Page 1


‫مساهمون في هذا العدد‬ ‫الترجمة واألعداد‬

‫أحمد الساعدي‬

‫عمر المريواني‬

‫أحمد أبراهيم‬

‫هشام الصباحي‬

‫زياد عبداهلل‬

‫ساره سمير‬

‫محمد عبد الزهرة‬

‫سلمان عبود‬

‫محمد طارق‬

‫عصام منير‬

‫رمزي الحكمي‬

‫التصميم والتنسيق‬

‫نورس حسن‬


‫الفهرس‬

‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫دراسة حول انتشار خرافات علم نفس الطفل‪ ..........................................................................‬ص ‪5‬‬ ‫أحمد الساعدي‬ ‫هجوم الجهاز المناعي وحدوث مرض باركنسون ‪......................................... ....................................................‬ص‪8‬‬ ‫عصام منير‬ ‫تجربة مسبار الجاذبية‪ :‬خمسون سنة الختبار كون آينشتاين‪ ........................................................‬ص ‪9‬‬ ‫محمد طارق‬ ‫تحدي العلوم الزائفة‪ :‬مساعدة الطالب على تمييز العلوم الزائفة‪ .................................................‬ص ‪11‬‬ ‫سارة سمير‬ ‫سلسلة أسالف اإلنسان‪ :‬هومو إرغاستر اإلنسان العامل‪ ..............................................................‬ص ‪12‬‬ ‫أحمد أبراهيم‬ ‫سلسلة كيف يعمل الكون؟ الجُزء الرابع‪ :‬النجوم‪ ......................................................................‬ص ‪14‬‬ ‫محمد فاروق‬ ‫الديناميكا الحرارية‪ :‬نظرة عن كثب‪ ......................................................................................‬ص ‪17‬‬ ‫محمد فاروق‬ ‫الشعور باألشباح‪ :‬وجهة نظر علم األعصاب‪ ............................................................................‬ص ‪19‬‬ ‫عصام منير‬ ‫وهم العمل التطوعي‪ :‬الـ «مجانًا» لها تسعيرة أيضًا‪ ...............................................................‬ص ‪21‬‬ ‫محمد عبد الزهرة‬ ‫األلم عند الحيوانات ‪ :‬هل تشعر الحيوانات باأللم؟‪ ...................................... ............................................‬ص ‪23‬‬ ‫أحمد الساعدي‬ ‫الدجَّالون المثقفون‪ :‬ال تصدقوا كل من يتكلم باسم العلم ‪ ........................................................‬ص ‪24‬‬ ‫محمد عبد الزهرة‬ ‫سلسلة أسئلة كونية‪ :‬معدات الفضاء‪ ...................................................................................‬ص ‪26‬‬ ‫زياد عبداهلل‬ ‫اآلفاق المستقبلية للحوسبة الكمومية‪ .................................................................................‬ص ‪28‬‬ ‫سلمان عبود‬ ‫اكتشاف الدورة الدموية البن النفيس‪ :‬مثال على إشكاليات المجتمع العلمي في الحضارة االسالمية‪ .........‬ص ‪30‬‬ ‫عمر المريواني‬ ‫على طريقة آالن سوكال مرة أخرى اللعبة تنطلي على مجلة نسوية‪ ..............................................‬ص ‪33‬‬ ‫عمر المريواني‬ ‫اللقاحات والتوحد‪ ،‬والترويج للبحوث غير ذات الصلة ‪ ................................................................‬ص ‪34‬‬ ‫هشام الصباحي‬ ‫عصبونات للتمييز ما بين الواقع والخيال‪...............................................................................‬ص‪36‬‬ ‫عصام منير‬ ‫القاتل بجوارك ( تكملة الفصل الخامس) المغتصبون كمفترسين جنسيين ‪ ..............................................‬ص‪39‬‬ ‫رمزيالحكمي‬


‫مقدمة العدد الحادي عشر‬ ‫ً‬ ‫أهل بكم مر ًة أخرى في عددٍ جديد من أعداد مجلَّتكم الشهرية‪ .‬يضمُّ العدد‬ ‫الحادي عشر مزيجًا مثيرا من المقاالت المتنوِّعة في مجاالتٍ علميةٍ مختلفة‪.‬‬ ‫ستقرأون أحدث المعلومات ونتائج الدراسات في الطب وعلم األعصاب والفيزياء‬ ‫واألنثروبولوجيا والتطوُّر وعلم النفس والفضاء‪ .‬وكما هو حال أيِّ قراءة جيدة فإن‬ ‫وهدم ممتعة؛ بنا ٌء لمعلوماتٍ علميةٍ جديدةٍ‬ ‫قراءة هذا العدد هي عملية بنا ٍء‬ ‫ٍ‬ ‫وهدمٌ لخرافاتٍ باليةٍ طالما سكنت شوارعنا وأخَّرت نموَّنا المعرفي والحضاري‪.‬‬ ‫كيف نميِّز بين ما هو علميٌّ وما هو غير علمي؟ هل منكم من يعتقد بارتباط‬ ‫التوحُّد باللقاحات الطبية؟ هل منكم من لم يزل يؤمن برؤية األشباح؟ وهل يجب‬ ‫الجزم بأن (ابن النفيس) هو مكتشف الدورة الدموية الصغرى؟ ستجدون في هذا‬ ‫ُّ‬ ‫التحقق من‬ ‫العدد بعض اإلجابات الجيدة باإلضافة إلى أحدث انتصارات العلم في‬ ‫تنبُّؤات آينشتاين حول النسيج الكوني بعد تجربةٍ دامت لقرابة خمسين عامًا‪.‬‬ ‫ولمحبِّي المقاالت الموسوعية‪ ،‬ستسعدون بالتعرُّف إلى واحدٍ من أهم أسالفنا‬ ‫وهو اإلنسان العامل؛ كيف كان أسلوب حياته وما هي أهم الفروق بيننا وبينه؟‬ ‫كما سقرأون معلومات قد تكون جديدة تمامًا عن والدة النجوم وموتها والعالقة‬ ‫المتينة التي تربطنا بها وعن محطات الفضاء والتلسكوبات والروبوتات فاربطوا‬ ‫أحزمة األمان واستعدوا لالنطالق!‬ ‫أخيرا‪ ،‬ال تنسوا موعدكم المعتاد مع ديفيد باس ففي هذه المرة سيحدثكم عن‬ ‫ً‬ ‫مرعبة وتفسيراتٍ ممكنة لواحدة من‬ ‫جريمة االغتصاب ويقدم لكم إحصائياتٍ‬ ‫القتل ٍّ‬ ‫ُ‬ ‫كحل لها‪.‬‬ ‫أهم المشكالت التكيُّفية التي تطوَّر‬

‫رمزي الحكمي‬

‫‪4‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫أحمد الساعدي ‪ -‬بغداد‬

‫دراسة حول انتشار‬ ‫خرافات علم نفس الطفل‬

‫تكــون الكثيــر مــن األفــكار الخاصــة‬ ‫بعلــم نفــس الطفــل غيــر موثوقة‪.‬‬ ‫ولكــن يجــد الكثيــر مــن اآلبــاء‬ ‫واألمهــات والطــاب صعوبــة فــي‬ ‫تمييــز البحــوث العلميــة مــن غيــر‬ ‫العلميــة‪ .‬فعلــى ســبيل المثــال‪ ،‬في‬ ‫بحــث اســتقصائي جديــدة وجــد أن‬ ‫الطــاب واآلبــاء يعتقــدون أن العالج‬ ‫باالســتخالب (أي إزالــة الســموم مــن‬ ‫الجســم؛ وهــو عــاج زائــف) أكثــر‬ ‫فعاليــة فــي عــاج التوحــد مــن‬ ‫المنهــج المعرفــي الســلوكي (وهــو‬ ‫أحــد المناهــج الطبيــة الفعَّالــة)‪.‬‬ ‫كمــا أن بعــض الخرافــات انتشــرت‬ ‫لكــون العلــم ال يســتطيع البحــث‬ ‫فيهــا بســبب القيــود التــي تفــرض‬ ‫علــى األبحــاث فــي الوقــت الحالــي‪ .‬و‬ ‫أكثــر الخرافــات تأتــي فــي مــا يخــص‬ ‫المســببات‪ ،‬والتنميــة النموذجيــة‪،‬‬ ‫والتقييــم‪ ،‬والطــرق األساســية لألبوة‬ ‫واألمومــة‪ .‬وفــي هــذا المقــال ســوف‬ ‫نحــاول أن نذكــر بعــض األفــكار غيــر‬

‫العلميــة التــي تناولتهــا الدراســة‬ ‫والتــي يؤمــن بهــا اآلبــاء والطــاب‬ ‫علــى حــد ســواء‪.‬‬ ‫شــملت الدراســة ‪ 163‬شــخص مــن‬ ‫الطــاب‪ ،‬و‪ 205‬مــن اآلبــاء مــن‬ ‫جنســيات متعــددة وثقافــات‬ ‫مختلفــة‪ .‬وأجريــت عــن طريــق‬ ‫إعطــاء المشــاركين فيهــا اســتمارة‬ ‫تحتــوي علــى أفــكار‪ ،‬بعــض هــذه‬ ‫األفــكار كانــت غيــر علميــة‪ ،‬وكان‬ ‫علــى المشــاركين اختيــار مــا إذا‬ ‫كانــوا «يوافقــون» أو «يوافقــون إلى‬ ‫حــد مــا» أو «ال يوافقــون» عليهــا‪.‬‬ ‫وبعــد جمــع البيانــات وتحليلهــا‬ ‫وجــد أن أكثــر خرافــة منتشــرة فــي‬ ‫المجتمــع هــي «ارتبــاط طريقــة‬ ‫تربيــة االطفــال بالعالقــة بيــن األم‬ ‫والرضيــع»‪ ،‬حيــث كان يؤمــن بهــذه‬ ‫الخرافــة ‪ %88.4‬مــن الطــاب و ‪%83‬‬ ‫مــن اآلبــاء‪ .‬فــي حيــن أن مــن أقــل‬ ‫هــذه األفــكار انتشــارا فــي المجتمــع‬ ‫هــي «ال توجــد مشــكلة فــي بــكاء‬

‫األطفــال فــي عمــر الســنة الواحدة»‪،‬‬ ‫حيــث كانــت نســبة مــن يعتقــدون‬ ‫بهــا مــن الطــاب ‪ %25.3‬و ‪42.5‬‬ ‫مــن اآلبــاء‪ .‬أيضــا‪ ،‬كانــت خرافــة‬ ‫«يجــب أن تقــوم األم بحمــل الطفــل‬ ‫بعــد ســاعة واحــدة مــن الــوالدة‬ ‫لتقويــة الروابــط بينهمــا» منتشــرة‬ ‫فــي المجتمــع حيــث أن ‪ %82‬مــن‬ ‫اآلبــاء و‪ %82.7‬مــن الطــاب يؤمنــون‬ ‫بهــا‪ .‬وخرافــة «معظــم األطفــال‬ ‫بعمــر الســنتين يمــرون بمرحلــة‬ ‫تخريبيــة»‪ ،‬حيــث كان يؤمــن بهــا‬ ‫‪ %84.7‬مــن الطــاب و ‪ %83.4‬مــن‬ ‫اآلبــاء‪ ،‬فعلــى الرغــم مــن أنهــا‬ ‫منتشــرة إال أن البحــوث تبيــن أن‬ ‫األطفــال ليســوا ســيئين فــي عمــر‬ ‫الســنتين فقــط‪ ،‬بــل يمكــن أن‬ ‫يكونــوا كذلــك فــي أغلــب فتــرات‬ ‫طفولتهــم‪.‬‬ ‫أيضــا‪ ،‬اعتقــد ‪ %78‬مــن الطــاب‬ ‫و‪ %79.1‬مــن اآلبــاء بخرافــة «رســم‬ ‫االطفــال يعطينــا نظــرة لمشــاكلهم‬

‫علوم زائفة‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫‪5‬‬


‫علوم زائفة‬

‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫‪6‬‬

‫مــن خــال الالوعــي»‪ .‬فعلــى‬ ‫الرغــم مــن كــون الرســومات تعتبــر‬ ‫أداة مهمــة للمعالجيــن فــي بنــاء‬ ‫عالقــات مــع األطفــال‪ ،‬إال أن تقييــم‬ ‫الســلوك الوظيفــي يعتبــر أفضــل‬ ‫وســيلة لمعرفــة مشــاكل األطفــال‬ ‫ومــا يحتاجونــه‪ .‬وهنــاك أفــكار‬ ‫غيــر علميــة أخــرى تعتبــر شــائعة‪،‬‬ ‫ومــن بينهــا خرافــة «الســكر يجعــل‬ ‫األطفــال مفرطــي النشــاط» حيــث‬ ‫آمــن ‪ %81‬مــن الطــاب و‪ 70.35‬مــن‬ ‫اآلبــاء بهــا‪ ،‬وهــذه الخرافــة قــد‬ ‫تدفــع باآلبــاء إلــى تنظيــم طعــام‬ ‫األطفــال لكــي يحتــوي علــى أقــل‬ ‫قــدر ممكــن مــن الســكر‪ ،‬بــدل‬ ‫لجوئهــم إلــى العالجــات الموثوقــة‬ ‫مثــل إدارة ســلوكيات الصفــوف‪.‬‬ ‫وخرافــة «برنامــج التخويــف‬ ‫ً‬ ‫فعــال‬ ‫المعتــدل يعتبــر عالجًــا‬ ‫للجنــوح» حيــث اعتقــد ‪ %64.2‬مــن‬ ‫الطــاب و‪ %62.4‬مــن اآلبــاء بهــذه‬ ‫الخرافــة‪ ،‬وبذلــك فهــم يلجــأون إلــى‬ ‫عالجــات زائفــة بــدال عــن العالجات‬ ‫الفعالــة‪ .‬وخرافــة «التبــول الــاإرادي‬ ‫يكــون بســبب مشــاكل عاطفيــة»‬ ‫التــي يؤمــن بهــا ‪ %42.9‬مــن‬ ‫الطــاب و‪ %43.4‬مــن اآلبــاء وهــذا ما‬ ‫يجعلهــم يقومــون بعــاج المشــكلة‬ ‫فــي الالوعــي بأنفســهم بــدال مــن‬ ‫العــاج الحقيقــي للمشــكلة عبــر‬ ‫استشــارة طبيــب مختــص‪.‬‬ ‫أمــا أقــل األفــكار غيــر العلميــة‬ ‫انتشــارا فقــد كانــت «ارتبــاط‬ ‫اللقــاح بالتوحــد»‪ ،‬حيــث يعتقــد‬ ‫بهــا ‪ %22.8‬مــن الطــاب و‪ %24.4‬مــن‬ ‫اآلبــاء‪ ،‬فعلــى الرغــم مــن األبحــاث‬ ‫لــم تجــد أي ارتبــاط بيــن التوحــد‬ ‫واللقاحــات‪ ،‬وهــذا مــا يجعــل هــذه‬ ‫الخرافــة أخطــر الخرافــات علــى صحة‬ ‫األطفــال رغــم النســبة القليلــة‬ ‫لألشــخاص الذيــن يعتقــدون بهــا‪،‬‬ ‫فيمكــن أن يدفعهــم اعتقادهــم‬ ‫هــذا إلــى عــدم تلقيــح األطفــال‬ ‫مــن الحصبــة والنــكاف والحصبــة‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫األلمانيــة وغيرهــا مــن األمــراض‬ ‫المُعديــة والقاتلــة فــي بعــض‬ ‫الحــاالت‪ .‬باإلضافــة إلــى ذلــك‪،‬‬ ‫فقــد يدفعهــم هــذا االعتقــاد إلــى‬ ‫اســتخدام عالجــات زائفــة للتوحــد‬ ‫مثــل العــاج باالســتخالب (أي‬ ‫إزالــة الســموم مــن الجســم) بــدال‬ ‫مــن العالجــات الموثوقــة‪ .‬وفــي‬ ‫مــا يخــص البيانــات الموثوقــة‬ ‫والتــي تــم ذكرهــا فــي االســتطالع‪،‬‬ ‫فقــد كان الطــاب واآلبــاء يميلــون‬ ‫إلــى ثقــة كبيــرة بهــا‪ .‬فعلــى‬ ‫ســبيل المثــال‪ ،‬يعتقــد ‪ %92‬مــن‬ ‫المشــاركين أن العــاج الســلوكي‬ ‫المعرفــي فعــال لمرضــى التوحــد‪.‬‬ ‫وفــي مــا يخــص بخرافــة «مــن‬ ‫المفيــد لألطفــال الذيــن يعانــون‬ ‫مــن الغضــب المســتمر زيــارة‬ ‫المعالــج» حيــث بلغــت نســبة‬ ‫مــن يقــوم بهــذا اإلجــراء ‪%93.8‬‬ ‫مــن الطــاب و ‪ %88.3‬مــن اآلبــاء‪.‬‬ ‫و «مــن المهــم أن يتعلــم األطفــال‬ ‫كيفيــة مواجهــة مخاوفهــم» بلــغ‬ ‫نســبة االعتقــاد إلــى ‪ %93.9‬مــن‬ ‫الطــاب و ‪ %87.3‬مــن اآلبــاء‪.‬‬ ‫حيــث أن النتائــج تشــير إلــى أن‬ ‫الطــاب واآلبــاء يثقــون بصــورة‬ ‫كبيــر فــي النتائــج التــي تأتــي‬ ‫بنــاءا علــى األدلــة‪ ،‬علــى الرغــم‬ ‫مــن اعتقادهــم بالعديــد مــن‬ ‫الخرافــات التــي تتداخــل مــع‬ ‫العالجــات الفعالــة‪ ،‬وهــذا مــا‬ ‫يمكــن أن يعــرض ســامة األطفــال‬ ‫إلــى بعــض المخاطــر‪ .‬كمــا أن هــذه‬ ‫الدراســة تفيدنــا فــي معرفــة أي‬ ‫الخرافــات منتشــرة فــي المجتمــع‪،‬‬ ‫لكــي تكــون مرجــع للمدرســين‬ ‫والمدربيــن لكــي يثقفــوا الطــاب‬ ‫فــي الفصــول الدراســية‪ ،‬كمــا أن‬ ‫هــذه الدراســة تعتبــر عالمــة‬ ‫للدراســات المســتقبلية والتــي يمكن‬ ‫اســتخدامها فــي معرفــة مــدى‬ ‫التغييــر الحاصــل فــي معتقــدات‬ ‫المجتمــع مــع مــرور الوقــت‪.‬‬

‫المصدر‪:‬‬

‫‪Stephen Hupp, Amanda Stary, and‬‬ ‫‪Jeremy Jewell, «Science vs. Silliness‬‬ ‫‪for Parents: Debunking the Myths‬‬ ‫‪of Child Psychology», Skeptical‬‬ ‫‪Inquirer Volume 41.1, January/‬‬ ‫‪February 2017‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫يمكنك االنضمام إلى فريق العلوم الحقيقية عبر ملء االستمارة الموجودة على الرابط التالي‪:‬‬ ‫‪http://bit.ly/2eYIeOY‬‬

‫فيزياء‬

‫‪real-sciences.com‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫‪7‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫هجوم الجهاز المناعي‬ ‫وحدوث مرض باركنسون‬

‫عصام منير‪ -‬بغداد‬

‫علم األعصاب‬

‫المضــاد (‪( )Synuclein‬مركبــات‬ ‫تســاعد الخاليــا المناعيــة علــى‬ ‫التعــرف علــى الهــدف)‪ ،‬حتــى نُشــر‬ ‫بحــث الدكتــور ســولزر (‪David‬‬ ‫‪ )Sulzer‬الــذي اكتشــف وجــود هــذه‬ ‫المركبــات علــى الخاليــا الدماغيــة‬ ‫المولــدة للدوباميــن‪ .‬بعــد ظهــور‬ ‫هــذا االكتشــاف‪ ،‬دفــع دكتــور ســولزر‬ ‫باكتشــافه خطــوة أخــرى وأجــرى‬ ‫عــدة فحوصــات للــدم للكشــف‬ ‫عــن وجــود اســتجابة مناعيــة لهــذه‬ ‫المركبــات عنــد مرضــى الباركنســون‬ ‫وعــدم وجودهــا عنــد األصحــاء‪.‬‬ ‫يُســلط هــذا االكتشــاف الضــوء علــى‬ ‫إمكانيــة كــون مــرض الباركنســون‬ ‫مرضًــا مناعيًــا‪ ،‬وتعتبــر وهــذه‬ ‫الدراســة هــي األقــوى فــي هــذا‬ ‫المجــال‪ .‬ولكــن يبقــى الســؤال هــو‪:‬‬ ‫هــل االســتجابة المناعيــة هــي‬ ‫ســبب مــوت الخاليــا؟ أم هــي تأثيــر‬ ‫جانبــي للمــرض؟‬

‫‪8‬‬

‫مشــية بطيئــة‪ ،‬ارتعــاش فــي‬ ‫أجــزاء مختلفــة مــن الجســد‪،‬‬ ‫انعــدام تعابيــر الوجــه‪ ،‬بــطء فــي‬ ‫التفكيــر وغيرهــا هــي أعــراض‬ ‫لمــرض باركنســون (‪Parkinson’s‬‬ ‫‪ )Disease‬الــذي ســبب األرق لكثيــر‬ ‫مــن العلمــاء‪ ،‬ولكــن بــدأت مالمــح‬ ‫فــك شــيفرة هــذا المــرض بالظهــور‬ ‫ـث حديـ ٌ‬ ‫بعــد أن نُشــر بحـ ٌ‬ ‫ـث فــي‬ ‫مجلــة نيتشــر (‪.)Nature‬‬ ‫يتميــز مــرض الباركنســون (الرُّعاش)‬ ‫بنقــص الدوباميــن (‪)Dopamine‬‬ ‫(وهــو ناقــل عصبــي لــه دور فعــال‬ ‫فــي أنظمــة الحركــة وأنظمــة‬ ‫المكافــأة) نتيجــة مــوت الخاليــا‬ ‫المنتجــة لــه بعــد أن يتجمــع‬ ‫فيهــا بروتيــن يدعــى الســينوكلين‬ ‫(‪ )Synuclein‬الــذي يــؤدي إلــى‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫تفاعــل ســام تجــاه هــذه التجمعــات‬ ‫ومــوت الخاليــا التــي تحتويهــا‪ .‬لكــن‪،‬‬ ‫علــى الرغــم مــن معرفــة هــذه‬ ‫الميكانيكيــة‪ ،‬إال أن ســبب تكــون‬ ‫هــذه التجمعــات وحــدوث التفاعــل‬ ‫الســام ظــل مجهـ ً‬ ‫ـول‪.‬‬ ‫أظهــرت بعــض الدراســات أن هنــاك‬ ‫ً‬ ‫ارتباطــا مــا بيــن حــدوث المــرض‬ ‫وبعــض الجينــات التــي تؤثــر علــى‬ ‫عمــل الجهــاز المناعــي للجســم‪.‬‬ ‫وظهــرت‪ ،‬نتيجــة لذلــك‪ ،‬النظريــة‬ ‫القائلــة بــأن تجمــع الســينوكلين‬ ‫فــي الخاليــا يــؤدي إلــى تحفيــز‬ ‫الجهــاز المناعــي لمهاجمــة الخاليــا‬ ‫وقتلهــا‪ .‬لكــن هنــاك اعتــراض‬ ‫علــى هــذه النظريــة‪ ،‬فالشــائع‬ ‫فــي الوســط العلمــي أن الخاليــا‬ ‫الدماغيــة ال تحتــوي علــى مولــد‬

‫المصادر‪:‬‬ ‫‪- Best evidence yet that Parkinson›s could‬‬ ‫‪be autoimmune disease | New Scientist.‬‬ ‫‪(n.d.). Retrieved from https://www.‬‬ ‫‪newscientist.com/article/mg23431314‬‬‫‪900-best-evidence-yet-that-parkinsons‬‬‫‪could-be-autoimmune-disease/‬‬ ‫‪- New Study Finds Parkinson›s is‬‬ ‫‪Partly an Autoimmune Disease. (n.d.).‬‬ ‫‪Retrieved from https://futurism.com/‬‬ ‫‪new-study-finds-parkinsons-is-partly-an‬‬‫‪autoimmune-disease/‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫تجربة مسبار الجاذبية‪:‬‬ ‫خمسين سنة الختبار كون‬ ‫آينشتاين‬

‫محمد طارق ‪-‬اإلسكندرية‬

‫تتنبأ النظرية النسـبية العامة ألينشـتاين‬ ‫بـأن الفضـاء عبـارة عـن نسـيج مـن‬ ‫الزمـكان وأنـه ينحنـى بفعل الكتلـة وأنه‬ ‫ٌ‬ ‫ومـرن ويمكـنُ التأثيـرٌ‬ ‫شـي ٌء حقيقـيٌ‬ ‫عليـه‪ .‬وأيضـا أن الثقـوب السـوداء تقوم‬ ‫بجـر الفضـاء فعليـا‪ ،‬وحتـى دوران األرض‬ ‫حـول محورها يسـبب أيضا تأثيراً مباشـراً‬ ‫علـى الزمـكان حولهـا وإن كان بنسـبةٍ‬ ‫ضئيلـة وذلك هـو سـبب الجاذبيـة بين‬ ‫الكتـل المختلفـة‪ .‬حسـنا هـل اسـتطاع‬ ‫العلمـاء التأكـد مـن ذلـك فعلا بتجربة‬ ‫عمليـة؟ اإلجابـة أنـه حقـا اسـتطاع‬ ‫العلمـاء ذلـك‪ .‬سـنتناول فى هـذا المقال‬ ‫هـذه التجربـة المشـوقة جدا التـى قامت‬ ‫بهـا وكالـة ناسـا وقـد اسـتغرقت فى ما‬ ‫يقـارب الخمسـين عامـا كاملـة لنتعـرف‬ ‫سـويا علـى هـذه التجربة‪.‬‬ ‫بـدأت هـذه التجربـة ألول مـرة عـام‬ ‫‪ 1959‬فـى ذهـن الفيزيائـى (‪Leonard‬‬ ‫‪ )Susskind‬وهـو بروفيسـور فـى‬ ‫الفيزيـاء النظريـة بجامعـة سـتانفورد‬

‫األمريكيـة‪ ،‬حيث توقـع ان الجيروسـكوب‬ ‫سـيغير اتجاهـه إذا مـا حـدث انحنـاء‬ ‫حقيقـي للفضـاء الـذي يسـتند عليـه‪.‬‬

‫ما هو الجيروسكوب؟‬

‫الجيروسـكوب هـو جهـاز أشـبه بعجلـة‬ ‫الغـزل الـدوارة أو القـرص ذو المحـور‬ ‫حـر التوجيـه‪ .‬يتأثـر تغييـر التوجيـه‬ ‫بأقـل درجـة بالتأثيـرات الخارجيـة‪ ،‬فهو‬ ‫ببسـاطة يحافـظ علـى االتجـاه بشـكل‬ ‫شـبه ثابت مهمـا تغيرت األرضيـة المثبت‬ ‫عليهـا المـدوار‪ .‬بمعنـى أنه مهمـا تغير‬ ‫السـطح الذى يسـتند عليـه هـذا الجهاز‬ ‫فـإن االتجاه الذي يشـير اليه الجهـاز ُ‬ ‫يظل‬ ‫ثا بت ًا ‪.‬‬

‫مـا عالقـة الجيروسـكوب بانحنـاء‬ ‫الفضـاء؟‬

‫كانـت فكـرة ليونـارد أن الجيروسـكوب‬ ‫يشـير فـي العـادة إلـى اتجـاه معيـن‬ ‫وثابـت ولكـن إذا كانـت فعلا الكتلـة‬

‫تسـبب انحناء الفضـاء (الزمـكان) فعندها‬ ‫سـيتغير محـور الجيروسـكوب معهـا مما‬ ‫يحـول توجههـا بطريقـة يمكن قياسـها‪.‬‬ ‫واذا اسـتطعنا قيـاس ذلك االنحـراف فى‬ ‫محـور الجيروسـكوب عمليـا وتطابـق مع‬ ‫نفـس النتائـج مـع معـادالت النظريـة‬ ‫للنسـبية العامـة آلينشـتاين‪ ،‬عندهـا‬ ‫سـيكون ذلـك دليلا حقيقيا علـى صحة‬ ‫النسـبية العامـة‪.‬‬ ‫كانـت المشـكلة أن معـادالت آينشـتاين‬ ‫تتنبـأ بـأن دوران األرض حـول محورهـا‬ ‫يقـوم بجـر الفضاء مـن حوله و التسـبب‬ ‫فـى انحنائـه ولكن بدرجـة ضئيلـة جدا‪،‬‬ ‫بحيـث يكـون مـن الصعـب جدا قياسـها‬ ‫بواسـطة انحـراف الجيروسـكوب فكيـف‬ ‫سـيحل العلماء هـذه المشـكلة؟‬ ‫أخيـرا قـام هـذا الفيزيائـي مـع فريقه‬ ‫بوضـع خطـة للتغلب على هذه المشـكلة‬ ‫وهـى خطة لتعليـق أربعة جيروسـكوبات‬ ‫تسـبح في الفضـاء بحرية إلى تليسـكوب‬ ‫يصوب نحـو نجـم بعيـد وإذا كان الفضاء‬ ‫يلتـوي‪ ،‬فمـع مـرور الوقـت لـن تشـير‬

‫الفضاء والكون‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫‪9‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫الجيروسـكوبات إلـى ذلـك النجـم ألنهـا‬ ‫سـتعلق فـى دوامـة فضائيـة ويتغيـر‬ ‫اتجاهها‪ ،‬ثـم في عام ‪ 1962‬تقـدم الفريق‬ ‫بطلـب إلـى ناسـا بمنحـة قدرهـا مليون‬ ‫دوالرا لمـا سـيطلق عليـه الحقـا مسـبار‬ ‫الجاذبيـة (‪ .)Gravity Probe‬اعتقـد‬ ‫الفريـق فـي البدايـة أن المشـروع يحتاج‬ ‫ثلاث سـنوات‪ ،‬حيـث كانـوا متفائليـن‬ ‫بشـدة ولكـن كانـت النتائـج النهائيـة‬ ‫للتجربـة فى مايـو ‪ .2011‬يبـدوا أن التجربة‬ ‫احتاجـت أكثر من خمسـين عامـا للتغلب‬ ‫علـى كل المشـاكل التقنيـة للتجربـة‪.‬‬ ‫وهـي مصنفة بأنهـا إحدى أطـول التجارب‬ ‫العلميـة مـن حيث الوقـت‪ ،‬حيـث كادت‬ ‫ناسـا أن توقف المشـروع ألكثر من تسعة‬ ‫مـرات بسـبب مشـاكل بخصـوص تمويل‬ ‫المشـروع‪ .‬وأخيـرا فـى أبريـل عـام ‪2004‬‬ ‫تم إطالق المسـبار الفضائـي (‪B Gravity‬‬ ‫‪.)Probe‬‬

‫الفضاء والكون‬

‫نتائـج التجربـة‪ :‬هل فعلا األرض‬ ‫ستسـبب انحنـاءا فـي الفضاء؟‬

‫‪10‬‬

‫كان التقديـر النظـري للعلمـاء وتنبـؤات‬ ‫النسـبية العامـة أن محـاور دوران‬ ‫الجيروسـكوبات سـوف تنحـرف بمقـدار‬ ‫‪ 6.6‬ثانيـة قوسـية أي ‪ 3600/1‬درجـة‬ ‫سـنويا بسـبب انحنـاء الزمـكان‪ ،‬وبمقدار‬ ‫‪ 42‬ملـي ثانيـة قوسـية بسـبب تأثيـر‬ ‫(لينز‪-‬ثيرينـج )‪ ،‬وهـو ببسـاطة تأثيـر‬ ‫يعبر عن تصحيـح لحركة الجيروسـكوبات‬ ‫عندمـا تكـون فـى مـدار األرض‪ .‬ويعتبـر‬ ‫قيـاس تلـك الكميـات متناهيـة الصغـر‬ ‫مـن الصعوبـة التي تسـتدعي بنـاء جهاز‬ ‫الجيروسـكوبات ذات الحساسـية البالغـة‪.‬‬ ‫يبلـغ قطـر األربـع كـرات مـن الكوارتـز‬ ‫المسـتخدمة للجيروسـكوب ‪ 3.8‬سـنتيمتر‬ ‫مثالية الشـكل وتـدور في الفراغ بسـرعة‬ ‫‪ 10.000‬دورة‪ /‬الثانيـة‪ .‬وكان ال بـد مـن‬ ‫تبريـد الكـرات أثنـاء التجربـة إلـى ‪1.88‬‬ ‫درجـة كلفـن (‪ 271‬درجـة سـيليزية تحت‬ ‫الصفـر) بحيـث تصبـح الطبقـة الرقيقة‬ ‫مـن النيوبيـوم التـي تغطـي الكـرات‬ ‫فائقـة التوصيـل‪ .‬علـى أن يقـوم جهـاز‬ ‫دقيـق فائـق التوصيـل أيضـا يسـمى‬ ‫«سـكويد» بقياس انحرافات محـاور دوران‬ ‫الكـرات‪ .‬بذلـك يصبح فـي إمـكان الجهاز‬ ‫الحسـاس قيـاس زاويـة انحـراف للمحاور‬ ‫دوران الكـرات بدقـة ‪ 40.000.000/1‬درجـة‬ ‫ذلـك االنحـراف يعـادل رؤيـة رأس دبوس‬ ‫من علـى بعـد ‪ 1000‬كيلومتـر)‪ .‬لذلك كانت‬ ‫هنـاك صعوبـة بالغـة للعلمـاء لفصـل‬ ‫تأثيـرات شوشـرة النشـاط الشمسـي عن‬ ‫التأثيـرات المطلـوب تعيينهـا) ‪ .‬ويذكـر‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫هنـا أن تركـي آل سـعود وهـو عضو فى‬ ‫العائلـة الملكية السـعودية وحاصل على‬ ‫شـهادة فى المالحـة الجوية مـن جامعة‬ ‫سـتانفورد قـد قـام بالتبـرع بمنحـة‬ ‫كبيـرة السـتكمال هـذا المشـروع)‪.‬‬ ‫عندمـا بدأت نتائـج التجربة فـى الظهور‬ ‫وجـد العلمـاء أن محـاور الجيروسـكوبات‬ ‫انحرفـت بنفـس النسـبة تقريبـا التـى‬ ‫توقعتهـا معادالت آينشـتاين للنسـبية‬ ‫العامـة‪ .‬إذا فآينشـتاين على حـق تماما‬ ‫فـي أن الفضـاء هـو عبـارة عن شـبكة‬ ‫رباعيـة األبعـاد مـن الزمـان والمـكان‬ ‫ويمكـن أن تنحنـي بفعل الكتلـة‪ .‬وليس‬ ‫ذلـك فحسـب بـل أيضـاأ يمكـن أن‬ ‫تلتـوي وذلك شـى ٌء ليـس بالخيالـي‪ ،‬إنه‬ ‫حقيقـيٌ تمامـا وهـو كيـان مـادي مثل‬ ‫القمـاش‪ .‬ومـن هنـا سـمي بـ «نسـيج‬ ‫الزمـكان»‪ ،‬وإن كنـا ال نسـتطيع رؤيته أو‬ ‫لمسـه‪ .‬وفـي نفـس الوقت فإن نسـيج‬ ‫ٌ‬ ‫مـرن للغاية‪.‬‬ ‫الزمـكان‬ ‫كانـت هـذه المـرة األولـى التي اسـتطاع‬ ‫فيهـا العلمـاء فعلا رؤيـة االنحنـاء‬ ‫الزمكانـي بتجربـة عمليـة حقيقية ذات‬ ‫نتائـج دقيقـة‪ .‬وفـى النهايـة نقـول‬ ‫أن العلـم ال يعـرف الملـل أو الكلـل او‬ ‫االستسلام فالعلـم دائمـا يبحـث عـن‬ ‫الحقائق بكل السـبل الممكنة لنسـتطيع‬ ‫أن نفهـم عالمنـا‪ ،‬بـل وأيضـا أن نُغيـر‬ ‫فيـه ونسـتفيد منـه قـدر اإلمـكان و‬ ‫سـنظل نبحـث عـن الحقائـق بالعلـم‬ ‫والتجربـة مـن خلال المنهـج العلمـي‬ ‫السـليم‪.‬‬

‫املصادر‪:‬‬ ‫‪- Brooke Boen, “NASA›s Gravity Probe‬‬ ‫‪B Confirms Two Einstein Space-Time‬‬ ‫‪Theories”, nasa.gov, Page Last Updated:‬‬ ‫‪June 17, 2011.‬‬ ‫‪- ‹Einstein› probe heads into space,‬‬ ‫‪news.bbc.co.uk, Published: 200420/04/‬‬ ‫‪einstein.stanford.edu.‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫تحدي العلوم الزائفة‪:‬‬ ‫مساعدة الطالب على تمييز العلوم الزائفة‬ ‫سارة سمير ‪ -‬الفيوم‬

‫أمثلة للعلم الزائف في البيئة المحيطة‬ ‫بهم والحديث عنها والتصويت ألفضل‬ ‫مثال‪ .‬وهذه الفكرة كانت فعالة لعدة‬ ‫أسباب‪ ،‬أولها هو دهشة الطالب لكثرة‬ ‫األمثلة المنتشرة وسرعة إيجادها مثل‬ ‫بعض الكتب في مكتبة المدرسة‪،‬‬ ‫ملصقات لنصائح عن طرق المذاكرة‬ ‫الفعالة وتنشيط العقل‪ ،‬مكاتب طبية‬ ‫محيطة بالمدرسة تقدم عالجًا بالطاقة‬ ‫و أقراص للعالج المثلي في الصيدليات‬ ‫المحيطة‪ .‬ولمساعدة الطالب في بحثهم‬ ‫اتفقنا على عدة مميزات لنظريات العلم‬ ‫الزائف وهي‪:‬‬ ‫أ ‪.‬إدعاءات خارقة دون دليل خارق‪.‬‬ ‫ب ‪ .‬اإلعتماد في االستدالل علي الحكايات‬ ‫والتجارب الشخصية‪.‬‬ ‫ج ‪.‬غياب مراجعة األقران‪.‬‬ ‫وقد ساعد هذا الطالب على تذكر صفات‬ ‫العلوم الزائفة بشكل عام ً‬ ‫بدل من‬ ‫معرفة أمثلة معينة لها‪ .‬ومن ثم كان‬ ‫بإمكانهم تمييزها واكتشافها‪.‬‬ ‫لتجربة هذا النشاط مع الطالب أنصح‬ ‫بـ‪:‬‬ ‫أ ‪.‬تحديد مميزات متفق عليها لتمييز‬ ‫نظريات وأمثلة العلم الزائف‪.‬‬ ‫ب ‪.‬تقسيم الطالب لمجموعات صغيرة‪.‬‬

‫ج ‪.‬تحديد نصف ساعة للمجموعات‬ ‫للعثور على مثال‪.‬‬ ‫د ‪.‬ثم تحديد ‪ 5‬دقائق للحديث عنه ولما‬ ‫يمكن أن ينتمي للعلوم الزائفة‪.‬‬ ‫هـ ‪.‬إجراء تصويت على أفضل عرض مع‬ ‫تقديم جائزة للفريق الفائز‪.‬‬

‫السيرة الذاتية للكاتب‪:‬‬ ‫أستاذ مشارك في علم النفس في‬ ‫جامعة «ماسيوان»‪ .‬تركز أبحاثه‬ ‫على تفنيد العلم الزائف‪ ،‬مع‬ ‫التركيز على استراتيجيات لتعزيز‬ ‫وتعليم الشكوكية العلمية‪.‬‬ ‫المصدر‪:‬‬ ‫‪Rodney Schmaltz,” The Pseudoscience‬‬ ‫‪Super-Challenge: Helping students‬‬ ‫‪spot pseudoscientific claims”, Noba‬‬ ‫‪Blog, May 10, 2017.‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫علوم زائفة‬

‫طالبه قادرين على إكتشاف االدعاءات‬ ‫العلمية الزائفة‪ .‬وهذا صعب للغاية‪.‬‬ ‫فواحدة من أكبر العقبات التي يواجهها‬ ‫المدربون هي أن العديد من المعتقدات‬ ‫العلمية الزائفة للطالب ال تستند على‬ ‫الروايات بل على تجارب ذاتية‪.‬‬ ‫فبالرغم من توضيح الفرق بين العلم‬ ‫الزائف والعلم الحقيقي يمكن أن‬ ‫تجد أحد الطالب ذات يوم يقول أنه‬ ‫عالج نفسه من بالبرد بالعالج المثلي‬ ‫(‪ )Homeopathy‬وهو شكل من أشكال‬ ‫الطب البديل يزعم أن عالج المرض‬ ‫يمكن أن يتم عن طريق عقار يسبب‬ ‫نفس أعراض المرض‪ ،‬أو قد يقول طالبٌ‬ ‫آخر أنه رأى شي ًئا ما غير طبيعي‪.‬‬ ‫على سبيل المثال‪ ،‬كثيرًا ما يدّعي‬ ‫الطالب رؤيتهم شبحًا أو روحًا ودائمًا‬ ‫ما كان هناك تفسير لهذه الظواهر‬ ‫كالباريدوليا وهي ظاهرة نفسية تجعل‬ ‫اإلنسان يدرك محفزًا عشوائيا أو غامضًا‬ ‫كصورة أو صوت على أنه أمر واضح أو ذو‬ ‫ميزة‪ ،‬كأن يسمع أحدهم أغنية فيدعي‬ ‫بأن خطابًا أو كالمًا سرّيا مخفي ًا بين‬ ‫طيّات األغنية أو أن يتبين أحدهم‬ ‫صوت رنين الهاتف أو صوت أغنيته‬ ‫المفضلة من صوت الماء عند االستحمام‪،‬‬ ‫لكن إن لم يتم طرح هذه التفسيرات‬ ‫بشكل صحيح فإنها لن تقنعهم بتغيير‬ ‫آرائهم‪ .‬تؤكد بعض التقارير أنه كلما‬ ‫زادت درجة ذكاء المرء زادت قدرته على‬ ‫الدفاع عن أفكاره وقلت قدرته على‬ ‫االقتناع بأفكار اآلخرين‪ .‬على سبيل‬ ‫المثال‪ ،‬كان المؤسس المشارك لشركة‬ ‫أبل «ستيف جوبز»‪ ،‬مدافعا قويا عن‬ ‫الطب البديل‪ .‬فلهذا‪ ،‬إذا لم يتم التعامل‬ ‫مع مناقشات العلوم الزائفة بشكل‬ ‫صحيح في الفصول الدراسية‪ ،‬فسيكون‬ ‫للمناقشة تأثيرًا سلبيًا‪.‬‬ ‫لكي تكون المناقشة أكثر فعالية‬ ‫ولتجنب التأثير السلبي هذا وجدت فكرة‬ ‫مناسبة‪ ،‬وهي تحدي الطالب للبحث عن‬

‫‪11‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫سلسلة أسالف‬ ‫اإلنسان‪:‬‬ ‫هومو إرغاستر‬ ‫اإلنسان العامل‬ ‫أحمد ابراهيم ‪-‬المنوفيه‬

‫التطور والوراثة‬

‫مشتركا مع اإلنسان المنتصب‪ .‬الجدير بالذكر‪ ،‬بأفريقيا ويوراسيا (أوربا وآسيا) في منطقة‬ ‫إن الهومو إرغاستر هو األول من بين أسالفنا أن بعض الباحثين يقترحون أن اإلنسان بحيرة تركانا‪ ،‬منطقة بحيرة فيكتوريا‪،‬‬ ‫واألكثر شبها لإلنسان الحديث‪ .‬يصنف أحيانا العامل هو السلف للهومو هايدلبرجنسيس‪ .‬كوبي فورا‪ ،‬ناريكتومي‪ ،‬ودمانيسي بجورجيا‪.‬‬ ‫على أنه نوع ثانوي (نويع – نوع فرعي)‬ ‫الظهور‪ :‬منذ ‪ 2 -1‬مليون سنة مضت‪.‬‬ ‫من اإلنسان المنتصب (هومو إريكتوس)‪،‬‬ ‫االكتشاف األحفوري لهذا النوع‬ ‫مقارنة‬ ‫لذا يطلق عليه أحيانا اإلنسان المنتصب‬ ‫اقتُرح الهومو إرغاستر كنوع جديد ألول مرة يمكن تمييز اإلنسان العامل عن اإلنسان‬ ‫األفريقي‪ .‬هناك خالف بين العلماء على أي‬ ‫عام ‪ ،1975‬بعدما الحظ العالمان كولين المنتصب بامتالكه‪ )1 :‬عظام جمجمة أنحف؛‬ ‫من الهومو إرغاستر أو الهومو اريكتوس هو‬ ‫جروفز و فراتيسالف مازاك –خالل فحصهم و ‪ )2‬عدم امتالكه للتَ َلم (األخدود في القشرة‬ ‫السلف المباشر لإلنسان الحديث‪ .‬حيث أن‬ ‫ً‬ ‫لعظم قدم تمت نسبته‬ ‫سابقا إلى الهومو الدماغية‪ ،‬أو الشق بين تلفيفين من تالفيف‬ ‫اإلنسان المنتصب أحدث من الهومو إرغاستر‪،‬‬ ‫هابيليس– بعض الميزات الفريدة به‪ ،‬الدماغ مكوِّنًا الشكل المطوي المميز للمخ‪،‬‬ ‫ويطلق عليه أحيانا اإلنسان المنتصب‬ ‫ً‬ ‫مقارنة‬ ‫والتي تجعله نوعا مستقال‪ .‬وهذه الميزات في اإلنسان وغيره من الثدييات‪).‬‬ ‫اآلسيوي‪ .‬وُجدت البقايا الحفرية لهذا‬ ‫قد تم مالحظتها أيضا‪ ،‬بمجموعة من بالهومو هابيليس (اإلنسان الحاذق أو‬ ‫النوع في تنزانيا و كينيا و إثيوبيا وجنوب‬ ‫الحفريات المكتشفة والتي تم االعتقاد الماهر) والهومو رودلفينيسيس (إنسان‬ ‫أفريقيا‪ .‬حيث تم اكتشاف أكثر الهياكل‬ ‫في بادئ األمر أنها ما هى إال أشكال أولية بحيرة رودلف)‪ ،‬فإن اإلنسان العامل يتميز‬ ‫المكتملة للهومو إرغاستر في منطقة بحيرة‬ ‫لإلنسان المنتصب‪ .‬وقد تم إعادة تصنيفها بأنه‪:‬‬ ‫ضمن الهومو إرغاستر‪.‬‬ ‫‪ )1‬أكثر ً‬ ‫طول‪ ،‬وأكبر حجمًا‪ ،‬وبنية جسمه‬ ‫مستقيمة؛‬ ‫التسمية‬ ‫هومو‪ :‬كلمة التينية معناها «بشر» أو ‪ )2‬أبعاد جسمه قريبة من اإلنسان الحديث؛‬ ‫«إنسان»‪ .‬وهو نفس الجنس الذي يتم ‪ )3‬يمشي إلزامًا على قدمين؛‬ ‫إطالقه على اإلنسان الحديث‪ ،‬والذي يشير ‪ )4‬يمتلك أسنانًا وفكوكًا أصغر؛‬ ‫إلى العالقة القريبة بين اإلنسان العامل ‪ )5‬مدة بلوغه ونموِّه أطول؛‬ ‫ونوعنا‪ .‬إرغاستر‪ :‬كلمة يونانية (إغريقية) ‪ )6‬يمتلك جمجمة أكبر تبلغ حوالي ‪ 900‬سم‪3‬؛‬ ‫أدوات حجرية تُنسب إلى اإلنسان العامل‬ ‫معناها «عمل»‪ ،‬وكما أشرنا سابقا‪ ،‬فقد ويستعمل األدوات الحجرية األشولية‪ .‬كما‬ ‫سُمى بهذا االسم‪ .‬نظراً‪ ،‬إليجاد أدوات تعود نجد أيض ًا تشابهات بين اإلنسان العامل‬ ‫توركانا في كينيا عام ‪ ،1984‬بواسطة عالم‬ ‫للصناعة األشولية مع الحفريات المكتشفة واإلنسان الماهر (هابيليس)‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫الحفريات الشهير ريتشارد ليكي‪ .‬أطلق على‬ ‫‪ )1‬امتالكه عظام جمجمة نحيفة؛‬ ‫مجموعة الهياكل المكتشفة اسم «شاب لهذا النوع‪.‬‬ ‫‪ )2‬غياب أو صغر األقواس الحاجبية والثقب‬ ‫تركانا»‪ ،‬وتعود هذه الحفرية ‪ 1.6‬مليون االنتشار‬ ‫تم اكتشاف حفريات تعود لهذا النوع فوق المحجري؛‬ ‫عام‪ .‬أطلق على هذا النوع اإلنسان «العامل»‬ ‫‪ )3‬امتالكه قبو جمجمة أكثر علوًّا (قبو‬ ‫نظرا الكتشاف أدوات متنوعة تصاحب بقاياه‬ ‫األحفورية‪ ،‬مثل الفؤوس اليدوية والبلط‬ ‫الحجرية والتي تعود للحضارة األشولية‪.‬‬ ‫ويعتقد أنه قد بدأ باستخدام هذه األدوات‬ ‫منذ ‪ 1.6‬مليون سنة مضت‪ .‬والمثير لإلعجاب‬ ‫حقاً‪ ،‬أنه وجدت عظام حيوانات متفحمة مع‬ ‫الحفريات‪ ،‬مما يوحي بأن اإلنسان العامل‬ ‫قد يكون أول من استخدم النار‪ .‬يُعتقد أن‬ ‫الهومو إرغاستر سلفٌ لـ‪ ،‬أو يتشارك ً‬ ‫سلفا‬ ‫شاب توركانا‬

‫‪12‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫الجمجمة هو الحيز بداخل القحف العصبي وأضيق مقارنة باألسترالبيثكس أفارنسيس‪ ،‬األحافير المهمة المكتشفة لهذا النوع‬

‫والذي يحوي المخ)‪.‬‬

‫الخصائص المورفولوجية (الشكلية)‪:‬‬

‫مما أتاح التحرك على قدمين بطريقة أكثر‬ ‫كفاءة‪.‬‬ ‫ تشير إحدى العينات أن بعض اإلناث‬‫امتلكن حوضا أعرض وأوسع‪ ،‬بدالً من جسم‬ ‫ضيق طويل – مشابه «لطفل تركانا»‪.‬‬ ‫ امتلكن جسما عمودي المحاذاة فوق‬‫الحوض‪.‬‬ ‫ فقرات عنقية من العمود الفقري‪،‬‬‫تشير إلى امتالك هذا النوع حبال شوكيا‬ ‫أرفع وأنحف من اإلنسان الحديث‪ .‬وهذا‬ ‫قد يشير إلى أن هذا النوع امتلك قدرات‬ ‫كالمية محدودة‪ ،‬نتيجة لعدم وجود الخاليا‬ ‫العصبية والتي تساعد في التحكم المعقد‬ ‫للتنفس والتحدث في نفس الوقت‪.‬‬

‫‪ -1‬شكل وحجم الجسم‪:‬‬ ‫ يعتبر الجسم طويال ونحيفا‪ ،‬مع سيقان‬‫طويلة والتي يعتقد أنها كانت نوعا من‬ ‫التكيف‪ ،‬لزيادة تبريد الجسم‪ ،‬خاصة في‬ ‫البيئة الحارة والجافة‪ .‬غير أن‪ ،‬حفرية‬ ‫لحوض تم اكتشافها سنة ‪ ،2000‬تقترح أن‬ ‫اإلناث امتلكن وركًا عريضًا‪ ،‬وكن أقصر من‬ ‫الذكور‪.‬‬ ‫ متوسط طول جسم األنثى ‪ 160‬سم‪ ،‬بينما‬‫متوسط طول جسم الذكر ‪ 180‬سم‪.‬‬ ‫ متوسط الحجم ‪ 66 – 56‬كجم‪.‬‬‫ يعتقد أن الجسم كان غير مشعر نسبيا‪،‬‬‫وقد يرجع السبب كطريقة لتحسين تبريد ‪ -6‬األطراف‪:‬‬ ‫الجسم من خالل التعرق‪.‬‬ ‫ على عكس األنواع السابقة‪ ،‬والتي امتلكت‬‫ يشبه القفص الصدري لإلنسان العامل سيقانا أطول من األذرع‪ ،‬فإن اإلنسان العامل‬‫نظيره في اإلنسان الحديث‪ ،‬أي كونه امتلك أطراف ًا متناسبة في الطول‪ ،‬كاإلنسان‬ ‫أسطواني الشكل‪ .‬على النقيض من األنواع الحديث‪.‬‬ ‫السابقة والتي امتلكت قفصا صدريا ‪ -‬فقد اإلنسان العامل القدرة التكيفية‬ ‫مخروطيا‪ .‬جنب ًا إلى جنب‪ ،‬مع تغيرات في لتسلق األشجار الخاصة باألنواع المتقدمة‪،‬‬ ‫األكتاف‪ ،‬الصدر‪ ،‬والخصر‪ ،‬والتي كان لها وقد حل مكانها المشي السريع‪ ،‬والذي كان‬ ‫عظيم األثر في تحسين توازن الجسم‪ ،‬وأدت – مما الشك فيه – أكثر كفاء ًة‪ ،‬كما أنه جعل‬ ‫ً‬ ‫إلى إمكانية الركض‪.‬‬ ‫سهولة‪.‬‬ ‫السفر لمسافات طويلة أكثر‬ ‫ القدرة على الجري باستخدام القدمين‬‫كانت نتيجة لمجوعة مختلفة من الميزات‬ ‫‪ -2‬المخ‪:‬‬ ‫متوسط حجم المخ يعادل تقريبا ‪ 860‬سم الخاصة باألطراف‪ ،‬بل باإلضافة – كما أسلفنا‬ ‫مكعب‪ ،‬ويشكل حوالي ‪ %1.6‬من حجم الجسم‪ .‬الذكر – لتغيرات في األكتاف‪ ،‬والخصر‪،‬‬ ‫والصدر والتي ساعدت على البقاء متزن ًا خالل‬ ‫الركض المطول‪.‬‬ ‫‪ -3‬الجمجمة‪:‬‬ ‫‪ -‬أصبحت الجمجمة أكثر شبها بالبشر‪ ،‬حيث‬

‫طور هذا النوع جمجمة محكمة وأكثر علوا السلوك االجتماعي‬

‫عن األنواع السالفة‪.‬‬ ‫ بروز الوجه نحو الخارج‪ ،‬ولكن بدرجة أقل‬‫من األنواع المتقدمة‪.‬‬ ‫ وألول مرة‪ ،‬تطورت األنف لتصبح مشابهة‬‫لإلنسان‪ ،‬كما برزت أيض ًا نحو الخارج‪ .‬بينما‬ ‫امتلكت األنواع المنصرمة أنوفا مسطحة‪.‬‬ ‫‪ -4‬األسنان والفكوك‪:‬‬ ‫امتلك هذا النوع فكوكا أقصر‪ ،‬وأقل سمكا‬ ‫عن األنواع السابقة‪ ،‬مما أدى إلى وجهٍ‬ ‫أقصر‪ ،‬بل وأكثر تسطحا‪.‬‬ ‫ترتيب األسنان بداخل الفكوك‪ ،‬تمثل مرحلة‬ ‫وسطى بين القردة العليا واإلنسان الحديث‪.‬‬ ‫يتميز سن الناب بكونه أكثر حداثة‪ ،‬من حيث الغذاء‬ ‫َ‬ ‫نواجذ (أسنان كما وضحنا مسبقاً‪ ،‬فإن هذا النوع امتلك‬ ‫كونه قصيرا وغير حاد‪ .‬امتلك‬ ‫انتقالية بين األنياب والطواحن – الضروس) حوض ًا وقفص ًا صدري ًا ضيقيْن‪ ،‬مما يقترح‬ ‫وضروسا أصغر وأكثر مشابهة للتي يملكها بأنهم امتلكوا أمعا ًء وأحشا ًء أصغر‪ .‬لذا فإن‬ ‫اإلنسان الحديث‪.‬‬ ‫امتالكهم ألمعا ٍء أصغر ومخ أكبر‪ ،‬قد تطلب‬ ‫طعام ًا مغذيا‪ ،‬مما يبين أنه لربما احتوى‬ ‫‪ -5‬العمود الفقري والحوض‪:‬‬ ‫لحم أكثر‪.‬‬ ‫على‬ ‫طعامهم‬ ‫ً‬ ‫لإلنسان‪،‬‬ ‫مماثلة‬ ‫ أصبح الحوض أكثر‬‫ٍ‬

‫املصادر‪:‬‬ ‫‪-MCCARTHY, E. M., «Homo ergaster»,‬‬ ‫‪Macroevolution, June 25, 2017‬‬ ‫‪Hominidés, «Homo ergaster», June 24,‬‬ ‫‪2017‬‬ ‫‪-Dorey, F., & Blaxland, B.,»Homo‬‬ ‫‪ergaster», Australian Museum, June 22,‬‬ ‫‪2017‬‬ ‫‪-University of Texas Austin, «Homo‬‬ ‫‪ergaster», efossils, June 23, 2017‬‬ ‫‪-Archaeologyinfo, «Homo ergaster», June‬‬ ‫‪25, 2017‬‬ ‫‪-Sciencedaily, «Homo ergaster», June 25,‬‬ ‫‪2017‬‬ ‫‪-Shan Kothari, «What is the difference‬‬ ‫‪between Homo ergaster and Homo‬‬ ‫‪erectus?», Quora, January 10, 2014‬‬ ‫‪-Wikipedia, «Homo ergaster», June 24,‬‬ ‫‪2017‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫التطور والوراثة‬

‫ال يوجد أيٌّ من الهياكل األحفورية المكتشفة‬ ‫للهومو إرغاستر‪ ،‬ما يوحي بأنه قد تم دفنها‬ ‫عمداً‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فهناك دليل على أنهم‬ ‫اهتموا بالفعل بأفراد مجموعتهم من‬ ‫المرضى أو المصابين‪ ،‬ولكن لم يبدُ أنهم‬ ‫عُنيوا برعايتهم بعد موتهم‪.‬‬ ‫من المحتمل‪ ،‬أن أفراد هذا النوع عاشوا‬ ‫في مجموعات اجتماعية‪ ،‬تجمعها روابط‬ ‫عائلية‪ .‬وتقترح مقارنة مع رئيسيات حية‬ ‫اليوم‪ ،‬أنهم تحركوا وارتحلوا ضمن هيكل‬ ‫اجتماعي مهيمن الذكور‪.‬‬

‫شاب توركانا‪ :‬هيكل تم اكتشافه عام ‪،1984‬‬ ‫بواسطة أحد أعضاء فريق عالم األحافير‬ ‫ريتشارد ليكي‪ ،‬بمنطقة بحيرة توركانا‪،‬‬ ‫كينيا‪ .‬يعود عمر هذه األحفورة إلى ‪-1.6‬‬ ‫‪ 1.5‬مليون سنة مضت‪ .‬يعتقد أنه كان يبلغ‬ ‫‪ 10–8‬سنوات حينما مات‪ .‬وقد بلغ طوله عند‬ ‫موته ‪ 1.6‬متر‪ ،‬تم اكتشاف حوالي ‪ % 90‬من‬ ‫هيكله‪ ،‬وقد أمدنا بالعديد من المعلومات‬ ‫القيمة بشأن هذا النوع‪ .‬امتلك جسم ًا‬ ‫طويال‪ ،‬ونحيالً‪ ،‬متكيف ًا للمشي السريع على‬ ‫قدمين في سهول السافانا المنبسطة‪ .‬كما‬ ‫امتلك أنف ًا بارز ًة للخارج قليالً‪ ،‬ووجه ًا مشابه‬ ‫ً‬ ‫سعة‪.‬‬ ‫لإلنسان‪ ،‬وجمجمة أكثر‬ ‫ إس كاي ‪)847 SK( 847‬‬‫ كاي إن إم ‪ -‬إي آر ‪KNM-ER( 3733‬‬‫‪)3733‬‬ ‫ كاي إن إم ‪ -‬إي آر ‪KNM-ER( 992‬‬‫‪)992‬‬ ‫ حفريات متنوعة وُجدت بدمانيسي‬‫بجمهورية جورجيا‪ ،‬والتي يعتقد أنها تعود‬ ‫للهومو إرغاستر‪.‬‬ ‫ آثار أقدام إليريت بكينيا‪ ،‬والتي تعود‬‫لـ ‪ 1.5‬مليون سنة‪ .‬حيث تمثل أقدم دليل‬ ‫معروف على تركيب آثار أقدام مشابهه‬ ‫ألقدام اإلنسان‪ ،‬والتي تختلف عن آثار أقدام‬ ‫ليتولي لألسترالوبيثكس‪ ،‬والتي تعود لـ‬ ‫‪ 3.6‬مليون سنة مضت‪.‬‬

‫‪13‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫محمد فاروق‪ -‬كفر الشيخ‬

‫سلسلة كيف يعمل الكون؟‬ ‫الجزء الرابع‪ :‬النجوم‬

‫الفضاء والكون‬

‫فــي ليلــةٍ صافيــة فــي الريــف إذا‬ ‫كُنــتَ محظوظـ ًا بوســعِك رؤيــة ثالثــة‬ ‫آالف نجــم‪ ،‬لكــن هــذا فيــضٌ مــن‬ ‫ـض كونــي شاســع‪ .‬ففــي مجرتنــا‬ ‫غيـ ٍ‬ ‫(درب التبانــة) وحدهــا مثــ ً‬ ‫ا مــا يزيــد‬ ‫عــن بليــون نجــم‪ ،‬أمــا الكــون المُــدرَك‬ ‫يحتــوي أكثــر مــن مائــة مليــون مجــرة‪،‬‬ ‫هــذا ببســاطة يُعنــي أن هُنــاك‬ ‫مجــرات أكثــر مــن عــدد حبَّــات الرمــل‬ ‫الموجــودة علــى كوكــب األرض‪ .‬النجــوم‬ ‫ضخمــة وســاخنة‪ ،‬إنهــا بـكُل مــكان تمأل‬ ‫الكــون بغبــار النجــوم‪ ،‬وُلِــدَت فــي‬ ‫عُنــف وســتموت بانفجــارات ملحميــة‪.‬‬ ‫النجــوم تحكُــم الكــون وهــي وحــدات‬ ‫بنــاء الحيــاة كمــا أن مصيرنــا مُرتبــط‬ ‫بمصيرهــا‪ .‬يقــول عالِــم الفيزيــاء‬ ‫النظريــة لورانــس كــراوس ‪‎(Lawrence‬‬ ‫‪:Krauss)‎‬‏ «‏إن كُل ذرة بأجســادنا قــد‬ ‫ـم مــا‪،‬‬ ‫تكوَّنــت داخــل لُّــب نــاري لنجـ ٍ‬ ‫إننــا أطفــال النجــوم بمعنــى الكلمــة»‬ ‫النجــوم هــي عبــارة عــن أجســام كروية‬ ‫ضخمــة مــن البالزمــا‪ ،‬وأغلــب مكونــات‬ ‫النجــوم هــي عنصــرا الهيدروجيــن‬ ‫المُتأيــن والهيليــوم المتأيــن (ويُســمَّى‬ ‫الغــاز المُتأيــن بالبالزمــا)‪ .‬إن أغلــب‬ ‫النجــوم بعيــدة للغايــة وقلَّمــا نعلــم‬ ‫عنهــا شــيئ ًا لكــن ثمَّــة نجــمٌ قريــب‬ ‫للغايــة‪ ،‬وقــد تعلَّمنــا كثيــراً ممــا‬ ‫نع َلمُــه عــن النجــوم مــن هــذا النجــم‪.‬‬ ‫إنهــا الشــمس‪ ،‬نجــمٌ متوســط الحجــم‬ ‫أكبــر مــن كوكــب األرض بمليــون مــرة‪،‬‬ ‫يب ُلــغ قطرهــا حوالــي مليــون كيلومتــر‬ ‫ومــع ذلــك فهــي صغيــرة مُقارنــة‬ ‫بنجــوم اُخــرى‪ ،‬فمثــ ً‬ ‫ا نجــم «إيتــا‬ ‫ٍ‬ ‫كارينــا» أضخــم مــن شمســنا بأكثــر‬ ‫مــن خمســة مالييــن مــرة‪ ،‬أيض ـ ًا نجــم‬ ‫«منكــب الجــوزاء» أضخــم مــن «إيتــا‬ ‫كارينــا» بثــاث مــرات‪ ،‬بينمــا «فــي‬ ‫واي الكلــب األكبــر» أضخــم مــن شمســنا‬ ‫بليــون مــرة وهــو أضخــم نجــم تــم‬ ‫اكتشــافه حتــى اآلن‪.‬‬ ‫كيف تُولَد النجوم؟‬ ‫تحتــرق النجــوم بألــوان مُختلفــة مــن‬ ‫األحمــر وحتــى األصفــر واألزرق‪ .‬بعضهمــا‬ ‫يعيــش مُنفــرداً وبعضهــا فــي أزواج‬ ‫تــدور حــول بعضهــا‪ ،‬وتجتمــع معــ ًا‬ ‫فــي مجــرات ضخمــة كمُــدن كاملــة‬

‫‪14‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫تتكــون من بالييــن النجــوم‪ .‬وقــد بدأت‬ ‫النجــوم حياتهــا كسُــحب مــن الغبــار‬ ‫والغــاز تُعــرف بالســديم‪ ،‬ويحتــوي فــي‬ ‫المقــام األول علــى الهيدروجيــن جنبــ ًا‬ ‫إلــى جنــب مــع الهيليــوم ومقــدار ضئيل‬ ‫مــن عناصــر أثقــل‪ .‬حالمــا يتكثــف‬ ‫اللــب النجمــي فــإن عنصــر الهيدروجيــن‬ ‫يتحــول بثبــات إلــى هليــوم مــن خــال‬ ‫عمليــات االندمــاج النــووي‪ ،‬وينتــج عــن‬ ‫هــذه العمليــات طاقــة هائلــة كمــا‬ ‫أنهــا تندفــع عبــر مالييــن الكيلومتــرات‬ ‫فــي الفضــاء لتكــوّن أشــكاالً مُدهشــة‪،‬‬ ‫وتُعتَبَــر السُــدم بمثابــة حاضنــات‬ ‫للنجــوم مثــل ســديم «الشُــعلة»‬ ‫وســديم «رأس الحُصــان» وســديم‬ ‫«الجبــار»‪.‬‬ ‫تتــوارى بعــض أجــزاء الســديم عميق ـ ًا‬ ‫عــن األنظــار حيــث تُولَــد النجــوم مــن‬ ‫غــازات داكنــة ترتفــع فيهــا كثافــة‬ ‫الغــازات واألتربــة وهــي موضِــع العمــل‬ ‫الحقيقــي‬ ‫فيمــا يخُــص تكويــن النجــوم‪ .‬لعقــودٍ‬ ‫طويلــة لــم يســتطع العُلمــاء رؤيــة‬ ‫كيفيــة تكــوّن النجــوم حتــى عــام‬ ‫‪ 2004‬عندمــا أطلقــت ناســا المقــراب‬ ‫الفضائــي «ســبيتزر» (‪Spitzer Space‬‬ ‫‪ )Telescope‬وهــو مقــراب لألشــعة‬ ‫تحــت الحمــراء‪ ،‬أي أنــه يرصــد الحــرارة‬ ‫فقــط‪ ،‬وقــد َّ‬ ‫تمكــن المقــراب مــن رؤيــة‬ ‫والدة نجــم داخــل الســديم‪ .‬اليحتــاج‬ ‫تكويــن النجــوم ســوى‬ ‫هيدروجيــن وجاذبيــة‬ ‫ووقــت‪ ،‬حيـ ُ‬ ‫ـث تقــوم‬ ‫الجاذبيــة بجــذب‬ ‫الغــاز والغبــار إلــى‬ ‫دوَّامــة عمالقــة‬ ‫ُثــم تضغــط الغــاز‬ ‫والغُبــار لمســاحات‬ ‫أصغــر ومِــنْ َثــمَّ‬ ‫تــزداد الحــرارة وعلــى‬ ‫مــدار مئــات وآالف‬ ‫تــزداد‬ ‫الســنين‬ ‫الكثافــة إلــى أن‬ ‫يتكــون ُقــرص دوَّار‬ ‫ضخــم جــداً‪ ،‬قــد‬ ‫يكــون أضخــم مــن‬ ‫مجموعتنــا الشمســية‬ ‫بأكملهــا ُثــم تقــوم‬

‫الجاذبيــة بتشــكيل كُــرة عاليــة‬ ‫الكثافــة والحــرارة ويأخــذ الضغــط فــي‬ ‫التزايُــد حتــى تنفجــر إنبعاثــات ضخمــة‬ ‫وقــد تمتــد هــذه اإلنبعاثــات لعــدة‬ ‫ســنين ضوئيــة‪ .‬تصــل الحــرارة فــي‬ ‫اللــب لخمــس عشــرة مليــون درجــة‬ ‫وعنــد هــذه الحــرارة العاليــة تبــدأ‬ ‫ذرات الغــاز بعمليــة االندمــاج فتتحــرر‬ ‫كميــات مهولــة مــن الطاقــة علــى‬ ‫شــكل حــرارة وإشــعاع‪ .‬وهكــذا يتكــون‬ ‫النجــم‪ ،‬وســيتاألأل لمالييــن أو بالييــن أو‬ ‫رُبمــا تريليونــات الســنوات‪.‬‬ ‫ما هي طاقة النجوم؟‬ ‫حتــى بدايــة القــرن العشــرين لــم‬ ‫يُــدرك أحــدٌ ماهيــة وقــود النجــوم‬ ‫الــذي ينجُــم عنــه مثــل هــذه الكميــات‬

‫تتوارى بعض أجزاء السديم عميق ًا عن األنظار حيث تُولَد النجوم من غازات داكنة‬ ‫ترتفع فيها كثافة الغازات واألتربة وهي موضِع العمل الحقيقي‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫للخــارج تعمــل الجاذبيــة علــى ســحق‬ ‫النجــم علــى نفســه‪ ،‬لكــن يُعــاود‬ ‫اإلندمــاج للقتــال فيُســخّن طبقــات‬ ‫النجــم الخارجيــة‪ ،‬ومــن المعــروف عنــد‬ ‫تســخين غــاز فإنــه يتمــدد وكذلــك‬ ‫يحــدُّث للشــمس‪ ،‬إنهــا تتمــدد فبــدالً‬ ‫مــن أن تكــون بعــرض مليــون ميــل‬ ‫كحالهــا اآلن ســتنتفخ حــت تصــل‬ ‫لعــرض مائــة مليــون ميــل! ســتصبح‬ ‫شمســنا عمالق ـ ًا أحمــر‪ ،‬تخيّلــوا فقــط‬ ‫أن تُشــرق الشــمس بعــد ســبعة باليين‬ ‫عــام‪ ،‬لــن تكــون ُقرصـ ًا صغيــراً أصفــراً‬ ‫يأتــي بالبهجــة والرقــة بــل ســتجدون‬ ‫ُقرصـ ًا أحمــراً ضخمـَا ومنتفــخ‪ .‬وعندمــا‬ ‫تنتصــف الشــمس فــي الســماء فإنهــا‬ ‫ســتُفجر الحــرارة علــى األرض وكأن األرض‬ ‫أصبحــت ُفرنـ ًا للشــواء‪ .‬ســتصل الحــرارة‬ ‫علــى األرض إلــى آالف الدرجــات‪ ،‬ســتذوب‬ ‫الجبــال‪ ،‬ســتغلي المُحيطــات‪ ،‬وســينتهي‬ ‫آخــر يــوم لطيــف علــى كوكــب األرض‬ ‫نهايـ ً‬ ‫ـة مأســاوية‪.‬‬ ‫رحلة لفهم كيفية موت النجوم‬ ‫بعــدم وجــود هيدروجيــن ليــزّود النجم‬ ‫بالطاقــة ســيبدأ النجــم بحــرق الهيليوم‬ ‫ودمجــه إلــى ليثيــوم ُثــم إلــى كربــون‪،‬‬ ‫وأثنــاء هــذا يعمــل النجــم علــى تدميــر‬ ‫نفســه مــن الداخــل إلــى الخــارج‪ .‬إنــه‬ ‫يُفجِّــر موجــات عنيفــة مــن الطاقــة‬ ‫مــن لُبّــه لســطحه‪ ،‬ومِــن َثــمَّ تقــوم‬ ‫موجــات الطاقــة هــذه بتفجيــر طبقــات‬ ‫النجــم الخارجيــة ُثــم يتفتــت ببُــطء‬ ‫وال يتبقــى ســوى لُــبّ كثيــف شــديد‬ ‫الحــرارة‪ .‬قــد يتحــوَّل العمــاق األحمــر‬ ‫إلــى قــزم أبيــض بحجــم األرض تقريب ـ ًا‬ ‫ولكنــه أكثــف مــن األرض مالييــن‬ ‫المــرات‪ ،‬ووقتمــا يصــل النجــم لمرحلــة‬ ‫القــزم فســتكون مرحلــة اإلندمــاج قــد‬ ‫توقفــت تمامــاً‪ ،‬وقــد يتحــول إلــى‬ ‫نجــم نيوترونــي‪ ،‬وإذا كان ضخمــ ًا بمــا‬ ‫فيــه الكفايــة فإنــه يتحــول إلــى ثقــب‬ ‫أســود‪ .‬يقــول عالِــم الفلــك‪ /‬فيــل‬ ‫باليــت (‪)Astronomer/ Phil Plait‬‬ ‫«القــزمُ األبيــض كثيــفُ للغايــة‪ ،‬فلــو‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫الفضاء والكون‬

‫الهائلــة مــن الطاقــة واالشــعاع‬ ‫المُنطلقيــن‪.‬‬ ‫يقــول عالِــم الفيزيــاء‪ :‬ميتشــيو‬ ‫كاكــو‪« ‎(Michio Kaku) ‎‬حتــى نهايــة‬ ‫القــرن العشــرين كانــت مــن أعظــم‬ ‫مشــاكل الفيزيائيــن أنهــم ال يعرفــون‬ ‫مــاذا يســوق طاقــة النجــوم؟ ك ُ‬ ‫ُل مــا‬ ‫عليــك فعلــه هــو أن تنظــر خارجــ ًا‬ ‫وســتدُرك وجــود فجــوة كبيــرة فــي‬ ‫فهمنــا لألمــر‪ .‬حقــ ًا مــا هــو مصــدر‬ ‫تلــك الطاقــة الهائلــة؟ العبقــري الــذي‬ ‫أجــاب علــى هــذا الســؤال كان ألبــرت‬ ‫آينشــتاين‪ .‬فقــد أثبتــت فرضيــات أن‬ ‫النجــوم بوســعها أن تصُــب الطاقــة‬ ‫داخــل الــذرات مــن خــال المُعادلــة‬ ‫الشــهيرة‪ :‬الطاقــة تســاوي الكُتلــة‬ ‫ضــرب مُربــع ســرعة الضــوء؛ إذ أن‬ ‫الكُتلــة تكــون بمثابــة طاقــة مُركَّــزة‬ ‫َّ‬ ‫ومُكثفــة إلــى أن أصبحــت ذرات‪ ،‬ويُمكــن‬ ‫الحصــول علــى الطاقــة بجعــل الــذرات‬ ‫تصطــدم معــ ًا حتــى تندمــج مــرة‬ ‫اُخــرى‪ .‬إنــه لمــن المُدهــش أن نجــد‬ ‫فيزيــاء الجُســيمات تحــت الذريــة‬ ‫مُتناهيــة الصِغَــر تُحــدِّدُ تركيــب‬ ‫وطبيعــة النجــوم الهائلــة‪».‬‬ ‫أظهــر آينشــتاين أنــه يُمكــن تحريــر‬ ‫الطاقــة بســحق الــذرات مــع بعضهــا‬ ‫وتُســمَّى هــذه العمليــة باإلندمــاج‬ ‫النــووي‪ ،‬وهــذه الطاقــة المُتحــرِّرَة‬ ‫هــي نفســها الوقــود الــذي يُحــرّك‬ ‫النجوم‪.‬ومــن فرضيــات آينشــتين‬ ‫تعلّمنــا كيفيــة تحريــر الطاقــة داخــل‬ ‫الــذرة‪ ،‬واآلن يُحــاول العِلــم مُحــاكاة‬ ‫مصــدر طاقــة النجــوم للتحكــم فــي‬ ‫طاقــة االندمــاج النــووي داخــل‬ ‫المُختبَــر‪ُ .‬قــرب اكســفورد – إنجلتــرا‬ ‫يوجــد آلــة تــزن (‪ )36300‬كغــم‪ ،‬يتــم‬ ‫تحويلهــا كُل يــوم إلــى نجــم لكنــه‬ ‫نجــم موجــود علــى األرض‪ .‬داخــل هــذه‬ ‫اآللــة يتــم ســحق ذرات الهيدروجيــن‬ ‫ببعضهــا‪ ،‬ولفعــل ذلــك تقــوم اآللــة‬ ‫برفــع درجــة الحــرارة إلــى (‪ )300‬مليــون‬ ‫درجــة وعنــد هــذه الدرجــة تتحــرك‬ ‫ذرات الهيدروجيــن المُنشَّــطة بســرعة‬ ‫عاليــة جــداً فــا تســتطيع تفــادي‬ ‫ارتطامهــا ببعضهــا البعــض‪ .‬لكــن كيــف‬ ‫يحــدث هــذا؟ تُولِّــد الحــرارة حركــة‬ ‫ُ‬ ‫التنافــر‪.‬‬ ‫كافيــة للتغلُــب علــى قــوة‬ ‫يقــول عالِــم فيزيــاء البالزمــا ورئيــس‬ ‫فريــق العمــل علــى التوكامــاك أنــدرو‬ ‫كيريــك (‪« )Dr. Andrew Kirk‬إنهــا‬ ‫قــارورة مغناطيســية ضخمــة‪ ،‬بمثابــة‬ ‫حُجيــزَة الحتجــاز البالزمــا الســاخنة‬

‫للغايــة حي ُثمــا نتمكــن مــن إعــادة‬ ‫خلــق األجــواء داخــل النجــم‪».‬‬ ‫عندمــا تســير األمــور جيــداً تكــون‬ ‫النتيجــة أفضــل مُفاعِــل طاقــة‬ ‫فــي الكــون‪ ،‬إنــه اإلندمــاج النــووي‪.‬‬ ‫عندمــا تصطــدم ذرات الهيدروجيــن‬ ‫ينتــج ذرات هيليــوم‪ ،‬ببســاطة إن‬ ‫ذرات الهيدروجيــن تــزن أكثــر مــن‬ ‫ذرات الهيليــوم وعنــد التصــادُم‬ ‫َ‬ ‫يُفقــد جُــزء مــن الكُتلــة (كُتلــة‬ ‫تســاوي الفــرق بيــن وزنــي الــذرات)‬ ‫هــذه الكُتلــة تتحــول إلــى طاقــة‪.‬‬ ‫وتُحافــظ التوكامــاك علــى اإلندمــاج‬ ‫لجُــزء مــن الثانيــة‪ ،‬أم فــي النجــوم‬ ‫الحقيقيــة يســتمر اإلندمــاج لمالييــن‬ ‫الســنين والســبب بســيط إنــه الحجــم‪،‬‬ ‫النجــوم ضخمــة وعمالقــة وأيض ـ ًا هــذا‬ ‫الحجــم الهائــل يتطلــب قــدراً عظيمــ ًا‬ ‫مــن الجاذبيــة ومِــن َثــمَّ تخلــق‬ ‫كميــات هائلــة مــن الحــرارة تكفــي‬ ‫إلســتثارة االندمــاج النــووي‪ .‬هــذا هــو‬ ‫ســر النجــوم‪ ،‬لهــذا النجــوم تتــأأل‪.‬‬ ‫إذا كانــت النجــوم تتمتــع بهــذا القــدر‬ ‫الهائــل مــن الطاقــة فلمــاذا ال تنفجــر؟‬ ‫يُولِّــد اإلندمــاج بلُــبّ النجــم القــوة‬ ‫اإلنفجاريــة لبليــون ُقنبلــة نوويــة‬ ‫كُل ثانيــة‪ ،‬ولكــن لمــاذا ال ينفجــر‬ ‫النجــمُ مُتناثراً؟هــذا ألن الجاذبيــة‬ ‫تضغــط الغُــاف الخارجــي للنجــم‪.‬‬ ‫تبــدأ الجاذبيــة واالندمــاج مــن معركــة‬ ‫ملحميــة فينتُــج لنــا هــذا التوتُــر‬ ‫المُســتمر بينهمــا‪ ،‬فالجاذبيــة تُريــد‬ ‫ســحق النجــم إلــى ُفتــات فــي حيــن أن‬ ‫الطاقــة التــي تُحررهــا عمليــة اإلندماج‬ ‫تريــد تفجيــر النجــم‪ .‬هــذا التوتــر هــو‬ ‫التــوازن الــذي يخلــق النجــم‪ ،‬وعندمــا‬ ‫تحتــدم المعركــة تبــدأ رحلــة نهايــة‬ ‫النجــم‪.‬‬ ‫هل تموت النجوم؟‬ ‫مــن لحظــة مولــده وكل نجــم مكتــوبٌ‬ ‫عليــه المــوت‪ ،‬ســينفذ وقــوده ثــم‬ ‫تفــوز الجاذبيــة بمعركتهــا مــع‬ ‫االندمــاج ُفتثيــر سلســلة أحــداث‬ ‫تعمــل علــى تدميــر النجــم‪ .‬وال إســتثنا َء‬ ‫لشمســنا فــكُل ثانيــة يتــم حــرق ‪544‬‬ ‫مليــون طــن مــن الهيدروجيــن كوقــود‬ ‫فــي لُبّهــا‪ ،‬ونظــراً لحجــم الشــمس‬ ‫فبهــذا المُعــدَّل ســينفذ وقود الشــمس‬ ‫بعــد حوالــي ســبعة بالييــن عــام‪،‬‬ ‫وأثنــاء عمليــة اســتهالك الوقــود يقــل‬ ‫مُعــدل عمليــات اإلندمــاج فــي لُــبّ‬ ‫النجــم وهــذا يُعطــي الغَلبــة للجاذبية‪،‬‬ ‫بحــدوث إندمــاج أقــل يدفــع النجــم‬

‫‪15‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫الفضاء والكون‬

‫اســتطعنا أخــذ قطعــة منــه فــي‬ ‫حجــم مكعــب ســكر ووضعناهــا علــى‬ ‫ســطح األرض‪ ،‬فستســقط وتغــوص‬ ‫داخــل األرض‪ ».‬يعتقــد الفلكيــون‬ ‫بوجــود بللــورات عمالقــة مــن الكربــون‬ ‫الخالــص داخــل القــزم األبيــض‪ ،‬إنهــا‬ ‫بمثابــة جوهــرة كونيــة بعــرض آالف‬ ‫الكيلومتــرات‪ .‬بالطبــع فكــرة أن تصيــر‬ ‫الشــمس هــذه الكُتلــة البــاردة الداكنــة‬ ‫مــن رمــاد الفحــم هــي فكــرة مؤسِـ َ‬ ‫ـفة‪،‬‬ ‫لكنهــا ســتكون ماســة تــزن تريليــون‬ ‫تريليــون قيــراط‪ ،‬فقــط تخيّلــوا ماســة‬ ‫تلمــع فــي الســماء‪.‬‬ ‫عندمــا تمــوت النجــوم األكبــر مــن‬ ‫شمســنا فــإن موتهــا يكــون أكثــر‬ ‫عُنفــ ًا بكثيــر لكــن مــع ذلــك فهــي‬ ‫تصنــع وحــدات بنــاء حيــاة جديــدة‪.‬‬ ‫كيــف تأتــي حيــاة جديــدة مــن رحِــم‬ ‫مــوت النجــوم ؟‬ ‫أعتقــد العُلمــاء أنــه بعــد انفجــار‬ ‫النجــم فإنــه ال يتبقــى شــيء‪ ،‬وكان‬ ‫هــذا اإلعتقــاد خاطــئ ! هنــاك جيفــة‬ ‫للنجــم بعــد انفجــاره وموتــه تُدعــى‬ ‫بالنجــم النيوترونــي‪ ،‬أغــرب األشــياء‬ ‫التــي يعرفهــا العلــم‪ ،‬إنــه عبــارة‬ ‫عــن مــادة نوويــة صلبــة ذات عــرض‬ ‫قصيــر جــداً يُقــدر بالكيلومتــرات وهــي‬ ‫ثقيلــة وكثيفــة للغايــة‪ .‬يســتمر النجــم‬ ‫النيوترونــي بتفجيــر عناصــر جديــدة‬ ‫نحــو الفضــاء علــى هيئــة سُــحُب‬ ‫تحتــوي الوحــدات البنائيــة األساســية‬ ‫لهــذا الكــون‪ .‬كُل مــا نعرفــه ونُحبــه‬ ‫مصنــوع مــن هــذا الغبــار النجمــي‪،‬‬ ‫إنــه مُمتلــئ بعناصــر كالهيدروجيــن‬ ‫واألكســجين والســيليكون والحديــد‬ ‫وغيرهــا مــن المــواد الخــام الالزمــة‬ ‫لبنــاء نجومـ ًا جديــدة وأنظمــة شمســية‬ ‫جديــدة وكواكــب وبالطبــع نحــن‪.‬‬ ‫ما عالقتنا بالنجوم؟‬ ‫ُ‬ ‫زمــن‬ ‫منــذ‬ ‫الميتــة‬ ‫كوَّنــت النجــوم‬ ‫ٍ‬ ‫الغُبــار الكونــي الــذي كــوَّن نظامنــا‬ ‫الشمســي والكواكــب وكُل األنظمــة‬ ‫الشمســية ب ـكُل مــا عليهــا؛ لــذا فإننــا‬ ‫نتكــون مــن الكربــون وهنــاك حديــد‬ ‫فــي دمائنــا‪ ،‬البُــد وأن جميــع هــذه‬ ‫األشــياء قــد تكوَّنــت داخــل لُــبّ‬ ‫نجمــي‪ ،‬الســبيل آخرلنأتــي بهــا‪ .‬لــذا‬ ‫عندمــا تفكــرون فــي مــواد النجــوم‬ ‫فقــط انظــروا حولكــم‪ ،‬كُل مــا تتألفــون‬ ‫منــه‪ ،‬كل مــا فــي العالــم حولنــا ال‬ ‫نجــم انفجــر‬ ‫بُــد وأنــه أتــى مــن‬ ‫ٍ‬ ‫قبــل أمــدٍ ســحيق‪ ،‬حتــى الــذرات‬ ‫فــي شمســنا مُعــادٌ تصنيعهــا إنهــا‬

‫‪16‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫صورة للقزم األبيض (نجم الشعرى اليمانية ب) وهو النُقطة الصغيرة الخافتة بجوار النجم الكبير الالمع‬ ‫(نجم الشعرى اليمانية أ)‪ ،‬التقط الصورة تلسكوب هابل‬

‫الجيــل الثالــث أو الرابــع مــن األنقــاض‬ ‫المُتبقيــة المدفوعــة للفضــاء مــن‬ ‫ـن‬ ‫أحــد النجــوم المُحتضــرة منــذ زمـ ٍ‬ ‫ســحيق‪ .‬شمســنا هــي زوجــة والدنــا‬ ‫فقــد ماتــت والدتنــا الحقيقــة منــذ‬ ‫زمــن ســحيق فــي انفجــار شــديد‪.‬‬ ‫أننــا نعيــش فــي عصــر النجــوم لكنهــا‬ ‫ســتموت‪ ،‬هُنــاك هيدروجيــن وفيــر‬ ‫فــي الكــون لكــن ســيتم اســتهالكُه‪،‬‬ ‫وعندمــا ال يتبقــى هيدروجيــن لــن‬ ‫تتكــون نجومــ ًا جديــدة‪ .‬إننــا نعيــش‬ ‫فــي فتــرة قصيــرة جــداً فــي تاريــخ‬ ‫الكــون‪ .‬ســتموت النجــوم‪ ،‬ســيبرُد‬ ‫الكــون ويُظلِــم ببُــطء وبقســوة‪ ،‬فــي‬ ‫الحقيقيــة إن مُســتقبل كوننــا كئيــب‬ ‫للغايــة لكــن قــد نتفائــل بشــي ٍء‬ ‫مــن ذلــك وهــو أن هــذه الفتــرة هــي‬ ‫أفضــل وقــت للحيــاة‪ ،‬لــم يكــن الكــون‬ ‫دومــ ًا هكــذا ولــن يكــون هكــذا أبــداً‪،‬‬ ‫فقــط إنــه العصــر الذهبــي للكــون‬ ‫حاليــاً‪.‬‬

‫المصادر‪:‬‬

‫‪- CosmoLearning‎: How The‬‬ ‫‪Universe Works: Extreme Stars‬‬ ‫‪| ‎CosmoLearning Astronomy.‬‬ ‫‪CosmoLearning. N.p., n.d. Web.‬‬ ‫‪ ohn (1995). The Norton‬‏‪- North، J‬‬ ‫‪History of Astronomy and‬‬ ‫‪Cosmology. New York and London:‬‬ ‫‪W.W. Norton & Company.‬‬ ‫‪‎- »Astronomers Peg Brightness of‬‬ ‫‪History›s Brightest Star». NAOA‬‬ ‫‪News.‬‬ ‫‪-”stellar Evolution & Death”. NASA‬‬ ‫‪Observatorium. Archived from the‬‬ ‫‪original.‬‬ ‫‪- NASA›s Hubble Weighs in on the‬‬ ‫‪Heaviest Stars in the Galaxy». NASA‬‬ ‫‪News‎.‬‬ ‫‪ tephen A. (August 17,‬‏‪- Drake، S‬‬ ‫‪2006). «A Brief History of High‬‬‫)‪Energy (X-ray & Gamma-Ray‬‬ ‫‪Astronomy». ‎NASA HEASARC. ‎‬‬ ‫‪ lli (August 18, 2006).‬‏‪- Leadbeater، E‬‬ ‫‪«Hubble glimpses faintest stars»‎.‬‬ ‫‪‎»What is a Star?». NASA. 2006‎.‬‬


‫الديناميكا الحرارية‪:‬‬ ‫نظرة عن كثب‬

‫محمد فاروق ‪ -‬كفر الشيخ‬

‫الطاقة والمادة فيما بينها‪ ،‬أو مع الوسط‬ ‫المُحيط بها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫النُظم الموجودة بالديناميكا‬ ‫أما أنواعُ‬ ‫الحرارية فهي‪:‬‬ ‫‪-1‬النظام المفتوح الذي يسمح بتبادل‬ ‫الطاقة والمادة مع الوسط المُحيط‪.‬‬ ‫‪-2‬النظام المُغ َلق الذي يسمح بتبادل‬ ‫الطاقة دون المادة مع الوسط المُحيط‪.‬‬ ‫‪-3‬النظام المعزول الذي ال يسمح بتبادل‬ ‫ُك ً‬ ‫ال من الطاقة والمادة مع الوسط المُحيط‪.‬‬ ‫وكأي علم له مبادئ معروفة‪ ،‬فإن للديناميكا‬ ‫الحرارية مبادئ أساسية‪ ،‬ومبادئ الديناميكاة‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫الفيزياء والرياضيات‬

‫هنالك فرعٌ من فروع الفيزياء يُعرف بالفيزياء‬ ‫اإلحصائية‪ ،‬ويهتمُ هذا الفرع إهتمام ًا جذري ًا‬ ‫بالحرارة‪ُ ،‬‬ ‫حيث يدرس هذا االختصاص خواص‬ ‫انتقال الحرارة وتحوُالتها إلى طاقات أخرى‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫حيث تتم صياغة القوانين التي تحكُم ذلك‬ ‫باستخدام ما يُسمى الميكانيكا اإلحصائية‪.‬‬ ‫هذا الفرعُ يُسمى «الديناميكا الحرارية» أو‬ ‫«التحريك الحراري»‪.‬‬ ‫ولكن أوالً لنتعرف على الحرارة وأهم المُصطلحات‬ ‫التي تخُص الفيزياء الحرارية بوجه عام‪:‬‬ ‫ـ الحرارة شكل من أشكال الطاقة‪ ،‬وقد تنشأ‬ ‫الحرارة عن الحركة سواء كانت حركة جزيئات أو‬ ‫ذرات‪ ،‬أو عن اإلشعاع الكهرومغناطيسي‪ ،‬أو عن‬ ‫التفاعُالت النووية أو الكيميائية‪ .‬وعلى النظير‬ ‫فدرجة الحرارة هي تكميم للحرارة (مُؤشِر لكمية‬ ‫الطاقة الحرارية)‪ .‬وتوجد العديد من مقاييس‬ ‫درجة الحرارة أشهرها على اإلطالق مقياس‬ ‫سيلزيوس ومقياس فهرنهايت ومقياس كلفن‪.‬‬ ‫ وهناك ما يُسمى بالحرارة النوعية وهي كمية‬‫الحرارة الالزمة لرفع درجة حرارة واحد كيلوجرام‬ ‫من المادة بمقدار درجة واحدة مئوية‪.‬‬ ‫ـ أيض ًا السعة الحرارية أو التحميل الحراري‬ ‫هي ببساطة قيمة تُوضح مدى قابلية المواد‬ ‫لتخزين الطاقة الحرارية‪ .‬أو هي قيمة مُعينة‬ ‫من الطاقة يحتاجها الجسم أو النظام لرفع‬ ‫درجة حرارته درجة مئوية واحدة‪.‬‬ ‫ـ التوصيل الحراري هو مُعَدَل مرور الطاقة‬ ‫الحرارية خالل مادة مُعينة‪ ،‬ويتم التعبير عن‬ ‫التوصيل الحراري بمقدار الحرارة التي تنساب‬ ‫لكل وحدة زمن خالل وحدة المساحة‪ ،‬مع‬

‫تَدَرُج حراري بمقدار درجة واحدة لكل وحدة‬ ‫طول من المادة‪.‬‬ ‫هناك مواد جيدة التوصيل للحرارة وتكون‬ ‫مقاومتها للحرارة ضئيلة جداً مثل الحديد‬ ‫والنحاس واأللومنيوم وغيرها من المواد‪.‬‬ ‫ولكن أيض ًا هناك مواد رديئة التوصيل للحرارة‬ ‫وتُعرَف على أنها مواد ذات مقاومة حرارية‬ ‫كبيرة نسبي ًا مثل الصوف والصخور‪ .‬وتستخدم‬ ‫هذه المواد رديئة التوصيل في العزل الحراري‬ ‫لألبنية والمالبس وأواني الطهي‪.‬‬ ‫أما اإلنتقال الحراري؛ فيُمكن أن تنتقل الحرارة‬ ‫من جسم إلى آخر‪ ،‬أو من جسم إلى الوسط عن‬ ‫طريق واحدة من ثالث ُطرق وهُم‪:‬‬ ‫التوصيل المُباشر هو عبارة عن انتقال الطاقة‬ ‫الحرارية خالل المواد عندما يتم توصيلها‬ ‫ببعضها بطريقة مُباشرة وبدون مسافات‬ ‫فاصلة‪.‬‬ ‫الحِمل الحراري وهو عبارة عن انتقال الطاقة‬ ‫الحرارية خالل وسط مائِع (سوائل ـ غازات)‪.‬‬ ‫اإلشعاع الحراري وهو إنتقال الطاقة الحرارية‬ ‫خالل اإلشعاع الكهرومغناطيسي‪ ،‬حيث تتولى‬ ‫الفوتونات مهمة نقل الطاقة‪.‬‬ ‫كما وتنقسم العمليات الديناميكية إلى عدة‬ ‫أنواع وهى‪:‬‬ ‫‪ -1‬عملية متساوية الضغط وهي العملية التي‬ ‫تتم تحت ضغط ثابت‪.‬‬ ‫‪ -2‬عملية متساوية الحجم وهي العملية التي‬ ‫تتم تحت حجم ثابت‪.‬‬ ‫‪ -3‬عملية متساوية الحرارة وهي العملية التي‬ ‫تتم تحت درجة حرارة ثابتة‪.‬‬ ‫‪ -4‬عملية كظومة أو كاظمة وهي العملية التي‬

‫تتم في النظام المعزول حراري ًا عن الوسط‬ ‫المُحيط به‪ ،‬أي ال يتم أي تبادل للطاقة أو المادة‬ ‫مع الوسط المُحيط‪.‬‬ ‫‪ -5‬عملية متساوية اإلنتروبي أو االعتالج‬ ‫وهي العملية التي تتم عند انتروبي أو اعتالج‬ ‫ثابت‪ ،‬أي أن اإلنتروبي تأخذ قيمة ثابتة ال تزيد‬ ‫وال تقل عنها‪ .‬واالنتروبي هي العشوائية أو‬ ‫مقياس النعدام النظام‪.‬‬ ‫‪ -6‬عملية متساوية اإلنثالبي وهي العملية‬ ‫التي تتم عند محتوى حراري ثابت‪ ،‬والمحتوى‬ ‫الحراري هو مقياس للطاقة الكلية للنظام‬ ‫الثرموديناميك‪ ،‬ومن ضمنها الطاقة الداخلية‬ ‫للنظام باإلضافة إلى كمية الطاقة الالزمة‬ ‫إلفساح مكان (حجم) للنظام خالل الوسط‬ ‫المحيط وتهيئة النظام للحصول على حجمه‬ ‫وضغطه‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫النُظم الحرارية‪ .‬وهي جسم أو‬ ‫وهناك أيض ًا‬ ‫مجموعة من األجسام المادية التي تتبادل‬

‫‪17‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫الفيزياء والرياضيات‬

‫صورة توضح مفهوم القانون الصفري‬

‫تتلخص في عبارة «الحرارة شكل من أشكال‬ ‫الطاقة»‪ ،‬ولها أربعة قوانين في غاية األهمية‪:‬‬ ‫ القانون الصفري‪ :‬إذا كان النظام (أ) مُتزن‬‫حراري ًا مع النظام (ب)‪ ،‬والنظام (ب) مُترن‬ ‫حراري ًا مع النظام (ج)؛ فإن النظام (أ) يكون‬ ‫مُتزن حراري ًا مع النظام (ج)‪ .‬وكما نرى فإن هذا‬ ‫القانون يصف التوازن الحراري بين األنظمة أو‬ ‫األجسام‪ .‬وجديرُ بالذكر أن هذا القانون سُمِّى‬ ‫بالقانون الصفري ألنه يُعَد معلومة بديهية‬ ‫معروفة أي كأننا نقول‪ :‬القانون رقم صفر‪.‬‬ ‫القانون األول‪ :‬الطاقة في أي نظام مُغلق‬‫تظل ثابتة‪ .‬ويُعني ذلك أن الطاقة الداخلية‬ ‫للنظام تُساوي كمية الحرارة التي تدخل النظام‬ ‫مطروحٌ منها الشُغل الذي يبذله النظام‪ ،‬ويُمكن‬ ‫تسميته بقانون حفظ الطاقة الحرارية‪.‬‬ ‫وإذا اعتبرنا الديناميكا الحرارية لُعبة فيُمكن‬ ‫اعتبار القانون األول بمثابة قاعدة تنص على‬ ‫أنه «ال يُمكنك الفوز»‪ ،‬وذلك يعني أنه بما أن‬ ‫المادة والطاقة ال يُمكن فناؤهما‪ ،‬فال يُمكنك‬ ‫أن تحصل على إحداهما دون خسارة االُخرى‪.‬‬ ‫∆ ‪U= ∆ Q- ∆ W‬‬ ‫‪ Δ U‬الطاقة الداخلية ‪ ΔQ‬الطاقة الحرارية‬ ‫الشغل ‪Δw‬‬ ‫ القانون الثاني‪ :‬التغيُّر التلقائي في أى‬‫نظام فيزيائي ال بُد وأن يُصاحبه زيادة في‬ ‫مقدار األنتروبي‪ ،‬ويُعتبَر هذا النص أشهر نص‬ ‫للقانون الثاني‪.‬‬ ‫واالنتروبي‪ :‬هي العشوائية‪ ،‬أو هي مقياس لعدم‬ ‫النظام‪ ،‬أي زيادة العشوائية‪ .‬والقانون يقول أن‬ ‫العشوائية تسير تلقائي ًا وطبيعي ًا في اتجاه‬ ‫زيادة العشوائية أو أنها تظل ثابتة‪ .‬فمثالً‪ ،‬إذا‬ ‫أذبنا قليل من السكر في كوب من الماء النقي‪،‬‬ ‫فإنتشرت جزيئات السُكر وتوَزَّعت توزيع ًا‬ ‫متساوي ًا في الماء‪ .‬فإن هذه عملية طبيعية‬ ‫تسير تلقائياً‪ ،‬ونقول أن انتروبي النظام قد‬ ‫ازداد؛ إذ أن مجموع انتروبي السكُر ‪ +‬انتروبي‬ ‫الماء النقي يكون أصغر من انتروبي المخلوط‪.‬‬ ‫أي تزداد إنتروبي النظام بأكمله (السكر ‪ +‬الماء‬ ‫النقي) بمرور الزمن بعد الخلط‪ .‬وإليكُم مثاالً‬ ‫آخر‪ ،‬تخيّلوا وجود عدة حصى صغيرة مُرتَّبة‬ ‫في تشكيل مُعين يسهُل التعرُّف عليه‪ُ ،‬ثم‬ ‫ُقمنا بفك هذا التشكيل إلى أن اصبحت الحصى‬ ‫مُبعثرة في األرجاء‪ .‬ببساطة إن العشوائية هي‬ ‫بعثرة الحصى‪ُ ،‬‬ ‫حيث عندما كانت الحصى مُرتَّبة‬ ‫ومُنسَّقة في تشكيل كانت العشوائية غير‬ ‫َ‬ ‫مُبعثرة‬ ‫موجودة بالمرة‪ ،‬أما حين أصبحت الحصى‬ ‫زادت العشوائية بوضوح تام‪ .‬ولكن نظراً‬ ‫للتعريف الواسع الذي يتضمنه هذا القانون‪،‬‬ ‫يتصور كثير من الناس أن هذه الصيغة تعني‬

‫‪18‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫أن القانون الثاني للحرارة ينطبق على كل شيء‬ ‫يمكن تخيُّلُه‪ .‬لكن هذا ليس صحيح ًا فالصيغة‬ ‫الجديدة ماهي إال تبسيط لحقيقة أكثر تعقيدا‪،‬‬ ‫وهي أن اإلنتروبي في الكون تميل إلى نهاية‬ ‫عُظمى‪ .‬حيث يشمل ذلك الكون كله من دون أي‬ ‫تحديد لحالته‪ .‬بقى أن نذكر أن العالِم األلماني‬ ‫«رودولف كالوسيوس» هو الذي صاغ القانون‬ ‫الثاني‪ .‬وللتبسيط أكثر نعود إلى فرضية اللُعبة‬ ‫حيث يكون القانون الثاني بمثابة قاعدة تنص‬ ‫على أنه «ال يُمكنك التوقف»‪ ،‬وذلك يعني أنه‬ ‫بسبب زيادة االنتروبي ال يُمكنك العودة إلى‬ ‫نفس حالة الطاقة‪ ،‬أى أن الطاقة المُتمركزة‬ ‫في مكان أو منطقة مُعينة ستنتشر دوم ًا‬ ‫نحو األماكن ذات التركيز األقل‪ .‬واالنتروبي هو‬ ‫مقياس ذلك االنتشار العشوائي في النظام‪.‬‬ ‫‪0≥ d S‬‬ ‫‪ d S‬اإلنتروبي‬ ‫ القانون الثالث‪ :‬من المُستحيل تبريد نظام‬‫إلى درجة الصفر المُطلق (صفر كلفن)‪.‬‬ ‫من الواضح أن هذا القانون يُحدِّد درجة الصفر‬ ‫المُطلق كحد من حدود الطبيعة ال يُمكن‬ ‫تجاوُزُه‪ ،‬وال يُمكن الحصول على أقل منه‪.‬‬ ‫ويرجع السبب إلى أنه كُلما قلت درجة الحرارة‬ ‫بالعكس‪ .‬إذاً‬ ‫كُلما قلت حركة الذرات والعكسُ‬ ‫ِ‬ ‫وصول درجة حرارة المادة للصفر المُطلق يُعني‬ ‫أن ذرات المادة أصبحت ساكنة تماماً‪ ،‬كما ويُعني‬ ‫أن يتالشى الحجم‪ ،‬وهذا مستحيل ! وبالعودة إلى‬ ‫فرضية اللُعبة فالقانون الثالث بمثابة قاعدة‬ ‫تنص على أنه «ال يُمكنك أن تخرج من اللعبة»‪،‬‬ ‫وذلك يشير إلى عدم المقدرة على الخروج إلى‬ ‫الوصول إلى الصفر المُطلق (‪ 273.15-‬درجة‬ ‫مئوية)‪ .‬من أبرز العُلماء الذين ساهموا في‬ ‫تقدم علم الديناميكا الحرارية‪ :‬ويليام طومسون‬ ‫و هرمان فون هلمهولتر وسادي كارنوت‬ ‫ورودولف كالوسيوس وجوزيه غيبس ويليام‬ ‫رانكين‪ .‬والمُشادُ به أن التطبيقات القائمة‬ ‫على الديناميكا الحرارية كانت خياالً علمي ًا‬ ‫زمن بعيد‪ .‬لكن اآلن أصبحنا‬ ‫وقصص ًا تُروَى من ٍ‬

‫نرى وأحيان ًا نستعمل التكييفات والمُب ِردات‬ ‫والمُحرك البخاري وغيرها من التطبيقات ذات‬ ‫النفع العظيم‪ .‬إن تطور العلوم ال حدودَ له‪ .‬كما‬ ‫أن علم الديناميكا الحرارية مازال يشهد تطوراً‬ ‫ملحوظ ًا والبشرية مازلت وسوف تزال في حاجة‬ ‫مُلِحَة إلى هذا التطور‪.‬‬

‫املصادر‪:‬‬ ‫‪- INTRODUCTION TO MODERN‬‬ ‫‪STATISTICAL MECHANICS (David‬‬ ‫‪Chandler).‬‬ ‫‪-George B. Arfken • David F. Griffing ‎•‎‬‬ ‫‪Donald C. Kelly• Joseph Priest, Miami‬‬ ‫‪University, Oxford, Ohio (A Preview of‬‬ ‫‪Thermodynamics).‬‬ ‫‪-“plankdover” reviewed and coordinated at‬‬ ‫‪2017.‬‬ ‫‪-Enrico Fermi (1956). Thermodynamics.‬‬ ‫‪Courier -Dover Publications. pp. (ix).‬‬ ‫‪-SERWAY.JEWETT; Physics For Scientists‬‬ ‫‪And Engineers (Part 3, Thermodynamics).‬‬ ‫‪-Guggenheim, E.A. (1933). Modern‬‬ ‫‪Thermodynamics by the Methods of J.W.‬‬ ‫‪Gibbs, Methuen, London.‬‬ ‫‪-STATICAL MECHANICS (KERSOH‬‬ ‫ ‪HUAHG).Schools of thermodynamics‬‬‫‪EoHT.info.‬‬ ‫‪-William Thomson, LL.D. D.C.L., F.R.S.‬‬ ‫‪(1882). Mathematical and Physical Papers. 1.‬‬ ‫‪London, Cambridge: C.J. Clay, M.A. & Son,‬‬ ‫‪Cambridge University Press. p. 232.‬‬ ‫‪-“engineering thermodynamic 1993” reviewed‬‬ ‫‪at 2017.‬‬ ‫‪-Perrot, Pierre (1998). A to Z of‬‬ ‫‪Thermodynamics. Oxford University Press.‬‬


‫الشعور باألشباح‪:‬‬ ‫رؤية علم األعصاب‬

‫عصام منير ‪ -‬بغداد‬

‫فـي واحـدة مـن مناطـق بغـداد التـي‬ ‫تمتـاز بخطورتهـا وكثـرة الصراعـات‬ ‫القبليـة فيهـا وانتشـار المعتقـدات‬ ‫الشـعبية علـى نطاق واسـع وفي إحدى‬ ‫الليالـي المظلمـة خـرج أميـر متوجهًـا‬ ‫نحـو منـزل أقاربـه السـاكنين بالقـرب‬ ‫منهم والـذي اعتـاد على زيارتهـم ولكن‬ ‫فـي تلـك الليلـة حـدث شـيء غريـب‪،‬‬ ‫فقد شـعر أميـر بوجود أحدهـم بالقرب‬ ‫منـه‪ ،‬مصاحبًـا إيـاه أثنـاء مسـيره‪،‬‬ ‫غيـر مرئـي وال يصـدر أي صـوت‪ ،‬لـم‬ ‫يتوقـف أميـر واسـتمر بطريقـه ولكن‬ ‫اإلحسـاس ما زال موجـودًا بهذا الشـيء‬ ‫ً‬ ‫قائلا «شـعرت بأن‬ ‫الـذي يصفـه أمير‬ ‫هنـاك كائن غيـر مرئي يتبـع خطاي وال‬ ‫يصـدر صوتًـا أثناء سـيره‪ ،‬علـى الرغم‬ ‫مـن ذلـك فـإن بإمكاني تعييـن بعض‬ ‫صفاتـه‪ ،‬فهو قـزم او مـن المفترض أن‬ ‫أقول هـي قزمـة تتخلـف عنـي ببضع‬ ‫خطـوات وإلـى اليسـار منـي‪ ،‬عندمـا‬ ‫أتوقـف‪ ،‬تتوقـف هـي‪ ،‬وعندمـا التفت‬ ‫ألراهـا‪ ،‬اجدهـا متحركة بنفس السـرعة‬ ‫ً‬ ‫محاولـة أن تبقى خارج‬ ‫التـي أتحرك بهـا‬ ‫حقلـي البصـري‪ ،‬شـعور غريـب ولكنـي‬ ‫لـم أشـعر بالخـوف منهـا‪ ،‬بـل كنـت‬ ‫ً‬ ‫خائفـا مـن أن أتعرض لهجـوم من قبل‬ ‫أحدهـم إذ تعـرض بيتـي لهجـوم قبل‬ ‫بضعة أيام مـن قبل بعض المسـلحين‬ ‫نتيجـة لخلاف دب بيننا وبينهـم‪ ،‬فهذا‬ ‫الخـوف هو الـذي كان مسـيطرًا على كل‬ ‫شي ء » ‪.‬‬ ‫الشـعور الشـبحي او ما يعرف بـ»الرجل‬ ‫الثالـث» هـو الشـعور القـوي بوجـود‬ ‫شـخص أو كائـن مـا (يختلـف بحسـب‬ ‫المعتقدات الشـائعة ومعتقد الشخص)‬ ‫والـذي ال يُرى وال يُسـمع والـذي يختلف‬ ‫تمامًـا عـن تجارب الخـروج من الجسـد‬ ‫التـي تتميـز برؤيـة الجسـد والشـعور‬ ‫بـه مـن الخـارج‪ ،‬كمـا ويختلـف عـن‬ ‫تأثيـر الشـبيه (‪Doppelgänger‬‬ ‫‪ )Effect‬والـذي يتميـز برؤيـة الجسـد‬ ‫والتفاعـل معـه‪ .‬يحـدث هذا الشـعور‬ ‫فـي ظـروف مختلفة كالبـرد الشـديد و‬

‫الجفـاف الشـديد ونقص االوكسـجين و‬ ‫الظلام والخـوف الشـديد وأضـف إليها‬ ‫المعتقـدات القويـة كما رأيـت في حالة‬ ‫ادم‪.‬‬ ‫آدم هـو جنـدي اشـترك فـي الحـرب‬ ‫العراقية‪-‬اإليرانيـة‪ ،‬ويذكـر قصتـه مع‬ ‫هذا اإلحسـاس‪ ،‬يقـول «لطالما شـعرت‬ ‫بوجـود أحـد معـي اثنـاء المعـارك‪ ،‬من‬ ‫الممكـن أن تسـميه مالكـي الحـارس‪،‬‬ ‫ولطالمـا شـعرت بالراحـة بوجـوده‬ ‫والثقـة الكبيـرة‪ ،‬وبإمكانـك أن تقول أن‬ ‫وجـوده مألـوف بالنسـبة لـي ولكـن في‬ ‫إحـدى المعـارك الدموية التـي خضناها‪،‬‬ ‫حـدث شـيء غريـب معـي‪ .‬وصلنـا أمـر‬ ‫مـن القيـادة العليـا ان ندخـل لمنطقة‬ ‫تتميـز بخطورتها وقد دخلتهـا مجموعة‬ ‫مـن الجنـود قبلنـا ولكنهـم قتلـوا ولم‬ ‫يبـق احـدٌ منهـم‪ ،‬ولذلك عندمـا وصل‬ ‫األمـر‪ ،‬شـعرنا جميعـا بالخـوف والرعب‬ ‫فقـد حصـدت هـذه المنطقـة الكثيـر‬ ‫مـن األرواح وظننـا أن اليـوم هـو آخـر‬ ‫شـروق للشـمس بالنسـبة لنا‪ .‬اتـى األمر‬ ‫باالنطلاق مع بدايـة المسـاء‪ ،‬وبالفعل‬ ‫انطلقنـا ودخلنـا المنطقـة ومـا رأينـاه‬ ‫جعلنـا نفقـد عقولنـا‪ ،‬جثـث الجنـود‬ ‫فـي كل مـكان‪ ،‬رائحـة الدمـاء القويـة‪،‬‬ ‫وضـوء القمـر المنعكـس علـى سـطح‬ ‫ً‬ ‫قليلا حتى بدأت‬ ‫المـاء العكر‪ .‬لـم نلبث‬ ‫القذائف بالتسـاقط والرصـاص بالتطاير‬ ‫وبـدأ الجنود بالسـقوط واحـدٍ تلو اآلخر‪،‬‬ ‫شـعرت بالرعب في هذا الوقـت وحاولت‬ ‫أن أختبـئ في أي مكان ولكـن ال وجود ألي‬ ‫سـاتر ولذلك انبطحـت واحتميـت بجثة‬ ‫أحـد الجنـود الذيـن سـبقونا بالدخول‪،‬‬ ‫هنا حـدث الشـيء الغريب فقد شـعرت‬ ‫بوجـود أحـد يرقـد بالقـرب منـي غير‬ ‫مالكي الحارس‪ ،‬شـخص ال ينطـق وال يرى‬ ‫ولكنـه يثيـر الرهبـة‪ ،‬وألكـون صريحًـا‬ ‫معـك‪ ،‬فعنـد دخولنـا لهـذه المنطقـة‬ ‫شـعرنا «بأرواح» هـؤالء الجنود‪ ،‬شـعور‬ ‫ال يمكـن وصفـه ولكنك سـتعرفه حالما‬ ‫يحدث معـك‪ .‬قضيت بضع سـاعات وانا‬

‫مختبـئ خلف هـذا الجنـدي وروحه معي‬ ‫الـى ان طلـع الصبـاح علينا وانسـحبنا‪.‬‬ ‫هـا انـا اروي لـك هـذه الحادثـة بعـد‬ ‫سـنين طـوال واالثـر الـذي تركـه ذلك‬ ‫الجنـدي ال يختفي‪»..‬‬ ‫يذكـر طبيـب االعصـاب ماكدونلـد‬ ‫كريتشـلي (‪)McDonald Critchley‬‬ ‫قصـص مشـابهة لجنـود أثنـاء الحـرب‬ ‫العالميـة الثانيـة‪ ،‬منهـا قصـة بحارين‬ ‫كانـت قـد تدمرت سـفينتهما ليتشـبثا‬ ‫بطـوق مطاطـي ويصلا لبـر األمـان‪ ،‬إذ‬ ‫يذكر هـذان الجنديان الشـعور الشـديد‬ ‫بوجـود شـخص ثالـث معهـم كان قـد‬ ‫صاحبهمـا خلال الرحلـة‪ .‬يعتقـد‬ ‫كريتشـلي ان فكـرة الوجـود (‪The dea‬‬ ‫‪ ،)of presence‬كمـا أطلـق عليهـا‪،‬‬ ‫تحـدث فـي حـاالت التوتـر الجسـدي‬ ‫والعقلـي الشـديدة‪ .‬مـن حـاالت التوتر‬ ‫العقلـي الشـديد التي يذكرها كريتشـلي‬ ‫هـي إلمرأة اسـتيقظت في الليل لتشـعر‬ ‫بوجـود شـخص مألـوف بالقـرب منهـا‪،‬‬ ‫شـخص تعرفـه لدرجـة كبيـرة‪ ،‬ولكـن‬ ‫بعـد لحظـات أدركـت ان هذا الشـخص‬ ‫مـا هـو اال ذاتهـا‪ ،‬هـذه المـرأة كانـت‬ ‫تعانـي مـن تقلص فـي حجـم الفصين‬ ‫الجدارييـن (‪ ،)Parietal Lobes‬ممـا‬ ‫يـدل علـى وجـود أسـاس عضـوي لهذه‬ ‫التجـارب‪.‬‬ ‫الشبح في الدماغ‬ ‫الشـعور الشـبحي ويسـمى أيضـ ًا‬ ‫(‪ )feeling-of-a-presence‬تحـدث‬ ‫فـي حـاالت عصبيـة ونفسـية كثيـرة‬ ‫‪19‬‬


‫مثـل الصـرع‪ ،‬انفصـام الشـخصية‪،‬‬ ‫إصابـات الدمـاغ وغيرهـا مـن الحاالت‪.‬‬ ‫يعتقـد بعـض العلمـاء ان الشـعور‬ ‫الشـبحي هـي حالـة تـوازي مـا يحـدث‬ ‫عنـد المصابيـن بانفصـام الشـخصية‬ ‫الذيـن يسـمعون أصواتـ ًا وينسـبوها‬ ‫ألشـخاص خارجييـن‪ ،‬وفـي الحقيقـة‬ ‫هي أصـوات أفكارهـم الداخليـة ولكنهم‬ ‫فشـلوا بالتعـرف عليها‪ .‬يحدث الفشـل‬ ‫بالتعـرف أيضًـا فـي حـاالت الشـعور‬ ‫الشـبحي‪ ،‬إذ يفشـل الشـخص بالتعرف‬ ‫علـى «الـذات» وبالنتيجـة ينسـبها الى‬ ‫«االخـر»‪ .‬أن األسـس العصبيـة لمثـل‬ ‫هذا الشـعور لـم تُستكشـف إال حدي ًثا‪،‬‬ ‫بعدمـا تمكنـت مجموعة مـن الباحثين‬ ‫مـن تعييـن ثلاث مناطـق دماغيـة‬ ‫مسـؤولة عنـه فـي ‪ 12‬مريـض‪ 11 ،‬منهم‬ ‫يعانـون مـن الصـرع‪ ،‬ومريـض واحـد‬ ‫يعانـي من عـدوى دماغية‪ .‬تـم تعيين‬ ‫المناطـق المصابـة باسـتخدام تقنيـات‬ ‫مختلفـة مثـل الرنيـن المغناطيسـي‬ ‫(‪ ،)MRI‬جهـاز قيـاس كهربيـة الدمـاغ‬ ‫(‪ ،)EEG‬وتحفيـز الدمـاغ بواسـطة‬ ‫األقطـاب‪ .‬هـذه المناطـق هي القشـرة‬ ‫الصدغية‪-‬الجدارية (‪Temproparietal‬‬ ‫‪)cortex‬‬ ‫الجبهية‪-‬الجداريـة‬ ‫والقشـرة‪،‬‬ ‫(‪ ،)Frontopareital cortex‬والجزيـرة‬ ‫(‪ .)Insular cortex‬الـذي يميـز هـذه‬ ‫المناطـق هـو االرتبـاط القـوي بينهـا‬ ‫والتناسـق بالعمـل‪ .‬هنـاك منطقـة‬ ‫صغيـرة مـن ضمـن القشـرة الجبهية‪-‬‬ ‫الجداريـة تدعـى منطقـة برودمـان‬ ‫السـابعة (‪)7 Broadmann area‬‬ ‫ً‬ ‫ارتباطـا بظاهـرة الشـعور‬ ‫هـي األكثـر‬ ‫الشـبحي‪ .‬هـذه المنطقـة مسـؤولة عن‬ ‫تعيين األجسـام في الفضـاء وأي إصابة‬ ‫بهـا تجعل مـن الصعب الوصول للجسـم‬ ‫واإلمسـاك بـه كمـا وأن وظيفتهـا ال‬ ‫تقتصـر علـى تعيين الفضاء الشـخصي‪،‬‬ ‫ولكن بإمكانهـا أن تعين فضـاء اآلخرين‬ ‫ايضًـا‪ ،‬أي الفضـاء المحيـط بالشـخص‪.‬‬ ‫تمكنـت نفـس المجموعة مـن الباحثين‬ ‫مـن تحفيـز مثـل هـذا الشـعور عنـد‬ ‫مريض يعانـي من الصرع أثنـاء خضوعه‬ ‫لعمليـة لتخفيـف حـدة النوبـات‪ .‬قبل‬ ‫إزالـة أي جـزء مـن الدمـاغ‪ ،‬يتـم تحفيز‬ ‫عـدة مناطـق مسـؤولة عـن مختلـف‬ ‫الوظائـف لتجنـب ازالتها اثنـاء العملية‪،‬‬ ‫وأثنـاء هـذه العمليـة‪ ،‬عمـد الباحثون‬ ‫إلـى تحفيـز المنطقـة الصدغيـة‪-‬‬ ‫‪20‬‬

‫الجدارية من الفص االيسـر‪ ،‬عندها شـعر‬ ‫المريـض بوجـود أحـد مـا يتخـذ نفس‬ ‫وضعية جسـده والى يسـاره مما يشـير‬ ‫إلـى اضطـراب فـي معالجـة اإلشـارات‬ ‫الجسـدية الحسـية‪ .‬باالعتمـاد على هذا‬ ‫المبـدأ (االضطـراب في معالجة اإلشـارات‬ ‫الجسـدية الحسـية) حـاول الباحثون أن‬ ‫يحفـزوا مثل هذا الشـعور عند اشـخاص‬ ‫اصحـاء في ظـروف طبيعية باسـتخدام‬ ‫الروبوتات‪.‬‬ ‫أصبـح مـن المعـروف فـي ميـدان‬ ‫علـم الدمـاغ أن الشـعور بالجسـد مـن‬ ‫الممكـن نقله ألجسـاد غير حيـة‪ ،‬كاليد‬ ‫المطاطيـة والطاولـة أو أي جسـم آخـر‬ ‫وهـذه الظاهـرة تُعـرف بوهـم اليـد‬ ‫المطاطيـة (‪.)Rubber hand illusion‬‬ ‫إذ يجلـس الشـخص الخاضـع للتجربـة‬ ‫لينظـر الـى يـد مطاطيـة توضـع على‬ ‫الطاولـة‪ ،‬بينمـا توضـع يـده الحقيقة‬ ‫تحـت الطاولة‪ ،‬ومـن ثم يعمـل المجرب‬ ‫علـى لمـس يـده الحقيقـة واليـد‬ ‫المطاطيـة بنفـس الوقـت‪ ،‬وبعد بضع‬ ‫دقائـق وحالمـا ينتقل شـعور الشـخص‬ ‫لهـذه اليـد‪ ،‬يعمـل المجـرب علـى‬ ‫وخـز اليـد المطاطيـة وعندهـا يمكـن‬ ‫مشـاهدة التوتر علـى الخاضـع للتجربة‬ ‫ورد فعلـه المفاجئ‪.‬وهـم اليد المطاطية‬ ‫اقتصـر علـى جـزء مـن الجسـد فقط‪،‬‬ ‫ولشـمل الجسـد بأكملـه بهـذا الوهـم‬ ‫اسـتخدم الباحثـون روبـوت يتكـون من‬ ‫ذراع يمكـن تحريكهـا إلـى األمـام‪ ،‬فـي‬ ‫الوقـت ذاتـه هنـاك ذراع تعمـل علـى‬ ‫وخـز ظهـر الخاضـع للتجربـة الـذي قد‬ ‫وضـع عصابـة علـى عينيـه‪ .‬حدثـت‬ ‫هـذه الحركـة بالتزامـن‪ ،‬فعندمـا يحرك‬ ‫الخاضـع للتجربة الـذراع لألمام‪ ،‬يشـعر‬ ‫بـأن هـذه الحركـة أدت إلـى وخـز ظهره‬ ‫وهـذا التفـاوت باإلشـارات (اإلحسـاس‬ ‫بحركة اليـد إلى األمـام في الوقـت ذاته‬ ‫يحـدث اإلحسـاس بالوخـز مـن الخلف)‬ ‫جعـل الخاضعـون للتجربـة يشـعرون‬ ‫وكأن أجسـادهم قـد أزيحت الـى االمام‪.‬‬ ‫فـي الجـزء الثانـي مـن التجربـة‪ ،‬أضاف‬ ‫الباحثـون تأخـر بحركـة الـذراع الخلفية‬ ‫لبضـع أجـزاء مـن الثانيـة‪ ،‬فعندمـا‬ ‫يحـرك الخاضـع للتجربـة الـذراع إلـى‬ ‫األمـام‪ ،‬هنـاك فتـرة زمنيـة قصيـرة‬ ‫تتبعهـا وخـزة علـى الظهـر‪ .‬هنا شـعر‬ ‫الخاضعـون للتجربـة بأن أجسـادهم قد‬ ‫أُزيحـت إلـى الخلـف وحدث مـع بعضهم‬ ‫ظاهـرة الشـعور الشـبحي‪.‬هذه الظاهرة‬

‫تحتـاج للمزيـد مـن الدراسـات لمعرفة‬ ‫الظـروف والعوامـل المؤثـرة لحدوثهـا‬ ‫(وذلـك بسـبب حدوثهـا فـي الحـاالت‬ ‫المرضيـة والحـاالت الطبيعيـة)‪ .‬تشـير‬ ‫أغلـب القصـص إلـى الشـعور بوجـود‬ ‫واحـد‪ ،‬وعلى األغلـب في االتجـاه الخلفي‬ ‫االيسـر‪ ،‬ولكـن هناك قصة لرجـل يعاني‬ ‫مـن الصـرع يشـعر بموجـودات كثيرة‪،‬‬ ‫وهنـاك قصـة لشـخص أعسـر اليـد‬ ‫يشـعر بموجـود فـي االتجـاه الخلفـي‬ ‫األيمـن وليـس األيسـر وربمـا يشـير‬ ‫هذا إلـى اختالف فـي الدوائـر الدماغية‬ ‫وبالنتيجـة اختلاف فـي التجربـة‪.‬‬ ‫مثـل هـذه الدراسـات قـد تسـاعد في‬ ‫فهم الهلوسـات التـي تحدث فـي مرضى‬ ‫انفصـام الشـخصية وقـد تسـاعدهم‬ ‫فـي التخفيف منهـا من خالل اسـتخدام‬ ‫ً‬ ‫فضلا عـن ذلـك‪ ،‬فـإن‬ ‫الروبوتـات‪.‬‬ ‫تسـليط الضـوء علـى هكـذا ظواهـر‬ ‫يخرجهـا مـن ميـدان الماورائيـات إلـى‬ ‫ميدان علـم الدمـاغ‪ ،‬وبالنتيجـة تقليل‬ ‫الضـرر النفسـي الـذي قـد تسـببه عند‬ ‫البعـض‪.‬‬ ‫تنويه‪ :‬تم تغيير أسماء األشخاص‬ ‫المذكورين وبعض التفاصيل الصغيرة‬ ‫ً‬ ‫حفاظا على خصوصيتهم وأي تشابه في‬ ‫قصصهم مع أي شخص‪ ،‬ما هو إال بمحض‬ ‫الصدفة‪.‬‬

‫املصادر‪:‬‬

‫‪- Blanke, O., Pozeg, P., Hara, M.,‬‬ ‫‪Heydrich, L., Serino, A., Yamamoto,‬‬ ‫‪A., … Rognini, G. (2014). Neurological‬‬ ‫‪and Robot-Controlled Induction of an‬‬ ‫‪Apparition. Current Biology, 24(22),‬‬ ‫‪26812686-. doi:10.1016/j.cub.2014.09.049‬‬ ‫‪- Feinberg, T. E. (2002). Altered egos:‬‬ ‫‪How the brain creates the self. Oxford:‬‬ ‫‪Oxford University Press.‬‬ ‫‪- Critchley, M. (1955). THE IDEA‬‬ ‫‪OF A PRESENCE. Acta Psychiatrica‬‬ ‫‪Scandinavica, 30(1168-155 ,)2-.‬‬ ‫‪doi:10.1111/j.16000447.1955-.tb06055.x‬‬


‫وهم العمل‬ ‫التطوعي‪:‬‬

‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫الـ «مجانًا» لها تسعيرة‬ ‫أيضًا‬ ‫محمد عبدالزهرة‪ -‬بغداد‬

‫آراء‬

‫يبدو أن الـ «مجانًا» لها سعرها لدى الناس‪.‬‬ ‫فكما يقول االقتصاديون (اليوجد غداء‬ ‫مجاني)‪ .‬أثبتت تجارب كثيرة هذا األمر‪ .‬أدت‬ ‫التجارب عن طلب مساعدة أشخاص بنقل‬ ‫أثاث بصورة تطوعية أو دفع سيارة من‬ ‫دون مقابل او مساهمة المحامين بالترافع‬ ‫المجاني‪ ،‬كلها إلى نتائج رائعة‪ ،‬وقد تقول‬ ‫لنا أننا جنس أخالقي بكل تأكيد‪ .‬لكن مع‬ ‫عرض مبلغ صغير‪ ،‬اختلفت النتائج‪ ،‬حيث‬ ‫رفض المحامون الترافع مقابل مبالغ ضئيلة‬ ‫في نفس الوقت الذي يوافقون فيه على‬ ‫الترافع المجاني أو الترافع مقابل مبالغ‬ ‫ضخمة‪ .‬تخيل لو ان هذا المبلغ سيكون كبير‬ ‫جدا‪.‬‬ ‫قام كل من دان آريلي و جيمس هايمان‬ ‫بعمل تجربة اجتماعية وكانت هذه التجربة‬ ‫متمثلة بوجود برنامج حاسوبي يتضمن‬ ‫دائرة ومربع يقعان في طرفي شاشة‬ ‫الحاسوب‪ .‬ومهمة عينة الدراسة (الفئة‬ ‫المستهدفة) هي سحب الدائرة ووضعها‬ ‫داخل المربع‪ ،‬وهكذا تظهر دائرة جديدة‬ ‫وايضا يتم سحبها ووضعها داخل المربع‬ ‫وهكذا لمدة خمس دقائق فقط‪ .‬تكونت‬ ‫عينة الدراسة من ثالث مجموعات‪:‬‬ ‫المجموعة األولى ستحصل على خمسة‬ ‫دوالرات لقاء المشاركة في التجربة القصيرة‪.‬‬ ‫المجموعة الثانية ستحصل على ‪ 50‬سنتا‬ ‫وفي تجربة أخرى ‪ 10‬سنتات لقاء المشاركة‪.‬‬ ‫اما المجموعة الثالثة فالعمل مجانا‪ ،‬فقط‬ ‫علموا أن هناك تجربة لعلماء وطلب منهم‬ ‫العمل مجانا ولبوا الدعوة بكل سرور‪.‬‬ ‫وكانت النتيجة ان مجموعة الخمس دوالرات‪،‬‬ ‫أي تلك التي تقبض أعلى سعر كانت قد‬ ‫سحبت في المعدل (‪ )159‬دائرة‪ ،‬أما الذين‬ ‫استلموا ‪ 50‬سنتا فقد سحبوا في المعدل‬ ‫(‪ )101‬فماذا كانت نتيجة من عمل مجانا ؟‬

‫ربما اإلجابة البديهية ستكون بأنهم أقل‬ ‫المجاميع‪ ،‬الن البديهة تقتضي أن المجان ًا إن‬ ‫لم يكن قيمة خالية فهو بكل تأكيد أقل من‬ ‫أي مبلغ يعطى ألي عينة تشارك في دراسة‬ ‫إجتماعية‪.‬‬ ‫اال ان االمر خالف هذا فقد أظهرت الدراسة‬ ‫أن المجموعة التي عملت مجانا سحبوا (‪)168‬‬ ‫دائرة و ذلك الرقم أكبر بكثير من مجموعة‬ ‫الـ ‪ 50‬سنت ًا وأكثر بقليل من مجموعة‬ ‫الخمس دوالرات‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬ما هو تفسير الـ «مجانًا» في هذه‬ ‫التجربة؟ هل فعال ان العمل التطوعي‬ ‫يؤتي بنتائج أكثر من العمل بسعر معقول‪.‬‬ ‫وليس فقط سعراً مرتفع ًا جدا‪ .‬الني على‬ ‫يقين لو أن التجربة شملت مجموعة رابعة‬ ‫مقابل مبلغ من المال لقاء كل دائرة فسيؤدي‬ ‫الحافز هنا إلى عمل دؤوب أكثر لوضع أكبر‬ ‫قدر ممكن من الدوائر داخل المربع‪.‬‬ ‫لم يعمل أحد على حد علمي تجربة كهذه‪،‬‬ ‫أي عرض مبلغ ضخم‪ ،‬لكنني شخصيا جربته‬ ‫على عينات ال بأس بها‪( .‬لم استخدم أسلوب‬ ‫أوح‬ ‫االستبيان بل قمت بإجراء مقابالت ولم ِ‬ ‫للطرف االخر اني اقابله‪ ،‬وقياس المقابلة‬ ‫وإزالة نسبة الخطأ مذكور في المقال األصلي)‬ ‫واالن ساشرح التجربة والمغزى منها‪ .‬بمثال‬ ‫خيالي لكن نتيجة المثال حقيقية من‬ ‫التجارب السابقة‪.‬‬ ‫تخيل لو انك تسير في الشارع وعرض‬ ‫عليك صاحب سيارة أجرة ان تساعده في‬ ‫دفع سيارته التي تعاني من عطل وبالطبع‬ ‫ستساعده دون مقابل فقط سيقدم لك‬ ‫عبارة شكر‪ .‬إجابتك ستكون بالتأكيد متجهة‬ ‫غالب ًا نحو مساعدة سائق السيارة‪ .‬تخيل لو‬ ‫عرض عليك دوالراً مقابل مساعدته وقال‬ ‫ادفع معي واعطيك هذا الدوالر (ألف دينار‬ ‫عراقي)‪ .‬هنا أغلب اإلجابات ستتجه نحو‬

‫رفض مساعدة الشخص‪ ،‬لكن ال تقف هنا‬ ‫تجربتي ‪ ،‬فالسؤال اآلخر‪ ،‬ماذا لو أعطاك ‪1000‬‬ ‫دوالر أو ‪ 10000‬دوالر؟ أغلب اإلجابات هنا اتجهت‬ ‫ً‬ ‫ثانية‪ ،‬إذن‬ ‫نحو الموافقة على مساعدته‬ ‫اخالقياتنا تقبل العمل المجاني وترفض‬ ‫العمل مقابل دوالر واحد وتقبل األلف دوالر‪.‬‬ ‫الـ (مجانا) إذاً‪ ،‬سعرها اعلى من دوالر واحد‬ ‫لكنها اقل من األلف دوالر‪ .‬هل يمكن معرفة‬ ‫كم تساوي الـ (مجانا) بالضبط ؟ نعم يمكن‬ ‫ذلك لكن نحتاج إلى تجارب دقيقة ومدروسة‬ ‫بعناية‪.‬‬ ‫سالت احدى المؤسسات بعض المحامين‬ ‫ان كانوا يستطيعون توفير خدمات‬ ‫ارخص لمتقاعدين بحاجة لها مقابل ‪30‬‬ ‫دوالر للساعة فرفض المحامون العرض‪.‬‬ ‫ولكن خطرت فكرة رائعة لمدير برنامج‬ ‫هذه المؤسسة‪ ،‬فسأل المحامين إن كانوا‬ ‫سيوفرون خدمات مجانية للمتقاعدين؟‬ ‫وافق المحامون بنسبة ساحقة‪.‬‬ ‫فكيف يكون الصفر من المال أكثر جاذبية‬ ‫من ‪ 30‬دوالر وأعلى سعرا بحيث يكون مقياسا‬ ‫لبذل جهد هؤالء المحامين‪ .‬في تجربة لدان‬ ‫اريلي‪ ،‬سال المارة إن كانوا سيساعدونه‬ ‫في تحريك أريكة من شاحنة‪ .‬كان الناس‬ ‫مستعدين للعمل مجانا ومستعدين للعمل‬ ‫بأجر معقول ولكن ما ان عُرض عليهم مبلغ‬ ‫صغير حتى تركوه وذهبوا‪ .‬يعتبر المبلغ‬ ‫الكبير أجراً مقابل خدمات تقدم لصاحب‬ ‫المبلغ‪ ،‬اما لو كان المبلغ تافه ًا فاألمر ينظر‬ ‫اليه من زاوية اخرى‪.‬‬ ‫في السبعينات من القرن العشرين أجرى‬ ‫الباحثون دراسة وتجربة وعرفوا من خاللها‬ ‫ان الناس التي تتبرع بالدم تكون أكثر‬ ‫استجابة للتبرع حينما يكون التبرع مجانا‬ ‫ولكن حينما يقدم لهم اعطية صغيرة لقاء‬ ‫تبرعهم بالدم يتجهون للتبرع بدم أقل‪.‬‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫‪21‬‬


‫آراء‬

‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫‪22‬‬

‫حولت األعطية العمل النبيل من اإلحسان‬ ‫إلى طريقة مؤلمة للحصول على بضعة‬ ‫دوالرات‪.‬‬ ‫سألتُ أشخاصا كثيرين إذا ما وجدوا مبلغ ًا‬ ‫داخل سيارة وكانوا يعرفون أن صاحبه‬ ‫قد نزل من السيارة منذ فترة طويلة‪ .‬هل‬ ‫يأخذون المبلغ؟ وفق هذه المعطيات‬ ‫البسيطة االغلبية قالوا أنهم سيبحثون عن‬ ‫صاحب المبلغ او سيسلمون المبلغ لصاحب‬ ‫السيارة ويتكفل به‪ .‬حصلت على نفس‬ ‫اإلجابة حينما قلت ان المبلغ هو ‪ 10‬االف‬ ‫دينار عراقي (ما يساوي أقل من ‪ 10‬دوالرات‬ ‫وما يساوي أقل من كيلو لحم تقريبا)‪ .‬لكن‬ ‫اختلفت اإلجابة حينما وصل المبلغ الى‬ ‫مليون دينار واختلفت جدا حينما وصل‬ ‫المبلغ الى الخمسين مليون دينار‪.‬‬ ‫النتيجة ان اخالقنا لها سعر معين كمحصلة‬ ‫وانا هنا ال اعمم الني حصلت على إجابات‬ ‫من اشخاص رفضوا اخذ المبلغ مهما كان‬ ‫كبيراً (ربما ينتظرون خروج الكاميرا وبرنامج‬ ‫الصدمة!)‪.‬‬ ‫األشخاص الذين يبحثون عن صاحب المال‬ ‫بمجهولية المال‪ ،‬ومن ثم يقل عددهم‬ ‫حين يعلمون كم المال الموجود ومن ثم‬ ‫ينخفض عددهم كثيرا حينما تزداد قيمة‬ ‫المال الموجود ومن ثم اليبقى أحدٌ تقريبا اال‬ ‫القليل جدا‪ ،‬حينما يكون المبلغ هو (مبلغ‬ ‫العمر) ومصطلح مبلغ العمر هو ذلك المبلغ‬ ‫الذي يقلب حياتك بحيث التحتاج إلى أي‬ ‫أموال بعده طيلة حياتك‪ .‬توفر لك بيت‬ ‫وسيارة وجواز عابر للقارات والخ‪ .‬اآلن نعلم‬ ‫لماذا بعض االشخاص كان يتعفف وال يأخذ‬ ‫أي أموال حينما كان موظفا بسيطا‪ ،‬وبقي‬ ‫هكذا حينما تسلم مهام إدارية صغيرة‪ ،‬لكنه‬ ‫يختلس حينما يتعامل مع مبالغ كبيرة‪،‬‬ ‫منظومته األخالقية ال يمكنها ان تتعامل‬ ‫مع مبلغ اكبر منها‪ .‬لو كانت منظومته ال‬ ‫تتجاوز المليار فال يمكن ائتمانه على العمل‬ ‫بموازنة فوق المليار دوالر إال مع منظومة‬ ‫رقابية صارمة تأخذ نتيجة هذا البحث‬ ‫بعين االعتبار‪.‬‬ ‫بالتالي فإن أخالقياتنا ومنظومتنا التي‬ ‫تخطيء وتصيب األشياء لها قيمة محددة‪.‬‬ ‫تتعامل مع اموال قليلة وال يمكن ان تعمل‬ ‫مع اموال كبيرة جدا‪ .‬اال القليل من الناس‪.‬‬ ‫من حسن الحظ أنه يمكن تغيير هذا األمر‬ ‫من خالل معرفة كم سعر االخالق لديك‬ ‫وزيادة السعر الى حد عالي جدا بوسائل‬ ‫كثيرة‪ ،‬ال تشمل تلك الوسائل الوعظ واإلرشاد‬ ‫أو الفتات واعالنات الرقابة الضميرية منها‬ ‫أو التأنيب األخالقي‪ ،‬ألن األخالق التفقد انما‬ ‫تتحول إلى شيء بمقياس جديد فال السارق‬ ‫يقول عن نفسه أنه غير أخالقي وال مفجر‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫أسواق الكادحين بل طرق لزيادة األخالق‬ ‫بالتدريب على التعامل مع مبالغ كبيرة‬ ‫شيئا فشيئا مثل التدرج الوظيفي وازدياد‬ ‫األخالق بواسطة منظومة قوية وصارمة‬ ‫من طرق الرقابة والنزاهة‪ ،‬واقتراحي هنا‬ ‫ليس أن النظام الرقابي يمنعك من السرقة‪،‬‬ ‫بل يحصنك منها ونحن بال قانون يعامل‬ ‫الجميع سواسية‪ ،‬أحيان ًا نحن أقرب إلى‬ ‫إنسان الكهف إال ما استثني من األشخاص‬ ‫الرائعين والذي اليخلو منهم مجتمع‪.‬‬ ‫إذا إستطعنا كتابة معادلة لقياس األخالق‬ ‫لدى البشر‪ ،‬بهذا يمكننا ان نعرف من‬ ‫يمكنه تحمل مسؤولية العمل وفي ذمته‬ ‫اإلدارية المبلغ الفالني الذي يعمل به كل‬ ‫يوم وال يمكن ان يعمل مع مبالغ اعلى الن‬ ‫منظومته األخالقية ال تكفي ومن يمكنه‬ ‫ان يتحمل منصب ًا اداري ًا يتعامل مع مبالغ‬ ‫طائلة تقدر بإمكانيات الدولة ويمكننا ان‬ ‫نعرف المرشحين للدورات االنتخابية هل‬ ‫هم صادقون بأنهم يمثلوننا على أموالنا؟‪.‬‬ ‫إذن لماذا نستجيب مع المجانا بصورة أكثر‬ ‫حافزية من المبالغ الصغيرة وبصورة دؤوبة‬ ‫ان كان المبلغ يستحق ؟‬ ‫يمكن تقديم نظريتين لإلجابة عن هذا‬ ‫التساؤل ‪-:‬‬ ‫النظرية األولى ‪ -:‬نظرية ثنائية السوق‬ ‫والمجتمع وذكرها دان آريلي في كتابه‬ ‫العقالنية متوقعة الفصل الرابع‪:‬‬ ‫يقترح كل من مارغريت كالرك‪ ،‬وجادسون‬ ‫ميلز‪ ،‬واالن فيسك أننا نعيش في عالمين‬ ‫مختلفين‪ ،‬األول حيث تسيطر معايير‬ ‫المجتمع والثاني تصنع معايير السوق‬ ‫القواعد‪ ،‬تتضمن معايير المجتمع تلك‬ ‫الطلبات الودية التي يقوم بها بعض الناس‬ ‫للبعض من قبيل سؤالهم هل تساعدني‬ ‫في تحريك أريكة؟ هل تساعدني في تغيير‬ ‫العجلة؟ فهذه المعايير االجتماعية موجودة‬ ‫في طبيعتنا االجتماعية وفي حاجتنا‬ ‫للجماعة وهي في العادة دافئة وناعمة‪ ،‬ورد‬ ‫الجميل ليس مطلوبا حتى‪ ،‬فحينما تساعد‬ ‫شخصا في تغيير عجلة سيارته اليعني ان‬ ‫تنتظره يوما ليساعدك بصورة مباشرة‪ ،‬انه‬ ‫مثل فتح الباب وتقديم شخص آخر ليعبر‬ ‫قبلك فهذا السلوك يعطيك تلك المساعدة‬ ‫اآلنية‪ .‬والعالم الثاني محكوم بمعايير‬ ‫السوق (دراسة التكاليف ومعرفة المنافع)‬ ‫فال شيء دافئ وناعم فيه‪ ،‬فالتبادالت‬ ‫مطلوبة كالرواتب واألسعار وااليجار والفائدة‬ ‫والكلف والمنافع‪ .‬عالقات سوق كهذه ليست‬ ‫شريرة بالضرورة فهي تتضمن االعتماد على‬ ‫النفس واإلبداعية والفردانية ولكنها تؤدي‬ ‫إلى منافع وأجور اجلة‪.‬‬ ‫يرى أصحاب هذه النظرية ان المبلغ حينما‬

‫يكون كبيرا فإننا ندرسه بواسطة معايير‬ ‫السوق وليس بواسطة معايير المجتمع‪.‬‬ ‫النظرية الثانية ‪ :‬نظرية الضمير وهي‬ ‫اضافة للنظرية األولى وال تعارضها‪ ،‬واميل‬ ‫شخصيا لهذه النظرية كإضافة مهمة لالولى‪،‬‬ ‫وملخصها أن العمل المجاني هو عمل نابع‬ ‫من ضمير حر للمبادرة لمساعدة شخص ما‪،‬‬ ‫وحينما يقدم لنا مبلغا تافها فإن هذا يمثل‬ ‫تشويه لضميرنا وارداتنا المنفردة لتقديم‬ ‫العون لآلخرين‪ ،‬ويعتبر األمر بمثابة إهانة‬ ‫لسولكياتنا وهذه األمور المعنوية داخل‬ ‫نفسيتنا لها سقف ما‪ ،‬فحينما يتحول‬ ‫المبلغ من مبلغ تافه الى مبلغ معتد به‬ ‫فإننا سنبادر للقبول كمعدل ليس كعقد‬ ‫أخالقي بل كعقد لتبادل الخدمات بالنقود‪.‬‬

‫مصادر التجارب في هذه الورقة‪.‬‬ ‫كتاب العقالنية متوقعة ‪:‬القوى‬ ‫الخفية التي تشكل قراراتنا‪ ،‬تأليف دان‬ ‫آريلي ترجمة حيدر راشد (الفصل الرابع )‬ ‫كتاب االقتصاد العجيب ‪ :‬تأليف ستيفن‬ ‫د‪.‬ليفيت‪.‬‬ ‫تجارب اجتماعية مع اشخاص اصدقاء‬ ‫وغرباء بواسطة أسلوب دراسة الحالة‬ ‫والمقابلة غير المعلنة‪.‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫أحمد الساعدي ‪ -‬بغداد‬

‫األلم عند الحيوانات ‪:‬‬ ‫هل تشعر الحيوانات باأللم؟‬

‫المصادر‪:‬‬ ‫ كتاب العدالة في عالم الحيوان‪ ،‬مارك‬‫بيكوف‪ ،‬جيسيكا بيرس‪ ،‬دار كلمة‪ ،‬ط‪،1‬‬ ‫‪.2010‬‬ ‫‪- Liz Langley, 2016, The Surprisingly‬‬ ‫‪Humanlike Ways Animals Feel Pain,‬‬ ‫‪12.6.2017.‬‬ ‫‪- National Research Council, 2009,‬‬ ‫‪Recognition and Alleviation of Pain in‬‬ ‫‪Laboratory Animals, 12.6.2017.‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫علم األعصاب‬

‫ناقشنا في مقال سابق أسس األخالق والعدالة‬ ‫في عالم الحيوان (األخالق في عالم الحيوان)‪،‬‬ ‫وفي هذا المقال سنناقش األلم عند الحيوانات‪.‬‬ ‫فاأللم هو تنبيه يرسل للدماغ عند حدوث‬ ‫ضرر في أحد األنسجة أو األعضاء‪ ،‬وهو مجرد‬ ‫رسالة تحذير عند حدوث مشكلة ما‪ ،‬حيث‬ ‫ترسل اإلشارات العصبية إلى الدماغ ويقوم‬ ‫الدماغ باتخاذ سلسلة من األفعال حسب نوع‬ ‫اإلشارة‪ .‬فاإلنسان ال يتفرد دون الكائنات األخرى‬ ‫باإلحساس باأللم‪ ،‬كما يتصور البعض‪ ،‬بل أن‬ ‫الحيوانات تمتلك هذه الخاصية لما لها من‬ ‫أهمية تطورية‪.‬‬ ‫فقد يعتقد البعض أن بعض أنواع الحيوانات‬ ‫ال تملك تصور معين لأللم‪ ،‬مثال األسماك‪ ،‬حيث‬ ‫أن هذا االعتقاد نابع من عدة أسباب منها‪:‬‬ ‫عدم امتالك تلك األنواع وسيلة معينة للتعبير‬ ‫عن األلم‪ ،‬وكذلك لكونها ال تمتلك جهاز عصبي‬ ‫متطور بالشكل الموجود عند اإلنسان والثدييات‪.‬‬ ‫وقد يكون هناك من يعتقد أن اإلحساس‬ ‫باأللم شعور تمتاز به الثدييات دون غيرها‪،‬‬ ‫أو أنه موجود عند الفقريات وغير موجود عند‬ ‫الالفقاريات‪ .‬ونحن نرد على من يعتقد بأي من‬ ‫هذه المعتقدات بالقول أن جميع الحيوانات‬ ‫تشعر باأللم‪ ،‬لكن تصور األلم والتعبير عنه وردة‬ ‫فعل الكائن تجاهه تختلف من نوع إلى أخر‪.‬‬ ‫ونستطيع معرفة ما إذا كانت الكائنات تشعر‬ ‫باأللم ام ال من خالل طريقتين‪ ،‬هما‪ :‬األولى‬ ‫إثبات امتالك الكائن الخاضع للتجربة جهاز‬ ‫عصبي وتشريحي من مناطق الدماغ وغيرها‪،‬‬ ‫وهذا ما موجود عند أغلب الثدييات‪ .‬والطريقة‬ ‫الثانية هي التحقق من ردة فعل الكائن المضادة‬ ‫لألشياء التي تسبب له الضرر‪ ،‬مثل الهرب أو عدم‬ ‫االقتراب أو تجربة الشيء المسبب‪ .‬وقد تكون‬ ‫هاتين الطريقتين غير كافيتين لمعرفة‬ ‫شيء معقد مثل الشعور باأللم‪ ،‬لكنهما يكمالن‬ ‫بعضهما‪ .‬كما أن هنالك عدة اعتراضات على‬ ‫هاتين الطريقتين‪.‬تفترض الطريقة األولى‬ ‫بأننا نملك فهم كامل لماهية األلم وكيفية‬ ‫تولده والشعور به في الدماغ‪ ،‬وهذا لم يحدث‬ ‫بعد‪ .‬فالجهاز العصبي الموجود عند اإلنسان‬ ‫ليس هو الطريقة الوحيدة الكتشاف األلم‬ ‫عند الكائنات الحية‪ .‬قد تكون هذه الطريقة‬ ‫مناسبة للكشف عن األلم عند الثدييات‪ ،‬لكنها‬ ‫غير مناسبة إذا ما قررنا تطبيقها على الطيور‬ ‫والزواحف واألسماك‪ .‬بينما الطريقة الثانية‬ ‫قد تعطينا نتائج غير مرغوبة‪ ،‬مثل الشعور‬ ‫بالخوف الذي يتملك الكائن الخاضع للتجربة‪ ،‬في‬ ‫حين إننا نرغب في معرفة الشعور باأللم‪ ،‬ولكن‬

‫يمكننا التغلب على هذا العيب باالعتماد على‬ ‫مؤشرات أكثر دقة‪ ،‬مثل معدل ضربات القلب‬ ‫وضغط الدم وغيرها‪ ،‬ومع ذلك فمؤشرات األلم‬ ‫ليست واضحة دائما‪.‬‬ ‫أن معرفة شعور الحيوانات باأللم سهل إذا ما كان‬ ‫من الثدييات‪ ،‬لكون الثدييات تشاركنا بنفس‬ ‫الجهاز العصبي‪ ،‬العواطف‪ ،‬تجربة األلم وتصوره‪.‬‬ ‫كما أن هنالك الكثير من الدالئل على شعور‬ ‫حيواناتنا األليفة باأللم‪ ،‬فاألطباء البيطريون‬ ‫يعتمدون في تشخيص الحيوانات األليفة على‬ ‫مجموعة من التغيرات السلوكية التي تشير‬ ‫لتعرض الحيوان لأللم‪ ،‬مثال التوقف عن اللعب‬ ‫وفقدان الشهية ومعدل ضربات القلب وضغط‬ ‫الدم‪ .‬أي في الغالب يعتمدون بشكل كبير على‬ ‫الطريقة الثانية‪.‬‬ ‫وفي دراسة أجريت عام ‪ 2000‬وجد أن الطيور‬ ‫المصابة تفضل الطعام الحاوي على مسكن‬ ‫لآلالم عند السماح لها باختيار نوع الطعام‪.‬‬ ‫وهذا ما يدل على أن الطيور تمتلك مستقبالت‬ ‫لآلالم مثل ما موجود عند الثدييات‪.‬‬ ‫في حين أن الحيوانات التي تعيش في الحياة‬ ‫البرية الخطرة تتجنب إظهار أي عالمة تدل على‬ ‫األلم أو الضعف‪ .‬كون مثل هذه العالمات تهدد‬ ‫حياة الحيوان سواء كان فريسة أو مفترس‪.‬‬ ‫فالفريسة تتجنب ذلك لكي ال تصبح هدف‬ ‫للمفترس‪ ،‬والحيوانات المفترسة تتجنب إظهار‬ ‫األلم لكي ال تصبح هدف ًا ألقرانها‪.‬‬ ‫اما بالنسبة لألسماك فالنقاش يطول‪ ،‬لما لها‬ ‫من خصوصية‪ .‬فهنالك الكثير من األشخاص‬ ‫يعتقدون أن األسماك ال تشعر باأللم‪ ،‬لكونها‬ ‫ال تستطيع التعبير عن اآلم‪ .‬فهي تعيش في‬ ‫وسط مائي ال تستطيع فيه ذرف الدموع أو‬ ‫إصدار صوت خاص يعبر عن الشعور باأللم‪،‬‬ ‫ومن الناحية العلمية يعتقد بعض العلماء أن‬ ‫األسماك ال تملك تصوراً معين ًا لأللم لكونها تفتقر‬ ‫للهياكل العصبية الخاصة باأللم والمشابهة لتلك‬ ‫التي يمتلكها اإلنسان‪ .‬لكن في ورقة بحثية قام‬ ‫بتأليفها كل من أستاذ علم األعصاب أنطونيو‬ ‫داماسيو (‪ )Antonio Damasio‬وأستاذة علم‬ ‫األعصاب حنا داماسيو (‪)Hanna Damasio‬‬ ‫صدرت من جامعة جنوب كاليفورنيا‪ ،‬ذكر‬ ‫العالمان حجج ًا ترد على االعتقاد القائل أن‬ ‫األسماك ال تملك تصور لأللم خاص بها‪ ،‬حيث‬ ‫توصل العالمان في ورقتهما البحثية إلى أنه‬ ‫ال يوجد دليل يؤيد هذا االعتقاد‪ ،‬وأن الهياكل‬ ‫العصبية الموجودة عند اإلنسان ليست كافية‬ ‫لوحدها في المشاعر‪ ،‬كما أن األدلة التشريحية‬ ‫والفسيولوجية والهياكل تحت القشرية وحتى‬

‫النظم العصبية الطرفية والمعوية يمكن أن‬ ‫تدخل في اختبار الكائنات للمشاعر‪ ،‬ومن ضمن‬ ‫هذه المشاعر اإلحساس باأللم‪.‬‬ ‫اغلب الكائنات لم تجرى عليها تجارب لمعرفة‬ ‫مدى تصورها لأللم‪ ،‬فلدينا بيانات حول عدد‬ ‫قليل من األنواع مثل القردة والقوارض وبعض‬ ‫الكائنات األخرى‪ ،‬بينما نحن نفتقد للبيانات‬ ‫الخاصة للغالبية العظمى الباقية والتي لم يجرى‬ ‫عليها أي دراسة حول مدى إحساسها باأللم‪.‬‬ ‫قد تكون البيانات المتوفرة لدينا (على قلتها)‬ ‫كافية للمنظمات الخاصة برعاية الحيوانات‬ ‫لكي تهتم بالحيوانات الموجودة في المختبرات‬ ‫العلمية‪ ،‬فقد طلب على عدة أصعدة معاملة‬ ‫حيوانات المختبر معاملة خاصة تضمن عدم‬ ‫إخضاعها لتجارب مؤلمة‪ ،‬وتطبيق القتل الرحيم‬ ‫للحيوانات التي تصاب إصابة ال يرجى شفاؤها‬ ‫أثناء إجراء االختبارات‪.‬‬ ‫وال يقتصر احساس الحيوانات على األلم الذي‬ ‫يتعرض له الحيوان فقط‪ ،‬بل يتعدى ذلك‬ ‫إلى اإلحساس باأللم الذي تتعرض له الحيوانات‬ ‫األخرى من نفس النوع أو حتى من األنواع األخرى‪.‬‬ ‫فقد وجد في أحد الدراسات التي أجريت من قبل‬ ‫ستانلي ويتشكين (‪)Stanley Wechkin‬‬ ‫وجولز ماسيرمان (‪)Jules Masserman‬‬ ‫ووليام تيريس(‪ ،)William Terris‬أن بعض‬ ‫القردة تمتنع عن تناول الطعام إذا ما كانت‬ ‫السلسلة التي يسحبها لجلب الطعام تسبب‬ ‫إصابة زميلها بصعقة كهربائية‪ .‬حيث أن أحد‬ ‫القردة التي أجريت عليها الدراسة امتنع عن‬ ‫تناول الطعام لمدة ‪ 12‬يوم‪ ،‬حيث فضل أن يبقى‬ ‫جائعا على تسبب األلم لزميله القرد اآلخر‪ .‬في‬ ‫دراسة ميدانية أخرى وجد أن بعض قطعان‬ ‫األفيال تدافع عن الحيوانات األخرى إذا ما‬ ‫تعرضت لألذى‪.‬‬

‫‪23‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫الدجالون المثقفون‪:‬‬ ‫ال تصدقوا كل من يتكلم باسم‬ ‫العلم‬

‫علم االجتماع‬

‫محمد عبدالزهرة‪ -‬بغداد‬

‫‪24‬‬

‫آالن سـوكال هـو عالـم فيزيـاء بجامعـة الحداثـي برمتـه غيـر جديـر بـأن يؤخـذ‬ ‫نيويـورك أصبـح معنيـ ًا أشـد العنايـة مأخـذاً جـاداً‪ .‬لـم يحـدث كتـاب نقـدي‬ ‫بالعبثيـة والبعـد عـن العلميـة وأي فـي السـنتين األخيرتيـن مثـل الضجـة‬ ‫منهجيـة صارمـة فـي توجهـات مـا بعد التـي أحدثهـا كتـاب (دجالـون مثقفون)‬ ‫الحداثـة‪ ،‬مـا دفعه إلـى أن يجـري تجربة لمؤلفيـه اآلن سـوكال وجـان بريكمـون‬ ‫بسـيطة ‪ :‬جمـع عـدداً مـن الصفحـات فقـد نقـدا مثقفـي مـا بعـد الحداثـة‪.‬‬ ‫لبحـث يحمـل عنـوان “اختـراق الحـدود‪« :‬نسـتطيع بوضـوح أن نرى انـه ال يوجد‬ ‫نحـو تأويل تحولـي للجاذبيـة الكوانتية»‪ .‬توافـق ثنائـي ‪ -‬أحـادي المعنـى بيـن‬ ‫حيـث أن ورقـة البحـث مكتوبة بأسـلوب الروابـط الخيطيـة ذات المغـزى او الكتابة‬ ‫ما بعد الحداثـة المتغطرس والمسـيَّس‪ ،‬الرئيسـية‪ ،‬بمـا يعتمـد علـى المؤلـف‪،‬‬ ‫ومـن ثـم كان محاكاة سـافرة‪ .‬وبـدا مثيراً وبيـن هـذا الحافـز الماكنـي المتعـدد‬ ‫للضحك ألقصـى حد‪ .‬وأذكـر للحقيقة أنني المرجعيـة‪ ،‬والمتعـدد األبعـاد‪ .‬وما يوجد‬ ‫ال أعـرف عالـم فيزياء قـد يقـرأ أكثر من مـن تناظريـة فـي المقيـاس‪ ،‬وخطـوط‬ ‫فقـرة مـن دون أن ينفجـر ضاحـكاً‪ ،‬حتى‬ ‫الهوامـش كانـت مضحكـة‪ .‬وعلـى أي حال‬ ‫أرسـل سـوكال ورقـة البحث إلـى صحيفة‬ ‫تنتمـي بفكرها إلى فكـر ما بعـد الحداثة‬ ‫اسـمها “سوشـيال تيكسـت” (‪Social‬‬ ‫‪ )Text‬وهـي التي قبلت نشـرها‪ .‬وبعد أن‬ ‫ظهر المقـال مطبوعـ ًا كتب سـوكال مقاالً‬ ‫آخـر عنوانـه ”تجـارب عالـم فيزيـاء مع‬ ‫الدراسـات الثقافية” وارسـله الـى صحيفة‬ ‫منافسـة هـي صحيفـة “لينغـوا فرانكا”‬ ‫(‪ .)Lingua Franca‬وأعلـن سـوكال فـي‬ ‫مقالـه هـذا أن األمر كلـه خدعـة وأوضح‬ ‫أن الصحيفة كانت سـعيدة جـدا لحصولها‬ ‫علـى مقـال لعالم فيزيائي جشـم نفسـه‬ ‫مشـاق تعلم لغتهـا‪ ،‬ما حداها على نشـر‬ ‫المقـال مـن دون السـؤال إذا كان فيمـا‬ ‫يقـول لـه معنـى مفهوم‪.‬‬ ‫ولكـن مـا أذهلنـي مـن عواقـب هـذه مسـتعرضة‪ ،‬ومـن خاصية تمددهـا على‬ ‫المغامـرة كلهـا هـو رد فعـل محـرري نحـو مؤثـر غيـر منطقـي ‪ :‬تنقلنـا كل‬ ‫صحيفـة سوشـيال تكسـت ومـن هـذه األبعـاد بعيـدا عن منطق الوسـط‬ ‫يدعمونهـا‪ .‬إذ إنهم لم يشـغلوا أنفسـهم االسـتبعادي وتضعنا في رفضنـا للثنائية‬ ‫باسـتبطان حالهـم وفهـم أنفسـهم األنطولوجيـة التـي سـبق ان انتقدناها‪».‬‬ ‫علـى سـبيل المثـال‪ :‬لمـاذا لـم يعرضوا هـذا االقتباس هـو نص للمحلل النفسـي‬ ‫المقـال علـى عالم فيزيـاء وهـو ذو صلة فليكـس جواتـاري وهو واحد مـن كثيرين‬ ‫بالفيزيـاء‪ ،‬وقامـوا بالمقابل بالقـاء اللوم مـن مثقفـي الموضـة الفرنسـيين الذين‬ ‫سـوكال ألنـه “أسـاء اسـتخدام ثقتهـم”‪ .‬كشـفهم آالن سـوكال وجـان بريكمونـت‬ ‫تؤكـد هـذه القصـة الـرأي السـائد داخل فـي كتابهمـا الرائـع (دجالـون مثقفون)‪،‬‬ ‫المجتمـع العلمـي وهـو أن النقـد بعـد الـذي أحـدث ضجة عند نشـره في فرنسـا‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫والذي تمـت ترجمته واصـداره باإلنجليزية‬ ‫(اتمنـى ان اجده بالعربيـة ذات يوم او على‬ ‫االقل وجـود كتاب ممثـال لنقد الشـواهد‬ ‫العربية غيـر الواضحة)‪ ،‬يواصـل جواتاري‬ ‫طرحـه إلى مـا ال نهاية فـي هـذا االتجاه‪،‬‬ ‫ويطـرح حسـب رأي سـوكال وبريكمونـت‬ ‫«مزيجا مـن رطانـة العلم والعلـم الزائف‬ ‫والفلسـفة وهـو مـن أذكى من قـد يلقاه‬ ‫المـرء مـن هذا النـوع مـن الكتـاب» وقد‬ ‫كان لجواتـاري شـريك حميـم هـو الراحل‬ ‫جيلـز ديلويـز ولديـه موهبـة مماثلة في‬ ‫الكتابـة حيـث يقول‪:‬‬ ‫«نجـد فـي المقـام االول ان االحـداث‬ ‫المفـردات تناظـر متتاليـات ال متجانسـة‬

‫تنتظـم فـي منظومـة ليسـت مسـتقرة‬ ‫وليسـت غير مسـتقرة وإنما هـي باألحرى‬ ‫في مـا بعد االسـتقرار‪ ،‬وقد أضفـى عليها‬ ‫طاقـة كامنـة حيـث يحـدث اضطـراب‬ ‫فـي االختالفـات التـي بيـن المتتاليات‪...‬‬ ‫وثانيـا فـإن المفـردات تمتلـك طريقـة‬ ‫معالجـة للتوحيـد الذاتـي‪ ،‬هـي دائمـا‬ ‫متنقلـة ومزاحـه الى حـد ان عنصـرا من‬ ‫المفارقـة يمـر عبـر المتتاليـات ويجعلها‬ ‫فـي حالـة رنين‪ ،‬ويطـوق النقـط المفردة‬ ‫المناظـرة فـي نقطـة واحـدة تصادفيـة‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫علم االجتماع‬

‫ويطـوي كل االنبعـاث‪ ،‬وكل رميـات النرد‪،‬‬ ‫في رميـة واحـدة‪».‬‬ ‫هـل فهمتـم شـيئاً؟ يعمـل سـوكال‬ ‫وبريكمونـت كأسـتاذين للفيزيـاء فـي‬ ‫جامعـة نيويـورك ولوفـان‪ ،‬وهمـا قصرا‬ ‫نقدهمـا على تلـك الكتـب التـي غامرت‬ ‫باالستشـهاد بمفاهيـم مـن الفيزيـاء‬ ‫والرياضـة‪ ،‬وهما هنا يعرفـان ما يتحدثان‬ ‫عنـه‪ ،‬وحكمهما واضـح ال لبس فيـه‪ .‬كما‬ ‫هو األمـر مـع الكان الذي يبجل اسـمه في‬ ‫الكثيـر مـن أقسـام االنسـانيات فـي كل‬ ‫الجامعـات االمريكيـة والبريطانية‪ ،‬وال ريب‬ ‫أن جـز ًء مـن االحتـرام الـذي ينالـه عائد‬ ‫بسـبب انه يعمـل علـى محـاكاة طريقة‬ ‫فهـم عميقـة للرياضيـات‪ ،‬ويقـول عنه‬ ‫سـوكال وبريكمونـت‪« :‬على الرغـم من ان‬ ‫الكان يسـتخدم عـدة كلمات رئيسـية من‬ ‫النظريـة الرياضيـة للدمـج إال أنـه يخلط‬ ‫بينهمـا خلطا تعسـفيا دون أدنـى اعتبار‬ ‫لمعناهـا وتعريفـه للدمج ليس فحسـب‬ ‫زائفـا‪ ،‬وإنمـا هو هـدر بلا معنى‪.‬‬ ‫تجـدر االشـارة هنـا الـى موقـع طريـف‏‬ ‫سـيعطيك عـدة مقـاالت رائعـة مـن‬ ‫مقـاالت مـا بعـد الحداثـة وسـتكون‬ ‫المقـاالت صحيحـة نحويـ ًا وتبـدو جميلة‪،‬‬ ‫لكـن تلـك الكلمـات الرائعـة ال معنـى‬ ‫لهـا‪ ،‬جـرب أن تقرأهـا وتحـدث الصفحـة‬ ‫ليعطيـك مقـاالت أخـرى‪ .‬يقـول ا عزيز‬ ‫ي –وهو مـن الكتاب اإلسلاميين‬ ‫الخزرجـ ‏‬ ‫الشـيعة ومشـهور بانـه يتحـدث بلغـة‬ ‫إنشـائية ويخلطهـا بكلمـات علميـة‪:‬‬ ‫«إن قوانيـن ميكانيـكا (الكوانتـوم) تؤكد‬ ‫علـى أن آلكـون مـا هـو إال نتـاج للفكر‪ ،‬و‬ ‫كل مـا يحيـط بنا مـن المـواد ما هـي إال‬ ‫نتاج لألفـكار (‪ .)4‬و ما نحن (إن اسـتقمنا)‬ ‫إالّ حقيقـة ومبـدأ الوجـود (‪ , )5‬و لو قدرنا‬ ‫عبـر تجاربنـا الخاصـة إدراك هـذه القدرة‬ ‫الحقيقيـة‪ ..‬يمكننـا البـدء باالسـتفادة‬ ‫من هـذه الطاقـة العظيمـة و هذا السـر‬ ‫المكنـون‪ ،‬و كلمـا كان التوفيـق و النجـاح‬ ‫كبيـراً وواسـع ًا كان الخلـق واإلبـداع أكبـر‬ ‫و أوسـع‪ّ .‬‬ ‫كل مـا تريـده يمكنـك تحقيقه‬ ‫إبتـداءاً مـن خلال أعمـاق وعيـك و‬ ‫تركيـزك و التـي فـي النهاية تمثـل وعي‬ ‫الوجـود و الكـون الممتد إلى ما شـاء اهلل‪.‬‬ ‫القضيـة إجمـاالً تتعلـق بمـدى و كيفية‬ ‫االسـتفادة من تلـك القدرة والسـر الكامن‬ ‫فينا‪ ،‬سـلبي ًا أو إيجابياً‪ ،‬صحيح ًا أو سـقيماً‪،‬‬ ‫فالواقـع السـلبي أو اإليجابـي‪ ..‬األوضـاع‬ ‫التـي أحاطـت بنـا بعـد أن اختلقناهـا‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫كل ذلـك تُبيّـن و تدلـل علـى حقيقة ما‬ ‫نحن عليـه‪.‬إذن نحـن من نخلـق و نكوّن‬ ‫و نوجـد ليـس فقـط أقدارنا‪ ،‬بـل مصير‬

‫الوجـود كلـه‪ .‬و مـن هنا انطلقـت صيحة‬ ‫الحلاج عندمـا نـادى ‪ :‬أنـا الحـق بعد أن‬ ‫تجلـى فيـه‪ .‬وهكـذا تبعـه ابـن عربـي‬ ‫والسـهروردي والفارض والكرخـي وغيرهم‬ ‫إن الموجـود الحقيقي المطلـق هو العقل‬ ‫الكلّـي النافـذ في كل شـئ‪ ،‬فلو اسـتطعنا‬ ‫الحلـول فـي ذلك المـدار فإننا سـنتفاعل‬ ‫معهـا وسـنمتلك تلـك القـدرة و نكـون‬ ‫بمثابـة المطلـق فـي الوجـود‪ .‬سـواءاً‬ ‫باإلشـتراك أو الوحـدة أو األصالـة‪».‬‬ ‫الخزرجـي تغافل عـن أن فيزيـاء الكوانتم‬ ‫ال تعتـرف باألفـكار اصلا بـل هـي أول‬ ‫نظريـة وحـدت المـادة والطاقة فـي رؤية‬ ‫ماديـة مطلقـة للكـون‪ ،‬وحينمـا راسـلته‬ ‫الخبـره بهـذه المالحظـة‪ ،‬اتجـه إلـى‬ ‫سـؤالي عـن مفهـوم الطاقـة‪ ،‬فأخبرتـه‬ ‫أن الطاقـة هـي كميـة فيزيائيـة عددية‬ ‫تصـف كميـة الجهـد الـذي تؤديـه قـوة‬ ‫وهي صفـة لألشـياء واألنظمـة الخاضعة‬ ‫لقانـون الحفـظ‪ .‬إال أنه قـال بحلقة اخرى‬ ‫مـن نفس المقـا ‏ل ذكـر بأني تهربـت ولم‬ ‫اعـرف الطاقـة وقـال اآلتي‪:‬‬ ‫«و ال أخفيكـم بوصول رسـالة واحدة فقط‬ ‫مـن أحـد القـراء الملحديـن تقـول ‪« :‬أن‬ ‫بحثـك هامشـي وغيـر صحيـح مسـتنداً‬ ‫إلى التعريـف التالي ‪( :‬الكوانتـم ال تعترف‬ ‫باألفـكار أصالً‪ ،‬بل هـي أول نظرية وحّدت‬ ‫المـادة والطاقـة فـي رؤية ماديـة مطلقة‬ ‫للكـون‪ ،‬وأنـا مُلحد و قـد أكملت دراسـتي‬ ‫الحوزويـة) و عندمـا طالبتـه بالدليـل‪،‬‬ ‫انسـحب و تعـ ّذر بالقـول إنـه ليـس من‬ ‫اختصاصـي ‪ ,‬و أننـي فـي الوقـت آلـذي‬ ‫أعـذرهُ‪ ..‬بل و أحتـرم رأيه فإننـي أوصيه‬ ‫ومـن علـى شـاكلته بـأن يتعامـل مـع‬ ‫الفكـر والعقيـدة باألدلـة العلميـة علـى‬ ‫االقـل و بشـكل أكثـر جديـة و عُمْقـاً‪،‬‬ ‫و إالّ فيسـتحيل الوصـول إلـى الحقيقـة!‬ ‫والغريـب عندمـا طلبـت منـه أن يُعرّف‬ ‫الطاقـة ويُبيـن عالقتها بخمسـة محاور‬ ‫ً‬ ‫قائلا ان الطاقة‬ ‫طرحتهـا عليـه ‪ :‬اعتـذر‬ ‫ليسـت من إختصاصـي‪ ،‬واسـتغربت ألمره‬ ‫كيـف إنـه ْ‬ ‫أقحَـمَ نفسـهُ فـي موضوع‬ ‫يجهـل تعريفـه‪ .‬لكـنّ اإلنسـان عمومـ ًا‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫لعـل هـذا هـو حال‬ ‫جَهـل‪ .‬و‬ ‫عـدوّ مـا‬ ‫الكثير من الكتـاب العاجزين على األسـفار‬ ‫فـي اآلفـاق واألنفس‪».‬‬ ‫ان الخزرجـي هنـا بخلطـه بيـن العرفاني‬ ‫والعلمـي‪ ،‬يريـد ان يعطـي بعـداً علميا‬ ‫لهـذه األمـور التي اشـتهر بها اشـخاص لم‬ ‫يقدمـوا لإلنسـانية أي شـيء يذكـر‪ .‬في‬ ‫الحقيقـة أجـد صعوبـة كبيـرة بفهـم‬ ‫الدراسـات النقديـة لبعـض األشـعار‪ ،‬ال‬ ‫اعرف لماذا التشـفير المتعمـد للنصوص‪،‬‬

‫ويخيـل لـي بأنـي أقـرأ بميكانيـكا الكـم‬ ‫ال بمقـال نقـدي منشـور علـى موقـع‬ ‫كتابـات‪ ،‬هنـاك مقولـة رائعـة لبرترانـد‬ ‫راسـل تقـول‪-:‬‬ ‫«من اليتكلم بوضوح اليملك شيئاً»‪.‬‬ ‫متـى نتخلـص من هـذه العلـوم الزائفة؟‬ ‫ومـن التفكيكييـن والماورائييـن وكل‬ ‫شـخص يشـكك بالعلـم والمنطـق‪ ،‬ومتى‬ ‫نتخلـص مـن الطـب الزائـف (البديـل‬ ‫) ال نريـد إال احتـرام للعلـم الـذي بنـى‬ ‫التكنولوجيـا وصنـع الحضـارة‪ .‬وال عـزاء‬ ‫لدريـدا وال لفوكـو ممـا نحـن عليـه !‪.‬‬ ‫لكـن ليـس الخزرجـي أو كتـاب مـا بعـد‬ ‫الحداثة هـم أول رواد التشـفير والخواء في‬ ‫المعانـي والفهم الحقيقـي‪ ،‬يمكننا العودة‬ ‫لنصـوص المتصوفـة كابن عربـي‪ ،‬تتميز‬ ‫هـي األخـرى بتلـك الحبكة فـي النصوص‬ ‫والتشـفير فـي المعانـي التـي أصبحـت‬ ‫فيمـا بعـد طريقـة مـن طـرق عرافـي‬ ‫العـرب واألتـراك لتخميـن المسـتقبل‬ ‫من خلال تلـك النصـوص المبهمـة التي‬ ‫تعامـل معاملـة الغيـوم أو صحـن الرمل‬ ‫أو الفنجـان فهـي تحتمـل هـذا المعنـى‬ ‫أو ذاك‪ ،‬لكـن بميـزة واحـد فقـط أنـه ال‬ ‫يتضمـن تزييفـ ًا وتزويقـ ًا بمصطلحـات‬ ‫علميـة‪ ،‬لكنهـا بالمقابـل تحتكـر وصـف‬ ‫العالـم بأوصـاف الفهـم الفيزيائـي لذلك‬ ‫ً‬ ‫فمثلا يقـول ابـن عربي‪:‬‬ ‫الوقـت‪،‬‬ ‫«فلذلـك قبـل النفس اإللهي صـور العالم‪،‬‬ ‫فهـو لهـا كالجوهـر الهيوالنـي وليس إال‬ ‫عيـن الطبيعـة‪ .‬فالعناصـر صـورة مـن‬ ‫صـور الطبيعـة ومـا فـوق العناصـر وما‬ ‫تولـد عنها هـو أيضـ ًا من صـور الطبيعة‬ ‫وهـي األرواح العلوية التي فوق السـموات‬ ‫السـبع‪ .‬وأمـا أرواح السـموات السـبع‬ ‫وأعيانهـا فهـي عنصرية‪ ،‬وإنهـا من دخان‬ ‫العناصـر المتولـد عنهـا‪ ،‬ومـا تكـون عن‬ ‫كل سـماء مـن المالئكـة فهـو منها»‪.‬‬ ‫هـل هناك عالقـة بين هـؤالء المتصوفة‬ ‫وبيـن المفكرين اإلسلاميين الجـدد وبين‬ ‫مـا بعـد الحداثة؟ قـد يتطلب ذلـك بحث ًا‬ ‫لنجـد الصلات بيـن هـؤالء لكـن كل مـا‬ ‫نجـده حاليـ ًا بيـن هـؤالء هـو االقتـراب‬ ‫مـن العلـوم الزائفـة‪ ،‬وثنائية الخـواء من‬ ‫المعانـي التي تتناسـب طردي ًا مـع تعقيد‬ ‫األلفـاظ والجمل‪.‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫‪25‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫سلسلة أسئلة كونية‪:‬‬ ‫معدات الفضاء‬

‫الفضاء والكون‬

‫زياد عبداهلل ‪ -‬دهوك‬

‫‪26‬‬

‫ما هو المطياف؟‬ ‫المطيــاف هــو أداة شــائعة‬ ‫االســتعمال لــدى علمــاء الفلــك‪،‬‬ ‫يقــوم بتقســيم الضــوء المجمّــع‬ ‫بواســطة التلســكوب إلــى ألــوان‬ ‫الطيــف الرئيســية‪ .‬ويســمح‬ ‫هــذا األمــر لعلمــاء الفلــك برؤيــة‬ ‫التفاصيــل فــي الضــوء القــادم‬ ‫مــن الفضــاء‪ .‬يعــرف الفلكيــون‬ ‫كيفيــة الحصــول علــى الكثيــر مــن‬ ‫ـيم‬ ‫المعلومــات الخاصــة حــول جسـ ٍ‬ ‫فضائــي عبــر دراســة ضوئِــه‪ .‬عــن‬ ‫طريــق إســتعمال المطيــاف‪ ،‬بإمكا ِننا‬ ‫جســيم‬ ‫معرفــة درجــة حــرارة‬ ‫ٍ‬ ‫مــا فــي الفضــاء‪ ،‬معرفــة إتجــاه‬ ‫حركتِــه‪ ،‬معرفــة ســرعتِه‪ ،‬معرفــة‬ ‫وز ِنــه وحتــى مكوناتِــه‪ .‬بإمــكان‬ ‫المطيــاف مســاعدتنا فــي تعلــم كل مــا هــي محطــة الفضــاء الدوليــة‬ ‫هــذِه األمــور عــن طريــق الضــوء! (‪ISS – International Space‬‬ ‫‪)Station‬؟‬ ‫إن محطــة الفضــاء الدوليــة هــي‬ ‫ما هي مسابير الفضاء؟‬ ‫إن المســبار الفضائــي هــو مركبــة مختبــر فضائــي عمــاق يتعلــم‬ ‫فضائيــة غيــر مأهولــة‪ ،‬تُطلــق إلــى فيــه رواد الفضــاء والعلمــاء الكثيــر‬ ‫الفضــاء لغــرض القيــام باألبحــاث‪ .‬حــول العيــش فــي الفضــاء وتأثيرات‬ ‫ـور إنعــدام الجاذبيــة‪ .‬تســاعِدنا‬ ‫عندمــا نــود الحصــول علــى صـ ٍ‬ ‫ملتقطــةٍ عــن كثــب والحصــول على التجــارب التــي تجــري علــى متــن‬ ‫معلومــاتٍ حــول الكواكــب‪ ،‬األقمــار‪ ،‬محطــة الفضــاء الدوليــة علــى تع ّلــم‬ ‫الكويكبــات والمذنّبــات فــي نظامِنــا المزيــد حــول الفضــاء وكيفيــة‬ ‫الشمســي‪ ،‬نقــوم بإرســال المســابير البقــاء علــى قيــد الحيــاة خــال‬ ‫الفضائيــة‪ .‬بإمــكان مســابير الفضــاء رحــات الفضــاء الطويلــة‪.‬‬ ‫حمــل آالت تصويــر ومعــدات خاصــة كــم تبلــغ ســرعة محطــة‬ ‫الــى مناطــق بعيــدة مــن نظامِنــا الفضــاء الدوليــة؟‬ ‫الشمســي‪ .‬تقــوم بعــض مســابير تــدور محطــة الفضــاء الدوليــة فــي‬ ‫الفضــاء هــذِه بدراســة العديــد مدا ِرهــا حــول األرض بســرعة ‪17,150‬‬ ‫مــن الكواكــب واألقمــار بينمــا تطيــر ميــ ً‬ ‫ا فــي الســاعة (أي بمعنــى ‪5‬‬ ‫مبتعــدة عنهــا‪ .‬فــي حيــن تقــوم‬ ‫ـال فــي الثانيــة!)‪ .‬يعنــي هــذا‬ ‫أميـ ٍ‬ ‫أخريــات بالدخــول فــي مــداراتٍ حول أن محطــة الفضــاء تــدور حــول األرض‬ ‫ـر مــا لدراســتِه عــن (وتشــرق عليهــا الشــمس) مــر ًة كل‬ ‫ـب مــا أوقمـ ٍ‬ ‫كوكـ ٍ‬ ‫كثــب‪.‬‬ ‫‪ 92‬دقيقــة‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫كيــف نحصــل علــى المعلومــات‬ ‫مــن المركبــات الفضائيــة؟‬

‫تحتــاج تلســكوبات الفضــاء‪ ،‬مســابير‬ ‫الفضــاء‪ ،‬المراكــب التــي تحــط علــى‬ ‫األجســام الفضائيــة‪ ،‬والروبوتــات‬ ‫المتحركــة جميعُهــا إلــى التواصــل‬ ‫مــع النــاس علــى األرض‪ .‬عليهــا أيض ًا‬ ‫تلقــي األوامــر مــن األرض وإرســال‬ ‫البيانــات التــي قامــت بتجميعِهــا‬ ‫إليهــا مجــدداً‪ .‬يحتــاج القيــام بهــذا‬ ‫األمــر معــداتٍ خاصــة‪ .‬تمتلــك‬ ‫جميــع مراكــب الفضــاء هوائيــاتٍ‬ ‫خاصــة بإمكا ِنهــا إرســال واســتالم‬ ‫المعلومــات عبــر توظيــف اإلشــارات‬ ‫الراديويــة‪ .‬يتــم إرســال األوامــر إلــى‬ ‫المركبــات الفضائيــة عبــر اإلشــارات‬ ‫الراديويــة التــي تُرسَــل عــن طريــق‬ ‫صحــون راديويــة قويــة جــداً‪ ،‬مــن‬ ‫علــى األرض‪ .‬كمــا وتقــوم صحــون‬ ‫الراديــو هــذِه بإســتالم المعلومــات‬ ‫المرســلة إلــى األرض مــن المركبــات‬ ‫الفضائيــة‪ .‬تقــوم مركبــات الفضــاء‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫التابعــة لوكالــة الفضــاء األمريكيــة ثانيــةٍ واحِــدة!)‪ ،‬فــإن الضــوء متــى تــم إطــاق أول روبــوت‬ ‫ـكل جيــد يتحــرك بســرعة ‪ 5,865,696,000,000‬متجــول إلــى المريــخ؟‬ ‫ناســا‪ ،‬والتــي تعمــل بشـ ٍ‬

‫خــارج الغــاف الجــوي لــأرض‬ ‫باســتعمال شــبكة الفضــاء العميــق‬ ‫دي أس أن (‪DSN – Deep Space‬‬ ‫‪.)Network‬‬

‫متــى تــم بنــاء أول تلســكوب‬ ‫راديــوي؟‬

‫قــام كارل جانســكي (‪)Karl Jansky‬‬ ‫ببنــاء أول أجهــزة التقــاط الموجــات‬ ‫الراديويــة مــن الفضــاء فــي عــام‬ ‫‪ .1932‬بينمــا تــم بنــاء أول تلســكوب‬ ‫راديــوي علــى شــكل صحــن مــن‬ ‫قبــل ًكــروت ريبــر (‪.)Grote Reber‬‬ ‫أيــن يقــع أكبــر تلســكوب بصــري‬ ‫فــي العالــم؟‬ ‫إن أكبــر التلســكوبات فــي العالــم‬ ‫هــي تلســكوبات و‪ .‬م‪ .‬كيــك (‪W.‬‬ ‫‪ )M. Keck‬التــي تقــع علــى قمــة‬ ‫الجبــل البركانــي الخامــل مونــا كيــا‬ ‫(‪ )Mauna Kea‬فــي هــاواي‪ .‬علــى‬ ‫إرتفــاع ‪ 13,800‬قــدم‪ ،‬تكــون هــذه‬ ‫التلســكوبات فــوق غالبيــة الغطــاء‬ ‫الغيمــي فــي الســماء‪ .‬يبلــغ قطــر‬ ‫ٍّ‬ ‫كل مــن تلســكوبي كيــك ‪ 33‬قدمــاً!‬

‫أيــن يقــع أكبــر تلســكوب‬ ‫راديــوي فــي العالــم؟‬

‫إن أكبــر تلســكوب راديــوي منفــرد‬ ‫فــي العالــم هــو تلســكوب آريســيبو‬ ‫‪Arecibo‬‬ ‫(‪Radio‬‬ ‫الراديــوي‬ ‫‪ )Telescope‬فــي بورتــو ريكــو‪.‬‬ ‫بُنــي هــذا التلســكوب فــي حفــرةٍ‬ ‫كلســية كبيــرة‪ ،‬ويبلــغ قطرُهــا ‪1,000‬‬ ‫قــدم (‪ 305‬متــر) بعمــق ‪ 167‬قــدم‪،‬‬ ‫ويغطــي التلســكوب مســاحة ‪40‬‬ ‫فدانــاً‪.‬‬

‫مــا مــدى رؤيــة تلســكوب هَبــل‬ ‫الفضائــي (‪Hubble Space‬‬ ‫‪)Telescope‬؟‬

‫لمــاذا نرســل التلســكوبات لكــي‬ ‫تعمــل فــي الفضــاء؟‬

‫يتــم وضــع التلســكوبات فــي‬ ‫ـدار حــول األرض أو يتــم إرســالها‬ ‫مـ ٍ‬ ‫إلــى مناطِــق أبعــد مــن الفضــاء‬ ‫للحصــول علــى رؤيــة أوضــح‬ ‫للكــون‪ .‬توجــد العديــد مــن‬ ‫األنــواع المختلفــة لتلســكوبات‬ ‫الفضــاء‪ .‬تســتعمل بعضُهــا فــي‬ ‫ـام مميــزةٍ كالشــمس‪.‬‬ ‫دراســة أجسـ ٍ‬ ‫بينمــا يتــم إســتعمال األخريــات‬ ‫لغــرض فــي دراســة أنــواع الضــوء‬ ‫المختلفــة التــي تُطلقهــا األجســام‬ ‫فــي الفضــاء‪ .‬تقــوم التلســكوبات‬ ‫التــي تســتعمل األشــعة الســينية‬ ‫(‪ )X-ray‬وأشــعة كًامــا (‪Gamma-‬‬ ‫‪ )ray‬بدراســة األجســام ذي الحــرارة‬ ‫األعلــى واألشــد إنفجــاراً فــي الفضاء‪.‬‬ ‫أمــا تلســكوبات األشــعة تحــت‬ ‫الحمــراء فتقــوم بدراســة مناطــق‬ ‫والدة النجــوم‪ ،‬وبإمكا ِنهــا النظــر إلــى‬ ‫مراكــز المجــرات‪ .‬فــي النهايــة‪ ،‬تقوم‬ ‫التلســكوبات البصريــة بدراســة‬ ‫الضــوء المرئــي المنتشــر فــي‬ ‫الفضــاء وتقــوم تلســكوبات األشــعة‬ ‫فــوق البنفســجية بدراســة النجــوم‬ ‫شــديدة الحــرارة‪ .‬مــن الممكــن‬ ‫دراســة العديــد مــن أنــواع الضــوء‬ ‫(كاألشــعة الســينية‪ ،‬أشــعة كًامــا‪،‬‬ ‫غالبيــة األشــعة فــوق البنفســجية‪،‬‬ ‫واألشــعة تحــت الحمــراء) مــن‬ ‫الفضــاء فقــط‪ ،‬ألنهــا تُحجــب عنّــا‬ ‫بســبب غــاف األرض الجــوي‪.‬‬

‫المصدر‪:‬‬ ‫‪http://coolcosmos.ipac.caltech.edu/asks‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫الفضاء والكون‬

‫يبلــغ مــدى رؤيــة تلســكوب هَبــل‬ ‫عــدة بالييــن مــن الســنوات‬ ‫الضوئيــة‪ .‬إن الســنة الضوئيــة هــي‬ ‫المســافة التــي يقطعُهــا الضــوء‬ ‫فــي ســنةٍ واحِــدة‪ .‬وبمــا أن ســرعة‬ ‫ميــل فــي‬ ‫الضــوء هــي ‪186,000‬‬ ‫ٍ‬ ‫الثانيــة (بإمــكان الضــوء الــدوران‬ ‫‪ 7‬مــرات حــول األرض بأكملِهــا فــي‬

‫ميــ ً‬ ‫ا فــي ســنةٍ واحــدةٍ فقــط‪.‬‬ ‫ـار إلــى يميــن‬ ‫قــم بإضافــة ‪ 9‬أصفـ ٍ‬ ‫هــذا الرقــم للحصــول علــى قيمــة ‪1‬‬ ‫ـر آخــر‬ ‫بليــون ســنة ضوئيــة‪ ،‬وصفـ ٍ‬ ‫للحصــول علــى قيمــة ‪ 10‬بالييــن‬ ‫ســنة ضوئيــة‪ .‬إن أبعــد مســافة‬ ‫تمكــن تلســكوب هبــل مــن رؤيــة‬ ‫األجســام فيهــا هــي ‪ 15-10‬بليــون‬ ‫ســنة ضوئيــة‪ .‬وتســمى أبعــد‬ ‫منطقــة رآهــا التلســكوب بالحقــل‬ ‫العميــق لهبــل (‪Hubble Deep‬‬ ‫‪.)Field‬‬

‫إن أول روبــوت متجــول أُطلِــق‬ ‫وحَــط علــى المريــخ كان مستكشــف‬ ‫المريــخ المتجــول ســوجورنر (‪Mars‬‬ ‫‪.)Pathfinder’s Sojourner Rover‬‬ ‫تحــرك الروبــوت علــى ســطح الكوكــب‬ ‫فــي الســادس مــن تموز‪/‬يوليــو‪،‬‬ ‫‪ .1997‬كانــت مركبــة ســوجورنرمركبة‬ ‫ذات ‪ 6‬عجــات‪ ،‬يتحكــم ِبهــا عــن‬ ‫بعــد مُشــغل مــن علــى األرض‪.‬‬ ‫بســبب المســافة البعيــدة بيننــا‬ ‫والمريــخ‪ ،‬فــإن األوامــر التــي توجــه‬ ‫إلــى المركبــة تحتــاج إلــى قرابــة‬ ‫الـــ ‪ 10‬دقائــق لكــي تصــل إليهــا‪.‬‬ ‫أيضــاً‪ ،‬يتطلــب وصــول المعلومــات‬ ‫مــن المركبــة المتجولــة إلــى األرض‬ ‫‪ 10‬دقائــق إضافيــة‪ .‬تلخصــت مهمــة‬ ‫المتجــول فــي جمــع المعلومــات حــول‬ ‫تربــة وصخــور المريــخ‪ .‬تــم توظيــف‬ ‫المعلومــات المتعلقــة بــأداء المتجــول‬ ‫ســوجورنر فــي المســاعدة فــي‬ ‫تصميــم روبوتــاتٍ متجولــةٍ أفضــل‬ ‫لكــي يتــم إســتعمالُها فــي المهــام‬ ‫التــي تلتهــا‪.‬‬

‫‪27‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫اآلفاق المستقبلية‬ ‫للحوسبة الكمومية‬

‫فيزياء‬

‫سلمان عبود ‪ -‬حلب‬

‫‪28‬‬

‫أحیانـــ ًا قـــد تبـــدو حواســـيبنا‬ ‫عاجـــزة عـــن الصمـــود أمـــام‬ ‫احتياجاتن ــا الضخم ــة م ــن البيان ــات‬ ‫التـــي تُنتـــج بشـــكل ســـريع‬ ‫فـــي مجتمعنـــا التكنولوجـــي‪،‬‬ ‫حتـــى أســـرع الحواســـيب لدينـــا‪.‬‬ ‫وهـــذا هـــو الســـبب الرئيســـي وراء‬ ‫عمـــل العلمـــاء الـــدؤوب علـــى‬ ‫تطويـــر أجهـــزة حاســـوبية تعتمـــد‬ ‫بشـــكل رئيســـي علـــى فيزيـــاء‬ ‫الكـــم (‪ )Quantum physics‬أو‬ ‫الحوســـبة الكموميـــة (‪Quantum‬‬ ‫‪ )computing‬بشـــكل أدق‪ ،‬وهـــذه‬ ‫التقنيـــة الواعـــدة ســـتوفر لنـــا‬ ‫حواســـيب ذات ســـرعة عاليـــة‬ ‫وقـــدرة أكبـــر مقارنــ ً‬ ‫ـة بحواســـيبنا‬ ‫التقليديـــة‪.‬‬ ‫قبـــل البـــدء بتفاصيـــل هـــذه‬ ‫الحواســـيب‪ ،‬مـــا هـــو الحاســـوب‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫الكمـــي؟ ولتعريفـــه‪ ،‬يتوجـــب‬ ‫علينـــا أن نعلـــم كيـــف تتعامـــل‬ ‫حواســـيبنا التقليديـــة مـــع‬ ‫البيانـــات‪.‬‬ ‫تتعامـــل الحواســـيب مـــع البـــت‬ ‫(‪ )bit‬كأصغـــر وحـــدة للتعبيـــر‬ ‫عـــن البيانـــات‪ ،‬وهـــذه الوحـــدة‬ ‫تعطينـــا قيمـــة ثنائيـــة إمـــا‬ ‫صفـــر أو واحـــد‪ .‬وعلـــى النقيـــض‬ ‫مـــن ذلـــك‪ ،‬تتعامـــل الحواســـيب‬ ‫الكموميـــة مـــع البـــت الكمومـــي‬ ‫(‪ )qubit‬وهـــذا النـــوع قـــادر علـــى‬ ‫تخزيـــن القيـــم‪ :‬صفـــر أو واحـــد أو‬ ‫ُك ً‬ ‫ال منهـــم فـــي آن واحـــد‪ ،‬أو حتـــى‬ ‫تخزيـــن عـــدد ال منتهـــي مـــن‬ ‫القيـــم بيـــن الصفـــر والواحـــد‪.‬‬ ‫وبهـــذه الميـــزة تـــزداد ســـعة‬ ‫الحســـابات بشـــكل هائـــل‪.‬‬ ‫بشـــكل فيزيائـــي‪ ،‬نحـــن ال نـــزال‬

‫فـــي مقدمـــة هـــذا العهـــد الجديـــد‬ ‫مـــن الحوســـبة‪ .‬وبالنظـــر إلـــى‬ ‫تطبيقــات هــذه التكنولوجيــا‪ ،‬فإنهــا‬ ‫ســـتكون متنوعـــة بشـــكل كبيـــر‬ ‫ومنهـــا مـــا لـــم يكتشـــف بعـــد!‬ ‫علـــى ســـبيل المثـــال‪ ،‬عمليـــة‬ ‫التحليـــل إلـــى أعـــداد أوليـــة‬ ‫(‪ )Prime Factorization‬التـــي‬ ‫تعـــد عمليـــة كبيـــرة جـــداً‪ .‬هـــذه‬ ‫العمليـــة مرتبطـــة بشـــكل قريـــب‬ ‫إلـــى علـــم التشـــفير أو التعميـــة‬ ‫(‪ )cryptography‬وأمـــن كلمـــات‬ ‫المـــرور‪ .‬وقـــد يكـــون هنـــاك‬ ‫الكثيـــر مـــن التقـــدم فيهـــا مـــع‬ ‫الحواســـيب الكموميـــة‪.‬‬ ‫وفقـــ ًا للبروفيســـورة ســـابرينا‬ ‫مانســـكالكو (‪Prof. Sabrina‬‬ ‫‪ )Maniscalco‬التـــي تـــرأس‬ ‫مجموعـــة توركـــو لتكنولوجيـــا‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫المصادر الرئيسية‪:‬‬ ‫‪“The mystery of quantum‬‬ ‫‪computers”, phys.org, May 26, 2017‬‬ ‫‪“Quantum computing advances with‬‬ ‫‪control of entanglement”, phys.org,‬‬ ‫‪September 27, 2016‬‬ ‫‪:‬املصادر الثانوية‬ ‫‪Robert Coolman, “What Is Quantum‬‬ ‫‪Mechanics?”, livescience.com,‬‬ ‫‪September 26, 2014‬‬ ‫‪What is quantum computing?, IBM‬‬ ‫‪Research‬‬

‫فيزياء‬

‫الكـــم فـــي فنلنـــدا (‪the Turku‬‬ ‫‪)Quantum Technology group‬‬ ‫«أشـــهر خوارزميـــة كموميـــة‬ ‫هـــي خوارزميـــة شـــور (‪Shor's‬‬ ‫‪ ،)algorithm‬إذا مـــا تـــم تشـــغيل‬ ‫هـــذه الخوارزميـــة علـــى حاســـوب‬ ‫كمومـــي‪ ،‬فســـتتم عمليـــة تحليـــل‬ ‫األعـــداد الصحيحـــة إلـــى عوامـــل‬ ‫أوليـــة بشـــكل أســـرع مـــن أي‬ ‫خوارزميـــة كالســـيكية معروفـــة‪.‬‬ ‫وهـــذا الشـــيء الفـــت للنظـــر‬ ‫واســـتثنائي‪ ،‬حيـــث أن بـــطء‬ ‫عمليـــة تحليـــل األعـــداد األوليـــة‬ ‫هـــو أســـاس الطـــرق المســـتخدمة‬ ‫حاليـــ ًا لحـــل شـــفرات الرســـائل‬ ‫المرســـلة‪.‬‬ ‫وكمـــا أشـــرنا ســـابقاً‪ ،‬لهـــذه‬ ‫التكنولوجيـــا الجديـــدة عـــدة‬ ‫اســـتخدامات محتملـــة‪ .‬وفقـــ ًا‬ ‫لدراســـة حديثـــة ذكـــرت فـــي‬ ‫مجلـــة ســـاينس ادفانســـس‬ ‫(‪« )Science Advances‬إن توفـــر‬ ‫حاســـوب كمـــي عالمـــي ربمـــا‬ ‫ســـيكون لـــه تأثيـــر أساســـي علـــى‬ ‫العديـــد مـــن مجـــاالت البحـــث‬ ‫وعل ــى المجتم ــع ككل‪ .‬ولذل ــك ف ــإن‬ ‫هنـــاك مجتمعـــ ًا علميـــ ًا وصناعيـــ ًا‬ ‫كبيـــراً يعمـــل علـــى نحـــو‬ ‫متزايـــد لجعـــل هـــذا الحاســـوب‬ ‫واقعـــ ًا ملموســـاً‪ ».‬ويســـتثمر‬ ‫عمالقـــة الحوســـبة مثـــل جوجـــل‬ ‫ومايكروســـوفت األمـــوال الطائلـــة‬ ‫فـــي هـــذا المجـــال البحثـــي أيضـــاً‪.‬‬ ‫باســـتخدام الفيزيـــاء الكموميـــة‪،‬‬ ‫ســـيصبح بإمـــكان العلمـــاء أيضـــ ًا‬ ‫محـــاكاة التفاعـــات الكيميائيـــة‬ ‫مـــن أجـــل تصميـــم األدويـــة‬ ‫وتطويـــر التعلـــم اآللـــي (‪machine‬‬ ‫‪.)learning‬‬ ‫بّـــل حتـــى أن العلمـــاء يتصـــورون‬ ‫إمكانيـــة وجـــود بتـــات كميـــة‬ ‫فعليـــة تنتقـــل بيـــن وحـــدات‬ ‫حوســـبة كميـــة (‪quantum‬‬ ‫‪ )computing modules‬فرديـــة‬ ‫مـــع توصيـــات يتـــم إنشـــاؤها‬ ‫بواســطة حقــول كهربائيــة‪ .‬والهــدف‬ ‫م ــن ذل ــك ه ــو الحص ــول عل ــى آل ــة‬ ‫نموذجيـــة واســـعة النطـــاق مـــع‬ ‫قـــدرة حاســـوبية مذهلـــة‪ .‬ولكـــن‬

‫ربم ــا إنش ــاء ه ــذه الوح ــدات فق ــط‬ ‫يعتبـــر تحديـــ ًا كبيـــراً للعلمـــاء‬ ‫وذلـــك لطبيعـــة البتـــات الكموميـــة‬ ‫التـــي تتصـــف بخـــواص الجســـيمات‬ ‫الكميـــة الصغيـــرة جـــداً ومـــن‬ ‫أهـــم الخـــواص التشـــابك الكمـــي‬ ‫‪)quantum‬‬ ‫(‪entanglement‬‬ ‫و خاصيـــة التراكـــب الكمـــي‬ ‫(‪ )Quantum superposition‬أي أن‬ ‫البـــت يمكـــن أن يتمثـــل عندهـــا‬ ‫تمثــ ً‬ ‫ـا ماديـــ ًا فـــي الجســـيمات‪.‬‬ ‫انضمـــت البروفيســـورة مانســـكالكو‬ ‫إلـــى مشـــروع كوبروكـــس‬ ‫(‪ )QuProCS project‬فـــي‬ ‫إطـــار برنامـــج االتحـــاد األوروبـــي‬ ‫لتقنيـــات المســـتقبل ((‪Future‬‬ ‫‪Emerging‬‬ ‫‪Technologies‬‬ ‫‪ .)(FET‬ويطـــور هـــذا المشـــروع‬ ‫نهجـــ ًا جديـــداً جذريـــ ًا لفحـــص‬ ‫نظـــم الكـــم المعقـــدة مـــن أجـــل‬ ‫المحاكيـــات الكموميـــة (‪Quantum‬‬ ‫‪.)simulations‬‬ ‫تقـــول البروفيســـورة مانســـكالكو‬ ‫«ســـيتم اســـتخدام الحاســـوب‬ ‫الكمومـــي بشـــكل أساســـي لنفـــس‬ ‫المهـــام التـــي نقـــوم بهـــا حاليـــ ًا‬ ‫بحواســـيبنا‪ .‬ولكـــن ســـتكون أســـرع‬ ‫بكثيـــر‪ .‬لهـــذا الســـبب‪ ،‬يمكننـــا‬ ‫حـــل المعضـــات الحســـابية التـــي‬ ‫ال يمكننـــا حلهـــا مـــع أي حاســـوب‬ ‫تقليـــدي‪ ».‬وأضافـــت «ولكـــن‬ ‫الحواســـيب الكميـــة الكاملـــة‬ ‫مازالـــت تحـــت التطويـــر‪ .‬وربمـــا‬ ‫تصبـــح حقيقـــة واقعـــة فـــي‬ ‫وقـــت أقـــرب ممـــا كنـــا نتجـــرأ‬ ‫علـــى توقعـــه‪».‬‬ ‫ربمـــا يتبـــادر إلـــى األذهـــان أن‬ ‫ليـــس هنالـــك ســـلبيات لهـــذه‬ ‫التقنيـــة الثوريـــة الجديـــدة ولكـــن‬ ‫لســـوء الحـــظ هنـــاك بعـــض منهـــا‬ ‫‪ .‬بغـــض النظـــر عـــن ســـرعة‬ ‫هـــذه الحواســـيب‪ ،‬ربمـــا لـــن‬ ‫تســـتبدل الحواســـيب التقليديـــة‬ ‫بشـــكل كامـــل بالحواســـيب الكميـــة‬ ‫والســـبب يرجـــع إلـــى خاصيتيـــن‪:‬‬ ‫‪ -1‬التشـــابك الكمومـــي؛ و ‪-2‬‬ ‫التراكـــب الكمـــي التـــي تجعـــل‬ ‫البتـــات الكموميـــة المكونـــة مـــن‬ ‫الجســـيمات الكموميـــة المتشـــابكة‬

‫مثل‪-‬اإللكترونـــات فـــي نظـــام‬ ‫واحـــد تنهـــار لتأخـــذ احتمـــاالت أو‬ ‫باألحـــرى حـــاالت كموميـــة محـــدودة‬ ‫ب ــدالً م ــن إحتم ــاالت غي ــر منتهي ـ ً‬ ‫ـة‬ ‫مـــن القيـــم وكمـــا نعلـــم أن هـــذه‬ ‫الجســـيمات الكموميـــة الصغيـــرة‬ ‫جـــداً هـــي المـــورد األساســـي‬ ‫لمعالجـــة المعلومـــات الكموميـــة‬ ‫الت ــي تنش ــأ ع ــن الس ــلوكيات الت ــي‬ ‫تظه ــر عل ــى نط ــاق الك ــم الصغي ــر‬ ‫(نطـــاق الـــذرة) وبانهيارهـــا يصبـــح‬ ‫الحاســـوب الكمومـــي أكثـــر أو أقـــل‬ ‫مثـــل الحاســـوب التقليـــدي‪.‬‬ ‫وأخيـــراً‪ ،‬ربمـــا يتحقـــق حلـــم‬ ‫العلمـــاء بإعـــادة النظـــر فـــي‬ ‫إجابـــات األســـئلة األزليـــة واألوليـــة‬ ‫مثـــل‪ :‬كيـــف ولـــدت الحيـــاة أو‬ ‫حتـــى مـــا هـــو أصـــل الكـــون مـــن‬ ‫خـــال الحوســـبة الكموميـــة‪.‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫‪29‬‬


‫اكتشاف الدورة الدموية البن النفيس‪:‬‬ ‫مثال على إشكاليات المجتمع العلمي في‬ ‫الحضارة االسالمية‬

‫عمر المريواني ‪ -‬أربيل‬

‫عالء الدين أبو الحسن الدمشقي المعروف بابن‬ ‫النفيس‪ ،‬ربما يُعد أبرز من يباهي به المسلمون‬ ‫ً‬ ‫خاصة (كونه عربي النسب‬ ‫عامة والعرب‬ ‫والنشأة بخالف كثيرين من علماء الحضارة‬ ‫االسالمية)‪ ،‬معروف عالمي ًا بصفته أول من‬ ‫اكتشف الدورة الدموية الصغرى (‪Pulmonary‬‬ ‫‪ .)circulation‬وعلى غرار ابن سينا كان ابن‬ ‫النفيس طبيب ًا على منهج جالينوس وأبقراط‪،‬‬ ‫وقد تميز بتقديمه وصف ًا للدورة الدموية في‬ ‫كتابه شرح القانون الذي كان هامش ًا على كتاب‬ ‫القانون إلبن سينا‪ ،‬والحق ًا قدم الكازروني هامش ًا‬ ‫آخر على شرح ابن النفيس[‪.]1‬‬

‫الشيخ والتلميذ‬

‫ولد ابن النفيس في قرية ببالد ما وراء النهر[‪،]2‬‬ ‫ونشأ في دمشق التي تعلم فيها الطب وتوفي‬ ‫في القاهرة حيث كان يخدم في بالط المماليك‪.‬‬ ‫ولم يتكلم بين أطباء العرب أو المسلمين عموم ًا‬ ‫من بعده أحد عن الدورة الدموية كما لم يتم‬ ‫التوسع في دراستها ومفهومها أو تشريحها‪،‬‬ ‫نستثني من ذلك ما قام به تلميذ ابن النفيس‪،‬‬ ‫أبو الفرج الكركي المعروف بابن القف‪ ،‬الذي‬ ‫يعزى له اكتشاف الدورة الدموية في األوعية‬ ‫الشعرية (‪ .)Microcirculation‬غير أن معظم‬ ‫نشاط ابن القف كان متركزاً على التخدير‪،‬‬ ‫والذي كان يفتقر في كتبه إلى أهم شيء‪ ،‬وهو‬ ‫الوصفات‪ ،‬التي تمكن الباحثين من بعده من‬ ‫االطالع على خلطاته ونواتج عمله[‪ .]3‬مع ابن‬ ‫القف تكاد تنتهي قصة الدورة الدموية في بالد‬ ‫المسلمين إلى اإلهمال التام‪ .‬الشواخص التي‬ ‫يُمكنك من خاللها أن تتابع تاريخ اكتشاف‬ ‫علمي معين في الحضارة اإلسالمية ترتكز على‬ ‫األشخاص الذين يتصلون بحلقات من الشيخ‬ ‫والتلميذ تمام ًا كالفقه والحديث وتالوة القرآن‪.‬‬ ‫على سبيل المثال موسوعات الحديث النبوي‬ ‫الحديثة صارت تتضمن هيكليات منظمة‬ ‫حاسوبي ًا للسالسل الطويلة للشيوخ وتالميذهم‬ ‫للفهم التام لكيفية انتقال المعلومات‪ .‬لكن ال‬ ‫وجود لمؤسسات أو سجالت يندرج تحتها هؤالء‬ ‫األشخاص‪ ،‬حتى المؤسسات الناشئة مثل األزهر‬ ‫لدى أهل السنة أو الحوزة لدى الشيعة‪ ،‬فهي‬ ‫ليست سوى مظلة أو مكان للتجمع‪ ،‬وما زال‬ ‫كثير من مشايخ السنة والشيعة عندما يذكرون‬ ‫سيرتهم فإنهم ال يذكرونها مشيدين بالمؤسسة‬ ‫التي درسوا فيها بل بمشايخهم‪ .‬ليس ذكر‬ ‫العلوم الدينية سوى للتوضيح‪ ،‬فالحديث النبوي‬

‫‪30‬‬

‫والفقه مث ً‬ ‫ال هما من أكثر التخصصات التي بذل‬ ‫المسلمون فيها من أذكياءهم ومختصيهم‪.‬‬

‫علماء عصر النهضة‬

‫كان الطبيب االيطالي العربي التوجه أندريا‬ ‫أالباغو (‪ )Andrea Alapago‬قد عاد بعد‬ ‫ثالثين سنة من الخدمة كممثل دبلوماسي في‬ ‫دمشق ومعه نصوص تتضمن بعض ًا من كتاب‬ ‫ابن النفيس‪ ،‬وبذلك يعد أول أوربي يطلع على‬ ‫كتابات ابن النفيس‪ ،‬لكن النقل لم يكن كام ً‬ ‫ال‬ ‫وال تعرف كمية الفصول التي نقلت‪ .‬بينما كان‬ ‫لوسيان لوكلير (‪ )Lucien Leclerc‬الطبيب‬ ‫العسكري الفرنسي من اوائل من كتبوا عن‬ ‫ابن النفيس واكتشافه في موسوعته تاريخ‬ ‫الطب العربي (‪Histoire de la médecine‬‬ ‫‪ )arabe‬المنشور عام ‪ .1876‬يليه ويلهيم‬ ‫بيرتش (‪ )Wilhelm Pertsch‬المستشرق‬ ‫والموسوعي األلماني الذي جمع المخطوطات‬ ‫العربية الطبية في مكتبة مدينته في جوتا‪.‬‬ ‫ثم تبعهم آخرون في دائرة المعارف اإلسالمية‬ ‫وغيرها من المؤسسات والباحثين‪ .‬بينما كان أول‬ ‫من تكلم عن الدورة الدموية في العالم الغربي هو‬ ‫ميغيل سيرفيتوس (‪)Michael Servetus‬‬ ‫(‪ )1553-1511‬العالم الموسوعي االسباني الذي‬ ‫له مساهمات في تخصصات عديدة والذي كان‬ ‫أبرز سمة في حياته هو توجهاته المسيحية‬ ‫الالثالوثية التي أودت به إلى الموت حرق ًا في‬

‫جنيف[‪ .]4‬لم تكن الدورة الدموية هي المساهمة‬ ‫الوحيدة لسيرفيتوس كما أن طرحه لم يكن‬ ‫وفق نفس المنهج السائد لدى المسلمين‪ .‬أول‬ ‫ما يميز ميغيل سيرفيتوس وأقرانه من األطباء‬ ‫األوربيين في تلك الحقبة هي خلعهم لمنهج‬ ‫جالينوس البائد[‪ ]5‬وكان ذلك من أسباب إثارة‬ ‫الحنق عليه من قبل المؤسسة الدينية التي‬ ‫خرج من صلبها‪ .‬إذ هاجم سيرفيتوس الطب‬ ‫العربي الجالينوسي واألبقراطي وكان من أوائل‬ ‫الباحثين عن بديل‪ ،‬وذلك في وسط بيئة‬ ‫متأثرة طبي ًا بالعرب واإلغريق‪ .‬من أسباب عدم‬ ‫بروز اكتشاف سيرفيتوس للدورة الدموية كان‬ ‫أن كتاباته الطبية القيمة كانت منشورة ضمن‬ ‫كتاب ديني‪ ،‬وكانت كتبه الدينية عرضة للحرق‬ ‫ولم يتبق منها سوى نسخ قليلة للتداول‪ .‬ولم‬ ‫تكن الدورة الدموية هي اإلنجاز المفرد لمغيل‬ ‫سيرفيتوس‪ ،‬إذ أن له الكثير من األوصاف‬ ‫لتشريح الدماغ نشرها في كتابه «البعث‬ ‫المسيحي» أو (‪)Christianismi Restitutio‬‬ ‫حيث كان يناقش بأن الروح تجري في الدم بدالً‬ ‫من األفتراض الموجود في وقته بأن هناك جزء‬ ‫في الدماغ يمثل يكون بمثابة العرش للروح‬ ‫في جسم اإلنسان‪ .‬الحظ سيرفيتوس كيف أن‬ ‫الدم يدخل للرئة وكيف يخرج وهو «أكثر نقاوة»‬ ‫على حد وصفه[‪ .]6‬ويقول في وصفه للدماغ‪:‬‬ ‫«في بطيني الدماغ [جزئان يصفهما في الدماغ]‬


‫هناك قوة لتلقي االنطباعات من األجسام‬ ‫الخارجية؛ وفي الثالث هناك المنطق؛ وفي الرابع‬ ‫تقع الذاكرة؛ وعبر الثقب في العظم الغربالي‬ ‫يستقبل البطينان شيئ ًا من الهواء الخارجي‬ ‫إلنعاش الروح وبث الحركة فيها من جديد‪ ،‬فإذا‬ ‫تنفس هذين البطينان هواءاً ساماً‪ ،‬يكون الصرع‬ ‫ٌ‬ ‫سائل الضفيرة المشيمية‬ ‫عندئذ‪ ،‬أما إذا مس‬ ‫فتحدث السكتة الدماغية عندئذ‪ .‬وأي ًا كان ما‬ ‫يصيب أي جز ٍء آخر من الدماغ فإن ذلك يسبب‬ ‫فقدان القدرة العقلية»‪ .‬ويعد هذا الكالم عن‬ ‫الدماغ ودور الدماغ تطوراً كبيراً مقارنة بعهد‬ ‫سيرفيتوس‪ .‬تميز اكتشاف سيرفيتوس للدورة‬ ‫الدموية بمالحظات أدق من مالحظات ابن‬ ‫النفيس إذ الحظ سيرفيتوس تغير لون الدم‬ ‫َ‬ ‫وعِظم حجم الشريان الرئوي الذي‬ ‫في الرئة‬ ‫يغذي الرئة‪ .‬سيرفيتوس الذين كان معارض ًا‬ ‫لمناهج الطب العربية كان اسباني ًا درس في‬ ‫فرنسا وتنقل وقضى فترة هامة من حياته في‬ ‫فيينا‪ ،‬وقد كان معاصراً للوقت الذي نقلت فيه‬ ‫اجزاء من كتابات البن النفيس وقد كانت عربية‬ ‫غير مترجمة وما تترجم حتى وقت الحق[‪.]7‬‬ ‫تبع سيرفيتوس وعاصره الجراح اإليطالي ريالدو‬ ‫كولومبو (‪)1559-1515( )Realdo Colomo‬‬ ‫الذي عارض هو اآلخر منهج جالينوس وأبقراط‬ ‫ونقدهما علناً‪ .‬نشأ كولومبو كتشريحي المع في‬ ‫جامعة بادوا ودرس التشريح في أربعينات القرن‬ ‫السابع عشر وحاول التواصل مع مايكل أنجلو‬ ‫الرسام من أجل إعداد أطلس تشريحي مرسوم‪.‬‬ ‫نالحظ أن الجامعة والتدريس الجامعي واألطلس‬ ‫التشريحي كلها مفردات أجنبية بالنسبة‬ ‫للتعليم في العالم اإلسالمي وقتها‪ .‬يقال أن‬ ‫جميع الكتابات العربية التي كانت موجودة‬ ‫في إيطاليا في وقت ريالدو كولومبو لم تكن قد‬ ‫تمت ترجمتها إلى الالتينية في وقت كولومبو‬ ‫وقتها‪ ،‬كما أن كتابات سيرفيتوس كانت قد‬ ‫أحرقت‪ ،‬لذا فإن أغلب الظن أن اكتشاف كولومبو‬ ‫كان مستق ً‬ ‫ال ونابع ًا من اهتمامه العميق‬ ‫بالتشريح[‪ .]7‬بعد كولومبو وسيرفيتوس تبرز‬ ‫األعمال الرائعة والمرفقة بالتخطيطات للطبيب‬ ‫والتشريحي الهولندي اندرياس فيساليوس‬ ‫(‪ )Andreas Vesalius‬ومن ثم ويليام هارفي‬ ‫صاحب العمل األكثر إجماالً وتفصي ً‬ ‫ال ودقة في‬ ‫شرح الدورة الدموية‪.‬‬

‫إشكاليات المجتمع العلمي في الحضارة‬ ‫االسالمية‬

‫يبقى األمر الذي يهم الكثيرين هو الشخص‬ ‫الذي يجب أن يعزى له االكتشاف‪ ،‬واألهم تفكير‬ ‫البعض بالمؤامرة والمقولة السائدة بأن العلم‬ ‫قد «أخذ من العرب» أو «من المسلمين»‪ .‬وهنا‬ ‫البد أن نثير عدة نقاط ستكون حاسمة في‬ ‫مناقشة األسئلة حول مدی أهمیة عزو العلم‬ ‫لهذا أو لذاك‪ ،‬وما هو أكثر أهمية من ذلك‪ ،‬وحول‬ ‫تناقل العلوم بين الحضارات وفضل حضارة‬ ‫على أخرى‪ ،‬يمكننا أن ندرج قائمة بإشكاليات‬ ‫المجتمع العلمي في الحضارة اإلسالمية‪:‬‬ ‫‪ -‬التواصل العلمي كان ضعيف ًا جداً‪ :‬إن‬

‫المسلمين لم يمتلكوا آلية جيدة لنقل العلوم‬ ‫تتناسب مع العلوم الدنيوية (وفق وصفهم)‬ ‫فآلية الشيخ والتلميذ وتعظيم الروايات‬ ‫واألسانيد التي كانت آلية مثلى لتناقل النصوص‬ ‫الدينية لم يكن لها القيمة ذاتها فيما يتعلق‬ ‫العلوم‪.‬‬ ‫ شيوخ بدالً من المؤسسات‪ :‬افتقر المسلمون‬‫لمفهوم المؤسسة‪ ،‬فالمؤسسة لم تكن سوى‬ ‫مظلة للشيوخ‪ ،‬والعلوم بدورها تحتاج إلى آلية‬ ‫للتوثيق والى ارتباطات بمؤسسة تضمن توثيق‬ ‫وارتباط األعمال المختلفة بها وليس فقط‬ ‫باألشخاص الذين يموتون أو يتعرضون لمختلف‬ ‫الظروف التي تقصيهم وتقصي نتاجاتهم معهم‪.‬‬ ‫ اكتشافات مهمشة‪ :‬لم يعط المسلمون‬‫أهمية الكتشاف الدورة الدموية الصغرى على‬ ‫أي مستوى‪ ،‬فعلى مستوى ابن النفيس لم‬ ‫تكن الدورة الدموية سوى وصف مضمن مع‬ ‫هامش على كتاب إلبن سينا‪ .‬وعلى مستوى نقل‬ ‫المعرفة وتطويرها فإن األمر يبدو أنه أحدث أثراً‬ ‫على مستوى نقلة واحدة مع ابن القف تلميذ‬ ‫ابن النفيس‪ ،‬لكن لم نسمع بعدها أن المزيد‬ ‫من التطوير والنقل قد حدث‪ ،‬ولو كان هناك‬ ‫نقل وتطوير حدث ولم نسمع به فإن سوء آليات‬ ‫التوثيق وانعدام المؤسساتية ستعيدنا إلى‬ ‫النقطة ذاتها السيما وأن تقدم ًا بهذا المستوى‬ ‫قد حدث لكنه لم يصل إلينا‪.‬‬ ‫ اكتشافات ال تساهم في إحداث ثورة علمية‪:‬‬‫اكتشاف الدورة الدموية الصغرى لم يكن سوى‬ ‫هامش كما أسلفنا‪ ،‬ولم يكن نابع ًا من اشخاص‬ ‫غيروا المنهج أو حققوا أي ثورةٍ عليه‪ ،‬لم يسهم‬ ‫االكتشاف في تغيير مسار العلم رغم أهمية‬ ‫ذلك االكتشاف‪.‬‬ ‫اكتشافات تحتاج لمن يكتشفها‪ :‬يشبه‬‫االكتشاف الذي يحتاج إلى من يكتشفه شرطي ًا‬ ‫يحتاج إلى مواطن ليحميه‪ ،‬أو أستاذاً جامعي ًا‬ ‫يحتاج من يعلمه من الطالب‪ .‬ليس دور‬ ‫كتاب ما إلى أن يأتي‬ ‫االكتشاف أن يظل قابع ًا في ٍ‬ ‫شخص سواء كان هذا الشخص أندريا أالباغو أو‬ ‫لوسيان لوكلير ليبلغ العالم بأن هذا الشخص‬ ‫اكتشف هذا االكتشاف‪ .‬يا من تظنون أنكم‬ ‫تنافسون رجال عصر النهضة أال يجدر بكم الخجل‬ ‫بأنهم هم الذين جاؤوا ليكتشفوا ما اكتشفه‬ ‫أسالفكم؟ برأيي هذا األمر لوحده يكفي إليقاف‬ ‫كل نقاشات المؤامرة والكالم عن سرقة العلوم‬ ‫أو أمناء الغرب فض ً‬ ‫ال بما قدم المسلمون من‬ ‫علوم‪ .‬يكفينا أننا عندما نريد أن نقرأ معلوماتٍ‬ ‫موثقة عن علمائنا اليوم فإننا بحاجة لمراجعة‬ ‫موسوعة مكتوبة باللغة االنجليزية وجميع‬ ‫مصادر مقاالتها تقريب ًا مكتوبة من مستشرقين‬ ‫أو باحثين غربيين‪.‬‬ ‫ منجزات الطرف اآلخر أكبر‪ :‬يُمكن القول بأن‬‫ميغيل سيرفيتوس أو ريالدو كولومبو أو ويليام‬ ‫هارفي قد «سرقوا» المنجزات اإلسالمية أو‬ ‫العربية ولكن مع المالحظات اآلتية سيبدو‬ ‫االحتمال ضعيفاً‪ :‬كل من هؤالء األطباء كان قد‬ ‫اكتشف بذاته اكتشافات أخرى وكانت له أعمال‬

‫تشريحية أغزر مما كان البن النفيس وابن‬ ‫القف‪ ،‬يمكن مالحظة ذلك من تنوع المالحظات‬ ‫التشريحية لسيرفيتوس مثالً‪ .‬عارض أطباء‬ ‫الغرب المساهمين في اكتشاف الدورة الدموية‬ ‫مجمل المنهج الذين كان المسلمون يسيرون‬ ‫عليه وخرجوا بطريق آخر متحدين الرؤية‬ ‫التقليدية ومعرضين أنفسهم للخطر‪ .‬لم يكن‬ ‫نقل الكتابات العربية مكتم ً‬ ‫ال من حيث المحتوى‬ ‫أو من حيث الترجمة ومنها ما نقله أندريا أالباغو‪.‬‬ ‫ال توجد أي أدلة على حدوث شئ من هذا النقل‪،‬‬ ‫هي فقط افتراضات‪ .‬إن كتاب سيرفيتوس كان‬ ‫قد أحرق معه بشكل فعلي‪ ،‬وعلى مستوى عام‬ ‫فإن جميع النسخ تقريب ًا كانت قد أحرقت‪ ،‬لكن‬ ‫اتقاد شعلة العلم كان مختلف ًا في ذلك العصر‬ ‫وبين هؤالء الرجال‪ ،‬فلم تنته حلقة الشيخ‬ ‫والتلميذ بتلك النهاية‪ .‬نتفق مع كثير من‬ ‫الباحثين والمؤرخين الذين يعزون االكتشاف‬ ‫األول للدورة الدموية ابن النفيس[‪ ،]8‬لكننا‬ ‫نشكك بشدة في دور ذلك االكتشاف في بناء‬ ‫عجلة العلم في العالم كغيره من اكتشافات‬ ‫الحضارة اإلسالمية‪ ،‬ونرجع ذلك لعدد من‬ ‫األسباب التي تتمثل في إشكاليات في التواصل‬ ‫العلمي والمؤسساتية العلمية في العالم‬ ‫االسالمي‪ .‬في نهاية األمر ما أهمية اكتشاف‬ ‫سيحتاج في النهاية إلى من يكتشفه؟‬

‫المصادر‬ ‫‪[1] West, John B. «Ibn al-Nafis,‬‬ ‫‪the pulmonary circulation, and the‬‬ ‫‪Islamic Golden Age.» Journal of‬‬ ‫‪Applied Physiology 105.6 (2008):‬‬ ‫‪18771880-.‬‬ ‫‪[2] «Ibn Al-Nafīs,» Complete‬‬ ‫‪Dictionary of Scientific Biography. .‬‬ ‫‪Encyclopedia.com. 9 Jun. 2017‬‬ ‫‪[3] Takrouri, Mohamad Said Maani.‬‬ ‫‪«Historical essay: An Arabic surgeon,‬‬ ‫‪Ibn al Quff›s (12321286-) account‬‬ ‫‪on surgical pain relief.» Anesthesia:‬‬ ‫‪Essays and Researches 4.1 (2010): 4.‬‬ ‫‪[4] The Editors of Encyclopædia‬‬ ‫»‪Britannica. «Michael Servetus.‬‬ ‫‪Encyclopædia Britannica.‬‬ ‫‪Encyclopædia Britannica, Inc., n.d.‬‬ ‫‪Web. 09 June 2017.‬‬ ‫‪[5] Stefanadis, Christodoulos,‬‬ ‫‪Marianna Karamanou, and George‬‬ ‫‪Androutsos. «Michael Servetus‬‬ ‫‪(1511–1553) and the discovery of‬‬ ‫‪pulmonary circulation.» Hellenic J‬‬ ‫‪Cardiol 50.5 (2009): 373378-.‬‬ ‫‪[6] Cattermole, G. N. «Michael‬‬ ‫‪Servetus: physician, Socinian and‬‬ ‫‪victim.» Journal of the Royal Society‬‬ ‫‪of Medicine 90.11 (1997): 640.‬‬ ‫»‪[7] Bruce Fye, W. «Realdo Colombo‬‬ ‫‪Clinical Cardiology 19.1 (1996):‬‬ ‫‪7778-.‬‬ ‫‪[8] Akmal, Mohd, M. Zulkifle, and‬‬ ‫‪A. H. Ansari. «Ibn nafis-a forgotten‬‬ ‫‪genius in the discovery of pulmonary‬‬ ‫‪blood circulation.» Heart Views 11.1‬‬ ‫‪(2010): 26.‬‬ ‫‪31‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫النسبوية في العلم‬

‫باسل الدقن ‪ -‬عمان‬

‫فلسفة‬

‫«العلوم الزائفة هي كل ما يتصف بصفة‬ ‫العلوم وال يحمل جوهرها‪ ،‬ومهمتنا في‬ ‫العلوم الحقيقية أن نفضح الزائف وأن نظهر‬ ‫عظمة الحقيقي من العلوم»‬

‫‪32‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫على طريقة‬ ‫آالن سوكال‬ ‫مرة أخرى‬ ‫اللعبة تنطلي‬ ‫على مجلة‬ ‫نسوية‬ ‫عمر المريواني ‪ -‬أربيل‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫علم االجتماع‬

‫علــى طريقــة آالن ســوكال مــرة أخــرى‬ ‫علــى مجلــة اجتماعيــة نســوية‪:‬‬ ‫القضيــب المفاهيمــي كبنيويــة‬ ‫اجتماعيــة‪ .‬ســبق وأن فضــح آالن‬ ‫ســوكال علــم االجتمــاع وهــو مختــص‬ ‫بالفيزيــاء مــن خــال ورقــة بحثيــة‬ ‫كان قــد كتبهــا ونشــرها فــي مجلــة‬ ‫لالجتمــاع واالدب الحديــث بعــد أن‬ ‫وافقــت لجنــة التحريــر علــى نشــرها‬ ‫وهــي ال تتضمــن ســوى الهــراء‪ .‬بعدهــا‬ ‫كتــب ورقــة بحثيــة ألــف فيهــا طريقــة‬ ‫عــاج نفســي ليفضــح العالج النفســي‬ ‫وهــراءه وصــادف أن لقــي العشــرات مــن‬ ‫المدافعيــن عــن اســلوبه فــي العــاج‬ ‫النفســي‪ .‬اليــوم يقــدم شــخصين وعلــى‬ ‫طريقــة ســوكال ورقــة بحثيــة فــي‬ ‫مجــال الدراســات الجندريــة‪ ،‬ووافقــت‬ ‫مجلــة الدراســات الجندريــة المرموقــة‬ ‫علــى نشــرها وهــي ال تتضمــن ســوى‬ ‫سفســطات مــن تأليفــه تشــبه الــى‬ ‫حــد كبيــر مــا يصــدر مــن الجمعيــات‬ ‫النســوية و الدراســات الجندريــة‪.‬‬ ‫تقــول الخالصــة ‪« :‬ربمــا يكــون القضيب‬

‫التشــريحي موجــوداً‪ ،‬لكــن النســاء‬ ‫المتحــوالت جنســي ًا لديهــن أيضـ ًا قضيب‬ ‫تشــريحي» وتضيــف « نفتــرض أن‬ ‫القضيــب المفاهيمــي ال يُفهــم بصفتــه‬ ‫قضيبــ ًا تشــريحي ًا بــل كبنيويــة‬ ‫اجتماعيــة متماثلــة مــع الســمية‬ ‫الرجوليــة»‪ .‬وتســتمر الدراســة محاولــة‬ ‫صياغــة مفهــوم اجتماعــي للقضيــب‬ ‫يتجــاوز المفهــوم التشــريحي لــه‪،‬‬ ‫الكثيــر مــن الجمــل قــد ال نصــدق أنهــا‬ ‫صــادرة عــن شــخص ال يمــزح‪ ،‬لكــن‬ ‫هيئــة تحريــر مجلــة دراســات اجتماعيــة‬ ‫نســوية لــم تكــن قــادرة علــى التقــاط‬ ‫تلــك العبــارات‪ )3000( .‬كلمــة مــن‬ ‫الهــراء‪ ،‬مقدمــة مــن شــخصين يعرفــان‬ ‫نفســيهما علــى أنهمــا باحثيــن‪،‬‬ ‫وتقــول المجلــة بــأن المقــاالت خاضعــة‬ ‫لمراجعــة األقــران‪ ،‬عــرف جيمــي‬ ‫ليندســي نفســه علــى أنــه باحــث فــي‬ ‫مجموعــة البحــث الجنوبيــة الشــرقية‬ ‫المســتقلة وهــي مــكان وهمــي‪.‬‬ ‫وتســتمر الورقــة واصفــة القضيــب‬ ‫الذكــري مفاهيميــ ًا بأنــه‪« :‬مدمــر‬

‫ومحــدث للمشــاكل للمجتمــع ولألجيــال‬ ‫القادمــة»‪ ،‬ليــس هــذا فحســب بــل‬ ‫إن القضيــب المفاهيمــي «يدعــم‬ ‫الرأســمالية الماديــة الحديثــة التــي‬ ‫تعــد محــرك ًا رئيســي ًا للتغيــر المناخــي‪،‬‬ ‫مــن خــال اســتخدام التقنيــات التــي‬ ‫تتطلــب الوقــود األحفــوري والــذي‬ ‫ال يبالــي بــدوره بالبيئــة الطبيعيــة‬ ‫العــذراء»‪ ،‬هــل الباحــث االجتماعــي‬ ‫بهــذه الســذاجة بحيــث تعجــز مجلــة‬ ‫بحثيــة اجتماعيــة أن تفهــم أن شــخص ًا‬ ‫يربــط بيــن القضيــب والتغيــر المناخــي‬ ‫هــو شــخص غيــر جــاد فيمــا يكتــب؟‬ ‫أم أن محتــوى المجــات االجتماعيــة‬ ‫هــو أساسـ ًا مشــابه لهــذا الهــراء بحيــث‬ ‫يصعــب تمييــزه؟‬

‫‪33‬‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫اللقاحات والتوحد والترويج‬ ‫للبحوث غير ذات الصلة‬ ‫هشام الصباحي ‪ -‬عمان‬

‫علوم زائفة‬

‫التطعيمات والتوحّد‪ :‬المغالطات والنوادر‬

‫‪34‬‬

‫تستند الكثير من النقاشات حول اللقاحات‬ ‫والتوحّد بصورةٍ مماثلة على اعتباراتٍ واضحة‬ ‫فيما إذا كان الدليل المذكور دقيق ًا وأيض ًا عمّا‬ ‫إذا كانت مجموعة األدلة البديلة تدعم اإلدّعاء‬ ‫القائل ّ‬ ‫بأن اللقاحات تسبب التوحّد أم ال‪.‬‬ ‫أثيرت هذه النقاشات من خالل بحثٍ قدّمه‬ ‫(أندرو ويكفيلد ‪)Andrew Wakefield‬‬ ‫وآخرون سنة ‪( 1998‬ثم تمّ سحبه الحقاً) والذي‬ ‫شمل اثني عشر طف ً‬ ‫ال تمّت إحالتهم إلى وحدة‬ ‫أمراض الجهاز الهضمي لدى األطفال‪ .‬ذكرَ‬ ‫بأن ّ‬ ‫(ويكفيلد) ومن معه ّ‬ ‫كل األطفال االثني‬ ‫عشر صادفتهم مشاكل في النمو بفتراتٍ‬ ‫متفاوتة بعد إعطائهم لقاح ًا ضد الحصبة‬ ‫والنكاف والحصبة األلمانية (لقاح ‪)MMR‬؛‬ ‫ً‬ ‫تسعة من اضطرابات النمو هذه قد تم‬ ‫وأن‬ ‫ً‬ ‫حالة‬ ‫تحديدها على أنها حاالت توحّد‪ ،‬وأن‬ ‫عاشر ًة تم تحديدها على أنها حالة توحّدٍ‬ ‫غير مؤكّدة‪ .‬استخدم (ويكفيلد) ومن معه‬ ‫هذه النتائج القتراح أن لقاح الحصبة والنكاف‬ ‫والحصبة األلمانية من الممكن أن يساهم في‬ ‫متالزمةٍ تتضمن مشاك ً‬ ‫ال في الجهاز الهضمي‬ ‫باإلضافة إلى التوحّد التراجعي‪ .‬لقد أجّج هذا‬ ‫البحث القلق المعروف بشأن تطعيم األطفال‬ ‫وتسبّبه المزعوم بالتوحّد‪ ،‬ذلك المارد الذي ال‬ ‫يُظهر أي إشارةٍ عن عودته إلى قمقمه!‬ ‫وحتّى لو كانت نتائج (ويكفيلد) ومن معه‬ ‫ّ‬ ‫فإن الحجم الضئيل والطبيعة‬ ‫منطقيّة‪،‬‬ ‫اإلنتقائية للعيّنة كان من المفروض أن‬ ‫تفسير أكثر حذراً‪ .‬وبالرغم من‬ ‫يشجّعا على‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ذلك‪ّ ،‬‬ ‫بشكل عام‬ ‫فإن الدليل قابل للتفسير‬ ‫ٍ‬ ‫على األقل حيث كان كالتالي‪« :‬تمّ إعطاء‬ ‫مجموعة صغيرة من األطفال لقاحَ الحصبة‬ ‫والنكاف والحصبة األلمانيّة ومن ثمّ حصلت‬ ‫معهم مشاكل في النمو»‪ .‬وبالطبع كان هذا‬ ‫الدليل غير دقيق‪ .‬فقام (ويكفيلد) باختالق‬ ‫ألسباب ماليةٍ على األرجح (دير‬ ‫نتائج مزوّرة‬ ‫ٍ‬ ‫‪ .)2011 Deer‬وفي بحثٍ تال ذلك‪ ،‬تم إثبات‬ ‫أنه ال يوجد دليل على أن إعطاء لقاح الطفولة‬ ‫يرفع معدّل تطوّر التوحّد (تايلور ‪Taylor‬‬ ‫وآخرون ‪ .)2014‬وفي ظل غياب أي ارتباطٍ علميٍّ‬ ‫بين التطعيمات والتوحّد‪ ،‬فإن المروّجين‬ ‫للرابط بين اللقاحات والتوحّد ال يزال بإمكانهم‬ ‫انتقاء المالحظات‪ .‬وقد أشار المناهضون ضد‬ ‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫التطعيم إلى العديد من األطفال الذين تم‬ ‫تطعيمهم وتطوّر التوحّد لديهم فيما بعد‬ ‫(أشار إلى ذلك منطق العلوم ‪The Logic of‬‬ ‫‪ .)2016 Science‬وربّما كان أفضل مثال على‬ ‫ذلك هو ابن الممثلة (جيني مكارثي)‪ .‬وفي‬ ‫تطوّر غريب‪ ،‬أثار البعض احتماليّة أن ابن‬ ‫ٍ‬ ‫(مكارثي) لم يتطور التوحّد لديه في الواقع‬ ‫(روبن ‪.)2008 Rubin‬‬ ‫نحن ننظر إلى انتقاء المالحظات التأكيدية‬ ‫مع الفهم‪ .‬إن البحث عن تفسيراتٍ لألحداث‬ ‫الصعبة هو شيء طبيعي بالنسبة لبني البشر‪،‬‬ ‫وإن القرب الزمني بين التطعيم وتشخيص‬ ‫التوحّد يمكن بالتأكيد أن يشعر المقابل‬ ‫بكونه سبباً‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن هذه المجموعة‬ ‫من النوادر‪ ،‬كيفما كانت شعبيتها‪ ،‬فهي ليست‬ ‫علماً‪ّ .‬‬ ‫إن أغلب المراقبين الموضوعيين‬ ‫يمكنهم فهم أنّه لو تم تطعيم ماليين‬ ‫األطفال وأن جزءاً من األطفال قد تطور‬ ‫التوحّد لديهم‪ ،‬فإن العديد من األطفال الذين‬ ‫تمّ تطعيمهم سيتطور لديهم التوحّد فيما‬ ‫بعد‪ ،‬حتّى في ظل الغياب التام ألي رابط بين‬ ‫السبب والنتيجة‪ .‬من الواضح أن العديد من‬ ‫الناس ال يزالون يعتقدون ّ‬ ‫بأن التطعيمات‬ ‫تؤدّي إلى التوحّد‪ ،‬ولكن على األقل فإن العلم‬ ‫الحقيقي واألدلة الزائفة واللذان يمثالن طرفي‬ ‫الموضوع ال يزاالن واضحين نسبيّاً‪.‬‬

‫اللقاحات والتوحّد‪ :‬ترويج األبحاث غير‬ ‫المترابطة‬

‫مثير‬ ‫إن هذا السياق مهمٌ لفهم منهج‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫لالهتمام والذي تطوّر بعد ذلك فيما يتعلّق‬ ‫بالتطعيمات والتوحّد‪ .‬فلقد عاد العلم‬

‫المزعوم الذي يقف وراء الترابط بين اللقاحات‬ ‫والتوحد‪ .‬حيث بدأت أوساط المروّجين إلى‬ ‫أن اللقاحات تسبب التوحّد بتقديم عدّة‬ ‫كدليل لعلمهم‬ ‫دراسات لم يُج ِرها (ويكفيلد)‬ ‫ٍ‬ ‫السا ِند‪ .‬يمكننا القول أن هذا المنهج قد تمّ‬ ‫الترويج له من قبل المدوِّنة جينجر تايلور‬ ‫(‪ )Ginger Taylor‬في سنة ‪ 2007‬حيث‬ ‫نشرت قائمة بعنوان «أكثر من اثنتي عشرة‬ ‫دراسة» تدعم الرابط بين اللقاحات والتوحّد‬ ‫(أنظر تايلور ‪ .)2013 Taylor‬وقد توسّعت‬ ‫هذه الدراسة إلى ما يزيد عن ‪ 100‬دراسة‪ .‬لقد‬ ‫اتفقت قوائم أخرى مع عمل (تايلور) من‬ ‫بينها قائمة واليا (‪ )Walia‬لسنة ‪ 2013‬والتي‬ ‫تحتوي على اثنتين وعشرين دراسة‪ ،‬وقائمة‬ ‫عدل الطباطبائي (‪ )Adl-Tabatabai‬لسنة‬ ‫‪ 2015‬والتي تحتوي على ثالثين دراسة‪ ،‬وقائمة‬ ‫مخزن الدعم العلمي لمكافحة اللقاحات‬ ‫(‪Anti-Vaccine Scientific Support‬‬ ‫‪ )Arsenal‬لسنة ‪ 2015‬والتي تحتوي على ستة‬ ‫وعشرين دراسة‪ ،‬وأكثر ما تحتويه هذه األخيرة‬ ‫وجهات نظر ومراجعات‪ .‬ولتوضيح انتشار هذا‬ ‫الجدال‪ ،‬ظهرت صفحة على فيسبوك بعنوان‬ ‫منشور ناشط (‪ )Activist Post‬حيث تم‬ ‫نشر قائمة (واليا) بتاريخ ‪ 24‬أغسطس ‪،2015‬‬ ‫وتحتوي هذه الصفحة على ما يزيد عن ‪500,000‬‬ ‫متابع ًا مؤخّراً‪ .‬نحن لسنا بحاجة لمعالجة‬ ‫هذه الدراسات تحديداً‪ ،‬ألن اآلثار االجتماعية‬ ‫بشكل كافٍ من‬ ‫لهذه الدراسات قد تم كشفها‬ ‫ٍ‬ ‫خالل األبحاث العلمية (أنظر (تايلور ‪)Taylor‬‬ ‫وآخرون لسنة ‪ 2014‬على سبيل المثال) وأيض ًا‬ ‫من خالل العلماء الذين قاموا بمراجعة‬


‫العلوم الحقيقية‪ -‬آب ‪2017 -‬‬

‫اإلنتصارات الملحمية واآلثار العملية‬

‫لسوء الحظ‪ ،‬فإن الترويج لألبحاث غير‬ ‫المترابطة هو طريقة ذكية سواء كانت‬ ‫بقصدٍ أو دون قصد حيث بإمكانها إخفاء‬ ‫الفوارق بين العلم الحقيقي والعلم الزائف‪.‬‬ ‫يستطيع المؤيدون للعلم ببساطة إلى حدٍ ما‬ ‫توضيح السبب وراء كون المالحظات التي تم‬ ‫اختيارها إلثبات عالقة اللقاحات بالتوحد أو‬ ‫تصاميم األبحاث المحددة مضللّة‪ .‬لكن األكثر‬ ‫صعوبة على المؤيدين للعلم هو معالجة‬ ‫الئحةٍ ضخمةٍ من نتائج األبحاث التي لها‬ ‫صلة بموضوع ومصداقية مشكوك فيهما‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬إذا لم تتم معالجة هذه القوائم‪،‬‬ ‫فقد يرى المطلعون الجدد في البداية صورة‬ ‫للعلم الذي يزعم بأنه يروّج لكِال وجهتي‬ ‫النظر‪ ،‬وهذا بإمكانه أن يخلق إحساس ًا خاطئ ًا‬ ‫بالمساواة بين العلم والعلم الزائف المتمثل‬ ‫بربط اللقاحات بالتوحد (‪Skeptical‬‬ ‫‪.)2015 Raptor‬‬ ‫وفي نفس الوقت‪ ،‬فإن الدخول في هذا‬ ‫النقاش من الممكن أن يخلق سلسلة من‬ ‫االنتصارات الملحمية‪ .‬إن األفراد األذكياء‬ ‫علميّ ًا والذين ينقدون الترويج لألبحاث‬ ‫غير المترابطة من الممكن أي يربحوا عدّة‬ ‫ً‬ ‫انتكاسة في‬ ‫معارك في حين أنهم سيواجهون‬ ‫حملتهم الشاملة – تلك الحملة التي تم شنّها‬ ‫باستعمال الحجج بدالً من الجنود في محاولةٍ‬ ‫لتعزيز العقل‪ .‬وسيتم إغراء هؤالء الذين‬ ‫يحبون العلم بصدق لدخول هذا النقاش علم ًا‬ ‫بأنهم في النهاية سيملكون اليد الرابحة‪ ،‬ولكن‬ ‫أوساط المدافعين عن ان اللقاحات تسبب‬ ‫التوحّد بإمكانهم تقديم الئحة طويلة من‬ ‫الحجج المنافِسة الضعيفة على شكل أبحاث‬ ‫زائفة‪ ،‬أو أبحاث ضعيفة‪ ،‬أو أبحاث مترابطة‬ ‫بالمصادفة‪ ،‬ومؤامراتٍ مزعومة مؤيّدة‬ ‫للتطعيم‪ .‬ولألسف‪ ،‬ففي الوقت الذي تتم‬ ‫فيه مناقشة الحجج حول العلم الكامن وراء‬ ‫التلقيحات والتوحّد‪ ،‬فإن الوافدين الجدد لهذه‬ ‫المسألة قد يتعبون ويتشوشون فكري ًا حول‬ ‫ما الذي يجب عليهم أن يصدّقوه (راندر وراندر‬ ‫‪ .)2015 Skeptical Raptor :1982‬وهذا من‬ ‫الممكن أن يجبر العلم على أن يعتمد على‬ ‫قابل‬ ‫تفسير‬ ‫السلطة بدالً من اإلعتماد على‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫للفهم للدليل العلمي الموجود بالفعل‪ .‬ومن‬ ‫المثير للسخرية أن اإلعتماد على السلطة‬ ‫لتأكيد المعتقد هو منهج آخر شائع ومرتبط‬ ‫بالعلوم الزائفة (على سبيل المثال‪ ،‬هانسون‬

‫الخالصة‬

‫إن الترويج لألبحاث غير المترابطة يكشف‬ ‫تناقض ًا جوهريّاً‪ .‬ألنه يعترف بأهمية العلم‬ ‫ولكنّه يتجاهل الدراسات العلمية الغنية‬ ‫بالمعلومات والتوافق العام لآلراء في الوسط‬ ‫العلمي‪ .‬يخدم تحليلنا للعلم مقابل العلم‬ ‫الزائف في هذا التطوّر غرضين اثنين‪ .‬األول‬ ‫هو أننا نأمل بأنه يشجّع على استجابةٍ‬ ‫فعّالة بشأن الترويج لألبحاث غير المترابطة‬ ‫في مجال اللقاحات والتوحّد‪ .‬والثاني‪ ،‬أننا‬ ‫نريد تسليط الضوء على الترويج لألبحاث غير‬ ‫المترابطة كمنهج زائفٍ مهمٌ بذاته‪ .‬ونعتقد‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫بأن الترويج لألبحاث العلمية غير المترابطة‬ ‫سيوسّع منهج العلم الزائف‪ ،‬ولذلك ينبغي أن‬ ‫يكون دعاة العلم والعقل على أهبة االستعداد‬ ‫لتحديده ومعالجته‪.‬‬

‫املصدر‪:‬‬ ‫‪Craig A. Foster, Sarenna M. Ortiz,‬‬ ‫‪«Vaccines, Autism, and the Promotion‬‬ ‫‪of Irrelevant Research: A Science‬‬‫‪Pseudoscience Analysis», Skeptical‬‬ ‫‪Inquirer Volume 41.3, May/June 2017‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫علوم زائفة‬

‫الشؤون المتعلّقة بالعديد من هذه الدراسات‬ ‫(على سبيل المثال‪ ،‬ديتز ‪2013 Ditz‬؛ منطق‬ ‫العلم ‪.)2016 The Logic of Science‬‬ ‫في دراسة نشرت في عام ‪([ 1982‬راندر) و‬ ‫(راندر) (‪،1982( )Radner and Radner‬‬ ‫‪ ،])36‬تم تقييم ذلك العدد من األبحاث التي‬ ‫يُزعم بأنها تؤيد عالقة اللقاحات بالتوحد‪،‬‬ ‫واتضح بأن العلم الزائف يستخدم كمّيّة‬ ‫األدلة بدالً من جودة الدليل في محاولةٍ‬ ‫لتسقيط الخصوم‪ .‬لكن الدراسة لم تذكر ترويج‬ ‫األبحاث غير المترابطة كطريقةٍ محدّدة‬ ‫لجعل العلم الزائف يبدو علم ًا حقيقيّ ًا وهذه‬ ‫هي الطريقة األخرى التي يستخدمها مروجو‬ ‫العلم الزائف إلثبات عالقة اللقاحات بالتوحد‪.‬‬ ‫عدم الترابط بين الدراسات يشمل أكثر بكثير‬ ‫من إدراج دراسةٍ مشبوهةٍ أو اثنتين تقعان‬ ‫في موضع النقاش بشأن العلم والعلم الزائف‪.‬‬ ‫«إن تعزيز األبحاث غير المترابطة هو تجميع‬ ‫فعّال لعدة دراساتٍ بحثيّة مشكوكٍ فيها أو‬ ‫مترابطة بصورةٍ سطحيّةٍ في محاولةٍ لتبرير‬ ‫العلم الكامن وراء ادعا ٍء مشكوكٍ فيه» (أنظر‬ ‫أيض ًا (باريت ‪ ،)]2008[ Barrett‬والذي شرح هذا‬ ‫بشكل مختصر)‪ .‬وهذا يشتمل‪ ،‬من‬ ‫المنهج‬ ‫ٍ‬ ‫بين عدّة أشياء‪ ،‬على ما يلي‪:‬‬ ‫(أ) النتائج التي لها مصداقية مشبوهة‪،‬‬ ‫(ب) النتائج التي من المحتمل أنها قد حصلت‬ ‫عن طريق المصادفة‪،‬‬ ‫(ج) النتائج المبنيّة على عمليّاتٍ إحصائيةٍ‬ ‫غير دقيقة والتي تخلق فهم ًا خاطئ ًا لعالقةٍ‬ ‫ما‪،‬‬ ‫مسيطر عليها‬ ‫أبحاث‬ ‫من‬ ‫القادمة‬ ‫النتائج‬ ‫(د)‬ ‫ٍ‬ ‫بطريقة سيئة‪،‬‬ ‫(هـ) النتائج التي تم فيها التالعب بالجوانب‬ ‫التي من المفترض أنها ضارة في اللقاحات‬ ‫بمستوياتٍ أقوى بكثير مما هو موجود‬ ‫فعليّ ًا في اللقاح‪،‬‬ ‫(و) النتائج التي ارتبط المتغير التابع فيها‬ ‫بشكل عرضيّ‪ ،‬لكنه ليس توحّداً‬ ‫بالتوحّد‬ ‫ٍ‬ ‫(مثل مشاكل الجهاز الهضمي)‪( ،‬ز) النتائج‬ ‫ً‬ ‫نتيجة‬ ‫التي تحتوي على تفسيراتٍ متعددّة‬ ‫للمتغيرات المربكة (أنظر (ديتز) ‪ :2013‬منطق‬ ‫العلم ‪.)2016‬‬ ‫لماذا حصل ترويج لألبحاث غير المترابطة‬ ‫بارز‬ ‫بشكل‬ ‫في مجال اللقاحات والتوحّد‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جدّاً؟ إن السبب في ذلك يعود إلى أن حركة‬ ‫مكافحة التطعيم قد ازدهرت بعد نشر ما بدا‬ ‫أنه ٌ‬ ‫بحث علمي مصداقي (ويكفيلد وآخرون‬ ‫‪ – 1998‬تم سحبه الحقاً)‪ .‬وهذا أدى بالعديد‬ ‫من األفراد إلى أن يترسّخ لديهم الرأي القائل‬ ‫بأن اللقاحات تسبب التوحّد‪ .‬وهذا الترسيخ‬ ‫المبدئي قد تم تعزيزه بالطبع من خالل‬ ‫عدم تطعيم األطفال‪ ،‬وتشجيع اآلخرين على‬ ‫تجنّب تطعيمهم‪ ،‬أو كال األمرين معاً‪ .‬األمر‬ ‫الذي سيقود لشئ آخر وهو صعوبة االعتراف‬ ‫بالخطأ في العالقة بين اللقاحات والتوحد ألن‬ ‫العواقب تشمل صحة األطفال‪.‬‬

‫ونعتقد أيض ًا بأن ازدهار االنترنت والتواصل‬ ‫االجتماعي أدّى إلى تنشيط منهج العلم‬ ‫الزائف هذا (أنظر على سبيل المثال كاتا‬ ‫‪ .)2012‬إن هذا الترويج لألبحاث غير المترابطة‬ ‫قد حصل بأغلبية ساحقة – وربما حصراّ – في‬ ‫هذا السياق‪ .‬حيث أن اإلنترنت ّ‬ ‫يوفر وصوالً‬ ‫سريع ًا لثروة هائلة من المعلومات العلمية‬ ‫والزائفة ويتيح لكل طرف في النقاش نشر‬ ‫المعلومات بسرعة وبصورةٍ واسعة‪.‬‬

‫‪.)2013‬‬ ‫ولعل األهم من ذلك‪ ،‬والغريب بما فيه‬ ‫الكفاية‪ ،‬هو أن الترويج لألبحاث غير‬ ‫المترابطة هو اعترافٌ بأن العلم شي ٌء مهم‪.‬‬ ‫ولو لم يكن العلم مهمّاً‪ ،‬فلن يكون هناك أي‬ ‫سبب لتقديم قوائم من الدراسات التي من‬ ‫المفترض أنها مدعومة من الناحية العلمية‪.‬‬ ‫وهذا ما يخلق موقفين متناقضين يمكن‬ ‫سؤالهم ألوساط المدافعين عن فكرة أن‬ ‫اللقاحات تسبب التوحّد‪ ،‬لتوضيحهما‪ .‬أوالً‪،‬‬ ‫هل يجب أن تستند القرارات بشأن اللقاحات‬ ‫والتوحّد على أدلّة علمية؟ يبدو بأن البعض‬ ‫في هذه األوساط يؤمنون بأن العلم شيء مهم‬ ‫(تايلور ‪ 2013‬على سبيل المثال) بينما يشكك‬ ‫آخرون في منفعة العلم (على سبيل المثال‪،‬‬ ‫جايمسون ‪ .)2015‬وثانياً‪ ،‬هل هنالك مؤامرة‬ ‫تكتم األبحاث الساندة للرابط بين اللقاحات‬ ‫والتوحّد (مثالً‪ ،‬أولمستد ‪)2014‬؟ ولو كان‬ ‫هنالك مؤامرة بالفعل‪ ،‬فلماذا توجد العديد‬ ‫من الدراسات المنشورة التي من المفترض أنها‬ ‫تدعم هذا االرتباط؟‬

‫‪35‬‬


‫عصبونات للتمييز‬ ‫ما بين الواقع والخيال‬ ‫عصام منير ‪ -‬بغداد‬ ‫يعاني مرضى ُ‬ ‫الذهان (‪ )Psychosis‬من‬ ‫عدم القدرة على التمييز ما بين الواقع‬ ‫والخيال‪ ،‬فلو ظهر ٌ‬ ‫فيل أمام عينيك اآلن‪،‬‬ ‫لعرفت أن هذا الفيل خيالي وما هو إال‬ ‫بهلوسة‪ ،‬أي أنك تملك القدرة على التمييز‬ ‫ما بين ما هو موجودٌ في فضائك البصري‬ ‫وما بين ما يوجد في مخيلتك ولكن الحال‬ ‫يختلف بالنسبة لمريض ُ‬ ‫الذهان إذ سيرى‬ ‫هذا الفيل وكأن وجوده حقيقي حتى وأن‬ ‫خالف هذا الوجود المنطق‪ .‬أشارت العديد من‬ ‫البحوث إلى أن سبب هذا االعتالل هو مشكلة‬ ‫في منطقة دماغية تدعى القشرة ما قبل‬ ‫الجبهية الوحشية (‪Lateral prefrontal‬‬ ‫‪ )cortex‬ولكن سبب هذا االعتالل ال زال‬ ‫ً‬ ‫معروفا‪ .‬إن اعتالل هذه المنطقة يشير‬ ‫غير‬ ‫إلى أهميتها في التفريق ما بين الواقع‬ ‫والخيال ولكن كيفية عملها كانت لغزًا حتى‬ ‫نُشر بح ًثا قام به الدكتور خوليو مارتينيز‪-‬‬ ‫تروخيلو (‪.)Julio Martinez-Trujillo‬‬ ‫أنظر لشيء موجود حولك اآلن وركّز على‬ ‫تفاصيله ومن ثم أغلق عيناك‪ ،‬ستجد أنك‬ ‫الزلت قادراً على رؤيته في عين عقلك‬ ‫ولكنك تعرف أن ما تراه في هذه المخيلة‬ ‫هو صورة غير واقعية‪ ،‬أي أنها نتيجة‬

‫‪36‬‬

‫لنشاط الذاكرة القصيرة األمد أو العاملة‬ ‫والتي احتفظت بصورة هذا الشيء حتى بعد‬ ‫أن غاب المحفز (‪ .)Stimulus‬هذه الصورة‬ ‫خيالية‪ ،‬مجردة ال توجد في الواقع ولكن‬ ‫توجد فقط في الذاكرة وتختلف عن اإلدراك‬ ‫البصري لألشياء الواقعية والتمييز ما بين‬ ‫االثنين يعتمد على مجموعة من العصبونات‬ ‫(‪ )Neurons‬موجودة في القشرة ما قبل‬ ‫الجبهية الوحشية والتي حاول د‪.‬مارتينيز‪-‬‬ ‫تروخيلو أن يحددها من خالل تجربته‪.‬‬ ‫تتطلب التجربة من المشاركين أن يتتبعوا‬ ‫بأعينهم غيمة من النقاط على شاشة‬ ‫الحاسوب ومن ثم يشيرون إلى اتجاه الحركة‪،‬‬ ‫هذا في الحالة األولى‪ .‬أما في الحالة الثانية‪،‬‬ ‫فعلى المشاركين أن يتتبعوا النقاط إلى أن‬ ‫تختفي من على شاشة الحاسوب ومن ثم‬ ‫يشيرون إلى اتجاه الحركة باالعتماد على‬ ‫ذاكرتهم‪ .‬ظهر اختالف ما بين حالة اإلدراك‬ ‫وحالة التذكر في نشاط العصبونات السابقة‬ ‫الذكر‪ ،‬فقد اختلف نشاطها بدرجات مختلفة‬ ‫وبشدات مختلفة وكانت النتائج على عكس‬ ‫ما تم توقعه‪ ،‬فقد توقع الباحثون أن‬ ‫يجدوا عصبونات تنشط عند إدراك الشيء‪،‬‬ ‫وعصبونات مختلفة عن األولى تنشط في‬

‫حالة التذكر أو أن يجدوا أن نفس العصبونات‬ ‫التي تنشط في حالة اإلدراك‪ ،‬تنشط في حالة‬ ‫التذكر‪ ،‬ولكن النتائج أظهرت إلى أن نشاط‬ ‫العصبونات هو مزيج مما تم توقعه‪ ،‬فهناك‬ ‫عصبونات مخصصة لإلدراك‪ ،‬عصبونات‬ ‫للتذكر‪ ،‬وأخرى مزيج ما بين االثنين‪ .‬تمكن‬ ‫الباحثون من بناء خوارزمية تستطيع قراءة‬ ‫األنماط المختلفة لهذه العصبونات ومن ثم‬ ‫التمييز ما بين اإلدراك والتخيل‪ ،‬ويطمح‬ ‫الباحثون بتعيين العصبونات المسؤولة‬ ‫بدقة أكبر وبالتالي دراستها بصورة أوسع‬ ‫وتعيين االعتالالت التي تحدث فيها وبالتالي‬ ‫إيجاد أدوية تستهدف هذه العصبونات فقط‬ ‫ً‬ ‫بدل من أن تستهدف الدماغ بأكمله‪ ،‬كما هو‬ ‫حال االدوية المستخدمة اآلن لعالج انفصام‬ ‫الشخصية (‪ )Schizophrenia‬والتي تُغير‬ ‫من كيميائية الدماغ كلها‪.‬‬

‫المصدر‪:‬‬

‫‪Mendoza-Halliday, Diego, and Julio C.‬‬ ‫‪Martinez-Trujillo. «Neuronal Population‬‬ ‫‪Coding Of Perceived And Memorized Visual‬‬ ‫‪Features In The Lateral Prefrontal Cortex».‬‬ ‫‪Nature Communications 8 (2017): 15471.‬‬


‫تكملة الفصل الخامس‬ ‫النهاية‬ ‫المغتصبون كمفترسين جنسيين‬

‫ترجمة‪ :‬رمزي الحكمي‬


‫آب ‪2017 -‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫علم النفس التطوري‬

‫ثمة نوع آخر من المفترسين الجنسيين الذين ِّ‬ ‫يكلفون النساء‬ ‫تكاليف باهضة‪ ،‬هؤالء هم ألصدقاء الذكور والمعارف واألحباب‬ ‫والغرباء الذين يتحولون إلى مُغتَصِبين‪ .‬حقا‪ ،‬فاالغتصاب هو‬ ‫أحد دوافع خياالت القتل لدى النساء‪ ،‬مع أنها من النادر أن تُترجم‬ ‫إلى جريمة قتل فعلية‪ .‬تكررت العديد من تلك الخياالت وكانت‬ ‫ِّ‬ ‫مُشك ً‬ ‫لة ً‬ ‫دليل على حجم الخسائر التي يُحدِثها الرجال‬ ‫عنيفة جدا‪،‬‬ ‫في النساء باالغتصاب‪ .‬ولقد أثبتنا معدل انتشار االعتداء الجنسي‬ ‫(‪ )sexual abuse‬المدهش بأدلة حية في دراستنا لخياالت القتل‬ ‫ووجدنا أن آثار االغتصاب طويلةِ المدى والمالزمة للمُغتَصَبات‬ ‫كانت مؤلمة بوضوح‪.‬‬ ‫الحالة ‪ ،86#‬أنثى‪ ،‬العمر ‪[ .18‬من هو الذي فكرتِ في قتله؟]‬ ‫مُغتصِب‪ .‬التقيته في إحدى االحتفاالت الدينية في آخر يوم من‬ ‫اختبارات فصل الخريف النهائية‪ .‬ذهبت أنا وصديقاتي إلى منزل‬ ‫صديقنا للشرب واالحتفال بمناسبة انتهاء فترة االختبارات‪ .‬كنت‬ ‫أعرف كل األشخاص هناك وراقني الخروج معهم جميعا‪ .‬وبعد‬ ‫ساعات‪ ،‬دخل ذلك الرجل الذي فكرت في قتله فراودني شعور‬ ‫غريزي غريب بعدم االرتياح إليه‪ .‬ال تسألني عن السبب‪ ،‬لكنني فعال‬ ‫لم أرتح إليه‪ .‬على أية حال‪ ،‬ما أن مضى الوقت حتى شربت عدة‬ ‫كؤوس من البيرة‪ ،‬أستطيع أن أقول‪ :‬ثالثة‪ .‬أعلم جيدا حدودي في‬ ‫الشرب‪ ،‬وثالثة كؤوس من البيرة ليست كافية ألن تثملني‪ .‬وفيما‬ ‫بعد أعطاني الرجل كأسا رابعا وأظنه وضع فيه مخدِّرًا من نوع‬ ‫ما‪ ،‬ألنني بعد ثالثين دقيقة من شربه لم أستطع أن أستذكر أي‬ ‫شيء‪ .‬نظرا إلى كمية الكحول التي شربتها‪ ،‬لم يكن ينبغي أن أكون‬ ‫ثمِلة فحسب‪ ،‬بل وبخالف عادتي‪ ،‬كنت ً‬ ‫ً‬ ‫ثملة لدرجة أنني لم أستطع‬ ‫استرجاع أي شيء حدث في تلك الليلة‪ ،‬وهذا حدث ألول مرة في‬ ‫حياتي‪ .‬استيقظت في اليوم التالي عارية الصدر تمامًا‪ ،‬واكتشفت‬ ‫أنني نمت بجانب رجل أعلم أنه ليس الذي التقيتُه في األخوية بل‬ ‫أخوه‪ .‬طلبت منه أن يوصلني إلى المنزل ً‬ ‫حال‪ ،‬ولم أسأل كثيرا‪ .‬وبعد‬ ‫يومين تقريبا‪ ،‬هاتفتني إحدى صديقاتي وسألتني عما حدث تلك‬ ‫الليلة‪ .‬قلت لها إنني ال أذكر شيئا سوى استيقاظي عارية الصدر في‬ ‫شقة رجل آخر‪ .‬فقالت لي إن الشخص الذي يُفترض أنه ضاجعني‬ ‫أخبر كل أصدقائه بأنه «مارس الجنس مع فتاة عذراء‪ »،‬وبطريقةٍ‬ ‫ما انتقل الكالم إلى صديقةٍ لها فأخبرتني‪ .‬انزعجتُ كثيرا‪ ،‬ليس‬ ‫فقط ألنه قال هذا الكالم‪ ،‬بل أيضا ألنني كنت عذراء‪ .‬وما ضايقني‬ ‫أكثر هو أنني لم أستطع معرفة إن حدث كل هذا حقا أم لم يحدث‪.‬‬ ‫ذكر طبيب النساء أنه لم يجد أية إصابات أو كدمات‪ ،‬لكنه أخبرني‬ ‫بأنني لن أستطيع فهم شيء مما حدث ألنني ال أتذكر شيئا‪ .‬أخبرتُ‬ ‫أبي بالحادثة فهاتفه‪ .‬وتحدثتُ أنا إليه لكنني لم أرفع عليه أية‬ ‫قضية ألنه غادر المدينة‪ .‬لم أخطط لقتله أو كيف سأقتله‪ .‬لكنني‬ ‫تمنيت أنه لم يوجَد يوما ما‪ .‬أردتُه ميتا ألنني لم أ ِرده أن يكرر ما‬ ‫فعله بي مع فتياتٍ أخريات‪ ...‬أنا اآلن حذرة من كل الرجال‪ ،‬وقد‬ ‫فقدتُ ثقتي فيهم جميعا‪[ .‬ما الذي قد يدفعك إلى قتله؟] إذا‬ ‫حاول فعل هذا مرة أخرى [‪ .]4‬كانت الفتاة في الحالة رقم (‪)86‬‬ ‫محط ً‬ ‫َّ‬ ‫مة نفسيًا بشكل واضح ولدرجة أن تصف تفكيرها في القتل‬ ‫بأنه األقوى واألكثر وضوحا‪ .‬ومع هذا‪ ،‬فإن غضبها يبدو طفيفا‬ ‫بالمقارنة مع غضب معظم النساء الالتي تعرضن لالغتصاب‪ ،‬كما‬ ‫توضح الحالة التالية‪.‬‬ ‫الحالة ‪ .120#‬التقيتُ ً‬ ‫رجل في حفلة‪ .‬كنت صغيرة جدا (‪ 13‬سنة)‬ ‫وكان هو في الثامنة عشر تقريبا‪ .‬كنت في غاية السُّكر فاستغل‬ ‫فرصة سُكري مع أنني رفضت وطلبت منه أن يتوقف (تعني أنه‬ ‫ً‬ ‫مُهَانة وغاضبة جدا‪ .‬اكتشف‬ ‫اغتصبها‪ ،‬المترجم)‪ .‬فيما بعد‪ ،‬كنت‬ ‫الناس ما حدث‪ .‬كان علي أن أدرس معه الفصل القادم وأراه كثيرا‪.‬‬ ‫كان هذا مرعبا ومُهينا‪ .‬كنت غاضبة جدا وفكرت دائما في قتله‪.‬‬

‫تمنيت أنني أهينه وأضربه بشدة‪ .‬أردت أن أبرحه ضربا وأجعله‬ ‫يعاني‪ .‬أحيانا‪ ،‬أود أن أطلق عليه النار‪ ...‬إنني غاضبة للغاية‪ .‬أتمنى‬ ‫أن أرى في المنام كل لقاءاتي به حيث أخبره بكل ما أردت قوله‪ ،‬أو‬ ‫أكون عنيفة جدا معه فأضربه‪ ...‬أركله وأخبطه بهراوة‪ ،‬أو أصيبه‬ ‫بمسدس‪[ .‬ما الذي قد يدفعك إلى قتله؟] ربما لو آذاني هو أو‬ ‫أشخاص آخرون بشأن ما حدث لي‪ ،‬كأن يذكروني به في المدرسة‪...‬‬ ‫هذان مثاالن من الكثير من األمثلة في دراستنا التي تؤكد االنتشار‬ ‫المخيف لجريمة االغتصاب واألضرار النفسية الكثيرة التي يمكن أن‬ ‫يسببها‪ .‬يمكن لهذه األضرار النفسية أن تدمر حياة الضحايا‪ .‬أرادت‬ ‫إحدى النساء (العمر ‪ 21‬عاما) َ‬ ‫قتل جدِّها‪:‬‬ ‫ً‬ ‫منحرفا جنسيًا نحوي‪ .‬يزورني ويحاول مشاهدتي أرتدي‬ ‫كان‬ ‫مالبسي‪ ،‬يختبئ في غرفة نومي أو حمامي ويالمسني‪ .‬كنت للتوِّ قد‬ ‫انتقلت معه هو وجدتي‪ .‬كنت خائفة جدا فقد كنت في الخامسة‬ ‫عشر من عمري‪ .‬شعرت باالشمئزاز من نفسي‪ ،‬وشعرت أن ما‬ ‫بشكل ما هو ذنبي‪ .‬استمر هذا ألكثر من عام‪ ،‬حتى أصبحت‬ ‫يفعله‬ ‫ٍ‬ ‫كئيبة جدا‪ .‬تخليت عن كل طموحاتي واكتسبت ‪ 30‬باوند (أي ‪13.6‬‬ ‫كيلوجرام) ألجعل شكلي أقل جاذبية‪ .‬ثم فقدْتُه في النهاية‪ .‬آخر‬ ‫عهدي به كان عندما التقى بي وطلب مني ممارسة الجنس الفموي‬ ‫معه مقابل بعض المال‪ .‬أخبرته بأنني سوف أقتله إن حاول لمسي‬ ‫مرة أخرى وأبلغ الشرطة‪ .‬لم أهتم بالحياة بعد ذلك الحين‪ .‬ألنني‬ ‫ٌ‬ ‫ميِّتة بالفعل‪ .‬إنني أؤمن بأن كمَّ اإلحباط النفسي الذي‬ ‫كنت‬ ‫تشعر به النساء المُغتَصبات يدل بشكل قوي على أن بنية المرأة‬ ‫النفسية مصممة لحماية مواردها الثمينة تكا ُثريا‪ .‬تخشى النساء‬ ‫االغتصاب إلى حد بعيد ألن االغتصاب كان دائما تهديدًا متكررا في‬ ‫تاريخ البشر التطوري‪ .‬وفي الحقيقة‪ ،‬وجدنا أن معدالت تكرار خوف‬ ‫النساء من االغتصاب هي من أكثر النتائج إدهاشًا في دراستنا حول‬ ‫خياالت القتل‪ .‬فكما كان الحال مع التحرُّش‪ ،‬فإن خوف النساء من‬ ‫االغتصاب مُثبَتٌ جيدا‪ .‬ومع أن التقديرات تختلف إلى حد كبير‬ ‫بسبب اختالف تعريفات االغتصاب من دراسة ألخرى وبسبب حاالت‬ ‫االغتصاب الكثيرة التي ال َّ‬ ‫تُوثقُ رسميا‪ ،‬إال أن ما يقارب ‪%25-13‬‬ ‫[‪ ]5‬من النساء اغتُصِبنَ في وقتٍ ما من حياتهن‪ )18(.‬وال تُعد‬ ‫طبقة المرأة االجتماعية مانعا النتشار جريمة االغتصاب‪ .‬ففي‬ ‫إحدى الدراسات على عينة تمثيلية (العينة التمثيلية هي العينة‬ ‫الكافية لتعميم النتائج على بقية األفراد الذين لم تشملهم‬ ‫الدراسة‪ ،‬المترجم) من نساء لوس أنجلوس البالغات من العمر أقل‬ ‫وُجد بشكل مدهش أن قرابة ‪ %22‬منهن ذكرن‬ ‫من أربعين عاما‪ِ ،‬‬ ‫أنهن اغتُصِبن أو أوذينَ جنسيا‪ )19(.‬أحد أسباب خوف النساء من‬ ‫االغتصاب هو خوفهن من القتل على أيدي مغتصبيهن‪ .‬وهذه‬ ‫كانت نتيجة متماسكة في دراستنا‪ .‬وقد يعود السبب إلى ما تشيعه‬ ‫وسائل التواصل االجتماعي من أن المغتصبين يقتلون دائما‪.‬‬ ‫فكثير ٌة هي األفالم والمسلسالت التلفزيونية التي تتناول جرائم‬ ‫االغتصاب والقتل معًا‪ ،‬وفي العديد من هذه األفالم والمسلسالت‬ ‫تُقتَل النساء بعد أن تُغتَصَبن‪ .‬ولكن الحقيقة الغريبة فيما‬ ‫يخص االغتصاب هي أن القليل جدا من المغتصبين يقتلون النساء‬ ‫ً‬ ‫فوفقا لقاعدة البيانات الفدرالية (الجرائم في‬ ‫الالتي اغتصبوهن‪.‬‬ ‫الواليات المتحدة)‪ ،‬فإن امرأة واحدة فقط تُقتَل بين كل ‪1,596‬‬ ‫امرأة تُغتَصَب‪ )20(.‬بل يرى بروفيسور األنثروبولوجيا البيولوجية‬ ‫مايكل جيغلياري (‪ )Michael Ghiglieri‬أن المغتصبين يقتلون‬ ‫في الواقع أقل من امرأة بين كل ‪ 10,000‬امرأة تُغتَصب في الواليات‬ ‫المتحدة‪ ،‬هذا إذا أدخلنا إلى المعادلة كل جرائم االغتصاب غير‬ ‫َّ‬ ‫الموثقة‪ )21(.‬ولكن من الصعب تقدير العدد الحقيقي لجرائم‬ ‫االغتصاب مع القتل ألن بعض الحاالت َّ‬ ‫تُوثق بوصفها جرائم قتل‬ ‫بدون ذكر حادثة االغتصاب فيها‪ )22(.‬وعلى أية حال‪ ،‬فإن الخبراء‬

‫‪39‬‬


‫آب ‪2017 -‬‬

‫علم النفس التطوري‬

‫في هذا المجال يتفقون على أن جرائم القتل مع االغتصاب قليلة‬ ‫جدا‪ ،‬وقد تُقدَّر بأقل من ‪ %2‬بين كل جرائم القتل‪ .‬وفي معظم‬ ‫هذه الجرائم يكون دافع القاتل واضحا‪ ،‬وهو أال يترك شاهدًا ضده‬ ‫في مسرح الجريمة‪.‬‬ ‫وجدنا في دراستنا لقتلة مشيغان واحدا من األمثلة المثيرة‪.‬‬ ‫تسلل رجل ذو ‪ 27‬عاما إلى منزل جارته المباشرة بغرض السرقة‪.‬‬ ‫وبينما هو يسرق‪ ،‬سمع ضجيجا في الغرفة المجاورة‪ .‬ارتاعَ بشدة‬ ‫في البداية‪ ،‬لكنه سرعان ما هدأ عندما أدرك أن التي في الغرفة‬ ‫المجاورة هي زوجة جاره التي كان منجذبا إليها من قبل‪ .‬تصاعدت‬ ‫األمور‪ ،‬فقام باغتصابها فجأة‪ ،‬ثم لما أدرك ما فعله قام بقتلها‬ ‫لحماية نفسه من السجن‪ .‬إذن‪ ،‬ما بدأ في هذه الحالة بمجرد سرقة‬ ‫انتهى إلى جريمة اغتصاب مع القتل‪.‬‬ ‫من األمثلة المتناقضة على خوف النساء من االغتصاب أننا‬ ‫وجدنا أن الغالبية العظمى من النساء في دراستنا ذكرن خوفهن‬ ‫من االغتصاب بواسطة رجل غريب‪ .‬ولكن الكثير جدا من جرائم‬ ‫االغتصاب يرتكبها رجال معروفون لدى النساء المغتصبات ‪−‬زوج‬ ‫األم‪ ،‬أصدقاء األخوات‪ ،‬المعارف‪ ،‬واألحباب‪ −‬ال رجال غير معروفين‬ ‫تماما‪ .‬من العجيب أن فقط ‪ %9‬من النساء في دراستنا ذكرن‬ ‫خوفهن من االغتصاب والقتل على أيدي أشخاص معروفين في‬ ‫حياتهن‪ ،‬بينما توجَّه خوف الـ ‪ %91‬المتبقيات إلى الرجال الغرباء‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ثمَّة على األقل تفسيران معقوالن لخوف النساء المفرط من‬ ‫خطر الوقوع ضحية قتل على يد قاتل غريب‪ .‬االتفسير األول‪،‬‬ ‫من المحتمل أن المغتصبين القتَلة كانوا أكثر شيوعا في ماضينا‬ ‫التطوري أكثر من اآلن‪ .‬فآلالف السنين‪ ،‬كان اغتصاب النساء على‬ ‫أيدي المحاربين المستعمرين عاد ًة من العادات‪ .‬في القرن الماضي‬ ‫وحده‪ ،‬وقعت آالف النساء ضحايا لالغتصاب والقتل بسبب الحروب‬ ‫بإطناب في رواية (ضدَّ إرادتِنا‪)Against Our Will ،‬‬ ‫كما ُذكِر‬ ‫ٍ‬ ‫للكاتبة سوزان براون ميلر وفي كتاب (االغتصاب في مدينة نانكينج‪،‬‬ ‫حداثة الذي َّ‬ ‫ً‬ ‫وثق اغتصاب‬ ‫‪ )The Rape of Nanking‬األكثر‬ ‫وقتل النساء الصينيات على أيدي المستعمرين اليابانيين أثناء‬ ‫الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وأيضا في كتاب (حرب االغتصاب‪Rape ،‬‬ ‫‪ )Warfare‬الذي َّ‬ ‫وثق جرائم اغتصاب وقتل النساء في البوسنة‬ ‫والهرسك وكرواتيا أثناء حروب ‪.]6[ )23( 1995-1992‬‬ ‫إذا كان االغتصاب والقتل ً‬ ‫سمة متكررة في تاريخ النساء التطوري‪،‬‬ ‫فإن خوف النساء من االغتصاب والقتل على أيدي الغرباء يدل على‬ ‫وجود آلية دفاع متطورة لتجنُّب الغرباء‪ .‬وقد انتقلت آلية الدفاع‬ ‫هذه إلى البيئة المعاصرة‪ .‬في ظل العيش في المدن الكبيرة‬ ‫وإمكانية التنقل بين األماكن بسهولة‪ ،‬يخلق العالم الحديث فرص‬ ‫التقاء بالغرباء بكمية لم تكن مسبوقة في الماضي‪ .‬وكنتيجة‪ ،‬فإن‬ ‫دفاعات النساء ضد االغتصاب والقتل‪ ،‬التي كانت متطورة بشكل‬ ‫كامل في الماضي‪ ،‬قد أُف ِر َط في تنشيطِها في الوقت الراهن‪.‬‬ ‫التفسير الثاني هو أن خوف النساء من االغتصاب والقتل يكشف‬ ‫عما يُسمَّى كثيرا بـ «التحيُّز التكيُّفي (‪)24(».)adaptive bias‬‬ ‫وتذكَّر هنا أن التطور يفضِّل تجنُّب أكثر األخطاء ك ً‬ ‫ُلفة من بين‬ ‫األخطاء المحتملة‪ .‬هذا يعني أن هناك طريقتين محتملتين‬ ‫للوقوع في الخطأ‪ .‬فقد تخطئ المرأة باعتقادها أن الرجل الغريب‬ ‫ال يملك أية دوافع الغتصابها وقتلها في حين أن العكس صحيح‪.‬‬ ‫وفي هذه الحالة تكون المرأة معرضة لخطر قاتِل‪ .‬أو قد تخطئ‬ ‫المرأة بإفراطها في االعتقاد بوجود نية االغتصاب والقتل لدى‬ ‫الرجال الغرباء في حين أن العكس صحيح بالنسبة لمعظمهم‪.‬‬ ‫ينتُج عن الخطأ الثاني‪ ،‬الذي أشير إليه بـ «التحيُّز االرتيابي‬ ‫التكيُّفي (‪ »)adaptive paranoid bias‬فقط القليل من‬ ‫التكاليف الطفيفة جراء التجنُّب غير الضروري للغرباء في الكثير‬

‫‪40‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫من المناسبات‪ .‬وبهذا‪ ،‬فإن المرأة حتى لو كانت خاطئة في اعتقادها‬ ‫بوجود نية القتل واالغتصاب ‪ 999‬مرة من ألف فإن التطوُّر سيفضِّل‬ ‫التحيُّز االرتيابي التكيفي إذا كان يدفع المرأة لتجنب الغرباء ومن ثم‬ ‫حماية نفسها في مناسبة واحدة من كل ألف مناسبة تكون فيها‬ ‫حياتها معرضة للخطر‪.‬‬ ‫التفسيران السابقان ليسا‪ ،‬بالطبع‪ ،‬غير متناقضين‪ .‬وقد يعمالن‬ ‫معا لتفسير هذه الظاهرة‪ .‬قد تكون النساء طوَّرن تحيُّزًا تكيفيًّا‬ ‫يجعلهن يبالغن في استنتاج نوايا االغتصاب والقتل في الرجال‬ ‫الغرباء‪ ،‬وفي الوقت نفسه قد تكون آلية الدفاع هذه قد أُف ِر َط في‬ ‫تنشيطها في الزمنة الحديثة‪ ،‬حيث تقابل النساء رجاال غرباء أكثر‬ ‫من أي وقت مضى‪.‬‬ ‫عندما ال تكون النساء متيقناتٍ من نوايا المغتصِب‪ ،‬فإنهن‬ ‫يعمِدن إلى افتراض أسوأ االحتماالت؛ أي القتل‪ .‬ولألسف‪ ،‬يستغل‬ ‫بعض الرجال تفكير النساء بهذه الطريقة الغتصابهن‪ .‬فهم يهددون‬ ‫النساء بالقتل إن لم يلبين حاجاتهم ثم يعِدونهن بإطالق سراحهن‬ ‫إن استجبن لهم‪ .‬وبالفعل‪ ،‬ذكرت العديد من ضحايا االغتصاب بأنهن‬ ‫استجبن لطلبات الرجال خوفا من خطر القتل‪ .‬ومن الساخر هنا أن هذا‬ ‫يتعارض مع الدليل على االغتصاب‪ .‬بعض المغتصبين يتوقفون‬ ‫عندما يواجهون رفضا عنيفا من الطرف اآلخر بدون إيذائه‪ .‬ولكن‪،‬‬ ‫حتى لو حدث القتل في القليل من حاالت االغتصاب بسبب مقاومة‬ ‫النساء على مر التاريخ التطوري‪ ،‬فإن االنتخاب الطبيعي قد يكون‬ ‫صمم النساء على اختيار أهون الضررين؛ أي اختيار االغتصاب على‬ ‫القتل [‪.]7‬‬ ‫هنا سأقتبس من دراستنا أحد أوضح األمثلة على الغضب الذي تشعر‬ ‫به النساء بعد اغتصابهن‪« :‬اغتُصِبتُ في حفلة وكنت عذراء‪ .‬كنت‬ ‫مخمورة جدا‪ .‬كان قد قدِم إلى ِّ‬ ‫كليَّتي العام القادم وسكن مع رجل‬ ‫آخر على بعد منزلين وبدأ يقول أشياء سيئة عني‪ .‬فكرت في أن‬ ‫أغريه بممارسة الجنس ثم أطلق عليه النار في خصيتيه‪».‬‬ ‫إن االغتصاب ليس مصدرا للغضب في النساء المغتصبات وحدهن‪،‬‬ ‫بل لشركائهن وأهاليهن وأصدقائهن الذكور واإلناث‪ .‬فقد وجدنا أن‬ ‫األشخاص القريبين من ضحايا االغتصاب لديهم أيضا خياالت تتعلق‬ ‫بقتل المغتصِب‪.‬‬ ‫أحد الرجال الذين ساهموا في دراستنا أراد أن يقتل رفيقه في السكن‬ ‫وصديق حياته ألنه حاول التحرش بحبيبته وهي نائمة‪ .‬وأراد ٌ‬ ‫رجل‬ ‫آخر أن يقتل عمَّ حبيبته ألنه تحرش بها جنسيا عدة مرات منذ‬ ‫زمن بعيد مما قادها إلى محاولة االنتحار‪ .‬ذكر أنه «سيطلق عليه‬ ‫الرصاص في أعضائه التناسلية‪ »،‬وذكر أنه سيفعل هذا إذا حدث أن‬ ‫شاهد عمَّ حبيبته وهو يغتصبها‪.‬‬ ‫رجل اغتصب صديقته‪:‬‬ ‫هنا مثال آخر من دراستنا لرجل فكر في قتل ٍ‬ ‫الحالة ‪ ،P2207#‬رجل‪ ،‬العمر ‪ 18‬عاما‪[ .‬من هو الذي فكرت في قتله؟]‬ ‫ٌ‬ ‫رجل يبلغ من العمر ‪ 25‬عاما‪ ،‬كان طالبا باإلضافة إلى عمله سابقا في‬ ‫ً‬ ‫الجيش‪ .‬اغتصب صديقة لي‪ .‬هاتفتني صديقتي وأخبرتني بالتفصيل‬ ‫انتُهكت‪ .‬لم يكن أي من صديقتي أو‬ ‫كيفَ أن صداقتنا المتبادلة قد ِ‬ ‫الرجل الذي اغتصبها تحت تأثير أي نوع من المخدرات‪ .‬فقد كانت‬ ‫تمشي معه إلى المنزل حين اغتصبها ثم أعادها إلى المنزل بسيارته‬ ‫كأن شيئا لم يحدث‪[ .‬ما هي الطريقة التي فكرت فيها لقتله؟] تخيلتُ‬ ‫أنني أذهب إلى شقته بصحبة بعض األصدقاء لنب ِرحه ضربا ثم نقيِّده‬ ‫وننتظر حتى يستعيد وعيه ألسأله عن سبب اعتقاده بأن ما فعله‬ ‫كان أمرا صائبا‪ .‬ثم أطلق رصاصة إلى رُكبته اليسرى وأسأله كيف‬ ‫يبدو له أن يعامله أحدهم كأنه ليس إنسانا‪ .‬ثم أطلق رصاصة إلى‬ ‫رُكبته اليمنى وأطلب منه أن يفكر في ما فعله وأن يطلب المغفرة‬ ‫من اهلل‪ .‬ثم في النهاية أطلق رصاصتين إلى بط ِنه وأتركه يصارع‬ ‫الموت‪[ .‬ما الذي منعك من قتله؟] أوال‪ ،‬صديقتي تعمل على رفع‬


‫آب ‪2017 -‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫علم النفس التطوري‬

‫قضية عليه‪ .‬فلو قتلته سأزيد األمور صعوبة عليها‪ .‬ثانيا‪ ،‬لديه‬ ‫عائلة بريئة في مكان ما وال أملك حق أخذه منها‪ .‬ثالثا‪ ،‬كنت آمل‬ ‫َ‬ ‫يُعتقل ويُسجَن ويذوق مرارة االغتصاب عندما يكون الطرف‬ ‫أن‬ ‫المُغتَصَب‪ .‬وتخيَّل ٌ‬ ‫رجل آخر (العمر ‪ 21‬عاما) أنه يقتل الرجل‬ ‫الذي اغتصب صديقته‪ :‬أعطاها جرعة روهيبنول (‪)Rohypnol‬‬ ‫وهو عقار يستعمل لتنويم ضحايا االغتصاب واغتصبها ثم دعاها‬ ‫وتفاخر بما فعله أمامها وأمام أصدقائه‪ .‬تصورتُ أنني أثبته على‬ ‫األرض حيث يمكنني أن أضع رُكبتي على حلقِه وأسحقه بها‪ .‬لكن‬ ‫صديقتي طلبت مني عدم إيذائه فوعدتها‪ .‬إذا نجا من العقوبة‬ ‫فمن المحتمل أن يغتصب مرة أخرى‪ ،‬وهذا ما سيدفعني إلى قتله‪.‬‬ ‫تفكر الصديقات أيضا بشكل فعلي في قتل المفترسين الجنسيين‬ ‫الذين اغتصبوا صديقاتهن‪:‬‬ ‫الحالة ‪ ،227#‬امرأة‪ ،‬العمر ‪ 23‬عاما‪[ .‬من هو الذي فكرت في قتله؟]‬ ‫أبو صديقتي المفضلة‪ .‬في الواقع لم يكن أباها الحقيقي‪ ،‬بل‬ ‫كان زوج أمها‪ .‬كان قد تحرَّش بصديقتي العزيزة لسنوات‪ .‬رأيته‬ ‫بعينيَّ يلمسها‪ ،‬وقد أثار هذا غضبي‪ .‬كان ينظر إليَّ بنفس‬ ‫الطريقة التي ينظر بها إليها‪ ،‬فرأيت أنه قد يفعل المثل معي‬ ‫إذا لم أقتله‪ .‬بدأ كل هذا عندما كنتُ في الصف السابع (يعادل‬ ‫األول متوسط في بعض الدول العربية) عندما أخبرتني صديقتي‬ ‫بأن زوج أمها يجبرها على ممارسة الجنس معه منذ أن كانت في‬ ‫الثامنة من عمرها‪ ،‬وأنها لم تخبر أمها ألنها خشيَت من غضبه‪.‬‬ ‫كننا ننام وبيننا ِّ‬ ‫سكين في كل مرة أنام في بيتهم‪ .‬كان كل ما‬ ‫أتمناه وأصلي من أجله هو أن نتمكن من قتله‪[ .‬ما هي الطريقة‬ ‫التي فكرت فيها لقتله؟] يأتي كالعادة أثناء الليل ويحاول إجبارها‬ ‫على ممارسة الجنس معه‪ ،‬فأقفز من على السرير وأطعنه‪ ،‬ثم‬ ‫تنهض هي وتساعدني‪[ .‬ما الذي قد يدفعك إلى قتله؟] إذا حدث‬ ‫في أي يوم من األيام أن جاء إلى تلك الغرفة في منتصف الليل‪.‬‬ ‫أريد أن أصارعه وأطعنه أكثر من أي شيء آخر‪ .‬تكشف الحالة‬ ‫األخيرة عن عدة نقاط مهمة‪ً .‬‬ ‫فأول‪ ،‬اتخذت الفتاة عدة إجراءات‬ ‫لحماية نفسها من الوقوع ضحية لزوج أم صديقتها‪ ،‬فقد حصلت‬ ‫على سكين ونامت به عندما شعرت بأنها في خطر‪ .‬وثانيًا‪َّ ،‬أثرت‬ ‫فيها األزمات النفسية التي مرت بها صديقتها وبقيت معها إلى‬ ‫اغتصاب هي‬ ‫مرحلة البلوغ‪ ،‬كما بقي خوفها من أن تكون ضحية‬ ‫ٍ‬ ‫نفسها‪ .‬وثال ًثا‪ ،‬يميل أزواج األمهات (‪ )stepfathers‬بالفعل إلى‬ ‫التحرُّش ببنات زوجاتهم أكثر من اآلباء البيولوجيين‪ )25(.‬ومع‬ ‫أن معظم أزواج األمهات‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ال يؤذون ربيباتهم جنسيا إال‬ ‫زوج أمٍّ في البيت يزيد خطر اإلساءة الجنسية إلى عشرة‬ ‫أن وجود ِ‬ ‫أضعاف‪ .‬مع أن من البديهي بالنسبة لمعظم الناس أن المفترسين‬ ‫الجنسيين يتركون آثارا مدمِّرة على ضحاياهم‪ ،‬فإن السبب وراء‬ ‫كون االغتصاب مدمِّرًا جدا للنساء الالتي لم يُقتلن‪ ،‬والذي يجعله‬ ‫واحدا من أكبر التجاوزات ألنظمتنا االجتماعية‪ ،‬يستحق المزيد‬ ‫منظور تطوُّري‪ ،‬كثير ٌة هي تكاليف االغتصاب‪.‬‬ ‫من البحث‪ .‬من‬ ‫ٍ‬ ‫فالعنصر األساسي في استراتيجيات االقتران لدى النساء هو حرية‬ ‫بشكل‬ ‫اختيار الشريك الجنسي‪ .‬وتذكَّر أنه بما أن النساء يستثمرن‬ ‫ٍ‬ ‫مكلِف في حمل وتربية الذرية‪ ،‬وبما أنهن ال يحملن إال لمرات قليلة‬ ‫َ‬ ‫جَبَل سيكولوجية المرأة على وضع‬ ‫في حياتهن‪ ،‬فإن التطور قد‬ ‫معايير صعبة الختيار شريكٍ ذي امتيازات عالية‪ .‬هذه المعايير‬ ‫التي تتضمن قائمة مفصَّلة بتفضيالت االقتران ومتابعة‬ ‫امتيازات الشركاء المرشَّحين عن ُقرب لمدة طويلة وتقويم حبهم‬ ‫واستعدادهم لإلخالص لهن بعمق‪ .‬في لحظة وحشية يمزق‬ ‫المغتصِب كل االستراتيجيات المعقدة التي طورتها النساء النتقاء‬ ‫وجذب واالحتفاظ بالرجل المناسب‪ .‬قد تتكلَّف المرأة المغتصَبة‬ ‫حمْل غير مرغوب فيه من رجل لم تختره‪ٌ ،‬‬ ‫ً‬ ‫رجل أقحم نفسه في‬

‫حياتها رغما عنها‪ٌ ،‬‬ ‫رجل هو في الحقيقة أقل دائما ممن يمكن أن‬ ‫تختاره من الرجال‪ .‬وباإلضافة إلى انتهاك حقها في االختيار‪ ،‬تتعرض‬ ‫المرأة المغتصَبة إلى اللوم والعقوبة أو الهجْر من قِبل شريكِها‬ ‫وأصدقائها وحتى عائلتها‪ .‬بعضهم قد يظن خطأٌ أنها كانت مشا ِركة‬ ‫في الجريمة‪ ،‬وأن الجنس القهري كان بطريقة ما جنسًا مبنيا على‬ ‫االتفاق‪ ،‬أو أنها قد فعلت شيئا عرَّضها لالغتصاب‪ .‬وفي الواقع‪،‬‬ ‫يعبِّر الكثير من الرجال الذين اغتُصبت شريكاتهم عن شعورهم بأن‬ ‫ما َّ‬ ‫تبقى لديهم هو مجرد «بضائع تالفة‪ ».‬ويذكرون أنهم ال يحتملون‬ ‫فكرة العيش مع امرأة اعتدى عليها رجل آخر جنسيا‪ .‬وحسب إحدى‬ ‫الدراسات‪ ،‬تنتهي عالقات أكثر من ‪ %80‬من الشركاء باالنفصال بعد أن‬ ‫تُغتَصَب المرأة‪)26(.‬‬ ‫عندما ندرك تماما حجم التكاليف الباهظة التي يجلبها المفت ِرسُ‬ ‫الجنسي على ضحيته وشريكها العاطفي وأقربائها ‪−‬اقتحام حق‬ ‫المرأة في اختيار شريكها‪ ،‬تشويه سمعتها‪ ،‬تقليل قيمتها التكا ُثرية‪،‬‬ ‫تدمير أو تشويه قدرتها على االقتران‪ ،‬التسبب في تجنب أقربائها‬ ‫قتل‬ ‫إياها‪ −‬نستطيع أن نفهم كيف صمم التطور سيكولوجية ٍ‬ ‫فعَّالة ٍّ‬ ‫كحل للمشكالت التكيُّفية الصعبة التي يحدثها االغتصاب‪.‬‬ ‫فعلى مر التاريخ التطوري البشري الطويل‪ ،‬كان على النساء‬ ‫وأقربائهن وشركائهن أن يدفعوا عن أنفسهم شر عواقب االعتداء‬ ‫الجنسي الوخيمة‪ .‬ففي ماضينا التطوري‪ ،‬لم يكن ثمَّ شرطة وال محاكم‬ ‫وال سجون‪ .‬كان على الضحايا وشركائهن وأصدقائهن وأقربائهن أن‬ ‫يحققوا العدالة بأنفسهم‪ .‬سيكون صادمًا إن لم يقم التطوُّر بتزويد‬ ‫النساء بآليات الدفاع الالزمة لحمايتهن من االفتراس الجنسي‪،‬‬ ‫وللتعامل مع التكاليف بعد حدوثه‪ .‬والخوف المستمر من خطر‬ ‫االغتصاب هو أوَّل هذه اآلليات‪ .‬اآللية الثانية هي اختيار «أصدقاء‬ ‫مُخْ َلصين»‪ ،‬أي أصدقاء ذكور يهتمون بالمرأة بما يكفي للدفاع عنها‪،‬‬ ‫أو األصدقاء الذين يكفي مجرد وجودهم بقربها لصرْف المفترسين‬ ‫الجنسيين عنها‪ .‬اآللية الثالثة هي إحاطة المرأة نفسها باألقارب الذين‬ ‫يعملون كروادِع للمفترسين الجنسيين‪ .‬اآللية الرابعة هي اختيار‬ ‫النساء شركاء عاطفيين يعملون أساسا كـ «حُرَّاس شخصيين» لهن‬ ‫ويحمونهن من الرجال العدوانيين‪ )27(.‬وبالطبع‪ ،‬اللجوء إلى القتل هو‬ ‫أحد هذه اآلليات الدفاعية‪ .‬يؤدي ٌّ‬ ‫كل من التفكير في قتل المفترسين‬ ‫الجنسيين والتهديد به والقتل الفعلي عدة وظائف تكيُّفية أساسية‬ ‫للنساء‪ً .‬‬ ‫أول‪ ،‬تدفع مثل هذه اآلليات النساء إلى تجنب الظروف التي‬ ‫يكُنَّ فيها معرَّضات لخطر االغتصاب‪ .‬ثانيًا‪ ،‬تشجع النساء على‬ ‫حماية أنفسهن‪ ،‬كما حدث في حالة تلك الفتاة التي وضعت السكين‬ ‫تحت وسادتها في كل ليلة قضتها في بيت صديقتها‪ .‬ثال ًثا‪ ،‬تدفع‬ ‫النساء إلى طلب المساعدة من أصدقائهن وعوائلهن‪ .‬رابعًا‪ ،‬قد ينجح‬ ‫التهديد بالقتل في َثنْي المفترس الجنسي‪ ،‬كما حصل في حالة الفتاة‬ ‫التي هددت جدَّها بالقتل فتوقف عن اإلساءة إليها جنسيا‪ .‬خامسًا‪،‬‬ ‫يؤدي قتل المغتصِبين إلى التقليل من الجرائم الجنسية‪ .‬سادسًا‪،‬‬ ‫يرسل القتل إشارة إلى الرجال اآلخرين بأن النساء لسن قابالت للخداع‬ ‫الجنسي وأنهن لن يتقبَّلن اإلساءة الجنسية بدون عقوبات عنيفة‪.‬‬ ‫سابعًا‪ ،‬يساعد القتل‪ ،‬عموما‪ ،‬المرأة على الحفاظ على مقبوليتها في‬ ‫سوق التزاوج‪َّ .‬‬ ‫تُنفذ القليل من الخياالت‪ ،‬كما هو الحال في معظم‬ ‫خياالت القتل‪ .‬فمعظم الناس يقومون بحساب التكاليف والمنافع‪،‬‬ ‫ويفكرون في الحلول البديلة‪ ،‬ثم يدركون أن تكاليف القتل عالية جدا‪.‬‬ ‫لكن معدالت قتل المفترسين الجنسيين ما كانت لتكون عالية جدا ما‬ ‫لم تكن النساء مهيَّآت للجوء إلى القتل كحل من الحلول‪ .‬سنستعرض‬ ‫حالة توضيحية من دراستنا لقتلة مشيغان‪ .‬كانت كالريس ذات‬ ‫األربعة وعشرين عاما والحاصلة على شهادة الثانوية العامة تتسكع‬ ‫ذات مساء مع صديقها مارك في شقتها‪ .‬استلقيا على األريكة‪ ،‬بحيث‬ ‫كان مارك مستلقيا بين رجليها‪ :‬كان يدلك قضيبه في فرجي محاوال‬

‫‪41‬‬


‫آب ‪2017 -‬‬

‫علم النفس التطوري‬

‫االنتصاب‪ .‬استغرق وقتا طويال‪ .‬كنت أشعر بالتعب وبثقله على‬ ‫جسدي‪ ،‬وكان تدليكه يضايقني‪ ،‬لذا طلبت منه التوقف‪ ».‬فرفض‬ ‫قائال‪« :‬ستستلقين هنا وستعطينني هذا الفرج‪ ».‬فحاولت أن‬ ‫تبعده عنها لكنه قاومها‪« .‬كنتُ أحاول أن أبعده عني وأتخلص‬ ‫منه‪ .‬ثم في النهاية أبعدته ونهضت‪ .‬كنت أسأله 'مارك‪ ،‬لماذا‬ ‫تفعل هذا؟' ففي الماضي كان يتوقف فورا عندما أطلب منه‪ .‬كان‬ ‫يقول 'اللعنة' أو ينزعج‪ ،‬لكنه في تلك الليلة لم يرد التوقف‪ .‬لم‬ ‫أكن أعلم السبب‪ .‬كان األمر يخيفني فحسب‪ .‬ثم رأيت سكينا على‬ ‫العدَّاد‪ .‬جذبني فبدأنا نتعارك‪ .‬ثم التففت حوله وبدأت أطعنه‪.‬‬ ‫كان علي أن ألكمه عدة مرات ألنه كان لم يزل يحاربني‪ ،‬وبقدر ما‬ ‫كان يحاربني كنت ألكمه‪ .‬ثم سقط على األرض قائال‪' :‬ال أستطيع‬ ‫أن أحتمل هذا أكثر مما فعلت‪ '.‬وعندها توقفتُ‪ ».‬أسفر تشريح‬ ‫الجثة عن اثني عشر طعنة‪ .‬ووفقا للطبيب الشرعي فإن كالريس‬ ‫كانت شخصا معتدل الذكاء ولم تعانِ من أي مرض في التفكير‬ ‫أو في المزاج أثناء اإلساءة المزعومة‪ ،‬وكان باستطاعتها التمييز‬ ‫بين الصواب والخطأ‪ ،‬فلم تنطبق عليها صفات الجنون القانوني‪.‬‬ ‫لقد استعملت كالريس قوة كافية للدفاع عن نفسها ضد‬ ‫االغتصاب حتى أنها قتلت مفترسا جنسيا‪ .‬في الثامن عشر من‬ ‫نوفمبر‪ ،1998 ،‬تسلل رجل مقنَّع يرتدي قفازين ويحمل سكين‬ ‫صيد إلى سكن طالبةٍ مراهقة في جامعة كارولينا الشمالية‪.‬‬ ‫(‪ )30‬كان اسمه أدريان كاثي (‪ )Adrian Cathey‬وكان قد عمل‬ ‫مثل هذه الفعلة من قبل‪ .‬ربَّتَها بسكين الصيد ليوقظها ثم‬ ‫وضع السكين أمام رقبتها وتهيأ الغتصابها‪ .‬فكرت الفتاة بسرعة‬ ‫بينما ينزع بنطاله ومدت يدها َّ‬ ‫بخفة إلى الدُّرج وتناولت مسدسا‪.‬‬ ‫كان هدفه واضحها‪ ،‬وبسرعة كان يسبح أدريان كاثي في دمه‪.‬‬ ‫كشف تحليل حمضه النووي (‪ )DNA‬أنه كان مفترسا جنسيا‬ ‫مسؤوال عن اإلساءة الجنسية العنيفة إلى أربع طالبات أخريات‪.‬‬ ‫بعيدا جدا‪ ،‬في بلدة باسكو في والية فلوريدا‪ ،‬شاعت قصة‬ ‫ماريا بيتاراس (‪ )Maria Pittaras‬المشابهة‪ .‬استيقظت ماريا‬ ‫في وقت متأخر ذات ليلة لتجد رجال غريبا متمددا بين ساقيها‪،‬‬ ‫كان وجهه مختبئا خلف قناع‪ .‬وبينما وضع سكينا أمام رقبتها‪،‬‬ ‫سحبت مسدسا من دُرجها وأصابت روبرت ميتز (‪)Robert Metz‬‬ ‫حتى الموت‪ .‬سجل مركز اإلسعاف صوتها المرعوب‪« :‬لقد قتلت‬ ‫رجل‪ٌ .‬‬ ‫ً‬ ‫رجل كان للتو في منزلي وحاول اغتصابي‪ )31(»...‬ووجد‬ ‫البوليس جثة ميتز الخالية من الجروح سوى أثر رصاصة في عنقه‬ ‫والسكين الذي كان لم يزل في قبضته‪ .‬في كل هذه الحاالت‪ ،‬يمكن‬ ‫أن تُعد تلك النساء الشابات محظوظات‪ ،‬بالرغم من حقيقة‬ ‫كونهن سيعِشن حياة قاسية مع ذكريات أفعالهن الدفاعية‬ ‫العنيفة‪ .‬فقتل مفترسيهن الجنسيين حماهن من خطر‬ ‫االغتصاب وحمى حياتهن‪ ،‬كما أنهن لم يُعاقبن قانونيا‪ .‬لكن‬ ‫فيرونيك أكوب (‪ )Véronique Akobe‬ذات الثالثة وعشرين‬ ‫عاما‪ ،‬الفتاة المهاجرة من ساحل العاج والتي تعمل في مدينة‬ ‫نيس الفرنسية‪ ،‬لم تكن محظوظة‪ )32(.‬كانت تعمل السيدة‬ ‫ً‬ ‫خادمة أجيرة‪ ،‬وتتسلم مقابال ضئيال الفتقارها إلى أوراق‬ ‫أكوب‬ ‫العمل‪ .‬اغتصبها رئيس عملها الثري ذو الثالثة وستين عاما‬ ‫جورجس سكار (‪ )Georges Scharr‬وابنه ذو االثنين وعشرين‬ ‫عاما ثييري سكار (‪ )Thierry Scharr‬مرارا‪ .‬وصفت فيرونيك‬ ‫ما حدث بأنهم كانوا يمسكونها من رقبتها ويضعون يدا حول‬ ‫فمها لمنعها من الصياح‪ .‬وكان كلما انتهى أحدهما يبدأ اآلخر في‬ ‫اغتصابها أو يضاجعها من الخلف‪ .‬كان األب وابنه يتبادالن األدوار‪.‬‬ ‫كانت خياراتها محدودة‪ .‬فبعد الحادثة الوحشية الثالثة‪ ،‬قررت أن‬ ‫تفعل شيئا‪ .‬خبأت سكينا سرًّا‪ ،‬ثم طعنت كال من األب واالبن‪،‬‬ ‫ً‬ ‫جارحة أحدهما وقاتلة اآلخر‪ .‬كشف الفحص الطبي لفيرونيك عن‬

‫‪42‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫إصابات تتطابق مع إصابات الجنس الشرجي القهري‪ .‬قالت فيرونيك‪:‬‬ ‫«لقد قتال فيَّ شيئا ما‪ ،‬شيئا يخص شخصيتي الحقيقية‪ ،‬فقتلتهما‬ ‫ألتطهَّر منهما‪ )33(».‬الفتقارها إلى نفقات المحامي‪ ،‬عينت المحكمة‬ ‫محاميا فشل في إسناد دفاعها إلى أفعال االغتصاب التي ارتُكبت في‬ ‫حقها بشكل متكرر‪ .‬حُكِم على فيرونيك بالسجن لعشرين عاما‪.‬‬ ‫ثم أطلِق سراحها بعدما أنهت فترة خدمتها لمدة تسع سنين‪ .‬قد‬ ‫يبدو من غير المقنع أن نتكلم عن األحباب المؤذين جسديا واألزواج‬ ‫المؤذين جنسيا مع المتحرِّشين والمغتصبين في فصل واحد يتكلم‬ ‫عن «المفترسين الجنسيين‪ ».‬ولكنهم جميعا يشتركون في صفة‬ ‫واحدة‪ ،‬وهي استعمال العنف للحصول أو لإلبقاء على النفوذ الجنسي‬ ‫إلى المرأة‪ .‬يستعمل الرجال اإليذاء الجسدي للتحكم في شريكاتهم‬ ‫وإجبارهن ومنعهن من ترك العالقة ليتمكنوا في النهاية من النفوذ‬ ‫الجنسي الحصري إلى مواردهن الجسدية‪ .‬فالرجال الذين يغتصبون‬ ‫جماع غير‬ ‫زوجاتهم يستعملون أسلوبا عدائيا قاسيا إلرغامهن على‬ ‫ٍ‬ ‫مرغوب وغير متفق عليه [‪ .]8‬أما المتحرِّشون‪ ،‬األحباب المهجورين‪،‬‬ ‫الذين يرفضون االستسالم ويالحقون بال ُّ‬ ‫توقفٍ ضحاياهم من النساء‬ ‫في محاولة للتدخل في عالقاتهن الجديدة واستعادة نفوذهم الجنسي‬ ‫الذي كان مسموحا به من قبل‪ .‬أما المغتصبون‪ ،‬سواء كانوا غرباء أو‬ ‫معارف أو مخدِّرين أو حتى أزواجا‪ ،‬فيصطادون ضحاياهم ويقحمون‬ ‫أنفسهم بوحشية في حياة النساء التي تتغير من بعدهم إلى األبد‪.‬‬ ‫مع أن الكثير من النساء يقتلن للدفاع عن أنفسهن ضد الرجال الذين‬ ‫تحولوا إلى مفترسين جنسيا‪ ،‬فقد يقتلن ألسباب أخرى أيضا‪ ،‬وهذا‬ ‫ما سنستعرضه أثناء كالمنا في الفصول القادمة‪ .‬إن سارقي األزواج‬ ‫شخص‬ ‫(‪− )mate poachers‬أي األشخاص الذين يستحوذون على‬ ‫ٍ‬ ‫ما في عالقة عاطفية مع شخص آخر‪ −‬هم نوع آخر من المفترسين‬ ‫الجنسيين‪ ،‬وهم كما سنرى في الفصل القادم‪ ،‬مشكلة شاقة تبرز إلى‬ ‫الصراع التطوري في مباراة التزاوج‪.‬‬

‫المراجع‪:‬‬ ‫‪18 Crowell and Burgess, 1996.‬‬ ‫‪19 Essock-Vitale and McGuire, 1988.‬‬ ‫‪20 Crime in the United States, Uniform Crime Reports,‬‬ ‫‪Sept. 28, 1997 (Washington, D.C.: U.S Department of‬‬ ‫‪Justice, 1996), pp. 2325-.‬‬ ‫‪21 Ghiglieri, 1999, p. 83.‬‬ ‫‪22 Brownmiller, 1975; Ressler, Burgess, and Douglas, 1992.‬‬ ‫‪23 Brownmiller, 1975; Chang, 1997; Allen, 1996.‬‬ ‫‪24 Haselton and Buss, 2000.‬‬ ‫‪25 Buss, 2003.‬‬ ‫‪26 Ghiglieri, 1999.‬‬ ‫‪27 Buss, 2003.‬‬ ‫‪28 http://abcnews.go.com/sections/GMA/‬‬ ‫‪GoodMorningAmerica/GMA020819Self_defense_woman.‬‬ ‫‪html‬‬ ‫‪29 Ibid.‬‬ ‫‪30 http://www.conservativemonitor.com/news/2002005.‬‬ ‫‪shtml‬‬ ‫‪31 Ibid.‬‬ ‫‪32 http://www.prisonactivist.org/pipermail/prisonact‬‬‫‪list/1995-December/000112.html‬‬ ‫‪33 Ibid.‬‬


‫آب ‪2017 -‬‬

‫مالحظات المترجم‪:‬‬

‫علم النفس التطوري‬

‫[‪ ]4‬من المناسب في هذا السياق أن يفهم القارئ‬ ‫العربي أن قضية العُذريَّة ليست من القضايا‬ ‫البالية التي ما زال العرب متمسكين بها بينما تخلى‬ ‫عنها الغرب‪ .‬العُذرية قضية بشرية اجتماعية قد‬ ‫تتساوى نحوها االستجابات النفسية بين كل البشر‬ ‫من كل المجتمعات‪ .‬ومع أن العرب قد يسمونها بالـ‬ ‫ً‬ ‫مسألة بيولوجية‬ ‫«شَرَف» أو «العَار» إال أنها تبقى‬ ‫تترتب عليها الكثير من التبعات القاسية في حياة‬ ‫المرأة‪ ،‬وفي حياة الرجل أيضا‪ .‬فأن تفقد المرأة‬ ‫عُذريَّتها عُنو ًة هذا كفيل بأن يحطم ثقتها في‬ ‫نفسها وثقتها في جميع الرجال (كما ذكرت تلك الفتاة‬ ‫في الحالة)‪ .‬عدم المرغوبية االجتماعية الناتج عن‬ ‫فقد غشاء البكارة يعرض المرأة للحرمان من الحياة‬ ‫الزوجية التي هُيِّأت لها‪ ،‬ومن ثم قد ِّ‬ ‫يعطل حياتها‬ ‫في المجتمعات التي تعُدُّ العُذرية شرطا من شروط‬ ‫الزواج‪ .‬لكن هذا ال يعني أن ما نفعله في مجتمعاتنا‬ ‫العربية صحيح تماما‪ ،‬ليس إلى درجة أن تتوقف‬ ‫حياة المرأة على غشاء هَش! حلول هذه القضية‬ ‫معقدة جدا وتحتاج إلى تغيير جذري للثقافة‬ ‫السائدة؛ تغيير ِّ‬ ‫يمكن الرجل والمرأة من التعارف‬ ‫قبل الزواج واتخاذ القرارات الحاسمة‪ .‬أما في الوضع‬ ‫الراهن‪ ،‬فال نستطيع أن نلوم رجال يجن جنونه‬ ‫ألنه اكتشف أن المرأة األولى في حياته لم تكن بكرا‪.‬‬ ‫[‪ ]5‬حسب إحصائيات معدالت حدوث جريمة االغتصاب‬ ‫على موقع ‪ ،))www.nationmaster.com‬تبلغ‬ ‫جرائم االغتصاب في عُمَان ‪)2009( 100,000/6.6‬؛ وفي‬ ‫المغرب ‪)2009( 100,000/4.8‬؛ وفي البحرين ‪100,000/4.6‬‬ ‫(‪)2009‬؛ وفي فلسطين ‪)2005( 100,000/3‬؛ وفي السودان‬ ‫‪ .)2009( 100,000/2.9‬بالطبع‪ ،‬تبدو هذه األرقام قليلة‬ ‫بالمقارنة مع جنوب أفريقيا ‪ )2010( 100,000/132.4‬أو‬ ‫السويد ‪ ،)2010( 100.000/63.5‬والسبب قد يعود إلى‬ ‫خمول حركة األبحاث العلمية في المناطق العربية‬ ‫باإلضافة إلى عدة عوامل أخرى‪ .‬يجدر بالباحثين‬ ‫العرب إجراء دراسات محلية على نطاق واسع لتقدير‬ ‫انتشار الجرائم المختلفة‪ ،‬كما يجدر بالمؤسسات‬ ‫العلمية العربية تشجيع مثل هذه المشروعات‪،‬‬ ‫فاألمر ال يتعلق بنشر الفضيحة‪ ،‬بل بإبرازها إلى جهات‬ ‫اتخاذ القرار والبحث عن حلول لها‪ .‬أيضا‪ ،‬وكما ُذكِر‬ ‫في الموقع‪ ،‬هذه اإلحصاءات هي للتقريرات الرسمية‬ ‫فقط‪ ،‬وربما تبقى الكثير من الحقائق طي الكتمان‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ترجمة حرفية‬ ‫ترجمت أسماء جميع الكتب هنا‬ ‫[‪ِ ]6‬‬ ‫مرفقة بالعنوان اإلنجليزي لتسهيل البحث عنها‪ ،‬ولم‬ ‫أجد على اإلنترنت ترجمات عربية لهذه الكتب الثالثة‪.‬‬ ‫[‪ ]7‬لعل تحديد خيارات النساء في ظروف أخرى‬ ‫غير وقت االغتصاب‪ -‬صعب جدا ويسفر عن‬‫نتائج غير واقعية‪ .‬حاولتُ شخصيًا سؤال عدة‬ ‫وضع يخيِّرهن فيه رجل بين‬ ‫نساء عن تخيُّل‬ ‫ٍ‬ ‫االستسالم له جنسيا أو القتل‪ ،‬وكانت النتيجة أن‬

‫جميعهن أجبن بتفضيل القتل على االغتصاب‪،‬‬ ‫وبررن هذا االختيار بأن االغتصاب أسوأ من القتل‬ ‫ألنه يتسبب في عواقب نفسية وجسدية ال‬ ‫تُطاق‪ ،‬وبعضهن خفن من فقد العذرية الذي‬ ‫قد يحرمهن من الزواج لألبد‪ .‬أود بهذه المناسبة‬ ‫تشجيع الباحثين على إجراء دراسات على‬ ‫عيِّنات أكبر وأكثر تنوُّعا في السياق العربي‪.‬‬ ‫[‪ ]8‬ال أحد يستطيع أن يتصور ما تفكر فيه‬ ‫النساء الالتي يرغمهن أزواجهن كل يوم على‬ ‫المعاشرة برغم رفضهن بحجة أنه «حالله» أو‬ ‫«بفلوسه» أو أن «المالئكة ستلعنها إن لم تلبِّ‬ ‫نداء زوجها»‪ .‬نعم‪ ،‬الزوج قد يكون مغتصِبا‬ ‫لزوجته إذا أرغمها على ممارسة الجنس بأي‪.‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

‫‪43‬‬


‫حزيران ‪2017 -‬‬

‫جميع الحقوق محفوظة © ‪2017‬‬

‫‪44‬‬

‫مجلة علمية عربية شهرية صادرة عن موقع العلوم الحقيقية‬

Profile for العلوم الحقيقية

مجلة العلوم الحقيقية العدد الحادي عشر  

مجلة العلوم الحقيقية العدد الحادي عشر  

Advertisement