Issuu on Google+


‫‪2‬‬

‫منبر‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫الثقافة سالحنا األمضى‪...‬‬ ‫زهير فياض‬

‫لحظــة تلــفّ الظالميــة المــكان والزمــان‬ ‫يصبــح لزام ـا ً أن نســأل أنفســنا‪:‬‬ ‫مــا الــذي جلــب علــى بالدنــا هــذا الويــل؟‬ ‫لقــد آن األوان لإلجابــة بحــق عــن‬ ‫هــذا الســؤال بعمــق وإلحــاح وإصــرار‬ ‫وتصميــم‪ ...‬بد َلتكــرار الســؤال نفســه‪...‬‬ ‫ألن الويــل الــذي نحــن فيــه هــو مــن‬ ‫صنــع أيدينــا وعقولنا‪...‬ومســؤوليتنا فــي‬ ‫مــا آلــت اليــه األمــور فــي بالدنــا كبيــرة‬ ‫ُضاعفــة‪ ...‬والســؤال اليــوم‬ ‫ومزدوجــة وم‬ ‫َ‬ ‫كيــف ُنج ّنــب بالدَ نــا ويالتالظالميــة‬ ‫والجهــل والتخلــف والتعصــب والرجعــة‬ ‫والــردة إلــى الخلف‪...‬هــل يُعقــل ونحــن‬ ‫نلــج األلفيــة الثالثــة أن نستســلم لألقــدار‪،‬‬ ‫ونضــع مصيرنــا ومصيــر أوالدناوأجيالنــا‬ ‫الحاضــرة واآلتيــة فــي مهــب الريــح‪ ،‬وأن‬ ‫نغــضّ الطــرف عما يمكن أن نقوم به‪ ،‬وأن‬ ‫نضطلــع بــه مــن مســؤوليات جســام‪ ،‬هــل‬ ‫رؤوســنا‬ ‫ندفــنُ علــى “الطريقــة الشــرقية”‬ ‫َ‬ ‫ـؤس المصيــر!‬ ‫فــي الرمــال كــي ال نــرى بـ َ‬ ‫بالطبــع‪ ،‬ال‪ ...‬وألــف ال‪ ،‬نحــن مدعــوّ ون‬ ‫ومُطالبــون‪ ،‬ك ٌل مــن موقعــه‪ ،‬وفــي دائــرة‬ ‫التأثيــر التــي يقــع عليهــا‪ ،‬أن نبــذ َل كل‬ ‫ﺍﻟﻣﺩﻳﺭ ﺍﻟﻣﺳﺅﻭﻝ‪ :‬ﺳﺭﻛﻳﺱ ﺍﺑﻭ ﺯﻳﺩ‬ ‫ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﺗﺣﺭﻳﺭ‪ :‬ﺯﻫﻳﺭ ﻓﻳﺎﺽ‬ ‫ﻣﺩﻳﺭ ﺍﻟﺗﺣﺭﻳﺭ ﺍﻟﺗﻧﻔﻳﺫﻱ‪ :‬ﺯﺍﻫﺭ ﺍﻟﻌﺭﻳﺿﻲ‬ ‫ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ‪ :‬ﻋﺎﺋﺩﺓ ﺳﻼﻣﺔ‬ ‫ﺍﻷﺧﺭﺍﺝ ﺍﻟﻔﻧﻲ‪ :‬ﻣﺣﻣﺩ ﻋﻘﻳﻠﻲ‬

‫جهــد‪ ،‬وكل فعــل‪ ،‬في ســبيل إنقــاذ ما يمكن‬ ‫إنقاذه‪...‬لحظــ ُة الحقيقــة تداهمنــا‪ ،‬ويجــب‬ ‫أن نالقيهــا بعقــول مفتوحــة‪ ،‬وقلــوب‬ ‫تعم ـ ُر بحــب الوطــن واإلنســان والمجتمــع‬ ‫والشــعب‪ ،‬وأن نواجههــا بــإرادة ال تليــن‬ ‫وبفعــل يكــونُ علــى مســتوى التحديــات‪...‬‬ ‫بالطبــع‪ ،‬نحــن نمتلــك كل عناصــر القــوة‬ ‫والمنعــة اذا أحســ ّنا توظيفهــا وتنســيقها‬ ‫واســتنهاضها وتفعيلهــا فــي ســبيل‬ ‫خدمــة اإلنســان فــي بالدنــا وفــي اتجــاه‬ ‫ترقيتــه ونهضتــه وعزتــه وكرامتــه‬ ‫وســيادته علــى نفســه واســتقالله وأيضــا ً‬ ‫فــي اتجــاه تفعيــل دوره الحضــاري‬ ‫واإلنســاني علــى مســتوى العالــم‪...‬‬ ‫إن هــذه الــردة الظالميــة الرجعيــة التــي‬ ‫تحــاو ُل اختــراق نســيجنا الشــعبي تمثــل‬ ‫تحدي ـا ً حقيقي ـاً‪ ،‬ســنواجهه بالعقــل والفكــر‬ ‫والثقافــة والوعــي وبالســاح متــى كان‬ ‫فــرض عيــنْ ‪ ...‬هــذه الــردة‬ ‫امتشــاقه‬ ‫َ‬ ‫غريبــة كل الغرابــة عــن كل منطقنــا‬ ‫التاريخــي‪ ،‬وعــن كل ذاكرتنــا المجتمعيــة‪،‬‬ ‫لــذا نحــنُ مطالبــون اليــوم‪ ،‬وفــي هــذه‬ ‫اللحظــة التاريخيــة كنهضوييــن حقيقييــن‬

‫ﻫﻳﺋﺔ ﺍﻟﺗﺣﺭﻳﺭ‪:‬‬ ‫ﻧﺟﻳﺏ ﻧﺻﻳﺭ‪ ،‬ﻧﺣﺎﺗﻲ ﻣﻳﺩﺍﻧﻲ‪،‬‬ ‫ﺃﺳﻣﺎء ﻭﻫﺑﺔ‪ ،‬ﻋﺑﻳﺭ ﺣﻣﺩﺍﻥ‪،‬‬ ‫ﻳﺎﻣﻥ ﺍﻟﺩﻗﺭ‪ ،‬ﺍﺩﻫﻡ ﺍﻟﺩﻣﺷﻘﻲ‪،‬‬ ‫ﺳﻼﻡ ﺍﻟﺯﺑﻳﺩﻱ‪ ،‬ﻧﺎﺩﻱ ﻗﻣﺎﺵ‪،‬‬ ‫ﻋﺎﻣﺭ ﻣﻼﻋﺏ‬

‫أن نســتلهم كل اإلرث الحضاري اإلنســاني‬ ‫ألمتنــا‪ ،‬وأن نرتكــز علــى هــذا البعــد‬ ‫التاريخــي فــي حركة الشــعوب كي نباشــر‬ ‫هجومنــا المعاكــس بالثقافــة أوالً وأخيــراً‪،‬‬ ‫باعتبارهــا الركيــزة األساســية للوعــي‬ ‫القومــي واإلنســاني‪ ،‬ولكونهــا الســاح‬ ‫األمضــى واألفعــل فــي مواجهــة التجهيــل‬ ‫والتســطيح والتعتيــم والتســخيف‪...‬‬ ‫بالثقافــة ســنبني مــا دمّــره الجهــل‪ ،‬لــذا‬ ‫فالدعــوة الــى كل المتنوريــن والنهضوييــن‬ ‫أن ينخرطــوا وبقــوة فــي معركــة الدفــاع‬ ‫عــن الوجــود‪ ،‬وفــي معركــة البنــاء‬ ‫والنهضــة والتقــدم‪ ...‬الدعــوة ملحّ ةوجدية‪،‬‬ ‫أن ننفــض عنــا غبــار التقاعس وأن ننخرط‬ ‫فــي أعمــق وأوســع ورشــة عمــل ثقافيــة‬ ‫علــى مســتوى أمتنــا وعالمنــا العربــي‪،‬‬ ‫وأن نتحــوّ ل الــى رســل نهضــة حقيقييــن‬ ‫ننشــر ثقافــة الوحــدة والتواصــل والتفاعــل‬ ‫واالنفتــاح والمحبــة‪ ،‬ثقافــة المواطنــة‪،‬‬ ‫ثقافــة االنتمــاء الــى حاضنــة األمــة‬ ‫والمجتمــع‪ ،‬وأن نع ّمــم ونع ّمــق فــي عقــول‬ ‫أبنائنــا ثقافــة الوصــل مــع الماضــي‪ ،‬لنبنــي‬ ‫الحاضــر والمســتقبل ‪...‬‬

‫ﺗﺻﺩﺭ ﺑﺎﻟﺗﻌﺎﻭﻥ ﻣﻊ ﻣﻛﺗﺏ ﺍﻟﺩﺍﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻣﻳﺔ ﺑﺭﺋﺎﺳﺔ ﻣﻧﺻﻭﺭ ﻋﺎﺯﺍﺭ ‪ -‬ﺑﻳﺕ ﺍﻟﺷﻌﺎﺭ‪ -‬ﺍﻟﻣﺗﻥ ﺍﻟﺷﻣﺎﻟﻲ ‪ -‬ﺗﻠﻔﺎﻛﺱ‪:‬‬ ‫ﺻﺎﺩﺭ ﻋﻥ ﻭﺯﺍﺭﺓ ﺍﻷﻋﻼﻡ ﻓﻲ ﻟﺑﻧﺎﻥ‬ ‫ﺗﺻﺩﺭ ﺑﻣﻭﺟﺏ ﻗﺭﺍﺭ ﺭﻗﻡ ﺗﺎﺭﻳﺦ‬ ‫ﺍﻟﻧﺎﺷﺭ‪ :‬ﺩﺍﺭ ﺍﺑﻌﺎﺩ ﺑﻳﺭﻭﺕ ‪ -‬ﺷﺎﺭﻉ ﺍﻟﺣﻣﺭﺍ‪ -‬ﺑﻧﺎﻳﺔ ﻫﻳﻭﻧﺩﺍﻱ‪ -‬ﻁ ﻫﺎﺗﻑ‪:‬‬ ‫ﺗﻭﺯﻳﻊ‪ :‬ﺍﻟﻧﺎﺷﺭﻭﻥ ﺑﻳﺭﻭﺕ ‪ -‬ﻣﺷﺭﻓﻳﺔ ﺳﻧﺗﺭ ﻓﺿﻝ ﷲ ‪ -‬ﻁ ﻫﺎﺗﻑ ﻭ ﻓﺎﻛﺱ‪:‬‬ ‫ﺧﻠﻳﻭﻱ‪:‬‬

‫ﻝ‪ .‬ﺱ ﺗﻳﻠﻳﻔﺎﻛﺱ‪:‬‬ ‫ﺩﻣﺷﻕ ﻣﻛﺗﺏ ﻋﺎﺋﺩﺓ ﺳﻼﻣﺔ ﻟﻸﺧﺭﺍﺝ ﺍﻟﻔﻧﻲ ﻭ ﺍﻟﺗﺣﺿﻳﺭ ﺍﻟﻁﺑﺎﻋﻲ ‪ -‬ﻋﺩﻭﻱ ﺧﻠﻑ ﺩﺍﺭ ﺍﻟﺷﻔﺎء ‪ -‬ﺳﻌﺭ ﺍﻟﻌﺩﺩ‬ ‫‪ E- mail:aydasalameh@yahoo.com‬ﺍﻟﻣﻭﺍﺩ ﺍﻟﻣﻧﺷﻭﺭﺓ ﺗﻌﺑﺭ ﻋﻥ ﺭﺃﻱ ﺃﺻﺣﺎﺑﻬﺎ ﻭﻻ ﺗﻌﺑﺭ ﻋﻥ ﺑﺎﻟﺿﺭﻭﺭﺓ ﻋﻥ ﺭﺃﻱ ﺍﻟﻣﺟﻠﺔ‬

‫ﺧﻠﻳﻭﻱ‪:‬‬

‫ﻟﻺﺷﺗﺭﺍﻙ ﻭ ﺍﻹﻋﻼﻥ ﺍﻻﺗﺻﺎﻝ ﻋﻠﻰ‬

‫‪www.khabaronline.com‬‬ ‫ابعد من الخبر‬


‫‪3‬‬

‫منبر‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫هل يسقط هذا النظام السياسي على من فيه؟‬ ‫منصور عازار‬ ‫النظام السي اسي اللبناني يترنح بمن فيه حكومة‬ ‫ومجالــس وشــعبا ً منقســما ً علــى ذاتــه‪ .‬كل طائفــة‬ ‫فيــه تشــكل دويلــة! وهــذه الدويــات بمجموعهــا‬ ‫تجعــل مــن الموزاييــك اللبنانــي حالــة فريــدة‬ ‫مــن نوعهــا‪ ،‬اذ ان كل واحــدة لهــا مرجعهــا‬ ‫اومراجعهــا وهــي تتنــازع النفــوذ والمنافــع‬ ‫بــكل الوســائل المتاحــة‪ ،‬واهمهــا االقتتــال‬ ‫علــى الســلطة وتقاســم “األربــاح”‪ ،‬واذا كان‬ ‫هنــاك مــن تحالفــات بيــن هــذه المجموعــات‬ ‫الطائفيــة فهــي مــن النــوع الســطحي والمؤقــت‪،‬‬ ‫إذ أنــه عنــد حــدوث أي أمــر هــام تنغلــق كل‬ ‫واحــدة علــى نفســها وتفتــش عــن مكاســب‬ ‫ألعوانهــا والمنضويــن تحــت راياتهــا الزرقــاء‬ ‫والصفــراء والســوداء والبيضــاء زيّنتهــا ارزة‬ ‫خضــراء فــي وســطها؟ امــام هــذا التنــوع فــي‬ ‫االلــوان “الطائفية” هل يمكــن لهذه الدولة اللبنانية‬ ‫أن تواجــه مــا يحــاك لهــا وللمنطقة مــن مؤامرات‬ ‫ومــا ينتظرهــا مــن متغيــرات جغرافيــة وبشــرية‪،‬‬ ‫هدفهــا اعــادة ترتيــب منطقــة الشــرق االوســط‬ ‫بالقــوة العســكرية والحــروب االهليــة‪ ،‬واالقتتــال‬ ‫المتواصــل حتــى تحقيــق الغايــة المرســومة‬ ‫التــي هــي تفكيــك الواقــع الجغرافــي والبشــري‬ ‫المناســب لمصالــح القائميــن علــى تنفيــذ هــذا‬ ‫المخطــط الرهيــب وإعــادة تركيبــه مــن جديــد‬ ‫علــى اســاس كانتونــات صغيــرة وضعيفــة يمكــن‬ ‫التحكــم بمصيرهــا وفــق هــذه المصالــح؟ هــذه‬ ‫الصــورة التــي أراهــا لواقعنــا اليــوم تعيدنــا الــى‬ ‫نتائــج الحــرب العالميــة االولــى التي كان يســميها‬ ‫اجدادنــا “حــرب االربتعــش” التــي قضــت علــى‬ ‫الكثيــر مــن ســكان قرانــا وجبالنــا مرضـا ً و قتـاً‬ ‫وجوعـا ً واضطهــاداً مــن قبــل المحتــل التركــي‬ ‫آنــذاك‪ ،‬وعندمــا خســر الحــرب مــع حليفتــه‬ ‫المانيــا امــام الحلفــاء كان هؤالءمنهمكيــن بوضــع‬ ‫الخرائــط والحــدود فــي كيفيــة اقتســام تركــة‬ ‫“الرجــل المريــض” وكان نصيبنــا ان الشــريكين‪:‬‬ ‫“مســتر ســكس” االنجليــزي و”مســيوبيكو”‬ ‫الفرنســي وضعــا امامهمــا خرائــط المنطقــة‪،‬‬ ‫وكانــت حصتنــا فــي لبنــان هــذا الكيــان الــذي‬ ‫مســاحته عشــرة آالف وخمســمئة كيلومتــر مربــع‬ ‫وتــرك الباقــي شــماالً الــى الكيــان الشــامي بعــد‬

‫اقتطــاع كيليكيــا واالســكندرون وإهدائهمــا الــى‬ ‫تركيــا المهزومــة‪ ،‬امــا الجنــوب وهــو ارض‬ ‫فلســطين فــكان هنــاك وعــد بلفــور اللعيــن‬ ‫إلعطائهــا الــى اليهــود لبنــاء دولتهــم الهجينــة‬ ‫العجيبــة‪ .‬وقــد تســلم الفرنســيون ســلطة االنتــداب‬ ‫على الكيانين اللبناني والشامي‪:‬‬ ‫وكان االتــراك خــال اربعمئــة عــام يزرعــون‬ ‫الفتــن الطائفيــة واألحقاد بين المناطــق والعائالت‬ ‫طيلــة حكمهــم المشــؤوم‪ .‬لــم يمــر عقــدان مــن‬ ‫الزمــن اال ووقعــت الحــرب العالميــة الثانيــة‬ ‫بيــن المانيــا وايطاليــا واليابــان مــن جهــة وبيــن‬ ‫فرنســا وانكلتــرا بدعــم اميركــي مــن جهــة ثانيــة؟‬ ‫وكان للموارنــة فــي لبنــان حصــة االســد فــي‬ ‫االدارة والحكــم تحــت رايــة االنتــداب الفرنســي‪.‬‬ ‫وعندمــا انتصــر الحلفــاء فــي هــذه الحــرب‬ ‫الكونيــة الثانيــة نشــأ صــراع قــوي بيــن الحليفيــن‬ ‫االنجليــزي والفرنســي علــى النفــوذ فــي منطقتنا‪،‬‬ ‫وكان أن خســر الفرنســيون امــام االنجليــز هــذه‬ ‫المعركــة‪ ،‬فحصــل اســتقالل لبنــان بحــدوده‬ ‫المرســومة آنفــاً‪ ،‬كذلــك اســتقالل ســوريا‪.‬‬ ‫نعــرض كل هــذه الوقائــع لنصــل الــى مــا آلــت‬ ‫اليــه التجربــة االســتقاللية؟ منــذ عهــد الرئيــس‬ ‫بشــارة الخــوري مــروراً بــكل العهــود التــي تلتــه‬

‫والــى اليــوم مــاذا حصل لهــذا الكيــان اللبناني؟لقد‬ ‫ّ‬ ‫مزقتــه الصراعــات الطائفيــة واالقتتــال الداخلــي‬ ‫فمــن فتنــة ‪ 1958‬التــي انتهــت بســقوط‬ ‫الرئيــس كميــل شــمعون وتســلم اللــواء فــؤاد‬ ‫شــهاب الحكــم الــذي حــاول إنقــاذ النظــام ببعــض‬ ‫االصالحــات الجديــة‪ ،‬ولكنــه رغــم محاوالتــه‬ ‫المتقدمــة لإلنقــاذ لــم يتمكــن مــن ذلــك‪ ،‬فرفــض‬ ‫ان ينتخــب مــن جديــد واعتــزل العمــل السياســي!‬ ‫بعــد تجربــة الرئيــس شــهاب كــرت ســبحة‬ ‫الرؤســاء وتفاقمــت االنقســامات بيــن االحــزاب‬ ‫الطائفيــة‪ ،‬وهنــا ظهــرت بقــوة وبالعلــن المصالــح‬ ‫االجنبيــة‪ ،‬فكانــت الحــرب ��الهليــة التــي بــدأت‬ ‫فــي العــام ‪ 1975‬وانتهــت باتفــاق الطائــف‬ ‫الــذي جلــب الويــل علــى هــذا النظــام اللبنانــي‬ ‫الهــش‪ ،‬ومنــذ التســعينيات الــى اليــوم يظهــر‬ ‫هــذا النظــام فشــله وعجــزه عــن اعــادة الحيــاة‬ ‫الطبيعيــة الــى اللبنانييــن‪.‬واآلن بعــد دخــول‬ ‫المخطــط القديــم الجديــد الــى منطقــة الشــرق‬ ‫االوســط لغايــة تقســيم المقسّــم فــي لبنــان وفــق‬ ‫المخطــط الصهيونــي االميركــي االوروبــي‪،‬‬ ‫يلــف لبنــان بنظامــه الفاشــل والمهتــرئ ليصبــح‬ ‫كريشــة فــي مهــب الريــح‪ ،‬فــا يمكنــه ان يواجــه‬ ‫العواصــف العاتيــة اآلتية مــن كل حدب وصوب‪،‬‬ ‫فالقوى التكفيرية تنتشر في كل مناطقه والخالفات‬ ‫المذهبيــة المشــتعلة تنتقــل مــن منطقــة الــى اخرى‬ ‫ولهــا اربابهــا ومتعهدوهــا واالمــوال واالســلحة‬ ‫الالزمــة متوفرة مــن جهات معروفة ومفضوحة؟‬ ‫فكيــف والحالــة هــذه يمكــن لهــذا النظــام بــكل‬ ‫مؤسســاته وسياســييه والطبقــة الحاكمــة صاحبــة‬ ‫القرارفيــه أن تواجــه االحــداث المتســارعة؟إن‬ ‫العواصــف اآلتيــة علــى النظــام اللبنانــي ســتقتلعه‬ ‫مــن جــذوره‪ ،‬ألنــه نظــام فاســد وسياســيوه‬ ‫نفعيــون وســائر مؤسســاته عاطلــة عــن العمــل‬ ‫او معطلــة؟ الكيــان اللبنانــي واقــع نعتــرف‬ ‫بــه “وهــو وقــف علــى إرادة بنيــه”‪ ،‬امــا النظــام‬ ‫الحاكــم فــي هــذا الكيــان فهــو نظــام فاســد‬ ‫وســاقط ويحمــل كل عاهــات االســتعمار التركــي‬ ‫واالنتــداب الفرنســي والهيمنــة االميركيــة!!‬ ‫فمــاذا ينتظــر هــؤالء الســادة أوليــاء هــذا النظــام‬ ‫أن يرحلــوا؟ وهــل هنــاك مــن قــوة تنقــذ هــذا‬ ‫الكيان اللبناني من براثن حاكميه؟‬


‫‪4‬‬

‫فكر‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫حسن حمادة في حوار استراتيجي (‪)2‬‬

‫دول األطلسي يف أسر الستار الحديدي‬ ‫حوار ساره حمادة‬

‫تتابــع «تحــوالت» الحــوار االســتراتيجي مــع‬ ‫الدكتــور حســن حمــادة فــي حلقــة ثانيــة منــه‪ ،‬متنــاوالً‬ ‫موضوعــي آليــة عمــل الســتار الحديــدي فــي الغــرب‬ ‫َ‬ ‫وكيفيــة فقــدان أوروبــا شــخصيتها االســتراتيجية‪.‬أكد‬ ‫حمــادة أن االتحــاد األوروبــي والمجموعــة العربيــة فقدا‬ ‫شــخصيتيهما االســتراتيجية بســبب حكومــات صهيونية‬ ‫تحكمهمــا‪ ،‬مشــدداً علــى إحــكام طــوق الســرية والمنــع‬ ‫علــى اتهــام الواليــات والمتحــدة وإســرائيل بجرائــم‬ ‫التصفيــة وبــإدارة ‪ 20‬ســجنا ً ســريا ً للمخابــرات‬ ‫األميركيــة داخــل أوروبــا بحصانــة مطلقــة عــن مالحقــة‬ ‫اإلعــام والقوانيــن المرعيــة اإلجــراء فــي الــدول‬ ‫األوروبيــة وعــدّ د حمــادة حــوادث اغتيــال وعــزل عــن‬ ‫العمــل السياســي والعــام وطــرد منــه لكبــار الساســة‬ ‫األوروبييــن بســبب خرقهــم المحظــورات االســتراتيجية‬ ‫األميركية‪ .‬فأية حقوق إنسان يزعمون؟‬

‫مســتقل وكأمنــاء فــي نقــل وقائــع األحــداث للنــاس وبالتالــي‬ ‫كأصحــاب رســالة‪ ،‬كل هــذه الصــورة أســقطها ســوينتون‬ ‫حيــن أكــد أن أصحــاب أجهــزة اإلعــام هــم الذيــن يأمــرون‬ ‫كيــف يجــب توجيــه األخبــار والتحليــات حتــى أنــه‬ ‫وصــف الصحافييــن بــــ «البغايــا»‪ ،‬مســتخدما ً باإلنكليزيــة‬ ‫‪ . Presstitute‬هــذا يعنــي أن التالعــب باإلعــام هــو‬ ‫ترجمــة لثقافــة الكــذب وأن حجــب الحقائــق عــن النــاس‬ ‫يتطلّــب كذبــا ً هــو فــي حــد ذاتــه الســتار الحديــدي‪.‬‬ ‫ولــم يكــن الكاتــب والمــؤرخ اإلفريقــي‪ ،‬ابــن جزيــرة‬ ‫مدغشــقرة شــارل أونغــرن ‪ Angran‬علــى خطــأ حيــن‬ ‫كتــب أن‪« :‬الرجــل األبيــض رفــع حضــارة الكــذب إلــى‬ ‫مســتويات لــم يســبق أن بلغهــا الكــذب عبــر التاريــخ»‪.‬‬ ‫فــي أوروبــا يقبــض الصهاينــة‪ ،‬وبدرجــات متفاوتــة بيــن‬ ‫بلــد وآخــر علــى أجهــزة اإلعــام ومــن خــال اإلعــام‬

‫كيــف يعمــل الســتار الحديــدي فــي‬ ‫الغــرب عمومـا ً وفــي أوروبــا بشــكل‬ ‫خــاص؟‬ ‫قلنــا ســابقا ً إن الســتار الحديــدي فــي الغــرب هــو أشــد خبثـا ً‬ ‫مــن ذلــك الــذي كان قائمـا ً فــي المعســكر الشــرقي الســابق‬ ‫وشــرحنا ذلــك‪.‬‬

‫يــؤ ّدون خدمــات ضخمــة للواليــات المتحــدة‪ ،‬بمعنــى أن‬ ‫اإلعــام فــي أوروبــا‪ ،‬خصوصـا ً علــى ســبيل المثــال فــي‬ ‫دولــة كفرنســا‪ ،‬يحــرض دائمــا ً علــى طمــس كل مــا لــه‬ ‫صلــة بتناقــض المصالــح بيــن الواليــات المتحــدة والــدول‬ ‫األوروبيــة‪ ،‬إذ أن الشــعوب األوروبيــة إذا مــا عرفــت إلــى‬ ‫أي حــد تقــوم حكوماتهــا بتســخير مصالحهــا‪ ،‬بــل بالتضحية‬ ‫بمصالحهــا‪ ،‬خدمــة للمصالــح االقتصاديــة األميركيــة‪ ،‬فــإن‬

‫إن الســتار الحديــدي فــي الغــرب بــات فــي ضــوء التقنيــات‬ ‫مكونــا ً مــن أجهــزة اإلعــام المرئيــة والمســموعة علــى‬

‫لمــاذا تصــر علــى القــول إن أوروبــا‬ ‫فقدت شخصيتهااالســتراتيجية؟‬ ‫األوروبيــة‪ .‬علــى ســبيل المثــال وليــس الحصــر إن اإلعالم‬ ‫األوروبــي يحجــب بالكامــل عــن المواطنيــن أمــر وجــود‬ ‫مــا يقــارب عشــرين ســجنا ً ســريا ً لمخابرات الـــ ‪ CIA‬على‬ ‫األرض األوروربيــة وبمأمــن عــن ســطوة القوانيــن‬ ‫والتنظيمــات المعتمــدة فــي أوروبــا علــى صعيــد حقــوق‬ ‫اإلنســان وحقــوق الســجين وإلــى مــا هنالــك مــن حقــوق‪.‬‬ ‫إن ثمــة مــا يقــارب عشــرين غونتنامــوا ســرّ يا ً فــي أوروبــا‬ ‫وال أحــد يتحــدث عنهــا‪ .‬واألمثلــة حــول ذلــك ال تحصــى‬ ‫وال تع ـ ّد واليهــود يقبضــون فــي السياســة والنفــوذ أثمان ـا ً‬ ‫باهظــة للخدمــات التــي يقدمونهــا لواشــنطن ناهيــك عمــا‬ ‫هــو أعظــم وأفظــع‪ ،‬وأقصــد هنــا دور الســتار الحديــدي‬ ‫هــذا فــي تدميــر الثقافــات األوروبيــة مــن خــال حقنهــا‬ ‫بلقاحــات مــن الثقافــة المادية الســائدة في الواليــات المتحدة‪.‬‬ ‫فالثقافــة هــي األســاس فــي كل شــيء فح ّتــى االقتصــاد هــو‬ ‫ابــن الثقافــة‪ .‬وللكــذب‪ ،‬كمــا هــو معــروف‪ ،‬مركــز مميــز‬ ‫فــي صــدر الثقافــة الســائدة فــي الواليــات المتحــدة والتــي‬ ‫بترعاهــا المؤسســات الدســتورية للدولــة هنــاك‪ .‬الســتار‬ ‫الحديــدي هــو أداة قويــة جــداً مــن أدوات االحتــال‪ ،‬فلــو‬ ‫أخذنــا مث ـاً وضــع دولــة مثــل فرنســا نجــد أن الواليــات‬ ‫المتحــدة حررتهــا فــي الماضــي مــن االحتــال األلمانــي‪:‬‬ ‫ُتــرى مــن ســيحرّ رها اليــوم مــن االحتــال األميركــي؟؟!‬

‫تعــ ّدد أشــكالها‪ ،‬مــن تلفزيونــات وإذاعــات إلــى وســائط‬ ‫االتصــال الحديثــة والـــ ‪ .multi media‬ومنــذ عشــرات‬

‫فمثل هذا الســؤال مثالً ال يمكن أن يســمح الســتار الحديدي‬

‫الســنين والمنظمــات الصهيونيــة فــي الواليــات المتحــدة‬

‫بطرحه‪...‬مجــرد أن تفقــد دولــة مــا ســيادتها علــى صعيــد‬ ‫الخيــارات االســتراتيجية‪ ،‬اقتصاديــاً‪ ،‬ثقافيــاً‪ ،‬قضائيــاً‪،‬‬

‫كمــا فــي أوروبــا تعمــل لغــزو هــذه المؤسســات والقبــض‬ ‫علــى مراكــز القــرار اإلداري والتحريــري فيهــا‪،‬‬ ‫بحيــث إن معظمهــا اليــوم أصبــح ســاقطا ً فــي قبضــة‬

‫أمني ـا ً ودبلوماســيا ً تبــدأ بفقــدان شــخصيتها االســتراتيجية‪.‬‬ ‫هــذا مثــاً وضــع المجموعــة العربيــة‪ ،‬وكذلــك وضــع‬

‫الصهاينــة‪ .‬ففــي الواليــات المتحــدة‪ ،‬ومنــذ القــرن التاســع‬

‫المجموعــة األوروبيــة الــذي بــات مــن المحظــور عليهــا‪،‬‬

‫عشــر‪ ،‬ودور الصحافــة كان يقضــي بإمــداد القــارئ‬

‫أو علــى أي مــن دولهــا‪ ،‬اتخــاذ أي موقــف مســتقل عــن‬

‫بمــا هــو مســموح لــه أن يعــرف‪ ،‬ال أكثــر وال أقــل‪.‬‬

‫إرادة الـــ ‪ Mr. Washington‬فلنتذكــر كيــف أن رجــل‬

‫ولعــل أبــرز صــورة لــذاك الواقــع هــي الصــورة التــي‬

‫الدولــة اإليطالــي ألدومــورو ‪ AldoMoro‬قــد جــرت‬

‫أعطاهــا جــون ســوينتن ‪ John Swinton‬الــذي كان‬ ‫رئيســا ً لتحريــر صحيفــة نيويــورك تايمــز ‪New York‬‬

‫‪-‬هــذه الشــعوب يمكــن أن تثور‪ .‬ودور الســتار الحديدي هو‬

‫‪ Times‬فــي أواخــر التســعينيات مــن القــرن التاســع‬

‫أن يمنــع أي ثــورة ضــد الهيمنــة األميركيــة علــى أوروبــا‪.‬‬

‫عشــر‪ .‬ففــي خطبــة الــوداع التــي ألقاهــا بمناســبة مغادرتــه‬

‫بــل وأكثــر مــن ذلــك إن دور الســتار الحديــدي هــو أن‬

‫النهائيــة للصحيفــة أوضــح بمــا ال يقبــل الشــك فــي أن كل‬

‫يمنــع حتــى أن يصبــح أمــر التناقــض فــي المصالــح مــادة‬

‫الهالــة التــي كانــت تحيــط باإلعالمييــن كأصحــاب رأي‬

‫نقــاش أو جــدال أو ســجال فــي الميــدان العــام فــي الــدول‬

‫تصفيتــه كعقوبــة لــه علــى إبــرام مــا عــرف بـ»المســاومة‬ ‫التاريخيــة» ‪ Compromis historique‬بيــن حزبــه‬ ‫«الديمقراطــي المســيحي» والحــزب الشــيوعي اإليطالــي‬ ‫فــي أواخــر الســبعينيات‪ ،‬أي فــي المرحلــة التــي كان الـــ‬ ‫‪ Mr. Washington‬يفــرض علــى األوروبييــن حظــر‬ ‫التعامــل مــع األحــزاب الشــيوعية‪ .‬المعــروف أن‬


‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫‪5‬‬

‫فكر‬

‫االستخبارات االسرائيلية اول من استخدم الطرود امللغومة يف االغتيال‬

‫ألدومــورو ُخطــف وقُتــل علــى أيــدي منظمــة «األلويــة‬ ‫الحمــراء» اليســارية المتطرفــة ثــم تبيــن أن هــذه األلويــة‬ ‫كانــت مــن صنــع المخابــرات األميركيــة وأن هــذه األلويــة‬ ‫كانــت تنفــذ عمليــات إرهابيــة فــي أوروبــا بواســطة تلــك‪.‬‬ ‫وعلــى الرغــم مــن ذلــك‪ ،‬وممــا تكشــفه الحقائــق‪ ،‬فــإن‬ ‫الدولــة اإليطاليــة لــم ت ِحــد قيــد أنملــه عــن إرادة الواليــات‬ ‫المتحــدة وخياراتهــا االســتراتيجية‪ .‬هــذا يعنــي أن مــن‬ ‫يحــاول خــرق القواعــد األميركيــة‪ ،‬فــي كل مــا لــه صلــة‬ ‫باالســتراتيجية‪ ،‬يتعــرض للتصفيــة وال تثــار حــول تصفيته‬ ‫أي شــكوك بخصــوص تــورط الواليــات المتحــدة‬ ‫وإســرائيل��� .‬ويمكــن إعطــاء أمثلــة عديــدة فــي دولــة مثــل‬ ‫ألمانيــا‪ ،‬حيــث جــرى التقليــد أن تتــم لفلفــة الجرائــم التــي‬ ‫ترتكبهــا إســرائيل أو المخابــرات األميركيــة علــى األرض‬ ‫األلمانيــة‪ ،‬ولعــل مــن أبرزهــا محاولــة قتــل الزعيــم‬ ‫الديمقراطــي المســيحي كونــراد أيدينــارو ‪Conrad‬‬ ‫‪ Adenauer‬فــي مطلــع الخمســينيات‪ ،‬وكان يومهــا‬ ‫مستشــاراً أللمانيــا االتحاديــة ورمــزاً ألماني ـا ً مــن رمــوز‬ ‫المعارضــة للنازيــة‪ .‬يومهــا أرســل لــه اإلســرائيليون‬ ‫طــرداً ملغومـا ً وكانــت هــي المــرة األولــى فــي العالــم التــي‬ ‫تســتخدم فيهــا الطــرود الملغومــة التــي ترســل بواســطة‬ ‫البريــد‪ .‬كمــا أن الواليــات المتحــدة وأجهزتهــا كانــت‬ ‫تصفــي السياســيين غيــر المنصاعيــن‪ .‬هكــذا جــرت إزاحــة‬ ‫المستشــار فيلــي برانــت ‪ Villy Brandt‬ألنــه خــرج‬ ‫عــن المحظــور األميركــي وأطلــق سياســة «االنفتــاح‬ ‫علــى الشــرق» ‪ Ospolitics‬أي االنفتــاح علــى االتحــاد‬ ‫الســوفياتي‪ ،‬فــي الربــع األول مــن الســبعينيات فــي القــرن‬ ‫العشــرين‪ ،‬حيــث كان المســتر واشــنطن يحظــر قيــام أي‬ ‫عالقــة مــع المعســكر الشــرقي مــن دون أخــذ موافقتــه‬ ‫المســبقة‪ ...‬ثــم جــرى طــرد ‪Oscar La fantaine‬‬ ‫زعيــم الحــزب االشــتراكي الــذي أراد الســير علــى خطــى‬ ‫فيلــي برانــت فأرســل لــه مــن َط َع َن ـ ُه بالســكين فــي رقبتــه‬ ‫ثــم أخبــر بــأن عليــه أن يخــرج مــن الحيــاة السياســية‬ ‫والـــ‪ ....‬وكمــا ســبق وقلــت األمثلــة ال تحصــى ومنهــا على‬ ‫ســبيل المثــال حادثــة طــرد نيــل كينــوك مــن الحيــاة العامــة‬ ‫فــي بريطانيــا‪ ،‬بســبب ارتــكاب المحظــور بمحاولتــه‬ ‫قيــادة حــزب العمــال البريطانــي للخــروج عــن بيــت‬ ‫الطاعــة األميركــي‪ ....‬ومــع ذلــك لــم تقــم القيامــة ضــد‬ ‫الواليــات المتحــدة فيبريطانيــا‪ ،‬ألن الســتار الحديــدي‬ ‫موجود‪،‬وهــو يلقــن النــاس بأكاذيــب ويبعدهــا عــن ســكة‬ ‫الحقائــق ويطمــس كل مــا لــه صلــة بالتناقــض بيــن‬ ‫أوروبــا والواليــات المتحــدة‪ .‬واليــوم فــإن المثــال األبــرز‬ ‫علــى فقــدان أوروبــا شــخصيتها االســتراتيجية يتمثــل‬ ‫بوثيقــة االستســام المخملــي أمــام البيــت األبيــض والتــي‬ ‫تحمــل اســم «اتفاقيــة التعــاون ضــد اإلرهــاب»‪ ،‬الموّ قــع‬ ‫عليهــا فــي واشــنطن بتاريــخ ‪ 26‬حزيــران ‪ ،2003‬والتــي‬ ‫تحمــل تواقيــع جــورج بــوش عنلواليــات المتحــدة وكل‬ ‫مــن رومانــو بــرودي‪ ،‬وســيميتس ‪ Simitis‬عــن االتحــاد‬

‫األوروبــي‪ .‬بعــد هــذه الوثيقــة التــي أعقبــت ســقوط بغــداد‬ ‫بأســابيع قليلــة‪ ،‬أصــدر مؤتمــر قمــة االتحــاد األوروبــي‬ ‫المنعقــد فــي لنــدن‪ ،‬أواخــر شــهر كانــون األول مــن العــام‬ ‫نفســه‪ ،‬وثيقــة تحمــل عنــوان‪« :‬مــن أجــل أوروبــا قويــة‬ ‫فــي عالــم أكثــر أمن ـاً» وجــاء فيهــا اآلتــي‪ :‬علــى االتحــاد‬ ‫األوروبــي أن يلتصــق التصاقـا ً كامـاً بالسياســة األميركية‬ ‫فــي القضايــا االســتراتيجية بــدءاً بالملفــات الخمســة اآلتيــة‪:‬‬ ‫اظــر االنتشــار النــووي‪.‬‬

‫‪.2‬ملــف مكافحــة «اإلرهــاب الدولــي»‪ .‬وهنــا تتبــع‬ ‫أوروبــا التصنيــف األميركــي ‪ -‬اإلســرائيلي لإلرهــاب‪،‬‬ ‫بــكل معنــى الكلمــة‪ ،‬بمــا فــي ذلــك التعــاون والتنســيق‬ ‫مــع منظمــات اإلرهــاب الدولــي‪ ،‬مثــل منظمــة القاعــدة‬ ‫تحــت عنــوان العمــل علــى نشــر الديمقراطيــة فــي تونــس‬ ‫وســوريا‪.3 .‬ملــف «األزمــات اإلقليميــة» بالمعنــى‬ ‫الفضفــاض والواســع والعريــض لهاتيــن الكلمتيــن‪ ،‬أي‬ ‫حســب المعنــى الــذي تحــدده الواليــات المتحــدة وإســرائيل‪.‬‬ ‫‪.4‬ملــف الجريمــة المنظمــة وأبرزهــا تجــارة المخــدرات‪.‬‬ ‫والالفــت هنــا أن صــدور هــذا اإلعــان جــاء فــي وقــت‬ ‫كانــت فيــه أفغانســتان قــد بــدأت تشــهد ازدهــاراً فظيعــا ً‬ ‫إلنتــاج مــادة األفيــون وتصديرهــا فــي المناطــق الواقعــة‬ ‫تحــت االحتــال العســكري األميركــي المباشــر‪...‬‬ ‫‪.5‬ملــف عمالــة األطفــال‪ .‬يكفــي أن نلقــي نظــرة علــى هــذه‬ ‫الملفــات كــي نــرى أنهــا تغطــي عملي ـا ً مجمــل العالقــات‬ ‫الدوليــة واألزمــات‪ .‬يكفــي أن ننظــر إلــى الملــف الثالــث‬ ‫حــول األزمــات اإلقليميــة لنفهــم‪ ،‬أن علــى أوروبــا أن تتبــع‬ ‫السياســة األميركيــة تبعيــة عميــاء فــي بقــاع األرض كلهــا‪.‬‬ ‫لذلــك أقــول إن أوروبــا فقــدت شــخصيتها االســتراتيجية‪،‬‬ ‫وكمــا قلنــا فــي الحلقــة الســابقة إنهــا محكومة مــن حكومات‬ ‫ســيانيم ‪ Sayaneem‬مثلمــا تحكــم المجموعــة العربيــة‬ ‫حكومــات صهيونيــة عربيــة‪.‬‬ ‫يتبع في حلقة مقبلة‬


‫‪6‬‬

‫فكر‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫حزب اهلل واألمة واسرتاتيجيته نحو تعافيها واستعادة الروح‬ ‫نسيب الشامي‬ ‫يختلــف الكثيــرون فــي عالمنــا العربــي حــول “حــزب‬ ‫هللا” وطبيعتــه ونشــأته ودوره‪ .‬فيذهبــون بالســلبية‬ ‫حــ َّد التطــاول المشــبوه‪ .‬والبعــض فــي اإليجابيــة‬ ‫حــ ّد عمــى األلــوان او حــ َّد التبعيــة وفــي أي حــال‪،‬‬ ‫“حــزب هللا” ثابــت فــي موقعــه ال يبــ ّدل تبديــاً‪.‬‬ ‫إن للديــن طبيعتيــن يقــول ســعادة‪ :‬طبيعــة عامــة‬ ‫وطبيعــة خاصــة‪ .‬الطبيعــة العامــة هــي فــي البحــث‬ ‫الالهوتــي الماورائــي والــذي يتعلــق بخــاص النفــس‬ ‫ومصيــر الــروح‪ ،‬ويــوم الحســاب‪ ،‬والجنــة او جهنــم‪،‬‬ ‫ويــوم اآلخــرة وطرائــق المصالحــة مــع هــذه النهائيــات‬ ‫علــى قواعــد الصــدق واإليمــان والرضــى والقبــول‪.‬‬ ‫الطبيعــة الخاصــة هــي فــي عالقــة الديــن بالبيئــة الحاضنــة‬ ‫لــه‪ ،‬وهــو وإن اختصــر فــي ثنايــا طبيعتــه الخاصــة بعضـا ً‬ ‫مــن خصائــص الطبيعــة العامــة‪ ،‬وال حاجــة هنــا للســؤال‪:‬‬ ‫اي طبيعــة تتقــدم مــن طبائــع الديــن عنــد “حــزب هللا”‪:‬‬

‫الدارســين فــي علــم الدوافــع والموجبــات إلــى مــا يتعــدى‬

‫كســر التــوازن المرتقــب بحــدود العــام ‪ .2015‬امــا يم ّيــز‬

‫الطبيعــة الخاصــة ام العامــة؟ ألن هــذا الســؤال يخــرج‬

‫ســامة المقاومــة ودورهــا وحضورهــا إلــى معطيــات‬ ‫تتعلــق بالمذهــب الشــيعي مثــاً‪ ،‬وفــي مســألة التشــيّع‬

‫“حــزب هللا” أنــه قــارئ جيــد للمعــادالت الجيوسياســية‬

‫النقــاش عــن المعنــى وال يفيــد فائــدة وال غنــى للموضــوع‪.‬‬

‫والجيوســتراتيجية‪ ،‬واألكثــر مــن هــذا أنــه مقــدام فــي‬

‫واالنتشــار والتمــدد علــى حســاب ســن َّة هنــا او آخريــن‬ ‫هنــاك‪ ،‬حيــث انــه لــم يؤخــذ علــى الحــزب إطالقـا ً أنــه قــام‬

‫يعلــم انــه جــزء مــن منظومــة ســيادة ومواجهــة تبــدأ مــن‬

‫بهــذه االدوار فقــد كان وفيـا ً مــن الناحيــة الدينــي الــى تلــك‬

‫حيــث هــو فــي جنــوب لبنــان وتمتــد حتــى دول البريكــس‪،‬‬

‫إلــى مواجهــة مــع شــعوبها ومجتمعاتهــا‪ .‬ولــم تقتصــر‬

‫الطبيعــة الخاصــة‪ ،‬بمقــدار وفائــه للبيئــة القوميــة الحاضنــة‬

‫شــاملة الصيــن وروســيا‪ .‬وهــو يعلــم أن ســمة هــذا‬

‫هــذه التجليــات علــى إعالنــه هــذه المعرفــة اليقينيــة بــل‬ ‫ّ‬ ‫يســطر ســبل‬ ‫وعبــر المقاومــة فــي جنــوب لبنــان راح‬

‫وقضاياهــا وهــو مــن وأد الفتنــة الســنية الشــيعية‪ ،‬وعلــى‬

‫الحلــف هــو الوفــاء وقــد أثبتــث الصيــن وروســيا أنهمــا‬

‫حســاب الشــيعة فــي معظــم األحيــان حتــى ال يســمح‬

‫المواجهــة الناجعــة‪ ،‬وين َّفــذ علــى أرض الواقــع مالحــم‬

‫لشــذاذ اآلفــاق مــن مشــايخ التزلــج‪ ،‬أو مشــايخ الســباق‬

‫وفيتــان لــه ولحليفــه القومــي فــي ســوريا‪ ،‬وقــد رســمت‬ ‫الصيــن وروســيا خطـا ً أحمــر عبــر الفيتــوات فــي مجلــس‬

‫البطــوالت وأذكــى الشــهادات وأروع االنتصــارات‪.‬‬

‫فــوق المــاء أن ينالــوا مــن وحــدة المجتمــع وهتــك نســيجه‬ ‫االجتماعــي وبــذر الفتنــة واالقتتــال الطائفــي وصــوالً الــى‬

‫األمــن‪ ،‬فــي حيــن رســمت إيــران خط ـا ً احمــر إقليمي ـا ً ال‬

‫الحفــاظ علــى رأس المقاومــة‪ ،‬وعالقــة المقاومــة باآلخرين‬

‫الحــروب األهليــة‪ .‬حــزب هللا هــو حــزب عقيدتــه دينيــة‪،‬‬

‫حلفــاء كانــوا أم أعــداء‪ ،‬فأقــام شــبكاته المتعــددة االتجاهــات‬

‫ولكنــه قومــي الهــوى‪ ،‬حيــث تتشــكل حيويتــه وحضــوره‬

‫الخليــج‪ ،‬مملــكات ومشــيخات وإمــارات مقرونــة بالدعــم‬

‫واألغــراض‪ ،‬منهــا مــا كان فــوق األرض ومنهــا مــا هــو‬

‫وفعاليتــه فــي دفاعــه عــن األرض والبيئــة واإلنســان الــذي‬

‫المالــي واللوجســتي والتســليحي وبالموقــف السياســي‬

‫تحتهــا‪ .‬وفــي عالقاتــه التــي مازجــت بــي الحليــف الــذي‬

‫يعيــش عليهــا‪ ،‬وأكثــر مــن هــذا فــإن فاعليتــه تجــاوزت‬

‫الــذي ال يعــرف المراوحــة وال المهادنــة وال المســاومة‬

‫يقاتــل الــى جانبــه‪ ،‬حيــث ينعــم بدعــم الحــزب المعنــوي‬

‫قــدرات األمــة ودفاعاتهــا وجيوشــها وتجــاوزت مصطلــح‬

‫وال التســويات حتــى اختلــط األمــر علــى العالــم‪ :‬أهــو دفــاع‬

‫والمــادي والتســليحي وبيــن مــن ينعمــون بمالــه مقابــل‬

‫العالــم العربــي واإلســامي بمالــه وعديــده وأوهــام فاعليتــه‬

‫عــن دمشــق أم عــن طهــران؟ كان “حــزب هللا” يــدرك‬

‫انســجامهم مــع موقفــه السياســي والوطنــي وبيــن مــن‬

‫وتأثيــره‪ ،‬وحدهــا إيــران تمايــزت عــن عالمــه‪ ،‬لكونهــا‬

‫أنــه فــي معــادالت األحــاف ال يمكــن لــه أن يكــون حليفـا ً‬

‫ينعمــون بمظلتــه السياســية والعســكرية والطائفيــة فــي‬

‫تشــاركه العقيــدة والتوجــه الصــادق ذاتهمــا فــي مواجهــة‬

‫ضعيفـا ً ثانويـاً؛ مــن هنــا كان دوره المميــز فــي القصيــر‪،‬‬

‫معادلــة السياســة اللبنانيــة ومرتكزاتهــا ووقائعهــا‪ .‬مقابــل‬ ‫مظلتهــم الطائفيــة التــي تقيــم توازن ـا ً طائفي ـا ً علــى مســرح‬

‫الكيــان اإلســرائيلي الغاصــب متخطيــة هــي بدورهــا‬ ‫العامــل المذهبــي حيــن نســجت مــع حمــاس والجهــاد‬

‫كان الحــزب يعــرف أن حربــه فــي القصيــر هــي دعــم‬ ‫قومــي حيــوي لحليفــه الســوري فــي حربــه ضـ ّد التكفيريين‬

‫السياســة اللبنانيــة المتقلبــة دائم ـا ً والمشــوهة ابــداً‪ .‬ولكنهــا‬

‫اإلســامي‪ ،‬عندمــا كانــت األولــى تواجــه إســرائيل‪ ،‬افضــل‬

‫المدعوميــن مــن كل القــوى الظالميــة فــي الغــرب والعالــم‬

‫ضروريــة فــي رســم الضمانــات‪ ،‬بغيــة تقطيــع المراحــل‬

‫العالقــات وأصــدق الدعــم بالمــال والســاح والخبرةلقتاليــة‬

‫وتحقيــق اإلنجــازات اآلنيــة والحضــور السياســي علــى‬

‫ولمــا انكفــأت حمــاس‪ ،‬بقيــت إيــران فــي حــال االنتظــار‪،‬‬

‫العربــي المتواطــئ مــع مخططاتــه ومخططــات إســرائيل‪.‬‬ ‫وهــو يعــرف انــه ال يجديــه نفعــا ً أن يصغــي الــى‬

‫وقــع االتفاقــات والتفاهمــات والتــي أثبتــت فاعليتهــا‬

‫ع ـ َّل حمــاس تعــود إلــى رشــدها‪ ،‬أو قطــر إلــى حجرهــا‪،‬‬ ‫أو أســيادهما إلــى التعامــل براغماتيـا ً مــع القــوى الموازيــة‬

‫ناصــح أو الئــم علــى امتــداد الســاحة اللبنانيــة والعربيــة‪.‬‬

‫“حــزب هللا” مــع اآلخريــن هــو المقاومــة‪ .‬لــن يفيــد‬

‫لهــا فــي الصيــن وروســيا ودول البريكــس‪ ،‬أو ربمــا إلــى‬

‫أمــا تجليــات الطبيعــة الخاصــة عنــد “حــزب هللا” فهــي‬ ‫فــي تحديــده تحديــداً واضحــا ً ال لبــس فيــه للعــدو الــذي‬ ‫يواجــه األمــة وجيوشــها وأنظمتهــا والتــي تطــوّ رت‬

‫وعــى “حــزب هللا” منــذ نشــأته‪ ،‬ديناميــة الميــدان وقواعــد‬

‫وجدواهــا وقــوة حضورهــا‪ .‬الدافــع األســاس فــي عالقــات‬

‫اتخــاذ القــرار الــذي ينســجم مــع رؤيتــه وتحليالتــه وهــو‬

‫يقــل اهميــة مــن المعطــى الصينــي – الروســي بــل قــد‬ ‫يتعــداه لجهــة تهديداتــه الصادقــة والمقنعــة قســراً لــدول‬

‫إنــه يعــرف كيــف يدافــع عــن مقاومتــه ويحميهــا وحمايتهــا‬ ‫ذهبــت بــه إلــى القصيــر‪ .‬وحســنا ً فعــل‬


‫‪7‬‬

‫ابداع‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫االنسداد الثقافي‬

‫نجيب نصير‬

‫‪ ...‬خطأ طبي عابر ‪ ...‬وبشري‬

‫كخطــأ طبــي مكــرر‪ ،‬دائــم ومســتمر‪ ،‬يبــدو أداء‬ ‫الثقافــات العربيــة‪ ،‬فــي اســتقراره وإســتمراره وتكــراره‬ ‫وإصــراره‪ ،‬حتــى بــدت وكأنهــا تفســد مــا تالمســه عمــداً‬ ‫أو عــن غيــر قصــد‪ ،‬ولمــا تــزل توغــل فــي تشــاوفها‬ ‫وعنجهيتهــا المعلوميــة‪ ،‬خالطــة بيــن أصنــاف المعلومــات‬ ‫عبــر فتــح مجــاري ســياقاتها «المعرفيــة» االختصاصيــة‬ ‫علــى بعضهــا منتجــة خلطــة ذات قداســة مســتلفة‪ ،‬تحميهــا‬ ‫الشــعارات اإليمانيــة الخيريــة‪ ،‬فــي جــو مــن الثقــة المضللة‬ ‫بالنفــس‪ ،‬واهمــة بأنــه لــن يصــح إال الصحيــح‪ ،‬والصحيــح‬ ‫هــي‪ ،‬ألنهــا وببســاطة علــى حــق‪ .‬نابشــة مظلومية تكتســب‬ ‫ـاض تقســره علــى االســتمرار فــي توليفــة‬ ‫إعالنيتهــا مــن مـ ٍ‬ ‫تلفيقيــة بيــن المعلومــات‪ ،‬محجمــة فــي الوقــت نفســه عــن‬ ‫تحويلهــا الــى معــارف‪ ،‬كوعــد مؤجــل الــى حيــن إحقــاق‬ ‫الحــق‪ ،‬واضعــة مفهوم ـا ً مبتكــراً لالســتراتيجيا علــى أنهــا‬ ‫تحريــف لغــوي غربــي لمــا هــو مؤجــل مــن االســتحقاقات‪.‬‬ ‫ال يبــدو الخطــأ الطبــي مشــكلة فــي حــد ذاتــه‪ ،‬بــل المشــكلة‬ ‫فــي الذهنيــة العنيــدة التــي أنتجتهــا «ثقافــة» تقديســية‪،‬‬ ‫اســتقطابية ذات فوضــى معرفيــة فــوارة بالحماســة‬ ‫النتصــار حــق مفتــرض علــى باطــل مــن الصعــب إثباتــه‬ ‫معرفي ـاً‪ ،‬مــا ينتــج معــارك وهميــة ال ســبيل إلنهائهــا فــي‬ ‫المــدى المنظــور للعقــل فتصبــح «اســتراتيجية» بالمعنــى‬ ‫اآلنــف‪ ،‬ويعــود الجهــاد إلحقــاق الحــق للبــدء مــن الصفــر‪.‬‬ ‫انطالقـا ً مــن بدائيــة معرفيــة تبســيطية وهالميــة وخارجــة‬ ‫عــن الســياقات االختصاصيــة للعلــم والمعرفــة ايضــاً‪،‬‬ ‫لتتســبب هــذه الثقافــة فــي قــذف شــعوبها (مســتهلكيها) الــى‬ ‫خــارج الزمــان وإنجازاتــه‪ ،‬ليســيل الزمــن متبــدداً فــي‬ ‫بحــور الفخــر واالنتظــار‪ ،‬بينمــا التنافــس اإلنتاجــي قابــع‬ ‫علــى «الثغــور»‪.‬‬ ‫هنــا تبــدأ معارك الهويــة‪ ،‬والقوميــة‪ ،‬واللغة‪،‬والخصوصية‪،‬‬ ‫والتــراث‪ ،‬واألصالــة‪ ،‬والعالمانية‪،‬والغــزو الثقافــي‬ ‫الغربــي‪ ،‬والتحــرر الجنســي‪ ،‬واإلعــام‪ ،‬واالتصــاالت‬ ‫والــخ‪ ،‬وكلهــا معــارك بدئيــة هالميــة‪ ،‬وكلهــا مســائل‬ ‫وصــل العالــم فيهــا الــى نتائــج اختباريــة معرفيــة‪ ،‬ال‬ ‫تحتــاج الــى إعــادة تجريــب وصياغــة للوصــول الــى‬ ‫العمليــات او األداءات المنتجــة للحضــور واالســتمرار‪.‬‬ ‫هنــا يبــدو الخطــأ الطبــي كدرامــا مؤلمــة مــن حركتيــن‪.‬‬ ‫األولــى‪ :‬هــي العلــم المســبق بــه‪ ،‬بســبب عالنيــة العلــم‬ ‫وعموميتــه‪ ،‬والثانيــة‪ :‬هــي اإلصــرار علــى ممارســته‬ ‫بالرغــم مــن وضــوح نتائجــه مســبقاً‪ ،‬فليــس مــن الثقافــة‬ ‫فــي شــيء‪ ،‬إذا علمنــا أن الســم يســمم‪ ،‬ولكنــه مــن الثقافــة‬ ‫جــداً ان نتناولــه‪ ،‬وهنــا يبــدو توصيــف هــذه الثقافــة متيســراً‬ ‫وواضحــا ً حتــى لغيــر ذي لــب‪ ،‬فعلــى مــاذا كل هــذا‬ ‫التفاخــر والشــعور بالتفــوق والخصوصيــة والتمايــز؟ إنهــا‬ ‫نوعيــة الثقافــة التــي يمكــن وصفهــا بيســر بأنهــا مســتقرة‬ ‫فــي مرحلــة مــا قبــل مجتمعيــة‪ ،‬ولمــا تــزل تفشــل فــي‬ ‫تكــرار كوميــدي فــي توليــد مجتمعاتهــا‪ ،‬وحتــى يومنــا‬ ‫هــذا يمتشــق إداريــو الثقافــة ألســنتهم الفصيحــة للــذود عــن‬ ‫أنقــاض يصــرّ ون أنهــا ذات قيمــة عليــا‪ ،‬فــإذا كان أهــل‬ ‫األرض ال يعرفــون قيمتهــا‪ ..‬ففــي الســماء لهــا كل القيمــة‪،‬‬ ‫وهنــا تبــدو االســتراتيجيا‪  ‬في أبهــى صورهــا‬

‫«المعرفية»‪.‬‬ ‫العلــم المســبق بالخطــأ الطبــي واإلقــدام عليــه هــو ثقافــة‬ ‫حقيقيــة‪ ،‬ولكنهــا بمقــام جريمــة‪ ،‬ألنهــا تعبيــر عــن رفــض‬ ‫ وفقــط رفــض ‪ -‬اإلنجــاز اإلنســاني مــن موقــف عنصــري‬‫واضــح وجزافــي وعلــى ســبيل االســتقطاب العبثــي‬ ‫(المجاكــرة)‪ ،‬لتبــدو الشــعوب وهــي تســتخدم وتمــارس هذه‬ ‫الثقافــة فــي «برادوكس»‪  ‬وذهــول تحشيشــي وقــح‪ ،‬حيــث‬ ‫يبــدو وكأن عطبـا ً فــي الجينــات الثقافيــة تتوارثــه األداءات‬ ‫الثقافيــة‪ ،‬مــع تطويــر فــي ماكينــات (بالمعنــى المشــخص)‬ ‫نشــره وتوزيعــه‪ ،‬وهكــذا يتحــوّ ل األنترنــت الــى ماكينــة‬ ‫يحــق اســتخدامها فــي تعلــم وتعليــم القتــل‪ ،‬ألنــه هــو نفســه‬ ‫(األنترنــت) مجــرم‪ ،‬ومذنــب كونــه يبــث افالمــا ً جنســية‬ ‫مثـاً‪ ،‬لتصبــح المجاكــرة المحــور المفهومــي الوحيــد الــذي‬ ‫تــدور عليــه ثقافــة كهــذه‪ ،‬ناهيــك عــن تعاكــس مفهومــي‬ ‫المقاطعــة والحاجــة‪ ،‬التــي تبيــح لمــا قبــل المجتمعــي‬ ‫الســتخدام منجــزات المجتمعــي‪ ،‬إمــا بمبــرر التســخير أو‬ ‫بذريعــة الســبي‪  ‬او الغنيمــة أثنــاء الــرد علــى الغــزو بغــزو‬ ‫انتقامــي «محــق»‪ .‬ثقافــة كهــذه ال تنفــع مــع الحيــاة‪...‬‬ ‫خصوصـا ً مــع اإلصــرار علــى تكــرار هــذا الخطــأ الطبــي‬ ‫واإليغــال بــه عــن ســابق إصــرار ومعرفــة بــه‪ ،‬ال بــل‬ ‫تمنيــه والتحضيــر لــه بــكل عنــاد ثقافــي‪ ،‬وكأن‪ ،‬وعلــى‬ ‫ســبيل المثــال‪ ،‬مئــة وخمســين عاماً‪  ‬مــن التنبيــه والفضــح‬ ‫واإلشــارة الــى الخطــأ الكارثــي المســمى طائفيــة‪ ،‬والــذي‬ ‫يمنــع توليــد المجتمــع (ليــس أقــل مــن ذلــك) مــن الحــراك‬ ‫الثقافــي البشــري‪ ،‬وعلــى الرغــم مــن قناعــة الجميــع بذلــك‪،‬‬ ‫كأنهــا لــم تكــف ولــم تقنــع‪ ،‬ولمــا تــزل هــذه الثقافــات‬ ‫متوحــدة علــى الطائفيــة وإنتاجهــا وتغذيتهــا ومســؤولة عــن‬ ‫اســتمراريتها طــرداً لفكــرة المجتمــع المتحــرك المنتــج‬ ‫المنافــس علــى البقــاء واالســتمرار‪ ،‬لــم تكــف؟ ألن ثقافــة‬ ‫كهــذه مصــرة علــى توليــد مجتمــع علــى أســس غيــر‬

‫التــي أرســاها العلــم والمعرفــة وأرســتها التجربــة العمليــة‬ ‫للشــعوب فــي أرجــاء األرض‪ ،‬ال بــل مــا زالت هــذه الثقافة‬ ‫مصــرة علــى تفكيــك وإنهــاء مــا أنجزتــه شــعوب عديــدة‬ ‫مــن تجربــة توليــد مجتمعاتهــا وإلحاقهــا بركبهــا الثقافــي‪،‬‬ ‫الــذي أنتــج فخــر منتجاتــه‪ ...‬الطائفيــة‪ ،‬ومــا عليهــم (فــي‬ ‫حــال نجاحهــا) إال االنتظــار لبضعــة قــرون لحصــد نتائجها‬ ‫الباهــرة‪ ،‬بينمــا العالــم لــم يســتقر علــى ثقافــة معرفيــة‬ ‫بعــد!!!! آل يبــدو الخطأ‪  ‬الطبــي ســهل اإلصــاح‪ ،‬فالفنــاء‬ ‫كمــا المــوت آل يمكــن الرجعــة فيــه‪ ،‬والفنــاء االجتماعــي‬ ‫هــو أقــل مــا يمكــن تحقيقــه مــن ممارســة‪  ‬ثقافية كهــذه‪..‬‬ ‫وهنــا ال نقصــد قبيلتــي عــاد أو ثمــود‪ ،‬بــل نقصــد تلــك‬ ‫الحالــة اإلنتاجيــة التنافســية التــي تصنــع الهويــة واللغــة‪،‬‬ ‫وتقــدم المجتمــع كهيئــة إنســانية فاعلــة ومشــاركة فــي‬ ‫مصيــر البشــرية جمعــاء‪ ،‬أمــا ثقافــة إفنائيــة منتجــة للــدم‬ ‫واألحقــاد كهــذه فعليهــا النظــر فــي مرآتهــا‪ ،‬مشــخصة‬ ‫أمراضهــا بصراحــة‪ ،‬مــن دون مســايرة او مواربــة أو‬ ‫تخفيــف مــن حــدة الصدمــة‪ ،‬حتــى ولــو كانــت صادمــة‬ ‫أو مؤلمــة‪ ،‬فالمصــاب بالســرطان هــو مصــاب بــه‪،‬‬ ‫وليــس مبتلياً‪  ‬بــه‪ ،‬وليــس مــن مؤامــرة عليــه‪ ،‬وال تمكــن‬ ‫مجاملتــه علــى أنــه مصــاب بالقرحــة مثــا ألنــه مهــم أو‬ ‫جميــل‪ ،‬وال يمكــن التعامــل معــه كواقــع مفــروض‪ ،‬وال‬ ‫اتخــاذ اإلجــراءات علــى رأي األغلبيــة او األكثريــة مــن‬ ‫دون مقاييــس اختصاصيــة‪ ،‬للخطــأ والصــواب‪ ،‬أو للمفيــد‬ ‫والضــار‪ ،‬فاألمــراض ليســت حقـا ً أو باطـاً‪ ،‬وليســت عاراً‬ ‫أو فخــراً‪ ،‬واالعتــراف بها‪  ‬ليــس جلــداً للــذات‪ ،‬وال تدليـاً‬ ‫لهــا‪ ..‬إنهــا ببســاطة تحتــاج الــى عــاج ورعايــة‪ ..‬وبدايــة‬ ‫العــاج – كل عــاج – هو‪ ‬العلــم بالمــرض واالعتــراف‬ ‫بــه‪ ،‬للوصــول الــى «معرفــة» العــاج وأســاليبه وطرقــه‬ ‫وأدواتــه‪ ،‬وهــذه ايضـا ً ال تحتــاج إلــى أوهــام الفخــر والعزة‬ ‫واألصالــة‪ ..‬والــخ‪.‬‬


‫‪8‬‬

‫فكر‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫هل بدأ ربيع تركيا ونهاية اردوغان؟‬ ‫رياض عيد‬ ‫تجتــاح تركيــا تظاهــرات كبيــرة انطلقــت مــن ســاحة‬ ‫تقســيم إثــر قــرار حكومــة حــزب العدالــة والتنميــة‬ ‫بقيــادة رجــب طيــب اردوغــان‪ ،‬رئيــس الحكومــة‬ ‫التركيــة‪ ،‬تحويــل ســاحة تقســيم مركــزاً تجاريــاً‪ ،‬مــا‬ ‫لبــث أن أتــى الجــواب مــن حديقــة «جيــزي» المجــاورة‬ ‫لســاحة تقســيم فــي مدينــة اســطنبول التركيــة‪،‬‬ ‫فصدحــت أصــوات اآلالف‪ :‬أردوغــان‪ ..‬ارحــل!‬ ‫بــدأ هــذا الحــراك الشــعبي مــع بدايــة حزيــران الحالــي‬ ‫رداً علــى قــرار حكومــة اردوغــان اآلنــف الذكــر‪ ،‬لكنــه‬ ‫ســرعان مــا تحــوّ ل مــن حــراك محــدود لــه دوافعــه‬ ‫البيئيــة واالقتصاديــة إلــى احتجاجــات اتســعت رقعتهــا‬ ‫لتشــمل عشــرات المــدن التركيــة‪ ،‬كأنقــرة وأزميــر‬ ‫وغــازي عنتــاب‪ ،‬وهــو مــا عــزاه مراقبــون إلــى قمــع‬ ‫رجــال الشــرطة للمتظاهريــن‪ ,‬وإخالئهــم ســاحة تقســيم‬ ‫بالقــوة واعتقــال اآلالف منهــم‪ ,‬وعنــاد رئيــس الــوزراء‬ ‫رجــب طيــب أردوغــان الــذي مضــى قدمــا ً فــي‬ ‫قــراره‪ ،‬مســتخفا ً بمطالــب المتظاهريــن واصفــا ً اياهــم‬ ‫«بالغوغــاء واللصــوص والمشــاغبين والمأجوريــن»‪،‬‬ ‫رغــم أن معظمهــم مــن النخبــة المثقفــة وطــاب‬ ‫الجامعــات والفنانيــن والصحافييــن‪ ،‬مــا شــكل حافــزاً‬ ‫إلشــعال فتيــل التظاهــرات فــي الشــارع وارتفــاع‬ ‫وتيــرة المطالــب‪ ،‬وصــوالً إلــى رفــع شــعار (إســقاط‬ ‫الحكومــة)‪.‬‬ ‫فمــاذا تمثــل (ســاحة تقســيم ) مــن رمزيــة تاريخيــة‬ ‫حتــى قوبــل قــرار الحكومــة برفــض شــعبي عــارم؟‬ ‫و َمــن هــي االحــزاب والقــوى السياســية التــي اســتغلت‬ ‫الرفــض الشــعبي لقراراردوغــان ووقفــت خلــف هــذه‬ ‫التظاهــرات؟ ومــا هــي األســباب الحقيقيــة لهــذا التحــرّ ك‬ ‫هــل هــي اســباب داخليــة ام بيئيــة ام اقتصاديــة ام لهــا‬ ‫عالقــة بسياســة اردوغــان الخارجيــة؟ وهــل ســتؤدي‬ ‫هــذه التظاهــرات الــى اســقاط حكومــة رجــب طيــب‬ ‫اردوغــان؟ موقــع (ســاحة تقســيم) ورمزيتهــا التاريخيــة‬ ‫تقــع ســاحة تقســيم فــي الجــزء األوروبــي مــن مدينــة‬ ‫إســطنبول‪ ،‬وهــي معلــم ســياحي يقصــده الســياح مــن كل‬ ‫أنحــاء العالــم‪ ،‬ويُنظــر إليــه علــى أنــه قلــب إســطنبول‬ ‫الحديثــة‪ .‬وتضــم الســاحة نصــب الجمهوريــة التــذكاري‬ ‫الــذي شــيد العــام ‪ 1928‬لتخليــد الذكــرى الخامســة‬ ‫إلنشــاء الجمهوريــة التركيــة العــام ‪ ،1923‬بعــد حــرب‬ ‫االســتقالل‪ .‬ويعتبــر «ميــدان تقســيم» منــذ عشــرات‬ ‫الســنوات الملتقــى المفضــل لســكان المدينــة البالــغ‬ ‫عددهــم بحــدود ‪ 17‬مليــون نســمة وهــي مســرح لغالبيــة‬ ‫التظاهــرات السياســية العماليــة وبالتالــي للمواجهــات‬ ‫بيــن الشــرطة والمتظاهريــن األتــراك‪ .‬وشــهدت ســاحة‬ ‫«تقســيم» أحداث ـا ً تاريخيــة كثيــرة‪ ,‬ففــي احتفــال األول‬ ‫مــن ايــار ‪ ،1977‬فتــح مجهولــون النــار أثنــاء تجمــع‬ ‫للنقابــات ممــا أثــار الهلــع فــي صفــوف الحشــود‪،‬‬ ‫وتســبب بالنهايــة فــي مقتــل ‪ 34‬شــخصاً‪ .‬ولــم تكشــف‬ ‫هويــة مطلقــي النــار علــى اإلطــاق‪ ،‬لكــن النقابــات‬

‫شــككت آنــذاك فــي عناصــر بأجهــزة االســتخبارات‬ ‫التركيــة‪ .‬وقبــل ذلــك‪ ،‬شــهدت الســاحة فــي ‪ 16‬شــباط‬ ‫مــن العــام ‪ 1969‬أحــداث عنــف عُرفــت باســم «األحــد‬ ‫الدامــي»‪ ،‬عندمــا أصيــب نحــو ‪ 150‬متظاهــراً‬ ‫يســاريا ً خــال مواجهــات مــع جنــاح اليميــن‪ .‬وبعــد‬ ‫وقــوع عــدد مــن المواجهــات وأحــداث العنــف فــي‬ ‫الســاحة‪ ،‬قــررت الســلطات التركيــة حظــر التجمّعــات‬ ‫فيهــا‪ ،‬بينمــا حافظــت قــوات الشــرطة علــى وجودهــا‬ ‫فــي «تقســيم» علــى مــدار الســاعة‪ ،‬لمنــع حــدوث أي‬ ‫مواجهــات‪ ،‬واســتمر ذلــك حتــى العــام ‪ ،2010‬عندمــا‬ ‫ســمحت الحكومــة اإلســامية المحافظــة الحاكمــة‬ ‫منــذ ‪ 2002‬بعــودة األنشــطة السياســية إلــى الســاحة‪.‬‬ ‫وتعرضــت الســاحة ايضــا ً العــام ‪ 2010‬لهجــوم‬ ‫انتحــاري اســتهدف حافلــة للشــرطة فأوقــع عــدداً مــن‬ ‫القتلــى والجرحــى‪ ،‬وقــد أعلنــت مجموعــة «صقــور‬ ‫حريــة كردســتان» الكرديــة المســلحة المرتبطــة‬ ‫بحــزب العمــال الكردســتاني مســؤوليتها عــن االعتــداء‪.‬‬ ‫وتشــهد اســطنبول اليــوم اشــتباكات بيــن عناصــر األمــن‬ ‫ومتظاهريــن احتلــوا حديقــة غــازي العامــة احتجاجــا ً‬ ‫علــى مشــروع شــمول هــذه الحديقــة بمشــروع تطويــر‬ ‫ســاحة «تقســيم» المجــاورة‪.‬‬

‫«تقسيم» رمز حقوق الفقراء فكيف يقبلون‬ ‫أن يمحوها األغنياء؟‬ ‫ويقــول معارضــو خطــة أردوغــان لتطوير‪ ‬حديقــة‬ ‫غــازي العامــة إنهــا ‪ -‬أي الحديقــة ‪ -‬واحــدة مــن‬ ‫المســاحات الخضــراء القليلــة المتبقيــة فــي إســطنبول‪،‬‬ ‫حيــث انطلقــت نهايــة العــام المنصــرم ورشــة أشــغال‬ ‫واســعة لتحويــل ميــدان «تقســيم» فــي اســطنبول إلــى‬ ‫منطقــة للمشــاة‪ .‬هــذه الورشــة تقــوم خصوصــا ً علــى‬ ‫حفــر نفــق طويــل تحــت الســاحة لتجنيبهــا أزمــات الســير‬ ‫الخانقــة اليوميــة‪ .‬وإضافــة إلــى النفــق‪ ،‬تشــمل األشــغال‬ ‫بنــاء مركــز تجــاري ضخــم فــي وســط الســاحة‪ ،‬حيــث‬ ‫بــرر رئيــس بلديــة اســطنبول قديــر توبــاس «ان هــذا‬ ‫المشــروع يرمــي الــى تســهيل حركــة النقــل فــي محيــط‬ ‫ميــدان «تقســيم» الــذي تشــله زحمــة الســيارات محولــة‬ ‫إيــاه إلــى مجــرد نقطــة عبــور»‪ .‬وأضــاف «نريــد أن‬ ‫نضــخ دمــا ً جديــداً إلــى الســاحة وتخصيــص مــكان‬ ‫للمشــاة علــى غــرار ســاحة الشــانزيليزيه الباريســية»‪.‬‬ ‫وتشــمل المرحلــة األولــى مــن األعمــال حفــر نفــق‬ ‫متعــ ّدد االتجاهــات يكــون مخصصــا ً للســيارات التــي‬ ‫تتزاحــم حاليــا ً مــع المشــاة ومــع الترامــواي األحمــر‬ ‫القديــم والمعالــم التاريخيــة للســاحة مثــل نصــب أبطــال‬ ‫الجمهوريــة التركيــة‪ .‬وتصــل كلفــة هــذه الورشــة إلــى‬ ‫‪ 28‬مليــون دوالر‪ .‬أثــار هــذا المشــروع معارضــة‬ ‫كبيــرة مــن المواطنيــن المقيميــن هنــاك‪ .‬وقــد تظاهــر‬ ‫آالف األشــخاص الذيــن أطلقــوا علــى مبادرتهــم اســم‬ ‫«تضامــن مــع تقســيم» مندديــن بالمشــروع الهــادف‬ ‫برأيهــم إلــى «إضفــاء طابــع تجــاري» علــى الســاحة‪.‬‬

‫َمــن هــي األحــزاب فــي المعارضــة التركيــة والتــي‬ ‫تدعــم التظاهــرات؟‬

‫اضافــة الــى ســكان المنطقــة‪ ,‬تتصــدر التظاهــرات‬ ‫المعارضــة فــي تركيــا قرابــة عشــرة أحــزاب أقدمها حزب‬ ‫الشــعب الجمهــوري الذي أسســه مصطفى كمــال أتاتورك‪،‬‬ ‫وأنشــطها على األرض منظمة اتحاد الشــباب التركي‪ ،‬فيما‬ ‫يتمتــع الحــزب الديمقراطــي اليســاري بتأثير سياســي كبير‪.‬‬ ‫امــا أبــرز أحــزاب المعارضــة التركيــة‪ ،‬فهــي‪:‬‬ ‫حــزب الشــعب الجمهــوري هــو أول األحــزاب السياســية‬ ‫التركيــة بعــد إعــان الجمهوريــة‪ ،‬أسّســه مصطفــى‬ ‫كمــال أتاتــورك العــام ‪ 1923‬ويقــوده اليــوم كمــال‬ ‫كيليتشــدار أوغلــو‪ ،‬حيــث اتهــم رئيــس الــوزراء رجــب‬ ‫طيــب أردوغــان بالكــذب علــى مناصريــه داعيــا ً إيــاه‬ ‫إلــى االســتقالة‪ .‬وعقــد حــزب الشــعب مؤتمــراً صحافي ـاً‪،‬‬ ‫أكــد فيــه أن تركيــا “أصبحــت دولــة تحتضــن اإلرهــاب‬ ‫والجماعــات الراديكاليــة”‪ .‬حــزب الحركــة القوميــة‪،‬‬ ‫قومــيّ متشــ ِّدد‪ ،‬أسّســه الضابــط التركــي ألــب أرصــان‬ ‫توركــش‪ ،‬ودخــل أكثــر مــن ائتــاف حكومــيّ خصوص ـا ً‬ ‫مــع األحــزاب اليمينيــة‪ ،‬لــه ‪ 52‬مقعــداً فــي البرلمــان‪.‬‬ ‫حــزب الســام والديمقراطيــة‪ ،‬حــزب كــردي يقــوده‬ ‫صــاح الديــن ديمرطــاش‪ ،‬تأســس العــام ‪،2008‬‬ ‫يعــ ّد الــذراع السياســية لحــزب العمــال الكردســتاني‪،‬‬ ‫ولــدى الحــزب اآلن ‪ 29‬مقعــداً فــي البرلمــان ‪.‬‬ ‫حــزب العمــل التركــي‪ ،‬يســاري علمانــي‪ ،‬تأســس العــام‬ ‫‪ 1992‬علــى يــد زعيمــه الحالــي دوغــو برينتشــك‪ ،‬وهــو‬ ‫يعــارض األحــزاب كافــة التــي تتبنــى الديــن والعــرق خطـا ً‬ ‫أساســيا ً فــي نهــج سياســتها ونظامهــا الداخلــي‪ ،‬ويضــع‬ ‫الوقــوف فــي وجه اإلمبريالية الغربية علــى رأس اولوياته‪.‬‬ ‫الحــزب الشــيوعي التركــي‪ ،‬تأســس رســميا ً العــام‬ ‫‪ 2001‬ويتزعمــه ياشــار تشــليك‪ ،‬يعــ ّد مــن أهــ ِّم‬ ‫األحــزاب التركيــة المعارضــة خــارج البرلمــان‪،‬‬ ‫لــه دور كبيــر فــي دعــم كل الفعاليــات الحزبيــة‬ ‫والشــعبية المناهضــة لسياســة حكومــة أردوغــان‪.‬‬ ‫حــزب تركيــا المســتقلة‪ ،‬حــزب يمينــيّ تأســس ‪2011‬‬ ‫بزعامــة حيدربــاش‪ .‬يعت َبــر مــن أه ـ ّم معارضــي انضمــام‬ ‫تركيــا إلــى االتحــاد األوروبــي‪ .‬فهــو يؤمن بــأنّ تركيا دولة‬ ‫شــرقية إســامية ومكانهــا هــو العالــم اإلســامي والشــرق‪.‬‬ ‫“الســعادة”‪ ،‬حــزب إســامي‪ ،‬تأســس ‪ 2001‬بزعامــة‬ ‫مصطفــى كمــاالك‪ ،‬وهــو امتــداد لحــزب الفضيلــة‬ ‫الــذي خــرج منــه أردوغــان وأغلــب أعضــاء حكومتــه‪.‬‬ ‫الحــزب الديمقراطــي اليســاري‪ ،‬حــزب علمانــي تأســس‬ ‫العــام ‪ 1985‬يتزعمــه السياســي المعــروف معصــوم‬ ‫توركــر ويتمتــع بتأثيــر سياســي كبيــر‪ ،‬علــى الرغــم مــن‬ ‫أنــه لــم يتمثــل فــي البرلمــان منــذ العــام ‪ .2002‬الحــزب‬ ‫االشــتراكي العمالــي‪ ،‬يتبنــى النهــج اليســاري المتشــدد‪.‬‬ ‫تأســس العــام ‪ 1974‬ويعتبــر مــن ألــد أعــداء حكومــة‬ ‫أردوغــان‪ .‬يتميــز بنشــاطاته الشــعبية المناهضــة للحكومــة‪.‬‬ ‫منظمة اتحاد الشــباب التركي‪ ،‬ذات توجّ ه علماني مناهض‬ ‫لإلمبرياليــة واالســتعمار‪ ،‬تعتبــر مــن أكثــر المنظمــات‬ ‫الشــعبية الناشــطة علــى األرض‪ ،‬ويترأســها الــكار يوجــال‪.‬‬ ‫هــذا إضافــة الــى تأييــد عبــدهلل اوجــان مــن ســجنه لدعــم‬ ‫حركــة المتظاهريــن‪ .‬وأيض ـا ً تأييــد نقابــات العمــال التــي‬ ‫انضمــت أخيــراً الــى التظاهــرات احتجاجــا ً علــى قمــع‬ ‫الســلطة وابرزهــا نقابــة االطبــاء الذيــن تعرضــوا للتحقيــق‬ ‫النهــم اســعفوا جرحــى التظاهرات‪.‬يبــدو ان أســبابا ً عديــدة‬ ‫تكمــن خلــف هــذه االحتجاجــات المســتمرة فــي تركيــا‪،‬‬


‫‪9‬‬

‫فكر‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫االسباب الحقيقية وراء التظاهرات‪ :‬أسلمة تركيا‬

‫ومــن الســذاجة اختصــار اســباب التظاهــرات “بقطــع عــدد‬ ‫مــن األشــجار مــن حديقــة جيــزي مــن أجــل بنــاء مركــز‬ ‫تجــاري”‪ ،‬مقلليــن بذلــك أيضـا ً مــن أهميــة مــا ت ّمــت إثارتــه‬ ‫عــن أن المتظاهريــن ضــد أردوغــان “هــم فقــط مجموعــة‬ ‫مــن العلمانييــن المعارضيــن ألردوغــان الــذي يريــد مــن‬ ‫خــال بنــاء المركــز التجــاري إلغــاء أحــد رمــوز العلمنــة‪،‬‬ ‫أي ســاحة تقســيم‪ ،‬ممــا يشــكل وجهــا ً مــن وجــوه أســلمة‬ ‫تركيــا”‪ .‬ويدعــم وجهــة النظــر هــذه اســتطالع للــرأي أجرته‬ ‫جامعــة “بيلغــي” فــي اســطنبول يفيــد بــأن “‪ % 53‬مــن‬ ‫المتظاهريــن لــم يشــاركوا مطلقــا ً فــي حياتهــم فــي تجمــع‬ ‫سياســي‪ ،‬و‪ 70%‬ال ينتمــون إلــى أي حــزب سياســي‪ ،‬لكــن‬ ‫‪ % 92‬منهــم يؤكــدون أن القمــع الــذي مارســته الشــرطة‬ ‫والقيــود التــي فرضتهــا الحكومــة علــى الحريــات همــا مــن‬ ‫الدوافــع الرئيســية لتعبئتهــم ومشــاركتهم فــي االحتجاجــات”‪.‬‬ ‫تتقاطــع نتائــج اســتطالع الــرأي هــذه مــع مــا اكــده الكاتــب‬ ‫والمحلــل السياســي التركــي حســني محلــي لتلفزيــون‬ ‫“المنــار”‪ ،‬قائ ـاً إن “المتظاهريــن ضــد حكومــة أردوغــان‬ ‫ليســوا فقــط مــن معارضــي أردوغــان فــي األســاس‪ ،‬بــل إن‬ ‫نســبة مــن المتواجديــن فــي الشــارع هــم مــن الذيــن ســبق أن‬ ‫صوتــوا لمصلحــة حــزب العدالــة والتنميــة فــي االنتخابــات‬ ‫األخيــرة”‪ .‬ويعــزو محلــي هــذا االنحــدار فــي شــعبية‬ ‫أردوغــان إلــى سياســات األخيــر الداخليــة والخارجيــة‪،‬‬ ‫“خصوصــا ً فــي مــا يتعلــق بالموضــوع الســوري‪ ،‬عندمــا‬ ‫اتخــذ رجــب طيــب أردوغــان موقفــا ً عدائيــا ً مذهبيــا ً مــن‬ ‫دمشــق‪ ،‬حيــث كان يصــرّ علــى اتهــام ايــران الشــيعية بدعــم‬ ‫الرئيــس بشــار األســد العلــوي”‪ ،‬موضح ـا ً أن “هــذا النهــج‬ ‫الطائفــي كان لــه ارتــدادات كبيــرة فــي بعــض األوســاط‬ ‫التركيــة‪ ،‬خصوصـا ً أن فــي تركيــا حوالــي عشــرين مليــون‬ ‫علــوي‪ ،‬لقــد نــأت حكومــة إردوغــان بنفســها عــن شــعبها‪ .‬إذ‬ ‫ـون مــع برنامــج “اإلخــوان”‬ ‫إن أقليــة مــن الســنة فقــط يتماهـ َ‬ ‫االردوغانــي‪ .‬وكمــا هــو واقــع األمــر فــإن ‪ 50%‬مــن‬ ‫األتــراك ســنة‪ ,‬و ‪ 20%‬علويــون‪ ,‬و‪ 20%‬أكــراد (معظمهم‬ ‫ســنة)‪ ,‬وينتمــي ‪ 10%‬إلــى أقليــات أخــرى‪ .‬مــن الواضــح‬ ‫إحصائيــا ً أنــه ليــس بمقــدور حكومــة إردوغــان الصمــود‬ ‫فــي وجــه االنتفاضــة التــي ســاهمت سياســاتها الهوجــاء‬ ‫بإشــعالها‪.‬‬

‫استعداء “الجيران” واالستئثار بالداخل‬

‫هــو الفتيــل الــذي ســاهم فــي إشــعال الشــارع‪ .‬لقــد بــدأت‬ ‫سياســة حــزب العدالــة والتنميــة بتصفيــر المشــاكل مع دول‬ ‫الجــوار‪ ,‬فــإذ بهــذه السياســة تتحــول تصفيــر حلــول نتيجــة‬ ‫أحــام اردوغــان العثمانيــة ورهاناتــه السياســية المدمــرة‬ ‫وارتباطــه باالجنــدة االميركيــة‪ .‬فتركيــا علــى خصومــة مع‬ ‫روســيا نتيجــة الــدرع الصاروخيــة والبتريــوت المنصوبــة‬ ‫علــى ارضهــا والمســتهدفة روســيا وايــران‪ .‬وعالقــات‬ ‫تركيــا متوتــرة مــع ايــران نتيجــة حربهــا المعلنــة إلســقاط‬ ‫ســوريا ودعــم القــوي التكفيريــة فيهــا‪ ,‬وهــي ايضـا ً علــى‬ ‫خــاف مــع حكومــة المالكــي فــي العــراق لتدخلهــا فــي‬ ‫الشــأن العراقــي الداخلــي وتحديــداً مــع اقليــم كردســتان‬ ‫واســتالب نفطــه‪ .‬وفــي هــذا الســياق‪ ،‬أكــد نائــب رئيــس‬ ‫حــزب الشــعب الجمهــوري المعــارض جورســال تكيــن‪،‬‬ ‫فــي حديــث لصحيفــة الشــرق األوســط‪ ،‬أنــه «عندمــا ننظــر‬ ‫إلــى خريطــة الشــرق األوســط نــرى بجوارنــا ســوريا‬ ‫والعــراق وايــران‪ ،‬وجميعهــا يوجــد لنامعهــم صلــة قرابــة‬ ‫بيــن العائــات‪ ،‬والتصعيــد يخلــق مشــكالت وعــداء مــع‬ ‫هــؤالء الجيــران‪ .‬وهــذا ليــس بالمعقــول وال بالمنطــق»‪،‬‬ ‫وتابــع تكيــن أن علــى هــذه األحــداث التــي اســتجدت علــى‬

‫الداخــل التركــي أن «تجبــر الحكومــة علــى تغيير سياســتها‬ ‫العدائيــة التــي تمارســها حيــال الجيــران»‪ ،‬فــي إشــارة إلــى‬ ‫النظــام في ســوريا‪.‬‬ ‫أمــا علــى صعيــد السياســة الداخليــة‪ ،‬فيــرى مراقبــون أن‬ ‫الخطــوات العمليــة التــي اتبعهــا أردوغــان منــذ أن كان‬ ‫رئيسـا ً لبلديــة اســطنبول العــام ‪ ،1994‬كانــت تهــدف إلــى‬ ‫«أســلمة الدولــة واجتثــاث المنظومــة العلمانيــة» ‪ ،‬كمــا‬ ‫اســتمر أردوغــان بعــد نجاحــه فــي االنتخابــات «بتجاهــل‬ ‫مطالــب العلوييــن والتصــدي لحريــة الصحافــة والتعبيــر‬ ‫وتهديــد المعارضيــن»‪ ،‬ويذكــر الخبيــر فــي الشــأن التركــي‬ ‫محمــد نورالديــن فــي مقالــة لــه فــي صحيفــة «الســفير»‬ ‫ان أردوغــان «لــم يتــردد فــي إيــاء كل المشــاريع‬ ‫االقتصاديــة لمقربيــن منــه ومــن حــزب العدالــة والتنميــة‬ ‫الــذي يترأســه‪ ،‬وج ّيــر لنفســه‪ ،‬فــي مخالفــة ألبســط قواعــد‬ ‫الديمقراطيــة‪ ،‬التصــرف بهواجــس وحساســيات ومطالــب‬ ‫أكثــر مــن نصــف المجتمــع الــذي عــارض سياســاته‬ ‫االســتئثارية واالســتئصالية‪ ،‬ففــي تركيــا ‪ 81‬محافظــة كل‬ ‫المحافظيــن فيهــا ســنة وال يوجــد اي محافــظ ينتمــي الــى‬ ‫طائفــة اخــرى‪.‬‬

‫االسباب االقتصادية‬

‫لقــد أهــدرت تركيــا ليــس فقــط عقــداً مــن الجهــود‬ ‫نموهــا‬ ‫الدبلوماســية الســتعادة عالقاتهــا الدوليــة‪ ,‬بــل َ‬ ‫االقتصــادي أيضــاً‪ ،‬ففــي شــهر آذار‪/‬مــارس ‪,2011‬‬ ‫شــاركت تركيــا فــي عمليــة الناتــو ضــد ليبيــا التــي كانــت‬ ‫أحــد شــركائها االقتصادييــن الرئيســيين‪ .‬وبعــد تدميــر‬ ‫ليبيــا نتيجــة للحــرب‪ ,‬خســرت تركيــا ســو َقها هنــاك‪ .‬وفــي‬ ‫الوقــت نفســه‪ ,‬انكبــت أنقــرة علــى الحــرب ضــد ســوريا‬ ‫التــي كانــت قــد وقعــت معهــا‪ ,‬قبــل ذلــك بســنة واحــدة‪,‬‬ ‫اتفاقيــة لتحريــر التجــارة بيــن البلديــن‪ .‬وســوريا تشــكل‬ ‫بوابــة تركيــا الــى العالــم العربــي وجــاءت النتيجــة بســرعة‬ ‫البــرق‪ :‬لقــد كان معــدل النمــو فــي تركيــا ســنة ‪2010‬‬ ‫(‪ ,)%9.2‬لكنــه هبــط فــي ســنة ‪ 2012‬إلــى (‪ ,)%2.2‬وال‬ ‫يــزال مســتمراً بالهبــوط‪ .‬والشــركات والمصانــع التركيــة‬ ‫تعانــي االمرّ يــن نتيجــة سياســة اردوغــان الهوجــاء‪ .‬لقــد‬ ‫ألغــى ‪ 600,000‬ســائح حجوزاتهــم الــى تركيــا نتيجــة‬ ‫التظاهــرات االخيــرة‪ ,‬وتســاهم الســياحة بـــ‪ 30‬مليار دوالر‬ ‫مــن الدخــل القومــي التركــي‪ .‬إضافــة إلــى ذلــك فقــد أ ّدت‬ ‫سياســة أردوغــان تجــاه ســوريا إلــى انهيــار االقتصــاد‬ ‫فــي المناطــق الحدوديــة كأنطاكيــة مثــاً‪ ،‬حيــث كانــت‬ ‫هــذه المناطــق تســتفيد مــن العالقــات الســورية ‪ -‬التركيــة‬ ‫الجيــدة‪ ،‬إضافــة إلــى عامــل تواجــد المســلحين وبعــض‬ ‫الجماعــات التكفيريــة فــي هــذه المناطــق‪.‬‬

‫هل بدأ العد العكسي إلردوغان؟‬

‫حــاز حــزب العدالــة والتنميــة الحاكــم فــي تركيــا علــى‬ ‫‪ %50‬مــن األصــوات فــي االنتخابــات التشــريعية‬ ‫األخيــرة‪ ،‬وقيــل عنــه وقتهــا إنــه فــوز ســاحق للحــزب‪.‬‬ ‫لكــن وبعــد االحتجاجــات األخيــرة التــي لــم تهــدأ حتــى‬ ‫اآلن‪ ،‬يبــدو أن شــعبية «العدالــة والتنميــة» باتــت برســم‬ ‫مــا ســتؤول إليهاألمــور فــي الشــارع التركــي‪ .‬ويؤكــد‬ ‫الكاتــب والمحلــل السياســي التركــي حســني محلــي أن‬ ‫هــذه التحــركات «وضعــت حــداً لطموحــات أردوغــان‬ ‫الــذي يحلــم بــأن يصبــح رئيس ـا ً للجمهوريــة بصالحيــات‬ ‫واســعة بعــد التعديــل الدســتوري العــام المقبل»‪،‬الفتـا ً إلــى‬ ‫أن مــا جــرى أثبــت أن «معارضــي الحكومــة ســيخرجون‬ ‫إلــى الشــارع عندمــا يشــعرون أن حريتهــم مهــددة‪،‬‬ ‫غيــر آبهيــن بالرصــاص والقنابــل المســيلة للدمــوع»‪.‬‬

‫وبرغــم النهــوض االقتصــادي والتنميــة الهائلــة التــي‬ ‫شــهدتها تركيــا فــي عهــد اردوغــان‪ ,‬لــم يشــفع ذلــك لألخير‬ ‫سياســاته الداخليــة الموســومة بالمركزيــة المتشــددة وكبــت‬ ‫الحريــات خاصــة االعالميــة منهــا‪ .‬وهــذا اكبــر دليــل‬ ‫علــى ان العيــش والعدالــة االجتماعيــة ال يســتويان مــن‬ ‫دون الضلــع الثالــث لمثلــث االزدهــار وهــو ضلــع الحريــة‪.‬‬ ‫واعتقــد أنَّ االســتجابة لمطالــب المتظاهريــن‪ ،‬يتطلــب‬ ‫تغييــراً جذريـا ً في ســلوك حــزب «العدالــة والتنميــة» تجاه‬ ‫الق��ـوى المعارضــة‪ ،‬وأن هــذا «التغييــر المســتحيل فــي‬ ‫الســلوك السياســي الردوغــان المكابــر يعنــي االعتــراف‬ ‫بالفشــل‪ ،‬فحــال الحــزب اليــوم هــي تمامـا ً كحــال األنظمــة‬ ‫المطلقــة غيــر ممكــن إصالحهــا إال بانهيارهــا‪ ،‬لــذا‬ ‫اعتقــد إن العــد العكســي لـ»العدالــة والتنميــة» قــد بــدأ»‪،‬‬ ‫هــذا اضافــة الــى تماهــي اردوغــان مــع القــوى التكفيريــة‬ ‫و»القاعــدة» فــي ســوريا ممــا اخــاف اوروبــا وخاصــة‬ ‫المانيــا التــي فيهــا ‪ 5‬مالييــن مســلم مــن اصــل تركــي‪,‬‬ ‫ممــا يمثــل قنبلــة موقوتــه تخشــى المانيــا مــن تأثرهــا‬ ‫بمنــاخ تركيــا االصولــي‪ .‬لذلــك لمصلحــة المانيــا تحجيــم‬ ‫اندفاعــة اردوغــان االصوليــة واســقاطه‪ .‬واوروبــا تناســبها‬ ‫تركيــا علمانيــة وليســت اصوليــة اســامية‪ .‬كذلــك ان منــاخ‬ ‫التســوية الروســية االميركيــة لالزمــة الســورية عبــر‬ ‫«جنيــف ‪ »2‬قــد كــرس فــي قمــة الثمانيــة فــي ايرلنــدا‬ ‫بالتســليم لــارادة الروســية بالحــل السياســي الســلمي‬ ‫لالزمــة‪ ,‬وبضــرب «جبهــة النصــرة» و»القاعــدة» فــي‬ ‫ســوريا‪ ,‬وببقــاء الرئيــس االســد حتــى انتخابــات ‪,2014‬‬ ‫واالرجحيــة وفــق االســتطالعات الغربيــة انــه اذا ترشــح‬ ‫مجــدداً يحظــى بـــ‪ %70‬مــن االصــوات‪ .‬وســيخرج رابحـاً‪.‬‬ ‫كل االزمــات والحــروب تنتــج رابحيــن وخاســرين‪ .‬ابــرز‬ ‫الخاســرين همــا قطــر وتركيــا والســعودية‪ .‬قطــر بــدأ فيهــا‬ ‫التغييــر وسيتســلم ولــي العهــد االميــر تميــم حكــم االمــارة‬ ‫فــي آب المقبــل‪ ,‬واردوغــان ســيلحق بأميــر قطــر‪ ،‬النــه ال‬ ‫يمكــن ان يبقــى هــو ان اســتمر الرئيــس االســد فــي الحكــم‬ ‫الــذي يبــدو أنــه قــوي ومســتمر‪ .‬لقــد بــات اردوغــان يمثــل‬ ‫مشــكلة لروســيا واميــركا فــي آن معـاً‪ ،‬النــه تمــرد علــى‬ ‫ارادة اميــركا وعطــل هــو وقطــر تأليــف وفــد المعارضــة‬ ‫للتفــاوض‪ ,‬واميــركا ال تقبــل حلفــاء لهــا فــي المنطقــة بــل‬ ‫ازالم ـاً‪ .‬لقــد كان انتقــاد اميــركا الردوغــان قاســيا ً بســبب‬ ‫قمعــه للمتظاهريــن‪ ،‬وفــي توبيــخ وصــف بأنــه نــادر مــن‬ ‫الواليــات المتحــدة لحليفتهــا‪ ,‬أعربــت وزارة الخارجيــة‬ ‫األميركيــة عــن قلقهــا بشــأن األشــخاص الذيــن جرحــوا في‬ ‫االحتجاجــات‪ .‬وقالــت المتحدثــة باســم وزارة الخارجيــة‬ ‫األميركيــة جينيفــر بســاكي إن الســبيل األفضــل لضمــان‬ ‫االســتقرار واألمــن واالزدهــار فــي تركيــا هــو بدعــم‬ ‫حريــات التعبيــر والتجمــع وتشــكيل الجمعيــات «التــي‬ ‫كان هــؤالء األشــخاص يمارســونها علــى مــا يبــدو»‪.‬‬ ‫لقــد بــات اردوغــان يمثــل مشــكلة للمصالــح التركيــة‬ ‫وللتســوية المزمــع انجازهــا فــي ســوريا والمنطقــة‪,‬‬ ‫ولرعاتهــا اإلقليمييــن والدولييــن الذيــن باتــوا مقتنعيــن أن‬ ‫اســتمرار الحــرب فــي ســوريا سيشــعل الشــرق األوســط‬ ‫برمّتــه‪ ,‬اضافــة الــى ســيطرة جبهــة النصــرة والتكفيرييــن‬ ‫علــى المشــهد العســكري المعــارض‪ ,‬لقــد احــرق اردوغان‬ ‫كل اوراقــه فــي الحــرب علــى ســوريا ولــم يعــد يســتطيع‬ ‫العــودة اال مهزومـاً‪ .‬فهــل يســتطيع ان يصمــد لالنتخابــات‬ ‫المقبلــة‪ ,‬ام ســيجرفه الحــراك المســتمر فــي الســاحات‬ ‫التركيــة وتكــون بذلــك بدايــة إقفــال الســتارة على مشــروع‬ ‫ربيــع االخــوان المســلمين فــي المنطقــة‪ ,‬وبــدء ربيــع مدنــي‬ ‫علمانــي معاكــس؟‬


‫‪10‬‬

‫دين‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫المسيحية قبل ميالد المسيح وبعده ‪4/4‬‬

‫املنعطف التاريخي األساسي نحو تشكيل األمة يف العالم العربي‬ ‫جورج حداد‬ ‫كاتب لبناني مستقل‬

‫مثلــت الحــروب البونيــة (بيــن رومــا وقرطاجــة‪،‬‬ ‫والتــي انتهــت بتدميــر قرطاجــة التــام) نقطــة‬ ‫التحــو ل النهائــي مــن المرحلــة المتأخــرة للمجتمــع‬ ‫ّ‬ ‫المشــاعي البدائــي الــى مرحلــة المجتمــع العبــودي‬ ‫جســدته رومــا تمامــا ً واســتعبدت بموجبــه‬ ‫الــذي‬ ‫ّ‬ ‫شــعوب العالــم المتحضــر القديــم‪ .‬وظهــرت الديانــة‬ ‫المســيحية (اإليمــان بمجــيء المســيح ـ المخلــص)‬ ‫كــردّ فعــل علــى انتصــار رومــا والمجتمــع العبــودي‪،‬‬ ‫وكشــكل مــن اشــكال النضــال اإلنســاني ـ االجتماعــي‬ ‫ـ السياســي ـ االيديولوجــي ـ الدينــي ضــد العبوديــة‬ ‫الرومانيــة وضــد ملحقهــا وخادمتهــا االســتغاللية‬ ‫والفســادية اليهوديــة‪ .‬وانتشــرت العقيــدة المســيحية‬ ‫عــر ف اليــوم‬ ‫اول مــا انتشــرت فــي البلــدان التــي ُت َ‬ ‫بـ»الوطــن العربــي الكبيــر»‪ ،‬وكان لهــا الفضــل االول‬ ‫فــي تقريــب شــعوب تلــك البلــدان وتآخيهــا فــي االطــار‬ ‫الدينــي المســيحي‪ ،‬ممــا مهــد لبلــورة االمــة العربيــة‬ ‫وظهورهــا الحقــا ً‪ .‬وهــذا البحــث المتواضــع يحــاول‬ ‫ان يلقــي الضــوء علــى هــذه العمليــة التاريخيــة‪،‬‬ ‫التــي هــي مــن اكبــر العمليــات الحضاريــة فــي‬ ‫التاريــخ والتــي تؤكــد ثــاث حقائــق جوهريــة‪:‬‬ ‫االولــى ـ حضاريــة االمــة العربيــة‪ .‬والثانيــة ـ ان‬ ‫االمــة العربيــة ولــدت فــي الكفــاح ضــد االســتعمار‬ ‫واالســتعباد االوروبــي والفســاد اليهــودي‪ .‬والثالثــة ـ‬ ‫ان المســيحية هــي األس األساســي لــوالدة االمــة فــي‬ ‫العالــم العربــي‪.‬‬ ‫نستخلص مما تقدم‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ ان المجوس هو تعبير واسع االستخدام وكان يعني‪:‬‬ ‫أ ـ االشــخاص االذكيــاء الذيــن يســتخدمون ذكاءهــم بالمعنــى‬ ‫الســلبي لممارســة التنجيــم والشــعوذة والســحر (وال تــزال‬ ‫كلمــة «ســحر ‪ « Magic‬باالنجليزيــة‪ ،‬وشــبهها بــكل لغات‬ ‫العالــم الحيــة‪ ،‬تعــود بجذرها اللغوي الــى كلمة «مجوس»)‪.‬‬ ‫ب ـ االشــخاص االذكيــاء الذيــن يســتخدمون ذكاءهــم‬ ‫باالتجــاه االيجابــي الكتســاب المعرفــة بواســطة االختــاط‬ ‫والمطالعــة‪ ،‬وال ســيما فــي الكتــب القديمــة والنــادرة‬ ‫واالجنبيــة‪ ،‬ويخدمــون الســلطة والنــاس بعلمهــم ومعرفتهــم‬ ‫وآرائهــم األكثــر ســداداً‪ ،‬وكانــوا يســمون«الحكماء»‪.‬‬ ‫وهــم يســاوون اليــوم مــن يســمون‪ :‬العلمــاء‪ ،‬والخبــراء‪،‬‬ ‫والمثقفيــن‪ ،‬والتكنوقــراط والمستشــارين الــخ‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ أن المــكان (او األمكنــة) الــذي جــاء منــه المجــوس‬ ‫يشــمل مروحــة واســعة‪ :‬مــن جنــوب شــبه الجزيــرة العربيــة‬ ‫حتــى بــاد فــارس‪ ،‬مــروراً بالعــراق العربــي‬ ‫وبابــل واشــور وكلديــا‪ .‬وبالمقارنــة بيــن التحديــد الدقيــق‬ ‫لالنجيــل عــن مــكان مجــيء الرعــاة “كان فــي تلــك الناحيــة‬ ‫رعــاة يبيتــون فــي الباديــة”‪ ،‬مــن الخطــأ االعتقــاد ان‬ ‫االنجيــل المقــدس أبقــى مــكان مجــيء المجــوس ضمــن‬ ‫دائــرة االلتبــاس “ســهواً!!” او “خطــأً!!” او “جهــاً!!”‪.‬‬ ‫فاالناجيــل االربعــة هــي منســوبة الــى انجيلييــن محدديــن‬ ‫كنســياً‪ ،‬ولكنهــا قبــل اعتمادهــا ونشــرها قرئــت ومحصــت‬ ‫تمامــا مــن قبــل آبــاء الكنيســة االوليــن‪ ،‬اي انهــا مرتعلــى‬ ‫مطبــخ (او اكثــر مــن مطبــخ) للرقابــة الكنســية المشــددة‪،‬‬ ‫قبــل نشــرها علــى المــأ‪ .‬وانــا شــخصيا ً اميــل الــى االعتقــاد‬ ‫القريــب مــن الجــزم‪ ،‬بــأن تــرك مــكان مجــيء المجــوس‬ ‫ملتبســاً‪ ،‬كان ألحــد ســببين او االثنيــن معــاً‪:‬‬

‫االول ـ عــدم الثقــة الكاملــة باســتمرارية العالقــة الكنســية‬ ‫ببعــض “المجــوس” المعنييــن‪ .‬والثانــي ـ عــدم كشــف‬ ‫“المجــوس” الذيــن هــم علــى عالقــة مــع الكنيســة‪ ،‬وحمايتهم‬ ‫مــن ردود الفعــل االنتقاميــة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪ 3‬ـ ان “المجــوس” كانــوا امــا عربــا مــن شــبه الجزيــرة‬ ‫العربيــة‪ ،‬وامــا كلدانييــن او بابلييــن‪ ،‬وامــا فرسـاً؛ وامــا مــن‬ ‫هــؤالء جميع ـاً‪.‬‬ ‫ج ـ فــرار العائلــة المقدســة الــى مصــر وإقامتهــا فيهــا الــى‬ ‫حيــن وفــاة هيــرودس‪:‬‬ ‫جــاء فــي الكتــاب المقــدس ان المــاك ظهــر ليوســف النجار‬ ‫وطلــب منــه ان يهــرب بالطفــل يســوع الــى مصر‪.‬‬ ‫ولكــن الكتــاب المقــدس ال يعطــي ايــة تفاصيــل عــن هــذه‬ ‫الرحلــة الطويلــة والشــاقة والمحفوفــة بالمخاطــر مــن بيــت‬ ‫لحــم فــي فلســطين الــى داخــل مصــر‪ ،‬وهــي مســافة تقــدر‬ ‫بمئــات الكيلومتــرات فــي ارض صحراويــة وســاحلية حارة‬ ‫وجافــة وصعبــة‪.‬‬ ‫اال ان المصــادر المســيحية‪ ،‬وال ســيما المصريــة منهــا‪،‬‬ ‫لــم تهمــل البحــث فــي هــذه الرحلــة‪ ،‬مــن جهــة‪ ،‬إلضفــاء‬ ‫القدســية علــى االنتشــار المســيحي فــي مصــر‪ ،‬حتــى فــي‬ ‫المناطــق التــي ربمــا لــم تصــل اليهــا العائلــة المقدســة‪،‬‬ ‫ومــن جهــة ثانيــة‪ ،‬للتبريــر القداســي لالنتشــار المســيحي‬ ‫ونشــاط المؤسســة الكنســية ذاتهــا بالزعــم ـ الصحيــح او‬ ‫ربمــا غيــر الصحيــح فــي بعــض الحــاالت ـ بــأن “يســوع‬ ‫مــر مــن هنــا!”‪.‬‬ ‫وفــي دراســة بعنــوان “رحلــة العائلــة المقدســة الــى ارض‬ ‫مصــر” (يمكــن العثــور عليهــا فــي االثيــر االلكترونــي)‬ ‫مــن اعــداد ‪ Ava Tony‬ومــن اصــدار الكنيســة القبطيــة‬ ‫االرثوذكســية المصريــة‪ ،‬جــاء فيهــا ان العائلــة المقدســة‬ ‫ســافرت الــى مصــر‪ ،‬فامتطــت الســيدة العذراء مريــم حماراً‬ ‫والطفــل يســوع على ذراعها ويوســف يقــود الحمار‪ .‬وكانت‬ ‫برفقتهــم ايضــا ً عجــوز مــن اقربائهــم اســمها ســالومي او‬ ‫ســالوما كانــت تســير خلــف الحمــار‪ .‬وتقــول دراســة ‪Ava‬‬ ‫‪ Tony‬ان يوســف لــم يكــن يعلــم “إلــى ايــن يمضــي؟ لم يكن‬ ‫يعلــم كيــف ســيعيش فــى أرض غريبــة! كيــف ســيأكل هــو‬ ‫ومــن معــه؟ أيــن يحتمــي مــن حــر الصيف وبــرد الشــتاء؟”‪.‬‬ ‫وتضيــف الدراســة “هنــاك ثــاث طــرق للقوافــل للقادمــة‬ ‫إلــى مصــر”‪“ ،‬ولكــن المصــادر الكنســية والتقليد الكنســي‪...‬‬ ‫تقودنــا إلــى اعتقــاد أكيــد أن العائلــة المقدســة ســلكت طريقـا ً‬ ‫خاص ـا ً يختلــف عــن الطــرق الثــاث المعروفــة فــي ذلــك‬ ‫الزمــان” والســبب حســب رأي األنبــا غريغوريــوس أســقف‬ ‫الدراســات الالهوتيــة الــذي استشــهدت بــه الدراســة‪ :‬يبــدو‬ ‫أن هيــرودس علــم بعــد فــوات األوان بهــرب العائلــة‬ ‫المقدســة إلــى مصــر‪ ،‬فأرســل عشــرة جواســيس مــن قبلــه‬ ‫إلــى مصــر‪ ،‬وأمرهــم بــأن يفتشــوا بتدقيــق عــن الصبــي‪،‬‬ ‫ويأتــوا بــه إليــه حيــا ً ليقتلــه بيديــه”‪“ .‬وكانــت العائلــة‬ ‫المقدســة تغ ّيــر مــكان إقامتهــا فــى مصــر شــماالً وجنوب ـاً‪،‬‬ ‫وشــرقا ً وغربــاً‪ ،‬ومــات هيــرودس قبــل أن يتمكــن مــن‬ ‫بلــوغ مأربــه الخبيــث”‪“ .‬وقــد دخلــت العائلــة المقدســة‬ ‫مصــر عــن طريــق صحــراء ســيناء منالناحيــة الشــمالية‬ ‫مــن جهــة الفرمــا (بيــن مدينتــي العريــش وبورســعيد)‪.‬‬ ‫وبعــد أن عبــرت العائلــة المقدســة مدينــة العريــش تابعــت‬ ‫الســير فــي طريــق يسـمّى الفلوســيات”‪“ .‬ثــم انتقلــت العائلــة‬ ‫المقدســة بعــد ذلــك مــن الفرمــا فــي طريــق إلــى تــل بســطا‬ ‫والتــي كانــت قديم ـا ً مدينــة بســطا”‪.‬‬

‫و”دخلــت العائلــة المقدســة مدينــة بســطا وهــى اآلن تســمى‬ ‫تــل بســطا بالقــرب مــن الزقازيــق بمحافظــة الشــرقية‪،‬‬ ‫وتبعــد عــن القاهرةحوالــى ‪ 100‬كيلومتــر مــن الشــمال‬ ‫الشــرقي”‪“ .‬ومدينــة بســطا هــي مــن المــدن المصريــة‬ ‫القديمــة اســمها المصــري القديــم “بيــر باســتيت” ‪Per‬‬ ‫‪ Bastit‬أي مدينــة اآللهــة‪ ،‬واســمها القبطــي “بيوباســت”‪.‬‬ ‫وتذكــر الدراســة أن العائلــة المقدســة طافــت فــي مناطــق‬ ‫عديــدة فــي مصــر‪ ،‬وهــي تعــ ّدد وتصــف تلــك المناطــق‪.‬‬ ‫وكان للجــوء العائلــة المقدســة الــى مصــر وإقامتهــا‬ ‫فيهــا الــى حيــن وفــاة هيــرودوس‪ ،‬دور كبيــر فــي‬ ‫انتشــار الديانــة المســيحية فــي مصــر بعــد ظهورهــا‪.‬‬ ‫وتقــدم الدراســة وصفــا ً مفصــاً الرتحــال العائلــة‬ ‫المقدســة فــي مختلــف المناطــق المصريــة بمــا‬ ‫فيهــا القاهــرة‪ ،‬والكنائــس واالديــرة والمــزارات‬ ‫الدينيــة التــي اقيمــت فيمــا بعــد‪ ،‬فــي تلــك االماكــن‪.‬‬ ‫ولكــن الدراســة تجعــل العائلــة المقدســة ترتحــل بشــكل‬ ‫ســريع الــى كل االرجــاء المصريــة‪ ،‬وهــذا يعنــي شــيئين‪:‬‬ ‫االول‪ ،‬التنقــل الدائــم حتــى ال تقــع العائلــة المقدســة فــي‬ ‫يــد الرومــان او اليهــود وجواسيســهم؛ والثانــي‪ ،‬ان‬ ‫الدراســة موضوعــة بعــد زمــن طويــل مــن فــرار العائلــة‬ ‫المقدســة وإقامتهــا فــي مصــر؛ وقــد ارادت المراجــع‬ ‫الكنســية وواضعــو الدراســة “تنقيــل” العائلــة المقدســة فــي‬ ‫االرجــاء المصريــة كافــة إلرضــاء مختلــف االبرشــيات‪،‬‬ ‫ومطابقــة (بمفعــول رجعــي) خريطــة ترحُّ ــل العائلــة‬ ‫المقدســة مــع خريطــة انتشــار المســيحية‪ ،‬الضفــاء‬ ‫الطابــع المقــدس علــى كل اماكــن االنتشــار المســيحي‪.‬‬ ‫وتفيدنــا الدراســة ان العائلــة المقدســة تنقلــت‪ ،‬علــى العمــوم‪،‬‬ ‫فــي أجــواء “صديقــة” ومؤيــدة للمســيح ومؤمنــة بــه؛‬ ‫ولكــن ذلــك لــم يكــن دائمــا ً اذ كان يوجــد اعــداء ايضــاً‪،‬‬ ‫ســواء أكانــوا مــن مؤيــدي الســلطة الرومانيــة ام يهــودا او‬ ‫مجــرد وثنييــن‪ .‬وفيمــا يلــي قصــة استشــهاد احــد المؤمنيــن‬ ‫بالمســيح الــذي ابــدى اســتعداده الســتضافة العائلة المقدســة‪،‬‬ ‫كمــا ترويهــا الدراســة‪“ :‬فلمــا عــاد ودامــون إلــى أرمنــت‬ ‫ســمع عابــدو األوثــان بوصولــه‪ ،‬فجــاؤوا إليــه مســرعين‬ ‫وقالــوا‪ :‬هــل الــكالم الــذي يقولونــه عنــك صحيــح؟‬ ‫فقــال لهــم‪ :‬نعــم أنــا ذهبــت إلــى الســيد المســيح وباركنــي‪،‬‬ ‫وقــال لــي‪ :‬أنــا آتــي وأحــل فــي بيتــك مــع والدتــي إلــى‬ ‫األبد‪.‬فصــرخ كلهــم بصــوت واحــد وأشــهروا ســيوفهم عليــه‬ ‫ونــال إكليــل الشــهادة فــى مثــل هــذا اليوم”‪.‬تبليــغ العائلــة‬

‫المقدسة بموت هيرودوس‪:‬‬

‫وتكمــل الدراســة‪“ :‬ويذكــر المؤرخــون‪ :‬إن رجـاً مــن ســبط‬ ‫يهــوذا اســمه يوســي‪ ،‬وهــو مــن أقــارب مريــم العــذراء‬ ‫ويوســف النجــار‪ ،‬جــاء مــن بــاد الشــام‪ ،‬وأمكنــه بعــد تعــب‬ ‫كثيــر أن يصــل إلــى العائلــة المقدســة فــي جبــل قســقام‪ .‬وقــد‬ ‫أتــى ليبلغهــم بمــا فعــل هيــرودس الملــك‪ ،‬وكيــف قتــل جميــع‬ ‫األطفــال فــي بيــت لحــم وإذ علــم بهــروب الطفــل اإللهــي‬ ‫وأمــه‪ ،‬أرســل عشــرة جنودللبحــث عــن الطفــل وأســرته‬ ‫والقبــض عليهــم أحيــاء ليقتلهــم بيديــه واحــداً واحــداً‪ .‬فلمــا‬ ‫ســمعت العــذراء مريــم هــذا الحديــث‪ ،‬انزعجــت وأســرعت‬ ‫فاحتضنــت الطفــل اإللهــي وصعــدت بــه إلــى ســطح الغرفــة‬ ‫العليــا التــي أعدهــا القديــس يوســف النجــار لــه وألمــه‬ ‫لالختبــاء فيهــا‪ ،‬فطمأنهــا الــرب يســوع وقــال لهــا‪“ :‬ال‬ ‫تخافــي يــا أمــي وال تبكــي‪ ،‬فــإن بــكاءك يحزننــي‪ .‬إن‬


‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫‪11‬‬

‫دين‬

‫«التيار املسيحي» ‪ ،‬كمنهج توحيد و رسالة‪ ،‬اسبق من املسيح‬ ‫الوقــت لــم يحــن بعــد ليسلـَّــم إبــن اإلنســان‪ ،‬وســوف ال‬ ‫يعــرف الجنــد مكاننــا”‪ .‬وتطلــع إلــى القديــس يوســف‬ ‫النجــار وإلــى ســالومي وقــال لهمــا‪“ :‬ال تخافــا”‪ .‬ثــم وجــه‬ ‫الخطــاب إلــى يوســى‪“ :‬لقــد تعبــت مــن أجلنــا كثيــراً‬ ‫وتحملــت مشــاق الســفر أميــاالً عــدة‪ ،‬إن أجــرك كبيــر”‪.‬‬ ‫ثــم قــال لــه‪“ :‬واآلن اســترح أنــت‪ ،‬وهنــا يمكنــك أن ترقــد”‪.‬‬ ‫فأطــاع يوســي وأخذ حجــراً ووضعه تحت رأســه‪ ،‬وأغمض‬ ‫عينيــه ومــا هــي إال فتــرة قصيــرة حتــى أســلم الــروح”‪.‬‬ ‫“فلمــا مــات هيــرودس إذا بمــاك الــرب قــد تــراءى‬ ‫ليوســف فــي الحلــم بمصــر قائـاً‪“ :‬قــم خــذ الصبــى وامــه‪،‬‬ ‫واذهــب إلــى ارض إســرائيل‪ ،‬فإنــه قــد مــات الذيــن يطلبــون‬ ‫نفــس الصبــي‪ ،‬فقــام وأخــذ الصبــي وامــه وجــاء إلــى‬ ‫أرض إســرائيل” (أنجيــل القديــس متــى‪ 19 :2 :‬ـ ‪.)21‬‬ ‫وأخيــراً‪ ،‬ليســمح لنــا القــارئ فــي أن نعــرض اســتنتاجاتنا‬ ‫مــن روايــة ميــاد الســيد المســيح وتداعياتــه‪ ،‬مــع‬ ‫اإلشــارة مســبقا ً إلــى أننــا اذا اختلفنــا بالــرأي مــع بعــض‬ ‫رجــال الديــن او االوســاط الدينيــة‪ ،‬فإننــا ال نتعــرّ ض‬ ‫وليــس لدينــا ايــة نيــة فــي التعــرض للمفاهيــم الدينيــة‬ ‫الالهوتيــة بحــد ذاتهــا‪ ،‬بــل اننــا ال نخــرج عــن “الشــق‬ ‫البشــري” مــن المفاهيــم الدينيــة المســيحية ذاتهــا‪ ،‬التــي‬ ‫تقــرّ بالطبيعتيــن (اإللهيــة والبشــرية) للســيد المســيح‪.‬‬ ‫ونحــن نقــ ّدم كل االحتــرام للمفاهيــم “اإللهيــة”‪ ،‬وبالمقابــل‬ ‫نســتخدم حقنــا البشــري فــي مقاربــة فهــم الجوانــب البشــرية‬ ‫وحســب فــي روايــة ميــاد الســيد المســيح وتداعياتــه‪.‬‬ ‫وفيمــا يلــي بعــض مالحظاتنــا “البشــرية” حصــراً‪:‬‬ ‫ـ‪1‬ـ ان ميــاد الســيد المســيح ليــس حادث ـا ً فجائي ـا ً مفصــوالً‬ ‫عــن الزمــان والمــكان (كصاعقــة رعديــة فــي صيــف‬ ‫فــي صحــراء)؛ بــل هــو ـ فــي طبيعتــه‪ ،‬وفــي مكانــه‬ ‫وزمانــه ـ حلقــة فــي سلســلة الصــراع المســتميت بيــن‬ ‫شــعوب الشــرق (والعالــم)‪ ،‬مــن جهــة‪ ،‬وبيــن االســتعمار‬ ‫العنصــري “الغربــي” واالســتغالل الرأســمالي “اليهــودي”‪،‬‬ ‫مــن جهــة ثانيــة‪ .‬وال عجــب فــي ان هــذا الصــراع ـ‬ ‫كان وال يــزال ـ يجــد أصــداءه فــي الســموات‪ ،‬وفــي‬ ‫مــا وراء الغيــب‪ ،‬طالمــا “ان هللا خلــق االنســان علــى‬ ‫صورتــه ومثالــه”‪ ،‬كمــا يقــول الدينيــون‪ ،‬وطالمــا “ان‬ ‫وجــود هللا هــو ضــرورة إنســانية”‪ ،‬كمــا يقــول الفلســفيون‪.‬‬ ‫ـ‪2‬ـ كانــت حركــة الوعــي والتنظيــم الدينــي “اإللهــي‬ ‫التوحيــدي”‪ ،‬وهــي مــا يمكــن تســميتها مجــازاً “الحركــة‬ ‫االبراهيميــة”‪ ،‬تســير وتتطــور بشــكل موحّ ــد فــي الظاهــر‬ ‫علــى األقــل‪ ،‬حتــى لحظــة ميــاد الســيد المســيح‪ .‬ولكــن‬ ‫الواقــع ان تلــك الحركــة لــم تكــن موحــدة‪ ،‬وانــه كان يوجــد‬ ‫فــي داخلهــا تيــارات ومفاهيــم مختلفــة‪ ،‬واهمهــا اثنــان‪:‬‬ ‫ـ التيــار االنعزالــي ـ العنصــري ـ االســتغاللي ـ الممالــئ‬ ‫للســلطة الرومانيــة والطبقــات الغنيــة ـ والســاعي الى فرض‬ ‫ســلطته المطلقــة علــى “األغيــار”‪ ،‬وهــو التيــار الــذي ُسـمّي‬ ‫فيمــا بعــد “الديــن اليهــودي”‪.‬ـ والتيــار األممــي ـ اإلنســاني ـ‬ ‫المعــادي للســلطة الرومانيــة وللطبقــات الغنيــة ـ المدافع عن‬ ‫الفقــراء والمظلوميــن والعبيــد ـ والمناضل ألجــل تحريرهم‪،‬‬ ‫وهــو التيــار الــذي ُسـمّي فيمــا بعــد “الديــن المســيحي”‪ .‬وإذا‬ ‫كان التيــار “المســيحي” (مــا قبــل المســيح) لــم يكــن بعــد‬ ‫قــد حمــل اســما ً مميــزاً‪ ،‬فهــذا ال يعنــي أبــداً عــدم وجــوده‪.‬‬ ‫واذا كان مــن مصلحــة “اليهــود” والغــرب الرأســمالي ـ‬ ‫االســتعماري المس ـمّم باليهوديــة طمــس هــذه النقطــة‪ ،‬فإنــه‬ ‫لألســف الشــديد ان العلمــاء والمؤرخيــن الشــرقيين‪ ،‬الدينيين‬

‫وغيــر الدينييــن‪ ،‬المســيحيين والمســلمين‪ ،‬لــم يعطــوا‬ ‫الــى اآلن االهتمــام الكافــي لهــذه النقطــة التاريخيــة‬ ‫المفصليــة‪ .‬وهــو مــا تســتغله اليهوديــة االنتهازيــة للظهــور‬ ‫بمظهــر الديــن التوحيــدي االول‪ ،‬االساســي واالصلــي‪،‬‬ ‫وان المســيحية‪ ،‬ومــن بعدهــا االســام‪ ،‬مــا همــا ســوى‬ ‫“فــرع”‪ ،‬او حتــى “انشــقاق” و”خــروج” عــن اليهوديــة‪ .‬‬ ‫والواقــع أن “المســيحية”‪ ،‬كحركــة وعــي وتنظيــم ونضــال‪،‬‬ ‫بأشــكال دينيــة‪ ،‬وجــدت قبــل المســيح بزمــن‪ .‬وعلــى‬ ‫العلمــاء والمؤرخيــن‪ ،‬خصوص ـا ً رجــال الديــن المخلصيــن‬ ‫تدقيــق هــذا الزمــن وتحديــده‪ .‬والروايــة المســيحية لميــاد‬ ‫الســيد المســيح تؤكــد هــذه النقطــة‪ .‬اذ ان التيــار “اليهــودي”‬ ‫كان ينتظــر “عالمــات” اخــرى لمجــيء المســيح‪ ،‬اي انــه‬ ‫كان ينتظــر مجــيء “مســيح آخــر” مختلــف عــن المســيح‬ ‫الــذي “حقـا ً جــاء”‪ .‬أمــا أنصــار التيــار “المســيحي”فصدقوا‬ ‫فــوراً (أي كانــوا مســتعدين مســبقا ً لتصديــق) مجــيء‬ ‫المســيح الفقيــر‪ ،‬المالحــق مــن قبــل الرومــان وعمالئهــم‬ ‫ويهودهــم‪ ،‬وســجدوا لــه واحتضنــوه وهرّ بــوه وآووه‬ ‫وأخفــوه مــن وجــه أعدائــه‪ .‬اي ان “المســيحية” لــم تولــد‬ ‫بــوالدة المســيح‪ ،‬بــل ان ميــاد الســيد المســيح جــاء‬ ‫ليكشــف وجــود المســيحية قبــل المســيح‪ ،‬وليكشــف تمام ـا ً‬ ‫ويكــرس نهائيـا ً وجــود “اليهوديــة” و”المســيحية” والتناقــض‬ ‫التناحــري التــام فيمــا بينهمــا الــى “يــوم الحســاب”‪.‬‬ ‫ـ‪3‬ـ جغرافيــة انتشــار “المســيحية” قبــل ميالد الســيد المســيح‬ ‫وبعده‪:‬‬ ‫تحدثنــا الروايــة المســيحية عــن “رعــاة يبيتــون فــي الباديــة”‬ ‫وعــن “مجــوس اقبلــوا مــن المشــرق” وعــن فــرار العائلــة‬ ‫المقدســة الــى مصــر واختبائهــا فيهــا‪ .‬وبتقييــم منطقــي ـ‬ ‫جغرافــي هــذا يشــمل‪ :‬اوالً ـ المحيــط الفلســطيني وســوريا‬ ‫وشــرقي االردن والنقــب وغــزة وســيناء‪ ،‬والعمــق‬ ‫المصــري‪ ،‬وشــبه الجزيــرة العربيــة وبابــل وكلديــا وربمــا‬ ‫فــارس‪ .‬وتفيدنــا الروايــة المســيحية ان “الرعــاة” جــاؤوا‬ ‫مباشــرة للســجود للســيد المســيح‪ ،‬وهــذا يعنــي ان “العالقــة‬ ‫المســبقة والثقــة المســبقة” بهــم كانــت وثيقــة‪ ،‬وهــم المحيــط‬ ‫االول واالســاس االول لالنتشــار المســيحي‪ .‬وفيمــا بعــد‬ ‫ســيقول المســيح لبطــرس (الفلســطيني) “انــت الصخــرة‪،‬‬ ‫وعلــى الصخــرة أبنــي كنيســتي”‪ .‬و”الكنيســة” لغويـا ً تعنــي‬ ‫“الجامــع” او “الجماعــة” او “األمــة”‪ .‬وبعــد ذلــك ســيكرّ س‬ ‫االســام اولويــة وقدســية فلســطين بروايــة اإلســراء‬ ‫والمعــراج ذات الطابــع االعجوبــي الســماوي‪( .‬ومهمــا‬ ‫بلــغ مــن غالظــة قلــوب وعقــول “اإلســاميين!” التكفيرييــن‬ ‫الذيــن يكفــرون المســيحيين‪ ،‬فإنهــم ـ اي التكفيرييــن ـ ال‬ ‫يســتطيعون ان يتنكــروا ألعجوبــة اإلســراء والمعــراج‪،‬‬ ‫التــي قــ ّدس بهــا النبــي العربــي العظيــم ارض فلســطين‬ ‫التــي ولــد وعــاش فيهــا الســيد المســيح)‪ .‬امــا “المجــوس”‬ ‫الذيــن أقبلــوا مــن “المشــرق” فلــم تكــن العالقــة معهــم بعــد‬ ‫بهــذا الثبــات‪ ،‬وهــم جــاؤوا وســألوا اوال اليهــود وهيــرودس‬ ‫المتهــود عــن ميــاد المســيح‪ ،‬ثــم ســخروا مــن هيــرودوس‬ ‫ولــم يعــودوا اليــه ولــم يســلموا المســيح‪.‬‬

‫امــا اهــل القبطيــة (التــي اصبحــت تســمى الحق ـاً‪:‬‬ ‫مصــر)‬

‫فقــد كانــوا موضــع ثقــة تامــة لمــاك الــرب وللمســيحيين‬ ‫االوائــل وارســلت اليهــم العائلــة المقدســة لتختبــئ لديهــم‪.‬‬

‫وهــذا يــدل علــى وجــود تنظيــم “مســيحي” واســع االنتشــار‬ ‫وصلــب العقيــدة فــي مصــر قبــل ميــاد الســيد المســيح‪.‬‬ ‫مــن هــذه الجغرافيــة انتشــرت المســيحية بتــردد باتجــاه‬ ‫الشــرق (مــا بعــد شــبه الجزيــرة العربيــة والعــراق)‪،‬‬ ‫ولكنهــا اتجهــت لالنتشــار بقــوة باتجــاه الشــمال والغــرب‪:‬‬ ‫كيليكيــا وآســيا الصغــرى وبــاد البلقــان‪ ،‬وجــزر وســواحل‬ ‫اوروبــا الغربيــة‪.‬‬

‫ـ‪4‬ـ المسيحية والعرب‪:‬‬

‫ان العالقــات بيــن الشــعوب واالمــم‪ ،‬واقامــة الــدول‬ ‫واالمبراطوريــات الموحــدة كانــت تتــم بصــورة رئيســية‬ ‫بواســطة الغــزوات والحــروب وســيطرة أمــة علــى أمــة‪.‬‬ ‫وهــذا ينطبــق ايضـا ً علــى الشــعوب القديمــة التي تألــف منها‬ ‫الحقـا ً العالــم العربــي‪ ،‬اي شــعوب ســوريا وفلســطين ولبنان‬ ‫ومــا بيــن النهريــن ووادي النيــل وشــمال افريقيــا‪ .‬ونظــراً‬ ‫لخصبهــا وغناهــا االقتصــادي والحضــاري‪ ،‬تعرضــت‬ ‫منطقــة فلســطين وســوريا ولبنــان مــراراً للغــزوات اآلتيــة‬ ‫مــن العــراق ومصــر‪ .‬وحتــى العشــيرة اليهوديــة‪ ،‬التــي‬ ‫امتهنــت فــي مصــر الفرعونيــة مهنــة النخاســين ونظـّــار‬ ‫العبيــد‪ ،‬وبعــد أن فــرت مــن وجــه المصرييــن الذيــن ضاقــوا‬ ‫ذرعـا ً بهــا‪ ،‬تطلعــت فــي وقــت مــا الــى ابــادة اهــل فلســطين‬ ‫واالســتيالء علــى مدنهــم واراضيهــم‪ .‬وقبــل ميــاد الســيد‬ ‫المســيح كانــت مصــر وســوريا وفلســطين وشــرقي االردن‬ ‫قــد ســقطت فــي قبضــة رومــا‪ .‬وجــاء ميــاد الســيد المســيح‪،‬‬ ‫وتحــول المســيحية الــى ظاهــرة دينيــة واســعة االنتشــار فــي‬ ‫المنطقــة كلهــا‪ ،‬ليرســي اســس نمــط جديــد مــن العالقــة بيــن‬ ‫شــعوب المنطقــة بمعــزل عــن ســلطة رومــا وعمالئهــا‪،‬‬ ‫وضدهــا وضدهــم‪ .‬والعالمــة المميــزة لهــذه العالقــة الجديدة‬ ‫هــو كونهــا عالقــة أخويــة دينيــة‪ .‬ولكــن مــن المؤكــد انــه‬ ‫تحــت العالمــة الدينيــة‪ ،‬كانــت هــذه العالقــة تتشــعب فــي‬ ‫النواحــي الثقافيــة العامــة‪ ،‬واالجتماعيــة‪ ،‬واالقتصاديــة‪،‬‬ ‫والسياســية‪ ،‬خصوصــا ً أنهــا تتــم فــي ظــروف مغايــرة‬ ‫للســلطة القائمــة ومعاديــة لهــا‪ .‬وهــذا مــا يفســر‪ ،‬علــى‬ ‫ســبيل المثــال ال الحصــر‪ ،‬بدايــة انتشــار اســتخدام اللغــة‬ ‫اآلراميــة‪ ،‬اي اللغــة التــي كان يتكلــم بهــا الســيد المســيح‪،‬‬ ‫والتــي كتبــت بهــا بعــض االناجيــل‪ ،‬وكانــت تتلــى بهــا‬ ‫الصلــوات المســيحية‪ .‬وبكلمــات اخــرى‪ ،‬فــإن ميــاد الســيد‬ ‫المســيح وبدايــة االنتشــار الواســع للمســيحية‪ ،‬دشــنا االســس‬ ‫االولــى للعالقــات االخويــة‪ ،‬غيــر الســلطوية‪ ،‬بيــن شــعوب‬ ‫ســوريا ولبنــان وفلســطين ووادي النيــل وشــبه الجزيــرة‬ ‫العربيــة ومــا بيــن النهريــن‪ ،‬التــي تشــكلت منهــا الحقــا ً‬ ‫االمــة العربيــة‪ .‬واذا كان كالمنــا يعجــب او ال يعجــب هــذا‬ ‫او ذاك‪ ،‬فإنــه لــوال “هــذه” المســيحية لمــا كان مــن وجــود‬ ‫لـ”هــذه” االمــة العربيــة‪ ،‬ولكانــت االمــة العربيــة اتخــذت‬ ‫شــكل وجــود مختلــف تمامــا ً عمــا صــارت اليــه‪ .‬وحتــى‬ ‫ايامنــا الراهنــة فــإن المســيحية‪ ،‬بالرغــم مــن كل مــا طــرأ‬ ‫عليهــا مــن تشــوّ هات‪ ،‬ذات مصــدر “غربــي”‪ ،‬فإنهــا ـ‬ ‫بانفتاحهــا الحضــاري وقيمهــا االنســانية ـ ال تــزال تمثــل‬ ‫الجهــاز الدماغــي ـ العصبــي للجســم العربــي‪.‬‬


‫‪12‬‬

‫مدينة‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫بيروت‪ ..‬عروس الكتب وفاتنة الشعراء‬

‫‪ 3‬كتب تستعيد تجدّدها وغنى حكاياتها‬ ‫»تحوالت« ‪ -‬بيروت‬ ‫مــدن لبنــان الحديثــة بــدأت بالتشــكل أواســط القــرن‬ ‫التاســع عشــر‪ ،‬ومطلــع القــرن العشــرين وعلــى‬ ‫امتــداده‪ .‬وراحــت كل منهــا تتطــور بآليــة مختلفــة‬ ‫حيــا ً حيــاً‪ ،‬ومحلــة محلــة‪ ،‬وكانــت األحيــاء تنشــأ‬ ‫متــواز فــي العديــد مــن الحــاالت‪.‬‬ ‫وتتنامــى بشــكل‬ ‫ٍ‬ ‫وخــال التنامــي المدينــي‪ ،‬تراكمــت األحــداث والحكايــات‪،‬‬ ‫واختزنــت ذاكــرات أبنــاء األحيــاء والمناطــق صــوراً‬ ‫مــن المراحــل الغابــرة لذلــك الزمــن‪ ،‬لكــن تطــورات‬ ‫الوقائــع اللبنانيــة الصاخبــة تمكنــت مــن حجــب الكثيــر مــن‬ ‫صــور تلــك المراحــل الهادئــة مــن تاريــخ لبنــان الحديــث‪.‬‬ ‫العاصمــة بيــروت زخــرت باألحــداث والتطــورات‪،‬‬ ‫وانشــغلت بالحداثــة‪ ،‬وشــغفت بهــا‪ ،‬فهــي تتوســط‬ ‫شــرقي المتوســط‪ ،‬وتــكاد تشــكل نقطــة االرتــكاز‬ ‫للدائــرة العالميــة‪ ..‬كادت بيــروت تشــكل وســط الدائــرة‪،‬‬ ‫وال بــد مــن العبــور بهــا للتنقــل بيــن الشــرق والغــرب‪.‬‬ ‫شــكلت مــا يشــبه الشــمس‪ ،‬يشــع نورهــا علــى العالــم‪.‬‬ ‫لذلــك‪ ،‬ســحر بهــا أبناؤهــا‪ ،‬كمــا زوارهــا‪ ،‬وكادوا‬ ‫يؤلهونهــا‪ ،‬كتبــوا لهــا‪ ،‬ووضعوهــا فــي أواســط عقــود‬ ‫المــدن العالميــة الزاهيــة‪ ،‬ورســموها بإغــواءات جميلــة‬ ‫وتصاويــر أجمــل كتابــة ورســم وموســيقى و‪ ..‬ذكريــات‪.‬‬ ‫بضعــة كتــب نشــرت فــي األعــوام القليلــة الماضيــة‪ ،‬منهــا‬ ‫مــا تنــاول زاويــة مــن زوايــا المدينــة‪ ،‬وآخــر ج ّســدها عبــر‬ ‫وجــوه عايشــتها‪ ،‬ورافقــت تطوراتهــا‪ ،‬وثمــة كتــاب رســم‬ ‫أحياءهــا وبيوتهــا‪ ،‬ومحالتهــا بإضــاءات وكتابات ســاحرة‪.‬‬

‫بارودي‪ :‬رأس بيروت‬

‫تناولــت منــى بــارودي الدملوجــي ناحيــة هامــة مــن نواحي‬ ‫بيــروت‪ ،‬وهــي رأس بيــروت‪ ،‬في كتابها «أوراق من عمر‬ ‫مكتــوب»‪ .‬روت قصــة آل بوســت المرســلين االنجيلييــن‬ ‫للجامعــة األميركيــة‪ ،‬ودورهــم فــي تاريــخ المحلــة‬ ‫ونموّ هــا‪ .‬كمــا عرضــت ألســاتذة كبــار أمثــال الشــيخ ســعيد‬ ‫حمــادة‪ ،‬وجــورج حكيــم‪ ،‬وشــارل مالــك‪ ،‬وأنيــس فريحــة‪،‬‬ ‫وقســطنطين زريــق‪ ،‬وكمــال ناصــر‪ ،‬وكمــال الصليبــي‪،‬‬ ‫وأميــن غريــب مؤســس جريــدة «المهاجر» فــي نيويورك‪،‬‬ ‫ولقاءاتــه مــع مــي زيــادة وجبــران خليــل جبــران‪ ..‬تتحــدث‬ ‫عــن مطعــم فيصــل كامتــداد ألجــواء الجامعــة األميركيــة‪،‬‬ ‫وعــن أوالد تعلمــوا ونجحــوا وتوزعــوا فــي أنحــاء الدنيــا‪.‬‬ ‫تعكــس الدملوجــي أيض ـا ً صــورة العيــش الهانئــة‪ ،‬اللعــب‬ ‫فــي الحديقــة‪ ،‬ودخــول المدرســة‪ ،‬والجامعــة‪ ،‬ثــم إلــى‬ ‫الحــروب‪ ،‬والظلــم والهجــرة‪ .‬تتحــدث عــن ملــك شــحادة‬ ‫ربيــز فــي شــارع جانــدارك قبــل زاويــة الحمــراء‪ ،‬وكان‬ ‫أحلــى بيــوت جانــدارك‪ ،‬وحديقتــه مصــدر اعتــزاز‪ ،‬وكان‬ ‫الشــارع مأهــوالً ببضــع عائــات قديمــة ربطتهــا بهــم صلة‬ ‫الــود والتعاطــف‪ .‬وتقــول إن «أهــل الحــي كانــوا يعرفــون‬ ‫بعضهــم معرفــة تامــة‪ ،‬وكل منهــم يشــعر باالطمئنــان نحــو‬ ‫اآلخــر‪ ،‬حتــى البائعيــن المتجوليــن»‪ .‬وتتحــدث عــن‬ ‫الباعــة الذيــن كانــت تخصّهــم بأحاديــث يوميــة مــن‬ ‫خلــف بــاب حديقــة البيــت الــذي عاشــت فيــه‪ ،‬واصفــة‬ ‫المشــهد‪« :‬بائــع الشــتل كان يمرممتطيا ً حمــاره‪،‬‬

‫وكنــا نتمشــى إلــى هنــاك للتفــرج علــى «األسانســير»‬ ‫الــذي كان عجيبــة العجائــب»‪ .‬منــى بــارودي الدملوجــي‬ ‫مواليــد ‪ ،١٩٢٣‬روت حكاياتهــا تاريــخ رأس بيــروت‬ ‫منــذ العشــرينيات‪ ،‬وحتــى الســبعينيات‪ ،‬مــع تحوالتهــا‪،‬‬ ‫تزوجــت مــن فيصــل الدملوجــي العراقــي ســنة ‪،١٩٤٧‬‬ ‫وانتقلــت للحيــاة معــه فــي العــراق‪ ،‬ثــم تنقلــت العائلــة بيــن‬ ‫العــراق وعواصــم اوروبــا‪ ،‬واســتقرت معــه فــي بيــروت‬ ‫منــذ العــام ‪ .٢٠٠٢‬وفــي عودتهــا‪ ،‬الحظــت الفــارق‬ ‫بيــن حياتهــا األولــى القريبــة مــن الطبيعــة‪ ،‬والحاليــة‬ ‫المصطبغــة بالحداثــة‪ ،‬وأبنيــة الباطــون العاليــة‪ ،‬معبــرة‬ ‫عــن أســفها لــزوال معالــم طفولتهــا وصباهــا‪ ،‬حيــث «لــم‬ ‫يبــق مــن جيرتنــا القديمــة إال امــاك حســن الطقــوش‬ ‫وفيهــا تجــارة لبيــع الــورود والمزروعــات الموســمية»‪.‬‬ ‫وتنتهــي إلــى انهــا «التقــت مــن بقــي مــن اصدقــاء‪ ،‬حيــث‬ ‫صرفنــا معهــم بعضــا ً مــن الوقــت فأخــذت أحاديثنــا‬ ‫مجراهــا القديــم وكانــت عــودة غيــر متوقعــة لالجتماعــات‬ ‫المؤنســة األولــى»‪.‬‬ ‫وعنــد العصــر بائــع الكعــك الســخن والقليط»‪ ،‬وهــذا الجو‪،‬‬ ‫تقــول‪« ،‬ال اســم لــه ســوى األلفــة»‪ .‬كثيــرة الروايــات‬ ‫الحيــة التــي ترويهــا الدملوجــي‪ ،‬تصــور حيــاة رأس‬ ‫بيــروت‪ ،‬وتقــول إن «حدائــق الجامعــة األميركيــة كانــت‬ ‫مــن ضمــن مناطــق اللعــب للبعــض منــا‪ ...‬وغالبـا ً مــا كان‬ ‫فــي عصريــات يــوم األحــد يطــل علينــا صنــدوق الفرجــة‪،‬‬ ‫وعندمــا نســمع نفخــة بوقــه نحضــر القــرش المبخــوش‪.‬‬ ‫نلتــف حولــه ونجلــس بالــدور علــى مقعــد خشــبي‪ ،‬ونضــع‬ ‫أعيننــا بلصــق شاشــة‪ ،‬فيــدور زنبــرك الشــريط مــردداً‬ ‫بنغمــة عاليــة «شــوف وتفــرج آه يــا ســام‪ ،‬وشــوف‬ ‫أحوالــك عالتمــام»‪ ،‬وأخيــراً تظهــر صــورة لقــوس النصــر‬ ‫فيهتــف «هيــدي باريــس أم الدنيــا»‪.‬‬ ‫ومــن أســرار رواياتهــا‪ ،‬أن جدهــا بنــى فــي مؤخــرة حديقــة‬ ‫المنــزل بيتــا ً صغيــراً أســماه «كــوخ الجنيناتــي»‪ .‬وأول‬ ‫مــن ســكنه شــخص غريــب‪ ،‬ذو لحيــة‪ ،‬ويختلــف عــن‬ ‫أهالــي رأس بيــروت‪ .‬فــكان أشــبه باالفرنجي أو الفيلســوف‬ ‫مــن الذيــن نــرى صورهــم فــي الكتــب‪ .‬وتقــول‪« :‬علمنــا‬ ‫أنــه يدعــى أنطــون ســعادة‪ ،‬وهــو أســتاذ خصوصــي‬ ‫للغــة األلمانيــة‪ ،‬ولــم يكــن يــدور بخلــد أحــد أن الحــزب‬ ‫الســوري القومــي االجتماعــي كان فــي طــور التأســيس‪،‬‬ ‫ويد ّبــر فــي «كــوخ الجنيناتــي» إال عندمــا اســتيقظنا ذات‬ ‫صبــاح علــى جلبــة الجندرمــة تعتقــل مــن قالــوا عنهــم‬ ‫«أعضــاء فــي حــزب ضــد فرنســا»‪ ،‬ثــم علمنــا أن رئيســه‬ ‫أنطــون ســعادة‪ ،‬أبــو اللحيــة ســاكن بيــت صغيــر فــي‬ ‫جنينــة جــدي»‪ .‬ومــن جمــاالت مــا روتــه عــن معايشــتها‬ ‫للحــي‪ ،‬طرقــات جانــدارك والحمــراء‪ ،‬التــي كانــت‬ ‫وقتئــذ «معظمهــا بســاتين للخضــار يســيجها الصبيــر‪،‬‬ ‫وكانشــارع الحمــراء مقفــراً يحتــوي علــى بضــع كومــات‬ ‫مــن الرمــل‪ ،‬وكانــت أشــبه بســاحات لعــب لألطفــال»‪.‬‬ ‫وتقــول إن «آخــر نقطــة أنــس بالحمــراء بيــت المســتر‬ ‫ســيلي الــذي أصبــح بعــد ســنوات عديــدة «الهورس شــو»‪،‬‬

‫حبيب‪ :‬المزرعة‬

‫فــي كتابــه «يوميــات تاجــر بيروتــي»‪ ،‬يعــرض نقــوال إيليا‬ ‫حبيــب بعضــا ً مــن نشــأة حــي آخــر مــن أحيــاء بيــروت‬ ‫األولــى‪« ،‬المزرعــة» يــوم مــا كانــت دربـا ً يســمى «خندق‬ ‫حبيــب»‪ ،‬وكان ذلــك بيــن الثالثينيــات واألربعينيــات‪.‬‬ ‫المزرعــة فــي تلــك اآلونــة‪ ،‬كانــت زرع ـا ً وفيهــا بيــوت‪،‬‬ ‫غالبهــا طابــق أرضــي‪ ،‬وطابــق أول أقــل مســاحة‪ ،‬والفراغ‬ ‫يســتخدم للســهر الصيفــي‪ ،‬والنــوم تحــت خيــم تنصــب على‬ ‫قســاطل مــن حديــد طــوال الصيــف وحتــى اوائــل الخريف‪.‬‬ ‫لــم يكــن فــي منطقــة المزرعــة ســوى شــارع مع ّبــد واحــد‬ ‫هــو «األلــزاس ‪-‬لوريــن» يبدأ مــن رأس النبــع وينتهي بتلة‬ ‫الخيــاط‪ ،‬وعــرف الحقـا ً بشــارع المزرعــة‪ .‬ويتذكــر حبيب‬ ‫أنــه كان يحــد المزرعــة مــن الجنوب صحــراء رمل أحمر‪،‬‬ ‫تمتــد حتــى البحــر‪ ،‬شــمالها البســطة‪ ،‬وغربهــا المصيطبــة‪،‬‬ ‫والشــرق راس النبــع‪ .‬وحتــى الخمســينيات األولــى‪ ،‬كانــت‬ ‫خاليــة مــن الشــوارع المعروفــة اليــوم‪ .‬ويصــف حبيــب‬ ‫المزرعــة فــي حينــه بالمــكان النموذجــي اآلمن لنمــو الطفل‬ ‫فــي الطبيعــة‪ ،‬حيــث يهــرع األوالد منــذ الصبــاح للعــب‬ ‫فــي الحدائــق‪ ،‬ويلهــون بألعــاب مــن وحــي الطبيعــة مثــل‬ ‫جــورة العجــو (نــواة حبــة المشــمش)‪ ،‬وطائــرة الــورق‪،‬‬ ‫والنقيفــة الصطيــاد العصافيــر‪ ،‬والكلــة‪ ،‬واألراجيــح‪.‬‬ ‫مســاء‪ ،‬يعــود األوالد إلــى المنــزل والحمــام فــي انتظارهم‪،‬‬ ‫ويتوافــق ذلــك مــع عــودة الوالــد مــن العمــل نحو الخامســة‪.‬‬ ‫يــرش الحديقــة بالمــاء‪ ،‬ثــم يســتحم‪ ،‬وبعدهــا تتحلــق‬ ‫العائلــة حــول بركــة فــي جنينــة المنــزل‪ ،‬يتناولــون معــا ً‬ ‫العشــاء‪ .‬وبعــد العشــاء يتوافــد الجيــران كل مــع أرغيلتــه‪،‬‬ ‫للســهر ولعــب الباصــرة‪ ،‬وتنتهــي الســهرة بجــوالت‪.‬‬ ‫مــن التنكيــت والتزريــك فــي جــو مــن األلفــة والمحبــة فــي‬ ‫مــكان آخــر مــن كتابــه‪ ،‬يتحــدث حبيــب عــن المدرســة‬ ‫أواســط األربعينيــات‪ ،‬وكيــف أســميت المــدارس باســم‬ ‫المديــر‪ ،‬فكانــت مدرســة االســتاذ عبــد هللا‪ ،‬ومدرســة‬ ‫الســت ســلمى‪ ،‬وكانــت اللغــة األجنبيــة فيهــا شــبه معدومــة‪.‬‬


‫‪13‬‬

‫مدينة‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫بريوت وسط الدائرة و جسر شرق و غرب‬ ‫شعت و ألهها معجبوها‬

‫ويعــرض الطريقــة التــي تعامــل األهــل فيهــا مــع أوالدهــم‪،‬‬ ‫بحيــث يظهــر مــدى االلتصــاق العائلــي‪ ،‬وتأثيــر األهــل‬ ‫الكبيــر علــى األوالد‪ .‬يقــول أن والــده كان يشــرح لــه‬ ‫وألخوتــه مســائل حســابية‪ ،‬تحكــي عــن بائــع بيض اشــترى‬ ‫عشــر بيضــات‪ ،‬كل بيضــة بخمســة قــروش‪ ،‬انكســر منهــا‬ ‫ثــاث‪ ،‬فبــاع الباقــي كل بيضة بعشــرة قــروش‪ .‬فكم ربح أو‬ ‫خســر؟ أمــا األخــوة فتبــاروا علــى الســبق بمعرفــة الجواب‪.‬‬ ‫ويعكــس حبيــب حيــاة التالميــذ وكيــف كانــوا يتقدمــون‬ ‫للشــهادة االبتدائيــة‪ ،‬ثــم االنتقــال إلــى المــدارس الخاصــة‪،‬‬ ‫وتكاليــف التعليــم الباهظــة التــي تقــع علــى أكتــاف‬ ‫األهــل‪ .‬ممــا فــرض علــى التالميــذ العمــل الصيفــي‬ ‫لتأميــن بعــض نفقــات التعليــم الخــاص‪ .‬ويقــول إنــه‬ ‫عمــل مــع شــركة البــارودي‪ ،‬إحــدى أوائــل شــركات‬ ‫التجــارة البيروتيــة‪ ،‬ويرجــح أنهــا تعــود ألهــل الكاتبــة‬ ‫منــى بــارودي التــي روت عــن رأس بيــروت‪ .‬كمــا كان‬ ‫التالمــذة يتعلمــون فــي مــدارس ليليــة كــي يتمكنــوا مــن‬ ‫العمــل نهــاراً‪ .‬وكانــت المدرســة تفتــح حتــى التاســعة‬ ‫ليــاً‪ ،‬لــم يكــن مــا يمنــع العــودة اآلمنــة للمنــزل‪ ،‬التــي‬ ‫تتــم بواســطة الترامــواي مــن محطــة العــكاوي‪ ،‬إلــى‬ ‫محطــة المزرعــة‪ ،‬وتســتغرق الرحلــة نصــف ســاعة‪،‬‬ ‫ورغــم عنــاء العمــل نهــاراً‪ ،‬والدراســة مســاء‪ ،‬كان األوالد‬ ‫يعــودون لمراجعــة دروســهم لي ـاً قبــل أن يخلــدوا للنــوم‪.‬‬ ‫يتابــع حبيــب كتابــه عــن تطــورات العمــل فــي بيــروت‪،‬‬ ‫وتجربتــه الحيــة فيهــا‪ ،‬وتنقلــه فــي العديــد مــن العواصــم‬ ‫العالميــة لمتابعــة أعمالــه التجاريــة‪ ،‬ويذكــر المضاربــات‬ ‫التــي كان يمارســها التجــار اليهــود فــي بيــروت‪ ،‬والتــي‬ ‫مــا زالــت عاداتهــم فــي الواليــات المتحــدة لتفليــس كبريــات‬ ‫الشــركات التجاريــة‪ .‬وينقــل أشــياء مــن المعانــاة اللبنانيــة‬ ‫حتــى يومنــا‪.‬‬

‫أمين الباشا‪ :‬بيروت‬

‫فــي كتــاب فنــي وثقافــي ق ّيــم مــن نحــو مئتيــن وأربعيــن‬ ‫صفحــة‪ ،‬مــن الحجــم الكبيــر‪ ،‬تزدحــم مئــات لوحــات مائيــة‬

‫ألميــن باشــا فــي كتابــه المعنــون «بيــروت»‪ ،‬ويشــحنه‬ ‫بشــهادات لكبــار الكتبــة والشــعراء والمفكريــن‬ ‫الذيــن مــال جلهــم إلــى اعتبــار بيــروت األنثــى الجميلــة‪،‬‬ ‫والعــروس‪ ،‬والمــرأة التــي تســتحق كل إطــراء وغــزل‪.‬‬ ‫الــكل جــنّ بهــا‪ ،‬بجمالهــا‪ ،‬وبســحرها‪ ،‬ويــكاد الجميــع‬ ‫يجمــع علــى اعتبارهــا عــروس احالمــه‪ ،‬ومبتغــاه‪ .‬لــم‬ ‫يتــرك أميــن الباشــا زاويــة مــن المدينــة‪ ،‬أو مشــهداً إال‬ ‫وكانــت ريشــته تصبــغ مــا يــرى‪ ،‬وتلــون مــا يقــال‪ .‬وبيــن‬ ‫االنطباعــي والتجريــدي‪ ،‬يفتــح الباشــا آفــاق الذاكــرة‬ ‫البيروتيــة‪ ،‬حتــى إذا بقيــت ثغــرة‪ ،‬ســ ّدها بأبيــات شــعر‪،‬‬ ‫أو كتابــات لعشــاقها‪ .‬لوحاتــه جسّــدت أعيــاد المدينــة‪،‬‬ ‫أحياءهــا الشــعبية‪ ،‬ســطوحها‪ ،‬الحدائــق والشــرفات‪،‬‬ ‫الشــاطئ‪ ،‬حكاياتهــا كلعــب الــورق‪ ،‬وشــاي الســاعة‬ ‫الخامســة‪ ،‬وبائــع الشــكلتس‪ ..،‬أماكنه��ـا‪ :‬ســاحة البــرج‪،‬‬ ‫شــارع الحمــراء‪ ،‬عيــن المريســة‪ ،‬الحمــام العســكري‪،‬‬ ‫حديقــة الروضــة‪ ،‬الروشــة‪ ،‬ســينماتها‪ ،‬نوافذهــا‪ ،‬مقاهيهــا‬ ‫وشــخصيات فــي المقاهــي‪ :‬الباليــت‪ ،‬الهــورس شــو‪،‬‬ ‫الســيتي كافيــه‪ ،‬مقهــى الزجــاج‪ ،‬الكيــت كات والحــاج‬ ‫داود‪ ..‬لوحــات علــى مــ ّد النظــر‪ ،‬تبــدأ وال تنتهــي‪ ،‬وال‬ ‫تفــوت مشــهداً أو موقع ـا ً إال وتج ّســده باأللــوان القزحيــة‪.‬‬ ‫وفــي الــكالم‪ ،‬اســتهالالً لــه‪ ،‬يقــول فــي بيــروت‪:‬‬ ‫«هــي مجنونــة بجمالهــا‪ ،‬تتجمّــل كل صبــاح‪ ،‬وتظــل‬ ‫جميلــة طــوال النهــار والليــل‪ .‬تســتيقظ‪ ،‬هــي ال تنــام‪.‬‬ ‫كيــف تنــام وهــي مفتحــة العيــون‪ ...‬تقــول أنتــم أنــا‪..‬‬ ‫أبقونــي جميلــة‪ ..‬الجمــال هــو الــذي أبقانــي حيــة‪.»...‬‬ ‫ولجمانــة حــداد قــول‪ :‬هــي امــرأة‪ ..‬مغويــة‪ ..‬قدريــة‪ ..‬ال‬ ‫تقــاوم‪ .‬طالعــة مــن تاريخهــا لتنــام فــي حلــم لوحتــه‪ .‬ندوبهــا‬ ‫ال تحــول دون الجمــال‪ .‬هي امرأة فحســب وتدعى بيروت‪.‬‬ ‫وللراحــل كمــال الصليبــي ‪ -‬المــؤرخ الباحــث‪ :‬كنــت أحــب‬ ‫المشــي فــي بيــروت عندمــا كان المشــي متيســراً‪ ،‬شــكلها‬ ‫منخفــض ضيــق مــن األرض‪ ،‬وهضبتان علــى جانبيه‪ ،‬من‬ ‫الشــرق األشــرفية‪ ،‬ومــن الغــرب المصيطبــة‪ .‬فــي األيــام‬ ‫التــي كنــت أمشــي فيهــا مــن المنــارة إلــى فــرن الشــباك‪،‬‬ ‫أو كــرم الزيتــون المطــل علــى مــزارع ســن الفيــل‪ ،‬كنــت‬ ‫أميــز المبانــي التــي يعــود عهدهــا إلــى النصــف الثانــي مــن‬ ‫القــرن التاســع عشــر‪ ،‬أو اوائــل العشــرين‪ .‬هــذه البيــوت‬ ‫زالــت بمعظمهــا‪ ،‬لكنــي مــا زلــت أراهــا فــي مخيلتــي‪.‬‬

‫ومــن هشــام شــرابي‪ :‬كانــت المقاهــي البلديــة فــي رأس‬ ‫بيــروت فارغــة معظــم األوقــات‪ ،‬فالجلــوس فــي مقهــى‬ ‫الروضــة أو مقهــى دبيبــو ممتــع بشــكل خــاص‪ .‬كنــا‬ ‫وصديقتــي البولونيــة نركــب التــرام مــن بوابــة الجامعــة‬ ‫حتــى آخــر الخــط‪ ،‬ثم نســير فــي طريــق المنارة والروشــة‪،‬‬ ‫نجلــس فــي مقهــى الغاليينــي إلــى طاولــة نائيــة تطــل علــى‬ ‫البحــر‪ ،‬ندخــن ســجائر البافــرا‪ ،‬ونتماســك باأليــدي مــن‬ ‫تحــت الطاولــة‪ ،‬وفــي الخريــف‪ ،‬نركــب التــرام إلــى بــاب‬ ‫ادريــس‪ ،‬ونجلــس فــي أحــد مقاهــي الشــاي‪ ،‬حيــث كان‬ ‫الضــوء منخفضــاً‪ ،‬والموســيقى خافتــة ونرقــص علــى‬ ‫أنغــام التانغــو الســاحرة‪.‬ومن محمــود درويــش‪ :‬جئــت‬ ‫إلــى بيــروت فــي السادســة مــن عمــري‪ ،‬ركبــت التــرام‪.‬‬ ‫نظــرت مــن نافذتــه‪ .‬رأيــت بنايــات كثيــرة‪ ،‬فيهــا نوافــذ‬ ‫كثيــرة‪ ،‬تطــل منهــا عيــون كثيــرة‪ ،‬التــرام يســير‪ ،‬والبنايات‬ ‫تســير‪ ،‬واألشــجار تســير‪ ..‬لــكل قــادم إلــى بيــروت بيروتــه‬ ‫الخاصــة‪ ،‬وال نعــرف إلــى أي حــد يشــكل مجمــوع هــذه‬ ‫المــدن مدينــة بيــروت‪ .‬ولألخطــل الصغيــر قصيــدة‬ ‫«بيــروت»‪ :‬فــدت المنائــر كلهــن منــارة‪ /‬هــي فــي فــم‬ ‫الدنيــا هــدى وتبســم‪ /‬كــم ليلــة عــذراء جاذبــة الهــوى‪ /‬أنــا‬ ‫العنــادل والربــى واألنجــم‪.‬‬ ‫ومــن نــزار قبانــي فــي «بيــروت األنثــى مــع حبــي»‪ :‬آه يــا‬ ‫بيــروت‪ ..‬يــا أنثــاي مــن بيــن مالييــن النســاء‪ /‬يــا رحيــا‬ ‫برتقاليــا علــى ورد وبرقــوق ومــاء‪ /‬قومــي مــن تحــت المــوج‬ ‫األزرق يــا عشــتار‪ /‬ال يوجــد قبلــك شــيء‪ ..‬بعــدك شــيء‪..‬‬ ‫مثلــك شــيء‪ /‬انــت خالصــات األعمــار‪ ..‬يــا حقــل اللؤلــؤ‪. .‬يا‬ ‫مينــاء العشــق‪ ..‬ويــا طــاووس المــاء‪ /‬آه يــا عشــاق بيــروت‬ ‫القدامــى‪ /‬هــل وجدتــم بعــد بيــروت بديــا‪ /‬إن بيــروت‬ ‫هــي األنثــى التــي‪ ..‬تمنــح الخصــب وتعطينــا الفصــوال‪.‬‬ ‫الــكالم عــن بيروت ينتهي وال ينتهي‪ ،‬وتبقى بيروت متجددة‬ ‫أبداً‪ ،‬تســتولد عشــاقا جددا‪ ،‬وتراكم ذكريات جميلة ال متناهية‪.‬‬ ‫الكتب الثالث صادرة عن دار نلسن البيروتية‪.‬‬


‫‪14‬‬

‫ادب‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫أقامتها الجامعة اللبنانية ‪ -‬األميركية في بيروت‬

‫احتفالية بصحافيات رائدات ملناسبة اليوم العاملي للمرأة‬ ‫»تحوالت« ‪ -‬بيروت‬ ‫احتفــاء بـ»اليــوم العالمــي للمــرأة»‪ ،‬أقــام «مركز التراث‬ ‫اللبنانــي» فــي الجامعــة اللبنانيــة ‪ -‬األَميركيــة لقــاء حواريـا ً‬ ‫مــع الباحثــة الجامعيــة الدكتــورة إِلهــام كالب البســاط فــي‬ ‫موضــوع «عندمــا كــنّ يصــدرن الصحــف» حــول مطالــع‬ ‫الصحافــة اللبنانيــة النســائية فــي لبنــان ومصــر بيــن‬ ‫نهايــة القــرن التاســع عشــر وبدايــة القــرن العشــرين‪.‬‬

‫اإلنسان أخذ لون بشرته من األرض‬ ‫كالب‬

‫أضــاءت الدكتــورة كالب علــى جانــب مغمــور مــن دور‬ ‫المــرأة فــي عصــر النهضــة‪ ،‬وذلــك فــي حضــور رئيــس‬ ‫الجامعــة الدكتــور جــوزف جبــرا‪ ،‬وممثليــن للرؤســاء‬ ‫الثالثــة‪ ،‬ومعتميــن‪ ،‬وأدار الحــوار معهــا رئيــس المركــز‬ ‫الشــاعر هنــري زغيــب‪.‬‬ ‫فــي خالصــة الحوار معها‪ ،‬تحدثــت الدكتورة كالب‪ ،‬بالنص‬ ‫والصــور عــن مطالــع القــرن العشــرين وحكم الســلطان عبد‬ ‫الحميــد الــذي منــع النســاء مــن الكتابــة فســبب االضطهــاد‬ ‫والتهجيــر إلــى مصــر‪ ،‬حتــى أَعــاد العمــل بالدســتور ســنة‬ ‫‪ 1908‬فأَخــذت الصحــف تصــدر تباعــا ً ومعظمهــا فــي‬ ‫خدمــة الســلطنة العثمانيــة‪ .‬وكانــت بدايــات التحــرر مؤشــر‬ ‫االزدهــار االقتصــادي كمــا فــي محــات «أوروز دي باك»‬ ‫الفخمــة فــي قلــب بيــروت ســنة ‪ 1900‬وافتتــاح محطــة‬ ‫ســكة الحديــد فــي مينــاء بيــروت ســنة ‪ ،1903‬ثــم مبــادرة‬ ‫فاطمــة المحمصانــي ســنة ‪ 1918‬برفــع العلــم العربــي‬ ‫فــوق ســراي بيــروت‪ ،‬وتخــرج أول دفعــة مــن الجامعيــات‬ ‫ســنة ‪ 1927‬مــن الجامعــة األميركيــة فــي بيــروت‪.‬‬ ‫انتقلــت الباحثــة إلــى مصــر وتحدثــت عــن حملــة نابوليــون‬ ‫ســنة ‪ 1896‬ومــا حملتــه معهــا مــن علمــاء وباحثيــن‬ ‫أسســوا للنهضــة الحديثــة‪ ،‬وظهــر التشــبه بالمــرأة‬ ‫الغربيــة تحــرراً ومطالبــة بحقــوق المــرأة علــى غــرار‬ ‫النمــوذج الغربــي الــذي وصــل إلــى إصــدار المــرأة فــي‬ ‫فرنســا جريــدة سياســية كمــا فعلــت مارغريــت دوران‬ ‫بتأسيســها جريــدة «ال فرونــد» فــي باريــس ســنة ‪.1903‬‬ ‫بعــد ذلــك انتقلــت الدكتــور كالب إلــى تعــداد الصحــف‬ ‫النســائية األولــى بــدءاً مــن مصر مــع «أُم الصحافيات» هند‬ ‫نوفــل فــي جريدتهــا «الفتــاة» ســنة ‪ ،1892‬وتتالــت بعدهــا‬ ‫علــى اإلصــدار فــي لبنــان ومصــر نســاء لبنانيــات‪ ،‬منهــن‪:‬‬ ‫لويــزا حْ َباليــن («الفــردوس» ‪ ،)1896‬أَلكســندرا الخــوري‬ ‫(«أَنيــس الجليــس» ‪ ،)1898‬أســتير أزهــري («العائلــة»‬ ‫َّ‬ ‫و»الزهــرة» ‪،)1902‬‬ ‫‪ ،)1899‬مريــم ســعد («الهوا ِنــم»‬ ‫روزي أَنطــون («الســيِّدات والبنــات» ‪ ،)1903‬لبيبــة‬ ‫هاشــم («فتــاة الشــرق» ‪ ،)1906‬عفيفــة كــرم («العا َلــم‬ ‫الجديــد» ‪َ ،)1913‬ســليمة أَبــو راشــد («فتــاة لبنــان»‬ ‫‪ ،)1914‬األَميــرة نجــا أَبــي اللمــع («ال َفجــر» ‪،)1919‬‬ ‫عفيفــة صعــب («ال ِخـ ْـدر» ‪ ،)1919‬مريــم الزمــار («فتــاة‬ ‫الوطــن» ‪ ،)1919‬جوليــا طعمــة دمشــقية («المــرأَة‬ ‫الجديــدة» ‪ ،)1921‬حـــبُّوبة حــداد («الحيــاة الجديــدة»‬ ‫‪ ،)1922‬مــاري ينــي («مينرفــا» ‪ ،)1923‬أمينــة الخوري‬ ‫المقدســي («مــورد األحــداث» ‪« ،)1924‬روز اليوســف»‬ ‫(‪ ،)1925‬و»المســتقبل» أول جريــدة سياســية تصدرهــا‬ ‫امــرأة فــي شــمال لبنــان‪ ،‬ثــم «صــوت المــرأة» (‪)1945‬‬ ‫مــع جامعــة نســاء لبنــان تعاقــب علــى تحريرهــا‬ ‫فــؤاد ســليمان ثــم إدفيــك شــيبوب‪.‬وختمت كالب حديثهــا‬ ‫بــأن فــي مقاربــة معاصــرة أســماء تلــك المجــات وأهدافهــا‬

‫وفكرهــا وأَماكــن صدورهــا ومراحــل تاريخهــا‪ ،‬تحفيــزاً‬ ‫علــى قــراءة جديــدة تاريــخ المــرأَة اللبنانيــة الفكــري‬ ‫والحضــاري الرائــد‪ .‬وفــي حديــث خــاص بـ»الخليــج»‪،‬‬ ‫تناولــت كالب بعــض العوامــل التــي توافــرت فــي القــرن‬ ‫التاســع عشــر وكانــت «محبطــة لقــدرات المــرأة بســبب‬ ‫القوانيــن العثمانيــة الســائدة التــي لــم تســمح للمــرأة أن‬ ‫تكتــب أو تصــدر أي مجلــة‪ ،‬أو توقــع باســمها الصريــح‬ ‫بحظــر ســلطاني‪ ،‬وهــذا مــا جعــل النســاء اليســتطعن الكتابة‬ ‫أو يصــدرن مجــات‪ ،‬لذلــك ذهبــت النســاء إلــى مصــر فــي‬ ‫القــرن التاســع عشــر‪ ،‬ومــن مصــر أطلقــت المــرأة بتحــد‬ ‫كبيــر نهضــة نســائية صحافيــة هائلــة رغــم اإلمكانــات‬ ‫القليلــة لديهــا‪ ،‬وأملهــا كان كبيــراً فــي أن تكــون عنصــراً‬ ‫فعــاالً بالنهضــة التــي كانــت تجــري فــي العالــم العربــي»‪.‬‬ ‫وقالــت عمــا ســمح للمــرأة أن تتمكــن مــن التفلت مــن قوانين‬ ‫الســلطات العثمانيــة إن «أغلــب الصحافيــات كــن بنــات‬ ‫عائــات مــن بيئــة متعلمــة‪ ،‬األب واألم واألخــوة كانــوا إمــا‬ ‫يصــدرون الصحــف‪ ،‬أو يكتبــون روايــات أو يكتبــون أدبــا‪،‬‬ ‫وشــعروا أن لــدى بناتهــم الطمــوح والقــدرة‪ ،‬وعندمــا راحوا‬ ‫إلــى مصــر‪ ،‬وكانــت العديــد مــن الجرائــد الرجاليــة تصــدر‪،‬‬ ‫البنــات اللواتــي خرجــن مــن بيــوت علــم وبيــوت فيهــا‬ ‫طمــوح وبمســاعدة األهــل‪ ،‬قــدرن علــى تخطــي الصعــاب‬ ‫بمعرفتهــن الكاملــة والصحيحــة للغــة او اإلدارة وغيرهمــا‪،‬‬ ‫وبمســاعدة األهــل الذيــن خصصــوا لهــن كبار االســاتذة مثل‬ ‫ابراهيــم اليازجــي الــذي درس الكاتبــة ألكســندرا الخــوري‪،‬‬ ‫وهــي كانــت ذكيــة وفــذة»‪ .‬بعــض العوامــل األخــرى‬ ‫فــي النهضــة النســائية الصحافيــة عرضتهــا كالب‪« :‬فــي‬ ‫القــرن التاســع عشــر جــاءت إرســاليات عــدة إلــى لبنــان‪،‬‬ ‫فتحــت مدارســها‪ ،‬وكان هنــاك مــدارس وطنيــة ومــدارس‬ ‫للطوائــف‪ .‬فــي هــذه الفســحة الصغيــرة التــي كانــت الفتيــات‬ ‫يتم ّكــن مــن الذهــاب إليهــا‪ ،‬اســتطعن الذهــاب إلــى هــذه‬ ‫المــدارس‪ ،‬ومايلفــت النظــر أن أغلبهــن صحافيــات وكــن‬ ‫مترجمــات‪ ،‬وترجمــن الكثيــر مــن أدب القــرن التاســع‬ ‫عشــر‪ ،‬أي انهــن درســن اللغــات األجنبيــة‪ ،‬وكل واحــدة‬ ‫منهــن كانــت صحافيــة وأديبــة وروائيــة ومترجمــة فــي‬ ‫آن»‪ .‬كمــا عرضــت كالب للروابــط بيــن المجــاالت‬ ‫المختلفــة بقولهــا‪« :‬كان هنــاك حقــل تالقــت فيــه الصحافــة‬

‫بالجمعيــات النســائية التــي أسســت‪ ،‬وبالصالونــات التــي‬ ‫أسســتها النســاء‪ ،‬والمؤتمــرات التــي كــن يحضرنهــا‪ ،‬كل‬ ‫هــذه المواقــع األربعــة ســاندت وأبــرزت بعضهــا إلعطــاء‬ ‫صــورة عــن النهضــة خصوصــا ً النهضــة النســائية»‪.‬‬ ‫وأوضحــت كالب أن «كل صحافيــة وكل أديبــة كان عندهــا‬ ‫صالــون‪ ،‬أبرزهــا صالــون مــي زيــادة ‪ -‬صالــون الثالثــاء‬ ‫الشــهير‪ -‬وصالــون ألكســندرا الخــوري‪ ،‬وصالــون هنــد‬ ‫نوفــل‪ ..‬كل صحافيــة منهــن كان عندهــا صالــون مــرادف‬ ‫لعملهــا الصالــون األدبــي‪ .‬وكــن يتحــاورن ويتبادلــن اآلراء‪،‬‬ ‫وكانــت نقاشــاتهن وأبحاثهــن تنشــر فــي صحفهــن»‪.‬‬ ‫عــدد الصحافيــات واألديبــات أكثــر مــن ‪ ٣٠‬صحافيــة برأي‬ ‫كالب‪« ،‬حيــث لــم تكــن هنــاك أي وســيلة إعالميــة غيــر‬ ‫الصحيفــة‪ ،‬وال وســيلة لقــاء آخــر للنســاء غيــر الصالــون‬ ‫فــي المنــازل»‪ ،‬خاتمــة أن «تلــك الخطــوة للمــرأة فيهــا‬ ‫جــرأة كبيــرة حيــث كانــت لهــا الخطابــة والكتابــة واألدب‪،‬‬ ‫وهــي كانــت وســائل االتصــال الممكنــة للمــرأة بالمجتمــع‬ ‫وللحداثــة أيضــا»‪.‬‬


‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫‪15‬‬

‫ادب‬

‫«ثالثون عام ًا على غياب مجلة األديب ومؤسسها ألبري اديب»‬

‫عقــدت فــي دار النــدوة وبدعــوة مــن دار نلســن للنشــر‬ ‫نــدوة تكريميــة بعنــوان «ثالثــون عامــا ً علــى غيــاب‬ ‫مجلــة األديــب وتحيــة الــى مؤسســها الراحــل البيــر‬ ‫أديــب»‪ ،‬تقــدم الحضــور نقيــب الصحافــة محمــد بعلبكــي‬ ‫وحشــد مــن المثقفيــن والمهتميــن‪.‬‬ ‫بختي‬ ‫بدايــة رحــب ســليمان بختــي بالحضــور وقــال «التحيــة‬ ‫لمجلــة االديــب التــي اســتمرت مــن ‪ 1941‬حتــى ‪1983‬‬ ‫بــا انقطــاع ولصاحبهــا ألبير أديــب‪ ،‬ألنها تذكرنــا بالينابيع‬ ‫الثقافيــة الحقيقيــة التــي صنعــت صــورة للبنــان الفكــر‬ ‫والثقافــة واالبــداع‪ .‬عــزز البيــر أديــب فــي مجلته مســاحات‬ ‫التالقــي وفضــاء الحريــة وهيــأ مناخــات االبــداع‪ .‬وأدار‬ ‫ظهــره للسياســة وتقلباتهــا وخيباتهــا وراح يــرش االرض‬ ‫قمح ـا ً لتعلــو الســنابل وتحملهــا العصافيــر الــى المطــارح‬ ‫الجديــدة‪ .‬وختــم «قصــة ألبيــر أديــب مــع مجلــة األديــب‬ ‫قصــة حــب وعطاء وتضحيــة ونبل ألجل االنســان والثقافة‬ ‫والمجتمــع فــي لبنــان المتفاعــل مــع دنيــا العــرب‪ .‬وأولــى‬ ‫بنــا اليــوم اذ نحتفــي ونتذكــر ان نســتعيد المجلــة وروحهــا‬ ‫ونوثقهــا ونعيــد طباعتهــا وتكــون فــي متنــاول النــاس وفــي‬ ‫صلــب المناهــج التربويــة‪ .‬واذ نفعــل فإنمــا نكمــل الطريــق‬ ‫ونؤكــد ان الثقافــة كانــت وســتبقى عهــد خــاص للبنــان»‪.‬‬ ‫سلمان‬ ‫امــا الدكتــورة نــور ســلمان فتوقفــت فــي مداخلتهــا عنــد‬ ‫الصحافــة الطليعيــة الجديــدة التــي مارســها ّ‬ ‫ومثلهــا ألبيــر‬ ‫أديــب‪ .‬وكيــف انــه بعصاميتــه وتواضعــه نفــذ الــى القلــوب‬ ‫ومــدى اصــراره علــى طلــب االصــاح والتجديــد‪ .‬وان‬ ‫العــبء الــذي تحملــه مــا كان لينهــض بــه لــوال إيمانــه‬ ‫القــوي بالثقافــة واالنســان‪ .‬وتذكــرت اواصــر الصداقــة‬ ‫العائليــة التــي جمعتهــا مــع ألبيــر أديــب مــن الســودان الــى‬ ‫لبنــان‪ .‬وطالبــت ان توثــق مجلــة األديــب ألنهــا ذاكــرة‬ ‫للبنــان والعالــم العربــي‪ .‬وختمــت «البيــر أديــب مــات‬ ‫فقيــراً النــه اســتغنى عــن مغريــات المــادة واختــار حريــة‬ ‫تصــون كرامتــه»‪.‬‬ ‫فلسطين‬ ‫وكانــت شــهادة مــن مصــر مــن االديــب وديــع فلســطين‬ ‫قرأهــا ســليمان بختــي‪ ،‬وقــال فيهــا‪« :‬أنــا مديــن بشــهرتي‬ ‫االدبيــة والصداقــات التــي انعقــدت بينــي وبيــن أدبــاء‬ ‫لمجلــة «األديــب»‪ .‬هــذه المجلــة التــي لــم تتعــرّ ض فــي‬ ‫تاريخهــا ألي مصــادرة او تعطيــل فــي أي قطــر عربــي‪.‬‬ ‫وأنهــا كانــت أوســع نافــذة لــكل منهــا نجيــب محفــوظ علــى‬ ‫الحــركات األدبيــة فــي العالــم العربــي‪ .‬أفنــى ألبيــر أديــب‬ ‫نفســه فــي المجلــة لتبقــى منبــراً مفتوحــا ً ألدبــاء االمــة‬ ‫العربيــة والمهاجــر‪ .‬وختــم «هــذه المجلــة هــي أثمــن‬ ‫ميــراث لنــا جميعــاً»‪.‬‬ ‫بيــوت مــن القصــب والبــردي مبنيــة فــوق المســطحات‬ ‫المائيــة التــي تكوّ نــت مــن تر ّســبات نهــري دجلــة والفــرات‬

‫والتــي شــهدت والدة وتطــوّ ر الحضــارة الســومرية‬ ‫العريقــة‪ .‬وهــذه البيــوت ليســت طــراز ســكن فحســب‪ ،‬إنمــا‬ ‫أســلوب معايشــة مــع البيئــة وتطــوّ رات المنــاخ‪ .‬ويبيّــن‬ ‫كتــاب «عــرب األهــوار» الــذي عاصــر كاتبــه ســكان‬ ‫المنطقــة حياتيـاً‪« ،‬المعــدان»‪ ،‬وجــود قنــوات الــري لغايــة‬ ‫الخمســينيات مــن القــرن العشــرين مرصوفــة بألــواح‬ ‫خشــبية‪ ،‬األمــر الــذي يــد ّل علــى أســلوب التعامل الســومري‬ ‫مــع البيئــة وتدبيــر شــؤون الميــاه فــي حــال ارتفاع منســوبها‬ ‫فــي نهــري دجلــة والفــرات‪ ،‬إذ يســاعد القصــب الطيــور‬ ‫فــي بنــاء أعشاشــها بخــاف األســمنت‪ ،‬وهكــذا تكوّ نــت‬ ‫محميــات طبيعيــة مــن أشــجار وطيــور وأســماك‪ .‬واليــوم‪،‬‬ ‫يتــ ّم تأهيــل نصــف مســاحة هــذه المحميــات الطبيعيــة‬ ‫مــن خــال اســتعمال المــواد الطبيعيــة والناتجــة مــن بيئــة‬ ‫األهــوار كالقصــب والبــردي‪ .‬ويمكــن مقارنــة بيــوت‬ ‫األهــوار القصبيــة هــذه مــع البيــوت التي اكتشــفت في تخوم‬ ‫جبــال األلــب السويســرية قبــل قــرن ونصــف‪ ،‬وهــي بيــوت‬ ‫مصنوعــة مــن الخشــب والعظــام والجلــد‪ ،‬مرفوعــة علــى‬ ‫أعمــدة مربوطــة إلــى بعضهــا البعــض بواســطة جســور‬ ‫وع ّبــارات خشــبية (‪ .)sur pilotis‬والمقارنــة بيــن هذيــن‬ ‫النمطيــن المعمارييــن تــد ّل إلــى وجــود قواســم مشــتركة‬ ‫بيــن وســائل عيــش الشــعوب الريفيــة‪ ،‬فــي العصريــن‬ ‫الحجــري والبرونــزي قبــل الميــاد‪ ،‬ومــدى اهتمــام‬ ‫ســكانها بالبيئــة التــي تعاملــت معهــا كنصيــر وكضامــن‬ ‫بقــاء‪ .‬والجديــر ذكــره أن البيــوت الخشــبية السويســرية‬ ‫بُنيــت قريبــا ً مــن البحيــرات مــا جعلهــا فــي منــأى مــن‬ ‫التخريــب والعبــث وال زالــت باقيــة إلــى الوقــت الراهــن‪،‬‬ ‫لكنهــا مدفونــة داخــل الرمــال أو وســط البحيــرات‪ ،‬أمّــا‬ ‫بيــوت البــردي العراقيــة‪ ،‬فهــي قائمــة ح ّيــة يســكنها عــرب‬ ‫األهــوار‪ ،‬إضافــة الــى الــزوارق‪ ،‬وســيلة التنقــل بيــن‬ ‫النهرين‪ ،‬وال تزال مستعملة وبأنواع كثيرة ومختلفة‪ .‬‬ ‫وكانــت الطبيعــة وال زالــت الملهمــة األولــى لإلنســان‬ ‫فــي ابتكاراتــه الصناعيــة‪ ،‬وحتــى فــي مجــال الصناعــات‬ ‫الثقيلــة والصناعــات الحربيــة التــي تعتمــد علــى الطبيعــة‬ ‫لتعطــي أشــكاالً آللياتهــا (الغواصــة ‪/‬الحــوت؛ المروحيــة‬ ‫األوبتيــكا‪ /‬الجــراد؛ خيــوط العنكبــوت فــي اإلطــارات‬ ‫وحريــر دود القــز؛ األفخــاخ واآلليــات والخــوذ التــي‬ ‫تغطيهــا النباتــات فــي األحــراش مــن أجــل التمويــه)‪.‬‬ ‫وتكثــر األفــام التــي تعــرض مــدى اســتعانة المخترعيــن‬ ‫بالطبيعــة والتــي ســاهمت مراقبتهــا فــي تحديــد مصيــر‬ ‫دول كبــرى منهــا علــى ســبيل المثــال األســطول اإلنكليــزي‬ ‫الــذي كان ينافــس األســطول الفرنســي فــي الوصــول الــى‬ ‫العالــم الجديــد‪ ،‬وتح ّديــه للمصاعــب وللقراصنــة‪ ،‬ففــي حيــن‬ ‫كان القائــد اإلنكليــزي يبحــث عــن الوســيلة لإلنقضــاض‬ ‫علــى العــدو الفرنســي‪ ،‬كان مــن بيــن طاقمــه طبيــب وعالــم‬ ‫مهتــم بالنباتــات واألحيــاء وتجميعهــا وتصنيفهــا‪ ،‬وكان‬ ‫هنــاك دائمـا ً مواقــف صــراع بينهمــا ألن األول ال يفهــم إال‬ ‫بالبطــش العســكري‪ ،‬بينمــا الثانــي لــه نظــرة ورؤيــة علميــة‬ ‫لألشــياء ويحتــاج الــى النــزول الــى اليابســة لجمــع األنــواع‬ ‫الجديــدة خاصــة «الطائــر الــذي ال يطيــر»‪ .‬واحتــدم‬ ‫الصــراع بيــن الرجليــن‪ :‬األول ال يريــد التوقــف خشــية أن‬ ‫يســبقه الفرنســيون‪ ،‬أمــا الثانــي فــكان مغتم ـا ً‬

‫لمــروره بعــدد كبيــر مــن الجــزر وال تســنح لــه الفرصــة‬ ‫أن يعاينهــا عــن قــرب ويتعــرّ ف علــى أنــواع أحيائهــا‬ ‫عــن كثــب‪ .‬وحصــل أن أصيــب األســطول والطبيــب فــي‬ ‫إحــدى المعــارك‪ ،‬فاضطــر القائــد أن يتو ّقــف فــي جزيــرة‬ ‫«الطائــر الــذي ال يطيــر» حتــى يســتعيد أســطوله قدرتــه‬ ‫لالنطــاق مــن جديــد‪ .‬وفــي أســبوع النقاهــة هــذا‪ ،‬اســتغنم‬ ‫الطبيــب العالــم الفرصــة للخــروج الــى الطبيعــة وجــال‬ ‫فــي أرجــاء الجزيــرة وجمــع مــا جمــع مــن معلومــات عــن‬ ‫أحيائهــا‪ ،‬ولكــن األســطول الفرنســي فاجــأ اإلنكليــز بهجــوم‬ ‫غيــر متو ّقــع‪ ،‬فأســرعوا لتــدارك األمــر‪ ،‬فاحتــار القائــد‬ ‫كيــف يخلّــص ســفينته وطاقمهــا‪ ،‬فمــا كان منــه إال أن‬ ‫اســتمع لنصائــح العالــم التــي اعتمــد علــى حيــل الحشــرات‬ ‫والطيــور‪ ،‬خاصــة الطائــر الــذي ال يطيــر والــذي كان قــد‬ ‫وجــده بعــد عنــاء طويــل‪ ،‬فــي تخليــص نفســها مــن األفخاخ‬ ‫مــن خ��ـال التمويــه‪ ،‬كأن تتحــوّ ل الحشــرة الــى عــود‬ ‫خشــبي يتماهــى مــع أغصــان الشــجرة التــي اختبــأت فيهــا‪،‬‬ ‫أو أن يتغيّــر لونهــا والــى مــا هنالــك مــن حيــل‪ ،‬وهكــذا‬ ‫كانــت الطبيعــة المعلــم الــذي منــه اســتقى القــادة الحيلــة‪،‬‬ ‫ولــوال اســتماعهم لنــداء الطبيعــة لمــا كانــوا خلصــوا‪،‬‬ ‫فالطبيعــة يســتمد منهــا اإلنســان ليــس فقــط إبداعــه‪ ،‬بــل‬ ‫خالصــه وبقــاءه أيض ـاً‪ .‬وإن المطلــع علــى مواضيــع لهــا‬ ‫عالقــة بالحــواس وأدواتهــا يعلــم أن النســبية تلعــب الــدور‬ ‫األهــم بالنســبة لحواســنا‪ ،‬فالمطابقــة معدومــة بيــن شــخص‬ ‫وآخــر‪ ،‬فمــا مــن ذوق مشــترك وال مــن نظــر مشــترك‬ ‫(وال ننســى مــرض عمــى األلــوان‪ ،) daltonisme‬وأن‬ ‫أضعــف الحــواس عنــد المــرء هــو الشــ ّم وهــو األكثــر‬ ‫عرضــة للضعــف عنــده‪ ،‬بينمــا لــدى الحيــوان الش ـ ّم هــو‬ ‫مــن أهــم الحــواس‪ ،‬فــا تجــب االســتهانة بهــذه القــدرة عنــد‬ ‫الحيــوان ومــا لهــا مــن أهميــة فــي حيــاة البشــر وضمــان‬ ‫ســامتهم خاصــة وقــت األزمــات كالــزالزل والفيضانــات‬ ‫وغيرهــا مــن الكــوارث‪ ،‬والتــي يُســتعان خاللهــا بالــكالب‬ ‫للتعــرّ ف علــى األحيــاء تحــت األنقــاض‪ ،‬فكــم مــن كلــب‬ ‫أنقــذ حيــاة آدمــيّ ! ولكــن بالمقابــل‪ ،‬كــم مــن آدمــي اهتــم‬ ‫بعالــم الحيوانــات وبيئتهــا وأثرهــا فــي حياتــه؟! وإذا مــا‬ ‫أحصينــا عــدد القنــوات العالميــة المتخصصــة بالطبيعــة‬ ‫والبيئــة‪ ،‬نجــد أن ال عـ ّد لهــا وال حصــر‪ ،‬ولكــن وال واحــدة‬ ‫ّ‬ ‫تبــث‬ ‫منهــا عربيــة‪ ،‬واألنكــى أنــه رغــم أن الفضائيــات‬ ‫قنواتهــا الــى العالــم العربــي‪ ،‬يبقــى الســؤال‪ :‬مــا هــو حجــم‬ ‫مشــاهدتها مــن قبــل شــعبنا؟ وهــذه إشــكالية بذاتهــا‪ .‬فهــل‬ ‫يضيّــع المشــاهدون العــرب وقتهــم بالبيئــة وحيواناتهــا‬ ‫وأحيائهــا ويهملــون المسلســات التــي تعالــج َمــنْ تــزوج‬ ‫أحــب َمــنْ و َمــنْ قتــل َمــنْ‬ ‫َمــنْ و َمــنْ طلــق َمــنْ و َمــنْ‬ ‫َ‬ ‫و َمــنْ ‪َ ...‬مــنْ ‪...‬؟ أيعقــل أن يتــرك حريــم الســلطان بــدون‬ ‫مشــاهدين؟ وكيــف يحقــق العثمانيــون الجــدد مــا فشــلوا فــي‬ ‫تحقيقــه منــذ قــرن؟ كيــف يُهمــل التتريــك بهــذه البســاطة؟‬ ‫وفــي هــذا التتريــك الجديــد تطبيــع جديــد وأقلمــة مــن‬ ‫نــوع خــاص‪ ،‬وبالتالــي طغيــان ثقافــة علــى ثقافــة‪ ،‬فأه ـاً‬ ‫بالعبوديــة وإن الطيــور علــى أشــكالها تقــع!‬


‫‪16‬‬

‫ادب‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫على هودج األبجدية ترتقني مقاليد الحلم ((فواغي صقر القاسمي ))‬ ‫غادا فؤاد السمّان‬ ‫أبــدأ مــن حيــث انتهــى المشــهد الــذي لــم أره ليلــة‬ ‫حاصركــم الضبــاب‪ ،‬وأســتعيد ذاكــرة الحــدث الــذي‬ ‫لــم أســمع عنــه إال ماتيسّــر منــكِ ومــن ســطور تناثــرت‬ ‫علــى امتــداد األثيــر هنــا وهنــاك‪ ،‬فأكتــبُ‬ ‫بقليــل مــن‬ ‫ٍ‬ ‫الحــذر‪ ،‬وأكتــب بكثيــر مــن الحمّــى التــي اســتعرتها‬ ‫مــن حميميّــة وداعتــك وجزيــل ثقتــك التــي لــن أدعهــا‬ ‫ْ‬ ‫دخلــت منــذ‬ ‫تخيــب‪ ،‬وأكتــبُ إكرامــا ً للحصافــة التــي‬ ‫أمــ ٍد عنيــد‪ ،‬غياهــب الغيبوبــة علّهــا تعــي لتســتفيق‪... ،‬‬ ‫الزمان‪ :‬يوم خارج عن التقويم‪ ،‬التوقيت‪:‬‬ ‫حسب عقارب الحسم التي تواعدت على المؤامرة‪،‬المكان‪:‬‬ ‫رأس الغيمــة التــي أمطــرت ســواداً‪ ،‬وشــتاتاً‪ ،‬وغفلــة‪،‬‬ ‫الســياق‪ :‬وطــنٌ مســلو ٌخ عــن الوطــن‪ ،‬محكــو ٌم إمّا النســيان‬ ‫أو العزلــة‪ ،‬بوصلتــه لؤلــؤة القلــب وإن كلّفــه األمــر منفــرداً‬ ‫عبــور المحيط‪..‬‬ ‫التفاصيــل‪ :‬ك ّل التفاصيــل تبعثــرت إذ لــم تجــد مســتقرّ اً‬ ‫لهــا لتنمــو بحريّــ ٍة عنــد أطــراف الحكايــة‪ ،‬ففصولهــا‬ ‫كانــت أدنــى مــن الحــذر بكثيــر‪ ،‬وأقـ ّل مــن الوهلــة بقليــل‪،‬‬ ‫فقــط كانــت المفاضلــة التــي فــاز بهــا لفيــف النســوة‬ ‫المتل ّفحــات بالغــ ّل والمتزنــرات بالغيــرة شــاهدَ ة النفــل‬ ‫ت ســيدة الوجــع بــا منــازع‪ ،‬وجــع‬ ‫ت أنــ ِ‬ ‫اآلثــم‪ ،‬وكنــ ِ‬ ‫االقتــاع مــن تربتــكِ األ ّم‪ ،‬ووجــع االمتنــاع عــن مزاولــة‬ ‫الشــرعية‪ ،‬ووجــع الفصــل عــن مشــيمة االنتمــاء‪ ،‬ولــم‬ ‫يكــن أمامــك غيــر شــال الفجــر تتلفحيــن بــه علــى عجــل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتغطيــن فــي‬ ‫تفترشــين الســراب‪ ،‬وتتوســدين الفــزع‪،‬‬ ‫ـال عميــق‪ ،‬وحولــك أجنحــة صغيــرة تتحــرّ ك بقلــق‪..‬‬ ‫ابتهـ ٍ‬ ‫ْ‬ ‫وتتخ ّبــط ِب َحيــر ٍة هائلــة‪ ،‬ليلتــان وبعــض عــراء أمضيتِهمــا‬ ‫بعيــداً عــن العيــون المتربّصــة كالصقيــع‪ ،‬وكان فــي‬ ‫داخلــك الــدفء الكفيــل بالصبــر حتــى مغيــب التضاريــس‬ ‫ت ترتفعيــن‪،‬‬ ‫التــي ابتلعتهــا المســافة المعدنيّــة‪ ،‬وأنــ ِ‬ ‫وترتفعيــن‪ ،‬وترتفعيــن‪ ،‬وصــوالً إلــى مدينــة الضبــاب‪.‬‬ ‫حالـ ٌم جـ ّداً هــذا المســاء‪ ...‬قالهــا لــكِ العاشــق الــذي طــواكِ‬ ‫بيــن أضالعــه وزرعــك داخــل وريــده ليج ّنبــك صقيــع‬ ‫الغربــة ومطبّاتهــا الباهتــة‪ ،‬دون تــردد وببالغــة الشــاعرة‬ ‫التــي تســكنكِ أجبـتِ‪ :‬بــل حالــك ليــس ّإل‪ ،...‬أردف يحاول‬ ‫ـوار ليقطــع بــه دابــر الســكوت المباغــت قائـاً‪:‬‬ ‫اختــاق حـ ٍ‬ ‫ّ‬ ‫أبيــض هــذا الهــواء الــذي تكتــظ بــه المدينــه‪ ،...‬لكنــكِ‬ ‫بــذات النبــرة التــي تفيــض بانفعاالتــك الســاخنة الطريّــة‬ ‫ّ‬ ‫ت‬ ‫كض ّفتــي جــرح‬ ‫رددت‪ :‬بــل رمــاديّ ال أكثــر‪ .‬تملّ َكــ ِ‬ ‫الحيــرةُ‬ ‫فارســك الــذي آثــركِ دون تــر ّد ٍد لحظــة ســاوموه‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ت وإمّــا‬ ‫المســاومة التــي ال خيــار‬ ‫ثالــث فيهــا إمّــا أنــ ِ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫العــزل‪ ،‬وآثــر‬ ‫العــزل علــى الصولجــان ليفــوز بنضبــك‬ ‫دائم ـاً‪ ،‬لكــن معــك ليــس مــن الســهل االستســام للســكوت‬ ‫الــذي يعتريــك بشراســة‪ ،‬كان البــ ّد مــن التحايــل علــى‬ ‫ـر مزي ـ ٍد مــن الــكالم مــن خلــف‬ ‫صمتــك المُســتب ّد‪ ،‬بتحريـ ِ‬ ‫آخــر مــن‬ ‫إشــعار‬ ‫شــفتيك المقفلــة عــن االبتســام حتــى‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وإنْ‬ ‫علــى مضــض!‬ ‫الوجــوم علــى أمــل انفــراج أســاريرك‬ ‫الوقــت يمــرّ بطيئــا ً عنــد منعطــف الذكريــات‪ ،‬يتلــكأ‬ ‫عنــد أعتــاب المحطــات المخطوفــة دون ملــل‪ ،‬يمشــي‬ ‫ـر َق مــن‬ ‫ببــطء شــديد باحثـا ً عــن الســجّ اد األحمــر الــذي ُسـ ِ‬ ‫«الخالــد« فــي وضــح النهــار‪ ،‬ليــس عجــزاً يحتســي الوقت‬

‫أنخابــه بشــيء مــن اإلفــراط فيتر ّنــح مثقــاً بالمــرارات‬ ‫والغصّــة‪ ،‬الوقــت ورغبتــك الملحّ ــة «فواغــي « فــي‬ ‫إجهــاض الغــ ّم الرابــض فــي ‪-‬الحشــا ‪ -‬ليســتولد بديلــه‬ ‫مــن الشــغف‪ ،‬وال شــغف يفــوق شــغف الكتابــة‪ ،‬كتابــة‬ ‫الجــرح للتعالــي عليــه والتغاضــي عنــه بموســيقى الحرف‪،‬‬ ‫ونحــت المشــهد‪ ،‬وتلويــن الصــورة‪ ،‬وولــيّ اللهفــة معــكِ‬ ‫َ‬ ‫آمــن مســتق ٍّل ومســتقرّ ‪،‬‬ ‫بركــن‬ ‫ليحــظ‬ ‫يكابــد المســتحيل‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يُشــبه المالمــح الغائبــة عــن اســتراتيجيتها‪ ،‬الغائبــة‬ ‫عــن فاعليّتهــا‪ ،‬الغائبــة عــن لُحْ متهــا وقماشــتها وبيئتهــا‬ ‫وأساســها وتراثهــا ومجالســها وشــعبها ومشــوراتها‪ ،‬حيــث‬ ‫تتزاحــم جــذور القبيلــة لتســتعيدكم علــى امتــداد مالعــب‬ ‫الفعــل والفخــر والجــدوى‪َ ،‬جلــود ولّــي اللهفــة كمــا الوقــت‬ ‫وهــو يتقــن فنــون االنتظــار‪ ،‬واالنتظــار يعنــي الصبــر‪،‬‬ ‫ـق‬ ‫والصبــر كفيــل بالصابريــن‪ ،‬هكــذا مضيتمــا فــي طريـ ٍ‬ ‫محفوف ـ ٍة بالصبــر‪ ،‬ومم ّهــد ٍة بالصبــر‪ ،‬ومتش ـعّب ٍة بالصبــر‪،‬‬ ‫وعنــد مفــارق الصبــر‪ ،‬تكمــن متانــة اليقيــن‪ ،‬يقيــن المنطــق‬ ‫والمعقــول والحتمــي‪ ،‬ســاحه الرؤيــة البعيــدة النظــر الــذي‬ ‫ّ‬ ‫يتخطــى بفضلهــا مــن جلــس هنــاك عنــو ًة فــوق مجلسِ ـهِ‪،‬‬ ‫وتعــ ّدى علــى حُرمــة الشــرعية‪ ،‬وحريمهــا تتوضــؤ‬ ‫بالح ّنــاء والزغاريــد وأنتمــا ُت َز ّفــان إلــى البعيــد‪ ،‬وليــس ك ّل‬ ‫بعيــ ٍد مقــرّ للنســيان بالضــرورة الحتميــة‪ ،‬بــل ربّمــا كان‬ ‫ـة واعيـ ً‬ ‫صـ ً‬ ‫ـة ال ّتســاع الخطــوة القادمــة ولــو بعــد حيــن‪،‬‬ ‫من ّ‬ ‫الخطــوة التــي تحفظهــا المواثيــق وتتناقلهــا الدســاتير‪،‬‬ ‫الخطــوة التــي تتر ّقبهــا الحشــود المتلهّفــة لفارســها الخالــد‬ ‫الراقــي الشــجاع‪ ،‬المتسـلّح بــكِ أيقونــة الضــوء‪ ،‬والمتسـلّح‬ ‫بالعهــد الــذي قطعــه لمصلحــة البــاد‪ ،‬باســتعادة الكعكــة‬ ‫بحصــص متســاوية‬ ‫المقضومــة علــى موائــد الجــوار‬ ‫ٍ‬ ‫والمُسـمّاة «طنــب الكبــرى وطنــب الصغــرى وأبو موســى‬ ‫« مهمــا كانــت العثــرات وتنحيكمــا كان أول البــاء ولــن‬ ‫تتنــازال مهمــا تعاقــب عليكمــا مــن م َِحــن هكــذا كان يؤكــد‬ ‫ت تح ّدثينــي كمــا شــهرذاد الحكايــا عــن‬ ‫بريــق عينيــك وأنـ ِ‬ ‫مأســاة األرض الم ُْخ َت َلــف حولهــا‪ ،‬وهكــذا كان الرهــان‬ ‫المنصــرم ليــس اقتالعكمــا مــن مربــض الفعــل وحســب‬

‫حيــن تجرّ أتمــا بفتــح «الملــفّ «‪ ،‬بــل الرهــان المتواصــل‬ ‫علــى نســيانكما أهمّيــة الفعــل ووجــوب االلتــزام بحتميّاتــه‬ ‫وبديهياتــه‪ ،‬وذلــك مــا لــن يكــون طالمــا الوطــن غايتكمــا‬ ‫صــة أننــا بلغنــا «زمــن»‬ ‫وطالمــا اإلصــاح وجهتكمــا وخا ّ‬ ‫اإلصالحــات القصــوى وزمــن التغييــر الحقيقــي وزمــن‬ ‫اإلرادة الج ّبــارة‪ ،‬إرادة الشــعوب التــي تعــرف مــاذا تريــد‬ ‫ومــا ذا تختــار وبمــن تطالــب ليكــون وصيّــا ً وحاكمــا ً‬ ‫وحكيمـا ً عليهــا‪ ،‬وأنتمــا مطلــب األحــرار التــي لــم تصمت‪،‬‬ ‫ولكنهــا لــم تنتفــض بعــد‪ ،‬أل ّنكمــا لــم تكونــا يوما ً الفعــل الذي‬ ‫مضــى‪ ،‬بــل أل ّنكمــا الفعــل الــذي يُضــار ُع ��كامــل حيويّتــه‬ ‫وحاضــره بالعقــل والمبــدأ والنــور‪ ،‬ويقــارع بالمنطــق‬ ‫والثقافــة واإليمــان‪ ،‬فمهمــا اســتطال ليــل الظلــم ال بـ ّد مــن‬ ‫ـر يُجليــه‪ ،‬وفجــر الحــرّ لناظره قريــب‪ ،‬أعلم أنني أســت ّل‬ ‫فجـ ٍ‬ ‫الطريــق الخلفــي للمجاهــرة‪ ،‬الطريــق الــذي لــن يعــرف‬ ‫طريقــه المتزلفيــن والمُدلســين وصغــار الكســبة كغيــره مــن‬ ‫الطرقــات المكتظــة بهــؤالء‪ ،‬لكنــي هكــذا اعتـ ُ‬ ‫ـدت أن أســير‬ ‫خلــف الحصــان الخاســر ألنــه يمضــي وحيــداً دون صخــب‬ ‫ودون َج َلب ـ ٍة أو ضوضــاء‪ ،‬يمضــي واثق ـا ً وهدفــه واضــح‬ ‫ومســعاه حكيــم‪ ،‬نقيــض الحصــان الرابــح الــذي ينتشــي‬ ‫بآن ّيــة الكســب الســريع فتعمــي أبصــاره المتحاشــدين إليــه‪،‬‬ ‫وتصـ ّم أســماعه المتهامســين عليــه‪ ،‬وحــده الغــرور يواكبــه‬ ‫إلــى أقــرب مطــبّ يســقط فيــه فينفــضّ مــن حولــه الجميــع‪،‬‬ ‫لهــذا ّ‬ ‫أوثــق الحــدث التاريخــي كمنحوتــة بالغ ّيــة عص ّيــة‬ ‫علــى الشــطب أو التهميــش‪ ،‬بــل لتصيــر الزمــة مــن لــوازم‬ ‫الحــراك المستشــري فــي أوردة الجيــل وشــرايين المنطقــة‬ ‫ومفاصــل األوطــان‪ ،‬كمق ّدمــة لمــا هــو آت بإيجــاز متع ّمــد‬ ‫لمعظــم تفاصيــل مــا كان تمهيــداً لمــا ســيكون‪ ،‬وهللا ولــيّ‬ ‫حميــم وحكيــم وحليــم‪.‬‬


‫‪17‬‬

‫كتاب‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫«دخلتُ يف التجربة « رواية مهى جرجور‬ ‫لويس الحايك‬

‫ُ‬ ‫«دخلــت فــي التجربــة « روايــة ال تختصــ ُر تجربــة‬ ‫واحــدة فحســب بــل تض ـ ُّم مجموعــة مــن التجــارب التــي‬ ‫ولــدت وترســخت زمــن الحــرب األهليــة فــي لبنــان‪.‬‬ ‫تجــارب عائلــة محافظــة تنزلــق الــى االنحــراف‬ ‫بأشــخاصها األبريــاء الذيــن يجســدون فيمــا بعــد‬ ‫تقلباتهــا وعبورهــا مــن مراحلهــا المتماســكة الــى‬ ‫مراحــل منهــارة‪ ،‬اراديــة حينــا ً وقدريــة حينــا ً آخــر‪.‬‬ ‫رنــا‪ ،‬بطلــة الروايــة‪ ،‬تتوحّ ــد ادوارهــا بأنوثتهــا وجمالهــا‬ ‫الســاحر‪ ،‬وبشــباب ظــل يافعــا ً حافــظ علــى حضــوره‬ ‫طــوال فتــرة قفزاتهــا الغراميــة وحتــى عودتهــا الــى قفصها‬ ‫الذهبــي وهــذا مــا أبقــى للســرد كل التشــويق واالثــارة‪.‬‬ ‫كذلــك فعــل زوجهــا هانــي الــذي كان يــدور حين ـا ً كحجــر‬ ‫الرحــى بتســلطه الذكــوري وأحيانــا ً كمروحــة هوائيــة‬ ‫معرضــة لتقلبــات هواجســه مــع الغيــرة ورياحهــا الهوجاء‪.‬‬ ‫هــذا الهانــي المتعجــرف والحريــص علــى ثروتــه وعلــى‬ ‫كل فلــس مــن مدخراتــه يجــد نفســه مســاقا ً الــى رغبــة‬ ‫زوجتــه الطمــوح فيؤســس لهــا مركــزاً للتجميــل لينقذهــا‬ ‫مــن الرتابــة ويــدر االربــاح عليــه‪ .‬ومــا إن تغ ّيــر «لــوك»‬ ‫زوجتــه‪ ،‬أي مظهرهــا‪ ،‬بــأدوات الزينــة التــي تتقــن األنثــى‬ ‫اســتعمالها‪ ،‬حتــى دخلــت خادمتهــا عدلــة علــى الخــط‬ ‫تنيرهــا علــى طريــق جديــدة وبإلحــاح مقنــع حــول فــرص‬ ‫سيأســف االنســان الحكيــم علــى ضياعهــا ان اهملهــا‪..‬‬ ‫وقعــت رنــا فــي شــباك عدلــة واصبحــت شــريكة لهــا‪.‬‬ ‫وقبــل ان تطردهــا كان الشــيطان قــد تملــك بخناقهــا‪.‬‬ ‫لكــن الخادمــة الحاقــدة راحــت تنســج شــباكها‬ ‫العنكبوتيــة مــن بعيــد وكان كميــل اول صيــد يشــبع نهــم‬ ‫شــريكتها بعــد أن دخــل عنصــر المــال علــى الخــط‪.‬‬ ‫البخــل يقضــي علــى كل شــعور نبيــل للرجــل وهــو يشــعر‬ ‫المــرأة بجفــاف فــي عالقتهــا الجنســية معــه وبالتخصيــص‬ ‫بهــاو متصــاب ٍ يفتــح يــده الســمحاء كمــا‬ ‫عنــد لقائهــا‬ ‫ٍ‬ ‫يفتــح قلبــه وينفــخ أنفاســه الدافئــة فــي جســدها وهــو فــي‬ ‫ريعــان الشــباب ال تنقصــه الرجولــة وال ينقصــه الجمــال‪.‬‬ ‫«دخلــت رنــا حالــة جديــدة مــن حــاالت الولــه الشــره‪..‬‬ ‫ْ‬ ‫فصرخــت‪ :‬ابتعــدي عنــي ايتهــا الشــيخوخة‪ ،‬ودعينــي‬ ‫احلــم‪..‬‬ ‫«‪ .‬ويكتشــف الــزوج المخــدوع مــا حيــك لــه فــي الخفــاء‬ ‫وتجــري الحــوادث ببــطء وبقليــل مــن االثــارة فــي البدايــة‪،‬‬ ‫وكان كل مــا عرفــه هانــي ويرغــب بمعرفتــه ويالحقــه‪،‬‬ ‫والغيــرة تتأكلــه‪ ،‬مفاجــآت رنــا التــي نزعــت قلبهــا ودفنتــه‬ ‫فــي التــراب ورمــت فوقــه نيــران الضغينــة‪ .‬مفاجــآت‬ ‫تصــوّ ب ســهامها الــى خزانــة دخلــت بدورهــا فــي التجربــة‬ ‫وصــار الحريــص علــى محتوياتهــا ال يســتطيع ان يتحكــم‬ ‫ببابهــا كمــا تتحكــم بــه الزوجــة الطــروب‪ .‬وقــد زاد الطيــن‬ ‫بلــة ان رنــا كانــت تنكــر أي عالقــة لهــا بــأي مــن عشــاقها‬ ‫واشــتبك الحابــل بالنابــل ضمــن العائلتيــن‪ ،‬عائلتهــا وعائلــة‬ ‫زوجهــا‪ .‬فــأم هانــي تحــاول إنقــاذ وحيدهــا وشــقيقتها روزا‬ ‫تصفعهــا وشــقيقها حســان القــادم مــن االمــارات يلــوح‬ ‫مهــدداً بمالــه‪ .‬فالدخــول فــي التجربــة الغراميــة ليــس‬ ‫كالخــروج منهــا خاصــة عندمــا يســبق الخــروج دخــول‬ ‫آخــر الــى تجربــة اكثــر اغــراء تلــوح مــن بعيــدـ الن الحياة‬ ‫معهــا اكتســبت عــادة جديــدة‪ ،‬ولــم ال‪ ،‬ومــا الــذي يمنعهــا‬

‫مــن التغييــر ومــن الهــرب مــن ذكريــات ماضيهــا بوجــوه‬ ‫أحبتهــا ثــم كرهتهــا‪:‬‬ ‫زوجهــا هانــي الــذي لــم يســتطع ان يســامحها وكميــل‬ ‫الــذي يصــرّ ان يســتعملها كقطعــة أثــاث وأخيــرا ال‬ ‫آخــرا العشــيق اآلخــر دانيــال الــذي فــرش لهــا األرض‬ ‫وروداً كــي تبقــى عشــيقته بعــد ان كشــفت لهــا المــرآة عــن‬ ‫رجــل جديــد ينتظــر دوره فــي الصــف‪ ...‬وأخيــراً صــار‬ ‫الحــل بيــد االب مكاريــوس الــذي صــار ســيد النجــدة‬ ‫والنجــاة‪ .‬كان األب الجليــل يمثــل دور طبيــب شــرعي‬ ‫فســألها عــن اســمها واســم عائلتهــا واســماء اوالدهــا‬ ‫ومــكان عملهــا واقامتهــا‪ ،‬فجــاءت اجوبتهــا واضحــة‬ ‫وصريحــة وهادئــة‪ ،‬ثــم اردفــت‪ :‬يــا ابونــا انــا طبيعيــة‬ ‫جــداً ‪ ...‬ابــي وامــي همــا َمــن بحاجــة الــى معالجــة»‪.‬‬ ‫الروائيــة مهــى جبــور نقلــت الينــا الوجــه الصــادق لرجــل‬ ‫الديــن الــورع والحكيــم والمتمســك بشــعائره االنســانية‬ ‫مــن محبــة واحتــرام وحكمــة فــي حــ ّل مشــاكل رعايــاه‬ ‫بعقالنيــة‪ ،‬والعمــل علــى اعــادة الضاليــن الــى الصــراط‬ ‫الصحيــح مــن دون رغبــات مســتورة‪ .‬وهــذه لفتــة رطبــت‬ ‫أجــواء حــوادث روايتهــا التــي تتأجــج بنيــران الغيــرة‬ ‫التــي كانــت تالحــق رنــا وتالحــق زوجهــا هانــي قبــل‬ ‫الطــاق وبعــده وفــي تجاربــه المماثلــة مــع عشــيقاته‪.‬‬ ‫وبينمــا تأخذنــا الكاتبــة الــى تحليــات فــي مســار شــيّق‬ ‫وشــائك وتدعمــه بخبــرات ومعرفــة بطبائــع المــرأة‬ ‫المتغيــرة وبطبائــع الرجــل المتــردد والخائــف مــن دخــول‬ ‫التجربــة دخــوال يرضــي رغبــات ذكوريتــه‪ ،‬كان ال بــد‬ ‫مــن اللجــوء الــى خاتمــة ترضــي القــارئ بحادثــة ســير‬ ‫مفتعلــة لإلبنــة العطــوف علــى امهــا التــي اســتطاعت ضــم‬ ‫الشــمل بعــد غيــاب عــن عائلتهــا كان بنظرهــا «بعيــداً‬

‫عنهم‪ ،‬شاقا ً ومرهقاً» وتناست ادوات تجربتها‪:‬‬ ‫الناس؟‬ ‫خلفنا‪.‬‬ ‫ارادة الحياة؟‬ ‫رفيقتنا‪.‬‬ ‫المجوهرات؟‬ ‫استر ّدتها‪.‬‬ ‫تســجيل الكاســيت لفضيحتهــا األخيــرة مــع عشــيقها دانيال؟‬ ‫كسَّر ْتها‪.‬‬ ‫لكــن شــكوك هانــي ظلــت تالحقهــا وقــد رضــي بمصيــره‬ ‫بعــد تأكــده بــأن الكثيريــن مــن امثالــه مــروا بتجربــة‬ ‫لــم يخرجــوا منهــا بعــد‪ ،‬وهــذا مــا شــكل العــزاء لــه‬ ‫ألنــه خــرج مــن تجربتــه مــع زوجتــه «بأقــل اضــرار‬ ‫ممكنــة»‪ ،‬وشــاء ان تكــون رنــا مرتاحــة بدورهــا لهــذا‬ ‫المصيــر‪ ،‬فجــاء جوابهــا تأكيــداً علــى وجــود لوثــة‬ ‫نشــرتها الحــرب فــي شــوارع المدينــة وتجولــت مــع‬ ‫الفلتــان الــى عــادة «عــادة فــي البــدن ال يغيرهــا ســوى‬ ‫الكفــن» وشــاءت مــن هانــي ان يعــرف الحقيقــة‪:‬‬ ‫«نحــن نســختان مشــوهتان تحــاوالن اســتعادة ثقــة غائبــة‬ ‫فــي تمثيليــة الحفــاظ علــى وجــود عائلــة‪ ...‬نحــن ســؤاالن‬ ‫مرتبطــان ببعضهمــا إجابتهمــا مفتوحــة علــى الممكــن‬ ‫وغيــر الممكن‪...‬عودتنــا الرســمية؟ اخــاف ان افكــر‬ ‫فيهــا‪ . »...‬رنــا لــم تكــذب والــزوج المتصابــي حديثـا ً يهمه‬ ‫هــدوء العاصفــة كــي يســتطيع اكمــال تجربتــه او تجاربــه‬ ‫وقــد اعتــاد علــى لــذاذة طعمهــا‪ ،‬والمطلــوب لتنفيذهــا هــو‬ ‫حكمــة الســتر التــي تفــوق حكمــة الصبــر‪ .‬ومــا المانــع أن‬ ‫تتحلــى بنعمتهــا الــزوج الطــروب أيضــا ً والقافلــة تكمــل‬ ‫الطريــق؟‬


‫‪18‬‬

‫كتاب‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫«منايَ» قنديل أدب صديق ملجد اإلنسان *‬ ‫هاني الحلبي‬ ‫عندمــا بـ ُ‬ ‫ـاي» فــي صفحاتهــا‬ ‫ـدأت بقــراءة روايــة «مُنـ َ‬ ‫ت‬ ‫األولــى لفتنــي قــول المؤلــف فايــز غــازي «إذا ارتــأ ِ‬ ‫األقــدار شــيئا ً فــا بــد منــه»‪ .‬كـ ُ‬ ‫ـدت أتوقــف لمعارضتــي‬ ‫ســلطان قــدر‪ .‬فلمــاذا أضيّــع وقتــي فــي تكريــس‬ ‫وهــم تســلّط القــدر‪ ،‬يعبــ ُده شــعبنا وهمــا ً اخترعــه‬ ‫كقــدر مقيــم‪ ،‬فص ّدقــه‬ ‫خلفــاؤه وســاطينه ورؤســاؤه‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫الضعفــاء حتــى ألّهــوه وأبطلــوا فعــل العقــل واإلرادة‬ ‫منتظريــن كعــكا ً مبلــوالً فــي زوارق البوســفور؟‬ ‫ُ‬ ‫ُنــاي»‬ ‫تحاملــت حتــى أنجــزت‪ ،‬وقراءتــي األولــى لـ»م َ‬ ‫هــي واجــب مهنــي لكونــي مدققــا ً ناقــداً لمنشــورات دار‬ ‫أبعــاد قبــل صدورهــا‪ .‬حمـ ُ‬ ‫ـدت العاقبــة‪ ،‬علــى قــول أجاويــد‬ ‫ّ‬ ‫للمطلــع‪ ،‬ولشــبابنا خاصــة‬ ‫الموحديــن‪ ،‬ففيهــا عِ بــرة غنيــة‬ ‫َ‬ ‫إفراغهــم مــن‬ ‫الذيــن تريــد الرأســمالية الغربيــة الفاجــرة‬ ‫معانــي قيمنــا لتجع َلهــم طبــوالً جو َفــاء وصنوجــا ً تــرنّ ‪.‬‬ ‫يالقيهــا فــي المقلــب اآلخــر للتجهيــل نسـ ٌ‬ ‫ـق دينــي تهافتــت‬ ‫اوها ُمــه حتــى َفـر َ‬ ‫ُغ الســائ ُد منــه مــن معنــى التوحيــد الــذي‬ ‫أسســته ســوريا للعالــم؛ فهــا هــي يُستســقى دمها مجــدداً فدا ًء‬ ‫ألجلــه‪ ،‬إسـ َ‬ ‫ـحاق جديــداً‪ ،‬ربمــا حتــى يــأذن هللا بكبــش بديــل‪.‬‬ ‫ـاي»‪،‬‬ ‫أقتصـ ُر هنــا علــى أفــق فلســفي فكــري طرقتــه «مُنـ َ‬ ‫فمــا قــد أقولــه فــي مضمــون الروايــة اآلن قلتــه فــي‬ ‫المقدمــة التــي كتب ُتهــا بدافــع الحــب‪ ،‬للحــب اوالً بوصفــه‬ ‫الكن ـ َه األروع للحيــاة البشــرية الســويّة‪ ،‬وبدافــع التســامي‬ ‫بالحــب ترفعــا ً عــن بدويــة عربيــة ماديــة تســافلت بنــا‬ ‫ـار ذات دوران حــول‬ ‫انحطاط ـا ً حتــى باتــت اعمارنــا أعمـ َ‬ ‫مضــارب القبيلــة‪.‬‬ ‫آن لنــا اليــوم ان ننفــض هذه البــداوة وأن نتذوّ ق الروح التي‬ ‫غطتهــا الرمــال طويـاً فــي بالدنــا فنقــرأ زينــون‪ ،‬أحيقــار‪،‬‬ ‫لوقيــان‪ ،‬ســقراط‪ ،‬فيلــون‪ ،‬ديــك الجــن الحمصــي‪ ،‬المعري‪،‬‬ ‫نهــج‬ ‫ُنــاي»‪...‬‬ ‫َ‬ ‫إخــوان الصفــا‪ ...‬وتتابعــا ً إلــى روايــة «م َ‬ ‫فكــر صديــق‪ ،‬ســيرور َة أد ٍ‬ ‫ـق يبنــي مجــدَ اإلنســان‬ ‫ب صديـ ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫خــط فكرنــا‪ُ ،‬نســ ُغ روحِنــا‬ ‫وكرامتــه ودي َنــه الحــق‪ ،‬هــو‬ ‫برمــل غريــب ولــن يــزول‪.‬‬ ‫المحيــي الــذي لــن يُط َمــى‬ ‫ٍ‬ ‫طين ســومر‬ ‫أو ُل قصــة حــب دوّ َن ْتهــا يـ ٌد بشــرية كانت على‬ ‫ِ‬ ‫جنوبــي العــراق هــي لبيــرم وتســبين‪ ،‬قبــل ســبعة آالف‬ ‫عــام‪ ،‬وهمــا اول عاشــقين بشــريين تأرّ خ حبُّهمــا وفداؤهما‪،‬‬ ‫نقلهــا شــاعر رومانــي بعــد ثالثــة آالف عــام مــن حصولها‪.‬‬ ‫ُنــاي» فــي القــرن الحــادي‬ ‫هكــذا لــم يــأت بطــا «م َ‬ ‫المســتهجن فــي‬ ‫والعشــرين بجديــدٍ‪ ،‬إن أحبّــا‪ .‬الجديــد‬ ‫َ‬ ‫ـاي» هــو غرابــة األعــراف التــي يحكمهــا إل ـ ُه تمــر‬ ‫«مُنـ َ‬ ‫نســج ُد لــه إذا اقتضــت مصالحُنــا‪ ،‬نأكلــه عندمــا تجــوع‬ ‫بطو ُننــا‪ ،‬نســتغفرُه عندمــا نشــب ُع ونشــتمُه عنــد انجــرافِ‬ ‫الغضــب‪ .‬هــذه األعــرافُ التــي لــم تحــاكِ قل َبــي بيــرم‬ ‫وتســبين قبــل االســتالب العربــي‪ .‬حاشــا «ألـــ‪ »..‬أن يكــون‬ ‫تمــر‪ .‬و»ألـــ‪ »..‬هــو أول اصطــاح لمفهــوم قــوة‬ ‫إلــه‬ ‫ٍ‬

‫النظــام الكونــي الحقــة‪ ..‬أمــا لفظــة هللا فهــي إضافــة‬ ‫عربيــة غيــر موفقــة‪ .‬اســتبدال األصــل الميثولوجــي‬ ‫بكبيــر أصنــام العــرب ليؤمــن البــدوي ويصــ ّدق‪ .‬ومــا‬ ‫ـن قـ ّ‬ ‫ـط‪ .‬بقيـ ْ‬ ‫ـت قلــوبُ األعــراب غليظــة علــى اإليمــان‪،‬‬ ‫آمـ َ‬ ‫حســب حديــث شــريف‪ .‬بيــرم وتســبين جرفهمــا الحــبُ‬ ‫بروحيهمــا الجميلتيــن حتــى كانــا شــهيدَ ي حــب‪.‬‬ ‫فانخرطــا‬ ‫َ‬ ‫ب اله ـ ٍ‬ ‫بطــا «مُنــاي» توّ همــا صراع ـا ً بيــن قل ـ ٍ‬ ‫ف وعقــل‬ ‫بــارد‪ .‬وأفضــ ُل مــا يأتيــه هــو عبــادةُ الســلف الصالــح‪،‬‬ ‫وك ُل الســلفِ كان صالح ـا ً لعصــره لكنــه غي ـ ُر صالــح قــط‬ ‫ـر قلبيهمــا ألجــل تجربتــي نفــاق‬ ‫فقبــل بطالهــا نحـ َ‬ ‫لعصرنــا‪ِ .‬‬ ‫تحــت يافطــة زواج تقبلــه العائلــة والطائفــة‪ .‬لكــنّ حكمــة‬ ‫الحيــاة شــاءت أن تل ّقــن البطــل أمثولــة مــروءة لمصلحــة‬ ‫ـن لهــا حـ ُ‬ ‫ـير‬ ‫قدســية األنثــى وقــوة شــعورها بــأن ك َمـ َ‬ ‫ـادث سـ ٍ‬ ‫أ ّدى إلــى شــللها فاســتفاق الحــبُّ متأخــراً متكاس ـاً نادم ـاً‪.‬‬ ‫«منــاي»‪ ،‬مــن معــراج ضوئــه‪:‬‬ ‫والحــب‪ ،‬يــا بط َلــي‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫شــبيبة‪َ /‬ويْــاهُ مــن‬ ‫نــا ُر الشــبيبة فــي الشــباب‬ ‫ُ‬ ‫شــبَّانِها أن ينطفُــوا (نيقــوالوس الصائــغ – الكامــل)‬ ‫ُ‬ ‫وعــذرت نفســي فــي هــواكِ أل ّننــي‪ /‬أورد ُتهــا فــي الحــبِّ‬ ‫ـل (ابراهيــم اليازجــي – الكامــل) لقــد ُجـ َّل هــذا‬ ‫أعـ َ‬ ‫ـذب َمن َهـ ِ‬ ‫ـان (ابراهيــم‬ ‫الحــبُّ حتــى كأ َّنــه‪ /‬ســرابٌ تــرا َءى المعـا ً ل َِعيـ ِ‬ ‫الرّ ياحــي – الطويــل) هــذه لُ َم ـ ُع حــبِّ كمــا لمعـ ْ‬ ‫ـت لبط َلــي‬ ‫ـاي» حين ـاً‪..‬‬ ‫«منـ َ‬ ‫الحــب ال يُســيَّس‪ ،‬وال يُديَّــن‪ ،‬وال يُطيَّــف‪ ...‬ألنــه شــأنُ‬ ‫ـر مــن األديــان‬ ‫نفــس أو روح‪ ،‬وبمــا هــو هكــذا أج ـ ُّل بكثيـ ٍ‬ ‫ِــك‪/‬أو‬ ‫والساســة والطوائــف‪ ،‬هــو مــا يَقشِ ــ ُر‬ ‫كلــس روح َ‬ ‫َ‬ ‫رو ِحــكِ وصدأَهــا لتسـ َ‬ ‫ـتفيق طفولـ َة بــراء ٍة وعفويـ َة ضــوء‪..‬‬ ‫أ َّنــى لــك ّل الــركام الوهمــي مــن سياســات وفلســفات وأديــان‬ ‫وســراب آلهــة واعتقــادات أن تأتــي بهــذا مــن دون حــبّ ‪..‬‬ ‫الفك ُر السياسي والديني الطائفي الحاك ُم نظا َم حياتنا‬

‫ـام اجتماعــيٍّ يع ّمــق االنشــطار‬ ‫الفوضويــة هــو فك ـ ُر انفصـ ٍ‬ ‫الذاتــي العــام لمجتمعنــا فــي ســجالت نفوسِ ــنا المهترئــة‪،‬‬ ‫يقــ ّدس الــذات الخصوصيــة‪ ،‬ويشــيطن اآلخــر لتشــريع‬ ‫ســفك دمــه وتحليلــه؛ يقــدس ذات القائــد المفــروض بمعادلة‬ ‫أكثريــة او باتفاقــات تســوية دوليــة إقليميــة‪ .‬دائمـا ً الخــار ُج‬ ‫وحتــى اآلن يُسـمّي رؤســاءنا‪ ..‬ومــا دِمنا عبيــداً في الخارج‬ ‫يُصْ َنع ْ‬ ‫ُــون‪ ،‬فقــط لتكريــس فقداننــا إرادتنــا وقدرتنــا علــى‬ ‫إدارة حياتنــا وتخطيطهــا واالعتيــاد علــى االنقيــاد لألكثــر‬ ‫جهــاً وبــداو ًة فــي هــذا العالــم‪ ،‬بــداو ًة دينيــة وسياســية‬ ‫وبــداوة تكنولوجيــة روحيــة‪ .‬للشــفاء مــن االنفصــام الدينــي‬ ‫والسياســي ال ســبيل ســوى الحكمــة‪ ،‬والحكمــة فعــل العقــل‬ ‫العــام يجلــوه تفاعــل زمنــي طويــل لمجتمــع قائــد ومؤســس‬ ‫ـاص إلــى بشــرية‬ ‫للحضــارة‪ ،‬كمجتمعنــا‪ ،‬ومنــه ِبشــارةُ خـ ٍ‬ ‫عرجــا َء وعميــا َء لــوال قلـ ٍة فدائيــة‪ ،‬تضــيء برســال ِة كشـفِها‬ ‫ـار الحـ ّ‬ ‫ـل علــى‬ ‫ـق العقـ ِ‬ ‫الموســوم ِة بالحقائـ ِ‬ ‫ـق ســرمدي َة انتصـ ِ‬ ‫ـل ُّ‬ ‫ـام علــى التخريــب الفوضــى‪.‬‬ ‫الباطـ ِ‬ ‫الظلمــة‪ .‬حـ ِ‬ ‫ـق النظـ ِ‬ ‫لمســوخ دهمــا َء لــم تنتــه‪ .‬هــذا‬ ‫هــي مواجهــة عقــل نبــي‬ ‫ٍ‬ ‫بعــضُ تأسيســنا الفلســفي للديــن‪ ،‬الــذي يدمّــره اليــوم‬ ‫إرهــاب دمــوي باســمه‪ .‬هــي قلــة رآهــا الفــادي المســيح‪،‬‬ ‫ونحــن فــي َب َركــة صــوم وفصــح‪ ،‬وهــو أحــد نمــاذج فدائنــا‬ ‫إلتمــام رســالتنا حضاريــا ً وعالميــا ً فــي هــذا الوجــود‪،‬‬ ‫دأبُهــا وجــو ٌد مشــعّ بالحــب‪ .‬مث ـاً ظ ـ ّل النظــا ُم السياســي‬ ‫والطائفــي اللبنانــي يرفــض مــا يُســمى الــزوا ُج المدنــي‬ ‫ّ‬ ‫ويعطــل تنظي ـ َم حقــوق المتزوجيــن باســم التحريــم زوراً‪،‬‬ ‫حتــى كشــفت الهيئــة العليــا الستشــارات وزارة العــدل‬ ‫تنظيــم القانــون اللبنانــي المســتند لألســف علــى قــرارات‬ ‫المفــوض الفرنســي خــال االنتــداب‪ ،‬حقــوق المتزوجيــن‬ ‫مــن طوائــف عــدة متباينــة‪ ،‬والديــن ال يتض ّمــن قــط منع ـا ً‬ ‫اديــان عــدة‪ ،‬ألنــه واحــد‬ ‫طوائــف عــدة او‬ ‫لــزواج مــن‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫عنــد اإللــه الواحــد‪ ،‬وهــو أســبق علــى الطوائــف وطغاتهــا‪.‬‬ ‫وهــذا مــا أكدتــه الدراســة القيمــة للدكتــور الباحــث طــال‬ ‫الحســيني الصــادرة الشــهر الماضــي عــن دار الســاقي‪.‬‬ ‫َمــن يغ ّيــر‪ ،‬إذاً؟ الشــبابُ ‪ ،‬وحدَ هــم يُغ ّيــرون‪ .‬الشــبابُ ‪ ،‬فــي‬ ‫أرواحهــم وعقولهــم وإرادتهــم‪ ،‬وهــم ســدى أي مســتقبل‪.‬‬ ‫أيّهــا الشــباب المؤمــن بالعقــل النبــي المواجــه للضــد‬ ‫َ‬ ‫وننقــذ اآلن مــا تبقــى لنــا مــن‬ ‫الضــال تعا َلــوا لنغيّــر‪،‬‬ ‫وطــن‪ ،‬مــن شــتات وطــن وشــعب قبــل زوالهمــا!‬ ‫وأنتــم بالضبــط َمــن خاطبكــم فيلســوف الشــعراء‬ ‫وشــاعر الفالســفة علــى مــدى العصــور‪ ،‬المعــرّ ي‪:‬‬ ‫إن الشــبيبة نــار إن أردت بهــا‪ /‬أمــراً فبادرهــا إن الدهــر‬ ‫ُنــاي» قِنديــ ٌل‬ ‫مطفئهــا (المعــري – البســيط)‪ .‬روايــة «م َ‬ ‫فــي مــدى الضــوء وسِ ــرا ٌج فــي عتمــة انحطــاط لــوال‬ ‫وقلــوب حــب‪.‬‬ ‫شــموعُنا التــي ُتو َقــ ُد أرواحــا ً ودمــا ًء‬ ‫َ‬ ‫* ألقيــت فــي نــدوة مناقشــة «منــاي» لفايــز غــازي‪،‬‬ ‫الصــادرة عــن دار أبعــاد‪ ،‬طبعــة اولــى ‪.2013‬‬


‫مناسبة‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫‪19‬‬

‫تحية لألديبة الراحلة د‪.‬ثريا ملحس ‪2013-1925‬‬

‫انتماء لقيم الحق والخري والجمال‬ ‫عقــدت فــي دار النــدوة‪ ،‬بدعــوة مــن دار نلســن‬ ‫للنشــر‪ ،‬نــدوة تكريميــة بعنــوان «تحيــة لالديبــة‬ ‫الراحلــة د‪ .‬ثريــا ملحــس ‪.«( -2013)1925‬بدايــة‬ ‫رحــب ســليمان بختــي بالحضــور‪ ،‬خصوصــا ً بالوفــد‬ ‫االعالمــي والدبلوماســي وعائلــة الدكتــورة ملحــس‬ ‫الذيــن حضــروا مــن عمــان للمشــاركة‪ .‬وقــال‪« :‬نتذكــر‬ ‫االديبــة والشــاعرة والباحثــة واالســتاذة الجامعيــة ألن‬ ‫تذكــر الذيــن يعطــون لالنســان فــي بالدنــا ولقضيــة‬ ‫االبــداع والتعليــم والثقافــة يجعلنــا ال ننضــم الــى طريــق‬ ‫الجحــود والنكــران‪ ،‬الــى طريــق القتلــة»‪ .‬وأثنــى علــى‬ ‫جهدهــا المتميــز الجــل بنــاء االنســان والكلمــة فــي‬ ‫لبنــان واالردن ودنيــا العــرب‪ .‬وانهــا امضــت خمســين‬ ‫عامــا فــي بيــروت بيــن دراســة وتدريــس‪ ،‬حيــث‬ ‫تخرجــت مــن الجامعــة االميركيــة ونالــت الدكتــوراه‬ ‫مــن الجامعــة اليســوعية ودرســت فــي الـــ ‪B U C‬‬ ‫(الجامعــة اللبنانيــة االميركيــة) وفــي الجامعــة اللبنانيــة‪.‬‬ ‫وبلغــت دواوينهــا الشــعرية خمســة عشــر‪ ،‬وفاقــت‬ ‫ابحاثهــا ومؤلفاتهــا الخمســين‪ .‬وكانــت حاضــرة دومــا ً‬ ‫فــي المشــهد الثقافــي والشــعري واالدبــي فــي لبنــان‪.‬‬ ‫وانتمــت دائمــا َ الــى قيــم االنســان ووطنــه وحضارتــه‪.‬‬ ‫ووقفــت دائم ـا ً مــع االنســان والحريــة والهويــة القوميــة‬ ‫الحضاريــة‪ ،‬وحثــت علــى التجديــد وشــجعت علــى‬ ‫التغييــر وتشــددت فــي المعاييــر‪ .‬وختــم بختــي «يولــد‬ ‫االنســان فــرداً ويمــوت متعــدداً فــي اشــواقه واحالمــه‬ ‫وكتاباتــه وآفاقــه‪ ،‬وفــي اآلخريــن الذيــن أحبهــم وأحبــوه‪.‬‬ ‫وثريــا ملحــس أحبــت هــذه المدينــة وأهلهــا وكانــت‬ ‫مــن عناوينهــا وبيارقهــا واعالمهــا‪ .‬والحــب والوفــاء‬ ‫واالنجــاز والعبــرة لــن تتــرك للنســيان طريقــا اليهــا‪.‬‬

‫نجار‬

‫الكلمــة الثانيــة كانــت للســيدة أنيســة نجــار رائــدة العمــل‬ ‫النســائي التــي حملــت ســنواتها المئــة وجــاءت لتشــهد‬ ‫للحــب والصداقــة التــي جمعتهــا مــع شــقيقتها الفنانــة‬ ‫ســلوى روضــه شــقير بالراحلــة الكبيــرة‪ .‬وتذكــرت‬ ‫معانــاة ثريــا ملحــس فــي الجامعــة وكفاحهــا لنيــل‬ ‫شــهادة الدكتــوراه وخاطبــت عائلــة د‪.‬ثريــا ملحــس «مــا‬ ‫أعظــم مــا فقدتــم‪ .‬حافظــوا علــى مــا تركتــه مــن تاريــخ‬ ‫وأدب لألجيــال الصاعــدة‪ .‬لــن ننســى الدكتــورة ثريــا‬ ‫ولــن ينســاها التاريــخ وال لبنــان وال االردن والبــاد‬ ‫العربيــة»‪.‬‬

‫نصرهللا‬

‫وكانــت كلمــة وجدانيــة وتحليليــة مــن الروائيــة االديبــة‬ ‫إملــي نصــرهللا التــي وصفــت ملحــس بأنهــا وردة‪،‬‬ ‫والــوردة كانــت اســتاذتي‪ ،‬وال تــزال‪ .‬وحملــت دائمــا ً‬ ‫رســائل الحــق والخيــر والجمــال‪ .‬ووصفــت شــعرها‬ ‫بأنــه مميــز بالرمــز والتلميــح والحــزن الشــفاف‬ ‫والتجديــد ورقــة الصــور والكلمــات‪.‬‬

‫وتوقفــت عنــد القيــم التــي التزمتهــا ملحــس ودافعــت‬ ‫عنهــا بحماســة وإيمــان وهــي الحريــة‪ ،‬واصالــة االنتمــاء‬ ‫والتجــذر فــي فهــم األمــة العربيــة‪ ،‬وقيــم العدالــة والمســاواة‬ ‫والحــب‪ .‬وحبهــا القــوي للبنــان وعشــقها لبيــروت‪ .‬وختمــت‬ ‫«ثريــا ملحــس الغائبــة الحاضــرة ســيظل يجمعنــا نغــم‬ ‫الحــب وســنظل نحــب ان نصغــي ولــو مــرة واحــدة الــى‬ ‫اصــوات الشــعراء أمثالــك»‪.‬‬

‫جحا‬

‫وتحــدث الدكتــور ميشــال جحــا عــن زمالتهــا وصداقتهــا‪،‬‬ ‫وتوقــف عنــد كتابهــا عــن كشــاجم‪ ،‬وعــن كتابهــا «القيــم‬ ‫الروحيــة فــي الشــعر العربــي قديمــه وحديثــه» وعــن‬ ‫مجموعتهــا الشــعرية االولــى «النشــيد التائــه» (‪)1949‬‬ ‫وعــن كتابهــا «المــرأة العربيــة الــى أيــن؟»‪ .‬وتذكــر جحــا‬ ‫انــه مــا زارهــا مــرة اال وكان فــي يدهــا كتــاب تقــرأ فيــه‬ ‫أو قلــم تكتــب مقــاالً او بحث ـا ً وان علــى مدخــل بيتهــا كان‬ ‫جــرس باســمها وجــرس باســم زوجهــا موســى ســليمان‪.‬‬ ‫وأنهــى جحــا «حياتهــا كلهــا كانــت جهــاداً وكفاحــا ً‬ ‫وعطــاءً‪ .‬رحــم هللا الدكتــورة ثريــا ملحــس التــي نتذكرهــا‬ ‫اليــوم فنفيهــا بعــض حقهــا»‪.‬‬

‫النجار‬

‫وكانــت الكلمــة االخيــرة للصحافــي والباحــث االردنــي‬ ‫تيســير النجــار الــذي قــال «هــذا المســاء يليــق بــروح‬ ‫ثريــا ملحــس االنســانة واالديبــة والباحثــة واالســتاذة‬ ‫التــي أحبــت بيــروت وتفاعلــت بعيــداً عــن الصخــب‬ ‫مــع تالمذتهــا ونخبــة مــن المثقفيــن واالدبــاء والفنانيــن‬ ‫اللبنانييــن والعــرب»‪.‬‬ ‫وأضــاف «كان لــي شــرف التعامــل القريــب مــع د‪.‬ثريــا‬ ‫ملحــس مــن خــال حــوارات مطولــة أجريتهــا معهــا‬

‫ووضعتهــا فــي كتــاب بعنــوان «تأمــل فــي ينابيــع تنفجــر»‬ ‫(وزع الكاتــب هديــة للحاضريــن) رافقتهــا حتــى االيــام‬ ‫االخيــرة وتعلمــت منهــا الكثير»‪.‬تابــع‪ :‬رحلــت وهــي‬ ‫تحلــم بســماء الوطــن العربــي الواحــد‪ ,‬كانــت ممــن جعلــوا‬ ‫عالمنــا أفضــل بالكلمــة والفعــل والبحــث والنهــل مــن‬ ‫ينابيــع المعرفة‪.‬وختــم «أســتاذتنا ســام عليــك‪ ،‬ســام عليك‬ ‫حيــن قلــت يــا هللا حدثنــي عــن شــجرة اللــوز‪ ،‬أزهــرت‬ ‫شــجرة اللــوز» وشــكر الحضــور باســم عائلــة ملحــس‬ ‫وباســم عالمــات الصداقــة العميقــة بيــن لبنــان واالردن‪.‬‬ ‫وكانت مداخالت وشهادات لكل من خالد نجار‪ ،‬جان دايه‪،‬‬ ‫معــن بشــور‪ ،‬نــدى ســليمان ود‪.‬عفــاف عبد الباقــي حاطوم‪.‬‬ ‫بالفعــل كانــت التحيــة مســتحقة لالديبــة الراحلــة ثريــا‬ ‫ملحــس‪ ،‬وتجلــت فــي الكلمــات الصادقــة والذكريــات‬ ‫الحميمــة والتقديــر للــدور والعطــاء‪ .‬ذات مــرة كتبــت ثريــا‬ ‫ملحــس عــن بيــروت «انــت مثــل الفينيــق‪ /‬ينهــض دائم ـا ً‬ ‫مــن رماده»‪.‬رأينــا الصــدق والصــدى واالثــر فــا فــرق‬ ‫بيــن غيــاب وحضــور وال بيــن أديــم ورمــاد‪ .‬والكلمــة ال‬ ‫تمــوت حيــن الــرزع أصيــل مــن يــد أمينــة فــي بســتان‬ ‫طيــب ومــورق‪.‬‬


‫‪20‬‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫مقابلة‬ ‫أمية درغام لـ”تحوالت”‪:‬‬

‫حصدْنا لقبَ “أمة ال تقرأ” ألننا نركض وراء كماليات أفهمونا أنها أولويات‬ ‫حاورتها عبير حمدان‬ ‫ اللغــة باتــت فــي خطــر‪ ...‬والمؤامــرة مســتمرة‬‫فــي مؤامــرات ‪ -‬الحــب أنانيــة غيــر مؤذيــة‪ ..‬وال‬ ‫يه ّمنــي إن ُرميـ ْ‬ ‫ـت فــي مزبلــة التاريــخ ‪ -‬بــات اللعــب‬ ‫باللغــة متعــة بالنســبة لــي اآلن ‪ -‬اإلحســاس يفــوق‬ ‫اللغــة وإن لــم أشــعر‪ ،‬فمــن المســتحيل أن أكتــب‬ ‫ ألكتــب كشــاعرة يجــب أن أخرج مــن دائرة الحدث‬‫فتدخــل الصدمــة الــى عمــق روحــي وتالمــس لغتــي‬ ‫ أبــي ع ّلمنــي أن المــوت مرتبــط بالحيــاة فانهيــاري‬‫ســيكون خيانــة لــه‪ ،‬لــذا رفضــت خيانته‪..‬‬ ‫ كل مــا أردت قولــه فــي كتاباتــي إن الطبيعــة‬‫البشــرية ال تحتمــل صفــة األلوهيــة ‪ -‬حيــن يغيــب‬ ‫الوعــي وينتشــر الجهــل يصبــح القتــل مقياسـا ً حتــى‬ ‫بيــن أهــل البلــد الواحــد‬ ‫“حيــن تخــرج اللغــة مــن دائــرة العقــل والــروح تصبــح‬ ‫ملــكا ً لمــن يتلقفهــا‪ ،‬ويصبــح التأويــل مشــروعا ً ومرتبطـا ً‬ ‫بثقافــة المتلقــي”‪ ،‬هكــذا تترجــم الزميلــة أميــة درغــام‬ ‫رؤيتهــا للكلمــة التــي تبصــر النــور على مســاحة بيضاء‪ .‬‬ ‫تعتبــر درغــام أن األفــكار تســتحق منــا المحاولــة‬ ‫كــي ال تبقــى أســيرة زمنهــا‪ ،‬لذلــك ضمّــت خواطرهــا‬ ‫ومنحتنــا خالصــة تجربتهــا علــى إيقــاع الوتــر‬ ‫فــي ســعي منهــا لتخطــي مرحلــة “الخاطــرة”‬ ‫فــي شــريط مســجّ ل تحــت عنــوان “كيفنــي”‪.‬‬ ‫حملــت بيــن ســطورها كمــا ً مــن الصــور‪ ،‬لكــن تبقــى‬ ‫الحريــة قضيتهــا األساســية بمعاييرهــا الثقافيــة‬ ‫واإلنســانية‪ ،‬واللغــة قيمــة فــي مواجهــة المؤامــرة‪..‬‬ ‫لكونهــا ال ُتســقِط هــذه النظريــة مــن حســاباتها‪ ،‬ومــن‬ ‫قــال إن القصيــدة أو “الخاطــرة” ال ترتبــط بالسياســة؟‬ ‫تشــعبت المحــاور وقــد تعمّدنــا فــي لقائنــا التعمــق‬ ‫والخــروج عــن النــص التقليــدي والمألــوف فكانــت‬ ‫درغــام الشــاعرة المعجونــة بتــراب الــكالم‪ ،‬والزميلــة‬ ‫التــي تــدرك مفاصــل االســتطراد لتثبــت ثورتهــا‪.‬‬

‫”كانــت لي وباتت لكم”‬

‫مــن إشــكالية “كانــت لــي وباتــت لكــم” بــدأ حوارنــا‬ ‫لتقــول‪“ :‬مــا نكتبــه يصبــح لســوانا حيــن يخــرج مــن‬ ‫ذاتنــا لآلخريــن‪ ،‬الصــورة التــي نرســمها يراهــا المتلقــي‬ ‫بعيــن ثانيــة وثالثــة ترتبــط بــه وبمــا يختزنــه مــن ثقافــة‬ ‫اإلحســاس‪ ،‬قــد يكــون إيقــاع المــوج علــى الصخــور‬ ‫بعيــن القــارئ وثقافتــه كإمــرأة تلطــم علــى صدرهــا‪،‬‬ ‫هــو نــوع مــن تفريــغ لحــزن مــا يخــص صاحبــه”‪.‬‬ ‫لكــن لمــاذا التركيــز علــى الحــزن؟ تجيــب‪“ :‬جنحــت‬ ‫الــى الحــزن كمشــهد وليــس كحالــة‪ ،‬عملــي يضـ ّم بعــض‬ ‫الحــزن وأنــا اختــرت تقاســيم عــود غيــر مغرقــة فــي‬

‫الحــزن‪ ،‬ولكــن مــن الممكــن أن نخــرج مــن الحــزن‬ ‫الح َل َ‬ ‫ــق والعطــر‪/‬‬ ‫الــى فــرح مــا‪ ،‬حيــن أقــول “تركــت َ‬ ‫وتركــت مشــطي الخشــب‪ /‬وتركــت الولــد‪ ..‬مــن العفــن‬ ‫والخبــي طلعــت”‪ ،‬فلــو لــم أخــرج مــن حالــة الحــزن‬ ‫لمــا تمكنــت مــن القيــام بــأي عمــل‪ ،‬الحيــاة عبــارة عــن‬ ‫تجــارب وتفاعــل مــع التفاصيــل”‪.‬‬

‫بــات اللعــب باللغة متعتي‬

‫وتقــرّ درغــام أن التجربــة فيهــا شــيء مــن المخاطــرة‪،‬‬ ‫وعــن ذلــك تقــول‪“ :‬تــر ّددت كثيــراً قبــل أن أنفــذ‬ ‫“الســي دي” خاصــة أنــه ضــم خواطــر عمرهــا ‪12‬‬ ‫عامــاً‪ ،‬وتجربتــي فــي الكتابــة اختلفــت جــداً عــن تلــك‬ ‫المرحلــة‪ ،‬بــات اللعــب باللغــة متعــة بالنســبة لــي اآلن‪،‬‬ ‫لكنــي ســعيت لفــك عقــدة قديمــة وبــدل أن أتركهــا تســير‬ ‫معــي وتكبــر أكثــر لتعرقلنــي‪ ،‬فككتهــا ألتابــع طريقــي‬ ‫مــن دون عُقــد”‪.‬‬ ‫وفــي مــا يتصــل بالنقــد الــذي يعتبــر أن خطوتــك األولــى‬ ‫ناقصــة‪ ،‬تقــول‪“ :‬سـ ُ‬ ‫ـمعت الكثيــر‪ ،‬وقيــل لــي إنــي أغــش‬ ‫النــاس‪ ،‬بحجــة أن مــن يتابعنــي اآلن عبــر وســائل‬ ‫التواصــل االلكترونــي وفــي مقــاالت نشــرتها فــي‬ ‫صحــف عربيــة لــن يجــد فــي عملــي هــذا مــا يشــبه نصــي‬ ‫الــذي قــرأه هنــاك‪ .‬لكــن هــذا التفاعــل المباشــر ليــس‬ ‫حلمــي الفعلــي ففيــه شــيء مــن انتهــاك الخصوصيــة‬ ‫وإن لــم تقبلــي بهــذا التواصــل يمنحــوكِ صفــة الجفــاء‬ ‫والتكبّــر‪ ،‬لســت مــن الذيــن يســعون للشــهرة وأقــ ّدس‬ ‫الشــاعر الــذي ال يعــرف قــرّ اءه وال يهتــم يومــا ً إذا‬ ‫أحبــوه أو لــم يحبــوه‪ ،‬هنــاك شــعراء يصنعــون القصيــدة‬ ‫ولكنهــم ليســوا تجــاراً‪ ،‬وهنــاك تجــار كلمــة يبحثــون‬ ‫عــن وســائل دعائيــة للترويــج‪ .‬اإلحســاس يفــوق اللغــة‬

‫وإن لــم أشــعر فمــن المســتحيل أن أكتــب‪ .‬قــد أكتــب‬ ‫فــي اإلطــار المهنــي كصحافيــة‪ ،‬لكــن كشــاعرة يجــب‬ ‫أن أخــرج مــن دائــرة الحــدث وتدخــل الصدمــة الــى‬ ‫عمــق روحــي وتالمــس طبيعــة لغتــي مــن ثــم أعبّــر‬ ‫عــن ذاتــي بالقصيــدة‪ .‬وهــذه ألــف بــاء تعلّمتهــا مــن‬ ‫أســتاذي الشــاعر أنســي الحــاج من��ـذ أول يــوم التقيــت‬ ‫بــه‪ .‬نصحنــي بالفصــل بيــن مهنــة الصحافــة واألدب‪ ،‬لــم‬ ‫أســتوعب تمامـا ً قصــده حينهــا‪ ،‬ولكــن ريثمــا تأكــدت أن‬ ‫نصيحتــه كانــت بمثابــة وضــع الــدواء علــى الجــرح”‪.‬‬

‫قــد نكــون جميعنا إلها ً ما‬

‫وتتابــع فــي إطــار متصــل بمفهــوم الصدمــة‪“ :‬أنــا كنــت‬ ‫أرى والــدي إنســانا ً عاديـا ً ولــم أنظــر إليــه يومـا ً كقديــس‪.‬‬ ‫وهكــذا أردتــه فــي ذاكرتــي وأردت أن أشــبهه بحيــث‬ ‫أخطــئ مثلــه وأجــرّ ب وأتعلّــم مــن أخطائــي‪ ،‬وكذلــك‬ ‫جدتــي التــي كانــت فــي نظــر النــاس قديســة‪ ،‬أمــا فــي‬ ‫نظــري فهــي اإلنســانة العاديــة البســيطة‪ ،‬جميعنــا نكــذب‬ ‫علــى أنفســنا ســعيا ً لنشــبه محيطنــا الــذي يبــرع فــي‬ ‫ادعــاء المثاليــة‪ .‬فــي ذاكرتــي األب الــذي علمنــي أن‬ ‫المــوت مرتبــط بالحيــاة وحيــن اختــاره كنــت فــي وزارة‬ ‫الصحــة أج ّهــز األوراق الخاصــة بالمستشــفى؛ اتصلــوا‬ ‫بــي ليخبرونــي بضــرورة العــودة‪ .‬علمــت أنــه مــات‪،‬‬ ‫لكنــي أكملــت المعامــات ألنــي ابنتــه وهــو ربّانــي علــى‬ ‫الفلســفة االجتماعيــة الروحيــة الماديــة التــي ال تفصــل‬ ‫بيــن جناحيهــا‪ .‬مــن هنــا شــعرت أن انهيــاري ســيكون‬ ‫بمثابــة خيانــة لــه ورفضــت أن أخونــه‪ ..‬كل مــا أردت‬ ‫قولــه فــي قصيدتــي إن الطبيعــة البشــرية ال تحتمــل صفــة‬ ‫بدهــر مــن تأليــه األشــخاص وتأليــه‬ ‫األلوهيــة‪ .‬مررنــا‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫الــذات فجــاء صراعنــا مــع ذاتنــا صعب ـا لتناقضِ ــه مــع‬


‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫‪21‬‬

‫مقابلة‬ ‫أمية درغام لـ”تحوالت”‪:‬‬

‫“أبي ع ّلمني أن املوت مرتبط بالحياة فانهياري سيكون خيانة له‪ ،‬لذا رفضت خيانته‪.”..‬‬ ‫طبيعتنــا‪ .‬قــد نكــون جميعنــا إله ـا ً مــا‪ ،‬بمفهــوم المجتمــع‬ ‫ اإللــه‪ ،‬بصفاتــه وقدراتــه وغاياتــه‪ ..‬ولكننــا كأشــخاص‬‫لســنا بآلهــة وإن ُ‬ ‫ش ـبّهنا بهــا”‪.‬‬

‫أمــي كيان وشــخصية ال بيولوجيا فقط‬

‫وللحــب صورتــه المختلفــة بيــن ســطور درغــام وعنــه‬ ‫تقــول‪“ :‬الحــب يشــمل كل شــيء‪ ،‬اآلن فــي عمــر‬ ‫األربعيــن اكتشــفت كيــف أحــبّ أمــي بنــوع مختلــف‪،‬‬ ‫وليــس فــي اإلطــار الطبيعــي المســلم بــه‪ ،‬منهــا تعلمــت‬ ‫ّ‬ ‫تغــذى خيالــي‪،‬‬ ‫كيــف أحلــم وأفكــر‪ ،‬فلــوال خيالهــا لمــا‬ ‫قــد نختلــف فــي بعــض األفــكار‪ ،‬لكنــي بــت أنظــر اليهــا‬ ‫ككيــان ولذلــك كتبــت فــي اإلهــداء اســمها ولــم أقــل أمــي‪،‬‬ ‫لكنهــا بعقليتهــا التقليديــة ســألتني لِــ َم لــم أكتــب “أمــي”‬ ‫وأجبتهــا أنــي أرى كيانهــا وشــخصيتها بعيــداً عــن‬ ‫كونهــا أمــي البيولوجيــة‪ .‬أعتــرف بأنــي أحــب الحــب‬ ‫بمفهومــه العاطفــي والدنيــا مــن دون هــذا الشــعور ال‬ ‫معنــى لهــا‪ ،‬حيــن أجــد الشــخص الــذي ســيقول عنــه‬ ‫النــاس حبيبــي فهــذا ألنــي أحــب نفســي كمــا يراهــا‪،‬‬ ‫وهــو بالمقابــل يحــب نفســه كمــا أراهــا‪ ،‬الحــب أنانيــة‬ ‫غيــر مؤذيــة‪ ،‬الحبيــب نــراه كمــا نرســمه وأنــا أرى أن‬ ‫الحــب ال ينفصــل عــن العقــل والقلــب ال ينبــض بعيــداً‬ ‫عــن الدمــاغ‪ .‬اإلحســاس شــيء عقلــي‪ ،‬والعاطفــة شــيء‬ ‫عقلــي‪ ،‬قــد تختاريــن مــا هــو ســيئ والســبب أن عقلــك‬ ‫الباطنــي يريــد هــذا الخيــار‪ ،‬ومــن قــال إن األنــا هــي‬ ‫الخيــر‪ ..‬يمكننــا أن نحــب نقيضنــا ونجــد فيــه مــا ينقــص‬ ‫فينــا بعيــداً عــن فرضيــة التكامــل‪ ،‬لكوننــا قادريــن علــى‬ ‫العيــش وحدنــا رغــم كل شــيء‪ .‬فــي النهايــة أنــا أبحــث‬ ‫عــن ذاتــي مــن خــال معرفتــي مــا أريــده فــي الحيــاة‪،‬‬ ‫ومــا فــي داخلــي مــن عاطفــة ســواء كان إلــى جانبــي‬ ‫حبيــب أم لــم يكــن”‪.‬‬

‫عدم تق ُّبل الجرأة إشــكالية‬

‫وتضيــف‪“ :‬أنــا ال ألــوم الرجــل فــي خواطــري‪ ،‬ولعلــي‬ ‫اختــرت الســيئ‪ ،‬لكــن اإلشــكالية تكمــن فــي عــدم‬ ‫تقبــل الكثيريــن جرأتــك فــي التعبيــر عــن مشــاعرك‬ ‫كأنثــى‪ ،‬فحيــن تفعليــن ذلــك يعتبــرك البعــض أنــك‬ ‫امــرأة متاحــة للســرير‪ ،‬ال أدري لمــاذا يحــق للرجــل‬ ‫أن يكتــب عــن مشــاعره ومشــاعر األنثــى كمــا يحلــو‬ ‫لــه‪ ،‬ولكــن مــن المرفــوض أن تكتــب هــي عــن‬ ‫مشــاعرها الجســدية مــن دون أي كلمــة مبتذلــة‪ .‬أنــا‬ ‫ضــد االبتــذال واإلباحيــة ويمكننــي أن أكتــب مــا أشــعر‬ ‫راق‪ .‬لكــن لألســف‪ ،‬كثيــراً مــا فُ ِهمــت خطــأ‪،‬‬ ‫بــه بإطــار‬ ‫ٍ‬ ‫ألنــه مــن غيــر المســموح أن أفعــل ذلــك وإال ســيُقال‬ ‫إنــي خــارج الســرب‪ ،‬ولكــن ال أعلــم أيّ ســرب”‪.‬‬

‫لســنا مواطنين بل مســتهلكون‬

‫وتــرى درغــام ان اللغة باتــت في خطر‪ ،‬فتقول‪“ :‬أرى‬

‫أن اللغــة باتــت فــي خطــر ولــذة االنتظــار ته ّ‬ ‫شــمت‪،‬‬ ‫كشــعوب عربيــة بتنــا نركــض خلــف لقمــة العيــش‬ ‫لذلــك حصدنــا لقــب “أمــة ال تقــرأ”‪ ،‬ألننــا ال نملــك‬ ‫القــدرة علــى شــراء الكتــاب واألولويــات اختلفت‪.‬نحــن‬ ‫لســنا مواطنيــن بــل مســتهلكون ضمــن نظــام عالمــي‬ ‫تســعى الشــركات الكبــرى فيــه لبيــع منتجاتهــا فتلعــب‬ ‫علــى الدمــاغ وتســوّ ق بشــكل متقــن مــا تريــده‪ ،‬مــن‬ ‫هنــا أجــزم أنــي مــع نظريــة المؤامــرة بــل المؤامــرات‪،‬‬ ‫فــي الســابق كنــا نشــير الــى نظريــة المؤامــرة وكان‬ ‫كالمنــا موضــع تقديــر واحتــرام وبالفعــل هــي مؤامــرة‪..‬‬ ‫فلســطين تــم االســتيالء عليهــا جــراء مؤامــرة لمــا تــزل‬ ‫مســتمرة علــى كل شــيء‪ ،‬ولكــن اليــوم هــذا الطــرح‬ ‫مرفــوض حتــى ضمــن الوســط الــذي يصــف نفســه‬ ‫بالمثقــف‪ ،‬وبمجــرد قولــك إن نظريــة المؤامــرة قائمــة‬ ‫تصبــح لغتــك خشــبية بنظــر مــن حولــك‪ .‬برأيــي ال‬ ‫شــيء يلغــي هــذه النظريــة وكل دولــة عظمــى تســعى‬ ‫لتمــ ّدد نفوذهــا‪ ،‬فلنقــرأ مقدمــة ابــن خلــدون‪ ..‬أميــركا‬ ‫حيــن دخلــت إلــى العــراق حمــت وزارة النفــط‪ ،‬وفتحــت‬ ‫المجــال بطريقــة منظمــة لتدميــر اآلثــار العراقيــة التــي‬ ‫هــي أول حضــارة فــي التاريــخ‪ ،‬معبــرة عــن حقــد‬ ‫تاريخــي منــذ زمــن نبوخــذ نصــر وســبي اليهــود مــن‬ ‫بابــل‪ ..‬نحــن اليــوم نفقــد لغتنــا وباتــت اللغــة العالميــة‬ ‫الوحيــدة هــي االنكليزيــة‪ ،‬هــم يدمّــرون القيــم كافــة‬ ‫حتــى ق َيــم شــعبهم‪ .‬حتــى الديــن يأخــذون منــه المقــدس‬ ‫ويقنعونــكِ بأنــك تجاهديــن فــي ســبيل هللا والديــن‪،‬‬ ‫ولألســف حيــن يغيــب الوعــي وينتشــر الجهــل يصبــح‬ ‫القتــل هــو المقيــاس حتــى بيــن أهــل البلــد الواحــد”‪.‬‬ ‫َمــن الــذي يســعى ليســرق الحلــم؟ بعيــن المــدرك لحقيقــة‬ ‫المشــهد تــرى درغــام أن مــا يعيشــه العالــم العربــي‬

‫ال عالقــة لــه بالربيــع فتقــول‪“ :‬جميعنــا نريــد الحريــة‬ ‫ونرفــض الظلــم‪ ،‬لكــن علينــا أن نفكــر َمــن الــذي‬ ‫يســعى لســرقة هــذا الحلــم‪ .‬مــا نشــهده فــي عالمنــا‬ ‫العربــي ال يرتبــط بالربيــع‪ ،‬هــو خريــف مرتســم‬ ‫ومســتمر‪ ،‬الجميــع اعتبــر أن تونــس انتفضــت بعــد‬ ‫حريــق أبــو عزيــزي‪ ،‬ولكــن هــل فكــر أحــد مــا الــذي‬ ‫كان يفعلــه الغــرب قبــل ثالثــة أشــهر مــن خــال‬ ‫اإلعــام المنظــم الــذي بــات يضــيء علــى ثــروة زيــن‬ ‫العابديــن بــن علــي؟ حيــن ننظــر إلــى المشــهد بوعــي‬ ‫نــدرك كيــف كــرّ ت الســبحة بشــكل يخــدم مصالــح‬ ‫الــدول العظمــى ويريــح إســرائيل ويضمــن أمنهــا‪.‬‬ ‫هــذه الدولــة المغتصبــة التــي أخــذت أرض ـا ً مــن أهلهــا‬ ‫تحــت ذريعــة الهولوكوســت وبكذبــة دينيــة كبيــرة”‪.‬‬

‫ماذا بعد؟ “وســادة من تراب” ورواية‬

‫أمــا مــاذا بعــد “كيفنــي”؟ تجيــب أميــة‪“ :‬هنــاك روايــة‬ ‫أكتبهــا ولــم تكتمــل بعــد‪ ،‬ومجموعــة شــعرية عنوانهــا‬ ‫المبدئــي “وســادة مــن تــراب” تتضمّــن الفــرح والحــب‬ ‫الــذي يحتويــه تــراب قريتــي األحمــر الــذي أســعى‬ ‫إليــه أينمــا ذهبــت‪ .‬وربمــا أصــل إلــى مرحلــة تقــف‬ ‫عنــدي التجربــة‪ ،‬ال أدري‪ .‬قــد ُترمــى تجربتــي فــي‬ ‫مزبلــة التاريــخ وفيهــا الكثيــر الكثيــر‪ ..‬ال ه ـ ّم عنــدي‪..‬‬ ‫يســكنني ه ـ ّم واحــد وهــو أن أثــق أن عنــدي تجربــة مــا‬ ‫ولــن أخفيهــا لذاتــي فقــد يتمتــع بهــذه التجربــة أحــد آخــر‬ ‫وربمــا ُتفــرح عشــيقين تحــت الشــمس وربمــا تنزلــق‬ ‫بكلماتهــا وال تتــرك أثــراً‪ ..‬غــداً نكتشــف‪ ..‬ولــم ال؟”‪.‬‬ ‫وتختــم باالشــارة الــى غيــاب النقــد في ظــل المحســوبيات‬ ‫والتــكاذب االجتماعــي‪ ،‬والزمــن وحــده يح ـ ّدد قيمــة أي‬ ‫تجربــة‪.‬‬


‫‪22‬‬

‫تحقيق‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫الشتات الفلسطيني‪« ..‬عين الحلوة» نموذجا ً ‪ 93‬ألف نسمة في‪1‬كلم مربع‬

‫مخيمات تخنقها غصة الشتات وزواريب ضيقة وتقاليد ضابطة تربوي ًا‬ ‫تحقيق ـ سناء حمدان‬

‫يختنــق الهــواء بيــن ممــرات ضاقــت حتــى ابتعلــت‬ ‫خطــوات العابريــن الــى مــا يشــبه الحيــاة‪ ،‬هنــاك عنــد‬ ‫مشــارف االنتظــار الطويــل تطالعــك لوحــة الترحــاب‬ ‫التــي تختصــر كل النكبــات العربيــة “أهــا بــك فــي‬ ‫عاصمــة الشــتات الفلســطيني”‪ ..‬كل التســميات حاضــرة‬ ‫فالتنظيــم يجــاور قرينــه بمــا يشــبه المكاتــب والقاســم‬ ‫المشــترك صــورة “أبــو عمــار”‪ ..‬ربمــا ألنــه أتقــن‬ ‫فــن الجمــع مــن دون أن يطــرح مــن حســاباته فعــل‬ ‫التقســيم إذا مــا فقــد رمزيتــه‪ ،‬ليبقــى الرمــز األبــرز‪.‬‬ ‫كثيــرة هــي القصــص التــي تخفيهــا الجــدران المتآكلــة‬ ‫حيــث تتالصــق الهيــاكل الحجريــة التــي تحمــل صفــة‬ ‫المســكن‪ ،‬رغــم افتقادهــا الســكينة‪ ،‬تســير بمحاذاتهــا‬ ‫وتشــعر أن عيــون األطفــال تحثــك علــى الســؤال‬ ‫وتخبــرك أنهــم مو��ــودون ويســتحقون حيــاة أفضــل‪ ،‬فهــم‬ ‫يملكــون القــدرة علــى الحلــم والغنــاء والتعلــم‪ ،‬ولــو أن‬ ‫الشــهادات ال تجديهــم نفع ـا ً حيــث يكبــرون فــي الشــتات‪.‬‬ ‫بطاقــة اللجــوء هويتهــم والعــودة قضيتهــم‪ .‬هكــذا يختصــر‬ ‫الفلســطينيون فــي المخيمــات اللبنانيــة نكبتهــم‪ ،‬ومخيــم‬ ‫عيــن الحلــوة اكثــر المخيمــات كثافــة س ـ ّكانية بعــد غــزة‪،‬‬ ‫نمــوذج يختصــر معانــاة شــعب بــات موتــه طقس ـا ً يومي ـا ً‬ ‫ولــو فــي إطــار جتماعــي‪.‬‬

‫شر البلية ما ُيضحك‪...‬‬

‫يلــغ حــس النكتــة علــى قاعــدة‬ ‫أقعــده المــرض لكنــه لــم ِ‬ ‫أن شــر البليــة مــا يُضحــك‪ ،‬يجلــس الصحافــي الفلســطيني‬ ‫مــازن العنانــي فــي مربــع لــم تدركــه االلــوان الزاهيــة‬ ‫منــذ زمــن والتكنولوجيــا حاضــرة لتصلــه بالعالــم‬ ‫الخارجــي‪ ،‬وعــن الواقــع يبــدأ حديثــه‪« :‬الفلســطيني‬ ‫يجمــع كل المآســي البشــرية‪ ،‬بــدءاً بالكــوارث البيئيــة‬ ‫وصــوالً الــى قرينتهــا االنســانية‪ ،‬ونحــن كمثــال نختصــر‬ ‫المأســاة الفلســطينية برمتهــا‪ ،‬ال نــدري كيــف نقــوى‬ ‫علــى االســتمرار فــي الحيــاة ونحــن عائلــة مكونــة مــن‬ ‫ســبعة أفــراد‪ ،‬والــدي خــرج مــن يافــا العــام ‪ 1948‬وانــا‬ ‫خرجــت مــن رام هللا فــي ‪ 1967‬وأتيــت الــى لبنــان‪،‬‬ ‫عشــت الحــروب اللبنانيــة كافــة كغيــري مــن فلســطينيي‬ ‫الشــتات‪ ،‬وبعــض اللبنانييــن اختــاروا الهــرب مــن‬ ‫ويــات الحــرب فيمــا نحــن بقينــا‪ .‬ورغــم مــرارة التقاتــل‬ ‫إال أنــي أجــزم أن المرحلــة التــي نمــرّ فيهــا اليــوم هــي‬ ‫األصعــب‪ ،‬خاصــة فــي ظــل وجــود مــا يســمونه الدولــة»‪.‬‬ ‫لكــن بــأي معنــى يمكــن تفســير هــذه النظريــة؟ يجيــب‪:‬‬ ‫«هــذا البلــد كيانــه ال ينســجم مــع فكــرة الدولــة‪ ،‬حيــث أنهــا‬ ‫غيــر قــادرة علــى تقديــم الخدمــات الالزمة للنــاس اقتصاديا ً‬ ‫واجتماعيـاً‪ ،‬فــي الســابق كان منطــق الجماعــات هــو القائــم‬ ‫ولــكل فئــة نصيبهــا فــي سياســة المحاصصــة ونحــن مــن‬ ‫ضمــن هــذه الفئــات ولــو لــم نملــك الهويــة اللبنانيــة»‪.‬‬ ‫أمــا عــن ضــرورة التعليم فيقول‪« :‬أوالدي لــم يتعلموا‬

‫طالمــا ال جــدوى مــن الشــهادات‪ ،‬الفلســطيني ال يحــق‬ ‫لــه ممارســة ‪ 73‬مهنــة إن كان يملــك أوراقــا ً ثبوتيــة‬ ‫فكيــف لــو لــم يملكهــا‪ ،‬أصغــر أوالدي تبلــغ السادســة‬ ‫عشــرة مــن عمرهــا‪ .‬ثــم إذا مــا حصــل أي فلســطيني‬ ‫علــى فرصــة عمــل هنــا فإنــه يكســب الفتــات وتبقــى‬ ‫أبســط حقوقــه القانونيــة معدومــة ويمكــن ألي رب‬ ‫عمــل طــرده ســاعة يشــاء وال مــن حســيب أو رقيــب»‪.‬‬ ‫التهكــم وســيلة ناجعــة فــي ظــل الواقــع المعيشــي المتــردي‬ ‫الــذي يختصــره العنانــي بالقــول‪« :‬الحالــة المعيشــية‬ ‫باتــت صعبــة للغايــة والمدخــول ال يكفــي‪ ،‬أنــا صحافــي‬ ‫وأمــارس هــذه المهنــة بــدون مقابــل مــادي‪ ،‬فحيــن أرســل‬ ‫األخبــار للزمــاء اللبنانييــن ال أجنــي منهــم ســوى كلمــة‬ ‫“شــكراً” وبصراحــة ال أعــرف أيــن ُتصــرف هــذه الكلمــة‪،‬‬ ‫فــي إحــدى المــرات طلبــت علبــة ســجائر وقلــت للبائــع‬ ‫“شــكراً” وخرجــت فأســرع خطــاه مســتنكراً وســائالً‬ ‫عــن ثمنهــا‪ ،‬فأجبتــه هــذا مــا تدفعــه لــي المؤسســات‬ ‫الصحافيــة اللبنانيــة فلــ َم ال تطالبهــم بــدالً منــي؟!”‪.‬‬ ‫وفــي مــا يتصــل بالشــأن الطبــي يقــول‪“ :‬التقديمــات الطبيــة‬ ‫معدومــة‪ ،‬ومنــذ أجريــت عمليــة القلــب لــم أعــد أتنــاول‬ ‫الــدواء الــذي يكلفنــي كل شــهر مــا يقــارب االربعمئــة‬ ‫الــف ليــرة‪ ،‬وكــي أحصــل عليــه يجــب أن أســتجدي فالنــا‬ ‫وعالنــا لذلــك فضلــت االســتغناء عنــه رغــم اصابتــي ايضا ً‬ ‫بمرضــي الســكري والديســك‪ ،‬وفــي النهايــة األعمــار بيــد‬ ‫َ‬ ‫هللا”‪.‬‬

‫‪ ..‬ولألطفال حقوق‬ ‫نغــوص الــى عمــق المــكان لتتبــدى صــورة مســتجدة‬ ‫علــى المخيــم‪ ،‬إنهــم النازحــون قســراً مــن ســوريا‪ ،‬أطفــال‬ ‫نســيهم الفــرح يفترشــون ارضـا ً لــم تغطهــا حتــى حصيــرة‬ ‫قــش فــي بهــو كبيــر غرفــه جدرانهــا مــن قمــاش مــع‬ ‫غيــاب اي وســيلة مــن وســائل التدفئــة ويحاولــون التأقلــم‬ ‫مــع واقعهــم‪ .‬فــي احــدى لعــرض مســرحي شــعري يقدمــه‬ ‫األطفــال فــي المخيــم بمناســبة عيــد األم ويقــرأ لنــا بعــض‬ ‫االبيــات‪« :‬أرفــض أنــا أحيــا بمذلــة‪ /‬أرفــض أن تقتلنــي‬ ‫القِلــة‪ /‬أنــا طفـ ٌل أيــن حقــي؟‪ /‬ال قــوة عنــدي وال حــول‪ /‬أنــا‬ ‫آت مــن أرض النــار‪ /‬مــن تحــت ركام ودمــار‪ /‬ال أحمــل‬ ‫إال انكســاري‪ /‬وآالم يعلمهــا المولــى‪ /..‬أنــا طفـ ٌل مــن حقــي‬ ‫أعبّــر‪ /‬أن أرســم أن أحمــل دفتــر‪ /..‬مــن حقــي الملعــب‬ ‫والمســرح‪ /‬أنــا طفــل فلســطين اســأل لمــاذا فــي كل حــرب‬ ‫أُقتــل؟»‪.‬‬


‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫‪23‬‬

‫حوار‬ ‫تحمل مأساة في قلبها وتدافع عن البهجة والحياة‬

‫أحالم مستغانمي‪ :‬بطل “األسود يليق بك” رجل ستحبه النساء جميع ًا‬ ‫حاورتها أسماء وهبة‬ ‫وضعتنــي الصدفــة أمــام تنويــه فــي الـــ ‪face book‬‬ ‫عــن صــدور روايــة جديــدة للروائيــة الجزائريــة أحــام‬ ‫مســتغانمي بعنــوان «األســود يليــق بــك»‪ ،‬والتــي تأتــي‬ ‫بعــد غيــاب صاحبــة «ذاكــرة الجســد» عــن فضــاء‬ ‫الروايــة‪ ،‬التــي تكتبهــا بأســلوب خــاص ممهــور بالحــب‬ ‫والســرد اإلنســاني‪ ،‬حتــى يــكاد القــارئ أن يشــعر بأنــه‬ ‫أحــد أبطــال رواياتهــا‪ ،‬فيتحــرك بيــن جنبــات الكتــاب‪،‬‬ ‫محتـاً بعــض المســاحات علــى األســطر وبيــن الحــروف‪.‬‬ ‫حملــت شــغف ورغبــة فــي قــراءة وليــد مســتغانمي‬ ‫الجديــد «األســود يليــق بــك»‪ ،‬الصــادر عــن دار‬ ‫نوفــل‪ ،‬مــع تســاؤالت حــول مــا تبــوح بــه أحــام‬ ‫فــي هــذا العمــل‪ ،‬وكيــف سترســم أبطــال روايتهــا؟‬ ‫وصلــت مــع أســئلتي وشــغفي ومــن علــى بعــد أمتــار قليلة‬ ‫مــن مــكان التوقيــع تجمهــر عدد كبيــر مــن زوار المعرض‬ ‫داخــل جنــاح دار النشــر التــي ضاقــت بهــم‪ .‬يحمــل الجميــع‬ ‫كتــاب أحــام الجديــد‪ .‬التفــوا حولهــا للحصــول علــى‬ ‫نســخة موقعــة منهــا‪ .‬وهــو مــا شــكل عائقــا أمــام وســائل‬ ‫اإلعــام لتغطيــة الحــدث‪ ،‬فمــا كان مــن دار النشــر إال أن‬ ‫نقلــت أحــام وقراءهــا إلــى قاعــة المحاضــرات الخاصــة‬ ‫بمعــرض بيــروت للكتــاب لتســتوعب الجميــع‪ .‬وهنــاك‬ ‫حصلــت علــى نســختي الموقعــة مــن أحــام مســتغانمي‪،‬‬ ‫ثــم كانــت هــذه دردشــة خاصــة مــع مســتغانمي‪..‬‬ ‫لمــن تهــدي أحــام مســتغانمي روايتهــا الجديــدة «األســود‬ ‫يليــق بك»؟‬ ‫أهــدي هــذه الروايــة لإلنســان العربــي عمومــا وللمــرأة‬ ‫خصوصــا‪ .‬وهــي روايــة تدافــع عــن البهجــة والحــق فــي‬ ‫الحيــاة‪ .‬وهــي جــردة بــكل األوجــاع العربيــة منــذ منتصــف‬ ‫خمســينيات القــرن العشــرين حتــى وقتنــا الحاضــر‪ .‬ومــن‬ ‫خــال أبطــال الروايــة عبــرت عــن األوجــاع العربيــة بــدءاً‬ ‫مــن الجزائــر والعــراق الــذي لــم يشــف بعـ ُد وصــوال إلــى‬ ‫فلســطين‪ .‬وهــو مــا يتضــح مــن عنــوان الروايــة «األســود‬ ‫يليــق بــك»‪ .‬وبالمناســبة العنــوان ليــس تمجيــدا لألســود بــل‬ ‫احتفــاء بالمــرأة والحيــاة‪ ،‬خصوصــا أننــي أنهــي أعمالــي‬ ‫دائمــا بشــيء مــن الفــرح‪ ،‬ألننــا تعبنــا مــن الترويج للمآســي‬ ‫والحــزن‪ .‬لــذا اختــرت أن يكــون شــعار الكتــاب «حــاذري‬ ‫أن تغــادري حلبــة الرقــص»‪ .‬وهــذه دعــوة لــكل النســاء أن‬ ‫يحتفيــن بالحيــاة والســعادة ألننــا تعبنــا مــن المآســي‪.‬‬ ‫هل هذا يعني أنك سعيدة؟‬ ‫أحمــل المآســاة فــي قلبــي‪ .‬لــذا قلــت فــي الروايــة إن الحــداد‬ ‫ليــس فــي مــا نرتديــه بــل مــا نــراه مــن حولنــا‪ .‬وعلــى‬ ‫الرغــم مــن األلــوان المبهجــة التــي أرتديهــا عــادة‪ ،‬إال‬ ‫أننــي فــي حــداد علــى األوضــاع فــي العالــم العربــي مــن‬ ‫دون اســتثناء‪ .‬وأشــعر أن هنــاك شــيئا ً خطيــراً يحــدث‪،‬‬ ‫حتــى أننــي اعتــذرت عــن تســلم أي جائــزة ألننــا لســنا‬ ‫فــي وقــت الجوائــز أو االحتفــال بــأي شــيء‪ .‬وهنــا‬ ‫يجدرالقــول أن توقيــع روايــة «األســود يليــق بــك» ليــس‬ ‫احتفــاالً بالكتــاب بــل بقرائــي‪.‬‬ ‫بنظــرة ســريعة علــى الكتــاب‪ ،‬لمــذا زادت فيــه جرعــة‬ ‫الرومانســية مقارنــة برواياتــك الســابقة؟‬ ‫هــذا صحيــح‪ .‬توجــد جرعــة عاليــة مــن الرومانســية فــي‬ ‫روايــة «األســود يليــق بــك»‪ ،‬ألننــي كتبــت الكتــاب الــذي‬ ‫تمنيــت أن أكتبــه‪ .‬وهــي القصــة التــي أتمنــى أن أعيشــها‪.‬‬

‫وهــي القصــة أيضــا التــي يتمنــى أن يعيشــها قرائــي‪،‬‬ ‫حتــى أن كثيــرات منهــن قلــن‪« :‬لقــد شــعرنا أننــا البطلــة»‪.‬‬ ‫وقالــت أخريــات‪« :‬لقــد أحببنــا هــذا الرجــل» فــي إشــارة‬ ‫إلــى بطــل الروايــة‪ .‬لــذا قلــت لهــن أن البطــل هــو رجــل‬ ‫ســتقع فــي حبــه جميــع النســاء‪ ،‬ألننــا نحــب الرجــل الــذي‬ ‫يعذبنــا!‬

‫وقعــت قبــل عاميــن كتــاب «نســيان دون كــوم» الــذي‬ ‫يضـ ّم مجموعــة مــن قصــص نســاء مــررن بقصــص حــب‬ ‫لــم يكتــب لهــا نجــاح والممهــورة بنصائحــك فــي كيفيــة‬ ‫نســيان الحــب‪ .‬ولقــد قلــت لــي عنــد توقيــع «نســيان»‬ ‫أن ســتتبعه ثالثــة أجــزاء أخــرى‪ .‬أيــن هــي؟ لقــد شــحنت‬ ‫بالحــب بعــد توقيــع روايــة «األســود يليــق بــك»‪ .‬لــذا‬ ‫ســأعود للكتابــة حينمــا اســتطيع‪ .‬وأنــت تدريــن أننــي ســيدة‬ ‫العتمــة‪ .‬علــى كل حــال لقــد أنجــزت الجــزء الثانــي مــن‬ ‫هــذه السلســلة‪ .‬وهــو بعنــوان «الفــراق»‪ ،‬لكنــي أردت‬ ‫إنجــاز الروايــة قبــل اســتكمال هــذه السلســلة ألن هــذا‬ ‫ملعبــي األساســي‪ ،‬علــى الرغــم مــن تشــكيك البعــض‬ ‫المعتــاد فــي موهبتــي عنــد إصــدار أي عمــل جديــد!‬ ‫ما سر نجاح «نسيان دوت كوم»؟‬ ‫ألنــه الكتــاب الــذي يــكاد القــارئ أن ينســبه لنفســه‪ .‬لقــد‬ ‫شــعرت مــن خــال ردود فعــل القارئــات أنــه يوشوشــها‬ ‫علــى انفــراد‪ ،‬وكأن هنــاك امــرأة أخــرى تنصحهــا‬ ‫وتعايرهــا أحيانــا أو تحرضهــا أو ترفــع معنوياتهــا‪.‬‬ ‫يوجــد فــي «نســيان دوت كــوم» الكثيــر مــن الحميميــة‪،‬‬ ‫ألنــه مكتــوب بحميميــة بعــد أن ولــد مــن نصائــح قدمتهــا‬ ‫لصديقاتــي اللواتــي حاولــت انتشــالهن مــن قصــص عاطفية‬ ‫بائســة‪ ،‬فقــررت تحويلهــا إلــى كتــاب‪ ،‬ثــم تطور المشــروع‬ ‫إلــى أربعــة كتــب‪ ،‬بدأتهــا بـــ «نســيان دوت كــوم»‪ ،‬وهــو‬ ‫الفصــل األول فــي الحــب‪ ،‬ثــم «الفــراق»‪ ،‬فكتــاب عــن‬ ‫الوقــوع فــي حــب جديــد الــذي يعــد أجمــل حــدث‪ ،‬وأخيــراً‬ ‫جنــون الحــب والغيــرة وأســئلة الوفــاء والخيانــة والتملــك‪.‬‬ ‫لمــاذا وضعــت علــى الكتــاب شــعار «يحظــر بيعــه‬ ‫للرجــال»؟ هــل ذلــك أحــد طرائــق تســويق الكتــاب؟‬ ‫قــال الكثيــرون ذلــك‪ ،‬لكــن فــي الواقــع تمنيــت بالفعــل أن‬ ‫ال تصــل دردشــتي مــع النســاء فــي «نســيان دوت كــوم»‬ ‫إلــى مســامع الرجــال‪ .‬لذلــك كتبــت علــى الكتــاب «يمنــع‬ ‫بيعــه للرجــال»‪ .‬ولــو كنــت واثقــة مــن ذلــك لقلــت أشــياء‬ ‫أكثــر‪ .‬لكــن لثقتــي أن الرجــال ســيقرأونه فخففــت مــن حــدة‬ ‫النصائــح‪.‬‬ ‫مــاذا تقوليــن لقرائــك عنــد االلتقــاء بهــم فــي معــارض‬ ‫الكتــب أثنــاء توقيــع أحــد أعمالــك؟‬ ‫عادة‪ ،‬ال أحبذ توقيع كتبي في معارض الكتب‪ ،‬ألني‬

‫أشــعر بابتــزاز عاطفــي للقــارئ‪ ،‬واســتدراجه لشــراء‬ ‫الكتــاب‪ .‬لكنــي أحضــر إلــى معــارض الكتــب لاللتقــاء‬ ‫بقرائــي‪ .‬وهــذا يســعدني جــداً‪ ،‬ألنهــا فرصتــي الوحيــدة‬ ‫لاللتقــاء بهــم‪ ،‬التــي تثيرنــي إنســانيا ً وفني ـاً‪ ،‬حيــث أعــرف‬ ‫مالحظاتهــم عــن أعمالــي‪ ،‬ومــدى محبتهــم لــي‪ ،‬ثــم أقيــس‬ ‫هــذه المحبــة بعــد كل كتــاب‪ ،‬ألعــرف هــل مازالــوا فــي‬ ‫انتظــاري أم ال‪ .‬وهــو مــا يحمســني ويدفعنــي للكتابــة ألننــي‬ ‫أعــرف أنهــم مازالــوا فــي انتظــاري‪.‬‬ ‫كيف هي عالقتك بقرائك؟‬ ‫عالقــة مميــزة ألنهــا عاطفيــة بالدرجــة األولــى‪ .‬وال أدري‬ ‫كيــف أتــورط فــي حيــاة قرائــي‪ .‬وكيــف يتورطــون فــي‬ ‫حياتــي‪ .‬قــال كاتــب فرنســي‪“ :‬الكاتــب الــذي نحــب هــو‬ ‫الــذي تشــعر أن بإمكانــك أن تتصــل بــه فــي منتصــف الليــل‬ ‫لتســتنجد بــه أو تطلــب منــه نصيحــة”‪ .‬لــذا عائلتــي هــم‬ ‫قرائــي‪ ،‬ألن قرابــة الحبــر أقــوى مــن قرابــة الــدم‪ .‬وأعــرف‬ ‫أن قرائــي ســيدافعون عنــي أكثــر مــن أهلــي وأبنائــي‪،‬‬ ‫ألنهــم قرأونــي ويعرفــون حقيقتــي وأحبــوا وجهــي اآلخــر‬ ‫بعــد أن قرأونــي‪ .‬عالقتــي بهــم جميلــة وملتبســة‪ ،‬حتــى أن‬ ‫أقــرب صديقاتــي لهــن عالقــة بكتبــي‪ ،‬فأصبــح لــي قبيلــة‬ ‫وعشــيرة مــن النســاء اللواتــي يتطوّ عــن لمســاعدتي‪..‬‬ ‫وكلهــن بالمناســبة يقــرأن كتبــي‪ .‬ويعرفــن نقــاط ضعفــي‪.‬‬ ‫وهــذا تواطــؤ جميــل قلمــا يتوفــر لكاتــب‪.‬‬ ‫ما هو الكتاب األقرب إليك؟‬ ‫ســأقول إجابتيــن‪ .‬تحتمــل إحداهمــا الصــواب أو الخطــأ‪.‬‬ ‫ســأجيب بأمومــة‪ :‬أحــب كتبــي إلــى آخرهــم “األســود يليــق‬ ‫بــك”‪ .‬وســأجيب ككاتبــة‪“ :‬الكتــاب الــذي لــم أكتبــه بعــد”‪،‬‬ ‫ألنــي مســكونة دائم ـا ً بهاجــس الكتــاب المقبــل‪.‬‬ ‫كيف تكتبين اإلهداءات عند توقيع كتبك؟‬ ‫اإلهــداءات أمــر مربــك للغايــة‪ .‬ومــن الســهل علــيّ أن‬ ‫أكتــب كتابــا ً علــى أن أقــدم إهــداء ألحــد قرائــي‪ ،‬ألننــي‬ ‫أحــب أن أضــع شــيئا ً منــي فــي اإلهــداء‪ .‬لــذا ال أكثــر مــن‬ ‫الكلمــات‪ ،‬حتــى أطلــب أحيانــا مــن القــراء اختيــار الجملــة‬ ‫التــي يريدونهــا حتــى أكتبهــا لهــم‪ .‬وأحيانــا أكتــب جمــا‬ ‫طويلــة‪ ،‬ألننــي بحكــم المحبــة الكبيــر التــي أحملهــا فــي‬ ‫قلبــي إلــى قرائــي أكــون ســخية فــي اإلهــداءات‪ .‬وأتذكــر‬ ‫هنــا موقفــا مؤثــرا تعرضــت لــه عنــد توقيــع أحــد كتبــي‬ ‫فــي قطــر‪ ،‬حيــث طلــب منــي قــارئ أن أكتــب إهــداء علــى‬ ‫روايــة “فوضــى الحــواس” إلــى والــده الــذي توفــي وهــو‬ ‫يقــرأ هــذا العمــل‪ ،‬فوجــدت نفســي أق ّبــل الكتــاب بــدالً مــن‬ ‫كتابــة اإلهــداء‪ .‬ومــن التوقيعــات الطريفــة‪ ،‬جاءنــي رجــل‬ ‫مصطحبــا ابنتــه الصغيــرة البالغــة مــن العمــر خســمة‬ ‫أعــوام‪ ،‬فطلــب أن أوجــه إليهــا إهــداء الكتــاب حتــى يكــون‬ ‫مــن ضمــن جهازهــا عندمــا تكبــر وتتــزوج‪ ،‬ثــم اســتطرد‬ ‫قائــا‪“ :‬عندمــا تكبــر ســأقول لهــا لقــد أهدتــك هــذه الكاتبــة‬ ‫روايتهــا”‪ ،‬فقبلــت الكتــاب أيضــاً‪ .‬وفــي النهايــة قــررت‬ ‫اختيــار إهــداء عــام لجميــع قرائــي يعتمــد علــى مفــردات‬ ‫مثــل “إلــى الغالــي” أو “إلــى العزيــزة”‪.‬‬ ‫مــا هــو الشــعور الــذي تعــود بــه أحــام مســتغانمي إلــى‬ ‫منزلهــا بعــد توقيــع أحــد كتابهــا؟‬ ‫أحتــاج هــذه الفرحــة مــرة كل عــام‪ ،‬حيــث أزداد ثــراء‬ ‫بعــد لقــاء قرائــي‪ ،‬الذيــن يمنحونــي وقــودا وزادا كبيــرا مــن‬ ‫المحبــة لمواجهــة نــص وكتــاب جديــد‪.‬‬


‫‪24‬‬

‫مشهد‬

‫اﻟﻌﺪد ‪ 79‬ﲤﻮز ‪2013‬‬

‫معرض فاطمة عثمان‪:‬‬ ‫ً‬ ‫وشكال‬ ‫تجسيد الفتلة املولوية لون ًا‬ ‫اســتضاف غاليــري زمــان ‪ -‬الحمــرا معــرض فاطمــة‬

‫عــن ســبب اختيارهــا المولويــة موضوع ـاً‪ ،‬قالــت عثمــان‬

‫عثمــان األول‪ ،‬وفيــه تجســيم الريشــة واللــون للمولويــة‬

‫ان المولويــة تعنــي لــي الحــب والحنيــن للماضــي والتراث‪،‬‬

‫كطريقــة تمــزج التعبيــر الحركــي ‪ -‬الجســماني بالعقائــدي‬

‫فــي عصــر وصلنــا إليــه لــم يبــق لنــا فيــه مــن جمــال وحــب‬

‫فــي حوالــى ثالثيــن لوحــة تراوحــت بيــن االنطباعــي‬

‫تحــت وطــأة التطــورات الخارجــة عــن إرادتنــا يتفــرغ مــن‬

‫والرمــزي‪ -‬مــع بعــض تجريــد‪ ،‬تســتحضر الحركــة‬

‫العقائدية االنســانية‪.‬‬

‫المولويــة كأنهــا أمــام عينــي المشــاهد‪ ،‬يــكاد يفتــل مــع‬

‫وقالــت إنهــا حضــرت المولويــة فــي أماكــن عــدة فــي‬ ‫لبنــان وســوريا وتركيــا‪ ،‬وهــو طابــع شــرق أوســطي‪،‬‬ ‫مؤسســها جــال لديــن الرومــي يقــول‪ :‬أنــا لســت يهودي ـا ً‬ ‫فتلتهــا‪ ،‬أو يهيــم علــى إيقاعــات حركتهــا االبتهاليــة نحــو‬ ‫الفضــاء المطلــق‪.‬‬ ‫وال نصراني ـا ً وال مســلما ً أنــا إنســان يحــب هللا‪ .‬أضافــت‪:‬‬ ‫“هــم يبتهلــون علــى طريقتهــم بالموســيقى‪ ،‬وبالــدوران‬

‫فمــن ال يتمتــع بالموســيقى؟ مــن منــا ال يــدور؟ ومــن منــا ال‬ ‫تــدور الحيــاة بــه؟ والحيــاة دورة بيــن الكفــن والكفــن‪ ،‬كفــن‬ ‫الــوالدة وكفــن الموت‪.‬‬ ‫والفتلــة دورة أشــبه بــدورة الحيــاة وكل مــا فيهــا دورة تلــو‬ ‫دورة”‪.‬‬


العدد :79