Page 1


‫الروحي‬ ‫الجهاد ّ‬ ‫الـقـلـب‬

‫نتذ ّكر كلمات داوود النيب يف سفر املزامري عندما يقول‪" :‬تعبت يف تنهدي‪ .‬أُع ِّوم يف كل ٍ‬ ‫ليلة سريري‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بدموعي"‪.1‬‬ ‫حارةٍ‪ ،‬كان يسكبها طوال الليل‪،‬‬ ‫التنهد؟ وعن أيّة ٍ‬ ‫النيب يتعب من ُّ‬ ‫دموع ّ‬ ‫ما السبب الذي جعل داوود ّ‬ ‫ردد هذه‬ ‫يتكلّم؟ قد تبدو صورة داوود هذه للبعض مآلنةً كآبةً‪ .‬ولكن باحلقيقة كان قلب داوود‪ ،‬عندما ّ‬ ‫التأمل‬ ‫ّ‬ ‫الروحية‪ ،‬والسهر طوال الليل و ّ‬ ‫كل هذه اجلهادات ّ‬ ‫الصالة‪ ،‬مآلن بالرجاء والفرح الداخلي‪ .‬ومل تش ّده إىل ّ‬ ‫و ُّ‬ ‫التفكر والتوبة‪ّ ،‬إّل عذوبة احلياة مع اهلل‪ ،‬اليت كانت مهوم النهار تبعده عنها‪.‬‬ ‫كل مؤمن حياول أن جيوز إىل داخله‪ ،‬ليخترب هناك هذا اجلهاد العميق يف صدقه‪ ،‬واضعاً‬ ‫هذه هي صورةُ ّ‬ ‫الروحية‬ ‫كل طاقاته يف النهار‪ ،‬يف سبيل تنقية القلب من رواسب احلياة‪ ،‬واقتناء اخلربات ّ‬ ‫كل اهتماماته‪ ،‬وجمنّداً ّ‬ ‫ّ‬ ‫مع اهلل‪.‬‬ ‫ليس الغوص إىل الداخل من أجل اللّقاء هناك مع اهلل أمراً سهالً ج ّداً‪ ،‬وعندما تكون احملاولة من أجل‬ ‫تؤدي املطلوب منها‬ ‫الروحية عندما ُُت َارس يف عمقها‪ ،‬عندها فقط ّ‬ ‫ذلك غري صادقة تصري مؤذية‪ .‬إ ّن اجلهادات ّ‬ ‫الروحية"‪ .‬ولكن عندما ُُت َارس هذه احملاوّلت بسطحيّة‪ ،‬فذلك‬ ‫وتعطي التعزيات‪ .‬وهذا ما ّ‬ ‫نسميه‪" :‬احلياة ّ‬ ‫وعمق جهاداتنا‪.‬‬ ‫ات‬ ‫وصفات معيّنة ُتتحن َ‬ ‫ٌ‬ ‫الروحية‪ .‬وهناك مؤ ّشر ٌ‬ ‫صدق َ‬ ‫يُسيء إىل احلياة ّ‬ ‫احلي‪ ،‬وليس حنو صنم التشريعات‬ ‫اجلهاد ّ‬ ‫الروحي هو ٌ‬ ‫عمل يتّجه حنو العالقة الشخصيّة مع اهلل ّ‬ ‫توضع يف خدمة املعرفة الشخصيّة باهلل‪ ،‬وليس لطاعة الشرائع أو تقدمي‬ ‫الروحية َ‬ ‫فكل األتعاب ّ‬ ‫الناموسيّة‪ّ .‬‬ ‫الواجبات‪ .‬هذا ّل يعين عدم حفظ الشرائع‪ .‬أل ّن حفظ الشريعة ليس تقدمي ٍ‬ ‫أعمال‪ ،‬بل الوصول إىل غايتها‪.‬‬ ‫أعُي املصلّي على احلضرة‬ ‫إ ّن السهر طوال الليل ليس وصيّةً وّل فريضة! ولكنّه رياضةٌ روحيّةٌ تفتح ُ‬ ‫ُ‬ ‫أتعاب‪ ،‬بل حماولةً عميقةً منتبهةً لتكوين خربةٍ‬ ‫اإلهلية‪ .‬هذا ما يعنيه اجلهاد الروحي‪ّ .‬ل يعين اجلهاد الروحي جمرد ٍ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أتعاب لبناء التاريخ اخلاص بُي اإلنسان واهلل‪ ،‬وتتع ّدى طبيعتُه‬ ‫وتار ٍ‬ ‫الروحي هو ٌ‬ ‫الرب‪ .‬اجلهاد ّ‬ ‫يخ شخصيَُّي مع ّ‬ ‫هشة ّل‬ ‫العالقةَ القائمةَ على احلاجة أو اخلوف أو الوصيّة‪ .‬هذه احلدود‪ ،‬أي احلاجة أو اخلوف‪ ،‬هي‬ ‫حدود ّ‬ ‫ٌ‬ ‫‪ 1‬مز ‪.6 ،6‬‬


‫تثبت أمام الشدائد‪ ،‬ولذلك يتصدَّع اجلهاد‪ ،‬عندما يكون سطحيّاً‪ ،‬أمام الشدائد اليوميّة أو الواجبات أو‬ ‫األشغال أو اّلهتمامات‪.‬‬ ‫يق زائفةٌ وهي‬ ‫يق حقيقيّةٌ وهي طريق اخلربة الشخصيّة‪ ،‬وطر ٌ‬ ‫الروحي‪ ،‬طر ٌ‬ ‫هناك نوعان أو طريقان للجهاد ّ‬ ‫يق قويّةٌ وحقيقيّةٌ وعميقةٌ‪،‬‬ ‫طريق حفظ النواميس أو الوصايا أو املظاهر الدِّينيّة‪ .‬طريق اخلربة الشخصيّة هي طر ٌ‬ ‫هشةً‪ ،‬فال تصري فيه احلياة‬ ‫سهل تأمينه ولكنّه يبين حيا ًة ّ‬ ‫تُ َشِّرح اإلنسان من الداخل‪ّ .‬أما النواميس فهي غطاءٌ ٌ‬ ‫الروحية ّقوًة يعتمد عليها اإلنسان يف حياته‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫اجلهاد الروحي يف إطار النومسة أو املعرفة ّل يقدِّم شيئاً سوى النَّاموس‪ .‬بينما اجلهاد الروحي‪ِ ،‬‬ ‫املعتمد‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ََ‬ ‫على التواضع ومعرفة ال ّذات‪ ،‬فهو يقدِّم ّقوةً للثبات يف الشدائد‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫ربربر ذاتربه‪ ،‬ويعتربرب َّ‬ ‫أن اهلل ّل‬ ‫الروحي‬ ‫السطحي يرى يف ّ‬ ‫الضيقات أموراً غري حممولة‪ ،‬ويلوم اهلل فيها وي ّ‬ ‫اجلهاد ّ‬ ‫ّ‬ ‫الروحربي العميربق احلقيق ّربي يربرى يف الشربدائد امتحانرباً‪ّ ،‬ل بَربل‬ ‫يؤازره وّل يُنصت وّل يستمع للصربلوات‪ .‬لك ّربن اجلهرباد ّ‬ ‫افتقربرباداً إهلي رباً‪ .‬يف جه رب ٍ‬ ‫رباد روح ربربي س ربربطحي‪ ،‬نَع ربربرب الض ربربيقات كظ رب ٍ‬ ‫ربروف خارجيّرب ٍربة ونل ربربوم اهلل فيه ربربا‪ .‬ولك ربربن يف اجلهربرباد‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ ُ‬ ‫احلقيقربربي‪ ،‬نَعربربرب الشربربدائد وحنربربن نعلربربم أ ّن اهلل جيربِّربرب أحبربرباءه وأنربّربه ينرب ّقربربيهم يف البوتقربربة كمربربا الربربذهب‪ .‬هكربربذا يف جهربربادٍ‬ ‫ُ َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ ُ‬ ‫ٍ‬ ‫ربارجي أدا ًة ملعرفربربة ال رب ّذات وامتحان رباً حملبّتنربربا هلل‪ .‬لكرب ّربن رارسربربة األتعربرباب‬ ‫حقيقرب ٍّربي بيننربربا وبربربُي اهلل‪ ،‬يصربربري كرب ّربل ٍّربربرف خرب ٍّ‬ ‫ٍ‬ ‫حّت ما حنفظه من الوصايا أمربراً ّفريسربياً يولِّربد الكربيرباء ومالمربة ا‪،‬خربرين‪ ،‬ح ّربّت التجربدي‬ ‫بسطحيّة ورخاوة‪ ،‬جتعل ّ‬ ‫الروحيربربة علربربى‬ ‫الروحربربي‪ ،‬تعربربين تكربربوين الطاقربربة والقربربدرة ّ‬ ‫علربربى اهلل‪ .‬رارسربربة الفضربربائل‪ ،‬يف معناهربربا احلقيقرب ّربي يف اجلهربرباد ّ‬ ‫الثبربربات مربربع اهلل يف شربربدائد احليربرباة‪ .‬ولكربربن يف اجلهربرباد املزيَّرب ‪ ،‬رارسربربة الفضربربائل تعربربين فقربربط تربيربربر ال رب ّذات بأنّنربربا يف‬ ‫ِّيين املطلوب‪.‬‬ ‫اّللتزام الد ّ‬ ‫ِّ‬ ‫ربين‬ ‫اجلهاد ّ‬ ‫الروحي يبدِّل الكيان‪ .‬بينما السطحيّة يف اجلهاد فرتكز على تبديل بعض التص ّربرفات فقربط‪" .‬يربا ب ّ‬ ‫ِ‬ ‫الزائ تكربون‬ ‫أعطين قلبك‬ ‫الروحي‪ ،‬لغةُ القلب‪ .‬بينما يف اجلهاد َّ‬ ‫َ‬ ‫فأعطيك مشتهى قلبك"‪ .‬هذه هي لغة اجلهاد ّ‬ ‫ربس القلربب‪ ،‬جيعلنربا نطلربب‬ ‫املبادّلت قانونيّة وحف ُ‬ ‫ظ الشريعة يصبح مثناً للتربير‪ .‬اجلهرباد ّ‬ ‫الروحربي يف عمقربه‪ ،‬حربُي ا ّ‬ ‫الواحربربد الربربذي احلاجربربة إليربربه‪ ،‬ونت ّكربربل علربربى اهلل لكربربي نرمربربي عربربن كاهلنربربا أمربربوراً عديربربدةً يف احليربرباة ّل حاجربربة لنربربا إليهربربا‪.‬‬ ‫بينما يقيم اجلهاد الروحي السطحي مع اهلل بربازاراً روحيرباً‪ ،‬إذ يطلربب مثنرباً لكربل تص ُّربر ٍ‬ ‫ف وكربل فض ٍ‬ ‫ربيلة وك ّربل رارس ٍربة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الروحربربي‬ ‫ربطحي يشربربرتي بأعمالربربه تربي ربراً أمربربام اهلل‪ ،‬فربربا ّن اجلهربرباد ّ‬ ‫وّل ينتبربربه إىل نقربرباوة القلربربب‪ .‬فربرباذا كربربان اإلنسربربان السرب ّ‬ ‫العميق‪ ،‬لِمن اارسه‪ ،‬جيعله ِّ‬ ‫يفكر بعالقته باهلل وعالقة ا‪،‬خرين به‪ ،‬وعالقة اهلل با‪،‬خرين‪ .‬ويصري اجلهاد وجوديربّاً‬ ‫َ‬ ‫وواقعيّاً وليس استغفاراً أو اسرتحاماً أو خوفاً‪.‬‬


‫اجلهاد الروحي‪ ،‬بلغة القلب‪ ،‬هو الربذي جيرحنربا بس ٍ‬ ‫رببب مربن العشربق اإلهل ّربي الربذي فينربا‪ ،‬وّل يشرباء أن يكربون‬ ‫ّ‬ ‫أي شرب ٍ‬ ‫ربيء رخربربر فينربربا ّإّله‪ .‬بينمربربا األتعربرباب السربربطحية فهربربي املمارسربربات الربربيت نقربوم هبربربا لنتقاسربربم مربربا يف قلبنربربا مربربع اهلل‬ ‫ُّ‬ ‫ونظن أنّنا نق ّدم بعض األوقات أو بعض اجلهادات‬ ‫وبُي ال ّذات‪ .‬هكذا يبقى يف القلب ألوا ٌن عديدةٌ من العشق ّ‬ ‫ربت يف‬ ‫ربب ال رب ّذات حمبوب رباً‪ ،‬كمربربا قربربال داوود‪" :‬تعبرب ُ‬ ‫الروحربربي يصربربريُ َغ ت‬ ‫صرب ُ‬ ‫ذبربربائح هلل الربربذي ينتظرهربربا‪ .‬لربربذلك يف اجلهربرباد ّ‬ ‫اشه بدموعه‪ ،‬ولكن قلبه كان مربآل َن تعزي ٍ‬ ‫ربات‪ ،‬أل ّن هربذا اجلهرباد مربن أساسربه هربو‬ ‫كل الليل ُّ‬ ‫ويبل فر َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تنهدي"؛ يسهر ّ‬ ‫أعمق مع اهلل‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫طلب للدخول يف خربات َ‬ ‫جهاد باحلريّة الشخصيّة‪ ،‬إنّه ٌ‬ ‫‪2‬‬ ‫الروحي احلقيقي هو "ملكوت اهلل يُغتصب اغتصرباباً" ‪ .‬أغصربب ذا يعربين أن أحرباول دائمرباً‬ ‫قانون اجلهاد ّ‬ ‫أكثر بقليل رّا أستطيعه‪ ،‬فاذا كنت أستطيع الوقوف ساعةً فا ّن الدقائق القليلة الربيت أضربيفها هربي غصربب الرب ّذات‬ ‫ربري‪ ،‬ولكربن أيضرباً ّأّل أجعلربه يف الكسربل‪ .‬اجلهرباد‬ ‫الروحربي ّل يعربين أ تن أقتربل اجلسربد البش ّ‬ ‫الروحي‪ .‬اجلهاد ّ‬ ‫يف اجلهاد ّ‬ ‫الصوم هو أن أشعر قلربيالً برباجلوع‪ ،‬ويف السربجدات‬ ‫الروحي يعين أ تن نقدِّم قليالً فوق‬ ‫الروحي يف ّ‬ ‫الطبيعي‪ .‬اجلهاد ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتدرب اإلنسان وتزداد طاقاته وتنمو قامتُه‪.‬‬ ‫أن أشعر قليالً بالتعب‪ .‬هكذا َّ‬ ‫ربادي ا‪،‬ن؟ إ َّ ربربا‬ ‫الروحربربي؟ كيرب نقرب ِّربرر أن نقربربدِّم هربربذا القليربربل فربربوق املوجربربود وفربربوق العرب ّ‬ ‫كيرب نبربربدأ يف جهادنربربا ّ‬ ‫‪3‬‬ ‫ربدربنا‪ ،‬فهربربو يظهربربر‬ ‫رب‬ ‫ي‬ ‫اهلل‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫ا‬ ‫رب‬ ‫م‬ ‫ُتا‬ ‫ربين‬ ‫رب‬ ‫ع‬ ‫ت‬ ‫ربالة‬ ‫رب‬ ‫ص‬ ‫ربذه‬ ‫رب‬ ‫ه‬ ‫‪،‬‬ ‫رب ألربربتَ ِمس"‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ا‪،‬يربربة اجلميلربربة مربربن كتربرباب امل ربزامري "وجهربربك يربربا ّ‬ ‫ّ‬ ‫وخيتفربربي‪ ،‬يظهربربر حربربُي نتعربربب وتاهربربد‪ ،‬وخيتفربربي عنربربدما نكربربون يف الكسربربل‪ .‬عنربربدما خيتفربربي وجربربه اهلل مربربن احليربرباة ويف‬ ‫الصالة‪ ،‬فهذا يعين أ ّن اهلل هيَّأ لنا فرصة جلهاد أكرب رّا اعتدنا عليه‪" .‬اجذبين وراءك فأجري"‪.4‬‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫الروحربربي يف عمقربربه‪ .‬وكرب ّربل‬ ‫"أعربربط دم رباً ُ‬ ‫الروحيربربة‪ ،‬هربربذه هربربي طريقربربة اجلهربرباد ّ‬ ‫وخ رب تذ روح رباً"‪ ،‬هربربذا هربربو مثربربن احليربرباة ّ‬ ‫رباب‬ ‫أتعربرباب الفضربربيلة واجلهربربادات األخربربرى‪ ،‬إ تن مل جت رب ِر لتلربربتمس وجربربهَ اهلل وإذا مل تتعلَّربربق باحلضربربرة اإلهليّربربة‪ ،‬فا ّ ربربا أتعرب ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مضرًة أيضاً‪.‬‬ ‫ذات مثار بسيطة ج ّداً‪ ،‬إ تن مل تكن مزيّفةً‪ ،‬وإ تن َمل تُصبح ّ‬ ‫احلي ورضاه‪ ،‬وهياماً وراء احلضرة‬ ‫" ُ‬ ‫تعبت يف ّ‬ ‫تنهدي‪ .‬أ َُع ِّوم يف ّ‬ ‫كل ليلة سريري بدموعي" طلباً لوجه اهلل ّ‬ ‫اإلهليّة‪ .‬رمُي‪.‬‬

‫‪ 2‬مت ‪.11 ،11‬‬ ‫‪ 3‬مز ‪.8 ،12‬‬ ‫‪ 4‬نشيد األنشاد ‪.4 ،1‬‬

الجهاد الروحي  

الجهاد الروحي عن كتاب السائحان ج2 للمطران بولس يازجي

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you