Issuu on Google+

‫مال‬

‫االخوان المسلمون‬ ‫رؤية إشتراكية‬


6


‫فهرس‬

‫مقدمة‬

‫‪4‬‬

‫الفصل األول‪ :‬النشأة والصعود‬

‫‪00‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬من ناصر إلى مبارك‬

‫‪34‬‬

‫استنتاجات‬

‫‪20‬‬

‫هوامش‬

‫‪24‬‬

‫‪3‬‬


‫مقدمة‬ ‫النتائج التي حققتها جماعة اإلخوان المسلمين في االنتخابات األخيرة فجرت من جديد‬ ‫قضية موقف اليسار منها‪ .‬كيف نفهم اإلخوان المسلمين وكيف نفسر نجاحاتهم المتتالية؟ ما‬ ‫هي طبيعتهم الطبقية؟ هل هم عدو لليسار أم منافس له؟ كيف نتفاعل مع هذه الجماعة؟‬ ‫نحاول في هذا الكراس الصغير اإلجابة على هذه األسئلة كمساهمة أولية في السجال الحالي‬ ‫في أوساط اليسار حول هذه القضية الملحة‪ .‬وبالطبع ففي كراس بهذا الحجم لن نتمكن من‬ ‫تناول تحليالً تفصيلياً لجماعة بحجم وتاريخ اإلخوان المسلمين‪ .‬سنحاول فقط إلقاء الضوء‬ ‫على بعض المنعطفات الهامة في ذلك التاريخ الطويل‪.‬‬ ‫يطرح المفكر واالقتصادي الماركسي الكبير سمير أمين في مقال له حول اإلسالم‬ ‫السياسي تلخيصاً لما ي مكن اعتباره الموقف المهيمن في أوساط اليسار المصري حول طبيعة‬ ‫اإلخوان‪ .‬فهو يقدم عدة أطروحات أساسية تمثل رؤية متكاملة تجاه اإلسالم السياسي المعاصر‬ ‫على الوجه التالي‪:‬‬ ‫أوالً‪ :‬أن جماعات اإلسالم السياسي بمختلف أنواعها هي مجرد تنظيمات سياسية‬ ‫تستهدف الوصول إلى السلطة وتستخدم الدين بشكل انتهازي لتحقيق أغراضها‪.‬‬ ‫ثانياً‪ :‬أن اإلسالم السياسي هو مجرد أداة من أدوات الطبقة الرأسمالية التابعة وهي ال‬ ‫تخدم سوى مصالح هذه الطبقة‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ :‬أن االنقسام بين الجماعات اإلصالحية مثل اإلخوان المسلمين والجماعات‬ ‫المسلحة مثل الجهاد ليس إال ت قسيم عمل بين استخدام العنف من جانب والتسلل داخل‬ ‫مؤسسات الدولة من الجانب اآلخر والهدف في الحالتين هو االستيالء على السلطة‪.‬‬ ‫رابعاً‪ :‬أن المواجهة بين هذه الجماعات واألنظمة ليست إال تنافساً بين قطاعات مختلفة‬ ‫من الطبقة الحاكمة‪ ،‬وهو تنافس وصراع حول السلطة سواء حدث ذلك بشكل مسلح كما في‬ ‫الجزائر أو بشكل سياسي كما في حال اإلخوان المسلمين في مصر‪.‬‬

‫‪4‬‬


‫خامساً‪ :‬ال يوجد أي تناقض بين اإلسالم السياسي والعولمة الرأسمالية والليبرالية‬ ‫الجديدة بل أن هناك تكامالً بينهم‪.‬‬ ‫وسادساً‪ :‬أن اإلسالم السياسي ليس معادياً لإلمبريالية بأي شكل من األشكال بل أنه‬ ‫أفضل من يخدم اإلمبريالية وأن االستثناءات مثل حماس وحزب الله ليست سوى نتيجة‬ ‫طبيعية للجغرافيا السياسية التي تضع مثل هذه الحركات في مواجهة االحتالل اإلسرائيلي‪،‬‬ ‫وبالتالي في خانة العداء للدور األمريكي في المنطقة‪.‬‬ ‫يتفق حول هذه األطروحات قطاع واسع من اليسار المصري والعربي‪ ،‬مع تنويعات في‬ ‫هذه النقطة أو تلك بالطبع‪ .‬وبالتأكيد فإن مثل هذا التحليل يؤدي إلى استنتاجات سياسية‬ ‫وعملية خطيرة‪ .‬فهو يعني أن جماعة مثل اإلخوان المسلمين عدو سياسي لليسار يجب‬ ‫محاربته على كافة األصعدة وال مجال ألي نوع من التنسيق معها أو أي شكل من أشكال‬ ‫العمل المشترك‪ .‬وهو يؤدي أيضاً إلى رؤية تضع الجماهير المصرية في موقع تخلف وتخبط‬ ‫شديد في الوعي االجتماعي والسياسي‪ ،‬فكيف نفسر هذا التناقض بين طبيعة الحركة‬ ‫اإلسالمية كما يصفها سمير أمين كحركة معبرة عن البرجوازية التابعة‪ ،‬خادمة لإلمبريالية‬ ‫ومعاد ية للديمقراطية ومعتنقة لليبرالية الجديدة‪ ،‬وبين التأييد الشعبي واسع النطاق الذي‬ ‫تتمتع به جماعة مثل اإلخوان المسلمين؟‬ ‫ولعل رأس حربة المدافعين عن هذه الرؤية للحركة اإلسالمية هو رفعت السعيد‪ ،‬الذي‬ ‫كرس جهده خالل العقدين األخيرين للتشهير بما يسميه "المتأسلمين"‪ .‬وألن تحليالت‬ ‫السعيد كان لها نفوذاً في أوساط اليسار وخاصة التجمع والحزب الشيوعي المصري فسيكون‬ ‫من المفيد تناول أطروحاته ببعض التفصيل‪.‬‬ ‫وإذا كانت تعليقات سمير أمين تتناول اإلسالم السياسي المعاصر فرفعت السعيد في‬ ‫كتاباته يتناول الحركة اإلسالمية منذ بداياتها في نهاية العشرينات‪ .‬وهو يضع في سلة واحدة‪،‬‬ ‫ليس فقط الجماعات اإلصالحية مثل اإلخوان مع الجماعات المسلحة مثل الجهاد بل يضع‬ ‫في نفس السلة مختلف الجماعات في المراحل التاريخية المختلفة‪ .‬فحسن البنا والهضيبي‬

‫‪5‬‬


‫وسيد قطب والتلمساني وأيمن الظواهري ومهدي عاكف كل هؤالء بالنسبة للسعيد أجزاء من‬ ‫حركة رجعية إرهابية واحدة معادية للتقدم والحداثة والتنوير‪.‬‬ ‫ويستخدم السعيد لتبرير موقفه من مَن يسميهم المتأسلمين منهجاً مادياً ميكانيكياً‬ ‫مستمد من التراث الستاليني الذي ينتمي إليه فيطرح مثالً‪" :‬الماركسية إذ تؤكد إمكانية أن‬ ‫يلعب الدين دوراً في حركة التغيير االجتماعي‪ ،‬أي دوراً سياسياً‪ ،‬فإنها ترى أن ذلك رهن‬ ‫بمستوى محدد من التطور االجتماعي ومن نمو الوعي االجتماعي وتحديداً فإن الدور يتناقض‬ ‫بل ويتالشى مع نمو الوعي الطبقي الذي يحول الصراع بين جماعات تخضع لالستغالل‬ ‫واالضطهاد فتتشبث بدين جديد يخالف ديانة الحكام وتتخذه محوراً لنضالها وخالصها‪ ،‬وبين‬ ‫جماعات متميزة طبقياً تنتمي جميع ًا إلى ذات الدين‪".‬‬ ‫أي أنه وطبقاً لهذه الرؤية الميكانيكية‪ ،‬كلما تبلورت الطبقات وتطور المجتمع ونما الوعي‬ ‫الطبقي كلما تالشى التعبير الديني عن االحتجاج االجتماعي‪ .‬ولكن عن أي طبقات يتحدث‬ ‫السعيد وفي أي سياق يحدث ذلك التطور؟ وهل ما ينطبق على المجتمع الفرنسي في القرن‬ ‫التاسع عشر مثالً ينطبق أيضاً وبنفس الوتيرة ونفس اآلليات على المجتمع المصري في القرن‬ ‫العشرين؟‬ ‫ويعتبر رفعت السعيد الدين دخيالً على الوعي والصراع االجتماعي‪:‬‬

‫"أما استخدام الدين كأداة في الصراع االجتماعي فإن الماركسية ترى أنه كان واردًا‬ ‫وممكناً بل وثورياً في المراحل األولى للتطور االجتماعي‪ ،‬وأنه مع نشوء الطبقات االجتماعية‬ ‫وتبلورها ووقوفها وجهاً لوجه في معترك الصراع الطبقي فإن ادخال الدين في هذا المعترك‬ ‫يمكنه أن يحرف األفكار عن المعطيات الواقعية واألرضية لهذا الصراع‪ ،‬بل ويمكنه أن يجعل‬ ‫من المقوالت الدينية شعاراً أو أداة يستخدمها الحكام وبعض رجال الدين في تغييب الوعي‬ ‫االجتماعي والطبقي للجماهير ومن ثم في فرض المزيد من االستغالل والقهر عليهم"‪.‬‬ ‫طبقاً لهذه الرؤية‪ ،‬التي ينعتها السعيد بـ "الماركسية" وهي مجرد تشويه للماركسية‪،‬‬ ‫يصبح الدين مجرد دخيل على الصراع االجتماعي وليس شكالً من أشكال التعبير عن‬ ‫االحتجاج االجتماعي‪ .‬وهو يقبل بوجود البعد الديني للوعي في ما يسميه المراحل األولى‬ ‫‪2‬‬


‫للتطور االجتماعي‪ .‬وكأن التطور االجتماعي مسار أحادي يمر به البشر في كل مكان دون‬ ‫تناقضات وتعقيدات وخصوصيات‪ .‬وإذا كان من الصحيح أن الطبقات الحاكمة استخدمت‬ ‫الدين لتبرير وتوطيد حكمها‪ ،‬فمن الصحيح أيضاً أن الطبقات المقهورة استخدمت الدين في‬ ‫كثير من األحيان للتعبير عن احتجاجها وعن طموحاتها للتغيير‪ .‬فالدين قابل لتفسيرات‬ ‫مختلفة بل ومتناقضة‪ ،‬والتعبير الديني لالحتجاج ليس مقصوراً على تلك "المراحل األولى"‬ ‫فالقرن العشرين مليء بالحركات االجتماعية والسياسية الحديثة التي لجأت للدين كوسيلة‬ ‫للتعبير‪ .‬في أمريكا الالتينية ظهر الهوت التحرير الذي مزج بين االشتراكية وتفسير حديث‬ ‫للمسيحية‪ ،‬وفي آسيا امتزجت حركات التحرر الوطني بتفسيرات للبوذية والهندوسية‪.‬‬ ‫وفي تحليله للحركات اإلسالمية يصل السعيد إلى استنتاج شديد الغرابة فيقول‪:‬‬

‫" إن معطيات التوجه االجتماعي واالقتصادي لجماعات اإلسالم السياسي على اختالف‬ ‫أنواعها (وإن ارتدى بعضها ثياباً أكثر اعتداالً أو أكثر تطرفاً) فإنها في مجموعها جماعات‬ ‫سياسية تلغي المنظور الطبقي للصراع ‪ ..‬وتقسم البشر ليس على أساس موقفهم من العملية‬ ‫اإلنتاجية (رأسماليون وعمال‪ ،‬مالك أراضي وأجراء) وإنما من منظور فكري ينحصر في مدى‬ ‫والء الشخص لفكر الجماعة أو ما تبشر به‪".‬‬ ‫ولكن أال تلغي كافة الحركات السياسية البرجوازية والبرجوازية الصغيرة ذلك المنظور‬ ‫الطبقي للصراع؟ ألم تقم مثالً الحركات الثورية البرجوازية في أوروبا منذ الثورة الفرنسية‬ ‫بإخفاء طابعها الطبقي وراء شعارات الديمقراطية والمساواة أمام القانون وحقوق اإلنسان‬ ‫والمواطنة؟ وألم "تلغي" حركات التحرر الوطني في العالم الثالث المنظور الطبقي وركزت‬ ‫شعاراتها ومضمون رؤيتها حول التحرر واالستقالل الوطني وأخفت بالتالي مضمونها الطبقي‬ ‫البرجوازي أو البرجوازي الصغير؟‬ ‫أليست الطبقة العاملة هي وحدها التي من مصلحتها أن تكشف وتفضح التناقضات‬ ‫الطبقية وتؤسس حركتها على وعي كامل وغير مشوه لتلك التناقضات؟ أليس ذلك ما تطرحه‬ ‫الماركسية التي يحب السعيد التحدث باسمها؟‬

‫‪7‬‬


‫إذا كان السعيد يقصد أن الحركات اإلسالمية ليست حركات عمالية ثورية وبالتالي تعبر‬ ‫عن طبقات أخرى ليس من مصلحتها فضح التناقضات الطبقية في المجتمع‪ ،‬إذا كان هذا ما‬ ‫يقصده فلن نختلف معه‪ .‬ولكنه يطرح المسألة وكأن الحركات اإلسالمية وحدها هي التي‬ ‫تخفي مضمونها الطبقي‪.‬‬ ‫أما الطابع اإلحيائي للحركات اإلسالمية فيفسره السعيد بشكل تبسيطي وكأن استلهام‬ ‫النماذج من التاريخ ال يمكن أن يشير إال للطبيعة الرجعية الصرفة لتلك الحركات‪:‬‬

‫"إذ توجد ق وى اجتماعية ترفض الواقع االجتماعي القائم وتعجز في نفس الوقت عن‬ ‫التالؤم معه‪ ،‬وال تمتلك معطيات طبقية لتغييره من منظور طبقي فإنها تعود إلى الوراء‬ ‫لتستلهم ذكريات ونماذج وطموحات وقعت في الماضي وتستدعيها للحاضر أو بالدقة‬ ‫تستجمع الحاضر في محاولة كي تعود به إلى الماضي ‪ ..‬هذه الجماعات ال تمتلك تصورًا‬ ‫محدداً للمستقبل‪ ،‬فهي إذ تستعيد األسماء والشعارات والزي والرؤية والممارسات فهي تعتقد‬ ‫أن ما سيطبق من نظام اقتصادي واجتماعي (في حالة استالمهم السلطة) هو ذات ما كان‬ ‫مطبقاً أيام الرسول والخلفاء الراشدين‪ ،‬وهم ال يرهقون أنفسهم في استجالء تفاصيله ألن‬ ‫التفاصيل قد تبدو غير مالئمة للتطبيق اليوم (وهذا طبيعي تماماً) كما أنهم في أغلب‬ ‫األحيان ال يمتلكون رؤية واضحة لما كان يجري في هذا الزمان‪".‬‬ ‫ولكن الرغبة في العودة إلى ماضي مثالي ال تعني بأي حال من األحوال رغبة في إعادة‬ ‫إنتاج مجتمع العصور اإلسالمية األولى ولكنها تعني الرغبة في إعادة تشكيل الواقع المعاش‬ ‫بكل ما يتضمنه من مهانة وطنية وتخلف اقتصادي وما يرونه انهياراً أخالقياً وحضارياً‪ .‬إعادة‬ ‫التشكيل هذه ال ترفض الحداثة بشكل مطلق فهي تقبل التكنولوجيا والتقدم العلمي‬ ‫والمستلزمات المادية للحياة العصرية ولكنها تريد استخدامها في إطار منظومة ثقافية‬ ‫مستوحاة بشكل مثالي وانتقائي من التاريخ اإلسالمي‪.‬‬ ‫سنحاول في هذه الكراسة أن نطرح تحليالً مغايراً لجماعة اإلخوان المسلمين‪ .‬هذا‬ ‫التحليل يقوم على فهم ظهور وتطور هذه الجماعة في سياق التحوالت االقتصادية‬ ‫واالجتما عية والسياسية التي أحاطت بتلك الجماعة في مراحل تطورها المختلفة‪ .‬فال يمكن‬ ‫‪8‬‬


‫مثالً وضع إخوان األربعينات وإخوان السبعينات وإخوان التسعينات في نفس السلة لمجرد‬ ‫استمرارية الشعارات األيديولوجية والخطوط العامة لسياسة الجماعة‪.‬‬ ‫ففي مراحل تاريخية مختلفة وفي أوساط طبقية مختلفة تتبلور تفسيرات مختلفة‬ ‫للنصوص الدينية‪ .‬فالوضع المادي واالجتماعي ألي جماعة أو طبقة أو فئة وعالقتها بالقوى‬ ‫االجتماعية األخرى والصراعات االجتماعية والسياسية واالقتصادية التي ينغمسون فيها كلها‬ ‫تلعب أدوارها في تشكيل تفسيراتهم للنصوص الدينية وللمبادئ واألفكار التي يختارون‬ ‫التركيز عليها حتى وإن تشابهت الشعارات والمبادئ العامة‪.‬‬ ‫ولعل تاريخ الحركات الشيوعية يعطينا نموذج للتحوالت الممكنة تحت نفس الشعارات‪.‬‬ ‫فهل مثالً الحزب الشيوعي الروسي الذي قاد الثورة البلشفية في عام ‪ 9191‬هو نفسه حزب‬ ‫ستالين الذي حكم االتحاد السوفيتي بالحديد والنار خالل الثالثينات واألربعينات؟ وهل‬ ‫الحزب الشيوعي الصيني في عصر ماو تسي تونج هو نفسه الحزب الشيوعي الصيني الذي‬ ‫يشكل اليوم رأس حربة الرأسمالية وسياسات السوق؟‬ ‫إن التحليل المادي التاريخي يتطلب منا تجاوز الشعارات والرايات المرفوعة والتدقيق في‬ ‫الجذور االقتصادية واالجتماعية لمختلف الحركات السياسية‪ .‬وإذا استعرنا مع بعض التحوير‬ ‫مقولة لكارل ماركس فعلينا "البحث عن الرجل في المسلم وليس المسلم في الرجل"‪.‬‬

‫‪9‬‬


‫الفصل األول‪ :‬النشأة والصعود‬ ‫‪ )1‬تناقضات التطور الرأسمالي في مصر‬ ‫كانت مصر خالل العشرينات والثالثينات من القرن العشرين تتعرض لتطورات اقتصادية‬ ‫واجتماعية وسياسية مليئة بالتناقضات‪ .‬وبدون فهم طبيعة تلك التطورات المتناقضة لن‬ ‫نتمكن من فهم كيف ولماذا ظهرت جماعة اإلخوان المسلمين في نهاية العشرينات وكيف‬ ‫أصبحت خالل عقدين أكبر التنظيمات السياسية في البالد‪.‬‬ ‫كانت هناك قيوداً هائلة تعرقل التطور الرأسمالي في مصر‪ .‬فخالل تلك الفترة كانت مصر‬ ‫بلداً زراعياً يعتمد اقتصادها أساساً على إنتاج وتصدير القطن ويعيش الغالبية من سكانها في‬ ‫الريف‪ .‬وتعرض االقتصاد المصري لظروف كارثية في نهاية العشرينات ومطلع الثالثينات‪ .‬فقد‬ ‫انخفضت أسعار القطن المصري في األسواق العالمية بنسبة ‪ %17‬بين عامي ‪ 9191‬و‪.9111‬‬ ‫حدث ذلك نتيجة لألزمة الحادة التي واجهتها صناعة النسيج البريطانية والتي كانت في ذلك‬ ‫الوقت المستورد الرئيسي للقطن المصري‪)9(.‬‬ ‫ويجب االنتباه هنا إلى أن القطن كان يشكل العمود الفقري لالقتصاد المصري في ذلك‬ ‫الوقت‪ .‬كان القطن يمثل حتى بداية األربعينات ما بين ‪ 07‬و‪ %07‬من إجمالي اإلنتاج‬ ‫الزراعي وما بين ‪ 07‬و‪ %17‬من إجمالي الصادرات‪)9(.‬‬ ‫وقد أدى انهيار أسعار القطن إلى موجة واسعة من الطرد للفالحين من األرض من قبل‬ ‫كبار المالك المصريين واألجانب‪ .‬وأدى أيضاً إلى تضخم عبء الضرائب واإليجارات والديون‬ ‫للمرابين والتجار‪.‬‬ ‫كانت إحدى النتائج المباشرة ألزمة أسعار القطن أن عشرات اآلالف من الفالحين لم يعد‬ ‫بمقدورهم تسديد الديون‪ .‬واستغلت البنوك والشركات األجنبية الوضع‪ ،‬وقامت بطرد الفالحين‬ ‫من أراضيهم بسبب الديون التي لم يسددوها‪ .‬وقد بلغت مساحات األرض التي تم إخالؤها‬

‫‪00‬‬


‫بقوة القانون من الفالحين‪ 996.77 :‬فدان عام ‪ 9191‬و‪ 996177‬فدان عام ‪9117‬‬ ‫و‪ 1.6777‬فدان عام ‪ 9119‬و‪ 176777‬فدان عام ‪)1( .9119‬‬ ‫وقد وصل تركيز ملكية األرض في أيدي عدد قليل من المالك إلى أقصاه خالل فترة‬ ‫الثالثينات حيث أصبح ‪ %1.60‬من مالكي األرض يملكون ‪ %0.‬فقط من األراضي الزراعية‪،‬‬ ‫في حين يملك ‪ %160‬من أصحاب األرض ‪ %00‬من األراضي‪)0(.‬‬ ‫ويجب االنتباه هنا إلى الدور المحوري الذي كان يلعبه رأس المال األجنبي في الريف‬ ‫المصري‪ ،‬ففي منتصف الثالثينات كان حوالي ألف مالك أجنبي يملكون نفس مساحة األرض‬ ‫ا لتي يملكها حوالي مليون ونصف المليون فالح‪ ،‬الذين كان يملك كل منهم أقل من فدان‪ .‬أي‬ ‫أن رأس المال األجنبي لم يكن محصوراً في البنوك والصناعة بل كان أيضاً أحد محاور ملكية‬ ‫األرض الزراعية‪ .‬ولذا فبالنسبة لغالبية الفالحين ارتبطت كراهية كبار مالك األرض والمرابين‬ ‫والتجار بكراهية االحتالل األجنبي وبكل ما أتى به‪.‬‬ ‫لم يكن الفالحين الفقراء وحدهم ضحايا تلك التطورات فقد كان لها تأثيراً مدمراً على‬ ‫الطبقة الوسطى الريفية‪ .‬ففي األعوام الثالثون األولى من القرن العشرين انخفض عدد‬ ‫الملكيات الزراعية المتوسطة (بين ‪ 97‬و‪ 17‬فدان) من ‪ 0196090‬إلى ‪ ،0916190‬في حين‬ ‫زاد عدد الملكيات الزراعية الصغيرة جداً (أقل من فدان) من ‪ 1076101‬في ‪ 9197‬إلى‬ ‫‪ 960906919‬في ‪)0( .9190‬‬ ‫إلى جانب انهيار أسعار القطن والعبء المتنامي لإليجارات‪ ،‬كان عذاب الفالحين الرئيسي‬ ‫له مصدرين‪ :‬الضرائب والديون‪ .‬فالفالحون كانوا يدفعون ما بين ‪ 90‬و‪ %17‬من دخلهم‬ ‫كضرائب‪ ،‬مما شكل عبئاً رهيباً على الغالبية العظمى منهم‪ .‬أما الديون فصارت لعنة ال تحتمل‬ ‫بسبب فوائدها المرتفعة وعواقب عدم الدفع قاسية‪ .‬وقد وصل متوسط دين العائلة الفالحية‬ ‫في منتصف الثالثينات إلي ‪ %0760‬في حين لم يتعدى متوسط دخلها سبعة جنيهات في‬ ‫الموسم‪).( .‬‬ ‫وقد انعكست تلك األوضاع بالطبع على الصراع الطبقي في الريف في شكل انفجارات‬ ‫عفوية وهجمات فردية‪ .‬وقد وصل عدد مخازن الغالل التي تعرضت للحرق على يد الفالحين‬ ‫‪00‬‬


‫إلى ‪ 061.7‬مخزن عام ‪ 9191/9190‬و‪ 16097‬مخزن عام ‪ .9119‬ووصل عدد العمد الذين‬ ‫تم قتلهم في الفترة من ‪ 9119‬إلى ‪ 9111‬لـ ‪ 9977‬عمدة‪.‬‬ ‫كانت السيطرة األجنبية على كافة القطاعات االقتصادية الحديثة إحدى الخصوصيات‬ ‫األساسية لالقتصاد المصري حتى األربعينات‪ .‬فطبقاً إلحدى التقديرات مثالً كان إجمالي‬ ‫قيمة رأس المال (باستثناء األرض الزراعية) في عام ‪ 9111‬ما يوازي ‪ 1.1‬مليون جنيه‬ ‫إسترليني منهم ‪ 007‬مليون جنيه رأس مال أجنبي‪ .‬أي أن رأس المال األجنبي كان يملك‬ ‫‪ %01‬من إجمالي رأس المال في مصر‪)1(.‬‬ ‫رأس المال األجنبي كان يتحكم بشكل مباشر في كافة مجاالت النقل والكهرباء والبنوك‬ ‫والصناعة والرهونات الزراعية‪ .‬كما أنه كان يتسم بدرجة عالية من التركيز واالرتباط المباشر‬ ‫بالمراكز الرأسمالية المتقدمة‪ .‬أما رأس المال المصري فكان من جانب مجرد شريك صغير أو‬ ‫وكيل لرأس المال األجنبي المهيمن ومن الجانب اآلخر أصبح مرتبط عضوياً بكبار مالك‬ ‫األرض‪.‬‬ ‫على جانب آخر كانت الطبقة العاملة تشكل نسبة صغيرة من السكان‪ ،‬رغم نموها السريع‬ ‫منذ بداية القرن‪ .‬ففي عام ‪ 9111‬كان في مصر حوالي نصف مليون عامل صناعي مما شكل‬ ‫أقل من ‪ %0‬من إجمالي القوة العاملة في البالد‪ .‬ورغم ذلك الحجم الصغير‪ ،‬ورغم أيض ًا حداثة‬ ‫نشأتها إال أنها لعبت دوراً محورياً في الحياة السياسية في البالد منذ ثورة ‪.9191‬‬ ‫وقد أدت تلك الطبيعة لتطور الرأسمالية في مصر إلى بطء شديد في عملية التراكم‬ ‫الرأسمالي‪ ،‬وعرقلة للتطور الصناعي‪ .‬وكان السبيلين الوحيدين لتوسيع وتعميق الصناعة‬ ‫الحديثة في مصر إما توسيع السوق المحلي الستهالك المنتجات الصناعية أو توسيع أسواق‬ ‫التصدير لتلك المنتجات‪ .‬وقد رأينا كيف كان الحل األول مستحيل بسبب تحكم كبار المالك‬ ‫المصريين واألجانب في األرض الزراعية وبالتالي اإلفقار الشديد للفالحين وهم غالبية السكان‪.‬‬ ‫أما الحل الثاني فكان االستعمار‪ ،‬وتحكم رأس المال األجنبي‪ ،‬وهيمنة الرأسماليات المتقدمة‬ ‫على أسواق الصادرات ا لصناعية‪ ،‬وفرض تصدير سلعة زراعية وحيدة هي القطن على االقتصاد‬ ‫المصري‪ ،‬كلها تقف عقبات أمامه‪.‬‬ ‫‪06‬‬


‫إذن فقد كان خروج المجتمع المصري من أزمته الطاحنة يستلزم تحقيق عدد من‬ ‫الخطوات الضرورية‪ :‬أوالً التحرر من االستعمار وتحقيق االستقالل الوطني‪ ،‬وثانياً القضاء على‬ ‫سيطرة ال ملكيات الكبيرة في الريف بتنفيذ إصالح زراعي يحرر الفالحين من قيودهم الخانقة‪،‬‬ ‫وثالثاً إنهاء السيطرة االحتكارية لرأس المال األجنبي على مراكز االقتصاد المصري‪.‬‬ ‫‪ )2‬الصراع السياسي‬ ‫إال أن تحقيق هذه األهداف يحتاج بالطبع إلى تعبئة سياسية واسعة النطاق للفالحين‬ ‫والعمال والطبقة المتوسطة‪ .‬فبدون حركة جماهيرية واسعة النطاق كيف يمكن التخلص من‬ ‫تلك القبضة الخانقة لالستعمار ورأس المال األجنبي وكبار مالك األرض؟‬ ‫كان من المستحيل على البرجوازية المصرية أن تقوم بذلك الدور‪ .‬فهي غير قادرة على‬ ‫تحرير البالد من االستعمار بسبب ارتباطها الوثيق والعضوي برأس المال األجنبي‪ ،‬وهي أيضاً‬ ‫غير قادرة على حل المسألة الزراعية بسبب ارتباط مصالحها مع مصالح كبار مالك األرض‪.‬‬ ‫وفي الحالتين ال تستطيع حشد جماهير العمال والفالحين الفقراء‪ ،‬وهو شرط أساسي لنجاح‬ ‫عملية التحرر‪ ،‬بسبب خوفها العميق من جماهير الفقراء‪ ،‬التي تدرك جيداً أنهم لن يكتفوا‬ ‫بالقضاء على االستعمار والملكية وكبار المالك‪ ،‬في حال تحركهم‪ ،‬بل سيهددون الملكية‬ ‫الخاصة والنظام الطبقي وبالتالي الوجود االجتماعي للبرجوازية‪ .‬البرجوازية المشلولة إذن ال‬ ‫يمكنها أن تلعب أي دور ثوري حتى لتحقيق المطالب الوطنية والديمقراطية التي تحتاجها‬ ‫كطبقة‪ .‬فهي تفضل التحالف مع االستعمار والتمترس في معسكر الرجعية الملكية عن قيادة‬ ‫الجماهير بشكل ثوري‪.‬‬ ‫وقد ظهر ذلك بوضوح في أعقاب ثورة ‪ .9191‬فقد خلقت الثورة آماالً ضخمة لدى‬ ‫الجماهير في جالء المحتل وحل المشكالت االقتصادية واالجتماعية التي أوردناها في‬ ‫الفقرات السابقة‪ .‬وكما يذكر طارق البشري في مقدمة كتابه "الحركة السياسية"‪" :‬تعلقت هذه‬ ‫اآلمال بالوفد خالل العشرينات ليقود الجماهير نحو تحقيق هذه األهداف‪ .‬ولكن الوفد خيب‬ ‫اآلمال وثار الشك حول قدرته على إحداث التغييرات المطلوبة‪ ،‬وتحول تفاؤل العشرينات إلى‬ ‫تشاؤم وحيرة وخوف وبحث عن البدائل‪)0( ".‬‬ ‫‪03‬‬


‫حزب الوفد كان ممثالً للبرجوازية المصرية‪ ،‬ورغم قيادته للحركة الوطنية لم يتمكن أبداً‬ ‫من تصعيد المواجهة مع االستعمار وتعميق مضمونها االجتماعي‪ ،‬فخوفه من تعبئة الجماهير‬ ‫أوالً وارتباطه بالرأسمالية األجنبية وكبار مالك األرض ثانياً جعال منه خصماً سهالً أمام‬ ‫الرجعية واالستعمار البريطاني‪ .‬والبد أن نتذكر في هذا السياق أن عشرة من أعضاء الهيئة‬ ‫العليا األولى للوفد التي تكونت من ‪ 90‬عضو كانوا من كبار مالك األرض‪)1(.‬‬ ‫أما الفالحين‪ ،‬ورغم هباتهم االحتجاجية الكثيرة‪ ،‬كانوا غير مؤهلين لبلورة حركة موحدة‬ ‫قادرة على تحدي االستعمار وكبار المالك بسبب انعزالهم عن بعضهم البعض في قرى‬ ‫متباعدة‪ ،‬والتناقضات الواسعة بين فئاتهم المختلفة ما بين معدمين وصغار مالك وأغنياء‪ ،‬وهي‬ ‫تناقضات كما أوضحنا سابقاً كانت تزداد عمقاً‪ .‬أوضاع الفالحين هذه أدت‪ ،‬كما يحدث دائماً‪،‬‬ ‫إلى احتياجهم لقيادة من إحدى الطبقات المدينية لتعبئتهم وتنظيم حركتهم‪.‬‬ ‫على جانب آخر ظهرت في المدن المصرية في ذلك الوقت طبقة عاملة جديدة‪ ،‬كأحد‬ ‫نتائج التطور الرأسمالي‪ .‬تركزت في شركات ومؤسسات كبرى‪ ،‬ولعبت دوراً محورياً في ثورة‬ ‫‪ 9191‬وخالل النصف األول من العشرينات عبر موجة من االضرابات الكبرى قادها عمال‬ ‫الترام والسكك الحديدية وعمال شركة قناة السويس‪ .‬ونتج عن هذه الموجة نشوء حركة‬ ‫عمالية حديثة وواعدة‪ .‬لكن الطبقة العاملة حديثة الوالدة لم يكن باستطاعتها أن تلعب دوراً‬ ‫قيادياً ومستقالً في تلك الفترة الثورية‪ .‬فإلى جانب القمع الذي تعرضت له كانت تعاني من‬ ‫عدة نقاط ضعف جوهرية‪ :‬أوالً‪ ،‬كانت معظم المؤسسات والشركات التي تعمل بها مملوكة‬ ‫ومدارة من قبل أوروبيين‪ ،‬بل أن نسبة كبيرة من العمال المهرة والتقنيين كانت من األجانب‬ ‫مما أضعف من قدرة العمال المصريين على بلورة وعي طبقي مستقل‪ ،‬واختلط وعيهم‬ ‫بالمشاعر الدينية والوطنية‪ .‬وثانياً‪ ،‬ظلت الحركة الشيوعية النشطة‪ ،‬التي ظهرت في مطلع‬ ‫العشرينات‪ ،‬أسيرة للعمل النقابي الضيق‪ ،‬وغير قادرة على الربط ما بين استقاللية الطبقة‬ ‫العاملة وبين ضرورة أن تلعب الحركة العمالية دوراً محورياً في قيادة الفالحين الفقراء‪،‬‬ ‫والنضال من أجل االستقالل الوطني‪.‬‬ ‫في ذات الوقت كانت األزمة االقتصادية واالجتماعية تعصف ـ باإلضافة إلى العمال وفقراء‬ ‫الفالحين ـ بشرائح مدينية أخرى صارت تعاني بشدة‪ .‬فالتطور الرأسمالي المأزوم والمتناقض‬ ‫‪04‬‬


‫في مصر أحاط ما يمكن تسميتهم بالطبقة المتوسطة التقليدية‪ ،‬من الحرفيين وأصحاب‬ ‫الدكاكين وصغار التجار‪ ،‬بأزمات خانقة‪ ،‬وصار يقذف بالكثيرين منهم إلى صفوف العمال‪ .‬وكما‬ ‫يؤكد طارق البشري "فعندما يحس هؤالء بأن المستقبل في غير مصلحتهم يتجهون إلى‬ ‫الماضي يلتمسون منه العون‪ ،‬وبقدر ما ينغلق أفق المستقبل أمامهم بقدر ما ينمو الخيال‬ ‫مستمد من الماضي مدينته الفاضلة‪ .‬وكانت الدعوة السلفية ما يجذب هؤالء بفكر غامض‬ ‫كاألحالم ظنوه مخرجاً"‪)97(.‬‬ ‫أما الطبقة المتوسطة الحديثة التي شملت الموظفين في المؤسسات الحديثة الحكومية‬ ‫والخاصة‪ ،‬من مدرسين ومحامين ومحاسبين وغيرهم من المهنيين‪ ،‬فقد كانت تعاني من‬ ‫أزمة متعددة الجوانب‪ .‬فمن المفترض أن هؤالء‪ ،‬بسبب تميزهم التعليمي‪ ،‬مؤهلين لمستوى‬ ‫معيشة ومكانة اجتماعية متميزة‪ .‬لكن التناقض بين التوسع التعليمي السريع داخل تلك الفئة‬ ‫وبطء تطور المؤسسات الرأسمالية الحديثة القادرة على استيعابهم‪ ،‬باإلضافة إلى سيطرة‬ ‫األجانب ع لى الوظائف العليا في المؤسسات الحديثة حول أحالم غالبية تلك الطبقة إلى‬ ‫كوابيس‪ .‬وبدالً من المكانة ومستوى المعيشة المتميز واجه الكثيرون منهم ضغوط دفعتهم‬ ‫إلى العيش بطريق ال تختلف عن الطبقة العاملة التي حلموا بالتميز عنها‪ .‬وزاد من هذه‬ ‫الضغوط األزمة العنيفة التي باتت تعاني منها الشرائح المتوسطة التقليدية في الريف والمدينة‬ ‫التي ظلوا مرتبطين بها أسرياً وثقافياً‪.‬‬ ‫وعلى المستوى الثقافي واأليديولوجي واجهت الطبقة المتوسطة الحديثة أزمة حادة‪،‬‬ ‫فمنظومة القيم الريفية والتقليدية للبرجوازية الصغيرة التي تربوا عليها تنهار سريع ًا بسبب‬ ‫التطور الرأسمالي‪ ،‬لكن ألن هذا التطور يحدث بشكل مليء بالتناقضات فقد صاروا يشعرون‬ ‫بحالة ضياع ثقافي‪ .‬العالم القديم بتقاليده واستقراره ومثله ومبادئه ينهار‪ ،‬والعالم الجديد مشوه‬ ‫ومتناقض ومخيف‪.‬‬ ‫دائماً ما لعبت هذه الفئة ـ الطبقة الوسطى الحديثة ـ دوراً سياسياً استثنائياً في بلدان‬ ‫العالم الثالث بسبب كونهم المصدر األساسي للكوادر السياسية‪ .‬هم يظهرون دائماً وكأنهم‬ ‫خارج إطار الصراعات الطبقية ألنهم ال ينتمون للبرجوازية وال ينتمون أيضاً للطبقة العاملة أو‬ ‫الفالحين وبالتالي يمكنهم الظهور كممثلين أنقياء للوطن ككل‪ .‬وألنهم بحكم تعليمهم‬ ‫‪05‬‬


‫وتخصصاتهم‪ ،‬كأطباء ومهندسين ومدرسين وموظفين في مؤسسات مدينية حديثة‪ ،‬يتفاعلون‬ ‫مع التقدم التقني والعلمي للغرب‪ ،‬حتى وإن كان بشكل جزئي‪ ،‬فهم أكثر القطاعات‬ ‫االجتماعية تأثراً وغضباً للتأخر الذي تعاني منه بالدهم في هذه المجاالت‪.‬‬ ‫أدت جميع هذه العوامل في الحالة المصرية إلى بحث كثير من هؤالء عن بديل سياسي‬ ‫وأيديولوجي يعبر عنهم وعن رغبتهم في تغيير الوضع القائم‪ .‬بديل يحقق االستقالل الوطني‬ ‫ويضع نهاية للسيطرة األجنبية وهو ما فشل في تحقيقه حزب الوفد والتشكيالت السياسية‬ ‫التابعة للبرجوازية وكبار المالك‪ .‬بديل يوقف انهيار الطبقة المتوسطة في الريف والمدينة‬ ‫وأخالقياتها التقليدية القائمة على األسرة والملكية الصغيرة‪ .‬بديل يحقق درجة من العدالة‬ ‫االجتماعية دون المساس بالملكية الخاصة التي شكلت العمود الفقري لجذورهم الطبقية‪.‬‬ ‫بديل يمكن البالد من التقدم التقني واالقتصادي والعلمي دون المساس بالمنظومة األخالقية‬ ‫والثقافية التقليدية التي باتت تنهار أمام أعينهم‪.‬‬ ‫‪ )3‬نشأة وتطور جماعة اإلخوان‬ ‫في سياق ومن خالل كل ما سبق تشكلت الرؤية السياسية لحسن البنا‪ .‬ذلك المدرس‬ ‫البسيط ذو األصول البرجوازية الصغيرة الذي سرعان ما أصبح زعيم أكبر التنظيمات‬ ‫السياسية في البالد‪ .‬وقد بدأت رؤيته في التبلور برفض ما رآه كانحالل أخالقي وضعف‬ ‫معنوي تعاني منه المدن المصرية نتيجة للهجمة االستعمارية الغربية‪" :‬أنه الوقت الذي‬ ‫تأرجحت فيه األمة المصرية في حياتها االجتماعية بين إسالمها الغالي العزيز الذي ورثته‬ ‫وحمته وألفته ‪ ..‬وبين هذا الغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل األسلحة الماضية الفتاكة‬ ‫من المال والجاه والمظهر والمتعة ووسائل الدعاية"‪)99( .‬‬ ‫وقد ربط البنا بين االنحالل األخالقي وبين األفكار والمفاهيم التحررية الغربية‪:‬‬

‫"وعقب الحرب الماضية (‪9190‬م ‪9190 -‬م) وفي هذه الفترة التي قضيتها بالقاهرة‪،‬‬ ‫اشتد تيار موجة التحلل في النفوس‪ ،‬وفي اآلراء واألفكار باسم التحرر العقلي‪ ،‬ثم في السلوك‬ ‫واألخالق واألعمال باسم التحرر الشخصي‪ ،‬فكانت موجة إلحاد‪ ،‬وإباحية قوية جارفة طاغية‪ ،‬ال‬ ‫يثبت أمامها شيء تساعد عليها الظروف والحوادث‪ ( .‬اإلمام الشهيد حسن البنا‪ ،‬مذكرات‬ ‫‪02‬‬


‫الدعوة والداعية‪ ،‬القاهرة‪ :‬دار التوزيع والنشر اإلسالمية‪ ،‬ص ‪)99( .")01‬‬ ‫أمام هذه الهجمة وذلك االنحالل بدأ البنا في بلورة بديل قائم على اإلحياء الديني‬ ‫والمحافظة األخالقية والعمل الخيري‪ .‬وهو لم يكن ـ في الحقيقة ـ يقدم جديداً‪ ،‬فقد امتألت‬ ‫مصر في ذلك الوقت بالعديد من الجمعيات الدينية المحافظة والخيرية المرتبطة بالمساجد‬ ‫في القرى واألحياء الفقيرة‪.‬‬ ‫أما القضية العامة األولى التي تبنتها جماعة اإلخوان المسلمين فكانت التصدي للتبشير‬ ‫المسيحي‪ .‬فكما هو الحال في الكثير من المستعمرات وقتها ارتبط نشاط التبشير المسيحي‬ ‫األوروبي في ذهن الجماهير الفقيرة عموماً‪ ،‬وفي ذهن المتعلمين خصوصاً باالستعمار‪ .‬وقد‬ ‫تركز النقاش في مؤتمر الجماعة األول المنعقد في مايو ‪ 9111‬على المشكلة الخاصة بنشاط‬ ‫البعثات التبشيرية المسيحية وأساليب مواجهتها‪ .‬وأرسلت الجماعة خطاباً إلى الملك فؤاد‬ ‫أ عربت فيه عن اعتقادها بضرورة اخضاع البعثات التبشيرية األجنبية للرقابة الحكومية‬ ‫الصارمة‪)91(.‬‬ ‫‪ )4‬بناء التنظيم‬ ‫إال أن جماعة اإلخوان المسلمين تجاوزت سريعاً حدود الدعوة الدينية المحافظة‪ ،‬وبدأ‬ ‫حسن البنا في تحويل الجماعة من جمعية دينية إلى تنظيم سياسي جماهيري حديث‪.‬‬ ‫وعلينا لفهم الطبيعة الطبقية لإلخوان المسلمين أال نعتمد فقط على تحليل دعايتهم أو‬ ‫تكتيكاتهم‪ ،‬وإنما يجب علينا أيضاً التدقيق في األساليب والمناهج واالستراتيجيات التي‬ ‫تبنتها الجماعة من أجل النمو واالنتشار وخلق الجذور الجماهيرية‪.‬‬ ‫التجنيد المكثف كان أول مرحلة في عملية البناء التنظيمي من خالل الدعاية واالتصال‬ ‫واإلعالم‪ .‬وقد تركز المؤتمر الثاني (نهاية عام ‪ )9111‬حول مسائل اإلعالم والدعاية للجماعة‪.‬‬ ‫وأقر تأسيس شركة إلنشاء مطبعة خاصة لإلخوان المسلمين‪ .‬وأصدرت الجماعة بعد المؤتمر‬ ‫عدة صحف‪ :‬في البداية صدرت جريدة "اإلخوان المسلمون" األسبوعية وبذل اإلخوان جهداً‬ ‫ضخم ًا لزيادة توزيعها (وقد استمرت الجريدة في الصدور حتى عام ‪ 9110‬حين توقفت بسبب‬ ‫النزاع بين البنا ورئيس تحريرها محمد الشافعي)‪ .‬ثم أصدرت الجماعة مجلة النذير الناطقة‬ ‫‪07‬‬


‫باسم الجماعة‪ ،‬كما قام البنا بإعادة إصدار المنار التي كان يصدرها رشيد رضا فيما سبق‪ .‬هذا‬ ‫إضافة إلى طباعة "الرسائل"‪ ،‬التي أصبحت المصدر الرئيسي للتثقيف داخل الجماعة‪ .‬وتتكون‬ ‫الرسائل‪ ،‬التي كتبها حسن البنا‪ ،‬من رسائل الجماعة الموجهة للحكومة المصرية ومسئوليها‬ ‫حول وضع المجتمع المصري والطريق إلى اإلصالح‪ ،‬وأيضاً رسائل كتبت لألعضاء حول األفكار‬ ‫والمهام والمسئوليات الملقاة على عاتقهم‪)90( .‬‬ ‫وقد نجحت الجماعة من خالل النشاط الدعائي المكثف في وضع أسس نموها السريع‬ ‫خاصة داخل أوساط الطبقة الوسطى الحديثة‪ ،‬التي شكلت جمهور القراء ألدبيات اإلخوان‬ ‫المتعددة والمتنوعة‪ .‬وإذا كانت هناك الكثير من التفسيرات المتباينة لسرعة نمو وانتشار‬ ‫جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬إال أنه مما ال شك فيه أن القدرات التنظيمية الفذة لحسن البنا‪،‬‬ ‫وفهمه ألهمية أساليب الدعاية الحديثة وعملية التجنيد‪ ،‬لعبت دوراً محورياً في تحويل‬ ‫مجموعة صغيرة من الدعاة في نهاية العشرينات إلى أكبر تنظيم سياسي في البالد مع مطلع‬ ‫األربعينات‪.‬‬ ‫في عام ‪ ،9111‬عندما عقدوا مؤتمرهم األول في اإلسماعيلية‪ ،‬كانت الجماعة تضم ‪90‬‬ ‫فرعاً ( فرع في القاهرة‪ ،‬وخمسة أفرع في مدن القناة‪ ،‬والباقي في منطقة الدلتا)‪ .‬وبمجرد النظر‬ ‫إلى األرقام الخاصة بنمو العضوية والتشكيالت التنظيمية للجماعة سيظهر لنا على الفور أننا‬ ‫أمام ظاهرة استثنائية‪ .‬ففي منتصف عام ‪ 911.‬بلغ عدد أفرع الجماعة إلى ما بين ‪977‬‬ ‫و‪ 907‬فرع‪ .‬وقد بلغ عدد األفرع ‪ 99.‬فرع في منتصف عام ‪ ،9111‬ثم ‪ 077‬في بدايات عام‬ ‫‪ 9109‬وأكثر من ‪ 9777‬عام ‪ .9101‬وكانت هذه األفرع مقسمة إلى ثالثة مستويات طبقاً‬ ‫لدرجة التطور والتماسك (العاملة والمجاهدة والمختارة)‪)90( .‬‬ ‫وأيضاً نما حجم العضوية بمعدل سريع منذ بداية الثالثينات‪ ،‬فقد بلغ عدد أعضاء الجماعة‬ ‫في عام ‪ 9110‬ألف عضو‪ ،‬وفي عام ‪ 911.‬وصل إلى ما بين ‪ 1‬و‪ 0‬آالف عضو‪ ،‬ثم إلى ‪97‬‬ ‫ألف عضو في عام ‪ .9111‬وقد مكن ا لنمو السريع للجماعة في أوساط المتعلمين والمهنيين‬ ‫من إحداث طفرة في حجم وطبيعة العمل الخيري داخل المناطق الفقيرة‪ .‬ففي عام ‪9110‬‬ ‫صارت هناك مؤسسات ومشاريع خيرية في الغالبية العظمى من أفرع الجماعة‪ .‬وفي عام‬ ‫‪ 9110‬بدأت بعض األفرع في تقديم خدمات صحية مجانية‪ ،‬وفي نفس العام أنشأ اإلخوان‬ ‫‪08‬‬


‫أولى عياداتهم الصحية في منوف‪ ،‬ثم أنشؤا أول مستشفياتهم في المنصورة التي أصبحت‬ ‫تعالج ما بين ‪ 07‬و‪ 977‬مريض بحلول عام ‪)9.( .9110‬‬ ‫وفي نهاية الثالثينات بادر اإلخوان بتأسيس مشروع لمحاربة األمية‪ ،‬وقاموا بإرسال‬ ‫مجموعات من شبابهم المتعلمين لتعليم القراءة والكتابة في المقاهي الشعبية والنوادي‬ ‫والقرى‪ .‬وقد امتلك اإلخوان القدرة على القيام بكافة تلك المشاريع بسبب نجاحهم في التجنيد‬ ‫الواسع داخل أوساط المتعلمين من طالب وأطباء ومدرسين‪ .‬وقد تمكنت الجماعة من خالل‬ ‫تلك النشاطات في تكوين شبكة واسعة من العالقات والمتعاطفين وسط األحياء الشعبية‬ ‫والقرى‪.‬‬ ‫وإذا كان االنتشار الواسع للجماعة اعتمد في الفترة األولى وحتى منتصف الثالثينات على‬ ‫الدعاية والعمل الخيري فقد أصبح من الضروري تطوير الشكل التنظيمي لها بحيث يتالئم مع‬ ‫الحجم واإلمكانيات الجديدة‪ .‬وقد ناقش المؤتمر الثالث (مارس ‪ )9110‬شروط العضوية‬ ‫ومسئولياتها والبنية التنظيمية‪ ،‬واتخذ قراراً بتنظيم تشكيالت الجوالة‪ .‬وقد تقرر فصل التنظيم‬ ‫اإلداري للجماعة‪ ،‬ووضعت مستويات للعضوية تبدأ باألخ المساعد ثم األخ المنتسب ثم األخ‬ ‫العامل ثم المجاهد‪ ،‬وتحديد هيئات الجماعة بأنها المرشد العام ومجلس الشورى الذي يتكون‬ ‫من نواب المناطق ونواب األقسام ونواب الفروع ومجالس الشورى المركزية ومؤتمر المناطق‬ ‫ومندوبي المكاتب وفرق الرحالت وفرق األخوات‪)91( .‬‬ ‫صار هناك هدفان أساسيان في تلك المرحلة‪ :‬أوالً خلق آلية مرنة وفعالة لالستمرار في‬ ‫التوسع والتجنيد‪ .‬وثانياً تكو ين آليات تنظيمية لدمج العناصر الجديدة في الجماعة وتوسيع‬ ‫شبكة الكوادر المحترفة وشبه المحترفة‪ .‬وللمساهمة في تحقيق ذلك تشكلت في صيف‬ ‫‪ 911.‬الفرق الصيفية التي كان دورها الرئيسي هو التجنيد وخلق جذور للجماعة في مختلف‬ ‫أنحاء البالد‪ .‬وقد تشكلت هذه الفرق بالكامل من الطالب أعضاء الجماعة‪ .‬وكان يحدد لكل‬ ‫فرقة منطقة جغرافية (عدد من المراكز) وتتفرغ كل فرقة خالل شهور الصيف للدعوة‬ ‫والتجنيد داخل المنطقة المحددة‪ .‬وقد تم جمع التبرعات بشكل واسع لتمويل رحالت‬ ‫وتنقالت الفرق الصيفية‪ ،‬كما تم دفع كافة األفرع لمساعدة وتسهيل مهام الفرق‪)90(.‬‬ ‫‪09‬‬


‫وقد تزامن تطور العمل الطالبي للجماعة وتشكيل الفرق الصيفية مع اندالع الثورة‬ ‫الفلسطينية األولى عام ‪ .911.‬دفع ذلك الجماعة إلى القيام بحملة واسعة لجمع التبرعات‬ ‫لدعم الشعب الفلسطيني في مواصلة اإلضراب الذي امتد من عام ‪ 911.‬وحتى عام ‪.9111‬‬ ‫وقامت في ذلك الوقت بت نظيم المظاهرات وتوزيع البيانات والكتيبات وإلقاء الخطب دفاع ًا عن‬ ‫القضية الفلسطينية‪)91( .‬‬ ‫لقد طور البنا شكالً تنظيمياً يتميز بدرجة عالية من المركزية‪ .‬فالمستويات التنظيمية‬ ‫للجماعة تبدأ بالهيئة التأسيسية وهي السلطة األولى‪ ،‬وتتكون من ‪ 907‬عضواً‪ ،‬وهي بمثابة‬ ‫مجلس الشورى العام‪ .‬بعدها تأتي الجمعية العمومية لمكتب اإلرشاد وتضم من سبقوا في‬ ‫العمل للدعوة‪ ،‬ومهمتها اإلشراف العام على سير الدعوة واختيار أعضاء مكتب اإلرشاد ومراجعة‬ ‫الحسابات‪ ،‬وهي من يمنح حق العضوية لنفسها بمعنى أنها شكلت أوالً باالختيار ثم تتولى‬ ‫هي ضم األعضاء ال جدد لها على طريقة المجامع وال تأتي عضويتها باالنتخاب من أسفل‪.‬‬ ‫والمرشد العام ذو الوضع المتميز عن مكتب اإلرشاد‪ :‬وهما يكونان معاً المركز العام‪ .‬ويتفرع‬ ‫عن المركز العام المكاتب اإلدارية‪ ،‬والمكتب تخضع له المنطقة والمنطقة تخضع لها الشعبة‪.‬‬ ‫واللجان التي تدير أياً م ن مستويات الفروع يتم تعيين المستوى األعلى فيها ذو المسئوليات‬ ‫الرئيسية وينتخب اآلخرون‪.‬‬ ‫كان التنظيم إذن تنظيماً هرمياً يعطي صالحيات واسعة للمرشد ولمكتب اإلرشاد‪ .‬هذه‬ ‫المركزية الشديدة ال تعود إلى الطابع الديني للحركة كما يصور البعض (على غرار رفعت‬ ‫السعيد) إنما تعود إلى نوع المهام السياسية التي طرحتها الحركة على نفسها في ظل ظروف‬ ‫تاريخية بعينها‪ .‬والمؤكد أن تلك المركزية الشديدة كانت سمة سادت في ذلك الوقت داخل‬ ‫الكثير من التنظيمات السياسية العلمانية وعلى رأسها المنظمات الشيوعية الستالينية التي‪،‬‬ ‫رغم تبنيها لمبادئ المركزية الديمقراطية (أي التوازن بين الديمقراطية في اتخاذ القرار‬ ‫والمركزية في تنفيذه) كانت في الواقع تلغي الديمقراطية من المعادلة‪ ،‬حيث امتلك السكرتير‬ ‫العام في األحزاب الشيوعية وقتها سلطات ال تختلف عملياً عن سلطات المرشد العام في حالة‬ ‫اإلخوان‪.‬‬

‫‪60‬‬


‫‪ )5‬أزمة ما بعد الحرب‬ ‫كانت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول هامة في التطور االقتصادي والسياسي في مصر‪.‬‬ ‫فعلى المستوى االقتصادي شكل الوجود الضخم للقوات البريطانية المتمركزة في مصر سوقاً‬ ‫واسعاً لمنتجات الصناعة المصرية‪ ،‬ومن جانب آخر أدى انقطاع كثير من خطوط التجارة‬ ‫العالمية خالل الحرب إلي طفرة في الصناعة الستبدال الواردات‪ ،‬فشهدت صناعات عديدة‬ ‫كانت نمواً استثنائياً‪ .‬كما أدت الحرب العالمية إلى نشوء عدد من الصناعات الحديثة مثل‬ ‫صناعة الكيماويات وصناعة الدواء (‪ 90‬شركة) وصناعة الورق والزجاج والمواسير وقطع غيار‬ ‫الميكنة‪ .‬وقد توسعت أيضاً صناعة النسيج فزاد إنتاج الغزل بنسبة ‪ %.0‬واألقمشة بنسبة‬ ‫‪ %977‬خالل الحرب‪)97( .‬‬ ‫لكن مع انتهاء الحرب وخروج غالبية القوات البريطانية المتمركزة في مصر وعودة التجارة‬ ‫الخارجية إلى وضعها السابق دخل االقتصاد المصري في أزمة عنيفة‪ ،‬وأغلقت مئات المصانع‬ ‫وشرد اآلالف من العمال‪ .‬واندلعت حركة عمالية نشطة لعبت في صفوفها الحركة الشيوعية‬ ‫دوراً مؤثراً‪.‬‬ ‫وعلى المستوى السياسي صار الوفد يعاني من فقد ما تبقى له من شرعية بين الجماهير‪،‬‬ ‫بعد قبوله لتولي السلطة بإرادة االستعمار وعبر حصار الدبابات البريطانية للقصر الملكي في‬ ‫أزمة فبراير عام ‪ 9109‬الشهيرة‪ .‬هذا إلى جانب فضائح الفساد المتكررة داخله واندفاع قياداته‬ ‫يميناً‪)99(.‬‬ ‫مع نهاية الحرب بدأ الوفد محاوالت الستعادة شرعيته المفقودة بالتعبئة من جديد ضد‬ ‫االستعمار والملك‪ .‬وتحرك اإلخوان بسرعة لمنافسة الوفد والشيوعيين في الحركة الوطنية‬ ‫المتصاعدة وخاصة في الجامعات‪ .‬ودعت جماعة اإلخوان لمؤتمر شعبي يعقد في القاهرة وفي‬ ‫سبعة مراكز رئيسية في األقاليم‪ ،‬وذلك في بداية أكتوبر عام ‪ 9100‬بهدف مناقشة القضية‬ ‫الوطنية وتحديد وصياغة المطالب بصددها‪ .‬وعلى الفور بدت مالمح صراع وتنافس حول قيادة‬ ‫الحركة الوطنية بين اإلخوان والوفد خاصة في الجامعة‪ ،‬العصب الرئيسي للنشاط الوطني‪)99(.‬‬

‫‪60‬‬


‫كان هناك تذبذب دائم في العالقة بين الوفد واإلخوان‪ .‬فالجناح اليميني للوفد بقيادة‬ ‫فؤاد سراج الدين كان يرى ضرورة االستفادة من اإلخوان ضد خطر االنفجارات االجتماعية‬ ‫والحركة الشيوعية التي تنامت خالل الحرب‪ .‬لكن النحاس كان شديد الخوف من أن تؤدي‬ ‫تلك المغامرة إلى مزيد من الخسائر للوفد أمام اكتساح اإلخوان‪.‬‬ ‫ومن الواضح أنه خالل فترة العامين ‪ 910.‬و‪ 9101‬كان يُنظر لجماعة اإلخوان من قبل‬ ‫القصر وحكوماته كأداة لمناهضة الوفد والشيوعيين‪ .‬حصل البنا من حكومة صدقي على عدد‬ ‫من ال تسهيالت في هذا السياق منها ترخيص بإصدار جريدة اإلخوان المسلمون‪ ،‬وتسهيالت‬ ‫في شراء ورق الطباعة بتوفير من ‪ 97‬إلى ‪ %17‬عن سعر السوق‪ ،‬إلخ‪)91( .‬‬ ‫لكن حتى في فترة التقارب تلك كان موقف الجماعة مليء بالتناقضات‪ ،‬وموقف القصر‬ ‫مليء بالمخاوف‪ .‬فصحافة الجماعة مثالً أبدت في معظم الحاالت عداءاً سافراً لحكومات األقلية‬ ‫المتعاقبة الموالية للقصر ولسياساتها‪ ،‬واستمرت الصدامات المباشرة بين األمن والجماعة في‬ ‫المظاهرات والمؤتمرات الشعبية‪ .‬ولم يكن من الغريب أن تنهار حالة التوافق بين الفريقين‬ ‫بالشكل الدرامي الذي حدث عام ‪)90( .9100‬‬ ‫في هذ ا الوقت ظهر استقطاب واضح في صفوف الطلبة ـ وقود الحركة الوطنية ـ داخل‬ ‫الجامعة ما بين الوفد والشيوعيين من جانب وبين اإلخوان والحزب الوطني ومصر الفتاة من‬ ‫جانب آخر‪ .‬وقد لعب اإلخوان أدواراً سلبية وانقسامية خالل أحداث عام ‪ 910.‬سواء داخل‬ ‫الحركة الطالبية أو الحركة العمالية‪ ،‬حيث وصلت رغبتهم في منافسة الوفد والشيوعيين إلى‬ ‫حد تخريب االضرابات وتقسيم المظاهرات‪ ،‬مما دعم الميول داخل القصر والجناح اليميني‬ ‫في الوفد لالهتمام بهم ودعمهم وتأييدهم‪.‬‬ ‫وقبل سفر صدقي إلى لندن للتفاوض في أكتوبر ‪ 910.‬أرسل البنا خطاباً إلى الملك‬ ‫وإلى صدقي منادياً "دعوة األمة إلى الجهاد"‪ ،‬بمقاطعة إنجلترا اقتصادياً وثقافياً واجتماعي ًا‪.‬‬ ‫وفي رسالة إلى "شعب وادي النيل" أعلن محذراً‪" :‬إن حكومة صدقي باشا‪ ،‬في إصرارها على‬ ‫إجراء المفاوضات‪ ،‬ال تمثل إرادة األمة‪ ،‬وأي معاهدة أو تحالف تتوصل إليه مع بريطانيا قبل‬

‫‪66‬‬


‫أن يتم جالء قواتها‪ ،‬هو إجراء باطل ولن يلزم األمة"‪ .‬وفي اليوم السابق على رحيل صدقي إلى‬ ‫إنجلترا دعت الجماعة إلى مظاهرات ضخمة في جميع أنحاء البالد‪)90( .‬‬ ‫‪ )6‬حرب فلسطين‬ ‫بعد تبني األمم المتحدة قرار التقسيم في نوفمبر عام ‪ ،9101‬أصبحت القضية‬ ‫الفلسطينية من جديد أكثر القضايا السياسية إلحاحاً في الساحة السياسية المصرية‪ .‬هذا‬ ‫اإللحاح لم ينتج فقط عن الشعور بتهديد الهوية اإلسالمية والعربية لفلسطين عموماً والقدس‬ ‫خصوصاً بسبب إنشاء دولة يهودية استيطانية على أرضها‪ ،‬وإنما نتج عن طبيعية دور هذه‬ ‫الدولة االستيطانية في السياسات االستعمارية البريطانية ومن بعدها األمريكية‪ .‬ولذا لم يكن‬ ‫منطقياً فصل المعركة ضد االستعمار البريطا��ي في مصر عن المعركة ضد الصهيونية في‬ ‫شكلها المسلح في فلسطين‪ .‬وكما ذكرنا من قبل كانت القضية الفلسطينية إحدى المحاور‬ ‫األساسية لعمل جماعة اإلخوان منذ اندالع ثورة عام ‪ .911.‬وبعد انتهاء الحرب العالمية‬ ‫الثانية مباشرة بدأت الجماعة في إرسال مبعوثين إلى فلسطين‪ ،‬ليس فقط لنشر الدعوة وإنما‬ ‫أيض ًا للتدريب وللمساعدة في التحريض والتنظيم والقتال ضد الصهاينة‪)9.( .‬‬ ‫وظلت القضية الفلسطينية في قلب العمل الدعائي والسياسي للجماعة في مصر من‬ ‫خالل اإلشارة الدائمة لها في الصحف والكتيبات والخطب واألحاديث العامة‪ )91(.‬وقد اشترك‬ ‫البنا في تشكيل "لجنة وادي النيل" في نوفمبر عام ‪ 9101‬لجمع المال والسالح للمتطوعين‬ ‫الذين يتم تجنيدهم "إلنقاذ فلسطين" وكان مصطفى مؤمن هو ممثل الجماعة في تلك‬ ‫اللجنة‪)90(.‬‬ ‫وفي أكتوبر عام ‪ 9101‬طالب البنا كافة شُعب الجماعة بالبدء في االستعداد للجهاد‪.‬‬ ‫وفي ‪ 97‬أكتوبر توجهت الكتيبة األولى إلى فلسطين‪ .‬وفي أبريل عام ‪ 9100‬أُرسلت الكتيبة‬ ‫األولى الرسمية من المتطوعين إلى العريش على الجبهة‪ .‬وقبل أن يصل المتطوعون‬ ‫الرسميون القادمون تحت إشراف الجامعة العربية كانت كتائب اإلخوان قد اشتبكت بالفعل مع‬ ‫الصهاينة في صحراء النقب‪)91(.‬‬

‫‪63‬‬


‫وقد لعب اإلخوان دوراً هاماً في مساعدة القوات المصرية المحاصرة في الفالوجا وهو‬ ‫الحصار الذي نشأ بعد خرق الصهاينة للهدنة الثانية في أكتوبر عام ‪ .9100‬فقد عمل اإلخوان‬ ‫أثناء وجودهم في ال ميدان على نقل المؤن إلى القوات المحاصرة‪ ،‬وفي القاهرة شاركت‬ ‫الجماعة في الضغط على الحكومة المصرية من أجل المزيد من المتطوعين لفك الحصار عن‬ ‫القوة المحاصرة‪ ،‬لكن النقراشي رفض ولم يتم فك الحصار إال في فبراير التالي‪)17( .‬‬ ‫لقد فسر الكثيرون كفاح الجماعة المسلح ضد الصهيونية بطريقة تآمرية‪ ،‬واعتبروه موقف‬ ‫انتهازي من جانبها يهدف إلى االستعداد لالستيالء بالسالح على السلطة في مصر‪ .‬هكذا يرى‬ ‫رفعت السعيد مثالً‪ " :‬إن القضية الفلسطينية قد أتاحت امكانيات عدة أمام اإلخوان ‪ ..‬فمن‬ ‫خالل تأييدها اتضح البعد اإلسالمي والعربي للجماعة‪ ،‬ومن خاللها أيضاً أمكن للجماعة أن‬ ‫تمد نشاطها إلى المنطقة العربية كلها ‪ ..‬لكن أكثر ما يعنينا في هذا الفصل هو أن مساندة‬ ‫الثورة الفلسطينية عام ‪ 911.‬ثم االستعداد للمشاركة في حرب فلسطين ‪ 9100‬كانا الفرصة‬ ‫الذهبية أمام الشيخ البنا ليحشد ترسانة ضخمة ويدرب رجاله علناً تحت ستار اإلعداد لحرب‬ ‫فلسطين"‪)19( .‬‬ ‫وهكذا أيضاً يشير أحمد حسين إلى أن حرب فلسطين قد أمدت اإلخوان‬

‫" بفرصة ذهبية لحشد السالح والتمرن على استعماله بدعوى أنه من أجل فلسطين‪ ،‬وأن‬ ‫اإلخوان كان لديهم كميات من األسلحة والذخائر جمعوها تحت ستار تجهيز المتطوعين إلى‬ ‫فلسطين وهم يعدونها إلحداث انقالب في مصر بالقوة"‪)19( .‬‬ ‫والغريب أن هذا التفسير التآمري يتغافل دائماً عن حقيقة ال لبس فيها هي ارتباط‬ ‫المعركة ضد الصهيونية بالنضال ضد االستعمار في وعي الجماهير المصرية‪ ،‬وهكذا كلما ظهر‬ ‫للجماهير في مصر العالقة بين قضية تحررهم والقضية الفلسطينية كلما نجح اإلخوان بسبب‬ ‫دورهم الكفاحي في كسب المزيد من الشباب الغاضب إلى صفوفهم‪ .‬والمؤكد ـ وهي حقيقة‬ ‫ال يمكن التشكيك فيها ـ أن الجماعة لعبت منذ عام ‪ 911.‬دوراً محورياً في مساندة الشعب‬ ‫الفلسطيني وفي الكفاح ضد الصهيونية‪.‬‬

‫‪64‬‬


‫هذا ال يعني أن موقف اإلخوا ن من القضية الفلسطينية كان بال نواقص أو عيوب‪ ،‬لكن‬ ‫عيوب موقفهم ال تكمن في مدى صدق نواياهم أو انتهازيتهم‪ ،‬وإنما تكمن في إضفائهم طابع‬ ‫ديني على القضية يجعلها محض صراع بين اليهود والمسلمين ممتد عبر التاريخ‪ ،‬وبكل ما‬ ‫يتضمنه ذلك من عنصرية تجاه اليهود ككل‪ ،‬وتغييب للجوهر اإلمبريالي للمشروع الصهيوني‬ ‫وعالقته بالمصالح االقتصادية واالستراتيجية للقوى العظمى‪.‬‬ ‫وإذا كان كفاح اإلخوان ضد الصهيونية أدى إلى نجاحهم في ضم جماهير واسعة من‬ ‫الشباب الغاضب إلى صفوفهم‪ ،‬ففي المقابل أدى الموقف المتخاذل لليسار المصري من قرار‬ ‫التقسيم وإنشاء دولة إسرائيل إلى فقدانه لتلك الجماهير وانعزاله عنها‪.‬‬ ‫لقد كان االتحاد السوفيتي أول من اعترف بقرار التقسيم‪ ،‬ونتج عن ذلك االعتراف حالة‬ ‫من التخبط الشديد في أوساط اليسار المصري والعربي عموماً‪ .‬فالمنظمات الشيوعية المصرية‬ ‫وقتها كانت تعتبر االتحاد السوفييتي قلعة االشتراكية العالمية‪ ،‬وصارت بالتالي تابعة‬ ‫أيديولوجياً وسياسياً للحزب الشيوعي السوفييتي‪ .‬وبدالً من نقد الموقف السوفييتي وفضحه‬ ‫بصفته مناورة تهدف إلى خدمة المصالح الخارجية االستراتيجية لروسيا في ذلك الحين‪ ،‬تبنت‬ ‫غالبية المنظمات الشيوعية في مصر موقفاً من قرار التقسيم كان مجرد تبرير وترديد للموقف‬ ‫السوفييتي‪ .‬فنقرأ مثالً في مقالة بجريدة "الجماهير" هذا التبرير الهزلي‪:‬‬

‫" إن زعماء العرب وزعماء اليهود قد رفضوا التعاون‪ ،‬ورفضوا اقتراح جروميكو الذي تقدم‬ ‫به منذ ‪ 90‬مايو الماضي والذي يرمي إلى إنشاء دولة موحدة ثنائية مستقلة ‪ ..‬هناك لم يكن‬ ‫بد أمام الديمقراطيين ومحبي الشعوب‪ ،‬وأعداء االستعمار إال أن يقبلوا حل التقسيم كأساس‬ ‫إلعالن استقالل فلسطين"‪)11( .‬‬ ‫وفي رد على انتقاد أحمد حسين لقرار التقسيم بصفته طريقة لمنح الصهاينة فلسطين‬ ‫يقول نفس المقال‪:‬‬

‫"كال يا فاشي إننا ال نريد انتزاع فلسطين من يد العرب والمسلمين لنعطيها لليهود‪ ،‬إننا‬ ‫نريد انتزاعها من يد االستعمار لنعطيها للعرب واليهود دولة مستقلة ديمقراطية ويجب أن‬ ‫يعلم أحمد حسين وأمثاله أننا ال نوافق على مشروع التقسيم إال مضطرين وكأساس‬ ‫‪65‬‬


‫الستقالل فلسطين"‪( .‬الجماهير ‪)10( )9101/0/91‬‬ ‫كان قبول أغل بية الشيوعيين المصريين في ذلك الحين لقرار التقسيم‪ ،‬وبالتالي قبول‬ ‫وجود دولة إسرائيل جريمة لم تغفرها الجماهير المصرية‪ .‬وقد ساعد موقف الشيوعيين هذا‬ ‫اإلخوان كثيراً‪ ،‬فبينما يستشهد مناضلي اإلخوان في الصفوف األمامية خالل حرب ‪9100‬‬ ‫يقوم اليسار بصدمة الجماهير الغاضب ة ويعترف بإسرائيل‪ ،‬بل ويعلن أن الحرب ليست إال‬ ‫مناورة من االستعمار والرجعية لتحويل أنظار الجماهير المصرية عن معركتهم الوطنية‪.‬‬ ‫موقف الشيوعيين المصريين هذا من القضية الفلسطينية لم ينتج عن ـ كما يدعي طارق‬ ‫البشري وغيره من الكتاب اإلسالميين ـ تواجد بعض اليهود في قيادات األحزاب الشيوعية‬ ‫المصرية‪ .‬فكثير من هؤالء ناضلوا ببسالة ضد الصهيونية وأنشئوا الرابطة اليهودية لمحاربة‬ ‫الصهيونية‪ .‬هذا الموقف نتج عن الوالء األعمى لالتحاد السوفييتي‪ ،‬الذي حول الكثير من‬ ‫األحزاب الشيوعية في مختلف أرجاء العالم إلى مكاتب تخدم السياسة الخارجية الروسية بدالً‬ ‫من كونها أحزاب ثورية مستقلة‪.‬‬ ‫والغريب أن بعضاً من شيوعيو ذلك الزمن ظلوا يبررون هذا الموقف حتى اليوم‪ .‬هكذا نقرأ‬ ‫تعقيب لخالد محي الدين نُشر في كتاب رفعت السعيد "تاريخ الحركة الشيوعية المصرية"‪:‬‬

‫"يجب أن نضع في االعتبار أن اليسار المصري كان يقبل التقسيم كسبيل الستقالل‬ ‫فلسطين ‪ ..‬وأيضاً فإن اليسار المصري وهو يقبل مشروع التقسيم‪ ،‬ويؤكد في نفس الوقت أنه‬ ‫حل سيء لكنه المتاح الوحيد ‪ ..‬البد لي من أن أقرر أن هذا الموقف من جانب اليسار‬ ‫المصري كان في أغلب جوانبه صحيحاً‪ ،‬وكان أيضاً موقفاً شجاعاً‪ ،‬بل ونادر الشجاعة‪ ،‬ذلك أن‬ ‫الشيوعيين المصريين قد تمسكوا به في وجه تيار قوي جارف مشحون بالعواطف القومية‬ ‫والدينية التي رفضت قرار التقسيم ‪ ..‬ويمكنني أيض ًا أن أقول بإطمئنان أن األيام قد أثبتت أن‬ ‫موقف اليسار هذا كان أكثر المواقف تعقالً وموضوعية والتقاء مع حقائق الوضع وتوازنات‬ ‫القوى"‪)10( .‬‬

‫‪62‬‬


‫‪ )7‬البرنامج االقتصادي واالجتماعي‬ ‫أحد االتهامات األساسية التي توجه عادة إلى جماعة اإلخوان هو الغموض في تناول‬ ‫القضايا االجتماعية والسياسية وغياب البرامج الملموسة‪ .‬وسنجد مثالً رفعت السعيد في‬ ‫تأريخه لإلخوان يطرح‪" :‬في رسالته "إلى أي شيء ندعوا الناس" أشار المرشد إلى قضايا‬ ‫العصر قائالً أن العالمية والقومية واالشتراكية والرأسمالية والبلشفية والحرب وتوزيع الثروة‬ ‫والصلة بين المالك والمستهلك كلها خاض فيها اإلسالم‪ .‬ثم عاد البنا فقال‪:‬‬

‫"أن المقام ال يسمح بالتفصيل وبأن األمر يحتاج لجوالت"‬ ‫ووعد أن يفصل فيها القول‪ .‬ولم يف البنا بوعده أبداً ذلك أنه كان دائماً غامضاً في حديثه‬ ‫عن المقترحات التفصيلية والمتعلقة بالحكومة اإلسالمية‪ ،‬وأنه لم يحدث مطلق ًا أن شرح نواياه‬ ‫بوضوح"‪ )1.( .‬ويكرر السعيد تأكيده لغياب برنامج محدد في خطاب اإلخوان‪:‬‬

‫"ال يقدم البنا أي برنامج سياسي‪ ،‬بل لعله قد تهرب كثيراً من تحديد أي موقف سياسي‬ ‫واضح من أية قضية قومية أو وطنية أو اجتماعية"‪)11( .‬‬ ‫إال أن البنا شرح باستفاضة في ورقة هامة بعنوان "مشكالتنا الداخلية في ضوء النظام‬ ‫اإلسالمي‪ :‬النظام االقتصادي" برنامج اإلخوان االقتصادي واالجتماعي‪ ،‬وسنالحظ بوضوح أن‬ ‫مشكلة ما يطرحه البنا ليست في غموضه أو عدم تحديده أو غياب البرنامج عنه‪ ،‬وإنما في‬ ‫الطبيعة الوسطية والمتناقضة لمشروعه التي تنبع في األصل من الطبيعة الطبقية لإلخوان‪.‬‬ ‫فعلى صعيد الموقف من السيطرة األجنبية على االقتصاد المصري ال يختلف موقف البنا‬

‫عن مجمل مواقف القوى الوطنية األخرى‪:‬‬ ‫"إن األجانب الذين احتلوا هذا الوطن ‪ ..‬قد وضعوا أيديهم على أفضل منابع الثروات فيه‪،‬‬ ‫شركات أو أفراداً‪ ،‬فالصناعة والتجارة والمنافع العامة والمرافق الرئيسية كلها بيد هؤالء‬ ‫األجانب"‪)10( .‬‬ ‫والحل الذي يطرحه هو ضرورة تمصير الشركات‪:‬‬

‫"األصول التي يقوم عليها النظام االقتصادي اإلسالمي توجب االهتمام الكامل بتمصير‬ ‫‪67‬‬


‫الشركات‪ ،‬وإحالل رؤوس األموال الوطنية محل رؤوس األموال األجنبية كلما أمكن ذلك‪،‬‬ ‫وتخليص المرافق العامة من يد غير أبنائها"‪)11( .‬‬ ‫لكنه‪ ،‬بالطبع‪ ،‬ال يطالب بتأميم تلك الشركات وإنما فقط بتحويل ملكيتها من رأس المال‬ ‫األجنبي إلى رأس المال المصري‪.‬‬ ‫ورؤية البنا حول التفاوتات الطبقية في المجتمع المصري تعبر بصدق ووضوح عن‬ ‫المضمون الطبقي لمشروعه‪:‬‬

‫" إن التفاوت عظيم والبون شاسع‪ ،‬والفرق كبير‪ ،‬بين الطبقات المختلفة في هذا الشعب‪،‬‬ ‫فثراء فاحش وفقر مدقع‪ .‬والطبقة المتوسطة تكاد تكون معدومة‪ ،‬والذي نسميه نحن الطبقة‬ ‫المتوسطة ليس إال من الفقراء المعوزين وإن كنا نسميهم متوسطين"‪)07( .‬‬ ‫وهو يقدم في مواجهة ذلك حالً وسطياً إصالحياً يهدف إلى تغيير األمور لكن دون صراع‬ ‫طبقي‪:‬‬

‫"ضرورة تقريب الشقة بين مختلف الطبقات‪ ،‬تقريباً يقضي على الثراء الفاحش والفقر‬ ‫المدقع"‪)09(.‬‬ ‫الجانب العملي لهذا الهدف الوسطي اإلصالحي من وجهة نظر البنا يتضمن جانبين‪،‬‬ ‫األول هو اإلصالح الزراعي‪:‬‬

‫" توجب علينا روح اإلسالم الحنيف‪ ،‬وقواعده األساسية في االقتصاد القومي‪ ،‬أن نعيد‬ ‫النظر في نظام الملكيات في مصر‪ ،‬فنختصر الملكيات الكبيرة‪ ،‬ونعوض أصحابها عن حقهم بما‬ ‫هو أجدى عليهم وعلى المجتمع‪ ،‬ونشجع الملكيات الصغيرة ‪ ..‬وأن نوزع أمالك الحكومة حاالً‬ ‫على هؤالء الصغار كذلك حتى يكبروا"‪)09( .‬‬ ‫االقتراح العملي الثاني الذي يطرحه البنا "لتقريب الشقة بين الطبقات" هو الضرائب‬ ‫التصاعدية‪:‬‬

‫"البد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي بحسب المال ال بحسب‬ ‫الربح يعفى منها الفقراء طبعاً‪ ،‬وتجبى من األغنياء الموسرين وتنفق في رفع مستوى المعيشة‬ ‫‪68‬‬


‫بكل الوسائل المستطاعة"‪)01( .‬‬ ‫ويعود البنا ليؤكد أن هذه المقترحات يجب أال تمس قدسية الملكية الخاصة‪:‬‬

‫" تقرير حرمة المال واحترام الملكية الخاصة ما لم تتعارض مع المصلحة العامة‪ .‬فقد‬ ‫امتدح اإلسالم المال الصالح وأوجب الحرص عليه وحسن تدبيره وتثميره‪ ،‬وأشاد بمنزلة الغنى‬ ‫الشاكر الذي يستخدم ماله في نفع الناس ومرضاة الله"‪)00( .‬‬ ‫هذه النقاط البرنامجية‪ ،‬ورغم عموميتها وعدم تعرضها للتفاصيل‪ ،‬تؤكد بوضوح على‬ ‫الطبيعة الطبقية لرؤية البنا‪ .‬هو ال يمثل بأي حال مصالح كبار المالك والرأسماليين‪ ،‬هذا‬ ‫واضح في دعوته لإلصالح الزراعي وفرض ضرائب تصاعدية‪ ،‬وهي أمور كانت الطبقات المالكة‬ ‫تعارضها بشدة‪ .‬وهو بالتأكيد ال يعبر عن مصالح االستعمار البريطاني ورأس المال األجنبي‪،‬‬ ‫فهو يدعو وبال أية مواربة إلى التخلص منهما‪ .‬لكنه في ذات الوقت ال يعبر عن مصالح الطبقة‬ ‫العاملة وفقراء الفالحين‪ ،‬فهو يعادي بقوة أي مساس بالملكية الخاصة سواء بالتأميم في حالة‬ ‫الصناعة أو بإصالح زراعي جذري في حالة الزراعة‪.‬‬ ‫يدافع اإل خوان عادة عن هذه الرؤية باعتبارها ال تعبر عن مصالح أية طبقة اجتماعية‪،‬‬ ‫وإنما تعبر عن مصلحة األمة أو الوطن أو صحيح الدين‪ .‬إال أنها في واقع األمر كانت والزالت‬ ‫تعبر عن مصالح الطبقة الوسطى الحديثة وامتداداتها في أوساط البرجوازية الصغيرة التقليدية‬ ‫في الريف والمدينة‪ .‬فهؤالء كانوا يعانون بشدة من سيطرة الملكيات الكبيرة في الريف‪ ،‬لكنهم‬ ‫في ذات الوقت يريدون حماية الملكيات الصغيرة والمتوسطة من مخاطر ثورة فالحية تطيح‬ ‫بنظام الملكية لصالح الفالحين الفقراء والمعدمين‪ .‬وهؤالء كانوا يعانون أيضاً من سيطرة كبار‬ ‫الرأسماليين ورأس المال األجنبي على الصناعة والبنوك والمؤسسات الحديثة‪ ،‬لكنهم بالتأكيد‬ ‫لم يكن بينهم من يريد تأميم تلك القطاعات لصالح العمال‪ ،‬مما كان سيهدد المنظومة‬ ‫الطبقية التي ظلوا دائماً يبحثون عن مكانة متميزة لهم فيها‪.‬‬ ‫وتؤكد كتابات محمد الغزالي‪ ،‬الذي كان في النصف الثاني من األربعينات أحد أهم‬ ‫مفكري اإلخوان‪ ،‬على ذلك المضمون الطبقي لخطابهم‪ .‬ففي كتابه "اإلسالم واألوضاع‬ ‫االقتصادية" ينتقد الغزالي الشيوعية والرأسمالية لموقفهما من الدين‪:‬‬ ‫‪69‬‬


‫" فقد أنكرت الشيوعية الدين ألنها حسبته مخدراً للشعوب ومسكناً آلالم الطبقات‬ ‫المظلومة وصارفاً لهمم أبنائها من المطالبة بحقوقهم المضيعة‪ .‬واحتقرت الرأسمالية الدين إذ‬ ‫توسلت به إلشباع المطامع الجشعة وإقرار الفوارق الجائرة‪ .‬والدين مظلوم بين من كفروا به‬ ‫ومن جحدوه‪ .‬بين الشيوعية المتطرفة والرأسمالية المتعجرفة"‪)00(.‬‬ ‫وسرعان ما يتضح الجوهر الطبقي لذلك النقد‪:‬‬

‫" إن المساواة المطلقة خرافة والتفاوت المفتعل بغير سبب معقول مرفوض من أساسه‬ ‫فالناس سواء في الحقوق العامة"‪)0.( .‬‬ ‫ويظل ذلك التضارب بين رفض الظلم والفوارق الطبقية ورفض المساواة وإلغاء الفوارق‬ ‫مالزماً لفكر الغزالي فيقول‪:‬‬

‫"إن الطبقات المترفة‪ ،‬مصدر فساد عريض‪ ،‬ومثار فتن متجددة‪ .‬إن أساس التأخر وسبب‬ ‫الدمار الذي يصيب األوطان والشعوب هو من هذه الطبقات"‪.‬‬ ‫(‪ )01‬ثم يعود ويدافع باستماتة عن قدسية الملكية الخاصة‪:‬‬

‫" حرية التملك جزء من الحرية الشخصية التي نحترمها ونود لو أحيطت بألف سياج‪ .‬من‬ ‫حق أي إنسان أن يعمل وأن ينال ثمرة عمله كاملة‪ ،‬وأن يستمتع بنتائج جهده وأن يورث‬ ‫أبناءه ما اكتسب"‪)00( .‬‬ ‫بعد ذلك يعود ليؤكد أن‪:‬‬

‫"الملك الحالل البد أن تخرج منه حقوق شتى ‪ ..‬وما بقي بعد ذلك ال يجوز أن يكو سنادًا‬ ‫لتطاول أسر متكبرة تحاول بقوة المال أن تحكم وتتصدر وتسوق الجماهير بثرائها وبعصاها‪.‬‬ ‫وا لواقع أن الغنى النظيف الناتج عن الكسب الشريف المبذول في خدمة المثل العليا والنواحي‬ ‫الفاضلة هو ال ريب منتهى ما ينشده الدين ألتباعه في هذه الحياة‪ .‬ال يكون الغنى طيب ًا إال إذا‬ ‫عرفت مصادره فكانت متفقة مع شرعية الله وإال إذا حسن العمل فيه فجرت نفقته على ما‬ ‫يرضي الله"‪)01( .‬‬

‫‪30‬‬


‫هكذا نجد من جديد وبوضوح الجوهر الطبقي للخطاب اإلخواني‪ ،‬والتعبير الصافي عن‬ ‫الطبقة الوسطى بقطاعاتها الحديثة والتقليدية في هذا التوازن الوسطي اإلصالحي بين قبول‬ ‫الملكية الخاصة بل والدفاع عنها‪ ،‬وبين وضع القيود عليها عندما تخرج عن نطاق الملكيات‬ ‫الصغيرة والمتوسطة‪ .‬ونالحظ النقد الالذع للملكيات الكبيرة بكل ما تعني من احتكار وظلم‬ ‫وفساد‪ ،‬وفي ذات الوقت الدفاع المستميت عن الملكية األخالقية النظيفة المثالية ـ أي‬ ‫الصغيرة‪.‬‬ ‫والغزالي يصل إلى استنتاجات عملية أكثر راديكالية مما طرحه البنا‪ .‬هو مثالً مع تدخل‬ ‫واسع النطاق للدولة في إدارة االقتصاد‪:‬‬

‫" أجل فلتفرض الدولة على األمالك ما تشاء من قيود‪ ،‬وعلى األموال ما تشاء من ضرائب‪،‬‬ ‫وعلى األوضاع االقتصادية ما تشاء من النظم‪ ،‬فإن الدين ظهيرها في هذه الوسائل ما دامت‬ ‫تريد من ورائها حماية جمهور الشعب من أن يسقط فريسة سهلة لالستعمار الداخلي أو‬ ‫الخارجي على السواء"‪)07( .‬‬ ‫وبشكل أكثر وضوحاً يطرح الغزالي أنه‪:‬‬

‫" إذا اتسعت حاجات الناس باتساع الحضارة وتغير الزمن فعلى الحكومة أن تضع يدها ـ‬ ‫باسم الشعب ـ على مصادر الثروة العامة‪ ،‬وأن تقصي المحتكرين أفراداً كانوا أو شركات من‬ ‫محاولة استغاللها ألنفسهم وتسخيرها وتسخير الشعب معها لمطامعهم"‪)09( .‬‬ ‫هذا بالتأكيد لم يكن خطاباً يعبر عن مصالح الرأسمالية الكبيرة أو الملك أو االستعمار‪،‬‬ ‫لكنه أيضاً لم يكن خطاباً ثورياً يريد القضاء على النظام الطبقي القائم‪.‬‬ ‫ولم تكن التناقضات في خطاب اإلخوان تقتصر على القضايا االقتصادية واالجتماعية بل‬ ‫شملت أيضاً موقفهم من الشرعية والدستور‪ ،‬فقد كتبت مجلة النذير في عددها رقم ‪:11‬‬

‫" ما كان لإلخوان المسلمين أن تنكر االحترام الواجب للدستور بوصفه نظام الحكم‬ ‫المقرر في مصر وال أن تحاول الطعن فيه أو إثارة الناس ضده وحضهم على كراهيته‪ ،‬ما كان‬ ‫لها أن تفعل ذلك وهي جماعة مؤمنة مخلصة تعلم أن إهاجة العامة ثورة وأن الثورة فتنة وأن‬ ‫‪30‬‬


‫الفتنة في النار"‪.‬‬ ‫إال أن المرشد العام كان قد طرح عام ‪:9110‬‬

‫"البد من جديد في هذه األمة‪ .‬هذا الجديد هو تغيير النظم المرقعة المهلهلة التي لم‬ ‫تجني منها األمة غير االنشقاق والفرقة ‪ ..‬هو تعديل الدستور المصري تعديالً جوهري ًا توحد‬ ‫فيه السلطات"‪ .‬وخاطب الناس بأن يستعدوا فإن استجاب الحكام لألمر كان بها‪" ،‬وإذا أبوا‬ ‫فجاهدوهم به جهاداً كبيراً"‪)09( .‬‬ ‫وكما يالحظ طارق البشري عن موقف حسن البنا ‪:‬‬

‫"لم يحسم أبداً في دعوته ما إذا كان يقصد اإلصالح أم الثورة‪ ،‬وإذا كانت الثورة فتنة‬ ‫فكيف يمكن إجراء التغيرات الجذرية في الحكم؟"‪)01( .‬‬ ‫وقد كانت هذه التذبذبات والتناقضات في المواقف وفي الخطاب إحدى أسباب فشل‬ ‫الجماعة في مواجهة القمع الذي انهال عليها بعد حرب فلسطين‪.‬‬ ‫‪ )8‬المحنة والتفكك‬ ‫أدى الدور الذي لعبه اإلخوان في حرب فلسطين وتصعيد كفاحهم ضد االحتالل‬ ‫البريطاني‪ ،‬وما واكب ذلك من توسع نفوذهم الجماهيري إلى توفير األسباب الكافية النقالب‬ ‫القصر عليهم‪ .‬وكما يالحظ طارق البشري‪ " :‬الثابت أن اإلخوان في مرحلة ما وقفوا مع الملك‬ ‫وأيدوه‪ .‬والثابت باليقين نفسه أنهم في فترات أخرى تصارعوا معه‪ ،‬فكان الملك على رأس‬ ‫القوى التي حلت الجماعة في عام ‪ ،9100‬واغتالت المرشد العام بعد ذلك بشهرين تقريب ًا‪.‬‬ ‫والراجح أن أحزاب األقليات الحاكمة أيدت اإلخوان حيناً‪ ،‬وأنها صارعتهم من بعد‪ ،‬وألحقت‬ ‫بهم من إجراءات القمع والعذاب ما لم تعرفه قوة سياسية قبلهم في التاريخ الحديث‪)00( .‬‬ ‫وكان القمع بالفعل استثنائياً فتم اعتقال اآلالف من اإلخوان وفصل ‪ 907‬موظفاً وشرد‬ ‫من القاهرة وحدها الى الوجه القبلي ‪ 077‬موظف وأبعد عن كليات الجامعة والمدارس الثانوية‬ ‫نحو ألف طالب‪ )00( .‬واتسعت دائرة االعتقاالت في صفوف اإلخوان لتشمل ‪ 0777‬معتقل‪،‬‬ ‫وتعرض المعتقلون ألقصى درجات التعذيب الوحشي الذي لم تعرف مصر مثله من قبل‪)0.( .‬‬ ‫‪36‬‬


‫وقد أدت في نهاية األمر تلك الوسطية والخطاب المتناقض وانعكاسهما في تكتيكات البنا‬ ‫إلى المحنة واألزمة التي انتهت باغتياله‪ .‬فرغم تفاقم األزمة السياسية واالجتماعية في مصر‬ ‫في نهاية األربعينات‪ ،‬ورغم قوة اإلخوان المسلمين كأكبر وأنشط التنظيمات الجماهيرية لم‬ ‫يكن في استطاعة البنا تقبل فكرة الثورة بما تعنيه من تعبئة للعمال وفقراء الفالحين ومن‬ ‫تهديد ألسس الملكية الخاصة والمجتمع الطبقي‪ ،‬ولم يتقبل أيضاً أن يتحول إلى مجرد أداة‬ ‫في يد القصر لمواجهة الحركة الجماهيرية‪.‬‬ ‫أغتيل البنا وهو في عامه الـ‪ 09‬ولم يتمكن أبداً من تحقيق وعده لإلخوان المسلمين‬ ‫الذي ظل يلهم حركتهم‪" :‬في الوقت الذي يكون فيه منكم ـ معشر اإلخوان المسلمين ـ‬ ‫ثالثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحياً باإليمان والعقيدة‪ ،‬وفكرياً بالعلم والثقافة‪،‬‬ ‫وجسمياً بالتدريب والرياضة‪ .‬في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجاج البحار وأقتحم بكم‬ ‫عنان السماء‪ ،‬وأغزو بكم كل عنيد جبار‪ ،‬فإني فاعل إن شاء الله"‪)01( .‬‬

‫‪33‬‬


‫الفصل الثاني‪ :‬من ناصر إلى مبارك‬ ‫‪ )1‬بداية الحكم الناصري والموقف من االنقالب‬ ‫لم يكن الوضع القائم في مصر بعد حرب فلسطين ‪ 9100‬قابالً لالستمرار‪ .‬فالنظام‬ ‫الملكي كان يتهاوى وحزب الوفد صار مفتقداً لكل مصداقية وشرعية بعد أن فشل في‬ ‫تخليص البالد من االستعمار البريطاني ومن سيطرة رأس المال األجنبي‪ ،‬باإلضافة إلى عجزه‬ ‫عن حل المسألة الزراعية‪ .‬ولم يعد كبار المالك والرأسماليين بأحزابهم قادرين على مواجهة‬ ‫الغليان الجماهيري المتصاعد‪ .‬وفي ظل هذه األجواء المحملة برياح التغيير والثورة لم تتمكن‬ ‫ال الحركة الشيوعية وال جماعة اإلخوان من البروز كبديل قادر على حسم األمور‪ .‬فقد ظل‬ ‫الشيوعيون أسرى الستراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية التي أمالها االتحاد السوفيتي على‬ ‫األحزاب التابعة له والمتأثرة به‪ .‬وبدالً من النضال من أجل دور قيادي ومستقل للحركة‬ ‫العمالية المتصاعدة يجذب خلفه الفالحين الفقراء والفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة ظل‬ ‫القطاع األكبر من الشيوعيين في موقع التذيل للب رجوازية المصرية وحزب الوفد‪ ،‬وقد أكدت‬ ‫منظمة حدتو وهي أكبر التنظيمات الشيوعية موقفها بوضوح في جريدة الجماهير‪:‬‬

‫" إذا كانت أسلحة االستعمار موجهة ضد الوفد والحركة العمالية فإن ذلك يربط بين‬ ‫الحركتين في حلف جماهيري يستند إلى برنامج وطني مشترك"‪)9( .‬‬ ‫وقد شل اإل خوان ـ كما أوضحنا سابقاً ـ تذبذبهم الدائم بين مهادنة النظام ومواجهته‪،‬‬ ‫وبين العمل المسلح والعمل اإلصالحي‪ ،‬وبين العداء للملكية والوفد وبين التودد والتقرب‬ ‫إليهما‪ ،‬وبين قدرتهم على تعبئة الجماهير وخوفهم من تجاوز الجماهير الحدود الوسطية‬ ‫واإلصالحية لبرنامجهم‪ ،‬وهو ما ظهر بوضوح في مواقفهم المعادية لإلضرابات العمالية‬ ‫المستقلة وللهجمات الفالحية ضد كبار مالك األرض‪ ،‬هذا رغم كونهم أكبر التنظيمات‬ ‫السياسية وقتها من حيث العضوية والنفوذ الجماهيري‪ .‬وقد زاد من تخبط اإلخوان موجة‬ ‫القمع التي تعرضوا لها بعد عام ‪ 9100‬وغياب البنا‪ ،‬مما أضعف قيادة الجماعة وفتح المجال‬ ‫داخلها لالنقسامات والتفكك‪.‬‬ ‫‪34‬‬


‫كان الظرف إذن مهيئاً الستيالء ضباط الجيش على السلطة في يوليو عام ‪ .9109‬وما‬ ‫يهمنا في هذا المجال هو فهم المنعطفات الرئيسية في عالقة النظام الجديد بجماعة اإلخوان‬ ‫المسلمين‪.‬‬ ‫لقد بدأ اإلخوان في تجنيد ضباط في الجيش منذ مطلع األربعينات‪ ،‬وخالل األربعينات‬ ‫كان اإلخوان األنجح بين القوى السياسية في خلق وجود تنظيمي داخل صفوف الجيش‪ .‬وقد‬ ‫أسسوا مجموعة "جنود الجيش األحرار" التي أصدرت عدداً من البيانات التحريضية في عامي‬ ‫‪ 9109‬و‪ )9( .9109‬وفي ‪ 9100‬شكل مكتب اإلرشاد تنظيمان داخل الجيش والشرطة‬ ‫خارج نطاق التنظيم الخاص‪ .‬وقد عين حسن البنا الضابط صالح شادي لإلشراف على خاليا‬ ‫اإلخوان في الشرطة‪ ،‬ومحمود لبيب في الجيش‪ )1( .‬لكن موجة القمع في عام ‪ 9100‬ومقتل‬ ‫البنا أدى إلى تقلص النفوذ اإلخواني داخل الجيش‪ ،‬لكنه ظل النفوذ السياسي األكبر حتى‬ ‫انقالب عام ‪.9109‬‬ ‫وقد شهدت العالقة بين اإلخوان والضباط األحرار ثالثة مراحل متميزة‪ .‬في الشهور األولى‬ ‫بعد االنقالب مباشرة حاول الضباط أن يحافظوا على عالقات ودية مع اإلخوان‪ ،‬لكن دون‬ ‫التحالف المباشر معهم‪ ،‬فقد كان موقف النظام الجديد من اإلخوان خليط من الخوف‬ ‫واالحتياج‪ .‬الخوف بسبب قوة اإلخوان الجماهيرية واالحتياج بسبب عزلة النظام عن أي قواعد‬ ‫جماهيرية مؤثرة‪ .‬ومع تحرك النظام للقضاء على األحزاب السياسية القديمة توطدت العالقة‬ ‫بينه وبين اإلخوان في محاولة منه لكسب تأييداً جماهيرياً إلجرائاته السياسية‪ .‬لكن حتى‬ ‫ذلك التقارب كان مليئاً بالحذر والشكوك من الجانبين‪ .‬فقد حاول عبد الناصر استغالل حالة‬ ‫االرتباك واالنقسام داخل الجماعة بالتقرب من القيادات الشابة المناهضة للهضيبي في محاولة‬ ‫إلضعاف سيطرته وتعميق االنقسامات‪ .‬إال أن الهضيبي كان لديه تقديراً صحيحاً لنية النظام‬ ‫في استغال ل نفوذ اإلخوان الجماهيري للسيطرة على السلطة‪ ،‬ثم التخلي عنهم واالنقضاض‬ ‫عليهم‪ .‬وهكذا لم يقبل النظام أن يكون لإلخوان أي دور قيادي مشارك للضباط في رسم‬ ‫السياسات‪ ،‬واكتفى بعرض مناصب ثانوية على بعض رموز اإلخوان كمنح منصب وزير األوقاف‬ ‫للباقوري الذي سرعان ما انقلب على اإلخوان لصالح النظام‪)0( .‬‬

‫‪35‬‬


‫وعلى الرغم من الدور الذي لعبه اإلخوان في تأييد ودعم النظام الجديد خالل العام األول‬ ‫من االنقالب إال أن شهر العسل لم يدم طويالً‪ ،‬ففي أكتوبر ‪ 9100‬وبعد سيطرة النظام على‬ ‫الوضع السياسي في أعقاب أزمة مارس جاءت محاولة اغتيال عبد الناصر على يد شاب من‬ ‫اإلخوان المسلمين‪ ،‬التي عرفت بحادثة المنشية الشهيرة‪ .‬وقد وفرت هذه المحاولة المناخ‬ ‫الذي احتاجه عبد الناصر لالنقضاض على اإلخوان‪ ،‬وتصفية تشكيالتهم التنظيمية وعلى رأسها‬ ‫الجهاز السري بطريقة قمعية‪ .‬وسواء قبلنا تفسير اإلخوان للحادث بأنه مدبر من قبل النظام‪،‬‬ ‫أو قبلنا التفسير الناصري بأنه كان جزء من مؤامرة لقلب النظام‪ ،‬أو اعتمدنا على التفسير‬ ‫األكثر منطقية وهو أن الحادث جاء كمبادرة فردية من مجموعة إخوانية صغيرة دون علم‬ ‫المرشد‪ ،‬فالنتيجة النهائية كانت تمكن النظام من تدمير البنية التنظيمية للجماعة ليس فقط‬ ‫باالعتقاالت والمحاكمات واالعدامات لكن أيضاً بتأميم المؤسسات الخيرية واألهلية التي كان‬ ‫اإلخوان قد بنوها عبر عقدين من النشاط المكثف‪.‬‬ ‫إال أن القمع وحده ال يكفي في الحقيقة لتفسير االنهيار الذي حدث في قوة ونفوذ‬ ‫ووجود اإلخوان خالل الحقبة الناصرية‪ .‬وال يمكن فهم ما حدث دون فهم طبيعة النظام‬ ‫الناصري والسياسات التي تبناها‪ ،‬التي لعبت دوراً كبيراً في استيعاب القاعدة االجتماعية‬ ‫لإلخوان‪ ،‬أي الطبقة الوسطى الحديثة‪ ،‬وكسب تأييدها للنظام‪.‬‬ ‫‪ )2‬طبيعة السياسات الناصرية‬ ‫كان اإلصالح الزراعي هو محور سياسات النظام الناصري في مراحله األولى‪ .‬فالقضاء على‬ ‫طبقة كبار مالك األرض وإعادة توزيع األرض الزراعية كانت شروطاً أساسية لحل األزمة‬ ‫السياسية واالقتصادية في البالد‪ .‬لكن اإلصالح الزراعي الذي تم لم يؤدي إلى اشباع عطش‬ ‫فقراء الفالحين ومعدمي الريف إلى ملكية األرض‪ ،‬ذلك أن مصر لم تشهد إصالح ًا زراعياً‬ ‫راديكالياً كالذي حدث في بلدان أخرى عديدة وقتها‪ .‬فمثالً لو أن ما جرى أدى إلى انتزاع‬ ‫ملكية جميع األراضي الزراعية وإعادة توزيعها على الـ‪ 969‬مليون عائلة فالحية الموجودة عام‬ ‫‪ ،9109‬لحصلت كل عائلة على فدانين‪ .‬لكن ما تم وقتها كان مختلفاً‪ ،‬ولم يتعدى كونه‬ ‫سلسلة من اإلصالحات المحدودة أثرت فقط على ‪ %9.‬من األراضي الزراعية وتم توزيع‬ ‫‪ %91‬من هذه األراضي على حوالي ‪ %97‬من العائالت الفالحية‪)0( .‬‬ ‫‪32‬‬


‫ما يهمنا هنا هو أن المستفيد األساسي من اإلصالح الزراعي لم يكن الفالحين الفقراء بل‬ ‫كان الفئات الوسطى من مالك األرض الذين شكلوا الجذور الريفية للطبقة الوسطى الحديثة‪.‬‬ ‫فقد زادت المساحة الزراعية التي في حوزة هؤالء من حوالي ‪ 960‬مليون فدان عام ‪9109‬‬ ‫إلى حوالي ‪ 9‬مليون فدان عام ‪ .91.0‬ولم يحتفظ المالك المتوسطين فقط بنصيبهم من‬ ‫األرض بل اكتسبوا نفوذاً اجتماعياً وسياسياً في المجاالت التي كانت خاضعة لسيطرة كبار‬ ‫المالك من قبل‪).( .‬‬ ‫ولعل أكثر المجاالت اإلصالحية التي سمحت للنظام الناصري باالستيعاب السياسي‬ ‫واالجتماعي للطبقة الوسطى الحديثة كان مجال التعليم‪ .‬فكما في حالة الزراعة لم يكن‬ ‫المستفيد األساسي من التوسع التعليمي هو الفقراء األميين من عمال وفالحين‪ ،‬وإنما كان‬ ‫المستفيد هم أبناء الطبقة الوسطى ذوي التعليم المتوسط والعالي‪ .‬ففي عام ‪ 9100‬تم‬ ‫تخفيض المصاريف الجامعية وتحويل جزء من ميزانية التعليم األساسي إلى التعليم الجامعي‪.‬‬ ‫وخالل الفترة ما بين عامي ‪ 9100‬و‪ 91.9‬تضاعفت ميزانية الجامعات عدة مرات (ثمانية‬ ‫أضعاف) في حين زادت ميزانية التعليم ككل بنسبة ‪ .%977‬وزادت نسبة التعليم العالي من‬ ‫الميزانية الكلية للتعليم في نفس الفترة من ‪ %90‬إلى ‪)1( .%99‬‬ ‫وخالل الحقبة الناصرية زاد عدد الطالب في المرحلة االبتدائية بنسبة ‪ %910‬في حين‬ ‫زاد عدد الطالب الجامعيين بنسبة ‪ .%190‬وكان عدد الذين التحقوا بالجامعة في العام‬ ‫الدراسي ‪ 096.09 9101-9109‬طالب وصلوا في العام الدراسي ‪ 9117-91.1‬إلى‬ ‫‪ 9.96091‬طالب‪ )0( .‬ولم تكن هذه الزيادة الضخمة مرتبطة باحتياجات سوق العمل بقدر ما‬ ‫كانت مرتبطة برغبة النظام الناصري في االستيعاب السياسي واالجتماعي للطبقة الوسطى‬ ‫الحديثة‪ .‬وقد ظلت هذه الفئة من الجامعيين وخريجي المعاهد محدودة بالنسبة إلى مجمل‬ ‫المواطنين (‪ %0‬من نفس الفئة العمرية) إال أن حجم تأثيرها السياسي فاق ذلك بكثير‪.‬‬ ‫وإلى جانب التوسع في التعليم العالي والمتوسط كان على النظام الناصري استيعاب‬ ‫هؤالء الخريجين في سوق العمل‪ .‬ومع الخطة الخمسية األولى والتوسع الكبير في القطاع‬ ‫العام مع مطلع الستينات أصدر النظام القانون رقم ‪ 900‬المعروف بسياسة التعيين‪ ،‬الذي‬ ‫يلزم الحكومة بتعيين كافة خريجين الجامعات والمعاهد في وظائف حكومية أو في القطاع‬ ‫‪37‬‬


‫العام‪ .‬وقد وصل عدد المعينين في وظائف داخل القطاع العام والحكومة من ذوي المؤهالت‬ ‫العليا والمتوسطة ‪ 007‬ألف موظف خالل عام ‪ 91.1‬منهم ‪ 901‬ألف خريج جامعي‪ ،‬أو ما‬ ‫يوازي ‪ %.7‬من إجمالي عدد الخريجين‪ .‬وقد شمل ذلك أكثر من ‪ %17‬من المهندسين‬ ‫والعلماء و‪ %01‬من األطباء وأكثر من ‪ %.7‬من المحاميين‪)1( .‬‬ ‫‪ )3‬أزمة الناصرية‬ ‫إال أن خطة االستيعاب هذه كانت تعتمد بالكامل على نجاح النمو االقتصادي والخطة‬ ‫الخمسية‪ .‬لكن رأسمالية الدولة الناصرية لم تتمكن أبداً من تحقيق النجاح الذي يسمح لها‬ ‫باالستمرار‪ .‬لقد وُضعت الخطة الخمسية األولى في عام ‪ 91.9-91.7‬كخطة تستهدف‬ ‫الدولة من خاللها تركيز كل االستثمارات على عملية التصنيع‪ ،‬وعلى بناء السد العالي لزيادة‬ ‫اإلنتاج الزراعي وتوفير الطاقة للصناعة‪ .‬فلسفة الخطة قامت على التصنيع السريع وإحالل‬ ‫الواردات للبدء في خلق أرضية متكاملة تسمح بالتنمية المستقلة وتحويل مصر من دولة‬ ‫زراعية إلى دولة صناعية‪ .‬وهي خطة اعتمدت على تجارب االتحاد السوفيتي والصين والهند‬ ‫في خلق اقتصاد مستقل وسوق محلية تستوعب اإلنتاج الصناعي‪.‬‬ ‫لكن الواقع كان بعيداً كل البعد عن األهداف المرجوة‪ ،‬وبدالً من أن تصبح الخطة األولى‬ ‫بداية الطريق في سلسلة من الخطط الخمسية تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي يُخرج البالد‬ ‫من أزمتها‪ ،‬سرعان ما انهارت التجربة وتأزمت وتحولت إلى أحد أشد التجارب فشالً في بناء‬ ‫رأسمالية الدولة‪.‬‬ ‫الخطة مثالً كانت تهدف إلى تخفيض قيمة الواردات خالل سنواتها الخمسة من ‪991‬‬ ‫مليون جنيه إلى ‪ 990‬مليون جنيه (بأسعار عام ‪ )91.0‬لكن ما حدث في الواقع هو أن‬ ‫قيمة الواردات زادت لتصل إلى ‪ 091‬مليون جنيه عام ‪ ،91.0‬ووصل العجز في الميزان‬ ‫التجاري إلى ‪ 9..‬مليون جنيه وزادت نسبة الواردات من إجمالي الناتج المحلي من ‪%90‬‬ ‫في بداية الخطة إلى ‪ %97‬في نهايتها‪)97(.‬‬ ‫ليس هنا مجال تحليل أسباب وتفاصيل فشل رأسمالية الدولة الناصرية‪ .‬أما ما يهمنا‬ ‫اآلن هو معرفة تأثير ذلك الفشل على الطبقة الوسطى الحديثة التي تمكن النظام من‬ ‫‪38‬‬


‫استيعابها سابقاً بسياساته التعليمية والتوظيفية‪ .‬فقد أدى انكماش االقتصاد المصري بعد‬ ‫فشل الخطة الخمسية األولى إلى انهيار سريع في المستوى المعيشي وفرص التشغيل‬ ‫لخريجي الجامعات وبدأت الشروخ تظهر في قدرة النظام على استمرار استيعابه لتلك الطبقة‪.‬‬ ‫ومن مفارقات تلك الفترة أنه في اللحظة التي بدأ فيها انهيار المشروع الناصري قرر‬ ‫الحزب الشيوعي‪ ،‬الذي كان غالبية كوادره في المعتقالت‪ ،‬أن يحل نفسه ويندمج في‬ ‫التنظيمات السياسية التابعة للنظام الناصري‪ .‬حدث ذلك ـ كما هي العادة ـ بتعليمات من‬ ‫االتحاد السوفيتي الذي أصبحت له عالقات وطيدة بالنظام الناصري في ذلك الوقت‪ ،‬وبينما ـ‬ ‫على جانب آخر ـ كان سيد قطب يحاكم ويعدم شنقاً لمحاولته إحياء تنظيم اإلخوان‬ ‫ومعارضته العنيفة للنظام‪ .‬هذه المفارقة‪" :‬التقدميون" يتواطئون مع النظام ويندمجون فيه‪،‬‬ ‫و"الرجعيون" يناهضونه ويموتون على مشانقه (!) لعبت دوراً كبيراً في تشكيل الوعي‬ ‫السياسي المعارض خالل العقدين التاليين‪.‬‬ ‫أتت بعد ذلك هزيمة ‪ 91.1‬بالدفعة األخيرة في أزمة النظام الناصري‪ ،‬وأدت إلى اندفاع‬ ‫شباب الطبقة الوسطى الحديثة للبحث عن بدائل سياسية وأيديولوجية‪ .‬وقد تزامن ذلك مع‬ ‫محاوالت إعادة إحياء الحركة اإلسالمية‪ ،‬وظهور مجموعات يسارية مستقلة عن الحزب‬ ‫الشيوعي في أوساط الطالب الجامعيين‪.‬‬ ‫انفجرت الحركة الطالبية ضد النظام الناصري عام ‪ 91.0‬بقيادة عناصر يسارية حيث‬ ‫انعدم تقريباً الوجود اإلسالمي داخل الجامعات وقتها‪ .‬فما تعرض له اإلخوان من قمع وحشي‬ ‫خالل عامي ‪ 91.0‬و‪ 91..‬أضعف قدرتهم على الحركة وعطل محاوالتهم إلعادة البناء‬ ‫داخل الجامعات‪ .‬حدثت بعض االستثناءات بالطبع حيث نجحت عناصر إخوانية في المنصورة‬ ‫من التسرب داخل التنظيمات الشبابية لالتحاد االشتراكي‪ ،‬وقادوا مظاهرات المنصورة في‬ ‫نوفمبر عام ‪ 91.0‬ضد محاوالت اإلدارة في تخفيض أعداد الطالب‪ ،‬وانتهت المظاهرات التي‬ ‫خرجت من المعهد األزهري في المنصورة بمقتل أربعة من الطالب اإلسالميين‪ )99( .‬إال أن‬ ‫الهيمنة في تلك الحقبة ظلت في يد الطالب اليساريين‪.‬‬

‫‪39‬‬


‫‪ )4‬السادات والتلمساني والدعوة‬ ‫أدى القمع الذي عانى منه اإلخوان خالل الحقبة لناصرية إلى تغييرات هامة في تكوين‬ ‫وخطاب الجماعة عند خروج قياداتها من المعتقالت خالل فترة السبعينات‪ .‬لقد باتوا يفتقدون‬ ‫إلى الصلة مع الواقع السياسي وقواعدهم االجتماعية التقليدية بعد عقدين كاملين داخل‬ ‫المعتقل‪ .‬القيادات والكوادر التي نجت من االعتقال أمضت الفترة الناصرية في دول الخليج‪،‬‬ ‫وكونت ثروات من عملها هناك ومن عالقاتها مع النظام السعودي الرجعي الشديد العداء‬ ‫للناصرية‪ .‬ومع اطالق سياسة االنفتاح االقتصادي التي تبناها السادات عاد الكثير من هؤالء‬ ‫إلى مصر‪ ،‬ووجدوا أمامهم فرص ضخمة الستثمار مدخراتهم‪ .‬وتحول العمود الفقري للجماعة‬ ‫من الطبقة الوسطى الحديثة قبل الحقبة الناصرية إلى رجال أعمال ذوي صالت وطيدة‬ ‫بالنظام السعودي‪ .‬انعكس ذلك بالطبع على مواقف اإلخوان وخطابهم السياسي وهم يعيدون‬ ‫تشكيل صفوفهم تحت قيادة عمر التلمساني‪.‬‬ ‫أصبح عمر التلمساني أهم شخصية إخوانية بعد وفاة حسن الهضيبي عام ‪ .9111‬وقد‬ ‫التقى به صالح عشماوي عام ‪ 911.‬ووضع مجلة الدعوة تحت تصرفه‪ ،‬وتصرف اإلخوان‪.‬‬ ‫وظهرت الدعوة في شكلها الجديد بتمويل الشركة اإلسالمية للنشر والتوزيع التي رأس‬ ‫التلمساني مجلس إدارتها‪)99( .‬‬ ‫وقد سمح نظام السادات بصدور المجلة بال أي تدخل‪ .‬ومن المهم مالحظة أن النصيب‬ ‫األكبر من هذه المجلة من حيث المضمون والتوجه كان لإلخوان األوائل الذين أبعدهم‬ ‫الهضيبي عام ‪ 9101‬بسبب تقاربهم مع النظام مثل‪ :‬صالح عشماوي ومحمد الغزالي ويوسف‬ ‫القرضاوي الذين ارتبطوا جميعاً بعالقات وثيقة مع النظام السعودي‪ )91(.‬يشير جيل كيبل‬ ‫في دراسته "النبي والفرعون" إلى دور اإلعالنات في تلك المجلة‪:‬‬

‫" من حوالي مئة وثمانين صفحة من اإلعالنات الملونة في مجلة الدعوة‪ ،‬اشترى ‪01‬‬ ‫صفحة مقاولون وشركات عقارية و‪ 09‬صفحة اشترتها شركات إلنتاج الكيماويات والبالستيك‬ ‫و‪ 97‬صفحة لمستوردي السيارات و‪ 99‬صفحة لبنوك إسالمية وشركات استثمار"‪)90( .‬‬

‫‪40‬‬


‫ثم يشير إلى أن حوالي نصف اإلعالنات كانت لثالثة شركات هي الشريف للبالستيك‬ ‫وشركة مسرة للمقاوالت ومودرن موترز وإلى أن‬

‫"هذه الشركات الثالثة كان يمتلكها إخوان مسلمون كونوا ثرواتهم في المملكة العربية‬ ‫السعودية خالل األعوام الثالثين السابقة واستثمروها بشكل مكثف في مصر منذ عام ‪،9110‬‬ ‫خاصة في قطاعات االستيراد والبضائع االستهالكية"‪)90(.‬‬ ‫وقد تميزت مقاالت وموضوعات مجلة الدعوة بمواقف شديدة الرجعية وباالبتعاد التام عن‬ ‫نقد النظام االجتماعي واالقتصادي في مصر‪ .‬وكان هناك هوساً في المجلة بأربع مصادر للخطر‬ ‫على األمة اإلسالمية‪ :‬اليهودية والشيوعية والصليبية والعلمانية‪ .‬وقد اتسم التحليل المطروح‬ ‫لهذه المخاطر على إثارة الذعر واالعتماد على نظرية المؤامرة‪ .‬ولم تكن هذه العناوين مجرد‬ ‫ترجمة دينية للمخاطر الحقيقية اآلتية مثالً من االتحاد السوفيتي (الشيوعية) والكيان‬ ‫الصهيوني (اليهودية) واإلمبريالية األمريكية (الصليبية) بل كانت في الحقيقة تعكس مضامين‬ ‫شديد الرجعية‪ .‬ففي حالة الشيوعية كان الموقف يتضمن نقداً عنيفاً للمضمون االجتماعي‬ ‫للحقبة الناصرية‪ ،‬وعداء شديد لكافة أشكال التأميم واإلصالح الزراعي ودور الدولة في‬ ‫االقتصاد‪ .‬وقد تأكد هذا المضمون اليميني حين اندلعت انتفاضة يناير ‪ 9111‬وبعثت المجلة‬ ‫برسائل تضامن مع السادات واعتبرت االنتفاضة دليالً على مؤامرة شيوعية!‬ ‫أما الموقف من الصليبية فقد تجاوز التقابل التقليدي بين الغرب المستعمر والصليبية‬ ‫ليتضمن هجوماً على األقباط وتحريضاً صريحاً ضدهم‪ .‬وفي عدة مقاالت تناولت أحداث الفتنة‬ ‫الطائفية في الزاوية الحمراء عام ‪ 9109‬انصبت االتهامات على األقباط وعلى الكنيسة القبطية‪:‬‬

‫"أقباط مصر هم أسعد األقليات على ظهر األرض وكل حقوقهم المادية واألدبية ميسرة‬ ‫بل مضاعفة ‪ ..‬وسارت األمور على أفضل ما يكون إلى أن تعين السيد شنودة بطريرك ًا ألقباط‬ ‫مصر"‪)9.(.‬‬ ‫وحتى مسألة اليهودية‪ ،‬وهي األكثر اختالطاً في الخطاب اإلسالمي عموماً مع الصهيونية‪،‬‬ ‫تركز الهجوم فيها على "طبيعة" اليهودي‪ ،‬والمؤامرة اليهودية الكبرى‪ ،‬واألصل اليهودي لكافة‬ ‫مآسي األمة بل والعالم‪ ،‬فاليهود منبع الشيوعية (كارل ماركس كان يهودي) والعلمانية في‬ ‫‪40‬‬


‫منطقتنا (نظرية تأثير جماعة يهودية على أتاتورك) والصليبية (تأثير اللوبي اليهودي ورأس‬ ‫المال اليهودي في واشنطن)‪.‬‬ ‫وبالطبع ابتعدت هذه التحليالت والدعاية الغارقة في الرجعية بالقارئ تماماً عن أي‬ ‫أسباب حقيقية للمعاناة‪ ،‬فالرأسمالية وحرية السوق والتفاوت الطبقي المتزايد لم تكن تحصل‬ ‫إال على إشارات عابرة‪ .‬كانت مجلة كهذه بالطبع كنزاً لنظام السادات‪ ،‬فهي تهاجم أعدائه من‬ ‫اليسار والناصريين‪ ،‬وتشغل الرأي العام بمؤامرات وهمية‪ ،‬وتشعل حينما يريد نار الفتنة‬ ‫الطائفية‪ ،‬وتؤيد سياساته االقتصادية‪ .‬وظل التلمساني يؤكد دوماً مواقفه المعادية لكافة أشكال‬ ‫الصراع الطبقي وللمواجهة الجماهيرية مع النظام‪ ،‬وكل ما كان يريده من النظام هو تطبيق‬ ‫الشريعة اإلسالمية‪ .‬وقد لخص رؤيته لدور اإلخوان كما يلي‪:‬‬

‫‪ .9‬إننا نربي الشعب‪ ،‬وخاصة الشباب‪ ،‬على األسس التي عز بها المسلمون وسادوا‪.‬‬ ‫‪ .9‬إننا نقول الحق وندعو الناس جميعاً إلى الوقوف بجانبه‪ ،‬ومساندته في أحلك‬ ‫المواقف‪.‬‬ ‫‪ .1‬نحن نجمع الناس في المناسبات العامة لنقول لهم ما يجب أن يفعلوه وما يجب أن‬ ‫يتجنبوه‪.‬‬ ‫‪ .0‬نحن نحذر الناس من العلمانية التي تلبس ثوب اإلسالم لتباعد بين اإلسالم‬ ‫وشباب اإلسالم في ظل كلمات معسولة ومسمومة‪ ،‬مطعمة بألفاظ العقل والمنطق والعلم‬ ‫والتقدمية وحرية الفكر‪)91( .‬‬ ‫‪ )5‬الجماعات اإلسالمية واالندماج مع اإلخوان المسلمين‬ ‫إال أن مجموعة التلمساني لم تكن وحدها في ساحة العمل السياسي اإلسالمي خالل‬ ‫السبعينات التي شهدت أيضاً النمو السريع للجماعات اإلسالمية في الجامعات المصرية‪ .‬في‬ ‫نهاية الستينات لم يكن الطالب اإلسالميين إال أقلية صغيرة في فعاليات الحركة الطالبية‬ ‫المتصاعدة‪ .‬وحظيت دائماً اقتراحاتهم بإضفاء تعديالت ذات طابع أخالقي وديني على برنامج‬ ‫"اللجنة الوطنية الطالبية" برفض غالبية الطالب‪ .‬حتى ذلك الوقت لم يكونوا قد نظموا أنفسهم‬ ‫‪46‬‬


‫في الجماعات اإلسالمية‪ ،‬وظلوا يتجمعون داخل األسر الطالبية التي سرعان ما أصبحت مراكز‬ ‫هامة لتجنيد الكوادر اإلسالمية‪.‬‬ ‫مع اندالع الموجة الثانية من الحركة الطالبية في ديسمبر عام ‪ 9119‬تحولت األسر‬ ‫اإلسالمية من الدور الهامشي ولكن المؤيد للحركة الطالبية إلى العداء المباشر للقيادات‬ ‫اليسارية للحركة‪ .‬وسرعان ما أصبح واضحاً أن هناك توافق ما بين الحركة اإلسالمية في‬ ‫الجامعة وبين نظام السادات‪ .‬من جانب الجماعات أصبح الطريق لتوسيع نفوذهم هو التعاون‬ ‫التكتيكي مع النظام لكسر نفوذ اليسار داخل الجامعات‪ .‬وكان من الطبيعي أن يرى النظام‬ ‫في هذه الجماعات اإلسالمية فرصة لتفتيت الحركة الطالبية المتصاعدة وضرب اليسار‪)90( .‬‬ ‫ولعل أبرز حلقات ذلك التعاون التكتيكي كان في محافظة أسيوط التي تعاون فيها‬ ‫المحافظ محمد عثمان إسماعيل وبشكل علني مع الجماعات اإلسالمية في جامعة أسيوط‪.‬‬ ‫وقد سمح نظام السادات للجماعات بتنظيم المعسكرات الصيفية الضخمة التي لعبت دوراً هاماً‬ ‫في تطوير وتثقيف الكوادر اإلسالمية الشابة‪ ،‬وكان أيضاً دعم النظام لمثل هذه المعسكرات‬ ‫واضحاً‪ .‬فقد حضر األمين العام لالتحاد االشتراكي حفل ختام المعسكر اإلسالمي الذي أقامه‬ ‫الطالب اإلسالميون من جامعة القاهرة في صيف عام ‪ 9111‬ولم يكن ذلك التكريم الرسمي‬ ‫استثناءاً‪)91( .‬‬ ‫كان تنظيم مثل هذه المعسكرات جزءاً من تراث اإلخوان المسلمين في الثالثينات‬ ‫واألربع ينات‪ ،‬ولم تقتصر بالطبع األنشطة دا��لها على األنشطة الدينية بل شملت التدريبات‬ ‫الرياضية واالستماع إلى محاضرات الدعاة حول مختلف القضايا السياسية واالجتماعية‪ .‬وقد‬ ‫انعكس ذلك النجاح في التنظيم والتجنيد داخل االنتخابات الطالبية حيث هيمنت الجماعات‬ ‫اإلسالمية على لجنة اإلعالم والنشر لالتحاد العام عام ‪ 9110‬وفازت برئاسة اتحاد الطالب في‬ ‫جامعة القاهرة والمنيا عام ‪ 911.‬وبغالبية المقاعد في مجلس االتحاد العام على المستوى‬ ‫القومي عامي ‪ 9110‬و‪ .9111‬وكانت انتصارات اإلسالميين كاسحة على مستوى الكليات‬ ‫والجامعات وعلى المستوى القومي‪)97( .‬‬

‫‪43‬‬


‫مع نهاية السبعينات حدثت تطورات تنظيمية شديدة األهمية داخل الحركة اإلسالمية‪.‬‬ ‫فخرج الجناح التكفيري المسلح من صفوف الجماعات اإلسالمية الطالبية‪ ،‬وكونوا تنظيماتهم‬ ‫المسلحة المستقلة وبدئوا حربهم البائسة ضد النظام الحاكم‪ .‬وعلى جانب آخر ازداد التقارب‬ ‫بين الجما عات اإلسالمية في الجامعات ومجموعة التلمساني ومجلة الدعوة‪ ،‬وانتهى األمر‬ ‫بدخول الجماعات جماعة اإلخوان المسلمين‪ .‬وقد كان ذلك تحو ًال شديد األهمية‪ .‬فبالنسبة‬ ‫للتلمساني والقيادات القديمة لإلخوان كان ذلك يمثل فرصة تاريخية إلعادة بناء قواعد‬ ‫اإلخوان ومد الجماعة بكوادر شابة قادرة على إحياء التنظيم‪ .‬وبالنسبة لقيادات الجماعات‬ ‫اإلسالمية كانت الوحدة تمثل فرصة لالرتباط بالتراث التاريخي لإلخوان وخاصة تراث حسن‬ ‫البنا الذي انقطع طوال الخمسينات والستينات‪.‬‬ ‫غيرت الوحدة التكوين الطبقي لإلخوان من جديد‪ ،‬فلم تعد مجرد مجموعة من قدامى‬ ‫اإلخوان واألثرياء المرتبطين بالسعودية ونظام السادات‪ ،‬بل عادت جماهير الطبقة الوسطى‬ ‫الحديثة من طالب ومهنيين للتدفق في صفوف الجماعة‪ .‬وبدأت الجماعة منذ نهاية‬ ‫السبعينات في إعادة بناء تشكيالتها التنظيمية طبقاً ألساليب ومناهج حسن البنا‪ .‬لكن فهم‬ ‫النجاح الذي حققته منذ السبعينات يحتاج إلى فهم طبيعة وعناصر المد اإلسالمي‪.‬‬ ‫هناك ثالث مجاالت رئيسية شكلت العامود الفقري للمد اإلسالمي منذ السبعينات‪:‬‬ ‫المساجد األهلية‪ ،‬والمؤسسات والجمعيات الخيرية اإلسالمية (الخدمية والثقافية والصحية‬ ‫والتعليمية) والمؤسسات الرأسمالية اإلسالمية (البنوك والشركات والمطابع‪ ،‬الخ)‪)99( .‬‬ ‫وقد زاد عدد المساجد األهلية في مصر من ‪ 97‬ألف عام ‪ 9117‬إلى ‪ 0.‬ألف عام‬ ‫‪ .9109‬ومن هذه المساجد لم تكن وزارة األوقاف تشرف إال على ستة آالف مسجد‪ .‬ووصل‬ ‫عدد المساجد األهلية مع بداية التسعينات إلى أكثر من ‪ .7‬ألف مسجد وزاوية‪ ،‬وقد قدر‬ ‫العدد في منتصف التسعينات بـ‪ 917‬ألف مسجد منها ‪ 17‬ألف تحت اإلشراف المباشر لوزارة‬ ‫األوقاف‪ .‬وقد أتاح هذا النمو السريع والواسع للمساجد المستقلة أرضية خصبة لإلخوان إلعادة‬ ‫نشاطهم الخيري والتنظيمي وتفعيل كوادرهم خارج إطار الجامعات وتوسيع قاعدتهم‬ ‫االجتماعية‪)99( .‬‬ ‫‪44‬‬


‫ومع بداية التسعينات وصل عدد الجمعيات غير الحكومية في مصر إلى ‪ 90‬ألف جمعية‪.‬‬ ‫حوالي ثلث هذه الجمعيات ذات طابع إسالمي‪ )91( .‬بعض الجمعيات اإلسالمية كانت ذات‬ ‫نشاطات دينية تقليدية مثل حفظ القرآن وتنظيم الحج وتوزيع الزكاة وصيانة المساجد‪ ،‬لكن‬ ‫غالبيتها تركز نشاطها على العمل الخدمي مثل المستوصفات والحضانات والمدارس ومراكز‬ ‫التأهيل‪ .‬وكثير منها كان لها طابع محلي مقتصر على الحي أو القرية‪ ،‬في حين توسعت‬ ‫بعضها لتصبح مؤسسات على المستوى القومي بأفرع متعددة في مختلف المدن والمناطق‬ ‫والمحافظات‪.‬‬ ‫وقد لعبت ثالثة عوامل رئيسية دوراً في نجاح هذه الجمعيات على المستوى التمويلي‪.‬‬ ‫أوالً استخدام أموال الزكاة في حالة الجمعيات المرتبطة بالجوامع والمساجد‪ .‬ثانياً التبرعات‬ ‫الوفيرة التي كانت تأتي من البنوك والشركات اإلسالمية سواء ألسباب ضريبية أو دعائية‪.‬‬ ‫وثالثاً إعادة استثمار األرباح من خالل تقديم الخدمات ذات األسعار المنخفضة مثل الخدمات‬ ‫العالجية والتعليمية‪ .‬وكان تفعيل مثل هذه اآلليات الخيرية األسلوب الذي اتبعه اإلخوان في‬ ‫التواصل وخلق العالقات في األحياء الشعبية والقرى وقد ساعد الجماعة في توسيع نفوذها في‬ ‫أوساط قطاعات عريضة من الجماهير‪.‬‬ ‫وقد ساهمت الشركات اإلسالمية بدرجة مهمة في إعادة إحياء الخطاب والنشاط‬ ‫اإلخواني‪ ،‬ليس فقط شركات توظيف األموال التي وصل رأسمالها في منتصف الثمانينات إلى‬ ‫‪ 9.‬مليار جنيه ـ التي انهارت سريعاً دون أي تأثير يُذكر على نفوذ اإلخوان ـ إنما األهم منها‬ ‫كان استثمار اإلخوان في مجاالت النشر‪ .‬فلقد تأسست عدداً من دور النشر والتوزيع‬ ‫اإلسالمية حققت نجاحاً ضخم ًا مثل الدار اإلسالمية ودار الوفاء وااللتزام‪ ،‬باإلضافة إلى الصعود‬ ‫السريع للمجالت اإلسالمية الشهرية مثل لواء اإلسالم والمختار اإلسالمي واالعتصام‪)90(.‬‬ ‫لقد أدى النمو واالنتشار السريع للمساجد األهلية والجمعيات الخيرية اإلسالمية مع‬ ‫التوسع الهائل في الدعاية اإلسالمية المطبوعة إلى إعادة بناء تنظيم اإلخوان المسلمين‪ ،‬أو ًال‬ ‫من خالل خلق مجال حيوي ليس فقط لالرتباط اليومي بالجماهير وإنما األهم لتفعيل شبكة‬ ‫الكوادر وخلق مجال أيديولوجي مساعد للتجنيد السريع‪ .‬هذا المجال اإلسالمي بمساجده‬ ‫‪45‬‬


‫وجمعياته تميز بدرجة عالية من المرونة والالمركزية مما جعل قمعها أو السيطرة عليها من‬ ‫قبل النظام عملية شبه مستحيلة‪.‬‬ ‫‪ )6‬تفاقم أزمة الطبقة الوسطى الحديثة‬ ‫كيف نفسر عودة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى الحديثة إلى صفوف اإلخوان؟ لقد‬ ‫ظهر مما سبق كيف تمكن النظام الناصري من استيعاب تلك القطاعات في الخمسينات‬ ‫والستينات‪ ،‬وأيضاً كيف بدأت منظومة االستيعاب في االنهيار مع األزمة االقتصادية وحرب‬ ‫‪ .91.1‬إال أن أزمة تلك الطبقة تفاقمت بشكل سريع منذ السبعينات‪ .‬فسياسة التعليم‬ ‫والتوظيف ظلت كما هي خال ل السبعينات والثمانينات وظل التناقض بينها وبين الواقع‬ ‫االقتصادي المأزوم في ازدياد‪ .‬وقد زاد عدد المشتغلين في القطاع الحكومي بين عامي ‪9111‬‬ ‫و‪ 9109‬بمعدل ‪ %.61‬في حين كان النمو في إجمالي قوة العمل ‪ .%960‬وبين عامي‬ ‫‪ 9111‬و‪ 9100‬خلقت الدولة ‪ %0061‬من الوظائف الجديدة (‪ %1761‬إذا استثنينا العمالة‬ ‫خارج البالد)‪ .‬وفي نفس الفترة تم إنشاء سبعة جامعات جديدة وزادت نسبة المقبولين في‬ ‫الجامعات من ‪ %07‬من الحاصلين على الشهادة الثانوية إلى ‪ .%.7‬وقد زاد عدد خريجي‬ ‫الجامعات من ‪ 09619.‬خريج عام ‪ 9110‬إلى ‪ 9906100‬خريج عام ‪)90( .9100‬‬ ‫وخالل الفترة بين عامي ‪ 9111‬و‪ 9109‬كانت نسبة المعينين في وظائف حكومية من‬ ‫الخريجين تتجاوز ‪ %07‬في حين لم تكن نسبتهم في سوق العمل تتجاوز ‪)9.( .%90‬‬ ‫ويظهر من الجدول التالي (‪ )91‬العالقة ما بين عدد الخريجين ومعدل النمو خالل الفترة ما‬ ‫بين عامي ‪ 91.0‬و‪ 9100‬باحتساب عام ‪ 91.0-91.0‬هو سنة األساس‪.‬‬

‫‪42‬‬


‫السنة‬

‫عدد الخريجين‬

‫النمو‬

‫‪4691/4691‬‬

‫‪492.91‬‬

‫‪( 411‬األساس)‬

‫‪4691/4696‬‬

‫‪.12149‬‬

‫‪41421‬‬

‫‪4691/4691‬‬

‫‪142649‬‬

‫‪.1929‬‬

‫‪4611/4696‬‬

‫‪9924.1‬‬

‫‪19926‬‬

‫‪4611/4611‬‬

‫‪4412911‬‬

‫‪94421‬‬

‫كان متوسط النمو السنوي للسكان بين عامي ‪ 911.‬و‪( %9600 :910.‬أكبر من‬ ‫‪.‬سنوات) في حين وصل متوسط النمو السنوي لخريجين الجامعات في نفس الفترة إلى‬ ‫‪ )90( .%976.1‬ومع زيادة أعداد الخريجين‪ ،‬الذين ظل غالبيتهم يعملون في الحكومة‬ ‫والقطاع الخاص‪ ،‬ازدادت أوضاعهم االقتصادية سوءاً‪ .‬ففي خالل عقد السبعينات ورغم‬ ‫االنتعاش االقتصادي النسبي الذي خلقه ارتفاع أسعار البترول‪ ،‬انخفضت األجور الحقيقية‬ ‫للعاملين بالقطاع العام بنسبة ‪ %0‬وللعاملين بالحكومة بنسبة ‪ )91( .%91‬ومع انخفاض‬ ‫أسعار البترول وأزمة االقتصاد المصري في الثمانينات انخفض االنفاق العام من ‪ %.160‬من‬ ‫إجمالي الناتج المحلي إلى ‪ %0960‬بين عامي ‪ 9109‬و‪)17( .9101‬‬ ‫وبالط بع كانت النتيجة المنطقية لهذه التطورات ولسياسات التحرير االقتصادي التي‬ ‫تبناها نظام مبارك منذ منتصف الثمانينات حدوث زيادة هائلة في بطالة الخريجين‪ .‬ففي حين‬ ‫زاد حجم قوة العمل بنسبة ‪ %969‬بين عامي ‪ 911.‬و‪ 910.‬زاد عدد خريجين الجامعات‬ ‫والمعاهد بنسبة ‪ %160‬خالل نفس الفترة‪ .‬لكن هؤالء لم يعد من الممكن توظيفهم وقد‬ ‫‪47‬‬


‫وصلت انتظار الوظائف الحكومية بالنسبة للخريجين إلى ثالث سنوات عام ‪ ،9111‬ثم إلى‬ ‫‪97‬سنوات عام ‪ )19( .9100‬وقد زادت نسبة البطالة من ‪ %969‬عام ‪ 91.1‬إلى ‪ %161‬عام‬ ‫‪ 911.‬ثم إلى ‪ %99‬عام ‪ .9100‬وفي عام ‪ 9100‬كان الخريجين يمثلون أقل من ثلث‬ ‫إجمالي قوة العمل وأكثر من ‪ %17‬من العاطلين‪ .‬وكانت نسبة العاطلين من بين خريجي‬ ‫المعاهد قد وصلت إلى ‪ %9060‬ومن بين خريجي الجامعات إلى ‪ %9060‬في نفس العام‪.‬‬ ‫(‪)19‬‬ ‫هذا الجيش الهائل من المتعلمين العاطلين أو العاملين بأجور لم تعد تكفي احتياجاتهم‬ ‫الضرورية سرعان ما أصبح جمهوراً جاهزاً لدعوة اإلخوان‪ .‬فالفجوة بين تطلعاتهم وتطلعات‬ ‫أسرهم لحياة كريمة ومستوى معيشة متوسط ومكانة اجتماعية متميزة وبين واقع حياتهم‬ ‫من فقر ومديونية وبطالة جعلهم خير متلقيين لرسالة اإلخوان‪.‬‬ ‫ولعله يكون مفيداً في هذا المجال أن نلقي نظرة سريعة على أساليب تجنيد وتفعيل‬ ‫فقراء المتعلمين في صفوف اإلخوان خالل الثمانينات والتسعينات‪ .‬ففي المناطق العشوائية‬ ‫مثالً حيث يمتزج الخريجين الفقراء بالنازحين الجدد من الريف بقطاعات البرجوازية الصغيرة‬ ‫التقليدية وحيث يكون نقصاً حاداً في الخدمات الصحية والتعليمية وغيره من الخدمات‬ ‫الجماهيرية العامة‪ ،‬وجد اإلخوان مناخاً مناسباً للربط بين نشر الدعوة (أي الدعاية والتجنيد)‬ ‫والعمل الخيري (طرح الجماعة كبديل لدولة توقفت عمداً عن تقديم الخدمات)‪ .‬في هذه‬ ‫الظروف يكون الدور المركزي للدعاة هو خلق شبكات متسعة من األعضاء والمتعاطفين‪.‬‬ ‫اتخذت الدعوة ثالثة أشكال مختلفة ومتداخلة‪ .‬الشكل األول هو الدعوة الفردية‪ .‬فتواجد‬ ‫الكوادر في المساجد أثناء وبعد الصالة وفي العمل الخيري وتقديم الخدمات يسمح بعملية‬ ‫تعارف طبيعية مع المتعاطفين والمرشحين للتجنيد‪ .‬ويتم كسب العناصر الجديدة بشكل‬ ‫تدريجي أوالً باقن اعها بدرجات متصاعدة من االلتزام الديني واألخالقي‪ ،‬وثانياً بالمشاركة في‬ ‫نشر هذا االلتزام وسط العائلة ثم في الحي ثم في مكان العمل‪ ،‬وثالثاً بكسب العنصر الجديد‬ ‫إلى مفاهيم اإلخوان حول عالقة الدين بالسياسة وحول الضرورة الدينية للعمل السياسي ـ أي‬ ‫ضمه إلى اإلخوان‪.‬‬ ‫‪48‬‬


‫الشكل الثاني لنشر الدعوة هو الدعوة العامة‪ ،‬وي��مل استخدام خطب الجمعة والدعوة‬ ‫للصالة الجماعية ولالرتباط اليومي بالمسجد والدروس الدينية األسبوعية‪ .‬أما الشكل الثالث‬ ‫فهو الدعوة المطبوعة ويستخدم هذا الشكل من خالل تأسيس مكتبات إسالمية في المساجد‬ ‫المستقلة تُعير الكتب والشرائط وتقوم بتوزيع واسع النطاق للكتيبات الصغيرة الشارحة للدعوة‪.‬‬ ‫هذه الكتيبات ال تتجاوز في أغلبها ‪ .7‬صفحة وتتميز ببساطة اللغة وعرض نماذج من التاريخ‬ ‫اإلسالمي ومن التجارب الحياتية الشخصية للكاتب‪ .‬وفي مجال الكتيبات مازال هناك استخدام‬ ‫واسع النطاق لكتيبات حسن البنا ومنها "إلى الطلبة" و"إلى الشباب وخاصة الطلبة" وبعض‬ ‫خطب البنا المطبوعة‪)11(.‬‬ ‫‪ )7‬النقابات المهنية‬ ‫كانت النقابات المهنية في مصر منذ الخمسينات تحت سيطرة شبه كاملة من قبل‬ ‫النظام وقد تحولت هذه النقابات على يد النظام الناصري إلى مجرد جزء من جهاز الدولة‬ ‫وأصبح دورها فقط تنظيم شئون المهنة‪ .‬وبسبب التوسع الهائل في التعليم العالي منذ‬ ‫الستينات تحولت النقابات المهنية من تشكيالت نخبوية إلى مؤسسات ذات طابع جماهيري‬ ‫حيث وصل عدد األعضاء ببعض النقابات إلى مئات اآلالف‪ .‬وقد وصل عدد األعضاء المقيدين‬ ‫بالنقابات المهنية إلى أكثر من مليوني عضو مع بداية التسعينات‪ .‬وبما أن عضوية النقابات‬ ‫شبه إجبارية للخريجين فقد شملت ليس فقط المهنيين العاملين بل أيضاً األعداد المتزايدة‬ ‫من المهنيين العاطلين‪ .‬وتحولت التركيبة الطبقية للعضوية النقابية لتشمل كبار أصحاب‬ ‫األعمال من مالكي الشركات الهن دسية والمستشفيات الخاصة والمكاتب االستشارية والقانونية‬ ‫وسالسل الصيدليات إلى جانب القطاع األوسع من المهنيين العاملين بالحكومة والقطاع العام‬ ‫والدرجات األدنى في القطاع الخاص‪ ،‬باإلضافة إلى الخريجين العاطلين أو المضطرين لمزاولة‬ ‫عمل مأجور خارج إطار المهنة‪.‬‬ ‫وقد زادت عضوية النقابات المهنية بشكل سريع منذ السبعينات بمعدل ‪ %97‬سنوياً‬ ‫وهو انعكاس مباشر للتوسع التعليمي‪ .‬وبالطبع ليس كل من هو مقيد في النقابات المهنية‬ ‫عضو نشط بمعنى قيامه بدفع االشتراكات ليصبح له بالتالي الحق في التصويت‪ .‬وقد تراوحت‬ ‫‪49‬‬


‫نسبة العضوية النشطة في أوائل التسعينات بين نصف وثلثي العضوية المقيدة‪ .‬ومن المالحظ‬ ‫أن أكثر من نصف األعضاء النشطين في هذه النقابات من الشباب حديثي التخرج‪.‬‬ ‫وقد مثلت النقابات المهنية موقعاً مثالياً لإلخوان المسلمين منذ الثمانينات‪ .‬فمن جانب‬ ‫كان العمل بالنقابات التطور الطبيعي للنجاح الذي حققوه سابقاً في الجامعات‪ .‬فالخريجين‬ ‫الذين تم كسبهم في الجامعة سرعان ما وجدوا في النقابات المهنية مجاالً خصباً الستثمار‬ ‫خبرتهم السياسية والتعبوية‪ .‬والطبيعة الطبقية المتناقضة لعضوية تلك النقابات كانت تتماشى‬ ‫مع وسطية االخوان ومفاهيمهم الطبقية التوافقية‪.‬‬ ‫ومن جانب النظام فكان السماح لإلخوان بالنشاط داخل النقابات المهنية يشكل مخرجًا‬ ‫من عدة مشكالت‪ .‬أوالً كانت صعوبة المواجهات مع الحركات االسالمية المسلحة تستدعي‬ ‫درجة من المرونة مع اإلخوان الرافضين للعمل المسلح والمهادنين بشكل عام‪ .‬وثاني ًا كان‬ ‫تصور النظام أن دخول ا إلخوان العمل النقابي المهني سيساعد على استيعابهم والسيطرة‬ ‫عليهم‪.‬‬ ‫شارك اإلخوان في انتخابات نقابة األطباء عام ‪ 9100‬وخالل عامين أصبح لهم قوائم في‬ ‫انتخابات نقابات المهندسين وأطباء األسنان والزراعيين والصيادلة والصحفيين والتجاريين‬ ‫والمحاميين‪ )10( .‬وقد حصل اإلخوان في نقابة األطباء على سبعة مقاعد من ضمن ‪ 90‬مقعد‬ ‫يشكلون مجلس النقابة عام ‪ .9100‬بعدها توسع نفوذهم في نقابة األطباء خالل السنوات‬ ‫الست التالية بصورة مذهلة حيث وصل عدد اإلخوان في مجلس النقابة عام ‪ 9117‬إلى ‪97‬‬ ‫مقعد‪ .‬ويوضح الجدول التالي تطور وضع اإلخوان في نقابة األطباء بين عامي ‪ 9100‬و‪.9117‬‬ ‫(‪)10‬‬ ‫العام‬

‫العضوية المسجلة‬

‫إجمالي األصوات‬

‫التيار اإلسالمي‬

‫‪4611‬‬

‫‪912111‬‬

‫‪4.2911‬‬

‫‪)%11( 1111‬‬

‫‪4619‬‬

‫‪912111‬‬

‫‪442111‬‬

‫‪)%14( 9111‬‬

‫‪50‬‬


‫‪4611‬‬

‫‪112111‬‬

‫‪462411‬‬

‫‪)%91( 4.111‬‬

‫‪4664‬‬

‫‪612111‬‬

‫‪.42111‬‬

‫‪)%94( 41111‬‬

‫وقد شارك اإلخوان في نقابة المهندسين منذ عام ‪ .9100‬وفي ‪ 9101‬فاز اإلخوان‬ ‫بـ‪ 00‬مقعد من ضمن ‪ .9‬مقعد في مجلس النقابة‪ .‬وقد سيطر اإلخوان على واحدة تلو‬ ‫األخرى من النقابات المهنية حتى توجت تلك اإلنتصارات في انتخابات نقابة المحاميين‪،‬‬ ‫معقل النشاط السياسي الوطني عام ‪ 9119‬حيث حققوا فوزًا ساحق ًا‪)1.( .‬‬ ‫‪ )8‬اإلخوان ونظام مبارك‬ ‫كان موقف نظام مبارك من اإلخوان خالل الثمانينات معتمداً على التوازن بين عدة‬ ‫أهداف‪ .‬الهدف األول هو محاولة استخدام اإلخوان كبديل مسالم وإصالحي للجماعات‬ ‫الراديكالية التي كانت تشن ضد النظام حرباً شرسة‪ .‬والهدف الثاني كان محاولة خلق صمام‬ ‫أمان ل لنظام من خالل إعطاء بعض حرية الحركة لإلخوان في النقابات المهنية والجامعات‬ ‫والعمل الخيري دون أن يصل ذلك إلى تهديد النظام‪ .‬لكن النجاحات المتتالية لإلخوان في‬ ‫االنتخابات الطالبية والنقابية والبرلمانية والمواجهة الدموية مع الحركات الجهادية في بداية‬ ‫التسعينات وا لنهاية الدموية الخطيرة لالنتخابات الجزائرية‪ ،‬كل تلك العوامل دفعت النظام في‬ ‫منتصف التسعينات إلى شن حملة قمعية جديدة ضد اإلخوان‪.‬‬ ‫لكن ما مهد أيضاً لتغيير موقف النظام من الجماعة هو التغييرات التي طرأت على مواقف‬ ‫وتكتيكات الجماعة‪ .‬ففي عام ‪ 9117‬قاطع اإلخوان االنتخابات التشريعية مع باقي قوى‬ ‫المعارضة (طبعاً باستثناء حزب التجمع الذي شارك بحماس)‪ .‬وقد اتخذت الجماعة موقفاً‬ ‫مناهضاً للحرب على العراق ولمشاركة الجيش المصري فيها‪ ،‬وهو ما كلفها عالقاتها السابقة‬ ‫مع النظام السعودي وانشقاق إخوان الكويت‪ .‬ومع التوقيع على اتفاقات مدريد شنت الجماعة‬ ‫حملة منظمة ضد االتفاقيات وضد األنظمة المشاركة فيها بما فيها نظام مبارك‪.‬‬ ‫وقد كان مثل ذلك التصعيد إشارة التجاه قد بدأ في التبلور داخل أوساط قادة الجماعة‪.‬‬ ‫كان النظام يريد من الجماعة‪ ،‬كما كان الحال في السبعينات وبداية الثمانينات‪ ،‬أن تبقى في‬ ‫‪50‬‬


‫إ طار الدعوة المحدودة والتركيز على القضايا األخالقية وعلى تطبيق الشريعة اإلسالمية‪ ،‬وهو‬ ‫ما كان يريده أيضاً البعض من القيادات القديمة والمحافظة في الجماعة‪ .‬إال أن الجماعة كانت‬ ‫قد شهدت كما رأينا تغييرات هامة في بنيتها التنظيمية وقواعدها الجماهيرية ولم يصبح‬ ‫ممكن اً الحفاظ على تلك القواعد دون التطرق للقضايا السياسية الكبرى ودون أخذ مواقف‬ ‫نقدية من النظام‪.‬‬ ‫لكن التحول حدث وما زال يحدث بشكل تدريجي‪ ،‬فهناك مقاومة من األجنحة المحافظة‬ ‫داخل الجماعة وهناك من الجانب اآلخر تعجالً من الشباب الغاضب حديث الصلة بها‪ .‬وبين‬ ‫هذا وذاك تدير القيادة الحالية للجماعة تلك السفينة الضخمة المليئة بالتناقضات‪ .‬فنجدها‬ ‫أحياناً تتجه للتصعيد ولتقديم أنفسهم كبديل سياسي مباشر للنظام وأحياناً أخرى نجدهم‬ ‫يهادنون النظام ويتراجعون عن مواقفهم السابقة‪.‬‬ ‫‪ )9‬تناقضات برنامج اإلخوان‬ ‫يركز غالبية منتقدي اإلخوان من اليساريين والليبراليين في تناولهم لبرامج الجماعة‬ ‫على مسألتين أساسيتين‪ :‬مسألة الدولة الدينية وما تعنيه بالنسبة للديمقراطية البرلمانية‪،‬‬ ‫ومسألة الموقف من األقباط والمرأة‪ .‬هذه بالطبع مسائل بالغة األهمية لكن ال يمكن فهم‬ ‫المضمون الطبقي لبرامج اإلخوان دون التطرق لموقف الجماعة من قضيتين أساسيتين هما‬ ‫الموقف من اإلمبريالية والصهيونية والموقف من االقتصاد الرأسمالي وسياسات الليبرالية‬ ‫الجديدة‪ .‬فالساحة السياسية مليئة باتجاهات تنادي بالدولة المدنية والديمقراطية البرلمانية‬ ‫والمساواة الكاملة للمرأة واألقباط ولكنها تنادي أيضاً بقبول التطبيع مع الكيان الصهيوني‬ ‫واالندماج في المعسكر األمريكي وتبني سياسات الليبرالية الجديدة‪ .‬ومن أخطاء اليسار‬ ‫التاريخية التحالف مع هؤالء بحجة الدفاع عن العلمانية والدولة المدنية وهو موقف يدفعهم‬ ‫في نهاية األمر وحتى إن كان ذلك ضمنياً وليس علنياً لالصطفاف في معسكر النظام المصري‬ ‫واإلمبريالية األمريكية‪.‬‬ ‫يجب مثالً أن ينتقد اليسار بحدة ووضوح مواقف اإلخوان من قضية األقباط وأن يناضل‬ ‫بشجاعة ضد كافة أشكال التمييز ضدهم سواء تلك التي يعاني منها األقباط في ظل النظام‬ ‫‪56‬‬


‫الحالي أو تلك التي ينادي بها اإلخوان في برامجهم‪ .‬لكن عندما ينفصل ذلك النضال عن‬ ‫مضمونه الطبقي وعن النضال ضد اإلمبريالية يتحول األمر إلى شعارات مجردة ال تتميز عن‬ ‫تلك التي تنادي بها اإلدارة األمريكية واليمين الليبرالي ويكون المستفيد األول من ذلك‬ ‫اإلخوان المسلمين الذين يربطون أمام جماهيرهم بين شعارات المساواة وبين المخططات‬ ‫االستعمارية األمريكية في المنطقة‪.‬‬ ‫إذن فالقراءة النقدية لبرامج اإلخوان يجب أن تبدأ ليس من الهجوم على موقفهم‬ ‫الرجعي من المرأة واألقباط أو موقفهم من الدولة المدنية ولكن من أطروحاتهم حول الموقف‬ ‫من اإلمبريالية والرأسمالية الليبرالية الجديدة‪ .‬هل يطرح اإلخوان رؤية عملية لمواجهة‬ ‫الهجمة اإلمبريالية والصهيونية في منطقتنا؟ وهل يطرحون مخرج ًا من السياسات االقتصادية‬ ‫التي تجوع وتشرد الماليين من الفقراء في مصر؟‬ ‫في المبادرة التي طرحها المرشد عام ‪ 9770‬سنجد عرضاً برنامجياً لمواقف وسياسات‬ ‫الجماعة في الفترة الحالية تجاه مختلف القضايا الخارجية والداخلية‪ .‬تطرح المبادرة مثالً أن‬ ‫الهجمة األمريكية الحالية "تهدف في المقام األول واألخير الستمرار هيمنة الواليات المتحدة‬ ‫األمريكية وسيطرتها على ثروات ومقدرات المنطقة‪ ،‬وتفوق الكيان الصهيوني المغتصب ألرض‬ ‫فلسطين"‪ )11( .‬وهذا الموقف لن يختلف اليسار حوله ولكن عندما نقرأ السياسات التي‬ ‫تقترحها المبادرة لمواجهة هذه الهجمة نكتشف على الفور موقفاً مهادناً ال يطرح أي تغيير‬ ‫حقيقي فالمقترحات العملية للمبادرة تشمل‪" :‬دعم الجامعة العربية وتفعيلها‪ ،‬وتفعيل آليات‬ ‫العمل العربي‪ ،‬مثل‪ :‬الدفاع العرب ي المشترك والسوق العربية المشتركة والوحدة االقتصادية"‪.‬‬ ‫لكن الجامعة العربية واألنظمة التي تمثلها غارقة في التبعية والعمالة لإلمبريالية األمريكية‬ ‫والوحدة االقتصادية التي تنادي بها المبادرة ليست في الواقع سوى الوحدة بين الطبقات‬ ‫الحاكمة وتحت الوصاية األمريكية‪ .‬وإذا كان اإلخوان يقصدون وحدة من نوع آخر فلماذا ال‬ ‫يطرحون ذلك؟‬ ‫تطرح المبادرة تأكيداً على االلتزام بما يسمى الشرعية الدولية ومنظماتها‪:‬‬

‫" ترتبط مصر بدول العالم بروابط عديدة‪ ،‬كما أنها عضو في األسرة الدولية والمنظمات‬ ‫‪53‬‬


‫الدولية‪ ،‬وهي من ثم تسعى لتأكيد الشرعية الدولية"‪)10( .‬‬ ‫ولكن أليست هذه الشرعية والمنظمات التي تحمي الكيان الصهيوني وال تخدم سوى‬ ‫مصالح الدول اإلمبريالية الكبرى؟ تكتفي المبادرة بإضافة مطلبها بـ "خروج المنظمات الدولية‬ ‫من وصاية القوى الكبرى" ولكنها ال تطرح كيف يمكن تحقيق ذلك بل أن مطلب كهذا تردده‬ ‫كثير من األنظمة العربية رغم عمالتها التامة لنفس هذه القوى الكبرى‪.‬‬ ‫وعلى المستوى الداخلي تحدد المبادرة أسباب األزمة التي تعاني منها مصر بأنها‪:‬‬ ‫" الثالوث المدمِر لهذه األمة من جمود سياسي‪ ،‬وفساد‪ ،‬وظلم اجتماعي‪ ،‬وتخلف علمي وتقني‪،‬‬ ‫يهدد مصر اآلن في أمنها الوطني‪ ،‬ومكانتها القومية‪ ،‬وريادتها اإلسالمية‪ ،‬ودورها العالمي"‪.‬‬ ‫(‪ )11‬لكن ما تطرحه المبادرة من حلول على المستوى االقتصادي واالجتماعي لن يؤدي إال‬ ‫لمزيد من الجمود والفساد والظلم والتخلف‪ .‬وهنا يظهر بوضوح التناقضات الطبقية في خطاب‬ ‫اإلخوان فتقول المبادرة‪:‬‬

‫"فنحن نعمل على تشجيع القطاع الخاص‪ ،‬وذلك من خالل برنامج مدروس للخصخصة‪،‬‬ ‫يتسم بتقييم عادل للمشروعات العامة موضع الخصخصة‪ ،‬وشفافية كاملة عنه‪ ،‬مع الحفاظ‬ ‫على الحقوق الكاملة للعمال"‪)07( .‬‬ ‫لكن كيف يمكن الدفاع عن الخصخصة التي تعني قبل كل شيء تكثيف استغالل العمال‬ ‫وتشريد قطاعات واسعة منهم‪ ،‬وهو ما يطرحه المستثمرون كشروط لشراء الشركات العامة‬ ‫وفي ذات الوقت الحديث عن حقوق العمال؟‬ ‫وتؤكد المبادرة على ذلك الخطاب التقليدي المتناقض لإلخوان من مسألة الملكية‬ ‫الخاصة‪:‬‬

‫"نحن نؤمن بالنظام االقتصادي‪ ،‬الذي ينبثق من إسالمنا كدين ونظامِ حياةٍ شامل‬ ‫وكامل‪ ،‬يؤكد على حرية النشاط االقتصادي‪ ،‬وعلى دور الفرد في هذا النشاط‪ ،‬محترمًا للملكية‬ ‫المتعددة‪ ،‬والتي تشمل كأساس الملكية الخاصة‪ ،‬شريطة قيامها بوظيفتها االجتماعية‪ ،‬وملكية‬ ‫الدولة بالنسبة للمرافق العامة‪ ،‬والمنشآت الحيوية"‪)09( .‬‬ ‫‪54‬‬


‫وال توضح المبادرة طبيعة تلك الوظيفة االجتماعية للملكية الخاصة وال تحدد ما هي‬ ‫المنشئات الحيوية التي يجب أن تمتلكها الدولة‪ .‬هل تشمل مثالً صناعات الحديد والصلب‬ ‫واأللومونيوم والغزل والنسيج والبنوك الكبرى؟ وهل يجب إعادة تأميم ما تم خصخصته من‬ ‫المرافق العامة والمنشئآت الحيوية؟‬ ‫وفي مجال تحرير التجارة نجد نفس تلك التناقضات‪:‬‬

‫"نعتمد تحرير التجارة واالنفتاح أسلوباً رئيسياً لعالقاتنا مع الدول األخرى‪ ،‬في ظل‬ ‫االعتماد المتبادل‪ ،‬وثورة المعلومات واالتصاالت؛ ولكننا ضد الهيمنة والتبعية التي تهدف إليها‬ ‫حركة العولمة المعاصرة‪ ،‬ومن ثم سوف نعمل على تعظيم إيجابيات اتفاقية (الجات)‪،‬‬ ‫و(منظمة التجارة العالمية)‪ ،‬والحد من سلبيات هذه االتفاقيات"‪)09( .‬‬ ‫كيف يمكن الفصل بين حرية التجارة العالمية التي يدافع عنها اإلخوان والهيمنة‬ ‫والتبعية التي يعارضونها؟ وما هي القوة التي سيعتمدون عليها لتحقيق حتى ذلك المطلب‬ ‫الشديد التواضع وهو مجرد الحد من سلبيات االتفاقات التجارية؟ أليست هذه االتفاقات‬ ‫انعكاس ًا لتوازن القوى االقتصادية وهيمنة الدول الرأسمالية الكبرى على االقتصاد العالمي؟‬ ‫المبادرة مليئة بمقترحات لحل مشاكل التعليم والفقر والصحة وهي كلها مقترحات لن‬ ‫يختلف حولها أحداً‪ ،‬كتوفير السكن والغذاء والخدمات والرعاية الصحية والخدمات التعليمية‬ ‫الجادة والمجانية‪ .‬لكن كيف ستمول كل هذه اإلصالحات العظيمة؟ هل بزيادة الضرائب على‬ ‫األغنياء مثالً؟ ليس في مبادرة اإلخوان شيئاً عن هذا بل أن المبادرة تؤيد تخفيض الضرائب‬ ‫على المستثمرين لتشجيع االستثمار‪ .‬ونجد كافة مقترحات المبادرة مثل رفع نسبة األموال‬ ‫المخصصة للتعليم وللبحث العلمي وتوفير اإلمكانات العلمية الالزمة مثالً‪ .‬تطرح هكذا دون‬ ‫تحديد لكيفية التمويل‪ .‬ولذا تظل المقترحات لها تلك الصفة المتناقضة والمثالية‪ .‬فهي‬ ‫مقترحات تبدو جذابة لقطاعات واسعة من الجماهير ومن الطبقة الوسطى دون أن تكون‬ ‫مزعجة للبرجوازية والمستثمرين‪ .‬محاولة إرضاء جميع األطراف في المعادلة االجتماعية هي‬ ‫سمة دائمة في خطاب اإلخوان وتعبر بحق عن طبقة التناقضات ـ الطبقة الوسطى الحديثة‪.‬‬

‫‪55‬‬


‫وحتى عندما نقرأ التحليالت األكثر عمقاً لمفكري اإلخوان المعاصرين حول القضايا‬ ‫اال قتصادية نجد نفس تلك التناقضات والرؤى الوسطية اإلصالحية التي يغلب عليها التصورات‬ ‫األخالقية‪ .‬ففي مقال لعبد الحميد الغزالي حول المنهج اإلسالمي في التنمية يطرح أن‬

‫"جاء اإلسالم ونظامه االقتصادي ومنهجه في التنمية حربًا حقيقية ومستمرة وناجحة‬ ‫على كل صور الظلم االقتصادي ـ أي االستغالل ـ من خالل‪ :‬تحريم صريح وقاطع للربا والغرر‪،‬‬ ‫واالحتكار واالكتناز‪ ،‬واإلسراف والتقتير‪ ،‬والتطفيف والبخس‪ ،‬والغش والتدليس‪ ،‬والرشوة‬ ‫والمحسوبية ‪ ..‬إلى آخر كل صور أكل أموال الناس بالباطل‪ ،‬وكل صور الممارسات الخاطئة‬ ‫في النشاط االقتصادي إنتاجاً وتوزيعًا واستهالكًا"‪)01( .‬‬ ‫إذن يجب محاربة الظلم االجتماعي‪ ،‬لكن حين يتناول الكاتب سؤال كيف؟ نجده يكتفي‬ ‫بمبادئ أخالقية عامة بال االقتراب من جوهر االستغالل الرأسمالي‪.‬‬ ‫ويعيد الكاتب تكرار الطرح اإلخواني التقليدي بأن اإلسالم يقدم بديالً للرأسمالية وما‬ ‫سمي باالشتراكية كنماذج للتنمية االقتصادية‪" :‬ولقد عرفت البشرية وضعياً ـ بعد تجارب‬ ‫طويلة عبر تاريخها ـ نظامين اقتصاديين رأسماليين ماديين‪ :‬األول‪ ،‬يتسم بمادية رأسمالية‬ ‫من نوع خاص؛ وهي رأسمالية“ الطبقة"‪ ،‬ومن ثم انقسم المجتمع إلى طبقتين‪ :‬الرأسماليين‬ ‫أو أصحاب األعمال والعمال‪ .‬والثاني‪ :‬يتصف بمادية رأسمالية أيضاً من نوع خاص؛ وهي‬ ‫رأسمالية "الدولة" ومن ثم انقسم المجتمع إلى فريقين‪ :‬الدولة اآلمرة وحزبها المسيطر‪،‬‬ ‫والعمال؛ وهم جموع الشعب"‪)00( .‬‬ ‫وبالنسبة للكاتب فالحل يكمن في اإلسالم الذي يتجاوز النظم الطبقية المادية ويعود‬ ‫لإلنسان‪ .‬هذه اإلنسانية اإلسالمية يفترض أنها ال تعبر عن طبقة اجتماعية محددة‪ .‬وأمام‬ ‫الفشل الذي منيت به نماذج الغرب والشرق يأتي اإلسالم بإنسانه األخالقي المثالي المجرد‬ ‫من تعريف طبقي‪ .‬ولكن تجاوز التعريف الطبقي على مستوى األفكار ال يتجاوز القهر الطبقي‬ ‫في الواقع المعاش‪.‬‬ ‫سنجد أيضاً قضية اقتصادية محورية في الخطاب اإلخواني هي قضية الربا‪ .‬وعادة ما يتم‬ ‫نقد موقف اإلخوان من الربا وشكلها المعاصر في الفوائد المصرفية على أنه مجرد موقف رجعي‬ ‫‪52‬‬


‫من العصور الوسطى ال يتماشى مع النظم االقتصادية المعاصرة‪ .‬ولكن هذا النقد يتجاهل مثالً‬ ‫التأثير الم دمر للقروض البنكية ذات الفوائد العالية على قطاعات واسعة من الفالحين وبالتالي‬ ‫يتجاهل تأثير الخطاب اإلسالمي حول الربا على مثل هذه القطاعات‪.‬‬ ‫في دراسة نشرت في موقع اإلخوان اإللكتروني تحت عنوان "الربا ‪ ..‬رؤية اقتصادية آلثاره‬ ‫السلبية" يطرح الباحث ثالثة أمثلة للتأثير المدمر للفوائد البنكية‪ .‬المثل األول يعبر بصدق‬ ‫عن دفاع اإلخوان عن الطبقة الوسطى وظلم الشركات الكبرى واالحتكارية فيطرح الباحث‪:‬‬

‫"فالمشروعات الكبيرة تحصل على قروض أكبر وبسعر فائدة أقل‪ ،‬على عكس المشروعات‬ ‫الصغيرة والمتوسطة التي قد تكون ذات إنتاجية عالية‪ ،‬وهنا تنشأ مفارقة غريبة‪ ،‬فالمنشأة‬ ‫والمشروع الكبير القادر على تحمل عبء الربا يحمل عبئاً أقل من المشروع الصغير‬ ‫والمتوسط‪ ،‬ولعل هذا هو أحد أسباب نمو المنشآت الكبيرة واختناق المشروعات الصغيرة‪،‬‬ ‫وتعزيز االحتكارية"‪)00( .‬‬ ‫ويمكن أن نفهم تأثير تلك الدعاية السياسية في مصر المعاصرة التي يقترض كبار‬ ‫الرأسماليين فيها مئات الماليين من البنوك بشروط ميسرة‪ ،‬بينما ينهار المقترض الصغير‬ ‫صاحب الدكان أو السيارة األجرة تحت وطأة الديون وفوائدها‪.‬‬ ‫المثال الثاني الذي يقدمه الباحث هو مأساة االئتمان الزراعي‪:‬‬

‫"وتعطي تجربة بنك االئتمان الزراعي في مصر ـ ومأساة الفيضانات في بنجالديش ـ‬ ‫نموذجاً سيئاً في استنزاف البسطاء‪ ،‬ففي بنك االئتمان الزراعي قام البنك بتوسيع حجم‬ ‫القروض الربوية التي يمنحها للفالحين البسطاء دون أن يحصلوا على أية إرشادات أو‬ ‫توجيهات حقيقية في كيفية االستفادة من هذا القرض‪ ،‬وكانت نسبة الربا على هذا القرض‬ ‫‪ %91‬أضيفت إليه مصاريف إدارية ورسوم وتأمينات حتى انتهى الربا إلى ‪ % 91‬على‬ ‫القرض‪ ،‬وعجز الفالحون عن السداد؛ ألنهم استخدموا القروض في الجانب االستهالكي والبناء‬ ‫على األرض الزراعية‪ ،‬وأمام إصرار البنك على تحصيل أمواله التي زادت على ‪ 961‬مليار دوالر‬ ‫بدأت عمليات جدولة للديون على عشر سنوات‪ ،‬إال أنها كانت في حقيقتها تعظيم لهذا الدين‪،‬‬ ‫فالفالح المدين بمائة ألف جنيه سوف يردها بعد هذه السنوات ‪ 175‬ألف جنيه بعد الجدولة‪.‬‬ ‫‪57‬‬


‫ثم ابتكر البنك أسلوباً جديداً فريداً آخر لتسديد هذه الديون بمنح الفالحين قروضاً جديدة‬ ‫لتسديد القروض القديمة‪ ،‬وبفوائد ربوية أعلى ومصاريف أخرى وتأمينات‪ ،‬فأثقل كاهل الفالح‬ ‫الذي وجد أبواب السجون أمامه‪ ،‬والحجز على أرضه ومواشيه خلفه‪ ،‬فبيعت أراضي وحيوانات‬ ‫بثمن بخس"‪)0.( .‬‬ ‫هكذا يتحول الرفض األخالقي والديني للربا إلى فهم عميق ومعاصر للتأثيرات الكارثية‬ ‫للفوائد البنكية على الفالحين الصغار والمتوسطين وتصبح جاذبية الخطاب اإلخواني لهؤالء‬ ‫ليست مجرد جاذبية األفكار األخالقية المحافظة بل جاذبية من يفهم معاناتهم الواقعية حتى‬ ‫إن لم يكن يقدم أي بدائل عملية تحررهم من قيود النظام المالي الرأسمالي الحديث‪.‬‬ ‫وال مثال الثالث واألخير الذي يقدمه الباحث هو ما يحدث عند اقتراض دول العالم الثالث‬ ‫الفقيرة من الدول الصناعية الكبرى ومؤسساتها المالية‪:‬‬

‫" وكانت بعض المؤسسات المالية والدول الدائنة تؤجل سداد الدين األصلي في حين‬ ‫تحصل الفائدة على هذا الدين‪ ،‬وعندما تصل بعض الدول إلى حافة اإلفالس فإن هذه‬ ‫المؤسسات تقرضها لتمكينها من سداد متأخراتها من فوائد الدين القديمة؛ حتى تتجنب‬ ‫اإلعسار المؤقت‪ ،‬ومن ثم فإن القروض الجديدة تستخدم لسداد خدمات ديون قديمة‪ ،‬وليس‬ ‫لسداد الدين األصلي‪ ،‬وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى سرعة استيالء الدائنين الدوليين‬ ‫على الدين الجديد‪ ،‬ويبقي الدول المدينة في حال من االستغالل الدائم يعرض قرارها‬ ‫السياسي للتأثيرات والضغوط الخارجية‪ ،‬ويمنع هذه الدول من إتباع سياسة قومية‬ ‫مستقلة"‪)01(.‬‬ ‫إذن نحن أمام خطاب ال يكتفي بالعودة إلى القرآن والسنة إلثبات أن الربا بكافة أشكالها‬ ‫حرام بل يوضح كيف يؤدي النظام االئتماني الرأسمالي الحديث إلى إفقار دول العالم الثالث‬ ‫وإفقادهم لالستقالل‪ ،‬وتشريد الفالحين المتوسطين والصغار تحت وطأة الديون وفوائدها‬ ‫الباهظة‪ ،‬وإفالس المشاريع الصغيرة وهيمنة الشركات االحتكارية الكبرى‪.‬‬ ‫لكن في المقابل ال يطرح هذا الخطاب ضرورة إلغاء ديون العالم الثالث أو رفض تسديدها‪،‬‬ ‫وال إلغاء ديون الفالحين وإقراضهم دون فوائد‪ ،‬وال يطرح تصوراً بديالً لنظام مالي يمنع‬ ‫‪58‬‬


‫االحتكار والظلم واالستغالل‪ .‬وعندما هلل اإلخوان لشركات توظيف األموال كبديل لنظام‬ ‫الفوائد البنكية سرعان ما اتضح كيف اعتمدت تلك الشركات على المضاربة في البورصات‬ ‫العالمية وأسواق الذهب وسرعان ما انهارت وأخذت معها مدخرات الماليين‪.‬‬ ‫لليسار الثوري تراثاً عريقاً في النضال ضد الرأسمالية المالية وضد قروضها التي تفرضها‬ ‫على صغار الفالحين بفوائد مدمرة‪ ،‬ولكن أين نضال اليسار المصري اليوم إلسقاط ديون‬ ‫الفالحين؟ أليس هذا الطريق األجدى لكسب الجماهير بعيداً عن الخطاب اإلخواني؟‬ ‫لعل أهم تناقض في برامج اإلخوان يكمن بين طرحهم الوطني المعادي للهيمنة‬ ‫األمريكية والصهيونية وطرحهم االقتصادي الذي يتوافق مع برامج اإلدارة األمريكية‬ ‫والمؤسسات االقتصادية التابعة لها‪ .‬فالخصخصة وتحرير التجارة ومجمل السياسات الليبرالية‬ ‫الجديدة التي يتبناها اإلخوان هي جزء أصيل من الهجمة األمريكية على المنطقة التي‬ ‫يعاديها الخطاب اإلخواني‪ .‬كيف يمكن الحديث عن ضرورة االستقالل الوطني والوقوف في‬ ‫وجه الهيمنة األمريكية والقبول في ذات الوقت بالسياسات االقتصادية التي تفرضها تلك‬ ‫الهيمنة بل وتعمقها؟‬ ‫كيف يمكن لإلخوان أن يجذبوا اآلالف من الشباب من الطالب والخريجين الفقراء ثم‬ ‫يتبنوا سياسات ال يمكن إال أن تعمق من األزمة التي يعانني منها هؤالء الشباب؟‬ ‫هذا التناقض ال يمكن التعامل معه وكأنه مجرد نتيجة النتهازية قيادات اإلخوان أو‬ ‫خداعهم لقواعدهم وجماهيرهم‪ .‬فالتناقض في الخطاب يعكس تناقضات البنية الطبقية‬ ‫لحركة اإلخوان ونجاحهم في جذب الماليين من الشباب رغم تلك التناقضات‪ .‬هو أيض ًا في‬ ‫واقع األمر نتيجة لغياب اليسار المناضل القادر على طرح برنامج طبقي يربط بين القضايا‬ ‫الوطنية والقضايا االقتصادية واالجتماعية وبالتالي يطرح بديالً ملموساً أمام تلك القطاعات من‬ ‫الفقراء التي يجذبها اليوم الخطاب اإلخواني رغم تناقضاته‪.‬‬

‫‪59‬‬


‫استنتاجات‬

‫لقد ارتكب اليسار المصري أخطاء فادحة في تحليله وتعامله مع جماعة اإلخوان‬ ‫المسلمين‪ .‬فقد اتخذ موقفاً يعتبرها حركة رجعية ظالمية تعادي الحداثة والديمقراطية‪ .‬ووفق‬ ‫هذا التحليل فهي حركة معادية للجماهير وتخدم بشكل مباشر وكامل مصالح أكثر قطاعات‬ ‫البرجوازية رجعية ويمينية‪ .‬وكان االستنتاج العملي لهذا التحليل هو ضرورة محاربة هذه‬ ‫الحركة ومنع وصولها للسلطة حتى و إن كان ذلك بالتحالف مع السلطة البرجوازية في‬ ‫مواجهتها‪ .‬وقد حاولنا في هذا الكراس الصغير أن نقدم قراءة بديلة تظهر الطبيعة المعقدة‬ ‫والمتناقضة والمتغيرة لإلخوان في سياق تطورها التاريخي وتفاعالتها السياسية واالجتماعية‪.‬‬ ‫فظهور اإلخوان في النصف األول من القرن العشرين كان نتاجاً لتناقضات التطور‬ ‫الرأسمالي التي خلقت طبقة وسطى حديثة مأزومة مرتبطة أخالقياً بجذورها الريفية وعملياً‬ ‫بعالم المدينة الرأسمالية بصراعاته وتناقضاته‪ .‬وقد استطاع حسن البنا أن ينظم صفوف تلك‬ ‫الطبقة وأن يجعل جماعته منبراً للتعبير عن تطلعاتها الطوباوية‪.‬‬ ‫وألن الخطاب الذي بلوره البنا كان خطاباً دينياً مثالياً فقد كان يجذب للجماعة ليس‬ ‫فقط الطبقة الوسطى الحديثة والتي شكلت العمود الفقري للجماعة بل أيضاً قطاعات من‬ ‫األغنياء الذين جذبتهم الشعارات الدينية المحافظة وقطاعات من الفقراء الذين رأوا في‬ ‫شعارات الجماعة المبهمة حول العدالة االجتماعية ومحاربة الظلم والفساد خالصاً من‬ ‫معاناتهم‪.‬‬ ‫ولم يكن باستطاعة اإلخوان أن يصبح لهم ذلك النفوذ الجماهيري الهائل دون أخطاء‬ ‫اليسار التاريخية في األربعينات حيث أدت تبعيته لالتحاد السوفيتي إلى تبني استراتيجية‬ ‫الثورة الوطنية الديمقراطي ة‪ ،‬التي أدت في نهاية المطاف إلى تذيل حزب الوفد والتخلي عن‬ ‫استقاللية وقيادية الطبقة العاملة‪.‬‬ ‫وخالل الفترة الناصرية استطاع النظام بمزيج من القمع واالستيعاب من سحب البساط‬ ‫من تحت أقدام اإلخوان‪ ،‬فقد مكنته سياساته االقتصادية من دمج الطبقة الوسطى الحديثة‬ ‫‪20‬‬


‫في مشروع رأسمالية الدولة‪ .‬لكن فشل تلك التجربة وكارثة حرب ‪ 91.1‬وغياب اليسار الذي‬ ‫باع نفسه للنظام بحله الحزب الشيوعي جعل األرض ممهدة لعودة اإلخوان‪.‬‬ ‫وقد كانت السبعينات فترة انتقالية بالنسبة لتطور اإلخوان فقد خرجت القيادات القديمة‬ ‫من المعتقالت وهي فاقدة ألية عالقة بقواعدها االجتماعية ولم يبقى لها سوى االرتباط‬ ‫بكوادر أمضت الفترة الناصرية في الخليج وكونت ثروات ضخمة مما دفع بخطاب ومواقف‬ ‫اإلخوان إلى أقصى اليمين‪ .‬لكن مع النمو السريع للجماعات اإلسالمية في الجامعات ودخول‬ ‫تلك الجماعات في صفوف اإلخوان تغيرت التركيبة الطبقية للجماعة وعادت بالتدريج لمنهج‬ ‫حسن البنا في البناء التنظيمي‪.‬‬ ‫وقد اعتمد النمو الواسع النطاق للجماعة خالل الثمانينات والتسعينات على عدة عوامل‬ ‫أهمها تفاقم أزمة خريجي الجامعات والمعاهد وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها في‬ ‫المناطق الشعبية‪ .‬ومن خالل العمل الدءوب في الجامعات والنقابات المهنية والعمل الخيري‬ ‫وتقديم الخدمات في المناطق الشعبية استطاع اإلخوان من إعادة بناء شبكة كوادرهم‬ ‫وجذورهم االجتماعية‪ .‬وكلما تحول النظام إلى الليبرالية الجديدة وتخلت الدولة عن دورها‬ ‫في تقديم الخدمات كلما استطاع اإلخوان ملء الفراغ وتوسيع نفوذهم‪.‬‬ ‫وما من شك أن غياب اليسار خالل التسعينات قد ترك المجال مفتوحاً أمام نمو اإلخوان‬ ‫سواء كان ذلك الغياب بسبب انهيار االتحاد السوفيتي الذي كان يعتبره غالبية فصائل اليسار‬ ‫نموذجاً وقدوة بل ومصدراً للتعليمات والتمويل في بعض الحاالت‪ ،‬أو بسبب تذيل النظام‬ ‫بحجة خطورة المد اإلسالمي‪.‬‬ ‫كان الموقف الذي اتخذته غالبية فصائل اليسار من الحركة اإلسالمية بمثابة انتحار‬ ‫سياسي فالتحالف مع الدولة قد أفقد هؤالء ألية مصداقية لدى الجماهير ولعل النتائج التي‬ ‫حققها حزب التجمع في االنتخابات األخيرة هي أكبر دليل على ذلك‪ .‬لكن رفض التحالف مع‬ ‫النظام ورفض اعتبار اإلخوان كتلة رجعية مصمتة ال يعني على اإلطالق االرتماء في أحضانهم‬ ‫فقد رأينا ما حدث حين تحالف الحزب الشيوعي اإليراني مع الخوميني بحجة أنه يقود‬

‫‪20‬‬


‫النضال في مواجهة اإلمبريالية وكانت النتيجة مذبحة للشيوعيين ومذبحة للطبقة العاملة‬ ‫اإليرانية‪.‬‬ ‫فيجب أن يكون هدف اليسار المناضل في مصر اليوم هو بناء بديل اشتراكي مستقل ال‬ ‫يرمي نفسه في خندق النظام وال يرمي نفسه أيضاً في خندق اإلسالميين‪ .‬لكن االستقالل ال‬ ‫يأتي من خالل المواقف السلبية تجاه المعارك الدائرة‪ .‬فعندما تكون المعركة بين اإلخوان‬ ‫والنظام حول المطالب الديمقراطية مثالً كإلغاء قانون الطوارئ أو استقالل القضاء أو حول‬ ‫مطالب ضد الفساد كالمطالبة بالتحقيق في حادث العبارة‪ ،‬في حاالت كهذه سيكون من الغباء‬ ‫الشديد لليسار أن يتخذ موقفاً محايداً بحجة االستقالل أو أن يؤسس حمالته المستقلة النقية‬ ‫والصغيرة والهامشية بطبيعة الحال بحجة عدم الدخول في عمل مشترك مع اإلخوان‪.‬‬ ‫في مثل تلك الحاالت على اليسار المناضل أن يدخل في عمل مشترك مع اإلخوان‪ .‬ولكن‬ ‫هذا العمل المشترك ال يجعلنا نتوقف للحظة عن نقد مواقف اإلخوان عندما يهادنون من‬ ‫جديد أو عندما يحرفون مسار المعركة نحو قضايا أخالقية ورجعية‪ .‬والعمل المشترك ال‬ ‫يجعلنا نتنازل ولو للحظة واحدة عن رايتنا المستقلة‪.‬‬ ‫إن منافسة اإلخوان واستعادة الوجود لليسار المناضل في صفوف الجماهير لن يحدث إال‬ ‫من خالل النضال الطبقي في أوساط العمال والفالحين الفقراء‪ .‬والبديل اليساري المستقل‬ ‫عليه إقن اع الجماهير‪ ،‬عبر الممارسة الملموسة حول مصالحها الطبقية وليس الدعاية المجردة‬ ‫حول العلمانية والدولة المدنية‪ ،‬أن مصالحها ليست مع اإلخوان المسلمين بل مع االشتراكية‪.‬‬ ‫وأن نثبت عملياً أننا األكثر جذرية في النضال ضد اإلمبريالية والصهيونية واألكثر صالبة‬ ‫واتساقاً في مواجهة االستبداد‪.‬‬ ‫لقد أفقدتنا أخطاء اليسار االستراتيجية الفادحة الكثير من الوقت والكثير من الجذور‬ ‫الجماهيرية‪ .‬وقد ساعدت هذه األخطاء على خلق الفراغ السياسي الذي مكن اإلخوان من‬ ‫توسيع نفوذهم وفرض أنفسهم بصفتهم قوة المعارضة األساسية في مصر‪ .‬لكن هذا الوضع‬ ‫قاب ل للتغيير سريعاً إذا ما تمكن اليسار المناضل من بلورة االستراتيجيات والتكتيكات‬ ‫الصحيحة‪ .‬فالتصاعد القادم في الصراع الطبقي سيخلق مساحات جديدة لزرع جذور قوية‬ ‫‪26‬‬


‫لليسار تمكنه من النمو وتوسيع نفوذه‪ .‬إال أن اليسار لن يتمكن من تحقيق شيء طالما ظل‬ ‫حبيساً لمواقف خاطئة لم يجني منها سوى العزلة والتهميش‪.‬‬

‫‪23‬‬


‫هوامش‬

‫الفصل األول‪ :‬النشأة والصعود‬

‫‪)9‬‬

‫شارل عسوي (‪ ،)9100‬مصر في منتصف القرن‪ :‬مسح اقتصادي‪.‬‬

‫‪)9‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)1‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)0‬‬

‫جون واتربري (‪ ،)9101‬مصر ناصر والسادات‪ :‬االقتصاد السياسي لنظامين‪.‬‬

‫‪)0‬‬

‫شارل عسوي‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪).‬‬

‫روبرت تيجنور(‪ ،)9100‬الدولة واالستثمار الخاص والتغيير االقتصادي في‬

‫مصر‪.‬‬ ‫‪)1‬‬

‫توني كليف (‪ ،)910.‬مصر في مفترق الطرق‪.‬‬

‫‪)0‬‬

‫طارق البشري (‪ ،)9779‬الحركة السياسية في مصر‪.‬‬

‫‪)1‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)97‬‬

‫جول بينين وزكاري لوكمان (‪ ،)9101‬عمال على ضفاف النيل‪.‬‬

‫‪)99‬‬

‫رفعت السعيد (‪ ،)9111‬حسن البنا‪:‬متى وكيف ولماذا‪.‬‬

‫‪)99‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)91‬‬

‫ريتشارد ميتشل (‪ ،)91.1‬جماعة اإلخوان المسلمين‪.‬‬

‫‪)90‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)90‬‬

‫برنيار ليا (‪ ،)9110‬جماعة اإلخوان المسلمين في مصر‪.‬‬ ‫‪24‬‬


‫‪)9.‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)91‬‬

‫المصدر السابق‬

‫‪)90‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)91‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)97‬‬

‫ري��شارد ميتشل‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)99‬‬

‫برنيار ليا‪ ،‬المصدر السابق‬

‫‪)99‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)91‬‬

‫ريتشارد ميتشل‪ ،‬المصدر السابق‬

‫‪)90‬‬

‫طارق البشري‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)90‬‬

‫ريتشارد ميتشل‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)9.‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)91‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)90‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)91‬‬

‫برنيار ليا‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)17‬‬

‫ريتشارد ميتشل‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)19‬‬

‫رفعت السعيد‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)19‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫أبو سيف يوسف‪ ،‬من تاريخ اليسار المصري‪.‬‬

‫‪)10‬‬

‫رفعت السعيد‪ ،‬تاريخ الحركة الشيوعية المصرية‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫‪)10‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)1.‬‬

‫رفعت السعيد‪ ،‬حسن البنا‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)10‬‬

‫حسن البنا (‪ ،)9110‬مجموعة رسائل اإلمام الشهيد حسن البنا‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)07‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)09‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)09‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)00‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)00‬‬

‫محمد الغزالي (‪ ،)911.‬اإلسالم واألوضاع االقتصادية‬

‫‪)0.‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)00‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)07‬‬

‫محمد الغزالي (‪ ،)9111‬اإلسالم والمناهج االشتراكية‪.‬‬

‫‪)09‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)09‬‬

‫رفعت السعيد‪ ،‬حسن البنا‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫طارق البشري‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬ ‫‪22‬‬


‫‪)00‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)00‬‬

‫ريتشارد ميتشل‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)0.‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫حسن البنا‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬من ناصر إلى مبارك‬

‫‪)00‬‬

‫جول جوردن (‪ ،)9119‬حركة ناصر المباركة‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪).7‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪).9‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪).9‬‬

‫روبرت مابرو (‪ ،)911.‬االقتصاد المصري‪.‬‬

‫‪).1‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪).0‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪).0‬‬

‫جون واتربري (‪ ،)9101‬مصر ناصر والسادات‪ :‬االقتصاد السياسي لنظامين‪.‬‬

‫‪)..‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪).1‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪).0‬‬

‫جيل كيبل (‪ ،)9100‬النبي والفرعون‪.‬‬

‫‪).1‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)17‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬ ‫‪27‬‬


‫‪)19‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)19‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)10‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)10‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)1.‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)10‬‬

‫كاري روزفسكي ويكهام (‪ ،)9771‬تعبئة اإلسالم‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)07‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)09‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)09‬‬

‫إليا حارك (‪ ،)9119‬سياسة اإلصالح االقتصادي في مصر‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)00‬‬

‫كاري روزفسكي ويكهام‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)00‬‬

‫إليا حارك‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)0.‬‬

‫هبة حندوسة (‪ ،)9111‬العمالة واإلصالح الهيكلي في التسعينات‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)00‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)01‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬ ‫‪28‬‬


‫‪)17‬‬

‫كاري روزفسكي ويكهام‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)19‬‬

‫جويل كامبانيال (‪ ،)9779‬من االستيعاب إلى المواجهة‪.‬‬

‫‪)19‬‬

‫كاري روزفسكي ويكهام‪ ،‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)10‬‬

‫إخوان أون الين‬

‫‪)10‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)1.‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)10‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)11‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)977‬‬

‫عبد الحميد الغزالي (‪ ،)9770‬المنهج اإلسالمي في التنمية‪.‬‬

‫‪)979‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)979‬‬

‫إخوان أون الين‪.‬‬

‫‪)971‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪)970‬‬

‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪29‬‬



الإخوان المسلمون - رؤية إشتراكية