقت���ة في مع���دالت اجلرمية تل���ي اجلرمية األصلية في املناط���ق املجاورة‪.‬‬ ‫وق���د اس���تعمل الباحث���ون هذه الفكرة لوض���ع خرائط لألمكن���ة التي يحتمل‬ ‫تنبؤ اليوم‬

‫خريطة أساسية‬

‫=‬

‫تنبؤ بالهزات االرتدادية‬

‫رجال مباحث عرافون‬

‫()‬

‫أطل� � ��ق الراحل >‪ .J‬ما ّبل< حينما كان ضابط ش� � ��رطة النقل في‬ ‫مدينة نيويورك في ثمانينات القرن السابق طريقة حديثة حلفظ‬ ‫األمن تقوم على البيانات‪ ،‬وذل� � ��ك بتحديد أمكنة جرائم العنف‬ ‫التي حتصل في أنفاق عبور الشوارع‪ ،‬على خرائط مستعمال‬ ‫الطباش� � ��ير واألقالم امللونة‪ ،‬ودعاها خرائط املس� � ��تقبل‪ .‬وكان‬ ‫االس� � ��م جذابا مفعما ب� � ��رؤى والت ديزني لغد أكثر إش� � ��راقا‪،‬‬

‫أحداث األمس‬

‫تؤدي إلى‬

‫‪+‬‬

‫فتتعقب البرمجيات مجموعة العوامل التي تؤدي إلى جرمية‪،‬‬ ‫معززة التخمينات حول الكيفية التي تؤثر بها العوامل اجلديدة‬ ‫في اخلطر الكلي املس� � ��تقبلي‪ .‬وعلى سبيل املثال‪ ،‬ماذا ميكن‬ ‫أن يحصل حينما يقام معرض لألس� � ��لحة في نهاية األسبوع‬ ‫التي يتوقع أن يكون الطقس فيها حارا‪ ،‬أو حينما يكون القمر‬ ‫بدرا في ليلة يوم دفع األجور؟‬ ‫ومن حيث املبدأ‪ ،‬ميكن لش� � ��رطة ريتش� � ��موند وضع األفكار‬ ‫التن ُّبئية في منوذج قيد الدراس� � ��ة‪ ،‬مهما كانت غبية أو ساذجة‪.‬‬ ‫فف� � ��ي كل مرة يدخل� � ��ون فيها عام َل تنبؤ محتم� �ل��ا جديدا‪ ،‬من‬ ‫قبي� � ��ل اجتماع� � ��ات روابط معلم� � ��ي املدارس وأهال� � ��ي التالميذ‬ ‫املقررة مثال‪ ،‬يعي� � ��دون تقييم النموذج بعد مرور التاريخ املتنبأ‬ ‫به‪ .‬ما مدى جناح النم� � ��وذج في التنبؤ باجلرائم التي حصلت‬ ‫فعال؟»‪ ‬في النهاية‪ ،‬ربمّ ا ال يستعمل النموذج إال مجموعة جزئية‬ ‫من العوامل املرش� � ��حة‪ »،‬يقول >‪ .B‬هافي< [مهندس البرمجيات‬ ‫لدى ‪« :]IBM‬ولكن هذه املجموعة اجلزئية هي التي يتكون منها‬ ‫أكثر النماذج دقة‪».‬‬

‫‪78‬‬

‫أن حتص���ل فيه���ا جرمي���ة ف���ي األي���ام أو األس���ابيع القادم���ة‪ .‬فه���م يأخذون‬ ‫تقاري���ر جرائم يوم أمس‪ ،‬ويرس���مون خرائط ه���زات ارتدادية تعكس ازدياد‬ ‫احتمال األنشطة اجلرمية في مناطق قريبة‪ ،‬ويضيفون ذرا تلك االهتزازات‬ ‫االرتدادية إلى خريطة أصلية ألنش���طة جرمية معتادة‪ .‬وتس���تعمل الش���رطة‬ ‫بعدئذ اخلريطة الناجتة إلرسال ضباط شرطة إلى املواقع التي يعتبر وقوع‬ ‫اجلرمية فيها أكثر احتماال‪.‬‬

‫إضاف� � ��ة إلى إيحائه بالق� � ��ادم من األمور أيض� � ��ا‪ .‬واليوم‪ ،‬بعد‬ ‫عقدين من الس� � ��نني تقريبا‪ ،‬ما زالت تلك اخلرائط أداة مفتاحية‬ ‫في حفظ األمن التنبئي‪ ،‬إضافة إلى أن التحليل الذي تعكس� � ��ه‬ ‫صار أكثر تطورا‪.‬‬ ‫وحضرت في ممفيس اجتماعا أسبوعيا يخص حتديد املهام‬ ‫واملسؤوليات ومصداقية البيانات في النظام كراش أزرق‪ .‬ففي‬ ‫غرفة كبيرة للمؤمت� � ��رات‪ ،‬اعتلى قاد ُة ش� � ��رطة قطاعات املدينة‬ ‫الثمانية املنص َة على التوالي ملناقشة اجلرائم التي حصلت في‬ ‫اآلونة األخيرة في مناطقهم‪ .‬وظهرت على شاشة خلفهم خرائط‬ ‫حتمل أيقونات جرائم من قبيل قبضات أيد ونوافذ مكس� � ��ورة‬ ‫ومتاثيل لصوص صغيرة‪ ،‬ميثل كل منها اعتداء واحدا حصل‬ ‫في األسبوع السابق‪.‬‬ ‫أم� � ��ا في طرائق حف� � ��ظ األمن التنبئي فتس� � ��تعمل متغيرات‬ ‫أكث� � ��ر من مجرد أوق� � ��ات وأمكنة اجلرائم األخي� � ��رة فقط‪ .‬ففي‬ ‫ممفيس ميكن للمحلل أوال فتح خريطة تعرض مواقع السرقات‬ ‫األخي� � ��رة‪ .‬وميكنه بعدئ� � ��ذ إظهار عناوين من� � ��ازل جميع الطلبة‬ ‫الذين أعلنت مديرية تربي� � ��ة املنطقة غيابهم في اآلونة األخيرة‪.‬‬ ‫وميك� � ��ن لطبقة ثالثة من البيانات أن تدل على التالميذ املتغيبني‬ ‫الذين أدينوا سابقا بالسرقة‪ .‬وعند ترتيب كل شيء‪ ،‬أي وضع‬ ‫الس� � ��رقات بجانب من� � ��ازل التالميذ ذوي الس� � ��جل اإلجرامي‪،‬‬ ‫يح� �ي��ن وقت النزول إلى الش� � ��ارع ومحاولة القبض على اللص‬ ‫باجلرم املش� � ��هود‪ ،‬أو الذهاب إلى بيت التلميذ املتغيب‪ .‬ويقول‬ ‫() ‪Criminal Aftershocks‬‬ ‫() ‪SOOTHSAYER DETECTIVES‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫>‪ .J‬هارڤي< [مدير مركز اجلرمية في الزمن احلقيقي]‪« :‬تذهب‬ ‫وتطرق الباب وتتحدث‪ ،‬ومن دواعي العجب أنك جتد األش� � ��ياء‬ ‫املسروقة مكومة هنا وهناك حول املبنى‪».‬‬ ‫وقد بدأت هذه اخلوارزمي� � ��ات أيضا مبكاملة آخر نظريات‬ ‫علم اجلرمية‪ .‬فمثال‪ ،‬تقول احلكمة الشائعة‪« :‬إن املجرمني ذوي‬ ‫اخلبرة ال يعودون إلى مس� � ��رح جرميته� � ��م‪ ».‬إال أن اللصوص‬ ‫الناجح� �ي��ن يفعلون عكس ذلك متاما‪ ،‬وفقا لرأي >برانتينگهام<‬ ‫[من جامعة كاليفورنيا] و >‪ .G‬موهلر< [الرياضياتي في جامعة‬ ‫س� � ��انتا كالرا] اللذين توصال إلى استنتاجهما هذا بعد حتليل‬ ‫آالف تقارير حوادث الس� � ��رقة والقبض عل� � ��ى اللصوص لدى‬ ‫قس� � ��م ش� � ��رطة لوس آجنلس‪ .‬يقول >برانتينگهام<‪« :‬من وجهة‬ ‫نظر املج� � ��رم‪ ،‬تعتبر العودة إلى املنزل الذي س� � ��رقه يوم أمس‬ ‫اس� � ��تراتيجية جي� � ��دة‪ .‬فهو يع� � ��رف ما هو موجود ف� � ��ي املنزل‪،‬‬ ‫ويعرف كيفية الدخول إليه واخلروج منه بسرعة‪ ».‬إضافة إلى‬ ‫ذلك فقد وجدا أن خطر س� � ��رقة البيوت املجاورة األخرى يزداد‬ ‫كثيرا أيضا ألنها غالبا ما تتصف بتوزيعات داخلية وممتلكات‬ ‫متشابهة‪ ،‬وهذا ما يجعلها أهدافا مغرية‪.‬‬ ‫وقد اكتشف >برانتينگهام< و>موهلر< منطا متكررا للسطو‬ ‫وعنف العصابات وس� � ��رقات الس� � ��يارات‪ .‬وحددا مدى تأثيره‪،‬‬ ‫وال� � ��ذي بلغ نحو ميلني في حالة س� � ��رقة املن� � ��ازل‪ ،‬وكيفية تغير‬ ‫مس� � ��تويات اخلطر خالل األيام واألس� � ��ابيع التي تلي االعتداء‬ ‫األصلي‪ .‬ثم طورا خوارزميات تنبؤ تتضمن تلك االستنتاجات‪،‬‬ ‫ووضع� � ��ا بذلك منوذجا تنبئيا تب� �ي��ن أنه أدق بنحو ‪ %20-10‬في‬ ‫التنبؤ باجلرائم املس� � ��تقبلية من النموذج املعهود الذي يفترض‬ ‫أن املستقبل سوف يكون كاملاضي متاما‪.‬‬ ‫وفي اجتماع ممفيس اخلاص بتحديد املهام واملس� � ��ؤوليات‬ ‫واملصداقي� � ��ة في النظام كراش أزرق‪ ،‬ج� � ��رى حتديد منطقتني‬ ‫أو ثالث مناطق س� � ��اخنة عل� � ��ى كل خريطة من خرائط قطاعات‬ ‫املدينة يتوقع أن تكون اجلرمية فيها على أشدها في األسبوع‬ ‫أنواع اجلرائم التي يجب االهتمام بها‬ ‫القادم‪ .‬وتضمنت الئح ٌة‬ ‫َ‬ ‫خرجت مع الشرطي >كنينگهام<‬ ‫مع مواعيدها‪ .‬واستنادا إليها‬ ‫ُ‬ ‫للبحث ع� � ��ن لصوص ذلك املس� � ��اء فيما بني الس� � ��اعة الرابعة‬ ‫والساعة العاشرة مساء‪.‬‬ ‫وتتضمن الئحة التنبؤ أيضا كيفية ذهابنا إلى منطقة عالية‬ ‫اخلط� � ��ر في وقت الحق م� � ��ن تلك الليلة‪ ،‬ه� � ��ي ضاحية أوراجن‬ ‫ماوند‪ ،‬عندما نتلقى نداء اس� � ��تغاثة‪ .‬لقد كانت هناك س� � ��يارتا‬ ‫شرطة أخريان‪ ،‬عليهما مصباحان د ّواران‪ ،‬حتاصران سيارة‬ ‫نيسان س� � ��وداء عند الرصيف عندما وصلنا‪ .‬وكان مع الرجل‬ ‫اجلالس في اخللف نحو أوقيتني من املاريوانا وبضع مئات من‬ ‫ال� � ��دوالرات وميزان مخفي بذكاء على ش� � ��كل هاتف خلوي من‬

‫النوع آي فون‪ .‬وعندما س� � ��أله أحد الضابطني عن الغرض من‬ ‫امليزان‪ ،‬كان منفتحا متاما بإقراره بأنه تاجر مخدرات (مع أن‬ ‫التعديل اخلامس للدس� � ��تور األمريكي يحميه من اإلكراه على‬ ‫االعت� � ��راف‪ ).‬فقد قال‪« :‬يظن بعض زبائني أحيانا أنني أحاول‬ ‫علي وزن البضاعة‪».‬‬ ‫غشهم‪ ،‬لذا يجب ّ‬ ‫مدان بالشروع في القتل‬

‫()‬

‫ودفع تاجر املخدرات ليجلس س� � ��اكنا في املقعد اخللفي من‬ ‫السيارة‪ .‬وبينما كنا ننقله إلى سجن املقاطعة‪ ،‬صدر نداء من‬ ‫جهاز االتصال في السيارة‪« :‬الشقة ‪ ،6011‬منطقة ريدجواي‬ ‫وتل هيكري‪ .‬معلومات عن إطالق نار‪ ».‬وفي الصباح التالي‪،‬‬ ‫اطلعت على ما ورد في اإلنترنت عن احلادث‪ :‬اس� � ��م الضحية‬ ‫>كالود بري� � ��ك<‪ ،‬مح� � ��ارب قدمي عمره ‪ 56‬س� � ��نة ويعمل حاليا‬ ‫لدى بيتزا پاپا جون‪ .‬فمباش� � ��رة بعد قيامه بتوصيل طلب إلى‬ ‫زب� � ��ون‪ ،‬اقترب منه ش� � ��ابان عمراهما حتت العش� � ��رين وطلبا‬ ‫ماال‪ ،‬فرفض االستجابة لهما‪ ،‬فأطلق أحد الشابني النار عليه‬ ‫وأرداه قتيال‪.‬‬ ‫لي� � ��س القتل ش� � ��ائعا‪ ،‬حتى ف� � ��ي مدينة كبي� � ��رة من قبيل‬ ‫ممفي� � ��س‪ .‬فقد جرى اإلخبار عن ‪ 25 324‬س� � ��رقة في ممفيس‬ ‫في ع� � ��ام ‪ ،2010‬مقابل ‪ 90‬جرمية قتل فقط‪ ،‬وهذا عدد صغير‬ ‫إحصائيا يجعل من املس� � ��تحيل تصمي� � ��م خوارزمية موثوقة‬ ‫بق� � ��در كاف إللق� � ��اء القبض على القتلة قب� � ��ل ارتكابهم جرمية‬ ‫القت� � ��ل‪ .‬وقد حدث قتل >بريك< خارج املنطقة الس� � ��اخنة التي‬ ‫كان >كنينگهام< يحرس� � ��ها‪ ،‬ولم يتضمن التقرير األس� � ��بوعي‬ ‫أي تنب� � ��ؤ بحصول جرمي� � ��ة عنف من هذا القبي� � ��ل‪ .‬حتى من‬ ‫يثق بالتنبؤ مثل >يانيكويس� � ��كي< يسارع إلى اإلشارة إلى أن‬ ‫العمل التخميني‪ ،‬مهما كان عالي التقانة وغنيا باملعلومات‪ ،‬ال‬ ‫ميكن أن يصل بك إلى أبعد من ذلك‪ .‬ويقول >يانيكويسكي<‪:‬‬ ‫«أفض� � ��ل وصف ما نقوم به بأنه تخمني للجرمية ال ‪ʼ‬تنبؤ بها‪ʻ.‬‬ ‫إن العلم ليس كامال‪».‬‬ ‫ولكن حتى وإن كان الشرطي غير قادر على التنبؤ باملكان‬ ‫الذي يحتمل وقوع اجلرمية فيه‪ ،‬فإن بعض الباحثني يعتقدون‬ ‫بأنه ميكننا القيام مبهمة أفضل بتحديد أولئك الذين يحتمل أن‬ ‫يرتكبوا جرمية قتل‪ .‬وقد طور >‪ .R‬برك< [أستاذ علم اجلرمية في‬ ‫جامعة بنس� � ��لڤانيا] خوارزمية حتسب احتمال قيام سجني في‬ ‫إجازة‪ ،‬أو محكوم مع وقف التنفيذ‪ ،‬بالقتل‪ .‬وتقوم اخلوارزمية‬ ‫على مراجعة عش� � ��رات آالف احل� � ��االت وتتضمن متغيرات من‬ ‫قبيل السن واجلنس ونوع االعتداء وتاريخ أول اعتداء‪ .‬ويقول‬ ‫> ِب� � ��رك<‪« :‬تنجح اخلوارزمية ف� � ��ي التنبؤ بنحو ‪ %75‬من حاالت‬ ‫() ‪GUILTY OF PRE-MURDER‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪79‬‬


‫إطالق النار‪».‬‬ ‫إن تلك التقنيات القوية للتنبؤ باجلرمية تثير س� � ��ؤاال مقلقا‪:‬‬ ‫ه� � ��ل نحكم على الناس بأنهم مدانون قبل ارتكابهم أي جرمية؟‬ ‫يق� � ��ول الباحثون مثل >برانتينگهام< إن هذا ال يرد في البرامج‬ ‫كالنظام كراش أزرق‪ .‬ويقول‪« :‬ال يقوم البرنامج بالتنبؤ بسلوك‬ ‫أف� � ��راد معينني‪ ،‬بل بالتنبؤ بخطورة أن� � ��واع معينة من اجلرائم‬ ‫ف� � ��ي الزمان واملكان‪ ».‬وال تقوم قوى الش� � ��رطة التي تس� � ��تعمل‬ ‫األدوات التحليلية لهذا البرنامج بتوقيف املواطنني األحرار قبل‬ ‫ارتكابهم جرمية‪ ،‬بل تس� � ��ير دوريات إضافية في املناطق التي‬ ‫يكون فيها وجود الناس اخلطرين أكثر احتماال‪.‬‬ ‫وم� � ��ن ناحية أخرى‪ ،‬يب� � ��دو أن عمل > ِبرك< يس� � ��ير موازيا‬ ‫خل� � ��ط املبادئ‪ .‬فقد تأثرت مجالس منح اإلجازات للمس� � ��اجني‬ ‫باس� � ��تنتاجات > ِبرك< اخلاصة بالسجناء الذين ينطوي إطالق‬ ‫س� � ��راحهم على خطر عالي االحتمال‪ .‬ويرى > ِبرك< أن احلكم‬ ‫على مقدار احتمال ارتكاب جرمية في املس� � ��تقبل هو من حيث‬ ‫املب� � ��دأ‪ ،‬ما يفترض أن تقوم به تلك املجال� � ��س؛ والفرق الوحيد‬ ‫هو أنهم يس� � ��تعملون اآلن التحليل احلاس� � ��وبي لدعم ما كانوا‬ ‫يفعلونه سابقا مبجرد احلس العام‪.‬‬ ‫ما وراء الشك املعقول‬

‫()‬

‫خالل خمس س� � ��نوات منذ ب� � ��دء أفراد ش� � ��رطة ممفيس بدعم‬ ‫تخميناتهم احلدسية بالتحليل احلاسوبي‪ ،‬انخفضت سرقات‬ ‫املن� � ��ازل وجرائم العنف الفعلية بنس� � ��بة الفتة تس� � ��اوي ‪ 26‬في‬ ‫املئ� � ��ة‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬وعلى الرغم من ه� � ��ذا الدليل الواضح الداعم‬ ‫لطرائ� � ��ق حفظ النظام التنبئي‪ ،‬فإن� � ��ه من الصعب معرفة مقدار‬ ‫االنخفاض احلاصل في معدل اجلرمية في ممفيس وس� � ��واها‬ ‫نتيجة الس� � ��تعمال تل� � ��ك البرمجيات‪ .‬فمعظم امل� � ��دن األمريكية‬ ‫األخرى التي بحجم ممفيس‪ ،‬أعلنت أيضا انخفاضا ملحوظا‬ ‫في معدل اجلرمية‪ ،‬مع أن بعضها ال يس� � ��تعمل برامج مشابهة‬ ‫للنظام كراش أزرق‪.‬‬ ‫فوفقا ملا يعرف� � ��ه أي خبير باإلحص� � ��اءات اجلرمية‪ ،‬تؤدي‬ ‫الس� � ��نة الت� � ��ي تختارها منطلقا حلس� � ��اباتك‪ ،‬أي الس� � ��نة التي‬ ‫تقاس بالنس� � ��بة إليها جميع أحداث املس� � ��تقبل‪ ،‬دورا حاسما‬ ‫في حتديد دقة نتائجك‪ .‬ففي حالة ممفيس‪ ،‬تعتبر املقارنة بعام‬ ‫‪ 2006‬معقولة ألنه العام الذي نشر فيه النظام كراش أزرق في‬ ‫ش� � ��تى أنحاء املدينة‪ .‬إال أن ع� � ��ام ‪ ،2006‬وباملصادفة‪ ،‬كان عام‬ ‫أعلى مع� � ��دالت اجلرائم خالل عقد كامل‪ ،‬وه� � ��ذا ما أدى إلى‬ ‫جعل جميع السنوات التالية تبدو جيدة حني املقارنة به‪ .‬إال أن‬ ‫ثمة طريقة أخرى للنظر إلى اإلحصائيات تتمثل مبقارنة معدل‬ ‫اجلرمية الوس� � ��طي خالل سنوات النظام كراش أزرق اخلمس‬ ‫‪80‬‬

‫من عام ‪ 2006‬حتى عام ‪ 2010‬مبعدل اجلرمية الوس� � ��طي خالل‬ ‫الس� � ��نوات اخلمس الس� � ��ابقة‪ ،‬من عام ‪ 2001‬حتى عام ‪.2005‬‬ ‫وقد بينت املقارنة أن ما حصل في ممفيس ليس بتلك املعجزة‬ ‫تقريبا‪ :‬فقد انخفضت س� � ��رقة املمتلكات مبا ال يزيد على ‪ 8‬في‬ ‫املئة في نصف العقد الثاني‪ ،‬في حني أن جرائم العنف ارتفعت‬ ‫مبقدار ‪ 14‬في املئة‪.‬‬ ‫ولي� � ��س مصادفة‪ ،‬وال محاولة احتي� � ��ال إحصائية‪ ،‬أن يكون‬ ‫النظام كراش أزرق قد أُطلق حينما كانت اجلرمية في أوجها‪،‬‬ ‫وفقا لرأي >يانيكويس� � ��كي< الذي يقول‪« :‬عرفنا في عام ‪2006‬‬ ‫أن اجلرمية كانت في ازدياد خالل الس� � ��نتني السابقتني‪ ،‬وأن‬ ‫ال ش� � ��يء مما كنا نفعله كان ناجحا‪ .‬وكان علينا جتربة ش� � ��يء‬ ‫جديد‪ ».‬ويشير إلى أن كثيرا من الطرائق التي كانت جزءا من‬ ‫حملة النظام كراش أزرق‪ ،‬ومنها حتديد املناطق الس� � ��اخنة‪ ،‬قد‬ ‫اختبرت فعال في دراس� � ��ات مكثفة واس� � ��عة النطاق‪ ،‬وتبني أن‬ ‫معدل اجلرمية قد انخفض س� � ��نة بعد أخ� � ��رى منذ عام ‪.2006‬‬ ‫ويتس� � ��اءل‪« :‬ولكن هل األشياء التنبئية بحد ذاتها مثبتة علميا؟‬ ‫إن هذا تساؤل مشروع‪».‬‬ ‫وف� � ��ي حني أن العاملني ف� � ��ي فرض القان� � ��ون يبحثون عن‬ ‫أجوب� � ��ة‪ ،‬نزل معهد القضاء القوم� � ��ي إلى امليدان‪ .‬فقد ق ّدم في‬ ‫اآلونة األخيرة منحا إلى أقسام شرطة في سبع مدن أمريكية‪،‬‬ ‫منها بوسطن وش� � ��يكاگو ونيويورك ولوس آجنلُس وواشنطن‬ ‫العاصم� � ��ة‪ ،‬وذلك بغي� � ��ة تقييم فعالية حفظ األم� � ��ن التنبئي من‬ ‫خالل اختبارات مخططة بعناية‪ .‬فعلى س� � ��بيل املثال‪ ،‬س� � ��وف‬ ‫يقارن قس� � ��م ش� � ��رطة لوس آجنلس و>برانتينگه� � ��ام< معدالت‬ ‫اجلرمية في مناطق من املدينة تس� � ��تعمل مناذجه ذات الصلة‬ ‫بتكرار وقوع اجلرمية مبع� � ��دالت اجلرمية في املناطق التي ال‬ ‫تس� � ��تعمل تلك النماذج‪ .‬ولتعزيز النتائج الواردة في دراسات‬ ‫جميع املدن س� � ��وف تخضع تلك النتائج إلى مراجعة إضافية‬ ‫تقوم بها ش� � ��ركة ‪ .RAND‬و>برانتينگهام< متفائل بحذر‪« :‬إننا‬ ‫على تخوم حقبة جديدة من حفظ األمن التنبئي‪ ».‬وسيش� � ��رع‬ ‫>‬ ‫قريبا في إثبات ذلك‪.‬‬ ‫() ‪BEYOND A REASONABLE DOUBT‬‬

‫مراجع لالستزادة‬

‫‪Scientific American, January 2012‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫أخبار علمية‬ ‫مكتسبات وراثية‬ ‫توضح األمراض املكتسبة التي تنتقل عبر‬ ‫األجيال دو َر قوى ال َّتخَ ُّلق(‪ )1‬في صحة اإلنسان‪.‬‬ ‫()‬

‫لق� � ��د كان فهم صحة اإلنس� � ��ان وأمراضه من خالل الفروق‬ ‫املوج� � ��ودة في الدنا ‪ DNA‬بني ش� � ��خص وآخ� � ��ر أحد األهداف‬ ‫األساس� � ��ية لعلم الوراثة في العقد املاضي‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن سمة‬ ‫مباش� � ��رة نسبيا مثل س� � ��مة الطول كانت عصية على محاوالت‬ ‫اختزاله� � ��ا إلى مجرد توليفة محددة م� � ��ن اجلينات‪ .‬ومع مكمن‬ ‫الضعف هذا‪ ،‬يرى بعض الباحثني مجاال للتركيز املتزايد على‬ ‫تقدمي تفسير بديل لظاهرة السمات املوروثة‪ :‬وهذا البديل هو علم‬ ‫الت ََّخلُّ���ق ‪ ،epigenetics‬وهو العمليات اجلزيئية التي تتحكم في‬ ‫قدرة اجلني على الفعل‪ .‬وتشير األدلة اآلن إلى أن عملية ال َّت َخلُّق‬ ‫ميكن أن تقود إلى أشكال موروثة من البدانة والسرطان‪.‬‬ ‫والش� � ��كل املدروس على أفضل وجه من عملية التنظيم عن‬ ‫طريق الت ََّخ ُّلق‪ ،‬هو املَ ْثيَلة ‪ ،methylation‬وهي إضافة مجموعات‬ ‫من ال� � ��ذ َّرات املكونة م� � ��ن الكربون والهدروج� �ي��ن (مجموعات‬ ‫امليثي� � ��ل) إلى الدنا‪ .‬إذ تقوم مجموع� � ��ات امليثيل‪ ،‬وتبعا للمكان‬ ‫الذي تتوضع فيه‪ ،‬بتوجيه اخللية لتجاهل أية جينات موجودة‬ ‫ضمن اس� � ��تطالة ما من الدنا‪ .‬وأثناء عملي� � ��ة التطور املضغي‬ ‫اجلنيني� � ��ة تقوم خاليا جذعية غير متمايزة بتكديس مجموعات‬ ‫امليثيل إضافة إلى واسمات َت ََخلُّق(‪ )2‬أخرى تؤدي إلى توجيه‬ ‫هذه اخلاليا نح� � ��و إحدى الوريقات اجلنيني� � ��ة الثالث‪ ،‬والتي‬ ‫تعط� � ��ي كل واح� � ��دة منها مجموعة مختلفة من أنس� � ��جة الفرد‬ ‫البالغ‪ .‬وفي عام ‪ ،2008‬أطلقت معاهد الصحة الوطنية مشروع‬ ‫خارطة طريق ال َّت َخلُّق مبيزانية قدرها ‪ 190‬مليون دوالر‪ ،‬ويهدف‬ ‫املش� � ��روع إلى فهرسة واسمات ال َّت َخلُّق في اخلاليا واألنسجة‬ ‫الرئيسية عند اإلنسان‪ .‬وقد أعلنت النتائج األولى لهذا العمل‬ ‫في وقت الحق من عام ‪ ،2010‬وهي تؤكد أنه بإمكان مختبرات‬ ‫مختلفة احلصول على النتائج نفسها من اخلاليا نفسها‪ ،‬وذلك‬ ‫وفق� � ��ا لـ >‪ .L .A‬بيديت< [مـن كليـة بيلور للطـب‪ ،‬وهي الكلية التي‬ ‫تؤدي دورا محوريا في توفير وإعالن بيانات هذا املش� � ��روع]‪.‬‬ ‫يقول >بيديت<‪« :‬ل� � ��م يكن ممكنا للمرء أن يفترض أوتوماتيكيا‬ ‫أن النتائج ستكون بهذه الروعة‪».‬‬ ‫وحتى هذه اللحظة‪ ،‬اعتمدت أفضل طريقة لدراسة تأثيرات‬ ‫الت ََّخ ُّلق في استخدام س� �ل��الة من الفئران تعرف باسم فئران‬ ‫اندس‬ ‫اآلغ���وط الصف���راء العيوش���ة(‪ .)3‬وف� � ��ي هذه الفئ� � ��ران‬ ‫ّ‬

‫ميكن لفئران متماثلة جينيا ُر ِّب َيت لتعطي أفرادا ذات ذنب ملتف أن تولد بذنب مستقيم‬ ‫بسبب عملية املَ ْث َيلة‪ ،‬والتي ميكن أن تتأثر بالنظام الغذائي ألمهات هذه الفئران‪.‬‬

‫ترانسپوزون تقهقري(‪ ،)4‬وهو جزء متنقل من الدنا‪ ،‬ضمن جني‬ ‫يتحكم في لون فرو الفئران‪ .‬وميكن للفئران التي حتمل جينا‬ ‫متماثال أن حتمل اللون األصفر أو البني تبعا لعدد مجموعات‬ ‫امليثيل املتوضعة على طول الترانسپوزون التقهقري‪ .‬وتنمحي‬ ‫واسمات امل َ ْث َيلة هذه عادة في اخلاليا التكاثرية عند احليوان‪.‬‬ ‫ولكن في عام ‪ ،1999‬اكتش� � ��فت مجموعة من الباحثني يقودها‬ ‫علماء وراثة من جامعة س� � ��يدني في أستراليا أن َم ْث َيلة جينات‬ ‫لون الفرو تس� � ��تمر في خاليا التكاثر لدى اإلناث‪ ،‬مما يسمح‬ ‫بتمريرها إلى ال ُّذرية الناجتة في هيئة تغير يطرأ على الدنا‪.‬‬ ‫وقد تقدم فئران اآلغوط الصفراء العيوشة توضيحا لوباء‬ ‫الس� � ��منة املنتش� � ��ر عند البش� � ��ر‪ .‬إذ متيل هذه احليوانات إلى‬ ‫التغــذي بش � � �ــراهــة لتصبح بدينـــة‪ .‬وفي عــام ‪ ،2008‬اكتشـــف‬ ‫>‪ .A .R‬ووترالند< [من كلية بيلور للطب] أن هذه الس� � ��مة تنتقل‬ ‫إلى األجيال التالية‪ ،‬بل إنها تتفاقم مبرورها من جيل إلى آخر‪،‬‬ ‫ويقول >ووترالند<‪ :‬إن «اإلناث األس� � ��من تعطي نسال أسمن‪».‬‬ ‫وهو يبحث في إمكانية تفس� � ��ير هذا التأثير على أساس طراز‬ ‫امل َ ْث َيل� � ��ة الذي يتم في منطقة الوِ طاء(‪ ،)5‬وهي اجلزء من الدماغ‬ ‫الذي ينظم الشهية‪.‬‬ ‫ميكن للترانس� � ��پوزونات التقهقرية أن تق� � ��ود إلى تأثيرات‬ ‫أخ� � ��رى للت ََّخلُّق‪ .‬ففي بداية العقد األخي� � ��ر من القرن املاضي‬ ‫ف ّك� � ��ر عالم الوراث� � ��ة >‪ .D‬مارتن< [من مرك� � ��ز أبحاث أوكالند‬ ‫التابع ملستش� � ��فى األطفال في كاليفورنيا] في أنه ميكن آللية‬ ‫اإلسكات التي تبقي الترانسپوزونات التقهقرية غير فاعلة‪ ،‬أن‬ ‫توقف عشوائيا عمل اجلينات التي يفترض أن تصبح عاملة‪.‬‬ ‫فإذا حصل اإلس� � ��كات جلني مسؤول عن كبح تشكل ورم ما‪،‬‬ ‫فإن النتيجة س� � ��تبدو مثل الطفرات اجلينية التي جتعل البشر‬ ‫() ‪HEREDITARY ACQUISITIONS‬‬

‫(‪)1‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫(‪)3‬‬ ‫(‪)4‬‬ ‫(‪)5‬‬

‫‪ epigenetic forces‬أو قوى التعاقب الوراثي‪.‬‬

‫‪epigenetic marks‬‬ ‫‪agouti viable yellow‬‬ ‫‪retrotransposon‬‬ ‫‪hypothalamus‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪81‬‬


‫مؤهبني لإلصابة بالسرطان‪.‬‬ ‫وأثناء عمله مع زمالئه في مستش� � ��فى ڤنس� � ��نت بسيدني‪،‬‬ ‫قام >مارتن< بتش� � ��خيص مريضني يبديان أعراضا تشير إلى‬ ‫سرطان القولون الوراثي غير املرتبط باألورام الپوليپية(‪،)1‬‬ ‫والذي ينش� � ��أ عادة عن طفرة تبطل عمل إحدى نسختي اجلني‬ ‫الكابح للس� � ��رطان ‪ ،MLH1‬ولكن م� � ��ن دون وجود أي عالمات‬ ‫عل� � ��ى حدوث هذه الطفرة لديهم� � ��ا‪ .‬وبدال من ذلك‪ ،‬تبني حدوث‬ ‫كل منهما في خاليا الدم‪،‬‬ ‫َم ْث َيلة على نسخ اجلني ‪ MLH1‬لدى ٍ‬ ‫وخاليا جريبات الشعر وخاليا اخلد من الداخل‪ .‬وتنشأ جميع‬ ‫هذه اخلاليا عن طبقات جنينية مختلفة‪.‬‬ ‫ومن وجهة نظر >مارتن<‪ ،‬فإن النتائج اآلنفة الذكر تشير بقوة‬ ‫إلى أن هذين املريضني َو ِرثا اجلني املُ ْس� � ��كِ ت من أحد والديهما‪،‬‬ ‫كما في حالة فئران اآلغ� � ��وط‪ .‬ومع أن بعض الباحثني اقترح أن‬ ‫حدوث طفرة جينية في خلية البيضة قد يكون املس� � ��بب املسؤول‬ ‫عن ش� � ��كل امل َ ْث َيلة اآلنف الذكر‪ ،‬إال أن >مارتن< يقول إن التفسير‬ ‫األبس� � ��ط هو حدوث طفرة تَخَ لُّـــق موروثة(‪ ،)2‬ويقول أيضا‪« :‬لم‬ ‫يتمكن أحد من توضيح السبب في أن هذه األشياء هي ليست في‬

‫أدوات للحياة؟‬

‫()‬

‫إن القدرة على صناعة خاليا فيها جينومات‬ ‫صنعية هي مؤشر جيد في البيولوجيا األساسية‪.‬‬ ‫ب� � ��دأ أول ميك���روب ‪ microbe‬يحيا كلي� � ��ا بتعليمات جينية‬ ‫صنعي� � ��ة بالتكاثر ف� � ��ي أنب� � ��وب االختبار في أواخر الش� � ��هر‬ ‫‪ 2010/3‬مبعه� � ��د >‪ .C‬ڤنتر< في روك ڤيل‪ ،‬ماديس� � ��ون‪ .‬فقد بنى‬ ‫>ڤنت� � ��ر< وزمالؤه جينوما صنعيا لذرية من بكتيرات املفطورة‬ ‫الفطراني���ة ‪ .Mycoplasma mycoides‬وقد تص ّدر هذا اإلجناز‬ ‫عناوين األخبار ألنه رس� � ��م خطوة أساس� � ��ية في مجال تخليق‬ ‫َس� � ��ن األدوات املتاحة‬ ‫احلياة في املختبر‪ .‬ولكنه أثبت أيضا تحَ ُّ‬ ‫للهندسة اجلينية(‪ )4‬والتي ‪ -‬كما يأمل الباحثون ‪ -‬ستمدهم‬ ‫بتبصر جديد في العمليات اجلينية‪ ،‬وس� � ��تحدث‬ ‫في النهاي� � ��ة‬ ‫ُّ‬ ‫ثورة في التقانة احليوية وفي تطوير األدوية‪.‬‬ ‫وم� � ��ن أجل صناعة جينوم يؤدي وظائفه قام >ڤنتر< وفريقه‬ ‫بخياط� � ��ة تكرارات قصي� � ��رة متنوعة إلخراجات م� � ��ن القواعد‬ ‫النووية التي صنعها اإلنسان مع بعضها (األدينني والسيتوزين‬ ‫والگوان� �ي��ن والثاميني)‪ ،‬بع� � ��د ذلك أدخل� � ��وا اجلينوم الصنعي‬ ‫النهائ� � ��ي ‪ -‬وطوله أكثر بقليل من ملي� � ��ون زوج قاعدي‪ ،‬ولكنه‬ ‫‪82‬‬

‫تخلُّق وقعت على خطوط اخلاليا اجلنسية‪».‬‬ ‫احلقيقة طفرات َ‬ ‫ُّ‬ ‫وإذا أمـكن لطفرات َ‬ ‫التخل� � ��ق أن حتدث‪ ،‬فإنه يتعني ظهور‬ ‫التأثير نفس� � ��ه لدى جينات أخرى‪ .‬وتدرس >‪ .C‬سوتر< زميلة‬ ‫>مارتن< [من معهد ڤيكتور تش� � ��انگ ألبحاث القلب في مدينة‬ ‫س� � ��يدني] أن يكون لدى مرضى امليالنوم� � ��ة اجللدية طفرات‬ ‫َ‬ ‫تخ ُّلـــ� � ��ق في جينات مرتبطة بالس� � ��رطان‪ .‬ويقول >بيديت<‪« :‬إن‬ ‫ُّ‬ ‫م� � ��ن املمكن االقتناع بأن طفرات الت ََّخلق تؤدي دورا في بعض‬ ‫حاالت التوحد ‪».aution‬‬ ‫ه� � ��ذا ويتفق الباحث� � ��ون على أن فهمهم ل� � ��دور الت ََّخ ُّلق في‬ ‫الصحة واملرض ما زال سطحيا‪ .‬وإن مشروع خارطة الطريق‬ ‫الذي طرحه املعهد الوطني للصحة سيس� � ��اعد على فهم ذلك‬ ‫ال� � ��دور من خالل متكينهم من مقارنة الطرز املرضية بعينات‬ ‫مرجعي���ة(‪ .)3‬وفي الواقع‪ ،‬يقول >‪ .R‬جيتل< [باحث الت ََّخ ُّلق في‬ ‫جامعة ْدي� � ��وك]‪« :‬نحن نحاول فهم الكيفي� � ��ة التي نعمل بها»‪،‬‬ ‫>‬ ‫ويضيف «إنه مشروع ضخم جدا‪ ،‬لن ينتهي أبدا‪».‬‬ ‫>‪ .RJ‬مينكل< هو صحفي مستقل‪ ،‬يكتب في‬ ‫املجال العلمي ويقيم في ناشڤيل‪ ،‬تينيسي‪.‬‬

‫مع ذلك أبسط من اجلينوم الطبيعي للمفطورة الفطرانية – في‬ ‫خلية موجودة بالفعل من املفطورات العنزية ‪.M. capricolum‬‬ ‫وقد بدأت اآلليات الطبيعية بالعمل الدؤوب لصناعة البروتينات‬ ‫ولالنقس� � ��ام وللتكاثر في نهاية املطاف‪ .‬وخالل ثالثة أيام وجد‬ ‫الباحث� � ��ون مزرعة زرقاء من مفط� � ��ورة عنزية تعيش باعتبارها‬ ‫مفطورة فطراني� � ��ة بتوجيه تركيب���ي(‪ .)5‬وخالل مؤمتر صحفي‬ ‫عقد في العشرين من الش� � ��هر ‪ ،2010/5‬وهو اليوم الذي نشر‬ ‫فيه البحث على اإلنترنت في مجلة العلم «ساينس» قال >ڤنتر<‬ ‫متندرا ‪« :‬هذه أول خلية تتكاثر ذاتيا على س� � ��طح هذا الكوكب‬ ‫وفيها حاسوب ألحد آبائها»‪.‬‬ ‫لق� � ��د ك ّلف الوصول إلى هذه النقطة ‪ 40‬مليون دوالر ُو ِ ّظفت‬ ‫في التجارب التي أدت إلى هذه النتائج خالل اخلمس عشرة‬ ‫س� � ��نة املاضية‪ ،‬وقد جرى تأمني هذه املبالغ من شركة >ڤنتر<‬ ‫اخلاصة (سينثيتيك جينوميكس) ومن وزارة الطاقة األمريكية‪.‬‬ ‫وكان عل� � ��ى الباحثني أيضا تخطي عدة حتديات أخرى‪ ،‬وكان‬ ‫أحد هذه التحديات قد اس� � ��تغرق ثالثة أش� � ��هر من التمحيص‬ ‫بحث� � ��ا عن قاعدة نووية مفقودة حال� � ��ت دون حياة اخللية‪ .‬قال‬ ‫()‬ ‫(‪)1‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫(‪)3‬‬ ‫(‪)4‬‬ ‫(‪)5‬‬

‫‪Tools For Life‬‬ ‫‪Hereditary nonpolyposis colorectal cancer‬‬ ‫‪Inherited epimutation‬‬ ‫‪reference samples‬‬ ‫‪genetic engineering‬‬ ‫‪synthetically‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫البكتيرات من دون فهم كامل لوظيفة عدد‬ ‫>ڤنتر<‪« :‬إن الدقة ضرورية‪ ،‬فهناك أجزاء‬ ‫كبي� � ��ر من األزواج القاعدية من بني مليون‬ ‫من اجلين� � ��وم ال حتتم� � ��ل ‪ -‬حتى ‪ -‬خطأ‬ ‫زوج قاعدي ش� � ��كلت اجلين� � ��وم الصنعي‬ ‫واحدا‪».‬‬ ‫لهذه البكتيرات‪.‬‬ ‫احت� � ��وى اجلين� � ��وم أيضا عل� � ��ى أربع‬ ‫ومن دون أي اختالف عن لعبة التشييد‬ ‫«واس���مات خفية» ‪ watermarks‬خصصت‬ ‫املعق� � ��دة‪ ،‬حي� � ��ث ميك� � ��ن توضي� � ��ح بعض‬ ‫لتمييز امليكروب الصنعي الذي أطلق عليه‬ ‫اسم املفطورة الفطرانية ‪ JCVI-syn1.0‬عن من صنع اإلنسان‪ :‬تظهر صورة امليكروسكوب القوانني األساس� � ��ية للفيزياء والهندس� � ��ة‬ ‫املتعضيات الطبيعية ‪ .natural organisms‬اإللكتروني هذه خاليا بكتيرات املفطورة الفطرانية من خالل البن� � ��اء والتفكيك وإعادة البناء‪،‬‬ ‫‪ ،Mycoplasma mycoides‬وهي األولى من نوعها‬ ‫فإن اجلينوم الكامل ميكن أن يساعد على‬ ‫وتتكون الواسمات اخلفية من كودات جينية‬ ‫التي حتيا في املختبر وفيها جينوم صنعي‪.‬‬ ‫توضيح املبادئ اجلينومية‪ .‬فالعلماء‪ ،‬مثال‪،‬‬ ‫مميزة تتضمن اقتباس� � ��ات‪ ،‬وهي‪« :‬العيش‬ ‫والز ّلل‪ ،‬والس� � ��قوط والنصر وبعث احلياة من احلياة» املأخوذة مازالوا يجهلون أهمية ترتيب اجلينات ضمن اجلينوم في بعض‬ ‫عن >‪ .J‬جويس<‪ ،‬و«رؤية األش� � ��ياء على غير حقيقتها وإمنا كمـا احلاالت‪ ،‬والدور الذي يؤديه ذلك الترتيب‪ ،‬إذ ميكن للجينات أن‬ ‫قد تـبــدو» املأخـــوذة عـــن >‪ .R .J‬أوبنهامير< و«ما الميكنني بناؤه‪ ،‬تتبادل أماكن ترتيبها ضمن اجلينوم من دون أن تظهر تأثيرات‬ ‫ال ميكنني فهمه‪ »،‬ع� � ��ن >‪ .R‬فيمان<‪( .‬ووفقا لـ>ڤنتر<‪ ،‬فإنه خالل كبي� � ��رة مرئية في احلياة‪ ،‬في حني أن تسلس� �ل��ا جينيا محددا‬ ‫أقل من أس� � ��بوعني من اإلعالن عن هذا اإلجناز‪ ،‬متكن ‪ 26‬عاملا ميكن أن يكون مهما في مكان آخر من اجلينوم‪.‬‬ ‫يقول >‪ .G .D‬جيبسون< [وهو أحد زمالء >ڤنتر< في األبحاث‬ ‫من فك كودات هذه الواسمات اخلفية)‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬ ‫لق� � ��د أثنى علماء البيولوجيا التركيبي����ة على العمل‪ .‬وعالم البيولوجيا اجلزيئية في معهده]‪« :‬إنه من أجل حل هذه‬ ‫فيقول >‪ .M .G‬تش� � ��رتش< [وهو عالم وراث� � ��ة ومطور للتقانة األحجية اجلينية األساس� � ��ية سيس� � ��عى الباحثون إلى تخليق‬ ‫في املدرس� � ��ة الطبية بجامعة هارڤرد]‪« :‬إنه إجناز عظيم‪ »،‬أبس� � ��ط جينوم قابل للحي� � ��اة»‪ ،‬ويوضح >جيبس� � ��ون<‪« :‬وهذا‬ ‫ويضيف قائال‪« :‬إنه ليس إجنازا تراكميا‪ ،‬ولكنـه ليس نهايـة سيس� � ��اعدنا على فهم وظيفة كل جني في اخللية‪ ،‬وما هو الدنا‬ ‫اإلجنازات أيضا‪ »،‬وينظر >‪ .D‬إندي< [املهندس البيولوجي املطلوب للمحافظة على احلياة بأبس� � ��ط أشكالها‪ ».‬وهو يقدر‬ ‫في جامعة س� � ��تانفورد] إلى هذا االبتكار على النحو التالي بأن هذا اجلينوم س� � ��يعادل في حجم� � ��ه نصف حجم اجلينوم‬ ‫«إنه ليس خلقا من العدم ‪ -‬إنه ليس كما لو أن فئرانا تأتي البكتيري الذي قاموا بتخليقه‪.‬‬ ‫أما بخص� � ��وص أولى اخلاليا الصنعية ه� � ��ذه‪ ،‬فقد انتهى‬ ‫م� � ��ن كومة من املهمالت في زاوية ما‪ ،‬إن الكلمة الصحيحة‬ ‫وتركيب تسليط الضوء عليها اآلن‪ .‬وهي حاليا تقبع ساكنة في مجمدة‬ ‫املعبرة عما حصل هي أنه إبداع ش� � ��عري‪ ،‬إنشا ٌء‬ ‫ٌ‬ ‫>‬ ‫بش� � ��ري‪ .‬وميكن لنا اآلن أن نبدأ من املعلومات لنصل إلى في معهد «ڤنتر»‪.‬‬ ‫>‪ .D‬بي ّلو< ‪ .K> -‬هارمون<‬ ‫متعضيات تتكاثر‪ .‬إن� � ��ه إجناز يضعنا أمام التحدي لنتعلم‬ ‫(‪synthetic biology )1‬‬ ‫كيفية هندسة اجلينومات‪».‬‬ ‫ومع املضي قدما‪ ،‬يأمل >ڤنتر< بأن يستفيد من هذه التقنيات‬ ‫يف الأقطار العربية‪:‬‬ ‫ليبدأ بتصنيع لقاحات ڤيروس� � ��ية‪ ،‬فبإضاف� � ��ة إلى القدرة على مراكز توزيع‬ ‫تصنيعها في أيام بدال من أسابيع أو أشهر‪ ،‬ص ّرح >ڤنتر< أمام‬ ‫< اإلمارات‪ :‬شركة اإلمارات للطباعة والنشر والتوزيع ‪ -‬أبوظبي‪ /‬دار‬ ‫ندوة خطابية ُعقِ دت في بداية الش� � ��هر ‪ 2010/6‬في مختبر كولد‬ ‫احلكمة ‪ -‬دبي < البحرين‪ :‬الشركة العربية للوكاالت والتوزيع ‪-‬‬ ‫املنامة < تونس‪ :‬الشركة التونسـية للصحافة ‪ -‬تونس < السعودية‪:‬‬ ‫سپرينگ هاربر‪ ،‬أن أحد األهداف الطويلة األمد للمجموعة هو‬ ‫تهامـة للتوزيع ‪ -‬جدة ‪ -‬الرياض ‪ -‬الدمام < سوريا‪ :‬املؤسـسة‬ ‫تطوير خلية متق ِّبلة ش� � ��املة‪ ،‬يستطيع الباحثون أن ُي ِ‬ ‫دخلوا فيها‬ ‫العربية السورية لتوزيع املطبوعات ‪ -‬دمشق < عُ مان‪ :‬محالت‬ ‫مختلف اجلينومات الصنعية‪ ،‬وأن يالحظوا الكيفية التي تعمل‬ ‫الثالث جنوم ‪ -‬مسقط < فلسطني‪ :‬وكالة الشرق األوسط‬ ‫فيها هذه اجلينومات داخل ه� � ��ذه اخللية‪ .‬وفي يوم من األيام‪،‬‬ ‫للتوزيع ‪ -‬القدس < قطر‪ :‬دار الثقافة للطباعة والصحافة‬ ‫والنشر والتوزيع ‪ -‬الدوحة < الكويت‪ :‬الشـركة املتحدة لتوزيع‬ ‫كما يخ ّم� � ��ن >ڤنتر<‪ ،‬قد يكون من األوف� � ��ر للعلماء أن يصنعوا‬ ‫الصحف واملطبوعات ‪ -‬الكويت < لبنان‪ :‬الشركة اللبنانية‬ ‫متعضيات بسيطة بدال من أن يقوموا بتربيتها‪.‬‬ ‫لتوزيع الصحف واملطبوعات ‪ -‬بيروت < مصر‪ :‬األهرام للتوزيع ‪-‬‬ ‫وم� � ��ع ذلك‪ ،‬ف� � ��إن تخليق جينوم صنعي ل� � ��م يفلح في إزالة‬ ‫القاهرة < املغرب‪ :‬الشركة الشريفية للتوزيع والصحافة ‪ -‬الدار‬ ‫البيضاء < اليمن‪ :‬الدار العربية للنشر والتوزيع ‪ -‬صنعاء‪.‬‬ ‫الغموض عن أصل احلياة‪ .‬لقد بن� � ��ى الباحثون معظم جينوم‬ ‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪83‬‬


‫توزع جوائزها لـعـام ‪2011‬‬ ‫جائزة الكويت لعام ‪2011‬‬

‫جائزة أفضل بحث لعام ‪2010‬‬ ‫في مجالي «العلوم واإلنسانيات»‬

‫حتقيقا لألهداف الس� � ��امية ملؤسس���ة الكويت للتق���دم العلمي في تدعيم‬ ‫األبحاث العلمية وتشجيع الباحثني في الكويت والبالد العربية األخرى‪ ،‬تخصص‬ ‫املؤسسة خمس جوائز سنوية في العلوم األساسية والتطبيقية والفنون واآلداب‬ ‫والدراسات االقتصادية واالجتماعية والتراث العلمي العربي واإلسالمي‪.‬‬

‫وقد فاز بهذه اجلائزة‪:‬‬

‫وقد فاز بجائزة الكويت لعام ‪ 2011‬في العلوم‬ ‫التطبيقية (التكنولوجيا النووية)‬ ‫الأ�ستاذ الدكتور جميد �سليمان كاظمي‬

‫عنوان البحث‪:‬‬

‫«حق املواطنة في الفكر اإلسالمي بني‬ ‫نصوص الشريعة وتراث الفقه»‬

‫عنوان البحث‬ ‫األول‪:‬‬

‫‪“Digital elevation model of Burgan oil‬‬ ‫‪field, Kuwait derived from repeat pass‬‬ ‫” ‪satellite radar interferometry‬‬

‫اإلنسانيات‬

‫أستاذ الهندسة النووية وامليكانيكية في اجلامعة‬ ‫و ِلد الدكتور كاظمي في فلسطني عام ‪ ،1947‬وحصل على‬ ‫الدكتوراه في الهندس� � ��ة النووية في اجلامعة ‪ ،M.I.T‬ونش� � ��ر ما‬ ‫يقارب مئة بحث في مجالت محكّمة عاملية في مجال التكنولوجيا‬ ‫النووية؛ إضافة إلى إش� � ��رافـــه على أكثر مـن ‪ 50‬رسالة دكتوراه‬ ‫و ‪ 80‬رسالة ماجستير‪.‬‬ ‫‪M.I.T‬‬

‫د‪ .‬حممود بوترعة‬ ‫أستاذ في كلية العلوم االجتماعية اإلسالمية‪،‬‬ ‫جامعة باتنة ‪ -‬اجلزائر‬ ‫العلوم‬

‫جائزة معرض الكويت السادس‬ ‫والثالثني للكتاب لعام ‪2011‬‬ ‫وقد فاز بهذه اجلائزة‪:‬‬

‫د‪ .‬هالة خالد اجل�سار‬ ‫د‪ .‬كوتا �سيفا راو‬ ‫قسم الفيزياء – كلية العلوم – جامعة الكويت‬

‫جائزة أفضل كتاب مؤلف في العلوم باللغة العربية‪ :‬كتاب‪:‬‬ ‫«تكنولوجيا النانو من أجل ٍ‬ ‫غد أفضل»‬ ‫تأليف‪ :‬أ‪ .‬د‪ .‬محمد شريف اإلسكندراني‬ ‫جائزة أفضل كتاب مترجم إلى اللغة العربية في العلوم‪ :‬كتاب‪:‬‬ ‫«األسس الباثولوجية لألمراض»‬ ‫تأليف‪ :‬أ‪ .‬د‪ .‬كومار‪ ،‬أ‪ .‬د‪ .‬عباس‪ ،‬أ‪ .‬د‪ .‬فوستو‬ ‫ترجمة‪ :‬أ‪ .‬د‪ .‬محمد أياد الشطي‪ ،‬أ‪ .‬د‪ .‬شريف السالم‪ ،‬د‪ .‬خلود‬

‫عنوان البحث‬ ‫الثاني‪:‬‬

‫د‪ .‬جا�سم حاجية‬ ‫قسم علم النفس – جامعة الكويت‬

‫جائزة أفضل كتاب مؤلف في الفنون واآلداب‬ ‫واإلنسانيات باللغة العربية‪ :‬كتاب‪:‬‬ ‫«السجاد الشرقي – دراسة تاريخية وفنية وعلمية»‬ ‫تأليف‪ :‬أياد وحنان أبو شقرا‬

‫د‪ .‬في�صل ال�شواف‬ ‫وزارة الصحة – دولة الكويت‬

‫د‪ .‬يحيى عبدال‬ ‫قسم علم االجتماع – جامعة الكويت‬

‫جائزة أفضل كتاب مترجم إلى اللغة العربية في‬ ‫الفنون واآلداب واإلنسانيات‪ :‬كتاب‪:‬‬ ‫«بحرنا املشترك – الشرق مهد الغرب»‬ ‫تأليف‪ :‬أ‪ .‬د‪ .‬ياكو هامني أنتيال‬ ‫ترجمة‪ :‬مارية باكال‬ ‫جائزة أفضل كتاب مؤلف للطفل العربي‪ :‬كتاب‪:‬‬ ‫«أحب الفواكه»‬ ‫تأليف‪ :‬أ‪ .‬نبيهة محيدلي‬

‫د‪� .‬أمينة العازمي‬ ‫أخصائية نفسية – وزارة الشؤون‬ ‫االجتماعية والعمل – دولة الكويت‬

‫د‪ .‬ماريا املهدي‬ ‫وزارة الصحة – دولة الكويت‬

‫مؤسسة الكويت للتقدم العلمي‬

‫‪84‬‬

‫”‪Type 1 diabetes in Kuwait‬‬

‫د‪ .‬ماجدة عبد الر�سول‬ ‫قسم األطفال – كلية الطب – جامعة الكويت‬

‫البابا‪ ،‬د‪ .‬لينا احلفــار‪ ،‬د‪ .‬يـاسـر السيد عـلي‪ ،‬د‪ .‬وليـد الصالح‪،‬‬ ‫د‪ .‬أمين صمون‪ ،‬د‪ .‬قاسم سارة‪ ،‬د‪ .‬حسان قمحية‬

‫‪www.kfas.org‬‬

‫‪“Psychological Status of Children with‬‬

‫‪-‬‬

‫‪prize@kfas.org.kw‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


‫(قسيمة اشتراك ‪ /‬جتديد اشتراك في‬ ‫ أرجو تسجيل ‪ /‬جتديد اشتراكي في‬ ‫اعتبارا من الشهر ‪ .........................‬عام‬ ‫االسم ‪:‬‬

‫ملدة (‬

‫)‬

‫) سنة‬

‫‪...........................‬‬

‫‪..................................................................................................................................................................................‬‬

‫الوظيفة‪ /‬املهنة (اختياري) ‪:‬‬ ‫العنوان البريدي ‪:‬‬

‫‪......................................................................................................................................‬‬

‫‪..............................................................................................................................................................‬‬

‫‪ ......................................................................................................................................‬فاكس‬ ‫العنوان اإللكتروني ‪:‬‬ ‫هاتف ‪ :‬نقال‬

‫‪........................................... :‬‬

‫‪.....................................................................................................................................................‬‬

‫‪..............................................‬‬

‫عمل‬

‫‪..............................................‬‬

‫منزل‬

‫‪..............................................‬‬

‫مرفق القيمة وقدرها (‪).............................................................................................................................................‬‬ ‫شيك‪ /‬حوالة رقم (‪ )................................................................................‬بتاريخ‬ ‫مسحوب على‬

‫‪....................................................‬‬

‫‪..............................................................................................................................................................‬‬

‫التوقيع‬

‫اال�شرتاكات‬ ‫ للطلبة وللعاملين في سلك‬ ‫التدريس و‪/‬أو البحث العلمي‬ ‫ لألفراد‬ ‫ للمؤسسات‬

‫‪....................................................‬‬

‫بالدينار الكويتي‬

‫بالدوالر األمريكي‬

‫‪12‬‬

‫‪45‬‬

‫‪16‬‬ ‫‪32‬‬

‫‪56‬‬ ‫‪112‬‬

‫ترسل طلبات االشتراكات إلى المجلة مرفقة بشيك أو حوالة باسم «شركة التقدم العلمي للنشر والتوزيع»‬ ‫مسحوبين على أحد البنوك الكويتية التالية‪.‬‬ ‫ بنك الكويت الوطني‬ ‫ البنك التجاري الكويتي‬ ‫ البنك األهلي الكويتي‬ ‫ بنك الخليج‬ ‫ بنك برقان‬ ‫ البنك األهلي المتحد‬ ‫ بيت التمويل الكويتي‬

‫‪ National Bank of Kuwait‬‬ ‫‪ The Commercialk Bank of Kuwait‬‬ ‫‪ Al Ahli Bank of Kuwait‬‬ ‫‪ The Gulf Bank‬‬ ‫‪ Burgan Bank‬‬ ‫‪ Ahli United Bank‬‬ ‫‪ Kuwait Finance House‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬

‫‪85‬‬


‫(قسيمة إهداء اشتراك في‬ ‫لقريب أو صديق أو مؤسسة‬ ‫كإهداء ملدة (‬

‫ أرجو تسجيل اشتراك في‬ ‫اعتبارا من الشهر ‪ .........................‬عام‬ ‫اسم املُهْ دى إليه ‪:‬‬

‫) سنة‬

‫‪...........................‬‬

‫‪Name:............................................................................................................................................‬‬

‫الوظيفة‪ /‬املهنة (اختياري) ‪:‬‬ ‫العنوان البريدي ‪:‬‬

‫)‬

‫‪......................................................................................................................................‬‬

‫‪Mailing Address: ..................................................................................................................‬‬

‫‪ ................................................................................................................................‬فاكس‬ ‫العنوان اإللكتروني ‪:‬‬ ‫هاتف ‪ :‬نقال‬

‫‪.................................................. :‬‬

‫‪e-mail: ...................................................................................................................................‬‬

‫‪..............................................‬‬

‫عمل‬

‫‪..............................................‬‬

‫منزل‬

‫‪..............................................‬‬

‫مرفق القيمة وقدرها (‪)....................................................................................................................................................‬‬ ‫شيك‪ /‬حوالة رقم‬ ‫مسحوب على‬

‫(‪ ).........................................................................................‬بتاريخ ‪...................................................‬‬

‫‪....................................................................................................................................................................‬‬

‫اسم مقدم اإلهداء ‪:‬‬ ‫العنوان ‪:‬‬

‫‪..........................................................................................................................................................‬‬

‫‪..............................................................................................................................................................................‬‬

‫‪.................................................................................................................................‬‬

‫هاتف ‪ :‬نقال‬ ‫التاريخ‬

‫‪..............................................‬‬

‫عمل‬

‫‪...........................................‬‬

‫فاكس‬ ‫منزل‬

‫‪.....................................................‬‬

‫‪.........................................................‬‬

‫التوقيع‬

‫‪.............................................................‬‬

‫شارع أحمد الجابر‪ ،‬الشرق ‪ -‬الكويت‬ ‫ص‪.‬ب ‪ 20856 :‬الصفاة‪ ،‬الكويت‬ ‫العنوان اإللكتروني‪e-mail: oloom@kfas.kw :‬‬ ‫هاتف‪ - (+965) 22428186 :‬فاكس‪(+965) 22403895 :‬‬ ‫‪13069‬‬

‫‪86‬‬

‫‪................................................ :‬‬

‫‪(2012) 6/5‬‬


42

SUSTAINABLE AGRICULTURE

The Future of Chocolate

By Harold Schmitz - Howard-Yana Shapiro

Researchers are racing to fortify the embattled cacao tree to meet the worldʼs insatiable demand for chocolate and to protect the livelihoods of cacao farmers.

48

BIOLOGY

A New Path to Longevity By David Stipp

Biologists have uncovered an ancient mechanism that retards aging. Drugs that tweaked it could well postpone many ss

58

Telltale Hearts By Ann Chin

The best pictures of what ails the human heart come from old-fashioned autopsies.

COPY DIRECTOR: Maria-Christina Keller

By H. Moysés Nussenzveig

Editorial Administrator: Avonelle Wing SENIOR SECRETARY: Maya Harty

One of the most beautiful phenomena in meteorology has a surprisingly subtle explanation. MEDICINE

The Great Prostate Cancer Debate By Marc B. Garnick

Evidence shows that screening does more harm than good. Now what?

74

TECHNOLOGY

The Department of Pre-Crime By James Vlahos

In cities across the U.S. data-rich computer technology is telling cops where crimes are about to happen. But does the technology really work?

81 News Scan

87

PRODUCTION MANAGER: Christina Hippeli ADVERTISING PRODUCTION MANAGER:  Carl Cherebin PREPRESS AND QUALITY MANAGER:  Silvia De Santis CUSTOM PUBLISHING MANAGER:  Madelyn Keyes-Milch pRESIDENT: Steven Inchcoombe VICE PRESIDENT, operations and Administration: Frances Newburg Vice president, finance and BUSINESS DEVELOPMENT: Michael Florek BUSINESS MANAGER: Marie Maher

Scientific American 75 Varick Street, 9th Floor, New York, NY 10013-1917 or editors@SciAm.com

ADVISORY BOARD

Chairman

COPY and PRODUCTION, nature publishing group: Senior COPY editor, npg: Daniel C. Schlenoff COPY editor, npg: Michael Battaglia editorial assistant, npg: Ann Chin managing pRODUCTION EDITOR, npg:  Richard Hunt senior pRODUCTION EDITOR, npg: Michelle Wright

Letters to the Editor

> Hereditary Acquisitions < Tools for Life

Adnan Shihab-Eldin

ART DIRECTOR: Edward Bell ASSISTANT ART DIRECTOR: Jen Christiansen PHOTOGRAPHY EDITOR: Monica Bradley

PHYSICS

The Science of the Glory

66

CONTRIBUTING EDITORS: Mark Alpert, Steven Ashley, Stuart F. Brown, W. Wayt Gibbs, Marguerite Holloway, Christie Nicholson, Michelle Press, John Rennie, Michael Shermer, Sarah Simpson ASSOCIATE EDITORS, ONLINE: David Biello, Larry Greenemeier news Reporter, ONLINE: John Matson ART DIRECTOR, online: Ryan Reid

FORENSIC MEDICINE

60

EDITOR IN CHIEF: Mariette DiChristina MANAGING EDITOR: Ricki L. Rusting CHIEF NEWS EDITOR: Philip M. Yam SEnIor writeR: Gary Stix EDITORS: Davide Castelvecchi, Graham P. Collins, Mark Fischetti, Steve Mirsky, Michael Moyer, George Musser, Christine Soares, Kate Wong

Abdullatif A. Al-Bader Deputy

Adnan Hamoui

Member - Editor In Chief

(2012) 6/5

Letters may be edited for length and clarity. We regret that we cannot answer each one. Post a comment on any article instantly at

www.ScientificAmerican.com/ sciammag


May / June - 2012

4

Volume 28

Number 5/6

EXPERIMENTAL PHILOSOPHY

Thought Experiments by Joshua Knobe

Philosophers are conducting scientific experiments on the nature of free will.

8

IMMUNOLOGY

The Patient Scientist by Katherine Harmon

Ralph M. Steinman believed the key to curing cancer lay with the immune system. After he was diagnosed with pancreatic cancer in 2007, he used his research to extend his own life just long enough to earn the Nobel Prize.

16

HISTORY OF SCIENCE

Greater Glory

by Edward J. Larson

In the race to the south Pole, explorer Robert F. Scott refused to sacrifice his ambitious science agenda.

22

INFORMATION TECHNOLOGY

The Shadow Web by Julian Dibbell

Governments and corporations have more control over the Internet than ever. Now digital activists want to build an alternative network that can never be blocked, filtered or shut down.

30

ANIMAL BEHAVIOR

Ants and the Art of War by Mark W. Moffett

Battles among ant colonies can be startlingly similar to human military operations.

36

COMPUTING

A Formula for Economic Calamity by David H. Freedman

Despite the lessons of the 2008 collapse, Wall Street is betting our future on flimsy science. (2012) 6/5

88


89

(2012) 6/5


(2012) 6/5

90

SCIENTIFIC AMERICAN ARABIC مجلة العلوم النسخة العربية - المجلد_28 - العددان 5\6  

داخل العدد اا فلسفة تجريبية اا تجارب على التفكير_طبيعة الأرادة وطبيعة الخير والشًر ااعلم المناعة اا العالم المريض_الجهاز المناعى اا تار...

SCIENTIFIC AMERICAN ARABIC مجلة العلوم النسخة العربية - المجلد_28 - العددان 5\6  

داخل العدد اا فلسفة تجريبية اا تجارب على التفكير_طبيعة الأرادة وطبيعة الخير والشًر ااعلم المناعة اا العالم المريض_الجهاز المناعى اا تار...

Advertisement