Issuu on Google+

‫أمريكا من الداخل‬ ‫بمنظار سيد قطب‬ ‫المؤلف‪ :‬الدكتور‬ ‫صلح عبد الفتاح الخالدي‬ ‫دار المنارة‬ ‫بسم االله الرحمن الرحيم‬ ‫المقدمة‬ ‫الحمد الله نحمده ونستعينه ونستهديه‪ ،‬ونعوذ باالله من شرور أنفسن ا ‪ ،‬ومن سيئات أعمالنا ‪ ،‬و من‬ ‫يهده االله فل مضل‬ ‫له‪ ،‬ومن يضلل فل هادي له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل االله‪ ،‬وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‪ ،‬صلوات االله‬ ‫وسلمه عليه‬ ‫ً‬ ‫وآله أما بعد‪:‬‬ ‫فإن لمريكا صولة وجولة في مختلف بقاع العالم ـ ومنه عالمنا العربي والسلمي ـ في هذا الوقت ‪ ،‬مما‬ ‫يصح‬ ‫أن تسمى هذه الفترة من التأريخ بفترة «الهيمنة المريكية » على البشرية‪ .. ...‬وإن أمريكا قد ورثت‬ ‫عن الدولة‬ ‫الغربية الستعمارية استعمارها وسلطانها على البلدان التي كانت خاضعة لسيطرة تلك الدول ـ إل ما‬ ‫خضع‬ ‫للستعمار الروسي فيها ـ بل إن الدول الغربية الستع مارية ذات التاريخ الستعماري ـ إسبانيا والبرتغال‬ ‫وإيطاليا‬ ‫وهولنده وبلجيكا وفرنسا وبريطانيا ـ أصبحت خاضعة لمريكا‪ ،‬ودائرة في فلكها متمتعة بحمايتها‪ ..‬إن‬ ‫إمريكا بدأت‬ ‫تظهر بوجهها الستعماري الكالح في اعقاب الحرب العالمية الثانية‪ ،‬تلك الحرب التي حطمت الدول‬ ‫الوروبية‬ ‫المستعمرة‪ ،‬وجعلت شمسها تغرب عن مستعمراتها‪ ،‬فاستلمت أمريكا الراية ا لستعمارية الجاهلية‬ ‫الدنسة ‪ ،‬وأم عنت‬ ‫في استعمارها وهيمنتها وسلطانها على البلدان الخاضعة لها‪،‬على الطريقة المريكية البدائية‪ ،‬بصلفها‬ ‫وعنج هيتها‬ ‫وغرورها وغطرستها‪...‬‬ ‫أما روسيا التي تقابل أمريكا في استعمارها وجاهليتها وصلفها وقوتها وهيمنتها فإنها ليست اقل منها في‬ ‫الروح‬ ‫الستعمارية‪ ،‬ولكنها أقل منها في الحركة والخطط والمؤامرات والدسائس وإخضاع القطار الخرى‪..‬‬ ‫فهي متصفة‬ ‫بصفات الدب الروسي البطيء العاجز ‪...‬‬ ‫وخضع عالمنا العربي والسلمي بعد الحرب ال عالمية الثانية للنفوذ المريكي‪ ،‬واكتوت شعوبه بالصلف‬ ‫المريكي‪ ،‬وذاقت النتهازية المريكية‪ ،‬وطبقت أمريكا على هذا العالم ما تريد من مناهج ونظم‪ ،‬ومبادئ‬ ‫وقيم‪،‬‬ ‫وثقافات وفنون‪ ،‬واخلق وسلوك‪ ،‬ومؤامرات ودسائس ‪ ،‬وحروب واحداث‪...‬‬ ‫وتعرف كثيرون من أفراد هذا العالم ـ العربي والسلمي ـ على النموذج المريكي‪ ،‬ووقفوا على‬ ‫سمات «امريكا » وأبصر «المبصرون » من هؤلء أمريكا على حقيقتها ‪ ،‬وعرفوا حقيقة مبادئها‬ ‫وحضارتها ونظامها‬ ‫ومناهجها وعلومها ومعارفها‪ ،‬ومن ثم عرفوا كيف يقيمونها وكيف يزنونها‪ ،‬وكيف ينظرون إليها‪ ...‬وأخيرا‬ ‫عرفوا‬ ‫ً‬ ‫رصيدها من المبادئ والقيم‪ ،‬والخلق والمثل‪،‬وعرفوا حقيقة رسالتها‪،‬وخلفية أهدافها ورايتها‬


‫ودعايتها‪،‬وعرفوا‬ ‫الكثير من دسائسها ومؤامراتها وأحابيلها‪ ،‬ومكرها وكيدها وانتهازيتها‪ ...‬ولذلك راحوا يبصرون المة‬ ‫السلمية بما‬ ‫َُ ّ‬ ‫يجري‪ ،‬ويعرفونها على حقيقة أمريكا ودورها في المنطقة‪ ،‬ويحذرونها من الخطر المريكي الماحق‬ ‫المدمر‪ّ ،‬‬ ‫‪١‬‬ ‫ويبينون لها عواقب الستسلم والخضوع لمري كا‪ ،‬والثمار التي ستجنيها من ذلك‪ .‬راحوا يبينون للمة‬ ‫أمريكا‬ ‫وحضارتها ونظامها وقوتها‪ ،‬ويعرضونها على حقيقتها‪ ،‬وعلى ضآلتها‪ ،‬وعلى قزامتها‪ ،‬وعلى انتفاشها‪،‬‬ ‫وعلى‬ ‫غرورها ‪ ،‬وعلى زخرفتها‪...‬‬ ‫وفي الحقيقة نقول‪ :‬إن عداء أمريكا للسلم والمسلمين كبير ‪ ،‬وإن أمريكا قد ورثت من الشعوب‬ ‫والدول الخرى‬ ‫حقدها على السلم والمسلمين‪،‬وعداءها وصليبيتها ومكرها وكيدها ـ وهذا كله كبير ـ ثم أضافت إلى ذلك‬ ‫الرث‬ ‫البغيض ما اتصفت به الشخصية المريكية من بدائي ة وعناد وغرور وصلف‪ ،‬وادعاء وانتفاش‪ ،‬فجاء‬ ‫عداؤها لهذه‬ ‫المة ومكرها وكيدها لها كبيرا (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) [إبراهيم‪.] ٦٤ :‬‬ ‫ً‬ ‫ولما كنا قد أبصرنا كثيرا من هذه المور بعينين إسلميتين ‪ ،‬ووقفنا على حقيقة الدور المريكي‪ ،‬وعرفنا‬ ‫قيمة‬ ‫ً‬ ‫أمريكا ووزنها بالميزان السلمي ـ والله الحمد ـ فقد ازددنا قناعة وثقة ويقينا بالسلم ‪ ،‬وازددنا استعلء‬ ‫ـ‬ ‫ً‬ ‫باليمان ـ على المظاهر المريكية الخادعة ـ والله الحمد على توفيقه وفضله وتثبيته ‪ ،‬ونسأل االله‬ ‫المزيد من ذلك‬ ‫والثبات عليه ـ ‪.‬‬ ‫ولما كنا نطلع على آثار سيد قطب المختلفة‪ ،‬من مقالت ودراسات وقصائد وكتب ‪ ،‬ـ أثناء إعدادنا‬ ‫رسالتي‬ ‫الماجستير والدكتوراه ـ فقد وقفنا على مقالت لسيد قطب بديعة‪ ،‬عن أمريكا وحقيقتها وقيمها ورسالتها‬ ‫وخطرها‪،‬‬ ‫كما وقفنا على إشارات عن أمريكا ورسالتها وخطرها في مقالت ورسائل له‪ ،‬وفي مؤلفات أصدرها ـ‬ ‫ومنها‬ ‫الظلل ـ ‪ ..‬وقد أعجبنا بما في تلك المقالت والشارات من تحليلت دقيقة‪ ،‬ونظرات نافذة‪ ،‬ومعلومات‬ ‫صحيحة ‪،‬‬ ‫وكلم سليم ‪ ،‬وتقييم مطرد دائم ‪ ...‬وقد حصل سيد قطب على ذلك كله عندما أوفد إلى أمريكا في‬ ‫نهاية الربعينيات‪،‬‬ ‫ُ َِ‬ ‫وبقي فيها سنتين كاملتين ‪.‬‬ ‫وقد كان سيد قطب يعد دراسة عن أمريكا‪ ،‬وضع فيها خلصة ملحظاته وتحليلته هناك‪ ،‬وهي «أمريكا‬ ‫التي‬ ‫رأيت » وقد ضاع هذا الكتاب العجيب العميق في جملة ما ضاع من تراثه الفكري‪ ،‬وحرمنا وحرمت‬ ‫الجموع‬ ‫المؤمنة الواعية المجاهدة من هذا الخير العظيم ‪ ...‬ول حول ول قوة إل باالله‪...‬‬ ‫وبما أن مقالت سيد قطب المذكورة في ثنايا مجلت قديمة موضوعة على رفو ف المكتبات المركزية‬


‫في بعض‬ ‫الجامعات‪ ،‬وبما أن كثير ا من المؤمنين ل يتمكنون من الوقوف على كلمه كله في تلك المجلت‪ ،‬سواء‬ ‫المقالت‬ ‫ً‬ ‫منه أو الشارات ‪ ،‬وبما أننا أعجبنا بكلمه عن أمريكا‪ ،‬وأدركنا صدقه وصحته بحيث ينطبق على أمري كا‬ ‫في هذه‬ ‫اليام ـ في أواسط الثمانينات ـ وهو الذي كتب عنها في نهاية الربعينيات‪ ...‬لذلك كله أحببنا أن نقدم‬ ‫للناس هذا‬ ‫الكتاب‪ ،‬وأن نضع بين أيديهم هذه الحقائق‪ ،‬وأن نخرج هذا الكنز من كنوز سيد قطب من بين أطواء‬ ‫المجلت ليرى‬ ‫النور‪ ،‬لعله يقدم مزيدا من الحقائق عن أمريكا‪ ،‬ويساهم في تحذير هذه المة من الخطر المريكي‪ ،‬وفي‬ ‫إعادتها الى‬ ‫ً‬ ‫مصدر قوتها وعزها وسعادتها ‪...‬‬ ‫وقد قسمنا هذا الكتاب إلى قسمين‪:‬‬ ‫القسم الول‪ :‬دراسة وضعناها بين يدي كلم سيد قطب الذي جمعناه‪ ،‬وهدفنا من الدراسة أن نزو د‬ ‫القارئ‬ ‫ّ‬ ‫بمعلومات تأريخية عن سيد قطب وأمريكا ‪ ،‬وأن نعطي القارئ خلصة تقييم سيد قطب‬ ‫لمريكا ‪.‬‬ ‫وجاءت الدراسة في ثلثة فصول ‪:‬‬ ‫‪٢‬‬ ‫الفصل الول ‪ :‬سيد قطب في أمريكا ‪:‬‬ ‫أشرنا فيه إلى نشاطه في مصر قبل إيفاده إلى أمريكا‪ ،‬وبي نا ان إيفاده الى أمريكا كان بقصد التخلص‬ ‫منه ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وعرفنا على حقيقة مهمته في أمريكا‪ ،‬ورافقناه في رحلته إليها ‪ ،‬وما جرى له في الرحلة من أمور‪،‬‬ ‫بصرته بنفسه‬ ‫ّ‬ ‫ورسالته ودوره ودينه‪ ،‬وكان هذا توفيقا من االله سبحانه‪ ،‬وتحقيقا لرادته عز وجل‪ ،‬ثم أشرنا إلى تنقله‬ ‫بين وليات‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أمريكا‪ ،‬وإلى صور من نشاطه هناك ‪ ...‬وأخيرا عودته إلى مصر بعد سنتين كاملتين ‪ ..‬ثم اصطدامه‬ ‫بأعوان أمريكا‬ ‫ً‬ ‫في مصر‪ ،‬واستقالته من وزارة المعارف ومهاجمته لهم ولمريكا معهم‪...‬‬ ‫الفصل الثاني ‪ :‬تقييم سيد قطب لمريكا ‪:‬‬ ‫بينا فيه الساس السليم والصحيح والمنضبط في التقييم ‪ ،‬وهو الذي استخدمه سيد قطب في تقييمها‪،‬‬ ‫فجاءت‬ ‫أحكامه صائبة‪ ،‬ونتائجه صحيحة ‪ ...‬بينا من خلل كلم سيد قطب عن أمريكا ـ في الماكن المتفرقة ـ‬ ‫أصل‬ ‫المريكيين ونفسياتهم‪ ،‬ثم تمكن صراع البقاء وشهوة الحرب في نفوسهم‪ ،‬وعرفنا على مشاعرهم‬ ‫وعواطف هم‪ ...‬وبينا‬ ‫ّ‬ ‫ان في أمريكا مساحات شاسعة ما زالت تعتبر أرض ا بكرا‪ ،‬وأن أمريكا هي «ورشة ضخمة » ليس إل ‪..‬‬ ‫ثم تحدثنا‬ ‫ً‬ ‫ً‬


‫عن البدائية المريكية ‪ ،‬وأشرنا إلى نماذج من هذه البدائية ‪ :‬البدائية في النظرة إلى الدين ‪ .‬والنظرة‬ ‫الى الجنس ‪.‬‬ ‫والنظرة إلى الفن‪ .‬واللعاب الرياضية‪ .‬والذواق والمزجة‪...‬ثم شاركنا سيد قطب إشفاقه على البشرية‬ ‫من أمريكا‬ ‫لنها تمثل النتهازية‪،‬ولن شعبها بدون مشاعر أو اخلق أو اعصاب ‪ ..‬ثم أشرنا إلى أن أمريكا تعيش‬ ‫عقوبة الفطرة‬ ‫الربانية التي خرجت عليها ‪ ،‬فحقت عليها سنة االله‪ ،‬وأنها قد وضعت قدميها على أول طريق الزوال‬ ‫والسقوط ‪ ،‬وأنها‬ ‫تعيش بداية نهايتها‪.‬وقد ختمنا هذا الفصل بالشارة إلى أهم فضائل أمريكا ‪.‬‬ ‫الفصل الثالث‪ :‬كلم سيد قط ب عن أمريكا‪:‬‬ ‫هدفنا منه إلى تعريف القارئ بأماكن ذلك الكلم التي يوجد فيها وأنواعه ‪ ،‬فهو إما رسائل لسيد قطب‬ ‫بعثها من‬ ‫أمريكا إلى أهله وأقاربه ومعارفه وأصدقائه‪ ،‬وإما مقالت أوردها في مجلت عن أمريكا ‪ ،‬وإما إشارات‬ ‫لمريكا في‬ ‫كتبه السلمية وفي طليعتها الظلل‪ ..‬و ختمنا هذا الفصل بتعريف القارئ بمصير كتابه «أمريكا التي‬ ‫رأيت » ‪.‬‬ ‫القسم‪ :‬النصوص ‪:‬‬ ‫خصصنا هذا القسم لكلم سيد قطب عن أمريكا‪ ،‬وقد جاء هذا القسم في أربعة‬ ‫فصول‪.‬‬ ‫الفصل الول ‪ :‬مقالت سيد قطب عن أمريكا ‪:‬‬ ‫أوردنا فيها المقالت التي تحدث فيها عن أمريكا‪ ،‬وخصصها كلها لذلك الحديث ‪ .‬ومن المقالت التي‬ ‫أوردناها ‪،‬‬ ‫مقالته الثلث التي نشرها في مجلة الرسالة بعنوان «أمريكا التي رأيت‪ :‬في ميزان القيم النسانية »‬ ‫وهي التي تعتبر‬ ‫صلب هذا القسم وزبدته وأهم ما فيه‪ ،‬ومن هذه المقالت «الضمير المريكي وقضية فلسطين » و‬ ‫«إسلم أمريكاني »‬ ‫و «عدونا الول الرجل البيض » في مجلة الرسالة‪ .‬ومقالة «حمائم في نيويورك »في مجلة الكتاب ‪.‬‬ ‫وختمنا هذا‬ ‫الفصل بإيراد قصيدتين له قالهما وهو في أمريكا «هتاف الروح » في الرسالة و «ودعاء الغريب »‬ ‫في الكتاب‪.‬‬ ‫‪٣‬‬ ‫الفصل الثاني ‪ :‬إشارات سيد قطب في المجلت عن أمريكا ‪:‬‬ ‫وهي إشارات مجملة وردت ضمن مقالة له كتبها في أمريكا‪ ،‬أو رسالة له بعثها من أمريكا ‪ ،‬تحدث فيها‬ ‫عن‬ ‫موضوعات أخرى‪ ،‬فأخذنا منها الجزء المتعلق بهذا الكتاب‪ ،‬وتركنا الباقي‪ .‬أوردنا في هذا الفصل تعليق‬ ‫سيد قطب‬ ‫على مقال «العشرون الذين صاغوا القرن العشرين » وإشارته في مقالي « موسيقى الوجود » و «في‬ ‫الدب والحياة »‬ ‫في مجلة «الكتاب » ثم أوردنا ما يتعلق بموضوع الكتاب من رسائله إلى كل من ‪ :‬توفيق الحكيم‪،‬‬ ‫وعباس خضر‪،‬‬ ‫وأنور المعداوي‪.‬‬ ‫الفصل الثالث‪ :‬إشارات سيد قطب في الظلل عن أمريكا ‪:‬‬ ‫حيث لحظنا أن سيد قطب استخدم أمريكا وسيلة إيضاح ـ وهو يفسر آيات القرآن الكريم ـ فيلتفت إلى‬ ‫النموذج المريكي المجسم للمادية والجاهلية والكفر والنحلل‪ ،‬ويبين صدق انطباق الية عليه‪ ،‬وصدق‬ ‫الدللة‬ ‫الناتجة عنه ‪ ..‬وبلغت هذه الشارات في الظلل خمس عشرة إشارة ‪.‬‬ ‫الفصل الرابع‪ :‬إشارات سيد قطب في كتبه السلمية عن أمريكا‪:‬‬ ‫حيث ل حظنا في هذا الفصل أيض ا ان سيد قطب كان يلتفت إلى الواقع والنموذج المركي‪ ،‬وهو يقدم‬


‫لنا السلم‬ ‫ً‬ ‫ومبادئه وقيمه وحضارته‪ ،‬باعتبار أمريكا نموذج ا مجسم ا للنظام والحضارة والحياة الجاهلية‪ .‬والكتب‬ ‫التي وجدنا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تلك الشارات فيها هي ‪ « :‬معركة السلم والرأسمالية » و «السلم العالمي والسلم » و «دراسات‬ ‫إسلمية »‬ ‫و «السلم ومشكلت الحضارة » و « معالم في الطريق »‪.‬‬ ‫وختمنا هذا الفصل بتحليل صائب لسيد قطب عن دور أمريكا في المنطقة واحتكارها لها‪ ،‬وقصيدة لسيد‬ ‫قطب‬ ‫يصور فيها أتباع أمريكا وعملءها وهي قصيدة «هبل‪ ..‬هبل » ‪.‬‬ ‫ونحب أن نبين للقارئ الكريم أننا اجتهدنا في القسم الثاني ـ بفصوله الربعة ـ في تقسيم كل مقالة أو‬ ‫رسالة أو‬ ‫إشارة إلى أقسام جزئية‪ ،‬واجتهدنا في وضع عنوان جانبي لهذه الفقرة الجزئية ‪ ،‬وحرصنا على أ ن يكون‬ ‫العنوان‬ ‫معبرا عن الفقرة‪ ،‬دال على موضوعها‪ .. .‬الذي حملنا على هذا هو حرصنا على «التصنيف الموضوعي »‬ ‫ً‬ ‫لكلم سيد‬ ‫قطب أول‪ ،‬ثم رغبتنا في تسهيل المر على القارئ‪ ،‬وحصر الموضوع امامه‪ ،‬وشد انتباهه‬ ‫له ‪ً .‬‬ ‫ونرجو أن نكون قد وفقنا في تقسيم الفقرات‪ ،‬ثم في اختيار العناوين ‪...‬‬ ‫لقد كتب كثيرون عن أمريكا‪ ،‬وسجلوا نظراتهم وتحليلتهم‪ ،‬ولكنهم اختلفوا باختلف المنظار والميزان‬ ‫والزاوية‬ ‫والرضية‪ ..‬ولقد كتب إسلميون عن أمريكا في المجلت السلمية‪ ،‬وأفادوا كثير ا في مقالتهم عنها‪..‬‬ ‫وهناك كتب‬ ‫ً‬ ‫ستصدر عن «الظاهرة المريكية » في التحذير منها وتحليلها ـ منها كتاب الستاذ يوسف العظم «أمريكا‬ ‫تنهار من‬ ‫الداخل » الذي أعلن عنه ـ لكن يبقى لسيد قطب دقته وعمقه وتحليلته‪ ،‬ويبقى لكلمه أصالته ومنهجيته‬ ‫وموضوعيته ‪ ..‬وأهم من هذا كله يبقى لسيد قطب ولكلمه « سبقه » الزمني‪ ،‬حيث قال ه في نهاية‬ ‫الربعينيات ومطلع‬ ‫الخمسينيات من هذا القرن‪..‬‬ ‫وإننا نبارك كل الجهود الصادقة‪ ،‬في تحليل «الظاهرة المريكية » وتعريتها والتحذير منها‪ ،‬ونشجع كل‬ ‫كاتب أو‬ ‫أديب أو محاضر أو صحفي‪ ،‬يبص ر الناس بالخطر المريكي ‪ ،‬ويحذرهم من عواقبه‪ ،‬ويربطهم بمصدر‬ ‫قوتهم‬ ‫وعزتهم‪ ..‬وهو إسلمهم العظيم‪ ..‬وإننا نثني على كل كلمة مخلصة تصدر عن لسان مؤمن‪ ،‬وقلب منيب‬ ‫سليم‪ ،‬تبين‬ ‫‪٤‬‬ ‫أمريكا على حقيقتها وإفلسها ‪ ..‬وتحذر من التبعية لها في السياسة أو القتصاد أو الخلق أو الجتماع أو‬ ‫الفن او‬ ‫التعليم أو غير ذلك ‪ ..‬ونعتبر كل هذا الجهد المبارك مساهمة صادقة من المخلصين في «بعث » المة‬ ‫السلمية بعث ا‬ ‫ً‬ ‫إسلمي ً‪ ،‬وتعريفها على عدوها اللدود ـ «النظام المريكي » ـ وتزويدها بمختلف الوسائل لل ستعلء‬ ‫ا‬ ‫عليه ثم‬ ‫مهاجمته وهزيمته‪ ،‬ووراثته على منهج االله وشرعه‪..‬‬


‫فإلى العاملي ن المخلصين نقدم هذه المساهمة‪ ،‬ونهدي هذا الكتاب‪ ،‬ليزدادوا ثقة ويقين ا واستعلء‬ ‫ومعرفة‪ ،‬وإلى‬ ‫ً‬ ‫الناس من المخدوعين و «المضبوعين » نقدم هذا الكتاب لعلهم يستيقظون ويعقلون ‪ ...‬ونسأل االله أن‬ ‫ينفع بنا‪ ،‬وأن‬ ‫يتقبل منا اعمالنا ‪ ..‬وان يرحم استاذنا الشهيد سيد قطب‪ ،‬ويعلي منزلته في عليين‪ ..‬ان اريد إل الصلح‬ ‫ما‬ ‫استطعت‪ ،‬وما توفيقي إل باالله ‪ ،‬عليه توكلت وإليه أنيب ‪..‬‬ ‫الدكتور صلح عبد الفتاح الخالدي‬ ‫القسم الول‬ ‫الدراسة‬ ‫الفصل الول ‪ :‬سيد قطب في أمريكا‬ ‫الفصل الثاني ‪ :‬تقييم سيد قطب لمريكا‬ ‫الفصل الثالث ‪ :‬كلم سيد قطب عن أمريكا‬ ‫الفصـل الول‬ ‫سيد قطب في أمريكا‬ ‫‪ ١‬ـ نشاط سيد قطب في مصر قبل إيفاده إلى أمريكا ‪:‬‬ ‫عاشت مصر في الربعينيات من هذا القرن حياة قلقة‪ ،‬وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وكانت‬ ‫مظاهر القلق‬ ‫والتخبط والضطراب بارزة في حياتها الجتماعية والخلقية والسياسية‪ .‬ونشطت الدعوات المختلفة‪،‬‬ ‫وصار كل‬ ‫فريق يتقرب إلى جماهير الشعب المظلومة ي منيها بوعوده البراقة‪ ،‬وآماله العريضة‪ .‬وكان للدعوة‬ ‫الشيوعية انتشار‬ ‫ُ ّ‬ ‫ّ‬ ‫في هذه الوساط ‪.‬‬ ‫وكان سيد قطب قد وصل إلى قمة عطائه الدبي والنقدي‪ ،‬ونشر العديد من مقالته النقدية في‬ ‫المجلت الدبية‬ ‫الشهيرة مثل «الثقافة » و «الرسالة » كما ظهرت له بعض الدراسات النقدية مثل « كسب وشخصيات‬ ‫» و «النقد الدبي‬ ‫أصوله ومناهجه » وأصبح بعد منتصف الربعينيات متربع ا على عرش «النقد » في مصر ‪ ،‬واعترف له‬ ‫الكثيرون‬ ‫ً‬ ‫بالريادة والستاذية ‪.‬‬ ‫وكان ل بد أن يلتفت سيد قطب ـ وهو الديب الصادق ـ إلى ما يعيشه قومه‪ ،‬فلم يكن مثل بعض الدباء‬ ‫يعيش‬ ‫في «برج عاجي » يداعب أحلمه وخيالته‪ ...‬أو يحاور سكان « مدينته الفاضلة » ‪ ..‬لقد كان لسيد قطب‬ ‫حضوره‬ ‫الدائم مع شعبه ومعاناته الحية معهم‪ ،‬ومشاركته ل هم حياتهم‪ ،‬وتحسسه للمهم ونكباتهم‪ ،‬وبصورة‬ ‫بالمظاهر الشائهة‬ ‫التي ترتسم على مجتمعهم‪...‬‬ ‫كان يغضب لتحكم رجال القطاع والباشوات في أفراد الشعب المحروم‪ ،‬ولستغلل رجال القصر وأتباع‬ ‫الملك‬ ‫خيرات الشعب ‪ .‬ولسيطرة رجال الحتلل النجليزي وأعوانهم على مقاليد المور‪ .‬ولفساد الحزاب‬ ‫برجالها‬ ‫‪٥‬‬ ‫ومناهجها وبرامجها‪ ..‬وكان يشفق على هذا الشعب المسكين أن يقع بعض أفراده ضحايا الظلم‬ ‫الجتماعي‬ ‫والستبداد السياسي‪ ،‬أو فرائس الحبائل التنصيرية والشيوعية !!‪..‬‬


‫ولم يكتف سيد قطب بالنظر إلى تلك المور من بعيد‪ ،‬وإعلن ألمه وإشفاقه وسخطه من بعيد أيضا ‪..‬‬ ‫بل حمل‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫سلحه ـ الفكر والقلم والكلمة ـ ونزل إلى الميدان ‪..‬‬ ‫وظهرت مقالت لسيد قطب في المجلت السيارة‪ ،‬أعلن فيها غضبه وسخطه على ما يحدث‪ .‬وكان في‬ ‫مقالته‬ ‫ومعالجاته يصدر عن نظرة إسلمية‪ ،‬وينطلق من مبادئ السلم‪ ،‬وبخاصة في مجال العدالة الجتماعية ـ‬ ‫وكان في‬ ‫هذه الثناء يعيش أفكار كتابه «العدالة الجتماعية في السلم » ـ وكان لمقالته أثر ملموس في‬ ‫أوساط القراء‪.‬‬ ‫ثم أحب أن تكون له مجلة تنطق باسمه‪ ،‬وتكون معرضا لفكاره وآرائه في ا ًصلح‪ ،‬ويسر االله له من‬ ‫يمول‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫مشروعه‪ ،‬وهو الحاج محمد حلمي المنياوي ـ صاحب دار الكتاب العربي وعضو جماعة الخوان‬ ‫المسلمين ـ‬ ‫فاتفق الرجلن على إصدار مجلة «الفكر الجديد » يكون المنياوي ممول لها‪ ،‬ويكون سيد قطب مشرف‬ ‫ا عليها ومحررا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫لها‪ ،‬وترك المنياوي لسيد قطب الحرية الكاملة في كتابة ما يريد ‪...‬‬ ‫صار سيد قطب يكتب مقالته النتقادية الجريئة في المجلة‪ .‬ويصب جام غضبه على المظاهر الجتماعية‬ ‫والسياسية الشائهة في المجتمع‪ ،‬ويشير بأصابع التهام إلى المسؤولين عن السوء والفساد في البلد ‪.‬‬ ‫وكان أكثر‬ ‫هجومه على رجال الحاشية الملكية ورجال القطاع ورجال الحزاب والباشوات وأغنياء الحرب وعملء‬ ‫النجليز ‪..‬‬ ‫حارب القصر والحكومة مجلته ـ «الفكر الجديد » ـ فحدا من انتشارها وتوزيعها‪ .‬ثم سحبت الحكومة‬ ‫رخصة‬ ‫المجلة وأغلقتها بعد صدور اثني عشر عدد منها ‪.‬‬ ‫وضاقت الحكومة ذرعا بسيد قطب‪ ،‬وأزعجها بمواقفه وكلمه ومقالته‪ ،‬فضيقت عليه وأقفلت في وجهه‬ ‫وسائل‬ ‫ً‬ ‫النشر ‪.‬‬ ‫لم تجد الحكومة القائمة ما يبرر اعتقالها له‪ ،‬ولم يكن بين يديها حجة قانونية في ذلك‪ .‬رغم فساد العهد‬ ‫الملكي في‬ ‫ذلك ال عهد إل انه كان للقانون احترامه‪ .‬ورغم شدة مقالت سيد قطب إل أنه كان يصوغ عباراته بحيث‬ ‫ل يكون‬ ‫عليه فيها مأخذ قانوني‪.‬‬ ‫ورغم أن القصر الملكي أوعز للحكومة باعتقال سيد قطب‪ ،‬إل أن الحكومة لم تجد لها مستندا قانوني ا‬ ‫يبرر لها‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ذلك‪ ،‬بالضافة إلى تعاطف رئيس الوزاء في ذلك العهد مع سيد قطب ـ وهو محمود فهمي النقراشي ـ‬ ‫الذي كان‬ ‫له صلة حزبية بسيد قطب عندما كان الرجلن عضوين في حزب الوفد ‪.١‬‬ ‫‪ ٢‬ـ إيفاده إلى أمريكا بقصد التخلص منه‪:‬‬ ‫أرادت الحكومة التخلص من سيد قطب بطريقة تبدو مقبولة‪ ،‬وتظهر فيها مصلحته الشخصية وحرصها‬ ‫على‬ ‫تحقيقها له‪ ،‬كما أرادت أن تحول بين إيقاع الذى عليه من القصر‪ ،‬وفي نفس الوقت لم تشأ أن تقف في‬ ‫وجه القصر‬


‫علنية‪ ،‬وأن تظهر مخالفتها له‪.‬‬ ‫‪ 1‬أنظر في هذا الموضوع‪ :‬كتابنا سيد قطب الشهيد الحي ـ طبعة مكتبة القصى‪٨١١ :‬ـ ‪٩١١‬و ‪٥٢١‬ـ‬ ‫‪.٧٢١‬ومقابلة محمد قطب‬ ‫مع مجلة الغرباء في بريطانيا في العدد الثالث من السنة الثانية عشرة تاريخ رمضان ‪ ٥٩‬وفق سبتمبر‬ ‫‪ .٥٧٩١‬صفحات‪٨ :‬ـ ‪ ٩‬وانظر‬ ‫«سيد قطب الديب الناقد » لعبد االله الخباص صفحة ‪. ٩٩‬‬ ‫‪٦‬‬ ‫وبما أن سيد قطب مغضوب عليه من قبل القصر وبما أن الحكومة نفسها متضايقة من مقالته‬ ‫وانتقاداته‪ ،‬لذلك‬ ‫فكرت في حل يرضي جميع الطراف‪ .‬وكان يتمثل في إيفاده ـ أو إبعاده ـ إلى أمريكا ‪.‬‬ ‫حتى وزارة المعارف التي كان يعمل بها سيد قطب‪ ،‬كان المسؤولون فيها غير راضين عنه‪ ،‬إذ إنه لم‬ ‫يكن‬ ‫الموظف الذي يخضع ويخنع‪ ،‬أو يذل ويستكين ‪ ،‬أو يتزلف ويتذبذب‪ ،‬أو يرضى أن يكون مجرد موظف ل‬ ‫يقوم‬ ‫بشيء‪ ،‬ول يهمه أي شيء‪ ،‬وقصارى أمله أن يحصل على التقاعد والحالة على المعاش‪ ،‬فيجلس على‬ ‫مكتبه يعد ما‬ ‫تبقى له من خدمة‪ ،‬وينتظر الحالة بحماس وشوق ‪.‬‬ ‫كثيرا ما قدم المقترحات لصلح العمل في وزارة المعارف‪ .‬وكثيرا ما أعد الخطط والبرامج لذلك‪،‬‬ ‫وكثيرا ما‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اصطدم ـ بسبب ذلك وغيره ـ بالمسؤولين والمنتفذين في الوزارة‪.‬‬ ‫وإذا ل حظنا تغير الوزير باستمرار‪ ،‬فل بد أن يغير رجال الوزارة تغييره‪ ،‬وإذا ل حظنا التضارب والتناقض‬ ‫والتشاكس والختلف بين الوزيرين ـ الس ابق والحالي ـ فل بد أن يغير رجال الوزارة آراءهم وأفكارهم‪،‬‬ ‫وأن‬ ‫يعيدوا تشكيلها حسب الوضع الجديد أو الظروف الجديدة السائدة‪ .‬ويبقون هكذا في عملية تغيير للفكار‬ ‫والراء‬ ‫والمواقف والعتبارات والخيارات‪ ،‬حتى الذواق والهتمامات !لن عملية تغيير الوزراء المتشاكسين‬ ‫ل تنتهي ‪.‬‬ ‫ولم يكن سيد قطب من هذا النوع الذي يغير مواقفه بتغيير رؤسائه‪ ،‬ولكنه كان ثابت ا عند قناعاته‬ ‫وأفكاره ‪ ..‬وتبع ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫لذلك لم يكن بالمرضي عنه عند المتشاكسين‪ ،‬وكان مادة نكاية وسعاية عند المتزلفين لولئك‬ ‫المتشاكسين ‪ ..‬ولذلك‬ ‫كثيرا ما ضيقوا عليه‪ ،‬ووجهوا له إنذارات‪ ..‬وكثيرا ما كان يفكر بالستقالة��� ،‬بل لقد قدمها مرة في‬ ‫الربعينيات‪ ،‬ولم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يثنه عنها سوى رئيسه ـ في ذلك الوقت ـ الدكتور طه حسين‪.‬‬ ‫هذا بالضافة إلى ما تجره عليه مقالته المختلفة في المجلت من أذى وتضييق في وزارة‬ ‫المعارف‪.‬‬ ‫ل نستغرب إذن التقاء رغبات الطراف الثلثة على التخلص من سيد ـ القصر والحكومة ووزارة المعارف‬ ‫ـ‬ ‫(‪. ) ١‬‬ ‫‪ ٣‬ـ حقيقة مهمته في أمريكا ‪:‬‬ ‫التبس على الكثيرين حقيقة مهمة سيد قطب في أمريكا وراحوا يخمنون عن هذه المهمة‪ ،‬ويجتهدون‬ ‫في بيان‬ ‫عمله هناك‪ .‬ويخرجون بنتائج وأحكام خاطئة‪ ،‬لنهم بنوها على الفتراضات والجتهادات الظنية‪ .‬وحددوا‬ ‫له مهمة‬ ‫ّ‬


‫ل تتفق مع مهمته الحقيقية ‪.‬‬ ‫ذهب البعض إلى أن سيد قطب كان مبعوث ا من قبل وزارة المعارف إلى أمريكا للحصول على شهادة‬ ‫الماجستير ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك وأغرب‪ ،‬حيث اعتبروه موفدا للحصول على شهادة الدكتوراه ـ التي‬ ‫يجوز أن‬ ‫ً‬ ‫يحصل عليها قبل حصوله على الماجستير! كما أوحى إليهم خيالهم ـ وأنه مكث سنتين هناك دون حصوله‬ ‫على‬ ‫هذه أو تلك‪.‬‬ ‫فما هي حقيقة مهمته إلى أمريكا؟ لماذا أوفدوه إليها؟ وما هو عمله هناك؟ ل ننسى ـ كما قلنا قبل قليل‬ ‫ـ أنهم‬ ‫أرادوا التخلص منه أول ‪ ،‬يعني أن المهم أن يخرج سي د قطب من مصر إلى أمريكا‪ ،‬ول يهم تحديد‬ ‫مهمته هناك ‪ ،‬إن‬ ‫ً‬ ‫تحديد المهمة أمر ثانوي في نظر بعض هؤلء‪ .‬فالمهم أن يخرج والسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬انظر في هذا‪ :‬سيد قطب الشهيد الحي‪٤٩ :‬ـ ‪٨٩‬ـ و ‪. ٥٢١‬‬ ‫‪٧‬‬ ‫وبما أن سيد قطب كان يعمل في التفتيش الفني في وزارة المعارف‪ ،‬ثم في المناهج الدراسية‬ ‫والتعليمية ‪ ،‬فل بد‬ ‫أن تكون مهمته ـ في الظاهر ـ تتفق مع عمله الذي كان يقوم به ‪.‬‬ ‫كانت مهمته هناك بالتحديد «دراسة المناهج التعليمية في الوليات المتحدة المريكية » ‪ ،‬ول يقوم بهذه‬ ‫الدراسة‬ ‫كطالب يريد الحصول على الماجستير ـ أو الدكتوراه ـ وإنما كخبير في المناهج‪ ،‬ومتخصص في البرامج‬ ‫وباحث‬ ‫في الساليب ‪.‬‬ ‫ولم يكن مقيدا في بعثته ـ أو مهمته ـ بجامعة معينة‪ ،‬أو مواد خاصة نظرية للدراسة‪ ،‬كما لم تكن هذه‬ ‫البعثة‬ ‫ً‬ ‫مقيدة بزمن معين‪ .‬وتركت له الحرية في مجال الدراسة وميدانها وتخصصها وزمانها !‪ ..‬ألم نقل إن‬ ‫المقصود‬ ‫إخراجه من مصر‪ ،‬وما سوى ذلك ل يعني المسؤولين؟‬ ‫بعدما تلقى سيد قطب دراسة خاصة باللغة النجليزية‪ ،‬التي لم يكن قد تلقاها أثناء دراسته في كلية دار‬ ‫العلوم‪،‬‬ ‫صار يقوم بجولت عملية ميدانية للطلع على مناهج الدراسة في مختلف الجامعات والمعاهد المريكية‪،‬‬ ‫ويتعرف‬ ‫على برامج وأساليب التدريس في تلك الجامعات والمعاهد‪.‬‬ ‫وشملت جولته مختلف المدن هناك من نيويورك إلى جريلي ودنفر وسان‬ ‫فرنسيسكو ‪...‬‬ ‫مهمته هناك عملية ميدانية‪ ،‬ومدتها مفتوحة ‪ ،‬وأمر إنهائها بيده هو( ‪. )١‬‬ ‫‪ ٤‬ـ في طريقه إلى أمريكا ‪:‬‬ ‫لم يغادر سيد قطب إلى أمريكا إل بعد منتصف عام ‪ .٨٤٩١‬وقد علمنا أنه حتى نهاية شهر آغسطس (‬ ‫آب)عام‬ ‫‪ ٨٤٩١‬كان ل يزال في القاهر ة‪ .‬حيث أخبرنا الستاذ عباس خضر ان سيد قطب تدخل لدى قسم شرطة‬ ‫حلوان‬ ‫لخراج عباس من القسم‪ ،‬بعد أن أوقفوه لشكهم فيه‪ ،‬وكان هذا في النصف الثاني من شهر‬ ‫أغسطس المذكور(‪. )٢‬‬ ‫ويطيب لي في هذه المناسبة إيراد كلم عباس خضر حول الحادثة بعد مضي حوالي عشرين سنة عليها‬


‫لدللت ها‬ ‫على نفسية سيد قطب وهمته ودوره الجتماعي ‪:‬‬ ‫قال في مقاله‪« :‬وهؤلء عرفتهم ‪ :‬سيد قطب » في مجلة الثقافة ‪« :‬ول أنسى ليلة قضيها في‬ ‫قسم «البوليس »بحلوان‪ ...‬إذ اشتبه في رجل غبي‪ ،‬وكنت في منطقة «عين حلوان » أتنزه‪ ،‬فلما رآني‬ ‫هناك ليل أمسك‬ ‫ً‬ ‫بي‪ ،‬متهما أياي بوضع قنبلة عند العين لنسف مبناها‪ .‬وعلى هذا الفتراض فأنا عميل صهيوني ‪ ...‬وكان‬ ‫ً‬ ‫ذلك عقب‬ ‫قيام إسرائيل‪.‬‬ ‫قال لي ضابط الشرطة «النوبتجي » في القسم ‪ :‬أتعرف أحدا بحلوان يضمنك؟ قلت ‪ :‬نعم‪ ،‬وأمليت‬ ‫عنوان سيد قطب‬ ‫ً‬ ‫ـ وكان ل يزال مأمونا موثوقا به عند السلطات‪ ...‬وجاء الصديق المنجد ‪ ..‬جاء لبس ا معطفا فوق‬ ‫«البيجامة »‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وبقدميه «شبشب » لم يلبث حتى يستبدل به حذاء‪..‬عرف الموضوع من رجل الشرطة الذي استدعاه‪،‬‬ ‫فلما دخل‬ ‫ورآني أشار إلي ضاحكا وهو يقول للضابط‪ :‬إنه صهيوني ل تدعوه يفلت! وخرجت من القسم ناجيا من‬ ‫النوم على‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(‪ )1‬انظر‪ :‬سيد قطب الشهيد الحي‪ ٥٢١ :‬وسيد قطب الديب الناقد للخباص‪:‬‬ ‫‪. ٠٠١‬‬ ‫(‪ )2‬انظر مجلة الرسالة سنة ‪ ٦١‬مجلد ‪ ٢‬عدد‪ ٠٩٧ :‬تاريخ ‪ ٣٢‬أغسطس ‪٨٤٩١‬‬ ‫صفحة ‪. ٥٦٩‬‬ ‫‪٨‬‬ ‫«البرش » في الساعة الثانية بعد منتصف الليل‪ .‬وكتبت على أثر ذلك كلمة في الرسالة بعنوان «الدب‬ ‫والفن في قسم‬ ‫حلوان » ومما يذكر أن الضابط كتب في المحضر‪« :‬وبتفتيشه عثر في جيبه على شعر‬ ‫ومقالت‪. )١ (» ..‬‬ ‫غادر سيد قطب السكندرية إلى أمريكا في أواخر عام ‪٨٤٩١‬م‪ ،‬على ظهر باخرة عبرت به البحر‬ ‫المتوسط‬ ‫والمحيط ا لطلسي‪ ..‬وهناك على ظهر الباخرة جرت له عدة حوادث أثرت في حياته فيما بعد‪ ،‬وعاش‬ ‫بعض‬ ‫المشاعر والخواطر التي رسمت له مستقبله وحددت له طريقه! ولذلك ما أن غادر الباخرة في الميناء‬ ‫المريكي الذي‬ ‫وصله‪ ،‬وما أن وطئ قدماه أرض أمريكا حتى كان قد عرف طريقه‪ ،‬وحدد رسالته ‪ ،‬ورسم معالم حياته‬ ‫في الدنيا‬ ‫الجديدة!‪..‬‬ ‫لما وجد نفسه على ظهر سفينة سابحة وسط المياه‪ ،‬أحس مظاهر رحمة االله وعنايته‪ ،‬وعاش ألوانا من‬ ‫نعمة االله‬ ‫ً‬ ‫عليه‪ ،‬وأدرك بكل كيانه ومشاعره آية االله في هذا‪ ،‬وكان في هذا كله يفسر تفسيرا عمليا قوله تعالى (‬ ‫إن في خلق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السموات والرض‪ ،‬واختلف الليل والنهار‪ ،‬والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس‪ ،‬وما أنزل االله‬ ‫من السماء‬ ‫من ماء فأحيا به الرض بعد موتها‪ ،‬وبث فيها من كل دابة‪ ،‬وتصريف الرياح‪ ،‬والسحاب المسخر بين‬ ‫السماء‬


‫والرض‪ ..‬ليات لقوم يعقلون )( ‪. )٢‬‬ ‫وقد عرض لنا بعض ما كان يحسه ويعيشه من ذلك‪ ،‬عندما فسر هذه الية بعد سنوات‪ ،‬حيث قال‪:‬‬ ‫«وأشهد ما‬ ‫أحسست ما في هذه اللفتة من عمق‪ ،‬قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط‪ ،‬تحملنا‬ ‫وتجري بنا‪ ،‬والموج‬ ‫المتلطم والزرقة المطلقة من حولنا‪ ،‬والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك ‪ ..‬ول شيء إل قدرة االله‪ ،‬وإل‬ ‫رعاية االله ‪،‬‬ ‫وإل قانون الكون الذي جعله االله‪ ،‬يحمل تلك النقطة الصغيرة على ثبج المواج وخضمها‬ ‫الرهيب (‪. ) ١‬‬ ‫وفي موضع آخر يخبرنا سيد قطب عن حالته اليمانية‪ ،‬وانفعاله المؤثر ومشاعره الج ياشة‪ ،‬وهو على‬ ‫ظهر‬ ‫الباخرة‪ ،‬وتعبيره عن هذا بعبارة « موسيقى الوجود »‪.‬‬ ‫«‪...‬أحسست هذه الموسيقى العلوية الشاملة ‪ ..‬موسيقى الوجود‪ .‬مرة وأنا في عرض المحيط‪ ،‬والباخرة‬ ‫تمر مر‬ ‫الريح على وجه الخضم‪ ،‬والنسيم رخاء‪ .‬والليل ساكن والقمر مفضفض الللء‪ ...‬لست أدري كيف‬ ‫أحسست‪ ،‬ولست‬ ‫أدري كيف أقول‪ .‬إل أن قول واحدا انساب على لساني في تلك اللحظة التي أومضت في روحي كما‬ ‫تومض الشعلة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فتكشف لي الطريق إلى بعيد ثم تغيب‪ ..‬تعبير واحد أحسست فيه كل ما فاض على خاطري في تلك‬ ‫اللحظة من‬ ‫قدسية وشفافية وتسبيح‪ ..‬موسيقى الوجود »(‪. ) ٢‬‬ ‫وفي ظلل هذه الحالة اليمانية راح يخاطب نفسه «أأذهب إلى أمريكا وأسير فيها سير المبتعثين‬ ‫العاديين الذين‬ ‫يكتفون بالكل والنوم‪ ،‬أم ل بد من التميز بسمات معنية؟ وهل غير السلم والتمسك بآدابه واللتزام‬ ‫بمناهجه في‬ ‫الحياة وسط الل معان المترف المزود بكل وسائل الشهوة واللذة والحرام؟ وأردت أن أكون الرجل‬ ‫الثاني‪. ) ٣( » ..‬‬ ‫(‪ )1‬مجلة الثقافة‪ :‬مجلد ‪ ٨‬سنة ‪ .٤‬عدد ‪ ٧٤‬تاريخ أغسطس ‪ ٧٧٩١‬صفحات‬ ‫‪٨٤‬ـ ‪.٩٤‬‬ ‫(‪ )2‬البقرة‪.٤٦١ :‬‬ ‫(‪ )1‬الظلل ‪.٢٥١ :١‬‬ ‫(‪ )2‬انظر مقالة «موسيقى الوجود »في مجلة الكتاب‪ .‬مجلد ‪ ٩‬جزء ‪ ٤‬تاريخ أبريل‬ ‫‪ ٠٥٩١‬صفحة‪. ٦٢٣ :‬‬ ‫(‪ )3‬مجلة الشهاب سنة ‪ ٦‬عدد ‪ ٩‬أيلول ‪ ٢٧٩١‬صفحة‪.٨ :‬‬ ‫‪٩‬‬ ‫من هذه الروايات عن سيد قطب نفسه عرفنا كيف كان ركوب ه الباخرة ومروره بتجربتها وسط‬ ‫المواج‪ ،‬عامل‬ ‫خير يسره االله له ليتحدد سيره في طريق السلم وتثبيت قدماه عليه ‪.‬‬ ‫ولذلك ثبت أمام الم غريات والغراءات على ظهر الباخرة ـ والتي سأ شير إليها بعد قليل ـ ثم انتقل إلى‬ ‫خطوة‬ ‫َ‬ ‫أخرى عملية مارس فيها إسلمه وجهر بأداء شعائره على ظهر الباخرة !‬ ‫فها هو يرى مبشرا يحاول تنصير المسلمين من ركاب الباخرة‪ ،‬ويعرض عليهم مبادئه بأساليبه الملتوية‪،‬‬ ‫فيثير‬


‫َ‬ ‫ً‬ ‫هذا سيد قطب ويوقظ مشاعره اليمانية‪ ..‬ويذهب إلى قبطان الباخرة ويطلب منه السماح لكل‬ ‫المسلمين عليها بأداء‬ ‫صلة الجمعة‪ ،‬ويشارك جميعهم بتلك التظاهرة السلمية ـ حتى عمال السفينة ولعلها أول مرة يشاركون‬ ‫فيها ـ‬ ‫ويقف سيد قطب خطيبا في هؤلء‪ ..‬وتؤدى صلة الجمعة وسط نظرات ودهشة واستغراب‬ ‫الخرين ‪..‬‬ ‫ً‬ ‫وقد كان من هذا الحادث مؤثر ا عند سيد قطب‪ ،‬استقر في اعماق نفسه‪ ،‬وكان يستحضره ويسجل‬ ‫دللته‪ . .‬وفي‬ ‫ً‬ ‫الظلل أشار إليه في عدة مواطن‪« ،‬ووظفه » دليل على إعجاز القرآن في تأثيره حتى في م ن لم‬ ‫يعرف اللغة‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫العربية‪.‬‬ ‫ونظرا لرتباط كلمه عن ذلك الحادث بحديثنا عن ما جرى له في طريقه إلى أمريكا فإننا نورد كلمه عنه‬ ‫ً‬ ‫في‬ ‫تفسيره لسورة يونس ‪:‬‬ ‫«إن الداء القرآني يمتاز ويتميز عن الداء البشري‪ ..‬إن له سلطانا عجيبا على القلوب ليس للداء‬ ‫البشرى‪ ،‬حتى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ليبلغ أحيانا أن يؤثر بتلوته المجردة على الذين ل يعرفون من العربية حرفا ‪ .‬وهناك حوادث عجيبة ل‬ ‫يمكن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تفسيرها بغير هذا الذي نقول ـ وإن لم تكن هي القاعدة ـ ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير‬ ‫وتعلي ل ‪.‬‬ ‫ولن أذكر نماذج مما وقع لغيري‪ ،‬ولكني أذكر حادثا وقع لي وكان عليه معي شهود ستة‪ ،‬وذلك منذ‬ ‫حوالي‬ ‫ً‬ ‫خمسة عشر عاما ‪ ..‬كنا ستة نفر من المنتسبين إلى السلم على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب‬ ‫ً‬ ‫المحيط‬ ‫الطلسي إلى نيويورك‪ ،‬من بين عشرين ومائة راكب وراكبة ليس فيهم مسلم ‪ .‬وخطر لنا أن نقيم صلة‬ ‫الجمعة على‬ ‫ظهر السفينة! واالله يعلم ـ أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلة ذاتها أكثر مما كان بنا حماسة دينية إزاء‬ ‫مبشر كان يزاول‬ ‫عمله على ظهر السفينة‪ ،‬وحاول أن يزاول تبشيره معنا!‪ ...‬وقد يسر لنا قائد السفينة ـ وكان إنجليزي ًـ‬ ‫أن نقيم‬ ‫ا‬ ‫صلتنا‪ ،‬وسمح لبح��رة السفينة وطهاتها وخدمها ـ وكلهم نوبيون مسلمون ـ أن يصلي منهم معنا من ل‬ ‫يكون في‬ ‫«الخدمة » وقت الصلة ! وقد فرحوا بهذا فرح ا شديدا‪ ،‬إذ كانت المرة الولى التي تقام فيها صلة‬ ‫الجمعة على ظهر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السفينة ‪ ...‬وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلة‪ ،‬والركاب الجانب ـ معظمهم ـ متحلقون يرقبون صلتنا‬ ‫! وبعد‬ ‫الصلة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح «القداس »!!! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلتنا!‬ ‫ولكن سيدة‬


‫من هذا الحشد ـ عرفنا فيما بعد أنها يوغسلفية مسيحية هاربة من جحيم «تيتو » وشيوعيته ـ كانت‬ ‫شديدة التأثر‬ ‫والنف عال‪ ،‬تفيض عيناها بالدمع‪ ،‬ول تتمالك مشاعرها ‪ .‬جاءت تشد على ايدينا بحرارة ‪ ،‬وتقول ـ في‬ ‫إنجليزية‬ ‫ضعيفة ـ إنها ل تملك نفسها من التأثر العميق بصلتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام روح ‪...‬إلخ‬ ‫» ( ‪. )١‬‬ ‫وكانت رحلة سيد قطب إلى أمريكا بداية الطريق الجديد الذي هداه االله إليه‪ ،‬ووفقه لسلوكه والسير‬ ‫فيه ‪..‬وهو في‬ ‫هذا يختلف عن كثير من المبتعثين ‪ ..‬الذين يمنعهم الحياء ومراعاة العراف والتقاليد من النحراف ـ أو‬ ‫المجاهرة‬ ‫(‪ )1‬الظلل ‪. ٦٨٧١ :٣‬‬ ‫‪٠١‬‬ ‫به ـ في أوطانهم عندما ي كونون بين أهلهم ومعارفهم وذويهم‪ ..‬فإذا ما فتح أمامهم باب السفر وال‬ ‫غتراب والبتعاث‬ ‫فإنهم يخلعون ثوب الحياء والتجميل‪ ،‬ويمارسون حياة بهيمية يجاهرون فيها بكل حرام‪ ،‬ويبدأون هذا منذ‬ ‫اللحظة‬ ‫التي يغادرون فيها الوطن‪ ،‬وتغيب عن نواظرهم معالمه !!‬ ‫ولكن سيد قطب لم يكن من هؤلء‪ ،‬وإنما كان السفر والغتراب تجربة جديدة «وظفها » للتعرف على‬ ‫غايته‬ ‫ورسم طريقه‪ ،‬والسير فيه بخطوات واثقة ثابتة‪..‬‬ ‫لقد فتح االله على سيد قطب في الباخرة ما فتح من رحمة فعاش فيوضاتها وخيراتها‪ ،‬ومن ذا الذي‬ ‫يغلق ما فتح‬ ‫االله له؟ كان يعيش عملي ا قوله تعالى ( ما يفتح االله للناس من رحمة فل ممسك لها‪ ،‬وما يمسك فل‬ ‫مرسل له من بعده)‬ ‫ً‬ ‫(‪. ) ١‬‬ ‫وما أن حطت قدما سي د قطب أرض نيويورك ـ المحطة الولى من رحلته العلمية إلى أمريكا ـ حتى‬ ‫كان ً‬ ‫صاحب رسالة‪ ،‬وجندي دعوة‪ ،‬ورجل فكرة‪ ،‬ملتزما بالسلم‪ ،‬داعية إليه متحركا به‪ « ،‬موظفا » لكل‬ ‫مكتسباته‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الجديدة في سبيله‪.‬‬ ‫‪ ٥‬ـ بين إرادة االله وإرادة المريكان‪:‬‬ ‫يعتبر سيد قطب ـ بالتزامه بالسلم ودعوته إليه منذ أن غادر مصر إلى أمريكا ـ نموذج ا عملي ا واقعيا‬ ‫حي ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً ً‬ ‫لتحقيق إرادة االله سبحانه الخير لعباده‪ ،‬عندما تنفتح قلوبهم لهذا الخير‪ ،‬ويتفاعلون مع أيحاءاته‪،‬‬ ‫ويسيرون خطوات‬ ‫عملية للتحقيق به والتزامه‪ ،‬كما يعتبر نموذجا لفشل أصحاب الباطل وجنود الشر‪ ،‬وتعطل إرادتهم‬ ‫وهزيمتها عندما‬ ‫ً‬ ‫يحادون االله سبحانه‪ ،‬ويحاولون تعطيل إرادته وإيقاف أمره‪.‬‬ ‫أقول يعتبر سيد قطب نموذجا معاصرا لهذا المر‪ ،‬لن القرآن حدثنا عن نماذج كثيرة من قصص‬ ‫السابقين حاول‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فيها الكفار والطواغيت مغالبة قدر االله ومحادة أمره‪ ،‬والوقوف في وجه إرداته‪ ...‬ويذهبون م شي عين‬ ‫باللعنة والذل‬ ‫ّ‬


‫ُ ّ‬ ‫والعذاب‪ ..‬فل يكون إل ما يريده االله‪ ..‬وخير مثال لهذه الرادة ما أراده االله أن يعيش بنو إسرائيل وأن‬ ‫يربى «بطلهم‬ ‫المنقذ » نبي االله موسى ـ عليه الصلة والسلم ـ في قصر فرعون ليكون هلك فرعون على يده بعد‬ ‫ذلك ‪.‬‬ ‫وتعطلت إرادة فرعون وتحققت إرادة االله‪.‬‬ ‫وكم يخبرنا التاريخ ـ القديم والوسيط والحديث ـ عن نماذج كثيرة تخلفت وتعطلت فيها إرادة أصحاب‬ ‫الشر‬ ‫والفساد ضد السلم ومبادئه وجنوده رغم حرصهم على نفاذها وتحققها‪ ،‬وأساس الخطأ عندهم أنهم‬ ‫يقفون أمام إرادة‬ ‫االله القوي القاهر‪ ،‬ويريدون أن يغالبوا أمره وقدره‪ ،‬وأن يعطلوا مشيئته‪ ،‬وأن يطفئوا نوره ويطمسوا‬ ‫دينه ويقضوا‬ ‫على جنوده‪ ...‬وما درى الغبياء السذج أنهم بعملهم هذا (إن يهلكون إل أنفسهم وما يشعرون) ( ‪ . )١‬لن‬ ‫قدر االله‬ ‫غالب وإرادته نافذة‪ ،‬وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‪ ،‬وسبحان من ل يعجزه شيء في الرض ول في‬ ‫السماء !!‪.‬‬ ‫وبالنسبة لسيد قطب مر بنا الهدف الذي هدفت إليه مصر وأمريكا من إيفاده إليها‪ ،‬وتخطيط أمريكا‬ ‫لذلك ‪ .‬إن‬ ‫أمريكا كانت تعد نفسها ـ في أعقاب الحرب العالمية الثانية ـ لوراثة إنجلترا في المستعمرات الخيرة‬ ‫فيما وراء‬ ‫(‪ )1‬فاطر‪.٢ :‬‬ ‫(‪ )1‬النعام‪.٦٢ :‬‬ ‫‪١١‬‬ ‫البحار‪ ،‬ولذلك كانت تجند مجموعة من قادة السياسة والقتصاد والفكر والدب والفن والصحافة ‪ ...‬إلخ‬ ‫ليكونوا‬ ‫جنودا لها يمهدون لستعمارها الثقافي والقتصادي والعلمي والسياسي في البلدان‬ ‫ً‬ ‫المستعمرة‪.‬‬ ‫وفي مصر جندت أمريكا ـ وعملؤها ممن يملكون دفة الحكم والسلطان والتخطيط والتوجيه في البلد ـ‬ ‫مجموعة من هؤلء‪ ،‬وأعطيت لهم دورات في الخفاء ـ في مصر او في أمريكا ـ وتخرج الكثير منهم كما‬ ‫يريد‬ ‫لهم أساتذه الشر والفساد‪ .‬وظهر في البلد جيش من المزورين ال مخادعين في مختلف المجالت‬ ‫طليعة للستعمار‬ ‫المريكي لمصر والعالم العربي‪..‬‬ ‫واختار التعساء سيد قطب ليكون أحد هؤل ء العملء‪ ،‬باعتباره في مقدمة رجال الدب والنقد والفكر في‬ ‫مصر‪..‬‬ ‫ورسموا له الخطط لفساده أخلقيا ونفسيا وفكري ً‪ ،‬ليستسلم لهم ويوظف فكره ومواهبه لخدمتهم‪..‬‬ ‫وما درى أولئك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫المساكين أن االله سبحانه أراد لسيد قطب أمرا آخر‪ ..‬أراد أن يكون جنديا من جنوده‪ ،‬وداعية إلى‬ ‫دينية ‪ ،‬وحرب ا على‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أعدائه‪ ..‬وفشل الماكرون في احتواء سيد قطب تجنيده وخاب مسعاهم‪ (...‬ويمكرون ويمكر االله‪ ،‬واالله‬ ‫خير‬ ‫الماكرين‪.) ١()..‬‬ ‫وقد أطلعنا سيد قطب على بعض الوسائل المريكية لغوائه وإغرائه‪ ،‬حيث بدأوا معه بالغراء بهدف‬ ‫السيطرة‬ ‫عليه ‪ ..‬بدأوا معه بالنحراف الخلقي‪ ،‬لن النحراف الخلقي بداية السقوط الذي يعقبه الستسلم‬ ‫الكامل ـ كما‬


‫أخبرتنا نماذج الساقطين المعاصرة ـ‪.‬‬ ‫استخدم المريكيون إحدى ساقطاتهم لغرائه وإغوائه وهو على ظهر الباخرة ‪ ..‬ولكن متى؟ بعد ما قرر‬ ‫أن يكون‬ ‫جندي ا الله‪ ،‬وبعد ما تعامل مع رحمة االله الفياضة!!! ‪ً .‬‬ ‫‪« ...‬وأردت أن أكون الرجل الثاني ـ المسلم الملتزم ـ وأراد االله أن يمتحنني‪ :‬هل أنا صادق فيما اتجهت‬ ‫إليه‬ ‫أم هو مجرد خاطرة »؟‪.‬‬ ‫كان ابتلء االله له‪ ،‬بعد دقائق من اختياره طريق السلم ‪ ،‬إذ ما أن دخل غرفته «حتى كان الباب يقرع‪،‬‬ ‫وفتحت ‪،‬‬ ‫فإذا أنا بفتاة هيفاء ج ميلة فارعة الطور شبه عارية يبدو من مفاتن جسمها كل ما يغري ‪ .‬وبدأتني‬ ‫بالنجليزية‪:‬هل‬ ‫يسمح لي سيدي بأن أكون ضيفة عليه هذه الليلة؟ فاعتذرت بأن الغرفة معدة لسرير واحد‪ ،‬وكذا‬ ‫السرير لشخص‬ ‫واحد فقالت‪ :‬وكثيرا ما يتسع السرير الواحد لثنين !!‪ .‬واضطررت أ مام وقاحتها ‪ ،‬و محاولة الدخول‬ ‫عنوة لن أدفع‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫الباب في وجهها لتصبح خارج الغرفة وسمعت ارتطامها بالرض الخشبية في الممر‪ ،‬فقد كانت‬ ‫مخمورة‪. » ..‬‬ ‫بعد نجاحه في البتلء الول قال ‪« :‬الحمد الله‪ .‬هذا أول ابتلء‪ .‬وشعرت باعتزاز ونشوة‪ ،‬إذ انتصرت على‬ ‫نفسي !‬ ‫وبدأت تسير في الطريق الذي رسمته ل ها ‪..‬‬ ‫هذه الفتاة كانت الوسيلة الولى في الخطة المريكية لحتوائه‪ .‬وقد علم االله منه صدق الختيار ـ اختيار‬ ‫جانبه‬ ‫ـ فوفقه لهذا النتصار !‬ ‫لم تنقطع المحاولت المريكية لغرائه وإغوائه ‪ .‬مثل تلك الفتاة التي قامت بجهد كبير لغوايته‪ ،‬ول حقته‬ ‫من‬ ‫جامعة إلى أخرى ‪ ..‬وتل ك الفتاة التي ناقشته في معهد المعلمين في مدينة جريلي في كولورادو في‬ ‫مسائل جنسية‬ ‫مكشوفة‪.‬‬ ‫(‪ )1‬النفال‪.٠٣ :‬‬ ‫‪٢١‬‬ ‫وعامل الفندق الذي عرض عليه تلبية ما يريد من نزوات جنسية طبيعية أو شاذة‪ ،‬وأثاره بالحديث‬ ‫المكشوف عن‬ ‫عينات منها‪ .‬والشاب العربي الذي كان يغريه بإسماعه قصصا عن مغامراته الج نسية مع المريكيات‪.‬‬ ‫والممرضة‬ ‫ً‬ ‫التي كانت تغريه وهو في المستشفى بإسماعه مواصفاتها التي تطلبها في الشخص ليكون عشيق ا لها‪.‬‬ ‫والفتاة الجامعية‬ ‫ً‬ ‫التي تريد أن تمحو من فكره النفور من الرذيلة الجنسية‪ ،‬وتزعم أنها عملية بيولوجية جسدية ل داعي‬ ‫لقحامها في‬ ‫المعاني الخلقية ‪ .‬وغير ذلك ( ‪. )١‬‬ ‫أما من الناحية السياسية فقد أخبرنا سيد قطب عن نماذج من التنافس بين رجال المخابرات النجليزية‬ ‫والمريكية‬ ‫لتجنيده‪ .‬وخرج من تلك المحاولت كلها سليما ملتزما بإسلمه ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫من هذه المحاولت ما أشار إليه سيد قطب بقوله‪« :‬والكثير من الحاكمين في الدولة المريكية تخرجوا‬ ‫من‬


‫المعاهد التبشيرية‪ .‬وهي حقيقة أفضى بها إلي احد الساتذة النجليز الذين التقيت بهم في أمريكا‪ .‬وعد‬ ‫لي عشرات‬ ‫ّ‬ ‫من السماء البارزة في وزارة الخارجية المريكية وفي السلك السياسي‪ .‬ولم يكن يفضي إلي بهذه‬ ‫الحقيقة بريئ ا‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫لوجه االله‪ ،‬وإنما هو ـ كما عرفت فيما بعد ـ أحد رجال قلم المخابرات البريطاني‪ ،‬الذين يهمهم أل يثق‬ ‫الشرقيون‬ ‫كثيرا في نيات أمريكا ‪ .‬مما دعاني إلى التشكك في بياناته لي‪ .‬فتحققتها بوسائل‬ ‫ً‬ ‫أخرى‪. )٢ (» ..‬‬ ‫وهذا الرجل الذي أشار إليه هو «جون هيوورث دن » قد إدعى السلم وتسمى «جمال الدين دن »‬ ‫وتزوج‬ ‫ّ‬ ‫مصرية مسلمة اسمها «فاطمة » وقد عرض على سيد قطب ـ إغراء له ـ أن يترجم كتابه الجديد‬ ‫«العداله‬ ‫الجتماعية في السلم »إلى النجليزية ‪ ،‬مقابل عشرة آلف دولر ‪ .‬ولكن سيد قطب رفض العرض ‪.‬‬ ‫وأعطى الكتاب‬ ‫الى «المجلس المريكي للدراسات الجتماعية » ليترجم مجانا ‪ .‬حيث قام بترجمته المستشرق «يوحنا‪:‬‬ ‫جون ب ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫هاردي » الستاذ بجامعة «هاليفاكس » بكندا (‪. ) ١‬‬ ‫ورغم التزامه بالسلم في أمريكا‪ ،‬ورغم استعلئه على مكر المريكيين وخططهم‪ ،‬وانتصاره على‬ ‫إغراءاتهم ‪.‬‬ ‫رغم ذلك إل أن لعدا ئه الحق ـ ممن يلبسون ثوب التقدم واليسار‪ ،‬الشيوعيين ـ اعتبرو ا سيد قطب‬ ‫أداة بيد‬ ‫مخابرات أمريكا‪ ،‬وأن مدة إقامته هناك كانت دورة تخرج منها بوقا لمريكا وعدوا للشتراكية‬ ‫والتقدم!!‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فها هو أحد هؤلء ـ أحمد عباس صالح ـ يقول عن سيد قطب‪« :‬إنه لفت انظار الستعمار المريكي منذ‬ ‫وقت‬ ‫مبكر بكتاباته المناوئة للشتراكية‪ ،‬بدعوى أ ن ا لسلم والشتراكية متناقاضان‪ ..‬فدعي إلى الوليات‬ ‫المتحدة‬ ‫المريكية وأ مضى أكثر من عام‪ ،‬وعاد بعدها لينشر كتابا مليئا بالمغالطات ضد العدل الجتماعي وضد‬ ‫الفكرة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الشتراكية تحت ستار الدعوة السلمية » (‪ )٢‬سبحانك هذا بهتان عظيم !!‬ ‫‪ ٦‬ـ تنقله بين وليات أمريكا‪:‬‬ ‫(‪ )1‬سيد قطب الشهيد الحي‪ ٦٢١ :‬ـ ‪. ٧٢١‬‬ ‫(‪ )2‬معركة السلم والرأسمالية‪٨٩:‬ـ ‪. ٨٩‬‬ ‫(‪ )1‬سيد قطب الشهيد الحي‪. ٠٣١ :‬‬ ‫(‪ )2‬مجلة الكاتب الشيوعية عدد‪ ٤٥ :‬السنة الرابعة‪ .‬سبتمبر أيلول ‪٥٦٩١‬‬ ‫صفحة‪.٣ :‬‬ ‫‪٣١‬‬ ‫لم يكن سيد قطب ملتزما بمنهج دراسي محدد في أمريكا‪ ،‬وكانت طبيعة مهمته هناك رحلة علمية‬ ‫عملية للطلع‬ ‫ً‬ ‫على مناهج التربية وأساليب التدريس في الجامعات والمعاهد العلمية‪ .‬وهذا يعني أن يقوم برحلت‬ ‫عملية في عدة‬


‫وليات أمريكية‪ ،‬وزيارة معاهد المعلمين والجامعات في مدن تلك الوليات‪.‬‬ ‫وكان الوقت يسمح له بالقيام بجولت وزيارات لمرافق المدينة التي يقيم فيها وإعداد دراسات اجتماعية‬ ‫عن‬ ‫المريكيين‪ ،‬والذهاب إلى المناظر الطبيعية الساحرة‪ ،‬والتمتع بجمالها وسحرها وجوها في الحدائق‬ ‫والقرى والوديان ‪.‬‬ ‫وكان سيد قطب يرسل مقالت لبعض المجلت في مصر‪ ،‬ويسجل المدينة او الولية التي كتب فيها‬ ‫مقاله‪ ،‬كما‬ ‫كان يرسل رسائل شخصية إلى أهله وأقاربه‪ ،‬وإلى زملئه من الدباء ويكتب اسم المدينة أو الولية التي‬ ‫يقيم فيها‬ ‫في نهاية الرسالة‪ .‬وقد عرفنا ـ بفضل هذه الطريقة البديعة ـ بعض المدن والوليات التي‬ ‫أقام فيها ‪.‬‬ ‫معروف أن مدينة نيويورك كانت المحطة الولى التي نزل فيها‪ .‬لنها تمثل نهاية خط سير الباخرة التي‬ ‫أقلته من‬ ‫السكندرية إلى نيويورك ‪.‬‬ ‫وأقام في نيويورك ما كتب االله له أن يقيم‪ ،‬وتفتحت عيناه على معالم الحياة المريكية فيها‪ ،‬وأطلق من‬ ‫هناك ـ‬ ‫ومنذ أيامه الولى بل منذ نظراته الولى ـ على أمريكا كلها لقب «الورشة الضخمة » والتي تمثلها مدينة‬ ‫نيويورك‬ ‫تماما‪ .‬هذه المدينة التي لها من اسمها نصيب‪ ،‬فلو قلت إن اسمها بالعربية‪ :‬العمل الجديد‪ .‬أو الورشة‬ ‫ً‬ ‫الجديدة‬ ‫الضخمة لما كنت مخطئا أو مبالغا‪ .‬وأكثر ما لفت انتباهه وأثار استغرابه رؤيته لسرب من الحمائم‬ ‫الوادعة في‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نيويورك‪ ،‬حيث ل مكان لهن وسط تلك الورشة‪ ،‬فكان مقاله «حمائم في نيويورك » تسجي ل‬ ‫لخواطره حوله ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫من المدن التي ذهب إليها ‪ :‬واشنطن العاصمة‪ ،‬وعرفنا عنه في العاصمة أنه بعث رسائل منها إلى‬ ‫صديقه الديب‬ ‫ً‬ ‫توفيق الحكيم‪ ،‬ونشرت مجلة الرسالة رسالتين منها‪ .‬وتجلت فيها موهبة سيد قطب في تقييم الحياة‬ ‫الفرنسية ـ التي‬ ‫يحبها توفيق الحكيم ـ والحياة المريكية ـ كما لمسها هو ـ من خلل مقارنتها بالحياة السلمية النظيفة‬ ‫الصادقة ‪.‬‬ ‫وعرفنا أنه أصيب بمرض أثناء إقامته في العاصمة‪ ،‬وأنه أدخل مستشفى «جورج واشنطن‬ ‫» فيها ‪.‬‬ ‫ومن هذه المدن‪ :‬مدينة جريلي بولية كولورادو‪ ،‬ويبدو أن إقامته في هذه المدينة طالت وقاربت العام ‪.‬‬ ‫وطال‬ ‫تردده على معهد المعلمين في المدينة‪ ،‬ويبدو أنه في تلك المدينة قد أنهى المهمة الولى في اللغة‬ ‫النجليزية‪ ،‬ونجح‬ ‫فيها‪ ،‬وأصبح بإمكانه أن يطلع ـ مباشرة ـ على الثقافة والعلوم من المجلت والكتب باللغة‬ ‫النجليزية ‪.‬‬ ‫في هذه المدينة ـ وفي معهد المعلمين ـ كان يعقد المناقشات ويوجه النتقادات لعفن الحياة المريكية‬ ‫وانحرافها‬ ‫الخلقي‪ .‬ويلحظ مظاهر الفساد والنحراف والباحية التي تسللت إلى كنائسها‪ .‬وفي هذه المدينة كان‬ ‫عضوا في‬ ‫ً‬ ‫نادي كنيستها ‪ .‬وفي هذه المدينة كانت له مشاركة في مجلتها‪ .‬حيث كتب في إحداها مقالة سياسية‬ ‫لذعة عن أمريكا‬


‫بعنوان «العالم ولد عاق » ‪ .‬ومن هذه المدينة بعث مقال بعنوان «أضواء من بعيد » نشر في مجلة‬ ‫الكتاب في مصر ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ومن المدن التي أقام فيها ‪ .‬مدينة دنفر ‪.‬‬ ‫ومن الوليات التي استقر فيها ولية كاليفورنيا ‪ .‬وتنقل بين عدة مدن فيها‪ .‬أقام طوي ل في سان‬ ‫فرنسيسكو‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫واختلط بالحياة الجتماعية لسكان المدينة وسجل انتقاداته اللذعة لهم‪ .‬ويبدو أن جو ها لم يناسبه‪،‬‬ ‫واعتلت صحته‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وأقام فترة في أحد مستشفياتها‪ .‬ويبدو أنه أثناء إقامته في ت لك المستشفى وقعت حادثة اغتيال المام‬ ‫الشهيد حسن البنا‬ ‫في مصر‪ .‬ورأى سيد قطب هناك بأم عينه مظاهر الفرح والبتهاج لدى العاملين في‬ ‫المستشفى بذلك ‪.‬‬ ‫‪٤١‬‬ ‫ومن هناك بعث مقال نشر في مجلة الكتاب بعنوان « موسيقى الوجود » الذي كتبه بعد زيارته لمعلم‬ ‫طبيعي من‬ ‫ً‬ ‫أجمل معالم الطبيعة في العالم‪ ،‬المتمثل في الحديقة الطبيعية المنسقة من الصخور والمسماة‬ ‫بحديقة اللهة ‪.‬‬ ‫ويبدو أن جو مدينة سان فرنسيسكو لم يناسبه فغادر المدينة إلى إحدى قراها الريفية الجميلة الواقعة‬ ‫في واد‬ ‫زارعي جميل‪ ،‬قرية «بالوألتو » ‪.‬‬ ‫ثم تحول إلى مدينة أخرى في ولية كاليفورنيا ‪ .‬وهي مدينة «سان دييجو » ومنها بعث رسالتين إلى‬ ‫صديقه عباس‬ ‫خضر‪ ،‬نشرهما الخير في مجلة «الرسالة » في زاويته السبوعية ‪« :‬الدب والفن في‬ ‫اسبوع »‪.‬‬ ‫هذه هي أهم المدن التي عرفنا أن سيد قطب ـ من خلل كلمه ـ أقام في ها‪ ،‬وانتقل إليها أثناء وجوده‬ ‫في‬ ‫أمريكا‪ .‬وبهذا يظ هر أنه تنقل بين مختلف وليات أمريكا‪ .‬ما بين نيويورك في الشرق وكولورادو في‬ ‫الوسط‬ ‫وكاليفورنيا في الغرب‪.‬‬ ‫‪ ٧‬ـ صور من نشاطه في أمريكا ‪:‬‬ ‫لم يكتف سيد قطب ـ أثناء وجوده في أمريكا ـ بالطلع على مناهج وأساليب التدريس‪ ،‬ولم يكن يعيش‬ ‫حياته‬ ‫هناك سلبي ً‪ ،‬ولم يكن منعزل عن المجتمع والناس من حوله‪ ،‬وإنما رأيناه يعيش حياته بطريقة أخرى‬ ‫إيجابية ثقافية ‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫تتفق مع طبيعته ونفسيته واهتماماته ‪..‬‬ ‫فبعد ان عرف طريقه الجديد وحدد معالمه‪ ،‬وبعد أن أحسن تصنيف امريكا ـ العالم الجديد ـ في مكانها‬ ‫الطبيعي في سلم الحضارة والتقدم والتأثير‪ .‬أيقن أ ن هذه الفرصة قد ل تعود مرة أخرى‪ ،‬فعليه أن‬ ‫يستغل ها ويغتنمها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وعليه أ ن يحسن استغلل أيامه فيها‪ ،‬وأن يبذل جهده في الخروج بدللت سليمة‪ ،‬ودروس وعبر صائبة‪،‬‬ ‫ونتائج‬ ‫وأحكام صحيحة ‪.‬‬ ‫لقد رأينا سيد قطب في أمريكا ـ منطلقا من دينه وإيمانه والتزامه ـ رجل إيجابي ا مؤثرا واجتماعيا فعا ً‪،‬‬ ‫ُ َِ ً‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ًل‬


‫ودارسا فاحص ً‪ ،‬وناظرا متأم ً‪ ،‬وباحثا موضوعيا ‪ ..‬لقد استخدم مواهبه ومكاسبه ومعارفه وثقافاته في‬ ‫دراسة‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫ل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫«الظاهرة » المريكية الفريدة‪ ،‬التي سحرت الكثيرين من العالم‪ ،‬وصارت مثال يحتذيه «المتأثرون‬ ‫بحضارتها »‬ ‫ً‬ ‫ويسعون إلى إلحاق أقطاره م فيه‪ .‬فأراد أن يقدم للناس ـ في العالم العربي والسلمي وفي مصر على‬ ‫وجه‬ ‫الخصوص ـ أمريكا على حقيقتها وطبيعتها‪ ،‬بدون زخارف أو رتوش أو تجميل‪ ،‬لي عرفوا دورها ورسالتها‬ ‫ومكانتها‬ ‫بين الحضارات‪ ،‬وليحذروا سمومها ومكرها ومخططاتها ‪.‬‬ ‫كما كانت رسالته الجتماعية الجديدة‪ ،‬و نشاطاته العملية المتنوعة‪ ،‬تحدي ا منه لتخطيط أمريكا بالنسبة‬ ‫له‪،‬‬ ‫ً‬ ‫واستعلء منه على إغرائها وإغوائها له‪ ،‬وتسجي ل لفشل خطتهم في تجنيده واحتوائه‪ ،‬وفضح ا لمخازيها‪،‬‬ ‫وغزو ا لها‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫في صميم حياتها وأنظمتها ووجودها‪ ،‬وإثبات ا لعظمة السلم عندما يقبل عليه رجل بصدق وج دية‬ ‫والتزام ‪ ..‬وإنني‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫أعتقد أن حياة سيد قطب في أمريكا ونشاطانه هناك يجب أن تكون مثال يقتدي به المبعوثون إليها‪،‬‬ ‫والدارسون في‬ ‫ً‬ ‫جامعاتها‪.‬‬ ‫تنوع نشاط سيد قطب في أمريكا في مظاهره وأشكاله‪ ،‬وتعددت لقاءاته ومقابلته مع مختلف «شرائح‬ ‫» الحياة‬ ‫المريكية‪ .‬وتكررت وقفاته المتأملة أمام ألوان «الحضارة » والتقدم في‬ ‫أمريكا‪...‬‬ ‫‪٥١‬‬ ‫كان لسيد قطب نشاط إسلمي‪ ،‬يتمثل في انطلقه من السلم لكشف سوءات ومفاسد الكيان‬ ‫المريكي‪ ،‬وبيان‬ ‫سمو السلم ومزاياه في انظمته ومبادئه من خلل تلك المقارنة‪ .‬وهذا بعكس منهج بعض المحبين‬ ‫للسلم في‬ ‫أمريكا الذين كانوا يدافعون عن دينهم «دفاعا » عاجز ا أمام الهجوم المريكي‬ ‫الماكر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫«بعض هؤلء كانوا يواجهوننا ـ نحن القلئل المنتسبين إلى السلم ـ في أمريكا ـ في السنوات التي‬ ‫قضيتها‬ ‫هناك ـ وكان بعضنا يتخذ موقف الدفاع والتبرير‪ ..‬وكنت على العكس أتخذ موقف المهاجم للجاهلية ال‬ ‫غربية‪..‬‬ ‫سواء في معتقداتها الدينية المهلهلة‪ ،‬او في أوضاعها الجتماعية والقتصادية والخلقية‬ ‫المؤذية‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫وكانت هذه حقائق نواجهها في واقع الحياة الغربية‪ ...‬وهي حقائق كانت تخجل أصحابها حين تعرض في‬ ‫ضوء‬ ‫السلم‪. )١ (» ..‬‬ ‫كان يحرص على أن يرى انطباق بعض آيات القرآن على الحياة في أمريكا‪ .‬فكان يتلو الية ويرى صدق‬ ‫انطباقها على الواقع هناك ويبين المدلول الواقعي لها‪ ،‬ويجد بذلك طعما ومذاقا وحيوية تأثيرا فريدا‬ ‫لكتاب االله‬


‫ً‬

‫ً‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫سبحانه‪.‬‬ ‫طبق على حياة المريكيين قوله تعالى ‪( :‬فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء‪ ،‬حتى إذا‬ ‫فرحوا بما‬ ‫اوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) (‪ )١‬فرأى أمرا عجيبا‪ ،‬أخبرنا عنه في الظلل ـ في تفسيرة لتلك‬ ‫الية ـ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بقوله‪« :‬ولقد كنت ـ في أثناء وجودي في الوليات المتحدة المريكية ـ أرى رأي العين مصداق قول االله‬ ‫سبحانه‬ ‫(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) فإن المشهد الذي ترسمه هذه الية ‪ ..‬مشهد‬ ‫تدفق كل شيء من‬ ‫الخيرات والرزاق بل حساب ‪ .‬ل يكاد يتمثل في الرض كلها كما يتمثل هناك !‬ ‫وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه ‪ ،‬وشعورهم بانه وقف على الرجل البيض وطريقة‬ ‫تعاملهم مع‬ ‫الملونين في عجرفة مرذولة‪ ،‬وفي وحشية بشعة ‪ ،‬وفي صلف على أهل الرض‬ ‫كلهم‪. ..‬‬ ‫كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الية ‪ ،‬وأتوقع سنة االله ‪ ..‬وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى‬ ‫الغافلين‪.) ٢(» ..‬‬ ‫وكان لسيد قطب نشاط آخر في المجال الجتماعي‪ ،‬وهو مكثف منوع‪« ،‬وظف » فيه مختلف مشاهداته‬ ‫ونشاطاته‬ ‫ونقاشاته وتأملته للحقيقة التي يريدها‪ ،‬وهي «تصنيف » أمريكا وحضارتها في سلم الحضارات‪ .‬وعرض‬ ‫هذا على‬ ‫الخرين حتى ل ينخدعوا ‪.‬‬ ‫إذا ذهب الى فندق أمعن نظراته فيه وفي نزلئه وناقش هؤلء ‪ .‬وإذا دخل إلى معهد أو جامعة أمعن‬ ‫نظراته‬ ‫وناقش «شرائح » اجتماعية فيه في موضوعات أخلقية وا جتماعية وحضارية وفن ية وأدبية‪ .‬وإذا مرض‬ ‫ودخل‬ ‫ّ‬ ‫« مستشفى » للعلج وظف ما يجده في ها وما يكتسبه من نظرات وتأملت ونقاشات لهدفه الذي يريد‪.‬‬ ‫وإذا جمعته‬ ‫ّ‬ ‫جلسة مع أفراد من المريكيين ـ من مختلف التخصصات والتجاهات ـ عرض خلفية تفكيرهم‬ ‫واهتماماتهم‬ ‫وعرى نفسياتهم وثقاف اتهم‪ ..‬عرض بدائيتهم في كل شيء‪ :‬في الفكار والمعارف والثقافات‪ ،‬وفي‬ ‫ّ‬ ‫الداب والفنون ‪،‬‬ ‫وفي أذواقهم في الطعام والشراب واللباس والزينة والجنس والشهوات‪.‬‬ ‫(‪ )1‬معالم في الطريق‪ ٥١٢ :‬ـ ‪ ٦١٢‬باختصار‪.‬‬ ‫(‪ )1‬النعام‪.٤٤ :‬‬ ‫(‪ )2‬الظلل ‪١٩٠١ :٢‬باختصار‪.‬‬ ‫‪٦١‬‬ ‫وإذا دخل مدينة حرص على تفحصها وإ كتشافها وتسجيل حقيقة الحياة فيها‪ ،‬وانخرط في مظاهر حياتها‬ ‫الجتماعية‪.‬‬ ‫وإذا رأى الكنائس في المدينة يسعى إلى تفسير كثرتها وجمالها الخارجي‪ ،‬وينخرط في نواديها‪ ،‬ويدلف‬ ‫إلى‬ ‫مبانيها‪ ،‬ويتفحص الداخلين إليها‪ ،‬ويتعجب من مسارعتها ـ وهي المبنية للعبادة ـ إلى جذب أفراد‬ ‫الجنسسين ‪،‬‬ ‫مستخدم في ذلك وسائل ل أخلقية من الجنس والباحية‪ ،‬داعية الشباب والشابات إلى الفجور والعربدة‬ ‫في ردهاتها ‪،‬‬


‫وممراتها وليبارك «ربهم » فجورهم وعهرهم ‪.‬‬ ‫وإذا انتقل إلى متحف للفن أمعن النظر فيه‪ ،‬وفي رواده وزائرية‪ ،‬وحلل أذواقهم في‬ ‫ذلك ‪.‬‬ ‫وإذا جلس معه مفكرون أو أدباء أو رأى صحفيين أو سياسيين‪ ،‬عرض عليهم نماذج شوهاء من‬ ‫مجتمعاتهم‪،‬‬ ‫وأتب عها بن ماذج سامية ومضيئة للمسلمين ‪.‬‬ ‫وإذا زار دار صحيفة يسعى إلى الكتابة فيها‪ ،‬مقالت انتقادية سياسية‪ ،‬واجتماعية لذعة لنقد الحياة‬ ‫المريكية‪.‬‬ ‫وإذا رأى منظرا ساحرا طبيعيا يأنس به «ويستخسره » على المريكيين البدائيين !وكم تعجب ودهش‬ ‫واستغرب‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عندما رأى سرب حمائم وادع ة في نيويورك‪ ،‬لنه ل وجود له وسط هذه «الورشة » فكأنه‬ ‫شاذ نشاز ‪.‬‬ ‫وإذا رأى عشرات المريكيين يسارعون إلى أعمالهم الوظيفية الرتيبة في الصباح والمساء‪ ،‬راعه أداؤهم‬ ‫للحياة‬ ‫وممارستها بطريقة ميكانيكية آلية‪ ،‬ل تختلف عن أداء اللت التي يصنعونها‪ ،‬والمصانع التي‬ ‫يشيدون ها ‪.‬‬ ‫وإذا ضجر من هذه المشاهد اللية‪ ،‬وسئم من هذه النماذج البشرية الشوهاء‪ ،‬وتعب من هذه الدراسات‬ ‫الفاحصة ‪،‬‬ ‫و «قرف » من هذه الورشة الصناعية الضخمة‪ ...‬غادر المصانع واللت ـ اليدوية والبشرية ـ إلى جمال‬ ‫الطبيعة‬ ‫الحالم‪ ،‬ومشاهدها الساحرة‪ ،‬وانساب إليها‪ ،‬وقضى أوقات ا م متعة‪ ،‬ولحظات زاكية مباركة‪ ،‬يتذوق‬ ‫جمالها‪ ،‬ويعيش‬ ‫ً‬ ‫سحرها‪ ،‬ويتحسس مظاهر «النعمه » فيها باعتبارها من نعم االله الساحرة‪ ،‬التي ل يلتفت إليها‬ ‫الصناعيون ‪.‬‬ ‫وبعد هذا كله كم كان يحزنه ويؤلمه ويسوءه أن يرى في مصر ـ أرض الكنانة ـ من يدعو إلى ممارسة‬ ‫الحياة‬ ‫على الطريقة المريكية ‪ :‬سياسيا أو اجتماعيا أو فني ا أو اقتصاديا أو حضاري ا‪ .‬ويشفق على وطنه ان‬ ‫يكون صورة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫شوهاء لوجود أمريكي مشوه ‪.‬‬ ‫‪ ٨‬ـ عودته إلى مصر‪:‬‬ ‫في أيام سيد قطب الخيرة في أمريكا‪ ،‬سيطر عليه الشوق والحنين إلى مصر‪ ،‬وكم كان يتمنى أن يعود‬ ‫إليها ‪،‬‬ ‫ويمتع نفسه بجمالها ‪.‬‬ ‫وبما أن بعثته إلى أمريكا لم تكن محددة بزمن معين‪ ،‬ول بخطة دراسية خاصة ـ كما بي نا ـ فقد كان أمر‬ ‫إنهائها بيده هو‪ ،‬يعود متى شاء ‪.‬‬ ‫وبما أن إخراجه من مصر كان عملية للتخلص منه‪ ،‬فقد رأى أن الظروف قد تغيرت ـ نوعا ما ـ ول سيما‬ ‫أن‬ ‫ً‬ ‫قبضة الملك فاروق على البلد قد ضعفت‪ ،‬وصار في البلد نوع من الديمقراطية أكثر من ذي قبل‪،‬‬ ‫وكانت البلد‬ ‫تعيش عدة تيارات ودعوات متضاربة‪ ،‬ول يعلم أحد ما تتمخض عنه الحداث‪.‬‬ ‫لهذا كله أدرك سيد قطب أن مكانه الطبيعي بين أهله وإخوانه‪ ،‬وفي خدمة أمته ووطنه‪ ،‬وأن من واجبه ـ‬ ‫وقد‬ ‫أفلت من الحصار والحتواء ال مريكي ـ أن يبصر الناس ويحذرهم مكر الماكرين ‪.‬‬


‫‪٧١‬‬ ‫عندها قرر سيد قطب العودة إلى مصر عام ‪. ٠٥٩١‬‬ ‫وقد نظم ـ وهو في أمريكا وفي مدينة سان فرنسيسكو بالذات ـ قصيدتين حمل كلماتهما شوقه وحنينه‬ ‫إلى‬ ‫أرض الكنانة‪ ،‬قال في الولى التي سماها «دعاء الغريب » ‪.‬‬ ‫يـا نـائيـات الضفاف هـنـا فتـاك الـحبيـب‬ ‫علـيه طـأل المطـاف متـى يعـود الغريـب‬ ‫متـى تـمس خطـاه‬ ‫ذاك الديـم المـغبـر‬ ‫متـى تـشـم شـذاه‬ ‫كـالقـحوان المعطـر‬ ‫متـى تـرى عينـاه تـلك الـربـوع المواثل‬ ‫أحـلمـه و مـنـاه تـدعـوه خلف الحوائـل‬ ‫حـنـيـنـه رفـاف إلـى الديـار البـعيـدة‬ ‫متـى متـى يـا ضفاف تـأوي خـطاه الشـريدة‬ ‫إلى أن يقول فيها ‪:‬‬ ‫يـا أرض ردي إلـيـك هذا الوحـيـد الغـريـب‬ ‫هـواه وقـف علـيـك ردي فـتـاك الحبيـب (‪) ١‬‬ ‫وقال في الثانية «هتاف الروح »‪:‬‬ ‫في الجـو يـا مصـر دفء يـدنـي إلـي خـيالـك‬ ‫وتستـجيش حـنيـنـي إلـى الـليـالي هـنالك‬ ‫لـلمسيـات السكـارى نشـوى تـرف خيـالـك‬ ‫ونسـمـة فـيـك تسرى ريـانـة مـن جـمـالك‬ ‫نـجواك مـلء فـؤادي تـرى خـطرت ببالك‬ ‫إلى أن يقول فيها ‪:‬‬ ‫في النفس يا مصر شوق لـخـطرة فـي ربـاك‬ ‫لـضمـة مـن ثـراك لـنفـحـة مـن جـواك‬ ‫لـومضـة مـن سماك لـهـاتـف مـن رؤاك‬ ‫لـليـلة فـيـك أخرى مـع الـرفـاق هـنـاك‬ ‫ظـمـآن تهتف روحي متـى تـراني أراك ( ‪) ١‬‬ ‫وإن شوق سيد قطب إلى مصر‪ ،‬ولهفة نفسه إليها ‪ ،‬وحنينه لرؤيتها‪ ،‬يكاد يبر ز من خلل كلمات هاتين‬ ‫القصيدتين ‪،‬‬ ‫ونكاد نراه مجسم ا محسوسا ملموسا ‪ ..‬ونكاد نرى مشاعر سيد قطب وأشواقه وأحلمه وخواطره ‪ .‬بل‬ ‫إنه يبدو ـ من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫خلل القصيدتين ـ وقد تحول إلى مجموعة من المشاعر والشواق‪ ،‬وليس مجرد إنسان عنده شوق‬ ‫وحنين ! !‬ ‫(‪ )1‬مجلة الكتاب مجلد ‪٩‬جزء ‪٦‬السنة الخامسة‪ :‬يونية ‪٠٥٩١‬صفحة ‪. ٧٤٩‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة سنة ‪ ٨١‬مجلد ‪ ١‬عدد‪٧٧٨ :‬تاريخ ‪٤٢‬ابريل‪ :‬صفحة ‪: ٢٧٤‬‬ ‫‪٨١‬‬ ‫وقد أخبر أهله ومعارفه بموعد قدومه إلى مصر‪ .‬وكان في مقدمة معارفه الذين علموا بذلك الموعد‬ ‫عباس خضر‬ ‫ـ وقد كان يحرر زاوية ثابتة في مجلة الرسالة هي زاوية الدب والفن في أسبوع ـ فسارع ينشر ذلك‬ ‫الخبر في‬ ‫زاويته‪ .‬وجاء فيها قوله ‪:‬‬ ‫«يصل بالطائرة يوم ‪ ٠٢‬أغسطس الحالي ( ‪ )٠٥٩١‬الستاذ سيد قطب عائدا من أمريكا‪ ،‬حيث كان مبعوثا‬ ‫من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وزارة المعارف لدراسة النظم التعليمية هناك‪. ) ٢( » ..‬‬ ‫وما أن حل ذلك ال موعد حتى حطت قدما سيد قطب أرض مصر وسط استقبال وترحاب أهله ومعارفه‬


‫وأصدقائه‬ ‫ومحبيه ‪.‬‬ ‫وبذلك عاد إلى مصر بعد أ ن غاب عنها سنتين كاملتين في أمريكا ـ من اغسطس ‪ ٨٤٩١‬حتى اغسطس‬ ‫‪. ٠٥٩١‬‬ ‫لكنه عاد صاحب رسالة ودعوة ‪ ،‬مزودا بالتجارب والخبرات ‪ ،‬حيث كانت أمريكا بداية المنعطف ا لجديد‬ ‫في‬ ‫ً‬ ‫حياته‪ ،‬لقد وجد نفسه وإيمانه وإسلمه هناك‪ ،‬فسار في طريقه حتى نال الشهادة ‪.‬‬ ‫وبعد ما عاد من امريكا ظن البعض أنه حصل على درجة الدكتوراه‪ ،‬وأطلقت عليه إحدى الصحف لقب‬ ‫«دكتور » فسارع بالتصحيح وأنه ليس دكتورا‪ .‬يقول السيد عباس خضر حول هذا‪ « :‬كان سيد قطب‬ ‫جادا مترفع ً‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫أذكر عقب عودته من أمريكا أن كتبت عنه جريدة «المصري » شيئ ا قالت فيه ‪« :‬الدكتور سيد قطب‬ ‫» فكتب في العدد‬ ‫ً‬ ‫التالي أنه ليس دكتورا‪ ..‬وكان يمكن أن يترك ذلك اللقب يجري على القلم واللسنة ويشيع مسندا‬ ‫إليه‪ ..‬كما يفعل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بعض المواطنين‪.) ١( » ..‬‬ ‫‪ ٩‬ـ هجومه على أمريكا ‪:‬‬ ‫عاد سيد قطب إلى عمله في وزارة المعارف‪ ،‬في إدارة التفتيش الفني‪ ،‬عاد مؤهل بخبرات وتجارب‬ ‫ومناهج من‬ ‫ً‬ ‫بعثته إلى أمريكا تؤهله ليمارس دوره في وضع المناهج والنظم التعليمية للوزارة‪ ،‬ومن هو النسب منه‬ ‫ليقوم بذلك‬ ‫العمل‪ ،‬وهو العائد من أمريكا؟‬ ‫توقعت أمريكا وعملؤها في مصر من سيد قطب أن ينقل المناهج والساليب المريكية إلى مصر‪ ،‬وأن‬ ‫يتبناها‬ ‫ويقررها‪ ..‬ولكن سرعان ما فجعوا بآمالهم في سيد قطب‪ ،‬وتبددت أحلمهم وخابت‬ ‫ظنونهم‪.‬‬ ‫لقد عاد سيد قطب إلى مصر رجل مؤمنا ملتزم ً‪ ،‬صاحب رسالة ودعوة وغاية‪ ،‬استمدها من دينه‪ ،‬وسعى‬ ‫إلى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫أداء رسالته وحرص على مرضاة ربه ‪ ..‬لذلك عمل على تحقيق هذه الرسالة في العمال التي اسندت‬ ‫إليه‪ ،‬والمهام‬ ‫التي أ نيطت به‪ ..‬فعمل على النظر في المناهج والنظم والساليب التعليمية من خلل السلم ومبادئه‬ ‫ُ‬ ‫وتوجيهاته ‪،‬‬ ‫وأراد صوغ ذلك وفق تلك المبادئ والتوجيهات‪ ..‬وهو في هذا أغضب المريكان وعملءهم‪ .‬فحصل‬ ‫الصدام بينه‬ ‫وبينهم‪ ،‬ووقفوا في وجهه‪ ،‬وعملوا على عرقلة عمله وتعطيل خطته‪ ..‬ونتج عن ذلك الحيلولة بينه وبين‬ ‫العمل‬ ‫والتنفيذ‪ ،‬فأصبح عمله في وزارة المعارف « مشلول »‪ ..‬ولذلك لم يجد أمامه إل الستقالة من الوزارة‪...‬‬ ‫وهكذا‬ ‫كان‪ ..‬حيث تفرغ بعد ذلك للعمل للسلم كتابة ودعوة وجهادا ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫(‪ )2‬الرسالة سنة ‪ ٨١‬مجلد ‪ ٢‬عدد‪٤٩٨ :‬تاريخ ‪١٢‬أغسطس صفحة‪. ٨٥٩ :‬‬ ‫(‪ )1‬الثقافة‪ :‬المجلد الثامن السنة الرابعة عدد‪٧٤ :‬أغسطس ‪ ٧٧٩١‬صفحة‪:‬‬ ‫‪. ٠٥‬‬


‫‪٩١‬‬ ‫وقد أخبرنا عن بعض العقبات التي وضعت أمامه في وزارة المعارف بقوله ‪« :‬ألم أحاول عشرين مرة ـ‬ ‫بعد‬ ‫عودتي من امريكا ـ أن أنشئ لوزارة المعارف أدارة فنية صحيحة‪ ،‬تقيم نظم التعليم ومناهجه على‬ ‫أساس سليم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ففشلت في المرات فشل ذريعا ‪ ،‬لن المراد في هذه المرة كان إصلحا في الصميم‬ ‫»(‪. ) ١‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وحول أساس الختلف بين سيد قطب وبين رجال امريكا في وزارة المعارف يقول الستاذ يوسف‬ ‫العظمة‪« :‬أول‬ ‫ما نادى الرجل المسلم والمفكر القرآني أن مناهج التربية المريكية مناهج غريبة عنا ل تنبع من أعماق‬ ‫جذور أمتنا‬ ‫ول تربتط بأصالتها برباط‪ .‬ودعا إلى اتخاذ المنهاج السلمي الشامل المتكامل أساس ا للتربية في ديار‬ ‫السلم ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫فقامت قيامة البواق المريكية في وزارة التربية والتعليم المصرية ‪ ،‬وكان على رأسها يومئذ الستاذ‬ ‫إسماعيل‬ ‫القباني يغفر االله له‪) ٢(» ..‬‬ ‫وبعد ما ترك وزارة المعارف صار يهاجم أمريكا باستمرار ‪ ،‬يهاجمها في رجالها وعملئها‪ ،‬في حياتها‬ ‫السياسية‬ ‫والقتصادية العسكرية‪ ،‬في مناهجها التعليمية والجتماعية‪ ،‬ويكشف دورها في السيطرة على بلدان‬ ‫العالم الثالث‪،‬‬ ‫ويفضح أساليبها في توجيه الحياة في مصر ـ وغيرها ـ إلى الوجهة المريكية‪ ،‬ويبين نفوذها وسيطرتها‬ ‫على‬ ‫وزارة المعارف وعلى صحف ومجلت مصرية ‪ ،‬وعلى رجال السياسة وا لقتصاد والدب والفكر‬ ‫في البلد ‪.‬‬ ‫ما ترك وسيلة متاحة إ ل وإ ستخدمها في هذه المهمة‪ ،‬سواء كانت جلساته وأحاديثه وحواره مع الناس ‪،‬‬ ‫أو مقالته‬ ‫ّ‬ ‫في الصحف والمجلت‪ ،‬أو محاضرا��ه في النوادي والجمعيات‪ ،‬أو تحليلته السياسية امام الزائرين‪ ،‬او‬ ‫كتبه التي‬ ‫يصدرها ‪.‬‬ ‫قال في مقالة «عدونا الول‪ :‬الرجل البيض » ‪ :‬الذين ي عتقدون أن المريكان يمكن أن يكونوا معنا ضد‬ ‫الستعمار‬ ‫الوروبي هم قوم إما مغفلون أو مخادعون‪ ،‬يشغلون طابور ا خامس ا للستعمار المنتظر لبلد‬ ‫الشرق الوسط !‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫إن مصالح الستعمار المريكي قد تختلف أحيان ا مع مصالح الستعمار الوروبي‪ ،‬ولكن هذا ليس معناه‬ ‫أن‬ ‫ً‬ ‫يكونوا في صف استقللنا وحريتنا‪ .‬إنما معناه ان يحاولوا زحزحة أقدام الوروبيين ليضعوا هم أقدامهم‬ ‫فوق رقابنا ‪.‬‬ ‫وفي الغالب يجدون حل ل خلفاتهم مع الستعمار الوروبي على حسابنا ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫إن الرجل البيض هو عدونا الول ‪ .‬سواء كان في أوروبا أو كان في أمريكا‪ ..‬وهذا ما يجب أن نحسب ل‬ ‫ه‬


‫حسابه ‪ .‬ونجعله حجر الزاوية في سياستنا الخارجية‪ ،‬وفي تربيتنا القومية كذلك‬ ‫‪.‬‬ ‫‪..‬ولكن الذي نفعله هو عكس هذا على خط مستقيم ‪ ..‬عندنا في وزارة المعارف عبيد للرجل البيض ‪..‬‬ ‫عبيد‬ ‫يعبدون هذا الرجل كعبادة االله‪ ..‬بل إنهم ليلحدون في االله ول يلحدون في أوروبا أو أمريكا‪.‬‬ ‫سرا وعلنية ‪..‬‬ ‫ً‬ ‫وعندنا في معاهد التربية التي تخرج المدرسين‪ ،‬فتؤثر بذلك في عقلية أجيال بعد أجيال‪ ..‬عندنا فتات‬ ‫آدمي ينظر‬ ‫إلى الرجل البيض نظرة التقديس‪ ،‬ويطبع مشاعر الطلبة الذين سيصبحون مدرسين بطابع العجاب‬ ‫والقداسة لولئك‬ ‫المستعمرين القذرين‪ ،‬الذين يحتقروننا ويهينون كرامتنا‪ ،‬فنتلقى ذلك منهم بالشكر والثناء‪ ...‬وهذه جناية‬ ‫قومية وجناية‬ ‫إنسانية‪..‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة سنة ‪ ٠٢‬مجلد ‪ ١‬عدد ‪ ٥٩٩‬تاريخ ‪٨٢‬يوليو ‪ ٢٥٩١‬صفحة‪.٧٣٨ :‬‬ ‫(‪ )2‬رائد الفكر السلمية المعاصر ليوسف العظم‪. ٤٣ :‬‬ ‫‪٠٢‬‬ ‫‪ ...‬هذا هو الستعمار الذي بثته في أرواحنا المدرسة المصرية التي تنفذ أهداف الستعمار إلى اللحظة‬ ‫الحاضرة‪ .‬بل يقوم على رأسها وزير كان من عباد إ نجلترا ثم أضحى من عباد أمريكا ومعه معاهد تربية‬ ‫تتعبد‬ ‫أمريكا من دون االله في الرض !!‪.‬‬ ‫إلى أن يقول ‪« :‬إن الستعمار ل يغلبنا اليوم بالحديد والنار‪ ،‬ولكنه يغلبنا قبل كل شيء بالرجال الذين‬ ‫استعمرت‬ ‫أرواحهم وأفكارهم‪ ،‬يغلبنا بهذا السوس الذي تركه الستعمار في وزارة المعارف‪ ،‬وفي الصحف‪،‬‬ ‫والكتب‪ ،‬يغلبنا‬ ‫بهذه القلم التي تغمس في مداد الذل والهوان الروحي لتكتب عن امجاد فرنسا‪ ،‬وأمجاد بريطانيا‬ ‫وأمجاد‬ ‫أمريكا‪. ) ١(» ..‬‬ ‫وأعطانا نموذجا عملي ا لتنافس الدول المستعمرة ورجال مخابراتها على احتواء وتجنيد واكتساب‬ ‫المسؤولين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والمتنفذين وقادة الرأي والفكر في مصر‪ .‬هذا النموذج هو الدكتور طه حسين‪ ،‬وما فعل به النجليز‬ ‫عندما صار‬ ‫وزيرا للمعارف‪« :‬فهم يعرفون أن ميول الرجل ـ حسب ثقافته فرنسية ـ فل ما صارت إليه وزارة‬ ‫ً‬ ‫المعارف أدركوا‬ ‫أن هناك خطرا على الثقافة النجليزية قد يصيبها مع وجود هذا الوزير ‪ .‬وهنا فقط تذكروا أن طه حسين‬ ‫أديب كبير‪،‬‬ ‫ً‬ ‫يستحق الدعوة إلى أنجلترا والضيافة على الحكومة البريطانية والمعهد البريطاني والتكريم باللقاب‬ ‫الجامعية من‬ ‫جامعات بريطا نيا ‪ ..‬فقط عندما صار وزيرا للمعارف! إن الستعمار يخشى على حبائله في وزارة‬ ‫المعارف أن‬ ‫ً‬ ‫تتكشف أو تتزعزع‪. )٢ (» ..‬‬ ‫وعن سيطرة رجال المخابرات الجنبية ـ والمريكية على وجه الخصوص ـ على الصحف والمجلت في‬ ‫مصر‪ ،‬وتوجيهها لها لتخدم مخططات أولئك العداء يقول ‪« :‬إن الصحف المصرية ـ إل النادر القليل ـ‬


‫مؤسسات‬ ‫دولية‪ ،‬ل مصرية ول عربية‪ ،‬مؤسسات تساهم فيها أقلم المخابرات البريطانية والمريكية والمصرية‬ ‫والعربية‬ ‫أخيرا!! مؤسسات تحرر صفحات كاملة فيها بمعرفة أقلم المخابرات هذا لتروج دعايتها في أوساط‬ ‫ً‬ ‫الجماهير ‪،‬‬ ‫مؤسسات تخدم الرأسمالية العالمية أكثر مما تخدم أوطانها وشعوبها الفقيرة‪ ،‬وهذا هو السر في أن‬ ‫الدولة ل تفرض‬ ‫عليها القيود التي تفرض على الكتب‪ .‬لن وراءها أقلم المخابرات ومصالح الرأسمالية العالمية‪ ،‬وهي‬ ‫كفيلة بأن‬ ‫تسندها وتذلل لها العقبات وتفسح لها الطريق‪ ،‬لنشر دعايتها المستوردة في أطراف البلد العربية‬ ‫جميعا »( ‪. )١‬‬ ‫ً‬ ‫نكتفي هنا بهذه النماذج لهجومه على أمريكا‪ ،‬وكشفه لمكرها ومؤامراتها‪ ،‬وتفنيده لفكارها‪ ،‬لن هدفنا هو‬ ‫جمع‬ ‫كلمه المتفرق في المقالت والكتب عن أمريكا‪ ،‬وسيقف القارئ على تحليلته الصائبة في القسم الثاني‬ ‫من هذا‬ ‫الكتاب بإذن االله ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة سنة ‪ ٠٢‬مجلد ‪ ٢‬عدد‪٩٠٠١ :‬تاريخ ‪ ٣‬نوفمبر ‪١٥٩١‬صفحا ‪ ٧١٢١‬ـ ‪٩١٢١‬‬ ‫باختصار‪.‬‬ ‫(‪ )2‬معركة السلم والرأسمالية‪ ٠٠١ :‬ـ ‪.١٠١‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة سنة ‪ ٩١‬مجلد ‪.١‬عدد ‪ ٣٤٩‬تاريخ ‪ ٠٣‬يوليو ‪ ١٥٩١‬صفحة ‪.٤٥٨‬‬ ‫‪١٢‬‬ ‫الفصل الثاني‬ ‫تقييم سيد قطب لمريكا‬ ‫‪ ١‬ـ أساس التقييم‪:‬‬ ‫يختلف تقويم الناس للمر الواحد نظرا لختلف الساس الذي سلكه كل منهم في التقويم‪ ،‬واختلف‬ ‫النظرة التي‬ ‫ً‬ ‫ينظر من خللها إليه‪ ،‬والرض التي يقف عليها‪ ،‬والزاوية التي ينطلق منها‪ ،‬والمنظار الذي ينظر به ‪...‬‬ ‫وتختلف‬ ‫تبعا لذلك الحكام على ذلك الشيء ‪ً .‬‬ ‫وبالنسبة لموضوعنا «تقويم أمريكا » يختلف الناس فيها‪ ،‬تبعا لختلف الدوات التي سلكوها في التقويم‬ ‫ثم التقييم ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫فأمريكا عند المتأثرين بها «المضبوعين » بقوتها المفتونين بتقدمها‪ .‬هي أقوى دولة‪ ،‬وأساس الحضارة‪،‬‬ ‫وكعبة‬ ‫العلم‪ ،‬والمثال الذي يحتذى في التقدم العلمي والمادي والتكنولوجي والحضاري‪ .‬وعلى كل من أراد‬ ‫التقدم أن يسير‬ ‫على خطاها وأن يقتفي آثارها ‪.‬‬ ‫وأمريكا عند من يعتبر الحضارة هي التقدم المادي والعلمي والتكنولوجي هي أم الحضارة وزعيمة‬ ‫العالم‪.‬‬ ‫وأمريكا عند «المهزومين » سياسيا وعسكري ا ونفسي ا وحضاريا ‪ :‬هي القوة الضاربة‪ ،‬وصاحبة‬ ‫السطوة والسلطان‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التي ل يجوز أن يخرج أحد عليها أو يخالف توجيهاتها ورغباتها‪.‬‬ ‫وأمريكا عند «المفتونين » بالديمقراطية والحرية الشخصية والقتصادية والجتماعية هي «أم الحرية‬ ‫»وموطن‬ ‫الديمقراطية‪ ،‬وراعية الحقوق النسانية ‪...‬‬


‫هذه أمريكا في نظرة الماديين والمخدوعين والمضبوعين والمهزومين والمفتونين‪ ،‬وهؤلء هم السذج‬ ‫البله‬ ‫الغافلون الجاهلون‪ ،‬ول يخرجون عن هذه الصفات وإن كثر عددهم في البلد‪ ،‬وإن تسلموا مركز‬ ‫المسؤولية‬ ‫والتوجيه والتربية والتخطيط في البلد السلمية كما هو الحاصل في هذه‬ ‫اليام؟ !‬ ‫ولكن أمريكا في منظار المؤمنين شيء آخر‪ ،‬وهي بميزان المؤمنين لها قيمة أخرى‪ ،‬ويخرج هؤلء‬ ‫المؤمنون‬ ‫المبصرون بنتيجة صادقة وأحكام صائبة على أمريكا وقوتها ‪ ،‬عندما يستخدمون الدوات الصحيحة في‬ ‫التقييم‪،‬‬ ‫والمنظار السلمي في النظر‪ ،‬والميزان القرآني في الوزن‪ ،‬والساس الرباني في التقويم‬ ‫والتقييم ‪.‬‬ ‫إنهم يقيسونها بما تملك من القيم والخلق والعتبارات النسانية‪ ،‬وما يتمثل فيها من مبادئ ومثل‬ ‫وأعراف مدنية‬ ‫إنسانية‪ ،‬وما تملك من رصيد الفطرة النسانية الصافية التي فطر االله الناس عليها‪ .‬وما توليه من‬ ‫اهتمامات بالروح‬ ‫والنفس والمشاعر والحاسيس‪ .‬ومن ثم يتساءلون عن مقدار ما أضافته إلى رصيد التاريخ النساني‬ ‫والحضارة‬ ‫النسانية والفضائل النسانية والروح النسانية‪...‬‬ ‫وهكذا يجب أن تكون النظرة وأن يكون التقدير والتقويم والتقييم‪ ،‬وأن يكون الميزان والحكم والتوجيه‪.‬‬ ‫يجب‬ ‫النظر بال منظار القرآني‪ ،‬ويجب النطلق من الرضية اليمانية والزاوية السلمية‪ ،‬ويجب استعمال‬ ‫الميزان‬ ‫الرباني والمقياس اليماني في ذلك‪.‬‬ ‫والذي يفعل ذلك يكون رجل مؤمن ا بصيرا ذكي ا فطن ا عاق ل صاحب لب ووعي ‪ .‬وبصر وبصيرة ‪...‬‬ ‫ومن ثم تكون‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً ًِ ًً‬ ‫أحكامه ونظراته وتحليلته صائبة صادقة صحيحة دقيقة سليمة موضوعية‬ ‫منهجية ‪..‬‬ ‫‪٢٢‬‬ ‫وسيد قطب في دراسته لمريكا وتحليله لها وكلمه عنها‪ ،‬استخدم تلك الدوات والوسائل والسس‬ ‫والموازين‬ ‫اليمانية ‪ .‬وما كان له أن يستخدم غيرها‪ ،‬لنه عرف دينه وإسلمه وإيمانه‪ ،‬وانطلق من ذلك في‬ ‫عملية التقييم‪.‬‬ ‫بخبرنا عن المنهج والساس الذي انطلق منه في تقييم أمريكا بقوله ‪:‬‬ ‫«أمريكا‪ ..‬أمريكا‪ ..‬أمريكا هذه كلها‪ ..‬ما الذي تساويه في ميزان القيم النسانية؟ وما الذي أضافته إلى‬ ‫رصيد‬ ‫البشرية من هذه القيم‪ ،‬أو يبدو أنها ستصيفه إليه في نهاية المطاف؟‬ ‫أخشى أن ل يكون هناك تناسب بين عظمة الحضارة المادية في أمريكا‪ ،‬وعظمة «النسان » الذي ين‬ ‫شىء هذه‬ ‫ُِ‬ ‫الحضارة‪ .‬وأخشى أن تمضي عجلة الحياة‪ ،‬ويطو ى سجل الزمن‪ ،‬وأمريكا لم تضف شيئ ا ـ أو لم تضف‬ ‫إل اليسير‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫الزهيد ـ إلى رصيد النسانية من تلك القيم‪ ،‬التي تميز بين النسان والشيء‪ ،‬ثم بين النسان‬ ‫والحيوان ‪.‬‬ ‫إن كل حضارة من الحضارات التي مرت بها البشرية لم تكن كل قيمتها فيما ابتدعه النسان من الت‪،‬‬ ‫ول فيما‬


‫سخره من قوى‪ ،‬ول فيما أخرجت يداه من نتاج ‪ ..‬إنما كان معظم قيمتها فيما اهتدى إليه النسان من‬ ‫حقائق عن‬ ‫الكون‪ ،‬ومن صور وقيم للحياة‪ ،‬وما تركه من هذا الهتداء في شعوره من ارتقاء‪ ،‬وفي ضميره من‬ ‫تهذيب‪ ،‬وفي‬ ‫تصوره لقيم الحياة من عمق والحياة النسانية بوجه خاص‪ ،‬مما يزيد المسافة بعدا في حسابه وحساب‬ ‫الواقع‪ ،‬بينه‬ ‫ً‬ ‫وبين مدارج الحيوانية الولى في الشعور والسلوك‪ ،‬وفي تقويم الحياة وتقويم‬ ‫الشياء ‪.‬‬ ‫فأما ابتداع اللت‪ ،‬أو تسخير القو ى أو صنع الشياء‪ ،‬فليس له في ذاته وزن في ميزان القيم النسانية‪،‬‬ ‫إنما هو‬ ‫مجرد رمز لقيمة أساسية أخرى ‪ :‬هي مدى ارتقاء العنصر النساني في النسان‪ ،‬ومدى الخطوات التي‬ ‫يبعد بها عن‬ ‫عالم الشياء‪ ،‬وعالم الحيوان‪ ،‬أي مدى ما أضاف إلى رصيده النساني من جراء فكرته عن الحياة‪ ،‬وفي‬ ‫شعوره‬ ‫بهذه الحياة ‪.‬‬ ‫هذه القيمة الساسية هي موضع المفاضلة والموازنة بين حضارة وحضارة‪ .‬وبين فلسفة وفلسفة‪ ،‬كما‬ ‫أنها هي‬ ‫الرصيد الباقي وراء كل حضارة المؤثر في الحضارات التالية‪ ،‬حين تتحطم اللت وتفنى الشياء‪ ،‬أو حين‬ ‫تنسخها‬ ‫آلت أجد وأشياء أجود‪ ،‬مما يقع بين لحظة وأخرى‪ ،‬في مشارق الرض ومغاربها‪)١ (» ..‬‬ ‫‪.‬‬ ‫وتطبيق ا لهذا الساس والمنهج في النظر إلى أمريكا و «حضارتها » يخرج بنتيجة محددة من ذلك يقول‬ ‫ً‬ ‫فيها ‪« :‬وإنه��� ‫ليبدو أن العبقرية المريكية كلها قد تجمعت وتبلورت في حقل العمل والنتاج‪ ،‬بحيث لم تبق فيها بقية‬ ‫تنتج شيئ ا في‬ ‫ً‬ ‫حقل القيم النسانية الخرى‪ ...‬ولقد بلغت في ذلك الحقل ما لم تبلغه أمة‪ ،‬وجاءت فيه بالمعجزات التي‬ ‫أحالت الحياة‬ ‫الواقعية إلى مستوى فوق التصور وفوق التصديق لمن لم يشهدها عيان ا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ولكن «النسان »لم يحفظ توازنه أمام اللة‪ ،‬حتى ليكاد هو ذاته يستحيل آلة‪ ،‬ولم يستطع أن يحمل‬ ‫عبء العمل‬ ‫المنهك ثم يمضي قدما في طريق النسانية‪ ،‬عندئذ أطلق للحيوان الكامن العنان‪ ،‬ضعفا عن أن يحمل‬ ‫عبء العمل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وعبء «النسان » (‪. )٢‬‬ ‫أمريكا ل ترى إل العمل والكدح‪ ،‬ول تؤمن إل بالعمل والكدح‪ ،‬ول تزن الفكار والمعاني إل بميزان العمل‬ ‫والكدح‪ ،‬ول تعرف الرجال والعباقرة إل بمنظار العمل والكدح‪ .‬جميل أن يكون في الحياة عمل وكدح‪،‬‬ ‫جميل أن‬ ‫(‪ )1‬الرسالة سنة ‪ ٩١‬عدد ‪ ٧٥٩‬تاريخ ‪٥‬نوفمبر ‪ ١٩٥١‬صفحات‪٥٤٢١ :‬ـ ‪.٦٤٢١‬‬ ‫(‪ )2‬المرجع السابق‪. ٦٤٢١ :‬‬ ‫‪٣٢‬‬ ‫يكون في الحياة لذة ومتاع‪ .‬ولكن على أن ل يستغرق كلهما الحياة على أن تبقى فترة للتأمل الهادئ‪،‬‬ ‫والتطلع إلى‬ ‫آفاق أعلى من اللذة والمتاع ‪ .‬ولكن «العالم الجديد » ل يعرف الحياة إل كدح ا في العمل المادي حتى‬ ‫اللغوب‪،‬‬ ‫ً‬


‫وأرتشافا للذة الحسية حتى الهمود‪ ....‬حتى التفكير يكاد يكون جهدا عضلي ا‪ .‬فهو جهد غايته تحسين‬ ‫المصنع‪ ،‬وترقية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫العمل وإدارة العمل‪ ،‬وتنظيم الشغال؟‬ ‫والحب ! الحب الذي يطلق الطاقات النسانية جميع ا‪ ...‬إنه هنا في أمريكا جسد يتشهى جسد ً‪ ،‬وحيوان‬ ‫يتشهى‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫حيوان ً‪ ،‬ول وقت للسواق الروحية ‪. ) ١(» ..‬‬ ‫ا‬ ‫‪ ٢‬ـ أصل المريكيين ونفسياتهم‪:‬‬ ‫لماذا تركيز المريكيين على العمل والنتاج؟ لماذا يغفلون الروح والخلق والقيم النسانية؟ ما هي جذور‬ ‫هذا‬ ‫الطريق الذي اختارته أمريكا؟ وما هي بواعث هذا الختيار؟ لقد أجاب سيد قطب على ذلك بإيجاز‪،‬‬ ‫وأشار إلى‬ ‫بواعث وأسباب ذلك باختصار ‪.‬‬ ‫يقرر سيد قطب أن أمريكا ليست فريدة ول متفرده‪ ،‬بل هي غصن جديد للشجرة الشيطانية والنبت‬ ‫الخبيث النكد ‪،‬‬ ‫تلك هي «المادية الجاهلية »التي تسمى الحضارة الوروبية‪ ،‬هذه الشجرة أنتجت أغصان ا وفروع ً‪،‬‬ ‫تحمل سمات‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫وصفات وخصائص ذلك النبت الخبيث الشيطاني‪ ،‬فذاك فرع «إنجليزي » وذاك فرع «فرنسي » وهذا‬ ‫غصن‬ ‫«ألماني » وذاك غصن «روسي » وذاك غصن وهذا غصن «ألماني » وذاك غصن «إسباني » أو‬ ‫«برتغالي » او‬ ‫«هولندي » أو «أيطالي » وأخيرا أنتجت تلك الشجرة «الغصن المريكي »في العالم‬ ‫الجديد‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ل غرابة ولعجب أن تتمثل في أمريكا خصائص وسمات العقلية الغربية المشوهة‪ ،‬والنفسية الغربية‬ ‫الممسوخة ‪،‬‬ ‫والوجود الغربي الممزق‪.‬‬ ‫يقول سيد قطب في مقاله «الضمير المريكاني وقضية فلسطين » ‪.‬‬ ‫«فها هي ذي أمريكا تتكشف للجميع ‪ .‬هذا هو «ترومان » يكشف عن الضمير المريكاني في حقيقة‪،‬‬ ‫فإذا هو نفسه‬ ‫ضمير كل غربي‪ ،‬ضمير متعفن ل يثق به إل المخدوعون ‪.‬‬ ‫إنهم جميعا يصدرون عن مصدر واحد‪ ،‬هو تلك الحضارة المادية التي ل قلب لها ول ضمير ‪ .‬تلك الحضارة‬ ‫ً‬ ‫التي‬ ‫ل تسمع إل صوت اللت‪ ،‬ول تتحدث إل بلسان التجارة‪ ،‬ول تنظر إل بعين المرابي‪ ،‬والتي تق يس‬ ‫النسانية كلها‬ ‫بهذه المقاييس ‪.‬‬ ‫كم ذا أكره أولئك الغربيين وأحتقرهم؟ كلهم جميعا بل استثناء‪ :‬النجليز‪ ،‬الفرنسيون‪ ،‬الهولنديون‪ .‬وأخير ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المريكان الذين كانوا موضع الثقة من الكثيرين ‪. )١ (» ..‬‬ ‫هذا عن الصلة بين الصل والفرع‪ ،‬ومظاهر التفاق بين أمريكا وأمها أوروبا ‪ .‬أما نفسيات المريكيين‬ ‫الوائل‬ ‫وهم يغادرون أوروبا إلى أمريكا فيكشفها سيد قطب بقوله ‪« :‬ويحسن أل ننسى الحالة النفسية التي‬ ‫وفد بها المريكي‬ ‫(‪ )1‬مجلة الكتاب‪ .‬مجلد ‪ ٨‬جزء ‪ ٠١‬ديسمبر ‪ ٩٤٩١‬صفحة‪.٧٦٦ :‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة سنة ‪ ٤١‬مجلد ‪ ٢‬عدد ‪ ٤٩٦‬تاريخ ‪ ١٢‬أكتوبر ‪ ٦٤٩١‬صفحة‪.٥٥١١ :‬‬


‫‪٤٢‬‬ ‫إلى هذه الرض فوجا بعد فوج‪ ،‬وجي ل بعد جيل‪ ،‬فهي مزيج من السخط على الحياة في العالم القديم‪،‬‬ ‫والرغبة في‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التحرر من قيوده وتقاليده »( ‪. )٢‬‬ ‫أما أصل المريكيين فهو عجيب ! من هم الجداد الوائل الذين وصلوا إلى أمريكا؟ وما هي صفاتهم‬ ‫وملمحهم؟‬ ‫وما هو سجلهم الحياتي؟ وما هي أهدافهم العملية؟ يحدد سيد قطب هؤلء بأنهم فريقان ‪ :‬فريق‬ ‫المجرمين واللصوص‬ ‫والقتلة! وفريق المغامرين طلب الثراء والمتعة والمتاع‪ ،‬وكل شخص من أولئك الجداد إما أن يكون‬ ‫مجرما أو‬ ‫ً‬ ‫مغامرا أو قد يجمع بين الصفتين الخبيثتين معا !‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫«ويحسن كذلك أل ننسى الحالة الجتماعية والفكرية لغالبية هذه الفواج الولى ‪ ،‬التي تألفت منها نواة‬ ‫هذا الشعب‬ ‫الجديد‪ .‬فهذه المواج هي مجموعات من المغامرين ومجموعات من المجرمين‪ ،‬فالمغامرون جاءوا‬ ‫طلب ثراء‬ ‫ومتاع ومغامرات‪ .‬والمجرمون جيء بهم من بلد المبراطورية النجليزية لتشغيلهم في البناء‬ ‫والنتاج‪. )٣ (» ..‬‬ ‫واستمرت هذه الصفات والملمح في المريكيين‪ ،‬حيث انتقلت من الصل إلى الفرع بمثابة « جينات »‬ ‫وراثية ‪،‬‬ ‫وملمح بارزة ‪ .‬واكتسب البن والحفيد سمات وملمح ونفسية الب والجد! والمريكي «الحفيد » إما أن‬ ‫يكون‬ ‫مغامرا مادي ً‪ ،‬أو مجرما محترف ً‪ ،‬أو مغامرا مجرما في نفس الوقت ! وأنعم بنظام يقيمه هؤلء‪،‬‬ ‫وبحضارة ينشئها‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫هؤلء‪ ،‬وبقوة يشيدها هؤلء‪ .‬وترحم على النسانية المشوهة الممسوخة عند هؤلء‪ ،‬وعلى البشرية‬ ‫السلم إذا قادها‬ ‫هؤلء!!‬ ‫‪ ٣‬ـ المريكيون وصراع البقاء‪:‬‬ ‫المريكيون الوائل عاشوا حياتهم في صراع البقاء‪ ،‬وأمضوا عمرهم كله في هذا الصراع‪ ،‬واحترقوا يأتون‬ ‫المعركة الشديدة العنيدة‪ .‬وأخذ أحفادهم هذا المر‪ ،‬وورثوا منهم هذه الصفة‪ ،‬وأمضوا عمرهم في صراع‬ ‫متشعب‬ ‫الجوانب‪ ،‬متعدد القوى‪ ،‬لكنه صراع حاد مرير‪ .‬يعلي جوانب القوة المادية والعضلية للنسان‪ ،‬ويشوه‬ ‫معالمه‬ ‫النسانية‪ ،‬وقيمه الخلقية‪ ،‬ويغلق الباب أمام الروح والمشاعر والعواطف والحاسيس‪ ،‬لنها ل وجود لها‬ ‫في وسط‬ ‫الصراع الذي يتنافى مع الرحمة وال عطف والنسانية!!‬ ‫يتحدث سيد قطب عن صراع البقاء الذي عاشه المريكيون «الجداد » مع الطبيعة وهم في طريقهم‬ ‫إلى أمريكا ‪،‬‬ ‫ثم وهم يجوبون مجاهل أمريكا فيقول‪« :‬وقد يدهش النسان وهو يقرأ قصص الجماعات الولى التي‬ ‫هاجرت إلى‬ ‫أمريكا في أيامها الولى‪ ،‬ويتصور كفاحها الطويل العجيب‪ ،‬مع الطبيعة الجامحة في تلك الصقاع‬ ‫المترامية‪ ،‬ومن‬ ‫قبل مع أنواء المحيط الرعيبة وأمواجهة الجبارة‪ ،‬وفي تل ك القوارب الصغار الخفاف‪ ،‬حتى إذا رست‬ ‫على الصخور‬


‫محطمة أو ناجية‪ ،‬لقيت النازحين مجاهل الغابات‪ ،‬ومتاهات الجبال‪ ،‬وحقول الجليد‪ ،‬وزعازع ا لعاصير‪،‬‬ ‫ووحو ش‬ ‫الغابات وأفاعيها وهوامها‪...‬‬ ‫‪...‬ولقد قابلوا الطبيعة بسلح العلم وقوة العضل‪ ،‬فلم تثر فيهم إل قوة الذهن الجاف‪ ،‬وقوة الحس‬ ‫العارم‪ ،‬ولم تفتح‬ ‫لهم منافذ الروح والقلب والشعور‪ ،‬كما فتحتها في روح البشرية الولى ‪١( » ...‬‬ ‫)‪.‬‬ ‫(‪ )2‬الرسالة سنة ‪ ٩١‬مجلد ‪ ٢‬عدد ‪ ٧٥٩‬تاريخ ‪ ٥‬نوفمبر ‪ ١٥٩١‬صفحات ‪٥٤٢١‬ـ‬ ‫‪. ٦٤٢١‬‬ ‫(‪ )3‬الرسالة ـ المرجع السابق ـ صفحة‪. ٧٤٢١ :‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة سنة ‪ ٩١‬مجلد ‪٢‬عدد ‪٧٥٩‬تاريخ ‪٥‬نوفمبر ‪ ١٥٩١‬صفحة‬ ‫‪. ٧٤٢١‬‬ ‫‪٥٢‬‬ ‫أما البناء الذين ولدوا في هذا الجو الحربي‪ ،‬جو المعركة وصراع البقاء‪ ،‬فقد فتحت عيونهم على العلم‬ ‫والمادة‪،‬‬ ‫وأغلقت منافذ ح ّهم على العواطف‪ ،‬وزوت أرواحهم وأخلقهم ومشارعهم في أطواء نفوسهم وكمنت‬ ‫هناك لع ّها‬ ‫س‬ ‫ل‬ ‫تجد لها منفذا أو متنفسا ! ولكن أن ى لها أن تجد ذلك !! «أما في أمريكا فقد ولد ا لنسان على مولد‬ ‫العلم‪ ،‬فآمن به‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وحده‪ ،‬بل آمن بنوع منه خاص‪ ،‬هو العلم التطبيقي‪ ،‬لنه وهو يواجه الحياة الجديدة في القارة الجديدة‪،‬‬ ‫وهو يتسلم‬ ‫الطبيعة هناك بكرا جامح ا عنيدة‪ ،‬وهو يهم أن ينشئ ذلك الوطن الجديد الذي أنشأه بيده‪ ،‬ولم يكن له‬ ‫من قبل وجود‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وهو يصارع ويناضل لبناء هذا الوطن الضخم ‪ .‬كان العلم التطبيقي هو خير عون له في ذلك الجهد‬ ‫العنيف ‪)٢ (» ..‬‬ ‫ونتيجة لذلك أصبح المريكي ماديا غليظ ً‪ ،‬صاحب حس مادي جاف‪ ،‬وتفكير مادي خشن‪ ،‬واتسمت حياته‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫ونظراته بالمادية واللية ‪.‬‬ ‫‪ ٤‬ـ المريكيون وشهوة الحرب ‪:‬‬ ‫نتج عن الصراع العنيف الذي عاشه المريكيون وتوالدوا في جوه‪ ،‬نتج عن ذلك أمر جديد ملزم لكيانهم‬ ‫وحياتهم ووجودهم‪ ،‬واعتبر فيما بعد سمة دائمة لهم‪ ،‬وطبيعة مميزة لهم‪ .‬هذا المر هو الحرب والنتقام‪،‬‬ ‫والحقد‬ ‫والتشفي‪ ،‬لم يكونوا يحاربون لحاجة أو مصلحة أو ضرورة‪ ،‬وإنما إشباعا لرغبة النتقام والتشفي فيهم‪،‬‬ ‫وتلبية لشهوة‬ ‫ً‬ ‫الحرب المتأصلة فيهم‪ ،‬الحرب للحرب هي سمة الحرب العنيفة التي خاضها المريكيون في داخل‬ ‫أمريكا وخارجها ‪.‬‬ ‫وما الحروب التي أثارتها أمريكا وأوقدت نارها في العالم بخارجة عن تحقيق تلك الشهوة‪ ،‬وتنفيذ‬ ‫تلك الرغبة ‪.‬‬ ‫ومنذ أن ظهرت أمريكا على المسرح العالمي كقوة عظمى وقائدة للبشرية‪ ،‬وهي تشعل الحروب‬ ‫الباردة والفاترة‬ ‫والساخنة والملتهبة والحمراء في مختلف بقاع العالم‪ ،‬وحتى تخفي هذه الرغبة المدمرة‪ ،‬وتغلف تلك‬ ‫الشهوة الجارفة‪،‬‬ ‫ادعت أنها دولة محبة للسلم‪ ،‬داعية إليه حريصة عليه‪ ،‬وأنها ل تشعل الحروب ول تفني من البشر ول‬


‫تتلف من‬ ‫الموال والمكانيات إل لتحقيقه !! وصدق المخدوعون تلك الشاعة‪ ،‬وراجت فيهم تلك الخرافة‪ :‬خرافة‬ ‫أن الشعب‬ ‫المريكي شعب محب للسلم ‪.‬‬ ‫يقول سيد قطب عن رغبة الحرب على امري كا‪ ،‬وتحكم شهوة الحرب في أفرادهم‬ ‫‪:‬‬ ‫«إن المريكي بفطرته محارب محب للصراع‪ .‬وفكرة الحرب والصراع قوية في دمه‪ ،‬بارزة في سلوكه‪،‬‬ ‫وهذا‬ ‫هو الذي يتفق مع تاريخه كذلك ‪ .‬فقد خرجت الفواج الولى من أوطانها قاصدة إلى أمريكا بفكرة‬ ‫الستعمار‬ ‫والمنافسة والصراع ‪ .‬وهناك قاتل بعضهم بعضا وهم جماعات وأفواج ‪ .‬ثم قاتلوا جميعا سكان البلد‬ ‫الصليين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(الهنود الحمر) وما يزالون يحاربونهم حرب إفناء حتى اللحظة الحاضرة ‪ .‬ثم قاتل العنصر‬ ‫النجلوسكسوني العنصر‬ ‫اللتيني هناك‪ ،‬وطرده إلى الجنوب في أمريكا الوسطى والجنوبية‪ .‬ثم حارب المتأمر كون أمهم الولى‬ ‫إنجلترا في‬ ‫حرب التحرير بقيادة «جورج واشنطن » حتى نالوا استقللهم عن التاج البريطاني ثم حارب الشمال‬ ‫الجنوب بقيادة‬ ‫«إبراهام لنكولن » تلك الحرب التي اتسمت بسمة «تحرير العبيد » وإن كانت دوافعها الحقيقية هي‬ ‫المنافسة‬ ‫القتصادية‪...‬‬ ‫(‪)2‬المرجع السابق‪.٦٤٢١:‬‬ ‫‪٦٢‬‬ ‫وانقضت فترة العزلة‪ ،‬وانتهت سياستها‪ ،‬عندما دخلت أمريكا الحرب العالمية الولى‪ ،‬ثم اضطلعت‬ ‫بالحرب‬ ‫العالمية الثانية‪ .‬ثم ها هي ذي تنهض بالحرب في كوريا‪ ،‬والحرب العالمية الثالثة ليست بالبعيدة! ولست‬ ‫أدري إذن‬ ‫كيف راجت تلك الخرافة العجيبة عن شعب هذا تاريخه في الحرب » (‪. )١‬‬ ‫ويطيب لي بهذه المناسبة ـ ومن باب عرض أدلة أخرى من التاريخ العالمي الحديث على سيطرة النزعة‬ ‫العدوانية النتقامية على العقلية المري كية‪ ،‬وتمكن ش هدة الحرب والحقد والنتقام في حياتها‬ ‫وتوجيهها لسياستها ـ أن‬ ‫أورد هذا التلخيص الفريد المفيد الدال عن «قصة التدخلت المريكية في دول العالم » إذ أن المكان هو‬ ‫أنسب‬ ‫موضع لهذا الكلم‪.‬‬ ‫«أمريكا‪ ..‬تاريخ في الغزو العسكري »‪:‬‬ ‫التدخلت العسكرية الخيرة في لبنان وغرينادا ‪ .‬ليست وليدة اليوم ‪ ..‬أو حديثة العصر‪ ..‬فهي ذات جذور‬ ‫تاريخية‬ ‫تمتد إلى أكثر من ‪ ٠٥١‬سنة ـ أي قرن ونصف القرن ـ قضتها أمريكا في ممارسة هوايتها‪...‬‬ ‫وهنا نستعرض شريطا تاريخي ا لهذه التدخلت العسكرية من بدايتها من قرن ونصف إلى ما وصلت‬ ‫إليه الن‪...‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وفي عام ‪ ٣٣٨١‬قامت القوات المريكية بغزو نيكاراغوا ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٥٣٨١‬دخلت هذه القوات إلى بيرو ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٦٤٨١‬احتلت القوات المريكية أرضا طالبت بها المكسيك وهي ما تعرف الن بولية تكساس‪.‬‬ ‫وبهذا‬ ‫ً‬ ‫أثيرت الحرب المكسيكية‪ .‬وفي أعقاب انتصار سنة ‪ ٨٤٨١‬ضمت الوليات المتحدة ت لك الرض‬


‫بالضافة إلى‬ ‫كاليفورنيا ونيومكسيكو‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٤٥٨١‬دمر المارينز المريكي ميناء جراي تاون في نيكاراغوا انتقام ا من إبعاد الوزير المريكي‬ ‫الذي‬ ‫ً‬ ‫كان في تلك البلد ‪.‬‬ ‫وبعد ذلك بعام غزت القوات المريكية أوراغواي ‪.‬‬ ‫ثم قامت بغزو قناة بنما ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٧٥٨١‬تدخلت القوات المريكية في نيكاراغوا إفشال محاولت وليم روكز وهو مغامر من‬ ‫تنيسي‬ ‫حاول تولي السلطة في نيكاراغوا ‪.‬‬ ‫قامت القوات المريكية بغزو كولومبيا عام ‪ ٣٧٨١‬بعدة إنزالت عسكرية تتابعت في العوام ‪٥٨٨١‬و‬ ‫‪١٩٨١‬‬ ‫و ‪٢٩٨١‬و ‪ ٣٩٨١‬و ‪ ٨٩٨١‬و ‪. ٩٩٨١‬‬ ‫وفي عام ‪ ٨٨٨١‬تدخلت القوات المري كية في هايتي ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪١٩٨١‬في تشيلي ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪٤٩٨١‬تدخلت القوات المريكية مرة أخرى في نيكاراغوا ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٨٩٨١‬كانت الحرب المريكية السبانية‪ .‬حيث افتعلت الوليات المتحدة حادثة كوبا‪ .‬وقد حاصر‬ ‫على‬ ‫أثرها السطول المريكي الموانيء الكوبية بينما قام الجيش والمتطوعون بما فيهم من رجال تيودور‬ ‫روزفلت‬ ‫بسحق القوات السبانية على الشواطئ ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة‪ :‬سنة ‪ ٩١‬مجلد ‪ ٢‬عدد ‪ ٩٥٩‬تاريخ ‪ ٩١‬نوفمبر ‪ ١٥٩١‬صفحات‪١٠٣١ :‬ـ‬ ‫‪. ٢٠٣١‬‬ ‫‪٧٢‬‬ ‫وبعد ثلثة أعوام جعلت الوليات المتحدة من كوبا وكرا أمريكيا للقمار كما ضمنت الحق في قاعدة‬ ‫بحرية في‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫خليج جوانتانامو‪ .‬ومازالت تحتفظ بها حتى الوقت الحاضر‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ١٠٩١‬و ‪ ٢٠٩١‬تدخلت القوات المريكية في كولومبيا ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٢٠٩١‬تدخلت في هندوراس‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٦٠٩١‬خلل الحرب الهلية في كوبا انتظمت القوات المريكية في جيش التهدئة الكوبية‬ ‫لستعادة‬ ‫النظام‪ ،‬وإقامة حكومة مستقلة خلل ثلث سنوات ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٧٠٩١‬تدخلت القوات المريكية واستولت على ست مدن في هندوراس ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٤١٩١‬دخل المارينز المريكيون إلى هايتي في عملية إنزال‪ ،‬حيث سرقوا البنك المركزي‬ ‫استردادا‬ ‫ً‬ ‫لحد الديون!!‬ ‫وفي سنة واحدة أي في عام ‪ ٥١٩١‬دخلت القوات المريكية إلى هايتي‪ ،‬واحتلت البلد حتى عام‬ ‫‪. ٤٣٩١‬‬ ‫وفي عام ‪ ٤١٩١‬أمر الرئيس ولسون بحريته بقصف واحتلل فيركروز ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٦١٩١‬وبعد غارات مكسيكية على الراضي المريكية أرسل قوة بقيادة بيرشنغ حيث دخلت‬ ‫المكسيك‬ ‫لمطاردة زعيم الثوار بانكوفيل ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٦١٩١‬تدفقت القوات المريكية إلى الدومينكيان لتهزم الثوار وتسيطر على البلد بحكومة‬ ‫عسكرية‬ ‫حتى عام ‪. ٤٢٩١‬‬


‫وفي عام ‪ ٢٣٩١‬تدخلت القوات المريكية في السلفادور بمساعدة السفن الكندية‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٤٥٩١‬أطاحت الوليات المتحدة المريكية بحكومة غواتيمال‪.‬‬ ‫وفي عام ‪١٦٩١‬غزت أمريكا خليج الخنازير في كوبا بواسطة جيش من المبعدين الذين تبنتهم‪ .‬وانتهى‬ ‫هذا الغزو‬ ‫إلى الفشل ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٢٦٩١‬فرض الرئيس كيندي حصارا جويا وبحريا على كوبا لجبار السوفيات على إبعاد‬ ‫صواريخهم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الذرية من الجزيرة‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٧٦٩١‬ساعدت المخابرات المركزية المريكية «سي‪ .‬أي‪ .‬إيه »‪ ،‬عسكر بوليفيا على جيفارا‬ ‫في بوليفيا ‪.‬‬ ‫وفي هذه الثناء ل ننسى التدخلت المريكية في فيتنام وكوريا ‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ٧٦٩١‬أمدت الوليات المتحدة المريكية إسرائيل بالمال والعتاد والسلحة‪ ،‬ونتج عن ذلك‬ ‫هزيمتها‬ ‫للعرب في نكسة عام ‪. ٧٦٩١‬‬ ‫وفي عام ‪ ٣٧٩١‬زعزعت الوليات المتحدة الستقرار في تشيلي‪ ،‬مما هيأ الطريق أمام قيام دكتاتورية‬ ‫عسكرية ‪.‬‬ ‫وفي نفس العام تدخلت الوليات المتحدة عن طريق وزير خارجيتها هنري كيسنجر واوقفت مد النصر‬ ‫العربي‬ ‫على إسرائيل في حرب ‪ ٠١‬رمضان المجيدة ‪.‬‬ ‫واعتبارا من تولي الرئيس ريجان للسلطة عام ‪ ٠٨٩١‬وهي ترسل المساعدات والمستشارين وعملء‬ ‫ً‬ ‫«السي ‪.‬‬ ‫آي‪ .‬إيه‪ » .‬إلى مختلف بلد العالم‪.‬‬ ‫وفي عام ‪ ١٨٩١‬و ‪ ٢٨٩١‬بدأت أمريكا بتعزيز أساطيلها العسكرية في الخليج ونشر الصواريخ في‬ ‫أوروبا ‪.‬‬ ‫‪٨٢‬‬ ‫وفي هذا العام ‪ ٣٨٩١‬تدخلت القوات المريكية في لبنان بدعوى حفظ السلم ‪ .‬وغزت جرينادا في‬ ‫أمريكا‬ ‫اللتينية ( ‪... )١‬‬ ‫هذه نماذج سريعة للتدخلت المريكية في العالم‪ ،‬وغزوها العسكري للدول الخرى‪ ...‬وهي كافي ة في‬ ‫الدللة‬ ‫على تعمق الصلف والعنجهية في الشخصية المريكية‪ ،‬وسيطر شهوة الغزو والحرب عليها‪ ،‬واستخدامها‬ ‫آلتها‬ ‫الحربية وصناعتها العسكرية وجيشها وأسلحتها في السيطرة على العالم‪ ،‬وزعزعة الحرية والستقرار‬ ‫والستقلل‬ ‫فيه‪ .‬نعرض هذه النماذج أمام المخدوعين بأمريكا لي عرفوها على حقيقتها‪ ،‬وينظروا إلى وجهها الكالح‬ ‫القبيح بدون‬ ‫رتوش أو تجميل ليعرفوا إلى أين تقودهم أمريكا‪ ..‬وما الذي تريده بهم ومنهم‪ ..‬لعلهم يستيقظون‬ ‫ويتعظون‪...‬‬ ‫‪ ٥‬ـ مشاعر وعواطف المريكيين‪:‬‬ ‫أمريكا ل رصيد لها من المشاعر والعواطف النسانية ‪ ،‬بل ل تكاد تجد هذه ال مشاعر مكان ا لها هناك !‬ ‫ويعلل سيد‬ ‫ً‬ ‫قطب السبب في ذلك بقوله‪« :‬وحينما يقضي النسان ساعات حياته كلها في عمل مضن شاق‪ ،‬وجهته‬ ‫الدولر!‬ ‫وحينما تضيق آفاق الحياة كلها فل تتسع إل لوجه الدولر‪ .‬عندئذ ل يبقى للشواق الروحية مجال‪ ،‬ول‬ ‫للحاسيس‬ ‫الشاعرة المجنحة مكان »( ‪.... )٢‬‬


‫وأما الروح عندهم فهي ضامرة ل تأثير لها ول قيمة‪ ،‬ول وزن لها ول اعتبار‪ .‬ول يلتفتون إليها إل إذا قومت‬ ‫تقويما مادي ا ‪ .‬ووزنت وزن ا مادي ا ‪ .‬ولقد عاش سيد قطب في أمريكا سنتين ابتلى فيها بصل به‬ ‫وصلف وجلفة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المريكيين‪،‬وأحس إهمالهم للروح والروحانيات‪.. .‬وإغفالهم للخلقيات والقيم النسانية‪ ..‬ولذلك لما‬ ‫أهداه «توفيق‬ ‫الحكيم » كتابه «الملك أوديب » وقال في كلمة الهداء حياة الشرق وأخلقه‪ ..‬وقارن بين اهل الشرق‬ ‫وأهل أمريكا ‪،‬‬ ‫ثم كتب إلى توفيق الحكيم قائ ل‪« :‬لقد استروحت في كلمة الهداء‪ :‬ممن يذكر دائما » فسحة رخية‬ ‫من روح الشرق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الليف ـ فالذكرى هي خلصة هذه الروح ـ وما كان أحوجني هنا إلى تلك النسمة الرخية ‪ ..‬إن شيئ ا‬ ‫واحدا ينقص‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هؤلء المريكيين ـ على حين تذخر أمريكا بكل شيء ـ شيء واحد ل قيمة له عندهم ‪ ...‬الروح!‬ ‫»‪.‬‬ ‫إلى أن يقول للحكيم ‪ « ..:‬ما أحوجني هنا لمن أبادله حديث ا بحديث‪ ،‬في غير موضوع الدولرات ونجوم‬ ‫السينما‬ ‫ً‬ ‫وماركات السيارات‪ ..‬حديثا في شؤون النسان والفكر والروح »(‪..) ١‬‬ ‫ً‬ ‫ويقرر سيد قطب حقيقة واضحة عن اهتمام أمريكا بالروح والمشاعر والقيم والعواطف‪« :‬وأخشى أن‬ ‫تختفي‬ ‫عجلة الحياة‪ ،‬ويطوي سجل الزمن‪ ،‬وأمريكا لم تضف شيئ ا ـ أو لم تضف إل اليسير الزهيد ـ إلى رصيد‬ ‫النسانية‬ ‫ً‬ ‫من تلك القيم‪ ،‬التي تميز بين النسان والشيء ثم بين النسان والحيوان (‪...) ٢‬‬ ‫ويقرر هذه الحقيقة أيضا بعبارة محددة ذات دللة‪« :‬يبدو المريكي بدائيا في العجاب بالقوى العضلية‪،‬‬ ‫والقوى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المادية بوجه عام‪ ،‬بقدر ما يستهين بالمثل والمبادئ والخلق في حياته الفردية وفي حياته العائلية‪ ،‬وفي‬ ‫حياته‬ ‫الجتماعية ـ فيما عدا دائرة العمل بأنواعه وعلقات القتصاد والمال ـ (‪..) ٣‬‬ ‫(‪ )1‬آفاق إسلمية‪ :‬نشرة غير دورية يصدرها الخوان المسلمون في‬ ‫الردن ‪.‬‬ ‫(‪ )2‬مجلة الكتاب مجلد ‪ ٨‬جزء ‪ ٠١‬ديسمبر ‪ ٩٤٩١‬صفحة‪. ٨٦٦ :‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة سنة ‪ ٧١‬مجلد ‪ ١‬عدد ‪ ٧٢٨‬تاريخ ‪ ٩‬مايو ‪ ٩٤٩١‬صفحة‪. ٣٢٨ :‬‬ ‫(‪ )2‬الرسالة عدد ‪ ٧٥٩‬صفحة‪. ٥٤٢١ :‬‬ ‫‪٩٢‬‬ ‫وسيد قطب يملك الدلة الكثيرة من حياة أمريكا ونظرة أهلها للروابط الجتماعية والفضائل الخلقية‬ ‫والقيم‬ ‫النسانية ‪ ،‬هذه الدلة مستقاة من الواقع المريكي‪ ،‬تمثل نماذج لفرادها وشرائح بشرية‬ ‫لهم‪.‬‬ ‫وقد عرض بعض هذا النماذج ـ الشوهاء ـ وقدم لها بقوله‪« :‬إن الحيوية المادية عند المريكي مقدسة‪،‬‬ ‫والضعف أيا كانت أسبابه جريمة‪ ..‬جريمة ل يغتفرها شيء‪ .‬ول تستحق عطف ا ول عونا ‪ ..‬وحكاية‬ ‫المبادئ والحقوق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫خرافة في ضمير المريكي ل يتذوق لها طعما‪ .‬كن قويا ولك كل شيء ‪ .‬أو كن ضعيفا فل يسعفك مبدأ‬


‫ول يكون لك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫مكان في مجال الحياة الفسيح‪ ،‬أما الذي يموت فيرتكب بالطبع جريمة الموت ! ويفقد كل حق له في‬ ‫الهتمام‬ ‫والحترام! اليس إنه قد مات »(‪ )١‬؟‬ ‫ونشير في هذا المقام إلى النماذج التالية التي عرضها سيد قطب ‪ :‬مشهد مجموعة من المرضى في‬ ‫المستشفى‬ ‫تضحك متفكهة أمام مريض في حالة الحتضار ‪ .‬ومشهد مجموعة من القوم قدموا للعزاء في ميت‪ .‬وقد‬ ‫جلسوا في‬ ‫حجرة من المنزل في دعابات وفكاهات بينما الميت مسجى في حجرة أخرى‪ ،‬والعجيب أن زوجة الميت‬ ‫وأهله كانوا‬ ‫مشاركين في الدعابات والفكاهات ‪ ..‬ومشهد المرأة التي مات زوجها قبيل موعد حفلة خاصة فخرجت‬ ‫إلى الحفلة‬ ‫تبحث لها عن رفيق ‪ .‬ومشهد امرأة تتحدث عن زوجها الذي مات قبل قليل ‪« :‬لقد كنت حسنة الحظ‪،‬‬ ‫فقد كنت مؤمنة‬ ‫على حياته‪ ،‬حتى علجه لم يكلفني إل القليل‪ ،‬لنني كنت مؤمنة عليه في هيئة الصليب الزرق‬ ‫«وابتسمت‬ ‫ضاحكة »(‪. ) ٢‬‬ ‫وقد خبر سيد قطب المريكيين ثم وصفهم بقوله‪« :‬ولم ألمح في هذه الفترة الطويلة من الزمان‪ ،‬ول‬ ‫في خلل‬ ‫تلك المساحة الشاسعة من المكان ـ إل في مرات نادرة ـ وجها إنسانيا يعبر عن معنى النسان‪ ،‬أو نظرة‬ ‫إ نسانية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تطل منها معاني النسانية‪ .. .‬ولكني وجدت القطيع في كل مكان »( ‪. )١‬‬ ‫ولذلك يحذر الناس من القتداء بالمريكيين في مجال العواطف والمشاعر بقوله‪« :‬هذه البشرية تخطئ‬ ‫أشنع‬ ‫الخطأ‪ ،‬وتعرض رصيدها من القيم النسانية للضياع‪ ،‬إذا هي جعلت المثل المريكية مثلها في الشعور‬ ‫والسلوك »(‪..) ٢‬‬ ‫‪ ٦‬ـ أمريكا أرض بكر ‪:‬‬ ‫حبا االله المريكيين نعما غامرة‪ ،‬وفض ل واسعا ‪ ،‬وعطا ء ل ينفذ‪،‬وهو يت مثل في طبيعة تلك البلد‬ ‫الساحرة ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وجمالها الطبيعي الفتان‪ ،‬ومواردها وخيراتها وإمكاناتها ‪ ...‬إنهم يعيشون في قارة شاسعة مترامية‬ ‫الطراف ‪ ،‬لها‬ ‫ّ‬ ‫موارد طبيعي ة ل تنضب ‪ ،‬وتحوي كنوزا قيمة ‪ ،‬وطاقات مذخورة‪ ،‬وتمتلك غن ى عريض ا‪ .. .‬ورغم‬ ‫انهماك المريكيين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫على موارد بلدهم وحرصهم على استغللها ‪ ،‬وه و لهم مرتبة رفيعة في هذا المجال ‪ ...‬رغم كل ذلك‬ ‫فإن الكثير من‬ ‫تلك الكنوز مازال مخبوء ً‪ ،‬وتلك الطاقات والمواد مازالت مذخورة‪ ،‬وتل ك الراضي مازالت بكرا‬ ‫لم تستغل ‪.‬‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫(‪ )3‬الرسالة عدد ‪ ٩٥٩‬صفحة ‪.١٠٣١‬‬ ‫(‪ )1‬المرجع السابق صفحة ‪. ٢٠٣١‬‬ ‫(‪ )2‬انظر الرسالة عدد ‪ ٩٥٩‬صفحات‪٢٠٣١ :‬ـ ‪. ٣٠٣١‬‬ ‫(‪)1‬مجلة الكتاب مجلد ‪ ٨‬جزء ‪ ٠١‬صفحة‪. ٦٦٦ :‬‬ ‫(‪ )2‬الرسالة ‪ ١٦٩‬صفحة‪. ٠٦٣١ :‬‬


‫‪٠٣‬‬ ‫يقول سيد قطب‪« :‬وأمريكا‪ ..‬تلك المساحات الشاسعة من الرض بين الطلنطي والباسيفيكي ‪ ...‬تلك‬ ‫الموارد التي‬ ‫ل تنضب من المواد والخامات‪ .‬ومن القوى والرجال (‪...) ٣‬‬ ‫ويعرض لنا نموذج ا من الجمال المريكي الطبيعي الفاتن ذلك المتمثل في مدين ة «جريلي » بولية‬ ‫كولورادو‪« :‬‬ ‫ً‬ ‫وهذه المدينة الصغيرة «جريلي » التي أقيم بها الن ‪ .‬إنها ج ملية جملية‪ ،‬حتى يخيل النسان أنها أنبتت‬ ‫نباتا في‬ ‫ً‬ ‫روضة حالمة ‪ .‬كل بيت كأنه نبتة في حديقة‪ ،‬وكل شارع كأنه طريق في روضة » (‪١‬‬ ‫)‪..‬‬ ‫ويشير إلى نموذج آخر من ذلك الجمال الطبيعي في سان فر نسيسكو «وأنا على قمة جبل تشرف على‬ ‫حديقة من‬ ‫الصخور‪ ،‬يسمونها هنا «حدائق اللهة » وقد انكشف ال مرتقى والمنحدر كلهما‪ ،‬واعتنقا عند تلك القمة‬ ‫الشاهقة في‬ ‫الفضاء »(‪..)٢‬‬ ‫وحول خامات وكنوز أمريكا المخبوءة وأراضيها البكر التي لم تستغل حتى الن ـ والتي تطيل في عمر‬ ‫أمريكا‬ ‫اجيال أخرى ـ يقول سيد قطب ‪« :‬ولم يفرغ المريكي بعد من مرحلة البناء‪ ،‬فما تزال هنالك مساحات‬ ‫ًُ‬ ‫شاسعة ل‬ ‫تكاد تحد‪ ،‬من الراضي البكر التي لم تمسسها يد ‪ ،‬ومن الغابات البكر التي لم تطأها قدم‪ ،‬ومن المناجم‬ ‫البكر التي لم‬ ‫تفتح ولم تستغل‪ ،‬وما يزال ماضي ا في عملية البناء الولى (‪..) ٣‬‬ ‫ً‬ ‫وكمظهر من حركته هناك بإسلمه‪ ،‬ونظرته إلى المور والشخاص بمنظار قرآنه‪ ،‬كان في أمريكا يرى‬ ‫بعض‬ ‫آيات القرآن تنطبق عليها تمام ً‪ ،‬فتكون تلك الرؤية بمثابة تفسير عملي لليات‪ .‬يقول في تفسير قوله‬ ‫تعالى‪( :‬فلما‬ ‫ا‬ ‫نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء )‪ ..‬باعتبار أمريكا نموذج ا له ‪« ..‬لقد كنت في أثناء‬ ‫وجودي في‬ ‫ً‬ ‫الوليات المتحدة المريكية أرى رآي العين مصداق قول االله سبحانه‪( :‬فل ما نسوا ما ذكروا به فتحنا‬ ‫عليهم أبواب كل‬ ‫شيء ) فإن المشهد الذي ترسمه هذه الية ‪ ..‬مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والرزاق بل حساب ‪..‬‬ ‫ل يكاد يتمثل‬ ‫في الرض كلها كما يتمثل هناك » (‪! ) ٤‬‬ ‫‪ ٧‬ـ أمريكا «ورشة ضخمة »‪:‬‬ ‫هذا لقب عجيب ساخر أطلقه سيد قطب على أمريكا ‪ .‬وأعتقد أن القارئ الذي قرأ ما سبق من هذا‬ ‫الفصل ‪،‬‬ ‫ووصل إلى هذا المبحث ‪ ،‬يدرك صحة وصواب هذا اللقب‪ ،‬ويقف على موهبة سيد قطب الفريدة في‬ ‫النقد والتقييم ‪،‬‬ ‫وسخريته اللذعة من بعض المور والشخاص ‪.‬‬ ‫أمريكا التي احتلت منزلة رفيعة عند كثير من المفتونين بها‪ ،‬ومكانة سامية في قلوبهم‪ ،‬والتي أطلقوا‬ ‫عليها الكثير‬ ‫من اللقاب‪ ،‬مثل كونها «أم الحرية » و «قائدة العالم المتحضر » و « موطن العلم والتقدم والمدنية‬


‫والنظام »‪ .‬و ‪...‬‬ ‫أمريكا هذه عند سيد قطب ل تعدو أن تكون «ورشة » ورشة ضخمة ليس إل ‪ .‬تصلح أن تكون ورشة‬ ‫لللت ‪،‬‬ ‫ومخزنا للسلحة‪ ،‬ومستودع ا للمادة‪ ،‬واحتياطي ا للدوات والصناعات والغذاء والطعام‪ ،‬تصلح لكل هذا‪،‬‬ ‫أما أن تكون‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(‪ )3‬الرسالة ‪ ٧٥٩‬صفحة ‪. ٥٤٢١‬‬ ‫(‪ )1‬الكتاب مجلد ‪ ٨‬حزء ‪ ٠١‬صفحة ‪. ٨٦٦‬‬ ‫(‪ )2‬الكتاب مجلد ‪ ٩‬جزء صفحة ‪. ٦٢٣‬‬ ‫(‪ )3‬الرسالة عدد ‪ ٧٥٩‬صفحة ‪.٦٤٢١‬‬ ‫(‪ )4‬الظلل ‪.١٠١ :٢‬‬ ‫‪١٣‬‬ ‫مثال للحضارة والحرية والتقدم‪ ،‬والخلق والنظم والقيم‪ ..‬فل تصلح‪ ..‬وكم تخسر البشرية إذا جعلت هذه‬ ‫ً‬ ‫الخيرة‬ ‫لمريكا وتبعتها فيها‪..‬‬ ‫يقول سيد قطب «وقضيت عام ا في تلك «الورشة » الضخ مة التي يسمونها «العالم الجديد »‪ ،‬وتنقلت‬ ‫من نيويورك‬ ‫ً‬ ‫إلى واشنطن‪ ،‬إلى دنفر‪ ،‬إلى جريلي »( ‪... )١‬‬ ‫ويقول‪« :‬وإنه ليبدو أن العبقرية المريكية كلها قد تجمعت وتبلورت في حقل العمل والنتاج‪ ،‬بحيث لم‬ ‫تبق فيها‬ ‫بقية تنتج شيئ ا في حقل القيم النسانية الخرى ‪ .‬ولقد بلغت في ذلك الحقل ما لم تبلغه أمة‪ ،‬وجاءت‬ ‫فيه بالمعجزات‪ً ،‬‬ ‫التي احالت الحياة الواقعية إلى مستوى فوق التصور ووراء التصديق لمن لم يشهدها عيانا‪ .‬ولكن‬ ‫النسان لم يحفظ‬ ‫ً‬ ‫توازنه أمام اللة‪ ،‬حتى ليكاد هو ذاته يستحيل إلى آلة »(‪.) ٢‬‬ ‫صار سيد قطب يراسل أصدقاءه وزملءه يعرفهم على حقيقة أمريكا‪ ،‬ويدعوهم إلى أن يبينوا هذا للناس‬ ‫ليحولوا‬ ‫بينهم وبين زخارف المخادعين في تلميع «الوجه المريكي » وتزيينه بالفضائل ال‬ ‫مصطنعة ‪.‬‬ ‫من تلك الرسائل رسالته إلى توفيق الحكيم الذي قال له ‪« :‬شكرا لك على هديتك الكريمة ‪ :‬كتابك‬ ‫الجديد «الملك او‬ ‫ً‬ ‫ديب » إنها شيء عزيز ثمين بالقياس إل ى ه نا في تلك الورشة الضخمة السخيفة ‪ ،‬التي يسمونها‪:‬‬ ‫العالم الجديد »( ‪..)١‬‬ ‫ومنها رسالته إلى أنور المعداوي‪ « :‬كيف أنت والدب والفن على حسك؟ أحس أن آبادا وآمادا بيني‬ ‫وبين ذلك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الماضي القريب منذ عام‪،‬هنا الغربة غربة الروح والجسد‪ ،‬هنا في تلك الورشة الضخمة التي يدعونها‬ ‫العالم‬ ‫الجديد »(‪. )٢‬‬ ‫ومنها رسالته إلى عباس خضر‪« :‬تصلح أمريكا أن تكون «ورشة العالم » فتؤدي وظيفتها على خير ما‬ ‫يكون ‪ ..‬أما‬ ‫ان يكون العالم كله كأمريكا فتلك هي كارثة النسانية بكل تأكيد ( ‪... )٣‬‬ ‫‪ ٨‬ـ البدائية المريكية‪:‬‬


‫مر بنا فيما سبق كيف أن رصيد أمريكا من العواطف والمشاعر ل يكاد يذكر‪ ،‬وكيف أنها متقدمة تقدما‬ ‫مذهل‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫معجزا في العلوم والصناعات الختراعات ‪ً .‬‬ ‫وفي هذا المبحث سن بي ن «البدائية المريكية » في حياتها‪ ،‬ونعرض ألوان ا ونماذج لهذه البدائية من‬ ‫مختلف‬ ‫َُّ‬ ‫ً‬ ‫اهتماماتها وحياتها ‪ ،‬وأوجه نشاطها وممارستها ‪.‬‬ ‫المريكيون بلغوا الذروة في المادة والتقدم العلمي والرفاهية ال مادية‪ ،‬والرخاء والتنظيم والترتيب ‪.‬‬ ‫وقد سبقوا‬ ‫الدول الخرى في هذا المجال ‪ .‬ولكنهم في المشاعر والسلوك‪ ،‬وفي التدين والعبادة ‪ ،‬وفي العلقات‬ ‫الجتماعية‬ ‫والعائلية‪ ،‬وفي السياسة والقتصاد‪ ،‬وفي الذواق والعادات والممارسات‪ ...‬قوم بدائيون ‪ ..‬بدائيون إلى‬ ‫درجة عجيبة‪،‬‬ ‫تثير الحيرة والعجب والدهش ة والستغراب‪...‬‬ ‫(‪ )1‬الكتاب مجلد ‪ ٨‬جزء ‪ ٠١‬صفحة ‪. ٦٦٦‬‬ ‫(‪ )2‬الرسالة عدد ‪٧٥٩‬صفحة ‪. ٦٤٢١‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة عدد ‪٧٢٨‬صفحة ‪.٣٢٨‬‬ ‫(‪ )2‬الكاتب‪ :‬سنة ‪ ٥١‬عدد ‪٣٧١‬تاريخ أغسطس ‪٥٧٩١‬صفحة‪.٨٢ :‬‬ ‫(‪ )3‬الرسالة‪ :‬سنة ‪٨١‬مجلد ‪ ٢‬عدد ‪ ٧٨٨‬صفحة ‪. ٦٥٧‬‬ ‫‪٢٣‬‬ ‫يقول سيد قطب‪« :‬وإن الباحث في حياة الشعب ا لمريكي ليقف في أول المر حائرا أمام ظاهرة‬ ‫عجيبة‪ ،‬قد ل‬ ‫ً‬ ‫يراها في شعب من شعوب الرض جميعا ‪ :‬شعب يبلغ في عالم العلم والعمل قمة النمو والرتقاء ‪ ،‬بينما‬ ‫هو في عالم‬ ‫ً‬ ‫الشعور والسلوك بدائي لم يفارق مدارج البشرية الولى ‪ ،‬بل أقل من بدائي في بعض نواحي‬ ‫الشعور والسلوك ‪.‬‬ ‫ولكن هذه الحيرة تزول بعد النظرة الفاحصة في ماضي هذا الشعب وحاضره‪ ،‬وفي السباب التي‬ ‫جمعت فيه بين‬ ‫قمة الحضارة وسفح البدائية » ( ‪. . )١‬‬ ‫وقد تحدث سيد قطب عن أهم أسباب هذا الزدواج‪ ،‬وممارسة البدائية في أبرز صورها‪ :‬منها أن‬ ‫المريكي لم‬ ‫ينم نموا طبيعيا سليما كباقي الشعوب‪ ،‬وإنما نموا شاذا مشوها‪ ،‬حيث ولد على مولد العلم المادي‬ ‫التطبيقي‪ ،‬فآمن به‬ ‫ً ُ ً‬ ‫ً‬ ‫ً ً‬ ‫ّ ً‬ ‫دون سواه‪ ،‬فتضخم الجانب العضلي في كيانه وضمر الجانب النساني ‪ .‬ومنها ‪ :‬أصل المريكي ونفسية‬ ‫اجداده‬ ‫وهروبهم من النسان الوروبي بكامل سماته‪ ...‬ومنها‪:‬التركيبة الجتماعية والفكرية لولئك الجداد الذين‬ ‫كانوا إما‬ ‫مغامرين أو مجرمين‪ .‬ومنها ‪ :‬الصراع الدامي المرير الذي عاشه المريكي مع الطبيعة والكون‬ ‫والنسان ‪.‬‬ ‫ذلك المزيج من الملبسات‪ ،‬وهذا المزيج من الفواج‪ ،‬من شانه ان يستنهض وينمي الصفات البدائية في‬ ‫ذلك‬ ‫الشعب الجديد‪ ،‬ويتهم أو يقاوم الصفات الراقية في نفسه أفرادا وجماعات‪ ،‬فتنشط الدوافع الحيوية‬


‫الولى كأنما‬ ‫ً‬ ‫يستعيد النسان خطواته الولى‪ ،‬بفارق واحد أنه هنا مسلح بالعلم الذي ولد على مولده وخطا على‬ ‫خطواته‪ .‬والعلم‬ ‫في ذاته ـ وبخاصة العلم التطبيقي ـ ل عمل له في حقل القيم النسانية‪ ،‬وفي عالم النفس والشعور‪،‬‬ ‫بذلك ضاقت‬ ‫آفاقه‪ ،‬وضمرت نفسه‪ ،‬وتحددت مشاعره ‪ ،‬وضؤل مكانه على المائدة العالمية الزاخرة بالنماط‬ ‫واللوان »(‪..) ١‬‬ ‫‪ ٩‬ـ البدائية في النظرة إلى الدين‪:‬‬ ‫«المريكي بدائي في تدين ه‪ ،‬بدائي في نظرته إلى الدين‪ ،‬وفي صلته به‪ ،‬وممارسته لشعائره‪ ،‬و «رجال‬ ‫الدين »‬ ‫المريكيون بدائيون في الكنائس وفي أساليب دعوة الناس إليها‪ ،‬وتصرفات الناس فيها‪ ،‬ومباركة‬ ‫وتشجيع «رجال‬ ‫الدين » هؤلء للفواحش والفجور في تلك الكنائس ‪...‬‬ ‫ليس أكثر من المريكان تشييدا للكنائس‪ .. .‬حتى لقد أحصيت في بلدة واحدة ل يزيد سكانها على‬ ‫عشرة آلف‪،‬‬ ‫ً‬ ‫أ كثر من عشرين كنيسة‪ .‬وليس أكثر ذهابا إلى الكنائس في ليالي الحد وأيامه‪ ،‬وفي العياد العامة‬ ‫وأعياد القديسين‬ ‫ً‬ ‫المحليين‪ ،‬وهم أكثر من «الولياء » عند عوام المسلمين‪. ..‬‬ ‫وبعد ذلك كله ليس هناك من هو أبعد من المريكي عن الشعور بروحية الدين وإحترامه وقداسته‪.. .‬‬ ‫وليس أبعد‬ ‫من الدين عن تفكير المريكي وشعوره وسلوكه‪...‬‬ ‫وإذا كانت الكنيسة مكانا للعبادة في العالم المسيحي كله‪ ،‬فإنها في أمريكا مكان لكل شيء إل‬ ‫العبادة‪ ...‬وإنه‬ ‫ً‬ ‫ليصعب عليك أن تفرق بينها وبين أي مكان آخر معد للهو والتسلية‪ ،‬أو ما يسمونه بلغتهم أل (‬ ‫‪(Fun‬ومعظم‬ ‫قصادها إنما يعدونها تقليدا اجتماعيا ضروري ً‪ ،‬ومكانا للقاء والنس‪ ،‬ولتمضية وقت طيب‪ ...‬و ليس هذا‬ ‫شعور‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫الجمهور وحده‪ ،‬ولكنه شعور سدنة الكنيسة ورعاتها » ( ‪.. )١‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة عدد ‪٧٥٩‬صفحة‪. ٦٤٢١ :‬‬ ‫(‪)1‬الرس الة عدد ‪٧٥٩‬صفحة ‪. ٧٤٢١‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة‪ :‬عدد ‪٩٥٩‬صفحة ‪. ٣٠٣١‬‬ ‫‪٣٣‬‬ ‫وقد خرج سيد قطب بتلك النتيجة اليقينية وأصدر عليهم ذلك الحكم الصحيح‪ ،‬لنه كان ملما بالممارسة‬ ‫المريكية‬ ‫ً‬ ‫دن ‪ ،‬وخبير ا بالسلوك المريكي البدائي للتدين‪ « :‬كنت عضوا في عدة نواد كنيسية في كل جهة‬ ‫للت ّ‬ ‫عشت فيها‪ ،‬إذ‬ ‫ي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كانت هذه ناحية هامة من نواحي المجتمع تستحق الدراسة عن كثب ومن الداخل »(‪٢‬‬ ‫)‪..‬‬ ‫عرض سيد قطب لنا بعض النماذج الدالة على تلك البدائية ‪ :‬تشييد الكنائس‪ ،‬ونوادي الكنائس‪ ،‬والعلن‬ ‫عن‬


‫نشاطات وتسليات الكنائس والتنافس في ذلك بين الكنائس‪ ،‬والبرامج الفاجرة في الكنائس‪ ،‬واستخدام‬ ‫أجمل الفتيات‬ ‫لصطياد الشباب إلى الكنائس‪ ،‬وحفلت الرقص والغناء للجنسين في الكنائس‪ ،‬وتهيئة الجواء للعهد‬ ‫والفجور‬ ‫والفواحش داخل الكنائس‪ ،‬ومباركة وتشجيع رجال الدين لكل هذا الذي يجري في الطريق إلى الكنائس‪،‬‬ ‫والذي‬ ‫يجري داخل الكنائس( ‪... )٣‬‬ ‫وبعد كل هذا يتساءل سيد قطب‪ ( :‬ما قيمة اجتذابهم إلى الكنيسة وهم يخوضون اليها مثل هذا الطريق‪،‬‬ ‫ويقضون‬ ‫ساعاتهم فيه؟ أهو الذهاب إلى الكنيسة هدف في ذاته‪ ،‬أم آثاره التهذيبية في الشعور والسلوك؟ من‬ ‫وجهة نظر‬ ‫«الباء » التي أوضحتها فيما سلف‪ ،‬مجرد الذهاب هو الهدف)( ‪. .. )٤‬‬ ‫‪ ٠١‬ـ البدائية في النظرة إلى الجنس‪:‬‬ ‫المريكي بدائي ـ إلى أدنى درجات البدائية ـ في حياته الجنسية‪ ،‬بدائي في نظرته إلى الجنس‪ ،‬وفي‬ ‫ممارسته‬ ‫له‪ ،‬بدائي في العلقات الجتماعية والنفسية والجنسي ة بين الجنسين‪ ..‬ول تختلف حياته الجنسية عن‬ ‫حياة القوم‬ ‫البدائيين في مجاهل الغابات‪ ،‬بل ل تختلف في إباحيتها وعهرها وعربدتها عن حياة الحيوانات‬ ‫‪.‬‬ ‫يقول سيد قطب ‪( :‬والمريكي بدائي في حياته الجنسية‪ ،‬وفي علقات الزواج والسرة‪ .‬ولقد مررت في‬ ‫أثناء‬ ‫دراساتي للكتاب المقدس بتلك الية الواردة في «العهد القديم »‪ ،‬حكاية عن خلق االله للبشر أول مرة‬ ‫وهي تقول ‪:‬‬ ‫(ذكرا وأنثى خلقهم) مررت بهذه الية كثير ً‪ ،‬فلم يتمثل لي معناها عاديا واضحا جاهر ً‪ ،‬كما تمثل لي في‬ ‫أثناء‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫حياتي بأمريكا ‪.‬‬ ‫إن كل ما تعبت الحياة البشرية الطويلة في خلقه وصيانته من آداب الجنس‪ ،‬وكل ما صاغته حول هذه‬ ‫العلقات‬ ‫من عواطف ومشاعر‪ ،‬وكل ما جاهدت من غلظة الحس‪ ،‬وجهامة الغريزة‪ ،‬لتطلقه إشعاعات مرفرفة‪،‬‬ ‫وهالت‬ ‫مجنحة‪ ،‬وأشواق طليقة ‪ .‬وكل الروابط لوثيقة حول تلك العلقات في شعور الفرد‪ ،‬وفي حياة السرة‬ ‫وفي محيط‬ ‫الجماعة‪ ..‬إن هذا كله قد تجردت منه الحياة في أمريكا مرة واحدة‪ ،‬س وتجلت عارية عاطلة منكل‬ ‫تجمل (ذكرا‬ ‫ً‬ ‫وأنثى ) كما خلقهم أول مرة جسدا لجسد‪ ،‬وأنثى لذكر‪ ،‬على أساس مطالب الجسد ودواف عه‪ ،‬تقوم‬ ‫العلقات وتتحدد‬ ‫ً‬ ‫الصلت‪ ،‬ومنها تستمد قواعد السلوك وآداب المجتمع‪ ،‬وروابط السرة والفراد‪..‬‬ ‫بفتنة الجسد وحدها‪ ،‬عارية من كل ستار‪ ،‬مجردة من كل حياء‪ ،‬تلقى الفتاة الفتى‪ ،‬ومن قوة الجسد‬ ‫وعضلته‬ ‫يستمد الفتى إعجاب الفتاة‪ ،‬ويستمد الزوج حقوقه ـ هذه الحقوق التي تسقط جميعها في عرف الجميع‪،‬‬ ‫يوم يعجز‬ ‫الرجل عن الوفاء بها لسبب من السباب (‪...)١‬‬ ‫(‪ )2‬انظر الرسالة‪ ٩٥٩ :‬صفحة ‪.٤٠٣١‬‬ ‫(‪ )3‬انظر الرسالة عدد ‪ ٩٥٩‬صفحات‪ ٣٠٣١ :‬ـ ‪. ٥٠٣١‬‬ ‫(‪ )4‬الرسالة عدد ‪.٥٠٣١ :٩٥٩‬‬


‫‪٤٣‬‬ ‫ول يفوت سيد قطب أن يعرض الدلة على ما يقول‪ ،‬وأن يبين النماذج المنتزعة من الواقع المريكي‬ ‫التي تمثل‬ ‫هذه البدائية الجنسية ‪ .‬بعرضه شرائح اجتماعية للفتيان والفتيات تتمثل فيها بوضوح‪ .‬وذلك مثل إشارته‬ ‫إلى مظاهر‬ ‫الفتنة في الفتاة المريكية‪ ،‬كما تبدو في نظر الرجل هناك‪ ،‬وإشارته الى المواصفات النموذجية‬ ‫«الحيوانية » في‬ ‫الشاب ليحظى بالقول عند الفتاة‪ .‬وإلى الممارسات الحيوانية لهم في عالم الجنس والشهوة والمتعة‪،‬‬ ‫وإلى إسقاط‬ ‫كلمات‪ :‬الرذيلة والفضيلة‪ ،‬والعيب والخجل والحياء من القاموس المريكي للجنس‪ ،‬لن الجنس مسالة‪.‬‬ ‫« بيولوجية »‬ ‫جسدية ليس إل‪ ،‬مثلها مثل البول وقضاء الحاجة (‪... )١‬‬ ‫إن المريكيين «يوظفون » الجمال الطبيعي الذي وهبه االله لهم توظيفيا جنسيا شهواني ا حيواني ً‪،‬‬ ‫كمظهر من البدائية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫الجنسية التي يعيشونها‪ .‬يقول سيد قطب‪( :‬وتطلع عليك الفتاة كأنها الجنية المسحورة أو الحوراء‬ ‫الهاربة‪ .‬ولكن ما‬ ‫إن تقرب إليك حتى تحس فيها الغريزة الصارخة وحدها مجردة من كل إشعاع‪ ،‬وحتى تشم رائحة الجسد‬ ‫المحترق‬ ‫لنكهة العطر الفواح‪ .‬ثم تنتهي إلى لحم‪ .‬مجرد لحم‪.‬لحم شهي حق ً‪ ،‬ولكنه لحم على كل‬ ‫حال ‪. )٢()..‬‬ ‫ا‬ ‫وعاش المريكيون حياتهم الجنسية بدائية وشيوعية‪ ،‬وانحرافا وشذوذ ً‪ ،‬وعهرا وفجور ً‪ ،‬ورأى سيد قطب‬ ‫هناك‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫ما رأى وسمع من هناك وعن هناك ما سمع ‪« :‬نعم شاهدت في البلد التي ليس فيها قيد واحد على‬ ‫الكشف الجسدي‬ ‫والختلط الجنسي بكل صور ه وأشكاله ‪ .‬إن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها ‪ .‬إنما‬ ‫انتهى إلى‬ ‫سعار مجنون ل يرتوي ول يهدأ إل ريثما يعود إلى الظمأ والندفاع! وشاهدت المراض النفسية والعقد‬ ‫التي كان‬ ‫مفهوما أنها ل تنشأ إل من الحرمان‪ ،‬وإل من التلهف على الجنس الخر المحجوب ‪ .‬شاهدتها بوفرة ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ومعها الشذوذ‬ ‫الجنسي بكل أنواعه ‪ ..‬ثمرة مباشرة للختلط الكامل الذي ل يقيده قيد‪ ،‬ول يقف عند حد ‪ .‬وللصداقات‬ ‫بين الجنسين ‪،‬‬ ‫تلك التي يباح معها كل شيء‪ ،‬وللجسام العارية في الطريق‪ ،‬وللحركات المثيرة‪ ،‬والنظرات الجاهرة‪،‬‬ ‫واللفتات‬ ‫الموقظة‪. )٣()..‬‬ ‫وجنت أمريكا ثمار هذه البدائية الجنسية‪ ،‬وحصدت من تلك البدائية الحيوانية أمراضا مختلفة‪« :‬وقد‬ ‫قررت لجنة‬ ‫ً‬ ‫الربعة عشر المريكية التي تعني بمراقبة حالة البلد الخلقية‪ ،‬أن ‪ % ٠٩‬من الشعب المريكي مصابون‬ ‫بالمراض‬ ‫الجنسية السرية الفتاكة‪.)١(» ..‬‬ ‫ووصلت أمريكا أخيرا إلى هذه النتيجة التي أعلنها رئيس أمريكي «وأخيرا يعلن رئيس الوليات المتحدة‬ ‫أن ستة‬ ‫ً‬ ‫ً‬


‫من كل سبعة من شباب أمريكا لم يعودوا يصلحون للجندية بسبب النحلل الخلقي الذي‬ ‫يعيشون فيه »(‪.)٢‬‬ ‫‪١١‬ـ البدائية في النظرة إلى الفن ‪:‬‬ ‫تنسحب بدائية المريكيين إلى الفنون والنظر إليها وتذوقها‪ .‬وفي ذلك يقول سيد قطب‪« :‬المريكي‬ ‫بدائي في ذوقه‬ ‫الفني‪ ،‬سواء في ذلك تذوقه للفن‪ ،‬أو أعماله الفنية » ‪...‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة‪ :‬عدد‪ ٩٥٩ :‬صفحة ‪. ٥٠٣١‬‬ ‫(‪ )1‬انظر الرسالة عدد ‪ ٩٥٩‬صفحات‪٥٠٣١ :‬ـ ‪. ٦٠٣١‬‬ ‫(‪)2‬الكتاب مجلد ‪ ٨‬جزء (‪ )٠١‬صفحة ‪. ٧٦٦ :‬‬ ‫(‪ )3‬الظلل ‪.٧٣٦ :٢‬‬ ‫(‪ )1‬الظلل ‪. ١١٥٢ :٤‬‬ ‫(‪ )2‬الظلل ‪.٦٣٦ :٢‬‬ ‫‪٥٣‬‬ ‫الموسيقى المختارة المفضلة عند المريكيين عموما هي موسيقى «الجاز » فما هو أصل هذه‬ ‫الموسيقى؟ وما هي‬ ‫ً‬ ‫البداية فيها؟ يجيب سيد قطب على ذلك بقوله‪« :‬هي تلك الموسيقى التي ابتدعها الزنوج لرضاء ميولهم‬ ‫البدائية‬ ‫ورغبتهم في الضجيج من ناحية ‪ ،‬ولستثمارة النوازع الحيوانية من ناحية أخرى‪ ...‬ول تتم نشوة المريكي‬ ‫تماما‬ ‫ً‬ ‫بموسيقى «الجاز » حتى يصاحبها غناء مثلها صارخ غليظ‪ .‬وكلما عل ضجيج اللت والصوات‪ ،‬وطن في‬ ‫الذان‬ ‫إلى درجة ل تطاق ‪ ...‬زاد هياج الجمهور‪ ،‬وعلت أصوات الستحسان‪ ،‬وارتفعت الكف بالتصفيق الحاد‬ ‫المتواصل‬ ‫الذي يكاد يصم الذان »(‪..)٣‬‬ ‫أ ما السينما «فهي الفن الوحيد الذي يتقنه المريكان ـ وإن يكن سواهم ل يزال يفوقهم في الناحية‬ ‫الفنية فيه » ‪...‬‬ ‫ومع ذلك فإن «الكثرة الغالبة من الفلم المريكية تتجلى فيها بدائية الموضوع‪ ،‬وبدائية النفعالت ‪ ،‬وهي‬ ‫في‬ ‫الغالب أفلم الجريمة البوليسية‪ ،‬وأفلم رعاة البقر »(‪.)١‬‬ ‫بهذه البدائية الفنية يتذوق المريكيون الفنون‪ ،‬ويتفحصون اللوحات الفنية في المعارض والمتاحف‪،‬‬ ‫ويمرون على‬ ‫مشاهد الطبيعة ومناظر الجمال الساحر الذي وهبه االله‬ ‫بلدهم ‪.‬‬ ‫أما متاحف الفن وبدائية المريكيين فيها‪ ،‬فقد بينها سيد قطب بعد ما امتحن المريكيين فيقول ‪« ..‬ذهبت‬ ‫للمرة‬ ‫العاشرة إلى متحف الفن في سان فرنسيسكو‪ ،‬وجعلت مادة امتحاني إحدى قاعات الصور من الفن‬ ‫الفرنسي ‪،‬‬ ‫ووزعت اهتمامي على ما فيها من الصور‪ ،‬ولكنني ركزته على صورة واحدة بارعة اسمها «ثعلب في‬ ‫بيت‬ ‫الدجاج »‪ ..‬وجلست أمامها أربع ساعات كاملة‪ ،‬مر بي خللها مائة وتسعة‪ ،‬فرادى وأزواج ا وجماعات‪،‬‬ ‫ومعظمهم‬ ‫ً‬ ‫من الفتيان والفتيات‪ ..‬كم من هؤلء التسعة والمائة بدا عليه أن يحس شيئا مما يرى؟ واحد فقط تلبث‬ ‫أمام الصورة‬ ‫ً‬ ‫المنتقاة نحو دقيقتين ‪ ..‬وكررت التجربة في قاعات المتاحف الخرى‪ ،‬ثم كررتها في متاحف أخرى في‬


‫عدة مدن‪..‬‬ ‫ثم انتهت إلى أن قلة نادرة من هذه الكثرة الكثيرة تدرك شيئا من هذه الثروة الفنية‬ ‫الهائلة(‪... )٢‬‬ ‫ً‬ ‫أما تذوقهم لجمال الطبيعة واستمتاعهم به ‪ ..‬فقد امتحنهم في م��ينة «جريلي » الجميلة «لي ستة أشهر‬ ‫لم أشهد مرة‬ ‫واحدة فردا أو أسرة جالسة تستمتع بذلك الجمال البارع الحالم‪ ،‬ول سيما في ليالي الصيف التي ترف‬ ‫ً‬ ‫فيها النسمات‬ ‫كالحلم‪ ،‬المهم هو تنمية الحديقة وتنظيمها‪ ،‬بنفس الطريقة التي ينظم بها صاحب المتجر متجرة‪،‬‬ ‫وصاحب المصنع‬ ‫مصنعه »‪...‬‬ ‫«ل شيء وراء ذلك من تذوق الجمال‪ ،‬والستمتاع بالجمال »(‪...)٣‬‬ ‫‪ ٢١‬ـ البدائية في اللعاب الرياضية ‪:‬‬ ‫المريكيون بدائيون إلى أدنى درجات البدائية‪ ،‬في ممارساتهم لللعاب الرياضية‪ ،‬وفي العجاب بها‬ ‫وتشجيعها ‪،‬‬ ‫وفي الشادة بأبطالها‪ .‬إنهم بدائيون‪ ،‬بل إنهم متوحشون في تلك اللعاب‪ ،‬ل ينال إعجابهم إل أكثر‬ ‫اللعبين عنف ا‬ ‫ً‬ ‫(‪ )3‬الرسالة عدد ‪ ١٦٩‬صفحة ‪.٧٥٣١‬‬ ‫(‪ )1‬المرجع السابق‪. ٩٥٣١ :‬‬ ‫(‪ )2‬الرسالة عدد ‪ ١٦٩‬صفحة‪. ٩٥٣١ :‬‬ ‫(‪ )3‬الكتاب مجلد ‪ ٨‬جزء ‪ ٠١‬صفحة ‪. ٨٦٦‬‬ ‫‪٦٣‬‬ ‫ووحشية وحيوانية‪ ،‬ول يثيرهم إل منظر الدماء تسيل‪ ..‬أما اللعاب الرفيعة النظيفة فهي ل قيمة لها‬ ‫عندهم ‪،‬‬ ‫واللعبون الهادئون ل منزلة لهم عندهم ‪.‬‬ ‫واللعاب المريكية تتجلى فيها هذه البدائية‪ ،‬من كرة القدم أو حفلت المصارعة الحرة المريكية‪ ،‬التي‬ ‫تتميز عن‬ ‫حفلت المصارعة الخرى‪ ،‬بكونها بدائية وحشية فوضوية دموية مدمرة‪ ،‬ل يحكمها عرف أو نظام أو‬ ‫قانون‪،‬‬ ‫وللمصارع أن يفعل في خصمه ما شاء‪ ،‬ما دام قادرا على استعمال عضلته بحيوانية‬ ‫ووحشية ‪...‬‬ ‫ً‬ ‫حول هذ يخبرنا سيد قطب بقوله‪« :‬ومنظر الجماهير وهي تتبع مباريات كرة القدم‪ ،‬على الطريقة‬ ‫المريكية‬ ‫الخشنة‪ ،‬التي ليس لها من اسمها « كرة القدم » أي نصيب‪ ،‬إذ أن «القدم » ل تشترك في اللعب‪ .‬إنما‬ ‫يحاول كل لعب‬ ‫أن يخطف الكرة بين يديه‪ ،‬ويجري بها ليقذف بها إلى الهدف‪ ،‬بينما يحاول لعبو الفريق الخر أن يعوقوه‬ ‫بكل‬ ‫وسيلة‪ ،‬بما في ذلك‪ :‬الضرب في البطن‪ ،‬وتهشيم الذرع والسيقان‪ ،‬بكل عنف وكل شراسة ‪ .‬منظر‬ ‫الجماهير وهي‬ ‫تتبع هذ ه اللعبة ‪ ،‬أو تشاهد حفلت الملكمة والمصارعة الوحشية الدامية‪ ..‬منظرها في هياجها الحيواني‪،‬‬ ‫المنبعث‬ ‫من إعجابها بالعنف القاسي‪ ،‬وعدم التفاتها إلى قواعد اللعب وأصوله‪ ،‬بقدر ماهي مأخوذة بالدم السائل‬ ‫والوصال‬ ‫المهشمة‪ ،‬وصراخها هاتفة‪ ،‬كل يشجع فريقه حطم رأسه‪ ،‬دق عنقه‪ .‬هشم أضلعه‪ ،‬اعجنه عجنا ‪ ...‬هذا‬ ‫المنظر ل‬ ‫ً‬


‫( ‪)١‬‬ ‫يدع مجال للشك في بدائية الشعور التي تفتن بالقوة العضلية وتهواها »‬ ‫‪...‬‬ ‫ً‬ ‫‪ ٣١‬ـ البداية في الذاق والمزجة‪:‬‬ ‫يستمر سيد قطب في عرضه لنا مظاهر البدائية في الحياة المريكية‪ ،‬ويصل إلى حديثه عن البدائية في‬ ‫ذوق‬ ‫المريكي ومزاجه‪ ،‬البدائية في الملبس التي يلبسونها‪ ،‬ألوانها وأشكالها وتفصيلتها‪ ،‬والرسومات عليها ‪..‬‬ ‫والبدائية‬ ‫في طعامهم من حيث أنواعه وأشكاله وإعداده وتركيب أصنافه ‪ ..‬ويعرض لنا نماذج صارخة تمثل هذه‬ ‫البدائية‬ ‫أصدق تمثيل ‪...‬‬ ‫«لنهبط إلى ألوان الملبس وإلى مذاق الطعمة‪ ،‬إن بدائية الذوق ل تتجلى في شيء كما تتجلى في تلك‬ ‫اللوان‬ ‫الصارخة الزاهية‪ ،‬وفي تلك التقاسيم المبرقشة الكبيرة وبخاصة ملبس الرجال ‪ :‬ذلك السبع أو النمر‬ ‫الواثب على‬ ‫صدر الصدرية‪ ،‬وذلك الفيل أو الثور الوحشي الجاثم على ظهرها‪ .‬تلك الفتاة العارية الممتدة على رباط‬ ‫العنق من‬ ‫أعلى إلى أسفل‪ ،‬أو تلك النخلة الصاعدة فيه من أسفل إلى أعلى‪ ..‬لطالما تح ّث المتحدثون عندنا عن‬ ‫فستان العيد في‬ ‫د‬ ‫الريف أو عن ثوب العروس في القرية ‪ .‬بألوانه الزاعقة البدائية‪ ،‬التي ل تربط بينها رابطة إل أنها كلها‬ ‫فاقعة‬ ‫اللوان‪ ،‬ليت هؤلء يرون معي قمصان الشبان في أمريكا ل ملبس الفتيات‪ ،‬ولطالما تح ّث المتحدثون‬ ‫عن الوشم‬ ‫د‬ ‫عند الغجر أو في أواسط أفريقية‪ ،‬ليتهم يرون أذرع الشبان المريكيين وصدورهم وظهورهم موشحة‬ ‫بالوشم‬ ‫الخضر‪ :‬ثعابين وحيات وفتيات عاريات وأشجارا وغابات‪ ،‬في أمريكا المتحضرة في الدنيا الجديدة في‬ ‫العالم‬ ‫ً‬ ‫العجيب!‪. » ...‬‬ ‫وينتقل سيد قطب من الحديث عن البدائية العجيبة في الزياء‪ ،‬إلى البدائية العجب في الطعوم‬ ‫والمذاقات‪« :‬أما‬ ‫الطعوم فشأنها هو الخر عجيب‪ ،‬إنها تلفت النظر وتثير الدهشة حين تطلب قطعة أخرى من السكر‬ ‫لكوب الشاي أو‬ ‫القهوة تشربه في أمريكا‪ ،‬ذلك أن السكر محتفظ ب ه للمخلل والسلطة !! كما أن الملح ياسيدي‬ ‫محتفظ به للتفاح‬ ‫(‪ )1‬الرسالة عدد ‪ ٩٥٩‬صفحة ‪.١٠٣١‬‬ ‫‪٧٣‬‬ ‫والبطيخ‪ .‬وفي صفحة طعامك تجتمع قطعة الحم المملحة إلى كمية من الذرة المسلوقة‪ .‬وكمية من‬ ‫البازلء المسكرة‬ ‫وبعض المربى الحلوة ‪ ..‬وفوق ذلك كله كلمة(‪ (Grafy‬المؤلف أحيان ا من السمن والخل والدقيق ومرقة‬ ‫العجل‬ ‫ً‬ ‫والتفاح والملح والفلفل والسكر والماء!! » ‪.‬‬ ‫ولم ينس سيد قطب أن يعرض علينا طرفا من تفكهه على المريكيين وذوقهم العجيب‪ ،‬عندما جعلهم‬ ‫يضعون‬ ‫ً‬


‫على البطيخ سكرا في اليوم الول وفلف ل حار ا في اليوم التالي! فاستطعموه واستلذوه وأعجبوا به !‬ ‫ويختم حديثه عن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫البدائية في الذوق بقوله ‪« :‬وباختصار فكل ما يحتاج إلى قسط من الذوق‪ ،‬فالمريكاني ليس له فيه‬ ‫حتى‬ ‫الحلقة »(‪...)١‬‬ ‫‪ ٤١‬ـ إشفاق على البشرية من أمريكا‪:‬‬ ‫أمريكا بمواصفاتها ومؤهلتها وسماتها ألتي أشرنا لها فيما سبق‪ ،‬هي مصدر خطر على البشرية فيما لو‬ ‫تزعمت‬ ‫العالم‪ ،‬فكيف تتزعم العالم دولة أو أمة ل رصيد لها من القيم النسانية والفضائل الخلقية؟ أمة ل ترى‬ ‫أمامها إل‬ ‫المادة والعمل والعضل؟ أمة تسري شهوة الحرب في عروقها وأوصالها؟ أمة محطمة نفسي ا مريضة‬ ‫أخلقي ا مشوهة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫شعوري ً؟ أمة بدائية في حياتها في شتى مجالتها ‪ :‬الدينية والفنية والجتماعية والجنسية والسياسية‬ ‫والذوقية؟ أمة هذه ا‬ ‫صفاتها وهذه مؤهلتها كيف تحكم العالم؟ وإذا حكمته فإلى أين توصله؟‬ ‫إن أمريكا تصلح أ ن تكون « مستودعا » للبشرية‪ ،‬ومصدرا لما تملك من أدوات وإ ختراعات مادية‬ ‫وتكنولوجية ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫َْ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وما وهبها االله من مواد استهلكية وأصناف غذائية‪ ..‬تصلح لهذا كله ‪ ..‬أما أن تحكم الدنيا وتقود العالم‪.‬‬ ‫فهذا هو‬ ‫الدمار والخراب للبشرية‪...‬‬ ‫وفي هذا المعنى يقول سيد قطب‪ « :‬كنت دائم الشعور «باستخسار » هذا الشعب‪ ،‬الذي يصنع‬ ‫المعجزات في عالم‬ ‫الصناعة والعلم والبحث أل يكون له رصيد من القيم النسانية الخرى‪ ،‬وأنا شديد الشفاق على النسانية‬ ‫أن تؤول‬ ‫قيادتها إلى هذا الشعب‪ ،‬وهو فقير من تلك القيم جميعا »(‪..)٢‬‬ ‫ً‬ ‫ويقول كذلك‪ :‬إن «أمريكا تصلح أن تكون «ورشة العالم » فتؤدي وظيفتها على خير ما يكون‪ ،‬أما أن‬ ‫يكون العالم ّ‬ ‫كله أمريكا فتلك هي كارثة النسانية بكل تأكيد »(‪..)١‬‬ ‫أمريكا تقدم نفسها للعالم على أنها الق ّة والقدرة والنموذج والمثال لكل الفضائل والمزايا المادية‬ ‫والخلقية‬ ‫م‬ ‫والنسانية‪ ،‬وهي بهذا تخدعه وتخادعه‪ ،‬ول يستجيب لها إل المخدوعون‪ .‬وتج ّد أمريكا لدعايتها وتزويرها‬ ‫وخداعها‬ ‫ن‬ ‫«جيشا » من العملء في مختلف بلدان العالم‪ ،‬وفي مختلف المواقع‪ ،‬وبمختل ف المكانات والتخصصات‬ ‫ً‬ ‫‪ ..‬وينشط‬ ‫هؤلء في الدعاية‪ ،‬ويخدعون الس ّج بزخارفهم وتضليلتهم‪ :‬عرفت الن مدى الدعاية التي تغمر بها‬ ‫أمريكا العالم‪،‬‬ ‫ذ‬ ‫والتي يسهم فيها المصريون الذين جاءوا إلى أمريكا ثم عادوا‪ .‬وأستطيع أن أقيس ـ على ضوئها ـ مدى‬ ‫الدعاية‬ ‫التي تغمرنا بها أوروب ا‪ ،‬والتي يسهم فيها المصريون العائدون من هناك‪.‬‬ ‫إنهم ل يجدون لنفسهم قيمة ذاتية‪ ،‬فيبالغون في تضخم أوروبا وتضخيم أمريكا‪،‬علهم يستمدون منها‬ ‫قيمة ذاتية(‪! )٢‬‬


‫(‪ )1‬الرسالة عدد‪ ١٦٩ :‬صفحة‪. ٠٦٣١ :‬‬ ‫(‪ )2‬الرسالة عدد ‪ ١٦٩‬صفحة ‪.٧٥٣١‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة عدد‪ ٧٨٨ :‬صفحة‪. ٦٥٧ :‬‬ ‫‪٨٣‬‬ ‫وعندما ينظر المؤمن البصير إلى واقع البشرية في منتصف الثمانينات وإلى الثار الملحوظة لقيادة‬ ‫أمريكا لها ‪،‬‬ ‫وإلى الحصاد المر الذي تجنيه البشرية من هذه القيادة الشيطانية يدرك عمق نظرة سيد قطب ونفاذ‬ ‫بصيرته وصدق‬ ‫فراسته‪ ،‬رحمه االله‪ ،‬ويشاركه الشفاق على البشرية والعمل على خلصها من ر‬ ‫ّها‪..‬‬ ‫ق‬ ‫‪٥١‬ـ النتهازية المريكية السياسية ‪:‬‬ ‫الدور المريكي في الناحية السياسية‪ ،‬وفي المجال السياسي العالمي‪ ،‬أصبح واضحا لكل من يعيش في‬ ‫الربع‬ ‫ً‬ ‫الخير من القرن العشرين‪ ،‬وهو قمة الهيمنة والسيطرة والقرصنة والنتهازية المريكية السياسية‪.‬‬ ‫والذي ينظر في‬ ‫هذا «النتاج بحد ذاته خطير مدمر مخرب‪ ،‬ولكن الشد خطرا وتدميرا وتخريب ا منه هو أن أمريكا‬ ‫أصبحت بذلك‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫« مدرسة » سياسية‪ ،‬متميزة بسماتها وأوصافها السابقة‪ ،‬وأدخلت أمريكا في « مدرستها السياسية »‬ ‫تلمذتها من‬ ‫سياسيي وحكام ومسؤولي العالم الثالث‪ ،‬وتخرجوا منها بهذه الصفات «المريكية »الملعونة‪ .‬وعادوا إلى‬ ‫بلدهم‬ ‫«ليمارسوا عليها «العلم » المريكي الرفيع في مجال السياسية والحكم والسلطان والتوجيه‪ ..‬وصارت‬ ‫شعوبهم‬ ‫المنكوبة بهم تجني ثمار البداع المريكي السياسي‪ :‬حصادا مر ً‪ ،‬وأشواكا قاتلة ‪ ،‬وسموما ناقعة ‪،‬‬ ‫وتخريبا وإفسادا‬ ‫ًا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وإذلل‪ ...‬وهذا الحصار بارز لكل ذي عينين !!‪ً .‬‬ ‫لقد أشار سيد قطب إشارات سريعة إلى السياسية المريكية ـ بصفاتها السابقة ـ فالضمير المريكي‬ ‫السياسي ‪:‬‬ ‫ضمير أميركاني‪« :‬أخيرا يتكشف ضمير «الوليات المتحدة »هذا‪ ،‬فإذا هو ـ ككل أمريكي آخر ـ ضمير‬ ‫ً‬ ‫أمريكاني »!‬ ‫ونحن نعرف في مصر «اللعبة المريكية » ونعرف أنها «نصب » في «نصب وإحتيال » وقد حرمت هذه‬ ‫اللعبة‬ ‫لما فيها من غش وخداع‪ .‬والضمير المريكي الذي تكشف عنه تصريحات «ترومان » ل يرتفع كثيرا عن‬ ‫هذه اللعبة‬ ‫ً‬ ‫الممنوعة »(‪..)١‬‬ ‫ويقول عن عداوة الرجل البيض الذي تقوده أمريكا لنا ولكل الحق والخير في العالم‪« :‬إنني ل أكاد‬ ‫أتصور أن‬ ‫هناك إنسان ا له مشاعر النسان يرى الرجل البيض يدوس بأقدامه على أعناقنا في كل مكان ثم يجد‬ ‫نفسه قادرا على‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تمجيد هذا الرجل‪ ،‬أو حتى مصادقته ‪ ...‬إنني أشك في آدمية هؤلء الكتاب وهؤلء الوزراء‪ ،‬وهؤلء‬ ‫الساتذة ‪ .‬نعم‬


‫أشك ِي آدميتهم لن أول مميزات النسان أن يحس بكرامة النسان ‪..‬‬ ‫ف‬ ‫‪ « ..‬من الذي ل يحتقر أمريكا ويحتقر معها آدمية ال مريكان وهو يجد المعدات المريكية والدولرات‬ ‫المريكية‬ ‫تشد أزر الستعمار الوروبي في كل مكان‪ ..‬لقاء مساومات اقتصادية أو استراتيجية أو‬ ‫عسكرية »(‪..)١‬‬ ‫‪٦١‬‬ ‫(‪ )2‬الكاتب عدد‪ ٣٧١ :‬صفحة‪. ٨٢ :‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة عدد ‪ ٤٦٩‬صفحة‪.٥٥١١ :‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة عدد‪ ٩٠٠١ :‬صفحة‪ ،٧١٢١ :‬ونشر ـ كشاهد قريب لما نقول ـ إلى تصريحات الملك حسين‬ ‫إلى جريدة نيويورك‬ ‫تايمز حول أمريكا وعدائها لنا‪ .‬أنظر على سبيل المثال جريدة الرأي الردنية عدد ‪ ٦٢٠٥‬الجمعة ‪ ٦١‬آذار‬ ‫‪ ٤٨٩١‬وعنوانها‪« :‬الحسي ن‬ ‫يكشف الوراق المريكية‪ :‬أدرك الن أن المبادئ ل قيمة لها بالنسبة للوليات‬ ‫المتحدة »‪.‬‬ ‫‪٩٣‬‬ ‫ـ أعصار المريكيين‪:‬‬ ‫أمريكا التي قدمت لشعبها كل ممكن في المجال المادي‪ ،‬والتي «ذللت » له الشعوب الخرى‪،‬‬ ‫واستنزفت خيراتها‬ ‫وطاقاتها من أجل المريكيين‪ ،‬هل استطاعت أن تقدم لشعبها الطمأنينة والراحة والسعادة؟‪ .‬هل‬ ‫استطاعت ان تذيقهم‬ ‫طعم الرضا وانس الطمئنان و حلوة الحياة‪ .‬إن هذه القيم والمعاني ل يمكن أن تشترى بالدولر ولذلك‬ ‫ل تخضع‬ ‫للثمن المريكي البخس !! إن المريكيي ن محرومون من الرضا والطمأنينة والسعادة‪ ،‬إنهم يعيشون‬ ‫أيامهم‪ ،‬ويتقلبون‬ ‫في حياتهم‪ ،‬ويستخدمون الرفاهية والنعم المادية والظاهرية‪ ،‬في قلق وحيرة‪ ،‬وفي شقاء وتعاسة‪.‬‬ ‫يعيشون بنفوس‬ ‫مريضة‪ ،‬وأنفاس مضغوطة‪ ،‬وكيان ممزق‪ ،‬وأرواح ضامرة‪ ،‬وقلوب خاوية‪ ..‬إنهم يعيشون بأعصاب متوترة‬ ‫‪،‬‬ ‫ومشاعر مضطربة‪ ،‬ولعنة دائمة ‪..‬لعنة «الحضارة » والمادة والدوات والختراعات‪ ..‬هذا هو النموذج‬ ‫المريكي‬ ‫المثالي‪ ،‬الذي تدعى الشعوب المقهورة إلى تمثله والقتداء به ‪ ..‬وعلى الدنيا السلم! ومن ساواك‬ ‫بنفسه فما ظلم!‪...‬‬ ‫يقول سيد قطب عن هذه الملمح المريكية النفسية ‪ « :‬كل شيء في أمريكا ل يدل على أعصاب‬ ‫مستريحة ‪،‬‬ ‫بالرغم من كل وسائل الحياة المريحة‪ ،‬وكل ضمانات ها المطمئنة‪ ،‬وكل يسر وسهولة في إنفاق‬ ‫الطاقات الفائضة(‪..)١‬‬ ‫ويقول ‪« :‬في كل مكان ضحكات ‪ ،‬وفي كل محلة مرح‪ ،‬وفي كل زاوية أحضان وقبلت‪ ،‬ولكنك ل تلمح‬ ‫في وجه‬ ‫( ‪)٢‬‬ ‫واحد معنى الرضا‪ ،‬ول تحس في قلب واحد روح الطمئنان » ‪..‬‬ ‫وانظر إلى هذه الوصاف لعصاب المريكيين وأسباب هذا البلء في قول سيد قطب في الظلل‪:‬‬ ‫«والجيل‬ ‫الجديد ينحرف فيدمن على المسكرات والمخدرات ليعوض خواء الروح من اليمان‪ ،‬وطمأنينة القلب‬ ‫بالعقيدة‪.‬‬ ‫والمراض النفسية والعصبية والشذوذ بأنواعه تفترس عشرات اللف من النفوس والرواح والعصاب‪..‬‬ ‫ثم‬ ‫النتحار(‪. )٣‬‬


‫«إن الناس ليسوا سعداء‪..‬إنهم قلقون يطل القلق من عيونهم وهم أغنياء! وإن الملل يأ كل حياتهم وهم‬ ‫مستغرقون‬ ‫في النتاج‪ ،‬وإنهم يغرقون هذا الملل في العربدة والصخب تارة‪ ،‬وفي التقاليع الغرب ية الشاذة ‪ .‬وفي‬ ‫الشذوذ الجنسي‬ ‫والنفسي تارة ‪ .‬ثم يحسون بالحاجة إلى الهرب‪ .‬الهرب من أنفسهم‪ ،‬ومن الخواء الذي يعش عش فيها !‬ ‫ومن الشقاء الذي‬ ‫ليس له سبب ظاهر من مرافق الحياة وجريانها‪ .‬فيهربون بال نتحار‪ .‬ويهربون بالجنون‪ .‬ويهربون بالشذذ‪.‬‬ ‫ثم‬ ‫يطاردهم شبح القلق والخواء والفرغ ول يدعهم يستريحون أبدا »(‪.)٤‬‬ ‫ً‬ ‫‪ ٧١‬ـ أمريكا تعيش عقوبة الفطرة‪:‬‬ ‫أمريكا التي ابتعدت عن طريق االله وسارت في طريق الشيطان ‪ ،‬والتي عاشت حياتها على هواها‬ ‫بدون ضابط أو‬ ‫وازع‪ ،‬أو اعتبار لقيمة أو خلق أو فضيلة‪ ،‬عاشت حياتها إباحية وعهرا وشذوذا وانحرافا وفسادا وإفسادا‪..‬‬ ‫أمريكا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التي زرعت كل هذه المفاسد والمباذل والنحرافات‪ ،‬ل بد أن تجني ما غرست وأن تحصد ما زرعت‪..‬‬ ‫وها هو‬ ‫الجنى الفاسد والحصاد السام والثمر المر على «البيدر » المريكي‪ ..‬يتمثل هذا في المليين من الشعب‬ ‫المريكي‬ ‫(‪ )1‬الرسالة عدد‪ ٩٥٩ :‬صفحة‪. ٦٠٣١ :‬‬ ‫(‪ )2‬الكتاب مجلد ‪ ٨‬جزء ‪ ٠١‬صفحة‪. ٨٦٦ :‬‬ ‫(‪ )3‬الظلل ‪.١١٢ :١‬‬ ‫(‪ )4‬الظلل ‪.٦٢٣ :١‬‬ ‫‪٠٤‬‬ ‫رجال ونساء كبارا وصغارا هي تدفع ثمنه م ن صحتها وحياتها‪ ،‬من فطرتها وروحها‪ ،‬من اعصابها وشبابها‪،‬‬ ‫من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وها‪ ،‬من وجودها وكيانها ‪ ..‬وبكلمة‪ :‬إن أمريكا الن تدفع الثمن غاليا وهي تعيش عقوبة الفطرة‪،‬‬ ‫قوتها وفت ِ‬ ‫عقوبة‬ ‫ّت‬ ‫ً‬ ‫خروجها على فطرتها وضميرها وروحها وإنسانيتها ‪ ...‬ويشفق العقلء هناك على أمريكا‪ ،‬ويروعهم الثمن‬ ‫الذي‬ ‫يدفعونه‪ ،‬ويخيفهم الطريق الذي يسيرون فيه‪ ،‬ويرتفع صوتهم بالنكير والتحذير ‪ ..‬ولكن من هو الذي‬ ‫يسمع ! وأنى‬ ‫للمخمور أن يسمع؟ وأنى للغافل أن يعي‪ ،‬وانى للميت أن يستيقظ؟ ‪...‬‬ ‫سيد قطب رأى هذا في الواقع المريكي بعينيه اليمانيتين‪ ،‬وأدرك كيف يدفع الشعب هناك الثمن ويعيش‬ ‫عقوبة‬ ‫الفطرة‪ ..‬واستخدم سيد قطب هذا الواقع المريض نموذج ا لكل من حرج عن منهج االله واتبع هواه ‪.‬‬ ‫وصار يح ّر‬ ‫ً‬ ‫ُ َذ‬ ‫الناس من ذلك الطريق‪ ،‬ويبصرهم ببشاعة المصير ‪.‬‬ ‫يقول عن الشعب المريكي هناك‪« :‬إنه شعب مهدد بالنقراض ‪ ،‬فالنسل في تناقص مطرد بسبب‬ ‫فوضى‬ ‫الختلط ! والجيل الجديد ينحرف فيدمن على المسكرات والمخدرات ليعوض خواء الروح من اليمان‬ ‫وطمأنينة‬ ‫القلب بالعقيدة‪ .‬والمراض النفسية والعصبية والشذوذ بأنواعه يفترس عشرات اللف من النفوس‬ ‫والرواح‬


‫والعصاب‪ ...‬ثم النتحار (‪..)١‬‬ ‫ويقول عن النذر التي تتوالى هناك على القوم وهم سادرون‪« :‬ونذر السوء تتوالى ‪ ،‬وال مة المريكية‬ ‫في عنفوانها‬ ‫ل تتلفت للنذر‪ ،‬ولكن عوامل التدمير تعمل في كيانها‪ ،‬على الرغم من هذا الرواء الظاهري‪ ،‬وتعمل‬ ‫بسرعة‪،‬مما‬ ‫يشي بسرعة الدمار الداخلي على الرغم من كل الظواهر الخارجية!! لقد وجد الذين يبيعون أسرار‬ ‫أمريكا وبريطانيا‬ ‫العسكرية لعدائهم‪ ،‬ل لنهم في حاجة إلى المال‪ ،‬ولكن لن بهم شذوذا جنسي ا ناشئا من آثار الفوضى‬ ‫الجنسية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السائدة في المجتمع‪.‬‬ ‫‪ ..‬وأخيرا يعلن رئيس الوليات المتحدة ان ستة من كل سبعة من شباب أمريكا لم يعودوا يصلحون‬ ‫ً‬ ‫للجندية‬ ‫بسبب النحلل الخلقي الذي يعيشون فيه‪. )١( » ..‬‬ ‫‪ ٨١‬ـ بداية النهاية لمريكا ‪:‬‬ ‫أمريكا التي تعيش عقوبة الفطرة ـ كما مر معنا في المبحث السابق ـ ل بد ان تبدأ في التراجع‪ ،‬فإن امة‬ ‫بل‬ ‫فضائل أخلقية‪ ،‬ول ثروة من القيم النسانية‪ ،‬ل يمكن أن تستمر في قيادة البشرية‪ ،‬وإن امة تخرج عن‬ ‫منهج ربها ‪،‬‬ ‫وتصادم فطرتها وروحها‪ ،‬ل يمكن ان تبقى في لوجود الحضاري‪ ،‬وعندما يحل بها أمر االله ـ كما حل‬ ‫بالمم‬ ‫السابقة ـ فإنه لن تغني عنها اموالها ودولرها‪ ،‬ولن تغني عنها ثرواتها وخيراتها‪ ،‬ولن تغني عنها صناعاتها‬ ‫وأدواتها‪ ،‬ولن يغني عنها رصيدها وتاريخها ـ إن كان لها رصيد إنساني او تاريخ مش ّف ـ وصدق االله‬ ‫العظيم‬ ‫ر‬ ‫حيث يقول‪( :‬إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ول أولدهم من االله شيئ ً‪ ،‬وأولئك هم وقود‬ ‫النار) (‪ .)٢‬وحيث‬ ‫ا‬ ‫يقول‪( :‬ول يغني عنهم ما كسبوا شيئ ً‪ ،‬ول ما اتخذوا من دون االله أولياء ) (‪..)٣‬‬ ‫ا‬ ‫(‪ )1‬الظلل ‪.١١٢ :١‬‬ ‫(‪ )1‬الظلل ‪.٦٣٦ :٢‬‬ ‫(‪ )2‬آل عمران‪.٠١ :‬‬ ‫(‪ )3‬الجائية‪.٠١ :‬‬ ‫‪١٤‬‬ ‫إن أمريكا تعيش أيضا بداية النهاية‪ .‬وإن ها تسير نحو هاويتها بسرعة عجيبة‪ ،‬وهي ل تكاد تشعر‪ ،‬وإن‬ ‫المشفقين‬ ‫ً‬ ‫والعقلء يحاولون ـ عبث ا ـ إيقاف النهيار‪ ،‬وتأخير النهاية‪ ،‬ولكن ل راد لمر االله ‪ ،‬ولن ينفعهم شيء‬ ‫عندما يأتيهم‬ ‫ً‬ ‫بأسه‪( .‬فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا‪ ،‬سنة االله التي قد خلت في عباده‪ ،‬وخسر هنالك‬ ‫الكافرون ) (‪.)١‬‬ ‫ومن المؤشرات على هذه الحقيقة‪ ،‬والعلمات البارزة على أن امريكا بدأت نهايتها وهي وشيكة ـ المثلة‬ ‫التي‬ ‫طرحناها في البحث السابق‪ ،‬ونضيف إليها هذه المثلة السريعة‪ ،‬التي عرضها سيد قطب في الظلل‪:‬‬ ‫انتشرت موجة‬ ‫الجرام بين المراهقين والمراهقات من شباب أمريكا‪ ...‬وقد قدرت لجنة الربعة عشر المريكية التي‬


‫تعنى بمراقبة‬ ‫حالة البلد الخلقية أن ‪ ٠٩‬بالمئة من الشعب المريكي مصابون بالمراض الجنسية السرية الفتاكة (وذلك‬ ‫قبل وجود‬ ‫المركبات الحديثة من مضادات الحيوانات كالبنسلين والستريبتو مايسين )‪ ..‬وكتب القاضي «لندسي »‬ ‫بمدينة «دنفر »‬ ‫أنه من كل حالتي زواج تعرض قضية طلق(‪. )٢‬‬ ‫ويقول ك « ما من أحد يزور البلد الغنية الثرية في الرض حتى يكون النطباع الول في حسه أن هؤلء‬ ‫قوم‬ ‫هاربون !هاربون من أشباح تطاردهم من ذوات نفوسهم‪ ،‬وسرعان ما يتكشف الرخاء المادي والمتاع‬ ‫الحسي الذي‬ ‫يصل إلى حد التمرغ في الوحل‪ ،‬عن المراض العصبية والنفسية والشذوذ والقلق والمرض والجنون‬ ‫والمسكرات‬ ‫( ‪)٣‬‬ ‫والمخدرات والجريمة‪ ...‬وفراغ الحياة من كل تصور كريم‪. » ..‬‬ ‫ولقد طبق عليهم قوله تعالى‪( :‬فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ‪،‬حتى إذا فرحوا بما‬ ‫اوتوا‬ ‫أخذناهم بغتة فإذا بهم مبلسون)(‪ ..)٤‬فخرج بنتيجة أن الخيرات والنعم عليهم وافرة‪ ،‬وانهم مغترون بها‪،‬‬ ‫وأن العذاب‬ ‫إليهم قادم «وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه‪ ،‬شعورهم بأنه وقف «على الرجل البيض‬ ‫» وطريقة‬ ‫تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة‪ ،‬وفي وحشية كذلك بشعة ‪ ،‬وفي صلف على أهل الرض‬ ‫كلهم‪ ...‬كنت أرى‬ ‫هذا كله فأذكر هذه الية‪ ،‬وأتوقع سنة االله‪ ،‬وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين‬ ‫» (‪. )١‬‬ ‫‪ ٩١‬ـ من فضائل امريكا‪:‬‬ ‫وأخيرا نختم هذا الفصل بالشارة الى فضائل أمريكا ‪ ،‬وهذا تطبيق منا للنظرة السلمية العادلة‪ ،‬التي‬ ‫تأمر المسلم ً‬ ‫بالعدل في الغضب والرضا‪ ،‬والمحبة والشنآن‪ ،‬وتلزم هذا المسلم بالشارة إلى فضائل خصمه ‪،‬‬ ‫وحسنات عدوه ‪ ،‬وهو‬ ‫يدرسه ويتحدث عنه‪ ،‬وهو يقومه ويقيمه ‪...‬‬ ‫وقد يتساءل أحد الناس بعد قراءة المباحث السابقة في هذا الفصل‪ :‬هل لمريكا من فضائل؟ هل أمريكا‬ ‫التي‬ ‫عرفناها على حقيقتها وضآلتها وإفلسها في عالم القيم والمبادئ هل لها من حسنات أو مزايا ؟ هل‬ ‫هناك جوانب‬ ‫إيجابية محددة في أمريكا وواقعها وحياة أفرادها وتشريعاتها ونظمها المادية؟ وإذا كانت هناك فضائل‬ ‫فما هي‬ ‫أهمها؟‬ ‫(‪ )1‬غافر‪.٥٨ :‬‬ ‫(‪ )2‬الظلل ‪.٧٣٦ :٢‬‬ ‫(‪ )3‬الظلل ‪.٢٢٤ :١‬‬ ‫(‪ )4‬النعام‪.٤٤ :‬‬ ‫(‪ )1‬الظلل ‪. ١٩٠١:٢‬‬ ‫‪٢٤‬‬ ‫وللجواب على هذه التساؤلت نقول‪ :‬نعم‪ .‬إن لمريكا فضائل‪ .‬ولول تلك الفضائل فإنها ل يمكن أن تعيش‬ ‫وأن‬ ‫تقود العالم !!ل يمكن ان يوجد الشر خالص ا محضا في أمة او دولة أو حضارة ‪ ،‬بل ل بد ان يكون ذلك‬ ‫الشر الغالب‬ ‫ً‬ ‫ً‬


‫لكثير ممزوجا بقليل من الخير‪ ..‬إن لمريكا عيوبها ونقائصها وهي كثيرة‪ ،‬وإن لمريكا قبائحها ومباذلها‬ ‫وهي‬ ‫ً‬ ‫كثيرة وإن لمريكا رسالتها ودورها ووظيفتها وهي شيطانية مفسدة ‪ ،‬وإن لمريكا استعمارها واستغللها‬ ‫وانتهازيتها‬ ‫وهي مدمرة مخربة‪ ...‬ولكن ـ ومع ذلك كله ـ إن لمريكا فضائلها وهي قليلة ‪ ،‬وحسناتها وهي يسيرة‪،‬‬ ‫ومزاياها‬ ‫وهي ضائعة وسط ذلك الركام من النقائص والمفاسد ‪..‬‬ ‫إن أهم فضائل أمريكا هي استغللها كل طاقاتها لتقدم شعبها وتجنيدها كل إمكاناتها لرفاهيته المادية ‪.‬‬ ‫وتوظيفها‬ ‫لكل طاقاتها ومواهبها لخدمته ‪ ،‬واستخدام الطبيعة والعلم والصناعة والتقدم والتكنولوجيا والعقول‬ ‫والدمغة لمزيد من‬ ‫الختراعات والصناعات والدوات التي تحقق الرخاء والرفاهية للشعب المريكي‪ ..‬وإبداعها وإجادتها في‬ ‫هذا‬ ‫الجانب إلى حد ل يخطر على بال أحد ‪ ..‬وفي هذا يقول سيد قطب‪« :‬إن لمريكا دورها الرئيسي في‬ ‫هذا العالم‪ ،‬في‬ ‫مجال العلم التطبيقي‪ ،‬وفي مجال البحوث العلمية‪ ،‬وفي مجال التنظيم والتحسين والنتاج والدارة‪،‬‬ ‫وكلما يحتاج إلى‬ ‫ذهن وعضل فهذا تبرز فيه العقلية المريكية‪ ..‬ولكن هذه البشرية تخطئ أشنع الخطأ‪ ،‬وتعرض رصيدها‬ ‫من القيم‬ ‫النسانية للضياع‪ ،‬إذا هي جعلت المثل المريكي مثلها في الشعور السلوك‪ ...‬إن هذا ل يعني أن‬ ‫المريكان شعب‬ ‫بل فضائل‪ ،‬وإل لما أمكنه أن يعيش‪ ،‬ولكنه يعني أن فضائله ه ي فضائل النتاج والنظام ‪ ،‬ل فضائل‬ ‫القيادة النسانية‬ ‫والجتماعية‪ ،‬فضائل الذهن واليد ل فضائل الذوق والشعور‪. )١(» ..‬‬ ‫الفصل الثالث‬ ‫كلم سيد قطب عن أمريكا‬ ‫تمهيد‬ ‫كان سيد قطب حريص ا على دراسة المجتمع المريكي والظاهرة المريكية دراسة فاحصة ‪ ،‬وتحليله‬ ‫تحلي ل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫صائب ا‪ ،‬وقد كان يسجل ملحظاته ونظراته ‪ ،‬ويد ّن نتيجة تجربته‪ ،‬ومظاهر الحياة هناك‪ ،‬ويورد المثلة‬ ‫والنماذج‬ ‫ً‬ ‫و‬ ‫على كل ما عنده من الواقع المريكي‪ ،‬لنه يملك الكثير من المثلة المنتزعة من ذلك‬ ‫الواقع ‪.‬‬ ‫وقد كان يدرك ويعي الدور المريكي في المنطقة العربية والسلمية‪ ،‬ويلمح مظاهر الخطة المريكية‬ ‫لحتواء‬ ‫وإخضاع والسيطرة على هذه المنطقة ‪ ،‬ويستحضر في ذهنه نماذج من الشخاص ـ في مصر وغيرها من‬ ‫العالم‬ ‫العربي ـ المخدوعين بأمريكا ‪ ،‬والمهزومين أمام تقدمها المادي‪ ،‬والمضبوعين بسيطرتها وتفوقها‬ ‫العسكري‪،‬‬ ‫والمتأثرين بمناهج حياتهم‪ ..‬وهم الذين يؤثرون كل ما هو أمريكي‪ ،‬ويفضلون نتاج وإنتاج العبقرية‬ ‫المريكية‪،‬‬ ‫وينشرون من ثم معارفها وفنونها وعلومها‪ ،‬ويرددون دعايتها وزخارفها وأباطيلها ‪ ..‬وكان يحزنه ان يرى‬ ‫هؤلء‬ ‫على تلك الصورة من التبعية والذل والستسلم‪ ،‬ويشفق عليهم‪ ،‬ويأسى لحالهم‪ ..‬كما كان يخشى من‬ ‫سيطرة هؤلء‬


‫على مقاليد المور في بلدهم‪ ،‬ويدرك المصير السود البائس لبلدهم لو تمت تلك‬ ‫السيطرة‪...‬‬ ‫(‪ )1‬الرسالة عدد ‪ ١٦٩‬صفحة‪. ٠٦٣١ :‬‬ ‫‪٣٤‬‬ ‫ومن أجل ذلك كله كان سيد قطب حريصا على تسجل كلمه وملحظاته ونتائج تحليلته للواقع المريكي‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وحريصا على أن يراسل معارفه وأصدقاءه وأقاربه ليطلعهم على ذلك ـ وعلى غيره من مكتسباته‬ ‫ً‬ ‫الجديدة في‬ ‫العالم الجديد ـ وكان ينشر بعض نظراته وتحليلته في الصحف والمجلت المصرية ‪ .‬كما كان راغب ا في‬ ‫إعداد‬ ‫ً‬ ‫دراسة خاصة عن أمريكا بعنوان «أمريكا التي رأيت » والتي لم تر النور ‪ ..‬ليعرف الجميع من هي‬ ‫أمريكا‪ ،‬وما هي‬ ‫حقيقتها‪ ،‬وما هو دورها وما هي رسالتها؟‪...‬‬ ‫ولما أقبل على القرآن يفسره في الظلل‪ ،‬ولما صار يصدر دراساته السلمية الرصينة‪ ،‬كان حريص ا‬ ‫على‬ ‫ً‬ ‫الستشهاد بالواقع المريكي على الجاهلية وفسادها وانحللها وإباحيتها‪ ..‬وكان يطبق اليات القرآنية على‬ ‫الواقع‬ ‫المعاصر وبخاصة تلك التي تتحدث عن السنن البشرية الثابتة‪ ،‬أو نهاية كل من خرج عن أمر ربه وإيحاء‬ ‫فطرته‪..‬‬ ‫وكان حريصا على إيراد الشاهد الحي والنموذج العملي الواقعي على ذلك‪ ،‬ولن يكون هذا إل الواقع‬ ‫المريكي الذي‬ ‫ً‬ ‫خبره وادركه ‪.‬‬ ‫وفيما يلي من المباحث نشير إشارات موجزة إلى أماكن كلمه عن أمريكا‪ .‬والصحف والمجلت والكتب‬ ‫والدراسات التي حوت ذلك‪ ،‬ليكون القارئ على بينة من هذا المر‪...‬‬ ‫‪ ١‬ـ رسائل له من أمريكا‪:‬‬ ‫نلحظ أن سيد قطب كان يكثر ـ وهو في أمريكا ـ من مراسلة معارفه وزملئه‪ ،‬وأهله وأقاربه‪ ،‬وقد قلل‬ ‫من‬ ‫نتاجه الدبي في القصيدة والمقالة‪ ،‬بل إن نفسه عزفت عن الكتابة الدبي ة‪ ،‬ولم نجد له مقالت أو‬ ‫قصائد إل النادر‬ ‫اليسير ‪.‬‬ ‫جتها وسهولتها‬ ‫س‬ ‫على‬ ‫وخواطره‬ ‫أفكاره‬ ‫يعيش‬ ‫انه‬ ‫يحس‬ ‫وكان‬ ‫الرسالة‪،‬‬ ‫كتابة‬ ‫في‬ ‫نفسه‬ ‫يجد‬ ‫كان‬ ‫ّ‬ ‫ُوسرها‪ ،‬وكان‬ ‫ي‬ ‫ي‬ ‫يدرك أنه يناجي صاحبه ـ المرسل إليه ـ ويبثه ما يجده من أفكار وخواطر وحقائق‪...‬‬ ‫يقول عن نفسه وهو في أمريكا‪« :‬عند ما كنت بعيدا عن الوطن ـ مدى عامين في أمريكا ـ كان في‬ ‫نفسي‬ ‫ً‬ ‫عزوف ل أدري سببه ‪ ،‬عن الكتابة إل في القليل النادر‪ ...‬ولعل منشأ هذا المعروف كان هو الرغبة في‬ ‫تحقيق شيء‬ ‫أكبر من مجرد الكتابة (‪... )١‬‬ ‫وقد استعاض عن كتابة المقالت بكتابة «الرسائل الخوانية » ـ كما يسمي ها الدباء ـ «ولكن داء الكتابة‬ ‫لم‬ ‫يزايلني البتة في خلل تلك الفترة ! كنت أكتب الى اخي واختي واصدقائي في مصر وسائر البلد العربية‬ ‫وفي‬ ‫إنجلترا وفرنسا كذلك ‪ ...‬وكنت أقول لهم في رسائلي الخاصة ما أود أن أقوله للناس في الكتابات‬


‫المنشورة ‪ ...‬كنت‬ ‫استروح لهذا اللون من التعبير الضيق المباشر ‪ ،‬لني ل اتكلف له ما يتكلفه الكتاب عادة لما ينوون‬ ‫نشره‪ ،‬وكنت‬ ‫احس فيه من الصدق والخلص والبساطة ما ل أحسه للكثير من المنشور‪ ،‬وكنت تجدني أقرب إلى‬ ‫حقيقتي وأنا‬ ‫ُ‬ ‫أكتبه (‪...)٢‬‬ ‫وقد أطلعنا على مقاطع من رسائله إلى اهله ومعارفه في مقاله «في الدب والحياة » الذي نشره في‬ ‫مجلة الكتاب‬ ‫بعد عودته من أمريكا‪ ...‬من تلك المقاطع التي أوردها ‪ :‬مقطع من رسالته الى شقيقته في مصر‪...‬‬ ‫ومقطع آخر من‬ ‫(‪ )1‬الكتاب مجلد ‪ ٠١‬جزء ‪ ٤‬صفحة‪. ٩٨٣ :‬‬ ‫(‪ )٢‬المرجع السابق‪ ٠٩٣ :‬ـ ‪. ١٩٣‬‬ ‫‪٤٤‬‬ ‫رسالته إلى صديق مكتئب ضيق الصدر بالناس وما هم عليه‪..‬ومقطع ثالث من رسالته إلى صديق اعتزل‬ ‫الناس لنه‬ ‫أرفع منهم وأسمى‪ ..‬ومقطع رابع من رسالته إلى صديق يبين له فيها أن الغاية ل تبرر‬ ‫الوسيلة (‪...)٣‬‬ ‫ومن رسائله وهو في أمريكا رسالته إلى توفيق الحكيم ‪ ،‬وقد كانت رسالة مطولة نشرت في عددين من‬ ‫مجلة‬ ‫الرسالة وكانت رد ا على هدية له من الحكيم هي كتابه «الملك اوديب » فاستغل ها سيد قطب فرص ة‬ ‫لنقد أدبي من‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫منظور إسلمي لكتاب الحكيم (‪. )٤‬‬ ‫ومن هذه الرسائل رسالتان بعث بهما إلى أنور المعداوي يتحدث له فيهما عن أمريكا‪ ،‬وعن النقد الدبي‬ ‫وعقباته‬ ‫ومش ّاته‪ ،‬ويخبره في إحداهما عن هجره للنقد الدبي وانشغاله في برنامج اجتماعي وإصلحي شامل‪.‬‬ ‫ق‬ ‫وقد نشر‬ ‫هاتين الرسالتين أخيرا علي شلش في مجلة الكاتب المصرية‪ .‬كان تاريخ الرسالة الولى ‪،٩٤٩١ /٢١ /٣٢‬‬ ‫وتاريخ‬ ‫ً‬ ‫الرسالة الثانية من ختم البريد ‪. )١(٠٥٩١/ ٣ / ٦‬‬ ‫كان المصريون المبعوثون للدراسة في أوروبا وغيرها‪ ،‬يراسلون سيد قطب وهو في أمريكا‪ ،‬وقد أخبر‬ ‫سيد‬ ‫قطب صديقه عباس خضر بخلصة رسالة أحدهم من فرنسا‪« :‬ول تسمع ما يقوله بعض الرقعاء عن جو‬ ‫فرنسا ‪،‬‬ ‫فبين يدي الن رسالة من شاب مصري غير مخدوع‪ ،‬يعيش في فرنسا مفتوح العين‪ ،‬يحدثني عن‬ ‫التقلبات والنواع‪،‬‬ ‫( ‪)٢‬‬ ‫ويتمنى نسمة مصرية ‪...‬‬ ‫‪ ٢‬ـ كتيب (أفراح الروح )‪:‬‬ ‫اختلط المر على كثير من الناس ‪ ،‬وعلى بعض الباحثين والدارسين‪ ،‬حقيقة الكتيب الذي صدر يحمل‬ ‫اسم سيد‬ ‫قطب بعنوان «أفراح الروح » وبعضهم شكك في نسبته إلى سيد قطب ونسبه إلى شقيقه محمد‬ ‫قطب‪ .‬وبعضهم‬ ‫اعتبره رسالة بعث بها سيد قطب من وراء القضبان إلى اخته امينة قطب‪ .‬وكلهما مخطئ في‬ ‫نظرته ‪.‬‬


‫فأفراح الروح في أصله هو مجموعة من الرسائل الشخصية التي بعثها سيد قطب إلى أهله ومعارفة‬ ‫عندما كان‬ ‫في أمريكا‪ ،‬وقد سلمها إلى السيد عادل الغضبان رئيس تحرير مجلة الكتاب لتنشر فيها بإعتبارها تصلح‬ ‫للنشر أكثر‬ ‫من المقالت التي أعدت للنشر فعل ـ وقد كان الغضبان يستحث سيد قطب على أن يكتب لمج لته ـ‬ ‫ولكن الغضبان‬ ‫ً‬ ‫لم ينشرها على اعتبار أنها رسائل شخصية خاصة ل تصلح للنشر في مجلة أدبية‪ ،‬ولم ينشرها من أجل‬ ‫سيد قطب‬ ‫أيضا حتى ل يتهم من قبل الق ّاء بأنه أفلس فلجأ إلى نشر رسائل شخصية ‪ .‬ولذلك سلمها إلى سيد‬ ‫قطب بعد عودته‬ ‫ً‬ ‫ر‬ ‫من أمريكا‪.‬‬ ‫ويبدو أن سيد قطب أبقى هذه الرسائل في بيته‪ ،‬ولما سجن في الخمسينات‪ ،‬وصلت هذه الرسائل ألى‬ ‫مجلة‬ ‫«الفكر » التونسية فنشرت فيها تحت عنوان «أضواء من بعيد » ثم في مجلة «اليمان »المغربية‪ ..‬ثم‬ ‫ظهرت في‬ ‫كتيب «أفراح الروح » الذي أصدرته «الدار العلمية » في بيروت عام ‪. ١٧٩١‬‬ ‫(‪ )3‬المرجع السابق‪ ١٩٣ :‬ـ ‪.٣٩٣‬‬ ‫(‪ )4‬نظر الرسالة سنة ‪ ٧١‬عدد ‪ ٧١٨‬تاريخ ‪ ٩‬مايو ‪ ٩٤‬صفحة‪٣٢٨ :‬ـ ‪٦٢٨‬وعدد ‪٨٢٨‬تاريخ ‪ ٦١‬مايو ‪٩٤‬‬ ‫صفحة ‪ ٤٥٨‬ـ ‪. ٥٥٨‬‬ ‫(‪ )1‬الكاتب سنة ‪ ٥١‬عدد ‪٣٧١‬تاريخ أغسطس ‪٥٧٩١‬صفحات‪ ٨٢ :‬ـ ‪.٩٢‬‬ ‫(‪ )2‬الرسالة عدد ‪٧٨٨‬تاريخ ‪ ٣‬يوليو ‪ ٠٥٩‬صفحة‪. ٦٥٧ :‬‬ ‫‪٥٤‬‬ ‫وبهذا يظهر أن كتاب «أفراح الروح » هو مجموعة من رسائل سيد قطب بعث بها من أمريكا ألى أهله‬ ‫ومعارفه‪،‬‬ ‫وأنه لبد من البحث العلمي المنهجي الموضوعي في تناول الموضوعات المختلفة‪ ،‬حتى ل تضيع الحقيقة‬ ‫وسط‬ ‫ركام الفتراضات وتيه الدعاءات(‪. )١‬‬ ‫‪ ٣‬ـ مقالته عن أمريكا‪:‬‬ ‫كان سيد قطب يراسل المجلت الثقافية والدبية في مصر عندما كان في أمريكا ـ وقد كانت له بهم‬ ‫صلة سابقة‬ ‫ـ بل كانوا يستكتبونه ويحثونه على الكتابة في مجلتهم‪ ،‬كما فعل السيد عادل الغضبان رئيس تحرير‬ ‫مجلة الكتاب‪.‬‬ ‫من المجلت التي عرفنا أن سيد قطب كتب فيها وهو في أمريكا‪ ،‬أو كتب فيها عن أمريكا بعد ما وص ل‬ ‫إلى‬ ‫مصر‪ ،‬مجلة «الرسالة » ومجلة «الكتاب »‪.‬‬ ‫أما مجلة الرسالة فقد نشرت له رسالتين ّقمتين أرسلهما إلى توفيق الحكيم ردا على هدية الخير إلى‬ ‫سيد قطب‬ ‫ي‬ ‫ً��� ‫وهي كتابه «الملك أوديب » والرسالتان تحملن قيمة عظمتة من حيث نقد سيد قطب للواقع المريكي‪.‬‬ ‫ومن حيث‬ ‫نظرات سيد قطب الجديدة في النقد الدبي التي أدخل فيها العامل الديني والبعد السلمي‪ ،‬ولهذا كان‬ ‫حديثه للحكيم‬ ‫فيهما قيما‪ ،‬وداعيا له إلى أن يتخلى عن الثقافة الرومانية واليونانية والوروبية في الروايات‬ ‫ً‬ ‫والمسرحيات‪ ،‬وأن‬ ‫يعود إلى نفسه وإيمانه وإسلمه ليبدع ويسمو في نتاجه الفن ي والدبي‪.‬‬ ‫ونشرت الرسالة رسائل بعث بها إلى زميله عباس خضر‪ ،‬وكان الخير ينشرها في زاويته السبوعية‬


‫«الدب‬ ‫والفن في أسبوع » ينشرها وينشر رده وتعقيبه عليها ول تخلو المراسلت الخوانية بينهما من مداعبات‬ ‫«وقفشات »‬ ‫لطيفة وهذه المراسلت ذات قيمة في نقد سيد قطب لل مجتمع المريكي ‪ ،‬وتحليله للحياة فيها ‪ ،‬تص‬ ‫ّر كذلك تص ّر‬ ‫َ َو‬ ‫َ َو‬ ‫عباس خضر وغيره من الدباء للواقع المريكي ومقارنته بالواقع المصري‪.‬‬ ‫ونشرت له الرسالة قصيدة فنية رائعة هي «هتاف الروح » التي حملها كل أشواقه إلى مصر‪ ،‬وأثبت‬ ‫فيها غربته‬ ‫في «الصحراء » المريكية الجدباء ‪.‬‬ ‫بينما نشرت له مجلة الكتاب مقالت أخرى ‪ .‬من أجودها ـ بالنسبة لموضوعنا في نقد وتحليل أمريكا‬ ‫مقاله الحاد‬ ‫البديع «حمائم في نيويورك » الذي فند فيه أمريكا وحياتها‪ .‬كما نشرت له مقالين آخرين هما‪« :‬أضواء‬ ‫من بعيد »‪،‬‬ ‫و «في الدب والحياة » ونشرت له تعقيبا على مقال «العشرون الذين صاغوا القرن العشرين » كتبه‬ ‫كاتبان أمريكيان‬ ‫ً‬ ‫ونشراه في مجلة «لوك » المريكية‪ ،‬ثم ترجمه الستاذ محمد قطب ونشره في مجلة الكتاب وعقب‬ ‫عليه سيد قطب‬ ‫مسجل اهتمامات المريكيين وعقليتهم بإيجاز‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ونشرت له مجلة الرسالة قصيدة وثلث مقالت تعتبر خلصة نظرته إلى أمريكا ونقده وتقويمه لها‪،‬‬ ‫وتحليله‬ ‫للحياة فيها‪ ،‬وهي بعنوان «أمريكا التي رأيت‪ :‬في ميزان القيم النسانية » ‪ ..‬وهذه المقالت تعتبر نواة‬ ‫كتابه «أمريكا‬ ‫التي رأيت » وطالم حرمنا من كتابه المذكور‪ ،‬فإن تلك المقالت الثلثة تكاد تغني عن ذلك‬ ‫الكتاب (‪... )١‬‬ ‫‪ ٤‬ـ إشاراته إلى أمريكا في كتبه ‪:‬‬ ‫(‪ )1‬انظر كتابنا «سيد قطب الشهيد الحي » ‪١٥٢‬ـ ‪ ٢٥٢‬وسيد قطب الديب الناقد للستاذ‬ ‫عبداالله الخباص‪٩٢٣ :‬ـ ‪. ٠٣٣‬‬ ‫(‪ )1‬سوف نثبت تلك المقالت والرسائل في القسم من هذا الكتاب بإذن‬ ‫االله‪.‬‬ ‫‪٦٤‬‬ ‫عندما صار سيد قطب يصدر كتبه السلمية ‪ ،‬ويعد أبحاثه السلمية كان يلتفت كثيرا إلى أمريكا والحياة‬ ‫فيها ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وكان يستشهد بأمريكا وما فيها على الحقائق الدينية والسلمية التي تقرر فساد الحياة والرض عندما‬ ‫يبتعد الناس‬ ‫عن االله‪ ،‬والتي تقرر وقوع الناس في النحلل والفواحش عندما يستسلمون للشهوات‪ ،‬والتي تقرر‬ ‫إصابة الناس‬ ‫بالمراض والفات بسبب ذلك كله‪...‬‬ ‫ولما كتب سيد قطب الظلل كان كثير ا ما يلتفت إلى أمريكا ويبين صدق انطباق اليات القرآنية عليها‪،‬‬ ‫وبخاصة‬ ‫ً‬ ‫تلك التي تقرر سنة االله الثابتة في حياة النسان‪ ،‬أو تلك التي تقرر عقوبة االله لكل من خرج عن دينه‬ ‫واتبع هواه ‪.‬‬ ‫كما كان يشير إلى أمريكا وهو يتحدث عن الجاهلية وقيمها ومبادئها وتبذلها وانحرافها‬ ‫وانحللها‪...‬‬


‫وهذا الصنيع من سيد قطب لطيف‪ ،‬إنه «يوظف » أمريكا كوسيلة إيضاح‪ ،‬يعرض من خللها عظمة‬ ‫السلم في‬ ‫قيمه ومبادئه من خلل مقارنته بنقيضه الجاهلي الهابط‪ ،‬الذي تمثله أمريكا‪ ،‬وقديما قيل‪« :‬وبضدها تتميز‬ ‫الشياء »‪..‬‬ ‫ً‬ ‫كما كان «ين ّر » الناس من النسياق وراء الشهوات‪ ،‬والسير وراء الشيطان‪ ،‬ويعرض الطريق البائس‬ ‫َُف‬ ‫لكل من فعل‬ ‫ذلك‪ ،‬والنموذج المريكي بين يديه يلتقط منه ما شاء ويعرض منه ما يريد ‪...‬‬ ‫أشار إلى أمريكا في كتابه «السلم العالمي والسلم »‪،‬وكتابه « معركة السلم والرأسمالية » وكتابه‬ ‫«دراسات‬ ‫إسلمية » الذي ضم عددا من مقالته السلمية في مختلف المجلت‪ .‬وكان كتابه «السلم الخلقي‬ ‫ً‬ ‫وحياتها‬ ‫( ‪)١‬‬ ‫الحيوانية البهيمية ‪ .‬وقد‬ ‫ـ أن سيد قطب قد وضع في هذا الكتاب كل ما يريد قوله عن‬ ‫ظن البعض ـ خطأ‬ ‫أمريكا‪ ،‬وأنه ضم خلصة كتابه «أمريكا التي رأيت » علم ا بأن ما في الكتاب من كلم عن أمريكا ل يزيد‬ ‫على‬ ‫ً‬ ‫ثلث صفحات فقط‪ ..‬وأن مقالته التي نشرها في الرسالة بعنوان «أمريكا التي رأيت ‪ :‬في ميزان القيم‬ ‫النسانية »‬ ‫هذه المقالت هي خلصة موجزة لكتابه الذي وعد به‪ ،‬وقد بلغت صفحاتها ثلث عشرة‬ ‫صفحة ‪.‬‬ ‫ولم يخل كتابه الخير « معالم في الطريق » من إشارة إلى أمريكا والحياة فيها‪ .‬أما الظلل فإن إشارته‬ ‫عن أمريكا‬ ‫فيه كثيرة كما قلنا‪.‬‬ ‫هذه هي أهم الكتب التي ضمنها إشارات له عن أمريكا‪ ،‬وسوف نثبت هذه الشارات كاملة موثقة بإذن‬ ‫االله في‬ ‫القسم الثاني من هذا الكتاب‪.‬‬ ‫‪ ٥‬ـ مصير كتابه «أمريكا التي رأيت » ‪:‬‬ ‫التبس علىالناس مصير كتاب سيد قطب «أمريكا التي رأيت » مع اتفاقهم على أهميتة وقيمته ونفاسته ‪،‬‬ ‫وضرورته لكل من أراد أن يعرف أمريكا على حقيقتها ‪.‬‬ ‫ذهب الب عض إلى أن سيد قطب كتب كتابه وطبعه‪ ،‬وأنه صدر فعل !! ول يملك هؤلء دلي ل على ما‬ ‫يقولون‪ ،‬ول‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫«أثارة من علم » على ما يزعمون‪ .‬وإنما يكتفون بإلقاء القوال جزاف ا‪...‬‬ ‫ً‬ ‫وذهب البعض إلى أن سيد قطب عدل عن كتابه لنه وضع خلصته في كتاب «السلم ومشكلت‬ ‫الحضارة » ‪.‬‬ ‫وقد أشرنا إلى بطلن هذا القول في المبحث السابق ـ في الهامش ‪...‬‬ ‫يقول الستاذ يوسف العظم في كتابه عن سيد قطب‪« :‬وكأني بالمؤلف قد قال في هذا الكتاب (السلم‬ ‫(‪)1‬‬ ‫ومشكلت الحضارة) ما‬ ‫كان ينوي أن يقوله في كتاب أمريكا التي رأيت‪ .‬بعد أن =‬ ‫‪٧٤‬‬ ‫وقد بحثت عن الكتاب ولم أعثر عليه‪ .‬ولما كنت أعد رسالتي للماجستير عن « سيد قطب والتصوير‬ ‫الفني في‬ ‫القرآن » قابلت الستاذ محمد قطب في بيته ـ في مكة المكرمة ـ وسألته ـ في جملة ما سألته عنه ـ‬ ‫عن مصير‬ ‫كتاب شقيقه «أمريكا التي رأيت » فأخبرني بأ ن الذي وضع عنده أصل الكتاب المخطوط أمانة أحرقه‬


‫خوفا من‬ ‫ً‬ ‫التفتيش في مصر‪...‬‬ ‫وفي ذلك أقول في كتاب «سيد قطب الشهيد الحي » ‪« :‬أمريكا التي رأيت »‪ :‬بحث سجل فيه دراسته‬ ‫العميقة‬ ‫الفاحصة للحياة المريكية والمجتمع المريكي‪ ،‬وكان من المتوقع أن يثير ضجة لو صدر ‪ .‬وكان سيد‬ ‫قطب راغب ا‬ ‫ً‬ ‫في إصداره‪ ،‬إل أنه عندما اعتقل عام ‪ ٤٥٩١‬عهد بمسودة البحث المخطوطة إلى أحد معارفه ليخفيه‬ ‫ريثما تستقر‬ ‫الحداث وتنتهي الزمة‪ ،‬وطلب منه الحتفاظ بالمانة ‪ ..‬إذ عندما اشتدت وطأة العتقالت ضد الخوان‬ ‫المسلمين ‪،‬‬ ‫خاف الرج ل على نفسه فأحرق البحث‪ ..‬وبهذا حرم الناس من بحث من أعمق بحوث سيد‬ ‫قطب (‪... )١‬‬ ‫وبما أننا فقدنا البحث وحرمنا مما فيه ‪ ،‬فإننا وقفنا على خلصة حديث سيد قطب عن الواقع المريكي‬ ‫في‬ ‫المقالت الثلث التي عرضها في مجلة الرسالة «أمريكا التي رأيت‪ :‬في ميزان القيم النسانية »‪.‬فطالما‬ ‫يعتبرها هو‬ ‫جزءا من ذلك الكتاب‪ ،‬وأطلق عليها عنوان ذلك الكتاب‪ ،‬فلماذا ل ن عتبرها نحن كذلك وننظر إليها بذلك‬ ‫ً‬ ‫المنظار؟ ‪...‬‬ ‫ول ننسى أن نشير إلى أن الكلم الذي أورده سيد قطب في كتابه «السلم ومشكلت الحضارة » عن‬ ‫أمريكا‬ ‫اعتبره مأخوذا من كتابه «أمريكا التي رأيت » وأشار إلى ذلك في حاشية الكتاب‬ ‫‪.‬‬ ‫ً‬ ‫كما ان سيد قطب يضع كتابه «أمريكا التي رأيت » ضمن الكتب التي ستطبع ‪ ،‬ويشير إلى هذا حتى في‬ ‫كتبه التي‬ ‫صدرت بعد سجنه مثل «السلم ومشكلت الحضارة » ‪.‬‬ ‫القسم الثاني‬ ‫النصوص‬ ‫الفصل الول ‪ :‬مقالت سيد قطب عن أمريكا وقصائد له عنها‬ ‫الفصل الثاني ‪ :‬إشارات سيد قطب في المجلت عن أمريكا‬ ‫الفصل الثالث‪ :‬إشارات سيد قطب في الظلل عن أمريكا‬ ‫الفصل الرابع‪ :‬إشارات سيد قطب في كتبه السلمية عن أمريكا‬ ‫الفصل الول‬ ‫مقالت سيد قطب عن أمريكا وقصائد له عنها‬ ‫تمهيد‪:‬‬ ‫نحب أن نبين للقارئ طريقتنا في ترتيب هذا القسم وتنظيمه‪ ،‬حيث جاء في أربعة‬ ‫فصول ‪:‬‬ ‫الفصل الول‪ :‬مقالت سيد قطب عن أمريكا ‪:‬‬ ‫أثبتنا فيه المقالت الكاملة التي خصصها سيد كلها للحديث عن أمريكا ‪ .‬وهي مقالته في مجلتي‬ ‫«الرسالة » و‬ ‫«الكتاب »‪ .‬كما أثبتنا في هذا الفصل قصيدتين قالهما سيد قطب من أمريكا عندما كان‬ ‫فيها ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬سيد قطب الشهيد الحي‪٩٥٢ :‬ـ ‪.٠٦٢‬‬ ‫‪٨٤‬‬ ‫الفصل الثاني ‪ :‬إشارات سيد قطب في المجلت عن أمريكا ‪:‬‬ ‫وهي الشارات التي وردت في مقالة له‪ ،‬أو رسالة‪ ،‬وهذه المقالة أو الرسالة يكون قد بعثها من أمريكا‪،‬‬


‫وتحدث‬ ‫فيها عن أمور أدبية أو نقدية أو اجتماعية أو فكرية‪ .‬فقمنا بأخذ الشارة المتعلقة بالحديث عن أمريكا‪،‬‬ ‫وإثباتها في‬ ‫هذا الفصل‪ ،‬وذلك مثل رسائله إلى‪ :‬توفيق الحكيم وعباس خضر وأنور المعداوي‪.‬‬ ‫الفصل الثالث‪ :‬إشارات سيد قطب في الظلل عن أمريكا ‪.‬‬ ‫الفصل الرابع‪ :‬إشارات سيد قطب في كتبه السلمية عن أمريكا‪.‬‬ ‫هذا ويحسن أن نذكر للقارئ أننا ـ من باب تسهيل المر عليه وتقسيم المقالت إلى وحدات جزئية ـ‬ ‫اجتهدنا‬ ‫في وضع عنوان لكل فقرة أو عدة فقرات مرتبطة ببعضها موضوعيا واجتهدنا أن يكون معبرا عن‬ ‫المضمون‪ ،‬ودال‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫على موضوع الفقرة أو الفقرات‪،. ...‬ولهذا فهذه العناوين الجانبية في هذا القسم هي من اجتهادنا‬ ‫واختيارنا‪ ،‬ونتحمل‬ ‫نحن وضعها‪ ،‬فإن وفقنا في اختيارها ووضعها فذلك ما كنا نرجوه‪ .‬ونحمد االله ونشكره على ذلك‪ ،‬وإن‬ ‫كانت‬ ‫الخرى فنستغفر االله ونعتذر عن ذلك‪ .‬وإن النقص والخطأ من سمات البشر ‪ ..‬ول حول ول قوة‬ ‫إل باالله ‪...‬‬ ‫(‪) ١‬‬ ‫أمريكا التي رأيت‪ :‬في ميزان القيم النسانية‬ ‫الحلقة الولى‬ ‫مجلة الرسالة‪ :‬السنة التاسعة عشرة ـ المجلد الثاني ـ عدد ‪ ٧٥٩‬ـ تاريخ ‪ ٥‬نـوفمبر ‪١٥٩١‬ــ صـفحات‪:‬‬ ‫‪ ٥٤٢١‬ـ ‪٧٤٢١‬‬ ‫أمريكا موقع ومزايا‪:‬‬ ‫أمريكا‪..‬الدنيا الجديدة‪..‬ذلك العالم المترامي الطراف‪،‬الذي يشغل من أذهان الناس وتـصوراتهم‪ ،‬أكثـر‬ ‫ممـا‬ ‫تشغل من الرض رقعتها الفسيحه‪ ،‬وترف عليه أخيلتهم وأحلمهم بالوهام والعاجيب‪ ،‬وتهوى إليه‬ ‫الفئـدة مـن‬ ‫كل فج‪ ،‬شتى الجناس واللوان‪ ،‬ش ّى المسالك والغايات‪ ،‬وش ّى المذاهب‬ ‫والهواء‪.‬‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫أمريكا‪ ..‬تلك المساحات الشاسعة من الرض بين الطلنطي والباسيفيكي‪ .‬تلك الموارد التـي ل تنـضب‬ ‫مـن‬ ‫المواد والخامات‪ ،‬ومن القوى والرجال‪ .‬تلك المصانع الضخمة التي لم تعرف لها الحضارة نظيرا‪ ،‬ذلـك‬ ‫النتـاج‬ ‫ً‬ ‫الهائل الذي يعيا به العد والحصاء‪ .‬تلك المعاهد والمعامل والمتاحف المبثوثة في كـل مكـان‪ .‬عبقريـة‬ ‫الدارة‬ ‫والتنظيم التي تثير العجب والعجاب‪ .‬ذلك الرخاء السابغ كأحلم الجنة الموعودة‪ .‬ذلـك الجمـال الـساحر‬ ‫فـي‬ ‫الطبيعة والوجوه والجسام‪ .‬تلك اللذائذ الحرة المطلقة من كل قيد أو عرف‪ .‬تلك الحلم المج ّمة في‬ ‫حيـز مـن‬ ‫س‬ ‫الزمان والمكان‪....‬‬ ‫رصيد أمريكا من القيم‪:‬‬ ‫أمريكا هذه كلها‪ ...‬ما الذي تساويه في ميزان القيم النسانية؟ وما الذي أضافته إلى رصيد البشرية مـن‬ ‫هـذه‬ ‫القيم؟ أو يبدو أنها ستضيفه في نهاية المطاف؟‪...‬‬ ‫‪٩٤‬‬


‫أخشى أل يكون هناك تناسب بين عظمة الحضارة المادية في أمريكا‪ ،‬وعظمة «النسان » الـذي‬ ‫ينـشىء هـذه‬ ‫الحضارة‪ ،‬وأخشى أن تمضي عجلة الحياة‪ ،‬ويطوى سجل الزمن وأمريكا لم تـضف شـيئا ـ أو لـم تـضف‬ ‫إل‬ ‫ً‬ ‫اليسير الزهيد ـ إلى رصيد النسانية من تلك القيم التي تميز بين النسان والشيء‪ ،‬ثم بين النسان‬ ‫والحيوان‪...‬‬ ‫مقياس التقويم الحضاري‪:‬‬ ‫إن كل حضارة من الحضارات التي مرت بها البشرية‪ ،‬لم تكن كل قيمتها فيما ابتدعه النـسان مـن‬ ‫آلت‪ ،‬ول‬ ‫فيما سخره من قوى‪ ،‬ول فيما أخرجت يداه من نتاج‪ .‬إنما كان معظم قيمتها في ما إهتدى النسان إليها‬ ‫مـن حقـائق‬ ‫عن الكون‪ ،‬ومن صور وقيم للحياة‪ ،‬وما تركه هذا الهتداء في شعوره من ارتقاء‪ ،‬وفي ضميره من‬ ‫تهذيب‪ ،‬وفـي‬ ‫تصوره لقيم الحياة من عمق‪ ،‬والحياة النسانية بوجه خاص‪ ،‬مما يزيد المسافة ُعدا في حـسابه وحـساب‬ ‫الواقـع‪،‬‬ ‫ب ً‬ ‫بينه وبين مدارج الحيوانية الولى في الشعور والسلوك‪ ،‬وفي تقويم الحياة وتقويم‬ ‫الشياء‪.‬‬ ‫فأما ابتداع اللت أو تسخير القوى‪ ،‬أو صنع الشياء‪ ،‬فليس له في ذاته وزن في ميزان القيم النـسانية‪،‬‬ ‫إنمـا‬ ‫هو مجرد رمز لقيمة أساسية أخرى‪ :‬هي مدى ارتقاء العنصر النساني في النسان‪ ،‬ومدى الخطوات‬ ‫التـي يبعـد‬ ‫بها عن عالم الشياء‪ ،‬وعالم الحيوان‪ .‬أي مدى ما أضاف إلى رصيده النساني من ثراء في فكرته عـن‬ ‫الحيـاة‪،‬‬ ‫وفي شعوره بهذه الحياة‪.‬‬ ‫هذه القيمة الساسية هي موضع المفاصلة والموازنة بين حضارة وحضارة‪ ،‬وبين فلسفة وفلسفة‪ ،‬كما‬ ‫أنها هـي‬ ‫الرصيد الباقي وراء كل حضارة‪ ،‬المؤثر في الحضارات التالية حين تتحطم اللت وتفنى الشياء‪ ،‬وحين‬ ‫تنـسخها‬ ‫آلت أجد وأشياء أجود‪ ،‬مما يقع بين لحظة وأخرى‪ ،‬في مشارق الرض ومغاربها‪...‬‬ ‫ميدان البداع المريكي‪:‬‬ ‫وإنه ليبدو أن العبقرية المريكية كلها قد تجمعت وتبلورت في حقل العمل والنتاج‪ ،‬بحيث لم تبق فيهـا‬ ‫قـة‬ ‫ب ّ‬ ‫َ‬ ‫ي‬ ‫تنتج شيئا في حقل القيم النسانية الخرى‪ .‬ولقد بلغت في ذلك الحقل ما لم تبلغه أمة‪ ،‬وجـاءت فيـه‬ ‫ً‬ ‫بـالمعجزات‬ ‫التي احالت الحياة الواقعية إلى مستوى فوق التصور ووراء التصديق لمن لم يشهدها عيانا‪ .‬ولكن‬ ‫«النـسان » لـم‬ ‫ً‬ ‫يحفظ توازنه أمام اللة‪ ،‬حتى ليكاد هو ذاته يستحيل الى آلة‪ ،‬ولم يستطع أن يحمل عبء العمل المنهك‬ ‫ثم يمـضي‬ ‫قدما في طريق النسانية‪ ،‬عندئذ أطلق للحيوان الكامن العنان‪ ،‬ضعفا عـن أن يحمـل عـبء العمـل‪،‬‬ ‫وعـبء‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫«النسان »!‪..‬‬ ‫أمريكا‪ :‬قمة التقدم وسفح البدائية‪:‬‬ ‫وإن الباحث في حياة الشعب المريكي ليقف في أول المر حائرا أمام ظاهرة عجيبة‪ ،‬قد ل يراها فـي‬


‫شـعب‬ ‫ً‬ ‫من شعوب الرض جميعا‪ :‬شعب يبلغ في عالم العلم والعمل‪ ،‬قمة النمو والرتقاء‪ ،‬بينما هو فـي عـالم‬ ‫الـشعور‬ ‫ً‬ ‫والسلوك بدائي‪ ،‬لم يفارق مدارج البشرية الولى‪ ،‬بل أقل من بدائي في بعض نواحي الشعور‬ ‫والسلوك!‪..‬‬ ‫ولكن هذه الحيرة تزول بعد النظرة الفاحصة في ماضي هذا الشعب وحاضره‪ ،‬وفي السباب التي‬ ‫جمعت فيـه‬ ‫بين قمة الحضارة وسفح البدائية‪.‬‬ ‫‪٠٥‬‬ ‫التكوين المتوازن للنسان‪:‬‬ ‫في العالم القديم آمن النسان بقوة الطبيعة المجهولة‪ ،‬وصاغ حولها الخرافـات والسـاطير‪ ،‬وآمـن‬ ‫بالـدين‪،‬‬ ‫وغمرت روحه أضوا َه ورؤاه‪ ،‬وآمن بالفن وتجس مت أشواقه ألوانا وألحانا وأوزانا‪ ...‬ثم آمن بالعلم‬ ‫أخيرا‪ ،‬بعـدما‬ ‫ء‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫انقسمت نفسه لنماط من اليمان‪ ،‬وألوان من المشاعر‪ ،‬وأشكال من صور الحياة‪ ،‬وتهاويل الخيال‪،‬‬ ‫بعدما تهـذبت‬ ‫روحه بالدين‪ ،‬وتهذب حسه بالفن وتهذب سلوكه بالجتماع‪ .‬وبعدما صيغت مثله ومبادئه من واقعية‬ ‫التاريخ‪ ،‬ومـن‬ ‫أشواقه الطليقة‪ .‬وسواء تحققت هذه المبادئ والمثل أم لم تتحقق في الحياة اليومية‪ ،‬فقد لقيت على‬ ‫القـل هواتـف‬ ‫في الضمير‪ ،‬وحقائق في الشعور‪ ،‬مرجوة التحقق في يوم من اليام‪،‬قرب أم بعد‪ ،‬لن وجودها حتـى‬ ‫فـي عـالم‬ ‫المثال وحده‪ ،‬خطوة واسعة من خطوات البشرية في مدارج النسانية‪ ،‬وشعاع مضيء من الرجاء في‬ ‫تحققها يومـا‬ ‫ً‬ ‫من اليام‪.‬‬ ‫الولدة الشوهاء للنسان المريكي‪:‬‬ ‫أما في أمريكا فقد ولد النسان على مولد العلم‪ ،‬فآمن به وحده‪ ،‬بل آمن بنوع منه خاص‪ ،‬هو العلـم‬ ‫التطبيقـي‪،‬‬ ‫لنه وهو يواجه الحياة الجديدة في القارة الجديدة وهو يتسلم الطبيعة هنالك بكرا جامحة عنيدة‪ ،‬وهو‬ ‫يهم أن ينـشئ‬ ‫ً‬ ‫ذلك الوطن الجديد الذي أنشأه بيده‪ ،‬ولم يكن له من قبل وجود‪ ،‬وهو يصارع ويناضل لبناء هذا الـوطن‬ ‫الـضخم‪..‬‬ ‫كان العلم التطبيقي هو خير عون له في ذلك الجهاد العنيف‪ ،‬لنه يسعفه بالداة العملية الفعالة فـي‬ ‫مجـال البنـاء‬ ‫والخلق والتنظيم والنتاج‪...‬‬ ‫في أمريكا أرض بكر‪:‬‬ ‫ولم يفرغ المريكي بعد من مرحلة البناء‪ ،‬فما زال هنالك مساحات شاسعة لتكاد تحد من الراضـي‬ ‫البكـر‪،‬‬ ‫التي لم تمسسها يد‪ ،‬ومن الغابات البكر التي لم تطأها قدم‪ ،‬ومن المناجم التي لم تفتح ولـم تـستغل‪،‬‬ ‫ومـا يـزال‬ ‫ماضيا في عملية البناء الولى‪ ،‬على الرغم من وصوله إلى القمة في التنظيم‬ ‫والنتاج‪ً :‬‬ ‫الحالة النفسية للمريكيين الوائل‪:‬‬


‫ويحسن أن ل ننسى الحالة النفسية التي وفد بها المريكي إلى هذه الرض فوجا بعد فوج‪ ،‬جـيل بعـد‬ ‫جيـل‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فهي مزيج من السخط على الحياة في العالم القديم‪ ،‬والرغبة في التحرر من قيوده وتقاليده‪ ،‬وهذه‬ ‫القيـود والتقاليـد‬ ‫منها الثقيل الفاسد‪ ،‬والضروري السليم‪ ،‬ومن الرغبة الملحة في الثراء بأي جهد وبأية وسـيلة‪ ،‬والحـصول‬ ‫علـى‬ ‫أكبر قسط من المتاع تعويضا عما يبذله من الجهد في الثراء‪..‬‬ ‫ً‬ ‫أصل المريكيين‪:‬‬ ‫ويحسن أن ل ننسى كذلك الحالة الجتماعية و الفكرية لغالبية الفواج الولى التي تألفت منها نواة هذا‬ ‫الـشعب‬ ‫الجديد‪ ،‬فهذه الفواج هي مجموعات من المغامرين‪ ،‬ومجموعات من المجرمين‪ ،‬فالمغامرون جاءوا‬ ‫طلب ثـراء‬ ‫ومتاع ومغامرات‪ ،‬والمجرمون جيء بهم من بلد المبراطورية النجليزية لتشغيلهم في البناء‬ ‫والنتاج‪..‬‬ ‫‪١٥‬‬ ‫العلم المادي والقيم النسانية‪:‬‬ ‫ذلك المزيج من الملبسات‪ ،‬وهذا المزيج من الفواج‪ ،‬من شأنه أن يستنهض وينمي الصفات البدائية فـي‬ ‫ذلـك‬ ‫الشعب الجديد‪ ،‬وينيم أو يقاوم الصفات الراقية في نفسه أفرادا وجماعات‪ ،‬فتنشط الدوافع الحيوية‬ ‫الوليـة‪ ،‬كأنمـا‬ ‫ً‬ ‫يستعيد النسان خطواته الولى‪ ،‬بفارق واحد أنه هنا مسلح بالعلم‪ ،‬الذي ولد على مولده‪ ،‬وخطـا علـى‬ ‫خطواتـه‪.‬‬ ‫والعلم في ذاته ـ وبخاصة العلم التطبيقي ـ ل عمـل لـه فـي حقـل القـيم النـسانية‪ ،‬وفـي عـالم الـنفس‬ ‫والشعور‪.‬وبذلك ضاقت آفاقه‪ ،‬وضمرت نفسه‪ ،‬وتحددت مشاعره‪ ،‬وضؤل مكانه على المائدة العالميـة‬ ‫الزاخـرة‬ ‫بالنماط واللوان‪.‬‬ ‫صراع المريكي الول مع الطبيعة‪:‬‬ ‫وقد يدهش النسان وهو يقرأ قصص الجماعات الولى التي هاجرت إلى أمريكا في أيامها الولى‪،‬‬ ‫ويتـصور‬ ‫كفاحها الطويل العجيب‪ ،‬مع الطبيعة الجامحة في تلك الصقاع المترامية‪ ،‬ومن قبل مع أنـواء المحـيط‬ ‫الرهيبـة‬ ‫وأمواجه الجبارة‪ ،‬في تلك القوارب الصغار الخفاف‪ ،‬حتى إذا رست على الـصخور محطمـة أو ناجيـة‪،‬‬ ‫لقيـت‬ ‫النازحين مجاهل الغابات ومتاهات الجبال‪ ،‬وحقول الجليد‪ ،‬وزعازع العاصـير‪ ،‬ووحـوش الغابـات‬ ‫وأفاعيهـا‬ ‫وهوامها‪ ...‬لقد يدهش النسان كيف لم يترك هذا كله ظللة على الروح المريكية‪ ،‬إي مانا بعظمـة‬ ‫الطبيعـة ومـا‬ ‫ً‬ ‫وراء الطبيعة‪ ،‬ليفتح لها منافذ أوسع من المادة وعالم المادة‪.‬‬ ‫سر التشوه في الشخصية المريكية‪:‬‬ ‫ولكن هذه الدهشة تزول حين يتذكر ذلك المزيج من الملبسات‪ ،‬وذلك المزيج من الفواج‪ .‬لقد قابلوا‬ ‫الطبيعـة‬ ‫بسلح العلم‪ ،‬وقوة العضل‪ ،‬فلم تثر فيهم إل قوة الذهن الجاف‪ ،‬وقوة الحس العارم‪ ،‬ولم تفتح لهـم‬ ‫نوافـذ الـروح‬ ‫والقلب والشعور‪ ،‬كما فتحها في روح البشرية الولى‪ ،‬التي احتفظت بالكثير منها في عصر العلم‪،‬‬


‫وأضـافت بـه‬ ‫إلى رصيدها من القيم النسانية الباقية على الزمان‪.‬‬ ‫وحين تغلق البشرية على نفسها منافذ اليمان بالدين‪ ،‬واليمان بالفن‪ ،‬واليمان بالقيم الروحية جميعـا‪ ،‬ل‬ ‫يبقـى‬ ‫ً‬ ‫هنالك متصرف لنشاطها إل في العلم التطبيقي والعمل‪ ،‬وإل في لذة الحس والمتاع‪ .‬وهذا هو الـذي‬ ‫انتهـت إليـه‬ ‫أمريكا بعد أربعمائة عام‪...‬‬ ‫(‪) ٢‬‬ ‫أمريكا التي رأيت‪ :‬في ميزان القيم النسانية‬ ‫الحلقة الثانية‬ ‫مجلة الرسالة‪ :‬السنة التاسعة عشرة ـ المجلد الثاني ـ عدد ‪ ٩٥٩‬ـ تاريخ ‪ ٩١‬نـوفمبر ‪ ١٥٩١‬ـ صـفحات‪:‬‬ ‫‪ ١٠٣١‬ـ ‪٦٩٣١‬‬ ‫‪٢٥‬‬ ‫البدائية المريكية‪:‬‬ ‫يبدو المريكي ـ على الرغم من العلم المتقدم والعمل المتقن ـ بدائيا في نظـره إلـى الحيـاة‪،‬‬ ‫ومقوماتهـا‬ ‫ً‬ ‫النسانية الخرى بشكل يدعو إلى الدهشة‪ .‬ول عل لهذا التناقض الواضح أثره في ظهور المريكان‬ ‫بمظهر الـشعب‬ ‫الغريب الطوار في نظر الجانب‪ ،‬الذين يراقبون حياة الشعب من بعيد‪ ،‬ويعجزهم التوفيق بـين هـذه‬ ‫الحـضارة‬ ‫الصناعية الفائقة وذلك النظام الدقيق في إدارة العمال‪ ،‬وإدارة الحياة‪ ...‬وبين هذه البدائية في الشعور‬ ‫والـسلوك‪،‬‬ ‫تلك البدائية التي تذكر بعهود الغابات والكهوف!‬ ‫البدائية في اللعاب الرياضية‪:‬‬ ‫يبدو المريكي بدائيا في العجاب بالقوة العضلية والقوة المادية بوجه عام‪ .‬بقدر ما يستهين بال ُثـل‬ ‫والمبـادئ‬ ‫ً‬ ‫م‬ ‫والخلق‪ ،‬في حياته الفردية‪ ،‬وفي حياتـه العائليـة وفـي حياتـه الجتماعيـة ـ فيمـا عـدا دائـرة العمـل‬ ‫بأنواعه‪،���وعلقات القتصاد والمال ـ ومنظر الجماهير وهي تتبع مباريات كرة القدم‪ ،‬على الطريقـة‬ ‫المريكيـة‬ ‫الخشنة التي ليس لها من اسمها ( كرة القدم) أي نصيب‪ ،‬إذ أن «القدم » ل تشترك في اللعب ‪ ،‬إنمـا‬ ‫يحـاول كـل‬ ‫لعب أن يخطف الكرة بين يديه‪ ،‬ويجري ب ها ليقذف بها إلى الهدف‪ ،‬بينما يحاول لعبو الفريق الخر‬ ‫أن يعوقـوه‬ ‫بكل وسيلة‪ ،‬بما في ذلك الضرب في البطن‪ ،‬وتهشيم الذرع والسيقان‪ ،‬بكل عنف وكل شراسة‪ ..‬منظر‬ ‫الجمـاهير‬ ‫وهي تتبع هذه اللعبة‪ ،‬أو تشاهد حفلت الملكمة والمصارعة الوحشية الدامية‪ ..‬منظرها فـي هياجهـا‬ ‫الحيـواني‬ ‫المنبعث من إعجابها بالعنف القاسي‪ ،‬وعدم التفاتها إلى قواعد اللعب وأصوله‪ ،‬بقدر ما هي مأخوذة‬ ‫بالـدم الـسائل‬ ‫والوصال المهشمة‪ ،‬وصراخها هاتفة‪ :‬كل يشجع فريقه‪ :‬حطم رأسه‪ .‬هشم اضلعه‪ .‬أعجنه عجنا‪ ..‬هـذا‬ ‫المنظـر‬ ‫ل يدع مجال للشك في بدائية الشعور التي تفتن بالقوة ال عضلية وتهواها‪..‬‬ ‫ً‬ ‫محبة أمريكا للسلم‪ ...‬خرافة‪:‬‬ ‫بمثل هذه الروح يتابع الجمهور المريكي صراع الجماعات والطوائف‪ ،‬وصراع المـم والـشعوب‪ .‬ولـست‬


‫أدري كيف راجت في العالم ـ وبخاصة في الشرق ـ تلك الخرافة العجيبة‪ .‬خرافة أن الشعب المريكـي‬ ‫شـعب‬ ‫محب للسلم !‬ ‫المريكي وشهوة الحرب‪:‬‬ ‫إن المريكي بفطرته محارب محب للصراع‪ ،‬وفكرة الحرب والصراع قوية في دمه‪ ،‬بارزة في سلوكه‪،‬‬ ‫وهذا‬ ‫هو الذي يتفق مع تأريخه كذلك‪ .‬فقد خرجت الفواج الولى من اوطانها قاصدة إلى أمريكـا بفكـرة‬ ‫السـتعمار‬ ‫والمنافسة والصراع‪ .‬وهناك قاتل بعضهم بعضا وهم جماعات وافواج‪ .‬ثم قاتلوا جميعا سـكان الـبلد‬ ‫الصـليين‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(الهنود الحمر) وما يزالون يحاربونهم حرب إفناء حتى اللحظة الحاضرة‪ .‬ثم قاتل العنـصر النجلـو‬ ‫سكـسكوني‬ ‫العنصر اللتيني هناك‪ ،‬وطرده إلى الجنوب في أمريكا الوسطى والجنوبية‪ ،‬ثم حارب المتأمركون أمهـم‬ ‫الولـى‬ ‫انجلترا في حرب التدمير بقيادة «جورج واشنطن » حتى نالوا استقللهم عن التاج‬ ‫البريطاني‪.‬‬ ‫‪٣٥‬‬ ‫الدوافع الحقيقية لتحرير العبيد في أمريكاس‪:‬‬ ‫ثم حارب الشمال الجنوب بقيادة «إبراهام لنكولن » تلك الحرب التي اتسمت بسمة «تحرير العبيـد »‬ ‫وإن كانـت‬ ‫دوافعها الحقيقية هي المنافسة القتصادية‪ .‬ذلك ان العبيد المستجلبين من أواسط أفريقيا ليعملوا في‬ ‫الرض رقيقـا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫لم يستطيعوا مقاومة الطقس البارد في الشمال فنزحوا إلى الجنوب‪ .‬وكان معنى هذا ان يجـد‬ ‫المـستعمرون فـي‬ ‫الوليات الجنوبية اليدي العاملة الرخيصة على حين ل يجدها الشماليون‪ ،‬فيتم لهم التفوق القتصادي‪،‬‬ ‫لذلك أعلـن‬ ‫الشماليون الحرب لتحرير العبيد !‪...‬‬ ‫أمريكا تخرج من عزلتها‪:‬‬ ‫وانقضت فترة العزلة‪ ،‬وانتهت سياستها‪ ،‬عندما دخلت أمريكا الحرب العالمية الولى‪ ،‬ثم اضـطلعت‬ ‫بـالحرب‬ ‫العالمية الثانية‪ .‬ثم ها هي ذي تنهض بالحرب في كوريا‪ ،‬والحرب العالمية الثالثة ليـست بالبعيـدة !‬ ‫ولـست أدري‬ ‫إذن كيف راجت تلك الخرافة العجيبة‪ ،‬عن شعب هذا تاريخه في الحروب؟‬ ‫نظرة المريكيين للموت‪:‬‬ ‫إن الحيوية المادية عند المريكي مقدسة‪ ،‬والضعف أيا كانت أسبابه جريمة‪ .‬جريمـة ل يغتفرهـا شـيء‪.‬‬ ‫ول‬ ‫تستحق عطفا ول عونا‪ .‬وحكاية المبادئ والحقوق خرافة في ضمير المريكي‪ ،‬ل يتذوق لها طعما‪ .‬كن‬ ‫قويا ولـك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كل شيء‪.‬أو كن ضعيفا فل يسعفك مبدأ‪ ،‬ول يكون لك مكان في مجال الحياة الفسيح‪ .‬أما الذي يمـوت‬ ‫فيرتكـب‬ ‫ً‬ ‫بالطبع جريمة الموت‪ .‬ويفقد كل حق له في الهتمام والحترام! أليس أنه قد مات؟‬ ‫أمريكيون يتفكهون على مصاب‪:‬‬ ‫كنت في مستشفى «جورج واشنطن » ال عاصمة‪ ،‬وكان الوقت مساء‪ ،‬حينما غمرت موجة من‬ ‫الضطراب غيـر‬


‫معهودة‪ ،‬وبدأت فيه حركة غير عادية‪ ،‬ملفتة للنظر‪ .‬وأخذ المرضى القادرون على الحركـة يغـادرون‬ ‫أسـرتهم‬ ‫وحجراتهم إلى الممرات والبهاء يستطلعون؟ ثم جعلوا يتحلقون متسائلين عـن سـر تلـك الظـاهرة فـي‬ ‫حيـاة‬ ‫المستشفى الهادئة‪ ...‬وعرفنا بعد فترة أن احد موظفي المستشفى قد أصيب في حادث مـصعد‪ ،‬وأنـه‬ ‫فـي حالـة‬ ‫خطيرة‪ ،‬بل في دور الحتضار‪ .‬وذهب أحد المرضى ال مريكان ليرى بنفسه‪ ،‬ثم عاد يقص على‬ ‫المتحلقـين فـي‬ ‫الممشى ما رأى‪ ..‬وحين يخيم شبح الموت على مكان ل تكون له رهبة‪ ،‬ول يكون للموت خـضوعه ك مـا‬ ‫يكـون‬ ‫ذلك في مستشفى‪ ...‬ولكن هذا المريكاني أخذ يضحك ويقهقه‪ ،‬وهو يمثل هيئـة المـصاب المحتـضر‪،‬‬ ‫وقـد دق‬ ‫ّ‬ ‫المصعد عنقه‪ ،‬وهشم رأسه‪ ،‬وتدلى لسانه من فمه علـى جانـب وجهـه! وانتظـرت أن أسـمع أو أرى‬ ‫ّ‬ ‫علئـم‬ ‫المتعاض والستنكار من المستمعين‪ ،‬ولكن كثرتهم الغالبة جعلت تضحك متفكهة‪ ،‬بهذا التمثيل‬ ‫البغيض‪.‬‬ ‫ضاحكون بجانب جثة عزيز‪:‬‬ ‫لذلك لم أعجب وبعض أصدقائي يقص علي ما رأى وما سمع‪ ،‬حول الموت ووقعه في نفوس‬ ‫المريكان‪.‬‬ ‫قال لي زميل‪ :‬إنه كان حاضر مأتم‪ ،‬حينما عرضت جثة رب البيت محنطة فـي صـندوق زجـاجي ـ علـى‬ ‫العادة المريكية ـ كيما يمر أصدقاء الفقيد بجثمانه‪ ،‬ليودعوه الوداع الخير‪ ،‬ويلقوا عليه النظرة النهائية‪،‬‬ ‫واحـدا‬ ‫ً‬ ‫‪٤٥‬‬ ‫بعد الخر في صف طويل‪ .‬حتى إذا إنتهى المطاف وتجمعوا في حجرة الستقبال‪ ،‬ما راعه إل ان يأخد‬ ‫القوم فـي‬ ‫دعابات وفكاهات‪ ،‬حول الفقيد العزيز وحول سواه‪ ،‬تشترك فيها زوجه وأهله‪ ،‬وتعقبها الضحكات‬ ‫المجلجلـة فـي‬ ‫سكوت الموت البارد‪ ،‬وحول الجسد المس ّى في الكفان!‪...‬‬ ‫ج‬ ‫أمريكية تلهو وجثة زوجها في البيت‪:‬‬ ‫وكان الستاذ مدير البعثات المصرية بواشنطن مدعوا هو والسيدة حرمه إلى إحدى الحفلت‪ ،‬وقبيـل‬ ‫الموعـد‬ ‫ً‬ ‫مرضت السيدة حرمه‪ ،‬فأمسك بالتليفون ليعتذر عن الحفلة بسبب هذا الطارئ‪ .‬ولكـن الـداعين أجـابوه‬ ‫بأنـه ل‬ ‫ضرورة للعتذار‪ ،‬فإنه يملك ان يحضر منفردا‪ ،‬وستكون هذه فرصة طيبة‪ ،‬ذلك أن إحدى المدعوات قـد‬ ‫تـوفي‬ ‫ً‬ ‫زوجها فجأة قبيل الحفلة‪ ،‬وستكون وحيدة فيها‪ ،‬فمن حسن الحظ ان يكون لها‬ ‫رفيق !‬ ‫امريكية تتحدث عن زوجها الميت حديثا‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ودخلت مرة بيت سيدة أمريكية كانت تساعدني في اللغة النجليزية في الفترة الولى من وجودي في‬ ‫أمريكـا‪،‬‬ ‫فوجدت عندها إحدى صديقاتها‪ ،‬وكانتا تتحدثان في موضوع لحقت أواخره‪ ،‬وهذه الصديقة تقـول‪« :‬لقـد‬ ‫كنـت‬


‫حسنة الحظ‪ ،‬فقد كنت مؤمنة على حياته‪ .‬حتى علجه لم يكلفني إل القليل‪ ،‬لنني كنت مؤمنـة عليـه‬ ‫فـي هيئـة‬ ‫«الصليب الزرق »(‪ )١‬وابتسمت ضاحكة »‪.‬‬ ‫ثم استاذنت وخرجت‪ ،‬وبقيت مع ربة البيت‪ ،‬وأنا أحسب أن صديقتها كانت تحدثها عن كلبها ـ وإن كنـت‬ ‫قـد‬ ‫دهشت لنها ل تبدي أي تأثر لموته! ولكن ما راعني إل ان تقول لي ـ ولم أسـأل! ــ « كانـت تحـدثني‬ ‫عـن‬ ‫زوجها‪ .‬لقد مات منذ ثلثة أيام »!‪.‬‬ ‫ولما أبديت لها دهشتي أن تتحدث صديقتها عن زوجها المتوفى منذ ثلثة أيام بمثل هذه البساطة‪ ،‬كـان‬ ‫عـذرها‬ ‫الذي ل يخالجها الشك في أنه مقنع ووجيه «إنه كان مريضا! لقد مرض أكثر من ثلثة أشهر قبل‬ ‫الوفاة! »‪.‬‬ ‫ً‬ ‫مأتم الطيور في مصر‪:‬‬ ‫عادت بي الذاكرة إلى مشهد عميق الثر في شعوري‪ ،‬وقد أثار في خاطري في حينه منذ سنوات‪..‬‬ ‫خاطرة لـم‬ ‫تكتب بعنوان‪ « :‬مأتم الطيور » ذلك مشهد جماعة من الفراخ كنا نربيها في دارنا‪ ،‬وقـد وقفـت متحلقـة‬ ‫صـامتة‬ ‫مبهورة مأخوذة‪ ،‬حول فرخ منها ذبيح‪ ،‬لقد كانت مفأجاة شعورية لكل من كان في البيت‪،‬مفاجأة غير‬ ‫منتظرة مـن‬ ‫طير غير متقدم في سلم الرقي كالدجاج‪ ،‬بل كانت صدمة لم نجروء بعدها منذ ذلك الحين على ذبح‬ ‫فـرخ واحـد‬ ‫على مرأى من جماعة الطيور!‬ ‫(‪ )1‬هيئة ضمان اجتماعية ضد المرض‪ ،‬وهي تتولى أداء معظم النفقات في اثناء علج المشتركين بها‪،‬‬ ‫مقابل قسط شهري صغير‬ ‫(سيد)‪.‬‬ ‫‪٥٥‬‬ ‫حزن الغربان على ميتها‪:‬‬ ‫ومنظر الغربان حين يموت أحدها‪ ،‬منظر مألوف شاهده الكثيـرون‪ .‬وهـو منظـر يـصعب تفـسيرة بغيـر‬ ‫شعور «الحزن » أو «عاطفة » القرابة! فهذه الجموع من ال غربان المحلقة الصافة‪ ،‬الناعقة بشتى‬ ‫الصوات والنغام‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الطائرة هنا وهناك‪ ،‬حتى تحمل جثمان الميت وتطير‪ ..‬هذا كله يشي برجفة الموت في عالم‬ ‫الطيور!‬ ‫جفاف الحياة المريكية‪:‬‬ ‫وقداسة الموت تكاد تكون شعورا فطريا‪ .‬فليست البدائية الشعورية هي التي تطمسها فـي الـنفس‬ ‫المريكيـة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ولكنه جفاف الحياة من التعاطف الوجداني‪ ،‬وقيامها على معادلت حسابية مادية‪ ،‬وعلى علقات الجسد‬ ‫ودوافعـه‪،‬‬ ‫واستخفافها عمدا بكل ما يشتهر أنه من مقدسات الناس في العالم القديم‪ ،‬والرغبة في مخالفة مـا‬ ‫تواضـع عليـه‬ ‫ً‬ ‫الناس هناك‪ ،‬وإل فما مزية الدنيا الجديدة على ذلك العالم القديم؟‬ ‫شعور المريكيين بالدين بدائي‪:‬‬ ‫وما يقال عن الشعور بالموت يقال عن الشعور بالدين‪.‬‬ ‫كنائس بدون حياة‪:‬‬ ‫ليس أكثر من المريكان تشييدا للكنائس‪ ،‬حتى لقد أحصيت في بلدة واحدة ل يزيد سكانها علـى عـشرة‬


‫آلف‬ ‫ً‬ ‫اكثر من عشرين كنيسة !وليس أكثر منهم ذهابا إلى كنائس في ليلت الحد وأيامه‪ ،‬وفي العياد العامـة‬ ‫وأعيـاد‬ ‫ً‬ ‫القديسين والمحليين وهم أكثر من «الولياء » عند المسلمين!‪ ...‬وبعد ذلك كله ليس هنـاك مـن هـو‬ ‫أبعـد مـن‬ ‫المريكي عن الشعور بروحية الدين واحترامه وقداسته‪ ،‬وليس أبعد من الدين عند تفكيـر المري كـي‬ ‫وشـعوره‬ ‫وسلوكه‪.‬‬ ‫كنائس للهو والتسلية‪:‬‬ ‫وإذا كانت الكنيسة مكانا للعبادة في العالم المسيحي كله‪ ،‬فإنها في أمريكا مكان لكل شـيء إل العبـادة‪.‬‬ ‫وإنـه‬ ‫ً‬ ‫ليصعب عليك ان تفرق بينها وبين أي مكان آخر‪ ،‬معد للهو والتسلية أو ما يسمونه بلغتهم الــ ««‬ ‫‪fun‬ومعظـم‬ ‫قصادها إنما يعدون ها تقليدا اجتماعيا ضروريا‪ ،‬ومكانا للقاء والنس‪ ،‬ولتمضية وقت طيب‪ ،‬ولـيس هـذا‬ ‫شـعور‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الجمهور وحده‪ ،‬ولكنه كذلك شعور سدنة الكنيسة ورعاتها‪...‬‬ ‫أندية الكنائس ودعايتها‪:‬‬ ‫ولمعظم الكنائس ناد يتألف من الجنسين‪ ،‬ويجتهد راعي كل كنيسة أن يتلحـق بالكنيـسة أكبـر عـدد‬ ‫ممكـن‪،‬‬ ‫وبخاصة أن هناك تنافسا كبيرا بين الكنائس المختلفة المذاهب‪ ،‬ولهذا تتسابق جميعـا فـي العـلن عـن‬ ‫نفـسها‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بالنشرات المكتوبة وبالنوار الملونة على البواب والجدران للفت النظار‪ ،‬وبتقديم البرامج اللذيذ��‬ ‫المشوقة لجلـب‬ ‫الجماهير بنفس الطريقة التي تتبعها المتاجر ودور العرض والتمثيل‪ ،‬وليس هناك من بأس فـي اسـتخدام‬ ‫أجمـل‬ ‫فتيات المدينة وأرشقهن‪،‬وأبرعهن في الغناء والرقص والترويج‪.‬‬ ‫‪٦٥‬‬ ‫برنامج حفلة كنسية‪:‬‬ ‫وهذه مثل محتويات إعلن عن حفلة كنيسة‪ ،‬كانت ملصقة في قاعة اجتماع الطلبة في إحدى‬ ‫الكليات‪ً .‬‬ ‫«يوم الحد أول أكتوبر ـ في الساعة السادسة مساء ـ عشاء خفيف‪ .‬ألعـاب سـحرية‪ .‬ألغـاز‪ .‬مـسابقات‪.‬‬ ‫تسلية »‪...‬‬ ‫وليس في هذا أية غرابة‪ ،‬لن راعي الكنيسة ل يحس أن عمله يختلف في شيء عن عمل مـدير‬ ‫المـسرح‪ ،‬أو‬ ‫مدير المتجر‪ .‬النجاح أول وقبل كل شيء ـ والوسيلة ليست بالمهمة ـ وهذا النجاح يعود عليه بنتائجـه‬ ‫الطيبـة‪:‬‬ ‫ً‬ ‫المال والجاه‪ .‬فكلما كثر عدد الملتحقين بكنيسته عظم دخله‪ ،‬وزاد كذلك احترامه ونفوذه في بلـده‪ ،‬لن‬ ‫المريكـي‬ ‫بطبيعته يؤخذ بالفخامة في الحجم أو العدد‪ .‬وهي مقياسه الول في الشعور والتقدير‪.‬‬ ‫ليلة حمراء في كنسية‪:‬‬ ‫كانت ليلة في إحدى الكنائس ببلدة جريلي بولية كولورادو ـ فقد كنت عضوا في ناديها كما كنت عضوا‬ ‫فـي‬


‫ً‬ ‫ً‬ ‫عدة نواد تابعة للكنائس في كل جهة عشت فيها‪ ،‬إذ كانت هذه ناحية هامة من نواحي المجتمع‪ ،‬تـستحق‬ ‫ٍ‬ ‫الدراسـة‬ ‫عن كثب ومن الداخل ـ وبعد أن انتهت الخدمة الدينية في الكنيسة‪ ،‬واشترك فـي التراتيـل فتيـة وفتيـات‬ ‫مـن‬ ‫العضاء‪ ،‬وأدى الخرون الصلة‪ ،‬دلفنا من باب جانبي إلى ساحة الرقص الملصقة لقاعة الصلة يـصل‬ ‫بينهمـا‬ ‫الباب وصعد «الب » إلى مكتبه‪ ،‬وأخذ كل فتى بيد فتاة‪ ،‬وبينهم وبينهن أولئـك الـذين واللـواتي‪ ،‬كـانوا‬ ‫وكـن‪،‬‬ ‫يقومون بالترتيل ويقمن!‬ ‫وكانت ساحة الرقص ُضا َه بالنوار الحمراء والصفراء والزرقاء‪ ،‬وبقليل من المـصابيح البـيض‪ ...‬وبـدأ‬ ‫مء‬ ‫الرقص على أنغام «الجراموفون » الساحة وانتشرت القدام والسيقان الفاتنة والتفت الذرع بالحـضور‪،‬‬ ‫والتقـتس‬ ‫الشفاه والصدور‪ ...‬وكان الجو كله غراما‪ ،‬حينما هبط «الب » من مكتبه وألقى نظرة فاحصة على‬ ‫المكـان ومـن‬ ‫ً‬ ‫في المكان‪ ،‬وشجع الجالسين والجالسات ممن لم يشتركوا في الحلبة على أن ينهضا فيـشاركوا‪ ،‬وكأيمـا‬ ‫لحـظ أن‬ ‫المصابيح البيض تفسد ذلك الجو «الرومانتيكي » الحالم‪ ،‬فراح في رشاقة المريكاني وخفته يطفئها‬ ‫واحدا واحـدا‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وهو يتحاشى أن يعطل حركة الرقص‪ ،‬أو يصدم زوجا من الراقصين في الساحة‪ ،‬وبـدا المكـان بالفعـل‬ ‫أكثـر‬ ‫ً‬ ‫«رومانتيكية » وغراما‪..‬ثم تقدم إلى «الجراموفون » ليختار أغنية تناسب ذلك الجو‪ ،‬وتشجع القاعـدين‬ ‫والقاعـدات‬ ‫ً‬ ‫على المشاركة فيه‪.‬‬ ‫واختار‪ ...‬اختار أغنية أمريكية مشهورة اسمها ‪) But baby its cold outside‬ولكنها يا صغيرتي باردة فـي‬ ‫الخارج) وهي تتضمن حوارا بين فتى وفتاة عائدين من سهرتهما‪ ،‬وقد احتجزها الفتى في داره‪ ،‬وهـي‬ ‫تـدعوه أن‬ ‫ً‬ ‫يطلق سراحها‪ ،‬لتعود إلى دارها فقد أمسى الوقت‪ ،‬وامها تنتظر‪ ...‬وكلما تذرعت إليه بحجة أجابها بتلك‬ ‫اللزمـة‪،‬‬ ‫ولكنها يا صغيرتي باردة في الخارج!‬ ‫وانتظر الب حتى رأى خطوات بنيه على موسيقى تلك الغنية المثيرة‪،‬وبدا راضيا مغتبطـا‪ ،‬وغـادر سـاحة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الرقص إلى داره‪ ،‬تاركا لهم ولهن إتمام هذه السهرة اللذيذة‪ ...‬البريئة !‪...‬‬ ‫ً‬ ‫‪٧٥‬‬ ‫القساوسة وصائدات الرجال‪:‬‬ ‫وأب آخر يتحدث إلى صاحب لي عراقي‪ ،‬وقد توثقت بيني وبينه ُرى الصداقة‪ ،‬فيسأله عن « مـاري »‬ ‫زميلتـه‬ ‫ع‬ ‫في الجامعة «لم ل تحضر الن إلى الكنيسة؟ » ويبدي أنه ل يعنيه أن تغيب الفتيات جميعـا وتحـضر «‬ ‫مـاري »!‬


‫ً‬ ‫وحين يسأله الشاب عن هذه اللهفة‪ :‬يجيب‪« :‬إنها جذابة‪ ،‬وإن معظم الشبان إنما يحضرون‬ ‫وراءها ! »‪.‬‬ ‫ويحدثني شاب من شياطين الشبان العرب الذين يدرسون في أمريكا‪ ،‬وكنا نطلق عليه اسم «أبو‬ ‫العتاهيـة » ــ‬ ‫وما ادري إن كان ذلك يغضب الشاعر القديم او يرضيه ـ فيقول لي عن فتاته ولكل فتى فتاة في أمريكا‬ ‫ـ إنهـا‬ ‫كانت تنتزع نفسها من بين أحضانه أحيانا لنها ذاهبة للترتيل في الكنيسة‪ ،‬وكانت إذا تأخرت لم تنج مـن‬ ‫إشـارات‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫«الب » وتلميحاته إلى جريرة «أبي العتاهية » في تأخيرها عن حضور الصلة !هذا إذا حـضرت وحـدها‬ ‫مـن‬ ‫دونه‪ ،‬فأما إذا استطاعت ان تجره وراءها فل لوم عليها ول تثريب!‬ ‫الغاية عندهم تبرر الوسيلة‪:‬‬ ‫ويقول لك هؤلء الباء‪ :‬إننا ل نستطيع ان تجتذب هذا الشاب إل بهذه الوسائل!‪.‬‬ ‫ولكن أحدا منهم ل يسأل نفسه‪ :‬وما قيمة اجتذابهم إلى الكنيسة‪،‬وهم يخوضـون إليهـا مثـل هـذا‬ ‫الطريـق‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ويقضون ساعاتهم فيها؟ أهو الذهاب الى الكنيسة هدف في ذاته‪ ،‬ام آثاره التهذيبية في الـشعور‬ ‫والـسلوك؟ مـن‬ ‫وجهة نظر «الباء » التي أوضحتها فيما سلف‪ ،‬مجرد الذهاب هو الهدف‪ .‬وهو وضع لمـن يعـيش فـي‬ ‫أمريكـا‬ ‫مفهوم!‬ ‫ولكني اعود إلى مصر‪ ،‬فأجد من يتحدث أو يكتب عن الكنيسة في أمريكا ـ وهو لم ير أمريكا لحظة ـ‬ ‫وعـن‬ ‫دورها في الصلح الجتماعي‪ ،‬ونشاطها في تطهير القلب وتهذيب الروح‪...‬‬ ‫والله في خلقه شؤون !‪...‬‬ ‫البدائية الجنسية في أمريكا‪:‬‬ ‫والمريكي بدائي في حياته الجنسية‪ ،‬وفي علقات الزواج والسرة ولقد مررت في اثنـاء دراسـاتي‬ ‫للكتـاب‬ ‫المقدس بتلك الية الواردة في «العهد القديم » حكاية عن خلق االله للبشر أول مرة وهـي تقـول‪( :‬‬ ‫ذكـرا وأنثـى‬ ‫ً‬ ‫خلقهم)‪ ...‬مررت بهذه الية كثيرا‪ ،‬فلم يتمثل لي معناها عاريا واضحا جاهرا‪ ،‬كما تمثل لي في أثناء‬ ‫حيـاتي فـي‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أمريكا‪.‬‬ ‫جنس وفساد‪:‬‬ ‫أن كل ما تعبت الحياة البشرية الطويلة في خلقه وصيانته من آداب الجنس‪ ،‬وكـل مـا صـاغته حـول‬ ‫هـذه‬ ‫العلقات من عواطف ومشاعر‪ ،‬وكل ما جاهدت من غلظة الحس وجهامة الغريزة‪ ،‬لتطلقه إشـاعات‬ ‫مرفرفـة‪،‬‬ ‫وهالت مج ّحة‪ ،‬وأشواق طليقة وكل الروابط الوثيقة حول تلك العلقات في ش عور الفرد‪ ،‬وفـي حيـاة‬ ‫السـرة‪،‬ن‬ ‫وفي محيط الجماعة‪...‬‬ ‫‪٨٥‬‬


‫إن هذا كله قد تجردت منه الحياة في أمريكا مرة واحدة‪ ،‬وتج ّت عارية عاطلة من كل تج ّل‪( :‬ذكـرا‬ ‫وأنثـى)‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫ً‬ ‫كما خلقهم أول مرة‪ .‬جسد لجسد‪ ،‬وأنثى لذكر‪ .‬على أساس مطالب الجـسد ودوافعـه‪ ،‬تقـوم العلقـات‬ ‫وتتحـدد‬ ‫الصلت‪ ،‬ومنها تستمد قواعد السلوك‪ ،‬وآداب المجتمع‪ ،‬وروابط السر والفراد‪.‬‬ ‫بفتنة الجسد وحدها‪ ،‬عارية من كل ستار‪ ،‬مجردة من كل حياء‪ ،‬تلقى الفتاة الفتى‪ ،‬ومن قوة الجـسد‬ ‫وعـضلته‬ ‫يستمد الفتى إعجاب الفتاة‪ .‬ويستمد الزوج حقوقه ـ هذه الحقوق التي تسقط جميعها في عرف الجميع‪،‬‬ ‫يوم يعجـز‬ ‫الرجال عنها لسبب من السباب ـ‪.‬‬ ‫مظاهر فتنة «المريكية »‪:‬‬ ‫والفتاة المريكية تعرف جيدا مواضع فتنتها الجسدية‪ ،‬تعرفها في الوجه‪ ،‬في العين الهاتفة‪ ،‬والـشفة‬ ‫الظامئـة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وتعرفها في الجسد‪ :‬في الصدر الناهد‪ ،‬والردف المليء‪ ،‬وفي الفخذ اللفاء والساق الملساء ـ وهي تبدي‬ ‫هذا كلـه‬ ‫ول تخفيه ـ وتعرفها في اللباس‪ :‬في اللون الزاهي توقظ به الحس البدائي‪ ،‬وفي التفصيل الكاشـف عـن‬ ‫مفـاتن‬ ‫الجسد ـ وهو بذاته في المريكية فتنة حية صاعقة في بعض الحيان ـ ثم تـضيف إلـى هـذا كلـه الـضحكة‬ ‫المثيرة‪ ،‬والنظرة الجاهرة‪ ،‬والحركة الجريئة‪ ،‬ول تغفل عن ذلك لحظة او تنساه !‪.‬‬ ‫فتى الحلم «المريكي »‪:‬‬ ‫والفتى المريكي يعرف جيدا أن الصدر العريض والساعد المفتول‪ ،‬هما الشفاعة التي ل ترد عند كـل‬ ‫فتـاة‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وان احلمها ل ترف على أحد كما ترف على «رعاة البقر » الـ ‪ cowboys‬وبصريح العبارة تقـول لـي‬ ‫فتـاة‬ ‫ّ‬ ‫ممرضة في مستشفى «لست أطلب في فتى أحلمي إل ذراعين قويتين يعصرني بهما عـصرا‪..‬وقامـت‬ ‫مجلـة‬ ‫ً‬ ‫«لوك » ‪ Look‬باستفتاء لعدد من الفتيات من مختلف العمار والثقافات والوساط‪ ،‬حـول مـا أسـمته‬ ‫«عـضل‬ ‫الثيران » فأبدت غالبية ساحقة إعجابها المطلق بالفتيان أصحاب عضل الثيران !‪..‬‬ ‫الجنس ومادية الحياة في أمريكا‪:‬‬ ‫وما من شك ان لهذه الظاهرة دللتها على حيوية هذا الشعب وقوة حسه‪،‬ولو هـذبت هـذه الطاقـة‬ ‫وتـسامت‬ ‫لستحالت فنا عجيبا يجعل جهامة الحياة أشواقا تجعل لها في الحس النساني نكهة‪،‬وتربط بـين‬ ‫الجنـسين بـروابط‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اعلى واجمل من روابط الجسد الظامئ والحس الهائج‪ ،‬والجنس الصارخ فـي العيون‪،‬الهـاتف فـي‬ ‫الجـوارح‪،‬‬ ‫المتنزي في الحركات والجنس ولكن طبيعة الحياة في أمريكا‪ ،‬والملبسات التي سلفت في نـشأة هـذا‬ ‫الـشعب ل‬ ‫تساعد على شيء من هذا‪ ،‬بل تقاومه وتقصيه‪.‬‬ ‫المسألة الجنسية بيولوجية في أمريكا‪:‬‬ ‫وهكذا أصبحت كلمة حيي أو خجول«‪ «Bashful‬من كلمات العيب والتحقير‪ ،‬وانطلقت العلقات الجنسية‬ ‫مـن‬


‫كل قيد على طريقة الغابة‪،‬وأصبح بعضهم يفلسفها فيقول كما قالت لي إحدى فتيات الجامعة مـرة‪« :‬إن‬ ‫المـسألة‬ ‫الجنسية ليست مسألة اخلقية بحال‪ .‬إنها مجرد مسألة بيولوجية‪ :‬وحين ننظر إليهـا مـن هـذه الزاويـة‬ ‫نتبـين أن‬ ‫استخدام كلمات الرذيلة والفضيلة‪ .‬والخير والشر‪ ،‬إقحام لها في غير مواضعها يبررها ويعتذر عنها كما‬ ‫قال لـي‬ ‫‪٩٥‬‬ ‫طالب يشتغل للدكتوراه‪« :‬إننا هنا مشغولون العمل‪ ،‬ول نريد أن يعوقنا عنه معوق‪ ،‬وليس لدينا من هذه‬ ‫«الـشغلة »‬ ‫لنفرغ إلى العمل بأعصاب مستريحة! »‪.‬‬ ‫أعصاب المريكيين‪:‬‬ ‫ولم أرد أن أعلق على هذا الحديث في وقته‪ ،‬فقد كان همي أن اعرف كيف يفكرون في هذه المسألة‪،‬‬ ‫وإل فكـل‬ ‫شيء في أمريكا ل يدل على أعصاب مستريحة‪ ،‬بالرغم من كل وسائل الحياة المريحة‪ ،‬وكل ضماناتها‬ ‫المطمئنـة‪،‬‬ ‫وكل يسر وسهولة في إنفاق الطاقات الفائضة‪.‬‬ ‫المريكيون تحرروا من النسانية‪:‬‬ ‫وبعضهم يسمي هذا تحررا من الرياء ومواجهة للحقائق‪ ،‬ولكن هنالك فرقا أساسيا بـين التحـرر مـن‬ ‫الريـاء‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والتحرر من المقومات النسانية التي تفرق بين النسان والحيوان‪ ،‬والنسانية في تاريخها الطويل لم‬ ‫تكـن تجهـل‬ ‫أن الميول الجنسية ميول طبيعية وحقيقية‪ ،‬ولكنها ـ عن وعي أو غير وعي ـ كانت تجاهد لتتحكم فيهـا‪،‬‬ ‫فـرارا‬ ‫ً‬ ‫من العبودية لها وبعدا عن مدراجها الولى‪...‬‬ ‫ً‬ ‫إنها ضرورة نعم‪ ،‬ولكن لماذا تخجل النسانية من إبداء ضرورتها؟ لنها تحس بالفطرة أن الـتحكم فـي‬ ‫هـذه‬ ‫الضروريات هو شهادة الخلص م�� الرق‪ ،‬وأولى مدارج النسانية في الطريق‪ ،‬وأن العودة إلـى حريـة‬ ‫الغابـة‬ ‫عبودية مقنعة‪ ،‬ونكسة إلى مدارج البداية الولى‪...‬‬ ‫(‪) ٣‬‬ ‫أمريكا التي رأيت‪ :‬في ميزان القيم النسانية‬ ‫الحلقة الثالثة‬ ‫مجلة الرسالة‪ :‬السنة التاسعة عشرة ـ المجلد الثاني ـ عدد‪ ١٦٩ :‬ـ تاريخ ‪ ٣‬ديـسمبر ‪ ١٥٩١‬ـ صـفحات‪:‬‬ ‫‪ ٧٥٣١‬ـ ‪٠٦٣١‬‬ ‫البدائية الفنية في أمريكا‪:‬‬ ‫المريكي بدائي في ذوقه الفني‪ ،‬سواء في ذلك تذوقه للفن‪ ،‬وأعماله الفنية‪ .‬موسيقى «الجـاز » هـي‬ ‫موسـيقاه‬ ‫المختارة‪ .‬وهي تلك الموسيقى التي ابتدعها الزنوج لرضاء ميولهم البدائية‪ ،‬ورغبتهم في الـضجيج مـن‬ ‫ناحيـة‬ ‫ولستثارة النوازع الحيوانية من جهة أخرى‪ ،‬ول تتم نشوة المريكي تماما بموسيقى «الجـاز » حتـى‬ ‫يـصاحبها‬ ‫ً‬ ‫غناء مثلها صارخ غليظ‪ .‬وكلما عل ضجيج الصوات واللت‪ ،‬وطن في الذان إلى درجة ل تطاق‪ ..‬زاد‬ ‫هيـاج‬ ‫الجمهور‪ ،‬وعلت أصوات الستحسان‪ ،‬وأرتفعت الكف بالتصفيق الحاد المتوصل الذي يكاد يصم‬


‫الذان‪..‬‬ ‫‪٠٦‬‬ ‫المريكيون أمام الوبرا‪:‬‬ ‫ولكن الجمهور المريكي مع هذا يقبل على الوبرا‪ ،‬ويصغي إلى السمفونيات‪ ،‬ويتزاحم على «الباليه »‬ ‫ويـشاهد‬ ‫الروايات التمثيلية «الكلسيك » حتى ل تكاد تجد مقعدا خاليا‪ ،‬ويقع في بعض الحيان أل تجد مكانـا إذا‬ ‫أنـت لـم‬ ‫ً ً‬ ‫ً‬ ‫تحجز مقعدك قبلها بأيام‪ ،‬على غلء السعار في هذه الحفلت‪.‬‬ ‫«استخسار » أمريكا وإشفاق على البشرية منها‪:‬‬ ‫ولقد خدعتني هذه الظاهرة في أول المر‪،‬بل لقد فرحت بها في داخـل نفـسي‪ ..‬فقـد كنـت دائـم‬ ‫الـشعور‬ ‫«باستخسار » هذا الشعب الذي يصنع ال م عجزات في عالم الصناعة والعلم والبحث‪ ،‬أل يكون له‬ ‫رصيد مـن القـيم‬ ‫النسانية الخرى‪ ...‬وأنا شديد الشفاق على ا لنسانية أن تؤول قيادتها إلى هذا الشعب‪ ،‬وهو فقير من‬ ‫تلـك القـيم‬ ‫جميعا‪...‬‬ ‫ً‬ ‫حقيقة «تعاليم » المريكيين‪:‬‬ ‫فرحت إذن حين شاهدت هذه الظاهرة‪ ،‬لن الجمهور الذي يقبل على الفن الراقي غير ميئوس منه‬ ‫مهمـا تكـن‬ ‫عيوبه‪ ،‬ومتى فتحت هذا النافذة من شعوره فالمل كبير أن تطل منها أشعة أخرى‬ ‫كثيرة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وقد دفعني الهتمام بهذه الظاهرة إلى أن أتقصى كل شيء عنها في أوساط مختلفة‪ ،‬وفي مدن‬ ‫متعددة‪ ،‬ولكـن‬ ‫تتبعي لسمات الوجود‪ ،‬ومحادثاتي مع الكثيرين والكثيرات من رواد هذه الماكن ـ من أعرف ومن ل‬ ‫أعـرف ـ‬ ‫قد كشف لي ـ مع السف ـ عن أن الشقة ما تزال بعيدة بين روح هذا الفـن النـساني وروح المريكـان‪.‬‬ ‫إن‬ ‫مشاعرهم عنها محجبة إل في النادر‪ ،‬وإنهم إنما ينظرون إلى المسألة من زاويـة اجتماعيـة بحتـة‪.‬‬ ‫فـالمريكي‬ ‫المثقف ل بد أن يكون شهد هذه اللوان‪ ،‬وذهب إلى تلك الماكن‪ ،‬حتى إذا دار الحديث عنها في مجتمـع‬ ‫شـارك‬ ‫في الحديث‪ .‬فالعيب الكبر في أمريكا أل يشارك النسان في الحديث‪ ،‬وبخاصة بالنسبة إلى الفتيات‪ ،‬إذ‬ ‫المطلـوب‬ ‫منهن أن يجدن دائما موضوعات للحديث‪ ،‬فإذا ارتدن هذه المـاكن فـإنهن يـضفن موضـوعات جديـدة‬ ‫إلـى‬ ‫ً‬ ‫الموضوعات المريكية الخالدة وهي‪ :‬مسابقات الكرة‪ ،‬وأسماء الفلم والممثلين وال ممثلت‪ ،‬وحـوادث‬ ‫الطـلق‬ ‫والزواج‪ ،‬وماركات وأسعار السيارات‪...‬‬ ‫وبهذه الروح ذاتها تفد الجموع على المتاحف الفنية عابرة عبورا خاطف ً بالقاعات والمعروضـات‪،‬‬ ‫بطريقـة ل‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫تدل على تذوق او إلفة لهذه العمال‪ .‬كما يذهبون افراد ًوجماعات لمشاهدة منـاظر الطبيعـة خطفـا‪،‬‬ ‫والمـرور‬


‫ا‬ ‫باقصى سرعة السيارات بالماكن والمناظر لجمع مادة للحديث‪ ،‬ولتلبية الميل المريكـي الطبيعـي إلـى‬ ‫الجمـع‬ ‫والحصاء‪.‬‬ ‫سياحة المريكيين‪:‬‬ ‫ولقد كنت أسمع في مبدأ وجودي بأمريكا أن أحدهم زار كذا وكذا من المدن والـبلد والمنـاظر‬ ‫والمـشاهد‪،‬‬ ‫وقطع كذا ميل في رحلته السياحية‪ ،‬وهو يعرف كذا عددا من الصدقاء‪ ،‬فأعجبت بهذه المقدرة على‬ ‫صـنع هـذا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كله‪ ،‬وأود لو أستطيع منه شيئا‪ .‬ثم عرفت فيما بعد كيف تتم هذه المعجزات‪ ..‬يركب أحدهم سيارته‬ ‫وحـده او مـع‬ ‫ً‬ ‫‪١٦‬‬ ‫دوا على آخر سرعتها‪ ،‬مخترقا بها المدن والمـسافات عـابرا‬ ‫أسرته او أصحابه في رحلة‪ ،‬فيعدو بها ع ْ‬ ‫بالمنـاظر‬ ‫َ ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والمشاهد‪،‬وهو يقيد في مذكرته السماء والميال‪ ..‬ثم يعود فإذا هو شهد هذا كله‪ ،‬وأصبح له الحق فـي‬ ‫الحـديث‬ ‫عنه !‪.‬‬ ‫أما الصدقاء فيكفي أن ُدعى إلى حفلت التعارف‪ ،‬وهناك يلتقي بالوجوه أول مرة‪ ،‬والقـائم بالـدعوة‬ ‫يعرفـة‬ ‫ي‬ ‫بالحاضرين واحدا واحدا‪ ،‬وواحدة واحدة‪ ،‬وهو يستكتب من شاء منهم اسمه وعنوانه‪ ،‬وكذلك هـم‬ ‫يفعلـون معـه‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وعلى الزمن تضخم مذكرته بالسماء والعناوين‪ .‬فإذا هو صاحب أكبر رقم من الصدقاء والصديقات‪ ،‬وقد‬ ‫يفـوز‬ ‫في مسابقة تقام لهذا الغرض‪ ،‬وما أكثر وما أغرب المسابقات هناك!‬ ‫وهكذا يقاس علمك وثقافتك أحيانا بقدر ما قرأت وما شهدت وما سمعت‪ ،‬كما تحسب ثروتـك الماديـة‬ ‫بعـدد‬ ‫ً‬ ‫ومقدار ما تملك من مال وعقار سواء بسواء!‪..‬‬ ‫فن بدون متذوقين‪:‬‬ ‫وليست هذه عقلية الجماهير وحدها‪،‬ولكنها كثيرا ما تكون عقلية المفكرين والباحثين فلقد خطر‬ ‫للمفكـرين فـي‬ ‫ً‬ ‫أمريكا أنه ل يصح أن تكون دولتهم أغنى دول العالم‪ ،‬وشعبهم أكثر شعوب العالم حـضارة صـناعية‬ ‫وحـضارة‬ ‫علمية‪ ،‬ثم ل يكون لهم من الثروة الفنية مثل ما لبعض الشعوب الفقيرة كالطليان‬ ‫واللمان‪.‬‬ ‫ولديهم المال ـ والمال يصنع المعجزات ـ وإن هي إل سنوات حتى كان لهم من متـاحف الرسـم والنحـت‬ ‫أفخمها وأضخمها وجمعت لها القطع الفنية من كل فج‪ ،‬وعمرت بالنادر والثمين من هذه القطع التي لـم‬ ‫يبخلـوا‬ ‫على شرائها بالمال‪ ..‬وكلها قطع أجنبية! إل القليل‪ ،‬لن القطع المريكية بدائية وساذجة إلى حد مـضحك‪،‬‬ ‫بجـوار‬ ‫تلك الذخائر العالمية الرائعة‪.‬‬ ‫وكذلك كان لهم ِن الفرق الموسيقية العازفة‪ ،‬وفرق الباليه «الراقصة »‪ ،‬أكثرها مهارة وإتقان ً‪ ،‬ومـن‬


‫مـديري‬ ‫م‬ ‫ا‬ ‫هذه الفرق أعظمهم عبقرية وإبداعا‪ ..‬وكلهم من الجانب إل القليل‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ثم خرجت الحصاءات الدقيقة تعلن عما تملك أمريكا من الثروات الفنية الضخمة‪ ،‬المشتراة بالمال‪،‬‬ ‫ولكن بقـي‬ ‫أمر واحد بسيط‪ :‬أن يكون للنفس المريكية نصيب ِن هذه الثروات؟ بل أن يكون لها مجرد التذوق‬ ‫الفنـي لهـذا‬ ‫م‬ ‫التراث النساني الثمين!‪.‬‬ ‫سيد قطب باحث اجتماعي في أمريكا‪:‬‬ ‫وخطر لي أن امتحن هذه الرقام في متاحف الفن‪ ،‬كما أمتحنها في دور الوبرا وما إليها‪.‬‬ ‫وذهبت للمرة العاشرة إلى متحف الفن في «سان فرنسيسكو » وجعلت مادة امتحاني إحدى قاعات‬ ‫الصور مـن‬ ‫الفن الفرنسي‪ ،‬ووزعت اهتمامي على ما فيها من الصور‪ ،‬ولكنني ركزته على واحدة بارعة اسمها‪:‬‬ ‫«ثعلـب فـي‬ ‫بيت الدجاج » ول تملك اللفاظ ان تنقل إلى القارئ روعة هذه الصورة العبقرية‪ ،‬التي صور فيها‬ ‫الرسـام جملـة‬ ‫مشاعر عميقة‪ ،‬مركبة في لوحة ليس فيها وجه إنسان‪ ،‬يسهل على الرسام أن يصور هذه المشاعر‬ ‫فيـه‪ ...‬ثعلـب‬ ‫في بيت الدجاج والجو داكن خانق وقد هجم الثعلب أول ما هجم على دجاجة مفرخة‪ ،‬بدت مكروبة‬ ‫مجهـدة فـي‬ ‫‪٢٦‬‬ ‫المخالب الوحش المكشر‪ ،‬وقد فزع صغارها‪ ،‬وتناثر البيض الباقي تحتها‪ ،‬على حين تناثرت زميلتها فـي‬ ‫فـراغ‬ ‫اللوحة‪ ،‬ووقف الديك ـ رجل البيت ـ وقفة المغلوب على أمره الحائر الذي ل يجد مخلصا لزوجـه‬ ‫المكروبـة‬ ‫ً‬ ‫وهو حاميها ! أما الخريات فواحدة جازعة مأخوذة‪،‬وأخرى قانطة مشمئزة أن يكون في الحياة كل هذه‬ ‫البـشاعة‪،‬‬ ‫وثالثة حائرة متسائلة‪ :‬كيف وقع هذا؟ والجو كله واللون في اللوحة العبقرية تصور ما ل تدركه‬ ‫اللفاظ‪.‬‬ ‫واسترحت إلى معقد من المقاعد التي جهزت بها القاعات تجهيزا جميل بديعا ليستريح عليها الزائـرون‬ ‫عنـد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التعب من المشاهدة والطواف‪ ،‬ورحت أستعرض الملمح والسمات‪ ،‬وأنصت إلى الملحظات‬ ‫والتعليقات‪.‬‬ ‫وانقضت علي في جلستي أربع ساعات كاملة‪ ،‬مر بي في خللها مائة وتسعة‪ ،‬فـرادى وأزواجـا‬ ‫وجماعـات‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫معظمهم من الفتيات والفتيان الذين يتواعدون على قضاء بعض الوقت في حديقة المتحـف‪ ،‬ثـم فـي‬ ‫المتحـف‬ ‫ذاته‪،‬لنه ينبغي للفتاة الجتماعية أن تشارك في الحديث‪ ،‬وأن تجد موضوعات‬ ‫للحديث‪.‬‬ ‫كم من هؤلء التسعة والمائة بدا عليه ان يحس شيئا مما يرى؟ واحد فقط تلبث امام الـصورة المنتقـاة‬ ‫نحـو‬ ‫ً‬ ‫دقيقتين‪ ،‬وتلبث في القاعة كلها نحو خمس دقائق‪،‬ثم طار‪.‬‬


‫وكررت التجربة في قاعات المتحف الخرى‪ ،‬ثم كررته في متاحف اخرى في عدة مدن‪ ،‬ثم انتهيـت إلـى‬ ‫أن‬ ‫قلة نادرة من هذه الكثرة الكثيرة التي تتضمنها إحصاءات الزائرين تدرك شيئا من هذه الثروة الفنية‬ ‫الهائلة‪ ،‬التـي‬ ‫ً‬ ‫جمعها الدولر من كل بقاع الرض‪ ،‬وبقي أن يخلق الحاسة الفنية‪ ،‬التي يبدو أنها ل تستجيب لسحر‬ ‫الدولر‪.‬‬ ‫سمات السينما المريكية‪:‬‬ ‫الفن الوحيد الذي يتقنه المريكان ـ وإن يكن سواهم ل يزال يفوقهم في الناحية الفنية فيه ـ هو فـي‬ ‫الـسينما‪.‬‬ ‫وهذا طبيعي ومنطقي مع تلك الظاهرة التي ينفرد بها المريكي‪ :‬ذروة التقان الصناعي‪ ،‬وبدائية الـشعور‬ ‫الفنـي‪.‬‬ ‫في السينما تبدو هذه الظاهرة واضحة إلى حد كبير‪.‬‬ ‫ل يرتفع الفن السينمائي بطبيعته إلى آفاق الفنون العليا‪ :‬الموسيقى والرسم والنحـت والـشعر‪ ،‬ول إلـى‬ ‫فـن‬ ‫المسرح كذلك‪ ،‬وإن كانت إمكانيات الصناعة الفنية وإمكانيات الخراج في السينما من إبداع‪ ،‬هو أقصى‬ ‫ما يبلغـه‬ ‫في التصوير الشمسي‪ .‬ثم تظل المسافة بينه وبين المسرح مثل‪ ،‬كالمسافة بين التصوير الفوتـوغرافي‬ ‫والتـصوير‬ ‫ً‬ ‫بالريشة‪ .‬هذا تتجلى فيه عبقرية الش عور‪ ،‬وذلك تتجلى فيه مهارة الصناعة‪...‬‬ ‫أفلم وأفلم‪:‬‬ ‫والسينما فن الجماهير الشعبي‪ ،‬فهو فن المهارة والتقان والتجسيم والتقريب‪ ،‬وهـو بطبيعتـه اعتمـاده‬ ‫علـى‬ ‫المهارة أكثر من اعتماده على الروح الف ّية‪ ..‬يمكن أن تبدع فيه العبقرية المريكية‪ ..‬ومع هذا فما يـزال‬ ‫الفـيلم‬ ‫ن‬ ‫النجليزي والفرنسي والروسي واليطالي أرقى من الفيلم المريكي‪ ،‬وإن كان أقل صناعة‬ ‫ومهارة‪.‬‬ ‫والكثرة الغالبة من الفلم المريكية تتجلى فيها بدائية الموضوع‪ ،‬وبدائية النفعالت‪ ،‬وهي في الغالـب‬ ‫افـلم‬ ‫الجريمة البوليسية‪ ،‬وأفلم رعاة البقر��� ،‬أما الفلم العالية البارعة من أمثال «ذهب مع الريح » و «‬ ‫مرتفعات وذرنج‬ ‫و «ترتيل برنادوت » وما إليها‪ ،‬فهي قليلة بالقياس إلى النتاج المريكي‪ ،‬وما يرد من الفيلم المريكي‬ ‫إلى مـصر أو‬ ‫‪٣٦‬‬ ‫البلد العربية ل يمثل هذه النسبة‪ ،‬لن الكثير منه من أرقى الفلم المريكيـة النـادرة‪ .‬والـذين يـزورون‬ ‫دور‬ ‫العرض في أمريكا هم الذين يدركون تلك النسبة الضئيلة من الفلم القيمة‪.‬‬ ‫مناظر الطبيعة في الفن المريكي‪:‬‬ ‫هنالك فن آخر برع فيه المريكان‪ ،‬لن ما فيه من المهارة في الصناعة والنتاج أكثر مما فيه من الفن‬ ‫العـالي‬ ‫الصيل‪ ..‬ذلك هو فن تمثيل المناظر الطبيعية باللوان‪ ،‬كأنها فوتوغرافية صادقة دقيقة‪ ،‬ويبدو هـذا فـي‬ ‫متـاحف‬ ‫الحياء المائية والبرية‪ ،‬إذ تعرض هذه الحياء أو أجسادها المح ّطة في مثل مواطنهـا الطبيعيـة كأنهـا‬ ‫حقيقـة‪،‬‬ ‫ن‬ ‫وتبدع ريشة الرسام‪ ،‬في تصوير هذه المواطن‪ ،‬مشتركة مع التصميم الفني للمنظر‪ ،‬وتبلغ حد‬


‫البداع‪.‬‬ ‫البدائية في الذوق والمزاج‪:‬‬ ‫ثم ندع تلك الفاق العليا في الفن والشعور‪ ،‬لنهبط إلى ألوان الملبس وإلى مذاق‬ ‫الطعمة‪..‬‬ ‫ملبس المريكيين‪:‬‬ ‫إن بدائية الذوق ل تتجلى في شيء كما تتجلى في تلك اللوان الصارخة الزاهية‪ ،‬وفي تلك التقاسـيم‬ ‫المبرقـشة‬ ‫الكبيرة وبخاصة ملبس الرجال‪ ...‬ذلك السبع أو النمر الواثب على الصدرية‪ ..‬وذلك الفيـل أو الثـور‬ ‫الوحـشي‬ ‫الجاثم على ظهرها‪ .‬تلك الفتاة العارية الممددة على رباط العنق من أعلى إلى أسفل‪ ،‬أو تلك النخلة‬ ‫الـصاعدة فيـه‬ ‫من أسفل إلى أعلى‪...‬‬ ‫لطالما تحدث المتحدثون عندنا عن «فستان العيد » في الريف‪ ،‬أو عن ثـوب العـروس فـي القريـة‪،‬‬ ‫بألوانـه‬ ‫الزاعقة البدائية التي ل تربط بينها رابطة‪،‬إل أنها كلها فاقعة اللوان‪ ..‬ليت هؤلء يرون معي ملبس‬ ‫الـشبان فـي‬ ‫أمريكا ل ملبس الفتيات!‪ ..‬ولطال ما تحدث المتحدثون عن «الوشم » عند الغجر‪ ،‬أو في أواسـط‬ ‫أفريقيـة‪ ،‬ليـتهم‬ ‫يرون أذرع الشبان المريكان وصدورهم وظهورهم‪ ،‬موشحة بالختم الخضر من الوشم‪ ،‬ثعابين وحيات‪،‬‬ ‫وفتيـات‬ ‫عاريات‪ ،‬وأشجار وغابات‪ ،‬في أمريكا المتحضرة‪ ،‬في الدنيا الجديدة‪ ،‬في العالم الجديد‪...‬‬ ‫طعام المريكيين‪:‬‬ ‫اما الطعمة فشأنها هو الخر عجيب‪.‬‬ ‫إنك تلفت النظر‪ ،‬وتثير الدهشة‪ ،‬حين تطلب قطعة أخرى من السكر لكوب الشاي أو القهوة تشربه في‬ ‫أمريكـا‪.‬‬ ‫ذلك أن السكر محتفظ به للمخلل «والسلطة »! كما أن الملح ياسيدي محتفظ به للتفاح‬ ‫والبطيخ‪.‬‬ ‫وفي صحفة طعامك تجتمع قطعة اللحم المم ّحة إلى كمية من الذرة المسلوقة‪ ،‬وكمية من البـازيل‬ ‫المـسلوقة‪،‬‬ ‫ل‬ ‫وبعض المربى الحلوة‪ ..‬وفوق ذلك كله الـ (‪ (Grafy‬المؤلف أحيانا من السمن والخل والدقيق ومرقـة‬ ‫العجـل‬ ‫ً‬ ‫والتفاح‪ ،‬والملح والفلفل والسكر‪ ...‬والماء‪...‬‬ ‫‪٤٦‬‬ ‫سيد قطب يتفكه على المريكيين‪:‬‬ ‫كنا على المائدة في مطعم ملحق بالجامعة‪ ،‬حينما رأيت بعض المريكان يضعون الملح على البطـيخ‪،‬‬ ‫وكنـت‬ ‫قد اعتدت رؤية هذه «التقاليع » واعتدت كذلك أن أتفكه عليهم في بعض الحيان‪ .‬وقلت متجاهل‪ :‬أراكـم‬ ‫ترشـون‬ ‫ً‬ ‫الملح على البطيخ؟ قال أحدهم‪ :‬أجل ! أل تصنعون ذلك في مصر؟ قلت‪ :‬كل! إنما نـرش نحـن الفلفـل!‬ ‫قالـت‬ ‫واحدة في دهشة واستفسار‪ :‬أو يكون ذلك مستساغ ً؟ قلت‪ :‬يمكنك أن تجربـي! وجربـت‪ ،‬وذاقـت‪.‬‬ ‫وقالـت فـي‬ ‫ا‬ ‫استحسان‪ :‬كم هو لذيذ‪ .‬وكذلك فعل الخرون‪.‬‬ ‫وفي يوم آخر جاء فيه البطيخ‪ ،‬ومعظم من يأكلون على المائدة هم هم‪ ،‬قلت‪ :‬وبعضنا في مصر يستخدم‬


‫الـسكر‬ ‫أحيانا ل الفلفل‪ .‬وبدأ أحدهم ففعل وقال‪ :‬كم هو لذيذ! وكذلك الخرون‪.‬‬ ‫ً‬ ‫حلقة المريكيين‪:‬‬ ‫وباختصار‪ ،‬فكل ما يحتاج إلى قسط من الذوق فالمريكاني ليس له فيه حتى الحلقة! وما مـن مـرة‬ ‫حلقـت‬ ‫شعري هناك إل وعدت إلى البيت لسوي بيدي ما شعث الحلق‪ ،‬وأصلح ما أفسده بذوقه‬ ‫الغليظ!‪...‬‬ ‫دور أمريكا في العالم‪:‬‬ ‫إن لمريكا دورها الرئيسي في هذا العالم‪ ،‬في مجال التطبيقي‪ ،‬وفي مجال البحوث العلمية‪ ،‬وفي مجال‬ ‫التنظـيم‬ ‫والتحسين‪ ،‬والنتاج والدارة‪ ...‬كل ما يحتاج إلى ذهن وعضل فهنا تبرز العبقرية المريكية‪ ،‬وكل ما يحتاج‬ ‫إلـى‬ ‫روح وشعور فهنا تبدو البدائية الساذجة‪..‬‬ ‫وإن البشرية لتملك أن تنتفع بالعبقرية المريكية في مجالها فتضيف قوة ضخمة إلى قواها‪ .‬ولكن هذه‬ ‫البـشرية‬ ‫تخطىء أشنع الخطأ‪ ،‬وتعرض رصيدها من القيم النسانية للضياع‪ ،‬إذا هي جعلت المثل المريكـي مثلهـا‬ ‫فـي‬ ‫الشعور والسلوك‪....‬‬ ‫من فضائل أمريكا‪:‬‬ ‫إن ذلك ل يعني ان المريكان شعب بل فضائل‪ ،‬وإل لما أمكنه أن يعيش‪ ،‬ولكنه يعني أن فضائله هي‬ ‫فـضائل‬ ‫النتاج والنظام‪ ،‬ل فضائل القيادة النسانية والجتماعية‪ ،‬فضائل الذهن واليد ل فضائل الذوق‬ ‫والشعور‪...‬‬ ‫(‪) ٤‬‬ ‫الضمير المريكاني وقضية فلسطي ن‬ ‫مجلة الرسالة‪ :‬السنة الرابعة عشرة ـ المجلد الثاني ـ عدد‪٤٩٦ :‬ـ تاريخ ‪ ١٢‬أكتـوبر ‪٦٤٩١‬ــ صـفحات‪:‬‬ ‫‪ ٥٥١١‬ـ ‪٧٥١١‬‬ ‫الضمير المريكاني واللعبة المريكية‪:‬‬ ‫أخيرا يتكشف ضمير «الوليات المتحدة » الذي تعلقت به أنظار كثيرة في الشرق‪ ،‬وحـسبته شـيئا آخـر‬ ‫غيـر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الضمير النجليزي والضمير الفرنسي‪ ،‬وسائر الضمائر الوروبية المعروفة‪..‬‬ ‫‪٥٦‬‬ ‫أخيرا يتكشف ضمير «الوليات المتحدة » هذا‪ ،‬فإذا هو ـ ككل شيء أمريكي ـ «ضمير أمريكاني‬ ‫ً‬ ‫»!‪..‬‬ ‫ونحن نعرف في مصر «اللعبة المريكية » ونعرف أنها «نصيب » في «نصيب » وقد حرمت هذه اللعبـة‬ ‫لمـا‬ ‫فيها من غش وخداع‪ .‬و «الضمير المريكاني » الذي تكشف عنه تصريحات «ترومان » ل يرتفع كثيرا‬ ‫عـن هـذه‬ ‫ً‬ ‫اللعبة الممنوعة‪..‬‬ ‫أمريكا نسخة عن أوروبا‪:‬‬ ‫ولقد كان الكثيرون مخدوعين في هذا الضمير‪ ،‬لن الشرق لم يحتك طويل بأمريكـا‪ ،‬كمـا أحتـك بـإنجلترا‬ ‫ً‬ ‫وفرنسا وهولندا‪ ،‬فلما بدأ الحتكاك في مسألة فلسطين‪ ،‬تكشف هذا الخداع عن ذلك الضمير المدخول‪،‬‬ ‫الذي يقـامر‬ ‫بمصائر الشعوب‪ ،‬وبحقوق بني النسان‪ ،‬ليشتري بضعة أصوات في النتخاب‪.‬‬


‫وكلهم سواء أولئك الغربيون‪ :‬ضمير متعفن‪ ،‬وحضارة زائفة‪ ،‬وخدعة ضخمة اسمها «الديمقراطية »‬ ‫يؤمن بهـا‬ ‫المخدوعون!‬ ‫تلك كانت عقيدتي في الجميع‪ ،‬في الوقت الذي كان بعض الناس يحسن الظن بفريـق ويـسيء الظـن‬ ‫بفريـق‪،‬‬ ‫وكانت أمريكا في الغالب هي التي تتمتع بحسن الظن من الكثيرين‪.‬‬ ‫فها هي أمريكا تتكشف للجميع‪ .‬هذا هو «ترومان » يكشف عن «الضمير المريكاني » في حقيقتـه‪،‬‬ ‫فـإذا هـو‬ ‫نفسه ضمير كل غربي‪ ،‬ضمير متعفن ل يثق به إل المخدوعون !‬ ‫إنهم جميعا يصدرون عن مصدر واحد‪،‬هو تلك الحضارة المادية التي ل قلب لها ول ضمير تلـك الحـضارة‬ ‫ً‬ ‫التي لتسمع إل صوت اللت‪ ،‬ول تتحدث إل بلسان التجارة‪ ،‬ول تنظر إل بعين المرابي‪ ،‬والتي تقيس‬ ‫النـسانية‬ ‫كلها بهذه المقاييس‪.‬‬ ‫كره المريكيين ومن يثق بهم‪:‬‬ ‫كم ذا أكره أولئك الغربيين وأحتقرهم! كلهم جميعا بل استثناء‪ :‬النجليـز‪ ،‬الفرنـسيون‪ ،‬الهولنـديون‪،‬‬ ‫وأخيـرا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المريكان الذين كانوا موضع ثقة الكثيرين ولكني ل أكره هؤلء وحدهم‪ ،‬ول أحتقر هؤلء وحدهم‪ .‬إنمـا‬ ‫أكـره‬ ‫وأحتقر أولئك المصريين وأولئك العرب الذين ل يزالون يثقون بالضمير الغربي عامة‪ ،‬وضمير الستعمار‬ ‫علـى‬ ‫وجه الخصوص‪.‬‬ ‫إنها الجريمة‪ ،‬تلك التي يقترفونها كل يوم في حق شعوبهم المـسكينة‪ ،‬جريمـة التخـدير والتغفيـل‪،‬‬ ‫وإنامـة‬ ‫العصار على الذى‪ ،‬وهدهدة المال الباطلة‪ ،‬والماني الخادعة‪ ،‬في ذلك الضمير المأفون‪.‬‬ ‫جحر الفاعي الوروبية‪:‬‬ ‫يقول نبي السلم الكريم (ص)‪« :‬ل يلدغ المؤمن من جحر مرتين »‪ ،‬وها نحن نلدغ من الجحر الواحد‬ ‫مـرات‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ثم نعود في كل مرة إلى هذا الجحر نفسه‪ ،‬مغمضي العين نتطلب «الشهد » من جحور الفاعي‪ ،‬ول‬ ‫نجرب مـرة‬ ‫‪٦٦‬‬ ‫واحدة أن نحطم هذه الجحور‪ ،‬وأن ندوس هذه الفاعي‪ ،‬وأن ننفض عن نفوسنا ذلك الوهم الذي يقودنا‬ ‫المـرة بعـد‬ ‫المرة إلى تلك الجحور!‪..‬‬ ‫إنها الجريمة‪ ،‬تلك التي نعاودها مرة بعد مرة‪ .‬الجريمة في حق النفس‪ ،‬والجريمة في حق الـوطن‪،‬‬ ‫والجريمـة‬ ‫في حق العقيدة‪ .‬إنها الغفلة التي ل يستحق صاحبها الحترام وهو يشهد على نفسه‬ ‫بالتغفيل!‪.‬‬ ‫غفلة الحكام والسياسيين‪:‬‬ ‫ولكن من الحق أن ل نصم الشعوب العربية بهذه الوصمة‪ ،‬إن هذه الشعوب لذكى وأشد ح ّية من أن‬ ‫ترضـى‬ ‫مً‬ ‫لنفسها بالهوان‪ .‬ولكنها تلك الحفنة من ساسة الجيل الماضي في مصر وبعض البلد العربية‪ .‬تلك الحفنـة‬ ‫الرخـوة‬ ‫المسنة الضعيفة المتهالكة‪ ،‬المهدودة العصاب‪ ،‬ل تقدر على الكفاح‪ ،‬ول تدع الشعوب تكافح‪ ،‬لن أنانيتها‬ ‫الثـرة‬


‫تمسكها عن النسحاب من الميدان وتركه للقادرين !‪.‬‬ ‫جناية المفاوضات‪:‬‬ ‫هذه الحفنة من ساسة الجيل الماضي هي التي اخترعت كلمات المفاوضات والمحادثات‪ ،‬والمؤتمرات‪..‬‬ ‫لمـاذا؟‬ ‫لنها وسيلة سهلة ل تكلف شيئ ً‪ ،‬وتضمن كراسي الحكم والسلطة فترة من الزمان‪ ،‬وكلما ه ّت‬ ‫الشعوب أن تـسلك‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫طريقها‪ ،‬وأن تواجه المستعمرين بذاتها حال هؤلء بينها وبين المـستعمرين‪ ،‬ووقفـوا مـن دونهـم‬ ‫يـصارعون‬ ‫الشعوب‪ ،‬وتصارعهم الشعوب‪.‬فإذا أتعبهم الصراع مع شعوبهم راحوا يبثون في المة روح الثقـة‬ ‫بالمـستعمرين‬ ‫وراحوا يشيعون المال الخادعة في هذا الضمير المدخول!!!‬ ‫تلك هي القصة‪ .‬قصة الجحور والفاعي‪ .‬وقصة اللدغ المتكرر من هذه الجحور‪ ،‬وإنها لمأسـاة‪ ،‬ولكـن‬ ‫مـن‬ ‫العدل أن نبرئ منها الشعوب العربية‪ ،‬فل تؤخذ بجريرة حفنة من الساسة الضعفاء المرضى‬ ‫المتهالكين!!‬ ‫سمات الضمير المريكاني‪:‬‬ ‫والضمير المريكاني!‬ ‫لقد كان الكثيرون يفهمون انه شيء آخر غير الضمير الوروبي فاراد االله ـ ولعله لخير هذه المـة‬ ‫العربيـة‬ ‫المنكوبة ـ أن يكشف عن ذلك الضمير‪ ..‬إنه ضمير مادي‪ ،‬ضمير اللة التي ل تحس‪ ،‬وضمير التـاجر الـذي‬ ‫ل‬ ‫يتورع‪ ،‬ول يهمه حق‪ ،‬ول عدل‪ ،‬ول حياء‪.‬‬ ‫وهل تملك تلك اللة أن تنشىء إل ضميرا من هذا القبيل؟‬ ‫ً‬ ‫أبناء حضارة مادية‪:‬‬ ‫ليست المسألة جنس ول دولة‪ ،‬فليس المريكان خيرا من النجليز‪ ،‬وليس النجليز خيرا من الفرنـسيين‪،‬‬ ‫ولـيس‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الفرنسيون خير�� من الهولنديين‪ ..‬كلهم أبناء حضارة واحدة‪ .‬حضارة مادية بغيـضة ل قلـب لهـا ول‬ ‫ضـمير‪ً .‬‬ ‫حضارة تأخذ ول تعطي‪ ،‬وتجرح ول تأسو‪.‬حضارة أنانية صغيرة مهما بدت مـن الخـارج ضـخمة ذات بريـق‬ ‫وضجيج!‬ ‫‪٧٦‬‬ ‫إنها حضارة زائفة لنها لم تقدم للنسانية زادا من الروحية‪ ،‬ولم تحاول رفع الدمية عـن قـانون‬ ‫الوحـوش‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وهل تطبق هذه الحضارة مع شعوب الرض المنكوبة إل قانون الوحوش؟‬ ‫ثم يوجد بين أمم الشرق غافلون أو خادمون يثقون بأصحاب هذه الحضارة‪ ،‬ويراودون شـعوبهم علـى‬ ‫الثقـة‬ ‫بذلك الضمير‪ ،‬ويثبطون عزائمهم عن الجهاد الحاسم‪ ،‬والكفاح المثمر في أنسب‬ ‫الظروف!‪.‬‬ ‫صوت خافت هناك‪:‬‬ ‫وبين ضجيج اللت يرتفع بين آن وآخر صوت إنساني خافت في تلك الربوع ينادي بـالعودة إلـى االله‪،‬‬ ‫كـذلك‬ ‫الصوت الذي أرسله الكردينال وجريفان » في إنجلترا منذ أيام‪ ،‬حين ألقى من كاتدرائية «وستمنيستر »‬ ‫عظة دينيـة‬


‫فقال‪:‬‬ ‫«لقد أبعد االله عن ميثاق المم المتحدة‪ ،‬وهذا هو السبب في أن المم المتحدة لم تستطع إلى اليـوم‬ ‫أن تـصبح‬ ‫« متحدة » فعل »‪.‬‬ ‫ً‬ ‫«وإنه لينبغي أن يكون الله ومبادئه القائمة على الحسان والعدالة مكان في الـشؤون الدوليـة‪ ،‬حتـى‬ ‫تـصبح‬ ‫الحرية حقيقة في العالم بأسره‪ ،‬ويعيش النسان في ظل السلم والمن‪.» ..‬‬ ‫ول كنه صوت خافت ل يسمع في ضجيج اللت التي تغشى على صوت الضمير‪،‬ونغمة مبحوحة ل تسمع‬ ‫بـين‬ ‫صراخ المطامع‪ ،‬وعواء الشهوات‪،‬في ذلك العالم الهائج الشعور !‬ ‫طريق الخلص وطريق الهلك‪:‬‬ ‫والن أيها الشرق‪ :‬ماذا تريد؟‬ ‫فأما إذا كنت تبغي الخلص من براثن الوحش الغربي‪ ،‬فهناك طريق واحد ل تتشعب فيه المسالك‪ ،‬فهو‬ ‫أقـرب‬ ‫طريق‪ ..‬إعرف نفسك وراجع قواك‪ ،‬واستعد للصراع‪ ،‬وأبدأ في الكفاح‪ ،‬ول تستمع إلى صوت خادع‬ ‫يوسوس لـك‬ ‫بالثقة في ضمير الغرب الدخول‪.‬‬ ‫وأما إذا كنت تبغي الراحة مع ذلك الجيل المكدود المهدود من الساسة المترفين الناعمين‪ ،‬فأمامك‬ ‫طرق كثيـرة‬ ‫ذات شعب ومسالك‪ ،‬وذات منعرجات ودروب‪ .‬هنـاك‪ :‬المفاوضـة‪ ،‬والمحادثـة‪ ،‬وجـس النـبض واسـتطلع‬ ‫الراء‪.‬وهناك الديبلوماسية الناعمة الرقيقة‪ ،‬والكلمات الظريفة‪ ،‬وهناك النتظارالذي ل ينتهي‪،‬والستجداء‬ ‫الـذي ل‬ ‫يغني‪ .‬وهناك المؤتمرات الحافلة‪ .‬والموائد المستديرة‪ ،‬وهناك الكتب البيض‪ ،‬والكتب الزرق‪ ،‬والكتـب‬ ‫الخـضر‪،‬‬ ‫وما ل ينتهي من الطرق والمنعرجات والدروب !‪.‬‬ ‫المل والعمل‪:‬‬ ‫والحمد الله ـ أيها الشرق ـ لقد تكشف لك القناع عن آخر ضمير «الضمير المريكاني » الذي كانت‬ ‫تتعلق به‬ ‫النظار‪ ،‬أنظار الغافلين والخادعين !!‪.‬‬ ‫‪٨٦‬‬ ‫والحمد الله ـ أيها الشرق ـ إن شمسك الجديدة في شروق‪ ،‬وشمس هذا الغرب الفاجر في غروب‪،‬‬ ‫وإنك تملـك‬ ‫من الرصيد الروحي‪ ،‬ومن ميراثك القديم ما ل يملكه هذا الغرب المتطاحن‪ ،‬الذي يأكل بعضه بعضا‬ ‫كـالوحوش‪،‬‬ ‫ً‬ ‫لنه يحكم قانون الغابة فيما يشجر بينه من شقاق ل ينتهي‪ ،‬وهل ينتهي الشقاق في الغابة بين‬ ‫الوحوش؟‬ ‫إنها الفرصة السانحة ـ أيها الشرق ـ للخلص فانفض عنك رجال الماضي الـضعفاء المنهـوكين‪ .‬وإبـرز‬ ‫نفسك للميدان‪ ،‬فقضايا الشعوب في هذه اليام ل بد ان تعالجها الشعوب !‪.‬‬ ‫وما قضية فلسطين إل قضية كل شعب عربي‪ ،‬بل كل شعب شرقي‪ ،‬إنهـا الـصراع بـين الـشرق‬ ‫النـاهض‬ ‫والغرب المتوحش‪ ،‬وبين شريعة االله للنسان وشريعة الغاب للوحوش‪.‬‬ ‫(‪) ٥‬‬ ‫إسـلم أمـريكاني‬ ‫مجلة الرسالة‪ :‬السنة العشرون المجلد الول ـ عدد ‪ ١٩٩‬سنة ‪٢٥٩١‬ـ صفحات‪ ٣١٧ :‬ـ ‪٥١٧‬‬ ‫وكتاب دراسات إسلمية‪ :‬لسيد قطب ـ صفحات‪ ٩١١ :‬ـ ‪ ،٣٢١‬طبعة دار الشروق‬ ‫سبب اهتمام المريكان بالسلم‪:‬‬


‫المريكان وحلفاؤهم مهتمون بالسلم في هذه اليام‪ ،‬إنهم في حاجة إليه ليكافح لهم الـشيوعية فـي‬ ‫الـشرق‬ ‫الوسط‪ ،‬بعد ما ظلوا هم يكافحونه تسعة قرون أو تزيد منذ أيام الحروب الصليبية! إنهم في حاجة إليـه‬ ‫كحـاجتهم‬ ‫إلى اللمان واليابان والطليان الذين حطموهم في الحرب الماضية‪ ،‬ثم يحاولون اليوم بكـل الوسـائل أن‬ ‫يقيمـوهم‬ ‫على أقدامهم‪ ،‬كي يقفوا لهم في وجه الغول الشيوعي‪.‬وقد يعودون غدا لتحطيمهم مرة أخرى إذا‬ ‫استطاعوا !‬ ‫ً‬ ‫السلم الذي يريده المريكان‪:‬‬ ‫والسلم الذي يري ُة المريكان وحلفاؤهم في الشرق الوسط‪ ،‬ليس هو السلم الذي يقاوم السـتعمار‬ ‫ولـيس‬ ‫د‬ ‫هو السلم الذي يقاوم الطغيان‪ ،‬ولكنه فقط السلم الذي يقاوم الشيوعية !إنهم ل يريدون للسـلم أن‬ ‫يحكـم‪ ،‬ول‬ ‫يطيقون من السلم أن يحكم‪ ،‬لن السلم حين يحكم سينشىء الشعوب نشأة أخرى‪ ،‬وسيعلم‬ ‫الـشعوب أن إعـداد‬ ‫القوة فريضة‪ ،‬وأن طرد المستعمر فريضة‪ ،‬وأن الشيوعية كالستعمار وباء فكلهما عدو‪ .‬وكلهما‬ ‫اعتداء‪.‬‬ ‫السلم المريكي‪:‬‬ ‫المريكان وحلفاؤهم إذن‪ ،‬يريدون للشرق الوسط إسلما أمريكانيا‪ ،‬ومن ثم تنطلق موجة إسلم في كل‬ ‫مكـان‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فالكلم عن السلم ينطلق في صحافة مصر هنا وهناك‪ ،‬والمناقشات الدينية تغرق صفحات بأكملها‪ ،‬في‬ ‫صـحف‬ ‫لم يعرف عنها في يوم ما حب السلم ول معرفة السلم‪ ،‬ودور النشر ـ ومنها ما هو أمريكـاني معـروف‬ ‫ـ‬ ‫تكتشف فجأة أن السلم يجب أن يكون موضوع كتبها الشهرية‪ ،‬و ك ّاب معروفـون ذوو مـاض معـروف‬ ‫فـي‬ ‫ُت‬ ‫ٍ‬ ‫الدعاية للحلفاء‪ ،‬يعودون إلى الكتابة عن السلم‪ ،‬بعدما اهت ّوا بهذا السلم في أيام الحرب الماضية‪،‬‬ ‫ثـم سـكتوا‬ ‫م‬ ‫‪٩٦‬‬ ‫عنه بعد انتصار الحلفاء !والمحترفون من رجال الدين لهم هيل وهيلمان‪ ،‬وجاه وسلطان‪ ،‬والمسابقات‬ ‫عن السـلم‬ ‫والشيوعية تخصص لها المكافآت الضخام (‪.)١‬‬ ‫إسلم وإسلم‪:‬‬ ‫أما السلم الذي يكافح الستعمار كما يكافح الشيوعية ـ فل يجد أحدا يتحدث عنه من هؤلء جميعـا‪،‬‬ ‫وأمـا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫السلم الذي يحكم الحياة ويصرفها‪،‬فل يشير إليه أحد من هؤلء جميعا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫إن السلم يجوز أن ُستفتى في منع الحمل‪ ،‬ويجوز أن يستفتى في دخول المرأة البرلمان‪ ،‬ويجـوز أن‬ ‫ُـستفتى‬ ‫ي‬ ‫ي‬ ‫في نواقض الوضوء‪ .‬ولكنه ل يستفتى أبدا في أوضاعنا الجتماعية أو القتصادية أو نظامنا المـالي‪ ،‬ول‬ ‫ُـستفتى‬


‫ً‬ ‫ي‬ ‫أبدا في أوضاعنا السياسية والقومية‪ ،‬وفيما يربطنا بالستعمار من صلت‪ً .‬‬ ‫والديمقراطية في السلم‪ ،‬والبر في السلم‪ ،‬والعدل في السلم‪ ،‬من الجائز أن يتناولها كتاب أو مقال‪،‬‬ ‫ولكـن‬ ‫الحكم بالسلم‪ ،‬والتشريع بالسلم‪ ،‬والنتصار للسلم ل يجوز أن يم ّها قلم ول حديث ول‬ ‫استفتاء!‪.‬‬ ‫س‬ ‫مشاركة مصريين في «المهزلة »‪:‬‬ ‫وبعد‪ ،‬فقد حدث أن هذا السلم المريكاني‪ ،‬قد عرف أن في السلم شيئا يقال له «الزكاة » وعـرف‬ ‫أن هـذه‬ ‫ً‬ ‫الزكاة قد تقاوم التيار الشيوعي لو أخذ بها في الشرق من جديد‪ .‬و من هنا أهتمت «حلقة الدراسـات‬ ‫الجتماعيـة »‬ ‫التي عقدت في مصر في العام الماضي بدراسة حكاية «الزكاة » هذه‪ ،‬أو بدراسة مسألة «التكافل‬ ‫الجتماعي فـي‬ ‫السلم »‪.‬‬ ‫ولما كانت أمريكا من وراء حلقة الدراسات الجتماعية‪ ،‬فإن ذوي الشأن في مصر لم يروا أن يقفوا في‬ ‫وجـه‬ ‫حكاية الزكاة‪ ،‬كما وقفوا في وجهها يوم فكر فيها «عبد الحميد عبد الحق » وهو وزير للـشؤون‬ ‫الجتماعيـة !!إن‬ ‫ذوي الشأن يستطيعون الوقوف في وجه الزكاة يوم يكون المر بها هـو االله‪ .‬أمـا يـوم يكـون المـرون‬ ‫هـم‬ ‫المريكان‪ ،‬فليس أمامهم إل الخضوع والذعان‪.‬‬ ‫وعلى ذلك ألفت في مصر لجنة من بعض أساتذة الشريعة في الجامعـة وبعـض رجـال الزهـر‪ ،‬وبعـض‬ ‫الباشوات‪ ،‬لدراسة مسألة «التكافل الجتماعي في السلم » وبخاصة حكاية الزكـاة‪ ،‬ول لوجـه االله‪ ،‬ول‬ ‫لحـساب‬ ‫الوطن‪ ،‬ولكن لوجه المريكان‪ ،‬ولحساب حلقة الدراسات الجتماعية‪. ...‬‬ ‫وهنا بدا وجه الخطر‪ .‬إن المريكان لو عرفوا حقيقة التكافل الجتماعي في السلم لفرضـوه فرضـا‬ ‫علـى‬ ‫ً‬ ‫الشرق الوسط‪ ،‬لنهم لن يجدوا سدا أقوى منه في وجه الشيوعية والتكافل الجتماعي في السلم‬ ‫يفـرض علـى‬ ‫ًّ‬ ‫الموال تكاليف‪ ،‬ويفرض عليها حقوق ً‪ ،‬ويعترف للمليين بحق الحياة‪ .‬ودون هذا وتتقطع‬ ‫العناق‪.‬‬ ‫ا‬ ‫(‪ )1‬كتب هذا البحث في اواخر يونية عام ‪(٢٥٩١‬سيد)‪.‬‬ ‫‪٠٧‬‬ ‫وإذن فل مفر من تخبئة المر على المريكان! ول مفر من الحتيال على النصوص‪ ،‬ول مفر مـن تخفيـف‬ ‫العباء التي يفرضها السلم على الموال‪ ،‬ول مفر من أن تخرج اللجنة من الزكاة نفسها بظل باهت ل‬ ‫يتنـاول‬ ‫إل التافه‪ ،‬ول يمس الموال إل بقفاز من حرير‪.‬‬ ‫ول مفر من الحتيال على النصوص‪ ،‬ول مفر من تخفيف العباء التي يفرضها السلم على المـوال‪ ،‬ول‬ ‫مفر من أن تخرج اللجنة من الزكاة نفسها بظل باهت ل يتناول إل التافه‪ ،‬ول يمس الموال إل بقفاز‬ ‫من حرير‪.‬‬ ‫إنه لو كان المر أمر االله والدين لهان‪ ،‬ولكنه أمر المريكان! إن ما تقرره الشريعة السل مية شئ‪ ،‬وما‬ ‫تقرره‬ ‫حلقة الدراسات الجتماعية شيء آخر! إن حلقة الدراسات الجتماعية ل يجوز ان تعرف سـر السـلم‬


‫الـذي ل‬ ‫تعرفه‪ ،‬إل فرضته على اهل السلم !‪.‬‬ ‫ولكن بعض اعضاء اللجنة من المعاندين المكابرين الذين ل يعرفون كيف يكتمون النـصوص‪ ،‬ول يعرفـون‬ ‫كيف يؤمنون ببعض السلم ويكفرون ببعض‪،‬ول يعرفون كيف يشترون بآيات االله ثمنا‬ ‫قليل‪.‬‬ ‫ً ً‬ ‫هؤلء العضاء ما يزالون متشبثين بأن يطلعوا المريكان على السر الخطير‪ ،‬وما يزال العـضاء الخـرون‬ ‫يلقون من تشبثهم عنتا‪ ،‬ول يدري إل االله كيف تسير المور!‪.‬‬ ‫ً‬ ‫سمات جنود السلم‪:‬‬ ‫إنها مهزلة بل إنها لمأساة‪ ...‬ولكن العزاء عنها ان للسلم اولياءه‪ ،‬أولياؤه الذين يعملون له وحده‪،‬‬ ‫ويواجهـون‬ ‫به الستعمار والطغيان والشيوعية سواء‪ ،‬أولياءه الذين يعرفون أن السلم يجب أن يحكم كي يؤتي‬ ‫ثماره كاملـة‪.‬‬ ‫أولياءه الذين ل تخدعهم صداقة الصليبيين المدخولة للسلم‪ ،‬وقد كانوا حربا عليه تسعمائة‬ ‫عام‪.‬‬ ‫ً‬ ‫إن أولياء السلم ل يطلبون باسمه برا وإحسان ً‪ ،‬ولكن يطلبون بإسمه عدالـة اجتماعيـة شـاملة كاملـة‪.‬‬ ‫ول‬ ‫ًِّ‬ ‫ا‬ ‫يجعلون منه أداة لخدمة الستعمار والطغيان‪،‬ولكن يريدون به عدل وعزة وكرامـة‪ ،‬ول يتخـذون منـه ِـتارا‬ ‫ً‬ ‫س‬ ‫ً‬ ‫للدعاية‪ ،‬ولكن يتخذونه ِرعا للكفاح في سبيل الحق والستعلء‪.‬‬ ‫د ً‬ ‫أما دور العلن الذي يعلن بالسلم في هذه اليام‪ ،‬وأما المتاجرون بالدين في ربوع الشرق الوسط‪ ،‬أما‬ ‫الـذين‬ ‫يسترزقون من اللعب به على طريقة الحواة‪ ،‬أما هؤلء جميعا فهم الزبد الذي يذهب جفـاء‪ ،‬عنـدما يأخـذ‬ ‫المـد‬ ‫ً‬ ‫طريقه‪ ،‬وسيأخذ المد سريع ً‪ ،‬أسرع مما يظن الكثيرون‪ ،‬إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا‪.‬‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫(وعد االله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلف ّهم في الرض كما استخلفت الذين من قبلهم‪،‬‬ ‫وليمكـنن‬ ‫ن‬ ‫لهن دينهم الذي إرتضى لهم‪ ،‬وليبدلنهم من بعد خوفهم أمن ً‪ ،‬يعبدونني ل يشركون بي شيئا) صدق‬ ‫االله العظيم‪.‬‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫‪١٧‬‬ ‫(‪) ٦‬‬ ‫عدونا الول ‪ :‬الرجل البيض‬ ‫مجلة الرسالة ‪ :‬السنة العشرون ـ المجلد الثاني ـ عدد‪ ٩٠٠١ :‬ـ تاريخ ‪٣‬نوفمبر ‪٢٥٩١‬م ـ‬ ‫صفحات‪٧١٢١:‬ـ ‪٩١٢١‬‬ ‫نظرة المريكيين للرجل البيض ‪:‬‬ ‫في أمريكا يتحدثون عن الرجل البيض‪،‬كما لو كانوا يتحدثون عن نصف إله‪« .‬ويتحدثون عن الملـونين »‬ ‫مـن‬ ‫أمثالنا المصريين والعرب عامة كما لو كانوا يتحدثون عن نصف إنسان!‪.‬‬ ‫فالذين يعتقدون أن المريكان يمكن أن يكونوا معنا ضد الستعمار الوروبـي هـم قـوم إمـا مغفلـون أو‬ ‫مخادعون‪ ،‬يشغلون طابورا خامسا للستعمار المريكي المنتظر لبلد الشرق الوسط!‬


‫ً‬ ‫ً‬ ‫مصالح أمريكا مع أوروبا ‪:‬‬ ‫إن مصالح الستعمار المريكي قد تختلف أحيانا مع مصالح الستعمار الوروبي‪ ،‬ولكن هذا لـيس معنـاه‬ ‫أن‬ ‫ً‬ ‫يكونوا في صف استقللنا وحريتنا‪ ،‬إنما معناه أن يحاولوا زحزحة أقدام الوروبيين ليضعوا هـم أقـدامهم‬ ‫فـوق‬ ‫رقابنا‪ ،‬وفي الغالب هم يجدون حل لخلفاتهم مع الست عمار الوروبي على حسابنا‪.‬‬ ‫عدونا الول ‪:‬‬ ‫إن الرجل البيض هو عدونا الول‪ .‬سواء كان في أوروبا أو كان في أمريكا‪ ،‬وهـذا مـا يجـب أن نحـسب‬ ‫حسابه‪ ،‬ونجعله حجر الزاوية في سياستنا الخارجية‪ ،‬وفي تربيتنا القومية كذلك‪.‬‬ ‫إن أبناءنا في المدارس يجب أن ُّرى مشاعرهم وتفتح أذهانهم على مظالم الرجل البيض‪ ،‬وحـضارة‬ ‫الرجـل‬ ‫ّ‬ ‫تب‬ ‫البيض وجشع الرجل البيض‪ ،‬ويجب أن تكون أهداف التربية عندنا هي التخلص من نفوذ الرجـل‬ ‫البـيض‪ .‬ل‬ ‫سياسيا فحسب ول اقتصاديا فحسب‪ ،‬ولكن اجتماعيا وشعوريا وفكريا كذلك‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عبيد أمريكا في مراكز التوجيه ‪:‬‬ ‫ولكن الذي نفعله هو عكس هذا على خط مستقيم‪ ..‬عندنا في وزارة المعارف عبيد للرجـل البـيض‪..‬‬ ‫عبيـد‬ ‫يعبدون هذا الرجل كعبادة االله‪ ،‬بل إنهم ليلحدون في االله ول يلحدون في اوروبـا او امريكـا‪ .‬سـرا او‬ ‫علنيـة !‬ ‫ً‬ ‫وعندنا في معاهد التربية التي تخرج المدرسين‪ ،‬فتؤثر بذلك في عقلية اجيال بعد اجيال‪ ..‬عندنا فتات‬ ‫آدمـي ينظـر‬ ‫إلى الرجل البيض نظرة التقديس‪ ،‬يطبع مشاعر الطلبة الذين سيصبحون مدرسـين بطـابع العجـاب‬ ‫والقداسـة‬ ‫لولئك المستعمرين القذرين‪ ،‬الذين يحتقروننا ويهينون كرامتنا‪ ،‬فنتلقى ذلك منهم بالشكر‬ ‫والثناء‪.‬‬ ‫جنايتهم قومية وإنسانية‪:‬‬ ‫وهذه جناية قومية‪ ،‬وجناية إنسانية‪ ..‬جناية قومية لن الرجل البيض يستغ ّنا ويـستغل أوطاننـا اسـتغلل‬ ‫شـنيعا‪،‬‬ ‫ل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومن واجبنا أن نعبىء أعصابنا ومشاعرنا ضده‪ ،‬لنسترد حقوقنـا المـسلوبة‪ ..‬وجنايـة إنـسانية لننـا‬ ‫بتمجيـدنا‬ ‫‪٢٧‬‬ ‫للوروبي والمريكي إنما نمجد مثال مش ّها للنسان‪ ،‬ونقيم مثال للجشع والطمع والسلب والنهب‬ ‫والحتيـال‪ ،‬ثـم‬ ‫ًو ً‬ ‫ً‬ ‫نضع تحت أقدامه أكاليل المدح والثناء!‬ ‫عبيد لفرنسا‪:‬‬ ‫أمامي وأنا أكتب هذه الكلمة جريدة مصرية صباحية يتحدث كاتبها فيها عن مأساة تونس مـع فرنـسا‪،‬‬ ‫فيقـول‬ ‫مخاطبا لرئيس الدولة الفرنسية‪:‬‬ ‫ً‬ ‫«أما إذا كان يقصد شق الطرق وإنشاء السكك الحديدية‪ ،‬وتشييد البنية‪ ،‬وزيادة الرخـاء القتـصادي‪..‬‬ ‫فلعلـه‬


‫يعرف أن هذا كله تم لفائدة المستعمرين من الفرنسيين‪ .‬أما أهل البلد الصليون فيعيشون كالغربـاء‪ ،‬ل‬ ‫يزالـون‬ ‫ّ‬ ‫جهال حفاة عراة‪ .‬وقد ساومت أمريكا على أرض مراكش‪ ،‬فأعطت أمريكا امتياز إقامة المطارات‬ ‫والستحكامات‬ ‫الحربية على الشاطئ في مقابل أن تنصرها أمريكا‪ ،‬وتمهد لها السبيل لتنفيذ سياستها‪ ..‬ولكن الكاتب‬ ‫يقول مع هـذا‬ ‫عن فرنسا إنها البلد التي علمت الدنيا مبادئ الحرية والخاء والمساواة »!‪.‬‬ ‫الهزيمة الروحية لهؤلء ‪:‬‬ ‫هذا هو الستعمار الروحي الذي ينطق الكاتب بهذه الخرافة‪ ،‬حتى وهو يـستعرض تـأريخ فرنـسا السـود‪،‬‬ ‫ومساومات أمريكا الستغللية‪.‬‬ ‫وهذا هو الستعمار الذي ب ّته في أرواحنا المدرسة المصرية التي تنفـذ أهـداف السـتعمار إلـى‬ ‫اللحظـة‬ ‫ث‬ ‫الحاضرة‪ ،‬بل يقوم على رأسها وزير كان من عباد بريطانيا‪ ،‬ثم أضحى من عباد أمريكا‪ ،‬ومعـه معاهـد‬ ‫تربيـة‬ ‫تتعبد أ مريكا من دون االله في الرض !‬ ‫هذا هو الستعمار الذي ب ّه في أرواحنا ك ّاب خانوا أمانتهم للوطن‪ ،‬خانوا أمانتهم للنسانية‪ ،‬فوقفـوا‬ ‫أقلمهـم‬ ‫ث‬ ‫ُت‬ ‫طويل على تمجيد فرنسا‪ .‬ومع ذلك فإن بعضنا ل يزال يهتف لهم‪ ،‬ويعدهم روادا للفكر في‬ ‫الشرق!‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫إنني أفهم أن تهتف لهم فرنسا‪ ،‬أو أن تهتف لهم إنگلترا‪ ،‬أو أن تهتف لهم أمريكا‪ ،‬أمـا أن نهتـف لهـم‬ ‫نحـن‬ ‫العرب فهذا هو الهوان البشع‪ ،‬الذي ل يقدم عليه فرد وله كرامة!‬ ‫سمات هؤلء العبيد‪:‬‬ ‫إن مكان هؤلء اليوم كان ينبغي أن يكون مكان الجواسيس والخونة والطـابور الخـامس ل مكـان‬ ‫التمجيـد‬ ‫والتقدير والحترام‪.‬‬ ‫كل رجل غمس قلمه ليمجد فرنسا أو يمجد إنجلترا أو يمجد أمريكا‪..‬‬ ‫هو رجل منخوب الروح‪ ،‬مستعمر القلب‪ ،‬ل ُؤ َمن على النهضة القومية‪ ،‬ول يجوز أن يكون لـه مكـان‬ ‫فـي‬ ‫يت‬ ‫حياة هذه البلد بعد نهضتها‪.‬‬ ‫إنني ل أكاد أتصور أن هناك إنسانا له مشاعر النسان يرى «الرجل البيض » يدوس بأقدامه على أعناقنا‬ ‫فـي‬ ‫ً‬ ‫كل مكان‪ ،‬ثم يجد نفسه قادرا على تمجيد هذا الرجل أو حتى مصادقته‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪٣٧‬‬ ‫إنني أشك في آدمية هؤلء الكتاب‪ ،‬وهؤلء الوزراء‪ ،‬وهؤلء الساتذة‪ ،‬نعـم أشـك فـي آدميـتهم‪ .‬لن أول‬ ‫مميزات النسان أن يحس بكرامة النسان‪.‬‬ ‫أفهم أن تكون هناك ظروف اضطرارية تلجئنا إلى تبادل التمثيل السياسي والقنصلي‪ ،‬وإلى المبادلت‬ ‫التجاريـة‬ ‫والصلت القتصادية مع هؤلء المستعمرين القذرين‪ ...‬أما أن نتبادل العواطف والمشاعر‪ ،‬وأما أن‬ ‫نتحدث عـن‬ ‫المآثر والمفاخر‪ ،‬وأما أن نفتح قلوبنا وصدورنا‪ ..‬فدون هذا ويعجز خيالي عن تصور المهانة‪ ،‬وتـصور‬


‫المذلـة‪،‬‬ ‫وتصور المسخ الشعوري الذي يصيب الفطرة البشرية‪ ،‬فيهوي بها إلى ذلك الدرك السحيق من‬ ‫الهوان‪.‬‬ ‫دواعي كره أمريكا وأوروبا‪:‬‬ ‫من الذي يسمع عن وحشية الفرنسيين في الشمال الفريقي‪ ،‬ثم ل يمزق كل ما هو فرنسي‪ ،‬إن لم‬ ‫يكـن بيديـه‬ ‫وقدميه‪ ،‬فعلى القل بمشاعره وقلمه ولسانه؟‬ ‫من الذي ل يحتقر أمريكا ويحتقر معها آدمية المريكان وهو يجد المعدات المريكية والدولرات‬ ‫المريكيـة‬ ‫تشد أزر الستعمار الوروبي في كل مكان‪..‬لقاء مساومات اقتصادية أو أستراتيجية او‬ ‫عسكرية؟‬ ‫من الذي يملك أن يقف على الحياد في معركة الح ّية بين الستعمار ال غربي وبين البشرية كلها فـي‬ ‫مـشارق‬ ‫ر‬ ‫الرض ومغاربها‪ ،‬ثم ل يكتفي بموقف الحياد بل يمد يده بالمصافحة والمحالفة لهذا الستعمار القذر‪،‬‬ ‫الذي تلعنـه‬ ‫الرض والسماء‪..‬‬ ‫أدوات الستعمار في بلدنا‪:‬‬ ‫إن الستعمار ل يغلبنا اليوم بالحديد والنار‪ ،‬ولكنه يغلبنا قبل كل شيء بالرجـال الـذين ُسـتع ِرت‬ ‫أرواحهـم‬ ‫أ‬ ‫م‬ ‫وأفكارهم‪ ،‬يغلبنا بهذا السوس الذي تركه الستعمار في وزارة المعارف وفي الصحف والكتب‪ ،‬يغلبنا‬ ‫بهذه القلم‬ ‫التي تغمس في مداد الذل والهوانت الروحي لتكتب عن أمجاد فرنسا‪ ،‬وأمجاد بريطانيا‪ ،‬وأمجاد‬ ‫أمريكا‪.‬‬ ‫ولن نستطيع التغلب على هذا الستعمار‪ ،‬إل إذا حطمناه في مشاعرنا‪ ،‬وحطمنا معـه الجهـزة التـي‬ ‫تـسحق‬ ‫إيماننا بأنفسنا‪ .‬هذه الجهزة الممثلة في‪ ،‬وزارة المعارف ومعاهد التربية والقلم الخائنة الممسوخة‪،‬‬ ‫التي سـبحت‬ ‫يوما بحمد فرنسا او إنجلترا أو أمريكا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫المل في الجيل الجديد‪:‬‬ ‫وأنا ل أطمع في الجيل الذي شاخ أن يصنع شيئا‪ .‬هذا جيل قد أنتهى‪ .‬جيل منخوب مهما بدا كـالطود‬ ‫الـشامخ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫جيل ُز ّف لنه ل يؤمن بنفسه‪ ،‬ول يأنف من تقبيل الرجل التي تركل قومه ووطنه وإنـسانيته أيـضا‪.‬‬ ‫جيـل ل‬ ‫مي‬ ‫ً‬ ‫بأس أن تكرمه فرنسا‪ ،‬وأن تكرمه إنجلترا‪ ،‬وأن تكرمه أمريكا‪ ،‬لنه يعمل لحسابها‪ ،‬ويؤدي لها خدمات ل‬ ‫يؤديهـا‬ ‫جيش مسلح كامل‪.‬‬ ‫كل! لست أطمع في هذا الجيل الذي شاخ‪ .‬إنما أطمع في جيل الشباب المتحرر الذي يحترم رجولتـه‪،‬‬ ‫ويحتـرم‬ ‫قوميته‪ ،‬ويحترم إنسانيته‪...‬‬ ‫‪٤٧‬‬ ‫طريق العمل للجيل الجديد‪:‬‬ ‫أطمع في جيل الشباب أن يخرس كل صوت يرتفع في مدرسة أو معهد أو كلية بتمجيد الرجل البيض‪،‬‬ ‫الـذي‬


‫خان أمانة النسانية‪.‬‬ ‫أطمع في جيل الشباب أن يحطم كل قلم ينغمس في مداد الذل والعار‪ ،‬ليمجد الرجـل البـيض الـذي‬ ‫يـدوس‬ ‫أعناقنا بحذائه‪.‬‬ ‫أطمع في جيل الشباب أن يحتقر كل رجل يصادق الرجل البيض طائعا مختارا بدون ضرورة ملحـة‬ ‫تحتمهـا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الوضاع الدبلو ماسية !‪.‬‬ ‫ويوم ننفض الستعمار على هذا النحو من أرواحنا عقولنا‪..‬‬ ‫ويوم تغلي دماؤنا بالحقد المقدس على كل ما هو أوروبي أو أمريكي‪..‬‬ ‫يوم نسحق تحت أقدامنا كل من يربطنا بعجلة الستعمار‪..‬‬ ‫عندئذ فقط سننال استقللنا كامل‪ ،‬لننا نلنا الستقلل من داخلنا‪ ( :‬إن االله ل يغير ما بقـوم حتـى يغيـروا‬ ‫مـا‬ ‫ً‬ ‫بأنفسهم)‪( .‬سنة االله ولن تجد لسنة االله تبديل)(‪.)١‬‬ ‫ً‬ ‫(‪) ٧‬‬ ‫حمائم في نيويورك‬ ‫مجلة الكتاب‪ :‬المجلد الثامن ـ الجزء العاشر ـ ديسمبر ‪ ٩٤٩١‬ـ صفحات‪٦٦٦ :‬ـ ‪٩٦٦‬‬ ‫سخرية سيد قطب من أمريكا‪:‬‬ ‫قلت‪ :‬ويحكن !أهنا للحمائم الوادعة مكان؟ أفي نيويورك ذلك المعترك الصاخب اللجب‪ ،‬الذي ل يهـدأ‬ ‫لحظـة ول‬ ‫يطمئن‪ .‬أفي نيويورك هذه مكان لسربكن المن الوديع؟ ‪..‬وتلفتن يمنة ويسرة بعيونهن الوديعة‬ ‫الـشفيفة‪ ،‬ولـم يفقهـن‬ ‫َ ً‬ ‫عني شيئ ً‪،‬ولكني فقهت عنهن ووعيت! ا‬ ‫( ‪)١‬‬ ‫كن سرب ا من الحمائم ‪ ،‬قد هبطن على «الطوار » العريض الواسع في احدى‬ ‫غير عابئات بتلك‬ ‫ً‬ ‫الطرقات العامة‬ ‫الض ّة اللجبة من حولهن‪ ،‬تلك السيارات بحركتها الصاخبة‪ ،‬ذلك الزحام المتماوج المتلطم كأنه القيامة‪،‬‬ ‫ج‬ ‫تلك‬ ‫الجموع الراكضة كأنما تجذبها رائحة الفريسة‪ ،‬تلك الخطوات المحمومة كأنما تلهبها السياط‪ ،‬تلك‬ ‫النظرات الجامدة‬ ‫القاسية كأنها نظرة ا لجلد‪ ،‬الحادة اللمعة ببريق الطمع والرغبة والشتهاء ‪..‬‬ ‫ل توجد آية في القرآن بهذا اللفظ‪ .‬وإنما هناك آيات قريبة من هذا اللفظ مثل قوله تعالى‪( :‬سنة االله‬ ‫في الذين خلوا من قبل‪ ،‬ولن (‪)1‬‬ ‫تجد لسنة االله تبديل) الحزاب‪،٢٦ :‬وقوله تعالى‪( :‬سنة االله التي قد خلت من قبل‪ ،‬ولن تجد لسنة االله‬ ‫تبديل) الفتح‪ .٣٢ :‬لذلك اقتضى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التنوية‪( ..‬صلح)‪.‬‬ ‫(‪ )1‬القانون هنا يحمي الطير والحيوان في المدن‪.‬‬ ‫‪٥٧‬‬ ‫كن غير عابئات بذلك كله‪ ،‬كأنما يقلن لذلك القطيع الهائج المحموم‪ :‬شيئا من الدعة أيها القطيع‪ ،‬شيئ ا‬ ‫من المن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والطمأنينة والهوادة‪ ،‬شيئ ا من التأمل في معنى الحياة‪ ،‬وجمال الحياة ‪ ،‬وموسيقى الحياة ‪ ،‬وغايات‬ ‫الحياة العلى من‬ ‫ً‬


‫القضم والهضم والتشهي واللتهام‪.‬‬ ‫أمريكا ورشة ضخمة‪:‬‬ ‫وقضيت عاما في تلك «الورشة » الضخة‪ ،‬ال تي يسمونها «العالم الجديد » وتنقلت من نيويورك إلى‬ ‫واشنطن‪ ،‬إلى‬ ‫ً‬ ‫دنفر إلى جريلي ‪ ..‬ولم ألمح في خلل هذه الفترة الطويلة من الزمان‪ ،‬ول في خلل تلك المساحة‬ ‫الشاسعة من‬ ‫المكان ـ إل في مرات نادرة ـ وجها إنسانيا يعبر عن معنى النسان‪ ،‬أو نظرة إنسانية تطل منها معاني‬ ‫النسانية‪..‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ولكنني وجدت القطيع في كل مكان‪ ،‬القطيع الهائج الهائم‪ ،‬ل يعرف له وجهة غير اللذة والمال‪ .‬لذة‬ ‫الجسد الغريزة‬ ‫التي ترتوي حتى تهمد‪ ،‬وتهمد ريثما تستيق ظ في سعار ‪ ..‬ورغبة المال التي تنفق الحياة كلها‪ ،‬خيرها‬ ‫وشرها‪ ،‬ليلها‬ ‫ونهارها في سبيل «الدولر »‪.‬‬ ‫وكلما رأيت القطيع الهائج تذكرت‪ :‬تذكرت ذلك السرب المن‪ ،‬سرب الحمائم الوادع في نيويورك‪ ،‬الذي‬ ‫ل يعبأ‬ ‫الض ّة والزحام‪ ،‬وكلما راودني اليأس من البشرية التي تتمثل آخر أطوارها في ذلك «العالم الجديد »‬ ‫ج‬ ‫انساب إلى‬ ‫نفسي المل الراضي‪ ،‬وأنا أذكر سرب الحمائم المن في جوار ذلك القطيع ‪.‬‬ ‫مادية الحياة هناك ‪:‬‬ ‫جميل أن يكون في الحياة عمل وكدح جميل أن يكون في الحياة لذة ومتاع‪ ،‬ولكن على أن ل يستغرق‬ ‫كلهما‬ ‫الحياة ‪ ،‬على أن تبقى فترة للتأمل الهادئ‪ ،‬والتطلع إلى آفاق أعلى من اللذة والمتاع‪ ..‬ولكن «العالم‬ ‫الجديد » ل يعرف‬ ‫الحياة ‪ ،‬إل كدحا في العمل المادي حتى اللغوب‪ ،‬وارتشافا اللذة الحسي ة حتى‬ ‫الهمود‪..‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫حتى التفكير يكاد يكون جهدا عضليا ‪ ،‬فهو جهد غايته تحسين المصنع وترقية المعمل‪ ،‬وإدارة العمل‬ ‫وتنظيم‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا لشغال!‬ ‫والحب‪ .‬الحب الذي يطلق الطاقات النسانية جميع ا‪ ...‬إنه هنا في أمريكا جسد يتشهى جسد ً‪ ،‬وحيوان‬ ‫جائع‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫يتشهى حيوان ً‪ ،‬ول وقت للشواق الروحية التي ترف بها النفوس‪ ،‬ول للماني المرفرفة المج ّحة‪ ،‬ول‬ ‫حتى للغزال‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫الذي يسبق الخطوة الخيرة‪ .‬إنه هنا يبدأ من تلك الخطوة الخيرة‪ ،‬وينتهي عند الخطوة الولى‪ .‬حيوان‬ ‫لحيوان‪،‬‬ ‫وجسد لجسد‪ ،‬ومتاع لمتاع ‪.‬‬ ‫عبيد الشهوات‪:‬‬ ‫وتغدق الطبيعة على هذا البلد خيراتها بل حساب‪ ،‬حتى الجمال تهبط منه مختلف الصناف والشكال‪...‬‬ ‫جمـال‬ ‫في الطبيعة‪ ،‬وجمال في الوجوه‪ ،‬وجمال في الجسام‪ ...‬ولكن أحدا ل يفقه هذا الجمال ول يح ّه‪ ،‬إل كمـا‬ ‫تحـ ّه‬ ‫ً‬ ‫س‬ ‫س‬ ‫البهائم والوحوش في الغابات! وتطلع عليك الفتاة كأنها الج ّية المسحورة أو الحوراء الهاربة‪ ،‬ولكن ما‬


‫أن تقتـرب‬ ‫ن‬ ‫إليك حتى تحس فيها الغريزة الصارخة وحدها‪ ،‬مجردة من كل إشعاع‪ ،‬وحتى تشم رائحـة الجـسد‬ ‫المحتـرق‪ ،‬ل‬ ‫نكهة العطر الفواح‪..‬ثم تنتهي إلى لحم‪ .‬مجرد لحم‪ .‬لحم شهي حقا‪ ،‬ولكنه لحم على كل‬ ‫حال‪...‬‬ ‫ً‬ ‫‪٦٧‬‬ ‫حياة حيوان الغابة ‪:‬‬ ‫رأيت أفلم ا سينمائية تمثل حياة الغابة ‪ ،‬ورأيت هنا عيان ا حياة المريكان ‪ ،‬وكلما رأيت هنا الذكران‬ ‫منطلقة على‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الناث‪ ،‬والناث منطلقة على الذكران‪ ،‬زوجين زوجين ‪ ،‬أو جماعات ج ماعات ‪ ،‬أغمضت عيني فترة ‪ ،‬فلم‬ ‫إجد إل‬ ‫الغابة الواسعة الهائجة‪ ،‬تركض فيها الذكران والناث‪ ...‬تلك النظرات الجائعة‪ ،‬تلك الجسام المحمومة‪،‬‬ ‫ذلك المرح‬ ‫الحيواني‪ ..‬كل شيء هنا ككل شيء هناك‪ .‬إل أن الغابة لم تزدحم بعد بالمصانع والمعامل‪ ،‬وبالمدار س‬ ‫والحانات ‪.‬‬ ‫ذلك هو الفارق البارز الوحيد ‪ ..‬أجمل جسم هنا هو الذي يمثل الحيوان الفا ِه ‪ ،‬وأجمل نظرة هنا هي‬ ‫التي يطل منها‬ ‫ر‬ ‫التح ّق والجوع !وليس وراء ذلك شيء مما يتميز به النسان عن الحيوان ‪..‬‬ ‫ر‬ ‫وحينما يقضي النسان ساعات حياته كلها في عمل مضن شاق ‪ ،‬وجهته الدولر! وحينما تضيق آفاق‬ ‫الحياة كلها‬ ‫فل تتسع إل لوجه الدولر‪ ..‬عندئذ ل يبقى للشواق الروحية مجال ‪ ،‬ول للحاسيس الشاعرة المج ّحة‬ ‫مكان‪ ،‬فماذا‬ ‫ن‬ ‫يبقى من الحب بعد ذلك إل الجسام وما يتعلق بالجسام؟‬ ‫مدينة «جريلي » وأهلها ‪:‬‬ ‫وهذه المدينة الصغيرة «جريلي » التي أقيم في ها الن‪ ،‬إنها جميلة جميلة‪ ،‬حتى ليخيل إلى النسان أنها‬ ‫انبتت نبات ا‬ ‫ً‬ ‫في روضة حالمة ‪ .‬كل بيت كأنه نبتة في حديقة ‪ ،‬وكل شارع كأنه طريق في روضة‪ ،‬وتشهد صاحب كل‬ ‫بيت‬ ‫وصاحبته يقضيان وقت فراغهما في عمل مضن شاق لسقي الحديقة الخاصة وتشذيبها ‪ ،‬ولكن هذا‬ ‫هو لك شيء‪...‬‬ ‫لي ستة أشهر لم أشهد مرة واحدة فرادا أو أسرة جالسة تستمتع بذلك الجمال البارع الحالم‪ ،‬ول سيما‬ ‫في ليالي‬ ‫ً‬ ‫الصيف التي ترف فيها النسمات كالحلم‪ ،‬المهم هو تنمية الحديقة وتنظيمها‪ ،‬بنفس الطريقة التي ينظم‬ ‫بها صاحب‬ ‫المتجر متجره ‪ ،‬وصاحب المصنع مصنعه ‪ ،‬ول شيء وراء ذلك من تذوق الجمال ‪ ،‬والستمتاع‬ ‫بالجمال‪...‬إنها آلية‬ ‫التنظيم والترتيب‪ ،‬ل روح التذوق والستجمال ‪...‬‬ ‫حياتهم بدون سعادة ‪:‬‬ ‫في كل مكان ضحكات‪ ،‬وفي كل محلة مرح‪ ،‬وفي كل زاوية أحضان وقبلت‪ ،‬ولكنك ل تلمح في وجه‬ ‫واحـد‬


‫معنى الرضاء‪ ،‬ول تحس في قلب واحد روح الطمئنان‪.‬‬ ‫الحياة قلق دائم‪ ،‬وعمل دائم‪ ،‬واشتهاء دائم ‪ ،‬وارتواء دائم ‪ ،‬وضجيج واندفاع على‬ ‫الدوام‪.‬‬ ‫وبين الحين والحين أرى أسراب الحمائم‪ ،‬هنا في جريلي ‪ ،‬كذلك السرب الذي رأيته أول مرة في‬ ‫نيويورك‪...‬‬ ‫وفي كل مرة أتوجه إلى السرب الوادع بنفس السؤال‪ :‬أهنا للحمائم الوادعة مكان؟ ‪...‬وفي كل مرة‬ ‫أتلقى نفـس‬ ‫الجواب‪ :‬نظرات وادعة من تلك العيون الوادعة‪ .‬إنهن ل يفقهن عني شيئا‪ ،‬ولكني أفقه وأعي جواب ذلك‬ ‫الـسؤال‬ ‫ً‬ ‫‪!...‬‬ ‫جريلي ـ كولورادو‬ ‫سيد قطب‬ ‫(‪) ٨‬‬ ‫هتـاف الـروح‬ ‫في ليلة دافئة من ليالي كاليفورنيا‬ ‫في الجو يـا مصـر دفء يـدنـي إلي خيـالـك‬ ‫‪٧٧‬‬ ‫وتـستـجـيش حـنيـني إلـى الليالي هنـالـك‬ ‫لـلمسيـات السكـاري نشـوى ترف خيـالـك‬ ‫ونسمة فييـك تسـري ريـانـة من جمـالـك‬ ‫نـجواك مـلء فـؤادي تـرى خـطرت بالـك‬ ‫***‬ ‫النيل والـمـوج سـار‬ ‫يـقـبـل‬ ‫الشطآن‬ ‫والـبـدر والنور ساه‬ ‫كـحـالـم وسـنان‬ ‫وفـي الجواء حـنيـن‬ ‫مـجـنـح حيـران‬ ‫ومن هنـالـك لـحن‬ ‫يـهـفـو إلـى لذان‬ ‫صـداه نـاء عميـق‬ ‫في نـاي هـذا الـزمان‬ ‫***‬ ‫في النفس يامصرشوق‬ ‫لـخـطرة فـي ربـاك‬ ‫لـضـمـة من ثراك لنفـحـة مـن جواك‬ ‫لـومـضة من سمـاك لـهـاتف مـن رؤاك‬ ‫لـليـلة فيـك أخـرى مـع الـرفـاق هناك‬ ‫ظـمـآن تهتف روحي مـتـى تراني أراك؟‬ ‫سان فرنسيسكو ـ سيد قطب‬ ‫مجلة الرسالة ‪ :‬السنة الثامنية عشرة ـ مجلد الول ـ عدد‪ ٧٧ :‬ـ ‪ ٤٢‬إبريل ‪ ٠٥٩١‬صفحة‪.٢٧٤ :‬‬ ‫«‪»٩‬‬ ‫دعـاء الغريـب‬ ‫يـا نـائيات الضفاف‬ ‫هنـا فتـاك الـحبيب‬ ‫عـليـه طال المطاف‬ ‫متى يـعـود الغريب؟‬ ‫***‬ ‫متـى تـمس خطـاه‬ ‫ذاك الديـم المغبـر؟‬ ‫متـى يـشـم شـذاه‬ ‫كـالقحـوان المعطر؟‬ ‫***‬ ‫متـى ترى عـيـناه‬ ‫تلك الـربوع المـواثل‬ ‫أحـلمه ومنـاه‬ ‫تدعوه خلف الحـوائل‬ ‫***‬


‫إلى الـديار البعيـده حنـينـه رفـاف‬ ‫متى متى يـا ضفاف‬ ‫تأوي خطاه الشـريده‬ ‫‪٨٧‬‬ ‫***‬ ‫رؤاك في ناظـريـه‬ ‫تـرف كالحـلم‬ ‫تـرى هفـوت إليـه‬ ‫عـلى مـدى اليام‬ ‫***‬ ‫ليـلتـك الساريات‬ ‫كالنسمة العبـقرية‬ ‫دـة‬ ‫معـطرات ن ّ‬ ‫حالـت إلى ذكريات‬ ‫ي‬ ‫***‬ ‫مـجنحات العبيـر‬ ‫مرفرفـات الماني‬ ‫مـو شح بـالغاني‬ ‫َ‬ ‫في عـالم مسحور‬ ‫ّ‬ ‫***‬ ‫هـنـاك حيـث خـطاه منثورة فـي الـطريق‬ ‫مـا زال فيها الـحيـاة تـدعـو دعاء الغريق‬ ‫***‬ ‫يـا أرض ردي إلـيك هذا الوحيد الغريب!!!‬ ‫ر ّي فتا ك الحبيب !!!‬ ‫هـواه وقف عـليـك‬ ‫ُد‬ ‫ِ‬ ‫سان فرنسيسكو ـ أمريكا ـ‬ ‫سيد قطب‬ ‫مجلة الكتاب‪ :‬مجلد ‪ ٩‬ـ جزء ‪ ٦‬ـ تاريخ يونيو ‪ ٠٥٩١‬ـ صفحة‪٧٩٤ :‬‬ ‫الفصـل الثـاني‬ ‫إشارات سيد قطب في المجلت عن أمريكا‬ ‫(‪) ١‬‬ ‫تعليق سيد قطب على مقال «العشرون الذين صاغوا القرن العشرين »‬ ‫نشرت مجلة الكتاب مقال بعنوان «العشرون الذين صاغوا القرن العشرين » أعده الكاتبان المريكيان‬ ‫«آرثر‬ ‫ً‬ ‫شلسنجر » و « ماركيز تشايلدس » ونشراه في مجلة «لوك » المريكية بمناسبة ا لخمسين سنة من‬ ‫القرن العشرين‪ .‬وقد‬ ‫ترجم محمد قطب المقال إلى اللغة العربية ونشره في مجلة الكتاب في مايو ‪)١(٠٥٩١‬ثم علق عليه‬ ‫سيد قطب ونشر‬ ‫تعليقه في نهاية المقال المذكور‪.‬‬ ‫وقد وقع اختيار الكاتبين المريكيين على ثمانية وأربعين رج ل من أوروبا وأمريكا‪ ،‬وخصصا لباقي العالم‬ ‫رجلين‬ ‫ً‬ ‫فقط من الهند وهما «غاندي »و «نهرو » ونورد فيما يلي تعليق سيد قطب ـ لنه هو المتفق مع‬ ‫موضوع الكتاب‪.‬‬ ‫المقال يصور العقلية المريكية ‪:‬‬ ‫(‪ )1‬انظر المقال في مجلة الكتاب‪ .‬السنة الخامسة‪ .‬الجزء الخامس‪ .‬تاريخ مايو ‪٠٥٩١‬‬ ‫صفحات‪ ٨٩٣ :‬ـ ‪.٤١٤‬‬ ‫‪٩٧‬‬ ‫«هذا المقال يصور العقلية المريكية خير تصوير‪ ،‬بما فيها من واقعية كاملة‪ ،‬تهمها الثار العملية حين‬ ‫تنظر إلى‬


‫ا لشياء والشخاص‪ ،‬دون القيم المعنوية الذاتية‪ .‬ويبدو ذلك في المقياس الذي وضعه الكاتبان لتقييم‬ ‫الشخصيات ‪،‬‬ ‫والذي جعله مفتاح هذا العصر‪« :‬معدل التغير »‪.‬كما يبدو في إغفال الفلسفة والدباء والفنانين‪ ،‬بحجة‬ ‫أن هذا‬ ‫العصر‪ ،‬كان عصر العاملين ل المفكرين‪ ،‬وعصر العمل ل الفلسفة‪.‬‬ ‫ولول أنهما لم يستطيعا أن يغفل «غاندي » لما وجدوا له مكانا في هذه القائمة‪ ،‬ومع ذلك فقد مرا به‬ ‫مرورا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫سريعا ‪ ،‬بالقياس إلى رجل كتشرشل أو روزفلت أو روكفلر‪ .‬على حين أن غاندي يمكن اعبتاره «فوق‬ ‫ً‬ ‫البشر »‬ ‫بالقياس إلى هذه الفترة من التأ ريخ‪ ،‬كما أنه يجد مكانه في الصفوف الولى في كل عصر من‬ ‫عصور التاريخ ‪.‬‬ ‫سر إغفالهما رجال مسلمين ‪:‬‬ ‫ً‬ ‫والذي ل يمكن إغفاله هو إغفال الكاتبين المريكيين لرجل كالقائد العظم « محمد علي جناح » حقق‬ ‫«حلم‬ ‫باكستان » الذي رآه الشاعر الكبير إقبال ‪ ،‬وإذا استطعنا أن نفهم إغفالهما لذلك الشاعر الكبير الذي‬ ‫حلم ذلك الحلم‬ ‫الكبير‪ ،‬لن الشعر عملة ل تصرف في أمريكا! فإغفال «القائد العظم » وأثره الواقعي في ميلد‬ ‫باكستان غني عن‬ ‫البيان‪ ،‬مما يدعو إلى الدهشة ‪.‬‬ ‫ولكن الذي يعيش في أمريكا فترة لن يدهشه هذا‪.‬إن محمد علي جناح « مسلم »! هذا هو السر في‬ ‫إغفاله ‪،‬‬ ‫فالمريكان يحاولون ما إستطاعوا الغفال والتوهين من شأن السلم والعالم السلمي بصورة واضحة‬ ‫ظاهرة‪...‬‬ ‫ولعل رجل مثل « مصطفى كمال » كان يجد مكانه في قائمة كهذه لول هذه الروح المتفشية في‬ ‫ً‬ ‫أمريكا‪ ..‬فدوره‬ ‫في إنشاء تركيا الحديثة أكبر من دور هتلر وموسوليني‪،‬حين تنظر جميع الظروف والمل‬ ‫بسات » ‪.‬‬ ‫أمريكا‬ ‫سيد قطب‬ ‫مجلة الكتاب‪:‬السنة الخامسة ـ الجزء الخامس ـ مايو ‪٠٥٩١‬م ـ صفحة ‪٤١٤‬‬ ‫(‪) ٢‬‬ ‫موسيقى الوجود‬ ‫« مرتين إثنتين‪ ،‬كل منهما لحظة خاطفة كما يومض البرق ثم يغيب‪ ،‬أحسست هذه الموسيقى العلوية‬ ‫الشاملة ‪...‬‬ ‫موسيقى الوجود ‪ .‬مرة وأنا في عرض المحيط‪ ،‬والباخرة تمر مر الريح على وجه الخضم‪ ،‬والنسيم رخاء‪،‬‬ ‫والليل‬ ‫ساكن‪ ،‬والقمر مفضفض الللء‪ ،‬والثانية وأنا على قمة جبل تشرف على حقيقة من الصخور يس مونها‬ ‫هنا «حدائق‬ ‫اللهة » وقد انكشف ال مرتقى والمنحدر كلهما‪ ،‬واعتنقا عند تلك القمة الشاهقة في‬ ‫الفضاء‪.‬‬ ‫لست أدري كيف كيف أحسست‪ ،‬ولست أدري كيف أقول ‪ .‬إل أن قول واحدا انساب على لساني‪ ،‬في‬ ‫تلك اللحظة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التي أومضت في روحي كما تومض الشعلة‪ ،‬فتكشف الطريق إلى بعيد ثم يغيب‪ ...‬تعبير واحد أحسست‬ ‫فيه كل ما‬


‫فاض على خاطري تلك اللحظة من قدسية وشفافية وتسبيح‪ ...‬موسيقى‬ ‫الوجود ‪.‬‬ ‫ُرى! أيملك هذا التعبير الساذج أن ينقل إلى الخرين ما أشرقت به روحي في هاتين اللحظتين من‬ ‫ت‬ ‫الفرح‬ ‫والصفاء والتسبيح ‪» ..‬‬ ‫سان فرنسيسكو‬ ‫‪٠٨‬‬ ‫سيد قطب‬ ‫مجلة الكتاب‪ :‬المجلد التاسع ـ الجزء الرابع ـ عدد‪ :‬أبريل ‪٠٥٩١‬م ـ صفحة ‪٦٢٣‬‬ ‫(‪) ٣‬‬ ‫في الدب والحياة‬ ‫سر عزوفه عن الكتابة في أمريكا ‪:‬‬ ‫عندما كنت بعيد ًعن الوطن ـ مدى عامين في امريكا ـ كان في نفسي عزوف ل ادري مأتاه عن الكتابة‪،‬‬ ‫ا‬ ‫إل‬ ‫في القليل النادر‪،‬وعلى الكثر في مناسبات يفوت أو أنها‪ ،‬أويموت التفكير فيها‪ ،‬إذا هي لم تسجل في‬ ‫لحظتها ولعل‬ ‫منشأ هذا العزوف كان هو الرغبة في تحقيق شيء أكبر من مجرد الكتابة! إنني على إيماني بقوة الكلمة‬ ‫وامتدادها‬ ‫كنت أحس أننا في مصر وفي الشرق قد تكلمنا أكثر مما ينبغي‪ ،‬وأنه آن لنا أن نصنع شيئا وراء الكلم‬ ‫وغير‬ ‫ً‬ ‫الكلم!‬ ‫لم يكن هذا تحول مني إلى مذهب «البراجماتزم » المريكي‪ ،‬ول إلى الواقعية المادية! ولكنها الرغبة في‬ ‫تحقيق‬ ‫ً‬ ‫الحلم والمثل والمبادىء‪ ،‬تحقيقها في واقع الحياة كما هي محققة في واقع الشعور‪ .‬فقد طالت العزلة‬ ‫بين أحلمنا‬ ‫التي يصورها الدب والشعر‪ ،‬وبين واقعنا الحي في العمل والسلوك‪ .‬طالت العزلة إلى حد يبعث على‬ ‫الشك في قيمة‬ ‫الكلمة‪ ،‬حتى في نفوس المؤمنين بقوة الكلمة‪...‬‬ ‫مجلة الكتاب‪ :‬المجلد العاشر ـ الجزء الرابع ـ عدد ـ أبريل ‪ ١٥٩١‬ـ صفحة‪٩٨٣ :‬‬ ‫تركيزه على كتابة الرسائل «الخوانية »‬ ‫ولكن داء الكتابة لم يزايلني البتة في خلل تلك الفترة! كنت أكتب إلى أخي وأختي وأصدقائي في مصر‬ ‫وسائر‬ ‫البلد العربية‪ ،‬وفي إنجلترا وفرنسا كذلك‪..‬وكنت أقول لهم في رسائلي الخاصة ما أود أن أقوله للناس‬ ‫في الكتابات‬ ‫المنشورة‪ ..‬كنت أستروح لهذا اللون من التعبير الضيق المباشر ‪ .‬لني ل أتكلف له ما يتكلفه الكتاب‬ ‫عادة لما ينوون‬ ‫نشره‪ ،‬وكنت أحس فيه من الصدق والخلص والبساطة ما ل أحسه للكثير من المنشور‪ ،‬وكنت أجدني‬ ‫أقرب إلى‬ ‫حقيقتي وأنا أكتبه‪ ،‬إلى حد أن أعيش هذه الفكار والخواطر وأترجمها شعورا وسلوك ا لحظة ‪ ،‬ويوم ا‬ ‫بعد يوم‪ ،‬وكنت‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أجد من الصفاء الروحي والرضاء النفسي بسبب عيشتى لهذه الفكار‪ ،‬ما يمل حياتي غبطة‪ ،‬أن ل أجد ما‬ ‫يخالجني‬ ‫أمام نفسي من عزلة بين ما أقوله للناس‪ ،‬وما أزاوله في الحياة‪ ،‬وكنت من الفرح بهذا التوافق إلى حد‬ ‫أن أحفظ ـ‬


‫أنا الذي ل أحفظ له ـ فقرات كاملة من هذه الرسائل الخاصة‪ ،‬لكثرة استعادة الفاظها‪ ،‬وأنا استشعر‬ ‫مدلولتها‪. ...‬‬ ‫المرجع السابق‪ ٠٩٣ :‬ـ ‪١٠٣‬‬ ‫(‪) ٤‬‬ ‫إلى الستاذ توفيق الحكيم‬ ‫هدية الحكيم لسيد قطب وإيحاؤها‪:‬‬ ‫صديقي الكبير الستاذ توفيق الحكيم ‪.‬‬ ‫شكرا لك على هديتك الكريمة كتابك الجديد «الملك أوديب »‪ ،‬إنها شيء عزيز ثمين بالقياس إلي هنا‬ ‫ً‬ ‫في تلك‬ ‫«الورشة » الضخمة السخيفة‪ ،‬التي يسمونها «العالم الجديد »‪.‬‬ ‫‪١٨‬‬ ‫لقد استروحت في كلمة الهداء‪ « :‬ممن يذكرك دائما » نسمة رخية من روح الشرق الليف ـ فالذكرى‬ ‫هي‬ ‫ً‬ ‫خلصة هذه الروح ـ وما كان أحوجني هنا إلى تلك النسمة الرخيمة ‪..‬‬ ‫إن شيئ ا واحد ا ينقص هؤلء المريكيين ـ على حين تذخر أمريكا بكل شيء ـ شيء واحد ل قيمة له‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫عندهم ‪...‬‬ ‫الروح!‬ ‫نماذج لبحاثهم ونماذج لزيائهم ‪:‬‬ ‫بحث يقدم للدكتوراه في إحدى جامعاتهم ـ وقد قدم فعل ـ عن‪« :‬أفضل الطرق لغسل الطباق » أحب‬ ‫إليهم ألف‬ ‫ً‬ ‫مرة وأهم من رسالة عن «النجيل » إن لم يكن أهم من ذات النجيل‪.‬‬ ‫أمامي وأنا أكتب إليك هذه الكلمات في مطعم‪ ،‬شاب أمريكي يثب على صدره «سبع » ويجثم على‬ ‫ظهره «فيل »‬ ‫ل ترع !فذلك السبع إنما هو رسم يمل فراغ رباط عنقه‪ ،‬وهذا الفيل إنما هو رسم كذلك يمل فراغ‬ ‫صدريته ! لقد‬ ‫رسم السبع باللون البرتقالي الفاقع على أرضية «أخضر زرعي »‪ ،‬ورسم الفيل باللون الكحلي على‬ ‫أرضية « كرنبي »‬ ‫وهذا السبع مع رباط الرقبة مدلى فوق الصدرية ل تحتها حسب مزاح «التقاليع » ‪.‬‬ ‫هذا هو الذوق المريكي الغالب في اللوان ‪.‬‬ ‫والموسيقى‪ ..‬ولكن مالي وهذا كله؟ إن ذلك حديث آخر ليس وقته الن‪.‬أردت فقط أن أقول لك‪ :‬كيف‬ ‫كانت‬ ‫هديتك لي في «العالم الجديد »‪.‬‬ ‫رغبة سيد قطب في أمريكا بمحادثة «إنسان »!‬ ‫ؤر ا هذه‬ ‫م‬ ‫‪،‬‬ ‫الجديد‬ ‫الفني‬ ‫عملك‬ ‫عن‬ ‫كاملة‬ ‫بصراحة‬ ‫أشعر بأنني أرد لك بعض جميلك ‪ ،‬حين أحدثك‬ ‫ِ‬ ‫الطريقة على‬ ‫ث ً‬ ‫كتابة مقالة نقد‪ ،‬ليست بي الن أقل رغبة لكتابة مقالت‪ ،‬وليس لدي الوقت أيضا‪ ،‬إنما يشجعني على‬ ‫الكتابة لحظة‬ ‫ً‬ ‫أنني أستحضر شخصك في خيالي ‪ ،‬وأبادلك حديث ا بحديث‪ ،‬ليس فيه كلفة التحضير‪،‬ل تعمل الفكرة‪ ،‬ول‬ ‫اصطناع‬ ‫ً‬ ‫السلوب‪ .. ...‬ما أحوجني هنا لمن أبادله حديث ا بحديث ‪ ،‬في غير موضوع الدولرات ونجوم السينما‬ ‫وماركات‬ ‫ً‬ ‫السيارات ‪ ...‬حديثا في شؤون النسان والفكر والروح‪.‬‬


‫ً‬ ‫واشنطن‬ ‫سيـد قطـب‬ ‫مجلة ـ رسالة‪ :‬السنة السابعة عشرة ـ المجلد الول ـ عدد‪ ٧٢٨ :‬ـ تاريخ ‪ ٩‬مايو ‪٩٤٩١‬ـ صفحة‪٣٢٨ :‬‬ ‫(‪) ٥‬‬ ‫«إلى عباس خضر »‬ ‫بين صديقي وبيني أو بي ن مصر وأمريكا‬ ‫أخي عباس‬ ‫صحت نبو َتك ل بفضل ‪ Mrs Ferro‬صديقتك الحنساء ‪ ،‬ولكن بفضل انتقالي من سان فرنسيسكو برياحها‬ ‫ء‬ ‫الرطبة المتغيرة ابدا ‪ ،‬إلى مدينة صغيرة في وسط الوادي تسمى ‪ Palo Alto‬وقد شممت فيها رائحة‬ ‫مصر فتعافيت ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أذكر أنك مرة كتبت عن الربيع وشعراء الربيع في مصر‪ .‬أنا أو افقك على الشطر الثاني !أوافقك على‬ ‫أن‬ ‫شعراء الربيع في مصر «عرة! » أما إنحاؤك على جو مصر وترابه وعفاره ‪ ...‬إلخ ‪ ،‬فأؤكد لك أنه «بطر‬ ‫» بنعمة االله‬ ‫ِّ‬ ‫‪٢٨‬‬ ‫!هنا في أمريكا التي ينشؤون دعوة طويلة عريضة عن جوها ‪ ،‬وبخاصة جو كاليفورنيا‪ ،‬ل تقاس بشيء‬ ‫إلى مصر‪.‬‬ ‫ول تسمع ما يقوله بعض الرقاء عن جو فرنسا‪ ،‬فبين يدي الن رسالة من شاب مصري غير مخدوع‪،‬‬ ‫يعيش في‬ ‫فرنسا مفتوح العينين‪ ،‬يحدثني عن التقلبات والنواء ‪ ،‬ويتمنى نسمة مصرية ‪ ،‬وهذا هو ما أتمناه‬ ‫أنا كذلك !‬ ‫إننا ننقص من قدر أنفسنا حتى في الطبيعة ‪ ،‬أما الجانب فيعرفون كيف يقومون بالدعاية لبلدهم‬ ‫ليجلبوا إليها‬ ‫الناس ‪ ،‬لغرض « مادي » هو الحصول على نقد أجنبي‪ ،‬وإن كان الذين زاروا مصر هم يخجلون أن‬ ‫يقيسوا بلدهم‬ ‫بها ‪.‬‬ ‫في مصر طاقات معطلة ‪:‬‬ ‫إننا نملك أشياء كثيرة ولكننا ل ننتفع بها ول نستغ ّها‪ ...‬هذه هي المسألة‪ ،‬فإذا أنحينا باللئمة‪ ،‬ولكن علـى‬ ‫تلـك‬ ‫ل‬ ‫الحفنة الجاهلة المريضة النانية التي تتولى أقدارها‪ ،‬ول تؤدي لها خدمة ما‪ ،‬ول تستغل كنوزهـا‪ ،‬سـواء‬ ‫كانـت‬ ‫كنوز الطبيعة الرضية أو كنوز الطبيعة البشرية‪.‬‬ ‫إننا نملك طاقات من الذكاء الخارق ـ حين نقارن شعبنا إلى الشعب المريكاني ـ ولكننا نهمل هذه‬ ‫الكنوز‬ ‫بالجهل والمية والفقر المرقع القاتل لكل موهبة‪ ،‬وذلك لتستمتع حفنة من «الباشوات » و «الكروش »‬ ‫بترف ل تعرفه‬ ‫القرون الوسطى ‪..‬‬ ‫هذا هو عيبنا ‪ ،‬أما طبيعة بلدنا‪ ،‬وطبيعة شعبنا ‪ ،‬فهما فوق مستوى الشبهات‪ ،‬قولوا ـ أيها ال ك ّاب ـ‬ ‫للشعب حين‬ ‫ُت‬ ‫تكتبون‪ :‬إن المتحكمين فيكم يقبرون نبوغكم‪ ،‬ويدفنون مواردكم‪ ،‬وأنتم تملكون ما ل يملكه شعب آخر‬ ‫في هذا‬ ‫الوجود‪..‬‬


‫وتحياتي إليك وإلى اللقاء‪.‬‬ ‫أخي ـ بعد أن كتبت لك هذا وقرأته رأيته يصلح للنشر والتعليق ‪ ،‬فإذا رأيت أن تجعله موضوع تعليقك‬ ‫فأنت في‬ ‫حل من نشره ‪.‬‬ ‫سيـد قطـب‬ ‫مجلة الرسالة ‪ :‬السنة الثامنة ـ عشرة ـ المجلد الثاني ـ عدد‪ ٧٨٨ :‬ـ تاريخ ‪ ٣‬يوليو ‪ ٠٥٩١‬ـ صفحة‪٦٥٧ :‬‬ ‫(‪) ٦‬‬ ‫دور أمريكا واستغللها لرصيدها‬ ‫يخبرنا عباس خضر عن بعض رسائل سيد قطب إليه بقوله ‪« :‬ليست هذه الرسالة الوحيدة من رسائل‬ ‫الستاذ سيد‬ ‫قطب إلي‪ ،‬التي تضمنت بعض الموضوعات العامة‪ ،‬فقد كتب مرة يقول‪« :‬تصلح أ مريكا أن تكون‬ ‫ّ‬ ‫«ورشة العالم »‬ ‫فتؤدي وظيفتها على خير ما يكون ‪ ،‬أما أن يكون العالم كله كأمريكا‪ ،‬فتلك هي كارثة النسانية‬ ‫بكل تأكيد »‪.‬‬ ‫فكتبت إليه فيما كتبت‪« :‬إني يا أ خي ل أرى لدينا روحية محبوبة‪ ،‬فنحن ماديو ن كالمريكيين‪ ،‬وكل ما‬ ‫بيننا من‬ ‫فرق أن ماديتهم منظمة ونحن في فوضى ‪.���‬ ‫فجاء رده ‪:‬‬ ‫لمحت في رسالتك إلي أنك «قرفان » من مصر‪ ،‬ولهذا ل تستريح إلى ما أكتبه أنا عن أمريكا‪ ،‬إنني حين‬ ‫أ كتب‬ ‫عن أمريكا ما أحسه من حقائق ل أعني أنني راض عن الحياة في الشرق وما فيها‪ ،‬ولكن هناك شيئ ا‬ ‫واحدا ل يصح‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫‪٣٨‬‬ ‫أن نغفله‪ ،‬إن إمريكا تستخدم كل رصيدها ال ممكن‪ ،‬وإننا نهمل كل رصيدنا فنبدو مفلسين !إن الحاضر‬ ‫الواقع في‬ ‫بلدنا ل يرضي احدا ‪ ،‬ولكن الممكنات أمامنا كثيرة‪ ،‬لو وثقنا في رصيدنا المكنون ‪ ،‬وهذا هو مفرق‬ ‫ً‬ ‫الطريق‪ ،‬ولو‬ ‫أنك عشت في أمريكا بعض الوقت ‪ ،‬كما عشت لحمدت للشرق روحه رغم هذا‬ ‫الخمول الذي يعانيه‪..‬‬ ‫المرجع السابق‪:‬‬ ‫‪ ٦٥٧‬ـ ‪٧٥٧‬‬ ‫(‪) ٧‬‬ ‫بين صديقي وبيني أو بين الكفاية والوصولية‬ ‫الرسـالة الثانيـة‬ ‫وهذا مقطع من رسالة من سيد قطب إلى‬ ‫عباس خضر ‪:‬‬ ‫«أخي عباس ‪...‬‬ ‫آسف أن اكون في حديثي إليك عن ‪ Mrs Miss Ferroy‬من فضلك! قد مسست سياستك الداخلية في‬ ‫بيتك ‪ .‬فأنت‬ ‫الذي جعلتني أحدث لك عنها بإهتمامك الظاهر بها وبأخبارها‪ ،‬وبتفصيلت اهتمامها بخطك ‪ ...‬إلخ‪ ...‬وإل‬ ‫فبيني‬ ‫وبينها الن حوالي ‪ ٠٠٥‬ميل‪ ،‬ولم يشفني حسنها ول حسن تمريضها‪ ،‬بقدر ما شفتني نسمات مصر‬ ‫مشابه وروائح !‬ ‫وأفرغ من هذا إلى تعليقك على رسالتي إليك‪ ..‬عن تلك الحفنة من «الباشوات » و «الكروش » وعن‬ ‫تلك‬ ‫«الحفنات » التي تحدثت عنها من الوصوليين الذين يسيرون في ركابهم‪ ،‬ويصهرون إليهم‪ ،‬وغير ذلك من‬


‫أساليب ب‪ ...‬إلخ »‪.‬‬ ‫سان ديجو ـ‬ ‫كاليفورنيا‬ ‫سيـد قطـب‬ ‫مجلة الرسالة‪ :‬السنة الثامنة عشرة ـ المجلد الثاني ـ عـدد‪ ١٩٨ :‬ـ تـاريخ ‪ ١٣‬يوليـو ‪ ٠٥٩١‬ـ صـفحة‪:‬‬ ‫‪٢٧٨‬‬ ‫(‪) ٨‬‬ ‫رسالتا ن إلى أنور المعداوي‬ ‫الرسالة الولى ‪:‬‬ ‫أخي أنور‪:‬‬ ‫سلمي إليك وشوقي ‪ .‬وبعد ‪ .‬فكيف أنت وكيف الدب والفن على حسك؟ ؟أحس أن آباد ا وآماد ا بيني‬ ‫وبين ذلك الماضي القريب منذ عام ‪ ..‬هنا الغربة‪ ،‬الغربة الحقيقية ‪ .‬غربة النفس والفكر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫غربة الروح والجسد ‪ .‬هنا في تلك‬ ‫الورشة الضخمة التي يدعونها العالم الجديد ‪.‬‬ ‫عرفت الن مدى الدعاية التي تغمر بها أمريكا العالم‪ ،‬والتي يسهم فيها المصريون الذين جاؤوا إلى‬ ‫أمريكا ثم‬ ‫عادوا ‪ ،‬وأستطيع ان أقيس ـ على ضوئها ـ مدى الدعاية التي تغمرنا بها أوروبا‪ ،‬والتي يسهم فيها‬ ‫المصريون‬ ‫‪٤٨‬‬ ‫العائدين من هناك‪ .‬وأشخاص هم الضئيلة‪ .‬إنهم ل يجدون لنفسهم قيمة ذاتية‪ ،‬فيبالغون في تضخم‬ ‫أوروبا‪ ،‬وتضخيم‬ ‫أمريكا‪ ،‬علهم يستمدون منها قيمة ذاتية !‬ ‫وبعد‪ :‬فقد أنهيت المهمة الولى في اللغة النگليزية‪ ،‬وأصبح لدي من الوقت ما يسمح أن أعرف احوالكم‬ ‫وأخباركم هناك في الوطن المجهول من أبنائه‪ ،‬فلعلك تجد بين يديك ما تحدثني به أنا بعد‪ ،‬عن الحياة‬ ‫وعن الدب‬ ‫وعن خواطرك الخاصة ‪.‬‬ ‫والسلم عليك ورحمة االله‪.‬‬ ‫كولورد ادو‪٩٤٩١ / ٢١/ ٣٢ :‬‬ ‫مـن أخيك سيـد قطـب‬ ‫الرسالة الثانية ‪:‬‬ ‫أخي أنور‬ ‫كنت في حاجة نفسية إلى رسالتك لفرح بك ولك ‪ .‬ثم لصدق ظني فيك ‪ .‬فلقد كان الكثيرون يلومونني‬ ‫ـ في‬ ‫مواراة ـ إذ قدمتك للنقد الدبي في مجلة «العالم العربي » وكنت أعرف ماذا أصنع وهم ل‬ ‫يعرفون !‪.‬‬ ‫وإنك لتزيدني فرح ا وغبطة إذا أنت بعثت إلي بين الحين والحين بقصاصات من مقالتك في الرسالة‪،‬‬ ‫في شتى ً‬ ‫الموضوعات‪.‬‬ ‫تنتظر عودتي لخذ مكاني في ميدان النقد الدبي ؟ أخشى أن أقول لك ‪ :‬إن هذا لن يكون ‪ ،‬وإنه من‬ ‫الولى لك أن‬ ‫تعتمد على نفسك إلى أن ينبثق ناقد جديد !إنني سأخصص ما بقي من حياتي وجهدي لبرنامج اجتماعي‬ ‫كامل ‪،‬‬


‫يستغرق أعمال الكثيرين‪ .‬ويكفي أن أجدك في ميدان النقد الدبي لطمئن إلى هذا‬ ‫الميدان!‪.‬‬ ‫بهذه المناسبة‪ :‬هل لي أن أذكر لك بعض أخطار الطريق التي بلوتها فيه ‪ :‬إن أخطر ما في طريق النقد‬ ‫الدبي هو‬ ‫مغرياته الكثيرة وتكاليفه الشاقة‪ ،‬مغريات الصداقة والجفوة ‪ ،‬مغريات الشهرة ولفت النظار ‪ ،‬مغريات‬ ‫الملبسات‬ ‫الكثيرة في حياة الفرد وحياة الشعب‪ .‬ثم تكاليف قولة الحق التي كثيرا ما يكون ثمن ها غالي ا‪.‬فهل لي‬ ‫أن أطمئن إلى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫أنك ستتيقظ لهذه الدوافع كلها‪ ،‬فل تدع واحدة منها أو جميعها تغشى صفحاتك بالضباب ‪ .‬أرجو وأدعو‬ ‫االله لك‬ ‫بالتوفيق‪.‬‬ ‫وأشرت إلى أن ما بيني وبين الدكتور طه حسين ‪ .‬إنني أعتقد على أية حال أنه من الخير للبلد أن يكون‬ ‫هذا‬ ‫الرجل في وزارة الم عارف‪ .‬ولست أسأل عما يكون لي أو علي ‪ ،‬فطريقي واضح أمامي‪ ،‬وهدفي‬ ‫معروف لي في‬ ‫جميع الظروف !‬ ‫بهذه المناسبة‪ :‬أتذكر مقال‪« :‬بدء المعركة بين الشيوخ والشباب » في «العالم العربي »؟ كتب إلي‬ ‫استاذ في جامعة‬ ‫«هاليفاكس » بكندا في هذه اليام يستأذن في ترجمته للغة النجليزية ‪ ،‬لي نشر في أمريكا ‪ .‬وقد‬ ‫أجبته بالموافقة!‬ ‫ُكتب إلي كثيرا ‪ ،‬ول تنتظر رسالة برسالة ‪.‬‬ ‫أْ ّ‬ ‫ً‬ ‫أخوكـم‬ ‫سيـد قطـب‬ ‫الرسالة غير مؤرخة ‪ .‬ومن تاريخ ختم البريد على المظروف يتبين أنها صادرة من واشنطن في ‪ ٦‬مارس‬ ‫‪٠٥٩١‬‬ ‫‪٥٨‬‬ ‫مجلة الكاتب‪ :‬سنة ‪ ٥١‬ـ عدد‪ ٥٧١ :‬ـ أغسطس ‪ ٥٧٩١‬ـ صفحات‪:‬‬ ‫‪ ٨٢‬ـ ‪٩٢‬‬ ‫الفصـل الثالث‬ ‫إشارات سيد قطب في الظلل عن أمريكا‬ ‫(‪) ١‬‬ ‫المجتمعات الجاهلية في طريق النهيار‬ ‫يشير سيد قطب إلى الرخاء المادي والرفاه الجتماعي الذي تقدمه المجتمعات الجاهلية لفرادها ‪،‬‬ ‫ولكن رغم ذلك‬ ‫فإنها سائرة في طريق النهيار‪ .‬وذلك في تفسيره لقوله تعالى‪( :‬يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم‬ ‫كافة ‪ )..‬البقرة ‪:‬‬ ‫‪. ٨٠٢‬‬ ‫«ولكن ماذا؟ ماذا وراء هذا الرخاء المادي والحضاري وخلو القلب من اليمان باالله؟ ‪.‬‬ ‫إنه شعب مهدد بالنقراض‪ ،‬فالنسل في تناقص مطرد بسبب فوضى الختلط! والطلق بمعدل طلق‬ ‫واحد لكل‬ ‫ست زيجات بسبب انطلق النزوات ‪ ،‬وتبرج الفتن‪ ،‬وحرية الخلط !الجيل الجديد ينحرف فيدمن على‬ ‫المسكرات‬ ‫والمخدرات‪ ،‬ليعوض خواء الروح وطمأنينة القلب بالعقيدة‪،‬والمراض النفسية والعصبية والشذوذ بأنواعه‬ ‫تفترس‬ ‫عشرات اللف من النفوس والرواح والعصاب‪ ...‬ثم النتحار ‪..‬‬ ‫والحال كهذا في أمريكا‪ ..‬والحال أشنع من هذا في روسيا ‪» ..‬‬


‫في ظلل القرآن ‪١١٢ :١‬‬ ‫(‪) ٢‬‬ ‫صورة واقعية لمجتمعات الجاهلية‬ ‫ويرسم سيد قطب هذه الصورة الحقيقية الواقعية لمجتمعات الجاهلية ـ في أمريكا وغيرها ـ ويبين‬ ‫نفوس‬ ‫أفرادها المنكودة‪ ،‬وأزيا َها الشاذة‪ ،‬وذلك في تفسيره لقوله تعالى ‪( :‬ومن يبدل نعمة االله من بعد ما‬ ‫جاءته فإن االله‬ ‫ء‬ ‫شديد العقاب) البقرة‪. ١١٢ :‬‬ ‫وها هي ذي البشرية المنكودة الطالع في أنحاء الرض كلها تعاني العقاب الشديد ‪ ،‬وتجد الشقوة النكدة‪،‬‬ ‫وتعاني‬ ‫القلق والحيرة ‪ ،‬ويأكل بعضها بعض ا ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه‪ ،‬ويطاردها بالشباح‬ ‫المطلقة‪،‬والخواء القاتل‬ ‫ً‬ ‫الذي يحاول المتحضرون أن يملووه تارة بالمسكرات والمخدرات‪ ،‬وتارة بالحركات الحائرة التي يخيل‬ ‫إليك معها‬ ‫أنهم هاربون تطاردهم الشباح !‬ ‫ونظرة إلى صورهم في الوضاع العجيبة لمتكلفة التي يظهرون بها ‪ :‬من مائلة برأسها‪ ،‬إلى كاشفة عن‬ ‫صدرها ‪،‬‬ ‫إلى رافعة ذيلها‪ ،‬إلى مبتدعة قبعة غريبة على هيئة حيوان !إلى واضع رباط عنق رسم عليه تيتل أو‬ ‫فيل !إلى لبس‬ ‫قميص تربعت عليه صورة أسد أو دب‪...‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪٣١٢ :١‬‬ ‫(‪) ٣‬‬ ‫‪٦٨‬‬ ‫من آثار جريمة الربا في المجتمعات الجاهلية‬ ‫أشار سيد قطب إلى آثار جريمة الربا في المجتمعات الجاهلية‪ ،‬والنكد والقلق الذي تعيشه تلك‬ ‫الشعوب‪ ،‬وذلك في‬ ‫تفسيره لقوله تعالى ‪(:‬الذين يأكلون الربا ل يقومون إل كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ‪..‬‬ ‫«البقرة‪. » ٥٧٢ :‬‬ ‫«إنها الشقوة البائسة المنكودة ‪ ،‬التي ل تزيلها الحضارة المادية ‪ ،‬ول الرخاء المادي‪ ،‬ول يسر الحياة‬ ‫المادية‬ ‫وخفضها ولينها ف ي بقاع كثيرة ‪ .‬وما قيمة هذا إذا لم ينشئ في النفوس السعادة والرضى‬ ‫والستقرار والطمأنينة ‪..‬‬ ‫إنها حقيقة تواجه من يريد أن يرى‪ ،‬ول يضع على عينيه غشاوة من صنع نفسه كي ل يرى !حقيقة ان‬ ‫الناس في‬ ‫اكثر بلد الرض رخاء عاما‪ ..‬في امريكا وفي السويد ‪ ،‬وفي غيرهما من القطار التي تفيض رخا ء ماديا‬ ‫إن الناس‬ ‫ً ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ليسوا سعداء‪ .‬إنهم قلقون يطل القلق عن عيونهم وهم اغنياء‪ ،‬وإن الملل يأكل حياتهم وهم مستغرقون‬ ‫في النتاج !‬ ‫وإنهم يغرقون هذا الملل في العربدة والصخب تارة ‪ ..‬وفي «التقاليع » الغربية الشاذة‪ .‬وفي الشذوذ‬ ‫الجنسي و النفسي‬ ‫ً‬ ‫تارة‪ ..‬ثم يحسون بالحاجة إلى الهرب‪ .‬الهرب من انفسهم‪ ،‬ومن الخواء الذين يعشعش فيها !ومن‬ ‫الشقاء الذي ليس‬ ‫له سبب ظاهر من مرافق الحياة وجريانها‪ .‬فيهربون بالنتحار ‪ .‬ويهربون بالجنون‪ .‬ويهربون بالشذوذ !ثم‬ ‫يطاردهم‬


‫شبح القلق والخواء والفراغ ل يدعهم يستريحون أبدا »‪.‬‬ ‫ً‬ ‫في ظلل القرآن ‪٦٢٣ :١‬‬ ‫(‪) ٤‬‬ ‫الخواء الذي يعيشه الجاهليون‬ ‫ويصور الخواء الذي تعيشه أمريكا ـ وغيرها من البلد الجاهلية ـ والذي لحظه عندما زارها‪ ،‬وذلـك فـي‬ ‫تفسير قوله تعالى‪( :‬أفغير دين االله يبغون وله أسلم من في السموات والرض طوعا وكرها وإليـه‬ ‫ُرجعـون)‪ .‬آل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ي‬ ‫عمران‪.٣٨ :‬‬ ‫«إن البشرية اليوم تعاني من الخواء المرير ‪ .‬خواء الروح من الحقيقة التي ل تطيق فطرتها أن تصبر‬ ‫عليها‪..‬‬ ‫حقيقة اليمان‪ ..‬وخواء حياتها من المنهج اللهي‪ .‬هذا المنهج الذي ينس ق بين حركتها وحركة الكون‬ ‫الذي تعيش‬ ‫ّ‬ ‫فيه‪. » ..‬‬ ‫إنها تعاني من الهجير المحرق الذي تعيش فيه بعيدا ع ن ذلك الظل الوارف الندي‪ ،‬ومن الفساد المقلق‬ ‫الذي‬ ‫ً‬ ‫تتمرغ فيه بعيدا عن ذلك الخط القويم‪ ،‬والطريق المأنوس المطروق؟ !‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ومن ثم تجد الشقاء والقلق والحيرة والضطراب‪ ،‬وتحس الخواء والجوع والحرمان‪ ،‬وتهرب من واقعها‬ ‫هذا‬ ‫بالفيون والحشيش والمسكرات‪ ،‬وبالسرعة المجنونة والم غامرات الحمقاء‪ ،‬والشذوذ في الحركة‬ ‫واللبس والطعام‬ ‫!وذلك على الرغم من الرخاء المادي والنتاج الوفير والحياة الميسورة والفراغ الكثير‪..‬ل بل إن الخواء‬ ‫والقلق‬ ‫والخيرة لتتزايد كلما تزايد الرخاء المادي والنتاج الحضاري واليسر في وسائل الحياة ومرافقها‪ ،‬إن هذا‬ ‫الخواء‬ ‫المرير ليطارد البشرية كالشبح المخيف‪ ،‬يطاردها فتهرب منه ‪ .‬ولكنها تنتهي كذلك إلى الخواء‬ ‫المرير!‪.‬‬ ‫«وما من أحد يزور البلد الغني ة الثري ة حتى يكون النطباع الول في حس ه أن هؤلء قوم هاربون !‬ ‫هاربون من‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أشباح تطاردهم‪ .‬هاربون من ذوات أنفسهم‪ ،‬وسرعان ما يتكشف الرخاء المادي والمتاع الح س ي الذي‬ ‫يصل إلى حد‬ ‫‪٧٨‬‬ ‫التمرغ في الوحل‪ ،‬عن المراض العصبية والنفسية والشذوذ والقلق والمرض والجنون والمسكرات‬ ‫ّ‬ ‫والمخدرات‬ ‫والجريمة‪ ...‬وفراغ الحياة من كل تصور كريم‪. » ...‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪. ٢٢٤ :١‬‬ ‫(‪) ٥‬‬ ‫التفرقة العنصرية في الجاهلية المريكية‬ ‫ويشير إلى التفرقة العنصرية في أمريكا ‪ .‬وذلك في معرض حديثه عن تشريعات الجاهلية ‪ ،‬في تشديد‬ ‫العقوبات‬ ‫على العبيد والمستضعفين وتخفيفها على الكبراء‪ ،‬عندما فسر قوله تعالى ‪( :‬فإذا أحصن فإن أتين‬


‫بفاحشة فعليهن‬ ‫ِّ‬ ‫نصف ما على الحصنات من العذاب‪ .)..‬النساء‪. ٥٢ :‬‬ ‫(وما تزال الجاهلية الحديثة في أمريكا وفي جنوب أفريقيا وفي غيرها تزاول هذه التفرقة العنصرية‪،‬‬ ‫وتغفر‬ ‫للشراف «البيض » ما ل تغفره للضعاف «الملونين »‪ ،‬والجاهلية هي الجاهلية حيث‬ ‫كانت )‪.‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪٩٢٦ :٢‬‬ ‫(‪) ٦‬‬ ‫صور من انحلل الجاهليين‬ ‫تحدث عن النحلل الخلقي والعهر والفساد والباحية والحيوانية التي تعيشها الجاهليات القديمة‬ ‫والمعاصرة‪،‬‬ ‫وأنه هو السبب الحقيقي في هزيمة الدول القديمة‪ ...‬والدول المعاصرة أيضا في الحربين العالميتين ‪:‬‬ ‫الولى‬ ‫ً‬ ‫والثانية‪ ...‬وذلك أثناء تفسيره لقوله تعالى‪( :‬واالله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن‬ ‫تميلوا مي ل‬ ‫ً‬ ‫عظيما ‪ .‬يريد االله أن يخفف عنكم وخلق النسان ضعيفا‪ )..‬النساء ‪ ٧٢ :‬ـ ‪.٨٢‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فبعد أن ينقل فقرات مطولة تعرض نماذج لنحلل المجتمعات الوروبية وإباحيتها بين الشباب والشابات‬ ‫ينتقل‬ ‫للحديث عن أمريكا ـ وهو ما يهمنا هنا ـ فيقول‪( :‬والحال في أمريكا ل تقل عن هذه الحال‪ .‬ونذر السوء‬ ‫تتوالى ‪.‬‬ ‫والمة المريكية في عنفوانها ل تتلفت للنذر ‪ .‬ولكن عوامل التدمير تعمل في كيانها‪ ،‬على الرغم من هذا‬ ‫الرواء‬ ‫الظاهري‪ ،‬وتعمل بسرعة‪ ،‬مما يشي بسرعة الدمار الداخلي على الرغم من كل الظواهر‬ ‫الخارجية) !!!‪.‬‬ ‫لقد وجد الذين يبيعون أسرار أمريكا وبريطانيا العسكرية لعدائهم‪ ،‬ل لنهم في حاجة إلى المال‪ ،‬ولكن‬ ‫لن بهم‬ ‫شذوذا جنسي ا‪ ،‬ناشئا من آثار الفوضى الجنسية السائدة في المجتمع‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وقبل سنوات وضع البوليس المريكي يده على عصابة ضخمة ذات فروع في مدن شتى ‪ ،‬مؤلفة من‬ ‫المحامين‬ ‫والطباء ـ أي من قمة الطبقة المثقفة ـ مهمتها مساعدة الزواج والزوجات على الطلق‪ ،‬بإيجاد الزوج أو‬ ‫الزوجة‬ ‫في حالة تلبس بالزنا‪ ،‬وذلك لن بعض الوليات ل تزال تشترط هذا الشرط لقبول توقيع الطلق !ومن‬ ‫ثم يستطيع‬ ‫الطرف الكاره أن يرفع دعوى على شريكه بعد ضبطه عن طريق هذه العصابة متلبسا‪ ،‬وهي التي‬ ‫أوقعته في‬ ‫ً‬ ‫حبائلها‪...‬‬ ‫كذلك من المعروف أن هناك مكاتب مهمتها البحث عن الزوجات الهاربات والبحث عن الزواج الهاربين‬ ‫ّوذلك في مجتمع ل يدري فيه الزوج إن كان سيعود فيجد زوجته في الدار أم يجدها قد طارت مع عشيق‬ ‫!ول‬ ‫‪٨٨‬‬ ‫تدري الزوجة إن كان زوجها الذي خرج في الصباح سيعود إليها أم ستخطفه أخرى أجمل منها وأشد‬ ‫جاذبية !‬


‫مجتمع تعيش البيوت فيه في مثل هذا القلق الذي ل يدع عصبا يستريح!!‬ ‫ً‬ ‫وأخيرا يعلن رئيس الوليات المتحدة أن ستة من كل سبعة من شباب أمريكا لم يعودوا يصلحون للجندية‬ ‫ُ‬ ‫بسبب النحلل الخلقي الذي يعيشون فيه‪..‬‬ ‫وينقل سيد قطب عن كتاب الحجاب لبي العلى المودودي قول مجلة أمريكية عن الثالوث الشيطاني‬ ‫الذي‬ ‫يسعر الحرب الجنسية هناك ‪ :‬الدب الفاحش الخليع‪.‬والفلم السينمائية الفاضحة العارية ‪ .‬وتبرج النساء‬ ‫وعريهن‪ ..‬ويعلق على قول المجلة قائ ل‪(:‬والذي حدث أن أمريكا لم تحد من طغيان هذه العوائل‬ ‫الثلثة‪ ،‬بل‬ ‫ً‬ ‫استسلمت لها تمام ً‪ ،‬وهي تمضي في الطريق الذي سار فيه الرومان ‪.)...‬‬ ‫ا‬ ‫وينقل عن انحراف شباب وشابات أمريكا ما يلي(انتشرت موجة الجرام بين المراهقين والمراهقات من‬ ‫شباب‬ ‫أمريكا‪،‬وأعلن حاكم ولية نيويورك أنه سوف يجعل علج هذا النحراف على رأ س برنامج الصلح الذي‬ ‫يقوم‬ ‫به في الولية )‪.‬‬ ‫وعمد الحاكم إلى إنشاء المزارع و «الصلحيات » التهذيبية والندية الرياضية‪ ..‬إلخ ولكنه أعلن أن علج‬ ‫الدمان على المخدرات التي انتشرت بصفة خاصة بين طلبة وطالبات الجامعات ـ ومنها الحشيش‬ ‫والكوكائين‬ ‫ـ ل يدخل في برنامجه‪ ،‬وأنه يترك أمره للسلطات الصحية ‪...‬‬ ‫ويتابع إيراد النماذج الدالة على انحلل المريكيين فيقول‪(:‬وقد قدرت لجنة الربعة عشر المريكية التي‬ ‫تعني‬ ‫بمراقبة حالة البلد الخلقية أن ‪٠٩‬بالمائة من الشعب المريكي مصابون بالمراض الجنسية السرية‬ ‫الفتاكة (وذلك‬ ‫قبل وجود المركبات الحديثة من مضادات الحيويات كالبنسلين والستربتومايسين )‪.‬‬ ‫وكتب القاضي (لندسي ) بمدينة (دنفر ) أنه من كل حالتي زواج تعرض قضية طلق ‪)...‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪ ٠٣٦ :٢‬ـ ‪ ٧٣٦‬باختصار‬ ‫(‪) ٧‬‬ ‫قانون «الجفاف » في أمريكا‬ ‫في أثناء مقارنته بين نجاح السلم في تحريم الخمر بكلمات‪،‬وإخفاق أمريكا في محاولة ذلك رغم‬ ‫جهودها‬ ‫وتضحياتها وخسارتها‪،‬وذلك في تفسيره لقوله تعالى‪(:‬يا أيها الذين آمنوا ل تقربوا الصلة وأنتم سكارى‬ ‫حتى‬ ‫تعلموا ما تقولون)‪ .‬النساء‪. ٣٤ :‬‬ ‫يقول‪(:‬أما في أمريكا فقد حاولت الحكومة المريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة فس ّت قانونا في‬ ‫سنة‬ ‫ن‬ ‫ً‬ ‫‪ ٩١٩١‬م سمي قانون «الجفاف » من باب التهكم عليه‪ ،‬لنه يمنع «الري » بالخمرا! وق د ظل هذا‬ ‫القانون قائم ا مدة‬ ‫ً‬ ‫أربعة عشر عام ً‪ ،‬حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة ‪٣٣٩١‬م ‪ ،‬وكانت قد استخدمت جميع‬ ‫وسائل النشر ا‬ ‫والذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر ‪ .‬ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر‬ ‫بما يزيد‬ ‫على ستين مليون ا من الدولرات‪ .‬وإن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بليين‬ ‫صفحة ‪ .‬وما ً‬


‫تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما ل يقل عن ‪ ٠٥٢‬مليون جنيه‪.‬وقد أعدم‬ ‫فيها ‪٠٠٣‬‬ ‫ً‬ ‫نفس‪ ،‬وسجن كذلك ‪ ٥٣٣٢٣٥‬نفسا ‪ ،‬وبلغت الغرامات ‪ ٦١‬مليون جنيه وصادرت من الملك ما يبلغ ‪٠٠٤‬‬ ‫ً‬ ‫‪٩٨‬‬ ‫مليون أربعة بليين جنيه‪ ..‬وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون‪.‬فأما السلم فقضى على‬ ‫هذه‬ ‫الظاهرة العميقة في المجتمع الجاهلي ‪ ...‬ببضع آيات من القرآن‪...‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪. ٣٦٦ :٢‬‬ ‫(‪) ٨‬‬ ‫أمريكا وس ّة االله سبحانه وتعالى‬ ‫ن‬ ‫ويتحدث عن ما رآه في أمريكا عن كثرة نعم االله عليهم هناك‪ ،‬وعن نسيانهم وغفلتهم‪ ،‬وعن قدوم‬ ‫العذاب‬ ‫إليهم‪ ،‬وعن وقوع سنة االله بهم ‪ ،‬وبلفظ آخر طبق عليهم آية من كتاب االله تقرر سنة من سننه سبحانه‬ ‫‪ .‬وهي قوله‬ ‫تعالى ‪( :‬فلما نسوا ما ذ ّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ‪ ،‬حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة‬ ‫فإذا هم‬ ‫ُك‬ ‫مبلسون ‪.) ..‬النعام‪. ٤٤ :‬‬ ‫(ولقد كنت ـ في اثناء وجودي في الوليات المتحدة المريكية ـ ارى رأي العين مصداق قول االله‬ ‫ُ‬ ‫سبحانه ‪:‬‬ ‫(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء)‪ ....‬فإن المشهد الذي ترسمه هذه الية‪ ...‬مشهد‬ ‫تدفق كل‬ ‫شيء من الخيرات والرزاق بلحساب ‪ ..‬ليكاد يتمثل في الرض كلها كما يتمثل هناك ‪....‬‬ ‫وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه‪ ،‬وشعورهم بأنه وقف على «الرجل البيض » وطريقة‬ ‫تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة‪،‬وفي و حشية كذلك بشعة! وفي صلف على أهل الرض كلهم‬ ‫ل يقاس‬ ‫إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود في الرض كلها‪،‬حتى صار علما على الصلف العنصري‪ ،‬بينما‬ ‫المريكي‬ ‫ً‬ ‫البيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى ! وبخاصة ! إذا كان هؤلء الملونون من‬ ‫المسلمين‪. ...‬‬ ‫كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الية ‪ ،‬وأتوقع سنة االله‪ ،‬وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى‬ ‫الغافلين ‪. ...‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪. ١٩١ :٢‬‬ ‫(‪) ٩‬‬ ‫الجاهلية تنحدر إلى السفح‬ ‫ويشير إلى عصبيات أمريكا والجاهلين عموم ًـ التي أنزلتاه من القمة السامقة إلى السفح الهابط‪،‬‬ ‫فنزلت إليه‬ ‫ا‬ ‫وأنزلت البشرية معها كذلك‪ .‬وذلك في تفسير قوله تعالى‪(:‬وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلء من‬ ‫االله عليهم‬ ‫َّ‬ ‫من بيننا) النعام‪. ٣٥:‬‬ ‫‪(...‬ثم تتراجع البشرية عن الق ّة السامقة‪ ،‬وتنحدر مرة أخرى إلى السفح ‪ .‬وتقوم ـ مرة أخرى ـ في‬ ‫ِم‬


‫نيويورك‪ ،‬وواشنطن ‪ ،‬وشيكاغو ‪ ...‬وفي جوهانسبرغ ‪ ....‬وفي غيرها من أرض «الحضارة »! تلك‬ ‫العصبيات‬ ‫النتنة‪ ،‬عصبيات الجنس واللون‪ ،‬وتقوم هنا وهناك عصبيات «وطنية » و «وقومية » و «طبقية » لتقل‬ ‫نتن ا عن تلك‬ ‫ً‬ ‫العصبيات ‪.‬‬ ‫ويبقى السلم هناك على القمة‪ ..‬حيث ارتسم الخط الوضيء الذي بلغته البشرية ‪ ..‬يبقى السلم هناك‬ ‫ـ‬ ‫رحمة من االله للبشرية ـ ل علها أن ترفع أقدامها من الوحل‪ ،‬وترفع عينيها عن الحماة ‪ ..‬وتتطلع مرة‬ ‫أخرى إلى‬ ‫الخط الوضيء‪..‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪. ٤٠١١ :٢‬‬ ‫‪٠٩‬‬ ‫(‪) ٠١‬‬ ‫بين قوم لوط والمريكيين‬ ‫يقارن بين شذوذ قوم لوط ـ الذين تعرضوا به للهلك ـ وبين شذوذ أهل أمريكا‪ .‬وذلك في تفسيره لقوله‬ ‫تعالى‪( :‬ولوط ا إذ قا ل لقومه ‪ :‬أتأتون الفاحش َ؟ ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون‬ ‫الرجال ـ شهوة ـ‬ ‫ً‬ ‫ة‬ ‫من دون النساء‪ ،‬بل أنتم قوم مسرفون‪ )...‬العراف‪ ٠٨ :‬ـ ‪. ١٨‬‬ ‫«وطبيعة التصور العتقادي ‪ ،‬ونظام الحياة الذي يقوم عليه‪،‬ذو أثر حاسم في هذا الشأن «العلقة بين‬ ‫الجنسين » فهذه هي الجاه لية الحديثة في أوروبا وأمريكا‪ ،‬ينتشر فيها هذا النحراف الجنسي الشاذ‬ ‫انتشار ا سريع ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بغير مبرر! إل النحراف عن العتقاد الصحيح وعن منهج الحياة الذي يقوم عليه‪. » ...‬‬ ‫وقد كانت هناك دعوى عريضة‪ ،‬من الجهزة التي يوجهها اليهود في الرض لتدمير الحياة النسانية لغير‬ ‫اليهود‪ ،‬بإشاعة النحلل العقيدي والخلقي ‪ ..‬كانت هناك دعوى عريضة من هذه الجهزة الموجهة‪ ،‬بأن‬ ‫احتجاب المرأة هو الذي ينشر هذه الفاحشة الشا ّة في المجتمعات! ولكن شهادة الواقع تخرق العيون‪.‬‬ ‫ففي أوروبا‬ ‫ذ‬ ‫وأمريكا لم يبق ضابط واحد للختلط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل أنثى ـ كما في عالم البهائم! ـ‬ ‫وهذه‬ ‫الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الختلط ول ينقص‪ ،‬ول يقتصر على الشذوذ بين الرجال‪،‬بل يتعداه‬ ‫إلى‬ ‫الشذوذ بين النساء ‪ ..‬ومن ل تخرق عينيه هذه الشهادة فليقرأ «السلوك الجنسي عند الرجال »و‬ ‫«السلوك الجنسي‬ ‫عند النساء » في تقرير « كنزي » المريكي‪ ..‬ولكن هذه الجهزة الموجهة‪ ،‬ما تزال تردد هذه الكذوبة‬ ‫وتسندها‬ ‫إلى حجاب المرأة‪ ،‬لتؤدي ما تريده بروتوكلت صهيون ومؤتمرات المبشرين‪...‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪٥١٣١ :٣‬ـ ‪. ٦١٣١‬‬ ‫(‪) ١١‬‬ ‫وبين قوم نوح والمريكيين‬ ‫ويقارن بين قوم نوح ـ عليه السلم ـ وبين المريكيين في عالم القيم والموازين والعتبارات‪ ،‬وكيف أن‬ ‫الفريقين الجاهليين يقيمون الرجل بما يملك من متاع دنيوي زائل‪ ..‬وذلك في تفسيره لقوله تعالى‪( :‬‬ ‫قالوا ما‬ ‫نراك إل بشرا مثلنا‪ ،‬وما نراك اتبعك إل الذين هم أراذ ُنا بادي‪ ،‬وما نرى لكم علينا من فضل‪ )...‬هود ‪:‬‬ ‫‪. ٧٢‬‬ ‫ً‬ ‫ل‬


‫«فقوم نوح في كلمهم هذا يقيسون الفضل بالمال‪ ،‬والفهم بالجاه والمعرفة بالسلطان‪ ...‬وهكذا‬ ‫المريكيون‪..‬‬ ‫في أمريكا اليوم يقاس المرء بدخله‪ ،‬ويوزن برصيده في البنك !! وموجة الوثنية تطغى من أمريكا على‬ ‫العالم‪،‬‬ ‫حتى في الشرق الذي يزعم أنه مسلم !!! » ‪.‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪٣٧٨١ :٤‬حاشية‪.‬‬ ‫( ‪) ٢١‬‬ ‫إعجاز القرآن بالتأثير‬ ‫يستشهد على إعجاز القرآن في التأثير ـ في أكثر من موطن في الظلل بحادث وقع له عندما كان على‬ ‫ظهر‬ ‫الباخرة التي أقلته إلى أمريكا عام ‪ . ٨٤٩١‬وقد ذكر الحادث كام ل في تفسيره لقوله تعالى‪( :‬أم يقولون‬ ‫افتراه قل ‪:‬‬ ‫ً‬ ‫فأتوا بسورة مثله‪ ،‬وادعوا من استطعتم من دون االله إن كنتم صادقين )‪..‬يونس ‪٨٣:‬‬ ‫‪.‬‬ ‫‪١٩‬‬ ‫(إن الداء القرآني يمتاز ويتميز عن الداء البشري‪ ..‬إن له سلطانا عجيبا على القلوب ليس للداء‬ ‫البشري ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫حتى ليبلغ أحيانا أن يؤثر بتلوته المجردة على الذين ل يعرفون من العربية حرفا ‪ ...‬وهناك حوادث عجيبة‬ ‫ل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يمكن تفسيرها بغير هذا الذي نقول ـ وإن لم تكن هي القاعدة ـ ولكن وقوعها يحتاج إلى تفسير‬ ‫وتعليل‪.) ...‬‬ ‫ولن أذكر نماذج مما وقع لغيري‪ ،‬ولكني أذكر حادث ا وقع لي‪،‬وكان عليه معي شهود ستة‪ ،‬وذلك منذ‬ ‫حوالي‬ ‫ً‬ ‫خمسة عشر عام ا‪ ..‬كنا ستة نفر من المنتسبين إلى السلم على ظ هر سفينة مصرية تمخر بنا عباب‬ ‫المحيط‬ ‫ً‬ ‫الطلسي إلى نيويورك‪ ،‬من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب ليس فيهم مسلم‪ ..‬وخطر لنا أن‬ ‫نقيم صلة‬ ‫الجمعة في المحيط على ظهر السفينة ! واالله يعلم أنه لم يكن بنا أن نقيم الصلة ذاتها أكثر مما كان‬ ‫بنا حماسة‬ ‫دينية إزاء مبشر كان يزاول عمله على ظهر السفينة ‪ ،‬وحاول أن يزاول تبشيره معنا !‪ ..‬وقد يسر لنا‬ ‫قائد السفينة‬ ‫ـ وكان إنجليزيا ـ أن نقيم صل َنا ‪ ،‬وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمها ـ وكلهم نوبيون مسلمون ـ أن‬ ‫ً‬ ‫ت‬ ‫يص ّوا معنا منهم من ل يكون في «الخدمة » وقت الصلة! وقد فرحوا بهذا فرحا شديدا ‪ .‬إذ كانت‬ ‫المرة الولى‬ ‫َ َل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التي تقام فيها صلة الجمعة على ظهر السفينة‪ ..‬وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلة‪ ،‬والركاب الجانب‬ ‫ـ‬ ‫معظمهم ـ متحلقون يرقبون صلتنا! وبعد الصلة جاءنا كثير منهم يهنئوننا على نجاح «القداس » فقد‬ ‫كان هذا‬ ‫أقصى ما يفهمونه من صلتنا! ولكن سيدة من هذا الحشد ـ عرفنا فيما بعد أنها يوعسلفية مسيحية‬


‫هاربة من‬ ‫جحيم «تيتو » وشيوعيته ـ كانت شديدة التأثير والنفعال‪ .‬تفيض عيناها بالدمع ول تتمالك نفسها من‬ ‫التأثر‬ ‫العميق بصلتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح! ‪ ..‬وليس هذا موضع الشاهد في القصة‪ ..‬ولكن‬ ‫ذلك كان‬ ‫في قولها‪ :‬أي لغة هذه التي كان يتحدث بها «قسيسكم » فالمسكينة ل تتصور أن يقيم «الصلة » إل‬ ‫قسيس ـ أو‬ ‫رجل دين ـ كما هو الحال عندها في مسيحية الكنيسة‪ ،‬وقد صححنا لها هذا الفهم!‪ ..‬وأجبناها‪ .‬فقالت‪:‬إن‬ ‫اللغة‬ ‫التي كان يتحدث بها ذات إيقاع موسيقي عجيب‪ .‬وإن كنت لم أفهم منه حرف ا‪ ..‬ثم كانت المفاجأة‬ ‫الحقيقية لنا وهي‬ ‫ً‬ ‫تقول‪ :‬ولكن ليس هذا هو الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه ‪..‬إن الموضوع الذي لفت حسي‪ ،‬هو أن‬ ‫«المام » كانت ترد في أثناء كلمه ـ بهذه اللغة الموسيقية ـ فقرات من نوع آخر غير بقية كلمه !نوع‬ ‫أكثر‬ ‫موسيقية وأعمق إيقاعا ‪ ..‬هذا الفقرات الخاصة كانت تحدث في رعشة وقشعريرة!إنها شيء آخر ! كما‬ ‫لو كان‬ ‫ً‬ ‫المام مملؤا من الروح القدس ! ـ حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها ـ وفكرنا قلي ل‪ .‬ثم أدركنا أنها‬ ‫تعني‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫«اليات » القرآنية » التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلة !وكانت ـ مع ذل ك ـ مفاجأة‬ ‫لنا تدعو‬ ‫إلى الدهشة ‪ ،‬من سيدة ل تفهم مما نقول شيئا !! » ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫في ظلل القرآن ‪. ٦٨٧١ : ٣ :‬‬ ‫(‪) ٣١‬‬ ‫من «أحاسيسه الخفية » وهو في أمريكا‬ ‫لما كان يتحدث عن «رؤيا » يوسف عليه السلم‪ ،‬وقف يتحدث عن ظاهرة «الحلم والرؤى » والحلم‬ ‫التنبؤية والحاسيس الخفية ‪ ..‬ودللت ها النفسية والنسانية‪ ،‬وارتباطها بالحواس والشعور‪ ..‬ثم أشار‬ ‫إلى حادث له‬ ‫وهو في أمريكا‪ ،‬عن أمر جرى لهله في القاهرة‪ .‬وذلك في تفسيره لقوله تعالى‪( :‬وكذلك يجتبيك ربك‪،‬‬ ‫ويعلمك‬ ‫من تأويل الحاديث‪ )..‬يوسف ‪. ٦:‬‬ ‫‪٢٩‬‬ ‫«واستطيع أن أكذب كل شيء ‪ ،‬قبل أن اكذب حادثا وقع لي وأنا في أمريكا‪ ،‬وأهلي في القاهرة ‪ ،‬وقد‬ ‫رأيت‬ ‫ً‬ ‫فيما يرى النائم أن ابن اخت لي شابا‪ ،‬وفي عينه دم يحجبها عن الرؤيا‪ ،‬فكتبت إلى أهلي استفسر عن‬ ‫عينه‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫بالذات‪ ،‬فجاءني الرد بأن عينه قد أصيبت بنزيف داخلي ‪ ،‬وأنه يعالج‪...‬‬ ‫ويلحظ أن النزيف الداخلي ل يرى من الخارج ‪ ،‬فقد كان منظر عينه لمن يراها بالعين المجردة منظرا‬ ‫عادي ا ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ولكنها كانت محجوبة عن البصار بالنزف الداخلي في قاعها‪ .‬أما الرؤيا فقد كشفت عن هذا الدم‬


‫المحجوب في‬ ‫الداخل !ول أذكر غير هذه لنها وحدها تكفي‪. » ..‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪ ٢٧٩١ :٤‬حاشية ‪.‬‬ ‫(‪)٤١‬‬ ‫من ثمار الختلط في أمريكا‬ ‫أشار إلى بعض نتائج الختلط في أمريكا ‪ ،‬وبعض ثمار تلك الغرسة النكدة التي غرستها شياطين النس‬ ‫في‬ ‫أمريكا‪ ،‬وذلك في تفسيره لقوله تعالى ‪( :‬قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك‬ ‫أزكى لهم ‪ ،‬إن االله‬ ‫خبير بما يصنعون ‪ .‬وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن‪ )..‬النور‪ ٠٣:‬ـ‬ ‫‪. ١٣‬‬ ‫«ولقد شاع في وقت من الوقات أن النظرة المباحة‪ ،‬والحديث الطليق‪ ،‬والختلط الميسور‪ ،‬والدعاية‬ ‫المرحة بين‬ ‫الجنسين ‪ ،‬والطلع على مواضع الفتنة المخبوءة‪ ...‬شاع أن كل هذا تنفيس وترويح ‪ ،‬وإطلق للرغبات‬ ‫الحبيسة‪،‬‬ ‫ووقاية من الكبت‪ ،‬ومن العقد النفسية ‪ ،‬وتخفيف من حدة الضغط الجنسي‪ ،‬وما وراءه من اندفاع‬ ‫غير مأمون ‪..‬‬ ‫شاع هذا على أثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد النسان من خصائصه التي تفرقه‬ ‫من‬ ‫الحيوان ‪ ،‬والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين! ـ وبخاصة نظرية فرويد‪ ...‬ولكن هذا لم‬ ‫يكن سوى‬ ‫فروض نظرية‪ .‬رأيت بعيني في أشد البلد إباحية وتفلت ا من جميع القيود الجتماعية والخلقية والدينية‬ ‫والنسانية‬ ‫ً‬ ‫ما يكذبها وينقضها من الساس ‪...‬‬ ‫نعم‪ ..‬شاهدت في البلد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي ‪ ،‬والختلط الجنسي‪ ،‬بكل‬ ‫صوره وأشكاله ‪،‬‬ ‫أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها! إنما انتهى إلى سعار مجنون ل يرتوي ول يهدأ إل‬ ‫ريثما‬ ‫يعود إلى الظمأ والندفاع!‬ ‫وشاهدت المراض النفسية والعقد‪ ،‬التي كان مفهوما أنها ل تنشا إل من الحرمان ‪ ،‬وإلى من التلهف‬ ‫على الجنس‬ ‫ً‬ ‫الخر المحجوب‪ .‬شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه‪ ..‬ثمرة مباشرة للختلط الكامل‬ ‫الذي ل يقيده‬ ‫قيد‪ ،‬ول يقف عند حد ‪ ،‬وللصداقات بين الجنسين تلك التي يباح معها كل شيء ! وللجسام العارية في‬ ‫الطريق‪،‬وللحركات المثيرة‪،‬والنظرات الجاهرة‪ ،‬واللفتات الموقظة‪..‬‬ ‫وليس هنا مجال التفصيل ‪ ،‬وعرض الحوادث وال مشاهد ‪ ،‬مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر‬ ‫في تلك‬ ‫النظريات التي كذبها الواقع المشهود‪. » ..‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪. ١١٥٢ :٤‬‬ ‫‪٣٩‬‬ ‫(‪) ٥١‬‬ ‫عودة إلى نفس الموضوع‬ ‫ويعود إلى نفس الموضوع ـ ثمار الختلط النكدة في أوروبا وأمريكا ـ في تفسيره لقوله تعالى‪( :‬وإذا‬ ‫سألتموهن متاع ا فاسألوهن من وراء حجاب ‪ .‬ذلكم أطهر لقلوبكم‬ ‫وقلوبهن)‪.‬الحزاب‪. ٣٥ :‬‬ ‫ً‬


‫«والواقع العملي الملموس يهتف بصدق االله ‪ ،‬وكذب المدعين غير ما يقوله االله‪،‬والتجارب المعروضة‬ ‫اليوم في‬ ‫العالم مصدقة لما نقول‪ .‬وهي في البلد التي بلغ فيها الختلط الحر أقصاه ‪ ،‬أظهر في هذا وأقطع من‬ ‫كل دليل ‪.‬‬ ‫وأمريكا أول هذه البلد التي آتي الختلط فيها أبشع الثمار ‪. » ...‬‬ ‫في ظلل القرآن ‪. ٨٧٨٢ :٥‬‬ ‫الفصـل الرابع‬ ‫إشارات سيد قطب في كتبه السلمية عن أمريكا‬ ‫(‪) ١‬‬ ‫إشارات في «معركة السلم والرأسمالية »‬ ‫عداوة أمريكا لهذه المة ‪:‬‬ ‫يتحدث سيد قطب عن عداوة الجبهة الغربية للمة السلمية‪ ،‬ومظاهر هذه العداوة‪ ،‬وحرصهم على‬ ‫إذللنا‪..‬‬ ‫«وبعد فإن الجبهة الغربية المؤلفة من أمريكا وإنجلترا وفرنسا تستعبدنا وتستذلنا ‪ ،‬ول مكان لنا فيها إل‬ ‫مكان الذيول‬ ‫والعبيد‪ .‬وكل تفكير في النضمام إليها إنما ينشأ من المصلحة المشتركة بين الرأسمالية المست غلة‬ ‫والستعمار الذي‬ ‫ِّ‬ ‫يحميها‪ ،‬وكل ستار آخر إنما هو ستار خادع‪ ،‬للتعمية على الجماهير‪ ،‬التي أصبحت لحسن الحظ ل تنخدع‬ ‫بهذا‬ ‫الستار ‪» ..‬‬ ‫معركة السلم والرأسمالية ‪٩٢ :‬‬ ‫من أخلق أمريكا‪:‬‬ ‫بعد أن يتحدث عن مكر الجبهة الغربية ـ إنجلترا وفرنسا ـ بالمة السلمية ويورد نماذج ل عداواتهم لنا‬ ‫ينتقل‬ ‫للحديث عن أمريكا فيقول ‪« :‬فأما أمريكا ‪ :‬فالذين لم يعيشوا فيها ولم يروها ‪ ،‬قد ل يذكرون لها إل‬ ‫خيانتها لنا في‬ ‫قضيتنا بمجلس المن‪ ،‬وفي حرب فلسطين‪ .‬ول كن الذين عاشوا فيها‪ ،‬ورأوا كيف ولغت صحافتها‬ ‫ومحطات إذاعتها‬ ‫وشركات أفلمها في كرامتنا وفي سمعتنا ‪ ،‬وكيف نشرت ذلك بعداء واضح واحتقار مقصود‪ ،‬وأح ّوا ذلك‬ ‫العداء‬ ‫س‬ ‫العنيف لكل ما هو إسلمي وشرقي بوجه عام ‪ ،‬وعرفوا كيف ينظر المريكان للملونين عامة ومدى ما‬ ‫يكنون لهم‬ ‫من احتقار ؛هؤلء يعرفون ما هي أمريكا ‪ ،‬ويعرفون كيف يجب أن يردوا لها هذا الجميل‬ ‫وذاك ‪.‬‬ ‫ولقد لقي «اللي » التركي الذي ذهب إلى كورية جزاءه الحق من المريكان‪ ،‬وعرف نصيبه ونصيب أي‬ ‫جيش‬ ‫شرقي يذهب لمعاونة هؤلء المتغطرسين على الشرقيين لقد تركوه يحمي مؤخرة هزيمتهم‪ ،‬فلما قام‬ ‫بدوره تركوه‬ ‫بل حماية من الطيارات‪ ،‬وبل معونة من السيارات‪ ،‬بل بدون ذخيرة ودون طعام !‪.‬‬ ‫وإنه لمثل بسيط لما ينتظر جيوش العبيد في أي حلف مشترك‪ :‬فالتراك في نظر المريكان هم أرقى‬ ‫الشرقيين‬ ‫لسبب تافه بسيط ‪ :‬إنهم بيض البشرة ! ومع ذلك فتلك معاملتهم لهم في الميدان‪ ...‬معاملة السيد‬ ‫الخائن الجبان !‪.‬‬ ‫‪٤٩‬‬ ‫معركة السلم والرأسمالية ‪ ٢٣ :‬ـ ‪٣٣‬‬ ‫فشل الكنائس في أمريكا ‪:‬‬


‫يتحدث عن مشاهدته للكنائس في أمريكا‪ ،‬وفشلها في ضبط سلوك وحياة ر ّادها‪« :‬وكثيرا ما ذهبت إلى‬ ‫هذه‬ ‫و‬ ‫ً‬ ‫الكنائس ‪ ،‬واستمعت إلى الوعاظ في الكنيسة‪ ،‬وإلى الموسيقى والتراتيل والدعية ‪ ،‬وكثير ا ما استمعت‬ ‫إلى إذاعة الباء‬ ‫ً‬ ‫في محطات الذاعة في العياد المسيحية ‪ ..‬دائما يحاول الباء أن يعقدوا الصلة بين قلب الفرد وبين‬ ‫االله‪ .‬ولكن‬ ‫ً‬ ‫واحدا منهم لم أسمعه يقول‪ :‬كيف يمكن أن تكون مسيحيا في واقع الحياة اليومية‪ ،‬ذلك أن المسيحية‬ ‫إنما هي مجرد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫دعوة للتطهر الروحي ‪ ،‬ولم تتضمن تشريعا للحياة الواقعة‪ ،‬بل تركت ذلك لقيصر ‪..‬‬ ‫»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫معركة السلم والرأس مالية ‪ ٦٥ :‬ـ ‪. ٧٥‬‬ ‫نموذج لخريج من أمريكا ‪:‬‬ ‫إن أمريكا تمسخ وتشوه الذين يدرسون فيها‪ ،‬والذين يتخرجون من جامعاتهـا فيعـودون إلـى بلدهـم‬ ‫بـدون‬ ‫شخصية أو كيان‪ ،‬وبدون علم أو أدب أو خلق‪...‬إل من رحم االله فثبته هناك على دينه‪ ،‬واسـتعلى علـيهم‬ ‫بإيمانـه‪،‬‬ ‫وعاد أكثر ثقة بدينه وأنفذ بصرا بما حوله‪..‬‬ ‫ً‬ ‫ويعرض علينا سيد قطب نموذج ا لخريج من أمريكا ‪ ،‬مشوه ممسوخ ملوث‪« ..‬وليس حكم السلم‬ ‫وحده هو الذي‬ ‫ً‬ ‫يثير هذه الصورة الماحلة في خيالهم‪ ،‬بل إن بعضهم ليثير هذه الصورة في حسه مجرد الربط بين الحكم‬ ‫وعنصر‬ ‫الخلق !ولست أنسى أن أحد «الدكاترة »في التربية العائدين من أمريكا‪ ،‬كان يتحددث معي عن‬ ‫المجتمع المريكي‪،‬‬ ‫فقلت إن لهذا المجتمع مزاياه‪ .‬ولكن الذي أنكره عليه هو أنه ينفي العنصر الخلقي من حسابه جملة ‪،‬‬ ‫ويعده عنصرا‬ ‫ً‬ ‫دخيل عن الحياة‪ .‬فانتفض حماسة وأستاذية يقول ‪« :‬إذا كنا سنتحدث عن الخلق‪ ،‬إذن فلنرجع إلى‬ ‫ً‬ ‫عيشة الخيام » ‪.‬‬ ‫وبمثل هذه الروح سيتولى ذلك الدكتور العظيم إعداد جيل من المعلمين في معهد التربية‪ ،‬يتولون‬ ‫بدورهم إعداد‬ ‫أجيال من أبنائنا ‪ ،‬الذين نسلمهم إليهم في ثقة واطمئنان‪..‬‬ ‫معركة السلم والرأسمالية ‪ ٥٦ :‬ـ ‪. ٦٦‬‬ ‫نموذج لنشاط «كنسي » ل أخلقي ‪:‬‬ ‫يحرص سيد قطب على أن يعرض نماذج من نشاط «الكنائس » في أمريكا‪ ،‬واستخدامها وسائل غير‬ ‫أخلقية‬ ‫لجتذاب الشباب والشابات‪ ..‬وقد تحدث عن نموذج يعتبر «ليلة حمراء » في كنيسة أمريكية في مقاله‬ ‫«أمريكا التي‬ ‫رأيت » وأعاد هذا النموذج هنا باختصار ‪..‬‬ ‫«لقد فهمت الكنيسة في أمريكا ما يفهمه أولئك العصريون والمتحررون‪ ،‬فاستحالت من هيكل عبادة‬ ‫إلى ساحة‬ ‫رقص‪ ،‬ومن قدس ت ّهر إلى ساحة لذة‪ ..‬ولست أنسى ذلك «الب » الذي انتهى من الصلة والترتيل‪،‬‬


‫ليقود «أبناءه‬ ‫َط‬ ‫وبناته » إلى ساحة الرقص الملحقة بالكنيسة‪ ،‬ووقف ينظر برضا إليهم وإليهن أزواجا أزواجا متلصقة‪،‬‬ ‫تدور في‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الساحة على أنغام الموسيقى‪ ،‬في ظل النوار الحمر والصفر والزرق‪ ،‬التي تلقي ظلل الرومانسية‬ ‫العنيفة‪ ،‬وتهيج‬ ‫الدم في عروق الشباب ! ثم تقدم إلى «الجراموفون » ليختار «إسطوانة » يرقص عليها أبناؤه وبناته‬ ‫تحت سمعه‬ ‫وبصره‪ ،‬فاختار قطعة غزل جنسية صارخة‪ ،‬تمثل حوارا بين شاب وفتاة‪ ،‬عائدين من السينما بعد منتصف‬ ‫الليل ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫‪٥٩‬‬ ‫وهو يمسك بها في حجرته الدافئة‪ ،‬ول يطلقها لتعود إلى أهلها لن الليلة باردة‪ ،‬وفي نهاية كل مقطع‬ ‫تتردد تلك‬ ‫الجملة ‪» But Baby: its cold outside‬ياصغيرتي إنها باردة في الخارج! » ‪.‬‬ ‫معركة السلم والراسمالية ‪.٦٩ :‬‬ ‫حكام امريكا «خريجو »مدارس التبشير‪:‬‬ ‫«إن اجهزة الدعاية المريكية في الشرق هي التي تتولى الدعاية للهند‪ ،‬بأموال امريكية يظهر صداها في‬ ‫صحافة‬ ‫الشرق واضح ا‪ ،‬لماذا لن الهند ليست مسلمة ولن بينها وبين أول دولة مسلمة في الشرق‬ ‫نزاع ا‪. ...‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫والكثرة من الحاكمين في الدولة المريكية تخرجوا في المعاهد التبشرية‪ ..‬وهي حقيقة أفضى بها إلي‬ ‫أحد‬ ‫الساتذة النجليز الذين التقيت بهم في أمريكا‪ ،‬وعد لي عشرات من السماء البارزة في وزارة الخارجية‬ ‫المريكية‬ ‫في السلك السياسي‪ ،‬ولم يكن يفضي إلي بهذه الحقيقة بريئ ا لوجه االله !ـ وإنما هو ـ كما عرفت فيما‬ ‫بعد ـ أحد‬ ‫ً‬ ‫رجال قلم المخابرات البريطاني الذين يهمهم أل يثق الشرقيون كثيرا في نيات أمريكا ! مما دعاني إلى‬ ‫التشكك في‬ ‫ً‬ ‫بياناته لي‪ ،‬فتحققتها بوسائل أخرى‪. » ..‬‬ ‫معركة السلم والرأسمالية ‪ ٧٩ :‬ـ ‪.٨٩‬‬ ‫(‪) ٢‬‬ ‫إشارات في «دراسات إسلمية»‬ ‫أمريكا مع بريطانيا ضدنا‪:‬‬ ‫«وإنجلترا ـ كما يقول كتا بنا الخونة ـ هي الدولة التي ل تتدخل في الحرية الدينية‪ ...‬ومن وراء الستعمار‬ ‫ُُّ‬ ‫البريطاني والفرنسي‪ ،‬تقف أمريكا بدولراتها وطياراتها ودباباتها وقنابلها الذرية‪ ،‬تحمي الستعمار في كل‬ ‫مكان ‪،‬‬ ‫وترد له هيبته الضائعة‪ ،‬وتقتل المواطنين الحرار الذين يدافعون عن بلدهم‪ ،‬وتخذل قضايا الحرية في‬ ‫هيئة المم‬ ‫المتحدة‪ ،‬وفي مجلس المن الدولي ‪.‬‬ ‫وأمريكا ـ كما يقول ك ُّانا المرتزقون ـ هي حامية الحرية «في العالم الحر » الذي يتحدثون عنه ول‬ ‫يعرف‬


‫ُت ب‬ ‫العالم له وجودا‪. » ..‬‬ ‫ً‬ ‫دراسات إسلمية‪ ٩٦١ :‬ـ ‪. ٠٧١‬‬ ‫صورة من تبعية عملء أمريكا لها ‪:‬‬ ‫وهو ـ الستعمار ـ ل يرصد لنا قوة الحديد والنار وحدها‪ ،‬بل إنه يضع لنا الفخاخ القتصادية‪ ،‬على نحو مـا‬ ‫تحاوله أمريكا في هذه اليام من عقد المعاهدة التجارية الرهيبة‪ ،‬التي عرضتها في العهد الماضي‪ ،‬ثم‬ ‫عادت اليوم‬ ‫تحاولها من جديد‪.‬‬ ‫وهي المعاهدة التي تحتم علينا قبول البضائع المستورد من أي بلد من بلد العالم‪ ،‬ما دامت تحمل‬ ‫الشعار‬ ‫المريكي‪ ..‬أي ان المصانع المريكية في إسرائيل تغزونا في عقر دارنا‪ ،‬ونحن لنملك لها ردا‪ ..‬وكذلك‬ ‫تغل يدنا‬ ‫ً‬ ‫عن الحتفاظ بالعملة التي نريد الحتفاظ بها‪ ،‬لنها تبيح للشركات المريكية وللرعايا المري كان في‬ ‫مصر أن‬ ‫يخرجوا نقودهم بأية عملة كما يشاؤون‪.‬‬ ‫‪٦٩‬‬ ‫وذلك كله في مقابل أن يكون لنا ـ نحن المصريين ـ حقوق مماثلة في الرض المريكية أي واالله‪ .‬مقابل‬ ‫أن‬ ‫تكون لنا في أمريكا شركات ومصانع وموظفون وأموال ‪. ...‬وأن نستمتع بالحريات والضمانات التي‬ ‫يتمتع بها‬ ‫الرعايا المريكان في بلدنا‪ ...‬تماما كما كان لنا حق استخدام الموانيء والمطارات وطرق المواصلت‬ ‫في قلب‬ ‫ً‬ ‫إنجلترا بحكم معاهدة الشرف والستقلل في يوم من اليام ‪ .‬لول أننا ـ لسوء الحظ ـ قد ألغينا هذه‬ ‫المعاهدة !ومن‬ ‫يومها وأساطيلنا البحرية والجوية في أوروبا ل تجد لنا مرسى ‪ ،‬لننا قد فقدنا حق استخدام المطارات‬ ‫والموانيء‬ ‫النجليزية‪..‬‬ ‫دراسات إسلمية‪.٣٧١ :‬‬ ‫حادثة أمريكية تكشف ضمير أمريكا‪:‬‬ ‫«وهو ذاته (ضمير الغربي المتحضر الحر) الضمير الذي شاهدته بعيني في أمريكا‪ ،‬والبيض يتجمعون على‬ ‫شاب زنجي ب مفرده‪ ،‬ليضربوه ويركلوه ويدهسوه بكعب نعالهم‪ ،‬حتى يخلطوا عظمه بلحمه ‪ ،‬في‬ ‫الطريق العام ‪،‬‬ ‫والبوليس ل يحضر أبدا إل بعد إتمام الجريمة‪ ،‬وتف ّق الجماهير المتوحشة كوحوش الغابة‪..‬‬ ‫»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ر‬ ‫دراسات إسلمية‪. ٣٧١ :‬‬ ‫لعبة أمريكية سياسية‪:‬‬ ‫«وقف مسيو «روبير شومان » وزير الخارجية الفرنسية ينذر وزير الخارجية المريكية بأن فرنسا‬ ‫سترفض‬ ‫التصديق على معاهدة الصلح اللمانية وتوقيع ميثاق الدفاع عن غرب أوروبا‪ ،‬كما ستنسحب من حلف‬ ‫الطلنطي ‪،‬‬ ‫إذا أيدت الوليات المتحدة التونسيين والمراكشيين في المم المتحدة‪. » .‬‬ ‫وحق لفرنسا أن تهدد أمريكا‪ .‬فهي تعلم أن أمريكا غير جا ّة في نصرة قضية تونس ومراكش‪ ،‬ولكنها‬ ‫تضحك‬ ‫د‬


‫على ذقون العرب والمسلمين‪ ،‬حين تتظاهر بتأييدهم في قضاياهم ضد الستعمار الوروبي‪ ،‬ولو كانت جا‬ ‫ّة لوجدت‬ ‫د‬ ‫الوسيلة‪ ،‬فإن فرنسا وإنجلترا تعيشان عالة على أمريكا‪ .‬ولو أمسكت عنهما المدد لفلستا‪ .‬فهي تملك‬ ‫إذن أن تصنع‬ ‫شيئ ا لو أرادت‪ ،‬ولكنها ل تريد ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫واللعبة المريكية في موقفها هذا مكشوفة‪ ،‬إنها تدع فرنسا تهدد وتخضع لهذا التهديد الوهمي‪ ،‬الذي ما‬ ‫كانت‬ ‫فرنسا لتقدم عليه لو أنها تعلم أن أمريكا صادقة الّنة‪ ...‬كذلك تستخدم دول أمريكا اللتينية للغرض‬ ‫نفسه‪ ،‬فتوحي‬ ‫ي‬ ‫إليها أن تعارض أي نص قاطع يؤكد حقوق التونسيين والمراكشيين في الستقلل‪ ،‬ليكون ذلك تكأة‬ ‫لمريكا في‬ ‫التراجع ‪.‬‬ ‫وقد صرح رئيس الوفد الندونيسي‪ ،‬بأن أعضاء الكتلة العربية السيوية التي تعمل لوضع مشروع قرار‬ ‫بتشكيل‬ ‫لجنة معظم أعضائها منهم‪ ،‬قد تخلوا عن الفكرة الولى التي تقضي بأن يتضمن مشروع القرار فقرة‬ ‫تؤكد حقوق‬ ‫التونسيين والمراكشيين في الستقلل‪،‬وذلك خشية عدم تأييد دول أمريكا اللتينية للقرار‪ ،‬إذا قدم‬ ‫متضمنا هذه الفقرة ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ووراء هذا كله أمريكا ‪ .‬فقد صرح مستر «فيليب جيسوب » رئيس الوفد المريكي في هيئة المم‪ :‬بأن‬ ‫الوليات‬ ‫المتحدة تحاول إقناع الكتلة العربية السيوية بعدم التطرف في عداء فرنسا‪،‬وأنه «سعيد » لن أعضاء‬ ‫هذه الكتلة قد‬ ‫بدأوا يتراجعون عن موقف التطرف الشديد في عدائهم لفرنسا ! إن الوليات المتحدة تريد أن يكون‬ ‫مشروع القرار‬ ‫الذي سيقدم إلى المم المتحدة معتدل بحيث يقتصر على مطالبة الفريقين بإستئناف‬ ‫المفاوضات ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫‪٧٩‬‬ ‫هذه هي المأساة الت ي تمثل في هذه اليام‪ ،‬على مسرح هيئة المم بمعرفة أمريكا والستعمار‬ ‫الوروبي‪..‬‬ ‫أمريكا صليبية كأوروبا ‪:‬‬ ‫«‪...‬ومع ذلك فنحن ببلهة منقطعة النظير نقف لننتظر العون المريكي الذي يخلصنا من الستعمار‬ ‫الوروبي ‪.‬‬ ‫إننا ننسى أن العا َم الوروبي والعالم المريكي يقفان صفا واحدا بإزاءالعالم السلمي والروح الصليبية‬ ‫القديمة‬ ‫ل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هي ماتزال ‪ .‬إننا ننسى هذا‪ ،‬لن فينا مغفلين كثيرين ومغرضين كثيرين يضللوننا‪ ،‬وينشرون دعاية مغرضة‬ ‫عن‬ ‫رغبة أمريكا في إنصاف الشعوب المستعبدة‪ ،‬ومساعدة الشعوب المتأخرة ومع أننا ذقنا الويل من‬ ‫أمريكا في‬ ‫فلسطين‪ ،‬فإن أجهزة الدعاية المريكية تعمل‪ ..‬و «جمعية الفلح » تظهر في الميدان‪ ،‬وتقوم‬ ‫بواجبها ‪.‬‬ ‫إن جراحات العالم السلمي تنبض بالدم في كل مكان‪ ،‬وأمريكا واقفة تتفرج‪ ،‬بل تساعد المستعمر‬ ‫الوروبي‬


‫القذر‪ .‬ومع هذا توجد صحف ويوجد ناس‪ :‬ناس مصريون ومسلمون يتسمون أحمد وحسين‪ ،‬وحسن‪،‬‬ ‫وعلي ‪...‬‬ ‫يتحدثون عن تمثال الحرية في ميناء نيويورك‪ ،‬وعن فرنسا أم الحرية‪. » ...‬‬ ‫تعريف أولدنا على حقيقة الصليبيين‪:‬‬ ‫«وأحيان ا يسألك بعض المتخاذلين أو بعض المدسوسين‪ :‬وماذا نملك أن نصنع ونحن‬ ‫ً‬ ‫ضعفاء؟ »‪.‬‬ ‫ماذا نصنع؟ إذا لم نستطع أن نح ّم الكف التي تمتد إلينا بالسوء‪ ،‬فل يجوز أن نقبلها ونحن ُق ّل‬ ‫الكف ‪.‬‬ ‫ط‬ ‫نب‬ ‫إذا لم نستطع أن نصنع شيئا‪ ،‬فلنحتفظ على القل بأحقادنا المقدسة ولنورثها أبناءنا‪ ،‬فقد يكونون في‬ ‫ظروف‬ ‫ً‬ ‫تمكنهم من رد الجميل للرجل البيض !‪..‬‬ ‫إن الرجل البيض يدوسنا بقدميه‪ ،‬بينما نحن نحدث أولدنا في المدارس عن حضارته ومبادئه العالمية‬ ‫ومثله‬ ‫السامية ‪...‬‬ ‫إننا نغرس في نفوس أبنائنا عاطفة العجاب والحترام للبيض الذي يدوس كرامتنا‬ ‫ويستعبدنا ‪.‬‬ ‫فلنحاول أن نغرس بذور الكراهية والحقد والنتقام في نفوس المليين من أبنائنا ‪ ،‬ولنعلمهم منذ نعومة‬ ‫أظفارهم أن‬ ‫الرجل البيض هو عدو البشرية‪ ،‬وأن علي هم أن يحطموه في أول فرصة تعرض‪ ،‬ولنكن واثقين من أن‬ ‫الستعمار‬ ‫الغربي سيرتجف حين يرانا نبذر هذه البذور‪...‬‬ ‫«اليونسكو » لعبة استعمارية أمريكية‪:‬‬ ‫«إن هذا الستعمار هو الذي حاول أن يغرس في نفوسنا حبه واحترامه‪ ،‬فلما خشي اليوم أن نستيقظ‬ ‫اخترع‬ ‫حكاية «اليونسكو » ودعا هذا «اليونسكو »إلى حذف كل ما يثير الحقاد القومية في دراسة التاريخ‪،‬‬ ‫وذلك بإسم‬ ‫النسانية والخاء البشري ‪..‬‬ ‫وهذه لعبة استعمارية جديدة يجب أن ننتبه إليها لننا إذا اتبعنا تعاليم اليونسكو فسنخ ّر كل شعور قومي‬ ‫ناهض ‪.‬‬ ‫د‬ ‫ولن يستفيد من هذا التخدير سوى الستعمار وهذا ما تقصد إليه « هيئة اليونسكو‬ ‫»‪.‬‬ ‫إن أوروبا وأمريكا دول مستعمرة‪ ،‬فماذا عليها من حذف كل ما يثير الحقاد القومية في دراسة التاريخ؟‬ ‫إنها‬ ‫تكسب بهذا ول تخسر شيئا ‪ .‬أما نحن فإن الستعمار يخنقنا ‪ ،‬فإذا لم ننبه شعور الحقد عليه ‪ ،‬فقد‬ ‫خسرنا السلح الول‬ ‫ً‬ ‫وخسرنا المعركة كلها‪.» ...‬‬ ‫دراسات إسلمية‪ ١٨١ :‬ـ ‪. ٥٨١‬‬ ‫‪٨٩‬‬ ‫(‪) ٣‬‬ ‫إشارات في «السلم العالمي والسلم »‬ ‫من آثار التبرج والختلط ‪:‬‬ ‫«فأما التهذيب والتصريف النظيف باللقاء وبالحديث‪ ...‬فليسألوا عنها نسبة الحبالى من تليمذات الثانوية‬ ‫المريكية‪ ،‬وقد بلغت في إحدى المدن ‪ ٨٤‬من المائة ‪..٢‬‬ ‫وأما البيوت السعيدة بعد زواج الختلط المطلق والختيار الكامل فليسألوا عنها نسبة البيوت المحطمة‬


‫بالطلق‬ ‫في أمريكا‪ ،‬وهي تقفز فترة بعد فترة كلما زاد الختلط وكلما تم الختيار ! وهذه النسبة المخيفة تمضي‬ ‫في هذه‬ ‫الخطوط‪ ،‬حسب إحصائية أمريكية صدرت في سنة ‪٠٥٩١‬م ‪.‬‬ ‫التاريخ‬ ‫النسبة في المائة‬ ‫سنة ‪٠٩٨١‬م‬ ‫‪%٦‬‬ ‫سنة ‪٠٠٩١‬م‬ ‫‪% ٠١‬‬ ‫سنة ‪٠١٩١‬م‬ ‫‪% ٠١‬‬ ‫سنة ‪٠٢٩١‬م‬ ‫‪% ٤١‬‬ ‫سنة ‪٠٣٩١‬م‬ ‫‪% ٤١‬‬ ‫سنة ‪٠٤٩١‬م‬ ‫‪% ٠٢‬‬ ‫سنة ‪٦٤٩١‬م‬ ‫‪% ٠٣‬‬ ‫سنة ‪٨٤٩١‬م‬ ‫‪% ٠٤‬‬ ‫والبقية تأتي من البيوت المحطمة تحت مطارق الشهوات الجامعة والرغبات المتقلبة‪ ،‬والقلق الجانح‪،‬‬ ‫الذي يثيره‬ ‫تقلب العواطف في المجتمع المتقلب‪ ،‬الذي تلوح فيه للزواج والزوجات مزايا جديدة في نساء جدد‬ ‫ورجال‪ ،‬فينفلت‬ ‫هؤلء إلى صيد جديد‪ ،‬وتتأرجح البيوت في مهب الريح‪ ،‬كلما لمح زوج أو لمحت بارقة لمعة في شخص‬ ‫ية جديدة ‪،‬‬ ‫كما لو كان الزوج أو كانت الزوجة قطعة أثاث أو رباط عنق أو زيا جديدا في عالم‬ ‫«المودات »!‪.‬‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫الواقع المريكي يكذب النظريات الجاهلية ‪:‬‬ ‫لقد آن أن تراجع البشرية تلك النظريات الخيالية الخاوية التي تقول ‪ :‬إن الختلط تصريف جزئي ملطف‬ ‫نظيف ‪.‬‬ ‫وإن التجربة تقود إلى الختيار‪ ،‬وإن الختيار طريق الستقرار ‪.‬‬ ‫إنها نظريات تبدو منطقية‪ ،‬ولكن التجربة الواقعية ‪ ،‬التي بلغت في أمريكا بالذات غايتها‪ ،‬كفيلة بأن‬ ‫تسخر من هذا‬ ‫المنطق الظاهري البراق ! فلم يؤد الختلط إلى تصريف نظيف ‪ ،‬إنما أ ّى إلى بهيمية كاملة تطبع‬ ‫النزوات الجسدية‬ ‫د‬ ‫وتلبيها بل حد ول قيد‪ .‬ولم تؤد التجربة الكاملة والختلط المطلق إلى التماسك في البيوت‪ ،‬ول إلى‬ ‫الستقرار‬ ‫والثبات ‪ ،‬إنما أ ّى إلى تفكك دائم‪ ،‬وطلق متزايد وجوع مستمر وسعار!‪..‬‬ ‫د‬ ‫في إحصاء عن مدينة «دنفر » عاصمة ولية كولورادو‪ ،‬وأحسب أننا ماضون في طريق دنفر بعد أن‬ ‫اخترنا لنفسنا أخيرا هذا‬ ‫‪2‬‬ ‫ً‬ ‫الطريق اللعين!!(سيد)‪.‬‬ ‫‪٩٩‬‬ ‫وإن التجربة المريكية في هذا المجال لتجبه آراء «فرويد » وأمثاله بالتكذيب‪ ،‬إنها لتصرخ في وجه من‬ ‫يريد أن‬ ‫يسمع‪ ،‬بأن الختلط الدائم مدعاة إلى تهيج دائم‪ ،‬إما أن ينتهي إلى ذروته وغايته فينطفئ مؤقتا ريثما‬ ‫يعود إلى‬ ‫ً‬ ‫الشتعال‪ ،‬وإما أن ل ينتهي إلى هذه الغاية العملية والمادية ‪ ،‬فيؤدي إلى الضغط العصبي وما وراءه‬ ‫من أمراض‪..‬‬ ‫السلم العالمي والسلم‪ ٤٧ :‬ـ ‪. ٦٧‬‬


‫فصل «والن‪ » . ...‬الذي صادرته مصر الثورية ‪:‬‬ ‫يقول الستاذ يوسف العظم في كتابه عن سيد قطب «بقي أمر هام ل بد من الشارة إليه ‪ ،‬وهو أن‬ ‫السلطات‬ ‫المصرية في الثورة المتحررة أمرت بحذف فصل كامل من الكتاب (السلم العالمي والسلم) عنوانه (‬ ‫والن) لنه‬ ‫يفضح السياسة الستعمارية المريكية في المنطقة ‪ ،‬ويكشف زيف الدعاءات المريكية بتقديم‬ ‫المعونات المالية‬ ‫والقتصادية للدول النامية‪. » ...‬‬ ‫رائد الفكر السلمي المعاصر‪. ٢٦١ :‬‬ ‫تقديم الستاذ يوسف العظم لكلم سيد ‪:‬‬ ‫وبما أن الطبعات اللحقة من كتاب «السلم العالمي والسلم » خالية من ذل ك الفصل الهام‪ ،‬وبما أنه‬ ‫مرتبط‬ ‫بموضوع كتابنا ارتباطا مباشرا‪ ،‬لذلك سنعتمد على الستاذ يوسف العظم في ما نقل من ذلك‬ ‫الفصل ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يقول في تقديمه لكلم سيد قطب‪« :‬ولقد كان الشهيد واضحا جريئا فيما قدم من تحليل وتناول من‬ ‫كشف خطط ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫بحيث سلط الضواء على السياسة المريكية الجديدة‪ ،‬المتسترة برداء المعونات للدول النامية ‪،‬‬ ‫والسياسة السوفياتية‬ ‫المتلفعة بمسرح الحرص على الطبقة العاملة ومصلحة الكادحين‪.‬‬ ‫وراح يعري هذه وتلك‪ ،‬بصورة واعية مدروسة وموضوعية مؤثرة‪..‬‬ ‫ولم يقف عند حد كشف جرائم الستعمار البريطاني المتهرئ في كل بقعة من ديار السلم ‪ ،‬كما فعل‬ ‫الكثيرون‬ ‫ممن طاردوا النفوذ البريطاني في المنطقة‪ ،‬بتخطيط من التوجيه المريكي‪ ،‬ودعم من نفوذ‬ ‫الدولر‪.‬‬ ‫لقد تناول الرجل السياسة المريكية الجديدة بالتحليل‪ ،‬وع ّاها من كل زخرف‪ ،‬حتى بدت بشاعتها‬ ‫القائمة على‬ ‫ر‬ ‫أسوأ أنواع الستعلء والظلم والتسلط‪ ،‬عبر الفكر المسموم والعهر الفاضح والقتصاد الربوي المستغل‪،‬‬ ‫وكشف‬ ‫كثيرا من المشاريع المريكية في المنطقة وبي ن ارتباط هذه المشاريع بت ّار الحروب‪ ،‬وبالرغبة‬ ‫المريكية ال ُل ّة في‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ج‬ ‫مح‬ ‫فتح أسواق لتسويق بضائعها‪ ،‬واستهلك منتجاتها‪. » .‬‬ ‫رائد الفكر السلمي المعاصر‪. ٨٠٢ :‬‬ ‫أمريكا تأكلها الحرب ‪:‬‬ ‫يقول سيد قطب في الفصل المشار إليه «إن أمريكا تريد أن تحارب ‪ ،‬ولو طاوعتها أوروبا لما صبرت‬ ‫عن‬ ‫الحرب حتى حادث كوريا‪ ،‬فلقد كانت تريدها حربا كاملة منذ أزمة برلين المعروفة‪ ،‬ولكن أوروبا‬ ‫المحطمة‪ ،‬كانت‬ ‫ً‬ ‫أعجز من أن تلبي رغبة أمريكا الملحة‪ ،‬وهي ما تزال تلعق جراحها‪ ،‬وتعالج مآسيها‪ ،‬فضل عن أن‬ ‫للشيوعية فيها‬ ‫ً‬ ‫قوى مذخورة تتهيأ للحظة المنظورة‪ ،‬وإغراء الدولر كان يملك أن يصنع كل شيء في أوروبا إل أن‬


‫يدفعها إلى‬ ‫حرب عالمية ثالثة ‪ ...‬ولهذا وحده صبرت أمريكا ‪.‬‬ ‫المرجع السابق‪. ٨٠٢ :‬‬ ‫‪٠٠١‬‬ ‫الحرب من أجل رؤوس الموال المريكية‪:‬‬ ‫«إن رؤوس الموال المريكية بحاجة مل حة إلى حرب جديدة ‪ .‬هذه هي المسألة ‪ ،‬إ ن الفتوحات‬ ‫العلمية التي‬ ‫ُّ‬ ‫أسرعت خطاها في الحرب الماضية‪ ،‬والتجارة التي أفادتها الصناعة من تعبئة الموارد في أيام هذه‬ ‫الحرب‪ ،‬قد‬ ‫هيأت للصناعة المريكية فرصا جديدة لمضاعفة النتاج ‪ ،‬في الوقت الذي أصبحت مسألة التصريف‬ ‫مسألة عسيرة‪..‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ومع أن السواق كانت بعد الحرب خاوية‪ ،‬وفي حاجة ماسة إلى النتاج المدني وخاوية من المنافسة‬ ‫الوروبية ‪،‬‬ ‫إل أن القدرة على الشراء كانت ضعيفة وبخاصة في أوروبا المحطمة معنى هذا هو الكساد بالقياس إلى‬ ‫النتاج‬ ‫المريكي‪ ،‬و معنى الكساد هو الخسارة المؤكدة لرؤوس الموال المريكية‪. » ..‬‬ ‫المرجع السابق‪ ٨٠٢ :‬ـ ‪٩٠٢‬‬ ‫مشروع «مارشال » المريكي وغاياته الحقيقية‪:‬‬ ‫«ومن هنا كان « مشروع مارشال » وكانت لهذا المشروع غايات أساسية ثلث ‪:‬‬ ‫الغاية الولى ‪:‬‬ ‫كانت هي تصريف النتاج المريكي الفائض‪ ،‬دون أن تدفع الدول المنتفعة به ثمنه نقدا بالدولر المريكي‪،‬‬ ‫فقد‬ ‫ً‬ ‫كانت الحكومة المريكية تفتح العتمادات للدول الوروبية لتنفقها هذه الدول في شراء النتاج المريكي‬ ‫في الغالب ‪.‬‬ ‫وحقيقة أن رؤوس الموال المريكية كانت تتحمل ضرائب عالية لتمكين الحكومة من تنفيذ مشروع‬ ‫مارش ال ‪،‬‬ ‫ولكنها مع هذه الضرائب العالية كانت تحقق ربح ا ل شك فيه بتنفيذ المشروع ‪ ،‬وتتقي الخسارة التي‬ ‫تنشأ من‬ ‫ً‬ ‫الكساد!‪.‬‬ ‫والغاية الثانية ‪:‬‬ ‫كانت هي اتقاء حالة التبطل بين عمال أمريكا‪ ،‬وما يتبع التبطل من ه ّات اجتماعية بعد وقف النتاج‬ ‫الحربي‬ ‫ز‬ ‫الذي كان يستغرق هذه اليدي العاملة‪ ،‬وكان هذا يقتضي إيجاد مصرف للنتاج المدني الذي يسمح‬ ‫بتشغيل المصانع‬ ‫إلى الحد القصى ‪ ،‬فكان مشروع مارشال ‪ ،‬وتغذية دول أوروبا باللت ‪ ،‬هو الوسيلة لتحقيق هذا الهدف‪،‬‬ ‫الذي‬ ‫ينطوي بدوره على تحقيق نوع من الربح لرؤوس الموال المريكية‪.‬‬ ‫والغاية الثالثة ‪:‬‬ ‫كانت هي تعمير أوروبا‪ ،‬وإعادة سير الحياة فيها ـ وبخاصة حياة العمال ـ تحقيقا للنشاط القتصادي‬ ‫العلمي من‬ ‫ً‬ ‫ناحية‪ ،‬ومقاومة للشيوعية في أوساط المتعطلين من ناحية أخرى‪ ...‬وكان مشروع مارشال يعاون على‬ ‫تحقيق هذه‬


‫الغاية ‪.‬‬ ‫المرجع السابق‪ ٩٠٢ :‬ـ ‪. ٠١٢‬‬ ‫«مارشال » أحد رجال التاريخ المريكي ‪:‬‬ ‫«ومن هنا يعد « مارشال » صاحب هذا المشروع ـ في نظر المريكان ـ أحد رجال التاريخ المريكيين‪،‬‬ ‫وقد‬ ‫عدته مجلة «لوك » أحد «العشرين الذين صاغوا القرن العشرين » ل في أمريكا وحدها ‪ ،‬بل في العالم‬ ‫على‬ ‫الطلق‪. » ..‬‬ ‫المرجع السابق‪. ٠١٢ :‬‬ ‫‪١٠١‬‬ ‫إنجلترا تمكر بأمريكا‬ ‫ولكن مشروع « مارشال » لم يكن يمكن امتداده إلى البد ‪ ،‬فطبائع الشياء تقتضي وقوفه عند حد‬ ‫معين‪ ،‬عندما‬ ‫تصل السواق الوروبية إلى درجة التشبع من جهة ‪ ،‬وعندما تصل أداة النتاج الوروبية إلى درجة‬ ‫الكتمال من‬ ‫جهة أخرى «وقد استعادت أوروبا أو أوشكت أن تستعيد قدرتها الكاملة على النتاج ‪ ،‬وعادت إلى الوقت‬ ‫الذي تصبح‬ ‫فيه مصدرة ل مستهلكة ومزاحمة للنتاج المريكي ل في السواق الوروبية وحدها ‪ ،‬بل كذلك في‬ ‫أسواق العالم‬ ‫الخرى‪.‬‬ ‫عند ذلك لعبت بريطانيا لعبتها الماكرة استغ ّت فيها سذاجة العقلية المريكية‪ ،‬وقلة خبرتها الدولية ‪ .‬تلك‬ ‫هي لعبة‬ ‫ل‬ ‫تخفيض قمية الجنيه السترليني بالنسبة لقيمة الدولر‪ .‬فلقد تركت أمريكا تقدم عليها للقيمة الواقعية‬ ‫للدولر في‬ ‫السواق ل القيمة الرسمية ‪ ،‬وتظاهرت بالذعر منها والشفاق‪ ،‬وهي تكتم عن حليفتها نية أخرى‪ ...‬تلك‬ ‫النية التي لم‬ ‫تتبينها أمريكا إل أخيرا ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫أما النتيجة فكانت هي أغلق السواق في وجه البضائع المريكية التي أصبحت أسعارها مرتفعة بالقياس‬ ‫إلى‬ ‫العملة في منطقة السترليني‪ .‬أما في سواها فقد صارت أرخص بكثير من مثيلها‬ ‫المريكي‪. » ! ...‬‬ ‫المرجع السابق‪. ١١٢ :‬‬ ‫وأمريكا ترد على المكر النجليزي ‪:‬‬ ‫وعندما تنبهت أمريكا «أخيرا »إلى هذه الخدعة ‪ ،‬أخذت ترد عليها باستنزاف الخامات في السواق‬ ‫العالمية‪ ،‬ذلك‬ ‫ً‬ ‫كي ترفع سعر هذه الخامات في وجه الصناعة البريطانية ‪ ،‬وتجعلها أقل قدرة على المنافسة ‪ ،‬لن‬ ‫ارتفاع ثمن‬ ‫الخامات يجبر الصناعة النجليزية على رفع أسعار المنتجات‪ ،‬وبذلك يقع شيء من التعادل بين السعار‬ ‫المريكية‬ ‫والسعار النجليزية‪ .‬وقد ارتفع سعر خامات الصوف مث ل خمسمائة في المائة‪ ،‬لن الصوف صناعة‬ ‫إنجليزية‬ ‫ً‬ ‫رئيسية ‪ .‬وكذلك ارتفعت أسعار معظم الخامات التي تقوم على اساس الصناعة البريطانية بتأثير هذه‬ ‫الخطة المريكية‬ ‫التي جاءت ردا على الخدعة البريطانية‪ .‬وكان هذا سببا في موجة الغلء التي عمت العالم أخير ً‪ ،‬بجانب‬


‫السباب‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫الطبيعية الناشئة من الستعداد للحرب العالمية »‪.‬‬ ‫المرجع السابق‪. ١١٢ :‬‬ ‫الشيوعية تأخذ الصين من أمريكا‪:‬‬ ‫إل أن هذا الجراء المريكي لم يكن ليزيد على أنه إجراء وقتي لمواجهة هجوم مّعن‪ ،‬ولكن الحالة العا‬ ‫مة في‬ ‫ي‬ ‫السواق بالقياس إلى استقبال النتاج المريكي لم تتأثر تأثير ا يذكر‪ ،‬وقد صادف ذلك صدمة كاملة‬ ‫باكتساح‬ ‫ً‬ ‫الشيوعية لذلك القسم الهام من أسواق العالم وهو الصين‪ ،‬الصين ذات الخمسمائة مليون من السكان‪،‬‬ ‫ربع سكان‬ ‫الرض على وجه التقريب‪ ،‬وحقيقة أن الصين لم تكن سوقا أمريكية رئيسية‪ ،‬ولكن كان المرجو بعد‬ ‫هزيمة اليابان‬ ‫ً‬ ‫كذلك‪ .‬فلما اكتسحتها الشوعية أغلق هذا المنفذ‪ ،‬وأحست رؤوس الموال المريكية بشيء من الختناق‪،‬‬ ‫كما أحست‬ ‫الدوائر الجتماعية بالخطر من انتشار البطالة‪ ،‬وقد بلغت اليدي المتعطلة قبيل الحرب الكورية نحو‬ ‫خمسة مليين‬ ‫(نقصت إلى ثلثة مليين بعد انتهاء الحرب )‪.‬‬ ‫‪٢٠١‬‬ ‫ومن هنا لم يكن بد لمريكا أن تحارب‪ .‬وإذا كانت الحرب الكورية قد اجتذبت نحو مليونين من اليدي‬ ‫المتعطلة ‪،‬‬ ‫فإنها ل تصلح وحدها علج ا للموقف‪ ،‬ول بد من حرب شاملة تجتذب جميع اليدي العاملة من جهة‪،‬‬ ‫وتضمن ً‬ ‫( ‪)١‬‬ ‫هي ضرورة قومية ‪ ،‬فض ل على‬ ‫لرؤوس الموال أرباح ا كاملة من جهة أخرى‪ ،‬فالحرب بالقياس إلى أمريكا‬ ‫ً‬ ‫اليوم‬ ‫ً‬ ‫الرغبة القوية في وقف تيار الشيوعية العالمية بطبيعة الحال‪ ،‬هذا التيار الزاحف الذي يغمر في كل يوم‬ ‫أرضا جديدة‬ ‫ً‬ ‫ويقفل في كل يوم سوقا جديدة ‪.‬‬ ‫ً‬ ‫المرجع السابق‪ ١١٢ :‬ـ ‪. ١٢١٢‬‬ ‫أوروبا وأمريكا في وجه الشيوعية‪:‬‬ ‫«إذا كانت أوروبا تتلكأ في الستجابة لمريكا‪ ،‬فتؤجل بهذا التلكؤ موعد نشوب الحرب المطلوبة‪ ،‬فإنها‬ ‫لن تتلكأ‬ ‫طويل ‪ ،‬لنها ستجد نفسها قريب ا مدفوعة إلى الحرب بنفس السباب التي تدفع أمريكا‪ ،‬وفي اليوم‬ ‫الذي يبلغ النتاج‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الوروبي الرأسمالي ذروته سيواجه الموقف ذاته بالنسبة إلى السواق ‪ .‬وما دامت الشيوعية تزحف ـ‬ ‫وهي ل بد أن‬ ‫تزحف ـ تملي لها تلك الحوال الجتماعلية السيئة في معظم بلد العالم‪ ،‬وفوارق الطبقات السحيقة‬ ‫التي تثير الحقد‬ ‫في الصدور‪ ،‬ويغذيها ذلك الجشع الغبي الذي تتمسك به الرأسمالية والقطاعية‪ ،‬وبخاصة في مناطق‬


‫الشرق‪ ..‬وما‬ ‫دامت الشيوعية تزحف فهي تغلق في كل يوم سوقا جديدة في وجه النتاج الرأسمالي في أوروبا‬ ‫وأمريكا‪.‬وهنا تلتقي‬ ‫ً‬ ‫مصلحة رؤوس الموال هنا وهناك في محاولة وقف هذا التيار‪ ،‬واسترداد السواق بقوة السلح‪ ،‬أو على‬ ‫القل‬ ‫بالستهلك الحربي ‪ ،‬إنتاج السلحة والذخائر وأدوات الموت والدمار ‪ ،‬تلك التي تضمن للمصانع أن‬ ‫تعمل‪ ،‬ولرؤوس‬ ‫الموال أن تربح وللمليين أن تموت ‪..‬‬ ‫المرجع السابق‪ ٢١٢ :‬ـ ‪. ٣١٢‬‬ ‫من وسائل أمريكا في احتواء الدول الخرى ‪:‬‬ ‫«فأما الكتلة الرأسمالية بقيادة أمريكا فتستخدم عدة وسائل لهذه‬ ‫الغاية‪.‬‬ ‫تستخدم أول عامل التخويف للرأسماليين في كل أنحاء الرض‪ ،‬وبخاصة في العالم العربي القطاعي ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫من‬ ‫الشيوعية التي تزحف يوما بعد يوم‪ ،‬وتناشدهم المصلحة المشتركة بين الستعمار والرأسمالية ‪ ،‬تلجأ‬ ‫في ذلك إلى‬ ‫ً‬ ‫المحالفة الطبيعية بين الرأسمالية المحلية والرأسمالية العالمية ‪..‬‬ ‫وتستخدم ثاني ا الضغط السياسي ـ والقتصادي ‪ ،‬وأحيان ا الضغط المسلح‪ ،‬في البلد الواقعة في ربقة‬ ‫الستعمار‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المباشر وغير المباشر ‪ :‬كما هو الشأن في مجموعة البلد العربية‪.‬‬ ‫وتستخدم ثالثا إغراء الدولر تحت عناوين كثيرة‪ ،‬منها ذلك العنوان الجديد الذي خلفت مشروع «‬ ‫ً‬ ‫مارشال » وهو‬ ‫عنوان «المساعدات » القتصادية » وعنوان «النقطة الرابعة » في مشروع‬ ‫ترومان!‪.‬‬ ‫وهي على العموم تخاطب الطبقات الحاكمة والمستغلة‪ ..‬ول تعتمد كثيرا على الجماهير‪ ،‬لن مصالح هذه‬ ‫ً‬ ‫الطبقات معلقة بانتصار الكتلة الرأسمالية ‪ .‬وتبذل جهودا جبارة في هذا السبيل ‪ ،‬وإ ن كانت ل تريد في‬ ‫الوقت ذاته أن‬ ‫ً‬ ‫تلقي بال إلى مطالب الشعوب القومية‪ ،‬لفرط ثقتها بالطبقات الحاكمة والمستغلة‪ ،‬ويقينها أن هذه‬ ‫ً‬ ‫الطبقات لن تعادي‬ ‫الستعمارعداء حقيقيا في سبيل مطالب شعوبها القومية‪..‬وسيظل موقفها كذلك إلى ان تتولى هذه‬ ‫ً‬ ‫الشعوب قضاياها‬ ‫(‪ )1‬ظهرت الطبعة الولى من هذا الكتاب في عا م ‪( .١٥٩١‬سيد)‬ ‫‪٣٠١‬‬ ‫بأنفسها‪ ،‬وتبره ن على أنها ل تستنيم لشعوذات المشعوذين من زعمائها وكبرائها‪ ،‬وأنها عازمة أن تسبب‬ ‫للستعمار‬ ‫وللجبهة الرأسمالية متاعب حقيقية‪ ،‬وتعرض مصالح هذه الجبهة وجيوشها لخطار حقيقية في حالة‬ ‫نشوب حرب ‪...‬‬ ‫وعندئذ فقط قد تفكر الرأسمالية الستعمارية في النصات لصيحات هذه الشعوب‪...‬‬ ‫المرجع السابق‪ ٣١٢ :‬ـ ‪. ٤١٢‬‬ ‫وقد نقل الستاذ يوسف العظم معظم فصل «والن‪ » ..‬من الطبعة الثانية من كتاب «السلم العالمي‬ ‫والسلم »‬ ‫الطبعة الثانية ‪ ٢٥٩١‬صفحات‪ ٨٥١ :‬ـ ‪ ٤٦٥١‬باختصار ويلحظ أن الطبعات اللحقة ـ الثالثة وما بعدها ـ‬ ‫خالية من ذلك الفصل القيم ‪.‬‬


‫(‪) ٤‬‬ ‫إشارات في كتاب «السلم ومشكلت الحضارة »‬ ‫تحدث سيد قطب عن أمريكا في كتابه « لسلم ومشكلت الحضارة » وأورد فيه فقرات من كتابه‬ ‫«أمريكا التي‬ ‫رأيت » وأعلن عنه أنه تحت الطبع ـ وقد أشرنا إلى مصير ذلك الكتاب فيما سبق ‪.‬‬ ‫وبعض كلمه الذي أورده هنا أخذه من مقالته التي نشره ا في مجلة الرسالة بعنوان «أمريكا التي رأيت‬ ‫‪ :‬في‬ ‫ميزان القيم النسانية » ـ وقد نقلنا هذه المقالت في هذا الكتاب ـ وبعضه لم يرد في المقالت الثلث‬ ‫التي أشرنا‬ ‫إليها‪...‬‬ ‫وأورد معظم كلمه عن أمريكا في كتاب «ا لسلم ومشكلت الحضارة » في فصل «المرأة وعلقات‬ ‫الجنسين »‬ ‫بإعتبار نظرة المريكيين إلى المرأة وعلقات الجنسين «سؤة » الحضارة المريكية والنظم المريكية‬ ‫والشعب‬ ‫المريكي‪.‬‬ ‫نموذجان لنظرة المريكيين للجنس ‪:‬‬ ‫المهم هنا أن نقرر جموح النظرة إلى المرأة وبعد انقلب أوروبا من نير الكنيسة والتصورات الكنيسية‪،‬‬ ‫وشرودها ـ إبان هذا ـ عن االله ومنهجه في الحياة‪ ،‬والفصل بين اللذة الجنسية في علقات الجنسين‬ ‫وأهدافها‬ ‫النسانية ـ ثم أهدافها الحيوانية أيض ا‪...‬‬ ‫ً‬ ‫«قالت لي إحدى الفتيات المريكيات في معهد المعلمين «جريلي كولورادو » في أثناء مناقشة عن‬ ‫الحياة‬ ‫الجتماعية في أمريكا »‪:‬‬ ‫إن مسألة العلقة الجنسية مسألة بيولوجية بحتة‪ ،‬وأنتم ـ الشرقيون ـ تع ّدون هذه المسألة البسيطة‪،‬‬ ‫بإدخال‬ ‫ق‬ ‫العنصر الخلقي فيها ‪ .‬فالحصان والفرس‪ ،‬والثور والبقرة‪ ،‬والكبش والنعجة‪ ،‬والديك والفرخة‪ ،‬ل يفكر‬ ‫أحد منها في‬ ‫مريحة‪ ...‬حكاية الخلق هذه وهو يزاول التصال الجنسي ‪ .‬ولذلك تمضي الحياة سهلة‬ ‫بسيطة‬ ‫وكانت إحدى المدرسات في المعهد المركزي لتعليم اللغة النجليزية للغرباء بمعهد ويلسون للمعلمين‬ ‫بواشنطن ‪.‬‬ ‫تلقي على مجموعة من طلبة أمريكا اللتينية ـ الذين يعدون في هذا المركز لتلقي الدراسة باللغة‬ ‫النگليزية ـ‬ ‫درسا في تقاليد المجتمع المريكي‪ ..‬وفي نهاية الدرس سأل ت طالبا من جواتيمال عن ملحظاته على‬ ‫المجتمع‬ ‫ً‬ ‫َ ْ‬ ‫ً‬ ‫المريكي‪ ..‬فقال لها ‪ :‬لقد لحظت أن فتيات صغيرات في سن الرابعة عشرة وفتيانا صغار ا في سن‬ ‫الخامسة عشرة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫‪٤٠١‬‬ ‫يزاولون علقات جنسية كاملة‪ ..‬وهذا وقت مبكر جدا لمزاولة هذه العلقات! وكان ردها في حماسة‪ :‬إن‬ ‫حياتنا على‬ ‫ً‬ ‫الرض جدا قصيرة‪ .‬وليس هناك وقت لنضيعه أكثر من الرابعة عشرة ‪. )١(...‬‬ ‫ً‬ ‫وقد اخترت هذين النموذجين بالذات من مئات المثلة التي شاهدتها هناك‪ .‬لن صاحبتيهما مدرستان‪،‬‬


‫وتأثير‬ ‫المدرسة في نشر مثل هذه اليحاءات أوسع من تأثير أي شخص آخر ‪.‬‬ ‫السلم ومشكلت الحضارة ‪ ٩٦ :‬ـ ‪٠٧‬‬ ‫نماذج للشذوذ الجنسي في أمريكا ‪:‬‬ ‫«ومع هذه الباحية المطلقة ـ أو بسبب هذه الباحية المطلقة ـ لم تعد العلقات الجنسية الطبيعية‬ ‫المباحة‬ ‫الرخيصة تشبع الميول الجنسية‪ ..‬فانتشر الشذوذ الجنسي بالميل إلى الج ن س الخر سواء في عالم‬ ‫الفتيان‪ ،‬أو في‬ ‫عالم الفتيات‪ ،‬ويحتوي تقرير « كنزي » عن «السلوك الجنسي عند الرجال » «والسلوك الجنسي عند‬ ‫النساء »‬ ‫إحصاءات دقيقة وعجيبة عن هذا الشذوذ‪» .‬‬ ‫«وأذكر ـ بقدر ما يسمح به الحياء وأدب الكتابة ـ مشاهدة شخصي ه في احد فنادق واشنطن‬ ‫‪::‬‬ ‫كنت مع زميل مصري ننزل في هذا الفندق ـ بعد وصولنا إلى الوليات المتحدة المريكية بيومين اثنين ـ‬ ‫وقد‬ ‫أنس إلينا عامل المصعد الزنجي ـ لننا أقرب إلى لونه‪ ،‬ولننا ل نحتقر الملونين ـ فجعل يعرض علينا‬ ‫«خدماته »‬ ‫في «الترفيه »‪....‬ويذكر «عينات » من هذا الترفيه‪ .‬بما فيها «الشذوذات »‬ ‫المختلفة‪..‬‬ ‫وفي أثناء العرض جعل يقص عل ينا كثيرا ما يكون في إحدى الحجرات «زوج » من الفتيان أو‬ ‫الفتيات ‪ ..‬ثم‬ ‫ً‬ ‫يطلبان إليه أن يدخل إليهما زجاجة « كوكاكول » دون تغيير لوضعهما عند‬ ‫دخوله !!!‪...‬‬ ‫ولما بدا علينا الشمئزاز والستغراب‪ ،‬وقلنا له ‪ :‬أما يخجلن؟‬ ‫أجاب بدوره متعجبا ل شمئزازنا وتعجبنا وسؤالنا عن الخجل ‪:‬‬ ‫ً‬ ‫لماذا؟ إنهما يرضيان ميولهما الخاصة‪ ،‬ويمتعان أنفسهما ‪..‬‬ ‫وعلمت فيما بعد ـ من المشاهدات الكثيرة ـ أن المجتمع المريكي ل يستنكر على إنسان أن يرضي ذاته‬ ‫بالشكل الذي يروق له‪ .‬طالما ليس هناك إكراه‪ ...‬ومن ثم فل جريمة‪ .‬حتى فيما ل يزال القانون ـ على‬ ‫الورق ـ‬ ‫يعده جريمة(‪.)١‬‬ ‫والحال في أوروبا ـ وبخاصة في بلد الشمال ـ ل يفترق كثير ا عن الحال في أمريكا‪ ،‬أما أثر النحلل في‬ ‫ً‬ ‫حياة المجتمع‪ ،‬وفي «تدمير النسان » وتحطيم المجتمع النساني » وفي تهديد الحضارة النسانية‬ ‫الراهنة بالنزواء »‬ ‫كما انزوت حضارة الرومان القديمة ‪ ..‬ف سنتحدث عنه في فصل تال‪..‬‬ ‫»‪.‬‬ ‫السلم ومشكلت الحضارة ‪ ٠٧ :‬ـ ‪١٧‬‬ ‫الكنيسة تفقد سلطانها في أمريكا ‪:‬‬ ‫«والكنيسة! ما شأنها مع هذا النحلل الجارف؟ ورجال الدين ما شأنهم مع المجتمع‬ ‫الجديد؟‬ ‫(‪ )١‬من كتاب «أمريكا التي رأيت‪( » ...‬سيد)‪.‬‬ ‫(‪ )1‬من كتاب «أمريكا التي رأيت »‪( ..‬سيد)‬ ‫‪٥٠١‬‬ ‫إن كثيرين ممن لم يعيشوا بعض الوقت في أوروبا أو أمريكا ـ أو ممن عاشوا هناك ولكنهم لم يتع ّقوا‬ ‫وراء‬


‫م‬ ‫الظواهر ـ كثيرا ما تخدعهم كثرة الكنائس وانتشارها ـ وبخاصة في الوليات المتحدة ـ حيث تقوم في‬ ‫ً‬ ‫البلد‬ ‫الصغير الذي ل يتجاوز تعداده عشرة آلف نسمة أكثر من عشرين كنيسة أحيانا ‪ ...‬وكثير ا ما تخدعهم‬ ‫كثرة مظاهر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الحتفالت الدينية والمراسم والعيا د الدينية ‪ ...‬وكثير ا ما تخدعهم كثرة الحزاب التي تحمل أسماء‬ ‫«المسيحية »‪ ..‬ثم‬ ‫ً‬ ‫كثيرا ما يخدعهم ما يكتبه ويذيعه رجال الدين من كتب ومقالت وبحوث وإذاعات في موضوعات الحياة‬ ‫ً‬ ‫الجتماعية‬ ‫والسياسية والقتصادية والعلمية البحتة أحيان ا‪...‬‬ ‫ً‬ ‫كثيرا ما يخدعهم هذا كله‪ ،‬فيحسبون أن للدين شأن ا في أوروبا وأمريكا ‪ .‬وأن لرجال الدين أثرا في‬ ‫الحياة‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الجتماعية هناك ‪ ...‬وهذه نظرة سطحية ل تدرك حقيقة ما هو واقع هناك » ‪.‬‬ ‫المرجع السابق‪١٧ :‬‬ ‫سيد قطب ينقل كلمه في مجلة الرسالة ‪:‬‬ ‫بعدما أورد كلما مطول من كتاب «الحجاب » لبي العلى المودودي‪ ،‬وكتاب «السلم على مفترق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الطرق »‬ ‫للستاذ محمد أسد عن نظرة الجاهلية ـ على مدار التاريخ ـ إلى المرأة والعلقات بين الجنسين‪،‬‬ ‫والنحلل البشع‬ ‫الذي تزاوله‪ .‬عرج على الجاهلية المادية المعاصرة‪ ،‬وبين انحللها ونقل من كتاب « ماذا خسر العالم‬ ‫بانحطاط‬ ‫المسلمين » عن فقدان الكنيسة لسلطانها في بلد الغرب‪ ،‬وعن عبادة الغرب للمادية بدل عبادة االله‪،‬‬ ‫وعن مشاركة‬ ‫الكنيسة للشعب هناك انحلل‪...‬‬ ‫قال بعد ذلك‪« :‬ل بأس ـ بعد رسم هذه الصورة بقلم الكاتبين الواعيين محمد أسد وأبو الحسن الندوي »‬ ‫ـ أن‬ ‫( ‪)١‬‬ ‫أضيف إليها فقرة مما كتبته عن مشاهداتي الخاصة في كتاب‬ ‫عن موضوع الكنيسة والمجتمع‬ ‫أمريكا التي رأيت‬ ‫بالذات‪ ،‬في مسألة المرأة والعلقات بين الجنسين ‪ ...‬فقد يزيد في جلء الوهم الذي يراود الزائرين‬ ‫العابرين‪ ،‬أو‬ ‫المخدوعين في المظاهر والعناوين‪. ٥٧ :...‬‬ ‫ثم أورد كلمه من النص الذي سبق له نشره في المقالة الثانية من مقالته الثلث في مجلة الرسالة‬ ‫عن أمريكا ‪.‬‬ ‫والذي يسجل فيه ظاهرة كثرة الكنائس في أمريكا‪ ،‬وعن ابتعاد المريكي عن الشعور الحقيقي بالدين‬ ‫رغم كثرة‬ ‫الكنائس ‪ ،‬وعن كون الكنائس هناك مكانا لكل شيء إل العبادة‪ ،‬وعن أندية الكنائس وانحللها‪ ،‬وعن‬ ‫نماذج من برامج‬ ‫ً‬ ‫الكنائ س هناك ‪ .‬وعن مشاهداته الخاصة لحفلة ماجنة إباحية في إحدى كنائس كولورادو‪ ،‬ورقص‬ ‫الفتيات والفتيان في‬ ‫ساحة الرقص في الكنيسة على أنغام وكلمات أغنية ماجنة وضعها «الب » ثم غادر الكنيسة فرحا‬ ‫مسرور ً‪ ،‬وعن‬


‫ً‬ ‫ا‬ ‫نماذج من «توظيف » الباء هناك لفتيات ماجنات لصطياد الشباب إلى الكنائس ‪ ....‬وقد سبق لنا نقل‬ ‫كلمه كامل‬ ‫ً‬ ‫فيما سبق فل داعي لعادته هنا ‪. )١(....‬‬ ‫أمريكيون ل يصلحون للخدمة ‪:‬‬ ‫أشار إلى انحلل الشباب المريكي‪ ،‬ودفعهم «ثمن » الترف والنحراف الباحية ‪ ،‬بقوله ‪« :‬ومثل هذه‬ ‫الظاهرة‬ ‫أخذت تتجلى في الشباب المريكي‪ .‬فقد أعل ن رئيس الوليا ت المتحدة أن أكثر من مليوني شاب‬ ‫أمريكي لم يصلحوا‬ ‫(‪ )1‬تحت الطبع‪(.‬سيد)‪.‬‬ ‫(‪ )1‬انظر الفصل الول من القسم الثاني من هذا الكتاب‪ .‬الحلقة الثانية‪ .‬عناوين‪:‬‬ ‫كنائس بدون =‬ ‫‪٦٠١‬‬ ‫للخدمة العسكرية‪ ،‬من بين ستة مليين تقدموا للتجنيد ‪ .‬وعزا ذلك إلى ضعف بنية الشعب المريكي‬ ‫بصفة عامة‪،‬‬ ‫نتيجة لحياة الترف التي انغمس فيها‪. » ...‬‬ ‫المرجع السابق‪٦٣١ :‬حاشية‪.‬‬ ‫(‪) ٥‬‬ ‫إشارات في كتاب «معالم في الطريق »‬ ‫سيد قطب يهاجم أمريكا ‪:‬‬ ‫انطلقا من استعلء سيد قطب بإيمانه‪ ،‬وشعوره بالع ّة والكرامة‪ ،‬وأنه على الحق‪ ،‬وأن الجاهلية تـأخر‬ ‫وانحطـاط ورجعيـة‬ ‫ً‬ ‫ز‬ ‫وإنتكاس‪ ،‬مهما ملكت من القوى المادية والمكانيات الدنيوية‪ ..‬كان يهاجم أمريكا‪ ،‬ويفند نظمها‪ ،‬ويعري‬ ‫مناهجها‪،‬ويتحدث عـن‬ ‫نقائضها ومباذلها وانحطاطها‪ ،‬ويبين عظمة السلم وسموه وفضله وحاجة‬ ‫النسانية إليه‪:‬‬ ‫«إنه إذا كان هناك من يحتاج للدفاع والتبرير والعتزاز فليس هو الذي يقدم السلم للناس ‪ .‬وإنما هو‬ ‫ذاك الذي‬ ‫حيا في هذه الجاهلية المهلهلة المليئة بالمتناقضات بالنقائص والعيوب‪ ،‬ويريد أن يتلمس المبررات‬ ‫للجاهلية‪ .‬وهؤلء‬ ‫هم الذين يهاجمون السلم‪ُ ،‬ول ِئون بعض محبيه الذين يجهلون حقيقته إلى الدفاع عنه‪ ،‬كأنه معهم‬ ‫مضطر للدفاع‬ ‫يج‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫عن نفسه في قفص التهام ‪.‬‬ ‫بعض هؤلء كانوا يواجهوننا ـ نحن القلئل المنتسبين إلى السلم في أمريكا في السنوات التي قضيتها‬ ‫هناك ـ‬ ‫وكان بعضنا يتخذ موقف الدفاع والتبرير ‪ ..‬وكنت على العكس‪ ،‬أتخذ موقف المهاجم للجاهلية الغربية ‪..‬‬ ‫سواء في‬ ‫معتقداتها الدينية المهلهلة‪ ،‬أو في أوضاعها الجتماعية والقتصادية والخلقية المؤذية‪ ..‬هذه التصورات‬ ‫عن القانيم‬ ‫وعن الخطيئة وعن الفداء‪ ،‬وهي ل تستقيم في عقل ول ضمير‪ ..‬وهذه الرأسمالية بإحتكارها ورباها وما‬ ‫فيها من‬ ‫بشاعة كالحة‪ ..‬وهذه الفردية الثرة التي ينعدم معها التكافل إل تحت مطارق القانون‪ ..‬وهذا التصور‬ ‫المادي التافه‬ ‫الجاف للحياة‪ .‬وح ّية البهائم التي يسمونها (حرية الختلط)‪ ..‬وسوق الرقيق التي يسمونها (حرية‬ ‫المرأة)‪..‬ر‬


‫والسخف والحرج والتكلف المضاد لواقع الحياة في نظم الزواج والطلق والتفريق العنصري الحاد‬ ‫الخبيث ‪ ...‬ثم‪..‬‬ ‫ما في السلم من منطق وسمو وإنسانية وبشاشة‪ ،‬وتطلع إلى آفاق تظل البشرية دونها ول تبلغها‪ ،‬ومن‬ ‫مواجهة‬ ‫الواقع في الوقت ذاته‪ ،‬ومعالجته معالجة تقوم على قواعد الفطرة النسانية‬ ‫السليمة ‪.‬‬ ‫وكانت هذه حقائق نواجهها في واقع الحياة البشرية‪ ..‬وهي حقائق كانت ُخ ِل أصحابها حين تعرض في‬ ‫ضوء‬ ‫تج‬ ‫السلم‪ ..‬ولكن ُناس ًـ ي ّعون السلم ـ وينهزمون أمام ذلك النتن الذي تعيش فيه الجاهلية‪ ،‬حتى‬ ‫ليلتمسوا للسلم‬ ‫أاد‬ ‫مشابهات في هذا الر كام المضطرب والبائس في الغرب‪ .‬وفي تلك الشناعة المادية البشعة في‬ ‫الشرق أيضا !‪...‬‬ ‫ً‬ ‫معالم في الطريق‪ ٥١٢ :‬ـ ‪ ٦١٢‬دار دمشق ‪.‬‬ ‫(‪) ٦‬‬ ‫أمريكا والعالم العربي بمنظار سيد قطب‬ ‫كان سيد قطب يدرك اهتمام أمريكا بالعالم العربي‪ ،‬وحرصها على احتوائه والسيطرة عليه‪ ،‬وتخطيطها‬ ‫لن يبقى‬ ‫ـ بدوله وحكامه ـ تابعا لها‪ ،‬ووقوفها في وجه كل شخص أو جماعة‪ ،‬أو محاولة تهدف ل بعاد أمريكا عنه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ورسمها للدوار والحداث والحوادث والوقائع التي تضمن ذلك‪ ،‬وإعدادها للمسرحيات والممثلين من‬ ‫زعمائه الذين‬ ‫ينفذون كل ذلك‪ ...‬كان سيد قطب يدرك هذا كله‪ ،‬وينظر في الحداث المختلفة التي تمر بالعالم العربي‬ ‫بهذا المنظار‬ ‫‪٧٠١‬‬ ‫فة‪ ،‬والخطوط الدقيقة التي تربط ما بين هذه الحداث وبين‬ ‫ويحللها على هذا الضوء‪ ،‬ويرى الخيوط الخ ّ‬ ‫شياطين‬ ‫ي‬ ‫أمريكا‪ ...‬ويعرض هذا على زواره وجلسائه وإخوانه‪ ،‬ويجعله مادة الحديث والحوار في مجالسه‬ ‫ولقاءاته ‪...‬‬ ‫ونكتفي بمثال على ذلك ‪ ..‬وهو لقاء سيد قطب مع الخ حافظ الشيخ ـ عضو اتحاد طلب جامعة‬ ‫الخرطوم في‬ ‫السودان‪ ،‬الذي زار القاهرة مع وفد من اتحاد الطلب لحضور اجتماع تمهيدي لتأسيس اتحاد عام‬ ‫للطلب العرب‬ ‫في الفترة التي ُف ِج فيها عن سيد قطب عام ‪ ٤٦‬و ‪ ٥٦٩١‬ـ ويخبرنا الخ حافظ الشيخ عن الحديث الذي‬ ‫جرىأر‬ ‫بينه وبين سيد قطب عندما زاره في منزله بحلوان‪...‬‬ ‫تلقانا الشهيد بالبشر والترحاب‪ ،‬وأقبل علينا في وداعة وموده‪ ،‬وأجلسنا منه قريبا ‪ ..‬وعلم أني قادم من‬ ‫السودان‬ ‫فقال‪ :‬كنت أقرأ عن أخبار السودان منذ أيام في صحفنا‪ ،‬ولكنها صحف هذه الجاهلية‪ ،‬وسألني عن‬ ‫مجريات‬ ‫الحداث‪ ،‬وك ّمته عن المعركة النتخابية القادمة‪ ،‬وعن نشاط الشيوعيين بالسودان ونشاط جبهة الميثاق‬ ‫السلمي ‪.‬‬ ‫ل‬ ‫فقال ل تنزعجوا لنشاط الشيوعيين فيشغلكم عن العمل‪ .‬إن الشيوعية ل يمكن أن تنتصر من الطريق‬ ‫الديمقراطي ‪،‬‬


‫لنها ليست لها جذور في السودان‪ ،‬ولكن الخطر أن يلجأ الشيوعييون إلى نظام شيوعي بالقوة‪ ،‬فالخطر‬ ‫في الجيش‬ ‫!!‪ .‬ولكن حتى إذا أفلح الجيش في القيام بانقلب‪ ،‬وأقام الشيوعييون نظامهم فإنه لن يستمر طويل !!‬ ‫لن المريكان‬ ‫ً‬ ‫حريصون أل يقوم في الشرق العربي نظام شيوعي‪ ،‬وهم أصحاب النفوذ في‬ ‫المنطقة !!‪.‬‬ ‫ثم ضرب مثل بسوريا فقال‪ :‬إن سوريا كادت أن تصبح شيوعية‪ ،‬فدبروا لها الوحدة مع مصر‪ ،‬مع أنها‬ ‫تتنافى ً‬ ‫مع المخطط الصهيوني في المنطقة‪ ،‬فتمت الوحدة بين مصر وسوريا لغرض مّعن وهو القضاء على‬ ‫الشيوعية ‪،‬‬ ‫ي‬ ‫وانتهت بمجرد أدائها الغرض ‪ ...‬فهو يعتقد أن الوحدة كانت مخطط ا أمريكيا لتحقيق غرض مخصوص ‪،‬‬ ‫ولم يكن‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫جمال عبد الناصر إل أداة لتنفيذ ذلك المخطط‪...‬‬ ‫ثم قال الشهيد‪ :‬إن الخطر الحقيقي هو خطر الصهيونية والمريكان‪ ،‬وهم الذين يبسطون نفوذهم على‬ ‫منطقة‬ ‫الشرق‪ ،‬والمريكان ل يرضون بأي نظام أقل من الدكتاتورية العسكرية الصارمة عن طريق النقلبات‪..‬‬ ‫وقد كانت‬ ‫لكم تجربة مع الدكتاتورية العسكرية ‪ ..‬ويجب أل تلهيكم الفرحة بالديمقراطية عن تذكير الناس دائم ا‬ ‫بمساوىء‬ ‫ً‬ ‫الدكتاتورية العسكرية حتى يقلل ذلك من فرص أي انقلب عسكري لصالح المريكان أو‬ ‫الشيوعيين ‪.‬‬ ‫وحينما حدثته عن إقبال الناس على جبهة الميثاق السلمي قال‪ :‬يجب أل يشغلكم إقبال الجماهير عن‬ ‫تنظيم‬ ‫صفوفكم الداخلية‪ ،‬وإعداد رجال يواجهون الشدائد‪ ،‬ويثبتون عند المحن ‪ ،‬فإنها آتية بل ريب‪ ،‬ول بد دون‬ ‫النصر من‬ ‫البتلء‪...‬‬ ‫كتاب «الشهيد سيد قطب » نشر جماعة أصدقاء الشهيد سيد قطب‪ ٠٩ :‬ـ ‪ ١٩‬نق ل عن جريدة «الميثاق‬ ‫السلمي »‬ ‫ً‬ ‫السودانية عدد‪ ٤٢٣ :‬تاريخ‬ ‫‪٦٦٩١ / ٩ / ٦١‬م ‪.‬‬ ‫‪٨٠١‬‬ ‫(‪) ٧‬‬ ‫عملء أمريكا في العالم العربي في شعر سيد قطب‬ ‫هبل ‪ . ....‬هبل‬ ‫هبل هبل‪ ..‬رمز السخافة والـدجل‬ ‫من بعد ما اندثرت على أيـدي الباة‬ ‫عـادت إلينا اليـوم في ثوب الطغاة‬ ‫تتنشق البخور تحرقه أسـاطير النـفاق‬ ‫من قيدت بالسر في قيد الخنا والرتزاق‬ ‫وثن يقـود جموعهم‪ . ....‬يا للخجل‬ ‫هبل ‪ ....‬هبل‬ ‫رمز السخـافـة والجهـالـة والـدجـل‬ ‫ل تسألـ ن يـا صـاحبي تلك الجمـوع‬


‫لمن التعبـد والمثوبـة ‪ ....‬والخضوع‬ ‫دعهـا فمـا هي غير خرفـان القطيـع‬ ‫معبـودهـا صـنـم يراه الـعـم سـام‬ ‫وتكفل الدولر كي يضفي عليه الحترام‬ ‫وسعي القـطيع غباوة‪ ...‬يـا للبطل‬ ‫هبل ‪ ...‬هبل‬ ‫رمز الخيانة والجهالة والسخافة والدجل‬ ‫هتافة التهـريج مـا مـلوا الثـنـاء‬ ‫زعـمـوا لـه مـا ليس عند النبيـاء‬ ‫ملك تجلبب بالضياء وجاء من كبد السماء‬ ‫هـو فاتح‪ ...‬هـو عبـقري مـلهم‬ ‫هـو مـرسل‪ ...‬هـو عـالم ومـعلم‬ ‫ومــن الـجـهـالـة مــا قتـل‬ ‫هبل ‪ ...‬هبل‬ ‫رمـز الخيانة والـعمـالة والـدجل‬ ‫صيغت له المجاد زائفة فص ّقها الغبي‬ ‫د‬ ‫ّ‬ ‫واستنكر الكذب الصراح ورده الحر البي‬ ‫لكنما الحرار في هذا الزمان هم القليل‬ ‫فليدخلوا السجن الرهيب‬ ‫‪٩٠١‬‬ ‫ويصبرواالصبرالجميل‬ ‫وليشهدوا أقسى رواية ‪ ..‬فلكل طاغية نهاية‬ ‫ولـكـل مـخـلوق أجـل‪..‬‬ ‫هبل ‪ ...‬هبل‪ ..‬هبل ‪ ..‬هبل‬ ‫مجموعة «لحن الكفاح »‪ ١١ :‬ـ ‪.٤١‬‬ ‫الخــاتـمة‬ ‫بهذا ينتهي ما قدر االله له أن يكون ضمن هذا الكتاب‪ ،‬والحمد الله على توفيقه وإنعامه‪ ...‬وبهذا يقف‬ ‫القارئ الكريم‬ ‫على معلومات صحيحة ودقيقية عن أمريكا والحياة فيها‪ ،‬وعن قيمها ومبادئها ‪ .‬حتى تتفتح عينه على‬ ‫الواقع‬ ‫المريكي‪ ،‬فل يخدع بزخرفته‪ ،‬ول يتأثر بدعايته ‪ ،‬ويقومه بالقيمة التي ل تخطئ‪ ،‬وبالميزان الذي ل‬ ‫يخدع‪..‬‬ ‫وبهذا يقف القارئ الكريم على مقدار الخطر المريكي الماحق الذي يحيط بالمة السلمية‪ ،‬إن هي‬ ‫أسلمت‬ ‫قيادها وأمرها إلى هذا الشعب المريكي ـ وهذا هو رصيده من القيم والخلق ـ وإلى الدولة المريكية ـ‬ ‫وهذا‬ ‫هو رصيدها من المبادئ والمثل ـ وإلى الحضارة المريكية الجاهلية ـ وهذا هو ما تساويه في عالم الدول‬ ‫وما‬ ‫تضيفه إلى رصيدها البشرية ـ وبذلك يتحقق لنا مقدار الخسارة التي تدفعها المة إذا استسلمت‬ ‫لمريكا ‪ ،‬وأصبحت‬ ‫ذلول لها‪ .‬ويحق لنا أن نشارك سيد قطب إشفاقه على النسانية عموما‪ ،‬وعلى المة السلمية خصوص ا‬ ‫إذا آلت‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫قيادتها إلى أمريكا ـ وهذا رصيدها ـ‬ ‫وإننا نرى في أيامنا هذه ـ في أواسط الثمانينيات ـ صدق كلم سيد قطب‪ ،‬وصدق وصحة تحليلته‪،‬‬ ‫وصدق‬ ‫وعمق نظراته‪ ،‬وصدق وحرارة إشفاقه‪ ..‬بعد أن استسلم أناس كثيرون لمريكا‪ ،‬وبعد أن أصبحت تصول‬


‫وتجول‬ ‫في عالمنا السلمي‪ ،‬تبشر بحضارتها ومبادئها‪ ،‬وتنشر دعايتها وزخارفها‪ ،‬وتصنع رجالها وعملءها ‪،‬‬ ‫وتسلمهم‬ ‫مقاليد المور في البلدان ‪ ،‬وتصوغ لهم المجاد الزائفة والبطولت المدعاة ‪ ،‬وتصطنع معهم الخلفات‬ ‫والمشكلت‬ ‫الموهومة ذرا للرماد في العيون‪ .‬لينخدع بذلك الس ّج من الجماهير والجموع المستغفلة‪ ،‬وتهيمن‬ ‫أمريكا ـ‬ ‫ً‬ ‫ذ‬ ‫بمخابراتها ورجالها وعملئها ـ على مختلف نواحي الحياة في عالمنا السلمي ‪ ،‬السياسية والجتماعية‬ ‫والفكرية‬ ‫والعلمية والفنية‪ ،‬وتنتشر بيننا مناهج التعليم المريكية‪ ،‬وق ّة الحياة المريكية‪ ،‬الموارد الستهلكية‬ ‫المريكية‪،‬‬ ‫م‬ ‫والخداع والنفاق والنتهازية السياسية المريكية‪ ،‬وتغزونا المجلت والمؤلفات والمسلسلت‬ ‫والمسرحيات والفلم‬ ‫والغاني والرقصات والموسيقى‪ ...‬ال مريكية ‪...‬‬ ‫وصارت المة المنكوبة تدفع ثمن الغزو المريكي الشامل باهظا ‪ ،‬تدفعه من وجودها وعزتها وكرامتها‪،‬‬ ‫تدفعه‬ ‫ً‬ ‫من أخلقها ومبادئها ونظمها‪ ،‬تدفعه من دينها وعرضها وحياتها‪ ،‬تدفعه من طاقاتها ومذدخراتها‪ ،‬تدفعه من‬ ‫أوقاتها‬ ‫وأعمارها‪ ،‬تدفعه من حيويتها وشبابها وشّاات ها‪ ،‬تدفعه من أموالها وكنوزها وخيراتها ‪ ..‬وتستبدل الذي‬ ‫هو أدنى من‬ ‫ب‬ ‫أمريكا ـ بالذي هو خير ـ من منهج االله ودينه وشريعته ـ وهي راضية لنها مخدوعة مضبوعة‪ .‬سكرى ل‬ ‫تكاد‬ ‫تفيق ‪..‬‬ ‫ويبقى في الساحة رجال من رجال االله‪ ،‬وجنود من جنوده‪ ،‬استعصوا على النقياد لمريكا وعملئها ‪،‬‬ ‫واستعلوا‬ ‫بإيمانهم‪ ،‬وفتحوا عيونهم السلمية واسعة‪ ،‬واستعملوا المنظار القرآني الصادق بتفوق‪ ،‬واستيقظوا وسط‬ ‫المة‬ ‫‪٠١١‬‬ ‫المخدرة المضبوعة المستسلمة‪ ...‬وراحوا يوقظونها ويفتحون عيونها ‪ ،‬ويضعون أيديها على حقيقة‬ ‫المر‪ ...‬وتنبهت‬ ‫أمريكا لخطر هؤلء على مخططاتها ومستقبلها في المنطقة‪ ،‬بل على وجودها وقيادتها الشيطانية‬ ‫للبشرية‪ ،‬فأوعزت‬ ‫إلى عملئها وأذنابها بالتصدي لهم‪ ،‬واستخدام كافة الساليب الشيطانية ـ من ترغيب وترهيب‪ ،‬وابتلء‬ ‫بالمحنة‬ ‫وبالنعمة‪ ،‬وبالمغازلة والمعاداة ل حتوائهم وإسكاتهم‪ ،‬أو القضاء عليهم وإجتثاثهم‪ ...‬ويخرج هؤلء الجنود‬ ‫البرار‬ ‫من كل محنة أو ابتلء أقوى عودا وأثبت وجودا ‪ ...‬والحرب سجال ‪ ..‬ولكن يعلم كل مؤمن بأن أمريكا‬ ‫وعملءها ل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تحارب هؤلء في الحقيقة‪ ،‬وإنما تحارب االله ـ سبحانه ـ وتحاول أن تمنع إرادته‪ ،‬وأن تقف في وجه أمره‬ ‫وقضائه‪ ...‬وعاقبة من يحارب االله وإرادته معروف في التاريخ النساني كله‪ ...‬ويمكرون ويمكر االله‪،‬‬ ‫واالله خير‬ ‫الماكرين‪...‬‬


‫إن كل جندي كريم من جنود االله سبحانه يقرأ هذا الكتاب‪ ،‬يعرف الكثير عن ع ّوه اللدود‪ ،‬يعرفه على‬ ‫حقيقته‬ ‫دِ‬ ‫وعلى قزامته وعلى ضآلته‪ ،‬بدون انتفاش او استعراض أو رتوش ‪ ...‬وإن كل جندي كريم من جنود االله‬ ‫يقرأ هذا‬ ‫الكتاب سيقف على موهبة جديدة من مواهب سيد قطب‪ ،‬موهبة عمق ونفاذ النظرات اليمانية‪ ،‬وصحة‬ ‫وصدق‬ ‫التحليلت اليمانية‪ ،‬وصواب الحكام والنتائج‪ ،‬وصدق الفراسة اليمانية التي ينظرمن خللها بنور االله‪،‬‬ ‫فيحذر من‬ ‫الخطار الوشيكة‪ ،‬ويكشف منحنيات الطريق الخطرة‪ ،‬ويشير إلى الشياطين الذين يكمنون في تلك‬ ‫المنحنيات ‪...‬‬ ‫قل االله منه عمله‬ ‫فرحم االله سيد قطب‪ ،‬وجزاه عن دينه ورجاله وجنوده ودعوته خير الجزاء‪ ،‬وت ّ‬ ‫وكلمه‪ ،‬وجهده‬ ‫ب‬ ‫وجهاده‪ ،‬وجعله في ميزان حسناته‪...‬‬ ‫ونحمد االله سبحانه وتعالى الذي يسر واعان على إتمام هذا الكتاب‪ ،‬ونبرأ إلى االله من كل حول‬ ‫وطول‪ ،‬ول حول‬ ‫َّ‬ ‫ّ‬ ‫ول قوة إل باالله‪ ،‬ونعوذ باالله من فتنة القول والعمل‪ ،‬ونسأله أن ينفع بهذا الكتاب واضعه وجامعه‬ ‫وناشره وقارءه‪...‬‬ ‫وسبحانك اللهم وبحمدك اشهد ان ل آله إل أنت استغفرك وأتوب إليك ‪.‬‬ ‫وص ّى االله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ‪.‬‬ ‫ل‬ ‫ثبت المراجع‬ ‫أول الكتب‪:‬‬ ‫ً‬ ‫‪١‬ـ السلم ومشكلت الحضارة ‪ :‬لسيد قطب‪ ،‬بدون تاريخ أو ناشر ‪.‬‬ ‫‪٢‬ـ دراسات إسلمية‪ :‬لسيد قطب‪ ،‬دار الشروق ـ بدون تاريخ ‪.‬‬ ‫‪٣‬ـ رائد الفكر السلمي المعاصر‪ :‬الشهيد سيد قطب‪ ،‬ليوسف العظم‪ ،‬دار القلم‪ ،‬الطبعة الولى‪ ٠٠٤١ :‬ـ‬ ‫‪. ٠٨٩١‬‬ ‫‪٤‬ـ السلم ال عالمي والسلم‪ :‬لسيد قطب‪ ،‬دار الشروق ـ الطبعة السادسة ‪. ٤٧٩١‬‬ ‫‪٥‬ـ سيد قطب الديب لناقد ‪ :‬لعبد االله الخباص‪ ،‬مكتبة المنار‪ ،‬الطبعة الولى ‪. ٣٨٩١‬‬ ‫‪٦‬ـ سيد قطب الشهيد الحي ‪ :‬لصلح عبد الفتاح الخالدي‪ ،‬مكتبة القصى ـ الطبعة الولى ‪ ١٠٤١‬ـ‬ ‫‪.١٨٩١‬‬ ‫‪٧‬ـ الشهيد سيد قطب ‪ :‬نشر جماعة أصدقاء الشهيد سيد قطب بدون تاريخ أو ناشر ‪.‬‬ ‫‪٨‬ـ في ظلل القرآن‪ :‬لسيد قطب‪ ،‬دار الشروق ـ الطبعة الثالثة ‪. ٧٧٩١‬‬ ‫‪٩‬ـ لحن الكفاح‪ :‬لسيد قطب وهاشم الرفاعي‪ ،‬مجموعة شعرية بدون تأريخ أو ناشر ‪.‬‬ ‫‪١١١‬‬ ‫‪٠١‬ـ معالم في الطريق‪ :‬لسيد قطب‪ ،‬دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع ـ بدون تاري خ ‪.‬‬ ‫‪١١‬ـ معركة السلم والرأسمالية ‪ :‬لسيد قطب ‪ ،‬دار السعودية للنشر والتوزيع ـ الطبعة الرابعة ‪. ٩٦٩١‬‬ ‫ثانيا ‪ :‬المجلت‬ ‫ً‬ ‫‪٢١‬ـ آفاق إسلمية‪ :‬نشرة غير دورية يصدرها الخوان المسلمون في الردن ‪.‬‬ ‫‪٣١‬ـ الثقافة‪ :‬المجلد الثامن‪ :‬السنة الرابعة ـ عدد ‪ ٧٤ :‬تاريخ أغسطس ‪. ٧٧٩١‬‬ ‫‪٤١‬ـ الرأي الردنية‪ :‬عدد ‪ ٦٢٠٥ :‬تاريخ ‪ ٦١‬آذار ‪. ٤٨٩١‬‬ ‫‪٥١‬ـ الرسالة‪ :‬السنة الرابعة عشرة‪ ،‬المجلد الثاني عدد‪ ٤٩٦ :‬تاريخ ‪ ١٢‬اكتوبر ‪. ٦٤٩١‬‬ ‫‪٦١‬ـ الرسالة ـ السنة السادسة عشرة المجلد الثاني ـ عدد‪ ٠٩٧ :‬تاريخ ‪ ٣٢‬أغسطس ‪. ٨٤٩١‬‬


‫‪٧١‬ـ الرسالة‪ :‬السنة السابعة عشرة‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬عدد‪ ٢٨ :‬تاريخ ‪ ٩‬مايو ‪. ٩٤٩١‬‬ ‫‪٨١‬ـ الرسالة السنة السابعة عشرة‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬عدد‪ ٨٢٨ :‬تاريخ ‪ ٦١‬مايو ‪. ٩٤٩١‬‬ ‫‪٩١‬ـ الرسالة‪ :‬السنة الثامنة عشرة‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬عدد‪ ٧٧٨ :‬تاريخ ‪ ٤٢‬أبريل ‪. ٠٥٩١‬‬ ‫‪٠٢‬ـ الرسالة‪ :‬السنة الثامنة عشرة‪ ،‬المجلد الثاني عدد‪ ٧٨٨ :‬تاريخ ‪ ٣‬يوليو ‪. ٠٥٩١‬‬ ‫‪١٢‬ـ الرسالة‪ :‬السنة الثامنة عشرة‪ ،‬المجلد الثاني‪ ،‬عدد ‪ ١٩٨ :‬تاريخ ‪ ١٣‬يوليو ‪. ٠٥٩١‬‬ ‫‪٢٢‬ـ الرسالة‪ :‬السنة الثامنة عشرة‪ ،‬المجلد الثاني‪ ،‬عدد ‪ ٤٩٨ :‬تاريخ ‪ ١٢‬أغسطس ‪. ٠٥٩١‬‬ ‫‪٣٢‬ـ الرسالة‪ :‬السنة التاسعة عشرة‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬عدد‪ ٣٤٩ :‬تاريخ ‪ ٠٣‬يوليو ‪. ١٥٩١‬‬ ‫‪٤٢‬ـ الرسالة‪ :‬السنة التاسعة عشرة المجلد الثاني عدد‪ ٧٥٩ :‬تاريخ ‪ ٥‬نوفمبر ‪. ١٥٩١‬‬ ‫‪٥٢‬ـ الرسالة‪ :‬السنة التاسعة عشرة المجلد الثاني ‪ .‬عدد ‪ ٩٥٩‬تاريخ ‪ ٩١‬نوفمبر ‪. ١٥٩١‬‬ ‫‪٦٢‬ـ الرسالة‪ :‬السة عشرة ‪ ،‬المجلد الثاني ‪ :‬عدد‪ ١٦٩ :‬تاريخ ‪ ٣‬ديسمبر ‪.١٥٩١‬‬ ‫‪٧٢‬ـ الرسالة السنةالعشرون ‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬عدد ‪ ١٩٩ :‬تاريخ ‪. ٢٥٩١‬‬ ‫‪٨٢‬ـ الرسالة‪ :‬السنة العشرون ‪ ،‬المجلد الول‪ ،‬عدد ‪ ٥٩٩ :‬تاريخ ‪ ٨٢‬يوليو ‪. ٢٥٩١‬‬ ‫‪٩٢‬ـ الرسالة‪ :‬السنة العشرين‪ ،‬المجلد الثاني ‪ ،‬عدد‪ ٩٠٠١ :‬تاريخ ‪ ٣‬نوفمبر ‪. ٢٥٩١‬‬ ‫‪ ٠٣‬ـ الشهاب‪ :‬السنة السادسة‪ ،‬العدد التاسع ‪ ،‬أيلول ‪. ٢٧٩١‬‬ ‫‪ ١٣‬ـ الغرباء‪ :‬السنة الثانية عشرة ‪ ،‬العدد الثالث‪ ،‬سبتمبر ‪. ٥٧٩١‬‬ ‫‪ ٢٣‬ـ الكاتب‪ :‬السنة الرابعة‪ ،‬العدد‪ ٤٥ :‬تاريخ سبتمبر ‪. ٥٧٩١‬‬ ‫‪ ٣٣‬ـ الكتاب‪ :‬السنة الخامسة عشرة عدد‪ ٣٧١ :‬تاريخ أعسطس ‪. ٥٧٩١‬‬ ‫‪ ٤٣‬ـ الكتاب‪ :‬المجلد الثامن‪ ،‬الجزء العاشر‪ ،‬ديسمبر ‪. ٩٤٩١ :‬‬ ‫‪ ٥٣‬ـ الكتاب‪ :‬المجلد التاسع‪ ،‬الجزء الرابع ‪ ،‬أبريل ‪. ٠٥٩١‬‬ ‫‪ ٦٣‬ـ الكتاب‪ :‬المجلد التاسع‪ ،‬الجزء الخامس ‪ ،‬مايو ‪. ٠٥٩١‬‬ ‫‪ ٧٣‬ـ الكتاب‪ :‬المجلد التاسع‪ ،‬الجزء السادس‪ ،‬يونيو ‪. ٠٥٩١‬‬ ‫‪ ٨٣‬ـ الكتاب‪ :‬المجلد العاشر ‪ ،‬الجزء الرابع‪ ،‬أبريل ‪. ١٥٩١‬‬ ‫‪٢١١‬‬


امريكا من الداخل بمنظار سيد قطب