Page 1


‫�أحمد املديني‬

‫حتوالت النوع‬ ‫ّ‬ ‫يف الرواية العربية‬ ‫ـ بني مغرب وم�رشق ـ‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ ‬

‫تقدمي الكتاب‪:‬‬

‫يحمل هذا الكتاب‪ ،‬كما هو معلن يف الغالف‪ ،‬عنوان‪":‬حتوالت النوع يف الرواية العربية‪ ،‬بني‬ ‫مغرب وم�رشق"‪� .‬أردنا من الت�سمية جعل مو�ضوع كتابنا وا�ضحا من البداية‪ ،‬وجمال ا�شتغاله حمددا‬ ‫يف غر�ضه‪ ،‬مو�سوما بجغرافيته الن�صية‪ ،‬ومتعينا �أكرث من �أي �شيء �آخر بق�ضية �أ�سا�س تنتظم مباحثه‪،‬‬ ‫وتتمحور حولها جل نظراته النقدية وحتليالت ن�صو�صه‪ ،‬نعني ق�ضية التحول‪ ،‬بالأحرى التحوالت‬ ‫التي اعرتت الرواية العربية‪ ،‬وامتدت يف متنها الكبري‪ ،‬الذي يزداد انف�ساحا وت�ش ّعبا وتنوعا منذ‬ ‫عقدين من الزمن‪ ،‬وكرث ًة يف الإنتاج والن�رش �إىل حد غطى على الأجنا�س الأدبية الأخرى‪� ،‬شعرا‬ ‫ونرثا‪ ،‬ف�صار له القدح املُع ّلى عليهاجميعا‪.‬‬ ‫ما من �شك �أن العنوان �أعاله يبدو وهو يحمل زعما قد ال يتحمله حجمه ومدار عمله‪ ،‬وال‬ ‫نحن نزعم‪ ،‬كذلك‪� ،‬أنه قادر على ا�ستيعاب التحوالت كافة التي يعرفها ف ٌّن‪ ،‬نعترب �أنه‪ ،‬بالرغم من‬ ‫عمره املديد ن�سبيا‪ ،‬وما اعرتاه من تبدالت فنية وتعبريية‪ ،‬وللغايات التي ا�ستُخدم لها لدى �أجيال‬ ‫من الكتاب‪ ،‬نعتربه ما زال يف طور الت�شكل يخو�ض به الأدباء العرب جزءا من رغبات التعبري عن‬ ‫م�شاعرهم ونزوعاتهم االجتماعية واملذهبية والإن�سانية‪ .‬و�إذا ما ذهبنا مع االتفاق العام ل�سائر‬ ‫الدار�سني والنقاد‪ ،‬فعمر الرواية العربية ال يتعدى ن�ش�أتها تاريخ �صدور" زينب" (‪ )1914‬ملحمد‬ ‫ح�سني هيكل(‪1888‬ـ‪� ،)1956‬أي لي�س �أكرث من قرن‪ ،‬وهو قليل قيا�سا بتاريخ الرواية الغربية الرائدة‪،‬‬ ‫هذه التي ترجع جذورها �إىل القرن ال�ساد�س ع�رش(مع �رسبانت�س الق�شتايل‪ ،‬ورابلي الفرن�سي‪ ،‬حتديدا)‬ ‫وعرفت �إ�شعاع الوالدة الكربى يف القرن التا�سع ع�رش (بلزاك‪ ،‬فلوبري‪� ،‬ستاندال‪ .)...‬لقد عانت‬ ‫الرواية العربية‪ ،‬منذ ظهورها البعيد الآن ن�سبيا‪ ،‬من �أوجاع خما�ض ع�سري‪ ،‬بو�صفها جن�سا �أدبيا مل ينبثق‬ ‫من �صميم املرجعية الأدبية العربية‪ ،‬رغم ما يحفل به تراث العرب من تدوينات مروية ون�صو�ص‬ ‫‪5‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ال�سننية �ش�أ ٌن �آخر‪ ،‬نحن ا�ستعرناه‬ ‫حكائية‪� ،‬ش�أن �أمم عديدة‪ ،‬لكن �إبداع اجلن�س وفق قواعده وخ�صائ�صه ُّ‬ ‫من �آداب غرينا‪ ،‬واحتجنا‪ ،‬ما نزال‪� ،‬إىل تعلم �أ�صوله‪ ،‬وهو �أكرب من احلكاية‪ ،‬وال جمرد حماكاة الواقع‪،‬‬ ‫ولي�س �سجال للخواطر وال امل�ساجالت من �أي لون‪� .‬إن الرواية لهي طريقة خا�صة وم�ستقلة عن �سائر‬ ‫الفنون لقول احلياة ور�سم الإن�سان وم�صريه‪ ،‬والبوح مبحنه و�أ�شجانه‪ ،‬على ن�سق حكائي وبنا ًء على‬ ‫خطة ور�ؤية تتفاوتان من كاتب وع�رص لأخر‪ .‬وما هي طريقة �شكلية‪ ،‬كما انزلق الفهم �إىل ذلك لدى‬ ‫البع�ض‪ ،‬بالأحرى ال�شكل �أحد مظاهرها‪ ،‬به تتميز كفن حمدد‪ ،‬لكنه ذلك القادر على ر�ؤية كلية عرب‬ ‫ب�ؤرة مركزية ال تخطئ مع�ضالت زمنها‪ ،‬من خالل م�صائر و�أزمات حمددة‪ .‬هي ال�شكل الذي �أجنبته‬ ‫�رشوط مو�ضوعية ليلبي حاجة ملحة مل تعد ال�سجالت القولية ال�سابقة عليها قابلة وال قادرة على �أدائه‪،‬‬ ‫�رشوط املدينة واملجتمع ال�صناعي الر�أ�سمايل‪ ،‬وازدهار احلريات الفردية‪ ،‬عقيدية وفكرية و�سيا�سية‪،‬‬ ‫وما تخلقه هذه العنا�رص وامتداداتها جمتمعة من عالقات وبنيات وهياكل و�إ�شكاليات‪ ،‬الرواية وحدها‬ ‫�أبانت القدرة بالتدريج‪ ،‬وح�سب مواهب الأفراد ومهاراتهم‪� ،‬أنها امل�ؤهلة‪ ،‬دون �سائر فنون القول‪،‬‬ ‫على ر�صدها وت�صوير عاملها فتكون بذلك‪ ،‬كما �سميت ب"ملحمة الع�رص احلديث" من دون �أن‬ ‫تقرتن معها ب�صلة‪ ،‬الذي نراه‪ ،‬وبعد �أن عا�ش حداثة ما بعد احلرب العاملية الثانية انتقل �إىل ما بعد‬ ‫احلداثة‪� ،‬أي �إىل مراجعة ال�سابق ب�أ�سئلة وعي ونقد جديدين‪ ،‬معرفية ال �شك‪ ،‬لكن �أ�سلوبية ب�أدق تعبري‪،‬‬ ‫والرواية تظل دائما يف قلب عملية التعبري عن الإن�سان احلديث‪ ،‬و�أبلغ معرب عن وجدانه ومع�ضالت‬ ‫حياته‪.‬‬ ‫ال خالف �أن من�ش�أ الرواية العربية مغاير‪ ،‬على الأقل لي�س طبق الأ�صل‪ ،‬وقد ق�ضت وقتا من‬ ‫االرتباك والعرثات قبل �أن ت�ستقر على جمموعة النماذج وال�صياغات املرتاوحة بني املو�صوفة �أو املت�سمة‬ ‫بالرومان�سية‪ ،‬والطبيعية‪ ،‬والواقعية العامة‪ ،‬فالواقعية النقدية‪ ،‬قبل �أن ت�رشع ابتداء من العقد الثمانيني‬ ‫خا�صة يف خو�ض جتارب ب�أكرث من طراز ومنزع‪� .‬إال �أن الأهم قبل ذلك هو �أن رويايتنا‪ /‬رواياتنا ـ‬ ‫لنتعلم ااكالم عنها ب�صيغة اجلمع‪ ،‬بحكم التفاوت يف خ�صائ�صها و�إنتاجها من بلد عربي �إىل �آخرـ كانت‬ ‫قد اجتهت �إىل القالب واملنظور املنا�سبني بت�ساوق مع تبلور املجتمع املديني احلديث‪ ،‬وانتقال قوى‬ ‫الفعل والت�أثري من الأرياف وال�سلطات التقليدية �إىل عالقات الإنتاج اجلديدة يف املدينة ومتظهر فئات‬ ‫اجتماعية ع�صب هذه البيئة ومتثل تناق�ضاتها و�أو�ضاعها اجلديدة‪ .‬لذلك فالرواية حتمل بقدر ما متثل‬ ‫قِيما مغايرة بال�رضورة‪ ،‬والعالقة لهذا ب�أحكام القيمة‪ ،‬فمن هنا خلل فهمها عند من يعمدون لكتابتها‬ ‫بغية ت�سويغها خلطابات مل توجد من �أجلها‪ .‬ويقع الإجماع يف منحى الإجناز املنا�سب على جنيب حمفوظ‪،‬‬ ‫ومنجزه الكبري‪ ،‬واملتعدد‪ ،‬واملتنوع االجتاهات يف تعابريه وم�ضامينه مما ال يحتاج �إىل �إعادة تنويه‬ ‫و�رشح‪ ،‬فهو مدر�سة قائمة الذات‪ ،‬يكاد معها �سواها �أن يكون فرعا وامتدادا لل�شجرة الثابتة‪ ،‬منذ‬ ‫‪6‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫خم�سينات القرن املا�ضي‪ ،‬و�إىل �أن رحل �صاحبها تركها دغال كثيفا حقا‪.‬‬ ‫لقد كتب جنيب حمفوظ الرواية الفنية بعد ن�صو�ص وحماوالت �أغلبها ذو طابع بدئي‪ ،‬وبناء خملخل‪،‬‬ ‫وو�صفية �ساذجة‪ ،‬ووعظية وا�ضحة‪ .‬ور�سم بالدرجة الأوىل خريطة �شا�سعة‪� ،‬شاملة‪� ،‬ش�ساعة وت�شابك‬ ‫القاهرة‪ ،‬بو�صفها املجتمع احلديث وهو ميور بالوقائع لطبقة اجتماعية منتجة لقيم التحول‪ ،‬املتناق�ضة‬ ‫ور�سخها بال منازع �إىل �أن ت�شيّدت �رصحا كامال‪� ،‬أو �شِ ب َهه‪ ،‬منتقال‬ ‫وال َّطموح يف �آن‪ .‬وهو من ج َّذ َرها َّ‬ ‫قامات ولكن ك�أطياف �أو روافد‬ ‫من ر�ؤية �إىل �أخرى‪ ،‬ومن ُد ْربة فنية �إىل معرتك �أقوى‪ ،‬توجد حوله‬ ‫ٌ‬ ‫�إمنا ت�صب يف جمراه الذي ميكن اعتباره املجرى الثابت الذي حوى ُجلَّ مكونات وخ�صائ�ص الرواية‬ ‫العربية‪ ،‬التقليدية منها واملتطورة املجددة‪.‬‬ ‫بالطبع‪ ،‬ال يعني هذا �أن حمفوظ هو البداية والنهاية يف م�سار تكوين الفن الروائي العربي‪ ،‬وال "خامت‬ ‫املر�سلني" يف حقله‪ ،‬و�إمنا الق�صد حماولة ر�سم احلدود يف جغرافية هذا الإنتاج‪ ،‬الذي تكاثر �أعالماً‬ ‫ون�صو�صاً‪ ،‬وظهر فيه املن�شقون ودعاة القطيعة والتجديد من كل طرز وطرق‪ ،‬حتى �إنه خرج عن‬ ‫�سكة املعمول له‪ ،‬وتداخلت الأ�ساليب واخلطابات فيه حدا انزياحيا بعيدا‪ .‬فعال‪ ،‬فبينا �صاحب الثالثية‬ ‫كتاب جد ٌد من تالمذته‪� ،‬أقربني وبعيدين‪ ،‬من املقتنعني‬ ‫يوا�صل تر�سيخ م�رشوعه‪ ،‬وتطوير منجزه‪ ،‬كان ُ ٌ‬ ‫به‪ ،‬ومن العاقني‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬بني م�شارق البالد العربية ومغاربها‪ ،‬يغامرون ب�صياغات ق�ص�صية وروائية‬ ‫ودرامية منبثقة مما حلق جمتمعاتهم من هزات وتغريات على الأ�صعدة كافة‪ ،‬منها �صعي ُد �رضب ال�سيادة‬ ‫وكرامة الأمة‪ ،‬كما متثلت يف هزمية �أو نك�سة خم�سة حزيران‪ ،‬التي ُع ّدت‪� ،‬أكاد �أقول �شرُ ِّعت‪ ،‬يف‬ ‫امل�رشق العربي‪ ،‬وعند نقاد الأدب يف م�رص‪ ،‬وخارجها كذلك‪ ،‬عامال حا�سما يف ما عرفه الأدب من‬ ‫جموح وانقالب على �أ�شكاله وم�ضامينه القدمية‪ ،‬غري مولني للمكون الذاتي �إال ت�أثريا جزئيا‪ ،‬ف�ضال‬ ‫عن جنوحهم �إىل تعميم هذا الفاعل الهام‪ ،‬من غري �شك‪ ،‬على العامل العربي‪ ،‬دون بذل �أي جهد‬ ‫كتاب من م�شارب �أدبية‬ ‫ال�ستطالع اخلريطة الأدبية العربية يف تكويناتها الكبرية‪ ،‬وهذه �آفة وحدها‪ٌ .‬‬ ‫وثقافية و�سيا�سية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬خمتلفة‪ ،‬حفلت بهم البيئات الثقافية العربية‪ ،‬خلفوا كجيل خمتلف اجليل‬ ‫امل�ؤ�س�س‪ ،‬فاملُح َّد ُث‪ ،‬ثم الذي يطمح �أن يذهب �أبعد يف تقدمي بدائل تعبريية ور�ؤيوية متثل �أدبا مغايرا‪،‬‬ ‫�رسدية تنف�صل عن تراث الآباء‪ ،‬وتكون متجاوبة مع ذوق يعاد ت�أ�سي�سه‪ ،‬وبجمالية من�سجمة مع هذا‬ ‫الذوق وع�رصه‪.‬‬ ‫لنقل �إن بع�ض طموح هذا الكتاب‪ ،‬من خالل الن�صو�ص التي انكب على قراءتها وحتليلها‪� ،‬أن‬ ‫يكون ت�أريخا جزئيا لإ�سهامات جيل جديد‪� ،‬أو �أكرث‪ ،‬يف تطوير الرواية العربية‪ ،‬وتغيري �أ�ساليبها‬ ‫وحبكاتها‪ ،‬و�صورة من حمفل نقدي وا�سع لر�صد املفا�صل الكربى حيث تتحدد معامل هذا التغري‪،‬‬ ‫وي�صبح بالإمكان ا�ستخال�ص جملة نواظم بنائية‪ ،‬ومعايري خا�صة بال�شكل‪ ،‬وت�صورات داللية‪ ،‬وكلها‬ ‫‪7‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫م�ستقاة من مظانها الن�صية‪ .‬عدا ذلك‪ ،‬ال ندعي فيه ال�شمول ب�أي حال‪� ،‬إذ ال ميكن لأي كتاب �أن يتطلع‬ ‫�إىل هذا املنال‪� ،‬أو �سيغرر بالقراء‪ ،‬مثل عدد متكاثر من م�صنفات جامعيني ونقاد معلقني يجازفون بال‬ ‫مباالة بت�سمية من�شوراتهم تاريخا للأدب العربي‪ ،‬وتاريخا لل�شعر‪ ،‬ودرا�سة عن الق�صة(كذا)‪ ،‬وما‬ ‫�شاكل‪ ،‬وهم ال يتعدون ن�صو�صا يف بلد واحد �أو بلدين‪ ،‬ومب�سح متعجل‪ .‬كل درا�سة �إمنا تخت�ص مبنت‬ ‫حمدد‪ ،‬وبحقبة بعينها‪ ،‬ويلزمها امتالك مفاتيح للفهم والتحليل والت�أويل‪ ،‬مبا �أن التعامل يف الأدب‬ ‫هو بالدرجة الأوىل مع الن�صو�ص‪ ،‬ما قبلها وبعدها �إطار وحا�شية لي�س �أكرث‪ ،‬كيفما كانت مناهج‬ ‫مقاربتها‪ .‬هذا التعامل هو ما يقود خطوتنا الأوىل يف عملنا املقرتح‪ ،‬وال نحيد عنه قيد �أمنلة‪ ،‬يف �ضوء‬ ‫الن�ص‪ ،‬وعلى هديه نقر�ؤه‪ ،‬ونعمق ال�صلة به باعتماد ن�صو�ص �سابقة‪/‬الحقة‪� ،‬رصيحة وم�ضمرة‪ ،‬وثالثة‬ ‫متخللة‪� ،‬صانعني بذا توا�شجا �رضوريا ميثل �سياق الن�صو�ص ويظهر تالقحها‪ ،‬كذا ارتيادها �آفاقا‬ ‫م�شرتكة‪ ،‬ما ي�صنع التيار �أو امل�رشب اجلماعي‪ ،‬ويحفر يف النهاية خط حتول عميق‪.‬‬ ‫و�إذ ال يزعم هذا الكتاب الإحاطة بالنتاج الروائي العربي املتحول عموما‪ ،‬ف�إنه لن ي�شمل بيئات‬ ‫كتابته كلها‪ ،‬وال هذا ق�صده‪� ،‬إذ بُني على انتقاء وغربلة‪ ،‬حيث ُكتبت ن�صو�ص تعتربها قراءتنا‪ ،‬والنقد‬ ‫امل�ساوق‪ ،‬حتمل عالمات ما ننعته بالتحول‪ .‬طبعا هو حتول عن تقاليد �رسدية ر�سخت‪ ،‬ومعاجلات‬ ‫�أ�سلوبية وفنية ميكن القول ب�إن الرواية الواقعية بتعدد منظوراتها و�سجالتها االجتماعية والتخييلية‬ ‫ُعدت منوذجا لها‪ ،‬وتربت عليها ومنها تغذت‪ ،‬ومتنطع‪ ،‬غر‪ ،‬من يدعي العك�س‪� ،‬إذ تاريخ الأدب‬ ‫كله عبارة عن �شجرة �أن�ساب مت�صلة‪ .‬فف�ضال عن �أن الهدف يقع خارج دائرة ال�شمول واال�ستق�صاء‬ ‫التف�صيلي‪ ،‬متلي علينا مقاربتنا القيام باختيارات حمددة‪ ،‬بحيث �إن �إثبات هذا العمل �أو ذاك ال يعني بتاتا‬ ‫�إق�صاء غريه مما قد يتوفر على ملمح مميز م�شرتك‪� ،‬أو ينطبق عليه املفاهيم وم�صطلحات النقد امل�ستعملة‬ ‫�أداة يف التحليل‪ .‬االختيار م�س�ؤولية الباحث‪ ،‬وهو يف الآن عينه يقوده يف القراءة ويتحمل به نتائجها‪،‬‬ ‫يف هذا ال�سبيل يحتاج �إىل العثور على ما يالئمه هو‪ ،‬ما قد ال يالئم باحثا �آخر‪ ،‬لأن الن�صو�ص الأدبية‪،‬‬ ‫�رشيطة �أن ت�ضمن مهارة الكتابة‪ ،‬تظل تتفاوت بني حد ال�صنعة وقابلية التلقي‪ ،‬و�إن �شئنا‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬املوجة‬ ‫ال�سائدة يف فرتة �أدبية‪ ،‬لن�سمها الذوق‪� ،‬أو املزاج العام‪.‬‬ ‫تنتج املالءمة عندنا على مقت�ضى ما يحفل به الن�ص الروائي قيد الدر�س من �سمات وعنا�رص ت�ؤهله‪،‬‬ ‫واحداً‪ ،‬واحداً‪ ،‬ثم جمتمعة‪ ،‬لينخرط يف الن�شاط الكلي ملنظومة ال�رسد الأدبي‪� ،‬أوال‪ ،‬بحكم تراثيتها‬ ‫ال�رضورية‪ ،‬نعني امت�صا�صها لتقاليد موروثة‪ ،‬فال كتابة توجد من عدم‪� ،‬أو هو تن ّطع �صرِ ف ال قِبَلَ لتاريخ‬ ‫الأدب اجل ّدي به‪ .‬وثانيا‪ ،‬لنزوع الن�ص نحو االنزياح التدريجي عن تلك التقاليد‪� ،‬إما بتطويرها‪� ،‬أو‬ ‫نق�ضها‪� ،‬أو �إ�ضافة عن�رص يو�سع دائرة املنظومة ويغنيها‪ .‬وال يتحقق ال�رشطان ال�سالفان ـ �إن عددناهما‬ ‫كذلك ـ وي�ؤخذان يف اعتبار معقول �إال ح�سب وترية ظهورهما‪ ،‬ف�إن هذا ال�رشط‪ ،‬ثالثا‪ ،‬يعد م�ستحبا �إن‬ ‫‪8‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫توفر‪ .‬ل�ست من القائلني بالقطيعة اجلذرية مع الرتاث الأدبي ن�شدانا لتجديد مطلق‪ ،‬رغم �أين يف بداياتي‬ ‫الأدبية ظهرت �شديد اجلموح‪ ،‬و�أعرتف الآن �أنه نق�ص تكوين وجتربة‪ ،‬زيادة عن فورة العمر‪ ،‬وهو ما‬ ‫تعقله الثقافة وخربة التعامل املو�ضوعي مع الن�صو�ص القوية‪ ،‬التي �صاغت لنا تاريخ الأدب‪ ،‬وتقدمه‬ ‫يف املجرى الكال�سيكي الدافق �أبدا لأعماله‪� .‬أعني �أن كل جتربة حتتاج �أن جترب وتكرر ذاتها‪ ،‬وهي‬ ‫تغذيها‪ ،‬مرات قبل �أن ُيقدم النقد على نعتها ب�أي �صفة‪ ،‬فكيف بت�صنيفها يف خانة حمددة‪.‬‬ ‫�إنني �أحتدث عن التحول ب�صيغة اجلمع‪ ،‬ما يفيد �أن هناك م�سل�سال من العمليات الكتابية يعرتي‬ ‫ج�سد جمموعة من الن�صو�ص ال�رسدية‪ ،‬ومعلوم �أن التحول يف �أ�صله عملية كيميائية‪ ،‬تربهن على‬ ‫انتقال ال�شيء‪� ،‬أو املادة‪ ،‬من و�ضع �إىل و�ضع بفعل تدخل وتفاعل م�ؤثرات عدة‪ ،‬وتنتج يف النهاية‬ ‫حالة خمتلفة عن ما كان عليه ال�شيء يف �سابق عهده‪ ،‬دون �أن يكون للأمر �سلفا عالقة بافرتا�ض انتقال‬ ‫نحو الأح�سن �أو الأف�ضل‪ ،‬ما عدا �أن الفعل حمفوز يف عمله برغبة‬ ‫حتقيق النتيجة‪ .‬وكما �أن العملية الكيميائية تتطلب الزمن ال�رضوري للو�صول �إىل النتيجة‪ ،‬فهي‬ ‫يف حالة الرواية �أطول و�أعقد‪ ،‬لأن العنا�رص وعملية التفاعل لي�ست مميزة دائما‪ ،‬وال تخ�ضع بانتظام‬ ‫ل�رشوط مو�ضوعية‪ ،‬قل �إن الذات حا�رضة فيها بدرجة ق�صوى‪ ،‬فنحن هنا يف جمال الفن ال العلم‪ .‬بهذا‬ ‫املعنى ف�إن ما عرفته الرواية العربية من حتوالت اقت�ضى زمنا وهو ما ت�شهد به الأعمال‪� ،‬أوال‪ ،‬وثانيا‬ ‫ت�ؤيده ا�ستمرارية الفعل التي هي يف خط ت�صاعدي‪ ،‬وتتخذ �أكرث من �شكل‪ ،‬وتربز يف غري ما �صعيد‪.‬‬ ‫يف هذا ال�صدد من املنا�سب القول ب�أن التحول �إذا كان يظهر منجزا فهو مير مبراحل‪ ،‬منها التجريبي‪،‬‬ ‫وهذا منه كثري يف الرواية والق�صة الق�صرية املجددين يف �أدبنا العربي‪ ،‬منذ �سبعينات القرن املا�ضي‪،‬‬ ‫وثمانيناته خا�صة‪� .‬إال �أن التجريبي رغم جر�أته الظاهرة‪ ،‬وتنطعه‪ ،‬وجهره بالقطيعة الخ‪..‬لهو حلظة‬ ‫جرتحه‪ ،‬كالكيميائي‪� ،‬سعيه �إىل �صوغ و�ضع غري م�سبوق بناء على تفاعل عنا�رص‬ ‫فم ُ‬ ‫انتقالية ال قارة‪ُ ،‬‬ ‫كلية‪ .‬لذا �أولينا االهتمام بالدرجة الأوىل يف هذا الكتاب لن�صو�ص ذات متثيلية معقولة اكتمل فيها‬ ‫ن�سق التحول �أو كاد‪ ،‬و�أحيانا على �أهبة اندراج واع يف خطه‪ ،‬و�إال فكل رواية مما يكتب اليوم من هذا‬ ‫القبيل‪ ،‬ت�سمع �أ�صحابها‪ ،‬منددين‪ ،‬منادين برف�ض العامل و�إدانته قبل �أن يعرفوه وجها وقفا!‬ ‫�أولي�س من الأن�سب‪ ،‬بعد ما �سلف‪ ،‬تعيني عينات وعنا�رص ما ن�سميها التحول‪/‬التحوالت‪ ،‬ف�إن‬ ‫قررنا عدم الدخول يف التفا�صيل تاركني ملنت الدرا�سة عر�ضها على الوجه الأكمل‪ ،‬ال ب�أ�س يف هذا‬ ‫املدخل من الإ�شارة �إىل عناوينه البارزة‪ ،‬ت�ستتب عندنا يف ثالث تيمات ومراحل‪ :‬الأول‪ ،‬ت�صنعه‬ ‫املقاي�سة واملقارنة الدائمة بني قدمي وجديد‪ ،‬يف الذهاب والإياب بني متنني‪ ،‬واح ٌد حا�رضٌ هو مناط‬ ‫غائب تتم الإحالة عليه �ضمنا‪ .‬ترت�سم يف م�سافة الرتاوح هاته اللوحة التي‬ ‫التحليل‪ ،‬وثانٍ �سابق عليه ٌ‬ ‫�سنخط فوقها عينات وخ�صائ�ص ما اعرتى الرواية العربية من تخري �أو اختالف‪ .‬هي �إحالة تعتمد‬ ‫‪9‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ذاكرة روائية جمعية‪ ،‬مرجعها ن�صو�ص مكر�سة‪ ،‬يف امل�رشق العربي خا�صة‪ ،‬لذلك �أحلحنا �أعاله على‬ ‫التمثيلية املركزية لأعمال جنيب حمفوظ‪ .‬علما ب�أن القارئ امل�رشقي‪ ،‬قبله الدار�س‪� ،‬سيفتقد املرجعية‬ ‫املغاربية �إما لأنه ال يحفل بها‪� ،‬أو لعدم اطالعه عليها‪� ،‬إال يف ما ندر‪ .‬ننبه‪� ،‬إذن‪ ،‬ب�أن التجربة الروائية‬ ‫املغاربية‪ ،‬وهي مت�أثرة ب�شقيقتها‪ ،‬متتلك مميزاتها الذاتية بحكم عوامل تكوين �سو�سيو ثقافية خا�صة‪،‬‬ ‫من ثم فالوقوف على ما تبدل فيها ره ٌن مبعرفة ما كان‪ ،‬نحن �أبناء هذه املنطقة �أدرى ب�شعابه‪ ،‬لو درينا‬ ‫طبعا!‬ ‫الثاين‪ :‬ميكن ر�صده يف جمموع ما تعتمده الكتابة الروائية لت�شكلها‪ ،‬من حيث املعمار‪ ،‬والبنية‬ ‫ال�رسدية‪ ،‬و�صور الو�صف والتمثيل‪ ،‬وطرائق ال�رسد من زاوية اعتماد ال�ضمائر‪ ،‬و�أنواع ومواقع‬ ‫الر�ؤية‪� ،‬إ�ضافة �إىل كيفية ح�ضور الزمن الروائي وا�ستخدامه قيا�سا بالزمن احلقيقي‪ ،‬و�أ�سلوب ر�سم‬ ‫ال�شخ�صيات‪ ،‬وم�ستويات �إنتاج اخلطاب‪ ،‬واللغات امل�ستعملة‪ ،‬وال�صيغ الأ�سلوبية‪ ،‬وعموما كل ما‬ ‫يدخل يف �صنع الهيكلة الروائية وحبكه�إ و�ضبط �إولياتها وطرحها مادة فنية قابلة للتلقي‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬يقرتن مبا ت�رسده الأعمال من حمكيات وحتتفي به من العوامل‪ ،‬يف عالقة مع ال�شخ�صيات‬ ‫والرهانات مناط الفعل واحلكي‪ ،‬وقريبا من هذا م�ضمون العمل ودالالته ككل‪.‬‬ ‫وبالن�سبة للمقترَ ب الأخري ال بد من الت�أكيد ب�أنه ال يعالج وحده‪� ،‬أي منف�صال عن الهيئة ال�شكلية‬ ‫للعمل‪ ،‬فهما مت�ضامنان‪ ،‬ومتكامالن �سواء يف الت�شييد الفني‪� ،‬أو �إنتاج املعنى‪ ،‬وهذا ما حر�صنا على‬ ‫مراعاته يف قراءاتنا لكي تظهر للقارئ من�شغلة بالن�ص كيف يعمل ومباذا ومن �أجل �أي غر�ض �أو‬ ‫يف �أي �أفق‪ .‬من هنا‪ ،‬مرة �أخرى‪ ،‬جاء الوعي بتعدد التحوالت ال مفردها‪ ،‬وت�ضافر ما هو �شكلي‬ ‫بامل�ضمون‪ ،‬كالهما م�سه التغيري‪ ،‬فال الكتابة ال�رسدية بقيت طريقة للمحاكاة امليكانيكية‪ ،‬واملنف�صلة‬ ‫عن ذات كاتبها وهواج�سه ت�صنع منظوره وهي تذ ّوت مرئياته‪ ،‬وال العامل اخلارجي‪ ،‬مناط الر�صد‬ ‫عطى على م�ستوى واحد‪ ،‬ب�سيط ُوم�س ّطح‪ ،‬فيما ا�ستحال‬ ‫والو�صف‪ ،‬م�شغل احلكي‪ ،‬ظل هو‪ ،‬هو‪ُ ،‬م ً‬ ‫�إىل ت�ضعيف وتركيب ملا كان عليه‪ ،‬نتيجة ما عرفته احلياة الإن�سان من تعقيد‪ ،‬ولتدخل الوعي الباطن‪،‬‬ ‫وت�أجج الأزمات الفردية ح ّدا حطم فكرة �أي ر�ؤية من�سجمة‪ ،‬الواقعية �أم�س‪ .‬بيد �أن تفكك هذه الر�ؤية‬ ‫لي�س تاما‪� ،‬أو يحدث بي�رس‪ ،‬لذلك تتفاوت درجات الوعي يف الكتابة‪ ،‬من بلد �إىل �آخر‪ ،‬ومن هذا‬ ‫الروائي لذاك‪ .‬بعبارة خمتلفة‪ ،‬ف�إن مظهر‪/‬مظاهر التحوالت يف الن�ص الروائي يتناوبها ال�ش ّد واجلذب‬ ‫َ‬ ‫و�سيط ْي الوعي والإح�سا�س الذاتيني‪،‬‬ ‫بني الفاعلية املجتمعية‪ ،‬وطموح الكاتب لل�سيطرة عليها عرب‬ ‫ي�ضاف �إليهما الت�أهيل ال�شخ�صي للروائي من جهة تطويع �أدواته لأغرا�ض فنه‪ ،‬هو يف عرفنا حمك‬ ‫اختبار �أ�سا�س‪ ،‬خا�صة و�أن هذا الكتاب ال يعنى �إال جزئيا بالنواحي الداللية واملرجعية للن�ص‪.‬‬ ‫ي�سمح ال�سياق‪� ،‬إذن‪ ،‬بالقول ب�أن ال�شاغل الأول لهذا الكتاب هو حماولة ح�رص وتنظيم و�ضبط‬ ‫‪10‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�إيقاع التحوالت التي عرفتها الرواية العربية‪ ،‬من خالل ن�صو�ص مفردة‪ ،‬ذات متثيلية‪ ،‬متنوعة �شكال‬ ‫وبلدانا ومنازع‪ ،‬وبعيدا عن زعم ال�شمول‪ ،‬وال ا�ستخال�ص نظرية ما‪ ،‬وذلك يف خط ر�سم �سمات‬ ‫العمل ال�رسدي الفنية والبنائية‪ ،‬بو�صفه جن�سا �أدبيا قام على �أ�س�س حمددة‪ ،‬وعاد يعرف �إعادة بناء‪.‬‬ ‫معناه �أن الغر�ض من الكتاب يخت�ص بالنوع �أ�سا�سا‪ ،‬وبالتايل بالتحوالت النوعية جلن�س الرواية؛ ذا‬ ‫املطلوب واملعول عليه‪ ،‬و�سواه ي�أتي تباعا وحا�شية‪ ،‬رغم �صعوبة الف�صل‪ ،‬كما �أ�سلفنا‪� .‬إمنا ال منا�ص‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فاحلديث يف النقد الروائي عن امل�ضامني واملدلوالت يتحول �إىل �رضب من التقارير والإن�شاء امل�سف‪،‬‬ ‫حتى و�إن تزيّا �أحيانا مبقاربة ب�إحدى مناهج �سو�سيولوجيا الأدب‪ ،‬وجدناه �رسعان ما ينحرف عنها‬ ‫لعدم �إحكامه منهجها ليتحول �إىل زوائد نرثية يف �رشح ماذا تريد قوله الرواية‪ ،‬واحلال �أن الأهم‪،‬‬ ‫وقطب الرحى لهذا النقد �أن يقول لنا‪ ،‬بالأحرى �أن ي�صف‪ ،‬ويك�شف‪ ،‬وينظم كيف تقول‪ ،‬لأن‬ ‫الأدب‪ ،‬والرواية ٌ‬ ‫أدبي‪ ،‬حتى وهو منذور للغر�ض والر�سالة‪� ،‬إمناعلى طرز حمدد‪ ،‬و�إال فخطابه‬ ‫قول � ٌّ‬ ‫ميكن �أن يتواله قول غريه‪.‬‬ ‫ودون �أن ن�سف يف �أي ت�شغيل لآليات التحليل ال�شكالين ال�رصف‪ ،‬راعينا �أن ن�ستخدم يف قراءاتنا‬ ‫مفاهيم ومفاتيح‪ ،‬وطرائق منهجية و�إجرائية تنا�سب املقروء‪ ،‬تلت�صق بجلده مرة‪ ،‬و�أخرى ت�ستنبط‬ ‫خمبوءه‪ ،‬ويف احلالني ت�ستقرئ نوعه ومادته منه بال �إ�سقاط �أو ت�أويل م�سبقني‪ .‬غر�ضنا ال الربهنة على‬ ‫�أحقية منهج‪ ،‬وال تف�ضيل مقاربة دون غريها على ح�ساب عزل الن�صو�ص‪ ،‬وت�سخريها بكيفية ثانوية‪،‬‬ ‫بل جعلها املبتد�أ واخلرب‪ ،‬كل التحليل غايته الو�صف‪� ،‬أوال‪ ،‬و�صنع �أو ا�ستخال�ص الن�سق الرابط‬ ‫بينهما‪ ،‬ومن ثم كيفية �صناعة العمل وبنائه‪� ،‬أو ال�شيء‪.‬‬ ‫ال نزعم‪ ،‬مع ذلك‪� ،‬أننا ا�ستخدمنا الأدوات ب�رصامة‪ ،‬وال�سبب �أننا ـ كل دار�س عر�ضة لهذا‬ ‫املحذورـ كنا نتغري ثقافيا ومنهجيا مع زمنية القراءة‪ ،‬من ناحية‪ ،‬ولأن الناقد‪ ،‬القارئ املحرتف‬ ‫ال يتنزه عن تدخل ذوقه‪ ،‬و�إن ظل الذوق ح�صيلة مزاج عام‪ ،‬وحنكة تكت�سب ال ر�أيا اعتباطيا‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪12‬‬


‫الرواية العربية‪ ،‬مغرب ًا‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪14‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ ‬

‫الرواية املغاربية ‪:‬‬

‫يف املفهوم والهوية والإ�شكالية‬ ‫يتعني مو�ضوع �أي بحث بعنوانه‪ ،‬كمنطلق �أول‪ ،‬ولكن‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬وجوهرا‪ ،‬بر�ؤيته‪ ،‬ب�أفقه‪ ،‬والإطار‬ ‫الذي يندرج فيه خا�صة‪ ،‬و�إال ف�إنه يبقى قائما على تعدد يف احتماالت قراءة ال تعني بال�رضورة الغنى‪،‬‬ ‫بقدر ما توحي باالرتباك وعدم الفهم الناجمني بدورهما عن �سوء ت�أويل‪ .‬واملو�ضوع الندوة الذي‬ ‫يلتم ال�شمل حوله* يحمل عنوانا ي�شي للوهلة الأوىل ب�أنه �صاف كاللنب ال ت�شوبه �شائبة‪� ،‬أي �أنه معطى‬ ‫ومروج �أو قابل للرتويج‪ ،‬وله ممثلوه‪ ،‬بحكم الن�صو�ص املعربة فيه‪ ،‬ورمبا جتتمع له اخل�صائ�ص‬ ‫مقبول‪َّ ،‬‬ ‫التي بو�سع �أي باحث متمرن �أن ُ‬ ‫ينظمها يف �سلك واحد‪ .‬ويف هذه احلالة ف�إننا‪� ،‬أو �إن البحث الأدبي‬ ‫لن يجني كبري فائدة من حت�صيل احلا�صل‪ ،‬و�سنظيف ورقتنا و�أوراقا عديدة من قبيلها �إىل تلك ال�صنافة‬ ‫املعهودة لتاريخ الأدب يف �أطره ومرجعياته املذهبية‪ ،‬والإقليمية‪ ،‬واملو�ضوعاتية الخ ‪..‬‬ ‫هكذا‪ ،‬ف�إن قولنا‪" :‬الرواية املغاربية" ينطوي على �إقرار �ضمني مبنت �أدبي كامل العدة والعدد‪،‬‬ ‫وال جمال فيه للأخذ والرد‪ ،‬على الأقل من جهة الن�سبة �إىل املكان‪ .‬وقد ال يخلو الأمر من نزعة"ال‬ ‫نقدية"�إن مل نقل من فجاجة‪ ،‬حني يتم ربط كتابة م�صنفة �سلفا من خارج خ�صائ�صها الإبداعية ب�إطار‬ ‫هو الآخر خارجي يُ َ�سبغ على ج�سم ال يحفل مبقا�سه وطبيعة تكوينه‪� .‬إن هيئة"الإحتاد املغاربي" ت�سمية‬ ‫�سيا�سية وهيكلية جتد �أ�صلها يف امليثاق الت�أ�سي�سي ل" احتاد املغرب العربي"(‪�17‬شباط‪ ،‬فرباير‪)1989‬‬ ‫الهادف �إىل توثيق الروابط التي من �ش�أنها تع�ضيد وحدة �شعوب املغرب العربي‪ ،‬والقائمة على �أ�س�س‬ ‫التاريخ والدين واللغة‪ ،‬والطامح �إىل حتقيق وحدة اندماجية كاملة‪ .‬هذه املبادئ التي تبلورت بكيفية‬ ‫ت�أ�سي�سية يف ميثاق مراك�ش (حزيران‪ ،‬يونيو‪ )1990‬مبنا�سبة اجتماع ر�ؤ�ساء دول املنطقة امل�صادق نهائيا‬ ‫‪15‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬ ‫على ت�أ�سي�س الإحتاد‪ .‬جدير بالذكر �أن ال�صيغة ال�سيا�سية الأوىل للمغرب العربي ترجع �إىل �سنة ‪1948‬‬

‫التي �شهدت يف القاهرة ميالد مكتب بهذا الإ�سم وذلك �إبّان كفاح احلركات الوطنية �ضد الإ�ستعمار‬ ‫الفرن�سي‪ ،‬وكان من �أعالمه الزعيم الوطني املغربي عالل الفا�سي‪ ،‬والتون�سي فرحات ح�شاد‪ .‬ومن‬ ‫امل�ؤكد �أن التاريخ ال ين�سى م�ؤمتر املغرب العربي الذي انعقد مبدينة طنجة (�صيف ‪ )1958‬مب�شاركة‬ ‫حزب اال�ستقالل املغربي‪ ،‬وجبهة االتحرير الوطني اجلزائرية‪ ،‬واحلزب الد�ستوري التون�سي‪ ،‬وكانت‬ ‫النقطة ال�ساخنة جلدول �أعماله التن�سيق وح�شد الطاقات لن�رصة ال�شعب اجلزائري الذي مل يكن قد‬ ‫تخل�ص بعد من نري الإ�ستعمار‪� .‬إذن‪ ،‬و�أخذا باالعتبار لأمثلة كثرية من هذا النوع‪ ،‬هل علينا �أن نعترب‬ ‫الثقافة‪ ،‬و�ضمنها الإبداع الأدبي كمكون �أ�سا�س‪� ،‬أحد الركائز الثابتة ل�صنع �أوا�رص هذه الهيئة(احتاد‬ ‫املغرب العربي) �إىل احلد الذي ي�صل ر�سوخها �إىل الرواية وال�شعر و�سائر الفنون‪� ،‬أم ننظر �إىل الطرح‬ ‫يف �أفق غده املحتمل‪� ،‬أي عندما ي�صبح بالإمكان احلديث عن �إبداع روائي يف ف�ضاء جيوـ بوليتيكي‬ ‫مت�سع ومتكامل‪ ،‬ب�أن�ساق و�سياقات خم�صو�صة به؟‬ ‫ما من �شك �أن الثقافة حمفل مركزي للقاء واحلوار والتكافل‪ ،‬لكنها تبقى يف الآن عينه حمفال‬ ‫خ�صو�صيا متمايزا‪ ،‬على �أكرث من وجه‪ ،‬عن املجال ال�سيا�سي‪ .‬و�إذا كنا ال جنادل يف تكامل الثقايف‬ ‫مع ال�سيا�سي وت�أثره ال�شديد ب�أ�سبابه‪ ،‬ف�إننا ال بد من الإقرار ب�أنهما حقالن خمتلفان رغم القوا�سم‬ ‫امل�شرتكة؛ من مت ال ي�صح‪ ،‬يف ر�أينا‪ ،‬التعميم وجعل ال�شعار يئد املو�ضوع ويلغي اخل�صو�صية‪ ،‬والإبداع‬ ‫م�س�ألة خ�صو�صية و�سمات مائزة قبل كل �شيء‪ .‬وهذا هو ال�سبب الأول لعدم تقبلنا �صيغة" الرواية‬ ‫ّ‬ ‫كدال �إىل مدلول �آخر متتلئ به وت�سكت عن‬ ‫املغاربية‪ ،"..‬وباملقابل نرى �أن هذه ال�صيغة ك�أمنا حتيل‬ ‫ت�سميته‪ ،‬وهو يف اعتقادنا �سكوت ذكي ـ م�ؤقت طبعا ـ فيه مكر ال�سيا�سي الراغب يف قول احلقيقة مع‬ ‫جتنب حرجها‪� .‬سيا�سيا �أو هيكليا �إن ما يوجد هو "احتاد املغرب العربي"(‪)UMA‬ال الإحتاد املغاربي‪.‬‬ ‫�إنه يحمل هويته فيه معلنة باللغة العربية‪ ،‬هي‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬دال م�سكون بكل املدلوالت املعلومة واخلفية‪،‬‬ ‫ومن هذه الأخرية واقع ثقايف لغوي مر ّكب‪� ،‬أ�صبحت الإزدواجية الفكرية واللغوية �أحد مظاهره‬ ‫البارزة‪ .‬وعليه فف�سحة الت�أويل ت�سمح لنا بالقول �إن العنوان �أعاله مل ي�شط �أبدا يف �شيء‪ ،‬وال تناق�ض‬ ‫حداه ال�سيا�سي والثقايف‪ ،‬وكل ما يف الأمر �إحالته �إىل ما �أ�ضمره يجهر به الواقع املركب لبلدان املغرب‬ ‫العربي‪ ،‬الواقعة يف ال�شمال الإفريقي‪ ،‬التي خ�ضعت لال�ستعمار الفرن�سي‪ ،‬وجنم عن ذلك و�ضع لغوي‬ ‫جديد كانت له تعبرياته ومتثيالته الإبداعية الأدبية‪ ،‬الرواية ت�أتي يف قلبها ‪.‬‬ ‫لي�ست هذه‪ ،‬من نحو �آخر‪ ،‬طريقة لبناء املو�ضوع بل هي املو�ضوع ذاته‪ ،‬والذي لن نحتاج‬ ‫�إىل التدليل على وجوده مبا �أنه تاريخيا ولغويا ونقدا ومتنا قبل كل �شيء موجود بال منازع‪ .‬بعبارة‬ ‫�أو�ضح‪ ،‬نحتاج �إىل تغيري ال�صيغة �شكال‪ ،‬فيما نقوم يف الوقت نف�سه ب�إبدال ثقايف على �صعيد �إبداعي‪،‬‬ ‫‪16‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫فنقول"الأدب املغاربي ذو التعبري الفرن�سي" ومنه الرواية املغاربية‪ ،‬املكتوبة بالفرن�سية‪ .‬عندئذ ت�صبح‬ ‫الطرق �سالكة رغم �أنها تبقى مت�شعبة ومر�صوفة ب�إ�شكاليات �شتى تتجاوز بكثري احلدود الل�سانية‬ ‫والأدبية �إىل الأطر الإيديولوجية والثقافية باملعنى الأو�سع‪� .‬أكيد �أن هذا ينعك�س �سلبا على �أدب الل�سان‬ ‫بال�سمت‬ ‫العربي يف بال د املغارب‪ ،‬وذلك يف ما ي�شبه نفي وجود رواية �أو‪ ،‬عموما‪� ،‬أدب عربي خمت�ص ّ‬ ‫املغاربي‪ ،‬وهذا هو الوجه الثاين �أو ظهر املو�ضوع الذي نحن االن ب�صدد اخلو�ض فيه ب�إعادة بنائه‪ ،‬ذاك‬ ‫املخت�ص ب�سمات فارزة‪ ،‬فنية وم�ضمونية‪ ،‬واخلا�ضع يف خمتلف مراحل تبلوره ملوجبات تاريخية منحته‬ ‫هوية االنتماء �إىل الف�ضاء العربي الأو�سع والأ�شمل مبحدداته القومية‪ ،‬عقيديا و�إيديولوجيا وفكريا‬ ‫ور�ؤية تطلع �إىل امل�ستقبل‪ ،‬رغم �أننا لن نذهب �إىل حد احلديث‪ ،‬مثال‪ ،‬عن" رواية اجلامعة العربية"‬ ‫مقابل" رواية الإحتاد الأوروبي"!!‬ ‫وعلى الرغم من �أن"الإحتاد املغاربي" ي�شمل املغرب واجلزائر وتون�س وموريتانيا وليبيا ف�إن البلدان‬ ‫الثالثة الأوىل هي التي تغطيها الت�سمية الأدبية‪ ،‬وهي وحدها امل�أخوذة بعني الإعتبار عند الدار�سني‪،‬‬ ‫م�ستندين �إىل �إنتاجها باللغة الفرن�سية‪ ،‬طبعا‪ ،‬و�إىل ح�ضور احلالة على م�ستوى اجلدل‪ ،‬والتمثيل‬ ‫الثقايف عرب الأجيال‪ ،‬وكذا عرب ت�شخي�ص ق�ضية املثاقفة‪ .‬ونظرا الت�ساع الظاهرة‪ ،‬وتعدد امل�شاركني‬ ‫يف واجهتها وفعلها‪ ،‬ولكرثة وت�شابك الر�ؤى ووجهات النظر يف مو�ضوع ذي طبيعة بحثية و�سجالية‬ ‫يف �آن نف�ضل �سلّ خيط امل�ساهمة املغربية‪ ،‬نحن �أدرى بها‪ ،‬من جهة‪ ،‬ولأنها �أعطت للظاهرة‪ ،‬من‬ ‫جهة �أخرى‪ ،‬نظامها النظري وارتقت بها �إىل �صعيد الإ�شكالية منطلقة من �أر�ضية احلالة اللغويةـ الأدبية‬ ‫‪ ،‬لتغور يف عمقها ال�سيا�سي والثقايف الهوياتي‪ ،‬وتربطها ربطا حمكما ب�أ�سئلة جيل جديدـ كان جديداـ‬ ‫هاج�سه التغيري و�صوغ ال�شخ�صية الوطنية يف خما�ض التحوالت الكربى للعامل الثالث‪ .‬ومن هذه‬ ‫املالءمة نختار مثال جملة " �أنفا�س"( ‪ )Souffles‬والتي مثلت‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬منوذج حركة �أدبية طليعية يف‬ ‫منت�صف �ستينات القرن املا�ضي قبل �أن تغري نهجها وتتحول يف منعطف العقد ال�سبعيني �إىل ل�سان تنظيم‬ ‫مارك�سي‪ ،‬وتتعر�ض للمنع‪ ،‬و�أ�صحابها للإعتقال ‪.‬‬ ‫ال يعنينا من بروتوكوالت املجلة وطليعيتها الأدبية �إال ما يخ�ص التوجه املغاربي يف احلقل‬ ‫الثقايف‪ ،‬باخلطاب الذي �أنتجته يف هذا ال�صدد والر�ؤية اجلماعية التي حفزت عليها‪ ،‬وارت�ضاها‬ ‫عدد من املبدعني يف البلدان الثالثة نربا�سا لكتاباتهم �شعرية وروائية‪ .‬منذ عددها الأول (الف�صل‬ ‫الأول ‪ )1966‬يح�رض هذا اخلطاب وتعلو نربته �سلبا و�إيجابا‪ ،‬حمبطا وحمفزا‪ ،‬تربيريا وحمر�ضا يف الآن‬ ‫عينه‪� .‬إن" �أنفا�س" التي جمعت مبدعني مغاربة‪ ،‬لدى انطالقها‪ ،‬وكلهم يكتبون بالفرن�سية‪ ،‬طرحت‬ ‫م�رشوعها يف العدد الأول (العدد ـ املانف�ست) مقرتنا بالأدب املغاربي‪ ،‬ذي التعبري الفرن�سي‪ ،‬طبعا‪،‬‬ ‫بل �أكرث من ذلك �سجلت حتديها الإبداعي‪ ،‬من بني جمابهات �أخرى‪ ،‬رد فعل على ما ارت�أته من تعرث‬ ‫‪17‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫لهذا الأدب‪ ،‬ومن �أنه يف حالة احت�ضار‪ .‬ما ا�ستوجب‪� ،‬ضمنا‪ ،‬الدفاع و�إعالن نزعة �إحياء متتحن‬ ‫فيها مواهب جديدة تقطع مع الرتكة املر�سومة من قبل الرواد ( كاتب يا�سني‪ ،‬حممد ديب‪ ،‬مولود‬ ‫فرعون‪� ،‬ألبري ميمي‪ ،‬وحتى �إدري�س ال�رشايبي) املنجزة‪ ،‬ح�سب الأنفا�سيني‪ ،‬يف �إطار �إ�شكالية املثاقفة‬ ‫( ‪ ) L’accuturation‬والتي‪ ،‬بالرغم من �إداناتها ومناه�ضاتها‪ ،‬ظلت تتحرك تقريبا يف اجتاه واحد‪ ،‬مبا‬ ‫�أنها كانت موجهة �إىل الإ�ستهالك الأجنبي يف املرتبول‪ .‬وعليه فقد قرر الأ�سالف اال�ستئناف يف طريق‬ ‫مغايرة تقطع مع و�صفات املا�ضي‪ ،‬واخلروج من حلقات الذكر الفولكلورية واخلطاطات العجائبية‪،‬‬ ‫وجعل ال�شعر ال�صوت املتفرد لل�شاعر �أوال‪ ،‬معربا ومن�سجما مع �رسيرته‪ ،‬وبذا ميكن تخطي بع�ض‬ ‫م�شاكل �أو �إكراه و�ضعية لغوية م�أزومة‪ ،‬تلك التي ما فتئ املبدعون ذوو الل�سان الفرن�سي يتخبطون‬ ‫يف م�آزقها ‪.‬‬ ‫�أجل‪ ،‬ففي قلب �صيغة الأدب املغاربي تكمن امل�س�ألة اللغوية يف �صورة ما ُ�سمي �أو ُو�صف‬ ‫ب" متزق" بني لغتني وثقافتني وهويتني ( يعد اجلزائري مالك حداد �أقوى الأ�صوات اجلريحة بهذا‬ ‫الو�صف)‪ ،‬تولدت خافتة عند اجليل الأول الذي �أبدع‪ ،‬يف �سياق احلرب العاملية الثانية وما تالها‬ ‫يف املرحلة اال�ستعمارية‪ ،‬لكي تتنامى كخلية �رسطانية عند اجليل الالحق‪ ،‬هذا الذي تفتح وعيه مع‬ ‫بزوغ فجر لإ�ستقالل ويف �أتون ال�رصاع لإجناز مهام التحرر الوطني على الأ�صعدة كافة‪ .‬و�إذا ما اعتقد‬ ‫البع�ض �أن م�رشوع" �أنفا�س" لوجه الإبداع خال�صا ف�إن بذرة التمرد �أو جمرته كانت م�شتعلة فيه منذ‬ ‫البداية‪ ،‬وعند داعيته الكبري ال�شاعر عبد اللطيف اللعبي بالدرجة الأوىل‪ ،‬فال عجب �أن مل مت�ض �إال‬ ‫خم�س �سنوات ليتبدل لبو�سه وينتقل �إىل معمعة ال�رصاع االجتماعي وال�سيا�سي‪ ،‬يف �صيغة م�رشوع‬ ‫ثوري فرق بني املبدعني احلقيقيني وامل�صارعني الطبقيني‪ .‬هكذا خلق الوعي مبطلب التحرر من الهيمنة‬ ‫الأجنبية‪ ،‬ومهمة �إعداد ال�شخ�صية الوطنية امل�ستقلة �أزمة �ضمري عند طليعة �أدبية ل�سانها وبيانها الرفيع‪،‬‬ ‫ور�سالة متردها‪ ،‬كله م�صوغ بلغة غري لغة وطن تتحدث �أو تزعم �أنها تفعل با�سمه‪ ،‬ويتبارى ال�شعراء‬ ‫والروائيون يف طرز من اال�ستعارة و�ألوان من املجاز �شتى‪ ،‬هي يف نهاية املطاف بالغة �سجل ثقايف‬ ‫غربي؛ هذا و�سواه حرك الأ�شجان وحفز على اجرتاح م�سوغات هي �أقرب �إىل التربير وعزاء الذات‬ ‫من �أي �شيء �آخر‪ ،‬و�إن دلت على وعي جيد ب�أهمية الأداة اللغوية يف العملية الإبداعية‪ ،‬وارتباطها‬ ‫احلميم مبكون الهوية الوطنية ‪.‬‬ ‫ميكن تعداد وجوه الأزمة كما مت ر�صدها من بداية امل�رشوع ( ‪� )1966‬إىل موعد تقوميه (ع‬ ‫الف�صل الثاين ‪ )1970‬يف الإح�سا�س بنوع من االغرتاب يف لغة" الآخر" يلقى �شفاءه عند امل�أزومني يف‬ ‫ان�سجام لغة التعبري مع العامل الداخلي لل�شاعر نف�سه‪ .‬ثانيا‪ ،‬يف التباعد �أو انعدام التوا�صل مبحدودية‬ ‫�رسيان هذا ال�شعر‪ ،‬وهو ما يجد عزاءه يف �ضعف و�ضعية القراءة ب�صفة عامة‪ ،‬وكذا تف�شي الأمية‪.‬‬ ‫‪18‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫لكن الذات املغرتبة لن تواجه ذاتها �إال بعد �سنوات وقد ت ّعقل احلما�س وانتظم امل�سري‪ ،‬وغدا الأدب‬ ‫املغاربي للجيل الثاين"املتمرد" متجاوزا مرحلة الت�أ�سي�س والتربير �إىل الت�أ�صيل والرت�سيخ بالنظرية بعد‬ ‫الن�ص‪ .‬يف مقالة رئي�س بعنوان‪" :‬الأدب املغاربي الراهن والفرانكفونية" (�أنفا�س ‪ )1970‬ي�سعى عبد‬ ‫اللطيف اللعبي لو�ضع �سياق للنقا�ش حول هذا املو�ضوع‪ ،‬بادئا ب�إثارة امل�ؤاخذات الكربى املوجهة‬ ‫للف�صيل الفرنكفوين وهي ثال ث‪ :‬ملاذا �أنتم الكتاب ال�شباب‪ ،‬واملنا�ضلون من �أجل ثقافة للتحرر كتبتم‬ ‫وتكتبون بالفرن�سية؟ ما تكتبون بالفرن�سية ال ميكن �أن يغني الثقافة الوطنية‪ ،‬وم�صريه الهام�شية‪� .‬إنكم‬ ‫نتاج الإ�ستعمار‪ ،‬وبالتايل ف�إنكم متواطئون مع الإ�ستعمار اجلديد‪.‬و�إذ يقر اللعبي مب�رشوعية الإنتقادات‬ ‫يواجهها بدفوع �أهمها‪ :‬فعال هناك �إح�سا�س بالوجود يف و�ضعية غري مريحة داخل لغة وثقافة �أجنبيتني‪،‬‬ ‫والرد هو �صيغة"التعاي�ش الال �سلمي"املطبوع باحلذر‪ ،‬ومعناه �أن الفرن�سية �إمنا ُت�ستخدم �أداة للتو�صل‬ ‫ولي�س للثقافة‪ .‬يرتتب عن هذا مبا�رشة‪:‬‬ ‫وعربي‪ ،‬وهو ما‬ ‫�شعبي‬ ‫وطني‪،‬‬ ‫‪1‬ـ �أن املحمول الثقايف واجلمايل والإيديولوجي املبتغى تو�صيله‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يعني احلفاظ على اخل�صو�صية‪ .‬مبا �أن اللغة امل�ستعملة تنقل ثقافة و�إيديولوجية طبقة اجتماعية خم�صو�صة‬ ‫بالواقع الفرن�سي والغربي‪ ،‬ف�إنه يتم حتييد امل�صطلحية والنماذج ال�سلبية املنقولة باللغة الأجنبية‬ ‫وتعوي�ضها بنماذج وطنية‪.‬‬ ‫‪2‬ـ من قبيل هذا ما يقوله �أبناء الف�صيل عن هجومهم‪ ،‬على اللغة الفرن�سية ب"حرب ع�صابات"‬ ‫داخلها لتفجريها من الداخل‪ ،‬و�شحنها بطاقة مغايرة‪ ،‬وهو ما يرد عليه �آخرون بنوع من الهزء‪ ،‬ب�أنكم‬ ‫�إمنا ت�ساهمون‪� ،‬أنتم والأفارقة كتاب ال ّزنوجة يف �إغناء الفرن�سية ال تفجريها �أو �إفقارها‪.‬‬ ‫‪3‬ـ الدفع الثالث هو �أن لغة الأجنبي ت�ستعمل �أداة ملناه�ضة اال�ستعماروالكفاح �ضد الأمربيالية‪،‬‬ ‫وهذه غاية م�ستح�سنة‪� ،‬أي تربر الو�سيلة‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ من �رضبه �أنه �إذا مل تكن اجلن�سية الأدبية م�س�ألة بطاقة تعريف وال جواز �سفر‪ ،‬ف�إنها‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ال‬ ‫تف�ض مبجرد ا�ستعمال اللغة الوطنية‪� ،‬إذ العمدة �أوال و�أخريا هي م�ضمون العمل‪ ،‬ي�رسي على‬ ‫ميكن �أن ُ ّ‬ ‫املكتوب بالفرن�سية والعربية على ال�سواء‪.‬‬ ‫لي�س املهم الت�سا�ؤل عن �صدقية ورجاحة الدفوع وامل�سوغات املذكورة وغريها عند جماعة"‬ ‫�أنفا�س" ومثيالت لها يف بلدان �أخرى‪ ،‬بقدر ما يعنينا ت�أكيد الإح�سا�س بالأزمة عند ه�ؤالء الذين‬ ‫تباينت مواقفهم من ا�ستخدام لغة �أجنبية بني اعتبارها �إ ّما" غنيمة حرب "بتعبري كاتب يا�سني‪� ،‬أو"�إقامة‬ ‫يف املنفى"بعبارة مالك حداد‪� ،‬أو �أداة لرتجمة حميمية ال�شعراء‪ ،‬ولتفجري غ�ضبهم و�إداناتهم‪ ،‬ومن‬ ‫�أجل م�ساءلة ملحة للواقع بدءا من الثورة على �أ�ساليب القول الكال�سيكية اجلامدة يف الثقافتني الغربية‬ ‫والعربية‪ ،‬بلغة الأنفا�سيني‪ .‬يرتافق الإح�سا�س بوعي يُعقلنُه‪� ،‬أي بتفكري يُنظمه‪ ،‬يمُ نهجه‪ ،‬والأهم هو‬ ‫‪19‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫املنت الذي ير�سمه‪� ،‬أو الن�سيج الإبداعي ذو التمثيلية الذي يُ�شرِ ّع به املنتمون �إىل هذا الأفق مفهوم‬ ‫وهوية ون�ص الأدب املغاربي‪ ،‬الذي قلنا ونعيد ب�أنه عنوان النتاج الأدبي املكتوب بالفرن�سية يف‬ ‫البلدان املعنية( املغرب واجلزائر وتون�س)‪ .‬لقد كان ذلك‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ما ج�سدته �إرادة املجلة ـ امل�رشوع‬ ‫‪ ،‬يف العدد املخ�ص�ص ل "الأدب املغاربي"ا�ست�ضاف كتابا من اجلزائر(م عبدون؛مالك علولة)‬ ‫وتون�س(�سمري العيادي؛ حممد عزيزة) بل و�أدباء مغاربة بالعربية منهم �أحمد املجاطي‪ ،‬حممد زفزاف‬ ‫وحممد برادة (ع ‪10‬و‪11‬ـ ‪ .)1968‬لقد كانت اخلطوة الأوىل لالقرتاب واحلوار مع �ساحة الإبداع العربي‬ ‫باملغرب‪ ،‬وهو ما جعلني �شخ�صيا �ألتحق بهيئة حترير املجلة وتلقيح ر�ؤيتها الثقافية والأدبية‪ ،‬و�صياغة‬ ‫ن�صو�صي وق�ص�صي الأوىل بان�سجام مع اخلط التجديدي والفائر للمجموعة‪.‬‬ ‫ال ب�أ�س‪ ،‬ونحن يف هذا ال�سياق من ا�ستح�ضار مثال عملي يقدم مظهرا ودليال �إ�ضافيا على الن�شاط‬ ‫احلثيث للمجموعة‪ ،‬و�سعيها لت�شخي�ص فعلي على �أر�ض الواقع �أكرث من الإبداع والتنظري‪ ،‬ل�صيغة‬ ‫مغرب عربي ثقايف �أدبي �أو يعززهما‪ .‬ففي �صيف �سنة ‪� 1969‬شدت �أنفا�س الرحال ـ بال�سيارة ـ �إىل‬ ‫اجلزائر‪� ،‬أوال‪ ،‬وتون�س امتدادا‪ ،‬باملجموعة التالية‪ :‬عبد اللطيف اللعبي‪ ،‬ال�شاعر م�صطفى الني�سابوري‪،‬‬ ‫الت�شكيلي حممد �شبعة‪ ،‬املنا�ضل املارك�سي واملهند�س �أبراهام ال�رسفاتي‪ ،‬وكاتب هذه ال�سطور‪ .‬ويف‬ ‫هذه الرحلة الرائدة والبديعة التي قطعنا خاللها �آالف الكلمرتات بزاد قليل وحما�س غامر‪ ،‬نزلنا‬ ‫�ضيوفا عند الأ�شقاء واملبدعني اجلزائريني الذين كانوا يتقا�سمون كثريا من م�شاعر و�أفكار جماعة‬ ‫"�أنفا�س"‪ ،‬ويعي�شون حلظات من التوتر والنقا�ش احليوي حول �شجون �إبداعية‪ ،‬و�أخرى �إيديولوجية‪،‬‬ ‫وت�شغلهم حد الهو�س تطلعات التحرر اجلذري‪ ،‬للن�ص واملجتمع والإن�سان‪ ،‬خا�صة واجلزائر تعي�ش‬ ‫حمى مرحلة �إنتقالية‪ .‬لقد م�ضى حني من الدهر على هذه الرحلة‪ ،‬التي مل تدونها املجلة من‬ ‫وقتئذ ّ‬ ‫�أ�سف‪ ،‬مثل كثري من مطارحاتها و�سجاالتها ال�ساخنة واخل�صبة يف عوامل الكتابة والت�شكيل واحلداثة‬ ‫مطلقا‪ .‬لكن نتف ذكريات ما تزال تنبعث بومي�ض �أمل وطموح عظيمني لال�شرتاك يف م�رشوع �إبداعي‬ ‫بيتُه املغرب العربي و�سدنتُه نخبته الفكرية والأدبية‪ ،‬كان يت�صدر طرحها �آنذاك الناطقون بالفرن�سية‬ ‫قبل �أن متتد اجل�سور �إىل �أبناء العربية‪ .‬ولقد وجدنا امل�شاعر والأفكار ذاتها تقريبا يف تون�س مع نزعة‬ ‫عقالنية وميل �أدق �إىل اجرتاح �سبل خ�صو�صية يف اللغة وال�رسد وكتابة الق�صيدة ( على �سبيل املثال‬ ‫ح�سب ر�شاد احلمزاوي‪ ،‬عز الدين املدين و�سمري العيادي)‪ .‬واحلق �أن املحطة اجلزائرية كانت الأهم‪،‬‬ ‫يف الذهاب والإياب‪ ،‬لأن اجلزائر العا�صمة �آنئذ هي ملتقى منا�ضلي جبهات التحرير يف �إفريقيا والعامل‬ ‫الثالث عموما‪ ،‬ويف جامعتها وعلى �ضفافها وداخل �أقبيتها �أي�ضا التقت وتفاعلت مواهب �أدبية خمتلفة‬ ‫من هذا العامل‪ ،‬ومنهم حتديدا مثقفون و�شعراء من املارتنيك وجزر و�أرا�ضي �أخرى تابعة لفرن�سا يف ما‬ ‫ت�سميه" بلدان ما وراء البحار"؛ ه�ؤالء‪ ،‬كما قابلناهم وتوطدت العالقة بهم بعد ذلك ُوجدت عندهم‬ ‫‪20‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫امل�شاغل عينها يف ما يخ�ص االن�شطار�أو الإح�سا�س بالتمزق بني هويتني لغويتني وثقافيتني تت�صادمان‬ ‫على �أقوى ما يكون يف العنف الإ�ستعماري‪ ،‬من ناحية‪ ،‬واملناه�ضة التي تتم من لدن املثقفن والأدباء ـ‬ ‫ياللمفارقة ـ بلغة امل�ستعمر‪ ،‬من ناحية �أخرى ‪.‬‬ ‫�إننا لو �أردنا �أن جنمع اللحمة امل�شرتكة بني عنا�رص الفريق املغاربي املو�صوف‪ ،‬يف ريادة ومدر�سة‬ ‫�أ�صبحت الآن جزءا من التاريخ‪ ،‬هي وما دار يف فلك الثقافة الفرنكفونية امللتزمة‪ ،‬لوجدنا اللحمة يف‬ ‫اخل�صائ�ص املر�صودة بعناية وفطنة من قبل الباحث والروائي عبد الكبري اخلطيبي يف ديباجة له لأحد‬ ‫�أعداد" �أنفا�س" ( م‪� .‬س) ‪:‬‬ ‫ــ خا�صية املرحلة الأوىل‪ ،‬مع احلرب العاملية الثانية‪ ،‬املت�سمة‪ ،‬وال�صور املونوغرافية‪ ،‬وعموما‬ ‫خطاطات الواقعي الغربية للقرن التا�سع ع�رش ‪.‬‬ ‫ــ خا�صية املرحلة الثانية تتبلور مع �أجيال جديدة تريد التخل�ص من الغرب(‪)Lacher l’Occident‬‬ ‫باعتبار الكتابة" طريقة ن�ضالية لتحمل ال�س�ؤولية" ومن الناحية النظرية" حماولة لإعادة ت�أويل‬ ‫الكتابات الغربية‪ ،‬ولتجاوز تناق�ضاتها بوا�سطة �إرهاب غنائي‪ ،‬وبحث عنيف عن الثقافة الوطنية"‬ ‫( �ص‪ .‬م‪ .‬ن)‪.‬‬ ‫ــ اخلا�صية الثالثة تتجلى يف متيز هذه الكتابة مب�سحة �سوريالية‪ " ،‬كمظهر لطابعها الوح�شي‬ ‫الهام�شي‪ ،‬الذي هو يف و�ضع قطيعة"(ن) ‪.‬‬ ‫ــ بالإمكان �إ�ضافة خ�صي�صة رابعة ُتلتقط على م�ستوى اخلطاب‪ ،‬هذه املرة‪ ،‬ال الدوال‪ ،‬ومناطها‬ ‫التناق�ض الذي الحظه �صاحب"الذاكرة املو�شومة" بذكاء حني قال‪� ":‬إن التناق�ض الأكرب [لهذه الكتابة‬ ‫] يكمن يف رف�ض الثقافة الفرن�سية والرغبة‪ ،‬يف �آن‪ ،‬يف �إعادة خلق اللغة الفرن�سية"(ن) ما عده نزعة‬ ‫عرف الأدب‬ ‫جتريبية ال تني تعيد النظر يف كل �أدب ن�شدانا ملا يتجاوز الأعمال ال�سابقة‪ ،‬وهذا ما يُ ّ‬ ‫احلقيقي ‪.‬‬ ‫ونحن نعرف �أن اخلطيبي‪ ،‬ف�ضال عن كونه �أحد الأ�صوات القوية يف �ستينات الأدب املغ ربي‬ ‫املكتوب بالفرن�سية وما تالها‪ ،‬مع التزامه الفكري‪ ،‬من خالل جمعية البحث الثقايف‪ ،‬وم�س�ؤوليته‬ ‫الأكادميية يف معهد العلوم االجتماعية‪ ،‬مبثابة جهود تنحو �إىل بناء الثقافة الوطنية ( كذا)؛ هو �أول من‬ ‫م�أ�س�س الرواية املغاربية و�أّ ّ هلها جامعيا لت�صبح مرجعا يف املحافل الأكادميية‪ ،‬وذلك يف �أطروحته‬ ‫للدكتوراه بفرن�سا �سنة ‪ 1968‬عن هذا املو�ضوع بالذات‪ .‬وقد ظهرت لديه هذه املتابعة مبكرا‪� ،‬إذ‬ ‫اعترب ال�رسد ولي�س ال�شعر اخت�صا�صه‪� ،‬إىل جانب �إيالء �أهمية ق�صوى للت�شكالت البنيوية للثقافة‬ ‫الوطنية‪ .‬وهو ربط �سن ُده اعتماد الباحث منهج البنيوية التكوينية للو�سيان غولدمان‪ ،‬وبحثه يف �إطار‬ ‫�سو�سيولوجيا الأدب‪ ،‬ب�صفة عامة‪ .‬يف مقالة له بعنوان‪ ":‬الرواية املغاربية والثقافة الوطنية"(�أنفا�س‪،‬‬ ‫‪21‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ع‪3‬ـ ‪ ) 1966‬ي�سجل اخلطيبي �أن الف�ضل يرجع �إىل ُ‬ ‫الكتاب ذوي التعبري الفرن�سي يف دمج الرواية‬ ‫داخل الثقافة املغاربية‪ ،‬وهي بالفعل حقيقة ال ميكن �أن يمُ اري فيها �أحد‪ ،‬اللهم من جهة و�ضع هذا‬ ‫الإدماج قيد امل�ساءلة عن حقيقة الأفق الذي تنتمي �إليه‪ ،‬هل هو فعال مغاربي‪� ،‬أي مرتبط بالبيئة ال�ساللية‬ ‫للكتاب‪� ،‬أم �أنه الأفق الأجنبي كما ميز اخلطيبي نف�سه را�صدا مفارقة حادة هي مبثابة نفي لهذا الأدب‪،‬‬ ‫لكونه ُكتب بلغة �أجنبية‪ ،‬ونظرا لأن قراءه وم�ستهلكيه يوجدون يف املرتوبول‪ ،‬هم جمهور فرن�سي‬ ‫بالدرجة الأوىل‪ .‬ال يثنيه هذا عن متييز مراحل تطور الرواية تاريخيا‪� ،‬أولها يف التبلور الن�سبي‪ ،‬منذ‬ ‫‪ ، 1945‬لل�شكل الروائي يف الأدب املغاربي‪ ،‬بارتباط وثيق مع الن�ضج ال�سيا�سي للحركات الوطنية‪،‬‬ ‫وخو�ض الكفاح امل�سلح‪ .‬واملرحلة الثانية متثلت يف التبلور املمتد من ‪�1945‬إىل ‪ ،1962‬وثيق ال�صلة‬ ‫باملوجة العارمة ملحاربة الإ�ستعمار(يتعلق الأمر بالرواية اجلزائرية بالدرجة الأوىل)‪ ،‬ما جنم عنه ت�سيي�س‬ ‫للأدب �أخفى م�سائل ذات خ�صو�صية جمالية‪. .‬‬ ‫يف �أطروحته اجلامعية �سيت�سع �أمام اخلطيبي حقل العر�ض والتحليل لي�شمل عددا وافرا من‬ ‫ال�رسود‪ ،‬و�أعالما من ثقافات و�أمزجة مت�ضاربة‪ ،‬و�إن خ�ضع الكل يف النهاية ملنهج قراءة واحد غايته‬ ‫ا�ستنباط حقائق و�إواليات اجتماعية ـ �سيا�سية عرب الن�صو�ص الأدبية التي ُكتبت بدورها بت�أثري ظروف‬ ‫وم�سببات خارجية‪ ،‬حتى وهي نابعة من مواهب وبوحي نزوعات ذاتية‪ .‬لن نطيل الوقوف عند بحث‬ ‫ومكر�س‪ ،‬و�صاحبه تخطاه منهجا وجمال اهتمام‪ .‬ح�سبنا‪ ،‬ونحن ب�صدد‬ ‫�أ�ضحى كال�سيكيا‪ ،‬فهو رائد‬ ‫ّ‬ ‫النظر يف مو�ضوع الرواية املغاربية‪� ،‬شغل الباحث ال�شاغل �سابقا‪� ،‬أن ن�سجل مالحظات ال غنى عنها‬ ‫يف ما نحن ب�صدده‪:‬‬ ‫ــ يعتمدع‪ .‬اخلطيبي املغرب واجلزائر وتون�س كمجال جغرايف ملرجعيته الن�صية‪ ،‬م�ستندا �إىل‬ ‫عوامل معلنة و�أخرى م�ضمرة‪ ،‬لكنها يف املح�صلة جماع امتداد املكان‪ ،‬والظرف ال�سيا�سي املتماثل‬ ‫ُم ّعينا يف اال�ستعمار‪ ،‬والهيمنة الثقافية التي �سيّدت لغة تعليم و�أنتجت‪ ،‬بالتايل‪ ،‬نخبة تولت �إعادة‬ ‫�إنتاج اللغة الأجنبية ـ �ست�صبح لغتها ـ لإبداع �أدب( = رواية) م�ضاد بخطاب مندد بالإ�ستعمار‪.‬‬ ‫ــ �صحيح �أن ر�سالة اخلطيبي ت�ستغرق متنا �شموليا‪ ،‬مدرجة الروايات العربية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬للبلدان‬ ‫املذكورة‪ ،‬مما ميثل يف حد ذاته خلال منهجيا نظرا لت�ضارب املتنني الفرن�سي والعربي وتباعدهما على‬ ‫�أكرث من وجه‪ ،‬الفني اجلمايل‪ ،‬يف قلبه‪ ،‬فيما الغاية الأم هي درا�سة الرواية املكتوبة بالفرن�سية التي‬ ‫ت�شكل بالفعل املنت الأ�سا�س للبحث‪ ،‬ومنها ت�ستنبت وتتغذى �أطروحة الرواية املغاربية ممتلكة متا�سكها‬ ‫املنهجي‪ ،‬ور�ؤيتها الداللية املن�سجمة املعربة عن ر�ؤية للعامل يف الظرفية الإ�ستعمارية املعلومة‪� ،‬إ�ضافة‬ ‫�إىل اخل�صائ�ص الكتابية املنحدرة من مدار�س وتيارات �أ�سلوبية وفنية‪� ،‬إما �سادت يف �أدب القرن التا�سع‬ ‫ع�رش الفرن�سي �أو م�ستحدثة كلها خالل الع�رشيات الأوىل للقرن املوايل‪.‬‬ ‫‪22‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ــ حني قال اخلطيبي‪ ،‬وبعده الباحث اجلزائري م�صطفى الأ�رشف‪ ،‬كما �سرنى‪ ،‬ب�أن الأدب‬ ‫املكتوب بالفرن�سية هو ما توىل �إدخال الرواية �إىل نطاق الثقافة املغاربية‪ ،‬ف�إنه عنى يف الوقت ذاته‬ ‫�أن الرواية بالفرن�سية هي متثيل هذا اجلن�س الأدبي يف جمال ثقايف ولغوي وترابي حم�سوب على العامل‬ ‫العربي‪ ،‬ومل يكن معقوال وال واردا �أن تن�سب �إىل العرب‪ ،‬والعربية بعد الأرومة لغة �أي�ضا و�أي�ضا‪ .‬وال‬ ‫كانت �ستحمل النعت الفرنكفوين‪ ،‬الذي �سنفرت�ض تنزيهه عن القدحية‪ ،‬كان ي�شمل �آدابا �أخرى‪،‬‬ ‫ف�ضال عن املرحلة املت�سمة مبواقف حامية مناه�ضة للإ�ستعمار اجلديد‪ .‬و�إذن‪ ،‬ف�صفة املغاربية �أطروحة‬ ‫مركزية للِكتاب‪ ،‬وهوية �أدبية وثقافية جليل من ُ‬ ‫الكتّاب ما انفك يتنا�سل ويتم�أ�س�س ممتدا �إىل رتبة‬ ‫الإزدواجية التي بتنا عليها اليوم‪ ،‬و�أو�صلتنا �إليها �سيا�سات �سيا�سية وتعليمية معينة‪ ،‬تغلبت على‬ ‫الإرادات الوطنية الأوىل ‪.‬‬ ‫ــ و�سنفقر م�رشوع اخلطيبي �أو نح�رصه يف حدود جمهود جامعي ذي غاية �أدبية حم�ض تتعلق ب�ضبط‬ ‫و�ضع ن�ش�أة جن�س �أدبي يف �أدب بعينه‪ .‬و�سنم�سي �سذجا لو غفلنا عن املرام الأبعد لهذا امل�رشوع‪ ،‬لي�س‬ ‫ذلك تنقي�صا من قيمة البحث يف املكونات الأجنا�سية للأدب‪ ،‬و�إمنا تع�ضيدا لها حني تبدو م�شدودة‬ ‫ب�أقوى الأوا�رص �إىل موجبات مو�ضوعية تتولد عنها‪ ،‬ويكون معها الأدب‪ ،‬فوق قوته التعبريية و�صورته‬ ‫الإ�شارية‪ ،‬منت�سبا �إىل ت�صور �أكرب هو جزء منه‪ ،‬مت�أثر بعنا�رصه‪ ،‬وممثل فاعل له بجماليته وداللته‪ ،‬وهذا‬ ‫هو احلال هنا على الأغلب‪ .‬ال‪ ،‬بل �إننا جميعا �سنجابه حمذور ال�سذاجة يف ما لو �أخ�ضعناه لهذه النظرة‬ ‫الأحادية‪ ،‬ينقلب معها �أي بحث نقوم به �إىل جدادة �إ�ضافية يف حولية عادية‪ ،‬وت�ضيع منا فر�صة و�ضع‬ ‫اليد �أو الإقرتاب على الأقل من الإ�شكالية الكامنة يف �صلب وجود وتقومي الرواية املغاربية ‪.‬‬ ‫ــ يتعلق الأمر‪ ،‬كما �أملعنا �إىل ذلك يف مدخل ورقتنا‪ ،‬مبقولة �أوم�س�ألة "املثاقفة" التي انتع�شت �أداة‬ ‫حتليل وقراءة خالل ال�ستينات املا�ضية يف الدرا�سات الثقافية بعد �أن حتددت تعريفاتها الأوىل يف‬ ‫الأنرتوبولوجيا الثقافية الأمريكية قبل ذلك بعقود‪ .‬وقد عني اخلطيبي مبكرا مبقولة �إحدى الأدوات‬ ‫امل�ستعمر‪ ،‬والتفاعل‪ ،‬التي حتدث بني الأقوام والثقافات لأ�سباب منها الهيمنة‬ ‫املمكنة ملقاربة و�ضعية‬ ‫َ‬ ‫والت�سلط‪ ،‬وما ينجم عن ذلك من ظواهر على �أ�صعدة خمتلفة‪ .‬واخلطيبي املت�شبع بالثقافة الفرن�سية‪،‬‬ ‫وقد حتولت لديه �إىل"جرح �شخ�صي" وقف يف منت�صف الطريق بني مناو�شة املثاقفة من جانب‬ ‫انعكا�سها على امل�ست�ضعف(ح�سب مفهوم( ‪ )R.Barè‬ووا�سطة حتري�ض وحلظة �أزمة يف الآن عينه‪ ،‬وبني‬ ‫منحاها كتيار ثقافوي له انعكا�سات على املجموعة املتلقية‪ ،‬وامل�ستخدم خ�صي�صاـ و�إن جتووزـ يف‬ ‫و�صف ت�شكيالت وتوترات الثقافة الواحدة وهي عر�ضة للت�أثريات املحايثة‪ .‬بهذا املعنى كان �أن�سب‬ ‫م�صطلح �إجرائي لو�صف حالة املثقفني �سليلي الثقافة الغربية(هنا الفرن�سية) وت�شخي�ص �أعرا�ض ما‬ ‫حلقهم من �أو�صاب تتجلى يف التفكري‪ ،‬ويف التعبري‪� ،‬أي الأدب‪� ،‬شعرا ورواية وغريهما‪ ،‬وجمتمعة‬ ‫‪23‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يف الوعاء الأكرب للغة‪ .‬و�إذا مل يكن هناك �شك يف ما حت�صده الثقافة امل�ستهدفة من غنى‪� ،‬إال �أن نتاج‬ ‫�أبنائها‪ ،‬بح�سب حتليل �إ�ضايف مل�صطفى الأ�رشف(�أنفا�س ‪ 13‬ـ‪� 14‬س ‪ )1969‬يلتقي مع نظريه ع‪ .‬اللعبي‬ ‫هم الروائيون يف �سياقناـ يذهب يف خط �أحادي ( املرتبول‪ ،‬املتلقي الأول) وي�صب يف جمرى احتجاجي‬ ‫رومان�سي‪ ،‬غنائي‪� ،‬أ�شبه بر�سالة مفتوحة موجهة لهذا الغرب امل�ستعمر نف�سه‪ .‬بذا حتركت املثاقفة يف‬ ‫بعد واحد‪� ،‬أنتجت �أدبا (رواية) التخييلية‪� ،‬أقرب �إىل الروبورتاج يف البداية‪ ،‬على ر�أي الأ�رشف‪ ،‬ثم‬ ‫خ�ضعت‪ ،‬وفق الر�أي نف�سه‪� ،‬إىل تكييف البورجوازية وقوى الإ�ستغالل اجلديدة يف عهد الإ�ستقالل‬ ‫ف ُدفع الكتاب للتحمي�س وتدبيج املالحم الوطنية للتغطية على نهب البورجوازية للحا�رض(كذا)‪ ،‬على‬ ‫ح�ساب رواية التخييل الأ�صيلة واملجدية ‪.‬‬ ‫ــ يف �إطار املثاقفة املركبة التي تتحرك يف فلكها الرواية املغاربية‪ ،‬ذات التعبريالفرن�سي‪ ،‬طبعا‪،‬‬ ‫يتواجه قطبان يت�ضافران ل�صنع الإ�شكالية الأ�سا�س يف هذا الإنتاج ـ احلامل ت�سميته هذه بناء على‬ ‫قواعد التعبري الأدبي عند " ما�شريي"‪ ،‬املطورة حلقل التحليل االجتماعي للأدب ـ ؛ قطب ن�ضايل‬ ‫طبقي(= مارك�سي �أو من قبيله) يقارب الكتابة‪ ،‬الرواية‪ ،‬بو�صفها تعبريا عن هوية وطنية طرف يف‬ ‫�صياغة ال�شخ�صية الوطنية‪ ،‬املوجودة يف مفرتق الطرق بني متثيالت وعوائق املثاقفة‪ ،‬وبني �إعادة بنائها‬ ‫وفق التطلعات التحررية ملا بعد اال�ستقالل الوطني‪ .‬وقطب منجذب نحو املقاربة الثقافوية للمع�ضلة‬ ‫التي ال يجر�ؤ �أن ي�سميها وهو منها وفيها‪ ،‬وتراه �أخريا يتحايل عليها بتثبيتها‪� ،‬أي ت�سميتها لتتحول‬ ‫بذلك �إىل دال قابل �أن ميتلئ مبدلول ـ بعبارة "الكان" وبذا تولد" الرواية املغاربية" لتقول بغري لغتهاـ‬ ‫يا للمفارقةـ اجلرح ال�شخ�صي مكملة دائرة �إ�شكالية ما تزال حلقاتها تتنا�سل وتت�سع ُ ت�سائلنا دوما‬ ‫وجميعا ‪.‬‬ ‫�أ َو نحتاج ‪ ،‬بعد ما �أ�سلفنا ‪� ،‬إىل القول ب�أن الرواية العربية يف بلدان املغرب العربي‪ ،‬وهي بنت‬ ‫�شخ�ص ٌة لكثري من طباعها و�صعابها وطموح ب�رشها و�أ�ساليب �أدبائها‪ ،‬لهي كتابة‬ ‫هذه الأر�ض‪ ،‬و ُم ِّ‬ ‫تنتمي �إىل حقل الأدب العربي الأو�سع‪ ،‬رغم كل خ�صو�صياتها املفرت�ضة‪ ،‬لها تاريخيته‪ ،‬و�شواغله‪،‬‬ ‫واجنذاباته‪ ،‬وتخ�صي�صها باحلديث عنها يف �إطار مغاربي يعني نقلها من الأدب العام �إىل الأدب الوطني‪،‬‬ ‫ح�سب تلك ال�رشوط والفروق الدقيقة الواردة منذ وقت لدى ويليك ووارن يف كتاب" النظرية‬ ‫الأدبية" ال�شهري‪ ،‬وهو جمال �آخر يحتاج �إىل ّعدته‪.‬‬ ‫* ترجع �أ�صول هذه الدرا�سة �إىل بحث ُقدم يف" منتدى �أ�صيلة"�صيف‪( 2005‬جامعة املعتمد بن عباد ال�صيفي) حول‬ ‫الرواية املغاربية يف الإحتاد املغاربي ويف املهجر‪.‬‬ ‫‪24‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ال�شفوي املكتوب‬ ‫�أو اجلن�س امللتب�س‬

‫[ ب�صدد حممد �شكري واجتاهه]‬ ‫عرفت مدينة طنجة املغربية منذ �أن �أ�صبحت خا�ضعة لقانون خا�ص ي�ضعها حتت احلماية الدولية‬ ‫�سنة ‪ 1928‬حتوالت عديدة على الأ�صعدة كافة‪� .‬أبرزها و�أقواها ت�أثريا على املحيط الأ�صلي التغلغل‬ ‫املت�صاعد للعن�رص والنفوذ الأجنبيني كنتيجة حتمية لفر�ض وتوقيع معاهدة احلماية على املغرب منذ‬ ‫�سنة‪ ،1912‬ومبوجبها �أ�صبح حتت ال�سيطرة الفعلية للقوة الإ�ستعمارية الفرن�سية‪ .‬وقد �أ ّهل و�ضع احلماية‬ ‫الدولية مدينة البوغاز املقابلة جلبل طارق‪ ،‬و�أق�رص طريق �إىل �أوروبا لتكون مرتع املناورات الدولية‬ ‫وامل�صالح الأجنبية ال�سيا�سية والإقت�صادية متناف�سة ومت�صارعة‪ ،‬ولتتفتح من مت على خمتلف مظاهر‬ ‫املدنية واملغريات الغربية‪ ،‬تزيد َبر ْونقها ما تتمتع به �أ�ص ً‬ ‫ال من موقع طبيعي فريد لن يلبث �أن ي�صبح‬ ‫مالذا لكثري من الأهواء وللنزوات ال�شاردة‪� .‬سرناها‪ ،‬على امتداد فرتة احلماية‪ ،‬وبعد عودة املدينة �إىل‬ ‫ال�سيادة املغربية مع اال�ستقالل �سنة‪ ،1956‬تتحول �إىل حمج لع�رشات ال�سيا�سيني والفنانني والكتاب‬ ‫الغربيني‪ ،‬بريطانيني و�أمريكيني و�إ�سبان‪� ،‬أوال‪ ،‬وجن�سيات �أخرى بعد ذلك‪ .‬رونوار‪ ،‬ماتي�س‪� ،‬أندري‬ ‫جيد‪ ،‬هرني ميللر‪ ،‬جان جيني و�أمثالهم ‪ ،‬بال ع ّد‪.‬‬ ‫ه�ؤالء و�أ�رضابهم ممن حجوا �إىل طنجة من كل فج عميق طرقوها ‪ ،‬جا�ؤوا �إما بحثا عن اللون‬ ‫لري �أي ظم�أ ممكن �أو تطلع ذي‬ ‫الأزرق املزرورق‪� ،‬أو ال�شم�س اللماعة‪� ،‬أو اللحم العربي الأ�سمر‪� ،‬أو ّ‬ ‫واب �آفاق‪ ،‬ولأمر ما عاد لي�ستقر فيها �سنة‬ ‫كاتب �أمريكي كان ّج َ‬ ‫طبيعة عجائبية‪� .‬سيزورها �سنة ‪ٌ 1931‬‬ ‫‪25‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ 1947‬ليق�ضي بها عمره كله حتى وفاته �سنة ‪ .1999‬ق�صة بول باولز مع طنجة طويلة و�شيقة‪ ،‬ومتلونة‬ ‫كالف�صول‪ ،‬ولعل �أ�شوقها كيف �أن هذا الكاتب الذي �سيعرف بن�سج الق�صة والرواية‪ ،‬وي�شتهر‬ ‫على اخل�صو�ص بو�ضع �أحلان والعزف على �آلة البيانو؛ كيف �أنه‪ ،‬وبعد �أعوام من �إقامة مغربية تنقل‬ ‫خاللها يف مناطق �شتى �سجل فيها مو�سيقاها حتديدا لفائدة مكتبة الكونغر�س‪ ،‬ما دفع البع�ض الحقا‬ ‫لرميه بالنزعة الفولكلورية الإتنية‪ ،‬اجته ليغرف من معني ما اعتربه الروح املغربية الأم‪� ،‬أي حكايات‬ ‫النا�س‪� ،‬أو من ميثلون بينهم غرائب احلياة‪ ،‬و�شذوذ املجتمع‪ ،‬وهام�شية الواقع من كل نوع‪ .‬ولقد بد�أ‬ ‫مناذج ب�رشية‬ ‫هو بتذ ّوق الطعم بكتابة ق�ص�ص ق�صرية مطروزة على مقا�س‪ ،‬م�ستوحاة كلها من طنجة َ‬ ‫وف�ضا ًء‪ ،‬لينتقل‪ ،‬بدءا من �سنة ‪� 1960‬إىل ُدربة جديدة قاده �إليها �أحد �أ�صدقائه املغاربة‪ :‬الر�سام �أحمد‬ ‫اليعقوبي‪ ،‬نعني �إيالء الإهتمام �إىل احلكاية ال�شعبية‪ ،‬والرواية ال�شفوية التي كان هو ذاته ميار�سها‪،‬‬ ‫وترك منها �سريته الذاتية بالإجنليزية‪ ":‬الليلة قبل التفكري"‪.‬‬ ‫لك�أمنا عرث بول باولز بهذه الإ�شارة على منجم‪ ،‬خا�صة و�أنه يكتب يف جمالت ويرا�سل �صحفا‬ ‫�أمريكية‪ ،‬ويحتاج �أن يزودها مبواد ذات نكهة خا�صة من مكان ال�شك يُنظر �إليه ك�صقع غريب‪.‬‬ ‫هكذا خا�ض �أول جتربة يف هذا الباب لدى لقائه �أو بالأحرى عثوره على �أول �شخ�ص ـ �شخ�صية ارت�آها‬ ‫منوذجية لر�ؤية م�سبقة لديه عنوانها الغرائبي والعجائبي‪� ،‬أو ما ميكن �أن يظهر على هذه ال�صورة لدى‬ ‫املتلقي الأجنبي يف �أنويته املركزية املطلقة‪� .‬إنه العربي العيا�شي (�سيتبني الحقا �أنه ا�سم م�ستعار) وقد‬ ‫عرف ال�سجن وعا�ش حياة الت�رشد وال�صعلكة كما حتفل بها مدينة يلج�أ �إليها كثري من الطارئني و�أبناء‬ ‫جبال الريف املذقعة‪ ،‬م�ستعدين لكل �شيء للعي�ش واملغامرة‪ .‬روى العيا�شي مقاطع من حياته �أو كلها‪،‬‬ ‫وكان باولز قد �رشع مبكرا يف ا�ستخدام تقنية �آلة الت�سجيل مع تدوين مالحظات جانبية‪ ،‬وهو يفعل‬ ‫ذلك بانتباه وحِ رفية تامني‪ ،‬كما �أن له طقو�سه اخلا�صة لهذا اجلو‪ ،‬كما رواها [يل �شخ�صيا] من تعاملوا‬ ‫�شكري] و�أثمر التعاون �أول كتاب اتخذ عنوان"العي�شة املذلولة"�صدر‬ ‫معه يف هذا ال�ش�أن[ �أعني حممد‬ ‫ٍ‬ ‫بالإجنليزية �أول مرة �سنة ‪ 1964‬من و�ضع وت�صنيف باولز‪ ،‬ويف العام املوايل �سي�صدر بالفرن�سية عن‬ ‫غني‬ ‫دارغاليمار بعنوان"حياة مليئة بالثقوب"لكن باال�سم احلقيقي ل�صاحبه‪ ،‬وهو �إدري�س ال�رشادي‪ٌّ .‬‬ ‫عن القول �أن الراوي ال�شعبي كان يتقا�ضى مقابل حكيه الفطري‪ ،‬لكن مقابال زهيدا‪ ،‬فهو �أ ّم ّي‪،‬‬ ‫باملغربات واملبالغات‪ ،‬حقيقية �أو‬ ‫وزا ُده من احلكايات متوفر يف النهاية يف الأ�سواق‪ ،‬كثري منه حم�شو ّ‬ ‫�سي�ضخمها املد ّون‪ ،‬هذا الذي ال نعرف �إن كان الكاتب الأول للطر�س �أم الثاين‪ ،‬هو من يح�صد �أجود‬ ‫ّ‬ ‫الريع املايل‪ ،‬بدءا بحلقات ق�صة تن�رش م�سل�سلة يف �صحيفة‪ ،‬ثم جمموعة الحقا يف كتاب‪.‬‬ ‫�سماها النقد الأدبي باملغرب ب"رواة طنجة"(ح�سن بحراوي‬ ‫�ستتوا�صل هذه التجربة التي ّ‬ ‫وعبد العزيز جدير‪ ،‬اللذان و�ضعا م�ؤلفني يحمل العنوان ذاته) على امتداد ثالثني �سنة‪ ،‬ودائما على‬ ‫‪26‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يد املتعهد نف�سه‪ ،‬نعني بول باولز يقوم بنوع من املقاي�ضة ال�رسدية مع �أفراد يروون حكايات قابلة‬ ‫للت�سويق �إىل جمهور متعط�ش للمرويات ال�رشقية العجائبية‪ ،‬يتقا�ضون مقابلها ماال �شحيحا‪ .‬وال �شك‬ ‫�أن الكاتب الأمريكي لعب دورا حا�سما يف احتالب هذه املرويات‪ ،‬ب�شحذ ذاكرة زبنائه والعمل‬ ‫على �إبراز عواملهم التخييلية‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل تنظيم الرواية و�إخ�ضاعها لن�سق معني‪ .‬تتمثل وا�سطة العقد‬ ‫بعد العيا�شي يف ثالثة هم حممد القطراين الذي جنهل م�صريه اليوم‪ ،‬وحممد ملرابط ما زال يهذي ب"‬ ‫خرايفه"‪ ،‬ال يجد من�صتا فقد �أ�صبح العهد غري العهد‪ ،‬والثالث الأخري الكاتب الراحل حممد �شكري‬ ‫مثار �إجماع وخالف‪ ،‬توابع وزوابع‪ ،‬فكيف ذلك ؟‬ ‫كان �شكري �آخر"زبون" ي�ستقبله باولز يف "دكانه" �أو حمرتفه لي�شرتي منه حكايته‪ .‬مل يكن �شكري‬ ‫�أحدا‪� ،‬أو جمرد موظف يعمل ب�صفة معلم �ضارب على الآلة الكاتبة يف مدر�سة ابتدائية‪ .‬قبل ذلك عا�ش‬ ‫طفولة �شقية‪ ،‬وتقلب يف عديد مغامرات و�رضوب عي�ش مطبوعة بالعنف وال�ضنك‪ ،‬عائلية و�شخ�صية‪،‬‬ ‫مما �سيتاح له التو�سع فيه يف الكتاب"الإ�شكايل" املعنون ب‪":‬اخلبز احلايف"وهو �سريته الذاتية‪ ،‬ذائعة‬ ‫ال�صيت‪ .‬ا�ستمع باولز �إىل �شكري يف جل�سات كثرية ب�شهادته التي �أدىل بها �إلينا هذا الأخري‪ ،‬قبل �أن‬ ‫ينتقل �إىل"�أ�سطرة "حياته‪ .‬كان هناك و�سطاء هم الذين ربطوا ال�صلة بني الطرفني‪ ،‬خا�صة و�أن جامع‬ ‫احلكايات معروف يف �أو�ساط املهم�شني بطنجة‪ ،‬هو وزوجته جني‪ ،‬ب�شذوذ ونزوات‪ ،‬وقد روى حممد‬ ‫كل تلك الأخبار التي نعرفها يف �سريته مق�سطة‪ ،‬على �آلة الت�سجيل‪ ،‬ويف ختام كل جل�سة يغادر ويف‬ ‫جيبه ورقة نقدية‪ ،‬زهيدة يف النهاية‪ ،‬يبددها يف ملذات رخي�صة‪� .‬سنة ‪� 1973‬ست�صدر ال�سرية يف �أمريكا‬ ‫بعنوان‪" :‬من �أجل اخلبز وحده" وبعد �سنوات بالفرن�سية برتجمة الروائي املغربي بالفرن�سية الطاهر بن‬ ‫جلون‪ ،‬عن دار ما�سبريو الباري�سية‪ .‬بينئذ كان حممد �شكري قد بد�أ ي�صنع تدريجيا �شخ�صية م�ستقلة‪،‬‬ ‫�أدبية‪ ،‬حمرتمة نوعا ما ‪ ،‬يف عامل �أو" حي ال�سوق الداخل" ال�سفلي لطنجة‪ ،‬حيث يقيم ويتخذ من‬ ‫مقهى باال�سم نف�سه مكان جلو�سه ومواعيده‪ ،‬وقراءته؛ �أجل‪ ،‬ف�شكري‪ ،‬وهنا مربط الفر�س‪ ،‬مل يكن‬ ‫�أميا مثل �سابقيه من الرواة‪ ،‬و�إن خ�ضع للم�سطرة التي طبقت عليهم‪� ،‬أي �رسد ما عنده‪ ،‬ما عا�شه‪،‬‬ ‫(يروي �شكري)‪ :‬تارة بالدارجة‪ ،‬تارة بب�ضع كلمات وعبارات �إ�سبانية �أو فرن�سية جزافية والآلة‬ ‫تلتقط‪ ،‬وعلى كل لي�س ثمة �أي �رسد معقد‪ ،‬وهي مرويات تدرب �صاحب دكان احلكايات على مل ّ‬ ‫�شعتها‪� .‬أما الراوي ف�إنه �سيزعم ب�أنه التحق باملدر�سة مت�أخرا جدا‪� ،‬أي يف �سن ال�سابعة ع�رش من عمره‪،‬‬ ‫واجتاز امتحان ال�شهادة الثانوية الذي به توظف‪ ،‬و�أ�صبح قادرا على قراءة الروايات‪ ،‬املرتجمة منها‬ ‫على اخل�صو�ص‪ ،‬وبعني تراقب �شخ�صيات طنجة وفتواتها‪ ،‬بني ال�سوق الداخل‪ ،‬وامليناء‪ ،‬وحانات‬ ‫املدينة الأوروبية‪ ،‬مع بع�ض التوابل التخييلية املنا�سبة لبيئة معتادة على املغامرة �رشع يف كتابة ق�ص�ص‬ ‫ق�صرية تو�سط له �أ�صدقاء فن�رشت جمتمعة لدى"دار الآداب"بعنوان‪":‬جمنون الورد"‪ .‬لقد كان هناك‬ ‫‪27‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫غرمي ل�شكري يريد �أن يقت�ص منه �أو يزيحه ثقله عن كاهله‪ ،‬نعني �شكري ال�شفوي نف�سه‪ ،‬الراوي‬ ‫الذي روى بالأم�س القريب حكايته �ش�أن املرابط الأمي‪" ،‬ال�صعلوك"‪ ،‬ويريد �أن يدخل �إىل" حمراب"‬ ‫الكتاب وهنا �ستبد�أ ورطته �أو �أ�سطورته‪� ،‬أو ما ن�شاء‪.‬‬ ‫�ست�صل ل�شكري �أ�صداء جناح عمله‪ ،‬وترجماته‪ ،‬و�سيح�س تدريجيا بغنب حقوقه على عقد وحيد‪،‬‬ ‫باولز وداره هما �أول م�ستفيد‪ .‬و�ستتنامي عالقته بعدد من كتاب ال�سبعينات‪ ،‬حممد زفزاف خ�صو�صا‪،‬‬ ‫الذي مل يكن �أقل هام�شية ونزعة �صعلكة منه‪ ،‬لكنه كان كاتبا معلنا منذ البداية‪ .‬ويف طنجة �صار‬ ‫يحوم حول �أقالم و�أ�سماء‪ ،‬مغربية و�أجنبية‪ ،‬م�ستعدا لتلبية كل الطلبات‪ ،‬و�سيكتب عن الأجانب‬ ‫وحدهم يف ما بعد‪ ،‬ذاهبا يف اجتاه �صنع الذات الأدبية التي �ستعلن عن نف�سها بال�سرية الذاتية مكتوبة‬ ‫بالعربية‪ ،‬و�ستتعر�ض للمنع �أوال قبل �أن تذيع منذ منت�صف الثمانينات املا�ضية‪ ،‬ويف ذلك تفا�صيل‪.‬‬ ‫�صفة الإ�شكايل التي و�ضعنا �أعاله م�صدرها �أننا‪� ،‬أو النقد الأدبي‪ ،‬ال نعرف �أ�صل الكتاب‪� ،‬أو بطريقة ما‬ ‫نحن نعرف‪.‬هذه �سرية �شفوية تطبع ل�شخ�ص بالإجنليزية بعنوان‪ ،‬ويف �سياق معلوم اندرج فيه �سابقون‪،‬‬ ‫ثم بالفرن�سية‪ ،‬فبلغات �أخرى العربية منها‪ .‬مل يت�ساءل �أحد يف البداية �أو مل يطرح م�س�ألة الكتابة �أو‬ ‫طرح ما زال غائبا �أو مغيبا �إىل الآن‪ ،‬وذلك ل�سبب ب�سيط‬ ‫النوع الأدبي ومقت�ضياته اجلمالية‪ ،‬بل �إنه ٌ‬ ‫يكمن يف �أن املتلقني‪ ،‬كبارا و�صغارا‪ ،‬تعاملوا مع ال�شفوية‪ ،‬وعنوا �أ�سا�سا باحلياتي الغريب‪ ،‬املبتذل‪،‬‬ ‫ال�شقي‪ ،‬الخ‪ ..‬يف هذا الن�ص الغائب �أ�صال‪� .‬إن ال �أ�سلوبية كتابة �شكري هي �أ�سلوبيته‪� ،‬أي �شفويته‬ ‫الأم‪ ،‬وهي ما حاول جعلها منط حياة‪� ،‬أو"م�أ�س�سها"الحقا‪ ،‬ليجعل حا�رضه يتطابق مع ما�ضيه احلقيقي‪،‬‬ ‫�أو املروي"املزعوم" �آخذا رمبا بالقولة ال�شهرية للناقد الفرن�سي بوفون ب�أن الأ�سلوب هو الرجل نف�سه!‬ ‫الواقع �أن ق�صة �إدري�س ال�رشادي" حياة مليئة بالثقوب" املن�شورة باكرا يف �ستينات القرن املا�ضي ال‬ ‫تقل �أهمية عن"اخلبزاحلايف"�إن مل ت�ضاهها احتفاء بال�شقاء وال�شقاوة‪ ،‬ولو توفرت ل�صاحبه ظروف‬ ‫الرتجمة �أو النقل املبا�رش �أو املح ّور �إىل العربية لكان له ولها �ش�أن �آخر‪ ،‬غري �أنه على ما نعتقد عرف‬ ‫قدره واختار الهجرة �إىل �أمريكا وفيها بقي ‪.‬‬ ‫وب�رصف النظر عن الكتابات الالحقة ملحمد �شكري‪ ،‬وهي دون قيمة ال�سرية‪ ،‬وال�شخ�صية اليومية‬ ‫التي اتخذها قالبا يدخل فيه كل �صباح �صارت علما عليه ب�شكل"فولكلوري"ف�إن لنا حقا �أن نت�ساءل‪:‬‬ ‫�أي قيمة حقيقية �أو مفرت�ضة لهذه الن�صو�ص التي ال نرتدد‪ ،‬كما ال جند غ�ضا�ضة يف و�صفها بال�شفوية‪،‬‬ ‫وال�شفوية يف �أب�سط معانيها هي املختلفة عن ن�سق الكتابي ـ الأدبي واملتميزة بربوتوكول روايتها؟‬ ‫نظن �أن من اخلط�أ اللجوء �إىل حكم قيمة يح ّول النظر �إىل حماكمة �أو جترمي‪ ،‬واعتبار تلك املرويات‪،‬‬ ‫وهي كذلك‪ ،‬نوعا من القول‪� ،‬رضبا من احلكي‪ ،‬يوجد يف كل البيئات‪ ،‬متليه �رشوط �سو�سيو ثقافية‬ ‫معينة‪ ،‬وميكن �أن يتبلور �أو ينح�رس وفق هذه ال�رشوط‪ ،‬وح�سب �سوق التلقي الذي كان مزدهرا يف‬ ‫‪28‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫طنجة الدولية حيث عا�ش نا�س يبحثون عن �شمو�س و�أقمار �ألوان ومتع فريدة‪ ،‬و�إىل جانبهم رواة‬ ‫وو�سطاء يعتا�شون باحلكاية كما اعتا�ش �أبو الفتح الإ�سكندراين باللغة يف مقامات الهمذاين‪ .‬ماذا بقي‬ ‫من قامو�س املقامات‪ ،‬وماذا �سيبقى من رواة طنجة؟ ذاك �س�ؤال يبقى متنازعا بني تاريخ الأدب‪ ،‬من‬ ‫جهة‪ ،‬و�سو�سيولوجيا الثقافة يف درا�ستها للمخيال ال�شعبي حتديدا‪ ،‬من جهة ثانية‪.‬ال ب�أ�س �أن نت�ساءل‬ ‫�أخريا‪� ،‬ألي�س كالم الليل ميحوه النهار حقا‪ ،‬و�إال مل ظلت �شهرزاد ت�سكت عن الكالم املباح؟!‬ ‫مكان ال�شك يُنظر �إليه ك�صقع غريب‪ .‬هكذا خا�ض �أول جتربة يف هذا الباب لدى لقائه �أو بالأحرى‬ ‫عثوره على �أول �شخ�ص ـ �شخ�صية ارت�آها منوذجية لر�ؤية م�سبقة لديه عنوانها الغرائبي والعجائبي‪� ،‬أو‬ ‫ما ميكن �أن يظهر على هذه ال�صورة لدى املتلقي الأجنبي يف �أنويته املركزية املطلقة‪� .‬إنه العربي العيا�شي‬ ‫(�سيتبني الحقا �أنه ا�سم م�ستعار) وقد عرف ال�سجن وعا�ش حياة الت�رشد وال�صعلكة كما حتفل بها‬ ‫مدينة يلج�أ �إليها كثري من الطارئني و�أبناء جبال الريف املذقعة‪ ،‬م�ستعدين لكل �شيء للعي�ش واملغامرة‪.‬‬ ‫روى العيا�شي مقاطع من حياته �أو كلها‪ ،‬وكان باولز قد �رشع مبكرا يف ا�ستخدام تقنية �آلة الت�سجيل‬ ‫مع تدوين مالحظات جانبية‪ ،‬وهو يفعل ذلك بانتباه وحِ رفية تامني‪ ،‬كما �أن له طقو�سه اخلا�صة لهذا‬ ‫�شكري] و�أثمر التعاون‬ ‫اجلو‪ ،‬كما رواها [يل �شخ�صيا] من تعاملوا معه يف هذا ال�ش�أن[ �أعني حممد‬ ‫ٍ‬ ‫�أول كتاب اتخذ عنوان"العي�شة املذلولة"�صدر بالإجنليزية �أول مرة �سنة ‪ 1964‬من و�ضع وت�صنيف‬ ‫باولز‪ ،‬ويف العام املوايل �سي�صدر بالفرن�سية عن دارغاليمار بعنوان"حياة مليئة بالثقوب"لكن باال�سم‬ ‫غني عن القول �أن الراوي ال�شعبي كان يتقا�ضى مقابل حكيه‬ ‫احلقيقي ل�صاحبه‪ ،‬وهو �إدري�س ال�رشادي‪ٌّ .‬‬ ‫الفطري‪ ،‬لكن مقابال زهيدا‪ ،‬فهو �أ ّم ّي‪ ،‬وزا ُده من احلكايات متوفر يف النهاية يف الأ�سواق‪ ،‬كثري منه‬ ‫�سي�ضخمها املد ّون‪ ،‬هذا الذي ال نعرف �إن كان الكاتب الأول‬ ‫باملغربات واملبالغات‪ ،‬حقيقية �أو‬ ‫ّ‬ ‫حم�شو ّ‬ ‫للطر�س �أم الثاين‪ ،‬هو من يح�صد �أجود الريع املايل‪ ،‬بدءا بحلقات ق�صة تن�رش م�سل�سلة يف �صحيفة‪،‬‬ ‫ثم جمموعة الحقا يف كتاب‪.‬‬ ‫�ستتوا�صل هذه التجربة التي �سماها النقد الأدبي باملغرب ب"رواة طنجة"(ح�سن بحراوي‬ ‫وعبد العزيز جدير‪ ،‬اللذان و�ضعا م�ؤلفني يحمل العنوان ذاته) على امتداد ثالثني �سنة‪ ،‬ودائما على‬ ‫يد املتعهد نف�سه‪ ،‬نعني بول باولز يقوم بنوع من املقاي�ضة ال�رسدية مع �أفراد يروون حكايات قابلة‬ ‫للت�سويق �إىل جمهور متعط�ش للمرويات ال�رشقية العجائبية‪ ،‬يتقا�ضون مقابلها ماال �شحيحا‪ .‬وال �شك‬ ‫�أن الكاتب الأمريكي لعب دورا حا�سما يف احتالب هذه املرويات‪ ،‬ب�شحذ ذاكرة زبنائه والعمل‬ ‫على �إبراز عواملهم التخييلية‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل تنظيم الرواية و�إخ�ضاعها لن�سق معني‪ .‬تتمثل وا�سطة العقد‬ ‫بعد العيا�شي يف ثالثة هم حممد القطراين الذي جنهل م�صريه اليوم‪ ،‬وحممد ملرابط ما زال يهذي ب"‬ ‫خرايفه"‪ ،‬ال يجد من�صتا فقد �أ�صبح العهد غري العهد‪ ،‬والثالث الأخري الكاتب الراحل حممد �شكري‬ ‫‪29‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫مثار �إجماع وخالف‪ ،‬توابع وزوابع‪ ،‬فكيف ذلك ؟‬ ‫كان �شكري �آخر"زبون" ي�ستقبله باولز يف "دكانه" �أو حمرتفه لي�شرتي منه حكايته‪ .‬مل يكن �شكري‬ ‫�أحدا‪� ،‬أو جمرد موظف يعمل ب�صفة معلم �ضارب على الآلة الكاتبة يف مدر�سة ابتدائية‪ .‬قبل ذلك عا�ش‬ ‫طفولة �شقية‪ ،‬وتقلب يف عديد مغامرات و�رضوب عي�ش مطبوعة بالعنف وال�ضنك‪ ،‬عائلية و�شخ�صية‪،‬‬ ‫مما �سيتاح له التو�سع فيه يف الكتاب"الإ�شكايل" املعنون ب‪":‬اخلبز احلايف"وهو �سريته الذاتية‪ ،‬ذائعة‬ ‫ال�صيت‪ .‬ا�ستمع باولز �إىل �شكري يف جل�سات كثرية ب�شهادته التي �أدىل بها �إلينا هذا الأخري‪ ،‬قبل �أن‬ ‫ينتقل �إىل"�أ�سطرة "حياته‪ .‬كان هناك و�سطاء هم الذين ربطوا ال�صلة بني الطرفني‪ ،‬خا�صة و�أن جامع‬ ‫احلكايات معروف يف �أو�ساط املهم�شني بطنجة‪ ،‬هو وزوجته جني‪ ،‬ب�شذوذ ونزوات‪ ،‬وقد روى حممد‬ ‫كل تلك الأخبار التي نعرفها يف �سريته مق�سطة‪ ،‬على �آلة الت�سجيل‪ ،‬ويف ختام كل جل�سة يغادر ويف‬ ‫جيبه ورقة نقدية‪ ،‬زهيدة يف النهاية‪ ،‬يبددها يف ملذات رخي�صة‪� .‬سنة ‪� 1973‬ست�صدر ال�سرية يف �أمريكا‬ ‫بعنوان‪" :‬من �أجل اخلبز وحده" وبعد �سنوات بالفرن�سية برتجمة الروائي املغربي بالفرن�سية الطاهر بن‬ ‫جلون‪ ،‬عن دار ما�سبريو الباري�سية‪ .‬بينئذ كان حممد �شكري قد بد�أ ي�صنع تدريجيا �شخ�صية م�ستقلة‪،‬‬ ‫�أدبية‪ ،‬حمرتمة نوعا ما ‪ ،‬يف عامل �أو" حي ال�سوق الداخل" ال�سفلي لطنجة‪ ،‬حيث يقيم ويتخذ من‬ ‫مقهى باال�سم نف�سه مكان جلو�سه ومواعيده‪ ،‬وقراءته؛ �أجل‪ ،‬ف�شكري‪ ،‬وهنا مربط الفر�س‪ ،‬مل يكن‬ ‫�أميا مثل �سابقيه من الرواة‪ ،‬و�إن خ�ضع للم�سطرة التي طبقت عليهم‪� ،‬أي �رسد ما عنده‪ ،‬ما عا�شه‪،‬‬ ‫(يروي �شكري)‪ :‬تارة بالدارجة‪ ،‬تارة بب�ضع كلمات وعبارات �إ�سبانية �أو فرن�سية جزافية والآلة‬ ‫تلتقط‪ ،‬وعلى كل لي�س ثمة �أي �رسد معقد‪ ،‬وهي مرويات تدرب �صاحب دكان احلكايات على مل ّ‬ ‫�شعتها‪� .‬أما الراوي ف�إنه �سيزعم ب�أنه التحق باملدر�سة مت�أخرا جدا‪� ،‬أي يف �سن ال�سابعة ع�رش من عمره‪،‬‬ ‫واجتاز امتحان ال�شهادة الثانوية الذي به توظف‪ ،‬و�أ�صبح قادرا على قراءة الروايات‪ ،‬املرتجمة منها‬ ‫على اخل�صو�ص‪ ،‬وبعني تراقب �شخ�صيات طنجة وفتواتها‪ ،‬بني ال�سوق الداخل‪ ،‬وامليناء‪ ،‬وحانات‬ ‫املدينة الأوروبية‪ ،‬مع بع�ض التوابل التخييلية املنا�سبة لبيئة معتادة على املغامرة �رشع يف كتابة ق�ص�ص‬ ‫ق�صرية تو�سط له �أ�صدقاء فن�رشت جمتمعة لدى"دار الآداب"بعنوان‪":‬جمنون الورد"‪ .‬لقد كان هناك‬ ‫غرمي ل�شكري يريد �أن يقت�ص منه �أو يزيحه ثقله عن كاهله‪ ،‬نعني �شكري ال�شفوي نف�سه‪ ،‬الراوي‬ ‫الذي روى بالأم�س القريب حكايته �ش�أن املرابط الأمي‪" ،‬ال�صعلوك"‪ ،‬ويريد �أن يدخل �إىل" حمراب"‬ ‫الكتاب وهنا �ستبد�أ ورطته �أو �أ�سطورته‪� ،‬أو ما ن�شاء‪.‬‬ ‫�ست�صل ل�شكري �أ�صداء جناح عمله‪ ،‬وترجماته‪ ،‬و�سيح�س تدريجيا بغنب حقوقه على عقد وحيد‪،‬‬ ‫باولز وداره هما �أول م�ستفيد‪ .‬و�ستتنامي عالقته بعدد من كتاب ال�سبعينات‪ ،‬حممد زفزاف خ�صو�صا‪،‬‬ ‫الذي مل يكن �أقل هام�شية ونزعة �صعلكة منه‪ ،‬لكنه كان كاتبا معلنا منذ البداية‪ .‬ويف طنجة �صار‬ ‫‪30‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يحوم حول �أقالم و�أ�سماء‪ ،‬مغربية و�أجنبية‪ ،‬م�ستعدا لتلبية كل الطلبات‪ ،‬و�سيكتب عن الأجانب‬ ‫وحدهم يف ما بعد‪ ،‬ذاهبا يف اجتاه �صنع الذات الأدبية التي �ستعلن عن نف�سها بال�سرية الذاتية مكتوبة‬ ‫بالعربية‪ ،‬و�ستتعر�ض للمنع �أوال قبل �أن تذيع منذ منت�صف الثمانينات املا�ضية‪ ،‬ويف ذلك تفا�صيل‪.‬‬ ‫�صفة الإ�شكايل التي و�ضعنا �أعاله م�صدرها �أننا‪� ،‬أو النقد الأدبي‪ ،‬ال نعرف �أ�صل الكتاب‪� ،‬أو بطريقة ما‬ ‫نحن نعرف‪.‬هذه �سرية �شفوية تطبع ل�شخ�ص بالإجنليزية بعنوان‪ ،‬ويف �سياق معلوم اندرج فيه �سابقون‪،‬‬ ‫ثم بالفرن�سية‪ ،‬فبلغات �أخرى العربية منها‪ .‬مل يت�ساءل �أحد يف البداية �أو مل يطرح م�س�ألة الكتابة �أو‬ ‫طرح ما زال غائبا �أو مغيبا �إىل الآن‪ ،‬وذلك ل�سبب ب�سيط‬ ‫النوع الأدبي ومقت�ضياته اجلمالية‪ ،‬بل �إنه ٌ‬ ‫يكمن يف �أن املتلقني‪ ،‬كبارا و�صغارا‪ ،‬تعاملوا مع ال�شفوية‪ ،‬وعنوا �أ�سا�سا باحلياتي الغريب‪ ،‬املبتذل‪،‬‬ ‫ال�شقي‪ ،‬الخ‪ ..‬يف هذا الن�ص الغائب �أ�صال‪� .‬إن ال �أ�سلوبية كتابة �شكري هي �أ�سلوبيته‪� ،‬أي �شفويته‬ ‫الأم‪ ،‬وهي ما حاول جعلها منط حياة‪� ،‬أو"م�أ�س�سها"الحقا‪ ،‬ليجعل حا�رضه يتطابق مع ما�ضيه احلقيقي‪،‬‬ ‫�أو املروي"املزعوم" �آخذا رمبا بالقولة ال�شهرية للناقد الفرن�سي بوفون ب�أن الأ�سلوب هو الرجل نف�سه!‬ ‫الواقع �أن ق�صة �إدري�س ال�رشادي" حياة مليئة بالثقوب" املن�شورة باكرا يف �ستينات القرن املا�ضي ال‬ ‫تقل �أهمية عن"اخلبزاحلايف"�إن مل ت�ضاهها احتفاء بال�شقاء وال�شقاوة‪ ،‬ولو توفرت ل�صاحبه ظروف‬ ‫الرتجمة �أو النقل املبا�رش �أو املح ّور �إىل العربية لكان له ولها �ش�أن �آخر‪ ،‬غري �أنه على ما نعتقد عرف‬ ‫قدره واختار الهجرة �إىل �أمريكا وفيها بقي ‪.‬‬ ‫وب�رصف النظر عن الكتابات الالحقة ملحمد �شكري‪ ،‬وهي دون قيمة ال�سرية‪ ،‬وال�شخ�صية اليومية‬ ‫التي اتخذها قالبا يدخل فيه كل �صباح �صارت علما عليه ب�شكل"فولكلوري"ف�إن لنا حقا �أن نت�ساءل‪:‬‬ ‫�أي قيمة حقيقية �أو مفرت�ضة لهذه الن�صو�ص التي ال نرتدد‪ ،‬كما ال جند غ�ضا�ضة يف و�صفها بال�شفوية‪،‬‬ ‫وال�شفوية يف �أب�سط معانيها هي املختلفة عن ن�سق الكتابي ـ الأدبي واملتميزة بربوتوكول روايتها؟‬ ‫نظن �أن من اخلط�أ اللجوء �إىل حكم قيمة يح ّول النظر �إىل حماكمة �أو جترمي‪ ،‬واعتبار تلك املرويات‪،‬‬ ‫وهي كذلك‪ ،‬نوعا من القول‪� ،‬رضبا من احلكي‪ ،‬يوجد يف كل البيئات‪ ،‬متليه �رشوط �سو�سيو ثقافية‬ ‫معينة‪ ،‬وميكن �أن يتبلور �أو ينح�رس وفق هذه ال�رشوط‪ ،‬وح�سب �سوق التلقي الذي كان مزدهرا يف‬ ‫طنجة الدولية حيث عا�ش نا�س يبحثون عن �شمو�س و�أقمار �ألوان ومتع فريدة‪ ،‬و�إىل جانبهم رواة‬ ‫وو�سطاء يعتا�شون باحلكاية كما اعتا�ش �أبو الفتح الإ�سكندراين باللغة يف مقامات الهمذاين‪ .‬ماذا بقي‬ ‫من قامو�س املقامات‪ ،‬وماذا �سيبقى من رواة طنجة؟ ذاك �س�ؤال يبقى متنازعا بني تاريخ الأدب‪ ،‬من‬ ‫جهة‪ ،‬و�سو�سيولوجيا الثقافة يف درا�ستها للمخيال ال�شعبي حتديدا‪ ،‬من جهة ثانية‪.‬ال ب�أ�س �أن نت�ساءل‬ ‫�أخريا‪� ،‬ألي�س كالم الليل ميحوه النهار حقا‪ ،‬و�إال مل ظلت �شهرزاد ت�سكت عن الكالم املباح؟!‬

‫‪31‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪32‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫" �أيام جبلية "ملبارك ربيع ‪:‬‬ ‫الرواية ‪ ،‬بو�صفها �أمثولة‬

‫‪1‬‬

‫ُتعرف قوامي�س امل�صطلحات الأدبية يف جمملها "الأمثولة"؛"‪ "Exemplum‬ب�أنها �شكل �أدبي التيني‬ ‫ّ‬ ‫قرو�سطوي‪ ،‬يتمثل يف ق�صة مقت�ضبة‪ ،‬غايتها �صنع القدوة‪ ،‬انطالقا من حدث عا�شه امل�ؤلف‪� ،‬أو نُقِل‬ ‫�إليه‪ ،‬وعلى املتلقني ا�ستخال�ص العربة منها‪.‬‬ ‫وب�إمكاننا تو�سيع هذا النوع ال�صغري �أو اعتباره فرعا من اجلن�س الأ�شمل القائم يف �آداب العظة‬ ‫كم ال ب�أ�س به يف تراثنا العربي‪� ،‬أو املو�ضوع ب�صيغة اخليال‪ ،‬امل�صنوع‬ ‫والن�صح مبتلفظها املبا�رش‪ ،‬منه ّ‬ ‫وفق �رشوط البنية احلكائية عامة‪ ،‬وهو موجود يف �آداب خمتلف ال�شعوب‪ ،‬الق�ص�ص الديني �أولها‪،‬‬ ‫غايتها الن�صح والعربة‪ ،‬وهي مطروحة على هذا املنوال‪ ،‬لي�س لن�سق التخييل فيها دور �إال ما جاء‬ ‫الحقا على �سبيل الت�أويل والت�شخي�ص اللذين ابتدعهما الرواة عرب الأزمنة‪ ،‬كما �أن منه ما ُنقل �إلينا‬ ‫منه جاء على ل�سان احليوان مثال‪� ،‬أو غريه‪ ،‬ال نريد التو�سع فيه هنا‪.‬‬ ‫وما لنا ال نذهب �إىل �أن التعبري الأدبي‪ ،‬حامل ثمار املخيلة الب�رشية و�أحالم الإن�سان عرب تاريخها‬ ‫املديد‪ ،‬لهو قبل كل �شيء وعاء للمثُل‪ ،‬و َم ْعبرَ للأخالق والقيم والأحا�سي�س املو�صوفة بالنبل والتقوى‪،‬‬ ‫واحلاثة على االقتناع بها والتزام �سننها‪ ،‬تبني احلوادث وامل�صائر املر�سومة �صدقها �أو هاوية تنكبها؛‬ ‫بهذا املعنى فهو تعبري ذو داللة �أخالقية‪ ،‬ونزعة تب�شريية‪ ،‬وهو الدور الذي مل يتخل عنه الأدب يوما‬ ‫طرز البيان واملجاز‪ ،‬وحلق به خياال وتهوميا يف �آفاق‬ ‫بعد كل ما عرفه من تطور‪ ،‬وت�رسبل به من ُ‬ ‫الوجود ورحاب الذات الوا�سعة وقلق الإن�سان وتطلعاته‪ ،‬مع م�شاعره املت�ضاربة‪.‬‬ ‫‪33‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫و�إذا كان ال�شعر بني �أ�شكال التعبري الأدبية قد اقتطع م�ساحة لغوية وبالغية و�إيقاعية جعلت مركزه‬ ‫ين�أى عن حدود قوله‪ ،‬ذي الطابع اال�ستعاري �أ�سا�سا‪ ،‬و�إال فهو �أراجيز وحمفوظات تعليميةـ خطابية‪ ،‬ف�إن‬ ‫النرث غري امللتزم بقواعد النظم‪ ،‬واملو�ضوع يف الغالب للتبليغ والإقناع قبل الإطراب والتحبيب‪ ،‬باخت�صار‬ ‫لي�س ابتغا ُء اجلمال �رضورة مق�صودة فيه‪� ،‬أوال بد منها لتمام النوع؛ هذا النرث د�أب على حمل ر�سالة‪،‬‬ ‫ال�صالح ل�سانها وتفطني الإن�سان مبا يجعل اخلري �سيدا له‪ ،‬وال�رش �شيطانا هالكه يف االنقياد �إليه‪.‬‬ ‫ت�أتي الرواية يف مقدمة الأنواع الأدبية الهادفة لهذا املرمى‪ ،‬ف�إن هذا اجلن�س‪� ،‬سليل امللحمة‬ ‫ونقي�ضها يف �آن‪ ،‬ما كان ليتبلور �إال وقد توارى عامل الإلهيات‪ ،‬وتهافت مطلقها‪ ،‬و�إحلاح احلاجة‬ ‫�إىل قول ي�صوغ جتربة الإن�سان املادي احلديث يف ثورته التجارية ال�صناعية وبنياتها امل�ستحدثة‪ ،‬من‬ ‫ثم البحث عن �أجوبة و�آفاق لأ�سئلة الإن�سان يف الع�رص اجلديد‪� .‬إن فن الرواية منذ ثرفانتي�س ورابلي‪،‬‬ ‫و�صوال‪ ،‬لو �شئنا �إىل ماركيز ون‪ .‬حمفوظ‪ ،‬لهو تاريخ هذا البحث امل�ضني‪ ،‬حيث تنتزع الواقعية ح�صة‬ ‫الأ�سد‪ ،‬وتبدو ر�ؤيتها هي الأ�شمل والأغنى يف احت�ضانها لأهم جتارب �إعادة ر�صد معامل احلياة واختبار‬ ‫طاقة الإن�سان وا�ستبطانها يف مواجهة م�صريه؛ ذاك امل�أ�ساوي حقا‪ ،‬من منظور لوكات�ش‪ .‬نحن نعترب‪،‬‬ ‫ونعتذر عن االختزال‪� ،‬أن االقتناع بالواقعية منهجا ور�ؤية �أنتج طرائف فنية و�أ�ساليب وخطابات بعينها‬ ‫اتخذت التنوير وت�سويغ التحديث وال�رصاع االجتماعي ذي املرتكزات االقت�صادية مادة �أوىل فيها‪،‬‬ ‫وابتغت وما تزال اال�ستفادة من �ضحايا وحطام هذا ال�رصاع‪� ،‬أفرادا وم�ؤ�س�سات‪ ،‬بغاية ُمثلى‪ ،‬هنا‬ ‫تب�شريي كله‪ ،‬حامل‬ ‫فكرة العظة والن�صح؛ باملنا�سبة ف�إن الأدب البورجوازي‪ ،‬الواقعي‪ ،‬وبتفاوت‪،‬‬ ‫ٌّ‬ ‫قيم و�إيديولوجيا ُو ُمثل‪� ،‬أي �أنه‪ ،‬مع مراعاة خ�صائ�ص النوع‪� ،‬أمثويلٌّ يف النهاية‪� ،‬أو ميكن تلقيه‪ ،‬بعد‬ ‫الأجر�أة‪ ،‬كما يقال اليوم‪ ،‬على هذا الأ�سا�س‪.‬‬ ‫ال يبتعد ال�رسد الروائي للروائي املغربي الكبري الأ�ستاذ مبارك ربيع عن هذا ال�صنيع‪ ،‬يتلم�سه تارة‬ ‫عن قرب و�أخرى‪ ،‬حتى وهو يوحي باالبتعاد عنه‪ ،‬نراه ما ينفك يحوم حوله لي�صله ب�أكرث من �سبب‪.‬‬ ‫�إذ ف�ضال عن النهج الواقعي الذي اختطته �أعماله‪ ،‬امل�ؤ�س�سة منها يف ال�صدارة"الريح ال�شتوية"بجزئيها‬ ‫(‪ )1977‬و(‪ ،)1980‬وظلت تندرج فيه بني جتربة و�أخرى عرب تنويعات معمارية وتقنية حافظت على‬ ‫الهيكلة اجلمالية والر�ؤية االجتماعية‪ ،‬متثيلية وت�صويرية‪ ،‬ف�إن النزعة النقدية تبقى مهمازها ال تكاد‬ ‫حتيد عنها‪ ،‬ف�إن انزاحت قليال �إىل �سجل كتابة ذات م�سحة جمازية و�إهاب رمزي يوظف احلكاية‬ ‫ال�شعبية والأ�سطورة بعيدا �شكال عن نهجها الأ�صلي يف رواية" بدر زمانه" (‪ )1984‬ف�إمنا ليعود النبع‬ ‫�إىل �سابق جمراه ك�أمنا ليت�أكد وي�ؤكد نقاء م�رشبه و�صفاءه‪ .‬واحلق �أن مبارك ربيع‪ ،‬ومنذ نعومة نرثه‬ ‫ترعرع يف الق�ص الق�صري‪ ،‬جمموعة "�سيدنا قدر"(‪ ،)1969‬بدا الكاتب الذي يريد �أن ي�صنع من نرثه‬ ‫�أدبا‪ ،‬ومن �أدبه �رسدا فنيا حمكما‪ ،‬و�أن ّ‬ ‫ميكن ل�رسده يف �أر�ض املعذبني يف الأر�ض‪ ،‬املتقلبني على جمر‬ ‫‪34‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫كما وازنا من‬ ‫احلرمان‪ ،‬فيه �أنواع‪ ،‬حتذوه‪� ،‬أو بالأحرى �شخ�صيات ق�ص�صه ورواياته ـ متثل اليوم ّ‬ ‫تراثنا ال�رسدي احلديث ـ وهي متثل مناذج عدة‪ ،‬بني تناغم و�رصاع مع احلياة؛ حتذوها �آمال وحتفزها‬ ‫رغاب‪ ،‬مرتاوحة بني ال�سقوط �إىل القاع �أو التطلع �إىل الذرى‪ ،‬يف م�سارات �رشعية �أو احتيالية‪ ،‬على‬ ‫غرارالعملة ال�سائدة‪ ،‬وثالثة حاملة �أو واهمة‪ ،‬ت�صطدم مع �صالبة الواقع لتعانق م�صريها املحتوم‪،‬‬ ‫اجلدير بها روائيا‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬بعد �أن تكون قد نُق�شت و�شما على جلده امل�سحور؛علينا �أن ال نن�سى �أنه‬ ‫روائي‪ ،‬م�صنوع من لغة‪ ،‬و�أبطالُه من ورق‪� ،‬أطيافاً يف وا�ضحة النهار برباءة املالئكة يرفرفون‪،‬‬ ‫جل ٌد‬ ‫ٌّ‬ ‫و�أ�شباًحا يف الظالم بجربوت الظاملني واملت�آمرين يطفئون عيون احلياة وي�رسقون قلوب الطيبني‪.‬‬ ‫وبني احلالتني والنموذجني‪ ،‬املمثلني لزوج ت�ضاد ال ينتهي‪ ،‬ح�سب قانون ال�رصاع الذي ن�ست�شف‬ ‫�إميان الكاتب به دائما‪ ،‬من غري �أن يعليه �إىل م�ستوى الإيديولوجية التي تت�أ�س�س عادة خارج الن�ص‪،‬‬ ‫همه �أن يبلغها‬ ‫الر�سل‪ ،‬فله عقيدته الإن�سانية ّ‬ ‫وي�سقطها البع�ض عليه عنوة‪ ،‬يت�أبى عليها ربيع حاله حال ُّ‬ ‫للنا�س يف كتاب �أدبي‪ ،‬من طراز خمتلف‪ ،‬ال يطمح للإعجاز ولكن للت�أثري والتحويل الهادئ‪ ،‬وال ب�أ�س‬ ‫من التغيري �إن جاء‪ ،‬فهو‪ ،‬مثل �أجيال الكتاب العرب جميعا‪ ،‬كاتب ملتزم‪ ،‬اتخذ من القلم �صوتا‬ ‫و�سالحا‪ ،‬ونذر قوله يف �سبيل هذا االلتزام وتبعاته؛ لذا يف البداية‪ ،‬يف الو�سط‪ ،‬و�إىل كل نهاية حمتملة‬ ‫ت�صطف ن�صو�صه و�شخ�صياتها‪� ،‬إيجابية و�سلبية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬يف مقام القدوة الأمثولية‪ ،‬و�أمثولة االقتداء؛‬ ‫ذي هي �إيديولوجية الرواية الربيعية‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫يف روايته " �أيام جبلية" (‪ )2003‬مل ي�شذ مبارك ربيع عن هذا النهج‪ ،‬وال انف�صل عن مقت�ضى ر�ؤيته‬ ‫العامة‪ ،‬مبتطلبات مواده التمثيلية والنقدية‪ ،‬من �صلب بيئة معينة وب�ؤرة معرتكية‪ ،‬وبالأدوات الفنية‬ ‫الت�صويرية والت�شخي�صية املن�سجمة مع ب�ضاعته‪ ،‬و�أ�ضحى فيها ُمعلما بعد �أن �أتقن ال�صنعة غدت له‬ ‫فيها مهارات وحذاقات ُج ّلى‪ ،‬من غري حتذلق �أبد�أ‪� .‬إن هذه الرواية التي جاءت بعد ثالثية"درب‬ ‫ال�سلطان" (‪ )2000‬ومل ينب�س عنها النقد عندنا �إال ببنت �شفة‪ ،‬من �شدة ان�شغاله بك�شط جلده النظري‪،‬‬ ‫عجبا(!)‪ ،‬لهي يف زعمنا متثيل �أقوى من �سابقاتها‪ ،‬و�أغنى للنزعة الأمثولية‪ ،‬من جهة البيئة (الف�ضاء‬ ‫االجتماعي) وال�شخ�صيات وعوامل ال�رصاع‪ ،‬وقواه‪ ،‬وخلفيات الأحداث‪ ،‬وطبيعة الداللة‪/‬الدالالت‬ ‫ومغزاها‪ ،‬ولكونها‪ ،‬وهو جوهري هنا‪ ،‬طابعها الرمزي‪ ،‬املحفوف بالغمو�ض‪ ،‬امل�سبوك يف االلتبا�س‬ ‫املتعمد على امتداد �صفحاتها الطوال‪ ،‬قد تخ ّطئ قارئها يف �أن ر�ؤيتها م�شو�شة‪ ،‬وم�ساراتها متباعدة‪،‬‬ ‫ومقا�صدها مت�ضاربة‪ ،‬قل حوادثها متنافرة ‪ ،‬مما ال يحتمله عمل واحد‪ ،‬و�شخ�صياتها م�أ�سورة �أكرث‬ ‫منها م�شدودة �إىل خيط واحد ت�سل�س القياد بي�رس ليد املم�سك به؛ قد تخ ّطئه يف هذا كما قد جتذبه‬ ‫‪35‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫نحو الفلك ال�ساحر لتو�صيفات وهيكلة من معدن "�أليغوري" خال�ص‪ ،‬وهو مما ال يت�أتى �إال ملن له‬ ‫الدراية يف القراءة �شطرا‪ ،‬والدربة على �صنعة الأ�ساليب �شطرا �آخر‪ ،‬لكن ال مندوحة له من الإقرار‬ ‫�أخريا‪� ،‬أي حني يهتدي �إىل �سواء �سبيل هذه العنا�رص واملواد جمتمعة‪ ،‬ويقرنها مت�آلفة‪ ،‬وي�ضم �إيقاعات‬ ‫�أجزائها متناغمة‪ ،‬ب�أن الق�صد �أبعد من �رسد واحد من حوادث الدهر‪ ،‬و�أكرث من الوقوف على مع�ضلة‬ ‫اجتماعية بر�سمها وف�ضحها والتنديد �أو التهليل لأفق انفراجها ال�سعيد‪� ،‬صنيع �أي رواية واقعية‬ ‫تقليدية‪ ،‬و�ساذجة غالبا؛ بل املنظور الر�سويل ـ الر�سايل الأعمق هو املطلب‪ ،‬وهي حكمة الكاتب‬ ‫التي يريد لها �أن تتنف�س منها م�سام �رسد وفّر له كل ما يف عدة الروائي من �أدوات ال�صناعة املخبوءة‬ ‫يف تلك العلبة التي قال الروائي الأمريكي ا�ستفن كينغ ب�أن على الكاتب �أن ال يفارقها لن يعدمها عند‬ ‫احلاجة؛ كتابنا ‪":‬عمل الكاتب‪ ،‬الكاتب وهو يعمل"‪( ،‬عمان‪� ،‬أزمنة‪� ،)2007 ،‬أي ما يحيل مرة جديدة‬ ‫�إىل املثل العظمى التي يرى �أن حياة الإن�سان ال ت�ستقيم بدونها‪ ،‬من قبيل احلب والوفاء والإخال�ص‬ ‫هم �أن تكون �رشائع دينية وت�رشيعات دنيوية قد نادت بها‪،‬‬ ‫والكفاح والعدل وحب اخلري و�سواها‪ ،‬ما ّ‬ ‫وفال�سفة و�أدباء كبار دائما اعتنقوها‪ ،‬الأهم �أن ي�صل الكاتب‪ ،‬هو الروائي هنا‪� ،‬إىل مرحلة اختبار‬ ‫ن�ضجه احلقيقي وت�أهيله الفعلي‪ ،‬نعني عندما ت�صبح له عقيدة تتنف�س وتنب�ض داخل الن�ص‪ ،‬يرى‬ ‫عربها‪ ،‬وبوا�سطتها كلماته تتفتح خارجه دالالت وهي تنت�صب عالمات فارقة ب�صدقية املعنى‪ ،‬بعد‬ ‫�أن تكون قد حازت �صدقية املبنى وتفوقت فيها �إىل ذلك احلد الذي ي�صبح معها التزاوج احلميم بني‬ ‫الطرفني هي اجلمالية املوثوق بها للن�ص ال�رسدي‪ ،‬املمهورة بالتوقيع ال�شخ�صي لروائيها يف �صورة‬ ‫�أ�سلوب كتابة وعقيدة حياة تخ�صه هو بالذات ال غريه‪ ،‬من ثم ال يبقى جدال �أن الأمثولة عندئد هي‬ ‫�شكل �إىل جانب كونها م�ضمون‪ ،‬والعك�س‪.‬‬ ‫ماذا تر�سم " �أيام جبلية" و�أي عامل تقدم‪ ،‬وب�أي فاعلني تتحرك‪ ،‬وعلى �أي �أر�ضية مادية تنه�ض‪،‬‬ ‫وما هي ب�ؤر التوتر الكربى فيها مبا يجعلها فعال مدار �أفعال روائية حقيقية وممكنة‪ ،‬وما هي �أقوى‬ ‫الرهانات التي تتخفى يف م�سار ال�شخو�ص‪ ،‬نف�سها التي متثل بحث الروائي عن عامل يحمل قيما‪� ،‬أي‬ ‫مثال قابلة ال�ستتباب ر�ؤيته الأمثولية ؟؟؟ للجواب على بدايات هذه الأ�سئلة يحتاج القارئ‪ ،‬ونحن‬ ‫معه‪� ،‬إىل التعرف على بع�ض حلقات املحكي الروائي‪ ،‬بلغت من الكرثة والتفرع حدا يتعذر معه مل ّ‬ ‫�شعثها‪ ،‬ي�ستح�سن الإ�شارة �إىل بع�ضها خمت�رصه‪ ،‬املخل طبعا‪ ،‬وعلى �سبيل االفرتا�ض فقط‪ ،‬ما دمنا لن‬ ‫نعرف على وجه اليقني هوية ال�شخ�صية املركزية التي تتكلف يف �آن بدور ال�سارد‪ ،‬ولأن كل ما يحدث‬ ‫بفاعليه و�أ�سبابه ي�أتي على وجه االحتمال‪ ،‬خدعة تتقاطع يف كل ف�صل‪� ،‬أو فقرة روائية مع خرب يتحول‬ ‫�إىل الزمة تعرتيها تغريات يبدو �أنها تطور اخلرب و�إن مل تزده �إال التبا�سا وحتيريا؛‬ ‫يقول اخلرب‪ ":‬م�سافرون يق�ضون ليلتهم بالقطار يف العراء‪ ،‬بر�أ�س اجلبل‪ .‬حدث ذلك بفعل حتويل‬ ‫‪36‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫خلط ال�سكة احلديدية �إىل اجتاه غري م�ستعمل"‪ .‬نحن �أمام خم�س معلومات‪ :‬م�سافرون؛ ليلة؛ قطار؛‬ ‫ر�أ�س اجلبل؛ حتويل؛ اجتاه‪ ،..‬ن�ستبقى منها معلومتني �أ�سا�سني هما ما ي�ستخدمهما امل�ؤلف تع ّلة للحكي‬ ‫ب�أكمله‪ ،‬وف�ضاءهما جماال لتوليد النموذج الأمثويل‪ ،‬مع الدالالت القرينة به‪ .‬لن نكت�شف �إال يف‬ ‫الأخري ب�أن الأمر رهن بحيلة ال�ستدراجنا ملتابعة بحث (حتقيق) عن حادث التحويل ال �أهمية له �إال بقدر‬ ‫ما ي�سمح للرواية بالتكوين‪� ،‬أي ب�صناعة الكذب الروائي (التخييل) حا�ضن مادة احلكي‪ .‬بالفعل‪،‬‬ ‫فال(بطل) ال�سارد ي�صل �إىل مكان احلادث( ر�أ�س اجلبل) للغر�ض املذكور مبعوثا من جهة غري معلومة‪،‬‬ ‫لنقدر �أنها �صحيفة‪ ،‬فهو قد در�س الإعالم‪ ،‬حيث ي�صطدم ب�أول مفارقة عندما يفاج�أ ب�أنه ُخدع‬ ‫ف"ال ر�أ�س وال جبل‪ ،‬و�إمنا بقعة منب�سطة‪� ،‬إن مل نقل منخفظة (‪ )..‬بال جبل وال ر�أ�س‪ .‬مزحة!"(‪.)10‬‬ ‫�سي�شتغل املحقق ببطء �شديد‪ ،‬لأن حتقيقه �سي�أخذ وجهة �أخرى‪ ،‬فعو�ض �أن يتق�صى �أ�سباب حادث‬ ‫القطار الذي زاغ عن �سكته الأ�صلية وم�ضى يف اجتاه مل ي�صل �إليه من قبل‪ ،‬اعتربت تربته غري �صاحلة‪،‬‬ ‫جنده يويل الأهمية كلها للمكان الذي نزل به‪ ،‬ويتنقل يف جغرافيته اخلرائطية والب�رشية‪ ،‬متعرفا على‬ ‫مواقع �أهله وم�شاغلهم وطباعهم‪ ،‬مثل �أي مكت�شف ملكان جمهول‪ ،‬وهو ما يبقى كذلك �أو م�سدلة‬ ‫عليه �أ�ستار الغمو�ض‪ ،‬ثم لن يلبث �أن ي�سلم املهمة �إىل رفيقة له‪� ،‬إعالمية بدورها‪ ،‬كي تخو�ض م�سلكا‬ ‫خا�صا من املغامرة ال�ستكمال معرفة عامل (ر�أ�س اجلبل)‪ .‬هو تقا�سم �أدوار‪ ،‬واحد خمت�ص بالك�شف‬ ‫عن وجه اخلري وح�سناته‪ ،‬دور ال�سارد ـ املحقق‪ ،1‬ممثال يف املعلم ر�ضوان‪ ،‬القانع مبوهبة ال�شعر‬ ‫الزجلي‪ ،‬واملحبط يف حبه؛ ومبجال خا�صة يف عيو�شة �صاحبة الدار التي ت�ؤوي الفتيات‪ ،‬تعلمهن‬ ‫�صنعة احلياكة والطرز‪ ،‬رمزها دار لل�صالح ومالذ للتوبة وهي التي عا�شت ما�ض ب�شوائب‪ ،‬يرمز‬ ‫�إليه احلاج‪ ،‬وابنها ف�ؤاد‪ ،‬ثمرة العالقة غري ال�رشعية وعقابها يف �آن‪ .‬والدور الثاين وجه ال�رش والف�ساد‬ ‫الذي يعوق "املدينة الفا�ضلة" عن الكمال‪ ،‬تتكفل الرفيقة حبيبة �أو دليلة بتعريته‪ ،‬املحقق ‪ ،2‬ف�ضا�ؤه‬ ‫(الدرب الوراين) يت�سرت عليه �سكان الر�أ�س‪ ،‬ويتخوفون من �ساكنته املو�سومة بالفجور والتهتك‪،‬‬ ‫بيوت دعارة وجمون‪ ،‬و�أخطر منه مقر ع�صابة البتزاز الفتيات لتهريبهن �إىل اخلارج يحلمن به يف‬ ‫ذلك الطريق البحري املحفوف باملوت‪ ،‬والآمال‪� ،‬أي�ضا‪ .‬وبني التحقيقني يف ف�ضاء‪ ، 1‬و‪ ،2‬لعاملني‬ ‫يبدوان ك�أنهما منف�صالن تقوم م�سالك لعبور �شخ�صيات و�سيطة عديدة ومموهة تنتقل بي�رس �أو ت�سرت‬ ‫بني دار (لالعيو�شة) و(الدرب الوراين)‪ :‬اليزيد؛ حجامي؛الراي�س؛هنية؛جربيللو‪ ،‬هذا الأخري خا�صة‬ ‫املتقنع ظاهرا يف اجلغرافية الأوىل بت�سيري حمل لإ�صالح هياكل ال�سيارات فيما هو من �أ�ساطني مهربي‬ ‫احل�شي�ش‪ ،‬وا�سطة عقد اجلغرافيتيني‪.‬‬

‫‪37‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪4‬‬

‫لن يخفى على القارئ اللبيب �أن مبارك ربيع ي�ستعمل لعبة "الدمى الرو�سية"‪� ،‬إذ ما �إن يقرب‬ ‫�شخ�صية �إال ويف طيها �أخرى‪ ،‬لي�س لأن حبكته امل�ضاعفة (حادث القطار امل�صطنع و�ألغاز ر�أ�س اجلبل)‬ ‫تربكه‪ ،‬ونزعته كروائي واقعي مذهبا وطريقة تدفعه‪� ،‬أحيانا حت�رشه يف‬ ‫ا�ستق�صاءات وحفور تثقل كاهل ال�رسد بال طائل فتفكك عروة احلبك‪ ،‬بل لأن له �شاغلني قاده‬ ‫�إليهما معتقده الفكري عماده الإخال�ص ملا يف احلياة من خري و�صالح‪ ،‬ب�أداة الأدب الذي ينبغي �أن‬ ‫ي�سخر لهذا امل�سعى‪ ،‬اختار جت�سيدهما ‪ ،‬منذ باكورته الروائية"الطيبون"(‪ )1972‬ب "ا�سرتاتيجية"‬ ‫كتابية تنحو �إىل تغليب ر�ؤية و�سطية‪ ،‬يف منت�صف الطريق بني الت�صالح مع الواقع والتمرد عليه‪،‬‬ ‫لكنها ال تت�ساهل �أبدا يف �شجب الظلم االجتماعي‪ ،‬وهذه م�س�ألة �أخالقية؛ �إنها �سيا�سة الكاتب التي‬ ‫يحدث �أن نبحث عنها خط�أ يف كاتب ال�سيا�سة‪ .‬ال عجب �أن تتناغم مع الطريقة الفنية لديه حافظت‬ ‫ملدى عقود على خط منتظم‪ ،‬يف �أفق مت�سق‪ ،‬ال ين�ضب معينه‪ ،‬ويغتني �سبكه‪ ،‬ويبتدع له �سننا فرعية‪،‬‬ ‫دون �أن تنقطع عن طريقها ال�سيّار‪ ،‬ال يتيه �سائقه عن مق�صده‪ ،‬ال ي�أخذه ُع ْج ٌب وال ينال منه تعب‪،‬‬ ‫فالطريقة الفنية حلقات متوا�صلة‪ ،‬متوا�شجة‪ ،‬ومتكاملة‪ ،‬وهذا �رضب من الإخال�ص للفن خا�صة‬ ‫حني يعطي الدليل تلو الدليل على ن�ضج مفحم يف امتالك النا�صية؛ �إنها‪� ،‬أي�ضا‪� ،‬سيا�سة الفن‪ ،‬ال ميلكها‬ ‫�إال كاتب له باع‪ .‬ف�أما ال�شاغل الأول‪ ،‬فهو تو�سيع رقعة املحكي وتنويع الوظائف احلكائية املنتجة‬ ‫للمعرفة واخلربة بالعامل الروائي‪ ،‬هي ذاتها ت�سند �إجناز ال�شاغل الثاين فيما تر�سخه‪� ،‬إذ الأهم يكمن يف‬ ‫ا�ستخال�ص العربة والإفادة من حوادث الدهر‪ ،‬لنبذ الطالح واالقتداء بال�صالح‪ ،‬وهذا ال ي�أتي على‬ ‫ل�سان واعظ‪ ،‬وال من نبوءة �أو مزمور‪ ،‬و�إمنا‪ ،‬وكما �سلف الذكر‪ ،‬بوترية �أدبية ُجبِلت على احلبك‬ ‫وجدل اخليوط احلكائية مطرز ًة يف تخييل لي�س ك�أي تخييل‪ ،‬بل يبتدع نهجه عل النحو الذي‬ ‫وال�سبك ْ‬ ‫ّ‬ ‫ُتنفّذ به خطة مر�سومة من مطلع الرواية يف �شكل خرب‪ ،‬لتنتهي بر�سالة تعطل قيمة اخلرب للإعالء من‬ ‫قيمة الرمز وتكثيف داللته التي ما انفكت تتنامى‪ ،‬منتقلة من املح�سو�س �إىل املجرد‪ ،‬من الواقعي �إىل‬ ‫الإيهامي‪ ،‬وهذا هو �أفق الرواية ومرماها الأبعد‪ ،‬اتخذ "الإليغورية" مطية لبلوغه‪.‬‬ ‫تفيدنا قوامي�س امل�صطلحات الأدبية يف �رشح م�صطلح"‪� "Allégorie‬أن جذره اليوناين "‪"allègorein‬‬ ‫ي�شري �إىل التحدث بطريقة مغايرة‪ ،‬من قبيل �أن تعيني �صورة حمبوكة وحية منقولة بوا�سطة مدلوالت‬ ‫كربى من�سجمة‪ ،‬يف �سياق �رسدي ذي حممول رمزي‪ ،‬يحيل ب�صيغ متماثلة‪ ،‬وا�ستعارية على الأغلب‪،‬‬ ‫�إىل �إطار مرجعي من طبيعة مغايرة (جتريدات فل�سفية‪� ،‬أخالقية‪ ،‬وغريها)؛ ( ُينظر جاريتي‪ ،‬ك اجليب)‬ ‫‪ .‬بطبيعة احلال‪ ،‬ف�إن لهذا ال�سياق �أن يتعدد �أنواعا‪ ،‬ف�رسده ميكن �أن يكون مقت�ضبا‪� ،‬ش�أن الق�صة‬ ‫الق�صرية‪� ،‬أو الأمثولة املخ�صو�صة �سابقا‪ ،‬علما‪ ،‬وللتنبيه فقط‪ ،‬فبالو�سع تعميم وظيفتها لت�شمل �رسدا‬ ‫‪38‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫طويال‪ ،‬ميتد �إىل الق�صة الطويلة والرواية ب�أ�صنافهما‪ .‬هذا‪ ،‬وعلى الرغم من �أن "ر�أ�س اجلبل" تقدم‬ ‫مقروئية يف غاية االت�ساق لل�رسد الواقعي الكال�سيكي‪ ،‬من مقت�ضيات �شكلية‪ ،‬وهيكلة‪ ،‬ومكونات‬ ‫متثيلية وو�صفية بدوالها املعلومة‪ ،‬تنقلها تلفظات ال ت�شد ال حتدث �أي بلبلة يف �صنع نظام املحاكاة‬ ‫وتلقي عوامله‪ ،‬هي متكاثرة ق�صدا يف رواية ربيع لتبقى م�شدودة جلها �إىل الغطاء الأليغوري ين�رش ظله‬ ‫على الن�ص ب�أكمله م�ستخدما ال�صيغ التماثلية ليحفزنا على قراءة تخرق ميثاق القراءة ال�ضمني بني‬ ‫متلق منطي ورواية ما �أكرث ما يغرر به �صاحبها وهو يقدمها له يف حلة منمطة‪ ،‬ومثله‪ .‬على الرغم من‬ ‫هذا ف"�أيام جبلية"‪� ،‬إذن‪ ،‬تتن ّزل ن�صا خادعا مبظاهره اخلارجية‪ ،‬م�ستبطنا ما حتتها لتف�ضي �إىل معانٍ‬ ‫�أبعد مما يطفو فوق ال�سطح بال�صورة التي بدا عليها‪ .‬لن�ضف ب�أن"الأليغورية" لي�ست م�سلكا بالغيا‬ ‫وح�سب‪� ،‬إذ اتُخِ ذت يف العهد الو�سيط �أداة ملعرفة و�رشح العامل باال�ستناد �إىل التقليد الت�أويلي للكتاب‬ ‫املقد�س ب�أبعاد معانيه الأربعة‪:‬احلريف �أو احلدث الظاهري‪ ،‬اخللقي‪ ،‬الروحي‪ ،‬وامل�ضمر(ج ‪ ،‬م‪�.‬س)؛‬ ‫�إن كل �شيء يف الرواية يدعم خ�ضوعها لهذا الن�سق‪ ،‬وكل �أو بالأحرى جل ال�شخ�صيات والأحداث‬ ‫واحلبكات والتقلبات‪ ،‬وكثري مما َح�رشت من ق�ضايا و�أزمات ت�شغل املغاربة راهنا‪ ،‬من قبيل الر�شوة‬ ‫والف�ساد الإداري واالنتخابي‪ ،‬والتهريب‪ ،‬وعمليات االحتيال‪ ،‬و�شبكات املخدرات‪ ،‬واالجتار يف‬ ‫اللحم الب�رشي يف البغاء وقوارب املوت‪ ،‬و�أمور �أخرى �أثثت الف�ضاء اليومي واالجتماعي لبلدة" ر�أ�س‬ ‫اجلبل" وح�رشها امل�ؤلف �أحيانا ح�رشا حمدثة اكتظاظا يبغي بها معرفة ال�شمول وهو املدرك ب�أن الرواية‬ ‫ت�ستخدم معرفة اخل�صو�ص‪� ،‬أي لي�ست وعاء لكل �شيء‪ .‬ر�أيناه جازف بهذا كله وغريه‪ ،‬حتى ليدفعنا‬ ‫للت�سا�ؤل‪ :‬مب يا ترى تخت�ص هذه البلدة الواقعة على البطحاء‪ ،‬غري املحددة املوقع �إال بالقيا�س خلط �سكة‬ ‫احلديد الذي انحرف(براديغم االنحراف)‪ ،‬و�أي �شيء‪ ،‬من نفع �أو �رض‪ ،‬يحدث ل�سكانها �أكرث مما نعلم‬ ‫يف مدن وبلدات �أخرى‪ ،‬وهل من �شخ�صيات ذات حروف قاطعة على تكوين ومزاج خم�صو�صني بها‬ ‫وت�صبح لها عالمات مائزة‪ ،‬ما هو مو�صوف ومطلوب للرواية املبنية على �أقانيم "امليميزي�س"؟؟؟‬ ‫مثل هذه الأ�سئلة كثري‪ ،‬لكننا نف�ضل �أن ن�رصف عنها النظر لأنها �شرَ َ ٌك من�صوب يف الطريق لتحرفنا‬ ‫عن القراءة الأ�صوب ـ بالطبع‪ ،‬يف �ضوء فاعلية الت�أويل القرائي ـ كما زاغ القطار عن خطه الأ�صلي‬ ‫يف بلدة"ر�أ�س اجلبل" ليجعلها قبلة �أنظار‪ ،‬وحمج حمققني‪ ،‬ومناط جتمع لأخطر براديغمات ورموز ما‬ ‫يحبل به الواقع من مع�ضالت‪ ،‬هي ذاتها ما ي�شغل الكاتب فيت�صدى لها بذريعة ال�رسد ‪ ،‬املحاكاة‪،‬‬ ‫التخييل‪ ،‬تر�سم اخلانة الأوىل من مربع قراءة الواقع‪ :‬احلرفية‪ ،‬وغايتها �أن تت�سل�سل تدريجيا لإكمال‬ ‫مهمة ر�سم خانات املربع الباقية‪ .‬لي�ست �شخ�صيات هذه الرواية �أكرث من �صور منطية تنتج �أفعاال‬ ‫و�سلوكا من نوعها‪ ،‬والنمط هنا قابل حلمل �صيغة امل�ستن�سخ‪ ،‬والقيا�س‪ ،‬واال�ستعارة‪ ،‬واملماثلة‪� ،‬أي‬ ‫الأليغورية حتديدا‪ ،‬التي ندفع �إليها �أفق الت�أويل ‪.‬‬ ‫املحقق‪ ،‬ر�ضوان‪ ،‬حبيبة‪ ،‬هنية‪ ،‬جربيللو‪ ،‬نعيمي‪ ،‬عيو�شة واحلاج خا�صة‪ ،‬ف�ؤاد‪ ،‬هنية‪ ،‬ت�سلك‬ ‫‪39‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يف هذه ال�سبحة‪ ،‬رامزة كل واحدة بالهوية املعطاة لها والأفعال املن�سوبة �إليها �إىل خليقة ومرتبة قيمية‬ ‫ي�ستخل�ص من تناق�ضاتها‪ ،‬كما ي�ستخل�ص اللجني من الرتاب‪ ،‬مرتبة الف�ضيلة مقابل الرذيلة املتف�شية‬ ‫يف املجتمع‪ ،‬وال�صالح نقي�ض الف�ساد؛�إن ال�سيدة عيو�شة التي تتربع بع�ضو من �أع�ضائها‪� ،‬رسا‪ ،‬للحاج‬ ‫(الرثي‪ ،‬ال�سيا�سي‪ ،‬الع�شيق‪ ،) ، ،‬فاعلة خري‪ ،‬وباذلة ت�ضحيات عديدة �أخرى ت�أتي يف ر�أ�س هرم‬ ‫�أمثولة نه�ضت على قواعد جن�س الرواية‪ ،‬ال الق�ص املقت�ضب‪ ،‬م�ؤ�صلة لغر�ض ت�شييد القدوة مهماز‬ ‫النوع‪ .‬تتلقى عيو�شة بعد عيادتها للحاج يف م�شفاه بباري�س من مديرة العيادة ر�سالة هي ختام الكتاب‬ ‫يقول مطلعها‪�..":‬أود �أن �أ�ؤكد لك كم �أنا فخورة بك‪ ،‬معتزة ب�صداقتك‪ ،‬ومبا ن�ستطيع القيام به‬ ‫أنت مثاال رائعا يف �سبيل خدمتها و�إ�سعادها‪�(".‬ص‪ .)347‬بينما ُ متنى‬ ‫خدمة للإن�سانية التي‬ ‫قدمت � ِ‬ ‫ِ‬ ‫ال�شخ�صيات الأخرى �إما باخل�سارة �أو اخليبة �أو الإحباط‪� ،‬أو حتى باجلنون(الوادي الذي يوكل �إليه‬ ‫امل�ؤلف دور �ضمري البلدة‪ ،‬وي�صدر على ل�سانه تعليقات زجلية موازية للأحداث ومو�شية لها‪ ،‬على‬ ‫غرار دور الكو َر�س يف الفن امللحمي) لت�أكيد املنزع الأخالقي يف وجهيه الإيجابي وال�سلبي‪ ،‬باعتباره‬ ‫قائما على زوج‪ ،‬ثنائية ق�سمة الوجود �إىل خري و�رش‪ ،‬ال جرم ق�سمة مثالية يف قلب مذهب الرواية‪،‬‬ ‫وتن�سجم مع برناجمها ال�رسدي‪ ،‬بل هي الو�شاح امل�سدل �أخريا على �أمثوليتها‪ ،‬تتكفل بدعمها تلفظات‬ ‫غنائية‪� ،‬أي على �سنن ال �رسدي‪ ،‬خارج روائي يف �صيغة منظومات زجلية ت�ؤكد املنزع �إياه‪ ،‬فتجهر به‬ ‫خطابا م�ضمونه وغايته �إحقاق احلق و�إزهاق الباطل‪� ،‬أو ال يكون!‬ ‫لن يفوت املتتبع بانتظام لتجربة الروائي املعلم مبارك ربيع جنوحه �إىل هذه الأداة اجلديدة يف‬ ‫م�سار كتابته‪ ،‬حت�سبه يف البداية ي�ستعري �أ�شعار غريه �أو يتنا�ص بامل�أثور ال�شعبي منها‪ ،‬و�إذا هو يفاجئك‬ ‫�أنه زجال من طراز رفيع �أن�ش�أها �إن�شاءا‪ ،‬وله فيها م�آرب‪� ،‬سيطرب لها حمبو هذا اللون‪� ،‬أما �إىل �أي حد‬ ‫تعود بالفائدة على العمل �أو ين�أى بها‪ ،‬فتلك ق�ضية �أخرى‪ ،‬و�إن كان لنا �أن ندفع بر�أي ال جند �أف�ضل‬ ‫منه تكملة لقراءة هذه الرواية التي ال �شك تغني خزانة ال�رسد احلديث يف �أدبنا‪ ،‬وتطمح على طريقتها‬ ‫املعني ال�شك مالحظ �أن امل�ؤلف يف متنه هذا طمح �إىل �أن‬ ‫تلقيحه ليثمر متنوعا‪ ،‬متجددا‪� .‬إن املتتبع ّ‬ ‫يجمع جمد الرواية من �أطرافه‪ ،‬على الأقل‪ ،‬كما تدرب على ن�سجها ومهر يف م�سالكها و�صنعتها‪،‬‬ ‫�إىل حد �أن �ساردها‪ ،‬العليم‪ ،‬مل يرتك �ش�أنا يفلت منه‪ ،‬وال ل�شخ�صية �أن ت�شط‪ ،‬ر�سمها على هواه‪،‬‬ ‫من�سقا‪ ،‬منخوال يف لغته‪،‬‬ ‫وخط �سريها وحوادثها مبا ينا�سب خلقيته‪ّ ،‬‬ ‫وعمم لديها خطابا موحدا‪ّ ،‬‬ ‫م�صبوبا يف قالبه‪ ،‬حتى �إننا نرى �صنعة الرواية فا�ضت عن احلاجة‪� ،‬أو حاجتها‪ ،‬كما لو �أن مبارك ربيع‬ ‫وقد �سلخ عقودا يف فن الق�ص تقلب فيها بني جتارب و�شاد �رصحا روائيا بال جدال‪� ،‬أ�سوة بالرائد‬ ‫عبد الكرمي غالب‪ ،‬فهما م�ؤ�س�سان للرواية يف �أدب املغرب بال منازع؛ كما لو �أنه يطرح ن�صه �أمثولة‬ ‫�أخرى‪ ،‬معلمة تقتدى‪ ،‬وهذه املرة لوجه الفن ال الأخالق وحكمة احلياة‪ ،‬ولعمري هما واجبان على‬ ‫الكاتب‪ ،‬ويتكامالن‪.‬‬ ‫‪40‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫" مرتو حمال " ليو�سف فا�ضل‪:‬‬ ‫‪ ..‬رواية" وافية "!‬

‫‪1‬ـ ت�ؤكد الأعمال الروائية امل�ؤ�س�سة ليو�سف فا�ضل ( نخ�ص بالذكر‪ :‬ملك اليهود؛من�شورات‬ ‫الرابطة‪ ،‬الدار البي�ضاء‪1996 ،‬؛ ح�شي�ش‪ ،‬دار الفنك‪ ،‬الدار البي�ضاء‪ )2000 ،‬حر�ص هذا الكاتب على‬ ‫االنتقاء املدرو�س مل�ساحة ا�شتغال �رسوده وحركة تخييله فوق تربة واقع حمروث بعناية وغربلة‪ ،‬يكاد‬ ‫ال ُيبقي فيها مكانا لل�صدفة �أوالهوى‪� ،‬سواء على م�ستوى ال�رسد‪� ،‬أو الت�صوير‪� ،‬أوالتحبيك‪� ،‬أو العبارة‬ ‫الوا�صفة‪ .‬مل ي�أت فا�ضل �إىل الرواية‪ ،‬مل يخرت هذا اجلن�س الأدبي بالذات لأن حزمة ذكريات تثقل على‬ ‫ذاكرته فرييد �أن ي�صبها كيفما اتفق‪ ،‬وال لأنه رهن نف�سه م�سبقا لدور الإلتزام‪ ،‬امل�ؤهل لرباديغم الواقع‬ ‫بلغة ور�ؤية الواقعية‪ ،‬و�إمنا لأن ثمة عاملا ال ميكن �أن ُير�صد �إال من زاوية معينة هي التي يراها هو منه‪،‬‬ ‫ال �أحد �أقدر منه(من الروائي اخل�صو�صي) على ر�ؤيته واقتطاعها من الكل العائم‪ ،‬ما يعني عنده �أن‬ ‫الرواية هي املنظور‪� ،‬أوال‪ ،‬ف�ضال عن انفرادها مبنظورها اخلا�ص؛ من هنا تتحدد ا�سرتاتيجية كاملة‬ ‫لكتابة ال�رسد لدى كاتب طاملا ن�أى بنف�سه بتلقائية عن �سجال النقد والت�صنيف‪ ،‬ورمبا �آن الأوان ل"‬ ‫نزج" به زجا جميال‪ ،‬ال يف ال�سجال‪ ،‬طبعا‪ ،‬ولكن حتت �ضوء القراءة الفاح�صة والعا�شقة التي ميكن‬ ‫�أن تفتح �أفقا جديدا يف التعاطي مع �إبداعنا الأدبي‪ ،‬مهي�ض اجلناح ل�سهو النقد عنه ‪.‬‬ ‫‪2‬ـ اعتدنا يف قراءاتنا للرواية العربية باملغرب تق�سيم ترابها‪� "Térritoire" ،‬إىل مركزي وهام�شي‪،‬‬ ‫بناء على البيئات التي تر�صد‪ ،‬وال�شخو�ص الفاعلة فيها‪� .‬إن تق�سيما مماثال وهو ينه�ض على مفهوم‬ ‫التيمة‪ ،‬يفرت�ض وجود فرز وا�ضح وق�سمة قطعية يف البنيات الإجتماعية‪ ،‬من جهة‪ ،‬مع وجود تراكم‬ ‫‪41‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫معترب للن�صو�ص ال�رسدية حدا ي�سجلها على م�ستوى التقاطب املذكور‪ .‬وهو كذلك تق�سيم مرجعه‬ ‫ت�صور مغلوط خا�ضع لرت�سيمة �أفقية �شكلية للمجتمع‪ ،‬ومن�سجم مع �إيديولوجية املعنى وت�صنيف القيم‬ ‫ليجر معه �إىل �أحكام‬ ‫(عدالة‪/‬ظلم؛غنى‪/‬فقر‪/‬؛ خري‪� /‬رش‪ ،‬الخ‪�)..‬أو يف الأقل جزئي يف�سد قراءة الأدب ّ‬ ‫اعتباطية‪ .‬هكذا تتبع القراءة الت�صور ال�ساذج ال�سابق عليها يف الن�ص‪ُ ،‬جتاري الرتاتبية امل�صنوعة لواقع‬ ‫يقدم من�شطرا‪ ،‬ال ُمر ّكبا �أو ملتب�سا‪ ،‬كما يفرت�ض يف ال�رسد‪ .‬يف حني �أن الأن�سب هو النظر �إىل الواقع‪،‬‬ ‫العامل اخلارجي‪ ،‬و�إىل الن�ص‪� ،‬أوالً‪ ،‬لي�س باعتباره انعكا�سا مبا�رشا لهذا العامل‪ ،‬وثانيا‪ ،‬من زاوية �أنه‬ ‫حمال �أوجه‪� .‬إنه بال�ضبط املنحى‬ ‫ذو وجهني‪ ،‬كالعملة‪ ،‬له ظاهر وباطن‪ ،‬وجه وقفا‪ ،‬هذا �إن مل يكن ّ‬ ‫الذي �سار فيه يو�سف فا�ضل تاركا الظاهر يف �صخب اليومي‪ ،‬واملبذول يف املعي�ش العام‪ ،‬املن�سجم مع‬ ‫التيمة الواقعية الكربى‪ ،‬وا�صفة‪ ،‬حمتجة �أو وناقدة‪ ،‬ليقلب ال�صورة وينظر �إليها من قفاها‪ ،‬من حيث‬ ‫مل يعتد اجلمهور على الر�ؤية‪ .‬يذهب �إىل املن�سي والغايف مي�سح عنه الغبار‪ ،‬يوقظه من غفوته‪ ،‬وحتى ما‬ ‫يظهر �أو يُ�صنف عادة هام�شيا ي�ستدرجه �إىل قلب ال�رصاع ليغدو مركز ال�صورة‪ ،‬بل ال�صورة وحدها‪.‬‬ ‫بهذا الفهم‪ ،‬ال تعد الكتابة‪ ،‬الرواية‪ ،‬خادمة يف دار الواقع‪ ،‬وهي التي ال تفعل �شيئا غري االحتفاء به‪،‬‬ ‫و�إعادة �إنتاجه كما يقال‪ ،‬و�إمنا اخلالق احلقيقي له‪ ،‬لأنها تطرحه للنظر بال�شكل الذي يريد كاتبها ال يف‬ ‫و�ضعه الغفل‪ ،‬وهذا �أحد الفروق اجلوهرية‪ ،‬كما نكرر دائما‪ ،‬بني الإبداع واال�ستن�ساخ والتنميط‪.‬‬ ‫منذئذ‪ ،‬يُفرت�ض �أن تتبدل ُع ّدة الروائي‪ ،‬وطريقة‪ /‬طرق معاجلته‪ ،‬ملجاله و�شخ�صيات عمله‪ ،‬و�إذا‬ ‫كان ال بد ي�ستفيد من تراث ومهارات �سابقيه‪ ،‬وكذا من الإيديولوجيا املحايثة للأدب يف بالده‪ ،‬ف�إنه‬ ‫مدفوع �إىل ت�شغيل الأدوات الفنية‪ ،‬ور�سم التمثيالت الأن�سب لتجربة يف الرواية املغربية متفردة ‪،‬‬ ‫لأنها متتلك فعال منظورها اخلا�ص‪.‬‬ ‫‪3‬ـ �أول جتلياته‪� ،‬أنه من حيث تفرت�ض احلياة النق�ص‪ ،‬بل ت�ؤكده مثلبة ومرتبة متدنية يف العي�ش‬ ‫و�إحدى اخل�صائ�ص املالزمة للإن�سان‪ ،‬يذهب الأدب عك�س ذلك بجعله مو�ضوعا‪ ،‬ومن ثم �إعالئه‬ ‫لي�أخذ هيئة اجلمال‪ ،‬كقيمة فنية حم�ض‪ ،‬ال خلقية �أو اجتماعية‪ .‬ذلك �أن الأدب مهما حفل وت�سامي‬ ‫بالقيم الأخالقية يع ّد اجلمال مو�ضوعه‪ ،‬ف�ضال عن �أنه �شكله‪ .‬هكذا ر�أينا يو�سف فا�ضل قي روايته‬ ‫"ملك اليهود" ينتقي �إحدى ال�شخ�صيات املقلقة �سيا�سيا يف تاريخ املغرب الإ�ستعماري (البا�شا‬ ‫لكالوي) بو�صفها متعاونة مع الإ�ستعمار‪ ،‬لكنه مي�سح عنها الدوال ال َع َلمية واملو�ضوعية بح�رصها يف‬ ‫(التدهورالروحي) وقد حتولت‬ ‫�أخالقية النقي�صة الب�رشية(التدهور الب�رشي) والنقي�صة الإن�سانية‬ ‫�إىل �شخ�صية روائية خ�صائ�صها‪� ،‬أي جماليتها تنبع حتديدا ال من النق�صان ال�سيا�سي امل�ضمر كم�س ّلمة(‬ ‫خيانة الوطن) ولكن من ذلك الكمال الذي بدا ين�سحب عنها �شيئا ف�شيئا‪ ،‬هي و�ساللتها‪ ،‬وحميطها‪،‬‬ ‫‪42‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ورموز �سطوتها‪ ،‬عر�ضة لل�ضمور‪� ،‬شيئا ف�شيئا‪ .‬هذا هو املنظورالذي لي�س مبذوال يف الطريق‪ ،‬ي�صنعه‬ ‫الروائي بعني خالقة‪ ،‬وحا�سة م�ستنبطة ‪ ،‬ووعي �آخر ينتج معنى‪� ،‬إما غائبا �أو مفتقدا ‪.‬‬ ‫‪4‬ـ رواية"مرتو حمال"(م‪.‬الفينيك‪ )2006 ،‬ت�أتي‪ ،‬بعد �سابقة عليها " ح�شي�ش" (م‪�.‬س) لرت�سخ هذا‬ ‫املظهر‪ ،‬حمولة �إياه �إىل نزوع حقيقي هو" الإيديولوجية اخلا�صة بالكاتب" بني مذهبيات وعقائد الب�رش‪.‬‬ ‫عنوان الرواية يتكفل ب�رشحها و�ضبط قواعدها تباعا‪� .‬إنه يعني َ‬ ‫إ�سمه موحا (�شخ�صية) =‬ ‫طول �شخ�ص � ُ‬ ‫مرت واحد ‪ .‬لي�شكك مبا�رشة يف هذا القيا�س بكيفية قطعية يعلنها ملفوظ‪ :‬محُ ال! هكذا ميزج العنوان بني‬ ‫ملفوظني‪ ،‬بدالني خمتلقني‪ ،‬توحدهما داللة م�شرتكة كامنة �ضمنا يف مرجعية قامو�سية �شعبية تعني الق�رص‬ ‫ال�شديد للقامة‪ ،‬ويف الآن عينه تخفي الرباديغم الذي تلعب‪� ،‬ستلعب به الرواية وهي حتكي �رسدها‪ ،‬وتبني‬ ‫عواملها‪ ،‬وت�صنع �أ�سا�سا �شخ�صياتها‪ :‬مرتو حمال‪ ،‬مدارا ومهمازا‪� ،‬ألي�س هو عنوانها ومعناها‪ :‬من طوله‬ ‫يقل عن مرت لي�س ق�صري قامة وح�سب‪ ،‬بل قزم!كما �سري�سمه يو�سف فا�ضل روائيا ور�سام كاريكاتور‪،‬‬ ‫م�ؤرخا‪ ،‬ومالحظا اجتماعيا منتقدا و�ساخرا‪ ،‬وم�صورا لعوبا بعد�سة املكر والتحويل‪ ،‬ذا ديدنُه‪.‬‬ ‫‪5‬ـ تبد�أ الرواية ب�صورة‪ ،‬فرز وجوه يف �صورة‪� ،‬أفرادها هم بع�ض �شخ�صيات الرواية‪ ،‬يرتبطون‬ ‫م�صرييا ببطلها‪ ،‬يقدمهم الكاتب(املخرج)واحدا واحدا‪ ،‬ب�صيغة م�رسحية و�سينمائية‪ ،‬كما يفعل‬ ‫ال�رشيط ال�سينمائي مع" اجلرنيك"‪ .‬هذه هي اخلا�صية الفنية املائزة مبنتهى الو�ضوح يف �أدوات فا�ضل‪،‬‬ ‫نعني ا�ستخدام ال�صورة‪ .‬فبينما �رصنا نفتقد الت�شخي�ص يف �أدبنا ال�رسدي‪ ،‬و�أ�صبح نادرا �أن جتد من‬ ‫يعرف كيف ي�صف كر�سيا �أو طاولة يف غرفة ـ طبعا‪ ،‬ال نتحدث عن و�صف دجاجة وهي تعرب ال�شارع‪،‬‬ ‫الإمتحان الذي يخ�ضعه �أوفالهريتي لكل قا�ص حقيقي ـ وال نكاد نقر�أ عند َل َغطة جتديد وجتريب جمتثني‬ ‫�إال الكلمات بال عني وال �أذن وال رائحة وال �شامة ؛ تتخمنا الرواية الفا�ضلية باكتظاظ ال�صور‪ ،‬وكثافة‬ ‫الو�صف‪ ،‬و�إيالء الت�شخي�ص املقام الأول‪ ،‬فهذه ُعدة �صاحبها كما للنجار �أواحلداد عدتهما‪ ،‬ومن‬ ‫ال يح�سن التعامل مع �أدواته‪ ،‬من الأف�ضل �أن ال يتدخل يف ال�صناعة‪ ،‬ومن اجلائز‪� ،‬أي�ضا‪� ،‬أن يتعر�ض‬ ‫للغ�ش‪ .‬لذلك هو يلعب‪ ،‬ويقطع ال�صورة بال�رسد‪ ،‬بالتذكر‪ ،‬بالإ�ستبطان‪ ،‬لكنه يف الأحوال كلها يقول‬ ‫لك ّ�صدق ال�صورة‪ ،‬ما ترى‪ ،‬فلي�س من ر�أى كمن قر�أ ال�رسد �أو�صدق ال�سارد غفلة‪ .‬يو�سف فا�ضل‪،‬‬ ‫ومن الف�صل الأول لروايته اجلديدة يعلي التمثيل ك�أف�ضل تعريف للكتابة ال�رسدية‪ ،‬وكلفظةـ �صيغة‬ ‫جامعة ملختلف مدار�سها ‪ la représentation‬بدونها يتهافت ال�رسد‪ ،‬وي�صبح غري ذا �شكل وال بناء‪،‬‬ ‫ف�إن انقلب �إىل �ضجيج للم�ضمون ف�إنه يخرج عندئذ عن دائرة جن�سه الأدبي‪ ،‬والأدب ب�صفة عامة‪،‬‬ ‫وذلك �إفال�س ما بعده �إفال�س‪.‬‬ ‫‪43‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪6‬ـ ال�شخ�صيات الأوىل هي (مرتو حمال)‪� ،‬أبوه‪� ،‬أمه‪ ،‬عماه بوزيد طالب القر�آن‪ ،‬وحل�سن املحارب‬ ‫القدمي يف الهند ال�صينية‪ ،‬وحزمة من الأطفال‪ .‬ه�ؤالء �سيحيطون به‪ ،‬بع�ضهم �سريافق رحلة همومه‬ ‫وطموحه‪ ،‬وهو يف قلب ال�صورة بلغ ثمانية ع�رش عاما دون �أن يزيد طول قامته عن املرت والثالثني‪،‬‬ ‫وتوقف النمو‪ ،‬وحتيرّ الأب ‪ ،‬هلع‪ ،‬غ�شاه الغم‪ ،‬متنى له املوت‪ ،‬ال �أمل مع الأم املري�ضة يف خلف‬ ‫غريه‪ .‬جرجروه يف كل مكان بالقراءات وال�شعوذة طلبا ملعجزة النمو التي مل حتدث‪ ،‬واخريا قرر‬ ‫الأب‪� :‬إذهب �إىل الدارالبي�ضاء عند ح�سن ال�صحراوي‪ ،‬واحد من الأقارب ‪ .‬الرحلة �ستبد�أ من (تنغري)‬ ‫ال�صقع اجلنوبي لت�صل �إىل املدينة الغول‪ ،‬جممع حتول املغرب احلديث‪ ،‬بوجوهه وتناق�ضاته الكربى‪،‬‬ ‫حيث ي�صل كائن ناق�ص بال حول يف مواجهة كائنات م�شوهة مثله‪ ،‬و�أخرى كاملة ‪ ،‬بل فائقة الكمال‬ ‫حد التغ ّول‪.‬هي رحلة �أخرى بني مئات‪� ،‬آالف الرحالت التي ال تتوقف بني �صحراء املغرب و�أريافه‬ ‫وبني املدن الكربى‪ ،‬ت�أتي مدينة الدارالبي�ضاء يف قلبها ‪ ،‬ي�صل �إليها الباحثون عن م�رشوع حياة تنقذهم‬ ‫من الفاقة‪ ،‬ورمبا �أكرث‪.‬‬ ‫لكن رحلة بطل يو�سف فا�ضل ا�ستثنائية‪ ،‬مغ�شو�شة نوعا ما‪ ،‬لأن فيها رائحة خداع وتهريب‪،‬‬ ‫مدموغة بالنبذ‪ ،‬وممهورة ب�إرادة خال�ص الأب من �ساللة �شوهاء‪ ،‬بقذفها نحو ف�ضاء هائل ميكن �أن‬ ‫هم للخلق‬ ‫ت�ضيع فيه كذ ّرة‪ ،‬ولي�س مثل وجودها ال�شاخ�ص‪ ،‬جملبة العار‪ ،‬يف قرية �صغرية‪ ،‬تنغري‪ ،‬ال ّ‬ ‫فيها غري مراقبة بع�ضهم البع�ض‪ .‬مذ التحاقه خادما مبقهى ال�صحراوي‪ ،‬ابن البلد‪� ،‬ستبد�أ �شخ�صية‬ ‫القزم يف العمل روائيا داخل الو�ضعية التي ر�سمها لها الروائي‪� ،‬صاحب فكرة خلقها وانتقائها كي‬ ‫ت�سري على �سكة خط طويل ومتعرج ي�صوغ م�صريها يف م�سل�سل متعدد احللقات‪ ،‬متباين الوجوه‪ ،‬هو‬ ‫نف�سه التوزيع املعطى للرواية يف فقرات كربى تنتهي �إىل خال�صة يريدها الكاتب مبثابة جتميع وعالمة‬ ‫ي�ستدل بها ال�سائر يف طريق العمل املديد‪ ،‬تتقاطع عرب مر�آته �صور املدينة الغول و�أخالقها و�شوهاتها‪،‬‬ ‫وتتدافع فيه كالأوردة يف �رشيان كبري م�صائر وظواهر �صغرى ي�صارع �أ�صحابها قزميتهم‪ ،‬معاندين‬ ‫للبقاء كل على طريقته‪� ،‬أو متجربين‪ ،‬نهمني كتعبري عن التورم الال �أخالقي للمدينة‪.‬‬ ‫‪7‬ـ يطور يو�سف فا�ضل يف روايته هذه الطريقة الأثرية لديه‪ ،‬املعتمدة على حمور ال�شخ�صية‪� ،‬أو‬ ‫تقاطب ال�شخ�صيات‪ ،‬وانطالقا منها ر�سم الأجواء‪ ،‬ون�سج احلكايا وحبكها يطرزها خيط وا�ضح من‬ ‫الدالالت لت�أدية م�صري معني‪ .‬ح�سب ‪ Edith wharton‬فى كتابها املحكم عن قواعد فن الق�صة‪The":‬‬ ‫‪ " Whriting of Fiction‬ففي روايات ال�شخ�صيات والعادات �أو كليهما‪ ،‬تولد ال�شخ�صية يف ذهن‬ ‫امل�ؤلف لتنجز م�صريها العجيب‪ .‬وهي وجوه" متكلمة" لو �صح التعبري تتابعك بعيونها كوجوه‬ ‫اللوحات املعروفة‪� ،‬أكرث منها ملمثلني موتورين ومنفعلني يجرونك �إىل قلب م�أ�ساتهم ‪ ،‬ما يجعلنا‬ ‫‪44‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫نن�سى ما يحدث لهذه ال�شخ�صيات‪ ،‬على غرار ما هو عند جاين �أو�سنت‪ ،‬ونبقى مو�شومني بطباعها‬ ‫وه�شا�شتها‪ ،‬وباقي م�شاغلها‪ .‬لكن هذه الطريقة‪ ،‬املطروقة مبهارة لدى فا�ضل يف �أعمال �سابقة خا�صة‪،‬‬ ‫تتفاعل‪ ،‬ح�سب وارثن‪ ،‬مع مقاربات روائية �أخرى اعتمادها �إما ا�ستبطان الو�ضعية ال�شخ�صية‪� ،‬أو‬ ‫تعيني الطباع والعادات �ضمن حميط معني‪ .‬من هنا نرى �شخ�صية مرتو حمال تتحدد‪ ،‬وم�صريه يُبنى يف‬ ‫حالة ال�شد واجلذب‪ .‬فمن ناحية‪ ،‬ف�إن من �شغل الروائي �أن يقنع بر�سم هذه ال�شخ�صية التي هي من‬ ‫بنات �أفكاره حتى ولو اعتربت من الواقع �سلفا‪ ،‬وما �أكرثها ال�صور والألوان البهلوانية والبائ�سة‪،‬‬ ‫ف�ضال عن امل�شاعر املقيتة‪ ،‬التي ر�سمتها فر�شاة الروائي لهذا الغر�ض؛ ومن ناحية �أخرى ثمة م�صري‬ ‫ال�شخ�صية �ضمن م�صري جماعي‪ ،‬متعدد الروافد والأ�شكال‪ ،‬وباعتبار مراحل تبلوره تلعب بخيوطها‬ ‫�أيد �أخرى ‪.‬لذا‪ ،‬نرى �أن مرتو حمال ال ميلك م�صريه �أبدا‪ ،‬واملغامرات التي يعي�شها حتدث له ك�أمنا لآخر‪،‬‬ ‫يواجه �أفعاال �أكرب منه‪ ،‬و�أقوى ما ي�ستطيع يدور يف ر�أ�سه‪ ،‬ورغم �أنه يف املركز من دائرة الرواية ف�إن‬ ‫ال�شخ�صيات املحيطية(الأب‪ ،‬العم‪ ،‬املهدي‪ ،‬املع�شوقات‪ ،‬املقاول‪ ،‬ال�صحراوي‪ ،‬وغريهم كثري) تب�سط‬ ‫يدها ك�رشاع عال يوجه جمرى �سفينة الأحداث‪ ،‬ويقرر يف ما ينبغي �أن يعرفه م�صري ال�شخ�صية يف نهاية‬ ‫املطاف‪ .‬مرة �أخرى‪� ،‬إذا كان هذا هو الطابع الغالب على هذا النوع من الرواية‪ ،‬واعتمادا على وارثن‬ ‫التي ت�ستوحي جتربتها ككاتبة يف روايتها الناجحة" عمر الرباءة" ف�إن هناك تداخال يف املقاربتني‪ ،‬بقدر‬ ‫ما فيهما متايز‪ ،‬و�إن كانت تلح‪ ،‬على �صواب‪ ،‬ب�أن على الكاتب �أن يحر�ص كل احلر�ص على عدم‬ ‫الت�ضحية بال�شخ�صية وجعلها يف خدمة الو�ضعية‪ ،‬لتبقى لهذه اليد العليا‪ .‬لكن فا�ضل الذي ت�ؤهل‬ ‫�رسديته هنا براديغم النق�ص مل يكن لي�صنع �إال هذا الت�صور‪ ،‬وبالو�سائط والتحبيكات التي نراها يف‬ ‫العمل‪� ،‬سواء جاءت مقنعة �أو تبدت لنا متمحلة‪ .‬ولعله‪ ،‬وهو املتمر�س ككاتب م�رسحي ‪� ،‬أي�ضا‪،‬‬ ‫فطن �إىل خماطر" لعبة الكركوز" ف�سعى �إىل حترير مرتو حمال من �أ�رسه ليم�سك م�صريه بيده ـ على �صعيد‬ ‫خطاب الذات ال الفعل‪ ،‬وهذا هام لأن البوح بتفجري املكبوت �إحدى عالمات وطباع هذه ال�شخ�صية‬ ‫املحبطة يف واقعها‪ ،‬املهزومة على �أكرث من م�ستوى ـ نقول فطن فو�ضع على ل�سان ال�شخ�صية الكالم‬ ‫املنا�سب لها‪ ،‬ومعه التداعيات الذهنية والأحا�سي�س املراودة للخاطر بالعامية‪ ،‬لغة الفطرة املتطابقة‬ ‫مع الواقع ب�صيغ مالئمة ت�صلح خللق واقعية فنية �أكرث مالئمة ‪ .‬تقول وارثن بهذا ال�صدد‪� ":‬إنه [حقا]‬ ‫امتحان جوهري لفن الروائي‪ .‬فعلى �شخ�صياته �أن تتكلم كما هو احلال يف الواقع‪ ،‬ومع ذلك ف�إن كل‬ ‫ما ال �صلة له بالو�ضعية التي �أمامه ينبغي حذفها‪".‬‬ ‫‪8‬ـ غري �أن الرواية لي�ست بناءها وحده‪ ،‬بل ر�ؤيتها‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬واملنظور املوم�أ �إليه عن�رصٌ مكون يتدخل‬ ‫بح�سم يف �صنع ال�شخ�صية كهيئة‪ ،‬وكمو�ضوع‪� ،‬أجنبتهما فكرة امل�ؤلف عن عامل حمدد‪ ،‬عامل يحتاج عنده �إىل‬ ‫‪45‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫تعرية‪� ،‬إىل ف�ضح‪ ،‬ورمبا �إىل الإدانة بو�سيط التمثيل الروائي‪ .‬علينا �أن ننتبه لدى قراءة هذه الرواية املثرية‪،‬‬ ‫واجلديدة حقا مبعاجلتها وفنيتها‪ ،‬يف حقل ال�رسد العربي �إىل �أن �شخ�صية مرتو حمال �إذا مثلت‪ ،‬ح�سب‬ ‫امل�صطلح ال�رسدي‪ ،‬ب�ؤرة لق�صتها‪ ،‬مل�صري �صاحبها القزم‪ ،‬فهي يف الآن عينه م�صدر تبئري �شمويل تتوالد منه‬ ‫ال�شخ�صيات وحتوم حوله‪ ،‬وهذا خلدمة"�إيديولوجية" الن�ص التي بدونها ال ميكن للرواية �إال �أن تتهافت‬ ‫�إىل م�ستوى حكاية �ساخرة‪ ،‬تراجيكوميدية‪ ،‬وهي غري هذا مطلقا‪ .‬من حيث ال ن�شعر �سنجد القزم يكرب‪،‬‬ ‫وين�ضج من املحن التي يتقلب فيها وينمو بعنائها‪ ،‬مندجما بالتدريج يف العامل الذي اعتربه جمرد" �أيقونة"‬ ‫للهزء فيما هو �إن�سان‪� ،‬أو جاء �إىل املدينة الكاملة لي�ستكمل ويعو�ض نق�صه‪ ،‬لي�سرتد �إن�سانيته‪ .‬والعبور من‬ ‫النق�ص �إىل منال الكمال امتحان ع�سري هو الذي يعتمده الروائي ل�صنع ال�شخ�صية ور�سم خمتلف مالحمها‬ ‫ومراحل تكوينها انتهاء بتمام الدائرة التي انطلقت منها‪ :‬البدء من تنغري‪ ،‬للعبور بالدارالبي�ضاء‪ ،‬للعودة �إىل‬ ‫تنغري‪ ،‬من غري �أن نغفل �شحنة الدالالت الثاوية يف رموز الف�ضاء وانتقاالته‪� .‬أما احلقيقة الأخرى فهي �أن‬ ‫امل�ؤلف ي�ستنزف بطله �إىل �أق�صى حد‪ ،‬ويثقل كاهله مبا ال ح�رص له من الهموم وال�شواغل املادية والنف�سية‬ ‫والطبقية وال�سيا�سية‪ ،‬و�أحيانا الوجودية‪ ،‬وهذا كثري‪.‬‬ ‫‪9‬ـ ال�شخ�صيات املر�سومة يف �صورة الف�صل الأول بالعد�سة‪ ،‬و�شخ�صيات تالية متلأ حميطا منا فيه‬ ‫مرتو حمال وتطور ليتدهور‪� ،‬سرت�سم بانوراما مو�ضوعاتية كاملة من �صميم الواقع‪ ،‬الدارالبي�ضاء‬ ‫واملغرب املعا�رص‪ ،‬وهذا غر�ض �أ�سا�س لدى امل�ؤلف‪ ،‬مفكر فيه بوعي‪ ،‬ت�ؤكده اخلطابات املنتجة‬ ‫حوله‪ ،‬تقارب ال�شفوية �أحيانا‪ ،‬وال�سجال‪ .‬كل واحدة ترمز �إىل قزم‪ ،‬نق�ص‪ ،‬ف�ساد‪ .‬املهدي �إىل حتول‬ ‫مغلوط من الربوليتاري �إىل الإ�سالموي؛ العم حل�سن �إىل امل�سخ املبدئي والوطنية النفعية؛ العم دائما‬ ‫�إىل ت�شوه روح املقاومة الوطنية وت�شييئها م�صلحيا؛ احلاج ملد ّور منوذج املقاول اجلديد الذي يبيع‬ ‫وي�شرتي يف كل �شيء‪ ،‬يف الب�رش واحلجر �سواء ب�سواء‪ ،‬ويف مر�آة �سلوكه و�أخالقه تربز ال�صور ال�شائهة‬ ‫تغ�ضن �سحنة هذا املجتمع‬ ‫للتمثيلية الربملانية املزورة‪ ،‬وال�صفقات من كل نوع‪ .‬فال يخفف من حدة َ ُّ‬ ‫�صورة الرباءة وال�صمود املر�سومة للأب مثال املقاوم والوطني الأ�صيل الذي رف�ض و�ضع ال�سالح‬ ‫لرف�ضه قبول خدعة املخزن ومفهومه للإ�ستقالل‪ ،‬وحني ا�ضطر لال�ست�سالم ج�سديا ظل �صامدا يف‬ ‫قمة يوتوبياه‪ ،‬ذا �إباء عظيم‪ ،‬يت�أبى على امل�ساومة مببادئه‪ ،‬واال�ستجداء للح�صول على تعوي�ض عن‬ ‫عفى عليها الزمن‪ .‬وهذا‬ ‫مقاومة �صار تاريخها عر�ضة لل�صو�ص والكذبة‪ٌ � .‬أب‪ ،‬رمز جمتمع �آفل وقيم ّ‬ ‫بال�ضبط ما يريده يو�سف فا�ضل‪� ،‬أو لنقل اجنر �إليه‪ .‬لقد و�ضع ُ�سلما للقيم‪ ،‬و�شخ�صيات ك�أمنا من �أجل‬ ‫اختبارها‪ ،‬كمحاليل يف خمترب‪ ،‬وف�ضاءات ملمار�ستها‪� ،‬ضمن ف�ضاء �أكرب جتمعه الدارالبي�ضاء مع زمنيات‬ ‫تلتف يف عنقود الزمن الأ�شمل‪ ،‬ترمز �إليه الرباغماتيات والندوب الوا�شمة لوجهها ؛ وجه مغرب‬ ‫‪46‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫جديد‪ ،‬بقيم مبتذلة ( للحا�رض الفج) مقابل �أخرى مثالية (املا�ضي التليد) واقفا على قاعدة الوعي‬ ‫بتاريخه‪ ،‬والإح�سا�س مب�أ�ساوية زمانه يف تفاعل مع م�أ�ساوية احلالة الفردية‪ ،‬ممثلة يف قزمية مرتو حمال‪،‬‬ ‫مع ما يعنيه كخزي وت�شوه للن�سل يف نظر �أب ال يفهم الوجود �إال يف �صورة الكمال وب�أقنوم املطلق‬ ‫�أواملوت �أهون‪ .‬من تفاعل‪ ،‬تالقح امل�أ�ساتني اللذين يقودهما منذ البداية‪ ،‬كما ذكرنا‪ ،‬منظورالكاتب‬ ‫�ضمن املنظورالعام‪ ،‬يتم �إنتاج الر�ؤية للعامل باملفهوم املعطى لها يف �سو�سيولوجيا الأدب عند لو�سيان‬ ‫غولدمان حتديدا‪ ،‬داخل حدود الن�ص وب�إواليات ا�شتغاله‪ ،‬ولي�س خارجها قط‪ .‬وبهذا املعنى‪ ،‬ال �أي‬ ‫هرطقة �أو خطابية برانية‪ ،‬يُ�سمى الكاتب �شاهدا على الع�رص‪ ،‬وكتابته ملتزمة بذاتها‪ ،‬وذات ر�سالة ؛‬ ‫باخت�صار يف الرتاب ال�سيادي لأدبيتها ‪.‬‬ ‫‪10‬ـ غري �أن الولع الروائي‪ ،‬طبعا‪ ،‬بالقزمية تيمة لإعادة �إنتاج الواقع �رسدا تخييليا‪ ،‬ومر�آة للتجول‬ ‫وك�شف ف�ضائح و�إ�سفاف زمنية اجتماعية و�سيا�سية مرتدية‪ ،‬حتول �أو كاد �أن ينقلب �إىل تورم ومتطيط‬ ‫لل�شخ�صية ومو�ضوعهاـ مو�ضوعاتها‪ ،‬ولي�س بال�رضورة امتدادا منها �أو تو�سيعا لأفق �أزمتها‪ ،‬كالب�ؤر‬ ‫املتوالدة عن ب�ؤرة واحدة‪ .‬ما من �شك �أن موحا ميثل‪ ،‬بطريقة ما‪ ،‬ذريعة �أو م�سوغا تنداح معه ال�صور‪،‬‬ ‫�أحيانا‪ ،‬حد التكاثر املبعرث‪ ،‬ذلك الذي ت�أتي تقنية اخلال�صة املعتمدة يف نهاية جمموعة الفقرات‪� ،‬أو‬ ‫خامتة الف�صل‪ ،‬لإجناز تركيب له وتطوير يف �آن‪ ،‬ومع�ضلته هي املركب الذي يتخذه ال�سارد �أداة‬ ‫خلو�ض غمار ن�صف قرن تقريبا من التجارب والنك�سات الوطنية‪ ،‬واملحن ال�شخ�صية‪ ،‬نا�رشا على‬ ‫حبال النهار خِ َرق قيم انهارت و�أخرى تف�سخت‪ ،‬وعو�ض جمرى حمدود يجدف فيه ال�سارد ارمتى‬ ‫يف بحر متالطم بالأمواج �أكرب من طاقة �سباحته‪ ،‬بل ورغبات املرتو الب�سيطة يف النهاية‪ ،‬وو�ضعه‬ ‫الذي‪ ،‬بالرغم من كل الأحجار الناتئة يف طريقه‪ ،‬لي�س �إ�شكاليا بتاتا‪ ،‬مبا �أن �صاحبه ال يطلب من احلياة‬ ‫�سوى �إن�صاف حمدود‪ ،‬غريزي‪ .‬وهو ما كاد يهدد ب" الروائية "الرواية لي�ضعها على حافة الواقعية‬ ‫الطبيعية‪ ،‬واللوحات ال�ساخرة‪ ،‬وحتى الت�صوير والأحا�سي�س ال�سادوـ مازوخية‪ ،‬ومنها �إىل الفكاهة‬ ‫الرثة‪ ،‬فخفف من �آفة هذه املزالق على العمل ككل الو�ضع الإ�شكايل بحق الذي عليه الأب‪ ،‬املختنق‬ ‫يف زحام �شخ�صيات الإبن والعمني و�أهل بلدته تنغري‪ ،‬ورجال املقاومة‪ ،‬والنو�ستاجليا‪ ،‬ونعيمة‪،‬‬ ‫وعتيقة‪ ،‬واملهدي ‪ ،‬و‪ ،‬وكثري‪..‬‬ ‫‪11‬ـ يف ظننا �أن من م�صاعب و�ضع وموقع ال�سارد العليم �سلطة الهيمنة التي ينتزعها لنف�سه من دون‬ ‫اجلميع ؛ و�ضع يجر �أحيانا �إىل تنا�سي نقطة االنطالق‪ ،‬وم�ستوى و"ثقافة" ال�شخ�صية املطروقة‪ ،‬وموحا‬ ‫هنا يفرت�ض �أنه لي�س جمرد �شخ�صية‪ ،‬بل هو الب�ؤرة املركزية‪ ،‬ون�صه جماليا يف مكان رواية ال�شخ�صية‪،‬‬ ‫كما قيدنا �سابقا‪ .‬م�أزق انتبه �إليه الكاتب‪ ،‬بفطنة املالحظة وعني امل�صور التي ال تغفل عن �شيء‪ ،‬فكان‬ ‫‪47‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ال�سجِ يّة‪ ،‬وال نقول‬ ‫احلوار املتوالد بالفطرة �أو الداخلي‪� ،‬أو ذاك املعو�ض تارة �أخرى لل�رسد‪ ،‬وبلغة َّ‬ ‫العامية‪ ،‬املوظفة كجزء من ر�سم �شخ�صية وبنية خطاب‪ .‬لكن ما �أكرث ما تعاق هذه ال�سجية‪ ،‬فيكبلها‬ ‫ال�سارد العليم بلغة‪ ،‬بكالم �آخر‪� ،‬إ�ضايف �أو م�ض ّعف �أكرب من ال�شخ�صية‪ ،‬وتطريز عليها وتو�شية‪ .‬ما‬ ‫زاد ـ ويا للمفارقة ـ يف طول " مرتو حمال" ف�أ�ضحت رواية"وافية" بينما كان بطلها ي�شكو من الق�رص‪،‬‬ ‫ماذا �أقول؟! القزمية ! يف كتابها املذكور تدون �إديث وارثون بح�صافة‪ ،‬ما يلي‪ ":‬لكي تكون ال�صورة‬ ‫امل�ستخل�صة �أخريا معقولة كليا‪ ،‬على امل�ؤلف �أن يلتزم بدقة بال�سجل ال�شخ�صي لل�شخ�صية امل�ستخدمة‬ ‫كمر�آة‪ .‬ومثل املهند�س املعماري الذي ي�صمم بنايته ح�سب ت�شخي�ص القطعة الأر�ضية‪ ،‬فكذلك‬ ‫الروائي الذي اختار منظور �شخ�صية عليه �أن يعمل ما بو�سعه ب�أن ال يو�صل ال �أقل وال �أكرث مما حت�س به‬ ‫هذه ال�شخ�صية‪ ،‬وتفكر وتت�رصف‪ .‬ولي�س �إال بعد �أن يكون هو نف�سه [امل�ؤلف]قادرا على حتمل الأمور‬ ‫ذاتها‪ ،‬و�أن يتجنب عوائق الت�صور والتعبري التي تدمر املعقولية"‪ .‬ومن م�صاعب ال�سارد العليم كذلك‬ ‫�أن يتحول �إىل معطف وا�سع‪ ،‬ورمبا مهلهل يرتديه امل�ؤلف ( ي�ستعريه)‪ ،‬وعندئذ فالذي يحدث هو �أن(‬ ‫فاء) من الكتاب‪ ،‬مثال‪ ،‬ي�صبح يف �صورة ما ي�سمى(‪ -l’Homme‬ـ‪ ) Orchestre‬الذي ن�صادفه يف بع�ض‬ ‫املوا�سم يتوىل العزف على جميع الآالت ـ املو�ضوعات‪ ،‬الأزمات‪ ،‬عاهات واقع ـ يف حلظة واحدة‪،‬‬ ‫وعلينا بني ا�صطخاب العزف �أن ننتخب اللحن املتناغم ‪ ،‬لأن الفن �إجماال هو التناغم‪ ،‬وبالطبع فهو‬ ‫احلكم الفي�صل على فنية الرواية ‪ ،‬مرتو حمال كانت ‪� ،‬أو"حتى وافية" !‬ ‫‪12‬ـ �أحب �أن �أخل�ص من هذه القراءة ‪ ،‬فاح�صة وعا�شقة‪� ،‬إىل �أبعد مما قاربت وب�سطت‪ ،‬يطول‬ ‫مرماها النظر يف ن�ص بعينه �إىل ما �أ�صبحت عليه الرواية العربية يف �أدب املغرب‪ ،‬ونحن نراها انتقلت‬ ‫من �أطوار التعلم والتجربة بالتطويع التدريجي ملهارات الكتابة ال�رسدية‪ ،‬فاحتواء �صورة‪� /‬صورالواقع‬ ‫من زوايا خمتلفة‪ ،‬فاقتطاع جوانب برانية وجوانية لت�ضاعيف احلياة ومكابدات الذات‪ ،‬على م�ساحة‬ ‫مميزة من املعاجلة التجريبية‪� ،‬أي قراءة ال�صورة من القفا وتفكيك منطق املعقولية وم�سطرية ال�رسد‪،‬‬ ‫انتهاء مبا ي�صل �إليه دائما كل فن نا�ضج‪ ،‬نعني الإ�ستقرار على ثوابت وعمد اجلن�س الأدبي باعتبارها‬ ‫حمطة لالنطالق‪ ،‬للإقالع نحو �آفاق التعدد والتنوع يف الر�ؤية حمتوى ومعاجلة‪ ،‬مما نعتربه دليل غنى‬ ‫ون�ضج‪ .‬وال �شك �أنهما مظهران معر�ضان ملحك حمدودية املنت الروائي عندنا‪ ،‬وعدد املثابرين يف‬ ‫تعمد مبختلف ال�صفات‪ ،‬املتحقق منها‬ ‫حقله‪� ،‬إذ لي�س علينا �أن نتحدث عن ظواهر والعن تيارات ُ ّ‬ ‫وامللفق �أكرثه‪ ،‬قبل االطمئنان �إىل �أهمية الرتاكم الن�صي يف حقلها‪ ،‬بنوعيته احلاذقة مقيا�سا ال م�ساومة‬ ‫معه‪ ،‬ح�سب مقت�ضيات �سجل الرواية‪ ،‬ويو�سف فا�ضل �إذ ي�ضيف حلقة جديدة يف �سل�سلة نظامه‬ ‫ال�رسدي‪ ،‬ف�إنه يغني هذا ال�سجل يف �أدبنا لنطمئن �أكرث �أنه دينامي‪ ،‬ينتجه كتاب يب�رصون ويتب�رصون‪،‬‬ ‫ويفتحون نوافذ متنوعة للقراءة ‪.‬‬ ‫‪48‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ال�شكل والنوع يف"حكاية غراب"‬ ‫ـ ثمن ركوب ال�صعب ـ‬

‫‪1‬‬

‫قبل ثالثة عقود خلت بد�أ حممد عز الدين التازي‪ ،‬بجواركوكبة فريدة من جمايليه و�سابقني م�ؤ�س�سني‬ ‫جتربة كتابة �أدبية يف جمال ال�رسد‪ ،‬الق�ص�صي‪� ،‬أوال‪ ،‬ثم الروائي‪ ،‬الحقا‪ ،‬عمادها �إعادة ت�صوير الواقع‬ ‫بقلب منظوراته االعتيادية‪ ،‬وتفكيك م�ساحات الر�ؤية املعطاة �إما بتغويرها على امل�ستوى ال�شعوري‪،‬‬ ‫�أوتقويلها‪ ،‬التلفظ بها يف لغة وعرب قنوات ترتك ال�رسد املتاح جانبا لتجرب �أدوات تعالج املادة‬ ‫الق�ص�صية ال كمعطى بقدر ما هي تكوين يخت�ص الكاتب بو�ضعه‪� .‬إن هنالك‪� ،‬سلفا‪ ،‬فرقا وا�ضحا‬ ‫التلفظ الذي يعني الكالم على �سطح الأ�شياء‪ ،‬وباملفردات‪ ،‬واملعاين‪ ،‬املنظمة لإنتاج �أو �إعادة �إنتاج‬ ‫دالالت متداولة يف احلقل ال�سو�سيو ثقايف‪ ،‬مما كان يعد �رشطا لإعالن انتماء الكاتب واالعرتاف به‪،‬‬ ‫بدليل توقيعه على ميثاق االلتزام العلني �أو امل�ضمر؛ وبني التقويل الذي ينزاح‪ ،‬بوعي �أو جمازفة‪ ،‬عن‬ ‫امل�ستوى ال�سابق‪� ،‬أدواته وعينه ال تخ�ضعان ملراتب املقاي�سة �أو تبغيان االنعكا�س‪ ،‬منهما الت�صوير‬ ‫والتحديد والقيا�سات املنظمة لو�صفة الوحدات الثالث‪ ،‬مادته ال�رسدية موجودة بني ت�ضعيف املرئي‬ ‫وا�ستبطانه‪ ،‬ولغته مثلما �صو ُره ُتن�سج من الفعل الفريد للغة خمتلقة وبيان ُم َولَّد وخيال على غري قيا�س‪،‬‬ ‫ما �أجنب تخييال‬ ‫�أو التخييل الذي يجعل ال�رسد فنيا حقا‪� ،‬أي منتميا �إىل اجلن�س الأدبي �أو ب�صدد االلتحاق به‪،‬‬ ‫وح�صيلة العالقة بني الأدوات امل�ستخدمة يف عملية التقويل‪ ،‬هذه‪ ،‬واملادة امل�ستخدمة‪ ،‬خاما وم�ش ّغلة‪،‬‬ ‫مع املعنى الذي ينتجه الن�ص باحلفر �أو التوليد‪ ،‬هو ما ينتج �أخريا اخلطاب الأدبي‪.‬‬ ‫‪49‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫نعترب �أن هذا املنزع يف الكتابة الأدبية‪� ،‬إذ ميثل املرتبة الثانية التي انتقل �إليها الن�شاط ال�رسدي يف‬ ‫�أدب املغرب منذ مطلع العقد ال�سبعيني املا�ضي‪ ،‬هو الت�أ�سي�س الفعلي‪ ،‬يف انتظار النا�ضج‪ ،‬للكتابة‬ ‫ال�رسدية احلديثة قوا ُمها التخييل عماداً والواقع ب�سيطا �أو مركبا مِهاداً واللغة الوا�صفة مدادا‪ .‬ميتد‬ ‫هذا التقومي لي�شمل �أدبنا العربي احلديث كله‪ ،‬ال العربي يف املغرب‪ ،‬الذي تتلمذ من نحو معني على‬ ‫بع�ض بع�سف �أحيانا‪ ،‬تابعا فقط‪ ،‬مع �أنه ميلك خوا�صه‪ .‬والأهم‪� ،‬أن االنتقال �إىل هذه‬ ‫الأول‪ ،‬ويعتربه ٌ‬ ‫املرتبة هو ما �صنّف يف �سجل النقد الأدبي‪ ،‬وعند ذائقة معينة‪ ،‬بالتجريب‪ ،‬من غري عناء يف فح�ص‬ ‫معنى ومكونات هذا التجريب بالدقة املطلوبة يف �أي نقد ح�صيف ومتحمل لتبعات �أحكامه‪ .‬لقد‬ ‫حكم قيمة ال تقوميا نقديا‪ ،‬ومن ثم �أعفى �أ�صحابه من م�س�ؤولية ب�سط‬ ‫كان و�صف التجريب فعال َ‬ ‫عنا�رصه وت�سويغ م�ضمونه الذي مل يكن يتجاوز عندهم رف�ض مدونة ال�صيغة الواقعية‪ ،‬والتحلل من‬ ‫القواعد املرعية‪ ،‬وا�ستعمال لغة "طائ�شة" �أو"جانحة" بالقامو�س القانوين‪ .‬نعم‪ ،‬هذه بنود مقبولة يف‬ ‫ذاتها‪ ،‬لكن �إذا مل ت�ؤخذ على حممل ما ي�شبه االنحراف الأدبي‪ ،‬وقد نُظر �إليها يف ال�سبعينات الفائتة‬ ‫على �أنها كذلك من ِقِبَل امل�ؤ�س�سة الأدبية وفق املنظومة الثقافية للمرحلة‪ ،‬وهو ما �ساهم يف ت�أجيل‬ ‫قوة الأدب حل�ساب �سطوة امل�ؤ�س�سة‪ .‬بيد �أن من ارتادوا التجريب‪ ،‬قل"اتُهموا"به‪ ،‬و�ضعوا ن�صب‬ ‫�أعينهم نقي�ض هذا احل�ساب‪ ،‬ب�إعطاء القول الأدبي لغته امل�سحوبة منه‪ ،‬وتزويج اليومي واالجتماعي‬ ‫بالذاتي والإن�ساين الرحب‪ ،‬وجعل الكتابة يف جغرافية ال�رسد ت�ستخدم �ضوابط النوع فيما هي تبتدع‬ ‫يف الطريق الر�ؤيا‪� ،‬أي خريطة التخييل على مقا�سات ال تعرف‪ ،‬كما ال تعرتف بالأقنوم واجلاهز‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫يغدو التجريب من هذا املنظور هو االخرتاقات التي ما ينفك الن�ص يحدثها يف وبوا�سطة الن�ص‬ ‫نف�سه‪ ،‬خللق �إمكانية تعبري �أقوى‪ ،‬واالنتقال �إىل �أفق مغاير لر�سم املرئي واكتناه اخلارج والداخل معا‪،‬‬ ‫�أي يف املجال الذي يتحرك فيه الكائن بقدر ما ي�سعى ل�صنعه مبفردات خياله‪ .‬بهذا املعنى ف�إنه جت�سيد‬ ‫وتلخي�ص لتاريخ الأدب يف َجماع التجارب امل�شكلة لنماذجه‪ ،‬واحدا‪ ،‬واحدا‪ .‬لقد كان الأدب‪،‬‬ ‫و�سيبقى يف زعمنا هو الن�ص املفرد رغم طابع التعميم الذي تقت�ضيه النظرية والنزعة الو�صفية الت�أريخية‪.‬‬ ‫وهذا ما كانت الكوكبة املن ّوه بها يف البداية تفكر فيه‪ ،‬و�سعى م‪.‬ع‪ .‬التازي معها‪ ،‬وما زال‪� ،‬إىل االرتباط‬ ‫به منوذجا وماهية وبطاقة تعريف فنية‪ .‬من معاين الن�ص املفرد واعتباراته رف�ض النمطية ب�سبق �إ�رصار‪،‬‬ ‫واتخاذ كل ما ميكن من "�إجراءات"و"تدابري" لزحزحتها كلما �أو�شكت على اال�ستقرار والتعنكب‬ ‫يف خميلة الكاتب‪ ،‬يف مقدمها طرح �إبدال لها يتعداها �إىل غريها‪ ،‬ال باملعنى التجاوزي �رضورة‪ ،‬و�إمنا‬ ‫املختلف واملتنوع يف جمرى كتابة وم�سار كاتب‪ .‬بذا يكون التجريب وتاريخ الأدب‪ ،‬من نحو �آخر‪،‬‬ ‫‪50‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫هو جماع تاريخ �إبدالهما‪ ،‬هكذا يُحتاج‪� ،‬أي�ضا‪� ،‬إىل النظر �إليهما حني يعمد الدار�س �إىل تلقي وحتليل‬ ‫�أعمال منهجها ور�ؤيتها �إبداع الن�ص املفرد‪ .‬ليكن معلوما �أنه لي�س ن�سخة واحدة‪ ،‬بل يتطلب التكاثر‬ ‫والتعدد لي�صبح ناجزا‪ ،‬فيما هو مهدد‪ ،‬مفارقة‪ ،‬بالوقوع حتت طائلة املكرر وامل�ستن�سخ‪.‬‬ ‫و�سوا ٌء فهم التازي ذلك مبكرا‪� ،‬أو انتقل �إليه بعد خما�ض والدة طويلة وع�سرية‪ ،‬و�إن بدت لبع�ض‬ ‫املت�ساهلني اليوم ي�سرية‪ ،‬ف�إن القول ال يكون �إال بقوله‪ ،‬الذي يتحول �إىل اكت�شافات متوالية للقول ذاته‬ ‫ب�صيَغ ت�ؤخذ من جب ّلة احلياة وتن�ضيداتها املختلفة‪ ،‬وينفخ فيها الكاتب‪ ،‬كاتب‪ ،‬من روحه‪ ،‬وهو يف‬ ‫كل مرة يكت�شف نف�سه وما يكتب‪ .‬ينجم عن ذلك �أن ا�ستعمال القواعد واملعايري يف هذا ال�رضب من‬ ‫يتو�سل الأجر�أة‪،‬‬ ‫العمل ي�صطدم يف كل مرة بتهافت �أدواته‪ ،‬وبالتايل نتائج حتليله‪ ،‬لذا ال ي�شفع له �إال �أن ّ‬ ‫وال بديل له عنها يف كل حال �أمام ما يعترب الهروب من النمذجة والت�صنيف و�سكنى القالب جوهرا يف‬ ‫طبيعته‪ .‬بيد �أن ح�س التجربة واملرا�س اخلا�ص للكاتب‪ ،‬لنحدد‪ ،‬للقا�ص �أو الروائي يف حالة ال�رسد‪،‬‬ ‫وقد ُ�شحذا الب ّد ِمببرْ َ ٍد ثقايف‪ ،‬يجعالنه وقد اجتاز يفاعته الأدبيةـ خليط من تقليد وهو�س وطموح بال‬ ‫حدودـ ينتقل‪� ،‬إذا انتقل‪� ،‬إىل ما ال يكون الفن فنا �إال باالن�ضواء فيه‪� ،‬أال هو القالب ذاته‪ ،‬يعطيه ا�سمه‬ ‫ونظامه وعلى هدي �أقانيم حمددة ي�صبح موجودا‪ ،‬م�شخ�صا‪� ،‬أي يتقولب‪ ،‬و�إال بقي ذ ّرة يف �سدمي‬ ‫الكالم‪.‬‬ ‫�إن القا�ص �أو الروائي ال يناق�ض نهجه الالّمنطي بهذا امل�سلك الفني و�إمنا يحتمي بال�شعرية‬ ‫الكال�سيكية التي ت�أ�س�ست يف مراحل توزيع �أ�شكال وتيمات و�أدوار وجمهور الكالم‪ ،‬الأدبي حقا‬ ‫يف ما يخ�صنا الحقا‪ ،‬كجزء من تنظيم العامل بوا�سطة العقل حتى وهو يدور يف فلك الآلهة‪.‬‬ ‫ال �أحد ينكر �أن نظام املحاكاة الأر�سطي مثّل الهيكل الأن�ضج والأقوم يف تاريخ النظرية الأدبية‪،‬‬ ‫هو‪ ،‬كما نعلم‪ ،‬نظام معقد تتعالق فيه عنا�رص �شكلت بنية عامل تاريخي و�إن�ساين تقا�سمه باختزال‬ ‫�شديد قطبا الإيتو�س وامليتو�س‪ ،‬اللذان �صنعا �أ�شكاال تن�سجم معهما وخطابا يقولهما‪ .‬بذا ف�إن القالب‬ ‫هو طريق ودليل وحركة‪ ،‬بعبارة �أخرى �أ�شكال و�أنواع و�أ�ساليب ولغات وبالغات وفنون ف�أجنا�س‬ ‫م�صنفة ثم يعاد ت�صنيفها‪� ،‬إما مبوتها �أو جتاوزها احلتمي �إىل �إبداالت النهائية قدمها الكتاب والفنانون‬ ‫على مر تاريخ الب�رشية‪ ،‬اتخذت من الأدب‪� ،‬أ�شكاال وخطابات‪1 ،‬ـ و�سيلة البوح مبا يف دواخل‬ ‫الأفراد؛‪ 2‬ـ والتوا�صل بني ه�ؤالء الأفراد‪ ،‬لأن ما يَنتقل ويُتوا�صل به على امل�ستوى الفني والوجداين هو‬ ‫الن�صو�ص املفردة‪ ،‬على خالف الن�صو�ص اجلماعية املقد�سة التي تتغيا الإقناع والإخ�ضاع؛‪3‬ـ وبينهما‬ ‫املحاولة الدائمة لفهم الذات مبنازعها والعامل حولها‪.‬‬

‫‪51‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪3‬‬

‫يف املنت املجتمع للتازي تتجاور هذه احلوافز حيناً وتتباعد حينا �آخر‪ ،‬لكنها تظل مطلبا دائما‬ ‫متناف�سة على ب�ؤرة العامل ال�رسدي املبني‪ .‬منذ ن�صو�صه الأوىل يف منت�صف ال�سبعينات و�صعداً �إىل‬ ‫تراوح للكتابة يف دائرة منفتحة منغلقة‪ ،‬االنغالق ي�أتيها‬ ‫حا�رضه �شبه املكتمل‪ ،‬ال الأخري طبعا‪ ،‬هناك‬ ‫ٌ‬ ‫وحقل بذروا‬ ‫عندما ت�سعى المتالك النمط امل�ستن�سخ وحيث يلعب القا�ص يف �ساحة عبّدها ال�سابقون‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫فيه نُقولهم‪ ،‬فرتاه يتعرث �أو يقلد �أو يقتب�س‪ ،‬لكنه �رسعان ما ميل من هذه اللعبة ال تنا�سبه قواعدها‪ ،‬ال‬ ‫تن�سجم مع ا�ستعداده �أو فهمه ملقت�ضاها فري�سم خارطة موازية يطبق فيها طوبوغرافيا �رسدية �سيحتاج‬ ‫�إىل وقت طويل �إىل من يقتنع بها ويقبل للتفرج على ما يجري يف حلبتها‪ ،‬وذلك بب�ساطة لأن لكل لعبة‬ ‫نظاما‪� ،‬أي قالبا وقواع َد‪� ،‬أي نوعا‬ ‫تندرج فيه وتتوفر على املالءمة املمكنة لتوطني خزان ذاكرة وزخم مرئيات وخ�صوبة خميلة‪ .‬و�إذا‬ ‫ال�صناع املهرة‪ ،‬طبعا‪،‬‬ ‫كانت الق�صة الق�صرية ت�سعف �أكرث على املناورة ال�شكلية وطواعية اللعب‪ ،‬عند ُّ‬ ‫الذين يعرفون كيف يجمعون في�ض خاطر الب�رش ويجمعون �شتات الأ�شياء‪ ،‬يف املكان والزمان‪ ،‬التي‬ ‫تطرق مواهبهم على حني غرة �أو م�صادفة‪ ،‬هذا هي منا�سبة الق�ص الق�صري‪ ،‬ف�إن الرواية ال توجد �إال‬ ‫ب�صنع ال�شيء الروائي الذي ال يوجد بدوره قبلها‪ ،‬هنا ال غنى للكاتب من الدراية وال�صناعة واحلد�س‬ ‫و�إتقان خطة التوليف لغربلة وا�ستخال�ص �شيئه الروائي‪ ،‬وهذا ما يحدث غالبا على �شاكلة معينة‪،‬‬ ‫�أوال‪ ،‬ويت�ضمن ت�صورا بذاته‪ ،‬ال قيمة له فكرة‬ ‫جمردة‪ ،‬بل متثيال وت�شخي�صا وتهجي�سا‪ .‬ويف �أغلب ق�ص�صه ورواياته ظل م‪.‬ع‪.‬التازي رهن توتر‬ ‫دائم وحيوي بني الفهمني املذكورين ملكوين الكتابة ال�رسدية‪ ،‬ذلك التوتر الذي مل يكن �أبدا حممو َد‬ ‫العواقب‪ ،‬لأن هاج�سه من البداية املخاطر ُة والتحرك فوق حقل �ألغام القواع ُد تنفجر‬ ‫مادي بالدرجة الأوىل‪� ،‬أي لي�س‬ ‫يف وجه من يتخفف منها‪� ،‬أو اليبايل‪ .‬ومبا �أن ال�شيء الروائي ٌّّ‬ ‫لي‪ ،‬وال ا�ستيهامات تن�ساق لفطرة املتكلم �أكرث من وعي‬ ‫�شعوريا �سلفا‪ ،‬وال فكريا تقريريا بتجريد ْقب ّ‬ ‫التلفظ‪� ،‬ألفى نف�سه ي�رصف عدداً من التجارب‪ ،‬بع�ضها متارين قا�سية‪ ،‬فالكاتب مثل الريا�ضي ال يوا�صل‬ ‫�إال بالتمرن الدائم‪ ،‬لي�صنع من الأ�شباح والأطياف �شخ�صيات ومن ال�سدمي واملتاهة مكانا‪ ،‬ومن املطلق‬ ‫زمنا‪ ،‬ومن الال ُمعينّ �صفة‪ ،‬وخا�صة �أن يبدل اللحظة ال�شعرية وبالغتها اال�ستعارية �أ�سا�سا مبلفوظ بالغته‬ ‫هي ال �إن�شائيته‪ ،‬لكن خربية‪ ،‬ومربر جتنّ�سه يف الإحاطة املقنعة بعامل يتطلب من كاتبه �أن يوجده من قلب‬ ‫وجود �سابق‪ ،‬ويقنع وي�ؤثر به ب�أدوات ي�شرتك فيها مع �آخرين‪ ،‬وبلغة �أ�سلوب هو �صاحبهما‪ ،‬ال �سيما‬ ‫�إذا توخى الن�ص املفرد‪.‬‬ ‫ح�صيلة التجربة‪ ،‬مترينا وبلوغ َو ْكدٍ عند �صاحبها �أم�ست بني يدي القراء‪ ،‬حمرتفني وعاديني‪ ،‬مبا �أن‬ ‫‪52‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫جمرتحها ارت�ضى �أن ت�صبح م�ضمومة يف �سل�سلة "الأعمال الكاملة"لوزارة الثقافة‪ ،‬وبالتايل مطروحة‬ ‫للتقومي والت�صنيف‪ ،‬ب�إطالق تقريبا‪ .‬وهو ما يتعار�ض يف الظاهر‪ ،‬على الأقل‪ ،‬مع من رغبته وديدنه‬ ‫الرتحل يف الن�صو�ص لو�ضع الف�صو�ص‪ ،‬بدءا من "رحيل البحر"(‪ )1983‬مرورا ب"زهرة الآ�س"(‪)2003‬‬ ‫وانتهاء ب"حكاية غراب"(‪ )2007‬التي جنعلها تعلة هذه القراءة ومناطها‪ ،‬ورمبا �سمحت لنا‪ ،‬بو�صفها‪،‬‬ ‫خامتة جهود الكاتب �أن ن�صل �إىل قيا�س املنحنيات البيانية لتجربته ال�رسدية بلونيها الق�ص�صي والروائي‪،‬‬ ‫فالطبع املخاطر واحد يف القالبني‪ ،‬وخطة االنقالب على ال�رسد التقليدي ُمبيّته دائما‪ ،‬واللغة و ُع ّدة‬ ‫الت�صوير متجان�سة‪ ،‬وهاج�س قلب العالئق و�صنع �إبدال للمجال املعطى املربكة لربوتوكوالت التلقي‬ ‫املوروثة هي ذاتُها‪ ،‬يبقى �أن لكل فن ا�سرتاتيجية كتابة؛ �أخطر ما يف الرهان‪ ،‬بل كله!‬ ‫‪4‬‬

‫يف عمله الأخري"حكاية غراب"يجمع التازي ح�ساب جممل �إ�صدارته ليدفع بها يف هذا الرهان‪ .‬ومن‬ ‫الغالف ينه�ض العنوان التبا�سا و�إرباك قراءة �أمام املتلقي‪ ،‬بحكم التجني�س املو�ضوع للكتاب"رواية"‪،‬‬ ‫وقد بات معلوما �أن التجني�س تعاق ٌد وميثاق قراءة‪ ،‬لي�س يف ال�سرية الذاتية وحدها‪ ،‬وال ي�ؤخذ لدى‬ ‫الكاتب املتمر�س‪ ،‬الواعي بخطته‪ ،‬جمرد ت�سويغ‪ ،‬من ثم يبدو اجلمع بني نوعني مثار �أ�سئلة �أولية يف‬ ‫مزج وا�ستفادة من خ�صائ�صهما معا تقود �إما �إىل‬ ‫مقدمها‪ :‬هل هو خلط مق�صود لإثارة بلبلة فنية‪� ،‬أم ٌ‬ ‫التهجني �أوبالتلقيح �إىل ابتداع نوع ثالث؛ �أم يا ترى علينا �أن ال نبقى عند حظوظ الظاهر فنتلقى الن�ص‬ ‫بو�صفه حكاية باملعنى �أو املعاين التي يحيل �إليها القامو�س ال�رسدي‪ ،‬وال ن�رسف يف ت�أويل �سي�رض بن�ص‬ ‫طموحه كام ٌن فيه ال �أكرث‪.‬‬ ‫ي�صعب على القارئ املحرتف �أن يقبل و�ضع قالب يف قالب‪ ،‬ذ َو ْي خ�صائ�ص مفروزة‪ ،‬ملجرد �أن‬ ‫عن�رص احلكي م�شرتك بينهما‪ ،‬لذلك �سيذهب �إىل م�ساءلة عنوان العمل الذي كنا نفرت�ض �أنه جامع‪،‬‬ ‫النوع الكبري بداخلها �أنواع �صغرى‪ ،‬تتحقق بحيازة �أداءات‬ ‫�أي دال ومدلول‪:‬الدال مركب من �أيقونة ُ‬ ‫حمددة خم�صو�صة باحلكى يف تقاليدها التاريخية وتر�سيخها كلما ا�ست�ؤنف العمل بها‪ ،‬و�إحلاق ال�رضر‬ ‫بها �إذا ما ا�ستخدمت يف غري حملها‪ ،‬يف قلبه املدلول امل�ستوعب للأفعال مع طقو�سها ورموزها وغاياتها‬ ‫�أو عِ برَ ها‪� ،‬سيّان‪ .‬بيد �أن تذييل الأيقونة الروائية ي�شو�ش بحدة‪ ،‬مما ي�ستدعي ر�سم احلدود‪ ،‬بدءا‬ ‫من التعريف وانتهاء بفتحها �أو خرقها "غري امل�رشوع"‪ ،‬قد تن�شب عنه حرب ت�ؤدي �إىل �إعادة ر�سم‬ ‫احلدود‪ ،‬بالتايل "�رشعية" جديدة‪.‬‬ ‫يحر�ص الكاتب من مطالع ن�صه على تنبيهنا �أنه يعني احلكاية ال �ش�أنا �آخر‪ ،‬ال اخلربية �أو احلكاية‬ ‫مبعنى الق�صة التي تروى �أو ت�رسد كمادة ال غنى عنها يف هذا اجلن�س الأدبي وحدها‪ ،‬بدونها ال�سند له‬ ‫‪53‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫وال موجب وجود‪ ،‬مدونا الف�صل الأول ب"ترف احلكاية"‪ ،‬و"احلكاية التي تتنا�سل‪ "..‬ف"ا�ستهواء‬ ‫احلكايات"‪ ،‬يعلمنا‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ب�أنها طريقة‪":‬حكي ما م�ضى‪ ،‬وما كان‪ ،‬ثم �إنها جت�سد حكايات احلا�رض‪،‬‬ ‫وتتنب�أ بامل�ستقبل‪ ،‬عرب ذاكرة بع�ض النا�س‪ ،‬وم�صائرهم‪ ،‬وعرب ال�ضحك‪ ،‬وال�شقلبانيات‪ ،‬وقلب مواقع‬ ‫الأ�شياء‪ ،)12("..‬ويعلمنا كذلك �أن مو�ضوعها‪ ،‬عاملها‪ ،‬ما �شئتم‪ ،‬هو مدينة فا�س(‪ ،)11‬ليعي بعدئذ �أن‬ ‫هذا اخلليط ال ي�ستقيم يف حد ذاته‪ ،‬فيت�شتت �إىل حكايات‪ ،‬يفطن �إىل �أنها "حتتاج �إىل تنظم"(‪ ،)13‬لكن‬ ‫هل �سيعقلها حقا؟ من يتكلم هنا هو الكاتب ير�سم خريطة الطريق يف ما ي�شبه العتبة ليعرف القارئ‬ ‫امل�سمى حكاية �شيء �آخر‪،‬‬ ‫على �أي �شيء(= خلط) هو ُ ْمقدِ م‪� ،‬إمنا‬ ‫ُ‬ ‫خطاب العتبات �شيء‪ ،‬والق�ص ّ‬ ‫أمر‬ ‫الكاتب والناق ُد على ال�سواء‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫يدرك ال َ‬ ‫وعليه‪ ،‬ال بد من االنطالق من البدايات‪ ،‬فما احلكاية على وجه النوع بالعموم‪� ،‬أوال‪ ،‬واخل�صو�ص‪،‬‬ ‫ثانيا‪ .‬ففي �أب�سط تعريف هي فن من يحكي(= حكواتي ال كتابي)‪ ،‬وهي تقليد �شفهي جماعي‪� ،‬أكرث‬ ‫منه كتابي‪� ،‬أي عفوي ال عامل‪ .‬ولكي يتحقق ك�أداء ي�ستوجب تالقي (من) مع(هم) ب(ح) يف(موقع)‬ ‫و(وقت)‪ .‬واحلكاية فن معلوم لدى كل الأمم‪ ،‬وهي ت�شغل يف تراثنا ال�رسدي ح�صة ن�صية هامة‪� ،‬شفهية‬ ‫ومكتوبة‪ ،‬ومناذجها الكربى تلتقي �إىل حد مع املعينات املخ�ص�صة للنوع بو�صفه كذلك‪ ،‬والتي‬ ‫ا�ستخل�صها الدر�س النقدي الغربي و�أ�صبحت مرجعا �إليه االحتكام‪ ،‬لتدقيقه النظري‪ ،‬وا�ستنباطه‬ ‫لأهم املتون(مورفولوجية بروب( ‪ )1928‬فهر�ست �إيرن وتومب�سون؛ الهولندي �أندري جول�س َ‪Andé‬‬ ‫‪ .)Jolles‬ففي درا�سته الرائدة"‪( "Formes simples‬باري�س‪� ،‬سوي‪ 1930()1972 ،‬للطبعةالأملانية) ومن‬ ‫جممل حتليله حلكايات الأخوين غرمي الأملانية‪ ،‬وال�سجال الذي دار بينهما و�أ�شيم �أرنيم‪ ،‬حول مفهوم‬ ‫املق�سمة �إىل �شعر فطرة(�شكل ب�سيط) و�شعرفن (�شكل عامل)‪ ،‬يخل�ص‪Jolles‬‬ ‫الرومان�سية لل�شعر ونوعيته‪ّ ،‬‬ ‫�إىل تعريف احلكاية‪� ،‬أوال‪ ،‬ك�شكل فني حيث ميكن �أن يجتمع وتتم اال�ستجابة جلاذبيتني متعار�ضتنن‬ ‫هما النزوع �إىل العجيب‪ ،‬وحب احلقيقي والطبيعي‪ .‬ثانيا‪ ،‬يف كون الوقائع التي نعرث عليها يف احلكاية‬ ‫ال ميكن �أن توجد خارجها‪" ،‬بكلمة واحدة‪ ،‬ب�إمكاننا تطبيق العامل على (ح) ال(ح) على العامل"(‪)184‬‬ ‫يلي هذا خوا�ص احلركية والعموم والتنوع‪ .‬بيد �أن �أهم ا�ستخال�ص يقوم يف ت�صنيفها باعتبارها �شكال‬ ‫ب�سيطا‪� ،‬أي"�شكل ال يعنى قط بتمثيل حدث بكيفية توحي ب�أنه حقيقي‪ ،‬بل يعمل با�ستمرار على‬ ‫العجائبي"(‪ ،)183‬بذا فالعن�رص الأخري م�ؤ�س�س بنيوي للحكاية ك�إبداع عفوي �أو تلقائي‪ ،‬مييزها بطريقة‬ ‫حا�سمة عن �شعر الفن‪ ،‬املتطلب لال�ستعداد‪ ،‬ممثال يف الق�صة الق�صرية[بناء على تراث بوكا�شيو]تعطي‪،‬‬ ‫على النقي�ض من احلكاية‪ ،‬االنطباع ب�أنها تروي �أحداثا فعلية‪ ،‬وما يحدث فيها‪ ،‬بالتايل‪ ،‬قابل لأن يوجد‬ ‫يف العامل"(ن)‪ .‬نختزل قائلني ب�أننا ننتقل يف التعبريين من اخليال(فطرة) �إىل التخييل(�صناعة)‪.‬‬ ‫وا�ضح بجالء �أننا بهذه اخل�صائ�ص و�أخرى مل نذكرها‪� ،‬أننا �أبعد ما نكون عن جن�س الرواية‪� ،‬سواء‬ ‫‪54‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫من الناحية الإ�ستطيقية �أوالناحية املورفولوجية‪ ،‬وتعد هذه الأخرية بالذات في�صال ال يجوز الت�ساهل‬ ‫فيه‪ ،‬و�إال �سقطت النظرية‪ ،‬ليتعذر التعاطي النقدي مع الن�ص‪� ،‬أ�ضاع م�ؤ�رشاته‪� .‬إن الف�صل يف ال�شكل‬ ‫هو‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ف�صل يف امل�ضمون‪ ،‬يف العوامل واملواد والعالقات وال�صيغ املبنية داخله‪ ،‬بكل ت�أكيد‪،‬‬ ‫وعندما نتحدث عن ال�شكل‪ ،‬ن�صعد �إىل النوع ال�سابق عليه‪� ،‬أو املن�سوج منه‪ ،‬و�إذا ما وقع اللعب �أو‬ ‫يتهجنان على نحو ما‪ ،‬وتلك م�س�ألة �أخرى‪ .‬وحكاية‬ ‫التالعب ف�إنهما يتمان يف �إطار هذه العالقة‪� ،‬أو ّ‬ ‫م‪.‬ع‪.‬التازي تنزع �إىل �صنع جمموعة من التقاطبات وت�شغيل عديد الإجراءات والإواليات التي ت�سمح‬ ‫لها بفعل احلكاية‪ ،‬واحلركة يف جغرافيتها احللمية العجائبية مبا هي �أ�سا�سا واقعية‪ ،‬مفارقة‪ ،‬وبا�صطناع‬ ‫متثيالت تت�ضاعف فيها ال�صور من تركيبات و�أو�ضاع ذات ظهر وباطن‪ ،‬حقيقي وعجيب‪ ،‬تروم حتقق‬ ‫ال�رشط احلكائي باالنتقال �إىل هذا الأخري �صنيع احلواة يف و�ضعهم اللم�سة ال�سحرية‪ ،‬اخلارقة‪ ،‬على‬ ‫الأ�شياء‪.‬‬ ‫تروي هذه"الرواية"حكاية‪ .‬حكاية مدينة‪ .‬مدينة ا�سمها فا�س‪ .‬فا�س مدينتان‪ :‬واحدة تهبط �إليها‪،‬‬ ‫وثانية ت�صعد �إليها‪ .‬يف هذا الف�ضاء"ت�صعد احلكايات وتهبط جمنونة مب�سار مل يبتدعه لها �أحد(‪ )...‬يف‬ ‫الطريق ت�ضيع احلكاية (‪ )...‬ويف �ضياعها حتاول �أن تلتقط ر�أ�س اخليط"(‪ .)11‬كلما �ضاعت �صنعت‬ ‫مدينة(=حكاية)‪ .‬لذلك لي�س لها بداية وال نهاية ككل احلكايات‪ ،‬فماذا تكون؟ ومع هذا البد من‬ ‫االنطالق من طريق‪ ،‬خيط ما‪ ،‬ليكن العالقة بني �شخ�صيتني �أ�سا�سني تتمحور حولهما لتتلولب‪،‬‬ ‫و�إن يف عالقة غري متكافئة‪:‬الأوىل (عادل) فاعلة‪ ،‬متحركة‪ ،‬هي املو�ضوع واملر�سل(احلكواتي) يف‬ ‫�آن‪ .‬الثانية(�سعيد) جامدة‪ ،‬عدمية الفعل‪ ،‬ويف و�ضع املر�سل �إليه باعتبارها �رشيكا‪ ،‬ولتكون"غرفة‬ ‫ت�سجيل"لأ�صوات احلكايات‪ ،‬متناغمة �أو متالغطة‪ ،‬متثل جدال اجلمهو َر امل�ستمع(‪)Auditoire‬على‬ ‫مقت�ضى النوع(=ال�شفوي)‪ ،‬وهو من هذه الناحية مماثل للرواية لدى ظهورها ك�شكل‪ ،‬ك�سند ال‬ ‫كم�ضمون‪ ،‬تلك التي كتبت بلغة مبتذلة وكانت تتحدث عن الرومان(‪ )Les Romains‬يف القرن الثاين‬ ‫ع�رش‪ ،‬خالفا لالتينية املوجهة للن�ساخ ويكتبها الرهبان يف الأديرة (انظر‪ :‬تيبودي‪� ،‬ألبري‪ ،‬قارئ الرواية‪،‬‬ ‫باري�س‪ ،‬م‪.‬غري�س‪� ،1925 ،‬ص ‪.) IV‬‬ ‫‪5‬‬

‫�إنها فعال �ضاجة‪ ،‬متالغطة‪ ،‬لأنها لي�ست واحدة(‪")13‬ت�صري حكايات"(ن)‪ ،‬وهكذا �سن�سمع من‬ ‫عادل كل ما يحكى"على �أل�سنة ال�سائرين يف طريق من طرقات فا�س بعدما جف ريقهم من فرط ما‬ ‫تدفق على �أل�سنتهم من حكايات‪ ،)14("..‬وللقارئ �أن يتخيل ما ميكن �أن يجري على هذه الأل�سنة‬ ‫من املهد �إىل اللحد تقريبا‪ ،‬فهذا هو املجرى الزمني العام الذي ي�سلكه عادل �صعودا وهبوطا‪،‬‬ ‫‪55‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫عمريا وطبوغرافيا وتخييليا‪ ،‬تز ّكيه جغرافيا طبيعية ملدينة منق�سمة �إىل ق�سمني‪ :‬فا�س البايل‪ ،‬وفا�س‬ ‫الع�رصي(دار دبيبغ)‪ .‬يجري على �أل�سنتهم‪ ،‬ل�سانه‪ ،‬كل �شيء يف �سل�سلة من عمليات اال�ستذكار‬ ‫واال�سرتجاع واال�ستح�ضار واال�ستب�صار واال�ستبطان‪ ،‬يف القلب ذاكرة ت�شتغل ب�رسعة قيا�سية يف‬ ‫تذرع امل�سافات الزمنية واملكانية طوال وعر�ضا‪ ،‬ظهراً لباطن‪ ،‬ذهابا و�أوبة‪ ،‬تلتقط ال�صغرية‬ ‫تذكرها ُ‬ ‫والكبرية‪� ،‬صانعة عمدا من احلبة قبة‪ ،‬ب�ؤرتها حيث تقف القدم‪ ،‬وتب�رص العني‪ ،‬وتن�شط الذاكرة‪ ،‬وتينع‬ ‫امل�شاعر‪ ،‬ويتفجع القلب‪ ،‬وكل ب�ؤرة تن�سخ ما قبلها من تبئري فيما تكت�سحه في�صبح ما ًء �آخر �سيجري‬ ‫نهر يجمع كل ما تراكم من عمر (عادل) وما‬ ‫مع مياه متدفقة ت�صنع نهر احلكايةـ احلكايات الغامر‪ٌ .‬‬ ‫تفرق يف املدينة وما تراكم من عي�شه يف زمنية ترتاوح بني �أزمنة الطفولة واليفاعة وال�شباب والكهولة‪،‬‬ ‫َخطيتُها مك�سور ٌة مثل طريقة �رسد الرواة للحكايات‪ ،‬يذهبون ويجي�ؤون‪ ،‬وهم ي�ستدعون التذكر من‬ ‫اجلمهور‪ ،‬لذلك فالأ�صل يف"حكاية غراب" �أن ال ُتقر�أ بل بالأحرى ُت�سمع‪ ،‬وعندئذ فهي �ستندرج‬ ‫يف �سجل كتابي �آخر‪ ،‬لي�س دونياً على �أي حال‪ ،‬خالفا لت�صنيف يعترب"الأ�شكال الب�سيطة" دونية �أو‬ ‫مبتذلة‪ .‬نهر تتكد�س فيه الأماكن م�أهولة وقفرا‪ ،‬الأ�سواق والأزقة رائجة وكا�سدة‪ ،‬احلرف ب�أنواع‪،‬‬ ‫الرجال والن�ساء والأطفال‪ ،‬بنزوات الأعمار‪ ،‬الثقافات واللغات متعددة‪ ،‬متجاورة متحاورة‪،‬‬ ‫معر�ض يت�سع ليجمع كل ما حفلت به فا�س من طريف وتليد خا�صة‪ ،‬حمت ٍو على خمازن من كل �صنف‬ ‫عل‪ ،‬الآتي �إليها من خارج‪،‬‬ ‫ولون‪� ،‬ألي�ست فا�س �أمام الزائر الأجنبي‪ ،‬ال�سائح الذي ينزل �إليها من ٍ‬ ‫ني لتتمالها ت�ستن�شق منها رائحة التاريخ وعتاقة الزمن‪،‬‬ ‫م ْع ِر�ضاً للطرائف والغرائب تقف �أمامها الع ُ‬ ‫تنظر �إليها م�ستكنهة الغرابة‪ ،‬متلذذة بالعجيب‪ ،‬فماذا حني تنقلها العني الوا�صفة بروح غرائبية‪،‬‬ ‫لوحات عجائبية ت�ستقل بنف�سها عن �أي �سياق كموتيفات تزيينية‪ ،‬و�إن كان لها �أن تغذي املحكيات‬ ‫ال�صغرى‪ ،‬من طبيعة ب�رشية طقو�سية �أو ح�ضارية ت�أثيتية‪ ،‬من قبيل ر�صد عملية اخلتان و�إعداد الوالئم‬ ‫والتعريف بالتوابل و�ألوان الطعام(و�صفة �إعداد القديد)(‪)22‬؛(و�صفة الإ�سفنج املطفي)(‪ )23‬وكثري‬ ‫مما ي�ؤكل يف �شتاء فا�س من (ر�ؤو�س خرفان‪ ،‬رغائف حم�شوة بال�شحم والب�صل‪ ،‬فول منقوب‪ ،‬حريرة‬ ‫�ساخنة‪ ،‬وغريه من التحيم�ضات يف الع�شابني)(‪)21‬م؛�إىل جانب املهارات املحلية‪ ،‬و�أمور حتتاج �إىل‬ ‫جرد م�ستقل تظهر فيها عناية تامة من لدن الكاتب لت�صوير مدينته(مدينة بطله؟)حيث مرابع �صباه‪،‬‬ ‫ومهوى القلب‪ ،‬وملعب الذاكرة واخليال‪ ،‬حت�سبه ما ترك �شاردة وال واردة مما عا�شه يف املكان والزمن‪،‬‬ ‫وما تقلب و�سطه‪ ،‬وما حلم به �أو انتابه هاج�سا �إال �سجله مبا�رشة‪ ،‬وتارة �أخرى �أ ْوج َد له �أقنعة و�أ�صواتا‬ ‫تنقله‪ ،‬فيحدث بني القناع وال�صوت تناف�س على انتزاع و�ضع �شخ�صية روائية‪ ،‬غري ممكنة يف النهاية‪،‬‬ ‫ال�ستحواذ معلن للراوي على جمال حكيه و�سريته‪ ،‬الآخرون ال يتحركون فيها ع�ضويا و�إمنا ليكملونها‬ ‫بالأبعاد التي يفرت�ض �أنها تو�سع احلكاية وت�ضفي عليها ما حتتاج �إليه من �أطراف وطرائف الغرابة‪.‬‬ ‫‪56‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫جمعهم الراوي كلهم يف الفقرة التالية‪�..":‬أمي �سعادة‪ ،‬و�أمي اللة ح�سنية‪ ،‬وفريدة بنت ال�سي عبد‬ ‫احلق ال�شامي‪ ،‬وخالها ال�سي عبدالرزاق لب�صري‪ ،‬ومن�صور(‪)...‬وحاييم اليهودي(‪)...‬وعمي احلاج‬ ‫القالل�شي(‪ )...‬وابن خالتي عبد الفتاح‪ ،‬وتوفيق ولدي‪ ،‬و�أمي زهرة منظفة البنك‪ ،‬والغراب(‪)...‬‬ ‫وامللك (‪)...‬و�شخ�صيات �أخرى‪ ،)134( "..‬لن�سمها الـ �شخ�صيات‪ ،‬تن�سجم متاما مع ما يعينه الكاتب‬ ‫بحق ب" �سدمي حكايات"(ن)‪.‬‬ ‫مما يتوافق مع هذا املنزع رغبة الت�شميل بتوظيف التعبري ال�شفهي وملفوظاته مرويات وم�ستن�سخات‬ ‫�شعبية وثقافية �ضمن �إطار النوع احلكائي العام امل�ستخدم ل ُلوينات �شكلية كاحلوار‪ ،‬واال�ستدراج‪،‬‬ ‫والنكتة‪ ،‬واملثل‪ ،‬والأقوال ال�سائرة‪ ،‬والتعليق‪ ،‬واحللقة‪ ،‬وال َّل ْغو(القائم بوظيفة لَ ْغوية) ـ الخ‪..‬تنخرط‬ ‫جميعها يف توليد خطاب ال يتنطع ملا هو �أعلى منه‪ ،‬يبتغي االن�سجام وكثريا ما يحققه‪� ،‬ساعيا لأن‬ ‫ي�صنع لكل مرتبة ب�رشية وثقافية �إيقاعها اخلا�ص‪ ،‬ال يحفل‪� ،‬أو مبحذور تكاثر الإيقاعات حد الت�ضارب‪،‬‬ ‫بافتقاد �إيقاع كلي‪� ،‬إذا ما كانت احلكاية املفردة قبل اجلامعة ت�ستطيع �أن ت�ستوعبه‪ ،‬فالرواية تنفر‬ ‫منه ولي�ست جماله �إال بوجود الوحدة الكلية‪ .‬هذه الوحدة يحتاج �إليها الن�ص قبل القارئ وي�ضعها‬ ‫الكاتب ن�صب عينيه‪ ،‬لأنها بو�صلة وطريقة �أداء‪ ،‬ت�ضمن ما �سميناه منذ مطلع هذه الورقة ب�صوغ‬ ‫ال�شيء الروائي‪ ،‬ذاك الذي يوج ُده الروائي وحده‪ .‬من اجلائز �أن الوحدة متثلها �آ�رصة‪ ،‬حا�رضة �أو‬ ‫مفتقدة‪ ،‬هي مللمة �أطراف مبعرثة من �شتات حكايات حياة عادل‪ ،‬فهو البطل‪ ،‬باملعنى التقليدي‪ ،‬فا�س‪،‬‬ ‫كذلك‪ ،‬وجميع ال�شخو�ص الفاعلني يف جمال تذكره املحموم‪ ،‬واملوتى يف قبورهم �أبطال‪ ،‬والقيم‬ ‫املتدهورة مع نقي�ضها ال�صاعد‪ ،‬ومبا �أن حياة عادل تفككت‪ ،‬وتداخلت بني �أزمنة‪ ،‬و�أمكن ٍة ولغات‬ ‫لكن وحدتها‬ ‫وثقافات‪� ،‬أحيا ٍء و�أموات‪� ،‬صعو ٍد وهبوط دائمني‪ ،‬ف�إنها بالطبيعة تفتقد الوحدة ك�سريةٍ‪ْ ،‬‬ ‫الفنية التي تذهب بها من النوع �إىل ال�شكل‪ ،‬وبالعك�س‪ ،‬لت�ضع لها �صنافة مورفولوجية ت�صلها ب�شجرة‬ ‫�أن�ساب احلكاية‪� .‬أم يجدر البحث عنها يف املعلن قبل امل�ستور‪ ،‬و�إن كانا معا ملغزين؟‬ ‫واملعلن منذ البداية هو الغراب‪ ،‬دا ًال �سيميائيا مك�شوفا‪ ،‬ومنطويا على خفائه الداليل‪ ،‬مثل‬ ‫الكنوز املر�صودة حتت املدينة(‪ ،)143‬وهو خدعة يف الآن عينه‪ ،‬مثل احلكاية متاما حني تكون متقنة‬ ‫في�شغل اخلداع وظيفتها اجلوهرية‪ .‬لن نطيل يف داللة الغراب يف املخيال اجلماعي‪ ،‬العربي على‬ ‫الأقل‪ ،‬ولنن�رصف �إىل خداعيته‪� ،‬أي بطالن وظيفيته متاما يف املحكيات‪ ،‬لي�ستخدم على امتداد ن�صف‬ ‫الكتاب(‪ )130‬ذريعة ال غري‪":‬الغراب جمرد حكاية ت�ستدعي حكايات �أخرى"(‪ )133‬الذي لن ينفرد‬ ‫بحكايته املخ�صو�صة به �إال ابتداء من �ص‪ ،161‬يف ما ي�شبه الف�صل‪ ،‬حيث نرافق(عادل)املولع باملقابر‬ ‫من بني �أماكن �أخرى‪� ،‬سريى غرابا يحوم فوق جماعة �أثناء الدفن‪ ،‬وين�سج حوله تهوميات متعددة‬ ‫واحلمام وغرفة النوم ـ باملنا�سبة‪ ،‬نحتاج �إىل مقاربة � ّ‬ ‫أدق للعالقة‬ ‫الأ�شكال‪ ،‬كر�ؤى حلمية‪ ،‬بني املقربة‬ ‫ّ‬ ‫‪57‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫بني الواقعي واحللمي ب�سبب الت�شبيك املوجود بينهما يف فقرات عديدة‪ ،‬ولأن الن�ص ينزع �إىل حتقيق‬ ‫حكائيته يف غري موقف على حبك هذه العالقة مراهنا على خلق التماهي بني كال املكونني ـ و�أخريا‬ ‫يف الر�ؤية العينية جدال التي" حتققت"منها"�أم �سعادة"‪� ،‬شخ�صية الأم الثانية للراوي‪ ،‬التي تزوجها‬ ‫�أبوه بعد وفاة �أمه و�أعتقها لكونها �أَ َم ًة �سابقة‪ ،‬وهذا مكون �أنرتوبولوجي �آخر ين�ضاف �إىل مكونات‬ ‫�سحرية �أ�سطورية‪ ،‬لأ�سطرة �سطح احلياة الواقعية‪ ،‬ب�إعادة خلقها حكائيا‪ .‬و�سواء ر�أت هذه الأم الأَ َمةُ‪،‬‬ ‫الغراب حقيقة‪ ،‬قتلته �أم �شبّه لها‪ ،‬فللغراب وظائف حمددة من �أجلها ُوجد‪� ،‬أولها ما �رصح به الكاتب‬ ‫َ‬ ‫نف�سه‪� ،‬سبقت الإ�شارة �إليه؛ ثانيها ن�رش جناح الغرابية(=الغرائبية) على امتداد حكاية ال ت�سل�س قيادها‬ ‫برتابط حدثي‪� ،‬أو كرونولوجية ال خطية وال متداخلة‪ ،‬ولكن بتوزيع مقطعي يثبت لوحات يف �رشيط‬ ‫متموج وخطابات مت�صادمة ور�ؤى متداخلة ترتاكم وتنف�صل كلما اقرتبت من التالقي يف وحدة‬ ‫مركبة‪ ،‬فتعطى عنوانا فرعيا‪":‬احرتاب احلكايات"‪ ،‬والكاتب فيها واع بفعله‪ ،‬وكيف تفلت اخليوط‬ ‫من بني يديه فينبهنا(يعرتف �سلفا)‪":‬يف الطريق ت�ضيع احلكاية‪ ،‬تت�شعب دروب املدينة‪ ،‬ويف �ضياعها‬ ‫حتاول �أن تلتقط ر�أ�س اخليط‪ )11(".‬ف�ضال عن �أنه خا�ضع ل" ا�ستهوائ"ها(ن)‪ ،‬وبالتايل فهي"حتتاج‬ ‫�إىل تنظم"(‪� .)13‬إدراكا من الكاتب لكل هذه احلواجز يقدم لقارئه يف املدخل ما ي�ساعده على اجتيازها‬ ‫مبثابة فهر�س �أ�سماه" دليل القارئ �إىل حكاية غراب" ولو زاد"احلريان"ما بالغ‪ .‬ثالثها ما يبتغيه النوع‬ ‫وهو يحاول �أن يطابق �شكله‪ ،‬مورفولوجيته‪ ،‬باملعنى الذي يوجد لأجله على مقت�ضى الفانتا�ستيك‪،‬‬ ‫وهو �أ�سلوب ينتج فعال حتويليا‪ ،‬ينقلنا من الواقع العادي �إىل عامل �آخر مواز له ذي طبيعة خمتلة بالدرجة‬ ‫الأوىل‪ .‬وتارة �أخرى ميكن ل"ال ُغرابية"�أن ت�صبح جزءا من البنية العميقة للمحكي‪� ،‬أي غري مقحمة‬ ‫تر�سخ انت�سابه ال�رشعي �إىل احلكاية بو�صفها نوعا متميزا‪ ،‬خمتلفا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬عن‬ ‫وال عار�ضة‪ ،‬وعندئذ ّ‬ ‫و�شح بها امل�ؤلف �صدر الرواية‪ ،‬فالغالف غري ملزم للن�ص جرباً‪.‬‬ ‫هم �إن ّ‬ ‫جن�س الرواية‪ ،‬ما ّ‬ ‫جدير بالذكر �أن ح�رشة كافكا لي�ست هي غراب التازي‪ ،‬و�إال �سنحتاج �إىل نقا�ش �آخر ينقل ن�ص‬ ‫هذا الأخري �إىل جمال ميكن فيه فعال ا�ستخدام مفاهيم وو�سائط النقد والت�أويل الروائيني‪ ،‬لكن‪..‬‬ ‫‪6‬‬

‫بو�سع الناقد �أن يبحث عن خمرج و�سط من التيه‪ ،‬ونقطة ارتكاز يف"ال�سدمي" بالقول �إن الكاتب‪،‬‬ ‫وهو يدرك �أنه ي�شتغل مبواد ومهارات نوع ينتمي �إىل تقاليد �رسدية قدمية‪� ،‬شفوية‪ ،‬ومن �إنتاج جماعي‪،‬‬ ‫قبل كل �شيء‪ ،‬ميكن �أن يعمد �إىل حتيني النوع وتلبي�سه �أدبيا‪ .‬يف هذا ال�سبيل يتخذ التحيني �أ�شكاال منها‬ ‫تطوير فن احلكاية وا�ستخدام بع�ض خ�صائ�صها ولويناتها‪ ،‬باال�ستلهام �أو االقتبا�س‪ ،‬ما �شئنا‪ ،‬خلدمة‬ ‫غر�ضية م�ستحدثة‪ ،‬وهو ن�شاط الحظناه يف �أدبنا العربي لدى روائيني وق�صا�صني‪ ،‬وم�رسحيني خا�صة‪،‬‬ ‫‪58‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�إما رغبوا يف اال�ستفادة من الرتاث �أوتلقيح ال�شكل الغربي‪� ،‬أو اجلمع بني احل�سنيني يف قالب مفرت�ض‪،‬‬ ‫�أو ما �إىل ذلك من املفربكات‪ ،‬وهو منهج يخرج الأدب من الزمنية‪ ،‬والأجنا�س الأدبية من �أي �إطار‬ ‫ثقايف تاريخي �أوجدها وملأها‪.‬‬ ‫ويتخذ التحيني‪ ،‬الذي هو"لقاء �شكل عالمِ مع �شكل ب�سيط ليعطى لهذا الأخري وجها متما�سكا‪،‬‬ ‫وخ�صو�صيا‪ ،‬وفريدا"( ‪Jolles،‬م‪�.‬س‪ ).187‬طابع تقاطع‪ ،‬هو مظهر ُهجنة وتبعرث لأخالط‪� .‬أن ت�أخذ‬ ‫طرفا من كل �شيء رمبا لكي ال حت�صل يف الأخري �إال على التبعرث‪� .‬إننا ال ن�ستطيع يف احلقيقة‪ ،‬كما اعرتف‬ ‫الباحث الأملاين قبلنا‪� ،‬أن جنزم بقول ف�صل يف هذا ال�صدد‪ ،‬ال ندرك بعد �أي نتيجة ميكن التو�صل �إليها‬ ‫بالن�سبة للنظرية الأدبية كلما تقاطع ال�شكالن العامل والب�سيط‪ ،‬مقتنعني مثله �أن كل حتيني يحرف هذا‬ ‫الأخري عن الهدف املراد الو�صول �إليه‪ ،‬من غري �أن يو�صله بال�رضورة �إىل ذلك ال�شكل الآخر"املتما�سك‪،‬‬ ‫واخل�صو�صي‪ ،‬والفريد"(ن)‪ .‬ت�أخذ الرواية عند التازي مكان"�شعر الفن"مقابل احلكاية"�شعر الطبيعة"‪،‬‬ ‫و�إذا ما اقرتبت هذه من �سابقتها واقتنت لبو�سها ف�إنها �ستتجه �إىل منحى الثبات النهائي لل�شكل العارف‬ ‫القرينة بال�صالبة والتميز والوحدة‪ ،‬فتفقد بهذا حركيتها وعموميتها وتعدديتها‪� ،‬أي تخ�رس كيانها‪.‬‬ ‫هكذا فنحن �أمام ن�ص يطرح علينا يف الأخري‪ ،‬وهذا جزء من �أهميته الإ�ضافية‪� ،‬إ�شكالية التالقح‬ ‫بني الأنواع وقنواته و�إجراءاته‪ .‬ونحن نعلم �أن حتول الأجنا�س الأدبية وتطور الأ�شكال لي�س نتاج‬ ‫الرغبة وحدها بقدر ما نعلم �أن"احلكاية"‪ ،‬حتى وهي"تعبري عفوي" �أكرب من التنا�سل التلقائي �شفويا‬ ‫ومكتوبا للحكايات‪ ،‬وم�ساحة بال حدود للتهوميات‪ ،‬فهي خا�ضعة ملورفولوجيا معينة‪ ،‬بقدر ما نعلم‬ ‫والتناغم‬ ‫�أن الرواية مل تكن يف �أي �أدب جرابا نح�شوه بكل ما ُيلتقط يف الطريق لأن ُعمدتها النظا ُم‬ ‫ُ‬ ‫والوحد ُة الع�ضوية‪� ،‬ضمن تعددية منفتحة‪ ،‬فهذه �شعريتها وم�سارها عرب تاريخ الأدب‪.‬‬

‫‪59‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪60‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫`‬

‫ميلودي �شغموم‪:‬‬

‫ذات حتكي َ�ش َج ٌن اجلماعة املغمورة‬ ‫ٌ‬

‫‪ - 1‬يف ح�ساب الفن‪ّ � ،‬أي فن‪ ،‬ال بد من توافر �رشوط حمددة تُرا َعى يف �صنعه وم�ضماره لكي ُحت�سب‬ ‫املادة منه‪ُ ،‬وتن�سب �إليه‪ .‬ومعنى هذا �أن الإعالن اجلزايف‪ ،‬واالعتباطي‪� ،‬سواء من املنتج نف�سه‪� ،‬أو من‬ ‫قِبل جماعة تذهب �إىل ت�سويغ عمله ل�سبب من الأ�سباب‪ ،‬ال يكون مقرتنا حتما بال�رشط البنائي �شكال‪،‬‬ ‫والداليل فكرة ومعنى‪ ،‬لي�س �أكرث من هدر‪ ،‬ويف �أح�سن الأحوال ال يعدو �أن يكون ت�شوي�شا على‬ ‫الطبيعة الأ�صلية للفن‪ ،‬باعتبارها جوهرية مت�أ�صلة فيه‪ .‬حني تتوفر هذه ال�رشوط‪ ،‬التي ن�سميها بنائية‪،‬‬ ‫يف الرواية مثال‪ ،‬ف�إن �صاحب العمل احتكم �إىل معايري مرعية تواتر الأ�سالف على �ضبطها واالحتكام‬ ‫�إليها‪ ،‬و�سار يف م�سالك ال حميد عنها لكل من يق�صد عامل الرواية بجد‪ .‬منها �رضورة توفره على حكاية‪،‬‬ ‫ق�صة‪ ،‬ومعرفتِه كيف يجعل منها حمكيا‪� ،‬أي �رسدها بالطريقة املنا�سبة‪ ،‬قد تكون خا�صة به‪� ،‬أو مبتدعة‪،‬‬ ‫حكي بدون �شخ�صيات‪ ،‬حية طبعا‪ ،‬تراها وحت�س بها من حلم‬ ‫وال غنى له عن مكان وزمان‪ ،‬كما ال َ‬ ‫ودم‪ ،‬حتى وهي من ورق‪� ،‬أي لي�ست �أ�شباحا �أو ُهالماً‪ ،‬كاحلال عند روائيني مزعومني‪ ،‬يفتقدون قدرة‬ ‫�صنع ال�شخ�صية الروائية‪ ،‬جماع واقع ومتخيل‪ ،‬وال ت�ستطيع �أن تعينّ من كل �أعمالهم‪ ،‬لو ُ ِّ�سميت‬ ‫كذلك‪� ،‬شخ�صية واحدة قابلة للت�شخي�ص واقتفاء الأثر‪ .‬كذلك ال�ش�أن مع احلبكة التي هي احلكاية‬ ‫يف طريقة تركيبها وافرتا�ض �صنع حدثها‪ ،‬والهواج�س‪ ،‬الو�ساو�س‪ ،‬املقرتنة بها‪ ،‬نظري ال�رسد احلديث‪،‬‬ ‫ال�رضوري �أن ت�أتي على ن�سق املحتمل واملفرت�ض ممكنا‪� .‬إجماال‪ ،‬ثمة قواعد‪،‬‬ ‫ُن�سجت واقعية �أو مموهة‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫حتى مع التفاوت يف التمكن منها‪� ،‬أو اللعب بها تنويعا وتطويعا‪ ،‬تبقى حم�سوبة خارج نزوة التالعب‪،‬‬ ‫�أيا كان منزعه وهدفه‪ ،‬لأن الأمر رهن بالفن الذي يتطلب قواعده‪ ،‬حتى يف حالة نق�ضه لها‪ ،‬و�إعادة‬ ‫‪61‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ت�أ�سي�سه لأنواعه‪ ،‬وتاريخ الأدب يقدم عديد الأمثلة‪ .‬ومن �شاء �أن يتثبت ويتو�سع يف هذا ال�سبيل‬ ‫نحيله �إىل تدوينني كال�سيكيني يجد فيهما �ضالته من هذه الناحية و�أكرث‪ ،‬ويح�سن بكل قا�ص �أو روائي‬ ‫نا�شئ‪ ،‬وجاهز زعما‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬اال�ستئنا�س بهما‪ :‬كتاب «‪ Aspects of the novel » ‬مل�ؤلفه الإجنليزي‬ ‫‪E.M.FORSTER (1879‬ـ)‪ 1970‬؛ وم�ؤلف الأمريكية ‪EDITH WHARTON(1862‬ـ)‪1906‬املعنون‬ ‫‪ ،Writing of Fiction »  « The‬تد ّون فيه بناء على م�صادر غزيرة م�ستقاة من الأدبني الإجنليزي‬ ‫والفرن�سي‪ ،‬بالدرجة الأوىل‪ ،‬ما ميثل يف نظرها املبادئ العقالنية‪ ،‬الطبيعية والدائمة لرواية قومية البناء‪،‬‬ ‫�أو لق�صة حمكية جيد�أ‪.‬‬ ‫‪ - 2‬ح�سن‪ .‬فماذا نقول نحن‪ ،‬يف �ضوء التقعيد الكال�سيكي‪ ،‬مبعنى املتوافق عليه بالتواتر‬ ‫والطرز؟ وهل تكفي مثل هذه املقاربات"املو�ضوعية" و"الرباغماتية"واملنقادة يف �ضوء جتارب خ�صبة‬ ‫ال جدال يف متثيليتها‪� ،‬أم نحتاج �إىل البحث عن �ضوابط وحمددات غري ما هو متداول ومن�ضد‪ ،‬يف قدمي‬ ‫الق�ص وجديده‪ ،‬على ال�سواء؟ نعم‪ ،‬و�سنحتاج دائما‪ ،‬وال ب�أ�س حتى من التذكري ب�إحلاح باملرتاكم يف‬ ‫التاريخ الأدبي‪ ،‬ودر�س الأنواع‪ ،‬فف�ضال عن �أنها تتطلب �إعادة اختبار قيا�سا بالن�صو�ص امل�ستجدة‪،‬‬ ‫فهي لي�ست على درجة البداهة املفرت�ضة يف �أذهان كثري‪،‬‬ ‫وي�صبح ن�سيانُها‪� ،‬أو �إغفالها فادحا حقا‪ ،‬حني ي�ؤول �أمر التقومي ملن ُهم يف مقام النقاد �أو ّ‬ ‫املحكمني‪،‬‬ ‫(من قبيل ما يحدث غالبا يف جوائز الأدب العربية‪ ،‬وهو مو�ضوع �سجايل �سمج )‪.‬‬ ‫‪ - 3‬نحب �أن ن�ضيف �إىل ما هو م�ستقر ومتوافق عليه بني ال�ضوابط واملعايري وما يف حكمها‬ ‫قاعدتان اثنتان‪ ،‬يختلط ذكرهما �أحيانا يف ما �سلف‪ ،‬وعند بع�ض تعتربان مت�ضمنتان‪ ،‬فيما تخت�صان‬ ‫بفرادتهما‪ ،‬وهذا م�صدر الأهمية‪ ،‬التي بدونها ت�سقط القيمة‪ ،‬قيمة �أي عمل روائي‪� ،‬أو بالعك�س‬ ‫توجد حقا‪ .‬يرهن الإقرار بوجودهما كيان الرواية مطلقا‪ ،‬و�أخطر من هذا �أنه ي�شرتك يف تعريف هوية‬ ‫الروائي‪ .‬عدي ٌد هم الذين يتنا�سون طرح هذا ال�س�ؤال على �أنف�سهم �إذا كانوا من الفئة الكاتبة لهذا‬ ‫اجلن�س الأدبي‪ ،‬ت�سمعهم يعلنون قلقهم بالتواء يمُ احكون �إن اجلواب يف ما يكتبون‪� ،‬أو ا�س�ألوا النقاد‪،‬‬ ‫بينهم �أكرث من مغفل‪ ،‬فيما هم يتحا�شون ال�س�ؤال املزعج ال يفيد معه مراكمة ن�رش �أعمال‪ ،‬وال تزكية‬ ‫عر�ضا عن من �أنت؟‬ ‫و�سط‪� ،‬أو رقم مبيع‪ .‬ال�س�ؤال ب�سيط جدا ومعقد‪ ،‬كما لو ُطلب منك �أن جتيب َ‬ ‫والروائي‪ ،‬والناقد الفطِ ن معه‪� ،‬سيعرف نف�سه‪� ،‬أو �صاحبه ب�أنه من ر�سخت القاعدتان يف رواياته‪،‬‬ ‫وكلما دخلنا �إليهما اقتنعنا ب�أننا واقفون بثبات عليهما‪ ،‬هما‪ :‬الأ�سلوب والعامل‪ .‬حني ي�ستطيع كاتب‬ ‫ما‪� ،‬أحببنا نتاجه �أو نفرنا منه‪� ،‬أن يتوفر يف كتابته على �أ�سلوب يخت�ص به‪ ،‬ت�صطب ُغ بع �رسوده‪ ،‬تراه‬ ‫‪62‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫فيها وت�شمه وتتح�س�سه‪ ،‬لتغدو عالمة عليه‪ ،‬وب�صمته اجلينية‪ ،‬بدونها ال يعرتف به‪ .‬وحني يتمكن هذا‬ ‫الكاتب(= الروائي) من �أن يقتن�ص من العامل الوا�سع‪ ،‬املتعدد واملت�شابك ال�صور والعالقات وامل�صالح‬ ‫والثقافات والأزمات‪ ،‬عاملا �ستتدخل موهبته ووعيه املركب لن�سج عالئقه امل�ستجدة‪ ،‬غري مرئية يف‬ ‫الظاهر‪ ،‬و�إعادة ت�شخي�صه وت�صنيفه ب�أداة �شخ�صيات و�أحداث متفاعلة يف حمكيات‪ ،‬وفق ر�ؤية متثل‬ ‫�إيديولوجية الن�ص‪ ،‬بذا ي�صبح العامل املخ�صو�ص له‪ ،‬املتفرد به‪ .‬كائ ٌن وحت�سبه ما كان من قبل‪ .‬نزعم‬ ‫بر�سوخ هذين القاعدتني‪ ،‬ال جمرد حماولة �إر�سائهما‪ ،‬يغدو حمقا تعيني من هو الروائي‪ ،‬من غريه‪ ،‬قد‬ ‫ت�شابهوا علينا‪ ،‬و�إنا �إن �شاء اهلل ملهتدون‪.‬‬ ‫‪ - 4‬يف التجربة الروائية العربية عندك كرثة يكتبون الرواية‪ ،‬وانطالقا من العدد نح�سب �أننا‬ ‫ح�صلنا على تراكم مريح‪ ،‬ولكن قلة ميكن نعتها بالروائيني‪ ،‬توفر عندها ذانك العمادان‪ .‬و�إذا كنا‬ ‫ن�سلم ب�أن جمال الغيطاين‪ ،‬و�إدوار اخلراط يف م�رص‪ ،‬مثال‪ ،‬من هذه القلة بال منازع‪ ،‬ف�إين �أ�ضع‬ ‫الأ�ستاذ امليلودي �شغموم يف �صدارة متثيل هذه اجلماعة ب�أدبنا املغربي‪ .‬فهو مل يلتحق بكتابة الرواية لأنه‬ ‫�أتلف عمرا �أو م�شتغِال يف �صنعة �أخرى بال طائل‪ ،‬ف�سعى �إليها �سعي تنفي�س وق�صا�ص ملا فات‪ ،‬بل ولد‬ ‫يف هذا الفن‪ ،‬وباملران عليه‪ ،‬والتمر�س ب�صعبه كبرُ وترعرع فنيا‪ .‬وقد حر�ص مثل نُ ّ�ساك قدامى �أن‬ ‫ين�أى بنف�سه‪ ،‬بنتاجه عن لغط �أ�سواق ال�سيا�سة والثقافة‪ ،‬النافق منها والبائر‪ ،‬ليوفر ملنتوجه"الربكة"‬ ‫الروحية التي تالئمه‪( ،‬وهل يخاطب الأدب غري الروح؟!)‪ ،‬فكان �أن تعلم ومار�س العزلة طريقة‬ ‫ال�ستدراج طيف الربكة �إىل حمراب"الزاوية"‬ ‫التي �ستغدو ذاتها الرواية‪� ،‬ستعمر تدريجيا مبريدي ال�شيخ‪ ،‬وي�ؤمها عاما بعد عام الطيبون‪.‬‬ ‫دخل يف �سلك الدرو�شة �سنة ‪ 1980‬ب"ال�ضلع واجلزيرة"‪ ،‬وم�ضى مم�سكا ع�صا الرتحال‪ ،‬قلمه‬ ‫يحفر يف الأر�ض‪ ،‬وهامته تتاخم ال�سحاب"الأبله واملن�سية ويا�سمني"(‪)1982‬؛"عني الفر�س" (‪)1988‬‬ ‫و ُق ُدماً نكتفي مبحطات"خميل امل�ضاجع" (‪)1995‬؛"ن�ساء �آل الرندي" (‪ )2000‬؛ انتها ًء ب"فارة‬ ‫امل�سك"(‪ )2006‬و�آخر العنقود"بقايا من تني اجلبل"( دم�شق‪ ،‬دار احلوار‪ ، )2009 ،‬اللتني ت�ؤهالنه‬ ‫لولوج م�سلك"امل�شيخة"(التحقت بها �أخريا رواية "�شهور قمرية"(دار العني‪ ،‬القاهرة‪.)2010 ،‬‬ ‫‪ - 5‬يبدو امليلودي �شغموم‪ ،‬خالفا ملجمل من كتب الرواية يف �أدبنا املغربي وله اليوم فيها‬ ‫مرياث‪� ،‬أوملن التحق بها مت�سلطا‪ ،‬الأ�رسع من اجلميع يف الإقامة الفنية بهذا الفن‪ ،‬واالكتفاء به‪ ،‬بعد‬ ‫جتربة عابرة بالق�صة الق�صرية‪ ،‬وعلى اخل�صو�ص العثور على عجينه املنا�سب‪ ،‬وا�صطياد ال�شخ�صيات‬ ‫واالن�شغال بالتيمات‪� ،‬إن مل نقل التيمة املالزمة‪ ،‬التي هي �ضالة الكاتب يالحقها من عمل �إىل �آخر‪،‬‬ ‫‪63‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫منميا‪ ،‬مط ّورا ومن ّوعا يف ال�شبكة ال�رسدية التي جتعل منه روائيا‪ .‬وما �أ�شك �أن الثقافة البيئية والفل�سفية‬ ‫ّ‬ ‫لهذا الكاتب‪ ،‬فهو�أوال رجل ع�صامي ثم �أ�ستاذ فل�سفة‪� ،‬إ�ضافة �إىل ت�شبعه بجذور ومناخ تربيته وحميطه‪،‬‬ ‫جعلته هذه الروابط يلتم�س من الكلمات واحلكايات وال�شخ�صيات وامل�شاهد ما ي�صورها وينطق‬ ‫ب�أوجاعها و�صبواتها ويهزج ب�أحلانها‪ ،‬تر�صدها عني من منظور تاريخ "الربكة"(الكرامات)‪ ،‬و�أخرى‬ ‫مبنظور التاريخ االجتماعي احلي‪ ،‬والثالثة يف احلقيقة‪ ،‬الوحيدة الكلية‪" ،‬عني املينوتور"‪ ،‬عني الوجدان‪،‬‬ ‫تر�صد وتختار وتن�ضد وبعد �أن تثري الفنت وتط ّوف ما تط ّوف‪ ،‬ت�أوي �إىل" بيت قعيدته لكاع"ع�سى �أن‬ ‫يتفجع يف قاع وحدته �أن"ال �أحد يف البيت‬ ‫ترتاح يف �سكنى الوجدان‪ ،‬لكن عبثا‪ ،‬فبطلها ما ينفك ّ‬ ‫يحبني" وقد اكت�شف بعد �أن خ�رس �سعادة الروح‪ ،‬ب�أن متعة الدنيا هي "خميل امل�ضاجع" لي�س �إال!‬ ‫‪ - 6‬تتميز الرواية العربية يف املغرب‪ ،‬امل� ِّؤ�س�سة حتديدا‪ ،‬من ناحية موا�ضيعها وعواملها و�شخو�صها‪،‬‬ ‫مقمطة جلها بالر�ؤية الواقعية ومن�سوجة‬ ‫بالبحث والتج�سيد للق�ضايا العيانية والبطوالت الكربى‪ّ ،‬‬ ‫على �سنن مذهبها‪ ،‬وحمملة ب�إيديولوجية هي‪ ،‬مع تنوع اختياراتها‪ ،‬وطنية ملتزمة‪� .‬إنها رواية �أفقية‬ ‫بال ت�ضاعيف وال نتوءات‪ ،‬مادتها موا�ضيع جاهزة‪ ،‬ومعانيها‪ ،‬بعبارة اجلاحظ‪ ،‬مبذولة يف الطريق‪،‬‬ ‫و�شخ�صياتها منطية‪ ،‬وحبكتها كال�سيكية‪� ،‬أي مدر�سية �رصف‪ .‬اجليل الثاين فيها ارتاده الراحل حممد‬ ‫زفزاف بحق‪ .‬ورغم �أ�ستاذيته يف فن الق�صة الق�صرية عربيا ال مغربيا فقط‪ ،‬ف�إن زفزاف هو من دفع‬ ‫اجلن�س الروائي‪ ،‬وقد قل�صه �أوراقا ليت�سع وميت�ص هموم طبقة و�أفراد مل يكن لهم ح�ساب يذكر يف‬ ‫الأدب عندنا‪� ،‬أو مو�صوفني بغثاثة و�سطحية‪ .‬هو الذي ب ّو�أ الهام�ش دور البطولة‪ ،‬وجعل الذات يف‬ ‫�صدارة العي�ش والإح�سا�س‪ ،‬ولي�س حممد �شكري الذي حالفه حظ ال�شهرة بخبزه احلايف‪ ،‬الذي‬ ‫كم �أعلن �أنه �أثقل عليه‪ ،‬وهو يعي ما يقول‪ .‬كان زفزاف �صيا َد نهر ال يف البحار العالية‪ ،‬وما �أثمن‬ ‫ال�صدفات التي ا�صطاد‪ .‬من قلب و�سط العمال وال�صيادين والعاطلني واملحبطني اخلائبني‪ ،‬وما �سماه‬ ‫املارك�سيون ب"حثالة الربوليتاريا"‪ ،‬ثم الحقا ب�شخ�صيات فا�ضت بها مدن �أكرب منها‪ ،‬ثم مثقفني‬ ‫الفكري بال�شعبي‪ ،‬وحتى‬ ‫مب�صل تكوينه الفل�سفي‪ ،‬فمزج‬ ‫َّ‬ ‫ا�ستثنائيني هو واحد منهم‪ ،‬لقّحهم جميعا ْ‬ ‫ال�شعبوي‪،‬‬ ‫ف�أعطانا عاملا روائيا غري م�سبوق‪ ،‬مر�سوم بري�شة قا�ص �سمحت لع قراءته بالفرن�سية �أن يتعلم جيدا‬ ‫�أ�صول ال�رسد ال�صحيح‪ ،‬وميهر‪ ،‬ويكون معلما وموهوبا يف �آن‪ ،‬ف�ضال عن �أنه ابن بلده‪.‬‬ ‫‪� - 7‬سيزداد هذا العامل ات�ساعا وت�شعبا‪ ،‬وب�شكل �أدق حتددا عند امليلودي �شغموم الذي اجتهت‬ ‫كل �رسوده �إىل حتا�شي العام‪ ،‬و�شبه احلياد مع املثري والوطني املبا�رش‪ ،‬الذي جذب الكتاب امللتزمني‪،‬‬ ‫‪64‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�أو املنتمني علنا‪ ،‬فابتعد قدر الإمكان‪� ،‬ش�أن زفزاف‪ ،‬عن االنتماء املتاح‪ ،‬يف الواقع والكالم‪ ،‬ليعكف‬ ‫يف امتداد حياة وكتابة‪ ،‬خ�ضعتا ملحك الدهر والفن‪ ،‬على بناء بيت ولو �صغري‪،‬‬ ‫مع ن�رش ظالل لذوات من�سحقة‪ ،‬مغرتبة‪ ،‬متواطئة ومد َّمرة يف �آن‪ ،‬ال �أحد يحفل بها �إن مل حتفل هي‬ ‫بنف�سها‪ ،‬و�أق�صى مرادها مكان حتت ال�شم�س‪ ،‬رغم كونها مت�ضي العمر يف العتمات‪ .‬يف روايته " بقايا‬ ‫من تني اجلبل"(م‪�.‬س) ُي�صنع هذا العامل من ب�ؤرة فردية تكرب وهي تت�أزم وتتفادح فرديتها من خيوط‬ ‫الن�سيج اجلماعي املتهتك‪ ،‬يفتك بع�ضه ببع�ض هو يقتات ببذرة الف�ساد التي ت�أكله بدورها من داخله‪.‬‬ ‫كما يف �أعمال �سابقة للم�ؤلف ال يولد املعنى من املُثل �أو بالقيم املجردة‪ ،‬علما ب�أنه بحكم ثقافته �أدرى‬ ‫بها‪ ،‬لكن من قدح زناد احل�سي‪ ،‬اجل�سدي(‪ )Le charnel‬بالأر�ض ال�صلدة للحياة بكل ما فيها من مبتذل‬ ‫وفظ وقابل لالنتهاك‪ ،‬تتك�شف فيها الذوات الفردية‪ ،‬وروح اجلماعة‪ ،‬يف مر�آة �سادوـ مازوخية‬ ‫مثرية‪ ،‬وهي ت�ؤدي �أدوارا حقيقية ورمزية يف �آن‪ ،‬ت�ساعد على ا�ستخال�ص الداللة بعيدا ما �أمكن عن‬ ‫الفج عمدا‪ ،‬ولأنها كذلك‪ ،‬يف‬ ‫�أي نزعة تقريرية‪ ،‬اللهم ما يتطلبه تلفظ �شخ�صيات ي�سهم ملفوظها ّ‬ ‫�صنع اخلطاب الروائي‪ .‬عامل اجلماعة املغمورة‪ ،‬غري القابلة للت�صنيف طبقيا و�أخالقيا‪ ،‬و�أي حكم عليها‬ ‫بال�شذوذ هو معيارية �أخالقية‪ .‬وهي لي�ست الهام�ش‪ ،‬كما اعتاد بع�ض الت�سمية‪ ،‬قيا�سا مبركز‪ ،‬لأن‬ ‫مركزها بب�ساطة هو عي�شها ب�سلوكها‪ ،‬ومنط حياتها‪ ،‬وطريقة تعاملها‪ ،‬وخ�صو�صا بانتهاكاتها املب ّدهة‬ ‫بكيفية تكاد حتجب غريها متاما‪ ،‬وبذا تنقلب الأدوار فت�صبح هي املركز دون ادعاء �أي بطولة‪ ،‬اللهم‬ ‫ت�شخي�ص ورمزية التف�سخ والتهافت واالنتهاك واجل�سدانية وحتى املجانية‪.‬‬ ‫‪� - 8‬إنه اختيار الروائي الذي ير�سم كحيوان حذر حدود م�ساحة حركته وتنقله‪ ،‬ويف هذه امل�ساحة‬ ‫يفعل هو و�شخو�صه ما ي�شا�ؤون‪ .‬هاهي الرواية ت�أتي‪ ،‬ال من الواجهات وال�سجالت وال�صنافات املثبتة‪،‬‬ ‫ولكن من ثقوب يف اجلدران ُدقت عليها م�سامري �صدئة‪ ،‬وحتت �سقوفها الوطيئة املعتمة �أفراد عابرون‪،‬‬ ‫وجودهم يف حد ذاته بطولة‪ ،‬فيما تنفرد باملحدود تت�سع لت�شمل الوجود‪ ،‬وال تعرتف بالفرق بني‬ ‫الداخل واخلارج‪ ،‬طقو�سهم اخلا�صة هي قوانينهم‪ ،‬هي النظام الذي ارت�أت الرواية �أن يكون لها‬ ‫باعتبار امت�صا�صها للواقع وتفوقها عليه‪ ،‬وهذا ما ميثل �رضورتها‪ ،‬وبعبارة الناقد احلجمري‪ :‬احلاجة‬ ‫�إليها‪ .‬لكي تر�سي هذا النظام على �أ�س�سها هي‪ ،‬رغبت رواية �شغموم �أن ت�ستقل ب�أ�سلوبها‪ ،‬بعد �أن‬ ‫ت�صاغ يف �أ�ساليب‪� ،‬أي تكون قد مرت مبراحل التعلم واملران وم�سعى التعبري وفق املعايري‪ .‬ففيما‬ ‫يت�ضمن الأ�سلوب �سجالت لغوية وبيانية ومتثيلية من�ضدة‪ ،‬فهو يخت�ص مبا بعده‪ ،‬ويتحول �إىل هوية‬ ‫(فنية وداللية) رغم �أنه يبدو وك�أنه يعني ال�شكل ح�رصا‪ ،‬لذلك جرت عبارة العامل الفرن�سي بوفون‬ ‫نف�سه"( ‪ Le style est l’homme même).‬يريد امل�ؤلف‬ ‫ال�شهرية القائلة ب�أن‪" :‬الأ�سلوب هو الرجل ُ‬ ‫‪65‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�أن ت�صدق هذه العبارة �إىل حد �أنه ي�صنع تطابقا تاما بني لغة �شخ�صياته واللغة التي يرى �أن الكاتب‬ ‫يحتاج �إن مل نقل ينبغي �أن يعرب بها‪ ،‬خا�صة يف احلوار الذي هو م�ستوى التوا�صل بني الب�رش‪ ،‬وهي لغة‬ ‫"غو�ص"ها‪ .‬واللغة‬ ‫كل النا�س‪ ،‬خالية من التنميق‪ ،‬دالة بذاتها ومرموزة‪ ،‬م�سننة ‪» Codifié « ‬متلك‬ ‫َ‬ ‫جمرد �أداة يف الأ�سلوب‪ ،‬الذي هو طريقة ا�ستخدام لها ولغريها‪ ،‬حيث تتمظهر ال�شخ�صية ـ والكاتب‪،‬‬ ‫معاـ مبزاجها(طباعها)‪ ،‬وثقافتها‪ ،‬وو�ضعها يف ن�سق ذاتي واجتماعي و�إن�ساين عام‪ .‬يف هذه الرواية‬ ‫بالذات‪ ،‬و�أعمال �سابقة‪ ،‬لي�س ال�رسد عربة نقل لأخبار �أو وقائع‪ ،‬جمرى احلكاية وطريقتها‪ ،‬و�إمنا‬ ‫الطريقة بالدرجة الأوىل‪ ،‬باعتبار �أن املهم �أكرب مما يحدث بل كيفية حدوثه التي تتم غالبا ب�أداة احلوار‪.‬‬ ‫وال نحتاج �إىل �إطالة يف و�صف هذه اللغة‪ ،‬و�أ�سلوبيتها‪ ،‬ما دمنا نتحدث عن اجلماعة املغمورة‪،‬‬ ‫مع فارق جوهري‪ ،‬املرتبط مبقولة بوفون‪� ،‬أن الكاتب يعتنق هنا رهانا‪ ،‬و�إال فهو واحد من ُكتاب‪.‬‬ ‫نعني تدخله امل�ستمر لتطويع‪ ،‬و"تدريح"(باحلاء) اللغة ال�شعبية ونقعها بالعاملة‪ ،‬والعك�س‪� ،‬أي�ضا‪ .‬و�إن‬ ‫راهن بالدرجة الأوىل على لغة و�سطىـ و�رشيحة و�سطى كذلك ـ يراها الأ�صلح للرواية ُوتبادِل معها‬ ‫التطويع‪ ،‬وهي مع�ضلة الرواية يف جميع اللغات‪ ،‬من غري ال�سقوط ال يف الإ�سفاف‪ ،‬وال"الال �أدب"‪.‬‬ ‫ح�سن‪ .‬و�إذا تثبتنا �أن امليلودي �شغموم‪ ،‬حقا �أو جدال‪� ،‬أر�سى بناء عامله الروائي‪ ،‬ب�أ�سلوب ينا�سبه بتناغم‬ ‫ك�رضورة للفن‪� ،‬أال نحتاج بعد هذا‪ ،‬هو كذلك بالطبع‪ ،‬وبا�ستمرار‪� ،‬إىل �إعادة طرح ال�س�ؤال‪ :‬ترى ما‬ ‫هي الرواية؟ � ّأي م�س�ألة هي؟!‪.‬‬

‫‪66‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫كتيبة عبد الكرمي جويطي‪:‬‬ ‫الواقعي واال�ستعاري واخلطابي‬

‫‪1‬‬

‫بات بو�سع النقد الأدبي‪ ،‬املعني بال�رسد حتديدا‪� ،‬أن يتحدث عن وجود متنام ورا�سخ القدم‬ ‫للرواية يف الأدب املغربي احلديث‪ ،‬بل وعلى ال�ساهرين‪ ،‬وحتى الغافلني‪ ،‬عن �ش�أنه �أن ينطلقوا من هذه‬ ‫املح�صلة اجلديدة‪� ،‬ستفتح لهم �آفاقا متنوعة للنظر يف هذا النتاج النرثي اخل�صو�صي‪ ،‬وت�ساعدهم على‬ ‫�شحذ الأدوات املنا�سبة لقراءة‪/‬قراءات تنت�سب �إىل مادته وعوامله‪ُ ،‬و ّ‬ ‫تفتك من �أ�رس التعلم املدر�سي‬ ‫القبلية التي حتتويه با�سم علموية نقدية عقيم‪.‬‬ ‫اجلامد واخلطاطات ْ‬ ‫كنا حتدثنا يف �سياقات حتليلية �سابقة عن هذه امل�سائل‪ ،‬ونلمع �إليها الآن جمددا للتذكري ب�أن احلديث‬ ‫عن الرواية يف �أدبنا املعا�رص‪ ،‬ميتلك بدوره تراكمه‪ ،‬ذاك املت�ساوق معه �إنتاج معني‪ ،‬املتفاعل مع حمطات‬ ‫تبلوره‪ ،‬املقرتنني بفهم وا�ستخدام ر�صينني للنظريات واملناهج الأدبية‪ ،‬بحيث ال ترجح كفتها عند فعل‬ ‫القراءة والت�أويل مب�صاحبة الن�ص م�صاحِ بة رفيقة‪ ،‬م�ستك�شفةً‪ ،‬ناقد ًَة بعلم‪ ،‬نافذ ًة بحد�س‪ ،‬ون�صوحاً‬ ‫ب�صدق‪ ،‬مبعنى �آخر غري فقهِه‪ ،‬فالنقد الأدبي لي�س فِق ُهه‪ ،‬الذي يبد�أ وينتهي �إىل احلوار‪ ،‬لو �أمكنه‬ ‫ذلك‪ ،‬مع املجردات العليا تتلذذ با�ستنباتاتها عو�ض الثمار ذوات القطوف‪ ،‬ال تنبتها �إال �شجرة الن�ص‬ ‫الأدبي البا�سقة‪ .‬نحب �أن ن�ضيف‪ ،‬على �سبيل الإملاع‪ ،‬ويف مدخل هذه القراءة‪ ،‬تنويها عاجلناه بتطويل‬ ‫يف كتابنا"ر�ؤية ال�رسد‪ ،‬فكرة النقد" (دارالثقافة‪ ،‬الدا البي�ضاء‪ ،)2005 ، ،‬يخت�ص بال�رشوط امل�ؤ�صلة‬ ‫للكتابة ال�رسدية يف �أدب ما‪ ،‬هنا حيث تلتقي �أن�ساق ال�سو�سيولوجي‪ ،‬بالثقايف‪ ،‬باجلمايل‪ ،‬فالذاتي‪،‬‬ ‫كموهبة وحم�صلة �شخ�صية‪ ،‬جماع تفاعلها هو ما �أنتج يف �آداب خمتلفة تراثها ال�رسدي الذي نحتكم‬ ‫‪67‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫نحن الآن �إىل عناوينه الكربى ملنح ال�رشعية �أو"براءة الإخرتاع" ملا قد "يبتلي اهلل" �أدباءنا بو�ضعه‪ ،‬كما‬ ‫ت�ضع الأمهات البنني والبنات‪ ،‬بعد حمل وخما�ض ونِفا�س‪ .‬نحتاج �أن نوليها اعتبارها ال�صحيح كلما‬ ‫وقفنا على عتبة القراءة‪ ،‬ت�سمح لنا بالت�أمل والأناة لإبداع امل�صطلح‪ ،‬واملفهوم‪ ،‬قبل اجرتار املتداول‬ ‫املكرور‪ ،‬يف �سبيله التذكري ب�أن اجلن�س الروائي مل يكن يوما ابن حا�رضه‪ ،‬فلكي يُبنى يحتاج �إىل �رصوح‬ ‫قائمة قبله‪ ،‬هي التي �إما على �أ�س�سها وطوابقها‪� ،‬أو على �أنقا�ضها متاما‪ ،‬تت�شيد الرواية‪ ،‬ونحن نتحدث‬ ‫عن اجلن�س بداللته الكال�سيكية املحددة يف تاريخ الأدب‪ ،‬ومن املنظور املتجاوز للتجريبية‪ ،‬وقد �أجنز‬ ‫دورة كاملة و�أ�ضحى تراثا‪� ،‬أي رافدا‪ ،‬وحتى م�ستقبال للأدب فيما هو ما�ضيه‪ .‬ولقد بات مطلوبا‪ ،‬مع‬ ‫فوارق ون�سب معلومة‪ ،‬االنتباه �إىل ُبعدٍ مماثل‪ ،‬وال�سعي لإدراكه ب�إيالء االرتكاز الرتاثي وفهم احل�س‬ ‫التاريخي كل الأهمية لدى قراءة الن�ص ال�رسدي يف �أي �أدب‪ ،‬نعد االفتقار �إليهما يحيله �إىل �أم�شاج‬ ‫قول رخو‪ ،‬كالم يف مهب الريح‪.‬‬ ‫‪2‬‬

‫�إن توفر الوعي بالزمن‪ ،‬و�إدراك احل�س التاريخي �أ�سا�سا‪ ،‬هو ما يحفزين‪� ،‬أكاد �أقول يلزمني‬ ‫ب�أن �أ�رشك معي القراء يف اطالعي على رواية عبد الكرمي جويطي‪":‬كتيبة اخلراب"(الدار البي�ضاء‪،‬‬ ‫املركز الثقايف العربي‪ ،)2007 ،‬وكان قد اقرتف "�سوابق"هي �أعماله الأوىل‪": ،‬ليل ال�شم�س" (‪)1991‬‬ ‫و"زغاريد املوت" (‪.)1996‬‬ ‫�أح�سب �أن الوعي بالعن�رصين املذكورين‪ ،‬زيادة على اجرتاحهما بناء على قاعدة التمثل الذاتي‪،‬‬ ‫ي�ؤهل الرواية من البداية لالنتماء �إىل جن�سها‪� ،‬أي خو�ض جتربه ا�ستثمار عامل واقعي‪ ،‬توليدا‪ ،‬ومتثيال‪،‬‬ ‫وتركيبا لأجنحة اخليال‪ ،‬بالأدوات والو�سائط اللغوية‪ ،‬الأ�سلوبية والبنائية‪ ،‬فيما هي تنحو �إىل �صوغ‬ ‫بديل للواقع يتم ت�صعيده ب�أقنوم الرمز‪� .‬إن �أي رواية تنقل الواقع لذاته لي�ست �إال تقريرا عنه‪ ،‬وبالتايل‬ ‫فحجتها يف باب الأدب �ضعيفة‪ ،‬وهي �إن مل تنتج �إبدالها ف�إمنا تكتب ما هو من قبيل امل�ستن�سخات‪،‬‬ ‫وهذه التي يعتمدها مبتدئون كرثٌ هي من نخالة الكتابة ال الكتابة عينها‪ .‬وال يت�أتى هذا �إال با�ستالل‬ ‫خيط تلك الروح اخلفية للأزمنة والأمكنة من ركام و�شتات الأ�شياء حلبكها‪� ،‬أو �إعادة حبكها‪ ،‬تن�سج‬ ‫ال�شبكة املركبة للم�صائر التي عربت �أزمنة و�أمكنة مل تعد هي مذ �صارت امل�أ�ساة لها م�ستقرا‪ ،‬واحل�س‬ ‫امل�أ�ساوي هوية و�أفقا‪.‬‬ ‫العارفون بالرواية‪ ،‬منظرين �أو روائيني كال�سيكيني‪� ،‬أي حرفيني‪ ،‬يجمعون‪ ،‬باخلربة‪ ،‬على �أن‬ ‫هذا اجلن�س الأدبي ينه�ض عموما على احلطام‪� ،‬أو بنا�ؤه املوهوم به ينتهي �إىل ت�سويغ احلطام كم�صري‬ ‫للإن�سان‪ ،‬هو �أن�سب مادة جلن�س جاء لتعوي�ض امللحمة‪ .‬لي�ست هذه مقولة م�ستعارة من الروح الفل�سفية‬ ‫‪68‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫والإ�ستطيقية لأفكار والرت بنيامني الذي يرى‪ ،‬نوعا ما‪� ،‬أن كل �شيء يبنى على اخلراب‪ ،‬ونح�س �أن‬ ‫جلويطي ولعا �شديدا بها‪ ،‬بقدر ما تك�شف عنها الأعمال الكربى عرب تاريخ الآداب احلديثة‪ ،‬ويتمثلها‬ ‫الفن املعا�رص‪ ،‬عموما‪ .‬فباالنتقال �إىل هذا الوعي‪ ،‬وجعله ب�ؤرة لر�ؤية كتابية وجتربة �رسدية فنية‪ ،‬يربهن‬ ‫الكاتب �أنه يتحرك فعال يف مدار احلداثة الأدبية‪ ،‬و�أن �رسوده تنتمي �إىل تراثها‪ ،‬وتنتظم يف خطها‪،‬‬ ‫ويبقى عليه �أن يربهن يف حمك ال�رسد على ح�سن تدبري الأدوات وتوفري القرائن يف هذا امل�ضمار‪،‬‬ ‫بالنظر �إىل �أن الكتابة يف النهاية هي ن�صها ‪.‬‬ ‫الرواية‪ ،‬عالوة على هذا‪ ،‬عند �أعالمها وخربائها‪ ،‬نتاج املدينة‪ ،‬نبت املجتمع احل�رضي‪ ،‬بامتياز‪،‬‬ ‫نف�سه الذي قام ـ يف الغرب حتديدا ـ على �أنقا�ض املجتمع الإقطاعي والكن�سي‪ ،‬ووفق العالئق‬ ‫االقت�صادية الر�أ�سمالية‪ ،‬املهيكلة لبنيات اجتماعية‪ ،‬مبلورة ر�ؤية عامل جديدة‪ ،‬لذلك يعترب الثقاة �أن‬ ‫بلزاك هو امل�ؤ�س�س الفعلى للرواية الغربية‪ ،‬وجنيب نحفوظ للرواية العربية‪ ،‬و�سواه تخريجات حرة‪.‬‬ ‫ما يت�ضافر مع فكرة كتابة ال�رسد احلديث على حطام احلكاية القدمية و جمتمعها املنقر�ض هناك‪ ،‬الآيل‬ ‫�إىل االنقرا�ض هنا‪ .‬هكذا‪ ،‬ف�إن كل الن�صو�ص ال�سابقة على هذا الت�صورـ من قبيل ما يعترب ن�ص"الزاوية"‬ ‫للتهامي الوزاين فتحا مبينا لكتابة رواية الأدب املغربي ـ �إمنا يقفز على ال�رشط املادي ‪ ،‬تواري بعناء‬ ‫عريها الرومان�سي متدثرة بغاللة �رسد حمدث ال ينا�سبها‪ ،‬وقد �أخط�أت �أو ا�ستبقت الطريق ال�صحيح‬ ‫للنهج الروائي‪.‬‬ ‫‪3‬‬

‫ذاك كان �سبيل عبد الكرمي جويطي ال�سابق قبل �أن يعرث على تيمته‪� ،‬أق�صد مدينته‪ ،‬م�سقط ر�أ�سه‬ ‫يف الأ�صل‪ ،‬من غري �شك‪� ،‬إمنا الأهم‪ ،‬مفتاح فطنته ومدخل وعيه ب�أنه بات يعي�ش يف اخلراب‪ ،‬هو‬ ‫�سليل العمران‪� .‬أن املتاح من املكان امل�سمى مدينة هو ما تبقى من تدمري الذاكرة و�سلب ال�ساللة‪،‬‬ ‫حتديث بو�صفة همجية‪ ،‬وانفراط �سبحة العالقات القدمية جتتمع يف عقد جمتمع هجني �صورته‬ ‫وغزو‬ ‫ٍ‬ ‫الت�شوه واال�ستغالل‪ ،‬وامتهان الإن�سان �إىل حد اجتثات الأ�صول وجتفيف الينابيع‪ ،‬ما ال يرتك �إال‬ ‫الوهم �أفقا‪ ،‬وال�رساب رغدا �أو رغبة يخنقها المنا�ص واقع املحال‪ .‬تبدو هذه التو�صيفات عبارات‬ ‫الـ نقدية‪ ،‬للوهلة الأوىل‪ ،‬لكن مدينة جويطي‪ ،‬تيمته‪ ،‬تدبغ يديك بها من �أول ما تط�أ �شوارعهاـ وترى‬ ‫نا�سها‪ ،‬مت�شي يف �أ�سواقها وتدخل حوانيتها وم�ؤ�س�ساتها‪ ،‬وتنادم ليلها �أو ي�رسقك هدب ن�سائها‪ ،‬و�أنت‬ ‫تت�سلل �إىل انك�سار �شيبها وتئن حتت �أوجاع �شبابها‪ ،‬وال �أمل‪� .‬سيبهرك العنوان‪ُ ،‬ميغنط ح�سك لتنجذب‬ ‫�إىل"كتيبة اخلراب"ثم ما تلبث �أنت الذي يحاول بعني القارئ اليقظ‪ ،‬امللقح �ضد ُرعاب ال�صفات‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وتنميط عديدها ـ فيها للمنا�سبة منطي كثري‪� ،‬ش�أن ما يوجد يف كل مدينة غفل ـ تتجول فيها‪ ،‬لكن‬ ‫�ضبط‬ ‫‪69‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫دون خوف من �أن ينهار عليك جدار‪� ،‬أو ت�صاب بداء ُ‬ ‫الكالب‪� ،‬أو هو�س جمانني �ألقي بهم هنا �صدفة‬ ‫عل‪ ،‬يف جيبك بطاقة الإياب ت�ستخدمها حني تغلق‬ ‫كما تُرمى نفاية يف خلفية للنفايات‪ ،‬لأنك تطل من ٍ‬ ‫�أنفك دون رائحة الف�ضيحة بعد تخمة الذهاب؛�أقول �إنك ما تلبث �أن ي�ستهويك اخلراب‪ ،‬فت�صبح‬ ‫ع�ضوا يف الكتيبة‪ ،‬مبوقع ودور يف املدينة‪ ،‬جار و�صاحب وفرد من نا�سها وهولها‪ ،‬زورها وحزنها‪،‬‬ ‫�سليل ع�شائرها الغابرة ب�أ�رسارها الدفينة‪ ،‬نبت ُلرباها‪ ،‬وقطرة دمع وماء لأنني �سواقيها‪ .‬تدخل �إىل‬ ‫عاملها حت�سب �أنك تركت بابا للخروج‪� ،‬أو خمرج �إغاثة ممكن كما يف كل الأماكن الطبيعية‪ ،‬و�إذ بك‪،‬‬ ‫وقد �أ�صبحت �شخ�صيات الرواية �أه ً‬ ‫ال و�أ�صحابا وخ�صوما وخليالت ومع�شوقات‪ ،‬و�أماكنها مرابع‬ ‫هوى وقنوط يف �آن‪ ،‬ال تعرف �أين تويل الأدبار‪� ،‬ش�أنك �ش�أن الأع�شى‪ ،‬املقيم يف قلبها‪ ،‬يناجي ذاته‬ ‫مبقوله املعتق‪َ ":‬و ِّد ْع هريرة[=كتيبة اخلراب]�إن الركب مرحتل‪/‬وهل تطيق وداعا �أيها الرجل"‪ .‬ف�إن‬ ‫مل تطق مثلي فاعلم �أنك وقعت يف هواها‪� ،‬رصت من �ساكنة بني مالّل‪ ،‬القدمية واحلديثة‪ ،‬امللحمة‬ ‫والرواية‪ ،‬ال حتتاج �إىل �إذن‪� ،‬إن احتاجت‪� ،‬إىل � ّأي �سلطة �إال �سلطة الن�ص‪ ،‬و�أمرها الأول عرف كيف‬ ‫ي�صدره‪ ،‬بو�ضوح تارة(قول واقعي) بتهومي و�أطياف تارة �أخرى(قول ا�ستعاري) وبنربة احتجاجية‬ ‫حما�سية طورا (قول خطابي) ابنها الأ�صيل‪ ،‬وقد اقت�ضى لها القالب الروائي ف�ضا ًء رحباً‪ ،‬و�سكناً‬ ‫الئقاً‪ ،‬ونعم الإقامة‪.‬‬ ‫�أول مقام تتنزل فيه الرواية هو الإخبار‪ ،‬فبدون خرب و�إخبار‪� ،‬أي بدون حمكي‪ ،‬وفاعليه‪ ،‬وطريقة‬ ‫حكي‪ ،‬ونظام �شامل للحكاية يرتديه �شكلها‪ ،‬تكمن فيه داللتها‪ ،‬ومنه ت�ستخل�ص ر�ؤيتها لي�س ثمة‬ ‫متف�ش يف زمن الأدب‬ ‫رواية‪� ،‬أو الهدر‪ ،‬مبعاين الإباحة واللغو والت�صويت‪ ،‬وهذا‪ ،‬من �أ�سف لون‬ ‫ٍّ‬ ‫املهلهل‪ ،‬يخلط �أهلوه بني اجلعجعة‪ ،‬والطحني‪ ،‬ال ي�صنع �إال بالدقيق اخلال�ص‪ ،‬وحتى بال�شعري‪� ،‬رشيطة‬ ‫�أن يوجد ا َحل ّب‪� ،‬أي اخلرب �أوال‪ .‬اخلرب الذي هو خبز الرواية ينبيك به جويطي منذ البداية وي�سرت�سل يف‬ ‫حكواتي حمرتف وهاوٍ يف �آن‪ ،‬قبل �أن يت�رسب �إليك امللل يعمد �إىل واحدة من حيل الق�ص‪،‬‬ ‫�رسده بح�س‬ ‫ٍّ‬ ‫يعرفها املتفرجون القدامى يف لعبة احلواة و�أفانني الت�شخي�ص والإيهام‪ ،‬ووقفات التذكري والإبطاء‪ .‬ثم‬ ‫عو ٌد على بدء ال�ستئناف حكاية م�شحوذة بلذة الت�شويق‪ ،‬حمبوكة مبهارة التلفيق‪ ،‬ب�رضب من ال�صنعة‪،‬‬ ‫هي من �ألوان التخييل‪ ،‬وهكذا دواليك‪..‬‬ ‫ُتعلِمنا "كتيبة اخلراب" بو�صول �سيدة دمناركية �إىل مدينة بني مالّل حاملة �شتلة �شجرية تطلب‬ ‫من ال�سلطات غر�سها برتبتها وتع ُّهدها وفا ًء حلبيب وزوج جمعتها ال�صدفة به يف �أر�ضها‪ ،‬وخطفه‬ ‫هادم اللذات‪ ،‬ومبا �أن ال�سلطة فا�سدة‪ ،‬منطقها املال ال رمز اجلمال‪ ،‬فلن تعب�أ بهذا املطلب العبثي وال‬ ‫ب�صاحبته‪ ،‬حتيله �إىل ع�ضو يف م�ؤ�س�ستها‪ ،‬عمليا هو بطل الرواية ال يحمل ا�سما‪ ،‬فهويته هي ا�سمه‪ ،‬نعني‬ ‫أ�ص بال�ستيك �أ�سود‪.‬‬ ‫دوره دالليا‪ ،‬ووظيفته ك�سارد‪ .‬مذ ت�سلمه النبتة الغريبة‪�" :‬شجرية فكي�س يف � ّ‬ ‫‪70‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫جذع رفيع فوقه ثالث �أوراق �صغرية يانعة ومنت�صبة ك�أذن ف�أر"(‪� )17‬سيخرج �إىل حيز ال�ضوء ممثال‬ ‫ٌ‬ ‫فوق ُركح املدينة‪ ،‬فيما هو لي�س �أكرث من‪" :‬موظف بئي�س يف م�ؤ�س�سة بئي�سة يف مدينة بئي�سة �أ�شد ب�ؤ�سا‬ ‫جف غديرها" (‪.)19‬يرافقه يف رحلة مدينته‪ ،‬طردا وعك�سا‪ ،‬جمموعة من ال�شخ�صيات‪،‬‬ ‫من �ضفدعة ّ‬ ‫�أع�ضاء الأورك�سرتا التي �سيعزف على طريقته كل حلن خرابها‪ ،‬يف مقدمهم"احللبي"رفيق ال�سارد‪،‬‬ ‫زميله يف العمل‪� ،‬صديقه وندميه‪ ،‬وامتداد وعيه‪ ،‬ظله الذي ال يكاد يفارقه‪ ،‬هو الظل فعال الرتباط‬ ‫كل �أفعاله مبقدرات ال�سارد‪ ،‬يجوز لنا اعتباره مبثابة القفا لوجه ال�سارد‪ .‬الأب‪ ،‬املطالب باحلق العائلي‬ ‫يف ماء عني �أ�رسدون بناء على عقد يثبت �أن قبيلة بني مالل متتلك ماء العني" ويف ظروف معينة �سطت‬ ‫عليه �رشكة املكتب الوطني للماء ومدت القنوات و�صارت ت�أخذ من النا�س �سنويا ماليني ثمنا"(‪)97‬‬ ‫وح�ضوره يف الرواية‪/‬املدينة‪ ،‬بل وجوده كله رهن با�ستعادة هذا احلق‪ .‬يليه "ميمون"احلالق؛تارة هو‬ ‫"حالق ال�سعادة" تارة "حالق احلب ال�ضائع" �أخرى "حالق الأمل"تتغري لوحة دكانه ح�سب �أطواره‬ ‫النف�سية‪ .‬ع�ضو ورمز �أ�سا�س يف الكتيبة‪ ،‬رهانه‪ ،‬الآالف‪ ،‬يف مدينته‪ ،‬واملغرب كله‪ ،‬و�إفريقيا‪ ،‬الرحيل‬ ‫�إىل ال�ضفة الأخرى‪� ،‬أوروبا لبداية حياة جديدة‪ ،‬وما يت�صل بهذا امل�سعى من �أحالم و�أوهام ومغامرات‬ ‫م�ألوفة يف هذا املنحى‪ ،‬و�أخرى من قبيل اجلنون والغرابة‪ .‬نادية العمريي‪ ،‬املعلمة الطاحمة �إىل حت�سني‬ ‫و�ضعيتها باحل�صول على �شهادة جامعية‪ ،‬تلتم�س الدعم من املوظف ال�سارد ليعينها يف بحثها حول‬ ‫حياة الأع�شى من خالل �شعره‪ ،‬يف ما يبدو تع ّلة للتمويه على مكبوتاتها و�شخ�صيتها امللفقة‪ .‬الدكتور‬ ‫الكروازي‪� ،‬شخ�صية ثانوية وجزء من العمران العام للمدينة يبيع لبع�ض �سكانها �أُلهية �شبكات‬ ‫الكلمات املتقاطعة‪ ،‬هي م�صدر عي�شه‪ ،‬ومناط تداول املعنى عندهم يف غياب املعنى‪ .‬عبد ال�صمد‬ ‫الوقوري‪ ،‬املوظف الزميل بامل�ؤ�س�سة‪ ،‬منوذج الأ�صويل الإ�سالموي‪ ،‬كما �أ�صبح �شائعا يف املجتمع‬ ‫املغربي‪� ،‬شخ�صية م�سطحة‪ ،‬منطية ودعاواتية‪ ،‬بثالث ن�سوة وكومة �أوالد‪ ،‬و�سعي لك�سب �أتباع‬ ‫لأ�سالمويته الدجلية‪ .‬جويليقة‪� ،‬أي�ضا‪� " ،‬أبله املدينة" كما يجدر بكل مدينة وقرية‪ ،‬املنعوت ب" �إله‬ ‫احلديد"لهو�سه بجمع القطع احلديدية وتطويعها لغر�ض هو الأعلم به‪ .‬من قبيله فيل�سوف �أومتفل�سف‬ ‫احلانة‪ ،‬منوذج حتفل به املقاهي واحلانات‪ ،‬مثل �شحاذي ومهرجي الأ�سواق‪� .‬شخ�صيات هام�شية مبعرثة‬ ‫�أو ملحقة بال�شخ�صيات املركزية‪ ،‬تكملها‪ ،‬وتو�سع مدار حركتها �أو �أ�شجانها‪ ،‬نظري غانية احلان‪،‬‬ ‫مع�شوقة املوظف‪ ،‬احلاملة مثل ميمون‪ ،‬وهي ت�ضع الفل�س على الفل�س‪ ،‬لقطع حبل ال�رسة مع وطن تعي�ش‬ ‫فيه عاهرة‪ ،‬والرجل ال�صالح املزعوم يف القرية مثال االحتيال مع بوزكري‪ ،‬على املتطلعني �إىل الرحيل‬ ‫وهم كرث ينهب ما اذخروه عمرا فينتهون �إىل �رساب مزدوج‪ .‬هذه‪ ،‬وغريها‪� ،‬أبرز ال�شخ�صيات‬ ‫العاملة يف" كتيبة اخلراب"ممثلة لأع�ضائها الفاعلني‪ ،‬حول �سريهم تتب�أر تيمة اخلراب واقعيا‪ ،‬وتتخذ‬ ‫�صفة جمازية على وجه اال�ستعارة‪ ،‬من جممل ما يعي�شونه ويعترب حكايتهم‪ ،‬الأجزاء جامع الكل‪ ،‬نقف‬ ‫على العامل الواقعي للرواية مباديته وم�ؤتثاته الف�ضائية‪ ،‬مدخال للأهم فيه والأغور‪.‬‬ ‫‪71‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪4‬‬

‫ُميثل العامل الواقعي بعنا�رص مكانية حمددة را�سمة خلريطة املدينة التي يتنقل فيها بطلها زعيم اخلراب‬ ‫متثيال طوبوغرافيا نقت�رص منها على‪� :‬ساقية الكركور‪ /‬طريق العمالة‪� /‬ساحة احلرية‪� /‬ساحة الكركور‪/‬‬ ‫�ساحة حممد اخلام�س‪� /‬شارع احلن�صايل‪� /‬سويقة الغديرة احلمراء‪ /‬الطاحونة القدمية‪ /‬زنقة بن عدي‪/‬‬ ‫أنت‬ ‫طريق مراك�ش‪ /‬طريق عني �أ�رسدون‪ /‬حي التقدم‪ /‬املحطة الطرقية‪ /‬على �سبيل املثال‪ .‬مع هذه املعامل � َ‬ ‫يف"بني مالل" ال يف �أي مكان �آخر‪ ،‬حيث يتعني الواقع ب�أ�سمائه الدقيقة التي ت�ؤهل الرواية بعد ذلك‬ ‫للنقلة الواقعية وهيمنة خطابها يف م�ستوى معني‪ .‬علينا �أن نفهم اخلطاب‪� ،‬أوال‪ ،‬بو�صفه وحدة ل�سانية‬ ‫مكونة من متتاليات جملية (ل�سانيات الن�ص)‪ ،‬وكل قول مرتبط ب�سياق‪ ،‬مبا هو �أبعد من بنية الن�ص‬ ‫اللغوية‪ ،‬التي تقف به عند عتبة الن�ص‪ ،‬يتميز بالتقاطع مع مرجعيات غري ل�سانية كالإيديولوجيا والو�ضعية‬ ‫الإجتماعية للمتخاطبني‪ ،‬وال�سياق التاريخي‪ ،‬ومثله(ح�سب حتليل اخلطاب) ثانيا‪ ،‬وباعتباره‪ ،‬ثالثا‪،‬‬ ‫امللفوظ احلقيقي �أو اخليايل‪ ،‬املخرتق للحدود التي تر�سمها له الل�سانيات مبعناها ال�ضيق‪ ،‬املنفتح على‬ ‫و�ضعيات تلفظه و�سياقاتها‪ ،‬كما هو معتمد عند فوكو‪ ،‬ودريدا‪ .‬من هذه املنظورات حتفل"كتيبة"‬ ‫باملعيّنات والعالمات املر�سخة للمادة الواقعية املنتجة لرباديغم الواقعي الروائي ح�رصا‪ ،‬هذا الذي‬ ‫ينتخب جملة من املعطيات ومتظهرال�صورالإجتماعية‪ ،‬وامل�ؤثتات والأمناط الرائجة‪ ،‬وامل�ستن�سخات‬ ‫اليومية‪ ،‬ويتم فيه تداول اللغات الإجتماعية والتاريخية‪ ،‬و�أ�سلبتها كذلك من منظور معني (لغة ال�سحر‬ ‫وال�شعوذة‪ ،‬مثال‪ ،‬ولغة الإدارة وال�سيا�سة‪..‬الخ‪ )..‬؛كل هذا مع ا�ستدعاء منتظم للمرجعية التاريخية‬ ‫و�سناداتها‪ ،‬رغم تعر�ضها يف احلا�رض لت�سفي ٍه مز ٍر‪ ،‬هي وجملة اخلطاطة الطوبوغرافية وامل�شاهد اجلمالية‬ ‫الرا�سمة لبانوراما مدينة عاث فيها اخلراب‪ ،‬و�صارت بددا‪ ،‬ح�سب الرواية‪ ،‬طبعا‪� .‬إن احتجاج الأب‬ ‫بالعقد وثيقة على ملكية اجلماعة ملاء عني �أ�رسدون‪ ،‬واخلطاب املحايث لهذه الوحدة‪ ،‬على تهافته يف‬ ‫الزمن احلا�رض‪ ،‬وحتى وهو يبدو حديث خرافة‪ ،‬ي�أخذ م�صداقيته من حجة وجوده يف واقع املا�ضي‪،‬‬ ‫و�إ�رصار الإن�سان على الإميان به‪ ،‬و�إن تعر�ض للتن�سيب يف الواقعية الروائية‪ .‬كذلك ال�ش�أن مع د ّراجة‬ ‫ميمون بامللفوظات املقرتنة بها‪ ،‬وامل�صاحبة التوثيقية لها‪ ،‬تثبتها يف �إطار واقعي بحت‪ ،‬رغم طابعها الال‬ ‫معقول‪ ،‬واندراجها يف بنية اخلداع تعزز بنية التخييل العامة‪.‬‬ ‫ونرى �أن اندراج الكتابة ال�رسدية يف هذه البنية‪ ،‬و�إمكانية التحقق منها مبعاينة خطوطها‪ ،‬وح�رص‬ ‫مكوناتها‪ ،‬هو ما يجعل ن�صا ما روائيا‪� ،‬أو �شيئا �آخر‪ ،‬وعندئذ ف�إن مفهوم اخلطاب يت�سع ملجموع‬ ‫حمدداته �أعاله‪ ،‬ويف قلبها التبادل الداليل بني امللفوظ احلقيقي واخليايل‪ ،‬والنظر �إىل الكتابة‪ ،‬جانب‬ ‫الن�ضاحة‪ ،‬ومبا ي�سمح لنا باالنتقال من‬ ‫منها على الأقل‪ ،‬ك�سجل بالغي تعترب اال�ستعارة من وجوهه ّ‬ ‫ال�صورة املفردة �إىل عموم اخلطاب اال�ستعاري‪ ،‬بوا�سطة قراءة تعيد بناءه جمددا‪ .‬تعرف التحديدات‬ ‫‪72‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الأكرث تداوال‪ ،‬اال�ستعارة باعتبارها �أهم ال�صوراخلطابية والإجراءات الأ�سلوبية املرتكزة �أ�سا�سا على‬ ‫ا�ستعمال كلمة بدل �أخرى(اللفظ امل�ستعمل يف غري ما ُو�ضع له يف الأ�صل)بناء على عالقة املماثلة بني‬ ‫معنييهما‪ :‬احلقيقي واملجازي‪ .‬م�شابهة جزئية‪ ،‬لكنها موهمة بتوحد املكونات اال�ستعارية‪ ،‬مف�ضية �إىل‬ ‫فناء املو�صوف يف �صورته‪ .‬ومن ثمة �أحلقها البالغيون باملجاز‪ ،‬وعمدوا �إىل تق�سيم �أنواعها‪ ،‬وا�صطلحوا‬ ‫على ت�سمية املانع من االلتبا�س فيها بالقرينة الدالة على تفاعل اال�ستعارة مع �سياق ينتجها و�آخر متولد‬ ‫عن حتابك ال�شبكات الداللية للخطاب‪ .‬فقد يعد كل دال بديال من �آخر منزاحا عنه‪ ،‬وبالتايل ا�ستعارة‬ ‫تتحول وتتماثل مبقت�ضاها الألوان والأكوان وامللمو�س واملح�سو�س‪.‬‬ ‫بهذا املعنى ت�صبح مدينة بني مالل‪ ،‬ف�ضاء اخلراب القائم والزاحف‪ ،‬واخلراب نف�سه ا�ستعارة‬ ‫تتعدد وتتنوع‪ ،‬تنوعها بني ت�رصيحية‪ ،‬ومكنية‪ ،‬ومتثيلية‪� ،‬أو حمبوكة‪ ،‬وجمردة‪ ،‬و�أ�صلية‪ .‬ميكن‬ ‫تتبع �صورها على هذا املنوال‪":‬مدينة ي�شيخ فيها النا�س ي�أ�سا وقنوطا بعد الع�رشين‪ ،‬وميوتون �أحياء‬ ‫بعد الأربعني"(‪)25‬؛"مدينة بارعة يف ابتكار الأوهام"(‪)43‬؛ "مدينة الي�أ�س والقنوط (‪ )...‬هذه مدينة‬ ‫تفرج رجليها للغريب كالعاهرة(‪ )...‬لإنها �أرخ�ص من عاهرة"(‪ )63‬؛" يا �إلهي‪ ،‬هل هذه مدينة حقا؟‬ ‫هاجعة يف توج�س قلق ملا �سيقع‪ .‬منذ عقود وهي وطواحني خوائها تدور الئكة يف ظالل االنتظار‬ ‫الأبدي‪)86(".‬؛" �أدركت اليوم ب�أن املدينة انتهت متاما ووحدها القيامة ميكن �أن تغري م�صريها"(‪.)168‬‬ ‫ال تعوزنا الأمثلة لت�أكيد وفرة وجوه اال�ستعارة‪� ،‬سواء متخللة يف م�ستوى اخلطاب الواقعي ال�رصف‪،‬‬ ‫والن�سق ال�رسدي‪ ،‬حمققة االنزياح ب�أحد �أنواعها‪� ،‬أو منف�صلة م�ستقلة ا�ستقالال كامال تتجلى يف التعبري‬ ‫املجازي‪� ،‬أي غري الواقعي‪ ،‬ي�سمح به عادة �إجراء املونولوغ الداخلي‪ ،‬ميكن اال�ستدالل عليه باملقطع‬ ‫التايل ي�أتي على ل�سان البطل ال�سارد‪ ":‬ثمة فوا�صل من الع�شق انتزعتها انتزاعا من العطب ومن مناحة‬ ‫العراء الكبري و�أفياء الر�ؤى املرتاق�صة‪ .‬جتيء وتغدو كهبات ن�سيم يف هجري عزلة وحرمان وعاهة‬ ‫م�ستدمية‪� .‬أن تعطي للظل �صفة‪ ،‬وللرياح �سكون مقربة‪ ،‬وللطرائد قو�سك لت�سرتيح على خ�صبها‪ ،‬هي‬ ‫�أن حتب و�سط غدران تغي�ض‪ ،‬وع�شب يتبخر‪.)137("..‬‬ ‫ف�إن نحن تخطينا الوجوه املخ�صو�صة مفردة باملجاز‪ ،‬جند اخلطاب اال�ستعاري يت�شكل من تركيب‬ ‫الأقوال ال�صادرة عن الفاعلني‪ ،‬وتو�صيفات �أفعالهم‪ ،‬والتدفقات ال�شعرية امل�ؤطرة لها‪� ،‬أي ما فوق‬ ‫الواقعية‪ ،‬وهي كثرية‪ ،‬وباال�ستيهامات ذات الأطياف الرمزية‪ ،‬وعموما كل ما ي�شخ�ص احلالة اخلرابية‬ ‫ويحيل �إليها دالليا‪ .‬بعبارة �أخرى‪ ،‬ف�إن اخلراب املر�صود يف رواية جويطي ال ينح�رص م�صدره �أو‬ ‫جتليه يف املظاهر اخلارجية لرتدي مدينة‪ ،‬كان �أحد كبار مهند�سيها الفرن�سيني الأوائل فوجرول قد‬ ‫و�صعِق حني زارها بعد دهر مبا حاق بها‬ ‫راهن على �أن يجعل منها �أجمل مدينة يف �شمال �إفريقيا‪ُ ،‬‬ ‫من"�إع�صار"(‪)108‬؛ بل هو الر�ؤية املجازية ال�شمولية لعني وا�صفة‪ ،‬ت�سقط �إح�سا�س �صاحبها على كل‬ ‫‪73‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫معايناته الظاهرة‪ ،‬وحم�سو�ساته الباطنة‪ ،‬لكن دائما انطالقا من واقع تف�سخ‪ ،‬ونراه يزداد تف�سخا من‬ ‫منظور عنيد يف خرابيته‪ .‬واحلقيقة �أن كل �شيء كان مهي�أ منذ البداية‪ ،‬منذ انطالق الرواية‪ ،‬لكي ت�أتي‬ ‫على هذا الن�سق‪ ،‬ما دام املطلوب عند م�ؤلفها‪ ،‬ال ر�صد التحول‪� ،‬سمة �أي مدينة حديثة ذات جذور يف‬ ‫التاريخ‪ ،‬و�إمنا ر�صد فجائعية هذا التحول‪ ،‬من خالل �شخ�صيات ومواقف حمددة‪ ،‬وتخ�صيبه بال�صور‬ ‫الدالة‪ ،‬قل املحر�ضة عليه‪ ،‬ت�شد ب�أعناق بع�ضها يف كتيبة‪ ،‬يا للمفارقة‪ ،‬نلقاها منذورة للخراب‪ ،‬عو�ض‬ ‫الن�رص(عناوين �أعمال جويطي كلها طباقية‪ :‬ليل ‪� #‬شم�س‪ ،‬زغاريد‪ #‬موت‪. )..‬يرتكز الر�صد على‬ ‫تيمات تنجب داللتها الرمزية بخطاب ا�ستعاري فورا‪ :‬نهب الأر�ض (�ضياع التاريخ و�إتالف الذاكرة)‬ ‫؛نزع امللكية (نزع الإن�سان من تربة الأرومة القبلية وقذفه يف حم�أة العالقات املدينية)؛ ف�ساد املكان‬ ‫عمرانيا(الت�شوه ماديا ومعنويا)؛ف�ساد ال�سلطة (الت�شوه ال�سيا�سي والأخالقي)؛ تف�سخ العالقات‬ ‫االجتماعية(ف�ساد القيم)؛فيما تعترب املواقف الأخرى حاالت �سيكولوجية‪� ،‬شبه ُع�صابية‪ ،‬ا�ستيهامية‬ ‫تنه�ض على مبد�أ املبالغة‪ ،‬كرف�ض الإدارة‪ ،‬الإح�سا�س بالغربة‪ ،‬ال�ضجر‪ ،‬وال�شعور بالعبث‪ ،‬بفقدان‬ ‫الأمل وان�سداد الآفاق‪ ،‬يتم متثيلها يف عزوف البطل وظله عن العمل الإداري‪ ،‬وتهالكهما على‬ ‫ال�رشب‪ ،‬ويف م�شاهد ذات �صبغة بارودية للمجتمع‪ ،‬و�أخريا يف بحث ال مجُ دٍ عن املعنى عرب تقم�ص‬ ‫�شخ�صية ال�شاعر اجلاهلي الأع�شى‪ ،‬كبنية تنا�صية م�ضاعِ فة للرواية‪ ،‬وم�صعدة جلناز غربة البطل‪،‬‬ ‫كذروة للخراب‪.‬‬ ‫‪5‬‬

‫�آن لنا �أن ننظر �إىل اخلطاب اال�ستعاري يف هذه الرواية‪ ،‬من زاوية الإعاقة ال الرتميز واالنزياح‪ ،‬ف�إذا‬ ‫كان الق�صد منه تغوير املعنى حيناً‪ ،‬و�شعرنة املواقف حينا �آخر‪ ،‬ويف احلالني نقل �صنع الر�ؤية من درك‬ ‫الفجني �إىل �سم ّو املتعايل والوجداين‪ ،‬ف�إنه ـ اخلطاب ـ يدخل الن�ص يف م�آزق‬ ‫املح�سو�س واملرئي اجلمعيني ّ‬ ‫تُخل بروائيته‪ ،‬فيما وجدنا امل�ؤلف وفّر �إمكانات معتربة لإر�ساء �أ�س�سها التعاقدية الكربى‪ ،‬خربية‪،‬‬ ‫حبكوية‪ ،‬متثيلية‪� ،‬شخ�صانية‪ ،‬الخ‪� ،‬أي كل ما من �ش�أنه �صناعة رواية واقعية‪ ،‬حمكمة ال�رسد والبناء‪،‬‬ ‫منقولة على �صعيد املحتمل‪ ،‬م�ستقلة بعاملها وقابلة للتعميم يف �آن‪ .‬بل هي عوامل عدة متقابلة‪ ،‬متوازية‪،‬‬ ‫لإر�ساء بنية اخلراب‪ :‬عامل الأب‪ ،‬عامل ميمون‪ ،‬عامل الإ�سالموي الوقور‪ ،‬عامل املر�أة مت�سلقة ومنفلتة‪،‬‬ ‫عامل ال�سارد قائد الكتيبة‪ ،‬عامل �شجرة الفقي�س الغريبة‪ ،‬عامل ال�ساللة الغابرة يف مر�آة املا�ضي املجيد‪ ،‬عامل‬ ‫احلا�رض املت�آكل نا�سه يف �ضجر اليومي واملعاد‪ .‬هذه العوامل كلها‪� ،‬أع�ضاء الكتيبة‪ ،‬تتماهى مع ال�شجرة‬ ‫الدمناركية املجتثة من تربتها الأم يف �أنها"�سيلزمها معجزة لتبقى حية"(‪)17‬؛ ول"�أنها حتتاج لتوازن‬ ‫معقد بني ال�شم�س والظل لي�س(‪ )...‬وال بو�سع هذه املنطقة التي تناوب يف كفها اجلمر وندف الثلج �أن‬ ‫‪74‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫متنحها �إياه‪.)145("..‬ال يحل الناقد حمل الكاتب �أبدا‪ ،‬والعك�س‪ ،‬فهو خط�أ فادح‪ ،‬مثله �أن تطغى �سلطة‬ ‫ال�سارد فت�ستبد بعواملها‪ ،‬وتتحكم يف �أنفا�س �شخ�صياتها وهي مت�سك "بر�شمان"احلكاية من البداية �إىل‬ ‫النهاية ب�أكرث مما ت�سمح به طاقة �سارد عليم‪ .‬فهذا ال�سارد ما ينبغي له �أن يتماهى بامل�ؤلف‪ ،‬وال الأخري‬ ‫به‪� ،‬أو حتدث الإعاقة‪ ،‬من مظاهرها التعدي على حق اجلن�س الأدبي بنق�ض ركن �أ�سا�س من �أوفاقه‪.‬‬ ‫من هذه الأركان �أن الرواية غري امللحمة‪ ،‬وقد جاءت بديال لها‪ ،‬ونقي�ضا للمناخ وال�رشوط املنتجة‬ ‫لها‪ ،‬فاحتفاليتها بالبطولة الأ�سطورية‪ ،‬املبجلة لر�ؤيتها‪ ،‬وغنائيتها‪� ،‬شعرية �أو نرثية‪ ،‬لهي مما يتعار�ض‬ ‫قطعا مع اجلن�س الروائي‪ ،‬الذي ال وجود له يف البويطيقا الكال�سيكية‪ ،‬وحتددت تقا�سيمه بني الأنواع‬ ‫الكربى والدنيا على يد منظرين كبار‪ ،‬يف نظريات عامة‪ ،‬تعتمد �إما �إقامة �صنافة ت�ستند �إىل العالقة بني‬ ‫وعي البطل والعامل املحيط به‪ ،‬املو�صوف بالوعي الإ�شكايل‪ ،‬باعتباره املرتبة الأم التي تلتحق بها مراتب‬ ‫العمل الأخرى )‪)Lukacs‬؛ �أو اعتماد ال�سارد ودوره كحكم �أخالقي على التجربة الب�رشية( ‪�)Booth‬أو‬ ‫املعاجلة الواقعية لل�شخ�صيات‪ ،‬والزمن‪ ،‬والف�ضاء(‪� )Watt‬إن �شئنا االقت�صارعلى هذه النماذج املكر�سة‬ ‫ملا هو نوعي"‪ "Typique‬املت�ضمنة خل�صائ�ص ثابتة‪ ،‬مقابل ما يعد من قبيل التوليدي"‪"Générique‬ذي‬ ‫اخل�صائ�ص املتغرية‪ ،‬ال مماحكة فيها‪ ،‬رغم ال�صنافة الالحقة التي و�ضعها( )‪Stanzel‬وتقر بالأعمال‬ ‫الكربى‪ ،‬تدخل يف علم الأدب‪ ،‬بينما الثانية يهتم بها تاريخ الأدب‪ .‬و�إذن‪ ،‬نحن نتعامل مع الأ�صل‬ ‫امل�ؤ�س�س ال الفرع‪ ،‬ي�ستبعد ال�سجالت التعبريية ما قبل الروائية من نظامه‪ .‬و�إذا كان الكاتب حرا‬ ‫يف االنفالت بني الأنواع‪ ،‬ال يعرتف باحلدود التاريخية والإحرتازات النظرية‪� ،‬إما بدافع جتريبي‪� ،‬أو‬ ‫ب�سبب التبا�س يف فهم التجربة املر�صودة والتدبري الأجنا�سي لكتابتها‪ ،‬باعتبار �أنه ال يوجد يف الأدب‬ ‫نوع مثايل �أو طبيعي‪ ،‬ومع ذلك ف�إنه م�ضطر ليملأ ا�ستمارة االنت�ساب ال�رسدي‪� ،‬ش�أن الناقد‪ ،‬القارئ‬ ‫املحرتف‪ ،‬ال يقر�أ على هواه‪ ،‬وهو يف كل مرة مدعو لر�سم"خارطة الطريق"يف �ضوء نظرية الأدب‪،‬‬ ‫هي يف بابها كاملحجة البي�ضاء‪" ،‬اليزيغ عنها �إال هالك"‪ ،‬واحلال �أن عبد الكرمي جويطي اختار‪ ،‬ب�سبق‬ ‫�إ�رصار‪ ،‬الهالك �سبيال ومنظورا وم�صريا لكتيبته‪ ،‬متحمال على نفقته كل الأوزار‪� ،‬أولها وزر اخلطابة‪،‬‬ ‫ولي�س �آخرها‪.‬‬ ‫‪6‬‬

‫ارتبط مفهوم اخلطابة عند اليونان ـ �أر�سطو خا�صةـ بقوة الكلمة وقدرتها على الإقناع‪� ،‬سواء‬ ‫يف املجال�س اال�ست�شارية‪� ،‬أو املحاكم‪� ،‬أو املحافل العامة( من هنا تق�سيمه الثالثي لأنواع اخلطابة‪:‬‬ ‫الإ�ست�شاري والق�ضائي والربهاين)‪ ،‬ال�ستنادها �إىل نظام دميوقراطي يقوم على الإختالف والإحتمال‪،‬‬ ‫بدل ت�سخريها للبحث عن احلقيقة‪ ،‬كما �أراد �أفالطون‪�.‬أما اخلطابة العربية فمخالفة لهذا امل�سار‪ ،‬نظرا لأن‬ ‫‪75‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�أ�صول البحث فيها مغايرة ل�سابقتها‪ .‬فاخلطبة عند العرب ح�سب"الل�سان"(مادة خطب)هي‪":‬الكالم‬ ‫املنثورامل�سجع‪ ،‬ونحوه‪ ..‬واخلطبة واملخاطبة‪ ،‬مفاعلة‪ ،‬من اخلطاب وامل�شاورة‪..‬وف�صل اخلطاب هو‬ ‫احلكم بالبينة‪ ،‬والف�صل بني احلق والباطل‪ ،‬والتمييز بني احلكم و�ضده"‪.‬و�إذا كانت اخلطابة العربية‬ ‫قد و�سِ عت �أمور الدين والدنيا‪ ،‬وكل ما �أريد ن�رشه يف النا�س‪� ،‬إال �أن احتفاءها باجلانب الأ�سلوبي جعل‬ ‫منها عموما خطابة ترغيب وترهيب‪� ،‬أكرث من نحوها املنحى العقلي املعتمد على احلجج املنطقية‪ .‬فيما‬ ‫جند التحديد احلديث للخطابة‪ ،‬امل�ستلهم �أ�سا�سا من مفهوم �أر�سطو‪ ،‬ي�سعى �إىل جعل احلجج مها َده‪،‬‬ ‫واملحتمل جمالَه‪ ،‬والقيم مدا َره‪ ،‬وتقلي�ص امل�سافات بني الب�رش حقيقتَه املبحوث عنها‪ ،‬ذلك �أن "خري‬ ‫ترياق من اخلطابة‪ ،‬اخلطابة نف�سها"‪.‬‬ ‫لن يحتاج القارئ‪ ،‬دعك من الدار�س‪� ،‬إىل كثري فح�ص‪ ،‬ليتبني �أن جويطي خطيب‪ ،‬كما تقول‬ ‫العرب‪ ،‬م�صقاع‪ .‬التكفيه‪ ،‬على ما �شهدنا‪ ،‬بنية ال�رسد و�إجراءات التمثيل لهيكلة عامله‪ ،‬وتو�صيف‬ ‫ر�ؤيته اخل�صو�صية عنه‪ ،‬تراه من�ساقا �إىل �سجل �إ�ضايف‪ ،‬لي�س م�ستقال‪ ،‬بال�رضورة‪ ،‬عن ال�سجل الأ�سا�س‪،‬‬ ‫ال�رسدي‪ ،‬كحا�شية مثال‪ ،‬بقدر ما يت�ضامن معه رغبة يف م�ؤازرة حمتواه ومراميه‪ ،‬ما �أكرثها‪ ،‬هكذا يح�سب‬ ‫اخلطابة‪ ،‬جملتها‪ ،‬نربتها‪ ،‬منطقها‪ ،‬ب�أي معنى �شئنا من املعاين املطروقة يف مدونة التعريفات �أعاله‪،‬‬ ‫امل�ستثمرة لديه بان�سجام؛يح�سبها لوحا ي�سطر عليه بحروف بارزة عناوين اخلراب‪ ،‬و�سالحا قاطعا‬ ‫ي�شهره يف وجه من قادوا مدينته "الفا�ضلة" �إىل امل�صري املحتوم‪ .‬هو ما يرد يف �صيغ التعليق‪ ،‬والتقرير‪،‬‬ ‫والنقد املبا�رش‪ ،‬والعبارة املقالية‪ ،‬ينف�صل فيها امل�ؤلف عن �سارده‪ ،‬يكمم ل�سانه ليتدخل بطريقة عيانية‬ ‫ال تخلو من فجاجة‪ ،‬وقد قطع حبل ال�رسد و�إن حتايل عليه وعلينا با�ستخدام �ضمري املتكلم تارة‪،‬‬ ‫واملخاطب تارة �أخرى‪ ،‬ما ال يخفي يف النهاية �صوت االحتجاج والرغبة يف الإقناع بحقائق حمددة‪،‬‬ ‫و�إعالن �إدانة‪ ،‬و�إ�شهار موقف‪" :‬دار ال�شباب الوحيدة خمتنقة‪ ،‬وكئيبة‪� .‬أ�صحاب داري ال�سينما‬ ‫تركوهما خلراب مغويل �أمال يف �أن ي�سقطا على من فيهما ذات يوم فيحولوهما �إىل قي�صاريات(‪)...‬‬ ‫مقرات الأحزاب مغلقة واملنا�ضلون يتوخون احليطة واحلذر من �أعداء وهميني‪ .)56("..‬ويف تعليق‬ ‫على �سرية �إحدى ال�شخ�صيات يدون التعليق التايل فيه ف�صل اخلطاب‪..":‬كل االنت�صارات واالمتيازات‬ ‫واملغامن الب�سيطة التي حققها العمال كان وراءها �أي�ضا‪� .‬إنه تاريخ العمل النقابي بامل�ؤ�س�سة بو�ضوحه‬ ‫والتبا�ساته وتعقيداته‪ ،‬ب�أجماده وخزيه(‪ )...‬ونعرف نحن قطيعه النقابي‪ ،‬ب�أنه ال غنى عنه متاما لأنه‬ ‫املحاور الأوحد واملف�ضل لكل الر�ؤ�ساء املتعاقبني‪ ،‬ف�أحد مظاهر عبقرية الإدارة عندنا هي �أنها تختار‬ ‫حتى من �سيعار�ضها‪.)148(".‬ال يذخر جويطي طريقة وال �سبيال للربهنة على �أن مدينته‪ ،‬احلقيقية‪،‬‬ ‫تعر�ضت لأ�شنع تدمري مادي وقيمي‪ ،‬ودا�ست �أ�شجارها"حوافر عمران قبيح ومرجتل"‪ ،‬يبدو غري‬ ‫معني‪ ،‬وهو م�شحون بحما�س الف�صل بني احلق والباطل‪ ،‬والرغبة يف مقارعة احلجة باحلجة‪ ،‬مبراعاة‬ ‫‪76‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ما تتطلبه املدينة الروائية من اختالف واحتمال الزمني هما من غري جن�س منطق اخلطابة‪ .‬ما يحول‬ ‫ر�ؤية اخلراب املادية‪ ،‬وال�شعرية‪ ،‬كما هي مو�صوفة‪ ،‬مبجلة يف مقاطع حمددة ببذاخة‪� ،‬إىل �شبه �أطروحة‬ ‫مقررة �سلفا تتطلب مرافعة حارة ل�سندها‪.‬‬ ‫نحن ن�سمي هذه الإعاقة بزعانف الن�ص‪ ،‬وهي كثرية يف هذه الرواية املكتوبة بروح املنافحة‪،‬‬ ‫وحافزي التحري�ض‪ ،‬والتنديد‪ ،‬وخا�صة تقدمي �شهادة ت�شهر بال مواربة االحتجاج على الواقع و�إدانة‬ ‫�رصيح و َم ْكنِي‪ٌ ،‬‬ ‫الغط وا�ستعاري‪ ،‬ما يجعل فقرات‪� ،‬إن مل نقل‬ ‫احلا�رض‪ ،‬يقابلهما متجيد للما�ضي‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ف�صوال كاملة تهدهدها احتفالية �أ�سلوبية من�سجمة مع �إيقاع اخلطابة العربية‪ ،‬من نحو‪ ،‬وي�صدح فيها‬ ‫�صوت الكاتب‪ ،‬ال ال�سارد‪ ،‬ينوح يف مرثية‪ ،‬ن�ص فجائعي كاجلناز ملدينته‪ .‬وهذا �إىل حد �أنه يلتذ بفعله‪،‬‬ ‫يتحول معه التذاذه �إىل ممار�سة زعنفية‪ ،‬ذلك �أنه‪ ،‬ومرة �أخرى‪ ،‬ف�إن "خري ترياق من اخلطابة‪ ،‬اخلطابة‬ ‫نف�سها"‪.‬‬ ‫‪7‬‬

‫نظن �أننا بعد طرحنا مل�ستويات اخلطاب الثالثة التي ظهر لنا اعتمادها يف رواية جويطي نحتاج‬ ‫�إىل الت�سا�ؤل عن �إمكانية جتميعها يف م�ستوى ُ مركب‪ ،‬يتحقق به تناغم العمل‪ ،‬هو مراد كل روائي‬ ‫يف النهاية‪ ،‬يذهب �إليه الن�ص ذروة يف البناء والتعبري‪.‬هذا الت�سا�ؤل‪ ،‬الذي يبقى يف احلقيقة مفتوحا‪،‬‬ ‫مطروح على كل متلق على حدة‪ ،‬ومن �ش�أن النظر فيه تفعيل ديناميكية قراءة جديدة تنتج ن�صا مغايرا‪.‬‬ ‫ما لنا ال نذهب �إىل �أن �صاحب العمل مدعو قبل غريه لالنخراط يف هذه الدورة‪� ،‬ستقوده حتما �إما �إىل‬ ‫يعرف املفكر واجلمايل الفرن�سي"م�شيل‬ ‫مالحقة التناغم املن�شود‪� ،‬إن مل يطله‪� ،‬أو �إىل مزيد توثيق لعراه‪ّ .‬‬ ‫مو�سيقي فا�شل‪� ،‬أغلب الظن لأنه يعجز عن حتقيق اخلا�صية العظيمة التي ال تدركها‬ ‫�سري"الكاتب ب�أنه‬ ‫ٌّ‬ ‫�إال املو�سيقى‪� ،‬أي التناغم‪ .‬ومن جهتنا نقول �إن الكاتب مبجرد ما ي�رشع يف البحث عن معنى للوجود‬ ‫ـ يف حالة جويطي ـ للخراب‪ ،‬بوا�سطة اللغة و�ص َورها و�أدائها‪ ،‬طبعا‪ ،‬ف�إنه حقق �أول انت�صار على‬ ‫العدم‪ ،‬وانتمى بحق �إىل الأدب‪ .‬لقد راهنت"كتيبة اخلراب"على ت�صعيد �أهوال ما اكت�شفته �إىل ذروة‬ ‫من التجلي امل�أ�ساوي‪ ،‬وحتقق لها يف هذا ال�سبيل �شيء مما ق�صدت‪ ،‬من هنا انتما�ؤها الفعلي �إىل الرواية‪،‬‬ ‫مبخ�س حد الف�ضيحة‪ .‬لذا‬ ‫ال االفرتا�ضي‪ ،‬خالفا لن�صو�ص تع ّول على جتني�س الغالف ل�سرت عورة �رسد ّ‬ ‫من حق النقد �أن يطالب دائما بالروائية‪ ،‬قبل �أي مغامرة �أو جتريبية‪� ،‬أو �أي ا�سرتخا�ص للكتابة ال�رسدية‬ ‫�أ�صبح دارجا‪ ،‬كما من واجبه �أن ي�ستقبل بكل حفاوة الن�صو�ص التي تعيد للإن�سان‪ ،‬للقارئ النبيه‪،‬‬ ‫الثقة يف الرواية �أداة لإعادة ر�سم احلياة و�سرب �أغوار الذات‪� ،‬أفلحت كليا يف هذا امل�سعى‪� ،‬أو �أر�شدت‬ ‫�إىل طريق الأمل‪ ،‬و�أفق اجلمال املبتغى من الكتابة‪.‬‬ ‫‪77‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪78‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫"القو�س والفرا�شة" ملحمد الأ�شعري‪:‬‬ ‫كيف تبنى رواي ٌة على الأنقا�ض‬ ‫ُ‬

‫كن�ص تخ�ضع وتتطلب كل ما يحتاج‬ ‫‪ 1‬ـ تعتمد كل رواية حقيقية باملعنى الفني على البناء‪ ،‬فهي ٍّ‬ ‫�إليه البناء العادي ليقوم ويعلو وي�شد بع�ضه بع�ضا‪ ،‬ويظهر حقا و�شكال متما�سكا ومتنا�سقا‪ ،‬قابال‬ ‫لل�سكنى بال خوف‪ ،‬باعثا على الأمان‪ ،‬وم�ستقرا ي�أوي اجل�سد‪ ،‬ويبهج النف�س‪ ،‬فيما يريح العني‪ .‬ال‬ ‫أر�ض خالء �أو قاعدة تنه�ض عليها ُع ُم ُده‪ .‬م�س ّلمة معمارية‪� .‬إمنا‪ ،‬كيف‬ ‫يوجد قبل البناء �إال الفراغ‪ٌ � ،‬‬ ‫يت�أتى البناء الذي يت�أ�س�س �أو يزعم ب�أي �شكل ومنطق �أنه �سيقوم ويتك ّون �أمام �أعيننا ـ نحن القراء ـ‬ ‫على �أنقا�ض‪ ،‬ال مادية وح�سب‪ ،‬بل اجل�سد والبنيان‪ ،‬ويف قلبهما الروح التي هي ال�ساكن وامل�سكون؟‬ ‫منطق الرواية امل�ضمر‪ ،‬الذي يك�شف عنه نَ َ�سق تَبَ ْنيُنِها اخلارجي يخربنا ب�أنها خالفا ملنطق البناء العادي‪،‬‬ ‫وهي تنحو لت�أ�سي�س �أر�ضية �صلبة من غري �شك‪ ،‬ال تنجم �إال عن عامل متخلخل‪ ،‬اهتزت فيه حيوات‬ ‫وم�شاعر وم�صالح وقيم‪ ،‬ونتاجها اللغوي الفني �أخريا هو جماع هذا االهتزاز‪� ،‬إن مل يكن الزلزال‬ ‫نف�سه‪ ،‬وهذه ر�ؤيتها‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ لأي بناء‪ ،‬حتى ولو على خراب‪ ،‬مقومات‪ ،‬منها ‪ :‬حاجته الأوىل �إىل ت�صميم‪ ،‬ال منا�ص منه يف‬ ‫املعايري احلديثة‪ .‬وكل ت�صميم يتم بناء على حاجة‪ ،‬وت�صور‪ ،‬وينبي‪ ،‬بالتايل عن ثقافة (ما) وذوق(ما)‬ ‫‪ .‬بناء الرواية يتميز بالإ�ضافة �إىل هذه املقومات بكونه ينطوي على ف�ضاء �إىل جانب �أبهاء البيت‪ ،‬نعني‬ ‫الف�ضاء الإن�ساين حيث تتحرك ال�شخ�صيات‪ ،‬تعقل وحت�س وتنبت لها �أحيانا �أجنحة لتطري �أبعد‪ ،‬بعد‬ ‫‪79‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�أن �ضاق بها �رصح البناء‪ ،‬وهي تبحث عن حياة �أخرى خارجه‪ .‬ويتميز ب�أنه ال يت�شكل دفعة واحدة‪،‬‬ ‫وهو قابل للتعديل يف �أي حلظة‪ ،‬وال يطلب رخ�صة امل�صادقة عليه من ق�سم الت�صاميم بالبلديات‪ ،‬لكن‬ ‫من ا�ستعداد القارئ لتقبله‪ ،‬من مت امتالك حرية الدخول واخلروج براحة وحرية‪ .‬حني يبني الروائي‬ ‫عمارة حكائية تخييلية يتجاوز فيها امل�سموح من الطوابق‪ ،‬ف�إنها لي�ست البلدية من �ستعاقبه بهدمها‪،‬‬ ‫�إمنا القارئ الذي �سريى يف ذلك ن�شازا‪� ،‬أو خرقا التفاق �ضمني �أبرمه مع الكاتب‪ ،‬ك�أن يعزف عن‬ ‫حتول ميثاق رواية �إىل موا�صفات �سيناريو‪ ،‬ق�صد �إحداث كرثة حتوالت و�إثارات‪� ،‬أ�شبه باخلوارق‪! ‬‬ ‫مبنى واحد‪،‬‬ ‫‪ 3‬ـ ميكن للرواية �أن تكون دارة واحدة‪ ،‬وميكنها �أن تكون عمارة‪ ،‬ويف احلالتني فهي ً‬ ‫متال�صق ومت�آزر‪� ،‬أو ال يكون‪ .‬رمبا يف احلالتني واحد‪� ،‬أو ت�صبح م�رسحا للفو�ضى والعراك‪� .‬إن البطولة‬ ‫يف الرواية احلديثة مهما تعددت �أو تنوعت هي يف نهاية املطاف ل�شخ�ص �أو �شيء واحد‪ .‬املهند�س‬ ‫املعماري‪ ،‬وامل�رشف على العمل‪ ،‬والبنا�ؤون‪ ،‬هنا‪ ،‬يقابلهم يف الن�ص امل�ؤلف‪ ،‬وال�سارد‪� ،‬أوهما معا‬ ‫حني يتماهيان‪ ،‬وال�شخ�صيات‪ ،‬ال ي�ستطيع � ٌّأي منهم العمل حل�سابه‪� ،‬أو الإفراط باال�ستئثار مبا يفوت‬ ‫عن حده‪� ،‬أو هو لغريه‪ ،‬فينفرط عقد العمل حتى والبناء م�ستمر‪ ،‬واجلمهور �سكانا وقراء ا�ست�أجروا‪،‬‬ ‫�أو اقتنوا‪ ،‬فكل منهم ال يريد الظهور �أنه مغ�شو�ش‪ ،‬فيما املهند�س املعماري‪� ،‬أو رب املكان ال يقبل‬ ‫بالرتاجع ينظر �إىل مبناه ومعناه باعتبارهما ما كان وينبغي �أن يكون‪ ،‬هما �صورة التوازن ومرجع‬ ‫قيا�سه؛ طبعا‪� ،‬إن التوازن والتنا�سق هو غاية كل بناء‪ ،‬يتحققان بالنجاعة واجلمالية‪ ،‬ولهذين يف كل‬ ‫اخت�صا�ص �إواليات‪ ،‬ال تعمى عنها الأب�صار‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ نحن‪ ،‬بطبيعة احلال‪ ،‬يف قلب رواية حممد الأ�شعري اجلديدة" القو�س والفرا�شة" (الدار‬ ‫البي�ضاء‪ ،‬املركز الثقايف العربي‪ ،)2010 ،‬الثانية بعد"جنوب الروح"(‪ ،)1996‬وبني هذين التاريخني‬ ‫ظل وفيا لل�شاعر الذي ُوهب له‪ ،‬عندما �أ�صدر ديوانه ال�شعري الأول "�صهيل اخليول اجلريحة‬ ‫"(بغداد ‪ )1978‬انتهاء ب"�أجنحة بي�ضاء يف قدميها"(‪ .)2008‬و�سواء كان هذا العمل متنا�سال عن‬ ‫همه‪ ،‬وي�ستطيع بوا�سطته‬ ‫�سابقه �أو مطورا له‪ ،‬ف�إن من حق الكاتب �أن يختار العامل الذي يجد فيه ّ‬ ‫وعربه �أن ينتج من خالله الر�ؤية امل�أمولة لديه‪ ،‬وي�سوق م�صائر ال�شخو�ص والأفعال والهموم التي تبدو‬ ‫روائي بالأدوات املخ�صو�صة لهذا البناء حتديدا‪.‬‬ ‫له قادرة على بنا ٍء‬ ‫ٍ‬ ‫ال رواية بدون �أ�سماء و�أمكنة و�أزمنة و�سحنات �شاخ�صة‪ ،‬و�أحيانا ب�ساللة تخرتق ال�سالالت‬ ‫وتناف�سها فيما هي تخو�ض �رصاع البقاء‪ ،‬متاما كما تفعل الرواية بو�صفها �صنعت �ساللة فنية جديدة‬ ‫بعد �أن �أجهزت هي �أو �أجهز الزمن على غريها‪ ،‬لي�ضعها يف قلب معركة وجود خمتلفة ‪.‬‬ ‫‪80‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫وك�أن هاج�س ال�رصاع بني الفني والوجودي مل يغادر �إدراك امل�ؤلف ـ ال�سليل‪ ،‬ليتخذه مو�ضوع‬ ‫ومرقى �صعوده �إىل التخوم التي ميكن �أن ي�صطدم فيها الكيانان‪� ،‬أو ين�صهرا يف حلمة واحدة ليقول‬ ‫الواحد ذاك‪ ،‬يخرتقه‪ ،‬يتو�سع فيه ومن خالله‪ ،‬ولينتهي بتفجري �أحدهما للآخر‪! ‬‬ ‫‪ 5‬ـ نقول هذا لكي ن�ست�أنف فكرة الأنقا�ض‪ ،‬فهي ر�أ�س اخليط‪ ،‬وعليها تنبني رواية �شغلها ال�شاغل‬ ‫حماولة ت�شييد �شيء بالفقدان‪ ،‬وفوقه‪ .‬ومع�ضلة هذه الكتابة الأوىل �أن"الفقدان"‪ ،‬حتى يف جتلياته‬ ‫املادية‪� ،‬إح�سا�س فجائعي‪ ،‬هكذا يرت�سب يف الوجدان‪ ،‬من ثم يكيّف الكتابة ليملي عليها �رشط‬ ‫نوعها‪ ،‬بتجني�سها وفق هواه‪ ،‬ولو افرت�ضناه وعيا لقلنا �إنه وجد �ضالته‪ ،‬طبعا يف كاتب هو بالأ�صل‬ ‫�شاعر‪ ،‬وروح ال�شعر‪ ،‬ف�ضال عن لغته وبالغته لهي الأن�سب لل�شيء الفجائعي من غريها‪ .‬يعي ال�شاعر‬ ‫�أن ال�شعر كيمياء‪ ،‬خمرية تفاعل ذات ومو�ضوع‪ ،‬داخل‪/‬خارج‪ ،‬بن�سيج اللغة و�أجنحة اال�ستعارة‪،‬‬ ‫فيما الرواية و�إن احتوت هذه العنا�رص‪ ،‬على طريقتها‪ ،‬هي قبل كل �شيء بناء وتركيب‪ .‬هذان عماداها‬ ‫و�أي تراخ وتهاون فيهما �سي�ؤِدي �إىل تهافتها جن�سا ور�ؤية‪ ،‬ليودي بها‪ ،‬فماذا يبقى؟‪ ! ‬ح�سن‪ ،‬هل‬ ‫يبنى اخلراب(= الفقدان)؟ �أجل‪ ،‬ب�إعادة ت�أ�سي�سه‪ ،‬ال�صعود �إىل جذوره‪ ،‬اقتفاء �أثر جينيالوجيا ال�ساللة‪،‬‬ ‫حيث ما �سيظهر ك�أنه معطى‪ ،‬فجيعة ناجزة (فقدان يو�سف الفر�سيوي لفلذة كبده يا�سني) نتيجة‬ ‫حتمية مل�صري �شوكته اجلارحة نبتت �أوال يف قرية "بومندرة" �أق�صى بالد الريف‪ ،‬لتبد�أ من هناك رحلة‬ ‫النزيف نحو مدينة زرهون‪ ،‬املتكئة على �رشف املحتد‪ ،‬بينما تاريخ احل�ضارة البونيقية كلها منكفئ‬ ‫�أمامها على �أ�رساره وخرابه‪ ،‬وبني الإثنني حممد الفر�سيوي الأب‪ ،‬الذي �صال وجال‪ ،‬وانتهى �أعمى‬ ‫بعد �أن طال امل�ستحيل‪! ‬‬ ‫‪ 6‬ـ هذا امل�صري‪ ،‬مولد تيمة الفقدان‪� ،‬ستتجلى يف م�صائر مت�شعبة‪ ،‬ال يوجد باحل�رسات‪ ،‬بالرثاء �إال‬ ‫يف ال�شعر‪� ،‬أما يف الرواية فقوامه‪ ،‬كما ذكرنا‪ ،‬بالبناء والرتكيب‪ ،‬وهذا ما �سيت�صدى له حممد الأ�شعري‬ ‫م�ؤلفا‪ ،‬مقدما لنا بطال‪ ،‬و�ساردا‪ ،‬و�شخ�صيات‪ ،‬بني ذوات و�أمناط‪ ،‬وعاملا حافال‪ ،‬لعمري‪ ،‬بعديد‬ ‫ال�شخ�صيات‪ ،‬والف�ضاءات‪ ،‬واملحكيات‪ ،‬كذا التقلبات املثرية من كل نوع‪ ،‬وامل�ستن�سخات‪ ،‬وغريها‪،‬‬ ‫كثري‪ ،‬كثري‪ ،‬ي�شد بع�ضها برقاب بع�ض‪ ،‬يف اكتظاظ الهث‪ ،‬حينا‪ ،‬و�آخر هام�س‪ ،‬مائ�س‪ ،‬بعد �أن‬ ‫ينتهي �صخب النهار ويعود الكائن �إىل "�رسير لعزلة ال�سنبلة" (عنوان ديوان لل�شاعر)‪ .‬تراه �أمام عجني‬ ‫تق�صد �أن يكون هائال‪ ،‬وهو يريد �أن يقدم هذا املجتمع الذي تتنا�سل فيه احلكايات‪ ،‬وتت�ضخم‬ ‫هائل‪ّ ،‬‬ ‫الف�ضائح‪ ،‬قر�صا‪ ،‬قر�صا‪ ،‬نا�ضجا ال فطريا وال حمرتقا‪ ،‬قد ُطرح وا�ستوى يف �أوانه‪ ،‬و�إن ا�شتعلت‬ ‫ناره لت�أتي على �أخ�رض الرواية وياب�س احلياة‪� ،‬سواء ب�سواء‪ .‬ذلك �أن لكل كتابة ثمنها الذي ت�ؤديه �إما‬ ‫ل�صالح مقروئية معينة‪ ،‬فت�ستجيب بذلك لذائقة بعينها‪� ،‬أو ل�صاحبها الذي يقرر الإ�صابة يف مقتل‬ ‫‪81‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫فيدفع بكل طاقته و�أ�سلحته‪ ،‬جهرا و�رسا‪ ،‬يكفي �أن االنتقال من �أعايل التجريد ال�شعري وجمازاته �إىل‬ ‫نرثية اليومي املبتذل‪ ،‬الرواية بعبارة �أخرى‪ ،‬هو نزول املالك �إىل الأر�ض وا�ضطراره ملعا�رشة ال�سما�رسة‬ ‫واملثليني والل�صو�ص واملهزومني واخلا�رسين‪ ،‬والرتب�ص بكل �رش لعني‪ ،‬مبا فيه �أن ي�أكل نف�سه‪� ،‬أي‬ ‫كاتب �إن�شاء عمل عن الفقدان‪ ،‬حتول بطله‪� ،‬سارده‪ ،‬نف�سه �إىل مو�ضوع عياين ووجداين‬ ‫�صمم ٌ‬ ‫بعد �أن ّ‬ ‫لهذا الفقدان‪ .‬و�إن وجب علينا الإقرار ب�أن نزوله الأر�ضي مل يلوثه مبن�سوب من عا�رشهم مبعان �شتى‪،‬‬ ‫فقد ظل يغت�سل يوميا‪ ،‬داخل كل ف�صل‪ ،‬و�أحيانا بني خطوة و�أخرى‪ ،‬مباء ال�شعر‪ ،‬بالكالم ال�صايف‬ ‫الأثري‪ ،‬ن�شيج الروح كمالذ �أخري‪ ،‬خماطرا يف انتقاله هذا بالظهور منف�صما‪ ،‬م�ض ّعفا‪ ،‬ير�سم �شخ�صية‬ ‫وينق�ضها‪ ،‬وال يتوقف عن البناء والهدم‪ ،‬ك�أنه يف �صعود �سيزيفي‪ ،‬ويف هذه احلالة ت�س�أل �أال يبايل‬ ‫�أين يوجه �رشاع �سفينة الكتابة‪ ،‬اللغة التي بها وداخلها يوجد‪� ،‬أم �أن من يخو�ض يف عباب اخلراب‪،‬‬ ‫وهو مادته للبناء ‪� -‬أي مفارقة؟ ‪ ! -‬ي�صبح حتما جزءاً من حطامه‪ ،‬بالتايل يحتاج مرة �إىل ترميم العنف‬ ‫بال�شعر‪ ،‬بلغة املجاز‪ ،‬ومرات‪� ،‬إىل ازدواجية تعبريية تتواءم‪ ،‬كما تقول البالغة‪ ،‬مع مقت�ضى احلال؟‬ ‫‪ .‬نظن الأرجح يف مكان �آخر‪.‬‬ ‫‪ 7‬ـ هي ق�صة يو�سف الفر�سيوي‪� ،‬أبوه حممد الفر�سيوي بطل �سابق يف الهجرة وحماولة �صنع جمد‬ ‫يف بلدة زرهون‪ ،‬وفدت �إليها ع�شريته من بالد الريف‪ ،‬وباء بخ�رسان مبني‪ ،‬انتهى به �أعمى كامللك‬ ‫ال�ضليل‪ ،‬يف خرائب وليلي‪ .‬مهنته �صحفي‪ .‬حالته املدنية متزوج‪ ،‬ثم مطلق‪ ،‬ثم عا�شق بال حدود‪.‬‬ ‫زواجه يثمر يا�سني‪ ،‬بذرة الفقدان والعمود الفقري الذي تتكون حوله َف َقَرات الرواية و�أع�ضا�ؤها‬ ‫وحلمها‪ .‬يا�سني‪ ،‬من حيث ال يحت�سب �أحد‪� ،‬سيفجر ج�سده يف �أفغان�ستان ن�رصة لق�ضية طالبان‪ ،‬هو‬ ‫ال�شاب الذي در�س يف فرن�سا‪ ،‬وكان مهيئا مل�ستقبل ع�رصي زاهر‪ .‬هو فقدان بال مقدمات‪ ،‬جاهز‬ ‫متاما‪ ،‬قل مقتطف من �أحداث ال�ساعة‪ ،‬مما متور به الأخبار عن حوادث الإرهاب يف العامل‪ ،‬وجزء من‬ ‫م�شهدية ظرفية عرفها املغرب( يف الدر البي�ضاء خا�صة) و�ضمن �إطار تنامي الظاهر الأ�صولية بعديد‬ ‫م�سمياتها(كذا)‪� .‬إننا يف قلب الأحداث‪� ،‬إذن‪ ،‬ويفرت�ض �أن من�ضي من الآن يف ق�صة ت�رشع ف�صولها‬ ‫تباعا لفعل رئي�س م�صدره ما �سبق‪ .‬ثم نتبني �أن الفعل ذاك لي�س �إال ذريعة مل�أزق بطلها‪� ،‬شخ�صيتها‬ ‫الأم‪ ،‬لنقل‪ ،‬الباحث عن نف�سه‪ ،‬كينونته متعددة االنف�صامات والهويات والأعطاب‪ ،‬الباحثة يف‬ ‫�آن عن مرتكز‪ ،‬عن "بر �أمان" عن حب مفقود‪ ،‬عن‪ ،‬عن‪ ..‬بعد �أن �أ�ضاعت كل مرتكز‪ ،‬وجاء موت‬ ‫يا�سني غري املتوقع كفعل �شنيع"ال معقول"من وجهة نظر‪ ،‬هو الذي"ذهب �إىل اجلنة"لي�صل بكل �شيء‪،‬‬ ‫بيو�سف الفر�سيوي �إىل النقطة املحورية للزلزال؛ �إن الرواية دائما لي�ست �إال ذريعتها (هي حبكتها‪،‬‬ ‫�أي�ضا)‪ .‬هي ذريعة �رضورية‪ ،‬متعمدة بقدر ما هي مو�ضوعاتية‪ ،‬حني تن�رسب �أو تنزلق تكاد تتحول‬ ‫‪82‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�إىل تيمة وحدها‪ ،‬ونقر�أ خطابا من�سوجا مبا ي�شبه املرافعة يف مواجهة هذا البالء امل�ستجد(= الإرهاب)‬ ‫ومن يت�رسع‪ ،‬ويطوي الف�صول الطويلة طيّا لي�صل �إىل خامتة تراوغ‪ ،‬مثل �رشيط �سينمائي‪ ،‬يريد خمرجه‬ ‫�أن ي�صل به �إىل ذروة ما قبل حلظة �أو لقطة االنفراج( لن �أقولها هنا كي ال �أف�سد ت�شويق القارئ ) ف�إنه‬ ‫�سيفتي بتقومي جاهز هو الآخر‪ ،‬رغم �أنه معطى‪ ،‬نعني الإفتاء ب�أننا �إزاء ما ي�سمى ب"رواية الأطروحة"‪،‬‬ ‫ونحن نرد هذا الدفع بي�رس �شديد‪ ،‬قائلني �إن كل عمل تخييلي‪ ،‬هو متولد عن فكرة‪ ،‬وق�صده البحث‬ ‫عن معنى‪� ،‬أو توليده‪ ،‬وال �أدب ينف�صل عن الق�صد‪ ،‬حتى ال ق�صديته مت�سي �إيديولوجيةـ نعفيكم هنا‬ ‫من �أي �إحالةـ وبالطبع مع تن�سيب يتفاوت معه الت�صنيف‪.‬‬ ‫‪ 8‬ـ �إن الذريعة املعنية هي ما يقود �إىل �صنع ق�صة يو�سف‪ ،‬ال ابنه يا�سني‪ ،‬ومن ثم �ساللة الفر�سيوي‬ ‫بكاملها‪ ،‬ومازق الوجود‪ ،‬مف�صال ومركبا‪ ،‬جزئيا و�شموليا‪ ،‬حمددا وجمردا يف �آن‪ .‬احلق �أن مهند�س‬ ‫حبكة الرواية و�ضع نف�سه منذ البداية يف منت�صف طرق‪ ،‬منعطف‪ ،‬بني وجهتني‪ ،‬وجعل‪ ،‬من مت بطله‬ ‫كم الأحداث التي �سيكون �إما طرفا مبا�رشا فيها‪ ،‬وهي‬ ‫يتمدد طوال وعر�ضا‪� ،‬شماال وجنوبا‪ ،‬ح�سب ّ‬ ‫قليلة‪ ،‬وهذا �أفق لل�رسد‪ ،‬و�إما �شاهدا عليها‪ ،‬هو الأغلب‪ ،‬و�إما خمرتقا بها‪ ،‬بنوع من التمطيط ال�رسدي‬ ‫حلوادث فعلية‪ ،‬وحمكيات حميطية (‪ )peripherique‬مبثابة خطوط بيانية واقعة بني ال�ضلعني الكبريين‪:‬‬ ‫�أ ـ ال�ضلع الأفقي تتواىل فوقه ن�ضائد وتكوينات املغرب اجلديد كما يعاي�شه الفر�سيوي الإبن‪،‬‬ ‫�صحفيا‪ ،‬ومنا�ضال �سيا�سيا خائبا وخا�رسا‪ ،‬وهو ما ير�سم بانوراما مغرب امل�ضاربات العقارية‪،‬‬ ‫وال�صفقات من كل نوع‪ ،‬واالنحرافات اجلن�سية‪ ،‬والتعبريات مع �أنواع ال�سلوك اجليلية النا�شئة ‪،‬‬ ‫باخت�صار كل ما �أ�صبح ب�ضاعة �صحافة تتعي�ش اليوم على الف�ضيحة والإثارة‪ ،‬وت�ش ّد �إليها �آالف القراءـ‬ ‫ق�شابتها" من‬ ‫ال نعرف �إن كانت هذه اجلاذبية ت�صلح للرواية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ونت�ساءل َع َر�ضاً كذلك هل ّ‬ ‫ال�سعة لتحوي داخلها كل ما ت�صادفه العني‪ ،‬وتزكم رائحته الأنف ـ م�رسودة ‪ ،‬بالأحرى م�ستعر�ضة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫من خالل �شخ�صيتي املحامي عبدالرحيم اخلياطي‪ ،‬ورجل الأعمال �أحمد جمد‪ ،‬مع ظاللهما الأخرى‪،‬‬ ‫الفر�سيوي هو ل�سان حالهما‪ ،‬ال�سارد العليم ب�أحوالهما‪ ،‬كما بحال كل من وما يتحرك بني "القو�س‬ ‫والفرا�شة"‪ ،‬ال ن�أمة ت�صدر وال حركة �إال وهو خالقها و�إليه الرجعى‪ ،‬وهو بينهما يف ذهاب و�إياب؛‬ ‫ال�ضلع الأفقي دائما‪ ،‬هو ما يُن�صب بالذهاب �إىل ه�ؤالء القوم ال�صطياد امل�شهدية الف�ضائحية‪ ،‬هي‬ ‫مظهر من احلياة‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬فما يتكاثر وي�ستفحل يتب ّده‪ ،‬ويفقد �إثارته‪ ،‬طبعا دون �أن متوت فيه دودة‬ ‫الف�ساد‪ ،‬وعندئذ فما يتبقى هو ت�صدي الكاتب(كاتب ما) لت�شخي�صها وتفكيك �إوالياتها‪ ،‬ومن ثم‬ ‫نقدها حلد �إدانتها‪ ،‬من ورائها �إدانة منظومة كلية �أنتجتها‪ .‬ترتاوح هذه الآلية بني ال�رسد والت�شخي�ص‬ ‫فتكون روائية‪ ،‬وال�شجب واخلطابية‪ ،‬عارية �أو م�سوغة بها‪ ،‬فتغري بنعت الأطروحية‪ ،‬بو�صفها‬ ‫‪83‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�سمة قدحية‪ ،‬فيما هي جزء �أ�صلي من م�رشوع ي�ضع ن�صب عينيه مقولة الروائي الإجنليزي جوزيف‬ ‫كونراد‪� ":‬إن املوقف الأخالقي يجب �أن يكون هدف كل ق�صة‪".‬؛‬ ‫ب ـ ال�ضلع العمودي‪ ،‬يهبط ح�سب �شكله ومرماه �إىل الداخل‪ ،‬هو يو�سف يف بطن ذاته وم�ساره‬ ‫ال�شخ�صي وامل�صريي‪ ،‬املن�سوج من �شبكية معقدة تتداخل فيها عالئق ال�سيا�سي( �سجني �سيا�سي �سابق‬ ‫"القنيطرة")؛ �صحفي يف جريدة ي�سارية‪� ،‬أو رمبا ي�سارية �سابقا؛ والعائلي ال�ساليل ( ابن الدم امل�شرتك‬ ‫من حممد الفر�سيوي �سل�سل الريف‪ ،‬بتاريخه الواقعي الأ�سطوري‪ ،‬وديوتيما الأملانية‪ ،‬مزيج واقع‬ ‫و�أ�سطورة‪ ،‬كبعلها) والزوجي( زوجته بهية‪ ،‬ذات احل�ضور ال�شبحي‪ ،‬من �ستفقد توازنها ب�سبب املوت‬ ‫الفجائعي البنها يا�سني‪ ،‬وتتخلى عن زوجها لتقرتن ب�صديقه اخلياطي‪ ،‬ويعود ليتوا ّد معها‪ ،‬ومت�ضي‬ ‫عالقة اجلميع‪ ،‬عجبا‪� ،‬سمنا على ع�سل) ثم ال�سجل الع�شقي (و�صله بليلى‪ ،‬العاطفي وال�شبقي‪� ،‬شبه‬ ‫الوجودي(؟)) ميكن �أن ن�ضيف �إليها فاطمة‪ ،‬كف�ضاء ل�صداقة تتطهر فيها ال�شخ�صية من �أدران االرتباط‬ ‫ب�أ�شخا�ص �سيئي ال�سمعة‪ ،‬ال يجد يو�سف‪( ،‬هل هي جمرد مفارقة؟!) الباحث عن م�صري طهراين‪ ،‬املندد‬ ‫بكل ماحوله‪ ،‬غ�ضا�ضة يف العي�ش يف �أح�ضانهم وبرتفهم‪ ،‬واالقتيات �صحفيا على فتات ف�ضائحهم‪.‬‬ ‫و�أهم عالقة يف نهاية املطاف‪ ،‬املركبة من العالئق ال�سابقة‪ ،‬تلك التي على امتداد العمل‪ ،‬يقيمها‬ ‫الفر�سيوي الإبن مع نف�سه‪ ،‬يف م�سعاه الالهث منقادا وراء م�صري الفقدان واخلراب اجلماعي‪ ،‬الذي‬ ‫هو ب�ؤرته‪ ،‬مبا �أنه يف قلب التيمة‪ ،‬وحوله‪ ،‬و�إن بذريعة موت يا�سني‪ ،‬يت�سل�سل احلكي‪ ،‬وبتبعات �رس ٍد‬ ‫زما ُمه يف يده دائما‪.‬‬ ‫‪ 9‬ـ ب�إمكان القارئ املجرب اعتبار ق�صة الفر�سيوي الأب جمرد حماولة �أخرى بني جتارب كثرية‬ ‫لتهريب الأزمة ال�شخ�صية‪ ،‬بتو�سيع دائرتها خارجها‪ ،‬و�إلإ�سهام يف �أ�سطرتها‪ ،‬من باب ت�صعيد‬ ‫الواقعي وتغريبه‪ .‬لكن هذه الق�صة ت�أخذ حيزا طباعيا كبريا‪ ،‬وت�ستخدم حمطة مرجعية مرا ت‪ ،‬بل هي‬ ‫والرنفانا العاطفية‪ ،‬والن�شوة ال�شبقية‪ ،‬والعطب املر�ضي املتناوب‪ ،‬تكاد ت�شكل �أقوى �آ�رصة ليو�سف‬ ‫بحياته التي ت�سبح يف اخل�سارات‪ ،‬وافتقاد املعنى بعد �أن تف�سخت �أمام ناظريه املعاين كلها ‪ .‬وفيما تطفو‬ ‫عاليا مرة جندها‪ ،‬مهما حاول ال�سارد تقريبها �إىل الف�سيف�ساء الواقعية الف�ضائحية‪ ،‬متثل بامل�صطلح‬ ‫ال�رسدي ما ي�سمى ب "التقعري"(‪) La mise en abime‬‬ ‫وحدها ف�سيف�ساء م�ستقلة‪ ،‬نُحتت من‪ :‬وليلي‪ ،‬بومندرة‪ ،‬الفر�سيوي الأب وزوجته مبغامراته‬ ‫الواقعية اال�ستيهامية‪ ،‬معا‪ ، ،‬تاريخ زرهون و"�رشفائها" و�أوبئتها‪ ،‬و�صوال �إىل �أوهام الفر�سيوي‬ ‫الإبن بت�أ�سي�س دولته الأمازيغية‪ ،‬يف غفلة من الدهر الغ�شوم‪ ،‬و�سواه من نتوءات �أ�سطوـ �أنرتبولوجية‪،‬‬ ‫وحفريات تاريخية‪ .‬هما لوحتان ف�سيف�سائيتان م�ستقلتان‪ ،‬لكن تبقيان مر�آتني متقابلتني‪ ،‬ب�إرادة من‬ ‫جعلهما عمادين لبناء رواية على الأنقا�ض‪ ،‬على خراب مت�سل�سل من ما�ض تليد �إىل �أن لقي حتفه يف‬ ‫‪84‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫العمى والزوال‪ ،‬وخراب هو وليد"مغرب جديد" ـ ال نعرف يف �أي حلظة ملن ينت�سب‪ ،‬رغم النكاية‬ ‫بالي�ساريني‪ ،‬تقليدي وجديد ـ ت�أبى الرواية �إال �أن تتو�سطهما بر�ؤية كاتبها‪ ،‬بحلم القو�س‪ ،‬قو�س قزح‪،‬‬ ‫�أو اخليال‪ ،‬لك�رس قبح وفظاظة الواقع وهجانته وف�ساد الأمكنة‪ ،‬وتلف القيم التي تتخذ الفرا�شة �شكال‬ ‫ورمزا‪ ،‬وال تخاف من احرتاقها ال�رسيع ب�أي �ضوء‪.‬‬ ‫‪10‬ـ �أ َو كان � ّأي �أحد يف هذه الرواية �سيلقى غري امل�صري الذي انتهى �إليه‪� ،‬سواء �آل �إليه ب�رسدية‬ ‫مقنعة على مقت�ضى احلبكة‪� ،‬أو بناء على تتميم "�رشيعة" الفقدان التي �سار على هديها وبنامو�سها‬ ‫ال�سارد‪ /‬الفر�سيوي الإبن؟ املعول يف كل عمل على ما قدمه كاتبه‪ ،‬فهو‪� ،‬أق�صد بطله‪ ،‬انتهيا �إىل‬ ‫ا�ستخال�ص �أن"ال �أحد ي�ستطيع �شيئا لأحد"(‪ ،)301‬ونحن نقول لهما بلى‪ ،‬مقرونة بهذا ال�س�ؤال‪،‬‬ ‫الت�سا�ؤل(جندد يف احلقيقة طرحه)‪:‬هل الفقدان حالة �شعورية‪ ،‬ور�ؤية �شعرية (جمازية‪ ،‬ا�ستعارية لخ‪)..‬‬ ‫التايل يرتبط التعبري عنها بالقول ال�شعري‪ ،‬وتتحكم يف �س ْوقها ُ�سنن ال�شعر‪ ،‬تذهب �إىل التجريد والقول‬ ‫الكلي‪ ،‬واملعنى الرتاجيدي(الطللي) فيها �أقرب �إىل التجني�س امللحمي منه �إىل الروائي‪� ،‬أم �أنه بنية‬ ‫واقعية انتظمت بالبناء والرتكيب‪ ،‬من مواد ب�ضاعة الإرهاب وعنا�رص التف�سخ املعلومة ب�إك�س�سواراتها‬ ‫وكلي�شيهاتها املتداولة‪ ،‬وقبل هذا ب�شخ�صياتها النمطية وتيماتها ال�شعارية‪ ،‬وبالتايل يجوز من باب‬ ‫مهجنا ومت�ضارب املعايري‪ ،‬خملخل القيم‪� ،‬أن نلب�سه ُجبّة ندخل‬ ‫اكتمال اللوحة البانورامية لواقع بات ّ‬ ‫حتتها ما يتفق وكيفما اتفق‪ ،‬و�أن نف�سح املجال يف هذا ال�سياق بالرجوع �إىل علبة املحكيات(العلبة‬ ‫�صندوق حكايات �ص‪ )216‬و�إىل تدافع ال�سجالت القولية واخلطابية‪ ،‬وال نحفل من االنتقال بينها‪،‬‬ ‫وننجذب �إىل حمافل الإثارة احلدثية بدءا من ال"‪" Rocambolesque‬وانتهاء بال"‪"Burlesque‬لإمتام‬ ‫�سرية الفقدان بكر�شندو (�آخر تلفظ يف الرواية)‪":‬غيمة بي�ضاء[ت�أخذنا] يف دويّها الهائل!‪".‬؟(‪)322‬‬ ‫‪11‬ـ نف�ضل ترك هذه الأ�سئلة مفتوحة‪ ،‬مكتفني بالقول ب�أن حممد الأ�شعري تنقل بنا يف"القو�س‬ ‫والفرا�شة" بر�شاقة من يتزلج بني �سريورة ال�رسد ور�ؤيوية اال�ستعارة‪ ،‬متماهيا بي�رس بني و�ضع ‪Statut‬‬ ‫الروائي �شاعرا‪ ،‬وال�شاعر روائيا‪ ،‬واملهم �أن الرواية هي طريقة خا�صة لتمجيد احلياة‪ ،‬و"‪..‬املهم هو‬ ‫الكتابة‪ ،‬هو هذه الطريقة التي ت�صبح بها الكلمات واجلمل �أهم من احلكاية‪� ،‬شيئا خال�صا‪ ،‬مينحك‬ ‫�إح�سا�سا بجمال مفرد‪ ،‬ال م�ضمون له‪� ،‬أم هو م�ضمون نف�سه‪ ،‬هل تفهم ذلك؟"(‪.)38‬‬

‫‪85‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪86‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الرواية العربية يف اجلزائر‪:‬‬ ‫رهان التخييل الذاتي‬

‫غر�ضنا هنا جتديد ال�صلة بالرواية العربية يف اجلزائر‪ ،‬الرواية املكتوبة حتديدا باللغة العربية‪،‬‬ ‫نعترب �أن �أختها ذات التعبري الفرن�سي تنتمي �إىل �سجل قويل وفني خا�ص‪ ،‬وترتبط ب�سياقات ن�ش�أة‬ ‫وتطور خمتلفني‪ ،‬و�إن كان التعبريان معا ابنا نبتة وطنية ووجدانية واحدة‪ .‬لقد عاجلت عديد درا�سات‬ ‫مو�ضوع الرواية اجلزائرية‪ ،‬مولية �أكرب االهتمام للجانب التاريخي‪ ،‬ومعتمدة �أ�سا�سا نهجه‪ ،‬مثلما‬ ‫اعتمدت درا�سة امل�ضامني يف مكوناتها الن�ضالية القرينة بحرب التحرير اجلزائرية ومنها الكفاح من‬ ‫�أجل اال�ستقالل‪ ،‬وما تال ذلك من حمالت عمل لبناء الدولة الوطنية من نواح خمتلفة‪ .‬وقد عا�شت‬ ‫هذه الدرا�سات‪ ،‬وتعليقات كثرية‪� ،‬إن مل نقل �إنها اعتا�شت طويال على �إح�صاء وتدوين الر�صيد‬ ‫الوطني الذي اتخذ ت�سمية ا�صطالحية ذات طبيعة �إيديولوجي هي"الثورة التحريرية"‪ ،‬معها �أ�صبح‬ ‫الأدب ب�أنواعه وم�ضامينه كافة �أداة حتري�ضية بالدرجة الأوىل‪� ،‬أو �إن وجهه الفني مل يكن �أكرث من‬ ‫ق�رشة على جلد املعنى املغ�ضن‪ .‬وبطبيعة احلال‪ ،‬ف�إن اجلزائر‪ ،‬يف مظهريها ال�سيا�سي والثقايف‪ ،‬مل يكن‬ ‫مبقدورها البقاء �أ�سرية هذا املُعطى‪ ،‬خا�صة وقد ا�ستنفدته على مدى عقود‪ ،‬وحتول عند بع�ض القوى �إىل‬ ‫مرجعية نكو�صية ملجمة دون التقدم واالنطالق يف �آفاق التغيري والتجديد على �أي م�ستوى‪.‬‬ ‫لقد كانت الرواية التاريخية والوطنية ال�سيا�سية‪ ،‬والواقعية عامة هي الوعاء ال�رسدي الذي احتوى‬ ‫مرحلة بكاملها‪ ،‬ومثّل �صورها وامل�شاعر الدافقة جليل و�أكرث‪ ،‬مل يكن اخلطاب الروائي فيها يختلف‬ ‫كثريا عن نظريه الإيديولوجي‪ ،‬وال�سيا�سي التعبوي‪ ،‬و�إن وجدت ا�ستثناءات ف�إنها تر�سخ القاعدة‬ ‫‪87‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الداعية �إىل �أدب تعبيئي ال ينف�صل عن جذور احلركة التحريرية‪ ،‬ويتوا�شج بقوة مع �شعارات الثورة‬ ‫الزراعية وال�صناعية وما �شاكل مما �أطلقته القيادة ال�سيا�سية الع�سكرية بعد اال�ستقالل وحلقات‬ ‫التغيريات واالنقالبات الداخلية‪ ،‬يف حني مل يكن املنظوراالنتقادي املتبلور يف رواية الواقعية النقدية‬ ‫ليتحدد �إال بالعالقة مع مبادئ وت�صورات مر�سومة �سلفا‪ ،‬وال�شخ�صيات املر�سومة �ضمنها هي �أمناط‬ ‫ومناذج قبلية ال حيوات مفتوحة على املحتمل‪ ،‬وال عاملها م�صنوع مبزاج ومفهوم التخييل‪ ،‬وما‬ ‫ذلك يف نهاية التحليل �إال لأن الكاتب مرتبط بناظم الدور الكفاحي التب�شريي للأدب يف جمتمع (ما‬ ‫بعد كولونياين) و�ساع �إىل البناء الوطني‪ .‬ال �شك �أننا نختزل هنا‪ ،‬وم�ضطرون لذلك‪ ،‬فلي�ست ُبغيتنا‬ ‫اال�ستعادة التاريخية التي باتت مكرورة ومملة‪ ،‬بل الذهاب يف خط التطور والتحول الذي انتقلت‬ ‫�إليه الرواية العربية يف اجلزائر‪ ،‬يف �سياق املحن التي تقلب فيها هذا البلد على امتداد العقود الأخرية‬ ‫متيزت خا�صة با�شتعال حرب �أهلية مدمرة بني الأ�صولية املتطرفة وال�سلطة احلاكمة‪ ،‬وقوى التنوير‬ ‫والتقدم والطموح الدميوقراطي‪ ،‬ثم بني هذه الأخرية والقوى املهيمنة‪ ،‬امل�ستمدة هيبتها من ر�صيد‬ ‫التحرير الوطني‪ ،‬وكذلك من خليط من �إيديولوجيا عامل ثالثية وخطط لتحقيق التقدم والتنمية‪.‬‬ ‫و�إذا كنا ال نومن �رضور ًة بالت�ساوق احلتمي بني الوقائع املو�ضوعية والتعبريات الثقافية‪ ،‬ف�إننا ال‬ ‫منلك يف الآن �إال مالحظة كيف �أن النتاج ال�رسدي التخييلي يف الأدب اجلزائري كان يف كثري من‬ ‫الأحيان ابنا �رشعيا لهذه الوقائع‪ ،‬ثم يف ما اعرتى احلياة من هزات عنيفة دفعت بالكتاب �إىل �إعادة‬ ‫النظر ر�أ�سا على عقب يف ت�صوراتهم و�أ�ساليب و" تقنيات" كتابتهم‪ ،‬وقد اختل التوازن‪ ،‬و�ضاعت‬ ‫وحدة الر�ؤية التي كانت ت�صهر املجتمع يف حلمة م�شرتكة‪ .‬انتقلت البالد من امل�رشوع الواحد �إىل‬ ‫املتعدد‪ ،‬ومن هيمنة �إيديولوجيا حرب التحرير �إىل العنف الأهلي‪ ،‬ومن مطامح النمو والدميوقراطية‬ ‫والعدالة االجتماعية �إىل تناق�ضات اجتماعية واقت�صادية ف�ضال عن وجهها ال�سيا�سي‪ ،‬تراوحت بني‬ ‫مكا�سب وخ�سارات‪ ،‬وانعك�ست عموما يف �صورة خيبة �أمل على نفو�س الكتاب‪ ،‬بل �إن كتاباتهم‬ ‫�أره�صت باالنك�سار‪ ،‬خا�صة بعد �أن حتولوا بني امل�صالح املتحاربة �إىل نخبة مارقة م�ستهدفة‪ ،‬و�صاروا‬ ‫منددين‪� ،‬أو نابذين ملا كان �أ�سالفهم‪ ،‬هم �أنف�سهم �أحيانا‪ ،‬به يتغنون‪ .‬هكذا طفقوا ين�سجون روايات‬ ‫وق�ص�صا تعتمد �أ�سا�سا القوا�سم امل�شرتكة التالية‪:‬ـ النقد الالذع حد ال�سخرية واملقت‪ ،‬ملرحلة ما بعد‬ ‫اال�ستقالل ورموزها؛ملا �سموه "الثورة املغت�صبة"‪ .‬ـ نبذ الر�ؤية الواقعية ذات املكونات املن�سجمة‪،‬‬ ‫املعتمدة على حماكاة الواقع‪ ،‬وتبجيل القيم والتاريخ بغنائية مفرطة‪ ،‬تروم حتقيق هوية وطنياتية‪ .‬ـ‬ ‫حت ّول الذات �إىل ب�ؤرة مركزية بدل اجلماعة �أو �إيديولوجيا التحرير الوطني‪ ،‬هي املنطلق‪ ،‬والبو�صلة‪،‬‬ ‫واملنظور‪.‬ـ ا�ستخدام الذات يف الكتابة ال�رسدية �أداة لنق�ض واقع مرفو�ض ومدان‪ ،‬وانتقالها �إىل موقع‬ ‫البطولة التي كانت حكرا على املجاهدين ورموز حركة التحرير‪.‬‬ ‫‪88‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ـ انهيار منظومة القيم املعتمدة خلفية‪ ،‬كر�ؤية للعامل‪ ،‬من غري �أن تعو�ضها ر�ؤية بديل‪ ،‬بالأحرى هي‬ ‫ب�صدد التكون من ت�شظي الواقع والإح�سا�س باالنك�سار‪.‬ـ تفكيك البنية ال�رسدية التقليدية جزءا وكال‪،‬‬ ‫وتعوي�ضها ببنية التفكك والت�شظي‪ .‬ـ اهتزاز مفهوم التخييل ال�رسدي املو�ضوعي بقوة‪ ،‬وتعوي�ضه‬ ‫بنموذج و�أ�سلوبية التخييل الذاتي‪ ،‬ك�شكل بديل للرواية بنَ َ�سقها وقواعدها املتداولة‪.‬‬ ‫ميكن القول ب�أن هذه القوا�سم تتخلل الأعمال ال�رسدية التي ُكتبت يف اجلزائر ابتداء من العقد‬ ‫الت�سعيني‪ ،‬وهي تزداد ت�صاعدا‪ ،‬وتبلغ �أوجها يف ال�سنوات الأخرية �إىل حد �أنها �أ�ضحت خا�صيات‬ ‫بارزة‪ ،‬ال طارئة �أو جتريبية‪ ،‬وغريها التقليدي‪ ،‬املن�سحب �إىل املا�ضي هو املرتاجع‪ .‬مبعنى �آخر‪ ،‬هناك‬ ‫جيل خمتلف‪ ،‬ي�شق لنف�سه طريقا م�ستقلة‪ ،‬وروايته ذات حمتوى ولبو�س فني مغايرتني‪ ،‬ترتاوح بني‬ ‫خ�صائ�ص التجربة ال�رسدية العربية اجلديدة كلها‪ ،‬و�ضمنها الأجنبية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬وبني ما ميكن �أن مييزها‬ ‫كعنا�رص من �إبداع الذات املحلية و�شواغل �أنا�س وجمتمع يبحثان عن م�صري و�أفق حياة �أخرى‪ ،‬غري ما‬ ‫�أتيح لهما حتى الآن‪� ،‬أو ما عا�شاه ب�أو�ضاع �شتى‪ .‬للوقوف على بع�ض مظاهر وعنا�رص هذا التحول‬ ‫واملغايرة يف جتربة الرواية العربية باجلزائر �سنعر�ص لن�صو�ص حمددة نلم�س فيها ما ي�سمح با�ستجالء‬ ‫املطلوب‪ ،‬ونهتدي بها للقاء نظرياتها يف �رسديات عربية �أخرى‪ ،‬يف �سياق التحول العام الذي تخو�ضه‬ ‫منذ �سنوات‪ ،‬وميثل بتفاوت‪ ،‬ومن بيئة �إىل �أخرى‪ ،‬خريطة تتلألأ يف �أطرافها مواقع كتابة خ�صبة‬ ‫وم�ضيئة‪ ،‬تعرب يف العمق عن حيوية خيال الروائي العربي‪ ،‬وا�ضطرام وجدانه ب�أزمات �أمته‪ ،‬ومكابدات‬ ‫الإن�سان‪ ،‬واقتناعه املتزايد بدور الكاتب يف جمتمعه ور�سالته ذات الوعي الأخالقي العايل‪ ،‬يف ارتباط‬ ‫وثيق مع الظالل اجلمالية الوارفة‪ ،‬بدونها تتهافت كل كتابة وي�ضمر عودها‪ .‬لنو�ضح قبل االنتقال �إىل‬ ‫مقاربة هذه النماذج ب�أنها متثيلية ال مثالية‪� ،‬أي غري ح�رصية بتاتا‪ ،‬وال تتحمل �أي حكم قيمة بالأف�ضلية‬ ‫على ما دونها مما لي�س واردا‪ ،‬فكل ناقد �أو دار�س م�ضطر للخ�ضوع ملبد�أي االختيار واملالءمة‪ ،‬قد‬ ‫يظهرا ع�سفيني ولكن ال منا�ص منهما‪ ،‬وهذا كل ما يف الأمر‪.‬‬ ‫�أنا �ضد الآخر؛ �أو الكاتب بديال‬

‫ننطلق يف هذه القراءة من رواية"دم الغزال" ملرزاق بقطا�ش(دار الق�صبة للن�رش‪ ،‬اجلزائر‪.)2002 ،‬‬ ‫�إنها متثل يف نظرنا ب�سبب حمكيها‪ ،‬وتدمريها التام لقواعد ال�رسد امل�ألوفة‪ ،‬وعنف م�ضمونها املطوح‬ ‫بواقعية امل�صاحلة واالن�سجام‪ ،‬و�أخريا با�ستبدالها البطولة �أو ال�شخ�صية املركزية االعتيادية بذات‬ ‫الكاتب نف�سه‪ ،‬باتخاذ ق�صته نف�سها م�ضمار �رسدها؛كل ذلك‪ ،‬وبحكم �أ�سبقيتها الزمنية‪ ،‬ي�ؤهلها‬ ‫لطليعة التعرف على جتربة ما انفكت ت�صنع مالحمها‪ ،‬وتتقلب يف خطى مغامرتها املحمودة حينا‪،‬‬ ‫املخاطرة حينا �آخر‪ ،‬ويف احلالتني هي مثمرة‪.‬‬ ‫‪89‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يت�صور قارئ"دم الغزال" �أنه يطلع يف م�ستهل القراءة على تقرير �صحفي عن جنازة �شخ�صية‬ ‫�سيا�سية كبرية مع موكب ت�شييع حمفوف بالرهبة وااللتبا�س والأ�شباح والت�سا�ؤالت املثرية‪ .‬هذا التقرير‬ ‫هو مبثابة توطئة لن�ص حماكمة‪� ،‬أو مرافعة تقريعية هوجاء �ضد و�ضع معني‪ .‬ي�صف الكاتب مرا�سيم‬ ‫جنازة "الرئي�س املغدور املغبون حممد بو�ضياف"(‪ ، )14‬الذي جلبته القيادة الع�سكرية من منفاه الطويل‬ ‫باملغرب لينقذ اجلزائر وقد و�صلت �إىل الباب امل�سدود‪ ،‬وتعر�ض للقتل من طرف جمهول �أو معلوم قيل‬ ‫�إنه القيادة ذاتها‪ .‬ويهتبل املقرر فر�صة الدفن هذه لري�سم �صورة مكربة للمقربة التي هي مربع لل�شهداء‬ ‫والرجال التاريخيني‪ ،‬ال يدفن فيها غريهم‪ ،‬وهم �أنف�سهم يودون ببع�ضهم �إىل حتفهمم‪ .‬ي�صب املقرر‬ ‫جام غ�ضبه عليهم‪ ،‬ناعتا �إياهم ب�أقذع نعوت القتل واجلرمية‪�":‬أال ما �أ�شبههم بتلك املجموعة من قطاع‬ ‫الطرق خالل العهد الأندل�سي الزاهرز"(‪.)10‬‬ ‫ثم ما يلبث القارئ �أن ينتبه �إىل �أن وا�صف اجلنازة‪ ،‬وكائل ال�شتائم هو الكاتب معلنا عن نف�سه‬ ‫�رصاحة‪�":‬أنا مرزاق بقطا�ش‪ ،‬من �ضمن امل�شيعني‪.)14(".‬هو من يريد تقدمي �شهادة مبثابة اعرتاف‬ ‫يف"هذه ال�سطور التي �أريد لها �أن تكون جميلة و�صادقو معا"(‪ )14‬يح�صد فيها حال ما �سماه‪":‬‬ ‫ثالثون �سنة كاملة من امل�ؤامرات والأطماع والأحقاد والدناءات" (‪ .)15‬احلا�رض يف املقربة‪ ،‬املعاين‬ ‫ملجرى الت�شييع والدفن‪ ،‬هو الروائي الذي ين�صب ب�رضبة الزب حماكمة علنية لبانوراما كلية حيث"‬ ‫تاريخ اجلزائر كله يتجمع يف هذه اللحظات �ضمن هذا املربع الرخامي املهزوز‪ .‬الأحياء واملوتى‪،‬‬ ‫الثوار والالثوار‪ ،‬الوطنيون وامل�صاليون‪ ،‬جبهة التحرير الوطني‪ ،‬اال�شرتاكيون و�أ�شباه ال�شيوعيني‪،‬‬ ‫الإ�سالميون واملالحدة‪.)27("..‬عن ه�ؤالء و�آخرين‪ ،‬وعن نف�سه يريد بقطا�ش ويعلن �أنه �سيكتب‬ ‫روايته‪ ،‬فيختفي مبا�رشة الفرق بني الواقع واخليال‪ ،‬احلقيقي واملمكن �أو املحتمل‪ ،‬لأن ما نقر�أه للوهلة‬ ‫الأوىل‪ ،‬وب�رصيح العبارة لي�س �أكرث من �صك اتهام �سيا�سي فج‪ ،‬حافز االدعاء فيه �أنه‪�":‬إن�سان يريد �أن‬ ‫يفهم ما يحدث يف هذا الوطن‪ ،‬وال يكاد يتبني طريقه"(‪.)27‬‬ ‫يدرك بقطا�ش امل�ؤلف �أنه ال ميكن �أن ي�ستمر يف �إر�سال خطابه الإداين �ضد القيادة الع�سكرية وحكام‬ ‫بالده‪ ،‬يف مرافعة ذات نربة ولهجة ال�صلة لها بالرواية فنا وخطابا‪� ،‬أي�ضا‪� .‬أنه �إن كان قا�صدا بجد كتابة‬ ‫رواية فال منا�ص من ترتيب عمله وفق �رشوطها‪ ،‬من ذلك مثال انتباهه �إىل كيفية ر�سم ال�شخ�صية‪":‬‬ ‫ال ميكن �أن �أكتب ق�صة �أو رواية دون �أن �أ�صف تقاطيع هذا الوجه �أو ذاك‪ .‬م�ستحيل علي �أن �أتقدم‬ ‫يف ال�رسد دون �أن �آخذ بعني االعتبار هذا العن�رص اجلوهري‪� ،‬أي الوجه‪� .‬أنا ال �أعرف رواية جيدة ال‬ ‫يلعب فيها وجه البطل دورا �أ�سا�سيا فيها" (‪ .)35‬وليخل�ص ب�أن كرثة "الت�سا�ؤالت �رشقا وغربا[ حول‬ ‫من ي�سميهم الفئة الباغية] لن يجدي نفعا يف هذا امل�ضمار"(‪ ،)40‬فم�ضمار الرواية يتطلب التزامات‬ ‫�أخرى ي�رشع علنا وتدريجيا يف فح�صها وعر�ضها �أمام القارئ‪ ،‬فهو بني حدين ال ثالث لهما‪":‬الواقع‬ ‫‪90‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫واقع و�أنا ال �أقوى على الوقوف يف وجهه‪ .‬والفن فن‪ ،‬و�أنا �أعجز ما �أكون عن معار�ضة دفقه يف‬ ‫وجداين"(‪.)43‬‬ ‫حمددا املوت مو�ضوعا رئي�سا"ف�إنني ارت�أيت �أن �أر�صد حياة �إن�سان �شارف املوت �أو جنا منه"(‪.)45‬‬ ‫ومعيّنا هويته وطبيعة �شخ�صيته و�إطار حياته‪":‬وقع اختياري على �إن�سان يف حوايل الأربعني من العمر‪،‬‬ ‫�صاحب ثقافة وا�سعة ونظرة فنية �إىل الأمور‪ .‬وكان البد يل من �أن �أحدد ما يعانيه هذا الإن�سان و�أنظر‬ ‫نظرة فاح�صة يف مر�ضه ـ �إذ جعلت منه �إن�سانا مري�ضا‬ ‫(‪ )...‬بل �إنني اخرتت �أن �أ�سكن هذا الإن�سان �شقة عالية تطل على �إحدى املقابر حتى تكون‬ ‫طقو�س املوت �أ�شد وقعا يف النفو�س و�أقرب �إىل احلقيقة"(‪ .)45‬بعد هذه املعلومات اال�ستهاللية ي�رشع‬ ‫امل�ؤلف يف العمل‪� ،‬أي يف كتابة الرواية‪.‬‬ ‫�إمنا دائما‪� ،‬أي رواية؟ لي�س غري ما ي�صطنعه امل�ؤلف نف�سه‪ ،‬وهو يريد �أن يخلق �ضعفه من خالل‬ ‫�آخر ي�ستمر يف فر�ض املراقبة عليه‪ ،‬ب�صنع حركاته و�سكناته‪ ،‬واقتفاء �أثره خطوة‪ ،‬خطوة‪ ،‬وتدبري‬ ‫كل ن�شاطه‪ ،‬مر�ضه وهو�سه وعالقته مبحيطه‪ ،‬من البداية �إىل ما يفرت�ض �أنه نهاية‪� ،‬أ ْوال‪ .‬بطله املفرت�ض‬ ‫�شخ�ص مري�ض بال�رسطان يكت�شف الطبيب ورمه مبكرا وي�ست�أ�صله بعد عملية جراحية جهة الأذن‪.‬‬ ‫وبدل ال�شفاء ت�ستبد به هواج�س‪ ،‬ويقعد يف بيته‪ ،‬وتتبدل عالقته مبحيطه العائلي‪ ،‬ومن �رشفة ال�شقة يطل‬ ‫على العامل اخلارجي متمثلة يف مقربة مقابلة‪ ،‬ويف احلي و�سكانه‪ ،‬ثم يقرر �أن يدون مرئياته و�أحا�سي�سه‪،‬‬ ‫و�أهله باتوا قلقني على عقله‪ ،‬وينقلونه �إىل ا�ست�شارات وم�ست�شفيات عقلية‪ ،‬وهو يعلن تعرثه بني �أنواع‬ ‫كتابية منها الرواية ـ الجرم‪ ،‬يعترب اال�ضطراب احلا�صل يف هذا العمل دليل ا�ضطراب تام ـ وبعد قلق‬ ‫معلن بكيفية تقريرية ال متثيلية �أو ا�ستبطانية‪ ،‬كما ي�صح يف الق�ص الفني‪ ،‬يدرك امل�ؤلف �صانع البطل‬ ‫املفرت�ض �أنه يف حاجة �إىل و�سيلة للإقناع "�إنه يف حاجة �إىل التفا�صيل ليكتب عن مو�ضوع املوت"(‪.)62‬‬ ‫ثم بعد ر�صف جمموعة من املرئيات واملالحظات والت�أمالت من كل نوع ي�صل هذا البطل الهجني‬ ‫�إىل قرار �أنه "مهتم ب�إر�ساء دعائم علم جديد هو علم اجلنازات وما يرتبط به من �أخالقيات"(‪،)93‬‬ ‫ا�ستخال�ص نظري‪ ،‬امل�ؤلف من ي�صل �إليه‪ ،‬به تنتهي حكاية هذه ال�شخ�صية املتنافرة‪ ،‬الذهنية بالدرجة‬ ‫الأوىل‪ ،‬رغم ما ابتغى لها امل�ؤلف من رغبة �صنع الوجه و�إرادة منحها �أكرب قدر من التفا�صيل ‪.‬‬ ‫�إمنا هناك دائما فرق بني الرغبة‪ ،‬والنية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬وهل كان بو�سع مرزاق بقطا�ش‪� ،‬أن يفعل �شيئا خمتلفا‬ ‫يف"دم الغزال"‪� ،‬أي �أن يكتب رواية بالقالب الفني املت�سق‪ ،‬قاب�ضة حقا على مادتها و�شخ�صياتها‪،‬‬ ‫وهو الذي‪ ،‬بالتجربة‪ ،‬باخلربة �أو بدونها‪ ،‬اختط �سلفا نهجني ر�أى فيهما �أف�ضل و�سيلة للو�صول �إىل‬ ‫بغيته‪ ،‬و�إبراز"�أطروحته" ثم الدفاع عنها با�ستماتة وعناد ا�ؤلئك القادة الذين" �أبلى البالء احل�سن"‬ ‫يف التنديد مبا �سماه "جرائمهم" حول القلم‪َ ،‬‬ ‫و�س َمه على ظهر غالف كتابه بندقية‬ ‫خال الرواية‪ ،‬ما َ‬ ‫‪91‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫كال�شنكوف يطلق بها النار على كل ما يتحرك �أمامه‪ ،‬منتقما بذلك ممن خانوا يف تقديره ثورة التحرير‬ ‫الوطني و�آمال ال�شعب اجلزائري‪ ،‬وقادوه‪ ،‬مثل بطله �صار خمتال بدل �أن يكون �سويا‪ ،‬والرواية مثله‬ ‫مت�شي على ر�أ�سها بدل �أن مت�شي على قدمني‪.‬‬ ‫هذا ما نعتقده نحن‪� ،‬أما امل�ؤلف فهو �صاحب ر�أي خمتلف‪ ،‬بل نظرية يف فن الرواية‪ ،‬يقحمها يف‬ ‫�صميم ما يعتربه �رسدا‪ ،‬يجهر بها ليقنع من مل يقتنع بهذا ال�رسد �أو ما يف مقامه‪ ،‬وبذا فهي تتجاوز‬ ‫درجة وداللة اخلطاب امليتا ـ روائي‪ ،‬الذي �سنالحظ �أنه �إحدى اخل�صائ�ص الطاغية على املنت الروائي يف‬ ‫الأدب العربي باجلزائر‪ ،‬ويعد مكونا �إ�ضافيا للتخييل الذاتي فيه‪ .‬تراه يعلن بال مباالة‪ ،‬مل َ ال بكثري من‬ ‫ال�شطط �أنه يطرح جانبا كل القواعد وما �شابه‪ ،‬لنقر�أ ون�ستخل�ص ب�أنف�سنا‪":‬البع�ض يقول �إن الرواية‬ ‫بداية وعقدة ونهاية‪ .‬والبع�ض الآخر يزعم �أنه من الواجب �أن تكتب الرواية بهذه الطريقة �أو تلك و�أن‬ ‫حترتم هذه املعايري �أو تلك‪� ،‬أي ح�سب ما توا�ضع عليه �أهل الرواية منذ مطالع القرن التا�سع ع�رش‪ .‬وها‬ ‫�أنذا �أ�رضب بهذه املعايري عر�ض احلائط‪� ،‬أ�سقطها من ح�سابي و�أنا �أخط هذه ال�سطور‪� .‬أنا �أكتب روايتي‬ ‫ح�سب مزاجي‪ ،‬ح�سب جتربتي(‪)...‬املهم يف نظري هو ال�رسد‪ ،‬هو �أن يقول الكاتب �شيئا‪ ،‬حكاية‪� ،‬أما‬ ‫التالعب بال�شكل وبغري ال�شكل فال يكاد يقدم رواية حقيقية"(‪�.)112‬إمنا‪ ،‬هل يعفي ت�سطري هذا الكالم‬ ‫الروائي حقا من مواجهة حقيقة ن�صه‪ ،‬متطلبات فنه‪ ،‬ومقت�ضيات �صنعته‪ ،‬خا�صة حني يعمد بنف�سه �إىل‬ ‫نق�ض ر�أيه بقوله‪":‬الرواية جتربة حياتية عميقة ولي�ست تنظريا ي�ضعه هذا �أو ذاك"(‪)112‬؟وهل ميكن‬ ‫ملحور الذات �أن ينتج ن�صا �رسديا �إذا مل تتمثل فيها لعبة هذا الفن ومناورات ت�شكله‪ ،‬ف�ضال عن قدرتها‬ ‫على التمثل الفعلي‪ ،‬على م�ستوى الت�شخي�ص والأداء‪ ،‬للتجربة تلك؟ يبدو مرزاق بقطا�ش مت�ساهال‬ ‫مع هذه الأ�سئلة املحتملة عنده‪ ،‬فيقدم عليها جوابا على درجة متناهية من اخلفة‪�..":‬أنا ال �أبحث‬ ‫عن وحدة ع�ضوية يف روايتي هذه لأنها قائمة تلقائيا‪ ،‬وال �أبحث عن بعد تراجيدي‪ ،‬ف�أنا الرتاجيديا‬ ‫بالذات"!(‪.)113‬‬ ‫ما دام بقطا�ش ي�صنف نف�سه وفهمه للرواية على هذا ال�شاكلة‪ ،‬ف�إن بو�سعه بالتايل‪ ،‬وهو امل�ؤلف‬ ‫والبطل وال�سارد ومو�ضوع ال�رسد والقارئ‪ ،‬والناقد‪ ،‬مل ال؟!‪ ،‬زد املن ِّظر‪� ،‬أن مي�ضي على هواه يف‬ ‫ا�ستحالب الذات املعذبة عنده باختالفها العقلي وال�سيا�سي والثقايف عن حميط مدان جملة وتف�صيال‪،‬‬ ‫يعي�ش فيه بقطا�ش الذي �أدخل امل�ست�شفى‪ ،‬وحتت ت�أثري احلقن ومكابدات مهلو�سة ي�ؤلف حكمه‬ ‫وي�صدر �أحكامه ميينا و�شماال‪ ،‬لت�أخذ‪ ،‬تارة‪ ،‬نربة احلكمة‪ ،‬و�أخرى‪ ،‬خطاب الورع والتقوى‪ ،‬ويف‬ ‫كل الأحوال هي لهجة من ال يفهم ماذا يحل بوطنه‪ ،‬يُقتل فيه �أبنا�ؤه‪ ،‬وها هو يتعر�ض مثلهم كع�ضو‬ ‫للمجل�س اال�ست�شاري الوطني ملحاولة اغتيال ينجو منها فتفتح عينيه على وعيه الداخلي‪ ،‬لكن عو�ض‬ ‫�أن ت�ستثمر هذه احلادثة‪ ،‬وتن�سجم مع"علم اجلنازت" الذي نوه باخت�صا�صه فيه‪ ،‬كناية عن حتول البالد‬ ‫‪92‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫كلها �إىل م�رسح للقتل واالحرتاب‪ ،‬وت�ستخدم ب�ؤرة واقعية قابلة لتوليد م�سار احلكي واحلبك والداللة‪،‬‬ ‫وعبارات و�أقواال متناثرة حول الوطن واحلياة والوجود‬ ‫ال نرى �إال حمكيات مبعرثة‪ ،‬وتفكيكا ال مربرا‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫والعدم‪ ،‬وتهوميات ما يدور بني الليل والنهار؛ �إجماال كالم مر�سل على عواهنه ي�شي يف احلقيقة بعدم‬ ‫ال�سيطرة على "ال�شيء الروائي"‪ ،‬هذا يف حالة وجوده وتهيكله‪� ،‬أكرث من رغبة م�سبقة لال�ستخفاف‬ ‫به‪.‬‬ ‫هل ميكن القول �أن هذا ال�رضب من الكتابة الروائية ير�سم خط حتول يف الرواية باجلزائر؟ بكل‬ ‫ت�أكيد‪ .‬بيد �أنه لي�س حتوال كيفيا بقدر ما هو خبط يرف�ض ما قبله‪ ،‬لكن ال ي�صل بعد �إىل مقدرة التطوير‬ ‫وال �إعادة الت�أ�سي�س‪ .‬هي يف احلقيقة"رواية" كتبها �صاحبها لإدانة الدمار الذي حلق بالده‪ ،‬لكن‪،‬‬ ‫مفارقة‪ ،‬متار�س بدورها تدمريا �إ�ضافيا كن�ص يت�صور �أن "التخييل الذاتي" يبيح كل �شيء‪ ،‬فيما �أن هذا‬ ‫الطراز من ال�رسد يبني قواعد وال يدعي �أنه"رواية الروايات"(‪.)126‬‬

‫‪93‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪94‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ب�شري مفتي‪ :‬راعي القيامة‬ ‫ال تختلف جتربة ب�شري مفتي كثريا عن �سلفه مرزاق بقطا�ش‪ ،‬وذلك من حيث جعلها املوت‬ ‫التيمة امل�شرتكة يف معاجلات اجليل اجلديد من الكتاب‪ ،‬الذين عربوا بدرجات متفاوتة عن �إح�سا�س‬ ‫االنك�سار وخيبة الأمل من �آباء و�سدنة حرب التحرير‪ ،‬وما توارثوه عنهم من حكم مدان مطلقا‬ ‫عندهم‪ .‬ففي روايته‪� ":‬أ�شجارالقيامة" (من�شورات االختالف‪ ،‬اجلزائر‪ )2005 ،‬ت�سطر �صفحات‬ ‫طوال من النقد الالذع لل�سلطة‪ ،‬حينا يف ما ي�شبه لهجة البيان ال�سيا�سي االحتجاجي‪ ،‬وحينا �آخر‬ ‫با�ستخدام لغة جمازية ت�ستبطن املعاناة ال�شخ�صية وت�سقط غ�ضبها على رموز الهيمنة و�أدوات القمع‬ ‫ومعامل الف�ساد‪ ،‬وبذا حتمل الن�ص نحو �أدبية مفرت�ضة تنقله من اخلطابية واملبا�رشة �إىل مقام الإ�شارة‬ ‫والتلميح املجازي‪� ،‬أحيانا بلغة �شعرية وبالغة �صافية‪.‬‬ ‫يلتقي مفتي مع بقطا�ش‪� ،‬أح�سب مع �آخرين‪ ،‬يف �رضورة �إعادة النظر يف كيفية الأداء الروائي‪،‬‬ ‫وعموما يف نظام ال�رسد التقليدي بوحداته وخ�صائ�صه املعلومة‪ .‬ن�سمعه يعلن هذا املوقف ب�صوت‬ ‫جهري‪ ،‬ونزعة تعليمية ت�شهر الرف�ض‪ ،‬وت�صخب بالتمرد‪ ،‬بان�سجام مع م�ضمون ق�صه امل�ؤ�س�س على‬ ‫الإدانة والت�شهري �ضد امل�ؤ�س�سة ال�سيا�سية الع�سكرية احلاكمة‪ ،‬مبمار�ساتها يف ميادين �شتى‪ .‬لذلك‬ ‫فالق�ص عنده مبني على مبد�أ "جتريب احلكي"(‪ ،)12‬وهو يوجه القارئ من البداية حتى ال ي�ضيع‪� ،‬أو‬ ‫ينفر من قراءته‪ ،‬فنظام التلقي ثابت‪ ،‬وهو ي�أتي �شاهرا �سالح التغيري‪ ،‬وقرار الرف�ض‪":‬ال �أفكر‪ ،‬مبعنى‬ ‫لن �أ�ضع �سلم �أولويات‪ .‬مل �أر�سم خريطة متوحدة للحياة‪ .‬لن �أكتب ق�صة حقيقية‪� ،‬أو خيالية‪ .‬كل �شيء‬ ‫ميكن �أن يوجد وال ميكنه كذلك �أن يوجد‪ .‬لن �أنتظر معجزات‪ ،‬هي حيوات �ست�رسد بعجز فادح عن‬ ‫ال�رسد‪ .‬وق�ص�ص تتلى‪ /‬تروى بال خوف وبعنفوان‪12(".‬ـ‪ .)13‬عجز نعاينه كما نعاين منه ونحن نرى‬ ‫الكاتب ال يقلع‪ ،‬يرتاوح‪ ،‬رمبا يتعرث بني الت�سا�ؤالت املحرية‪ ،‬واخلواطر املتناثرة‪ ،‬ال يعرف �أي وجهة‬ ‫‪95‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يق�صد‪ ،‬وال ما مو�ضوعه‪ ،‬وال حكيه؛ بطء يبد�أ بالبحث عن �أناه" �أين �أنا الآن؟ بع�ضي هناك‪ ،‬وبع�ضي‬ ‫الآخر هنا‪ .‬ال �أعرف �إال �أنني هنا‪ ،‬و�أطمح �أن �أ�صل �إىل هناك‪ .‬ما امل�سافة بيننا" (‪ .)10‬وميتد مبفردات‬ ‫امل�ؤلف �إىل"ال�سدمي‪ ،‬والفراغ‪ ،‬يف منطقة ا�سمها احللم‪ .)13("..‬ثم يعود م�ست�أنفا كاملعتذر‪� ":‬س�أحكي‪..‬‬ ‫ملاذا �أت�أخر يف البدء؟ من �أين؟ �أوه يا �إلهي من �أين؟"(‪.)17‬‬ ‫وهو ال يجيب على �أي �س�ؤال �إال مبزيد ا�ستغالق‪ ،‬و�إفراط يف نرث اخلواطر‪ .‬هو تعني الكاتب‬ ‫نف�سه‪ ،‬ال�شخ�صية املركزية وال�سارد معا‪ ،‬فنحن‪ ،‬مرة �أخرى نتحرك يف مدار التخييل الذاتي‪� ،‬أي‬ ‫هذا ال�رضب من الكتابة ال�رسدية املرتاوحة بني ال�سرية الذاتية والرواية‪ ،‬قل هي �سرية ذاتية تخرق‬ ‫بع�ض حمددات النوعني معا‪ ،‬ويكون امل�ؤلف بطلها حيث يروي مقاطع من حياته وفق ت�سل�سل �أو منطق‬ ‫معني‪ ،‬وهي قابلة للت�صديق والتوثيق‪ ،‬ويف الآن مكتوبة على ن�سق التخييل‪� ،‬أي ميكن لكاتبها �أن‬ ‫يدرج فيها �أحداثا و�أفعاال متخيلة �أو من قبيل ذلك‪ ،‬فتتماهى عندئذ مع �سرية �صاحبها والواقع‪� ،‬أي�ضا‪.‬‬ ‫ولي�س لنا �أن نحكم لهذا النوع املا ـ بيني �أو عليه‪ ،‬لنخت�رص قائلني �إنه بات يحظى بتعاط متزايد من فئة‬ ‫الكتاب يف الآداب ال�رسدية كلها‪ ،‬وعند جيل الع�رصيني خا�صة‪ ،‬ال نعلم هل لغواية فيه‪ ،‬مت�صلة برغبة‬ ‫حكي الذات‪� ،‬أم لتعذر تطويع الرواية مبواثيقها املحكمة‪ ،‬كما نالحظ مثال مع تف�شي ق�صيدة النرث‬ ‫بال �رضورة دائما‪ .‬حني �سيقرر �إطالق الرواية يتحدث عن �شخ�صية �شبحية‪ ،‬ي�سميها "فاء"وال نعلم‬ ‫لها �شكال وال فعال‪ ،‬هي �صورة تداعيات المر�أة حلمية‪ ،‬مثالية على الأغلب‪ ،‬يظل الكاتب يناجيها‬ ‫�إىل نهاية عمله‪ ،‬وميعن رجال الأمن الذين ي�ستولون على كتاب مذكراته يف ا�ستنطاقه عن حقيقة‬ ‫هذه ال�شخ�صية‪ ،‬فهو ميثل منوذج امل�ضطهد‪ ،‬ويتلذذ به جل ال�شخ�صيات م�ضطهدة ومعر�ضة لطاغوت‬ ‫القمع‪ ،‬وحياتها وردود فعلها م�شدود �إىل هذا ال�ضغط‪ ،‬وحني ي�رشف ال�رسد على االنطالق‪� ،‬أي‬ ‫عندما يح�رض ال�سارد ليت�سلم دوره ينربي له يف احلني م�ؤلف كلي احل�ضور والعلم‪ ،‬في�ست�أنف �سل�سلة‬ ‫خواطره واتهاماته و�رشور غ�ضبه على طبقة خانت‪� ،‬ألخ(كذا)‪ .‬نعلم بعد لأي �أنه يكتب"خواطر عن‬ ‫الثورة"(‪ ،)61‬و�أن"الهذيان"ديدنُه(‪ ،)63‬وو�سط تبعرث اخلواطر متتد �صفحات يحاول تدريجيا ربطها‬ ‫بال�شخ�صيات املر�شحة لرواية ال تقلع‪:‬‬ ‫ـ �ساعد‪ ،‬املنا�ضل الثوري‪ ،‬زوج زهرة‪ ،‬املخل�ص للثورة‪ ،‬و�أحد �أبنائها املغدورين‪ ،‬يدخل ويخرج‬ ‫مرارا �إىل ال�سجن‪ ،‬و�أخريا يفنى فيه بتهمة ملفقة‪�" ،‬إنه نوع خا�ص‪ ،‬جد خا�ص‪ ،‬يوجد مرة �أو مرتني‬ ‫يف القرن �أو القرنني‪ .)93(".‬وزهرة هي مالذه‪ ،‬تخلت عن طبقتها الرثية وعا�رشته‪ ،‬و�أ�صبحت املثال‬ ‫الذي يناجيه البطل حتى �إنها لتختلط علينا مع"فاء"‪ ،‬و�ستبقى بعيدة عن مناله‪ ،‬خمل�صة لزوجها‪ ،‬هي‬ ‫منوذج احلب و�أيقونة الرباءة‪ ،‬والآمال ال�ضائعة؛ �أولي�ست هذه هي الثورة يف �صورتها الرومان�سية؟!‬ ‫ـ خمتار‪ ،‬رفيق �ساعد والراوي‪� ،‬شخ�صية �شبحية �أكرث منها واقعية‪� ،‬صورة عن منا�ضل خمل�ص يف‬ ‫‪96‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫زمن يدينه امل�ؤلف ب�شدة‪":‬اليوم املف�سدون والقوادون والزبانية هم الذين يقودون الأمور‪ ،‬وميل�ؤون‬ ‫امل�ساحات املوجودة"(‪.)107‬الآخرون من يتحدثون عنه‪ ،‬وكرمية بالذات ‪.‬‬ ‫ـ كرمية‪ ،‬فتاة �أخرى من حي"الثقب" الف�ضاء الذي تتحرك فيه الرواية زعماً بالأ�سا�س‪ ،‬تزوجت‬ ‫مرتني‪ ،‬ولكن هواها دائما يف الراوي الذي يعرف ع�شقها له لكنه بدوره متعلق بحب م�ستحيل‪:‬‬ ‫زهرة زوجة �صديقه الرفيق املثايل �ساعد‪ .‬كرمية �ستذهب حد الإيقاع ب�ساعد لتنتقم من غرميتها زهرة‪،‬‬ ‫زج به يف ال�سجن‪،‬‬ ‫وهي من �سيقت�ص منها زوجها ال�سابق وتوجد يف النهاية مقتولة يف �شقة الراوي ليُ َّ‬ ‫ويعي�ش جتربة ق�سوة وعزلة �إىل جانب ق�سوة نوعني من التحقيق‪� :‬إجرامي و�سيا�سي‪.‬‬ ‫ـ زهرة‪ ،‬ي�سمح لها امل�ؤلف‪ ،‬يف لعبة �إعطاء كل �شخ�صية حقها املبا�رش يف الكالم‪ ،‬مبن فيهم القارئ‬ ‫والكاتب‪ ،‬لتتحرر من �سطوته وتوفر لنا معرفة �أف�ضل عن �سريتها ودواخلها‪ ،‬يف �رضب من التنويع‬ ‫على �إيقاع ال�رسد‪ ،‬وتو�سيع �أبعاد حكايات مبعرثة‪ ،‬ال رابط بينها يف الغالب‪� ،‬إن عد هذا رابطا‪ ،‬غري‬ ‫املواجع والإدانات ونربات االحتجاج امللحاح عرب ف�صول الكتاب كلها‪.‬‬ ‫ـ �أخريا‪ ،‬بل �أوال ودائما‪ ،‬امل�ؤلف‪ ،‬الراوئي‪ ،‬ال�سارد‪ ،‬من ال يت�سمى‪ ،‬يعلن عن نف�سه ب�ضمري‬ ‫املتكلم‪ ،‬ومبن يكتب‪ ،‬كاتب �أو يريد �أن ي�صبح كاتبا‪ ،‬واملحيطون به يعلمون‪� .‬شخ�ص نذر نف�سه‬ ‫خمل�صا لبلده‪ ،‬وهويته ال حتددها �أفعال‪ ،‬و�إمنا خواطر وم�شاعر مت�ضاربة ترتاوح بني م�ساءلة الذاتي‬ ‫واملو�ضوعي‪ ،‬وم�رشوعه الوحيد الفعلي هو الرواية التي هو ب�صدد كتابتها‪ ،‬ويريد �أن يوهمنا �أو‬ ‫�أن نقبل ب�أن ف�صول الكتاب متثلها‪ ،‬دون اقتناع تام ما دام كل �شيء يف جماله يتحرك يف مدار ال�شك‬ ‫والن�سبي‪ ،‬وخا�صة انعدام اليقني‪":‬ال �أدري �إن هي رواية �أم ال‪ ،‬ولكنها تتحدث عن جماعة حت�رض‬ ‫للثورة‪ ،‬تنظيم ثوري �سيغري �أو�ضاع احلي[الثقب] والبلد [اجلزائر] وكل �شيء"(‪ .)75‬ويف الآن‬ ‫يقرر‪":‬رمبا ال يوجد جدوى من الكلمات‪ ،‬رمبا لي�س هناك معنى حقيقي لكل هذا‪ ،‬ومن ال�صعب فرز‬ ‫احلقيقي من القناع"‪.)157(.‬‬ ‫بني هذه ال�شخ�صيات‪ ،‬املادية الإهاب حينا‪ ،‬الهالمية‪ ،‬الطيفية �أغلب الأحيان‪ ،‬وب�أحداث متباعدة‪،‬‬ ‫م�رسودة �أكرث من الذاكرة‪ ،‬و�صفها قليل‪ ،‬وت�سجيل التداعيات عنها وحولها املهيمن‪ ،‬تن�سج وتنه�ض‬ ‫رواية ب�شري مفتي‪ ،‬متثل يف قراءتنا �رصخة احتجاج �ضد" الثورة التي خانت �شعبها"(‪ )50‬ون�شيدا‬ ‫هذيانيا عن"رغبة عارمة يف الثورة"(‪ ،)82‬وبالتمركز حول ب�ؤرة واحدة‪ ،‬الذات فاعال و�ساردا‪� ،‬سرية‬ ‫وم�سارا‪ ،‬وتهيمن هذه الب�ؤرة على ما عداها مهما حاولت �صنع دوائر التعدد‪ ،‬لأنها �إمنا ت�ضاعف‬ ‫جمالها‪ ،‬وهي تعطي ال�صدى لهواج�سها‪ ،‬و�أي ن�شاط �رسدي �إن وجد خارج التمطيط اخلواطري‬ ‫اللغوي‪ ،‬ال ينجم عنه �أي تطور يذكر‪ ،‬مما يفعنا �إىل الت�سا�ؤل حقا هل �إن كل �شيء مباح وم�ستباح يف‬ ‫الرواية كما يطيب ملفتي �أن يقول‪ .‬ما من �شك �أننا �إزاء كتابة تريد التطليق‪ ،‬و"فك االرتباط" بالنهج‬ ‫‪97‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الواقعي‪ ،‬ونظام الر�ؤية املن�سجمة‪ ،‬وك�رس الن�سق الذي بات منعدما يف الواقع‪ ،‬فكيف له �أن يت�أتى يف‬ ‫الن�ص‪� ،‬إن هي �إال خيوط مفككة‪� ،‬أم�شاج‪ ،‬انعدام يقني بعد اختالل بل خ�سارة وتردي ما كان م�ستتبا‬ ‫من قيم‪ ،‬فكيف ال يتململ الن�ص ال�رسدي بدوره‪ ،‬ليلفظ ان�سجاما مزعوما‪ ،‬ويقدم �شخ�صيات ب�أدوار‬ ‫بطولة تبددت هالتها‪ ،‬وهوى جمدها‪� .‬إننا بهذه الكتابة مع ن�سق خمتلف‪ ،‬يرجع ن�سبه �إىل تلك املقولة‬ ‫النقدية والفل�سفية‪� ،‬أي�ضا‪" ،‬عهد التوج�س"( )‪� L’ère du soupçon‬أطلقتها ناتايل �ساروت ‪،‬يف كتابها‬ ‫بالعنوان ذاته ‪،‬منذ �سنة ‪1956‬وراحت �أوراق �شجرتها تنمو ‪،‬ت�أخذ يف كل بيئة ومناخ ثقايف اللون‬ ‫الذي يالئمها ‪.‬لقد �رست النبتة ال�شيطانية لل�شك يف تربة ح�سبها من ا�ستقر وط�ؤهم عليها �أنها همدت‪،‬‬ ‫و�إذا بها يف غليان ‪،‬وها هم �أبنا�ؤها ‪،‬نخ�ص منهم جبلة الكتاب ينتف�ضون على امل�ضامني والقوالب‬ ‫الفنية ال�سابقة على غ�ضبهم ورف�ضهم ‪،‬مفجرين لغة الأنا بخطاب البوح ‪،‬وتفخيخ امل�ضمون املبذول‪،‬‬ ‫حتى ولو عو�ضت بال�شيء ‪�،‬أي معنى الالمعنى ‪�.‬إمنا لنتذكر �أن �ساروت ‪،‬هي وفريقها �أمكنهم �إقامة‬ ‫بناء روائي را�سخ وعتيد هو اليوم جزء �أ�سا�س من تراث الرواية ‪،‬مل يعترب �أن كل �شيء مباح يف الرواية‪،‬‬ ‫لنقل �إنه بناء نه�ض على قواعد وكذلك الفن‪.‬‬

‫مرايا حميد عبد القادر‪..‬اخلائفة‬

‫�إنه ملن الطريف حقا �أن جند �أبطال جل الروايات ذات املنزع التجديدي يف اجلزائر يتطلعون‬ ‫لي�صبحوا كتابا‪ ،‬وهم يقدمون �رسودهم بو�صفها تعبريا عن هذا املنزع‪ ،‬يف الوقت الذي تعر�ض م�شاهد‬ ‫من حياتهم والواقع املر�صود‪ ،‬وهو ما يجعل منها خليطا من مذكرات‪ ،‬واعرتافات‪ ،‬ولوحات‪،‬‬ ‫ومونلوغات‪ ،‬و�أحيانا جمرد خواطر بال حدود‪ .‬هذا ما يثبته مرة �أخرى كتاب‪ ،‬رواية "مرايا اخلوف"‬ ‫حلميد عبد القادر( من�شورات ال�شهاب‪ ،‬اجلزائر‪ )2006 ،‬التي يعلن فيها بطلها‪� ،‬شخ�صيتها الرئي�س‬ ‫و�سارد الق�صة مبكرا‪� ":‬أرغب �أن �أكون كاتبا"(‪ ،)23‬وهي كذلك تن�ضح بالي�أ�س والويل والثبور‪ ،‬ال‬ ‫ترى بارقة �أمل يف معي�ش البالد‪ ":‬كلنا ن�شبه ال�سيد عدم[ بطل رواية هرني ميللر" مدار ال�رسطان"]‬ ‫يف هذا البلد‪ ،‬نحن ال�شيء"(‪)23‬؛ "�أحيانا �أقول عن املوت هو خال�صنا الوحيد‪ .‬املوت �أو احلب‪ ،‬ال‬ ‫منلك خيارا ثالثا"(‪ ،)24‬مع ا�ستدراك ي�أخذ باالعتبار ما يطمح �إليه الآالف يف بلدان العرب‪ ،‬يف بلدان‬ ‫اجلنوب كلها‪ ،‬كون‪":‬فكرة اخلال�ص توجد يف الرحيل فقط"(‪.)45‬‬ ‫ما دام احلب �أفق حياة ممكنة‪ ،‬ف�إن بطل "مرايا‪ "..‬يطرق بابه وهو يتعلق عبثا بفتاة غريقة مثله‪� ،‬شبه‬ ‫عاطلة‪ ،‬من �أ�رسة معوزة‪ ،‬تهيمن عليها �سلطة �أخ متجرب �رسعان ما �سيلقي بها يف قب�ضة �سلط �أعتى‪،‬‬ ‫متمثلة يف زواجها الق�رسي من �شاب متع�صب دينيا‪� ،‬سيخ�ضعها للحجاب‪ ،‬قبل �أن يزج بها الحقا‬ ‫يف �أتون حمرقة التمرد الع�سكري �ضد ال�سلطة‪ ،‬لتلتقي �أخريا ب "العا�شق الولهان" يف حلظة مفارقة‬ ‫‪98‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫مرعبة ترمز لت�ضارب عاملني‪ ،‬وخيبة �أمل م�شرتكة ت�صطدم بطريقني متباعدين‪ .‬طريق من بد�أ نهج �شبابه‬ ‫ب�شعار‪� ":‬أيها املعذبون يف الأر�ض‪ ،‬تبادلوا الع�شق‪ ،‬فهو خال�صكم‪ ،‬وم�ؤمنا ب�أن‪":‬اهلل يحب العا�شقني‬ ‫ال املتطرفني" وانتهى يف قوات مكافحة ه�ؤالء‪ ،‬بعد �أن ظل عاطال طويال‪ ،‬موزعا بني ف�شل الع�شق‪،‬‬ ‫وفقدان املعنى يف الوجود‪ ،‬مثل كثري من �أبناء جيله‪ ،‬والبحث عن عمل ير�ضيه وال يالقيه‪ ،‬وها هو‬ ‫ك�أنه يبيع �ضمريه‪ ،‬روحه ل�شيطان ال�سلطة( فاو�ستو�س‪ ،‬من جديد) يلتحق بفرقة �أمن خا�ص تطارد‬ ‫الأ�صوليني امل�سلحني‪ ،‬حقق بذلك �أمنه املادي‪ ،‬ويف الوقت �أ�ضاع �أمانه‪ ،‬بات نهبا للقلق واخلوف‪،‬‬ ‫و�أخريا فقدان اليقني‪ ،‬الأمل نهائيا‪ ،‬يجدف يف فراغ واقع �أ�ضاع الزمام‪.‬‬ ‫لن�سجل �أن مرايا اخلوف هي من بني الروايات التي ا�ستخدمت ال�صدام الدائر بني امل�سلحني‬ ‫الإ�سالميني وال�سلطة‪ ،‬وانعكا�س ذلك على احلياة االجتماعية‪ ،‬و�سلوك الأفراد وذهنياتهم‪ ،‬من‬ ‫خالل ب�ؤر وف�ضاءات حمددة‪� ،‬أحياء �شعبية‪ ،‬مراكز نفوذ‪ ،‬قوة �أمنية كا�سحة‪ ،‬وبال�رصاع املحتدم بني‬ ‫�أكرث من جيل يف جزائر ما انفكت ت�شهد حتوالت كربى‪ ،‬ويبحث �شبابها عن م�صري خال�ص‪ ،‬مثلما‬ ‫يعاند بع�ض اجليل الوطني للحفاظ على براءة ثورية مل تعد �أكرث من حنني باهت يف زمن تلوثت فيه‬ ‫ال�شعارات ُوزيفت‪ ،‬وهذه تيمة كربى �شغلت �أعماال �رسدية عديدة وما تزال طاغية ما دام الواقع‬ ‫نف�سه مرتعا لها‪ .‬زمن تتقابل فيه املرايا‪ ،‬وكل مر�آة تعك�س وتواجه نقي�ضها‪ ،‬ورواية عبد القادر تت�شيّد‬ ‫بهذه التقابالت‪ ،‬حيث تتنا�سل وتتقاطع خطابات متعار�ضة تعك�س �ألوان حياة جمتمع بعينه وعالمات‬ ‫ال�رصاع الدائرة فيه‪ .‬تارة ي�ستخدم الو�صف‪ ،‬والتمثيل طريقة �أداء‪ ،‬و�أخرى يعمد �إىل التعليق‪ ،‬وطورا‬ ‫يرتك العنان لل�سارد‪ ،‬بالأحرى لقلم امل�ؤلف‪ ،‬هو البطل نف�سه‪ ،‬يريد بدوره �أن ي�صبح كاتبا‪ ،‬ونالحظه ذا‬ ‫طبع رومان�سي‪ ،‬فيرتاوح خطابة بني الأ�سلوب اال�ستبطاين‪ ،‬وبني اخلاطرة يف بوح م�سرت�سل بال قيود‪،‬‬ ‫على �شاكلة ما تبيننا يف" �أ�شجار القيامة" وهي خا�صية تت�سم بها فعال ن�صو�ص ال�رسد املجدد يف �أدب‬ ‫اجلزائر‪ ،‬تن�ضح بخطابية عالية ال يتحملها جن�س الرواية‪ ،‬وي�سف بها‪.‬‬ ‫لن�سجل �أخريا يف هذا ال�سياق �أن ت�شغيل �آلية الأنا بدرجة ق�صوى‪ ،‬حيث يت�سلم �ضمري املتكلم زمام‬ ‫ال�رسد ويتماهى كثريا مع �أنا الكاتب‪� ،‬إذا كان قابال لالن�ضواء يف قالب التخييل الذاتي‪ ،‬ومنزعه هو‬ ‫الغالب عليه‪ ،‬ف�إن هذا الت�شغيل يفي�ض عن حده‪ ،‬ال يجد ما يكفي من م�سوغ‪ ،‬ويوحي ب�أن العجز عن‬ ‫اجرتاح �رسد مو�ضوعي‪ ،‬قاب�ض على زمام احلكي‪ ،‬وعارف جيدا بال�شيء الروائي‪ ،‬هو موجبه ولي�س‬ ‫الإح�سا�س حقا ب�أهمية االنتقال �إىل �سجل تعبريي �رسدي ي�ؤهل خلطاب مغاير‪ .‬ثمة من الكتاب املحدثني‬ ‫من يظن التخييل الذاتي قفة نرمي فيها بكل �شيء‪ ،‬بينما ال�رسد احلق ال يت�أتى �إال بالنخل واالنتقاء‪� ،‬أما‬ ‫طموح التجديد وحده فال يكفي �أبدا‪.‬‬

‫‪99‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪100‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�أمني الزاوي‪:‬‬

‫�إقامة �رسدية يف " ال�سماء الثامنة"‬ ‫رمبا هذا ما �سعى �إليه مبكرا �أمني الزاوي الذي بد�أ كتابة الرواية جمربا‪� ،‬أي" متعديا" على‬ ‫املتعارف من قواعدها الثابتة كما قر�أنا يف روايته" �صهيل اجل�سد"(‪ )1985‬التي هي فعال �صهيل لن�ص‬ ‫�أراد له م�ؤلفه �أن ينفك عن �سبق �إ�رصار من بنية ال�رسد التقليدية ويندفع يف بوح متدفق‪ ،‬وتدافع‬ ‫خطابات ال يلجمها �إال �ساردها الذي هو نف�سه بطلها‪� ،‬أو �صوتها املهيمن‪ ،‬رغم كل لعب التخفي‬ ‫التي ميار�سها‪ ،‬تعلق الأمر بال�ضمائر‪� ،‬أو تنويع احلكايات‪� ،‬أو تفتيت ب�ؤر مو�ضوع الرواية �أو ما توهم‬ ‫�أنها تدور حوله‪ .‬و�إن ما يجدر االنتباه �إليه لدى جيل الزاوي الذي خلف الرواد الواقعيني يف الرواية‬ ‫اجلزائرية‪ ،‬وهم يف احلقيقة امل�ؤ�س�سون الفعليون‪ ،‬انتقاله‪ ،‬على ُهدى من قراءات عربية وغربية‪ ،‬وبت�أثري‬ ‫تفاعالت جمتمع ما برح ميور ب�أحداث ج�سام‪� ،‬إىل �رضب من ال�رسد يجن�سه �سلفا‪� ،‬أو عنوة با�سم رواية‪،‬‬ ‫من غري �أن يحفل هذا اجليل كثريا بالتوافق مع مقت�ضيات والتزامات اجلن�س‪ .‬بالطبع لقد �أحدث هذا‬ ‫املنحى ت�شوي�شا يف عالقتهم بالقراء‪ ،‬بتاريخ التلقي الذي هو من �صميم تاريخ الأدب‪ ،‬ويف الوقت‬ ‫نف�سه مل يجر�ؤا على الذهاب بعيدا يف مغامرتهم‪ ،‬بل جمازفتهم‪ ،‬بحيث بقوا على الأغلب يف موقع املاـ‬ ‫بني‪� ،‬أو يراوحون يف جتريب بدئي ‪� ،‬أقرب �إىل التمرن على حماولة التمر�س بال�رسد التخييلي منه �إىل‬ ‫تطويره يف �أفق �أرحب و�أغنى‪ ،‬كما تقنعنا بذلك ن�صو�ص �أخرى يف بيئات �أدبية �أخرى‪.‬‬ ‫�أح�سب �أن �أمني الزاوي‪ ،‬بتنقله بني بيئته اجلزائرية وامل�رشقية‪ ،‬ويف تنازعه بني ثقافتني‪ :‬عربية‬ ‫وغربية‪ ،‬وتذوقه لهما تعلماً ولغةً( �أعني الفرن�سية حتديدا)‪� ،‬إ�ضافة �إىل ت�شبعه الوا�ضح باحل�سا�سية‬ ‫‪101‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫املحلية‪ ،‬من تقاليد وحمكيات وثقافة �شعبية عموما غذت موهبة ال تنكر‪� ،‬أن�ضجت فيه اال�ستعداد لإعادة‬ ‫�صوغ هذه احل�سا�سية ب�أدوات ال�رسد احلديث‪ ،‬وتوفري �أكرث من قالب ال�ستيعاب ما ين�ضوي حتتها من‬ ‫تيمات ومناذج وطقو�س‪ ،‬ورموز وعالمات تتجاور فيها وتتعانق �سحرية املوروث والثقافة ال�شعبية‪،‬‬ ‫ومكونات واقع م�ضطرم ب�أزمات الأفراد واجلماعات‪ .‬ما نعنيه بالقالب هو ال�شكل امل�ستوعب ملادة‬ ‫الق�ص و�أطرافها‪ ،‬وهو �إذا ما كان الرواية �أجنا�سيا ف�إنه يتحكم يف �صنع املادة وبلورة الق�ص‪ ،‬وتوجيه‬ ‫الأحداث‪ ،‬وفعل ال�شخ�صيات على هذا النحو �أو ذاك‪ ،‬مبا يخدم‪ ،‬وال�شك‪ُ ،‬مراما م�سبقا‪ ،‬متق�صدا‪،‬‬ ‫ن�سغه الر�ؤية التي ي�صدر عنها الكاتب ونحوها ينزع عمله يف النهاية‪ .‬نزعم �أن الزاوي و�أبناء جيله‪،‬‬ ‫وهم يتزايدون‪ ،‬لأنهم �أبناء نهاية القرن الفائت وع�رشية الألفية اجلديدة‪ ،‬مل يكونوا‪ ،‬لي�سوا م�ستعدين‬ ‫لتحمل م�س�ؤولية القالب الكال�سيكي‪� ،‬شكال وم�ضمونا‪ ،‬وال هو قريب �إىل املادة �شبه الهالمية التي‬ ‫بني �أيديهم‪ .‬فما عندهم هو ب�صدد الت�شكل‪ ،‬خليط بني حطام وما ي�شبه البناء‪ ،‬رفات ما�ض‪ ،‬و�أ�شباح‬ ‫حا�رض‪ ،‬و�أطياف ترتاءى يف م�ستقبل مدثر على الأغلب بعتمة الت�شا�ؤم‪ .‬ما بحوزتهم كمادة �رسدية‬ ‫يريدون ق�صها على النا�س ـ لأنه ال منا�ص من الق�ص يف الرواية‪ ،‬البد من احلكاية‪ ،‬ب�أي �صيغة جاءت‬ ‫ـ ال يتالءم مع قالب يتطلب االن�سجام والكمال‪ ،‬فيما هم ينحتون �أعمالهم من اخلراب والنق�صان‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬وبب�ساطة‪ ،‬تنتفي الكتابة لتحل حملها ال�شفوية‪ ،‬وتتخلخل اخلطية لتعو�ضها تداخل الأزمنة‬ ‫والأمكنة‪ ،‬وتتبعرث احلادثة مروية �أو مو�صوفة تعو�ضها التَّ ْ�شظية‪ ،‬وخا�صة تتهافت البطولة املركزية‬ ‫لل�شخ�صية الواحدية‪ ،‬و�أ�شباهها‪� ،‬إىل ال �شخ�صيات يف عامل �أو جمتمع ين�سحق فيه الفرد حتت �ضغط‬ ‫�أزماته الذاتية‪ ،‬وتطحنه قوى �إيديولوجية متثل الهيمنة وتكت�سح املجال‪ ،‬فال تبقي وال تذر؛ كيف ميكن‬ ‫للقالب الروائي القدمي ال�صمود يف وجهها‪.‬‬ ‫يف روايته"ال�سماء الثامنة"(�صدرت �أوال عن من�شورات ديوان املطبوعات اجلامعية باجلزائر عام‬ ‫‪ ،1994‬وبطبعة ثانية عن الناية للدرا�سات والن�رش بدم�شق‪ ،2008 ،‬وهي الطبعة املعتمدة عندنا) جتتمع‬ ‫كل خ�صائ�ص "التعدي" املذكورة‪ ،‬وتتمحور �أ�سا�سا يف النقلة التي يحدثها امل�ؤلف بتبئري عمله حول‬ ‫وحدة احلكاية‪ ،‬وجعل احلكائية مدماكا لن�شاطه ال�رسدي‪ .‬تعني احلكائية لدينا ا�ستثمار هذا الن�شاط‬ ‫ك�آلية �شفوية تنتج عن التذكر‪ ،‬وت�ستخدمه بدوره حلكي يذهب يف كل اجتاه‪ ،‬يتمطط‪ ،‬تارة‪ ،‬يتقل�ص‬ ‫تارة �أخرى‪ ،‬يرتكز حول حكاية واحدة‪ ،‬حدث بعينه‬ ‫لين�رصف �إىل اال�ستطراد بتوليد حكايات جماورة‪� ،‬أو ا�ستذكارات‪� ،‬إما متباعدة �أو قريبة ال�صلة‬ ‫باملحكي الأم املفرت�ض عند الكاتب‪ ،‬هذا الذي يحتاج القارئ با�ستمرار �إىل االنتباه �إليه بعناية و�إال‬ ‫فهو زئبقي‪ ،‬وهمي‪� ،‬أي خادع‪ ،‬و�إال لن ي�صدق احلكاية �إال خمدوع‪ ،‬حني يقع القارئ يف �إ�سارها‬ ‫بينما توا�صل الهروب منه يف ما ت�صنعه من متاهات‪� ،‬أو ت�صطنعه من �أحابيل‪ .‬هذا د�أب الزاوي الذي‬ ‫‪102‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يتنقل يف "ال�سماء الثامنة" التي لي�ست غري جماز‪ ،‬وبالطبع خماطرة واعية من كاتب يعلم �سلفا �أنه‬ ‫يجدف باجرتاحه هذه الت�سمية‪ ،‬طالبا الغفران اتقاء ذنب وعقاب باملر�صاد‪� ":‬أ�ستغفر اهلل العلي القدير‬ ‫على هذا الل�سان ال�سليط‪ ،‬وبعد طلب الغفران فقد �أزدت يف عدد ال�سماوات �سماء يركبها �شيطان‬ ‫الكذب بكل ما له من �سلطان على العباد �إذ يحول قلم ال�شعراء والكتاب �إىل حطب جهنم وبي�س‬ ‫امل�صري‪�(".‬ص‪ .)7‬يتعلق الأمر بطبيعة احلال بالكذب الفني‪ ،‬ذلك الذي وجد فيه الناقد العربي القدمي‬ ‫�أعذب ال�شعر �أكذبه‪ ،‬وباقتبا�س �أعذب ال�رسد �أكذبه‪� ،‬أي�ضا‪.‬‬ ‫بهذا امل�سوغ يطلق الزاوي العنان لذاكرته‪ ،‬وخميلته‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬م�ستخرجا من جعبتهما ما �شاء من‬ ‫احلكايات‪ ،‬املرويات‪ ،‬تاركا لنا مهمة ترتيبها‪ ،‬وتركيبها‪ ،‬وو�صل ما ينقطع من حلقات بني �شتاتها‪،‬‬ ‫مبتدئا‪ ،‬مت�أخرا‪ ،‬منقطعا‪ ،‬م�ست�أنفا‪ ،‬وهكذا �إىل نهاية لي�ست هي النهاية‪ ،‬مثل بداية ال ت�شبه �أي بداية‪،‬‬ ‫يف ما يُفرت�ض �أنه يحمل عنوان‪ /‬جتني�س "رواية"‪ .‬نفهم يف ال�صفحات الأوىل �أنه يحكي عن �شخ�ص‪/‬‬ ‫�شخ�صية حتن �إىل العودة �إىل �إ�سبانيا لأنها هناك عا�شت ووقعت يف خديعة وتريد االنتقام ممن خدعها‪،‬‬ ‫والرهان دائما امر�أة‪ ،‬امر�أة غربية‪ ،‬كما يحدث يف كل الروايات العربية‪ ،‬وللإن�سان العربي امل�ستلب‬ ‫�إىل الغرب‪ .‬ثم هي ذي يف �أملانيا‪ ،‬بطريقة ما‪ ،‬تلتقي ب�إ�سباين مثلي يغرر بها‪ ،‬وبوا�سطته حتلم بالرحيل‬ ‫�إىل �إ�سبانيا لتنفيذ املخطط الأول‪ ،‬لينقطع احلبل وال نعرف �أي بقية‪ .‬لننتقل بدل ذلك �إىل ق�صة �أخرى‪،‬‬ ‫ل�شخ�صية تدعى م�صطفى‪ ،‬من اجلائز �أن يكون ال�سابقة نف�سها‪ ،‬يحكي لزمالئه يف الثكنة الع�سكرية‬ ‫حيث مي�ضي اخلدمة الع�سكرية‪ ،‬ما جرى له يف مراحل خمتلفة من عمره‪ ،‬فيها طفولته ويفاعته و�شبابه‪،‬‬ ‫يحكي وال�صحب(اجلمهور) ي�ستزيدون‪ ،‬نظري ما يحدث يف حلقات اال�ستماع للرواة يف الأ�سواق‬ ‫العربية ال�شعبية‪ .‬وهم يحبون �أكرث من �أي �شيء �آخر �سماع ق�ص�ص الن�ساء واملغامرات اجلن�سية‪ ،‬منها‬ ‫ما جرى لأبيه الفقيه الذي تزوج على �أمه‪ ،‬وجمع يف فرا�شه اجلديد الزوجة اجلديدة وابنتها ف�صار‬ ‫يعا�رشهما معا‪ ،‬والأم نف�سها التي ت�سلم ج�سدها يف ليلة ما �إىل غريب‪ ،‬بينما هي ترمز �إىل التقوى‪،‬‬ ‫والإبن م�صطفى الذي يع�شق زوجة �أبيه‪ ،‬وير�سم لوحات من ال�شبق معها‪ ،‬زيادة �إىل ق�صة الذي يعا�رش‬ ‫عمته‪ .‬عند الزاوي كثري من هذا الو�صف والإثارة‪ ،‬يعري بهما جمتمعا ‪ ،‬ريفيا �أو ح�رضيا‪ ،‬يت�سرت على‬ ‫موبقاته‪ ،‬ويعي�ش يف �أنواع من املمار�سات املحرمة �شتى رغم كل ما يدعيه من وقار و�أخالقية‪ .‬وقد‬ ‫بلغ الزاوي الأوج يف هذا امل�ضمار يف روايته املكتوبة بالفرن�سية"‪("Le festin des mensonges‬فيار‪،‬‬ ‫باري�س‪( )2007 ،‬وليمة الأكاذيب) التي تدور كلها تقريبا حول زنا املحارم‪ ،‬ممثلة يف الفتى الذي‬ ‫ي�ستعيد ذكريات طفولته وتلمذته‪ ،‬م�ستحلبا املتع التي نالها مع ن�ساء �صباه وخالته بالذات التي كانت‬ ‫ت�ستفرد به‪ ،‬را�سما �صورا لأبيه‪ ،‬و�سكان حميطه يف القرية واملدينة تف�ضح عورتهم الأخالقية‪ ،‬وهي‬ ‫وال�شك �سرية جريئة‪ ،‬رمبا لهذا ال�سبب ن�رشها �صاحبها بالفرن�سية‪ ،‬لأنها �ستبدو م�ستفزة بالعربية‪ ،‬يف‬ ‫‪103‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫بيئة ال تقبل بعد ك�شف العورة على حقيقتها‪ ،‬وال ت�ست�سيغ هذا النوع من التعرية‪ ،‬حتى ولو جاء على‬ ‫منوال ال�رسد التخييلي‪.‬‬ ‫يروي م�صطفى يف "ال�سماء الثامنة" وهم ي�ستزيدون‪ ":‬اجلنود وال�ضباط و�ضباط ال�صف الذين‬ ‫يتحلقون حول م�صطفى يجعلون احلكاية يف فمه �أكرث �سيولة واندالقا‪ ،‬ال يريد م�صطفى للحكاية �أن‬ ‫ت�سري يف طريق م�ستقيم‪ ،‬الطريق امل�ستقيم مملة‪ .‬يجب �أن يكون طريق احلكاية كطريق هروب القط ال‬ ‫مي�شي �إال يف �سبيل ملتو‪�(".‬ص‪ .)89‬لقد قال �أمني الزاوي هنا كل �شيء‪ ،‬ومل يرتك للقارئ املعلق �إال‬ ‫قليل تعليق‪ ،‬فهو ذاته ي�صف خطة حكيه‪ ،‬وطريقة �رسده‪ ،‬املربكة‪ ،‬املتعرثة‪ ،‬املتعرجة‪ ،‬املتقطعة‪ ،‬وهو‬ ‫يف الآن يربر انقطاعاته املتوالية‪ ،‬التي ين�سبها �إىل ن�سق احلكاية‪ ":‬احلكاية لها غواية كغواية الأنثى‪.‬‬ ‫فحليمة �أمي التي كانت حتكي وهي تعرف فن احلكي على �أ�صوله ال كمجايلينا الذين اف�سدتهم �أخبار‬ ‫اجلرائد وو�سائل الإعالم املرئية وامل�سموعة(‪ )...‬كان على �أمي �أن ال تعلمني غواية احلكاية"(�ص‪.)93‬‬ ‫بهذا التربير‪( ،‬هل هو مقنع حقا؟) يروي م�صطفى خليط ذكريات‪ ،‬والراوي ال�سارد يقدم لوحات‬ ‫مما يعي�شه يف الثكنة‪ ،‬ليعود بنا يف نهاية املطاف‪ ،‬وعرب �إقحامات وفقرات دخيلة على املنت مل يتحكم‬ ‫امل�ؤلف يف ت�رسبها‪ ،‬هي حديث ثقايف ن�شاز ال تتحمله ال الرواية ف�أحرى احلكاية؛ يعود بنا �إىل �سرية‬ ‫ال�شخ�صية التي حتلم بالعودة �إىل �إ�سبانيا للعي�ش �أو االنتقام‪� ،‬أو لتذكر �أجماد طارق بن زياد‪ ،‬فهنا وهناك‬ ‫تهافت للذكريات وتوليد ل�رسود م�سقطة‪ ،‬وتهجني وهذيان‪ ،‬هو على الأغلب خطاب هذياين‪ ،‬ين�شد‬ ‫الإ�سهام يف تفكيك بنية ال�رسد التقليدي‪ ،‬كما ذكرنا‪ ،‬ويريد تغيري اخلطية بااللتواء‪ ،‬وا�ستبدال العامل‬ ‫الروائي املتما�سك بتعددية الف�ضاءات وتداخلها‪ ،‬دومنا رابط �أو ان�سجام‪ ،‬و�إزاحة ال�سارد املهيمن عن‬ ‫م�رسح ال�رسد ب�إحالل راوية ينبغي اعتماد خطابه ح�سب الن�سق ال�شفاهي‪� ،‬أي تن�سيب �أدبيته الكتابية‬ ‫�إىل �أق�صى حد‪� ،‬إن �أردنا حقا التعاطي معه وفق اجلن�س الروائي‪ ،‬و�إال ف�سن�رصف النظر عنه‪ ،‬وعن‬ ‫مناذج عدة مما كتب على هذا النمط‪ ،‬يف اجلزائر‪ ،‬ويف تون�س‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬وميكن �أن جند له نظريا يف بيئات‬ ‫�أدبية عربية‪� ،‬أخرى‪ .‬لي�ست ال�شفوية وال ت�شغيل �آليات �رسد احلكاية تنقي�صا‪ ،‬ال ت�صنيفا بالنوع الأدنى‬ ‫(‪)Genre mineur‬‬ ‫و�إمنا هو تو�صيف لو�ضع احلدود بني الأنواع ‪،‬فال بد من ذلك كدليل للقراءة ‪،‬ولر�صد ما حلق‬ ‫الكتابة ال�رسدية من تغري �أو متلمل على يد جيل من الكتاب نعترب �أن ن�صو�صهم ال�رسدية تن�سجم يف‬ ‫النهاية مع انعدام وحدة الر�ؤية التي ت�صدر عنها ‪،‬وتنزه �إىل �إعادة ر�سم املجال وا�ستغوارالذات ‪،‬عرب‬ ‫منظور املفكك واملتف�سخ ‪،‬والاليقني ‪،‬وا�ستفزاز املحرم ‪،‬وتعرية امل�سكوت عنه ‪،‬على الأغلب ‪.‬ال‬ ‫عجب �أن ت�أتي لغة هذه الن�صو�ص �شعرية ‪�،‬أي حمملة بق�سط وافر من املجاز ‪،‬فيما الرواية تذهب �إىل‬ ‫الق�صد مبا�رشة ‪،‬بلغة وا�صفة ‪،‬معينة ‪،‬وتبدو ترتاوح بني م�ستويات خطابية عدة ‪،‬ك�أنها تبغي التطويح‬ ‫‪104‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫بكل خطاب ‪،‬ومدارها الأول والأخري تذويت كل ما تقع عليه العني ‪،‬ومت�سه اليد ‪�،‬أما ال�شعور فهو‬ ‫معدنها الأم ‪،‬ولذلك ي�صح �أن نقول �إننا �أمام �رسديات حكائية ‪،‬نعم ‪،‬و�شعرية ‪�،‬أي ال ينبغي البحث‬ ‫فيها عن بويطيقا املحاكاة بقدر ما حتتاج �إىل مرافقتها كن�ص بقدمني على �أر�ض واقع ‪/‬حكاية ‪،‬و�إن ظل‬ ‫م�شدودا �إىل"ال�سماء الثامنة!"‬

‫‪105‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪106‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الرواية العربية يف تون�س‬

‫‪107‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪108‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫من الرواية �إىل اخلرب �إىل الرواية‬ ‫ح�سن عثمان "احلكواتي"‬

‫ميتد االن�شداد �إىل احلكاية باملعنى ال�شفوي التقليدي �إىل الرواية العربية يف تون�س‪ ،‬وهي تعرف‬ ‫امتدادها وتطورها الن�سبي يف ال�سياق العام حلركة التحديث الأدبي يف هذا البلد‪ ،‬الذي نه�ض كتابه‬ ‫باكرا بهذه املهمة‪ ،‬منخرطني فيها‪ ،‬كل يف فن‪ ،‬ومن وجهة نظر‪ ،‬م�سهمني يف �إغناء الر�صيد التجديدي‬ ‫للأدب العربي‪ ،‬رغم �أن زمالءنا الأ�شقاء يف امل�رشق العربي يرفعون �أنف�سهم وحدهم �إىل برج الريادة‬ ‫والتجديد‪ ،‬يف م�صنفات جتعل تاريخ الأدب مدونا مبقا�س‪ .‬و�إنه ملن نافلة القول التذكري ب�أن الأدب‬ ‫التون�سي توفر منذ ال�ستينات على منت �رسدي ات�سم باالختالف عن م�صادر الروائية العربية‪ ،‬ونزع‬ ‫�أ�صحابه نحو الرجوع باحلكي �إىل الأ�صول العربية‪� ،‬أي �إىل بنية اخلرب‪ ،‬وف�ضاء املروي ال�شفوي‪ ،‬وبع�ض‬ ‫طرائق حمكيات الأدبيات الكال�سيكية‪ .‬هذا ما نقف عليه خا�صة عند حممود امل�سعدي(‪1911‬ـ‪)2004‬‬ ‫"ال�سد"(‪ ،)1955‬و"ح ّدث �أبو هريرة قال"(‪ ،)1973‬على منوال تلك املحكيات‪،‬‬ ‫الذي �أ�صدر م�صنفيه ّ‬ ‫يريد �أن يجدد ال�رسد بالعودة �إىل الأ�صول‪ ،‬وبلغة تراثية ذات بنية حمكمة‪ ،‬فيما كان يزعم التجديد‬ ‫الذي نفهم �أنه يف هذا الباب ال ي�ستوحى من الغرب فقط‪� ،‬أو وحده‪ ،‬وهي ق�ضية ومفارقة حتتاج �إىل‬ ‫مبحث خا�ص‪ .‬يف هذا املنحى‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬و�إن ب�أ�سلوب مط ّوع وخمتلف‪ ،‬م�ضى عز الدين املدين(‪1938‬ـ)‪،‬‬ ‫�صاحب كتاب"الأدب التجريبي" الذي به �أعلن هويته الأدبية ك�صاحب كتابة مغايرة لل�سائد يف‬ ‫الزمن الإبداعي العربي‪ ،‬ومل يحد عنها‪ ،‬ف�صارت نهجا مالزما له‪ ،‬و�إن مل يتبعه يف خطها كثري‪.‬‬ ‫نعني ق�ص�صه"خرافات"(‪ ،)1968‬وخا�صة"الإن�سان ال�صفر"(ن�رشت مق�سمة �أوال يف ال�صحافة‬ ‫‪109‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫بني‪1967‬ـ‪ )1971‬الق�صة‪ ،‬الن�ص املنفتح على تعدد الأنواع‪� ،‬رسدي‪ ،‬م�رسحي‪ ،‬خطابي‪ ،‬ت�أملي‪،‬‬ ‫تقريري‪ ،‬يروم خلخلة ال�سائد و"خرق نظام الكالم امل�ستتب"‪ ،‬ومبوازاة هذا م�رسحيات م�ستلهمة‬ ‫كلها من الرتاث العربي الإ�سالمي‪ ،‬حمورها الرف�ض والتمرد‪ ،‬وك�رس الإجماع املتوهم �أو املفرو�ض‪.‬‬ ‫املهم �أن هذا الكاتب �أر�سى يف �أدب تون�س العربي‪ ،‬نتاجه ال�رسدي حتديدا‪ ،‬روح اخلرق ونهج‬ ‫االنزياح و�إىل منزعه ينت�سب غري فرع وغ�صن‪� ،‬سمري العيادي عندنا من �أمتنها يف وقته‪ ،‬و�آخرون‬ ‫حلقوا بال�سلف الق�ص�صي املارد‪.‬‬ ‫�صح نظرنا �أو جاوز حده‪ ،‬هي ر�صد‬ ‫نح�سب ح�سن بن عثمان من ه�ؤالء‪ ،‬وبغيتنا العاجلة‪� ،‬سواء ّ‬ ‫زاوية �إ�ضافية من زوايا التحول يف رواية املغرب العربي‪ ،‬وهي مت�أتية من ن�ص نرى �أن بن عثمان‬ ‫منبت ال�صلة مبا قبله‪ ،‬وهذا مذهب �صحيح يف التجديد والتوليد م�ستند‬ ‫امتلكه‪ ،‬ومل ي�أت اعتباطا‪ ،‬وال ّ‬ ‫�إىل �أ�صول‪� ،‬إىل �أ�صل م�شرتك‪ ،‬تليد تالدة حكايات �ألف ليلة وليلة‪ ،‬عتيق عتاقة �شخ�صية �شهرزاد‪،‬‬ ‫وطريف طرافة الفن ال�رسدي التخييلي‪ ،‬كما �أ�شاعه الأدب الغربي وو ّطده يف القرن التا�سع ع�رش‪،‬‬ ‫اتخذ له منذئذ طرائق و�ألوانا �شتى‪ .‬مرجعنا ومدخلنا �إليه كتابه "ليلة الليايل" املُجنّ�س"رواية"(تون�س‪،‬‬ ‫�سريي�س للن�رش‪ .)2000 ،‬و�أول ما ي�ستحق التنويه يف هذه الق�صة االنقالب الذي يحدثه امل�ؤلف‬ ‫على �شخ�صية �شهرزاد ال�شهرية‪ ،‬وذلك بتحويلها من دورالراوي(=ال�سارد احلديث)�إىل دور‬ ‫املروي(امل�رسود له)‪ ،‬ثانيا ا�ستخدام تكنيك الليايل ال�شهرزادية ملوا�صلة التوليف احلكائي‪ ،‬ثالثا جعل‬ ‫احلكايات تتنا�سل من بع�ضها‪ ،‬وهي تدريجيا تتب�أر حول حمكي �أكرب ت�صبح �شهرزاد يف الأخري ق�صته‬ ‫ومو�ضوعه‪ ،‬فيما الأطراف الأخرى التي عددناها مركزية لي�ست �إال ذرائع لتوزيع �إر�ساليات خطابية‬ ‫بدالالت انتقادية ق�صدية‪.‬‬ ‫يوزع ح�سن عثمان روايته ح�سب الليايل‪ ،‬وا�ضعا لكل ليلة مفرت�ضة عنوانا‪ ،‬ي�شغل حكاية بعينها‪،‬‬ ‫ويتكفل هو الراوي بنقلها‪ ،‬روايتها �إىل زوجته �شهرزاد‪ ،‬التي مل يعد لها بعد �أن عطبت عطبا كامال �إثر‬ ‫حادث �سري‪ ،‬كما �سنخرب يف النهاية‪� ،‬سوى مقدرة‪ ،‬ترياق اال�ستماع �إىل الزاد اليومي الذي يحمله‬ ‫الزوج (يو�سف عبد النا�رص)‪ .‬هكذا لدينا‪ :‬ليلة الفتى والفتاة؛ ليلة اللقيط والنذل؛ ليلة هالل الأحد‪،‬‬ ‫انتهاء بليلة الوقت الفني‪ .‬نحن مل نعن بع ّد هذه الليايل‪ ،‬فهي موزعة على الأغلب توزيعا �شكليا‪،‬‬ ‫وتكثريها يربك ويفكك بنية �رسدية يراد عمدا تفكيكها‪ ،‬و�إحداث خلط وت�شبيك خليوط احلكي‬ ‫�ضمنها‪ ،‬ومنه تعدد ال�شخ�صيات �أو تداخل �أدوارها‪ ،‬و�أ�صواتها‪ ،‬حدا يعوق يف احلقيقة �إمكانية‬ ‫القراءة‪ ،‬فكيف بالتلقي املخ�صو�ص‪ ،‬وهذا بع�ض ت�شو�ش رغبة يف جتديد بدل �أن يكتفي بخلق متعة‬ ‫وطرافة التنويع‪ ،‬يتحول �إىل عائق‪ ،‬وهو يف الأقل افتعال ال جدوى منه‪ ،‬ينتهي �إىل التغريب‪ .‬واحلق‬ ‫�أن كل ما يف هذه الرواية‪ ،‬املبنية‪� ،‬شكال‪ ،‬وفق معمار الليايل‪ ،‬ذاهب يف هذا امل�سار‪ ،‬وم�رسف فيه‬ ‫‪110‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫متناوب بني الواقعي والرمزي‪ ،‬حمكيه و�إن تعينّ يق�صد الرتميز‪ ،‬الذي ي�صل �إىل �أ�سماء ال�شخ�صيات‪.‬‬ ‫يف مقدمها �شخ�صية هالل �أحمد التي متثل ال ُهجنة‪ ،‬بحكم �أنه ابن غري �رشعي‪ ،‬والأ�ستاذية‪ ،‬نزعة‬ ‫التفل�سف والو�صاية على اجليل اجلديد‪ ،‬وال�صحفي املرتب�ص عبا�س‪ ،‬ال�شاب االنتهازي يحب �أن‬ ‫يرى نف�سه ب�صحبة �أهل الفكر والقلم وهو لي�س منهم‪ ،‬م�ضحيا بكل �شيء‪� ،‬صديقته‪ ،‬مثال‪ ،‬زبيدة‪،‬‬ ‫غر يرغب يف قتل الأب‪ ،‬فيما ميعن الأ�ستاذ‬ ‫ال�شابة املت�شاعرة املنتفخة ادعاء‪ ،‬رمز �آخر ل�شباب ّ‬ ‫والكاتب هالل يف حماولة �إخ�ضاعها معنويا‪ ،‬ثم انتهاكها ج�سديا‪ ،‬هو نف�سه اللقيط‪ ،‬ثمرة الزنا‪ ،‬الذي‬ ‫لي�س ابن �أحد‪ ،‬و�إمنا ابن بورقيبة‪ .‬هو ا�سم امل�ؤ�س�سة التي ترعى ه�ؤالء الأطفال‪ ،‬حتمل ا�سم الرئي�س‬ ‫�أبي الوطنية التون�سية‪ ،‬فهالل حتى وهو ابن �سِ فاح ابن ال�شعب‪ ،‬الذي �سيخو�ض م�سرية ع�صامية‬ ‫ويبلغ �أعلى املنا�صب العلمية‪ ،‬دائما وهو يحمل جرحه داخله‪ ،‬بالأحرى عاهته اخلفية التي يعي�ش‬ ‫بها ويت�سرت عليها‪ ،‬وهي مادة كتابته‪ ،‬مثلما يحمل جميع �شخو�ص الق�صة عاهاتهم يتبادلون لعبة‬ ‫الت�سرت والتكاذب داخل املجتمع‪ ،‬منهم �شهرزاد التي حتلم بنجومية �سينمائية ويف كل مرة يعوقها‬ ‫ج�سدها‪ ،‬واملخرج الذي يدينه الكاتب النبهاره العابر بفورة اجل�سد وتعهريه له متى ي�شاء‪ ،‬ويو�سف‬ ‫عبدا النا�رص‪ ،‬من �سي�صبح زوج املمثلة �شهرزاد بعد �أن ق�ضى زمنا يئ�س فيه من �إمكانية االقرتان من‬ ‫�أي امر�أة‪ ،‬ب�سبب عجزه اجلن�سي الذي يعو�ضه بالعادة ال�رسية‪ ،‬ولن ينت�رص عليه �إال باخلدعة‪ ،‬بتقم�ص‬ ‫دور رجويل يف متارين م�رسحية ترجتل مع قرينته يتقم�ص فيها دور �آخر‪ ،‬وبذا فعاهته يحملها معه دائما‪.‬‬ ‫بينما متثل �شهرزاد املثال الأق�صى والنموذج الفادح للعاهة‪� ،‬إثر حادث ال�سري‪ ،‬ببرت �ساقيها وفقدانها‬ ‫القدرة على الكالم‪ ،‬وحتولها �إىل كتلة تتجاوب بال�سمع واللم�س والنظر عن بعد‪.‬‬ ‫كل �شيء ي�سبح يف العاهة‪ ،‬و�صورها وحكاياها هي �أقرب ما تكون �إىل م�ستن�سخات (كلي�شيهات)‬ ‫يف �صيغة متثيالت رمزية عن جمتمع فا�سد ب�أفراد و�أزمات خليط بني ال�سيكولوجي والفكري واملادي‪،‬‬ ‫والدليل الإ�ضايف هو امتالء هذا الن�ص حد التخمة بخطابية تعليمية‪ ،‬تعاملية‪ ،‬والأدوار الروائية فيه‬ ‫�أ�صوات لإر�سال معان ور�سائل يريد الكاتب �إبالغها‪ ،‬ويت�صور جن�س الرواية‪ ،‬ب�شكل الليايل‪ ،‬ذي‬ ‫احلكائية ال�شفوية اال�ستطرادية واملمططة‪ ،‬قابال ال�ستيعابه‪ .‬هكذا تبقى الرواية املفرت�ضة حل�سن بن‬ ‫عثمان بنزوعها البينّ نحو التفتح على تلوينات الرتاث اخلربي‪ ،‬الكت�ساب م�سحة فنية مغايرة تتميز‬ ‫بها عن النماذج ال�رسدية الواقعية‪ ،‬الغالبة؛ تبقى مرتاوحة بني هذا االجتهاد املجازف‪ ،‬وبني رغبة يف‬ ‫ت�ضعيف الن�ص ال�رسدي‪ ،‬وترميزه بني الواقعي واخليايل‪ ،‬الجرتاح �رسدية تخييلية �أخرى‪ ،‬ودائما‬ ‫لالنزياح عن الرواية التقليدية‪� ،‬إمنا هو رهان ما �أخطره‪ ،‬وال تكفي فيه رواية واحدة‪ ،‬وال �شحنها‬ ‫بت�شوي�ش النربة اخلطابية التعليمية‪ ،‬هي بدايات الق�ص الجتديده �أو جتريبيته‪� ،‬أ�ضف �إىل هذا �أن النزعة‬ ‫ال�شكالنية‪� ،‬أي التي تفتعل عنا�رص املعمار والبناء اخلارجيني‪ ،‬ال تعدو �أن تكون بهرجة‪� ،‬أما ال�شكل‬ ‫‪111‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الفني احلقيقي فاملت�أتي من بنية العمل‪ ،‬مواده من الر�ؤية ذاتها للعمل‪ .‬نعتقد �أن على الكاتب‪ ،‬الروائي‬ ‫حتديدا‪� ،‬أن يجيب �ضمنا‪ ،‬قبل وداخل‪ ،‬وبعد ن�صه‪ ،‬عن �س�ؤال ملاذا يق�صد هذا اجلن�س الأدبي ال غريه‪،‬‬ ‫وبقدر وعيه بهذا ال�س�ؤال‪ ،‬واقتداره فنيا عليه‪� ،‬سيكون‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬م�ؤهال لكل رهان‪.‬‬

‫‪112‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫"حنة " حممد الباردي‪:‬‬

‫كيف تكتب الذات‬ ‫�سريتها روائياً‬ ‫َ‬

‫‪1‬ـ حممد الباردي �أديب تون�سي‪ ،‬باحث �أكادميي متخ�ص�ص يف النقد الأدبي‪ ،‬الروائي على‬ ‫وجه اخل�صو�ص‪ ،‬وله �إ�سهام يف الكتابة الروائية من خم�سة �أعمال‪� ،‬أولها(املالح وال�سفينة‪)1981 ،‬‬ ‫و�آخرها ( الكرنفال‪ ،)2003 ،‬و�آخر ن�ص �رسدي له بعنوان‪":‬حِ نة" جنّ�سه بال�شكل التايل‪�":‬سرية ذاتية‬ ‫روائية"(الكتاب الأول)‪� ،‬صادر عن مركز الرواية العربية‪ ،‬قاب�س‪ ،‬تون�س‪ .‬وللباردي �أعمال بحثية‬ ‫مميزة يف الدر�س الأدبي نخ�ص بالذكر منها‪":‬يف نظرية الرواية"و"�إن�شائية اخلطاب يف الرواية العربية‬ ‫احلديثة"(‪ )2004‬و"عندما تتكلم الذات ـ ال�سرية الذاتية يف الأدب العربي احلديث"(‪.)2005‬‬ ‫ال�سيرَ ي ملحمد الباردي‪ ،‬ومو�ضوعها ا�ستق�صاء مادته‪ ،‬وحماولة‬ ‫‪ 2‬ـ تخت�ص هذه املقالة بقراءة العمل ِّ‬ ‫فح�ص �أدواته‪ ،‬ومن وراء ذلك تعيني امل�س�ألة الأجنا�سية التي ين�ضوي فيها العمل‪� ،‬أبعد من اخل�صائ�ص‬ ‫الفنية املعلومة‪ ،‬و�أقرب �إىل �إمكانية تركيب فني نوعي‪ ،‬تت�ضافر فيه عنا�رص الواقع والذاكرة واملخيلة‬ ‫بجامع اللغة والأ�سلوب‪ ،‬معيّنا وجمازا‪ .‬العمل هو ال�سرية بعنوانها �أعاله‪ .‬وهو يلفت النظر من الوهلة‬ ‫الأوىل بالتجني�س املو�صوف به‪ ،‬وي�ضاعف الف�ضول وامل�ساءلة‪ .‬فمن نحو‪ ،‬ما زلنا نحن العرب نعترب‬ ‫ال�سرية الذاتية مثار غمو�ض‪ ،‬ومبعث ت�سا�ؤالت‪ ،‬مرتبطة على اخل�صو�ص بتاريخ الأفذاذ‪ ،‬كما تنطوي‬ ‫على البوح وك�شف امل�ستور‪ ،‬مما له تبعات �أخالقية وغريها معلومة‪ ،‬يف جمتمع متخم باملحظورات؛‬ ‫ومن نحو ثان‪ ،‬وهذا خمت�ص �أ�سا�سا بالبنية الكتابية وو�سائط التعبري والتبليغ داخلها‪ ،‬ي�شيد هذا العمل‬ ‫�رصحه وي�س ّوغه ب" يافطة "ا�سمها "الروائية"‪� ،‬أي ن�سبته �إىل جن�س الرواية‪ ،‬الذي هو فن التخييل‬ ‫‪113‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ ،La fiction‬فيكون مثبتا ونافيا لطبيعة مادة‪ ،‬جاهرا بها ومتالعبا يف �آن‪.‬‬ ‫‪3‬ـ ت�أتي كتابة هذه ال�سرية الحقة بعملية تنظري قام بها م�ؤلِف واحد‪� ،‬إذ الباردي �أعد بحثا عن هذا‬ ‫الفن ال�رسدي‪ ،‬قر�أناه �أوال‪ ،‬فوجدناه �أ�صيال يف بابه‪ ،‬جتاوز الت�أريخ الأدبي للنوع‪ ،‬و�ضبط جملة‬ ‫اخل�صائ�ص املميزة له‪� ،‬إىل ر�صد التحوالت النوعية داخله‪ ،‬عرب اختيار ن�صو�ص تقرتح �صيغ مقاربات‬ ‫متعددة له‪ ،‬ومن ثم تنقل القارئ بني �سجالت خمتلفة‪ ،‬حتى وهي تظهر مت�شابهة‪،‬‬ ‫فال يكون من الي�سري عندئذ اجلزم يف مفهوم التجني�س �أدبيا‪ ،‬وال انخراط املتلقي يف تعاقد وا�ضح‬ ‫مع غياب �أو ن�سبية امليثاق القرائي املقرتح لالنخراط‪ .‬بعبارة �أخرى ف�إن حممد الباردي وهو ير�سم‬ ‫�صريورة جن�س �أدبي ي�صنع يف الآن �إ�شكالية تخلقه‪ ،‬ت�ستمد عنا�رصها من ال�سياق العام لتولد الأجنا�س‬ ‫الأدبية احلديثة عند العرب‪ ،‬من جهة‪ ،‬وم�سنودة بالقلق املو�ضوعي القرين به مبفرده‪ ،‬من جهة �أخرى‪،‬‬ ‫�إ�ضافة �إىل املحاوالت املتوا�صلة لتبيئته فنيا يف �أدبنا‪.‬‬ ‫‪4‬ـ وعليه‪ ،‬ي�صبح من امل�رشوع الت�سا�ؤل �إىل �أي حد و�ضع امل�ؤلف نف�سه يف عالئق ومكونات‬ ‫الإ�شكالية‪ ،‬وكيف جتاوبت كتابته مع الطرفني الأ�سا�سني اللذين ترتاوح بينهما‪ ،‬امل�ستنبتتني من نزعة‬ ‫املهجن �إما فقدانا‬ ‫الن�صو�ص ذاتها‪ ،‬نحو ما هو �سري ذاتي‪ ،‬وما هو �سري ذاتي روائي‪ ،‬و�صوال �إىل ِ ّ‬ ‫للزمام‪� ،‬أو عمدا على مقت�ضى ما يريد الكاتب ملدونة �أن ت�صبح عليه‪� ،‬إذ الكتابة لي�ست حالة مزاجية‪،‬‬ ‫بل وعي فني ومو�ضوعاتي حمددان‪ ،‬ومرتهنة بنظام و�أفق‪ ،‬و�إال �صارت لغوا وخبط ع�شواء‪ ،‬ال عجب‬ ‫�أن يكون الكتاب قلة والل ْغويون كرثة متكاثرة‪ .‬لقد �أحلق الباردي ب�سريته الذاتية‪ ،‬كما �أملعنا‪ ،‬نعت‬ ‫الروائية‪ ،‬وهذا وعي كامل من باحث ي�ستخدم للآخرين معايري ليحدد فنيتها‪ ،‬وي�صنف انت�سابها‪،‬‬ ‫ُقل جتني�سها‪ ،‬فكيف وهو نف�سه يدخل م�ضمار اللعب‪ ،‬ليديل يف هذا املجال‪ ،‬كما يقال‪ ،‬بدلوه‪ .‬البد‬ ‫�أن ن�أخذ باالعتبار لدى القراءة‪ ،‬التي هي عملية �إعادة ت�أ�سي�س للن�ص‪ ،‬من زاوية التلقي الإيجابي‪،‬‬ ‫املتفاعل‪ ،‬هذا اال�شرتاط‪ ،‬ولي�س الإ�سقاط ب�أي حال‪ ،‬ي�شجعنا على �إيالئه من مدخل هذه القراءة عديد‬ ‫ملفوظات يك�شف فيها الكاتب �إما عن حريته جتاه م�صدر وطبيعة ا�ستذكاراته‪� ،‬أو تلفظ �رصيح يبث‬ ‫تارة يف تخييليتها‪ ،‬تارة ثانية يف واقعيتها املوثقة عنده‪ ،‬تراه يفعل ذلك ك�أنه مطالب ب�رضورة تقدمي‬ ‫م�سوغات لتجني�س الغالف‪ .‬و�إن نحن راكمنا جمموع امللفوظات ال�رصيحة‪ ،‬يليها الإيحاءات الرمزية‬ ‫وتعبرياتها املجازية‪ ،‬ف�سنتو�صل �إىل متوازية ميتا ـ ن�صية‪ ،‬ناتئة عارية فوق جلد ن�ص ال�سرية‪ ،‬وم�ؤولة‪،‬‬ ‫موجهة لها‪.‬‬

‫‪114‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ 5‬ـ ها نحن ن�صل �إىل الكلمة املفتاح‪� ،‬أعني الت�أويل‪ ،‬وهو خمتلف متاما عن الذائقة‪ ،‬باعتباره عملية‬ ‫م�رشوطة مبنظومة عقلية‪ ،‬وال �شك �أنها تبد�أ بالتعريف‪ ،‬الذي ي�سبقه التعرف‪ ،‬الذي بدوره يتم بو�سائط‬ ‫يف مقدمها تواتر ن�صو�ص‪ ،‬ينتظم يف تراكمها ن�سق ي�صبح ناظما فيها‪ ،‬ومنظما لها‪ ،‬وهو ما يحدث مع‬ ‫اجلن�س الأدبي عموما‪ ،‬وحينما حتدث االخرتاقات وتتعدد (الغارات) على الن�سق‪ ،‬فهو �إما يتململ‬ ‫ليف�سح مكانا �صغريا �أو كبريا �إىل جواره لوافد جديد(منزاح عنه يف الوقت نف�سه) وهذا حال النعوت‬ ‫والت�سميات امللحقة بال�سرية الذاتية التي تظل هنا جن�سا مرجعيا �أ�صال‪� ،‬أو ي�ؤدي تراكم (االنزياح)‬ ‫كخا�صية مف�صلية يف الن�ص ال�سري ذاتي‪ ،‬مثال‪� ،‬إىل �إبدال ي�أتي بن�سق مغاير‪ ،‬رغم �أنه ال يقطع حبل‬ ‫ال�رسة ‪ ،‬كذلك الذي بتنا نقر�ؤه مع ن�صو�ص ما ي�سمى ب"التخييل الذاتي"(‪ ،)L’auto- fiction‬يظهر‬ ‫فرعا(نوعا �صغريا) عالقة بالأب الأ�صل‬ ‫و�إن �صار �شيئا �آخر يقيمه �أجنا�سيا يف و�ضع �أدبي �شبه م�ستقل‪ ،‬نظري ما يتميز به الآن يف الآداب‬ ‫الغربية‪ ،‬وقليل منه �صحيح ومقبول يف �أدبنا لغلبة التلفيق‪ ،‬ين ِّمان �أحيانا عن خفة وجهل‪.‬‬ ‫وتعريف ال�سرية الذاتية يا �سادة ال غبار عليه‪ ،‬ومن ح�سن احلظ �أن له (نبيُّه) الذي ال يجادل‬ ‫�أحد بني الدار�سني الثقاة‪ ،‬غربا و ُعربا‪ ،‬يف در�سه‪ ،‬اجلامعي الفرن�سي فليب لوجون(‪ 1938‬ـ) يف قوله‬ ‫�إنها‪":‬حكي ا�ستعادي نرثي يقوم به �شخ�ص واقعي عن وجوده اخلا�ص‪ ،‬وذلك عندما يركز على حياته‬ ‫الفردية وعلى تاريخ �شخ�صيته ب�صفة خا�صة"‪ .‬و�إذا ما ظهر للبع�ض‪ ،‬ومنهم ال�سيد الباردي نف�سه‪� ،‬أن‬ ‫لوجون انقلب على نظريته الأم املبنية على"امليثاق ال�سريـ ذاتي"‪(Le pacte autobiographique‬‬ ‫‪ ،1975‬فال�شيء مينع من �أن ثوابت التعريف‪ ،‬وا�شرتاطاته قائمة‪ ،‬ولوجون نف�سه عاد وع ّدل بالإ�ضافة‬ ‫والتحوير‪ ،‬متمثلني خ�صو�صا يف مبحثيه الالحقني‪�" :‬أنا هو �آخر"‪autre)) 1980Je est un‬و "�أنا‬ ‫�أي�ضا‪ ،)1986( ) "(Moi aussi‬ثم ميدنا بعده جورج ماي يف كتابه امل�شتهر عن هذا اجلن�س(‪ )1979‬مبا‬ ‫ي�سمح بك�رس �آلية التعريف ال�صلبة‪ ،‬وتعوي�ضها بغريها ا�ستقر�أها من �رشيحة ن�صو�ص مو�سعة‪� ،‬أ�سعفت‬ ‫بان�سيابية اجلن�س ال�سريـ ذاتي وك�رس احلدود ال�صارمة التي تف�صله عن قرائن �أو نظائر �رسدية‪ ،‬و�أخرى‬ ‫جماورة‪ ،‬وهو ما يقود ماي يف النهاية �إىل ا�ستخال�ص �سيجد فيه كثريون �ضالتهم‪ ،‬مفاده �أنه ال يوجد‬ ‫مثال بني ال�سرية الذاتية واملذكرات‪� ،‬أو بني الأوىل دائما والرواية خط فا�صل‪ ،‬وكل ما يف الأمر �أنها‬ ‫م�س�ألة ن�سب ودرجات‪.‬‬ ‫‪ 6‬ـ �سرية حممد الباردي ذاتية حقا‪ ،‬ينطبق عليها تعريف لوجون حرفا‪ ،‬ويتطابق فيها ال�سارد‬ ‫وامل�ؤلف متاما‪ .‬ينتظم يف �سلكها جميع ما عرفناه يف �أدبنا عن هذا النوع مذ �شاده بنبوغ العميد طه‬ ‫ح�سني يف كتاب"الأيام"‪ ،‬ثم ت�سل�سل يف متون باتت معروفة‪ ،‬بني م�رشق ومغرب‪� ،‬سمحت لهذا‬ ‫‪115‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الفن‪ ،‬فن التعبري عن الذات بطريق ال�رسد والك�شف والبوح‪ ،‬بالر�سوخ و�ضمنت له بع�ض االعرتاف‪،‬‬ ‫ال كله‪ .‬لنقل ب�أن اعتماد هذا القول لي�س مي�رسا بداهة‪ ،‬كما ال يخلو من خطر‪ ،‬ف�ضال عن �أنه يبدو‬ ‫بع�ض مثقلٌ بالتبعات ال �سيما حني يت�صدى له الكبار‪،‬‬ ‫كعبارة �آخر مطاف‪ ،‬ولذلك فهو خالفا لتوقع ٍ‬ ‫ممن لهم باع يف �سيا�سة وحكم‪� ،‬أو ُعل ّو كعب يف علم وفن‪ ،‬حياتهم حافلة‪ ،‬ومراحلها وال�شك تطوي‬ ‫�أ�رسارا‪ ،‬وهذا يف جمتمع يت�سقط الأخبار ويعترب الذات عورة حتتاج �إىل �سرت دائم‪ ،‬والكتابة مهما ت�سرتت‬ ‫وا ّزينت تف�شي وتبوح‪ ،‬ذا مو�ضوعها‪� .‬سرية الباردي (يف الكتاب الأول الذي بني يدينا‪� ،‬إذ يفرت�ض‬ ‫�أن يلتحق به جزء ثان) خم�صو�صة بطفولة �صاحبها‪ ،‬يحرثها طوال وعر�ضا‪ ،‬كما عا�شها‪ ،‬وتق ّلب يف‬ ‫مرابع �صباه‪ ،‬مذ بد�أ يرى جيدا‪ ،‬ويدرك‪ ،‬ويح�س وي�شم‪ ،‬تتما�سك املرئيات يف عينيه‪ ،‬والأحا�سي�س‬ ‫تنتف�ض يف نف�سه‪ ،‬ما كاد يرتك قريبا وال جارا وال خملوقا ممن عرف‪ ،‬وال حيوانا عا�رش‪ ،‬وال مكانا انتقل‬ ‫�إليه‪� ،‬أو حالة مت�صلة بذكرى‪ ،‬قرينة مبعي�ش حي �إال وجلبه من خمزن املا�ضي �إىل م�رسح حا�رض الكتابة‪،‬‬ ‫حيا ينب�ض �إما واقعا خاما �أو يف غاللة‪� ،‬أو هو بينهما حائر‪ ،‬مت�سائل بني واقع وخيال‪.‬‬ ‫‪ 7‬ـ �سرية حممد الباردي‪ ،‬عبارة واقع كامل‪ ،‬عن بداية حياة �إن�سان‪ ،‬يف بيئة حمددة‪ ،‬بني مكان‬ ‫وزمان معينني‪ .‬يف اجلنوب التون�سي‪ ،‬وبال�ضبط يف مدينة قاب�س‪ ،‬بالأحرى ف�ضائها العام‪ ،‬املرتاوح بني‬ ‫جانب احلا�رضة واالمتداد القروي يف الواحات(ال تتم الإ�شارة �إىل الإ�سم �إال يف نهاية الكتاب‪ ،‬يف‬ ‫مقام التوقيع‪ ،‬عند الإعالن عن مكان الكتابة وتاريخها)‪ .‬وبالطبع يحتاج هذا الفن �إىل دواع للإقدام‬ ‫عليه‪ ،‬و�إال فلمن �شاء �أن يدبّج ما ي�شاء‪" .‬ملاذا تكتب حياتك؟ و�أي حياة ت�ستحق �أن تكتب؟"(‪.)9‬‬ ‫�سنالقي اجلواب يف نهاية الطريق الأول من هذه احلياة‪ ،‬حني يكتمل تعرفنا على حياة طفل عا�ش يف‬ ‫ال�ضنك‪ ،‬وعرف و�أه َله امل�شاق والأهوال‪ ،‬و�أمكنه يف معمعها �أن ينت�رص على املوت ب�إرادة البقاء‪،‬‬ ‫ك�أمنا تنزع �إىل اخللود وهي تخطب تدوين ذات بالكتابة‪.‬‬ ‫وحني نقارنها خا�صة بو�ضع �صاحبها يف حا�رضه‪ ،‬من ي�رس عي�ش‪ ،‬ومكانة علمية‪ ،‬وبلوغ �سن‬ ‫توافق النوع (مواليد‪)81( )1947‬؛"عندما تكرب وت�صبح �أ�ستاذا كبريا يف اجلامعة"(‪ )16‬وتبدل لأحوال‬ ‫الف�ضاء يف كل مظاهره‪� .‬إن االنت�صار العظيم الذي حققه طه ح�سني على عجزه‪ ،‬واالرتقاء الذي حققه‬ ‫بالتعليم ُ�ص ُعداً من قاع قرية مهملة �إىل قلب قلعة الأزهر‪ ،‬وما تاله‪ ،‬هو حجة كتابة �سريته‪ ،‬وكذلك‬ ‫بن�سبة معينة‪ ،‬يقب�س الباردي من العميد هذه احلجة‪ ،‬ويف كتابه النظري عن ال�سرية ال يخفي �إعجابه به‪،‬‬ ‫فريى �أن حياته ت�ستحق �أن تكتب‪ ،‬مثلما وجد املغربي حممد �شكري �أن �شقاءه و�شذوذ عي�شه‪ ،‬ي�ؤهالنه‬ ‫لينقل ذلك �إىل النا�س على النحو الذي نعلم‪.‬‬

‫‪116‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫عرف �إجماال بتدوين حياة واقعية و�شخ�صية‪ ،‬ب�ضمري املتكلم غالبا‪،‬‬ ‫‪ 8‬ـ و�إذا كانت ال�سرية الذاتية تُ ّ‬ ‫ف�إن مناط االهتمام فيها يكون ال�شخ�ص نف�سه وحوله و�أبعد منه‪ ،‬مبا ير�سم �صورة املحيط‪ ،‬الب�رشية‬ ‫واالجتماعية والثقافية‪ ،‬ويك�شف عن خفايا هي مبثابة البنية العميقة للمجتمع‪ .‬وعندي �أن ال�سرية‬ ‫"الباردية" تكت�سب �أهميتها يف مو�ضوعها‪ ،‬يف مادتها‪ ،‬قبل الو�صول �إىل متظهرها ال�شكلي‪� ،‬إذ انطالقا‬ ‫من الطفل الذي كان‪ ،‬تنت�صب مر�آة ـ مرايا تنعك�س عليها �صور البيئة و�أحوال الزمان‪ ،‬ل"قابُ َ�س"‪ ،‬يف‬ ‫قلب اجلنوب‪ ،‬يف قلب تون�س‪ ،‬التي يف و�ضع االحتالل الأجنبي‪ ،‬ومعرتك ال�رصاع اال�ستعماري؛ مر�آة‬ ‫ـ مرايا تطوف بال�صيغة "ال�ستاندالية" ذاتها لتعك�س معي�ش جمتمع و�أمناط �سلوكه و�أخالقه‪ ،‬تراتبيته‪،‬‬ ‫وثقافته‪ ،‬وكيفية ك�سبه‪ ،‬وتنوعه العرقي والديني‪ ،‬و�إجماال �صورته احل�ضارية املر ّكبة‪� ،‬إىل حد �أن �سرية‬ ‫الطفولة �إمنا تظهر‪ ،‬وت�ؤ ّول‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ذريعة �أحيانا ملا هو �أكرب منها‪� ،‬أخ�صب‪ ،‬بل ذا ما يعطيها الأهمية‪،‬‬ ‫فقرها املادي املدقع �إىل غنى ال ينكر‪ .‬بالطبع‪ ،‬نحن هنا �أمام وعي للذات تطور يف غدها‪،‬‬ ‫مبا يح ّول َ‬ ‫وقد �أ�صبح"�أنا �آخر"‪ ،‬فال ذات تعي نف�سها مبكرا‪ ،‬وهي"تطل على الأيام املا�ضية"(‪)25‬؛"لكنك لن‬ ‫ت�ستطيع �أن تعي�ش تلك اللحظة مهما فعلت‪ ،‬وها �أنت تريد �أن ت�ستعيد �ألقها وحرارتها"(‪ .)13‬وهو ما‬ ‫يقود �إىل مع�ضلة كتابة ال�سرية الذاتية عموما‪ ،‬ورهان كل كاتب معها على حدة‪ ،‬خ�صو�صا‪.‬‬ ‫‪ 9‬ـ هو الوعي الذي تنتجه الكتابة لدى قيامها ب�إعادة ترتيب مواد الذاكرة اخلام‪"( ،‬و�أنت حتاول‬ ‫�أن ترتب حياتك املا�ضية وتنقذ ما بقي منها")(‪)27‬وتوزيعها وفق نظام يك�رس الزمن الكرونولوجي‬ ‫الذي تت�سل�سل فيه �سرية �صاحبها فيما مت�ضي دائما ب�إيقاع متقدم‪� .‬إنه يتمثل يف �رسد الذات وحميطها‬ ‫من خالل تيمة حمددة‪� ،‬أو �إنك واجد نف�سك يف قلب هذه التيمة‪ ،‬ومنها �إىل �أخرى‪ :‬الفقر‪ ،‬احلرمان‪،‬‬ ‫اليتم‪ ،‬الرتمل‪ ،‬الظلم‪ ،‬العجز‪ ،‬القناعة‪ ،‬ال�صرب‪ ،‬ال�شجاعة‪ ،‬الغدر‪ ،‬الق�سوة‪ ،‬الفقدا الب�ساطة‪ ،‬الكربياء‪،‬‬ ‫الكرامة‪ ،‬اجل�شع‪ ،‬ال�شبق‪ ،‬الوحدة‪� ،‬إلخ‪..‬مما يرتاوح‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬بني امل�شاعر والقيم‪ .‬مت�ضي الف�صول‬ ‫الع�رشون من �سرية الباردي وهي تقيم حول كل واحدة من هذه احلوافز مدارا حكائيا‪ ،‬وت�صويرا‬ ‫بيئيا‪ ،‬وتلوينا طبيعيا‪ ،‬و�إ�ضاءة اجتماعية‪ ،‬وحفرا �أنرتبواوجيا‪ ،‬وا�ستبطانا نف�سيا‪ ،‬ونقدا �أخالقيا‪،‬‬ ‫كله �ضمن �صورة بانورامية‪ ،‬الأنا ال�سري ذاتية فيها امللتقى‪ ،‬منه تتفرق �سبل احلكي واملحكيات �أكرث‬ ‫منها مركز التبئري بال�رضورة‪ ،‬رغم حظوتها ب"البطولة" بحكم النوع الذي تندرج فيه كتابيا‪ .‬علما‬ ‫ب�أن �أي �أنا ال توجد منف�صلة عن املجموع‪ ،‬وذكاء ال�سارد (امل�ؤلف)لإبعاد �شبهة ت�ضخيم الذات عنها‬ ‫ك�شفها عرب وبوا�سطة حيوات الآخرين‪.‬‬

‫‪117‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ 10‬ـ يقودنا هذا �إىل الإقرار ب�أن ال�سرية الذاتية لي�ست جمرد خطاب عن م�سار �أنا يف �سياق زمكاين‪،‬‬ ‫ولغاية بعينها‪� ،‬إذ البد من وجود الغاية‪ ،‬ويف حالة الباردي‪ ،‬قيا�سا ب�شيخه التليد طه ح�سني‪ ،‬فالأمر‬ ‫يتعلق ب‪1:‬ـ متجيد قيم‪2 .‬ـ نقد قيم ومنط عي�ش مرتبط بها‪3.‬ـ ر�صد تبدل الأحوال‪4 .‬ـ منه التعبري عن‬ ‫�إح�سا�س وجودي بالزمن‪5 .‬ـ جعل الكتابة و�سيطا ملقاومة الفناء‪.‬‬ ‫لو اقت�رصنا على هذه الرباديغمات لقلنا �إن هناك الغاية الكربى التي يجدر بكل كاتب �أن ي�ضع‬ ‫�إن�شاءه لها‪� ،‬أو ال يكون‪ ،‬وبها يغلي �رشيان الأدب وي�ست ّد �ساعده‪� :‬إنها بناء املعنى‪ ،‬ولو بالوهم‪.‬‬ ‫‪ 11‬ـ من هذا الوهم حماولة ا�ستعادة ما فات بالكتابة لتخلي�ص الأنا مع حياتها من"براثن الن�سيان‪،‬‬ ‫والن�سيان �آفة تلتهم كل �شيء‪ .)27(".‬لنتفق مرة �أخرى على �أن ال�سرية الذاتية ت�رسد حياة �شخ�ص‬ ‫واقعي‪ ،‬وتُقر�أ وفق ميثاق معلوم‪ ،‬ولكي تفعل ال منا�ص لها من حتولها �إىل حكاية �أو �إنها تنقلب �إىل هذه‬ ‫ال�صيغة رغم �صاحبها‪ ،‬والعربة يف النهاية بالتحويل الذي يتم‪ ،‬بكيميائه تتفاعل فيها عنا�رص �شتى‪،‬‬ ‫ال�شك من بينها ما ي�ستخدم يف الرواية �أو فن التخييل عموما‪ .‬من هنا ننتقل �إىل �صعيد مغاير من التلقي‬ ‫حفزنا عليه �صعيد كتابة مغاير‪ ،‬هو الذي ا�ستنتجه الباحثون الإن�شائيون من التغريات والتلوينات‬ ‫ال�سياقية للمدونات ال�سريـ ذاتية‪ ،‬ف�صنفوها �إىل �أن�ساق فنية متفاوتة‪� :‬سرية ذاتية روائية؛�سرية روائية؛‬ ‫رواية �سري ذاتية‪ ،‬و�أخريا تخييال ذاتيا ‪.‬‬ ‫�أراد حممد الباردي �أن ينخرط يف هذه اللعبة‪ ،‬رمبا لأنه مل يجد بُدا منها‪ .‬يف كل ف�صل من ف�صول‬ ‫كتابه ما ينفك يعلن ت�شكيكه يف �صعوبة ا�ستعادة املا�ضي كما مر‪ .‬من �شبه ا�ستحالة التذكر‪ ،‬من �سطوة‬ ‫الن�سيان‪ ،‬من الذاكرة التي تخون‪ ،‬من �شياطني ترتاق�ص‪ ،‬تتباعد‪ ،‬تتقارب(‪)71‬‬ ‫ثم رويدا‪ ،‬رويدا‪ ،‬يوجه قارئه ليغري ميثاق التلقي‪� ،‬أي �أنت �أيها القارئ اللبيب اقر�أ ن�صي على‬ ‫ن�سقني‪ ،‬وهاك و�صفتي ودليل ال�سري اجلديد‪":‬هذه الأ�شياء[وقائع وحمكيات الطفولة] ع�شتها ور�أيتها‬ ‫ذات مرة ومرة‪ .‬لكنها الآن �أطياف ترتاق�ص �أمامي وال �أ�ستطيع �أن �أم�سك بها‪ .‬ومع ذلك �س�أحاول‬ ‫�أن �أالعبها‪� ،‬أن �أجري عليها لعبتي اخلا�صة‪ .‬لن ي�ستطيع املرء �أن يعي�ش مرتني [�إنك ال ت�سبح يف النهر‬ ‫مرتني‪ !..‬تقول احلكمة اليونانية]و�إن فعل فلن تكون املرة الثانية �إال �أكذوبة ا�صطنعها اخليال‪.)71(".‬‬ ‫‪ 12‬ـ مالعبة‪ ،‬لعب‪� ،‬أكذوبة‪ ،‬خيال‪ .‬بهذه الأدوات ـ القوالب مي�ضي حممد الباردي يف بناء عامله‬ ‫و�صياغة كتابه‪ ،‬وبرق�شة زمنه بحنة‪� ،‬أو احلناء التي ت�شتهر بها منطقة قاب�س التون�سية‪ ،‬ال �أجود منها‬ ‫مادة‪ ،‬وال �أبهى خِ �ضابا‪ .‬وامل�س�ألة لي�ست ا�ستعارة‪ ،‬وال نزوعا �شعريا‪ ،‬وال تقت�رص على رغبة امل�ؤلف يف‬ ‫�أن يناف�س نرثُه حِ ناء ربوع طفولته‪ ،‬وقد تكون هذا كله‪� ،‬إذ املهم هو ما �سيعمد �إليه امل�ؤلف فعال لتنفيذ‬ ‫خطته بالأجر�أة الفنية اخلال�صة‪ ،‬حيث �ستتحول �سرية ال�شخ�ص الواقعي �إىل ق�صة تُ�رسد بالأدوات‬ ‫الروائية‪ ،‬يرقّ�ص �أناه بني ال�ضمائر‪ ،‬املتكلم واملخاطب خا�صة‪ ،‬ي�ستخدم الو�صف لل�شخ�صية واملجال‪،‬‬ ‫‪118‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ينتقل من العني املب�رصة �إىل الب�صرية احلاملة‪،‬‬ ‫يرتاوح بني التعيني والإيحاء‪ ،‬و�أقوى ُعدته ُ�صن ُع ال�رسد بو�شيجة التحبيك و�ضمان ا�ستمراره‬ ‫بحبكة الت�شويق كي ي�ضمن القارئ‪ ،‬ويوفر له ما ي�ستطيع من �إمتاع‪ ،‬ف�أي قيمة ل�رسد ال ميتع؟!‬ ‫ال�شك‪� ،‬أفلح حممد الباردي يف االنتقال االن�سيابي بني ن�سق التوثيق ون�سق التخييل‪ ،‬وكيفما كان‬ ‫احلال فهو ميتلك قدرة ا�ستدراج القارئ �إىل لعبته‪ ،‬و�إيهامه حد ت�صديق �أكذوبته بوا�سطة فن الق�ص‪،‬‬ ‫�أي فن املالعبة‪ ،‬مثل املالطفة‪ ،‬فيها �إغراء و�سحر وتليني غر�ضها الإيقاع باملحبوب‪ .‬وك�أن ال�سرية‬ ‫فج وحكي جلف‪� ،‬إذا عر�ضت حقائقها عارية‪ ،‬ووقائعها خلوا من الو�شي‪ ،‬غري‬ ‫الذاتية وحدها نهج ّ‬ ‫حمناة‪ ،‬بال خ�ضاب‪ ،‬حتى واخل�ضاب �آيل ال حمالة �إىل زوال‪ ،‬وكذلك احلياة‪،‬‬ ‫�إمنا الق�ص‪ ،‬الروائية ت�ؤجل الفناء‪ ،‬لكونها تنق�ض احلقيقة‪ .‬من ي�ستطيع يف العامل العربي‪ ،‬يف بيئاتنا‬ ‫التي تختنق فيها الأ�صوات الفردية وحتا�رص باملمنوعات �أن يك�شف عورته النف�سية‪ ،‬فكيف باخلارجية‬ ‫وال يتعر�ض للرجم املعنوي واملادي على ال�سواء‪ ،‬من هذه الناحية ي�صبح التخليل والت�رسيب التخييليان‬ ‫يف �صلب املادة ال�سري ـ ذاتية مبثابة تقيّة ال منا�ص منها لكل من رغب يف �رسد حياته‪ ،‬وا�ستخال�ص عربة‬ ‫معينة منها‪� ،‬أو ال �سبيل له �إال الكذب الأخالقي ال الفني‪ ،‬يف حني �أن ال بديل للفنان عن ر�ؤية البحرتي‬ ‫ال�شهرية يف �أن"�أعذب ال�شعر �أكذبه"‪.‬‬ ‫‪ 14‬ـ �أريد �أن �أنتهي من هذه القراءة با�ستخال�ص جوهري مفاده‪ ،‬بعد املالحظات ال�سالفة‪� ،‬أن‬ ‫النقا�ش حول امل�س�ألة الأجنا�سية مبنا�سبة حديثنا عن هذا الكتاب البديع حقا‪ ،‬ليلفت نظرنا مرة �أخرى‬ ‫�إىل الو�ضع املركزي ملفهوم اجلن�س يف الكتابة الأدبية‪ ،‬و�إىل �أن تنوع وتغاير العنا�رص املتعالقة يف بنية‬ ‫تعبريية ما ال ميكن �أن تتلف هذه البنية‪ ،‬فال�سرية الذاتية هي الأ�صل‪ ،‬والقول على ل�سان الباردي‬ ‫ت�سويغا ملدونته ب�أنه‪� ":‬إذا كانت معظم الروايات هي �سرية ذاتية مموهة‪ ،‬ف�إن هذه ال�سرية الذاتية هي‬ ‫رواية مموهة‪)151(".‬ال يغري من جوهرها‪ ،‬و�إمنا يح ّور �أو يزين‪،‬‬ ‫�إذ العربة يف الفن بالنظام‪ ،‬واجل�سد املن�سق(ال�سرية) هو الأ�صل ثم تزينه احلناء(الرواية)‪.‬‬

‫‪119‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪120‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ح�سونة امل�صباحي‬

‫يف مر�آة تخييله الذاتي‬ ‫‪ 1‬ـ ال يحتاج القارئ �إىل كبري عناء ليعرف‪ ،‬بل وييقن �أن �ضمري الغائب يف رواية ح�سونة امل�صباحي"‬ ‫رماد احلياة"(تون�س‪ ،‬من�شورات وليدوف‪)2009 ،‬هي مبثابة حتويل متعمد ل�ضمري متكلم يريد من هذا‬ ‫امل�سلك املحوي �أن يحقق م�سبقا هدفني مت�ضامنني‪ ،‬حتدوه �ضمنهما حا�سة فنية يقظة‪ :‬الهدف الأول‪،‬‬ ‫�إبعاد " �شبهة" الذاتية عن حمكيّه‪ ،‬لي�شمل �آخر‪ ،‬وال �ضري �إن متاثل مع ذاته يف �آن‪ ،‬بعد ذلك‪ .‬الهدف‬ ‫الثاين‪� ،‬سليل الأول‪ ،‬رغبة حتقيق املو�ضوعية املطلوبة جلن�س الرواية‪ ،‬التي مهما حفلت �أو تخللتها‬ ‫التعبريية‪ ،‬والأطياف ال�شعرية‪ ،‬وال�صور املجازية عموما‪ ،‬تبقى بن�سق التبعيد والعقلنة �أل�صق‪ ،‬وهو‬ ‫املن�سجم حقا معها‪.‬‬ ‫‪ 1.1‬ـ �إن ا�ستخدام �ضمري املتكلم من لدن �أي روائي‪ ،‬ف�ضال عن كونه يقوم بوظيفة ال�سارد‪ ،‬يوحي‬ ‫�شخ�صي يهمه هو بالذات‪ ،‬من‬ ‫حمكي‬ ‫ٍّ‬ ‫ب�أن �صاحبه يحمل على عاتقه ـ قد يحمل ـ مهمة ورغبة �رسد ٍّ‬ ‫قبيل �أن يكتب �سريته الذاتية‪ ،‬ومعلوم �أن هذا ال�ضمري غالب يف هذا النوع من الكتابة و�إن �أمكنه �أداء‬ ‫وظائف �أخرى‪ ،‬والتكيف مع اخلطاب الذي ي�ضعه امل�ؤلف على ل�سانه‪� .‬إال �أن هذه املهمة تظل حمفوفة‬ ‫باملخاطر‪ ،‬وجتر �إىل عديد مزالق نعترب التورط يف الغنائية‪� ،‬أي �إحلاق ال�رضر بالوظيفة ال�رسدية وهي‬ ‫رب قائل‬ ‫تروم التبعيد وال�شمول مع التخ�صي�ص‪ ،‬و�رصامة املو�ضوعية وهي حتيط بالكائنات واملرئيات‪ّ ُ .‬‬ ‫�إن هذه اخلا�صية هي ال�سمة الرئي�س الغالبة على الرواية الواقعية‪ ،‬رواية القرن التا�سع ع�رش حتديدا‪،‬‬ ‫الفرن�سية والإجنليزية‪ ،‬والرو�سية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬من ثم ال يجوز تعميمها على اجلن�س ال�رسدي ب�أكمله‪ .‬و�إذ‬ ‫‪121‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ن�أخذ باالعتبار هذا الدفع النقدي املقبول من منطلق التغري احلتمي الذي يعرتي الأدب‪ ،‬بتوافق مع‬ ‫تغري الطباع‪ ،‬نحب التذكري ب�أن املع ّول عليه يف الفنون دائما هو �أ�صولها وثوابتها‪ ،‬ثم تعقبها فروعها ما‬ ‫�أكرثها‪ ،‬قبل الو�صول �إىل م�ساحات التطوير والتجديد‪ ،‬القرينة بالفن �أبدا‪ ،‬ال�رسد منه عمقا‪.‬‬ ‫‪ 2.1‬ومن حيث يدري �أو يتعمد ف�إن ح�سونة امل�صباحي يتقدم فوق �أر�ض ال�رسد الزلقة ب�أداة‬ ‫حتمل كل مهماته ونقائ�صه‪ ،‬باعتباره مت�ضمنا ل�ضمري املتكلم‪ ،‬يفارقه �صيغة‪ ،‬بينما‬ ‫�ضمريالغائب‪ ،‬وقد ّ‬ ‫هو يحيل عليه‪ ،‬على كاتبه‪� ،‬صوته املبثوث فيه جهرا و�رسا‪ ،‬وهكذا مي�ضي به �رسدا‪ ،‬وو�صفا‪ ،‬وت�سجيال‬ ‫ذاتي‪ ،‬وجداين‪ ،‬وثان �شمو ٍّيل نقدي‪ ،‬وثالث متالقح حيث ب�ؤرة التفاعل لأكرث من �سرية‬ ‫خلطاب واحد ٍّ‬ ‫وحمكي وخطاب‪ .‬و�إذا كان رهان الروائي هو الإخفاء العمد ملر�سل الق�صة‪ ،‬بالتمويه على املر�سل �إليه‬ ‫عرب ا�ستعمال و�سائط حمددة لهذا الغر�ض‪ ،‬وبالتايل حتريف جمرى التلقي بغر�ض �إنتاج طريقة �أجنا�سية‬ ‫مغايرة‪� ،‬أي لي�ست بال�رضورة هي ال�سرية الذاتية التي ال فكاك للم�ؤلف منها ـ يف كتابه هذا‪ ،‬طبعا ـ ؛‬ ‫ف�إن املتلقي اليوم ي�أبى االن�صياع ملثل هذه اخلدعة‪ ،‬قل يتمرد عليها‪ ،‬مب�ساعدة امل�ؤلف نف�سه الذي ميعن‪،‬‬ ‫مفارقة‪ ،‬يف تقدمي بيانات ت�ؤكد هويته ن�سباً ومكاناً وحرف ًة وم�ساراً وحتى نعتاً فيزيولوجيا (�شهوة‬ ‫"وحم"الوجه‪ ،‬معاين ًة يف وجه امل�ؤلف‪ ،‬ف�ضال عن تطابق تواريخ حمددة مع بطله)‪ ،‬يبغي منه نفي �أي‬ ‫َ‬ ‫�شك حمتمل‪.‬‬ ‫‪2‬ـ من نافلة القول �أن امل�صباحي يجذبنا يف عمله اجلديد‪ ،‬وما هي املرة الأوىل عنده‪� ،‬إىل مدار‬ ‫هجن‪ ،‬ي�ستخدم �أدواتها ومي ّوهها يف‬ ‫املحرف عن ال�سرية الذاتية‪ ،‬امل ُ ّ‬ ‫التخييل الذاتي‪ ،‬هذا اجلن�س ّ‬ ‫�آن‪ ،‬لغاية يف نف�س م�ؤلفها‪ .‬تخييل �إما �أن يكون نافال‪ ،‬ف�ضلة �أو زينة‪ ،‬و�إما عمدة وعندئذ فهو مربر‬ ‫ك�إعادة جتني�س‪ ،‬باعتبار �أن اللعب الفني لي�س زخرفة وال ترفا بقدر ما هو غر�ض‪ .‬هذا رهان �آخر �أمام‬ ‫ح�سونة امل�صباحي يف"رماد احلياة"‪ .‬فماذا يكون الرماد؟ و�أي حياة هي؟ يف ثالثة ع�رش ف�صال ي�ستعيد‬ ‫الكاتب �أمامنا �سرية(حكاية) �شخ�ص(�شخ�صية= يا�سني)‪ ،‬وال �أهمية للإ�سم فال�سارد من ورائه و�أمامه‬ ‫يقوده ب�ضمري الغائب‪ ،‬وا�سمه ال يرد �إال مرة واحدة‪ ،‬عر�ضا‪ .‬عا�ش طويال يف الغربة الأوروبية (�أملانيا‪،‬‬ ‫ميونيخ‪ ،‬بعد فرن�سا) وتق ّلب يف ظروف عي�ش خمتلفة‪ ،‬وتزوج‪ ،‬وانف�صل‪ ،‬وح�صيلة الإقامة املديدة‬ ‫خيبات مرتاكمة من وراء كل ما �سعى �إليه‪ ،‬وها هو يف ذروة االنك�سار يقرر �أن ي�ستجمع حطام‬ ‫ج�سده‪ ،‬وخراب روحه‪ ،‬ليقوم بالرحلة املعكو�سة‪ ،‬فقد �أذنت �ساعة" مو�سم العودة �إىل اجلنوب" بعد‬ ‫�أن خبا بريق" مو�سم الهجرة �إىل ال�شمال"‪ .‬لي�ست الإحالة �إىل عنوان الروائي الكبري‪ ،‬الراحل الطيب‬ ‫د�شن هذا ال�رضب من كتابة الإياب‪ ،‬لو �صح التعبري‪ ،‬بعد �أن كان احلج‬ ‫�صالح اعتباطية‪ ،‬لعمري هو من ّ‬ ‫�إىل الغرب هو التقليد الروائي الذي ا�ستقر زمنا يف الن�ص ال�رسدي العربي‪ ،‬وتداوله املد ّونون والكتاب‬ ‫‪122‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫من الطهطاوي وال�شدياق واحلكيم و�سهيل �إدري�س‪ ،‬و�صوال �إىل حممد زفزاف وعبد اهلل العروي‪.‬‬ ‫بعبارة �أخرى‪ ،‬ف�إن امل�صباحي يجدد ال�صلة‪ ،‬انطالقا من جتربة معي�شة‪ ،‬مبا اجرتحه الروائي ال�سوداين‬ ‫املجدد منذ منت�صف العقد ال�ستيني (مع �صدور" مو�سم‪"..‬مبجلة "حوار"اللبنانية �سنة‪ ،)1966‬ومثله‬ ‫فعل العروي حني كتب يف نهاية الت�سعينات" �أوراق �إدري�س" العائد من باري�س �إىل �أر�ضه املغربية‪،‬‬ ‫وهو يحاكم ما�ضيه‪ ،‬ويت�أمل تاريخه وثقافته‪ ،‬متنقال يف معارج ذاته‪ ،‬عرب العالقة املت�شابكة مع الغرب‪.‬‬ ‫لهذه الرواية‪� ،‬إذن‪� ،‬صلة نَ َ�سب و�سياق‪ ،‬وهو ما يع�ضدها‪ ،‬وميتحنها يف �آن باعتبار �أن كل ن�ص �أدبي‬ ‫موثوق هو �أ�سا�سا فائ�ض قيمته الإبداعية والداللية‪ ،‬حمذور انتبه �إليه امل�ؤلف مبكرا فر�سم‪ ،‬كما بو�سع‬ ‫تكرر‪،‬‬ ‫القارئ �أن يتتبع بتف�صيل غري متاح هنا‪ ،‬ما يجنبه تبعاته‪� ،‬أخطرها �رسد م�سار �شخ�صي‪ ،‬لَ َكم ّ‬ ‫وحتويل الكتابة بكا ًء على الأطالل‪.‬‬ ‫‪3‬ـ �إمنا ال ب�أ�س من بث �إ�شارات �رضورية‪ ،‬منها على اخل�صو�ص �أن احلكاية ال�شخ�صية التي يرويها‬ ‫ال�سارد ملن رحل �إىل العامل الغربي‪ ،‬وتنقّل بني بع�ض مناخاته‪ ،‬واعتنق ما يريحه من قيمه‪ ،‬مما يت�شكل من‬ ‫عدد من امل�ستن�سخات والرباديغمات‪ ،‬غدت منطية‪� ،‬سواء يف التعليقات النظرية عن الغرب املتمدن‬ ‫واللربايل‪ ،‬مقابل اجلنوب املتخلف والقمعي املحافظ‪� ،‬أو ال�رسديات التخييلية (هكذا‪ ،‬هناك دوما ن�ساء‬ ‫وقيم متفتحة‬ ‫�شقراوات �شبِقات وفحولة عربية‪ ،‬وحانات ّ‬ ‫وترب ٌج‪ ،‬ت�سكع وانفالتات وحرية مزجاة‪ٌ ،‬‬ ‫يف حلقات ت�شكل الثنائيات ال�ضدية للعالقة �إما االنبهارية ال�ساذجة مع الغرب �أو الإ�شكالية‪ ،‬الخ‪.)..‬‬ ‫يف املنت املغرتب الأول �أثمرت التوبة والعودة �إىل الرحم‪ ،‬فما الغرب عندها يف نهاية املطاف �إال �رساب‬ ‫و�ضالل‪ ،‬و" الآخر"هو لذاته ال ل"نحن"�رسعان ما تلتوي عليها �رشنقتها القدمية لتعيدها �إىل �سواء‬ ‫ال�سبيل (الأ�صالة)! �أما يف املنت الثاين فقد برزت‪ ،‬بحكم تبدل الظروف وبداية الوعي بخ�صائ�ص ما‬ ‫بعد املرحلة الكولونيالية‪ ،‬على م�ستوى مقاربة �إ�شكالية للعالقة‪ ،‬للهجرة‪ ،‬تت�شابك فيها عنا�رص الرغبة‬ ‫واحلنني واخليبة والإحباط وال�شعور بالهزمية وان�سداد الآفاق‪ ،‬باخت�صار مزيج من رومان�سية بائ�سة‬ ‫ووعي �شقي تت�شظى بينهما الهوية‪ ،‬لي�صبح �أي خال�ص م�ستحيال‪� ،‬أو يكاد‪ ،‬اللهم ب�أن ي�شق املغرتب‬ ‫طريق عودة افرتا�ضية‪ ،‬قادما من املا�ضي ليحارب به ظالم احلا�رض‪ ،‬بالأدب طبعا‪ ،‬وذا ما يقرتحه‬ ‫ح�سونة امل�صباحي لكي يفلت من تقليد و�إ�سار املتنني كليهما ليبعث من رماده‪.‬‬ ‫يطوي البطل يا�سني خ�ساراته‪� ،‬أو يحاول بالأحرى جمعها قطعة‪ ،‬قطعة‪ ،‬يف حقيبة العودة �إىل‬ ‫الوطن الأم‪ ،‬تون�س‪ ،‬ليعيد ت�أ�سي�س م�سار حياته‪ ،‬ناه�ضا على حطام حياته ال�سابقة‪ .‬حافزه لذلك ثالثة‬ ‫�أ�سباب جعلت بقاءه يف ديار الغربة �شبه م�ستحيل‪� :‬أولها فقدانه لل�صلة مع لغته‪ ،‬والق�صد لغة الكتابة‪،‬‬ ‫ال نن�سى �أننا هنا مع �شخ�صية كاتب‪ ،‬و�ضمري الغائب يلح على تعيينه وفق هذا الو�ضع(‪ ،)Statut‬وي�ؤكد‬ ‫‪123‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫عجزه من هذه الناحية‪.‬ثانيها‪� ،‬شعوره بالف�صام مع حميطه‪ ،‬وتغري الأحوال‪ ،‬واخلوف من غد جمهول‬ ‫يعمق وحدته يف بلد لي�س له؟ ثالث الأ�سباب �أو الأثايف انف�صاله عن زوجته التي مل تعد تطيق العي�ش‬ ‫و�إياه‪ ،‬ون�صيحتها الودية �إليه بالعودة �إىل النبع‪ .‬ال يقدم لنا ال�سارد �أي �شيء دال عن ما عا�شته �شخ�صيته‬ ‫يف بالد الغربة‪ ،‬لأن هذا العي�ش انتهى تقريبا‪ ،‬مل يبق منه �إال رماد‪ ،‬فما لذلك من �أهمية �أو بالكاد‪ ،‬ولأن‬ ‫الغربة هي املحطة اخللفية مبح�صلة خ�ساراتها التي تربر العودة‪ ،‬وت�س ّوغ م�رشوع الكتاب‪ ،‬ا�ستخراج‬ ‫اجلمر ال�ساكن حتت الرماد‪ ،‬خالفا مل�صطفى �سعيد الذي مل يجد بدا من الغرق يف النيل‪.‬‬ ‫‪4‬ـ "رماد احلياة "عندئذ هو طريق الإياب‪ ،‬ومل ُّ �شتات ما فات‪ ،‬عرب زيارة جمموعة �أماكن �سبق‬ ‫لبطل ال�سرية �أن عا�ش فيها‪ ،‬ولقاء �أ�صحاب و�أحبة هم �أبناء جيل خا�ض جتربة م�شرتكة‪ ،‬وتفرقت‬ ‫بهم ال�سبل‪ ،‬فراح يالقيهم‪ ،‬واحداً‪ ،‬واحداً‪ ،‬منهم"�صديقه يو�سف ن�صحه ب�أن يبحث يف رماد احلياة‬ ‫عن اجلمرات التي ميكن �أن تلهب خياله من جديد‪ .)91(".‬يف هذا اخلط ميكن القول ب�أن الرواية ـ‬ ‫�أو ما يف مقامها ـ تبد�أ يف نوع من بحث عن الزمن ال�ضائع لتعوي�ض زمن �آخر �ضاع يف الغربة‪ ،‬وهي‬ ‫�إحدى املفارقات امل�أ�ساوية للن�ص الذي يبد�أ هاربا من فجيعة �إىل فجائع‪ ،‬فيما يت�صور كتابة �أنه يتقدم‪،‬‬ ‫وهي املفارقة امل�أ�ساوية الثانية‪ ،‬يف حني �ستمثل انت�صارات ما�ض مقابل حا�رض مهزوم ذروة املفارقات‬ ‫امل�أ�ساوية ل�رسد يتن�ضد بحكي �سريي وتراثي‪ .‬لكي ي�صنع ح�سونة امل�صباحي الت�ضعيف الالزم �سيعمد‬ ‫�إىل م�سطرتني‪ :‬حلول ال�شخ�صية ب�أماكن ما�ضيها للإعادة ربط ال�صلة بني زمانني‪ ،‬وتوفري عن�رص الف�ضاء‪،‬‬ ‫الذي بدونه تغدو الرواية جتريدا‪ ،‬وهذا خمالف لنظامها‪ .‬ب�صنع هذه امل�سطرة يتجلى احل�س الروائي‬ ‫حقا‪ ،‬وتتقل�ص انتحابات الغنائية ال�سريية التي طغت يف بداية الكتاب‪ ،‬ما قدمت وال � ّأخرت يف‬ ‫ال�رسد و�إمنا ا�ستعادت بوحا وخطاطة منطييني عن ت�صدع عالقة العربي بالغرب و�إ�سقاطاته اجلاهزة‪،‬‬ ‫باعتبار �أن هذه العالقة ال ميكن �أن تكون �إال ه�شة و�صدامية وعر�ضة لت�صدع حتمي‪ .‬هنا نتعرف‬ ‫على كثافة و�صفية‪ ،‬تتحدد فيها طبوغرافيا الأمكنة بكيفية تعيينية تتجاوب مع ال�شخ�صيات القائمة‬ ‫فيها‪ ،‬وحيث تكت�سب �أفعالها حني توجد داللة مادية ورمزية موحية يف �آن‪� .‬إن القريوان‪ ،‬على �سبيل‬ ‫ال�سيرَ ية‪ ،‬حت�رض عيانية و�سننا‪،‬‬ ‫املثال‪ ،‬و�ضواحيها اخللفية‪ ،‬يف �إحداها م�سقط ر�أ�س ال�شخ�صية الروائية ـ ِّ‬ ‫وتتعني مكانا تاريخيا و�إن�سانيا‪ ،‬مبثابة �إبدال للمكان الغربي الآخر‪ ،‬حيث اغرتب الكائن وتوحدت‬ ‫الروح‪ .‬و�إذا ما بدا �أنه ح�ضور ذو بعد تاريخي‪ ،‬تراثي‪ ،‬بحكم املعامل املو�صوفة‪ ،‬واحلوادث املطروقة‬ ‫�أو املروية‪ ،‬وال�شخ�صيات العاملة‪ ،‬ف�إن قيمته‪ ،‬بالأحرى م�س ّوغَه منا ُطه �إحالته املقرونة بثقافة التلقي‬ ‫�إىل احلا�رض ب�صور اال�ستعارة والطباق‪ .‬امل�سطرة الثانية ي�صنعها �أ�شخا�ص‪�/‬شخ�صيات تنتمي �إىل هذه‬ ‫البيئة‪ ،‬بقدر ما ت�صوغ الإحالة املرجعية واملجازية للف�ضاء‪ ،‬وبها يكت�سب اجلن�س الروائي حمفال ال غنى‬ ‫‪124‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫عنه ملو�ضوعيته‪ .‬قل‪ ،‬هنا تدخل الرواية رهانها الفعلي‪ ،‬الكبري‪ ،‬ففيما يبدو يا�سني‪ ،‬ذلك البطل اجلاهز‬ ‫املهزوم‪� ،‬ش�أن كل رفاق دربه اخلا�رسين يف معارك ال نعرف عنها �شيئا‪ ،‬واملرتدين على بطوالتهم‪ ،‬منطا‬ ‫معدا �سلفا‪ ،‬م�ستن�سخا مرات‪ ،‬وواقعه مفرغا من املعنى‪ ،‬يعمد امل�ؤلف �إىل لعبة القناع في�ستعري ذاكرة‬ ‫الآخرين لإعادة ت�أ�سي�س‪ ،‬جتديد ذاكرته اخلربة‪ ،‬وهنا تنتقل الكتابة من �سِ ِّجل جن�س الرواية �إىل �سِ ِّجل‬ ‫احلكاية‪ ،‬ومن و�ضع ال�سارد �إىل مقام الراوي‪ ،‬وبطبيعة احلال ف�إن انتقاال مماثال يفرت�ض �أن يغري قواعد‬ ‫التلقي ونتائجها‪ ،‬تبعا لذلك‪ .‬ما لن يتاح لنا و�إال �سنغري جمرى القراءة‪.‬‬ ‫‪5‬ـ معلوم �أن احلكاية يف �أب�سط تعريف لها هي خرب ُيحكى‪ ،‬وم�صدرها قلّ �أن يعرف �أو ن�سبته‬ ‫مفرت�ضة على الأغلب‪ .‬عن�رص االفرتا�ض مبني على عمل اخليال‪ ،‬لذلك جند يف كثري من احلكايات‬ ‫ارتفاعا عن الواقع يظهر‪ ،‬مثال‪ ،‬يف ا�صطناع حوادث عجيبة وكائنات غريبة‪ .‬بينما الرواية‪ ،‬فن‬ ‫الق�ص عامة‪� ،‬إذ يعتمد احلكاية مكونا �أ�سا�سا ي�شتغل خا�صة بالتخييل الذي هو الواقع و�أكرث والقابل‬ ‫للتحقق‪ ،‬املحتمل‪ ،‬الخ‪ ..‬هذه اخلطة ال تنا�سب من ي�سعى �إىل جتديد بطل خيّبه الغرب‪ ،‬ويبحث عن‬ ‫م�صاحلة(لتكن وهمية‪ ،‬فال�رسد وهم) مع بالده‪ ،‬من ال�صعب �أن تتم �إذا كانت على ما و�صفها ووجدها‬ ‫عليه بعد طول غياب‪ .‬لذا فما ي�سعف هو نقل الق�ص �إىل �سجل احلكاية (اخليال) ومقت�ضياتها التي‬ ‫ت�سعف‪ ،‬و�أقوى ع�ضو يف حمفلها هو الراوي (من�صور) القابع يف املا�ضي ومقابله املو�ضوعي يف احلا�رض‬ ‫هو ال�سارد(وهو ح�سونة امل�صباحي‪ ،‬باعتماد ا�سرتاتيجية التخييل الذاتي)؛ من�صور �سليل م�سعودة‬ ‫و�سعد‪ ،‬املكلفني باحلفاظ على بقاء القبيلة‪ ،‬اللذين �سيخو�ضان مغامرات �شتى‪ ،‬ويعرب ن�سلهما الأزمنة‬ ‫والأمكنة‪ ،‬ومن�صور يروي تاريخ الظلم الذي يلحق ب�أبناء بالده تون�س يف مرابعها املختلفة‪ ،‬وما‬ ‫تعر�ض له النا�س من ظلم الطبيعة‪ ،‬وحدثان الدهر وبط�ش احلكام‪ ،‬بني والة وبايات‪ ،‬و�صوال �إىل‬ ‫حيي بطوالت فر�سان �أفذاذ( منهم علي بنغذاهم) مل يقبلوا الظلم وثاروا على‬ ‫اال�ستعمار وما تاله‪ ،‬ويُ ْ‬ ‫امل�ستبدين حيث تتعدد املرويات وتتالقح احلكايات‪ ،‬من امل�ؤكد �أن م�صادرها موجودة‪ ،‬لكن ال�سجية‬ ‫منمطا ال طائل من الوقوف عليه لرتابته امل�سننة‪ .‬ومبا �أن‬ ‫احلكائية حتتاج �إىل تهويلها‪ ،‬ما نعتربه �سجال ّ‬ ‫بح�س‬ ‫ناقل �أو راوي الكفر لي�س بكافر‪ ،‬ف�إن امل�ؤلف يطلق العنان ل "من�صور"كي يعيد رواية املا�ضي ِّ‬ ‫الق ََ�صا�ص والغ�ضب ولإعادة االعتبار لكرامة �شعب عانى الذي عاناه‪ ،‬يوفر له هذا القناع‪ ،‬التخفي‬ ‫وراءه‪ ،‬التقاء العتاة وامل�ستبدين الذين �سافر بطله يا�سني �إىل غربه امل�أمول لعناق احلرية املفقودة يف كل‬ ‫�شيء‪ ،‬ومن ثم لالبتعاد عن بط�شهم (‪ 35‬ـ‪ )36‬ميعن يف ذلك �أحيانا حدا حت�سب زمام ق�صه الأول �أفلت‬ ‫منه‪ ،‬و�إنه ليفلت‪ ،‬ها هو ذا ا�ستلذ منت احلكاية ونربها‪ ،‬ثم ا�ستبد به الغ�ضب‪ ،‬غري مرة‪ ،‬نراه مرات ـ‬ ‫وهذا من خلل اخللط بني �سجالت الكتابة‪ ،‬وهو من عيوب التخييل الذاتي‪ ،‬حتتاج �إىل �رشح لي�س هذا‬ ‫‪125‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫مكانه ـ قد انقلب خطيبا م�صقاعا‪ ،‬وواعظا على ل�سان وعاظ ميت�شق �سيف الدعاة وامل�صلحني‪ ،‬وينحى‬ ‫بالالئمة‪� ،‬أو يهجو‪� ،‬أو يقذع بالألفاظ والنعوت‪� ،‬أنواع �سلوك‪ ،‬و�إيديولوجيات مو�سومة بالظالمية‪،‬‬ ‫وكل ما يرى فيه انقالبا يف احلياة اليومية و�أخالق الب�رش‪ ،‬منهم �رشيحة املثقفني وعيّنة من الكتاب تزيد‬ ‫الرعاب الذاتي‪.‬‬ ‫عنده نوعا من ح�سا�سية ُّ‬ ‫‪6‬ـ من�صور الراوي‪ ،‬وح�سونة امل�ؤلف وال�سارد يت�ضافران ويلتقيان �أكرث من مرة يف ب�ؤرة واحدة‪،‬‬ ‫جتدهما يتناوبان على ف�ضح �آلية القمع التي كبلت �شعبا وج ّوعته و�رشّدته �أفرادا وجماعات‪ ،‬يفعالن‬ ‫ذلك يف لعبة �إحالة متبادلة‪ ،‬ي�ستفيد منها ال�سارد احلديث بالدرجة الأوىل و�إن كان حكي الراوي‬ ‫القدمي يطغى على �سرية البطل احلديث‪ ،‬ال�ساعي لت�أ�سي�س حا�رض وم�ستقبل جديدين على �أثر حطام‬ ‫�أم�سه الغربي‪ .‬وعلى الرغم من �أن امل�ؤلف ي�شهدنا على الرتاوح‪ ،‬حركة"الفال�س"بني زمنني للحكي‬ ‫ومواقفهما‪ ،‬فال منلك �إال مالحظة �أن املنت املتنا�ص‪ ،‬لأن الأمر يتعلق بتنا�ص ق�صدي ومنظم‪ ،‬يكاد‬ ‫يغدو ن�صا م�ستقال‪ ،‬حتى وهو م�ستخدم ذرائعيا‪ ،‬وعلى كل فهو اختيار فني من لدن الكاتب‪ ،‬وكل‬ ‫اختيار يعلم الفنان مزاياه وتبعاته‪ .‬جدير بالذكر �أن كتاب الق�صة يف تون�س كانوا مبكرين وماهرين يف‬ ‫ا�ستثمار هذا ال�رضب من التنا�ص مع الرتاث‪ ،‬ولهم فيه ن�صو�ص �آيات‪ ،‬كما ت�شهد �أعمالهم الدرامية‬ ‫على ما ي�شبه االحرتاف يف ما ميكن و�صفه ب�صنعة وبنزعة جتريبية حم�ض‪ ،‬يعد عز الدين املدين معلمها‬ ‫بال منازع‪ .‬وهذا ما نعتربه مهما لرواية امل�صباحي التي تندرج عندئذ يف تقليد لهم م�ؤ�س�سون وهو‬ ‫يغني هذا التقليد ويجدده‪ ،‬ال�شك �أن هذه هي الطبيعة احلقيقية للأدب‪ ،‬وللفن عموما‪ ،‬ما يوجد ب�آباء‬ ‫وت�صبح له �شجرة �أن�ساب‪.‬‬ ‫‪7‬ـ ولعل �أقوى مظهر جتديدي يف هذه النزعة‪ ،‬كما متثلها "رماد احلياة"‪ ،‬بعد �صنيع املزج بني"‬ ‫و�صفة" احلا�رض‪ ،‬و"طبخة" املا�ضي‪ ،‬بلعبة التنا�ص‪ ،‬بوظيفتها القِناعية والت�ضعيفية‪ ،‬ليَرب ُز يف اعتماد‬ ‫م�سطرة ثالثة غايتها التخفيف من ثقل النزعة التوثقية‪ ،‬واحلمولة التاريخية‪ ،‬ف�ضال عن �أداء الكتابة‬ ‫يف حمكيها ال�سري ذاتي التخييلي‪ ،‬وهي �إقامة املحكي على قاعدة احللم الذي يقود �إىل الواقع‪ ،‬وي�سرب‬ ‫غوره‪ ،‬ولي�س العك�س‪ .‬تهيمن املحكيات احللمية وتت�صدر ا�ستهالالتها‪ ،‬منها تنبثق بعد ذلك حمكيات‬ ‫�صغرى ك�أمنا تابعة لها وت�أكيد لنبوءتها‪ .‬حالة �رسدية تتكرر �إىل درجة تغدو معها ناظما‪ ،‬ويرتتب عنها‬ ‫توجيه التلقي‪ ،‬و�ضمنه ت�أويل ال�شكل الأجنا�سي للن�ص ال�رسدي‪ .‬هذا الناظم‪ ،‬بان�ضمامه �إىل ناظم‬ ‫ال�سرية املحكية الذاتية الأوىل‪ ،‬وناظم املحكي الواقعي‪ ،‬كالهما يتواله �ضمري الغائب‪ ،‬ثم ناظم الرواية‬ ‫التنا�صية التاريخية‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل تعديده لتبئريية الرواية وتو�سيع حمافلها‪ ،‬نراه على م�ستوى التلقي‬ ‫‪126‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الإيجابي مفيدا ومنتجا خا�صة يف �أهم ما يريد الن�ص �أن يعرف‪� ،‬أو يُجنّ�س به‪ ،‬نعني ال�شكل الروائي‪،‬‬ ‫ذلك �أن الرواية بكل موادها ور�ؤيتها الواقعية يف الأ�صل حلم‪ ،‬والتخييل القرين بجن�سها هو �صناعة‬ ‫احللم‪ ،‬مبا يجعلنا �أمام تخييل م�ض َّعف‪ .‬لكن‪ ،‬وككل عمل فني يحتاج الفنان �إىل فكرة‪� ،‬أو ُخلق‪� ،‬أو‬ ‫مثل �أعلى‪� ،‬رصيح �أو م�ضمر يف الن�ص‪ ،‬من غري �أن يكون �أخالقيا بال�رضورة (�إنه نامو�س �ألبريكامي‪،‬‬ ‫بامتياز) وهذا ما ين�شده ح�سونة امل�صباحي يف الكتابة‪ ، ،‬ال تعوي�ضا عن كل اخل�سارات ولكن لأن‬ ‫ا�سرتداد طاقتها التي �ضيعها بطله ف�أح�س ك�أنه بال وجود هي وحدها ت�ستحق العي�ش‪ .‬كان با�سكال‬ ‫يقول وهو ي�رشح ملاذا ين�أى النا�س عن �سكنى احلا�رض‪ ،‬ب�أنهم يهربون �إىل �سنوات الطفولة‪� ،‬أو يذهبون‬ ‫�إىل امل�ستقبل‪ ،‬من �أجل الذاكرة‪ ،‬ومن �أجل �إحياء اللغة‪ ،‬الأدب طبعا‪ .‬هنا ي�صبح البحث عن الكتابة‪،‬‬ ‫عند بطل امل�صباحي‪ ،‬عنده هو‪ ،‬مبثابة هدف للعي�ش‪ ،‬مل ت�سمح احلياة نف�سها به‪.‬‬ ‫‪8‬ـ �إمنا‪ ،‬هل ي�سمح نهج التخييل الذاتي يف م�صنع الرواية بكل �شيء؟ بعبارة �أخرى هل ا�صطناع‬ ‫هذا املنوال ال�رسدي ي�سمح ب�أن يفرغ كاتب ما كل ما يف جعبته‪ ،‬وعلى �أي نحو كان‪ ،‬وقد فا�ضت‬ ‫قريحته‪ ،‬وحدوده‪ ،‬ما هو من "ترابه" و�أبعد يف �شمول بال حدود‪ ،‬يتوجها تفا�ؤل فيا�ض بر�سم‬ ‫اخلتام‪ ،‬لإمتام الكمال امل�ستحيل الذي ي�سعى �إليه الفن الوحدة‪ ،‬علما ب�أن �أول �رشط يف �سبيل حتقيقه‬ ‫هو التزام ن�سق اخل�صو�ص‪ ،‬و�ضمان الوحدة واالن�سجام‪ ، ،‬و�إال ماذا يبقى عندئذ؟ �آه‪ ،‬اللغة‪� ، ،‬إمنا‬ ‫كيف؟!‬

‫‪127‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪128‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الرواية العربية‪ ،‬م�رشقاً‬

‫‪129‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪130‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫جنيب حمفوظ ونحن‬ ‫(يف املغرب)‬

‫ّ‬ ‫�شكل رحيل �أبي الرواية العربية جنيب حمفوظ حدثا ثقافيا يف جمموع البالد العربية‪ ،‬بتعداد مناقب‬ ‫الفقيد‪ ،‬و�إبراز الدور الرائد الذي كان له يف تر�سيخ الفن الروائي‪ ،‬وجعل التخييل ال�رسدي جن�ساً‬ ‫�أدبياً ر�صيناً وقا ّراً يف الأدب العربي احلديث‪ ،‬واملعا�رص‪.‬لي�س هذا وح�سب‪ ،‬بل لتنطلق الأقالم‬ ‫والأو�ساط الأدبية‪ ،‬هنا وهناك‪ ،‬ويف املحافل املتخ�ص�صة من هيئات وجامعات لت�سائل من جديد فن‬ ‫لبع�ض �أحياناً متبالية فيما مل‬ ‫همت حمفوظ زمناً‪ ،‬وبدت ٍ‬ ‫الرواية‪ ،‬وتعيد طرح �أ�سئلة قدمية وم�ستحدثة ّ‬ ‫تُقتل در�سا وحتكيكا على الوجه ال�صحيح‪.‬‬ ‫خ�صت غياب ال َع َلم‬ ‫و�إذا كانت البيئات الأدبية يف امل�رشق العربي‪ ،‬ويف م�رص خا�صة‪ ،‬قد ّ‬ ‫الروائي العربي الأول بطقو�س مبجلة من الرثاء والتمجيد‪ ،‬وبالتعيني ملكونات التجربة املحفوظية‬ ‫وخ�صو�صياتها الداللية والفنية يف جملة مقاالت‪ ،‬بقيت على الأغلب انطباعية �أو و�صفية؛ ف�إن‬ ‫نظرياتها املغاربية �شملت احلدث ب�أجلّ الإهتمام‪� ،‬إعالميا‪� ،‬أوال‪ ،‬ثم نقديا ووفق متطلبات الدر�س‬ ‫الأكادميي القومي‪ .‬جتلى هذا مما كتب يف جل املنابر الإعالمية‪� ،‬أو يف جل�سات وحلقات درا�سية نظمتها‬ ‫اجلمعيات الأدبية‪ ،‬والكليات املخت�صة‪.‬‬ ‫نخ�ص بالذكر منها واحدة بارزة �أقامتها �شعبة اللغة العربية و�آدابها يف كلية الآداب والعلوم‬ ‫الإن�سانية‪ ،‬بجامعة حممد اخلام�س بالرباط‪16( ،‬نونرباملن�رصم)‪ ،‬تبعا للمحاورالتالية‪ :‬جتربة جنيب حمفوظ‪:‬‬ ‫اللغة وال�شكل؛ جتربة ن‪.‬م‪ :‬ال�رسد واملتخيل؛ جتربة ن‪.‬م ال�سينمائية‪ :‬الكتابة والتلقي‪ .‬وكانت كلها من‬ ‫‪131‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫تقدمي ومناق�شة �أ�ساتذة ال�شعبة والطلبة الباحيثن يف الدرا�سات العليا‪.‬‬ ‫لقد �أفا�ض امل�رشق واملغرب العربيان يف تو�صيف هذه التجربة‪ ،‬ور�صد جممل مالحمها‪ ،‬اعتمد‬ ‫الدار�سون يف ذلك مقاربات خمتلفة‪ ،‬ومناهج �شتى لإ�ضاءتها‪ ،‬وكذا يف فهم وت�أويل ر�ؤاها و�أبعادها‬ ‫�إىل احلد الذي ت�شكلت �أمامنا عوامل بال ح�رص‪ ،‬روائية و�إن�سانية‪ ،‬لكاتب واحد‪ .‬ويف هذا يلتقي اجلميع‬ ‫يف ب�ؤرة واحدة‪ ،‬العتبار عمالق الرواية العربية مر�آ ًة تنعك�س عليها كل التجارب ال�رسدية التخييلية‬ ‫العربية‪ ،‬احلديثة طبعا‪ ،‬وحمراراً يقا�س به درجة جناح �أو �إخفاق كل ما اجرتحه الروائيون العرب‪،‬‬ ‫ب�أجيالهم وطرائق كتاباتهم املتباينة يف باب الكتابة ال�رسدية‪ .‬مرجع ذلك‪ ،‬يف زعمنا‪� ،‬أن جنيب حمفوظ‬ ‫قطع مبفرده تقريبا �أ�شواطا عديدة يف �سباق م�سافات طويلة‪ ،‬كان وحده ي�ضع له خطه ونف ََ�سه وقواعد‬ ‫اال�شرتاك والفوز فيه‪ ،‬مذ روايته الأبكر"عبث الأقدار"(‪� )1939‬إىل"ق�شتمر"(‪� )1989‬إن �شئنا‪ .‬وهو‬ ‫فوق هذا متثل وحذق واجرت�أ على �أ�ساليب متنوعة يف الق�ص‪ ،‬وعرف كيف ي�ستقل بعامل اذخر فيه‬ ‫وجدان النا�س ور�ؤية العامل‪ ،‬فتوفر‪� ،‬إذن‪ ،‬على ما يحتاج �إليه الروائي الفذ‪� ،‬ش�أن ُبناة الرواية الكبار‬ ‫املعلومني‪ ،‬ما مل يتوفر لغريه من �أدباء العربية‪� ،‬أو بقدر ن�سبي‪ ،‬حتى �صار بو�سعنا �أن نتحدث اليوم عن‬ ‫ويتبجل به وحده‪ ،‬وثانٍ ينخرط فيه‬ ‫نهجني �سلكتهما الرواية العربية‪ :‬واحد يخت�رصه �صاحب الثالثية ّ‬ ‫بدرجات متفاوتة �أ�رضاب له وغُرماء‪ ،‬ف�ضال عن االقرتاحات التجريبية املت�أخرة وما �شابه‪.‬‬ ‫من الرعيل الثاين نحن يف املغرب الأق�صى الذين تتلمذنا‪� ،‬ش�أن املت�أدبني العرب جميعا‪ ،‬على‬ ‫الرتاث املحفوظي‪� ،‬أو �إننا ندعي ذلك كما يدعيه غرينا‪ ،‬يف مقولة ل�ش ّد ما حتتاج وحدها �إىل فح�ص‬ ‫طويل ودقيق‪ .‬وهذا ما �أريد االنتقال �إليه مالم�سا يف هذه الورقة‪ ،‬بعيدا عن التخ�صي�ص الذي �أف�ضنا‬ ‫فيه بكليتنا بالرباط للمنا�سبة املذكورة‪ ،‬منطلقا من زاويتني‪ :‬زمن التلقي الأدبي‪ ،‬وثقافته‪ .‬ففي الزاوية‬ ‫الأوىل ن�شري �إىل �أن الأب جنيب حمفوظ كان قد �أكمل جماليا ور�ؤيويا �أكرب ما ميثل م�رشوعه الروائي‬ ‫املديد ب�صدور روايته" مريامار"(‪ ،)1967‬وجاءت الأعمال الأخرى‪ ،‬يف تقديرنا‪ ،‬تنويعات على‬ ‫موا�ضيع و�أ�ساليب مطروقة‪ .‬يف �سنة النك�سة ال�شهرية هذه مل نكن يف �أدبنا املغربي احلديث منلك �إال‬ ‫رواية يتيمةـ �إنني �أعني التعبري العربي وحده ـ ؛ نتحدث عن الرواية مبعناها الأجنا�سي ال�صحيح‪ ،‬هي"‬ ‫دفنا املا�ضي" للأ�ستاذ عبد الكرمي غالب ال�صادرة �سنة‪ ،1966‬والتي يوجد من يغمز من قناة �صاحبها‬ ‫ب�سبب خطاطة الأجيال و�صريورة القيم املتقاربة بني الن�ص املغربي ومنت الثالثية الأب‪ .‬فمما ال �شك‬ ‫فيه �أن حمفوظ برز حتديا مثريا جليل الأدباء املغاربة الذين اقتحموا حقل الرواية‪ ،‬وهم رغم كل �شيء‬ ‫قلة‪ ،‬وريادته �أفادت كثريا فطبعت مبي�سمها‪ ،‬كما بلبلت �أعماال �أخرى ُو ُ�سبل ك�شف حمتملة‪.‬‬ ‫ومن زاوية ثقافة التلقي بو�سعنا الآن �أن ن�سجل‪ ،‬وقد �أ�صبح الزمن م�سعفا لذلك‪ ،‬ب�أن نهاية امل�سار‬ ‫الروائي املحفوظي‪ ،‬كما قدرناه‪ ،‬تقاطع مع بداية‪ ،‬ال �أقول التلقي ال�رسدي‪ ،‬الذي يفرت�ض الن�ضج‬ ‫‪132‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫و�صنع الن�سق اخلا�ص‪ ،‬و�إمنا بداية التعلم( ‪ )L’apprentissage‬للآداب احلديثة يف اجلامعة املغربية الفتية‬ ‫�آنئذ‪ .‬و�إذ مل تكن املناهج الدرا�سية يف �أ�سالك التعليم ال�سابقة تتوفر �إال على النزر الي�سري من ن�صو�ص‬ ‫مبعرثة للمحدثني‪ ،‬ف�إن كلية الآداب الوحيدة لزماننا‪ ،‬نحن ال�ستينيني‪ ،‬مل ي�شغل فيها الأدب احلديث‬ ‫عامة‪ ،‬والفن ال�رسدي خا�صة‪� ،‬سوى ما ف�ضل من وقت عن مواد ومتون الثقافة الأدبية واللغوية‬ ‫الرتاثية‪ ،‬وبتقاييد خمت�رصة ومبت�رسة ال ت�سمن وال‪� ..‬إنني �أزن كالمي جيدا‪ ،‬و�أحب �أن يقع ح�سنا يف‬ ‫الأ�سماع‪ ،‬لأين �أحتدث عن جتربة‪ ،‬عن زمن معي�ش‪ ،‬ال م�ؤرخا �أو م�صنفا‪ .‬فاقت�ضى الأمر تعلم الأدب‬ ‫احلديث بع�صامية ا�ستثنائية ملعاينة م�ضاربه‪ ،‬واالت�صال ب�أعالمه ون�صو�صه امل�ؤ�س�سة‪ ،‬ومنها الن�ص‬ ‫ال�رسدي املحفوظي‪ ،‬بداهة‪.‬‬ ‫لقد ّ‬ ‫مرات للجيل الأدبي يف املغرب‪ ،‬بدءا من‬ ‫�شكل هذا الن�ص لوحا للقراءة والكتابة واملحو ٍ‬ ‫و�ص ُعدا‪� ،‬سواء باالنكباب عليه �أو حتى بال�سهو عنه بغية جتاوزه( كما هو ال�ش�أن عند‬ ‫العقد ال�ستيني ُ‬ ‫الراحل حممد زفزاف)‪ ،‬و�أ�ضحى‪ ،‬على مراحل‪ ،‬بعد اعتماده م�صدر تعلم‪ ،‬تلك املر�آة التي نلتفت‬ ‫�إليها‪� ،‬إما ق�صدا‪� ،‬أو اعتباطا لنقي�س قاماتناـ ن�صو�صناـ فنتعرف �ضمنا �أو وهما على ال�شوط الذي قطعناه‬ ‫يف طريق �إذ نراه �أمامنا‪ ،‬بات �إىل اخللف لدى �صاحبه‪ ،‬فيا لها من مفارقة‪ ،‬و�إن دالة! ونظن �أنه ٌ‬ ‫حال‬ ‫ال يخ�ص املغرب بقدر ما ين�سحب على عديد بيئات �أدبية عربية‪ ،‬يف قلبها البيئة املغاربية يف �شقها‬ ‫العربي املبني‪ .‬ويف حميط �سو�سيوـ ثقايف م�أخوذ يف موج التعلم والتوتر االجتماعي امل�ضطرمني‪ ،‬كما‬ ‫يف ع�صف التيارات الفكرية والإبداعية‪ ،‬قادمة من كل اجتاه‪ ،‬بال مقدرة نا�ضجة على التلقي املنتخِ ب‬ ‫واملنتج‪ ،‬لعل الن�ص املحفوظي كان املحط َة الوحيد َة التي التقت فيها الأذواق‪ ،‬وعلى مائدتها تغذت‬ ‫املواهب‪ ،‬و�أدقها‪ ،‬و�أرهفها يف الأدب املغربي ما خ�ص الق�صة الق�صرية �صاحبة احل�صة الأوفر والأوزن‬ ‫بني �أجنا�س الأدب احلديث عندنا‪ ،‬ول�صاحب "خمارة القط الأ�سود" باع طويل فيها‪.‬‬ ‫على �أين �أميل‪ ،‬بعد هذا وذاك‪� ،‬إىل اعتبار ان�شدادنا �إىل الرتاث املحفوظي مقرتنا جوهرا ببحثنا‬ ‫الد�ؤوب عن �أف�ضل الطرائق الفنية‪ ،‬و�أجنع الو�سائط والت�صورات‪ ،‬و�أو�سع التمثيالت و�أذكى‬ ‫التلميحات لر�سم واقعنا االجتماعي الوليد ملا بعد مرحلة الإ�ستعمار‪ ،‬ب�صوغه‪�" ،‬إعادة �إنتاجه" بالتعبري‬ ‫املارك�سي الفج‪ ،‬وب�إعادة تخلقه يف ن�صو�ص �رسدية تقول الواقع واملحتمل‪ ،‬وتنتقده‪ ،‬وتب�رش بالآتي‪،‬‬ ‫وحتلق ب�أجنحة التخييل؛كانت الواقعية‪ ،‬مبفهومها النا�ضج ال اال�ستن�ساخي هي املطلب والأداة لفئات‬ ‫جديدة كي تبلغ �صوتها ‪ ،‬وجنيب حمفوظ هنا هو املعلم بال منازع‪.‬‬

‫‪133‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪134‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫"احلي الالتيني"‬ ‫ّ‬

‫�أو م�سار "العربي ال�رشيف"‬ ‫�أحب �أن �أجعل مداخلتي يف هذه املنا�سبة املهيبة*‪ ،‬لت ّذكر الرائد الكبري الراحل �سهيل �إدري�س‪،‬‬ ‫�أحد م�ؤ�س�سي �أبنية التحديث الأدبي ومر�سخي الوعي الفكري والوطني والقومي يف الثقافة العربية‪،‬‬ ‫من�صبا على روايته ال�شهرية"احلي الالتيني"**‪ ،‬بالأحرى اتخاذ هذا املنت منطلقا ملعاجلة بع�ض امل�سائل‬ ‫التي ن�ش�أت يف املا�ضي‪ ،‬ونرى �أنها ما زالت عالقة مل يح�سم النقا�ش ف�ضال عن العمل لإجنازها‪ ،‬ومن‬ ‫مت االنتقال �إىل طور متقدم �أكرث يف نهجها‪ ،‬نعني بالدرجة الأوىل عالقتنا بالغرب الأوروبي منوذجا‬ ‫يف املدنية احلديثة مبكوناتها وجتلياتها املت�شابكة واملختلفة‪ ،‬وعديد الإ�شكاليات التي جنمت عن هذه‬ ‫العالقة عرب حقب تعد الآن بالأجيال‪� ،‬أقواها موقعنا الوطني والقومي �إزاء هذه العالقة‪ ،‬وبعدها‪.‬‬ ‫لكني قبل هذا �أحب �أن �أ�شري �إىل احلافز الذاتي من وراء اختيار هذا العمل نواة مركزية متثل الفعل‬ ‫املمتد مدى عمر ملعلم ومدر�سة تخرجت منها �أجيال‪ ،‬املتمثل يف كوين خ�ضت هذه التجربة �إىل جانب‬ ‫�أفراد متمكنني ومزاجيني‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬من �أبناء جيلي‪ ،‬عا�شها ك ٌّل منا على طريقته‪ ،‬و�أثمرت لديه �إما‬ ‫ن�صو�صا‪� ،‬أو ت�صورا عن الوجود‪ ،‬و�آلت به يف الأخري �إىل امل�ضي يف احلياة يف �ضوء و�إثر نتيجة ما �سعى‬ ‫�إليه من عالقة مع الثقافة واملدنية الغربيتني‪ ،‬على هذا النحو �أو ذاك؛ نحن الذين وجلناهما من باب"‬ ‫احلي الالتيني"‪ ،‬فينا من الت�صق به دهرا‪ ،‬ومنا من اليكف يعود �إليه كما لو لزيارة و ٍّيل �صالح يطمع‬ ‫يف بركته‪� ،‬أو مدفوعا باحلنني‪� ،‬أي حنني!‬ ‫كتب �شيخنا �سهيل �إدري�س عمله املعني �إثر عودته من البعثة الطالبية �إىل فرن�سا للح�صول على‬ ‫‪135‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫درجة الدكتوراة يف الآداب‪ ،‬وهو ما متّ له �سنة ‪ ،1953‬وخالل مدة �إعداد ر�سالته �أقام هو وزمرة من‬ ‫زمالئه يف احلي الطالبي ال�شهري"‪ ،"Le quartier latin‬املحفل اجلامعي والأدبي الفني طوال �أزمنة‪،‬‬ ‫اخلم�سينات �إحداها‪ .‬وكما يق�صد كل زائر باري�س للمرة الأوىل "برج �إيفل" ق�صد هو منارة احلي‬ ‫حيث املراكز الأكادميية الكربى‪ ،‬وعناوين الثقافة والذاكرة الإبداعية الباري�سية‪ ،‬يف ال�ضفة الي�رسى‬ ‫على اخل�صو�ص‪ ،‬فغرف من علمها‪ ،‬ونهل من مناهلها �أ�رشب ًة �شتى‪ ،‬وعاد بعد لأي‪� ،‬أقول لأي فقط‬ ‫يعطينا نكهة م�رشوبه‪ ،‬ويقا�سمنا بع�ض ما تزود به‪ ،‬وهو يعرينا عينيه يف �آن لن�شارف امل�ستقبل‪ ،‬حيث‬ ‫امل�شاريع التي ين�شدها لأمته‪.‬‬ ‫نحن نعلم �أن الطالب العائد �ألف روايته �سنة ‪ ،1953‬ال�سنة ذاتها التي �أ�س�س فيها مع �آخرين "‬ ‫جملة الآداب"‪ ،‬وانطلق منذئذ يف بلورة م�شاريعه الأدبية الثقافية‪ ،‬يف حمطات متتالية �أبرزها ت�أ�سي�سه‬ ‫دار"الآداب" مبعية نزار قباين �أوال‪� ،‬سنة ‪ ،1956‬وهي �أكرب من دار ن�رش‪ ،‬مبا �أنها �رسعان ما حتولت �إىل‬ ‫مدر�سة فكرية‪ ،‬وتدريجيا �إىل منارة للأدب احلديث‪ ،‬ولنق ِْل التيارات الفل�سفية والإبداعيةـ اجلانب‬ ‫املثري منها على الأقل ـ �إىل العربية‪ ،‬وخلق ذائقة وحمفل للت�أمل واجلدل وامل�ساءلة والنقد اخلالق عرب‬ ‫�صياغة �إ�شكاليات م�ؤ�س�سة لنه�ضة جديدة‪ .‬وال نن�سى رئا�سته الحتاد كتاب لبنان لفرتة طويلة زرع‬ ‫خاللها كثريا من الآراء والت�صورات هزت مفاهيم جامدة يف املحيط الأدبي‪ ،‬و�أنع�شت بدائل كانت‬ ‫تنت�رص كلها �إىل التجديد‪ ،‬وتنه�ض على بنية معرفية مادتها تتعالق فيها عنا�رص احلداثة الغربية مع مفاهيم‬ ‫التنوير‪ ،‬و�آفاق العمل الوطني‪ ،‬وامتدادا �إىل الأفق الأكرب للتحرر القومي‪ ،‬وجتديد بناء العروبة‪� .‬إن‬ ‫هو �إال غي�ض من في�ض‪ ،‬و�إال فبانوراما الت�شييد ومالمح امل�رشوع "الإدري�سي" �أو�سع و�أغنى من هذا‬ ‫كثريا‪.‬‬ ‫نزعم �أن رواية "احلي الالتيني" هي الور�ش الأول الذي حاول ال�شيخ �إدري�س �أن يجرب فيه كيف‬ ‫يزيح فيه نهائيا العمامة عن ر�أ�سه‪ ،‬وينطلق بعد املحطة الباري�سية يف خطى حثيثة نحو ما �أ�صبح عليه يف‬ ‫ما بعد‪ .‬نعني �أنه ور�ش كان قائما قبل قدوم البريوتي ابن حملة "الب�سطا" التحتا �إىل باري�س‪ ،‬واال�شتباك‬ ‫ب�رشنقة بيئتها وجمالها املركب‪� ،‬سواء عا�شه على حقيقته‪� ،‬أو وفق مزاجه ال�رشقي‪ ،‬وب�إ�سقاطاته‬ ‫الرومان�سية واملبالغة‪ .‬ما يدفعنا �إىل القول ب�أن البغية الأ�سا�س من الكتابة هنا لي�ست بال�رضورة �صياغة‬ ‫اجلن�س الأدبي‪ ،‬والإ�سهام يف زيادة تر�سيخه يف �أدبنا بهذا ال�شكل �أو ذاك‪ ،‬يف مرحلة كانت الرواية‬ ‫العربية فيها �ست�أخذ منعطفا حم�سو�سا نحو الواقعية‪ ،‬منقلتة من �إ�سار الر�ؤية الطبيعية اجلامدة واملحاكاة‬ ‫ال�ساذجة والعاطفية ال�ضحلة‪ .‬من الأكيد �أن الأ�ستاذ �سهيل �إدري�س نزع �إىل هذا الفن‪ ،‬وم�شهود له‬ ‫فيه ما ي�صح ت�سميته ثالثية تت�شكل �إىل جانب العمل هذا من"اخلندق العميق"(‪�" ،)1958‬أ�صابعنا التي‬ ‫"احلي" و�أعما ًال الحقة‬ ‫حترتق" (‪ ،)1962‬ما �سجله غري م�صدر يف درا�سة الرواية بلبنان‪ ،‬كما �أن‬ ‫َّ‬ ‫‪136‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫كانت حمط عناية نقدية بو�صفها متنا �رسديا متميزا يف �سجل الرواية العربية حلينها‪ ،‬ن�أخذ هذا كله يف‬ ‫االعتبار ونحن نقر�أ‪ ،‬بل نعيد قراءة هذا الن�ص التاريخي حقا‪ ،‬لكننا‪ ،‬ودون �أن نبخ�س بتاتا مكانته‬ ‫يف ال�سجل ااملذكور نرى �أن التعامل معه‪ ،‬و�إواليات تلقيه بالرطانة احلديثة‪ ،‬تخ�ضعه ملا هو �أقوى من‬ ‫االعتبار الأجنا�سي‪ ،‬و�إين لأرى �أن �صاحبه �أفهمنا يف غري مو�ضع "احلي‪ ،"..‬ثم وقد نزح منه �إىل �سواه‬ ‫من �أنواع و�أغرا�ض الكتابة ب�أن �ش�ؤونه و�شجونه �أكرب و�أكرث وفرة وتعددا من �أن حتتويها الرواية‪� ،‬أو‬ ‫كاتب يف عديد‪.‬‬ ‫�أن ي�رصف لها الوقت والد�أب اللذين ت�ستحقهما مبفردها بينما وهو واحد ٌ‬ ‫كان يف ذهن الكاتب‪ ،‬ونحن مع "احلي‪� "..‬إزاء رواية ذهنية بامتياز‪ ،‬مبعنى �أنها مفكر فيها‪،‬‬ ‫وخا�ضعة خلطاطة نظرية‪ ،‬ومقوالت فكرية‪ ،‬ومنطقها الداليل؛�أقول كان يف ذهنه �أن يخترب جملة‬ ‫من الت�صورات يف قلبها مما بات ن�سقا مفروزا يف كل الروايات التي كتبت يف احل�ضن الغربي‪ ،‬العالقة‬ ‫املتوترة بني ال�رشق والغرب‪ ،‬العربي والغرب‪� ،‬أنا والآخر با�صطالح عبداهلل العروي‪ ،‬وهو نَ َ�س ٌق قائم‬ ‫وفق ما ا�صطلح البلغاء على ت�سميته "املقابلة"‪ ،‬وهي من قابل ال�شيء بال�شيء مقابلة وقباال‪ :‬عار�ضه‪،‬‬ ‫واملقابلة‪ :‬املواجهة والتقابل مثله‪ ،‬وقد خ�ص�ص لها البالغيون تعريفات كثرية ح�سب ما وقعوا عليه‬ ‫من �أمثلة نختار منها لفائدة مو�ضوعنا ما جاء عند الع�سكري من �أنها‪� ":‬إيراد الكالم ثم مقالته مثله‬ ‫يف املعنى‪ ،‬واللفظ على جهة املوافقة �أو املخالفة"(كتاب ال�صناعتني‪ ،)337 ،‬وو�صف الباقالين عملها‬ ‫يف"�أن يوفق بني معان ونظائرها وامل�ضاد �ض ّده"(�إعجازالقر�آن‪ .)132 ،‬نح�سب �أن"احلي‪"..‬بنيت‪،‬‬ ‫و ُركبت‪ ،‬و�صيغت‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬على هذا الناظم‪ ،‬الثابت يف ذهن �صاحبه‪� ،‬أوال‪ ،‬والذي ك�أمنا انتقل �إىل‬ ‫ف�ضاء نقي�ض لف�ضاء ثقافته الأ�صلية ليجد له ما ي�ؤ�س�س �أطروحته‪ ،‬وي�ستقيم به منطقه‪ ،‬وبطبيعة احلال‬ ‫فال�شكل الروائي يغدو عندئذ �أقرب �إىل امل�سوغ الفني منه �إىل كتابة مبتغاة لذاتها‪ ،‬واحلكاية الغرامية‬ ‫ف�ضفا�ضة‪ ،‬وم�صطنعة‪ ،‬بالأحرى م�صنوعة حتى ولو مل تعدم ن�صيبا لها من �سند الواقع‪ ،‬وال�شخ�صيات‬ ‫املعرو�ضة يف واجهة بانوراما احلي الالتيني‪� ،‬أعني الف�ضاء ال الرواية‪ ،‬مطروحة كلها طرحا منطيا للقيم‬ ‫�أو املثل التي ترمز لها‪ ،‬و�إال فهي كائنات �شبحية وجودها كامن يف ما انتدبها امل�ؤلف لتمثيله وخلطاب‬ ‫املقابلة املالئم لها‪� .‬أما ت�سل�سل الأحداث‪ ،‬لو جاز احلديث عنها بهذه الت�سمية‪ ،‬فمن قبيل �أن يحمي‬ ‫الغليان العاطفي ُ�شبوباً لن�صل �إىل الأهم عند الكاتب يف اخلال�صات الأخرية التي �سيطرحها بطريقة‬ ‫معي�ش مزعوم و�أخالقيات بعينها للو�صول يف النهاية �إىل اكتمال‬ ‫ميكانيكية كمح�صلة لتجربة ذات ٍ‬ ‫الرواية الأخالقية‪ ،‬ح�سب مفهوم توما�س بافل‪� .‬إذ ف�ضال عن نزعة التب�شري‪ ،‬واخلطاب الر�سويل‪ ،‬هناك‬ ‫الأهم الكامن يف ربط الأدب بخلقية وتوفري نامو�س خا�ص به‪ ،‬ما يعلن عنه" البطل" بو�ضوح من‬ ‫خالل م�شاهدة م�رسحية" العادلون لألبريكامي‪ ":‬ه�ؤالء العادلون الذين خلقهم كامي ليحملهم ر�سالة‬ ‫تعطي حلياتهم معنى‪ ،‬فيعي�شون من �أجل ت�أديتها‪ ،‬ويكر�سون لها كل همهم يف احلياة"(‪ )82‬و�أقوى منه‬ ‫‪137‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ما جاء على ل�سان ال�شخ�صية ف�ؤاد يف املو�ضوع ذاته‪� ":‬إن �أدبنا حاجة �إىل مثل هذه النزعات الثورية‪،‬‬ ‫وكل ما �أمتناه �أن �أترجم هذه امل�رسحية يوما و�أبلغها �إىل القراء العرب‪� .‬إننا مفتقرون �إىل ه�ؤالء الأبطال‬ ‫الفدائيني"(‪.)83‬‬ ‫من �أجل �إعطاء معنى للحياة تنتج التقابالت‪ ،‬حيث تتواتر �صور ومعاين الت�ضاد بني الغرب وال�رشق‬ ‫يف �أكرث من م�ستوى‪ ،‬وهو ما يحتاج حقا �إىل �سجل خا�ص يتطلب �أن يفرد يف داخله �سجل �أكرث‬ ‫خ�صو�صية يعنون تو�صيف النظرة �إىل الغرب بو�صفه �أنثى �أو حو�ض‪ ،‬وما يتوالد من هذا الت�صور من‬ ‫دالالت بدال الفحولة الإيج"ابية وال�سحراملتمثل يف عجائبية "اجلمل والنخيل وال�صحراء"‪ .‬على ال‬ ‫منا�ص من الإيجاز‪ ،‬ولنقدم بع�ض الأمثلة‪ ،‬مرموزا لها يف ُمهيمنات حمددة‪:‬‬ ‫ـ العرق‪ :‬ال�رشقي"ـ �أنت �إذن �رشقي؟"‪ ،‬ت�س�أل جانني‪" ،‬ـ و�أنت؟ ـ هل �أنت باري�سية؟‪ ،‬ي�س�أل‬ ‫بطلها (‪)91‬؛‬ ‫ـ اللون‪ :‬الأ�شقر"عرفها من �شعرها الأ�شقر" ب�رشتها البي�ضاء‪ ،‬و"نظر يف عينيها الزرقاوين" (‪)93‬؛‬ ‫يدها العاجية املن�سكبة �شالال من نور"(‪� .)29‬أنب�أتني تقاطيع وجهك �أنك ل�ست �أوروبيا"(‪)94‬؛‬ ‫ري عائ�ش يف ح�ضارات القرون الو�سطى؛ فلوبري الذي �صور احليوانية يف‬ ‫ـ احل�سية البدائية‪ :‬ال ُع ُ‬ ‫حياة �أهل ال�رشق"(‪)96‬؛ "كنت �أحتدث عن خوف الفرن�سيةـ �إجماالـ �إذا وجدت مع �رشقي واحد‪..‬‬ ‫فكيف يكون خوفها �إذا وجدت مع خم�سة!"( ‪)167‬؛‬ ‫ـ اخللقية(= ال�رشف)‪� " :‬أحذرك يا بني من ن�ساء باري�س‪...‬وقاك اهلل �رش بنات احلرام"(‪ )73‬؛ " ما‬ ‫القول يف امر�أة ت�ست�سلم منذ اللقاء الأول؟ �أتراها من هاتيك الفتيات ال�رشيفات؟"(‪�" )72‬شباب [يف‬ ‫الغرب‪ ،‬طبعا] يوحي منظرهم بكل �شيء �إال بالوقار"(‪)13‬؛ " فتيات يلمع يف عيونهن بريق الذكاء‬ ‫واخلفة والطي�ش‪ ،‬يع�شن ليعطني ما يطل منهن"(م‪�.‬س)؛‬ ‫ـ الرغبة الف�صامية‪ ":‬يريد �أن يتنف�س هواء جديدا"(‪)6‬؛ " �أي عامل جاف �شديد الق�سوة يقذف نف�سه‬ ‫فيه هنا‪ ،‬في�شعر�أنه تائه‪.)42("..‬؛" بد�أت ت�شعر ال�ضيق يف وطنك‪ ،‬وملا مي�ض على و�صولك �أكرث من‬ ‫�أ�سوع؟"(‪)205‬؛"و�أخذت [�أمه]تعاتبه وتتهمه �أن حبه لهم قد خبا‪ ،‬و�أن بالده باتت ال تر�ضيه‪ ،‬و�أن‬ ‫الغرب قد �سلبهم �إياه‪)193("..‬؛" حني فرغت فران�سواز من الإدالء بر�أيها �أيقن �أنه �أمام فتاة رفيعة‬ ‫الثقافة‪ ،‬نا�ضجة احل�س"(‪)144‬؛"�أفال تفكر يف الزواج بها؟"؛" ولئن تزوجت يوما‪ ،‬فلن �أتزوج �إال‬ ‫فتاة عربية‪)145("..‬؛‬ ‫ـ ال�ضدية‪(:‬ال�رشق �رشق والغرب غرب)‪..":‬يرى �آالفا و�آالفا من هاتيك العربيات‪ ..‬يقيم احلذر‬ ‫بينهن وبني الرجل حواجز �صفيقة‪)196("..‬؛"هكذا خافت[ناهدة‪ ،‬اللبنانية] من ج�سدها‪ ،‬هذا الذي‬ ‫ينب�ض بتلك ال�شهوات وامل�شاعر املحرمة‪)197("..‬؛" قفزت �إىل ذهنه �صور كبرية‪� ..‬صور ن�ساء عرفهن‬ ‫‪138‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫أنا�سي‪ ،‬ال يخ�شني �أج�سادهن لأنهن ال يقد�سن كبت نوازعها‪)197(".‬؛ " تعمل[جانني] يف خمزن!‬ ‫ب�رشا � ّ‬ ‫�أية �سبة! فتاة مل تكن بكرا لأنها خمطوبة‪ ..‬فتاة م�سيحية‪ ،‬من غري دينه‪�..‬أية ف�ضيحة‪ ،‬و�أي عار �سين�صب‬ ‫على بيتنا! بيتنا هذا الذي عا�ش طويال يف ال�سرت والف�ضيلة وال�رشف والدين‪.)215( ".‬‬ ‫هي ع�رشات العبارات والإيحاءات و�أحكام القيمة خلطاب واحد ي�ؤكد ا�ستخدام ال�رسد يف هذا‬ ‫العمل‪ ،‬يف غريه‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬وهنا �أ�سا�سا لعر�ض �أطروحة العالقة بني الغرب وال�رشق حمكا الختبار الذات‪،‬‬ ‫وك�شف و�شحذ نزوعاتها الأنوية‪ ،‬وتطلعلها للأ�سمى‪ ،‬بحيث ال يقر�أ "الآخر" لذاته مبا هو تكوين‬ ‫ح�ضاري ومديني ثقايف ذو خ�صو�صية ولكن من منظور العالقة ال�رصاعية‪ ،‬وحتى التخاذه ذريعة‬ ‫لرف�ض منوذجه من �أجل حتقيق النموذج القرين ب�أنا عربية‪.‬‬ ‫حتديدا لغاية بناء �أو �إعادة بناء الروح القومية‪� .‬أجل‪ ،‬ف"احلي الالتيني" تبدو ك�أمنا كتبت لإذكاء‬ ‫الروح القومية‪ ،‬ون�صها هو الد�ستور النرثي الأدبي للتعبئة حول هذه الدعوة‪ .‬و�سواء اقتنعنا باحلبكة‬ ‫الغرامية" (بطل الرواية وجانني مونرو) �أو �س ّذجناها‪ ،‬ف�إمنا هي وم�سارات ال�شخ�صيات املحيطة بها‪،‬‬ ‫ذهبت من البداية‪ ،‬م�سبقا‪ ،‬ق�صدا‪ ،‬وبوعي‪ ،‬كي تف�شل كل امل�شاريع وال يبقى غري �أفق واحد هو‬ ‫الذي يالئم طريق بطل همه الأ�سا�س �أن يكون عربيا �رشيفا (‪� .)234‬إن ف�ؤاد لن يتزوج فران�سواز‬ ‫رغم كل خ�صالها اجليدة‪ .‬ملاذا‪ :‬ل"�إننا مدعوون يف امل�ستقبل يا عزيزي �إىل مواجهة كثري من ق�ضايانا‬ ‫القومية التي ال تعني �أحدا �سوانا‪ .)14( ".‬بهذا االقتناع اخلطابي الذي ي�أتي بال مقدمات �ستنتقل هذه‬ ‫ال�شخ�صية �إىل فكرة بلورة �إطار"رابطة" جتمع الطالب العرب يف باري�س‪�":‬إن كل وطن من �أوطاننا‬ ‫�ضيق‪ ،‬و�إن علينا �أن ن�سعى لتوحيد هذه الأوطان �إذا �شئنا �أال نح�س بعد باالختناق"(‪ .)232‬رابطة‬ ‫تكون"من ه�ؤالء الذين جتمعنا بينهم وحدة الروح القومية والتاريخ واللغة والأر�ض‪ .)233(".‬وحني‬ ‫�أزفت �ساعة مغادرة ف�ؤاد لباري�س و ّدع �أ�صدقاءه‪ ،‬ف�صافح املنا�ضل القومي �صديقه الذي" خيل �إليه �أنها‬ ‫مل تكن يده‪ ،‬وال يد ف�ؤاد‪ ،‬و�إمنا كانت يد ع�رشات يعرفهم و�ألوف ال يعرفهم‪ ،‬تعاهدوا على ال�رصاع‬ ‫من �أجل الوطن العربي الكبري‪ .)240(.‬لدى عودته �إىل بريوت وقد ربح ال�شهادة‪ ،‬رغم خ�سارته احلي‬ ‫الالتيني‪ ،‬لتكون" يد ف�ؤاد �أول يد ي�صافحها‪ ،‬في�شعر �أنه ي�صافح ع�رشات الأيدي التي يعرفها‪ ،‬و�ألوفا‬ ‫من الأيدي التي ال يعرفها انترث �أ�صحابها هنا يف بريوت‪ ،‬وهناك يف دم�شق‪ ،‬وهنالك يف القاهرة‬ ‫والقد�س وبغداد وتون�س‪ ،‬ويف كل ركن من بالد العروبة‪� ،)263(".‬أ�ضيف التي و�صل �إليها خطاب‬ ‫الدكتور �سهيل �إدري�س‪ ،‬وامتلأت بكفاحه‪ ،‬وتفاعلت مع دعواه‪ ،‬وكانت نُخبها الوطنية يف املغرب‬ ‫تعي�ش الق�ضية نف�سها التي رهن حياته كلها من �أجل ن�رصتها‪ ،‬وامل�رشوع الفكري الإبداعي والأخالقي‬ ‫الذي كر�س له جهده كله‪ ،‬يف جملة الآداب‪ ،‬ودارها‪ ،‬و�أبعد منهما‪ ،‬وذاق املرارة يف حياته وهو‬ ‫يراه ينتك�س مرات‪ ،‬ولكن �ألي�س انت�صارا له �أن تعمد النخبة الرتبوية باملغرب �إىل و�ضع رواية" احلي‬ ‫‪139‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الالتيني" يف منهاج التدري�س بالثانوية العامة؛�أح�سب �أن من قرر الن�ص كان يعي الغاية‪ ،‬وهي �أدبية‬ ‫بالطبع‪ ،‬قدر ما هي ن�ضالية قومية‪ ،‬ومذهبية لتنوير اجليل ال�صاعد وحت�سي�سه ب�أهمية الهوية الوطنية‬ ‫وقوة بنائها مع و�إزاء الهويات الأخرى‪.‬‬

‫* قدمت هذه الورقة يف ندوة خا�صة بذكرى الراحل �سهيل �إدري�س‪ ،‬نظمت خالل املعر�ض الدويل للكتاب بالدار‬ ‫البيي�ضاء(‪� ،)2008‬شارك فيها رنا �إدري�س‪� ،‬سماح �إدري�س عن جملة ودار الآداب‪ ،‬والناقد املغربي حممد برادة‪ ،‬وكاتب‬ ‫هذه ال�سطور‪.‬‬ ‫** اعتمدنا الطبعة ال�صادرة بني دار الآداب و�رشكة الن�رش والتوزيع املدار�س‪ ،‬الدار البي�ضاء‪،‬‬

‫‪140‬‬

‫ط‪2008 ، 16‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الهجرة املعكو�سة‬ ‫يف"مو�سم" الطيب �صالح‬ ‫ـ قراءة �أخرى ـ‬

‫‪1‬ـ لي�ست رواية "مو�سم الهجرة �إىل ال�شمال" للروائي العربي الكبري الطيب �صالح بي�ضة الديك‬ ‫بالن�سبة ل�صاحبها‪� ،‬إذ كتب بعدها �أعماال روائية‪ ،‬وحمكيات �أخرى‪ ،‬متنوعة الأ�شكال‪ ،‬خ�صبة العوامل‪،‬‬ ‫مزدانة مب�شاهد عن البيئة العربية يف ال�سودان‪ ،‬و�ألوان عي�ش الإن�سان و�رضوب �أحزانه و�أحالمه‪� ،‬شتى‪.‬‬ ‫�إن "دومة و ّد حامد"‪" ،‬عر�س الزين"‪" ،‬مريود"و"بندر�شاه" لت�شهد ل�صالح على عل ّو كعب يف الكتابة‬ ‫ال�رسدية ومهارة الق�ص‪ ،‬وحذق التعبري‪ ،‬وبراعة الو�صف‪ ،‬وحنكة احلبك‪ ،‬ويقظة احل�س يف التقاط‬ ‫كل هام�س ودال‪� .‬شاعت هذه الأعمال بني القراء‪ ،‬زانها احتفالها بال�شيء املحلي‪ ،‬وغزارة مواد‬ ‫بيئة مفردة‪ ،‬وتعابري �أبناء الأر�ض‪ ،‬و�رصاعهم املتنازع بني الطبيعة واجلذور وتطلعات غد غام�ض؛كل‬ ‫ب�رسيرته‪ ،‬وحزنه‪ ،‬كذا ب�أفقه‪ .‬فيما"مو�سم الهجرة �إىل ال�شمال" (�سرنمز لها بحريف "مو") الت�صقت‬ ‫بجلد كاتبها كالو�شم‪ ،‬ويف كل حمفل �صارت عالمة عليه حدا �ضاق بها‪ ،‬وحجبت مواهب جميلة‪،‬‬ ‫وخ�صاال رفيعة عرف بها‪ .‬منذ �أن ن�رشت للمرة الأوىل يف جملة "حوار"اللبنانية (‪ ،)1966‬وتتالت‬ ‫طبعاتها بال ع ّد‪� ،‬إىل �أن حازت �شهرتها العاملية بني �أف�ضل مائة رواية يف القرن الع�رشين‪� ،‬شغلت �أكرث‬ ‫الدرا�سات والتحليالت يف النقد الأدبي الروائي‪ ،‬ووحدها ا�ستطاعت �أن تناف�س الروايات امل�شتهرة‬ ‫لنجيب حمفوظ‪ ،‬وب�سببها نال �صاحبها حظوة ا�ستثنائية‪.‬‬ ‫لهذا‪ ،‬لي�س مطمحنا من هذا الف�صل �أن نناف�س ما بات ميثل فعال متنا حتليليا ونقديا متعدد االهتمامات‪،‬‬ ‫غني امل�صادر ومت�شعب الت�أويالت‪ ،‬بل ولي�س يف خطتها �أن تقر�أها يف املحور الذي مل تخرج عنه‬ ‫ّ‬ ‫‪141‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫جميع القراءات‪� ،‬أح�سب �أن �سببا �أ�سا�سا بني �أخرى‪ ،‬حازت بها �شهرتها‪ ،‬نعني مو�ضوع �أو م�س�ألة‬ ‫العالقة بني ال�رشق والغرب‪ ،‬ال�شمال واجلنوب‪� ،‬أو ا�صطلح عليه‪ ،‬منذ درا�سة عبداهلل العروي الرائدة‬ ‫"الإيديولوجية العربية املعا�رصة"(‪ )1967‬ب�إ�شكالية الأنا والآخر‪ .‬ولعله لي�س من ال�صدفة �أن يتوافق‬ ‫�صدور العملني يف فرتة متزامنة‪ ،‬و�إن مبنظورين و�أداتني خمتلفتني‪ ،‬واحدة نقدية ت�أويلية‪ ،‬والثانية �أدبية‬ ‫تخييلية‪ ،‬لكن �شاغلهما م�شرتك وهو حماولة �إما فهم �أو الإح�سا�س ب�أطراف العالقة‪ ،‬و�أ�شكال ال�رصاع‬ ‫بني �أ�صوله وجتلياته‪ ،‬وكيف تتجلى بني قطبي املو�ضوعي والذاتي املركب‪ ،‬يف �آن‪ .‬ذاك االن�شغال‬ ‫املتزامن الذي جاء عقب ظهور ما ميكن و�سمه ببدايات ظهور العالمات الأوىل خليبة الأمل من وراء‬ ‫حركات اال�ستقالل‪ ،‬وزيادة ات�ساع الفجوة يف احلظوظ والفهم بني �أجيال امل�ستعمرات القدمية وبلدان‬ ‫الغرب‪ ،‬مدعية حيازة ق�صب ال�سبق يف كل �شيء‪ ،‬و�صانعة عقدة ابن اجلنوب‪ ،‬واملواطن العربي منه‬ ‫بجدارة‪ .‬يف هذه املرحلة كانت العالقة بني ال�شمال واجلنوب‪ ،‬على الأ�صح‪ ،‬قد جتاوزت م�ستوى‬ ‫الده�شة واالنبهار‪ ،‬وتخطت كذلك مرحلة الت�سا�ؤالت البدئية الناجتة عن الإح�سا�س العايل بالفرق‬ ‫بني هذين العاملني‪ ،‬وخ�صو�صا ان�سحاق امل�ست�ضعفني وامل�ستعمرين حتت قوة اال�ستعمار ب�آلته الع�سكرية‬ ‫واالقت�صادية الباط�شة؛ جتاوزته بعد �أن نالت البلدان امل�ستعمرة ا�ستقاللها وانتقلت �إىل مرحلة �إعادة‬ ‫ت�أ�سي�س الهوية‪� ،‬ضمن عديد م�شاريع منها تر�سيخ ال�سيادة والتحرر االقت�صادي والثقايف يف بلدان‬ ‫العامل الثالث الناه�ضة‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ نحن‪� ،‬إذن‪� ،‬إزاء تفتح وعي جديد وجد ت�شكله الفني ب�صيغة مغايرة‪ ،‬الرواية �إحدى تعابريها‪،‬‬ ‫ذهبت �إىل ا�ستجالء �إحدى مع�ضالت ما بعد اال�ستعمار‪ ،‬من خالل �أزمة الأفراد‪ ،‬والعالقات امل�ستع�صية‬ ‫النا�شئة يف هذه املرحلة‪ ،‬التي واجهوا فيها حقائق ووقائع مقلقة‪ ،‬عك�ست يف �أغلب الأحيان م�شاعر‬ ‫خيبة الأمل‪ .‬معناه �أن املرحلة الرومان�سية واال�ستك�شافية ال�ساذجة يف التوا�صل مع عامل الغرب‪� ،‬أو‬ ‫املفرت�ضة‪ ،‬ب�إ�سقاطاتها املعلومة يف الت�صورات واال�ستيهامات‪ ،‬قد ولىّ عهدها‪ .‬ذاك ما ميكن ا�ستخال�صه‬ ‫بيُ�رس �إن نحن قارننا الن�صو�ص الدائرة يف هذا الفلك بني الفرتتني الزمنيتني‪ ،‬خالل وما بعد احلرب العاملية‬ ‫الثانية‪ ،‬على اخل�صو�ص‪ ،‬ثم التي تلتها منذ نهاية العقد ال�ستيني الفائت و�صعدا‪� .‬إن �أهمية "مو" لتُدرك‬ ‫�أكرث لدى مقارنتها ـ نح�سبها �رضوريةـ مع �أعمال رائدة وجليلة القيمة ما يف ذلك �شك‪ ،‬نظري"ع�صفور‬ ‫من ال�رشق" (‪ )1938‬لتوفيق احلكيم(‪1898‬ـ‪ ،)1987‬و"قنديل �أم ها�شم"(ن�رشت للمرة الأوىل يف �سل�سلة‬ ‫"�إقر�أ" ‪ ،18‬يونيو ‪)1944‬ليحي حقي(‪1905‬ـ‪ ،)1992‬و"احلي الالتيني"(‪)1953‬ل�سهيل �إدري�س ـ‪)2008‬‬ ‫وينبغي �أن ن�ضيف �إليها من جناح املغرب العربي ق�صتني مهمتني تغفالن عادة يف هذا امل�ضمار‪ ،‬لنغ�ض‬ ‫الطرف عن ال�سبب‪" ،‬جولة بني حانات البحر الأبي�ض املتو�سط"(‪ )1936‬للتون�سي على الدوعاجي(‬ ‫‪142‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ 1909‬ـ ‪ ،)1949‬و"يف الطفولة"(‪ )1957‬ال�سرية الذاتية للمغربي عبد املجيد بن جلون(‪1919‬ـ ‪.)1981‬‬ ‫على العك�س منها جاءت "مو" خمتلفة‪ ،‬تتعدى االنبهار‪ ،‬وتبدو من�شغلة بو�ساو�س �أكرب من الرغبة‬ ‫الفردية غري معنية بالنزعة الر�سولية‪ ،‬املرتاوحة بني متجيد "�أنا" العربي واالنبهار ب"�آخر" الغربي‪،‬‬ ‫�ساعية �إىل بحث معقد ومتداخل للتعرف على الذات عرب التبادل واملثاقفة‪ ،‬و�إن بح�س ال يخلو من‬ ‫متزق وم�أ�ساوية‪ .‬وميكن �أن نعزو خ�صائ�ص التغيري هاته �إىل حتول �شمويل كانت الأمة والثقافة العربيتان‬ ‫تعرفانه‪ ،‬ب�سعيهما لالنتقال �إىل �أو�ضاع جديدة على الأ�صعدة كافة‪ ،‬اال�ستفادة من انك�سارات وهزائم‬ ‫املا�ضي وجراح حديثة يف احلا�رض‪ .‬بذا‪ ،‬ف�إن الن�ص املتمحور حول �إ�شكالية العالقة بالغرب‪ ،‬م�سه‬ ‫التغيري بدوره‪ ،‬منزاحا عن ما وثقته الباحثة امل�رصية �سيزا قا�سم ا�صطالحا ب"الثنائية ال�ضدية" (�رشق‪/‬‬ ‫غرب) (انظر روايات عربية‪ :‬قراءة مقارنةـ من�شورات الرابطة‪ ،‬الدارالبي�ضاء‪ ) 1997 ،‬منخرطا يف‬ ‫ت�صور تطورت فيه النظرة �إىل املع�شوق‪ ،‬بقدر ما تغريت نظرة العا�شق �إىل نف�سه‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ على �أين �أح�س ب�أن الن�صو�ص ال�رسدية البدئية يف هذا املجال ميكن �أن متثل بدورها مقدمة‬ ‫للفهم املختلف‪� ،‬أو الأطروحة التي نزعم �أن بالإمكان ا�ستخال�صها وفح�صها يف رواية الطيب �صالح‪.‬‬ ‫ومقت�ضى الأطروحة �أنه خالفا لل�شائع‪ ،‬وملا قتله الدار�سون بحثا‪ ،‬م�رشقا ومغربا‪ ،‬ف�إن الرهان يف"مو"‬ ‫لي�س اكت�شاف الغرب‪ ،‬وال التفاعل الوجداين‪ ،‬ثم الوعي العقلي‪ ،‬ومن ثم ت�صوير وعي�ش الثنائية‬ ‫ال�ضدية(كذا) ح�سب‪ ،‬فهذه عنا�رص ووجوه موجودة‪ ،‬من غري �شك‪ ،‬وهي يف احلقيقة متغلغلة يف‬ ‫كل ما كتبه العرب املحدثون من ق�ص�ص وروايات بحكم التحديث التدريجي الذي عرفته بنيات‬ ‫املجتمع‪� .‬إن الغرب هو الذي وفد �إلينا �أوال‪ ،‬جاءنا غازيا‪ ،‬مقتحما‪ ،‬وهذا تاريخ معلوم وموثق‪،‬‬ ‫وانعك�ست مظاهر عي�شه‪ ،‬و�أمناط تفكريه تدريجيا على حياتنا‪ ،‬ومتازجت بيومينا ومداركنا‪� ،‬أما ما نقر�أ‬ ‫يف بع�ض الروايات فهي جتارب فردية بالرغم من كونها حتمل �إىل حد ما‪ ،‬بعيد �أحيانا‪ ،‬ع�صارة جتربة‬ ‫جماعية‪ ،‬ت�شخ�ص فيها االحتكاك املبا�رش‪ ،‬وظهرت ذات طبيعة �سجالية‪ ،‬ونزعة �أطروحية لإثبات‬ ‫�ش�أن‪ ،‬ك�أمنا كان مقررا قبل �أن ي�شد �أ�صحابها الرحال �إىل الديارالأوروبية‪ ،‬فلك�أن مق�صدهم الأ�سا�س‬ ‫هو نفي �أطروحة الغرب بتوكيد �أهمية الأ�صل‪ ،‬والرتاب الوطني‪ ،‬ويف ذلك تفا�صيل ميكن التما�سها‬ ‫يف كل ق�صة مما ذكرنا على حدة‪ .‬لقد طغت �صورة املهجر‪ ،‬وامل�شاهد الفعلية واملركبة‪ ،‬املنقولة عنه‬ ‫�سواء يف �سلوك �أهله ومنط مدنيتهم‪� ،‬أم الأو�ضاع احلقيقية والكاريكاتورية للأبطال املر�صودين‪،‬‬ ‫هم يف الواقع الكتاب �أنف�سهم‪ ،‬وهم ي�ستن�سخون منوذجا عن رحلة العربي (امل�رشقي‪ ،‬بالأحرى)‬ ‫خارج تربته الأ�صلية‪ ،‬وتظهري و�صفات عجائبية يف مر�آتي بلدي الذهاب والإياب‪ ،‬و�أخريا ب�إعالن‬ ‫ما ي�شبه التوبة يتمثل يف التنكر للغرب و�إعادة الثقة يف الوطن الأم‪� ،‬أي يف ثقافته وتقاليده‪ ،‬و�أهمية‬ ‫‪143‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫االلتزام بها‪ .‬و�إال عن �أي �شيء تعرب ق�صتا" قنديل �أم ها�شم"و"احلي الالتيني" غري ذلك‪ ،‬ولن ي�شفع‬ ‫القول ب�أنهما حتمالن نظرة نقدية لعقلية يف فهم العامل الغربي‪ ،‬وكيفية التعامل معه‪ .‬ف�إ�سماعيل يف‬ ‫الأوىل‪ ،‬والذي عاد من درا�سته‪ ،‬م�ؤمنا مطلقا بالعلم الأوروبي ومنطقه‪ ،‬وج ّدف بكل معتقدات �أهله‬ ‫بجبة الدروي�ش‪ ،‬وقد تاه‬ ‫و�شعوذاتهم‪ ،‬ما يلبث �أن يخلع عنه العلم ب�رسعة كقمي�ص ات�سخ لي�ستبدله ُ‬ ‫عقله لي�صبح من جديد �أ�سري قنديل �أم ها�شم الذي �أقدم على حتطيمه رم َز رف�ض ثقافة كاملة قائمة على‬ ‫الغيب واملعتقدات الغام�ضة‪� .‬أما بطل �سهيل �إدري�س‪ ،‬الذي جن جنونه بباري�س‪ ،‬متلهفا على حما�رضات‬ ‫بخفي حنني‬ ‫ال�سوربون‪ ،‬و�أفالمها‪ ،‬ومعار�ضها‪ ،‬وجانني التي �شغف بهواها وقتا‪ ،‬فهو بدوره �سيعود ُ‬ ‫�إىل �أ�صوله البريوتية‪� ،‬إىل ر�ضا الوالدة‪ ،‬وح�ضن ابنة العم‪ ،‬مت�أبطا �شهادته ليتباهى ب"�سوربونيته"‬ ‫�شكال‪ ،‬فيما هو مقيم يف جبة ال�شيخ‪ ،‬ك�أنه مل يربحها قط‪ .‬ويف �أف�ضل الأحوال ميكن القول ب�أن روح‬ ‫هذه الأعمال تذهب �إىل قول م�ضمر‪ ،‬بناء على �شهادة ونتيجة العودة‪ ،‬فحواه تلك املقولة امل�شتهرة‪،‬‬ ‫والقطعية‪":‬ال�رشق �رشق‪ ،‬والغرب غرب!"‪� ،‬أو هكذا كان منظورا �إىل امل�س�ألة بثقافة وذهنية املرحلة‪،‬‬ ‫ثم حدث التبدل يف الثقافة‪ ،‬بكل ت�أكيد‪ ،‬ويف قلبها الكتابة‪� ،‬إذ مل يعد ممكنا اال�ستمرار يف النظر �إىل‬ ‫الوجود من عني الق�سمة الثنائية‪ ،‬وك�أن احلياة والأفكار واملعي�ش الب�رشي جزر منعزلة‪ .‬كان ال بد‬ ‫يف قلب الإح�سا�س بعامل يتبدل‪ ،‬ويتمزق �أبنا�ؤه يف �أزمة الهوية �أن تنتقل الرواية نوعيا‪ ،‬وهي اجلن�س‬ ‫الأدبي الأقدر على جمع عوامل �شتى‪ ،‬وحبك روابطها‪ ،‬وخ�صو�صا �إجناز الرتكيب النهائي بعد تفكيك‬ ‫العنا�رص و�إعادتها �إىل م�صادرها‪ ،‬حتى ولو بدا تركيبا �أو م�رشوعا م�ستحيال خطبه وخطابه الذات‬ ‫الباحثة عن م�صري يقودها �إىل حتف‪ ،‬كما هو ال�ش�أن يف رواية "مو"‪.‬‬ ‫‪4‬ـ و�سواء كان قراء هذه الرواية قد َج ّ�سوا نب�ضها احل�سا�س‪� ،‬أو �سبحوا على �سطحها‪ ،‬ما يزكي‬ ‫القراءة الإيديولوجية بالدرجة الأوىل‪ ،‬ف�إن هذا الن�ص ببالغة كتابته ور�ؤيته املركبة‪ ،‬يظل يف من�أى عن‬ ‫الت�صنيف‪ ،‬وبطله الرئي�س م�صطفى �سعيد �أ�شد غمو�ضا يف تفكريه وت�رصفاته من �أن ت�صدر يف حقه �أي‬ ‫�أحكام حا�سمة‪ ،‬وتف�سري ل�سيكولوجيته وت�رصفاته ( من ذلك ما ظهر من عجز املحكمة اللندنية �إزاء‬ ‫وح�س ٌن �أنه �سار على هذا النهج‪ ،‬فف�ضال عن �أنه دليل وعي فكري‬ ‫�أفعاله‪ ،‬وجتاه �ضحاياه من الن�ساء)‪َ .‬‬ ‫بالعالقة مع الغرب‪ ،‬ون�ضج فني يف تي�سري الكتابة مثل هذه املعاين‪ ،‬يرتك الن�ص منفتحا على �أكرث من‬ ‫ت�أويل‪ ،‬ويغرينا ب�أن نعيد قراءته من منظور ال ي�شو�ش على القراءات ال�سابقة‪ ،‬ولي�س همه �إق�صاءها‪ ،‬مبا‬ ‫فيها املجتهدة مثل حتليل �سيزا قا�سم املبني على �إبدال ن�سق الثنائية بن�سق مثلث طرفه اجلديد هو ت�سطري‬ ‫الوهم كعالقة ثالثة بني الطرفني‪ ،‬ما تتخذه و�سيلة لك�رس ن�سق الثنائية ال�ضدية انتقاال �إىل ن�سق جديد‪.‬‬ ‫نرى �أن رواية الطيب �صالح متثل بالإ�ضافة �إىل املعاين والدالالت امللحقة بها ما �أ�سميه ب"الهجرة‬ ‫‪144‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫املعكو�سة"‪� ،‬أي عو�ض ال�سائد ب�أنها ووفق العنوان املعطى رحلة من اجلنوب �إىل ال�شمال‪ ،‬هي رحلة‬ ‫من ال�شمال الكت�شاف اجلنوب‪ .‬جدير بالذكر �أن العنوان يتحدث عن مو�سم‪ ،‬واملو�سم فرتة زمنية‬ ‫مو�سم فقط ال‬ ‫حمدودة وجممع ومعلم �أي�ضا‪ ،‬مثل مو�سم احلج �أو اال�صطياف‪ .‬بذا فالهجرة مادة الق�صة‬ ‫ٌ‬ ‫م�ستقرة وال باقية‪ .‬وعندي �أن هذه الرواية حتتفي‪� ،‬إىل جانب م�سار م�صطفى �سعيد وم�صريه‪ ،‬مب�سار‬ ‫�آخر ي�شابهه ظاهرا يف النهج‪ ،‬ويتفق يف بع�ض التفا�صيل التي يلتقي حولها من يرتكون ديارهم وقتا‬ ‫�إىل اخلارج طلبا للعلم �أو املال‪ ،‬بيد �أنه يختلف عنه جذريا يف الباقي‪ ،‬يف الأزمة ال�شخ�صية وامل�صري‬ ‫حتديدا‪.‬‬ ‫راو‪ ،‬و�شخ�صية م�ستقلة‪ ،‬حتوز على كل‬ ‫‪4.1‬ـ يتعلق الأمر بالرواي‪ ،‬وهو ذو و�ضع مزدوج‪ٍ :‬‬ ‫مقومات ال�شخ�صية الروائية‪ ،‬املقتب�سة‪ ،‬بدورها‪ ،‬من وجود حياتي متميز‪ .‬قراء "مو" نظروا �إليه يف‬ ‫و�ضعه الأول‪ ،‬ومل يتميزوا ال مالحمه‪ ،‬وال عنوا بر�ؤيته للعامل الذي ينتمي �إليه‪ ،‬والأهم من هذا كله �أنهم‬ ‫مل يقفوا عند �أخطر ما فيه‪ ،‬نعني وعيه الكلي‪ ،‬اال�شتمايل‪ ،‬الذي قاد الرواية من البداية �إىل خامتتها‪ .‬نعم‪،‬‬ ‫نعرف �أن "مو" ال ت�سري على ن�سق �رسدي واحد‪ ،‬ولي�ست ذات �سارد عليم‪� ،‬أي �أن �رسدها يتدخل‬ ‫فيه كثريا م�صطفى �سعيد‪ ،‬ويف موا�ضع خمتلفة ينقطع كالم الراوي‪� ،‬أو تعليقه‪ ،‬ح�سب املوقف‪ ،‬لتح�رض‬ ‫�شخ�صية �سعيد �إما ب�أفعالها‪ ،‬و�إما بلواعجها وتدفق مونولوغاتها الداخلية‪ ،‬يف احلالني هناك ت�شابك‪،‬‬ ‫و�رسد م�ضفور يتكثف فيه احلكي والبوح وي�صبح الن�سج ال�رسدي و�ص ً‬ ‫ال ال �أكرث بني وقائع و�أمكنة‬ ‫و�أزمنة‪ ،‬وخا�صة م�شاعر مع �أفكار هي املخزون الوجداين والفكري للبطل املفرت�ض‪� ،‬صانعة لهوية‬ ‫هي الالّهوية نف�سها‪� ،‬أو بحثها عنها يف التبعرث بني عاملني‪ ،‬كل واحد منهما ي�ستظل بوهم م�سقط على‬ ‫الآخر(�س‪ .‬قا�سم‪ ،‬م‪�.‬س‪� ،‬ص‪.)40‬‬ ‫‪ 4.2‬ـ نحتاج �إىل التعامل مع الراوي ب�صفته �شخ�صية كاملة لها م�سار خا�ص‪ ،‬وهو احلال يف الن�ص‬ ‫الذي لو نظرنا يف توزيعه لوجدنا ف�صوله تتناوب بينه وم�صطفى �سعيد بالت�ساوي‪ ،‬رمبا �أكرث‪ ،‬ف�ضال عن‬ ‫تعاقبهما وتوازيهما يف غري مو�ضع‪ .‬لننظر بتف�صيل‪:‬‬ ‫ـ الف�صل الأول‪ :‬عن الراوي‪ ،‬وقريته‪ ،‬و�أهله‪ ،‬مع مدخل للتعريف مب�صطفى �سعيد‪.‬‬ ‫ـ الف�صل الثاين‪ :‬م�صطفى �سعيد يت�سلم �رسد حكايته‪.‬‬ ‫ـ الف�صل الثالث‪ :‬عودة الراوي‪ .‬ت�سا�ؤله بدوره �إن كان هو �أي�ضا جمرد" �أكذوبة" كما و�صف‬ ‫م‪�.‬سعيد نف�سه‪ ،‬ويف هذا حماولة للتماهي بني ال�شخ�صيتني‪ .‬تمَ ا ٍه �سيتكرر من قِبل الراوي �إىل حد �أننا‬ ‫نت�ساءل هل �أحد الطرفني امتداد للآخر‪� ،‬أم بُع ٌد له‪� ،‬أم هو �إح�سا�س م�شرتك مل�سار الهجرة‪.‬‬ ‫لكن التماهي �رسعان ما يتك�رس لأن الراوي ي�سارع لطرد اعتقادنا بت�شابه امل�سارين‪ ،‬م�سيطرا على‬ ‫وعي كلي‪ ،‬من جهة‪ ،‬وم�ست�رشفا امل�صري النهائي الذي �ست�ؤول �إليه ال�شخ�صية املنوط به �رسد ق�صتها‪،‬‬ ‫‪145‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫من جهة �أخرى‪ .‬هكذا‪ ،‬وخالفا مل�صطفى �سعيد‪ ،‬فهو مت�صالح مع بيئته‪ ،‬هو راوٍ بال �أوهام‪� ،‬إنه الواقعي‬ ‫مقابل التخييلي امل�أ�ساوي‪ ،‬يف�صح عن هويته على ال�شكل التايل‪":‬هناك[ يف الغرب‪ ،‬بريطانيا] مثل‬ ‫هنا[ال�رشق‪ ،‬ال�سودان]مثل هنا‪ ،‬لي�س �أح�سن وال �أ�سو�أ‪ .‬ولكنني من هنا‪ ،‬كما �أن النخلة القائمة يف‬ ‫فناء دارنا نبتت يف دارنا‪ ،‬ومل تنبت يف دار غريها" وي�ضيف مفندا مرويه بحزم‪� ":‬إذا كنا �أكاذيب‬ ‫فنحن �أكاذيب من �صنع �أنف�سنا"(�ص‪ ،44.‬نعتمد طبعة دار الهالل‪ ،‬القاهرة‪.) 1969 ،‬‬ ‫ـ الف�صل الرابع‪ :‬ي�شغل الف�صل م�ساحة ن�صية ال ب�أ�س بها‪ ،‬نرى الراوي فيها يتجول يف قريته‪،‬‬ ‫ي�صف بع�ض �أحوالها‪ ،‬ونا�سها‪ ،‬وعادات القوم فيها‪ ،‬يبدو قد انف�صل عن عامل م�صطفى �سعيد‪ .‬ال‬ ‫ُيعرف للقرية ا�سم‪ ،‬مثل �ساكنها‪ ،‬وكل ما هنالك �أنها‪ ":‬القرية ال�صغرية عند منحنى النيل"‪ .‬يف هذا‬ ‫املكان يلتقط الراوي فر�صة املعاينة ليوجه �سهام النقد �إىل احلكومة ب�سبب ما يلحظه من مظاهر التخلف‬ ‫واحلاجة �إىل اخلدمات‪ ،‬ما �سنعود �إليه الحقا لتبني غر�ض مهم يف الرواية‪.‬‬ ‫ـ الف�صل اخلام�س‪ :‬يت�أكد فيه احل�ضور امل�ستقل للراوي‪ ،‬طبعا على ح�ساب غياب م�صطفى �سعيد‬ ‫البطل الأ�صلي‪� .‬سنتعرف هنا خا�صة على �أبرز �شخ�صيات القرية امل�ؤثرة‪ ،‬املرتبطة بجذورها‪ ،‬املعربة عن‬ ‫خامها‪ ،‬ويف الآن �ستقرن مب�صري �سعيد يف ت�شابك ك�أمنا يظهر نوعا من البطولة اجلماعية التي يريد لها‬ ‫الكاتب �أن تناف�س البطولة الفردية يف حميط مت�شابك امل�صالح‪ ،‬متخلل الأ�رسار‪ .‬نتعرف‪� ،‬إذن‪ ،‬على"و ّد‬ ‫الريّ�س"و" بنت املجذوب"املر�أة القوية امل�سرتجلة‪ ،‬وبكري‪ ،‬و�أهمهم اجل ّد احلكيم‪ ،‬الب�سيط‪ ،‬مناط‬ ‫�إعجاب وتقدير اجلميع‪� ،‬أولهم �سعيد‪ .‬يف جمل�س اجلد‪ ،‬حوله‪ ،‬ترتاءى الطقو�س والأجواء ال�سودانية‪،‬‬ ‫و�آداب املجال�س ومكر العالقات‪ ،‬مما يزيد يف تعريفنا على مالمح و�سمات العلم الأ�صلي للراوي‬ ‫وير�سخ �أر�ضية انتمائه‪.‬‬ ‫الريّ�س وهو�سه لالقرتان ب�أرملة م�صطفى �سعيد‪ ،‬وتفا�صيل‪.‬‬ ‫ـ الف�صل ال�ساد�س‪:‬خا�ص بطلب و ّد ّ‬ ‫ـ الف�صل ال�سابع‪ :‬يحفل بت�صوير م�شاهد وطقو�س من ال�صحراء ال�سودانية‪ ،‬ير�صدها الراوي خالل‬ ‫رحلته من القرية �إىل اخلرطوم‪ ،‬وهي كلها لوحات احتفالية لأهازيج ومباهج و�أحزان‪ ،‬يتجاور ال�شعر‬ ‫فيها مع النرث امل�صفى‪ ،‬والف�صيح مع العامي‪ ،‬والواقعي ال�صلد مع الأ�سطوري‪.‬‬ ‫ـ الف�صل الثامن‪ :‬يخت�ص بالنهاية املفجعة لعالقة و ّد الري�س مع الأرملة‪ ،‬مقتلهما‪ ،‬و�سرية �شخ�صية‬ ‫بنت املجذوب‪ ،‬من امل�ؤثتات العجيبة للقرية‪ ،‬خل�صو�صية اجلنوب قبالة ال�شمال‪.‬‬ ‫ـ الف�صالن التا�سع والعا�رش‪:‬كالهما‪ ،‬وهما بال�ضبط يجمعان يف وحدة مكثفة بني الراوي وبطله‪،‬‬ ‫يف ب�ؤرة التماهي‪ ،‬مرة‪ ،‬و�أخرى يف حلظات جرد ح�ساب الراوي مع نف�سه‪ ،‬وت�سا�ؤالته‪.‬‬ ‫و�أخريا‪ ،‬يف ما ميكن اعتباره ا�ستعادة وعي كلي يب�سطه الراوي على نف�سه‪� ،‬أوال‪ ،‬وبعده على ما‬ ‫حوله‪ ،‬ن�سمعه ي�صدر حكمه‪ ،‬حكم الكاتب على جتربة م�أ�ساوية‪ ،‬م�صنفا ر�أيه وعمله يف �آن‪.‬‬ ‫‪146‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪5‬ـ نريد �أن ن�ستخل�ص من عر�ض ف�صول الرواية جمتمعة ب�ضع مالحظات نرى �أنها تخدم �أطروحتنا‬ ‫�أو الفر�ضية التي نبني عليها هذه الدرا�سة‪ ،‬نذكر بها يف �صيغة العنوان �أعاله‪� ،‬أي رواية "مو" بو�صفها‬ ‫الهجرة املعكو�سة يقوم بها العربي‪ ،‬ال�رشقي‪ ،‬من خارج وطنه‪ ،‬يف �شكل الإياب بعد الذهاب‪ ،‬حني‬ ‫يكون"مو�سم الهجرة" قد انتهى‪ ،‬وليبد�أ اكت�شاف بالده‪ ،‬ومن خاللها هويته كاملة‪ .‬ال ينه�ض هذا‬ ‫امل�رشوع ـ الن�ص على الثنائية ال�ضدية‪ ،‬و�إمنا بتجاوزها عرب عملية القيام على حطامها‪ ،‬وباال�ستناد على‬ ‫حمكيها‪� ،‬سرية م�صطفى �سعيد‪� ،‬رصيحة وم�ضمرة‪ ،‬ممثلة وم�ستوحاة وعربة ماثلة يف امل�سار اخلا�ص‬ ‫للراوي‪� .‬أجل‪� ،‬إن �سرية �سعيد تندرج يف املنت ال�رسدي الوا�صف للعالقة الثنائية‪ ،‬تلك‪ ،‬ويزخر ن�صها‬ ‫بال�صور والتمثيالت النمطية املعهودة يف هذا التقليد‪ ،‬عرب �سل�سلة ت�ضادات فيزيولوجية‪ ،‬و�شعورية‪،‬‬ ‫وروحية‪ ،‬وعقلية‪ ،‬و�سلوكية‪ ،‬الخ) لكنها‪ ،‬خالفا لرتاثها‪ ،‬نح�سب �أن بطلها يقطع مع ن�سق الت�ضادية‪،‬‬ ‫و�أن الآخر الغربي هو من يح�رشه فيه‪ ،‬وال يقبل بوجوده خارج ت�صوره‪ .‬ففيما يعلن م�صطفى �سعيد‬ ‫�أنه يف رحلة �أكرب من اجلغرافيا‪ ،‬رحلة امل�صري الإن�ساين يتحكم فيها قدر حتمي‪ ":‬وقادين النداء الغريب‬ ‫�إىل �ساحل دوفر‪ ،‬و�إىل لندن‪ ،‬و�إىل امل�أ�ساة(‪ )...‬وكنت �أ�سائل نف�سي طوال الرحلة‪ ،‬هل من املمكن‬ ‫تاليف �شيء مما وقع؟ وتر القو�س م�شدود‪ ،‬والبد �أن ينطلق ال�سهم"(‪ .)28‬فيما الأمر كذلك‪ ،‬ف�إن‬ ‫الغرب ممثال يف �آن همند‪� ،‬إحدى طرائد م �سعيد‪ ":‬حتن �إىل مناخات ا�ستوائية‪ ،‬و�شمو�س قا�سية‪ ،‬و�آفاق‬ ‫�أرجوانية‪ .‬كنت يف عينيها رمزا لهذا احلنني‪ .‬و�أنا جنوب يحن �إىل ال�شمال وال�صقيع‪ .)30(".‬يع�ضد‬ ‫فكرة االختالف يف الر�ؤية بني الطرفني التوهيم الق�صدي من جانب ممثل ال�رشق‪ ،‬يقدمه الطيب �صالح‬ ‫يف حلظة وعي كاملة‪ ،‬بل متوترة من �شدة معرفته بحقيقة م�سعاه‪ ،‬وا�ستحالته يف �آن‪ ،‬ما دام ال يفهمه‬ ‫هو نف�سه‪ ،‬معرفا بذاته بتجريد كامل‪ ،‬مطلق وا�ستعاري‪� ،‬أي �شعري‪�":‬أنا �صحراء الظم�أ"(‪)32‬؛"�أنا‬ ‫متاهة الرغائب اجلنونية" (‪ ،)35‬وليتواجه مع ف�صامه ال�شخ�صي‪ُ ،‬م�رصا حني يبلغ مدى ا�ستحالة بحثه‬ ‫على االفت�ضاح والتعرية وك�شف زيفه‪� ،‬أي وهمه‪ ،‬بعبارة تكررت مرات‪� ":‬أنا �أكذوبة" هي رمبا �أقوى‬ ‫براديغم يف الن�ص الذي يعني مبا�رشة �شخ�صية م�صطفى �سعيد‪ .‬هي ال�شخ�صية الإ�شكالية‪� ،‬أي امل�صنوعة‬ ‫واملركبة من �أمزجة و�أهواء وثقافات وم�شاعر مت�ضاربة‪ ،‬احلقيقية افرتا�ضاً‪ ،‬والوهمية تخيي ً‬ ‫ال ونزوعا‬ ‫"�أكذوبة" بالت�رصيح‪ .‬لذا ال ميكن �أن تخ�ضع للت�صنيف امل�سبق واملعطى ك�أنه بداهة عن الثنائيات‬ ‫املتقابلة يف املنت املعني‪ .‬ذلك �أن ر�ؤية التق�سيم الثنائي مت�أتية عن فكرة م�سبقة ي�سقطها كل طرف على‬ ‫يتح�صن بها مدافعا عن هويته اخلا�صة‪ ،‬خا�صة الطرف ال�سالب والتابع يف العالقة‪ ،‬وهذا‬ ‫الآخر‪ ،‬وهو ّ‬ ‫ما يالحظ يف الروايات البدئية املذكورة �سابقا‪ ،‬ما يف�رس منزعها التعليمي‪ ،‬ونربتها الوعظية‪ ،‬و�سذاجة‬ ‫�شخ�صياتها‪ ،‬والطابع النمطي الغالب عليهم‪ .‬على العك�س متاما من مو�سم الطيب �صالح التي تقدم‬ ‫لنا ر�ؤية و�صيغة متطورة يف الكتابة ال�رسدية املخ�صو�صة بهذا املو�ضوع‪ ،‬ما يحتاج �إىل مزيد تو�صيف‬ ‫‪147‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫وحتليل لتبيان وجوه التطور واالختالف‪.‬‬ ‫‪ 1.5‬ـ يف كل قراءاتنا للأعمال"املغرتبة" نقوم كما لو بنوع من القطيعة‪ ،‬نت�صورها لدى رحيل‬ ‫(ال�شخ�ص) من بلد �إىل بلد‪ ،‬في�صبح جمال احلركة والت�أمل هو املكان الآخر يف اخلط الأمامي‪ .‬بينما‬ ‫نالحظ �أن هذه الأعمال ت�صنع وت�شتغل �ضمن بنية الرتاوح‪� ،‬أي بني ذهاب و�إياب (احلي الالتيني) على‬ ‫م�ستوى الرحلة‪ ،‬وعلى �صعيد التذكر امللحاح‪� ،‬أي�ضا‪.‬‬ ‫‪2.5‬ـ �إن هذه الأعمال‪ ،‬وهي ت�شتغل وفق مبد�أ املقارنة واملفارقة اللتني تذكران با�ستمرار بوجود‬ ‫هنا وهناك‪ ،‬ت�صنعان بنية الفرق التي ت�صبح هي البالد الرمزية التي رحلت �إليها ال�شخ�صية‪ .‬تتجلى‬ ‫يف عنا�رص العني والذوق واحل�س وال�شعور(احلنني)‪ .‬ما ي�سمح بالقول‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬بوجود ن�صف رحيل‪،‬‬ ‫باجل�سد فقط‪ ،‬بالأع�ضاء‪ ،‬وبالتايل فنحن �إزاء ن�ص هجني التكوين والداللة‪.‬‬ ‫‪2.5‬ـ ال تقدم هذه الأعمال جمتمعة �أي �شخ�ص(بطل) يقدم على الهجرة باختيار ذاتي ووعي كاملني‪،‬‬ ‫تراه مدفوعا �إىل ذلك بذريعة ما �أو ق�رسا‪ ،‬وحتت طائلة وزر معني‪ ،‬وهو ما ي�ضع ال�شخ�صية عر�ضة‬ ‫للمواجهة ويف حال ممانعة؛ �س�أ�سمي هذا الو�ضع بنية الق�رس واملمانعة‪.‬‬ ‫‪3.5‬ـ �إن ال�شخ�ص‪ /‬ال�شخ�صية يعي�ش غالبا يف هذه الأعمال �رضبا من اخلداع املتوا�صل لنف�سه‪.‬‬ ‫من قبيل �أن جميع الن�ساء جميالت‪ ،‬الأبي�ض هو لون اجلمال‪ ،‬اخلارج كله مبهج‪ ،‬الثقافة كلها مقنعة‪،‬‬ ‫ممار�سته جللد ذاته وتاريخه‪� ،‬أ�سميها بنية اال�ستهواء واالنخداع‪.‬‬ ‫‪ 4.5‬ـ جميع الأعمال التي تعالج الرحلة �إىل ال�شمال(الهجرة‪ ،‬اخلروج‪ ،‬ما �شئتم) تقوم يف جانب‬ ‫منها‪ ،‬وبكيفية غري مق�صودة بال�رضورة‪ ،‬بعد و�صف البيئة اجلديدة‪ ،‬باكت�شاف البيئة الأ�صل التي‬ ‫قدمت منها‪ ،‬من خالل مراوحة املقارنة وعملية تبيان الفرق‪ ،‬ما ن�سميه بنية االكت�شاف و�إعادة‬ ‫التملك‪.‬‬ ‫‪5.5‬ـ �إن املكان الذي يرحل �أو يهاجر �إليه ال�شخ�ص‪/‬ال�شخ�صية يف جل الأعمال منظورا �إليه يف �أفق‬ ‫مثايل‪ ،‬هو املدينة الفا�ضلة‪ ،‬مكان الالمكان‪ ،‬اجلميل‪ ،‬احلر‪ ،‬املفتوح‪ ،‬مقابل املكان القادم منه‪ ،‬نقطة‬ ‫االنطالق هي �سجن وقيود وعيوب بال نهاية‪ :‬بنية القفل واملفتاح‪.‬‬ ‫حم�سوب‪ ،‬منته ٌز‪،‬‬ ‫‪6.5‬ـ الزمن الذي تنتقل �إليه ال�شخ�صية‪ ،‬بالأحرى تعي�ش فيه‪ ،‬وخالفا للمكان‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫هو �أمامها زمن �شا�سع مير �أمامها �رسيعا كال�شهاب‪ ،‬تراه كقطعة حلوى حتاول �أن تق�ضم منه‪ ،‬طرفا‬ ‫من هنا‪ ،‬طرفا من هناك‪ .‬زمن غول �أمام كائن قزم‪ .‬زمن منفلت‪ ،‬متقلب‪� ،‬أقوى منا قيا�سا بالزمن‬ ‫الالتاريخي الذي جاءت منه‪ :‬بنية احلركة والثبات‪.‬‬ ‫‪6‬ـ ميكن ح�رص �أكرث من بنية مما و�صفنا يف"مو" لكنها تنف�صل عن الر�ؤية الكلية التي �شكلتها‪،‬‬ ‫لتتميز‪ ،‬كما قلنا‪ ،‬بح�ضور وعي يظهر فيه بحث ال�شخ�صية‪ ،‬ونوعية الأزمة التي تعي�شها‪� ،‬سواء مع‬ ‫‪148‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ذاتها‪ ،‬على اخل�صو�ص يف عالقتها ببيئة االغرتاب‪ ،‬وقد ت�أ�شكل على م�ستوى بناء ال�شخ�صية وثقافتها‬ ‫وم�سعاها وما تريده من مو�ضوع هجرتها‪ ،‬وكذلك نوعية االرتباط الذي تقيمه مع بلدها الأ�صلي‪،‬‬ ‫هنا حيث يقبع حمور الهوية املعقد‪ ،‬يرتد �إليها يف مر�آة نظرتها �إىل كل جديد‪ ،‬و�إىل ذات تختلف حني‬ ‫تهاجر‪ .‬ويف رواية الطيب �صالح تبلغ النظرة مداها وهي تتمف�صل على تخوم خطني‪ ،‬مرة يتباعدان‬ ‫حد االنف�صال‪ ،‬و�أخرى يتقاربان �إىل درجة التّما�س‪� ،‬إن مل نقل االندماج التام‪ .‬يف اخلط الأول يكون‬ ‫مل�صطفى �سعيد هجرة خا�صة ت�ستعاد من نهايتها‪ُ ،‬وتبنى على ا�ستذكار حياة مكثفة علينا �أن ننتبه �إىل‬ ‫�أن �صاحبها متفوق و�سيح�صل على ال�شهرة ويغزو قلوب وفرا�ش ن�ساء عديدات‪� ،‬أي العلم واجلمال‬ ‫الأبي�ض الذي هو قوة وفخار الغرب‪ ،‬و�سيلبي الرغبات ويطلق بخور اخلداع ح�سب الطلب و�أكرث‪،‬‬ ‫لكن كل ما جناه هو تدمريه الذاتي‪ ،‬تدمريال تفلح الرواية وال م�سار ال�شخ�صية يف تبيان هل م�صدره‬ ‫ثقايف �أم وجودي‪� ،‬أم �سيكولوجي‪( ،‬ف�صامي)‪� ،‬أم هذه الأ�سباب جمتمعة‪ ،‬لتتم له العودة اجل�سدية فقط‬ ‫�إىل م�سقط الر�أ�س ليعي�ش بهوية خمتلفة‪ ،‬وروح ظلت مهاجرة يف ال�سدمي‪ .‬بذا فال �صلة تربطه بالراوي‬ ‫الذي �سيقوم بدوره بالرحلة نف�سها‪ ،‬من غري �أن يكون ابن الإجنليز املدلل‪ ،‬ويح�صل على �شهادته‬ ‫اجلامعية‪ ،‬ويعود �إىل وطنه كمن �أنهى مهمة‪ ،‬ليلتحق بال�سلك الوظيفي‪ ،‬وي�صبح فردا �صاحلا خلدمة‬ ‫بالده‪ ،‬وهو مندمج اندماجا كليا مع �أهل قريته‪ ،‬مت�رشب لتقاليدهم‪ ،‬حمب ملعي�شهم‪� .‬أما اخلط الثاين‬ ‫فيقربه من م�صطفى �سعيد‪ ،‬ال تف�صيال حياتيا و�سلوكا ولكن م�صادر ثقافية‪ ،‬وم�شاعر مت�ضاربة‪ ،‬نح�س‬ ‫معه �أنه متلبّ�س به‪ ،‬وهو بطانته النف�سية‪ ،‬قولها يف حالة كمون‪ ،‬ول�سوف تنفجر يف اللحظة التي يقتحم‬ ‫فيها غرفة م�صطفى �سعيد الغريق (املنتحر مبعنيني) ويتجاوب يف دخيلته خطابان‪ ،‬واحد للغريق‪،‬‬ ‫والثاين له وم�ستعار من الأول‪ ،‬حامل لوهجه املا�ضي‪ ،‬وم�أ�ساوية م�صريه‪ ،‬حتى ليكاد ي�صبح خطابا‬ ‫موحدا‪ ،‬وال�شخ�صيتان منوذجا مت�آلفا‪ .‬على �أن �شخ�صية الراوي لي�ست �أبدا" �أكذوبة"‪ ،‬لأنه ميثل دور‬ ‫البطل الإيجابي‪ ،‬ولأن خطابه واقعي بالدرجة الأوىل‪ ،‬وهو القناع الذي ي�ستعريه امل�ؤلف ليقوم بنقد‬ ‫رف�ض‬ ‫الذع للأو�ضاع واحلكم والت�سيري يف بالده وهو مق�صود‪ ،‬وكثري‪ ،‬والأهم �أنه‪ ،‬خالفا ل�سعيد‪َ ،‬‬ ‫الغرق يف النهر‪ ،‬حقيقيا كان �أم جمازيا‪ ،‬واتخذ موقفا حا�سما‪":‬طول حياتي مل �أخرت ومل �أقرر‪� .‬إنني �أقرر‬ ‫علي‬ ‫الآن �أنني �أختار احلياة‪� .‬س�أحيا لأن ثمة �أنا�سا قليلني �أحب �أن �أبقى معهم �أطول وقت ممكن‪ ،‬ولأن ّ‬ ‫واجبات يجب �أن �أ�ؤديها‪.)132(".‬‬ ‫‪7‬ـ ميكن القول‪ ،‬ونحن يف اخلامتة ومن �أجل مزيد ا�ستخال�ص‪ ،‬ب�أن رواية الطيب �صالح ولدت يف‬ ‫�سياق وعي مغاير �سعى لإعادة النظر بكيفية مدققة ومعمقة مع الغرب‪ ،‬ثم مع الذات‪ ،‬وثالثا‪� ،‬أي�ضا‪،‬‬ ‫مع الذات من خالل الغرب‪ .‬وهذه املراجعة الثالثة‪ ،‬ت�ؤكد مفهوم الهجرة املعكو�سة وتزيد يف جالئها‪،‬‬ ‫‪149‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫هي الأهم يف �سياق الن�ص الذي عاجلنا‪ ،‬ون�صو�ص �أخرى ال تقل عنها �أهمية‪ ،‬بني م�رشق ومغرب‪ ،‬ال‬ ‫تقل عنها �أهمية‪ .‬ن�شري منها على اخل�صو�ص �إىل عملني �أ�سا�سني لعبد اهلل العروي‪ ،‬وهذه املرة يف حقل‬ ‫الكتابةال�رسدية‪ .‬الأول"الغربة"(‪( ،)1971‬ي�شري امل�ؤلف �أنه �أنهى املخطوطة الأ�صلية �سنة‪ .)1961‬الثاين‬ ‫للم�ؤلف نف�سه بعنوان‪� ":‬أوراق ـ �سرية �إدري�س الذهنية"(‪.)1989‬‬ ‫والر�أي �أن الهجرة املعكو�سة التي تقررت يف "مو" و�أعمال على ن�سقها‪� ،‬أو قريبة منها‪ ،‬تنتمي �إىل‬ ‫مرحلة ثقافية �إيديولوجية وجمتمعية �شاملة اجتهت �إىل م�ساءلة ونقد الذات الوطنية القومية‪ ،‬والبحث‬ ‫العميق يف �أ�سباب تخلفها والتطلع �إىل �إحداث قطائع �صارمة‪ ،‬جذرية مع بنيات ومظاهر هذا التخلف‬ ‫كافة‪ .‬لنحاول ا�ستعادة �أعمال رائدة يف هذا النهج ل�سمري �أمني‪ ،‬ولأنور عبد املالك‪ ،‬ولعبداهلل العروي‪،‬‬ ‫على �سبيل املثال ال احل�رص‪� ،‬إىل جانب عديد مفكرين واقت�صاديني وقيادات من اجلناح اال�شرتاكي‬ ‫والقومي‪ ،‬ومن املتفاعلني مع حركة تغيري وحترر عاملية جديدة على �صعيد ما كان ي�سمى ببلدان العامل‬ ‫الثالث‪ ،‬كان الغرب يف قلب �رصاعها ومنظور حتليلها‪..‬و�إن قراءة ت�ستقل بالرتكيز على اخلطاب‬ ‫الواقعي واملطلبي‪ ،‬ذي النربة العالية يف"مو"ال بد �أن ت�صل �إىل �إقامة �أقوى الروابط بينها وخطاب زمانها‬ ‫الفكري الإيديولوجي‪ ،‬و�ستتبني �إىل حد بعيد كيف �أن �شخ�صية الراوي وم�ساره الفعلي‪ ،‬ف�ضال عن‬ ‫وظيفته اخل�صو�صية يف الروايةـ بعد �شخ�صية م�صطفى �سعيد الإ�شكالية‪ ،‬وذات الوعي املمزق واحل�س‬ ‫الرتاجيدي ـ ‪ ،‬هي قناع و�صوت ذلك اخلطاب بالتعبري الفني املخ�صو�ص‪ ،‬بطبيعة احلال‪ ،‬فلي�س الفن‪،‬‬ ‫عند الطيب �صالح بالذات‪ ،‬ا�ستن�ساخا للواقع‪ ،‬وال �أداة دعائية حتري�ضية و�إمنا هو املح�صلة اللغوية‬ ‫املجازية والإن�سانية‪ ،‬حممولة بوعي نا�ضج وكلي‪ ،‬على �أجنحة التخييل‪.‬‬

‫‪150‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�صنع اهلل �إبراهيم يف"التل�ص�ص"‪:‬‬

‫عني الو�صف‪ ،‬داللة املو�صوف‬

‫منذ"تلك الرائحة"(‪ )1966‬باكورته الروائية‪ ،‬مرورا ب�أمهات �أعماله"جنمة �أغ�سط�س" (‪)1974‬؛"‬ ‫اللجنة"(‪)1981‬؛"ذات"(‪)2003‬؛ف"�رشف"(‪)2001‬و"�أمريكانللي"(‪)2004‬مل يتوقف �صنع اهلل �إبراهيم‬ ‫عن �صوغ مالمح جتربته مثل نحات ي�صنع متثاال على مراحل‪ ،‬ويف كل مرة يراه فيه هو �أو يح�سب‬ ‫رائيه �أنه اكتمل وبلغ من دقة ال�صنعة والتعبري غاية‪ ،‬امتدت �إليه يده لتفكيك �أطرافه وعجن مادته‬ ‫اخلام‪ ،‬وبقاياها �أحيانا‪ ،‬عودا على بدء‪ .‬ال نح�سبه يروم كماال‪ ،‬لكن ي�صنع متثاال على �شاكلة خليقة‬ ‫وخلق زمانه‪ ،‬فهو روائي بحق يحكي الزمان على قدر ما يراه ويعيه قبل �أن يحلم به‪ ،‬ويدخله يف تلك‬ ‫اللعبة الطائرة للتخييل‪.‬‬ ‫وكما �أن اجلدل قانون احلياة فهو قانون الأدب‪� ،‬أو بعبارة �أ�صح الكتابة ال�رسدية املبنية على �أ�صول‬ ‫املحاكاة فيما تتخطاها وهي تدفعها يف �أفق املحتمل واملتحول‪ ،‬حيث ال يقني �إال بنقي�ضه‪ ،‬والكلمات‬ ‫تنه�ض على ركائز الإن�سان واملحيط وزاوية النظر ومناط التوتر يف دائرة املحكي‪ .‬منذ البداية‪ ،‬ذهب‬ ‫�صنع اهلل �إبراهيم �إىل الق�صد‪ ،‬و�سواء �أ�صاب الهدف �أو �أخط�أه‪ ،‬فقد فهم بح�صيلة م�ضمرة �أوىل‪� ،‬أن‬ ‫يقمط باحلكي وتُر�سم لها �شخ�صيات مت�شي يف الأ�سواق‬ ‫الدراما لي�ست فر�ضية وجود وال تفل�سفا فيه ّ‬ ‫�أو تهذي بني ال�صحو واملنام‪ .‬فهمها‪ ،‬على �أ�سا�س تكوين النظرة املو�ضوعية للواقع بتمثلها من زاوية‬ ‫حمددة‪ ،‬ومتثيلها من خالل امل�شاهد العاك�سة والدالة لها‪ ،‬وفق �أ�صول اجلن�س الأدبي املطروق‪ ،‬الذي‬ ‫ما ينفك مم ِا ُر�سه يعركه‪.‬‬ ‫حني هاجت معدة �صنع اهلل الأورفلي جراء تلك الرائحة‪ ،‬كان الراحل الكبري جنيب حمفوظ قد‬ ‫�شق طريق الرواية العربية الطويل وعبّده‪ ،‬وو�ضع له �أغلب �إ�شارات املرور حتى ال يكاد �أحد يزيغ‬ ‫ّ‬ ‫‪151‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يف م�سلكه �إن هو �سلكه‪ ،‬ف�إن �شاء املناورة وال�شكلنة مل يعدم حمطات وم�سارب للهو والفرجة‪ ،‬ما‬ ‫كم‪ ،‬عظيم القيمة‪ ،‬حافل بالواقعيات حتى التخمة‪ ،‬وزانته ر�ؤى احللم و�أطياف‬ ‫جنم عنه تراث ذو ّ‬ ‫التجريب يف نهاية العقد ال�ستيني للقرن الفائت‪ ،‬بات يح�سب �أي طارق ال حق لهذا الفن بعد جتارب‬ ‫�صاحب الثالثية �أن حدوده‪ ،‬بعبارة ال�شاعر‪ ،‬لن تزيد عن ُمعاد من القول مكرور‪ ،‬ال �أقل وال �أكرث‪.‬‬ ‫غري �أن الرائحة التي نفذت من املجاري اختلفت عطانة وف�سادا عن تلك الآتية من حواري ودكاكني‬ ‫وم�سا ّرات و�إحباطات"خان اخلليلي"و" ال�سكرية"ف "بني الق�رصين"؛هناك حيث تتنا�سل احلكايات‪،‬‬ ‫مطرزة‬ ‫وتتعاقب الأجيال‪ ،‬وتتنا�سخ متوا�شجة خيوط الرتبية الإجتماعية والعاطفية‪ ،‬م�شتبكة �أو ُ ّ‬ ‫بالألوان ال�سيا�سية والتوليفات الطبقية يف دائرة تاريخية وم�صريية حمددة‪ ،‬يحملها �رسد طويلٌّ‪ ،‬خ ّطي‪،‬‬ ‫�أرجا�ؤه ف�سيحة‪ ،‬ومتثيالته متعددة‪� ،‬أما �شخو�صه الق ّوالة ف�أمناط ل�رشائح اجتماعية ب�أكملها‪ ،‬تلعب فوق‬ ‫ُركح عري�ض ا�سمه التاريخ وبابه مر�آة املجتمع كله‪ ،‬هي ذاتها مر�آة ا�ستندال ال�شهرية‪.‬‬ ‫طرقت"تلك الرائحة"باب الرواية يف �سياق عملية حتول تدريجي لل�صيغ ال�رسدية ولر�ؤية العامل‬ ‫كانت ب�صدد التبلور حتمل �أحالم وموقف وتعبري جيل خمتلف‪ ،‬لي�س همه �أن يحكي‪ ،‬وال �أن يعيد‬ ‫�إنتاج املجتمع من منظور �أي واقعية م�سبقة �أو ن�سقية‪ ،‬بقدر ما �أراد �أن يثبت النظرة اخلا�صة على واقع‬ ‫ميور‪ ،‬والذوات‪ ،‬ال�شخ�صيات امل�أزومة‪ ،‬ال النمطية ‪ ،‬غري املتوقعة‪ ،‬هي من ير�سم حدود احلركة وجمال‬ ‫القبلي لقوى عاتية‪ ،‬ال قدرة للفئات الو�سطى املتنامية عددا‬ ‫منو ال�رسد وتبلور ال�رصاع‪ ،‬رغم الوجود ْ‬ ‫ومطامح وخيبات للإفالت من �سطوتها‪ .‬تعددت �أ�ساليب وزوايا النظرة‪ ،‬وتباينت العوامل املر�صودة‬ ‫من خاللها‪ ،‬يف ال�رسود الفنية العربية‪ ،‬ال يف م�رص وحدها‪ ،‬كما د�أب النقاد امل�رصيون التخ�صي�ص‪،‬‬ ‫بني ذاتية‪� ،‬أي مغلبة للمنظور والإح�سا�س الفرديني على ال�صورة الأفقية وال�شمولية باعتبارها وحدة‬ ‫كلية جامعة للفرد واملجموع يف �آن؛ وبني ُحلمية �شعرية تنقل املح�سو�س �إىل �صعيد اال�ستعارة والرمز‪،‬‬ ‫�أ�ضحى �أمامها الواقع بالطريقة التي ُي�رسد ويو�صف بها �أعق َد و�أخ�صب و�أميل �إىل التنوع واملاـ بينية‬ ‫منه �إىل التوحد ويُ�سرْ النمذجة؛ انتقاال �إىل ر�ؤية تفكيكية قطعت مع"الرواية النهرية" وراحت جتتزئ‪،‬‬ ‫�ش�أن الق�صة الق�صرية‪ ،‬تقريبا‪ ،‬ب�ؤرة حمددة تهبط �إىل غورها‪ ،‬وبهذا نزعت �إىل نهج التمثيل الإليغوري‪،‬‬ ‫وامل�صري الفرداين ال النمطي‪ ،‬واجلملة ال�رسدية ظهرا لباطن‪ ،‬كا�رسة الإيقاع ال�سانكروين للزمن‬ ‫وترتيب الأفعال‪ُ ،‬ومب�أّرة على اخل�صو�ص حول �ضمري متكلم ي�ستحوذ على دورال�سارد العليم فيما‬ ‫هو مناط التجربة‪ ،‬ومرجعيتها م�ستمدة من خربته ال من ثقافة امل�سلمات التوافقية‪ ،‬التي �صنعت جمد‬ ‫الرواية الواقعية الكال�سيكية‪� .‬إىل �أن ن�صل �إىل ما ميكن اعتباره نقي�ض �أطروحة هذه الأخرية ال�صحيح‪،‬‬ ‫حيث يتم يف الظاهر تر�سيخ ُع ُمدها‪ ،‬وت�أكيد جتلياتها‪ ،‬مع فارق �أ�سا�س‪� ،‬أنه ال �شيء ُوجد �أو يوجد‬ ‫قبل �أن تلتقطه العني‪ ،‬ف�إن ُوجد فلأن العني ثبتته يف حدقتها‪ ،‬وكذلك الفعل ال الإح�سا�س‪ ،‬هذا باطن‬ ‫‪152‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫والفعل ظاهر‪ ،‬ف�إن غار فبت�أثري عامل مادي ما دام الإن�سان‪ ،‬ال�شخ�صية باملقابل‪ ،‬يقع حتت ت�أثري قوانني‬ ‫مادية بدورها‪ ،‬تراه يعاند يف م�سعى الت�أثري عليها لك�رس �صالبتها وتليني فجاجتها‪ ،‬وهذا ما ي�صنع‬ ‫�إواليات التوتر الالزمة للروائية‪� ،‬أي للنرث‪ ،‬نرث حياة كانت مبتذلة و�صارت �إ�شكالية‪ ،‬فوجب تغيري‬ ‫املنظور والأدوات‪.‬‬ ‫ذا الأخري ما اختاره �ص‪�.‬إبراهيم‪ ،‬بالأحرى ت�سل�سلَ يف نهجه‪ ،‬مدفوعا �إليه بتفاعل بني جتربة حياة‬ ‫االعتقال والعنت‪ ،‬واخلربة ال�شخ�صية‪ ،‬الثقافية والإجتماعية مبعناهما العام‪ ،‬واجدا �أن الرواية م�ؤهلة‬ ‫لر�سم �صورة متثيلية‪ ،‬واقعية وتخييلية معا‪ ،‬بوا�سطة املكونيني املذكورين‪ ،‬عن عامل خ�صو�صي ميكن �أن‬ ‫ي�صبح مقبوال‪ ،‬مقنعا بالفعل �أو الإحتمال‪ .‬طبعا‪ ،‬ال يكفي هذا الت�صور الأ ّويل‪ ،‬فما من �أدب يُكتب‬ ‫بالنوايا �أبدا‪ ،‬و�إمنا بالأدوات املالئمة لكل جن�س فيه على حدة‪ .‬ونحن جنزم �أن �صاحب الأعمال‬ ‫املنوه بها �أعاله‪ ،‬وهي يف �ضوء �أكرث من قراءة ُو�ضعت حتتها‪� ،‬سعى �إىل القب�ض على نا�صية العامل الأثري‬ ‫�إليه‪� ،‬سي�صبح كذلك على مر الزمن‪ ،‬عندما ات�سعت لديه الر�ؤية‪ ،‬ون�ضجت خمرية الكتابة‪ ،‬وال نقول‬ ‫ت�أجج جمرة الإيديولوجيا التي ال تعطي يف الأغلب �إال كتابا رديئني‪ ،‬من فئة روائيي الأطروحة‪� ،‬أو‬ ‫م�ستن�سخي التاريخ و البيوغرافيا‪ ،‬قبل �أي و�ضع �آخر ولي�س بعده �شيء‪� .‬أح�سبه ت�ساءل‪ ،‬على مدار‬ ‫زمن املرا�س الفني‪ ،‬مل َ ت�صلح الرواية؟ ال�شعر �شدو و�شجو‪� ،‬إن�شاء وجماز‪ ،‬مو�ضوعه الذات‪ ،‬قطبه‬ ‫الوجود‪ ،‬وجماله احلياة‪ ،‬و�أداته اللغة ومركوبه اال�ستعارة‪� ،‬أو ًال و�أخريا‪ ،‬وال غاية له �إال ما يت�أتى عليه‬ ‫يف نهاية املطاف‪� ،‬أما من ابتغى غري هذا الوجه �أو �أكرث فلعله ق�صد فنا �آخر‪ ،‬قد يكون الرواية‪ ،‬فما هذا‬ ‫الفن يا ترى؟‬ ‫َ‬ ‫�أح�سبه َ‬ ‫وان�رصف �إىل البُغية الفنية‬ ‫�رصف النظر عن البحث عن �أي �إجابة نظرية‪� ،‬صنيعي اللحظة‪،‬‬ ‫هي بيان الكاتب ال�سابق على الناقد‪ ،‬ولكن املكر الكامن يف كل روائي حقيقي و�سو�س له قبل ال�رشوع‬ ‫وخالله تعريفا كان و�سيبقى م�ضمرا‪ ،‬ال يجهر به �إال على حمك الكتابة‪ ،‬ويُفت�ضح لدى تلقي القراء‪،‬‬ ‫املحرتف منهم على اخل�صو�ص‪.‬فحواه �أن الرواية ب�أب�سط تعريف تروي احلياة‪ ،‬ما نعي�شه �أو نحلم‬ ‫بعي�شه ب�أ�شكال �شتى‪ ،‬من هنا تعدد وت�ضارب معي�شنا وكتاباتنا‪� .‬إمنا‪ ،‬ثمة �شيئا م�شرتكا‪ ،‬ال غنى لكل‬ ‫جمرتح لهذا احلقل من امتالكه‪ ،‬بال�سيطرة عليه‪ ،‬وا�ستحقاق ا�ستخدامه؛نق�صد الإح�سا�س بالتوفر على‬ ‫عني ترى‪ ،‬وت�شغيلها يف الوقت واملكان املنا�سبني‪ ،‬لتحتويهما مبن وما فيهما‪ ،‬ما يقع‪ ،‬يحدث‪ ،‬يحيا‬ ‫وميوت بينهما هو الن�ص �أو ال يكون‪ .‬نزعم �أنه ال�شغل ال�شاغل مل�ؤلف" جنمة �أغ�سط�س"‪� ،‬أي قبل‬ ‫ثالثني حوال‪ ،‬عندما فهم اللعبة ال�رسدية مبثابة عملية معاينة (‪ )Constat‬تتطلب من املعاين كل التجرد‬ ‫واملو�ضوعية‪ ،‬بالوقوف على ال�شيء الروائي‪ ،‬هو �شيء احلياة واليومي والعامل و�سريورة الزمن‪،‬‬ ‫بالر�صد وال�ضبط والقيا�س واحلفر‪ ،‬با�ستخدام كل �أدوات الأركيولوجي‪ ،‬واملهند�س‪ ،‬وال�صانع‬ ‫‪153‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫املاهر للوقوف يف النهاية على هذا ال�شيء الهائل( ال�سد العايل)‪ ،‬لإيجاد مقابل لغوي له وبالتزامن‬ ‫مع بناء داخلي لل�شخ�صية املعاينة يف حركة منوين للإن�سان يف املكان‪ ،‬وبالعك�س‪ ،‬بوا�سطة مراكمة‬ ‫امل�شاهد‪ ،‬والتدقيق يف التفا�صيل املجدية والنافلة �إىل حد امللل‪ ،‬لكنها �رضورية باعتبارها جزءا من‬ ‫امل�شهد الرئي�س وتتفرع عنه‪ ،‬ولذاتها‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬مثل حمقق يذهب �إىل م�رسح جرمية ليلتقط �أي �شعرة �أو‬ ‫ذرة غبار قد يُح�سب لها ح�ساب يف التحقيق‪ .‬ورغم �أن �صنع اهلل انتقل يف رواياته الالحقة �إىل �رسدية‬ ‫جعلت من اخلطاطة التوثيقية ـ التاريخية خلفية و�سنادا مل�سارها‪ ،‬ف�إن هذا املنظور ا�ستُخدم بالدرجة‬ ‫الأوىل لدعم امل�رشوع الأ�صلي ومل�ضاعفة �صورته وتوكيد عينيته‪ ،‬عند كاتب ينبذ كل نزعة �شعرية‪/‬‬ ‫�سحرية للكتابة‪� ،‬صنيع �إدوار اخلراط‪ ،‬مثال‪ ،‬ويحدث م�سافة �شاقة مع خطاب الذات الذي ينبغي �أن‬ ‫ي�أتي على ل�سان دوال ال�شخ�صية ال با�ستبطانها �أو َ ْمونلغتِها ‪.‬‬ ‫الو�صف‪ ،‬والت�شخي�ص‪ ،‬وعربهما قول احلقيقة‪ ،‬بالتلميح تارة‪ ،‬وغالبا بالف�ضح‬ ‫تريد املعاينة‬ ‫َ‬ ‫والتنديد‪ ،‬والتهكم‪ ،‬والباروديا يف اجتاه تعرية غطاء الزيف املن�شور فوق الواقع‪ .‬ال بد من التنبيه �إىل‬ ‫�أن احلقيقة التي يك ّونها �أو يبنيها ال�رسد تبقى دائما روائية‪ ،‬وال ينبغي خلطها مع غريها و�إن متحت‬ ‫منها �أو حاكتها حد املماثلة �ش�أوا بعيدا‪� .‬أما �إذا احتج �أحد باملقابلة التوثيقية امل�ص َّد َقة‪ ،‬كن�ص قابل‬ ‫للتحقق منه‪ ،‬وهو ما نعلم �أن �صنع اهلل متيز به يف �أعمال متالحقة ف�صار علما عليه‪ ،‬فلنذ ّكر ب�أن الرواية‬ ‫�إمنا تُ�رسد من "وجهة نظر" �سارد‪� ،‬أن هذه ال�شخ�صية من ورق ترى ما يعنيها‪ ،‬بالعني التي ت�ؤ�س�س‬ ‫وت�سوق يف النهاية احلقيقة التي تريد ال �أي �أخرى مفرت�ضة �أو م�ؤولة‪ ،‬على وجه من الوجوه‪ .‬وهذا حمك‬ ‫اختبار مف�صلي لتتبع �سنن الواقعية يف الكتابة ال�رسدية على �أكرث من م�ستوى‪ ،‬ويف مراحل متعددة لها‪.‬‬ ‫تراها يف كل مرة‪ ،‬عند املقتنعني ب�أن جمالها‪ ،‬و�أدواتها‪ ،‬وخربتها الكلية‪ ،‬هي ما يتيح ويبيح التعيني‬ ‫غري املتنازع عليه للرواية كجن�س �أدبي خمت�ص مبا يجعل من العامل مو�ضوعا م�شرتكا‪ُ ،‬من ّزال من علياء‬ ‫ال�شعر‪� ،‬أو امليتافيزيقا‪� ،‬إىل نرث اليومي كما �أقرته عالقات �إنتاج جديدة قلبت وظائف الأجنا�س الأدبية‪،‬‬ ‫وحملت �إىل �ساحة الأدب مفاهيم م�ستحدثة بنت الزمن الر�أ�سمايل وال�صناعي واملديني‪� ،‬أجنبها الت�شكل‬ ‫احلتمي لبنيات طبقية اجتماعية بقيم مغايرة وذات �أحالم و�أزمات نتاج �رشعي للمحيط الوليد‪ .‬وتعمد‬ ‫الرواية‪ ،‬وهي بكل ت�أكيد وعاء هذه املهمة‪ ،‬ولكي تقرن بني الفن واحلياة‪ ،‬وهذا مربر كل تعبري �أدبي‪،‬‬ ‫�إىل توظيف ما بحوزة �صاحبها من خربة‪ ،‬مرجعية �ضمنية وخلفية ومتخللة �أو موازية بطريقة مر�آوية‪،‬‬ ‫�أي تنظر �إىل الن�ص فيما ينظر �إليها من عيني متلق نفرت�ض ت�شبعه بالدراية الفنية واحلياتية‪ ،‬نعني معرفته‬ ‫ب�أر�ضية هذا اجلن�س الأدبي‪ ،‬وطبيعة حمفلياته‪ ،‬ومراميه �إن جاز احلديث عن الأهداف والأغرا�ض‪،‬‬ ‫�ش�أن خطاب الأدب امللتزم‪.‬بيد �أن مما ال �شك فيه �أن وعيا مماثال‪� ،‬سواء اعتربنا �إمكان ا�ستخال�صه من‬ ‫م�سرية �صنع اهلل الأورفلي‪� ،‬أو �أقررناه نظريا �رصفا‪� ،‬سيقودنا �إىل طرح �س�ؤال جوهري هو‪ :‬هل ميكن‬ ‫للأدب �أن يكون‪� ،‬أن ي�صبح �شكال للمعرفة؟‪ ،‬وكيف؟‬ ‫‪154‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫مو�ضوع التل�ص�ص وقواعده‬

‫�أما من كان يريد �أن يعرف‪ ،‬بعد كل ما �سال من مداد‪ ،‬ما هو تعريف الرواية‪ ،‬فنجيبه ببداهة‬ ‫متناهية‪� ،‬إنه‪ :‬التل�ص�ص ف�إن �أمعن يف ال�س�ؤال‪ ،‬وما هو مو�ضوعها؟ قدمناه يف �صيغة معدلة‪ :‬هو عملية‬ ‫التل�ص�ص ذاتها‪ ،‬وكيفيةـ كيفيات تنفيذها‪ ،‬لتتم"ال�صفقة" �أو تنجز"املقاولة" وتطرح "املدونة"�أخريا‬ ‫�أمام الأنظار بالرباهني واليقني‪ .‬نزيد فنقول �إنه حت�صيل حا�صل‪ ،‬من بلزاك و�سكوت‪� ،‬أبَ َو ْي الواقعية‪،‬‬ ‫وقد اعتربا يف البداية م�ؤرخني‪ ،‬ب�صفتهما روائيني‪ ،‬لل�سبب الذي يعرفه الدار�سون وتالمذتهم‪،‬‬ ‫�أي�ضا؛�أوال يفيداننا �أكرث من �أي �أثر تاريخي �آخر‪ ،‬مبعرفة التحوالت الإجتماعية لزمانهما‪ ،‬وتقدمي ر�سم‬ ‫تف�صيلي لل�سلوك وطرائق العي�ش والطباع ع�شية االنقالبات الكربى التي �ست�ؤدي �إىل احلداثة‪ ،‬تر�سي‬ ‫�سميت الرواية (الواقعية) اجلديدة‪� ،‬سليلة‬ ‫نظمها العقالنية الكربى‪.‬؛�إىل حدود الرطانة النظرية التي ُ ّ‬ ‫فلوبري بالدرجة الأوىل‪ ،‬امل�ستقرة بقوة على يدي علميها الكبريين‪:‬م�شيل بوتور‪ ،‬و�أالن روب غرييه‪.‬‬ ‫هذان بالذات اللذان ب�سببهما �سيُغمز مرة من قناة �صنع اهلل‪ ،‬كونه �أخذ �أو قلد �أ ّولهما(بوتور)يف عمله‬ ‫(‪ ،)modification La‬فجاء ق�سم من"جنمة �أغ�سط�س"على منوال رحلتها وترادف �صورها‪ ،‬وبالأخ�ص‬ ‫خا�صية الت�شييئية الباردة‪ ،‬املُج ِّزئة‪ ،‬بدت كمطلب لروائيي ما بعد احلرب الكربى؛ ومرة الحقة‬ ‫ميكن تكرارالغمز‪ ،‬ملن �شاء �أن ي�ستح�رض �إىل الذاكرة ال�رسدية بي�رس ن�ص الثاين (غرييه) املعنون‪Le":‬‬ ‫‪("voyeur‬املتل�ص�ص)‪� .‬أما �أنا فل�ست من ه�ؤالء‪ ،‬ليقيني �أن الأدب جله عند العرب‪ ،‬حم�صلة وقع احلافر‬ ‫على احلافر‪ ،‬قبل �أن ت�شيع مقولة بورخي�س حول هذا املعنى‪ ،‬بلعها غيبا من لي�س لهم ن�صيب يف الثقافة‬ ‫البورخي�سية وال من عماه املب�رص‪.‬‬ ‫نذهب �إىل �أن �صنع اهلل من فرع �أ�صيل‪� ،‬سليل �شجرة �أن�ساب الرواية ال�رشعية‪ ،‬عرف باحلد�س‪،‬‬ ‫و�أدرك باملمار�سة �أن العني �أول الكالم الروائي‪ ،‬وهو مل يفعل �إال ذاك مع تنويعات يف الزاوية والكيفية‪.‬‬ ‫ال حاجة �إىل التذكري �أن وظيفة هذا الع�ضو الأ�سا�س يف م�ضمار التخييل هي الو�صف‪ ،‬وكما هو اخلط‬ ‫واللون يف اللوحة‪ ،‬كذلك الو�صف الذي يجعل الكائنات والأ�شياء �شاخ�صة �أو تبقى هالما‪� ،‬أي ال‬ ‫رواية‪ .‬لنقل �إنها القاعدة الأوىل تتفرع عنها م�سطرة العمل بقواعدها الأخرى‪ ،‬تباعا‪� ،‬رصحنا بها �أو‬ ‫تركناها لال�ستقراء‪ .‬وهو لتوطيد كل القواعد عودا على بدء‪ ،‬من غري �أن يكرر نف�سه‪ ،‬فكل عمل عند‬ ‫الروائي وحدة م�ستقلة‪ ،‬يدفع �إلينا بن�صه اجلديد‪ ،‬نراه فريدا‪ ،‬ال يف �سل�سلة ما �أجنز‪ ،‬بل و�ضمن تراثنا‬ ‫وما ين�ضاف �إىل �أدبنا من هذا اجلن�س‪:‬‬ ‫رواية"التل�ص�ص"(القاهرة‪ ،‬دارامل�ستقبل العربي‪ .)2007 ،‬هي ما‬ ‫ّ‬ ‫نح�سب ي�ضم فيها امل�ؤلف الذي خرب الدار�سون �صنعته الروائية‪ ،‬حتى �إن مبقدورنا القول �إنه ي�ضع يف‬ ‫نا�س احلرفة و�صية ودر�سا يعلم �أ�صولها‪ ،‬ويفطن املت�ساهلني يف حمرتفها‪ ،‬هم كثري هذه الأيام‪.‬‬ ‫الذي يفعل ذلك‪� ،‬صاحب العني‪ ،‬لي�س �إال ال�سارد دائما‪� ،‬سيتوىل وهو �شخ�صية العمل املركزية‪،‬‬ ‫‪155‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫بني �أخرى‪ ،‬عينه ب�ؤرتها‪� ،‬رسد ق�صتها‪ ،‬بل �سيق�ص علينا �أح�سن الق�ص�ص‪� ،‬إمنا على طريقته‪ ،‬وهي‬ ‫ذات معمار ونكهة تختلفان عن م�ألوف مقروئنا‪ .‬ف�إذا كنا اعتدنا على تراث روايات الأحداث وما‬ ‫يجري لل�شخ�صيات‪ ،‬عرب حبكات‪ ،‬ومثلها خرائط املجتمع والبيئة يف هذا القطاع �أو ذاك م�ؤ�رشة‬ ‫ب�أزمات‪ ،‬تنقاد مثلما تتعرث معها م�صائر �أفراد وتطلعات اجلماعة‪ ،‬تتبادل هي والواقع م�ضان التعبري‬ ‫لر�سم لوحة واقعية متكاملة يف النهاية‪ ،‬املحكي ال�رسدي �أواملونولوغي ماي�سرتو عزفها بالدرجة‬ ‫الأوىل‪ ،‬ف�إننا مع"التل�ص�ص"�أبعد ما يكون عن هذه الأطباق التي يغرم اجلمهور ب�أفاويهها‪ ،‬رغم �أن‬ ‫امل�ؤلف يهيء بع�ضها‪ ،‬وال يريد �أن ي�ص ّد �شهيتنا دفعة واحدة‪ ،‬فالقارئ �شغوف‪ ،‬مذ طفولته‪ ،‬باحلكاية‪،‬‬ ‫باخلرب‪ ،‬وبالهدر( منه الهدرة)‪ ،‬لكنه ما يلبث كلما �أح�س �أن غمي�س احلكي ميكن �أن ي�سيل اللعاب �أن‬ ‫يف�سده بواحدة من �ألعابه‪ ،‬قواعد لعبه تذ ّكر �أنه لي�س حكواتيا‪ ،‬لكن �صانعا ماهرا ي�صنع ال�شيء �أمامك‬ ‫وعليك‪� ،‬إن �شئت‪ ،‬وقد ر�أيت مواده �أن تعيد ال�صنع �إن وجدت �إىل ذلك �سبيال‪ ،‬وهاك الدر�س‪،‬‬ ‫در�س احل�صة الأوىل هو ا�ستهالل الرواية‪:‬‬ ‫" يتمهل �أبي يف مدخل املنزل قبل �أن يخطو �إىل احلارة‪ .‬يرفع يده �إىل فمه‪ .‬يتح�س�س طريف‬ ‫�شاربه الرمادي امللويني �إىل �أعلى‪ .‬يت�أكد من �أن طربو�شه مائل قليال ناحية الي�سار‪. .‬ينزع �سيجارته‬ ‫ال�سوداء املطف�أة من ركن فمه‪ .‬ينف�ض رمادها عن �صدر معطفه الأ�سود الثقيل‪ .‬يب�سط �أ�ساريره‬ ‫لتتال�شى جتاعيد جبهته‪ .‬ير�سم ابت�سامة على �شفتيه‪ .‬يقب�ض على يدي الي�رسى‪ .‬نتلم�س طريقنا يف �ضوء‬ ‫الغروب‪�(".‬ص‪.)7‬‬ ‫وا�ضح �أننا �إزاء برنامج �رسدي ُ عمدته الو�صف وقوا ُمه جملة من ال�صور اال�ستهاللية هي �أول‬ ‫ما ين�شئ البنية ال�رسدية تنبئ بطبيعتها‪ ،‬فيما تعلن عن ال�شخ�صيتني اللتني �ست�شتغالن على امتداد هذا‬ ‫الربنامج وتغذيانه بالتبادل على امتداد ‪� 300‬صفحة من القطع املتو�سط‪ .‬الو�صف الذي �أداته عني هي‬ ‫وا�ضعة الربنامج‪ ،‬وم�صممة حلقاته‪ ،‬وامل�رشفة على تنفيذه‪ ،‬ولها يف كل مرة غر�ض‪ ،‬وهي‪� ،‬صاحبها‬ ‫ال�ساردـ ال�شخ�صية‪ ،‬تفعل ذلك بطريقة مغر�ضة‪ ،‬بالتل�ص�ص‪ ،‬وهو فعل ق�صدي حيثما اجته ي�صنع برناجما‬ ‫�رسديا بوظيفة ما تتخللها �أو تتقطعها برامج �صغرية‪ ،‬الوحدات ال�صغرى لل�رسد‪ ،‬ال متتلك �أي حرية‬ ‫يف الت�شغيل لأنها امتداد فقط ل�سابق له‪ ،‬تو�سيع لدائرةـ تنتظم �أخريا يف �سلك م�شرتك مربوط دائما �إىل‬ ‫�أهداب النظرة ال�شاملة واملدققة يف �آن‪.‬‬ ‫يف كتابه امل�شتهر حول هذا املو�ضوع ي�سجل فليب هامون‪ ،‬يف العنوان الفرعي"العني الوا�صفة"‬ ‫ما يلي‪:‬‬ ‫"�إن من �أف�ضل الطرق املالئمة نحو �إدماج طبيعي ملدونة ما يف ملفوظ‪ ،‬هو �أن تتكلف ال�شخ�صية‬ ‫بوا�سطة نظراتها بالإعالن عنها؛وبذا ف�إن براديغم الأ�شياء‪ ،‬والأجزاء‪ ،‬وال�صفات‪ ،‬الخ‪ ،‬املكونة‬ ‫‪156‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫لل�شيء القابل للو�صف ي�صبح ُفرجة‪ ،‬منظرا‪ ،‬م�شهدا‪� ،‬أو لوحة‪ .‬كل مدخل حلامل نظرة يف ن�ص ما‬ ‫�سينزع‪� ،‬إذن‪� ،‬إىل �أن ي�صبح مثل العالمة عن �أثر و�صفي؛ فالو�صف يولد حامل النظرة‪ ،‬الذي جتده يربر‬ ‫بدوره الو�صف‪ ،‬الذي يعتربالظهور "طبيعيا" وقابال للوقوع‪".‬‬ ‫( مدخل لتحليل الو�صفي‪ ،‬باري�س‪ ،‬ها�شيت‪� ،1981 ،‬ص‪ .)186‬وال نظن �صنع اهلل �إبراهيم يف‬ ‫عمله اجلديد"التل�ص�ص"فعل �شيئا �آخر غري هذا‪ ،‬بل �إنه توخاه �أداة وغاية يف �سبيل التعريف بالعوامل‬ ‫املتوخى تقدميها‪ ،‬ولإدراك ر�ؤية العامل املبثوثة فيها‪ ،‬ومن �أجل �إعادة االعتبار ل�صنعة الرواية من حيث‬ ‫اال�ستخدام املركزي للأداة والعملية الو�صفيتني فيها‪.‬‬ ‫طفل ال ُي�سمى هو من يتوىل ال�رسد من البداية �إىل اخلامتة‪ .‬مبا �أن هذا الطفل جا�سو�س متل�ص�ص‪،‬‬ ‫على حوائج �أبيه و�أ�رسته قبل الآخرين بو�سع �أي نقد غبي‪ ،‬مت�رسع‪� ،‬أن يركب فقرة مد�سو�سة ق�صدا‪،‬‬ ‫ليقول‪:‬ها‪ ،‬وجدتها!وتف�صيله �أن الطفل ا�ستغل فر�صة غياب الأب فراح يزاول عمله‪� ،‬إذ عرث �ضمن‬ ‫مقتنيات �أبيه على علبة �صغرية من بني موجودات �صور "ال�صورة الثانية لأبي جال�سا بالطربو�ش‬ ‫والكرافت ‪ .‬بني �ساقيه طفل �صغري يف "بارباتوز"من قطعتني‪ .‬الأوىل تبد�أ من الرقبة والثانية ت�صل‬ ‫حتى الركبتني‪ .‬ال�صورة غري ملونة يف ما عدا مالب�س الطفل‪ .‬لونها �أخ�رض ب�رشيط �أ�صفر حول الر�سغني‬ ‫وحول الو�سط "(�ص‪� .)77‬إذا عدنا �إىل الغالف ف�سرنى هذا الو�صف يتج�سد حرفا يف �صورته‪ ،‬الزيادة‬ ‫وال نق�صان‪ ،‬ما يبيح الت�أويل ال�سريذاتي‪ ،‬الذي ال يعني يف حد ذاته �شيئا‪ ،‬رغم تطابق املالمح مع �صورة‬ ‫امل�ؤلف نف�سه كما نعرفها‪ ،‬مع ح�ساب زمن الطفولة‪ ،‬لأن الق�صد والن�سق الفني هما �أبعد ما يكون عن‬ ‫البنية ال�سري ذاتية؛ على هذا املعول يف التجني�س ال جزئيات حتيل اعتباطا �أو ت�ضليال �إىل حياة امل�ؤلف‪.‬‬ ‫ومن باب اال�ست�سهال ذاته القول �إن الروائي يكتب �سريته بال�صعود من الطفولة على مرقاة الزمن �إىل‬ ‫املا�ضي‪ ،‬ما دام قوال ال يكلف �شيئا‪ ،‬وهو نقديا ال يقدم وال ي�ؤخر‪ ،‬بل �أح�سبه يعرقل التلقي املنا�سب‬ ‫بالت�شوي�ش على ن�سقية جن�س �أدبي جم�سد بكل قوة يف الرواية‪ ،‬حيث ينعدم البوح‪ ،‬وتذوب ال�ضمائر‬ ‫يف املنظور‪ ،‬وال نعرث على �أي ميثاق‪ ،‬ف�إن ُوجد فعلى م�س�ؤولية من ي�أخذه على حممل الت�أويل املتع�سف‬ ‫لي�س �إال‪ .‬باملقابل نحن �أمام طفل يحكي حكاية عامله ال�صغري‪ ،‬العائلي‪ ،‬والكبري حميط احلي وامتداداته‬ ‫اخلارجية‪ ،‬املتعالقة ب�أبعاد تاريخية‪ ،‬زمانية ومكانية‪ ،‬فيما الب�ؤرة الرئي�س هي العامل ال�صغري‪ ،‬بيت‬ ‫العائلة‪ ،‬الذي هو غرفة �صغرية يف بيت مع غرف جلريان‪ ،‬يخرجون ويدخلون‪ ،‬يذهبون ويتجددون‪،‬‬ ‫ولكن الطفل و�أباه خليل به يخرجان دائما‪ ،‬وال يكفان عن العودة والدخول‪ ،‬ال لتكتمل حكاية‬ ‫الالحكاية‪ ،‬و�إمنا ليتمكن الطفل من مزاولة املهمة املنوطة به على �أح�سن وجه‪ ،‬ال تتم �إال من موقع‬ ‫ب�ؤرة‪ ،‬غرفة العي�ش ال�صغرية مع �أبيه‪ ،‬كل ما فيها دقيق و�رضوري وفاعل‪ ،‬دال ومدلول يف �آن‪ .‬بالو�سع‬ ‫احلديث عن لعبة �أيقونية‪ ،‬لعبة ال ّدمى الرو�سية‪� ،‬أو عن التداعيات‪ ،‬اال�ستدعاءات �شكال لإعادة �صنع‬ ‫‪157‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫احلكاية‪ ،‬وترتيب حلقاتها لت�ستقيم على �سنن �رسدية خطية منتجة لتلق من الطراز ذاته‪ .‬هذا ممكن‪،‬‬ ‫ووارد‪ ،‬وغريه‪ ،‬بيد �أن امل�ؤلف‪ ،‬ال�صانع املاهر‪� ،‬أنف دائما من �أي طريقة �شكالنية‪� ،‬أو حتيل �إليها ب�سبب‬ ‫من الأ�سباب‪.‬هو مثل النجار واحل ّداد والنقّا�ش ي�ستخدم ما ينا�سب حرفته‪ ،‬بالأدوات املالئمة لها‪،‬‬ ‫�أ ُولها‪ ،‬كما قال �صاحبنا هامون تكليف ال�شخ�صية (الطفل) بالإعالن عن املدونة بوا�سطة نظراته‪،‬‬ ‫نف�سها ت�صنع ال�صور وامل�شاهد والأجزاء‪ ،‬واجلزيئات‪ ،‬وت�سمح بالتوالد والتكاثر درجات ق�صوى‪.‬‬ ‫تراكمها يبلغ حدا يحتاج �إىل ت�صحيح لنظارات العني ال�ساردة‪ ،‬عرب‬ ‫ي�ؤخذ هذا كله بو�صفه عالمات‬ ‫ُ‬ ‫داللة اقتياد الأب البنه عند نظاراتي لهذا الغر�ض‪.‬‬ ‫للرائي وظيفتان‪ ،‬تتكامالن لإجناز برناجمه الو�صفي‪ ،‬الالزم لإعالن املدونة‪1 :‬ـ �أن يرى عموما‪،‬‬ ‫ومطلقا‪ ،‬كل ما تقع عليه العني‪ ،‬ونحن نرى من خالل نظرته‪ ،‬ونتائجها‪2 .‬ـ �أن يرى ق�صدا‪ ،‬و�إغرا�ضا‪،‬‬ ‫ما يحقق فعل التل�ص�ص‪ .‬الأخرية ما يعنينا‪ ،‬وتعلن عن ال�رشوع يف فعلها بعبارة �أ�ضحت الزمة على‬ ‫امتداد الرواية‪ ،‬ك�أمنا لتنبه القارئ �إىل ق�صدية عملها ال جزافيته‪ ،‬مبا �أنه ي�صدر عن طفل نفرت�ض فيه‬ ‫الرباءة عادة‪� ،‬أو على الأقل غياب �سوء النية‪.‬تقول العبارة‪�":‬أرى من ثقب املفتاح"وتتغري مع االحتفاظ‬ ‫باملعنى‪�":‬أل�صق عيني بثقب املفتاح" �أو‪� ":‬أتطلع من ثقب املفتاح"‪ ،‬ومبجرد النطق بالعبارة تدور‬ ‫املاكينة‪ ،‬تتحرك العد�سة فت�صور ما يف املحيط جزءا‪ ،‬جزءا‪ ،‬هو ما �سيغدو كال يف �شبكة العالقات بني‬ ‫امل�شهد وزاوية املنظور‪ ،‬يتمثل يف ن�سيج املحكي‪ .‬نظن لدى قراءتنا للمو�صوف �أنه جامد‪ ،‬وهو فعال‬ ‫ميت‪ ،‬لكن ما يلبث �أن يحيا بفعل اخرتاق ثقب املفتاح‪ :‬ثقب حقيقي‪ ،‬تارة‪ ،‬وجمازي تارة �أخرى‪� ،‬إذ‬ ‫العني ذاتها ثقب �آخر للنظر عندما تنخرط يف الو�صف الوظيفي والرتكيبي‪ .‬هذا اخلرب موكول �إلينا نحن‬ ‫املتلقني‪ ،‬لأن الطفل ال�سارد ين�رصف �إىل متابعة العنا�رص الغفل والدالة يف �آن لعامله‪� .‬إىل الرتكيز بالدرجة‬ ‫الأوىل على الأ�شياء‪ ،‬ال على الأ�شخا�ص‪ ،‬وحني يكون يف مواجهة ه�ؤالء يحط نظره على �أ�شيائهم‬ ‫بالدرجة الأوىل‪ ،‬هي ما يعلن هويتهم‪ ،‬وير�سم طباعهم و�أهواءهم‪ .‬هي كذلك �أداة التعريف باملكان يف‬ ‫و�ضعه التوبوغرايف‪ ،‬من غري �شك‪ ،‬الأهم هو ثقافته اقت�صاديا واجتماعيا و�إن�سانيا‪ ،‬التي ميثلها الروائي‬ ‫املاهر يف �صيغة مركبة ومكثفة‪ ،‬فيما تتهافت بني �أيدي املبتدئني معلومات م�صفوفة بركاكة‪ ،‬مبتورة‬ ‫عن ال�رسد وخارج ال�سياق؛ الذي ما تني النظرة ت�ؤلفه‪.‬‬ ‫ي�ضيف فليب هامون يف املو�ضوع ذاته مطورا الفكرة عن العني الوا�صفة �إىل مرحلة ثانية‪ ،‬من‬ ‫العمل‪ ،‬قائال‪ ":‬بيد �أن كل (م�شهد) ‪ ،‬كل(لوحة) تتطلب‪� ،‬أي�ضا‪� ،‬إخراجا‪� ،‬سينوغرافيا‪ ،‬كوالي�س‪،‬‬ ‫وت�سيريا‪ :‬فنظرة ال�شخ�صية تفرت�ض وت�ستلزم قدرة نظر‪ ،‬ومعرفة نظر‪ ،‬و�إرادة نظر لهذه ال�شخ�صية‪.‬‬ ‫مربرا بذاته‪ ،‬لأن الو�صف يحتاج �إىل �أن نح�س‬ ‫فنظرة ال�شخ�صية امل�س�ؤولة عن الو�صف ينبغي �أن يكون َّ‬ ‫به تابعا ملقدرة ال�شخ�صية املنتدبة للر�ؤية‪ ،‬ال�شخ�صية املبئّرة‪ ،‬ولي�س ل�سعة معرفة الوا�صف‪("..‬هامون‪،‬‬ ‫‪158‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫م‪�.‬س‪.)187 ،‬وتتوفر �شخ�صية الطفل على جميع هذه احليازات‪ ،‬و�أقواها التبئري‪ :‬ابن يعي�ش مع والده‪،‬‬ ‫ال يعطى له �أي �سن حمدد‪ ،‬بعد �أن توفيت �أمه �إثر مر�ض(معلومة ُت�ستوحى من التداعيات ال بالت�رصيح‪،‬‬ ‫مثل ح�ضورها وا�ستدعاء �شخ�صيتها وبع�ض طقو�سها‪� ،‬أ�شيائها حتديدا‪ ،‬ك�أنها حية يف ذاكرة الأب‬ ‫ووجدان الطفل‪ .‬تظن الأم �أحيانا تخرج عن نظام النظرة الوا�صفة‪ ،‬ب�سبب التداعي‪ ،‬لكنها يف احلقيقة‬ ‫تعززه بت�أكيد م�صداقية املو�صوف‪ ،‬و�سبكه يف �سبحة الزمن‪ ،‬مع �إعطاء بعد للمكان‪ ،‬ليحتوي املا�ضي‬ ‫واحلا�رض‪ ،‬معا‪ ،‬وتكثيف ل�شخ�صية الطفل‪ ،‬يف احلقيقة لوظيفتها القادرة على جمع �صورته ال�شخ�صية‬ ‫و�صورة الأب و�صورة الأم‪ ،‬وهذا كله �ضمن البانوراما الهائلة لزمن �شمويل‪ ،‬يحتوي الذات‬ ‫واملو�ضوع) ؛هما معا يعي�شان يف غرفة م�ؤجرة داخل بناية مهرتئة مع جريان مو�سميني‪ ،‬ويف حي يعج‬ ‫بالعالمات والدالالت‪ ،‬اجتماعية وتاريخية‪ .‬الأب موظف متقاعد‪ ،‬كل همه(م�شكلته)يف احلياة �أن‬ ‫يتعهد ابنه املبتلى مبتاعب �صحية وح�سا�سيات كثرية‪ ،‬و�أن يعي�ش مب ُ ّرتبه بالتق�سيط تقريبا‪ ،‬ميار�س بقية‬ ‫نزوات لعمر ينطفئ‪ ،‬وهو يرى(وجيله) ب�ساط احلياة ين�سحب من حتت قدميه بتزامن مع �أفول العهد‬ ‫امللكي زمن امللك فاروق‪ ،‬امللقب ب"الفدائي الأول" ل�شدة عهره‪� ،‬إىل جوار القوى متهالكة‪ ،‬مرة‪،‬‬ ‫مت�صارعة �أخرى حوله‪ .‬كلما غادر الأب وابنه الغرفة تكرب الدائرة وتتعدد ال�شخ�صيات‪ ،‬وتتنوع زوايا‬ ‫النظر‪ ،‬حتبل باملعلومات من كل نوع‪ ،‬وهي ت�ضيء ب�صفة خا�صة �أمزجة‪ ،‬وت�شف عن �أمناط �سلوك‪،‬‬ ‫على �أن تعود الدورة يف النهاية �إىل م�صدر التبئري‪.‬‬ ‫"يخول الوا�صف قدرته �إىل �شخ�صيات ـ و�سائط‪ .‬ب�ضع ملحقات‪� ،‬أماكن‪ ،‬مواقع ت�صبح متطلبة"(ن)‪.‬‬ ‫هكذا نتنقل يف عديد من الأحياء‪ ،‬فالرواية م�سار متحرك قبل كل �شيء‪ ،‬يف خط ذهاب من بيت خليل‬ ‫بيه خلف امليدان �إىل بيت ابنته وزوجها فهمي‪ ،‬املرفهني‪ ،‬يف منطقة م�رص اجلديدة‪ .‬وهو ذهاب من الزمن‬ ‫احلا�رض �إىل املا�ضي يف ذاكرة الأب التي ال ت�ستعاد باحلنني ال�سهل �أبدا‪ ،‬فال �شيء ميقته �صنع اهلل �إبراهيم‬ ‫مثل الرومان�سية الرثة‪ ،‬فيما يطرب ملا تطرب له الأم‪ ،‬للينابيع (�إ�سمهان‪ ،‬مثال)؛ ذهاب با�ستخراج‬ ‫الإبن لأ�شياء الأب من �صناديق وخفايا وعر�ضها �أمام �أعيننا‪ ،‬موا�صال مهمة التل�ص�ص‪ ،‬حيث نتعرف‬ ‫على �أطوار من ما�ضيه من ال�صور‪ ،‬يف تقاطع عالقات �شخ�صيات احلارة‪ ،‬احلارة القاهرية التقليدية‬ ‫باقت�ضاب‪".‬حواري �ضيق ٌة مزدحمة‪ .‬بوابات قدمية وم�صاطب حجرية �أمام‬ ‫لنجيب حمفوظ‪ ،‬دائما‪ ،‬و�إن‬ ‫َ‬ ‫هم احلا�رض‬ ‫الدكاكني‪ .‬روائح الطني والعفن ومعا�رص الزيوت‪("..‬الرواية‪ )46 ،‬وعودة م�ستمرة �إىل ّ‬ ‫لت�شغيل دينامية الو�صف يف �ضغط ب�ؤرة املكان(غرفة العي�ش وحمتوياتها‪ ،‬ومن يلجها‪ ،‬وما يحدث‬ ‫داخلها ويف ملحقاتها)‪ ،‬ب�أداة التل�ص�ص عن �سبق �إ�رصار‪ .‬مثاالن من ع�رشات‪�":‬أجل�س �إىل مكتبي‪.‬‬ ‫�أقوم �أتل�ص�ص على "�أم نظرية" من فتحة الباب‪ .‬تعمل ال�سكني يف حبة قلقا�س‪ .‬تقطعها �إىل مكعبات‬ ‫�صغرية‪)441(".‬؛" �أ�ضع عيني على ثقب املفتاح‪ .‬ال �أرى �شيئا‪� .‬أعدل و�ضع نظارتي فوق �أنفي(‪)...‬‬ ‫تطالعني م�ؤخرة �أبي العارية بني �ساقي فاطمة العاريتني املرفوعتني �إىل �أعلى‪ .‬راقدة على ال�رسير ور�أ�سها‬ ‫‪159‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫فوق الو�سادة‪� )...(.‬أقرتب �أكرث‪ .‬تلتفت ناحيتي‪ .‬ت�رصخ‪ :‬يا دهوتي‪ .‬تزيحه جانبا وتب�سط مالب�سها‪.‬‬ ‫تهم جال�سة‪.‬يلتفت �أبي بر�أ�سه‪ .‬يزعق‪ :‬بتعمل هنا �إيه؟‪� .‬أ�صيح‪ :‬ينعل �أبوكم"(‪.)291‬‬ ‫للنظرة الوا�صفة يف هذه الرواية وظائف وامتدادات �أخرى‪ ،‬منها ما هو جمرد‪ ،‬خا ّم‪ ،‬ومنها املت�صل‬ ‫بغريه‪ ،‬رهن بوجوده وم�ؤثر فيه‪ .‬يف احلالة الأوىل نحن �أمام جمموعة من ال�صور‪ /‬املواد‪ ،‬متثل خربة‬ ‫مو�سوعية عن الواقع يف ت�سمية الأ�شياء مب�سمياتها‪ ،‬وبتقطيع على حد ال�سكني‪ .‬قائمة ت�شمل املفرو�شات‪،‬‬ ‫الأثاث‪ ،‬اللبا�س‪� ،‬أواين املطبخ‪� ،‬أ�صناف الطعام مواد غذائية‪ ،‬ومثله‪ .‬قامو�س كامل يدخل يف عداد ما‬ ‫�سمي يف الواقعية الإيطالية ب"‪ ،"Le vérisme‬منحدرة من املدر�سة الطبيعية‪ ،‬وفجاجتها ُتخ�ص�صها‪،‬‬ ‫فما ُ يرى قائم بذاته‪ ،‬وهو قوله‪ ،‬وهي مدر�سة �شملت فني الر�سم والأوبرا‪� .‬إىل جانب القامو�س‬ ‫تر�سيمات ذات دقة هند�سية متناهية‪ .‬وميكن ربط وا�ستخدام هذه اخلربة احلرفية‪ /‬والنقل الت�شييئي‬ ‫للمحيط‪ ،‬كما �أملعنا �سالفا‪ ،‬بالرواية اجلديدة‪ ،‬عند غرييه حتديدا‪" ،‬املتل�ص�ص" الأول‪ ،‬الذي �سجل‬ ‫كل �شيء من ثقب باب‪ ،‬لنقل �إنها تتجاوب مع هذا االجتاه الذي يبهرنا فيه الروائي الفرن�سي مبي�سمه‬ ‫املنهجي ونزعته التقنية ال�صارمة‪ .‬هناك ال�شكل واملادة مبثابة م�ساحات وزوايا‪ ،‬وخطوط هند�سية‪،‬‬ ‫فقط‪ .‬بعبارة �أخرى‪ ،‬ال ينبغي البحث عن �أي روح �أو ح�سا�سية ما‪ ،‬ومن اخلطل حماولة اخرتاق �أي‬ ‫�رس‪� ،‬إذ لي�س ثمة �رس‪ ،‬و�أهمية الأ�شياء نابعة عند(‪ )A.R.Grillet‬من فعل الإدراك" فهناك دائما وقبل‬ ‫كل �شيء نظرة تراها‪ ،‬تفكري ي�ستعيد ر�ؤيتها‪ ،‬وانفعال ي�شوهها"(من �أجل رواية جديدة‪ ،‬باري�س‪،‬‬ ‫مينوي‪� ،1957 ،‬ص‪.)116‬وهناك املنظور الرهني ب�سابق �أوالحق‪ ،‬مبقت�ضى الإحالة‪ ،‬وتو�سيع الأفق‪،‬‬ ‫وبهذا يخت�ص �صنع اهلل‪ ،‬هنا‪� ،‬إن �شئنا تنعدم"املجانية"‪.‬فر�صد الأ�شياء‪ ،‬وتدقيق �أ�سمائها عنوان ربطها‬ ‫بزمنها‪ ،‬وانطالقا منها توليد �إيحاءاتها‪ ،‬وما �أكرثها يف هذا العمل الذي يعج بالأ�سماء والأ�صوات‬ ‫والروائح والكتل والأ�شكال والأطياف والظالل والأ�شباح ‪ ،‬وحتى باجلن والعفاريت‪ ،‬متنا�صة‪.‬‬ ‫�آخر وظيفة ميكن �أن نتوقف عندهاـ دون �أن ننهي الوظائف ـ �أن العني الوا�صفة حتقق الإخرتاق‬ ‫الداليل بحكم االنتهاك الذي تنجزه‪� .‬إن فعل التل�ص�ص"ال�أخالقي"لأنه �رسقة‪ ،‬فعل يتم "من ثقب‬ ‫الباب"‪ ،‬اغت�صاب ينتقي فيه الإختيار‪ .‬وما هي الرواية‪ ،‬يف احلقيقة‪� ،‬إن مل تكن تل�ص�صا م�ستمرا على‬ ‫�أحوال النا�س‪ ،‬ظاهرا وباطنا‪ ،‬والروائيون اليوم هم " ب�صا�صو" الزمن احلديث! ثمة �أخريا خا�صية‬ ‫ت�شرتك فيها جميع الوظائف بل تتوحد على م�ستوى بناء اجلملة الو�صفية التي تتنا�سب مدا وجزرا بني‬ ‫العني واملنظور واملدى املمتد بينهما‪.‬يليق �أن ن�سميها اجلملة التل�ص�صية؛جملة برقية‪ .‬قاطعة‪ .‬حمزوزة‬ ‫وم�شذبة‪ .‬ال �صبغة وال ذيل‪ .‬دال معينّ بالقطع‪ .‬مكثفة وباردة‪ ،‬مكتوبة مبب�ضع جراح‪ .‬جملة مفيدة‪.‬‬ ‫جملة فعلية‪ .‬جملة "براغماتية"‪ .‬متقطعة‪ .‬متوترة‪ .‬مرتع�شة‪� ،‬أحيانا‪� .‬صارمة على الدوام‪ .‬وهذه طباع‬ ‫التل�ص�ص الذي يتطلب الدقة وال يف�ضي �إال �إليها‪ .‬عد�سة الرائي فيه ت�شتغل يف مدى الثقب‪ ،‬ال تفي�ض‬ ‫عن احلاجة وال ت�ستطيع؛فنها عينها‪ ،‬ور�ؤيتها منها‪ ،‬وحكمتها فيها‪ ،‬وهذه هي �صنعة الرواية‪.‬‬ ‫‪160‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫"العمامة والقبعة" ل�صنع اهلل �إبراهيم‪:‬‬ ‫�أين ينتهي التاريخ؟ �أين يبد�أ التخييل؟‬

‫يف روايته"العمامة والقبعة"( دارامل�ستقبل العربي‪ ،‬القاهرة ‪ ،)2008‬يعمد �صنع اهلل �إبراهيم �إىل‬ ‫ا�ستخدام تقنية اليوميات (‪ )Le journal‬لي�رسد وقائع ق�صته‪� ،‬أو بالأحرى التاريخ الذي اتخذه تيمة‪،‬‬ ‫ومو�ضوعا‪ ،‬ومادة لروايته‪ ،‬لنقل للكتاب الذي جنّ�سه كذلك‪ ،‬وتتكفل القراءة ب�أدوات وم�ساطر‬ ‫حمددة للربهنة على مدى ان�ضوائه يف فلكها‪� ،‬أو جنوحه نحو مدار ن�صي خمتلف‪� ،‬شكال وداللة‪.‬‬ ‫لنو�ضح بداي ًة �أن هذا العمل اجلديد ي�ستخدم التاريخ‪ ،‬قل ير�صد مرحلة دقيقة من تاريخ م�رص وهي‬ ‫على عتبة هزات وتغريات وغزوات خارجية �ستنقلها �إىل زمن جديد تدريجيا‪ ،‬وبعد �أهوال وتقلبات‬ ‫من كل نوع �إىل م�شارف الع�رص احلديث‪ ،‬بدءا من احلملة الع�سكرية والعلمية لنابليون وموكبه املر ّكب‪،‬‬ ‫و�صوال �إىل حركة حممد علي املوجهة خللق م�شاريع التحديث املعلومة‪� ،‬ست�ؤدي �إىل خلخلة البنيات‬ ‫وتغيري املجتمع على �أكرث من وجه‪ .‬لي�ست املرة الأوىل التي ي�ستخدم فيها �صاحب"تلك الرائحة"امللف‬ ‫التاريخي �أو ي�ستفيد بطرق خمتلفة من �أوراقه‪ ،‬فجميع �أعماله‪ ،‬بدءا من"جنمة �أغ�سط�س"‪ ،‬وانتقاال‬ ‫�إىل �أمهات ن�صو�صه الباقية "ذات"؛"وردة"؛"�أمريكانللي"‪ ،‬يح�رض فيها التاريخ �إما كخط مواز‪� ،‬أو‬ ‫كمادة تنا�صية‪� ،‬أو مرجعية متخللة‪� ،‬أو ك�سنادات متنا�صية‪ ،‬ف�ضال عن �أن كل رواية مهما �شطت يف‬ ‫التخييل‪ ،‬الذي هوعمادها الفني‪ ،‬ت�ستند ب�شكل �أو ب�آخر خللفية تاريخية بعينها منعك�سة على مر�آة‬ ‫الواقع املو�صوف‪ ،‬واحلبكة املر�صودة‪ ،‬ما دامت الرواية بالتعريف جن�سا �أدبيا واقعيا بامتياز‪.‬‬ ‫ال يتحقق هذا الفعل عند �صنع اهلل �إبراهيم �صدفة �أو هام�شا‪ ،‬كما جتده عند كتاب واقعيني ير�شحون‬ ‫امل�شهد االجتماعي بارتباطه مع �شبكة العالقات املختلفة املكونة له ليكون �صانع ر�ؤيتهم واملعرب الأول‬ ‫‪161‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫عنها‪� .‬إن احل�ضور التاريخي ب�ؤرة مركزية يف �رسده‪ ،‬بتمثيالته ونظامه وخطاباته‪ ،‬يخرتق امل�شهد �إياه‬ ‫ويتبادل معه الدور �إن مل يتماه به كال‪ ،‬وعندئذ ينتقل �إىل �سجل قول تقريري وت�سجيلي يربك التلقي‬ ‫تلق مغاير‬ ‫املعتاد للرواية الواقعية‪ ،‬املرتبطة مبفهوم املمكن واملحتمل‪ ،‬ويلزم من ثم بالبحث عن �أفق ٍّ‬ ‫بعد �أن ا�ضطرب �أفق االنتظار املعتاد فيها‪ .‬هذا ما يغدو منزعا ال منا�ص منه حني ننتبه‪ ،‬وبحكم تواتر‬ ‫نهج الن�صو�ص ال�رسدية لدى امل�ؤلف‪� ،‬أن الأمر رهن باختيار فني‪ ،‬ومفهومي‪ ،‬متعلق مبقولة الأدب‪،‬‬ ‫وبعد هذا وذاك �إيديولوجي‪ .‬ال يكتب �صاحبنا ب�صيغ روايات الأطروحة‪ ،‬لكن ثمة دائما �أطروحة �أو‬ ‫ق�ضية م�ضمرة تارة‪ ،‬معلنة تارة �أخرى ينافح عنها الن�ص‪ ،‬وتت�ضافر و�سائط �شتى لتوليدها وحتريكها‬ ‫وتتويجها على امتداد تنقالت احلبكة الروائية‪ ،‬و�صوال �إىل ذروتها‪ .‬وبقدر ما هو خلفية قارة يف كل‬ ‫�رسود �صنع اهلل ف�إنه رديف �أ�سا�س ل�شحن مدلول الأطروحة‪ ،‬و�أر�ضية مادية توثيقية للمادة واحلياة‬ ‫التخييلية التي تنه�ض فوقها‪.‬‬ ‫يف الرواية اجلديدة"العمامة والقبعة" يتحول التاريخ‪ ،‬وللمرة الأوىل عند هذا الروائي امل�صمم‬ ‫على موا�صلة حفر منجم الزمن ال�ستخراج الدرر الفريدة‪� ،‬إىل مادة �أوىل فوق �أنها خام‪ ،‬يكتب بها‬ ‫الرقاع‪ ،‬وهي الدواة واحلرب‪ ،‬وهو قلم من�سكب يروي‪� ،‬أو بالرواية‪ ،‬باملعنى القدمي‬ ‫وعليها يف �آن‪� .‬إنها ِّ‬ ‫لال�ستعمال‪ ،‬قبل �أن ينتقل �إىل تطريق �آنيتها ب�إعطائها املعنى اجلديد‪ ،‬الأجنا�سي‪ ،‬ال�ستخراج الترب من‬ ‫الرتاب‪ ،‬فكيف يا ترى؟‬ ‫اخلرب الأول من لدن ال�شيخ امل�ؤرخ عبد الرحمن اجلربتي(‪1754‬ـ‪ )1825‬الذي �سيكون هو‬ ‫وكتابه"عجائب الآثار يف الرتاجم والأخبار"عمدة الرواية وم�صدرها‪ ،‬وما �سيلي هو الطر�س املج ّدد‬ ‫‪� Palimpseste‬أو‪ Palumpestus‬ح�سب الأ�صل الالتيني الذي يعني احلفر فوق طر�س وحموه للكتابة‬ ‫فوقه‪ .‬يف هذا الكتاب الذي يعد �أخطر و�أغنى ما د ّون عن فرتة �شديدة التقلب واال�ضطراب من‬ ‫تاريخ م�رص‪ ،‬مرتاوح بني �إقرار النظام العثماين اململوكي على يد ال�سلطان �سليم الأول(‪� )1517‬إىل‬ ‫بدايات عهد حممد علي الذي �أجهز على العثمانيني يف م�رص‪ ،‬وكان لذلك ما بعده‪ .‬يف قلب هذه الفرتة‬ ‫يح�رض االحتالل الفرن�سي‪� ،‬أو حكمهم مل�رص الذي امتد ثالث �سنوات(‪1798‬ـ‪ ،)1801‬وارتبط باحلملة‬ ‫ال�شهرية لنابليون‪ ،‬ذائعة ال�صيت‪ .‬ومعلوم �أنها حقبة عا�شها اجلربتي‪ ،‬عاينها وكان له ح�ضور وم�شاركة‬ ‫يف تدبري بع�ض �ش�ؤونها املتعلقة بامل�شيخة‪ ،‬ف�ضال عن �أنه‪ ،‬وهو �أكرث ما يعنينا هنا‪ ،‬تدوينه لها‪ ،‬مبا‬ ‫يجعل كتابه مرجعا ال غنى عنه لكل من يت�صدى ملعاجلتها ب�أي �شكل �أو لأي غر�ض‪ .‬وهذا بال�ضبط ما‬ ‫نهجه �صنع اهلل �إبراهيم مقتنعا باجلدارة املرجعية للكتاب‪ ،‬منوها‪� ،‬أوال‪ ،‬بذلك(انظرالتذييل �ص‪)329‬‬ ‫ومتخذا من م�ؤلفه �شخ�صية من ال�شخ�صيات الأ�سا�س لعمله ال�رسدي‪ ،‬على النحو الذي ارت�آه‪ ،‬رمبا‬ ‫الذي ارت�آه اجلربتي قبله‪.‬‬ ‫‪162‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫نعلم جميعا �أن م�صنَّف ال�شيخ الأزهري كتاب تاريخ‪ ،‬الذي يعرفه يف كونه‪ ":‬يبحث فيه عن‬ ‫�أحوال الطوائف‪ ،‬وبلدانهم‪ ،‬ور�سومهم وعاداتهم‪ ،‬و�صنائعهم و�أن�سابهم‪ ،‬ووفياتهم"‪ ،‬ويلخ�ص‬ ‫مو�ضوعه يف"�أحوال الأ�شخا�ص املا�ضية" والغر�ض منه‪":‬الوقوف على الأحوال املا�ضية من حيث‬ ‫هي‪ ،‬وكيف كانت‪(".‬عجائب الآثار‪ ،‬ط الهيئة امل�رصية العامة للكتاب‪� ،2003 ،‬ص �ص ‪1‬ـ‪� .)2‬أما‬ ‫كتاب �ص‪�.‬إبراهيم فهو ح�سب غالفه من�سوب �إىل �صنف �أو جن�س �أدبي حمدد ي�سمى "الرواية"‪ ،‬وال‬ ‫يختلف اثنان يف �أنها �رضب من الكتابة لها �أن تعتمد التاريخ �أو ت�ستلهمه كما ت�شاء‪ ،‬لكنها لن ُتقبل‬ ‫منه‪ ،‬حتى ولو ُعدت تلك املر�آة اجل ّوابة‪ ،‬تلتقط الواقع بوجوه(ا�ستندال) وتتخذ منها �سو�سيولوجيا‬ ‫الأدب م�صدرا ملعرفة و�شهادة على حياة موثقة‪ ،‬وت�ؤولها � ّأي ت�أويالت‪ .‬وقد عمد كاتب زماننا �إىل‬ ‫التاريخ املد ّون‪� ،‬أي املقروء لدى النا�س‪ ،‬اقتطف منه اخلا�ص باملرحلة الفرن�ساوية‪ ،‬مدونا وجوه الغزو‬ ‫الفرن�سي‪ ،‬واالنقالبات ال�سيا�سية التي �أطاحت ب�أقوام و�سلطات وجاءت بغريهم‪ ،‬وبَ�أ�س الفرن�سي�س‬ ‫الع�سكري‪ ،‬وما جلبوه يف حملتهم من مظاهر التمدين‪ ،‬وما حلق حياة ال�سكان من تغريات على‬ ‫�صعيد امللب�س وال�سلوك‪ ،‬ومثله على �صعيد الأخالق والقيم‪ ،‬وما يخ�ص البيئة العلمية والأزهرية‪،‬‬ ‫وعموما كل ما طر�أ على حياة امل�رصيني خالل تلك احلقبة الدقيقة من حياتهم‪ .‬نقر�ؤه هنا وهناك‪� ،‬أي‬ ‫بني متني التاريخ وال�رسد‪ ،‬فنجده يف الأمور املو�ضوعية‪ ،‬احلوادث املوثقة واملعقولة‪� ،‬سيان‪ ،‬فحوى‬ ‫و�أ�سلوبا‪.‬‬ ‫ي�سجل بوا�سطة‬ ‫التزم �صنع اهلل‪ ،‬كما ذكرنا‪� ،‬صيغة اليوميات‪� ،‬أي الر�صد اليومي للأحداث‪َّ ُ ،‬‬ ‫�شخ�صية ال�سارد‪ ،‬هي �إحدى ال�شخ�صيات الفاعلة يف الرواية‪ ،‬القطة ملجريات الأمور بكيفية بانورامية‪،‬‬ ‫تارة‪ ،‬وقناة ملرور تفا�صيلها وجزئياتها وخباياها‪ ،‬تارة �أخرى‪ ،‬وواقعا قي قلب الأحداث‪ ،‬طرفا فيها‬ ‫ي�شخ�ص �إحدى الب�ؤر ال�صانعة للرواية التاريخية وطق�سها‪ ،‬نعني احلبكة الغرامية املعهودة يف هذا‬ ‫النوع‪ .‬بد�أ تدوين اليوميات من تاريخ ‪ 22‬يوليو‪ ،1797‬املوافق لهزمية مراد بك ووقوف قوة نابليون على‬ ‫�أبواب القاهرة القتحامها‪ ،‬لتنتهي ثالث �سنوات بعد ذلك بتاريخ‪� 31‬أغ�سط�س ب�آخر يومية ي�سجل‬ ‫فيها ال�سارد ما �أماله عليه �شيخه ومواله اجلربتي‪ ،‬وظل يكلفه به طوال التزامه معه مريدا‪ ،‬ومقيما يف‬ ‫دارته‪ ،‬بو�صفه �أحد �أتباعه‪ ،‬ي�أخذ منه العلم الأزهري‪ ،‬ويخدمه يف �آن بنقل ما يجري يف اخلارج من‬ ‫وقائع احلملة الفرن�ساوية و�آثارها‪ .‬هكذا‪� ،‬إن ال�ساردـ ال�شخ�صية‪ ،‬التي ال نتعرف لها طيلة االمتداد‬ ‫ال�رسدي على �إ�سم‪ ،‬يعمل بجوار امل�ؤرخ اجلربتي‪ ،‬وبتفاعل مع ن�شاطه العلمي وال�سيا�سي‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬على‬ ‫بناء الن�ص‪ ،‬و�إن بطريقة �إحالية �أكرث منها مبا�رشة‪ .‬ذلك �أنه موجود ك�سرية‪ ،‬وكمنت تدويني‪ ،‬ثم كطراز‬ ‫من علماء الأزهر ممن اختاروا �أ�سلوبا مداهنا ومتذبذبا يف تعاملهم مع املحتل‪ ،‬هو �أ�سلوب جماعة‬ ‫م�شايخ‪ .‬غري �أن ال�سارد يريد �أن يقنعنا بطرق �شتى �أنه هو البطل وامل�ؤرخ والأقوى ح�ضورا‪ ،‬جنبا �إىل‬ ‫‪163‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫جنب مع �ساري ع�سكر نابليون‪ ،‬و�ضباط حملته الكبار‪ ،‬واحلا�شية‪ ،‬ورجال املجمع العلمي‪ ،‬و�صوال‬ ‫يف �آخر املطاف �إىل موقع البطولة الوطنية �ضد املحتل‪.‬‬ ‫يتخذ‪� ،‬أوال‪ ،‬بتوا�ضع حم�سوب‪ ،‬موقع امل�ساعد‪� ،‬إذ ي�أمره �شيخه ب"اخلروج ال�ستطالع‬ ‫الأحوال"(�ص‪ )65‬والأخبار(‪� )68‬أو التحقق منها‪�":‬أر�سلني �أ�ستاذي للتحقق من الأمر"(‪ )244‬كما‬ ‫يعمل مدونا لأماليه كلما احتاج �إليه‪ .‬ثم هاهو يتحول �إىل مناف�س له يف �شغل التاريخ‪ ،‬ذلك �أنه هو‬ ‫ال غريه من يتوىل الإخبار مبجرى الأحوال امل�رصية خالل احلقب الفرن�ساوية‪ ،‬متبوئا تدريجيا مركز‬ ‫ال�صدارة‪ ،‬وذلك على نهجني‪:‬الأول‪ ،‬بالتدوين اليومي املوازي(=املناف�س) للجربتي‪ ،‬وامل�شو�ش عليه‬ ‫لأنه ينقل �أخبارا ي�سكت عنها ال�شيخ‪� ،‬أو ي�سهو‪ ،‬بل وال ت�صل �إىل �سمعه‪� ،‬أو لي�س هو يف كثري من‬ ‫الأحداث املادي واحلوادث اجل�سام‪ ،‬من قبيل احلملة الع�سكرية �إىل غزة و�أر�ض فل�سطني �شماال‪،‬‬ ‫بالعني والقلم يف �آن‪ .‬ما �أكرث ما يذكر قيامه بالت�سجيل ال�شخ�صي‪ ،‬ومتابعته بانتظام ما �أمكن‪ ،‬و�إخفاء‬ ‫�أوراقه لئال تقع عليها العيون‪ ،‬والتج�س�س على مدونة �سيده بروح املناف�سة واملقارنة‪ ،‬وطبعا‪ ،‬فما‬ ‫ن�ص‬ ‫قبلي هو ُ‬ ‫خفي ٌّ‬ ‫هذه الأوراق �إال الرواية ذاتها التي نحن ب�صدد قراءتها‪ ،‬وقد ت�شكلت من ن�صني‪ٌّ :‬‬ ‫اجلربتي‪ ،‬وحا�رضٌ عياينٌّ هو الطر�س املحكوك الذي حتت �أب�صارنا‪ .‬ال بد من الإ�شارة �أنه يتبع �سابقه‬ ‫(�سلفه) على �أكرث من نحو‪ .‬الأول يتبع التدوين الزمني‪ ،‬باعتماد الهجري‪ ،‬م�ستخدما عبارة متواترة‪:‬‬ ‫"وا�ستهل �شهر ربيع الأول �سنة ‪�"1232‬أو غريه(انظرج‪ ،)8‬فيما الثاين(كاتب زماننا و�سارده) يعتمد‬ ‫امليالدي‪ ،‬املعمول به طبعا‪" ،‬الثالثاء‪ 4‬مار�س"ومل يعلن ال�سنة �إال مرة واحدة يف البداية‪� .‬أما النهج‬ ‫الثاين املتبع من قبله يف م�سعى انتزاع البطولة‪ ،‬فيتمثل يف امل�سار ال�شخ�صي‪ ،‬وحده الكفيل بجعل‬ ‫املروي يدخل يف نظام الرواية‪ ،‬لأن ما قبله هو �رسد الأيام‪ ،‬وحمموله خطاب التاريخ‪ ،‬وهنا جند‬ ‫ال�سارد يعي�ش حياته‪� ،‬إما مبوازاة الأحداث �أو مبن�آى عنها‪ ،‬نا�سجا عالقاته اخلا�صة املعربة عن �شخ�صيته‬ ‫با�ستقالل ن�سبي عن ثقافة و�سلوك �شيخه‪ ،‬واملحيط الذي يتقلب فيه‪ .‬و�إن كان لنا �أن نالحظ ب�أن‬ ‫اللغة والبناء الذين ينقالن النمطني يبقيان ذاتهما دون تبديل يف ال�شكل‪ ،‬ال�شيء الذي ي�ؤكد �أن �صنع‬ ‫اهلل �إبراهيم يبدو �أحر�ص على نقل الر�ؤية منه على �أ�سلوب تو�صيلها‪ ،‬بالأحرى غري معني بالتنويع‬ ‫الأ�سلوبي املن�سجم مع تعدد املواقف‪.‬‬ ‫ال�شك �سينتبه القارئ �إىل اللغة ال�ساردة والوا�صفة‪ ،‬لغة م�سكوكة‪ ،‬جمبولة من �صل�صال ال�سجل‬ ‫الثقايف والأدبي للحقبة املطروقة‪ ،‬وهو �أمر مفهوم‪ ،‬معقول يف ذاته‪ ،‬خا�صة يف ما يت�صل ب�إح�صاء‬ ‫املوجودات‪ ،‬وتعيني وتو�صيف امل�سميات‪ ،‬العتيق منها والدخيل مع احلملة الفرن�ساوية وهو كثري‪،‬‬ ‫لكنه البد �سيت�ساءل �أي قيمة فنية خ�صو�صية لعمل يكتفي بقامو�سية متح�صلة‪ ،‬نافدة‪ ،‬باتت متباعدة‬ ‫عن زمن كتابتها‪ ،‬اللهم �أن الكاتب ي�شتغل ح�رصا يف نطاق النوع التاريخي‪ ،‬وهذه �إحدى مع�ضالت‬ ‫‪164‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫كتابة تروم التوثيق والتخييل يف �آن‪ ،‬دون �أن ت�ستغرق �رشطيهما معا‪ .‬ي�شفع له �أنه‪ ،‬خالفا ل�سلفه‪ ،‬يبني‬ ‫توخ‬ ‫اجلملة ق�صرية‪ ،‬واخلرب ي�رسده برقيا‪ ،‬والأ�سلوب ين�سج مر�سال بال �سجعة‪ ،‬ال ت�أخذه العبارة‪ُ ،‬م ٍّ‬ ‫االقت�صاد يف كل ما يعر�ض له ذاتا �أو مو�ضوعا‪ .‬فماذا بعد ذلك؟ �إنه ما يتحقق به امل�سعى ال�شخ�صي‪،‬‬ ‫�صانعا ح�ضور الذات يف �سياق التاريخي املح�ض‪ .‬فال�شاب ال�سارد �سيخو�ض‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬غمار املرحلة‬ ‫الفرن�ساوية على َ�س ِ َّجته‪� ،‬أو وفق ما ير�سمه له �سارد �ضمني ثان يقود خطواته‪ .‬هكذا ينفلت من عامل‬ ‫املحافظة الأزهرية(=اجلربتي) للعمل يف املجمع العلمي الفرن�سي‪ ،‬باعتباره متعلما للغة الفرن�سيةـ‬ ‫ال �أحد يخربنا كيف ت�أتى له ذلك! ـ وهنا ينفتح على عامل خمتلف وجوها وثقافة و�سلوكا‪ ،‬لي�صبح‬ ‫هو ذاته الو�سيط بني عاملني‪ ،‬ويف الآن عينه حلقة م�ستقلة ما �أمكن متار�س لذاذاتها اجلن�سية مع‬ ‫الع�شيقة"بولني"التي ي�رصح امل�ؤلف يف تذييله �أنها �سيدة حقيقة‪ ،‬ا�شرتك ال�سارد يف حبها مع زوجها‬ ‫ونابليون نف�سه‪ .‬ت�ستخدم لقيادة حبكة غرامية ت�شويقية للقراء ما �أكرث تواترها يف الرواية التاريخية‪،‬‬ ‫و�إن بدا الإحلاح عليها هنا توهيما ال يخلو من �إ�سفاف‪ ،‬يتهافت حقا �أمام العجائبية‪ ،‬الواقعية رغم‬ ‫كل �شيء‪ ،‬ممثلة يف الأمة ال�سوداء امللقبة بال�ساكتة‪ ،‬التي ينال ال�سارد ع�سيلتها كما ي�شاء‪ ،‬غري عابئ‬ ‫ب�أي تبعة‪ ،‬متناق�ضا بق ََ�سم كاذب ـ �أنه مل مي�س�سها قط ـ‪ ،‬مع طهرانية مزعومة يعطيها عن حاله‪ ،‬و�صدقية‬ ‫وطنية مليئة باملفارقات‪� ،‬ش�أن �أ�ستاذه بال�ضبط‪ ،‬هو من �صفوة امل�شايخ‪ ،‬املتح�رس على م�صري البالد‪،‬‬ ‫يف وجه �أي �أجنبي‪ ،‬لكن املداهن‪ ،‬ال�رشيك يف دواوين املحتلني‪ ،‬ال يكاد يلحقه �ضيم وال �ضنك عي�ش‬ ‫مثل �آخرين بني بكوات �أو �شيوخ قاوموا الأجنبي‪ ،‬ولقوا جراء ذلك عنتا �شديدا‪.‬‬ ‫تبدو عالقة املريد ال�سارد ب�شيخه‪� ،‬إىل جانب غرامياته مع بولني مب�شاهدها ال�شبقية املق�صودة‪ ،‬من‬ ‫موا�ضع التوتر القليلة امل�صنوعة خارج الوقائع التاريخية امللزمة‪ ،‬فهي ت�ضطلع بخلق �رصاع خافت‪،‬‬ ‫ولكن حمموم‪ ،‬متداوم‪ ،‬وبدون ت�صادم‪ ،‬فاملريد ال ميكن �أن يتمرد على �شيخه‪ ،‬وهذا الأخري �سابغ‬ ‫ر�ضاه عليه‪ ،‬متغا�ض عن هفواته‪ ،‬وغافر خلطاياه كلها‪� .‬إن املريد املرتجم ما ينفك يعلن ارتيابه من‬ ‫�سلوك اجلربتي ومواقفه‪ ":‬يحريين �أ�ستاذي يف تعليقاته فمرة ي�سخط على الفرن�سي�س وتارة �أخرى على‬ ‫العامة واملهيجني"(‪ ،)268‬وكثرية موا�ضع لذعه للم�شايخ ي�صورهم كالدمى حتركهم �أوامر الأجنبي‪،‬‬ ‫وين�صاعون �إليه‪ ،‬واجلربتي بينهم‪ ،‬وها هو يقول على ل�سان �صاحبه حنا‪� ":‬أنا مل �أخن بالدي‪ ،‬ومل �أفعل‬ ‫مثل امل�شايخ الذين يذهبون متم�سحني �إىل بونابرته كل �صباح"(‪ .)227‬نرى �أن مو�ضع التوتر هذا �إذا‬ ‫كان يظهر اختالفا بني جيلني فهو عند الكاتب طريقة مثلى خللق انزياح عن التاريخ امل�سجل‪ ،‬املنتهي‪،‬‬ ‫و�إال كيف يتميز التخييل‪ ،‬وتتفرد �شخ�صياته عن �شخو�ص معلومة يف الأخبار املدونة‪.‬‬ ‫�إىل جانب ما متور به الرواية من �أحداث و�رصاعات‪ ،‬وم�شاهد حرب واحتالل وعنف‪ ،‬تربز �إما‬ ‫جربوت االحتالل الفرن�سي‪� ،‬أو تفوقه الع�سكري والعلمي والتمديني‪ ،‬برع الكاتب يف ر�صدها‪،‬‬ ‫‪165‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫م�ستفيدا �إىل حد بعيد من م�صادر حر�ص على التنويه بها يف التذييل(‪229‬ـ‪)232‬؛ ثمة جاذبيات‬ ‫�أخرى تو�سع عامل املرتجم وتتو�سع به‪ ،‬را�سمة �أو�ضاعا �أفقية وعمودية �إما تتوازى مع م�شاهد احلملة‬ ‫الفرن�ساوية �أو تتقاطع‪� ،‬أو تت�صادم‪ ،‬والأهم ا�ستقاللها بتمثيالت وتعابري حتاول ما �أمكن تعزيز اخلطاب‬ ‫التخييلي‪ ،‬واالنفالت �أوالتخفيف من عديد �إ�شكاليات وم�آزق ال منجاة للرواية التاريخية �أو �أي �رسد‬ ‫يتق�صى التاريخ من الوقوع فيها‪ ،‬من قبيل �إدماج �شخو�ص حقيقيني يف عمل تخييلي‪ ،‬والعالقة بني‬ ‫احلقيقة والتخيل‪ ،‬و�إىل �أي درجة ي�ستطيع الروائي �أن يتخطى جمرد اال�سرتجاع ال�شعري للكائنات التي‬ ‫�صنعت الأحداث �أو ح�رضت فيها لي�صل �إىل ما هو �أبعد‪ ،‬ما ي�سميه لوكات�ش يف كتابه الأ�سا�س"الرواية‬ ‫التاريخية" (انظر بهذا اخل�صو�ص الف�صل املعنون‪:‬ال�رشوط ال�سو�سيو تاريخية لوالدة الرواية‬ ‫التاريخية"‪ .‬هي متثيالت حتركت يف حميط �شخ�صيات عبد الظاهر‪ ،‬حنا‪ ،‬ال�ساكتة‪ ،‬بولني‪ ،‬غا�ستون‪،‬‬ ‫ذات اال�ستدعاءات الإتنية والعقيدية والثقافية والإيديولوجية تت�سع بها دائرة احلكي وتت�ضاعف‬ ‫دالالته‪ ،‬يف حلقات اكتظاظ ح َدثي وكثافة و�صفية ب�أ�شد اختزال ين�سجم مع النوع اليوموي ‪ .‬ورغم‬ ‫�أن" العمامة والقبعة " لي�ست رواية تاريخية �رصيحة يف انتمائها‪� ،‬إال �أن كاتبها �ألب�سها كثريا من ذلك‪،‬‬ ‫و�سعى لأن يقنعنا‪ ،‬ح�سب لوكات�ش‪ ،‬بالو�سائل الفنية �أن الظروف وال�شخ�صيات التاريخية قد وجدت‬ ‫فعال بهذه الطريقة وتلك‪�":‬أ�صالة اللون املحلي"كما �سمي عند و‪� .‬سكوت‪.‬‬ ‫تبقى �أمامنا نقطتان �سنحاول عر�ضهما وفهمهما ب�إيجاز ما �أمكن‪:‬‬

‫حممل بخطاب تاريخي‬ ‫ـ نت�ساءل �أوال �إىل �أي حد ميكن لن�ص ذي مرجعية تاريخية م�رصح بها‪ ،‬بل ّ‬ ‫يذوب يف مرجعه‪ ،‬وحيث هذا املرجع يدخل‪ ،‬ح�سب روالن بارت‪ ،‬يف عالقة مبا�رشة مع الدال‪،‬‬ ‫(بويتيك‪ ،‬فرباير‪ ،1982 ،‬ع ‪� ،49‬ص‪� ،)20‬أن ينتج الإبدال الفني‪ ،‬من ثم معنى جديدا‪ ،‬هو عند بارت‪":‬‬ ‫املمتد من كل خطاب تاريخي‪ ،‬والذي ي�صنع يف الأخري مالءمته؛ هذا املعنى هو "الواقع نف�سه‪ ،‬وقد‬ ‫حتول بخداع �إىل مدلول خجول"؟‬ ‫ـ ثانيا‪ ،‬هل تكتب الرواية(=التاريخية‪ ،‬جدال) كذريعة‪ ،‬مالذ من واقع ال يحتمل‪ .‬يف هذا ال�صدد‬ ‫ميكن ا�سرتجاع نقد �سانت بوف لفلوبري عن روايته"�سالمبو"الختياره تون�س وقرطاجنة ف�ضاء لها‪،‬‬ ‫ولي�س روما وقرطاجنة‪ ،‬وبالتايل �إىل �أي درجة يتحكم احلا�رض يف ر�ؤية املا�ضي؟ و�أي موقع للتخييل‪،‬‬ ‫مرة �أخرى‪ ،‬ودوره يف اختيار بات حم�سوما‪ ،‬معنى و�أ�سلوبا على ما نرى؟ ي�ضيف اجلربتي يف مقدمتة‬ ‫عن فائدة التاريخ‪� ،‬إنها‪":‬العربة بتلك الأحوال[املا�ضية] وح�صول َ م َلكة التجارب بالوقوف على‬ ‫تقلبات الزمن؛ ليحرتز العاقل عن مثل �أحوال الهالكني(‪ ،)...‬وي�ستجلب خيار �أفعالهم‪ ،‬ويجتنب‬ ‫�سوء �أقوالهم‪ ،‬ويزهد يف الفاين‪ ،‬ويجتهد يف طلب الباقي‪ .".‬ح�سنا‪ ،‬هذا ما جنده عند الطربي وابن‬ ‫‪166‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫خلدون �سابقا‪ ،‬فبم يفيدنا الروائي �إن كان �سينحو نحو من �س َلف‪ ،‬ويبغي‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬طلبه؟ �إن"العمامة‬ ‫والقبعة"‪ ،‬ونحن مل جند من داع ل�رشح الدال ال�سيميائي‪ ،‬مرثية حلا�رض و�إدانة"مبا�رشة" لو�ضع احتالل‬ ‫اجليو�ش الأجنبية للبالد العربية‪ ،‬وامتهان كرامة احلكام وال�شعوب‪ ،‬مما ال يحتاج �إىل تف�سري‪.‬‬ ‫يف اخلامتة‪ ،‬وليفطننا امل�ؤلف �إىل الغاية من كل ما عر�ض له ولينبه لآفة االحتالل‪ ،‬يف الوقت‬ ‫الذي ي�ستعيد فيه دور النا�سخ ـ الو�سيط (موقع الو�ساطة بدالالته يحتاج وحده �إىل مقاربة م�ستقلة)‬ ‫يجعله ي�سجل بل�سان اجلربتي‪ ":‬قال‪:‬اكتب‪� :‬سنة ثالث ع�رشة ومائتني و�ألف‪ .‬وهي �أول �سني املالحم‬ ‫العظيم واحلوادث اجل�سيمة والوقائع النازلة والنوازل الهائلة وت�ضاعف ال�رشور‪ ،‬وترادف الأمور‪،‬‬ ‫وتوايل املحن‪ ،‬واختالل الزمن‪ ،‬وانعكا�س املطبوع‪ ،‬وتتابع الأهوال واختالف الأحوال وف�ساد‬ ‫التدبري وح�صول التدمري وعموم اخلراب وتواتر الأ�سباب‪ .‬وما كان ربك مهلك القرى بظلم و�أهلها‬ ‫م�صلحون‪ .".‬ثم يجد ال�سارد نف�سه منقادا �إىل الت�سا�ؤل عن م�صري تدوينه ال�شخ�صي‪ ،‬كيف �سيتعاطى‬ ‫معه بعد �أن �سمع �شيخه يقول وا�صفا �إمالءه للتاريخ بعد رحيل الفرن�سي�س وعودة الأتراك‪ ،‬وا�صفا‬ ‫كتابه ب�أنه قدمي جديد‪ ":‬فكرت يف ما كتبت �أنا‪ .‬هل �سيكون علي �أن �أفعل املثل؟" يرتك اجلواب‬ ‫معلقا‪ ،‬بالأحرى يجيب عنه بكيفية مواربة هي التي ميكن اعتمادها لو�صف هذه الرواية"العمامة‬ ‫والقبعة" جملة وتف�صيال‪ ،‬والتعليق على فحواها والغر�ض منها؛ هكذا يكتب(من؟ امل�ؤلف �أم‬ ‫ال�سارد؟)‪�":‬أخذ[اجلربتي] ميلي علي‪ :‬كنت قد �سطرت ما وقع وح�صل من الوقائع من ابتداء متلك‬ ‫الفرن�سي�س لأر�ض م�رص �إىل �أن دخلها موالنا الوزير[الوزير العثمانللي يو�سف با�شا] يف �أوراق غري‬ ‫منظومة يف �سلك االجتماع واالتفاق‪ ،‬وكثريا ما كان يخطر ببايل‪ ،‬و�إن مل يكن ذلك من �ش�أن �أمثايل‪،‬‬ ‫�أن �أجمع افرتاقها و�ألب�سها بالرت�صيف ات�ساقها ليكون ذلك تاريخا مطلعا اللبيب على عجائب الأخبار‬ ‫وغرائب الآثار وتذكرة بعدنا لكل جيل‪ )328(".‬وبذا تنغلق الدائرة التي فتحت يف م�ستهل الرواية‬ ‫ظهر يوم الأحد ‪ 22‬يوليو من �سنة ‪.1798‬‬ ‫�ض فوه(م‪�.‬س)‪�":‬إن اخلطاب التاريخي‬ ‫لنعد بر�سم اخلتام‪ ،‬مرة �أخرى �إىل"ال�شيخ بارت"‪ ،‬يقول ال ُف َّ‬ ‫ال يتبع الواقع‪ ،‬و�إمنا يدل عليه‪ ،‬ال يني يكرر"لقد حدث هذا"‪ ،‬من غري �أن يكون هذا الت�رصيح �شيئا‬ ‫�آخر �أبدا �سوى ظهر العملة املدلول لكل �رسد تاريخي"‪.‬‬

‫‪167‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪168‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫" برج العذراء"‪،‬‬

‫�أو رواية ال�شخ�صية املنف�صمة‬ ‫ينه�ض الأدب كله على مقوم املجاز(=اال�ستعارة يف القلب) والأدب ال�رسدي‪ ،‬احلكائي‪،‬‬ ‫ي�ستمد وجوده من من حلمة التخييل بعد �أن ا�ستوعب الواقع ذاهبا ي�سمو به‪ ،‬مغرتفا من نبع احلياة الرثّ‪،‬‬ ‫وعذابها‪ ،‬و�أزماتها‪ ،‬وكل ما ي�صنع م�صائر الإن�سان فيها‪ ،‬بتعدد �أ�شكالها و�أوزارها‪.‬‬ ‫ونعلم �أن الرواية الغربية‪ ،‬امل�صدر الأول للجن�س ال�رسدي احلديث‪ ،‬قد اجتهت منذ ع�رشينات‬ ‫القرن املا�ضي �إىل قلب العالقات املن�سجمة واملعادالت الثابتة يف الرواية الواقعية بخ�صائ�صها ال�شمولية‬ ‫من حيث منظورات الإن�سان والتاريخ واملجتمع واملعتقد والذهني وال�سيكولوجي‪ ،‬ومفهومي الواقع‬ ‫والزمن حتديدا‪ .‬منذئذ‪ ،‬انخرطت الرواية يف جمرى التحول هذا‪ ،‬وانتظمت فيه ب�إيقاع متواتر‪ .‬وكان‬ ‫من الطبيعي �أن يتلب�س هذا االنخراط ت�صورات وميا�سم متعددة الروافد‪ ،‬و�أن تختلج يف مر�آة‪/‬مرايا‬ ‫الن�ص الروائي‪ ،‬املتولد من �صريورة التحول‪ ،‬نب�ضات ومالمح واقع و�إن�سان مغايرين‪ ،‬ور�ؤى غري‬ ‫م�سبوقة‪ ،‬بنت القرن الع�رشين‪.‬‬ ‫والرواية العربية التي ا�ستن�سخت يف بواكريها مناذج الرواية الغربية‪ ،‬ثم راحت ت�صوغ متيزها‬ ‫بر�ؤاها تدريجيا‪� ،‬ستخو�ض بدورها طريق التحول بعد �أن ا�ستقر فيها النموذج الواقعي طويال‪،‬‬ ‫حتى متاهى بها‪ .‬لقد تكرر حدا بات معه �أ�ضيق من �أن ي�ستوعب في�ضان الواقع عن �أو�ضاعه احلياتية‪،‬‬ ‫والكاتب يف غمرته يوجه البو�صلة �إىل �آفاق �أخرى بطريقة ا�ست�رشافية‪ .‬كذلك ال�ش�أن على ال�صعيد‬ ‫الفكري وال�سو�سيو ثقايف الذي �ستهتز فيه قيم وتتخلخل م�سلمات‪ ،‬ومنها يعرب ال�شك �إىل و�ضع‬ ‫‪169‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫التمثيل ال�رسدي‪ ،‬ويُ�رشع يف مناو�شة وحفر البنية ال�سطحية للمجتمع‪ /‬ول�سلوك الأفراد و�أحالمهم‬ ‫ومكبوتاتهم‪ .‬وهو ما ا�ستوجب‪ ،‬تبعا لذلك‪ ،‬تغيريا على �صعيد ال�صياغة الفنية و"تقنية" العمل‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬مل يعد ممكنا نقل التجربة على منوال ال�رسد اخلطي‪ ،‬با�سرت�ساله الأفقي‪ ،‬كما �سيختل الزوج‬ ‫واقع‪/‬خيال‪ ،‬ل�صالح هذا الأخري‪ ،‬مبن�أى و�ضد منطق احلياة امل�أخوذ عادة ببداهة‪� .‬سوف ينت�رص عليه‬ ‫منطق االنزياح‪ ،‬الذي مذ ق�صة "امل�سخ" لفرانز كافكا (‪ 1883‬ـ ‪ ،)1924‬و�صوال �إىل احتفاء رواية‬ ‫�أمريكا الالتينية‪ ،‬بدءا من �ستينات القرن الع�رشين‪ ،‬باملخيال ال�شعبي كمادة لطاقة تخييلية‪ ،‬هو ما‬ ‫و�ضع ب�صماته على ق�سم ال ب�أ�س به من روايتنا العربية التي وا�صلت تطورها البنائي‪ ،‬ومتثيليتها التخيلية‬ ‫يف جمتمع مغلوب ومت�صارع مع �أ�سباب التخلف والقهر ال�سيا�سي وال�سعي �إىل النه�ضة العامة‪.‬‬ ‫تتجه رواية الروائي امل�رصي �إبراهيم عبد املجيد "برج العذراء"(دار الآداب‪� )2003 ،‬إىل الإعالء‬ ‫من �ش�أن منطق االنزياح‪ ،‬و�إقراره كن�سق يف كتابة الرواية‪ .‬وامل�ؤلف هو �صاحب الروايتني الأوليني‬ ‫‪":‬البلدة الأخرى"‪ ،‬و"ال �أحد ينام يف الإ�سكندرية"‪ ،‬وبعد مترين ومتر�س بالواقعية‪ ،‬واال�ستذكار‬ ‫ال�شخ�صي‪ ،‬املحيي لهيئة املكان(التاريخ) وروحية الزمان(الإن�سان يف احلياة)‪ ،‬وب�رسدية من�سجمة‬ ‫مع قواعد املحاكاة الفنية‪ ،‬وبتطريز لها بتلوينات نظرة �شخ�صية متثل رهان الكاتب مع الأدب ويف‬ ‫الوجود‪ .‬يف "برج العذراء" اجلديدة حقا‪ ،‬التي تلتها الحقا رواية"يف كل �أ�سبوع يوم جمعة"(دار‬ ‫ال�رشوق‪ )2010 ،‬يدخل الروائي بغري قليل من املغامرة �إىل عامل الغرابة من بابه الوا�سع‪ ،‬لكنها غرابة‬ ‫منبثقة‪� ،‬أوال‪ ،‬من الواقع احلي ال م�سقطة عليه �إىل حد االندماج والتطابق‪ ..‬هذا هو اخلرق الأول يف‬ ‫منظور الكاتب يحدثه يف ن�سيج تعاقد �رسدة‪ .‬كان ُمملى عليه ويتبعه بحكم العادة �أو الألفة‪ ،‬وهو كذلك‬ ‫حتت طائلة ذائقة �سائدة على م�ستوى التلقي مب�ستوياته املختلفة‪ .‬يتمثل اخلرق الثاين يف" التعرية"‬ ‫الكاملة للحال اجلن�سية‪ ،‬لو جاز ت�سميتها كذلك‪ ،‬ومن ورائها رغبة مبيتة لك�شف عورة جمتمع ب�أكمله‬ ‫ال يبقى فيه �أي �شيء م�ستور‪ ،‬تقريبا‪ ،‬ويت�شخ�ص فيه اجلن�س يف م�سمياته ودواله ومدلوالته مبا�رشة‬ ‫بقرائن وعالمات مادية ت�أخذ دور البطولة وت�ستقل ب�سجل لغوي وبالغي وا�صطالحي خا�ص بها‪.‬‬ ‫يالحظ �أن كال اخلرقني‪ ،‬مبا �أنهما ينزعان �إىل ك�رس منطية الواقع‪ ،‬وك�رس ن�سق ثباته واملحافظة املهيمنة‬ ‫عليه‪ ،‬ينزعان �إىل �إقناعنا يف حلقات م�شهدية وحوادثية وحوارية وبهلوانية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ب�أن ما يبدو‪ ،‬بل ما‬ ‫ي�صعق يف ظهوره ال معقوال لهو املعقول عينه‪ ،‬وب�أن انقالب العالئق وفجاجة الت�شخي�صات(اجلن�سية‬ ‫والتعذيبية)هي عالئق الواقع‪ ،‬تربزها كتابة جديدة‪ ،‬لنقل خمتلفة‪.‬‬ ‫ميكن تلخي�ص حكاية الرواية كالآتي‪ :‬ينجو �شخ�ص( هو ال�سارد‪ ،‬والبطل‪ ،‬وم�صدر كل ال�شخ�صيات‬ ‫والأدوار) من حادث �سري �أودى بحياة ابنته وزوجته‪ .‬بعد عالج دام �شهرا يف امل�ست�شفى نتعرف �إليه‬ ‫عائدا من مدينته‪ ،‬ويف مدخل املدينة يده�س �شابا غريبا عنها‪ ،‬وي�ضطر �إىل نقله �إىل امل�ست�شفى حيث‬ ‫‪170‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�سيلفظ �أنفا�سه‪ .‬هنا �سيلقى عليه القب�ض لينقل �إىل مركز الأمن ومنه �إىل النيابة‪ .‬يف مركز الأمن �ستبد أ�‬ ‫مفارقات الرواية وانعطافها �إىل التحول الغرائبي‪ ،‬انطالقا من ال�شخ�صية التي حتمل ا�سمني( را�شد‬ ‫و�سليم �سليمان) وهويتني (الأوىل عادية والثانية لكاتب و�صحايف �شهري) وال تكف عن مبادلة نف�سها‪،‬‬ ‫بح�سب املواقف‪ ،‬مرتاوحة بني التماهي والت�ضاد‪ ،‬مرورا مبركز الأمن حيث يُ�سا ُم املحتجزون �أنواعا‬ ‫غريبة ومقذعة من التعذيب التنكيل اجلن�سي �أ�شنعها‪ ،‬وبار برج العذراء ملتقى ال�شخ�صيات‪ ،‬ن�ساء‬ ‫ورجاال‪ ،‬حيث تتنا�سل احلكايات و�أ�شكال فرجة جن�سية مب ّدهة على غرابتها‪ ،‬و�صوال �أخريا �إىل‬ ‫م�ست�شفى �أمرا�ض ال�رسطان الذي تو�صف فيه م�شاهد مرعبة ومقززة ومفجعة عن املوت‪.‬‬ ‫بني هذه املحطات يتنقل الإ�سم (الإ�سمان) وال�شخ�صية(ال�شخ�صيتان) واجلميع ينكره ويرى‬ ‫فيه �آخر‪ .‬تلعب الرواية على هذا اخللط �أو التداخل لعبا بهلوانيا‪� ،‬أي لعب ال�سريك‪ ،‬حيث ي�رسد ر�شاد‬ ‫و�ضع �سليمان وو�صفه‪ ،‬مرة بكيفية م�ستقلة‪ ،‬ومرة ب�صورة مزدوجة‪ ،‬مما ي�ضع خا�صية الت�ضعيف‬ ‫كتعبري عن ف�صام عامة ت�سود حمافل الرواية كلها‪ ،‬وتدمغ الفاعلني فيها‪ .‬خال حادث ال�سري‪ ،‬الذي‬ ‫ذهب �ضحيته زوجته وابنته‪ ،‬لن يحدث لل�شخ�صية �شيء بعد‪ ،‬اللهم م�شاهداته الغريبة يف مركز‬ ‫الأمن‪ ،‬ومتريناته ال�شبقية يف مكتبه �أو �شقته‪ ، ،‬وتنقله العبثي بني غرف وم�صالح م�ست�شفى ال�رسطان‪.‬‬ ‫ما ر�آه بني تنقالته هذه و�أخرى‪ ،‬يف �أو�ضاعها املقلوبة‪ ،‬و"املعهرة" عمدا وب�إفراط‪ ،‬لي�ست �إال امتدادا‬ ‫طبيعيا ل�ضياع الهوية وت�رشذمها‪ ،‬له‪ ،‬للآخرين‪ ،‬وللمجتمع كالً‪ .‬معه البحث امل�ستحيل ـ عرب ال�رسد ـ‬ ‫لإعادة تركيب عامل مفكك وهجني وقبيح‪.‬‬ ‫�إن رواية "برج العذراء" التي تتحدى القمع واملنع باجرتاحهما معا يف �صورة خرق"التابو"‬ ‫يكاد م�ؤلفها يبوح ب�أنها عمل هادف‪ ،‬ملتزم‪ ،‬وت�ؤكد جمددا �أن الكاتب‪ ،‬الروائي يف �أدبنا‪ ،‬وعاملنا‬ ‫العربي‪ ،‬هو دائما �صاحب ر�سالة‪ ،‬والرواية هنا هي رواية الأمثولة‪ .‬يبقى �أن نت�ساءل يف �آخر هذه‬ ‫القراءة �إىل �أي حد ين�سجم هذا املوقف مع منزع الغرابة وخلط ال�سجالت امل�ألوفة للرواية العربية‪ ،‬ما‬ ‫يحتاج‪ ،‬طبعا‪� ،‬إىل مقاربة �أخرى‪.‬‬

‫‪171‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪172‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫النظر واخليال‬

‫يف �رسد �سعيد الكفراوي‬ ‫‪1‬ـ الكتابة عن �سعيد الكفراوي‪ ،‬تعني �أوال احلديث عن قا�ص ا�ستغرق �أزيد من ن�صف عمره‬ ‫(‪ )1939‬يف بناء ون�سج جتربته الق�ص�صية‪ ،‬مفردة‪ ،‬و�إىل جوار الرعيل املجدد لل�رسد العربي احلديث‬ ‫منذ نهاية �ستينات القرن املا�ضي‪� .‬إنها تعني ثانيا االنطالق من تراكم متوا�شج ومنتج‪ ،‬انخرطت فيه‬ ‫�إرادة مبدعة �ضمن م�رشوع ق�صد �إىل جتديد �شباب ال�رسد التخييلي‪ ،‬معه حتول هذا الفعل �إىل وعي‬ ‫منظم ون�سقي يتلألأ �إ�رشاقه يف كل ن�ص جترتحه‪ ،‬كما يتن�ضد فهما للإن�سان واحلياة مرتبطا بقوة الكلمة‬ ‫و�سحرها ليتخذ من الأدب تعبريا له‪ .‬لهذا فهي جتربة فردية وجماعية‪ ،‬ت�ستحق التوقري‪ ،‬لأن �أ�صحابها‬ ‫�أجنزوا فعال م�رشوعا �إبداعيا يدخلهم �إىل تاريخ �أدبنا احلديث من بابه الوا�سع‪ ،‬ونحتاج تبعا لذلك‬ ‫وانطالقا من كل منجز �شخ�صي على حدة‪� ،‬أن ننظر �إليهم يف كلية مركبة‪ ،‬ونتجنب ما �أمكن الف�صل‬ ‫الذي ي�صادر على املطلوب الفني‪ ،‬هو ال�سائد يف قراءة نتاجنا الأدبي‪ ،‬فيفكك �أو�صاله‪ ،‬ويق�رص عن‬ ‫الذهاب �إىل منابعه اجلوفية‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ تطرق كتابة �سعيد الكفراوي فن الق�صة الق�صرية‪ ،‬وهو جن�س �أدبي غربي �رصف‪ ،‬دقيق‬ ‫التكوين‪ ،‬كثيف الرتكيب كت�ضاري�س الأر�ض‪ ،‬من�ساب كنهر‪ ،‬تكفيه نظرة‪ ،‬وت�ستوعبه �أ�سطر �أحيانا‪،‬‬ ‫لكنه عميق الغور‪ ،‬بعيد املنال‪ ،‬ولذلك ي�سقط يف امتحانه من يركبون �سفينَ ُه غفلة وهم من الغافلني‪.‬‬ ‫لمح‪ ،‬وقوامه القول املقت�ضب‪ ،‬ومنحاه‪،‬‬ ‫يغويهم َم ّده‪ ،‬وهو قليل‪ ،‬بينما اجل ْزر فيه �أ�شد‪ ،‬لأنه ي�ستبطن‪ ،‬ويُ ّ‬ ‫بعد الهيكلة املادية‪ ،‬والو�صفية البانية‪ ،‬الإ�شار ُة اخلفية وال�صورة املوحية‪ .‬ال عجب �أن ال ي�سل�س قياده‬ ‫‪173‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�إال ملن جد وثابر‪ ،‬ونظر و�صابر‪ ،‬وعرف كيف يلتقط‪ ،‬ومل ي�أخذ من املعطى �إال ما ي�ستحق �أن ُيلتقط‪.‬‬ ‫عم‪،‬‬ ‫الر�صد عند �صاحبه ق�صبة �صياد‪ ،‬وامل�شهد العابر‪� ،‬أو الإح�سا�س النادر‪ ،‬مثله في�ض اخلاطر‪ُ ،‬ط ٌ‬ ‫والداللة م�ستورة تارة وظاهرة �أخرى هي ال�صيد‪.‬‬ ‫والكفراوي من هذه اجلب ّلة‪ ،‬خلقُها لعمري قليل‪ ،‬واملجيدون يف بابها �أقل‪ ،‬وهذا طبعا �أف�ضل‬ ‫و�أجلّ ‪ ،‬و�إن كانوا ال يعا�رشون عادة �إال حفنة مريدين وع�شاق‪ ،‬يعلمون �سلفا �أن هذه الكتابة �رضب‬ ‫من العبادة‪ ،‬حتتاج �إىل التبتل‪ ،‬قائمة على احلد�س وال�رس بالكلم الوجيز واحلكي الغمي�س‪ .‬جمهورها‬ ‫نِحلة ال �شعب‪ ،‬ود�ستو ُرها نربا�س يف ال�رسائر ال قوانني معلنة على امللأ‪ .‬ال تعجنب �إذن �أن يكون‬ ‫الكفراوي واحدا ممن �سكن حمرابها‪� ،‬صار من �سدنة معبدها‪ ،‬ولذا ال ميكن لأي عا�شق كل ٍِف بهواها‬ ‫لوحه‪.‬‬ ‫�إال �أن يخطب و ّده‪ ،‬هو يرتل مزموره قارئا متبتال ويحفظ َ‬ ‫‪ 3‬ـ واالقرتاب من الن�ص ال�رسدي‪ ،‬نعم الق�ص�صي الق�صري يف قالبه‪ ،‬هو من باب جتديد االعتبار‬ ‫النقدي لهذا اجلن�س الرفيع والدقيق ن�سجا ومهارة‪ ،‬الذي يوجد من يزعم اليوم �أنه �إىل �أفول‪ ،‬لوجود‬ ‫�إما ُ�ش ّح يف ما ي�صدر منه‪� ،‬أو �ضعق يف �أدائه‪� ،‬أو لأن هناك �أقالما طفقت تتجه نحو كتابة �أق�رص ت�سمى‬ ‫الق�صة الق�صرية جدا‪ ،‬حبذا لو تبدع فيها‪ ،‬وال تتحول �إىل خواطر مبعرثة‪ ،‬و�أم�شاج كالم بال نظام‬ ‫وال معنى حتيل �إليه‪ ،‬اللهم انعدام الن�سق‪ ،‬وهو ما يحتاج �إليه الفن دائما وبه يكمل‪ .‬والنظام خا�صية‬ ‫عظيمة عند �سعيد الكفراوي‪ ،‬الذي جتاورت �أعماله وتتالت بوعي وتنظيم‪ ،‬كل ق�صة لبنة لت�شييد‬ ‫بناء كبري‪� ،‬رسد مت�صاعد‪ ،‬ما يجعلنا نعتربها ن�صا مفردا‪� ،‬إذ حتى وهي يف قالبها املعروف‪ ،‬تتوا�شج‪،‬‬ ‫كما لو �أنها ف�صول لرواية وا�سعة مفتوحة‪ ،‬وهذا ما يربر معاجلتنا للن�ص الكفراوي يف هذا الكتاب‬ ‫املخ�ص�ص للرواية‪ .‬يعززها �أن هذا الن�ص يحقق قدرا مرموقا من التحول النوعي الذي نعنى به على‬ ‫امتداد ف�صول درا�ساتنا‪ ،‬لي�صبح عالمة ال على كتابة �صاحبه وح�سب‪ ،‬بل ومميزا بارزا للق�صة العربية‬ ‫حديثا‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ وعليه‪ ،‬نعد �إقبالنا على قراءة‪ ،‬بالأحرى �إعادة قراءة الن�ص ال�رسدي الكفراوي‪ ،‬مبثابة م�سعى‬ ‫لدفع هذا الت�شوي�ش‪ ،‬حتى ال ي�صبح اللغط حمل الن�سق ال�صحيح‪ ،‬كون الق�صة الق�صرية لها ن�صو�صها‬ ‫املفردة‪ ،‬وخ�صائ�صها املائزة‪ ،‬وجتني�سها الفارق يف حده احلد بني اجلد واللعب‪،‬‬ ‫بالرفد من‬ ‫ولعبها من ّ‬ ‫لب تكوينها ال يف الق�شور‪ ،‬ولها دائما �أقال ُمها‪ ،‬كما لكل فن �أ�صيل‪ّ ،‬‬ ‫جتربتهم‪ ،‬واالحتكام �إىل �صناعتهم‪ ،‬يُعرف من مي�سك بنا�صيتها‪ ،‬وي�سود يف م�ضمارها‪ ،‬ف�إن زانها تطور‬ ‫ف� ٍآت من ه�ؤالء حتما لأنهم �إما ما زالوا ين�شئون �أو فتحوا يف وجهه الطريق وعبّدوه‪ ،‬على كل �سائر يف‬ ‫‪174‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫درب غد الأدب االعرتاف بالف�ضل‪ ،‬والربهنة على ن�ضج �أخ�صب‪ ،‬ما فعله �سعيد الكفراوي و�أبناء‬ ‫جيله من كتاب الق�صة الق�صرية يف العامل العربي‪ ،‬ورثوا فتح البدايات‪ ،‬ووقفوا على الأر�ض ال�صلبة‬ ‫للت�أ�صيل‪ ،‬ثم انت�رشوا بب�صرية فنية متطورة يف طرق االمتداد‪ ،‬ك ٌّل �أخذ نهجا‪� ،‬أو ا�صطنعه‪ ،‬وهم‬ ‫جميعا حول فلك الفن الأ�صيل يدورون‪.‬هذا الإقبال نراه‪ ،‬كذلك مبثابة تخ�صي�ص لهذا االعرتاف‪،‬‬ ‫ليناله من ي�ستحقه لي�س بعدد جماميعه الق�ص�صية وح َدها(�أحد ع�رش جمموعة يف ما نعلم) بل ومبا حتفل‬ ‫من اختبار لدقائق و�إرهافات جن�س يعد حقا حمكا للقول امل�شحوذ وال�صقيل‪ .‬ولهذه الغاية وجدنا‬ ‫�ضالتنا يف كتاب جامع مانع‪ ،‬هو املختارات الق�ص�صية التي انتقاها الكاتب بنف�سه‪ ،‬ح�سب ذوقه‪،‬‬ ‫ويرى فيها‪ ،‬ونرى معه‪ ،‬مناذج متثيلية لفنه‪ ،‬ومبتغاه من هذا التعبري‪ ،‬و�أنعِم به من اختيار حني تقر�أ‬ ‫املتفرق بني املجاميع على فرتة زمنية متتد قرابة خم�سة عقود‪ ،‬هي يف احلقيقة التي متثل ت�أ�صيل الق�ص‬ ‫الق�صريـ وجتديد �شبابه‪ ،‬وجعله يف حقبة ما �سمي بالنك�سة التعبري الأمثل عن �إح�سا�س ونزوع الإن�سان‬ ‫العربي يتقلب يف ظروف عي�ش خمتلفة‪ ،‬وتنتابه هواج�س‪ ،‬ويتطلع �إىل م�ستقبله ب�آمال وم�شاعر و�أحالم‬ ‫و�صبي" (القاهرة‪،‬‬ ‫مغايرة‪ ،‬جاءت كتابة مغايرة �أي�ضا لقوله ـ جمتمعة يف خمتارات" �شف ٌق ورجل عجو ٌز‬ ‫ّ‬ ‫دار ال�رشوق‪.)2008 ،‬‬ ‫‪ 5‬ـ ال�شك �أن �أول ما ي�ستوقف قارئ املختارات‪ ،‬دليل الكاتب الذي ن�ضجت جتربته‪ ،‬واكتملت‬ ‫�أدواته �إىل احلد الذي ال يرتدد يف و�ضع �أنطولوجيا خا�صة به‪ ،‬ويقدمها للو�سط الأدبي دليال هاديا عن‬ ‫فنه؛ ال�شك ي�ستوقفه �أن االختيار جرى بني احلقبة املمتدة من �سنة ‪� 1985‬إىل‪2004‬‬ ‫هكذا فهي ت�شمل عقدين من ن�شاط الكاتب الق�ص�صي‪ ،‬يعول عليها يف �إبراز واجهة �شغله وت�أ�شري‬ ‫م�ساره‪ .‬ال يعني هذا �أن هناك تخليا عن ما �سبق‪ ،‬بل �إن الن�ضج يفرت�ض البدايات‪ ،‬وهي �أكرث من‬ ‫�شخ�صية‪ ،‬بل جيلية‪ ،‬كما ذكرنا‪ ،‬بل موروثة‪ ،‬باعتبار �أن الكفراوي �سليل �أ�سالف كبار يف مدر�سة‬ ‫الق�صة امل�رصية ( لن�سم فقط تيمور‪ ،‬و�أبو النجا‪ ،‬وال�شاروين‪ ،‬والكبري يو�سف �إدري�س)‪ ،‬ففي جعبة‬ ‫كل كاتب نا�ضج وحمنك رفد من ما�ض و�أ�سالف‪ ،‬ت�رشبتها كتابته‪ ،‬وتر�سم بها خطاهم‪ ،‬ال ي�شنّع‬ ‫عليها كما يفعل نا�شئة هذه الأيام‪ ،‬بل تن�ضح بالرغم منه‪ ،‬ال ي�ستطيع لها نكرانا لأنني �أنا القارئ‬ ‫املحرتف �أرى يف هذه الق�ص�ص‪ ،‬وهي منتقاة على هوى �صاحبها‪ ،‬اخلطاطة التقليدية للق�صة الق�صرية‪،‬‬ ‫كما �صنعها �آبا�ؤها(غوغول‪ ،‬ت�شيخوف‪� ،‬إ‪�.‬أ‪ .‬بو‪ ،‬موب�سان) بني بداية وو�سط ونهاية �أو حلظة تنوير‪،‬‬ ‫و�شخ�صية وحدث �أو فعل �أو توتر ومفارقة‪� ،‬إىل جانب �سماتها الأ�سلوبية‪ .‬ال �أراها على ر�سمها‬ ‫القدمي‪ ،‬و�إمنا بعبارة طرفة بن العبد ال�شعرية‪" :‬كباقي الو�شم يف ظاهر اليد"‪ .‬وحاجتي لهذا التق�سيم‬ ‫واقتفاء الأثر ي�ساعدانني على �ضبط القراءة‪ ،‬ومن ثم وفوق الت�صنيف"املدر�سي" االنتقال ال�سل�س‬ ‫‪175‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�إىل توفري مقروئية خ�صو�صية مالئمة للن�ص املقرتح‪ ،‬نظرا لكونها ملزمة مع كل جتربة تخو�ض غمار‬ ‫النظر والو�صف والإح�سا�س بالإن�سان يف زمان ومكان معينني‪ ،‬بح�س تريده مغايرا ملا فات‪ ،‬م�ستقال‬ ‫بنظرته‪ ،‬ومنحازا لزمانه‪ ،‬ال�سيكولوجي‪ ،‬االجتماعي والثقايف‪ ،‬واالقت�صادي‪ ،‬الناب�ض بدورة احلياة‬ ‫املادية العارمة‪.‬‬ ‫لنخل�ص من هذا الطرح الأويل �إىل �أن ق�ص الكفراوي يحقق �أ�صالته مبكرا بقدرة االنت�ساب �إىل‬ ‫مدر�سة ال�سلف �صانعة الر�سم البدئي للجن�س الوليد يف �أدبنا‪ ،‬وي�ؤكدها بانزياحه التايل عنها‬ ‫وقد راح يبحث له مع �أبناء جيله من املدر�سة احلديثة الثانيةـ (لنتذكر �أن املدر�سة احلديثة الأوىل‬ ‫للق�صة الق�صرية يف م�رص ُن�سبت ملحمود طاهر ال�شني‪ ،‬خلفا للمدر�سة التيمورية الرائدة بجد)ـ عن‬ ‫الق�ص الآخر‪ ،‬بح�سا�سية ور�ؤية وجماليات‪ ،‬جامعة بني قدمي وجديد‪ ،‬و�صانعة الفريد‪.‬‬ ‫‪ 6‬ـ ينه�ض البناء الق�ص�صي الكفراوي على ثالث �أعمدة �أ�سا�س‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ �أر�ض الواقع ال�صلبة؛‬ ‫‪ 2‬ـ الإن�سان املقيم فوق هذه الأر�ض؛‬ ‫قيم ووجدانُ و�أحال ُم هذا الإن�سان‪.‬‬ ‫‪3‬ـ ُ‬ ‫ومبا �أن البناء يف الق�صة عملية فنية تتجاوز الت�صور القبلي �إىل �رضورة الت�شخي�ص املادي‪ ،‬فهي تتم‬ ‫يف ق�ص�صه بجملة من الأدوات والو�سائط‪� ،‬أهمها‪:‬‬ ‫‪1‬ـ اقتطاع احليز ال�رضوري جدا‪ ،‬قد يكون مكانا �أو زمنا‪� ،‬أو �شعورا‪ ،‬الذي �سيقوم ال�رسد بعر�ض‬ ‫حاله (احلالة) الب�رشي‪ ،‬واخرتاقه من داخل‪.‬‬ ‫‪2‬ـ اعتماد التج�سيد اخلارجي ب�آلية الو�صف العياين‪ ،‬ليظهر كل �شيء �شاخ�صا‪ ،‬فت�صبح ال�صورة‬ ‫املر�صودة �شهادة ومثار افتتان‪.‬‬ ‫‪3‬ـ كل ت�صوير ق�ص�صي زيادة عن كونه حجة على خربة فنية مطلوبة‪ ،‬تكمن قيمته يف منظوره‪،‬‬ ‫وهو يف الق�ص املبدع دائما مبتكر‪ ،‬جناحه ره ٌن بتقدميه احلالة من زاوية خمتلفة‪� ،‬إن مل نقل غري م�سبوقة‪،‬‬ ‫املفارقة والطرافة والإبدال من بينها‪.‬‬ ‫‪4.‬ـ يُن�سج املنظور على النَّ ْول الق�ص�صي بخيوط املادي الو�صفي‪ ،‬بت�سمية الأ�شياء مب�سمياتها‬ ‫حيث تعينّ الدوال‪ ،‬ثم بالإيحائي الرمزي الذي ين�سج بالبالغة‪ ،‬باللغة ال�شعرية‪ ،‬ال�ستبطان الوجدان‪،‬‬ ‫وا�ستهالل الإف�صاح عن الدالالت‬ ‫‪5‬ــ عمليا ال توجد ق�سمة‪� ،‬أو تثنية يف هذا الن�سيج‪ ،‬العن�رصان هما حلمته و�سداه‪� ،‬إذ ثمة تفاعل بعد‬ ‫التكامل يف ت�أدية وظيفة املنظور للو�صول �إىل الداللة الكربى‬ ‫‪176‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪6‬ـ تبعا لذلك ف�إن لغة الق�ص متتح من قامو�س واقعي جدا‪ ،‬مقدود مبا�رشة من املحيط‪ ،‬ومثله‬ ‫املعلومات واخلربات املرتبطة بعملية الو�صف‪ ،‬ونقل �أطوار احلكي‪ ،‬وتو�صيل مادته‪ ،‬نتيجة دراية‬ ‫�شمولية باملحيط �إياه‪ ،‬ي�ضع الثقافة مبعناها االجتماعي والأنرتبولوجي يف خدمة ق�ص ف�ضا�ؤه و�شخ�صياته‬ ‫وتيماته‪ ،‬حمتواه و�أهوا�ؤه جلها �أبعد ما يكون عن املدار احل�رضي‪ ،‬كما �سنعود �إىل هذه املالحظة‬ ‫بتف�صيل‪.‬‬ ‫‪7‬ـ هنا يذكرنا الكفراوي‪ ،‬ينبه ِ�ضمنا كل من يجرتح هذا الفن بجد �إىل �أن طرقه �إىل جانب املوهبة‬ ‫والفطنة تعلم‪ ،‬عمدته اخلربة التي تتطلبها �أي �صناعة‪ ،‬مع الكفراوي نن�سى تلك التهوميات التي تعترب‬ ‫الأدب خياال �رصفا‪� ،‬أو تقرنه بلغة جوفاء‪ .‬لغة هذا القا�ص معجونة برتاب بيئتها حدا يتعذر فهم بع�ض‬ ‫الكلمات‪ ،‬مثلما هي ال�صور واملرجعيات الواقعية امل�ساندة للمنظور‪ ،‬و�إحاالت املخيال ال�شعبي ذات‬ ‫الغنى الوافر‪.‬‬ ‫‪ 7‬ـ ما يقودنا �إىل تعيني ما ي�سمى بالعامل الق�ص�صي للكفراوي‪ ،‬هذا الذي يحدث بدءا مفارقة الفتة‬ ‫يف ما اعتدنا �أن جتعله الق�صة الق�صرية ميدانها ومنه ت�ستمد ن�سوغها‪ .‬اعتدنا �أن نقر�أ عند دار�سي هذا‬ ‫الفن‪ ،‬خا�صة من دعاة املنهج ال�سو�سيولوجي للأدب‪ ،‬تعبريه �أ�سا�سا عن جمتمع املدينة‪ ،‬وانبثاقه �أوال‬ ‫يف املجال احل�رضي‪ ،‬هنا حيث تبلورت الطبقة الو�سطى ب�أزماتها ومظاهر عي�شها الطارئة؛ جن�س �أدبي‬ ‫مهمته التقاط العابر يف املدى املمتد‪ ،‬ودق ركيزة عميقة فوق تربة العمودي‪ .‬ومما ال�شك �أن الن�سبة‬ ‫الفتي‬ ‫الغالبة من تراث هذا اجلن�س مديني ال غبار عليه يف الآداب كلها‪ ،‬منها الأدب العربي احلديث‪ّ ،‬‬ ‫تخ�صي�صا‪� .‬إمنا‪ ،‬ها الكفراوي‪ ،‬يف املختارات‪ ،‬ح�صاد جتربته‪ ،‬يقلب الأطروحة ب�إتيانه بنقي�ضها‪ .‬عامله‬ ‫جله قروي(ريفي)‪� ،‬أو ل�صيق به‪ ،‬و�شخ�صياته (نا�سه) قرويون‪ ،‬و�أحيانا �أقل من ذلك‪� ،‬أي متال�شون‪،‬‬ ‫ينت�سبون �إىل املجرد واملطلق‪ ،‬وهم على العموم �إن عا�شوا يف املدينة فهواهم خارجها وحنينهم �أبدا"لأول‬ ‫منزل"‪ .‬وبطبيعة احلال‪ ،‬فالعربة مبا بعد هذا التو�صيف‪ ،‬مبقت�ضى ما يرتتب عن جعل الريف وخلقه‬ ‫وهمومه ف�ضاء خم�صو�صا للق�ص و�شاغال له‪ .‬لي�س ال�ش�أن �ش�أنَ مو�ضوع‪ ،‬وال م�ضمون‪ ،‬و�إمنا تطويع‬ ‫جن�س �أدبي ليخت�ص مبا يعترب عادة غريبا عنه‪ .‬مل ال نقول حتويله‪ ،‬بذا يعرتيه تغري مي�س جوهره‪ ،‬في�صبح‬ ‫موكوال �إليه التعبري عن �شي �آخر غري العابر واملنفلت والزئبقي‪ ،‬هي وت�أزمات املتوحدين‪ ،‬املتخبطني‬ ‫يف م�آزق املدن اجلديدة ـ تطحن �أبدانهم‪ ،‬وتنتف�ض فيها �أرواحهم فزعا من عي�ش قلق وم�شاعر حارقة‬ ‫وغد غام�ض‪ .‬تبعا لهذا ال يبقى للو�سائط الفنية املخ�صو�صة به الدور املعتاد‪ ،‬فكل ف�ضاء وخلق ووهم‬ ‫يفر�ض �أ�سلوبه‪� ،‬أو كما نقول ال�شكل املنا�سب للم�ضمون‪ .‬ما ي�شجع على القول ب�أن الق�صة الكفراوية‬ ‫و�إن جتن�ست وفق املعرية الأجنا�سية املحددة‪ ،‬نراها تنزع �إىل قول �أدبي‪� ،‬أجل م�شتق من الق�ص الق�صري‬ ‫‪177‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫بكل ت�أكيد‪ ،‬ومو�صولة به ب�أوثق الأ�سباب‪ ،‬منفتح على �أفق كتابة خمتلفة‪ ،‬م�ستجدة‪ ،‬تعمد بديناميتها‬ ‫�إىل تن�سيب القواعد املرعية وتهجينها بوعي‪ ،‬وبالتايل �ضمنا �إىل �إعادة التجني�س ر�أ�سا على عقب‪.‬‬ ‫‪8‬ـ وقد اعتدنا �أن ن�سمي ما يكتب خارج الب�ؤر والتيمات املركزية هام�شا‪ ،‬وال نبايل بكون هذا‬ ‫الت�صنيف يحتاج قبل ذلك �إىل وجود ا�ستقرار وانتظام ح�رضيني‪ ،‬مع فرز دقيق للأنواع الأدبية احلديثة‬ ‫التي هي بدورها يف طور الت�أ�سي�س والت�أ�صيل امل�ستمرين عندنا‪ .‬لنت�ساءل الآن هل نتوفر على ثقافة‬ ‫مدينية متميزة تعليما واقت�صاديا واجتماعيا‪ ،‬ومنط عي�ش‪ ،‬و�أ�سلوب ذوق و�سلوك ورفاه‪ ،‬لتنعك�س‬ ‫وجتد �صداها ب�أ�شكال خمتلفة يف الآداب والفنون بقيا�سات مفروزة حقا؟ وما معنى الهام�ش حني‬ ‫ين�ضوي غالبية الب�رش يف �أو�ضاع احلرمان واخلوف والعجز‪ ،‬بينما حتتكر فئة حمدودة جدا �أغنى و�أجمل‬ ‫ما يف الوجود؟! بيد �أن وعي الكاتب ال ميكن �أن ين�سلخ يف النهاية من الإح�سا�س بتهمي�ش يطبع حياة‬ ‫اجلماعة املغمورة و�إحباطاتها‪ ،‬مادة هذا الفن الأوىل‪ ،‬عالوة على �أن �أي ن�ص درامي البد �أن ينجم‬ ‫عن ِ�صدام‪ ،‬و�شبه قطيعة‪ ،‬تظهر بوجود الفارق‪ .‬لذا ال تفلت الق�صة الق�صرية لدى الكفراوي‪ ،‬يف‬ ‫النهاية‪ ،‬من �سطوة املدينة‪ ،‬التي تتجلى‪ ،‬من باب املفارقة‪ ،‬يف غيابها‪ ،‬وكذلك يف وجودها على خط‬ ‫التما�س‪ ،‬وكمثال للكمال‪ .‬بل �إن الق�ص هو الآخر لي�س �إال طريقة للق�صا�ص من املدينة‪ ،‬من املركز‬ ‫املفرت�ض الذي يرمي الب�رش �إىل قفار احلرمان اله�شا�شة والعزلة القاتلة‪ .‬ه�ؤالء‪ ،‬مثل ال�شعوب البدائية‪،‬‬ ‫كانت تواجه عجزها �إزاء الطبيعة وخوفها من �أهوالها‪ ،‬بالتعاويذ‪ ،‬بال�سحر‪ ،‬وباحلكاية ال عجب �أن‬ ‫يقول ال�سارد يف ق�صة‪":‬يوم ب�سبعني �سنة"‪ ،‬حمددا الوظيفة "الكاتار�سي�سية" لفن الق�ص‪ ":‬احلكي �شفاء‬ ‫للروح‪ ،‬و�صدى �صوت احلكاية يف زمن مكبو�س بالهزمية مثل اجلر�س" (‪.)227‬‬ ‫‪ 9‬ـ ولك �أن تعجب من �أن الكفراوي يقيم ُعمران ق�ص�صه مبواد التلف والزوال‪ ،‬مبا هو فان �أو‬ ‫ع�ض على الواقع بالنواجذ �إال واقرتب من حافة الهاوية‪،‬‬ ‫يف طريقه �إىل الفناء‪ .‬وتعجب �أي�ضا �أنه كلما ّ‬ ‫وغلب الوهم حيلة احلياة الدنيا‪ ،‬الفانية‪ .‬يف ق�ص�صه يقوم التعار�ض وا�ضحا بني مواد البقاء وعنا�رص‬ ‫و�صدعا بجدلية احلياة واملوت‪ ،‬ت�ست�شف وال تُقرر يف كتابة هي بدورها‬ ‫الزوال‪ ،‬كما يتجاوران‪ ،‬متثيال ْ‬ ‫متموجة كرق�صة فال�س حت�ضن فيها ذراع الواقعي جدا‪ ،‬احلاف‪ ،‬خ�رص ال�شعري‪ ،‬ا ُحللمي يف �أقا�صيه‪.‬‬ ‫ت�أمل معي يف ال�شق الأول مفردات‪ :‬الغبار‪ ،‬الرماد‪ ،‬الدخان‪ ،‬الرتاب‪ ،‬الغمام‪ ،‬ال�شبورة‪ ،‬الرمم‪ ،‬املزق‪،‬‬ ‫احلزن‪ ،‬حتى الدار من غبار‪ ،‬ومثله كثري يعد مهيمنة قامو�سية داللية كربى‪ ،‬يقابلها مهيمنة نقي�ض متثل‬ ‫ال�شق الثاين املرادف للخ�صب‪ :‬الع�شب الأخ�رض‪ ،‬الغيطان‪ ،‬الزرع‪ ،‬ال�سيقان العارية‪� ،‬أج�ساد الن�ساء‬ ‫املربربة‪ ،‬القلب الناب�ض‪ ،‬اخلفق‪ ،‬الغ�سق‪ ،‬الألوان‪ ،‬الزرع‪ ،‬مو�سم اخل�صب‪ ،‬النهر‪ ،‬الفحولة‪ ،‬وكثري‬ ‫‪178‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫مما ال تخلو منه واحدة من الق�ص�ص الأربع وثالثني من املختارات‪� .‬إن تيمات هذه الق�ص�ص ب�أجوائها‪،‬‬ ‫هي بدورها تتمف�صل بني ثنائيات مت�ضادة‪ ،‬تفلت من امليكانيكية‪ ،‬و�أبعد ما تكون عن االبتئا�س فيما‬ ‫هي تطرق ب�إحلاح الب�ؤ�س الإن�ساين‪ .‬الثنائيات تتحاور وتتفاعل‪ ،‬يخرج الفرح من احلزن‪ ،‬وهذا من‬ ‫ذاك‪ ،‬كما يخرج النهار من �سدف الظالم‪ ،‬وهكذا دواليك‪ .‬على �أنه ينبغي البحث عن هذا التوليف‬ ‫والرتكيب يف ما هو �أبعد‪� ،‬أي يف املنظومة الذهنية لدى الكاتب‪ ،‬حيث مفهومه للحياة‪ ،‬ونظرته‬ ‫للإن�سان‪ ،‬م�شخ�صا يف كائن اجتماعي يف بيئة بعينها‪ ،‬وكائن وجودي م�صنوع من �أحا�سي�سه ومن‬ ‫�أخاديد الزمن‪ .‬مب�صطلح �سو�سيولوجيا الأدب الغولدمانية‪ ،‬ت�سمى هذه املنظومة ب" ر�ؤية العامل"وهي‬ ‫تختلف عن م�صطلح الواقعية ال�سطحية‪ ،‬بحذافريها‪ ،‬وحتتوي على مقدرة امت�صا�ص وعي اجلماعة‪،‬‬ ‫والتعبري من قلبها‪ ،‬من غري �أن تلغي الأنا الكاتبة‪ .‬لأنها يف الأدب تتجلى باللغة وعلى �صعيد التعبري‬ ‫وال�صور‪ ،‬بينما حتيل يف الآن �إىل بنيتها العميقة‪.‬‬ ‫‪ 10‬ـ ر�ؤية العامل التي تظهر ن�شيطة يف ق�ص�ص الكفراوي‪ ،‬كثيفة احل�ضور‪ ،‬بناء على ما ميكن �أن‬ ‫يقوم به بحث ثان‪ ،‬على �صعيد التيمات‪( ،‬هناك يف احلقيقة تيمتان مركزيتان‪ ،‬ت�شغالن عددا حمددا‬ ‫من احلوافز) وال�شخ�صيات‪ ،‬والوقائع(تختلف عنها يف الق�ص التقليدي‪ ،‬لتطويرها مفهوم الفعل)‬ ‫وامل�شاهد‪ ،‬و�أنواع التوتر بحبكاتها وانفراجاتها‪ ،‬وغريه‪ ،‬لهي ما ميثل املنظور الواقعي‪ ،‬م�صنوعا‬ ‫ومقاربا ب�أدواته‪� :‬إنه يعطيك اخلارجي يف كثافة �صاعقة‪� ،‬صادمة‪ ،‬فجة‪ ،‬عارية‪ ،‬وهل ميلك الفالح‪،‬‬ ‫وابن الريف وامر�أته‪ ،‬عموما م�ساحيق؟! ين�رش الروائح‪ ،‬ويف�صد عروق اجل�سد‪ ،‬وت�شم الرتاب والن�سيم‬ ‫واحلريق‪ ،‬والعلف‪ ،‬والنهيق واله�سي�س وخوار البقر‪ ،‬وهيجان الثريان‪ ،‬وترى الألوان‪ ،‬ال يبقى �شيء‬ ‫بدون ت�أثيث ونتوء‪ ،‬للون لوينات‪ ،‬ولل�صوت دبدبات‪ .‬هو قلم يتحول �إىل ري�شة ر�سام‪ ،‬ويتعداه �إىل‬ ‫�أبعد‪� ،‬إذ بغيته �أبعد‪ ،‬بالأحرى ر�ؤيته ال يكفيها منتوج ر�ؤية العامل‪ ،‬وواقعيتها ال حتتاج �إىل تذكري‪ ،‬لتنتقل‬ ‫�إىل م�ساحة الإبداع ال�شخ�صي‪ ،‬حيث الفن يلعب لعبته‪ ،‬ويتحرر الكائن من قيوده ما وجد �سبيال‪.‬‬ ‫‪ 11‬ـ هذه كلها و�سواها �أدوات ُم�سطرة نقل الر�ؤية الواقعية‪ ،‬بتف�صيل وبذخ معا‪� .‬إنها تعمل �أ�سا�سا‬ ‫وفق مقاربة ب�رصية‪ ،‬وفن الق�صة الق�صرية �ضمن جن�س ال�رسد احلديث‪ ،‬تعد الواقعية مدماكه‪ ،‬ومن‬ ‫�رشوط وجوده‪ ،‬الن�سالخه عن مكونات البويطيقا الأر�سطية‪ ،‬و�إن احتفظ ببع�ض �إوالياتها الداخلية‬ ‫اخلا�صة بالأجنا�س التقليدية‪ ،‬ما قبل احلديثة‪ ،‬وهي كلها حتتفي باخلرب‪ ،‬باحلكاية تنقل فيها حوادث‬ ‫الدهر و�رصاع الإن�سان وفواجعه‪ ،‬وب�أ�شكال تقليدية دائما‪� .‬أما الكاتب الع�رصي‪ ،‬احلداثي‪ ،‬فهو �إمنا‬ ‫يتو�سل تلك الأدوات مدخال ليعيد ت�شكيل م�ساحة ونظام امل�ضمار ال�رسدي الذي �سي�سكن فيه نا�سه‬ ‫‪179‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫وو�ساو�سه وا�ستيهاماته (هم)‪ ،‬وير�سمهم وهم يعي�شون على طريقتهم لعبة احلياة‪ ،‬كما �ستتبناها لعبة‬ ‫�رسد مغايرة‪ ،‬وبطبيعة احلال بر�ؤية تُناغمها خمتلفة‪ .‬تغيري املنظور �أحدث ثورة يف الفنون الت�شكيلية‪،‬‬ ‫ويف الكتابة ال�رسدية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬وبعد الإ�شارة الأوىل ملا ج ّد عند �سعيد الكفراوي على �صعيد املعاجلة‬ ‫الب�رصية‪ ،‬ها هو ينزل من اخلارج �إىل الداخل‪ ،‬من فوق يهبط �إىل معارج الذات‪� ،‬أبطال ق�ص�صه ي�صدق‬ ‫عليهم ما قاله واح ٌد وا�صفا حاله‪ ":‬كنت كمن يعرب ممرا �رسيا خارجا من داخل نف�سه"(‪� )63‬أو‪":‬ك�أن‬ ‫ما يحدث خارجك يحدث داخلك‪ )67(".‬بنا ًء على عملية التحويل التي جتعل الر�ؤية تغري م�صادرها‬ ‫ونظامها‪ ،‬فهي كفت عن �أن تظل ر�ؤية للعامل خال�صة‪ ،‬ولكن لهذه‪� ،‬إمنا من خالل بو�صلة ذات ترى‬ ‫بعني ثالثة‪ ،‬عني احللم‪ ،‬وعندئذ ت�صبح ر�ؤيا‪.‬‬ ‫‪12‬ـ ال حتفل ق�ص�ص الكفراوي بالأحالم وح�سب‪ ،‬وحدها ميكن �أن متثل متنا للتحليل والت�أويل‪،‬‬ ‫بل �إن ا�شتغالها الإ�شاري‪ ،‬واحتفاءها بالف�ضاءات امللتب�سة ومنطقة ال�سحر(ق�صة "رفة جفن" و"�رضبة‬ ‫قمر") �أغنى و�أقدر على توكيد التحويل ليغدو حالة ثابتة تطبع كتابة‪ ،‬وتت�سمى بها‪ ،‬ال �صريورة‬ ‫فقط‪ .‬ذلك �أن هذه ال�صريورة متوفرة يف ن�صو�ص كتاب عديدين‪ ،‬تبهر القراءة �أحيانا‪ ،‬فتتو�سل هذه‬ ‫بعنا�رص مبعرثة فتت�رسع بت�صنيفها ن�صا حلميا وا�ستعاريا‪ ،‬حقق التجاوز‪ ،‬وما �شاكل‪.‬لقد انتقلت ق�صة‬ ‫الكفراوي �إىل �صعيد الر�ؤيا‪ ،‬بامت�صا�صها‪� ،‬أوال‪ ،‬للطرائق الفنية ملا قبلها؛ ثانيا باقتحامها عوامل مفردة‬ ‫تفاعلت فيها خربتها وجتاوبت ح�سا و�إح�سا�سا‪ .‬وهي‪ ،‬ثالثا‪ ،‬اخرتقت ما هو قواعدي‪ ،‬بل ومتعدٍ‬ ‫حرج‬ ‫باجلن�س نف�سه لتنفتح على �رسدية ان�سيابية‪ ،‬ذات خطة �سري ذاتية بوحية‪ ،‬وال يعود �أمام الكاتب ٌ‬ ‫يف �أن يتماهى مع حميطه الأ�صلي (قرية كفر حجازي مبحافظة الغربية) والف�ضاء الق�ص�صي ل�شخ�صياته‪،‬‬ ‫بقدر ما يتماهى اخلارج بالداخل يف �رسد يريد �أن يكتب"غري املرئي"‪ ،‬وق�صا�ص �أثر غايته �أن" ي�ستحوذ‬ ‫على الزمن ال�ضائع" (‪ )44‬و�أنا ينظر �إىل �آخره‪ ،‬ق�صة "�صورة ملونة للجدار"(‪ . )93‬وهي رابعا‪ ،‬معرب‬ ‫ا�ساقطت‬ ‫تراكم �صار مثقال بالتجربة كنخلة عامرة بالثمار‪ ،‬حتى �إذا هززتها �أنت �أيها القارئ اللبيب ّ‬ ‫عليك ُرطبا جنيا‪ .‬و�أنت يف النهاية �إن نظرت �إىل ق�ص�ص �سعيد الكفراوي يف ر�ؤيتها الكلية‪� ،‬أ�سميناها‬ ‫احللمية‪ ،‬لوجدتها باخل�صوبة اخليالية‪ ،‬واجلمالية التخييلية ملا ج�سده �أبو هذا النهج املك�سيكي خوان‬ ‫رولفو يف روايته "بيدرو بارامو" التي ال ت�شبه �أي رواية‪ ،‬ولها �شهد‪ ،‬بل تتلمذ ماركيز‪ ،‬وكورتثار‪،‬‬ ‫وفوينت�س‪ ،‬هي ما �أجنب"الواقعية ال�سحرية" لق�صة �أمريكا الالتينية‪ ،‬فما �أحوجنا �إىل ت�أمل ودرا�سة‬ ‫ال�رسود امل�ؤ�س�سة يف �أدبنا العربي احلديث لهذا النهج ب�إن�صاف �أ�صحابها‪ ،‬ليظهر �صحيح العملة الأدبية‬ ‫من زائفها‪.‬‬

‫‪180‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ 13‬ـ درءا لهذه املف�سدة‪ ،‬ف�إننا مدعوون �إىل ح�ضور حفل ق�ص�صي �أ�سطوري‪ ،‬تتجاور فيه‬ ‫قرية"كوماال"لبارامو‪ ،‬مع "كفر حجازي" للكفراوي‪ ،‬لرنى هذا الأخري‪ ،‬نظري خوان بر�سيادو‪،‬‬ ‫ون�سمعه وهو برفقة"زبيدة والوح�ش"(ر�ؤية يف ن�صني) (‪[":)173‬قد] جترد من ثيابه فيما كان يطلع‬ ‫النهار‪ ،‬مل يكن �أنثى ومل يكن ذكرا‪ ،‬ينت�شي بذاكرته احلية وينتهي �إىل ما اعتقده بيقني ال يعرف اخلوف‬ ‫منذ طفولته‪ ،‬ب�أن الر�ؤية غري الر�ؤيا‪ ،‬وب�أن ما يوجده اخليال غري ما يوجده النظر‪ ،‬و�أنه �أم�ضى عمره‬ ‫باحثا يف الرباح عن عمار لروحه‪ ،‬و�سكن العتقاده‪.)186( "..‬‬

‫‪181‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪182‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ملي خالد‪:‬‬ ‫" تاجنو وموال" ّ‬

‫كيف تبحث الرواية العربية عن �إبدالها‬ ‫‪1‬ـ �أكرث ما هو �شاق يف الرواية التو�صل �إىل الطريقة املالئمة لبنائها‪ .‬واملق�صود بالبناء و�ضع الركائز‬ ‫التي �سينه�ض عليها العمل‪ ،‬و�ضبط �أدوات تنفيذه‪ ،‬ور�سم خطة �إن�شائه‪ ،‬على النحو الذي ي�ؤهله‬ ‫ل�رسد حكايته‪ ،‬وحبك حلقاته‪ ،‬و�إقامة ف�ضائه حيث تعمل �شخ�صياته وينه�ض عامله‪ .‬وثمة عن�رصان‬ ‫�أ�سا�سان نراهما حا�سمني يف �صياغة االختيار الفني‪ ،‬ومنه تدبري املادة قيد اال�شتغال‪ ،‬بت�رصيفها على‬ ‫النحو املنا�سب لر�ؤية العمل‪ ،‬ومبنظور الكاتب‪ ،‬وال�سارد معا‪ ،‬هما‪ :‬الزمن النحوي ال�رصيف الذي‬ ‫يو�ضع ال�رسد يف ّ‬ ‫�سكته‪ ،‬وال�ضمري الذي ي�ؤدي املهمة وينقل خطاب الفاعلني مب�ستوياتهم املختلفة‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬ت�شرتك معمارية الرواية مع نحويتها يف عملية ال�صنع املحكم ـ �أو املتهافت ـ لها‪ ،‬و�ضمنها‬ ‫يتم احتواء الأفعال والر�ؤية‪ ،‬املنتجني للمعنى‪ ،‬وجناح العمل هو الظفر املتقن لهذه العنا�رص جمتمعة‪،‬‬ ‫ينقلها �أ�سلوب خا�ص للكاتب‪.‬‬ ‫‪2‬ـ هو ذا رهان �صعب من غري �شك‪ ،‬ميكن �أن يو�ضع يف �سقف ما نطلب من ن�ضج وجناعة يف‬ ‫�صح �أن ثمة منوذجا كهذا‪ .‬وما ذا بالذي نطلب �أن يتحقق‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬يف‬ ‫ا�ستيفاء الرواية الكاملة‪ ،‬لو ّ‬ ‫العمل اجلديد للكاتبة امل�رصية مي خالد" تاجنو وموال"(رواية‪ ،‬دار العني‪ ،‬القاهرة‪ ،)2011 ،‬لكننا ال‬ ‫منلك �إال ا�ستح�ضار بع�ض �رشوطه‪ ،‬ونحن ب�صدد القراءة‪ ،‬ولدى االنتهاء منها‪ ،‬وخا�صة �إذا كان املتلقي‬ ‫حمرتفا‪ ،‬معنيا بال�شكل‪ ،‬نعتربه �أهم ما يحتاج �إىل العناية يف الفن‪ ،‬لأن امل�ضامني واملعاين ت�شرتك فيها‬ ‫مي خالد قد �أولت اهتماما مركزا‬ ‫جميع اخلطابات‪ ،‬فيما ينفرد الفن بخا�صية بنائه و�صنعته‪ .‬و�إذا كانت ّ‬ ‫‪183‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫للذات كن�سيج مركب من تراكمات وتوترات �سيكولوجية‪ ،‬وتقاطعات مع حميط عام هو ذاكرتها‬ ‫و ُمكرهها يف �آن‪ ،‬حتيا فيه ال�شخ�صية وتتنا�سل الكتابة يف ما ي�شبه دوائر مغلقة‪ ،‬تتوالد من بع�ضها لرتتد‬ ‫�أخريا �إىل مركزها الأول (نحيل خا�صة �إىل روايتيها‪":‬مقعد �أخري يف قاعة �إيوارت"�رشقيات‪2005 ،‬؛"‬ ‫�سحر الرتكواز" �رشقيات‪ ،)2007 ،‬ف�إنها يف روايتها الأخرية "تاجنو وموال" تنزع زيادة عن حماولة‬ ‫ن�سق املحكي‬ ‫ا�ستيفاء احلقوق املرعية للرواية ـ لكم �أ�ضحت اليوم �سائبة ـ نحو طموح نقل ال�رسد من َ‬ ‫ن�سق‬ ‫ال�رسدي مبوا�صفاته املعلومة‪ ،‬املعتمدة على اللغة واجلملة والتلفظ‪ ،‬من بني �أدوات �أخرى‪� ،‬إىل َ‬ ‫و�ضع �رسد تلعب فيه الإ�صاتة‪ ،‬بو�صفها وعاء لل�صوت والنبرْ والإيقاع واملو�سيقى‪ ،‬دورا وظيفيا ينقل‬ ‫الكالم من �أداء اللفظ وتلقّي العني و�إدراك العقل وا�ستمالة الوجدان‪� ،‬إىل مرتبة ال�صناعة والتلقي‬ ‫بال�سمع‪ ،‬مع ا�ستخدام ما يلزم لذلك‪ ،‬يف حدود ما تتيحه رواية تكتبها اللغة �أ�صال‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ �إمنا قبل بلوغ هذه املرتبة يتعني و�صف الهيكلة الأوىل للرواية‪ ،‬من حيث ن�ص يروم تتبع‬ ‫�شخ�صية تنتزع فج�أة من �سياق احلياة العادية لتتحول �إل"نزيلة يف م�صحة نف�سية‪[ ،‬وهي] تعاين من‬ ‫فقدان القدرة على الكالم‪ ،)13("..‬ويعتربها حميطها الطبي املعالج م�صابة بالف�صام‪ ،‬خمتلة من منظور‬ ‫عر�ض مر�ضها دخولها مرحلة ال�صمت بانقطاعها الكلي عن الكالم و�إخ�ضاعها للعالج‬ ‫الطب النف�سي‪َ ،‬‬ ‫النف�سي بالو�سائل املتاحة‪ ،‬خليط من مهدئات وجل�سات‪ ،‬واجتهادات ت�أويل من �أطباء متخ�ص�صني‪،‬‬ ‫يتميزون‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ب�صلة قرابة �أو حميمية من �شخ�صية احلالة املر�ضية‪ .‬تعي�ش"فيوال" ظاهرا يف ف�ضاء‬ ‫وممر�ضات‪ ،‬وعينُها يف الآن منظار‬ ‫امل�صحة النف�سية‪ ،‬حيث هي مو�ضع اهتمام ومراقبة الآخرين‪� ،‬أطباء‬ ‫ٍ‬ ‫م�سلط على و�ضعهم و�سلوكهم �إزاءها‪ ،‬وهو ما ي�صنع حركة متناوبة بني �سريتها‪ ،‬و�سريتهم‪ ،‬ومنهم‬ ‫�إىل �سِ يرَ غريية‪ .‬هكذا تتن�ضد ثالث ب�ؤر‪ :‬ب�ؤرة‪(1‬فيوال)؛ ب�ؤرة ‪(2‬الهيئة الطبية) ب�ؤرة‪( 3‬الأفراد املرتبطون‬ ‫بذاكرة ووجدان فيوال احلالة املر�ضية)‪ ،‬وامل�سالك بينها مغلقة ومفتوحة �أو بني بني‪ .‬ففي احلالة الأوىل‬ ‫تكون (البطلة) يف عزلة ومناجاة خا�صة بها‪ ،‬هي من ي�ستبطن ذاتها‪ ،‬وي�رشّح" ُع�صابها"(و�ضع ال�صمت‬ ‫الذي وقعت فيه‪ ،‬تزعم اختياراً)‪ .‬يف احلالة الثانية تنفتح على حميطها املبا�رش‪ ،‬الذي ينقلب‪ ،‬من باب‬ ‫املفارقة‪ ،‬وبعملية حتويل‪� ،‬إىل مو�ضوع ُع�صابي قيد التحليل‪ ،‬ويف الثالثة تخرتق البطلة اجلدار ال�سميك‬ ‫حولها(امل�صحة ومقت�ضياتها العالجية‪ ،‬وقبلها املونولوغات امل�ستمرة) لتنتقل �إىل اخلارج ال�سابق على‬ ‫الداخل الالحق‪ ،‬وهو ما يفتح الباب على م�رصاعيه لتوافد ال�شخ�صيات املكونة حلياة وعامل فيوال‪،‬‬ ‫وبالتوازي �إىل تو�سيع الف�ضاء‪ ،‬ال�شخ�صي والروائي على ال�سواء‪ ،‬وهما مرتابطان‪ ،‬ويتبادالن على‬ ‫امتداد العمل بناء التّفْ�ضيَّة‪.‬‬ ‫‪184‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ 4‬ـ من الوا�ضح �أننا ل�سنا �إزاء رواية حدث‪� ،‬أو �رسد حبكوي‪ ،‬و�أن ا�ستخدام م�صطلحي حكاية‬ ‫وحمكي ال ي�صلح �إال جمازا‪� ،‬أو يف حدود �ضيقة‪ ،‬وهذا على الأقل يف الق�سم الأول من العمل‪ ،‬ما‬ ‫وحمكي‬ ‫ي�ضعنا على عتبة الدخول �إىل جو كتابة خمتلفة‪ .‬وبالطبع‪ ،‬فلي�ست جميع الروايات ح َدثِيّة‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫التذكر واال�ستبطان‪ ،‬املخ�صو�ص يف تيار الوعي ذو متثيالت ُمفحمة من هذه الناحية‪ ،‬لكن الأبرز‬ ‫يف التجربة املقروءة هو تعوي ُلها على �إجناز �رسديتها بو�سائل"الـ �رسدية" مبا يتنا�سب مع الالحدثية‬ ‫خمتزل‬ ‫االعتيادية‪ ،‬يعترب العنوان" تاجنو وموال"�أولها‪ ،‬فما هو‬ ‫معي �أ�سا�سا‪ِ ،‬‬ ‫اعتباطي كما �سرنى‪ ،‬بل ِ نّ‬ ‫ٌّ‬ ‫لفحوى الن�ص‪ ،‬يليه خطاب العتبة(مو�ضوعه ال�صمت وقيمته) نعده مبثابة ا�ستهالل لها ومتجيد‪ ،‬ثم‬ ‫ينطلق الكالم‪ ،‬يف احلقيقة ال�صمت وهو يدعي التكلم‪ ،‬ليبقى �صمتا طاملا �أنه ال توجد �أي عملية للتلفظ‬ ‫حقيقية واملتلفظ (ال�شخ�صية) هي يف حالة خر�س ع�صابي‪ ،‬وقيد العالج‪ ،‬وكل ما يقال �أو"يحدث"‬ ‫�إمنا من وحي �أهوائها وحتت ت�أثري ُع�صابها‪� ،‬أو يدور يف ر�أ�سها هلو�سات تعتربها اتهامات جزافية من‬ ‫حميطها‪ ،‬داخل وخارجها‪ .‬بيد �أن ثمة ما يحدث رغم كل �شيء‪ ،‬وهو ما ي�س ِّوغ الرواية حمكيا ولو‬ ‫توجه‬ ‫جمازا‪ ،‬نعني بال�ضبط املادة اخلربية التي يتوق �إليها القارئ‪ ،‬يحتاج �إىل تتبع خيطها كيفما كان ُّ‬ ‫العمل وطراز ن�سجه‪ ،‬تقليديا �أو جمددا جتريبيا‪ ،‬كما هو ال�ش�أن هنا‪ .‬وهو ما ال ت�سل�س الكاتبة قياده‪ ،‬ال‬ ‫ب�سهولة وال ب�صعوبة معا‪ ،‬لكونها اختارت عمدا‪� ،‬أن تقيم بنا ًء من هرم مقلوب‪ ،‬ورمبا ت�ستوي قمته‬ ‫مع قاعدته‪ ،‬مرة‪ ،‬وتقيم لعبة بوا�سطة بازل‪ ،‬تارة �أخرى‪ ،‬تظهر قطعها بالتناوب الأجزاء احلكائية‬ ‫والأفعال‪ ،‬مع فاعليها(ال�شخ�صيات املرتبطة بالبطلة)‪ ،‬ونزيد قائلني �إن غر�ضها يف نهج املختلف �أن‬ ‫جتعل من ع�صاب ب�ؤرة الذات يف حالة �شخ�صية معيّنة (فيوال) وامتدادا منها �إىل �شخ�صية �أمها(�آريا)‬ ‫الب�ؤرة املركزية يف رواية اختارت م�ؤلفتها �أن تبد�أها بالأثر ال بالفعل الأول لو �سميناه كذلك‪ ،‬بال�صدى‬ ‫ولي�س بال�صوت اجلهوري‪ ،‬ب�صمت �سيخرتق ال�صمت املر�ضي فال يكون عندئذ �إال كالما �إجرائيا‬ ‫تنفذه حزمة مفردات لغوية(التلفظ العام من القامو�س العمومي) وا�صطالحية (التلفظ اخلا�ص‪ ،‬باحلالة‬ ‫املر�ضية) ح�سب مقت�ضى احلال‪ ،‬وبينهما ت�شتغل اللغة الأعلى‪ ،‬املو�سيقى نربا وحلنا وا�صطالحات‪،‬‬ ‫باعتبارها ال�سجل الثالث يف التدوين القويل والإ�صاتي لهذه الرواية‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ يف ال�سجل الأول‪ ،‬القرين بالب�ؤرة(‪ )1‬تنهمك ال�شخ�صية(ف) يف ر�سم اخلطط للخال�ص‬ ‫من و�ضع �أَ�سرْ ها يف امل�صحة النف�سية‪ ،‬ويف الآن ت�صف ما حولها �أ�شخا�صا ومكانا وج ّوا‪ ،‬وتعود‬ ‫لت�ستغرق يف هو�سها وهي تعر�ضه بتزامن حينا ل�شم�س احلقيقة كما يت�صورها املحيط‪ ،‬وحينا �آخر‬ ‫لت�أويلها ال�شخ�صي‪ .‬هي ال�شعاع دائما‪ ،‬والآخرون انعكا�سات وا�ستدارت فقاعية تتوالد منها‪ ،‬يظهر‬ ‫�أغلبها خالفاتها معهم‪ ،‬نزواتية وعائلية وحميطية متوا�صلة �إما بالقرابة‪� ،‬أو باملناخ االجتماعي‪ ،‬كما‬ ‫‪185‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫هو ممتد بجذوره �إىل الطفولة‪ ،‬ينبثق من ال�سجل الأول‪ ،‬خمتلطا به غري مرة‪ .‬وكله لتزكية احلالة التي‬ ‫هي عليها‪ ،‬وللإيهام مبفارقة �أن ي�صبح الع�صاب يعادل ال�صحي‪ ،‬وعك�سه يعادل املر�ضي‪ ،‬زيادة يف‬ ‫توكيد الع�صابية‪ .‬هو ال�سجل الثاين يقال فيه لغويا الأم‪ ،‬والطبيب املعالج د‪� .‬شامل‪ ،‬اجلار واملع�شوق‬ ‫الدكتور مروان‪ ،‬و"�أبي ريا�ض"‪ ،‬ومهجة‪ ،‬العمة هدى‪ ،‬ون�ساء عديدات الخ‪ ..‬فيما حتوز �شخ�صيتا‬ ‫الأم �آريا‪ ،‬ومروان الن�صيب الأكرب من ال ِّذكر واال�ستح�ضار‪ ،‬كبُعدين �أ�سا�سني لفيوال‪ ،‬هما �صورتها‬ ‫التكميلية ال�رضورية‪ ،‬ينوبان عن ما يثوي يف ال وعيها‪ ،‬يكادان ال يوجدان كو�ضع فردي �إال لتعميق‬ ‫و�ضعها هي‪ ،‬بالأحرى التيمة الكربى التي �ستجهد الرواية لبلورتها يف �صفحاتها البالغة مائة وثمانني‪.‬‬ ‫وهذا ما يف�رس تكرار الأقوال والإ�شارات وعالمات املا�ضي‪ ،‬ثم ا�ستنباتها وهي ت�ؤدي يف الن�ص ما‬ ‫ي�سمى بالوظيفة ال َّل ْغوية (املعيّنة عند ياكوب�سون) املثبتة لأدوار التبليغ ولفت النظر‪ ،‬وو�صل ما انقطع‪،‬‬ ‫الخ‪ ..‬ينه�ض هذان ال�سجالن لغويا بت�سطري التاريخ ال�شخ�صي للمري�ضة( ف) يف حلقات ت�صاعدية‬ ‫و�ص ُعداً‪ ،‬ثم منكفئة �إليها ثانية‪ ،‬ومراد الكاتبة ـ ال�ساردة‪ ،‬هو بناء‪� ،‬إعادة‬ ‫وعك�سية‪ ،‬ذاهبة من الطفولة ُ‬ ‫بناء ال�شخ�صية‪ ،‬وانطالقا منها الرواية على حطام عامل انهار وب�أدواته‪� ،‬أي�ضا‪ .‬ومبا �أن ال�سارد يف هذا‬ ‫العمل هو البطل(ة) نف�سه �سيكون ال�صمت هو منجز ال�رسد‪ ،‬باعتبارها هي قد اختنق فيها الكالم‪،‬‬ ‫وهذا ما يجعل كالمها يندرج يف �سجل خمتلف‪ .‬لذا جند يف املنت تف�سريا مبا�رشا لهذا االنزياح ملن ال‬ ‫يهتدي �إىل االختالف؛ تتحدث فيوال عن نف�سها يف �سياق مناجاة‪" :‬الكل هنا[يف امل�صحة] يف حالة‬ ‫جتريب ونق�ص القتفاء للأثر‪ ،‬للو�صول �إىل هدف واحد‪� ،‬أال هو تعطيل متعتي اخلا�صة‪ .‬جذبي من �صمتي‬ ‫الإرادي الذي يظنونه ال �إراديا(‪� )...‬أ�ؤمن �أنه ال�شيء �سمى"ال�صمت"‪ ،‬فالتفكري والتدبر والذكريات‬ ‫والآمال (‪ )...‬و�أ�سمى و�أحقر الأحا�سي�س لي�ست �إال كلمات غري منطوقة‪ ،‬د ّوارة يف الدماغ(‪)...‬‬ ‫لأنني تو�صلت �أخريا لتحقيق املعادلة ال�صعبة‪ :‬قول كل �شيء مع حجب ال�صخب امل�صاحب(‪ )...‬لأنني‬ ‫�صماء متّ و�ضعها �أ�سفل ال�شا�شة‪.)28("...‬‬ ‫كنت قد قمت بتحويل اللغة املنطوقة الزاعقة �إىل لغة مكتوبة ّ‬ ‫و�أقوى منه قولها م�ستطردة‪ ،‬م�ست�شهدة‪� ":‬إذا ر�أيتم الرجل يطيل ال�صمت ويهرب من النا�س فاقرتبوا‬ ‫منه‪ ،‬ف�إنه يلقي احلكمة"(‪ )...‬فبال�صمت العميق تو�صلت ملعرفة ال�رس وراء عقدة دفينة‪.)31(".‬‬ ‫واحتكاري‪ ،‬للدرجة التي ي�سعى فيها �إىل الهيمنة على م�ساحة الن�ص‬ ‫عي‬ ‫‪ 6‬ـ و�إنه‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ل�صمت ّ‬ ‫تو�س ٌّ‬ ‫كلها‪ ،‬وبا�ستثناء املقاطع الزجلية (املواويل)‪ ،‬تقوم بوظيفة لَ ْغوية وللتعليق‪ ،‬وو�ضع ما ي�شبه الكور�س‪،‬‬ ‫فال�صمت هو اللغة الغالبة‪ ،‬تعبريا وموقفا‪ ،‬وهذا ما يتبني من غياب �أ�سلوب مميز للكتابة‪ ،‬يف الن�صف‬ ‫الأول من العمل كله تقريبا‪ ،‬و يربز خ�صو�صا من"وجهة النظر" �أو زاوية التلفظ التي يقف فيها ال�سارد‪،‬‬ ‫وحتققها ال�ضمائر املختارة‪� ،‬إذ معلو ٌم �أن كل روائي ير�سم النهج الذي �سيم�ضي فيه وهي يتخري ب�أي‬ ‫‪186‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�ضمري �سيعمل‪ ،‬ح�سب �أي �شخ�صيات و�أي �أفق �سريتاد‪ ،‬وغريه‪ .‬وقد وقع اختيار الكاتبة على �ضمري‬ ‫املتكلم‪ ،‬الذي يبدو خماتال‪ ،‬متنقال �إىل �ضمري املخاطب‪ ،‬و�أحدهما ينوب عن الآخر ح�سب احلالة‬ ‫ال�شعورية واخلرب واملوقف‪ ،‬و�إن ظل �ضمري املتكلم ما يتوىل البوح واملناجاة واال�ستح�ضار للذكريات‬ ‫والوقائع الفائتة‪ ،‬والدخول يف عالقات مع الواقع بو�صفه جماال ل�صدمة من نوع مغاير‪ ،‬تغذي ال�صدمة‬ ‫الأم (العقدة الدفينة)‪� .‬ضمري املتكلم‪ ،‬وهو يتقم�ص ال�شخ�صية يتبنى موقع ال�سارد ال�رضوري‪ ،‬املحايد‬ ‫زعما‪ ،‬لذا يذهب �إىل ت�رسيب �صوته ب�آخر خماطب‪ .‬وما هو �إال ميار�س هيمنته املطلقة‪ ،‬باال�ستدعاء‬ ‫والتلفظ والت�صوير والتغييب واال�ستذكار ل�شخ�صيات الق�صة بتاريخها وم�شاعرها وحتوالتها‪ ،‬ومبجمل‬ ‫ما هو م�سموح التعرف عليه‪� ،‬إمنا من عني وعبارة ال�سارد دائما‪ ،‬و�ضمرييه اللذين يخفت جدا رنني‬ ‫نربات الآخرين فيها‪ ،‬كما يفرت�ض يف عمل يوحي تعدد املواقع وزاوية النظر وال�سجالت وي�سعف‬ ‫ب�إدراجه يف مقام "البوليفونية"‪ ،‬مما �سيعد �أحد ميا�سم غناه‪ ،‬يك�رس بذلك ال�صوت الواحد ور�ؤية‬ ‫الثبات ون�سق النمطية‪ .‬ميكن ل�ضمري املخاطب �أن يلعب دور القناع والتن�سيب للقول الذاتي‪ ،‬ولذا‬ ‫ينا�سب يف جن�س ال�سرية الذاتية‪ ،‬والتحايل على خمفيِّها‪ ،‬لكنه يبقى متذبذبا‪ ،‬مقلقا �إن مل يع الكاتب‬ ‫كيف يتجنب م�ساوئه‪ ،‬ويتحمل تبعاته جيدا بينا الأهم هنا‪� ،‬أن اعتماد هذا ال�ضمري متعا�ضدا ب�أناه‬ ‫(املتكلم) قد ا�ستخدم بوعي يف عملية البناء امل�شار ملعناها �أعاله‪ ،‬ومنها �إىل تر�سيخ احلالة الذهانية‪،‬‬ ‫مهمازا لر�ؤية ال�صمت كتيمة روائية‪ ،‬قابلة للقول‪� ،‬إمنا بلغة‪ ،‬بلغات �أخرى‪ ،‬مبا يتبني �إحدى رهانات‬ ‫العمل الكربى‪.‬‬ ‫نا�سبه مع و�ضع ال�شخ�صية‬ ‫‪ 7‬ـ من املهم الإ�شارة �إىل �أن ا�ستخدام �ضمري املتكلم متّ يف هذا العمل لتَ ُ‬ ‫وتتقا�سمها �أزمنة و�أمكنة‬ ‫وهي يف ظرف العالج النف�سي‪ُ ،‬عر�ضة لنوباتها‪ ،‬تت�شابك فيه مع ما�ضيها‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫عدة‪ ،‬ف�ضال عن الأ�شخا�ص الذين هم �أقطاب يف حياتها‪ ،‬وت�سببوا بتفاوت يف �أزمتها‪� ،‬أ َُمها �آريا‬ ‫يعمران نف�سية وحياة فيوال‪ ،‬تنتقل بينهما بالتداعي‪ ،‬بني �أنت و�أنت‪ ،‬وهي‬ ‫حتديدا‪ ،‬ومروان‪ .‬هما معا ّ‬ ‫ال تكاد َت ُل ّم �شتات النف�س‪ ،‬وعرب ُهما تتقاطع ذكرى الآخرين‪ ،‬ومن خالل �سريتهما يت�أ�س�س العامل‬ ‫الداخلي للبطلة‪ ،‬وتنكتب �سريتها التي مبثابة تدوين للرتبية العاطفية‪ .‬هذه الرتبية هي مو�ضوع الرواية‬ ‫ّ‬ ‫وحكايتها املتخللة بحلقاتها املبعرثة يف ق�سم‪ ،‬واملتعاقبة املنظمة يف الق�سم الأخري‪ ،‬الذي هو الأول‪،‬‬ ‫قلبت كاتبتُه ترتيبه لتحدث لدى القارئ فعل املفاج�أة‪ ،‬واال�ستنارة التي يحتاج �إليها ب�شدة‪ ،‬خا�صة‬ ‫عندما ينتقل من ف�صل �إىل ف�صل دون �أن ي�شعر بال�رضورة �أن ثمة منوا‪� ،‬أو ك�أنه يدور يف حلقة مفرغة‪،‬‬ ‫رمبا ال ينتبه �إىل النمو الداخلي البطيء‪� ،‬أو غري معني به‪ ،‬ولأن الن�ص ال مينح مقروئيته على النحو‬ ‫الذي يبتغيه‪ ،‬على هذا القارئ �أن ينتظر الف�صول الأخرية لتخرجه "من الظلمات �إىل النور"‪ ،‬ويعرف‬ ‫‪187‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫بال�ضبط من هي �آريا‪ ،‬وفيوال‪ ،‬وامل�سار الواقعي الذي �سارتا فيه‪ ،‬و�أو�صل كال منهما �إىل م�صريه‪.‬‬ ‫مي خالد �أن تبني ق�صتها على غري النحو الذي قامت عليه‪ ،‬و�إال جلاءت على‬ ‫�أ�شك �أنه كان بو�سع ّ‬ ‫الن�سق التقليدي‪ ،‬بوحداتها املتواترة املعلومة‪ ،‬ت�ضاف �إىل �سل�سلة املرتاكم ال�رسدي بال عنان امل�سمى‬ ‫ب"الأدب الن�سوي"‪ ،‬بحق وباطل‪ ،‬والنتفى �رشط كتابتها املتجلي يف نزوع االختالف متحققا‬ ‫مبا قلنا و�سن�ضيف �أكرث على وجه الزيادة والتخ�صي�ص والتدقيق‪ ،‬ما يفرت�ض �أن يك�سب ن�ص" تاجنو‬ ‫وموال" �رشعية االنتماء �إىل الروايات العربية املغايرة التي هي قيد الكتابة‪ ،‬وتعزز مدونة ال�رسد العربي‬ ‫املعا�رص‪� ،‬إعاد َة نظر يف املعمار و�أدواته‪ ،‬ويف مفهوم جتربة الرواية‪.‬‬ ‫‪ 8‬ـ لنو�ضح قبل ذلك امل�سار التقليدي‪ ،‬الذي لن ي�صل �إليه القارئ �إال قبيل النهاية‪ ،‬قوا ُمه ق�صة �آريان‬ ‫املذيعة يف �إذاعة القاهرة‪ ،‬تقدم برناجما ليليا مثريا‪ ،‬يلقى جتاوب امل�ستمعني وي�ضمن لها موقعا متميزا‪.‬‬ ‫برنامج مو�سيقى ومكاملات ومناجاة‪ ،‬يتوا�صل رغم تقدمها يف العمر‪ .‬تعي�ش برفقة ابنتها وخادمة‬ ‫�سودانية و�سيدة قريبة للعائلة‪ ،‬هي عمة فيوال‪ .‬نتعرف على الأم وهي يف �أفولها‪ ،‬بينما �إ�شعاعها يعود‬ ‫�إىل زمن بعيد‪ ،‬وجغرافية �أكرث بعدا‪� ،‬إىل مدينة قرطبة الأرجنتينية‪ ،‬من حيث قدمت ذات يوم �إىل م�رص‬ ‫لتنجز حتقيقا �صحفيا عن طقو�س الزار يف دول البحر املتو�سط‪ ،‬لتقدمه كمو�ضوع �ساخن يف جملة تعمل‬ ‫بها �صحفية‪ ،‬وب�سبب فقدانها عائلتها هناك كاملة‪�( ،‬أبوها ال�صحفي دومينجو فرناندز‪ ،‬ذو الأ�صل‬ ‫ال�شامي‪ ،‬و�أخواتها‪ ،‬وع�شيقها �ألفريدو) متكث يف القاهرة‪ ،‬حيث �ستتزوج وتنجب وترتمل ب�رسعة‪،‬‬ ‫وت�صبح مذيعة‪ ،‬وتن�سج حولها �شبكة من العالقات‪ ،‬وتعي�ش متنازعة بني عاملني‪ ،‬مبحدداتهما اللغوية‬ ‫والثقافية والب�رشية‪ ،‬مرتنحة بني مو�سيقى‪/‬رق�ص التانغو‪ ،‬وحفالت الزار و�رضب الدفوف وال�صنوج‬ ‫املمزوجة باملدح والتالوة‪ .‬فقرة واحدة جتمل هذا الولع والثنائية املتالحمة‪":‬موال ين�شد يف �سيدي‬ ‫�أحمد البدوي‪ ،‬ي�شتبك يف ذيل مو�سيقى التاجنو مثلما ا�شتبكت يف حلظة انت�شاء �صوفية �أ�صابعي يف‬ ‫�أ�صابع رفعت �رسحان‪ ،‬وزوجته نف�سي و�سط جلبة املولد"(‪ .)177‬يُداهمها املر�ض الفتاك وقد ناهزت‬ ‫ال�سبعني‪ ،‬وهي تداري عجزها‪ ،‬وما كان" مقتنياتها اجل�سدية احلبيبة"‪ ،‬وت�سلم الروح �أخري بعد �أن‬ ‫�أهدت حلقتها الإذاعية الأخرية امل�ستمرة على مدار �أربعني عاما �إىل ابنتها فيوال‪� .‬أما هذه فقد داهمها‬ ‫ال�صمت الذي دفعها الرتكاب خط�أ مهني ج�سيم كمذيعة متثل يف تقدمي �سيديهات �صامتة يف برناجمها‬ ‫الإذاعي‪ ،‬و�إحالتها على التحقيق‪ ،‬ومن ثم وقوعها �ضحية خر�س �سينقلها �إىل امل�صحة النف�سية‪ ،‬كما‬ ‫�سلف‪ ،‬وحيث �ست�رشع يف �إعادة ت�أ�سي�س عاملها من حيث بد�أ‪ ،‬ال �إىل حيث انتهت‪ ،‬وهذه طريقة‪،‬‬ ‫�أي�ضا‪ ،‬يف احلكي‪.‬‬

‫‪188‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ 9‬ـ على �أن حمكي �آريا لي�س يف النهاية �سوى الوجه اخللفي‪ ،‬لكن ال�رضوري‪ ،‬ملحكي‪� ،‬أزمة �أو‬ ‫عقدة فيوال‪ ،‬التي تعطي للرواية �رضورتها‪� ،‬إذ العمدة هي هذه الأخرية‪ ،‬عاملها‪� ،‬شخ�صياتها املركزية‬ ‫واملحيطية‪ ،‬ف�ضا�ؤها‪ .‬واملهيمن ُة الإ�شكالية التي جتمل ر�ؤية الن�ص تتمثل عندنا يف �سوء تفاهم وجودي‬ ‫منبثق عن �سل�سلة �أنواع �سوء تفاهم �صغرى‪ ،‬ت�شخ�صها العالئق املتنازعة بني البطلة(الع�صابية) وحميطها‬ ‫من جهة‪ ،‬و�شخ�صيات هذا املحيط يف م�صائرها اخل�صو�صية‪ ،‬من جهة ثانية‪� .‬آريا الأم بغربتها‪ ،‬وحنينها‬ ‫وبحثها عن مالذ لروحها يف طقو�س الزار واملواليد‪ ،‬من �أجل احلفاظ على ج�سد ووجود هما حتما‬ ‫�إىل زوال؛ �أختها تغريد التي �ستخ�رس درا�ستها وزواجها رغم التحول الذي عر�ضه لها زوجها‬ ‫بارتداء احلجاب واخلفاء‪ ،‬وهو نوع من"امل�سخ" الذي هو الرتجمة احلقيقية لعنوان رواية كافكا "‪La‬‬ ‫‪ ،)1915("métamorphose‬وتعود �صفر اليدين‪ ،‬خربة الروح من الواليات املتحدة‪ ،‬ذلك احللم‬ ‫ا ُخل ّلب‪ .‬مهجة �صديقتها ذات املطامح والأحالم ب�أقوى الرجال‪ ،‬مفارقاتها ونفاقها؛ ال�صهر ريا�ض‪،‬‬ ‫الأرمل والكهل قوي البنية الذي يكتم رغبات حارقة جتاهها‪ ،‬و�سينالها"حتت جنح الظالم" فريوي‬ ‫غلة حرمان دائم‪ ،‬وتُ�سكِ ت هي لهنيهة جوعا للجن�س يف ج�سد مل يت�أطر بعد ببيت الزوجية وقد‬ ‫�شارفت �صاحبته الأربعني؛ وح�سني املخرج الإذاعي وامل�رسحي الذي �سيظهر كطوق جناة يف حب‬ ‫�شبق ووهمي �رسعان ما يذهب بددا يف الفو�ضى الع�شوائية حلي"�أبو النمر�س"؛ و�أهم من ه�ؤالء جميعا‬ ‫مرواااان‪ ،‬كما ال تكف ت�رصخ وتناجي وتناغيه‪ ،‬يف مرابع ال�صبا و�شقاواتها‪ ،‬والتح�رس على ما فات‪،‬‬ ‫وب�شوق ال ينفد يف يد ممدودة �إليه منذ عقدين‪ ،‬ولوعة مربحة تقولها مناجاة حارقة ك�أمل مفرت�ض‪،‬‬ ‫ملروان اليتيم الذي يريد له خاله الدكتور �شامل �أن ي�صبح نظريا له(مقابل فيوال نظري �آريا‪ ،‬حبها وبددها‬ ‫وبع�ض لغزها)‪ .‬يتوليان معا عالجها يعتربانها ُجنّت فيما هي ت�رصّ‪�":‬إنني �أعاين فقط خر�سا ه�سترييا‪.‬‬ ‫جمرد عر�ض عابر نتيجة �صدمة" (‪.)187‬‬ ‫‪ 10‬ـ جل هذه املحكيات‪ ،‬و�سواها‪� ،‬إمنا الهيكل العظمي للعمل ال العمل‪ ،‬وهو ما قمنا بتجميعه‬ ‫على وجه التقريب‪ ،‬لأن ال�رسد ال يكفي‪ ،‬ولي�س هو املبتغى حتى وهو جزء من �أداة الق�ص‪ .‬الأدوات‬ ‫الأخرى �أقوى منه و�أبلغ‪ ،‬وهي التي ت�ؤديها الأ�صوات واملو�سيقى‪� ،‬إىل درجة �أن اللغة‪ ،‬يف" تانغو‬ ‫وموال" قابلة لأن تُ�ستبدل‪� ،‬أو ت�ستكمل‪� ،‬أو تتلقح‪ ،‬وهو ما ي�رسي يف جمموع الن�ص املتخلل بالأزجال‪،‬‬ ‫بني اال�ستهالل والتو�سط واخلتام لكل ف�صل‪ .‬حت�سبها يف البداية ت�ضمينات مقحمة على �سبيل اال�ستعارة‬ ‫�أو التنميق‪ ،‬وهو �أ�سلوب �شاع عند بع�ض من يريدون تبيئة الرواية العربية وم�صاحلتها بال�شفوية‪،‬‬ ‫و�شيء من هذا القبيل‪ .‬لكن الزجلي هنا وظيفي‪ ،‬فهو عالوة على نوعه و�أدائه املو�سيقي(امل ّوال)‬ ‫ن�س ٌج �إبدا ّيل‪ ،‬وحمتوى ٌ‬ ‫دال بذاته‪ .‬كذلك الوقفات الإيقاعية والإ�صاتية‪ ،‬املمو�سقة منها‪ ،‬واملرجتلة‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫‪189‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ال ينق�صها �إال الكتابة بالنوتة(كما جند عند كاتب عراقي مغامر وجريئ هو عمار �أحمد يف جتربة مثرية‬ ‫حقا)‪ ،‬ومثلها ما يت�صل بحركة اجل�سد داخال ويف ف�ضائه‪� ،‬أ�ضف اخلربة املعلنة لأنواع من املو�سيقى‬ ‫والرق�ص‪ ،‬مقحمة �أو منت�سبة �سالليا �إىل �سياقها‪ ،‬بان�سجام مع �شخ�صيات مهنتُها التذييع وف�ضا�ؤها‬ ‫املهني �إذاعة‪ ":‬قمت[فيوال] بعمل ت�صور لربنامج تقدمه[مهجة] يف الدورة الإذاعية املقبلة‪ .‬احرتنا بني‬ ‫�أو "تاجنو وموال" لتقدم فيه مزيجا من املو�سيقى العاملية واملو�سيقى ال�شعبية امل�رصية‪.)140( ".‬‬ ‫‪ 11‬ـ �أح�سب �أننا يف قلب البوليفونية (الباختينية) وهي م�صطلح مو�سيقيي‪ ،‬و�إمنا ي�ستخدم جمازا‬ ‫يف التحليل الروائي‪ ،‬لأن العمل هذا بخطة"�رسده‪ ،‬ومبنظوره" �أن ينحو منحى االختالف والتعدد‪،‬‬ ‫بكفالة بناء روائي يتوافق �إىل حد مع "ر�ؤية عامل"‪ ،‬ر�ؤيته‪ ،‬حيث يتعانق يف احلقيقة عاملان‪ ،‬بل �أكرث‪،‬‬ ‫بثقافتهما وقيمهما ي�سعيان �إىل تركيب رهاين ال يعنينا احلكم له �أو عليه ـ فذا م�سار داليل متوا�صل‬ ‫يف الرواية العربية وبحثها ـ و�إىل �صياغة تجُ ّ�سده‪ ،‬ب�أن ينتج قطيعة معينة هو بع�ض البحث‪ ،‬ومع �رسد‬ ‫الكاتبة اخلا�ص‪ ،‬من نحو‪ ،‬و�رسد الأدب الذي تكتب فيه‪ ،‬من نحو �آخر‪ ،‬وال �شك �أنه نهج حمفوف‬ ‫باملخاطر‪ ،‬وال مندوحة له �أن يبني وهو يهدم م�ستفيدا من الثمار اليانعة ملوروث �أدبه‪ ،‬ما ال غنى عنه‬ ‫لكل من يبغي �إن�شاء �أدب �أ�صيل‪.‬‬ ‫‪ 12‬ـ ال منا�ص يل من القول �أخريا ب�أن املتلقي‪ ،‬املحرتف خا�صة‪ ،‬يجازف بقدر جمازفة الكاتب‪،‬‬ ‫و�أحيانا �أكرث‪ .‬ذلك �أن عملية التلقي ب�إوالياتها ومنتوجها‪ ،‬تخ�ضع ل�سياج وخانات قراءة‪ /‬قراءات‬ ‫بنيت على ن�صو�ص �إما ا�ستقرت يف تاريخ الأدب (الكال�سيكية) �أو تلتحق بها‪ ،‬ف�إيل �أي حد ميكن‬ ‫�أن ت�صدق تعيينا وحتليال وت�أويال لن�صو�ص حمدثة‪� ،‬أجل فيها بع�ض تراث التلقي‪ ،‬لكن تت�ضمن قدرا‬ ‫غري هني من ت�رصيح التطليق‪ ،‬وبوالدة حرية يف التعبري الفني غري قي�رصية؟ وبالتايل فهي ن�صو�ص‬ ‫ذات مزعم بعيد‪ ،‬جمازف بدوره‪� ،‬أبعد مما يطلق عليه ف�ضفا�ضا انفتاح الأجنا�س‪ ،‬الذي يُر ّو ُج له غالبا‬ ‫بباطل من ال يح�سنون �أي جن�س‪ ،‬هد ُفها اجرتاح �إبداالت ممكنة‪ ،‬يف انتظار �أن تنمو وتن�ضج �أكرث‪،‬‬ ‫وحتقق تراكمها‪ ،‬يف حمك �إبداع مناذجها ‪ ،‬وهي واعية مبفهوم الأدب و�أدواته‪ ،‬ومفهوم التجربة‬ ‫الإن�سانية؛هذه هي املغامرة الإبداعية املن�شودة‪� ،‬سواء يف "تاجنو وموال" �أو لن�صو�ص �أراها مت�شي‬ ‫بخطوة جتريبية يقظة‪ ،‬واعدة‪ ،‬وهي املعول عليها‪ ،‬والكفيلة‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬ب�أن متنع التلقي من الرتاخي‪ ،‬جتذبه‬ ‫يف موكبها رفيقا ودليال ن�صوحا‪ ،‬والرابح الأكرب عندئذ هو الأدب‪ ،‬الرواية يف حالتنا‪.‬‬

‫‪190‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫" ثالث تفاحات مملوكية "‪:‬‬

‫الرواية ت�ستنفر التاريخ �ضد الف�ساد واال�ستبداد‬ ‫‪1‬ـ بات املوقع الذي ي�شغله التاريخ يف و�ضعنة الرواية وتطريز ن�سيجها معلوما‪ ،‬ومتواترا يف‬ ‫مر مراحل تكوينها وتطورها‪� ،‬إىل حد �أن �إثارة هذه امل�س�ألة حتيلنا مبا�رشة �إىل‬ ‫�آداب خمتلفة‪ ،‬وعلى ّ‬ ‫تاريخ الرواية‪ ،‬ثم التدرج الذي عرفته تباعا وهي تتن�ضد م�ضامني وتتنمذج ر� ًؤى وتت�شكل يف �صيَغ‬ ‫و�صياغات‪ .‬بعبارة �أدق‪ ،‬ف�إن التاريخ بو�صفه �سل�سلة من الأحداث واملح�صالت املو�ضوعية للدول‬ ‫وال�شعوب والأبطال �ضمن منظومات �سيا�سية وح�ضارية‪ ،‬ويف قلب لواعج فردية وحركات جماعية‪،‬‬ ‫هو مادة �أ�سا�س يف تكوين رواية الع�رص احلديث‪ ،‬و�أحد �أعمدتها الكربى‪� ،‬سواء رام مو�ضوعه مبا�رشة‬ ‫واخت�ص به‪� ،‬أو اتخذه ذريعة و َم ْعربا نحو ما هو �أبعد‪.‬‬ ‫وحدثِيتها مطية لت�سويغ الأبعد منها‬ ‫‪2‬ـ وال�شك �أن املذهب الثاين‪ ،‬القا�ضي بجعل املادة التاريخية َ‬ ‫اخلفي‪ ،‬ليخرج بهذا ال�صنف من التجني�س العام �إىل التجني�س النوعي‪ ،‬وي�ستدعي يف الآن‪ ،‬عرب‬ ‫يتق�ص ُده‪� ،‬إعاد َة فهم النوع وت�أويل‬ ‫التحوير الذي ي�أخذه النوع نف�سه على يد املن�شئ الأدبي‪ ،‬وملُرام ّ‬ ‫ت�شغيله على النحو الذي يظهر فيه متجاوزا ا�ستتباب التاريخي‪ ،‬ذاهبا يف �أفق تطويره الذي البد �أن‬ ‫قدح لزناد داللة وت�أليف مغايرين‪ ،‬كي ال نقول جديدين يف �سياق الكتابة الروائية العربية‬ ‫ي�أخذ معنى ٍ‬ ‫املعا�رصة‪ ،‬هذه التي يتم فيها ت�سفيه هذا املفهوم وابتذاله ب�شكل مهول!‬ ‫‪3‬ـ فيفرح املرء‪ ،‬البد‪ ،‬حني يلتقي يف طريق قراءته ب�أعمال تذكره بالرواية حقا‪ ،‬وتعيد �إىل جادة‬ ‫�صواب البحث فيها عن املختلف واملغاير املطور للن�سق‪ ،‬املنبثق من �صلب خربة مراكمة وموا�صلة‪ ،‬ال‬ ‫‪191‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫تت�أتى �إال ملن يقنعك ب�أن القول ال�رسدي لديه‪ ،‬وعلى يديه‪ ،‬مل يُ ّ‬ ‫خط اتفاقا �أو ك�سيحا‪ ،‬و�إمنا ل�رضورته‪،‬‬ ‫ال بديل عنه لر�سم ال�صورة املتجلية �أوال يف ذهنه‪ ،‬القابلة للت�شكل لُغويا‪ ،‬والتبلور ت�شخي�صاً و�أن�سنةً‪،‬‬ ‫والإيحاء جمازاً‪ ،‬والظهور �صناعة فنيةً‪ ،‬ت�ستمد من الفن ما ينا�سبها من �أدوات‪ ،‬ومن احلياة اخلرب َة‬ ‫الأن�سب‪ ،‬فكيف �إذا وجدت يف التاريخ امل�ضمار القابل لإظهار وجوه وعنا�رص ر�ؤيتها‪ ،‬و�أكرث من‬ ‫ذلك حتويله �إىل ا�ستعارات وكنايات و�أقنعة وقناديل جتو�س بها دهاليز و�أقبية احلا�رض‪ ،‬الواقع املتف�سخ‪،‬‬ ‫تعري حا�رضا‬ ‫مبا ي�سوده من ف�ساد وا�ستبداد‪ ،‬ومن حيث تبدو الرواية تك�شف عورة تاريخ برح‪ ،‬هي ّ‬ ‫فاح�ش التعفن‪ ،‬وتدينه حتى النخاع‪.‬‬ ‫‪4‬ـ ال ب�أ�س من هذا التعميم �أوال‪ ،‬لن�سمي �إثره رواية الكاتب امل�رصي حجاج �أ ّدول الأخرية "ثالث‬ ‫تفاحات مملوكية"(دار العني‪ ،‬القاهرة‪ .)2011 ،‬فهي حقا ُمفحمة من نواح كثرية‪ ،‬يقع يف قلبها االهتمام‬ ‫الذي توليه ملرحلة دقيقة وثرية �سيا�سيا واجتماعيا من حياة م�رص‪ ،‬من حياة �شعب وح�ضارة وثقافة‬ ‫وم�صري ووجدان‪ ،‬وتتوفر بحكم تتبعها ملنحنيات هذا امل�صري ور�سم عدد من حمطاته وتكويناته‪ ،‬ظاهرة‬ ‫وخفية‪ ،‬مف�ضوحة ومولدة‪ ،‬على اخليط الناظم الذي حتتاجه الرواية لكي ت�ستقيم حمكيا‪ ،‬ثم حمكيات‪،‬‬ ‫تتقدم يف �رسدية خطية تتغذى باملادة الأولية لتاريخ زاخر‪ ،‬كثيف مندفع يف خ�ضم جلب من الأحداث‬ ‫والأفعال وال�شخ�صيات والأطياف واحلبكات‪ ،‬فيما هي تتغذى وتنتع�ش ثانية من ال�رسدية التخييلية‪،‬‬ ‫حيث ملتقى الواقعية باخليال الروائي‪ ،‬ومناط رهان ال�رسد احلديث �إجماال‪ ،‬يف تخوم الواقع واملمكن‬ ‫طرا‪.‬‬ ‫واملحتمل والتخييلي ُ ّ‬ ‫‪5‬ـ �إذا كان عنوان الرواية اعتباطيا بالدرجة الأوىل‪ ،‬كما �سيتبني عند القراءة‪� ،‬أي غري وظيفي‪،‬‬ ‫ف�إنه هنا ي�شري مبا�رشة �إىل م�صدره ومناطه‪� ،‬إىل �أول �إ�شارة حتيل �إىل ف�ضائه وزمنه مبا يربط القارئ‬ ‫ب�سياق قراءة و�أفق انتظار‪ ،‬ف�ضال عن و�ضع لعبة دوال العتبات‪ ،‬وت�شغيل خميلة القارئ التي لن تلبث‬ ‫�أن تنطلق بحثا تقلب يف جمموع املنت الورقي(‪� 287‬ص من القطع الكبري) عن مكان وجود الربتقاالت‪،‬‬ ‫ودورها يف حمكي الرواية لتت�صدر عنوانها‪� ،‬آخذة بف�ضوله من تالبيبه‪ ،‬وهي متلك ذلك حقا‪ ،‬يالحق‬ ‫ف�صولَها وفقراتها‪� ،‬أحداثا متتالية‪ ،‬وم�شاهد �أخاذة‪ ،‬وحبكات متداخلة‪ ،‬وحلظات متوترة‪ ،‬ومواقف‬ ‫مت�ضاربة بني ال�سمو واالنحطاط‪ ،‬النبل والغدر‪ ،‬الهوى والفجور‪ ،‬العزة واملذلة‪ ،‬العظمة واالنك�سار‪،‬‬ ‫اجلربوت واالنهيار‪ ،‬حدثان الدهر وعوادي الأيام‪.‬‬ ‫وبني هذا وذاك‪ ،‬حيث ت�ضارب املواقف‪ ،‬وت�صادم احلاالت الإن�سانية‪ ،‬وفيما تبجل املعنى‪ /‬املعاين‬ ‫تعلي القيم‪ ،‬تخاطب متلقيها مناورة ومبا�رشة‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬واجدة يف لعبة التعليب التاريخي طريقة مثلى‪،‬‬ ‫‪192‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫حلجاج �أدول"�سوابق" فيها‪ ،‬ويف كل مرة يعود �إليها ليختربها على نحو يخدم "ر�سالة"‪ ،‬لنقل خطابا‬ ‫يرى ال منا�ص من �إبالغه‪ ،‬ال خطابة ولكن روائية‪ ،‬لذا فهو ي�ستجلى بالو�صف وعني التدقيق ال بالكلم‬ ‫ُ‬ ‫�شمول‪ ،‬ت�أخذه �إن �أردت‪ ،‬متاح‬ ‫وبع�ض‪،‬‬ ‫�أو لغو التعليق‪ ،‬و�إنك لرتى م�رسح التاريخ ميتد هو ك ٌّل‬ ‫ٌ‬ ‫لك‪ ،‬بو�صفه املرجع‪ ،‬وجزء‪ ،‬تف�صيل هو ب�ضاعة الروائي التي يقرتحها عليك‪ ،‬وهي ما يعنينا من متنه‬ ‫امل�صنوع على قدر همه وطبيعة ر�ؤيته‪ ،‬وكذلك مبتغى ر�سالته‪ ،‬باعتبار املرجعية الأخالقية القيمية‬ ‫للكتابة‪ ،‬وهي م�سددة الهدف يف الن�ص بال مواربة‪ ،‬بل هي حمرك هذا التاريخ‪� ،‬أخذناه كال �أو جزءا‪،‬‬ ‫�شموال �أو تف�صيال‪ .‬تتابعه حري�صا على �إقامة التوازن بني امل�رسود املعرو�ض وطريقة عر�ضه‪ ،‬و�إذا‬ ‫كانت منا�رصته للحق �ضد الباطل‪ ،‬والعدالة على الظلم واال�ستبداد جلية حتى ال مزيد‪ ،‬ف�إن انت�صاره‬ ‫كذلك لو�سائط الفن الروائي �أقوى من غريها‪ ،‬وحر�صه بينِّ يف جعلها تتبارى م�شحوذة يف كل حني‪،‬‬ ‫خا�صة‪ ،‬خا�صة وهو يلعب يف ملعب �رسدي نراه �شديد االنزالق‪ ،‬مريبا بانزالقاته‪ ،‬ملعب رواية‬ ‫�إطارها التاريخ يف مرحلة بعينها‪ ،‬ومرامها حتفيز حدثيته يف اقرتاح نقي�ض �أطروحة املا�ضي‪ .‬رواية‬ ‫تكتب يف ومبادة وحمكي الزمن القدمي عن الزمن احلديث‪� ،‬أو للغمز منه والتنديد بالقيم والعاهات‬ ‫ال�سائدة فيه‪ ،‬وعليها �أن تفعل ذلك بلغة الزمن والرواية �أي�ضا‪ ،‬ف�أي رهان هذا‪ ،‬و�أية جمازفة تقوم ال‬ ‫يف وجه �أ ّدول وحده‪ ،‬بل يف وجه مقرتح و�صفناه منذ البداية باملغاير‪ ،‬ونزعم �أنه من مقومات الرواية‬ ‫العربية املعا�رصة‪ ،‬حني يتوىل �ش�أنها الرا�سخون يف الفن‪ .‬وبالطبع‪ ،‬فالعمدة عندنا هو القوام الفني يف‬ ‫و�سدى‪.‬‬ ‫كل حال‪ ،‬حتى والتاريخ باد لحُ مة لها َ‬ ‫‪6‬ـ جتري وقائع الرواية‪� ،‬إذن‪ ،‬يف الع�رص اململوكي‪ ،‬بال حتديد تاريخي مدقق‪ ،‬والأغلب يف عهد‬ ‫املماليك الربجية (الذي ابتد�أ من ‪ )1399‬عقب املماليك البحرية‪ ،‬وات�سم ب�سيادة الظلم والتعدي على‬ ‫احلقوق وف�ساد احلكم‪ ،‬الخ‪..‬وهو ما �سرنى ي�سود مطلقا يف الفرتة الزمنية امل�شمولة بالإحاطة التاريخية‬ ‫والو�صف الروائي‪ ،‬وهي مديدة بع�ض ال�شيء‪ ،‬و�إن ت�شابهت �أحداثها ومتاثلت �أمناطها‪ ،‬منمذجة يف‬ ‫�أدوار ذات وظائف حمددة يف النهاية‪ ،‬لتمثل تقابالت مت�ضادة‪ .‬لذا ميكن اخت�صار حكاية الرواية بدون‬ ‫�أن ي�رض بها االختزال‪ :‬تبد�أ من زمن ومكان غري معلومني‪ ،‬يف جغرافية �سدميية(بالد ال�سهول الثلجية‬ ‫والبحرية البحر)حيث تعي�ش �أ�رسة من زوج وزوجة ينتميان �إىل (قبائل �شقراء حماربة) مق�سمة طبقيا‬ ‫�إىل �أغنياء وعامة وفقراء‪ ،‬ون�ساء هذه الأخرية من ح�صة الأغنياء‪ ،‬لذا ت�ؤخذ الزوجة وهي اجلميلة‬ ‫�إىل �سرُ رهم‪ ،‬وتُطرد منبوذة يف الأخري‪ ،‬لتعود فترُ �سل بدورها ابنتها للعمل عند ه�ؤالء املي�سورين‬ ‫الذين يتداولونها �أبنا و�أبا وجدا‪ ،‬ثم يرمونها وقد �صارت حامال‪ ،‬وتتح�سن حالتها املادية من تعاطي‬ ‫الدعارة‪ ،‬وتهدد �أ�سياد �أم�س بن�سب ابنتها بعد �إجنابها �إليهم‪ ،‬فينتزعونها منها وتباع يف �سوق الرقيق‪،‬‬ ‫‪193‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫لت�صل �إىل القاهرة‪ ،‬هنا حيث �ستبد�أ ق�صة الأمرية �شم�س‪ .‬معها �سندخل عامل حكم املماليك ونتفرج‬ ‫على �أو�ضاعهم ونتابع د�سائ�س احلكم وتراتبياته‪ ،‬ويف امل�شهد العام �صورة م�رص كخلفية اجتماعية‪،‬‬ ‫مبرايا متعددة‪ ،‬قابلة لإر�سال انعكا�سات �شتى‪.‬‬ ‫‪7‬ـ ال ت�شذ حكاية �شم�س عن كل ما نعرف يف الروايات التاريخية حيث تت�صدر املر�أة دور البطولة‬ ‫كعقدة غرامية‪ ،‬وتتحول �إىل ب�ؤرة لتجمع وتقاطع احلوادث واملواقف الفارزة لل�شخ�صيات و�أحوالها‬ ‫و�صداماتها املنعقدة حول مو�ضوع ال�رصاع على احلكم‪ ،‬والفوز به مع احلبيبة �أو بتدبري منها �أو مكر‪.‬‬ ‫وق�صة املماليك جلها �سل�سلة مكر وم�ؤامرة‪� ،‬أبطالها يف هذا العمل �شم�س‪ ،‬وحبيبها حفيظ ال�سلويل‪،‬‬ ‫والداودار كمال الدين(الرجل الثاين بعد ال�سلطان‪ ،‬مرتبة ومكرا‪ ،‬يلعب يف جميع ال�ش�ؤون) وهو‬ ‫من �سيختار �سلطانا من ق�ش(ال�سلطان بنبان) وهو �صديق ال�سلويل‪� ،‬سيتزوج �شم�س ع�شيقة هذا‬ ‫الأخري �رسا‪ ،‬وت�صبح �سلطانة‪� ،‬آمرة ناهية‪ ،‬ويلي ه�ؤالء �أ�شخا�ص نافذون يف تراتبية القلعة اململوكية‬ ‫احلاكمة‪� ،‬أقواهم �أمني التجار عزالدين دائم الت�آمر مع الداودار يف اللعب بال�سلطة ورجاالتها‪،‬‬ ‫يرمزان لتدبري �ش�ؤون ال�سيا�سة واملال‪ ،‬ثم �أمري اجليو�ش البهاء اليو�سفي‪ ،‬الذي �سيتزوج ابنه كرمية‬ ‫ال�سلطان بنبان(وهي يف احلقيقة من �صلب ال�سلويل)عالقة يفتح بها الكاتب باب االت�صال بال�شعب‪،‬‬ ‫(نا�س التحت‪ ،‬الفالحني والغالبة واحلارات) يطلعنا على ب�ؤ�س عي�شهم و�صور من حياتهم و�أحوال‬ ‫معاناتهم‪ ،‬خليط من َعنَت وا�ضطهاد ودجل وفولكلور‪ ،‬وم�ؤثثات �إنا�سية و�أنرتبولوجية للتعريف‬ ‫بثقافة و�شعب وتقاليده‪ .‬فتكون الفتاة جنية‪ ،‬عقدة غرامية تُ�سلك فيها حكاية النا�س اللي حتت‪ ،‬موازاة‬ ‫بعقدة النا�س اللي فوق(احلاكمون يف القلعة) ج�رس الربط بني الإثنني‪ ،‬واملر�آة ال�صقيلة لإظهار تناق�ضات‬ ‫عاملني‪ ،‬بت�سلط �أقواهما على الأ�ضعف‪ ،‬واالن�شغال بالد�سائ�س والنهب وممار�سة اال�ستبداد‪ .‬وهو ما‬ ‫ينتهي ب�سقوط رموز ال�سلطة تباعا نتيجة املكر‪ :‬ت�آمر الداودار على نائب ال�سلطان �شندر‪ ،‬ثم على‬ ‫ال�سلويل‪ ،‬يلقيان موتا ز�ؤاما‪ ،‬ليح�صل على مراد ال�سلطنة‪ ،‬وتنتهي العقدة‪ ،‬امل�أ�ساة �إىل ذروتها ب�إ�صدار‬ ‫حكم �أق�سى من ال�سجن الذي رميت فيه ال�سلطانة �شم�س‪ ،‬بطردها من جنة القلعة اململوكية‪ ،‬و�إبعادها‬ ‫�إىل حيث �أتت (البحرية البحر املثلجة)‪ ،‬وهكذا تكتمل الدائرة‪ ،‬وقد ح�صل العقاب �ضد الظلم‪،‬‬ ‫من جهة‪ ،‬وب�صورة مثالية يفوز املظلومون يف و�ضع جنية بنعمة ا�سرتداد �أر�ضهم الفالحية و�أبنا�ؤهم‬ ‫يتذوقون طعم الربتقال الطازج‪ ،‬ولتنتهي احلكاية يف �صيغة رواية رعوية حيث تعم الغبطة وينت�رص‬ ‫الطيبون(!) بينما املماليك هم �أنف�سهم دائما يف القلعة يحكمون‪ ،‬ويف �أر�ض م�رص‪ ،‬التي فيها "النيل‬ ‫النجا�شي"‪ ،‬ف�سادا يعيثون!‬

‫‪194‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪8‬ـ �سيالحظ القارئ النابه �أننا ا�ستعملنا �أكرث من م�صطلح لتو�صيف هذا ال�رسد وتعيينه‪ ،‬مرتاوحني‬ ‫بني"رواية" و"حكاية"خا�صة‪ .‬يف الأول‪ ،‬ا�ستنادا على التجني�س املعلن على غالف الكتاب‪ ،‬وبالطبع‬ ‫جملة �أداءات فنية معلومة للنوع الأدبي‪ ،‬وبناء على ت�صور كلي ملفهومه ومقا�صده‪ .‬يف الثاين‪ ،‬اعتمادا‬ ‫على �إواليات م�ستخدمة يف طريقة ا�شتغال هذا النوع‪ ،‬تعيده �إىل ما قبله‪� ،‬أي ال�رشوط املو�ضوعية‬ ‫والثقافية املنتجة له‪ .‬فنكون عندئذ بني ن�صني يحتاجان يف كل مرة‪� ،‬أي بح�سب مقت�ضى التلقي و�أدوته‪،‬‬ ‫�إىل مقاربة با�ستنتاجاتها املخ�صو�صة‪ ،‬ي�ساعد على هذا كون الن�ص ين�شط هذه الآلية با�ستخدامه لتعديد‬ ‫املدونات وال�سجالت اللغوية والدوال البالغية واملرجعية‪ ،‬وفتحه باب الت�أويل‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬م�رشعا‬ ‫�أمام تعددية الدالالت وامتداداتها‪.‬‬ ‫البدئي (احلكاية) يف الأكرب(الرواية) الع�رصي‪ ،‬وهو‬ ‫وما لنا ال نذهب �إىل �أننا نقر�أ النوع الأ�صغرـ ْ‬ ‫توفيق م�س َّوغ على �أكرث من م�ستوى‪ .‬نقت�رص على عناوين للتمثيل‪� ،‬أولها جتريد املكان والزمان‪ ،‬ثم‬ ‫العودة لتحديدهما يف �آن؛ تغريب العوامل والأحداث وتخ�صي�صها معا‪ .‬النهل من م�صادر املرويات‬ ‫ال�شفاهية والتدوينات احلكائية‪ ،‬امل�ستخدمة يف متون تراثية‪ ،‬من ت�أليف وخمزون املخيال اجلماعي؛و�ضع‬ ‫لل�سارد يف موقع الراوي‪ ،‬واكت�ساب �صفات هذا الأخري؛ تن�ضيد جملة حوافز هي وحدات‪ ،‬بح�سب‬ ‫مفهوم بروب‪ ،‬تنتظم يف كل حكاية وحتدد جمال ا�شتغالها و�أعمال الفاعلني فيها‪ ،‬من قبيل ال�شجاعة‬ ‫والوفاء والإخال�ص والدهاء‪ ،‬الخ‪...‬هي ما ميثل مناذج متثيلية يف العمل املقروء‪ ،‬وحتيل على �أمثال لها‬ ‫يف ق�ص�ص متواترة يف �آداب كثري من ال�شعوب‪ .‬وال �شك �أن لغة‪ /‬لغات الراوي و�أ�ساليب حكيه متدنا‬ ‫بدورها‪ ،‬يف تطابقها مع امل�ستن�سخ‪ ،‬مبا يُ�س ِّوغ هذا املنزع التقليدي املوروث‪ ،‬ويزكيه على نحو مريح‪،‬‬ ‫وهو ما �سنقر�ؤه الحقا من منظور عالقة ال�شكل بامل�ضمون يف حتقيق التناغم للعمل الفني‪� ،‬أو توهمه‪.‬‬ ‫‪9‬ـ ولكننا مع حجاج �أ ّدول �أمام رواية‪ ،‬معلنة‪ ،‬مهيكلة ح�سب قواعد هذا اجلن�س الأدبي‪� ،‬أو‬ ‫واحد من تطبيقاته وتنويعاته‪ ،‬وحتى لو �أخ ّلت �أو تخلخلت فهي تتوفر على ما ي�ضمن لها االنتماء‪،‬‬ ‫ت�صميما‪ ،‬وت�شخي�صا وحبكا وحياة و�رسدا حمبوكا لعوامل مت�ضافرة‪ ،‬وم�صائر مت�ضاربة‬ ‫مبا ير�سم يف النهاية عاملا واقعيا وتخييليا ناب�ضا باحتماالته املنتجة ناه�ضة على قاعدة تاريخية �صلبة‪.‬‬ ‫هذه القاعدة التي متثل تارة خلفية للوحة الكربى‪ ،‬وتارة �أخرى بُعدا‪ ،‬وطورا تورية تناور على الواقع‬ ‫الفج لتوحي مبا هو �أقوى منه‪ ،‬و�أ�شد فجاجة وفظاظة‪ ،‬كما هو الواقع املر�سوم حلال املماليك‪� ،‬أو‬ ‫مماليك رواية �أدول‪ ،‬نراها وهي م�شغولة بر�سم عاملها من�شطرة بني طرائق و�سيناريوهات تتنازعها‬ ‫بني رواية الفرو�سية واملغامرات وال�شطارية والرعوية وال�سريية‪ ،‬عالوة على احلكائية التي هي نربة‬ ‫وطق�س و�أ�سلوب كتابة(�شفاهية)‪� .‬إذا �أمعننا النظر يف هذه الت�سميات والنعوت املعطاة لتيارات‬ ‫‪195‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ومنازع روائية‪ ،‬حمقبة ومنمذجة‪ ،‬ف�سنجد �أن ن�ص �أدول مت�سم بخ�صائ�صها كال وجزءا‪ ،‬وم�شبع‬ ‫مبعانيها حتى ليج�سدها يف منطيات مثلى‪.‬‬ ‫وحني نزيد �إمعانا وحتكيكا لهذه النمطيات‪ ،‬فال بد �ستقودنا‪ ،‬على نحو ما‪ ،‬للت�سا�ؤل �إن كانت‬ ‫"ثالث برتقاالت مملوكية" تن�سجم �أكرث مع ر�ؤى وعوامل و�صياغة كتابة ما قبل روائية‪� ،‬إما ذهبت �إىل‬ ‫هذا املق�صد بوعي كامل من من�شئها‪� ،‬أو لأنه مل يكن له حميد عنها‪ ،‬ويف احلالتني ف�إن البحث عن التناغم‬ ‫املطلوب لكل عمل روائي‪ ،‬وهو ح�صيلة كيمياء و�صهر معقدين‪� ،‬أو رحيق الوردة‪ ،‬قاده �إىل ال�صيغة‬ ‫التي عليها الن�ص‪ ،‬ويفرت�ض �أن نتقبلها �صناعة بر�ؤية روائية حديثة‪ ،‬نغ�ض الطرف عن املفارقة‪ ،‬ونقبل‬ ‫بت�صالح �أجن�س وطرائق‪ ،‬لأن الغاية تربر الو�سيلة‪.‬‬ ‫‪10‬ـ قبل الو�صول �إىل الغاية الق�صوى‪ ،‬ال تفوتنا الإ�شارة �إىل عن�رص بنيوي يف البنية التعبريية لهذا‬ ‫العمل‪ ،‬واملكلفة ب�إنتاج اخلطاب الروائي جملة وتف�صيال‪ ،‬يتمثل يف الأ�سلوب وبالغة التو�صيل‪،‬‬ ‫وهي مندرجة يف ال�سجل الكال�سيكي ملرحلة من النرث العربي‪ ،‬مطبوعة بالأ�سجاع‪ ،‬ومغمو�سة يف‬ ‫املح�سنات البديعية‪ ،‬والزخارف اللفظية والعبارات املقعرة‪ ،‬كانت طغت يف فرتة ت�ساوقت مع مراحل‬ ‫تفكك الدولة العربية �إىل دويالت‪ ،‬وهي املو�سومة يف مدونات العهد اململوكي‪ ،‬يغرف منها الكاتب‬ ‫غرفا‪ ،‬وال نقول ين�سج على منوالها بل ي�ستن�سخها ا�ستن�ساخا‪ ،‬حتى ليمكن ح�رشها يف �أي مادة مع‬ ‫�رشط تطابق الغر�ض لتوتي �أكلها‪ .‬وهو منهج ذهب �إليه الكاتب بق�صد ووعي فني‪ ،‬من�سجما مع‬ ‫تعريف الف�صاحة ب�أنها مطابقة القول ملقت�ضى احلال‪ ،‬و�أ�سا�سا‪ ،‬وهو الأهم‪ ،‬بجعل زمن تاريخي‬ ‫متف�سخ ومتدهور‪ ،‬يرتديه وي�سوقه لبو�س �أ�سلوبي من جن�سه‪ .‬يتعزز هذا املنهج با�ستن�ساخ الأ�سلوب‬ ‫امل�سكوك عن العهد اململوكي ما ميكن الوقوف عليه يف م�صنفات تاريخية للمرحلة‪ ،‬يظهر هنا موثقا‬ ‫فعال مبجهود‪� ،‬صورة لغوية وبالغية هي الظهر لعملة واحدة‪ .‬وب�رصف النظر عن ر�أينا ال�صميم يف‬ ‫ن�ضد‪ ،‬وفيه يتحمل �أي كاتب تبعاته‪ ،‬على �أن يقنعنا عمله فنيا‬ ‫هذا املنزع فهو اختيار فني‪ ،‬وا�ضح و ُم ّ‬ ‫بنجاعة اختياره‪.‬‬ ‫نذهب �أبعد قائلني ب�أن‬ ‫‪11‬ـ ونحن نحب القول ب�أنه اختيار �أبعد‪ ،‬لكونه يت�صل يف ر�أينا ب�سعي عدد من الكتاب‪ /‬الروائيني‬ ‫العرب‪� ،‬إىل اجرتاح جتربة‪ /‬جتارب مغايرة عن النماذج املتداولة قدميا وحديثا يف �رسدنا العربي‬ ‫احلديث‪ ،‬مناط اجتهادها الرئي�س هو حماولة �إبداع رواية عربية ت�أ�صيلية‪ ،‬مغمو�سة يف تربتها اللغوية‬ ‫والثقافية واحل�ضارية‪ ،‬ت�صبح فيها �صناعتها الأجنا�سية الغربية واحدة من �صناعات‪ ،‬وتعبريها جزءا من‬ ‫‪196‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�صياغات‪ ،‬لكي تن�سجم مع ر�ؤية تخ�ص املجتمعات التي تنتج فيها‪ ،‬فيتناغم عندئذ �شكلها مب�ضمونها‪،‬‬ ‫ما �شاكل‪� .‬إن هناك عديد مقدمات يف ر�سم هذا امل�سار‪ ،‬بني �أجيال(املويلحي‪ ،‬الغيطاين‪ ،‬عزالدين‬ ‫حجاج �أ ّدول‪ ،‬حتت عباءة‬ ‫املدين‪� ،‬إبراهيم الكوين‪ ،‬و�سيني الأعرج‪ ،‬بن�سامل حمي�ش‪ )...‬ويقدم لنا ّ‬ ‫التاريخ‪ ،‬منوذجا متفردا �آخر‪.‬‬ ‫‪12‬ـ يزداد التفرد حني ن�أخذ باالعتبار الغاية والر�سالة املبتغاة من هذا العمل الأ�صيل‪ ،‬هذه التي‬ ‫يعلن عنها الراوي(من خلفه الكاتب) مذ مطالع الكتاب وا�صفا حال م�رص �أم�س‪ ،‬وك�أنه يقول "ما‬ ‫�أ�شبه اليوم بالبارحة"‪":‬م�رص‪ ،‬املحرو�سة كما تت�صاعد يف �رسعة مع ال�سلطان ذي احلكم الر�شيد‪،‬‬ ‫وت�صري مهابة للقريب والبعيد‪ ،‬فهي تتدهور �أ�رسع‪ ،‬و�أ�رسع حتت ال�سلطان الظامل الفا�سد‪ ،‬في�صري‬ ‫فيحال‪،‬‬ ‫نا�سها يف نكد‪ ،‬وثرا�ؤها يف بدد‪ ،‬ت�صري"م�رص" ملط�شة لكل غريب حا�سد‪ .‬ي�أتي الفقر واملر�ض ُ‬ ‫ُ‬ ‫وي�رضبان النا�س‪ ،‬وي�سحقانهم ذُال‪ .‬وب�ألف �سبب و�سبب هل يفتقد �شعب "م�رص" بع�ضا من دمدمات‬ ‫الغ�ضب؟"(‪ .)27‬ومن غري �إطالة ف�إن هذه الرواية وهي ت�ستبطن ر�سالتها‪ ،‬ر�سم م�ؤلفها خطتها‪ ،‬و�شحن‬ ‫مادتها‪ ،‬م�ستنفرا التاريخ اململوكي يف مواقفه وم�شاهده املخ�صو�صة بالف�ساد‪ ،‬ال�صارخة باال�ستبداد‪،‬‬ ‫الفا�ضحة للتالعب بال�سلطة وت�سخريها ل�صالح �أفراد �أو فئات‪ ،‬على ح�ساب الظلم الفادح لل�شعب‪،‬‬ ‫وب�إذالله‪ ،‬ومن ورائه �إذالل البالد والتفريط يف �سيادتها‪ ،‬وو�ضع مقاليد �أمورها يف يد الأغراب‬ ‫والو�سطاء‪ .‬هكذا يكون خطاب �أم�س‪ ،‬موجها للجارة‪ ،‬ملر�سل �إليه يف احلا�رض‪ ،‬مل يجد املر�سل‪،‬‬ ‫لعديد �أ�سباب‪ ،‬من اللجوء �إىل تقية املا�ضي‪ ،‬ومدونات التاريخ‪ ،‬كي ي�شحذها يبغي �شجب واقع‪،‬‬ ‫واقع م�رص‪ ،‬و�إيقاظ ال�ضمائر ووعي ال�شعب الذي دمدم اليو َم غ�ضبُه‪ ،‬وكان و�سيبقى دائما حا�رضا‬ ‫يف وجدان كل كاتب م�رصي‪ ،‬عربي‪ ،‬مل ينف�صل �إح�سا�س كتابته �أبدا وال م�ضمونها و�أفقها عن هذا‬ ‫الوجدان وطموحه‪.‬‬ ‫‪13‬ـ هذه الرواية هي بال جدال �إرها�ص لالنتفا�ضات وحركة الغ�ضب التي انفجرت وتتوا�صل‬ ‫يف العامل العربي‪ ،‬وهي دليل �آخر على ا�ستمرار يقظة الأدب‪ ،‬الرواية يف قلبه ك�أقوى جن�س �أدبي‬ ‫ملتقط ومعرب عن النب�ض املجتمعي‪ ،‬وهي تكذب القول املتهافت ب�أن الأدب والأدباء‪ ،‬واملثقفني‬ ‫العرب عموما‪ ،‬ان�سحبوا من ميدان ال�رصاع‪� ،‬أو مل يح�سبوا لزمن الغ�ضب �أي ح�ساب‪� .‬إن الأدب‬ ‫يعمل با�ستمرار يف خط احلفر العميق واملثابر‪ ،‬ويوتي ثماره ب�سقي التقطري ال بالتهريج والتهويل‪،‬‬ ‫والروائيون‪ ،‬على اخل�صو�ص‪ ،‬ال يحملون الفتات مت�شي يف املواكب ادعاء‪ ،‬وال هم مت�سللون ل�رسقة‬ ‫ال�شعارات وابتزاز املنا�سبات‪ ،‬وتفريخ ملفق الكلمات‪ ،‬بل هم‪ ،‬وهم قليل‪ ،‬يرقبون من منارة يف‬ ‫‪197‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫قلوبهم‪ ،‬ويف اجلذور‪ ،‬ومنها ير�سلون ال�ضوء‪ ،‬ليخرج �رسدا من�سقا‪ ،‬حمكم احلبك والتنزيل الفني‬ ‫والر�سايل‪ ،‬وما �أحوجنا �إىل تذ ّكر هذه املثل يف زمن ا�ست�رشى فيه التهريج والف�ساد يف ميدان الأدب‪،‬‬ ‫والتنديد بهما ال يقل م�س�ؤولية عن مواجهة الف�ساد واال�ستبداد الذي تخو�ضه �شعوب العرب حا�رضا‬ ‫وغدا‪ .‬تنتهي"ثالث برتقاالت مملوكية" مب ّوال و�صورة رومان�سية‪ ،‬لتفتح �أفق فرح و�أمل‪ ،‬ك�أمنا لتعلن‬ ‫ب�أن العامل وال الأدب‪� ،‬أن امل�ستقبل‪ ،‬لي�س قامتا‪ ،‬والدليل ما تقوله جنية رمز هذا الأمل كب�شارة‪ ،‬بعد‬ ‫ل�سه فيه �أمل يف‬ ‫كل ما مر من حمن‪":‬‬ ‫ياااه‪..‬ل�سه البنات برتق�ص‪ ،‬وتغني!" ومع �أ ّدول ن�ضيف‪ :‬ياااه ّ‬ ‫ّ‬ ‫الرواية!‬

‫‪198‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫" �سيدي وحبيبي " لهدى بركات‪:‬‬ ‫من الغنائية �إىل جدارة الت�سمية‬

‫يف ال�رسدي ومقت�ضاه‬

‫نحتاج دائما �أن نت�ساءل ـ الت�سا�ؤل املرتبط بقلق املعرفة ـ عن الأ�س�س التي تنه�ض عليها الأجنا�س‬ ‫الأدبية‪ ،‬ال بغية تفكيكها نظريا‪ ،‬مرة �أخرى‪ ،‬ولي�س ل�صنع خرائط جمالية ذهنية ننظم فيها �سرية‬ ‫اجلن�س الأدبي و�سنن تدبريه ‪ ،‬ف�إن تلك عملية موكولة �إىل الدر�س الأدبي ‪ ،‬والنقد املتعني به تخ�صي�صا‪.‬‬ ‫مدعاة الت�سا�ؤل تت�أتى من ال�سبيل الذي �سنذهب فيه‪ ،‬وهي قرينة مبنهجية‪ ،‬لنقل بب�ساطة بطريقة‬ ‫و�شاغل قراءة ال تكتفيان عادة بالتلقي احليادي �أو العابر‪ ،‬بل يحفزهما الف�ضول لإعادة العمل �إىل‬ ‫جذوره بغية �إعادة تركيبه‪ ،‬مبا يك�شف �أ�صله وف�صله ‪ ،‬وخطط اللعب الرا�سمة له بالأدوات املختلفة‬ ‫لهذا اللعب ‪.‬‬ ‫نظن �أنه ال يوجد مثل الرواية جن�سا �أدبيا قادرا مبكوناته‪ ،‬ور�ؤاه ‪ ،‬وطرائق بنائه الفنية‪ ،‬وبعد‬ ‫ذلك الأن�ساق الناظمة له‪ ،‬على توليد الأ�سئلة املت�صلة ن�شوء العملية الإبداعية وجتديدها لفهم متوا�صل‬ ‫للعمل الأدبي‪ ،‬ولفح�ص �إواليات ا�شتغاله؛هذه التي ينبغي �أن نعترب القارئ‪ ،‬ومن باب �أوىل الدار�س‪،‬‬ ‫�رشيكا للكاتب يف �ضبطها ور�سم خط م�سارها ‪ .‬ذلك �أن اجلن�س الأدبي ـ لتكن الرواية يف حالتنا ـ‬ ‫�إذا كان هو تاريخ بنائه من داخل التجربة الإبداعية‪ ،‬ومن ثم انتظامه يف حلقاتها و�شجرة الأن�ساب‬ ‫الكربى التي �سيلتحق بها و�إن ا�ستطاع �أن ميد ن�سبها‪ ،‬فهو يف الآن عينه تاريخ قراءته و�سريورة‬ ‫ت�أويله ت�صنع من العمل ال�ضعف‪ ،‬وتلقحه بطاقة �إجناب التعدد‪ .‬وهذا هو الفهم الأن�سب ملقولة"العمل‬ ‫املفتوح"التي قرئت كن�سق لتعدد التجني�س املنبني على انزياحات الن�ص واخرتاقاته‪ ،‬وفق ت�صور معلوم‬ ‫‪199‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يف تاريخ النقد الأدبي احلديث‪ ،‬بينما يغفل بع�ض �أهل الفهم منظور" مكتبة بابل " البورخي�سي ‪ ،‬من‬ ‫جهة‪ ،‬والتدخل احلا�سم لإوالية القراءة املر ّكبة ـ ذلك املخترب الهرمنوطيقي بالغ الأهمية ـ بو�صفها �أداة‬ ‫حا�سمة يف �إجناز العمل الأدبي للو�صول به �إىل اكتماله‪ ،‬لو �صح له ذلك‪ ،‬ويف احلد الأدنى‪ ،‬من باب‬ ‫املفارقة ‪� ،‬إف�ساد براءة تلقيه‪ ،‬ف�ضال عن ح�سن نواياه املزعومة ‪.‬‬ ‫من نافل القول ب�أن االندراج يف �سياق هذه املقاربة يتطلب‪ ،‬عالوة على الوعي بالنقد‪ ،‬ن�صو�صا‬ ‫م�ؤهلة ويتـ�أهل بها‪� .‬إننا كثريا ما نتحدث عن الأدب‪ ،‬عن ال�شعر والرواية‪ ،‬ب�إطالق‪ ،‬واحلال �أنه ال‬ ‫توجد يف النهاية �إال ن�صو�ص مفردة بها وعلى هدي تكوينها وبذخها الإبداعي تبنى نظرية الأدب‪،‬‬ ‫فيما يهتم تاريخ الأدب بالكم �إىل ما ال نهاية‪ .‬من املفيد �أن ن�ستح�رض هذا الطرح الذي هو �أبعد ما يكون‬ ‫عن االنتقائية بقدر ما يعترب الأدب زبدة و�شذرات‪ ،‬وهو ما كان النقد الأدبي عند العرب يف القرنني‬ ‫الثاين والثالث الهجري �سباقا �إليه‪ ،‬وال عجب �أن يبني غرميا�س‪ ،‬بعد قرون مديدة عن هذا النقد‪،‬‬ ‫نظريته ال�سيميائيةـ العاملية باختبار ق�صة واحدة ملوب�سان" �صديقان" ك�أنها الأدب كله‪ ،‬و�إنها لكذلك‬ ‫تقريبا‪ .‬ولي�س الذوق الذي مل يعد مقيا�سا �أبدا ات�صل بالإ�ستح�سان �أو النفور ما يجيز الت�أهيل‪ ،‬ومن‬ ‫�رضبه �أي رغبة عنيدة‪ ،‬مدعية وملحاح‪ .‬والتقليد مهما تقّيد بالقواعد واقتفى الأثر وال اال�ستمداد من‬ ‫املبذول املجاري لذوق عام �آخر‪� ،‬أ�ضف �إىل هذا حتى االلتزام با�شرتاطات من طبيعة �سو�سيو ثقافية‪،‬‬ ‫و�أخرى تر ّوجها ما ي�شبه "النِّحل" واحللقات النقدية وما يف حكمها ؛ �إن ذلك كله زبد يذهب جفاء‪،‬‬ ‫�أما الأدب الذي ينفع النا�س‪ ،‬طبعا باجلمال ونظام الفن وتدبري حزن الوجود‪ ،‬فهذا ميكث يف الأر�ض‪،‬‬ ‫�أي يف التاريخ العريق ل�شجرة الإبداع الإن�سانية ‪.‬‬ ‫لي�س مثل الرواية ما يجيز هذا الت�صور‪ ،‬الذي نعتربه حمك ت�أهيل الآداب و�صعودها يف مراقي‬ ‫ن�ضجها �أو بقائها تراوح رقعة التعلم وامل�ستن�سخ ‪ .‬ونحن نرى يف جمافاته �أو الإ�شاحة عنه بالدوران يف‬ ‫املتاهات" املحلية " التي ال تف�ضي �إىل �أي منفذ‪� ،‬أو �إعالن التعلق بواحدة من" ال�رصعات" التي لي�ست‬ ‫لها‪ ،‬بالطبع‪� ،‬أي عالقة بالأدب‪� ،‬أي بالكالم املن�شئ ذي الن�سق التعبريي بجمالياته املخ�صو�صة‪ ،‬ال �أكرث‬ ‫من ت�رصيح بالنوايا؛ نقول �إن يف هذا‪ ،‬وغريه وفري‪ ،‬ملما يعوق القدرة يف الكتابة الأدبية العربية احلديثة‬ ‫عن و�ضع جتربتنا التاريخية والإن�سانية يف القوالب والهيئات امل�ؤهلة لها تعبرييا بدون حتفظ �أو خوف‬ ‫على �صحة التواتر الن�سبي �إىل تلك ال�شجرة املعلومة‪ ،‬من نحو‪ .‬وهو ‪� ،‬أي�ضا ‪ ،‬ما جعلنا نتخبط ‪� ،‬إىل‬ ‫ما النهاية ‪ ،‬يف جتريبية نظرية ت�سعى‪ ،‬على الأغلب ‪ ،‬للإنتماء �إىل نهايات التحليل النقدي �أو الإلتحاق‬ ‫بها متغافلة عن املقدمات‪ ،‬متعي�شة على �سقط املتاع النقدي‪ ،‬الذي ال ي�ستطيع ت�أ�سي�س �أي تقاليد �أو �أن‬ ‫تعرتف به هذه‪ ،‬ولذا يظل يراوح مكانه ‪ ،‬ومعه نبقى بعيدا عن طرح الأ�سئلة الأم‪� ،‬أي تلك التي تنجب‬ ‫ـ تنتج الن�ص‪ ،‬ت�ؤ�س�س اجلن�س الأدبي وتعيد‪ ،‬منذ �أم�س واليوم‪ ،‬وغدا‪ ،‬من نحو �آخر‪. .‬‬ ‫‪200‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫لي�س ما نعلن حكم قيمة‪ ،‬بقدر ما هو ا�ستفزاز مق�صود مبثابة دعوة �أخرى للإنتباه �إىل وجود‬ ‫منت �أدبي عربي حديث‪ ،‬حمدث وحداثي‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬تت�ضافر فيه كل �أ�سباب املعقولية والتعبريية‪ ،‬هو‬ ‫املنت الروائي املت�شكل الآن تراثا‪ ،‬والذي غدا بو�سعنا ت�صنيفه وقراءته كرتاث‪ ،‬وهذه �أعلى رتبة ميكن‬ ‫�أن ي�صل �إليها الأدب ال�صطفاء حداثته‪ .‬ال اعتماد هنا بال�رضورة على الكم املرتاكم حتى و�إن مثّل‬ ‫امل�ضمار املادي كمواد خام هي جماع ما يكتب يف جن�س �أدبي‪ ،‬فالرتاكم �رشط وجود املنت وال يفتي‬ ‫حتما ب�أ�صالة النوع ‪ ،‬ومن ورائه بجدارة الكيف ‪ .‬النوع ن�صو�ص م�ؤ�س�سة‪ ،‬تت�سم بخ�صائ�ص اجلن�س‬ ‫الأدبي‪� ،‬أوال‪ ،‬لتنتقل �إىل اختبار واجتهاد خ�صائ�صها‪ ،‬امل�ستقلة والرافدة يف �آن‪ ،‬مكونة بذلك تراكما‬ ‫مو�سوما بها هو املعتمد لدى الباحثني يف نحت مالمح التيارات واملراحل والقطائع التي يحدثها‬ ‫الروائيون املوهوبون ‪ ،‬املجددون ‪ .‬الآخرون وجدوا ويوجدون حتما بحكم �إ�صداراتهم ‪ ،‬فهذا فعل‬ ‫ما يف ذلك �شك ‪ ،‬لكن التاريخ الأدبي �شيء �آخر ‪ ،‬قل �إن مقايي�سه وجمال ن�شاطه �أكرب من �أن يح�رص‬ ‫يف فعل واحد ‪ ،‬و�أ�صغر‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬من �أن تعرث عليه �ضمن م�ساحة �شا�سعة من �سهول وغابات القول‬ ‫الأدبي �أو ما يف حكمها ‪ ،‬ما يحتم ر�سم دليل �سري ومعجم رموز وعالمات و�أيقونات ‪ .‬ومبا �أن الأدب‬ ‫الغربي ‪ ،‬الرواية الغربية �أ�ضحت تراثا‪� ،‬أي �أنها حداثية منذ حلظة والدتها‪ ،‬فهي تتوفر حقا على هذه‬ ‫الع ّدة‪ .‬يت�سلح بها الكاتب والدار�س واملعلق العابر‪ ،‬وزاد لقارئ ال يقبل �أن يذهب �إىل الغابة ويلفى‬ ‫نف�سه هائما على وجهه‪� .‬أعني كما يذهب القارئ العربي الذي تراه يف كل مرة وك�أنه يكت�شف الأدب‬ ‫للمرة الأوىل‪ ،‬ويتعلم الرواية درا�سة �أو هواية يف غياب الدليل‪ .‬ال لتعذر وجوده‪ ،‬فهو ممكن دائما‪،‬‬ ‫ويحتاج �إيل �إعداده با�ستخراجه من ركام تاريخ الأدب‪ ،‬والتخلي عن تلك الق�سمة الإ�صطناعية بني‬ ‫قدمي وحديث‪ ،‬دعك من �سجن الن�صو�ص يف �رشنقة الأدب الوطني‪ ،‬القومي‪ ،‬بالإنتقال �إىل البحث عن‬ ‫�أدبيته‪� .‬أدبية ذات اجتاهني‪ :‬واحد �أفقي‪ ،‬تتكون به الرواية‪ ،‬مثال‪ ،‬وتتحاور يف �سياق التاريخ واالنبناء‬ ‫العامني ‪ .‬وثان عمودي‪ ،‬هو ال�سرية وال�صريورة ال�شخ�صية للن�ص و�صاحبه‪ ،‬وعليها امل ّعول ‪.‬‬ ‫ك�أن نقول‪ ،‬مثال‪� ،‬إننا �سنتحدث‪� ،‬سندر�س الرواية العربية‪ ،‬وهذه الرواية كما كتبت يف بيئة‬ ‫اجتماعية وثقافية هي لبنان‪ .‬نف�سها التي تغلي بالتيارات والأ�ساليب‪ ،‬وحتتل فيها تيمات كربى‬ ‫حيزا كامال باعتبارها مناط ال�رصاع ال�سيا�سي والإجتماعي‪ ،‬وكل ما يكتب يتب�أر حولها‪ .‬لكن يف‬ ‫قلبها‪ ،‬ومن حيث تتنا�سل �إما " �رشعا " �أو بكيفية هجينة روايات تفر�ض نف�سها على الواقع الأدبي‪،‬‬ ‫بحكم انتمائها �إىل التيمة ال�سائدة �أو ابتزازا‪ ،‬ا�ستطاع �أفراد قليلون‪� ،‬أن يجعلوا من رواياتهم مدماك‬ ‫الن�ص الذي ي�صنع �صريورته اخلا�صة بعد �أن انبثق من الرحم العام �ضمن ر�ؤية م�شرتكة ‪ ،‬وبا�ستخدام‬ ‫الأدوات التعبريية املتاحة للجميع ‪� .‬إىل ه�ؤالء تنتمي هدى بركات وت�أتي يف �صدارتهم‪ ،‬ولكل انتماء‪،‬‬ ‫بطبيعة احلال �رشوط وحمددات‪� .‬أولها �أن ميتح الكاتب من معني عام قبل �أن ي�صبح له منهل ذو مذاق‪،‬‬ ‫‪201‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ذلك �أن ال�صفات ُتكت�سب بعد املوروثات‪ ،‬وهذه عماد كل من مي�شي يف درب �إبداع مفرت�ض‪� ،‬سواء‬ ‫تعلمها يف الطريق �أو ن�ضحت يف ثمار حم�صلة التجربة‪ .‬واملعني العام و�ضع اجتماعي‪ ،‬من غري �شك‪،‬‬ ‫ومناخ ثقايف مر ّكب‪� ،‬سواء كان االرتباط به بال�سلب �أو الإيجاب �أو احلياد‪ .‬وهو يف الكتابة ي�أخذ‬ ‫�رضورة معنى االنت�ساب �إىل تقاليد معينة وملزمة يف الأدب بدونها ال ي�ستقيم القول‪ ،‬يف بداياته على‬ ‫الأقل‪ ، ،‬ولي�س لهذا عالقة بالتقليد وال بالتجديد‪ .‬ويف حال �إنتاج روائي بيئته �أو م�صدره لبنان ي�أخد‬ ‫املعني مدلوله املبا�رش املتمثل يف ما �سماه اللبنانيون"احلرب الأهلية"؛هذه التي ب�سبب طولها الزمني‪،‬‬ ‫وجذورها‪ ،‬وجتليلتها ونكباتها‪ ،‬وتداعياتها‪ ،‬باتت ت�شكل حياة ب�أكملها‪ ،‬رغم �أنها النقي�ض يف معناها‬ ‫فهي احلياة الوحيدة املمكنة‪ .‬الدليل على ذلك �أن ع�رشات الن�صو�ص الروائية الذت بها واتخذتها‬ ‫ف�ضاء ومو�ضوعا ومل تتنف�س تلك احلياة �إال ب�شخو�صها ومب�صائرهم ‪.‬‬ ‫الوجه الثاين يف هذا االنتماء هو الإدراك الطبيعي والواعي يف �آن ب�أنه ال توجد حياة �أخرى مبذولة‪،‬‬ ‫�أو ممكنة‪ ،‬كما ن�سميها‪� ،‬إال ما ّ‬ ‫�شكل الأو�ضاع الذاتية والعالقات االجتماعية والإن�سانية يف �أتون‬ ‫زمن احلرب‪ ،‬هي وحدها �أو ما يقع على هام�شها ‪ ،‬ال غريها ‪ .‬ما ينعك�س‪� ،‬آليا وتلقائيا ‪ ،‬على الرواية‬ ‫وامل�شتغل بها ‪ ،‬وذلك بتفكيك التيمة امل�سيّدة‪ ،‬واطراح بداهتها �شبه املبتذلة‪ ،‬بحكم �أنها �صارت‬ ‫على كل الأل�سنة وحربا لأي قلم‪ :‬نعني تو�صيف وت�صنيف"رواية احلرب"‪ .‬ك�أنه ميكن �أن يوجد �شيء‬ ‫�أو �ش�أن �آخر يف زمن ال ا�سم له �إال احلرب ‪ .‬نحن نعلم �أن النقد الأدبي ال�سو�سيولوجي‪ ،‬البنيوي‬ ‫معني ب�إثارة مثل هذه الق�ضايا‪ ،‬لكن م�شكلته‪ ،‬وقد تبعرث بع�ضه يف �أبحاث‬ ‫التكويني منه والعام‪� ،‬أي�ضا‪ٌّ ، ،‬‬ ‫جامعية لبنانية من�شورة ومرقونة‪� ،‬أو يف التعليقات ال�صحفية‪� ،‬أنه اختزايل وم�صادر للمطلوب؛الن�ص فيه‬ ‫�شفيع مل�سبقات‪ ،‬ور�ؤية العامل التي هي املكون املركزي تتبعرث يف ت�شكيلة من العناوين"املو�ضوعاتية"‬ ‫باعتبارها مادة الن�ص وعامله ودالالته‪ ،‬كما لو تعلق الأمر ب�أ�صناف من الطعام يف مائدة واحدة ‪ ،‬فيما‬ ‫الر�ؤية لي�ست للعر�ض و�إمنا هي الكمون‪ ،‬وهي حتما لي�ست فردية بل جماعية �أو على الأقل ت�صور‬ ‫جممع عن واقع كلي‪ ،‬مركب ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ونرى الوجه الثالث لأطروحة االنتماء العام‪ ،‬ناجما نوعا ما عن �سابقه‪ ،‬من االنحياز �شبه الكلي‬ ‫للرواية العربية يف لبنان‪ ،‬خالل الفرتة امل�شمولة بهذه الدرا�سة‪� ،‬إىل مو�ضوع احلرب �أو مادته �أو‬ ‫ظاللها؛ هو انحياز م�سبق‪ ،‬غري ّ‬ ‫مفكر فيه بال�رضورة ‪� .‬صحيح‪ ،‬كما قلنا‪ ،‬ب�أن احلياة انقلبت حربا كلها‪،‬‬ ‫ولكن الأدب ال يعرف عادة االنقالب يف ر�ؤاه و�أ�شكاله بني ع�شية و�ضحاها ولذا ت�صبح الكتابة هنا‬ ‫انخراطا يف الواقع ال �صوغا‪ ،‬بال�رضورة‪ ،‬للأدب‪ ،‬وت�أكيدا �آخر ملقولة الواقعية يف حدها احلريف‪ .‬يف‬ ‫بيئات �أخرى ي�سمى هذا �أدب املقاومة‪ ،‬كما نعرف عن �أدب املقاومة الفل�سطينية‪� ،‬أو يف �آداب غربية ‪،‬‬ ‫فرن�سية و�إ�سبانية و�سوفياتية‪ ،‬وهي جلها ال ت�ؤخد على حممل الإبداع بقدر ما ُت�صنف تعبريا عن موقف‬ ‫‪202‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�أدبي يف ظرف تاريخي؛ موقف الداللة الواقعية تتماهى مع احلدث مناط القول ‪ .‬ليكن ‪ ،‬فهو موقف‬ ‫اللقاء امل�شرتك‪ ،‬ذاك الذي يغدو منعطف افرتاق املواهب وانطالقها بعدذلك يف كل اجتاه ‪.‬‬ ‫ورابع الوجوه‪ ،‬ولي�س �آخرها‪ ،‬للإنتماء العام‪� ،‬أن يح�س الكاتب بوجوده ندا بني �أنداد ‪ ،‬م�ستمدا‬ ‫طاقته وجذوة �إبداعه من ذاته فيما هو يعي�ش ويتحرك يف امل�صهر العمومي للحياة ‪� .‬إنها خا�صية �أخرى‬ ‫تدخل بها هدى بركات يف املدار اجلمعي جليلها مبعاناته‪ ،‬وثقافته ‪ ،‬وال�رصاعات املحتدمة يف زمانه‪،‬‬ ‫قبل �أن ينفرد كل طائر بتغريده ؛هذا الذي يحقق انتماءه �إىل املو�سيقى العظمى للوجود‪ ،‬وبدونها ال‬ ‫يكون‪ .‬وهي كائنة‪ ،‬ال ب�صفتها الأنثوية يف الطبيعة ‪ ،‬وال بابتزاز الإحاالت امل�ستحقة �أو الع�سفية لهذا‬ ‫املرجع ‪� .‬إنها امر�أة تكتب‪ ،‬ال �أنثى كاتبة‪ ،‬وال تبيح لنف�سها‪ ،‬وال لأي متلق �أن ي�صنفها يف تلك اخلانة‬ ‫اال�ستهوائية الال نقدية امل�سماة " الأدب الن�سوي"‪ ،‬يتلهى بها بع�ض النقاد الذين افتقدوا كل م�رشوع‬ ‫نقدي‪ ،‬وغالبا ما تلوذ بها مغ�شو�شات املوهبة‪ ،‬اللواتي ي�ستعملن الأدب كاحللي الزائفة ال�ستجداء‬ ‫اعرتاف ال ي�صمد مع الزمن ‪ .‬ال جمال هنا ‪ ،‬للحديث عن احل�سا�سية الأنثوية ومالحمها يف الإبداع وما‬ ‫�شاكل من هذا اللغو(!)‪.‬‬ ‫�أ�ضحى بو�سعنا الآن‪ ،‬وقد انتهينا من هذه الوجوه‪ ،‬الإنتقال طوعا وانقيادا �إىل ما ميكن اعتباره‬ ‫قطب الرحى يف جتربة كل كاتب‪ ،‬وهو ثابت ما ينفك ير�سخ عند هدى بركات ي�صنع قطبها ‪ .‬ذكرنا‬ ‫�سابقا ب�أن الكاتب‪ ،‬الروائي يف خطتنا‪ ،‬ال بد له �أن ينت�سب �إىل �شجرة الأدب العامة مب�ؤهالت معلومة‪،‬‬ ‫وما ذلك عليه بهينّ ‪ ،‬فكيف لو ارتهن حتقيق جوهر هويته ب�أن يوفر لكتابته "حالتها املدنية" و" دفرت‬ ‫حتمالتها" اخلا�صني بها ‪ .‬هنا حيث ن�ستطيع الغرف من النبع والو�صول �إىل امل�صب‪ ،‬تدفعنا ريح ال�رسد‬ ‫الرخاء يف املجرى الدافق بينهما‪ .‬وقد حتقق ملن �أ�ضحكت احلجر بع�ض هذا وما ميتد‪ .‬ومن ح�سن‬ ‫ُ‬ ‫جمرتح القراءة النقدية لعمل هذه الروائية �أن يجد �أمامه هذا املعطى املركزي‪ ،‬ملتقى كثافة جتربة و�سرية‬ ‫كتابة‪ ،‬فلي�س �أ�صعب من معاجلة خطة ن�صية نا�شئة‪ ،‬كما لي�س �أكرث خطال وخطرا على الدار�س من‬ ‫اجتزاء ن�ص واحد مبعزل عن �إنتاج �صاحبه‪.‬ال بغر�ض التاريخ‪ ،‬وال التتبع التيمي‪ ،‬وال ر�صد مراحل‬ ‫التطور الفني ملجمل نتاجه)كذا) ؛ذلك كله يت�أتى لنا ر�سم خطوطه البيانية يف خريطة موازية مبهارات‬ ‫قرائية متداولة ‪ ،‬و�إمنا لأن العمل الواحد‪ ،‬املفرد‪ ،‬ال بد �أن يتعدد‪ ،‬وهو يحتاج �إىل ذلك يف �سل�سلة‬ ‫الن�سب املتوا�شجة‪ ،‬ال�رشعية‪ ،‬للعمل الكبري‪ .‬ومما الريب فيه �أن القراءة الن�صية احلرفية‪ ،‬ال�سيميائية‪،‬‬ ‫مثال‪ ،‬يف غنى عن هذا امل�سلك لأن الأمر قرين �أ�سا�سا باختيار منهجي‪ .‬االختيار ذاته الذي ميلي‬ ‫فرو�ضه‪ ،‬ويلزم الدار�س لدى تبنيه ب�أن يخ�ضع التلقيـ حالتنا هنا‪ ،‬كما ينبغي التوكيد ـ لوقوع العمل‬ ‫املدرو�س يف �سل�سلة ن�سب ن�صية تنحو �إىل الأدبية الروائية‪ ،‬ولي�س �إىل الأدب الروائي‪ ،‬عموما‪ ،‬مبا �أن‬ ‫كاتبته باتت ت�ستند على تراث‪ ،‬وتنذر املتلقني بفعلها‪ ،‬بحكم نزوعها احلقيقي �أو الإيهامي لإحداث‬ ‫القطيعة مع" تراثها"‪ ،‬من �أجل الرواية دائما ‪.‬‬ ‫‪203‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫يف املنت وتبعاته‬

‫على الرغم من تعييننا لرواية واحدة للكاتبة م�ؤ�رشة يف"�سيدي وحبيبي") بريوت‪ ،‬دار النهار‪،‬‬ ‫‪ ،)2004‬ف�إننا نق�صد متنا بكامله‪ ،‬ونحتاج للتعامل معه بو�صفه كذلك‪ ،‬ومن هنا رجحان مقولة الرتاث‬ ‫ال�شخ�صي عندنا‪ .‬يعرف قامو�س روبري الفرن�سي املنت ب�أنه‪" :‬جمموعة قطع‪� ،‬أو وثائق تخ�ص مو�ضوعا‬ ‫واحدا"‪ ،‬وبت�سليمنا �أن الرواية جن�س �أدبي تعتمل فيه جملة مكونات‪ ،‬املو�ضوع �أحدها ال واحدها‬ ‫ف�إن منت بركات ي�شتمل عندئذ على جمموع الروايات التي �أن�ش�أتها �صاحبته‪ ،‬والعمل املعنون قطعة‬ ‫منه‪ .‬القارئ و�أنا مدعوان‪� ،‬إذن‪ ،‬ال�ستح�ضاره وو�ضعه �أمام �أعيننا وهو غائب فيما نحن نقر�أ �شاهدا‪،‬‬ ‫وبدون ذلك تكون القراءة جتزيئية والتحليل مبت�رسا ‪ .‬نحن ن�ستدعي‪ ،‬بالطبع‪ ،‬قارئا موا�ضبا ‪ ،‬ال‬ ‫هاويا �أو مت�صفحا‪ ،‬متاما كتعاملنا مع املنت الذي ال ينجزه �أي من�شئ هاوٍ �أو وا�ضع لب�ضع حكايات‪.‬‬ ‫بهذا التنبيه لن�ستح�رض عملني نعدهما �أ�سا�سني لهدى بركات‪�":‬أهل الهوى"‪"1993‬و"حارث‬ ‫املياه" ) ‪ .)1998‬يعترب الروائي الأملاين بروخ �أن �أف�ضل طريقة لفهم ظاهرة هي مقارنتها بغريها‪� .‬إمنا‪ ،‬هل‬ ‫جتوز املقارنة يف �سياق منت واحد‪ ،‬خا�صة �إن �آمنا بوجود ر�ؤية كلية ميتح منها العمل ويجليها يف القطع‬ ‫املتواترة ؟ يعلمنا الأدب املقارن ـ برع فيه الأملان حتديداـ�أنك حتتاج يف هذا امل�ضمار �سلفا �إىل مادتني‬ ‫�أو عن�رصين �أجنبيني عن بع�ضهما �أو ال يثبت املطلوب‪ .‬لكن‪ ،‬ال �شيء مينع من ا�ستخدام مفهوم املقارنة‬ ‫�إجرائيا‪ ،‬وخا�صة �إذا كانت الرواية مناط الدر�س �ستحيلنا‪ ،‬ب�أ�سلوبيتها‪ ،‬وهيكلتها ‪ ،‬وطريقة جتني�س‬ ‫اجلن�س الأدبي فيها‪� ،‬إىل منوذج يختلف عنها وتكاد تنكره‪ ،‬وبربوز وجه التماثل والت�ضاد �سي�صبح فهم‬ ‫ظاهرة املنت‪ ،‬ومنع العمل املخ�صو�ص‪� ،‬أف�ضل‪.‬‬ ‫تنت�سب الروايتان الأوليان �إىل ف�ضاء "احلرب الأهلية اللبنانية"‪ ،‬وعاملها ي�صنع يف هذا الف�ضاء كما‬ ‫تن�سج عالقاتها وم�صائرها �ضمنه‪ .‬هذه معلومات مبذولة يف الطريق عن كل رواية ارتبطت بهذا الزمن‬ ‫وحدثيته‪ .‬لهذه احلرب الآن خزانتها الأدبية‪ ،‬والروائية يف قلبها‪ ،‬وال نعلم �إذا مت توثيقها و�أر�شفتها‬ ‫على الوجه املطلوب مما �سيفيد‪ ،‬يف احلقيقة‪ ،‬من جوانب عدة نظن �أن املو�ضوع والأزمات املر�صودة‬ ‫يف �أ�سا�سها‪� .‬سيكون هاما‪ ،‬من نحو �آخر‪ ،‬للذين يح�رشون �أنفهم �أبعد من احلفر ال�سو�سيولوجي �أن‬ ‫ميتحنوا الن�صو�ص بعد �أن عربت اللحظة التاريخية امل�أزومة امل�سوغة لها تيميا ومو�ضوعيا‪ ،‬ولمِ َ ال‬ ‫وجدانيا وفيها كثري مفرط يف احلنني والت�أ�سي‪ ،‬مغمور باحل�س الفجائعي حتى النخاع‪ ،‬مبا يجعلها‬ ‫�أقرب �إىل بكائيات ومرثيات رثة يف �شكل لوحات و�رسديات متهافتة‪ ،‬منها �إىل روايات ‪� .‬إن ما يزول‬ ‫بزوال املو�ضوع يلتحق بالتاريخ‪ ،‬وتكون له قيمة ال�شهادة (‪ ،)Le temoignage‬وما تكمن فيه هاتان‬ ‫ال�سنادتان وقد وقف على قاعدتهما ليت�سنم الذرى الأخرى‪ ،‬فقد �أدرك مرامه ‪ :‬الرواية من غري �شك‪.‬‬ ‫ال يوجد هنا تبجيل وال مفا�ضلة‪ ،‬ولكن حديث يف �صميم الأدب مبا �أنه ميتلك �أدواته امل�ستقلة ل�صوغ‬ ‫‪204‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫العامل‪ ،‬ولتدبري احلزن والفرح فيه على ال�سواء ‪.‬‬ ‫" �سيدي وحبيبي" هي الفي�صل‪ ،‬بحكم �إثباتها �أن ال�سابق عليها باق روائيا‪ ،‬تعبريا �أدبيا فوق �أنه‬ ‫�سجل تاريخية بعينها ‪ ،‬ي�شرتط به الالحق وبه يدعم‪� ،‬أي�ضا‪� ،‬أدبيته اخلا�صة‪ .‬يف هذا الرتابط اجلديل‬ ‫تكمن اخلا�صية الفنية ل�رسديات بركات بتعينها يف �سل�سلة متواليات حكائية يتقوى بنا�ؤها وعاملها‪،‬‬ ‫كما تتكاثف �شجونها‪ ،‬بت�ضعيف عواملها‪ ،‬وتنويع �أنويةـ ج نواة ـ ال�رصاع فيها لتلتقطه دوما �أنا �ساردة‪،‬‬ ‫منطلق ب�ؤرة اخللق والدمار والتلف‪ ،‬ومنتهى الألفة املن�سجمة بالتناغم الالزم الذي يحتاج �إليه �أي‬ ‫تعبري فني يروم قول امل�أ�ساوي وال ي�سقط يف الإبتذال‪ .‬وتتجلى اخلا�صية الثانية الأ�سا�س يف هذا املنحى‬ ‫يف كتابة تنزع �إىل النق�ض ـ وهو �رضب من النقد ـ الذاتي لأ�سلوبها لكي ال ي�ستقر يف �أ�سلوبية وي�ستمر‬ ‫يف توتر ال ينقطع بتفاعل مع التوتر الدرامي الذي ي�صنعه الروائي بحبكته ومنوال حكيه‪ .‬ما من �شك‬ ‫�أننا مع �رسد يتميز بانتقاالته املربكة‪ ،‬القلقة‪ ،‬والتي قد ال تكون حمكمة دائما وهي تر�صد من جهة‬ ‫املتلقي غري ال�سلبي‪� ،‬أي امل�شرتك يف ن�شاط قراءة الن�ص �أو �إعادة كتابته من زاوية �إواليات التلقي‪ .‬ما‬ ‫يقودنا �إىل خا�صية ثالثة مناطها يف كون تواتر النق�ض ي�ؤدي �إىل تعدد م�ستويات ال�رسد بح�سب الأدوار‬ ‫التي ينفذها بني حكي‪ ،‬وو�صف‪ ،‬وحوار‪ ،‬ومونولوغ داخلي‪� ،‬أو وفق التدالل الذي تنطوي عليه كل‬ ‫متوالية �رسدية و�أداة على حدة‪� .‬سن�ستقرئ حتما اخلا�صية الرابعة لهذه الكتابة املطروحة �أ�سلوبيا على‬ ‫م�ستويي التنوع والتفاوت الباحثني عن االن�سجام طورا ‪ ،‬واملفتقرتني له طورا �آخر‪ ،‬فنيا طبعا ‪� .‬إنه‬ ‫يف الواقع تذبذب يف عملية تبئري ال�رسد بح�سب موقع ال�سارد ‪ .‬وخالفا ملا ين�ص عليه النحو ال�رسداين‬ ‫ف�إننا نذهب �إىل �أن فعل التبئري لي�س �شكليا البتة‪� ،‬سواء قاربناه من وجهة نظر جان بوييون �أو عاجلناه‬ ‫وفق توزيع جريار جينيت؛ عندنا ‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل الرت�سيمات املعلومة‪� ،‬أنه دال على مدلول متعلق‬ ‫بر�ؤية وعامل ال�رسد‪ ،‬وب" �إيديولوجيته"‪ ،‬لو �شئنا‪ ،‬كناظم قويل يف هذا املحفل ال�رسدي �أو ذاك ‪.‬‬ ‫وكلما تعددت املحافل تنا�سلت منها امل�ستويات‪ ،‬وفيها على الدوام تقريبا متف�صلٌ بني الذات واملجال‬ ‫الذي تتحرك ـ ميكن ت�سميته مو�ضوعا من باب التب�سيط ـ وهما حموران يتغذيان من بع�ضهما يف كال‬ ‫الروايتني‪� ،‬صنيع "دودة"ماريو فارغا�س يو�صا ب�صاحبها‪ ،‬فينبثق منهما حمور ثالث هو طق�س �أو روح‬ ‫التذويت الذي متار�سه الكاتبة على عملها ‪ ،‬ت�سرتت بقناع ال�سارد �أو �أتى منداحا يف بوح ال�شخ�صيات‬ ‫تن�ضغط حتت هول قوة عاتية ـ احلرب ‪ ،‬طبعا ـ وين�شطر م�صريها بعيدا عن �أي اختيار‪.‬‬ ‫لي�س التذويت مهيمن ًة وح�سب يف الفعل ال�رسدي لهدى بركات ‪ ،‬بل هو مو�سيقى الرواية ‪� ،‬أو‬ ‫�إنه الإيقاع الدفني ي�رسي يف �أو�صال العمل من البداية �إىل النهاية‪ ،‬به حت�صل الرواية على ا�ستحقاقها‬ ‫�أو ال تكون‪ .‬حني يخفت هذا الإيقاع ينقلب ال�رسد �إىل نرث مبتذل مق�صود للحياة اليومية‪ ،‬ذلك �أن‬ ‫ال�رسد الروائي ك�أ�سلوب كتابة جاء لتحقيق هذا الهدف مع التبدل اجلوهري الذي اعرتى البنيات‬ ‫‪205‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫االجتماعية واالقت�صادية للمجتمع الغربي‪� ،‬أي انقالبا على روح امللحمة وتعبريها ‪ ،‬كما تتبنى ذلك‬ ‫الأطروحة اللوكات�شية ال�شهرية ‪� .‬أما حني يعلو ف�إنها الغنائية عندئذ ما يب�سط �سيادته) ‪LE LYRISME‬‬ ‫( ‪ ،‬ال�شيء الذي قد يدفعنا �إىل الت�سا�ؤل عن مدى جتاوب هذا الأ�سلوب‪ ،‬هذا الإيقاع ‪ ،‬مع �رسد مب�ؤر‬ ‫حول احلرب و�شخو�صها وجنونها‪ ،‬من جهة‪ ،‬وعما �إذا كان هذا املنزع ال ي�ؤهل حقا لإن�شاء �أعمال‬ ‫مو�ضوعية قادرة على االرتفاع فوق النرب الذاتي البوحي‪ ،‬الإعرتايف‪ ،‬ال�شعري �إجماال‪ ،‬وا�ستيعابه يف‬ ‫رواية ت�صهر املقيا�س الإ�ستطيقي واملفهوم الوجودي يف حلمة واحدة ‪ ،‬منجهة �أخرى‪ .‬رب قائل ‪� :‬أال‬ ‫يعد كالمنا معادال للقول ب�أ�شكال ما قبل ـ روائية‪ ،‬ويُنظر �إليه مبثابة ت�صنيف‪ ،‬بل وترتيب قدحي‪ ،‬ما‬ ‫قد ي�شي يف النهاية بوقوعنا يف تناق�ض مع ما �أخذ عندنا درجة اال�ستحقاق؟ احلقيقة �أنه ال ينبغي طرح‬ ‫هذا التفكري ال ب�صيغة اال�ستفهام‪ ،‬وال التعجب‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬لأن املراد منه حماولة ر�سم العالمات الفارزة‬ ‫لل�رسد الربكاتي‪ ،‬وت�شخي�صها عودا على بدء ‪ ،‬انطالقا من رواية " �سيدي وحبيبي" ‪.‬‬ ‫ولعل �أول ما يلفت النظر يف هذا العمل �أنه خمتلف‪ ،‬على الأقل من حيث الظاهر‪ ،‬عن عمل‬ ‫الكاتبة برمته‪ ،‬لدرجة �إمكان ن�سبته �إىل �آخر‪ ،‬وبالطبع فالآخر هو ما �أ�صبحت عليه امل�ؤلفة‪ ،‬بعد‬ ‫تفاعل مع الزمن‪� ،‬أو تعامل مع التعبري ال�رسدي‪� ،‬أو �إح�سا�س وفهم مغايرين لتجربة �شكلت حمور‬ ‫�أعمالها ال�سابقة‪ ،‬هي وزمالء لها احرتقوا �إن�سانيا بنار تلك احلرب‪ .‬ولأمر ما تختار بركات ت�أ�سي�س‬ ‫عامل م�رسودها اجلديد على عماد الطفولة؛ العتبة الأوىل للبكارة وم�ساحة البيا�ض الأوىل مل ت�شبها‬ ‫�شائبة‪ ،‬ومل مي�س�سها �ضري بعد‪ ،‬لتنتقل تدريجيا �إىل خطوات الأمل يف درب التجربة‪ ،‬مبعنى اختبار احلياة‬ ‫البغي�ض‪ .‬ولي�س مثل الطفولة و�سيلة ل�صوغ احلياة يف رع�شاتها الأوىل �إىل حدود الرباءة وال�سذاجة‪.‬‬ ‫فكيف والبطل ـ مل نعد ن�ستخدم هذا امل�صطلح يف ال�رسديات‪ ،‬ولكن م�ساره الفعلي‪ ،‬احلكائي دوما‬ ‫بطولة كاملة ـ يحمل �إ�سم"وديع "‪ ،‬ك�إ�شارة �أوىل على مفارقة الوداعة التي تولد و�ستكرب يف حميط‬ ‫الذئاب الذين �سيحولونها �إىل وح�ش كا�رس‪ .‬رغم اال�ستهالل الذي يظهر هذا البطل وقد حتول وقطع‬ ‫�شوطا يف طريق م�صريه ‪ ،‬ويف البحث واملنال اخلا�صني اللذين �سماهما خ�ضوعا وحبا ‪� ،‬إال �أن الرواية‬ ‫�رسعان ما تط ّلق بدايتها الفعلية التي �ست�سري بها‪ ،‬على وجه العموم ‪ ،‬وبارجتاعات حمدودة‪ ،‬يف �رسد‬ ‫خ ّطي مت�صاعد‪� ،‬إذا ما توقف يف حمطات اال�ستبطان �أو املونولوغ الداخلي �أو بع�ض اللوحات وغريها‬ ‫امل�ضي على ُخطى كرونولوجيته‬ ‫من مقت�ضيات حكاية ور�ؤية هذا العمل‪ ،‬ف�إنه ما يلبث �أن ي�ست�أنف ّ‬ ‫تارة ‪ ،‬وحدثيته تارة �أخرى ‪.‬‬ ‫نعترب هذا النهج اختيارا يظهر ال�رسد وهو يتبلور يف ال�سنن الفني للق�صة التقليدية‪ ،‬التي ت�ضبطها‬ ‫الوحدات الثالث املحكمة‪ ،‬كما عر�ضها فور�سرت يف كتابه املرجعي عن فن الق�صة‪ .‬بذا ميثل االختيار‬ ‫�إياه الإ�شارة الأوىل املعلنة من الكاتبة عن نيتها �إحداث تغيري يف م�سار طريقة �رسدها �سرناه ‪ ،‬مع تتبعنا‬ ‫‪206‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫حلكاية العمل(‪ ،)Story‬ولطريقة العر�ض‪ ،‬ومن خالل املوقع املركزي الذي يحتله �سارد ثابت ك ّلي‬ ‫احل�ضور والعلم والفعل �أي�ضا ‪ .‬هو التغيري الذي يقطع مع ما انتهجته يف" �أهل الهوى" و"حارث‬ ‫املياه" واملُملى‪ ،‬كما �سرنى‪ ،‬يف �ضوء جتربة من طينة خمتلفة عن �سمت ونف�س احلبيب اجلديد‪ ،‬لو قبلنا‬ ‫العبارة جتوزا ‪ .‬ما لن يفوت القارئ الإيجابي �أن يتوقف عنده م�ستح�رضا ومغرتفا من فم النبع ونحن‬ ‫برفقته نحاول اال�سرتجاع فيما نبغي التقدم �إىل الأمام‪ .‬لعلها طريقة �شبيهة مبا ذهبت �إليه الكاتبة‪� ،‬أو‬ ‫بالأحرى �سارد ق�صتها‪ ،‬هذه ال�شخ�صية من ورق ‪ ،‬الذي ت�ضيف �إليه دور ال�شخ�صية الأوىل الفعلية‬ ‫‪ ،‬يف ورطة مركبة‪ .‬لنطلع على بع�ض التفا�صيل جتمع عنا�رصحكائية وعاملية وحدثية‪ ،‬وبالإجمال‬ ‫املخت�رص الواجب معرفته عن كل ق�صة حتى يتي�رس لنا تتبع وفهم حتليلها الفني‪ ،‬فموقعها ‪ ،‬بالذات‪،‬‬ ‫يف خط �إنتاج م�ؤلفها ‪ ،‬املدار الأ�صلي الهتمام هذه الدرا�سة ‪.‬‬ ‫يتكفل"وديع"‪ ،‬عمليا‪ ،‬بكل �شيء‪ ،‬من البداية �إىل م�شارف النهاية‪ ،‬وهو يروي الق�صة مباجرياتها‬ ‫و�أو�ضاع �شخو�صها ؛ بدءا منه هو املتوهم �أنه ابن عائلة مو�رسة فيما هي تعي�ش يف الكفاف بدخل الأب‬ ‫الذي يعمل طباخا لدى �أ�رسة ثرية‪ ،‬ومن ثم تتعي�ش العائلة بالبقايا التي ي�ستفيد منها �آخرون مثل"‬ ‫�أيوب" رفيق املدر�سة‪ ،‬والذي �سيحتل م�ساحة كبرية من اهتمام وديع ‪ ،‬واهتمام ال�رسد ‪ ،‬مبا يظهره‬ ‫تارة مكمال و�أخرى نقي�ضا للبطل املفرت�ض �أو الذي ينمو‪� .‬إنهما معا يعي�شان يف ف�ضاء املدر�سة كمخترب‬ ‫لرتبية وعالقات من �ش�أنها �شحذ �شخ�صية وديع ور�سم توجهه يف امل�ستقبل‪ ،‬هي وو�ضعيته االجتماعية‬ ‫العائلية‪ ،‬بانتقاله من التلمذة امل�ساملة‪ ،‬اخلجول �إىل فتوة �أو مراهقة تخلى فيها طوعا عن املدر�سة‬ ‫لي�صنع بيده ما �سي�صبح م�صريه ال�شخ�صي الذي �سيقوده �إىل ال�سيد واحلبيب‪� .‬سيختلط‪� ،‬أوال‪ ،‬ب�أفراد‬ ‫ع�صابة من الفتيان يحملون جميعا كنيات‪ ،‬فيبد�أ واحدا منهم لي�صبح رئي�سهم‪ ،‬امل�رشف على عمليات‬ ‫ال�رسقة وبيع املخدرات‪ ،‬وب�رسعة حدثية و�سيكولوجية‪ ،‬ك�أننا مع ق�صة خوارق‪ ،‬يعر�ض نف�سه وقد‬ ‫�صار "قب�ضاي" كامال بجرائم قتل‪ ،‬واقتتال مع ع�صابات‪ ،‬وبيع وتهريب لأ�سلحة‪ ،‬و�أتباع له هو‬ ‫العراب اجلديد‪ ،‬طبعا الذي البد له من خليلة( �سامية) لتكتمل ال�صورة‪� .‬أما ال�سيناريو فال يكتمل‬ ‫�إال بانتقاله لأ�سباب مت�ضاربة من حميط ن�شاطه الع�صابوي‪ ،‬بريوت‪ ،‬التي ال يذكر ا�سمها وال تو�صف‬ ‫معاملها �إال ملاما‪ ،‬لي�ستقر به املقام يف قرب�ص هو و�سامية يف و�ضع الزوجة‪ .‬هنا حيث تنعطف حياة وديع‬ ‫من رئي�س و�سيد �إىل موظف حما�سب يف �رشكة وتابع ملن �سي�صبح له ال�سيد واملعبود‪� ،‬سواء يف �شخ�ص‬ ‫ال�شيخ الكبري �صاحب ال�رشكة‪� ،‬أو يف �صورة مديرها اجلديد ذي الطباع ال�شاذة‪ ،‬حتى ال نقول ال�شاذ؛‬ ‫املدجن ومي�سي ظال له ‪ ،‬تابعا كاجلرو وم�ضحيا من �أجله بكل �شيء‬ ‫هذا الذي �سينقاد له الذئب ّ‬ ‫و�صوال �إىل عر�ضه وم�ضجعه‪ ،‬بعد �أن كان قد �أ�صيب ُبرهاب عات‪ ،‬وحالة ف�صام‪ ،‬وفتور همة �شاملة‬ ‫كعالمات انقطاع عن احلياة‪ ..‬ثم‪ ،‬فج�أة اختفا�ؤه غري املحدد الأ�سباب �ش�أن رحيله الأول‪ ،‬لتتوىل‬ ‫‪207‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الزوجة امل�شرتكة يف لعبة اخلديعة الكربى مهمة �إغالق دفة رواية تبدو وكانها مغلقة منذ البداية ‪.‬‬ ‫نعلم �أنه اخت�صار‪ ،‬بل اختزال‪ ،‬الهيكل العظمي للرواية ال يغني بتاتا عن قراءتها‪ ،‬فالتفا�صيل‬ ‫والأجواء واخللفيات وتعبري الذات دمها وحلمها‪ ،‬وبنيتها الفنية قاعدتها‪ ،‬وم�ضمونها من مرجعيتها‬ ‫و�أفقها يف �آن‪ .‬وهي كلها عنا�رص وتكوينات جذابة للقراءة والفهم والت�أويل ‪� .‬أول ما متنحه ي�سريا‬ ‫هو القطع مع عامل احلرب اللبنانية مبا�رشة (ح ‪ ،)1‬واالنتقال �إىل ما بدا �أن هذه �أجنبته وغدا منقو�شا‬ ‫فوق جلدها كحروب �صغرية (ح ‪� 1‬أ‪ .‬ب الخ ‪ . )..‬ال تختفي ح‪ 1‬وال تظهر بوقاحة معا؛هي �إحدى‬ ‫مرجعيات الن�ص وواحدة من مراياه لفح�ص بع�ض ما �أ�صاب ال�شخ�صيات من ندوب واجنرت �إليه من‬ ‫�أفعال‪� .‬إن ح‪ 1‬لهي‪� ،‬أي�ضا‪� ،‬أر�ضية قامت عليها ح‪� 1‬أ‪.‬ب‪.‬ما يعني �أنها �صلبة وم�ستقرة كواقع معطى‬ ‫ال جدال فيه امتلك تراكما و�أجنب �أكرث من واقع �آخر‪ ،‬من حرب‪ ،‬هو ما يجدر بالروائي الفطن �أن‬ ‫يقب�ض على جمره‪ ،‬فيجليه كنار ال هام�ش �أو ه�شيم ‪ .‬وليكن هو ذاته ه�شيم احلرب التي مل ترتك ومل‬ ‫واخل�سة والفناء املادي وال�ضياع الروحي‪.‬‬ ‫تذر‪ ،‬فلم يعد يتنا�سل منها �إال الدمار والقتل واجلرمية‬ ‫ّ‬ ‫نحن نعترب �أن اخلطوة احلا�سمة يف كتابة الرواية‪ ،‬بناء على دينامية حقبة تاريخية ما ‪ ،‬يبد�أ من ن�سيانها‬ ‫الذي يتطلب‪� ،‬أوال‪ ،‬تباعدها الن�سبي‪ ،‬وثانيا‪� ،‬إعادة بنائها وتذكرها بالكتابة‪� ،‬أي بالرواية‪ .‬ونرى‪،‬‬ ‫من نحو �آخر‪ ،‬ب�أن تيمة احلرب‪ ،‬بل احلياة التي ت�شخ�صت فيها وبها هي ما �سي�رسد من الآن ف�صاعدا‬ ‫‪ ،‬و�رسده يتبلور �أمامنا‪ ،‬يف حدود اطالعنا‪ ،‬عند هدى بركات‪ ،‬وح�سن داود ‪ ،‬ور�شيد ال�ضعيف ‪.‬‬ ‫لي�س للروائي ما ي�رسده حقا �إال املا�ضي �ضمن الزمن‪ ،‬وهو يختار ويقتطع ‪ ،‬متاما مثلما ي�شذب وينقح‬ ‫يف ال�صياغة‪ ،‬وفطنة الروائي‪ ،‬كما عند بركات‪� ،‬أن ي�ستخرج الد ّرة الكامنة يف �أح�شاء الزمن‪ ،‬و�أن‬ ‫يرينا الوجه الآخر لعملته في�صبح الأوكد والأف�صح ‪ .‬لي�س الروائي م�ؤرخا ‪ ،‬ومن ي�ستوطن التاريخ �أو‬ ‫يتخذه م�صدرا �أ�سا�سا ومتك�أ لكتابة الرواية �أو روبورتاجات يف قالبها ‪ ،‬روائي فا�شل �أوتاه يف الطريق‬ ‫‪ .‬احلرب‪ 1‬موجودة ووجدت‪ ،‬وهي الب�ؤرة الكربى التي يلتقي حولها جميع �أطراف املحيط‪ ،‬هي‬ ‫التاريخ العام‪� ،‬أما الرواية فتُعنى‪� ،‬أ�سا�سا‪ ،‬بالتاريخ اخلا�ص‪ ،‬باجلزئي الذي ي�صبح مركزيا‪ ،‬وباجلن�س‬ ‫الأدبي‪ ،‬يتجن�س‪ ،‬وباملا�ضي الذي ي�ستعاد دوما �إىل احلا�رض‪ ،‬بال�صور والكلمات‪.‬‬ ‫"وديع"بعائلته(�أبيه‪ ،‬فقط)وعالقاته املدر�سية‪ ،‬ومنوه الإجرامي‪ ،‬ثم ال�سيكولوجي املر�ضي‪،‬‬ ‫انتقاال �إىل الإمتدادات الع�صابية الأخرى ‪ ،‬ميثل التكوين الورمي يف ج�سم احلرب‪� ،‬أي اجل�سم املري�ض‬ ‫�أ�صال‪ .‬ولي�س �أمام الروائي‪� ،‬ش�أن الطبيب‪ ،‬من و�سيلة غري الت�شخي�ص‪ ،‬ال منا�ص‪ .‬هناك من يختار‬ ‫الو�صف‪ ،‬لكن بركات ت�ستخدم �ضمري املتكلم لنقول احلالة وت�رسد الرواية يف �آن ‪ .‬رهان �صعب ما يف‬ ‫ذلك �شك‪ ،‬حمفوف ب�صعوبات؛ فثمة طفل يتك ّون ويفرت�ض ال�رسد �أن ير�سم يف الآن عينه م�سار وعيه‬ ‫وتطور ما حوله ‪ .‬ورغم �أن ال�سارد يف �ضمري املتكلم هو �آخر وظيفيا‪� ،‬إال �أن التماهي واحللول املتبادل‬ ‫‪208‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫بني موقعهما ملن الدقة واحلرج �أن يجر �إىل �أكرث من مزلق‪ ،‬من قبيل �أن يقول الطفل ما لي�س له‪ ،‬وقد‬ ‫فعل‪ ،‬و�أن ينزلق �رسد الأنا �إىل بوح �أكرث من �شفاف بلبا�س ف�ضفا�ض‪ ،‬ونراه ين�أى عن وظيفته ليتحول‬ ‫�إىل خطيب م�صقاع‪ .‬ال�سارد مو�ضوع‪ ،‬واملتكلم بطبعه ذاتي‪ ،‬وقابل للمو�ضوعية �إذا ُ�أح�سن التحكم‬ ‫فيه‪� ،‬أي مل يقم بدور �شعري ولكن روائي؛ �إنها م�س�ألة"دوزنة " بامل�صطلح املو�سيقي‪ ،‬التي هي ق�ضية‬ ‫الفن كله ‪ .‬الرتاوح بني املوقعني‪ ،‬وبالتايل ما ي�أخذه ال�رسد كوترية هنا هناك‪ ،‬م�صدره ر�ؤية الكاتب‬ ‫املكونةعن عامل مر�صود يف ذهنه قبل �أن ي�صبح من�سوجا لغويا وم�ستمدا من املكتوب ‪.‬‬ ‫من م�آزق �أو م�صاعب ا�ستخدام �ضمري املتكلم يف" �سيدي وحبيبي"‪� ،‬أن جتد ال�شخ�صية الفاعلة‬ ‫نف�سها وهي ت�شغل �آلية ال�سارد كذلك‪ ،‬عر�ضة للنمو والتحول ال�سطحيني اللذين يتمان بالإخبار‬ ‫والكلمات ال بالو�صف واحلدث‪� ،‬أي ما يبدو مقنعا روائيا ال مريبا وم�ضغوطا كقر�ص مدمج �أو‬ ‫ي�ستدعي طول تخمني‪ .‬هكذا ت�سلمنا الرواية ـ الروائي على الأ�صح ـ �إىل �سل�سلة �أفعال ناجزة بال‬ ‫مقدمات مريحة‪ ،‬هي ه�شة غالبا‪ ،‬والقارئ ال يحتاج ‪ ،‬هنا‪� ،‬إىل احلجة ولكن �إىل الإيقاع واملنطق‬ ‫الداخليني‪ ،‬ينت�رشان كالأوردة يف ج�سم ال�رسد املحمول على عنا�رص اخلرب واحلدث والزمن‪ ،‬خا�صة‬ ‫يف رواية تنبذ من مدخلها �أي نزعة جتريبية ـ با�ستثناء ا�ستهالل يعتمد الفال�ش باك‪ ،‬وهو نهج قدمي ـ‬ ‫ويتحمل فيها بطلها �آلية ال�رسد ليخربنا ويف�رس لنا‪ ،‬وطبعا ليقنعنا �أو نقتنع مبا ي�شبه الأطروحة‪� ،‬أو هذا‬ ‫الو�ضع املذهل حلب ي�شده �إىل �سيد‪� ،‬سيده ‪ ،‬ال يجد له و�صفا وال معنى( �ص ‪7‬و‪ ) 8‬ينثال يف عبارات‬ ‫�سابحة يف التجريد ‪ ،‬وبنت تفل�سف قد يكون له �أي م�صدر �إال عند من انتقل ـ نقل نف�سه ـ من املدر�سة‪،‬‬ ‫�إىل عامل الفت ّوات‪ ،‬فعامل اجلرمية يف مناخ احلرب الكربى‪ ،‬وبجريرتها �إىل املنفى فال�ضياع‪ .‬وكيف‬ ‫خ�رس وداعته لينقلب ذئبا وزعيما دفعة واحدة‪ ،‬ويتفل�سف بعد ذلك حول" زعامته" هذه (�ص‪88‬‬ ‫و�ص‪ 90‬ـ ‪ 91‬وغريها ) ‪ .‬احلق �أنه ال �شيء ي�ضاهي هذا االختالل �إال التحول الذي يجريه وديع على‬ ‫نف�سه ق�رسا وقد �أ�صبح نهبا للخوف‪ ،‬للذعر‪ ،‬على حياته من قتلة يف احلرب �أكرب و�أ�شنع منه‪ ،‬بي�ضة‬ ‫فا�سدة يف حم�ضن عفن‪ ،‬فيغذي فيه ف�صاما بال نظري تالحقه �إىل املنفى القرب�صي حيث �سي�صبح خرعا‬ ‫و�شخ�صية عدمية الإرادة ‪ ،‬من الرثاثة مبكان‪� .‬شخ�صية هي بطولة‪ ،‬تعي�ش ذروتني‪ :‬واحدة لل�صعود‪،‬‬ ‫وثانية لل�سقوط‪ ،‬وبني الذروتني م�سار حياة م�ضاعفة بني حربني ‪ ،‬وتتك�شف عربهما الأوزار والتبعات‬ ‫و ُع�صاب الذات الهالك‪ ،‬كري�شندو ل�سيمفونية احلرب الفاجعة ‪ .‬فكيف ال�سبيل لالنغمار يف هذا‬ ‫كله‪ ،‬وال نقول فهمه ‪ ،‬ما دام مناط االهتمام يف جن�س الرواية لي�س ال�رشح وال الإقناع البارد ‪،‬‬ ‫لكن الت�شخي�ص والو�صف ودرامية املواقف ب�أي �أداة يراها الكاتب �أن�سب‪ ،‬وباحل�س واالنفتاح على‬ ‫املحتمل الذي هو �أحد �ألوان التخيييل الذي ال بد �أن يرقى �إليه ال�رسد الفني ؟‬ ‫نظن �أن هدى بركات ناورت على الإجابة عن هذا ال�س�ؤال م�سبقا ‪ ،‬وذلك بفطنة الروائي الذي‬ ‫‪209‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫راهن على �شيء‪ ،‬بوعي �أن الرهان قابل للربح وللخ�سارة يف الآن عينه‪ ،‬وهو ي�ضع نف�سه‪ ،‬عمله‪ ،‬على‬ ‫م�رشحة وفطنة وعي املتلقي‪ ،‬ويخ�ضع لإواليات تلقيه‪ .‬يتعلق الأمر يف كل عمل حمكم با�سرتاتيجية‬ ‫خطاب‪ ،‬ي�شمل عند الكاتب �سل�سلة �أعمال يف عمل واحد ‪ .‬وكما ال يوجد �أي كتاب من عدم‪،‬‬ ‫ف�إن روايات هدى متكافلة‪� ،‬سواء بالر�ؤية وطريقة عر�ضها �أم مبحاولة االنقطاع عنها واالنزياح فنيا‬ ‫‪ .‬ويف" �سيدي وحبيبي" ت�شتغل اال�سرتاتيجية على حدود القطع مع ما�ض ن�صي‪ ،‬ومبتاخمة حقل‬ ‫جديد على الكاتبة وها هي حتمل متاعها وعدتها وتبا�رش االنتقال �إليه ‪ ،‬خطوة ‪ ،‬خطوة ‪ .‬لقد كانت‬ ‫الن�صو�ص ال�سابقة م�شتعلة بحرائق احلرب ‪ ،‬م�سالكها و�سما�ؤها مقفلة باجلثث‪ ،‬وبها �شخ�صيات‬ ‫تدا�س �أو تنتهي �إىل الفقدان‪ ،‬فال �أمل ‪ .‬كانت الر�ؤية فجائعية‪ ،‬ومهما �سعى ال�سارد �إىل �إحكام قب�ضته‬ ‫على مفا�صل املبنى احلكائي و�إبراز الر�ؤية من املنظورالواقعي‪ ،‬ويف الت�شخي�صات الأ�شد فداحة‪ ،‬ف�إن‬ ‫منبع اخلطاب ذاتي‪� ،‬أي �شعري‪ ،‬يقع قريبا جدا من نريان احلرب الالفحة‪ ،‬ولذلك جاء ق�سم غري قليل‬ ‫منه ‪ ،‬يف �صورة �أ�شالء ولوحات هي لواعج القلب ون�شيد الوجدان‪ ،‬يف مرثيات للذات والآخرين‬ ‫على �صهوات لغة مط ّهمة ب�أ�صناف املجاز ‪.‬‬ ‫ت�سمى هذه الظاهرة الوجدانية والتعبريية ب" الغنائية"‪ .‬يعرف ميالن كانديرا الغنائية بكونها‪":‬‬ ‫طريقة ما يف احلياة‪ ،‬و�أن القطب الغنائي‪ ،‬من وجهة النظر هذه‪ ،‬لهو الت�شخي�ص الأمثل للإن�سان‬ ‫املفتنت بروحه اخلا�صة‪ ،‬وبالرغبة يف �إ�سماع �صوتها"( ‪ Le rideau‬ـ ال�ستار‪ ،‬باري�س‪ ،‬غاليمار‪،2005 ،‬‬ ‫�ص ‪ .)106‬وي�ضيف كانديرا‪ ،‬ب�أن" الروائي يولد من �أنقا�ض عامله الغنائي"(�ص‪� ،)107‬أي كيف �أنه‬ ‫من هذه اللحظة ي�رشع يف �إحداث حتول يف كتابته مت�س جوانب جوهرية‪ ،‬وهو ما يعترب عنده مبثابة‬ ‫اعتناق ملذهبية جديدة(الـ غنائية) وقد �أ�صبح فج�أة على م�سافة مما كان فيه �أو عليه ‪.‬ال ن�أخذ هذه‬ ‫الأقوال بحذافريها‪ ،‬و�إن كنا ن�ستفيد من اخلربة والتجارب املنبنية عليها‪ ،‬ويف �سياقها ن�ضع رواية‬ ‫"�سيدي وحبيبي" التي بقدر ما تهتدي فيها �صاحبتها بتجربتها اخلا�صة‪ ،‬واملتفردة يف �أكرث من ناحية‪،‬‬ ‫تنزع يف الآن عينه �إىل قدر �أعلى من الن�ضج بتجاوز الغنائية التي هي مرتبة‪ ،‬وال ينبغي النظر �إليها‬ ‫كمثلبة بال�رضورة ـ �أي ‪ ،‬كعدم ن�ضج‪ ،‬كما مييل �إىل ذلك كانديرا ـ ‪ .‬ومبا �أن تغيرياالجتاه �أو املذهب‬ ‫�أ�شبه ما يكون بالردة بالن�سبة للم�ؤمن ُترى رواية بركات الأخرية ك�أنها يف املنزلة بني املنزلتني بني عاملني‬ ‫و�أ�سلوبني ‪ ،‬ويف �سبيل ال�سيطرة على العامل املر�صود ب�أزمته‪ ،‬والقب�ض الكلي على نا�صية ال�شخ�صيات‬ ‫وال�رسد وكل �شيء‪ ،‬ف�إن �ضمري املتكلم‪ ،‬البطل وال�سارد‪ ،‬ومعه تلك الرغبة احلارقة لقول الأنا (‬ ‫غنائيا) يتحول �إىل �رشك يقيد منزع التجربة اجلديدة �إىل اللعب القدمي وي�شو�ش على ر�ؤية و�إيقاع‬ ‫الإنتقال‪� .‬إمنا‪ ،‬لي�س بو�سع الكاتب �أن ي�ضمن �شيئا من البداية ‪ ،‬وهو روائي حقا لكونه وهو يكتب ‪،‬‬ ‫وهي تكتب ‪ ،‬يتحرر من امل�سبق والت�أويل اجلاهز ‪ .‬يبحث ويكت�شف ليجد �أمامه الر�ؤية ال املو�ضوع‬ ‫‪210‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪ ،‬واخلطاب ال التيمة‪ ،‬والفن �أكرب من �أجنا�سه‪ ،‬ونظن �أن هذا ي�سمى عند هدى بركات ‪ ،‬وعند كل‬ ‫كاتب مو�سو�س ب�إبداعه‪ ،‬امتالك الأجنحة للتحليق يف فلك اجلدارة الروائية‪ ،‬وهي‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬مقامنا‬ ‫احلرب التي �أر�سل ثربانت�س دون كيخوتى ليك�سبها ‪ ،‬وما تزال جبهتها مفتوحة بتوايل الفار�سات‬ ‫والفر�سان ‪.‬‬

‫‪211‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪212‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫جماليات العطب يف‪:‬‬

‫البيا�ض" حل�سن داوود‬ ‫حي‬ ‫ّ‬ ‫" ُلعب ّ‬ ‫لك�أن الرواية عند ح�سن داوود ال تكون �إال بوجود الإعاقة‪ ،‬و�أن هذه هي ن�سغ احلكي ‪ ،‬حاف‪،‬‬ ‫ومربره بال جدال ‪ .‬هذا ما تدفع �إىل االعتقاد به �أعمال داوود‪ ،‬الذي يثبت يف �إ�صدارات متتالية قدمه‬ ‫يف م�ضمار الرواية‪ ،‬وت�شييده التدريجي ملعامل بنائه اخل�صو�صي‪ .‬وهو توافق �رضوري بدونه ي�صبح‬ ‫�إ�صدار العمل‪ ،‬من هذا الكاتب �أوتلك‪ ،‬ا�ستعادة م�سفة‪ ،‬بدل �أن تف�ضي �إىل جتدد الر�ؤية وال�صياغة‬ ‫والداللة‪ ،‬ت�ؤدي �إىل �إ�سفاف م�ضاعف نتيجة قراءة ‪ /‬قراءات متهالكة تُغلب مفهوما متع�سفا وت�أويالت‬ ‫مبت�رسة‪ ،‬والن�ص الروائي يف منظارها ور�ش ح�صى ورمل وحديد ‪ ،‬خليط من مواد ميكن �أن تُر ّكب‬ ‫كيفما اتفق‪� ،‬أي ال �أهمية لكيفية �صنعته‪� ،‬إذا كان �سي�ؤدي‪ ،‬بال�رضورة‪� ،‬إىل ق�صد حمدد( كذا) �أو �إىل‬ ‫�إمكانية ا�ستقاء املعنى املعلوم ‪ ،‬املبا�رش يريده ناقد �أو قارئ حمرتف مزعوم‪ .‬وعندما يغفل هذا الأخري‬ ‫ب�أن جوهر عملية التلقي يكمن‪ ،‬ال يف التف�سري �أو الت�أهيل امل�ضموين للعمل‪ ،‬وال كذلك يف ا�سرتجاع‬ ‫املحكي ال�رسدي على الن�سق اخلطي‪ ،‬وبالتعيني املبا�رش للفاعلني املخل مبيثاق و�ضعهم التخييلي‪ ،‬بل‬ ‫يف �إعادة تركيب الن�ص‪ ،‬مادة تتزوج �شكال والعك�س‪ ،‬لر�صد حلقاته ومراحل وبُنى تكوينه ‪ ،‬وهو‬ ‫ما يجعل من �سنن التخلق �أهم عملية يف تناول النقد للن�ص الأدبي‪ ،‬طبعا حني يتخذ املظهر ال�صحيح‬ ‫للنقد‪ ،‬ال الكالم املر�سل على عواهنه‪ .‬ولي�س ما يتلف العمل مثل هذا ال�رضب من الكالم‪ ،‬وال ما يُ�ضري‬ ‫الروائي املثابر كمعتنقيه ‪.‬‬ ‫ويف النهاية‪ ،‬من هذه الناحية‪ ،‬فال لننحى بالالئمة على طرف حمدد ‪ ،‬فهو �سيتبدد وحده �إذا �أ�ضاع‬ ‫الهدف وتاه يف الطريق‪ ،‬بقدر ما نرانا نلح على مركزية فعل القراءة لت�أهيل قومي للأعمال الأدبية‬ ‫‪213‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ال�صميمة‪ ،‬الناه�ضة على �أعمدة البناء والرتكيب والتو�سع ‪ ،‬تن�شد من يغور يف عمقها وهو يج�س‬ ‫لتلم�س �سبب الإعاقة‪ .‬تبد�أ كتابة داوود من اللحظة التي ينطفئ‬ ‫مفا�صلها‪ ،‬ين�صت �إىل النب�ض �ساعيا ّ‬ ‫فيها ال�ضوء ‪ ،‬ويخفت ال�سمع ‪ ،‬وتتعطل احلوا�س كلها تقريبا‪ ،‬ت�ضيع منها قدرة الإم�ساك باجل�سد‬ ‫وتطويعه ليخو�ض حياة املادة‪ ،‬وتعطب �إثرها الدخيلة ت�سكنها املرارة واخلذالن ‪ .‬وما هذا الفتور‪� ،‬أي‬ ‫نهايات الأ�شياء‪� ،‬إال ما يعد املنظور امل�ألوف للحياة ‪ ،‬يف قلبها الإن�سان‪ ،‬قبل �أن تت�سلمها اليد ال�صناع‬ ‫للكاتب‪ ،‬للروائي‪ ،‬تُراه يريد �أن يقلد اخلالق الأول الذي يحيي العظام وهي رميم‪ .‬ومن حيث تقتن�ص‬ ‫الكتابة العجز‪ ،‬وتر�صد مواطن العطب‪ ،‬تنحو‪ ،‬بر�ؤيتها و�أدواتها‪� ،‬إىل �إعداد نظام م�ستقل‪ ،‬الكمال‬ ‫نامو�سه الأعلى؛ لذلك نزعم �أن الرواية‪ ،‬التي تتجلى بهذه اخلا�صية �أكرث من �أي نوع �آخر‪ ،‬تعد‬ ‫جن�سا �أدبيا مثاليا ورومان�سيا على الدوام ‪ ،‬بنزوعها امل�ستمر لالنت�صار على اال�ستحالة‪� ،‬أي العجز‬ ‫وبذرة العطب املع�ش�شة يف قلب الوجود الإن�ساين‪ ،‬وهذا ما جعل الوهم والإيهام ميثالن جناحيها‪،‬‬ ‫مخ الكيخوطي بجنون مقارعة طواحني الهواء‪ .‬و�سليل و ّ‬ ‫يف لهذا‬ ‫طارت بهما منذ �أن ا�ستبدل ثربانت�س ّ‬ ‫الرتاث ون�سل منحدر من �صلبه‪ ،‬كح�سن داوود‪ ،‬ال قِبل له بهجر هذا اخلط ‪ ،‬واملعول عليه عنده‬ ‫‪ ،‬بعد اقتفاء الأثر‪ ،‬ال�سري بخطى واثقة يف طريق اختطها بعناية منذ عمله الأ�صلي ‪ " :‬بناية ماتيلد "‬ ‫حي البيّا�ض"‬ ‫(ب‪.‬م) مرورا بوجه خا�ص ب " ماكياج خفيف لهذه الليلة "(م‪.‬خ) وانتهاء ب" لُعب ّ‬ ‫(ل‪.‬ب) ‪ .‬وعربها ثالثتها‪ ،‬على الأقل‪ُ ،‬ر�سمت �صورة عامل‪ ،‬ونُق�شت خطوط وجوه و�أماكن‪ ،‬مثلما‬ ‫متثلت م�صائر؛ هذا كله بني ُعرى التف�سخ والتمجيد لأن الرواية يف تخلقها الداليل املن�سدل من حلمتها‬ ‫الفنية حتتاج �إىل هذا االفرتاق والتمف�صل ‪.‬‬ ‫يف الأعمال املذكورة تتجه اليد الروائية �إىل معاجلة اله�شا�شة يف الإن�سان مبا�رشة وقد ا�ستوطن‬ ‫املكان الذي �أعاد حلوله فيه بتبادل عالمات �سيميائية وخطابية‪ ،‬ويف احلالتني كلتيهما فهناك الب�ؤرة‬ ‫التي ينبغي �أن ينقاد �إليها ‪ ،‬كال�رشيان ‪ ،‬الدم الواحد اجلاري يف ج�سم العمل )‪ ،)L’œuvre‬وبدون ذلك‬ ‫فهم ملاذا تكون الرواية ‪ ،‬ولي�س �أي جن�س �آخر جدير ًة‬ ‫ف�إمنا هو ال�شتات يتخبط فيه من ال يح�سنون َ‬ ‫مبحفل التمثيل والت�شخي�ص و�إر�سال اخلطاب الدال بدوال حمددة ‪ .‬بالإمكان الإ�شارة �إىل (م‪.‬خ) على‬ ‫�سبيل املثال ليظهر لنا �إىل �أي حد ميكن للإعاقة �أن تتحول �إىل مولّد لطاقة حياة ـ �رسد ـ جديدة على‬ ‫امل�ستوى الأفقي للعي�ش الفردي اجلماعي‪ ،‬ويف الآن نف�سه ت�صنع لها‪ ،‬وقد ا�ستفحلت عاهة ًنف�سية‪،‬‬ ‫ب�ؤرة لال�ستذكار و�إعادة ت�شكيل الذات ب�رسد الباطن‪ ،‬على امل�ستوى العمودي‪ .‬هنا يحدث �أكرب منو‪،‬‬ ‫ي�صبح بدوره احلدث الذي ي�سمح للرواية ب�أن متتد على م�ساحة جتميع العنا�رص ال�صغرى والفرعية‪،‬‬ ‫كمعلومات وم�ستن�سخات وم�شهديات متفرقة‪ ،‬جغرافية‪ ،‬تاريخية‪ ،‬ف�ضائية‪ ،‬وحتى وجدانية‪ ،‬بينما‬ ‫الأهم كامن يف الباقي ‪ ،‬قل الكل‪� :‬إنه العطب ينغل يف كل �شيء‪ ،‬وهو دينامو ال�رسد‪ ،‬وطاقة النمو‬ ‫‪214‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫لل�شخ�صية‪/‬الفاعل املركزي‪ ،‬وعربه تتمثل الر�ؤية داال ومدلوال‪.‬‬ ‫لن يحيد ح�سن داوود عن هذه الر�ؤية يف روايته "لعب البيا�ض"(دار الآداب‪ )2005 ،‬ـ لك�أنها‬ ‫قدمية ما دامت متتح من املعني نف�سه الذي ي�سقي عط�ش الكاتب‪ ،‬ومنه ي�ست�سقي حليوات رعية مملكته‬ ‫ال�رسدية ـ منها يرفد ويعيد‪ ،‬حت�سب �أن لي�س غريها‪ ،‬عداها‪ ،‬و�إذ العودة‪ ،‬التكرار‪ ،‬ا�ستئناف املعنى ُمب ّدهاً‬ ‫يف اعتياده‪ ،‬ح ّد الإحلاح والدوران على حمور واحد‪ ،‬هو يف احلقيقة الدليل الأقوى على �أن داوود‪،‬‬ ‫هذا‪ ،‬ال يريد �أن يكتفي بو�ضع كاتب رواية‪ ،‬واحدا من ع�رشات يف رواق متفرقني على خريطة �أدبنا‬ ‫احلديث‪ ،‬و�إمنا يطمح مل�رشوع روائي منتظم يف تبلوره‪ ،‬م�صوغ على مراحل وقواعد‪ ،‬ومن�ضد وفق‬ ‫عالمات وموا�ضيع وعوامل‪ ،‬ومن ثم تتطلب قراءة �أعماله مقاربة �سياقية و�إ�شارية‪� ،‬أي ت�ستبعد انطباع‬ ‫اللحظة و�إ�سقاط فر�ضيات واردة �أو حمتملة لت�صفية ح�ساب مع املعنى واالن�رصاف �إىل �آخر‪ ،‬كما لو �أن‬ ‫الروائي هو م�ستخدم يف ور�شة لتلقي طلبات الزبائن وتلبيتها على ح�سب موا�صفات تروقهم ‪.‬هكذا‪،‬‬ ‫�إن �أراد �أحد �أن ينظر يف ما�ضيه �سرية ذاتية له‪� ،‬أو �سرية غريية ال ميكن �إال �أن تف�ضي �إليه يف النهاية ‪� ،‬أو‬ ‫�رسدية بيوغرافية ُمذ ّوتة تحُ �رش يف �إطار رواية العائلة‪ ،‬ف�إنه ال يكون معنيا بهذا الت�أويل �إال بالقدر الذي‬ ‫ي�ؤكد �سذاجة قراء ٍة غُفل من املرجعية‪ ،‬تتطامن �إىل املعطى املبا�رش‪ ،‬ووجود‪ ،‬وقوع معناه‪ ،‬ر�ؤيته ثاوية‬ ‫ال�سرب وال�صرب الطويل‪ ،‬يف جنة‬ ‫يف القرار‪ ،‬بعيدة عن �أعني الف�ضوليني‪ ،‬ومهداة �إىل ال�سرّ اة يف ليل ّ‬ ‫وتك�شف‪ ،‬وفكك‪،‬‬ ‫حي البيّا�ض" اقرتب كثريا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ن�ص هم بها فاكهون‪ .‬ح�سن داوود يف روايته " لُعب ّ‬ ‫و�شخ�ص نا�سه ‪ ،‬و�أهله وع�شريته الأقربني والأباعد‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬وبدا ك�أنه �أعطى كل �شيء‪،‬‬ ‫وفتّت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫�ضحى مبا خلفه‪ ،‬وهو يف احلقيقة ما فعل �أو بالأحرى �أ ْو َه َم �أنه فعل �إال‬ ‫وا�ست�سهل مابني يديه‪� ،‬أم لعله ّ‬ ‫ليزداد بُعدا مت�شا�سعا يف امل�ساحة الورائية التي ميتد فيها عامل الكاتب حمجوبة ب�أ�رسار القراءة القمينة‬ ‫بتوليد الن�ص القادم؛ كل ت�أويل معطى‪ ،‬كل قرب مدرك‪ ،‬كل ك�شف مبذول هو اللثغة الأوىل يف تعلم‬ ‫حروف الأبجدية ‪ ،‬بينما الرواية هي الرتكيب �أبدا ‪ ،‬والرواية تركيب �أوال و�أخريا‪.‬‬ ‫هذه ال�صيغة تبد�أ‪ ،‬وال تنجح‪� ،‬إال ب�رسد يتواله �سارد تتفاوت ا�ستعداداته واخت�صا�صه‪ ،‬ويف احلالتني‬ ‫معا عليه املعول ليعرفنا على حكايته‪ ،‬وقد �أحكم امل�ؤلف قب�ضته عليه ير�سي بوا�سطته ُع ُمد بنائه من�شئا‬ ‫جغرافية حمكياته‪ .‬يف هذه الرواية بالذات يلقي الكاتب على كاهل ال�سارد �أعباء �شتى‪ ،‬فيها ما يفوق‬ ‫قدرات و�ضعه‪ ،‬وهذا �أحد االختبارات التي يتعر�ض لها جميع الروائيني حني يعتنقون رهانا مماثال‪ .‬بيد‬ ‫�أن الأمر هنا �أكرث تعقيدا من ناحية طبيعة الوظيفة ال�رسدية التي يراد منها �أن ت�صنع �ضفرية جمدولة ب�إتقان‬ ‫بني و�ضع" �أنا" ت�رسد نف�سها‪ ،‬وو�ضعها وهي ت�رسد"هم" وتتوىل يف الوقت نف�سه ر�سم املحيط الذي‬ ‫يعي�ش فيه الطرفان‪� ،‬أو يتعاي�شان‪ .‬ولي�س �صدفة �أن تتوىل املهمة امر�أة‪� ،‬أنثى‪ ،‬فذلك يدخل يف نظام‬ ‫امل�ؤلف وخم�صو�ص بالر�ؤية املن�سوجة يف العمل كلاُ ًً‪ ،‬م�ؤداها يقوم على العطب‪ ،‬واله�شا�شة مظهرها‬ ‫‪215‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الأول اجلارح‪ ،‬ك�صورة ـ هي فكرة �أو�إيديولوجيا( براديغم �أ�سا�س للعمل) ل�ضعف الإن�سان عموما‪،‬‬ ‫ت�شخ�ص يف الأنثى الواقعة �سلفا يف م�سبق حكم ال�ضعف‪ .‬تتحدث ال�رسدانيات عن جمموعة‬ ‫فكيف �إذا ّ‬ ‫�أو�ضاع لل�سارد ميكن للمهتم �أن يجدها مف�صلة ومر�سومة بتدقيق عند جريار جنيت خا�صة‪ ،‬ويف‬ ‫قلبها و�ضع ال�سارد العليم‪ ،‬الفاعل معا ‪ .‬و�صبحية‪ ،‬التي لن ننتبه �إال بعد قراءة ع�رشات ال�صفحات‬ ‫�إىل �أنها هي املوكول �إليها هذه الوظيفة‪ ،‬تو�ضع �سلفا يف قلب احلكاية التي متثل حياتها‪ ،‬و�أهلها ‪،‬‬ ‫وحميطها‪ ،‬وفيما عرب و�سائط الآخرين التي ت�ؤدي �إليها؛ فك�أن فل�سفة �ضعفها تفر�ض عليها �أن تكون‬ ‫بال �صوت‪ ،‬بال �أفعال تخت�ص بها‪ ،‬بال خطاب يخ�ص�صها‪ ،‬و�إن حدث �شيء من هذا فلن ي�أتي �إال يف‬ ‫النهاية‪� ،‬أي حني يكون العطب قد بلغ مداه �أو �أكرث‪�ُ .‬صبحية الأم ـ التي �ست�صري �أ ّماً ـ �ستبد�أ بغزل كل‬ ‫�شيء من خيوط االن�سحاب التدريجي لأمها من احلياة عرب مالمح اله�شا�شة التامة املو�سومة بها‪:‬عمى‬ ‫الب�رص؛تع ّوق الرجلني؛ و�ضع املقعدة‪ ،‬عدمية احلركة؛ الثبات يف مكان واحد‪� ،‬أي االنقطاع عن احلياة‬ ‫حرك ًة ومنواً‪ ،‬الخ‪ .‬وبدءا من حالة الثبات املع ّوقة �ست�رشع مبفردها يف �سلّ خيوط احلكي‪ ،‬مرهفة‬ ‫ومفتولة‪ ،‬بني خطرات وتكوين الذات‪ ،‬وامتدادا ملا هو خارجها يف حميط ومكونات احلياة ‪.‬‬ ‫�أيا كانت هوية �صبحية يف عالقتها بامل�ؤلف ـ وال يوجد �أي ميثاق يعينّ عالقة قرابة‪ ،‬وتطابق ا�سم‬ ‫�شخ�صية مع ا�سم كاتبها �ش�أن نافل حتى ولو ورد ا�سم ح�سن (‪ )54‬مرة على ما عددنا ‪� ،‬إذ ميكن‬ ‫من�صبة يف و�ضع م�س�ؤولية ‪ :‬قيادة ال�رسد وت�شخي�ص البطولة‬ ‫ا�ستبداله بعمرو �أو زيد ـ ف�إنها منذ البداية ّ‬ ‫املركزية للم�رسود ‪ ،‬وهو ما �أملى على امل�ؤلف قبل ذلك م�س�ؤولية تخطيط مغامر ومر ّكب‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ �إنه جعل من هذه الفاعلة ب�ؤرة املحكيات‪ ،‬كرباها و�صغراها‪ .‬ومنظورها هو را�سم امل�ساحة‬ ‫ال�رسدية‪ ،‬وخملوقاتها‪ ،‬وما ميكن �أن ينجم كت�أويالت ؛‬ ‫‪ 2‬ـ ومن مت اختط لها طريقا ت�شقه ل�صعود حياتها‪ ،‬بد�ؤه يف الطفولة‪ ،‬ومنتهاه العجز (العطب)‬ ‫وم�شارف املوت‪ .‬لكنه لي�س ب�أي حال خطا طوليا‪ ،‬فمهارات اللعب تك�رسه �أو حتلزنه لتعود فتب�سطه‬ ‫بالإخرتاقات العديدة حليوات �آخرين تزيد من كثافته حتى ال تبقى جمرد حكاية �أ ّم من �صباها �إىل ذرى‬ ‫�ضناها ؛‬ ‫‪ 3‬ـ على �أنها عملية قابلة لإثارة الريبة وذلك بو�ضع الكاتب مبا�رشة على ل�سان بطله‪ ،‬لأننا ينبغي‬ ‫�أن نقتنع حقا ب�أن �صبحية هي من ي�رسد ‪ ،‬ويقب�ض على زمام كل �شيء ‪ ،‬من البداية �إىل النهاية‪ ،‬واحلال‬ ‫�أن م�ؤهالتها ال ت�سمح البتة بذلك‪ ،‬ما فر�ض على داوود جتريبية لغوية تب�سيطية بدت يف غري مقطع‬ ‫ومنا�سبة حمفوفة باملخاطر‪ ،‬ب�سبب عدم املواءمة‪ ،‬من جهة‪ ،‬وبتوريطها يف وعي كلي ـ هو وعيه ـ يراد‬ ‫له احتواء كل م�ساحة و�أبعاد الق�ص من لدنها‪ ،‬من جهة �أخرى ‪.‬‬ ‫�أيا ما كان الأمر ف�إن" لعب حي البيّا�ض" تروم مبختلف الو�سائط ‪ ،‬عرب �شخ�صية منتقاة ‪ ،‬متجيد‬ ‫‪216‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫واملهم�شة يف �آن‪ ،‬وحيث‬ ‫امله�شمة‬ ‫و�ضع �إن�ساين يت�شيد �أ�سا�سا من ال�سرية الغفل‪ ،‬والبقايا املنزوية �أو ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال�ضعف والعطب والتلف احلتمي املتوا�صل هي وجوه البطولة بال منازع �أمام �صالفة النا�س‪ ،‬وف�ضا�ضة‬ ‫الواقع‪ ،‬وجربوت بع�ض الأحداث‪ .‬تبدو �صبحية‪ ،‬وك�أمنا تنا�سلت طباعها من �شكل لُعبها املنفو�شة‪،‬‬ ‫�أو غري املح�شوة جيدا‪ ،‬فتدرجا وهي تتقن فن اخلياطة لت�صنع كل �شيء على مقا�س‪ .‬تبدو‪ ،‬وهي تراقب‬ ‫�أمها‪ ،‬بني مهاراتها ال�سابقة ‪ ،‬وم�شاهد �إعاقاتها الالحقة ك�أنها ت�ستبق م�سار حياة لي�س لها خيار فيها ‪،‬‬ ‫وعلى يدها ـ من عينيها وب�رسدها ـ تر�سم �أمامنا خ�صائ�ص املكان ( النبطية ) باعتبارها الف�ضاء احلاوي‬ ‫لل�شخ�صيات‪ ،‬وم�رسح حركتها وما �سيطر�أ على الزمن االجتماعي‪( ،‬ال�سيا�سي‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬بخفوت)‬ ‫من تبدالت‪� .‬أولها‪ ،‬انتقالها من بيت العائلة النبطي �إىل حي �آخر يف البلدة ذاتها‪ ،‬لكن خ�صائ�صه‬ ‫ال�سو�سيولوجية قروية‪ ،‬ولن يكون هذا مظهر �رشخ ذاتي بل ثقايف عميق‪ ،‬هو مظهر للخلخلة ال�شاملة‬ ‫ملجتمع ب�أكمله يف مهب رياح عديدة ‪.‬‬ ‫ال�سيرَ ي‪ ،‬الذي عمل الروائي على ت�شخي�صه وا�ستثماره‬ ‫بهذا الإنتقال تدخل �صبحية العامل اجلديد‪ِّ ،‬‬ ‫�سطحا وعمقا‪ ،‬ومن خالله �سعى كذلك �إىل توليد الأبعاد اجلمعية �أو ال�سرية اجلمعية‪ ،‬خا�صة و�أن‬ ‫بطلته ـ �شخ�صيته املركزية املنتقاة ـ ال تعدو �أن تكون �أحيانا �أكرث من ناظور لر�ؤية الآخرين وتهجني‬ ‫�أو�ضاعهم ‪ ،‬ومر�صدا لتفكيك البنية االجتماعية التي يفرت�ض �أن الرواية تنه�ض عليها‪ ،‬ولإبراز‬ ‫مفارقاتها وهجنتها اخلِلقية‪ ،‬وا ُخل ُلقية ‪ ،‬وال�سلوكية ‪ ،‬كطرف مقابل الطرف امل�ستقر‪ ،‬املتمدن‪،‬‬ ‫التليد والعائلي باملعنى الرومان�سي‪ ،‬من طرف �آخر‪ .‬ال ب�أ�س‪ ،‬يف مرحلة �أوىل �سنتعرف على ُ�صبحية‬ ‫يف عاملها اجلديد‪ ،‬وقد تزوجت �شابا قرويا‪ ،‬غِ ّرا‪ ،‬ال يعرف حتى كيف يدخل بها‪� .‬شاب خا�ضع لإرادة‬ ‫الأب‪ ،‬وبالتايل فبعله و�أوالده ي�صبحون كذلك‪ .‬زوجته‪ ،‬على اخل�صو�ص‪� ،‬ستتحول تدريجيا �إىل ما‬ ‫ي�شبه خادمة بيت العائلة ـ العائلة القروية‪ ،‬ال َف َّ�ضة ‪ ،‬الخ ‪..‬ـ منزوعة ال�شخ�صية ‪ ،‬من�سحقتها �ش�أن‬ ‫زوجها‪ ،‬تتقبل كل ما يحدث لها‪ ،‬له‪ ،‬لأبنائها با�ست�سالم ُمذل‪ ،‬وبعد ذلك بقدرية‪ .‬ورغم �أن �أ�سباب‬ ‫العي�ش املادي لأ�رستها �ستتح�سن‪ ،‬وهو ما يتيح االنتقال ـ �شكال ـ من حميط العامل القروي �إىل بريوت‬ ‫ـ التي لي�ست ‪ ،‬يف النهاية �أف�ضل حاالـ و�سي�ؤدي توزيع الرثوة (العادل) بني �أفراد امل�ؤ�س�سة العائلية‪،‬‬ ‫ولو يف الظاهر �إىل �إعادة الأمور �إىل ن�صابها من بع�ض النواحي‪� ،‬إال �أن �صبحية �ستبقى را�سخة يف‬ ‫و�ضعها الإ�ست�سالمي‪ ،‬م�ؤكدة لنموذج العجز‪ ،‬عالمة على العطب بامتياز‪ ،‬و�صوال �إىل التحاقها الذي‬ ‫بدا حتميا‪ ،‬و�إن ب�صورة مغايرة‪ ،‬ب�إعاقات �أمها(مر�ض ال�سكري‪ ،‬ثم ا�ستفحاله من مظاهرها)‪ .‬لكن‬ ‫الكاتب‪� ،‬إمعانا يف تهويل وتو�سيع دائرة ال�صورة املت�شكلة ت�صاعديا عن الطفلة ـ الفتاة ـ املر�أة ـ الزوجة‬ ‫ـ الأم ـ الأرملة ـ الثكلىـ املري�ضة املرتدية‪� ،‬صبحية ‪ ،‬يجعلها كاتبها ب�ؤرة لت�رصيف وتبديه �أ�صناف من‬ ‫الأعطاب بال حدود‪ ،‬مبا يفوق يف نظرنا م�ؤهالت و�ضعها �شخ�صية و�ساردا معا ‪ .‬هكذا تبدو تعلة‪،‬‬ ‫‪217‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�أحيانا‪ ،‬ملا هو �أكرب منها‪ ،‬و�إن كان املراد �إغنا�ؤها وتعميق الإدراك والإح�سا�س ب�سرية العجز الكلية‬ ‫حلياتها‪ .‬مظاهر و�سري موازية عديدة جت�سد هذه " املبالغات" والتهويالت‪� ،‬أغلبها مي�شي متخلال ال�رسد‬ ‫املركزي كعناقيد مدالة من خميلة‪� .‬أقواها على كل حال و�ضعية العقم املذلة التي يعاين منها احلاج عبد‬ ‫اللطيف مع زوجته عواطف‪ ،‬والتي كان مقدرا �أن تنتهي مب�أ�ساوية �شبه �ساخرة‪ ،‬وقد تع ّطب (ت�رسطن)‬ ‫الرحم‪ ،‬بال طائل ‪.‬‬ ‫م�شخ�صا يف �إعاقات‬ ‫و�إذ �أ�سلفنا ب�أن" ُلعب‪ "..‬داوود تتب�أر على وحول حمور براديغم" العطب "‪َّ ُ ،‬‬ ‫وم�سلكيات وخطابات‪� ،‬أ�سا�س وفرعية‪ ،‬ف�إن كيفيات ت�أهيلها هو ما يعني جدا بالن�سبة للروائي‬ ‫ولعملية تلقيه‪ ،‬فما ينبغي �أن نن�سى يف ال�رسد �أننا مع لعبة‪ ،‬وطرائق‪� ،‬أي حيٍل خلو�ضها‪ ،‬كاحلرب‪،‬‬ ‫واملنت�رص من ينجح يف ت�سويغ اللعب كما يف الإيهام برباعة ‪� .‬أي ي�صنع اجل�رس العابر من الواقع �إىل‬ ‫التخييل ‪ .‬اجل�رس هو ال�رسد مبحافله و�أركانه امل�ؤ�س�سة‪ ،‬والإيهام هو قو�س قزح التخييل ال�صانع لعملية‬ ‫التج�سري‪ .‬والروائي احلاذق هو من ي�ستطيع �إخفاء انت�ساب الأ�شياء املبا�رش �إليه يف ت�صعيدها �إىل علو‬ ‫اخلفاء والتوهيم ‪ ،‬بينما قدماه دائما على �أر�ض النبطية ويف امتداد طريق �أ�شجار تنحدر فوقها عيون‬ ‫بطلته لتنف�صل م�ؤقتا عن واقع تعي �أن الفكاك لها منه‪ ،‬لكن ال ب�أ�س من �أفق مينح النظر‪� ،‬أي �سحر‬ ‫الرحلة و�سلوان الزمن ‪ .‬يذهب يو�سا يف ر�سائله التي ترجمناها له ( انظر‪ :‬ر�سائل �إىل �شاعر نا�شئ ـ‬ ‫عمان ـ ‪ 2005‬ـ ط ‪� 2‬ص‪� )68‬إىل �أن " جميع كتابات التخييل معماريات‬ ‫روائي نا�شئ ـ دار �أزمنة ـ ّ‬ ‫ناه�ضة باخليال واخلربة انطالقا من �أحداث‪� ،‬شخ�صيات‪ ،‬ظروف‪ ،‬كل ما رقم ذاكرة الكاتب و�أثار‬ ‫ح�سه الإبداعي‪ .‬على هذه القاعدة يت�شيد عامل غني هو من التنوع ي�ستحيل معه تقريبا التعرف على املادة‬ ‫ال�سري ذاتية من البدء‪ ،‬واحلبل ال�رسي لكل تخييل منه بوحيها ونقي�ضها‪:‬احلقيقة احلقيقية"‪ .‬وكذلك‬ ‫فعل داوود وقد عجن خربته عجنا يف �أقرا�ص متنا�سبة �أو متنافرة ق�صدا لي�شكل �صورة ما ينبغي �أن‬ ‫تكون عليه الرواية‪� ،‬أي جمالياتها ‪ ،‬فارزا الواقع اخلام ظاهرا يف اختالالته الأم ‪ ،‬حافرا فيه ت�ضاري�سه‬ ‫الناتئة باحل�سا�سية واملعنى املولّدين ‪.‬‬ ‫هكذا ُر�سمت �صبحية يف م�ساحة الرتاوح بني عوامل ‪ ،‬و�أمناط �سلوك وطباع ‪ ،‬وثقافات‪ ،‬وف�ضاءات‪،‬‬ ‫وخمرت ر�صدها ال�رسدي يف عباب م�شاعر وتقلبات بيئة و�أزمنة بني �أطوار متباينة من ال�صعود‬ ‫وال�سقوط ‪ ،‬البناء والهدم ‪ .‬لكن التماهي هو النامو�س الذي يحكم �سريورتها العامة؛ مرة �أخرى لي�س‬ ‫�إال نامو�س العطب‪ ،‬يلحق الكائن‪ ،‬والرتاب‪ ،‬والوطن(الق�صف الإ�رسائيلي للنبطية والقرى املجاورة)‬ ‫‪ ،‬وهو يتلف احلياة يف كر�شندو هجومه الكا�سح ‪ ،‬يتلف �صبحية الأم بعد �أن تتحول �إىل حقل جتارب‬ ‫وعمليات جراحة و�أم�صال وغرف عناية ‪ .‬اللوحة الثانية يف جماليات الت�شكيل تقدمها �صورة التهويل‬ ‫الفج التي يُر�سم بها القرويون الذين انتمت �إليهم الأم عنوة ‪ ،‬وعطبوا حياتها �إىل الأبد‪ :‬غالظ‪ ،‬الطول‬ ‫ّ‬ ‫‪218‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ال�ضخم رجاال ون�ساء ‪ ،‬الأج�سام الكبرية ‪ ،‬خ�شونة الطبع ‪ ،‬هذا ( ‪ ) le grotésque‬الذي ال يقت�رص على‬ ‫ه�ؤالء القوم بل يتلوى يف �أطراف الرواية كالتنني يف �شكل واقع ي�شوه حياة النا�س‪ ،‬وت�أتي الرواية �أو‬ ‫طموحها لتعو�ض احلرمان بنَفَ�س احلنني والإن�سجام اللغوي الذي به يكت�سب العطب �إيقاعه املطلوب‬ ‫واملوزون‪� .‬إنه ان�سجام �شكلي فقط ‪ ،‬لأن ح�سن داوود ابتدع فعال لغة ‪ ،‬وط ّوع �أ�سلوبا من جن�س‬ ‫يتجرح ويتفكك ‪ ،‬وال يتربج ويتلون‬ ‫مو�ضوعه‪ ،‬ون�سق تراكيب تتالءم �إىل حد مع م�ستوى �شخ�صيته ّ‬ ‫�إال قليال‪ ،‬جاعال بالغته وظيفيته وح�سن تو�صيل اخلطاب و�إنتاج الداللة ‪� .‬إنها الأداة الأجنع يف ت�شكيل‬ ‫جماليات هذه الرواية التي تت�ضافر مكوناتها املختلفة لتطرح باللغة مقاربة حمدثة لنرث وعطب احلياة‬ ‫اليومية ‪ ،‬تلك التي نعي�شها ‪ ،‬وحتفر فينا �أخاديدها‪ ،‬ونح�سب �أننا ن�سيناها ‪ ،‬ف�إذا هي تبعث يف لعب‬ ‫الفن ‪ ،‬لتوحي ب�أن الرواية ميكن �أن تتحدى الإعاقة ‪ ،‬واملوت هولها ‪ ،‬رغم كل �شيء ‪.‬‬

‫‪219‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫‪220‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫رواية ر�شاد �أبو �شاور‪:‬‬ ‫بد ْر َبة ال�سرّ د‬ ‫ِع�ش ُق الأر�ض ُ‬

‫ال رواية حقيقية‪ ،‬مقرتنة بوعي ودراية فنية �إال ان�شدت �إىل املكان ان�شداد املادة �إىل اجلاذبية‪� ،‬أو‬ ‫همه �أوال االحتفال مبادة مكانية‪ ،‬واحل�صول من متّ على‬ ‫يتعذر دون ذلك حتقق اجلن�س الأدبي الذي ُّ‬ ‫اخل�صائ�ص وامل�ؤهالت املرتبطة بهذا االنت�ساب‪.‬ال تكون الرواية جتريدا‪� ،‬أبدا‪ ،‬وال م�ضمارا لتداول‬ ‫وتطريز اال�ستيهامات املوحية عن املجال الذي يحيا فيه الإن�سان‪ ،‬توجد فيه ال�شخ�صيات وتتفاعل‪،‬‬ ‫بل وهي جمبولة من طينها‪ ،‬منبثقة من تربتها‪ ،‬تتحدد هويتها انت�سابا ومعنى‪ ،‬وفعل حياة من �صميم‬ ‫هذه العالقة‪� ،‬أو هي الغية �أ�سا�سا‪.‬‬ ‫هذه �أول حم�صلة تلزم قارئ القا�ص والروائي ر�شاد �أبو �شاور‪ ،‬وهو يتقلب فوق تراب ن�صو�صه‬ ‫ال�رسدية‪ ،‬منتقال من عمل �إىل عمل‪ ،‬وحمموال بني �أجواء وحميطات كبرية و�صغرية‪ ،‬لكن مغرو�سا يف‬ ‫ف�ضاء واحد‪ ،‬و�إن غري موحد‪� ،‬أي متعدد ومتنوع‪ ،‬هو الأر�ض الفل�سطينية‪� ،‬سواء املمتدة يف تالدة‬ ‫وحمِ يّة وطن‪� ،‬أم الثانية‪ ،‬املنهو�شة‪ُ ،‬جز ًءا‪ ،‬فاملغت�صبة ُك ًّ‬ ‫ال بعد‬ ‫التاريخ‪ ،‬ال�شاهدة على وجدان �أمة َ‬ ‫ذلك‪ ،‬قد انف�صل الرحم منها عن �أوالدها‪ ،‬فيما انتقلت لت�سكن حلم وحنني من رحلوا وطردوا منها‪،‬‬ ‫قد تر ّملت‪ ،‬وتغربت‪ ،‬وا�ستوح�شت‪ ،‬وا�ست�شهدت مرات‪.‬‬ ‫�أحب �أن �أعود اليوم �إىل هذه الثنائية لتذكرها وا�سرتجاع �أهميتها التي تبدو ك�أنها خفتت يف الرواية‬ ‫العربية‪ ،‬يف ن�صو�صها الأخرية‪� ،‬أو ما هو حم�سوب عليها‪ ،‬حيث بات ي�سود التجريد والتعميم‪،‬‬ ‫وتتقل�ص املالمح والعالمات‪ ،‬وي�ض�ؤل الو�صف �أقل منه ي�ضمر الت�شخي�ص حدا ي�صيب الرواية بفقر‬ ‫‪221‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الدم‪ ،‬قد حتولت عند ب�ضع هوا ٍة �إىل ن�صو�ص مائعة‪� ،‬أو م�ستن�سخات فجة‪.‬‬ ‫نعتقد �أنه ال يكفي االنطالق من عنوان �أو بيئة للزعم بجعل ال�رسد متعينا يف املكان‪ ،‬بل ال بد له‬ ‫و�س َدا‪ ،‬و�رشط ح�صوله بعد الدراية‬ ‫من �أن يتماهى مع �أفراده و�شخ�صياته‪ ،‬و�أن يكون هذا لذاك حلمة َ‬ ‫واملهارة‪ ،‬ال غنى عنهما‪ ،‬ع ّز ر�صدهما يف مائع الن�صو�ص تلك ومتكلفها‪� ،‬إح�سا�س‬ ‫يع�شق هذه البيئة‪ ،‬فتتمثل فيها الت�ضاري�س والبنيات واملعامل الربانية‪ ،‬هي عنوان و�إن�سان معا‪.‬‬ ‫هذا ما يجعل الكتابة‪ ،‬هنا‪� ،‬أكرب‪ ،‬و�أجدر من معاجلة تيمة‪� ،‬أو نقل ر�ؤية عن واقع بال�صيغة ال�رسدية‪،‬‬ ‫ت�صبح مبثابة �شهادة مفعمة ب�شغف الوجود يتغذى من �إميان عميق بالأر�ض‪ ،‬وب َوطن الإن�سان‪ ،‬قائما‬ ‫ومفقودا‪ ،‬مر�سوماً باملعاينة يف �شقيها التف�صيلي واال�شتمايل‪ ،‬وحمدو�ساً بذات مت�أملة‪ ،‬م�ستقرئة‪،‬‬ ‫تتمتع بفرادة جتديد نظرة العني‪ ،‬وبالتايل تكثري منظورات ومناط الر�ؤية‪ .‬ففي الرواية ال�صحيحة فنياً‬ ‫حيث ينبني املكان بجميع ما ي�شرتك يف �صنعه املتكامل بني جغرافيا وتاريخ وح�ضارة وثقافة و�أحداث‪،‬‬ ‫يف قلبها فعل �إن�ساين متواتر ومتموج‪ ،‬حيث يتخلق الكائن املت�رشّب بدوره لعنا�رص التكوين هذه‪،‬‬ ‫�إ�ضافة �إىل خ�صو�صيته الذاتية عندما ي�سبغها على حميطه‪ ،‬يف حايل التجان�س واملفارقة‪ ،‬القرب والبعد‪،‬‬ ‫باال�ستيطان وبالطرد‪� ،‬أي�ضا‪.‬‬ ‫عنينا من هذا وذاك ما يوليه النقد الروائي القارئ من اعتبار لقوة ح�ضور املكان‪ ،‬الأر�ضية ال�صلبة‬ ‫بدونها ال قيام ل�رسد فني‪ ،‬وهو �ش�أن مت�أ�صل يف الرواية العاملية‪ ،‬منها النموذج العربي‬ ‫و�إال‪ ،‬فانظروا معنا �صنيع �شيخها جنيب حمفوظ يف ثالثيته ال�شهرية‪ ،‬وخلفه عبد الرحمن منيف‬ ‫يف ملحمته "مدن امللح" وجيل فيه عديد مواهب‪ ،‬بني م�رشق ومغرب‪ ،‬ي�شغل منه ر�شاد �أبو �شاور‬ ‫موقعا مريحا ومت�أ�صال‪ .‬نحب �أن نزيد من هذه العناية ب�إعادة قراءة عملني لهذا الروائي‪ ،‬هما على‬ ‫تقدمهما الزمني ن�سبيا‪ ،‬ي�شفان عن �إدراك نا�ضج بقدرة التزويج بني الوعي بالتفاعل احلي بني الإوالية‬ ‫الف�ضائية بو�صفها حميطا �شامال‪ ،‬والإواليات الزمنية الب�رشية الواقعية والتخييلية‪ ،‬املتحركة �ضمنه‪،‬‬ ‫املنتجة �أخريا للمنت ال�رسدي التخييلي‪ .‬هذا الأخري الذي يتحرك بدوره يف مدار �أو�سع منه‪ ،‬قد يعد‬ ‫للوهلة الأوىل تيمة وطنية‪� ،‬أ َوال يتعلق الأمر بفل�سطني‪ ،‬التي هي يف كل كتابة مبثابة عالمة �أيقونية‬ ‫مبرجعياتها ودوالها‪ ،‬مبثوثة وقابلة للتوليد‪ ،‬لكن و�ضعها على �صعيد التخييل ينقلها من واقعيتها‬ ‫املعطاة‪ ،‬تاريخيا و�إيديولوجيا‪� ،‬إىل م�ستوى املحتمل‪ ،‬اخلا�ضع ملبادئ التحويل والتذويت واال�شتغال‬ ‫اللغوي اال�ستعاري‪ ،‬وهذه هي املعول عليها ال على �أي م�سبق م�ضموين �أو �شعارية �ضاجة �أو نفحة‬ ‫وجدانية‪ ،‬لإنتاج املعنى الروائي بوا�سطة الأدوات املخ�صو�صة به‪.‬‬ ‫فمن املنت الغني واملتنوع لأبي �شاور‪ ،‬احلافل يف االجتاه الذي ر�سمنا‪ ،‬نختار للقراءة ن�صني ين�سجمان‬ ‫يف مقروئيتهما مع الت�أويل امل�ستنتج منهما‪ ،‬وي�سمحان بتوليد نظرة نقدية من منتوج �أدبي �رصف؛‬ ‫‪222‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫نعني حتديدا"الع�شاق"(‪1977‬دائرة الأعالم والثقافة م‪.‬ت‪.‬ف؛ نعتمد ط ال�ساد�سة‪ ،‬امل�ؤ�س�سة العربية‬ ‫للدرا�سات والن�رش‪ )2004 ،‬يليها"�شبابيك زينب"(دارالآداب‪ )1994 ،‬علما ب�أن روايات الكاتب‪،‬‬ ‫وجماميعه الق�ص�صية الوفرية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬غري املعتمدة‪ ،‬قلّ �أن تنزاح يف الغالب عن ا�شتغال منظوره‪� ،‬أداءاته‬ ‫احلكائية الفريدة واملتجددة من ن�ص �إىل �آخر‪ ،‬جتدد العوامل بناء عامله الروائي‪ ،‬حتى ولو ظهر �أنها تتخذ‬ ‫تيمة واحدة‪ ،‬الق�ضية الفل�سطينية مبهيمناتها و�أبعادها املختلفة‪ ،‬بني ما�ض وحا�رض‪ ،‬وعلى امتدادها يف‬ ‫�صنع �أفق املنفى املديد‪.‬‬ ‫تعتمد رواية "الع�شاق" �أول �شيء على دعم مقولة اجلغرافيا الروائية‪ ،‬حيث ي�ستطيع ن�ص مفرد‪،‬‬ ‫قابل للتنا�سل‪� ،‬أن ي�صنع خريطته اخلا�صة به‪ ،‬ي�ستعري بكل ت�أكيد خطوطها العامة من اخلريطة احلقيقية‪،‬‬ ‫ليح ّورها فتنتقل �إىل درجات من التحويل يف ال�صور‪ ،‬والتوليد يف الداللة ح�سب حمافل ال�رسد‬ ‫ومقامات اخلطاب‪ .‬فمقام الع�شق‪ ،‬مثال‪ ،‬ال يُعلى عليه يف اخلطاب ال�شعري ال�صويف‪ُ ،‬يتو�سل �إليه بلغة‬ ‫وبالغة خم�صو�صتني‪� ،‬إال �أنه �إذا ا�ستعري للرواية‪ ،‬وا�ستبطن �سرية �شخ�صياتها‪ ،‬وم�ضمار ا�شتغالها‪ ،‬حتول‬ ‫وحتدد مبا يعطيه �صورة الظاهر والباطن‪ ،‬الواقع(= يف جغرافيته الطبيعية‪ ،‬الطوبوغرافية) وما فوقه �أو‬ ‫حمتمله‪ ،‬مهماز الروائية‪ =( ،‬يف خريطة تتوىل ال�شخ�صيات ر�سمها ح�سب هواها ومنازعها الذاتية‪،‬‬ ‫و�إن بقيت حمكومة‪ ،‬يف النهاية‪ ،‬وكيفما بلغ هو�س الع�شق و�شططه‪ ،‬بال�رشوط اخلارجية(=املو�ضوعية‬ ‫ال�سابقة عليها) وهذا بحكم �أن اجلن�س الأدبي الذي تندرج فيه هو خطاب ذو طبيعة مو�ضوعية‪� ،‬أو‬ ‫بامل�صطلح احلديث ملزم بالتقيد ب�شعرية ال�رسدية‪ ،‬التي تخ�ضع فيها مراتب التمثيل والتعبري لقوانني‬ ‫خمتلفة عن جن�س النظم‪ ،‬مهما بلغت يف االنزياح واالخرتاقات املابينية للأجنا�س‪ .‬من هنا جند ر�شاد‬ ‫�أبو �شاور وهو �صانع اجلغرافيا املالئمة لتحركات ع�شاقه حري�صا على �إقامة �أكرب قدر من التوازن بني‬ ‫�إقامة املو�ضوع(= الق�ضية) و�إقامة الذات(= �أ�شجانها) ـ وهما ال ينف�صالن بتاتا‪ ،‬و�أي ف�صل منا هو‬ ‫لغاية �إجرائية بحت ـ وهو توازن مفرت �ض فقط ما دام مقرتنا بجغرافيا روائية‪.‬‬ ‫الركح الذي �ستدور فوقه �أحداثها والتعريف‬ ‫يف "الع�شاق"ت�ستهل الرواية بتقدمي املكان‪ ،‬بو�صفه ُّ‬ ‫به من نواح خمتلفة‪ ،‬وهو ي�أخذ عنوان"مدينة القمر"و�صفا ملدينة"�أريحا" الفل�سطينية قبل �أن تتعر�ض‬ ‫لالحتالل‪ .‬الالفت �أن هناك كاتبا ين�ضم �إىل الروائي ـ هو ذاته ـ للقيام بالتعريف بال�صيغ التاريخية‪ ،‬بدءا‬ ‫من الألف الثالث قبل امليالد‪ ،‬و�صوال �إىل نكبة ‪ ،1948‬ومنها �إىل ع�شية حرب ‪� 1967‬أو نك�ستها‪ ،‬ح�سب‬ ‫الت�سمية‪ .‬بني هذه املراحل الثالث نحن مع مدينة عا�شت العز وال�صمود وتناوبت عليها الأهوال‪،‬‬ ‫وابتلى الدهر �ساكنيها باختبار الغزاة والنفي والت�رشد‪ ،‬كما مبغالبة الأيام وغ�ش الوطن واال�ست�سالم‬ ‫ملكر الأجنبي �أو التعامل معه‪ ،‬يف مواجهة �إرادة �صابرة‪ ،‬يقينية البطولة‪ ،‬بالروح الوطنية اال�ست�شهادية‬ ‫التي �ستواجه الغا�صبني وحلفاءهم من املرتب�صني‪ .‬لتخت�رص جزءا وكال يف كونها‪ ":‬بوابة فل�سطني‪ ،‬منها‬ ‫‪223‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫دخل الغزاة‪ ،‬ومنا خرجوا‪� .‬أر�ضها ارتوت بالدم‪ ،‬وامتلأت ب�أج�ساد الرجال ال�شجعان‪ .‬ون�سوتها ما‬ ‫زلن يرتدين الأ�سود‪� .‬إنها مدينة الأ�ساطري‪ ،‬والواقع ال�رش�س ك�شم�سها‪.)32(".‬‬ ‫و�إذا كان هذا هو الإطار العام‪ ،‬ف�إن �أر�ض الرواية هي الف�ضاء الذي يحيا فيه �أبطالها‪� ،‬شخ�صيتها‪،‬‬ ‫بتعدد منازعهم و�سلوكهم‪ ،‬وهم جميعهم ع�شاق‪ ،‬كل على طريقته‪ ،‬مبن فيهم عتاة املجرمني �أحيانا‪،‬‬ ‫وهذا فهم ذكي للبطولة‪ ،‬ونبذ ملثالية �ساذجة ال تتعامل �إال مع الطهراين‪ ،‬و�إال هل هناك وطنية خال�صة‪،‬‬ ‫بل �أجملها ما يدخل يف �رصاع‪ ،‬ويت�شابك مع عاطفة احلب‪ ،‬كما يف م�سار الفاعلني هنا‪ ،‬وتناق�ضات‬ ‫حياتهم و�سِ يرَ هم ال�صعبة‪ ،‬املرتاوحة �أغلبها بني"خميم النويعمة" و"خميم عني ال�سلطان"حول �أريحا‪،‬‬ ‫وال�سجن الذي ميتحن فيه �أبناء املخيمني‪ ،‬ويديره الأو�صياء على ق�ضيتهم‪ .‬ه�ؤالء والظالل املحيطة‬ ‫بهم‪ ،‬كل ال�ساكنة الفاعلة‪ ،‬باعتبار متثيالتها متباينة امل�ضامني والرموز‪ ،‬وباملحكيات الكربى والدنيا‬ ‫الوا�صفة حلياتهم يف كونهم بالدرجة الأوىل �أبناء خميمات‪ ،‬و�أ�صحاب ق�ضية‪ ،‬وب�رشٌ من حلم ودم يحب‪،‬‬ ‫يفرح ويتع�س‪ ،‬وبينهم من يخون‪ :‬حممود املدر�س‪ ،‬املنا�ضل واملولع بندى املدر�سة يف تعليمية املخيم‪،‬‬ ‫يقابله �أخوه املتيم بعوده والغناء لفل�سطني‪ ،‬وح�سن املقاتل‪� ،‬شبه املتهور‪ ،‬ومناط حب اجلارة زينب‪،‬‬ ‫والأ ّمان اللتان ربطتا م�صريهما مبن ق�ضى من الأزواج‪ ،‬وبحب �صويف للأر�ض عرب رعاية الأوالد‪،‬‬ ‫و�آحاد يو�سعون دائرة التمثيل للعالقة الوطنية والوجدانية مع وطن يتوهج يف قلوبهم ويكرب كلما‬ ‫مرحوا يف طرقاته‪ ،‬و�سهروا يف �ضوء قمر �أريحا‪� ،‬ضوئه‪ ،‬ن�ضم �إليهم عطوة الذي مل ين�سه كونه‬ ‫�رشطيا انتما�ؤه الأ�صيل لأبناء �شعبه‪ ،‬وال �أبو �صالح‪ ،‬الذي بد�أ م�ستخفا ب�ش�أن قومه‪ ،‬لكن �ضمريه‬ ‫الوطني اهتز دفاعا عن عقيدته‪ ،‬غريه‪ ،‬حيث نتعرف على عينات من رجال ون�ساء �أريحا‪ ،‬ون�سمع‬ ‫�أ�صواتهم ونعي�ش معهم ك�أننا فيهم‪ ،‬نتذوق ون�شم‪ ،‬نفرح قليال‪ ،‬ون�أ�سى كثريا‪ ،‬هم ع�شاق‪ ،‬ع�شاق‬ ‫ملع�شوقة‪ ،‬طبعا‪ ،‬وهذا هو الرهان الفني والإيديولوجي للكاتب‪ ،‬ق�صده �أن تبئري البطولة يف الأر�ض‪،‬‬ ‫وجعلها ب�ؤرة الع�شق‪ ،‬ثانيا‪ ،‬وثالثا‪ ،‬ولي�س �أخريا‪ ،‬توحيد بطولتها ب�سِ ري وع�شق املولودين فوقها‪ ،‬يف‬ ‫احلل والرتحال‪ ،‬يف الإقامة وبعد الت�رشد والنفي‪ ،‬وكذلك هي �سرية فل�سطني مع تاريخها و�أبنائها‪،‬‬ ‫منذ الكنعانيني و�إىل اليوم‪ ،‬ترى ماذا بعد اليوم؟‬ ‫يف" �شبابيك زينب" ال تكاد الر�ؤية تختلف �إال باختالف حجم الن�ص وتبديه الب�ساطة حدا يحول‬ ‫الرواية �إىل مقام املحكي العادي جدا‪ ،‬حت�سبه قابعا يف كل نف�س‪ ،‬منبثقا منها‪ ،‬ولي�س �صنعة فنان يف‬ ‫قلمه نبع فيا�ض لل�رسد‪ ،‬وهو ما �سرناه الحقا مفردا كخا�صية الزمة لن�ص �أبو �شاور‪ .‬هناك" �أريحا"‬ ‫وهنا" نابل�س"؛ �شكيم (الكتف) تارة‪ ،‬لذا �أكتاف النابل�سيني عري�ضة‪ ،‬نيابول�س (املدينة اجلديدة) تارة‬ ‫�أخرى‪� ،‬أو دم�شق ال�صغرية‪ .)8(.‬املدينة كنعانية‪ ،‬عمرها املعروف ‪�9000‬سنة‪ ،‬وهي مدينة الربكات‪،‬‬ ‫منها ال�سامريون الذين ميلكون يف �أ�سفارهم تاريخ اخلليقة منذ بدء الن�شوء والتكوين(‪ ،)11‬مدينة‬ ‫‪224‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫العيون‪ ،‬ومدينة النار واليا�سمني واملو�سيقى والعود‪ ،‬و�إذا كان هذا كله متتد جذوره يف التاريخ‬ ‫العريق‪ ،‬مبا ي�سمح بالنظر �إليه بعيون ال�سحر والغرابة‪ ،‬مل ال � َ‬ ‫أ�سط َرتُه‪ ،‬فهو مو�ضع مرتبط‪� ،‬ش�أن �أريحا‬ ‫ب�أر�ض النبوات واملقد�س‪ ،‬ويف الآن عينه ها َكه‪ ،‬كما يحر�ص املدخل الو�صفي للعمل على تقدميه‬ ‫�ضمن �صورة الطبيعة‪،‬‬ ‫و�إن تلك التي تبقيها جمللة ب�سحر الغيب والنذور‪":‬ارفع ر�أ�سك‪ ،‬ف�أنت يف ح�رضة مدينة على‬ ‫جبلني ي�أخذان عينيك �إىل الأعلى‪ ،‬ت�أخذ املدينة عينيك وت�صعد بها بني اجلبلني‪ ،‬عيبال وجرزمي (‪)...‬‬ ‫�إن مدينة تال تقع على جبلني‪ ،‬يرتفع واحدهما عيبال ال�شمايل ‪ 941‬مرتا‪ .‬ويرتفع ثانيهما ـ جرزمي اجلبل‬ ‫اجلنوبي‪ ،‬املقد�س عند ال�سومريني ـ �أ�صغر طائفة يف العامل ـ ‪ ،881‬البد �ستبعث الرع�شة يف روحك‪ ،‬لأنك‬ ‫يف ح�رضة جغرافيا وتاريخ وقدا�سة وم�صائب كابدها النابل�سيون عرب الع�صور"(‪ . )7‬فماذا عن نا�سها؟‬ ‫�إنهم بب�ساطة عنيدون‪ ،‬يف هذه ال�صفة كل املعاين‪.‬‬ ‫من بدء كل ن�ص يفهمك �أبو �شاور �أن املدينة الروائية‪ ،‬جغرافيتها الطبيعية والب�رشية والدرامية‪،‬‬ ‫ال تنه�ض على فراغ‪ ،‬يفعل ذلك بتدخل امل�ؤرخ الذي ي�ست�شهد باملعلومة املوثقة‪ ،‬يعلنها مبا�رشة دون‬ ‫ارتياب �أو تردد‪ ،‬ال يبايل هل �سينعت ن�صه بالتاريخي‪ ،‬و�إن بدا م�شوبا به‪ ،‬وال الدعاوي‪ ،‬و�إن‬ ‫احتج فيه وهتف‪� ،‬أحيانا‪ ،‬بال تبجح‪� ،‬أي كتابة عن فل�سطني‪ ،‬عن مكان ولدت فيه القدا�سة منذ بدء‬ ‫الديانات ال�سماوية‪ ،‬وتزوج الرتاجيديا حتى متاهى معها‪ ،‬فغدت له مرادفا ال ميكن �إال �أن ميتح كل‬ ‫أدبي معه �رضور ًة من �رضعه التاريخي‪ ،‬وي�سبح يف دمائه امل�سفوحة‪ ،‬من مت هي طريقة الأداة ال‬ ‫متعاط � ّ‬ ‫الهدف‪ ،‬واجلغرافيا الروائية املركبة هي عمدته‪ .‬وبدال من نابل�س‪ ،‬نحن يف" مدينة برج اجلوزاء"‪،‬‬ ‫ومما ي�شبه الأ�سطورة‪ ،‬تظل مت�رشبة‪ ،‬نحن يف �رشقي املدينة يف قرية بالطة‪ ،‬وقرب املخيم احلامل للإ�سم‬ ‫ال�سامريون‪ ،‬يرثهم رجال ون�ساء‪ ،‬رمبا �أ�شد �صالبة وعنادا‪� ،‬أ�سما�ؤهم فدوى‬ ‫نف�سه والب�رش القدامى‪ّ :‬‬ ‫وزينب‪ ،‬عزالدين الأمني‪ ،‬احلاج فخري‪� ،‬صالح عكاوي‪ ،‬نا�رص‪ ،‬ال�شاب م�صطفى‪ ،‬ال�شيخ ح�سام‬ ‫و�أم ح�سام‪ ،‬احلاجة را�ضية‪ ،‬وكل الأماكن واملواقع التي تتنقل فيها هذه ال�شخ�صيات‪ ،‬تفعل فعلها‪،‬‬ ‫وتتناوب على �أدوار �صنع احلدث والت�أثري القادرين مع م�ؤثرات �أخرى على ت�شكيل مدونة روائية‬ ‫متكاملة من كل ناحية‪ ،‬خا�صة ما يق�صد �إليه كاتبها الذي لي�س روائيا عاديا‪ ،‬وهو يف الآن منا�ضل‬ ‫و�صاحب �شهادة‪.‬‬ ‫نلتقي يف" �شبابيك زينب" مع اخلطاطة والعالقات ذاتها‪ ،‬القائمة يف "ع�شاق"‪ ،‬وذلك يف �شكل‬ ‫�أزواج ومتقابالت متثل ال�شيء ونقي�ضه‪ ،‬خللق ال�رصاع والتبادل‪ ،‬وللإ�سهام على امل�ستوى اللغوي‬ ‫والتعبريي لل�شخ�صيات يف ن�سج تعددية منتجة‪ ،‬تك�رس وحدة الإيقاع وفر�ضية النمط �إىل جانب‬ ‫�أي هيمنة ممكنة لل�سارد‪� :‬أريحا‪ /‬نابل�س؛ خميم النويعمة‪ /‬خميم بالطة؛حممود‪ /‬ندى؛ حممود‪ /‬زينب؛�أم‬ ‫‪225‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫ح�سن‪ /‬احلاجة را�ضية؛ ح�سن‪ /‬نا�رص؛اخلال الإقطاعي‪ /‬ال�صحفي يو�سف‪ .‬متثل كلها �شخ�صيات تيمة‬ ‫املقاومة يف مقابل �أخرى ذاتية ورمزية �صادمة‪ ،‬متثل تيمة التقاع�س �أو التذبذب �أو العمالة العارية‪.‬‬ ‫تت�ضمن كال التيمتني حمموال ثقافيا و�إيديولوجيا هو مرجعيتهما بال �شك‪ ،‬غري �أن الروائي يبحث‬ ‫لهما عن الت�شخي�ص احلي الذي مينحانهما قوة التمثيل‪ ،‬بوا�سطته يعرب اخلطاب‪ ،‬و�إال تهافت �إىل هرج‬ ‫و�شعارية وتب�شريية فجة ميكن خلطابات �أخرى �أن تتقا�سمها‪ ،‬وتكون �أجدر بوظيفتها‪ .‬حمذور يرافق‬ ‫دائما الن�صو�ص ال�رسدية املنافحة عن ق�ضية‪ ،‬ويقرتن عموما مبا ي�سمى"رواية الأطروحة" ت�شغل التيمة‬ ‫فيها موقعا مركزيا‪ .‬وبالن�سبة ل�رسود اخت�صت وتخت�ص باحلق الفل�سطيني املغت�صب‪ ،‬بل الأدب املرتبط‬ ‫بهذا احلق كله ـ وهو مو�ضع نقا�ش و�سجال طويلني ـ ي�صعب حقا كما يف الأدب امللتزم عامة‪ ،‬ف�صل‬ ‫املقال بني مهمتي الفن والتو�صيل‪ ،‬وال االتفاق نقديا على الإيقاع ال�ضابط للتوازن بينهما‪.‬‬ ‫ح�سبنا القول هنا‪ ،‬ويف حدود املنت املقروء‪ ،‬ب�أن لر�شاد �أبو �شاور تنبّها للمحذور امل�شار �إليه‪،‬‬ ‫خا�صة لنمطية التمثيل يف ال�شخ�صيات الروائية‪� ،‬سواء بني م�شاعرها وبنيتها االجتماعية‪� ،‬أو يف طبيعة‬ ‫انخراطها بال�سياق املو�ضوعي الذي يفر�ض عليها �سلوكا بعينه‪ ،‬هي منطية معايَنة‪ ،‬متواترة يف الن�صني‬ ‫املعنيني‪ ،‬ال يفلت منها �أي ن�ص �رسدي ذي �صلة باملكون الفل�سطيني كيفما تناغمت منازعه الفنية‬ ‫ومزاعمه‪ ،‬والفرق بني النماذج امل�ؤ�س�سة للمنت العام‪ ،‬ولك�رس منطياته وم�ستن�سخاته املرتاكمة‪ ،‬يوجد‬ ‫لدى الكاتب هنا حتديدا يف ‪:‬‬ ‫‪1‬ــ حتويل الأر�ض �إىل �شخ�صية مركزية هي �أم ال�شخ�صيات‪ ،‬حا�ضنتها‪ ،‬مناط �رصاعها على امتداد‬ ‫الفعل والتحوالت روائيا‪ ،‬ونحت مالحمها تاريخيا و�أ�سطوريا‪ ،‬ووجدانيا‪ ،‬ثم و�شم جلدها بكل‬ ‫حوادث الدهر‪ ،‬فهي ذاكرة وحياة وجرح بلغاتها اخلا�صة �ضمن اللغة العامة؛ �إن الأر�ض تتكلم هنا‬ ‫فل�سطينيا بنربتها واحتفاليتها‪ ،‬ال�رسد الفني م�ؤهل �أكرث من �أي جن�س غريه لت�صعيده‪.‬‬ ‫‪2‬ــ حتويل هذا ال�رسد‪ ،‬بالتبعية‪� ،‬إىل حمفل وا�سع ومتنوع بامل�شاهد وال�صور واللقطات‪� ،‬إذ يتم‬ ‫بوا�سطتها ر�سم ال�صورة البانورامية للمجتمع‪ ،‬وهي منطية‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬فاحتفاليتها‪ ،‬كما ير�صدها �أبو‬ ‫�شاور وحده‪ ،‬ت�ضفي عليها مي�سم اخل�صو�صية‪ ،‬وبالتايل تفردها وهي ت�ؤ�س�سها �أوال ب�أول‪ .‬لنتذكر �أن‬ ‫باختني اعترب‪ ،‬انطالقا من و�صف رابلي‪ ،‬و�سانده يف ذلك دار�سون �آخرون‪ ،‬ب�أن النزعة االحتفالية‪،‬‬ ‫ولي�س الفولكلورية‪ ،‬كما قد يتوهم البع�ض‪ ،‬من �أهم مقومات املحكي احلديث‪.‬‬ ‫‪3‬ــ ثالثا‪ ،‬وهو �أبرز و�أجنع �أدوات روائي"عا�شق"‪ ،‬اتخاذه لأ�سلوب �رسدي بالو�سع القول اقتداره‬ ‫عليه ومتيزه فيه دون �أقرانه وجمايليه‪ ،‬وقلّ من ي�ضاهيه فيه‪ ،‬نعني اعتماده �ألوانا وتنويعات يف احلكي‪،‬‬ ‫فيما تعلن عن دربة لدى �صاحبها على �إحكام ال�رسد‪ ،‬تعلن تطويعه له وتروي�ضه لي�صبح الف�ضاء و�أهله‬ ‫وطباعهم و�أ�شجانهم و�أ�شياء بيئتهم‪ ،‬هذا كله و�سواه مرويا‪ ،‬مب�سطا و ُمب ّدها‪ ،‬منبثقا من ل�سان الأر�ض‬ ‫‪226‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫الأم‪ ،‬على ل�سان �أبنائها العا�شقني لها‪ ،‬ب�سال�سة وطالقة وتلقائية كاملجرى الذي يغت�سل فيه نا�س املخيم‪،‬‬ ‫والنكتة التي ي�صنعها اخلاليلة (�أهل اخلليل)عن �أنف�سهم‪ ،‬والأغنية ال�شعبية واملثل ال�سائر‪ ،‬وال ُّظرف‬ ‫املحلي‪ ،‬والنادرة‪ ،‬مع عنا�رص �أخرى ال تنتمي �رضورة �إىل البنية ال�رسدية بقدر ما تنوب عن وظيفتها‪.‬‬ ‫ف�إن نحن �أ�ضفنا �إىل اخل�صائ�ص الثالث املذكورة ما �أكدناه من كون الأر�ض حتوز قيمة مركزية‬ ‫يف هذا العمل بو�صفها تتجلى جغرافيا روائية ناه�ضة على جغرافيا طبيعية وتاريخية ووجدانية‪ ،‬منها‬ ‫تتغذى‪ ،‬وجدنا عندئذ �أننا �إزاء ن�صو�ص تت�ضاعف يف �شكل تركيب يحتاج يف كل مرة �أن يُ�ستقر�أ‬ ‫ويكت�شف يف �شكل �إعادة ر�سم ور�صد ب�أدوات التلقي النقدية املختلفة‪ ،‬وهو ما ال يت�أتى �إال مع‬ ‫التجارب الأدبية القمينة بالت�سمية‪ ،‬جتربة �أبو �شاور الروائية يف قلبها‪ .‬هي بالإ�ضافة �إىل ما �سبق جتربة‬ ‫تبني ملن يتوا�صلون مع العمل الأدبي ب�أنه وهو يقت�ضي باعه الفني الالزم يحتاج قبل ذلك �إىل �إميان‬ ‫خمل�ص بق�صديته وق�ضيته‪ ،‬وهنا تتالزم ال�صنعة مع الق�ضية يف تناغم حميم يذكرنا ب�أهمية الأدب يف‬ ‫الدفاع عن حق الإن�سان الدائم يف كل ما ي�صون كينونته وكرامته‪ ،‬بينما يتهافت الكالم يف �أيامنا م�سفا‬ ‫ويت�ساقط �أ�صحابه �سقوطا مريعا‪.‬‬ ‫عولي�س الفل�سطيني حكواتياً عا�شقاً‬

‫ال يوجد عامل واحد يتدخل يف ح�سم اعتماد هذا اجلن�س الأدبي �أو ذاك يف حقبة �أدبية معينة‪،‬‬ ‫ال يف ا�ستخدام الكاتب له تعبريا عن ذاتيته �أو و�سيلة لت�صوير جمتمعه وت�سجيل املوقف النقدي فيه‪.‬‬ ‫تخ�ضع الفنون الأدبية ن�ش�أة وتبلورا �صحيحا‪ ،‬وتف�سخا‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬لآلية ُمركبة‪،‬‬ ‫من مت ال يجوز مقاربة هذا املو�ضوع بع�شوائية ومزاجية‪ ،‬فالأدب مهما بلغت درجة التدخل‬ ‫الفردي يف والدته يبقى رهناً �إىل حد بعيد مبا ت�سميه �سو�سيولوجيا الأدب البنيوية ب�رشوطه املو�ضوعية‬ ‫الأعلى‪ ،‬وهذه لي�ست معطاة �سلفا وال هي حت�صيل حا�صل‪ ،‬بل حتتاج �إىل تعيني تفاعل وتنا�سج داخل‬ ‫وخارج �شبكة ت�شكيل املادة الإبداعية‪ ،‬امل�ستجيبة حلاجة حمددة يف زمن بعينه‪ .‬هذا ما ي�صدق على‬ ‫التما�س ما يعرتيها‬ ‫الأجنا�س الأدبية احلديثة بالدرجة الأوىل‪� ،‬أمكننا بوا�سطة تطور �أ�شمل ملناهج البحث‬ ‫ُ‬ ‫من منو �أو �ضمور‪ ،‬ثم انبعاث‪ ،‬وهكذا‪ .‬ومنه �أن يعتمد الكاتب فنا بعينه للقول‪ .‬منه كذلك �أن يتنقل‬ ‫بني قولني �أو �أكرث‪ ،‬فكل واحد منهما جدير بخطاب ي�ستدعيه زمنه‪ ،‬وله مقت�ضيات فنية ملزمة‪ ،‬خا�صة‬ ‫به‪ ،‬ومن �أخط�أ هذا التقدير �أ�ضاعهما معا‪ ،‬ك�أن يكتب الرواية ومادته ال ت�سعها حجما و�شاغال‪ ،‬وال‬ ‫ت�ستوعبها قالبا فنيا‪� ،‬أو الق�صة الق�صرية بينما ال ي�ستطيع القب�ض على اجلمر‪ ،‬قد ال يجده‪ ،‬يف اللحظة‬ ‫التي يحرتق مبادته تلك ال غريها �أبدا‪.‬‬ ‫فهل كان ر�شاد �أبو �شاور‪ ،‬وما يزال‪ ،‬على وعي بهذه االحرتازات وهو يتنقل منذ �أزيد من ثالثة‬ ‫‪227‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫عقود بني النوعني البارزين لل�رسد التخييلي‪ ،‬تظنه يتناوب بينهما يف �سبيل التعبري الفني‪ ،‬والبد �أن‬ ‫ي�س�أل الناقد حافزه لفعل ذلك‪ ،‬وهل يعطي لكل منهما حقه على وجهي النقل وال�صقل؟ البد و�أن‬ ‫ثمة ما يجيز الرد بالإيجاب عند من ت�ستمر لديه التجربة ال�رسدية عمرا كامال‪ ،‬فت�ضعه يف �سياق‬ ‫وحمملة يف امل�ضمون‪ ،‬اخرتقت الزمن العربي احلديث واملعا�رص‬ ‫كتابة ذات ُ�سنن من�سقة يف ال�شكل‪ّ ،‬‬ ‫ب�أهواله وتبعاتها‪ ،‬وت�رسبلت باحللل كما ات�سمت بال�صفات التي عربت وا�ستجمعت خ�صائ�ص �أكرث من‬ ‫مدر�سة يف فنون احلكي وتلويناته‪ .‬هو وعي ت�شكل من االنخراط يف �صياغة الزمن املذكور يف مفا�صل‬ ‫توتره ومع�ضالته الكربى‪� ،‬أوال‪ ،‬ثم عرب ما ي�سمى باملعاناة الفردية لها‪ ،‬من خالل قناة ذاتية واختيار‬ ‫ثقاقي �إيديولوجي‪ ،‬ي�شكل يف النهاية الر�ؤية التي ي�صدر عنها الكاتب ـ �أبو �شاور ـ ويعترب كتابته جزءا‬ ‫من امل�رشوع الكلي للذود عنها وتعزيزها كي حتيا وت�ستمر يف جدل القول وفعل املقاومة واملقاومة‬ ‫بالكتابة‪.‬‬ ‫ف�إن جئته �إىل الرواية جتده ذهب يعطيك‪ ،‬كما هو د� ُأب من يح�سنون ع�رشتها‪� ،‬صو َرتها ال�شمولي َة‬ ‫�ضمنها حياة خ�صو�صية لقوم يف مكان وزمان‪ ،‬وهم يبحثون عن م�صري‪ ،‬بني قوى ال�رصاع من �أجل‬ ‫الوجود الإن�ساين‪ ،‬وقوى الظلم وتدمري الكرامة الإن�سانية مبعاملها املادية والروحية والرمزية‪ .‬وهل‬ ‫لأبي �شاور غري احلياة الفل�سطينية‪ ،‬بالأحرى م�رشوع ا�ستعادتها كما لو �أنها حياة قائمة‪ ،‬هي التي تنه�ض‬ ‫على مفارقة االغت�صاب وال�شتات واملحو والن�سيان‪ .‬هنا الرواية لي�ست مو�ضوعا ت�أتيه من خارج‪� ،‬إمنا‬ ‫وترعرعت‬ ‫ولدت فيها‬ ‫هي �سكنى كانت لك يوماً‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫عمدت �إىل ل�سان احلكي و�صنعة التخييل‬ ‫و�صار لك ن�سل‪ ،‬وجاءت قوى البغي فطردتك منها‪ ،‬هنا‬ ‫َ‬ ‫لت�شيد "البيت الكبري" ال بديال عن فل�سطني ال�ضائعة‪ ،‬لكن م�رسحا لريتع الوهم وتتجدد احلياة باخليال‬ ‫واحلنني‪ ،‬وتلقى النف�س الإن�سانية بع�ض املعنى للوجود‪ ،‬و�إال مل ي�صلح الفن؟! و�إن تبغه يف الق�صة‬ ‫وف�ص َلها‪ ،‬قد تبني �أنها القطرة‬ ‫الق�صرية تلقاه التف يف عقدتها‪ ،‬و�أبرم �ساردا و�شخ�صية ومنازعا و�ص َلها ْ‬ ‫الكثة يف الب�ؤرة ال�ضيقة‪ ،‬والف�ضلة املنفلتة من الكتلة اجلاحمة‪ ،‬والذرة املتفجرة من القنبلة ال�رسدية‬ ‫الهائلة‪ ،‬ت�شع ببارودها يف قالدة طويلة‪ ،‬وهي ق�صرية و�أقل �أحيانا‪ ،‬قد ا�ستجمعت ذوب الروح تارة‪،‬‬ ‫قن�صت �رسَّ الأبدية يف حلظة هاربة طوراً‪ ،‬وبني هذا وذاك فمحكيُّها‬ ‫و ُد ْربَة العقل والنقل تارة �أخرى‪� ،‬أو‬ ‫ْ‬ ‫فريد‪ ،‬ومنطقُها �سديد‪ ،‬وخطابها �إذ يحاكي ي�أتي دوما بجديد‪ ،‬ونوعها مفارق‪ ،‬خماتل‪ ،‬وفهمه على‬ ‫تكرب يف غريها‬ ‫اللبيب �أقرب من حبل الوريد‪ .‬ف�إن �س�ألتَه ما خطبُك منها و�أنت الذي‬ ‫َ‬ ‫ات�سعت وميكن �أن َ‬ ‫َ‬ ‫ترك اجلمل َة املحكمة‪ ،‬والعبارة الفاذة تنوب‪ ،‬حيث ال جمال لتطويل‪ ،‬وال و�سع لتفريط‪ ،‬وال�صوت‬ ‫واحد وثانٍ ومتعدد‪ ،‬والواحد مفر ٌد ومثنى و�ضمري جمع ل�ضمري متكلم وخماطب وغائب‪ ،‬يح�رض‬ ‫بذاته قبل �أداة النداء‪ ،‬واملنادى فطنة وحكمة ومدلول �إما ُمعينّ ‪� ،‬أو توحي به اللثغة والنظرة وكلمات‬ ‫‪228‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫اجل�سد‪ ،‬واللبيب دائما بالإ�شارة يفهم‪.‬‬ ‫وقد طرقنا بابه اليوم يف �آخر جمموعة ق�ص�صية نق�شتها يداه‪�":‬سفر العا�شق"(دار ال�رشوق‪ ،‬عمان‪،‬‬ ‫‪ )2009‬ففتحه يقدم لنا على طبق (غالف) �أبي�ض خم�رض‪ ،‬مو�شى بجناحي طائر‪ ،‬كناية من وعن ثمانية‬ ‫وع�رشين ق�صة‪ /‬ن�صا حتلق يف �سرية �صاحبها‪ ،‬بطلها‪� ،‬شخ�صياتها‪� ،‬أطيافها ب�أحزانها‪ ،‬و�أحالمها‪،‬‬ ‫وح�رساتها‪ ،‬وج�ساراتها‪ ،‬وخ�ساراتها‪ ،‬وكثري جدا من �أوهامها‪ ،‬وبع�ض مزاعمها‪ ،‬وم�شحون‬ ‫ذاكرتها‪ ،‬وخمزون �أوجاعها وخبيء مكبوتاتها‪ ،‬وكيت‪ ،‬وكيت مما هو واقع يف مدارج القول والبوح‬ ‫وما بينهما‪ .‬لكن هذه املجموعة تختلف �سلفا عن باقي ما كتبه امل�ؤلف من ق�ص�ص‪ ،‬و�إن �شئت تتفرد‬ ‫بكونها تلم مبا ي�شبه النهايات‪ ،‬والكالم الذي ال ينبغي �أن يطويه الفوات‪ ،‬لذا تراه و�إن دنا من التقرير‬ ‫والور ِد من م�رشبها‬ ‫�أقرب �إىل االعرتاف‪� ،‬أجل قد ن�أى به �صاحبه ما �أمكن عن نزعة الهتاف للدعوة‪ِ ،‬‬ ‫تت�سم‬ ‫�شب على ٍّ‬ ‫عمر طويل‪ ،‬ومن ّ‬ ‫ق�ص �شاب عليه‪ .‬وهي ثانيا‪ ،‬لو مل َّ‬ ‫الرثّ‪� ،‬إمنا ال حيلة مع ما العهد به ٌ‬ ‫بعنوانها املعطى جلاز �أن ن�سميها جمازا" ا�سرتاحة املحارب" من بني عناوين �أُخر‪ .‬ا�سرتاحة م�ستحقة‬ ‫حتمل عقله وقلبه وعثاء �سفر طويل‪� ،‬سجل يف حمطاته العديدة‪ ،‬الوعرة كلها‪،‬‬ ‫ما يف ذلك �شك ملن ّ‬ ‫ب�صمات عمر �شعب‪ ،‬وجنيع �أر�ض‪ ،‬ورحالت بحث وتيه عن وطن مفتقد‪ .‬حت�سب كاتبها ي�ست�أذن‬ ‫قارئه خمافة مالمة �أو عتاب‪ ،‬ك�أن من �شق طريق الن�ضال‪ ،‬ووهب قلمه دهرا لق�ضية الوطن‪ ،‬ال حق له‬ ‫�أن يفيء بعد طول �إقامة يف الهجري‪� ،‬إىل ظل ما ثوى يف النف�س من هوى‪ ،‬ونالها من جوى �أو ان�ساقت‬ ‫�إليه من"نزق"‪ .‬والظل‪ /‬الظالل م�ساحته عمر ق�صة ق�صرية‪ /‬ن�ص مقتطع من حياة الهجري الطويلة‪،‬‬ ‫الرجعى‪ ،‬لأن جل الن�صو�ص �أ�شجانٌ‪ ،‬ومواعيد فاتت‪،‬‬ ‫فقط‪ ،‬هي الأ�صل و�إليها ُّ‬ ‫التياع‪� ،‬أي حتماً‬ ‫"وجوى يذوب‪ ،‬وعربة ترتقرق"‪� ،‬أما الكلمات التي تقول هذا الزخم كله فهي ٌ‬ ‫�إىل زوال‪ ،‬مثل النوع الذي يكتب فيه بال�ضبط‪ ،‬و�إن كان و�شماً ال يزول بتاتا من ج�سد ال�رسد‪.‬‬ ‫هي ثمانية وع�رشون ق�صة تكاد ال تخلو واحدة من �سلوة عني‪ ،‬وح�رسة قلب‪ ،‬وتغ ّزل بخ ٍّد �أ�سيل‪.‬‬ ‫ادلهمت‪� ،‬أ�رشقت يف �سمائها ثم هربت‪� ،‬أو‬ ‫كلها �أو جلها �رسد متتابع ملقاطع كالربق التمعت يف حياة ّ‬ ‫�أ َف َل ْت‪ ،‬وما الق�صة �إال حماولة القب�ض يف حا�رض الق�ص(=الكتابة) على زمن الهروب والأفول‪ ،‬املعلوم‬ ‫م�صريهما �سلفا‪ ،‬لكن متعة ولوعة اال�سرتجاع هما ما يجعل احلياة ممكنة كظل ال�سرتاحة املحارب‪،‬‬ ‫وي�ؤدي الفن دوره هنا خا�صة �إذا كان مطواعا‪� ،‬أو �أنه يرافق املحاولة ُيجليها‪ُ ،‬يعليها‪ ،‬ميجدها‪ ،‬وال‬ ‫ت�سف �أو ُتخلّ مبيثاق البوح‪ ،‬ي�شفع لها الزلل‪.‬‬ ‫تراها �أبدا ّ‬ ‫ال جدال يحقق �أبو �شاور يف"�سفر العا�شق"�أحد �أهم �رشوط تكوين اجلن�س الق�ص�صي الق�صري‪،‬‬ ‫بو�صفه املقطع العر�ضي‪ ،‬العار�ض‪ ،‬املحجوز يف ال�رشيط الف�سيح للمعي�ش واملرئي‪� .‬إن ما ت�سجله‬ ‫ق�ص�صه ميثل �إجماال جمموعة من اال�ستذكارات‪ ،‬تتم م�شهدتها جانبيا‪ ،‬جزئيا‪ ،‬يف عالقتها الع�ضوية‬ ‫‪229‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫مع عن�رص الإثارة الأول‪� ،‬أو الوحدة املحركة‪ ،‬مكمنها خ�سارات وفر�ص �ضائعة‪ .‬هي ق�ص�ص تبنى‬ ‫على احلافة‪� :‬إما ُقبيل انهيار ما �أو بعده‪ .‬يف الق�صة الق�صرية التقليدية‪ ،‬امل�ؤ�س�سة‪ ،‬تنه�ض احلبكة على‬ ‫قاعدة املفارقة �أو ال�سخرية (ت�شيخوف‪ ،‬مثال) وت�ضارب العالقة واملزاج‪ ،‬والغرابة‪� ،‬أي�ضا( موب�سان‪،‬‬ ‫و�إ‪�.‬أ‪ .‬بو) وعلى �إحداث تنا�سب دقيق بني ال�شعور والف�ضاء خللق انطباع �أو توليد �إح�سا�س(همنغوي)‬ ‫الخ‪�..‬أما عند �أبو �شاور فاملع ّول على ما يحدث من متا�س بني ما قبل وما بعد؛ هو متا�س يف �شكل عالمة‬ ‫�سيميائية ويف الآن م�ساحة جلريان فعل �أو �إنتاج �إح�سا�س اخل�سارة‪ .‬امل�ساحة �إما زمانية‪� ،‬أو مكانية‪� ،‬أو‬ ‫�شعورية‪ ،‬وهي على الأغلب كذلك‪ .‬ال توجد �أفعال يف هذه الق�ص�ص‪ ،‬لي�س من �أحداث �أو وقائع غري‬ ‫ما يعطى مكتمال‪ ،‬جاهزا‪ ،‬من البداية �إىل النهاية‪� ،‬إن جاز ا�ستخدام م�صطلحي الق�ص التقليدي هنا‪،‬‬ ‫ليقود نحو مع�ضلة ال�شخ�صية‪� ،‬شخ�صية عا�شق لع�شق خا�رس �أبدا‪ ،‬ويف هذه احلالة فنحن مع ق�ص�ص‬ ‫انطباع‪ ،‬والرهان يف هذا النوع على قدرة الكاتب جلعل عنا�رص وم�ؤثثات مقدماتية يف خدمة ن�ص‬ ‫ينبغي �أن تت�ضافر مكوناته جميعها تلقائيا‪� ،‬أي بدون تدخل �أو تعليق �أو ا�ستنتاج ختامي من امل�ؤلف‪،‬‬ ‫للو�صول �إىل االنطباع املرجو‪ .‬فهذا معيب‪ ،‬والإمالء‪ ،‬منه ا�ستخدام خطاب عاطفي‪ ،‬وقامو�س �شديد‬ ‫املبا�رشة يبخ�س ذكاء القارئ‪ ،‬بقدر ما ي�ضيق �أفق انتظاره ويخيبه‪ .‬لنتذكر دائما‪ ،‬ليتذكر معنا �أي كاتب‬ ‫�أن �أحد حوافزه املهمة يف الكتابة‪ ،‬ال�رسدية على اخل�صو�ص‪ ،‬و�إحدى حمكات اختبارها مدى التقائه مع‬ ‫هم و�إح�سا�س متقارب هو مدار قلق وغمو�ض �إن�ساين‪ ،‬كل طرف يبذل جهدا من‬ ‫قارئ مفرت�ض يف ّ‬ ‫جانبه لفهمه والتماهي معه‪ ،‬بطريقة من الطرق‪ ،‬ما يعد جزءا من عملية الت�أويل والتلقي الناجعة لإمتام‬ ‫الكتابة وتن�شيطها‪.‬‬ ‫اللقاء مع ما�ضيها‪ ،‬بالأحرى مع فر�ص �ضائعة من هذا املا�ضي هو ما تبتغيه �شخ�صيات ق�ص�ص هذه‬ ‫املجموعة‪ :‬ففي ن�ص" الذي ح�رض مت�أخرا" تكون ال�شخ�صية قد �أ�ضاعت فر�صة االقرتان بحبيبة ب�سبب‬ ‫غياب طال عن البلد‪ ،‬ثم حني ت�سنح الفر�صة من جديد‪ ،‬ت�ضيع ثانية لأن من طبعها �أن تت�أخر عن كل‬ ‫�شيء‪ ،‬عن احل�ضور �إىل مظاهرة ت�ضامنية‪ ،‬مثال‪ ،‬حيث تنتهي بال�سخرية من �سلوكها‪� ،‬إمعانا يف خيبتها‪.‬‬ ‫يف ق�صة" د�ستور يا �سيدي ال�شيخ على" نقر�أ حكاية يقرن فيها الكاتب بني املحكي الفولكلوري(ال�شيخ‬ ‫الذي يكتب تعاويذ لق�ضاء احلاجة) وحمكي العا�شق الذي �ستهرب منه فر�صة االقرتان مبحبوبته‪ ،‬ولن‬ ‫تتاح �إال بعد فوات الأوان‪ ،‬حني يلتقيها �صدفة رفقة ابنها ال�شاب‪ ،‬وي�شتعل الولع جمددا يف نظرة �أخرية‬ ‫وهي تغادر"نظرة من نظرات �أيام زمان‪� ،‬أيام خروجها من باب املدر�سة‪ ،‬نظرة انتظرتها بلهفة طيلة‬ ‫�سنوات الغربة" (‪� .)71‬أو ت�أتي الق�صة حماولة من ال�شخ�صية للقب�ض على فر�صة متاحة‪ ،‬لكنها حتتاج ملن‬ ‫يهتبلها كي ال تطري‪ ،‬كما يف "فنجانا قهوة" حيث جتل�س �سيدة كل يوم يف مقهى تطلب فنجاين قهوة‪،‬‬ ‫الثاين لزوجها وحبيبها الراحل‪ ،‬وهناك من يراقب و�ضعها‪� ،‬ساردا ومتطلعا لالندماج يف جوها‪،‬‬ ‫‪230‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫لطلب قربها‪ ،‬وقيمة هذه الق�صة يف م�ساحة التوتر والتوقع بني املتاح وما قد يهرب‪.‬‬ ‫هناك خا�صية �أ�سا�س ت�ستخل�ص هنا توجد يف االن�سجام الواقع بني هوية النوع الأدبي( الق�ص‬ ‫الق�صري) عماده املنفلت‪ ،‬الال م�ستقر‪ ،‬املتوتر‪ ،‬املرتاوح بني ال�شك واالنتظار والأمل اخلافق‪ ،‬وبني‬ ‫م�ضامني الق�ص�ص املذكورة‪ ،‬ومثيالتها‪ ،‬ان�سجا ٌم يحتاج �إليه الفن لنظامه وجماليته‪.‬‬ ‫تت�شيد"�سفر العا�شق"‪ ،‬من نحو �آخر‪ ،‬على بناء الثنائية‪� ،‬أي الزوج املك ّون لعالقة حتمية بدونها ال‬ ‫وجود لق�صة‪ ،‬وهذا ما ال يفهمه من يكتبون ن�صو�صا هي يف احلقيقة "خواطر طائرة" بت�سمية الأديب‬ ‫املغربي عبد اجلبار ال�سحيمي‪ ،‬حمورها ذات منكفئة على ذاتيتها‪ ،‬هي �أر�ضها و�سقفها‪ ،‬فيما الق�ص‬ ‫�رس ٌد ملا يحدث بني الذات و�آخرين‪ ،‬والنا�س يف ما بينهم‪ .‬الق�صة الق�صرية تبغي هذه الثنائية بالتحديد‪،‬‬ ‫�سواء متثلت يف وجود �شخ�صيتني متعار�ضتني‪ ،‬بال�رضورة‪ ،‬و�إال فال �رصاع‪� ،‬أو يف ثنائية الكائن الواحد‬ ‫و�ضده‪ ،‬من �صميم تركيبه‪ ،‬ومظهر �إ�شكاليته‪�/‬أزمته‪ .‬و�إذا ظهر لك تعدد نحو الكرثة فهي تقود يف‬ ‫الأخري �إىل الثنائية ع ّداً‪� ،‬أو تركيبا من الواحد‪ ،‬وهذا يف نهاية املطاف‪ ،‬ل�سبب ب�سيط هو �أن الواحد‬ ‫درامي‪ .‬ذا ٌّ‬ ‫آخر �أ�سا�س للق�ص والقا�ص‪ ،‬ويتوهم من يظن‬ ‫فرتكيبي‪،‬‬ ‫غنائي‪� ،‬أما ال�رسدي‬ ‫ٌّ‬ ‫حمك � ُ‬ ‫ّ‬ ‫ٌّ‬ ‫�شعري‪ٌّ ،‬‬ ‫�أن الغنائية ميكن ب�أي حال �أن ت�صبح بديال عن الدرامية وهو يح�شو الن�ص ح�شوا مبا يرد على اخلاطر‪،‬‬ ‫مطلب ما عليه الن�ص يف نوعه الأدبي‪ .‬و�إذا ُوجِ د يف بع�ض الإنتاج ال�ضحل ما‬ ‫ي�سيل به قلم امل�ؤلف ال‬ ‫َ‬ ‫يقفز على هذه ال�رضورة بدعوى انفتاح الن�ص �أو اجلن�س على غريه‪ ،‬فمرجعنا نحن �أ�سلوب املونولوغ‬ ‫الداخلي‪ ،‬وتداعي اخلواطر ك"تقنية"حمنكة يف الرواية احلديثة‪ ،‬ولي�س الهدر اللغوي بال طائل؛�أما‬ ‫الق�صة الق�صرية‪ ،‬املقطعية‪ ،‬املح�سوبة من كل ناحية‪ ،‬فال حتتمل �أي في�ضان كان‪.‬‬ ‫يف غري ق�صة ل" �أبو �شاور" يربز الطابع الثنائي‪ ،‬واملنحى ال�صدامي بني قدرين‪ ،‬منزعني‪� ،‬سلوكني‪،‬‬ ‫نكتفي مبثال‪":‬العجوز واحلمام" تقدم لنا منوذجني ل�شخ�صيتني تنتميان �إىل عاملني ذوي قيم خمتلفة‪،‬‬ ‫مثالية ومنفعية‪� :‬سقراطو�س‪ ،‬الذي مي�ضي حياته وحيدا بعد �أن رحلت زوجته‪ ،‬لي�س له من �أني�س يف‬ ‫تر ّمله غري مناكفة يومية مع �صديقه التاجر �سقراطو�س‪ ،‬الذي ي�شرتي منه يومياً كي�س حبوب يذهب‬ ‫ليطعمها لرفقته احلقيقية احلما َم ومالعبته‪� ،‬صا ّماً �سمعه عن دعوة التاجر �أرنندي�س له الذي ال يكف‬ ‫يدعوه �إىل العثور على من ًتخفف عنه ك�آبة �أيامه‪ ،‬التاجر نف�سه ال�سعيد بتجارته‪ ،‬وزوجته‪ ،‬واملتكوم‬ ‫ال�صدامية هنا‪ ،‬ويف ن�صو�ص �أخرى‪ ،‬من طبيعة‬ ‫يف بدانته املفرطة مع جمع جتار ال�سوق‪ .‬تبدو الثنائية ِّ‬ ‫�أخالقية‪ ،‬ولذلك ت�أخذ ال�شخ�صية‪ /‬ال�شخ�صيات كذلك �سمات رمزية‪ ،‬جتريدية �أكرث منها ت�شخي�صية‬ ‫لأنها تق�صد �إىل �إعالء املثال وهذه من خ�صائ�ص الق�ص عند �أبي �شاور‪ ،‬تروم �شخ�صياته ُمث ً‬ ‫ال ومقا�ص َد‬ ‫نبيلة ال حتفل باالختالف عن حميطها‪� ،‬أو ما �سي�صدر عنه من �أحكام‪ ،‬معنية �أ�سا�سا بر�ؤيتها الذاتية ثقافة‬ ‫ومرجعاً‪ ،‬و�أح�سب �أنها متتح من خليقة امل�ؤلف‪ ،‬وهو يوزع �إح�سا�سه بالدنيا وان�شغاله بطباع و�أخالق‬ ‫‪231‬‬


‫حتوالت النوع يف الرواية العربية‬ ‫ّ‬

‫�أهلها‪ ،‬وللكتاب يف هذا ال�ش�أن مذاهب‪ ،‬ل�ست خموال للحكم لها وال عليها‪ ،‬اللهم من ناحية �أن ال‬ ‫ت�صبح �إ�سقاطا قبليا‪ ،‬ومنذجة م�سبقة‪ ،‬تتغيا يف هذه احلالة �صوغ �أدب �أخالقي‪ ،‬يكون عندئذ �أقرب �إىل‬ ‫�سجل الأخالق منه �إىل املدونة الأدبية‪ ،‬ولكل منهما مقا�صده و�صفاته‪ ،‬لك �أن تنظر �إىل ق�صة "حانة‬ ‫البرية ال�سوداء" التي تر�سم �صورة مثالية ل�شخ�صية املقاوم الذي ي�أبى على نف�سه �أي متعة ولو من‬ ‫َحبَب‪ ،‬هو الذي حل ببلد �أجنبي لال�ست�شفاء مبياهه الكربيتية قادما �إليه من ال وطن‪ ،‬مقابل ن ٍّد من �أبناء‬ ‫هذا الال وطن نف�سه‪ ،‬لكن ال مانع لديه من �أن يَ ُع ّب من احلياة كما هي ال كما ي�صنعها فكر مقولب يف‬ ‫�سجال هو �أقرب �إىل الإيديولوجيا منه �إىل الق�ص‪ ،‬وغري م�ستحب فيه‪ ،‬لكنها الثنائية ال�صدامية دائما‬ ‫م�ستحكمة يف ذهن امل�ؤلف ‪.‬‬ ‫يف هذا املنحى وقريبا من من ر�ؤيته‪ ،‬ف�إن ق�ص�ص ر�شاد �أبو �شاور‪ ،‬تاليا‪ ،‬تتميز ب�سلطة �سارد هو‬ ‫ال�شخ�صية عينُها يف �أكرث من ق�صة‪ ،‬مع التفاوت الذي يحدث بني �ضمري املتكلم وال�سارد‪ .‬غري �أن‬ ‫الغلبة تبقى لهذا الأخري‪ ،‬ميلك بحكم دوره‪ ،‬حتديد زاوية النظر وحديث ال�شخ�صية‪ ،‬وت�رسيب ر�أي‬ ‫امل�ؤلف‪� ،‬أي�ضا‪ ،‬من حيث هو خطاب لغريه‪� .‬إنه ال ميكن اال�ستهانة وال التخفيف من ت�أثري �أو �رضر‬ ‫طغيان �أحد املوقعني‪ /‬الدورين‪ ،‬بل �إن قيا�سهما مبيزان دقيق من �ش�أنه تكييف الن�ص جلن�س �أدبي و�آخر‪،‬‬ ‫ووجود تراوح هو كذلك عالمة عن ن�ص و�سيط‪ ،‬هجني رمبا‪ ،‬ومن هنا �أهمية �أن يعرف القا�ص‪/‬‬ ‫الروائي �أي �ضمري �سي�ضعه ل�شخ�صيته‪ /‬بطله‪� ،‬إذ من الوهلة الأوىل �سيوجه جمرى اخلطاب ونربته‪،‬‬ ‫و�سيعي ما هو قابل للجهر والإ�ضمار‪ .‬و�إنك لتلحظ عند (�أبو �شاور) �أن ال اعتباط يف هذا االختيار‪.‬‬ ‫فهو منذ البداية َب�أّ َر الق�ص�ص على حمور �سارد‪� /‬ضمري متكلم‪ ،‬لأنه ال ي�ستقيم �أن يتحدث غائب با�سم‬ ‫عا�شق‪ ،‬ولأن خطاب العا�شق بوح والتياع‪ ،‬فكيف ونحن يف َ�سفر ُعمر‪ ،‬مبحطات ع�شق كاملة‪.‬‬ ‫من هنا ت�شغل تيمة ال�سفر مادة مركزية يف املجموعة‪ ،‬متثل حقيقة بطل �أو �شخ�صية ت�رسد بع�ض‬ ‫ما جرى لها مع لواعج احلب(=الع�شق) يف حال الرتحال‪ .‬وهو حال عندها دائم‪ ،‬قل هو القاعدة ال‬ ‫اال�ستثناء‪ ،‬ما دامت بال وطن لال�ستقرار ميكن �أن تعود �إليه تلقائيا‪ .‬هكذا تتجان�س التيمة مع ال�شكل‪،‬‬ ‫الق�صة الق�صرية‪ ،‬وهي جمتز�أةٌ‪ ،‬مقت�ضبةٌ‪ ،‬يف �إهاب ونف�س الطارئ‪ ،‬العار�ض‪ ،‬والزائل‪� ،‬أي�ضا‪�َ .‬سفر‬ ‫ني �إليه �أو رج ُع ذكراه‪ ،‬ومما يتنا�سب جدا مع �إهاب ال�رسد الق�صري‪ ،‬ي�ستدعي فيه �أبو �شاور‬ ‫فعلي �أو حن ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫حلظات وذكريات عنده فريدة‪ ،‬وتوحي بدالالت خلقية و�إن�سانية و�إن ظل بطله هو �أنا تت�شوف �إىل‬ ‫هوى‪ُ ،‬وت�سقِط‬ ‫حمبوب‪ ،‬و�أكرث من هذا تفرت�ض مركزيتها وجاذبيتها‪ ،‬حتى �إنه جتد يف كل �أنثى‬ ‫َ‬ ‫مو�ضوع ً‬ ‫عليها �أ�شواق الروح كما ترى فيها احتماالت اخلال�ص‪ .‬و�ض ٌع يحيل �إىل ما يعرف يف الطب النف�سي‬ ‫ب"هو�س املريلة البي�ضاء"‪ ،‬ال يثني �صاحبه عن هو�سه ال عائق ال�سن‪ ،‬وال ا�ستحالة حتققه‪ ،‬من هو؟‪� ":‬أنا‬ ‫املهيمن! يا �إلهي ما �أجمل نف�س