Issuu on Google+

‫شهرية ‪ .‬فكرية ‪ .‬ثقا فية‬

‫ص‪.‬ب ‪ 113 -7179‬بيروت‬ ‫ا لعد د ‪ 8 1‬أ يلو ل ‪2 0 1 3‬‬ ‫‪ 2 4‬صفحة‬

‫‪ 2000‬ل‪.‬ل‬

‫‪w w w. t a h a w o l a t . n e t‬‬

‫ُ‬ ‫صراع اهل ِو َّية والفوضى‬

‫  •لوحة للفنان العراقي محمد سامي‬


‫‪2‬‬ ‫إرادة االنتصار‪...‬‬ ‫  •زهير فياض‬ ‫بد من إدراكها والتعامل معها والتصالح‬ ‫ثمة حقيقة ال ّ‬ ‫مهمات‪ ،‬وتتمثّل في أن‬ ‫مع تحدياتها وما تطرحه من ّ‬ ‫الحياة صراعٌ من أجل إثبات الوجود الفاعل الحر في كل‬ ‫ميادينها‪ ،‬ومعتركاتها‪...‬‬ ‫بد من بناء كل الحسابات على قاعدة الوعي‬ ‫لذا‪ ،‬ال ّ‬ ‫والفهم لهذه الثابتة في كل ما نقوم به‪ ،‬وما نفعله‪ ،‬وما‬ ‫نخطط له‪...‬‬ ‫ولع ّل قدرنا في هذه المنطقة من العالم‪ ...‬أن نفهم بعمق‬ ‫هذه الحقيقة‪ ،‬ألننا محكومون بأقسى أنواع الصراعات‬ ‫التي‪ ،‬ربما ومع األسف‪ ،‬شهدتها البشرية في تاريخها‬ ‫القديم والوسيط والمعاصر‪...‬‬ ‫لقد ُجبْلنا على تحدي الصراع من أجل البقاء واالستمرار‬ ‫ظروف‪...‬‬ ‫في أشرس ميدان‪ ،‬وأعتى معركة‪ ،‬وأقسى‬ ‫ْ‬ ‫وليس لنا خيار إال أن نكون في الميدان مقاومين بالكلمة‪،‬‬ ‫بالسالح‪ ،‬باالقتصاد‪ ،‬بالثقافة‪ ،‬وليس لنا مناص من‬ ‫العمل الحثيث والجدي والرصين لتصليب قدرتنا مجتمعاً‬ ‫وأمةً وبنيةً شعبية على الصمود والفعل وجبه كل أشكال‬ ‫العدوان الموصوف الذي نتعرض له‪...‬‬ ‫ثمة تحديات كبرى تخطيناها‪ ،‬وثمة تحديات أكبر تلوح‬ ‫في األفق‪ ،‬لن نلقي السالح قبل أن ننتصر‪...‬‬

‫منرب‬ ‫هذا هو ق اررنا‪ ...‬هذا هو خيارنا‪ ...‬سنبقى نقاتل حتى‬ ‫النهاية‪ ...‬ولن ندخر جهداً في تثمير وتفعيل وتوحيد‬ ‫كل الطاقات واإلمكانات كي نضمن تخطي الصعاب‪،‬‬ ‫والتغلب على كل األخطار التي تواجهنا بأشكالها‬ ‫المتعددة والمختلفة والمتلونة والمتشعبة والمتداخلة بين‬ ‫ما هو خارجي وبين ما هو داخلي‪ ،‬بين ما هو من فعل‬ ‫اآلخرين‪ ،‬وبين ما هو من صنع بعضنا‪...‬‬ ‫بالطبع‪ ،‬صراعنا يرتكز على حقائق في الوعي نسعى إلى‬ ‫تعميمها وترسيخها وتعميقها في عقول وأذهان‪ ،‬وقلوب‬ ‫أبناء مجتمعنا‪ ،‬وناسنا وأهلنا‪ ...‬كل ناسنا وكل أهلنا‬ ‫خارج سياقات التقسيم والتصنيف والتفريق‪...‬‬ ‫وأولى هذه الحقائق‪ ...‬إيماننا بوحدة المجتمع‪ ،‬بوحدة‬ ‫األمة‪ ،‬بوحدة الشعب‪ ،‬الذي يرتكز على عمق تاريخي‬ ‫وجغرافي يأبى اال الوحدة في كل حقباته‪ ...‬ويرفض في‬ ‫الالوعي وعلى أرض الواقع ومن خالل تشابكات الحياة‬ ‫فض أي طرح تقسيمي‬ ‫الواحدة التي ال تنفصم عراها‪ ،‬ير ُ‬ ‫تجزيئي تفتيتي‪ ،‬بالرغم من كل مظاهر االنقسام التي‬ ‫تطفو على السطح‪...‬‬ ‫ما بناه أجدادنا ماضياً‪ ،‬في التاريخ والجغرافيا‪ ،‬لن نسمح‬ ‫لفئة ضالة ومضلِّلة ومضلَّلة من شعبنا أن تهدمه‪ ،‬ولن‬ ‫ضمان مستقبلنا‬ ‫نسمح لقوى خارجيه أن تحطمه‪ ،‬ألنه‬ ‫ُ‬ ‫ومستقبل أجيالنا التي ولدت والتي لم تولد بعد‪...‬‬ ‫إن وعي أجدادنا لوحدة الحياة في بالدنا من الفرات إلى‬ ‫النيل‪ ،‬في كل سوريا الطبيعية في زمن القبائل والعشائر‬ ‫لن نسمح ألحد بالنيل منه في زمن «العولمة»‪...‬‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫والوحدة الشعبية الحياتية التي نسجها األقدمون في كل‬ ‫مدينة وقرية ودسكرة‪ ،‬وتمثلت في الحياة الواحدة‪ ،‬والعيش‬ ‫الواحد‪ ،‬بين األديان والطوائف والمذاهب والعشائر‪،‬‬ ‫ومثلت بداية تجسيد الهوية القومية الواحدة الجامعة‬ ‫التي تمظهرت بألف مظهر ومظهر‪ ،‬لن نسمح لقلة‬ ‫غبية أن تقضي عليها‪ ...‬ووحدة المصالح االقتصادية –‬ ‫تضم في أطيافها‬ ‫االجتماعية ودورة الحياة الواحدة التي‬ ‫ّ‬ ‫كل الناس وكل الفئات في الشعب الواحد والمجتمع‬ ‫الواحد واألمة الواحدة سوف تبقى شرايينها متواصلة‬ ‫بإرادتنا وبفعلنا وبتضحياتنا تضخ دم الحياة الدافق حباً‬ ‫وخي اًر وعطاء‪...‬‬ ‫بالرغم من كل األنواء سوف نبقى نلهج بالوحدة‪ ،‬ونبشر‬ ‫بالوحدة‪ ،‬ونعمل من أجل تجسيد هذه الوحدة في أجمل‬ ‫وأرقى مضامينها ومظاهرها‪...‬‬ ‫بالرغم من كل التحديات‪ ،‬سنبقى نلهج بالمقاومة‪ ...‬خيا اًر‬ ‫وحيداً أوحد للدفاع عن بالدنا وعن شعبنا وعن حاضرنا‬ ‫وعن مستقبلنا‪...‬‬ ‫تحديات اإلرهاب الذي يلف بالدنا من‬ ‫بالرغم من كل ّ‬ ‫عراقها الى شامها الى آخر دسكرة فيها‪ ،‬سوف نبقى‬ ‫الرد العاصف على اإلرهاب والتكفير وكل نتاجات الفكر‬ ‫ّ‬ ‫الظالمي القذر‪ ...‬الذي يزرع في بالدنا دماً وخراباً‬ ‫ودما اًر‪...‬‬ ‫ثمة حقيقة نؤمن بها‪ ،‬حتى ينقطع النفس‪ ،‬حقيقة أن‬ ‫ّ‬ ‫صبر ساعة‪ ،‬وصبرنا سيالقي أعظم نصر في‬ ‫النصر‬ ‫ُ‬ ‫تاريخنا المعاصر‪.‬‬

‫عالمة يعيد طرح السؤال األبدي‪« :‬لبنان اىل أين؟»‬ ‫  •شروق نعيم‬

‫«ان نجاح العملية التنموية يرتبط ارتباطا وثيقا‬ ‫بايجاد االجهزة الكفوءة على الصعيد الوطني‪.‬‬ ‫وبالنظر الى ذلك يمكن أن نستنتج ان عمل االدارة‬ ‫اللبنانية في هذا المجال يعكس سياسة الدولة‬ ‫لجهة عملها تحت جناح القطاع الخاص ويمكن ان‬ ‫يسجل‪.»...‬‬ ‫هذا مقطع مقتبس من كتاب لبنان الى أين؟ للدكتور حاتم‬ ‫عالمة وقد ورد في مستهل دراسته الشاملة التي تضمنت‬ ‫جميع المراحل السياسية واالقتصادية والتنموية منذ عهد‬ ‫المتصرفية وحتى زمننا الحاضر‪.‬‬ ‫الالفت في هذه الدراسة أنها تطرح موضوع التطور الذي‬ ‫حدث في لبنان خالل مئة عام متوازية مع المنظور‬ ‫التنموي البيئي وتالزمه مع التطور‪ .‬فاللبناني الذي يتميز‬ ‫بسرعة البديهة ليس عليه سوى دراسة تاريخه بروية حتى‬ ‫يستطيع االستفادة من العبر‪ ..‬ليعتبر!‬ ‫يتطرق الكتاب بأسلوب واضح ومتسلسل الى التأثيرات‬ ‫التي كانت وما زالت تتجاذب بلدنا الصغير المشرذم‬ ‫الى طوائف ومناطق‪ ،‬وكل طائفة بدورها منقسمة على‬ ‫بدءا من عهد المتصرفية تحت حكم الخالفة‬ ‫نفسها‪ً ،‬‬ ‫تمر بمرحلة نزاعها األخير‪ ،‬الى‬ ‫العثمانية التي كانت ّ‬ ‫قوى االقطاع بدوره في‬ ‫مرحلة االنتداب الفرنسي الذي ّ‬ ‫الريف حتى نمو البرجوازية الكومبرادورية الوسطية‪،‬‬ ‫هذه الفترة التي امتدت من العام ‪ 1861‬حتى الـ‪1915‬‬ ‫وخلفت وراءها تراكمات ال تحصى وال تعد‪ُ ،‬يعبر عنها‬ ‫الدكتور مسعود الضاهر قائالً‪« :‬لم يحل العام ‪1915‬‬ ‫اال وكانت الرساميل الفرنسية قد شكلت ‪ 60%‬من الدين‬ ‫العمومي العثماني» كانت تكرس لتبعية فرنسية وسياسة‬ ‫غزو اقتصادي‪..‬‬

‫اما مرحلة ما بعد االستقالل فقد كانت مرحلة تمهيدية‬ ‫بعض أطرافها‬ ‫لتعزيز دور دولة يتقدمها االقطاع ويدعم‬ ‫َ‬ ‫فيض من الرساميل األجنبية‪ ..‬وربما كان لهذا دور‬ ‫ٌ‬ ‫الحق انضمت اليه عوامل اخرى وكانت سبباً في اشعال‬ ‫الحرب األهلية في لبنان‪ .‬ومن هذه العوامل توطين‬ ‫اليهود وتأسيسهم كياناً غاصباً وتشتيت الفلسطينيين‬ ‫ولجوء بعضهم الى لبنان واحتكاكهم باليمين المتطرف‬ ‫ويبقى السؤال عالقاً‪ :‬ماذا نتج عن الحرب االهلية ؟‬ ‫واجهت لبنان حرب أهلية دامت خمسة عشر عاما من‬ ‫‪ 1975‬حتى ‪ .1990‬فتضررت جراءها وبشكل خطير‬ ‫جميع البنى التحتية لالقتصاد اللبناني‪ ،‬وتراجع الناتج‬ ‫القومي إلى النصف‪ ،‬وكانت له آثار جسيمة على‬ ‫وضع لبنان الذي ُعرف كأهم مركز تجاري ومصرفي‬ ‫في الشرق األوسط‪ .‬أما بعد الحرب‪ ،‬فيمكن ان نسجل‬ ‫ان الحكومة المركزية استطاعت ان تستعيد قدرتها على‬ ‫جباية الضرائب والسيطرة على ميناء رئيسي وبعض‬ ‫المرافق الحكومية‪ .‬ونتيجة لذلك‪ ،‬ارتفع الناتج المحلي‬ ‫اإلجمالي للفرد الواحد ‪ 353٪‬العام ‪.1990‬‬ ‫قبل التطرق الى الوضع الراهن‪ ،‬واعتبرنا ان نظام لبنان‬ ‫رأسمالي حر يعتمد على المبادرة الفردية واالنفتاح على‬ ‫العالم الخارجي مع تحرك مناسب للرساميل والعمالة‪،‬‬ ‫فكيف يمكن القتصاد منفتح حر ان يتخطى قوقعة‬ ‫الطائفية وسجن اإلقطاع والزعامات‪ ،‬عداك عن أطراف‬ ‫مستزلمة للخارج وقرارها يبقى وحده اآلمر الناهي؟‬ ‫يحدد د‪.‬حسن صعب خمسة مؤشرات للعالقة التدويمية‬ ‫ّ‬ ‫بين نظامنا السياسي والعملية االنتخابية‪ ،‬وهي‪ :‬المؤشر‬ ‫الطائفي‪ ،‬الجيلي‪ ،‬الطبقي‪ ،‬المالي وااليديولوجي‪.‬‬ ‫ومزامنة مع ترسيخ النظام الطائفي بدءاً بنظام الحكم‬ ‫حتى قاعدة التوظيف‪ ،‬مرو اًر بقانون االنتخابات‪ ،‬طرح‬

‫الكتاب فرضية الديمقراطية العلمانية‪ ..‬جاء في الكتاب‪:‬‬ ‫«فأية ديمقراطية نعني؟ فالديمقراطية هذه هي دائرة ضيقة‬ ‫النتفاع فئات البرجوازية واإلقطاع السياسي من الطوائف‬ ‫المختلفة من خيرات البلد ضمن قانون انتخابي عاجز‬ ‫عن تحديث الدولة ومؤسساتها ويخول مواقع السلطة‬ ‫حماية نفسها من أي تجديد فعلي»‪.‬‬ ‫قد تكون هذه النظرة تهكمية‪ ،‬ولكنها تالمس الواقع الى‬ ‫حد كبير‪ ،‬فصحوة الشعوب هي أكثر األمور تعقيداً‬ ‫فاالنسان ومنذ االزل تواق لتصديق النبؤات فهل فعالً ان‬ ‫ثبات الشعور ينتظر أسطورة االسكندر المقدوني!‬ ‫يقول هتلر‪« :‬اذا أردت السيطرة على الناس‪ ،‬أخبرهم أنهم‬ ‫معرضون للخطر‪ ،‬ثم حذرهم أن أمنهم معرض للتهديد‪،‬‬ ‫خون معارضيك وشكك في والئهم ووطنيتهم»‪.‬‬ ‫ثم ّ‬ ‫يطرح د‪.‬عالمة حلوالً كمساهمة وتسوية ممكنة‪ ،‬بعضها‬ ‫نفذ والبعض اآلخر يتطلب منظومة تنموية ومسارات‬ ‫متكاملة‪ .‬وقد قسم شركاء هذه المنظومة الى أربع‬ ‫حلقات‪ :‬قطاع خاص‪ ،‬قطاع عام‪ ،‬مجتمع مدني ودعم‬ ‫دولي‪ .‬وفقاً لهرم المنظومة التنموية‪.‬‬ ‫اما عن أبعاد التطور فقد بدا واضحاً ازدياد الطلب على‬ ‫التعليم العالي وازدياد مؤسساته (‪ 40‬مؤسسة)‪ ،‬حيث‬ ‫يتوقف الوزير شربل نحاس عند مصطلح «الكفاية»‬ ‫(اإلنفاق الحكومي على التعليم ص‪ _ 302 .‬لبنان الى‬ ‫أين؟)‪.‬‬ ‫يختتم د‪.‬عالمة قائالً إن المأزق هو المأزق‪ ،‬فال يجب‬ ‫ان نقف مكتوفي اليدين وموثوقي القدمين‪ ،‬بل علينا‬ ‫البحث عن مصير واقعي‪ ،‬وذلك بتفكيك المأزق وتوزيعه‬ ‫الى مشكالت يمكن التفكير في حل لها‪ .‬وهو مناسبة‬ ‫للدعوة الى قراءة اإلنجازات ال سيما مرحلة العهد الشهابي‬ ‫وتقرير بعثة ايرفد‪.‬‬


‫منرب‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫‪3‬‬

‫سعاده والثامن من متوز‬ ‫  •منصور عازار‬ ‫كتب سعاده من مغتربه القسري وقبل عودته الى‬ ‫الوطن رسالة هامة جداً الى رفقائه في الوطن يقول‬ ‫فيها‪ :‬في كل هذه المدة الطويلة‪ ،‬وبعد كل هذه المحن‬ ‫العظيمة لم يضعف ايماننا بل قوي ‪ -‬ايمانكم بي‬ ‫وايماني بكم‪ .‬آمنتم بي معلماً وهادياً لالمة والناس‬ ‫ومخططاً وبانياً للمجتمع الجديد وقائداً للقوات الجديدة‬ ‫الناهضة الزاحفة بالتعاليم والمثل العليا الجديدة الى‬ ‫النصر وآمنت بكم امة مثالية معلمة وهادية لألمم‪،‬‬ ‫بناءة للمجتمع االنساني بروح التعاليم التي تحملون‬ ‫حرارتها ا��محيية وضياءها المنير الى االمم جميعها‪،‬‬ ‫داعية االمم الى ترك عقيدة تفسير التطور االنساني‬ ‫بالمبدأ الروحي وحده وعقيدة تفسيره من الجهة االخرى‬ ‫بالمبدأ المادي وحده؛ االقالع عن اعتبار العالم ضرورة‪،‬‬ ‫عالم حرب مهلكة بين القوة الروحية والقوة المادية؛‬ ‫والى التسليم معنا بأن االرتقاء االنساني هو اساس‬ ‫روحي – مادي «مدرحي» وأن االنسانية المتفوقة هي‬ ‫التي تدرك هذا االساس وتشيد صرح مستقبله عليه‪:‬‬ ‫ليس المكابرون بالفلسفة المادية بمستغنين عن الروح‬ ‫وفلسفته وال المكابرون بالفلسفة الروحية بمستغنين‬ ‫عن المادة وفلسفتها‪ .‬هذا العالم يحتاج اليوم الى‬ ‫فلسفة جديدة تنقذه من تخبط هذه الفلسفات وضاللها‪.‬‬ ‫وهذه الفلسفة الجديدة التي يحتاج اليها العالم فلسفة‬ ‫الموحد الجامع القوى االنسانية هي الفلسفة‬ ‫التفاعل‬ ‫ّ‬ ‫التي تقدمها نهضتكم‪.‬‬ ‫من هنا‪ ،‬من هذه المفاهيم الفاصلة بين العالم القديم‬ ‫المنتهي والجديد المتحفز ينبري انطوان بطرس المؤرخ‬ ‫لمسيرة الزعيم إلى امر جلل من باحث لبس السيرة‬ ‫فأضحت رداء البحث المتجذر في حياة مبصر للبعيد‪.‬‬ ‫انطوان بطرس الراوي ألحداث عاشها ذلك المتحدر من‬ ‫الشوير‪ ،‬ليجوب الدنيا بحثاً عن صراع‪ ،‬اقتحاماً لتعمية‬ ‫التاريخ عن امة‪ ،‬استبساالً في قتال بلوغاً لالستشهاد‪.‬‬ ‫انطون سعاده وفي الخامسة عشرة من عمره استغرقه‬ ‫انشغاله بحقيقة امته‪ ،‬واستوطن انشغاله هذا مسام‬ ‫المدير المسؤول‪ :‬سركيس أبو زيد‬ ‫إدارة التحرير‪ :‬زهير فياض‬ ‫مدير التحرير‪ :‬زاهر العريضي‬ ‫أمين التحرير‪ :‬فراس الهكار‬ ‫العالقات العامة‪ :‬عائدة سالمة‬ ‫اإلخراج الفني‪ :‬نينار األعسر‬

‫جسده‪ ،‬وخفق فؤاده ونبض الكرامة الذي اجتاحه‬ ‫اجتياحاً ال تعايشاً بهوادة وغدا فكره الوقاد محف ازً للسعي‬ ‫وراء هدفه‪ ،‬ارتهن حياته للمبادئ التي وضعها وآمن‬ ‫بدل تبديالً من التأسيس‬ ‫يغير في خط سيره وال ّ‬ ‫بها ولم ّ‬ ‫الى االستشهاد‪.‬‬ ‫هوذا العنوان الذي اختاره انطوان بطرس‪ ،‬وفيه عبر‬ ‫الى مضمون المرحلتين‪ ،‬فأضحى قلمه عيناً ترى وذاكرة‬ ‫مؤداها‪ .‬هذا الذي‬ ‫تختزن وانبرى يسوق االحداث الى ّ‬ ‫لم يعرف الزعيم معرفة مباشرة‪ ،‬وان لم يكن منتمياً‪ ،‬فهو‬ ‫ليدون بحبر دمه‬ ‫مؤمن بما استنزف سعاده من جراحه‪ّ ،‬‬ ‫تاريخ امة في انسان‪ ،‬وتاريخ انسان لمجد امة لخصها‬ ‫بوقفة عز فقط‪.‬‬ ‫المتسهد في لياليه‪ ،‬المكافح في نهاراته‪،‬‬ ‫إنه الباحث‬ ‫ّ‬ ‫لينال من الحجة ما يقنع‪ ،‬ومن الراوية ما يعلم‪،‬‬ ‫ومن التدوين ما يترسخ في السلوك السوري القومي‬ ‫االجتماعي‪ ،‬نهجاً ال لبس فيه لبلوغ سدرة االيمان‬ ‫بحقيقة َمن نكون‪.‬‬ ‫هو ذا سعاده بين ايدينا منذ أبصر النور في الشوير‪،‬‬

‫هيئة التحرير‪:‬‬ ‫نجيب نصير‪ ،‬نحاتي ميداني‪،‬‬ ‫أسماء وهبة‪ ،‬عبير حمدان‪،‬‬ ‫يامن الدقر‪ ،‬أدهم الدمشقي‪،‬‬ ‫سالم الزبيدي‪ ،‬نادي قماش‪،‬‬ ‫عامر مالعب‬

‫توهم حقد‬ ‫الى أوان تفجره نو ارً في رمل بيروت‪ ،‬هناك ّ‬ ‫جالديه انطفاءه جسداً ولم يدركوا عظمة مواقفه بحيال‬ ‫تاريخ ارادوه نسياً لتبرير قيام ما قام في خاصرة الوطن‬ ‫السوري الجنوبية فلسطين االسيرة‪ ،‬من تزوير لتاريخنا‪،‬‬ ‫وانتهاكات لحقوقنا‪ ،‬لعلهم بذلك يرهنون الوطن كله‪.‬‬ ‫وحتى اليوم ال تزال المحاوالت قائمة تارة في العراق‪،‬‬ ‫طو ارً في الشام‪ ،‬تارة في شرق االردن وطو ارً في لبنان‪،‬‬ ‫تمت النطاكية بصلة‪.‬‬ ‫وانطاكية الرهينة في أيد ال ّ‬ ‫انها االقدار المفعولة على امتنا‪ ،‬فمتى يصير قدرنا نحن‬ ‫الفاعل في صراعنا ال ردة الفعل المتقية شر الفاعلين‪.‬‬ ‫هو ذا انطوان بطرس يحفّزنا لقراءة تاريخنا‪ ،‬ال طمعاً‬ ‫بحظوة وال خوفاً من قصاص‪ .‬هو المتنكب بين أصابع‬ ‫يده قلماً حبره الصدق وريشته المعرفة ليقول كلمته في‬ ‫رجل ال يزال طليع فكر األلف سنة المنصرمة‪.‬‬ ‫يلم من مروج سعاده باقة من‬ ‫هوذا انطوان بطرس ّ‬ ‫زهر‪ ،‬اكليالً من شوك‪ ،‬وهاجس الوصول الى االنتصار‪،‬‬ ‫ومن هذه جميعاً يتراءى لنا في صفحات كتابه‪ ،‬الزعيم‪،‬‬ ‫منتصب القامة‪ ،‬مرفوع الهامة‪ ،‬نشاهده في الكلمات‬ ‫وكأن الكلمة تريك ما لم تُ ِرك آلة تصوير‪ ،‬ألنها الكلمة‬ ‫سعد وأسعدنا بسعاده‬ ‫المعبرة‪ ،‬وكأني بأنطوان بطرس ُ‬ ‫اإليمان‪ ،‬والرؤى‪ ،‬والكتابة المبهرة وليس بتكديس‬ ‫الكلمات‪.‬‬ ‫أيها المتهافتون الى سعاده‪ ،‬زورق لكم من هذا الكتاب‬ ‫تجوبون به في بحر الزعيم‪ ،‬اعبروا من ضفة الضوء‬ ‫الى ضفة المعرفة‪ ،‬ومن ضوء التأليف فلنتّخذ جميعاً‬ ‫زوادة االيام‬ ‫قناديل المسيرة‪ ،‬ومن معرفة االستشهاد ّ‬ ‫اآلتية‪ ،‬وقدوة ألجيال لم تولد بعد‪.‬‬ ‫مودة واحترام‪ .‬الباحث الذي‬ ‫للصديق انطوان بطرس‪ّ ،‬‬ ‫يكتشف لنا كنو ازً ربما حجبها عنا صخب العيش‪ ،‬غير‬ ‫أنها تظل في صميم الحياة‪.‬‬ ‫(مستوحاة من كلمة ألقيت في حفل توقيع كتاب انطوان‬ ‫بطرس في نقابة الصحافة بيروت حول انطون سعاده‬ ‫من التأسيس الى الشهادة ‪.)1949-1932‬‬

‫تصدر بالتعاون مع مكتب الداراسات العلمية برئاسة منصور عازار‪ ،‬بيت الشعار‪ ،‬المتن الشمالي‬ ‫تلفاكس‪04914510 :‬‬ ‫تصدر بموجب قرار رقم ‪ 82‬تاريخ ‪ 1981/7/6‬صادر عن و ازرة اإلعالم في لبنان‬ ‫الناشر‪ :‬دار أبعاد بيروت ‪ -‬شارع الحم ار ‪ -‬بناية هيونداي ‪ -‬ط ‪4‬‬ ‫هاتف‪71341622 /01751541 :‬‬ ‫توزيع‪ :‬الناشرون بيروت ‪ -‬مشرفية سنتر فضل هلل ‪ -‬ط ‪4‬‬ ‫هاتف و فاكس‪ 01277088 /01277007 :‬خليوي‪03975033 :‬‬

‫دمشق مكتب عائدة سالمة لإلخراج الفني والتحضير الطباعي ‪ -‬عدوي خلف دار الشفاء ‪ -‬سعر العدد ‪ 25‬ل‪ .‬س‬ ‫تيليفاكس‪ 44426588 :‬خليوي‪E- mail:aydasalameh@yahoo.com - 0933331402 :‬‬ ‫المواد المنشورة تعبر عن رأي أصحابها وال تعبر بالضرورة عن رأي المجلة‬ ‫لإلشتراك و اإلعالن االتصال على ‪www.tahawolat.net 01751541‬‬

‫‪mail@tahawolat.net‬‬

‫‪www.khabaronline.com‬‬ ‫أبعد من الخرب‬


‫‪4‬‬

‫رأي‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫عراة يقفون أمام القصري‪ ..‬حفاة على طريق عربا‪!..‬‬ ‫  •نسيب الشامي‬ ‫لم تعرف أحزاب العالم على تنوع واختالف مبادئها‬ ‫تصح مقاربته مع‬ ‫وبرامجها وأهدافها ما يمكن أن‬ ‫ّ‬ ‫األحزاب في لبنان‪ ،‬فاألحزاب عادة هي صناعة ساحاتها‬ ‫وبيئتها منها ولها وفيها تدور حركة هذه األحزاب‪ ،‬وقد‬ ‫تحقق غاياتها وقد تفشل وقد تصل الى سدة الحكم وقد‬ ‫ال تصل‪ .‬سعيها الى الديمقراطية والتجدد قد يأخذها الى‬ ‫تغيير جدي في مجتمعاتها وحتى الى نهضات تغير‬ ‫مسار أممها او الى عكسها في مجتمعات أخرى أقلها‬ ‫الى السجون والتنكيل وسوء المصير‪ .‬أما أحزاب لبنان‬ ‫فهي في غالبيتها صناعة ورم خبيث أو أورام خبيثة‬ ‫عدة‪ ،‬ألنها تدور بائسة في فلكها المحلي واإلقليمي‬ ‫معتقدة وواهمة أنها تشارك الكون في فلكه وفق نظرة‬ ‫عالمية تحفظ لها المكانة والدور اللبنانيين بامتياز‪.‬‬ ‫أحزاب لبنان قديمها وحديثها والمستحدث‪ ،‬التيارات‬ ‫األحزاب أو الطوائف – األحزاب أو األحزاب – الطوائف‬ ‫األحزاب – الزواريب أو األحزاب اإلمارات‪ ،‬أو األحزاب‬ ‫– المنتهية الصالحية أو المتجددة على عور ونقيصة‪،‬‬ ‫األحزاب األعضاء الخمسة‪ ،‬أو حتى الرئيس وزوجته‬ ‫أو تلك التي يصل تعدادها إلى آالف اآلالف جميعها‬ ‫بحاجة الى ليلى عبد اللطيف حتى تق أر لها فنجانها أو‬ ‫تتنبأ لها مستقبلها‪ ،‬أو قل باإليحاءات الممجوجة كل‬ ‫هذا ألنها خرجت من دائرة المعقول إلى دائرة الغيب‬ ‫ومن دائرة الضوء على تمايزه الى دائرة الظالم الدامس‬ ‫المدمر‪ ،‬حتى باتت التوقعات‬ ‫والمجهول القاتم والقاتل و ّ‬ ‫خارطة طريقها وحاضرها ومستقبلها‪.‬‬ ‫أحزاب لبنان أبناء سبايا حرب حرب الكيان الذي خلق‬ ‫لغاية ووظيفة من صنعوه وفق مشاريعهم وخططهم للبنان‬ ‫والمنطقة‪ ،‬ومن قبل به وفق حساباته الطائفية وطناً‬ ‫نهائياً‪ ،‬ومن أخذته مصالحه الصغيرة إلى دجل القبول‬ ‫الملتبس‪ ،‬إلى أولئك الذين قبلوا به بتوافقية الطرابيش‬ ‫الحمراء والنهائي بلسان عربي‪ .‬أحزاب نشأ على زغل في‬ ‫كيان‪ ،‬على زغل في بيئة إقليمية حاضنة لكل زغل وفي‬ ‫بدل‬ ‫عالم جعلنا في دائرة الزغل وحقل تجاربه فال هو ّ‬ ‫بدلنا‪ .‬أحزاب لبنان لها رأي في القصير‪ :‬حزب‬ ‫وال نحن ّ‬ ‫المستقبل‪ ،‬القوات اللبنانية‪ ،‬الكتائب اللبنانية‪ ،‬الوطنيين‬ ‫األحرار‪ ،‬التقدمي االشتراكي‪ ،‬المستقلون األباطرة‪ ،‬التوابع‬ ‫التابعة‪ ،‬أمانة ‪ 14‬آذار العامة‪ ،‬السلفيون‪ ،‬جماعة‬ ‫النصرة‪ ،‬قادة الزواريب في طرابلس‪ ،‬زعماء األحياء من‬ ‫باب التبانة حتى تعمير صيدا‪ ،‬كل هؤالء مع ثورة الشعب‬ ‫َّ‬ ‫وضد بشار األسد‪.‬‬ ‫السوري‬ ‫كل هؤالء مع التغيير إلى دولة ديمقراطية واحدة‬ ‫َّ‬ ‫وضد نظام المخابرات والتركيبة األمنية‪ ،‬إو�يران‬ ‫موحدة‪،‬‬ ‫وحزب اهلل‪ .‬كان حزب المستقبل أول البادئين في دعم‬ ‫الثورة السورية بدأها بالبطانيات والحليب والمساعدات‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬وراح يضعها ويوضبها في صناديق األسلحة‬ ‫الحديدية ليحفظها من التلف وراح الحليب والبطانيات‬ ‫يفسحان المجال للقاذفات والعبوات والرشاشات الحديثة‪،‬‬ ‫والنواظير الليلية وأحدث القناصات‪ ،‬كما أفسحا المجال‬ ‫لدور الحزب أن ينكشف على يد معين من هنا وصقر‬ ‫من هنا وضاهر من هناك وسعد من هنالك والجميع بأمرة‬ ‫وفاء لطبيعته‬ ‫يتلون إال باللون األخضر ً‬ ‫اآلمر الذي ال ّ‬ ‫ودوره وارتباطاته‪ ،‬وكما دعمها في سوريا راح يدعمها في‬ ‫لبنان بكل زعماء الزواريب في طرابلس متأبطاً ذراع دولة‬ ‫رئيس من هنا وسعادة نواب من هناك ومشايخ سلفيين‬

‫ومقلّدين حتى انتهى به المطاف في صيدا إلى خيبة لم‬ ‫يستفق حتى اللحظة من آثارها المدمرة بعد سقوط ظاهرة‬ ‫األسير (أحمد) إلى غير رجعة‪.‬‬ ‫أما بدعته األخيرة على لسان النائب بهية الحريري‬ ‫وبعد الهزيمة السياسية الكبرى في عب ار هي تجهل أن‬ ‫استحضارها عنوان دولة لبنان الكبير إنما يدل ّل على‬ ‫تموقعها وحزب المستقبل في خانة الموقع المذهبي‬ ‫وانحسار دورها السياسي إلى هذه الحدود الضيقة والتي‬ ‫تدلل على حقيقة الدور لحزب المستقبل‪ .‬أما القوات‬ ‫اللبنانية فقد كانت أسيرة عفويتها السياسية وقلة خبرتها‬ ‫في قراءة الظواهر واألحداث فقد راحت مندفعة في زمن‬ ‫«الربيع العربي» وفي موسم الزرع والتموقع السياسي‬ ‫على وقع المشروع األميركي – التركي – الرجعي العربي‬ ‫أن تكون غرسة لبنانية مسيحية في حديقة هذا المشروع‪،‬‬ ‫ولما تفتحت هذه الغرسة الغربية العجيبة راحت تنطق‬ ‫ّ‬ ‫باسم الحكيم عبارات من نوع «فليحكم األخوان»‪ ،‬وهو‬ ‫حكم��ً ال يقصد مصر تحديداً بل يريده يمتد ويتوسع حتى‬ ‫يصل الشام‪ ،‬وهناك يجد الحكيم ضالته في سقوط نظام‬ ‫الرئيس األسد وربما حصار عسكري على المقاومة في‬ ‫لبنان وربما وربما‪ ...‬وصوالً إلى حلم الرئاسة‪.‬‬ ‫سمير جعجع مع كتائب الفاروق وجبهة النصرة والجيش‬ ‫السوري الحر مع العرعور واالسعد والشقفة‪ ،‬هو مع‬ ‫الشيطان ضد األسد وطبعاً هو مع الرافعي واألسير في‬ ‫لبنان ومع المرعبي والضاهر في تدخلهم في سوريا‪.‬‬ ‫إنه العهر السياسي‪ ،‬العهر المدفوع الثمن‪ .‬إنها ظواهر‬ ‫ما قبل القيامة ولعلها األخطر واألوقح‪ .‬أما المضحك‬ ‫فهو ما راح يردده الحكيم بعد سقوط األخوان في مصر‬ ‫واألسير في لبنان‪ ،‬طبعاً ما قاله ال يستحق الذكر وال‬ ‫الكتابة عنه النه ال يمثل إالّ سخافة الموقف وسخافة‬ ‫القول وسخافة االستدارة‪ .‬أما الكتائب اللبنانية‪ :‬فقد‬ ‫تمايزت لجهة عدم قبولها بالتدخل في الشؤون السورية‬ ‫وقد أعلنت هذا صراحة‪ ،‬ولكنها لم تستطع أن تتخلى عن‬ ‫قراءتها الساذجة لمجمل الواقع السياسي فراح المسؤولون‬

‫والنواب يقرأون في دفتر المواقف السياسية القديمة‬ ‫اليمينية المتحجرة من دون رؤية واقعية وقراءة فاحصة‬ ‫مدققة لألحداث والحال السياسية وموقع لبنان من كل‬ ‫هذا‪ .‬وحده النائب سامي الجميل كان الظاهرة الالفتة‬ ‫وعنوان هذه الظاهرة صدقه صادقاً إذا سمعته وصادقاً‬ ‫إذا رأيته مقنعاً لك رغم بالدة الفكر اليميني الذي يتكئ‬ ‫عليه‪ ،‬ألنه يذهب بعيداً وجاداً وبال قفازات متقصداً إقناع‬ ‫الناس‪ ،‬كل الناس‪ ،‬بواقعيته اللبنانية وواقعيته السياسية‬ ‫بالحال اليمينية المأزومة والحال المسيحية المنحسرة‬ ‫أمام الطرح المشرقي للمسيحية عند التيار الوطني الحر‬ ‫والرؤية الصادقة عنده والجنرال ميشال عون‪ ،‬ولكنها‬ ‫ظاهرة ربع الساعة األخيرة‪ .‬وليت سامي الجميل يق أر‬ ‫في عمق الحال السياسية في لبنان والعالم العربي ويخلع‬ ‫ورثة الجد وزوادة األب وينعتق من لبننة‬ ‫عن منكبيه َ‬ ‫وجده وصوالً رجعياً إلى ميشال‬ ‫عمه بشير ّ‬ ‫موؤدة مع ّ‬ ‫شيحا حتى يصل في جرأته حدود التعاطي مع المعنى‬ ‫الناتج األخير في الثقافة والسياسة واالجتماع عندها‬ ‫يفيد من جرأته السياسية وقدرته على مخاطبة الناس‬ ‫وتمايزه عن غيره أكانوا في حزبه أم على مسرح اليمين‬ ‫اللبناني أو في المعتقل الفكري والسياسي عند ‪ 14‬آذار‪،‬‬ ‫وربما عندها يستطيع أن يكون له دور رائد كما العماد‬ ‫عون‪ .‬وربما تكون بداية رحلته الى الواقعية القومية أو‬ ‫المصداقية المشرقية وطالقاً نهائياً مع الفكر االنعزالي‬ ‫واللبننة الموتورة والتخلف السياسي حتى ال نقول الطفولة‬ ‫السياسية غير الراشدة‪.‬‬ ‫الكتائب اللبنانية رغم خالفنا الكبير معها نعترف بتمايزها‬ ‫عن غيرها من أحزاب ‪ 14‬آذار‪ .‬وأسباب هذا التمايز هو‬ ‫بعض االتزان السياسي واالبتعاد عن الدجل أو االنغماس‬ ‫في المحظور‪ .‬إنه تمايز مشكور نعترف به لخصمنا‬ ‫السياسي ونهنئه عليه‪.‬‬ ‫الحزب التقدمي األشتراكي‪ :‬إن القول الفصل في‬ ‫شؤون السياسة والحرب عند الدروز هو لوليد جنبالط‬ ‫الزعيم الذي رسمته الحرب اللبنانية بتداخالتها الطائفية‬


‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫وتعقيداتها رجل القرار الدرزي األقوى‪ ،‬حيث ال ينازعه‬ ‫أي فريق أو ينافسه خصم‪ .‬لقد حسم أمره في طائفته أكان‬ ‫على حق أو على خطأ‪ .‬نقول هذا ونحن ال نشاطره في‬ ‫نطاق ساحته السياسية في الجبل ال رأياً في السياسة وال‬ ‫رؤية لمستقبل المنطقة وال للبنان‪ ،‬لذا نقول إنه في الموقع‬ ‫السياسي الخاطئ والموقع التاريخي الخاطئ ونقول إن‬ ‫التناقضات التي كانت سمة عمله السياسي باتت حمالً‬ ‫ثقيالً عليه وعلى طائفته وعلى الجبل أن يقف زعيم درزي‬ ‫َّ‬ ‫ضد الشام في أية مرحلة تاريخية قديمة وحديثة ال تكون‬ ‫إال بمثابة مغامرة غير محسوبة النتائج‪ .‬أن يقف زعيم‬ ‫درزي مع جبهة النصرة وأحمد األسير والجيش الحر ليس‬ ‫إال مغامرة غير محسوبة النتائج‪ ،‬وقد أثبتت االحداث في‬ ‫القصير أو عب ار صحة ما نقول‪ ،‬لقد تروى وليد جنبالط‬ ‫في موضوع المقاومة وحسناً فعل لقد حسم امره الى‬ ‫جانبها وحسناً يفعل‪ .‬وربما تكون هذه أفضل االستدارات‬ ‫وأهمها وأكثرها نفعاً وفائدة له ولطائفته وحزبه وللبنان‪.‬‬ ‫ولعل في كل هذا عبرة للزعيم الجنبالطي وهو قارئ جيد‬ ‫ضد النظام في الشام هم‬ ‫للتاريخ فالذين حاول استمالتهم ّ‬ ‫أنفسهم على الضفة األخرى من «عين دارة»‪ ،‬وهؤالء‬ ‫تاريخياً ممن تركوا لبنان بعد حرب طاحنة مع عائلته‬ ‫الجنبالطية ونفوذها وهؤالء ال تربطهم أي عالقة بدار‬ ‫المختارة باستثناء مرحلة كمال جنبالط والوهج الوطني‬ ‫الذي كان يتمتع به والممارسة الوطنية التي كان يحرص‬ ‫على حسن أدائها ومتابعتها وقد ختمها بالشهادة رافضاً‬ ‫تبديلها أو تعديلها أو حتى تلوينها بلون المراحل وزيفها‪.‬‬ ‫حزب الوطنيين األحرار هو حزب تابع وال يملك استقاللية‬ ‫في الموقف وال بالقرار وهو في منظومة ‪ 14‬آذار دون‬ ‫قيد أو شرط‪ ،‬وموقفه أكان في القصير او عب ار هو‬ ‫خالصة التبعية للحاضنة الحريرية السيئة الذكر‪.‬‬ ‫التيار الوطني الحر‪ :‬هو التيار الذي يتوزع مناصفة ما‬ ‫بين الدالالت واإلشكاليات‪ .‬أما الدالالت فتمايزه عن غيره‬ ‫من االحزاب المسيحية بأنه انتقل عبر المشرقية التي‬

‫رأي‬ ‫نادى بها من الفكر المسكوني «الى الفكر القومي‪ .‬الى‬ ‫الدين في بيئته الحاضنة ليعود بعد القصير والدور الذي‬ ‫يمارسه حليفه في مذكرة التفاهم «حزب اهلل» لينتقد دور‬ ‫الحزب ومشاركته في الحرب الدائرة في سوريا‪ ،‬فباتت‬ ‫المشرقية عندها لتشكل إشكالية في المعنى عند التيار‬ ‫وقائده‪ .‬تدنت المشرقية الى لباس ديني خالص مذهبي‬ ‫طائفي من دون أبعاد قومية فظهرت هشاشة الموقف‬ ‫وركاكة االستناد الفكري والسياسي‪ .‬وبالتالي أولوية‬ ‫الشأن الكياني عنده دون سواه‪ .‬إعالن التيار في أكثر‬ ‫يسميه بالموقف االستراتيجي من‬ ‫من مناسبة وفي ما ّ‬ ‫النزاع الدائر في المنطقة ووقوفه الى جانب المقاومة في‬ ‫ضد إسرائيل وهي داللة على عمق تفكيره القومي‬ ‫حربها ّ‬ ‫متمولة بالموقف المعلن والثابت من هذا الصراع‪ .‬ولكن‬ ‫ّ‬ ‫يصح في الجنوب بالموقف القومي‬ ‫وهنا اإلشكالية كيف‬ ‫ّ‬ ‫وبالسياسة ما ال يصح في الشمال والشرق وتلك الحرب‬ ‫الكونية على سوريا وآثارها المحتملة المدمرة للبنان‪،‬‬ ‫وبالتالي على المشرقية وعلى كل التوجد الوطني والقومي‬ ‫والحر تبقى اإلجابة عند التيار وحتى الساعة ال جواب‪.‬‬ ‫ طرح النسبية كقانون جيد لالنتخابات ولبنان دائرة‬‫واحدة كانت من عالمات التيار الفارقة والصريحة‬ ‫تعمر حتى غمرتها إشكالية القانون‬ ‫والصادقة‪ ،‬ولكنها لم ّ‬ ‫األرثوذكسي حيث شهدت هذه المرحلة بانغماس التيار‬ ‫بالطرح المذهبي والطائفي الذي لم ينسجم مع تاريخه‬ ‫وطروحاته السابقة وقوف التيار الى جانب الجيش‬ ‫اللبناني في عبرا‪ ،‬ومع حزب اهلل الذي شاطره الموقف‬ ‫ضد التكفيريين‪ ،‬من جماعة األسير‪ ،‬والنصرة‪،‬‬ ‫ذاته‪ّ ،‬‬ ‫والمستقبل وبالل بدر والمخيمات الفلسطينية وفي هذا‬ ‫داللة واضحة على سالمة الموقف‪ ،‬أما اإلشكالية فهي‬ ‫في عدم قدرته على ربط الظاهرة األسدية بالحرب الكونية‬ ‫الدائرة في سوريا وبالتكفيريين عينهم في القصير‪ .‬يسجل‬ ‫للتيار صدقيته في تعاطي الشأن العام‪ .‬ويبقى عليه أن‬ ‫يزيد في قراءة المواقف القومية عمقاً ودراية حتى تكتمل‬

‫‪5‬‬

‫عنده الرؤية المطلوبة‪ ،‬حتى يصبح التفاهم مع حزب اهلل‬ ‫من تفاهم ورقي إلى تفاهم يصب في عمق الواقع القومي‬ ‫وتحدياته الخطيرة‪.‬‬ ‫الحزب الشيوعي اللبناني‪ :‬حزب عريق وتائه أما أسباب‬ ‫التيه فإن بعضاً من قيادييه الكبار أضاعوا بوصلة‬ ‫التيار فاختلط عليهم االتجاه وارتبك أمام المسار فأي‬ ‫قاسم مشترك بين هذا الحزب الكبير و‪ 14‬آذار؟ وما‬ ‫هي القواسم المشتركة بين حزب العمال وكوادره الحية‬ ‫المناضلة وحزب المستقبل مثالً وفارس سعيد وميشال‬ ‫معوض؟‬ ‫الحزب الشيوعي اللبناني أصيب بمرض التموقع وحرج‬ ‫التموقع فراح يستنسب األسهل‪ ،‬فمناصرة األسير جورج‬ ‫ابراهيم عبداهلل والمطالبة بإطالق سراحه ودعم الحملة‬ ‫العالمية من أجل إنقاذه هي حملة تناسب نضال هذا‬ ‫الحزب العريق‪ ،‬ولكن «القصير» من حيث األهمية هي‬ ‫أبلغ أث اًر وأكثر أهمية والحزب ينأى بنفسه في معادلة‬ ‫نجهلها وال نريد أن نطلق احكاماً وهذا ينسحب على كثير‬ ‫من مواقفه من حركة العلمانيين الى عبرا‪.‬‬ ‫البعث العربي االشتراكي واالتحاد وحزب التوحيد العربي‬ ‫وىلحزب الديمقراطي اللبناني وحزب التضامن هي أحزاب‬ ‫الصدى للموقف السوري إقليمياً ولحزب اهلل في الساحة‬ ‫المحلية ومواقفها ثابتة وصادقة وال تحتمل أي تأويل‪.‬‬ ‫حزب اهلل راجع مقالنا بعنوان‪ :‬من القصير الى عب ار إنها‬ ‫السياسة والدين والقضية القومية الواحدة‪.‬‬ ‫الحزب السوري القومي اإلجتماعي‪ :‬عقيدته تمأل الدنيا‬ ‫وتشغل الناس من المغرب العربي الكبير حتى فلسطين‪،‬‬ ‫بعضهم جاء اليها متأخ اًر وبعضهم من ينادي بالمشرقية‬ ‫والمشرقية ليست إال مرادفاً للقومية تعقد المؤتمرات‬ ‫بإسمها ُيدعى المفكرون والمثقفون ورجال الدين الى‬ ‫ندوات‬ ‫تخص بالد الشام وعروبة الشرق‪ ،‬وهي جميعاً‬ ‫ّ‬ ‫ليست إال مقاربة لفكر انطون سعاده‪ ،‬أما الحزب فهو في‬ ‫مكان آخر‪ ،‬فالمطلوب منه ليس أن يكون صدى وترداداً‬ ‫للموقف السوري‪ .‬المطلوب أن يكون لديه رؤية والناس‬ ‫من حوله يؤمنون بعقيدته أنها الحل وخشبة الخالص‪.‬‬ ‫المطلوب ان يرتفع الى مستوى المرحلة وهذا يعوزه الكثير‬ ‫الكثير‪ ..‬سنكتب عنه في مستقبل األيام‪.‬‬


‫‪6‬‬ ‫عودة اإليديولوجيا‬

‫حبث‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫مل متت‪ ،‬ولكنها كاجلاذبية املسيطرة على فيزياء األفكار‬ ‫  •محمود حيدر‬

‫لم تمت اإليديولوجيا حتى تُولد ِمن جديد‪ .‬تلك أبرز‬ ‫البديهيات التي يمكن أن تواجه الداللة التي ينطوي‬ ‫عليها عنوان هذه المقالة‪ .‬لكننا آثرنا هذا العنوان بعد ما‬ ‫وقت صار فيه الكالم على هذا المفهوم أدنى إلى‬ ‫مر ٌ‬ ‫ّ‬ ‫منقصة فكرية‪ .‬فحين غزت موجة النهايات فضاء الفكر‬ ‫العالمي قبل نحو عقدين من الزمن كانت اإليديولوجيا‬ ‫أول الضحايا‪ .‬سوى أن الجدل بشأنها ما فتئ حتى عاد‬ ‫إلى حيويته القصوى‪ ،‬مع دخول العالم وال سيما عالمنا‬ ‫ِّ‬ ‫متجدداً من احتدام الهويات‬ ‫العربي واإلسالمي طو اًر‬ ‫والعصبيات واألفكار‪ .‬لذا يصير كالم على عودة هذه‬ ‫الكلمة «المذمومة»‪ ،‬ولكن المكتظة بالسحر‪ ،‬كالماً في‬ ‫أمر اليوم‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫  •والذي َح َملني على طرق هذا الباب أنني تذكرت‬ ‫قوالً للفيلسوف ا��فرنسي ريمون أرون‪ ،‬يطابق في ِّ‬ ‫حده‬ ‫األقصى صورة العالم في محنته الحاضرة‪ .‬يقول أرون‪:‬‬ ‫تكاد صيغة «اإليديولوجيا هي فكرة عدوي» أن تكون َّ‬ ‫أقل‬ ‫تعريفات اإليديولوجية سوءاً‪...‬‬ ‫َّ‬ ‫  •لقد اخترت وأنا َّ‬ ‫أتهيأ لمقاربة األيديولوجيا‪ ،‬أال أبدأ من‬ ‫سؤال غالباً ما يرفع منسوب الضجر قبل كل قراءة‪..‬‬ ‫والسؤال هو‪ :‬ما معنى األيديولوجيا؟‬ ‫  •حين يتناهى الى السامع سؤا ٌل من هذا النوع يأخذه‬ ‫تفكيره على الفور إلى مساحة من األجوبة‪ ،‬تكتظ بما‬ ‫ال حصر له من التعريفات واألوصاف‪ .‬ثم ال يفتأ هذا‬ ‫السامع حتى َّ‬ ‫يتنبه الى أن ما سمعه هو أدنى إلى سؤال‬ ‫ٍ‬ ‫بديهي َّ‬ ‫وساعتئذ‬ ‫يتغيا جواباً صار بديهياً أيضاً مع الوقت‪.‬‬ ‫التعرف عما هو معروف‪.‬‬ ‫لن يجد نفسه في حاجة إلى ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ك‪ ،‬إو�ن‬ ‫معاش‪ ،‬وك ُل‬ ‫معروف‬ ‫فما هو‬ ‫معاش معقو ٌل ومدر ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ب ُّ‬ ‫تعقله إو�دراكه بين حال وحال‪.‬‬ ‫تباينت ُرتَ ُ‬ ‫  •كيف لنا أن نغادر إشكاليات المفهوم الذي ارتبط‬ ‫باإلنسان ارتباط اإلسم بالشخص‪ ،‬أو تعلُّق الماهيات‬ ‫بوجوداتها‪.‬‬ ‫  •لو َّ‬ ‫أن لنا أن نأتي بتمرين لفظي يد ّل على مفعول‬ ‫الكلمات في الناس وفي األشياء‪ ،‬ألَتَينا باأليديولوجيا‬ ‫ان لنا بها مثل َّ‬ ‫عز نظيره في عالم المفاهيم‪ .‬لكن‬ ‫ولَ َك َ‬ ‫لسنا على اليقين من أننا بإزاء األيديولوجيا أمام مفهوم‬ ‫اعتيادي‪ .‬فلئن كان كل مفهوم على ما نعلم هو وعي‬ ‫بالقوة ال يغادر حصنه الذهبي إالَّ بإرادة تحيله إلى مهمة‬ ‫في الواقع‪ ،‬فاأليديولوجيا هي الوعي واإلرادة في آن‪.‬‬ ‫وهي الفكرة ومجال استعمالها وتجسُّدها معاً‪ .‬ال يفترقان‬ ‫وال يتباينان‪ ،‬وال يتقدم أحدهما على اآلخر وال يتأخر‪.‬‬ ‫فالمفهوم من منطقة األيديولوجيا هو المهمة وأفكارها‪.‬‬ ‫هو الممارسة وخطابها‪ .‬تنشأ الكلمات من حقل األفعال‬ ‫ثم لينمو هذا الحقل ويزدهر بفعل تلك الكلمات‪ .‬المسألة‬ ‫هي إذن‪ ،‬مسألة الفاعل الذي هو اإلنسان‪ ،‬فإنه هو‬ ‫الذي يحفر في الحقل بواسطة الكلمات‪ ،‬ثم ليعود الى‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫ويعدل من‬ ‫فيسدده ويوعِّيه ويرشده‪ ،‬أو ليضيف‬ ‫الحقل‬ ‫لغة الفاعل‪ .‬وذلك في رحلة ال تنتهي إالَّ بانتهاء أفاعيل‬ ‫كل قضية من القضايا‪.‬‬ ‫  • إو�ذا كانت خصيصة المفهوم‪ ،‬كما في الشائع‪ ،‬تكمن‬ ‫في ما يستدعي َّ‬ ‫ظنية الداللة عليه‪ ،‬األمر الذي يوجب‬ ‫ُّ‬ ‫االختالف والتباين وتكثر الرؤى في شأنه‪ .‬فاأليديولوجيا‬ ‫ال تُرى إالَّ في كونها استظها اًر سارياً على ثنائية الظن‬ ‫واليقين‪ .‬ذلك بأن اإليديولوجيا فكرة وحدث في آن‪ .‬فإذا‬ ‫كانت الفكرة مبعثاً للظن‪ ،‬فالحدث بما هو وجود عياني‬ ‫ومتشخص هو مبعث لليقين‪ .‬فكيف إذا كان الحدث‬

‫والفكرة متحدين في مجال واحد‪ .‬واأليديولوجيا إذاً‪ ،‬فكرة‬ ‫حادثة‪ ،‬وبصفة كونها كذلك‪ ،‬فإنها تثير األفكار كلما‬ ‫طال أمد اشتغال الفاعلين في حقولها‪.‬‬ ‫  •هل يعني هذا ُّ‬ ‫تعذر التوصيف أو بلوغ معنى محدد‬ ‫للمفهوم؟‬ ‫  •نقول‪ :‬إن كل صفة تكتسبها اإليديولوجيا تتأتى من‬ ‫فعلها‪ .‬وال تتحصَّل الكلمات المؤسِّسة ألي خطاب إالَّ‬ ‫بفعل التبادل بين َّ‬ ‫النسق والفعل‪ .‬بين البنية والحدث‪.‬‬ ‫بين خصوصيات الحيِّز االجتماعي والفاعلين فيه‪ .‬إن‬ ‫الكلمات على ‪ -‬ما يبين جماعة الهيرمينوطيقا المعاصرة‬ ‫ ُّ‬‫تعد جزءاً من البنية بوصفها قيمة اختالفية‪ ،‬وهي‬

‫اختبارية‪ ،‬لممارسة معينة‪ ،‬أو لرأي يتحرك في الواقع‬ ‫تقدمه لنا هذه الممارسة‪ .‬فكل منظور يتم التعبير عنه‬ ‫من زاوية الناظر هو فع ٌل أيديولوجي بشكل ما‪ .‬ويذهب‬ ‫جيرار ماندل ((‪ Gerard Mendel‬في تفسيره لرأي‬ ‫مانهايم‪ ،‬الى أن الشخص األيديولوجي متعدد‪ .‬ذلك أن‬ ‫كل إنسان هو في الوقت عينه استيهام إو�دراك‪ .‬إنه حالة‬ ‫مركبة من ثنائيات متعاكسة متباينة في آن‪ ،‬العقالنية‬ ‫وعقالنية‪ ،‬الوعي ووعي‪ .‬حياة على أرضية من الموت‪.‬‬ ‫ذاتية جذرية وضرورة موضوعية‪ ،‬حب للذات وارتماء في‬ ‫ُّ‬ ‫وتشكل‪،‬‬ ‫أحضان الموضوع‪ ،‬فطرية واكتساب‪ ،‬مصير‬ ‫وكذلك استالب وحرية‪.‬‬

‫بهذا المعنى ليست سوى افتراض داللي‪ ،‬كما تُ ُّ‬ ‫عد جزءاً‬ ‫من الفعل ومن الحدث‪ .‬وبهذا فإن آنيتها الداللية تكون‬ ‫معاصرة آلنية العبارة المقدرة للتالشي‪.‬‬ ‫  • َّ‬ ‫تتميز األيديولوجيا في كونها متعددة الصفات كفاعلها‪،‬‬ ‫أي اإلنسان المتحيِّز‪ .‬كأن ُيقال مثالً هذا قول ايديولوجي‬ ‫وذاك قول إيديولوجي‪ ،‬لكن لكل من القولين موقع مختلف‬ ‫ومراد مخلتف‪ .‬ولقد كان من أبرز إنجازات كارل مانهايم‬ ‫أنه أدرك هذه المشكلة فراح يوسع مفهوم اإليديولوجيا إلى‬ ‫النقطة التي أصبح معها يضم الشخص نفسه الذي ينادي‬ ‫بهذا المفهوم ويحمله الى نطاق االحتدام نفسه‪ .‬بمعنى‬ ‫أن المفهوم صار هو الشخص الذي يمارس عملية الفهم‪.‬‬ ‫أي ذاك الذي يختبر فكره وشعوره وشغفه باألمر‪ ،‬إلى‬ ‫الحد الذي يمتلئ بكلماته ويقول‪ :‬أنا هو اإليديولوجي‬ ‫أنا هي األيديولوجيا‪ .‬سوف يدحض مانهايم بقوة وجهة‬ ‫متفرج مطلق‪ ،‬شخص غير متورط‬ ‫النظر القائلة بوجود ِّ‬ ‫في اللعبة االجتماعية‪ ،‬ويعتبرها ضرباً من المستحيل‪ .‬فأن‬ ‫ِ‬ ‫نصف شيئاً بأنه أيديولوجي‪ ،‬ليس أبداً أننا نصدر حكماً‬ ‫نظرياً مجرداً‪ ،‬بل إن وصفاً كهذا ينطوي على معاينة‬

‫  •واأليديولوجيا هي كذلك‪ ،‬متعددة كأحوال فاعليها‪.‬‬ ‫لذلك يمكن القول إن فلسفتها تقوم على حضور يجمع‬ ‫بين البساطة والتركيب‪ .‬وبين التناقض والتكامل‪ .‬وهي‬ ‫ِّ‬ ‫ومتحيزة في اآلن نفسه‪.‬‬ ‫متفرجة لكنها متعيِّنة‬ ‫متعالية ِّ‬ ‫المتفرج‬ ‫مع هذا‪ ،‬ال يمكن الحكم عليها في منطقة‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫المتعين السياسي‬ ‫المتعالي من دون أن تُرى صورتها في‬ ‫واالجتماعي‪ .‬ثمة إذاً‪ ،‬وصل ال ينفك بين المتعالي الذي‬ ‫هو المفهوم‪ ،‬والمتحيِّز الذي هو محل االختبار للحركة‬ ‫والتجربة‪ .‬ربما هذا هو الشيء الذي حمل كثيرين من‬ ‫المفسرين إلى نفي الشائعة القائلة بوجود مفهوم بسيط‬ ‫ِّ‬ ‫َّ‬ ‫مكونات‬ ‫باإلطالق‪ .‬ومدعى هؤالء‪ ،‬أن كل مفهوم يملك ِّ‬ ‫معينة ويكون محدداً بها‪.‬‬ ‫  •اإليديولوجيا ظاهرة فلسفية‬ ‫  •تمكث اإليديولوجيا كمفهوم على مقربة من هذه‬ ‫المقاربة الفلسفية‪ .‬ذلك انها من أكثر المفاهيم التي‬ ‫تنتجها الفلسفة‪ ،‬جمعاً بين البساطة والتركيب‪ .‬فمن‬ ‫ناحية كونها مفهوماً بسيطاً ليس لأليديولوجيا مصداق‬ ‫مادي موضوعي بعينه‪ .‬فالمفهوم البسيط ينطوي على‬


‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫استعدادات كثيرة لتوليد مصاديق واقعية ال حصر لها‪.‬‬ ‫وأما من ناحية كونه تركيباً فألنه يحمل من الصفات‬ ‫والمعاني ما يجعله حاوياً لوقائع وظواهر تبدو حال‬ ‫ظهورها متباينة ومتفاوتة ومتناقضة بصورة مذهلة‪.‬‬ ‫  •لذلك ال تُعرف ماهية األيديولوجيا اال بالتثنية‪ .‬أي‬ ‫بالمقابلة بين شيئين وأكثر‪ .‬أي باتحاد الكلمات واألفعال‬ ‫إما على شكل تصور في الذهن‪ ،‬فتصبح وجوداً بالقوة‪،‬‬ ‫ال تفتأ اإلرادة أن تتدخل لتنقله بشغف حميم إلى وجود‬ ‫بالفعل‪ .‬إو�ما على نحو التمثيل لوجودات واقعية تحمل‬ ‫على ُّ‬ ‫التفكر بأمرها‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫درك إال بالتركيب‪،‬‬ ‫  •وألن األيديولوجيا بسيطة ال تُ َ‬ ‫ٍ‬ ‫صالت وعالقات‪ .‬إو�ذن‪ ،‬فهي بهذا المعنى‬ ‫فهي عالم‬ ‫َّ‬ ‫مولود من هذا العالم وال تقوم إال به‪ .‬أي عبر تفاعل‬ ‫األجزاء الحية لذلك العالم‪ .‬بما يمكن القول إن ثمة َشَبهاً‬ ‫فلسفياً بين األيديولوجيا والعالقة‪ .‬إذ تبعاً لقاعدة البساطة‬ ‫والتركيب يبدو المفهومان وكأنهما يستويان على نصاب‬ ‫واحد‪ .‬فالعالقة ال تحدث إالَّ بين َّ‬ ‫حدين وأكثر‪ .‬إو�ن لم‬ ‫توجد الحدود فال وجود لشيء اسمه العالقة‪ .‬ان العالقة‬ ‫ على ما تنظر الفلسفة ‪ -‬من أوهن مقوالت الفكر بل‬‫إنها األكثر زواالً وتبدالً‪ .‬ومع ذلك فهي موجودة مع‬ ‫كونها غير قائمة بذاتها‪ .‬بها تظهر األشياء متحدة من‬ ‫دون أن تختلط‪ ،‬ومتميزة من دون أن تتفكك‪ .‬وبها تنتظم‬ ‫األشياء‪ ،‬وتتألف فكرة الكون‪ .‬إنها تقتضي الوحدة والكثرة‬ ‫في آن‪ .‬هي واحدة‪ ،‬وكثيرة بحكم خصيصة اإللفة التي‬ ‫حظيت بها بين البساطة والتركيب‪ .‬على صعيد الفكر‬ ‫تربط (العالقة) بين مواضيع فكرية مختلفة وتجمعها في‬ ‫إدراك عقلي واحد‪ ،‬تارة بسببية‪ ،‬وأخرى بتشابه أو تضاد‪،‬‬ ‫وثالثة بقرب أو بعد‪ .‬وعلى صعيد الواقع فإنها تجمع بين‬ ‫أقسام كيان‪ ،‬أو بين كائنات كاملة محافظة عليها في‬ ‫تعددها‪ .‬إو�ذ يستحيل تقديم توصيف محدد للعالقة حيث‬ ‫ال وجود مستقالً لها‪ ،‬فهي كالماهية من وجه ما‪ ،‬ال‬ ‫موجودة وال معدومة إالَّ إذا عرض عليها الوجود لتكون‬ ‫به ويكون بها‪ .‬لذلك سيقول عنها أرسطو‪ ،‬إنها واحدة من‬ ‫ض يظهر في الكائن بمثابة‬ ‫المقوالت العشر‪ ،‬وهو َع َر ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫اتجاه‪ .‬إنها صوب آخر‪ ،‬تطلع‪ ،‬مي ٌل‪ ،‬مرجعٌ‪ ،‬ويقتضي‬ ‫دائماً لظهوره وجود كائنين متقابلين على األقل‪ .‬صاحب‬ ‫العالقة وقطبها اآلخر‪ ،‬ثم االتصال بينهما‪.‬‬ ‫  •لو قُيِّض لنا أن نرى الى األيديولوجيا بما هي كينونة‬ ‫فلسفية الخترنا لها هذا التعريف‪ :‬إنها علم بممارسة‬ ‫األفكار‪ .‬أو – بتوضيح أوسع قليالً ‪ -‬هي العلم بجدلية‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫المحدثة‬ ‫باألشياء‬ ‫المحدثة لألشياء‪،‬‬ ‫ارتباط األفكار‬ ‫لألفكار‪ .‬أما مجال عملها فيمكث على خط العالقة‬ ‫الذي يصل الفكرة بالحدث‪ .‬والحادث بالفكرة التي يعيد‬ ‫صنعها في نشأة أخرى‪ .‬أما خط العالقة ذاك‪ ،‬فيشتد إو‬ ‫يرتخي‪ ،‬ينقبض أو ينبسط‪ ،‬تبعاً لحركة جوهرية تتفاعل‬ ‫فيها اإلرادة المنتِجة للفكرة بإرادة الموضوع الذي تقصده‬ ‫تلك الفكرة ِّ‬ ‫لتغيره‪ .‬فيتحصَّل من ذلك خروج الظاهرة‬ ‫األيديولوجية إلى ميدان الحركة والصراع‪.‬‬ ‫  •المعنى واالستعمال‬ ‫  •يصعب فهم معنى األيديولوجيا بمنأى من طرائق‬ ‫االستعمال التي يأخذ بها الناس وهم في غمرة األحداث‪،‬‬ ‫أو حين يمضون بشغف الى كشف هوياتهم في الزمان‬ ‫والمكان المحددين‪.‬‬ ‫  •كان فيتغنشتين يردد قوله األثير‪ :‬ال تسأل عن المعنى‪،‬‬ ‫إسأل عن االستعمال‪ .‬وهو في ذلك يسعى إلى انتزاع‬ ‫المعنى عن طريق االستعمال‪ .‬فإن معنى األيديولوجيا‬ ‫بهذه الدالَّة يمكث في إجراءاتها الحادثة في حقول‬ ‫االختبار‪ .‬من خالل االختبار تستظهر الكلمات معناها‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ضاجة‬ ‫حيث تغدو في حقل التحول الى وقائع كينونة‬

‫حبث‬

‫بالحركة‪ .‬ففي اللحظة التي تستحيل فيها الكلمات ظاهرة‬ ‫في الواقع فإنها تخلع رداءها القديم وحروفها المنصرمة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بعدئذ أولئك الذين تلقوها سمعاً وطاعة بإلباسها‬ ‫ليقوم‬ ‫حروفاً جديدة وكلمات جديدة‪ .‬فالفكرة ما إن تتمأسس‬ ‫حتى تفقد كلماتها تلك الحيوية الالزمة للطور الجديد‬ ‫الذي حلَّت فيه‪.‬‬ ‫  •ال تهتم األيديولوجيا بالتوصيف‪ .‬فهي إن فعلت‬ ‫ووصَّفت المشهد فسترى نفسها وضدها في آن‪ .‬لذا‬ ‫فهي تؤثر اجتناب الرؤية الدائرية للزمان والمكان الذي‬ ‫تعمل فيه‪ ،‬لئال يلتبس عليها األمر وتقع في االضطراب‪.‬‬ ‫إو�ذا حصل ووقعت في مثل هذا المحظور فقد تستغرق‬ ‫في سوء الرؤية‪ ،‬فيلتبس الخطاب وال تعود العمارة‬ ‫األيديولوجية بقادرة على ضبط توترها الداخلي‪ ،‬أو صون‬ ‫حياضها المقدس من استباحة الخارج‪.‬‬ ‫  •من طبائع األيديولوجيا انحصار كلماتها داخل لغة‬ ‫«الما يجب» ال داخل لغة الـ«ما هو حاصل بالفعل»‪.‬‬ ‫انها لغة‌ التوكيد على الـ»ما ينبغي أن يكون» ال على‬ ‫الكائن بما هو كائن‪ .‬ومع ذلك فهي تسعى لتستقرئ‬ ‫الموجود بما هو موجود من أجل ان تصدر أحكامها‪.‬‬ ‫وبحكم طبيعتها الجامعة بين حكم القيمة وحكم الواقع‪،‬‬ ‫فإنها تستخدم العقالنية العلمية التجريبية كوسيلة إلصدار‬ ‫الحكم على نحو أفضل‪.‬‬ ‫  •مثل هذه الممارسة ليست ناتجة بالضرورة من َو َه ٍن‬ ‫مفترض‪ ،‬في تعقيل ثنائية الواجب والواقع‪ ،‬أو من قصور‬ ‫ذاتي في إدراك الخارطة التفصيلية لمجاالت االختبار‪.‬‬ ‫متضمن‪ ،‬غالباً في إواليات الممارسة‪ ،‬لكنه‬ ‫فالمعرفي‬ ‫ِّ‬ ‫يختفي تحت ضغط الرغبة في إيصال لغة «الما‬ ‫يجب» إلى التحقُّق الفعلي داخل عالقات القوى‪ .‬إن‬ ‫المعرفي (العقالني العلمي التجريبي) هنا ينطوي‬ ‫اء إلزامياً ضمن عمليات التخطيط المدروسة في‬ ‫انطو ً‬ ‫الممارسة األيديولوجية‪ ،‬فال يفارقها البتة‪ .‬ذلك أنه يتعلق‬ ‫بتلك الممارسة تعلقاً ذاتياً اتحادياً بوصفه جزءاً منها‪،‬‬ ‫ونسقاً فاعالً في عمليات التوظيف واالستعمال‪ .‬وفي‬ ‫سياق اشتغاله على ترسيخ منظومته الفكرية والثقافية‬ ‫إلبطال حجة الخصم‪ ،‬يقدم الفاعل اإليديولوجي العامل‬ ‫المعرفي العقالني‪ ،‬بما هو مادة للتوظيف‪ ،‬على حكم‬ ‫القيمة المجرد عن البرهان‪ .‬وذلك ضرب من «المواجهة‬ ‫بالحيلة» على طريق إفحام الخصم تمهيداً لتحقيق الغلبة‬ ‫عليه‪ .‬حتى لتبدو الصورة وكأن المعرفي هنا يسبق‬ ‫األيديولوجي‪ ،‬ولو أنه على الحقيقة‪ ،‬يذوي فيه‪ ،‬يفعل‬ ‫وينفعل في نطاق الممارسة‪ .‬بهذا الفهم فإن أسبقية‬ ‫أمر بديهي ألنه من ذات األيديولوجي‬ ‫المعرفي هو ٌ‬ ‫َّ‬ ‫ويتبوأ الرتبة األولى في مدارجه المتعددة‪ ،‬الالمتناهية‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫والمعرفي أيضاً‪ ،‬حاضر ومستدرك في الرتب والمدارج‬ ‫جميعاً‪ ،‬فهو َّ‬ ‫سيال فيها من غير انقطاع‪ .‬ففي كل آن‬ ‫يمارس األيديولوجي لعبته تكون ممارسته معقولة‪ .‬أي‬

‫‪7‬‬ ‫ممارسة محكومة بمعايير الحساب العقلي وميزان الخطأ‬ ‫والصواب‪ .‬وكل معقول معروف من جانب العاقل‪ ،‬متَّحد‬ ‫به اتحاد الوسيلة بالغاية‪ .‬ولو صدف أن َّ‬ ‫حل الفساد‬ ‫في القضية التي هي حقل االختبار‪ ،‬فذلك ال يعود إلى‬ ‫االنفصال بين المقدمة والخاتمة‪ ،‬إو�نما إلى سوء التقدير‬ ‫في الموازين‪ ،‬وفي طريقة جمع تركيب وتوليف وتوظيف‬ ‫العناصر الموصلة إلى الغاية‪.‬‬ ‫  •حين يكمل األيديولوجي والدته‪ ،‬يكون المعرفي قد‬ ‫َّ‬ ‫تحيز واتخذ له المحل المناسب في تلك الوالدة‪ .‬لقد‬ ‫تحول المعرفي (العقالني) الى قابلية خالصة للتوظيف‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فلن يعود بمقدوره أن يتحرك إالَّ‬ ‫ٍّ‬ ‫كظل لأليديولوجي‪.‬‬ ‫فالعالقة بين المتقابلين ضمن هذه الحيثية هي عالقة‬ ‫اتصال الجزء بالكل‪ ،‬والتابع بالمتّبع‪ ،‬وكذلك عالقة‬ ‫المحتاج إلى الغني‪.‬‬ ‫  •الصـدق والكـذب‬ ‫  •هل نستطيع الحكم بالصدق أو الكذب على‬ ‫األيديولوجيا؟‬ ‫ٍ‬ ‫  •يمكن ذلك بحيثية‪ ،‬ما‪ ،‬وال يمكن بحيثية ما‪ ،‬أخرى‪...‬‬ ‫  •قبل أن تمارس األيديولوجيا ظهوراتها لن يكون بوسعنا‬ ‫الحكم عليها إن كانت كاذبة أو صادقة‪ ،‬عقالنية أو‬ ‫غير عقالنية‪ ،‬ذكية أو حمقاء‪ ،‬كاشفة للحقيقة أو حاجبة‬ ‫لها‪ ،‬مزيفة للوعي أو منتجة لوعي واقعي وحقيقي‪ .‬في‬ ‫العالم األيديولوجي كل حكم صادر فإنما يصدر من ثنايا‬ ‫ُّ‬ ‫التحيز التي تضج بحيوية الفاعلين‪ .‬فهؤالء الناس هم‬ ‫الذين يخلعون على األيديولوجي‪ ،‬والظواهر األيديولوجية‬ ‫صفات الحسن والقبح‪ ،‬او الزيف والحقيقة‪ ،‬او العلم‬ ‫والجهل‪.‬‬ ‫  •وسنرى في منطقة ُّ‬ ‫التحيز السياسي تحديداً كيف ُيح َك ُم‬ ‫على األيديولوجيا بالصدق والكذب تبعاً لفشلها ونجاحها‪.‬‬ ‫فعلى قاعدة الفشل والنجاح تجري األحكام‪ ،‬بوصفها‬ ‫تقري اًر إخبارياً عن قضية غادرت كونها بنية ذهنية لتح ّل‬ ‫في مختبر التجربة‪.‬‬ ‫  •ليس بالضرورة حين يتقرر الحكم بالصدق مثالً على‬ ‫قضية منتصرة‪ ،‬أن تكون نتائجها شرعية‪ .‬أو أن يكون‬ ‫الفاعل األيديولوجي في هذه القضية‪ ،‬فاضالً أو حكيماً‪.‬‬ ‫المسألة هنا تدور مدار منطق القوة وميزان الغلبة‪ .‬لكن‬ ‫على األكيد فإن الغالب األيديولوجي استطاع أن ِّ‬ ‫يوظف‬ ‫مكونات المفهوم في إطار استراتيجية مواجهة من أجل‬ ‫ِّ‬ ‫الوصول إلى الهدف‪ .‬ففي فضاء األيديولوجيا توجد‬ ‫مراتب استعمال ال حصر لها‪ .‬فقد يستطيع القوي في‬ ‫مرتبة كونه قوياً أن يعطي لمساحات الكذب في خطابه‬ ‫األيديولوجي زخماً يجعلها أكثر قابلية للتصديق‪.‬‬ ‫  •وهكذا فإن المسألة تتعلق بالسؤال عن كيفية توظيف‬ ‫األفكار واألشياء وتيارات الحركة االجتماعية باتجاه‬ ‫المصلحة‪ .‬وبين البداية وبلوغ الغاية يظهر الجهاز‬ ‫األيديولوجي ليحدد تلك االستراتيجية‪ .‬في هذا يمكن‬ ‫القول‪ ،‬إن معنى األيديولوجيا سيتخذ سياقاً أكثر عمقاً‪،‬‬ ‫طب واألفكار‬ ‫الخ َ‬ ‫ليتشكل على المصلحة‪ .‬وما سي ُل ُ‬ ‫والكلمات سوى المخطط المعرفي الذي سيمضي الفاعل‬ ‫األيديولوجي على ُهداه نحو المصلحة‪ .‬سواء كانت هذه‬ ‫المصلحة آنية أو منظورة‪ ،‬أو أنها مصلحة عليا يتوقف‬ ‫عليها مصير مجتمع ودولة وأمة‪.‬‬ ‫  •األيديولوجيا بمعنى أكثر تحديداً‪ ،‬هي فن صناعة‬ ‫األفكار المؤدية إلى المصلحة‪.‬‬ ‫  •لذلك فكل منا ينطوي على ٍ‬ ‫فاعل أيديولوجي وهو يختبر‬ ‫الحياة‪ .‬او حين ينخرط في صراع من أجل االعتراف‪.‬‬ ‫فال مناص للناس من أيديولوجيا تعصمهم من التيه‪،‬‬ ‫كما ال مناص للناس في كل حين من أيديولوجي ٍّبر‬ ‫أو فاجر‪.‬‬ ‫  •مدير مركز دلتا للدراسات المعمقة‬


‫‪8‬‬

‫فكر‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫مجال عبد الناصر ومنهجه القيادي‪َ ..‬ج َد ُل قرن‬ ‫  •هاني الحلبي‬ ‫لماذا جمال عبد الناصر اآلن‪ ..‬ومجدداً؟‬ ‫يسوغ‬ ‫يبدو التساؤل مشروعاً عن المبرر العلمي الذي ّ‬ ‫البحث في الموضوع الناصري الذي عالجته عشرات‬ ‫أو مئات الدراسات ومنها أطاريح دكتوراه ورسائل دبلوم‬ ‫تخصصية‪ ،‬لكنها لم تعالجه حسب عالقته بمعطيات‬ ‫تكون المنهج القيادي‬ ‫زمانه ومكانه عينهما وتأثيرهما في ّ‬ ‫الناصري وتأثيره فيهما‪ ،‬وكذلك تأثيرهما في تكوين البناء‬ ‫االجتماعي المصري الحاضن العام الذي يستمد منه‬ ‫ذلك المنهج روحه وقوته المؤسسة‪ .‬على األرجح رآه‬ ‫معظم هذه الدراسات من زاوية انقطاعه عنهما وعن‬ ‫البنية االجتماعية وخصائصها‪ ،‬كمنظومة كلية مفارقة‬ ‫للزمان وللمكان وللبناء االجتماعي الناشئ فيه‪ .‬وهذا ما‬ ‫يجدر استكشافه في بحث «جمال عبد الناصر ومنهجه‬ ‫القيادي‪ ..‬جدل قرن‪.‬‬ ‫وكي يمكن تحليل المنهج القيادي الناصري واستجالء‬ ‫خصائصه تتم دراسة البناء االجتماعي وفلسفة القيادة‬ ‫وطبيعة كل منهما واألنماط التي يحفالن بها واألشكال‬ ‫التي يمكن أن يتمظه ار من خاللها في الواقع االجتماعي‬ ‫وعالقة التأثر والتأثير المتبادلة بينهما عموماً‪ ،‬وفي الواقع‬ ‫المصري خصوصاً‪.‬‬ ‫وحيث افتراض أن نموذج جمال عبد الناصر القيادي‪،‬‬ ‫تتوفر فيه شروط اختيار النموذج األمثل لدراسة‬ ‫موضوعية‪ ،‬فيكون قريباً بمقدار وبعيداً بمقدار‪ ،‬في توفّر‬ ‫مالءمة القيادة الناصرية ومنهجها مع خصائص البناء‬ ‫االجتماعي وروائز الشخصية المصرية‪.‬‬ ‫يعود اختيار موضوع منهج جمال عبد الناصر القيادي‬ ‫ألسباب عديدة منها‪ ،‬أن األحداث الجسام المعيشة تحفز‬ ‫القرائح والعقول على التساؤل والبحث في بحث الماهية‬ ‫االجتماعية المترابطة للجماعة القومية‪ ،‬وفي بحث البناء‬ ‫االجتماعي وماهيته وتنوعاته المؤسسية وعالقاته النفسية‬ ‫الروحية الرابطة أنسجته االجتماعية المتباينة‪ .‬وحيث‬ ‫يسهم البناء االجتماعي لألمة في جالء شخصيتها الذاتية‬ ‫المميزة بالنسبة لغيرها من األمم‪ ،‬معبرة عن نفسها بقواعد‬ ‫ّ‬ ‫سلوك قومي تكون لحمة طريقتها الخاصة في حياتها‬ ‫وفهمها ذاتها‪ ،‬بحيث يمكن وفقاً لرصد تلك القواعد تعيين‬ ‫فعاليات عقلها العام‪ .‬ومحاولة تعيين أسباب الويل التي‬ ‫ِ‬ ‫السبب المسبِّب‬ ‫تعظم تدريجاً في العالم العربي‪ ،‬في بحث‬ ‫للمأساة القومية في أبعد آفاقها وأعمق معانيها ودالالتها‪،‬‬ ‫خصوصاً أن جمال عبد الناصر مثّل حالة فريدة بين‬ ‫رؤساء الدول في نجاحه الشعبي الواسع والذي تخطى‬ ‫حدود دولته إلى العالم العربي واإلسالمي وما بعدهما‪.‬‬ ‫إن حالة تطبيق البنية النظرية المستخلصة في البناء‬ ‫االجتماعي وفلسفة القيادة ينبغي فحصها بعناية بالغة‬ ‫وبتوقع علمي مالئم إلمكانية تحقق معايير البحث للبناء‬ ‫االجتماعي والقيادة فيها‪ .‬وينبغي في هذه الحالة أن تكون‬ ‫في سياقها التاريخي والمنطقي مستوفية معطيات النمو‬ ‫البعد عن الباحث‪ ،‬ال تقربه‬ ‫واالكتمال‪ ،‬وعلى درجة من ُ‬ ‫بدرجة قرابة ما تخرجه عن جادة النزاهة أو توقعه في‬ ‫حرج أو تهافت غرضي‪ ،‬فتكون حالةً مؤثرة ذات وزن‬ ‫وتأثير حاسمين في سير األحداث ومجراها خالل فترة‬ ‫كافية من الزمن‪ ،‬لرصد روائزها الحقيقية في التطبيق‬ ‫تتضمنه الخطب والتصريحات‬ ‫الفعلي‪ ،‬وليس فقط في ما‬ ‫ّ‬ ‫المدبجة بأدب سياسي وبعناية بالغة‪.‬‬ ‫استجمع نموذج عبد الناصر إلى الفرادة خصائص أخرى‬

‫تسمح باختياره موضوعاً لدراسة أكاديمية‪ ،‬فاستمرار‬ ‫حضوره بعد عقود من رحيله المفاجئ ‪ 28‬؟؟؟؟ أيلول‬ ‫‪ 1970‬كقائد شعبي وأمل قومي يستعاد في الملمات‪،‬‬ ‫وتلوذ إليه أوساط شعبية واسعة الستمداد عزيمة وروحية‬ ‫قوية في مواجهة التحديات المصيرية‪ .‬وهو حالة أصبحت‬ ‫بعيدة زماناً أي تسمح‪ ،‬بنتيجة المذكرات التي أصدرها‬ ‫البارزون من الضباط األحرار ومعاصروهم والدراسات‬ ‫النقدية المختلفة االتج��هات وما يمكن أن تكون نشرته‬ ‫دول أو جهات دولية ذات عالقة‪ .‬وهو حالة بعيدة مكاناً‬ ‫ما يم ّكن البحث من االتصاف بالدقة من دون جواذب‬ ‫كثيرة أو مغريات مصلحية معينة أو خشية لوم أو قمع‬ ‫سلطة يصبو إليها المتقربون من ذويها بالتجلّة واالحترام‬ ‫بحيث يوظفها القائد الممسك بالسلطة للتأثير على‬ ‫موضوعية البحث‪ ،‬بحكم التطرق إلى قضايا ومسائل‬ ‫هي موضع سجال إلى اليوم‪.‬‬

‫يصح وصفه بالنزاهة‬ ‫«بعد اإلطالع يمكن تكوين رأي»‬ ‫ّ‬ ‫والتوازن العلمي‪ ،‬بعيداً عن ثنائية الحق والباطل الصارمة‬ ‫وثنائية التأييد والمواالة أو المعاندة الضدية والحكم‬ ‫المسبق أو اإليديولوجي‪ ،‬ما يمكن اعتبار نموذج جمال‬ ‫عبد الناصر حالة بحثية مكتملة أكثر من أية حالة رسمية‬ ‫في العالم العربي بدءاً من مشاركته العامة والسياسية‬ ‫في مظاهرات الثالثينيات‪ ،‬ودخوله إلى الكلية الحربية‬ ‫وتأسيسه تنظيم الضباط‪ ،‬فالثورة ومن ثم مشاركته اللواء‬ ‫محمد نجيب الحكم والقرار بالفعل‪ ،‬ثم عزله نجيباً وتحديد‬ ‫إقامته وتوليه الحكم مطلقاً حتى رحيله وهو في قمة‬ ‫الذروة من االكتساح النفسي واإلعالمي للجماهير وقدرة‬ ‫اإلمساك بأسباب القوة وخيوط النفوذ من دون أي منازع‪،‬‬ ‫مصرياً على األقل‪ .‬لذا فهي حالة منتقاة وليست حالة‬ ‫عشوائية أو يمكن الوقوع عليها بالصدفة‪.‬‬ ‫يشكل موضوع «جمال عبد الناصر ومنهجه القيادي‪..‬‬ ‫جدل قرن» إشكالية مزدوجة الوجهة‪ ،‬من وجهة أولى ما‬ ‫هي العوامل التي تكسب البناء االجتماعي في سياق‬

‫كينونته هوية وانتماء؟ إو�ذ يتبين القسط األوفر من‬ ‫هذه العوامل تبرز إشكالية أخرى في مدى تأثير البناء‬ ‫االجتماعي على فاعليات أنسجته وأفراده‪ ،‬خصوصاً‬ ‫القادة منهم‪ ،‬إو�لى أي مدى يمكن رصد هذا التأثير؟‬ ‫من وجهة أخرى ال ُيرى البناء االجتماعي مؤث اًر وحيد‬ ‫االتجاه في القيادة‪ ،‬لتعاظم الدور القيادي في العصر‬ ‫يسوغ السؤال اإلشكالي هل القيادة مؤثرة‬ ‫الحديث‪ ،‬ما ّ‬ ‫في البناء االجتماعي ويمكن تعديل خصائصه تقدمياً أو‬ ‫رجعياً‪ ،‬وفق مقاصدها وخططها؟ إذا كانت القيادة مؤثرة‬ ‫فإلى أي حد يبلغ هذا التأثير؟ بتبيين العالقة المتبادلة‬ ‫التأثير بين البناء االجتماعي والقيادة أصبح ممكناً النظر‬ ‫إلى موضوع البحث في النموذج الناصري المنتقى‬ ‫للدراسة فيه‪ -،‬بوصف عبد الناصر قيادة من طراز‬ ‫خاص والمجتمع المصري بناء اجتماعياً بخصائصه‬ ‫الذاتية المحددة هويته‪ ،-‬لإلجابة على السؤال التالي ما‬ ‫هو تأثير البناء االجتماعي المصري في فلسفة القيادة‬ ‫الناصرية ومنهجها؟ وما هو دور هذا المنهج القيادي‬ ‫الناصري في سيرورة المجتمع المصري؟ إو�لى أي مدى‬ ‫كان هذا المنهج تعبي اًر عنه وعن نفسيته العامة ومصالحه‬ ‫في الحياة؟‬ ‫المحاولة في هذا البحث‪ ،‬كإجابة مقترحة‪ ،‬تسعى إلى‬ ‫اإلجابة على األسئلة اإلشكالية في فرضيتين‪ ،‬في سياق‬ ‫بحث الماهية االجتماعية هل المجتمع بنية ضرورية‬ ‫اجتماعية ذات هوية وانتماء‪ ،‬أم أنه ميدان فوضى عارمة‬ ‫تعصى على التنظيم؟ وحيث يصح بالدليل المحسوس‬ ‫احتمال التنظيم العام للمجتمع القومي المحدد الهوية‪،‬‬ ‫فلماذا تسود الفوضى بعض المجتمعات وقد تتردى بها‬ ‫إلى التهلكة؟ لكن التنظيم غالب على الفوضى‪ ،‬فهل‬ ‫محدث بفعل المنظم‬ ‫ُيحدث التنظيم نفسه؟ التنظيم‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫المنظم ومن المنطقي نفي فرضية أنه‬ ‫وبالتالي هو نتيجة‬ ‫ُيحدث نفسه؟ إذاً َمن يحدث التنظيم؟ يقيم البحث البرهان‬ ‫على أن التنظيم أحد مهام القيادة أية قيادة‪ ،‬خصوصاً‬ ‫ذات البنية اإلدارية‪ .‬الفرضية الثانية أين تكمن مسببات‬ ‫الهزيمة واالنحطاط؟ أهي في القيادة وفلسفتها؟ أم في‬ ‫البناء االجتماعي ذاته؟ أم في عدم انسجام هذه القيادة‬ ‫بالذات لبنائها االجتماعي عينه؟ وهذا يلزم عنه بحث‬ ‫فلسفة القيادة وعلمها وانبثاقها وأنماطها ومسوغاتها من‬ ‫حيث كونها ماهية وذاتاً‪ ،‬ومن ثم من حيث هي أداء فكر‬ ‫وسلوك مؤسسة متفاعلة في منظومة المدى االجتماعي‬ ‫والمؤسسي‪ .‬ومن ثم من حيث هي ظاهرة تاريخية قابلة‬ ‫الدرس والفحص‪ ،‬دالة على عقل الوجود والتاريخ ونبض‬ ‫روحيهما في الحياة البشرية خصوصاً‪.‬‬ ‫في المنهج‪:‬‬ ‫ال شك في أن دراسة نهج عبد الناصر كحالة سابقة‬ ‫زمنياً‪ ،‬ال يصح من دون استعادة وقائعها ومفاصلها‬ ‫َّ‬ ‫المميزة‪ ،‬وهذا ما ييسره المنهج التاريخي‪ ،‬إذ يسمح بإجراء‬ ‫تقويم لهذه الوقائع بعد نضجها الزمني وتعدد وجهات‬ ‫النظر الباحثة فيها من زوايا ومنطلقات متناظرة‪ ،‬ما‬ ‫يسمح بنقدها موضوعياً‪ ،‬بدقة أعمق مما لو كان البحث‬ ‫متزامناً وحصولها‪ ،‬إنما للمنهج التاريخي عيوبه المعروفة‬ ‫كنسبية صحة االسترداد وكنسبية الوثائق الى مجريات‬ ‫الوقائع وموضوعيتها وذاتية كاتبي الوثائق وأغراضهم‬ ‫التي قد تزيف الوقائع عما كانت عليه‪ .‬فال مناص من‬ ‫تقويم عيوبه واستكماله بمناهج أخرى‪ ،‬أبرزها منهج‬


‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫تحليل النصوص‪ ،‬عندما تعرض للبحث وثيقة‪ ،‬أو نص‬ ‫تصريح أو خطاب أو ميثاق وحدة واتفاق وما شابه‪،‬‬ ‫وعطف هذا التحليل‪ ،‬منهج المقارنة بين النص وشعاراته‬ ‫وأمانيه الالهبة وبين متحققات النهج الذي يقول به النص‬ ‫إو�نجازاته الفعلية في الواقع‪ ،‬من دون تهويل أو انتقاص‬ ‫أو محاباة وتأييد لعبد الناصر‪ ،‬ولم تكن تلك تكفي من‬ ‫دون االلتفات إلى اإلحصاء حيث توفرت األرقام في‬ ‫الشأن السكاني واالقتصادي والعلمنفسي واالجتماعي‬ ‫عموماً‪ ،‬ما يفيده منهج السوسيومتري (‪)Sociometrie‬‬ ‫التحوط‬ ‫يدعم النظر بدقة الرقم والجدول مع‬ ‫ُّ‬ ‫الذي ّ‬ ‫لهامش الخطأ والعيب النسبي لإلحصاء‪ ،‬وربط كل هذه‬ ‫المعطيات المحصلة بمنهجية علمية موضوعية‪ ،‬مترابطة‬ ‫بالوصف والتصنيف والتفسير والشرح‪.‬‬ ‫صعوبات البحث كانت كثيرة‪ ،‬أهمها جدة الموضوع‬ ‫القيادي في الدراسة األكاديمية الفلسفية فندرت المراجع‬ ‫والمصادر ذات المستوى والمنهجية الدقيقة‪ ،‬وجلُّها من‬ ‫إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت‪ ،‬ومنها‬ ‫بعض حلقات سلسلة أطاريح الدكتوراه‪ ،‬وشكلت عزاء‬ ‫كبي اًر لما تشغله في المكتبة العربية‪ .‬لذا كان الزماً جمع‬ ‫مادة البحث من علوم إنسانية عديدة من خالل دراسة‬ ‫أبحاثها المختلفة لظاهرة القيادة وفق مناهجها التطبيقية‪،‬‬ ‫وتكييف تلك النتائج في ما يخدم البحث ويعزز التأمل فيها‬ ‫مقاربة ومقارنة‪ .‬ثم ضخامة المنشورات التي شكل عبد‬ ‫الناصر وقيادته محورها المركزي كالخطابات واألحاديث‬ ‫الصحافية واإلذاعية والبيانات والمذكرات الشخصية‬ ‫مرد الضخامة إلى حجم‬ ‫والسياسية والصحافة و‪ ،..‬ولعل ّ‬ ‫تأثير عبد الناصر في حقبة شديدة الحساسية واألهمية‬ ‫للمشروع الناصري العربي وكذلك للمشروع الصهيوني‬ ‫وحلفائه‪ ،‬فاحتاج كل مشروع إلى إعالم ودعاية سياسية‬ ‫واقتصادية وحربية كاسحة ليمكن أن يحقق فو اًز بالضربة‬ ‫القاضية أم بالنقاط‪ .‬ناهيكم عن ضخامة البروباغندا‬ ‫تشنها اإلذاعات العربية‬ ‫اإلعالنية الدعائية التي كانت ّ‬ ‫والعالمية‪ ،‬كإذاعة لندن وكصوت أميركا إو�ذاعة صوت‬ ‫العرب‪ ،‬فتلقي على الوقائع نقاباً سميكاً يحجب حقيقتها‬ ‫ومشوه للخصوم‪،‬‬ ‫ويغلفها بغالف سياسي براق للموالين‬ ‫ِّ‬ ‫ما يجعل لهذه الدعاية الكاسحة فعالية كسيف ذي‬ ‫حدين يضع البحث المكتوب أو المنقول في حينه‬ ‫ّ‬

‫فكر‬

‫وزمنه في موضوعية ودقة نسبيتين ويزداد احتمال عيبه‬ ‫باإليديولوجيا الالعلمية‪.‬‬ ‫وينبغي التحوط الى عيوب أخرى فصَّلت في المنهج‬ ‫الناصري تظهر في طغيان الشفاهية والخطابية وقلة‬ ‫الكتابية التي لم يمارسها عبد الناصر بنفسه‪ ،‬ويرجح‬ ‫أنها من جراء استغراق القيادة وتركزها في شخصه‪.‬‬ ‫ومحذور آخر ينبغي أخذه بعين االعتبار‪ ،‬وهو رسوخ‬ ‫عبد الناصر كأبرز األبطال القوميين في العالم العربي‬ ‫بسر‬ ‫شعبياً‪ ،‬من دون تفقّه الجماهير وال حتى ُنخبها ّ‬ ‫هذه البطولة وبروزها‪ ،‬ما يعارض بالفعل مستقبل أية‬ ‫دراسة جدية وحقيقية تعارض الدوغما (‪)Dogme‬‬ ‫المروجة بإتقان شديد لعقود خلت‪ ،‬إن تعارضت‬ ‫السائدة و َّ‬ ‫معمقاً يهدف إلى تقويم تجربة‬ ‫مع نقد فلسفي مهما كان ّ‬ ‫عبد الناصر موضوعياً‪ ،‬بهدف إضاءة مسار األمة التي‬ ‫تبقى بعد زوال أفرادها مهما عظموا‪ ،‬حيث إن األمة‬ ‫هي الحامل (‪ )Le support‬للتجربة الناصرية في‬ ‫الواقع وفي الحكم وعبر التاريخ‪ .‬تعارض النقد البحثي‬ ‫مع الدوغما المروجة بما لها من امتداد وتصويت وقدرة‬ ‫على الترويج والنشر في أوساط دينية ومذهبية واسعة‬ ‫االنتشار يؤسس لغرابة النقد العقلي الفلسفي واستهجانه‬ ‫في السياسة واالعتقاد المباين للعرف السائد والتقليد!‬ ‫وتصبح هذه المعارضة اكثر خطورة وجسامة متى كانت‬ ‫تتعلق بمصر كنموذج للزعامة العربية بحجمها السكاني‬ ‫وموقعها‪ ،‬في تأثر وتأثير متبادلين بين الموضع والموقع‬ ‫ومعادلة الزمان والمكان في النهج القيادي‪ ،‬وفي تنازع‬ ‫مستمر مع أقطاب إقليميين آخرين (السعودية‪ ،‬العراق‪-‬‬ ‫وسوريا) وعلى زعامة عربية منشودة‪.‬‬ ‫في بنية البحث‪:‬‬ ‫يحتاج البناء االجتماعي ضرورة لقيادة تنبثق عن‬ ‫مؤسساته وبناه المادية النفسية االجتماعية‪ ،‬ما يعني‬ ‫أن البناء االجتماعي تلزمه قيادة لهذه البنى‪ .‬والحتياج‬ ‫القيادة لبناء اجتماعي هو الوجود االجتماعي المعاين‬ ‫المحسوس بالمجتمع الحي‪ ،‬تكون تعبي اًر الزماً عنه منبثقة‬ ‫منه ومتسقة في أنسجته الجمعية المتنوعة ومصوغة‬ ‫منها‪ .‬هكذا تربط عالقة متبادلة بين البناء االجتماعي‬ ‫والقيادة‪ ،‬كقطبين متالزمي الوجود والتأثير‪.‬‬ ‫تندرج اإلجابة المقترحة على اإلشكالية لهذا البحث في‬

‫‪9‬‬ ‫سياق من مقدمة وبابين وخاتمة‪:‬‬ ‫‪ .‬مقدمة‪ :‬تعرض لقيمة موضوع بحث المنهج القيادي‬ ‫عند الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في هذا الواقع‬ ‫العام‪ ،‬ومسوغات محاولة قراءة في ضوء درس البناء‬ ‫االجتماعي المصرية والتجربة الحضارية المصرية‬ ‫التاريخية العريقة وحصيلة الخصائص العامة لها‪ ،‬وأبرز‬ ‫الصعوبات التي اعترضت البحث وأمكن عالجها‪،‬‬ ‫وعرض بنية البحث‪.‬‬ ‫‪ .‬الباب األول‪ :‬بعنوان «البناء االجتماعي المصري»‬ ‫ويتألف من أربعة فصول‪ :‬الفصل األول «لمحة تاريخية‬ ‫في البناء االجتماعي المصري وخصائصه» العامة‪،‬‬ ‫الفصل الثاني «اإلقليم المصري وتأثيره»‪ ،‬الفصل الثالث‬ ‫«في البناء االجتماعي النفسي المصري وخصائصه»‪،‬‬ ‫الفصل الرابع‪« :‬في خصائص الحضارة الفرعونية‬ ‫المصرية» بوصفه حصيلة عامة للتفاعل الطبيعي‬ ‫واألولي بين اإلقليم المصري والجما��ة البشرية المصرية‬ ‫عبر التاريخ المنتج الخصائص النفسية االجتماعية لهذه‬ ‫الحضارة‪.‬‬ ‫‪ .‬الباب الثاني‪ :‬بعنوان «في منهج القيادة الناصرية»‬ ‫ويتألف من فصلين‪ :‬الفصل األول بعنوان «جمال عبد‬ ‫الناصر مشروع قائد» تُستعرض فيه البيئة األسرية‬ ‫واالجتماعية والسياسية واالقتصادية التي يرجح تأثيرها‬ ‫في المنهج القيادي الناصري‪ ،‬وتحضير واسطة الثورة‬ ‫التنفيذية بإنشاء «تنظيم الضباط األحرار» إو�دارة الصراع‬ ‫الخفي مع الملك ومن ثم العلني بعد تحول التنظيم قوة‬ ‫جامعة في الجيش‪ ،‬عبر انتخابات نادي الضباط‪ ،‬ومن ثم‬ ‫إطالق الثورة فجر نهار األربعاء ‪ .1952/7/23‬الفصل‬ ‫الثاني وعنوانه «جمال عبد الناصر قائداً» يستعرض‬ ‫فيه مفهوم القيادة الناصرية ومعاييرها المحللة والمسندة‬ ‫بأقوال عبد الناصر‪ ،‬ودينامية القيادة ومستوياتها التنفيذية‬ ‫الثالثة‪ :‬المركزية المصرية في قيادة فردية جماهيرية‬ ‫في آن‪ ،‬المدى العربي في محاوالته الدؤوب لبناء دولة‬ ‫عربية متحدة عن طريق مشاريع االتفاقات الوحدوية‬ ‫الثنائية والثالثية المتعددة‪ ،‬والمدى الدولي في تأسيس‬ ‫مبدأ الحياد اإليجابي الذي شكل نواة أولية لمنظمة عدم‬ ‫االنحياز‪ ،‬لالانحياز إلى أحد المعسكرين الدوليين آنذاك‬ ‫المعسكر الرأسمالي بزعامة الواليات المتحدة والشيوعي‬ ‫الشرقي بزعامة االتحاد السوفياتي السابق‪ ،‬إو�ظهار قيمة‬ ‫الديبلوماسية الناصرية في السياسة الخارجية لتجنب‬ ‫استخدام القوة العسكرية في المنازعات الدولية‪.‬‬ ‫‪ .‬خاتمة‪ :‬يتم التركيز فيها على الخالصات والتوصيات‬ ‫التي تحصلت من البحث‪ ،‬فتستخلص فيها النتائج‬ ‫التي توصلت إليها الدراسة‪ ،‬واقتراحات يمكن أن تسهم‬ ‫في استكمال دراسة التراث الناصري‪ ،‬خدمة للمعرفة‬ ‫ولتصحيح المسار العربي نحو نهضة ضرورية‪ ،‬وللتدليل‬ ‫على مفهوم «القيادة التعبيرية» كمفهوم مستنتج من الفة‬ ‫االنسجام بين القيادة الناصرية وخصائص مجتمعها‬ ‫بوصفها تعبي اًر عنه‪.‬‬ ‫يهدف هذا البحث إلى اإلضاءة على المنهج القيادي‬ ‫الناصري بموضوعية ونزاهة‪،‬ال يطعنهما الحافز الوطني‬ ‫وال غاية قطف العبرة من سجل التاريخ الزاخر لتقويم‬ ‫التجارب الكبرى وفهمها فهماً أفضل ومن خاللها‬ ‫االلتفات لتقويم األداء المعاصر للقيادات الراهنة في‬ ‫تالفيها أخطاء القيادات السابقة وما آلت إليه‪ .‬هذه‬ ‫األخطاء التي تعظم نتائجها في التاريخ المعاصر بسبب‬ ‫االستهداف األجنبي الجديد‪ ،‬األشد خطورة من سابقيه‪.‬‬ ‫(كتاب قيد الطبع عن دار أبعاد بيروت طبعة أولى‬ ‫‪.)2014‬‬


‫‪10‬‬

‫دين‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫ظهور املسيحية الشرقية كظاهرة نضالية ضد االستعمار واالستغالل الروماني واليهود‬

‫ •جورج حداد‬

‫ال بد أن نسجل (وبمعزل عن الجوانب الدينية ـ‬ ‫االيديولوجية‪ ،‬الالهوتية والغيبية‪ ،‬وبالنظر فقط من‬ ‫زاوية الجوانب االجتماعية ـ السياسية ـ التاريخية) أن‬ ‫الديانة المسيحية إنما ظهرت على وجه التحديد في‬ ‫سياق الصراع ضد روما االستعمارية‪ .‬وفيما بعد جاء‬ ‫ايضاً ظهور االسالم في سياق الصراع ضد االستعمار‬ ‫الروماني‪.‬‬ ‫ومع االحترام الكلي للتفسيرات الدينية لظهور المسيحية‬ ‫واالسالم (حول الوجود اإللهي‪ ،‬والخليقة‪ ،‬وطبيعة‬ ‫المسيح‪ ،‬وطبيعة الرسالة المحمدية‪ ،‬وجميع المفاهيم‬ ‫الدينية الغيبية ـ الماورائية) فإن األهمية العظمى‪ ،‬من زاوية‬ ‫النظر االجتماعية ـ القومية ـ التاريخية‪ ،‬لظهور المسيحية‬ ‫واالسالم‪ ،‬هو ظهورهما كتجسيد لنضال شعوب الشرق‬ ‫ضد العبودية االجنبية وخاصة االستعمار الروماني‪،‬‬ ‫وضد االستغاللية ـ االنحطاطية ـ العنصرية ـ الخيانية‬ ‫للطغمة اليهودية العليا‪ .‬وهذا ما يفسر االنتشار الواسع‬ ‫والسريع للديانتين المسيحية واالسالمية في صفوف‬ ‫الشعوب التي كانت تناضل ضد االستعمار الروماني‬ ‫وطغيانه ووحشيته وضد انتهازية الطغمة اليهودية العليا‬ ‫واستغاللها وغدرها وخيانتها‪ ،‬التي تعاونت عضوياً مع‬ ‫االستعمار الروماني حتى ضد قواعدها الجماهيرية‬ ‫اليهودية ذاتها‪ .‬ويمكن ان نطرح مع جميع القراء السؤال‬ ‫المنطقي التالي‪:‬‬ ‫ـ لقد ولد السيد المسيح وعاش واستشهد في فلسطين‪.‬‬ ‫وحسب الرواية الدينية المسيحية‪ ،‬هناك االلوف وعشرات‬ ‫اآلالف الذين رأوه وسمعوه وعايشوه‪ .‬ويمكن التصديق‬ ‫هنا ان عشرات آالف الفلسطينيين هؤالء قد آمنوا بالسيد‬ ‫المسيح والمعتقدات المسيحية تحت تأثير مشاهداتهم‬ ‫واستماعهم للسيد المسيح ذاته ومن ثم تحت تأثير الدعوة‬ ‫الدينية المسيحية المباشرة‪.‬‬ ‫ولكن ماذا علينا أن نقول عن الماليين وعشرات‬ ‫الماليين من الذين تبنوا المسيحية في مصر وشمال‬ ‫افريقيا والمناطق اللبنانية والسورية واليمن ونجد والحجاز‬ ‫والخليج والعراق وآسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان كافة‪،‬‬ ‫من دون أن يشاهدوا السيد المسيح ويستمعوا اليه؟‬ ‫هل يمكن تفسير هذا االنتشار الواسع للمسيحية بتأثير‬ ‫الدعوة الدينية الغيبية والماورائية؟‬ ‫أي هل يمكن القول إن هذه الشعوب آمنت بالمسيحية‬ ‫من خالل االقتناع بألوهية المسيح الخ؟ وانها وقفت ضد‬ ‫روما واليهود كنتيجة لاليمان بألوهية المسيح؟‬ ‫إن تاريخ نشوء المسيحية وانتشارها ينفيان هذا الطرح‪.‬‬ ‫اذ يفيدنا هذا التاريخ بوجود االختالفات والخالفات‬ ‫الالهوتية في صفوف الكنيسة المسيحية ذاتها‪ .‬ولكن‬ ‫هذه االختالفات كانت وقفاً على «النخبة الكنسية»‪ .‬اما‬ ‫جماهير المؤمنين فكانت بطبيعة الحال «كتلة سلبية»‬ ‫او «كتالً سلبية» في كل ما يعني الخالفات الالهوتية‬ ‫والتفسيرات الغيبية ـ الماورائية‪ .‬وكانت تلك «الكتل‬ ‫السلبية» تـُحسب اوتوماتيكياً على هذا الالهوتي والزعيم‬ ‫الديني او ذاك‪ .‬ولكن كل الكتل الجماهيرية المسيحية‪،‬‬ ‫وأياً كانت التفسيرات الغيبية ـ الماورائية للقادة الدينيين‪،‬‬ ‫كانت تقف في المعسكر المعادي لالستعمار الروماني‬ ‫وللخيانة والغدر اليهوديين‪.‬‬ ‫ونستطيع أن نخلص الى االستنتاج التالي‪:‬‬ ‫إن هذه الشعوب الشرقية كانت ضحية لالستعمار‬ ‫الروماني واالستغالل والغدر والخيانة اليهودية‪ .‬وكانت‬ ‫في حالة صراع ونضال ضد االستعمار الروماني وضد‬

‫االستغاللية واالنحطاطية والغدرية والخيانية اليهودية‪.‬‬ ‫ومن خالل هذا الصراع كانت هذه الجماهير الواسعة‬ ‫بحاجة الى اطار تنظيمي نضالي يقوم على اساس ٍ‬ ‫معاد‬ ‫لروما وللطغمة اليهودية‪ .‬وجاءت المسيحية لتلبي هذه‬ ‫الحاجة التاريخية لشعوب المنطقة‪ .‬أي أن النضال ضد‬ ‫روما واليهود جاء بشعوب المنطقة الى المسيحية‪ ،‬وليس‬ ‫العكس‪ .‬فهذه الشعوب أتت الى المسيحية ليس بتأثير‬ ‫ظهور المسيح واإليمان بألوهيته‪ ،‬بل إن قسماً كبي اًر من‬ ‫الجماهير اتت الى المسيحية قبل ظهور السيد المسيح‪.‬‬ ‫كما ان االغلبية الساحقة من الجماهير التي أتت الى‬ ‫المسيحية بعد ظهور السيد المسيح‪ ،‬لم تأت الى الدين‬ ‫المسيحي ألن السيد المسيح هو «اهلل» او «ابن اهلل»‬ ‫او «رسول اهلل» او اي صفة دينية الهوتية اخرى‪ ،‬بل‬ ‫وقدم‬ ‫الن السيد المسيح برز كمناضل ضد روما واليهود ّ‬ ‫حياته كإنسان في هذا السبيل‪ .‬وتبني المعتقدات الماورائية‬ ‫المسيحية يأتي بعد الدخول في التنظيم المسيحي‪.‬‬

‫أي أن التعليم الديني المسيحي الالهوتي الغيبي ـ الماورائي‬ ‫يأتي ال قبل‪ ،‬إو�نما بعد الدخول في المسيحية‪ ،‬وليس‬ ‫الدخول في المسيحية يأتي بعد التعليم المسيحي الديني‬ ‫الغيبي‪.‬‬ ‫فمن خالل موقفها المعادي لالستعمار الروماني ولليهود‪،‬‬ ‫فإن شعوب الشرق تبنت المسيحية كعقيدة وتنظيم نضالي‬ ‫جامع‪ ،‬ومن خالل االنخراط في المسيحية كتنظيم‬ ‫نضالي يقوم على رفض آليات الهيمنة الرومانية بدءاً‬ ‫برفض ايديولوجيا تأليه القياصرة الرومان‪ ،‬ومن خالل‬ ‫هذا االنتماء كان يتم تبني االيمان بالغيبيات والماورائيات‬ ‫الدينية المسيحية‪ ،‬كبديل ونقيض للمعتقدات الرومانية‬ ‫ومن ثم اليهودية‪.‬‬ ‫وكان ظهور المسيحية الشرقية أول رد فعل إنساني‬ ‫مضاد لالنتصار «العسكري ـ السياسي ـ األخالقي!!!»‪،‬‬ ‫«الروماني ـ اليهودي»‪ ،‬على شعوب المنطقة‪ ،‬بعد تدمير‬ ‫قرطاجة وغزو مصر وسوريا الطبيعية وغيرهما‪.‬‬ ‫ولكن روما‪ ،‬وبالتعاون التام مع الطغمة العليا اليهودية‪،‬‬ ‫عملت على سحق المسيحية الشرقية‪ ،‬من جهة‪ ،‬ومن‬ ‫مشوه‬ ‫ثم على مصادرة المسيحية وتغليفها بغالف ديني ّ‬ ‫وتغريبها وتحويلها الى وسيلة سلطوية تطويعية بيد‬ ‫االمبراطورية الرومانية‪ ،‬من جهة ثانية‪ .‬وهكذا تم نقل‬ ‫مركز المسيحية من الشرق وتحديداً من فلسطين‪ ،‬إلى‬ ‫الغرب وتحديداً الى روما ذاتها‪.‬‬ ‫إن الثقافة السائدة‪ ،‬والمنطلقة اصالً‪ ،‬بالبعد التاريخي‪،‬‬ ‫من الثقافة االستعمارية الرومانية التي اخذت بها الدول‬ ‫واالنظمة ما بعد انهيار االمبراطورية الرومانية‪ ،‬ـ هذه‬ ‫الثقافة طرحت اطروحة خاطئة‪ ،‬تنطلق أساساً من المصالح‬ ‫االستعمارية لالمبراطورية الرومانية كما ومن المصالح‬ ‫االمبريالية والصهيونية في عصرنا‪ ،‬وتقول هذه الثقافة‬ ‫بأن المسيحية هي ظاهرة دينية ـ سماوية وحسب‪ ،‬ظهرت‬ ‫بظهور السيد المسيح‪ .‬ومع االعتراف التام بالدور الكبير‬ ‫الذي يمثله ظهور السيد المسيح الذي يمثل «نقلة نوعية»‬

‫او «طفرة نوعية» في تاريخ المسيحية‪ ،‬فإن الدراسة‬ ‫المعمقة لتاريخ الشرق خصوصاً‪ ،‬وعالقة الشرق والغرب‬ ‫ّ‬ ‫عموماً‪ ،‬تبين ان المسيحية (كحركة دعوة وتنظيم دينية‬ ‫ـ فكرية ـ سياسية ـ اجتماعية) بدأت بالظهور قبل ظهور‬ ‫السيد المسيح بعشرات وربما مئات السنين‪ .‬وهذه الحركة‬ ‫هي التي استقبلت ميالد السيد المسيح‪ ،‬وحمت العائلة‬ ‫المقدسة لدى فرارها من وجه الرومان واليهود‪ .‬وذلك ال‬ ‫ينفي بل يؤكد طبعاً أن ظهور السيد المسيح مثّل نقطة‬ ‫تحول كبرى في تاريخ المسيحية‪.‬‬ ‫وقد ظهرت الحركة المسيحية‪ ،‬قبل ظهور السيد المسيح‪،‬‬ ‫في معمعان صراع شعوب الشرق المتحضر ضد‬ ‫جميع اشكال الظلم واالستبداد والعبودية واالستغالل‪،‬‬ ‫وباألخص ضد وحشية االستعمار الروماني للشرق‪،‬‬ ‫الذي ترافق مع‪ ،‬وكان سبباً رئيسياً في‪ ،‬تعميم النظام‬ ‫العبودي على أنقاض النظام المشاعي البدائي‪ .‬وذلك‬ ‫خصوصاً بعد هزيمة قرطاجة وتدميرها على يد الغزاة‬ ‫الرومان ثم غزوهم للبلقان ومصر وسائر المشرق‪ .‬وقد‬ ‫اتخذت عملية الصراع ضد االستعمار الروماني الوحشي‬ ‫اشكاالً كفاحية وفكرية واخالقية مختلفة‪ ،‬اهمها ثورة‬ ‫العبيد بقيادة سبارتاكوس التراقي في ‪ 71‬ق‪.‬م‪ ،.‬وانتشار‬ ‫الفلسفة الر��اقية التي وضع اسسها الفيلسوف االغريقي‬ ‫من اصل فينيقي زينون (‪ 334‬ق‪.‬م‪ .‬ـ ‪ 262‬ق‪.‬م‪،).‬‬ ‫ويسمى «زينون الرواقي» و»زينون الفينيقي»‪ .‬وكانت‬ ‫ُ‬ ‫الرواقية تدعو الى العدل وتحرير العبيد والمساواة بين‬ ‫الناس والشعوب وتطبيق االخالق في الحياة العامة‪.‬‬ ‫وتالزم انتشار الرواقية مع انتشار الدعوة المسيحية‪ ،‬التي‬ ‫كانت تدعو الى خالص البشرية من العبودية واالستغالل‬ ‫والتمييز الطبقي والعنصري والقومي والى حتمية ظهور‬ ‫المخلص بشخص المسيح‪ .‬وبظهور السيد المسيح انفجر‬ ‫الصراع بين الحركة المسيحية والسلطة الرومانية ووقفت‬ ‫الطغمة اليهودية العليا الفاسدة (التي كانت تدعو الى‬ ‫ظهور «مسيحها» الخاص كملك قوي يجعل اليهود‬ ‫أسياد العالم)‪ ،‬ـ وقفت الى جانب السلطة الرومانية‪ ،‬ضد‬ ‫الجماهير اليهودية البسيطة التي تبنت الدعوة المسيحية‬ ‫وتخلت عن التفسير اليهودي المنحرف لمجيء السيد‬ ‫المسيح‪ .‬وقد عملت السلطة الرومانية‪ ،‬ومعها الطغمة‬ ‫العليا اليهودية‪ ،‬على طمس الحقيقة التاريخية لظهور‬ ‫المسيحية المناضلة ضد االمبراطورية الرومانية‪ .‬ومن‬ ‫ثم عملت السلطة الرومانية‪ ،‬ووريثتها السلطة البيزنطية‬ ‫الموالية لروما والنهج االستعماري الروماني‪ ،‬ـ عملت على‬ ‫اضطهاد المسيحية الشرقية المناضلة‪ ،‬ومن ثم «تبني»‬ ‫المسيحية بعد تفريغها من محتواها الكفاحي وتجريدها‬ ‫«سماوياً»‪ ،‬وتحويلها الى دين للدولة االستعمارية‪،‬‬ ‫إو�ضفاء الطابع اليهودي والغربي عليها وأخي اًر مصادرتها‬ ‫وجعل المقر العالمي المركزي للمسيحية في روما ذاتها‪،‬‬ ‫التي سبق لها وصلبت السيد المسيح‪ .‬وفي عملية هذا‬ ‫النقل ذاته يوجد تبرير‪ ،‬او على األقل تخفيف‪ ،‬لجريمة‬ ‫صلب السيد المسيح‪.‬‬ ‫ولالسف ان السلطات االستبدادية غير العربية والعربية‬ ‫العميلة التي حكمت الشرق العربي باسم اإلسالم‪ ،‬من‬ ‫المماليك الى العثمانيين والى الحكام العرب الحاليين‬ ‫«اإلسالميين» المزيفين‪ ،‬قد تبنوا النظرة «الرومانية»‬ ‫الغربية الى المسيحية الشرقية‪ ،‬لتبرير اضطهادها لمصلحة‬ ‫االنظمة واالتجاهات االستبدادية العميلة لالستعمار‬ ‫الغربي والصهيونية‪ ،‬في الجوهر‪ ،‬و»اإلسالمية» المزيفة‪،‬‬ ‫في المظهر‪.‬‬


‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫دراما‬

‫‪11‬‬

‫سعيد سرحان‪ :‬ارتباط امسي بقناة اجلزيرة انفصام شخصية‬ ‫  •حاوره ‪ :‬فراس الهكار‬

‫الممثّل اللّبناني سعيد سرحان‪ ،‬عشق التمثيل مذ‬ ‫كان طفالً صغي ارً‪ ،‬وكان متابعاً لألعمال المسرحية‬ ‫واألفالم السينمائية والدراما التلفزيونية‪.‬‬ ‫أهلته ليدرس في فرع الهندسة‬ ‫عالماته العالية ّ‬ ‫الميكانيكية وأبى إال أن يتابع العمل على موهبته‪،‬‬ ‫بعد ٍ‬ ‫عام من دراسة الهندسة وجد نفسه في التمثيل‪،‬‬ ‫فترك الهندسة وتابع دراسته في المجال الذي‬ ‫يعشقه‪.‬‬ ‫برع سرحان على خشبة المسرح‪ ،‬عشق وأعطى‪،‬‬ ‫شارك في أعمال مسرحية عديدة نالت استحسان‬ ‫الجمهور‪ ،‬ثم انتقل من المسرح إلى التقديم‬ ‫التلفزيوني‪.‬‬ ‫عاد إلى لبنان بعد سنوات من الغربة ليصنع لنفسه‬ ‫مساح ًة تليق به‪ ،‬مدفوعاً بطموحه لتحقيق النجاح‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫روحه‪.‬‬ ‫وباحثاً عن ذاته في‬ ‫أعمال تالئم َ‬ ‫آخر ظهور للفنان سعيد سرحان كان ضمن العمل‬ ‫يؤرخ حقبة‬ ‫الدرامي الضخم (قيامة البنادق) الذي ّ‬ ‫مر بها لبنان‪.‬‬ ‫تاريخية َّ‬ ‫«تحوالت» التقت الفنان سعيد سرحان وكان معه‬ ‫هذا الحوار‪.‬‬

‫  •من أنت‪ ،‬وماذا تحدثنا عن البدايات؟‬

‫  •اسمي سعيد سرحان‪ ،‬خريج الجامعة اللبنانية قسم‬ ‫المسرح والتمثيل العام ‪ ،2002‬بدأت العمل في المسرح‬ ‫وقدمت أعمال مسرحية عدة مع األستاذ عصام بو‬ ‫ّ‬ ‫خالد من خالل أعماله التي تُعتبر (بالك كوميديا) عبر‬ ‫نصوص لها عالقة بالحروب‪ ،‬وكان العمل المسرحي‬ ‫األول في العام ‪ 2004‬والذي حمل اسم (ماش) كان له‬ ‫عالقة بالغزو األميركي للعراق العام ‪ ،2003‬وقد حظي‬ ‫بنجاح كبير في لبنان ثم ُعرض في ميالنو وباريس‬ ‫حوالي ‪ 12‬مرة‪ ،‬وتم عرضه في مهرجان قرطاج وفي‬ ‫دولة اإلمارات العربية المتحدة‪ .‬وأُعيد عرضه في باريس‬ ‫عرض قبل‬ ‫العام ‪ 2006‬وفي لبنان شاءت الصدفة أن ُي َ‬ ‫شاركت بعمل آخر في العام ‪2009‬‬ ‫حرب تموز بأيام‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫مع األستاذ عصام بو خالد وحمل اسم (بنفسجة) وقد جاء‬ ‫رداً على العدوان اإلسرائيلي على غزة في العام ‪،2008‬‬ ‫وهو مسرحية تحكي عن صاروخ يستهدف فوق بناء فيه‬ ‫شاركت في فيلم‬ ‫حوله إلى مقبرة جماعية‪ .‬كما‬ ‫ُ‬ ‫مدنيون ُ‬ ‫وي َ‬

‫سينمائي باسم (فالفل)‪ ،‬وبدأت العمل في قناة الجزيرة‬ ‫أطفال وقدمت برنامج (الدرب) الذي استمر حوالي ‪5‬‬ ‫سنوات والقى نجاحاً كبي اًر ونال جائزة في مهرجان كان‪.‬‬ ‫تعاقدت مع شركة (زودياك ميديا كروب) العام ‪2010‬‬ ‫ُ‬ ‫وأنتجنا برنامجاً لقناة الجزيرة أطفال بعنوان (برج الجرس)‬ ‫الذي ما زال ُيعرض حتى اآلن‪.‬‬

‫  •أين أنت من الدراما التلفزيونية؟‬

‫للمرة األولى هذا الموسم في‬ ‫  •صراحةً عملت في الدراما ّ‬ ‫العمل الدرامي الضخم (قيامة البنادق) مع مركز بيروت‬ ‫الصعبة وأعتقد‬ ‫الدولي‪ ،‬وهو عمل تاريخي من األعمال ّ‬ ‫لتقدم الدراما التلفزيونية في لبنان‪ .‬العمل‬ ‫أنه سيكون عتبةً ّ‬ ‫مشترك لبناني سوري فلسطيني وهذا يضع الفنان أمام‬ ‫مسؤوليات كبيرة أهمها أنك تقف أمام فنانين كبار‪ ،‬في‬ ‫مر بها لبنان‪.‬‬ ‫عمل يعبر عن حقبة تاريخية مهمة ّ‬

‫أديت أنماطاً مختلفة من األعمال خالل فترة زمنية‬ ‫ • ّ‬ ‫قصيرة بين المسرح والدراما والتقديم التلفزيوني‬ ‫والسينما‪ ،‬أين وجدت نفسك أكثر؟‬

‫بيروت أنه كان فاتحة التعاون وهو الذي أنتج «زمن‬ ‫البرغوث» باالشتراك مع شركة سورية وصوالً إلى‬ ‫«قيامة البنادق»‪ ،‬والدراما السورية هي األهم في العالم‬ ‫العربي وكان هناك محاوالت لبنانية محدودة لخلق حالة‬ ‫تعاون واستطاع مركز بيروت أن يرسخ هذه الحالة‬ ‫وينتج (الغالبون) واستمر التعاون حتى اندلعت األزمة‬ ‫السورية وانتقلت الخبرات السورية إلى لبنان‪ ،‬واستفدنا‬ ‫كثي اًر‪ ،‬إن كان من ناحية ترجمة النص بالشكل األنسب‬ ‫على الشاشة إو�ن كان من خالل إدارة التصوير وصوالً‬ ‫إلى الصورة واإلخراج‪« ،‬قيامة البنادق» نحن نتحدث‬ ‫عن عمل تاريخي ضخم غير مسبوق في لبنان إذا ما‬ ‫استثنينا «باب إدريس» الذي لم يرتق إلى هذا الحجم‪،‬‬ ‫وهذا التعاون السوري اللبناني هو الذي أنجز عمالً‬ ‫ضخماً القى نجاحاً كبي اًر‪.‬‬

‫  •عملت في قناة الجزيرة‪ ،‬وفي إطار العقد الموقع‬ ‫بينكما هل كان من الممكن أن تعمل بشيء مخالف‬ ‫لمبادئك؟‬ ‫  •ألنه ال يمكنني أن أعمل شيئاً مخالفاً لمبادئي تركت‬ ‫الجزيرة في عام في ‪ ،2010‬ومع أنني كنت في قناة‬ ‫الجزيرة أطفال وهي ال شأن لها في السياسة‪ ،‬ولكن مجرد‬ ‫ارتباط اسمي باسم قناة الجزيرة في تلك الفترة ولّد عندي‬ ‫نوعاً من انفصام الشخصية‪ ،‬ولم أستطع رغم العرض‬ ‫المغري إال أن أرفض‪ .‬وكانت كيفية تعاطي الجزيرة مع‬ ‫ما أسمته الربيع العربي السبب األكبر في ترك العمل مع‬ ‫قناة الجزيرة‪.‬‬

‫  •ك ّل شيء له خصوصيته ويتميز بنكهته الخاصة‪ ،‬ال‬ ‫يمكنني أن أقارن تجربة الدراما بتجربة السينما أو المسرح‬ ‫مثالً‪ .‬فجمالية المسرح أن يواجه الفنان الجمهور مباشرة‬ ‫وخاصة في المسرح التجريبي من خالل التعاطي مع‬ ‫الممثلين أو الجمهور أو مع الفكرة بحد ذاتها‪ ،‬وتحديداً‬ ‫العمل مع عصام بو خالد حيث ال يوجد نص مسبق‬ ‫بل توجد فكرة‪ .‬في السينما تجد المتعة في المشهد فال‬ ‫يوجد قطع لإلحساس كما في التلفزيون‪ ،‬أقصد أن ليس‬ ‫هناك قطع ألخذ لقطة من زاوية أخرى‪ .‬وهذا موجود في‬ ‫الدراما‪ ،‬كما يلعب النص الدرامي والدور المؤدى والعمل‬ ‫مع قامات مثل المخرج سامر رضوان ومركز بيروت‬ ‫الدولي دو اًر يجعل الفنان يستفيد من تعاطي المخرج معه‪،‬‬ ‫فهناك إدارة للممثل بعكس ما اعتدناه في الدراما اللبنانية‬ ‫حيث يضطر الفنان ألداء مشاهده وحيداً‪ ،‬وال يوجد حس‬ ‫فني بل يوجد تركيز على اإلضاءة واللون فقط‪ .‬وفي‬ ‫أفضل المسرح والسينما واألعمال الدرامية التي‬ ‫النهاية ّ‬ ‫تُعد هادفة‪.‬‬

‫  •أيهما أهم عندك الرسالة الفنية أم المردود‬ ‫تقدم دو ارً ال‬ ‫المالي‪ ،‬أعني هل من الممكن أن ّ‬ ‫يناسبك من أجل المال؟‬

‫  •«قيامة البنادق» عملك الدرامي األول‪ ،‬هنا ال‬ ‫بد من الحذر نوعاً ما كظهور أول على جمهور‬ ‫التلفزيون وهي مغامرة أو مسؤولية كبيرة‪ ،‬كيف‬ ‫تعاملت معها؟‬

‫  •معظم الفنانين يتناسون المسرح بعد وصولهم‬ ‫للشاشة الفضية‪ ،‬أين أنت من المسرح بعد سطوع‬ ‫نجمك في التلفزيون؟‬

‫  •نعم ك ّل شيء مغامرة‪ ،‬أي عمل هو مغامرة‪ ،‬ولكن‬ ‫بالنسبة لمن يعمل في المسرح يكون تواصله مع الجمهور‬ ‫طبيعياً وقد تخطى هذه المرحلة؛ مرحلة الخوف‪ ،‬ولم يكن‬ ‫هناك خوف من أن يتقبلني الجمهور أو ال‪ ،‬بل كان‬ ‫خوفي هو هل سأعطي هذه الشخصية حقها أم ال؟‬ ‫وحتى اآلن ردود الفعل جيدة بالنسبة لدوري في «قيامة‬ ‫البنادق» ولمسناها بشهادة كثير من الفنانين وعلى رأسهم‬ ‫الفنان أحمد الزين الذي ّأدينا أنا وهو أغلب المشاهد وقد‬ ‫شجعني كثي اًر وأبدى إعجابه بهذه الطاقة‪ ،‬حسب وصفه‪.‬‬ ‫ّ‬

‫  •الدراما اللبنانية تعاني أو يمكننا القول إنه ال‬ ‫توجد دراما لبنانية حقيقية‪ ،‬وال يمكننا أن نتجاهل‬ ‫التطور الملحوظ خالل السنتين األخيرتين‪ ،‬برأيك‬ ‫هل كان للدراما السورية دورها في ذلك؟‬ ‫  •ال شك طبعاً هذه من المسلمات‪ ،‬وتُحسب لمركز‬

‫  •أكيد ال‪ ،‬ال يعنيني المال بقدر ما تعنيني رسالتي‬ ‫وعرضت علي أعمال كثيرة بعد «قيامة البنادق»‬ ‫الفنية‪ُ ،‬‬ ‫إال أنني رفضتها ولم أؤمن بواقعيتها أو رسالتها اإلنسانية‪،‬‬ ‫وربما كان فيها سبيل للشهرة السريعة والمزيد من المال‪،‬‬ ‫فأن أكون جزءاً من عمل مثل «قيامة البنادق» يضعني‬ ‫أمام مسؤوليات كبيرة وهي أن أسعى لألفضل دائماً عبر‬ ‫ما أقدمه‪.‬‬

‫  •المسرح له الجزء األكبر من وقتي دائماً‪ ،‬ونحن اآلن‬ ‫نحضر لعمل مسرحي جديد مع األستاذ المخرج عصام‬ ‫بو خالد وستستمر عروضه سنوات‪ ،‬فالمسرح له أهميته‬ ‫الكبيرة‪ ،‬من الممكن أن يأخذني االنشغال قليالً‪ ،‬أما أن‬ ‫تأخذني النجومية‪ ،‬فال‪ ،‬يستحيل ذلك حتى مادياً‪ ،‬ال ُيمكن‬ ‫أن تأخذني الدراما من المسرح ألنني أعشق المسرح الذي‬ ‫ُيعد أبا الفنون‪.‬‬

‫  •مسرح البساط الذي يقدم في الشارع ما رأيك فيه‬ ‫هل يمكن أن تقدم عمالً مسرحياً في أحد شوارع‬ ‫بيروت؟‬

‫  •من الالفت أن تسألني هذا السؤال ألن أولى تجاربي‬ ‫في ا��حقيقة كانت عروضاً ايمائية على كورنيش المنارة‪،‬‬ ‫وقدمنا عروضاً مسرحية في اليوبيل الذهبي لجريدة‬ ‫ّ‬ ‫السفير‪ ،‬ال تستطيع أن تقيد نفسك بخشبة المسرح‪ .‬أنت‬ ‫تستطيع أن تقدم عملك في المكان األنسب له‪.‬‬


‫‪12‬‬

‫كتاب‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫«آخر رسائلي» لنسرين‪ ...‬عالمة استفزاز يف جتاعيد وجهها‬ ‫  •لويس الحايك‬ ‫بعد اختمار العناقيد عادت األطياب إلينا عبر األثير‬ ‫برسائل توهم انها آخر الرسائل وقد ظهرت بخطوط تكمل‬ ‫تحديها باحتراف جديد ابتكرته ولم تعرفه طباعة‬ ‫ثورة ّ‬ ‫الكتب من قبل‪ .‬فهي لم تنقل خطوطها كما هي‪ ،‬فحسب‬ ‫بل ابتكرت لها صياغة شبيهة بالصياغة المسرحية‬ ‫للشعر التي هي من ابتكاراتها ايضاً‪.‬‬ ‫«آخر رسائلي»‪ ،‬بغالفه األنيق ال تظهر تجاعيده على‬ ‫أوراقه الصفراء‪ ،‬فداخله يحمل وجهاً جديداً للتمرد بعنفوان‬ ‫المرأة المعذبة الصامدة بكبريائها‪ .‬هذه هي نسرين كتلة‬ ‫نار يلفها الصقيع فتنسج من وحشتها وشاحاً يغطي عريها‬ ‫وترتدي ذاتها معطفاً يختفي العدم في دفئه‪.‬‬ ‫وتمردها الجديد ال ُّ‬ ‫تحده عالمات في االرض وال في‬ ‫موزع في مطارح حميمة‬ ‫تمرد بالمطلق ّ‬ ‫الفضاء‪ ،‬ألنه ّ‬ ‫وفي الصمت‪ ،‬وفي الظل الهارب في العراء‪.‬‬ ‫أفكار مشبعة بالرموز ندر طرحها في ديوان شاعرة من‬ ‫الطليقات الواعدات‪ .‬فرموزها تنساب في صفائها كقطرات‬ ‫شالل يهويك رذاذه وينعشك حتى اثناء هبوب عاصفة‪.‬‬ ‫وهي حريصة كل الحرص على ان تأتي عباراتها سليمة‬ ‫بدموعك‪ ،‬بل قالت استحممت على‬ ‫فال تقول تحممت‬ ‫َ‬ ‫الرغم من أنف نعيمة في دفاعه عن جبران‪ .‬حتى الكلمة‬ ‫العربية المبتكرة التي ال تتناغم مع الوقع المسرحي‬ ‫الموسيقي الفضفاض فإنها تهملها لتلجأ الى األفضل‬

‫منها وقعاً فتكتب‪:‬‬ ‫حاولت يوماً ترداد هذه الكلمات)‪ .‬فالترداد وجدته‬ ‫(هل‬ ‫ُ‬ ‫أطرب وقعاً على اذنها من الترديد الذي حرصت أن‬ ‫تبقيه بين قوسين‪ ،‬ألنه فصيح سليم ايضاً‪ .‬وعندما تبحث‬ ‫في األنا مع الربيع الحزين المجروح وأزهار تنبت في‬ ‫الخريف وفي انقالب المقاييس واألعراف وتمجيد الخالق‬ ‫لكل ما هو معطى وممنوح ومع األزهار البرية والوديان‬ ‫والسواقي‪ .‬تثير انتباه القارئ بشطب الوديان المحكية بعد‬ ‫أن ترفع فوقها كلمة ( األودية) بالفصحى قبل أن تكمل‬ ‫معزوفتها وتقول‪:‬‬ ‫إنه الحب‪ .‬الحب قولبها وجعلها امرأة‪ .‬هكذا تشد القارئ‬ ‫بغريب المفاجآت وهي تو ّشح كتابها بأقفاص تأسر فيها‬ ‫الكلمات كأنها تخاف أن تفلت منها‪ .‬وتو ّشيها بالعالمات‬ ‫وبرسوم تبحث عن مالمح غريبة ضائعة بين مدادها‬ ‫ووريقاتها الصفراء‪ :‬مالمح أكلها الصدأ ‪ /‬وفي العراء‬ ‫هائم يبحث عن كفن‪ / ..‬ألن شبح الموت لن يغيب ولن‬ ‫ٌ‬

‫يوقف دورانه‪.‬‬ ‫نسرين التي تبدو أكثر عنفاً في ديوانها «زمن العناقيد»‬ ‫بردات فعل توهم‬ ‫تسرب نقمتها في «رسائلها» ّ‬ ‫نجدها ّ‬ ‫بضعف األنثى واستجدائها واحياناً بالبكاء الصامت‬ ‫والنحيب‪ .‬فالتجاعيد‪ .‬تجاعيد الزمن هي ‪:‬‬ ‫تجر ايامها‬ ‫‪/‬‬ ‫الشاحب‬ ‫دموع امرأة ‪ /‬مختبئة وراء وجهها‬ ‫ُّ‬ ‫‪ /‬تتكلَّم موتها ‪ /‬تمشي مثواها األخير ‪/‬‬ ‫توضب رجولته‪ / ...‬تكويها‬ ‫تلملم انوثتها كل صباح ‪/‬‬ ‫ّ‬ ‫سترة‪ / ...‬تحضرها قهوة‪...‬‬ ‫خدرته سهام الحب‪ ،‬نجده يصمد بالهرب‬ ‫هذا اإليهام‪ ،‬إو�ن ّ‬ ‫مع العاصفة حتى ابعد الحدود‪:‬‬ ‫تركض األرض ‪ /‬تهرب ‪ /‬ترقص ثم تسجد لبهاء سكينة‬ ‫عينيك ‪ُّ /‬‬ ‫أحب َك حجارة عتيقة ‪ /‬من عصر الفينيق ‪ /‬تحم ُل‬ ‫َ‬ ‫عتقها ‪ .../‬نطق قلمي حروفاً خرساء‪ /..‬ـ درب الهرب‬ ‫خرساء ‪..‬‬ ‫سربت الشاعرة رسالتها الى الرجل‬ ‫كيف‬ ‫نسأل‬ ‫وهل‬ ‫ّ‬ ‫الشرقي «المتربع على عرش األنانية والتسلط» وكيف‬ ‫وتقمصه‬ ‫تعاقبه بتشويه صورته في المرآة المهشمة‬ ‫ّ‬ ‫محرٌم عليها أن تحرق األلم في‬ ‫بصراخ «امرأة معذبة» ّ‬ ‫داخلها واأللم إذ يستجيب لصراخه في ارتداد مريب‪.‬‬ ‫قمة الكون»‪.‬‬ ‫يتطاير‬ ‫ً‬ ‫اشالء ويعلو دخانه ليصل «الى ّ‬ ‫فأنت ايتها األنثى المعذبة» ممنوع ان تثور فيك كل‬ ‫النساء النائمات‪ ..‬اخفضي صوتك ِ‪ /‬ستوقظين عنترة‪...‬‬ ‫‪ /‬وكل رجل شرقي {عتعيت} متربِّع على عرش األنانية‬ ‫والتسلط ‪ /‬اخفضي صوتك يا امرأة عر ّبية ‪ /‬وابكي جنسك‬ ‫ت»‪ .‬واذا زرعت بذا اًر في رحمك‬ ‫ص ْم ْ‬ ‫على فراشك «بِ َ‬ ‫عليك أن تموتي «بهدوء» كي تحييه ألنك لست مثله‬ ‫جديرة بالحياة‪.‬‬ ‫وفي وداع عذابها تجد مركبها االمين في حزن عينيه‬ ‫يحملها بال أشرعة الى بالد لم تُكتشف بعد‪.‬‬ ‫رسائل تجاعيدها زئبقية اللون والملمس‪ .‬والكتاب بدفتيه‬ ‫ومطباته‪ .‬والحزن وحده‬ ‫يأخذك في سرابية الفضاء‬ ‫ّ‬ ‫وبوجوهه المتعددة يش ّكل اللحمة والسدى لكتابها ألنه‬ ‫يشبك بين رسومه وشاراته وتعرجاته وتنوع عباراته‬ ‫وتشطيباته (شطائبه)‪ .‬انه لون جديد قلب الطاولة على‬

‫اصول الكتابة والطباعة لشاعرة أتقنت لغتها وعرفت‬ ‫وطورته‬ ‫أسرار لعبتها ّ‬ ‫فسخرت لها مخزوناً ثقافياً صقلته ّ‬ ‫ثم‬ ‫بتجاربها وبممارسة مهاراتها على خشبة المسرح‪ّ .‬‬ ‫ٍّ‬ ‫وتحد واستفزاز بالكتابة والرسم‬ ‫خطت خطواتها بجرأة‬ ‫وكل ٍّ‬ ‫فن من الفنون الجميلة تطاله يدها‪ .‬ومع التمرد‬ ‫وحكايتها مع تأنيث الكلمات والعبارات فحدث وال حرج‪.‬‬ ‫فبعد هبوب رياح الخمسين وهي جالسة على كرسي‬ ‫أتت ووحيدةً تمضي ‪ /‬ألنها‬ ‫فارغ في المقهى ‪ /‬وحيدةً ْ‬ ‫تحولت الى لقمة سائغة ابتلعتها االساطير‪ .‬هي ذاتها‪.‬‬ ‫شجرة الزيتون األصيلة‪ .‬الفرس العربية األصيلة‪ .‬الجمع‬ ‫المؤنث السالم‪ .‬هذا الجمع العظيم بأية طينة ُجبل؟ وبأي‬ ‫يد عظيمة ُجمع؟‬ ‫الحب‪ .‬وحده‬ ‫تجنى هذا الجمع على الذكورة‪ .‬فإن‬ ‫ومهما ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحب‪ .‬مؤه ٌل أن يجعلها امرأة‪.‬‬ ‫ّ‬


‫فن‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫‪13‬‬

‫مسبوزيوم عمشيت الثاني للنحت والرسم يرسو بأعماله على الكورنيش البحري‬ ‫أنجز سمبوزيوم عمشيت الثاني للنحت والرسم‬ ‫أعماله مطلع آب الماضي‪ ،‬وانضمت عشر‬ ‫منحوتات ضخمة وجديدة إلى شقيقاتها السابقات‬ ‫من السمبوزيوم األول العام ‪ 2011‬التي زينت‬ ‫كورنيشاً بحرياً تقوم بإنشائه بلدية المدينة وتعده‬ ‫ليكون موقعاً سياحياً هاماً من حيث اإلنشاء‬ ‫والتجهيز‪.‬‬ ‫كانت اإلضاءة ساطعة على الكورنيش‪ ،‬مسافة‬ ‫أربعين كيلومت ارً إلى الشمال من بيروت‪ ،‬كاشفة‬ ‫عن المنحوتات الجديدة‪ ،‬في حضور سفراء الدول‬ ‫التي أتى النحاتون منها‪ ،‬وجمهور حاشد‪ ،‬فاطلعوا‬ ‫على األعمال‪ ،‬وكذلك على اللوحات التشكيلية التي‬ ‫ركنت في ما يشبه الخيمة التي تحميها من ملوحة‬ ‫البحر‪ ،‬ورطوبته‪ .‬وأقيم حفل جرى فيه تسليم دروع‬ ‫التكريم للفنانين‪.‬‬ ‫المنظمون‬

‫ويثني النحات بيار كرم ‪ -‬منظم السمبوزيوم ‪ -‬على‬ ‫تطور االهتمام بالنحت في لبنان‪« ،‬رغم ضعف التجارب‬ ‫النحتية فيه» كما يقول‪ ،‬مضيفاً إن «هناك العديد من‬ ‫الساعين لالنضمام لنادي النحت‪ ،‬يعملون لكن انطالقاً‬ ‫من تجارب حرفية أكثر منها تجارب أكاديمية مما يجعل‬

‫النحت محلياً دون المستوى الراقي في العديد من دول‬ ‫العالم»‪.‬‬ ‫ميز بين‬ ‫كرم‪ ،‬المتخرج من جامعات أوكرانيا للنحت‪ّ ،‬‬ ‫األعمال التي يقوم بها أي فنان‪ ،‬و أعمال السمبوزيوم‪.‬‬ ‫هناك‪ ،‬يعمل النحات على نحت أعماله بشروطه الخاصة‪،‬‬ ‫وبما يريحه ويتسع له من وقت‪ ،‬لكن القدرة الفنية ألي‬ ‫نحات تختبر فعلياً على األرض‪ ،‬فأمام النحات عشرة‬ ‫أيام فقط وعليه أن ينجز فيها منحوتة ضخمة ال يستطيع‬ ‫تحقيقها إال البارعون المحترفون»‪.‬‬ ‫ويتابع‪« :‬لذلك‪ ،‬علينا أن نختار الفنانين قبل إطالق‬ ‫السمبوزيوم‪ ،‬ونستدرج العروض عبر وسائل االتصال‬ ‫االلكترونية‪ ،‬أو أي وسيلة أخرى‪ ،‬وقد استلمنا نحو‬ ‫عشرين عرضاً لهذا العام‪ ،‬لكن اخترنا منها فقط عشرة‬ ‫مشاريع أعمال»‪.‬‬

‫ويفيد كرم أنه «بعد نجاح السمبوزيوم األول‪ ،‬أعدنا‬ ‫التجربة بطريقة أنجح في ضوء الخبرة التي اكتسبناها‬ ‫سابقاً‪ .‬عندنا عشرة نحاتين وأربعة رسامين من دول‬ ‫مختلفة»‪.‬‬

‫للفنون الجميلة وله مشاركات في معارض دولية متعددة‪.‬‬ ‫األرميني هايك توكماجيان‪ ،‬تخرج من معاهد بالده للفنون‬ ‫الجميلة‪ ،‬عضو اتحاد الفنانين األرمينيين‪ ،‬مشارك في‬ ‫معارض عالمية متنوعة‪.‬‬ ‫السوري الياس نعمان‪ ،‬بعد نيله شهادة الفن من جامعة‬ ‫دمشق‪ ،‬انتقل إلى جامعة كا ار ار اإليطالية وتخرج منها‬ ‫بنتيجة عالية‪ .‬يقيم في كارار ويعمل فيها‪ ،‬شارك في‬ ‫معارض دولية في إيطاليا وألمانيا والب ارزيل واألرجنتين‪.‬‬ ‫نعمان آثر القول‪ :‬إن أهمية المعرض تكمن في تفاعل‬ ‫التيارات الفنية المختلفة فيه‪ ،‬وبين حضارات الشعوب‪،‬‬ ‫ويقول إنه رغم أننا نعمل في مراكز فنية عالمية هامة‪ ،‬إال‬ ‫أن قدومنا إلى هنا‪ ،‬وتعايشنا مع بعض يجعالننا نتفاعل‬ ‫ونطلع كل على فنون اآلخر وثقافته الفنية‪ ،‬وهذا دور‬ ‫مهم للسمبوزيوم»‪.‬‬

‫النحاتون‬

‫ذات ظهيرة‪ ،‬كانت أصوات الطرق من جهة‪ ،‬وآالت‬ ‫النحت الحديثة‪ ،‬تعمل تقطيعاً‪ ،‬وبت اًر لزوائد الصخور‪،‬‬ ‫فيعبق الجو بغبار الصخور الكلسية التي جيء بها من‬ ‫جبال لبنان‪ .‬زوائد تغطي الصورة الحقيقية التي تخيلها‬ ‫الفنان في عقله لعمله‪ ،‬انكب كل فنان على صخرته‬ ‫يزيلها كما يبحث عن ضالته في داخل الصخرة‪ ،‬ال يوفر‬ ‫وسيلة إال ويستخدمها وصوالً إلى مبتغاه‪ .‬هذا ينحت‬ ‫وجهاً كالسيكياً لرجل يذ ّكر بالرومان‪ ،‬وذاك يستلهم‬ ‫منحوتات ربات الحسن القدامى محاوالً إعادة انتاجها‬ ‫بطريقته الخاصة‪ ،‬وثمة من نحت أشكاالً تجريدية تاركاً‬ ‫للمشاهد إدراك المغزى الذي تختزنه‪.‬‬ ‫النحاتون المختارون لتحدي السباق هم‪:‬‬ ‫اإليطالي أدريانو سيارال‪ ،‬متخرج من إحدى أهم المدن‬ ‫التي تضم أجمل المنحوتات الكالسيكية‪ ،‬وهي نابولي‪،‬‬ ‫حيث تناول دراسة النحت في معهد المدينة للفنون‪ .‬ثم‬ ‫انتقل لدراسة النحت الخشبي (الحفر)‪.‬‬ ‫اللبناني بيار كرم‪ ،‬منظم السمبوزيوم‪ ،‬متخرج من جامعة‬ ‫أوكرانيا للفنون الجميلة‪ ،‬ونال الماسترز في النحت بعد‬ ‫انتهاء دراسته لسبع سنوات من جامعة كييف ‪.1992‬‬ ‫األرجنتينية ماريا ترينيداد كامينوس‪ ،‬متخرجة من‬ ‫األكاديمية الفنية لجامعة قرطبة‪ ،‬منحوتاتها تزين مواقع‬ ‫وساحات عدة في دول العالم مثل األرجنتين‪ ،‬وتشيلي‪،‬‬ ‫والمكسيك‪ ،‬إو�يطاليا‪ ،‬ولبنان وتركيا‪.‬‬ ‫اليوناني ميشال فوزونيراكيس‪ ،‬درس نحت الرخام في‬ ‫إحدى جزر بالده‪ ،‬وشارك في معارض عالمية عدة‪.‬‬ ‫اللبنانية تمينة سعادة‪ ،‬متخرجة من معهد الفنون في‬ ‫جامعة الكسليك اللبنانية‪ ،‬تدرس التربية الفنية‪ ،‬وشاركت‬ ‫في معارض عدة في لبنان والخارج‪ .‬أدخلت فكرة تطعيم‬ ‫النحت بالموزاييك‪.‬‬ ‫األكوادوري ماريو تابيا‪ ،‬تخرج في التصوير من إحدى‬ ‫الجامعات المتخصصة في االكوادور‪ ،‬ثم انتقل إلى‬ ‫إيطاليا لدراسة النحت في أكاديمية الفنون الجميلة في‬ ‫كا ار ار اإليطالية‪ .‬حائز على جوائز عالمية عدة‪.‬‬ ‫األرميني آمين بتروسيان‪ ،‬عضو االتحاد األرميني للفنون‬ ‫في يريفان‪ ،‬يدرس مادة النحت في عدد من معاهد بالده‪،‬‬ ‫ومشارك في معارض دولية كثيرة‪.‬‬ ‫األوكراني ميخاليو غولوفيي‪ ،‬متخرج من أكاديمية أوكرانيا‬

‫نظرة وتشكيل‬

‫يتميز السمبوزيوم بضخامة األعمال‪ ،‬ومن الواضح أنه‬ ‫جرى التركيز على النوعية‪ ،‬أما األسلوب فيتراوح بين‬ ‫التجريدي واالنطباعي التعبيري‪ ،‬والكالسيكي النهضوي‬ ‫مع بعض تحديث‪ .‬ويعلق كرم بقوله «إنه متنوع‬ ‫االتجاهات رغم أننا ال نحبذ التجريد كثي اًر‪ ،‬لكن اخترنا‬ ‫بعض األعمال التجريدية المقنعة‪ ،‬وهو على مستوى راق‬ ‫وفني»‪.‬‬ ‫السمبوزيوم هذا العام أرقى فنياً‪ ،‬والعدد ذاته كما في‬ ‫سابقه‪ ،‬أي عشرة أعمال‪ .‬برأي كرم أن «األعمال الفنية‬ ‫النحتية لم يعد لها هوية بلد محددة‪ ،‬أو تتبع لمدرسة‬ ‫معينة‪ ،‬فربما تجد في بلد ما كل أصناف وتيارات النحت‪،‬‬ ‫وليس هناك من خصوصية نحت لبلد معين‪ ،‬خصوصاً‬ ‫بعد االنفتاح الواسع للعالم على بعضه‪ .‬يعود لكل نحات‬ ‫أسلوب خاص‪ ،‬والمدارس متداخلة»‪.‬‬ ‫عندنا نحاتين عديدون‪ ،‬ويبرز كل فترة جديد منهم‪ ،‬وهناك‬ ‫تأثير من األحداث والتطورات على الحركة‪.‬‬ ‫تمينة سعادة‪ ،‬فنانة لبنانية تشتغل في النحت الذي أدخلت‬ ‫عليه فكرة تطعيمه بالموزاييك‪ ،‬وهي مسؤولة عن الرسم‬ ‫والموزاييك في السمبوزيوم‪ ،‬قالت‪« :‬عندنا اربعة رسامين‬ ‫من بلغاريا وبيالروسيا وأرمينيا‪ ،‬وروسيا‪ .‬هم من المستوى‬ ‫الجيد‪ ،‬ويتميز كل منهم بطريقة خاصة‪ ،‬وقد نفذوا أعمالهم‬ ‫في مركز «ذاكرة عمشيت»‪.‬‬ ‫يغلب على األعمال الطابع االنطباعي‪ ،‬مع بعض رمزية‪،‬‬ ‫ولوحات ذات موضوعات تراثية‪.‬‬ ‫الرسامون هم‪ :‬األرميني سورين خورينيان‪ ،‬والبيالروسية‬ ‫أوكسانا أفدوكيمنكو‪ ،‬والبلغاري بيتر ميتشيف‪ ،‬والروسي‬ ‫ديمتري زاروف‪.‬‬ ‫استمرت أعمال السمبوزيوم بين ‪ 15‬تموز (يوليو) والرابع‬ ‫من آب ‪.2013‬‬


‫‪14‬‬

‫دراسة‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫صراع الذات والذاكرة عند الفرد الفسطيين يف «مفتاح لنجوى» لفاتن املر‬ ‫  •منير حايك‬ ‫قد ال تكون المسألة الفلسطينية هي ما يصبو‬ ‫المرء في زمننا هذا إلى الكالم فيه‪ ،‬وقد يكون الكالم‬ ‫حد ال ّنفور‬ ‫الذي قيل فيها بات مستهلَكاً وممالًّ إلى ّ‬ ‫أن ما‬ ‫من تكرار الكالم عينه كل يوم وكل مناسبة‪ .‬إالّ ّ‬ ‫ماسة إلى‬ ‫هو مؤ ّكد ّ‬ ‫أن هذه المسألة ال تزال بحاجة ّ‬ ‫االنهماك في النضال من أجلها للوصول إلى مقاربتها‬ ‫على حقيقتها‪ ،‬ليس في العالم فحسب‪ ،‬بل في العالم‬ ‫ومشوهاً إلى‬ ‫مشوشاً‬ ‫ّ‬ ‫العربي حيث ما يزال التفكير فيها ّ‬ ‫أبعد الحدود‪ .‬فالمقاربات السائدة‪ ،‬أو التي سادت‪ ،‬قد‬ ‫تتشعب لتشمل‬ ‫أخذت بنتيجة التقادم ومرور السنوات‬ ‫ّ‬ ‫تفاصيل كثيرة قد يعجز المرء عن اإللمام بها كلها‪،‬‬ ‫كلي نحوها‪ ،‬وهذا ما يدفع بالتالي‬ ‫أو عن النظر بنحو ّ‬ ‫إلى البحث في التفاصيل واالقتصار عليها‪ ،‬األمر الذي‬ ‫المركزية واالبتعاد عن‬ ‫يؤدي إلى التّشتّت عن المسألة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اتخاذ الموقف الذي يعتمد على مشهد «يريك الكثرة في‬ ‫العين الواحدة»‪ ،‬انطالقاً من مقولة ابن عربي الشهيرة‬ ‫إشكالية‪ :‬الصراع‬ ‫من هذا المنطلق تطرح نفسها أمامنا‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطيني وكيفية المحافظة على وجوده هوي ًة وكياناً‪،‬‬ ‫في ظل ما يحيط بهذا الوجود من تهديدات‪...‬‬ ‫طرق إلى صراع ال ّذات‬ ‫ً‬ ‫بناء على ذلك كان اختياري للتّ ّ‬ ‫وال ّذاكرة في الفرد الفسطيني من خالل دراسة الفضاء في‬ ‫رواية «مفتاح لنجوى» للكاتبة فاتن المر‪ .‬انطالقاً من‬ ‫كون الرواية ترتبط مباشرة بواقع المخيمات وما فيه من‬ ‫عليمي‪ ،‬وحتى‬ ‫الصعيد‬ ‫المعيشي و ّ‬ ‫بؤس على ّ‬ ‫حي والتّ ّ‬ ‫الص ّ‬ ‫ّ‬ ‫خصي‪ ...‬وسط االنقسامات التي‬ ‫على صعيد الطّموح ال ّش‬ ‫ّ‬ ‫الضيق للمخيم‪ ،‬واالنحرافات التي تأتيه‬ ‫تمأل المجتمع‬ ‫ّ‬ ‫وخارجية‪ .‬وذلك من دون أن يش ّكل‬ ‫داخلية‬ ‫بنتيجة مؤثّرات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫نسيان للمسألة المركزّية المتعلّقة‬ ‫انفصال أو‬ ‫ذلك عامل‬ ‫بحق العودة واستعادة األرض‪...‬‬ ‫ّ‬ ‫السياق إالّ أن يلتفت إلى عاملٍ‬ ‫هذا‬ ‫في‬ ‫للباحث‬ ‫يمكن‬ ‫وال‬ ‫ّ‬ ‫اإلشكاليات‬ ‫مهم في بحث هذه الرواية‪ ،‬أال وهو ربط‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫بتطورات العصر الحاضر وأفكاره‪،‬‬ ‫التي يطرحها الكتاب ّ‬ ‫الصوت‬ ‫إيجابيها‬ ‫وسلبيها‪ ،‬ومنها ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدخول في عملية تناوب ّ‬ ‫الروائي باستخدام واقع تقنيات العصر في التّواصل‪ ،‬إلى‬ ‫ّ‬ ‫آليةً جديدةً يفيد‬ ‫جانب المحادثات‬ ‫االلكترونية التي ّ‬ ‫تقدم ّ‬ ‫ّ‬ ‫منها الحوار‪ ...‬وال يخفى ما لهذا الجانب من ٍّ‬ ‫تحد للباحث‬ ‫السواء‪...‬‬ ‫والقارئ على ّ‬ ‫انطالقاً من ذلك‪ ،‬يمكن أن يش ّكل بحثنا هذا إضاءةً‬ ‫الفلسطينية‬ ‫ي من جوانب المعاناة‬ ‫مكملةً لجانب محور ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫افي‬ ‫ر‬ ‫غ‬ ‫الج‬ ‫البعد‬ ‫مع‬ ‫ية‬ ‫ز‬ ‫ا‬ ‫و‬ ‫المت‬ ‫ادها‪،‬‬ ‫ر‬ ‫أف‬ ‫عات‬ ‫ل‬ ‫تط‬ ‫ومن‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫األم‪.‬‬ ‫وّ‬ ‫مني عن األرض ‪ّ -‬‬ ‫الز ّ‬

‫السياق‬ ‫ّ‬ ‫رمزية المفتاح واإلبداع في تش ّكل ّ‬

‫مكونين‬ ‫التمعن في العنوان‪ ،‬نالحظ ّأنه‬ ‫من خالل ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتضمن ّ‬ ‫األول بينهما هو كلمة «مفتاح»‪ ،‬مع ما يثيره هذا‬ ‫اثنين‪ّ .‬‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫معان مواكبة له‪ ،‬فالمفتاح يقتضي حضور‬ ‫العنوان من‬ ‫الباب الذي يحضر في حالين هما الفتح واإلغالق‪ ،‬كما‬ ‫فإنه يتّخذ قيمةً كبرى‬ ‫يقتضي حضور المسكن‪ .‬وبالتّالي‪ّ ،‬‬ ‫اجتماعياً‪،‬‬ ‫فردياً و‬ ‫بيعي للحياة‬ ‫ّ‬ ‫اإلنسانية ّ‬ ‫ّ‬ ‫في ّ‬ ‫السياق الطّ ّ‬ ‫ملكية الفرد لهذا‬ ‫يثبت‬ ‫ّ‬ ‫ي الذي ّ‬ ‫فهو العنصر المحور ّ‬ ‫المسكن‪ ،‬واالحتفاظ بذاك المفتاح يعني االحتفاظ به‪ .‬وهذا‬ ‫ٍ‬ ‫مسألة بأكملها‪ ،‬وأعني‬ ‫ما يجعل منه حاالً مخيِّمةً على‬ ‫الفلسطينية‪ .‬من هذا المنطلق‪ ،‬كان المفتاح رم اًز‬ ‫المسألة‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫أرض‬ ‫الفلسطيني من‬ ‫من رموز العودة إلى ما يمتلكه‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫وبيت وغيرهما‪ ،‬وكذلك كان رم اًز من رموز مقاومته لحال‬

‫النسيان‪...‬‬ ‫التّشتّت والتّآمر وضغوط ّ‬ ‫أما أن يكون هذا المفتاح‬ ‫فإن ذلك‬ ‫مخصصاً لنجوى‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عدة يمكن أن تضيء‬ ‫دالالت‬ ‫أمام‬ ‫المجال‬ ‫في‬ ‫لنا‬ ‫يفسح‬ ‫ّ‬ ‫ئيسية‬ ‫الر‬ ‫ة‬ ‫خصي‬ ‫ش‬ ‫ال‬ ‫بأن‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ ّ‬ ‫ائي‪ .‬فهو يوحي ّ‬ ‫حقيقة ّ‬ ‫السياق ّ‬ ‫الرو ّ‬ ‫األول‬ ‫تقدم لنا بعدين‬ ‫ستكون «نجوى» التي ّ‬ ‫ّ‬ ‫دالليين‪ّ :‬‬ ‫يتعلّق بمعنى االسم الذي يحمل عناصر المناجاة والحوار‬ ‫داخلي من‬ ‫اع‬ ‫الباطني وما يستتبع ذلك من إخفاء صر ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن البعد اآلخر يشير إلى طبيعة هذه‬ ‫نوٍع ما‪ .‬في حين ّ‬ ‫خصية بوصفها امرأةً‪ ،‬وهو األمر الذي يشير إلى‬ ‫ال ّش ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ألنها تنطلق من‬ ‫زاوية رؤية قد تكون مختلفةً حول الحياة ّ‬ ‫منطل ٍ‬ ‫أنثوي‪.‬‬ ‫ق‬ ‫دالليةً‬ ‫وبناء عليه يصبح العنوان عالمةً ّ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫فلسطينية قد‬ ‫توجه أبصارنا نحو رؤية ترتبط بامرأة‬ ‫ّ‬ ‫عميقةً ّ‬ ‫قررت حمل مفتاحها لمقاومة ما عانى منه شعبها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مباشر‬ ‫بشكل‬ ‫الداللة التي يحيلنا إليها العنوان تقودنا‬ ‫هذه ّ‬ ‫وكيفية تش ّكله‪ ،‬فـ»مفتاح لنجوى»‬ ‫ائي‬ ‫ّ‬ ‫إلى ّ‬ ‫السياق ّ‬ ‫الرو ّ‬ ‫قصة فتاة اسمها نجوى من خالل عالقة صداقة‬ ‫تروي ّ‬ ‫بشخصي ٍة أخرى تدعى‬ ‫اضي‬ ‫ر‬ ‫االفت‬ ‫اصل‬ ‫و‬ ‫الت‬ ‫عبر‬ ‫تظهر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫مختلف عن األخرى‪،‬‬ ‫دارين‪ ،‬تنتمي ك ّل منهما إلى وسط‬ ‫مخيم‬ ‫ال بل يكاد يكون نقيضاً للوسط اآلخر‪ .‬فنجوى ابنة ّ‬ ‫تتضمنه من‬ ‫مخيمات ال ّشتات بكل ما‬ ‫شاتيال الذي يمثّل ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بؤس ٍ‬ ‫حية‬ ‫وفقر‬ ‫وفقدان ّ‬ ‫الص ّ‬ ‫للحد األدنى من المواصفات ّ‬ ‫الراحة واألمان عناصر تحقيق ال ّذات‬ ‫وعوامل ّ‬ ‫السالمة و ّ‬ ‫والطّموح‪ ،‬حيث ش ّكل نادي «غدنا» للفنون المتنفّس‬ ‫الوحيد لها؛ بينما تنحدر دارين من ٍ‬ ‫مدينية يطغى‬ ‫بيئة‬ ‫ّ‬ ‫فاهية والراحة والخلو من أي ٍ‬ ‫وجه من‬ ‫ّ‬ ‫الر ّ ّ‬ ‫عليها نوع من ّ‬ ‫ّ‬ ‫وجوه المعاناة‪ ،‬أو باألحرى االبتعاد عنها‪ ،‬في ظ ّل تفكيرٍ‬ ‫حاد‪.‬‬ ‫طائفي‬ ‫ٍّ‬ ‫ٍّ‬ ‫وطبقي ّ‬ ‫سرعان ما تظهر طبيعة العالقة بينهما‪ ،‬وهي عالقة‬ ‫الحب التي‬ ‫تتطور بعد معرفة دارين لعالقة‬ ‫ّ‬ ‫در ّ‬ ‫اسية أخذت ّ‬ ‫ٍ‬ ‫فلسطيني يدعى «الدكتور‬ ‫برجل‬ ‫عمتها «رندة»‬ ‫ٍّ‬ ‫جمعت ّ‬ ‫عمتها التي‬ ‫ّ‬ ‫غسان الخطيب»‪ ،‬إذ تكون قد طلبت منها ّ‬ ‫خصية‬ ‫ش‬ ‫ال‬ ‫هذه‬ ‫عن‬ ‫لها‬ ‫تبحث‬ ‫أن‬ ‫الخبيث‬ ‫مرضها‬ ‫تفاقم‬ ‫ّ ّ‬ ‫لتعطيها الرسائل الخاصة بها ولتحاول التّفتيش عن ٍ‬ ‫نهاية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫لقصتها‪ .‬فتعمل نجوى على مساعدة صديقتها‬ ‫سعيدة‬ ‫ّ‬

‫ضح‬ ‫التي أبدت تعاطفاً شديداً مع المعاناة‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬ليتّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫فلسطينية‬ ‫مسيحية‬ ‫أن دارين تعود بجذورها إلى عائلة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لنا ّ‬ ‫أما‬ ‫األصل سعى أهلها إلى قطع ّ‬ ‫الروابط مع منبتها‪ّ .‬‬ ‫الحاد مع محيطها الذي‬ ‫نجوى فيظهر أمامنا صراعها‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫بأية وسيلة ممكنة‪ ،‬نظ اًر‬ ‫سعت إلى االنفصال عنه ّ‬ ‫الفردية‪ ،‬ومن محاصرةٍ‬ ‫ٍ‬ ‫للحرّية‬ ‫لما تعيشه من‬ ‫ّ‬ ‫طمس ّ‬ ‫ٍ‬ ‫المستمر‬ ‫خ‬ ‫ضو‬ ‫الر‬ ‫عن‬ ‫ال‬ ‫فض‬ ‫لها‪،‬‬ ‫وتقويض‬ ‫للطموحات‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عقلية الخروج‬ ‫لحال المعاناة‪ ،‬وهو األمر الذي ش ّكل لديها ّ‬ ‫المخيم وعن معاييره‪.‬‬ ‫عن حدود‬ ‫ّ‬ ‫العمة‬ ‫الرواية من خالل ّ‬ ‫تتواصل ّ‬ ‫عملية البحث عن حبيب ّ‬ ‫رندة من دون جدوى‪ ،‬في حين يترافق ذلك مع معاناة‬ ‫تمر بها نجوى‪ ،‬منها مقتل أخيها الذي كان عنص اًر في‬ ‫ّ‬ ‫مخيم نهر البارد؛ وموت‬ ‫في‬ ‫اإلسالم»‪،‬‬ ‫«فتح‬ ‫جماعة‬ ‫ّ‬ ‫عية إلى أوروبا‬ ‫ر‬ ‫ش‬ ‫ال‬ ‫جارها أثناء محاولة دخوله غير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يائسة للتّخلّص من واقع حياة‬ ‫محاولة‬ ‫عبر تركيا في‬ ‫أما دارين فتعمل على مواجهة وسطها من خالل‬ ‫ّ‬ ‫المخيم‪ّ .‬‬ ‫الحقيقية‪ ،‬ما‬ ‫ة‬ ‫الفلسطيني‬ ‫ها‬ ‫جذور‬ ‫فة‬ ‫ر‬ ‫لمع‬ ‫سعيها‬ ‫إعالن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يثير استهجان أهلها‪ ،‬وهو األمر الذي يدفع شقيقها إلى‬ ‫شبابي يدعى «خيبة بن‬ ‫تجم ٍع‬ ‫ٍّ‬ ‫مصارحتها بانتمائه إلى ّ‬ ‫غوريون» هدفه العمل على مواصلة ترسيخ االنتماء‬ ‫الفلسطيني في األجيال الجديدة‪ ،‬ويؤدي ذلك بنجوى إلى‬ ‫ّ‬ ‫جمع‪ ،‬ما يعني تغيي اًر‬ ‫تشجيع دارين لالنخراط ّ‬ ‫سوياً بهذا التّ ّ‬ ‫لكن ذلك لم‬ ‫جذرّياً في نظرتها إلى انتمائها ونظرتها‪ّ .‬‬ ‫عملية االستقصاء تلك‪ ،‬حيث‬ ‫يمنع الفتاتين من مواصلة ّ‬ ‫شخصية‬ ‫عملية الوصول إلى‬ ‫تسهّل نجوى لصديقتها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النادي الذي يتّضح ّأنه هو نفسه‬ ‫«أبي فداء» مسؤول ّ‬ ‫«غسان الخطيب» الذي تقومان بالبحث عنه‪،‬‬ ‫الدكتور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتنجحان في جعل الحبيبين العجوزين يلتقيان‪ .‬وتكون‬ ‫الفلسطينية من‬ ‫بالدعوة إلى االحتشاد على الحدود‬ ‫النهاية ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫دوليين حول العالم‪،‬‬ ‫ناشطين‬ ‫مع‬ ‫ضامن‬ ‫بالت‬ ‫الجهات‬ ‫ة‬ ‫ف‬ ‫كا ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النكبة من العام التّالي‪.‬‬ ‫وذلك في ذكرى ّ‬ ‫أن الرواية قائمة بشكلٍ‬ ‫ً‬ ‫وبناء عليه‪ ،‬يمكننا مالحظة ّ ّ‬ ‫ثنائيتين تمثالّنهما ك ّل من نجوى‬ ‫بين‬ ‫اع‬ ‫ر‬ ‫ص‬ ‫على‬ ‫أساسي‬ ‫ٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫المخيمات‬ ‫فتاة‬ ‫لدى‬ ‫ج‬ ‫الخرو‬ ‫ثنائية االنتماء و‬ ‫ودارين‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬


‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫الضياع والبحث عن ال ّذات‬ ‫ثنائية ّ‬ ‫الفلسطينية بمواجهة ّ‬ ‫ّ‬ ‫السؤال‬ ‫لكن‬ ‫ة‪.‬‬ ‫ني‬ ‫الفلسطي‬ ‫ها‬ ‫جذور‬ ‫من‬ ‫عة‬ ‫ز‬ ‫المنت‬ ‫الفتاة‬ ‫عند‬ ‫ََ‬ ‫ّّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫الصراع؟‬ ‫يبقى‪ :‬كيف ّ‬ ‫ائي هذا ّ‬ ‫قدم لنا الفضاء ّ‬ ‫الرو ّ‬

‫المكاني‪ :‬تصارع األمكنة‬ ‫الفضاء‬ ‫ّ‬

‫ألنه‬ ‫بأهمّي ٍة‬ ‫يتمتّع المكان‬ ‫ائي ّ‬ ‫ّ‬ ‫خاصة في العمل ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرو ّ‬ ‫الحاضن الذي يغلّف األحداث ويفرض عليها طبيعته‪،‬‬ ‫تحدد‬ ‫أن الحياة‬ ‫اإلنسانية ال تقوم إالّ على أرض ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكما ّ‬ ‫يبين لنا أنطون‬ ‫ظروف تلك الحياة وطبيعتها على ّ‬ ‫حد ما ّ‬ ‫الروائي ال‬ ‫سعاده في كتابه نشوء األمم ‪ّ ،‬‬ ‫فإن الحدث ّ‬ ‫ٍ‬ ‫بقاع‬ ‫يمكن أن يقوم بال مكان أو‬ ‫أمكنة «تنقلنا بالخيال إلى ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫نتوهم ّأننا نجتازها ونسكنها»‪ .‬من‬ ‫مجهولة تجعلنا‬ ‫للحظة ّ‬ ‫الرواية يمكننا أن نجد أنفسنا‬ ‫خالل ّ‬ ‫النظر إلى األمكنة في ّ‬ ‫سيما تلك المتعلّقة‬ ‫في أماكن قد تكون مجهولةً علينا‪ ،‬ال ّ‬ ‫ئيسية إليها‪.‬‬ ‫بالمخيمات‬ ‫الر ّ‬ ‫الفلسطينية وبنظرة ال ّش ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خصية ّ‬ ‫ٍ‬ ‫عدة‪ ،‬أتت على‬ ‫مستويات‬ ‫في‬ ‫لنا‬ ‫يتمظهر‬ ‫هذا‬ ‫أن‬ ‫ّ‬ ‫على ّ‬ ‫ال ّشكل التّالي‪:‬‬

‫الممر‪:‬‬ ‫المرجعي‪/‬‬ ‫‪ .‬المكان‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫محدد تدور‬ ‫حي ٍز‬ ‫الرواية بشكل‬ ‫ٍّ‬ ‫مكاني ّ‬ ‫مباشر في ّ‬ ‫تُدخلنا ّ‬ ‫مخيم شاتيال‪ .‬إذ كان بمثابة اإلطار‬ ‫فيه حياة نجوى‪ ،‬وهو ّ‬ ‫خصية إلى جانب‬ ‫األساسي الذي ّ‬ ‫تقدمه لنا هذه ال ّش ّ‬ ‫ّ‬ ‫صديقتها دارين‪ ،‬مع األخذ بعين االعتبار الختالف نظرة‬ ‫ٍّ‬ ‫كل منهما نحو هذا اإلطار‪ .‬ويمكننا أن نرى في البداية‬ ‫الصدمة‬ ‫صورة هذا‬ ‫ّ‬ ‫المخيم بعين دارين لتعطينا نوعاً من ّ‬ ‫يظن المرء‬ ‫بسبب المشاهد التي لم تألفها العين والتي قد ال ّ‬ ‫تصرح لصديقتها نجوى‪« :‬لم‬ ‫ّأنها موجودة في األصل‪ ،‬إذ ّ‬ ‫أتصور حتّى في أسوأ الكوابيس‪ ،‬هذا الكم الهائل من‬ ‫ّ‬ ‫تسمى‬ ‫التي‬ ‫المخيفة‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫ي‬ ‫ز‬ ‫الج‬ ‫هذه‬ ‫في‬ ‫الحرمان‬ ‫و‬ ‫البؤس‬ ‫ّ‬ ‫بأنه جزيرة مخيفة هذا‬ ‫يوصف‬ ‫المخيم ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مخيم شاتيال»‪ .‬فأن َ‬ ‫يعني ّأنه ال يمكن أن يكون صالحاً للعيش في األساس‪،‬‬ ‫المادّية لهذا العيش‪ ،‬وهذا‬ ‫على األقل من ناحية ال ّشروط ّ‬ ‫العادي ليدخله‬ ‫المخيم بالتّالي من دائرة المكان‬ ‫ما أخرج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ائي‪.‬‬ ‫في إطار المكان الحاضن للحدث ّ‬ ‫الرو ّ‬ ‫أن حقيقة هذا المكان تمثل أمامنا على ٍ‬ ‫نحو أكثر‬ ‫إالّ ّ‬ ‫الرواية إلى‬ ‫إغراقاً في توصيف الواقع‪ ،‬عندما انتقلت ّ‬ ‫«الممر»‬ ‫المخيم كامالً بلفظة‬ ‫لسان نجوى التي اختصرت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عبرت عن عمق المعاناة التي تصيب اإلنسان في‬ ‫التي ّ‬ ‫الضيق الذي يوحي باالختناق‪« :‬هل‬ ‫هذا المكان بسبب ّ‬ ‫ممر؟ أن ال ينتمي إلى‬ ‫تعلمين معنى أن يولد المرء في ّ‬ ‫وطن أو ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الممر‬ ‫المخيم هو‬ ‫ممر؟‬ ‫منزل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫حقيقي‪ ،‬بل إلى ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫حيث ك ّل شيء مؤقّت‪ ،‬حيث القوافل تقتات االنتظار‬ ‫فإن هذا التّشبيه‬ ‫وتحلم بالعبور» ‪ .‬إضافةً إلى ذلك ّ‬ ‫الفلسطيني‬ ‫بالممر المؤقّت يعطينا انطباعاً عن كون حياة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فإن ك ّل‬ ‫ولذلك‬ ‫القائمة ما تزال مرتبطة بمسألة العودة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وبناء عليه يبدو الخروج من‬ ‫هذه المظاهر تبدو مؤقّتة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫«الممر» إلى رحاب المدينة‪ ،‬حسب العجائز في‬ ‫هذا‬ ‫ّ‬ ‫بحد ذاته «الخيانة العظمى» ‪.‬‬ ‫المخيم‪ ،‬هو ّ‬ ‫ّ‬ ‫المخيم‬ ‫به‬ ‫صف‬ ‫يت‬ ‫الذي‬ ‫يق‬ ‫الض‬ ‫فإن‬ ‫ذلك‪،‬‬ ‫إلى‬ ‫ة‬ ‫إضاف‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخارجية نظ اًر لكونه‬ ‫يأخذ بالتّفاقم بسبب العوامل‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫جذب للبائسين من مختلف الجنسيات وليس من‬ ‫مركز‬ ‫فإن المساحة المعطاة لهذا‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطينيين فقط‪ ،‬وبالتّالي ّ‬ ‫«الممر المؤقّت» تأخذ بالتّقلّص شيئاً فشيئاً حتّى يصبح‬ ‫ّ‬ ‫سكنياً‪ .‬وهذا األمر الذي‬ ‫حي اًز‬ ‫ّ‬ ‫أبعد ما يكون عن كونه ّ‬ ‫توضحه نجوى بالقول‪« :‬ستّة آالف الجئ يعيشون ضمن‬ ‫ٍ‬ ‫السورّيين‬ ‫أق ّل من‬ ‫كيلومتر مرّبع‪ ،‬باإلضافة إلى اللّ ّ‬ ‫بنانيين و ّ‬ ‫الجنسيات‪ .‬ما الذي يمكن توقّعه‬ ‫والبؤساء من مختلف‬ ‫ّ‬

‫دراسة‬ ‫غير ذلك؟» ‪.‬‬ ‫مخيم شاتيال فحسب‪ ،‬بل‬ ‫وال ينطبق هذا األمر على ّ‬ ‫المخيمات األخرى‪ .‬فالمعاناة تبقى واحدةً‪،‬‬ ‫يتعداه ليشمل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والمشهد يكاد يكون واحداً لوال بعض التّغييرات الطّفيفة‪.‬‬ ‫وهذا ما توضحه لنا دارين من خالل استرجاعاتها‬ ‫الزيارات التي قامت بها إلى بعضها بحثاً‬ ‫ّ‬ ‫اخلية حول ّ‬ ‫الد ّ‬ ‫مخيم مار الياس‬ ‫عمتها‪ ،‬ومنها دخولها إلى ّ‬ ‫عن حبيب ّ‬ ‫تتلخص‬ ‫مشاهداتها‬ ‫كانت‬ ‫حيث‬ ‫لنجوى‪،‬‬ ‫بمرافقة أقارب‬ ‫ّ‬ ‫[مخيم مار الياس] يضيق بأصحابه‪،‬‬ ‫«المخيم‬ ‫بالتّالي‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يلنكيون والفقراء من مختلف‬ ‫يجتاحه‬ ‫األثيوبيون والسر ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫الجنسيات‪ ،‬يبحثون عن شقّة صغيرٍة قريبة من أحياء‬ ‫ّ‬ ‫الغنية‪ .‬هذا ما أخبرتني به ليلى [ابنة خال نجوى]‬ ‫المدينة‬ ‫ّ‬ ‫الضيقة» ‪.‬‬ ‫م‬ ‫المخي‬ ‫ة‬ ‫ق‬ ‫ز‬ ‫أ‬ ‫في‬ ‫جولتنا‬ ‫خالل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لكنها تتجاوزها لتروي‬ ‫وال تتوقّف مشاهداتها عند هذا ّ‬ ‫الحد‪ّ ،‬‬ ‫مخيم برج البراجنة‬ ‫بعض حاالت البؤس التي تجري داخل ّ‬ ‫على سبيل المثال ال الحصر‪ ،‬ومنها ضعف التّنظيم في‬ ‫يؤدي‬ ‫اإلمداد‬ ‫الخاص بشبكات الكهرباء والمياه‪ ،‬حيث ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالنسبة لس ّكان‬ ‫ة‬ ‫اعتيادي‬ ‫باتت‬ ‫مخاطر‬ ‫إلى‬ ‫اختالطها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المخيم‪ ،‬مع‬ ‫قات‬ ‫ر‬ ‫ط‬ ‫المخيم‪ ،‬وجريان المياه اآلسنة وسط‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للزوار بك ّل صدق‪.‬‬ ‫ضاحكين‬ ‫ون‬ ‫ق‬ ‫يب‬ ‫انه‬ ‫ك‬ ‫س‬ ‫أن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫للرواية‬ ‫المرجعي‬ ‫الفضاء‬ ‫أن‬ ‫نلحظ‬ ‫ذلك‪،‬‬ ‫إلى‬ ‫ا‬ ‫استناد‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫يحيلنا إلى ٍ‬ ‫حال من البؤس تستطيع أن تغرق االنسان‬ ‫وقضيته التي أوصلته‬ ‫همه األساس‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطيني بعيداً عن ّ‬ ‫ّ‬ ‫يقدم لنا نافذةً لبحث‬ ‫الذي‬ ‫األمر‬ ‫وهو‬ ‫»‪،‬‬ ‫«الممر‬ ‫إلى هذا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫طبيعة التّأثير الذي يمتلكه هذا المكان في ساكنيه‪.‬‬

‫‪15‬‬ ‫سنة البقاء لألقوى‪ ،‬فتقول‪« :‬أنا‬ ‫جمع‬ ‫البدائي الذي يتّبع ّ‬ ‫التّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫نشأت في ٍ‬ ‫بالضرب‪ .‬ك ّل‬ ‫الناس يقاومون القهر‬ ‫بنية حيث ّ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫و ٍ‬ ‫الزوج يضرب امرأته‬ ‫منه‪.‬‬ ‫أضعف‬ ‫هو‬ ‫ن‬ ‫م‬ ‫يضرب‬ ‫احد‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫األم تضرب أوالدها‪ ،‬واألخوة يضرب بعضهم‬ ‫وأوالده‪ ،‬و ّ‬ ‫كنت األضعف‪ . »..‬ومن هذا المنطلق نرى‬ ‫بعضاً‪ ...‬أنا ُ‬ ‫الحيز المكاني تش ّكل‬ ‫كيانية داخل هذا ّ‬ ‫دخوالً في قضايا ّ‬ ‫صورة عن المجتمع فيه وحتّى في محيطه كك ّل‪ ،‬وأعني‬ ‫هنا تمثيالً لصورة مجتمعات العالم الثّالث‪ .‬إذ يمكننا أن‬ ‫نق أر من خالل هذا المقطع حضو اًر لحال المرأة بوصفها‬ ‫الحلقة األضعف في المجتمع‪ ،‬وبالتّالي العنصر األكثر‬ ‫الضغط والعنف‪.‬‬ ‫تلقياً لممارسات ّ‬ ‫ّ‬ ‫المكاني الذي يمثّله‬ ‫لإلطار‬ ‫ز‬ ‫ا‬ ‫تمي‬ ‫يلحظ‬ ‫ئ‬ ‫القار‬ ‫أن‬ ‫ًّ‬ ‫إالّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫المخيم في بعض الجوانب عن غيره من المجتمعات‪ ،‬إو�ن‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫هروبي ٍة تعمل على الفرار‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫بصو‬ ‫نجوى‬ ‫لسان‬ ‫على‬ ‫ورد‬ ‫ّ‬ ‫من الواقع بدالً من مواجهته‪ ،‬إو�ن كان يحضر من خالل‬ ‫ي‪ .‬فوضع المرأة‬ ‫الثّغرات التي يعاني منها القانون العنصر ّ‬ ‫المخيم يختلف عنه في الخارج‪ ،‬وهو األمر الذي يدفع‬ ‫في‬ ‫ّ‬ ‫نجوى إلى استغالله وفق نظرتها التّالية‪« :‬دارين العزيزة‪،‬‬ ‫للفلسطينيين فسحة تسمح للمرأة‬ ‫يحق‬ ‫إن القانون الجائر ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مصرة على احتاللها واستغاللها‬ ‫أنا‬ ‫و‬ ‫جل‪،‬‬ ‫الر‬ ‫على‬ ‫ق‬ ‫فو‬ ‫بالت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫لبنانيةً ال‬ ‫ج‬ ‫تزو‬ ‫إن‬ ‫الفلسطيني‬ ‫جل‬ ‫فالر‬ ‫األقصى‪.‬‬ ‫الحد‬ ‫إلى ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بناني المرأة من‬ ‫يحصل على ّ‬ ‫أي امتياز إذ يمنع القانون اللّ ّ‬

‫ي‪:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فاعلية المكان‪ /‬األثر القسر ّ‬

‫المكان‪/‬الممر هذا تأثيره الواضح في ال ّذات‬ ‫مارس‬ ‫ّ‬ ‫ائي‪ ،‬ولع ّل المالحظة األولى‬ ‫الفلسطينية داخل ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحيز ّ‬ ‫الرو ّ‬ ‫عملية االلتصاق بوثيقة‬ ‫التي نجدها في هذا التّأثير هي ّ‬ ‫الزرقاء» على‬ ‫الفلسطيني‬ ‫الالّجئ‬ ‫المسماة بـ»الوثيقة ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يخبئ األثر‬ ‫لسان نجوى‪،‬‬ ‫وكأن هذا الوصف يريد أن ّ‬ ‫ّ‬ ‫لبي الذي يولّده التّعبير األصلي عنها‪ ،‬والذي قد يكمن‬ ‫ّ‬ ‫الس ّ‬ ‫جرد من الحقوق‬ ‫بالت‬ ‫ر‬ ‫ك‬ ‫يذ‬ ‫الذي‬ ‫اإلطار‬ ‫من‬ ‫الهرب‬ ‫في‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫اإلنسانية‪ .‬األمر الذي‬ ‫المدنية و‬ ‫القومية والحقوق‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوطنية و ّ‬ ‫ّ‬ ‫بأنها‬ ‫الوثيقة‬ ‫وصف‬ ‫خالل‬ ‫من‬ ‫أكبر‬ ‫نحو‬ ‫على‬ ‫ضح‬ ‫يتّ‬ ‫ّ‬ ‫الممر وتدفننا فيه»‪.‬‬ ‫«تلك التي تحشرنا في‬ ‫ّ‬ ‫الممر أو في المكان‬ ‫أن هذا «الحشر» في‬ ‫على ّ‬ ‫ّ‬ ‫طياته مجموعةً من‬ ‫الضيق المعروف‬ ‫بالمخيم يحمل في ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العام فتسم‬ ‫الحياة‬ ‫ى‬ ‫مجر‬ ‫في‬ ‫ا‬ ‫سلب‬ ‫ر‬ ‫ث‬ ‫تؤ‬ ‫التي‬ ‫المعطيات‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫عدة منها‬ ‫المجتمع المحصور داخل حدودها بمو‬ ‫اصفات ّ‬ ‫خاص بهذا‬ ‫العام‪ ،‬ومنها ما هو‬ ‫ّ‬ ‫ما هو مشترك مع المحيط ّ‬ ‫الحيز‪ .‬فعلى سبيل المثال‪ ،‬نرى صورة المجتمع الذي ال‬ ‫ّ‬ ‫أي آخر‪ ،‬ال بل ال يمكن أن يعترف‬ ‫ل‬ ‫يتقب‬ ‫أن‬ ‫يمكنه‬ ‫أي ر ٍ‬ ‫ّ ّ‬ ‫السياق يأتي كالم نجوى‪:‬‬ ‫هذا‬ ‫وفي‬ ‫به في األساس‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫بالنظرٍة‬ ‫«أنسيت ّأننا ننتمي إلى‬ ‫ٍ‬ ‫مجتمع ال يؤمن إالّ ّ‬ ‫األحادية وينسى ك ّل ما ال يرتبط مباشرةً باقتناعاته؟» ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أن مفهوم الحرّيات بعامة يأخذ‬ ‫ى‬ ‫نر‬ ‫المنطلق‪،‬‬ ‫هذا‬ ‫ومن‬ ‫ّ‬ ‫المخيم‪ ،‬فإلى جانب انعدام حرّية‬ ‫بالتّقلّص داخل حدود‬ ‫ّ‬ ‫أن الحصار يعمل على تضييق مساحة‬ ‫الرأي‪ ،‬نالحظ ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن زاوية‬ ‫إذ‬ ‫ة‪.‬‬ ‫الفردي‬ ‫ة‬ ‫ي‬ ‫الحر‬ ‫لتشمل‬ ‫ا‬ ‫فشيئ‬ ‫ً‬ ‫الحرّية شيئاً‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫انتفاء حتّى في‬ ‫تبين‬ ‫لنا‬ ‫مها‬ ‫تقد‬ ‫التي‬ ‫ؤية‬ ‫الر‬ ‫ّ‬ ‫الراوية نجوى ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خصية‪ ،‬حيث تتداخل األصوات بين المساكن‪،‬‬ ‫الحرّية ال ّش ّ‬ ‫ّ‬ ‫كأنه مباح أمام ما‬ ‫ولتختفي‬ ‫خصوصية البيت ويصبح ّ‬ ‫ّ‬ ‫فسي ‪.‬‬ ‫يحيط به من ضجيج يبعث على الخنق ّ‬ ‫الن ّ‬ ‫أن تأثير المكان يبدو أكثر تنامياً في‬ ‫السياق نفسه‪ ،‬نجد ّ‬ ‫في ّ‬ ‫القيمية‪ ،‬إذ‬ ‫هيكلية المجتمع‬ ‫نظر نجوى ليشمل‬ ‫األخالقية و ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن مفهوم المجتمع نفسه ينتفي لمصلحة حضور مفهوم‬ ‫ّ‬

‫الفلسطينية‪ ،‬إن تم ّكنت‬ ‫الجنسية‪ .‬بينما المرأة‬ ‫منح أبنائها‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لبناني‪ ،‬تكون قد وصلت إلى المنفذ‬ ‫من العثور على زوج‬ ‫ّ‬ ‫الضوء»‪.‬‬ ‫الذي يسمح لها وألوالدها بالخروج إلى ّ‬ ‫الرواية خصوصاً‪،‬‬ ‫أما التّأثير األخطر للمكان في أحداث ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫عام‪ ،‬فيتجلّى في الواقع‬ ‫بشكل‬ ‫الفلسطيني‬ ‫االنسان‬ ‫وفي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ياسي المزري الذي يفصل هذا ال ّشعب‬ ‫االجتماعي‪ّ -‬‬ ‫الس ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرواية من خالل‬ ‫قضيته المحورّية‪ ،‬والذي ّ‬ ‫عن ّ‬ ‫تقدمه لنا ّ‬ ‫االنقسام الحاضر داخل العائلة الواحدة‪« :‬عائلتنا صورة‬ ‫المتعصب‬ ‫الفلسطيني المف ّكك و‬ ‫مصغرة عن المجتمع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫صدع‬ ‫بالت‬ ‫صف‬ ‫تت‬ ‫المجتمع‬ ‫هذا‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫فصو‬ ‫كه»‪،‬‬ ‫لتف ّك‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫يتم استغالله من أجل إبعاد‬ ‫ياسي‪ -‬الفكر ّ‬ ‫ّ‬ ‫ي الذي ّ‬ ‫الس ّ‬ ‫ال ّشعب الفلسطيني عن الخوض في الصراع على قاعدةٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جاد للوصول إلى أهداف‬ ‫ثابتة ومن خالل‬ ‫تخطيط ّ‬ ‫الصراع‬ ‫الحرّية والعودة‪ ،‬وذلك انطالقاً من ّ‬ ‫الدخول في ّ‬ ‫ضد‬ ‫اع‬ ‫ر‬ ‫الص‬ ‫من‬ ‫الحاد بين أبناء‬ ‫القضية الواحدة بدالً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التوجهات‬ ‫عند‬ ‫األمر‬ ‫ف‬ ‫ق‬ ‫يتو‬ ‫ال‬ ‫و‬ ‫األرض‪.‬‬ ‫و‬ ‫الحقوق‬ ‫سالبي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المخيم ميداناً لدخول‬ ‫يصبح‬ ‫ياسية والفكرّية القائمة‪ ،‬بل‬ ‫ّ‬ ‫الس ّ‬ ‫ّ‬ ‫يبة ومريبة‪ ،‬وبالتّالي لتفتّ ٍ‬ ‫أفكار غر ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وتشرٍد أكبر‪:‬‬ ‫أكبر‬ ‫ت‬ ‫ّ‬ ‫«ك ّل ٍ‬ ‫يوم يظهر تنظيم جديد‪ ،‬ويحمل اسماً مختلفاً ووعوداً‬ ‫عما يمأل فراغهم بوهم‬ ‫جديدةّ لل ّشّبان الذين يبحثون ّ‬ ‫النضال‪ ،‬أو جيوبهم بأموال مجهولة المصدر»‪ .‬لعلّنا‬ ‫ّ‬


‫‪16‬‬

‫دراسة‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫الخاصة المتعلّقة‬ ‫نرى في هذا األمر تمهيداً لظهور الحال‬ ‫ّ‬ ‫بـ»كريم» في عائلة نجوى‪ ،‬إذ اتّضح لنا ّأنه انخرط في‬ ‫مخيم نهر البارد‪ ،‬وأخذ‬ ‫إحدى المنظّمات‬ ‫ّ‬ ‫المتشددة في ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل مختلف عن تربية تلك العائلة وقيمها‪.‬‬ ‫يتصرف‬ ‫ّ‬ ‫وهنا نكتشف خطورة التّأثير ألن يكون اإلنسان جزءاً من‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫محسوبة تغرق سكانه‬ ‫لسياقات غير‬ ‫المخيم‪ ،‬فهو عرضة‬ ‫ّ‬ ‫في ٍ‬ ‫مآس أخرى فوق ما عرفوه‪ ،‬ليس أقلّها فقدان األبناء‬ ‫ٍ‬ ‫النضال من أجل العودة‬ ‫مج ٍّ‬ ‫اني أبعد ما يكون عن ّ‬ ‫بشكل ّ‬ ‫وطرد االحتالل‪.‬‬

‫الدم‪:‬‬ ‫ذهنياً‪ /‬ذاكرة ّ‬ ‫‪ .‬المكان ّ‬

‫المخيم في‬ ‫كونته األحداث عن‬ ‫يدخلنا ذلك ّ‬ ‫ّ‬ ‫النقاش في ما ّ‬ ‫ٍ‬ ‫مكانية‬ ‫مجرد مساحة‬ ‫المخيم ال‬ ‫األذهان‪ ،‬فحدود‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تضم ّ‬ ‫ّ‬ ‫تضم تاريخاً حافالً من العذابات والمآسي‬ ‫عادية‪ ،‬بل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والحروب‪ .‬لذا نق أر من وجهة نظر دارين عن ارتباط لفظة‬ ‫«كأنها حرب وراء حرب‪ ،‬والخيوط‬ ‫المخيم بالحروب‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫أوكار‬ ‫ممتدة إلى‬ ‫ع‪،‬‬ ‫ق‬ ‫نتو‬ ‫ا‬ ‫مم‬ ‫أطول‬ ‫تبدو‬ ‫كها‬ ‫تحر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التي ّ‬ ‫ّ‬ ‫المخيمات ملعب مفتوح أمام العبين يمارسون‬ ‫مخفية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فيه اختباراتهم»‪.‬‬ ‫ائي‪ ،‬نتفاعل مع هذه الحروب من خالل‬ ‫في ّ‬ ‫السياق ّ‬ ‫الرو ّ‬ ‫غسان‬ ‫عملية البحث التي تقوم بها دارين عن ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدكتور ّ‬ ‫الس‬ ‫الخيط‬ ‫هذا‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫يش‬ ‫حيث‬ ‫الخطيب‪،‬‬ ‫ردي مسا اًر مطّرداً‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫المخيمات في‬ ‫يعرفنا بعمق المعاناة التي عاشها أهالي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ظل المجازر‪ ،‬ولكن من ز ٍ‬ ‫اوية تعمل على مقاربة المشاعر‬ ‫هني للمكان‪ ،‬إذ‬ ‫التي تركتها فيهم‪ .‬هنا يكمن الحضور ال ّذ ّ‬ ‫مرت على هذا ال ّشعب ارتبطت‬ ‫ّ‬ ‫أن تاريخ المجازر التي ّ‬ ‫ٍ‬ ‫بالمخيمات‪ ،‬ما أثار في ذات‬ ‫أدق‬ ‫نحو‬ ‫على‬ ‫أو‬ ‫بالمكان‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطيني ال ّشعور باليأس والموت‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يتحول‬ ‫تنطبق هذه الحال على والد نجوى‪ ،‬حينما‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫خصية مع‬ ‫إلى‬ ‫صوت رو ٍّ‬ ‫ائي ليسرد علينا تجربته ال ّش ّ‬ ‫ِ‬ ‫يومياتنا ّأيام‬ ‫الزعتر» فيقول‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫مجزرة «ت ّل ّ‬ ‫«سأحدثك عن ّ‬ ‫ضد الجوع‪ ،‬عن انقطاع المواد‬ ‫الحصار‪ ،‬عن صراعنا ّ‬ ‫بائي وعن العدس‬ ‫الطّّبّية [‪ ]...‬عن انقطاع ّ‬ ‫التيار الكهر ّ‬ ‫الذي غدا‪ ،‬في المرحلة الثّانية من الحصار‪ ،‬طعامنا‬ ‫الوحيد [‪ ]...‬وانقطاع الماء‪ ...‬والقسطل الوحيد الذي كان‬ ‫يروي ثالثين ألف نسمة طوال اثنين وخمسين يوماً‪ ..‬غدا‬ ‫كنا نخوضها دون شجاعة‬ ‫مصيدة [‪ ]...‬والمعارك التي ّ‬ ‫فعلية‪ ،‬مدفوعين فقط بغريزة البقاء» ‪ .‬ويتابع سرده في‬ ‫ّ‬ ‫أمه‬ ‫فيها‬ ‫استشهدت‬ ‫التي‬ ‫حظات‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫لنا‬ ‫ن‬ ‫ليبي‬ ‫آخر‬ ‫موضع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأخته بوصفهما جزءاً من ضحايا المجزرة أثناء القصف‬ ‫المخيم‪ .‬وهذا ما جعل المكان المذكور‪ ،‬أعني «ت ّل‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫فسي لدى والد نجوى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الزعتر»‪ ،‬ال يرتبط إالّ باأللم ّ‬ ‫الن ّ‬ ‫غيرت حياة‬ ‫نظ اًر لكونه ممثّالً لضحايا هذ المجزرة التي ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ي‪ ،‬وهو ما يعلنه بنفسه‬ ‫مر فيها‬ ‫بشكل جذر ّ‬ ‫ك ّل َمن ّ‬ ‫كنت شخصاً آخر‪ ...‬هناك‬ ‫معلناً‪« :‬قبل ت ّل ّ‬ ‫الزعتر‪ُ ،‬‬ ‫عرتني‬ ‫فقدت الطّبقة األولى من تلك ال ّش ّ‬ ‫ُ‬ ‫خصية‪ .‬بعدها ّ‬ ‫التّجارب من الطّبقات األخرى»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل أكبر في ذهن الوالد الذي‬ ‫تتطور‬ ‫ذاكرة المكان‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫يرافقه التّأثّر حتّى بعد ٍ‬ ‫زمن طويل على تلك األحداث‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بمكان‬ ‫فتتضخم ال ّذاكرة لتشمل تجاربه األخرى المرتبطة‬ ‫ّ‬ ‫هنية في فكره؛ وهو المكان الذي‬ ‫ذ‬ ‫ال‬ ‫ته‬ ‫ر‬ ‫صو‬ ‫حفر‬ ‫آخر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ارتبط بالمجزرة ال ّشهيرة المعروفة بـ»صب ار وشاتيال»‪ ،‬وهو‬ ‫الرواية‪.‬‬ ‫المكان الذي ما يزال قائماً فيه ضمن حاضر ّ‬ ‫ولع ّل تعاظم منسوب األلم الذي لم يفتأ يشعر به جعله‬ ‫لوحشية المشاهد التي عاشها‬ ‫الصمت التّام‪ ،‬نظ اًر‬ ‫ّ‬ ‫يؤثر ّ‬ ‫تضمنته هذه‬ ‫والتي تنقلها زوجته لدارين‪ ،‬مع كل ما‬ ‫ّ‬ ‫ثم سقوط‬ ‫المشاهد من ذكريات إصابته ّ‬ ‫بالساق‪ ،‬وسقوطه ّ‬ ‫لمدة يومين والتهامه الخبز‬ ‫جثّة صديقه فوقه‪ ،‬واختباؤه ّ‬

‫اليابس ليسد شيئاً من جوعه‪.‬‬ ‫محددة في‬ ‫أن المكان ش ّكل ذاكرةً ّ‬ ‫ُيبرز هذا كلّه كيف ّ‬ ‫المخيم‪ ،‬هي ذاكرة المأساة التي يراد لها أن‬ ‫أذهان أهالي‬ ‫ّ‬ ‫تكون عامالً ّأول من عوامل االنهزام واالنكسار والخوف‪،‬‬ ‫ألنها مأساة تسعى إلى تدمير ال ّذات إو�لى االستسالم‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫األمر الذي أتى على لسان والد نجوى بصيغة تساؤل‬ ‫لبية منه‪« :‬ما الذي يمكن أن‬ ‫الس ّ‬ ‫ّ‬ ‫يبين تملّك تلك المشاعر ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ينقذك‬ ‫ينقذك بعد أن تخوضي تجربةً كالمجزرة؟ ما الذي‬ ‫من الخوف والقرف والجنون؟‪.‬‬ ‫المخيم‪ ،‬تمثل‬ ‫بعد استيعاب ك ّل ما سبق عن فضاء‬ ‫ّ‬ ‫أمامنا نجوى من جديد بسعيها إلى الفكاك من جوانب‬ ‫يتحول‬ ‫المآسي تلك‪ ،‬والتي قد ّ‬ ‫يبرر لها البعض ذلك‪ ،‬وقد ّ‬ ‫ٍ‬ ‫عام ٍة تنسحب على ال ّشريحة األكبر‬ ‫طموحها إلى حال ّ‬ ‫السؤال الذي يطرح نفسه هنا‪:‬‬ ‫من متّحد‬ ‫ّ‬ ‫المخيم‪ .‬لكن ّ‬ ‫المخيم أمام‬ ‫كيف سيبدو العالم الذي يقع خارج أسوار‬ ‫ّ‬ ‫سي َّ‬ ‫قدم لنا؟‬ ‫القارئ؟ وكيف ُ‬

‫المكاني لـ «آخر»‪ /‬فساد الج ّنة‪:‬‬ ‫‪ .‬الحضور‬ ‫ّ‬

‫أن صورة العالم الخارجي بعد هذا كلّه‬ ‫قد يظهر للقارئ ّ‬ ‫المخيم‪ ،‬كما‬ ‫بالنسبة إلى قاطني‬ ‫الجنة الموعودة ّ‬ ‫ستكون ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالنسبة لنجوى‪ .‬ولع ّل هذا ما يتّضح‬ ‫بالفعل‬ ‫كان كذلك‬ ‫ّ‬ ‫العدو بصبغته‬ ‫من خالل نظرتها إلى المكان الذي وسمه ّ‬ ‫الناحية‬ ‫فبدا نقيضاً‬ ‫سيما من ّ‬ ‫للمخيم من ك ّل ّ‬ ‫النواحي‪ ،‬ال ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن استرجاعها لرؤية األراضي‬ ‫المدنية ‪ -‬العمر ّ‬ ‫ّ‬ ‫انية‪ ،‬إذ ّ‬ ‫ألول‬ ‫بناني‬ ‫ل‬ ‫ال‬ ‫الجنوب‬ ‫جهة‬ ‫من‬ ‫ة‬ ‫ل‬ ‫المحت‬ ‫ة‬ ‫الفلسطيني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬

‫مرة بعد التّحرير في العام ‪ ،2000‬أظهر إحداث نوٍع‬ ‫ّ‬ ‫الصدمة فيها نظ اًر للفارق الكبير من حيث ال ّشكل‬ ‫من‬ ‫ّ‬ ‫المخيمات‪« :‬أنا لم‬ ‫وبين‬ ‫المناطق‬ ‫هذه‬ ‫بين‬ ‫األقل‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫أستطع أن أنتزع نفسي من موقعي قرب ال ّشريط‪ ،‬أراقب‬ ‫ٍ‬ ‫بغيظ بيوت مستعمرة المطلّة الجميلة‪ ،‬طرقاتها نظيفة‬ ‫حدي‬ ‫وأشجارها المصطفّة بانتظام‪ .‬األشجار ش ّكلت التّ ّ‬ ‫إلي‪ ،‬أكثر من الطّرقات والمنازل وجنود‬ ‫األكبر ّ‬ ‫بالنسبة ّ‬ ‫االحتالل»‪.‬‬ ‫تحس به نجوى‬ ‫يلفت نظر القارئ هنا هذا الغيظ الذي ّ‬ ‫ألن هذا الجانب هو الذي ش ّكل‬ ‫بسبب مقارنتها تلك ّ‬ ‫المخيم‪ .‬والالفت أكثر‬ ‫السعي لالنفصال عن‬ ‫ّ‬ ‫دافعها إلى ّ‬ ‫في كالمها هذا هو التّركيز على رمزّية «األشجار»‬ ‫المكاني وبين‬ ‫المخيم‬ ‫حيز‬ ‫التي ش ّكلت ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحد الفاصل بين ّ‬ ‫ّ‬ ‫العدو إلى جانب دقّة التّنظيم‬ ‫الحيز المكاني الذي يشغله‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النظافة‪ ،‬وهي األمور التي افتقدتها نجوى‪،‬‬ ‫على‬ ‫الحرص‬ ‫و‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بالغية بسيطة ولكن‬ ‫فأوضحت ذلك في شكل مقابلة‬ ‫ّ‬ ‫أن‬ ‫معبرة‪« :‬نحن ّ‬ ‫ّ‬ ‫أي ّ‬ ‫نغني وهم يزرعون ال ّشجر» ‪ّ ،‬‬ ‫عملية إدارة‬ ‫أتقن‬ ‫العدو‬ ‫بينما‬ ‫ح‬ ‫بج‬ ‫الت‬ ‫احترفت‬ ‫شعوبنا‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫المكان وتنظيمه‪ ،‬وهذا ما ش ّكل في ذهنها هاجس الخروج‬ ‫عن مكان نشأتها‪.‬‬ ‫أن هذا الهاجس بدأ يتبلور من خالل صداقة نجوى‬ ‫على ّ‬ ‫عرف على ٍ‬ ‫مكان‬ ‫بدارين‪ ،‬إذ فتحت لها الباب من أجل التّ ّ‬ ‫لكن الحصول على هذه الفرصة‬ ‫آخر مناقض لما تعرفه‪ّ .‬‬ ‫النطرة األولى نحوها‬ ‫ألن ّ‬ ‫لم يكن كما تنشده نجوى‪ّ ،‬‬ ‫أبرزت استهجاناً واضحاً‪ ،‬وبالتّالي نوعاً من العنصرّية‬


‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫يني أو انتمائها‬ ‫على صعيدين‪ :‬على صعيد انتمائها ّ‬ ‫الد ّ‬ ‫الوطني‪ ،‬ويتّضح ذلك بقول نجوى نفسها‪« :‬كان الجميع‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫كوكب آخر‪ ،‬ألم تستقبلوا‬ ‫كأنني قادمة من‬ ‫ينظرون‬ ‫إلي ّ‬ ‫ّ‬ ‫من قبل مسلماً في منزلكم؟ ال تشعري بالحرج‪ .‬ال ّذنب‬ ‫ليس ِ‬ ‫ذنبك» ‪ .‬وعند الغوص في خفايا ذلك البيت بوصفه‬ ‫المكاني الثّاني أمام نجوى‪ ،‬نالحظ تف ّككاً من‬ ‫النموذج‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فسية في العائلة تتجلّى في التّوتّر المتواصل‬ ‫الن‬ ‫الناحية‬ ‫ّ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫تبينه‬ ‫ما‬ ‫خالل‬ ‫من‬ ‫ادها‪،‬‬ ‫ر‬ ‫أف‬ ‫لدى‬ ‫نفسي‬ ‫ار‬ ‫ر‬ ‫وانعدام استق‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫الجو في بيتنا يسيطر عليها مزاج والدتي‪،‬‬ ‫دارين‪« :‬حال ّ‬ ‫أمي غارقة في المؤامرات‪،‬‬ ‫سواء أصافياً كان أم متقلّباً‪ّ .‬‬ ‫يوميةٍ‬ ‫ٍ‬ ‫ترى الجميع متحالفين ّ‬ ‫ضدها‪ ،‬وهي في مواجهة ّ‬ ‫ابتداء من والدي الذي راح يتلهّى عن كيدها‬ ‫مع الجميع‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وبالسهرات والحفالت‪ ،‬إلى زوجات‬ ‫ساء‬ ‫الن‬ ‫بمطاردة ّ‬ ‫ّ‬ ‫عمتي لم‬ ‫أعمامي اللّواتي يكلن لها ّ‬ ‫الصاع صاعين‪ .‬حتّى ّ‬ ‫تشنها في‬ ‫الضارية التي ّ‬ ‫تسلم من نميمتها ومن الحروب ّ‬ ‫أن مكاناً كهذا ال يمكن‬ ‫العلن والخفاء» ‪ .‬ومن الواضح ّ‬ ‫مؤهالت‬ ‫أن يكون إطا اًر‬ ‫مثالياً للعيش‪ّ ،‬‬ ‫ألنه ال يمتلك ّ‬ ‫ّ‬ ‫تظنها نجوى‪ ،‬إو�ن بدا كذلك في‬ ‫الراحة التي ّ‬ ‫االستقرار و ّ‬ ‫الظّاهر‪.‬‬ ‫نموذجيةً‪،‬‬ ‫أن المكان الذي يحضر بوصفه األكثر‬ ‫ّ‬ ‫غير ّ‬ ‫ني‬ ‫بالنسبة لل ّشباب‬ ‫الجنة المنشودة ّ‬ ‫أو بوصفه ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطي ّ‬ ‫ٍ‬ ‫األوروبي‪ ،‬حيث‬ ‫بي‪ ،‬وبالتّحديد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بعامة‪ ،‬فهو العالم الغر ّ‬ ‫قافي كما‬ ‫ث‬ ‫ال‬ ‫و‬ ‫ي‬ ‫الحضار‬ ‫نظيم‬ ‫الت‬ ‫و‬ ‫اإلنسان‬ ‫وحقوق‬ ‫ة‬ ‫ي‬ ‫الحر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هو مفترض‪ .‬وقد ش ّكل الوصول إلى هذا المكان في‬ ‫أساسياً لكونه يمثّل الخالص من عناصر‬ ‫الرواية طموحاً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الفردية‪ ،‬إذ تصفه نجوى‬ ‫ة‬ ‫ي‬ ‫الحر‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫ومحاص‬ ‫البؤس‬ ‫ّ‬ ‫ّّ‬ ‫الجنة» ‪ .‬وقد برز هذا المكان من خالل‬ ‫ّ‬ ‫بأنه «بوابة ّ‬ ‫فاألول سعى إلى‬ ‫وجالل‪.‬‬ ‫ياسر‬ ‫قيقين‪:‬‬ ‫ش‬ ‫ال‬ ‫تي‬ ‫شخصي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫عية عبر تركيا‪ ،‬مع ما‬ ‫شر‬ ‫غير‬ ‫يقة‬ ‫ر‬ ‫بط‬ ‫ألوروبا‬ ‫السفر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الد ّجالين وخفر‬ ‫في‬ ‫ل‬ ‫ث‬ ‫تتم‬ ‫ة‬ ‫جم‬ ‫مخاطر‬ ‫من‬ ‫ذلك‬ ‫نه‬ ‫تضم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫السالمة‪ ...‬وهي المخاطر التي‬ ‫عناصر‬ ‫ة‬ ‫ل‬ ‫وق‬ ‫احل‬ ‫السو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أودت بحياته أثناء رحلته الموعودة على متن زورق متّجهٍ‬ ‫األول الذي‬ ‫نحو جزيرة رودس ‪ .‬ما يعني ّ‬ ‫أن االحتمال ّ‬ ‫عرض‬ ‫ّ‬ ‫يقدمه هذا المكان هو الموت أو على األق ّل التّ ّ‬ ‫لالحتيال واالعتقال‪.‬‬ ‫شخصية جالل‪ ،‬فقد مثّلت الذين نجحوا في‬ ‫أما‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األوروبية‪.‬‬ ‫ول‬ ‫الد‬ ‫إحدى‬ ‫في‬ ‫ار‬ ‫ر‬ ‫لالستق‬ ‫ا‬ ‫و‬ ‫ووصل‬ ‫العبور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وانطالقاً من اعتقادات نجوى‪ ،‬يجب أن تكون حياته‬ ‫أن حوار‬ ‫بالراحة و‬ ‫ّ‬ ‫االستقاللية وتحقيق ال ّذات‪ .‬إالّ ّ‬ ‫تتّسم ّ‬ ‫أن هذا المكان أيضاً ليس‬ ‫جالل معها يوضح لها ولنا ّ‬ ‫المفترضة‪« :‬نجوى‪ ،‬ليس الح ّل هنا أيضاً‪ ،‬حيث‬ ‫بالجنة‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫النظيفة‪ ،‬حيث األحياء التي تتنافس‬ ‫الطّرقات الواسعة و ّ‬ ‫الدقيق‬ ‫النظام ّ‬ ‫في زراعة األزهار‪ ،‬حيث الخضرة ّ‬ ‫الدائمة و ّ‬ ‫جد واجتهد‪ ،‬على‬ ‫والعلم والطّبابة وفرص العمل لمن ّ‬ ‫ظاميين» ‪ .‬ويشرح‬ ‫بالنسبة إلى س ّكان البالد ّ‬ ‫األق ّل ّ‬ ‫الن ّ‬ ‫للمخيم‪ ،‬ولكن‬ ‫أن هذا المكان نقيض بالفعل‬ ‫ّ‬ ‫لها كيف ّ‬ ‫وحشية الوحدة وانعدام أي‬ ‫ليس نحو األفضل بل نحو‬ ‫ّ‬ ‫حي اًز‬ ‫أن هذا العالم‬ ‫يتضمن ّ‬ ‫مفهوم للمساعدة‪ ،‬وكيف ّ‬ ‫ّ‬ ‫الضواحي‪ ،‬مع‬ ‫شبيهاً‬ ‫فلي أي ّ‬ ‫ّ‬ ‫سماه «العالم ّ‬ ‫بالمخيم ّ‬ ‫الس ّ‬ ‫ٍ‬ ‫أساسي هو سيطرة حال الوحدة عليه ‪.‬‬ ‫اختالف‬ ‫ٍّ‬ ‫في خالصة القول حول هذا الجانب‪ ،‬يظهر لنا الحضور‬ ‫المكاني لآلخر أبعد ما يكون عن كونه خالصاً‪ ،‬أو‬ ‫ّ‬ ‫ألنه‬ ‫«جنةً»‪ ،‬بك ّل مستوياته‪ ،‬ولذلك لم يكن هو الح ّل‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫األخالقي‪ .‬فهل من‬ ‫االنحطاط‬ ‫و‬ ‫الفساد‬ ‫امل‬ ‫و‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫تضم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ثغرٍة في جدار اإلحباط هذا؟‬

‫‪ .‬ف ّن ّية المكان‪ /‬طريق ال ّنضال‪:‬‬

‫الرواية من خالل تحويل أمكنة صغيرة‬ ‫تظهر ّ‬ ‫الفنية في ّ‬

‫دراسة‬ ‫ٍ‬ ‫المكانية ومن ناحية‬ ‫الناحية‬ ‫إلى‬ ‫مساحات أوسع من ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلرث أو الطموحات‪ ،‬وينجح ذلك باستعمال تقنية تناوب‬ ‫مكانيين متباعدين ظاه اًر‬ ‫الرواية‪ ،‬ما يعطينا إطارين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يصبان في الغاية نفسها التي يطمح إليها العمل‪.‬‬ ‫ولكن ّ‬ ‫السياق‪ ،‬من خالل تيار‬ ‫األول‪ ،‬في هذا ّ‬ ‫يبرز لنا المكان ّ‬ ‫الوعي الذي ينشط لدى دارين ليعيدنا إلى طفولتها‪ ،‬إذ‬ ‫بالنسبة إليها‬ ‫كان الموضع األكثر‬ ‫حميميةً واطمئناناً ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخاص‬ ‫جدتها حيث كانت تعيش في عالمها‬ ‫هو خزانة ّ‬ ‫ّ‬ ‫أن هذا‬ ‫اقعي ‪ .‬غير ّ‬ ‫ومستقبلها الواعد بعيداً عن عالمها الو ّ‬ ‫يبق على حاله في شبابها‪،‬‬ ‫اإلطار‬ ‫الضّيق لم َ‬ ‫المكاني ّ‬ ‫ّ‬ ‫تحول إلى بانوراما عن المسيرة األولى لعائلتها التي‬ ‫ّ‬ ‫ألنه ّ‬ ‫تام من قبل أبويها‪ .‬لذا‬ ‫شرعت تبحث عنها في ظل إنكار ٍّ‬ ‫تقوم باإلعالن‪« :‬هذه الخزانة تحوي اليوم رسائل توقظ‬ ‫حبذا‬ ‫حب وأحالم وبطوالت وانكسارات‪ّ .‬‬ ‫الماضي‪ ،‬فيها ّ‬ ‫أتكوم داخلها‪ ،‬كما في الماضي‪ ،‬حين‬ ‫لو‬ ‫ُ‬ ‫استطعت أن ّ‬ ‫الصغير‪ .‬في الخزانة حكايا‬ ‫كانت المساحة تتّسع لجسدي ّ‬ ‫عن ٍ‬ ‫وطن تضاءل فبات ال يتّسع لحاضرنا أو مستقبلنا‪،‬‬ ‫وفيها مفتاح‪ ،‬كما المفتاح المعلّق عند المدخل في بيت‬ ‫نجوى»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫عملي عندما تأخذ دارين‬ ‫تضخم هذا الخزانة بشكل‬ ‫ونرى‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫الرسائل والمذ ّكرات التي كتبها‬ ‫بقراءة ما وجدته فيها من ّ‬ ‫أبع كما فعل بعضهم‪.‬‬ ‫جداها‪ ،‬ومنها قول ّ‬ ‫ّ‬ ‫جدها‪« :‬لم ْ‬ ‫بحجة األرض وضعتها داخل قميصي يوم‬ ‫احتفظت‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫الرحيل‪ .‬ما زلت أؤمن ّأنها ستفيدنا يوماً ما وستعيد لنا‬ ‫ّ‬ ‫أرضنا»‪.‬‬ ‫الضيق هو الذي‬ ‫استناداً إلى ذلك‪ ،‬قد يكون هذا المكان‬ ‫ّ‬ ‫الدخول في حياة نجوى بحثاً عن االنتماء‬ ‫دعا دارين إلى ّ‬ ‫الفلسطي ّنية‪ ،‬كما كان له األثر في دفع‬ ‫إلى جذورها‬ ‫ّ‬ ‫غير في الفعل والتّفكير‪ .‬األمر الذي‬ ‫حياة نجوى إلى التّ ّ‬ ‫اإللكتروني معها‪« :‬عظيم‬ ‫تبرزه هذه األخيرة في حوارها‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫تصرين على لحس المبرد‪ .‬أنت تتّبعين المسار المعاكس‬ ‫ّ‬ ‫لمساري‪ .‬أنا أسعى إلى الهرب من المآسي و ِ‬ ‫أنت تسلكين‬ ‫درب اآلالم بمحض إرادتك»‪.‬‬ ‫لكنه وقع‬ ‫فنياً آخر‪ّ ،‬‬ ‫من جهتها‪ ،‬أظهرت نجوى مكاناً ّ‬ ‫حي ٍز‬ ‫المرة داخل‬ ‫المخيم‪ ،‬ما أسهم في تشكيل ّ‬ ‫ّ‬ ‫هذه ّ‬ ‫ٍ‬ ‫الحيز في‬ ‫مناقض لواقع هذا األخير‪ .‬وقد تجلّى هذا ّ‬ ‫بالنسبة‬ ‫نادي «غدنا» الذي‬ ‫انضمت إليه نجوى؛ فكان ّ‬ ‫ّ‬ ‫وشخصيةً رئيسةً على ٍّ‬ ‫حد سواء‪،‬‬ ‫لها‪ ،‬بوصفها راويةً‬ ‫ّ‬ ‫مما يبدو عليه‪.‬‬ ‫اقعي وأث اًر أبعد ّ‬ ‫حضو اًر أكبر من إطاره الو ّ‬ ‫النادي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ويتبدى لنا ذلك في معرض كالمها عن مدير ّ‬ ‫ورفيق والدها القديم‪« :‬أبو فداء هو مدير نادي «غدنا»‬ ‫ٍ‬ ‫الضوء‬ ‫للفنون الذي أرتاد مع أشقّائي للتّمتّع‬ ‫بفسحة من ّ‬ ‫الدروس جافّ ًة‬ ‫الت‬ ‫ز‬ ‫لت في البداية وما‬ ‫ّ‬ ‫الراحة [‪ ]...‬ما ز ُ‬ ‫وّ‬ ‫ولكنني أحلم باليوم الذي سأتم ّكن فيه من أن‬ ‫وصعبة‪ّ ،‬‬ ‫أفرغ عواطفي وأفكاري ألواناً وخطوطاً فوق القماش‪ .‬رّبما‬ ‫أن هذا‬ ‫سيكون هذا منفذي من المتاهة» ‪ .‬ومن الواضح ّ‬ ‫بالنسبة لها‪،‬‬ ‫يتميز بكونه ضوءاً ّ‬ ‫نفسياً ّ‬ ‫المكان غدا بعداً ّ‬ ‫الحرّية واألمل‪ ،‬ويحمل المنفذ الذي‬ ‫مع ما يعنيه ذلك من ّ‬ ‫يجعل المستقبل أكثر إشراقاً‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ناحية أخرى‪ ،‬ش ّكل هذا المكان ميداناً للعمل الفاعل‬ ‫ومن‬ ‫وللربط‬ ‫في تحسين واقع الحياة في‬ ‫ّ‬ ‫المخيم من جهة‪ّ ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫الفلسطينية من جهة ثانية‪ .‬إذ ّأنه احتضن‬ ‫بالج ّذور‬ ‫ّ‬ ‫المخيم «لنشر الخضرة وإلحياء‬ ‫داخل‬ ‫شجير‬ ‫الت‬ ‫مشروع ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫رسخه أجدادنا حين وصلوا إلى لبنان وغرسوا التّين‬ ‫تقليد ّ‬ ‫المخيمات‪ ،‬ليتذ ّكروا األرض‬ ‫والبرتقال واألكي دني في‬ ‫ّ‬ ‫التي كانوا يزرعونها في ديارهم»‪.‬‬ ‫تحول بنتيجة‬ ‫استناداً إلى ما سبق‪ ،‬نرى ّ‬ ‫أن المكان قد ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫خصيات ومبادئها إلى أمكنة ّفنّية تمتلك‬ ‫طموحات ال ّش ّ‬

‫‪17‬‬ ‫الرواية فحسب لتعطي مساحةً من األمل‬ ‫ّ‬ ‫هويتها داخل ّ‬ ‫َّ‬ ‫وترسيخاً لروح االنتماء فيها‪ ،‬وهو ما يمكن أن نعده المؤثّر‬ ‫النضال من‬ ‫ي في تغيير مسار حياة نجوى نحو ّ‬ ‫المحور ّ‬ ‫القضية‪.‬‬ ‫أجل‬ ‫ّ‬

‫محورية المكان‬ ‫الخاتمة‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫المكاني قد‬ ‫أن الفضاء‬ ‫تم درسه‪ ،‬نجد ّ‬ ‫في خالصة لما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ائي المعنون‬ ‫امتلك‬ ‫ّ‬ ‫أهميةً بارزةً في سياق العمل ّ‬ ‫الرو ّ‬ ‫ألن المكان هو الذي أفسح في المجال‬ ‫ٌ‬ ‫«مفتاح لنجوى»؛ ّ‬ ‫شخصية‬ ‫ما‬ ‫سي‬ ‫ال‬ ‫و‬ ‫ات‪،‬‬ ‫خصي‬ ‫ش‬ ‫ال‬ ‫لدى‬ ‫اع‬ ‫ر‬ ‫الص‬ ‫تكوين‬ ‫أمام‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالنسبة‬ ‫مخيم شاتيال ش ّكل ّ‬ ‫تحدياً ّ‬ ‫نجوى؛ فنشأتها داخل ّ‬ ‫تقسم الفضاء‬ ‫لها لتتخلّص من واقعها‪ .‬من هذا المنطلق ّ‬ ‫المكاني إلى مستويات مطّردة في دوره داخل أحداث‬ ‫ّ‬ ‫المرجعي الذي أوضح لنا بؤس‬ ‫المستوى‬ ‫لها‬ ‫أو‬ ‫اية‪:‬‬ ‫الرو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫عامة‪ ،‬يليه المستوى الذي‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫بصو‬ ‫مات‬ ‫المخي‬ ‫في‬ ‫الحال‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يبين تأثير هذا المكان في حياة األفراد‪ ،‬ثم مستوى ال ّذاكرة‬ ‫ّ‬ ‫المخيمات من ذكر ٍ‬ ‫يات حول‬ ‫أهل‬ ‫نه‬ ‫ز‬ ‫يخت‬ ‫ما‬ ‫ن‬ ‫بي‬ ‫الذي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المخيمات‬ ‫حدود‬ ‫ضمن‬ ‫دارت‬ ‫التي‬ ‫المجازر‬ ‫و‬ ‫المآسي‬ ‫ّ‬ ‫وارتبطت تسميتها بها‪ .‬في حين ظهر مستوى رابع يتعلّق‬ ‫للمخيم من أطر تخضع لسلطة العدو‪،‬‬ ‫باألمكنة المناقضة‬ ‫ّ‬ ‫المخيم أو‬ ‫أو التي تقع ضمن المدى القريب من حدود‬ ‫ّ‬ ‫ضمن مداه البعيد‪ .‬ليكون المستوى األخير هو الذي‬ ‫تعزز جوانب االنتماء وتهدي إلى سبيل‬ ‫حمل أط اًر‬ ‫مكانية ّ‬ ‫ّ‬ ‫النضال‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الرواية تسير في‬ ‫أن‬ ‫نالحظ‬ ‫اسة‪،‬‬ ‫ر‬ ‫الد‬ ‫هذه‬ ‫على‬ ‫وبناء‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫شخصية نجوى لموقعها‬ ‫إعادة‬ ‫إلى‬ ‫يوصل‬ ‫تصاعدي‬ ‫خط‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫بيعي المتمثّل في العمل من أجل العودة‪ ،‬وهو ما‬ ‫الطّ ّ‬ ‫ارتبط برمزّية العنوان الذي ش ّكل‬ ‫بأن نجوى قد‬ ‫إيحاء ّ‬ ‫ً‬ ‫بقضيتها األولى وبنضالها في سبيل ح ّل‬ ‫عادت لاللتزام‬ ‫ّ‬ ‫المشاكل التي تصيبها ليس بوصفها فرداً‪ ،‬بل بوصفها‬ ‫ادي في المراحل‬ ‫امرأةً‬ ‫ّ‬ ‫فلسطينيةً‪ ،‬لذلك كان انخراطها اإلر ّ‬ ‫جمعية «خيبة بن غوريون»‬ ‫الرواية بنشاط‬ ‫ّ‬ ‫األخيرة من ّ‬ ‫بحد ذاتها دليالً على نجاح خططها‪،‬‬ ‫والتي تش ّكل هي ّ‬ ‫الراوية‬ ‫وهي الخطط التي‬ ‫ّ‬ ‫ستؤدي‪ ،‬من خالل استباق ّ‬ ‫الفلسطينية بمناسبة ذكرى‬ ‫الحدود‬ ‫نحو‬ ‫الزحف‬ ‫دارين‪ ،‬إلى ّ‬ ‫ّ‬ ‫النكبة في ٍ‬ ‫حدث شهدناه جميعاً وتفاعلنا معه على أرض‬ ‫ّ‬ ‫ائي‬ ‫و‬ ‫الر‬ ‫الفضاء‬ ‫بين‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫مبتك‬ ‫مماهاة‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫يش‬ ‫بما‬ ‫اقع‪،‬‬ ‫و‬ ‫ال‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫اقعي‪ ،‬لتُختتم الرواية بوصف لش اررة تلك‬ ‫والفضاء الو ّ‬ ‫الملكية‬ ‫لحق‬ ‫«إنها ثورة المفاتيح‪ .‬المفاتيح ٌ‬ ‫رمز ّ‬ ‫الثّورة‪ّ :‬‬ ‫ّ‬ ‫السندات والحجج هنا لتثبت‬ ‫ال يسقط بالتّقادم‪ .‬واألوراق و ّ‬ ‫حق العودة إلى البيوت واألراضي» ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ا‬ ‫أبعاد‬ ‫لت‬ ‫ك‬ ‫ش‬ ‫ى‬ ‫األخر‬ ‫العناصر‬ ‫أن‬ ‫إلى‬ ‫ة‬ ‫ر‬ ‫إشا‬ ‫وهنا‬ ‫ً‬ ‫دالليةً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الزمن كان‬ ‫‪،‬‬ ‫المكاني‬ ‫الجانب‬ ‫عن‬ ‫أهمية ً‬ ‫ال تق ّل‬ ‫ألن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫أن استغالل‬ ‫عمل على نحو ٍّ‬ ‫السياق‪ ،‬كما ّ‬ ‫غني في هذا ّ‬ ‫أساسياً في إبراز‬ ‫ر‬ ‫ا‬ ‫دو‬ ‫ى‬ ‫أد‬ ‫اصل‬ ‫و‬ ‫الت‬ ‫ً‬ ‫التقنيات الحديثة في ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرواية‪ ،‬غير‬ ‫ّ‬ ‫الصراع بين نظرتين متناقضتين على مدى ّ‬ ‫كنت‬ ‫ن‬ ‫�‬ ‫و‬ ‫فيها‪،‬‬ ‫القول‬ ‫لتفصيل‬ ‫سع‬ ‫يت‬ ‫لن‬ ‫هنا‬ ‫المجال‬ ‫أن‬ ‫ّ‬ ‫إ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫القوية لإلقدام على هذا األمر‪.‬‬ ‫غبة‬ ‫بالر‬ ‫أشعر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الدوام للبقاء في مدار المسألة‬ ‫على‬ ‫نحتاج‬ ‫يبقى ّأننا‬ ‫ّ‬ ‫ألن األدب‬ ‫قافي ‪-‬‬ ‫ّ‬ ‫األدبي‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬على المستوى الثّ ّ‬ ‫ٍ‬ ‫الفكر‬ ‫رف‬ ‫الت‬ ‫أشكال‬ ‫من‬ ‫شكل‬ ‫د‬ ‫مجر‬ ‫ي وال وجهاً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫لم يعد ّ‬ ‫بحد ذاته يشارك في‬ ‫من وجوه التّعبير‪ ،‬بل فعالً مقاوماً ّ‬ ‫تحرير اإلنسان وبالتّالي في تحرير األرض‪ ،‬انسجاماً‬ ‫مع مقولة سارتر ال ّشهيرة‪« :‬ليس من المهم أن يعبر‬ ‫لكن األوجب‬ ‫األديب عما يريد‪ ،‬باألسلوب الذي يـبتغيه‪ّ ،‬‬ ‫أن يكتب لجمهور تقوده الحرّية إلى التغيير الشامل نحو‬ ‫األفضل»‪.‬‬


‫تراث‬

‫‪18‬‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫أقامتها اجلامعة اللبنانية‪-‬األمريكية يف بريوت‬

‫احتفالية بصحافيات رائدات ملناسبة اليوم العاملي للمرأة‬ ‫احتفاء بـ»اليوم العالمي للمرأة»‪ ،‬أقام «مركز‬ ‫التراث اللبناني» في الجامعة اللبنانية ‪ -‬األَميركية‬ ‫لقاء حوارياً مع الباحثة الجامعية الدكتورة إِلهام‬ ‫كالب البساط في موضوع «عندما كن يصدرن‬ ‫الصحف» حول مطالع الصحافة اللبنانية النسائية‬ ‫في لبنان ومصر بين نهاية القرن التاسع عشر‬ ‫وبداية القرن العشرين‪.‬‬ ‫أضاءت الدكتورة كالب على جانب مغمور من دور‬ ‫المرأة في عصر النهضة‪ ،‬وذلك في حضور رئيس‬ ‫الجامعة الدكتور جوزف جبرا‪ ،‬وممثلين للرؤساء الثالثة‪،‬‬ ‫ومهتمين‪ ،‬وأدار الحوار معها رئيس المركز الشاعر‬ ‫ّ‬ ‫هنري زغيب‪.‬‬ ‫في خالصة الحوار معها‪ ،‬تحدثت الدكتورة كالب‪ ،‬بالنص‬ ‫والصور عن مطالع القرن العشرين وحكم السلطان عبد‬ ‫الحميد الذي منع النساء من الكتابة فسبب االضطهاد‬ ‫والتهجير إلى مصر‪ ،‬حتى أَعاد العمل بالدستور سنة‬ ‫‪ 1908‬فأَخذت الصحف تصدر تباعاً ومعظمها في‬ ‫خدمة السلطنة العثمانية‪ .‬وكانت بدايات التحرر مؤشر‬ ‫االزدهار االقتصادي كما في محالت «أوروز دي باك»‬ ‫الفخمة في قلب بيروت سنة ‪ 1900‬وافتتاح محطة سكة‬ ‫الحديد في ميناء بيروت سنة ‪ ،1903‬ثم مبادرة فاطمة‬ ‫المحمصاني سنة ‪ 1918‬برفع العلم العربي فوق سراي‬ ‫بيروت‪ ،‬وتخرج أول دفعة من الجامعيات سنة ‪1927‬‬ ‫من الجامعة األميركية في بيروت‪.‬‬

‫انتقلت الباحثة إلى مصر منوهة بحملة نابوليون سنة‬ ‫‪ 1896‬وما حملته معها من علماء وباحثين أسسوا‬ ‫للنهضة الحديثة‪ ،‬وظهر التشبه بالمرأة الغربية تحر اًر‬ ‫ومطالبة بحقوق المرأة على غرار النموذج الغربي الذي‬ ‫وصل إلى إصدار المرأة في فرنسا جريدة سياسية كما‬ ‫فعلت مارغريت دوران بتأسيسها جريدة «ال فروند» في‬ ‫باريس سنة ‪.1903‬‬ ‫بعد ذلك انتقلت كالب إلى تعداد الصحف النسائية‬ ‫األولى بدءاً من مصر مع «أُم الصحافيات» هند نوفل‬

‫في جريدتها «الفتاة» سنة ‪ ،1892‬وتتالت بعدها على‬ ‫اإلصدار في لبنان ومصر نساء لبنانيات‪ ،‬منهن‪:‬‬ ‫لوي از ْحَبالين («الفردوس» ‪ ،)1896‬أَلكسند ار الخوري‬ ‫(«أَنيس الجليس» ‪ ،)1898‬أستير أزهري («العائلة»‬ ‫َّ‬ ‫و»الزهرة» ‪،)1902‬‬ ‫‪ ،)1899‬مريم سعد («الهوانِم»‬ ‫روزي أَنطون («السيِّدات والبنات» ‪ ،)1903‬لبيبة هاشم‬ ‫(«فتاة الشرق» ‪ ،)1906‬عفيفة كرم («العالَم الجديد»‬ ‫‪َ ،)1913‬سليمة أَبو راشد («فتاة لبنان» ‪،)1914‬‬ ‫األَميرة نجال أَبي اللمع («الفَجر» ‪ ،)1919‬عفيفة‬ ‫ِ‬ ‫(«الخ ْدر» ‪ ،)1919‬مريم الزمار («فتاة الوطن»‬ ‫صعب‬ ‫‪ ،)1919‬جوليا طعمة دمشقية («الم أرَة الجديدة»‬ ‫‪ ،)1921‬ح ُّـبوبة حداد («الحياة الجديدة» ‪،)1922‬‬ ‫ماري يني («مينرفا» ‪ ،)1923‬أمينة الخوري المقدسي‬ ‫(«مورد األحداث» ‪« ،)1924‬روز اليوسف» (‪،)1925‬‬ ‫و»المستقبل» أول جريدة سياسية تصدرها امرأة في شمال‬ ‫لبنان‪ ،‬ثم «صوت المرأة» (‪ )1945‬مع جامعة نساء‬ ‫لبنان تعاقب على تحريرها فؤاد سليمان ثم إدفيك شيبوب‪.‬‬ ‫وختمت كالب حديثها بأن في مقاربة معاصرة أسماء‬ ‫تلك المجالت وأهدافها وفكرها وأَماكن صدورها ومراحل‬ ‫تاريخها‪ ،‬تحفي اًز على قراءة جديدة تاريخ الم أرَة اللبنانية‬ ‫الفكري والحضاري الرائد‪.‬‬ ‫وفي حديث خاص بـ»الخليج»‪ ،‬تناولت كالب بعض‬ ‫العوامل التي توافرت في القرن التاسع عشر وكانت‬ ‫«محبطة لقدرات المرأة بسبب القوانين العثمانية السائدة‬ ‫التي لم تسمح للمرأة أن تكتب أو تصدر أي مجلة‪ ،‬أو‬ ‫توقع باسمها الصريح بحظر سلطاني‪ ،‬وهذا ما جعل‬ ‫النساء ال يستطعن الكتابة أو يصدرن مجالت‪ ،‬لذلك‬ ‫ذهبت النساء إلى مصر في القرن التاسع عشر‪ ،‬ومن‬ ‫مصر أطلقت المرأة بتحد كبير نهضة نسائية صحافية‬ ‫هائلة رغم االمكانات القليلة لديها‪ ،‬وأملها كان كبي اًر في‬ ‫أن تكون عنص اًر فعاالً بالنهضة التي كانت تجري في‬ ‫العالم العربي»‪.‬‬ ‫وقالت عما سمح للمرأة أن تتمكن من التفلت من قوانين‬ ‫السلطات العثمانية أن «أغلب الصحافيات كن بنات‬ ‫عائالت من بيئة متعلمة‪ ،‬األب واألم واألخوة كانوا إما‬ ‫يصدرون الصحف‪ ،‬أو يكتبون روايات أو يكتبون أدبا‪،‬‬ ‫وشعروا أن لدى بناتهم الطموح والقدرة‪ ،‬وعندما راحوا‬

‫إلى مصر‪ ،‬وكانت العديد من الجرائد الرجالية تصدر‪،‬‬ ‫البنات اللواتي خرجن من بيوت علم وبيوت فيها طموح‬ ‫وبمساعدة األهل‪ ،‬قدرن على تخطي الصعاب بمعرفتهن‬ ‫الكاملة والصحيحة للغة او اإلدارة وغيرهما‪ ،‬وبمساعدة‬ ‫األهل الذين خصصوا لهن كبار االساتذة مثل ابراهيم‬ ‫اليازجي الذي درس الكاتبة ألكسند ار الخوري‪ ،‬وهي كانت‬ ‫ذكية وفذة»‪.‬‬ ‫بعض العوامل األخرى في النهضة النسائية الصحافية‬ ‫عرضتها كالب‪« :‬في القرن التاسع عشر جاءت العديد‬ ‫من اإلرساليات إلى لبنان‪ ،‬فتحت مدارسها‪ ،‬وكانت‬ ‫هناك مدارس وطنية ومدارس للطوائف‪ .‬في هذه الفسحة‬ ‫الصغيرة التي كانت الفتيات يتمكن من الذهاب إليها‪،‬‬ ‫استطعن الذهاب إلى هذه المدارس‪ ،‬وما يلفت النظر‬ ‫أن أغلبهن صحافيات وكن مترجمات‪ ،‬وترجمن الكثير‬ ‫من أدب القرن التاسع عشر‪ ،‬أي انهن درسن اللغات‬ ‫األجنبية‪ ،‬وكل واحدة منهن كانت صحافية وأديبة و‬ ‫روائية ومترجمة في آن»‪.‬‬ ‫كما عرضت كالب للروابط بين المجاالت المختلفة‬ ‫بقولها‪« :‬كان هناك حقل تالقت فيه الصحافة بالجمعيات‬ ‫النسائية التي أسست‪ ،‬وبالصالونات التي أسستها النساء‪،‬‬ ‫والمؤتمرات التي كن يحضرنها‪ ،‬كل هذه المواقع األربعة‬ ‫ساندت وبرزت بعضها إلعطاء صورة عن النهضة‬ ‫خصوصاً النهضة النسائية»‪.‬‬ ‫وأوضحت كالب أن «كل صحافية وكل أديبة كان عندها‬ ‫صالون‪ ،‬أبرزها صالون مي زيادة ‪ -‬صالون الثالثاء‬ ‫الشهير‪ -‬وصالون ألكسند ار الخوري‪ ،‬وصالون هند‬ ‫نوفل‪ ..‬كل صحافية منهن كان عندها صالون مرادف‬ ‫لعملها الصالون األدبي‪ .‬وكن يتحاورن ويتبادلن اآلراء‪،‬‬ ‫وكانت نقاشاتهن وأبحاثهن تنشر في صحفهن»‪.‬‬ ‫عدد الصحافيات واألديبات أكثر من ‪ ٣٠‬صحافية برأي‬ ‫كالب‪« ،‬حيث لم تكن هناك أي وسيلة إعالمية غير‬ ‫الصحيفة‪ ،‬وال وسيلة لقاء آخر للنساء غير الصالون‬ ‫في المنازل»‪ ،‬خاتمة أن «تلك الخطوة للمرأة فيها جرأة‬ ‫كبيرة حيث كانت لها الخطابة والكتابة واألدب‪ ،‬وهي‬ ‫كانت وسائل االتصال الممكنة للمرأة للمجتمع وللحداثة‬ ‫أيضا»‪.‬‬


‫إصدارات‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫‪19‬‬

‫احللم فالكابوس‪ :‬حماولة لرواية ما مل ُي َ‬ ‫رو بعد من «التايتانيك»!‬ ‫مئة عام مرت على غرق السفينة األكثر شهرة في‬ ‫تاريخ البشرية (التايتانيك)‪ ،‬مئة عام مرت ومئات الكتب‬ ‫ص ّوَرت‪ ،‬من دون أن يتذكر‬ ‫صدرت وعشرات األفالم ُ‬ ‫أحد أولئك الناطقين بالعربية الذين ركبوا متنها‪ ،‬أولئك‬ ‫الذين تحول حلمهم بالهجرة إلى الغرب كابوساً قادهم‬ ‫إلى الهالك‪.‬‬ ‫القصة التي ما زالت تشغل الناس إلى يومنا هذا‪ ،‬قصة‬ ‫السفينة غير القابلة للغرق‪ ،‬قصة الكارثة المروعة‪ ،‬كارثة‬ ‫يرو‬ ‫القرن الـ ‪ .20‬ما زالت ناقصة! فهناك الكثير مما لم َ‬ ‫بعد‪ .‬وها هي «ليلى سلوم إلياس» في كتابها الجديد‬ ‫(الحلم فالكابوس ـ السوريون الذين ركبوا متن التايتانيك)‪،‬‬ ‫تحاول لملمة الشذرات والتفاصيل من مزق جرائد هنا‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫لناج واتصال مع ابنة‬ ‫و‬ ‫أرشيف هناك‪ ،‬مقابلة مع ابن ٍ‬ ‫لغريق‪ ،‬لتصوغ وتستكمل حكايات تبدو أغرب من أي‬ ‫حكاية قد تسمعها‪.‬‬ ‫يبحث الكتاب الصادر عن (دار أطلس ـ دمشق‪ ،‬بيروت)‬ ‫في قصص أولئك الذين غرقوا على متن التايتانيك أو‬ ‫الذين نجوا وتابعوا حياتهم وهم يتذكرون ليلة المأساة حتى‬ ‫آخر أيام حياتهم‪.‬‬ ‫تبدأ المؤلفة رحلة البحث من الشطر األخير من القرن‬ ‫التاسع عشر‪ ،‬حيث البالد ترزح تحت وطأة االحتالل‬ ‫العثماني‪ ،‬وتعاني الفقر والركود‪ ،‬ومعظم شباب القرى في‬ ‫سوريا ولبنان يتركون قراهم ويهاجرون إلى الغرب أمالً‬ ‫في حياة أفضل متوقعة‪.‬‬ ‫تتابع المؤلفة في الفصل الثاني فتروي عن استعدادهم‬ ‫للسفر وتحضيراتهم له‪ ،‬أما الفصل الثالث فقد خصصته‬ ‫لرواية قصص الناجين قصة قصة‪ ،‬فتقتفي آثارهم من‬ ‫خالل الجرائد التي كتبت عن الحادثة وقتها‪ ،‬ومن خالل‬ ‫مقابالت مع أبنائهم أو أحفادهم‪ ،‬وحتى زيارة القرى التي‬ ‫هاجروا منها في لبنان وغيرها‪ ...‬لتقص علينا قصصاً‬ ‫تبدأ من تحضيرات المسافرين والمسافرات للسفر وال‬

‫تنتهي عند النجاة من الكارثة بل تمتد إلى ما بعدها في‬ ‫محاولة لتوثيق حيواتهم وتوثيق اآلثار النفسية التي تركتها‬ ‫الكارثة عليهم‪.‬‬ ‫أما الفصل الرابع فكان مختصاً بالتقارير التي ُنشرت‬ ‫قدمت إلى جهات معينة‪ ،‬تلك التقارير التي وضحت‬ ‫أو ّ‬ ‫تفاصيل غرق التايتانيك وتفاصيل ضحاياها من السوريين‪.‬‬ ‫في الفصل الخامس تنتقل المؤلفة إلى رواية القصة‬ ‫األكثر إيالماً‪ :‬محاولة ركاب الدرجة الثالثة التسلل إلى‬ ‫قوارب النجاة التي كانت أفضلية الركوب فيها لمسافري‬ ‫الدرجتين األولى والثانية‪ ،‬جعلتهم ينجون من الموت غرقاً‬ ‫ليموتوا رمياً بالرصاص من قبل ضباط السفينة‪.‬‬

‫«شهوة القيامة»‬ ‫اجملموعة الشعرية العاشرة لـ نعيم تلحوق‬

‫خصصت المؤلفة الفصل السادس لدور الجالية السورية‬ ‫في نيويورك‪ ،‬ودور الصحف العربية والتقارير التي‬ ‫نشرتها في نيويورك‪.‬‬ ‫الفصل السابع الموسوم بـ»نشر المساعدات‪ :‬الجالية‬ ‫تلم شملها» خصصته المؤلفة لتدوين وتسجيل جميع‬ ‫التفاصيل التي شكلت اللحمة بين أبناء الوطن الواحد‬ ‫في المهجر‪ ،‬فعمدت إلى البحث واالستقصاء لتسجل لنا‬ ‫كيف تفاعل أبناء الجالية السورية مع المنكوبين وبدأوا‬ ‫بجمع التبرعات لمساعدتهم‪.‬‬ ‫ثم تتابع المؤلفة سرد حكايات ما بعد الكارثة في الفصل‬ ‫الثامن فتنقل األجواء التي سادت في القرى اللبنانية‬ ‫والسورية عند سماع نبأ الغرق‪ ،‬وكيف ندبت األمهات‬ ‫أبناءهن وبناتهن‪ ،‬والزوجات أزواجهن‪ ،‬واألبناء أقاربهم‪.‬‬ ‫لم يبق بيت في القرى لم يفجع برحيل عزيز أو ٍ‬ ‫غال‪.‬‬ ‫ولذا تعمد المؤلفة في فصلها الثامن إلى توثيق قصص‬ ‫الركاب الذين قضوا في الكارثة‪ ،‬فتجمع أكبر قدر ممكن‬ ‫من أسمائهم وتحاول التقصي عن قصصهم لتدرجها في‬ ‫الكتاب‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بملف يحتوي صو اًر للركاب‬ ‫تنهي ليلى سلوم إلياس كتابها‬ ‫الناجين أو الذين قضوا‪ ،‬استطاعت الحصول عليها من‬ ‫عائالتهم أو من أرشيف جرائد ذاك الزمن‪ ،‬التي ما زال‬ ‫بعضها يصدر حتى اليوم في لبنان‪.‬‬ ‫أما لماذا كتبت هذا الكتاب‪ ،‬فاإلجابة تحملها المقدمة‬ ‫التي كتبتها المؤلفة‪:‬‬ ‫«هذه القصة ليست جزءاً من تاريخ العالم فحسب‪ ،‬بل‬ ‫جزء من تاريخ العرب وتاريخ قدومهم إلى أمريكا‪ ...‬وقد‬ ‫أصبحوا جزءاً من تاريخ واحدة من أعظم الكوارث البحرية‬ ‫في العالم‪ ،‬إذاً ال بد من أن تحفظ ذكراهم»‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مضن استغرقها خمس سنوات من العمل‪ ،‬فقط‬ ‫بحث‬ ‫ٌ‬ ‫لتقول‪ :‬لم ننسكم! إو�ن كل ما كان طي الكتمان لسنوات‪،‬‬ ‫سوف يرى النور اآلن في هذا الكتاب‪.‬‬

‫بصدور المجموعة الشعرية العاشرة «شهوة القيامة» يكون الشاعر نعيم تلحوق قد أنجز سلسلة‬ ‫«يغني بوحاً»‪،‬‬ ‫ـ»أظنه وحدي»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫العبارة الشعرية لمجلده الثاني‪ ،‬والتي بدأها في العام ‪ 2001‬ب ّ‬ ‫«ألن جسدها»‪« ،‬شهوة القيامة» (هي وهو)‪ ،‬وذلك بعد أن أنهى مجلّده األول‬ ‫«يرقص كف اًر»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫في العام ‪ 1985‬بسلسلة العبارة الشعرية والتي بدأت بـ»قيامة العدم»‪« ،‬هي القصيدة األخيرة»‪،‬‬ ‫«لكن ليس اآلن»‪« ،‬وطن الرماد»‪« ،‬هو األخير» (هي وهو)‪.‬‬ ‫احتوت المجموعة الشعرية الجديدة «شهوة القيامة» على ‪ 28‬قصيدة جمعها الشاعر في لوحات‬ ‫ثالث‪ :‬أولى بعنوان «سقوط الشهوة قبل التداعيات» وفيها أسئلة الوجود والحياة والمصير‪ ،‬البداية‬ ‫والنهاية‪ ،‬سقوط‪ ،‬صدفة‪ ،‬رؤيا‪ ،‬شهوة القيامة‪ ،‬ووصية‪ .‬إلى اللوحة الثانية وهي بعنوان «احتمال‬ ‫الخروج من األمكنة»‪ ،‬وقد جمعت بعض قصائد الشاعر في رحلته إلى ألمانيا وأوروبا واألمكنة‬ ‫التي زارها‪ .‬وفيها قصائد‪ :‬نجوم‪ ،‬طريق‪ ،‬بلد‪ ،‬شجر النهايات‪ ،‬غضب‪ ... ،‬الى اللوحة الثالثة‬ ‫قص على عرش الكالم» وفيها تداعيات الشاعر مع األنثى وعناوين‪:‬‬ ‫التي وقعت تحت عنوان «ر ٌ‬ ‫إليها‪ ،‬استدراكات‪ ،‬مغفرة‪ ،‬وال شيء يتركني هناك وقصائد أخرى ‪...‬‬ ‫ُّ‬ ‫تضج بوحشتي‪ ،‬وينفرد ضجيجها بي‪ ،‬كصمت مريب»‪.‬‬ ‫يقول اإلهداء‪« :‬إلى ملهمتي التي‬ ‫الكتاب صادر في ‪ 96‬صفحة من القطع الصغير‪ ،‬عن دار الفرات للنشر والتوزيع‪ ،‬والخطوط‬ ‫للفنان علي عاصي‪.‬‬ ‫من أجواء الديوان‪:‬‬ ‫مرائين ودجالين بما ال ُي َعد‪،‬‬ ‫خ‬ ‫تفر‬ ‫أن‬ ‫تي‬ ‫ث‬ ‫لج‬ ‫يد‬ ‫حين أغيب‪ ،‬ال أر‬ ‫ّ‬ ‫ّ ّ‬ ‫وال أن يتبادل شهود لعناء وصيتي‪،‬‬ ‫أريد لمن يجدني أن يكون بال اسم‪ ،‬مثلي‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫تؤدي إلى العراء‪ ،‬أع ُده‪،‬‬ ‫فيحرقني عند أقرب طريق ّ‬ ‫سأترك في جيبي ما يكفي‪ ،‬كي ينقل رمادي إلى موج البحر‪ ،‬ويقول‪« :‬مات ال أحد»؟!‬


‫‪20‬‬ ‫البيئة جتمعنا‬

‫متابعة‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫نظام بو خزام‪ :‬البيت البيئي اللبناني تفعيل السياحة البيئية‬ ‫  •حاورته‪ :‬سلوى صعب إزرافيل‬

‫رغم جمال الطبيعة في لبنان إال أن النظام البيئي‬ ‫ما زال يعاني من التلوث المزمن الذي يشوه المشهد‬ ‫البيئي في بلد يعتمد اقتصادياً على جمال طبيعته‬ ‫الغ ّناء التي تُشكل نواة الجذب السياحي‪ ،‬وفي‬ ‫ظل عجز الحكومات المتعاقبة على إيجاد حلول‬ ‫ناجعة للمشكالت البيئية في لبنان كان ال بد من‬ ‫نشاط حثيث للمجتمع األهلي من خالل الجمعيات‬ ‫التي تُعنى بالشأن البيئي‪ ،‬وتسهم بشكل فاعل في‬ ‫خلق حالة من التوازن وتحد من التدهور البيئي‪،‬‬ ‫البيت البيئي اللبناني أحد أهم المشاريع األهلية‬ ‫الناشطة في مجال حماية البيئة‪ ،‬يضم مجموعة‬ ‫من الشباب الذين فرقتهم السياسة وجمعتهم البيئة‬ ‫في محاولة لخلق قاعدة نشطة تُعيد للبيئة ألقها‪،‬‬ ‫ولتسليط الضوء أكثر على هذا المشروع التنموي‪،‬‬ ‫التقت مجلة «تحوالت» الشيخ نظام بو خزام‪ ،‬رئيس‬ ‫جمعية مؤسسة البيت البيئي اللبناني‪ ،‬وكان معه‬ ‫الحوار اآلتي‪.‬‬ ‫  •بداية ماذا يمكن أن تخبرنا عن مشروع البيت‬ ‫البيئي اللبناني؟‬

‫  •تتضمن فكرة المشروع الذي يحمل اسم‪( ،‬البيت‬ ‫البيئي اللبناني) إنشاء بيت بيئي ضمن الجمعية‪ ،‬ويشمل‬ ‫المشروع عرض العادات والتقاليد اللبنانية عند مختلف‬ ‫ويعنى بأمور الزراعة العضوية‪ ،‬وبنك للبذور‪،‬‬ ‫الطوائف‪ُ ،‬‬ ‫ومختبر للنباتات‪ ،‬ومطعم بيئي‪ ،‬وقسم لألشغال اليدوية‬ ‫بغية مساعدة النساء المحتاجات في المنطقة‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى حديقة حيوانات أليفة مصغرة‪ ،‬ودورمات للسائحين‬ ‫لقضاء وقت لدينا ليتمكنوا من التعرف على البيت البيئي‬ ‫بشكل أكبر – أما الشق الصحي فهو شامل يتضمن‬ ‫دورات وورش عمل مستمرة‪ ،‬ويوجد االن فكرة دورة تعليم‬ ‫حياكة النول‪ ،‬اضافة الى دورات لغة انكليزية وكمبيوتر‬ ‫ورسم – وبالتالي نكون عم نبني ثقافة بيئية وتوعوية‬ ‫في المنطقة‪ ،‬ونسعى لتحقيق رؤيتنا التي تهدف إلى بناء‬ ‫مجتمع ثقافي سليم‪.‬‬

‫  •بالحالة الطبيعية لدى الجمعية استراتيجية جديدة‬ ‫كل ثالثة أعوام‪ ،‬تسهم في رفع وتيرة العمل‪ ،‬وأهمها‬ ‫التركيز على مفهوم البيئة‪ ،‬والتثقيف البيئي‪ ،‬وتكريس‬ ‫األخالق البيئية في المجتمع من خالل شعار أطلقناه‬ ‫هو‪( :‬بيئتنا أخالقنا)‪ ،‬ومنه نمضي في طريقنا لتحقيق‬ ‫رؤيتنا للمشروع‪.‬‬

‫  •ما هي األهداف والمرتكزات األساسية التي يقوم‬ ‫عليها المشروع؟‬

‫  •سأجيب من حيث انتهى سؤالك‪ ،‬يشكل هذا المشروع‬ ‫نقلة نوعية ضمن مجاله البيئي ومساهمته في السياحة‪،‬‬ ‫ولكن ذلك يحتاج للكثير ولن يأتي بسهولة‪ ،‬إذ يلزمنا‬ ‫تحضيرات وتبرعات لدعم المشروع‪ ،‬إضافة إلى القيام‬ ‫بجوالت وزيارات‪ ،‬وكانت الخطوة األولى منذ شهرين‬ ‫بإطالق مؤتمر صحفي عن المشروع في (األونيسكو)‬ ‫برعاية السفيرة الدولية للبيئة (ك ارزيليال سيف)‪ ،‬وبدأنا‬ ‫حالياً بمرحلة التنفيذ إال أن الوضع األمني المضطرب‬ ‫في البلد يحد من عملنا ويؤخرنا قليالً‪ ،‬أما األهداف من‬ ‫المشروع فهي ترسيخ التوعية البيئية‪ ،‬وتذكير اللبنانين‬ ‫باألصالة والعراقة التراثية اللبنانية‪ ،‬ونشر التقاليد البيئية‬ ‫التي كانت موجودة بين كل الطوائف وممزوجة بين كل‬ ‫الطوائف‪ .‬المعاناة اإلنسانية‬

‫المتعبة من قبلكم إلنجاح‬ ‫  •هي االستراتيجيات ُ‬ ‫المشروع؟‬

‫  •أي مشروع يحت��ج لتضافر جهود‪ ،‬فهل وجدتم‬ ‫مؤسسات مماثلة للتعاون معها‪ ،‬وكيف ؟‬ ‫  •كما أسلفت المشروع يحتاج على جوالت وزيارات‬ ‫لخلق حاالت تعاون إيجابية‪ ،‬وعليه تم التواصل مع‬ ‫عدة جهات محلية وعالمية‪ ،‬وافتتحنا فرعاً خاصاً باسم‬ ‫(األرزة والزيتونة) في منطقة شارلو القريبة من مدينة‬ ‫ليون الفرنسية‪ ،‬ونحن شركاء مع (فريدريش آفريت)‪،‬‬ ‫وأعضاء أداريين في الحركة البيئية اللبنانية‪ ،‬وأعضاء‬ ‫للمجتمع اللبناني لحماية البيئة‪ ،‬وعضو دائم للمؤتمر‬ ‫الوطني الدائم بو ازرة البيئة‪ ،‬ومراقبين لوزراء البيئة العرب‬ ‫بجامعة الدول العربية‪ ،‬ونحن متعاونون مع جمعية‬

‫اإلنماء االقتصادي في بعقلين‪ ،‬وشركاء مع محمية (أرز‬ ‫الشوف)‪ ،‬وأنا شخصياً عضو مؤسس باللقاء الروحي‬ ‫المتعدد الطوائف بالجبل‪ ،‬وفي النهاية كل عمل بدون‬ ‫منافس أو شريك لن تشعر بأهميته وقوته‪.‬‬

‫  •لكل فكرة محرض أو دافع وربما سبب تولد من‬ ‫خالله‪ ،‬ما سبب اختياركم لهذه الفكرة؟‬

‫  •هذا الكالم صحيح‪ ،‬وفكرة هذا المشروع تمخضت‬ ‫عن عدة عوامل شخصية‪ ،‬منها دراستي االكاديمية وهي‬ ‫التجارة‪ ،‬إضافة إلى استشهاد والدي أثناء عمله باألرض‬ ‫حيث سقطت عليه قذيفة فارتقى شهيداً‪ ،‬وكنت آنذاك أول‬ ‫من يراه ممداً على األرض‪ ،‬كان عمري حينها ‪17‬عاماً‪،‬‬ ‫وكان للمشاعر دورها‪ ،‬ومن بعدها فكرت أن أؤسس‬ ‫جمعية بيئية بعيداً عن الدمار والسالح‪ ،‬وكانت (البيت‬ ‫اللبناني للبيئة)‪ ،‬والقصد منها ان البيئة تجمع وتوحد‪،‬‬ ‫أما االسم فاخترناه ألن البيت اللبناني دائما مفتوح لكل‬ ‫الناس بمختلف جنسياتهم وطوائفهم‪ ،‬وحقيقة توفقنا بعدة‬ ‫امور من سنتين قمنا بعمل ورشة عمل كانت بعنوان‪،‬‬ ‫(متنوعون متشاركون)‪ ،‬وهي بين جيراننا في دير القمر‬ ‫واألقليم‪ ،‬فتعرفوا على بعضهم‪ ،‬وكونوا صداقات وروابط‬ ‫أسرية عميقة‪ ،‬بعدها تم تأسيس اللقاء الروحي‪ ،‬وبهذا‬ ‫نكون نعمل على تكوين بيئة سليمة نعيش ضمنها ومن‬ ‫خاللها نحيا بمحبة وسالم‪.‬‬

‫  •مشروع تنموي يحتاج إلى تمويل‪ ،‬كيف تمولون‬ ‫مشروع البيت البيئي؟‬ ‫  •التمويل معضلة بالنسبة لنا‪ ،‬فال يوجد ممولين‬ ‫للمشروع‪ ،‬ونأمل أن نحصل مستقبالً على دعم نستطيع‬ ‫من خالله االنطالق بقوة‪ ،‬باستثناء ورش العمل التي‬ ‫تمولها شركة (فريدريش افريث) ألننا شركاء‪ ،‬وتعتمد‬


‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫الجمعية على المتطوعين‪ ،‬ولكننا نقوم بتقديم مشروع‬ ‫للفئات والمؤسسات المانحة‪ ،‬وال يوجد لدينا عمل وظيفي‬ ‫بل عمل تطوعي‪ ،‬ولكننا نقوم بتقديم مشروع للفئات‬ ‫والمؤسسات المانحة‪ ،‬إو�ذا تم التوافق عليه نوظف لمدة‬ ‫ما ينتهي المشروع‪ ،‬وتكون األولوية بالتوظيف لألعضاء‬ ‫المنتسبين للجمعية‪ ،‬أما األعضاء الذين أنهوا دراستهم‬ ‫الصحية فيقومون بإعداد الدورات الصحية‪ ،‬وبذلك هم‬ ‫يستفيدون ويفيدون غيرهم‪.‬‬

‫  •بماذا ُيعنى البيت البيئي اللبناني؟‬

‫  •البيت اللبناني للبيئة هو جمعية لها رؤية لبناء مجتمع‬ ‫بيئي سليم‪ ،‬وهو متخصص بثالث مواضيع‪:‬‬ ‫‪ .‬النفايات‪ :‬نقوم بمشروع مهم جداً لمعالجة النفايات‪.‬‬ ‫‪ .‬التربية البيئية ‪ -‬وهي تقوم بدورات وندوات وتأسيس‬ ‫نوادي بالمدارس والعمل مع جمعيات بهذا الموضوع‪.‬‬ ‫‪ .‬التثقيف البيئي – أي األخالقيات البيئية‪ ،‬وكيف على‬ ‫المواطن أن يتصرف ويكون لديه شرعة بيئية ‪،‬وكيف‬ ‫يعمل بشكل يومي بشكل مفيد للبيئة‪.‬‬

‫  •ماذا تخبرنا عن النتائج التي حققها المشروع‬ ‫على أرض الواقع؟‬

‫  •استطاع المشروع بناء قاعة تثقيفية للجمعية‪ ،‬وهي أول‬ ‫قاعة بمنطقة الشوف بتمويل من البنك الدولي ومجلس‬ ‫اإلنماء واإلعمار‪ ،‬وكانت أولى المناطق المستهدفة‬ ‫بالمشاريع التي تم تنفيذها‪ ،‬ومن ثم قمنا بعمل دورة‬ ‫تخصصية في فرنسا تتعلق بفرز النفايات‪ ،‬إضافة إلى‬ ‫حمالت التشجير والتنظيف الدورية‪ ،‬وتم تأسيس ‪13‬‬ ‫نادياً بيئياً في المدارس مستمرة بالعمل‪ ،‬وناديين بقرى‬ ‫عنبال وعترين‪ ،‬ونسعى حالياً لتأسيس نادي في اإلقليم‬ ‫وتحديداً في شحيم‪ ،‬وأقمنا ندوات كثيرة متنوعة ومختلفة‪،‬‬ ‫وكل هذه النشاطات كانت تصب بأهداف بيئية‪.‬‬

‫  •هل كان هناك نتائج حقيقية وملموسة للندوات‬ ‫التي أقيمت؟‬ ‫  •كانت النتائج مهمة وناجحة بشكل كبير من الناحية‬ ‫المعنوية‪ ،‬أما من الناحية المادية فهي خجولة‪ ،‬وال أخفيك‬ ‫تعرضت للسخرية حين بدأت المشروع‪ ،‬حيث لم يكن‬ ‫مفهوم البيئة متداول بالشكل السليم‪ ،‬بينما اليوم يوجد‬ ‫بلديات نتعاون معها والمجتمع المحلي يقصدك‪ ،‬ونقوم‬ ‫بتوزيع السماد العضوي الى المزارعين‪ ،‬وفي هذا العام تم‬ ‫التوزيع مجاناً‪ ،‬وبعد ‪ 15‬عاماً اثبتنا وجودنا‪ ،‬واثبتنا للعالم‬ ‫والمجتمع أن هدفنا البيئة وال نتعاطى مع السياسة ونحن‬ ‫بالجمعية من عدة طوائف‪.‬‬

‫  •ما هي الشركات التي تتعاونون معها؟‬

‫  •طبعاً‪ ،‬أقمنا العديد من الشراكات مع جمعية (هيا بنا)‬ ‫فمن خاللها نقيم دورات اللغة االنكليزية‪ ،‬ونحن شركاء‬ ‫مع المركز الثقافي الفرنسي‪.‬‬

‫  •هل تستقبلون في الجمعية جميع الراغبين‬ ‫باالنتساب والعمل بعيداً عن أي حسابات أو‬ ‫توجهات؟‬

‫  •نحن ال مشكلة لدينا تجاه أي إنسان‪ ،‬فهو حر باختياره‬ ‫السياسي‪ ،‬والبيئة تجمع كما أسلفت‪ ،‬وأنا احترم أي‬ ‫شخص مهما كانت طائفته وسياسته‪ ،‬والمهم أنه يعمل‬ ‫من أجل وطنه بالدرجة األولى‪ ،‬وأساساً نحن في الجمعية‬ ‫من عدة طوائف وجنسيات وهذا ما يميزنا عن غيرنا‪.‬‬

‫متابعة‬

‫‪21‬‬

‫  •هل تتابعون المنتسبين إلى البيت البيئي اللبناني‬ ‫بعد انتهاء دوراتهم التدريبية‪ ،‬وكيف؟‬

‫  •المنتسب إذا كان جامعياً او بالمدرسة نقوم بمساعدته‬ ‫بتخفيف األقساط‪ ،‬وذلك ألنه محب للعمل االجتماعي‪،‬‬ ‫وقام بالمبادرة االجتماعية بشكل شخصي‪ ،‬وجميع‬ ‫الطالب الذين يقدمون ساعات لدينا نقوم باعطائهم‬ ‫إفادة بعدد الساعات التي أمضوها معنا‪ ،‬كما يحصل‬ ‫المنتسب على بطاقة انتساب إلى الجمعية‪ ،‬وله حقوق‬ ‫وعليه واجبات‪ ،‬وذلك ألنه ملتزم بميثاق اخالقي‪ ،‬ونؤمن‬ ‫كثير من الوظائف للمنتسبين في الجمعية‪.‬‬

‫  •هل يوجد رسم اشتراك معين يفرض على‬ ‫المنتسبين للجمعية؟‬

‫  •نستقبل المنتسبين في سن ‪ 15‬سنة‪ ،‬وال نمنحهم‬ ‫بطاقة انتساب حتى يبلغون ‪ 21‬سنة‪ ،‬ألنه سن العطاء‬ ‫والقوة والشباب‪ ،‬أما رسم االنتساب فهو ‪ 60‬الف ليرة‬ ‫لبنانية سنوياً‪ ،‬نأخذ هذا المبلغ من المنتسب لكي نشعره‬ ‫بالمسؤولية‪ ،‬وعندما يصبح عدد المتطوعين ‪ 15‬متطوعاً‬ ‫نقدم لهم دورة قيادة يتعلمون من خاللها‪ ،‬كيف يكونوا‬ ‫قادرين على اتخاذ اي قرار؟ وما هي المراحل التي‬ ‫يقطعونها لتحقيق أهدافهم؟ ونكثف له ورش العمل إذا‬ ‫أراد أن يكون من الهيئة االدارية في الجمعية ونقدم له‬ ‫شهادة مصدقة بالعمل الذي قام به‪.‬‬

‫  •هل يتضمن برنامج عملكم أنشطة ثقافية في‬ ‫إطار توعوي بيئي؟‬

‫  •نعم يتضمن‪ ،‬ونحن نحضر حالياً لعمل مسرحي يشارك‬ ‫به مجموعة من المنتسبين الهواة‪ ،‬وتشرف عليه السفيرة‬ ‫الدولية (ك ارزيليال سيف) وهو من إخراج جون مكرزل‬ ‫وسيعرض خالل هذا الصيف‪ ،‬ولدينا مشروع تعاون‬ ‫مع جمعية (الكويت لحماية البيئة) في دولة الكويت‪،‬‬ ‫والمشروع هو تبادل خبرات شبابية بين الدولتين‪ ،‬وهذا‬

‫العمل يصب في التنمية الثقافية البيئية إذ أننا نعرف‬ ‫اآلخر عن عادات وتقاليد وثقافة لبنان‪ ،‬حيث سيقيم‬ ‫المشاركين الكويتيين في بيوت الشباب اللبنانيين تسريعاً‬ ‫لعملية التواصل المعرفي‪ ،‬ويصبح لدينا في هذه الحالة‬ ‫تواصل حقيقي ومميز بين الشباب العرب‪.‬‬


‫أدب‬

‫‪22‬‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫«اجملتمعات اليت ختيفنا بشعة وال تنتج مبدعني»‬

‫ناديا بو فياض روائية لبنانية تدخل العاملية‬ ‫ناصرت القضايا االنسانية فأنصفتها العالمية‪ .‬ناديا‬ ‫بو فياض روائية لبنانية دخلت العالمية بدخول روايتي‬ ‫«وكان الحب شهيداً» و»أبناء القدر»‪ ،‬الى صرحين‬ ‫ثقافيين عالميين‪ ،‬هما مكتبة جامعة ستانفورد‪ ،‬في‬ ‫الواليات المتحدة االميركية‪ ،‬ومكتبة جامعة تورنتو في‬ ‫كندا‪.‬‬ ‫بداية‪ ،‬مبروك للكاتبة اللبنانية ناديا بو فياض دخولها‬ ‫العالمية‪ ،‬ونتمنى لها المزيد من العطاء الفكري‪ ،‬ومبروك‬ ‫للبنان وللعالم العربي ايضاً‪ ،‬اللذين تعزز حضورهما في‬ ‫هذه المنابر‪ ،‬بروايتين لروائية لبنانية‪.‬‬ ‫قيل عن ناديا بو فياض انها روائية يفيض قلمها بالقيم‬ ‫االنسانية‪ ،‬غزيرة بصورها‪ ،‬تعبر عن فكرتها بمزيج‬ ‫من الفلسفة والشعر‪ ،‬وتختلط لديها السياسة بقضايا‬ ‫المجتمع‪ ،‬تقدمها بأسلوب مشرق جذاب يتنقل بين السرد‬ ‫والشعر والفلسفة‪ ،‬في معالجة عميقة للقضايا السياسية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬وتصور الواقع كما هو من غير مواربة‪.‬‬ ‫ابرز ما تتميز به هذه الروائية انها تثير اشكاليات في‬ ‫كتابات هادفة‪ ،‬تحمل القارئ على طرح اسئلة على نفسه‪،‬‬ ‫تخربط مفاهيمه‪ ،‬وتجبره على إعادة ترتيب قناعاته في‬ ‫حياته وفي الحياة‪.‬‬ ‫كان واضحاً منذ صدور رواية «وكان الحب شهيداً»‬ ‫للكاتبة ناديا بو فياض‪ ،‬وهي روايتها االولى‪ ،‬انها تتقدم‬ ‫بخطوات ملموسة في عالم الرواية‪ .‬هذه الرواية‪ ،‬التي قال‬ ‫فيها الكاتب المدير العام السابق لتعاونية موظفي الدولة‬ ‫انور ضو‪ ،‬انها شكلت لها مدخالً رائعاً الى عالم االدب‪،‬‬

‫دخلت فور صدورها الى مكتبة الجامعة االميركية في‬ ‫لبنان‪ ،‬ثم الى مكتبتها في الكويت‪ ،‬ثم برزت كإحدى‬ ‫افضل الروايات التي عرضت في معرض الكتاب الدولي‬ ‫في الكويت‪ ،‬في العام ‪ ،2008‬ثم دخلت مؤخ اًر الى‬ ‫مكتبة جامعة ستانفورد‪ ،‬في الواليات المتحدة االميركية‪.‬‬ ‫رواية « وكان الحب شهيداً»صادرة عن دار بيسان للنشر‬ ‫والتوزيع ‪ -‬لبنان‪ ،‬وتقع في ‪ 285‬صفحة من القطع‬ ‫المتوسط‪.‬‬ ‫رواية «ابناء القدر»‪ ،‬صدرت في العام ‪ ،2010‬وحازت‬ ‫اهتمام اهل الثقافة سريعاً‪ .‬قدمت فيها ناديا بو فياض‬ ‫طرحاً اشكالياً جريئاً حول الهوية‪ .‬نق أر في الرواية‪..« :‬‬ ‫كأن بعض المفاهيم تحبسنا في سجون ذهبية‪ ،‬وما فائدة‬ ‫مذهبة‪ ...‬ما ابشع المجتمعات‬ ‫السجون حتى لو كانت ّ‬ ‫والمفاهيم التي تخيفنا‪ ...‬ما أبشع ان نخاف‪ .»...‬تشترك‬

‫ناديا بو فياض مع جبران خليل جبران في ثورتها‬ ‫على الموروث الذي يحاول ان يقولب االنسان في‬ ‫المتجمد‪ ،‬وتدعو الى «الحرية التي من دونها ال‬ ‫قالبه‬ ‫ّ‬ ‫مكان ألي إبداع‪ ،»...‬وتقول «ان االبداع والخوف ال‬ ‫ويستشف من كتاباتها ان المجتمعات التي‬ ‫يتجاوران»‪ُ ،‬‬ ‫تخاف لن تنتج مبدعين‪.‬‬ ‫على صفحة الغالف كتب الناشر‪ ،‬انه يتوقع ان تثير‬ ‫هذه الرواية جدالً في االوساط الثقافية‪ ،‬إذ يصعب على‬ ‫مجتمعاتنا العربية أن تتقبل السؤال الجريء الذي تطرحه‬ ‫حول الهوية‪.‬‬ ‫«ابناء القدر» روايات في رواية‪ ،‬تقود القارئ من دسكرة‬ ‫صغيرة في لبنان الى كندا‪ ،‬ثم الى الكويت والعراق‬ ‫والواليات المتحدة‪ ،‬وتأخذه الى عوالم مختلفة‪ ،‬تثير فيه‬ ‫الدهشة والمتعة‪ ،‬لتنتهي به الى طرح االسئلة الصعبة‬ ‫على الذات‪.‬‬ ‫ُمنعت رواية «ابناء القدر» في السعودية وفي الكويت‪،‬‬ ‫وربما كان هذا المنع سبيالً اضافياً لشهرتها‪ .‬صادرة‪،‬‬ ‫كما رواية «وكان الحب شهيدا»‪ ،‬عن دار بيسان للنشر‬ ‫والتوزيع‪ ،‬وتقع في ‪ 385‬صفحة من القطع المتوسط‪.‬‬ ‫للكاتبة ايضاً‪ ،‬اصدار شعري بعنوان «كوني انت»‪،‬‬ ‫صادر ايضاً عن دار بيسان للنشر والتوزيع‪ ،‬في العام‬ ‫‪ .2000‬عملت وتعمل في حقل االعالم‪ ،‬متنقلة بين‬ ‫الصحف والمجالت واالذاعات‪ ،‬ومحطتها االخيرة‬ ‫في عالم التلفزة‪ .‬شغلت مناصب عدة رفيعة في لبنان‬ ‫والخارج‪ ،‬أهمها صفة مستشار اعالمي‪.‬‬

‫زيتوني والذيب ضيفا أمسية يف منتدى حتوالت‬ ‫  •فراس الهكار‬ ‫أقام منتدى «تحوالت» أمسية شعرية شارك فيها‬ ‫الشاعران‪ ،‬وليد زيتوني وأمين الذيب‪ ،‬وحضرها عدد من‬ ‫المهتمين بالشأن األدبي والثقافي‪.‬‬ ‫افتتح الشاعر وليد زيتوني األمسية موضحاً أن الشاعر‬ ‫هو ذاك المتشرد الباحث عن مفردة تائهة في فرح‬ ‫األطفال‪ ،‬وشوق المحبين‪ ،‬وارتحال الطيور‪ ،‬ونبض‬ ‫الشارع‪ ،‬ونزيف الشهداء‪.‬‬ ‫ورأى زيتوني أن القصيدة هي المفردة والحالة المغايرة‬ ‫واللحظة الشاذة االنتقائية مؤثرة ومتأثرة تبحث عن مكان‬ ‫لها في القاموس العام فال تجده‪ ،‬تبحث عن العام انطالقا‬ ‫من الخاص وتعبر عن الخاص بما هو عام‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫جئت حامالً سالمي‬ ‫الطريق طويل طويل‬ ‫والزمن الرمادي قاتل‬ ‫حين صار األنبياء بيارق ملونة على أسنة الرماح‬ ‫جيوش القبائل حشود العشائر‬ ‫تحتل كل مطرح وساح‬ ‫لم يبق من الحضارة إال حفنة من رياح‬ ‫وأكد زيتوني أن للشعر سطوة خارج المعقول‪ ،‬حيث يعالج‬ ‫ما يتعذر على المنطق عالجه‪ ،‬فيقونن التمرد ويقولب‬ ‫الجنون ويكشف المستور ويستر المكشوف‪.‬‬ ‫في زمننا المعيش الحضارة خرجت عن منطقها االيماني‬ ‫خرجت عن منطقها حتى الجاهلية خرجت عن منطقها‪...‬‬

‫وقال‪:‬‬ ‫كلما امتدت في السماء فروعي‬ ‫تغلغل في جذوعي اليباس‬ ‫أنا شجرة الدر وكيلة اهلل‬ ‫ساحرة الناس‬ ‫قتلتني مداسات المماليك‬ ‫وأضاف الشاعر‪ ،‬عندما نفشل في إيجاد المفردة‬ ‫المطابقة‪ ،‬المعبرة عن حالة زمنية معينة نبدأ بعملية‬ ‫اقتراب غير مباشر باستخدام أشكال أخرى‪ .‬نحاول من‬ ‫خالل التصاوير والرسوم التعبيرية اللغوية‪ ،‬أن نجد بديالً‬ ‫عن هذه المفردة‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫خذيني الى حيث ينكسر الحب على أبواب خيمة‬ ‫وتتعرى الشمس لحظة الذهول‬ ‫خذيني الى حيث الكالب‬ ‫تطارد بقايا الوفاء‬ ‫وينعب فوق المكان غراب‬ ‫خذيني الى حيث الشرايين‬ ‫تعطي الوديعة دون حساب‬ ‫ألرسم فوق التراب خريطة أمة‬ ‫الذيب‬ ‫أما الشاعر أمين الذيب فقد أكد أن اللغة كائن حي ينمو‬ ‫ويموت‪ ،‬وأن الحضارة حيوية الشعوب‪ ،‬والوطن األرض‬ ‫واإلنسان‪ ،‬والحرية معنى الوجود‪ ،‬أما اهلل والشعر فهي‬ ‫مسائل غير محسومة‪ ،‬وقد قال‪:‬‬ ‫أفرغت كأسي مثنى وثالث ورباع‬ ‫أدمنت إشراقي بك‬

‫حتى الضياع‬ ‫كيف أغفو وعاشق في داخلي‬ ‫يطوي الزمان مضاعفاً إن جاع‬ ‫ورأى الذيب أن القرآن جاء بحداثة في النص تخالف نمط‬ ‫الخليل بن احمد الفراهيدي‪ ،‬وقد تغافل عنها األعراب وما‬ ‫زالوا‪ ،‬وآثروا البقاء في الماضي المألوف حتى ولو ذهبوا‬ ‫إلى آخر اإلبداع أو آخر الطواف فلم يتذكروا أن اهلل‬ ‫جاءهم بكالم جديد ليس فيه رتابة‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫أوضب ما تبقى من حقائب انكساري‬ ‫أحمله ضباب الروح‬ ‫وانتظر شراعاً ماجناً كي ّ‬ ‫واشتياقي لفضاء فيه عينيك‬ ‫وأبحر حيث أنت‬ ‫تاركاً كل المنافي‬ ‫وأرسو في أحضانك‬ ‫فهناك صارت دياري‬ ‫اختتمت األمسية بمناقشة القصائد التي ألقاها الشاعران‪،‬‬ ‫وتباينت اآلراء حول ما ألقي مما أضفى على األمسية‬ ‫حيوية زادت من ألق الكلمات‪.‬‬


‫شعر‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬

‫‪23‬‬

‫نــوافذ على الضوء‪...‬‬ ‫بالد لم تجدها على الخارطة‬ ‫ٌ‬

‫جـــدل‬ ‫في جدل ما قبل الماء األول‪،‬‬ ‫بتوقيت العمر المستيقظ متأخ اًر‪،‬‬ ‫شعوب‬ ‫تدحرجت‬ ‫ْ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫من شقاوة عينيه على جسدها‪،‬‬ ‫كأنها ريح الماضي الخاوي‬ ‫تنثر جزيئات أنوثتها‬ ‫ُ‬ ‫فوق أنقاض الوصايا المقدسة‬ ‫لتبحث عن طفولة يتيمة‬ ‫في تفاصيل الظلمة‪،‬‬ ‫لتخلق كائنات برسم الحياة‪،‬‬ ‫في سماء ٍ‬ ‫حلم‬ ‫ربما يخطئه الكسوف‪.‬‬

‫إجهاض‬

‫أوتيت من موت‬ ‫بكل ما‬ ‫ْ‬ ‫آخر‪،‬‬ ‫تعلن نفسها خلقاً َ‬ ‫ال يفتنها طباق أو جناس‪،‬‬ ‫رف االنتظار‬ ‫وحيدة على ّ‬ ‫لمن يفك أزرار لغزها‪،‬‬ ‫لمن يهدر رهبنتها‪،‬‬ ‫كل غواية في شرع الطهارة‬ ‫لست أنوثة تغريك شهوتها بعد احتباس جوع‪،‬‬ ‫قد تقول‪ُ :‬‬ ‫أو دوار شوق‪،‬‬ ‫ولست مجرد قطب‬ ‫أذابه عصف استواء‪،‬‬ ‫أو هزيمة طاردها ذكر الخلود‬ ‫محض نزيف يعلن والدتك‬ ‫أنا‬ ‫ُ‬

‫أنــــوثة‬

‫لن أردم أنوثتي تحت تربة الغياب‪،‬‬ ‫سأرفع حائط الضوء في وجه األوج‪،‬‬ ‫لن أسرق خيوط الشمس‬ ‫ألطعم صغار دمعي‪.‬‬ ‫َّإنما‬ ‫عدتي من الصباحات وعلب الحبر السائلة‬ ‫سأجمع ّ‬ ‫كأنت على خدي‪،‬‬ ‫يا ابن جلدي‪،‬‬ ‫في أقرب نسيان‬ ‫سأسير على سطح نسائك‪،‬‬ ‫سأالقي غربةً ما‬ ‫تفرش لي سجادها العاري من الوطن‪.‬‬

‫يشتد بي األزرق‬ ‫يكبرني بعشرات القبل‪،‬‬ ‫بمئات األقداح‪.‬‬ ‫لت‬ ‫ما ز ُ‬ ‫كلّما الح موجه عن َولَ ٍه‬ ‫األزرق‬ ‫اشتد بي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ألُطبق شفاهَ الجنون‬ ‫على عتبة سمائه‪:‬‬ ‫عم بح اًر أيها المعنى‬ ‫سماء أيها الضياء‬ ‫عم‬ ‫ً‬

‫ •الشاعرة السورية صبا قاسم‬

‫ذباح‬ ‫شوقك ُ‬ ‫في حبات الرمل‬ ‫في الحصى‬ ‫في الخضرة المستحيلة‬ ‫في المسا‬ ‫في تعاريج الطريق الطويل‬ ‫في خجل بنات بالدي‬ ‫إفصاح‬ ‫تلميح و‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫للصميم‬ ‫متيمون‬ ‫أهل الشام‬ ‫ِ‬ ‫بساتين‬ ‫مرج‬ ‫يعاندون الجور باللين‬ ‫تفاح‬ ‫در ٌ‬ ‫اق و ُ‬ ‫مسجون‬ ‫يهيم القلب‬ ‫ٌ‬ ‫تاح‬ ‫أصفاد‬ ‫ٌ‬ ‫تحبس تر ُ‬ ‫ُ‬ ‫هواء الشام لي كفني‬ ‫مفتاح‬ ‫ولالصفاد‬ ‫ُ‬ ‫هذي الشام تنادي‬ ‫كل من راحوا‬ ‫بالدي بالد الحرن و الفرِح‬ ‫خوف‬ ‫فيها‬ ‫ٌ‬ ‫اح‬ ‫فيها ٌ‬ ‫موت و أفر ُ‬ ‫فيها من كل ما نجود لها‬ ‫فمن للشام بعد الحب؟‬ ‫أشباح!‬ ‫ُ‬ ‫من للشام؟؟‬ ‫نحن لها‪..‬‬ ‫تجتاح‬ ‫تضج الروح‬ ‫ُ‬ ‫ذباح‬ ‫بالدي شوقك ُ‬ ‫عرفنا قصور الكون‬ ‫تاح‬ ‫لكن على ترابك نر ُ‬

‫ •خلدون م‪ .‬ريس‬

‫بالد لم تجدها على الخارطة‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫محيط النسيان‬ ‫مفقودة في‬ ‫كجزيرٍة‬ ‫وضوءها‪ ..‬لكن‬ ‫نجمةٌ لها هويتُها‬ ‫ُ‬ ‫ال تصلُها األيدي‬ ‫ٍ‬ ‫منعزل عن التاريخ والمؤرخ والصارخ والمستصرخ‬ ‫بقيت في‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫األنباء و القيد‬ ‫زحمة‬ ‫بالد نسيها أهلها في‬ ‫ٌ‬ ‫السموم‬ ‫تمألها‬ ‫وليالها‬ ‫بالد‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫لتشعل الدموع في االحداق كالجمر‬ ‫َ‬ ‫وأنا أمشي عشوائياً في األزقة‬ ‫المر‬ ‫كحياتي وموتي ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫أحد و يسألني بلغة مشتقة من لغتي‬ ‫فيوقفني ٌ‬ ‫األفصح‬ ‫ويظنها‬ ‫ُ‬ ‫يسألني‪ :‬ما هو اسمك وما تفع ُل‬ ‫أجيبه ال اسمي لي‬ ‫شاعر تائهٌ في بلدي‬ ‫أنا‬ ‫ٌ‬ ‫أتجول تحت ضوء القمر‬ ‫ّ‬ ‫لعلي أجد ذريعةً‬ ‫أكتب فيها قصيدةً‬ ‫وكل شيء تخلى عني‬ ‫شيء لي سوى هذه الرياح الحارة‬ ‫فلم يبقى‬ ‫ٌ‬ ‫ئتي وأحالمي‬ ‫و الغبار الذي ّ‬ ‫يتجول في ر ّ‬ ‫فل تشاركني؟‬ ‫ألقاسمك الغبار والرياح‪....‬‬ ‫فيضحك مني ويحسبني مجنوناً‬ ‫علي و يمر‬ ‫ورّبما‬ ‫ُ‬ ‫يشفق َ‬ ‫بالد وفي أحيائها‬ ‫ٌ‬ ‫وقبل النطق بالكالم و تفتّح العيون‬ ‫وبين االبواب والجدران المتعبة من حمل الوجدان‬ ‫والمرهقة كالجفون‬ ‫يعلّمك الزمان إما أن تكون شاع اًر‬ ‫إو� ّما أن تكون مجنوناً‬ ‫بالد وفيها من الجمال ما يهزم التعب ومن الالشيء ومن‬ ‫ٌ‬ ‫الهوية و الالهوية‬ ‫أشياء‪ ..‬هوية تصير عند مالمستها‬ ‫ففيها‬ ‫ٌ‬ ‫وكأن من في البالد استدوعوا الهوية في األشياء‬ ‫ّ‬ ‫خشية إن ماتوا تتخلدوا األرواح‬ ‫بالد وفيها مشيت تحت أقو ِ‬ ‫اس ٍ‬ ‫جسر‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫القرن على عمره‬ ‫يكتمل‬ ‫لم‬ ‫ُ‬ ‫كل العناوين دون إيضاح‬ ‫لكنه يحمل َ‬ ‫وعندما صارت خطاي عليه‬ ‫بأن األقواس ليست أقواس حديد‬ ‫أحسست ّ‬ ‫بل أقواس قزح رغم غياب األلوان‬ ‫تصير قاب قوسين أو أدنى‬ ‫وهناك‪ ..‬عند ملتقى األقواس‬ ‫ُ‬ ‫من إنتهاء المادة‬ ‫فاألول يحملني إلى الفردوس‬ ‫و في الثاني مألت من األبدية األقداح‬ ‫شامخ شيدته األيدي رافع الر ِ‬ ‫أس‬ ‫بالد وفيها جب ٌل‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ليكون شاهداً على التاريخ منذ ما ُد ّون التاريخ‬ ‫وكأن معمار الزيغورات كان شاع اًر‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫عمودية من خمسة أبيات تُق أر بالعكس‬ ‫كقصيدة‬ ‫ألني أراه‬ ‫فالبيت األول ينبت من األرض‬ ‫ثم الثالث‬ ‫ثم يعلوه الثاني َ‬ ‫َ‬ ‫أما الرابع قد ضاع في العدم‬ ‫ّ‬ ‫والخامس حينها قد ذاب في الدم‬

‫ •يوسف السرخي‬


‫‪24‬‬

‫مشهد‬ ‫«وجه أمي» معرض للفنان السوري مجعة الناشف يف قصر األونيسكو‬

‫  •ديمة مرشد‬

‫أقيم في قصر األونيسكو ببيروت معرض الفنان‬ ‫والنحات الفراتي جمعة الناشف حيث أزاح الستار عن‬ ‫‪ 40‬عمل فني طغت عليها التعبيرية الرمزية‪ ،‬ونحو‬ ‫‪ 15‬عمالً نحتياً من الرخام والصخر‪ .‬بحضور نخبة‬ ‫من الفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي‪ .‬يضفي اللون‬ ‫األخضر على لوحات الفنان جمالية خاصة‪ ،‬ويبث‬ ‫المعرض الذي حمل اسم‪« :‬وجه أمي» األمل في نفوس‬ ‫من يبحر في اللوحات واخضرارها الطاغي‪.‬‬ ‫وقال الفنان جمعة الناشف في تصريح خاص‬ ‫لـ«تحوالت»‪ :‬وجه أمي وجه سورية ككل‪ ،‬أمي الكبرى‪،‬‬ ‫وجه أمي العطاء الحضارات والتاريخ والرساالت‬ ‫السماوية التي انطلقت من سورية‪ ،‬وجه أمي األبجدية‬ ‫المسمارية أوغاريت والموسيقى وأورنينا كل المبدعين‬ ‫هم وجه أمي‪.‬‬ ‫ويضيف الناشف‪ ،‬حاولت من خالل اللون األخضر‬ ‫الذي اعتمدته في لوحاتي إيصال رسالة الخير والعطاء‬ ‫والمحبة والسالم‪ ،‬يكفينا ويكفي وطننا ما عاناه من‬ ‫خراب‪ ،‬تعبنا من الدمار من الموت لذا حاولت استحضار‬ ‫كل األشياء الجمالية في األرض السورية‪ ،‬وسورية هي‬ ‫بلد العطاء عمرها الضارب في عمق التاريخ يجعلك‬ ‫تؤدي الرسالة بأمانة تجاه بلد عمره أكثر من ‪ 10‬آالف‬ ‫عام قبل الميالد‪.‬‬ ‫وحول رمزية األسماك يوضح الفنان أنه يرمز باألسماك‬ ‫إلى بالد ما بين النهرين دجلة والفرات‪ ،‬وقال‪ :‬أنا ابن‬ ‫الفرات ومدلوالت السمك كثيرة منها استمرارية الحياة‬ ‫التكاثر والخصب إنما وظفته في لوحاتي للرمز إلى‬ ‫بالدي‪.‬‬ ‫ويؤكد الناشف أنه لم يتأثر بأي تجربة فنية ويسعى‬ ‫لصناعة أسلوبه الخاص‪ ،‬ويرى أن عين الناقد هي التي‬ ‫تستطيع أن تجسد اللوحات التي أرسمها‪.‬‬ ‫ويدعو الفنان جميع السوريين إلى العمل على إرساء‬ ‫السالم ونشر الخير والمحبة في بلد الحضارة‪ ،‬ويحاول‬ ‫جمع الوجوه كلها في وجه واحد هو وجه أمي‪ ،‬ورمزية‬ ‫اللون األخضر من خالل الرموز التي تؤلف بين القلوب‬ ‫أوراق الزيتون والعمارة التاريخية والبناء والموسيقى‬ ‫العربية العريقة واألصالة التي تتجلى في الحروف‬ ‫المسمارية العربية الذي يزين اللوحات‪.‬‬ ‫الجدير بالذكر أن الفنان جمعة الناشف من مواليد‬ ‫الفرات في مدينة الرقة سوريا عام ‪ ،1969‬وعضو‬ ‫اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين‪ ،‬حائز على عدة‬ ‫جوائز في مجال النحت منها جائزة في مهرجان بصرى‬ ‫عام ‪ 1985‬وله العديد من المشاركات في المعارض‬ ‫الفردية والجماعية في النحت والرسم‪.‬‬

‫العدد ‪ 81‬أيلول ‪2013‬‬


العدد:81