Issuu on Google+

‫‪2‬‬

‫مفتتح‬ ‫املواطنة سعي نحو التغيير‬

‫مفتتح العدد‬

‫وسيم الكردي‬ ‫في األول من أيار من هذا العام ‪ ،2009‬رحل املسرحي البرازيلي أوغستو بوال‪ ،‬بعد رحلة طويلة من العمل مع قطاعات اجتماعية متنوعة أبرزها‬ ‫واملهمشة واملضطَّ هدة‪ ،‬وقد سمى كتابه األول «مسرح املضطهدين»‪ ،‬وقد عرف أكثر ما عرف بتوظيفه ملا يسمى مبسرح «املنتدى» أو‬ ‫الفئات الفقيرة‬ ‫ّ‬ ‫«املنبر»‪ ،‬الذي يقوم على إشراك املتفرجني في املشهد املسرحي الذي يعالج قضايا لهم شأن فيها‪ ،‬بحيث يشتركون في األداء املسرحي داخل املشهد‬ ‫لتقدمي اقتراحات بديلة في محاولة لتخليص املضطَّ هد من االضطهاد الواقع عليه‪ .‬وهناك عدد متزايد من املعلمني الذين يستخدمون هذا األسلوب‬ ‫املسرحي في تطوير مستوى احلوار بني الطالب ودفعه إلى مستويات عميقة ومتنوعة‪ ،‬تأخذ بعني االعتبار وجهات النظر املختلفة والنابعة من زوايا نظر‬ ‫متنوعة‪ ،‬ويصل الطموح بكثيرين ممن يتبنون هذا األسلوب إلى اعتباره قادر ًا على إحداث تغيير اجتماعي حقيقي‪ .‬إن مساهمة بوال األساسية تقوم في‬ ‫ِ‬ ‫ومضطهد‪ -‬مسرحياً‪ ،‬وإشراك املتفرج فيها باعتباره مشاهداً‪/‬ممث ً‬ ‫ال ليقدم اقتراح ًا‬ ‫مضطهد‬ ‫ظني على حبك الصور املجتمعية ‪-‬غير العادلة أو القائمة على‬ ‫َ‬ ‫عملياً‪ ،‬وليس لفظي ًا فقط‪ ،‬إنه ينتقل إلى املنصة بجسده ومشاعره وحواسه ومواقفه‪ ،‬ويعيد تشكيل العالقات اإلنسانية املجسدة في املشهد املسرحي‬ ‫وفق رؤية تشتغل على إزاحة الظلم وإقامة العدل‪ .‬إن املتفرج‪/‬املشاهد يجتاز الفرجة إلى الفعل‪ ،‬أو لنقل إنه يعمل على تضافر الفرجة مع الفعل كي‬ ‫تكون ممكنات التغيير قائمة‪.‬‬ ‫في هذا العام اختير بوال ليكتب الرسالة السنوية لليوم العاملي للمسرح‪ ،‬وقد اختار أن يختمها مبا يلي‪ ... « :‬فأن تكون مواطن ًا ال يعني مجرد العيش‬ ‫في كنف مجتمع ما‪ ،‬وإمنا يعني السعي إلى تغييره»‪ .‬وقد استلهم كثير من املعلمني في أنحاء مختلفة من العالم‪ ،‬مبا فيها فلسطني‪ ،‬من بوال‪ ،‬هذه الرغبة‬ ‫الكبيرة التي تتطلع إلى إحداث تغيير في املجتمع الذي نعيش فيه‪ ،‬وليس فقط أن نتفرج على ما يجري‪ ،‬بل أن يكون لنا شأن فيه‪ .‬وحني حتدث بوال‬ ‫عن التغيير املناط بنا كدور اجتماعي أصيل‪ ،‬فإنه بقي وفي ًا «ألبيه األخير» باولو فريري‪ ،‬الذي قدم نظرية «تعليم املضطهدين» عملياً‪ ،‬التي يعرف كثير‬ ‫من معلمينا مفهوم «التعليم البنكي» الذي أنشأته‪ ،‬حيث يتحول الطلبة إلى خزائن تخزن وحتفظ وتتذكر‪ ،‬وال شأن لها بالوعي أو الفهم أو اإلدراك‪،‬‬ ‫وبالتالي ال تعي االضطهاد الواقع عليها‪ ،‬ومن ثم فلن تسعى إلى إزاحته‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد الثامن والعشرون‬

‫بالتأكيد إن طموح التغيير أو الرغبة فيه متتد لتشمل الكثيرين‪ ،‬ورمبا في الغالب معظم الناس إن لم يكن جميعهم‪ ،‬ألن الرغبة في التغيير تقوم على‬ ‫توقع يتوافق مع ما يريد الناس للحياة أن تكون عليه؛ إنهم يريدون أن تكون احلياة أفضل‪ ،‬أحسن‪ ،‬أمتع‪ ،‬أروع‪ ،‬أجمل‪ ،‬ألذ‪ ،‬أنفع‪ ،‬أسلس‪ ،‬أغدق‪،‬‬ ‫أورع‪ ،‬أنبل‪ ،‬أعدل‪ ،‬أصلح‪ ... ،‬إلى آخر هذه القائمة من أفعال التفضيل التي ال نهاية لها‪ ،‬والتي يتوافق الناس على بعضها ويتخالفون على بعض‬ ‫آخر‪ ،‬ليس على مستوى الغاية فحسب‪ ،‬بل على مستوى تفسيرها وتأويلها‪ .‬ولكن كيف ميكن لذلك أن يتحقق؟ إن ذلك يقوم أساس ًا على تقديرنا‬ ‫لدورنا االجتماعي‪ ،‬فأن نكون فاعلني تربوي ًا يتطلب أن ننظر إلى دورنا من وجهة ترى التعليم ضمن السياق االجتماعي‪ ،‬وضمن منظومة عالقاته‪،‬‬ ‫ال منبت الصلة عنه وعنها‪ .‬إن دورنا االجتماعي ينبغي أن يقوم على إحداث فرق؛ أي إحداث تغيير مهما بدا صغير ًا ومحدوداً‪ ،‬فدورنا التربوي ال‬ ‫ينفصم عن دورنا االجتماعي‪ ،‬وهذا بالضبط ما سينتقل بنا من متفرجني إلى فاعلني حقيقيني مهما بدا الواقع كئيباً‪ ،‬فهل هناك ما هو أجدر بأن يكون‬ ‫دافع ًا للتغيير من واقع كهذا؟!‬ ‫إن إحداث فرق في التعليم لن يحدث عبر قرارات بغض النظر عن املستوى الذي يطلقها‪ ،‬بل ميكن له أن يقوم على املشاركة والتحاور الدائم مع املعلمني‬ ‫والطلبة واملديرين واألهل واملؤسسات املجتمعية وكذلك األفراد‪ . ...‬والبناء على جتاربهم وخبراتهم ومعارفهم‪ ،‬وليس بناء على تفصيل مجرد ال‬ ‫يقوم على تقدير حقيقي ملا يجري في احلياة‪ ،‬في املجتمع‪ ،‬في املدرسة‪ ،‬في ساحتها‪ ،‬في حجرة الصف‪ ،‬في غرفة املعلمني‪ ،‬في الطريق إلى املدرسة‪،‬‬ ‫وفي الطريق إلى البيت‪. ... ،‬‬ ‫إننا‪ ،‬وعبر جتربتنا‪ ،‬مع املعلمني بشكل خاص‪ ،‬نرى أن هناك الكثير من املعلمني‪ ،‬وعلى الرغم من صعوبة ظروفهم‪ ،‬فإنهم يعملون بدأب وبإخالص‬ ‫وبدافعية عالية‪ ،‬وهي تقوم في جوهرها على النمو املتأني املستمر التراكمي الذي يقوم على التجربة الواقعية‪ ،‬والتجريب املستمر‪ ،‬ومشاركة اآلخرين‬ ‫في اخلبرات املتشكلة ومحاورتها‪ ،‬ولكي يستمر ذلك وينمو أكثر فأكثر‪ ،‬فإنه ينبغي إحداث فرق جوهري في واقع املعلمني وفي ظروفه‪ ،‬ينبغي علينا أن‬


‫نطور عبر نظامنا التعليمي نظام حوافز فعا ً‬ ‫ال ونوعياً‪ ،‬يقوم جوهرياً‪ ،‬على نوعية العطاء واملساهمة التي يقدمونها‪ .‬إن املعلمني قادرون على حتقيق نتائج‬ ‫تقدر ما لديهم‪ ،‬وتنبني على جتربتهم‪ ،‬وتتيح لهم مجا ً‬ ‫ال ملتعة التجريب واالستكشاف‪ ،‬وينبغي أن يدركوا‬ ‫رائعة إذا تسنى لهم أن يعبروا جتربة مختلفة ِّ‬ ‫أن هناك معنى حقيقي ًا لعملهم‪ ،‬ومعنى حقيقي ًا لوجودهم‪ ،‬ولكرامتهم‪ ،‬وهذا ال ميكن أن يتحقق دون أن يتغير املجتمع باملقابل؛ املجتمع الرسمي‬ ‫واألهلي‪ ،‬املؤسسي والفردي‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫وعلينا أن ندرك أن املسألة ليست بالبساطة التي نتوقعها‪ ،‬فسنجد من يصد محاوالت التغيير‪ ،‬ويعمل على وأدها‪ ،‬ويريد لألمور أن تبقى على‬ ‫حالها‪ ،‬وأن يبقى التعليم على حاله‪ ،‬فال مصلحة له في تغيير يقوم على العدالة والتشارك والتنوع واالختالف‪ ،‬ويتيح مجا ً‬ ‫ال لإلبداع والتقدم العلمي‬ ‫واالجتماعي‪ ،‬إن هذا يتطلب تفاعل اجتماعي‪ ،‬ليس على مستوى التغيير في نوعية التعليم وحسب‪ ،‬بل ينبغي أن يرافق ذلك تغيير في السياق الذي‬ ‫يقوم عليه التعليم وظروفه‪ ،‬ومكوناته‪ ،‬وآليات عمله‪ ،‬ومنهجيات إدارته‪ ،‬وطرائق تعامله مع املعلمني؛ سواء على مستوى «تأهيلهم واإلشراف على‬ ‫أدائهم»‪ ،‬أم على مستوى حقوقهم وكرامتهم املهنية وحقوقهم اإلنسانية التي ال ينبغي التفريط فيها إذا أريد للتعليم أن يسهم في ارتقاء مجتمعنا ومتكينه‬ ‫من تفعيل مشروعه السياسي‪ ،‬الذي يتطلع إلى احلرية‪ ،‬ومشروعه االجتماعي الذي يتطلع إلى التقدم والرقي‪ ،‬ولكن ضمن مفهوم إنساني ال ينبغي‬ ‫التفريط فيه‪ ،‬وهو «العدالة» وفي كل مستوياتها‪ ،‬وارتباط ذلك بالتأكيد بتجويد األداء‪ ،‬وحتسني املساهمة الفردية واملؤسسية ونوعيتها‪.‬‬

‫مفتتح العدد‬ ‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫طالبات خالل حصة تدريبية في مدرسة غزة للموسيقى بعد إعادة افتتاح مقرها اجلديد‪.‬‬


‫‪4‬‬

‫ملف املعرفة كإطار للعلوم والثقافة‬

‫فاعلية الفكر بني مجتمع املعرفة واجتماعيتها‬

‫مالك الرمياوي‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫إن الثقافة هي املجال الرمزي الناظم للمجتمع وللحياة فيه (وهذا ما ّبينه الفكر احلديث)‪ ،‬فالرمزية ليست أثر ًا للمجتمع‪ ،‬بل إن املجتمع هو أثر‬ ‫للرمزية‪ ،‬كما يرى “شتراوس”‪ ،‬فالفكر بالنسبة للثقافة هو التاريخ فيها؛ أي مبعنى املتغير وصانع التغيير‪ ،‬فإن كانت الثقافة هي “إطار اشتغاله”‬ ‫ومادته وموضوعه‪ ،‬فإنه محركها والفاعل الرئيسي في “خلق ديناميتها”‪ ،‬ما يعني أنه إذا “كانت الثقافة هي جغرافية احلياة‪ ،‬فإن الفكر هو “الزمن‬ ‫التاريخي” فيها”‪.‬‬ ‫وفي هذه الرؤيا وضمنها “ َتولّد” هذا امللف كتجربة تنتج رؤيتها‬ ‫وتعبيراتها‪ ،‬حيث كل جتربة عميقة هي جتربة تعيد إنتاج الرؤيا التي‬ ‫ال منتج ًا وخطاب ًا دا ً‬ ‫تنتجها بشكل يجعلها فع ً‬ ‫ال‪ .‬وهذا التصور هو نتاج‬ ‫لتنامي جتربة العمل مع املعلمني والتفكير فيها‪ ،‬ما أنتج تعبيرات مختلفة‬ ‫منها‪ :‬براديغم جديد‪ ،‬علوم وثقافة علمية‪ ،‬اجتماعية العلوم ومجتمع‬ ‫املعرفة‪ ،‬تعليم وثقافة علمية ضمن “الشرط اإلنساني للمعرفة والشرط‬ ‫االجتماعي للتعليم والتربية”‪ ،‬وهذا ما يعطي للملف هويته اخلاصة؛‬ ‫سواء عبر املواد املترجمة‪ ،‬أم املواد املعرفية ذات الطابع الفكري‪ ،‬أم‬ ‫األبحاث ذات الطبيعة التطبيقية‪ ،‬فكلها تنطلق من توجهات ترى أن‬ ‫“نتائج العلوم هي نتاج تفاعل معارف الناس اللحظية مع موضوعات‬ ‫عاملهم ضمن منجهيات عصرهم”‪ ،‬وبالتالي فهذه النتائج دائمة التغير ما‬ ‫دامت الصيرورة صفة مالزمة لظواهر العالم ومعارف البشر ومنهجيات‬ ‫املعاجلة‪ ،‬وإن ترجمة ذلك في اإلطار التربوي تعني بناء التعليم على‬ ‫“جدلية مضامني العلوم ومناهجها في البحث والكتابة والتخييل”‪،‬‬ ‫فاحلقيقة نسبية‪ ،‬وتعتمد على السياق والثقافة‪ ،‬وكما يرى “باسكال”‬ ‫“فنقيض احلقيقة العميقة ليس اخلطأ‪ ،‬بل حقيقة مضادة”‪ ،‬وبالتالي‬ ‫فتعليم املعرفة بوصفها “حقائق” معزولة عن سياقات إنتاجها ومناهج‬ ‫تفكيرها‪ ،‬هو تعليم ينطلق من املنجز ويقاربه كمطلق‪ ،‬ويغفل “احلي”؛‬ ‫أي سيرورة البحث وحيوية املنهج‪ ،‬وضرورات اللحظة والسياق‪،‬‬ ‫وتداخالت الثقافة واالقتصاد والسياسة‪ ،‬ويتجاهل “الدور الذاتي‬ ‫للعلماء والباحثني”‪ ،‬الشيء الذي “يلغي املضمون احلواري للتعليم‬ ‫‪1‬‬ ‫والتعلم من خالل إغفال اجلانب الذاتي واجلانب النسبي في العلوم”‪.‬‬ ‫إذا كان ال تعليم وال تعلم إال ضمن سياق هو إنساني من حيث تفاعله‬ ‫األصلي‪ ،‬وهو كذلك في شكل تنظيميه‪ ،‬فالتعليم هو «فعل إنساني‬ ‫الطابع»‪ ،‬وهو من صنع اإلنسان من حيث تشكله‪ ،‬وما دام التعليم صنعة‬ ‫اإلنسانية والتعلم جزء ًا منها‪ ،‬فإن ذلك يتطلب وضع التربية ومضامينها‬ ‫املعرفية ضمن الشرط اإلنساني؛ «فمهمة املعرفة موضعة اإلنسان في‬ ‫العالم ال فصله عنه» كما يؤكد موران‪ .‬ومن هذا التصور‪ ،‬فإن «دور‬ ‫التعليم» في املجتمع وفي احلياة وفي األفراد؛ سواء أكانوا معلمني أم‬ ‫متعلمني‪ ،‬يتحدد بشكل النظرة له وشكل املنظور الذي يقوده‪ ،‬ولهذا‬ ‫فإننا نحاول في ملفنا هذا ‪-‬كما في ملفاتنا السابقة‪ -‬إعادة موضعة‬

‫التعليم «كعملية» متارس وكمنتوج يتحقق في سياق «املشروع املجتمعي»‬ ‫عبر خلق أفراد فاعلني‪ ،‬ومعارف قابلة لالستخدام ومناهج تفكير وتأمل‬ ‫فاعلة ومرنة‪ ،‬فإذا كانت الغاية األهم للتعليم هي ت��يير العالم‪ ،‬فإن نقطة‬ ‫الرسو األولى هي تغيير الرؤيا وشكل التحديق وموقع املعرفة وأدوات‬ ‫الفهم‪.‬‬ ‫وقد بدأنا هذا املسار من توجهات عدة‪ ،‬هي نفسها نتاج لتجربة العمل‪،‬‬ ‫ونتاج للحوار الدائم مع املعلمني‪ ،‬حوار «معرفي تطبيقي» ميس املمارسة‪،‬‬ ‫ويحدث في حقل حدوثها ويقاربها بوصفها فاعلية فكرية ذات صلة‬ ‫مبركز احلياة‪ .‬وذلك عبر العمل مع املعلمني لبناء جتارب تعليمية تتجاوز‬ ‫رهانات املنهاج وحدود التلقني والفعل التلقائي نحو أشكال فاعلة‬ ‫ومفتوحة على املمكنات والدالالت‪ ،‬إلنتاج ممارسات جديدة وحلول‬ ‫مبتكرة وإعادة هيكلة العالقات التربوية ضمن تصورات جديدة‪ ،‬تنفتح‬ ‫على أشكال من التأمل البعدي املبني على قاعدة معرفية تضمن له عدم‬ ‫البقاء في أسر احلدوس العفوية‪ ،‬واالرجتال التلقائي‪ ،‬الذي ينفتح على‬ ‫خلق خطابات جديدة وتعبيرات جديدة تكشف ما في هذه التجارب‬ ‫من عمق في العالقات‪ ،‬وما مسها من تغيير‪ ،‬وتولد للمعلم عني ثالثة‪،‬‬ ‫ما ميكنه من رؤية تاريخ عمله وذاكرته باألولى‪ ،‬ويوجه الثانية نحو‬ ‫أفق التغيير ويجمع النظرتني في نظرة نحو املتصاعد‪ ،‬املتصاعد الذاتي‬ ‫واالجتماعي‪.‬‬ ‫ومبا أننا نتطلع إلى إحداث فرق في التعليم‪ ،‬فقد اعتمدنا أسلوب عمل‬ ‫يقوم على أن «نحكي عن تعليم نوعي‪ ،‬نبني كيف‪ ،‬نطالب بسياسات‬ ‫وقرارات توفر مناخاته وممكناته‪ ،‬ولكننا لم نكتف بذلك‪ ،‬بل انخرطنا‬ ‫مع املعلمني في إحداث هذا الفارق‪ ،‬عبر املمارسة‪ ،‬ومن خاللها‪ ،‬ومن‬ ‫خالل التأمل فيها‪ ،‬والعمل على تطويرها «وقد اعتمدنا في ذلك على‬ ‫«وعي املعلم مبوقعه»‪ ،‬عبر سياقات حوارية أفضت إلى حتوالت في‬ ‫«نظرته للمهنة والدور»‪ ،‬من خالل إعادة وضع املهنة كعمل في سياق‬ ‫بناء الذات الشخصية‪ ،‬والدور االجتماعي النشط‪.‬‬ ‫ثمة قصة حتكي عن حجارين يعمالن في دق احلجر بجوار بعضهما‪،‬‬ ‫سئال‪ :‬ماذا تفعالن؟ فأجاب األول‪ :‬أدق احلجر‪ ،‬وأجاب اآلخر‪ :‬أبني‬


‫مسجداً‪ .‬والفارق في اإلجابة يعكس (االختالف في املنظور)‪ ،‬فكل‬ ‫منهما يهيكل دوره ويراه بطريقة مختلفة‪ ،‬فاألول ال يرى من عمله إال‬ ‫حلظته‪ ،‬وانعزاله‪ ،‬وحرفيته‪ ،‬وحرفته‪ ،‬في حني اآلخر يراه في سياق‬ ‫بناء متكامالً‪ ،‬وهذا ينطبق على التعليم وعلى‬ ‫منوه وتشابكه حتى يصبح ً‬ ‫منظور املعلم‪ ،‬فثمة معلم يرى نفسه «يدق حجراً» أو يعلم حروف ًا أو‬ ‫أرقام ًا ‪ ...‬وآخر يرى نفسه يبني مجتمعاً‪.‬‬ ‫ومن هذه احلكاية ميكننا القول أن ثمة نوعني من املعلمني‪ ،‬نوع يرهن‬ ‫دوره في حدود الوظيفة والروتني واألجندة السياسية للمؤسسة‬ ‫وللتوجهات الثقافية التقليدية ويرسخ مفاهيم الثبات واالتكال والعفوية‬ ‫في ذاته وعند طالبه‪ ،‬ونوع آخر يفتح املهنة على آفاق إنسانية واجتماعية‬

‫ويعيد النظر في دوره من خالل فتح الدور على أجندة جديدة وتخيالت‬ ‫اجتماعية تنويرية وإبداعية تفتح احلوار االجتماعي على أقصى ممكناته‪،‬‬ ‫على أسئلة احلرية والتحرر‪ ،‬على طموحات التنوير والتعدد الثقافي‪،‬‬ ‫وعلى أسئلة املعرفة وسياساتها إلعادة موضعتها كدعامة للكفاح ال أداة‬ ‫للسيطرة‪ .‬وهذا هو املعلم الذي يعلم أحرف ًا وأرقام ًا وكلمات ومهارات‬ ‫وطرائق وتوجهات ومشاعر‪ ،‬ألنه يضعها ضمن سياق فاعل وورشة‬ ‫اشتغال يشغل فيها الطالب عقولهم وأجسادهم‪ ،‬ويختبرون معارف‪،‬‬ ‫ويضعونها في مواضع االستخدام‪ ،‬ويدركون موضوعات تعلمهم‪،‬‬ ‫ويكونون مسؤولني عنه‪ .‬إن هذا التعليم هو انخراط حقيقي في البناء‬ ‫االجتماعي للمجتمع‪ ،‬وفي املساهمة الكفاحية‪ ،‬ومشروع التحرر‬ ‫الوطني‪ ،‬عبر اقتراح متخيالت جديدة في التعليم واحلياة والسياسية‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫الهامش‬ ‫‪ 1‬للتعمق في هذه املوضوعات واملقوالت‪ ،‬انظر في مواد امللف‪ ،‬مقالة كل من أشرف البطران‪ ،‬ونادر وهبة‪ ،‬ويوسف تيبس‪ ،‬ومشهور البطران وآخرين‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬ ‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫طفلة تعزف على آلة الكمان خالل حصة تدريبية في مدرسة غزة للموسيقى‪.‬‬


‫‪6‬‬

‫ي ال َو ِ‬ ‫ة ِ‬ ‫العلميَّ ُ‬ ‫قا َف ُ‬ ‫ُّ‬ ‫الثَّ َ‬ ‫موح‬ ‫ع‬ ‫اق ِ‬ ‫ة ب َ نْ َ‬ ‫والط ُ‬

‫وليد املسعودي‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫يرتبط مفهوم العلم في العقل الغربي احلديث بالتطورات املتراكمة التي حدثت على صعيد عالقة اإلنسان مع الطبيعة واملجتمع من تطورات في‬ ‫مجال التجارة‪ ،‬والصناعة‪ ،‬وبداية املكتشفات العلمية التي غيرت شكل احلياة على األرض منذ أربعة قرون وال تزال في وتيرة متصاعدة ومتنامية‬ ‫من التشكل‪ ،‬وإعادة اإلنتاج‪ ،‬في صور متعددة من التخصص والتنوع واالختالف‪ ،‬بعد أن كان (أي العلم) تابع ًا وخاضع ًا ومهيمن ًا عليه من قبل‬ ‫أشكال املعرفة التقليدية التي حتارب اإلبداع والتجديد‪ ،‬متمثلة بسلطة الكنيسة التي كانت تضع علومها في خانة املقدس‪ ،‬الذي ال ميكن أن يخضع‬ ‫إلى لغة العلم والتجربة ومتثيله بشكل بشري‪ .‬هكذا كانت “املعرفة العلمية” معرفة دينية غير مؤسسة على النظام والعقل‪ ،‬تستند إلى األسطورة‬ ‫والرمز والتعالي ‪ ...‬الخ‪.‬‬

‫وتاريخ الصراع بني العلم والكنيسة يحمل في طياته صراع ًا بني طبقات‬ ‫دينية كهنوتية وإقطاعية من جهة‪ ،‬وبني جتارية عقالنية برجوازية ناهضة‬ ‫من جهة أخرى‪ ،‬بدأت مع علماء وفالسفة مثل فرنسيس بيكون‪ ،‬ورينيه‬ ‫ديكارت‪ ،‬وكوبرنيكوس‪ ،‬وغاليلو‪ ،‬ونيوتن‪ ،‬وباسكال ‪ ...‬الخ‪ ،‬بعد‬ ‫أن مت االنتقال من مفهوم “الذاتية” التابع إلى نظام سلطة الكنيسة‪ ،‬ضمن‬ ‫قيم اجلماعة التي تفكر بد ً‬ ‫ال عنه وحتيط وجوده إلى مفهوم الذاتية الذي‬ ‫يطور وجوده ويعيد إنتاجه بشكل تراكمي ومنظم‪ ،‬معتمد ًا على قيم‬ ‫احلرية واالختيار والبحث العلمي املستمر‪ ،‬وصو ً‬ ‫ال إلى معرفة ال متلك‬ ‫النهاية أو احلدود مع املعرفة العلمية احلديثة‪ ،‬وذلك بسبب ما أسلفنا من‬ ‫ممهدات أعاله‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن ما جاءت به املكتشفات احلديثة في العلوم‬ ‫التي غيرت معنى الزمان واملكان من الثبات واجلمود إلى التغيير واحلركة‬ ‫الدائبة‪ ،‬متمثلة بالنظرية النسبية الينشتاين‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫إن مفهوم العلم في شكله احلديث أصبح مؤسس ًا على النظام والتراكم‬ ‫واملرونة والنسبية واحلركة والتغيير ‪ ...‬الخ‪ ،‬وهذه األسس هي وليدة‬ ‫احلداثة الغربية وتطورها املتصاعد بشكل مستمر‪.‬‬ ‫ولكن كيف يبدو أو كيف تظهر ثقافة العلم في مجتمعاتنا العربية‬ ‫اإلسالمية؟ وهل استطاع ذلك املفهوم لدينا أن يتجاوز “تزمنه” أو‬ ‫صنميته عبر أجيال وحقب وثقافات منذ ظهور اإلسالم إلى وقتنا‬ ‫الراهن؟ وهل تشكل املدرسة في ذاتها نواة علمية في إيصال املعرفة‬ ‫دون محددات معينة ترسمها أشكال السلطة اجلاهزة من سياسية‬ ‫واجتماعية وثقافية واقتصادية ‪ ...‬الخ؟ وماذا عن املجتمع هل‬ ‫ميلك النظام أو االنتماء إلى ثقافة النظام واملعرفة املنظمة ضمن أشكال‬ ‫معرفة غير سلطوية أو قسرية؟ وما هي العقبات التي تقف في طريق‬ ‫العلم أو التفكير العلمي؟ وكيف ميكننا أن نحقق العلم كسلطة وطاقة‬ ‫بشرية نفاذة إلى املستقبل‪ ،‬وجعلها مؤثرة وجاهزة ضمن حيز التفكير‬

‫والسلوك في ذهنية األفراد واملجتمع على حد سواء؟‬ ‫ال تزال املعرفة العلمية أو مفهوم العلم لدينا ال يحمل املكانة الطبيعية‪،‬‬ ‫فيظهر متداخ ً‬ ‫ال مع معارف وثقافات ال تنتمي إلى العلم بصلة‪ ،‬بل تنتمي‬ ‫إلى املعرفة الدينية واالجتماعية السائدة واملوروثة عبر أجيال وحقب‬ ‫زمنية غابرة‪ ،‬حتيط ذهنية مجتمعاتنا وتشكل جاهزها احلي في التفكير‬ ‫والسلوك‪ ،‬فتظهر املعرفة غير خاضعة إلى لغة العلم في املعنى احلديث‪،‬‬ ‫تلك املعرفة التي تشيع السؤال والشك والتغيير والبناء التراكمي املستمر‪،‬‬ ‫معرفة مؤدجلة مبثوث في داخلها اخلضوع والطاعة واحترام اجلهل وعدم‬ ‫االهتمام بالعلم‪ ،‬ألنه في النهاية حكر على أقلية من النخبة؛ سواء كانت‬ ‫داخل العقيدة الدينية أم لدى احلزب العقائدي الشمولي‪.‬‬ ‫إن مفهوم العلم يتحدد من خالل كونه املعرفة املنظمة التي تعيد مساءلة‬ ‫ذاتها بشكل فاحص ودقيق‪ ،‬عبر أدوات من اخلبرة واملهارة واالكتشاف‬ ‫الدؤوب واملستمر‪ ،‬وألن العلم يحتوي على االتساق املنطقي الذي من‬ ‫املمكن أن يضحى به ‪-‬كما يرى روالن أومينيس‪ -‬من أجل اكتشاف‬ ‫جديد على الرغم من الصراع الكبير الذي يعيشه العالم مع النظريات‬ ‫التي ال تقبل الزعزعة أو التغيير‪ ،‬على عكس ما هو موجود في العقل‬ ‫الديني الذي يعتمد االتساق بشكل ثابت ونهائي‪ ،‬باعتباره أص ً‬ ‫ال معرفي ًا‬ ‫‪1‬‬ ‫صادر ًا من جهات غير بشرية‪ ،‬ومن ثم صيرورته في خانة الالعلم‪.‬‬ ‫وذلك األمر ينطبق بشكل حقيقي على طبيعة فهمنا للعلم‪ ،‬مبعزل عن‬ ‫الوسائل التي صنعته‪ ،‬وهنا نقصد بالعلم جميع اإلدراكات التي يتمثلها‬ ‫العقل العربي اإلسالمي من معارف وحقائق‪ ،‬توضع في خانة الصواب‬ ‫والتصديق‪ ،‬وعدم محاولة نقدها أو جتاوزها‪ ،‬وذلك باعتبار أن مفهوم‬ ‫العلم لدينا ينقسم إلى العلم األولي املنبثق من الذات اإللهية التي علمت‬ ‫اإلنسان و”أرشدته” إلى احلقيقة واحلكمة‪ ،‬والعلم الثاني هو املكتسب‬ ‫والبشري الذي ال ميكن أن يصل إلى مستوى األول باعتباره محصلة‬


‫“احلياة الدنيا” وما فيها من نقصان وعدم اكتمال بشكل مستمر‪ ،‬وهكذا‬ ‫في ثنائية ال ميكن أن تلتقي أو تتوحد في إطار النقد والتجاوز‪ ،‬على الرغم‬ ‫من وجود الكثير من النصوص التي حتث على املعرفة والعلم والبصيرة‪،‬‬ ‫إال أنها في نهاية األمر تستخدم بشكل تأويلي وإمياني لصالح املعرفة‬ ‫الدينية وترسيخها؛ أي ال تستخدم بشكل محايث ألزمنة وجودها؛‬ ‫أي وجود املعنى املنبثق منها في األزمنة القدمية املرتبطة بعوامل وظروف‬ ‫إنتاجها من بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية‪ ،‬ثقافية ‪ ...‬الخ‪ .‬وعلى‬ ‫الرغم من وجود الكثير من “العلماء والفالسفة” العرب واملسلمني‬ ‫الذين اشتغلوا في قضايا علمية كثيرة وأبدعوا فيها‪ ،‬فإنه في احملصلة‬ ‫النهائية ‪-‬كما أسلفنا‪ -‬ال ميكنهم أن يتجاوزا الثابت أو األصول احملركة‬ ‫‪2‬‬ ‫لطبيعة فهمنا ملفردة علم أو عقل من خالل البناء والتراكم والتجاوز‪.‬‬

‫ومن بعد نيوتن وجد أيض ًا ماكس بالنك الذي استطاع بدوره أيض ًا أن‬ ‫يتجاوز وينسف مع (ميكانيكا الكم) “أهم مرتكزات العلم النيوتوني في‬ ‫الثبات وضبط القياس‪ ،‬وكذلك احلال مع نسبية اينشتاين التي نسفت‬ ‫مبدأ املطلق في العلم”‪ 4،‬وبذلك تكون التجربة الغربية قائمة على نفي‬ ‫النفي بشكل مستمر‪ ،‬وأنه ال توجد ثوابت مطلقة أو جذور ثابتة حتيط‬ ‫الوعي البشري وحتدد مستقبله على عكس ما موجود لدينا من ذاكرة‬ ‫مؤطرة بوعي الثابت واملقدس‪ ،‬الذي ال ميكن زعزعته وجتاوزه في‬ ‫األزمنة الراهنة على األقل‪ ،‬األمر الذي يجعل تفكيرنا في العلم وأهميته‬ ‫محدد ًا ضمن خانة النسيان واإلهمال إلى حد بعيد‪.‬‬

‫املدرسة والعلم‬

‫وما تشهده املؤسسة التربوية في العراق من وجود الكم الهائل من‬ ‫أنصاف أو أرباع املعلمني ال يشير إلى أن مؤسستنا التربوية قادرة على‬ ‫جتاوز أزماتها في أزمنتنا الراهنة على األقل‪ ،‬األمر الذي يؤدي إلى‬ ‫وجود عدد محدود بشكل كبير من مدرسي العلم أو املواد العلمية‬ ‫بسبب تردي املستويات الدراسية وعدم إمكانية حتصيلها بشكل ناجع‬ ‫وأكيد‪ ،‬ولو أجرينا إحصائية داخل أكثر املدارس العراقية‪ ،‬فإننا جند‬ ‫الفائض التعليمي في مواد االجتماعيات وليس في مواد العلوم‪،‬‬ ‫وذلك إن دل على شيء فانه يدل على أن املؤسسة التربوية في طريقها‬ ‫إلى الزوال من حيث قدرتها على التواصل‪ ،‬وجتديد طاقة اإلنسان‬ ‫وذاكرته‪ ،‬وإعادة الروح إليه من جديد‪ ،‬ولو أجرينا أيض ًا مقارنة زمنية‬ ‫علمية بني جيلني تربويني مختلفني من حيث الزمان واملكان والثقافة‬ ‫حول الكثير من املعلومات واملعارف العلمية‪ ،‬فإننا جند اجليل األول‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫إن املدرسة ال تشكل اليوم بعد ًا مؤثر ًا في ذهنية الطلبة في العراق‪ ،‬ورمبا‬ ‫في العالم العربي‪ ،‬على حد سواء‪ ،‬وذلك لتخليها عن كونها نواة علمية‬ ‫مؤثرة على األجيال االجتماعية الصاعدة‪ ،‬تاركة الساحة أو األفكار بيد‬ ‫األصوليات‪ ،‬أو كما أسميناها في مقاالت أخرى “مؤسسات الهامش‬ ‫االجتماعي”‪ ،‬تلك التي أوجدها االستبداد الشمولي العقائدي‪،‬‬ ‫انتصرت على أولى املؤسستني األسرة واملدرسة‪ ،‬وهذه املؤسسات‬ ‫مرتبطة بالبيئة االجتماعية واالقتصادية والثقافية املتردية لدى طبقات‬ ‫عريضة من املجتمع‪ ،‬تفكر بد ً‬ ‫ال عنه وترسم صورة قامتة من اجلهل‬ ‫والتخلف والعنف‪ ،‬وما هو موجود في مناهج التربية العلمية من‬ ‫فيزياء وكيمياء ورياضيات يتم تلقينه بشكل مفرغ من واقعيته؛ أي عدم‬ ‫ربط العلمي بالواقعي من أجل صيرورة ثقافة العلم واملواد العلمية في‬ ‫حالة الرسوخ الذهني واملعرفي‪ ،‬ومن ثم تكوين ذاكرة ثقافية علمية‬

‫إن الصف التربوي يعاني من إمكانية حتويله من جماد غير فاعل إلى‬ ‫مادة قابلة للحياة والتطور‪ ،‬بفعل عملية التلقني التي كثير ًا ما يستخدمها‬ ‫القائمون على العملية التربوية في كثير من املدارس‪ ،‬فمادة التاريخ تدرس‬ ‫بطريقة الروي واحلكاية للحدث التاريخي من خالل ربطه باحلاضر ورمبا‬ ‫املستقبل‪ ،‬من خالل القيم واملعايير وما يغيب هنا صفة املنهج أو العقل‬ ‫الذي يجعل ذلك التاريخ ليس سلسلة أحداث وثقافات بقدر ما هو‬ ‫سلسلة من التطورات والتغيرات تشهدها الذاكرة اإلنسانية طيلة حقبها‬ ‫الزمنية املعاشة‪ ،‬وهكذا احلال مع علوم الفيزياء التي يجري تلقينها نظريا‬ ‫إلى الطلبة دون معرفة األسس التي تستند إليها؛ أي علوم الفيزياء‪ ،‬التي‬ ‫من خاللها مت تغيير الكثير من املعارف والثقافات التي كان اإلنسان يؤمن‬ ‫بها ضمن مجال املطلق من القيم واملعرفة والسلوك‪ ،‬فنظرية اجلاذبية‬ ‫تدرس بشكل نظري رياضي‪ ،‬وليس بشكل علمي معرفي‪ ،‬كل ذلك‬ ‫من شأنه أن يجعل املجتمع الصاعد واجلديد مجتمع ًا غير علمي‪ ،‬أو‬ ‫أنصاف معلمني سرعان ما تزول من ذاكرته جميع املعارف واملعلومات‬ ‫التي حتصل عليها أو عرفها في قادم السنوات‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫إن املجتمعات احلديثة املعاصرة أوجدت حداثتها من خالل نقد التعالي‬ ‫وامليتافيزيقا‪ ،‬تلك التي تتحكم بوجود املعنى وفرضه على املجتمع‬ ‫بشكل نهائي‪ ،‬هكذا فعلت احلداثة الغربية مع رموزها أن قتلتهم‪“ ،‬وهنا‬ ‫استخدام تعبير فرويد في مسـألة قتل األب”‪ ،‬ولم ِ‬ ‫تبق لوجودهم أي شيء‬ ‫يذكر إال في مجال التاريخ والذاكرة البشرية‪ ،‬واألمثلة كثيرة‪ ،‬وبخاصة‬ ‫في مجال العلم‪ ،‬بدء ًا مع نيوتن الذي استطاع أن يقتل الفيزياء الغيبية‬ ‫املرتبطة بالقرون الوسطى واستبدالها بقوانني احلركة واجلاذبية‪ ،‬وأنه ال‬ ‫يوجد فضاء مطلق ًا على الرغم من أن نيوتن كان قلق ًا حول مسألة غياب‬ ‫املكان أو الفضاء املغلق‪ ،‬ألنها ال تنسجم مع فكرته عن الله‪ ،‬على الرغم‬ ‫‪3‬‬ ‫من أن قوانينه نصت على ذلك األمر؛ أي عدم وجود فضاء مطلقاً‪.‬‬

‫لدى األجيال الصاعدة‪ ،‬ذلك األمر غائب عن احلضور داخل املؤسسة‬ ‫التربوية في العراق على سبيل املثال‪ ،‬فكل ما يتعلمه التالميذ في مختلف‬ ‫املراحل الزمنية الدراسية سرعان ما يزول من الذاكرة‪ ،‬بسبب هيمنة‬ ‫“ثقافة احلفظ”‪ ،‬وعدم توفير بدائل لطرق التدريس احلالية‪ ،‬تلك التي‬ ‫جتعل مادة الدرس أكثر متعة ورغبة من قبل التالميذ‪ ،‬من خالل ربط‬ ‫املادة العلمية بالواقع اليومي‪ ،‬واألمثلة كثيرة بدء ًا بالغذاء الذي نأكله‪،‬‬ ‫وانتهاء بالتكنولوجيا التي نستعملها بشكل يومي‪ ،‬أو بالعالم الذي نعيشه‬ ‫وال ندرك أنه عالم متغير أو غير ثابت على صورة معينة‪ ،‬وذلك األمر‬ ‫يتم من خالل الدخول إلى التطبيق العملي للعلوم ومعرفتها عن قرب‪،‬‬ ‫أي من خالل وسائل اإليضاح التي جتعل مادة العلم أكثر حيوية‪ ،‬وهذه‬ ‫الوسائل تشمل الصور واللوحات واألفالم املتحركة والثابتة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫توفر أو وجود معامل العلوم املختبرية والزيارات امليدانية التطبيقية‪ ،‬كل‬ ‫ذلك غائب ‪-‬مع األسف الشديد‪ -‬داخل مؤسساتنا التربوية‪ ،‬األمر الذي‬ ‫يجعل الزمن التربوي لدى الطلبة عاط ً‬ ‫ال عن النمو بال مراحل تتعلق‬ ‫باالنتقال من مرحلة النمو واكتساب املعارف املتراكمة‪ ،‬وتكوين املالمح‬ ‫احلقيقية للشخصية التربوية‪ ،‬وصو ً‬ ‫ال إلى مراحل االختيار وتثبيت الهوية‬ ‫اجلديدة واملختلفة للشخصية التربوية‪ ،‬تلك التي متتلك عناصر النقد‬ ‫والبناء على صعيد املستقبل‪.‬‬


‫‪8‬‬

‫في حقبة السبعينيات أكثر حضوراً‪ ،‬من حيث الذاكرة العلمية واملعرفة‬ ‫املتوفرة لديه حول قضايا تخص العلم واحلياة ووجود اإلنسان من اجليل‬ ‫الثاني‪ ،‬الذي يعيش في أزمنتنا الراهنة على الرغم من التطورات الهائلة‬ ‫والكبيرة في مجاالت العلوم املختلفة من تقنية واتصاالت ومعلومات‬ ‫‪ ..‬الخ‪ .‬كل ذلك يعكس أثر البيئة السياسية واالقتصادية واالجتماعية‬ ‫على املدرسة وحضورها التربوي‪ ،‬ما دامت األخيرة ‪-‬أي املدرسة‪-‬‬ ‫تتبع مسار السياسي السلطوي وتتعامل مع الطلبة وفق ًا حملددات‬ ‫الضبط العسكري الذي ال ميكن جتاوزه‪ ،‬األمر الذي يجعل قيمة العلم‬ ‫متدنية ومتراجعة لصالح املعارف اجلاهزة التي تبثها األيديولوجيات؛‬ ‫سواء تلك املنتجة من قبل السلطة ووجودها القسري املباشر‪ ،‬أم من‬ ‫خالل التعبئة اليومية ملؤسسات الهامش االجتماعي‪ ،‬تلك التي حتاول‬ ‫أن جتعل اإلنسان ممر ًا لها من حيث املكتسبات واحلضور السلطوي إلى‬ ‫‪5‬‬ ‫حد بعيد‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫املجتمع والعلم‬ ‫كذلك احلال مع املجتمع الذي يكاد يخلو من النظام واملعرفة املنظمة‬ ‫والهادفة في صنع املدينة احلديثة‪ ،‬تلك التي تشيع فيها حرية البحث‬ ‫والفكر واحترام الهوية اإلبداعية التطورية لكل ما هو جديد وغريب‬ ‫عن بنية املجتمع املوروثة والتقليدية‪ ،‬فمجتمعاتنا تتعامل مع العلم ضمن‬ ‫حدود النسبي في اجتاهني أو طريقني متناقضني‪ ،‬األول يتسم بالدهشة‬ ‫واالغتراب عن املنتج العلمي لغة وثقافة وممارسة‪ ،‬والثاني يتسم باالزدراء‬ ‫والتعالي عليه‪ ،‬وذلك باعتبار أن كل املكتشفات العلمية احلديثة التي‬ ‫استغرقت من العلماء املزيد من اجلهد والبحث والعناء املستمر‪ ،‬وصو ً‬ ‫ال‬ ‫إلى احلالة الناجزة له؛ أي املكتشف العلمي‪ ،‬كل ذلك يواجه باالزدراء‬ ‫وعدم االكتراث به‪ ،‬والتعالي عليه‪ ،‬ألنه في النهاية مرسوم في ذاكرتنا‬ ‫الثقافية أو موجود في نصوصنا الدينية «القرآن الكرمي»‪ ،‬وألن عالقة‬ ‫املجتمع بالعلم تكاد تكون شبه معدومة من حيث االتصال والتفاعل‪،‬‬ ‫فإنه كثير ًا ما يكون ذلك املجتمع (منوذج العراق) أقرب إلى اخلرافة‬ ‫وإنكار قدرة العقل البشري على االكتشاف‪ ،‬األمر الذي يجعله أقرب‬ ‫إلى املجتمع العاطفي البسيط‪ ،‬وإن وجدت فيه أشكال ثقافية‪ ،‬فإنها‬ ‫تكون أقرب بدورها إلى الشعري والصوفي الذي يستغرق الواقع من‬ ‫خالل لغة اخليال واحللم وتأثير األفراد عليه من أصحاب «الكرامات»؛‬ ‫سواء من كانوا عابرين للزمن البشري الذين وجدوا في أزمنة غابرة أم‬ ‫من كانوا ميتلكون سمات حتريك وعي اجلماهير من خالل لغة األسطورة‬ ‫واخلرافة في العالم العربي في األزمنة الراهنة‪.‬‬ ‫وهكذا نقول إن مجتمعاتنا تتعامل مع العلم ليس ضمن مقياس احلاضر‬ ‫واملستقبل وحتقيق التطور واالنتقال من طور إلى آخر‪ ،‬بل ضمن‬ ‫مقياس القدم واالهتمام بالقدمي واملعرفة املوروثة‪ ،‬تلك التي تقف‬ ‫جدار ًا صلب ًا أمام التجديد والتغيير واالهتمام بالعلم‪ ،‬فما دام القدمي‬ ‫هو من يرسم طبيعة أفكارنا النهائية عن احلياة والكون واإلنسان‪،‬‬ ‫فما هي الفائدة التي ترجتى من العلم واملكتشفات العلمية؟ وما هي‬ ‫أهمية سعي اإلنسان إلى حتصيل العلم ما دام كل شيء مرسوم ًا ومعد ًا‬ ‫سلفا في ذاكرتنا الثقافية التي لن تتغير وتغدو صاحبة االجتاه العلمي‬ ‫وترسيخ النظرة املرتبطة بوقائع األشياء املشاهدة عياني ًا فكر ًا وسلوك ًا‬ ‫ومعرفة؟‬

‫عقبات في طريق العلم‬ ‫يحدد الدكتور فؤاد زكريا مجموعة عقبات في طريق التفكير العلمي‪،‬‬ ‫من املمكن أن ندرجها كالتالي‪:‬‬

‫أو ًال‪ .‬األسطورة واخلرافة‬

‫األولى تقدم تفسير ًا نهائي ًا للعالم‪ ،‬وتشتغل على وعي اإلنسان البدائي‪،‬‬ ‫وذلك باعتبار أن األسطورة تنتمي إلى فضاءات ما قبل العلم‪ ،‬ومنتجة‬ ‫للمعلوم من املعرفة اجلاهزة التي ال يحيطها السؤال والشك والنقد‪،‬‬ ‫وهذه األسطورة حتاول أن تقلب العالم رأس ًا على عقب؛ أي تخرج‬ ‫امليت من احلي وليس احلي من امليت‪ ،‬أو وفق ًا لتعبير الدكتور فؤاد زكريا‬ ‫تفسر غير احلي من احلي على عكس ما يسعى إليه العلم من تفسير احلي‬ ‫‪6‬‬ ‫من غير احلي‪ .‬أما اخلرافة «فإنها جزئية تتعلق بظاهرة أو حادثة واحدة»‪.‬‬ ‫ومجتمعاتنا العربية اإلسالمية على الرغم من ظهور «احلداثة» مبختلف‬ ‫أشكالها من ثقافية واجتماعية واقتصادية‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن ظهور املدن‬ ‫احلديثة وتطور العمران واستخدام التقنية احلديثة‪ ،‬فإنها من حيث‬ ‫التفكير والسلوك واملعرفة ما زالت تعاني من تداخل األزمنة بالشكل‬ ‫الذي يجعلها تتعامل مع العلم ضمن نظرة الفائدة املادية من االستعمال‬ ‫والتفكير ��لعلمي في مجال العلوم فحسب‪ ،‬أي مجال الكيمياء والفيزياء‬ ‫والبيولوجيا‪ ،‬أو مجال استخدام التكنولوجيا احلديثة دون الشعور‬ ‫باإلمكانية التي أنتجتها‪ ،‬أو عملية التطور والتوحيد بني العلوم الطبيعية‬ ‫واإلنسانية‪ .‬فعملية التفكير بطريقة علمية حديثة باألفكار ذاتها وطريقة‬ ‫انبثاقها من اإلنسان‪ ،‬تخلو من أية علمنة مرتبطة بالوعي بأن هذه األفكار‬ ‫أشبه باجلسد اإلنساني‪ ،‬متر في مراحل الطفولة والشباب والنضج‬ ‫والشيخوخة ‪ ...‬وهكذا ضمن جدلية متغيرة ومتطورة بشكل دائم‪.‬‬ ‫ما زالت مجتمعاتنا تفسر ظواهر الطبيعة واحلياة وما يصيب اإلنسان‬ ‫من كوارث وأمراض وحروب ‪ ...‬الخ بطريقة غير علمية‪ ،‬من خالل‬ ‫استخدام لغة األسطورة واخلرافة‪ 7،‬وذلك إن دل على شيء فإنه يدل‬ ‫على تراجع بنية التعليم والتربية العلمية في هذه املجتمعات‪ ،‬األمر الذي‬ ‫ال يجعل العلم رائد ًا في تطور مفهوم احلقيقة وجعلها مرتبطة بالبحث‬ ‫واملالحظة الدائمة وفق ًا حلاجات املجتمعات وتطورها‪ ،‬بل يجعله تابعاً‪،‬‬ ‫في خدمة األفكار اخلرافية وتشجيع محاربة اإلبداع واجلديد واملختلف‬ ‫عن اجلاهز االجتماعي املوروث‪.‬‬

‫ثانياً‪ .‬اخلضوع للسلطة‬

‫ثانية العقبات التي تقف في طريق الفكر العلمي هي اخلضوع للسلطة‪،‬‬ ‫وهذه العقبة متتد في تفرعاتها‪ ،‬لتشمل األفراد واألفكار واملعتقدات‬ ‫واألنظمة السياسية ‪ ...‬الخ‪ ،‬وبخاصة إذا حتولت هذه األخيرة إلى‬ ‫مرجعية مطلقة حتدد مستقبل اإلنسان ضمن إطارها‪ ،‬وتسم املجتمعات‬ ‫بالعجز عن التجديد واإلبداع‪ ،‬بعد أن يتم متثلها؛ أي املرجعية املطلقة‬ ‫من قبل شخصية كاريزمية متتلك احلضور والتأثير‪ ،‬فيغدو كل شيء‬ ‫مفكر ًا به من خالل هذه الشخصية ودورها في صياغة األفكار والعلوم‬ ‫والقوانني‪ .‬والتاريخ زاخر بهذه املرجعيات؛ سواء في مجال العلم أم‬ ‫مجال األنثروبولوجيا االجتماعية والسياسية‪ ،‬وشخصية أرسطو مثال‬ ‫حي في التأبيد والتقديس الفكري والثقافي أكثر من ألف وخمسمائة‬ ‫عام‪ ،‬ولم تتزعزع مكانته إال من خالل عصر امليكانيك مع غاليلو‬


‫الذي خاض صراع ًا عنيف ًا مع نظرة أرسطو القدمية إلى العالم «بوصفه‬ ‫متمركز ًا حول األرض‪ ،‬كما كانت تقول نظرية في احلركة مبنية على‬ ‫أسس ميتافيزيقية»‪ 8.‬وهذه النظرة لدى أرسطو كانت متثل سند ًا كبير ًا‬ ‫للقرون الوسطى ومرجعياتها املتعددة في األفكار والعلوم‪ ،‬ونصيبنا‬ ‫نحن املجتمعات العربية اإلسالمية كان وافر ًا من القبول مبطلقات أرسطو‬ ‫بشكل ال يقبل الرفض‪ ،‬وصو ً‬ ‫ال إلى جعله مع أفالطون في مصاف النص‬ ‫‪9‬‬ ‫املقدس‪ ،‬أو مبنزلة األئمة املعصومني لدى الفارابي‪.‬‬

‫ومن أهم الدعامات التي تستند إليها هذه العقبة‪:‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫مشهد من مسرحية «عطسة» نظمها مسرح احلرية في جنني‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫< القدم‪ :‬إن السلطة دائم ًا ما تستند إلى القدمي في تبرير وجودها‪ ،‬وذلك‬ ‫الن القدمي قد متثل في ذهنية الناس وأصبح في مجال املقدس‪ ،‬األمر‬ ‫الذي يجعل املجتمع عاجز ًا عن اإلتيان بالبديل واملختلف عنه‪ ،‬ومن ثم‬ ‫يتم تقسيم الزمان بطريقة مقلوبة تقول إن التطور يبدأ مع القدمي وينتهي‬ ‫مع اجلديد‪ ،‬بحيث يكون املاضي هو الهرم واملستقبل هو القاعدة‪،‬‬ ‫وهكذا يكون القدمي محور ًا لكل شيء لدى املجتمعات املتخلفة‬ ‫التي تتحكم بها سلطات مطلقة من األفكار واألنظمة والقوانني‪.‬‬ ‫وحال مجتمعاتنا العربية اإلسالمية ال يخرج من ذلك األمر بكثير‪،‬‬ ‫ولكن هذه النظرة سرعان ما تغيرت مع املجتمعات احلديثة‪ ،‬التي‬ ‫بدأت منذ القرن الثامن عشر وما قبله‪ ،‬تعي بأهمية التأريخ للمعرفة‬ ‫البشرية وعدها مبثابة السلسلة املتصاعدة عن طريق التراكم املستمر‪،‬‬ ‫وبذلك يكون احلاضر صلة وصل للمستقبل وليس للماضي الذي‬ ‫كان يأخذ في زمانيته صفات الله‪ ،‬باعتباره محرك ًا للمعرفة واألفكار‬ ‫والقوانني ‪ ...‬الخ‪ ،‬كل ذلك متثل في طروحات هوبر‪ ،‬وباروك‪،‬‬ ‫واسبينوزا‪ ،‬وفيكو‪ ،‬وهيوم‪ ،‬وغيرهم ممن نظروا إلى العصر الذهبي‬ ‫للبشرية باعتباره املستقبل وليس املاضي‪ ،‬وبذلك مت االنتقال من الزمن‬ ‫األسطوري‪ ،‬املقدس إلى الزمن الفعلي املرتبط بالتأثير والفعل البشري‬ ‫‪10‬‬ ‫إلى حد بعيد‪.‬‬ ‫< االنتشار‪ :‬من أهم دعائم اخلضوع للسلطة‪ ،‬ولكنه يختلف عن‬ ‫القدم أن األخير يسير في االجتاه الطولي أو العمودي للتاريخ‪ ،‬أما‬ ‫االنتشار فإنه يأخذ االجتاه األفقي من التأثير على البشر‪ ،‬وكثير ًا‬ ‫ما تكون األفكار املنتشرة بني الناس متثل عقبة أمام التفكير املنفرد‬ ‫واحلر في املجتمعات التقليدية‪ ،‬وذلك بسبب أن األفكار العامة‬ ‫جتد التصديق والقبول أكثر من غيرها‪ ،‬باعتبار أن اجلميع يؤمن بها‪،‬‬ ‫ومن ثم ال يجوز الشك في مضامينها وأسسها‪ ،‬والتاريخ يحدثنا‬ ‫كثير ًا عن العلماء الذين حتدوا سلطة األفكار العامة واملرجعيات‬ ‫املطلقة‪ ،‬فها هو جيمس وات الذي قوبل اختراعه «اآللة البخارية»‬ ‫بالكثير من التهكم والسخرية من قبل الناس‪ ،‬إال أنه استطاع أن‬ ‫يقدم للبشرية «عمالق ًا في مرحلة الطفولة غير فيها معالم حياة الناس‬ ‫ومستوياتهم»‪ 11،‬ولكن قد يكون هنالك باملقابل تأثير األفكار العامة‬ ‫واملبادئ السائدة لدى العلماء أنفسهم‪ ،‬بأن يرفضوا كل جديد في‬ ‫العلم‪ ،‬من دون أن يوجد االتساق املنطقي املرتبط باملبادئ وقوانني‬ ‫العلم الصارمة‪ ،‬ومثالنا هنا عن (ألفريد فيغنر) عالم اجليولوجيا‬ ‫والظواهر اجلوية األملاني‪ ،‬الذي نشر كتابا العام ‪ 1915‬أصل القارات‬ ‫واحمليطات حتدث فيه عن نظريته في االجنراف القاري «وهي تنص‬ ‫على أن أجزاء من القشرة األرضية ليست ثابتة بشكل نهائي»‪ .‬قوبل‬ ‫هذا العالم بالرفض النهائي والشرس من قبل العلماء على الرغم من‬

‫أن نظريته أصبح معمو ً‬ ‫ال بها فيما بعد‪ 12.‬يقول غاستون باشالر «لم‬ ‫يوقف شيء عجالت تقدم املعرفة العلمية سوى عقيدة العام الباطلة‬ ‫التي سادت منذ أرسطو حتى باكون ذاته‪ ،‬والتي ال تزال بنظر كثير من‬ ‫العقول عقيدة أساسية في املعرفة»‪ 13.‬وبذلك يكون العام واملنتشر في‬ ‫حالة حتوله إلى عقيدة عام ً‬ ‫ال أساسي ًا في جمود الفكر ونهاية حقيقية‬ ‫ملفهوم احلركة والتسارع في التقدم البشري‪.‬‬ ‫< الشهرة‪ :‬وهنا ترتبط بعالقة املجتمع مع األفراد املشاهير الذين يأخذون‬ ‫زمانهم وزمان غيرهم‪ ،‬أو األفراد الذين ميتلكون الشهرة في أزمنة‬ ‫وجودهم‪ ،‬ويكون لرأيهم حضور طا ٍغ ومؤثر على الناس بحيث يلغي‬ ‫وجودهم الفكري واإلنساني حول ما يصدر من هؤالء املشاهير‪ ،‬وألن‬ ‫هؤالء ميتلكون الشهرة‪ ،‬فإن أفكارهم سرعان ما جتد القبول والتقليد‪،‬‬ ‫بعيد ًا عن مستوى احلقيقة والعلم حول ما يصدر منهم‪ ،‬ومجتمعاتنا‬ ‫ابتليت كثير ًا بسلطة هؤالء املشاهير على الرغم من أهمية حضورهم‬ ‫في زمنهم الفعلي‪ ،‬ولكن أن يتم ترحيل أفكارهم إلى أزمنة غيرهم‬ ‫دون وجود عامل النقد ومحايثة البيئة واملجتمع القدمي‪ ،‬فإن ذلك‬ ‫يفقدنا عامل التطور والتغيير وإيجاد املختلف عنهم‪ ،‬وهكذا احلال‬ ‫مع الذين ميتلكون الشهرة في األزمنة الراهنة‪ ،‬فإنهم يشكلون عالمة‬ ‫في التميز واالختالف والتأثير على املجتمع بشكل إيجابي أو سلبي‪،‬‬ ‫وما هو موجود لدينا ال يحمل التأثير املرتبط بالشخص املبدع‪ ،‬العالم‪،‬‬ ‫بقدر ما هو مرتبط مبزدوجتني من الشهرة‪ ،‬األولى مرتبطة برجل الدين‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪10‬‬

‫الذي يؤثر بشكل طاغ على اجلماهير من خالل لغة املجاز والتعالي‬ ‫الرمزي‪ ،‬األيديولوجي‪ ،‬والثانية جتد احلضور في مجاالت الرياضة‬ ‫والغناء والسينما ‪ ...‬الخ‪ ،‬بحيث تصبح العالمة األخيرة أكثر تأثير ًا‬ ‫على الناس الذين يندمجون مع هذه العالمة األخيرة إلى حد التقليد‬ ‫وإلغاء الكيان الشخصي والوجودي‪.‬‬ ‫< الرغبة أو التمني‪ :‬من دعائم اخلضوع للسلطة الرغبة أو التمني‪ ،‬وهي‬ ‫موجودة لدى األفراد بشكل خاص ولدى السلطة احلاكمة سياسي ًا‬ ‫واقتصادي ًا وثقافياً‪ ،‬فالذي يحافظ على امتيازاته من خالل األفكار‬ ‫واأليديولوجيات كافة‪ ،‬دينية أو دنيوية‪ ،‬فإن خانة احلقيقة والتصديق‬ ‫تكون وفق ًا ملا يتمنى ويرغب ضمن مجال مصاحله وحياته التي يريد‪،‬‬ ‫كذلك احلال مع السلطة التي تتشبث بـ «حقيقتها» بعيد ًا عن درجة وجود‬ ‫اجلدوى من التطور أو حتقيق العلم‪ ،‬مبا يفيد املجتمع ككل‪ ،‬والتاريخ‬ ‫يحدثنا كثير ًا عن النماذج الفكرية التي حاربت اإلبداع العلمي والثقافي‬ ‫من أجل مصالح دنيوية بعيد ًا عن مستوى احلقيقة والعلم‪ ،‬والكنيسة‬ ‫مثال واضح لذلك األمر عندما رفضوا النظر مبنظار غاليلو املقرب‬ ‫جداً‪ ،‬والذي يضع السماء أمام العني بشكل دقيق وجوهري أفضل من‬ ‫رؤيتها ضمن عاملهم الذي تعودوا وارتاحوا له كثيراً‪ ،‬وذلك باعتباره‬ ‫عامل ًا يسوده اليقني واالطمئنان والراحة ال ميكن أن يتنازلوا عنه بسهولة‬ ‫لصالح العلم اجلديد‪ ،‬الذي يغير كثير ًا وجودهم ويلغي االمتيازات‬ ‫‪14‬‬ ‫التي يحصلون عليها‪.‬‬

‫ثالثاً‪ .‬إنكار قدرة العقل‬

‫إحدى العقبات التي تقف في طريق التفكير العلمي هي إنكار قدرة العقل‬ ‫البشري في اإلبداع واالكتشاف‪ ،‬وبخاصة في مجاالت املعرفة األدبية‬ ‫والفنية‪ ،‬التي يتم فيها التعويض عن العقل من خالل وجود قوى تتمثل‬ ‫في «احلدس» أو اإللهام‪ ،‬وهذه القوى ال يستطيع اإلنسان احلصول عليها‬ ‫من خالل التجربة واملالحظة‪ ،‬بل من قبل فكرة احلدس ذاتها التي قد‬ ‫تكون مرتبطة بقوى من خارج العقل البشري‪ ،‬أو يكون دور العقل في‬ ‫اإلبداع دور ًا ثانوياً‪ ،‬وذلك األمر وجد لدى املذهب الكالسيكي الذي‬ ‫كان يعتقد بوجود عقل أول «خارج الوجود البشري» محرك للعالم‪،‬‬ ‫ومن خالله تصدر العقول األخرى‪ ،‬في حني أن عقل احلداثة كان نقدياً‪،‬‬ ‫أو كما يعبر عنها جان فرانسوا ليوتار بأنها «تصوغ التناهي وتقدم العقل‬ ‫الذي يحضر املعاقلة على أساس املعاقلة نفسها»‪ ،‬أما ما بعد احلداثة فإنها‬ ‫‪15‬‬ ‫جتريبية نقدية أو ذرائغية‪.‬‬ ‫إن إنكار قدرة العقل البشري في اإلبداع يقود إلى فكرة التعميم‪ ،‬ومن‬ ‫ثم الثبات الذي ميثل سمة رئيسية للمجتمعات التي تعجز عن مساءلة‬ ‫مصادرها املعرفية وإخضاعها إلى مجال العقل والنقد‪ ،‬ومن ثم محاولة‬ ‫جتاوزها‪ .‬وتاريخ الصراع بني أهل العقل والنقل في احلضارة العربية‬ ‫اإلسالمية يشير في حقيقته إلى صراع بني أهل النظر والعقل وبني أهل‬ ‫الثبات واملوروث‪ ،‬األول يتخذ عقله من البرهان والدليل العقلي في‬ ‫اإلميان واملعرفة‪ ،‬والثاني يعتمد على الفيض واحلدس‪ ،‬وما موجود‬ ‫بينهما ال يحتمل وجود املعرفة البشرية املتراكمة التي من شأنها أن‬ ‫تعطي للعقل مساحة أكبر للفهم واحلرية‪ ،‬وبخاصة بعد أن ساد الشكل‬ ‫الثاني من املعرفة طيلة قرون طويلة بعد أن تخلت الفلسفة عن كونها‬ ‫مرشدة للعقل والتقدم البشري ذاته‪ ،‬من خالل مهاجمة العقل املتسائل‬ ‫واملتفلسف في عبارات (من متنطق تزندق)‪ ،‬وفي محاربة الكثير من‬

‫الفالسفة‪ ،‬وإحراق كتبهم واتهامهم بالتكفير واخلروج على نسق األمة‬ ‫‪16‬‬ ‫– الشريعة اإلسالمية‪.‬‬

‫رابعاً‪ .‬التعصب‬

‫وذلك األخير يوجد عندما يغلب األفراد قيم التطرف والعصبية واللجوء‬ ‫إلى تقديس الهوية الداخلية للمجتمع؛ سواء أكان ذلك املجتمع ينتمي‬ ‫إلى حدود الطائفة والقومية والدين أو املذهب أو التطرف في مجال‬ ‫الرأي العلمي واألدبي واملعرفي‪ ،‬فكل ذلك يعيق عملية املساءلة وتفريغ‬ ‫الذات من حدودها املطلقة التي تعتقد أنها األخيرة والنهائية‪ ،‬ومن ثم‬ ‫يكون التعصب عقبة أمام املعرفة العلمية اجلديدة‪ ،‬التي تتطلب املرونة‬ ‫وعدم اليقني النهائي حولها‪ ،‬والتعصب عادة ما يرتبط بالعقل اجلمعي‬ ‫لدى مجتمعاتنا‪ ،‬الذي يصنع لدى األفراد الكثير من املوانع التي تؤثر في‬ ‫سلوكهم على تقبل اآلخرين واحترام وجودهم املعرفي واإلنساني‪.‬‬

‫خامساً‪ .‬اإلعالم املظلل‬

‫وذلك األخير من أبرز «مهددات» املعرفة العلمية‪ ،‬وذلك باعتباره نشاط ًا‬ ‫يتم بطريقة واعية من قبل العاملني عليه‪ ،‬وذلك الوعي عادة ما يكون‬ ‫مصاحب ًا أليديولوجيات وتصورات تغيب عنها صفة احلياد والعلمية‬ ‫لتكون املعوض عنها جميع املصالح والغايات التي تقف وراء هذه‬ ‫املؤسسة اإلعالمية أو تلك بشكل نسبي‪ ،‬وال توجد مؤسسة إعالمية في‬ ‫العالم العربي تتبنى املعرفة العلمية الهادفة دون أن تكون مصابة بعقد‬ ‫األيديولوجيا التي تتبع مسار السلطة السياسية واالجتماعية السائدة‪،‬‬ ‫وهكذا نقول إن اإلعالم املظلل يلعب اليوم دور ًا كبير ًا في بناء الكثير من‬ ‫التصورات املغلوطة حول الكثير من املعارف واألحداث واملجتمعات‬ ‫في عاملنا املعاصر‪ ،‬فعالقة الغرب مع الشرق إعالمي ًا عالقة مشوشة‬ ‫وغير علمية من قبل الطرفني‪ ،‬من خالل التغذية العكسية التي تصنعها‬ ‫مؤسسات الطرفني‪ ،‬فاألول أيديولوجي يضع العربي اإلسالمي في‬ ‫صورة البدائي واملتخلف لغايات سياسية وأيديولوجية بشكل نسبي‪،‬‬ ‫وكذلك احلال مع ما هو موجود لدينا من تصورات نسبية حول اآلخر‬ ‫املختلف من كونه أكثر «سلبية من حيث األخالق والقيم التي يحملها»‪،‬‬ ‫وهنا يكون التركيز على اجلنس فحسب وليس على قيمة احلضارة‬ ‫والتغيرات التي طرأت على املجتمعات احلديثة طيلة أربعة قرون خلت‪،‬‬ ‫والتي أسست ما هو موجود اليوم من مجتمع يتبع مسار التقدم ويخضع‬ ‫كل شيء إلى العقل والعلم صانع احلضارة ورائدها الوحيد في األزمنة‬ ‫املعاصرة‪.‬‬

‫كيف يكون العلم ممكناً؟‬ ‫إن إمكانية حتقيق العلم كمفهوم حديث قائم على مقاييس التجريب‬ ‫واملالحظة والتراكم والنسبية في مجتمعات ما قبل العلم أو احلداثة يالقي‬ ‫الكثير من املعوقات واملشاكل التي تترتب على القول العلمي واجلرأة في‬ ‫مخاطبة الواقع ضمن معيار النقد وإعادة النظر باألسس كافة التي يستند‬ ‫إليها الفكر العربي اإلسالمي‪ ،‬وهذه املعوقات تصطدم ليس باملعرفي‬ ‫والثقافي والتربوي فحسب‪ ،‬بل بالسياسي السلطوي الذي يتحكم في‬ ‫طبيعة إنتاج ذلك الفكر وتغييب مسألة التطور والنظرة إلى املستقبل بشكل‬ ‫إيجابي متفائل‪ ،‬فتحقيق العلم ينبغي أن مير من خالل حتقيق مجموعة من‬ ‫«اإلمكانيات» تتعلق باملعرفة والسياسة واملجتمع والتربية من املمكن أن‬


‫جتعلنا نشارك في صناعة احلضارة ال متلقني لها ومستهلكني لكل ما هو‬ ‫جديد وغريب عن بنيتنا املعرفية والثقافية‪ ،‬وبخاصة أن التوحد العاملي‬ ‫في شروط االقتصاد والسياسة والثقافة أصبح مؤسس ًا من قبل املراكز‬ ‫وليس األطراف التي يراد لها دائم ًا أن تكون في مؤخرة احلضارة والتقدم‬ ‫ال غير‪.‬‬

‫أو ًال‪ .‬إمكانية التحول في بنية املعرفة‬

‫أولى اإلمكانيات التي من شأنها أن حتدث التحول في بنية اإلنسان هي‬ ‫طبيعة املعرفة وكيفية تلقيها ومدى استجابة املجتمع لها من حيث القبول‬ ‫والرفض واملساءلة والتجاوز‪ ،‬ومبا أن املعرفة السائدة لدينا «املجتمعات‬ ‫العربية اإلسالمية» هي معرفة جاهزة‪ ،‬ثابتة تستند إلى آليات دفاعية‬ ‫منذ مهبط السدود األولى (تعبير باشالر)‪ ،‬فان مسألة البدء بالتصحيح‬ ‫وجتاوز الرأس املغلق غاية أساسية لتدارك العلم واملعرفة العلمية‪،‬‬ ‫ومهبط السدود األولى يعلمنا أن النص املعرفي الثقافي متعدد ومتداخل‬ ‫بني القدمي واجلديد‪ ،‬وكأننا أمام طبقات أرض رسوبية يؤثر بعضها على‬ ‫البعض اآلخر‪ ،‬من حيث االندماج والتفاعل والظهور‪ ،‬وإن اختلفت‬

‫أشكال هذه الطبقات أو النصوص املعرفية والثقافية‪ ،‬أو ظهرت بشكل‬ ‫أكثر من غيرها‪ ،‬فالنص األول هو الطبقة األولى التي منعت اإلسالم من‬ ‫التعدد في الفهم واإلدراك هو نص البداوة والعصبية التي حاول اإلسالم‬ ‫أن ينقلها من القبيلة إلى الدين أو األمة املؤمنة‪ ،‬املرتبطة بأصل ومآل‬ ‫واحد‪ ،‬ولكن كل ذلك لم يتحقق‪ ،‬فذلك النص سحب نفسه إلى الدين‬ ‫اجلديد‪ ،‬واستطاع أن يغير شيئ ًا فشيئ ًا معامله وحقيقته‪ ،‬والنص الثاني‬ ‫هو نص اإلسالم «القرآن الكرمي» والسيرة النبوية الشريفة باختالف‬ ‫تنوعاتها وأشكالها بني الفرق واملذاهب اإلسالمية‪ ،‬وذلك النص يعاني‬ ‫حما ً‬ ‫ال لوجوه‬ ‫من إشكالية في الفهم والتلقي منذ أن أصبح هذا النص ّ‬ ‫كثيرة ومتعددة ومتناقضة مع بعضها البعض‪ ،‬األمر الذي حدا بالسلطة‬ ‫السياسية املنتصرة فيما بعد إلى االعتماد على نسخة واحدة من النص‬ ‫املعرفي‪ ،‬وجتاوز بقية النسخ‪ ،‬ألنها ال تتفق مع األيديولوجيا التي‬ ‫ميتلك‪ ،‬وهي أيديولوجيا التبرير والدفاع عن الذات وغايتها املصلحية‪،‬‬ ‫والنص الثالث هو نص اآلخر‪ ،‬أو هو طبقة احلداثة الغربية ومكتسباتها‬ ‫التي جاءت وال تزال عن طريق الهيمنة والوصاية‪ ،‬وليس عن طريق‬ ‫التفاعل واإلبداع‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬ ‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫من دورة للتصوير السينمائي للشباب نظمها مسرح احلرية في جنني‪.‬‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪12‬‬

‫وهذه النصوص الثالثة وجدت لدينا كنسخ معرفية من خالل شخصية‬ ‫الشمولي الواحد الذي ال يقبل التعدد واالختالف‪ ،‬فالتعدد من شأنه‬ ‫أن يحدث التراكم والتغيير‪ ،‬ومن ثم املساءلة والرفض‪ ،‬ذلك األمر كان‬ ‫معمو ً‬ ‫ال به قبل أن تهبط السدود األولى للمعرفة‪ ،‬ليصبح النص الديني‬ ‫على سبيل املثال مطلق ًا وغير متعدد الوجوه وال يحتمل النسبية والصور‬ ‫‪17‬‬ ‫املختلفة‪.‬‬ ‫إن أولى اإلمكانيات في جتاوز سياق املعرفة اجلاهزة يتمثل في العودة إلى‬ ‫الذات بشكل معرفي‪ ،‬وتوضيح أنه ال ميكن بناء منظومة معرفية معينة‬ ‫مبعزل عن الوقائع واألشياء التي حتيطها‪ ،‬أي أنها معرضة للتواصل مع‬ ‫البيئة احمليطة بها‪ ،‬ومن ثم كل ما يصدر عنها محكوم بتلك البيئة‪ ،‬وما‬ ‫يحدث فيها من تقلبات وصراعات داخلية‪ ،‬واألمثلة هنا تتمثل في‬ ‫طبيعة إنتاج النص الديني «القران الكرمي»‪ ،‬بدء ًا باألزمنة املكية وانتهاء‬ ‫بتشكيل دولة املدينة في األزمنة املدنية‪ ،‬كل ذلك جعل منظومة اإلسالم‬ ‫املعرفية مشكلة على االختالف وتعدد الوجوه‪ ،‬ومع نهاية الزمن‬ ‫اإلنتاجي لهذه املنظومة املتمثلة في حياة الرسول محمد (ص)‪ ،‬توقفت‬ ‫املعارف بأن تكون مختلفة ليؤسس احلد والصورة النهائية املنجزة بعد‬ ‫صراعات وحروب أهلية حول ملكية التأويل‪ ،‬وهكذا أصبحت املعرفة‬ ‫نهائية‪ ،‬ليست ألنها صادرة من قبل الله فحسب‪ ،‬بل ألنها أصبحت‬ ‫في سياق اجلاهز واملقنن غير اخلاضع للمساءلة والنقد واالجتهاد‪ ،‬وما‬ ‫هو موجود لدينا اليوم ال يخرج من ذلك السياق‪ ،‬بحكم أن الزمن‬ ‫املعرفي طيلة قرون طويلة لم يخضع إلى التبدل والتغيير‪ ،‬وإن ظهرت‬ ‫هناك دعوات وطروحات بضرورة اإلصالح الديني والتجديد منذ‬ ‫بداية القرن التاسع عشر إلى األزمنة الراهنة‪ ،‬إال أنها في النهاية كانت‬ ‫تخاطب األصول والنصوص األولى بعيد ًا عن محايثة الزمن املعرفي‬ ‫األول‪ ،‬أو إعطاء رؤية تتناسب مع ذلك الزمان‪ ،‬وليس مع الزمن‬ ‫املعاش والراهن‪.‬‬ ‫إن املعرفة العلمية حول ذاتنا الثقافية حتررنا من مسألة ادعاء املعرفة‬ ‫بشكل نهائي‪ ،‬وتضعنا أمام احلقيقة التي تقول إن مساحة العقل لدينا‬ ‫محدودة‪ ،‬وينبغي لها أن تتوسع لتشمل الالمفكر فيه واملستحيل‬ ‫التفكير فيه‪ ،‬وصو ً‬ ‫ال إلى معرفة ال تعرف الثبات أو الدوران حول‬ ‫نفسها‪ ،‬تتبع اإلنشاء والتكوين بشكل دائم‪ ،‬وذلك األمر يتم من خالل‬ ‫الدخول إلى مضمار الواقع «واقعنا الثقافي واملعرفي»‪ ،‬وتفريغ الذات‬ ‫من األسطوري واخلرافي الذي يهيمن على طريقة تفكيرها‪ ،‬وسلوكها‬ ‫ونظرتها إلى املستقبل واالنتقال من مرحلة التفكير ما قبل علمي (املرتبط‬ ‫بعدم االعتراف بقدرة العقل البشري على اإلبداع واخللق واإلميان‬ ‫بفكرة التقدم البشري ارتباط ًا بالزمن املقدس الذي يجعل املاضي هرم ًا‬ ‫للمستقبل) إلى مرحلة التفكير والبحث عن األسباب في نشوء املعارف‬ ‫واألفكار بشكل جدلي وعلمي ضمن سلسلة من التفاعل واالحتكاك‬ ‫والتالقح مع الثقافات األخرى‪ ،‬مصاحب ًا ملفاهيم العلم احلديثة‪ ،‬متمثلة‬ ‫بالتنظيم‪ ،‬والتراكم‪ ،‬والدقة والتجريد‪ ،‬والنسبية‪ ،‬واليقني‪ ،‬مع األخذ‬ ‫بنظر االعتبار أن األخير ال يحمل الثبات‪ ،‬بل احلركة الدائبة نحو آفاق‬ ‫مجهولة يكتشفها العقل البشري‪.‬‬

‫ثانياً‪ .‬إمكانية التحول في بنية الدولة أو مفهومها‬

‫ال تزال بنية الدولة في العالم العربي تعتمد على التاريخ‪ ،‬وهنا نقصد‬

‫بإعادة إنتاج التاريخ السياسي القائم على العصبية والغلبة وتأثير الصراع‬ ‫واخلالف على التعايش واالختالف‪ ،‬وكأننا لم نخرج من التاريخ أو‬ ‫نحن نعيش في التاريخ مثلما يعيش السمك في املاء وفق ًا لتعبير جان بول‬ ‫‪18‬‬ ‫سارتر‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من التطورات والتغيرات في األجهزة اإلدارية والتنظيمية‬ ‫واألمنية ملفهوم الدولة‪ ،‬فإن األخيرة لم تستطع أن تتجاوز تقليديتها‬ ‫القائمة على االحتكار من قبل األقلية «حزب‪ ،‬عشيرة‪ ،‬عائلة مالكة ‪..‬‬ ‫الخ»‪ ،‬األمر الذي يجعل ذلك املفهوم يبتعد عن التطور واالنتقال إلى‬ ‫سياقات الدولة احلديثة‪ ،‬ومنوذج الدولة السائد لدينا أكثر قمعية واحتكار ًا‬ ‫ملفهوم احلقيقة واملعرفة والعلم‪ ،‬وال توجد فيه بشكل نسبي «فرادات��‬ ‫بشرية مختلفة تستطيع أن تؤسس املختلف في بنية الدولة ذاتها‪ ،‬ألنها‬ ‫تعتمد القولبة والتمثيل العضوي لقيمها من قبل املجتمع‪ ،‬أو ألنها تعلم‬ ‫الناس االستغناء عنها‪ ،‬وذلك من خالل دعوتها بصورة ضمنية إلى‬ ‫التخلي عن احلياة الدنيا وما فيها من رغبات وطموحات‪ ،‬والتي يتم‬ ‫تعويضها باملثال األخالقي في حياة ما بعد املوت‪ .‬وهنا تتقدم األخالق‬ ‫على الدولة باملفهوم الديني أو باملفهوم الدنيوي ضمن قيم التضحية‬ ‫وإنكار الذات وصهر املجتمع ككل في كيان واحد‪ ،‬يعيش حالة الفناء‬ ‫في متعاليات ورموز تتعلق باألمة أو الدين والشريعة أو الزعيم والقائد‬ ‫‪ ...‬الخ‪ ،‬األمر الذي يلغي حالة الدولة ضمن حقيقتها واملرتبطة‬ ‫بكونها أداة قهر وغلبة وسيطرة طبقات معينة على أخرى‪ ،‬بعيد ًا عن قيم‬ ‫املشاركة والتدرج املجتمعي أو االنتقال من بنية مجتمعية إلى أخرى أكثر‬ ‫تطور ًا في صياغة مفهوم الدولة‪ 19،‬وارتباطها بالعلم يكاد معدوماً‪ ،‬ليس‬ ‫من حيث تبنيها قيم العلم احلديثة فحسب‪ ،‬بل لعدم قدرتها على مواكبة‬ ‫العلوم اجلديدة وإرسال البعثات العلمية املستمرة بشكل دائم‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫خوفها من أن تصبح التربية العلمية أداة لتغيير املجتمع‪ ،‬ومن ثم نهايتها‬ ‫بشكل حتمي؛ أي نهاية قبولها كجهاز إداري وسياسي فاقد الشرعية‪،‬‬ ‫ألنه يستند إلى املاضي سلوك ًا وثقاف ًة وممارس ًة جلميع مكتشفات احلداثة‬ ‫والعلم ضمن حدود النسبي وليس املطلق‪.‬‬ ‫إن إمكانية حتول الدولة إلى العلم أو تعاشقها للعلم حسب تعبير ليوتار‬ ‫يحتاج إلى حتقيق مجموعة إمكانيات أخرى متفرعة ندرجها كالتالي‪:‬‬ ‫< إمكانية االرتباط بالزمن العلمي احلديث‪ :‬وذلك األمر يتحقق من‬ ‫خالل جتاوز مسألة فساد احلس باألزمنة التاريخية والعيش في املاضي‪،‬‬ ‫دون إدراك أن العالم يحمل سمات التغير والتبدل بشكل مستمر أو‬ ‫العيش في أزمنة مختلفة ومتداخلة مع بعضها البعض‪ ،‬األمر الذي‬ ‫يؤدي إلى عدم التجانس داخل الزمن الواحد‪ ،‬األمر الذي يجعلنا‬ ‫فاقدي حلركية التاريخ وحضوره البشري‪ .‬إن تعاشق الدولة مع العلم‬ ‫ميكنها من السيطرة على الزمن‪ ،‬ومينع تداول األفكار واملعارف بشكل‬ ‫ثابت ومتواصل أو مينع توريث رأس املال الثقافي توريثا وراثي ًا (حسب‬ ‫تعبير بيار بورديو) بني األجيال القادمة واجلديدة‪.‬‬ ‫< إمكانية تطور بنية احلظوظ الدراسية لدى الطبقات كافة‪ :‬وذلك‬ ‫األمر يتحقق من خالل جتاوز مسألة االهتمام باملراكز املدنية نسيان‬ ‫الضواحي واألطراف واملناطق الريفية والنائية بالنسبة حلظوظ التربية‬ ‫والتعليم‪ ،‬فتطور احلظوظ الدراسية بني أكثر الطبقات االجتماعية‬ ‫يكون مدعوم ًا بوجود إستراتيجية عمل اقتصادي واجتماعي وثقافي‪،‬‬


‫تقود إلى تطور جغرافية التربية والتعليم لتشمل اجلميع دون إقصاء‬ ‫أو تهميش‪ ،‬يذكر كما كان األمر معمو ً‬ ‫ال عليه في األزمنة السابقة‬ ‫(العراق) واحلالية أيضاً‪ ،‬فتطور احلظوظ الدراسية لدى أكثر الطبقات‬ ‫االجتماعية‪ ،‬وبخاصة تلك التي تعيش حتت مستوى خط الفقر يجنبنا‬ ‫مسألة االستبعاد االجتماعي لدى األجيال اجلديدة القادمة‪ ،‬وكل ذلك‬ ‫وانتهاء باملراحل‬ ‫يبدأ منذ املراحل الدراسية األولى «البداية اآلمنة»‬ ‫ً‬ ‫املتقدمة من الدراسة من أجل تفادي خطر البطالة ووجود تفاوت واسع‬ ‫‪20‬‬ ‫وكبير في الفرص واإلمكانيات ضمن حدود األزمنة القادمة‪.‬‬

‫< إمكانية حتقيق مسألة االستقالل النسبي في مسألة التعليم‪:‬‬

‫ثالثاً‪ .‬إمكانية التحول في بنية املجتمع‬

‫< العمل على توسيع دائرة الالمفكر فيه داخل العقل العربي‪:‬‬ ‫وذلك األمر يتحقق من خالل توسيع دائرة االهتمام بالالمعقول‬ ‫والغيبي وغير املعروف ومحاولة وصفة ضمن ثقافة تاريخية معينة‪،‬‬ ‫وجدت في أزمنة محددة بشري ًا أي أزمنة ما قبل العلم واحلداثة‪،‬‬ ‫وألن الالمفكر فيه يكاد يكون هائ ً‬ ‫ال في مجتمعاتنا العربية اإلسالمية‪،‬‬ ‫لذلك تظهر محاوالت كشفه وبيان وجود العوائق اإلبستيمولوجية‬ ‫التي تتحكم في حضوره ذات أهمية كبيرة‪ ،‬تلك املتعلقة مبجموعة من‬ ‫السلطة والتمثالت التي حتيط الوعي الفردي واجلمعي على حد سواء‪،‬‬ ‫منها ما هو ديني يحرم على املجتمع التفكير في طبيعة الله واخللق‬ ‫واجلنة والنار والوحي واملالئكة وجميع املعقوالت اإللهية التي تقف‬ ‫فوق قدرة اإلنسان ووجوده‪ ،‬ومنها ما هو اجتماعي مرتبط باألعراف‬ ‫االجتماعية التي حترم على املرأة العمل واملشاركة االجتماعية على‬ ‫سبيل املثال‪ ،‬ومنها ما هو اقتصادي وسياسي مينع الناس التفكير في‬ ‫طبيعة السلطة ومدى انتقالها وصيرورتها لدى أقلية تتحكم في مصائر‬ ‫املجتمعات وحتدد سلوكهم ومستقبلهم‪ .‬إن توسيع دائرة الالمفكر فيه‬ ‫داخل العقل العربي يعني توفير قدر كبير من احلرية في إبداء الرأي‬ ‫وإخضاع الالمعقول إلى العلم والتفكير العلمي‪ ،‬وإنه ال توجد عوائق‬ ‫معرفية معينة تقف أمام اإلنسان في التغيير من طبيعة اجتماعية معرفية‬ ‫إلى أخرى أكثر تقدم ًا وتطور ًا على صعيد عالقة اإلنسان مع املعرفة‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ال ميكن أن تظهر التحوالت في بنية املجتمع من طبيعة إلى أخرى أكثر‬ ‫تطورا ما لم تظهر حتوالت أخرى مرافقة أو مصاحبة لها أو متقدمة عليها‬ ‫أو العكس من ذلك وفقا لطبيعة املجتمع ومدى امتالكه حملددات التغيير‬ ‫والتطور‪ ،‬وهذه التحوالت هي ما ذكرناها أعاله في بنية الدولة واملعرفة‪،‬‬ ‫والن التحوالت األخيرة تؤثر كثيرا على املجتمع ومدى تعاطيه مع قضية‬ ‫العلم والفكر العلمي‪ ،‬إال أن ذلك األمر قد ال يتحقق بسهولة بسبب‬ ‫وجود تاريخ طويل من الفكر اخلرافي واألسطوري يعزل الناس عن‬ ‫املعرفة العلمية ويؤطر وعيها بشكل مسبق حول اجلديد والغريب من‬ ‫العلوم واملكتشفات احلديثة‪ ،‬لذلك توجد هنالك إمكانيات أخرى لتحول‬ ‫املجتمع إلى العلم مرتبط ًا بوجود الكثير من املؤسسات واملنظمات التي‬ ‫تتبنى قضية العلم والتفكير العلمي بشكل مستقل عن الدولة‪ ،‬بحيث‬

‫< العمل على ترسيخ االهتمام بقضية العلمنة‪ :‬وهنا نقصد بالعلمنة‬ ‫ضمن اجتاهني‪ ،‬األول تاريخي يعنى بنشأة العلمانية وبدايتها األولى‬ ‫التي ترتبط بالوجود الزمني الدنيوي‪ ،‬وصو ً‬ ‫ال إلى احتادها مع‬ ‫املنجزات العلمية احلديثة منذ أربعة قرون‪ ،‬إلى األزمنة الراهنة وما‬ ‫صاحبها من تعثرات وانتكاسات وحتوالت إلى سياقات «العلموية»‬ ‫والتطرف في عبادة العلم في القرن التاسع عشر‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن وجود‬ ‫عوامل النجاح والفشل لدى الكثير من التجارب‪ ،‬وبخاصة تلك‬ ‫التي حدثت في العالم العربي واإلسالمي في تونس ولبنان وتركيا‬ ‫‪ ...‬الخ أما االجتاه الثاني فهو يأخذ بنظر االعتبار الواقع االجتماعي‬ ‫الراهن‪ ،‬ومدى صيرورة التجربة العلمانية وطبيعة انتشارها‪ ،‬فض ً‬ ‫ال‬ ‫عن وجود مواطن الضعف في كيفية قبولها من قبل املجتمع العربي‪،‬‬ ‫أو في كيفية انحسارها مؤسساتي ًا في اإلعالم والثقافة والسلوك‬ ‫البشري ‪ ...‬الخ‪ ،‬واالجتاه االجتماعي للعلمانية يعنى بنشر األخيرة‬ ‫اجتماعي ًا والدخول في سجال حواري مع األفكار السائدة التقليدية‬ ‫دون أن توجد هناك آليات استبعاد أو إقصاء من خالل طرح فكرة‬ ‫العلمانية ذاتها‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫كثير ًا ما يكون التعليم في العالم العربي تابع ًا إلى الدولة أو هو معبر‬ ‫عن جهازها األيديولوجي‪ .‬وال ميكننا أن نتصور تعليم ًا أو مدرسة‬ ‫ال توجد فيها شعارات الدولة احلزبية واأليديولوجية‪ ،‬األمر الذي‬ ‫يجعل التالميذ يعيشون األفكار املطلقة والشمولية‪ ،‬ومن ثم النظر‬ ‫إلى مفهوم احلقيقة من جانب واحد‪ ،‬وهو اجلانب الذي تصدره الدولة‬ ‫وحقيقتها األيديولوجية‪ ،‬األمر الذي يؤثر على طبيعة تلقي التالميذ‬ ‫للعلوم واملعارف‪ ،‬وال يجعلنا منلك احلماس والرغبة في تعزيز التطور‬ ‫ومحاولة ردم احلواجز أو الفواصل العلمية الكبيرة التي نعيشها‬ ‫كمجتمعات لم تدرك العلم‪ ،‬أو لم تستطع أن تعيش وفق مقياس‬ ‫العلم وفهم حركية العالم والزمن املعاصر‪ .‬إن استقاللية التعليم‬ ‫بشكل نسبي عن الدولة ميكننا من جتاوز مفهوم احلقيقة الثابتة التي تدور‬ ‫حول املجتمع بشكل تاريخي‪ ،‬وذلك األمر يتحقق من خالل دمقرطة‬ ‫املؤسسات التربوية والتعليمية واتباع األساليب احلديثة في التربية‪،‬‬ ‫نظري ًا وتطبيقي ًا من خالل استخدام الوسائل احلديثة في التعليم‪ ،‬متمثلة‬ ‫بأجهزة احلاسوب «الكومبيوتر»‪ ،‬واالستفادة من اخلبرات واملهارات‬ ‫التدريسية لدى الدول املتقدمة‪ ،‬وبخاصة التجربة اليابانية‪ ،‬ومحاولة‬ ‫تطبيقها منوذجي ًا لدى أكثر املدارس لدينا‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن االهتمام باجلانب‬ ‫التطبيقي اإلنساني في التربية والتعليم متمثلة في جتاوز أساليب اإلكراه‬ ‫والعنف ضد التالميذ‪ ،‬ومحاولة جعل الصف التربوي أو املدرسي أكثر‬ ‫متعة ورغبة من قبل الطلبة أنفسهم‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن االهتمام بالعلوم واملواد‬ ‫العلمية أكثر من املواد األدبية واالجتماعية على الرغم من ضرورة‬ ‫األخيرة وأهميتها‪ ،‬على أن تدرس بشكل يلغي عناصر األيديولوجيا‬ ‫والتبجيل الذاتي واملجتمعي‪ ،‬كما كان األمر معمو ً‬ ‫ال في أكثر املواد‬ ‫الدراسية في العراق سابقاً؛ مثل علوم التاريخ‪ ،‬واللغة العربية‪،‬‬ ‫والتربية الوطنية واإلسالمية ‪ ...‬الخ‪.‬‬

‫تستطيع أن تؤثر على املجتمع وتخلق سلوك ًا عام ًا حول قضايا اإلنسان‪،‬‬ ‫وتساهم في حتوالت املعرفة ذاتها من سيطرة الذات الفردية التي حتكم‬ ‫اجلماهير «رجل الدين على سبيل املثال» إلى حضور املجتمع الذي يفكر‬ ‫فيه الفرد بشكل حر‪ ،‬وميتلك اإلرادة في تفسير وتأويل الكثير من القضايا‬ ‫املتعلقة باملستقبل‪ ،‬تلك التي عادة ما تكون محتكرة من قبل نخبة أو أقلية‬ ‫من األفراد؛ سواء داخل العقيدة الدينية أم احلزبية األيديولوجية‪ .‬وهذه‬ ‫املؤسسات تشتغل داخل املجتمع بشكل علمي وتؤثر عليه مثلما تؤثر‬ ‫املؤسسات األدبية والفنية على املجتمع في األزمنة الراهنة على الرغم‬ ‫من انحسار املؤسسات التي نذكر هنا‪ ،‬ولكن وجودها يعتمد على انتشار‬ ‫املعرفة العلمية وحتول الدولة ذاتها سياسة ومعرفة إلى العلم‪ ،‬وذلك‬ ‫األمر يتحقق من خالل‪:‬‬


‫والعلم واإلبداع ‪ ...‬الخ‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫رابعاً‪ .‬إمكانية التحول في بنية التربية‬

‫سبق وأن أعطينا وصف ًا موضوعي ًا حول واقع التربية العلمية في العالم‬ ‫العربي «منوذج العراق»‪ ،‬ومدى غياب أهم الوسائل واألهداف احلقيقية‬ ‫في تدريس العلوم بشكل نظري وتطبيقي‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن غياب األثر أو‬ ‫الذاكرة العلمية لدى الطلبة بعد انتهاء املراحل الدراسية‪ ،‬األمر الذي‬ ‫يعكس بشكل حقيقي لي�� ضعف القابليات واإلمكانيات داخل‬ ‫املؤسسة التربوية فحسب‪ ،‬بل كذلك تردي أو ضعف اهتمام الدولة‬ ‫بالعلم والتربية العلمية‪ ،‬األمر الذي ينعكس سلب ًا على املجتمع العربي‬ ‫مع ضعف إمكانيات التحول في بنى االقتصاد والسياسة واملجتمع‪،‬‬ ‫لتكتمل الصورة بشكل سلبي إلى حد بعيد‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫إن عملية التحول في بنية التربية العلمية حتتاج إلى جهد كبير يتمثل في‬ ‫إعادة هيكلة الدرس العلمي‪ ،‬ليس ضمن جانب النظر والتطبيق أو‬ ‫املادة الدراسية فحسب‪ ،‬بل يشمل املؤسسة التربوية ذاتها بشكل يجعل‬ ‫الدرس العلمي أكثر رسوخ ًا ويقين ًا لدى الكادر العلمي الذي يقود‬ ‫العملية التربوية ولدى الطلبة أنفسهم‪ ،‬وذلك األمر يتحقق من خالل‪:‬‬ ‫< علمنة اخلطة الدراسية‪ :‬وذلك من خالل التفكير بالعلوم وأهميتها‬ ‫في املناهج الدراسية وتغليبها على بقية املناهج األدبية األخرى من‬ ‫أجل ترسيخ النظرة العلمية الواقعية لدى الطلبة‪ ،‬وجتاوز التعلق‬ ‫العاطفي والنظرة السطحية للكثير من القضايا التي تخص املجتمع‬ ‫العربي في األزمنة الراهنة‪ ،‬تلك املرتبطة بالتاريخ الثقافي واملعرفي‪،‬‬ ‫الذي يؤثر كثير ًا على طبيعة تقبلنا للجديد والغريب عن البنية املعرفية‬ ‫السائدة‪ ،‬وعلمنة اخلطة الدراسة تبدأ من توضيح ماهية العلم ونشأته‬ ‫من حيث املعلومات واملعارف العلمية التي جمعها اإلنسان بشكل‬ ‫نظري وعملي‪ ،‬إلى األزمنة الراهنة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن توضيح العوامل‬ ‫األساسية التي وقفت أمام العلم والنظرة العلمية وتوضيحها لدى‬ ‫الطلبة‪ ،‬تلك املرتبطة باألسطورة واخلرافة وحضور السلطة املرتبطة‬ ‫بالقدم واالنتشار والتعصب والتضليل اإلعالمي كما ذكرنا سابقاً‪،‬‬ ‫كذلك من خالل ترسيخ أهمية التفكير العلمي حول الظواهر الطبيعية‬ ‫واالجتماعية بشكل يبعدنا عن لغة التأمل واخلضوع إلى احلقائق‬ ‫التقليدية واملوروثة دون التفكير بنشأتها‪ ،‬وفق ًا ملقاييس العلم والنظرة‬ ‫العلمية احلديثة تلك املرتبطة بأحكام الكيفيات والكميات وليس عن‬ ‫طريق املاهيات والتأمل فحسب‪ ،‬كما هو موجود لدينا بشكل تاريخي‬ ‫مزمن‪ .‬إن علمنة اخلطة الدراسية تؤدي إلى خلق أجيال «طالبية»‬ ‫واجتماعية فيما بعد متتلك االنفتاح العقلي والثقافي وتؤمن بالتقدم‬ ‫واملعرفة اجلديدة‪ ،‬وال تعاني من عقد التاريخ‪ ،‬تلك التي جتعل الغريب‬ ‫مهاب ًا ومخيف ًا إلى حد بعيد‪.‬‬

‫< الدخول إلى معامل العلم‪ :‬يشكل الدخول إلى معامل العلم أو‬ ‫ممارسة التجريب العلمي مهمة أساسية أخرى في سبيل علمنة الواقع‬ ‫التربوي وتغييره‪ ،‬إذ يؤدي الدخول إلى ممارسة العلوم بشكل تطبيقي‬ ‫إلى تنمية قابليات التالميذ في دراسة العلوم وتعقلها من خالل‬ ‫التفاعل مع البيئة الطبيعية واالجتماعية احمليطة‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن ترسيخ‬ ‫فهم الظواهر الطبيعية لدى الطلبة ومساعدتهم على حل املشكالت‬ ‫التي تواجههم‪ 21.‬وهكذا نقول إن جتريب العلوم يجعل مادة الدرس‬ ‫أكثر واقعية ويجعل الطلبة أكثر اهتمام ًا بها‪ ،‬بحيث تصبح املعلومات‬ ‫التي يتعلمونها وظيفية قائمة على الفهم واإلدراك وليست معلومات‬ ‫مجردة قائمة على احلفظ والتلقني‪.‬‬ ‫< تنمية اإلبداع في تدريس العلوم‪ :‬ال ميكن أن يعطى العلم كمهمة‬ ‫تدريسية دون االرتباط باإلبداع‪ ،‬إذ يغدو اجلهد التدريسي الذي تقوم‬ ‫به املؤسسة التربوية مجرد إعادة وتكرار بعيد عن اجلدوى والفائدة‬ ‫العلمية للطلبة والتالميذ‪ ،‬أو هو باألحرى عملية تدمير للزمن التربوي‬ ‫الذي يعيشه الطلبة طيلة املراحل الدراسية‪ ،‬فاإلبداع يعلمنا كيف نقيس‬ ‫الزمن مبعيار احلاضر‪ ،‬وليس مبعيار املاضي‪ ،‬ومبا أن احلاضر ال يحوي‬ ‫اإلبداع‪ ،‬فان عملية تكريسه وترسيخه داخل الصف التربوي مهمة‬ ‫أساسية من اجل جتاوز التكرار واإلعادة والزمن الواحد الذي يدور‬ ‫حول نفسه بشكل مفرغ من اجلديد واملختلف‪ ،‬وذلك األمر يأخذ‬ ‫بعدين مرتبطني مع بعضهما البعض؛ األول مرتبط بتدريس القائمني‬ ‫على العملية التربوية من كادر تدريسي وإداري بأهمية اإلبداع ودوره‬ ‫في حتقيق التقدم البشري‪ ،‬والثاني معني بتعليم الطلبة قيمة االكتشاف‬ ‫بشكل نظري وعملي‪ 22،‬وذلك من خالل‪:‬‬ ‫> التعريف التاريخي بأهمية العلوم واملنجزات التي قدمتها للبشرية‬ ‫جمعاء‪ ،‬وتعريف الطلبة بعظمة العلماء أنفسهم‪ ،‬ومدى حجم‬ ‫املشاكل واملعوقات والتحديات التي كانت تواجههم‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫اجلرأة التي كانت لديهم في حتديد قولهم العلمي والثقافي‪.‬‬ ‫> تنمية وعي احلرية داخل املدرسة والصف التربوي من خالل احترام‬ ‫األسئلة غير العادية واألفكار غير العادية لدى التالميذ‪ ،‬فض ً‬ ‫ال‬ ‫عن تربية التالميذ على العقل املتسائل املتحرر من القيود واحلدود‬ ‫واإلكراهات ‪ ...‬الخ‪.‬‬ ‫> تدريب الطلبة على لغة املخالفة واالعتراض واالختالف الذي يقود‬ ‫إلى تقديس الغريب واجلديد داخل املؤسسة التربوية‪.‬‬ ‫> توفير الكثير من الزمن التربوي أو املدرسي لقيمة التجريب داخل‬ ‫معامل العلم واملختبرات‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن احلرية في استخدام األجهزة‬ ‫احلديثة مثل أجهزة الكومبيوتر‪ ،‬والتلفزيون‪ ،‬ملشاهدة األفالم التي‬ ‫‪23‬‬ ‫تعنى باملادة العلمية‪.‬‬ ‫وليد املسعودي‬ ‫كاتب وباحث من العراق‬

‫الهوامش‬ ‫‪ 1‬اومينيس‪ ،‬روالن (‪ .)2008‬فلسفة الكوانتم ‪ ..‬فهم العلم املعاصر وتأويله‪،‬‬ ‫ط ‪ ،1‬الكويت‪ :‬عالم املعرفة‪ ،‬ص‪.316 :‬‬ ‫‪ 2‬األمثلة كثيرة حول العلماء والفالسفة العرب واملسلمني الذين اشتغلوا على‬

‫العلم‪ ،‬ومنهم هنا نشير إلى نصير الدين الطوسي الذي كتب في املثلثات‬ ‫واجلبر والهيئة وإنشاء االصطرالبات وكيفية استعمالها‪ ،‬وكان ميتلك معرفة‬ ‫منظمة وحس ًا كبير ًا في أهمية العلوم املكتسبة من طب وفلسفة وتفضيلها على‬


‫‪15‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬ ‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫العلوم التقليدية من فقه وحديث‪ ،‬وصو ً‬ ‫ال حتديد امتيازات أكثر لدى الطلبة‬ ‫الذين يقبلون على دراسة الفلسفة والطب‪ .‬راجع‪ :‬رضا‪ ،‬محمد جواد‬ ‫(‪ .)1989‬أئمة الفكر التربوي اإلسالمي‪ ،‬ط ‪ ،1‬ذات السالسل للطباعة‬ ‫والنشر والتوزيع‪ ،‬ص‪.136-135 :‬‬ ‫‪ 3‬هوكنغ‪ ،‬ستيفن (‪ .)1990‬موجز تاريخ الزمن‪ ،‬ط ‪ ،1‬بغداد‪ :‬دار املأمون‬ ‫للثقافة واإلعالم‪ ،‬ص‪.40 :‬‬ ‫‪ 4‬حجازي‪ ،‬مصطفى (‪ .)2001‬علم النفس والعوملة ‪ ..‬رؤى مستقبلية في‬ ‫التربية والتنمية‪ ،‬ط ‪ ،1‬لبنان – بيروت‪ :‬شركة املطبوعات للتوزيع والنشر‪،‬‬ ‫ص‪.51 :‬‬ ‫‪ 5‬في استطالع أجري من قبلنا مع عدد من طلبة العلوم في املدارس اإلعدادية‬ ‫بني جيلني مختلفني حول مفردات ومعلومات تلقيناها في مراحلنا الدراسية‬ ‫األولى بعد التخرج من اجلامعة‪ ،‬وجدنا أن نسبة كبيرة من هؤالء الطلبة ينتمون‬ ‫إلى اجليل احلالي يجهلون كثير ًا ماهية التنفس مث ً‬ ‫ال أو القلب وطبيعة عمله أو‬ ‫إيجاد تعريف بسيط له‪ ،‬وذلك إن دل على شيء فانه يدل ‪-‬كما أسلفنا‪ -‬على‬ ‫التراجع عن تكوين ذاكرة علمية اجتماعية لدى األجيال القادمة‪.‬‬ ‫‪ 6‬زكريا‪ ،‬فؤاد (‪ .)1988‬التفكير العلمي‪ ،‬ط‪ ،3‬الكويت‪ :‬سلسلة عالم‬ ‫املعرفة‪ ،‬ص‪.61-60 :‬‬ ‫‪ 7‬يفسر الكثير من العامة في العراق االحتالل األميركي بأنه إرادة الله بأن سلط‬ ‫قوى كبيرة على نظام مستبد وحاكم ظالم‪ ،‬وبذلك تكون اإلرادة اإللهية‬ ‫هي مصدر الفعل والتحكم في سلوك البشر أنفسهم‪ ،‬وهذا األمر يسير‬ ‫باملقارنة مع التفكير باملرض على سبيل املثال‪ ،‬وكيفية حدوثه بعيد ًا عن العلل‬ ‫واألسباب احلقيقية لذلك األمر‪ ،‬أي بعيد ًا عن تدخل اإلنسان وما موجود‬ ‫من سلطات سياسية واقتصادية واجتماعية فاسدة ال تقدم اخلدمات الصحية‬ ‫والتربوية بذلك الشأن‪.‬‬ ‫‪ 8‬التفكير العلمي‪ ،‬مرجع سبق ذكره‪ ،‬ص‪.83 :‬‬ ‫‪ 9‬بن عبد العالي‪ ،‬عبد السالم (‪ .)1979‬الفلسفة السياسية عند الفارابي‪،‬‬ ‫ط‪ ،1‬بيروت‪ :‬دار الطليعة‪ ،‬ص‪.27 :‬‬ ‫‪ 10‬يفوت‪ ،‬سالم (‪ .)1991‬الزمان التاريخي من التاريخ الكلي إلى التواريخ‬ ‫الفعلية‪ ،‬ط‪ /1‬بيروت‪ :‬دار الطليعة‪ ،‬ص‪.16 – 15 :‬‬ ‫‪ 11‬سليم‪ ،‬محمد صابر‪ ،‬وسعد عبد الوهاب نادر (‪ .)1968‬اجلديد في تدريس‬ ‫العلوم‪ ،‬ط‪ ،1‬بغداد‪ ،‬ص‪.41 :‬‬ ‫‪ 12‬اومينيس‪ ،‬مصدر سبق ذكره‪ ،‬ص‪.316 :‬‬ ‫‪ 13‬باشالر‪ ،‬غاستون (‪ .)1981‬تكوين العقل العلمي‪ ،‬ط‪ ،1‬بيروت – لبنان‪:‬‬ ‫املؤسسة اجلامعية للدراسات والنشر والتوزيع‪ ،‬ص‪.47 :‬‬ ‫‪ 14‬التفكير العلمي‪ ،‬مصدر سابق‪ ،‬ص‪.92 :‬‬ ‫‪ 15‬ليوتار‪ ،‬جان فرانسوا (‪« .)1984‬استطالع حول مغامرات العقل في الفكر‬ ‫والعلم املعاصرين»‪ ،‬مجلة دراسات عربية‪ ،‬ص‪.140 :‬‬ ‫‪ 16‬من املمكن هنا املقارنة بني العقل اجلمعي في املجتمعات العربية اإلسالمية‪،‬‬ ‫وهو السائد اليوم‪ ،‬وبني العقل الفردي في احلضارة الغربية احلديثة‪ ،‬فاألول‬ ‫يستمد معقوالته من الله والوحي وجميع املفارقات للعقل البشري‪ ،‬ومن‬ ‫ثم هو عقل جمعي‪ ،‬منغلق على ذاته‪ ،‬يحرم اإلبداع واالنتقال من فضاء‬ ‫معرفي إلى آخر‪ ،‬بينما العقل الفردي‪ ،‬فإنه يوجد الفرد فيه كذرة متحررة‬ ‫متتلك اإلرادة في تعقل العالم‪ ،‬وذلك األخير غير مطلق تتحرك فيه جميع‬ ‫املعقوالت واملعارف بطبيعة نسبية في االعتقاد واليقني‪.‬‬ ‫‪ 17‬إن التعدد الذي كان سائد ًا في بداية ظهور اإلسالم ال يحمل التناقض‬ ‫واالختالف مع األصول واملبادئ التي يستند إليها‪ ،‬بل هو تعدد ضمن طبيعة‬ ‫تفسير النص املعرفي وتأويله‪ ،‬وهنا يختلف ذلك التعدد عما هو موجود‬

‫في األزمنة احلديثة من معارف مختلفة ومتناقضة تتفاعل مع بعضها‪ ،‬لتنتج‬ ‫فيما بعد املختلف اجلديد ضمن جدلية متواصلة‪ ،‬على الرغم من أن التعدد‬ ‫في تأويل النص الذي كان سائد ًا لدينا ميثل بداية حسنة للخروج من الفكرة‬ ‫الواحدة والشمولية التي تقف فوق التاريخ والزمان واحلقيقة‪.‬‬ ‫‪ 18‬مجلة العرب والفكر العاملي‪ ،‬عدد ‪ ،9‬شتاء ‪ ،1990‬بيروت‪ :‬مركز اإلمناء‬ ‫القومي‪ ،‬ص‪.144 :‬‬ ‫‪ 19‬يحدد املفكر عبد الله العروي تاريخي ًا أن هناك مقالتني حول الدولة‪ ،‬األولى‬ ‫متثل األخالق فيها الهرم الرئيس؛ أي إنها تتقدم على مفهوم الدولة‪ ،‬وأن‬ ‫األخيرة هي اصطناعية ناشئة من أفكار مسبقة تتعلق بالغاية احلقيقية من‬ ‫حياة اإلنسان على هذه األرض‪ ،‬التي حتمل صورة املؤقت والعابر دون‬ ‫أن يوجد فيها ما هو دنيوي متعلق بتحقيق الذات والرغبات واملتع ‪...‬‬ ‫الخ‪ .‬أما الثانية‪ ،‬فإنها طبيعية ناشئة عن ضرورة االجتماعي الطبيعي للبشر‬ ‫أنفسهم‪ ،‬ومن ثم هي دولة معقولة ح��مل التجانس ما دامت تستطيع أن حتقق‬ ‫الرفاه والسعادة واحلرية لإلنسان من خالل مبدأ التعاون والتضحية من قبل‬ ‫املجتمع‪ ،‬وهذه النظرة إلى الدولة ترى اإلنسان كائن ًا خير ًا في طبعة إذا ترك‬ ‫األخير إلى طبيعته يعمل ويكتشف ويبدع ويحقق احلرية والسعادة‪ .‬وكال‬ ‫املقالتني حتمل املثال والوهم حول صورة الواقع اإلنساني‪ ،‬وحتجب الكثير‬ ‫من حقائق الصراع البشري تلك املتعلقة بتاريخ طويل من القمع واإللغاء‬ ‫للوجود اإلنساني‪ ،‬من خالل مفردات تتعلق بالتعالي الديني واألخالقي‪،‬‬ ‫أو تتعلق بوهم املجتمع الطبيعي كامل اإلنسانية من حيث النشأة واألصل‪.‬‬ ‫راجع‪ :‬العروي‪ ،‬عبد الله (‪ .)2001‬مفهوم الدولة‪ ،‬املركز الثقافي العربي‪،‬‬ ‫ط‪ ،7‬ص‪.13-12 :‬‬ ‫‪ 20‬إن املقارنة بني املدن والضواحي على الرغم من تردي املدينة العراقية وحتولها‬ ‫إلى ريف كبير ال ميكن وصفها أو تعريفها من حيث عدم االهتمام واإلقصاء‬ ‫والتهميش ألسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية ‪ ...‬الخ‪ ،‬فما زالت‬ ‫مدينة الثورة «الصدر» حالي ًا تشكل معم ً‬ ‫ال خدمي ًا للمدينة (بغداد)‪ ،‬دون أن‬ ‫يوجد فيها اإلمكانيات في جتاوز مسألة التوريث اخلدمي واملهني والعمالي‬ ‫بالطرق والوسائل كافة‪ ،‬لذلك جند أن أكثر خريجي كليات العلوم والطب ال‬ ‫ينتمون إلى هذه الضاحية ضمن حدود النسبي‪ ،‬بل هناك االنتماء إلى كليات‬ ‫اآلداب والتربية واالجتماع وغيرها‪ ،‬وذلك إن دل على شيء‪ ،‬فإنه يدل على‬ ‫ضعف القابليات واإلمكانيات في حتقيق ذلك األمر‪.‬‬ ‫‪ 21‬جتريب تدريس العلوم باملدخل الياباني في بعض مدارس املرحلة االبتدائية‪،‬‬ ‫د‪ .‬منصور عبد السالم فتح الله‪ ،‬املجلة التربوية‪ ،‬الكويت‪ :‬مجلس النشر‬ ‫العلمي ‪ -‬جامعة الكويت‪ ،‬العدد ‪ ،67‬حزيران ‪ ،2003‬ص‪.123 :‬‬ ‫‪ 22‬هنالك من يفسر نشوء عملية اإلبداع من خالل عاملني‪ ،‬األول وراثي يعتمد‬ ‫على اإلمكانات الوراثية من مواهب وقدرات عقلية وإبداعية‪ ،‬وذلك الرأي‬ ‫له امتدادات قدمية ترتبط جذورها بأفالطون‪ ،‬واألمثلة على هذا الشكل‬ ‫من اإلبداع كثيرة‪ ،‬مثل بيتهوفن الذي كانت عائلته متلك تسعني عازف ًا‬ ‫وكذلك احلال مع غوته‪ ،‬وفان كوخ‪ ،‬وميخائيل أجنلو‪ .‬أما العامل الثاني‪،‬‬ ‫فإنه اكتسابي يتم عبر املمكنات العقلية املكتسبة وليست له عالقة مبؤثرات‬ ‫الوراثة‪ ،‬بل يعتمد على مؤثرات البيئة احمليطة كالعائلة واملدرسة واملجتمع‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫ال عن الظروف احمليطة باملبدع من اجتماعية وثقافية واقتصادية‪ ،‬كلها‬ ‫تؤثر على اإلبداع في شكل أو بآخر‪ ،‬وهذا الشكل من اإلبداع مثاله اينشتاين‬ ‫وبيكاسو وباسكال وغيرهم‪ ،‬راجع‪ :‬صالح‪ ،‬قاسم حسني (‪.)1990‬‬ ‫سيكولوجيا اإلبداع الفني‪ ،‬بغداد‪ :‬دار الشؤون الثقافية‪ ،‬ص‪.9 :‬‬ ‫‪ 23‬عاقل‪ ،‬فاخر (‪ .)1979‬اإلبداع وتربيته‪ ،‬ط ‪ ،3‬بيروت‪ :‬دار العلم‬ ‫للماليني‪ ،‬ص‪.156 :‬‬


‫في الثقافة العلمية‬

‫‪16‬‬

‫جدلية «املوضوعية» وأسطورة الطريقة العلمية‪:‬‬ ‫نحو نظرة تكاملية بني العلوم والفنون‬

‫نادر وهبة‬ ‫«العلوم بالنسبة لي عملية استقصاء‪ ،‬أضع خاللها الطالب في عملية ممنهجة تبدأ من تدوين دقيق ملا يالحظه الطالب‪ ،‬يليها فرض فرضيات‪،‬‬ ‫ثم جتربة للتحقق من الفرضيات وجمع البيانات وحتليلها بهدف اخلروج مبعرفة علمية أو بنظرية ما»‪.‬‬ ‫معلم علوم في مدرسة فلسطينية‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫«أهدف من العلوم أن أعلم املبادئ والقوانني من جهة‪ ،‬واملناهج العلمية من جهة أخرى عبر االستقصاء»‪.‬‬

‫لقد مرت املسيرة التربوية في فلسطني بالعديد من التقلبات والتحديات‪،‬‬ ‫وكان أحد تلك التحديات تطوير نظام تعليمي قادر على مواكبة التغيرات‬ ‫في املعرفة‪ ،‬وفي الوقت نفسه تقدمي تعليم ذي مستوى نوعي‪ .‬ومنذ‬ ‫تأسيس وزارة التربية والتعليم الفلسطينية‪ ،‬واحلاجة إلى تطوير قدرات‬ ‫املعلم الفلسطيني ومتكينه في اطّ راد مستمر‪ ،‬حيث بدأت بتطوير املناهج‬ ‫الفلسطينية التي نتج عنها كتب دراسية في مواضيع مختلفة‪ ،‬رافقها عملية‬ ‫“تدريب” املعلمني على تنفيذ املنهاج واملواضيع املطروحة داخل الكتب‬ ‫املدرسية‪ .‬ومن حني إلى آخر‪ ،‬كانت تدخل علينا مفاهيم وتقنيات بحكم‬ ‫اللجوء إلى خبراء تربويني من اخلارج‪ ،‬وإلى مصادر ومراجع أجنبية يبدو‬ ‫أنها القت مكان ًا لها بأريحية في الوسط التربوي الفلسطيني‪ ،‬بدعوى أنها‬ ‫كانت مفاهيم وتقنيات وطرق ًا ناجحة في املجتمع الغربي‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫أريد في هذه املقالة أن أركز على موضوع العلوم وعلى جزئية بيداغوجية‬ ‫أصبحت في “الوعي الباطني” ملعلمي العلوم‪ ،‬حتى أضحت ممارسة تلقائية‬ ‫الواعية أو “هابيتوس” بحسب بورديو‪ ،‬أال وهي مفهوم االستقصاء‪.‬‬ ‫ال أريد أن أحتدث عن كيفية حتول هذا املفهوم إلى ممارسة على املستوى‬ ‫الصفي‪ ،‬فبرامج التأهيل في موضوع االستقصاء واملصادر املترجمة‬ ‫عن هذا املفهوم ال حتصى‪ ،‬ورسائل املاجستير التي تخرج من جامعاتنا‬ ‫الفلسطينية عديدة‪ ،‬وتؤكد على أهمية االستقصاء في عملية تعلم العلوم‪.‬‬ ‫لكن ما أريده هو تفكيك هذا املفهوم البيداغوجي تاريخي ًا وفلسفياً‪ ،‬ملساءلة‬ ‫شرعيته في حقل العلوم الطبيعة‪ ،‬وفي عملية إنتاج املعرفة العلمية‪.‬‬ ‫وإذا ما تأملنا قلي ً‬ ‫ال في تلك املمارسات املتعلقة باالستقصاء في صفوفنا‬ ‫“إن وجدت”‪ ،‬جندها ممارسات تقنية آلية مجردة من روح االستقصاء‬ ‫الفعلي‪ -‬تلك العمليات الذهنية التي يتحاور عبرها الطالب مع الظاهرة‬ ‫بإشراك حواسه وخياله وما يحمله من خلفية ثقافية ومعتقدات وميول‪.‬‬ ‫فاالستقصاء في مدارسنا ما هو إال عملية إقصاء للظاهرة العلمية وعزلها‬

‫معلمة علوم في مدرسة فلسطينية‬

‫عن النوازع وامليول الشخصية‪ ،‬واإلدعاء بأننا نستطيع الوصول إلى‬ ‫“احلقيقة” عبر سلسة من التقنيات تبدأ باملشاهدة أو احلواس‪ ،‬وتنتهي‬ ‫مبعرفة علمية‪ .‬وما يقود هذه العملية أسطورتان‪ :‬األولى “موضوعية‬ ‫العلوم”‪ ،‬والثانية “الطريقة العلمية”‪ ،‬أسطورتان أثبت مؤرخو العلوم أن‬ ‫العلوم وعملية إنتاج املعرفة العلمية بريئتني منهما‪.‬‬ ‫أنطلق في هذه الورقة من وجهة النظر التي تقول إن عملية إنتاج املعرفة‬ ‫العلمية من قبل العلماء‪ -‬وأقصد باملعرفة العلمية هنا النظريات‪،‬‬ ‫والقوانني‪ ،‬واملبادئ‪ ،‬والتصنيفات في حقول العلوم املختلقة‪ -‬ما هي‬ ‫إال عملية منقادة بالنوازع الشخصية واأليديولوجيا الفكرية والسياسية‪،‬‬ ‫واألمناط الفكرية واالنتماءات العلمية للعلماء‪ ،‬وهي جوانب إنسانية‬ ‫وثقافية واجتماعية تدخل في صناعة العلوم‪ .‬كما أجادل أيض ًا أن عملية‬ ‫ما يسمى بـ”االكتشافات العلمية”‪ ،‬وبخاصة ما يتعلق بالنظريات اجلديدة‬ ‫منها‪ ،‬ما هي إال عمليات إبداعية مسندة بالتخيالت العقلية لتفسير ظواهر‬ ‫طبيعية معينة‪ .‬بالتالي‪ ،‬فإن قضية اعتبار العلوم موضوعية وبريئة من‬ ‫النوازع الشخصية‪ ،‬وأنها تعتمد على الطريقة أو املنهج العلمي للتوصل‬ ‫إلى احلقيقة‪ ،‬قضية ممشكلة‪ ،‬ال بد من إبرازها ومحاورتها‪.‬‬ ‫وال بد من أن يقودني هذا املوضوع إلى احلديث عن اجلدل التاريخي‪-‬‬ ‫الفلسفي املتعلق بطبيعة املعرفة العلمية‪ ،‬وعلى وجه اخلصوص اجلدل‬ ‫بني مدرستني فكريتني متناقضتني؛ األولى املدرسة الواقعية التي تعتبر‬ ‫املعرفة العلمية حقيقة موجودة خارج كياننا وقدراتنا ونوازعنا وتفكيرنا‪،‬‬ ‫وبالتالي ال بد من االجتهاد بطرق مختلفة للوصول إليها‪ ،‬والثانية املدرسة‬ ‫النسباوية التي تعتبر املعرفة نتاج ًا إنسانياً‪-‬اجتماعياً‪ ،‬وتؤمن بأن احلقيقة‬ ‫نسبية وتعتمد على السياق والتاريخ والثقافة‪ .‬وقد وصل هذا اجلدال في‬ ‫العلوم أعلى مستوى له في فترة الستينيات‪ ،‬وبلغ في كثير من املراحل‬ ‫مستوى الصراع احملتدم عبر الكتب واملؤمترات العلمية والدوريات‬ ‫الهدامة‪ ،‬فإن هذا الصراع جاء ليلقي‬ ‫املتخصصة‪ .‬لكن بعكس الصراعات ّ‬


‫أسطورة «الطريقة العلمية» ومفهوم‬ ‫جديد لـ «االكتشافات العلمية»‬

‫وتتلخص أفكار كون في أن من يراجع تاريخ تطور العلوم والثورات‬ ‫العلمية املهمة‪ ،‬يجد أنها حتدث عبر حلقة تتكون من مرحلة «العلوم‬ ‫العادية» ‪-‬يعمل خاللها العلماء ضمن نظرية ما أو إطار فكري معني يقود‬

‫لكن ما يهمني هنا هو طبيعة عمل العلماء في مرحلة «العلوم العادية»‬ ‫حسب تصنيف كون‪ .‬فكيف يختلف عمل العلماء في هذه املرحلة منه عن‬ ‫مرحلة «الثورة العلمية»؟ لنأخذ مثا ً‬ ‫ال عرضه كون في كتابه ويتعلق بنظرية‬ ‫أرسطو في تفسير حركة األجسام‪ .‬يقول كون إن النظرية األرسطية مث ً‬ ‫ال‬ ‫قادت معظم العلوم واملمارسات العلمية من جتارب وأبحاث فيما يتعلق‬ ‫باألجسام املتحركة ملئات السنني وشكلت إطار ًا فكري ًا أو براديغم أطلق عليه‬ ‫كون براديغم أرسطو‪ .‬وكانت الظواهر حسب كون تخضع لهذا البراديغم‬ ‫ولتلك التفسيرات التي تتوافق مع نظرية أرسطو‪ ،‬حتى أن املعضالت التي‬ ‫كانت تواجه هذه النظرية كانت إما أن تطوع للبراديغم نفسه باللجوء إلى‬ ‫تفسيرات أو معادالت معينة تفسرها‪ ،‬وإما يتم إهمال املعضلة بالكامل‪.‬‬ ‫فمثالً‪ ،‬يقول كون إن ما أتاح لبراديغم القوة الدافعة ‪-‬وهي نظرية منافسة‬ ‫لنظرية أرسطو حول حركة األجسام‪ -‬أن ينمو وسط براديغم أرسطو هو‬ ‫تراكم املعضالت في هذا البراديغم األخير‪ .‬فإذا كانت األجسام حسب‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫الفكرة األساسية التي جاء بها ثوماس كون هي أن العلوم ‪-‬كسائر احلقول‬ ‫املعرفية األخرى‪ -‬تقاد بالنوازع الشخصية‪ ،‬واأليديولوجيا الفكرية‬ ‫والسياسية‪ ،‬واألمناط الفكرية‪ ،‬واالنتماءات العلمية للعلماء‪ ،‬وبالتالي‬ ‫فإن فكرة أن العلوم هي موضوعية‪ ،‬وأنها تعتمد على الطريقة أو املنهج‬ ‫العلمي للتوصل إلى احلقيقة‪ ،‬أصبحت من وجهة نظر كون فكرة مشكك ًا‬ ‫فيها‪ .‬ورمبا لم تكن أفكار كون بحديثة‪ ،‬فقد حتدث بيرس عن ذاتانية‬ ‫العلوم رد ًا على بيكون الذي كان يؤمن بأن العلوم تعتمد على املشاهدة‬ ‫املوضوعية البريئة‪ ،‬وهي بالتالي خالية من أية حتيزات‪ .‬لكن ما مييز أفكار‬ ‫كون أنها اعتمدت على تاريخ العلوم وعلى سوسيولوجيا إنتاج املعرفة‬ ‫عبر التاريخ‪ ،‬حيث عرض كون تاريخ تطور بعض النظريات التي تعتبر‬ ‫من أهم النظريات التي أثّرت على تفكيرنا وعلى أمناط حياتنا‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫نظرية مركزية الشمس مقابل األرض‪ ،‬النظرية اجلزيئية مقابل نظرية‬ ‫الفلوجستون‪ ،‬ونظرية القوى املؤثرة على اجلسم مقابل النظرية األرسطية‬ ‫في القوى الكامنة داخل األجسام‪ ،‬وأخير ًا نظرية ا��لشعة السينية ونظريات‬ ‫الكهرباء‪ .‬فمن خالل هذه األمثلة‪ ،‬استطاع كون أن يعطي معاني جديدة‬ ‫ملفاهيم وأدوار كانت وما زالت سائدة منذ عصرنا هذا؛ مثل مفهوم‬ ‫«االكتشافات العلمية»‪ ،‬ودور «الصدفة»‪ ،‬و»حل املشكالت» في العلوم‪،‬‬ ‫ومفهوم «املعضالت» وآلية التعامل معها من قبل العلماء في سياقات‬ ‫مختلفة‪ ،‬ومفهوم «الطريقة العلمية» ودورها‪ ،‬وطبيعة النظرية مقابل‬ ‫القانون‪ ،‬ودور «املجمع العلمي»‪ ،‬ومفهوم «االستقصاء»‪ ،‬وغيرها‪.‬‬

‫وما مييز البراديغمات املتنافسة ‪-‬حسب كون‪ -‬أنه ال يوجد بينها لغة تفاهم‬ ‫عرفه كون‬ ‫مشتركة‪ ،‬وبالتالي يستحيل مقارنة براديغم معني بآخر‪ ،‬وهو ما ّ‬ ‫بـ الالقياسية‪ .‬وهنا يتجلى مصطلح «الثورية» لدى كون‪ ،‬فالعلوم بطبيعتها‬ ‫ثورية وليست تراكمية كما كان ينظر لها نظيره بوبر؛ فالثورة العلمية لدى‬ ‫كون أشبه ما تكون بالثورة العسكرية أو االنقالب السياسي في الدولة؛‬ ‫مبعنى أن لكل نظام أحكامه ومفاهيمه وقوانينه ومنهجياته التي تقود عمله‪.‬‬ ‫إال أن التحول الثوري في املعرفة العلمية وعملية ظهور براديغم جديد‪،‬‬ ‫إمنا ينطوي في داخلة ذلك اجلانب السيكولوجي للعالِم‪ ،‬وهو جانب‬ ‫يدعي كون أنه يحصل للعالِم أثناء التفكير العميق بتزامن تراكم معضالت‬ ‫في النظرية السابقة‪ .‬فالتحول هنا عند كون أشبه ما يكون بتحول ديني‪،‬‬ ‫األمر الذي أثار سخط العلماء الذين كانوا يؤمنون بأن العلوم واملمارسة‬ ‫العلمية هما أبعد ما تكونان عن الدين‪ .‬وكان أكثر الساخطني على كون‬ ‫فالسفة العلوم أصحاب املنهج الوضعي‪ ،‬الذين كرسوا حياتهم في وضع‬ ‫حدود وفواصل ُتعرف املمارسات العلمية عن املمارسات امليتافيزيقية مثل‬ ‫التنجيم‪ ،‬فكيف يأتي شخص مثل كون ليدعي أن التحوالت العلمية‬ ‫الشهيرة التي ساهمت في تطور البشرية‪ ،‬ما هي إال حتول ديني؟‬

‫‪17‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫الضوء على طبيعة العلوم وطبيعة إنتاج املعرفة العلمية داخل مختبرات‬ ‫العلوم‪ ،‬وطبيعة عمل العلماء في ميادينهم املختلفة‪ .‬وال بد لي هنا من‬ ‫أن أبدأ بأفكار الفيلسوف “النسباوي” ثوماس كون‪ ،‬وبخاصة تلك التي‬ ‫جاءت في كتابه بنية الثورات العلمية ‪ 1‬العام ‪ ،1962‬والتي كانت مبثابة‬ ‫ضربة موجعة ألصحاب الفكر واملنهج الواقعي‪ ،‬وعلى رأسهم الفيلسوف‬ ‫كارل بوبر‪.‬‬

‫معظم ممارسات العلماء أو ما يعرف حسب كون بـ»البراديغم»‪ -‬ويتبعها‬ ‫فترة «العلوم غير العادية» التي يحدث خاللها ثورة أو انقالب على النظرية‬ ‫السائدة‪ ،‬سببها تراكم املعضالت (أو ظاهرة عدم التوقع حسب ترجمات‬ ‫أخرى) داخل البراديغم السائد‪ ،‬وتتجمع النتائج التجريبية التي تناقض‬ ‫النظرية‪ ،‬وهنا يصاب البراديغم السائد بنكسة في التفكير العلمي‪ ،‬األمر‬ ‫الذي يولد نواة لنظرية جديدة أو براديغم جديد‪ ،‬يقود العمل في العلوم‪.‬‬ ‫ويستمر البراديغم اجلديد في التنامي‪ ،‬ويجمع املؤيدين له من العلماء‪،‬‬ ‫إلى أن يصل مرحلة عمرية يعمل خاللها العلماء من جديد ضمن مرحلة‬ ‫«علوم عادية»‪ ،‬وهكذا تستمر احللقة‪ .‬ويدعي كون أن الثورة العلمية التي‬ ‫حتدث بعد فترة «العلوم العادية» هي حتول غير مرئي يحدث فجأة على‬ ‫نظرة العالِم إلى العا َلم‪ ،‬أو الظاهرة متام ًا كالتحول اجلشتالطي في علم‬ ‫النفس‪ .‬ويدعم كون أقواله بأمثلة من تاريخ العلوم‪ ،‬أهمها ما جاء في‬ ‫كتابه الثورة الكبرنيكية‪ 2،‬الذي يعرض فيه السياق التاريخي واالجتماعي‬ ‫والسياسي‪ ،‬مبا فيه النزعات الشخصية واملعتقدات الدينية لتطور نظرية‬ ‫كبرنيكوس املتعلقة مبركزية الشمس بد ً‬ ‫ال من األرض حسب النظرية‬ ‫األرسطية السابقة‪.‬‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪18‬‬

‫النظرية األرسطية تتحرك لهدف طبيعي؛ أي أن األجسام تتحرك لسبب‬ ‫ما إرادي وتلبية ملتطلبات الطبيعة بهدف الوصول إلى أماكنها الطبيعية‪،‬‬ ‫فكيف ميكن تفسير حركة املقذوفات مثل الرمح الذي ينطلق إلى أعلى‬ ‫بعد إزالة القوة عنه؟ وكيف ميكن تفسير حركة األجسام املتأرجحة؟ أسئلة‬ ‫كانت تطرح يومي ًا وتشكل تهديد ًا لبراديغم أرسطو‪ .‬في فترة ما‪ ،‬كان‬ ‫باستطاعة أصحاب املدرسة األرسطية أن يخضعوا املعضالت لقوانينهم‪.‬‬ ‫فمثالً‪ ،‬استطاع أتباع فكر أرسطو أن يفسروا ظاهرة املقذوفات بوجود فراغ‬ ‫حول السهم أو الرمح املقذوف يتولد بفعل أداة القذف قبل اإلطالق‪ .‬ومبا‬ ‫أن الفراغ ظاهرة غير طبيعية بناء على مبادئ النظرية األرسطية‪ ،‬فإن الهواء‬ ‫يسارع في تعبئة الفراغ خلف الرمح‪ ،‬ما يدفع الرمح إلى االستمرار في‬ ‫االرتفاع حتى انتهاء جميع الفراغ املتولد خلفه‪ ،‬وعندها فقط يعاود الرمح‬ ‫إلى النزول نحو مبتغاه؛ أي إلى األرض‪ .‬لكن ومع تراكم املعضالت‪ ،‬لم‬ ‫يستطع براديغم أرسطو من الصمود‪ ،‬ما أدى إلى تولد براديغم مناهض‬ ‫مببادئ مختلفة وبنظره إلى الظاهرة نفسها بإطار نظري مختلف‪.‬‬ ‫من خالل املثال السابق لبراديغم أرسطو‪ ،‬استطاع كون أن يظهر خصائص‬ ‫عمل العلماء ضمن البراديغم الواحد في إطار مرحلة «العلوم العادية»‪.‬‬ ‫أحاج أو مشاكل‬ ‫يقول كون إن عمل العلماء في هذه املرحلة ليس إال حل‬ ‫ٍ‬ ‫عبر خطوات عرفها العلماء بخطوات املنهج العلمي‪ .‬ويضيف كون أن‬ ‫عملية حل أحجية أو مشكلة علمية ما بحاجة إلى توفر مصادر تتألف من‬ ‫‪3‬‬ ‫«شبكة قوية من االلتزامات – الفكرية‪ ،‬والنظرية واألداتية‪ ،‬واملنهجية»‪.‬‬ ‫لذلك‪ ،‬تعتبر عملية حل األحاجي واملشاكل ضمن مرحلة العلوم العادية‬ ‫هي عملية مضللة على حد قول كون‪ .‬فاملعضالت التي ال تتوافق مع‬ ‫االلتزامات النظرية؛ إما أن تطوع للنظرية أو البراديغم (مثل ظاهرة‬ ‫املقذوفات في نظرية أرسطو) وإما تهمل متاماً‪ .‬ليس ذلك فحسب‪ ،‬بل إن‬ ‫العلماء ضمن االحتاد العلمي اخلاص بالبراديغم الواحد يدربون العلماء‬ ‫الواعدين (الطلبة في اجلامعات مثالً) على تقديس االلتزامات الفكرية‬ ‫والنظرية السابقة‪ ،‬ويورثونهم االلتزامات األداتية واملنهجية‪ ،‬التي تتمثل‬ ‫بطرق استقصاء ممنهج‪ ،‬ووصفات لعمل التجارب واألدوات املستخدمة‪.‬‬ ‫أما أولئك الذين رأوا في املعضالت املتراكمة للبراديغم السائد أسباب ًا‬ ‫يواجهون باالنتقادات‬ ‫النهياره كانوا يعملون في اخلفاء‪ ،‬وكثير ًا وما كانوا َ‬ ‫العنيفة خلروجهم عن األعراف السائدة في البراديغم‪.‬‬ ‫وإذا كانت طبيعة العمل في مرحلة «العلوم العادية» غير مجدية‪ ،‬فإن كون‬ ‫يرى عكس ذلك متام ًا في مرحلة الثورة العلمية‪ .‬إن التحول الذي يحدث‬ ‫على البراديغم نتيجة تراكم املعضالت التجريبية له طابع مختلف متام ًا عن‬ ‫مرحلة العلوم العادية‪ ،‬يتخلى فيه العالم (بخياره احلر) عن االلتزامات‬ ‫الفكرية والطرائقية املنهجية للبراديغم السائد ليتبنى تدريجي ًا التزام ًا فكري ًا‬ ‫ومنهجي ًا جديداً‪ .‬وبني هذا وذاك تتدخل أمور ذاتانية للعالِم لها طابع‬ ‫شخصي‪ ،‬وترتبط بالقيم واملثل العليا واحلدس واإلميان بالشيء وغيرها‬ ‫من األمور السيكولوجية املعقدة غير قابلة للقياس‪ .‬يقول كون إن العالِم‬ ‫في هذه املرحلة يضع قيم ًا ومث ً‬ ‫ال عليا شخصية حتت املقارنة ‪ -‬مثل مقولة‬ ‫«من يتردد يخسر» مقابل مقولة «تأنى وانظر جيد ًا قبل أن تقفز» ‪...‬‬ ‫وغيرها من املثل العليا للشخص‪ .‬فالقيم املشتركة التقليدية التي كانت‬ ‫تقود املتحد العلمي ضمن عمله في مرحلة العلوم العادية مثل الدقة‪،‬‬ ‫والثبات‪ ،‬واملوضوعية عبر الطريقة العلمية‪ ،‬ومدى الشمولية في النتائج‬ ‫العلمية هي معايير غير مثمرة في هذه املرحلة‪ ،‬وبخاصة عندما تتراكم‬

‫املعضالت فيها‪ ،‬بل محيرة‪ ،‬حيث ميكن ألي اثنني من العلماء أن يتبنيا‬ ‫مثل هذه القيم املشتركة‪ ،‬ويخرج كل منهما بخيارات مختلفة‪ .‬فعندما‬ ‫يأتي األمر إلى اختيار براديغم من بني براديغمات أخرى‪ ،‬فإن هذه املعايير‬ ‫تفشل متام ًا في املساعدة على االختيار‪.‬‬ ‫ويفصل كون طابع مرحلة «الثورة العلمية»‪ ،‬ويقول إنها عملية اختيار‬ ‫ّ‬ ‫العالِم نظرية ما مقابل أخرى منافسة‪ ،‬حتدث عندما يكون هناك نوع من‬ ‫االتصال بني النظريتني املتنافسني؛ مثل مراجعة ورقة بحثية منشورة لها‬ ‫عالقة بالنظرية املنافسة‪ ،‬وزيارة مختبر العالم املنافس‪ ،‬ومشاهدتهم‬ ‫ومحاولة إعادة التجربة التي قاموا بها للحصول على نتائج مشابهة أو‬ ‫فحص النتائج‪ ،‬والتواصل عبر املؤمترات املختلفة‪ ،‬وغيرها من األساليب‬ ‫التي يتم فيها االحتكاك بني أصحاب النظريات املتنافسة بهدف تطويع‬ ‫املشاهدات كل حسب نظريته‪ .‬وعلى الرغم من عملية التواصل هذه‪ ،‬فإن‬ ‫اللغة واملصطلحات بني التيارات املتنافسة حتمل معاني ووظائف مختلفة‬ ‫بحسب العالِم وانتمائه البراديغماتي‪ .‬فمصطلحات مثل «النجوم»‪،‬‬ ‫«الكواكب»‪« ،‬املخلوط»‪« ،‬املركبات»‪ ،‬لها تفسيرات وتأويالت وفهم‬ ‫مختلف بني النظريات املتنافسة‪ .‬وعندما يحاول عالم من براديغم معني‬ ‫أن يجرب املفاهيم واملصطلحات للبراديغم اآلخر‪ ،‬يجد نفسه فجأة‬ ‫وبسبب عوامل شخصية غير عقالنية ‪-‬ذاتانية‪ -‬يتحدث لغة اآلخر‪،‬‬ ‫وميارس املصطلحات والقوانني التي تقود النظرية املنافسة‪ ،‬وهنا يحدث‬ ‫االنقالب‪.‬‬ ‫استطاع كون أن يقلب املفاهيم الدوغماتية التي كانت سائدة حول طبيعة‬ ‫العلوم وتطور املعرفة العلمية ووضع عالمات استفهام على كل ما يتعلق‬ ‫باملنهج أو الطريقة العلمية واالكتشافات العلمية‪ ،‬وشكك في املوضوعية‬ ‫التي كان يعتقد أن العلماء كانوا ميارسونها‪ .‬ولنفهم ذلك بشكل عملي‪،‬‬ ‫دعنا نأخذ مثا ً‬ ‫ال آخر من تاريخ العلوم متعلق ًا بالكيمياء جلأ إليه كون إلثبات‬ ‫أفكاره حول العلوم‪.‬‬ ‫يخصص كون وحدة خاصة في كتابة بنية الثورات العلمية يتعلق بتعبير‬ ‫«االكتشافات العلمية»‪ .‬ويختار كون وقائع من التاريخ حدثت فيها ما‬ ‫يسمى باكتشافات علمية‪ ،‬وهي واقعة اكتشاف األكسجني‪ .‬يبدأ كون‬ ‫نقاشه في هذا املوضوع بطرح السؤال التالي‪« :‬ترى من الذي اكتشف‬ ‫األكسجني فعالً‪ :‬هل هو البريطاني جوزيف بيرستلي (‪)1804-1733‬‬


‫أم الفرنسي انتويني الفوازييه (‪)1794 - 1743‬؟»‪ .‬وينبع تساؤل كون‬ ‫هذا من االختالط السائد في الكتب حول الشخصية التي «اكتشفت»‬ ‫األكسجني‪ ،‬فمعظمها ينسب هذا االكتشاف إلى بيرستلي العام ‪،1774‬‬ ‫والقليل ينسبه إلى الفوازييه العام ‪ .1775‬وأي ًا كان املكتشف‪ ،‬فقد كان‬ ‫من السائد أن تنسب االكتشافات العلمية إلى شخص ما‪ ،‬وتقرن بفترة‬ ‫زمنية محددة‪ .‬لكن إذا درسنا التاريخ‪ ،‬والسياق الذي كان يعمل به علماء‬ ‫الكيمياء في تلك الفترة‪ ،‬ميكن أن نحدد اإلجابة مبعايير مختلفة كلياً‪.‬‬ ‫يقول كون إن البراديغمات السائدة في الكيمياء في تلك الفترة التي‬ ‫كانت تقود عمل علماء الكيمياء هي براديغمات النظرية الفلوجستية‪.‬‬ ‫وكانت التجارب املخبرية تشير إلى خروج غاز «الفلوجستون» عند‬ ‫حرق بعض املركبات الكيميائية‪ ،‬وهو غاز ال يساعد على االشتعال أو‬ ‫على التنفس‪ .‬وكان بيرستلي من بني أولئك العلماء الذين كانوا يعملون‬ ‫ضمن براديغمات الفلوجستون‪ .‬فما كان يشاهده ويستدل به من هذا‬ ‫الغاز املجمع في األنبوب هو الفلوجستون‪ ،‬ألنه يطفئ الشمعة املضاءة‬ ‫في اإلناء الذي مت جتميع الغاز فيه‪ ،‬كما أنه يقتل الفأر الذي كان يوضع‬ ‫في هذا اإلناء‪.‬‬

‫هنا نرى أن كون يعطي «االكتشاف العلمي» مفهوم ًا جديداً‪ ،‬فهو ليس‬ ‫ال فردي ًا متمث ً‬ ‫عم ً‬ ‫ال بشخص وزمن ومشاهدة بالصدفة‪ ،‬بل ال بد من توفر‬ ‫حالة وعي أو «إدراك أن شيئ ًا ما موجود ًا ومعرفة ماهية هذا الشيء على‬ ‫السواء»‪ 5.‬إن هذا اإلدراك املعرفي الناجت في معظم األحيان عن وجود‬ ‫معضالت وحاالت عدم التوقع في النموذج الفكري السابق‪ ،‬يتطلب‬ ‫وقت ًا طويالً‪ .‬فهل االكتشاف اجلديد إذ ًا مرهون بتغيير في البراديغم؟ ال‬ ‫بد لكي جنيب عن هذا السؤال أن ندرك الفرق بني النظرية والبراديغم‪:‬‬ ‫إن تبني الشخص نظرية ما يعني إدراكه املعرفي بهذه النظرية‪ ،‬لكن تبني‬ ‫الشخص لبراديغم جديد هو أشمل وأعقد من ذلك بكثير‪ ،‬ويشمل تغيير ًا‬ ‫في املمارسة العلمية وطرائق إجراء التجارب؛ أي النظر إلى النهج بطريقة‬ ‫أخرى أيضاً‪ .‬يقول كون «إن قرار استخدام جهاز معني من األجهزة‬ ‫بطريقة خاصة يحمل معه افتراض ًا بأن أنواع ًا معينة من الظروف من دون‬ ‫سواها سوف تظهر»‪ .6‬لنرجع إلى مثال األكسجني‪ .‬يقول كون أن كل من‬ ‫بريستلي والفوازييه كانا يستعمالن جتارب «روتينية» لقياس كمية الهواء‬ ‫وجودته والتزامهما بطريقة إجراء التجربة هذه «كانت التزام ًا في الوقت‬ ‫‪7‬‬ ‫نفسه بفكرة عدم وجود غازات ذات سلوك كسلوك األكسجني»‪.‬‬ ‫وهنا استطاع كون أن يقلب املفاهيم املتعلقة باالكتشاف العلمي‪ ،‬على‬ ‫األقل معظمها‪ ،‬التي ما زلنا نعلمها في مدارسنا حتى يومنا هذا‪ .‬ميكن‬ ‫أن أخلص الفرق بني املفهوم التقليدي لالكتشاف العلمي واملفهوم املغاير‬ ‫له من وجهة نظر كون في اجلدول التالي‪:‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫لقد أعاد الفوازييه جتارب بيرستلي وعلى مواد أخرى منها أكسيد‬ ‫الكبريت (أو ما يعرف آنذاك بكبريت الكاكلس) وكان الغاز الذي يتم‬

‫ال يشكك كون في أن األكسجني مت اكتشافه ما بني العامني ‪1774‬‬ ‫و‪ ،1777‬أو رمبا بعدهما بقليل‪ ،‬لكن متى بالتحديد؟ ال ميكن أن نعرف‬ ‫ذلك إال إذا درسنا السياق املعقد واألمناط الفكرية أو البراديغمات التي‬ ‫يعمل من خاللها العلماء أمثال الفوازييه وبيرتسلي‪ .‬لقد واجه براديغم‬ ‫الفلوجستون الذي كانت حتكمه نظرية االحتراق عبر الفلوجستون‬ ‫معضالت كثيرة لم يستطع الفوازييه تطويعها أو إهمالها كما فعل زميله‬ ‫بيرستلي‪ .‬فمن خالل األوراق التي أعلن عنها الفوازييه العام ‪،1777‬‬ ‫كان من الواضح أنه بات مقتنع ًا بأن هناك ً‬ ‫خطأ ما في نظرية الفلوجستون‪.‬‬ ‫كانت بداية هذا اإلدراك حسب كون مع بداية العام ‪ .1772‬وكان العمل‬ ‫في األكسجني بالنسبة لالفوازييه مجرد إضافة إلحساسه بخطأ نظرية‬ ‫الفلوجستون السائدة‪ .‬يقول كون‪« :‬إن ذلك الوعي املسبق للصعوبات‬ ‫هو جزء مهم‪ ،‬ساعد الفوازييه ليرى في أصل جتارب العالم بيرستلي‬ ‫غاز ًا لم يقدر بيرستلي على رؤيته بنفسه»‪ 4.‬وهنا يربط كون «االكتشاف‬ ‫العلمي» بعملية إدراك خطأ البراديغم السابق وبداية إدراك فاعلية‬ ‫براديغم جديد يستطيع خالله العالم أن يرى الشيء نفسه بشكل أو‬ ‫منظور مختلف‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ولكي نستطيع حتديد اإلجابة عن سؤال كون‪ ،‬ال بد من دراسة الثقافة‬ ‫واملعتقدات العلمية السائدة في فترة العلماء املعنيني‪ .‬لقد امتازت حقبة‬ ‫بيرستلي باالهتمام مبكونات الهواء‪ ،‬وكانت نظرية الفلوجستون تقود‬ ‫التجارب املخبرية وتقود التفسيرات على حد قول كون‪ .‬وكان بيرستلي‬ ‫مهتم ًا بالغاز الذي يخرج نتيجة حرق أكاسيد الزئبق‪ .‬فالزئبق مادة لزجة‬ ‫ثقيلة يصعب إذابة الغازات فيها‪ .‬وكان التحدي لبيرستلي أن يفاعل الزئبق‬ ‫مع الغاز‪ .‬واستطاع بيرستلي في العام ‪ 1772‬أن يصمم جهاز ًا يستطيع‬ ‫من خالله جمع الغازات فوق الزئبق‪ ،‬وأن يفحص الغازات الناجتة بعد‬ ‫احلرق‪ .‬بالتالي‪ ،‬فإن معظم التجارب واألدوات املصممة كانت «منقادة»‬ ‫بالنظرية الفلوجستية‪ .‬لكن عندما أحرق بيرستلي قطعة من أكسيد الزئبق‬ ‫(كانت تسمى آنذاك زئبق الكاكلس حسب النظرية الفلوجستية)‪ ،‬وفحص‬ ‫الغاز الناجت‪ ،‬وجد أن هذا الغاز يساعد على االحتراق‪ ،‬ويبقي الفأر في‬ ‫اجلرة على قيد احلياة؛ مبعنى أن صفات هذا الغاز املجمع كان متام ًا عكس‬ ‫صفات الفلوجستون‪ .‬من املفروض حسب نظرية الفلوجستون أن يحرق‬ ‫«زئبق الكاكلس» ويخرج الفلوجستون ويبقى الكاكلس راسباً‪ .‬يقول‬ ‫كون إن هذه التجربة شكلت معضلة بالنسبة لبيرستلي وألصحاب نظرية‬ ‫الفلوجستون بشكل عام‪ .‬فهل غير بيرستلي من وجهة نظره بالنسبة لنظرية‬ ‫الفلوجستون؟ اجلواب هو ال‪ ،‬فقد استطاع بيرستلي أن يطوع املشاهدة أو‬ ‫الظاهرة ‪-‬أي الظاهرة املتمثلة باملعضلة‪ -‬إلى نظرية الفلوجستون‪ ،‬وأطلق‬ ‫على الغاز «هواء خال من الفلوجستون»‪ .‬يتساءل كون‪ :‬هل نستطيع أن‬ ‫نعطي حق اكتشاف األكسجني إلى بيرستلي إذاً؟ يقول كون إنه إذا كان‬ ‫اجلواب نعم‪ ،‬فإن احلق هذا يجب أن يعطى إلى جميع أولئك الذين‬ ‫جمعوا هذا الغاز من قبله‪ ،‬وأولهم الكيميائي السويدي األصل كارل‬ ‫سكيل (‪ ،)1786 - 1742‬الذي استطاع أن يعزل هذا الغاز العام ‪،1772‬‬ ‫وأطلق عليه الهواء الناري‪ ،‬ألنه يساعد على االشتعال‪ .‬هل نستطيع أن‬ ‫نعطي احلق إلى أنتويني الفوازييه إذاً؟‬

‫جمعه دائم ًا يشبه صفات الغاز الذي جمعه بيرستلي‪ .‬لكن يقول كون‬ ‫إن الفوازييه كان صاحب مبدأ احلموضة الذي ينص على أن سبب‬ ‫حموضة السوائل هو وجود الفلوجستون ‪-‬بعكس ما هو متعارف عليه‬ ‫اآلن بأن أيون الهيدروجني هو سبب احلموضة‪ -‬وكان الفوازييه يؤمن‬ ‫آنذاك بنظرية السائل احلراري ‪-‬أي أن احلرارة تتكون من سائل يسمى‬ ‫الكالوريك الذي ينتقل من األجسام الساخنة إلى الباردة‪ -‬فجميعها‬ ‫مشتقات لبراديغمات الفلوجستون‪ .‬ملاذا نعطي احلق في اكتشاف‬ ‫األكسجني إلى الفوازييه إذاً؟‬


‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪20‬‬

‫املفاهيم التقليدية‬ ‫لالكتشاف العلمي‬ ‫رؤية الشيء‬

‫املفهوم اجلديد‬ ‫لالكتشاف العلمي‬ ‫إدراك الشيء ومعرفة ماهيته‬ ‫(مشاهدة مرفقة بنظرية)‬

‫سريع‪ ،‬مفاجئ‪ ،‬صدفة‬

‫بطيء‪ ،‬نشاط متراكم من عدم‬ ‫التوقع في البراديغم‬

‫عملية فردية‬ ‫(شخص ‪ +‬زمن)‬

‫أساسه اكتشاف علماء سابقني‪،‬‬ ‫من الصعب حتديد الزمن‪ ،‬يتطلب‬ ‫تغيير ًا في براديغم املتحد العلمي‬

‫مفصول عن الطريقة العلمية‪:‬‬ ‫مبعنى أن الطريقة العلمية تنتج‬ ‫االكتشاف العلمي أو املعرفة‬ ‫العلمية‬

‫مرتبط بالطريقة‪ ،‬فالوعي والتغيير‬ ‫لنمط فكري يتطلب تغيير ًا‬ ‫في الطريقة أيضاً‪ .‬البراديغم‬ ‫السائد يحدد الطريقة والتجارب‬ ‫واألدوات املستخدمة‬

‫ينتج عن حتول أشبه ما يكون‬ ‫ينتج عن ا ّتباع خطوات استقصائية بالتحول السياسي أو الديني الذي‬ ‫– تبدأ باملشاهدة املوضوعية‪،‬‬ ‫هو أبعد ما يكون عن الطريقة‬ ‫ثم فرض الفرضيات‪ ،‬ثم‬ ‫العلمية أو االستقصاء املمنهج‪،‬‬ ‫التفسير‪ ،‬ثم االستنتاج‪ ،‬وبالتالي فاملشاهدة في هذا السياق غير‬ ‫االكتشاف‬ ‫موضوعية؛ أي مثقلة ومنقادة‬ ‫بنظريات البراديغم السائد‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫املعرفة العلمية أثناء الصناعة‪ :‬عندما‬ ‫يتحول االستقصاء اإلمبريقي إلى خيار‬ ‫أحاج بسيطة‬ ‫إذا كان االستقصاء حسب كون ما هو إال طريقة تقنية حلل‬ ‫ٍ‬ ‫ضمن البراديغم الواحد‪ ،‬وهذه الطريقة لم تثمر في ظهور تلك النظريات‬ ‫املهمة التي ساهمت في تغيير مجرى تفكير اإلنسان بالطبيعة والظاهرة‪،‬‬ ‫فما هي العوامل التي ساهمت في ظهور تلك النظريات املهمة؟ حتدث‬ ‫كون عن جانبني مهمني‪ :‬جانب سيكولوجي‪-‬ذهني‪ ،‬وجانب اجتماعي‪،‬‬ ‫وهما جانبان ميتزجان مع بعضهما ليساهما في عملية التحول في رؤية‬ ‫الظاهرة‪ .‬لكن لم يدخل كون إلى آليات عمل اجلانبني بالتفصيل‪ ،‬بل‬ ‫اكتفى بالقول إن القيم العليا للشخص‪ ،‬والنظريات التي يحملها‪ ،‬وقيم‬ ‫املجتمع العلمي الذي ينتمي إليه‪ ،‬وغيرها من الصفات الذاتانية‪ ،‬لها دور‬ ‫كبير وأساسي في الثورات العلمية‪ .‬سوف أتناول فيما يلي ذلك اجلانب‬ ‫االجتماعي‪ ،‬وبخاصة أفكار برونو التور حول العلوم أثناء الصناعة‪،‬‬ ‫وأتناول بعدها اجلانب السيكولوجي‪-‬الذهني في عنوان آخر‪.‬‬ ‫لننظر إلى العلوم من حقل علم اجتماع العلوم‪ ،‬حيث استطاع علماء‬ ‫االجتماع‪ ،‬أمثال وارن هاغستروم والتور‪ ،‬الدخول إلى مجتمع العلماء‬ ‫وأماكن عملهم‪ ،‬ليحللوا العالقات االجتماعية بني املجتمع العلمي‬

‫نفسه وبني االحتادات العلمية األخرى‪ .‬فمثالً‪ ،‬يتحدث هاغستروم‪ 8‬عن‬ ‫أن الدافع الرئيسي الذي يقود العلماء في أبحاثهم هو استحواذ االعتراف‬ ‫من قبل األقران‪ ،‬وأن عمل العالِم ضمن مجموعته ينطوي على عملية‬ ‫توافقية بني مصلحته الشخصية وبني قبوله بني أقرانه ‪-‬فالعلماء في نهاية‬ ‫األمر يتبادلون املعلومات فيما بينهم مقابل االعتراف‪ -‬وبالتالي فإن‬ ‫عمل اجلماعة العلمية هو أكثر بعد ًا عن املعتقد السائد بأنه منقاد مبعايير‬ ‫العقالنية احملضة والنزاهة على حد قول هاغستروم ‪-‬مبعنى العمل من‬ ‫أجل االكتشاف وخدمة اإلنسانية‪ -‬بل إن عملهم منقاد مبعايير اجلماعة‬ ‫العلمية التي ينتمون إليها‪ .‬وهنا نذكر بيير بورديو عندما حتدث عن فئة‬ ‫العلماء كفئة تتبنى أيديولوجيا مهنية‪ ،‬وأن املعرفة بالنسبة لهذه اجلماعة‬ ‫هي الرأسمال الرمزي الذي يتبادلونه من أجل نيل االعتراف االجتماعي‬ ‫‪9‬‬ ‫والسلطة‪.‬‬ ‫لكن أفكار هاغستروم القت انتقادات شديدة من أولئك‬ ‫األنثروبولوجيني الذين عاشوا في مختبرات العلماء وعاصروا‬ ‫تفاصيل حياة عمل العلماء‪ .‬وكان من أهمهم برونو التور الذي‬ ‫عبر في كتابه حياة املختبرات وعملية صناعة احلقائق‪ 10‬عن أن‬ ‫تغيب‬ ‫النظرة إلى عمل العلماء من وجهة نظر هاغستروم وبورديو ّ‬ ‫دور العالِم في املجموعة‪ ،‬وتبسط الفعل االجتماعي في مجتمع‬ ‫‪11‬‬ ‫العلماء بنظريات السيطرة واملصلحة واالعتراف وموازين القوى‪.‬‬ ‫ويعتقد التور أن النظرية املاركسية قد تفيد إلى حد ما في تفسير‬ ‫السلوك االجتماعي للعلماء‪ ،‬إال أن الوسط االجتماعي للمتحدات‬ ‫العلمية والوسط الذي يتحرك فيه العلماء هو أكثر تعقيد ًا من ذلك‪.‬‬ ‫ويتحدث التور عن نقطة ضعف لنظرية بورديو‪ ،‬بحيث أنها تهمل‬ ‫جوانب داخلية ونفسية هي في غاية الدقة والتفصيل‪ ،‬وتؤثر بشكل‬ ‫قوي متام ًا كما تؤثر العوامل اخلارجية ‪-‬مثل االعتراف‪ -‬على حياة‬ ‫عمل العلماء‪ .‬ويدخل التور مصطلح «املصداقية» الذي يتفاعل مع‬ ‫عوامل خارجية وداخلية ليقود عمل العلماء‪ ،‬ويربط عاملي الثقة‬ ‫واالعتبار باملعتقد اخلاص للعالِم‪ ،‬حيث كلما زاد مخزون املصداقية‪،‬‬ ‫زادت قدرة العلماء على االستثمار في السوق العلمية تبع ًا للعرض‬ ‫والطلب‪ ،‬وبالتالي فإن «املصداقية» مفهوم يدل على مخزون‬ ‫استثماري باملفهوم االقتصادي الرأسمالي أيضاً‪ .‬ويضيف التور‬ ‫أن هذا النوع من االستثمار ‪-‬أي مخزون املصداقية‪ -‬مير عبر قنوات‬ ‫مختلفة منها‪ :‬أن يتم االتصال بالعالم من قبل علماء آخرين مبدين‬ ‫اهتمامهم مبوضوعه‪ ،‬أو قبو ً‬ ‫ال لإلدعاءات العلمية التي ينشرها‪ ،‬أو‬ ‫أن يساندوه في مواقفه ويسمعوا ملا يقوله في أوساط اجتماعية مثل‬ ‫املؤمترات واملتحدات العلمية‪ ،‬أو أن يعرضوا عليه موقع ًا أفضل‪ ،‬أو‬ ‫أن يعتمدوا البيانات التي «يصنعها» في مختبره دون التشكيك بها‪،‬‬ ‫وجميعها أمور تتشابك مع بعضها البعض لتحرك حلقة «املصداقية»‬ ‫على حد قول التور‪.‬‬ ‫ويؤكد التور على أن تفاصيل األمور احلياتية داخل املختبرات ال ميكن لها‬ ‫أن تظهر في األوراق العلمية اجلاهزة‪ ،‬وال بد من فتح ما أسماه بـ «الصندوق‬ ‫األسود»؛ أي العيش بني العلماء وإجراء البحوث األنثروبولوجية التي‬ ‫من خاللها يتم الكشف عن حيرة العلماء في اتخاذ قراراتهم‪ ،‬وتنافسهم‬ ‫مع بعضهم البعض‪ ،‬والتناقضات التي كانوا يعيشونها‪ .‬يقول التور‬ ‫مشير ًا إلى شكل ‪« :1‬إذا تناولت هاتني الصورتني‪ -‬صورة املعرفة‬


‫كصندوق أسود وصورة املعرفة بشكلها املكشوف‪ -‬فهما صورتان‬ ‫مختلفتان متام ًا كما هو احلال بالنسبة للصورتني على وجه قطعة نقود‪:‬‬ ‫األولى العلوم أثناء العمل‪ ،‬والثانية العلوم جاهزة‪ .‬يجب أن نتخذ قرار ًا‬ ‫هنا‪ :‬يجب أن ندخل العلوم والتكنولوجيا من خالل باب صناعة العلوم‬ ‫‪21‬‬ ‫وليس من باب العلوم اجلاهزة»‪.‬‬ ‫شكل ‪1‬‬ ‫‪Ready Made Science‬‬

‫‪Science in the Making‬‬

‫مشهد ‪« :1‬يحصل كل من جيم واتسون وفرانسيس كريك على نسخة‬ ‫من الورقة التي كتبها العالم الكيميائي لينوس بولينج‪ ،‬حيث‬ ‫يكشف فيها عن شكل الـ (‪ ،)DNA‬وقام بإحضارها لهما‬ ‫ابن العالِم بولينج واملدعو بيتر‪ :‬يقول واتسون في مذكراته‪:‬‬

‫«يسارع واتسون وكريك بقراءة الورقة وفحص موضع سكر‬ ‫الفوسفات (شكل ‪ )2‬في بنية الـ (‪ ،)DNA‬وما إذا كان كافي ًا ليحمل‬ ‫بنية الـ (‪ )DNA‬بأكملها‪ .‬لكن لدهشتهما‪ ،‬وجدا أن احللقات الثالث‬ ‫املوصوفة في ورقة بولينغ لم تكن حتمل ذرات الهيدروجني التي تربط‬ ‫احللقات بعضها ببعض‪ ،‬فمن دونها تسقط بنية الـ (‪ )DNA‬متاماً‪ .‬إنه‬ ‫خطأ في أساسيات الكيمياء ارتكبه أكبر العلماء في الكيمياء‪ .‬يقول‬ ‫واتسون‪:‬‬

‫مشهد ‪“ :2‬يقوم جيم واتسون بتصوير تشكيالت عدة ألزواج القواعد‬ ‫التي تكون الـ (‪ )DNA‬من كتب مختلفة‪ ،‬ويجرب ترتيب‬ ‫هذه القواعد مع بعضها‪ ،‬وفحص ما إذا كان التماثل يتحقق‬ ‫أم ال‪ .‬وقد اندهش عندما وجد أن األدينني ميكن أن يتحد مع‬ ‫أدينني آخر من سلسلة (‪ )DNA‬أخرى‪ ،‬وكذلك اجلوانني‬ ‫والسايتوسني والثاميني‪ .‬قام واتسون بفحص التماثل وكيف‬ ‫يرتبط سكر الفوسفات في املنتصف‪ .‬يقول واتسون‪:‬‬ ‫«بدأت بفحص التشكيالت في مكتبي‪ ،‬لكن جاءني عالم‬ ‫البلورات األمريكي جيري دونوهو واعترض على فكرة فحص‬ ‫التماثل التي أقوم بها‪ ،‬حيث أن النماذج التي قمت بتصويرها‬ ‫من كتاب «دافيدسون» كانت في رأي دونوهو غير صحيحة‪.‬‬ ‫قلت له إن هناك كتب ًا كثيرة تضع التماثالت لقواعد الـ (‪)DNA‬‬ ‫على شكل اينول (‪ )enol‬متام ًا كما يعرضها كتاب دافيدسون‪ .‬لم‬ ‫يقتنع جيري دونوهو بهذا الكالم‪ ،‬وأضاف أن الكثير من الكتب‬ ‫تضع التمثيالت بشكل فرضي وتفضيلي عن بقية التمثيالت‪،‬‬ ‫لكن هذا ال يعني أنها صحيحة أو مؤكدة‪ .‬كنت أمتنى أن يكون‬ ‫جيري على حق‪ ،‬وأخذت نقده على محمل اجلد ‪ ...‬فهو يعرف‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫«من الواضح أن بيتر كان يخفي شيئ ًا مهم ًا عندما دخل علينا‬ ‫املختبر‪ .‬عندها شعرت بوعكة وأن معدتي تغطس في أحشائي‪،‬‬ ‫هباء‪ .‬لم أستطع الصبر ولم أحتمل التوتر‬ ‫فكل شيء عملناه قد ضاع ً‬ ‫وسألته عن ما يحمل من أخبار‪ ،‬فسارع بيتر بالقول‪« :‬إن منوذج الـ‬ ‫(‪ )DNA‬هو ثالثي إهليجي‪ ،‬وإن جزيء الفوسفات هو في مركز‬ ‫الشكل اإلهليجي ويشكل العمود الفقري لبنية الـ (‪ .”)DNA‬لقد‬ ‫بدا لنا األمر وكأنه مؤامرة‪ ،‬فقد توصلنا إلى هذا النموذج الثالثي‬ ‫العام املاضي‪ ،‬وتخلينا عنه‪ .‬وعندها فكرت كيف أنه لو سمح لنا‬ ‫رئيسنا براغ مبتابعة دراسة هذه البنية لكنا قد توصلنا إلى الشكل‬ ‫النهائي قبل بولينج” (واتسون‪ 1968 :‬في التور‪ ،‬ص‪.)7 :‬‬

‫يؤكد التور من خالل هذا املشهد على آليات دمج السياق باحملتوى‬ ‫العلمي عبر تعابير مثل التوتر‪ ،‬اللعبة‪ ،‬نغمة‪ ،‬تأخير ستة أسابيع‪ ،‬وهي‬ ‫كلمات غير مألوفة في وصف البنية اجلزيئية ملادة ما‪ .‬هذه الكلمات‬ ‫موجودة على األقل في السياق‪ ،‬أي في مرحلة إنتاج املعرفة‪ ،‬لكنها‬ ‫تتالشى حال التحقق من املعرفة عبر القنوات العلمية مثل املؤمترات‬ ‫ومراجعات اخلبراء‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫وأريد في الفقرات التالية أن أعرض جزء ًا مما يعرضه التور في كتابه‬ ‫العلوم أثناء الفعل‪ 13‬الذي من خالله استطاع أن «يفتح الصندوق‬ ‫األسود» املتعلق «باكتشاف» شكل احلمض النووي الـ (‪ )DNA‬من قبل‬ ‫واتسون وكريك‪ .‬سوف أعرض مشاهد منتقاة ومأخوذة من مذكرات‬ ‫واتسون نفسه‪ 14،‬ويعرضها التور ليبرهن وجهة نظره من عملية صناعة‬ ‫املعرفة العلمية‪.‬‬

‫«كان بيتر ابن العالم بولينج متيقن ًا من النتيجة ومن البنية التي‬ ‫أوجدها والده‪ ،‬فكيف يشكك بنتائج عالم الكيمياء بولينج؟ لكن‬ ‫عندما أيدني زميلي كريك في رأيي ودهش لهذا اخلطأ نفسه‪،‬‬ ‫بدأت أتنفس الصعداء من جديد‪ .‬هنا عرفت أننا ما زلنا في اللعبة‪.‬‬ ‫لكن لم يكن كالنا على دراية باخلطوات التي اتبعها العالم بولينج‬ ‫للتوصل إلى بنية الـ (‪ .)DNA‬لو أن طالب في أي كلية في الكيمياء‬ ‫ارتكب اخلطأ نفسه‪ ،‬لكان قد طرد من دائرة الكيمياء في احلال‪.‬‬ ‫حاولنا أن نستقرئ ما إذا كان في ورقة بولينج (براديغمات) ثورية‬ ‫في الكيمياء لم ند ِر عنها‪ ،‬أو أن هناك عالقة جديدة بني األحماض‬ ‫توجد استثنائيا في املركبات الكبيرة‪ ،‬ما جعل بولينج يتوصل إلى ما‬ ‫توصل إليه‪ .‬لكن نغمة الورقة لم يكن فيها أي دليل على أي نظرية‬ ‫كيميائية جديدة ‪ ...‬كنا نعرف أن العالم بولينج سوف يعرف‬ ‫اخلطأ‪ ،‬وسوف يعمل دون توقف حتى يكشف البنية الصحيحة‬ ‫لـ (‪ .)DNA‬أملنا الوحيد هو في زمالئه الكيميائيني‪ -‬نرجو أن‬ ‫يثقوا أكثر من ذي قبل بذكاء بولينج‪ ،‬وأن ال يدخلوا في تفاصيل‬ ‫البنية املقترحة‪ .‬لكن مبا أن الورقة قد مت تقدميها إلى مؤمتر األكادميية‬ ‫العاملي‪ ،‬وأنه مع أواسط آذار‪ ،‬سوف توزع الورقة على جميع‬ ‫أنحاء العالم‪ ،‬فإنه يبقى لدينا مجرد أيام قبل أن يتم الكشف عن‬ ‫اخلطأ‪ .‬في أحسن األحوال معنا ستة أسابيع قبل أن يتعرف بولينغ‬ ‫على الشكل الصحيح لـ (‪( ”)DNA‬واتسون‪ 1968 :‬في التور‪،‬‬ ‫‪ ،1987‬ص‪.)8 :‬‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪22‬‬

‫عن تشكيالت وروابط القواعد وتشكيالت روابط الهيدروجني‬ ‫عليها أكثر من أي عالم كيمياء في العالم‪ ،‬حتى من بولينج نفسه‪،‬‬ ‫خلبرته الطويلة في العمل مع بولينج وفي مختبر كال التكنولوجي‬ ‫في مجال علم تشكيل البلورات‪ .‬لم يراودني أدنى شك بأن هذا‬ ‫الشخص يعرف متام ًا ما يقول‪ ،‬ولم أخبره يفتي بشيء ال يعرف‬ ‫عنه‪ .‬فعدت إلى مكتبي وأنا قلق محاو ً‬ ‫ال أن أتالعب بالتمثيالت‬ ‫لعلي أنقذ قانون التماثل” (واتسون‪ 1968 :‬في التور‪،1987 ،‬‬ ‫ص‪)9-8 :‬‬ ‫يعلق التور على املشهد ويقول‪“ :‬لقد أخرج جيم واتسون احلقائق‬ ‫العلمية مباشرة من الكتب‪ ،‬حيث وفرت له صندوق ًا أسود جمي ً‬ ‫ال ‪-‬‬ ‫أي قانون تشكيالت األينول (انظر تشكيل األينول ‪ 2‬مقابل تشكيل‬ ‫الكيتون حسب جيري دونوهو في شكل ‪ .)3‬لكن كان ال بد لهذا‬ ‫القانون من أن يخضع للتساؤل أو على األقل هذا ما كان يراه جيري‬ ‫يصدق واتسون ما يقوله الكيميائيون في الكتب عن‬ ‫دونوهو‪ .‬فهل‬ ‫ّ‬ ‫حقيقة األينول أم يصدق هذا العالم الذي درس مع بولينج وعمل في‬ ‫مجال اجلزيئات‪ ،‬ولم ِ‬ ‫يفت في أمور غريبة طوال عمله خالل األشهر‬ ‫الستة مع واتسون وكريك؟ نالحظ كيف تختلط أمور مثل االنضباط‪،‬‬ ‫والسيرة الذاتية واحلالة النفسية مع واتسون لكي يتخذ قرار ًا علمياً‪.‬‬ ‫من األفضل لواتسون أن يضحي بقانون “التماثل” بد ً‬ ‫ال من التضحية‬ ‫بنصيحة جيري دونوهو‪ .‬مهما كانت احلقيقة مباشرة‪ ،‬وتساعد في‬ ‫حل اللغز‪ ،‬فال بد من أن يتم التخلي عنها في هذا السياق‪ .‬بالتالي‪،‬‬ ‫فإن الوجه األيسر (في شكل رقم ‪ )1‬يعبر عن القوانني واملبادئ العاملية‬ ‫كحقيقة مطلقة‪ ،‬بينما تصبح في الوجه األمين وجهة نظر‪ ،‬أو محط‬ ‫‪15‬‬ ‫حتقق تعتمد على أمور إنسانية واجتماعية”‪.‬‬ ‫شكل‪ :2‬الفوسفات في خارج احللقة‬

‫شكل ‪ :3‬متثيل الكيتون مقابل متثيل األينول‬

‫‪O‬‬

‫‪OH‬‬

‫متثيل الكيتون‬

‫متثيل األينول‬

‫أردت من املشهدين السابقني أن أوضح ما كان يقصد به التور بالوجه‬ ‫الشاب للمعرفة العلمية وأهمية السياق في حتديد ممارسات العلماء ضمن‬ ‫احتاد علمي معني‪ .‬حاول التور عبر مشاهد مختلفة من التاريخ أن يقارن‬ ‫بني وجهني للعلوم‪ :‬العلوم اجلاهزة والعلوم أثناء «التصنيع»‪ ،‬فاألولى‬ ‫تخفي األدوات واملواد واألحاديث اجلانبية وعالقات القوى واملصداقية‬ ‫في عمل العلماء‪ ،‬وهي تلك التي تظهر في الدوريات والصحف التي‬ ‫تعطي االنطباع بأن العلوم ما هي إال ممارسة موضوعية بحتة‪ .‬ومن خالل‬ ‫سرد تاريخي لقصص حدثت داخل مختبرات العلوم‪ -‬مثل تلك التي‬ ‫تتعلق بنموذج الـ (‪ ،)DNA‬يؤكد التور أن اإلمبريقية املنقادة باالستقصاء‬ ‫والطريقة العلمية املزعومة قلما تقود العمل في فترة األزمات‪ ،‬بل تتحول‬ ‫إلى خيار من بني خيارات أخرى‪ .‬وهنا نتذكر كون عندما حتدث عن‬ ‫تصرف العلماء املنقاد بالنوازع الشخصية واملعتقدات السابقة والقيم في‬ ‫مرحلة “الثورة العلمية”‪ .‬إال أن التور هنا يسلط الضوء على اجلانب‬ ‫االجتماعي‪ ،‬كون العمل العلمي في هذا العصر ال يقتصر على أفراد‬ ‫يعملون وحدهم في مختبرات أسفل بيوتهم‪ ،‬بل جماعة احتاد علمي‬ ‫يعملون مع ًا ضد متحدات أخرى منافسة‪ ،‬وهنا يدخل التور في خطاب‬ ‫األفراد ضمن املتحد العلمي الواحد الذي من خالله نستطيع أن نرى‬ ‫طبيعة العلوم‪ .‬وألول مرة‪ ،‬يظهر التور تفاصيل حياة العلماء وخطابهم‬ ‫وتفاوضهم واإلمياءات املؤسساتية الالواعية‪ ،‬ومشاكلهم مع اآلالت‬ ‫املخبرية‪ ،‬وغيرها من املمارسة اليومية التي على حد قول التور تتفاعل‬ ‫مع صناعة احلقائق والنظريات العلمية‪ .‬وهذا ما مييز أفكار التور عن‬ ‫أفكار كون‪ ،‬حيث يدخل التور في “سيرورة التفسيرات”‪ ،‬بينما ينظر‬ ‫كون إلى عمل العلماء في شريط زمني قصير وجمعي‪ .‬وهنا يربط التور‬ ‫بني “الفرد”؛ أي العالم ضمن املجموعة‪ ،‬وبني سيرورة التفسيرات‬ ‫وصناعة احلقائق‪.‬‬

‫الثورة الذهنية ودورها في الثورة العلمية‬ ‫يبدي معظمنا اإلعجاب باملعرفة العلمية‪ ،‬وبخاصة تلك القوانني‬ ‫والنظريات املهمة في تاريخ اإلنسانية كنظرية كبرنيكوس املتعلقة مبركزية‬ ‫األرض‪ ،‬وقوانني جاليلو ونيوتن‪ ،‬منوذج روذرفورد للذرة‪ ،‬والنظرية‬ ‫النسبية ألينشتاين‪ ،‬والنظرية الضوئية والكهرومغناطيسية وغيرها‪.‬‬ ‫ويأتي هذا اإلعجاب من كون املعرفة العلمية نتاج ًا إبداعي ًا إنساني ًا‬ ‫ذهنياً‪ .‬واتفق متام ًا على أن املعرفة العلمية هي إبداع ذهني‪ ،‬لكن رمبا‬


‫أختلف مع أولئك الذين ينظرون إلى هذا اإلبداع على أنه نتاج أو مخرج‬ ‫كما لو كان املخرج لوحة فنية أو جهاز ًا تكنولوجي ًا ما‪ .‬فاإلبداع يشمل‬ ‫أيض ًا ذلك اجلانب العملياتي من التفكير أثناء سيرورة العمل العلمي‪،‬‬ ‫التي من خاللها مت إنتاج هذه املعرفة العلمية‪ .‬فهل اإلبداع في اجلانب‬ ‫العملياتي هو نتاج تفكير ممنهج عبر مشاهدات إمبريقية منفصلة أم أنه‬ ‫نتاج ثورة «ذهنية» مبعنى االنقالب على منط التفكير املمنهج املتمثل في‬ ‫االستقصاء اإلمبريقي؟ سأحاول اإلجابة عن هذا السؤال في هذا اجلزء‬ ‫عبر دراسة قام بها عالم النفس الذهني كليمنت‪ 16،‬حيث تابع تفكير أحد‬ ‫تالمذة الفيزياء أثناء قيام األخير بحل مسألة في متدد الزنبرك باستخدام‬ ‫بروتوكول التفكير بصوت عال‪.‬‬

‫لتفسير الظاهرة املتمثلة في شكل ‪ .4‬وأثناء احلل كان الطالب يسأل‬ ‫نفسه وبصوت مسموع‪« :‬ملاذا يزداد طول الزنبرك بشكل عام؟ ماذا لو‬ ‫كان شكل الزنبرك مربع ًا لولبي ًا وليس دائرياً»‪ .‬وقام برسم منوذج معدل‬ ‫لذلك على الورق (شكل ‪.)7‬‬

‫‪23‬‬

‫شكل ‪7‬‬

‫شكل ‪4‬‬ ‫شكل ‪8‬‬

‫شكل ‪6‬‬

‫متى حدث اإلبداع في التفكير لدى الطالب؟ حدث تقدم ملحوظ‬ ‫عندما استخدم الطالب منوذج السلك السداسي امللفوف (شكل ‪.)8‬‬ ‫فبعد أن خاض الطالب عراك ًا ذهني ًا ما بني منوذج السلك الرباعي وبني‬ ‫فرضية التقوس‪ ،‬أدرك الطالب أن هناك عام ً‬ ‫ال آخر رمبا يكون السبب‬ ‫وراء شد الزنبركات ومتددها‪ ،‬وهو عامل «الفتل» أو «اللف»‪ .‬إن هذا‬ ‫العامل هو الذي يحافظ على اخلاصية الزنبركية للزنبرك؛ أي هو العامل‬ ‫الذي يجعل زنبرك ًا ما يستطيل أكثر من اآلخر بعد وضع ثقل معني عليه‪.‬‬ ‫يستنتج كليمنت من حوار الطالب مع نفسه أن العراك الذهني الذي‬ ‫خاضه الطالب بني اخلاصية «التقوسية» التي قادت تفكيره وخطوات‬ ‫حل املشكلة بشكلها السابق‪ ،‬وبني عدم قدرته على تفسير الظاهرة في‬ ‫شكل ‪ 4‬أدى إلى نوع من االنطالقة الثورية نحو حل للمشكلة‪ .‬ويلجأ‬ ‫كليمنت إلى حتليل بروتوكوالت تفكير الطالب بصوت عال ليبرهن على‬ ‫أن التحول في تفكير الطالب كان سريع ًا وحلظياً‪ ،‬وكان مرافق ًا حلالة‬ ‫سيكولوجية تعبر عن فرح الطالب بهذا التقدم‪ ،‬ذلك بعد حالة اإلحباط‬ ‫التي تزامنت خالل مرحلة ما قبل االنطالقة‪ ،‬التي كان يفكر فيها الطالب‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫عما يجول في خاطره بصوت‬ ‫طلب من الطالب أن يفكر ويتحدث ّ‬ ‫عال‪ ،‬وهو يجيب عن السؤال التالي‪ :‬أي من الزنبركني في شكل ‪4‬‬ ‫يستطيل أكثر من اآلخر؟ وملاذا؟ وطلب منه أن يفسر اإلجابة باستخدام‬ ‫متثيالت ومناذج توضيحية‪ .‬في البداية كان أول ما فكر به الطالب‬ ‫هو منوذج لسلك معدني قصير ومنحني (انظر الشكل ‪ ،)5‬ليظهر أن‬ ‫التقوس في السلك‪ ،‬الذي يعتمد على معامل التمدد للمادة‪ ،‬هو الذي‬ ‫يرض عن هذا النموذج لعدم تفسيره‬ ‫يجعل الزنبرك ميتد‪ .‬لكنه لم‬ ‫َ‬ ‫الفرق في متدد الزنبركني في شكل ‪ .4‬وسرعان ما رسم منوذج ًا آخر‬ ‫ٍ‬ ‫منحن بشكل متعرج (شكل ‪)6‬‬ ‫ميثل الزنبرك على شكل سلك معدني‬

‫بناء على النموذج املرسوم في شكل ‪ ،7‬وعلى فرضية «التقوس»‪،‬‬ ‫فإنه يفترض أن يستطيل الزنبرك العريض أكثر من الزنبرك الرفيع في‬ ‫شكل ‪ ،4‬لكن في حقيقة األمر يحدث العكس متاماً‪ .‬يقول الطالب‪:‬‬ ‫«ال أستطيع أن افهم ملاذا؟ هل أرفض منوذج السلك املربع؟ هل اللف‬ ‫علي أن أفكر‬ ‫الدائري للزنبرك يختلف عن اللف الرباعي؟ إنها معضلة َّ‬ ‫في حلها»‪ ،‬لكن جميع ما كان يفكر به الطالب حلل املعضلة كان منحصر ًا‬ ‫في إطار فرضية «التقوس»‪ ،‬على أنها السبب الرئيسي وراء استطالة‬ ‫الزنبركات بشكل عام‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫شكل ‪5‬‬


‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪24‬‬

‫من خالل منوذج التقوس السابق‪ .‬وقد عرف كليمنت مرحلة االنطالقة‬ ‫في التفكير بالبصيرة‪ ،‬فهي تشبه التحول اجلشتالطي الذي حتدث عنه‬ ‫كون سابقاً‪ .‬واستطاع كليمنت أيض ًا أن يعرف منوذجني للتفكير الذهني‬ ‫خاضهما الطالب أثناء حل املعضلة‪ ،‬األول منوذج «التفكير النفعي»‬ ‫واملتمثل في تبني الطالب لفرضية «التقوس» كأساس لتمدد الزنبركات‪،‬‬ ‫وهو تفكير حدسي بطبيعته‪ ،‬ومريح أيض ًا حتى لو لبعض الوقت‪ .‬أما‬ ‫النموذج الثاني فهو النموذج التفسيري واملتمثل في تبني الطالب لفرضية‬ ‫«اللف أو الفتل» في املعدن لتفسير الظاهرة‪ .‬ويبدو أن النموذج النفعي‬ ‫هو بناء ذهني إمبريقي‪ ،‬فعبر املشاهدة نستطيع أن نرى «امنغاط» الزنبرك‬ ‫وانثناء أجزائه أثناء وضع الثقل عليه‪ .‬لكن النموذج التفسيري هو منوذج‬ ‫خفي غير مرئي وال يعتمد على اإلمبريقية بشكل مباشر‪ ،‬بل هو أقرب‬ ‫إلى منوذج تخيلي‪ ،‬وال يظهر كجزء من التفكير إال باللجوء إلى تشبيهات‬ ‫مرئية معينة‪ .‬فهل ميكن أن نستنتج أن اإلمبريقية والتفكير اخلطي ال ميكن‬ ‫أن يأتيا بثورة وإبداع فكري؟ ما الفرق بني هذا النوع من التفكير الذي‬ ‫خاضه الطالب في توصله إلى احلل وبني التفكير العادي الذي يقوم به‬ ‫اإلنسان في حل املشكالت اليومية؟‬ ‫إذا عدنا إلى مثال الزنبرك السابق‪ ،‬نستطيع أن نرى أن التفكير املتعلق‬ ‫بالنموذج النفعي؛ أي أثناء استخدام الطالب فرضية التقوس‪ ،‬كان‬ ‫تفكير ًا تقني ًا عبر خطوات مدرجة مسبق ًا في البنية الذهنية للطالب‪.‬‬ ‫ففرضية التقوس كانت حتكم تفكير الطالب وتتحكم في خطوات احلل‪.‬‬ ‫لكن التحول املفاجئ رمبا حصل مبساعدة منوذج السلك السداسي‪،‬‬ ‫الذي استحث تفكير ًا مغاير ًا جنم عنه هدم وإعادة بناء بنية معرفية سابقة‬ ‫عبر عنها الطالب في مناسبات كثيرة‬ ‫بعد مرحلة من اليأس واإلحباط ّ‬ ‫أثناء احلل‪ .‬فهل يحدث هذا لدى العلماء في مرحلة الثورة العلمية التي‬ ‫حتدث عنها كون سابقاً؟ هل ميكن القول إن «العلوم العادية» في عمل‬ ‫العلماء ‪-‬حسب كون‪ -‬تشبه ذلك التفكير النفعي حسب كليمنت؟ هل‬ ‫عملية التفكير اإلبداعي التي تنتج معرفة علمية مهمة تنجم عن عملية‬ ‫حترر من األطر الفكرية السائدة أو البراديغمات التي حتكم طريقة العمل‬ ‫والتفكير؟ أم أن اإلبداع عملية تزاوج بني األطر الفكرية املختلفة ورؤيتها‬ ‫على أنها متشابهة بد ً‬ ‫ال من كونها مختلفة؟‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫مرحلة التخلي عن االستقصاء كالطريقة‬ ‫العلمية – دور اخليال في اإلبداع‬ ‫رمبا قصوت قلي ً‬ ‫ال عن االستقصاء‪ ،‬فهي طريقة عمل في العلوم دخلت‬ ‫صفوفنا حديثاً‪ .‬وأقول ذلك ألننا في أمس احلاجة إلى التفكير باستقصاء‬ ‫يبدأ من احملسوس ويضع محددات بني العلوم وبني امليتافيزيقيا‬ ‫والغيبيات‪ .‬ال بد لنا من أن منتلك الثقافة العلمية والتفكير العلمي الذي‬ ‫يحدد ما إذا كانت ظاهرة علمية ‪-‬كالكسوف مثالً‪ -‬تستحق االختباء‬ ‫في البيوت أم نخرج لنراقبها ونتعلم عنها أكثر؟ لكن هل نستطيع فعل‬ ‫ذلك حقاً؟ هل نستطيع أن نضع محددات متيز بني العلوم واملتافيزيقيا؟‬ ‫رمبا تكون اإلمبريقية ‪-‬فكرة خضوع الظاهرة إلى املشاهدة والتجريب‬ ‫احلسي‪ -‬هي مناسبة لذلك‪ .‬لكن إذا كانت املشاهدة نفسها غير موضوعية‬ ‫ومنقادة بالنظريات السابقة واألطر الفكرية كما حصل مع بيرتسلي‬ ‫والفوازييه –‪-‬كالهما رأى غاز ًا يتصاعد من األنبوب‪ ،‬لكن األول رآه‬ ‫غاز الفلوجستون أما الثاني فرآه أكسجيناً‪ -‬فهل نعتمد على اإلمبريقية في‬

‫حتديد الفرق بني العلوم وامليتافيزيقيا؟ والسؤال األهم‪ ،‬هل االستقصاء‬ ‫والطريقة العلمية هي الكفيلة في حتديد الفرق بني العلوم وامليتافيزيقيا؟‬ ‫أسئلة تبقى مفتوحة‪ ،‬وما زال اجلدل حولها مستمر ًا بني فالسفة العلوم‪.‬‬ ‫وإذا كان كون قد حتدى أولئك الذين حاولوا وضع حدود تفرق بني‬ ‫العلوم والالعلوم مبرهناً‪ ،‬عبر تاريخ تطور النظريات‪ ،‬بأن تلك املعارف‬ ‫العلمية املهمة تطورت عبر طرق تشبه معارف امليتافيزيقيا‪ ،‬فهل يوجد‬ ‫معنى ألن نضع محددات بني العلوم وامليتافيزيقيا أو بني العلوم والفنون‬ ‫أو حتى بينها وبني املعرفة الدينية؟ رمبا حان الوقت لكي ننظر إلى العلوم‬ ‫بشكل مختلف‪ ،‬وأن نطرح أسئلة جديدة‪ .‬فبد ً‬ ‫ال من التفكير في وضع‬ ‫محددات بني العلوم والالعلوم‪ ،‬ملاذا ال نسأل ما الذي يجمع بني العلوم‬ ‫والالعلوم؟ وهل من الضروري أن ننظر إلى األمور ضمن أطر فكرية‬ ‫معينة دون األخرى؟‬ ‫وبد ً‬ ‫ال من أن نفكر من خالل أطر فكرية وبراديغمات‪ ،‬ونعمل من خالل‬ ‫طرق علمية مؤطرة واستقصاء تقني ممنهج‪ ،‬رمبا علينا أن نطلق العنان في‬ ‫صفوفنا إلى تفكير نقدي باملسلمات الفكرية واألطر البراديغماتية‪ ،‬وأن‬ ‫نضيف إلى حلقة االستقصاء التقنية املتبعة عناصر أخرى تشجع على‬ ‫اإلبداع الفكري‪ .‬وقد حاولت من خالل ما سبق أن أعرض مفهوم ًا مغاير ًا‬ ‫لإلبداع في العلوم عن ذلك املفهوم الذي يعبر عن مخرج ما‪ ،‬أو «اكتشاف‬ ‫علمي» كمنتج يربط املعرفة العلمية اجلديدة بشخص وزمن معينني‪ ،‬إلى‬ ‫ذلك املفهوم الذي ينظر إلى املعرفة العلمية على أنه إبداع فكري يشمل‬ ‫التخيل واالختالق وممزوج بالقيم ال��ردية واملعتقدات الثقافية االجتماعية‬ ‫وقيم املتحدات العلمية‪ ،‬واالعتراف ضمن سيرورة العمل في العلوم‬ ‫أثناء الصناعة‪ .‬وحاولت خالل النقاش أن أبني أن نقيض اإلبداع هو‬ ‫العمل ضمن وصفات لطرق ممنهجة مثل خطوات االستقصاء‪ ،‬وحل‬ ‫املشكالت‪ ،‬التي اختزلت حتت عنوان «الطريقة العلمية»‪.‬‬ ‫يتحدث بوهم‪ 17‬عن ضرورة «اللعب باألفكار» في أثناء تدريس العلوم‪.‬‬ ‫فالبراديغم يجعل األفراد يفكرون ويعملون بشكل غير واع‪ ،‬ويأخذون‬ ‫الكثير من األمور املعرفية على أنها مسلمات دون اخلوض في هذه‬ ‫املسلمات من جديد‪ .‬إن العمل ضمن براديغم‪ ،‬يجعل أولئك الذين‬ ‫يعملون بضمنه مرتاحني نوع ًا ما‪ ،‬ألنهم يظنون أن أي معضلة ميكن‬ ‫حلها‪ ،‬متام ًا كما حصل مع الطالب أثناء حل مسألة الزنبرك‪ .‬ونحن‬ ‫في صفوف العلوم نعمل في االستقصاء في أطر فكرية براديغماتية‬ ‫محددة ‪-‬نوجه الطالب مث ً‬ ‫ال إلى رؤية خلية ما عبر املجهر‪ ،‬وبشكل‬ ‫معني‪ ،‬لكي يستنتج شكل اخللية الذي يتوافق مع الشكل العلمي لها‪،‬‬ ‫أو نخطط التجارب بشكل معني لكي جنعل الطالب يستنتج أن مصباحني‬ ‫موضوعني في دائرة كهربائية على التوالي يضيئان بشكل خافت أكثر من‬ ‫تلك املوزعة على دائرة التوازي‪ -‬فجميعها جتارب استقصائية‪ ،‬لكنها‬ ‫تسعى إلى التأكيد على قانون أو مبدأ علمي ما ضمن براديغم معني‪.‬‬ ‫اإلبداع يحصل في أي وقت ‪-‬ليس في الضرورة في مرحلة الثورة العلمية‬ ‫حسب كون‪ -‬لكن شريطة أن يكون هناك لعب حر باألفكار‪ 18.‬ملاذا ننظر‬ ‫إلى العلوم من إطار فكري واحد؟ وملاذا يجب أن نعمل على أساس أن‬ ‫هناك نظرية واحدة صحيحة من تلك النظريات العديدة لتفسير ظاهرة ما؟‬ ‫فهناك مث ً‬ ‫ال معادلة فكرية إبداعية جتمع بني نظريتي شرودجنر وهايسنبرغ‬ ‫في النظرية الكمية‪ ،‬وهناك أيض ًا معادلة رياضية أخرى تربط بني نظريتي‬


‫للطبيعة‪ ،‬وحتتاج إلى معرفة تكاملية ما‪-‬بني‪-‬تخصصية تستحضر في‬ ‫سياق ما من أجل عمل إبداعي يتمثل بإنتاج معرفة علمية معينة‪.‬‬

‫الضوء – النظرية الكمية والنظرية املوجية‪ ،‬حيث ميكن التفكير بالضوء‬ ‫على أنه جزيئات محمولة مبوجات‪.‬‬

‫إن النماذج والتشبيهات التي حتاكي الطبيعة‪ ،‬والتي يقوم بها العلماء‬ ‫من أجل فهم الظواهر وتفسيرها‪ ،‬هي أحد عناصر اإلبداع والتخيل في‬ ‫العلوم‪ ،‬التي تشكل أرضية مشتركة للعلوم والفنون‪ .‬ويؤسس غوته لنظرة‬ ‫تكاملية بني العالِم والفنان‪ ،‬ويقول إن العالِم “يحول الواقع اخلارجي أو‬ ‫الظاهرة عبر انتباه حساس لظالل الظاهرة‪ ،‬وعبر فصل الظاهرة عن‬ ‫الطبيعة‪ ،‬وإعادة بنائها في تلك اللحظة التي يتم خاللها استخالص‬ ‫مميزاتها‪ ،‬وصفاتها‪ ،‬ومزاياها املثيرة‪ ،‬وعبر عملية االستخالص هذه‪،‬‬ ‫يخترعها (أي العالِم) بقيمة أكبر”‪ 19.‬إن عملية االستخالص هذه‪،‬‬ ‫واملتمثلة باحملاكاة وبناء النماذج (مثال منوذج الذرة)‪ ،‬هي عملية تقليد‬

‫وأخيراً‪ ،‬ليس املطلوب في هذه املرحلة التخلي عن االستقصاء‪ ،‬لكن‬ ‫ما هو مطلوب هو إعادة بناء ملفهوم االستقصاء‪ ،‬وطرق العمل به‬ ‫في الصفوف‪ ،‬ليشمل التخيل واحملاكاة‪ .‬املطلوب أيض ًا في صفوف‬ ‫العلوم أن «نلعب باألفكار»‪ ،‬وأن نعلم الطالب التشكيك ومساءلة‬ ‫املسلمات العلمية‪ ،‬فطبيعة العلوم عبر ما سبق هي تخيلية إبداعية تتغير‬ ‫عبر الزمان واملكان‪ .‬املطلوب هو استقصاء نقدي بكل ما حتمله الكلمة‬ ‫من معنى‪.‬‬ ‫أنهي هذه املقالة بإجابة لعاملة اجلينات باربرا مكلينتوك (‪– 1902‬‬ ‫‪ )1992‬عندما سئلت عن العوامل التي قادتها إلى اكتشاف أمناط ترتيب‬ ‫الكروموسومات في نبات الذرة امللون‪ ،‬إذ تقول‪:‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫أريد أن أؤكد على فكرة بوهم حول اللعب احلر بني األفكار والنظريات‪،‬‬ ‫ودور مناذج احملاكاة والتشبيهات في رؤية نظريتني مختلفني في مرحلة معينة‬ ‫على أنهما متالقيتان ومتكاملتان‪ .‬رمبا هنا يكمن التشابه بني عمل كل من‬ ‫العالم املبدع والفنان املبدع‪ :‬فكالهما له القدرة الذهنية على املفاوضة بني‬ ‫النظريات املختلفة التي تبدو من الوهلة األولى أنها متناقضة‪ ،‬وكالهما‬ ‫يستطيع الربط بني النظريات املختلفة ورؤيتها في مرحلة ما مكمالت‬ ‫لبعضها البعض‪ ،‬وميكن جمعها والتكامل بينها في لغة مشتركة‪ ،‬وهذا‬ ‫عكس ّادعاءات كون حول الالقياسية‪ ،‬وأن لكل فكرة أو نظرية لغة خاصة‬ ‫بها‪ .‬فالتفكير اإلبداعي حسب ديسوسور هو ذلك التفكير الذي يتحرر‬ ‫من التقنية احلسابية واالنفتاح نحو ما هو غير متوقع‪.‬‬

‫ومن مبررات تكامل العلوم والفنون هو أن للعلوم في مرحلة اإلبداع جانب ًا‬ ‫جمالي ًا يشبه ذلك في الفنون‪ .‬وهنا يقول جيروم ستولنيتز‪ 20‬إن للجانب‬ ‫اجلمالي أربع حلظات مركزية‪ :‬االهتمام‪ ،‬التفاعل العاطفي‪ ،‬التأمل‪،‬‬ ‫الوعي‪ .‬لنأخذ التفاعل العاطفي مثالً‪ ،‬حيث أنه السياق الذي تفعل فيها‬ ‫األجسام حتت الدراسة فعلها على املستقبِل ‪-‬أي اإلنسان‪ -‬وهو عكس‬ ‫املفهوم السائد في العلوم واملتبع في مدارسنا من عمليات إخضاع اجلسم‬ ‫ويشبه ستولنيتز‬ ‫للفحص واالستكشاف عبر االستقصاء اإلمبريقي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ذلك بردة فعل املستمع للموسيقى‪ ،‬فاملوسيقى تفرض على املستمع‬ ‫حتريك أصابعه أو رجليه مع النغمات‪ ،‬وهذا التفاعل يحث على التأمل‬ ‫ثم الوعي والتقدير لهذا العمل اجلمالي‪ -‬أي الفعل املوسيقي‪ .‬فمرحلة‬ ‫الوعي األخيرة هي حالة محاورة اجلسم أو الظاهرة التي من خاللها تبنى‬ ‫املعرفة‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫«دع األجسام التي تتعامل معها تأخذك إلى املكان الذي تريد الوصول‬ ‫إليه‪ ،‬ودعها تخبرك في كل خطوة ما هي اخلطوة التي تليها‪ ،‬ألن‬ ‫كل خطوة كفيلة في تكوين ترتيب ذهني جديد في عقلك‪ .‬فأنت ال‬ ‫تتبع منط ًا فكري ًا قدمي ًا ألنك مقتنع بأن هناك اجلديد‪ ،‬وبالتالي تركز في‬ ‫عملك على أنه ال بد من أن يكون هناك ما هو جديد‪ .‬أنت ال تستطيع‬ ‫أن تتحكم في ذلك‪ ،‬فاجلسم (حتت الدراسة) والعقل يكمالن بعضهما‬ ‫‪21‬‬ ‫البعض»‪.‬‬ ‫نادر وهبة – مركز القطان‬

‫‪ 1‬كون‪ ،‬ثوماس س‪ .)2007( .‬بنية الثورات العلمية‪ ،‬ت‪ :‬حيدر حاج إسماعيل‪ ،‬بيروت‪ :‬املنظمة العربية للترجمة‪.‬‬ ‫‪Kuhn, Thomas, S. The Copernican revolution (1957). Harvard University Press, Cambridge.‬‬ ‫‪ 3‬كون‪ ،‬ثوماس س‪ .)2007( .‬بنية الثورات العلمية‪ .‬ت‪ :‬حيدر حاج إسماعيل‪ ،‬بيروت‪ :‬املنظمة العربية للترجمة‪ ،‬ص‪.42 :‬‬ ‫‪ 4‬املرجع السابق‪ ،‬ص‪.129 :‬‬ ‫‪ 5‬املرجع السابق‪ ،‬ص‪.128 :‬‬ ‫‪ 6‬املرجع السابق‪ ،‬ص‪.134 :‬‬

‫‪2‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫الهوامش‬


.134 :‫ ص‬،‫ املرجع السابق‬7

9

‫ العدد التاسع والعشرون‬- ‫رؤى تربوية‬

.‫من إحدى فعاليات جمعية الكمنجاتي في جنني‬

26

‫ملف الثقافة العلمية‬

Hagstrom, Warren. The scientific community. Illinois University Press. 1975. Bourdieu, Pierre, et al. Academic discourse (Richard Teese, Trans. 1994). Oxford: Polity. 1965. 10 Latour, Bruno & Woolgar, Steve. Laboratory life: The construction of scientific facts. Princeton University Press. 1986. .‫ املنظمة العربية للترجمة‬:‫ بيروت‬،‫ سعود املولى‬:‫ ت‬،‫ مدخل إلى علم اجتماع العلوم‬.)2008( ‫ ميشيل‬،‫ دوبوا‬11 12 Latour, B. Science in action: How to follow scientists and engineers through society. Cambridge, MA: Harvard University Press. 1987. P: 7. 13 Ibid. 1987 14 Watson, James. The Double Helix: A Personal Account of the Discovery of the Structure of DNA, Atheneum, 1980. 15 Latour, B. Science in action: How to follow scientists and engineers through society. Cambridge, MA: Harvard University Press. 1987.P: 9. 16 Clement, J. Learning via model construction and criticism: Protocol evidence on sources of creativity in science. In Glover, J., Ronning, R., & Reynolds, C. (Ed.), Handbook of creativity: Assessment, theory and research. NY: Plenum, 341-381. 1989 17 Bohm, David & Peat, David. Science, order and creativity. Routledge, 1987. 18 Ibid. 1987. 19 Goethe, in McCarthy, John. Remapping Reality. Chaos and Creativity in Science and Literature. Radopi B. V. New York. 2006: p: 88. 20 Stolnitz, Jerome. The aesthetic attitude: The philosophy of the visual arts. Ed. By Philip Alperson. New York: Oxford University Press, 1992. 21 Keller, Evelyn Fox. A Feeling for the Organism: The Life and Work of Barbara McClintock. In McCarthy, John. Remapping Reality: Chaos and Creativity in Science and Literature. Radopi B. V. New York. 2006: p: 105. 8


‫بيعة ِ‬ ‫ِ‬ ‫في ِ‬ ‫سيا ٌ‬ ‫قل َ‬ ‫ف ْهمِ َ‬ ‫ُ‬ ‫العلمِ‬ ‫ط‬ ‫َّفاعل‬ ‫الت‬ ‫َّ‬ ‫الص ُّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وضوعية امل َ‬ ‫عرفة العلميَّة‬ ‫م‬ ‫و َ‬

‫توجه لتنمية قدرات الطلبة في نقد املعرفة العلمية‬ ‫ومساءلتها وإثارة اجلدل حولها ‪ -‬بحث إجرائي تشاركي‬

‫‪27‬‬

‫أشرف البطران‬

‫ملخص‬

‫وتظهر النتائج أيض ًا وجود حتسن في قدرات الطلبة على استخدام احلجة‬ ‫العلمية في الدفاع عن أفكارهم ونظرياتهم التي تبنوها‪ ،‬في سياق‬ ‫احلوارات والنقاشات العلمية التي جرت خالل التجربة‪.‬‬ ‫وتعرض هذه الورقة في املقابل بعض اإلشكاليات التي واجهتها على مستوى‬ ‫الشراكة في التجربة من جانب‪ ،‬وعلى مستوى املمارسات واملعتقدات التي‬ ‫يحملها الطلبة حول العلوم واملعرفة العلمية من جانب آخر‪ .‬كما خرجت‬ ‫ببعض التوصيات الهادفة إلى تطوير هذه التجربة وتعميمها‪.‬‬

‫إن موضوعية املعرفة العلمية وإمكانية حتقيقها صفي ًا أمر مرهون بالقدرة‬ ‫على توفير بيئة تعلم حقيقية تعزز منهجية التفكير النقدي التساؤلي‪ ،‬أو‬ ‫كما يسميه باولو فريري بتربية إثارة األسئلة؛ أي جعل الطالب يساءل‬ ‫املعرفة ويحاورها ويكشف عن املصالح واأليديولوجيات املنعكسة‬ ‫فيها‪ ,‬وال يكتفي باكتسابها وإيداعها كما هي‪ .‬فاملعرفة تصبح موضوعية‬ ‫كلما استطعنا نقدها ومحاججتها وإثارة اجلدل حولها (قاسم‪:1986 ,‬‬ ‫‪ .)343‬لكن اجلدل في جوهره ومضمونه كما يصفه فيورباخ ليس فع ً‬ ‫ال‬ ‫مونولوجيا‪ ,‬إنه حوار بني األنا واألنت‪ ,‬ويكون قائم ًا على احلجة املنطقية‬ ‫والبرهان املقنع بالتجربة (مجاهد‪ .)12 :1985 ,‬السؤال الذي يفرض‬ ‫نفسه هنا هو‪ :‬ما هي سبل إنتاج احلجة املنطقية املقنعة؟ وما الذي ميكن‬ ‫أن نستفيده من محاورتنا أو مساءلتنا للمعرفة العلمية؟‬ ‫بتقديرنا أن أسلوب احلجاج واجلدال العلمي ال ميكن ضمان فاعليته‬ ‫في إطار الفعل الصفي مبعزل عن سياق النظرة إلى العلوم كعمليات‬ ‫وكطريقة للبحث واالستقصاء والتفكير‪ .‬وهذا يقتضي بالضرورة وجود‬ ‫مناخ تعليمي تعلمي فعال‪ ،‬يتيح للطلبة االنشغال في بناء معارفهم‬ ‫ويسمح لهم بحرية الفكر والفعل (زيتون‪ .)87 :2007 ،‬لقد ترك‬ ‫فكر ما بعد احلداثة أثر ًا واضح ًا على عناصر العملية التعليمية ونظرية‬ ‫التعلم‪ ,‬فلم يعد املعلم مث ً‬ ‫ال مجرد ناقل حملتوى التعلم من املعارف‪ ,‬وال‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ولم تكن هنالك أية افتراضات أو أسئلة قبلية تسبق الشروع في العمل‬ ‫خالل هذا املشروع‪ ,‬لكن مصادر البيانات واملعلومات التي وظفت‬ ‫في هذه التجربة البحثية‪ ،‬التي امتدت من كانون األول ‪ 2007‬وحتى‬ ‫آب ‪ ,2008‬والتي مت فيها االعتماد على انطباعات الطلبة وت��مالتهم‪,‬‬ ‫وكذا احلوارات املسجلة عبر الفيديو خالل اللقاءات التي كانت تعقد‬ ‫بشكل دوري خالل الفترة املذكورة‪ ,‬إضافة إلى مجموعة السير الذاتية‬ ‫تدون خالل املقابالت‬ ‫التي كتبها املشاركون‪ ،‬واملالحظات التي كانت ّ‬ ‫الشخصية التي كانت جترى على هامش لقاءات التجربة ‪ -‬قد مكنتنا‬ ‫من رصد بعض التغيرات اإليجابية على الطلبة‪ ,‬حيث أظهر التحليل‬ ‫احملصلة من املصادر السابقة وجود حتسن ملموس في‬ ‫النوعي للبيانات‬ ‫ّ‬ ‫قدرات الطلبة على مساءلة املعرفة العلمية وجعلها مح ً‬ ‫ال للحوار والنقد‪,‬‬ ‫ورفض البعض اعتبارها مسلمات تعلو على ذلك من جهة‪ ,‬ومن جهة‬ ‫أخرى كشف التحليل عن إدراك املشاركني لنسبية املعرفة وعدم حيادها‬ ‫أو استقاللها عن املصلحة السياسية واالقتصادية‪ ،‬وذلك من خالل‬ ‫انخراطهم معاً‪ ،‬معلمني وطلبة‪ ،‬في أنشطة استقصائية وبحثية مكنتهم‬ ‫من الوصول إلى كثير من املعارف املتناقضة‪ ،‬التي أفضت بهم إلى التمييز‬ ‫بني ما هو حقيقية علمية ورأي علمي‪.‬‬

‫العلوم في طبيعتها منهج بحث وطريقة تفكير أكثر مما هي حشد من‬ ‫املعارف والقوانني والنظريات‪ ,‬فتلك األخيرة هي نتاج املنهج العلمي‬ ‫القائم على عمليات البحث واالستقصاء والتفكير العلمي السليم‪,‬‬ ‫لذلك ينظر إلى العلوم على أنها «مادة وطريقة» (الكاللدة وآخرون‪:‬‬ ‫‪ .)95‬فالعلوم ليست املعلومات فحسب‪ ،‬بل الطريقة التي نتوصل من‬ ‫خاللها إلى تلك املعلومات‪ .‬وملا كان هدف التعليم هو متكني الطلبة من‬ ‫فهم العلوم واملعرفة‪ ,‬فإن ذلك يعني بالضرورة التركيز على العمليات‬ ‫التي تعكس روح هذه املعرفة وطبيعتها وظروف نشأتها (زيتون‪،‬‬ ‫‪ ،)38 :2007‬فاملهم أن نصل بالطلبة إلى معرفة علمية موضوعية ذات‬ ‫معنى تتأطر في سياق عمل بحثي وجتريبي يعكس الطبيعة احلقيقة لها‪,‬‬ ‫وليس فقط الوصول بهم إلى املعرفة ونتائجها كما تظهر في سياق كتب‬ ‫العلوم املدرسية‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫تأتي هذه الورقة البحثية حول موضوعية العلم واملعرفة العلمية نتاج ًا‬ ‫وتتويج ًا ملسيرة العمل ضمن مشروع الثقافة العلمية‪ ,‬الذي أجنز بالتعاون‬ ‫بني مركز القطان للبحث والتطوير التربوي ومجموعة من طلبة الصف‬ ‫العاشر في مدرستي بنات أبو فالح الثانوية والروم األرثوذكس في رام‬ ‫الله‪ ,‬إضافة إلى معلمتني ومعلم‪.‬‬

‫اإلطار النظري‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪28‬‬

‫الطلبة في وضعية التلقي السلبي لها‪ ,‬فاملعرفة في التصور املابعد حداثي‬ ‫هي نتاج عملية تفاوض اجتماعي‪ ,‬مبعنى أنها تبنى وال تكتشف‪ ,‬كما‬ ‫تدعي احلداثة‪ ,‬تبنى من قبل العقل‪ ,‬الذي تبنيه الثقافة السائدة والواقع‬ ‫االجتماعي الذي يتفاعل معه‪ .‬ومهمة التعليم في هذا السياق‪ ،‬دفع‬ ‫الطلبة وحتفيزهم على بناء معرفتهم الذاتية وإنتاجها (راشد‪.)2007 ،‬‬ ‫ولعل االستقصاء العلمي من أهم العمليات التي تساعد الطلبة على‬ ‫تكوين حجج واستدالالت علمية مستقاة من واقع ممارساتهم البحثية‪,‬‬ ‫بناء‬ ‫فهم مبثابة علماء صغار يجمعون بياناتهم ويحللونها ويصوغون ً‬ ‫عليها فرضياتهم‪ ،‬ويطرحون من خاللها حلولهم وحججهم العلمية‬ ‫التي تدعم وجهة نظرهم‪.‬‬ ‫أما الشق الثاني من السؤال‪ ,‬فإن هدف اجلدل العلمي ورسالته األساسية‬ ‫تكمن في نقض القضايا العلمية وإحاطتها بالتساؤالت‪ .‬فالتساؤل هو‬ ‫حجر الزاوية في اجلدل العلمي‪ ,‬كما أن املعرفة العلمية احلقة هي التي‬ ‫تبدأ بسؤال وتنتهي بسؤال‪ .‬فأسئلة العلم األساسية هي دائم ًا على شكل‬ ‫كيف؟ وملاذا؟ وماذا إذاً؟ ولم هو هكذا؟ فظهور السؤال هو مبثابة إعالن‬ ‫مبدئي عن التحام الذات باملوضوع؛ الذات مبا هي عقل وفكر ووجدان‪،‬‬ ‫واملوضوع مبا هو مهجع املعرفة ومربضها‪ .‬لذا‪ ،‬فالطالب عندما يبدأ‬ ‫بالتفكير يجر معه أسئلته ومعارفه ويخلطها بأسئلة ومعارف جديدة‪ ،‬في‬ ‫محاولة منه إلرضاء طموحه املعرفي‪ ،‬يسير في حركة نشطة باجتاه بناء‬ ‫املعنى من خالل التأمل والتفكير النقدي‪.‬‬ ‫وفي هذا السياق‪ ،‬تصبح املعارف مفتوحة لتفسيرات وتأويالت أخرى‪،‬‬ ‫وحتيل إلى معنى أعمق وأكثر تنوعاً‪ ,‬معنى يتشكل ضمن سياق واقعي‬ ‫أصيل قائم على جدل العالقة بني العقل والتجربة‪ ,‬الذات واملوضوع‪.‬‬ ‫فيها (أي األسئلة) ومن خاللها تسقط أبدية املعارف‪ ،‬وينكشف بعدها‬ ‫النسبي (مجاهد‪ .)21 :1985 ،‬فاجلدل الصفي حول املعرفة العلمية‬ ‫مثال جيد للتفكير العلمي‪ ,‬ويجعل من الطلبة عقو ً‬ ‫ال ذاتية السجال‬ ‫دائماً‪ ,‬ال تقبل املكتوب ملجرد أنه مكتوب‪ .‬كما يساهم في تطوير قدرات‬ ‫الطلبة على بناء تفسيرات علمية صحيحة وفهمها‪.‬‬ ‫لقد راكمت مسيرة التطور العلمي معارف كثيرة تغيرت معها فكرة‬ ‫احلقيقة العلمية‪ ,‬ففي الوقت الذي كان يعتقد فيه بأن فيزياء نيوتن هي‬ ‫منتهى العلم ومستقره‪ ،‬جاءت فيزياء أينشتاين لتبتلعها وحتتويها‪ ،‬وتثبت‬ ‫أن ما كان يعد حقائق مطلقة قي حينه ما هي إال حقائق نسبية قابلة للتغيير‬ ‫والتصحيح بشكل مستمر‪ .‬وهذه القابلية للتغير ال تعكس حالة من‬ ‫العجز والنقص في مسيرة العلم‪ ،‬بقدر ما تعكس روح العلم ومرونته‬ ‫وحركته الدؤوبة جتاه تصحيح أوهامه األولى وتبديدها‪ .‬فاحلقائق‬ ‫واملعارف العلمية كبنية ومنظومة تخرج من رحم التصحيحات املستمرة‬ ‫للبناء املعرفي السابق (‪ .)popper, 2000: 254‬لذلك‪ ،‬يرفض‬ ‫العلماء فكرة بلوغ احلقيقة ويقبلون ببعض الشكوك كجزء من الطبيعة‪,‬‬ ‫إن هذا املنطق ال يقتصر على العلم فحسب‪ ,‬بل ينسحب أيض ًا إلى ميدان‬ ‫العمل البيداغوجي‪ ,‬فمن الضروري أن يعرف الطلبة أن نتائج العلوم من‬ ‫املعارف والقوانني هي ليست قطعية أو نهائية‪ ,‬بل تتسم بالثبات النسبي‬ ‫وهي قابلة للطعن واالجنراح مع كل اكتشاف علمي جديد (‪Roland‬‬ ‫‪ .)Omnes, 2002: 322‬فالعلم يشيد بناءات مؤقتة ما يلبث أن يقيم‬ ‫فيها حتى يرحتل عنه متنكر ًا بثوب جديد‪ .‬فهو إذن ال يعترف باملطلق‬

‫والنهائي وال يقبل النزوع نحو الستاتيكية والثبات‪ .‬فكل معرفة أو نظرية‬ ‫علمية هي مقبولة في زمانها ومكانها‪ ،‬وما أن تأتي نظرية جديدة لها قدرة‬ ‫تفسيرية عالية حتى حتتوي القدمية أو تلغيها‪ ،‬بحيث تصبح األخيرة جزء ًا‬ ‫من التاريخ‪ ,‬ال تهم العلم بقدر ما تهم مؤرخ العلم (زكريا‪:1978 ,‬‬ ‫‪.)17‬‬ ‫لذا‪ ،‬ال ينبغي علينا النظر إلى العلم وأفكاره في سياق الفعل البيداغوجي‬ ‫على أنها مسلمات ال تقبل النقاش واملساءلة‪ ،‬أو أن نرتقي بها إلى‬ ‫مرتبة اإلجالل الديني‪ ,‬فاملعرفة العلمية تبنى في إطار صيرورة جدلية‬ ‫ال نهائية بني العقل والتجربة‪ ,‬وبالتالي فهي قابلة إلعادة بناء نفسها في‬ ‫كل حلظة من خالل إثبات خطأ املعارف التي مت بناؤها سابقاً‪ ,‬فتاريخ‬ ‫العلم هو تاريخ أخطائه واملعرفة فيه هي دوم ًا تصحيح لوهم (‪Gaston‬‬ ‫‪.)Bashlar, 2006: 195‬‬ ‫ويضيف باشالر في كتاب تكوين العقل العلمي «تبنى املعرفة على‬ ‫أنقاض معرفة أخرى»‪ .‬ولعله يقصد بذلك ضرورة األخذ بعني‬ ‫االعتبار املعارف السابقة لدى الطلبة‪ ،‬واالنطالق منها نحو بناء‬ ‫معارف جديدة‪ ,‬فالطالب ال يقابل معارفه املدرسية بعقل أبيض‬ ‫خال من أية نقوش معرفية سابقة‪ ،‬بل يحمل معه ضمن منظومته‬ ‫الفكرية مجموعة من املعتقدات والتصورات اخلاطئة أو املضطربة‬ ‫إزاء املعرفة العلمية‪ .‬فاجلدل العلمي ميثل منوذج ًا جيد ًا للكشف عن‬ ‫تلك املعتقدات والتصورات‪ .‬وفي سياق املناقشات النقدية للمعرفة‬ ‫املدرسية‪ ،‬تتم معاجلتها وتصحيحها‪ ,‬األمر الذي يفضي بالنهاية‬ ‫إلى تكوين معارف جديدة أكثر اتساق ًا ورزانة‪ .‬فاملعرفة العلمية كما‬ ‫يقول بوبر تنمو بفعل تصحيح معارفنا السابقة التي ثبت فشلها‪ ،‬أو‬ ‫عدم دقتها‪ .‬لذا‪ ،‬يقترح تعريض مخرجات العلم من معارف وقوانني‬ ‫ونظريات علمية إلى أعنف نقد ممكن من قبل جمهور العلماء لتحديد‬ ‫مدى دقتها وموضوعيتها قبل عبورها النسق العلمي كمعارف موثوقة‪.‬‬ ‫فموضوعية املعرفة العلمية ال تتحقق إال مبصادقة أكبر عدد من العقول‬ ‫عليها‪ .‬وهذا ينطبق على موضوعية املعرفة املدرسية‪ ,‬ففي إطار هذه‬ ‫الرؤية‪ ،‬ينبغي تقدمي املعرفة مدرسي ًا ضمن سياقات تتيح للطلبة‬ ‫فرصة إجراء اختبارات وجتارب عليها‪ ,‬وإبراز نقائضها التي تدحضها‬ ‫وتكذبها‪ ,‬فما مييز املعرفة العلمية عن غيرها من املعارف هو معيار‬ ‫قابليتها للتكذيب (‪ ،)popper, 1997: 120-122‬ليس تكذيبها‬ ‫مبعنى إبطالها‪ ,‬بل زيادة املعرفة فيها‪ .‬فاملعرفة العلمية احلقة هي تلك‬ ‫التي تصمد أمام امتحان التجربة واختبار التكذيب‪ ،‬ومبقدار صمودها‬ ‫تكتسب قيمتها العلمية‪ ،‬وهذه هي طبيعة العلم‪ ,‬فالعلم ال يسعى وراء‬ ‫اإلجابات القطعية والنهائية‪ ،‬وال يهتم بقيمة األشياء بقدر ما يهتم‬ ‫بتفسيرها وكشف حركتها الدينامية‪ ,‬من أجل تقدمي صورة أكثر دقة‬ ‫وموضوعية عن العالم الذي نعيش‪ ,‬وليكون أكثر قابلية للفهم‪.‬‬

‫املشاركون في البحث‬ ‫أجنز هذا البحث التشاركي بالتعاون بني مركز القطان للبحث والتطوير‬ ‫التربوي‪ ،‬وطلبة الصف العاشر في مدرستي بنات أبو فالح الثانوية‬ ‫والروم األرثوذكس‪ ،‬وكان من األولى ‪ 9‬طالبات هن‪ :‬عزيزة موسى‪،‬‬ ‫تهاني عيسى العمري‪ ،‬روان عبد الكرمي أبو عيدة‪ ،‬رنال محمد‪ ،‬نسرين‬


‫فهيم‪ ،‬كفى حسن شومان‪ ،‬لينا هارون شومان‪ ،‬أفنان نسيم‪ ،‬دعاء إياد‪،‬‬ ‫ومن الثانية ‪ 4‬طالب هم‪ :‬معاذ صالح‪ ،‬عيس رجا خورية‪ ،‬عمر شكري‬ ‫اخلطيب‪ ،‬مجدي محمود‪.‬‬ ‫وقد اشترك في هذه التجربة أيض ًا كل من املعلمة عالية أبو لنب من مدرسة‬ ‫بنات أبو فالح ورندة غنيم من مدرسة الكلية األهلية‪ .‬وقد أجريت‬ ‫بالتعاون مع الباحث عواد شرف وهو محاضر في جامعة القدس‪ ،‬ومن‬ ‫املهتمني بالعمل البحثي السيما في املجال البيئي‪ ،‬حيث شارك الباحث‬ ‫في العديد من املؤمترات العلمية احمللية والدولية‪.‬‬

‫هدف البحث وأدواته‬

‫< تأصيل عادة البحث واالستقصاء العلمي لدى املشاركني بشكل يضمن‬ ‫لهم الوصول إلى معرفة موضوعية‪.‬‬ ‫< دفع املشاركني نحو نقد املعرفة العلمية ومساءلتها‪ ،‬والكشف عن‬ ‫املصالح واأليديولوجيات التي تقف وراءها‪.‬‬ ‫< تنمية قدرات املشاركني في استخدام اجلدل وأسلوب احلوار العلمي‬ ‫داخل الغرفة الصفية‪.‬‬ ‫< متكني املشاركني من التمييز بني املعارف التي تخضع لقواعد البحث‬ ‫العلمي‪ ،‬وتلك التي ال تالمس أدواته‪.‬‬

‫مراحل البحث‬ ‫انتظم هذا البحث اإلجرائي التشاركي في ثالث مراحل أساسية‪ ،‬هي‬ ‫على النحو التالي‪:‬‬

‫أوالً‪ .‬مرحلة البناء والتصور‬

‫انطالق ًا من الورقة املفاهيمية التي صاغها الزميل الباحث نادر وهبة‪،‬‬

‫< ما املوض��ع الذي سيتم االشتغال عليه‪ ،‬بحيث يضمن الوصول إلى‬ ‫تعليم فعال ونشط؟‬ ‫< ما هي األساليب واإلستراتيجيات التعليمية التي تضمن توفير هذا‬ ‫املناخ التعليمي؟‬ ‫< ما هو دور الطالب واملعلم ودورنا كباحثني في هذه التجربة؟‬ ‫وفي إطار محاوالتنا لإلجابة عن تلك األسئلة‪ ،‬جرت مناقشات بني‬ ‫الباحثني في املركز‪ ,‬حيث مت تبني «ظاهرة االحترار العاملي» كمشكلة‬ ‫حقيقية تقود التعليم في هذا املشروع‪ .‬فالتعلم يحدث على أفضل وجه‬ ‫عندما يواجه الفرد مشكلة أو موقف ًا تعليمي ًا محير ًا يعمل فيه عقلة ويجسد‬ ‫من خالله معرفته الذاتية‪ .‬ويأتي اختيارنا لهذه القضية لكونها مشكلة‬ ‫ضعيفة البنية وذات طابع جدلي مفتوح على تعدد اآلراء ووجهات‬ ‫النظر‪ .‬وهذا ما يعنينا‪ ,‬الرأي والرأي اآلخر وما بينهما من فضاء إشكالي‬ ‫ميكن استغالله كقاعدة أساسية للحوار واجلدل والتفكير‪ ,‬تفكير يقتضي‬ ‫البحث والتقصي من أجل حتقيق فهم موضوعي لهذه الظاهرة قبل احلكم‬ ‫عليها واتخاذ قرار بشأنها‪.‬‬ ‫في سياق هذه الرؤية‪ ،‬فقد مت حتديد األساليب التعليمية التي سيتم‬ ‫استخدامها في هذه التجربة‪ ,‬ومنها التعلم التعاوني‪ ,‬والتعلم بأسلوب‬ ‫حل املشكالت‪ ,‬واالستقصاء العلمي‪ ،‬وأسلوب احلوار‪ ،‬والعصف‬ ‫الذهني‪ .‬إن ضمان فاعلية هذه األساليب في سياق التفاعل الصفي‬ ‫أمر مرهون بتوفر مناخ دميقراطي يسمح بتحقيق بيئة تعلم دافئة‪ ،‬تستثير‬ ‫التفكير‪ ،‬وتهيئ الفرصة للتفاعل واحلوار بيننا كباحثني ومعلمني وطلبة‪،‬‬ ‫وكذلك بني الطلبة أنفسهم‪ ,‬وتكون املعرفة فيه وسيط ًا لهذا احلوار‬ ‫والنقاش بني جميع األطراف‪ .‬ضمن هذا التصور‪ ،‬فقد مت اإلعالن‬ ‫عن املشروع وحصلنا في إطار ذلك على العديد من طلبات االنتساب‬ ‫ومن جميع محافظات الوطن‪ ,‬إال أننا آثرنا العمل مع املدارس التي تقع‬ ‫ضمن لواء رام الله نظر ًا لبعد مكان املدارس األخرى عن مركز القطان‬ ‫الكائن في رام الله من جهة‪ ،‬وحتسب ًا للظروف األمنية التي قد تشهدها‬ ‫احملافظات البعيدة‪ ،‬والتي رمبا تعيق استمرارية هذه التجربة من جهة‬ ‫أخرى‪.‬‬

‫فحص املمارسات واملعتقدات‬ ‫بعد أن وقع االختيار على الطلبة‪ ،‬متت دعوتهم واملعلمني املشاركني معهم‬ ‫إلى اجتماع بتاريخ ‪ ,2007/12/8‬حيث مت تعريفهم مبركز القطان‬ ‫وقدمنا لهم تصور ًا عام ًا عن املشروع وعن مجموعة األنشطة املقترحة‪,‬‬ ‫وبناء‬ ‫كما حصلنا على انطباعات جيدة حول اختيارنا لقضية البحث‪.‬‬ ‫ً‬ ‫عليه‪ ،‬فقد مت االتفاق مع املشاركني على االلتقاء مرتني في كل شهر‪،‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫هذا وقد وظف البحث العديد من األدوات جلمع البيانات في هذه‬ ‫التجربة‪ ,‬وهي على النحو التالي ‪:‬‬ ‫< انطباعات املشاركني وتأمالتهم في التجربة‪.‬‬ ‫< احلوارات التي كانت تتم بني املشاركني خالل اللقاءات املتتالية‪.‬‬ ‫< مجموعة املالحظات التي دونت خالل النقاشات التي كانت تدور‬ ‫على هامش لقاءات التجربة‪.‬‬ ‫< أشرطة الفيديو التي مت تصويرها وتفريغها على أوراق لتسهيل عملية‬ ‫التحليل والتأمل‪.‬‬ ‫< مجموعة السير الذاتية التي كتبها بعض املشاركني خالل التجربة‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫هدفت هذه التجربة البحثية إلى توفير مناخ أو حيز مكاني يجتمع فيه‬ ‫املعلمون والطلبة للحديث عن العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬والقيام بأنشطة‬ ‫للتحري عن طبيعتها‪ ،‬والتأمل مبعتقداتهم حولها‪ ,‬وذلك بهدف تغييرها‬ ‫والدفع بها نحو األفضل‪ .‬وألجل ذلك‪ ،‬فقد مت توظيف أساليب تعليمية‬ ‫تعكس وجتسد طبيعة هذه العلوم أثناء املمارسة الصفية‪ ،‬ومنها التعلم‬ ‫باالستقصاء‪ ,‬والتعلم التعاوني‪ ,‬والعصف الذهني‪ ,‬وحل املشكالت‪.‬‬ ‫وقد ظهر لنا أثناء العمل مجموعة من األهداف التي سعينا إلى تنمية‬ ‫قدرات املشاركني فيها‪ ,‬وهي على النحو التالي‪.‬‬

‫والتي شكلت بالنسبة لنا خط ًا ناظم ًا ومرجع ًا أساسي ًا أثناء صياغتنا‬ ‫للمقترح التعليمي الذي سيتم العمل به في إطار هذه التجربة التي‬ ‫حملت عنوان هذا البحث «التفاعل الصفي سياق لفهم طبيعة العلم‬ ‫وموضوعية املعرفة العلمية» (راجع‪ ,‬رؤى تربوية‪,‬ع ‪ ,25‬ص‪،)31 :‬‬ ‫حيث برزت لنا في هذه املرحلة مجموعة من األسئلة التي ينبغي اإلجابة‬ ‫عنها كي نستطيع حتقيق ما نصبو إليه من أهداف خالل هذه التجربة‪,‬‬ ‫ومنها على سبيل املثال‪.‬‬


‫وذلك لكي يتسنى لنا الشروع في العمل‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫في سياق هذا اللقاء تقدمنا للطلبة بورقة حتت عنوان «اختبر عاداتك!»‪،‬‬ ‫وتتضمن مجموعة من األسئلة الهادفة إلى اختبار قدرتهم على التحليل‬ ‫والتفكير واملناقشة من جانب‪ ،‬وكذلك حتديد ما ميتلكونه من معرفة حول‬ ‫قضية البحث من جانب آخر‪ .‬فمعرفتهم القبلية حول املوضوع ستشكل‬ ‫جسر العبور ألية معارف الحقة‪ .‬وقد الحظنا في أثناء املناقشة أن الطلبة‬ ‫عاجزون عن الربط بني أسئلة الورقة وموضوع البحث‪ .‬وللتدليل على‬ ‫ذلك‪ ،‬نسوق االقتباسات التالية التي أخذت من شريط الفيديو‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫يقول الطالب عيسى في سياق رده على أحد األسئلة‪« :‬ما عالقة عمل‬ ‫األجهزة اإللكترونية في ظاهرة االحتباس‬ ‫احلراري؟ من املعروف أن االحتباس احلراري‬ ‫ناجت عن غازات املصانع والسيارات واحتراق‬ ‫الغابات»‪.‬‬ ‫وتضيف طالبة أخرى‪« :‬ما عالقة أن آكل العنب في فصل الشتاء أو‬ ‫واملجمد بحالة االحترار‬ ‫أتناول السمك الطازج‬ ‫ّ‬ ‫الكوني؟»‪.‬‬ ‫إننا نبرر هذا التعثر وعدم اإلدراك ملضمون األسئلة وعالقتها مبوضوع‬ ‫البحث إلى غياب النظرة الشمولية للمعرفة‪ ,‬واملنبثقة أساس ًا من غياب‬ ‫فكرة املنهج التكاملي‪ .‬فهم يدرسون العلوم كمادة منفصلة ومعزولة عن‬ ‫سياق الفروع املعرفية األخرى‪ .‬فال عالقة مث ً‬ ‫ال للعلوم بالتكنولوجيا‪ ،‬أو‬ ‫الرياضيات بالفن‪ .‬فاملعرفة املعزولة في حقل ضيق ال قيمة لها البتة‪ ,‬إال إذا‬ ‫أدمجت في سائر حقول املعرفة األخرى كما يقول شرونغر (‪Robert m,‬‬ ‫‪ .)1978: 105‬وإذ نعتقد من جانبنا أن إحاطة املشاركني بفهم جيد لظاهرة‬ ‫االحترار العاملي‪ ،‬ال ميكن أن يتم مبعزل عن فهم جيد ملبدأ عمل الثالجة‪.‬‬ ‫في لقاء آخر عقد بتاريخ ‪ ،2007/12/15‬مت فيه إجراء حوار ونقاش‬ ‫مع الطلبة بهدف الكشف عن معتقداتهم وعن الكيفية التي ينظرون بها‬ ‫إلى العلوم واملعرفة العلمية‪ ,‬وقد ظهر لنا أثناء النقاش أن الطلبة غير‬ ‫معتادين على املمارسة البحثية‪ ,‬ويعتمدون بشكل أساسي على ما يقدمه‬ ‫لهم املعلم من معلومات وبيانات‪ .‬وقد أشار الطلبة في كثير من املواقف‬ ‫إلى أن العلوم بالنسبة لهم ال تعدو كونها مجموعة من املعلومات التي‬ ‫تقدم لهم في أغلب األحيان بشكل سردي ال يتجاوز املنصوص عنه في‬ ‫الكتب‪ ،‬وبشكل بعيد عن منطق عمليات البحث واالستقصاء‪ ,‬وهم‬ ‫بدورهم يقومون بتلقيها وحفظها دون أدنى قدرة على مساءلتها ونقدها‪،‬‬ ‫فهي بالنسبة لهم ليست معرفة من أجل احلياة‪ ،‬بل مجرد معلومات تثبت‬ ‫في الذهن إلى حني موعد اختبار تذكرها‪ .‬فمث ً‬ ‫ال الطالبة عزيزة تقول‪:‬‬ ‫“أعتقد من كوني طالبة أن املعلم هو مصدر‬ ‫املعلومات‪ ،‬ونادرة هي احلاالت التي يطلب‬ ‫منا فيها جمع بيانات ومعلومات‪ ,‬وإن كان‬ ‫فإن ذلك يكون بدافع احلصول على العالمات‬ ‫وليس بهدف إثارة نوع من اجلدل حولها ‪...‬‬ ‫علي سوى‬ ‫املعلومات تصلنا جاهزة‪ ،‬وما‬ ‫َّ‬ ‫حفظها واالمتحان فيها‪ ،‬وبعد ذلك يكون‬ ‫نسيانها أمر ًا سهالً”‪.‬‬

‫وأضافت الطالبة روان‪“ :‬نحن في املدرسة تأتينا املعلومات جاهزة‪،‬‬ ‫وإذا طلب منا البحث‪ ،‬فإننا نقدم تقرير ًا في‬ ‫املوضوع دون مناقشة‪ ،‬وهو فقط للحصول‬ ‫على العالمات”‪.‬‬ ‫كما كشف هذا احلوار من جانب آخر عن وجود بعض املعتقدات اخلاطئة‬ ‫لدى الطلبة حول طبيعة العلوم واملعرفة العلمية‪ ,‬فالغالبية تنظر إلى‬ ‫املعرفة على أنها ثابتة ومتحررة من القيود السياسية واأليديولوجية‪,‬‬ ‫وليس هنالك ما يدعو حملاورتها وإثارة اجلدل حولها‪ ,‬وقد علل الطلبة‬ ‫هذه النظرة إلى املعرفة‪ ،‬إلى كونهم ال يوضعون مدرسي ًا في سياقات‬ ‫حقيقية متكنهم من مناقشتها وإبداء الرأي فيها‪ ,‬فهم يستقبلونها كما‬ ‫هي‪ ،‬وكما وردت في الكتب املدرسية‪ ،‬حتى انعكست في نفوسهم إلى‬ ‫ما يشبه اإلميان بأن املعرفة في شتى أبعادها وآفاقها هي ثابتة ونهائية‪.‬‬ ‫تقول إحدى الطالبات‪“ :‬نحن في املدرسة نتلقى املعلومات بشكل‬ ‫مباشر دون إعمال للعقل في البحث والتفكير‬ ‫أو التجريب ‪ ...‬كما أننا ال نقوم مبساءلة‬ ‫املعرفة أو التشكيك بها‪ ,‬ثم ملاذا نشكك بها‬ ‫ونحن تعلمنا مث ً‬ ‫ال أن القوانني العلمية ثابتة وال‬ ‫تتغير”‪.‬‬ ‫“أعتقد أن املعرفة العلمية ثابتة وال ميكن‬ ‫وتضيف كفا‪ :‬‬ ‫التشكيك بها”‪.‬‬ ‫“ال أتصور أن املعارف تتغير ‪ ...‬األشياء التي‬ ‫عيسى‪ :‬‬ ‫ندرسها اآلن هي نفسها التي درسها من قبلنا‪,‬‬ ‫كما أنني لم َأر في مناهجنا أي إشارة إلى أن‬ ‫املعرفة قدمي ًا كانت تختلف عما هي اآلن”‪.‬‬ ‫إن جوانب القصور التي يعاني منها الطلبة؛ سواء على صعيد املعتقدات‬ ‫أم املمارسات‪ ،‬ال تعكس سلوك ًا فطري ًا لدى الطلبة‪ ،‬بقدر ما تعكس‬ ‫صورة عن املناخ الثقافي والتعليمي السائد‪ ,‬فالطالب هو أسير بيئته‬ ‫وثقافته التعليمية‪ .‬ولعل االقتباسات السابقة تكشف عن مساوئ‬ ‫التعليم التقليدي وعيوبه‪ ,‬فالطالب في سياق الفعل الصفي‪ ،‬وفي ظل‬ ‫هذا النمط من التعلم ال يتجاوز دوره حد املتلقي السلبي للمعلومات‪,‬‬ ‫ومهمته الوحيدة هي أن يؤمن مبا يعرض عليه من معارف دون احلاجة‬


‫إلى تطبيقات عملية الستكشاف مضامينها وأبعادها‪ ،‬ظروف نشأتها‬ ‫وتطوراتها‪ ،‬تفاعالتها مع املؤثرات الزمانية واملكانية‪ .‬من هنا يبني‬ ‫الطالب عالقته مع املعرفة‪ ،‬ويأخذ منها موقف ًا وثوقي ًا دغمائياً‪ ,‬فهي‬ ‫حقائق مقدسة ثابتة وغير قابلة للتغير والتبديل‪ .‬كما أن األساليب التي‬ ‫تقدم من خاللها املعارف تؤصل لدى الطلبة هذه النظرة إلى املعرفة‪,‬‬ ‫فهي ال تتيح لهم فرصة ملناقشتها ونقدها أو حتى إبداء الرأي فيها‪ .‬ألنها‬ ‫معرفة قادمة من عقول العلماء ومن بني دفات الكتب‪.‬‬

‫ثانياً‪ .‬مرحلة التنفيذ‬

‫ثالثاً‪ .‬مرحلة التقييم‬

‫حني نتحدث عن مرحلة التقييم‪ ,‬فإننا ال نسوقها كمرحلة مستقلة‬ ‫فبناء على ما ورد سابق ًا من تكليف للطلبة بكتابة‬ ‫ومنفردة بذاتها‪,‬‬ ‫ً‬ ‫انطباعات وتأمالت وسير ذاتية حول ممارساتهم أثناء انخراطهم في‬ ‫األنشطة والفعاليات التي نفذت خالل هذه التجربة‪ ,‬فإن ذلك يشير‬ ‫إلى أنهم كانوا في حالة تقييم ومتابعة لألداء بشكل متو��صل وعلى مدى‬ ‫امتداد هذه التجربة‪ .‬كما كانت تعرض هذه الكتابات على الباحثني في‬ ‫املركز‪ ،‬وجتري نقاشات حولها لتحديد مستوى التغير في أفكار الطلبة‬ ‫ومعتقداتهم‪ .‬وللتأكد من مدى التطورات التي رافقت املشاركني في‬ ‫سياق هذه املرحلة‪ ،‬فقد مت عقد جلسة تقييميه ختامية جرى فيها محاورة‬ ‫دونوها خالل هذه‬ ‫الطلبة ومناقشتهم في انطباعاتهم وتأمالتهم التي ّ‬ ‫الفترة‪ .‬وفي إطار هذه اجللسة حتدث وسيم الكردي مدير مركز القطان‬ ‫إلى الطلبة واستمع إلى آرائهم واقتراحاتهم حول التجربة‪ ،‬وإمكانية‬ ‫تطويرها‪ ,‬حيث أبدى الطلبة استعدادهم للمشاركة واالنخراط مجدد ًا‬ ‫في مشاريع بحثية مماثلة‪.‬‬ ‫في هذه املرحلة أيض ًا متت مراجعة أشرطة الفيديو‪ ،‬وقراءة كتابات الطلبة‬ ‫من «انطباعات‪ ,‬وتأمالت‪ ,‬وسير ذاتية ومقابالت شخصية»‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إلى امللخصات التي كان يتم تفريغها من أشرطة الفيديو بعد االنتهاء من‬ ‫كل نشاط‪ ،‬وذلك بهدف حتليلها وحتديد أثر هذه التجربة وما أحدثته من‬ ‫تغييرات على الطلبة‪ ،‬سواء على صعيد املمارسات أم املعتقدات‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫اعتمدت التجربة في لقاءاتها األولى خالل هذه املرحلة على جلسات‬ ‫احلوار والعصف الذهني كإجراء متهيدي لكسر اجلليد من ناحيتني؛‬ ‫األولى تتمثل في خلق مناخ دافئ يكسر احلواجز بني املعلمني والطلبة‬ ‫وبني الطلبة أنفسهم‪ ,‬ويشعر اجلميع بأنهم شركاء وعلى حد سواء في‬ ‫هذه التجربة‪ .‬أما األخرى فيراد بها تهيئة املشاركني لقضية البحث‪,‬‬ ‫حيث تضمنت هذه املرحلة حلقات نقاش علمي وفلسفي حول أسباب‬ ‫الظاهرة‪ ،‬وذلك بهدف تشجيع الطلبة على اإلدالء بآرائهم وأفكارهم‬ ‫والتعبير عن أبنيتهم املعرفية في هذا اجلانب‪ .‬وقد راعينا في ذلك ضرورة‬ ‫الترحيب بكل األفكار املطروحة‪ ،‬وعدم إصدار أحكام مسبقة عليها‪،‬‬ ‫أو توجيه النقد ألي منها‪ ,‬فشعور الطالب بأن أفكاره وآراءه مح ً‬ ‫ال للنقد‬ ‫والسخرية‪ ،‬سيقف حائ ً‬ ‫ال أمام إقدامه على اإلدالء بأية آراء أو أفكار‬ ‫جديدة‪ .‬لقد متكنا في إطار هذه املناقشات من صياغة السؤال البحثي‬ ‫الذي جاء ضمن الصيغة االستفهامية التالية‪ :‬هل الظاهرة هي نتاج لدورة‬ ‫األرض الطبيعية أم هي نتاج الفعل اإلنساني؟ لقد شكل هذا السؤال‬ ‫حافز ًا قوي ًا أثار فضول املشاركني وحفَّزهم على خوض غمار البحث في‬ ‫جلة األسباب والعلل التي أدت إلى وجودها‪ ،‬حيث جلأ الطلبة في ذلك‬ ‫إلى مصادر متنوعة جلمع املعلومات واألدلة‪ ,‬من قبيل نشرات وأبحاث‬ ‫علمية ومتابعة الصحف والبرامج الوثائقية واملواقع اإللكترونية‪ .‬كما‬ ‫قادهم البحث إلى قراءة «بروتوكول كيوتو»‪ ،‬والتعليق على مواقف‬ ‫الدول الصناعية منه‪ .‬وقد قدمنا لهم أيض ًا في هذا اإلطار مجموعة‬ ‫من األنشطة التي اعتبرت في الوقت ذاته مصادر للبيانات‪ ،‬ومنها‬ ‫مثالً‪ ,‬جلسات عصف فكري تناولت مقاالت وتقارير علمية متناقضة‬ ‫بشأن الظاهرة‪ ،‬وكذلك عرضنا فيلم ًا ذا صلة أنتجه «أل غور» أثناء‬ ‫ترشحه للرئاسة األمريكية‪ ,‬ثم تبع العرض حلقة نقاش وحوار حول‬

‫ومن اجلدير ذكره أن األنشطة والفعاليات التي مورست خالل هذه‬ ‫التجربة قد مت تصويرها في جميع مراحلها بالفيديو‪ ،‬كما كلف الطلبة‬ ‫بكتابة انطباعاتهم وتأمالتهم عقب االنتهاء من كل نشاط‪ ،‬وذلك بهدف‬ ‫التأمل في أداء املشاركني وممارساتهم‪ ،‬ومالحظة التغيرات التي طرأت‬ ‫عليهم خالل العمل في هذا املشروع‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫تعدي ً‬ ‫ال على املقترح التعليمي في ضوء فحص املمارسات واملعتقدات‬ ‫بعد أن مت الكشف عن جوانب الضعف التي تعاني منها حالة الدراسة‪,‬‬ ‫عقد الباحثان اجتماع ًا مت فيه مراجعة املقترح التعليمي لهذه التجربة‪,‬‬ ‫وذلك لتقييم مدى مالءمة األنشطة وقدرتها على معاجلة جوانب‬ ‫الضعف هذه‪ .‬وقد وجدنا أن بعض ًا منها يستلزم اإلثراء والتعزيز‪ ,‬حيث‬ ‫اتفق الباحثان على تضمني املقترح مبزيد من حلقات احلوار واجلدل‬ ‫العلمي الهادف واملسند بأنشطة بحثية واستقصائية تعزز قدرتهم على‬ ‫ربط األفكار وجتميع األدلة وتقييمها‪ ،‬بشكل يتيح لهم بناء حجج علمية‬ ‫قوية متكنهم من الدفاع عن آرائهم ومواقفهم بأسلوب علمي رصني‬ ‫بعيد عن منطق االنفعال والعاطفة‪ .‬كما يرجع سبب اختيارنا ملثل هذه‬ ‫األنشطة أيضاً‪ ,‬إلى محاولة تطوير مهارات التفكير الناقد لدى الطلبة‪،‬‬ ‫ودفعهم باجتاه محاورة املعرفة العلمية ونقدها بشكل موضوعي وعلني‬ ‫من قبل الطالب واملعلمني‪.‬‬

‫مضمون الفيلم وغاياته‪ ,‬وكنا نهدف من وراء ذلك إلى إثارة التفكير‬ ‫الناقد لدى الطلبة ودفعهم نحو إدراك مدى قابلية املعرفة لالستغالل‬ ‫والتضليل‪ ،‬وأنها أيض ًا ليست حيادية أو مستقلة عن املصلحة السياسية‬ ‫واالقتصادية‪ .‬وفي السياق ذاته‪ ،‬مارس الطلبة لعبة (‪)Democs‬‬ ‫(‪ )deliberative meeting of citizens‬في تعليم وتعلم القضايا‬ ‫اجلدلية‪ ,‬وهو نشاط مبني على بطاقات محادثة اشتملت على بيانات‬ ‫ومعلومات حول الظاهرة‪ ,‬وأردنا من خاللها إكساب الطلبة قواعد‬ ‫احلوار واحلجاج العلمي وآلياتهما‪ ،‬ومتكينهم من اتخاذ قرارات مبنية‬ ‫على دالئل واستدالالت منطقية في إطار بيئة تعلم تعاونية تفاعلية على‬ ‫شكل مجموعات‪ .‬وقد أعقب هذا النشاط جلستا جدل علمي يفصل‬ ‫بينهما فارق زمني‪ ,‬حيث انقسم فيهما الطلبة إلى فريقني يتبنى كل‬ ‫منهما نظرية مختلفة‪ ,‬واملطلوب هو أن يدافع كال الفريقني عن نظريته‬ ‫بحجج وبيانات علمية مستقاة من واقع األنشطة واملمارسات البحثية‪.‬‬ ‫وقد لوحظ خالل هذه الفعاليات نزوع بعض الطلبة نحو توظيف التفكير‬ ‫العلمي والتفكير الناقد أثناء املمارسة اجلدلية‪ ،‬ومن كال الطرفني‪ ,‬فكانوا‬ ‫يقابلون احلجة باحلجة والرأي بالرأي والسؤال بالسؤال‪ .‬فاملهم في ذلك‬ ‫هو أن يدرك الطلبة أن املعارف العلمية قابلة للنقاش والتشكيك‪ ,‬وأنها‬ ‫ليست موضوعية مبا يكفي‪ ,‬فكل معرفة متتلك جزء ًا من احلقيقة وال ميكن‬ ‫قبولها دون متحيص أو مساءلة‪.‬‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪32‬‬

‫نتائج البحث‬ ‫أظهر التحليل النوعي للبيانات أن الطالبات قد تطورن خالل هذه‬ ‫التجربة في جوانب عدة‪ ,‬لكننا قبل أن نعرض هذه النتائج نرغب في‬ ‫التأكيد على أن هذه التطورات والتغيرات مرتبطة بالسياق واللحظة التي‬ ‫جاءت فيها‪ ,‬كما أننا ال ننفي في املقابل ذاتنا املعجبة بهذه اللحظات‬ ‫العابرة‪ .‬وكسائر األبحاث اإلجرائية املبنية على التأمل في املمارسات‬ ‫وإعادة تأويل اللحظات الشاردة بعد اقتناصها‪ ,‬فإن نتائج البحث من‬ ‫هذا املنظور غير قابلة للتعميم‪ ,‬لكنها في الوقت ذاته تتلمس من املعلمني‬ ‫املهتمني بتطوير أدائهم داخل الغرفة الصفية إلى أن يكونوا أكثر تأم ً‬ ‫ال‬ ‫ونقد ًا لذواتهم وأفعالهم من جانب‪ ،‬وأن يكونوا أكثر استبصار ًا لتلك‬ ‫اللحظات التي تعبر بال حسيب أو رقيب من جانب آخر‪.‬‬ ‫أشارت الطالبات املشاركات في البحث اإلجرائي إلى أن حلقات‬ ‫احلوار األولى التي ابتدأت بها التجربة قد ساهمت في خلق مناخ‬ ‫تعليمي أشعرهن بالراحة والطمأنينة‪ ,‬حيث تبادل املشاركون فيه اآلراء‬ ‫واألفكار وعبروا خاللها عن رؤيتهم ووجهات نظرهم إزاء قضية البحث‬ ‫مع املعلمني والباحثني‪ ,‬األمر الذي ساهم على حد تعبيرهن في كسر‬ ‫احلواجز النفسية بني الطلبة وقلص الفجوة القائمة بينهم وبني املعلمني‪.‬‬ ‫وقد عبر املشاركون عن ذلك في كثير من انطباعاتهم‪.‬‬ ‫كتبت عزيزة في تأمالتها‪« :‬اكتشفت في هذا املشروع أن هنالك شيئ ًا‬ ‫مختلف ًا عما هو في املدرسة وما هو في‬ ‫مخيلتي أيضاً‪ ،‬الحظت أنه ال فرق بني‬ ‫املعلم والطالب‪ ،‬فكالنا جاء ليتعلم من‬ ‫اآلخر»‪.‬‬ ‫«ال أجد نفسي في هذه التجربة كما أنا‬ ‫وأضافت املعلمة رندة‪ :‬‬ ‫علية حقيقة داخل الغرفة الصفية ‪...‬‬ ‫أالحظ هنا أننا نتعلم مع ًا طالب ًا وطالبات‬ ‫ومعلمات»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وعبرت دعاء في انطباعاتها‪« :‬شعرت شخصيا أنه ال فرق بني طالب‬ ‫ومعلم‪ ،‬وأن كليهما يأخذ العلم عن اآلخر‬ ‫ويستفيد من معلوماته وخبراته‪ ،‬ومثال‬ ‫ذلك أستاذ أشرف الذي وقف إلى جانبنا‬ ‫وشجعنا على االستمرار في العمل‪ ،‬وكان‬ ‫يقول لنا دائم ًا أننا جيدون في أدائنا»‪.‬‬ ‫لقد شكلت هذه املرحلة التأسيسية مناخ ًا نفسي ًا واجتماعي ًا اتسم بدفء‬ ‫العالقات بني املشاركني‪ ،‬وعززت إمكانات التفاعل احلواري بني‬ ‫املعلمني والطلبة‪ ،‬حيث لعب احلوار في هذه املرحلة دور ًا مهم ًا في‬ ‫إحداث التفاعل الصفي‪ ،‬وشجع الطلبة على توليد األفكار وإبداء‬ ‫اآلراء‪ ,‬في محاولة منهم إلثبات وجودهم ككيانات فاعلة لها القدرة‬ ‫على التعبير واملناقشة‪ .‬وللتدليل على ذلك‪ ،‬أورد هذا املقطع احلواري‬ ‫الذي أخذ من أحد أشرطة الفيديو‪ ,‬والذي يظهر فيه الطلبة واملعلمون‬ ‫وهم يطرحون وجهات نظر منطقية ومتباينة‪ ،‬متكنوا خاللها من صياغة‬ ‫السؤال البحثي‪.‬‬

‫املعلم أشرف‪ :‬‬ ‫الطالبة كفى‪ :‬‬

‫املعلم مهيوب‪ :‬‬ ‫الطالبة تهاني‪ :‬‬ ‫الطالب معاذ‪ :‬‬ ‫الطالبة دعاء‪ :‬‬ ‫املعلم مهيوب‪ :‬‬

‫هل الظاهرة التي نحن بصددها طبيعية أم بفعل‬ ‫فاعل؟‬ ‫قرأت في كتاب ما‪ ،‬أن درجات احلرارة أخذت‬ ‫باالرتفاع والزيادة بعد الثورة الصناعية ‪ ...‬ورمبا‬ ‫تكون هذه الزيادة هي املسؤولة عن االرتفاع في‬ ‫درجات احلرارة‪.‬‬ ‫الزيادة التي سببتها املصانع والسيارات في نسبة‬ ‫ثاني أكسيد الكربون جعلت النبات عاجز ًا عن‬ ‫امتصاصها‪.‬‬ ‫ملاذا ال تتجه أنظارنا إلى العوامل الطبيعية كالبراكني؟‪،‬‬ ‫فهي تنتج ثاني أكسيد الكربون بكميات ضخمة‪.‬‬ ‫هل نواة األرض امللتهبة مث ً‬ ‫ال لها تأثير على ارتفاع‬ ‫احلرارة؟‬ ‫أتصور أنه ال‪ ,‬ألن االرتفاع في احلرارة يحدث على‬ ‫السطح وال عالقة لنواة األرض مبا يحدث‪.‬‬ ‫أعتقد أن ما تطرحه دعاء غير صحيح‪ ،‬بدليل أن‬ ‫احلرارة تنتقل من الوسط الساخن إلى األقل سخونة‪,‬‬ ‫لنفترض أن درجة حرارة األرض ‪ 100‬درجة‪،‬‬ ‫والسطح ‪ 0‬درجة‪ ،‬هل ستكون كمية احلرارة املنتقلة‬ ‫تساوي الكمية نفسها فيما لو كانت حرارة السطح ‪2‬‬ ‫درجة‪ ،‬بالتأكيد ال‪.‬‬

‫نالحظ من خالل هذا املشهد أن هنالك منط ًا مختلف ًا من اخلطاب الصفي‬ ‫املعهود‪ ,‬حيث املعلم يسأل والطالب يجيب‪ ,‬وغالب ًا ما يحدد املعلم‬ ‫سلف ًا الطلبة األقدر على اإلجابة‪ ,‬ليطمئن إلى أن ما قدمه من معرفة قد‬ ‫مت استيعابه وفهمه‪ ,‬فيما يبقى اجلزء األكبر منهم في حالة من السكون‬ ‫والتلقي السلبي لهذه املعارف‪ .‬من هنا تنبني عالقة الطالب مع املعرفة‪,‬‬ ‫في سياق بعيد عن منطق احل��ار واملساءلة‪ ,‬لتترسخ في ذهنه كعقائد‬ ‫وحقائق مجردة ال شك في ثباتها‪ .‬لنعيد النظر في املشهد مرة أخرى‪,‬‬ ‫سنجد أن هنالك دور ًا مختلف ًا للمعلم والطالب‪ ,‬فليس املعلم هنا من‬ ‫ميسك بزمام األمور ويسيطر على معظم وقت احلصة‪ ,‬كما أن الطالب‬ ‫ليس في وضعية التلقي والتبعية‪ ،‬بل طالب يسأل ويناقش ويطرح وجهة‬ ‫نظر‪ .‬فسؤال الطالب “معاذ” ال ميكن اإلجابة عنه بنعم أو ال‪ ،‬مبعزل‬ ‫عن تفسير منطقي سليم يدعم اإلجابة أو يدحضها‪ .‬كما نرى فيه أيض ًا‬ ‫محفز ًا لآلخرين على إبداء آرائهم وأفكارهم‪ ,‬فتعليق “دعاء” دفع املعلم‬ ‫ألن يبدي اعتراض ًا معل ً‬ ‫ال بقانون علمي وتفسير منطقي‪ .‬إن هذا النمط‬ ‫احلواري املتعدد األطراف واالجتاهات‪ ,‬من شأنه أن يلغي مركزية املعلم‬ ‫في التفاعل الصفي‪ ،‬ويعزز استقاللية الطلبة في التأمل والتفكير‪ ,‬ويتيح‬ ‫لهم فرصة التبادل الفعال لألفكار والرؤى واخلبرات‪ ,‬كما يعزز فيهم‬ ‫روح التساؤل وعدم التسليم‪ ,‬ويشجعهم على املناقشة والتعبير‪ ,‬ما‬ ‫مينحهم فهم ًا أعمق ومعنى أشمل حملتوى التعلم‪.‬‬ ‫وفي إطار محاولتنا لتفعيل اخلطاب الصفي‪ ،‬مت عرض فيلم “احلقيقة‬ ‫املزعجة” (‪ ،)Inconvenient Truth‬وهو فيلم يتعلق بظاهرة‬ ‫االحتباس احلراري‪ ،‬كان قد أعده “أل غور” في فترة ترشحه لرئاسة‬ ‫الواليات املتحدة األميركية‪ .‬كانت لنا أهداف وغايات متعددة من وراء‬ ‫هذا العرض‪ ,‬ومنها إثارة التساؤل والنظرة الناقدة لدى املشاركني‪,‬‬


‫الطالبة تهاني تقول‪ :‬‬

‫وتضيف الطالبة كفى‪ :‬‬

‫كما أظهرت البيانات أيض ًا أن بعض املشاركني قد استطاعوا التمييز بني‬ ‫املعرفة العلمية والرأي العلمي‪ ,‬السيما بعد أن عرضنا لهم تقارير علمية‬ ‫حتوي بيانات متناقضة حول ظاهرة االحتباس احلراري‪ ,‬حيث دفعهم‬ ‫هذا التناقض إلى إجراء مزيد من البحث واالستقصاء للتأكد من صدق‬ ‫هذه البيانات‪ ,‬األمر الذي عزز موطن الشك في نفوسهم‪ ،‬وبخاصة بعد‬ ‫أن حصلوا على مزيد من هذه البيانات املتضاربة‪ .‬لكنني في املقابل كنت‬ ‫أحلظ بعض الطلبة في بداية هذه التجربة‪ ,‬يتعاملون مع مثل هذه التقارير‬ ‫يضمنها العلماء املختصون في تقاريرهم‬ ‫على أنها معلومات موثوقة‪,‬‬ ‫ِّ‬ ‫العلمية حول القضايا التي يدرسونها‪ ،‬دون أن يدركوا أن تلك هي مجرد‬ ‫آراء شخصية وأحكام فردية غير موضوعية وغير قابلة للقياس من الناحية‬ ‫العلمية‪ .‬فمثالً‪:‬‬ ‫تقول إحدى الطالبات‪“ :‬العلماء يرجعون سبب ارتفاع حرارة‬ ‫األرض إلى زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫تقول املعلمة عاليـة‪ :‬‬

‫هذا الفيلم يعكس مدى تشابك العلم بالبعد‬ ‫السياسي والثقافي للمجتمع‪.‬‬ ‫املهم واجلديد بالنسبة لي أن هذه الظاهرة ال‬ ‫ميكن فصلها عن السياسية واالقتصاد‪ ،‬من‬ ‫هنا أدرك ملاذا لم توقع أمريكا على معاهدة‬ ‫كيوتو‪ ،‬ألن ذلك سيؤثر على وضعها‬ ‫االقتصادي وعلى مستوى رفاهية الفرد‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫في الواقع‪ ،‬وضعني هذا الفيلم أمام حقيقة‬ ‫طاملا اعتقدت أنها وهم وخيال أثناء تعرضنا‬

‫إن ما عبرت عنه الطالبات ال يعكس في الواقع إدراكهن لعدم حيادية‬ ‫املعرفة وانعزالها عن املصالح الشخصية والسياسية واالقتصادية فحسب‪،‬‬ ‫بل يظهر فيه أيض ًا بعد مضمر تطرقت إليه الطالبة عزيزة في عبارتها‬ ‫السابقة حني تقول‪“ :‬أهو لكسب تعاطف الناس واللعب مبشاعرهم؟”؛‬ ‫مبعنى أن املعرفة العلمية كخطاب لها تأثير وسلطة متارسها علينا كأفراد‬ ‫وجماعات بشكل سري وعلني‪ ,‬ويتمثل ذلك بفرضها أمناط محددة من‬ ‫التفكير والوعي والسلوك‪ ،‬وكذلك طرق معينة لرؤية األشياء في العالم‬ ‫من حولنا‪ ,‬وذلك مبا يتوافق مع “موشور” الرؤية السياسية واأليديولوجية‬ ‫للسلطة ومؤسساتها املنتجة للمعرفة‪ .‬من هنا تفقد األخيرة موضوعيتها‬ ‫وحيادها بعد أن تصبح غارقة في شباك لعبة الكلمات‪ ,‬كلمات وصيغ‬ ‫ملتوية‪ ,‬تتآلف مع ًا لتشكل جسر ًا لعبور القول األيديولوجي الذي يستمد‬ ‫من املعرفة العلمية مشروعية وجوده‪ ,‬وضمان استمرارية فعله وتسويقه‬ ‫لذاته ثقافي ًا واجتماعياً‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ودفعهم نحو التشكيك مبوضوعية املعرفة العلمية‪ ،‬وحفزهم على إدراك‬ ‫عدم حيادها أو استقاللها عن املصلحة السياسية واالقتصادية‪ .‬فاملعرفة‬ ‫سلطة‪ ,‬أو كما هي في تعبير بيكون “املعرفة قوة”‪ ,‬لذا ينبغي التخلي عن‬ ‫التصور املثالي للمعرفة‪ ،‬والكف عن اعتبارها معرفة حيادية أو متحررة‬ ‫من طابعها األيديولوجي‪ ,‬أو أن يتم التعامل معها على أنها خارج إطار‬ ‫عالقات القوة ورهاناتها‪ .‬فكثير ًا ما نغفل نحن املعلمني هذا اجلانب‬ ‫للمعرفة من شروحاتنا الصفية ونتعامل معها كصيغ مجردة ومنعزلة عن‬ ‫صيرورات التفاعل مع اخلطابات األخرى‪ ,‬فقانون نيوتن الثالث في‬ ‫الفعل ورد الفعل على سبيل املثال‪ ،‬نتناسى أن السلطة قد طوعته لصناعة‬ ‫أدوات املوت والدمار من خالل صناعة القاذفات واملقذوفات‪ ,‬ونتجاهل‬ ‫استغالل النازية لنظرية النشوء والتطور في تقسيم وتصنيف البشر وفق‬ ‫ترتيب هرمي يتربع على عرشه العرق اآلري األصفر‪ .‬لذا‪ ،‬جند أن من‬ ‫الضروري أن يدرك الطلبة هذا البعد للمعرفة‪ .‬ال على أن نظهرها كمعرفة‬ ‫بريئة ومتدثرة برداء أبيض‪ ,‬تنحصر مهمتها في وصف العالم وحتليله‪,‬‬ ‫وتبيان طبيعة العالقات والروابط احلقيقية بني األشياء فيه‪ ،‬بل نظهر أيض ًا‬ ‫أنها معرفة غارقة في املمارسة األيديولوجية‪ ,‬وأنها مهما حاولت النزوع‬ ‫نحو املوضوعية والعلمية‪ ,‬فإن ذلك لن ينجيها من قبضة السلطة‪ ,‬ومن‬ ‫إمكانية استغاللها في إعادة إنتاج شرعيتها (راشد‪ .)2007 ،‬لقد أشارت‬ ‫البيانات احملصلة من شريط الفيديو‪ ،‬وكذلك من انطباعات وتأمالت‬ ‫الطلبة‪ ,‬أنهم أدركوا مدى قابلية القضايا العلمية للتأويل والتضليل‪،‬‬ ‫االستغالل واالستحواذ‪ ,‬التوظيف والتدجني لصالح معرفة السلطة‬ ‫ومصلحتها‪ ,‬فض ً‬ ‫ال عن إدراكهم ملدى ارتباط املعرفة بالذات وإمكانية‬ ‫استغالله لها في حتقيق ٍ‬ ‫أمان ورغبات وأحالم وشهوات ذاتية‪.‬‬

‫لها في املدرسة‪ ،‬في هذا العرض استشعرت‬ ‫مدى خطورة املوضوع وجسامة الكارثة ‪...‬‬ ‫لكن هذا ال مينع أن يكون لـ “أل غور” غاية‬ ‫ومصلحة شخصية من ورائه‪.‬‬ ‫وكتبت الطالبة عزيزة في تأمالتها‪ .... :‬أل غور يقدم دالئل قوية‬ ‫ومعلومات موثقة عن آثار االحتباس‬ ‫احلراري‪ ...‬لكنني في املقابل أوجه الشك‬ ‫لهذا العمل وأطرح مجموعة من األسئلة‪:‬‬ ‫ملاذا اختار أل غور هذه الظاهرة حتديداً؟‬ ‫ثم ملاذا عرضها في هذه الفترة احلرجة‬ ‫بالذات؟ أهو لكسب تعاطف الناس واللعب‬ ‫مبشاعرهم؟ أم هو فع ً‬ ‫ال يستشعر اخلطر‪،‬‬ ‫وبالتالي يحذرهم من العواقب‪ ،‬ولكي نكون‬ ‫موضوعيني أكثر أعتقد أنه في كلتا احلالتني‪،‬‬ ‫قد استطاع لفت أنظار الناس‪ .‬لكن ما أود‬ ‫قوله أنه لو قدر لي أن أشاهد هذا الفيلم‬ ‫خارج سياق مشروع الثقافة العلمية‪ ،‬ملا كنت‬ ‫قد طرحت كل تلك التساؤالت‪.‬‬


‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪34‬‬

‫في اجلو‪ .‬وحسب التقارير العلمية هذه‬ ‫النسبة بدأت في الزيادة منذ الثورة الصناعية‬ ‫حتى وقتنا احلالي”‪.‬‬ ‫وتضيف الطالبة عزيزة‪“ :‬العلماء يقولون إن درجة حرارة األرض‬ ‫ستصل إلى ثالث درجات مئوية خالل مائة‬ ‫سنة”‪.‬‬ ‫إن هذه األحكام السريعة وعدم القدرة على التمييز بني املعرفة العلمية‬ ‫والرأي العلمي‪ ،‬يرجعان باألساس إلى ضعف معرفة الطلبة لطبيعة العلوم‬ ‫واملعرفة العلمية‪ ,‬من حيث قابلية األخيرة لالختبار والدحض‪ ,‬وارتباطها‬ ‫الوثيق باملنهج العلمي الذي يستند أساس ًا إلى أسلوب تفكير منضبط‬ ‫وحذر‪ ،‬يجمع بني املالحظة الدقيقة والفروض املنطقية واإلمكانات‬ ‫التجريبية‪ .‬فاملعرفة العلمية الصحية هي تلك التي تكون مبررة ومبرهن ًا‬ ‫عليها بأدلة وإثباتات منطقية وعقلية منبثقة من التجربة ومن الفكر العلمي‬ ‫الرصني‪ ,‬على عكس الرأي الذي يصفه باشالر بأنه “يفكر بشكل ناقص‪,‬‬ ‫بل ال يفكر أصالً”‪ ,‬ألن الرأي ‪-‬من زاوية‪ُ -‬يعد ذاتي ًا وتلقائي ًا نابع ًا من‬ ‫فكرة ذهنية غالب ًا ما تكون مرتبطة مبصالح ومنافع شخصية مباشرة‪ ,‬ومن‬ ‫زاوية أخرى يتيح لنفسه االعتقاد في كثير من املسائل التي ال يستطيع‬ ‫تبريرها وبرهنتها‪ .‬لذا‪ ،‬يرى باشالر في الرأي أنه عائق أبستمولوجي‬ ‫ينبغي جتاوزه أو ً‬ ‫ال قبل الوصول إلى معرفة علمية حقيقية‪.‬‬ ‫وإذ نعتقد من خالل البيانات أن بعض املشاركني قد جتاوزوا هذا العائق‬ ‫وتغيرت أفكارهم واعتقاداتهم حول طبيعة املعرفة‪ ,‬وذلك من خالل‬ ‫انخراطهم مع ًا بشكل جماعي في عمليات البحث واالستقصاء‪ ,‬حيث‬ ‫جلأ املشاركون إلى استخدام اإلنترنت كمرجع رئيسي في البحث‪ .‬كما‬ ‫كانت البيانات التي يجمعونها تخضع للحوار واملساءلة والتقييم داخل‬ ‫مجموعات صغيرة‪ ،‬ويتم عرض نتائجها شفوي ًا أو كتابياً‪.‬‬ ‫كتبت الطالبة روان في تأمالتها‪« :‬كنا في املجموعة نطرح آراء مختلفة‪،‬‬ ‫لكن في النهاية الرأي الذي يصمد هو الذي يحظى بإجماع اآلخرين»‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫في إطار هذا احلراك املعرفي‪ ،‬أدرك املشاركون أن ما يطرح من أفكار‬ ‫ونظريات في هذا السياق هو ليس دقيق ًا أو موضوعي ًا مبا يكفي العتباره‬ ‫معارف موثوقة‪ .‬فما هو موضوعي يجب أن يكون مشترك ًا بني جميع‬ ‫العلماء‪ .‬من هنا أصبح الطلبة أكثر حذر ًا في تعاملهم مع هذه التقارير‪،‬‬ ‫ويوجهون النقد والشك ملثل هذه البيانات غير املبررة‪.‬‬ ‫يقول أحد الطلبة ‪« :‬أعتقد أن ليس كل ما يقوله العلماء في هذا املجال‬ ‫صحيحاً‪ ،‬فبعض العلماء يقدرون أنه خالل مائة سنة‬ ‫سوف ترتفع درجة حرارة األرض ثالث درجات‪،‬‬ ‫قد يكون هذا الكالم صحيح ًا أو غير صحيح‪ ،‬وهذا‬ ‫يدعونا إلى الشك مبا يطرح من توقعات»‪.‬‬ ‫وأضافت عزيزة ‪“ :‬العلماء يقدمون تقارير متناقضة‪ ،‬فتنبؤهم بارتفاع‬ ‫حرارة األرض خالل العقد القادم من ‪ 6-1.4‬أو‬ ‫من ‪ ،3.5-1‬سيظل يبقي مساحة للشك‪ ،‬وهو في‬ ‫النهاية مجرد آراء وتنبؤات”‪.‬‬ ‫“توصلت إلى كثير من املعلومات املتناقضة‪ -‬في‬ ‫روان‪ :‬‬

‫السياسة مثال نرى الرئيس األميركي جورج بوش‬ ‫يؤيد العلماء الذين يقولون إن الظاهرة تسير بشكل‬ ‫طبيعي‪ ،‬بينما أل غور يؤيد الفريق النقيض‪،‬‬ ‫والعلماء احملايدون منقسمون فيما بينهم وال يعطون‬ ‫قراءات دقيقة”‪.‬‬ ‫في أثناء معاجلتنا ملعتقدات الطلبة‪ ،‬وعبر جملة األنشطة الهادفة إلثارة‬ ‫تفكيرهم الناقد إزاء املعرفة‪ ,‬جتلت لنا إشكالية أثارت فينا بعض‬ ‫املخاوف‪ ,‬حيث وجدنا أن مسألة الشك باملعرفة لدى إحدى الطالبات‬ ‫قد جتاوزت فهمنا للشك مبا هو فعل تأملي يقود إلى معرفة أكثر صدق ًا‬ ‫وموضوعية‪ .‬فقد عبرت الطالبة روان في أحد انطباعاتها عقب حصولها‬ ‫على معلومات متناقضة بشأن ظاهرة االحترار العاملي بالتالي‪:‬‬ ‫“أنا أشك أن هنالك ارتفاع ًا أص ً‬ ‫ال في درجات احلرارة على الرغم من‬ ‫أنني مقتنعة بأن هنالك ارتفاعاً”‪ .‬وفي سياق آخر أضافت‪ ...“ :‬والله‬ ‫أنا صرت أشك في كل شيء”‪.‬‬ ‫وقد عبرت الطالبة في موقف ثالث أنها لن تشارك في حلقات اجلدل‬ ‫العلمي‪ ،‬ألنها لم تعد مقتنعة بكل ما يطرح بخصوص هذه القضية‪.‬‬ ‫إن خطورة ما سجلته الطالبة يكمن في إمكانية انتقال هذا الشك العميق‬ ‫إلى محتوى املعارف التي تقدم لها في السياق املدرسي‪ ,‬بحيث تغدو‬ ‫تلك املعارف ال قيمة لها‪ ،‬أو أن تصل بها احلالة إلى الشك في كل ما‬ ‫يحيط بها ويدور من حولها‪ .‬فنحن ال نريد أن تصل األمور إلى هذا‬ ‫املستوى من الشك في املعرفة العلمية‪ ,‬بل ما أردنا حتقيقه ودفع الطلبه‬ ‫جتاهه هو إدراكهم لعدم يقينية املعرفة‪ ،‬وأنها نسبية ذات طابع براغماتي‬ ‫يقبل النقد واملساءلة والشك التأملي‪.‬‬ ‫ناقشنا هذه االنطباعات مع الطالبة‪ ،‬وأوضحنا لها أن كثير ًا من املعارف‬ ‫العلمية هي مبثابة حقائق‪ ،‬وأن هدفنا من وراء هذه األنشطة هو محاولة‬ ‫تغيير أدائكم داخل الصفوف‪ ،‬وحتفيز نظرتكم الناقدة إلى املعرفة‪ ،‬بحيث‬ ‫تستطيعون مساءلتها وإثارة اجلدل حولها‪ .‬ونحن نطرح الشك هنا كبديل‬ ‫عن اليقني وكمحفز لفحص وتقومي املعرفة واألفكار واحلجج من أجل‬ ‫الوصول إلى أحكام متوازنة‪ ,‬تفضي في نهاية املطاف إلى مزيد من املعرفة‬ ‫والفهم‪ .‬وليس الشك كمحاولة إلبطال املعرفة العلمية وتعطيلها‪.‬‬ ‫لقد شكلت هذه الشكوك ومن خلفها تساؤالت املشاركني امللحة حول‬ ‫صدق هذه الظاهرة وكذلك التناقض في البيانات التي جمعوها في‬ ‫سياق عملية التحري العلمي عام ً‬ ‫ال أساسي ًا في انطالقة مسيرة اجلدل‬ ‫في هذه التجربة‪ ،‬ولعل التناقضات كانت العامل احلاسم في تفجير هذا‬ ‫اجلدل‪ ،‬ألن اجلدل مها كانت طبيعته وخلفيته فهو ال ينفجر من تلقاء‬ ‫نفسه كما يقول ماركيوز‪ .‬لذا‪ ،‬فقد تقدمنا للطلبة مبجموعة من القصص‬ ‫التي تتضمن بيانات ومعلومات حول الظاهرة‪ ,‬وهدفنا من خاللها إلى‬ ‫تدريب الطلبة على استخالص مجموعة األفكار واحلجج وكذلك‬ ‫األسئلة التي متكنهم من التصدي ألفكار وحجج محامي الشيطان‪ ,‬وهو‬ ‫شخصية مركزية في القصة قام أحد الباحثني بلعب دورها‪ ,‬حيث تتبنى‬ ‫هذه الشخصية فكرة أن ال عالقة لإلنسان بهذه الظاهرة‪.‬‬


‫وقد أظهر شريط الفيديو أن الطلبة قد استطاعوا خوض مناقشة علمية‬ ‫ميكن أن أشبهها مبحكمة يحاول فيها كال الطرفني متزيق أفكار اآلخر‬ ‫وفروضه‪ .‬كما سيظهر في هذا املشهد‪.‬‬

‫إن هذا املشهد احلواري القائم على السؤال واجلواب نقرأ فيه محاولة‬ ‫من كال الطرفني لهدم واقع حالة ونقدها‪ ،‬ويدل من زاوية أخرى على‬ ‫أن السائل لديه معيار آخر لفهم املسألة‪ ,‬لكن اجلدل في جوهره ليس‬ ‫سؤا ً‬ ‫ال وجواب ًا بل هو كما قال جارودي “فن طرح األسئلة بقدر ما هو‬ ‫طريقة إلعطاء اجلواب عليها”‪ ,‬فاجلدل احلق هو التساؤل احلق‪ .‬وإذ‬ ‫نعتقد من خالل ما سبق أن املشاركني قد جنحوا في إثارة أسئلة متنوعة‬ ‫ذات صلة صحيحة باملوضوع حتى لو كانت مبعنى احلوار‪ ,‬فتتابعها على‬

‫كم أظهرت البيانات أيض ًا وجود حتسن في قدرات بعض الطلبة على‬ ‫صوغ احلجة العلمية املقنعة واملدعمة بالبيانات واألدلة‪ ,‬وهذا التحسن‬ ‫يعكس حالة مغايرة لنوعية احلجج التي كانوا يسوقونها أثناء احلوارات‬ ‫التي كانت جتري في بداية هذه التجربة‪ ،‬حيث اتسمت حججهم في هذه‬ ‫املرحلة بالضعف واالعتماد على احلد األدنى من البيانات والتبريرات‪.‬‬ ‫سأعرض في هذا السياق نوعني من احلجج؛ حجج ضعيفة وأخرى قوية‪،‬‬ ‫وكلتاهما مأخوذة من شريط الفيديو‪ ،‬وسأقوم بتحليلهما وفق ًا لنموذج‬ ‫«توملن» في اجلدل العلمي‪ ,‬الذي يصف فيه العناصر األساسية التي ينبغي‬ ‫توافرها في أي حجة قوية؛ سواء أكانت في البيئات القانونية أم في ميدان‬ ‫تدريس العلوم‪ ،‬وذلك كما هو موضح في الشكل أدناه‪ ،‬علم ًا أن هذا‬ ‫‪1‬‬ ‫النموذج ليس مثالي ًا لتقييم نوعية احلجج العلمية كما أشار توملن نفسه‪:‬‬

‫‪35‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫نادر‪ :‬أعتقد أن موقفي بعد قراءة القصص لم يتغير‪ ،‬وما زلت أعتقد‬ ‫أنه ال توجد دالئل تقنعني بأن أغير رأيي‪.‬‬ ‫عزيزة‪ :‬إذا كنت تريد دالئل ملموسة وواقعية‪ ،‬إذن مباذا تفسر ذوبان‬ ‫اجلليد في منطقة القطبني؟‬ ‫نادر‪ :‬هنالك عبر التاريخ تغير مستمر في درجات احلرارة‪ ،‬قدمي ًا‬ ‫ارتفعت حرارة األرض درجة مئوية واحدة ثم انخفضت‪ ،‬ثم‬ ‫أتى العصر اجلليدي‪ .‬أعتقد أنها سلسلة ترتفع فيها درجات‬ ‫احلرارة وتنخفض‪.‬‬ ‫تهاني‪ :‬أنت تقول إنه قدمي ًا ارتفعت حرارة األرض ثم انخفضت بشكل‬ ‫طبيعي‪ ،‬لكن مباذا تفسر سبب ظهور ثقب قي طبقة األوزون؟‬ ‫نادر‪ :‬قدمي ًا كان هنالك آالف البراكني التي تنتج كميات ضخمة من‬ ‫الغازات املختلفة وبكميات أكبر مما تنتجه جميع السيارات على‬ ‫األرض‪ .‬ثم ما يدريك أيض ًا أن الثقب هو سبب االحترار؟‬ ‫نسرين‪ :‬تبني أن هنالك انقراض ًا لبعض احليوانات مثل الضفدع الذهبي‪،‬‬ ‫هل لك أن تبني لنا ما هي أسباب انقراضه إذا لم يكن االحتباس‬ ‫احلراري هو السبب؟‬ ‫نادر‪ :‬هنالك العديد من الكائنات احلية التي انقرضت بفعل أسباب‬ ‫أخرى‪ ،‬فالديناصورات مث ً‬ ‫ال لم تنقرض بفعل االحتباس‬ ‫احلراري‪ .‬كما أن انقراض كائن في منطقة ما يساهم في وجود‬ ‫كائن آخر بديل عنه‪.‬‬

‫هذا النحو يشير‪ ،‬من جانب‪ ،‬إلى أن هنالك شيئ ًا معطوب ًا ينبغي التحقق‬ ‫منه والتأكد من مصداقيته‪ .‬ويعكس‪ ،‬من جانب آخر‪ ،‬أسلوب ًا علمي ًا في‬ ‫التفكير وقدرة على توليف املوضوعات املختلفة وربطها وإعادة صياغتها‬ ‫مبا يخدم آراءهم ووجهات نظرهم‪ .‬فانتقال تساؤالتهم من أسباب‬ ‫ذوبان جليد القطبني إلى طبقة األوزون‪ ،‬ثم إلى انقراض احليوانات‪،‬‬ ‫يكشف عن فهم تكاملي ونظرة شاملة للموضوع‪ ,‬متكنوا من خاللهما‬ ‫انتقاء أسئلتهم وحججهم بدقة‪ .‬إن تفعيل هذا النوع من احلوار النقدي‬ ‫للمعارف والنظريات العلمية أثناء الفعل التدريسي داخل الصف‪ ،‬من‬ ‫شأنه أن يضاعف قدرات املتعلمني الذهنية‪ ،‬ويساعدهم على الفهم‬ ‫والتحليل وتكوين اآلراء واختبار األفكار‪ ,‬كما ينمي فيهم روح التفكير‬ ‫اجلماعي والتفكير العلمي الناقد‪ .‬فبالنسبة لهذا النوع من التفكير‪ ,‬فإن‬ ‫كل معرفة هي جواب عن سؤال‪ ،‬فإذا لم يكن هنالك سؤال‪ ،‬فال ميكن أن‬ ‫تكون هنالك معرفة علمية أبد ًا كما يقول باشالر‪ .‬فالسؤال أو االستفسار‬ ‫هو ضمانة املتعلم ملعرفة الصحيح من اخلطأ‪ ,‬واستمرارها بشكل اطّ رادي‬ ‫سيدفع بهم نحو عدم القبول والتسليم باملعرفة العلمية كما هي‪ ,‬أو دون‬ ‫إجراء محاكمة عقلية ونقدية لها‪ .‬هذه ناحية‪ ،‬والناحية األخرى فإن هذا‬ ‫احلوار واجلدل يساعد الطلبة على تكوين فهم لنظرية املعرفة والعلوم‬ ‫وتعلم شيء عن طبيعتها‪ ،‬وعن الكيفية التي يتوصل من خاللها العلماء‬ ‫إلى معارفهم‪ ,‬فيذهب إلى تقدير جهودهم في تطور هذه العلوم‪.‬‬

‫‪QUALIFIERS‬‬

‫‪WARRENT‬‬

‫‪BACKING‬‬ ‫‪TOULMINS ARGUMENT PATTERN‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫‪CLAIM‬‬

‫‪REBUTTAL‬‬

‫‪DATA‬‬


‫‪36‬‬

‫< اإلدعاء (‪ :)Claim‬سؤال أو استنتاج يظهر على شكل قول قد يكون‬ ‫صحيح ًا أو غير صحيح‪.‬‬ ‫< البيانات (‪ :)Data‬مجموعة البيانات واملعارف واحلقائق التي تدعم‬ ‫وتفعل اجلدل‪.‬‬ ‫اإلدعاء ّ‬ ‫< التبرير أو التعليل (‪ :)Warrants‬وهو مجموعة األسباب التي قد‬ ‫تكون على شكل قواعد‪ ,‬مبادئ‪ ,‬معطيات علمية‪ ،‬تبرر العالقة‬ ‫القائمة بني البيانات واالدعاءات‪.‬‬ ‫< التعديالت (‪ :)Qualifiers‬الظروف التي يعمل اإلدعاء في إطارها‬ ‫بشكل صحيح‪.‬‬ ‫< دعائم النظرية (‪ :)Backing‬مجموعة االفتراضات األساسية‬ ‫واملنطقية التي عادة ما تكون محل إجماع وتوافق‪.‬‬ ‫< دحض مزاعم اإلدعاء (‪ :)Rebuttals‬الظروف التي يكون فيها‬ ‫اإلدعاء باط ً‬ ‫ال وغير صحيح‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫النوع األول‪ :‬حجج ضعيفة‬

‫كما أشرنا سابق ًا إلى أن مسيرة اجلدل قد بدأت من أرضية بال استنارة‪,‬‬ ‫بدأت من تساؤالتهم حول طبيعة ظاهرة االحتباس احلراري‪ ،‬فكان‬ ‫الطلبة أثناء النقاش يدلون بآراء واعتقادات غير مبررة أو مسندة ببيانات‬ ‫تدعم ادعاءاتهم وتقوي موقفهم منها‪ ,‬وهذا أمر ضروري من أجل بناء‬ ‫حجة صحيحة فمثالً؛‬ ‫تقول الطالبة نسرين‪ :‬‬

‫االحتباس احلراري نتاج الفعل اإلنساني‪,‬‬ ‫فنشاطات اإلنسان وأعماله وممارساته من أهم‬ ‫أسباب هذه القضية‪.‬‬

‫وتضيف الطالبة عزيزة‪« :‬أعتقد أن ظاهرة االحتباس احلراري طبيعية‬ ‫وبشرية‪ ,‬فقد كان هناك ارتفاع من قبل‪ ،‬وزاد‬ ‫بفعل التطور اإلنساني»‪.‬‬ ‫إن سبب اختياري للطالبتني نسرين وعزيزة وعرضي حلججهما الضعيفة‬ ‫في بداية هذه التجربة كان متعمد ًا وهادف ًا إلظهار التغيرات التي طرأت‬ ‫عليهما في هذا اجلانب‪ .‬فقد وجدت من خالل مراجعتي لشرط الفيديو‬ ‫أنهما فقط من مجموع الطالب والطالبات قد استطاعتا تقدمي حجج أدعي‬ ‫أنها قوية‪ ,‬علم ًا أن تلك احلجج لم ِ‬ ‫تأت في سياق كامل ومرتب على النحو‬ ‫الذي ستظهر فيه‪ ,‬لكنها في الوقت ذاته متثل مجمل ما قالته الطالبتان في‬ ‫سياق حلقة اجلدل العلمي التي أثيرت عقب انقسام الطلبة إلى فريقني‪,‬‬ ‫فريق يدعي أن الظاهرة طبيعية واآلخر يرى أنها نتاج الفعل اإلنساني‪.‬‬ ‫وقد آثرت جتميع ما قالته الطالبتان في سياق معني وبشكل يتالءم مع منوذج‬ ‫«توملن» في اجلدل العلمي ليسهل علينا تقييم نوعية هذه احلجج‪.‬‬

‫النوع الثاني‪ :‬حجج قوية‬

‫الطالبة نسرين‪ :‬الظاهرة تسير بشكل طبيعي‪ ،‬ومناخ األرض يشهد‬ ‫طبيعي ًا فترات ساخنة وفترات باردة‪( .‬اإلدعاء) بدليل‬ ‫أن األرض شهدت عصر ًا جليدي ًا ثم أخذت درجات‬ ‫احلرارة بعد ذلك باالرتفاع‪ .‬وتضيف أيض ًا بأن العام‬ ‫‪ 1992‬كان عاما بارد ًا بالنسبة ملا قبله وبعده‪ ،‬وأنا‬ ‫قرأت على موقع (‪ )BBC‬أن العام ‪ 2007‬كان من‬

‫أشد األعوام برودة بعد العام ‪ ،1992‬بينما في العام‬ ‫‪ 2005‬كانت درجات احلرارة مرتفعة‪ ،‬ثم انخفضت‬ ‫في العام ‪ .2007‬السؤال هنا ملاذا ترتفع احلرارة ومن‬ ‫ثم تنخفض (البيانات) على الرغم من أن كمية اإلشعاع‬ ‫الشمسي الداخل إلى األرض هي نفسها واألرض‬ ‫لم تغير موضعها والشمس في مكانها؟ (التبرير)‬ ‫ثم أضافت الطالبة أن البراكني تصدر كم ًا هائ ً‬ ‫ال من‬ ‫غاز ثاني أكسيد الكربون أكثر مما تنتجه السيارات‬ ‫والطائرات‪ ،‬فلماذا نلقي اللوم على اإلنسان وحده؟‬ ‫(دعائم النظرية)‪.‬‬ ‫الطالبة عزيزة‪ :‬إن سبب التغير املناخي راجع إلى االستغالل البشع من‬ ‫قبل اإلنسان ملوارد البيئة‪ ،‬وكذلك ألنشطته الصناعية‬ ‫التي تتسبب في زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون في‬ ‫اجلو (اإلدعاء)‪ .‬وحسب التقارير العلمية هذه النسبة‪،‬‬ ‫بدأت في الزيادة منذ الثورة الصناعية حتى وقتنا احلالي‬ ‫‪ ...‬أمريكا وحدها تنتج حوالي ‪ 24%‬من مجموع ما‬ ‫ينتجه سكان األرض جميعاً‪ ،‬وإذا ما استمر اإلنسان‬ ‫في االعتماد على الصناعة ستصل النسبة إلى ‪ 40‬مليار‬ ‫طن سنوي ًا (البيانات)‪ ،‬ثم أضافت أن غاز ثاني أكسيد‬ ‫الكربون من أهم الغازات احلابسة للحرارة (التبرير)‪،‬‬ ‫وأشارت أيض ًا إلى أن احمليطات والنباتات متتص غاز‬ ‫ثاني أكسيد الكربون قدر حاجتها (دعائم النظرية)‪،‬‬ ‫لكنها بسبب الزيادة املطّ ردة أصبحت عاجزة عن‬ ‫امتصاص هذا الكم الهائل (التعديالت)‪.‬‬ ‫إن هذه احلجج التي ساقتها الطالبتان تختلف بشكل كلي عن تلك التي‬ ‫طرحتاها في بداية التجربة‪ ,‬سواء من حيث البيانات أو التبريرات املنطقية‪.‬‬ ‫وإذ نعزو هذا التحسن في نوعية احلجج إلى النشاطات االستقصائية التي‬ ‫خاضها املشاركون‪ ،‬وإلى مصادر البيانات املتعددة التي استخدموها في‬ ‫سياق عملية البحث والتحري العلمي لإلجابة عن السؤال البحثي املتعلق‬ ‫بطبيعة الظاهرة‪ .‬لقد انبثق عن هذا االنقسام نشوء نوع من التنافس بني‬ ‫النظريتني‪ ,‬فبدا الطلبة منشغلني بحماسة في املمارسة البحثية وفي جتميع‬ ‫البيانات والدالئل التي تعزز مصداقية نظريتهم‪ ،‬ويفتشون باملقابل عن‬ ‫دالئل متكنهم من دحض النظرية األخرى وتكذيبها‪.‬‬


‫تكتب إحدى الطالبات في تأمالتها‪« :‬لكي أكون قادرة على احلوار‬ ‫واجلدل العلمي‪ ،‬فإن ذلك يستدعي مني‬ ‫البحث والتفتيش عن املعلومات والتأكد‬ ‫من مصداقيتها»‪.‬‬ ‫«عندما كنت أبحث عن شيء ما يتعلق‬ ‫وكتبت طالبة أخرى‪ :‬‬ ‫باملوضوع‪ ،‬أبحث عنه بدافع من‬ ‫داخلي»‪.‬‬

‫ما كان الفتا أثناء عملية البحث عن األدلة‪ ,‬هو تغير مواقف بعض‬ ‫الطلبة من نظرياتهم التي كانوا يتبنونها في ضوء ما كان يستجد معهم من‬ ‫بيانات‪ .‬فالطالبة نسرين مث ً‬ ‫ال كانت تدعم فكرة أن الظاهرة فعل إنساني‪،‬‬ ‫ومن ثم تغيرت نظرتها إلى ذلك والعكس صحيح بالنسبة للطالبة عزيزة‬ ‫(قارن موقف الطالبات في احلجج الضعيفة والقوية)‪ .‬ونبرر هذا التغير‬ ‫في املواقف إلى أن الطالبات ضمن النموذج املفاهيمي الذي يشتغلن عليه‬ ‫أو النظرية التي يبحثن فيها‪ ,‬قد ووجهن خالل عملية التحري العلمي‬ ‫مبعلومات وبيانات تتعارض وتتناقض مع تصوراتهن وتفسيراتهن‬ ‫األولية للقضية‪ .‬ويبدو أن تلك التناقضات ظلت تتراكم إلى أن وصلت‬ ‫حد اإلشباع‪ ,‬األمر الذي أفضى إلى هذه الرؤية االنقالبية في املواقف‪,‬‬ ‫فاضطررن بذلك إلى استبدال النظريات التي اشتغلن عليها‪ ,‬لتتبنى كل‬ ‫منهن النظرية النقيضة‪ ،‬علم ًا أن موقف الطالبات بشكل عام قد انحرف‬ ‫عن كلتا النظريتني عقب االنتهاء من املناقشة النقدية‪ ,‬حيث تولدت عنها‬ ‫نظرية جديدة احتوت النظريتني معاً‪ .‬وهذا ما أيدته أيض ًا نتائج االستبانة‬ ‫النهائية التي سنتطرق لها الحقاً‪.‬‬

‫يقول كوون في كتابه الشهير بنية الثورات العلمية‪ ,‬إن العلم يتقدم‬ ‫ويتطور ضمن صيرورة ثورية‪ ,‬والثورة عادة ما تطيح بالنظام القائم‬ ‫وتستبدل مكانه نظام ًا آخر جديد ًا على نحو دراماتيكي‪ .‬ويقصد كوون‬ ‫بالنظام؛ النموذج التفسيري‪ ،‬أو كما عبر عنه بـ»البراديغم»‪ ,‬ويرى من‬ ‫جانبه أن االنتقال من براديغم إلى آخر ال يتأتي إال عبر جملة النتائج‬ ‫التي تناقض النظرية أو النموذج أو التفسير السائد واملتفق عليه‪ ,‬بالتالي‬ ‫وجب جتاوزه والتخلي عنه لصالح منوذج تفسيري آخر يكون مبثابة بداية‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫السؤال هنا‪ ,‬كيف لنا أن نقرأ صيرورة هذا التحول والتنقل في مواقف‬ ‫الطلبة من النظريات التي تبنوها؟ وهل له ما يبرره من الناحية العلمية؟‬ ‫وإن كان‪ ,‬فهل هنالك من شواهد عبر تاريخ العلم تدعم ذلك‪.‬‬

‫املهم فيما طرح أن العلماء ال يقبلون النظريات العلمية كحلول للمشكالت‬ ‫مبعزل عن إخضاعها للبحث والتفنيد واملناقشة النقدية‪ ,‬وال يجادلون‬ ‫في القضايا العلمية من منظور عاطفي‪ .‬ونرى أن من الضروري وضع‬ ‫الطلبة في مثل هذه السياقات‪ ,‬فهي تتيح لهم فرصة مناقشة النظريات‬ ‫العلمية‪ ,‬ويتعلمون في إطار هذه املناقشات كيفية تنسيق األدلة وتوظيفها‬ ‫لبناء تفسيرات علمية مسندة بدالئل واستدالالت من وحي ممارساتهم‬ ‫البحثية‪ .‬ويبدو ذلك جلي ًا خالل احلجج القوية التي عرضناها سابقاً‪ .‬فكال‬ ‫الطالبتني تدافعان عن نظريتيهما ببيانات ودالئل وليس دفاع ًا عاطفي ًا كما‬ ‫هو حال حججهن الضعيفة التي ظهرت سابقاً‪ .‬لكن في املقابل إذا أمعنا‬ ‫النظر جيد ًا في احلجج القوية وحاولنا عمل مقارنة مع منوذج «توملن في‬ ‫اجلدل العلمي» سنجد أن هنالك عنصر ًا مفقود ًا من جملة العناصر التي‬ ‫اقترحها للحجة القوية وهو «دحض مزاعم اإلدعاء»‪ .‬وهذا يشير إلى أن‬ ‫الطالبات متحيزات كل لنظريتها‪ ,‬فهن لم ينتقدن نظرياتهن ولم يظهرن‬ ‫الظروف التي يعمل فيها اإلدعاء بشكل صحيح‪ ،‬وتلك التي يكون فيها‬ ‫باطالً‪ .‬ونعتقد أن الطالبات قد تعمدن إخفاءه أثناء اجلدل‪ .‬وبتقديرنا‬ ‫أن هذا شيء مبرر للطالبات‪ .‬فتاريخ العلم يثبت أن العلماء أيض ًا كانوا‬ ‫ينحازون لنظرياتهم وينتصرون إلدعاءاتهم على الرغم من وجود حجج‬ ‫علمية تدحض تلك االدعاءات‪ .‬ولنأخذ نظرية الفلوجستون كمثال‪ ,‬فقد‬ ‫ظل أنصار هذه النظرية متمسكني بها دون براهني أو أدلة‪ ,‬ومنهم بريستيلي‬ ‫الذي ظل يعتقد بهذه النظرية حتى وافته املنية‪ ,‬على الرغم من كفاية األدلة‬ ‫العلمية التي قدمها الفوازييه‪ ،‬والتي أثبت من خاللها أن ال وجود لشيء‬ ‫أسمه الفلوجستون‪ ,‬وتوصل من خالل جتاربه إلى نظرية جديدة قدم فيها‬ ‫تفسير ًا منطقي ًا لعملية االحتراق‪ ,‬حيث اعتبر األخير ناجت ًا عن احتاد كيميائي‬ ‫بني املادة احملترقة وغاز األكسجني (‪.)Thomas Kwon, 1978: 92‬‬

‫‪37‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫إن ما عبرت عنه الطالبات يشير في الواقع إلى األهمية التي يحظى بها‬ ‫االستقصاء العلمي‪ ,‬ليس كطريقة في التعلم فحسب‪ ،‬بل أيض ًا كأسلوب‬ ‫لصياغة احلجة العلمية والبرهان املنطقي‪ .‬فمن خاللها يستطيع الطلبة بناء‬ ‫وتطوير معارفهم الذاتية وتفسيراتهم اخلاصة التي مييلون من إطارها إلى‬ ‫نقد املعارف والنظريات العلمية وتقييمها مهما عال شأنها‪ ,‬ويتمكنون‬ ‫في ضوء ما استقصوه من بيانات ومعلومات من اتخاذ قرارات وحتديد‬ ‫مواقف قائمة على االقتناع احلر بها‪ .‬بعكس الطالب الذين يدرسون‬ ‫مادة العلوم بشكل سردي بعيد عن منطق العمليات‪ ,‬حيث مييلون إلى‬ ‫االستسالم والتسليم باملعارف والقوانني والنظريات‪ ،‬ثقة منهم في سلطة‬ ‫معلمهم وفي الكتاب املدرسي‪ ،‬وليس بسبب البرهان واحلجة املقنعة‬ ‫(‪.)Thomas Kwon, 1978: 119‬‬

‫ملنظور معرفي أو براديغم جديد‪ .‬ولنأخذ طبيعة الضوء كمثال‪ .‬ففي‬ ‫إطار النموذج املفاهيمي أو البراديغم الذي عمل فيه نيوتن كان ينظر‬ ‫إلى الضوء على أنه ذو طبيعة جسيمية‪ ,‬يتكون من جسيمات متناهية في‬ ‫الصغر‪ ,‬حيث اعتمد في منوذجه التفسيري على حقيقتني‪ ,‬األولى أن‬ ‫الضوء يسير في خطوط مستقيمة‪ ,‬والثانية أن الضوء يتحلل عند مروره‬ ‫في منشور زجاجي إلى ألوان عدة يتألف كل منها من نوع معني من‬ ‫اجلسيمات‪ ،‬وهي تسير بسرعات مختلفة‪ .‬لكن براديغم نيوتن عجز عن‬ ‫تفسير ظاهرة احليود واالنتشار للضوء‪ ,‬ما سرع بظهور منوذج تفسيري‬ ‫آخر استطاع تعليل هاتني اخلاصيتني ومتثل في النظرية املوجية على يد‬ ‫كريستيان هوينغز‪ .‬فإذا سلطنا مصدر ًا ضوئي ًا على حاجز به ثقب‪ ،‬فإن‬ ‫بقعة ضوئية ستتكون خلف احلاجز ويزداد اتساع هذه البقعة الضوئية‬ ‫كلما ابتعدنا عن الثقب‪ .‬وهذا يناقض احلقيقة األولى التي اعتمدها‬ ‫نيوتن في دعمه للنظرية اجلسمية‪ ,‬لكن نيوتن كان يرد بأن الضوء لو كان‬ ‫موجي ًا النعطف عند الظالل كما ينعطف الصوت عند احلواف ويصبح‬ ‫مسموعاً‪ .‬جاءت بعد ذلك جتارب أكثر دقة تثبت انعطاف الضوء‪ ،‬وأنه‬ ‫ميتلك خواص موجية‪ .‬ظل هذان النموذجان عاجزين عن تفسير سلوك‬ ‫الضوء‪ ،‬وأثقلت التناقضات كاهل النموذجني‪ ,‬إال أن جتارب أينشتاين‬ ‫تلغ‬ ‫األخيرة قد أعادة احلياة مرة أخرى إلى النظرية اجلسيمية‪ ،‬لكنها لم ِ‬ ‫النظرية املوجية أيضاً‪ ,‬وقدم منوذج تفسيري أثبت خالله أن الضوء‬ ‫جسيمات منفصلة تدعى «فوتونات»‪ ،‬وهي ذات طبيعة موجية وأدى‬ ‫اكتشافه هذا إلى والدة حقل علمي جديد عرف مبيكانيكا الكم‪ ،‬الذي‬ ‫يصف طبيعة تصرفات اجلسيمات األساسية في حياتنا‪.‬‬


‫مواقف نتجت أثناء فعل اجلدل‬ ‫‪38‬‬

‫ثمة عالقة جدلية قائمة بني العلم والدين‪ ,‬وهذه اجلدلية بينهما ليست‬ ‫بالشيء اجلديد والطارئ‪ ،‬بل هي قائمة منذ أمد بعيد‪ .‬ولطاملا كانت‬ ‫عالقة العلم بالدين موضع نقاش ونزاع بني العلماء والفالسفة ورجال‬ ‫الدين‪ .‬إن هذه اجلدلية قد انسحبت إلى جلسات احلوار والنقاش خالل‬ ‫هذه التجربة‪ ,‬وكانت تأتي في سياق عفوي ودون تخطيط مسبق‪.‬‬ ‫سأورد هنا موقفني متباينني أخذا من شريط الفيديو ويظهر فيهما تفاع ً‬ ‫ال‬ ‫مختلف ًا للطلبة واملعلمني مع املعرفة الدينية التي كانت تأتي بها الطالبة‬ ‫دعاء‪ ,‬وحتاول تسويقها كحجج ودالئل علمية تثبت فيها أن التغيرات‬ ‫املناخية احلاصلة قد تنبأ بها القرآن والسنة من قبل‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫املوقف األول‪:‬‬

‫دعاء‪“ :‬قال (ص)‪ :‬ال تقوم الساعة حتى تعود بالد العرب مروج ًا‬ ‫وأنهاراً”‪ .‬وقد فسرت الطالبة احلديث وربطته‬ ‫بالتغير املناخي من خالل إدعائها أن جزيرة العرب‬ ‫منطقة صحراوية غنية بالنفط‪ ,‬وأن هذا النفط‬ ‫أصله مادة عضوية تكونت بفعل حتلل الغابات‪.‬‬ ‫وافترضت الطالبة أن التغيرات املناخية اجلارية ما‬ ‫هي إال إجراء متهيدي ألن تعود هذه املناطق غابات‬ ‫خضراء كما كانت‪.‬‬ ‫لقد خلق هذا احلديث والتفسير سجا ً‬ ‫ال بني الطالبات وإحدى املعلمات‬ ‫التي أبدت اعتراضها على محاولة ربط املعرفة العلمية باملعرفة الدينية‪.‬‬ ‫أفضل أن أفصل الدين‬ ‫املعلمة رندة‪“ :‬عند احلديث عن األشياء العلمية ّ‬ ‫عنها‪ ،‬ألن العلم فعل إنساني وال أذهب للتدليل عليه‬ ‫بآيات من القرآن مثالً‪ ،‬كما أنني أشعر أحيان ًا بأن تلك‬ ‫اآليات هي فوق مستوى اإلدراك والتفسير العقلي”‪.‬‬ ‫“أنا ال أستطيع أن أفصل العلم عن الدين‪ ،‬وأرى أن العلم‬ ‫عزيزة‪ :‬‬ ‫مكمل للدين”‪.‬‬ ‫“أنا أتفق مع عزيزة‪ ،‬خصوص ًا وأن كثير ًا من القضايا‬ ‫كفا‪ :‬‬ ‫العلمية التي اكتشفت حديث ًا قد وردت في القرآن من‬ ‫قبل”‪.‬‬ ‫إنني أتفهم ما ادعته املعلمة من أن العلم هو فعل إنساني قابل للتغير‬ ‫والتبديل‪ ,‬لكنني في املقابل أرى أن الدين كممارسة يعد أيض ًا فع ً‬ ‫ال‬ ‫إنسانياً‪ ,‬لكن ما مييز أحدهما عن اآلخر هو في الكيفية التي يتم بها‬ ‫الوصول إلى املعرفة العلمية‪ .‬فلكل منهما منهجه اخلاص‪ ,‬الذي مييزه‬ ‫عن اآلخر‪ ,‬فالعلم مث ً‬ ‫ال يخضع الختبارات التجريب والتكذيب وال‬ ‫شيء فيه محصن ًا ويتسم بالقداسة‪ .‬كما يشترط فيه أيض ًا الثبات املنطقي‬ ‫الداخلي‪ .‬فتفسيراته يجب أن حتظى بقبول مختلف فروع العلم األخرى‪.‬‬ ‫وعلى عكس ذلك يكون الدين‪ ,‬فهو غير قابل للتجريب والتكذيب‪،‬‬ ‫وال تخضع نصوصه املقدسة ملنطق السؤال العلمي‪“ ,‬فالدين مبني على‬ ‫أساس اإلميان املطلق الذي ال تساؤل فيه” على حد تعبير لويس وولبرت‬ ‫(‪.)Lewis wolpert, 1993: 74‬‬

‫املوقف الثاني‪:‬‬

‫حاولت الطالبة دعاء مرة أخرى خالل اجلدل العلمي االستعانة بآية من‬ ‫القرآن الكرمي كدليل على تورط اإلنسان في الظاهرة موضع البحث‪,‬‬ ‫دعاء‪ :‬قال تعالى «ولنذيقنهم من العذاب األدنى دون العذاب األكبر‬ ‫لعلهم يرجعون)‪ .‬وقد ادعت الطالبة من خالل تفسيرها لهذه اآلية‪ ,‬أن‬ ‫ظاهرة التغير املناخي مبا حتمله من تلوث وغالء وبالء إمنا هي إنذار من‬ ‫الله‪ ,‬ونوع من العذاب األدنى‪ .‬لكن زميلتيها كفا وعزيزة ملا تذهبا هذه‬ ‫املرة في تأييدها‪ .‬وإذ نعزو هذا التغير في املواقف إلى إدراك الطالبات‬ ‫لطبيعة املعرفة العلمية ومدى قابليتها للتشكيك والطعن والتغيير بعكس‬ ‫العقائد الدينية الراسخة‪ ,‬فهي ثابتة ال تنمو‪ ,‬ألنها ليست إشكالية‪,‬‬ ‫بعكس العلم الذي يرتهن منوه وتقدمه على مستوى الزيادة في رهافة‬ ‫إشكالياته وعمقها‪.‬‬ ‫«العلم قابل للتغير والتبديل‪ ،‬وال يجوز أن نحكم على‬ ‫كفا‪ :‬‬ ‫األشياء بهذه الطريقة‪ ،‬لنفترض أن ظاهرة االحتباس عبارة‬ ‫عن وهم وخيال‪ ،‬بوصفك هذا سيكون القرآن على خطأ‬ ‫وهذا مستحيل»‪.‬‬ ‫عيسى ‪« :‬أنا مسيحي وأحترم الدين اإلسالمي‪ ،‬لكنني أفضل إبعاد‬ ‫الدين؛ سواء املسيحية أم اإلسالم عن األمور العلمية ألنها‬ ‫تتغير بعكس الدين ‪ . ...‬أنا أستطيع أن أرجع إلى الكتاب‬ ‫املقدس وأجد أدلة على أمور علمية‪ ،‬لكن ما الفائدة إذا‬ ‫طرحتها كأدلة على أناس ليسوا مسيحيني أو مدينني»‪.‬‬ ‫عزيزة‪« :‬أعتقد أن تفسير اآلية بهذا الشكل وربطها باالحتباس‬ ‫احلراري غير منطقي ‪ ...‬لنفترض أننا نتناقش مع عالم غير‬ ‫مسلم حول قضية االحتباس احلراري‪ ,‬أعتقد أن من الصعب‬ ‫إقناعه بوجهة نظرنا إذا قدمنا أدلة من الدين الذي هو ال يؤمن‬ ‫به‪ ,‬وأرى أن من األفضل أن نناقشه باألسلوب الذي يفهم‬ ‫وهو منطق العلم‪.‬‬ ‫يرى بعض العلماء والباحثني أن ك ً‬ ‫ال من العلم والدين ينتظمان ضمن‬ ‫منهجني متباينني ال مجال ملقارنة أو مقايسة أحدهما باألخر‪ ,‬فلكل منهما‬ ‫حقله اخلاص‪ ,‬فإذا كان مجال العلم هو الطبيعة وهدفه فيها إدراك وتعليل‬ ‫ظواهرها وكذا حتليل أطرها عبر احلس والعقل‪ ،‬فإن مجال الدين هو الله‬ ‫وهدفه التقرب إليه عبر النصوص املقدسة التي نزل بها الوحي‪ .‬في سياق‬ ‫هذا التصور‪ ،‬فإن العلم والدين يتمظهران في شكلني مستقلني من أشكال‬ ‫احلياة‪ ,‬حياة فيزيائية قوامها العقل اإلنساني وأخرى نفسية ال يتسع لها‬ ‫الوجود الفيزيائي وهي حياة املشاعر والتأمل الروحي واالبتهال إلى الله‪.‬‬ ‫طاملا أن العلم والدين بهذا التباين املنهجي؛ سواء على صعيد اللغة أم‬ ‫األهداف والطرائق‪ ,‬إذن فليس هنالك أي تناقض بينهما‪ ،‬وإن كان فهو‬ ‫تناقض ظاهري سطحي راجع إلى االختالف في طبيعة كل منهما‪ ,‬فإذا‬ ‫كانت «العقائد الدينية هي محاوالت لوضع التجربة الدينية البشرية في‬ ‫صيغة محددة‪ ,‬فإن العقائد العلمية هي محاوالت لوضع احلقائق التي‬ ‫تكتشفها احلواس في قوانني مقبولة» كما يقول (‪ .)whitehead‬ويرى‬ ‫أينشتاين من جانبه أنه ال ميكن أن يكون هنالك تضاد بني الدين والعلم‪,‬‬ ‫فالعلم بال دين أعرج‪ ،‬والدين بال علم أعمى”‪ .‬فعالقة العلم مع الدين‬ ‫هي عالقة تبادلية يوجه فيها الدين العلم نحو األخالق واجلمال‪ ,‬فيما‬ ‫مينع العلم الدين من النزوع نحو عالم البدع واألساطير والوثنية‪.‬‬


‫حتليل نتائج االستبانة‬

‫ ‪-‬يقوم العلماء بإنتاج املعرفة العلمية من مبادئ‪ ,‬وقوانني‪,‬ونظريات‪.‬‬ ‫وبعض هذه املعارف موجود في الكتب الدراسية‪ .‬ترى كيف يقوم‬ ‫العلماء بإنتاج مثل هذه املعارف العلمية؟‬ ‫متحورت إجابات الطلبة عن هذا السؤال حول دور املالحظة والتجربة‬ ‫كطرائق يتوصل من خاللها العلماء إلى املعارف العلمية‪ .‬فمنهم من‬ ‫قال إن التجربة هي الطريق الصحيح وآخرون ادعوا بأن املعارف يتم‬ ‫احلصول عليها عن طريق املشاهدات اإلمبريقية‪ ,‬فيما ذهب طرف ثالث‬ ‫نحو القول إن كثير ًا من املعارف مت اكتشافها مبحض الصدفة‪ .‬فكتبت‬ ‫الطالبة روان التالي‪:‬‬ ‫«يقوم العلماء بإنتاج هذه املعارف عن طريق إجراء التجارب‬ ‫واالختبارات على املوضوع الذي يتبناه العالم‪ ،‬وبعضها يتم اكتشافه عن‬ ‫طريق الصدفة ودون تخطيط‪ ,‬فنيوتن عندما اكتشف اجلاذبية كان جالس ًا‬ ‫حتت شجرة»‪.‬‬

‫صحيح أن كثير من املعارف العلمية التي توصل إليها العلماء هي معارف‬ ‫إمبريقية حسية‪ ,‬لكن ذلك ال يعني أن نغالي باحلس ونغفل دور العقل‬ ‫في الوصول إليها‪ ,‬فاملاليني قبل نيوتن شاهدوا سقوط التفاحة‪ ,‬لكنه‬ ‫وحده من استطاع ببصره وبصيرته النافذة إدراك معنى السقوط‪ .‬لذا‪،‬‬

‫متاثلت إجابات الطلبة حول هذا السؤال‪ ,‬حيث أجمعوا على أن املعرفة‬ ‫العلمية هي متغيرة وليست حقائق مطلقة‪ ,‬وقد دلل بعض الطلبة على‬ ‫ذلك بأمثلة من تاريخ العلم‪ .‬هذا التاريخ الذي يتم إغفاله في كثير‬ ‫من األحيان أثناء تدريسنا للعلوم‪ .‬كما أن هذه اإلجابات تعكس حالة‬ ‫مغايرة لتلك التي حملتها الطالبات إزاء املعرفة العلمية في بدايات هذه‬ ‫التجربة‪ ،‬حيث عبرت الطالبة روان عن التالي‪« :‬املعرفة العلمية متغيرة‬ ‫وغير ثابتة‪ ,‬فالعالم الذي قال إن األرض مركز الكون مت تعديل نظريته‪،‬‬ ‫وقيل أن الشمس هي مركز الكون‪ .‬فالعلماء بشر مثلنا يصيبون أحيان ًا‬ ‫ويخطئون أحيانا أخرى‪ .‬بالتالي‪ ،‬يجب علينا عدم تصديق كل ما‬ ‫يقولونه»‪ .‬كما أشارت الطالبة تهاني إلى أن املعارف العلمية يتم إنتاجها‬ ‫وفق ظروف خاصة‪ ,‬وال تكمن علميتها إال مبقدار انطباقها على الواقع‬ ‫أو قريب مما هو عليه بالفعل «العلماء يتوصلون إلى املعرفة بناء على‬ ‫مواقف وحاالت وظروف معينة‪ ,‬فيمكن لهذه الظروف أن تتغير وتتغير‬ ‫معها تلك املعارف»‪.‬‬ ‫في سياق الفعل البيداغوجي ال بد لنا كمعلمي علوم من تبيان أصول‬ ‫املعارف العلمية وتقدميها في سياق حبكة قصصية تظهر تطوراتها‬ ‫التاريخية‪ ,‬وهذا بالضرورة سيدفع الطلبة نحو رفض تقديس العلم‬ ‫واعتبار املعرفة صيرورة دائمة احلركة ولها تاريخ‪ ,‬هذا التاريخ ليس خط ًا‬ ‫واص ً‬ ‫ال بني نقطتني‪ ,‬إنه تاريخ التواءات وتعرجات ثورات وصراعات‪,‬‬ ‫انتصارات وهزائم‪ ,‬أخطاء وتصويبات‪ .‬فتاريخ العلم هو عبارة عن‬ ‫أفكار تصحح أخطاءها باستمرار كما يقول بوبر‪ .‬لذا جند من الضروري‬ ‫أن نولي تاريخ املعرفة اهتمام ًا خاصاً‪ ,‬ألنه من جانب قد يشكل مصدر‬ ‫إلهام بالنسبة للطلبة في اكتشاف أشياء جديدة قد ال تكون ذات صلة‬ ‫مبحتوى الدرس ومضمونه من جانب‪ ،‬ومن جانب آخر يتعرف الطلبة‬ ‫على أصول املعارف العلمية والسياق الذي نشأت وتطورت فيه‪ ،‬والذي‬ ‫يعكس في الوقت ذاته مسيرة تطور الفكر اإلنساني بكليته‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫وعبرت دعاء‪« :‬عن طريق املشاهدة والتأمل والتفكير في الظواهر‬ ‫الطبيعية»‪.‬‬ ‫وأجابت نسرين‪« :‬العلماء ينتجون املعرفة من خالل مالحظاتهم الدقيقة‬ ‫وقدرتهم على فهم وتفسير هذه املالحظات»‪.‬‬

‫هل تعتقد أن املعرفة العلمية املوجودة في الكتب املدرسية قد تتغير‬ ‫في املستقبل؟ وضح ذلك‪.‬‬

‫‪39‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫مت تقدمي هذه االستبانة للطلبة قبيل إجراء املناقشة النهائية التي متحورت‬ ‫حول انطباعاتهم املتعلقة بطبية العلم وموضوعية املعرفة العلمية‪ ،‬وذلك‬ ‫بهدف إعادة اختبار دقة النتائج وواقعيتها التي توصلت لها الدراسة‪،‬‬ ‫علما أن هنالك بعض البنود التي وردت في االستبانة لم يتم التطرق لها‬ ‫خالل هذه التجربة‪.‬‬

‫يقول كانط «املقوالت العقلية دون معطيات حسية جوفاء‪ ،‬واملعطيات‬ ‫احلسية دون مقوالت عقلية عمياء”‪ .‬بالتالي‪ ،‬فإن كل معرفة أو نظرية‬ ‫علمية تتضمن أصو ً‬ ‫ال عقلية وجتريبية‪ ,‬فال تكون التجربة ممكنة احلدوث‬ ‫ما لم يكن هنالك عقل قادر على تنظم معطيات احلس‪ .‬وحتى هذا‬ ‫االجتاه الذي يفترض أن املعرفة عقالنية جتريبية في آن معاً‪ ,‬بات‬ ‫قاصر ًا وبحاجة إلى إعادة تأهيل‪ ,‬السيما بعد أن شهد العلم حتوالت‬ ‫أبستمولوجية عميقة‪ ,‬انتقل فيها الواقع املادي من اإلطار املاكروسكوبي‬ ‫إلى امليكروسكوبي‪ ,‬ومن العالم املجرد واحملسوس إلى عالم الدقائق‬ ‫املعقد واملتناهي الصغر‪ ,‬بالتالي أصبحنا نقف أمام عوالم غير مباشرة‬ ‫يصعب وصفها‪ ,‬وأكثر ما يستطيع العلم تقدميه في هذا اجلانب هو بناء‬ ‫مناذج تقريبية لتسهل عملية الفهم والتفسير‪ ,‬كنموذج نيلز بور الذري‪،‬‬ ‫أو منوذج واطسون وكريك في بناء جزيء (‪ ،)DNA‬ومنوذج ذرة‬ ‫البنزين‪ .‬لذلك يشهد العلم نزوع ًا نحو جتاوز املسار اخلطي املتبع لعملية‬ ‫اإلنتاج املعرفي‪ ,‬الذي يبدأ باملالحظة ومير بصياغة الفروض والتجربة‪،‬‬ ‫وصو ً‬ ‫ال إلى التفسير والنتيجة‪ ،‬ليأخذ اإللهام والتأمل واخليال واحلدس‬ ‫موقعه ضمن هذا املسار‪.‬‬


‫‪40‬‬

‫افرض‪/‬ي أنك ذهبت إلى بائع زهور‪ ,‬ورأيت على الرف عبوة زجاجية‬ ‫مكتوب ًا عليها “سائل يجعل نباتاتك تنمو بسرعة كبيرة ‪ -‬جربه اآلن!”‪.‬‬ ‫كونك كنت زرعت نباتات من قبل‪ ,‬بالتالي هل تشك باالدعاء املكتوب‪.‬‬ ‫فكر‪/‬ي بتجربة متكنك من فحص هذا االدعاء‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫غالبية الطالبات شككن في صحة هذا اإلدعاء واجتهن في إجاباتهن‬ ‫نحو توظيف التفكير العلمي قبل إصدار احلكم واتخاذ القرار‪ ,‬ولعل‬ ‫األنشطة التي نفذت خالل هذه التجربة قد ساهمت بشكل كبير في‬ ‫حتفيز النظرة الناقدة لدى الطلبة إزاء ما يقرؤون ويسمعون‪ ،‬وأن يكونوا‬ ‫أصحاب رؤية علمية ��ني يتعلق األمر باتخاذ قرار حيال قضية ما‪,‬‬ ‫السيما تلك التي تأتي حتت عناوين وشعارات رنانة غالب ًا ما متارس‬ ‫سلطتها على عقولنا‪ ،‬وتذهب بتفكيرنا نحو السذاجة والفضول‪ .‬لقد‬ ‫اقترحت الطالبات مجموعة من اإلجراءات التي تشير إلى ا ّتباعهن‬ ‫خطوات البحث العلمي في تفنيد هذه املزاعم‪ ،‬والتأكد من صدقها‪.‬‬ ‫فكتبت إحداهن التالي‪:‬‬ ‫“مبا أنه بائع زهور‪ ,‬أحضر نباتني من نوع الزهور نفسه‪ ,‬واترك أحدهما‬ ‫على حاله بشكل طبيعي وأجرب السائل على النبات اآلخر‪ ،‬وأالحظ‬ ‫الفرق‪ ،‬وبهذه الطريقة أثبت صحة هذا اإلدعاء”‪.‬‬ ‫إن هذا النمط من التفكير مياثل إلى حد ما تفكير العلماء وإجراءاتهم التي‬ ‫يتبعونها في جتاربهم‪ ,‬كتجربة كلود برنارد مع األرانب ولويس باستور‬ ‫ودودة القز‪ ،‬وجتارب مندل على نبات البازيالء‪ ,‬الذي مكنهم في النهاية‬ ‫من التحقق من صدق القضايا العلمية التي يشتغلون عليها‪ ،‬واخلروج‬ ‫من جتاربهم بنتائج أكثر دقة وموضوعية‪.‬‬

‫هل يوجد فرق بني النظرية العلمية والقانون العلمي؟ وضح ذلك‬ ‫من خالل أمثلة‪.‬‬ ‫لم تتطرق الطالبات إلى فروقات جوهرية بني النظرية العلمية والقانون‬ ‫العلمي؛ سواء من حيث الثبات والتطبيق أم القدرة على التنبؤ والقابلية‬ ‫للتعميم‪ .‬وقد حصرن إجاباتهن في وظيفة النظرية من حيث قدرتها على‬ ‫تفسير الظواهر الطبيعية‪ ،‬وأعطني أمثلة على نظريات علمية من قبيل‬ ‫نظرية دالتون الذرية االنفجار العظيم‪ ،‬ونظرية كوبرنيكوس‪ .‬فريق آخر‬ ‫من الطالبات انطوت إجاباتهن على فهم ورؤية خاطئة للقانون العلمي‪,‬‬ ‫فنظرن له على أنه مجرد رموز وعالمات وحروف يستخدمونها حلل‬ ‫مسألة ما‪ .‬وليست القوانني من حيث ارتباطها بالواقع وقدرتها على‬ ‫متثيله‪ .‬فمث ً‬ ‫ال كتبت إحدى الطالبات أن “القانون العلمي إما رموز‬ ‫وإما إشارات وإما حروف (القاعدة) التي نستخدمها للوصول إلى حل‬ ‫معني”‪ .‬وأضافت أخرى “إن القانون العلمي عبارة رياضية نستخدمها‬ ‫حلل مسألة ما”‪.‬‬ ‫طالبتان فقط من مجموع الطالبات حاولن االقتراب من مفهوم النظرية‬ ‫والقانون‪ ،‬وأحملن إلى بعض الفروقات التي تضمن بعض املغالطات‬ ‫التي نرغب في تبيانها‪ .‬فكتبت الطالبة عزيزة مث ً‬ ‫ال أن “النظرية عبارة عن‬ ‫تفسير ملجموعة من املالحظات والظواهر الطبيعية التي حتدث من حولنا‬ ‫في ظرف معني‪ ،‬ومحاولة تفسيرها على أساس علمي‪ .‬أما القانون‬

‫فهو عبارة عن ربط ملجموعة من املفاهيم للوصل إلى تطبيق لها‪ ,‬مثل‬ ‫قانون السرعة‪ ,‬حيث نحتاج حلساب السرعة إلى املسافة والزمن‪ ،‬وهو‬ ‫قابل للتطبيق على أرض الواقع‪ ،‬من خالل جتربة تثبت دقته”‪ .‬وعلقت‬ ‫الطالبة كفا في إجابتها أيض ًا على أن “النظرية العلمية تفسر لنا الظواهر‬ ‫التي نشاهدها وتقدم لنا حلو ً‬ ‫ال للمشاكل‪ ،‬أما القانون فهو دليل وبرهان‬ ‫من الواقع‪.‬‬ ‫نلمس في إجابات الطالبتني إشارات إلى أن القانون العلمي ينبثق من‬ ‫الواقع واخلبرة وتؤيده نتائج التجربة‪ ,‬على عكس ما تطرقن به فيما‬ ‫يخص النظرية‪ ,‬حيث ربطتا نشوء النظرية العلمية باملالحظة واملشاهدة‬ ‫اإلمبريقية‪ .‬وهذا صحيح في جانب منه‪ ,‬لكن النظرية من زاوية أخرى‬ ‫تعتمد بدرجة كبيرة على اخليال واحلدس واإللهام إلى جانب معطيات‬ ‫الواقع وتفاصيله‪ .‬فكوبرنيكوس مث ً‬ ‫ال لم َير األرض وهي تدور حول‬ ‫الشمس‪ ,‬واعتمد بشكل أساسي على عقله الذي قهر به كل احلواس‬ ‫التي حاولت تضليله وإبعاده عن فكرة مركزية الشمس ودوران األرض‬ ‫حولها (الكاللدة وآخرون‪ .)67 :‬أما اجلانب األقوى يتعلق مبا طرحته‬ ‫الطالبة كفا‪ ,‬في كون النظريات العلمية تقدم لن ًا حلوال للمشكالت‪.‬‬ ‫فالعلم أساس ًا مبني على املشكالت وعلى مبدأ السببية‪ .‬مبعنى أن لكل‬ ‫مشكلة سبباً‪ ,‬وفي سياق عمليات البحث والتحري عن تلك األسباب‬ ‫يتم ابتداع احللول املرحلية والتبريرات املنطقية التي يتم تأطيرها على‬ ‫شكل قوانني ونظريات تخضع بالضرورة لعمليات فحص وتفنيد‪ ,‬نقد‬ ‫ومحاججة عقالنية من قبل العلماء قبل اعتمادها‪ ,‬وذلك لتحديد قوتها‬ ‫التفسيرية ومدى اتساقها واتفاقها مع النظريات األخرى‪ ,‬فالنظريات‬ ‫العلمية ما هي إال حلول مؤقتة ومبدئية لتلك املشكالت (‪popper,‬‬ ‫‪.)1997: 189‬‬

‫ما هو الفرق بني املعرفة العلمية والرأي العلمي؟ وضح ذلك‪.‬‬ ‫استطاعت الطالبات بشكل عام التمييز بني املعرفة العلمية والرأي‬ ‫العلمي‪ ,‬حيث أجمعن على أن املعرفة العلمية هي إجابات مقنعة عن‬ ‫األسئلة التي يواجهها العلماء‪ ,‬ويتم التأكد منها خالل عمليات البحث‬ ‫واالستقصاء العلمي‪ .‬كما أشارت بعض الطالبات إلى أن املعرفة العلمية‬ ‫أكثر صدق ًا وثبات ًا وقابلية للتعميم من الرأي العلمي‪ .‬وذلك ألنها تستند‬ ‫إلى أدلة وبراهني متفق عليها من قبل جمهور العلماء‪ ,‬بعكس الرأي‬


‫الذي ال ميثل إال صاحبه‪ .‬وللتدليل على ذلك أقتبس بعض ًا من إجابات‬ ‫الطالبات‪.‬‬ ‫دعاء‪« :‬املعرفة العلمية ناجتة عن أسئلة العلماء‪ ،‬ويتم التحقق منها‬ ‫عن طريق عمليات البحث واالستقصاء‪ ،‬وبالرجوع إلى‬ ‫مصادر متنوعة وهي مقنعة‪ .‬أما الرأي العلمي‪ ،‬فهو مجرد‬ ‫قول يقتنع به صاحبه دون أن يقتنع به اآلخرون»‪.‬‬ ‫تهاني ‪« :‬الرأي العلمي ميكن أن يكون صائب ًا أو خاطئاً‪ ،‬أما املعرفة‬ ‫فهي مكتسبة من دالئل وبراهني»‪.‬‬ ‫أفنان ‪« :‬املعرفة العلمية شيء مشترك بني اآلخرين‪ ،‬وتكون ثابتة‬ ‫بشكل مؤقت‪ ,‬أما الرأي فيقوله العالم ويعبر فيه عن وجهة‬ ‫نظره دون أن يتقيد بنظرية شخص آخر‪.‬‬ ‫اتفق العلماء على أن األرض تشهد ارتفاع ًا في درجات احلرارة‪ ,‬لكنهم‬ ‫ما زالوا مختلفني فيما بينهم حول سبب هذا االرتفاع‪ .‬فالبعض يعتقد‬ ‫أن الظاهرة نتاج الفعل اإلنساني وأنشطته الصناعية املختلفة‪ ,‬والبعض‬ ‫اآلخر يعتقد أنها نتاج لدورة األرض الطبيعية‪.‬‬

‫أجمع الطلبة على أن ظاهرة االحترار العاملي هي قضية تسبب فيها‬ ‫اإلنسان‪ ,‬لكنهم في الوقت ذاته لم يستبعدوا دور الطبيعة في ذلك‪،‬‬ ‫حيث عبرت بعض الطالبات عن أن األرض شهدت في مراحل سابقة‬ ‫فترات باردة وأخرى ساخنة تبع ًا لدورتها الطبيعية‪ ,‬إال أن الفعل‬ ‫اإلنساني قد فاقم هذه الظاهرة وأخرجها عن سياقها الطبيعي‪.‬‬ ‫هل أنت متفاجئ من اختالف العلماء في حتديد سبب ظاهرة االحتباس‬ ‫احلراري؟ فمن املعروف أن جميع العلماء في هذا املجال يستخدمون‬ ‫البيانات نفسها لتفسير سبب ظهورها‪ .‬كيف ميكن أن يستخدم العلماء‬ ‫البيانات نفسها ومع ذلك يتوصلون إلى نتائج مختلفة؟ وضح ذلك‪.‬‬

‫خامتة وتوصيات‬ ‫لقد وجدنا من خالل هذا البحث اإلجرائي‪ ،‬وعبر ما تطرقنا له من نتائج‬ ‫في هذه التجربة‪ ،‬أن تغير ًا قد طرأ على معتقدات املشاركني فيما يتعلق‬ ‫بطبيعة املعرفة العلمية‪ ,‬فبعد أن كان الطلبة ينظرون إلى األخيرة على أنها‬ ‫معرفة ثابتة ومحصنة مبا يكفي ضد النقد والشك‪ ,‬أصبحوا ميوضعونها‬ ‫في إطار رؤية حتليلية ونقدية مكنتهم من إدراك مدى قابليتها للتغير‬ ‫والتبديل من جانب‪ ،‬وأنها ليست منعزلة عن املصالح الذاتية والسياسية‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫متايزت إجابات الطلبة عن هذا السؤال‪ ,‬حيث عبر فريق من الطلبة عن‬ ‫عدم تفاجئهم من اختالف العلماء في حتديد سبب الظاهرة‪ ,‬مبررين‬ ‫ذلك أن لكل عالم طريقته اخلاصة في التفكير والبحث‪ ،‬وكذلك لهم‬ ‫أدواتهم املتمايزة في الدقة‪ ,‬التي متكنهم من الوصول إلى املعلومات التي‬ ‫في ضوئها يتم حتديد النتائج‪ ،‬حيث كتبت إحدى الطالبات في إجابتها‬ ‫“أنا لست متفاجئة‪ ,‬ألن كل شخص له بيئته التي يعمل فيها وطرائقه‬ ‫اخلاصة في التفكير التي تعطيه أدلته وبراهينه التي تثبت صحة كالمه”‪.‬‬ ‫فريق آخر من الطالبات أبدى عدم رضاه عن هذا االختالف‪ ،‬وشكك‬ ‫في عدم قدرة العلماء على الوصول إلى معلومات موضوعية دقيقة‬ ‫تظهر سبب هذه القضية‪ ،‬السيما بعد هذا التطور الكبير الذي يشهده‬ ‫العلم‪ ,‬فما هو موضوعي يجب أن يكون مشترك ًا بني جميع العلماء‪،‬‬ ‫حيث ادعت الطالبة عزيزة “أن العلماء يستخدمون معدات تكنولوجية‬ ‫حساسة ودقيقة‪ ،‬فما الذي مينعهم من الوصول إلى معلومات مشتركة‬ ‫‪ ...‬بتقديري أن العلماء في الدول الصناعية رمبا يبنون قراراتهم بناء‬ ‫على السياسة واالقتصاد‪ ،‬فيأخذون جانب ًا معين ًا من البيانات ويتركون ما‬ ‫يتعارض مع مصاحلهم ومصالح الدولة”‪.‬‬

‫“أصبح لدي ما يعرف بالشك في بعض األمور التي‬ ‫عزيزة‪ :‬‬ ‫ال اقتنع بصحتها‪ ،‬وأحاول دائم ًا التوصل إلى رأي‬ ‫منطقي بالنسبة لي كما أكتشف أيض ًا أن كل شخص‬ ‫لديه معرفة في داخله”‪.‬‬ ‫وأضافت الطالبة‪ :‬إن احلوار طريقة رائعة في التدريس‪ ،‬وهو ما ينقصنا‬ ‫في املدرسة‪ ،‬وقد تعلمت من خالله طرق ًا جديدة في‬ ‫التفكير‪ ،‬واألهم من هذا وذاك أصبح لدي القدرة‬ ‫على إيصال وجهة نظري إلى اآلخرين بطرق سليمة‬ ‫حتقق مبتغاي‪.‬‬ ‫“كانت املعرفة بالنسبة لي هي املوجودة في الكتب‪,‬‬ ‫روان‪ :‬‬ ‫لكن في هذا املشروع أصبحت نظرتي للمعرفة‬ ‫مختلفة‪ ،‬وأبحث في مراجع مختلفة مثل اإلنترنت‬ ‫كما أصبحت أيض ًا أبحث عن حقائق األمور واألشياء‬ ‫التي أشك بها”‪.‬‬ ‫“كنت أعتقد أن املعرفة العلمية ثابتة وال ميكن‬ ‫كفا‪ :‬‬ ‫التشكيك بها‪ ,‬أما اآلن فتغيرت هذه الفكرة‬ ‫وأصبحت مقتنعة بأن املعرفة قابلة للتغير والتعديل‪،‬‬ ‫ويجب التشكيك بها‪ ،‬ألن الشك يجلب معه اليقني‪.‬‬ ‫ومن األشياء التي أعجبتني أنه عندما كنت أبحث عن‬ ‫شيء ما يتعلق باملوضوع‪ ،‬كنت أبحث عنه بدافع من‬ ‫داخلي وليس من أجل العالمات”‪.‬‬ ‫“تعلمت من هذه التجربة أشياء كثيرة‪ ،‬منها البحث‬ ‫دعاء‪ :‬‬ ‫عن املعلومات‪ ،‬وتوجيه الشك نحو األشياء التي ال‬ ‫نقتنع بها وليس التسليم بها‪ ،‬وأن تكون املعرفة العلمية‬ ‫في املدرسة عن طريق اجلدل واحلوار وليس عن طريق‬ ‫التلقني ألن هذه الطريقة متكننا من التمسك بآرائنا‬ ‫والوثوق بها إذا كانت صحيحة‪ ،‬وفي الوقت نفسه‬ ‫احترام آراء اآلخرين عند طرح أفكارهم ومحاولة‬ ‫تغيير مواقفنا إذا اقتنعنا بأنها غير صحيحة”‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ما هو رأيك في هذه القضية؟ وضح إجابتك‪.‬‬

‫يبدو من خالل ما سجلته الطالبات أنهن تطورن خالل هذه التجربة‪،‬‬ ‫وتغيرت كثير من معتقداتهن حول املعرفة‪ ,‬بحيث أصبح لدى البعض‬ ‫املقدرة على النقد والتشكيك باملعرفة العلمية وربطها باملصلحة‬ ‫واأليديولوجيا‪ .‬وقد أرجعت الطالبات هذه القدرة إلى حلقات احلوار‬ ‫واجلدل التي كانت تدور في هذه التجربة‪ .‬وهذه بعض االقتباسات التي‬ ‫كتبتها الطالبات عندما وجهت لهن السؤال التالي‪“ :���ما هي املعتقدات‬ ‫التي كنت حتملها عن املعرفة العلمية وتشعر بأن تغير ًا قد طرأ عليها خالل‬ ‫هذه التجربة؟ وضح ذلك”‪.‬‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪42‬‬

‫واأليديولوجية من جانب آخر‪ .‬إن دوافع التغيير هذه جاءت بالدرجة‬ ‫األولى نتيجة للمناخ احلواري الذي أتاح للطالب فرصة التفاعل واملناقشة‬ ‫واحلوار الدائم مع زمالئه املتعلمني ومع املعلمني والباحثني املشاركني في‬ ‫التجربة‪ ,‬وقد وجدنا في التعلم املبني على احلوار فرصة لالختالف‬ ‫واالعتراض وتعدد اآلراء وليس االتفاق أو اخلروج برؤية موحدة حول‬ ‫املوضوعات التي كانت تطرح‪ .‬كما أن مشاركة املعلمني الطلبة في احلوار‬ ‫قد ساهمت في كسر الترسيمات التقليدية املتبعة في أغلب مدارسنا‪,‬‬ ‫فنوعية اخلطاب بدت مغايرة ملا هو سائد ومألوف وتوفرت فيه مساحة من‬ ‫احلرية تعززت فيها إمكانات الطلبة على استحضار معارفهم السابقة‪،‬‬ ‫وتوليد األفكار وطرح التساؤالت التي كانت تثري هذا احلوار وتغنيه‪.‬‬ ‫مت توظيف أنواع متعددة من أساليب التعلم خالل هذه التجربة‪ ،‬واعتمدنا‬ ‫بشكل رئيسي على توظيف منهجية الشك نظر ًا للمعتقدات التي حملها‬ ‫الطلبة إزاء املعرفة العلمية التي تطرقنا إليها سابقاً‪ ,‬وقد وجدنا أن هذه‬ ‫الطريقة تعزز وتنمي في الطلبة مهارة التفكير العلمي الناقد وتثير دافعيتهم‬ ‫نحو ممارسة عمليات العلوم كالبحث واالستقصاء‪ ,‬وهذا ينعكس بشكل‬ ‫إيجابي ليس على إدراك الطلبة وفهمهم لطبيعة املعرفة العلمية فحسب‪,‬‬ ‫بل ينسحب أيض ًا على استخدامه كطريقة للحياة‪ ,‬فقد أشارت الطالبة‬ ‫عزيزة إلى أنها جلأت في أكثر من مناسبة الستخدام االستقصاء كطريقة‬ ‫للتأكد من مصداقية بعض األمور‪ ,‬فذات مرة كما ذكرت الطالبة‪,‬‬ ‫وهي تتابع أحد املسلسالت التلفزيونية‪ ،‬أن بطلة املسلسل قد أصيبت‬ ‫مبرض عضال‪ ,‬فاضطرت بذلك إلى استخدام اإلنترنت والبحث عن‬ ‫أسباب ومسببات هذا املرض ودرجة خطورته‪ .‬على هذا النحو يتجاوز‬ ‫االستقصاء العلمي دوره كأسلوب لتنفيذ بعض األنشطة واملواقف الصفية‬ ‫إلى إمكانية استخدامه وتوظيفه ضمن مواقف حياتية حقيقية‪.‬‬ ‫لكن منهجية الشك في املقابل تنطوي على محاذير عدة‪ ,‬فمن وجهة‬ ‫نظرنا ومن خالل معايشتنا لهذه التجربة‪ ,‬وجدنا أن اإلغراق في‬ ‫استخدام الشك صفي ًا من شأنه أن يعود بنتائج سلبية على الطلبة‪ ,‬فما‬ ‫ساور الطالبة روان من شك نتيجة حصولها على بيانات متناقضة حول‬ ‫الظاهرة ورفضها االنضمام إلى حلقات اجلدل كان مؤشر ًا على ذلك‪,‬‬ ‫لذا ينبغي على املعلم حني يستخدم هذه الطريقة أن يظهر للطلبة أن‬ ‫الشك هو مجرد خطوة في عملية التفكير ويقود إلى معرفة أكثر انضباط ًا‬ ‫وموضوعية‪ .‬صحيح أن التناقض في املعلومات والبيانات قد يولد حالة‬ ‫من اإلرباك والالاتزان عند الطلبة‪ ,‬لكننا نرى فيه من زاوية أخرى أمر ًا‬ ‫محمود ًا إذا أمكن ضبطه واستغالله بطريقة بناءة‪ .‬فقد وجدنا في هذا‬ ‫التناقض حافز ًا قوي ًا وعام ً‬ ‫ال حاسم ًا في تفجير احلوار واجلدل العلمي‬ ‫بني الطلبة‪ ,‬وعبر الطلبة في كثير من انطباعاتهم التي قدمنا جزء ًا منها‬ ‫عن أنهم يرغبون في تعلم العلوم بهذه الطريقة‪ .‬لذا يتعني على املعلم‬ ‫الذي يعمد الستخدام اجلدل العلمي صفي ًا ويرغب في استمراره في‬ ‫إطار احلصة أن ال يقيم عالقة تهدئة بني هذه املتناقضات‪ ,‬ألنها من‬ ‫جانب تشجع الطالب على طرح التساؤالت وفرض الفروض وبناء‬ ‫التفسيرات‪ ,‬وتفقد في سياقها املعارف قدسيتها وصنميتها وثباتها‪.‬‬ ‫«فاجلدل هو القوة الكلية التي ال تقاوم‪ ,‬والتي ال ميكن ألي شيء أن‬ ‫يقف في وجهها‪ ,‬مهما اعتبر هذا الشيء نفسه محصن ًا وثابتاً‪(.‬هيجل‪،‬‬ ‫‪ ،)21 :1985‬فض ً‬ ‫ال عن أن اجلدل العلمي يزود الطلبة بشيء عن طبيعة‬ ‫العلوم واملعرفة العلمية‪ ،‬ويعمل على تعميق املستوى املعرفي لدى املعلم‬

‫في احملتوى والتخصص‪.‬‬ ‫على الرغم من أن هذه التجربة قد عاجلت معظم املعتقدات اخلاطئة عند‬ ‫الطلبة التي مت الكشف عنها خالل اللقاءات األولى‪ ,‬والتي في إطارها‬ ‫متت صياغة مجموعة األهداف التي سقناها آنفاً‪ ،‬فإنه كان بإمكاننا الظفر‬ ‫مبزيد من اإلجنازات على صعيد إدراك طبيعة العلوم واملعرفة العلمية‪,‬‬ ‫فيما لو كانت القضية التي اشتغلت عليها التجربة قابلة للتجريب‬ ‫واملالحظة املباشرة‪ .‬ونتيجة لفقدان هذا اجلانب‪ ،‬فقد أغرقت التجربة‬ ‫من خالل مجموعة األنشطة في التركيز على دور العقل في بناء املعارف‬ ‫وإنتاجها‪ ,‬كطرح التساؤالت‪ ,‬واستخالص النتائج‪ ,‬وبناء احلجج‬ ‫والتفسيرات‪ ,‬واجلدل العلمي‪ ,‬واملقارنة بني املعرفة العلمية والرأي‬ ‫الشخصي ‪ ...‬إلخ‪ ،‬وتلك في مجملها نشاطات تنسب إلى العقل‪.‬‬ ‫فيما أغفلت تلك األنشطة اجلانب اإلمبريقي احلسي وعالقته بصيرورة‬ ‫اإلنتاج املعرفي‪ .‬لذا أعتقد ومن خالل نتائج االستبانة التقييمية األخيرة‪،‬‬ ‫أن هنالك مؤشرات ومجموعة من االستدالالت التي ميكن في ضوئها‬ ‫مستقب ً‬ ‫ال بناء جتارب على ظواهر طبيعية أو أنشطة تعليمية تظهر طبيعة‬ ‫العلوم اإلمبريقية والعقالنية في آن معاً‪.‬‬ ‫وعلى املستوى الشخصي كباحث ومعلم في الوقت نفسه‪ ,‬فقد‬ ‫عملت هذه التجربة على إثراء مخزوني املعرفي في مجال التخصص‪,‬‬ ‫فمشاركات املعلمني وتدخالتهم على اختالف تخصصاتهم‪ ،‬وكذلك‬ ‫الباحثني والطلبة‪ ,‬كانت تخلق جو ًا من التفاعل النشط بني هذه األطراف‬ ‫وبشكل يسمح بتبادل األفكار واخلبرات‪ .‬كما كانت هذه التدخالت تنزع‬ ‫في كثير من األحيان نحو مناقشة بعض املواقف الصفية وسبل حتسينها‬ ‫وتطويرها‪ ,‬األمر الذي انعكس بشكل إيجابي على مستوى أدائي‬ ‫الوظيفي‪ .‬كما أنني أصبحت أكثر إميان ًا ووعي ًا بأهمية البحث اإلجرائي‪,‬‬ ‫ليس فقط في تقييم ونقد ممارساتي الصفية وتطويرها فحسب‪ ,‬بل أيض ًا‬ ‫في حتديد األساليب واإلستراتيجيات التي يرغب الطلبة في التعلم من‬ ‫خاللها‪ ،‬وكذلك اإلجراءات التي ينبغي أن أقيم بها أداءهم الصفي‪ ,‬فقد‬ ‫استنتجت من خالل هذا البحث أن أساليب التقييم التقليدية واملتمثلة في‬ ‫االختبارات التحصيلية هي إجراء غير منصف وال يعطي نتائج دقيقة‪.‬‬ ‫وأقترح إلى جانب ذلك إجراءات تقييم أخرى‪ ،‬تأخذ بعني االعتبار‬ ‫قدرتهم على احلوار‪ ،‬واملناقشة‪ ،‬ونقد املعرفة‪.‬‬ ‫توصيات‪:‬‬ ‫ < تكرار مثل هذه التجارب مع األخذ بعني االعتبار العمل على ظواهر‬ ‫قابلة للمالحظة والتجريب وإشراك عدد أكبر من املعلمني والطلبة‬ ‫فيها‪.‬‬ ‫< متابعة املعلمني والطلبة املشاركني صفياً‪ ،‬لتحديد أثر املتغيرات التي‬ ‫حتدثها مثل هذه التجارب‪.‬‬ ‫< تعميم هذه التجربة وعرض نتائجها عبر الصفحة اإللكترونية ومجلة‬ ‫رؤى تربوية‪ ،‬وإتاحة املجال للحديث عنها ضمن املؤمترات واأليام‬ ‫الدراسية التي يعقدها املركز‪.‬‬ ‫< العمل على تطوير قدرات املعلمني في استخدام اجلدل العلمي وتوظيفه‬ ‫صفياً‪.‬‬ ‫ < تقدمي مساق خاص يعنى بتدريب املعلمني على مناهج البحث‬ ‫اإلجرائي‪.‬‬


‫الهامش‬ ‫‪Establishing the Norms of scientific Argumentation in classrooms ,Drivers &others,p-293.‬‬

‫‪1‬‬

‫‪43‬‬

‫املراجع‬

‫املراجع باللغة اإلجنليزية‪:‬‬ ‫‪< Abd-El-Khalick, F. (2002, April). The development of conceptions of the nature of scientific knowledge and knowing‬‬ ‫‪in the middle and high school years: A cross-sectional study. Paper presented at the annual meeting of the National‬‬ ‫‪Association for Research in Science Teaching, New Orleans, LA.‬‬ ‫‪< Shirley Simon & OTHERS,(2006 February), Learning to Teach Argumentation Research and development in the‬‬ ‫‪science classroom, P-240.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫مشهد من مسرحية «مزرعة احليوانات» لطلبة مدرسة التمثيل في مسرح احلرية في جنني‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫املراجع باللغة العربية‪:‬‬ ‫< أوميس‪ ,‬روالن (‪ .)2008‬فلسفة الكوانتم‪ ,‬ت‪ :‬مينى اخلولي‪ ,‬الكويت‪ :‬سلسلة عالم املعرفة‪.‬‬ ‫< بوانكاريه‪ ,‬هنري (‪ .)2006‬قيمة العلم‪ ,‬بيروت‪ :‬دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع‪.‬‬ ‫< بوبر‪ ,‬كارل (‪ .)1986‬منطق الكشف العلمي‪ ,‬ت‪ :‬ماهر عبد القادر‪ ,‬ط‪ ,1‬بيروت‪ :‬دار النهضة‪.‬‬ ‫< بوبر‪ ,‬كارل (‪ .)1997‬أسطورة اإلطار‪ ,‬ت‪ :‬مينى اخلولي‪ ,‬ط‪ ,1‬الكويت‪ :‬سلسلة عالم املعرفة‪.‬‬ ‫< زكريا‪ ,‬فؤاد (‪ .)1978‬التفكير العلمي‪ ,‬ط‪ ,1‬الكويت‪ :‬سلسلة عالم املعرفة‪.‬‬ ‫< زيتون‪ ,‬عايش محمود (‪ .)2007‬النظرية البنائية وإستراتيجيات تدريس العلوم‪ ,‬ط‪ ,1‬عمان ‪ -‬األردن‪ :‬دار الشروق للنشر‪.‬‬ ‫< شاملز‪ ,‬آالن (‪ .)1991‬نظريات العلم‪ ,‬الدار البيضاء ‪ -‬املغرب‪ :‬دار توبقال للنشر‪.‬‬ ‫< عبد املنعم‪ ,‬مجاهد (‪ .)1985‬رحلة في أعماق اجلدل العلمي‪ ,‬ط‪ ,1‬القاهرة‪ :‬دار الثقافة للنشر والتوزيع‪.‬‬ ‫< عبد الكرمي‪ ,‬راشد (‪“ .)2007‬أثر ما بعد احلداثة على التعليم”‪ ,‬ورقة مقدمة للقاء اجلمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية‪ ،‬الرياض‪.‬‬ ‫< غاستون‪ ,‬باشالر (‪ .)1982‬الفكر العلمي اجلديد‪ ,‬ت‪ :‬عادل العوا‪ ,‬ط‪ ,2‬بيروت – لبنان‪ :‬املؤسسة اجلامعية للدراسات والنشر‪.‬‬ ‫< غاستون‪ ,‬باشالر (‪ .)2006‬تكوين مفهوم املمارسة األبستمولوجية‪ ,‬ت‪ :‬محمد هشام‪ ,‬ط‪ ,1‬أفريقيا الشرق‪.‬‬ ‫< الكاللدة‪ ,‬علي وآخرون (‪ .)1995‬الثقافة العلمية‪ ,‬رام الله‪ ,‬فلسطني‪ :‬وزارة التربية والتعليم‪.‬‬ ‫< كوون‪ ,‬توماس (‪ .)1962‬بنية الثورات العلمية‪ ,‬ت‪ :‬شوقي جالل‪ ,‬الكويت‪ :‬سلسلة عالم املعرفة‪.‬‬ ‫< مكنيف‪ ,‬جني (‪ .)2001‬ترجمات في مجال البحوث اإلجرائية‪ ,‬ت‪ :‬إسماعيل فقعاوي‪ ,‬ط‪ ,1‬رام الله – فلسطني‪ :‬مركز القطان للبحث والتطوير التربوي‪.‬‬ ‫< وولبرت‪ ,‬لويس (‪ .)2001‬طبيعة العلم غير الطبيعية‪ ,‬ت‪ :‬سمير حنا‪ ,‬القاهرة‪ :‬املجلس األعلى للثقافة‪.‬‬


‫ترجمات في العلوم املعرفية‬

‫‪44‬‬

‫جورج فينيو*‪ ,‬ترجمة‪ :‬د‪ .‬عز الدين اخلطابي‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫من االنشغال مبقولة املعرفة‪ ،‬نفتتح هذه الصفحات حول العلوم املعرفية بغية االطّ الع على املنجز اإلنساني في هذا احلقل‪ ،‬ونقدم هذه الترجمة لفصلني‬ ‫للكاتب الفرنسي جورج فينيو ترجمة عز الدين اخلطابي‪ .‬والفصالن يناقشان سياقات ميالد علوم املعرفة وإشكاالت تلك الوالدة والفضاءات‬ ‫اجلديدة الناجتة من انفتاحها على حقول العلوم النفسية واالجتماعية واللسانية‪ ،‬ويتصديان لطرح أسئلة في صلب مضمون املعرفة وعمليات تشكلها‬ ‫واشتغالها‪ .‬كما يتصديان لقضيتني أساسيتني وهما‪ :‬املجاالت اجلديدة للعلوم املعرفية وأسئلتها اجلوهرية وآفاقها‪ .‬فهناك حتديد ملسار هذه العلوم‬ ‫التي تهتم بالوظائف الكبرى للذهن كالتذكر‪ ،‬والوعي‪ ،‬والفهم‪ ،‬واالستدالل ‪ ...‬الخ‪ ،‬وهناك انفتاح على املجاالت التي تطورت األبحاث‬ ‫املعرفية في إطارها‪ ،‬مثل العلوم العصبية‪ ،‬والسيكولوجيا‪ ،‬واللسانيات‪ ،‬واملعلوميات‪ ،‬ما يؤكد على أن مستقبل هذه العلوم واعد بالعطاء‪.‬‬ ‫هيئة التحرير‬

‫(‪)1‬‬

‫العلوم املعرفية‪ ..‬فضاء جديد لرهانات عدة‬ ‫‪ .1‬التاريخ والنشأة‬ ‫إن موضوع العلوم املعرفية‪ ،‬حسب أندلر (‪ ،)Andler‬هو "وصف‬ ‫الوضعيات الرئيسية للذهن اإلنساني وقدراته‪ ،‬كاللغة‪ ،‬واالستدالل‪،‬‬ ‫واإلدراك‪ ،‬والتنسيق‪ ،‬والتنشيط‪ ،‬والتخطيط‪ ،‬وتفسيرها واصطناعها‬ ‫أيضاً" (‪.)Andler, 1989‬‬ ‫نقبل هذا التعريف‪ ،‬لكننا نشير مع ذلك إلى أنه يتضمن نقطتني سلبيتني‪ :‬فهو‬ ‫من جهة‪ ،‬يدفع إلى التفكير في اخلاصية "الشمولية" لهذه العلوم املسماة‬ ‫معرفية "علوم جديدة للذهن"؛ وهو من جهة أخرى‪ ،‬يدفع إلى االعتقاد‬ ‫أنها علمية محض‪ ،‬بل وصفية وليست فلسفية‪ .‬وفي احلقيقة‪ ،‬توجد‬ ‫مواقف عديدة حول "طبيعة" ما هو إنساني‪ ،‬والنماذج التي ميكن بناؤها‬ ‫بخصوص نوعية هذه الطبيعة وتصرفاتها‪ .‬ويعتبر أول منوذج لهذه املواقف‬ ‫التحديثية في األساس‪ -‬أن ميالد املعرفية يرجع إلى نهاية اخلمسينيات‪،‬‬‫وذلك في سياق مرتبط بنشأة املعلوميات (‪ .)informatique‬وهنا تبرز‬ ‫أهمية "الذاكرة" املميزة للعلوم املعرفية‪ ،‬التي سيحكم املستقبل على مدى‬ ‫جناعتها؛ لكن تبرز أيض ًا الصعوبة املزدوجة في حتديدها‪ ،‬كما يالحظ‬ ‫أندلر‪ ،‬تارة بطريقة "امتدادية"‪ ،‬بحسب موضوعات الدراسة؛ وتارة‬ ‫بطريقة "مكثفة"‪ ،‬بالنظر إلى االختيارات النظرية املقترحة التي تعتبر‬ ‫اختزالية بالنسبة لقدراتنا اإلنسانية‪.‬‬ ‫وهنا تبدو الطبيعة اإلشكالية لكل تعريف؛ لكن رمبا كان ذلك هو الرهان‬ ‫املثير لهذا الفضاء احملفز على النقاشات والتأمالت الذي تشكله العلوم‬

‫املعرفية‪.‬‬

‫وباختصار‪ ،‬وعلى الرغم من أن األمر يتعلق بأسئلة حول اإلنسان‪،‬‬ ‫مقترنة بظهور الفلسفة‪ ،‬فإن اجلميع يتفق على أن تاريخ هذه العلوم‬ ‫"اجلديدة" حديث نسبيا (‪ .),Gardner 1985‬فالبدايات األولى‬ ‫ترجع إلى أواخر الثالثينيات ثم إلى األربعينيات‪ ،‬عندما تصور املنطقي‬ ‫تورينغ (‪ )Turing‬سنة ‪ ،1931‬منوذج ًا رياضي ًا حلاسوب قابل للبرمجة‬ ‫(‪)ordinateur programmable‬؛ ثم حوالي سنة ‪ ،1950‬عندما‬ ‫أعاد صياغة تصور هذه "اآللة الذكية" من منظور فلسفي (‪1988‬‬ ‫‪ .),Hodges‬وستعرف هذه املرحلة ازدهار املنطق الرياضي الذي‬ ‫سيعمل على بناء املفاهيم واألدوات الضرورية للحسابات اجلديدة‪.‬‬ ‫وهو ما سيؤدي سنة ‪ ،1943‬إلى ميالد أول سبرنتيقا‪ ،‬كتعبير عن مشروع‬ ‫االختزال املادي أو اآللي ملا هو ذهني ضمن ما هو فيزيائي (‪،1989‬‬ ‫‪ .)Andler‬وتطورت هذه السبرنتيقا ما بني سنتي ‪ 1946‬و‪ 1953‬على‬ ‫يد كل من وينر (‪ )Wiener‬وماكولش‪ )Mc Culloch( ،‬في البداية؛‬ ‫ثم بفضل عشرات اللقاءات التخصصية (ومن ضمنها محاضرات ماسي‬ ‫‪ )Macy‬التي شارك فيها رياضيون وسيكولوجيون وفزيولوجيون‬ ‫وسوسيولوجيون ولسانيون وأنثربولوجيون‪.‬‬ ‫وساهم كل ذلك في توجيه العلوم املعرفية وتطويرها‪ ،‬إلى درجة أن‬ ‫بعض الصيغ املفاهيمية التي أجنزت حينها‪ ،‬ما زالت قائمة إلى حد‬ ‫اليوم‪ .‬وكان لبعض اللقاءات العلمية تأثير كبير بهذا اخلصوص‪ ،‬مثل‬ ‫ملتقى نيويورك سنة ‪ 1946‬حول اآلليات الغائبة (‪Teleological‬‬ ‫‪ ،)mechanisms‬وملتقى هكسون (‪ )Symposium Hixon‬سنة‬


‫‪ .1948‬وقد مت تدعيم هذه احلركة الفكرية وهذه األعمال على مدى‬ ‫عشرين سنة من قبل املختبر الذي أسسه ماك كولش وسهر عليه مبعهد‬ ‫التكنولوجيا (‪ ،)MIT‬إلى حني وفاته سنة ‪ .1969‬وفي هذه الفترة‪،‬‬ ‫ملع اسم نومان (‪ )Neumann‬الذي طور نظرية في اإلنسان اآللي‪،‬‬ ‫ساهمت بشكل رئيسي في بلورة التصورات الالحقة حول احلواسيب‬ ‫وفي التنظيرات املتعلقة بطبيعة العمليات الذهنية‪.‬‬

‫‪ .2‬امليالد الفعلي للعلوم املعرفية‬

‫وفي سنة ‪ ،1960‬بادر السيكولوجيان برونر (‪ )Bruner‬وميلر‬ ‫(‪ )Miller‬بتأسيس مركز الدراسات املعرفية (‪Center for‬‬ ‫‪ )Cognitive Studies‬بجامعة هارفارد (‪ )Harvard‬الذي سيعرف‬ ‫إشعاع ًا متميز ًا على مدى عشر سنوات على األقل‪ .‬وفي السنة نفسها‪،‬‬ ‫صدر مؤلف مشترك مليلر وبريبام (‪ )Pribam‬وغالنتر (‪،)Galanter‬‬ ‫وعنوانه‪ ،Plans and the structure of behavior :‬حيث‬ ‫أعيد النظر في النزعة السلوكية الكالسيكية بعلم النفس‪ ،‬ومت اقتراح‬ ‫املقاربة السبرنتيقية بديالً‪ .‬بعد ذلك‪ ،‬وحتديد ًا سنة ‪ ،1967‬أصدر نيسر‬ ‫(‪ )Neisser‬كتاب ًا بعنوان (‪ )Cognitive psychologie‬دعا فيه إلى‬ ‫تبني مقاربة سيكولوجية جديدة‪ ،‬مغايرة للمقاربة السبرنتيقية التي دافع‬ ‫عنها نيويل (‪ )Newel‬وسيمون (‪ ،)Simon‬اللذان اعتبرا أن بإمكان‬ ‫احلاسوب تزويدنا بنموذج اشتغال الذهن اإلنساني‪.‬‬

‫وهذا غير صحيح‪ ،‬فاملواجهات املعلنة هي أيض ًا مؤشرات على تبادالت‬ ‫خفية‪ ،‬إذ جند أنفسنا أمام "ثورة" باملعنى الكوبرنيكي (‪)Copernicien‬‬ ‫للكلمة‪ ،‬في صياغة معارفنا ومناهجنا التي ال نعرف بالضبط ما هي آفاقها‬

‫ما هي املواد التخصصية التي تنخرط في هذه العلوم؟ من املؤكد أن األمر‬ ‫يتعلق بالعلوم العصبية والذكاء االصطناعي والفلسفة والسيكولوجيا‬ ‫واللسانيات‪ .‬فما الذي ميكن أن يجمع بينها إذن؟ إنه االهتمام بالعالقة‬ ‫وأيض ًا بتحليل الوظائف والتصرفات الناجتة عنها‪ .‬وبشكل عام‪ ،‬فإن‬ ‫األمر يتعلق دون شك‪ ،‬ببناء "علم" جديد للظواهر املكونة ألجهزتنا‬ ‫السيكو‪-‬بيولوجية وللتفاعالت بني هذه األجهزة وبني سلوكاتنا‪ ،‬مبا فيها‬ ‫تلك التي تتخذ صيغ ًا رمزية عالية مثل اللغة والثقافات‪ .‬لكننا نسجل‬ ‫هنا ‪-‬كما فعل أندلر‪ -‬مفارقة كبرى بخصوص األنثروبولوجيا‪ .‬ففي‬ ‫البدايات األولى للصياغة املفاهيمية والتاريخية للعلوم املعرفية‪ ،‬لعبت‬ ‫األنثروبولوجيا دور ًا مهماً‪ ،‬ما فتئ أن أصبح ثانوي ًا في الوقت احلالي‪.‬‬ ‫وهذا أمر مثير‪ ،‬ألن العلم الذي يراد بناؤه‪ ،‬يهتم بخصوصية ما هو‬ ‫إنساني في شموليته وتنوعه‪.‬‬ ‫ونعتقد أنه سيتم تدارك هذا "النسيان" آج ً‬ ‫ال أم عاجالً‪ ،‬مع االعتراف‬ ‫باملساهمات املهمة للسيكولوجيا االجتماعية التي تعتبر قنطرة بني ما هو‬ ‫"فردي" وما هو "جماعي"‪ ،‬أو اللسانيات‪ ،‬لكن على شرط أن تهتم‬ ‫بالعالقات القائمة بني اللغة واملعنى والتعابير الثقافية‪.‬‬ ‫أما املطلوب حالياً‪ ،‬فهو متابعة األبحاث الساعية إلى تطوير النماذج‬ ‫املنطقية الرياضية‪ ،‬للتوفر على أدوات العمل الضرورية؛ والعصبية‬ ‫والفسيولوجية احلسية‪ ،‬لكي نفهم في اآلن نفسه‪ ،‬الوظائف الداخلية‬ ‫والتجليات اخلارجية "لعتادنا األساسي"‪.‬‬

‫‪ .4‬األبحاث في مجال املعرفة‬ ‫لذلك‪ ،‬ميكن تصنيف األبحاث في مجال املعرفة ضمن ثالث خانات‬ ‫(‪:)Imbert, 1987‬‬ ‫< العائلة الكبرى األولى‪ ،‬املهتمة بدراسة االستعدادات أو الكفايات‬ ‫املعرفية‪ ،‬باملعنى الكالسيكي للكلمة؛ أي االستدالل واللغة واإلدراك‬ ‫والفعل‪ .‬فقد أصبحت هذه األمور تدرس منفردة وعلى مستويات‬ ‫مختلفة ومستقلة بعضها عن البعض اآلخر‪ ،‬بعد أن كانت وظائفها تالحظ‬ ‫كمنجزات خارجية مترابطة فيما بينها‪ ،‬داخل الوضعية الواحدة وضمن‬ ‫مختلف الوضعيات‪.‬‬ ‫< العائلة الثانية الكبرى لألبحاث املعرفية‪ ،‬التي مت فيها حتديد مكونات‬ ‫ومنجزات مختلف أمناط اآلليات‪ ،‬الفسيولوجية العصبية (في البيولوجيا)‬ ‫أو اإللكترونية واآللية (في الذكاء االصطناعي)‪.‬‬ ‫< العائلة الثالثة‪ ،‬حتدد وظيفي ًا استعمال هذه اآلليات عبر وصفها كإجراءات‬ ‫قابلة للتفكيك إلى عمليات أولية‪ ،‬وصياغتها كخصائص قابلة للصورنة‪.‬‬ ‫وتظهر في هذه احلالة الثالثة واألخيرة تباعدات دالة بني األبحاث‪ ،‬بحيث‬ ‫يقوم بعضها مبالحظة بنية الوضع األولي لعتادنا مثل النضج العصبي‬ ‫(‪ )Maturation Nerveuse‬والقدرات؛ وربط هذا الوضع البنائي‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫وكانت سنوات السبعينيات هي دون منازع‪ ،‬سنوات ازدهار املراكز‬ ‫املتخصصة واملجالت والندوات حول ما أصبح يعرف بـ "العلوم‬ ‫املعرفية"‪ .‬وقد أقيمت لهذا الغرض شبكة من الباحثني ومن التبادالت‬ ‫العلمية على نطاق عاملي‪ ،‬مكنت من حدوث تطورات ال يستهان بها خالل‬ ‫فترة الثمانينيات‪ .‬وفي هذا اإلطار‪ ،‬سيفقد الذكاء االصطناعي الذي كان‬ ‫يعتبر مرجع ًا أساسياً‪ ،‬الكثير من أهميته وهيمنته بفعل تقدم األبحاث في‬ ‫مجال العلوم العصبية‪ ،‬وأيض ًا بفضل التمثالت اجلديدة للظواهر اإلنسانية‬ ‫الناجمة عن الفلسفة والسيمانتيقا املعرفية واألنثربولوجيا‪ .‬ويبدو لبعض‬ ‫املتشككني املتشبثني بالتصورات الكالسيكية‪ ،‬وكأن الدراسات املعرفية‬ ‫هي مجرد موضة عابرة ومرحلة من مراحل هيكلة املعارف‪.‬‬

‫‪ .3‬املواد التخصصية داخل العلوم املعرفية‬

‫‪45‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫هكذا تولدت العلوم املعرفية انطالق ًا من املعطيات السالفة الذكر‪ .‬وبالنسبة‬ ‫للعديد من مؤرخي هذه احلركة وأبستميولوجييها‪ ،‬فإن التاريخ الرمزي‬ ‫لهذا امليالد يرجع إلى سنة ‪ ،1956‬حيث انعقد من جهة‪ ،‬ملتقى حول‬ ‫نظرية املعلومات (‪)Symposium of information Theory‬‬ ‫الذي تضافرت فيه جهود السيكولوجيني واللسانيني املهتمني بإدراج‬ ‫أعمالهم ضمن عمليات اصطناعية معرفية على احلاسوب؛ ومن جهة‬ ‫أخرى‪ ،‬ملتقى دارموث (‪ )Darmouth‬الذي مت فيه اإلعالن رسمي ًا‬ ‫عن ميالد "الذكاء االصطناعي"‪ .‬وإثر ذلك‪ ،‬برز موضوع "املعرفة"‬ ‫الذي ستحاول مختلف املواد التخصصية (‪ )disciplines‬منحه مضامني‬ ‫وتوجهات نوعية‪.‬‬

‫املستقبلية‪ .‬وأفضل طريقة لفهمها‪ ،‬هي التأكد من تقدمها عبر مختلف‬ ‫امليادين املتخصصة التي قد تتباين نتائجها أو تتفق فيما بينها‪.‬‬


‫‪46‬‬

‫باستعداداتنا للتعلم‪ ،‬في حني يقوم البعض اآلخر بتحليل مختلف‬ ‫أشكال الوضع النهائي التي ستتخذها أنساقنا الطبيعية بعد التعلم‬ ‫واكتساب قدرات وظيفية نوعية‪.‬‬ ‫وتظل الصعوبات قائمة بخصوص الوسائل املستعملة لربط هذه األوضاع‬ ‫األصلية بتلك األوضاع النهائية بشكل جيد‪ .‬كما تبرز صعوبات من‬ ‫احلجم نفسه‪ ،‬عندما يتعلق األمر بتطبيق املقاربة التطورية نفسه على‬ ‫الذكاء االصطناعي‪ ،‬والقيام بفصل األوضاع األولى عن األوضاع الثانية‬ ‫لآللة (‪.)Machine Learning‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ويبدو هذا الترتيب الثالثي لألبحاث في العلوم املعرفية كافياً‪ ،‬ما‬ ‫دمنا ال نهتم باألبحاث القيمة واخلصبة التي طورتها السيكولوجيا‬ ‫العامة والسيكولوجيا االجتماعية منذ مدة‪ ،‬بخصوص عمليات‬ ‫التذكر واالنتباه أو ظواهر التمثل االجتماعي‪ .‬وينطبق األم�� نفسه‬ ‫على العديد من األعمال املتميزة واملندرجة ضمن املنظور االقتراني‬ ‫(‪.)Connexioniste) (Andler, 1989‬‬ ‫وتزداد صعوبة ترتيب اإلشكاليات‪ ،‬عندما يتعلق األمر بتوزيعها بحسب‬ ‫الفرضيات التي يحاول البعض اقتراحها على النسق املعرفي اإلنساني‪،‬‬ ‫وبحسب االختيارات اإلستراتيجية واملنهجية الناجتة عنها‪ ،‬وتتميز‬ ‫نقاشات املدارس ومواجهاتها بهذا اخلصوص بكثرتها وحيويتها‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬سيقترح أندلر خطاطة تشمل الفرضيات األنطولوجية‬ ‫(‪ )Hypothèses Ontologiques‬الثالث األكثر انتشاراً؛ وتتجلى‬ ‫بساطة هذه اخلطاطة في ما يلي‪:‬‬ ‫يبدو وصف الظواهر املعرفية وتفسيرها على مستوى فيزيائي خالص‬ ‫(بيوكيميائي وفيزيائي) غير كافيني‪ ،‬لذلك يتعني تكملتهما مبستوى متثيلي‬ ‫(‪" .)Niveau Représentationnel‬فحاالت األنساق الفيزيائية املأخوذة‬ ‫بعني االعتبار‪ ،‬تشكل معلومات؛ وبهذا املقتضى فهي تعتبر أيض ًا معرفية"‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ليست التحوالت الطارئة على هذه احلاالت‪ ،‬فيزيائية فقط‪ ،‬بل ميكن‬ ‫اعتبارها كحسابات للتمثالت التي حتملها‪.‬‬ ‫إذا كان من املمكن حتديد كل ظاهرة معرفية كعملية منتجة للعالقات بني‬ ‫املثير (‪ )Stimulus‬واالستجابة (‪ )Réaction‬أو اجلواب (‪)Réponse‬‬ ‫على هذا املثير‪ ،‬فإنه باملقابل‪ ،‬من غير املمكن إرجاع التحليل والتعريف‬ ‫في كل مرة‪ ،‬لنتائج هذه العملية التي متت مالحظتها‪ .‬وفي احلقيقة‪،‬‬ ‫فإن أساس هذه األخيرة يقوم في اللحظة الفاصلة بني املثير واالستجابة‪،‬‬ ‫لذلك وجب تعريفها بشكل نسبي بحسب نتائجها؛ وهو ما يعني أن‬ ‫هناك دوم ًا استقاللية تتميز بها العمليات الداخلية بالنظر إلى الظواهر‬ ‫التي أثارتها أو أنتجتها‪.‬‬

‫‪ .5‬االختيارات املنهجية واإلبستيمولوجية‬ ‫الكبرى‬ ‫ستساهم هذه الفرضيات في انبثاق اختيارات منهجية وإبستيمولوجية ال‬

‫يستهان بها‪:‬‬ ‫أوالً‪ .‬من املمكن ضبط الظواهر املعرفية ووصفها وحتليلها‪ ،‬بل‬ ‫واصطناعها الواحدة تلو األخرى؛ ومما ال شك فيه أن ذلك‬ ‫سيسمح بانبعاث العديد من األسئلة الفلسفية التي يتعني إحياء‬ ‫تقاليدها من جديد (‪.)Gardner, 1985‬‬ ‫االختصاصات‬ ‫متداخلة‬ ‫املعرفية‬ ‫العلوم‬ ‫إن‬ ‫ثانياً‪.‬‬ ‫(‪ )Interdisciplinaires‬بالضرورة‪ ،‬وبالتالي فإن هدفها‬ ‫األساسي‪ ،‬هو املساهمة في صياغة مفاهيم جديدة من نوع‬ ‫ممتد (‪ ،)Transversal‬تشكل مرحلة من مراحل بناء "علم‬ ‫معرفي" مستقبلي‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ .‬إذا كان من املستحيل إنكار أهمية تدخل العوامل االجتماعية‬ ‫والعاطفية والتاريخية والثقافية في املعرفة‪ ،‬فإن بإمكاننا‬ ‫باملقابل‪ ،‬جتاهلها في مرحلة أولى‪ ،‬ما سينعكس سلب ًا على‬ ‫نتائجها اإلبستيمولوجية‪ .‬هذه هي الفرضيات إذن؛ لكنها ال‬ ‫تكفي مع ذلك لتفسير أسباب هذا التطور الهائل الذي عرفته‬ ‫املواد التخصصية املعرفية خالل العقود األخيرة‪ .‬وكان من‬ ‫الالزم حدوث هذا التطور الهائل في العلوم العصبية وفي مجال‬ ‫املعلوميات‪ ،‬وحتديد ًا من خالل التطور التقني للحواسيب املتميزة‬ ‫بدقتها املتنامية‪ ،‬التي أعادت النظر في الهندسات الكالسيكية‬ ‫لبناء اآلالت ولتشغيلها‪.‬‬ ‫وكأمثلة على ذلك نذكر‪:‬‬ ‫< مجال الكيمياء العصبية (‪ )neuro chimie‬الذي مت فيه تطوير‬ ‫البحث النسقي في مواد وعناصر الكيمياء احليوية للعمليات‬ ‫الدماغية (العصيات الناقلة والهرمونات)‪ ،‬وبالتالي تثوير‬ ‫(‪ )révolutionner‬التصورات التقليدية والتبسيطية للدماغ‬ ‫وللعصيب‪.‬‬ ‫< ميدان الفسيولوجيا العصبية (‪ )neuro physiologie‬الذي‬ ‫مكن اليوم من تسجيل نشاط العصيبات املعزولة ودراسة مختلف‬ ‫الوضعيات الكهرو‪-‬عصبية (‪ )neuro-électriques‬للعضوية‪.‬‬ ‫< مجال علم التشريح العصبي (‪ ،)neuro anatomie‬حيث حققت‬ ‫تقنيات التصوير الدماغي‪ ،‬دقة ال نظير لها في ميدان اخلرائط‬ ‫العصبونية (‪.)cartographies neuronales‬‬ ‫< ميادين املعلوميات والرياضيات والفيزياء‪ ،‬حيث ساهمت التنظيرات‬ ‫وإجناز البرمجيات (‪ )logiciels‬أو اللغات "ذات مستوى عال" في‬ ‫حتقيق مرونة غير متوقعة في معاجلة املعطيات وصياغتها‪.‬‬ ‫إن هذه املعطيات واملقاربات الغزيرة‪ ،‬تشكل من جهة‪ ،‬مصدر ًا‬ ‫للخلط احلاصل بصدد العلوم املعرفية؛ ومن جهة أخرى‪ ،‬مصدر ًا‬ ‫للمواقف احلاسمة التي اتخذتها هذه العلوم التي أثارتها على شكل‬ ‫مواجهات فلسفية‪ ،‬حيث لعب "االعتقاد" دور ًا أكبر من دور احلكمة‬ ‫اإلبستيمولوجية‪ ،‬وهو ما يالحظ ضمن التعارض األساسي القائم‬ ‫بني النزعتني املعرفية واالقترانية‪ .‬لذلك‪ ،‬ال ميكن ألية مقاربة لهذا‬ ‫املوضوع أن تتصف بالشمولية‪ ،‬نظر ًا لتعدد األعمال واألبحاث‬ ‫وتباينها‪.‬‬


‫(‪)2‬‬

‫أسئلة العلوم املعرفية وآفاقها‬ ‫إن األعمال املختلفة املنجزة في إطار العلوم املعرفية التي تهم مجاالت‬ ‫متنوعة مثل الذكاء االصطناعي‪ ،‬وتطور العلوم العصبية (‪neuro‬‬ ‫‪ ،)Sciences‬والسيكولوجيا‪ ،‬واللسانيات املعرفية‪ ،‬تتمحور أساس ًا‬ ‫حول معنى املعرفة وطبيعتها وهندستها‪ .‬وتتلخص النقاشات في هذا‬ ‫الصدد في التقابل القائم بني النزعة املعرفية الكالسيكية (‪cognitivisme‬‬ ‫‪ ،)Clasique‬والنزعة االقترانية (‪ .)connexionnisme‬وقد سادت‬ ‫األولى مدة طويلة في مجال األبحاث املعرفية‪ ،‬في حني ما زالت الثانية‬ ‫تتلمس طريقها‪ .‬ولم يبرز أي براديغم (أمنوذج) قادر على جتاوز هذا‬ ‫التقابل‪ .‬لهذا ليس املطلوب من القارئ االختيار بني إحدى النزعتني‪،‬‬ ‫بل احلكم فقط على أهمية هذه باملقارنة مع تلك‪.‬‬

‫‪ .1‬النزعة املعرفية الكالسيكية‬

‫‪ .1‬ما مصدر هذه "التمثالت الذهنية" وكيف تبلورت؟‬ ‫‪ .2‬ما هي طبيعة العالقة بني هذه التمثالت وموضوع متثلها؟‬ ‫‪ .3‬هل يقوم التبادل والتفاعل بني هذه التمثالت على احلساب‬ ‫(‪)calcul‬؟‬ ‫‪ .4‬هل تعود فكرتنا عن هذه التمثالت إلى فرضيات حول طبيعة‬ ‫األشياء والبشر أو ببساطة إلى البراديغم [األمنوذج] التاريخي‬ ‫"احلاسوبي" الذي انتشر بفضل املعلوميات؟‬ ‫وأخيراً‪ ،‬هل توجد عدة (‪ )dispositif‬فيزيائية كافية لتزويد النسق‬ ‫املعرفي اإلنساني باالنعكاس (‪ ،)reflet‬واالصطناع (‪)simulation‬؟‬ ‫(‪.)Andler, 1989‬‬

‫يتعني إذن إقامة توا ٍز صارم بني علم التركيب (‪ )Syntaxe‬وعلم الداللة‬ ‫(‪ ،)sémantique‬وذلك بالقدر الذي يتم فيه االعتقاد بأن كل ظاهرة‬ ‫داللية ميكن أن تفسر بطريقة تركيبية؛ أي انطالق ًا من أشكال ظاهرة ومن‬ ‫قواعد تركيبية منظمة لهذه األشكال‪ .‬وبهذا املعنى‪ ،‬يجيب أصحاب االجتاه‬ ‫املعرفي عن السؤالني األول والثاني‪ .‬وهم يجيبون عن السؤال الثالث‪ ،‬وفق‬

‫طبعاً‪ ،‬فإن هذا األمر يعيد النظر في مقوالت احلاالت الذهنية التي حتدثت‬ ‫عنها السيكولوجيا‪ ،‬والتي "استثمرتها" النزعة املعرفية وأضفت عليها‬ ‫صبغة الوضعيات الوظيفية‪ ،‬محددة بذلك منطلقها وسيرورتها؛ لذلك‬ ‫اقترن هذا املوقف الفلسفي بالنزعة الوظيفية (‪.)fonctionnalisme‬‬ ‫ويخضع هذا املوقف الذي ميثله كل من فودور (‪ )Fodor‬ونيويل‬ ‫(‪ )Newel‬وسيمون (‪ ،)Simon‬لنقد شديد إن لم نقل إلعادة نظر‬ ‫في الوقت احلالي‪ ،‬وبخاصة من طرف بوتنام (‪.)Putnam) (1988‬‬ ‫أما املثال املقدم في األجوبة عن السؤال اخلامس‪ ،‬فيتعلق بعدة فيزيائية‬ ‫عاكسة لوظائف الذهن‪ .‬طبعاً‪ ،‬فإن هذه األجوبة متوقفة على صورة‬ ‫احلاسوب‪ .‬فهذا األخير هو مبثابة صورة جذابة و"مطمئنة"‪ ،‬ألنه‬ ‫يشكل في اآلن نفسه عدة فيزيائية خاضعة للقوانني اآللية ونظام ًا ملعاجلة‬ ‫املعلومة التي ميكن اعتبار مختلف حاالتها مطابقة ملقاطع من حساب‬ ‫غير متوافق مباشرة مع حاالت التشكل الفيزيائي لآللة‪ .‬لذلك‪ ،‬ال‬ ‫ميكن تصوره من وجهة نظر القوانني الفيزيائية‪ ،‬على الرغم من تدخل‬ ‫إكراهات آلية ووظيفية على مستوى العمليات التي ينجزها؛ فهو يعتبر‬ ‫"آلة ذات حاالت متتالية"‪ ،‬باملعنى الذي حدده منوذج تورينغ؛ وخير‬ ‫دليل على ذلك‪ ،‬هندسة احلواسيب اجلديدة ووظائفها‪.‬‬ ‫وباختصار‪ ،‬فإن احلاسوب ال يعتبر ضمن خطاب العلوم املعرفية‪،‬‬ ‫منوذج ًا وال استعارة‪ ،‬على الرغم من كونه صورة معتمدة من طرف‬ ‫العديد من التأمالت األولية‪ .‬ونحن نعلم اليوم‪ ،‬أنه ال يشكل سوى‬ ‫تعويض نسبي لوظائف الذهن البشري‪ ،‬لكنه يعتبر في اآلن نفسه حق ً‬ ‫ال‬ ‫لتجارب مهمة‪ ،‬للتعرف على العمليات الوظيفية لهذا الذهن؛ ومن‬ ‫املمكن أن يعلن عن عالقات مستقبلية خاصة بني أنشطتنا الذهنية وما‬ ‫يقتضيه املجتمع؛ وذلك على مستوى االقتصاد والشغل‪.‬‬ ‫وال تتعلق املسألة مبعرفة ما إذا كان احلاسوب "يترجم" وظائف الذهن‪،‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫عندما نفحص أجوبة الباحثني في مجال العلوم املعرفية‪ ،‬فإن كل شيء‬ ‫يبدو واضحاً؛ ذلك أن التمثالت الذهنية بالنسبة إليهم‪ ،‬شبيهة "بصيغ"‬ ‫أو "بتعابير مصاغة بشكل جيد"‪ ،‬مبعنى اللغات التي يبنيها املنطق‬ ‫الرياضي‪ .‬هكذا‪ ،‬تتوفر هذه التمثالت – الصيغ (‪représentations-‬‬ ‫‪ )formules‬على صرف وتركيب قابلني للدراسة وللتعريف؛ وأيض ًا‬ ‫على سيمانتيقا حتدد عالقتها بالوضعيات التي متت إثارتها أو متثلها‪.‬‬

‫فبالنسبة لهذين الباحثني‪ ،‬يفهم كل حساب كسلسلة محددة من‬ ‫العمليات املنجزة على رموز –وذلك هو اإلجراء األلغوريتمي– وهي‬ ‫سلسلة مستقلة متام ًا عن "اآللة" أو عن النسق املعرفي‪ ،‬وبالتالي عن‬ ‫الذهن اإلنساني‪ .‬هكذا‪ ،‬ستشكل "الوظائف القابلة للحساب" نوع ًا‬ ‫من النمذجة املثالية (‪ )idéalisation‬التامة إن لم نقل العليا‪ ،‬التي‬ ‫تتجلى كنوع طبيعي غير آبه بالتعريفات والوضعيات املتنوعة‪ .‬وستكون‬ ‫التمثالت الذهنية بهذا املقتضى‪ ،‬خاضعة للعمليات املنجزة من طرف آلة‬ ‫تورينغ (‪ )Turing‬كنموذج مجرد للحاسوب الرقمي (‪ordinateur‬‬ ‫‪ .)numérique‬وبالتالي‪ ،‬وكجواب على السؤال الرابع‪ ،‬فإن مشكل‬ ‫العالقة بني اجلسم – كنظام فيزيائي – والذهن – كمجال حلماية التمثالت‬ ‫الذهنية – التي أثيرت على مدى تاريخ الفلسفة‪ ،‬تختزل هنا في اعتبارات‬ ‫مادية محض‪ ،‬تخص "الهوية الطارئة" (‪ ،)token identity‬والتي‬ ‫مفادها أن كل حالة ذهنية تقابل حالة فيزيائية‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫يتمثل املوقف املعرفي في الدفاع عن فرضية معرفية هي مبثابة حساب‬ ‫التمثالت الذهنية‪ .‬فكل عضوية تتكيف وتؤثر في محيطها بواسطة‬ ‫متثالت داخلية مستقاة من هذا احمليط‪ ،‬وأيض ًا من نشاطها بداخله؛‬ ‫وباملقابل‪ ،‬فإن هذه التمثالت ستتكيف مع أنشطة ومعتقدات أخرى‬ ‫وستخضع مبقتضى ذلك للتعديل‪ .‬وهنا تطرح على الفور مجموعة من‬ ‫األسئلة‪ ،‬وهي‪:‬‬

‫املنطق الذي حتكم في أعمال تورينغ (‪ )Turing‬وتشورش (‪.)Church‬‬

‫‪47‬‬


‫‪48‬‬

‫فعندما يقال لنا إن اآللة "تصطنع" األنشطة اإلنسانية‪ ،‬فإن ذلك يعني‬ ‫في احلقيقة‪ ،‬تكيف اإلنسان مع هذه اآللة وليس العكس‪ ،‬بل مبعرفة‬ ‫كيف تعمل هذه األجهزة التجريبية التي نصنعها‪ ،‬ونقصد بها اآلالت‪،‬‬ ‫على إلهامنا في حتليل أنشطتنا التنظيمية‪ ،‬ذات االرتباط بذكائنا‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪ .2‬النزعة االقترانية‬ ‫إن احلذر املتخذ إزاء "الثورة املعلوماتية املنتظرة"‪ ،‬يفسر باملقابل‪،‬‬ ‫كيف أن النزعة االقترانية لم تظهر أبد ًا كفلسفة للذهن‪ .‬فاألمر يتعلق‬ ‫باألحرى‪ ،‬مبجموع األبحاث واملناهج الهادفة إلى صياغة العديد من‬ ‫العمليات املعرفية بطريقة مغايرة‪ .‬ويشبه هذا اإلجراء البراغماتي ما‬ ‫حدث بخصوص الذكاء االصطناعي في البداية‪ ،‬حيث مت االنطالق‬ ‫من أداة ‪-‬وهي احلاسوب‪ -‬ومن بعض التأمالت لبلورة اإلجراءات‬ ‫األولى‪ ،‬وحتديد ًا حل بعض املشاكل النوعية أو البرامج األولى للعبة‬ ‫الشطرجن‪ ،‬قبل اختبار العالقة بني هذه اإلجراءات وبعض القضايا العامة‬ ‫(‪ .)Andler, 1989‬وفي احلقيقة‪ ،‬فإن النزعة االقترانية هي حركة من‬ ‫األفكار‪ ،‬أكثر منها "مدرسة" بحصر املعنى‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فهي ترتكز‬ ‫أيض ًا على منوذج آلي أساسي‪ ،‬وإن كان مغاير ًا لنموذج فون نومان (‪Von‬‬ ‫‪ ،)Neumann‬حيث يتعلق األمر بشبكة "مجردة" من العصبونات‬ ‫الصورية (‪ )neurones formels‬أو عصبونات احملاكاة (‪neural‬‬ ‫‪ )net‬املستلهمة من العلوم العصبية‪.‬‬ ‫ويبدو القلب اإلبستيمولوجي واضح ًا هنا‪ ،‬إذا ما استحضرنا النماذج‬ ‫الكالسيكية واآللية واملقطعية للمعرفة‪ ،‬فالشبكة االقترانية تتشكل‬ ‫كمجموعة من اآلالت احملاكية لإلنسان واملتفاعلة فيما بينها وفق منط‬ ‫بسيط؛ فعن طريق االقتران ‪-‬الشبيه بعصبونات اجلهاز العصبي‪ -‬تقوم‬ ‫اآللة (ع) بنقل اصطناع إيجابي أو سلبي لآللة (ج)‪ ،‬بحيث تكون‬ ‫العملية إما مثيرة وإما مانعة‪ ،‬وتكون محددة بحالة نشاط (ع)‪ ،‬ومصاغة‬ ‫على شاكلة الوصلة العصبية (‪ )synaptique‬للقناة‪ .‬وهذه اآلالت‬ ‫أو الوحدات املوجودة داخل الشبكة متشابهة فيما بينها‪ ،‬وهي ذات‬ ‫عتبات؛ أي أنها قادرة على مقارنة املجموع املتوازن لعمليات االصطناع‬ ‫بعتبة ما‪ ،‬وعلى القيام بنشاطها عندما تتم جتاوز هذه األخيرة‪ .‬باملقابل‪،‬‬ ‫فإن نشاطها يتوقف عندما ال يتم بلوغ هذه العتبة‪.‬‬ ‫وميكننا في كل مرحلة من مراحل التطور‪ ،‬حتديد النسق بواسطة موجه‬ ‫التنشيط‪ ،‬فكل انتقال من مرحلة إلى أخرى‪ ،‬هو نتاج لتحسني قيم‬ ‫نشاط نسق معني‪ ،‬إما بواسطة كل الوحدات‪ ،‬وإما اعتماد ًا على وحدة‬ ‫مبفردها‪ .‬وتبدأ كل عملية داخل الشبكة بفرض موجة التنشيط‪ ،‬التي‬ ‫تشكل املعطى األول أو املدخل (‪ ،)Input‬الذي سينشر عبر استعمال‬ ‫قاعدة االنتقال‪ ،‬وينتهي عند بلوغ الشبكة حالة من التوازن‪ ،‬ميثلها املوجه‬ ‫املساوي لواحد وهو املخرج (‪.)Out put‬‬ ‫وخالل كل هذه العملية احلسابية‪ ،‬تظل هوية الشبكة قائمة بفضل موجه‬ ‫الوصلة العصبية الذي ستشكل "كفايتها"‪ .‬ويقال أيضاً‪ ،‬إن "معارف"‬ ‫الشبكة تخزن داخل هذا االقتران؛ ولكننا ال نعلم ‪-‬ما دامت األبحاث‬ ‫جارية بهذا اخلصوص‪ -‬كيف ميكن لشبكة من العصبونات الشكلية أن‬ ‫تكتسب املعارف مباشرة‪ ،‬علم ًا بأن قدرة الشبكات االقترانية مستمدة‬

‫من قدرتها على "التعليم الطبيعي"‪ ،‬انطالق ًا من املعلومات املستقاة من‬ ‫احمليط‪ .‬وهذه القدرة مغايرة لقدرة النماذج املعرفية الكالسيكية التي‬ ‫يتعني برمجتها باستمرار‪.‬‬ ‫إن هذه القدرة ليست هي القوة الوحيدة للشبكات االقترانية‪ .‬فسلوكاتها‬ ‫متنح أيض ًا خصائص مميزة‪ .‬وعلى سبيل املثال‪ ،‬فإن شبكة من العصبونات‬ ‫الشكلية بإمكانها تعميم أو تعديل معطيات ناقصة وبناء منوذج لعينة‬ ‫ما‪ .‬وعلى الرغم من التشويش عليها أو تدميرها جزئياً‪ ،‬فإنها تستطيع‬ ‫التعلم من جديد وتقدمي نتائج مقبولة؛ فعلى خالف النماذج املعرفية‪،‬‬ ‫تتم العملية عبر تقدمي معلومات لهذا الغرض )‪Andler,( (ad hoc‬‬ ‫‪ .)1989‬وتفسر هذه اخلصائص املتميزة من خالل طبيعة وظائفها‬ ‫ذاتها‪ ،‬ومن العمليات الكثيفة التي تنجزها مبوازاة مع ذلك‪ :‬ففي كل‬ ‫مرحلة يوجد عدد من العمليات املستقلة بعدد الوحدات والعمليات‬ ‫املنجزة "بشكل مواز"‪ .‬لذلك‪ ،‬فإن حتليل تطور شبكة ما‪ ،‬يستمد‬ ‫معطياته من األنساق الدينامية وليس من البرمجة الكالسيكية؛ فكل‬ ‫وحدة تعتبر مستقلة وتؤثر محلي ًا بشكل منطقي صارم‪ ،‬ومن املمكن‬ ‫أن يخضع هذا التأثير للتعديل أو للدعم من طرف تأثيرات أخرى؛‬ ‫وبتعبير آخر‪ ،‬فإن كل حالة مستقرة للنسق هي عبارة عن توازن وليست‬ ‫غاية‪ .‬ويتسم منط التمثل املنجز بهذا الشكل‪ ،‬باألصالة العميقة مقارنة‬ ‫باألنظمة الكالسيكية للذكاء االصطناعي‪ .‬فهذه األنظمة تخزن في‬ ‫ذاكرتها وصف املوضوعات والقواعد؛ ويقوم البرنامج باالطالع على‬ ‫هذا املخزون بغرض تنظيم وتفعيل القواعد الضرورية لتحويل املعطيات‬ ‫املقدمة‪ .‬باملقابل‪ ،‬فإن الشبكة االقترانية تنظم وصالتها العصبية وتعمل‬ ‫بنفسها على ضبط انتظام احمليط الذي ال تسعى إلى "وصفه"‪ ،‬بل إلى‬ ‫جعله "منعكساً" بهذا القدر أو ذاك من األمانة (‪.)Andler, 1989‬‬ ‫فاألمر يتعلق إذن بـ "معرفة" يتوفر عليها النسق من البداية‪ ،‬بل بقدرة‬ ‫حقيقية على التكيف الداخلي مع احمليط‪ ،‬بغرض ضبط تنظيماته البارزة‬ ‫والتالؤم معها‪ .‬وميكننا في هذا اإلطار‪ ،‬االستشهاد بالشبكات التي‬ ‫تستخدم التمثالت "املوزعة"‪ .‬فكل مفهوم سيطابق عملية تنشيط‬ ‫وحدات عدة‪ ،‬وباملقابل‪ ،‬فإن كل وحدة ستعمل على متثيل العديد‬ ‫من املفاهيم‪ .‬وما متثله الوحدة فعلياً‪ ،‬يكتسي وضع "عالمة مصغرة"‬ ‫أي مكون ًا داللي ًا أولي ًا (‪ )proto sémantique‬ميكنه التموضع داخل‬ ‫مختلف الترتيبات والتنظيمات انطالق ًا من قواعد "سياقية" وليست‬ ‫شكلية‪ ،‬أي متكيفة مع احمليط ومع املشاكل الواجب حلها‪ .‬وغني عن‬ ‫البيان‪ ،‬أن جتميع هذه "العالمة املصغرة" هو الذي يكتسي وحده‪ ،‬قيمة‬ ‫داللية في كل عملية‪.‬‬

‫‪ .3‬أسئلة املعنى والتمثل‬ ‫بعودتنا إلى األسئلة السابقة‪ ،‬سنالحظ أننا لم جنب عن السؤال الرابع‪،‬‬ ‫حول ما إذا كانت طبيعة التمثالت املبنية من طرف الشبكات االقترانية‬ ‫هي انعكاس لطبيعة األشياء أو أنها ببساطة‪ ،‬راجعة إلى البراديغم‬ ‫(األمنوذج) الذي مت اختياره ملعاجلة املعلومات‪ .‬فاخلطابات املقدمة‬ ‫بهذا اخلصوص‪ ،‬من طرف أصحاب االجتاه االقتراني‪ ،‬ال تشرح األمر‬ ‫بوضوح؛ ألن العديد من األسئلة تظل عالقة؛ وكمثال على ذلك‪،‬‬ ‫عندما تعلن شبكة اقترانية أنها وظيفية‪ ،‬فهل يتعلق األمر بالنزعة املعرفية‬


‫الكالسيكية نفسها؟ وكيف ميكن موضعة هذه األشكال املختلفة للنزعة‬ ‫الوظيفية؟ ثم كيف نفسر عجز الشبكات االقترانية عن الصياغة املباشرة‬ ‫للتمثالت املبنية‪ ،‬مثل اللغة واالستدالالت؟ وأخيراً‪ ،‬هل آالت شبكة‬ ‫عصبونات احملاكاة هي عبارة عن عصبونات مثالية أو مجرد مكونات‬ ‫أولية؟‬ ‫وهناك إمكانيتان لإلجابة عن هذا السؤال‪ :‬فإما أن الشبكات املعنية هي‬ ‫مجرد مناذج للجهاز العصبي‪ ،‬غير كافية بل ناقصة‪ ،‬وإما أنها مجرد‬ ‫شكل مختلف للنماذج الكالسيكية لتوطني اآللة‪ ،‬باعتبارها وحدات‬ ‫أولية‪.‬‬

‫إن االجتاه املعرفي الكالسيكي وثيق الصلة بتصور هوبز (‪)Hobbes‬‬ ‫املصاغ سنة ‪ ،1751‬الذي مفاده أن التعقل هو احلساب‪ .‬وسيجد مفهوم‬ ‫احلساب كنموذج ألنشطتنا العقالنية والطبيعية ‪-‬مبا فيها اللغة!‪ -‬جتليه‬ ‫النهائي‪ ،‬خالل الثالثينيات من القرن العشرين‪ ،‬في أعمال مناطقة‬ ‫مثل تورينغ‪ .‬ومنذ تلك الفترة‪ ،‬أصبح معنى التعقل واحلساب‪ ،‬هو‬ ‫تنظيم وتطبيق عمليات أولية متتالية‪ ،‬مندرجة داخل فهرس منتظم وفق‬ ‫قواعد‪ ،‬كما هو الشأن بالنسبة لعمل احلاسوب‪ .‬وبالتدريج‪ ،‬أصبحت‬ ‫صورة احلاسوب ‪-‬أو على األقل اإلجراءات املتتالية التي يقوم بها من‬ ‫أجل احلساب والقواعد التي يطبقها إلخضاع املعطيات الطبيعية بدل‬ ‫اخلضوع لها‪ -‬أمنوذجية (‪ )paradigmatique‬بالنسبة لفكرة النظام‬ ‫املعرفي‪.‬‬

‫لكن "كيف تكتسب الرموز معناها؟" (‪ .)Andler, 1987‬إن الفرضية‬

‫< كيف سنتعامل مع احلدوس السيكولوجية املشتركة التي تعتبر حاالتنا‬ ‫الذهنية من جرائها‪ ،‬مجرد مواقف قضوية (‪)propositionnelles‬‬ ‫من نوع "أعتقد" أو "تخوف" أو "أنكر" شيئ ًا (من منطلق أن هذا‬ ‫الشيء هو عبارة عن قضية)؟‬ ‫< ما هي العالقات القائمة بني األبحاث الذهنية واحلاالت الدماغية؟‬ ‫يجيب فودور (‪ )Fodor‬على السؤال األول‪ ،‬مؤكد ًا على أنه من املمكن‬ ‫حتديد حالة ذهنية بواسطة هذا النوع من العالقات (أعتقد‪ ،‬تخوف‪،‬‬ ‫أنكر) وعلى أن الذهن يقيم في كل مرة‪ ،‬تقاب ً‬ ‫ال مع قضية يعبر عنها بلغة‬ ‫صورية داخلية‪ ،‬قد تكون هي "لغة الفكر" املسماة ذهنية (‪Fodor,‬‬ ‫‪ .)1975‬بخصوص السؤال الثاني‪ ،‬يدعي أصحاب االجتاه املعرفي أنه‬ ‫ال توجد فقط حالة عصبية فسيولوجية مقابلة لكل حالة ذهنية‪ ،‬بل إن‬ ‫هذه األخيرة تندرج أيض ًا ضمن مقولة محددة‪ ،‬هي مبثابة منوذج لهذه‬ ‫احلالة الذهنية وللدور الذي تلعبه‪ ،‬أي للروابط السببية القائمة بينها‬ ‫وبني احلاالت الذهنية األخرى‪ .‬ومن وجهة النظر هذه‪ ،‬ال شيء يلزم‬ ‫بالربط "مباشرة" بني حالة ذهنية ما وحالة عصبية فسيولوجية‪ ،‬اللهم‬ ‫بشكل طارئ وعرضي‪ .‬وتسمح أطروحة الهوية الطارئة (‪token‬‬ ‫‪ )identity‬لدى أصحاب االجتاه املعرفي الكالسيكي‪ ،‬باجلمع بذكاء‬ ‫بني املطلب الفيزيائي ‪-‬ألنه من الالزم أن يكون هناك مرتكز فيزيائي ملا‬ ‫هو "ذهني"‪ -‬واحلاجيات التخصصية للتفسير السيكولوجي‪ ،‬املستقل‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫والنتيجة املفارقة‪ ،‬هي أن منوذج النسق الصوري عمم على العديد من‬ ‫وضعيات احلياة اليومية‪ ،‬بل واكتسب شرعيته "لتصوير" الطريقة التي‬ ‫تشتغل بها معارفنا؛ أي على شكل حساب لتمثالتنا الرمزية‪ .‬وكما‬ ‫نعلم‪ ،‬فإن النسق الصوري يتشكل من جتميع لألوليات (‪)axiomes‬‬ ‫والقواعد التي تسمح‪ ،‬من خالل تطبيقها على الرموز بانبثاق مبرهنات‬ ‫(‪ )théorèmes‬وصيغ ملفوظات أو جمل‪ .‬وستضمن األوليات‬ ‫والقواعد‪ ،‬توافق معنى كل صيغة ناجتة "كمعطيات أولية"‪ .‬وبهذا‬ ‫املقتضى‪ ،‬ستقوم قواعد املنطق التي تسمح باالنتقال من صيغة إلى‬ ‫أخرى‪ ،‬بإنتاج ملفوظات "صادقة"‪ ،‬انطالق ًا من ملفوظات أخرى‬ ‫"صادقة" أيضاً؛ على اعتبار أن احلقيقة هي مجرد مؤشر على‬ ‫"االنزواء" داخل شروط أولية‪ ،‬مت اختيارها لتعريف سياق ما‪ ،‬وال تهم‬ ‫في هذا اإلطار‪ ،‬أمناط الوقائع أو الوضعيات التي ستخضع للترميز‪.���‬

‫فمن وجهة نظر وظيفية‪ ،‬تعتبر األنظمة املعرفية "أنساق ملعاجلة املعلومة!"‬ ‫وهي تتالءم وظيفي ًا مع مهامها املختلفة بفضل خصائصها البنائية التي‬ ‫يعبر عنها بلغة صورية‪ ،‬تنطبق فيها القواعد على املعطيات! وهنا أيض ًا‬ ‫تكتسب شرعيتها في تزويدنا بالتمثالت املطابقة (‪ )adéquates‬للعالم!‬ ‫بذلك‪ ،‬سيصبح احلاسوب‪ ،‬مثل آلة تورينغ الكونية‪ ،‬قادر ًا على إجناز‬ ‫كل العمليات املطلوبة لتنظيم املعطيات والقواعد كتمثالت‪ .‬ويعتبر هذا‬ ‫االنزالق‪ ،‬من احلاسوب إلى الذهن والعكس‪ ،‬شرط ًا ضروري ًا أو كافي ًا‬ ‫على األقل‪ ،‬لتمثل مختلف قدراتنا ووظائفنا الذهنية! واملشكل هو أنه إذا‬ ‫كان االجتاه األول ‪-‬من احلاسوب إلى الذهن‪ -‬يشتغل بطريقة مرضية؛‬ ‫فإن األمر سيكون غير ذلك‪ ،‬عندما نتعامل مع األشياء من منظور تطبيق‬ ‫النموذج املعلوماتي على الظواهر الذهنية‪ .‬فكيف تظهر احلاالت الذهنية‬ ‫مبختلف جتلياتها‪ ،‬السيكولوجية والفسيولوجية العصبية؟ وما هو ثمن‬ ‫هذا االختزال؟ هنا سيبرز سؤاالن فرعيان‪ ،‬وهما‪:‬‬

‫‪49‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫وهنا يطرح السؤال األساسي التالي‪ :‬أين تتموقع الشبكة؟ بالنسبة‬ ‫للبعض‪ ،‬يوجد مكانها مبستوى بيني أدنى من مستويات البيولوجيا‬ ‫العصبية والسيكولوجيا واللسانيات؛ وهو مستوى وظيفي أساسي‪.‬‬ ‫وهنا تواجهنا مشكلة تستدعي احلل‪ ،‬وهي‪" :‬أن صاحب التوجه املعرفي‬ ‫مطالب بإقناعنا بأن كل ما يحدث في مجال املعرفة هو استدالل صوري‬ ‫لتمثالت شبه لسانية‪ .‬أما صاحب التوجه االقتراني‪ ،‬فيعتبر على العكس‬ ‫أن كل شيء يرجع إلى الترابط والترتيب واجلمع اإلحصائي للمعطيات‬ ‫شبه احلسية‪ .‬فمن جهة جند براديغم املنطق الصوري‪ ،‬ومن جهة أخرى‬ ‫جند براديغم اإلدراك"‪.)Andler, 1989( .‬‬

‫املعرفية البسيطة تنطلق من كون النسق املعرفي اإلنساني يكتسب معناه‬ ‫ومينح معناه لهذه الرموز الداخلية‪ ،‬عبر احتكاكه بالوسط اخلارجي‪.‬‬ ‫وألنه ال ميكن أن نحدد بسهولة وبشكل آلي‪ ،‬كيفية ضبط "الرموز‬ ‫الداخلية" لهذا املعنى‪ ،‬فإنه يتم اللجوء إلى عملية التصوير املالئمة‬ ‫لألنظمة املعرفية االصطناعية مثل احلاسوب‪ .‬لذلك‪ ،‬تظل النزعة‬ ‫املعرفية الكالسيكية أسيرة لنموذج التمثالت الداخلية التي ال ميكن‬ ‫تشكيلها بالتجربة وال بفضل وراثة جينية‪ ،‬ألنها تظهر ‪-‬أثناء املعاجلة!‪-‬‬ ‫على شكل مالئم مللفوظات اللغة الصورية‪ ،‬وبالتالي تكون قابلة للتأويل‬ ‫(‪ )interprétables‬عبر حتويالت حسابية‪ ،‬لكنها تركيبية‪ .‬وباملقابل‪،‬‬ ‫ميكن لهذه التركيبات أن حتدد "معنى" مكونات النسق‪ .‬وهذا مثال جيد‬ ‫لالستدالل الدائري الذي تتضمنه التأكيدات (‪ )assertions‬املركزية‬ ‫داخل النزعة املعرفية الكالسيكية‪.‬‬


‫عن تفسير الفسيولوجيا العصبية (‪.)Andler, 1987‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪50‬‬

‫إن استقاللية ما هو "طارئ"‪ ،‬مبعنى العارض الذي يصيب مختلف‬ ‫تصرفاتنا‪ ،‬وهذا الطارئ الذي يعتبر "منفصالً" عن أسسه العصبية‪،‬‬ ‫يسمحان بتبرير كل من املقتضيات السيكولوجية والبناءات املقترحة من‬ ‫طرف الذكاء االصطناعي‪ .‬ويتجلى الغموض في تعايش هذا األخير‬ ‫كتكنولوجيا مطبقة ‪-‬تنتج أنظمة عدة قادرة على القيام بكل فعالية‪،‬‬ ‫مبهام إنسانية مخصوصة ومحددة‪ -‬مع فكرة الذكاء االصطناعي كعلم‬ ‫مهتم باملبادئ العامة لتصرفاتنا الذكية الرامية إلى إنتاج آالت "ذكية"‬ ‫متام ًا في املستقبل‪ .‬وهنا التبس األمر على النماذج التي مت إنتاجها‪،‬‬ ‫حيث وقع اخللط لديها بني ما هو سيكولوجي وما هو تقني بحصر‬ ‫املعنى‪ ،‬نتيجة التشويش احلاصل على مستوى حتديد العلوم املعرفية‬ ‫ألهدافها وملناهجها‪ .‬وفي هذا اإلطار‪ ،‬ذهب البعض مثل شانك‬ ‫(‪ )Schank‬إلى التأكيد على أن موضوع الذكاء االصطناعي هو دراسة‬ ‫"الذكاء الطبيعي"‪ .‬فما الذي سيبقى إذن للفالسفة واألنثروبولوجيني‬ ‫والسيكولوجيني واللسانيني‪ ،‬فباألحرى للمتخصصني في العلوم‬ ‫العصبية؟ إن طموحات الذكاء االصطناعي املبالغ فيها منذ البداية‪،‬‬ ‫جعلت ّادعاءاته العلمية احلالية مشبوهة؛ ذلك أن التوجه املتنامي حالياً‪،‬‬ ‫يروم تصنيفه كتكنولوجيا مطبقة إلجناز أنظمة خبيرة أو مصوغات‬ ‫(‪ )modules‬ملعاجلة املعطيات‪.‬‬

‫‪ .4‬أفول النزعة املعرفية الكالسيكية‬ ‫مما ال شك فيه‪ ،‬أن الفشل النسبي للطموحات العلمية للذكاء االصطناعي‪،‬‬ ‫يعود إلى االبتعاد التدريجي ألصحاب االجتاه املعرفي عن البراديغم‬

‫من دورة دراما للفتيان نظمها مسرح احلرية في جنني‪.‬‬

‫"احلاسوبي – التمثلي" (‪.)computo-representationnel‬‬ ‫فال ميكن ألي تفسير للظواهر الطبيعية أن يأخذ الشكل الفقير لبرنامج‬ ‫احلاسوب! وهو ما يعزل الذكاء االصطناعي‪ ،‬كمجال خاضع أكثر‬ ‫فأكثر‪ ،‬لتدقيقات التكنولوجيات املختصة والدقيقة‪ .‬وتتزايد هذه‬ ‫القطيعة حالياً‪ ،‬داخل العالقة بني الذكاء االصطناعي والسيكولوجيا‪.‬‬ ‫فهناك "طبقات" في وصف الظواهر املعرفية‪ ،‬بدء ًا باملستويات العليا‬ ‫التي يفترض فيها أن اآللة تقوم "مبعاجلة املعلومات" التي يقدمها‬‫دماغنا‪ -‬وانتهاء باملستويات السفلى التي ال يتعني فيها على اآللة‪ ،‬إنتاج‬ ‫ماليني العمليات األولية وغير املقطعية التي تنظمها وتضمنها الترابطات‬ ‫القائمة بني عصيباتنا‪.‬‬ ‫فالتشاكل (‪ )isomorphie‬بني احلالتني‪ ،‬أمر مسلم به فقط! وألن‬ ‫الذكاء االصطناعي الكالسيكي أدرك ذلك‪ ،‬فإنه ال يستطيع في أفضل‬ ‫احلاالت‪ ،‬سوى إعادة إنتاج "مقاطع من الذكاء"‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬فإن الذكاء االصطناعي ال يتوفر حالي ًا إال على منط واحد من‬ ‫الوجود وهو الفعل (‪ .)Andler, 1987‬وتفسير ذلك هو أن الصياغة‬ ‫األولى للمشكل املطروح‪ ،‬حتدد في أغلب احلاالت من طرف املستعمل‬ ‫أو السائل‪ ،‬وليس من طرف الباحث‪ .‬ويتعني في كل مرة عرض‬ ‫السؤال بشكل دقيق‪ ،‬حيث حتدد فيه "العناصر األولية" للمشكل الذي‬ ‫يجب حله واخلطوات الواجب ا ّتباعها والنماذج التي يتم تشكيلها بدقة‬ ‫عن طريق اآللة التي تستنتج تدريجي ًا العملية التي ميكنها تقدمي احلل‪.‬‬ ‫وبذلك‪ ،‬تكون الوضعية دوم ًا من طبيعة منطقية‪ .‬فكل قرار يقتضي‬ ‫االستدالل على قضية انطالق ًا من قضايا مت االستدالل عليها من قبل؛‬


‫لكن هذه العملية تشكل دوم ًا اختبار ًا من بني اختبارات أخرى ممكنة‪.‬‬ ‫وميكن تلخيص هذه العملية الكالسيكية‪ ،‬كما فعل أندلر‪ ،‬انطالق ًا من‬ ‫اخلطاطة التالية‪:‬‬ ‫«استدالل منطقي ‪ +‬مراقبة ‪ +‬معارف‬ ‫‪»inférence + contrôle + connaissances‬‬ ‫بحيث تشكل املراقبة هيئة القرار‪ ،‬وتشكل املعارف مخزون القضايا‪.‬‬ ‫غير أن هذه اخلطاطة تثير مشاكل جمة‪ ،‬نعرض لها كالتالي‪:‬‬

‫‪51‬‬

‫هكذا‪ ،‬ميكننا عرض صعوبات الذكاء االصطناعي وإنتاجاته على الشكل‬ ‫التالي‪:‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫< إن القواعد االستكشافية املختارة لتفادي االنفجار التركيبي تظل محلية‬ ‫"جانبية"‪ ،‬وتطبق بشكل محدود مينع من كل تعميم‪ ،‬وإال مت السقوط‬ ‫في خطأ منطقي في مجال البرهنة (‪.)pétition de principe‬‬ ‫< غالب ًا ما يقوم أصحاب البرامج بإخفاء االختيارات التي وجهت‬ ‫أعمالهم في البداية‪.‬‬ ‫< ويتخذ موقفهم شكل "ميتا‪-‬قواعد" (أي ما يثير القواعد املتخذة)؛‬ ‫وهذه األخيرة هي صيغ لالختيار مطبقة على سياقات أو عوامل‬ ‫وضعيات؛ لكنها تخفي الشروط‪ ،‬وبخاصة األسباب التي أدت إلى‬ ‫اختيار هذه العوامل التي ستستمد منها "القواعد"‪ .‬وجدير بالذكر‪،‬‬ ‫أن مسألة السياق ترتبط بالدقة؛ (‪)Andler, 1987‬؛ ذلك أن‬ ‫الذكاء االصطناعي الذي يشتغل على وضعيات طبيعية "متفتحة"‬ ‫بالضرورة‪ ،‬من أجل تنظيمها‪ ،‬وبالتالي اختزالها‪ ،‬مطالب لكي يدعم‬ ‫موقفه‪ ،‬بافتراض أن معارفنا قابلة دوم ًا للوصف والترجمة‪ ،‬من خالل‬ ‫بنيات قارة تؤسس وترتب أمناط هذه العمليات و"تؤطرها"‪ .‬وهو ما‬ ‫يفسر ازدهار هذه النماذج القائمة جميعها على مبدأ تأطير املعلومات‬ ‫والظروف نفسه‪.‬‬ ‫(‪)frames, scripts, memory organisation packets‬؛‬ ‫وهي عبارة عن سيناريوهات محلية‪ ،‬تفسيرية (‪)explicatifs‬‬ ‫واحتمالية (‪ )prédictifs‬أو منوذجية (‪ )exemplaires‬تهم سياقات‬ ‫وصفية (‪ ،)descriptifs‬وإن كانت جزئية بالكاد‪ .‬وال يتم في‬ ‫أغلب احلاالت‪ ،‬احلديث عن الروابط القائمة بني هذه السيناريوهات‬ ‫وعن دقة اختيار بعض املعارف دون أخرى‪ ،‬وعما ميكن أن يحصل‬ ‫إذا ما طورنا هذه "األمناط" من املعطيات‪ ،‬لعرض هذه "الكتلة" من‬ ‫املعارف‪.‬‬ ‫ولن نتحدث هنا عن مشكل سياقي آخر (‪ )frame problem‬يتعلق‬ ‫باملوقف املتخذ من إنسان آلي يكتشف محيطه وبتحديد الوضعيات‬ ‫املوجهة الكتشافه وتأثيره على محيطه‪.‬‬ ‫وفي احلقيقة‪ ،‬فإن جميع هذه التساؤالت تهم احلدود أكثر مما تهم‬ ‫اإلكراهات التي يتعني جتاوزها‪ .‬فهل يعتبر الذكاء االصطناعي في‬ ‫مستوى الطموحات املعلنة من طرف البعض؟ وهل املناهج املستعملة‬ ‫قريبة ‪-‬كما يزعم هذا البعض‪ -‬إن لم تكن مماثلة للمناهج املستخدمة من‬ ‫طرف ذهننا "ملعرفة" أو حلل املشاكل؟‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ما دمنا نتحدث عن عمليات استداللية‪ ،‬فإنه من الالزم‬ ‫أوالً‪ ،‬‬ ‫اإلشارة إلى أن األمر يتعلق بوضع من النوع االحتمالي‪،‬‬ ‫وليس االستنباطي‪ .‬فمن (ب) ومن (أ)‪ ،‬املتضمنة لـ (ب)‬ ‫نستدل على (أ)؛ ولكن هذا االستدالل ال يضمن نقل‬ ‫احلقيقة (‪ .)Andler, 1987‬فهناك إذن غموض في‬ ‫معاجلة اإلجراءات "الطبيعية" السببية‪.‬‬ ‫إذا كانت املراقبة تلعب دور ًا راعي ًا "لالنفجار التركيبي‬ ‫ثانياً‪ ،‬‬ ‫(‪ – ")l’explosion combinatoire‬أي أنها‬ ‫تستدعي منذ البداية‪ ،‬وضع قواعد استكشافية (‪règles‬‬ ‫‪ )heuristiques‬لتحديد عدد املسالك املمكنة الكتشاف‬ ‫الوضعية والوصول إلى الكل‪ ،‬فإنه ال شيء يؤكد أن هذا‬ ‫هو احلل الصحيح‪ .‬فتعدد أمناط القواعد املدرجة في‬ ‫البرامج‪ ،‬ال يساهم من وجهة النظر هذه‪ ،‬في توضيح‬ ‫األمور‪.‬‬ ‫ثالث ًا وأخيراً‪ ،‬اكتشف الذكاء االصطناعي مؤخر ًا أن أغلب املهام التي‬ ‫يتعني عليه القيام بها ومعاجلتها‪ ،‬تستدعي عدد ًا كبير ًا من‬ ‫املعلومات‪ ،‬وبخاصة عندما يتعلق األمر مبعارف وثيقة‬ ‫الصلة باحلس املشترك (‪ .)sens commun‬ويتم في‬ ‫هذا اإلطار‪ ،‬اللجوء إلى احلل املقترح من طرف أغلب‬ ‫أنظمة اخلبراء‪ ،‬حيث تدرج معارف مختص أو خبير داخل‬ ‫مجال محدد‪ ،‬دون إخضاع املكتسبات الداللية واملعرفية‬ ‫للتنظير؛ وذلك بغرض بناء وقائع وقواعد تسمح بالقيام‬ ‫بالعديد من عمليات التقومي واملعاجلة والبحث عن حلول‬ ‫للمجال املعني‪ .‬وينجز كل هذا‪ ،‬ضمن منظور مدقق‪،‬‬ ‫يروم احلصول على أجوبة أحادية املعنى (‪)univoques‬‬ ‫على أسئلة دقيقة وخاضعة للتراتب (‪.)hiérarchisées‬‬ ‫والنتيجة هي أن "مشكلة احلس املشترك‪ ،‬منعت الذكاء‬ ‫االصطناعي من التغلغل بكل حرية في عالم اإلنسان"‬ ‫(‪ .)Andler, 1987‬وهنا تبرز هشاشة أفضل أنظمة‬ ‫اخلبراء التي قد تنتج أجوبة غير سليمة‪ ،‬عندما يبتعد‬ ‫السؤال عن املعطيات األولية املوضوعة من أجل حتديد‬ ‫املجال والعالقات بني مكوناته‪" :‬فبإمكاننا‪ ،‬على املستوى‬ ‫الوصفي اخلالص نفسه‪ ،‬أن نشك في كون عملية "الوضع"‬ ‫التي يخضع لها اخلبير‪ ،‬ترسم صورة أمينة ملسعاه‪ ،‬إذ ال‬ ‫يعمل هذا اخلبير إال على إعادة بنائها وتبريرها الحق ًا‬ ‫و"عقلنتها"‪ ،‬وبذلك فهو يحافظ جزئي ًا على سلوكه من‬ ‫اخلارج" (‪.)Andler, 1987‬‬

‫فما هو وضع "القواعد" املقترحة داخل هذه األنظمة لعقلنة سلوكنا‬ ‫اليومي؟ علما بأن تأثير هذه األخيرة ينحصر في االعتقاد أن األمور جتري‬ ‫على ما يرام‪ ،‬وأن اللغة تشتغل آلي ًا بهذا القدر أو ذاك‪ ،‬وأنه من األفضل‬ ‫ً‬ ‫خطأ مشترك ًا‬ ‫أن نفكر بهذه الطريقة! ومما ال شك فيه‪ ،‬أننا نواجه هنا‬ ‫يدفعنا إلى البحث عن عمليات الذكاء داخل مستويات بالغة التعقيد‪،‬‬ ‫بدل اإلحاطة بها على مستويات سلوكية بسيطة‪ ،‬كما يؤكد ذلك كل‬ ‫من شانك (‪ )Schank‬وهوفشتادتر (‪ )Hoffstadter‬أو وينوغراد‬ ‫(‪.)Winograd‬‬


‫‪52‬‬

‫من الواضح أن مثل هذه األسئلة تثير الشبهة حول النزعة املعرفية‬ ‫الكالسيكية‪ ،‬وتعيد النظر فيها أكثر فأكثر‪ .‬ويتجلى هنا موقفان ناجمان‬ ‫عن النقد املتزايد املوجه إليها‪ :‬فالبعض يركز على ما يعتريها من نقص‬ ‫ومن قصور؛ والبعض اآلخر يؤكد على خاصيتها املتناقضة بالنظر إلى‬ ‫هذا الشكل الطبيعي أو ذاك للمعرفة‪ .‬واملوقفان معاً‪ ،‬يركزان على‬ ‫مشكلة "املعنى"‪ .‬وكما يقرر فودور‪ ،‬فإن اختزال الذكاء في تنفيذ‬ ‫مهام بسيطة واختزال معنى الرموز املعقدة في رموز أولية‪ ،‬شيء‪ ،‬أما‬ ‫إبراز الرابطة بني الرموز والعالم بلغة مادية‪ ،‬فهو شيء آخر (‪Andler,‬‬ ‫‪.)1987‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ولذلك‪ ،‬حاول فودور تطوير نظرية سببية للداللة‪ ،‬بنجاح نسبي‪ ،‬حيث‬ ‫اعتبر املعنى نتاج ًا لتفاعل احمليط والنظام املعرفي (‪.)Foder, 1985‬‬ ‫أما سورل (‪ ،)Searle‬فقد اقترح من جهته‪ ،‬التخلي الفوري عن‬ ‫املفاهيم (‪ .)Searle, 1980‬غير أن أدق االنتقادات‪ ،‬صدر عن بوتنام‬ ‫(‪ )Putnam‬الذي أكد أنه على الرغم من تبني أطروحات النزعة املعرفية‬ ‫كنظرية حاسوبية للتمثالت‪ ،‬فإن ذلك ال يشكل بأية حال من األحوال‪،‬‬ ‫تأويالت لتمثالتنا الذهنية‪.‬‬ ‫ويجب التمييز في هذا اخلصوص بني "حساب" التمثالت وبني‬ ‫املواقف (معتقدات‪ ،‬رغبات‪ ... ،‬الخ) التي تترجمها‪ ،‬دون أية إشارة‬ ‫للمضامني التي تنقلها وترسخها‪ .‬هكذا‪" ،‬يتعني أن تكون التمثالث‬ ‫مؤولة مثل باقي العالمات األخرى" (‪.)Putnam, 1983, 1988‬‬ ‫وأخيراً‪ ،‬فإن العديد من االعتراضات العامة‪ ،‬على هذه النزعة املعرفية‬ ‫الكالسيكية‪ ،‬يصدر عن اجلهل القائم بصدد العالقات بني الذهن والدماغ‪،‬‬ ‫وأيض ًا بني الذهن واجلسم‪ .‬ففي كل هذه األطروحات احلاسوبية‪ ،‬ال‬ ‫تؤخذ مساهمات الفسيولوجيا العصبية بعني االعتبار‪ .‬ولرمبا ردت علينا‬ ‫النزعة املعرفية بأنها تتوافق مع أعمال العلوم العصبية‪ ،‬ألنها "وظيفية"‬ ‫من حيث طبيعتها وألن الذهن ‪-‬على حد قول بعض السذج‪ -‬ميكن أن‬ ‫يترسخ بالدماغ مثل البرنامج أو اللغة اآللية داخل اآللة‪.‬‬ ‫لكن العديدين‪ ،‬كما هو الشأن بالنسبة لتشرشالند (‪،)Churchland‬‬ ‫يسلمون بأن املعارف الوحيدة التي ميكن أن تتطور في املستقبل‪ ،‬تتمثل‬ ‫في العلم املعرفي وفلسفة الروح‪ ،‬اللذين يستلهمان النماذج الفسيولوجية‬ ‫العصبية ويتضمنان مستوى وصفي ًا رفيع ًا (‪.)Churchland, 1986‬‬ ‫ويذهب هؤالء إلى التشكيك في بقاء السيكولوجيا بالشكل القائم حالي ًا‬ ‫على مستوى مناهجها وحقولها‪ ،‬مبا في ذلك السيكولوجيا الشعبية‬ ‫(‪ )folk psychologie‬املهتمة باملواقف (مخاوف‪ ،‬معتقدات أو‬ ‫رغبات) والتي تسعى النزعة املعرفية إلى حمايتها‪.‬‬ ‫وتبدو وجهة نظر دينيت (‪ )Denette‬أكثر تدقيقاً؛ فبالنسبة إليه‪ ،‬ال‬ ‫مجال لتفضيل هذا املستوى من التفسير على ذاك‪ ،‬بل يتعني االشتغال‬ ‫على اإلكراهات والتفاعالت املتبادلة بني مختلف املستويات‪ .‬ومن‬ ‫وجهة النظر هذه‪ ،‬ستحافظ السيكولوجيا املعرفية على دورها في تفسير‬ ‫األشكال والوظائف اآللية (‪.)Denett, 1978‬‬ ‫أما مسألة العالقة بني الذهن واجلسم‪ ،‬فإن أصحاب االجتاه املعرفي‬

‫الكالسيكي‪ ،‬عملوا على جتنبها وكأن التشريح العصبي والفسيولوجيا‬ ‫العصبية لم يوجدا أصالً! وبهذا املقتضى‪ ،‬فإن املنظور التحليلي للوضعيات‬ ‫وللتعليم‪ ،‬بتعابير القواعد وتركيباتها‪ ،‬ال يعتبر مشوه ًا فقط‪ ،‬بل يتجاهل‬ ‫كلي ًا واقع املالحظات‪ .‬وكما أكد دريفوس (‪ ،)Dreyfus‬فإن هذه القواعد‬ ‫التي يبرزها التأويل اإلرادي (‪)interprétation volontariste‬‬ ‫في عمليات التعلم األولي‪ ،‬تختفي مباشرة عندما تكتسب املؤهالت‬ ‫والكفايات وتستقر على مستوى اجلسم‪ .‬هكذا‪ ،‬فنحن "نشتغل" في‬ ‫وضعية اخلبرة كما في احلياة اليومية‪ ،‬بطريقة شاملة‪ ،‬عبر التعرف الفوري‬ ‫على التصورات والوضعيات واملشكالت ومقارنتها بتصورات أخرى أو‬ ‫بخطاطات مكتسبة من قبل‪ .‬وال يتم الرجوع إلى اإلجراءات التحليلية‬ ‫لتفكيك مشكلة أو البحث عن انحصار أو جتاهل نظام من العمليات‪ ،‬إال‬ ‫في حالة وجود عوائق أو عطل (‪.)Dreyfus, 1984‬‬ ‫وتكمن اخلطورة هنا‪ ،‬ونحيل على ميرلو‪ -‬بونتي في هذا الصدد‪ ،‬في‬ ‫الرجوع إلى سلوكية (‪ )Behaviorisme‬الستينيات مبعنى ما‪ ،‬عبر‬ ‫التأكيد على سلوكياتنا العمومية والظاهرة فقط‪ ،‬وليس على حاالتنا‬ ‫الداخلية‪ ،‬وجتاهل ذلك "البعبع" (‪ )Bête noire‬املتمثل في جهازنا‬ ‫العصبي املركزي (‪ .)Andler, 1987‬وفي األخير‪ ،‬وإلنهاء هذا‬ ‫العرض حول ثغرات النزعة املعرفية الكالسيكية؛ نثير االنتباه إلى اجلهل‬ ‫الكبير القائم حول الدماغ واجلسم في عالقتهما بالذهن؛ وهو أيض ًا‬ ‫جهل كلي بالعوامل العاطفية واالجتماعية والثقافية املساهمة بشكل كبير‬ ‫في إقرار خصوصية األنساق احلية واإلنسانية‪ .‬ونحن نعلم مع ذلك‪،‬‬ ‫كيف تخترق هذه العوامل أنشطتنا املعرفية وتنيرها‪ .‬وال نفهم كيف‬ ‫ميكن احلديث عن مستقبل التنظيرات التقنوية (‪ )technicistes‬التي‬ ‫جتهل هذه األبعاد األساسية ألنشطتنا املعرفية‪.‬‬ ‫وتعمل انتقادات أخرى‪ ،‬مثل تلك الصادرة عن متورانا (‪)Maturana‬‬ ‫وفاريال (‪ ،)varela) (1987‬على إدراج وجهة نظر ثورية‪ ،‬باملعنى‬ ‫اجلذري للكلمة‪ ،‬حيث مت رفض املقدمتني الكالسيكيتني للنزعة املعرفية‬ ‫وهما من جهة‪ ،‬وجود عالم خارجي محدد سلف ًا ويتعني على أنظمتنا‬ ‫املعرفية اكتشافه وإدراكه كانعكاس؛ ومن جهة أخرى‪ ،‬كون هذه‬ ‫األنظمة املعرفية تشتغل كآالت ملعاجلة املعلومات مبداخل ومخارج‪.‬‬ ‫وبالنسبة إليهما‪ ،‬فإن األمر يتعلق باألحرى‪ ،‬بآالت مستقلة‪ ،‬منتظمة‬ ‫ذاتياً‪ ،‬باعتبارها تقنيات متحركة ذاتياً‪ ،‬ال تتفاعل مع احمليط اعتماد ًا على‬ ‫املعلومات‪ ،‬بل على تدفق للطاقة يعدل من حاالتنا الداخلية ومن أنظمة‬ ‫استقرارنا احمللية والعامة‪.‬‬ ‫وسيكون املهم‪ ،‬ليس حتليل األحداث اخلارجية‪ ،‬بل الوقوف على‬ ‫الدينامية الداخلية والشاملة للنظام املعرفي‪ ،‬وكيف تتشكل هذه الدينامية‬ ‫تدريجي ًا على شكل "جتميع ثنائي وبنائي" للنسق وللمحيط‪ ،‬وخصوص ًا‬ ‫على مستوى احلفاظ على الوحدة البيولوجية بغض النظر عن االختالفات‬ ‫القائمة‪ .‬فتاريخ نوعنا اجتماعي وهو نوعي وذهني وجسمي (‪phylo‬‬ ‫‪ .)et ontogenétique‬ومن هذا املنظور‪ ،‬فإن اللغة والتفاعالت‬ ‫االجتماعية أثبتت فعاليتها منذ بداية تشكل معارفنا‪.‬‬ ‫إن املوقف البديل للنزعة املعرفية‪ ،‬يتمثل في النزعة االقترانية دون‬


‫منازع؛ وهي تشمل العديد من التيارات واملناهج املرتكزة على منوذج‬ ‫الشبكة العصبونية (‪ ،)réseau neuronal‬بحيث تأخذ شكل شبكات‬ ‫ذات وحدات بسيطة متواصلة فيما بينها‪ ،‬ما يسمح بانتشار أنشطتها‪.‬‬ ‫وتتلخص فكرتها في كون الشبكة تتطور عندما ينشط احمليط‪ ،‬وبالتالي‬ ‫فإن كل وحدة تقوم بإعادة النظر أو حتويل أو إبراز مستوى نشاطها‪،‬‬ ‫بالنظر ملا تستقبله من معطيات ‪-‬مؤثرة أو مانعة‪ -‬من هذا احمليط أو من‬ ‫الوحدات املجاورة لها واملتواصلة معها‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬يكتسب النظام العام قيمة جديدة وتستمر العملية إلى أن‬ ‫تستقر على حالة دائمة بهذا القدر أو ذاك‪ ،‬كإجابة صادرة عن هذا‬ ‫النظام على تدخل احمليط‪ .‬وكما سبقت اإلشارة‪ ،‬فإن األمر يتعلق‬ ‫بعودة إلى اخلطوات األولى للسبرنتيقا‪ ،‬عندما بني ماك كولش وبيتس‬ ‫(‪ )Mc Culloch et Pitts‬سنة ‪ ،1943‬أنه من املمكن حساب‬ ‫الوظائف املنطقية بواسطة شبكات الوحدات املسماة عصبونات صورية‬ ‫(‪ ،)neurones formels‬معتبرين أن هذه الشبكات متثل "جتسيدات‬ ‫للذهن" (‪ .)embodiments of mind‬وفيما بعد‪ ،‬مت إدراج‬ ‫مستوى إضافي وهو املستوى الرمزي‪ ،‬الذي مكن من حصول تقارب‬

‫مع املواقف املعرفية‪ .‬لكن أصحاب االجتاه االقتراني تراجعوا اليوم‬ ‫ورفضوا مفهوم النسق الصوري؛ فليست رموز هذا النسق هي التي يتم‬ ‫االشتغال عليها‪ ،‬بل القيم الرقمية‪ .‬هنا حدثت القطيعة بني املوقفني‪:‬‬ ‫"فداخل النموذج املعرفي‪ ،‬وكيفما كان التحليل املتبع‪ ،‬يتضمن كل‬ ‫عنصر معنى وحيد ًا متفق ًا عليه (‪.)univoque-conventionnel‬‬ ‫أما داخل الشبكة‪ ،‬فإن املعنى على العكس‪ ،‬ال يظهر إال على مستوى‬ ‫غير محدد من األنشطة‪ .‬وهو ما يسمح باالنبثاق التدريجي ملفاهيم‬ ‫جديدة‪ ،‬كلما تقدمت الشبكة في تعاملها؛ ويفسر أيض ًا صياغة هذه‬ ‫األخيرة في سياقات معينة‪ ،‬بشكل طبيعي ودون اللجوء إلى منطق‬ ‫غامض أو احتمالي‪ ،‬أي منطق ما هو خاطئ وجائز ومنطي (‪.)...‬‬ ‫وميكن اعتبار كل العمليات املعرفية التي تنجزها الشبكات أو تعمل‬ ‫على صياغتها بشكل طبيعي ومباشر ومتنوع‪ ،‬كأشكال للترابط‬ ‫بني التصورات‪ ،‬وأيض ًا كإدراك وتعرف على األشكال وكترتيب‬ ‫وتصنيف وتكملة أو إدماج واستقراء" (‪ .)Andler, 1987‬وعلى‬ ‫خالف النزعة املعرفية التي يتم فيها كل شيء‪ ،‬بالصيغ الكاريكاتورية‬ ‫لالستدالل االستنباطي‪ ،‬فإن مسألة املعنى تعالج هنا بطريقة أصيلة‪،‬‬ ‫عبر حتديد "خارجي" (‪ )exogène‬يتخذ صيغة اتفاق أو ترابط؛‬

‫‪53‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬ ‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫مشهد من مسرحية «عطسة» نظمها مسرح احلرية في جنني‪.‬‬


‫‪54‬‬

‫وعبر حتديد "داخلي" (‪ )endogène‬يعرف بالتنظيم الذاتي (‪auto-‬‬ ‫‪ .)organisation‬وفي جميع األحوال‪ ،‬فإن صعوبات متثل‬ ‫بناءات ووظائف نظامنا املعرفي لم حتل‪ ،‬كما أن األعمال االقترانية‬ ‫ليست متقدمة مبا فيه الكفاية للحسم في هذا األمر‪ .‬ويفضل بعض‬ ‫ممثلي االجتاه االقتراني‪ ،‬الذين يدركون صعوبة مواجهة النزعة املعرفية‬ ‫القائمة‪ ،‬التأكيد على أنهم يعاجلون املستوى امليكروسكوبي و"الرمزي‬ ‫الفرعي" (‪ ،)Subsymbolique‬في حني تعالج النزعة املعرفية‬ ‫املستوى املاكروسكوبي أو "الرمزي"‪ .‬هكذا‪ ،‬فإن أصحاب االجتاه‬ ‫املعرفي يحللون العمليات املعرفية من مستوى عال ‪-‬مثل االستدالل‬ ‫والوعي ‪ ...‬الخ‪ -‬التي تتميز ببطئها وتستدعي تدخل السياق؛ في‬ ‫حني يدرس أصحاب االجتاه االقتراني الظواهر السفلى‪ ،‬مثل اإلدراك‬ ‫الفوري أو اآللي املستقل عن السياق‪.‬‬

‫"كفضاء جديد للرهانات" وإعادة تشكيل (‪ )reconfiguration‬ليس‬ ‫فقط لصيغ ودعامات ووظائف املعرفة‪ ،‬بل أيض ًا للسؤال التاريخي‬ ‫حول عالقات اجلسم والذهن والدماغ والنشاطات الطبيعية أو املجردة‪.‬‬ ‫ونظر ًا للقرابة التاريخية بني النزعتني املعرفية واالقترانية‪ ،‬فإن النقاش‬ ‫الكبير لن يقوم بينهما‪ ،‬بل سيتم في املستقبل‪ ،‬بالنظر إلى تعدد برامج‬ ‫البحث التي تهيئ دون شك‪ ،‬النبثاق براديغم أو براديغمات تفسيرية‬ ‫ملعارفنا‪ ،‬وبالتالي لطريقة منحنا معنى لألشياء؛ وباخلصوص للطريقة‬ ‫التي يساهم عبرها جهازنا العصبي املركزي وأيض ًا جسدنا واملجتمع‬ ‫"بأجهزته الرمزية الكبرى" ‪-‬ومن بينها اللغة‪ -‬في تأسيس هذا املعنى‬ ‫وانخراط هذه املعطيات جميعها في كل عملياتنا املتعلقة مبعرفة العالم‬ ‫ومتثله وإدراكه‪.‬‬

‫إن اخلالصة التي تفرض نفسها عند فحص كل هذه النقاشات وهذه‬ ‫املنظورات الشمولية تارة واجلزئية تارة أخرى‪ ،‬تخص صورة العلوم املعرفية‬

‫جورج فينيو‬ ‫ترجمة‪ :‬د‪ .‬عز الدين اخلطابي‬ ‫عضو احتاد كتاب املغرب‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫الهوامش‬ ‫* جورج فينيو‪ ،‬مختص في العلوم املعرفية وحاصل على شهادات علمية في ميادين اللسانيات والسيكولوجيا والفلسفة‪ .‬هو مدير أبحاث في املركز الوطني للبحث‬ ‫العلمي بباريس‪ ،‬كما عمل مستشار ًا علمي ًا وتقني ًا في مجال العلوم املعرفية‪ ،‬لدى البعثة العلمية والتقنية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ما بني سنتي ‪1993‬‬ ‫و‪ ،1998‬ومدير مختبر التواصل والسياسة باملركز الوطني للبحث العلمي ما بني سنتي ‪ 2000‬و‪ .2005‬من بني مؤلفاته نذكر‪:‬‬ ‫‪ 1‬مدخل إلى العلوم املعرفية‪ ،‬دار االكتشاف‪ ،‬باريس ‪.1991‬‬ ‫‪ 2‬تنظيم التفكير‪ ،‬دار النشر لوسوي‪ ،‬باريس ‪.1994‬‬ ‫‪ 3‬بناء املعنى‪ ،‬منشورات جامعة الفال‪ ،‬كيبك ‪.2005‬‬ ‫‪ 4‬اقتطف هذان الفصالن من مؤلف جورج فينيو مدخل إلى العلوم املعرفية‪ ،‬الصادر عن دار االكتشاف بباريس سنة ‪.1991‬‬ ‫‪Georges Vignaux, Les sciences cognitives, une introduction, éditions La Découverte, Paris 1991, pp: 7/14 et 311/313.‬‬ ‫وقد ترجما خصيص ًا مللف الثقافة العلمية في مجلة رؤى تربوية‪ ،‬وقائمة املراجع اخلاصة بهما مثبتة في النسخة اإللكترونية‪.‬‬

‫من إحدى فعاليات جمعية الكمنجاتي في جنني‪.‬‬


‫اإلبستيمولوجيا الطبيعانية عند ويالرد كواين‬

‫‪57‬‬

‫د‪ .‬يوسف تيبس‬ ‫يعتبر كتاب «من وجهة نظر منطقية» أول كتاب فلسفي لويالرد فان أورمان كواين‪ 1،‬كما يصرح بذلك في مقدمة ‪ ،1980‬وبالتالي أكثر كتبه مثار ًا‬ ‫للجدل‪ ،‬ألن الكتابات السابقة على هذا الكتاب منطقية بامتياز‪ .‬وعلى الرغم من أن عنوان الكتاب يوحي بأن البحوث الواردة فيه منطقية صرفة‪،‬‬ ‫فإن مفهوم املنطق عند كواين فلسفي باألساس‪ ،‬وهو ما يفسره العنوان الفرعي الذي يربط بني املنطقي والفلسفي في لفظ واحد مركب‪.‬‬

‫تتعلق النقاشات الفلسفية لكواين عموم ًا باملواضيع التالية‪ :‬التحليلية‪،‬‬ ‫الترادف‪ ،‬امتناع حتديد ترجمة العبارات النظرية‪ ،‬القضايا‪ ،‬امتناع حتديد‬ ‫اإلحالة (أو امتناع متحيص اإلحالة‪ ،‬أو النسبية األنطولوجية)‪ ،‬امتناع‬ ‫حتدد النظرية الفيزيائية‪ ،‬النزعة الهوليستية‪ ،‬النزعة الطبيعية‪ ،‬النزعة‬ ‫التجريبية‪ ،‬النزعة السلوكية‪ ،‬النزعة املاصدقية ‪ ...‬الخ‪.‬‬

‫ارتبطت فلسفة كواين بنقد النزعة الوضعية ومفهوم الداللة واإلحالة‪،‬‬ ‫يعدل التصور‬ ‫وبالتالي تبني تصور جديد لإلبستيمولوجيا يتجاوز أو ِّ‬ ‫التحليلي السائد ملهمة الفلسفة أو اإلبستيمولوجيا على وجه اخلصوص‪.‬‬

‫وعلى الرغم من أن التساؤل حول «ما الذي يوجد» ذو طابع أنطولوجي‬ ‫محض‪ ،‬فإن كواين ال يتردد في وضعه سعي ًا وراء التساؤل اجلذري حول‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫يستلزم فهم الفكر اإلبستيمولوجي والفلسفي لويالرد كواين فهم السياق‬ ‫اإلشكالي الذي ظهر فيه‪ ،‬وهو ما يلخصه في مستهل الفصل السابع من‬ ‫كتابه «النظريات واألشياء»‪ ،‬حيث يقول‪« :‬خالل القرنني املاضيني كان‬ ‫هناك خمسة أمور أفلحت فيها النزعة التجريبية للتغير نحو األفضل‪.‬‬ ‫أولها االنتقال من األفكار إلى الكلمات‪ .‬وثانيها حتول اهتمام الدالليات‬ ‫من األلفاظ إلى القضايا‪ .‬وثالثها انتقال اهتمام الدالليات من القضايا إلى‬ ‫نسق القضايا‪ .‬ورابعها مبدأ املنهج الواحدي الذي وضعه مورتن وايت‬ ‫(‪ )Morton White‬ومفاده ترك الثنائية‪ :‬حتليلي‪ -‬تركيبي‪ .‬وخامسها‬ ‫هو املذهب الطبيعي؛ أي التخلي عن السعي نحو فلسفة أولى سابقة‬ ‫على العلم الطبيعي»‪ .‬من الواضح أن األمرين األول والثاني يتعلقان‬ ‫بالفلسفة الوضعية والتحليلية‪ ،‬والثالث بالنزعة الكليانية أو الهوليستية‪،‬‬ ‫معتقد ْيها‪ ،‬واخلامس يلخص‬ ‫والرابع بنقد الوضعية املنطقية باعتماد نقد‬ ‫َ‬ ‫‪5‬‬ ‫فلسفة كواين الطبيعانية‪.‬‬

‫فإذا كانت مشكلة التجريبية املنطقية والفلسفة التحليلية هي مسألة‬ ‫التحقق التجريبي من عبارات العلم‪ ،‬والفصل بني عبارات العلم‬ ‫والعبارات الزائفة‪ ،‬فإن كواين يذهب أبعد من ذلك‪ ،‬إذ يتساءل عن‬ ‫نوع املواضيع التي يدرسها العلم‪ ،‬من هنا سؤاله‪ ،‬الذي يشكل عنوان‬ ‫‪6‬‬ ‫املقالة األولى من «وجهة نظر منطقية»‪ ،‬أقصد‪« ،‬ما الذي يوجد»‪،‬‬ ‫عما نلتزم به أنطولوجي ًا عندما نقبل نظرية منطقية أو علمية‪ .‬ذلك أن‬ ‫استعمال أسماء مثل «البراق» ال يلزمنا بوجودها‪ ،‬أي أنها ال حتيل‬ ‫على أي كائنات محددة‪ .‬كما أن استعمال احملاميل مثل «فيلسوف»‬ ‫في العبارة «سقراط فيلسوف» ال يعني أنها عامة‪ .‬في حني أن استعمال‬ ‫املتغيرات املقيدة بسور (‪ )Bound variables‬يلزمنا بوجود شيء ما‬ ‫مثال ذلك‪« :‬بعض الكالب بيض» يلزم عنها «يوجد شيء ما هو كلب‬ ‫وأبيض في الوقت نفسه»؛ لكن ال يلزم عنها تسليمنا بوجود «البياض»‬ ‫أو «الكلبية» كحدود عامة‪ .‬ولتوضيح األمر‪ ،‬يلجأ كواين إلى معيار‬ ‫إعادة صياغة العبارات‪ ،‬باملوازاة مع نظرية األوصاف التي حل بها راسل‬ ‫املعوصات الثالثة املشهورة‪ 7،‬وقد مكنه هذا املعيار من التخلص من‬ ‫األنواع واالحتفاظ بااللتزام بوجود شيء ما‪ .‬وعليه‪ ،‬استطاع كواين‬ ‫أن يتخلص عبر إعادة الصياغة من الكليات ألنه يرفض اجلزم بوجود‬ ‫الكائنات املجردة‪ .‬حاصل القول إننا إذا قبلنا بطريق صورنة خاصة‪،‬‬ ‫فسنضطر لقبول األنطولوجيا التي تناسبها‪ .‬مبعنى آخر إن كل صورنة أو‬ ‫نظرية منطقية لها أنطولوجيتها اخلاصة‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫جتمع فلسفة كواين بني املنطق واألنطولوجيا والعلم أو النظريات من خالل حتليل مفهوم اإلحالة وحتديده‪ .‬إنه التحقيق في العالقة الوثيقة بني‬ ‫‪2‬‬ ‫النظريات واألشياء من خالل البت في أمر املعنى واإلحالة‪ ،‬معتمد ًا في ذلك األدوات املنطقية التي يستقيها من راسل ووايتهيد أو فريجه‬ ‫وغيرهم‪ ،‬أو يبتكرها كلما دعت إلى ذلك احلاجة‪ .‬يقول كواين‪« :‬إنني ال أقترح اعتماد الوجود على اللغة‪ .‬ما نحن بصدد مناقشته ليس هو الواقع‬ ‫‪3‬‬ ‫األنطولوجي بل االلتزام األنطولوجي للخطاب‪ .‬إن ما يوجد ال يتوقف‪ ،‬بشكل عام‪ ،‬على استعمال املرء للغة‪ ،‬بل على ما يقر املرء بأنه يوجد»‪،‬‬ ‫وهذا األمر بالضبط هو ما يشكل األهمية القصوى‪ ،‬ومن ثم احلاجة امللحة ملن يسعى إلى فهم القضايا واملشاكل الفلسفية والعلمية املعاصرة؛ ألن‬ ‫«الفلسفة والعلوم تقدم إمكانيات النهائية االختالف حول ما يوجد»‪ 4،‬ما يعني أن ما يهم «من وجهة نظر منطقية» ليس ما يوجد بل ما تقر نظرية ما‬ ‫بوجوده‪.‬‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪58‬‬

‫أساس النظريات العلمية التي ليست سوى خطابات حول ما يوجد أو‬ ‫باألحرى حول ما تقر أنه موجود‪ .‬إن وضع هذا السؤال‪ ،‬في نظر كواين‪،‬‬ ‫ال يهدف إلى حتديد املاهية أو اجلوهر‪ ،‬بل فقط حتديد نوع العالقة بني‬ ‫العبارات العلمية والواقع‪ ،‬وبالتالي حتديد مسألة تناظر الواحد بالواحد‬ ‫تدعيها النزعة الوضعية أو التجريبية املنطقية‪ .‬وبالطبع يستلزم البت‬ ‫التي َّ‬ ‫في التناظر حتليل داللة العبارات وتصنيفها‪ ،‬وهو األمر الذي سيضطر‬ ‫كواين إلعادة النظر في مسألة التمييز بني العبارات التحليلية التحصيلية‪،‬‬ ‫التي ال يضيف محمولها إلى موضوعها شيئاً‪ ،‬والعبارات التركيبية التي‬ ‫يستقى محمولها من التجربة‪ ،‬إنها بلغة كانط عبارات بعدية‪.‬‬ ‫سيخصص كواين لهذا األمر املقالة الثانية من هذا الكتاب‪ ،‬أي «معتقد ًا‬ ‫النزعة التجريبية»‪ ،‬التي اعتبرت من أشهر املقاالت وأكثرها أهمية في‬ ‫القرن العشرين‪ .‬متكن كواين من إبطال التمييز بني التحليلي والتركيبي‪،‬‬ ‫وبالتالي هدم نظرية التجريبية املنطقية في املعرفة‪ ،‬معتمد ًا مثال «ال واحد‬ ‫من العزاب متزوج»‪ ،‬ليبني أن الركائز التي تقوم عليها التحليلية‪ ،‬خاصة‬ ‫القابلية للتبادل واحلفاظ على الصدق‪ ،‬ليست فعالة بشكل مطلق‪ :‬ميكن‬ ‫استبدال «غير متزوج» بـ «عازب» كمرادف لها‪ ،‬ما يضع مشكل الترادف‬ ‫الداللي وكذا مشكل الداللة (تقوم التحليلية على الترادف والهوية‬ ‫الداللية)‪ ،‬وبالتالي مبدأ القابلية للتبادل أو اإلنابة مع احلفاظ على‬ ‫الصدق‪ .‬يستنتج كواين من هذا التحليل عدم وجود العبارات التحليلية‬ ‫املستندة إلى مبدأ القابلية للتبادل‪ .‬وحيث إن النزعة التجريبية املنطقية‬ ‫كانت تقوم‪ ،‬من جهة‪ ،‬على فكرة إمكانية اختزال كل العبارات الدالة‬ ‫إلى عبارات بسيطة ترتبط مباشرة بالتجربة‪ ،‬يطلقون عليها اسم العبارات‬ ‫األساسية أو عبارات البروتوكول (‪ ،)Protokollsätze‬ما يسمح‬ ‫بالتحقق من داللتها وبالتالي علميتها أو العكس؛ ومن جهة أخرى على‬ ‫عبارات حتصيلية ال يحتاج تأكيد صدقها أو كذبها إلى التجربة‪ ،‬بل فقط‬ ‫إلى التكافؤ أو الهوية بني حدودها‪ ،‬ما يجعلها حقائق منطقية غير قابلة‬ ‫لإلبطال‪ ،‬سيعمد كواين بالنسبة للمعتقد األول إلى تبيان عدم حتليلية‬ ‫بعض العبارات التي تبدو كذلك؛ وسيبرهن بالنسبة للمعتقد الثاني‬ ‫أن عملية االختزال من أجل تسهيل عملية التحقق‪ ،‬أو تأسيس العلم‬ ‫على التجربة املباشرة‪ ،‬ليست أمر ًا يقينياً‪ ،‬وأن اختبار عبارات العلم‬ ‫التجريبي ال يتم بشكل فردي‪ ،‬بل بشكل جماعي مترابط (هوليستي)؛‬ ‫أي العبارات العلمية‬ ‫ومن ثم ال أحد قادراً‪ ،‬في نظر كواين‪ ،‬أن يعرف ّ‬ ‫يجب تركها وإبطالها بشكل مسبق‪ ،‬ألن كل العبارات قابلة للتصحيح‬ ‫من حيث املبدأ‪ .‬قد تبدو بعض العبارات أحيان ًا بديهية‪ ،‬وبالتالي غير‬ ‫قابلة لإلبطال‪ ،‬لكن السبب راجع إلى جهلنا بالشروط التي ستؤدي إلى‬ ‫تركها من قبيل اكتشاف «الكوانطا» الذي أدى إلى ترك مبادئ كانت تعتبر‬ ‫بديهية وقبلية؛ مثل مبدأي الع ِّلية والثالث املرفوع‪.‬‬ ‫سيبتكر كواين لهذا الغرض جهاز ًا مفاهيمي ًا متسق ًا منطقي ًا يرتبط مبحاولته‬ ‫رفض معتقدي النزعة التجريبية املذكورين‪ ،‬أقصد‪ ،‬التمييز بني التحليلية‬ ‫والتركيبية واالختزالية؛ أهم هذه املفاهيم‪ ،‬امتناع حتديد الترجمة وامتناع‬ ‫متحيص اإلحالة أو لنقل أسطورة الداللة‪.‬‬

‫امتناع حتديد الترجمة‬ ‫حاول كواين البرهنة على استحالة وضع التكافؤ الداللي بني عبارات‬

‫مختلفة؛ سواء داخل اللغة نفسها أم باخلصوص بني لغتني مختلفتني من‬ ‫خالل افتراض أو اصطناع‪ 8‬جتربة املعجمي أو اللغوي الذي يسعى إلى‬ ‫ترجمة لغة غريبة عنه‪ ،‬بدائية مثالً‪ ،‬إلى لغته اخلاصة من دون أن يتوفر‬ ‫على سجل للترجمة أو مرشد؛ ويتساءل عن كيفية وضعه للتقابالت بني‬ ‫احلدود واأللفاظ‪ ،‬وبني العبارات‪ ،‬وبني الروابط املنطقية من اللغتني‪.‬‬ ‫تستلزم مثل هذه الترجمة نوع ًا من التكافؤ الداللي بني مكونات‬ ‫اللغتني‪ ،‬ما يعني أن نقد كواين للترجمة هو نقد باألساس للداللة‪ ،‬التي‬ ‫شكلت أساس التصور الوضعي ملعيار التحقق‪ ،‬وبخاصة مع رودولف‬ ‫كارناب‪ ،‬علة ذلك في نظر كواين أن اختبار سجل الترجمة ال يتوقف‬ ‫على الوقائع (‪ ،)fact of matter‬بل على خطاطاتنا املفهومية التي‬ ‫اكتسبناها عبر تعلم اللغة‪ .‬لذا‪ ،‬عندما نترجم‪ ،‬فإننا نسقط منطق لغتنا‬ ‫ومقوالتها ومعيشنا على اللغة املترجمة‪ 9،‬إذ ندمج بشكل وا ٍع مقوالت‬ ‫لغتنا في لغة الغريب‪ .‬ومن ثم ال يتم اكتشاف مقوالت اللغة الغريبة‬ ‫بل ابتكارها‪ ،‬وعليه ال يوجد معيار أو سبيل للتحقق من مدى صحة‬ ‫الترجمة‪ .‬هكذا فمالحظة أي شذوذ أو غرابة في لغة الغريب‪ ،‬ومن‬ ‫ثم احلكم أحيانا بالعقالنيتها وحتى تخلفها‪ ،‬ليس في احلقيقة سوى‬ ‫شذوذ في لغة املترجم‪ .‬بعبارة أدق‪ ،‬إن الترجمة هي فرض ملقوالت لغة‬ ‫املترجم على لغة الغريب‪ .‬وبالتالي فهي محاولة إلزالة كل تعارض بني‬ ‫«املتحضر»‪.‬‬ ‫«املتوحش» وفكر املترجم‬ ‫الفكر‬ ‫ِّ‬ ‫ِّ‬ ‫وليبرهن كواين على ذلك يبدأ بتعريف ما يسميه «مثير الداللة» في ملفوظ‬ ‫ما‪ ،‬باعتباره تلك الفئة من املثيرات التي تدفع الشخص إلى االنتقال إلى‬ ‫امللفوظ؛ مثالً‪ :‬إذا كان امللفوظ هو «سيارة»‪ ،‬فسيتضمن «مثير الداللة»‬ ‫(‪ )Stimulus-meaning‬الغبار الذي ينبعث من الطريق وصوت‬ ‫احملرك ‪ ...‬وكذا موضوع ًا طبيعي ًا له شكل وحجم محدد‪ .‬وبناء عليه‪،‬‬ ‫ميكن تقسيم العبارات إلى فئتني‪:‬‬ ‫‪ )1‬عبارات ظرفية (‪ )occassions sentences‬مثل السيارة‪،‬‬ ‫واألرنب‪ ،‬والشجرة ‪ ...‬الخ‪ ،‬التي ال ُتقبل إال عندما يظهر «مثير‬ ‫الداللة»‪.‬‬ ‫‪ )2‬عبارات حملية (‪ )standing sentences‬مثل «الطاقة النووية‬ ‫خطيرة» التي ميكن أن تقبل في غياب «مثير الداللة»‪ .‬وعليه‪ ،‬تكون‬ ‫عبارتان «مترادفتي املثير»‪ ،‬حسب كواين‪ ،‬إذا كان لهما «مثير الداللة»‬ ‫نفسه في اللغة نفسها‪ .‬وهذا هو حال أغلب العبارات احلملية‪ .‬يعتمد‬ ‫اللغوي أو واضع املعاجم أو املترجم على هذا النوع من الترادف ملعرفة‬ ‫ترج َمة‪ ،‬فإنه يعمد‬ ‫لغة غريبة وترجمتها‪ .‬وحيث إنه يجهل اللغة ا ُمل َ‬ ‫إلى ما يسميه كواين بـ «الفرضيات التحليلية»‪ ،‬وهي الفرضيات التي‬ ‫يحاول من خاللها اللغوي تفكيك أو حتليل العبارات أو امللفوظات‬ ‫إلى كلمات أو مفردات بشكل حدسي‪ ،‬ما يجعل إمكانية اخلطأ واردة‬ ‫دائماً؛ مثال ذلك (‪ )psychosociology‬التي قد يقسمها إلى أكثر‬ ‫من مادتني معجميتني أو أقل؛ أو «جافاجاي» في اللغة البدائية التي‬ ‫قد يالحظ املعجمي املترجم أنه لفظ «مثير‪ -‬مرادف» لـ «أرنب»‪ ،‬دون‬ ‫أن يبرهن على ذلك ألنه ال يتوفر على أي وسيلة الكتشاف الفرق‬ ‫الداللي بني «جافاجاي» و «أرنب»‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬إذا كان من املقبول احلديث‪ ،‬حسب كواين‪ ،‬عن ترادف‬ ‫عبارتني باعتماد املثير بناء على االتفاق اللغوي‪ ،‬فال معنى للتساؤل إن‬ ‫كانت لهما «الداللة نفسها»؛ أي التماثل الداللي‪ ،‬ألن لفظني يكونان‪،‬‬


‫في نظر كواين‪ ،‬مترادفني ضمن مجموعة من الفرضيات التحليلية‬ ‫اخلاصة‪.‬‬

‫حاصل القول إن الترجمة ال تنقل شيئ ًا عندما تستبدل متوالية من‬ ‫احلروف أو الكلمات أو اجلمل بأخرى‪ ،‬مبعنى أنه ال يوجد شيء مشترك‬ ‫بني طرفي التكافؤ الداللي املفترض‪ .‬بعبارة أدق‪ ،‬ال وجود ألي داللة‬ ‫ككائن لغوي ميكن أن يكون أساس ًا للترجمة‪ ،‬ومن ثم ال وجود لقضايا‬ ‫هي دالالت للعبارات‪.‬‬ ‫يضعنا هذا األمر في حيرة تدفعنا للتساؤل عن مرجعية كواين نفسه‪،‬‬

‫امتناع متحيص اإلحالة‬ ‫إذا كانت الداللة أسطورة ألن الترجمة‪ ،‬أي تغيير التركيب أو الصرف‬ ‫اللغوي مع احلفاظ على الداللة أو الصدق‪ ،‬مجرد إسقاط ملقوالت‬ ‫ترجمة‪ ،‬وكانت عناصر الدليل اللساني هي‪:‬‬ ‫لغة املترجم على اللغة ا ُمل َ‬ ‫الدال واملدلول واملسمى أو املرجع؛ بحيث تشكل الداللة حاصل‬ ‫العالقة بني الدال واملدلول‪ ،‬وهذه َت َبينَّ وضعها عند كواين‪ ،‬واإلحالة‬ ‫هي حاصل العالقة بني الدال واملرجع؛ فما هو تصور كواين لإلحالة؟‬ ‫وما هو وضع الواقع العيني؟ بعبارة أخرى‪ ،‬هل يسلم كواين بوجود‬ ‫اإلحالة دون الداللة كما يفعل فريجه؟ وهل ميكن أن نتحقق أو نختبر‬ ‫نظرية أو قو ً‬ ‫ال من الداخل بغية معرفة مواضيعه؟ ترتبط اإلحالة لدى‬ ‫النزعة التجريبية والوضعيني املناطقة بالتحقق التجريبي؛ أي الربط بني‬ ‫العبارات العلمية لنظرية ما والتجربة املباشرة أو املعطى احلسي‪ .‬غير‬ ‫أن كواين يعتبر املعطى احلسي مجرد أسطورة أيض ًا ألن األمر يتعلق‪،‬‬ ‫في نظره‪ ،‬باملواضيع وليس باألحاسيس‪ 14.‬بل إن املواضيع في ذاتها‬ ‫ال توجد إال من خالل اللغة التي ترد فيها‪ .‬علة ذلك أن املعطى احلسي‬ ‫يظل مشتت ًا إلى كيفيات ما لم يتم توحيدها عن طريق اإلدراك والتفكير‬ ‫من خالل املواضيع‪ ،‬فاملواضيع هي التي متنح الوحدة للتجربة؛ ألن‬ ‫الواقع يعطى لنا كـ» تعددية مواضيع قابلة للتعريف والتمييز‪ ،‬وبالتالي‬ ‫تتم اإلحالة عليها بحدود عامة ومفردة»‪ 15.‬وهو ما يؤكده في مقال «ما‬ ‫الذي يوجد» إذ يقول‪« :‬إن اخلطاطة املفهومية الفيزيائية‪ ،‬التي تتغيا‬ ‫احلديث عن املواضيع اخلارجية‪ ،‬متنحنا امتيازات كبيرة لتبسيط تقاريرنا‬ ‫جنمع الوقائع احلسية املبعثرة ونعتبرها إدراكات‬ ‫الشاملة‪ .‬فعندما ِّ‬ ‫ملوضوع ما‪ ،‬فإننا نختزل تعقيد زخم التجربة احلسية في بساطة مفهومية‬ ‫ميكن تدبيرها‪ .‬إن قاعدة البساطة هي بالفعل املبدأ املوجه إلسناد‬ ‫املعطيات احلسية إلى املواضيع»‪ 16.‬إال أن البساطة غير كافية من أجل‬ ‫التبرير التجريبي لنظرية معينة؛ ذلك أن كل املواضيع‪ ،‬حتى األولية‬ ‫منها‪ ،‬نظرية‪ 17.‬كما يقر كواين في نهاية كتاب «الكلمة والشيء» أن «ال‬ ‫جتربة قادرة أن تبت في مسألة أنطولوجية»‪ ،‬ليس بسبب الطبيعة اخلاصة‬ ‫لألسئلة األنطولوجية‪ ،‬بل ألن هذه األخيرة ترتبط بالتجربة بوساطة‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫لكن ماذا عن الروابط املنطقية التي تعتبر كونية‪ ،‬هل تخضع هي كذلك‬ ‫المتناع حتديد الترجمة؟ على الرغم من أن الروابط املنطقية في األصل‬ ‫جزء من اللغة الطبيعية‪ ،‬إذ يتأسس السلوك الشفاهي على االتفاق حول‬ ‫احلقائق املنطقية‪ ،‬ويتم اكتساب االتفاق حول هذه األحكام‪ ،‬ألن «عادة‬ ‫‪12‬‬ ‫قبول هذه احلقائق تكتسب في الوقت نفسه مع العادات النحوية»‪،‬‬ ‫وبالتالي من املفروض أن تخضع للمنطق نفسه؛ فإن كواين يصونها‬ ‫من هذا األمر‪ ،‬ألن معايير الترجمة‪ ،‬في نظره‪ ،‬هي معاييرنا وتعتمد في‬ ‫تعريفها على منطقنا‪ ،‬وال يوجد ما هو أفضل من هذه املعايير‪ 13.‬غير أن‬ ‫هناك فرق ًا بني امتناع حتديد ترجمة الروابط املنطقية وذلك املتعلق باألسوار‬ ‫(الوجودي أو البعضي والكلي)‪ ،‬إذ أن معيار البت في األسوار يتم‬ ‫بواسطة معيار «ما هو موجود»؛ أي‪« :‬الوجود هو أن يكون قيمة متغير»‪.‬‬ ‫وهو ما يصطلح عليه كواين مبعيار االلتزام األنطولوجي لنظرية ما‪.‬‬

‫‪59‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫هناك متاثل بني الترجمة اجلذرية وصيرورة تعلم الطفل للغة‪ ،‬ألن «حالة‬ ‫تعلم الطفل تشبه حالة الغريب»‪ 10،‬إذ من الصعب البت في مدى‬ ‫التطابق‪ ،‬في استعمال الطفل‪ ،‬بني األلفاظ واملواضيع‪ ،‬وبني استعماله‬ ‫للروابط اللغوية والروابط املنطقية‪ .‬بل من املستحيل معرفة نوع املوضوع‬ ‫الذي حتيل عليه ملفوظاته ألنه من املستحيل معرفة إن كان الطفل يفرق‬ ‫حق ًا بني لفظ كمي (غير قابل للعد) مثل احلليب ولفظ مفرد يعني موضوع ًا‬ ‫‪11‬‬ ‫مثل الطاولة؛ أو بني التفاحة كمادة أو كثلة وبني التفاحة كموضوع‪.‬‬ ‫وهو الدليل نفسه الذي يسوقه كواين عند احلديث عن امتناع حتديد‬ ‫الترجمة اجلذرية‪ ،‬وكذا امتناع حتديد الداللة‪ ،‬من خالل مثال امللفوظ‬ ‫«جافاجاي» (‪ )Gavagai‬الذي يعني في هذه اللغة البدائية‪« :‬أرنب»‪،‬‬ ‫إذ في كل مرة يتلفظ البدائي بهذه اجلملة يدل في الوقت نفسه على جزء‬ ‫ملتصق باألرنب‪ ،‬ويضفي على قوله صفة «األرنبية»‪ ،‬ومرحلة من حياة‬ ‫األرنب‪ ،‬واملساحات املكانية املوجودة على يسار وعلى ميني األرنب‪...‬‬ ‫الخ‪ .‬وبذلك إذا أراد اللغوي أن يعرف إن كان «جافاجاي» حد ًا عليه أن‬ ‫يسأل البدائي‪« :‬هل هذا اجلافاجاي هو نفسه اآلخر؟»‪ ،‬أو «هل هذا الـ‪:‬‬ ‫جافاجاي واحد أم اثنان؟»؛ وليفعل هذا عليه أن يترجم مكونات لغته إلى‬ ‫لغة البدائي‪ ،‬وهو ما يستلزم وضع فرضيات حتليلية‪ .‬وحيث إن ترجمة‬ ‫العبارات النظرية وحدود لغة البدائي تعتمد هذه املعطيات لتحديدها‪،‬‬ ‫وحيث إن أقصى املعطيات‪ ،‬التي تساعد اللغوي على ترجمة عبارات‬ ‫اللغة البدائية‪ ،‬هي نفسها تلك التي تعني كل متعلم للغة على حتديد داللة‬ ‫التعابير اللغوية‪ ،‬هي معطيات تتعلق بالسلوك اللغوي للمتكلمني بهذ��‬ ‫اللغة‪ ،‬لزم أن داللة العبارات النظرية وحدود اللغة يتم حتديدها باالستناد‬ ‫إلى هذه املعطيات‪.‬‬

‫بعبارة أخرى‪ ،‬ما هي وجهة النظر التي ينظر منها كواين إلى هذه‬ ‫األمور‪ ،‬وكيف يتسنى له إدراك امتناع الترجمة وغياب الداللة كقوام‬ ‫للتكافؤ الداللي الذي أقره فريجه؟ ميكن اإلجابة انطالق ًا من التنبيه إلى‬ ‫ربط كواين بني اخلطاطة املفهومية والتنشئة االجتماعية التي يخضع لها‬ ‫اإلنسان عبر تعلم اللغة‪ .‬إن كل مجتمع‪ ،‬وبالتالي كل لغة‪ ،‬تفرض‬ ‫أثناء تعلمها خطاطة مفهومية على متعلميها‪ ،‬تتحكم في تصوراتهم‬ ‫وفهمهم وإدراكهم للعالم بكل مكوناته؛ وال يقدرون على التخلص‬ ‫منها‪ ،‬ما يستلزم أن الترجمة تكون أيض ًا خاضعة للخطاطة املفهومية‬ ‫اخلاصة للمترجم‪ ،‬فتكون بذلك ترجمة «محايثة»‪ ،‬بل ال ميكن‬ ‫التخلص من هذه اخلطاطة‪ .‬بعبارة أخرى‪ ،‬ال توجد «وجهة نظر بريئة»‬ ‫تند عن اخلطاطة املفهومية‪ ،‬لذا تضطر كل ترجمة أن تبدأ وتنتهي داخل‬ ‫اخلطاطة (‪ )at home‬ومن خاللها‪ .‬حاصل القول إن وجهة النظر‬ ‫الفلسفية لكواين هي احملايثة ضمن اخلطاطة املفهومية‪ ،‬فنحن نترجم‬ ‫وجهة نظرنا في اللغة الغريبة؛ ما يدفع كواين إلى التشكيك في إمكانية‬ ‫التجرد من خطاطتنا املفهومية‪ ،‬وبالتالي التمكن من تصور أمناط تفكير‬ ‫مغايرة لنا‪.‬‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪60‬‬

‫العديد من النظريات التي جتعلها غير قابلة للبت أو التمحيص‪ .‬لكن‬ ‫كيف نعرف مواضيع نظرية ما؟ تبني صياغة السؤال حسب كواين‪ ،‬أنه‬ ‫فارغ ألنه مصاغ بأسلوب مطلق ودائري‪ 18،‬ألن اجلواب يستند دائم ًا‬ ‫إلى أنطولوجيا أخرى مقبولة دون برهان‪ .‬بعبارة أخرى‪ ،‬ال ميكن‬ ‫قبول نظرية معينة إال في إطار نظرية أخرى تكون خلفية بالنسبة لألولى‬ ‫(‪ ،)background Theory‬لذا سيكون من اخلطأ التساؤل حول‬ ‫أنطولوجيا نظرية علمية؛ بدل ذلك يجب التساؤل عما تقر بوجوده‪،‬‬ ‫أي التزامها األنطولوجي بالنظر إلى النظرية اخللفية؛ وبالتالي بالنظر‬ ‫إلى امتناع حتديد الترجمة ما بني النظرية «املوضوع» والنظرية اخللفية‪.‬‬ ‫بعبارة أخرى ال بد أن ينتهي البحث في أنطولوجيا النظريات العلمية‬ ‫إلى ما تسلم به هذه النظرية من مواضيع‪ ،‬فتشكل بذلك هذه األخيرة‬ ‫األساس األصيل ا ُمل َسلَّم به ضمن خطاطة مفهومية خاصة وأصلية‬ ‫تكون واضحة من الداخل‪ ،‬وتصبح ممتنعة التمحيص أو البت عندما‬ ‫نود التحقق من مواضيعها من اخلارج‪.‬‬ ‫وحيث ال توجد املواضيع بالفعل‪ ،‬أو لنقل إن اإلحالة إليها تتغير بالتناسب‬ ‫مع تطور اللغة‪ ،‬فإنها لن تكون معيار ًا للتحقق بل مجرد أسطورة أيضاً‪.‬‬ ‫تتطور املواضيع بتطور الفكر البشري والعلمي خصوصاً؛ وبذلك توجد‬ ‫مواضيع «منوذجية» متوسطة كالطاولة والشجرة والقرد ‪ ...‬الخ‪،‬‬ ‫تشكل متثي ً‬ ‫ال للمواضيع األكثر تعقيد ًا وتطور ًا كاجلسيمات والذرات‬ ‫واإللكترونات ‪ ...‬الخ‪ .‬وعليه‪ ،‬يفسر كواين تطور الفكر العلمي من‬ ‫خالل تطور اخلطاطة املفهومية التابعة لتطور اللغة التي تدرك املواضيع‬ ‫وفق ًا ملستوى تطورها؛ بعبارة أخرى ليست معرفتنا سوى الفرضيات‬ ‫التي نضعها‪ ،‬وفق ًا خلطاطتنا املفهومية‪ ،‬حول املواضيع احملايثة للغتنا‬ ‫املتداولة‪ .‬ويتم إدماج أسطورة املواضيع بشكل تدريجي في اخلطاطة‬ ‫املواضيعية عبر انتقاء ألمناط التفكير األكثر «جناعة» من أجل بقاء النوع‬ ‫البشري‪ ،‬وحيث أن املواضيع خاضعة لتطور اخلطاطات املفهومية‪،‬‬ ‫فإن اخلطاطة املواضيعية احلالية‪ ،‬حسب كواين‪ ،‬آيلة للزوال‪ .‬حاصل‬ ‫القول إن «أنطولوجيات األشياء الفيزيائية والرياضية‪ ،‬من منظور‬ ‫اخلطاطة املفهومية الفينومينولوجية‪ ،‬مجرد أساطير تتصف بالنسبية‪،‬‬ ‫وهي كذلك‪ ،‬في هذه احلالة‪ ،‬من الناحية اإلبستيمولوجية‪ .‬إنها وجهة‬ ‫‪19‬‬ ‫نظر من بني ُأخر‪ ،‬لها مقابل ضمن اهتماماتنا واقتراحاتنا املختلفة»‪.‬‬ ‫فما يوجد مجرد مواضعات ابتكرها اإلنسان كما ابتكر اآللهة متام ًا من‬ ‫أجل تبسيط «مسار التجربة»‪ ،‬فـ»املواضيع الفيزيائية ‪ ...‬أسطورة‬ ‫مناسبة»‪ 20.‬وعليه‪ ،‬فقبول أسطورة املواضيع راجع إلى منفعتها بالنسبة‬ ‫للعلم خصوصاً‪ ،‬والفكر اإلنساني عموماً‪.‬‬ ‫بيد أن مشكل املطابقة بني الفرضيات أو التخمينات حول املواضيع‬ ‫والطبيعة يضل موضوعاً‪ ،‬إذ ًا كيف ميكن تفسير هذا التوافق بني اخلطاطة‬ ‫املفهومية (املعرفة) والطبيعة (العالم)؟ أو بعبارة أدق‪ ،‬إذا كانت نظريتنا‬ ‫حول العالم صحيحة‪ ،‬فكيف توصلنا إليها؟ يرى كواين أن العلة هي‬ ‫اخلطاب العادي والعلمي معاً‪ ،‬ألن املعرفة عبارة عن عملية َمف َْه َمة‬ ‫بواسطة اخلطاطة املفهومية التي يتم اكتسابها من خالل تعلم اللغة؛‬ ‫والتي تتطور بتطورها‪ .‬يشكل هذا الترابط الدائري بني اخلطاطة املفهومية‬ ‫واللغة واملواضيع العلمية السمات األساسية لطبيعة اإلنسان‪ ،‬ومن ثم‬ ‫فالتفكير في هذه الطبيعة املعرفية واالجتماعية واملعيشية هي مهمة‬ ‫اإلبستيمولوجيا املُطَ ْبعنة أو الطبيعانية‪ .‬لتوضيح ذلك‪ ،‬يستقي كواين‬

‫من أوطو نوراث تشبيهه لتطور املعرفة بتصليح السفينة وهي في حالة‬ ‫إبحار‪ .‬وهو تشبيه يختصر النزعة الطبيعية واإلبستيمولوجيا الطبيعانية‬ ‫التي يتبناها كواين‪ .‬ذلك أن مهمة اإلبستيمولوجيا لم تعد هي تأسيس‬ ‫املعرفة بل التحقق من كيفية توصل اإلنسان إلى احلالة الراهنة للمعرفة؟‬ ‫تقوم اإلبستيمولوجيا الطبيعانية على فكرة تعلم اللغة التي تعمل على‬ ‫تشكيل العلم (الفرضيات والنظريات) والقوانني املنطقية عبر اخلطاطة‬ ‫املفهومية التي تتم مراجعتها بالنظر إلى التجارب اخلاصة‪.‬‬ ‫‪21‬‬

‫بعبارة أدق‪ ،‬إن تطور املعرفة‪ ،‬حسب كواين‪ ،‬مندمج بشكل طبيعي في‬ ‫تطور النوع البشري‪ ،‬ومن ثم ال توجد ال فلسفة أولى وال منطق قبلي أو‬ ‫أولي يؤسسان املعرفة واملنطق‪ .‬إن اإلبستيمولوجيا الطبيعانية هي‪ ،‬بلغة‬ ‫ميشيل سير‪ ،‬إبستيمولوجيا علمية ألنها تعنى بنفسها دون ما حاجة إلى‬ ‫ما يؤسسها‪ ،‬يقول كواين‪« :‬تعتني املعرفة واملنطق بنفسيهما» لذا «ميكن‬ ‫لإلبستيمولوجي أن يستعمل بكل حرية النظرية العلمية برمتها»‪ 22.‬يلزم‬ ‫عن تصور كواين لإلبستيمولوجيا كون الذات اإلنسانية جسم ُيسقط‬ ‫ماديته على العالم انطالق ًا من بنية خطاطته املفهومية‪ ،‬فيكون احملصول‬ ‫هو نسق العلم‪ .‬كما تتضمن اإلبستيمولوجيا املنطق ألنها تنظر في طبيعة‬ ‫املواضيع واألشياء وقيمها وسبل تكميمها‪.‬‬ ‫حاصل القول‪ ،‬إن تطبيع اإلبستيمولوجيا يعني التخلي عن تأسيس املعرفة‬ ‫بغير املعرفة نفسها‪ ،‬ومن ثم ما يجب تطبيعه هو الطبيعة اإلنسانية‪ ،‬وليس‬ ‫العقل‪ .‬إن ربط اخلطاطة املفهومية باللغة والعلم والنظرية يعني التأكيد‬ ‫على قدرات اإلنسان الواقعية وحدودها‪ ،‬ذلك أن اإلنسان يتحدث عن‬ ‫العالم‪ ،‬ككائن متجذر فيه‪ ،‬باللغة والعلم‪.‬‬ ‫يرفض كواين الفصل بني الفلسفة والعلم إذ ال تختلف الفلسفة‪ ،‬في‬ ‫نظره‪ ،‬عن العلوم اخلاصة إال من حيث درجة العمومية‪ ،‬فبدل أن تهتم‬ ‫العلوم بوجود «البراق» مثال تهتم بوجود الفئات والصفات‪ .‬كما تعالج‬ ‫الفلسفة قضاياها من خالل اللغة باعتماد االرتقاء الداللي من املادي إلى‬ ‫الصوري‪ .‬لذا‪ ،‬على الفيلسوف كما على الفيزيائي أن يوضح قضاياه‬ ‫عن طريق إعادة بناء خطابه (معيار إعادة الصياغة)‪ .‬لكن يجب أن يسلم‬ ‫بعدم وجود أي إمكانية لبناء لغة صورية منوذجية‪ ،‬طاملا أن املنطق ال يأتي‬ ‫بشيء جديد ال يوجد في اللغة الطبيعية‪ ،‬ومن ثم يجب أن نعمل ضمن‬ ‫لغتنا‪ ،‬أي خطاطاتنا املفهومية‪ ،‬ونسعى إلى حتسينها لبلوغ مقاصدنا‬ ‫اإلبستيمولوجية والعلمية‪.‬‬ ‫من هذا املنطلق‪ ،‬ستكون مهمة الفلسفة هي وصف الدوال التي تبنيها‬ ‫العلوم‪ ،‬وبخاصة املنطقية‪ ،‬من أجل مراجعة املفاهيم‪ ،‬حتى تستوفي‬ ‫بشكل أكثر فعالية الدوال التي تصفها الفلسفة‪ .‬بعبارة أوجز‪ ،‬يجب‬ ‫تنقية القول العلمي من املواضيع املجردة‪ ،‬وبالتالي من الكليات‪ ،‬ومن‬ ‫الداللة ككائن مجرد‪ ،‬ومن املواضيع كحقائق واقعية‪ ،‬ومن املوجهات‬ ‫املنطقية؛ من أجل اإلبقاء على اخلطاطة املفهومية واملواضيعية‪ ،‬وااللتزام‬ ‫األنطولوجي وقيم املتغيرات أو السور الوجودي‪.‬‬

‫د‪ .‬يوسف تيبس‬ ‫أستاذ املنطق والفلسفة املعاصرة‪،‬‬ ‫جامعة محمد بن عبد الله‪ ،‬فاس‪ ،‬املغرب‬


‫الهوامش‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫مشهد من إحدى املسرحيات ملدرسة التمثيل في مسرح احلرية‬ ‫في جنني‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫‪WILLARD VAN ORMAN QUINE (1908-2000).‬‬ ‫‪ 2‬تابع كواين ك ً‬ ‫ال من راسل وواتهيد في تصورهما اللوجيستيقي‪ ،‬حتى في‬ ‫مقاله «أسس جديدة للمنطق الرياضي»‪ ،‬غير أنه عمل على اختصار رموزهما‬ ‫الواردة في «مبادئ الرياضيات» في أقل عدد من الرموز‪ ،‬كما عمل على‬ ‫جتديد البعض منها‪ ،‬وبخاصة تبسيط مناهج البت في جداول الصدق والدوال‬ ‫الصدقية واملنطق احملمولي‪ .‬يتبنى كواين املنطق املاصدقي لفريجه‪ ،‬لذا يرفض‬ ‫املنطق املوجه ألنه مصدر للغموض وااللتباس (انظر مقال «اإلحالة واجلهة»‬ ‫من هذا الكتاب)‬ ‫‪3‬‬ ‫‪W. V. O. Quine, [1953] From a Logical Point of View,‬‬ ‫‪Harvard Univ. Press, 1980, p. 103.‬‬ ‫انظر ترجمتنا العربية لهذا الكتاب‪ :‬من وجهة نظر منطقية‪ :‬تسع مقاالت منطقية‬ ‫وفلسفية‪ ،‬دار توبقال للنشر‪ ،‬الدار البيضاء‪.2009 ،‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪W. V. O. Quine, [1960] Word and Object, MIT Press,‬‬ ‫‪p. 233.‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪Quine, W.V.O.,[1981] Theories and Things, Harvard‬‬ ‫‪Univ. Press. Cambridge, Massachusetts & London, pp.‬‬ ‫‪67-72.‬‬ ‫‪ 6‬السؤال نفسه يتكرر بطريقة مخالفة لكنها مباشرة حول املواضيع العلمية‬ ‫في املقالة األولى من كتابه «نسبية األنطولوجيا ومقاالت أخرى» وعنوانها‬ ‫«احلديث عن املواضيع»‪.‬‬ ‫‪ 7‬يعرض برتراند راسل هذه املعوصات الثالثة في مقاله املشهور (‪On‬‬ ‫‪ )denoting‬من خالل العبارات اآلتية‪:‬‬ ‫أ) «الغول غير موجود»‪.‬‬ ‫ب) «أراد اخلليفة أن يعرف إن كان ابن حزم هو مؤلف طوق احلمامة»‪.‬‬ ‫ت) «امللك احلالي لفرنسا أصلع»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فالعبارة (أ) تتضمن أمرين‪ :‬أوال «إن العبارة صادقة»‪ ،‬وثانيا أنها تتعلق‬ ‫بوجود الغول؛ وهما قضيتان غير مقبولتني مع ًا الشتمالهما على التناقض‪.‬‬ ‫فإذا افترضنا أن العبارة صادقة لزم عن ذلك أن الغول غير موجود‪ ،‬وبالتالي‬ ‫ال ميكنه أن يكون موضوع القضية احلملية املذكورة (أ)؛ أما إذا افترضنا صدق‬ ‫األمر الثاني‪ ،‬أي أنها تتعلق بوجود الغول‪ ،‬لزم عن ذلك ضرورة وجود‬ ‫الغول فينتفي صدق العبارة (أ)‪ .‬أما العبارة (ب) فتتضمن القضية «ابن حزم‬ ‫هو مؤلف طوق احلمامة»؛ وحيث إن «ابن حزم» و«مؤلف طوق احلمامة»‬ ‫يحيالن على املسمى نفسه‪ ،‬فيلزم عن ذلك‪ ،‬تبع ًا لقاعدة اإلنابة‪ ،‬استبدال‬ ‫أحدهما باآلخر دون املس بالقيمة الصدقية للعبارة‪ .‬وهكذا ميكن أن نحصل‬ ‫على العبارة اآلتية‪« :‬أراد اخلليفة أن يعرف إن كان ابن حزم هو ابن حزم»‪.‬‬ ‫وهي عبارة فيها تكرار عبثي من الناحية املنطقية‪.‬‬ ‫في حني متثل العبارة (ت) خرق ًا ملبدأ عدم التناقض ألنها ونفيها مع ًا كاذبان‪.‬‬ ‫فامللك احلالي لفرنسا ال ينتمي ال لفئة «األفراد الصلع» وال لفئة «األفراد غير‬ ‫الصلع»‪ ،‬وبالتالي يستحيل تقومي هذه العبارة صدقياً‪.‬‬ ‫لتحليل وحل هذه املعوصات (‪ )Puzzles‬سيلجأ راسل إلى إجراءين‪ :‬أوالً‬ ‫التمييز بني الوجود (‪ )existence‬والوجود االعتباري (‪،)subsistance‬‬ ‫فإذا كان األول يقتضي الوجود باملعنى املادي واملوضوعي للوجود الواقعي‪،‬‬ ‫فإن الثاني ال يستلزم ذلك‪ ،‬وبالتالي فإن آلهة األساطير واألعداد واألشكال‬ ‫والكائنات الرياضية لها وجود‪ ،‬وإال ملا أمكننا احلديث عنها‪ .‬والثاني هو‬ ‫‪1‬‬

‫نظرية األوصاف‪ .‬أنظر هذا املقال في‪:‬‬ ‫‪Russell, Bertrand, [1956]: Logic and Knowledge, edited by‬‬ ‫‪Robert C. Marsh, ed. Capricorn Books 1971, pp.41-56.‬‬ ‫‪ 8‬يعتبر كواين أن التجربة اجلذرية مسألة «مصطنعة» فقط إلثارة االنتباه إلى‬ ‫شيء ال يتم االنتباه إليه؛ انظر الفصل الثاني من‪ :‬الكلمة والشيء‪.‬‬ ‫‪9‬‬ ‫‪W. V. O. Quine, [1953]. From a Logical Point of View,‬‬ ‫‪chap. 3. P. 63.‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪W. V.O. Quine, Relativité de l’ontologie et autres‬‬ ‫‪essais, Trad. Jean Largeault, ed.Aubier-Montaigne,‬‬ ‫‪1977, p. 23.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫‪Ibid., p. 20.‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪Quine, V. O. W., Philosophie de la logique, p. 151.‬‬ ‫‪ 13‬ينتقد كواين مبدأ اإلحسان (‪ )charity‬الذي قال به دافيدسون وتتبناه‬ ‫الفلسفة التحليلية كمبدأ للتأويل‪ ،‬ومفاده أن علينا أن نترجم دائم ًا بطريقة‬ ‫تطابق عقالنية املترجم‪.‬‬ ‫‪14‬‬ ‫‪Quine, W.V.O., [1981] Theories and Things, p. 41.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫‪Quine, W.V.O., Relativité de l’ontologie et autres‬‬ ‫‪essais, p. 13.‬‬ ‫‪16‬‬ ‫‪Quine, W.V.O., [1953]. From a Logical Point of View,‬‬ ‫‪chap. 1, P. 17.‬‬ ‫‪17‬‬ ‫‪Quine, W.V.O., [1981] Theories and Things, p. 20.‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪Quine, W.V.O., Relativité de l’ontologie et autres‬‬ ‫‪essais, p. 66.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪Quine, W.V.O., [1953]. From a Logical Point of View,‬‬ ‫‪p. 19.‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪Ibid., p. 44.‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪Quine, W.V.O., Relativité de l’ontologie et autres‬‬ ‫‪essais, pp. 83-105.‬‬ ‫‪22‬‬ ‫‪Quine, W.V.O., [1974] Roots of reference, The Paul‬‬ ‫‪Carus lectures, ed., Open Court la sale Illinois, P. 2.‬‬

‫‪61‬‬


‫االستقصاء واجلدل العلمي والقصة ‪..‬‬ ‫سياقات للتعلم احلواري‬

‫جتربة تطبيقية مع معلمات ومعلمني‬

‫‪62‬‬

‫مشهور البطران‬

‫ملخص‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫َت َطلَّع هذا العمل إلى تطوير قدرات املعلمني‪/‬ات في مجال احلوار الصفي واستقصاء تأثيره في بناء املعرفة‪ ،‬على مدار سبعة أشهر من العام الدراسي‬ ‫‪ ،2008-2007‬ومبشاركة أساسية مع ثالثة معلمني‪/‬ات من مدرستي بنات بيت عوا الثانوية‪ ،‬وذكور بيت عوا الثانوية‪ .‬استخدم املعلمون‪/‬ات‬ ‫سياقات متنوعة لتفعيل احلوار الصفي من قبيل االستقصاء العلمي‪ ،‬واجلدل العلمي‪ ،‬إضافة إلى القصة في سياق علمي‪.‬‬ ‫ولتمكني املعلمني من بناء هذه السياقات‪ ،‬فقد انخرطوا في سلسلة من املساقات وورش العمل والعروض البصرية وعروض الكتب‪ ،‬مكنتهم من‬ ‫إعادة بناء الوحدات التعليمية‪ ،‬وكذا اكتساب إستراتيجيات تفعيل احلوار الصفي‪.‬‬ ‫ولتقييم نوعية احلوار الصفي‪ ،‬اعتمدنا على مؤشرات مثل نوعية األسئلة‪ ،‬ومصدرها‪ ،‬وغاياتها‪ ،‬إضافة إلى منط التفاعل الصفي‪ .‬أما بالنسبة لتقييم‬ ‫نوعية اجلدل‪ ،‬فقد جلأنا إلى منوذج توملني (‪.)Toulmin’s Argument pattern T.A.P‬‬ ‫اتكأنا في هذا البحث على طرائق نوعية في جمع البيانات؛ كاملقابالت‪ ،‬وكتابات املعلمني‪ ،‬والطالب‪ ،‬والتصوير‪ ،‬حيث مت تصوير كل معلم‬ ‫مرتني على مدار الشهور السبعة‪ ،‬مرة في بداية العام‪ ،‬والثانية في الثلث األخير منه‪ .‬وقد أفرغت هذه البيانات وحللت بهدف رصد التغيرات التي‬ ‫طرأت على ممارسات املعلمني في صفوفهم‪.‬‬ ‫كانت النتائج جيدة قياس ًا إلى الفترة الزمنية التي استغرقها البحث‪ ،‬حيث أظهر التحليل النوعي للبيانات تغيرات إيجابية متفاوتة في مجال احلوار‬ ‫واجلدل العلمي‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫في الرؤيا‪ ..‬مقاربة فكرية‬ ‫حتى اآلن جتري العملية التعليمية وفق نظام ُي ْعلي من شأن العلم‬ ‫وصف العالم من حولنا‪ ،‬ومع تقديرنا ألهمية‬ ‫كمجموعة من احلقائق ُت ِّ‬ ‫اإلملام باملفاهيم واملعارف العلمية‪ ،‬فإننا نعتقد أن انخراط الطالب في‬ ‫عمليات العلوم وإكسابهم مهارات االستكشاف العلمي‪ ،‬أمر ال محيص‬ ‫عنه في أي برنامج لتعليم العلوم‪.‬‬ ‫االدعاء أن النظرة إلى العلم كطريقة في االستكشاف في املناهج‬ ‫ميكن ّ‬ ‫الفلسطينية اجلديدة دون املستوى املطلوب‪ ،‬على سبيل املثال‪ ،‬لم تولِ‬ ‫املناهج أهمية لالستقصاء العلمي‪ ،‬فمث ً‬ ‫ال ُيطْ َر ْح موضوع االستقصاء‬ ‫ِ‬ ‫العلمي في منهاج الصف التاسع‪ 1‬كموضوع َيصف عناصر العملية‬ ‫االستقصائية من غير الشروع في عملية االستقصاء نفسها‪ .‬إننا‬ ‫عرف الطالب مفهوم الفرضية‪ ،‬إمنا األهم‬ ‫نعتقد أنه ليس من املهم أن ُي ِّ‬

‫عرف الطالب مفهوم‬ ‫أن يصوغها لغة وممارسة‪ ،‬وليس مهم ًا أن ُي ِّ‬ ‫املشاهدة‪ ،‬إمنا األهم هو ممارستها وإتقانها‪ .‬هذا هو شأن االستقصاء‬ ‫في املناهج اجلديدة‪ ،‬أما اجلدل العلمي فإننا جنزم بأنه مغيب كلي ًا من‬ ‫هذه املناهج‪.‬‬ ‫تؤكد األدبيات التربوية احلديثة على ضرورة إيالء أهمية قصوى ملفهوم‬ ‫العلم كطريقة في إنتاج املعرفة‪ .‬إن مفهوم العلم كطريقة يقتضي التركيز‬ ‫على منهجيات وعمليات من قبيل احلوار‪ ،‬واجلدل‪ ،‬واالستقصاء‪.‬‬

‫ملاذا احلوار واجلدل واالستقصاء‬ ‫لقد اخترنا هذه العمليات ألننا نعتقد أنها روافع للسؤال‪ ،‬فهي تبدأ‬ ‫بالسؤال وتنتهي به‪ ،‬فاحلوار واجلدل ال ينتهيان طاملا املعرفة اإلنسانية‬ ‫موجودة‪ ،‬فكل معرفة مهما كان مصدرها أو درجة دقتها‪ ،‬هي في النهاية‬ ‫االدعاءات التي ال سبيل‬ ‫معرفة نسبية تنطوي في صيرورتها على قدر من ّ‬


‫إلى البرهنة على صحتها على وجه اإلطالق‪ .‬وعلى هذا النحو‪ ،‬فان‬ ‫احلوار واجلدل سيبقيان لصيقني للمعرفة أبداً‪.‬‬ ‫وإذا كان هذا شأن احلوار واجلدل‪ ،‬فان االستقصاء هو املاكينة التي‬ ‫تولدهما‪ ،‬فاالستقصاء في أبسط توصيفاته هو تقصي «احلقيقة» والتأكد‬ ‫من صحتها عن طريق مساءلتها‪ ،‬فهو من هذه الناحية يتقاطع مع احلوار‬ ‫واجلدل القائمني على السؤال‪ ،‬بل وميكن القول إن االستقصاء يولد‬ ‫ك ً‬ ‫ال من احلوار واجلدل‪ .‬فنحن نتحاور أو نتجادل عندما نختلف في‬ ‫تفسيراتنا لظاهرة أو حادثة ما‪ .‬من جهة ثانية‪ ،‬فإن عملية االستقصاء‬ ‫تتضمن جمع املعلومات وتفسيرها للوصول إلى النتائج‪ ،‬هذه النتائج‬ ‫هي مبثابة ّادعاءات في مرحلة ما وحتت ظروف معينة‪ ،‬وهذه االدعاءات‬ ‫تتطلب تبرير ًا مستند ًا إلى مشاهدات وأدلّة‪ ،‬وهنا يتقاطع االستقصاء مع‬ ‫اجلدل‪ ،‬وألن التفسيرات تنبني في ضوء فهم الفرد الذاتي للدالئل‪ ،‬فإن‬ ‫احلوار واجلدل يتأسسان على ضوء هذه التفسيرات‪.‬‬

‫في احلوار‬

‫وباعتبار النظرية الثورية‪ 3‬التي تنهض على مفهوم القطيعة واالنفصال‪،‬‬ ‫ندعي أيض ًا أن النظريات العلمية القائمة جتاوزت نظريات سابقة‬ ‫فإننا َّ‬ ‫لها‪ ،‬وهي بدورها قابلة للتجاوز ضمن ما يستحدثه الفكر العلمي من‬ ‫نظريات جديدة‪ ،‬إن آلية التجاوز هي في األساس قائمة على احلوار‬ ‫بني األطر العلمية التي متثل علماء في حالة حوار وجدل‪ ،‬ففي كلتا‬ ‫احلالتني‪ ،‬فإن النظرية تنطوي في بنيتها على أصوات الناس الذين‬ ‫بنوها‪.‬‬ ‫العلم بناء لغوي ثقافي اجتماعي قابل للمساءلة والتغيير على الدوام‪،‬‬ ‫وطاملا هو كذلك فهو إذن حواري‪ .‬إننا نقول ذلك ألن ثمة توجهات‬ ‫أخرى ترى أن العلم الطبيعي يختلف عن العلوم اإلنسانية في كونه‬ ‫موضوعي ًا ومعمم ًا وغير قابل للجدل‪ ،‬فالفكرة العلمية إما أن تكون‬ ‫صائبة وإما خاطئة‪ ،‬ما يعني ‪-‬من منظور وضعي‪ -‬أن الفكرة الصائبة‬ ‫ال مجال للحوار حولها‪ ،‬ألنها صائبة‪ ،‬والفكرة اخلاطئة يجري جتاوزها‬ ‫ألنها خاطئة‪.‬‬

‫إن أهم شرط للحوار هو االعتراف املتبادل‪ ،‬ومع أن وجود املعلم‬ ‫واملتعلم في الصف مع ًا يعني ضمني ًا توفر هذا الشرط‪ ،‬إال أن ما يحدث‬ ‫في الغالب هو عكس ذلك‪“ ،‬فثمة افتراض مسبق لدى املعلمني بأن‬ ‫الطالب لن يكون بوسعهم بناء معرفة مفيدة وذات صالحية إذا كانت‬ ‫هذه املعرفة غير صادرة عن معلم أو كتاب نصوص‪ ،‬وال حتمل على‬ ‫األقل موافقتهما الرسمية” (ويلز‪ .)50:2003 ،‬وعلى هذا األساس‪،‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫إن هذا املنظور الوضعي ملفهوم العلم ينعكس على العملية التعليمية‪،‬‬ ‫فالعلم عادة ما يقدم في الصف على أنه إجابات صحيحة ومعممة حول‬ ‫العالم‪ ،‬وهذا معناه أن ال حاجة للحوار بشأنه طاملا هو كذلك‪ .‬إن أحد‬ ‫أهم انعكاسات النظرية الوضعية على الصف‪ ،‬أن اللغة املسيطرة على‬ ‫اخلطاب الصفي هي اللغة العلمية‪ ،‬وهذه اللغة هي لغة املجتمع العلمي‬ ‫ا ُملو َدعة في الكتب واملنطوق بها على لسان املعلم‪ .‬وما يحدث في الصف‬ ‫عبر أمناط التفاعل السائدة هو أن اللغة مبا تتضمن من أفكار يتم تلقيها كما‬ ‫هي في الكتب‪ ،‬باعتبار أن هذه الكتب حتوي اإلجابات الصحيحة عن‬ ‫العالم مسرودة على لسان املعلم‪.‬‬

‫ثمة إذن فارق بني مفهومي اللغة والكالم‪ ،‬فاللغة بحسب دي سوسير‬ ‫هي نتاج املجتمع للملكة الكالمية‪ ،‬أما الكالم فهو حدث فردي‬ ‫متصل باألداء وبالقدرة الذاتية للمتكلم (عزام‪ .(14:2003 ،‬وعلى‬ ‫هذا النحو‪ ،‬فان احلوار مبعنى ما هو حتويل اللغة العامة إلى كالم‬ ‫خاص ينتجه األفراد املنخرطون في احلوار‪ .‬واحلوار هو عودة باللغة‬ ‫ومسلماتها إلى وضعيات تفكيكية يساهم فيها املتحاورون‪ .‬إذن احلوار‬ ‫هو فعل كالمي‪“ ،‬وهو إعادة إنتاج فردي للغة اجلماعة” (الكردي‪،‬‬ ‫‪ .)28:2003‬وبحسب (أوسنت‪ ،‬وسورل‪ ،‬وكرايس) هو “كالم‬ ‫قصدي‪ ،‬غايته تبادل املعلومات‪ ،‬مع القيام بفعل محكوم بقواعد‬ ‫مضبوطة في الوقت نفسه‪ ،‬وهذا الفعل يهدف إلى حتويل وضع املتلقي‬ ‫وتغيير نظام معتقداته ومواقفه السلوكية” (عزام‪.)145:2003 ،‬‬ ‫ومع أننا نتفق مع توصيف أوسنت في قصدية الكالم‪ ،‬فإننا نختلف‬ ‫على مصدر هذه القصدية ووجهتها ونتائجها‪ ،‬إذ يتضح من التعريف‬ ‫أن املقصود هو تغيير سلوكيات املتلقي وحده‪ ،‬وفي هذه النظرة ثمة‬ ‫ما يشير إلى سلطة أحادية االجتاه من املتكلم على املتلقي‪ .‬ففي احلوار‬ ‫ٍ‬ ‫ومتلق دائم‪ ،‬إمنا يوجد تلفظات‬ ‫بحسب باختني‪ 4،‬ال يوجد مرسل دائم‬ ‫مبنية على تلفظات سابقة لها وممهدة في الوقت نفسه إلى تلفظات‬ ‫واحملاور كل منهما يتغير ويعيد إنتاج ذاته عبر احلوار‪.‬‬ ‫تالية‪ .‬فاحملا ِور‬ ‫َ‬ ‫ومع أن فكرة احلوار الباختيني نشأت في حقل الدراسات األدبية‪ ،‬فإنها‬ ‫تطورت ووظفت في سياقات ثقافية واجتماعية وعلمية‪ .‬ومن هنا‪،‬‬ ‫فإننا ننظر إلى الصف العلمي كإطار اجتماعي ثقافي ميكن أن ينخرط‬ ‫فيه الفرد في حوار نشط إذا ما توفرت العناصر الكفيلة بالنهوض بهذا‬ ‫احلوار‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫تقود فكرة تراكمية‪ 2‬العلم إلى أنه ليس ثمة نظرية علمية ميكن إسنادها كلي ًا‬ ‫إلى عالم واحد أو مكتشف واحد‪ ،‬فالنظريات العلمية متام ًا كالنصوص‬ ‫األدبية مسكونة بتعددية األصوات واإلحاالت املرجعية‪ ،‬وعلى هذا‬ ‫األساس‪ ،‬فإن الفكر العلمي في تكوينه هو فكر حواري‪.‬‬

‫ويرى درايفر ونيوتن وأسبورني (& ‪Driver, Newten‬‬ ‫‪ )Osborne, 1998, p:291‬أن املعلم حني يقدم الدروس‬ ‫العلمية كحقائق غير قابلة للحوار فإمنا يستخدم سلطته التقليدية‬ ‫(‪ )traditional authority‬كمعلم‪ ،‬مبا هو شخص ال يحتاج‬ ‫إلى البرهنة والدالئل على ما يقول‪ ،‬وهو بذلك يتجاوز سلطة العقل‬ ‫(‪ )rational authority‬مبا تتطلبه من تقدمي دالئل تدعم تفسيرات‬ ‫الظواهر‪ .‬وقد أشار ليمك (‪ )lemke, 1990, p:8‬إلى ذلك عبر‬ ‫توصيفه ألمناط التفاعل الصفي‪ ،‬حيث بينَّ أن منط التفاعل السائد‬ ‫هو النمط الثالثي‪ :‬حيث يسأل املعلم سؤا ً‬ ‫ال محدد ًا وعادة ما يكون‬ ‫مصدره الكتاب املقرر‪ ،‬وفي هذا احلالة يتوقع املعلم إجابة محددة‬ ‫لسؤاله‪ ،‬ثم يختار الطالب الذي سيجيب عن هذا السؤال‪ ،‬ومن‬ ‫يقيم املعلم اإلجابة‪ .‬مع هذا املنحى من التفاعل الصفي‪ ،‬تبقى‬ ‫ثم ّ‬ ‫املفاهيم واألفكار كما هي معبر عنها بلغة الكتاب‪ ،‬وال تكتسب بعد ًا‬ ‫ذاتياً‪ .‬مبعنى أن صوت املعلم وصوت الطالب مع ًا لم يسكنا اخلطاب‬ ‫العلمي الصفي إال في حدود ضيقة‪ .‬وعلى هذا األساس‪ ،‬فإن اللغة‬ ‫العلمية العامة لم تتحول إلى كالم فردي‪.‬‬


‫فإن ثقة املعلم مبا ينتجه الطالب من كالم فردي شرط أساس للنهوض‬ ‫باحلوار‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫واحلوار يتعارض مع اليقينيات‪ ،‬فحتى نتحاور يجب أن تطرح احلقائق‬ ‫في إطارها النسبي‪ ،‬فطاملا إن العلم منتج إنساني اجتماعي سيظل عرضة‬ ‫للتغير والتبديل‪ ،‬وهذا معناه قابليته للحوار على الدوام‪.‬‬ ‫الشرط الثالث للحوار هو توفر اهتمام شخصي متبادل ما بني املتحاورين‬ ‫حول املوضوعات املعرفية املطروحة‪ ،‬وطاملا أننا نتحدث عن حوار‬ ‫صفي‪ ،‬فإن املقررات التعليمية يجدر بناؤها على أساس احتياجات‬ ‫املتعلمني‪ ،‬بحيث تسمح بتفعيل احلوار‪.‬‬

‫في اجلدل العلمي‬ ‫(‪)Argument & Argumentation‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪5‬‬

‫يصعب أحيان ًا التفريق بني مفهومي احلوار واجلدل‪ ،‬فاجلدل‪ :‬ممارسة‬ ‫كالمية‪ ،‬فهو من هذه الناحية يتطابق مع مفهوم احلوار‪ ،‬ومثلما يكون‬ ‫احلوار مونولوجياً‪ ،‬قد يكون اجلدل أيض ًا مونولوجياً‪ ،‬فعندما يحاور‬ ‫اإلنسان ذاته مستخدم ًا بيانات معينة كي يقنع نفسه بصحة استنتاج‬ ‫ما أو لدحض فكرة ما‪ ،‬فإن ما يقوم به هو في صلب عملية اجلدل‪،‬‬ ‫ويذهب كل من نايلور وكوغ وداوننغ (‪S.Naylor, B.kogh,‬‬ ‫‪ 6)& B. Downing‬أبعد من ذلك‪ ،‬إذ يرون أن عمليات التفكير‬ ‫والكتابة والتجارب العلمية هي أيض ًا شكل من أشكال اجلدل‪ .‬وإذا‬ ‫كان احلوار سابق ًا على اجلدل العلمي ومؤسس ًا له‪ ،‬فإنهما يتفارقان في‬ ‫نواح عدة‪:‬‬ ‫< فاحلوار يهدف إلى تبادل املعرفة بني املتحاورين‪ ،‬في حني يهدف اجلدل‬ ‫إلى إقناع اآلخر بوجهة نظر معينة إزاء قضية خالفية‪.‬‬ ‫< يندرج اجلدل العلمي في سياق األطر املعرفية أو البراديغم بحسب‬ ‫كون‪ 7،‬فهو إذن ينطوي على شحنة أيديولوجية ويرتبط مبصالح‬ ‫األطراف املتجادلة وقواها؛ أما احلوار فهو لصيق لكل الناس‪.‬‬ ‫(ادعاء رئيس قد تتفرع منه‬ ‫< يدور اجلدل العلمي حول فكرة واحدة ّ‬ ‫سلسلة ّادعاءات فرعية)‪ ،‬أما احلوار فهو أكثر عمومية‪ ،‬حيث كل‬ ‫الفكر اإلنساني قابل للحوار‪.‬‬ ‫< اجلدل العلمي له بنية خاصة ُم ْحكمة ‪-‬خاصة النمط الديالوجي‪ -‬تنبني‬ ‫باالدعاءات‪ ،‬وعلى هذا‬ ‫عبر سلسة من العمليات تبدأ بالبيانات وتنتهي ّ‬ ‫النحو يحتاج اجلدل العلمي إلى ترتيبات خاصة‪ ،‬في حني أن احلوار‬ ‫تلقائي وأكثر بساطة‪.‬‬ ‫تتفق معظم توصيفات اجلدل العلمي في كونه عملية تقييم االدعاءات‬ ‫العلمية وتبريرها عن طريق تقدمي دالئل تستند إلى بيانات إمبريقية‬ ‫بهدف اإلقناع أو الدحض‪ .‬وميكن تصنيف اجلدل العلمي إلى‬ ‫منطني‪:‬‬ ‫‪ .1‬النمط الديداكتيكي التعليمي‪ :‬ويسمى في بعض األدبيات بالنمط‬ ‫البالغي (‪ ،)rhetorical‬وهذا النمط يستخدمه املعلمون في‬ ‫الدروس العلمية‪ ،‬سواء إلثبات صحة نظرية ما أم لنفي أخرى‪.‬‬

‫فحني يقدم معلم الكيمياء مثال األمونيا (‪ )NH3‬كمثال على‬ ‫مادة قاعدية ال حتتوي على هيدروكسيل لدحض نظرية أرهينوس‬ ‫التي تنص على أن “املادة القاعدية هي التي حتتوي على ايون‬ ‫الهيدروكسيل”‪ ،‬فإن ما يفعله هو جدل علمي‪ .‬أو حني يقدم معلم‬ ‫العلوم مثال “متسلق اجلبال الذي يعاني من صعوبة في التنفس‬ ‫كلما صعد إلى األعلى”‪ ،‬فإمنا يحاول البرهنة على النظرية القائلة‬ ‫بتناقص نسبة األكسجني تدريجي ًا مع االرتفاع في طبقات الغالف‬ ‫اجلوي‪ .‬إن هذا النمط من اجلدل يتصف بأنه إخباري وأحادي‬ ‫االجتاه (من املعلم إلى الطالب) ومحدود‪ ،‬وال يحتاج إلى ترتيبات‬ ‫خاصة‪.‬‬ ‫‪ .2‬النمط الديالوجي أو متعدد األصوات (‪:)multivoiced‬‬ ‫وميتاز هذا النمط بتعددية االجتاهات ووجهات النظر‪ ،‬ويتضمن‬ ‫وجود ّادعاء رئيسي يختلف حوله طرفان‪ ،‬يقدم كل منهما دالئل‬ ‫‪8‬‬ ‫داعمة أو داحضة‪ .‬ولذا يصف فان امييرن (‪)Van Eemern‬‬ ‫هذا النمط من اجلدل بأنه‪ :‬لغوي ثقافي اجتماعي‪ ،‬ويري درايفر‬ ‫ونيوتن وأسبورني ‪(Driver, Newten & Osborne, 1998‬‬ ‫)‪ :p:291‬أن قيمة اجلدل الديالوجي تكمن في أنه يتيح الفرصة‬ ‫للمتعلمني للتعبير عن شكوكهم‪ ،‬وطرح األسئلة‪ ،‬وإبداء وجهات‬ ‫نظر مغايرة‪ ،‬وهذه املواصفات ال ميكن لها أن تتوفر في النمط‬ ‫الديداكتيكي‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من أن نظرية اجلدل تطورت عبر عقود‪ ،‬فإن توملني‬ ‫(‪ )Toulmin, 1958‬هو أول من وضع منوذج ًا يصف بنية اجلدل‬ ‫وعملياته (‪،)Simon, Eduran, & Osborne, 2006 p 240‬‬ ‫ويتكون منوذج توملني من العناصر التالية‪:‬‬ ‫‪.1‬‬ ‫‪.2‬‬ ‫‪.3‬‬ ‫‪.4‬‬

‫البيانات (‪ :)Data‬وهي املعلومات في صورتها األولية التي‬ ‫يستخدمها الطرفان لدعم االدعاء‪.‬‬ ‫االدعاء (‪ :)claim‬ميثل االستنتاج أو اخلالصة املراد تعميمها‬ ‫واملختلف بشأنها‪.‬‬ ‫العالقات (‪ :)Warrants‬وهي الروابط (قواعد‪ ،‬مبادئ‪،‬‬ ‫واالدعاءات‪.‬‬ ‫حقائق‪ ...‬الخ) التي تربط ما بني البيانات‬ ‫ّ‬ ‫الدالئل‪/‬املساندات (‪ :)Backings‬هي األدلة التي تسند‬ ‫االدعاءات‪.‬‬

‫وباستخدام هذه العناصر األربعة تتحدد بنية اجلدل بالكيفية التالية‪:‬‬ ‫بسبب (البيانات) ‪ ...‬مع توفر (عالقات وروابط) ‪ ...‬وباالعتماد‬ ‫على (الدالئل) ‪ ...‬لذلك نستنتج (استنتاجات‪/‬ادعاءات)‪.‬‬ ‫إضافة إلى العناصر السابقة‪ ،‬أضاف توملني عنصرين آخرين يستخدمان‬ ‫في املستويات العليا من املجادالت‪ ،‬وهما‪:‬‬ ‫‪ .1‬مجال التأهيل (‪ :)Qualifiers‬الظروف التي يتأهل فيها االدعاء‬ ‫إلى مرتبة احلقيقة العلمية‪.‬‬ ‫‪ .2‬مجال النفي (‪ :)Rebuttals‬الظروف التي َت ْب ُط ُل فيها صحة‬ ‫االدعاء‪.‬‬


‫(شكل ‪ :)1‬منوذج توملني للجدل العلمي ) ‪(Toulmin’s Argument pattern T.A.P‬‬

‫‪65‬‬

‫مجال التأهيل‬ ‫‪QUALIFIER‬‬ ‫ّادعاء‬ ‫‪CLAIM‬‬

‫بيانات‬ ‫‪DATA‬‬ ‫العالقات‬ ‫‪WARRANTS‬‬

‫مجال النفي‬ ‫‪REBUTTALS‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫الدالئل‪/‬املساندات‬ ‫‪BACKINGS‬‬

‫وكمثال على بناء اجلدل العلمي‪ ،‬نطرح املثال التوضيحي التالي‪:‬‬ ‫مثال توضيحي على بناء اجلدل العلمي‬

‫الضوء ذو طبيعة موجية‬

‫املوجة‪ :‬أي موجة تتكون‬ ‫من قمم وقيعان‪ ،‬ولها تردد‬ ‫وطول موجي وطاقة‬

‫الضوء‪ :‬أي ضوء له تردد‬ ‫وطول موجي وطاقة‬

‫االنعكاس واالنكسار‬ ‫والتداخل واحليود‬

‫العالقات الرياضية التي تنطبق على‬ ‫أي موجة تنطبق على الضوء نفسه‬

‫الظاهرة الكهروضوئية‬

‫مجال التأهيل‬

‫املساندات‬

‫مجال النفي‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫االدعاء‬ ‫ّ‬

‫العالقات‬

‫البيانات‬


‫وطاملا أننا نتحدث عن االستقصاء في التعليم‪ ،‬فمن الضروري أن منيز‬ ‫بني االستقصاء العلمي في املختبر كنشاط للعلماء‪ ،‬وبني االستقصاء‬ ‫العلمي في الصف‪ ،‬فاألول يهدف إلى اكتشاف معرفة جديدة أو اإلجابة‬ ‫عن أسئلة لم تعرف إجابتها بعد‪ ،‬في حني أن الثاني هو طريقة في تعليم‬ ‫العلوم‪ ،‬وهذا يعني أن االستقصاء كطريقة في التعليم هو استقصاء ما‬ ‫مت استقصاؤه في املختبر‪ ،‬بتعبير شواب )‪ 10(Joseph Schwab‬الذي‬ ‫وصفه بأنه استقصاء في االستقصاء (‪.)enquiry into enquiry‬‬

‫‪66‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫لقد جلأنا في هذه التجربة إلى منوذج التعلم االستقصائي التعاوني حلل‬ ‫املشكالت‪ ،‬من واقع أن املدرسة مبا فيها من أفراد وعالقات وأدوار‬ ‫ومشكالت ميكن أن تشكل بيئة مالئمة لهذا النموذج االستقصائي‪.‬‬ ‫ويشمل هذا النموذج العمليات التالية‪:‬‬

‫في االستقصاء العلمي‬ ‫ثمة تقاطعات كثيرة في توصيف األدبيات التربوية لالستقصاء‪ ،‬فجميعها‬ ‫تتقاطع في عناصر مشتركة من قبيل‪ :‬وجود مشكل يولد سؤا ًال‪ ،‬السؤال‬ ‫يولد فرضية‪ ،‬الفرضية إما أن ترتقي إلى مرتبة احلقيقة أو يعاد النظر فيها بناء‬ ‫‪9‬‬ ‫على ما يواكبها من جدل وحوار‪ .‬وبحسب (‪،)I.N.S.E.S 2000, P20‬‬ ‫فإن االستقصاء هو نشاط متعدد الوجوه يتضمن العمليات التالية‪:‬‬ ‫< عمل مالحظات‪.‬‬ ‫< صياغة األسئلة‪.‬‬ ‫< جمع املعلومات من مصادر مختلفة‪ ،‬ملعرفة ما هو معروف حول‬ ‫الظاهرة موضوع الدراسة‪.‬‬ ‫< التخطيط لالستقصاء‪.‬‬ ‫< جمع البيانات حول الظاهرة‪ ،‬وهذا يتطلب عمل جتارب وقياسات‪.‬‬ ‫< حتليل البيانات اجلديدة وتفسيرها‪.‬‬ ‫< وضع فرضيات على ضوء البيانات اجلديدة‪.‬‬ ‫< اختبار الفرضية للتأكد من صحتها‪.‬‬ ‫< فحص قدرة الفرضية على التنبؤ بالظاهرة‪.‬‬ ‫ونرى من املهم أن نشير إلى أن عملية االستقصاء ليست عملية خطية‬ ‫ذات خطوات متالزمة‪ ،‬وليس بالضرورة أن تتضمن كل العمليات‬ ‫السابقة‪ ،‬وهي أيض ًا ليست الطريقة الوحيدة إلنتاج املعرفة‪ ،‬وهذا‬ ‫موضوع شائك لن جنادل فيه‪ .‬إن ما نؤكد عليه هنا أن االستقصاء في‬ ‫جتربتنا هو سياق يفتح أمام املشاركني باب األسئلة احلوارية‪ ،‬مبا يتيحه من‬ ‫بدائل وتفسيرات بناء على املشاهدات‪ .‬وهنا تكمن أهمية االستقصاء في‬ ‫أنه مينح الطالب الفرصة ملعرفة كيف يعرفون ما يعرفونه‪ ،‬وأي أدلة تدعم‬ ‫هذه املعرفة” (‪.)2000, p:22‬‬

‫< حتديد املشكلة التي ستقود العمل االستقصائي‪ :‬وحتى تكون هذه‬ ‫املشكلة سياق ًا أصي ً‬ ‫ال للتعلم‪ ،‬فيجب أن تنبثق من واقع الصف أو‬ ‫املدرسة أو املجتمع‪ .‬وكذا يجب أن تكون مشكلة حقيقية وليست‬ ‫مصطنعة لغرض التعلم‪ ،‬وأن يكون للمتعلمني اهتمام فعلي بحلها‪،‬‬ ‫وأن ال تكون مفروضة على الطالب؛ أي أن يساهم الطالب في‬ ‫اختيارها‪.‬‬ ‫< حتديد الفرضية‪/‬الفرضيات‪ :‬وهنا ميكن تقسيم الصف إلى مجموعات‪،‬‬ ‫وتشغيل إستراتيجية العصف الذهني لصياغة الفرضيات التي ستقود‬ ‫البحث‪ .‬وكل مجموعة تتولى العمل على الفرضية التي تبنيها‪.‬‬ ‫< جمع املعلومات حول املشكلة‪ :‬وهنا يكون العمل تشاركياً‪ ،‬ويناط‬ ‫بكل مجموعة مهمات محددة‪ ،‬ويفترض في املعلم أن يوفر لطالبه‬ ‫مصادر تعليمية حول املشكلة‪.‬‬ ‫< اختبار الفرضية والوصول إلى النتيجة‪.‬‬

‫مقدمة‬ ‫تأتي هذه التجربة البحثية في إطار توجه مركز القطان للبحث والتطوير‬ ‫التربوي للعمل مع املعلمني عبر مشاريع بحثية في مدارسهم وبني‬ ‫طالبهم‪ ،‬على أبحاث نوعية‪ 11،‬ينخرط فيها الباحثون مع املعلمني‬ ‫والطالب في سياق تبادلية األدوار‪ .‬ضمن هذا التوجه اخترنا أن نعمل‬ ‫مع مجموعة من ثمانية معلمني‪/‬ات من مدارس عدة في اخلليل وأريحا‬ ‫والقدس‪ .‬ولكن في مرحلة الحقة من البحث اكتفينا بالعمل مع ثالثة‬ ‫منهم بسبب عدم القدرة على التواصل معهم في مدارسهم‪ ،‬وبخاصة‬ ‫أنهم يتوزعون على ثالث محافظات متباعدة‪.‬‬ ‫وبحكم أن الباحث هو معلم في مدرسة بنات بيت عوا الثانوية‪ ،‬فقد‬ ‫تركزت معظم فعاليات هذه التجربة التطبيقية في هذه املدرسة‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى مدرسة ذكور بيت عوا الثانوية املجاورة لها‪ ،‬العتبارات سهولة‬ ‫التواصل واملتابعة مع هاتني املدرستني‪ .‬وعلى هذا األساس‪ ،‬من املهم أن‬ ‫نشير إلى أن حتليل النتائج وتقييم التغيرات في املمارسات الصفية سوف‬ ‫يعتمد فقط على بيانات املعلمني‪/‬ات في مدرستي بنات وبنني بيت‬ ‫عوا الثانويتني‪ .‬أما بقية املعلمني‪/‬ات من املدارس األخرى‪ ،‬فسنكتفي‬ ‫بتضمني مقترحاتهم التعليمية ضمن مالحق هذا البحث‪ .‬اجلدول التالي‬ ‫يبني أسماء املشاركني‪.‬‬


‫‪#‬‬

‫اسم املعلم‪/‬ة‬

‫التخصص‬

‫سنوات اخلبرة‬

‫املدرسة‬

‫احملافظة‬

‫‪1‬‬

‫شادية الطل‬

‫فيزياء‬

‫‪2‬‬

‫بنات بيت عوا الثانوية‬

‫جنوب اخلليل‬

‫‪2‬‬

‫عبير العسود‬

‫تكنولوجيا‬

‫‪4‬‬

‫بنات بيت عوا الثانوية‬

‫جنوب اخلليل‬

‫‪3‬‬

‫بهاء احملاسنة‬

‫تكنولوجيا‬

‫‪2‬‬

‫ذكور بيت عوا الثانوية‬

‫جنوب اخلليل‬

‫‪4‬‬

‫فداء حشيش‬

‫تربية إسالمية‬

‫‪6‬‬

‫بنات بيت عوا الثانوية‬

‫جنوب اخلليل‬

‫‪5‬‬

‫حكمت أبو شرار‬

‫اجتماعيات‬

‫‪5‬‬

‫بنات بيت عوا الثانوية‬

‫جنوب اخلليل‬

‫‪6‬‬

‫زيد شبانة‬

‫تكنولوجيا‬

‫‪3‬‬

‫مدرسة عبد الهادي السراحنة األساسية‬

‫اخلليل‬

‫‪7‬‬

‫رنا ترجمان‬

‫أحياء‬

‫‪5‬‬

‫مدرسة املطران األساسية للبنني‬

‫القدس‬

‫‪8‬‬

‫حترير خربيش‬

‫علوم‬

‫‪2‬‬

‫مدرسة النويعمة الثانوية املختلطة‬

‫أريحا‬

‫املدرستان اللتان أجري فيهما البحث في قرية بيت عوا إحدى قرى‬ ‫اخلليل‪ ،‬وتتبعان إداري ًا مديرية تربية جنوب اخلليل‪ .‬املدرستان متقاربتان‬ ‫في عدد الطالب واملعلمني والشعب والكثافة الصفية‪ ،‬في كل مدرسة‬ ‫‪ 700‬طالب‪/‬ة و‪ 30‬معلماً‪/‬ة إضافة إلى مرشد‪/‬ة تربوي‪ .‬تبدأ املدرستان‬ ‫من الصف السادس وحتى الثاني عشر بفرعيه العلمي واألدبي‪ ،‬بواقع‬ ‫‪ 16‬شعبة صفية‪ ،‬ومبعدل ‪ 40‬طالباً‪/‬ة لكل شعبة‪.‬‬ ‫ينحدر الطالب من الطبقات املتوسطة وما دونها‪ ،‬فغالبية سكان القرية‬ ‫يعتمدون على الوظائف احلكومية‪ ،‬وقليل منهم يعتمدون على العمل‬ ‫داخل «اخلط األخضر»‪ .‬عدد املعلمني‪/‬ات من سكان القرية ضئيل جد ًا‬ ‫حتى اآلن على الرغم من تزايده عام ًا بعد عام‪ ،‬ويعوض هذا النقص‬ ‫مبعلمني‪/‬ات من خارج القرية‪.‬‬

‫احلصص التي ُص ِّو َر ْت في مرحلة التأمل في املمارسات احلالية أظهرت أن‬ ‫التعليم في املدرستني يعاني من مشكلة تتلخص في‪ :‬إن املعرفة املتحصل‬ ‫عليها من قبل املتعلمني ال ُت َذ َّو ْت وال حتاكم على محكات الواقع‪ ،‬بل‬ ‫تبقى في إطار املعلومات املودعة لدى املتعلمني لوقت االمتحان‪ ،‬دون‬ ‫أن تترجم في احلياة إلى فهم حقيقي يقارب الواقع علمي ًا وثقافياً‪ .‬املثال‬

‫نستنتج من احلوار السابق أن الرقم ‪- 120‬على الرغم من أنه إجابة‬ ‫صحيحة‪ -‬ليس له معنى بالنسبة للطالبة‪ ،‬إنه مجرد رقم‪ .‬إن هذا‬ ‫املثال هو واحد من عديد األمثلة التي تؤشر على إشكاليات التعليم في‬ ‫املدرسة‪ ،‬حيث غاية التعليم هو حتصيل العالمات واحلصول على ترتيب‬ ‫أعلى ضمن التراتبية القائمة على معيار التحصيل‪ .‬في سياق آخر‪،‬‬ ‫وهذه املرة في درس اجلغرافيا‪ ،‬أجابت طالبة في معرض ردها على‬ ‫سؤال املعلمة حول موقع السهل الساحلي الفلسطيني‪ ،‬إنه موجود في‬ ‫فلسطني‪ .‬وحني طلبت املعلمة منها أن تشير إلى موقع السهل الساحلي‬ ‫على اخلارطة‪ ،‬وضعت الطالبة املؤشر على البحر األحمر‪ .‬هذه األمثلة‬ ‫وغيرها تؤشر‪-‬على األقل في التجارب املصورة‪ -‬على مفارقة التعليم‬ ‫للحياة مبستوياتها االجتماعية والثقافية‪ .‬في ضوء هذه اإلشكاليات التي‬ ‫أشرنا إليها ندعي أن‪:‬‬ ‫أسلوب التعليم البنكي هو املسؤول عن عزل املعرفة عن سياقات‬ ‫إنتاجها‪ ،‬وبالتالي اختزالها في سياق املعلومات الناجزة واملودعة‬ ‫مؤقتاً‪ .‬وهذا يترتب عليه تزخيم دور املعلم وتقزمي دور الطالب‪ ،‬ما‬ ‫يؤدي إلى تقليل فرص بناء املعرفة واحلوار إلى حدودها الدنيا‪.‬‬ ‫وبالتالي‪ ،‬فإننا نفترض أن احلوار التعليمي الفعال يختزل كل هذه‬ ‫اإلشكاليات في ثناياه‪ ،‬من واقع أن‪ :‬احلوار ضد التلقني‪ ،‬احلوار يبني‬ ‫املعرفة‪ ،‬يتيح تبادل األدوار واملواقع‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫تسود املدرستني أجواء تذمر في أوساط املعلمني‪/‬ات والطالب على حد‬ ‫سواء‪ ،‬حيث َت َبينَّ َ من نتائج حتليل انطباعات الطالب في خمسة صفوف‬ ‫حول التعليم في املدرستني؛ تذمرهم من الروتني الصفي وأساليب‬ ‫التدريس التلقينية وغياب النشاطات العملية التي تستفز عقولهم‪.‬‬ ‫كذلك أظهر حتليل تأمالت املعلمني‪/‬ات في هذه الدروس تذمرهم من‬ ‫املناهج‪ ،‬ومن عدم اهتمام الطالب‪/‬ات بالتعليم‪ ،‬وضعف دافعيتهم‬ ‫نحوه وضعف حتصيلهم ومشاركتهم الصفية‪.‬‬

‫املعلمة‪ :‬ما طول دودة اإلسكارس؟‬ ‫الطالبة‪ 120 :‬سنتمتراً‪.‬‬ ‫املعلمة‪ :‬أحسنت‪.‬‬ ‫املعلمة‪ :‬بتعرفي قديش الـ ‪ 120‬سنتمتراً؟‬ ‫الطالبة‪ :‬نعم ‪ ..‬طول غرفة الصف‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫توصيف املدرسة في إطار مشكلة البحث‬

‫التالي مستل من حوار بني معلمة وطالبة في الصف الثامن‪:‬‬

‫‪67‬‬


‫طبيعة البحث وأدوات االستقراء‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪68‬‬

‫يجمع هذا البحث في خصائصه وفعالياته بني البحث االثنوغرافي‬ ‫والبحث اإلجرائي التشاركي‪ ،‬فهو من الناحية الزمنية استمر‬ ‫فترة امتدت من مطلع أيلول من العام ‪ 2007‬وحتى نهايات آذار‬ ‫من العام ‪ .2008‬ومن ناحية أخرى‪ ،‬فإن الباحث واملعلمني هم‬ ‫جميع ًا جزء من العملية البحثية والعملية التعليمية على حد سواء‪.‬‬ ‫فهو بحث انخرط فيه الباحث مع املعلمني والطالب تشاركياً‪ ،‬حيث‬ ‫قام املعلمون والطالب بأدوار إضافية من قبيل التأمل في التجارب‪،‬‬ ‫وتوثيقها‪ ،‬وكتابة االنطباعات‪ ،‬واالنخراط في احلوار حول التجارب‬ ‫التعليمية‪.‬‬ ‫وهذا البحث ال يقوم على افتراضات مسبقة سيصار إلى فحصها‪،‬‬ ‫إمنا يقوم على فكرة التأمل في ممارسات املعلمني الصفية ومساءلتها‬ ‫وتقييمها وتغييرها نحو األفضل‪ ،‬في ضوء احلوار وفي ضوء تأمالت‬ ‫املشاركني وانطباعاتهم‪ ،‬فهو من هذه الناحية إجرائي تطبيقي‪ .‬وألن‬ ‫البحث يشارك فيه أكثر من معلم ومعلمة‪ ،‬إضافة إلى الطالبات‪ ،‬فهو‬ ‫إذن بحث تشاركي‪.‬‬ ‫لقد جلأنا إلى هذا النوع من األبحاث اعتقاد ًا منا أنه الشكل األنسب‬ ‫لألبحاث التربوية التطبيقية‪“ .‬فهو نوع من البحث مع الناس وليس‬ ‫عليهم” (ماكنيف‪ .)9:2001 ،‬إنهم جزء فاعل من البحث في‬ ‫كل مراحله ممارسة وتأم ً‬ ‫ال وتخطيط ًا وتنفيذاً‪ .‬فهو من ناحية‪ ،‬يتيح‬ ‫للمشاركني إنتاج معرفتهم عن أنفسهم وعن ممارساتهم التعليمية‪،‬‬ ‫وكذا يعمل على حتسني هذه املمارسات‪ .‬شأن كل األبحاث‬ ‫اإلجرائية‪ ،‬جلأنا في هذا البحث إلى طرائق نوعية جلمع املعلومات‪،‬‬ ‫وهي‪:‬‬ ‫‪ .1‬الدروس املصورة‪ :‬بواقع حصتني لكل معلم‪/‬ة‪ ،‬حصة في مرحلة‬ ‫التأمل وأخرى في مرحلة التنفيذ‪ .‬وقد راعينا أن تكون احلصص‬ ‫املصورة على فترات متباعدة نسبياً‪ ،‬لكي نرصد التغيرات احملتملة‬ ‫من جانب‪ ،‬وأيض ًا كي يتاح للمشاركات التأمل املعمق في هذه‬ ‫احلصص‪.‬‬ ‫‪ .2‬تأمالت املعلمني‪/‬ات الباحثني‪/‬ات‪ :‬وهي في مجملها يوميات‬ ‫وتقييمات وانطباعات حول املمارسات الصفية كتبت على امتداد‬ ‫فترة البحث‪.‬‬ ‫‪ .3‬احلوارات املسجلة‪ :‬وهي احلوارات التي كنا نسجلها كتابة أو‬ ‫تصويراً‪ ،‬في اجللسات احلوارية واملقابالت التي كانت تعقب‬ ‫مشاهدة التجارب املصورة‪ .‬وهذه احلوارات كانت في مستويني‪،‬‬ ‫أولهما احلوارات اجلمعية التي يشارك فيها جميع املعلمني واملعلمات‬ ‫وجزء من الطالبات‪ ،‬وثانيهما احلوارات الثنائية بني الباحث وكل‬ ‫معلمة على حدة‪.‬‬ ‫‪ .4‬انطباعات الطالب والطالبات‪ :‬في كل صف من الصفوف كلفنا‬ ‫من يرغب من الطالب والطالبات بكتابة انطباعات عن احلصص‬ ‫املصورة بشكل خاص‪ ،‬وممارسات املعلمات بشكل عام‪ .‬وقد شكل‬ ‫هذا املصدر التوثيقي موئ ً‬ ‫ال غني ًا في كل مراحل البحث‪.‬‬

‫في أهداف البحث‬ ‫لم ينق َْد البحث وراء أسئلة بحثية ثابتة‪ ،‬كان هاجسنا األول هو التأمل‬ ‫في املمارسات الصفية‪ ،‬كي تفرز هذه التجربة التأملية أسئلة بحثية‪،‬‬ ‫وهذا ما حدث‪ .‬فقد أفرزت املرحلة األولى ‪-‬التأمل في املمارسات‬ ‫احلالية‪ -‬األسئلة التي وجهت البحث من قبيل‪:‬‬ ‫< ملاذا يختار املعلمون أسلوب التعليم البنكي؟‬ ‫< هل يكون املعلمون واعني إلى أن أسلوبهم بنكياً؟‬ ‫< وهل املعلومات املكتسبة من قبل الطالب‪/‬ات ضمن أسلوب التعليم‬ ‫البنكي ذات معنى قابل للترجمة في احلياة؟‬ ‫< ما أمناط التفاعل الصفي السائدة في الصفوف؟‬ ‫< ما مفهوم احلوار الصفي من وجهة نظر املعلمني‪/‬ات؟‬ ‫< ما هي معيقات احلوار الصفي؟‬ ‫يؤ َسس للحوار الصفي؟ (ما هي السياقات التي من املمكن أن‬ ‫< كيف َ‬ ‫تؤسس للحوار الصفي و ُتف َِّع ُله؟)‬ ‫هذه األسئلة البحثية كانت محل حوار في مستويات عدة‪:‬‬ ‫أولها‪ :‬حوار جمعي شارك فيه جميع أعضاء الهيئة التدريسية‪ ،‬وهو‬

‫من إحدى فعاليات جمعية الكمنجاتي في جنني‪.‬‬


‫حوار أفقي مسحي يستهدف وضع كل املمارسات الصفية على‬ ‫مائدة النقاش‪ .‬وهذا املستوى من احلوار هو متطلب مدرسي‬ ‫مهني نشأ عن رغبة اإلدارة املدرسية في تعميم الفائدة جلميع‬ ‫أعضاء الهيئة التدريسية‪.‬‬ ‫ثانيها‪ :‬حوار يشارك فيه مجموعة الباحثني‪/‬ات فقط‪ .‬وهو حوار موجه‬ ‫باجتاه نقاط محددة أشرنا إليها سابقاً‪.‬‬ ‫ثالثها‪ :‬حوار فردي يشارك فيه صاحب التجربة نفسه‪ ،‬إنه حوار‬ ‫مونولوجي بني املعلم‪/‬ة والتجربة‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫مراحل البحث‬ ‫مر هذا البحث بثالث مراحل على التوالي‪:‬‬

‫املرحلة األولى‪ :‬استكشاف املمارسات‬ ‫الصفية احلالية‬

‫< مساعدة املعلمني‪/‬ات على التأمل في ممارساتهم‪.‬‬ ‫< تقييم احلصص من وجهة نظر املعلمني‪/‬ات غير املشاركني في البحث‬ ‫بهدف التغذية الراجعة‪.‬‬ ‫< تعميق احلوار التربوي فيما بني املعلمني‪/‬ات‪.‬‬ ‫< جمع أكبر قدر من املالحظات واالنطباعات فيما يخص املمارسات‬ ‫الصفية‪.‬‬ ‫لقد أفرزت هذه املرحلة العديد من املالحظات واالنطباعات‬

‫أما في سياق احلوار الصفي‪ ،‬فقد استطعنا أن نرصد املواصفات التالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬طريقة “التفاعل الصفي” قائمة على شكل واحد من األسئلة؛‬ ‫“السؤال املغلق واجلواب املغلق”‪ ،‬وغالب ًا ما يكون املعلم هو مصدر‬ ‫السؤال والطالب هو املجيب‪.‬‬ ‫‪ .2‬مصدر األسئلة واإلجابات هو املقرر الدراسي‪.‬‬ ‫‪ .3‬غاية األسئلة قياس حتصيل املعلومات‪ ،‬والتأكد من حفظها من قبل‬ ‫الطالبات‪.‬‬ ‫‪ .4‬األسئلة املوجهة من الطالب إلى املعلم نادرة جداً‪ ،‬أما األسئلة من‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫في هذه املرحلة مت تصوير خمسة دروس متنوعة (علوم‪ ،‬تكنولوجيا‪،‬‬ ‫جغرافيا‪ ،‬تربية إسالمية) خلمس معلمني‪/‬ات‪ .‬وقد مت عرض احلصص‬ ‫املصورة في وحدة السينما املدرسية‪ 12‬بحضور غالبية أعضاء الهيئة‬ ‫التدريسية‪ ،‬وخضعت للنقاش والتقييم‪ .‬من اجلدير اإلشارة أن تقييم‬ ‫املمارسات لم يستند إلى معايير ومرجعيات ثابتة‪ ،‬أو إلى معياري الصواب‬ ‫واخلطأ‪ ،‬إمنا هو تقييم ذاتي نابع من رؤية املعلم‪/‬ة ملمارسته‪ ،‬وبالتالي‬ ‫احلكم على مدى مالءمتها ملوقف تعليمي معني من وجهة نظر املعلم‪/‬ة‪،‬‬ ‫وعلى أرضية احلوار اجلمعي‪ .‬وكان الغرض من إجراء العروض‪:‬‬

‫‪ .1‬السمة املشتركة بني معظم احلصص املصورة أنها حصص معلمني‬ ‫بامتياز ودرجة حضور الطالب فيها ضعيفة‪ .‬لقد بدا واضح ًا في هذه‬ ‫احلصص أن املعلم هو محور املمارسات الصفية‪ ،‬إنه يخطط ويشرح‬ ‫ويقيم إجابات الطالب‪ ،‬ويعطي التعليمات‪.‬‬ ‫ويوجه األسئلة‬ ‫ّ‬ ‫وباستثناء دورهم في إجابات األسئلة‪ ،‬ميكن القول إن الطالب في‬ ‫هذه احلصص ال يفعلون شيئاً‪.‬‬ ‫‪ .2‬أسلوب التعليم املشترك بني هذه احلصص هو التعليم التلقيني مع‬ ‫تفاوت في درجته من معلم إلى آخر‪ ،‬ومن درس إلى آخر‪ .‬ولم‬ ‫يسجل أي فارق ملموس ما بني أساليب تدريس العلوم والتكنولوجيا‬ ‫وأساليب تدريس التخصصات األدبية‪.‬‬ ‫‪ .3‬منط التفاعل الصفي املسيطر هو النمط الثالثي(‪Triadic‬‬ ‫‪( )Dialogue‬طالب‪-‬معلم‪-‬طالب) املشار إليه من قبل ليميك‬ ‫(‪ ،)Lemke, 1990‬حيث املعلم يسأل السؤال‪ ،‬ثم يختار الطالب‬ ‫الذي سيجيب عن السؤال‪ ،‬ومن ثم يقيم املعلم اإلجابة‪.‬‬ ‫‪ .4‬احلصص تخلو من احلوار مبستوياته كافة‪ ،‬وإذا ما استثنينا أسئلة‬ ‫املعلم التقييمية‪ ،‬فإن التفاعل ما بني املعلم والطالب كان ضعيفاً‪.‬‬ ‫‪ .5‬خلو احلصص من األنشطة العملية‪ .‬املعلمون‪/‬ات يتكلمون أكثر مما‬ ‫يعملون‪.‬‬ ‫‪ .6‬خلو احلصص من أساليب التعليم التعاوني‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪ .1‬مرحلة تأمل املمارسات احلالية وتقييمها‪ :‬وقد استمرت هذه املرحلة‬ ‫ثالثة أشهر من الفصل األول‪ ،‬ومت فيها رصد ممارسات املعلمني‪/‬‬ ‫ات الصفية بواسطة التصوير والكتابة واحلوار مبستوياته املختلفة‪.‬‬ ‫‪ .2‬مرحلة التخطيط والتمكني‪ :‬في هذه املرحلة انخرط املعلمون‪/‬‬ ‫ات في مساقات وورش عمل مكثفة بهدف تطوير قدراتهم على‬ ‫بناء مقترحات تعليمية تنهض باحلوار‪ ،‬وكذا حتسني مهارتهم‬ ‫على تفعيله‪ ،‬ومت أيض ًا تقدمي قراءات وعروض بصرية حول‬ ‫إستراتيجيات بناء احلوار الصفي متهيد ًا للشروع في بناء الوحدات‬ ‫التعليمية‪.‬‬ ‫‪ .3‬مرحلة التنفيذ‪ :‬استمرت طوال شهري شباط وآذار من الفصل‬ ‫الثاني‪ ،‬وفيها مت تنفيذ الوحدات التعليمية التي أعيد بناؤها في‬ ‫مرحلة التخطيط‪.‬‬ ‫‪ .4‬مرحلة حتليل البيانات واستخالص النتائج‪.‬‬

‫واالستنتاجات التي قدمها الباحث أو املعلمون‪/‬ات الباحثون‪/‬ات أو‬ ‫املعلمون‪/‬ات اآلخرون‪ ،‬وهذه االستنتاجات مبنية على مؤشرات مستلة‬ ‫من كتابات املعلمني‪/‬ات والطالب (انظر البند الالحق‪ :‬استكشاف‬ ‫املمارسات احلالية ‪ ..‬إطار حتليلي)‪ ،‬ميكن اختصارها في النقاط التالية‪:‬‬


‫‪70‬‬

‫طالب إلى طالب فهي معدومة‪.‬‬ ‫‪ .5‬قدرة الطالب على اإلجابة تفوق قدرتهم على طرح األسئلة‪.‬‬ ‫‪ .6‬ثمة رواج وقبول لفكرة اإلجابات اجلماعية (حتدث في حال عدم‬ ‫اختيار الطالب من قبل املعلم‪ ،‬حيث يسارع مجموع الصف إلى‬ ‫اإلجابة بصوت واحد في آن)‪.‬‬ ‫‪ .7‬توجه األسئلة إلى عدد محدود من الطالب‪.‬‬ ‫‪ .8‬أسئلة الطالب ضعيفة في صياغتها اللغوية وال تؤشر على ما يريد‬ ‫الطالب فعالً‪.‬‬ ‫‪ .9‬األسئلة برمتها مغلقة وال تسمح باختالف وجهات النظر‪.‬‬

‫استكشاف املمارسات احلالية ‪( ..‬إطار حتليلي)‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪ .1‬ملاذا التعليم الكمي؟‬

‫ميكننا أن نرصد ثالثة تفسيرات لهذا السؤال‪ :‬أولها يتعلق بالفلسفة‬ ‫الوضعية التي تسند العملية التربوية‪ ،‬وثانيها يتعلق باملعلم ذاته كإنسان‬ ‫اعتاد على تأكيد حضوره املركزي في الصف‪ ،‬وثالثها يتعلق باملنهاج‬ ‫وطرائق تقييمه‪ .‬من الناحية الفلسفية تستند التربية إلى الفلسفة الوضعية‬ ‫التي ترى إن ثمة إجابة واحدة ألسئلة العلم‪ .‬وبالتالي‪ ،‬ال داعي لالختالف‬ ‫بني اإلفراد في وجهات النظر‪ .‬فاملعرفة استناد ًا إلى النظرية الوضعية «هي‬ ‫معرفة موحدة ومعممة» (ويلز‪ .)9:2003 ،‬وعلى هذا النحو‪ ،‬ال مجال‬ ‫للتمايز بني األفراد في فهم املعرفة وإدراكها‪ .‬ويرى ويلز (‪:)10:2003‬‬ ‫«إن السياسات التربوية املعاصرة تتبنى هذه النظرية التي بدورها يطبقها‬ ‫املعلمون في صفوفهم‪ ،‬فاملعلمون يعلمون ويقولون أشياء يفترض‬ ‫بالطالب أن يستوعبوها ويكونوا قادرين على استحضارها عند الطلب»‪.‬‬ ‫لقد بني حتليل املشاهدات الصفية أن املعلمني يتبنون وجهة النظر السابقة‪،‬‬ ‫وإن بطريقة الواعية‪ ،‬حيث تقول معلمة التربية اإلسالمية في معرض‬ ‫ردها على سؤال فيما إذا كانت املعرفة موضوعية‪:‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫«‪ ...‬كون العلم أنتجه العلماء إذن هو موضوعي‪ ،‬ويجب أن نقدمه‬ ‫لطالبنا كما هو موجود في الكتب‪ ،‬وإال حلصلت فوضى‪ ،‬وكل‬ ‫طالب يصبح له وجهة نظر مختلفة ‪ ..‬وهذا ليس علم ًا ‪.»...‬‬ ‫يتأصل هذا النمط في التعليم جي ً‬ ‫ال بعد جيل‪ ،‬حيث تتأصل املمارسات‬ ‫الصفية بطريقة أشبه بالتوريث‪ ،‬فعندما يذهب املعلم إلى الصف ألول‬ ‫مرة‪ ،‬فإنه يستحضر من ذاكرته منوذج ًا ملعلم يهتدي به‪ .‬وعادة ما يكون‬ ‫هذا النموذج معلم ًا من املاضي البعيد ترك سحر ًا خاص ًا وتأثير ًا على‬ ‫طلبته‪ .‬تقول املعلمة فداء‪:‬‬ ‫«عندما وقفت في الصف أول مرة‪ ،‬تذكرت معلمتي الست عبير‬ ‫التي علمتني عندما كنت تلميذة في الصف السادس ‪ ..‬تذكرت‬ ‫كيف كانت تبدأ حصتها‪ ،‬وكيف كانت تقرأ الدرس وهي تتجول بني‬ ‫الطالبات‪.»...‬‬ ‫ومرضي عنها في املدرسة‪ ،‬إنها‬ ‫ثم يبدأ املعلم مبحاكاة مناذج مجاورة َ‬ ‫النماذج املبجلة ذات األقدمية التي متارس سحرها وجاذبيتها على‬ ‫املعلمني اجلدد‪ .‬في أثناء ذلك‪ ،‬يكتسب املعلم خبرة يبنيها يوم ًا بعد يوم‬

‫من جتاربه الصفية ومن مواقفه وحياته املدرسية‪ ،‬في هذه األثناء يبدأ‬ ‫سحر النموذج احملتذى به باخلفوت تدريجياً‪ ،‬ويحل محله النموذج‬ ‫الذي صاغه املعلم ونحته من جتربته اليومية‪.‬‬ ‫إن األخطر في موضوعة املمارسات الصفية أن تتحول إلى أمناط ثابتة‬ ‫وأعراف غير قابلة للتفكيك‪ ،‬بحيث تغدو هذه املمارسات ً‬ ‫متنبأ بها من‬ ‫قبل الطالب‪ .‬وهذا ما يحدث غالباً‪ ،‬فعبر التراكم تتحول املمارسات‬ ‫إلى نوع من االعتناق‪ .‬فيكسوها الثبات وتغدو عم ً‬ ‫ال مقونناً‪ ،‬تشير إلى‬ ‫ذلك الطالبة إيناس في دفتر يومياتها‪:‬‬ ‫«‪ ...‬تدخل املعلمة الصف‪ ،‬تكتب عنوان الدرس اجلديد‪ ،‬والتاريخ‬ ‫واليوم‪ ،‬وتقول‪ :‬انتبهوا! ثم تشرح الدرس‪ ،‬ونحن نستمع إليها‪.‬‬ ‫وفي آخر احلصة تقول لنا‪ :‬حلوا أسئلة الدرس ‪ ...‬في احلصة‬ ‫القادمة راح أفتش على الوظيفة»‪.‬‬ ‫إن الصف الدراسي وفق ما سبق يغدو حكاية يتبوأ فيها املعلم دفة السرد‬ ‫بامتياز ‪ -‬إنه سارد كل املعرفة‪ .‬إن هذه احلكاية تلتهم في ثناياها حكايات‬ ‫املتعلمني الذين لم يتح لهم أن يكتبوا أو يسردوا حكاياتهم‪ .‬إنهم‬ ‫أشخاص في حكايات الكبار يتحدد وجودهم ومصائرهم من وجهة نظر‬ ‫السارد املعلم‪ .‬ومن هنا‪ ،‬فإننا نتفق مع باولو فريري حني يصف التعليم‬ ‫بأنه يعاني من مرض السرد» (فريري‪ .)47:2003 ،‬إن التعليم البنكي‬ ‫مينح املعلمني الدور املركزي‪ ،‬فهو محور لكل ما يحدث حوله‪ :‬إنه‬ ‫مصدر املعرفة‪ ،‬يشرح ويسأل ويعمل‪ ،‬ويوضح‪ .‬وهو مصدر السلطة‪:‬‬ ‫يأمر وينهى ويعاقب‪ .‬ومبقابل الدور املركزي للمعلم‪ ،‬ثمة غياب واضح‬ ‫لدور الطالب‪ ،‬إنه ال ينوجد إال لتأكيد دور املعلم‪ .‬تقول طالبة في الصف‬ ‫العاشر في دفتر مذكراتها‪:‬‬ ‫«‪ ...‬تقف املعلمة وراء طاولتها طوال احلصة‪ ...‬نستمع صامتني‬ ‫إلى املعلمة ال نفعل شيئ ًا إال اإلجابة عن األسئلة التي تسألها‬ ‫املعلمة‪.»...‬‬ ‫يتضح من هذا املجتزأ الدور املركزي للمعلم مبقابل الدور الهامشي‬ ‫للطالب‪ ،‬وهذا ما يجعل أسلوب التلقني رائج ًا في صفوف املعلمني‪،‬‬ ‫مبا هو أسلوب يعزز حضور املعلم البطولي في الصف‪.‬‬ ‫إضافة إلى ما سبق‪ ،‬ثمة عوامل موضوعية خارج إرادة املعلم تدفع باجتاه‬ ‫تبني هذا األسلوب دون غيره‪ ،‬كما يتضح من املقطع التالي املستل من‬ ‫تأمالت معلمة العلوم‪:‬‬ ‫«‪ ...‬هناك عوامل كثيرة جتعلني أختار هذا األسلوب فهو األسهل‬ ‫من حيث التطبيق‪ ،‬واألضمن من حيث وصول املعلومات وحتقيق‬ ‫أهداف الدرس‪ ،‬وبخاصة أن الوقت محدود واملنهاج طويل‪،‬‬ ‫وأيض ًا فهو األسلوب املوجود في كل املدارس ومرضي عنه من‬ ‫املشرفني‪.»...‬‬ ‫ولكن ما مصير ما يتعلمه الطالب؟ لإلجابة عن هذا السؤال سوف نكتفي‬ ‫بتحليل مشهد واحد من درس تكنولوجيا للصف التاسع‪ ،‬ميثل نقاش ًا بني‬


‫معلمة وطالبة‪:‬‬ ‫املعلمة‪ :‬ما وظيفة املقوم البلوري؟‬ ‫الطالبة‪ :‬تقومي التيار الكهربائي املتردد‪.‬‬ ‫املعلمة‪ :‬أحسنت! ‪ ..‬إجابة صحيحة ‪ ..‬وما معنى تقومي؟‬ ‫الطالبة‪ :‬تصمت دون أن تعرف اإلجابة‪.‬‬ ‫املعلمة تنظر إلى بقية الطالبات بحث ًا عن إجابة‪ .‬والطالبات ال يعرفن‬ ‫اإلجابة‪.‬‬ ‫املعلمة‪ :‬مش معقول يا بنات أنا حكيت أكثر من مرة أن تقومي التيار يعني‬ ‫تعديله من تيار متردد إلى تيار مستمر‪.‬‬ ‫املعلمة‪ :‬طيب مني تطلع على اللوح ترسم شكل التيار الكهربائي املقوم؟‬ ‫ال استجابة من الطالبات‪.‬‬ ‫املعلمة تضطر أن ترسمه بنفسها على اللوح‪.‬‬

‫إن احلوار الصفي بصيغته التقليدية (معلم‪ ،‬طالب‪ ،‬معلم) و(سؤال‬ ‫مغلق‪-‬جواب مباشر) ليس فقط أداة للقياس الكمي للمعلومات‪،‬‬ ‫وبالتالي وسيلة لكسب رضا املؤسسة واجلمهور‪ ،‬بل هو أداة لتوكيد‬ ‫سلطة املعلم ومن خلفه سلطة املدرسة واملجتمع‪ ،‬من حيث‪ :‬ال إجابة‬ ‫غير التي يريدها املعلم واملتفق عليها سلف ًا وال مجال للتعددية طاملا أن‬ ‫إجابة واحدة فقط هي املقبولة‪ ،‬ومن هنا كنا نلحظ مقاطعة املعلم‪/‬ة‬ ‫للطالب كواحد من أكثر املشاهد تكرار ًا في الصفوف في إي وقت‬ ‫حتيد فيها إجابة الطالب عما هو في الكتاب‪ .‬وهذا يؤشر على عدم ثقة‬ ‫املعلمة باإلجابات املرجتلة‪« ،‬ألنها غير صادرة عن معلم أو كتاب‪ ،‬وال‬ ‫حتمل موافقتهما الرسمية» بتعبير ويلز (‪ ،)49:2003‬كما يتضح في‬ ‫املثال التالي ملعلمة االجتماعيات‪:‬‬

‫‪71‬‬

‫«أل يا صبايا‪ ،‬اننت مش فاهمات صح‪ ،‬مش هيك اإلجابة‪ ،‬اطلعو‬ ‫على الكتاب صفحة ‪ 23‬وبتعرفو إنو إجابتكم غلط‪.»...‬‬ ‫لقد تبني لنا في هذه املرحلة أن واحدة من أهم معيقات احلوار هو عدم‬ ‫إدراك املعلمني‪/‬ات لطبيعة املعرفة‪ ،‬مبا هي معرفة نسبية ومنتج إنساني‬

‫إن متابعة املشهد من أوله تشير إلى أن املعلمة لم تضع املفهوم العلمي‬ ‫في سياق اشتغاله مع مفاهيم وعمليات أخرى‪ ،‬وفي سياق اشتغالهما‬ ‫مع ًا في الواقع البيئي‪ .‬ولهذا‪ ،‬بقيت هذه املفاهيم عزالء مبتورة عن‬ ‫سياقاتها‪ ،‬إنها مجرد معلومات مودعة إلى حني استعادتها ثانية‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫يتضح من املشهد السابق أن إجابة الطالبة حول وظيفة املقوم البلوري‬ ‫هي إجابة صحيحة إذا ما قيست وفق معياري الصح واخلطأ‪ .‬ولكن‬ ‫ذوت‪.‬‬ ‫املعنى الكامن في اإلجابة ظل معنى خارجي ًا بالنسبة لها ألنه لم ُي ّ‬ ‫وبالتالي‪ ،‬فإن هذا املفهوم املكتسب بقي كما هو لغة ومعنى دون أن‬ ‫يساهم في إنتاج معرفة جديدة مبنية عليه‪ ،‬أي لم يساهم في النمو‬ ‫املعرفي للمتعلم‪ .‬وبحسب النظرية البنائية االجتماعية (‪Social‬‬ ‫‪ )Constructivism‬لم يضف املفهوم إلى منطقة النمو املمكنة‪،‬‬ ‫باعتبار أن وظيفة التعليم هي توسيع حيز منطقة النمو املمكنة (‪Zone‬‬ ‫‪.)of Approximate Development - ZAD‬‬

‫في حني أشارت شادية إلى مفهوم مختلف نوع ًا ما‪ ،‬فهو‪ :‬تبادل لآلراء‬ ‫يهدف للوصول إلى املعرفة‪.‬‬

‫‪ .2‬في احلوار الصفي ومعيقاته‪:‬‬

‫لم يشر أي من املعلمني‪/‬ات؛ سواء في النقاشات أم اليوميات‬ ‫املكتوبة‪ ،‬إلى مفهوم اجلدل العلمي‪ ،‬وعندما طرح املفهوم للنقاش من‬ ‫قبل الباحث‪ ،‬تبني أن املفهوم غير ذي معنى تربوي بالنسبة ملعظمهم‪،‬‬ ‫فهو خاص بالعلماء فقط‪ ،‬أما البقية منهم فقد اعتبروه مرادف ًا ملفهوم‬ ‫احلوار الصفي في معناه وداللته‪.‬‬

‫إن احلوار من وجهة نظر فداء‪":‬توجيه األسئلة من قبل املعلم للطالب‬ ‫بغرض تقييم التحصيل"‪.‬‬ ‫أما عبير فتراه‪":‬تبادل املعلومات ما بني املعلم والطالب بهدف فهم‬ ‫الدرس"‪.‬‬

‫من إحدى فعاليات مدرسة غزة للموسيقى‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫أما فيما يتعلق مبفهوم احلوار فقد بدا واضح ًا من احلوارات املسجلة‬ ‫أنه ال يتجاوز طرح األسئلة وتلقي اإلجابات عليها‪ .‬وثمة معيارين‬ ‫لصحة اإلجابة هما املقرر الدراسي أو ً‬ ‫ال ورأي املعلم‪/‬ة في املرتبة‬ ‫الثانية‪ .‬وتقاس صحة اإلجابات مبدى قربها أو ابتعادها عن هذين‬ ‫املعيارين‪.‬‬


‫‪72‬‬

‫غير موضوعي‪ ،‬فاملعلمون‪/‬ات يعتبرون أن العلم موضوعي وغير قابل‬ ‫للمساءلة‪ .‬وهذه النظرة إلى العلم تنسرب إلى وعي األفراد عبر ممارسات‬ ‫تربوية تعكسها الفلسفة الوضعية احلاكمة للممارسات التربوية‪« ،‬ومن‬ ‫هذا املنظور تقدم العلوم في املدرسة كإجابات صحيحة واستنتاجات‬ ‫مقنعة حول العالم» (‪Driver, Newten & Osborne, 1998‬‬ ‫‪ ،)p:288‬ما يعني عدم ضرورة احلوار حولها‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫املعيق اآلخر الذي ظهر جلي ًا هو منط التفاعل الصفي‪ ،‬وهو النمط‬ ‫الثالثي الذي أشار إليه ليميك (‪ ،)lemke, 1990, p:8‬مبا هو منط‬ ‫يكبل احلوار الصفي؛ ألنه يبدأ من املعلم وينتهي به‪ ،‬ثم يعود ويبدأ‬ ‫من املعلم من جديد في دورات متتابعة‪ ،‬وهذا يقودنا إلى املعيق الثالث‬ ‫هو نقص في مهارات املعلمني في فن إدارة احلوار‪ ،‬إذ يرى ويلز‬ ‫(‪ )49:2003‬أنه حتى مع وجود منط التفاعل الثالثي‪ ،‬فإن بإمكان‬ ‫املعلم بقليل من املهارة بد ً‬ ‫ال من تقييم إجابة الطالب والبدء بسؤال مغلق‬ ‫جديد أن يطور إجابة الطالب إلى مبادرة أو رأي أو مقترح يثير حوار ًا‬ ‫مع بقية أفراد الصف‪.‬‬ ‫َي َّدعي املعلمون‪/‬ات أن احلوار يقود إلى الفوضى‪ 13،‬في صف اعتاد‬ ‫الطالب فيه على قيادة املعلم الصارمة‪ .‬أيض ًا اتضح من حتليل التجربة‬ ‫أن ثمة معيقات أخرى خارج إرادة املعلم تدفع باجتاه اختزال فرص‬ ‫احلوار الصفي وبناء املعرفة‪ ،‬ميكن إجمالها فيما يلي‪:‬‬ ‫‪ .1‬تكميم املنهاج‪ :‬حني يتم التعامل مع املناهج ككم من املعلومات‬ ‫يتحول املقرر إلى أداة ضاغطة على املعلم إلمتامه في مواقيت محددة‬ ‫خوف ًا من أسئلة اإلدارة املدرسية‪ .‬ومن هنا‪ ،‬فإن أسلوب التلقني‬ ‫مبرر ويغلق أبواب ًا كثيرة‪ .‬تقول املعلمة شادية الطل‪« :‬في ذهني‬ ‫الكثير من الفعاليات‪ ،‬أرغب بتنفيذها في الصف‪ ،‬ولكن الوقت‬ ‫ال يسعفني»‪.‬‬ ‫‪ .2‬املجتمع‪ :‬على الرغم من أن حضور املجتمع إلى الصف هو غير‬ ‫مباشر‪ ،‬فإنه انتهاكي‪ ،‬حيث تضيف املعلمة شادية‪“ :‬إنني أشعر أن‬ ‫املجتمع يقف لي عند باب الصف أنهم ال يسألون كيف يتعلم أبناؤهم‪،‬‬ ‫بل ما هي درجاتهم”‪ .‬فأولياء األمور يريدون ألبنائهم معدالت عالية‬ ‫كي يضمنوا ألبنائهم موقع ًا وسط منافسة سوق اجلامعات‪.‬‬

‫املرحلة الثانية‪ :‬مرحلة التخطيط والتمكني‬ ‫استمرت هذه املرحلة ثالثة أشهر (تشرين الثاني‪ ،‬وكانون األول‪،‬‬ ‫وكانون الثاني) واقتصرت على العمل مع املعلمني‪/‬ات الباحثني‪/‬ات‬ ‫فقط‪ .‬انقادت هذه املرحلة بأسئلة بحثية من قبيل‪:‬‬ ‫< ما السياقات التجريبية املالئمة لتفعيل احلوار الصفي؟‬ ‫< ما نوعية األسئلة التي ُتف َِّعل احلوار؟‬ ‫على ضوء النقاش واحلوارات التي صاحبت هذه املرحلة‪ ،‬مت اقتراح‬ ‫سياقات جتريبية للتعلم‪ ،‬وهي‪ :‬اجلدل العلمي‪ ،‬واالستقصاء‪ ،‬والقصة‪.‬‬ ‫وفي هذه املرحلة من العمل‪ ،‬ظهرت معيقات موضوعية تتعلق باملنهاج‪،‬‬ ‫حيث الوحدات التعليمية ال تنطوي على إمكانيات عالية لتفعيل احلوار‬ ‫الصفي‪ .‬فكان من الضروري متكني املعلمني‪/‬ات من بناء سياقات‬ ‫تعليمية جتريبية تتكئ على املناهج املدرسية‪ ،‬وتسمح بتفعيل احلوار في‬ ‫الصفوف‪ .‬وعلى هذا األساس التحق املعلمون‪/‬ات في مساقات شتوية‬ ‫ملدة أربعة أيام نظمها مركز القطان في أريحا ورام الله‪.‬‬ ‫تضمن املساق التمكيني ثالثة محاور أساسية‪ ،‬هي‪ :‬اجلدل العلمي‪،‬‬ ‫االستقصاء العلمي‪ ،‬القصة في سياق علمي‪.‬‬ ‫وضمن محور اجلدل العلمي‪ ،‬مت تبني منوذج (‪Toulmin’s Argument‬‬ ‫‪ .)pattern T.A.P‬لقد مت تبني هذا النموذج في اجلدل ألسباب‬ ‫عدة أهمها‪ :‬سهولة التنفيذ‪ ،‬واحتواؤه على مستويات عدة تتدرج في‬ ‫صعوبتها‪ ،‬بحيث يتيح للمشاركني اختيار املستوى الذي يالءم قدراتهم‬ ‫وإمكاناتهم‪ ،‬وأخير ًا سهولة تقييم املجادالت املبنية على أساسه‪.‬‬ ‫يتضمن منوذج توملني عمليات ومهارات من قبيل‪ :‬معاجلة البيانات‪،‬‬ ‫صياغة االدعاءات‪ ،‬طرح التبريرات‪ ،‬بناء املجادالت واملهارات من قبيل‬ ‫طرح األسئلة التشكيكية‪ ،‬واالستماع واملناقشة‪ .‬أما احملتوى اجلدلي‬ ‫الذي مت تبنيه في هذا املساق فهو ظاهرة االحتباس احلراري‪ ،‬هل هي‬ ‫من صنع اإلنسان أم أنها ظاهرة طبيعية؟‬


‫وبالطبع‪ ،‬فقد انقسم املشاركون‪/‬ات إلى فريقني كل منهما تبنى‬ ‫إحدى النظريتني‪ .‬ومت توفير مصادر معلومات حول ظاهرة االحتباس‬ ‫احلراري‪ :‬مطبوعات ونشرات وملصقات إضافة إلى شبكة اإلنترنت‪.‬‬ ‫وعلى مدار أربعة أيام أتيح لكل فريق العمل ملدة ساعتني يومياً‪ ،‬وقد‬ ‫قام كل فريق على حدة بجمع البيانات التي تدعم نظريته‪ ،‬وصياغة‬ ‫الفرضيات‪ ،‬وتقدمي التفسيرات‪.‬‬ ‫وفي أثناء ذلك طور املعلمون‪/‬ات مجادالت مكتوبة‪ ،‬وأخرى‬ ‫شفوية‪ ،‬وثالثة محوسبة باستخدام تقنية العرض على برنامج(‪power‬‬ ‫‪.)point‬‬

‫مت مقترحات حول نوعية األسئلة التي تنهض باجلدل‬ ‫وكذلك ق ُِّد ْ‬ ‫العلمي من قبيل‪:‬‬ ‫< كيف تبرهن على هذا االدعاء؟‬ ‫< ما هي البيانات التي تدعم وجهة نظرك؟‬

‫إضافة إلى مهارة طرح األسئلة‪ ،‬مت التركيز على مهارات االستماع‪،‬‬ ‫مهارة املناقشة‪ ،‬فحص البدائل‪ ،‬معاجلة البيانات‪.‬‬ ‫ضمن محور االستقصاء العلمي مت تبني منوذج التعلم االستقصائي‬ ‫التعاوني حلل املشكالت (جبر وكشك‪ ،)40:2007،‬حيث مت طرح‬ ‫مشكالت استقصائية عدة تطلبت من املشاركني املالحظة وجمع‬ ‫املعلومات وصياغة الفرضيات وجتريبها للوصول إلى حلول‪ ،‬أو العودة‬ ‫من جديد لفحص الفرضيات‪.‬‬ ‫ضمن محور القصة‪ُ ،‬ز ِّو َد املشاركون بقصص في سياق علمي‪ ،‬تتضمن‬ ‫نشاطات وفعاليات هدفت إلى حتسني مهارات املعلمني‪/‬ات في‬ ‫استكشاف احملتوى املعرفي للقصص بطرق حوارية‪ ،‬وكذا لعب أدوار‬ ‫بناء على أحداث في القصص‪ .‬كما مت تطوير قدرات املعلمني على إعادة‬ ‫بناء محتوى علمي في سياق قصي‪.‬‬ ‫إضافة إلى ما سبق‪ ،‬تطلبت مرحلة التحضير بعض الفعاليات التي‬ ‫أجريت في املدرستني من قبيل عروض الكتب‪ ،‬والعروض البصرية‪.‬‬ ‫وفي هذا السياق‪ ،‬مت عرض كتابني من إصدار مركز القطان تعليم يبدأ‬ ‫من احلياة‪ ،‬واللغة وبناء املعرفة‪ .‬أما في مجال العروض البصرية‪ ،‬فقد‬ ‫مت عرض جتربة مصورة في اجلدل العلمي حول انقراض الديناصورات‬ ‫من إنتاج معلمني في مساقات سابقة نظمها مركز القطان‪.‬‬ ‫مع نهاية املساق‪ ،‬أتيح لكل معلم‪/‬ة اختيار السياق الذي يالئمه ويالءم‬ ‫محتوى الوحدة التعليمية متهيد ًا لبناء املقترحات التعليمية كما هو موضح‬ ‫في اجلدول التالي‪:‬‬

‫‪#‬‬

‫املعلم‪/‬ة‬

‫السياق‬

‫الدرس‬

‫الصف‬

‫‪1‬‬

‫شادية الطل‬

‫القصة‬ ‫اجلدل العلمي‬

‫العلوم ‪ -‬املجموعة الشمسية‬ ‫طبيعة الضوء‬

‫للصف التاسع‬ ‫الصف احلادي عشر‬

‫‪2‬‬

‫عبير العسود‬

‫االستقصاء العلمي‬

‫التكنولوجيا‪-‬الكهرباء وتطبيقاتها‬

‫للصف العاشر‬

‫‪3‬‬

‫بهاء احملاسنة‬

‫اجلدل العلمي‬

‫العوملة‬

‫الصف احلادي عشر‬

‫املرحلة الثالثة (مرحلة التنفيذ)‬ ‫استمرت هذه املرحلة طوال شهري شباط وآذار من الفصل الدراسي‬ ‫الثاني‪ ،‬وقبل الشروع في تنفيذ املقترحات‪ ،‬مت توضيحها للطالب‪/‬ات‬

‫في الصفوف‪ ،‬وكل معلم‪/‬ة على حدة أوضح املشروع لطالبه من حيث‬ ‫طبيعته‪ ،‬وأهدافه‪ ،‬وحددت األدوار املناطة بكل طالب‪/‬ة‪ .‬ومت توفير‬ ‫مصادر املعلومات الالزمة‪.‬‬ ‫وعلى صعيد اجلدل العلمي‪ ،‬مت جتريب سياق جدلي متهيدي بعنوان‬ ‫(أعراض مرض اخلليج)‪ 14،‬الغاية منه تعريف الطالب‪/‬ات مبفهوم‬ ‫اجلدل وعملياته ومهارته‪ ،‬متهيد ًا لتنفيذ املقترح اجلدلي املتفق عليه‪.‬‬ ‫وقد زود الطالب مبصادر معلومات من شبكة اإلنترنت‪ ،‬وبعض املقاالت‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫بعد أن أصبح لدى املعلمني‪/‬ات خلفية نظرية وعملية مناسبة بدأوا ببناء‬ ‫املقترحات التجريبية‪ ،‬وقد خضعت للنقاش والتطوير مبشاركة اجلميع‬ ‫إلى أن غدت جاهزة للتنفيذ مع بداية الفصل الدراسي اجلديد من العام‬ ‫‪.2008‬‬

‫‪73‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫في أثناء الورشة قدمت مقترحات لكيفية إعادة ترتيب طالب الصف في‬ ‫حصص اجلدل العلمي‪ ،‬حيث ارتأى املعلمون‪/‬ات أن يترتب الطالب‬ ‫على شكل نصف دائرة‪ ،‬وأن يكون املجادلون في مقدمة الصف‪ ،‬ويكون‬ ‫ظهورهم بالتتالي‪ ،‬بحيث يقدم كل فريق مجاد ً‬ ‫ال واحد ًا أو أكثر يقدمون‬ ‫نظريتهم‪ ،‬وفي أثناء ذلك يقوم الطالب بتحضير مالحظات وأسئلة‬ ‫للمجادلني‪ .‬وتكمن أهمية هذا الترتيب من وجهة نظر املشاركني‪ :‬في‬ ‫كونه يكسر رتابة الصف التقليدي‪ ،‬ومينح الفرصة جلميع أعضاء الصف‬ ‫لرؤية وجوه بعضهم البعض‪ ،‬وما لذلك من أهمية في قراءة تعبيرات‬ ‫الوجه ولغة اجلسد‪ ،‬ففي الصف التقليدي‪ ،‬املعلم وحده من ميتلك‬ ‫الفرصة لرؤية وجوه جميع الطالب‪.‬‬

‫< هل تعتقد أن البيانات املعروضة ميكن أن تؤيد وجهات نظر مخالفة؟‬


‫‪74‬‬

‫الصحافية‪ ،‬وعلقت على مجالت احلائط وجدران الصفوف‪ .‬وأتيح‬ ‫للطالب‪/‬ات االطالع على هذه املصادر كي تساعدهم على تبني وجهة‬ ‫نظر إزاء ما يسمى بأعراض مرض اخلليج‪ .‬بعد أن اكتسب الطالب خبرة‬ ‫في بناء املجادالت‪ ،‬مت تنفيذ املقترحات املخطط لها أص ً‬ ‫ال حول طبيعة‬ ‫الضوء (هل هو موجات أم جسيمات؟) ومقترح العوملة (مع أو ضد)‪.‬‬ ‫في البداية‪ ،‬قدمت املجادالت مكتوبة على شفافيات‪ ،‬ومع ازدياد‬ ‫خبرة املشاركني‪/‬ات متكنوا من بناء مجادالت شفوية مدعومة بعروض‬ ‫وشفافيات وصور وأفالم وثائقية‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫في سياق االستقصاء العلمي وحل املشكالت الذي نفذته املعلمة عبير‬ ‫العسود‪ ،‬قامت الطالبات بعصف ذهني بهدف حتديد املشكالت التي‬ ‫تعانيها املدرسة‪ ،‬ومن بني املشاكل العديدة التي اقترحتها الطالبات‪،‬‬ ‫مت تبني مشكلة انقطاع الكهرباء عن املدرسة كمشكلة تقود العملية‬ ‫االستقصائية‪ .‬لقد اختيرت هذه املشكلة بناء على املعايير التالية‪:‬‬ ‫< إنها مشكلة حقيقية وأصيلة‪.‬‬ ‫< مشكلة تسبب للطالبات إزعاج ًا وقلق ًا وحترمهن من استخدام املرافق‬ ‫املدرسية كالسينما‪ ،‬ومختبر احلاسوب‪ ،‬واملختبر العلمي‪.‬‬ ‫< مرتبطة مبحتوى الوحدة التعليمية‪.‬‬ ‫< منفتحة على حقول معرفية عديدة كالفيزياء‪ ،‬والكيمياء‪ ،‬والثقافة‬ ‫العلمية‪.‬‬ ‫على صعيد القصة ولعب األدوار‪ ،‬نفذت املعلمة شادية الطل وحدة‬ ‫تعليمية للصف التاسع بعنوان الكواكب واملجموعة الشمسية‪ ،‬وهذا‬ ‫تطلب منها إعادة بناء الوحدة في سياق قصصي‪ ،‬وضمنتها بفعاليات‬ ‫ونشاطات تطبيقية الستكشاف املعرفة العلمية؛ سواء داخل النص‬ ‫القصصي أم خارجه‪.‬‬ ‫مع نهاية هذه املرحلة‪ ،‬مت تصوير أربع جتارب كل على حدة‪ ،‬وعرضت‬ ‫للحوار في مستويني‪ :‬األول مبشاركة غالبية أعضاء الهيئة التدريسية‪،‬‬ ‫والثاني مبشاركة املعلمني‪/‬ات الباحثني‪/‬ات‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫في نهاية هذه املرحلة‪ ،‬أصبح لدينا عدد كبير من الوثائق‪( :‬مالحظات‬ ‫يوميات انطباعات تقييمات) صاحلة الستكشاف التغير في املمارسات‬ ‫الصفية‪ ،‬وبالتالي تقييم هذه التجربة برمتها‪.‬‬

‫تقييم التجربة‪ :‬تغيير املمارسات الصفية‬ ‫مقاربة حتليلية‪:‬‬

‫حتى يكون في مكنتنا فهم التغيرات التي تطرأ على ممارسات املعلمني‬ ‫في صفوفهم وإدراكها‪ ،‬فإننا ننظر إلى الصف نظرة بنيوية من حيث‬ ‫هو بنية ديناميكية من اإلفراد‪ ،‬واالنفعاالت‪ ،‬والعناصر‪ ،‬واألشياء‪،‬‬ ‫والظواهر‪ ،‬والعالقات الداخلية‪ ،‬والتعالقات اخلارجية‪ ،‬التي تتبادل‬ ‫التأثير واحلث فيما بينها‪ .‬وبحسب تعبير ال لند (إبراهيم‪ ،‬بال تاريخ‪:‬‬ ‫‪ ،)43‬فإن كل عنصر في هذه البنية يتوقف وجوده على كل ما عداه‪.‬‬ ‫من جهة أخرى‪ ،‬فإن التغيير في أي عنصر في هذه البنية ينعكس على‬

‫بقية العناصر املجاورة‪ .‬من هذا املنظور نرى أن التغير في املمارسات‬ ‫الصفية في سياق بحثنا لم يكن قرار ًا براني ًا من خارج البنية الصفية‪ ،‬إمنا‬ ‫هو صيرورة فعل وتغيير جوانية‪ ،‬إنها أشبه بعملية محايثة‪ ،‬بتعبير جيل‬ ‫دولوز‪ ،‬حيث التغير في عنصر يشكل حث ًا للتغيير في العناصر املجاورة‬ ‫(إبراهيم‪ .)39 :‬فهو إذن تغيير ينهض على قناعات ورغبات من هم‬ ‫داخل هذه البنية الصفية‪ ،‬إنه تغيير في العالقات والوعي كما يتضح‬ ‫من املقاطع التالية املأخوذة من يوميات املعلمني‪/‬ات‪:‬‬ ‫< «أنا لست راضي ًا عن هذه احلصة ‪ ..‬إن فيها درجة عالية من‬ ‫االصطناع وخالية من التلقائية»‪.‬‬ ‫< «لو لم أشاهد نفسي على الشاشة لبقيت اعتقد أنني أفضل معلم في‬ ‫املدرسة»‪.‬‬ ‫< «كانت حصتي تلقينية وثقيلة‪ ،‬ولوال أنني رأيت نفسي في احلصة‬ ‫املصورة ملا توصلت إلى هذه النتيجة»‪.‬‬ ‫< «حصتي هي حصة تلقينية ‪ ..‬لقد تكلمت أكثر من كل الطالبات»‪.‬‬ ‫بقي أن نشير إلى أن تقييم هذه التجربة البحثية ال يستند فقط على‬ ‫احلصص التي صورت فحسب‪ ،‬وإمنا ا ّتبعنا أسلوب متابعة املعلمني‪/‬‬ ‫ات في صفوفهم طوال مراحل البحث‪ ،‬حيث جلأنا إلى حضور حصص‬ ‫للمعلمني‪/‬ات‪ .‬وألجل تقييم التغيرات في املمارسات الصفية‪ ،‬فإننا‬ ‫سنركز النظر باجتاه احملاور التالية‪:‬‬ ‫‪ .1‬منط التفاعل الصفي‪ :‬وضمن هذا احملور سوف نركز النظر باجتاه‬ ‫املعلم‪/‬ة من حيث‪ :‬هل يتخلى عن دوره املركزي؟ هل يشجع‬ ‫املبادرات الطالبية؟ هل يشجع على طلب األدلة والتفسيرات‬ ‫واملبررات؟ هل يشجع طالبه على االختالف في وجهات النظر؟‬ ‫وهل يشجع الطالب على احلوار فيما بينهم؟‬ ‫‪ .2‬األسئلة‪ :‬نوعيتها‪ ،‬مصدرها‪ ،‬غايتها‪.‬‬ ‫‪ .3‬مهارات اجلدل العلمي‪ :‬وفي هذا السياق سوف ننظر إلى‪:‬‬ ‫< مستوى اجلدل العلمي الذي مت في الصفوف‪.‬‬ ‫< مدى حتقق عمليات اجلدل العلمي في الصفوف من حيث‪( :‬الكالم‬ ‫واالستماع‪ ،‬صياغة االدعاءات‪ ،‬التبرير‪ ،‬التموضع‪ ،‬بناء املجادلة‪،‬‬ ‫تقييم اجلدل)‪.‬‬


‫< دور املعلم‪/‬ة في تسهيل عمليات اجلدل العلمي‪.‬‬ ‫وبعد النظر في احملاور السابقة‪ ،‬سوف نبني أثر هذه التغيرات في عملية‬ ‫بناء املعرفة‪ ،‬من خالل عرض مناذج من بناء املعرفة بواسطة الكتابة‬ ‫واحلوار ولعب األدوار‪.‬‬

‫احلوار الصفي‪:‬‬

‫ميكن االدعاء أن تغير ًا ملموس ًا حصل على صعيد احلوار الصفي في‬ ‫مستويات عدة‪:‬‬

‫‪ .1‬منط التفاعل الصفي‪ :‬إضافة إلى منط التفاعل الثالثي‪-‬الذي أشرنا‬ ‫إليه في موضع سابق‪ -‬فقد ظهرت أمناط تفاعلية جديدة‪ ،‬حيث‬ ‫الطالب يسأل املعلم والسؤال يولد سؤا ً‬ ‫ال آخر‪ ،‬لننظر إلى هذا احلوار‬ ‫املستل من حصة علوم بعنوان فصل املواد الكيميائية للمعلمة‪،‬‬ ‫لنالحظ كيف تبدو األسئلة حرة وتلقائية‪ ،‬وتعبر عن رغبة في فهم‬ ‫الظاهرة العلمية‪.‬‬

‫طالبة‪( :1‬بعد أن أخذت اإلذن من املعلمة)‪ :‬كيف بنعرف قديش‬ ‫بيسحب التلفزيون كهرباء؟‬ ‫طالبة ‪ :2‬بكون مكتوب على التلفزيون قدرته‪ ،‬مث ً‬ ‫ال ‪ 100‬واط‪/‬ساعة‪،‬‬ ‫بنضرب ‪ 100‬في زمن التشغيل‪.‬‬ ‫أيض ًا فقد الحظنا أن املعلم‪/‬ة في أكثر من مناسبة يشجع الطالب‪/‬ات‬ ‫على طرح األسئلة على بعضهم البعض‪ .‬وضمن املشهد السابق سألت‬ ‫طالبة معلمتها‪ :‬هل كل التلفزيونات بتسحب كهرباء زي بعضها؟‬ ‫املعلمة‪ :‬جربي اسألي هالسؤال لـ (خولة) ألنو هي كانت مسؤولة عن‬ ‫جمع املعلومات عن حمولة األجهزة الكهربائية في املدرسة‪.‬‬ ‫الطالبة تنظر باجتاه خولة وتعيد السؤال عليها‪.‬‬ ‫خوله‪ :‬ال‪ ..‬كل جهاز له قدرة بتختلف عن الثاني‪ ،‬في أجهزة ‪100‬‬ ‫واط وفيه ‪ 80‬واط ‪...‬‬ ‫املعلمة‪ :‬في حدا بحب يسأل خوله حول نفس املوضوع‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫الطالبة‪ :‬كيف بدي اعرف انو امللح ذاب في املية ونزل في القنينة؟‬ ‫املعلمة (تبدو محتارة)‪ :‬مهو معروف انو امللح بذوب في املاء‪.‬‬ ‫الطالبة‪ :‬بس ميكن يظل منو شوية في االسفنجة وما ينزل‪.‬‬ ‫املعلمة‪ :‬ممكن ‪ ..‬ولكن أعتقد أن جزيئات امللح أصغر من مسامات‬ ‫اإلسفنج‪.‬‬ ‫الطالبة‪ :‬بس هيك ما بنكون فصلناه مليح‪.‬‬ ‫املعلمة‪ :‬صح ‪ ..‬ال ميكن فصل املواد ‪%100‬‬ ‫الطالبة‪ :‬طيب ممكن نبحث عن شيء غير اإلسفنج مساماته أصغر من‬ ‫جزيئات امللح؟‬ ‫املعلمة‪ :‬جربي!‬

‫من دورة للتصوير السينمائي للفتيات نظمها مسرح احلرية في جنني‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫إذا ما دققنا النظر في املشهد احلواري أعاله‪ ،‬سوف نلحظ أن إجابات‬ ‫املعلمة ال تتسم باليقني‪ ،‬إنه�� أقرب إلى االستجابة منها إلى اإلجابة‪،‬‬ ‫وهذا الشكل من االستجابة ترك الباب موارب ًا ملزيد من األسئلة ما‬ ‫سمح للحوار أن يتصاعد‪ .‬من اخلطأ إن ننظر إلى املشهد السابق وكأنه‬ ‫سؤال وجواب‪ .‬ذلك أن أسئلة الطالبة تنبني وتتطور تصاعدي ًا بناء على‬ ‫االستجابة التي تبديها املعلمة‪ .‬وهذا يقود إلى فكرة احلوار الباختيني‬ ‫التي تفيد أن الكالم كتلفظ ينبني في سياق يشمل تلفظات اآلخرين‬ ‫واستجابتهم ومواقفهم (‪ 15.)Bakhtin 1986:78‬من املهم أيض ًا‬ ‫أن نشير هنا إلى أن احلوار في املشهد السابق ما كان له أن ينهض لوال‬ ‫جتاوز املعلمة حلرفية مفهوم “احلقيقة العلمية” وأيض ًا لوال مبادرة الطالبة‬ ‫وتنويهها إلى فكرة التماسك بني جزيئات امللح ومسامات اإلسفنج‪ .‬إذ‬ ‫كان بإمكان املعلمة أن تضع حد ًا للحوار لو قالت مثالً‪ ”:‬أن امللح يذوب‬ ‫قبل املعلمة لوجهة نظر‬ ‫في املاء وال يعلق في مسامات اإلسفنج»‪ .‬ولكن َت ُُّ‬ ‫الطالبة أدى إلى استمرار احلوار‪ ،‬وهذا يعني أن وجهات النظر وتعددها‬ ‫وتنوعها هي من مقتضيات احلوار (الكردي‪.)23:2003 ،‬‬ ‫النمط التفاعلي اآلخر الذي شاهدناه في أكثر من حصة‪ ،‬وتكرر أكثر‬ ‫من مرة في احلصة الواحدة هو منط طالب طالب‪ ،‬حيث الطالب يسأل‬ ‫زميلة‪ ،‬هذا املثال مأخوذ من حصة التكنولوجيا للصف العاشر‪:‬‬

‫‪75‬‬


‫نالحظ مما سبق تراجع منط التفاعل الثالثي لصالح أمناط تفاعلية حوارية‬ ‫جديدة نشأت بفضل تبني أسلوب حل املشكالت‪.‬‬

‫‪76‬‬

‫األسئلة احلوارية‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ميكن االدعاء أن األسئلة املغلقة تراجعت بشكل ملحوظ لصالح األسئلة‬ ‫املفتوحة‪ ،‬ففي مقارنة بني حصتني لنفس املعلم‪/‬ة‪ ،‬ميكن أن نلحظ ذلك‬ ‫كما هو مبني في اجلدول التالي‪:‬‬ ‫املعلم‪/‬ة‬

‫احلصة األولى‬ ‫الفصل األول ‪2007‬‬

‫احلصة الثانية‬ ‫الفصل الثاني ‪2008‬‬

‫عبير‬

‫اذكري أنواع التيار‬ ‫الكهربائي؟‬ ‫ارسمي رمز املقوم‬ ‫البلوري؟‬ ‫صنفي املقومات‬ ‫البلورية؟‬

‫ما األفضل‪ :‬استخدام‬ ‫أنابيب الفلوريسنت أم‬ ‫مصابيح التنجستون؟ ملاذا؟‬ ‫هل تعتقدن أن املصادر‬ ‫البديلة للطاقة فعالة في‬ ‫حالة املجتمع الفلسطيني؟‬ ‫كيف؟‬

‫شادية‬

‫ما هي أصناف‬ ‫التفاعالت الكيميائية؟‬ ‫من تذكر خطوات‬ ‫حتضير اجلير احلي؟‬

‫هل ميكن أن توجد حياة‬ ‫على كواكب أخرى غير‬ ‫األرض؟ ملاذا؟‬ ‫هل تعتقدن أن بطلة القصة‬ ‫فتاة غنية أم فقيرة؟ وملاذا؟‬

‫بهاء‬

‫اذكر عناصر النظام‬ ‫اإلداري‪.‬‬ ‫اكتب قانون حساب‬ ‫الربح‪.‬‬

‫هل ميكن التصدي لظاهرة‬ ‫العوملة؟ وكيف؟‬ ‫ما هي البدائل املتاحة‬ ‫للمجتمع عن العوملة؟‬ ‫وهل هي واقعية ضمن‬ ‫اخلصوصية الفلسطينية؟‬ ‫كيف؟‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫لقد تغيرت أيض ًا أغراض األسئلة‪ ،‬فاألسئلة لم تعد لقياس التحصيل‬ ‫وجمع املعلومات فحسب‪ ،‬بل تعدت إلى أغراض أخرى من قبيل‪:‬‬ ‫أسئلة تشكيكية‪:‬‬ ‫عبير‪ :‬كيف بدي أتأكد أنو املعلومات عن أجهزة املدرسة الكهربائية‬ ‫صحيحة ودقيقة‪.‬‬ ‫شادية‪ :‬شو دليلك على أن الضوء جسيمات؟‬ ‫أسئلة تقييمية‪:‬‬ ‫عبير‪ :‬شو رأيك في طريقة (املجموعة األولى) في فصل املواد الصلبة‪.‬‬ ‫أسئلة حتفيزية‪:‬‬ ‫شادية‪ :‬هل ميكن أن يكون الضوء جسيمات وموجات في الوقت‬ ‫نفسه؟‬

‫ هل ميكن أن يسلك الضوء سلوك اجلسيمات في ظرف معني‬ ‫وسلوك موجات في ظرف آخر؟‬ ‫أسئلة تشجع البدائل‪:‬‬ ‫عبير‪ :‬هل ميكن أن تكتبي فرضية أسهل وقابلة لالختبار؟‬ ‫بهاء‪ :‬هل ميكن أن نفكر في بدائل عن االستيراد من اخلارج؟‬ ‫أسئلة توجيهية وتخطيطية‪:‬‬ ‫عبير‪ :‬كيف ميكن أن تكن مستعدات الستقبال مهندس البلدية؟‬ ‫ما أهم األسئلة التي يجب أن تفكرن بها كي نستفيد من زيارة‬ ‫ ‬ ‫املهندس الكهربائي؟‬ ‫أسئلة تشجع على التموضع‪:‬‬ ‫شادية‪ :‬طيب ‪ ..‬أنت بتئيدي أي نظرية؟ وليش؟‬ ‫بهاء‪ :‬هل ميكن أن نبحث عن طريق ثالث ما بني رفض العوملة‬ ‫وقبولها؟‬ ‫أسئلة تطلب تبريرات‪:‬‬ ‫بهاء‪ :‬كيف تثبت أن تبني العوملة يؤدي إلى نهضة اقتصادية؟‬ ‫هل لديك بيانات إحصائية تثبت أن صناعة األحذية في اخلليل‬ ‫تراجعت؟‬

‫مهارات اجلدل العلمي‬ ‫ي مجادالت‬ ‫أظهر حتليل البيانات املعطاة أن طالبات الصف العاشر َب َن نْ َ‬ ‫وادعاء مضاد مصحوب في‬ ‫علمية من املستوى الثاني‪ ،‬ظهر فيها ّادعاء ّ‬ ‫احلالتني ببيانات وتفسيرات‪ ،‬في حني أظهر طالب الصف األول ثانوي‬ ‫مجادالت علمية أقوى وتقع ضمن املستوى الثالث (سلسلة ادعاءات‬ ‫وادعاءات مضادة مصحوبة ببيانات وتفسيرات)‪ .‬وفي كلتا احلالتني‪،‬‬ ‫ق ُِّد َم ْت املجادالت شفوية‪ ،‬وفي أثناء املجادالت قدم الطالب‪/‬ات صور ًا‬ ‫وبيانات وأرقام ًا داعمة مفرغة على شفافيات‪ ،‬وعرضت باستخدام‬ ‫(‪.)Over head projector‬‬ ‫فقد ظهرت بجالء مهارات اجلدل العلمي من حيث‪:‬‬ ‫> صياغة االدعاءات وإسنادها بالبيانات والتفسيرات‪:‬‬ ‫الطالب مالك مساملة‪ :‬أعتقد أن العوملة ظاهرة إيجابية (ادعاء)‪ ،‬انظروا‬ ‫كيف أصبح كل شخص يحمل هاتف ًا خليوي ًا‬ ‫(سند)‪ .‬سمعت أن شركة «جوال» سوف حتتفل‬ ‫مبليون مشترك (سند)‪ .‬صحيح أن هناك أشخاص ًا‬ ‫ليس لديهم جواالت (مجال النفي)‪ ،‬ولكن هذا‬ ‫يحدث في كل املجتمعات (سند)‪.‬‬ ‫الطالبة مرمي عمر‪ :‬اعتقد انه ال يوجد مرض اسمه مرض اخلليج‬ ‫(ادعاء ‪ ،)1‬إنه مرض مصطنع من اجلنود (ادعاء‬ ‫‪ )2‬للحصول على تعويضات مالية (تفسير)‪،‬‬ ‫فإذا كان هذا املرض موجود ًا فعالً‪ ،‬فلماذا لم‬ ‫يظهر في احلرب على أفغانستان (سند ‪ .)1‬وملاذا‬


‫لم يظهر إال في اجلنود األمريكيني والبريطانيني‬ ‫(سند ‪.)2‬‬

‫سلبيات ولها إيجابيات‪ ،‬وأنا أعتقد أنه يجب‬ ‫أن نتعايش معها‪.‬‬

‫> طرح األسئلة النقدية‪:‬‬ ‫الطالب عصام سويطي‪ :‬تقول إن شركة «جوال» ستحتفل قريب ًا باملشترك‬ ‫رقم مليون‪ ،‬ولكن عدد الفلسطينيني في‬ ‫الضفة والقطاع هو ‪ 4‬ماليني‪ ،‬معنى ذلك أن‬ ‫ربع الشعب الفلسطيني فقط يستطيع شراء‬ ‫«جوال»‪ ،‬فكيف تقول إن العوملة ظاهرة‬ ‫إيجابية؟‬ ‫إذا كان الضوء جسيمات ‪ ..‬أين تذهب هذه‬ ‫الطالبة وفاء‪ :‬‬ ‫اجلسيمات بعد إطفاء النور في غرفة مظلمة‬ ‫ومغلقة؟‬ ‫إذا سلطنا ضوء ًا على دوالب خفيف موجود‬ ‫روال إبراهيم‪ :‬‬ ‫في أنبوبة مفرغة من الهواء تتحرك العجلة‪،‬‬ ‫كيف تفسر النظرية املوجية هذه الظاهرة؟‬

‫> القدرة على التقييم‪:‬‬ ‫مع أن النظرية املوجية فيها ضعف وال تفسر‬ ‫الطالبة سامية‪ :‬‬ ‫بعض الظواهر‪ ،‬فإنها تبقى النظرية األقوى‪.‬‬ ‫> القدرة على تطويع البيانات كي تخدم وجهة نظر‪:‬‬ ‫صحيح أن عدد الفلسطينيني أربعة ماليني نسمة‪ ،‬ولكن فيهم أطفا ً‬ ‫ال‬ ‫وقاصرين ال يحملون «جواالت»‪.‬‬ ‫حركة الدوالب تعني أن الطاقة انتقلت من املوجة الضوئية إلى الدوالب‪،‬‬ ‫وهذا ال يفسر أن الضوء جسيمات‪.‬‬ ‫أما بالنسبة إلى دور املعلم‪/‬ة‪ ،‬فقد أظهر املعلمون‪/‬ات قدرات جيدة‬ ‫على إكساب طالبهم مهارات اجلدل العلمي‪ ،‬املقاطع التالية مأخوذة من‬ ‫حصة متهيدية في اجلدل العلمي (حول أعراض مرض اخلليج) للمعلم‬ ‫بهاء مع طالب الصف األول الثانوي‪ ،‬حيث تظهر فيها محاولة املعلم‬ ‫إكساب طالبه مهارات اجلدل العلمي‪:‬‬ ‫< إلجراء مناظرة ناجحة‪ ،‬يجب أن يتحلى اجلميع مبهارة حسن االستماع‪.‬‬ ‫< حتى نفهم ما يقوله الطرف اآلخر‪ ،‬يجب أن نستمع جيد ًا لكل شيء‪،‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫> التموضع‪ :‬أظهر الطالب قدرة على التموضع‪:‬‬ ‫طالبة من الصف العاشر‪ :‬أنا مع النظرية املوجية‪ ،‬ألنها تفسر معظم‬ ‫ظواهر الضوء‪.‬‬ ‫طالب من الصف احلادي عشر‪ :‬العوملة مثلها مثل أي شيء آخر‪ ،‬لها‬

‫‪77‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬


‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪78‬‬

‫املجادلة ليست فقط القدرة على الكالم إلقناع اآلخرين بوجهة نظر‬ ‫معينة‪ .‬حتى نبني مجادلة علمية قوية‪ ،‬يجب أن نستمع أيض ًا لكل‬ ‫شيء يقوله الطرف اآلخر ونفهمه جيداً‪.‬‬ ‫< هناك فريق من العلماء يعتقد أنه يوجد مرض أصاب اجلنود األمريكيني‬ ‫والبريطانيني في العراق أثناء حرب اخلليج‪ .‬هذا الفريق يدعم وجهة‬ ‫نظره بشهادات وبيانات ومقابالت مع اجلنود الذين شاركوا في‬ ‫احلرب‪ .‬وأيض ًا يوجد فريق آخر ينفي صحة هذه الفرضية ويقدم دالئل‬ ‫وشهادات‪ ،‬واجلدل بني الفريقني مستمر‪ .‬إن ما يقوم به الفريقان هو ما‬ ‫يسمى اجلدل العلمي‪.‬‬ ‫< سوف تقومون في هذا الصف بشيء مشابه ملا يفعله العلماء‪.‬‬ ‫< في البداية سأوفر لكم معلومات حول النظريتني من الصحف واإلنترنت‪.‬‬ ‫< بناء على البيانات ستقررون ما هي النظرية التي تؤيدونها‪.‬‬ ‫مدعم بالبيانات‪.‬‬ ‫< النظرية هي ّادعاء ّ‬ ‫< حاولوا أن تكتبوا في هذه املرحلة مجادالت‪ ،‬ولكن األفضل أن تكون‬ ‫ومدعمة بوثائق‪.‬‬ ‫شفوية‬ ‫ّ‬ ‫< ال يوجد نظرية صحيحة بالكامل‪ ،‬وال يوجد نظرية خاطئة بالكامل‪ ،‬إمنا‬ ‫يوجد دالئل أكثر وأقوى لنظرية على حساب نظرية أخرى‪ .‬ومطلوب‬ ‫منكم أن حتددوا بناء على ما تسمعونه من جدل مع أي النظريتني أنتم‪.‬‬ ‫< حاولوا أن تكون ادعاءاتكم مكثفة وعميقة ومبنية على البيانات‪.‬‬ ‫مدعمة بأرقام وحسابات وجداول‪ ،‬كانت مقنعة‬ ‫< كلما كانت األفكار ّ‬ ‫أكثر‪.‬‬

‫في بناء املعرفة ‪ ..‬مقاربة حتليلية‬ ‫حتى يتاح لنا طرح مقاربة في كيفية بناء املعرفة عبر جتربتنا‪ ،‬نرى من‬ ‫الضروري أن منيز بني مفهومي املعلومات واملعرفة‪ .‬إننا نعتقد أن‬ ‫املعلومات هي بيانات مرتبة ومنظمة ضمن عالقات كمية ونوعية‪ ،‬وهي‬ ‫قابلة للتخزين عبر وسائط مختلفة كالكتاب‪ ،‬والوسائط التكنولوجية‪،‬‬ ‫وتتصف بأنها محايدة‪ ،‬مبعنى أنها مادة خام ال تخدم وجهة نظر معينة‬ ‫دون غيرها‪ ،‬وهي متاحة للجميع ألجل تطويعها كي تخدم وجهة نظر‬ ‫ما‪ .‬وعليه‪ ،‬فإن عملية نقل املعلومات من وسيط إلى آخر‪ ،‬ال يحولها‬ ‫إلى معرفة‪ ،‬إمنا تبقى كمعلومات مكتسبة تتراكم مع الزمن كمياً‪ .‬إن‬ ‫املقاربات التعليمية التي تعتمد على فكرة نقل احملتوى املعلوماتي‪،‬‬ ‫تركز على طرائق اكتساب املعلومات‪ ،‬كما يتم التعامل مع العقل‬ ‫كحيز‪ .‬واألفراد املنخرطون في مثل هذه النظم التعليمية ميتازون بسعة‬ ‫معلوماتهم‪ ،‬لكنهم يفتقرون إلى مهارات التفكير اإلبداعي‪ ،‬وهذا ما‬ ‫يحدث غالب ًا في املدرسة‪.‬‬ ‫في املسافة الفاصلة بني الوسيطني‪-‬املرسل واملستقبل‪ -‬ثمة عمليات‬ ‫يجب أن تتم حتى يقال إن املعلومات حتولت إلى معرفة‪ ،‬وهذه‬ ‫العمليات هي احلوار واملعاجلة والتفكير والفهم‪ .‬إن هذه العملية هي‬ ‫ما يسمى بالتذويت أو بناء ا��لعرفة‪ .‬فالتذويت إذاً‪ ،‬هو عملية إكساب‬ ‫املعلومات بعد ًا ذاتي ًا من قبل الفرد‪/‬األفراد‪ .‬ومبعنى آخر‪ ،‬هي إعادة‬ ‫إنتاج املعلومات من وجهة نظر الذات الفاعلة‪ ،‬وعليه فإن املعرفة هي‬ ‫املعلومات مضاف ًا إليها العمليات التي أشرنا إليها‪ .‬وبحسب ديفلني‬ ‫(‪ ،)76:2000‬تكمن أهمية املعلومات ليس في كونها معلومات‪ ،‬وإمنا‬ ‫في عملية حتويلها إلى معرفة‪.‬‬

‫شكل ‪ :2‬التذويت ‪ ..‬بناء املعرفة‬

‫حوار‬

‫معاجلة‬

‫تفكير‬

‫فهم‬

‫معلومات‬

‫معرفة‬

‫حتى تبنى املعرفة فمن الضروري أن تتغير طبيعة اخلطاب الصفي‪،‬‬ ‫ونقصد باخلطاب الصفي كل ما يؤثر في عملية إنتاج املعرفة من عمليات‬ ‫وأفراد وظروف وعناصر‪ ،‬لكي تظهر بالشكل الذي تظهر عليه‪ ،‬وهذا‬ ‫يشمل‪:‬‬ ‫< الطالب ومواقعهم وعالقاتهم وأدوارهم‪.‬‬ ‫< املعلم ودوره‪.‬‬ ‫< املنهاج وطريقة تقدميه‪.‬‬ ‫< أمناط التفاعالت الصفية‪.‬‬ ‫وعليه‪ ،‬فإن بناء املعرفة يقتضي إعادة ترتيب لعناصر البنية الصفية من‬ ‫جديد‪ ،‬أي إعادة ترتيب املواقع واألدوار‪ .‬وهنا نتفق مع ما تؤكد عليه‬ ‫البنائية االجتماعية في كون التفاعالت االجتماعية شرط ًا أولي ًا في عملية‬ ‫بناء املعرفة‪ .‬إذ الحظنا أن الطالب‪/‬ات األقل حظ ًا في املشاركة الصفية‬ ‫االعتيادية أبدوا مشاركة فاعلة في هذه التجربة البحثية على صعيد احلوار‬ ‫والكتابة‪ .‬وهذا يتفق مع ما جاء في على لسان ويلز من “أن الفرد ينشط‬ ‫إذا ما وضع في إطار يجمعه مع آخرين” (ويلز‪.)73:2003 ،‬‬ ‫لقد ركزت البنائية االجتماعية على مفهوم التعليم كعملية مشاركة للفرد‬ ‫في سياق اجتماعي يجمعه مع أقران آخرين‪ .‬ومع قناعتنا أن هذا الشكل‬ ‫من التعليم ينتج أفراد ًا مشاركني وفاعلني‪ ،‬فإننا نعتقد إن إلقاء العبء‬ ‫على الطالب وحدهم أمر له محاذيره حتى لو توفرت كل اشتراطات‬ ‫إنتاج املعرفة (ويلز‪ .)71:2003 ،‬وعليه‪ ،‬فإننا نعتقد أنه إضافة إلى‬ ‫توفر االهتمام الشخصي للمتعلم وتوفر مصادر املعلومات وتوفر السياق‬ ‫االجتماعي‪ ،‬فإن تدخل املعلم وتوجيهاته وإرشاداته هي أمر جوهري في‬ ‫عملية بناء املعرفة‪ ،‬ولكن مع التشديد على أهمية أن يكون تدخله مسه ً‬ ‫ال‬ ‫لعملية التعليم‪ .‬املقطع التالي واملستل من مذكرات طالب في الصف‬ ‫األول ثانوي يبني أنه في حال توفر اهتمام شخصي‪ ،‬فإن متوضع الفرد‬ ‫ضمن إطار اجلماعة ال ينهض بالقدرات الفردية فحسب‪ ،‬بل واجلماعية‬ ‫أيض ًا (‪.)73:2003‬‬


‫“اخترت أن أكون مع املجموعة ضد العوملة‪ .‬كلفني املعلم أن‬ ‫أكتب تقرير ًا عن صناعة األحذية في اخلليل‪ ،‬وكيف هذه الصناعة‬ ‫خربت بسبب استيراد األحذية من الصني‪ .‬أنا فرحان ألنني أقوم‬ ‫بهذا العمل‪ .‬في الدروس العادية ما كنت أهتم بالواجبات البيتية‬ ‫التي يعطيها (املعلمون)‪ .‬مهمتي مع مجموعتي ليس واجب ًا بيتياً‪ ،‬أنا‬ ‫أحب أن أقوم بهذا العمل‪ .‬أحس أنه ال يوجد فرق بيني وبني طالب‬ ‫مجموعتي‪ .‬ال أحس أن التنافس موجود بيننا‪ ،‬كل واحد منا يعمل‬ ‫لكي ننفذ مهمتنا بنجاح‪.”...‬‬ ‫وفي جتربتنا هذه الحظنا أن الطالب‪/‬ات الذين انخرطوا في نشاطات‬ ‫جماعية أبدوا قدرات جيدة على التواصل والبحث وطرح األسئلة‪ ،‬وقد‬ ‫جتلت عملية بناء املعرفة في أوضح صورها مع طالبات الصف العاشر في‬ ‫سياق حلهن ملشكلة انقطاع الكهرباء‪ ،‬ذلك أن السياق اإلشكالي كان‬ ‫حتد مع املشكلة‪ ،‬لقد كان انقطاع‬ ‫سياق ًا حقيقياً‪ ،‬ما وضع املتعلمني في ٍّ‬ ‫الكهرباء مشكلة واجهت املدرسة سنوات متتالية عدة‪ ،‬وهذا ما جعل‬ ‫الطالبات يسعني بجد حلل هذه املشكلة‪ .‬وفي إطار حل املشكلة‪ ،‬تعلمت‬ ‫الطالبات مفاهيم وعمليات ومهارات في مجال الكهرباء‪.‬‬

‫القلم مكسور؟‬ ‫(تسحب القلم خارج كأس املاء فيبدو طبيعيا) (جتربة)‪.‬‬ ‫ال مش مكسور بس هو مبني انو مكسور (استنتاج)‪.‬‬ ‫‪ :‬مهو هذا السؤال ‪ ..‬ليش ببني كأنو مكسور‪.‬‬‫‪ :‬بس القلم ببني مكسور ‪ ..‬وال كل األشياء؟ (سؤال استقصائي)‬‫‪ :-‬جنرب املسطرة؟ (تضع املسطرة في املاء فتظهر مكسورة) معناتو كل‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫من إحدى فعاليات جمعية الكمنجاتي في جنني‪.‬‬

‫يبني املشهد التالي جزء ًا من حصة علوم في مرحلة التحضير للجدل‬ ‫العلمي‪ .‬املجموعة تتألف من ثالث طالبات في الصف العاشر ممن تبنني‬ ‫النظرية املوجية‪ .‬واملشهد ميثل حوار ًا داخلي ًا بني أفراد املجموعة حول‬ ‫خاصية من خصائص الضوء‪ .‬الطالبات يحاولن فهم خاصية االنكسار‬ ‫في ضوء النظرية املوجية‪ .‬لقد وفرت املعلمة لهن مصادر معلومات‬ ‫متنوعة‪ :‬قصاصات‪ ،‬رسومات‪ ،‬أدوات بسيطة‪ .‬الطالبات يتحلقن‬ ‫حول الطاولة وأمامهن كأس مملوء باملاء وقلم‪ .‬وقد كلفن لإلجابة عن‬ ‫سؤال‪ :‬ملاذا تبدو األشياء مكسورة حني توضع في املاء‪.‬‬

‫‪79‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫في سياق اجلدل العلمي أيضاً‪ ،‬كانت عملية بناء املعرفة عبر عمليات‬

‫املجادلة عميقة وواضحة األثر‪ .‬وبسبب تعدد السياقات التجريبية‪،‬‬ ‫استخدم الطالب‪/‬ات في هذه التجربة أمناط ًا عدة في بناء املعرفة‪:‬‬ ‫كتابية‪ ،‬شفوية‪ ،‬حوارية‪ ،‬أخرى عن طريق العمل النشط‪.‬‬


‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪80‬‬

‫أشي بينكسر في املاء (تعميم)‪.‬‬ ‫‪ :‬طيب لو جربنا أشي غير املاء؟‬‫‪ :‬زي ايش؟‬‫‪ :‬الزيت مث ً‬‫ال (تضع القلم في وعاء الزيت)‬ ‫ ‪ :‬نفس الشيء ‪ ..‬القلم مبني مكسور‪.‬‬‫‪ :‬إحنا بدنا نعرف شو بصير في الضوء‪.‬‬‫‪ :‬طيب خلينا ندور في األوراق (يبحثن في الرسومات)‬‫‪ :‬اننت مالحظات انو الشعاع هو إلي بغير مساره؟‬‫‪ :‬صحيح‪.‬‬‫‪ :‬يعني ما الو دخل بالقلم‪ ،‬معناتو الضوء هو اللي بينكسر ألنه مر في‬‫املاء‪.‬‬ ‫‪ :‬احنا الزم نفكر ليش الضوء بينكسر‪.‬‬‫‪ :‬أنا بالحظ من الرسومات ‪ ..‬حتى ينكسر الضوء الزم مير من وسطني‬‫شفافني مثل الهواء واملاء أو الهواء والزيت ‪( ...‬استنتاج وتعميم)‬ ‫فيما سبق نلحظ أثر احلوار في بناء املعرفة‪ ،‬لقد مت عبر احلوار فهم ومعاجلة‬ ‫مفهوم االنكسار بلغة بسيطة‪ ،‬ولكنها لغة الطالبات‪ ،‬وبهذا املعنى تصبح‬ ‫عملية بناء املعرفة كما لو أنها تشييد ُبنيان‪ ،‬وهذه مهمة ليست فردية‪ ،‬بل‬ ‫هي مهمة جماعية قائمة على الشراكة ما بني املعلم والطالب‪ ،‬ويلزمها‬ ‫ظروف ومواد وعناصر كي تتم على أكمل وجه‪.‬‬

‫خامتة‬ ‫على صعيد اجلدل العلمي ‪-‬مبا هو حقل تربوي غير مطروق في امليدان‬ ‫التربوي الفلسطيني‪ -‬ميكن القول إن هذا البحث أسس لتجربة جديدة‬ ‫في اجلدل العلمي‪ ،‬نأمل من التربويني‪ ،‬باحثني ومعلمني وطالباً‪ ،‬أن‬ ‫يحاوروها ويراكموا عليها‪ .‬ففي حدود علمنا أن اجلدل العلمي هو‬ ‫عنصر ثقافي غائب من األدب التربوي الفلسطيني‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫أما على صعيد احلوار الصفي‪ ،‬فيمكن القول إن مفهوم احلوار لدى‬ ‫املعلمني‪/‬ات تغير (من توجيه األسئلة وتلقي اإلجابات عنها) إلى مفهوم‬ ‫جديد يستند إلى تبادل املعرفة بني املتحاورين بغرض الفهم والتغيير‪ .‬لقد‬ ‫انعكس التغير في املفاهيم على املمارسة‪ ،‬حيث ظهرت أمناط تفاعلية‬ ‫حوارية جديدة‪ ،‬حيث الطالب يحاورون بعضهم البعض‪ ،‬ويحاورون‬ ‫معلمهم‪ .‬كما تطورت قدرة املعلمني‪/‬ات والطلبة على إثارة األسئلة‬ ‫احلوارية والتفكيرية بشكل الفت‪ ،‬وباملقابل تراجعت األسئلة املغلقة‬ ‫التي تعرقل احلوار‪.‬‬ ‫تبق لغة احلوار حبيسة الصفوف‪ ،‬لقد امتد تأثيرها إلى املدرسة‬ ‫لم َ‬ ‫واملجتمع‪ .‬فعلى صعيد احلوار املدرسي‪ ،‬مت حتديد يوم من كل أسبوع‬ ‫للحوار املدرسي ضمن الفعاليات الصباحية‪ ،‬يشارك فيه بصورة‬ ‫دميقراطية كل من له عالقة مبوضوع احلوار؛ سواء من الطالب أم‬ ‫املعلمني أم اإلدارة املدرسية أم من املجتمع احمللي‪ .‬أما املواضيع‬ ‫احلوارية التي تطرح‪ ،‬فهي على األغلب مشكالت املدرسة التعليمية‬ ‫واإلدارية والصحية‪.‬‬ ‫وألن احلوار واجلدل يتطلبان إعادة بناء وترتيب البنية الصفية‪ ،‬فقد ظهرت‬

‫تغيرات في األدوار واملواقع والعالقات الصفية‪ .‬ففي سياق األدوار طرأ‬ ‫حتسن ملحوظ على فهم املعلم لدوره كميسر للعملية التعليمية‪ ،‬وبهذا‬ ‫املعنى تراجعت أساليب التدريس التلقينية‪ ،‬وباملقابل طرأ حتسن ملحوظ‬ ‫على أداء الطالبات ودورهن في املواقف التعليمية املختلفة؛ من طالبات‬ ‫يستقبلن املعلومات إلى طالبات يسألن ويحاورن ويخططن‪.‬‬ ‫وألن البحث يتطلب أعما ً‬ ‫ال كتابية وتطوير مقترحات تعليمية‪ ،‬فقد تطورت‬ ‫ً‬ ‫طور املعلمون‪/‬ات‬ ‫ا‬ ‫وأيض‬ ‫التأملية‪،‬‬ ‫الكتابة‬ ‫مجال‬ ‫قدرات املعلمني في‬ ‫َّ‬ ‫مقترحات تعليمية تتكئ على املناهج املدرسية‪ ،‬وأعادوا بناءها‪ ،‬بحيث‬ ‫وتفعله؛ مستخدمني في ذلك سياقات متنوعة من‬ ‫تستدعي احلوار الصفي ّ‬ ‫قبيل االستقصاء‪ ،‬واجلدل العلمي‪ ،‬والقصة‪ ،‬ولعب األدوار‪.‬‬

‫تأمالت ما بعد بحثية‬ ‫حكاية البحث‪:‬‬

‫لقد ذهبت إلى املدرسة ألنفذ بحث ًا في «الرواية كسياق للتعليم والتعلم»‪،‬‬ ‫وخرجت من املدرسة بعد سبعة أشهر ببحث في «تطوير قدرات املعلمني‬ ‫والطالب في احلوار الصفي واجلدل العلمي»‪ ،‬وما بني العنوانني ثمة‬ ‫انزياحات وانفصاالت وسقطات هي في محصلتها النهائية رحلة بحثية‬ ‫وتأملية أنتجت هذا العمل البحثي‪.‬‬ ‫لم ِ‬ ‫يبد املعلمون‪/‬ات استعداد ًا لقراءة الروايات التي يفترض أن تؤسس‬ ‫وتقود عملنا البحثي‪ ،‬كانت حلظة صادمة بالنسبة لي‪ ،‬وشعرت باخليبة‪.‬‬ ‫ماذا افعل؟ الصدمة واخليبة مع ًا حتولتا إلى سؤال بحثي‪:‬‬ ‫هل يجدر بالباحث أن يذهب إلى حقله بكامل عدته البحثية أم يذهب‬ ‫أعزل ويستكشف احلقل ويؤسس فيه األسئلة واألدوات؟‬ ‫مع هذا السؤال خفت حدة اخليبة وتعافيت قلي ً‬ ‫ال من الصدمة‪ ،‬وأسست‬ ‫للخطوة التالية‪:‬‬ ‫«ما رأيكم أيها الزمالء والزميالت أن نشاهد أنفسنا في املمارسة‬ ‫الصفية؟»‬ ‫الكاميرا تبدو مرعبة‪ ،‬إنها حتفر فينا السؤال ا ُمل َز ْع ِزع‪« :‬هل هذا أنا فعالً؟»‬ ‫من بني ‪ 35‬معلم ًا ومعلمة تعلن معلمة واحدة فقط استعدادها خلوض‬ ‫التجربة‪ .‬املعلمة الواحدة هذه بدت لي في تلك اللحظة حشد ًا من‬ ‫البشر‪ ،‬أنا ال أحتاج أكثر من معلم‪/‬ه لكي أبدأ‪.‬‬ ‫عندما شاهدت نفسها ألول مرة عن بعد أذهلتها‪ :‬نكهة صوتها وحركات‬ ‫يديها وذهابها وإيابها كالديدبان‪ ،‬وكالمها الذي لم ينقطع طوال أربعني‬ ‫دقيقة‪ ،‬وهي تضخ بيانات وقوانني ونظريات‪.‬‬ ‫قال املشاهدون‪ :‬احلصة ممتازة‪ ،‬من حيث اإلدارة الصفية‪ ،‬والشرح‪،‬‬ ‫والوسائل املستخدمة ‪ ...‬الخ‪ ،‬وبالطبع شاطرتهم الرأي أنها فع ً‬ ‫ال‬ ‫ممتازة وفق هذه املعايير‪ ،‬ولكني رميت سؤا ً‬ ‫ال استوحيته من سياق‬


‫احلصة‪« :‬ماذا يعني لكم ما قالته الطالبة‪( :‬أن طول دودة اإلسكارس‬ ‫‪ 120‬سنتمتر ًا يساوي طول غرفة الصف)؟‬ ‫أسبوع بعد أسبوع بدأت املبادرات ترتفع‪ ،‬وبدأت النماذج اجلديدة‬ ‫متارس جاذبيتها على املعلمات‪ .‬وغدا احلضور إلى قاعة السينما املدرسية‬ ‫ملشاهدة حصص املعلمات تقليد ًا أسبوعياً‪ .‬وهكذا بدأ املعلمون يجيدون‬ ‫النظر في املشهد أبعد مما اعتادوا عليه في العمل الصفي الرتيب‪ .‬ومع‬ ‫نهاية هذه املرحلة‪ ،‬انبثقت األسئلة البحثية التي قادت عملنا إلى مجال‬ ‫احلوار واجلدل‪.‬‬

‫في البحث النوعي‪:‬‬

‫بعد أن انقشع ضباب البدايات‪ ،‬وجدت نفسي أمام بحر من الوثائق‬ ‫والصور والتسجيالت‪ ،‬في حلظة ما أحسست أن كل شيء سينهار‪ ،‬وأن‬ ‫كل ما مت إجنازه ستذروه الرياح‪ ،‬ال أدري من أين أبدأ‪ ،‬وماذا أفعل بهذه‬ ‫الوثائق؟ وماذا أقيس؟‬

‫وسط هذا املعمعة سمعت عبارة ملهمة من أحدهم‪« :‬هل كل شيء قابل‬ ‫للقياس؟»‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬كيف ميكن لي أن أقيس فرحة طالبة تقفز فرح ًا حني وجدت عطل‬ ‫الكهرباء في مدرسة مضى عليها سنوات وهي تعاني من هذا العطل؟‬ ‫كيف لي أن أقيس فرحة طالب أنهى مهمته في اجلدل العلمي ونزل فرح ًا‬ ‫إلى رفاقه يسألهم» إن شاء الله كنت مليح؟‬ ‫إن األبحاث الكمية ال تقيس الفرح‪ ،‬وليس لها دخل باالنفعاالت‪،‬‬ ‫مع أنها تتويج لكل ما مت إجنازه‪ .‬حني تذكرت هؤالء الناس الفرحني‬ ‫بإجنازهم عرفت مهمتي البحثية‪ ،‬وهي أن أصف املسار منذ حلظة البدء‬ ‫وحتى تلك القفزة الفرحة التي تشبه خفقة حمامة بيضاء خرجت من‬ ‫أسرها‪ ،‬إنها بلغة الباحثني تغير في طريقة النظر إلى البيانات‪.‬‬

‫في األحكام اجلاهزة‪:‬‬

‫وهكذا قرر بهاء أن يخوض التجربة مع «الصف األعنف» وجنحت‬ ‫التجربة‪ .‬في مراحل التجربة كافة‪ ،‬كنا نتحاور مع ًا وكنت أملح في‬ ‫تعبيراته تلك الطاقة االنفعالية اجلميلة‪:‬‬

‫حني يكون معتقد املعلم عن نفسه أنه محور العملية التعليمية ودوره‬ ‫توصيل املعلومات‪ ،‬فإن كل العوامل والعناصر واألشياء الصفية سوف‬ ‫يعاد ترتيبها بشكل يضمن حتقق هذا الدور‪ ،‬ويبدو أسلوب التلقني‬ ‫منسجم ًا مع هذا التوجه‪ .‬التلقني يدفع باجتاه متركز املعلم حول ذاته‬ ‫ومينحه الدور األكبر‪ .‬في حني تتضاءل أدوار املتعلمني‪ ،‬إنهم موجودون‬ ‫لتأكيد دوره‪ .‬فالطالب يشعرون أنه يتم التعامل معهم كأشياء صفية‪،‬‬ ‫إنهم ال يشتركون في احلوار وال يساهمون في بناء معرفتهم وهم يتمايزون‬ ‫في طبقات ضمن معايير الذكاء‪ .‬هذه املمارسات الصفية تخلق أوضاع ًا‬ ‫صفية غير مريحة لهم‪.‬‬ ‫الطالب في أوضاع كهذه لهم خيارات أخرى ضمن سعيهم للعب‬ ‫أدوار صفية‪ ،‬فقد تظهر أساليب ممانعة ومبادرات رفض‪ ،‬ومن هنا تنشأ‬ ‫العالقات الصراعية التي تؤدي إلى العنف مبستوياته املختلفة‪ .‬إننا نفسر‬ ‫أساليب الرفض واملقاومة وإثارة الفوضى كمحاولة للبحث عن دور‪.‬‬ ‫وبهذا املعنى‪ ،‬فإن تقسيم الطالب إلى أذكياء وأغبياء هو انعكاس لتقسيم‬ ‫من نوع آخر‪ :‬هادئون وفوضويون‪.‬‬ ‫مع املعلم بهاء احملاسنة لم تعد هذه التقسيمات والتصنيفات موجودة‪،‬‬ ‫فالطالب املوصوفون بالشغب أبدوا درجة عالية من اجلدية وااللتزام‬ ‫واملشاركة‪.‬‬

‫اإلحساس باملراقبة‪:‬‬

‫في املرحلة األولى من البحث واجهتنا معيقات عدة؛ أهمها تصوير‬ ‫املعلمات‪ .‬إذ كان مجرد طرح فكرة التصوير تبدو مروعة لهن‪ ،‬وقد‬ ‫اعتقدت أن األمر يتعلق باإلرث االجتماعي والتقاليد‪ ،‬وبخاصة أن‬ ‫الغالبية معلمات‪ ،‬مبا يثير هذا األمر من حساسية في مجتمع محافظ‪.‬‬ ‫بيد أن األمر بدا على العكس متاماً‪ .‬إذ رفض املعلمون أيض ًا فكرة‬ ‫التصوير‪ ،‬ما أوحى أن األمر ال يتعلق بالتقاليد‪ ،‬فقد تبني من خالل‬ ‫حتليل يوميات املعلمات أن األمر يتعلق بسبب آخر هو اإلحساس‬ ‫باملراقبة‪.‬‬ ‫يؤشر مفهوم املراقبة على سلطة اآلخر؛ سواء الطالب أم املشرف أم‬ ‫املدير‪ ،‬وقد ارتبط هذا النوع من املراقبة تاريخي ًا بالطابع االنتقادي‬ ‫لزيارات املدير واملشرف التربوي‪ .‬ونحن نستخدم هنا مصطلح االنتقاد‬ ‫كخطاب تقويضي باجتاه أحادي من األعلى سلطة إلى األدنى سلطة‪.‬‬ ‫وهذا املعنى معاكس متام ًا ملفهوم النقد مبا هو جدل‪ ،‬واجلدل كما يصفه‬ ‫مصطفى ناصف (ناصف‪“ )9:2000 ،‬ال يكون إال حيث التعارض‬ ‫في وجهات النظر تعارض ًا قائم ًا باألساس على االعتراف التبادلي”‪.‬‬ ‫لقد اقترنت زيارة املشرف التربوي وكذا املدير بنوع من التحسب‪ ،‬ما‬ ‫يولد لدى املعلم إحساس ًا دائم ًا باملراقبة وتصيد األخطاء‪ .‬تقول إحدى‬ ‫املعلمات في يومياتها‪“ :‬عندما يزورني املوجه أكون معلمة أخرى‬ ‫غيري‪ ،‬ذهني مشغول مع املوجه أكثر من الصف‪ ،‬ال أكون طبيعية في‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫املعلم بهاء احملاسنة هو معلم جديد في سنته التعليمية الثانية‪ ،‬صمم‬ ‫ونفذ مقترح اجلدل العلمي في الصف األول ثانوي األدبي‪ .‬املعلمون‬ ‫في مدرسته أعلنوا فشل التجربة قبل أن تبدأ‪ ،‬ألن هذا الصف عنيف من‬ ‫وجهة نظرهم‪ ،‬وال يريد أن يتعلم‪ .‬انسربت هذه الهواجس إلى قلب‬ ‫املعلم بهاء‪ ،‬فجاء معلن ًا خوفه من احتمال فشل التجربة‪ .‬يومها قلت له‪:‬‬ ‫«إذا كنت في مكان‪ ،‬حيث ال يتوقع الناس وجودك فيه‪ ،‬فاعلم أنك في‬ ‫املكان الصحيح»‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ما زلت مهجوس ًا باألبحاث الكمية‪ ،‬وأنا الذي تخرجت من مدرسة‬ ‫ختمت دماغي بالعالقات الكمية والسببية وذهبت إلى جامعة وتخرجت‬ ‫منها دون أن أسمع حرف ًا واحد ًا حول األبحاث النوعية‪ ،‬ثم عدت إلى‬ ‫املدرسة معلم ًا ألعيد إنتاج نفسي على هيئة من أنتجوني‪.‬‬

‫< الطالب أبدعوا أكثر مما توقعت‪.‬‬ ‫< كتابات الطالب جميلة‪.‬‬ ‫< أسئلتهم دقيقة وعميقة‪.‬‬ ‫< الطالب املتصفون بالعنف والبالدة شاركوا بشكل ممتاز‪.‬‬


‫‪82‬‬

‫احلصة‪ ،‬إنها حصة مزيفة وال تعكس طبيعتي”‪.‬‬

‫‪ .3‬االنضباط الصفي‪ :‬الفوضى‪ ،‬اإلجابات اجلماعية‪ ،‬إدارة الصف‪.‬‬

‫النوع الثاني من املعيقات هو ما يتعلق بنوعية املمارسات املطروحة‬ ‫للنقاش‪ ،‬حيث كانت اجللسات احلوارية مفتوحة ملن يرغب في املشاركة‪،‬‬ ‫وقد دأب على حضور احلوارات غالبية الهيئة التدريسية‪ ،‬ما أغنى النقاش‬ ‫في بعض املجاالت‪ ،‬وهذا بالطبع قدم تغذية راجعة لكثير من املمارسات‬ ‫الصفية‪ .‬بيد أن كثافة احلضور عكس تباين اهتمامات احلضور وثقافته‪،‬‬ ‫األمر الذي أعاق التعمق في احلوار في القضايا اجلوهرية املتعلقة‬ ‫باملمارسات الصفية‪ ،‬حيث متت انزياحات في النقاش باجتاه القضايا‬ ‫األكثر تقليدية‪ ،‬لقد بدا واضح ًا منذ اللحظة األولى أن احلوار اجلمعي‬ ‫يجنح باجتاه قضايا شكالنية وثانوية بالنسبة جلوهر املمارسات الصفية‪،‬‬ ‫وهي من قبيل‪:‬‬

‫وبالطبع‪ ،‬فإن هذه األمور على أهميتها‪ ،‬ال تقارب جوهر العمل‬ ‫التعليمي‪ ،‬وهي تؤشر سيميائي ًا على متركز املعلم حول ذاته‪ ،‬فالعامل‬ ‫املشترك بني كل األمور السابقة‪ ،‬أنها تعكس موقع املعلم ووظيفته الصفية‬ ‫في املدرسة التقليدية‪ ،‬حيث املعلم هو من يضبط الصف وينظم الدرس‪،‬‬ ‫ويختار الوسائل التعليمية‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪ .1‬وسائل اإليضاح‪ :‬طبيعتها‪ ،‬نوعيتها‪ ،‬فائدتها‪ ،‬مدى انسجامها مع‬ ‫املوقف التعليمي‪ ،‬توقيت توظيفها‪.‬‬ ‫‪ .2‬تنظيم الدرس‪ :‬مراجعة الدرس السابق‪ ،‬التهيئة للدرس اجلديد‪،‬‬ ‫العرض‪ ،‬اخلامتة‪ ،‬التقييم‪.‬‬

‫إن تغييب ما هو جوهري في املمارسات الصفية يعكس ثقافة سائدة‬ ‫في املدرسة تعمد إلى ترسيخ دور املعلم التقليدي مبا هو محور العملية‬ ‫التعليمية‪ .‬ومع هذا الشكل من االنزياح‪ ،‬بقيت القضايا اجلوهرية متوارية‪،‬‬ ‫ولم تستحضر للنقاش وهي من قبيل‪ :‬نوعية العالقات الصفية‪ .‬األمناط‬ ‫احلوارية وطرق بناء املعرفة وكذا املواقع واألدوار الصفية‪ .‬لقد كانت هذه‬ ‫احلوارات إحدى إشكاليات البحث‪ ،‬وبذلنا جهد ًا في لفت أنظار املعلمني‪/‬‬ ‫ات إلى أهمية هذه القضايا‪ ،‬حتى أصبحت محل اهتمام ونقاش‪.‬‬ ‫مشهور البطران – مركز القطان‬

‫الهوامش‬ ‫ ‪ 1‬كتاب الصف التاسع ‪ -‬العلوم العامة (‪ .)2003‬تأليف‪ :‬سامي عبد الكامل وآخرون‪ ،‬ط‪ ،3‬رام الله‪ :‬وزارة التربية والتعليم ‪ -‬مركز املناهج‪.‬‬ ‫ ‪ 2‬كوون‪ ,‬توماس (‪ .)1962‬بنية الثورات العلمية‪ ,‬ت‪ :‬شوقي جالل‪ ,‬الكويت‪ :‬سلسلة عالم املعرفة‪.‬‬ ‫‪ 3‬املرجع السابق‪.‬‬ ‫‪ 4‬انظر‪ :‬الكردي‪ ،‬وسيم (‪ .)2003‬املشكالية‪ :‬نحو حوار حواري‪..‬من الصوت املفرد إلى األصوات املتعددة‪ ،‬رام الله‪:‬مركز القطا للبحث والتطوير التربوي‪.‬‬ ‫‪ 5‬يقابل مصطلح اجلدل في اللغة اإلجنليزية كلمة (‪ )argument‬التي تدل على بنية تتكون من ّادعاء مسنود ببيانات وعالقات وتفسيرات‪ ،‬في حني تدل كلمة‬ ‫(‪ )argumentation‬إلى املمارسة اجلدلية‪.‬‬ ‫‪6‬‬ ‫‪ http://resources.metapress.com/pdfpreview.axd?cod=762v81898636xn81&size=largest.‬‬ ‫تاريخ الدخول‪.2008/3/10 :‬‬ ‫‪ 7‬كون‪ ,‬توماس (‪ .)1962‬بنية الثورات العلمية‪ ,‬ت‪ :‬شوقي جالل‪ ,‬الكويت‪ :‬سلسلة عالم املعرفة‪.‬‬ ‫‪ 8‬انظر‪:‬‬ ‫‪Driver, R., Newten, .p, &Osborne, J.(2000).Establishing the Norms of Scientific Argumentation in Classrooms.‬‬ ‫‪Science Education, 84(3), 287-312.‬‬ ‫‪9‬‬ ‫)‪ (Inquiry and the National Science Education Standards, 2000, P20‬‬ ‫‪10‬‬ ‫‪.(Inquiry and the National Science Education Standards, 2000) A Guide for Teaching and Learning, Inquiry Center‬‬ ‫‪for Science, Mathematics, and Engineering Education, National Research Council. p. cm. NATIONAL ACADEMY‬‬ ‫‪PRESS Washington, DC‬‬ ‫‪ 11‬املقصود هنا البحث النوعي (‪ )qualitative research‬كمنهجية في البحث مقابل البحث الكمي (‪.)quantitative researche‬‬ ‫‪ 12‬يوجد اآلن في بعض املدارس الفلسطينية في الضفة والقطاع وداخل اخلط األخضر وحدات سينما‪ ،‬مت تزويدها للمدارس عبر مشروع مشترك ما بني مؤسسة عبد‬ ‫احملسن القطان واالحتاد األوروبي‪ .‬وهو مشروع يهدف إلى بناء ثقافة سينمائية لدى األجيال اجلديدة من الطالب الفلسطينيني‪ ،‬وغالب ًا ما يجري استغالل هذه‬ ‫الوحدات السينمائية إلجراء عروض سينمائية‪ ،‬وفي حالة بحثنا‪ ،‬استخدمنا هذه الوحدة إلجراء عروض للحصص الدراسية والتجارب التعليمية املصورة‪.‬‬ ‫‪ 13‬انظر ما ذكر سابق ًا حتت عنوان “في احلوار”‬ ‫‪ 14‬مرض أشيع أنه أصاب جنود التحالف أثناء غزو العراق العام ‪ ،1990‬وقد رفع آالف من اجلنود األمريكيني والبريطانيني دعاوى قضائية ضد املؤسسة العسكرية في‬ ‫البلدين‪ .‬وعلى املستوى العلمي‪ ،‬انقسم املجتمع الطبي إلى فريقني ما بني مؤيد لوجود هذا املرض ومعارض لوجوده‪.‬‬ ‫‪ 15‬انظر‪ :‬الكردي‪ ،‬و��يم (‪ .)2003‬املشكالية‪ :‬نحو حوار حواري ‪ ..‬من الصوت املفرد إلى األصوات املتعددة‪ ،‬ط‪ ،1‬رام الله‪ :‬مركز القطان للبحث والتطوير‬ ‫التربوي‪.‬‬


‫املراجع‬ ‫أ) املراجع العربية‪:‬‬ ‫< إبراهيم‪ ،‬زكريا (بدون تاريخ)‪ .‬مشكلة البنية‪ ،‬أضواء على البنيوية‪ ،‬القاهرة‪ :‬مكتبة مصر‪.‬‬ ‫< جبر‪ ،‬دعاء وكشك‪ ،‬وائل (‪ .)2007‬تعليم يبدأ من احلياة ‪ ..‬حل املشكالت مجال لتحفيز التعلم وتنمية التفكير‪ ،‬ط‪ ،1‬رام الله‪ :‬مركز القطان للبحث والتطوير‬ ‫التربوي‪.‬‬ ‫< ديفلني‪ ،‬كيث (‪ .)2001‬اإلنسان واملعرفة في عصر املعلومات‪ ،‬ت‪ :‬شادن اليافي‪ ،‬الرياض‪ :‬مكتبة العبيكان‪.‬‬ ‫< عزام‪ ،‬محمد (‪ .)2003‬حتليل اخلطاب األدبي على ضوء املناهج النقدية احلداثية‪ ،‬دمشق‪ :‬احتاد الكتاب العرب‪.‬‬ ‫< فريري‪ ،‬باولو (‪ .)2003‬نظرات في تربية املعذبني في األرض‪ ،‬ت‪ :‬مازن احلسيني‪ ،‬رام الله‪ :‬دار التنوير للنشر والترجمة‪.‬‬ ‫< الكردي‪ ،‬وسيم (‪ .)2003‬املشكالية‪ :‬نحو حوار حواري ‪ ..‬من الصوت املفرد إلى األصوات املتعددة‪ ،‬ط‪ ،1‬رام الله‪ :‬مركز القطان للبحث والتطوير التربوي‪.‬‬ ‫< ماكنيف‪ ،‬جني (‪ .)2001‬ما هو البحث اإلجرائي؟‪ ،‬ت‪ :‬إسماعيل الفقعاوي‪ ،‬ط‪ ،1‬رام الله‪ :‬مركز القطان للبحث والتطوير التربوي‪.‬‬ ‫< ناصف‪ ،‬مصطفى (‪ .)2000‬النقد العربي نحو نظرية ثانية‪ ،‬الكويت‪ :‬املجلس الوطني للثقافة والفنون واآلداب‪ .‬سلسلة عالم املعرفة‪ ،‬ع ‪.255‬‬ ‫< ويلز‪،‬غوردن وهنيدا‪ ،‬ماري (‪ .)2003‬اللغة وبناء املعرفة ‪ ..‬احلوار والكتابة في تعلم اللغة وبناء املعرفة‪ ،‬ت‪ :‬عيسى بشارة‪ ،‬ط‪ ،1‬رام الله‪ :‬مركز القطان للبحث‬ ‫والتطوير التربوي‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫من إحدى فعاليات مدرسة غزة للموسيقى‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ب) املراجع األجنبية‪:‬‬ ‫‪< Driver, R., Newten, .p, &Osborne, J.(2000). Establishing the Norms of Scientific Argumentation in Classrooms.‬‬ ‫‪Science Education, 84(3), 287-312.‬‬ ‫‪< Lemke, j.L.(1990). Talking Science: Language, learning, and Values. Norwood, NJ:Albex publishing.‬‬ ‫‪< Inquiry and the National Science Education Standards, (2000) A Guide for Teaching and Learning, Inquiry Center‬‬ ‫‪for Science, Mathematics, and Engineering Education, National Research Council.   p. cm. NATIONAL ACADEMY‬‬ ‫‪PRESS Washington, DC.‬‬ ‫‪< Simon, S., Eduran, E. & Osborne, J., (2006). Learning to Teach Argumentation: Research and development in the‬‬ ‫‪science classroom. International Journal of Science Education, Vol.28, pp. 235-260.‬‬

‫‪83‬‬


‫حكاية كوكب اسمه “األرض”‬

‫‪84‬‬

‫د‪ .‬طالب احلارثي‬ ‫ترى هل سأل أحدنا نفسه‪ ،‬كيف نشأ هذا الكوكب الذي أسميناه «األرض»‪ ،‬والذي عاش عليه أجدادنا في املاضي ونعيش عليه اآلن؟ وكيف‬ ‫تكونت هذه التضاريس املتنوعة من جبال وهضاب وسهول ووديان وأنهار وبحار وبحيرات ومحيطات وصحا ٍر وأغوار وكهوف وما إلى ذلك؟!‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫وهل كان هذا حال األرض منذ القدم حتى اآلن‪ ،‬أم أن حال كل ما عليها من مواد حية كانت أم غير حية كان وما زال وسيبقى في تغير مستمر؟‬ ‫تكون املادة غير احلية من صخور وأتربة ومياه وغالف جوي بدرجة حرارة‬ ‫وهل كان للمادة احلية التي نقع نحن كبشر في قمة هرمها أن تظهر قبل ّ‬ ‫مالئمة؟‬ ‫وما هي عالقة كوكبنا الصغير األرض بغيره من األجرام السماوية األخرى التي تسبح في هذا الكون الشاسع؟‬ ‫ورمبا يسهب املرء في تساؤالته‪ :‬هل ما يحدث على سطح أرضنا من‬ ‫أحداث كالزالزل والبراكني واالنهيارات األرضية والتصدعات هي‬ ‫مجرد أحداث ومصادفات ال قيمة لها أم أن وراء األكمة ما وراءها‪،‬‬ ‫وأن العلم استطاع سبر الكثير من أغوار هذه الظواهر وفهم مكنوناتها‬ ‫وأسبابها؟ فمث ً‬ ‫ال رمبا يتساءل أحدنا ملاذا حتدث زالزل عنيفة في مناطق‬ ‫كاليابان وإندونيسيا وأالسكا وأرمينيا وإيران‪ ،‬بينما حدوث زالزل بهذه‬ ‫الدرجة من القوة والعنف أمر غير مألوف في مناطق كمصر أو السودان‬ ‫أو ليبيا أو فلسطني؟ بل وملاذا يندفع بركان ما بشكل فجائي في جزر‬ ‫الهاواي أو في منطقتي «اثنا» أو «فيزوف» الواقعتني على ارتفاع يزيد‬ ‫على ‪3000‬م فوق سطح البحر في إيطاليا؟ ورمبا يتعمق املرء في تساؤله‬ ‫فيسأل‪ :‬ملاذا ينفجر هذا البركان بقوة ليقذف كت ً‬ ‫ال صخرية عظيمة وحمم ًا‬ ‫منصهرة مندفعة في عنان السماء‪ ،‬بينما بركان آخر يقذف طين ًا ساخن ًا أو‬ ‫رماد ًا حار ًا أو تنساب منه حمم ملتهبة حمراء بازلتية كما تنساب املياه‬ ‫في جدول رقراق؟ وملاذا تندفع أمواج قاتلة هوجاء تسمى «التسونامي»‬ ‫لتدمر سواحل تقع على بعد مئات الكيلومترات؟ وملاذا تتكاثر اندفاعات‬ ‫ينابيع املياه احلارة املخلوطة بالطني البركاني في جزيرة مثل أيسلندا دون‬ ‫غيرها؟ وأيض ًا ملاذا هنالك جزر على وشك الغطس نهائي ًا حتت سطح‬ ‫البحر مثل جزر القمر وجزيرة «كايويا» ‪-‬إحدى جزر الهاواي‪ -‬وجزيرة‬ ‫«دولة مايكرونيزيا» «العتيدة» الواقعة شمال أستراليا في احمليط الهادي‬ ‫التي تصوت دائم ًا إلى جانب إسرائيل وأمريكا في مجلس األمن؟ وقد‬ ‫يسترسل اإلنسان في تساؤالته كلما وجد متحجرة لصدفة بحرية فوق‬ ‫سفح جبل أو تلة أو عثر على هيكل سمكة متحجرة في صحراء قاحلة ال‬ ‫ترعد فيها السماء وال متطر‪ ،‬أو حضر فيلم ًا سينمائي ًا عن الديناصورات‪،‬‬ ‫وما تثيره من رعب لدى املشاهد؟ وهل إنسان اليوم هو نفسه اإلنسان‬ ‫قبل آالف السنني؟ وما أوجه الشبه واالختالف بيننا وبني أسالفنا من‬

‫بني اإلنسان؟ ال بل وهل ما يدب اليوم على سطح األرض ويعيش‬ ‫في بحارها ويطير في أجوائها هو الكائنات نفسها التي كانت تدب‬ ‫على سطح كوكبنا هنا وهناك قبل ماليني السنني؟ وهل غالفنا اجلوي‬ ‫ومكوناته اليوم هو الغالف اجلوي نفسه واملكونات نفسها التي كانت في‬ ‫األزمنة الغابرة؟‬ ‫ويطول حبل األسئلة‪ ،‬نعم يطول! ولم ال فهذه هي أمنا األرض التي عليها‬ ‫وقعت كل األحداث منذ ماليني السنني وال تزال‪ .‬ترى هل من املمكن‬ ‫ألحدنا أن يتصور أن طول اليوم الواحد على األرض كان في األزمنة‬ ‫اجليولوجية الغابرة أقل بكثير من ‪ 24‬ساعة كما هو طول يوم هذه األيام؟‬ ‫وأن سرعة دوران األرض حول نفسها كان أسرع مما هو عليه اآلن‪ ،‬ما يعني‬ ‫أن السنة الواحدة كانت متتد إلى أكثر من ‪ 400‬يوم أو يزيد في العام الشمسي‬ ‫الواحد‪ .‬وكيف متيزت وترتبت أغلفة األرض من اخلارج إلى الداخل‪ ،‬من‬ ‫األخف إلى األثقل فاألثقل؟ وال ينتهي حبل التساؤالت عن هذه األرض‬ ‫وما دار ويدور فيها وعليها من أحداث مختلفة‪ .‬وألن كل شيء قد يضيق‬ ‫مع الزمن إال العلم‪ ،‬فهو دائم ًا في اتساع مستمر في كل االجتاهات‪ ،‬فإننا‬ ‫لإلجابة عن هذه التساؤالت جميع ًا بشكل تفصيلي قد نحتاج إلى مجلدات‬ ‫كثيرة‪ ،‬فإنه ال بد من االقتضاب في اإلجابة قدر اإلمكان‪ ،‬أو تناول هذه‬ ‫املواضيع على حلقات وبشكل علمي لتتم لنا اإلجابة‪.‬‬ ‫إن علماء اجليولوجيا وباالستعانة بعلم اجليولوجيا (ومعناه احلرفي «علم‬ ‫األرض») قد تصدوا لإلجابة عن كل هذه التساؤالت‪ ،‬مستخدمني‬ ‫آخر مبتكرات العلوم ومتبعني طرق البحث العلمي في تفسير كل هذه‬ ‫الظواهر اجليولوجية وغيرها‪ ،‬خالف ًا ملا اتبعه األقدمون من االستعانة‬ ‫باخلزعبالت واللجوء إلى مجاهل امليتافيزيقيا لتفسير كل ذلك‪.‬‬


‫يقول علماء اجليولوجيا‪ :‬إن كوكب األرض قد انفصل عن شمسنا‬ ‫قبل حوالي خمسة مليارات عام‪ ،‬وأنه كان آنذاك كتلة ملتهبة يتكون‬ ‫معظمها من الهيدروجني والقليل من الهيليوم‪ ،‬متام ًا كما هو حال‬ ‫الشمس اليوم‪ .‬ومع الزمن بدأت هذه الكتلة امللتهبة تدريجي ًا بالبرودة‬ ‫لتتكون منها العناصر التي تكون القشرة األرضية اليوم‪ .‬ولعل‬ ‫الدخول في معرفة كيفية صيرورة هذه األشياء بالتفصيل والوقوف‬ ‫على ما آلت إليه بدقة يتطلب مساحة كبيرة من البحث والسرد‪.‬‬ ‫ولكن السؤال اجلوهري هنا يكمن في معرفة كيف آلت هذه الكتلة امللتهبة‬ ‫أرضنا‪ -‬إلى ما آلت إليه اليوم‪ ،‬لتصبح كوكب ًا يصلح للحياة عليه‪،‬‬‫وتنتعش على سطحه ماليني األنواع من أشكالها؟! وكيف مت لهذه‬ ‫الكتلة امللتهبة أن «تبرد» على الرغم من أنها تستقبل من الطاقة احلرارية‬ ‫الشمسية أكثر مما تشع في الفضاء اخلارجي؟! ورمبا تفتح اإلجابة عن هذا‬ ‫السؤال الباب على مصراعيه للتكهن وبشكل علمي عن احتماالت تطور‬ ‫الكواكب امللتهبة الحقاً‪ ،‬لتصبح كواكب ميكن للحياة أن تنتعش فوقها‪،‬‬ ‫إذ ما املانع ألي كتلة ملتهبة من املادة أن تتبع مسار كوكبنا وصيرورته‬ ‫لتصبح احلياة ممكنة عليها؟ وقد تكون املسألة مسألة وقت ليس إال!‬

‫ويقول اجليولوجيون إن أول أشكال احلياة ما كان لها أن تظهر على‬ ‫سطح األرض قبل أن تصل برودة السطح في بعض األماكن إلى أقل‬ ‫من ‪ 90‬درجة مئوية على األقل‪ ،‬ويرجحون أن يكون ذلك في منطقة‬ ‫القطب اجلنوبي‪ ،‬وتدل األبحاث العلمية أن أوائل الكائنات التي ظهرت‬ ‫على سطح األرض كانت عبارة عن أشكال احلياة البدائية كالفيروسات‬ ‫والبكتيريا التي يطلق عليها علماء املستحثات تعبير «الكيموفسلز»‬ ‫(‪ ،)Chemofossils‬وكانت قد ظهرت قبل حوالي ‪ 3.6‬مليار عام‬ ‫وتالها الطحالب قبل ‪ 2.8‬مليار عام‪ .‬وليس لنا أن نستهني بأي كائن حي‬ ‫ظهر واختفى أو ال يزال يعيش حالي ًا على سطح هذه البسيطة‪ ،‬فقد عزا‬ ‫علماء األرض تكون أكبر احتياطيات العالم من خام احلديد إلى نشاط‬ ‫هذه البكتيريا الالهوائي في الفترة من قبل ‪ 2.7‬مليار عام إلى حتى ما قبل‬ ‫‪ 1.8‬مليار عام من اآلن‪ ،‬حيث يعتقد أن هذه البكتيريا كانت وراء تكوين‬ ‫ما يسميه علماء طبقات األرض «بطبقات احلديد احلمراء املخططة»‬ ‫(‪ )Red Banded Iron Formations‬التي حتوي أكثر من ‪%70‬‬ ‫من االحتياطي العاملي من احلديد‪ .‬هذا ويعتقد العلماء أن الفترات‬ ‫األولى من تاريخ األرض متيزت بكثرة البراكني وعدم توفر األكسجني‬ ‫في غالف األرض اجلوي الذي كان معظمه يتكون من األمونيا وامليثان‪.‬‬ ‫ويعتقد أن هذه الكائنات امليكروبية ظلت هي الوحيدة التي تتربع على‬ ‫عرش مملكة احلياة على األرض حتى ظهور أوائل الديدان ألول مرة في‬ ‫تاريخ األرض قبل ما يزيد على ‪ 700‬مليون عام من اآلن‪.‬‬

‫مستحاثة ألشباه الديدان التي عاشت على سطح األرض في منطقة أدياكارا‬

‫(‪ ،)Ediacara‬جنوب استراليا في نهاية عصر البريكامبري‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫لكن ظهور أشكال كثيرة ومتنوعة من احلياة بدأ فعلي ًا فيما يطلق عليه‬ ‫اجليولوجيون فترة االنفجار الكامبري؛ أي قبل حوالي ‪ 550‬مليون سنة‬ ‫من اآلن‪ ،‬وهو الذي متثل بظهور كائنات حية مرئية (أي كبيرة) متتلك ألول‬ ‫مرة هياكل عظمية تركت نفسها تتحجر في طبقات الصخور التي دفنت‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫وكما أن الطاقة في الكون نوعان‪ ،‬فإن القوى أيض ًا نوعان هما قوى‬ ‫اجلذب (اجلاذبية) وقوى التنافر‪ .‬��تقسم قوى اجلذب إلى صنفني‪،‬‬ ‫هما قوى اجلذب الكتلي (اجلاذبية) التي تتواجد بني أي كتلتني في‬ ‫الكون مهما كان تركيبهما وحجمهما‪ ،‬وقوى اجلذب الكهربائي بني‬ ‫أي شحنتني مختلفتني‪ ،‬وفي املقابل هنالك قوة تنافر كهربائية واحدة‬ ‫بني أي جسمني يحمالن شحنات متشابهة‪ .‬ولعل هذا ما يفسر ملاذا تبقى‬ ‫البروتونات مع ًا في نواة الذرة وال تنطلق بعيد ًا عن بعضها البعض على‬ ‫الرغم من أنها حتمل الشحنة املوجبة كهربائي ًا نفسها‪ ،‬إذ علينا أن نتذكر‬ ‫ما أوردناه أعاله من وجود قوتي جذب وقوة تنافر واحدة‪ ،‬وأنه نظر ًا‬ ‫لوجود النيوترونات املتعادلة كهربائي ًا في نواة الذرات‪ ،‬فإن هذا مينح‬ ‫قوى التجاذب كم ًا إضافي ًا للتغلب على قوة التنافر بني البروتونات نفسها‬

‫ويذكر العلماء أن أقدم صخرة مت العثور عليها على سطح األرض يعود‬ ‫تاريخها إلى حوالي ‪ 4.8‬مليار عام‪ ،‬ويستدلون على ذلك بواسطة حتليل‬ ‫النظائر املشعة التي مت العثور عليها في هذه الصخور‪ ،‬التي يذكر العلماء‬ ‫أنها صخور غير أرضية‪ ،‬وفدت إلى األرض كنيازك كانت تتساقط على‬ ‫أرضنا من الفضاء اخلارجي بني الفينة واألخرى‪ .‬وقد افترض العلماء أن‬ ‫أقدم صخور األرض هي بعمر هذه الصخور النيزكية الوافدة‪.‬‬

‫‪85‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫إن قوانني الطبيعة وعلم الفيزياء جتمع على القول إن هذا الكون كله‬ ‫مركب من ثالثة مكونات رئيسية هي الزمن‪ ،‬والفضاء‪ ،‬والطاقة‪ ،‬وما‬ ‫املادة إال شكل من أشكال الطاقة‪ ،‬وأن هذه املكونات الثالثة هي في‬ ‫حالة تفاعل دائم فيما بينها‪ ،‬فتنشأ جراء ذلك أشكال وصور وأحداث‬ ‫ال يستطيع العقل اإلنساني أن يلم بها جميعها‪ .‬ويقول العلم إن أنواع‬ ‫الطاقة في الكون نوعان رئيسيان‪ ،‬على الرغم من تعدد أشكالهما‪ ،‬وهما‬ ‫إما طاقة وضع وإما طاقة حركة‪ ،‬وأن الطاقة قد تتحول من شكل إلى آخر‬ ‫لكنها ال تفنى وال تستحدث‪ ،‬حيث أن كميتها في الكون ثابتة‪ ،‬ولعل‬ ‫هذا املبدأ هو الذي يعطي التفسير احلقيقي لتساؤلنا‪ :‬أين ذهبت كل تلك‬ ‫الطاقة احلرارية في الكتلة امللتهبة (األرض)؟ وما تستقبل هذه األرض‬ ‫من إشعاع الشمس احلراري؟ واجلواب هو أن معظم هذه الطاقة احلركية‬ ‫(احلرارة بالدرجة األولى) قد حتولت إلى طاقة وضع مخزنة في مواد‬ ‫كالصخور واملياه والكائنات احلية من نبات وحيوان وعناصر الغالف‬ ‫اجلوي وغيره‪ .‬ولعله عندما تتعقد أشكال احلياة أكثر فأكثر‪ ،‬فإن هذا‬ ‫يعني أن كميات هائلة من طاقة احلركة قد حتولت إلى طاقة وضع خزنت‬ ‫في هذه املواد‪ ،‬ولعل أعقد ما في املادة احلية هو دماغ اإلنسان الذي نعتقد‬ ‫أنه يحتوي على أكثر املواد العضوية تعقيد ًا على اإلطالق‪.‬‬

‫في داخل النواة‪ ،‬عالوة على ما تضيفه قوى التجاذب بني بروتونات نواة‬ ‫الذرة واإللكترونات الواقعة في مداراتها‪ .‬ورمبا ينظر إلى تطور األرض‬ ‫على أنه تطور ألشكال الطاقة عليها‪.‬‬


‫فيها بعد موتها‪ .‬ومن أمثلة تلك الكائنات حيوانات «الترايلوبايت»‪،‬‬ ‫وبعدها «اجلرابتوليت»‪ ،‬فـ «النوتيات»‪ ،‬وتبعها بعد ذلك كثير‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫‪86‬‬

‫وتوالت فيما بعد هذا االنفجار الكامبري أشكال احلياة املختلفة لتغزو‬ ‫البحر واليابسة على حد سواء‪ ،‬فظهرت األشجار وأشكال غريبة من‬ ‫أألسماك في العصر الديفوني (الفترة من قبل ‪ 408 – 360‬مليون سنة‬ ‫من اآلن)‪ ،‬وتبعها ظهور الغابات العمالقة في العصر الكربوني (من قبل‬ ‫‪ 360 – 299‬مليون سنة من اآلن) والتي تشكل بقاياها أكبر مناجم الفحم‬ ‫احلجري في العالم‪ .‬ثم توالت أشكال مختلفة من احلياة على سطح هذا‬ ‫الكوكب‪ ،‬منها ما هو في البر‪ ،‬ومنها ما هو في البحر‪ .‬فظهرت أوائل‬ ‫الزواحف ذات املراوح مثل «الدميتريدون»‪ ،‬وتبعها الديناصورات‪،‬‬ ‫وهي أيض ًا من الزواحف التي استوطنت األرض بر ًا وجو ًا وبحر ًا ما‬ ‫يزيد على ‪ 233‬مليون سنة‪ ،‬أي من قبل ‪ 299‬حتى قبل ‪ 66‬مليون سنة‬ ‫من اآلن‪ ،‬والتي يطلق عليها اجليولوجيون اسم حقبة احلياة الوسطى‪،‬‬ ‫فكان هنالك ديناصورات صغيرة ال يتعدى حجم أحدها حجم الديك‪،‬‬ ‫ومنها ما بلغ وزنه أكثر من ‪ 100‬طن من أمثال ديناصور هزاز األرض‬ ‫(‪ ،)Seismosaurus‬ومنها ما كان له قرون وحراشف ضخمة‪ ،‬ومنها‬ ‫ما كان له أنياب ومخالب قاتلة عظيمة مثل ديناصور الطاغية امللك‬ ‫(‪ ،)Tyrranosaurus rex‬وهنالك الديناصورات آكالت العشب‬ ‫التي منها ذات القرون متعددة األنواع‪ ،‬وهناك العديد من آكالت اللحوم‬ ‫الفتاكة‪ ،‬ومنها ما كان يطير وله أجنحة وصل طول اجلناح الواحد منها ‪17‬‬ ‫متر ًا أو يزيد‪ ،‬ولها مخالب وأنياب حادة جد ًا قل أن يفلت منها أي كائن‬ ‫كانت تلحظه يدب على األرض وقتها‪ .‬ولعل قصة اكتشاف الديناصور‬ ‫غريبة جد ًا غرابة الديناصور نفسه‪ ،‬فإنه يحكى أن طفلة بريطانية كانت‬ ‫تلعب بالقرب من الشاطئ في مقاطعة سوسكس (‪ )Suisex‬جنوب‬ ‫بريطانيا‪ ،‬فوجدت عدد ًا من األسنان الكبيرة القدمية وقطعة من فك‬ ‫متحجر‪ ،‬فما كان منها إال أن أخذتها إلى والدها الذي اعتقد خطأ أنها‬ ‫أسنان لفيلة كان «وليم الفاحت» ملك «نورمانديا» قد أحضرها معه عندما‬ ‫غزا بريطانيا سنة ‪1066‬م‪ .‬وحدث أن كان للوالد صديق ًا مهنته طبيب‬ ‫أسنان‪ ،‬وذات يوم وبينما كان الطبيب يزور الوالد عرض عليه األسنان‬ ‫التي وجدتها ابنته‪ ،‬فما كان من الطبيب إال أن قال‪« :‬من املستحيل أن‬ ‫تكون هذه أسنان فيلة‪ ،‬إنها تشبه أسنان األغوانا (‪)Iguana‬؛ وهي نوع‬ ‫من السحالي البرمائية الكبيرة التي تعيش في جزر اجلالباقوس الواقعة‬ ‫بعيد ًا في وسط احمليط الهادي قريب ًا من خط االستواء‪ ،‬وبعد ذلك‬ ‫اكتشف املنقبون هياكل عظمية كاملة لهذا الديناصور الذي سموه باسم‬ ‫جوانودون (‪ )Iguanodon‬الحقاً‪.‬‬

‫أما في البحر فقد انتعشت املرجانيات واألمونيات‪ ،‬وهي من الرخويات‬ ‫ذات الصدفة الكلسية التي فاق طول بعضها ‪ 19‬متر ًا أو يزيد‪.‬‬

‫أحد حيوانات «األمونيت» من نوع (‪)Scaphites‬‬

‫‪3‬‬

‫وفي حقبة احلياة احلديثة التي بدأت من قبل ‪ 66‬مليون سنة من اآلن‪،‬‬ ‫ظهرت الثدييات وانتعشت أشكال مختلفة عديدة من احلياة التي ال‬ ‫تزال تدب على سطح األرض‪ ،‬وتستوطن البحار والبيئات املختلفة من‬ ‫كوكبنا حتى اآلن‪.‬‬ ‫هذه عجالة بالنسبة للتطور احلياتي على سطح األرض‪ ،‬وليس لنا أن‬ ‫نفصل تاريخ األرض البيولوجي عن تاريخها الفيزيائي أو الكيماوي‬ ‫وتشكل الغالف اجلوي ونضوجه وتوفر األكسجني فيه‪ ،‬األمر الذي‬ ‫ساعد املادة احلية على النمو السريع واالنبثاق والتشعب إلى أشكال‬ ‫كثيرة من أنواع احلياة املختلفة التي نعرف بعضها وجنهل عن الكثير الذي‬ ‫اندثر منها‪ .‬ما صاحب هذا التطور الفيزيائي من نشوء ألوائل القارات‬ ‫بسبب تراكم وبرودة االنبعاثات الصهيرية األرضية من اجلرانيت‪ ،‬وما‬ ‫صاحبها من تكون احمليطات وتوسعها وتوزيع أنواع الصخور املتعددة‪،‬‬ ‫وتكون املعادن‪ ،‬وتشكل تضاريس األرض املختلفة‪ ،‬لتشكل في هذه‬ ‫املنطقة غور ًا وفي تلك جبالً‪ ،‬فهذا كله وغيره كثير ميكن للجيولوجيا أن‬ ‫تفسره بشكل علمي ومنطقي غاية في الوضوح‪ ،‬ويحتاج منا إلى حلقات‬ ‫أخرى لسرد وقائعه‪.‬‬

‫د‪ .‬طالب احلارثي‬ ‫أستاذ اجليولوجيا وعلوم األرض والبيئة ‪ -‬جامعة القدس املفتوحة‬

‫الهوامش‬ ‫‪5/5/2008, www.toyen.uio.no/palmus/galleri/montre/‬‬ ‫‪x498.htm‬‬ ‫‪2‬‬ ‫‪5/5/2008 www.lauriefowler.com/dinopix.html‬‬ ‫‪ 3‬هذا النوع من اجليوانات استوطن البحار بشكل كثيف طوال حقبة احلياة‬ ‫الوسطى‪ ،‬ويعتقد أنه كان الغذاء املفضل للزواحف البحرية آنذاك‪.‬‬ ‫‪5/5/2008, www.marshalls-art.com/pages/ppaleo/‬‬ ‫‪paleo21.htm‬‬ ‫‪1‬‬

‫مجسم لديناصور اجلوانودون (‪ )Iguanodon‬الذي وجدت هياكله‬ ‫‪2‬‬ ‫األولى في جنوب بريطانيا‪.‬‬


‫نظرية فان هيل في التفكير الهندسي‬

‫‪87‬‬

‫رفاء الرمحي‬ ‫مت تطويرها من قبل باحثني هولنديني هما ديانا فان هيل غيلدوف (‪Diana Van Hiele‬‬ ‫تقوم نظرية فان هيل (‪ )Van Hiele‬في التفكير الهندسي التي ّ‬ ‫إن التعلم عملية ليست متصلة (‪،)discontinuos‬‬ ‫‪ )Geldof‬وزوجها بيير ماري فان هيل (‪ )Pierre Marie Van Hiele‬على فكرة مفادها ّ‬ ‫بل هناك قفزات في منحنى التعلم‪ ،‬ما يعني وجود مستويات تفكير منفصلة ومختلفة‪ .‬ومن هنا رأى الباحثان ضرورة وجود مستويات مختلفة‬ ‫اخلصائص في التفكير الهندسي‪.‬‬ ‫سأتناول في هذه املقالة اجلوانب الثالثة األساسية للنظرية‪ ،‬وهي وجود املستويات‪ ،‬وخصائصها‪ ،‬وكيفية االنتقال من مستوى إلى املستوى الذي‬ ‫يليه‪ ،‬أما اجلزء األخير للمقالة‪ ،‬فسأركز فيه على أهمية معرفة النظرية لتطوير تعليم وتعلم املوضوعات الهندسية‪.‬‬

‫وفي العام ‪ ،1959-1958‬نشر بيير ثالث أوراق بحثية عن النظرية‪،‬‬ ‫إحداها بالهولندية‪ ،‬وترجمت فيما بعد إلى الفرنسية‪ ،‬واثنتني باإلجنليزية‬ ‫(‪ .)Usiskin,1982‬وكانت إحدى األوراق البحثية بعنوان «الهندسة‬ ‫وتفكير الطفل» (‪،)The thought of the child & geometry‬‬ ‫وشرح فيها خمسة مستويات لتطور التفكير الهندسي عند األطفال‬ ‫(‪.)Wirzup, 1976‬‬ ‫وتوجد للنظرية ثالثة جوانب (‪ )aspect‬أساسية‪ ،‬هي (‪Usiskin,‬‬ ‫‪ :)1982; Fuys, et al, 1988‬وجود املستويات‪ ،‬خصائص‬ ‫املستويات‪ ،‬االنتقال من مستوى إلى املستوى الذي يليه‪.‬‬

‫‪ .1‬وجود مستويات التفكير الهندسي‬

‫وقد استخدمت األدبيات بنيتني رقميتني مختلفتني لتحديد تلك‬ ‫املستويات‪ ،‬األولى ترقّم املستويات من ‪، 4–0‬وهو نظام مياثل النظام‬ ‫األوروبي لعد الطوابق في بناية ما بادئ ًا بالطابق األرضي‪ ،‬ثم األول‬ ‫وبعده الثاني ‪ ...‬وهكذا‪ .‬ونظام آخر يرقم املستويات من ‪5-1‬‬ ‫(‪ .)Senk, 1989‬وسأستخدم في هذه املقالة الترقيم من ‪ ،4-0‬وذلك‬ ‫اعتماد ًا على الترقيم الذي وضعه فان هيل‪.‬‬

‫التعرف على الشكل (‪ )recognition‬أو البصري‬ ‫املستوى (‪:)0‬‬ ‫ّ‬ ‫(‪ :)visualization‬وفيه يحكم الطالب على الشكل الهندسي من‬ ‫مظهره العام‪ ،‬ومييزه ككل‪ ،‬وال يعرف شيئ ًا عن اخلصائص‪ .‬فمث ً‬ ‫ال‬ ‫الشكل مستطيل ألنه يشبه الباب‪ ،‬الشكل مربع ألنه يشبه الشباك‪ .‬وال‬ ‫يستطيع الطالب في هذا املستوى الربط بني اخلصائص‪ ،‬كما أنه ال يعرف‬ ‫فإن املربع يختلف عن املستطيل‪.‬‬ ‫العالقات بينها‪ ،‬وبالنسبة له ّ‬ ‫املستوى (‪ :)1‬التحليلي (‪ )analysis‬أو الوصفي (‪:)descriptive‬‬ ‫يحلّل الطالب الشكل الهندسي بداللة مكوناته والعالقة بني هذه‬ ‫املكونات‪ .‬كما يعتمد صفات مميزة لكل فئة من األشكال بشكل جتريبي‬ ‫(الطي‪ ،‬القياس‪ ،‬الشبكات)‪ ،‬ويستخدم اخلصائص في حل املسائل‪.‬‬ ‫أن له أربعة أضالع وأربع زوايا قائمة‪ .‬ويقارن‬ ‫فمثالً؛ يفكر في املربع على ّ‬ ‫بني األشكال باالعتماد على اخلصائص وليس ��االعتماد على الشكل‬ ‫العام‪ ،‬فمث ً‬ ‫ال يقارن بني املربع واملثلث باالعتماد على عدد األضالع‪،‬‬ ‫ولكن ال يستطيع الطالب في هذا املستوى الربط بني اخلصائص‪ ،‬فمث ً‬ ‫ال‬ ‫ال يستنتج أن املربع هو متوازي أضالع‪.‬‬ ‫املستوى (‪ :)2‬الترتيبي (‪ )ordering‬أو العالئقي (‪)relationship‬‬ ‫أو االستنتاج غير الشكلي (‪ :)informal deduction‬ير ّتب الطالب‬ ‫األشكال والعالقات بشكل منطقي‪ ،‬كما يستخدم استنتاج ًا بسيط ًاً‪،‬‬ ‫ولكنه ال يفهم البرهان‪ .‬باستطاعة الطالب تصنيف األشكال بشكل‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫أن التعلم هو عملية ليست متصلة (‪،)discontinuos‬‬ ‫ترى نظرية فان هيل ّ‬ ‫إذ توجد قفزات في منحنى التعلم‪ ،‬وهذا يعني وجود مستويات تفكير‬ ‫منفصلة ومختلفة(‪.)Fuys, et al, 1988‬‬

‫ّأما مستويات فان هيل (كما ورد في‪ ،)Usiskin, 1982 :‬فهي‪:‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫لقد طور كل من ديانا وبيير نظريتهما في رسالتي دكتوراه منفصلتني أواخر العام ‪ 1957‬في هولندا‪ ،‬وقد توفيت ديانا بعد أن أنهت رسالتها الدكتوراه‬ ‫التي تناولت موضوع تعليم الهندسة‪ .‬وكان زوجها بيير الذي كان موضوع دراسته «دور احلدس في تعليم الهندسة» هو الشخص القادر على توضيح‬ ‫تلك النظرية وشرحها (‪.)Fuys ,et al ,1988 ;Usiskin ,1982‬‬


‫‪88‬‬

‫هرمي بتحليل خصائصها والقيام مبناقشات غير شكلية‪ .‬مثال ذلك‬ ‫أن له خصائص إضافية‪ ،‬وفي هذا‬ ‫أن املربع هو معينّ ‪ ،‬ألنه معني غير ّ‬ ‫ّ‬ ‫املستوى يدرك الطالب أهمية التعريف ويبني روابط بني األشكال من‬ ‫خالل التعريفات‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫املستوى (‪ :)3‬االستنتاج الشكلي (‪ :)formal deduction‬يفهم‬ ‫الطالب أهمية االستنتاج‪ ،‬ويبني نظريات في نظام مسلمات‪ ،‬ويقوم‬ ‫بالتمييز بني العناصر غير املعرفة والتعريفات واملسلمات‪ ،‬والبرهان‪،‬‬ ‫ويذكر السبب بشكل شكلي وبعبارات منطقية باالعتماد على املسلمات‬ ‫والنظريات‪ ،‬ويعطي الطالب إثبات ًا شكلياً‪ ،‬ولكن دون املقارنة بني‬ ‫األنظمة املسلمية‪ ،‬فمث ً‬ ‫ال يكون باستطاعته برهنة تكافؤ مجموعتني من‬ ‫اخلصائص التي حتدد تعريف متوازي األضالع‪.‬‬ ‫املستوى (‪:)4‬التجريد(‪ )rigor‬أوفوقالرياضي(‪)amathematical‬‬ ‫أو املسلماتي (‪ :)axiomatic‬يفهم الطالب ضرورة التجريد الصارم‪،‬‬ ‫وباستطاعته أن يجري استنتاج ًا مجرد ًا بحيث ميكن فهم الهندسة‬ ‫الالإقليدية‪ .‬وفي هذا املستوى‪ ،‬يذكر الطالب السبب حول نظام‬ ‫رياضي بشكل شكلي أكثر من اخلصائص التي يعرفها من قبل‪ ،‬ويكون‬ ‫باستطاعته حتليل االستنتاجات من املسلمات والتعريفات‪ ،‬كما يكون‬ ‫بإمكانه التعلم عن طريق استحداث مسلمات جديدة باالعتماد على‬ ‫النظام الهندسي‪.‬‬

‫(‪:)Usiskin, 1982; Hiele, 1999‬‬ ‫< املعلومات‪ :‬يجب أن يبدأ التدريس مبواد تقدم للطفل وتقوده الكتشاف‬ ‫بنى معينة‪.‬‬ ‫< التوجيه املباشر (‪ :)directed orientation‬وهي أن تقدم املهام‬ ‫للطلبة بطريقة جتعل البنى املتعلمة مألوفة لديهم‪.‬‬ ‫< الوضوح (‪ :)explicitation‬يقدم املعلم املصطلحات الهندسية‬ ‫ويشجع الطلبة على استخدامها في كتاباتهم ومناقشاتهم في حصص‬ ‫الهندسة‪.‬‬ ‫< التوجيه احلر (‪ :)Free orientation‬يقدم املعلم مهمات ميكن‬ ‫إمتامها بطرق مختلفة‪ ،‬ويكتسب الطلبة خبرات في حل متطلبات‬ ‫مبفردهم باالعتماد على ما درسوه سابقاً‪.‬‬ ‫< التكامل (‪ :)Integration‬يعطى الطلبة فرص ًا لتجميع ما درسوه‬ ‫سابقاً‪ ،‬كأن يصمموا أنشطتهم بأنفسهم‪.‬‬ ‫يقتصر دور املعلم في املرحلة األخيرة على التخطيط للمهام‪ ،‬وتوجيه‬ ‫انتباه الطلبة للخصائص الهندسية لألشكال‪ ،‬واستخدام مصطلحات‬ ‫هندسية‪ ،‬وتشجيع الطلبة على استخدامها‪ ،‬وتشجيع حل املشكالت‬

‫‪ .2‬خصائص املستويات (‪)Usiskin, 1982‬‬ ‫اخلاصية األولى‪ :‬التتابع الثابت (‪ )fixed sequence‬أو الهرمية‬ ‫(‪ :)hierarchical‬وهي ضرورة أن مير الطالب في املستوى السابق‬ ‫قبل أن يصل إلى املستوى التالي‪.‬‬ ‫اخلاصية الثانية‪ :‬التجاور (‪ :)adjacency‬كل ما يكون ضمني ًا‬ ‫(‪ )intrinsic‬في مستوى التفكير السابق يصبح صريح ًا (‪)ً extrinsic‬‬ ‫في مستوى التفكير التالي‪.‬‬ ‫اخلاصية الثالثة‪ :‬التمييز (‪ :)distinct‬لكل مستوى تفكير رموزه اخلاصة‬ ‫ولغته وعالقاته التي تربط بني تلك الرموز‪.‬‬ ‫اخلاصية الرابعة‪ :‬الفصل (‪ :)separation‬وتعني أنه لن يتمكن‬ ‫شخصان في مستويي تفكير مختلفني من فهم بعضهما البعض‪ .‬فإذا كان‬ ‫الطالب في مستوى التفكير الثاني واملعلم يشرح في املستوى الثالث‪،‬‬ ‫فلن يتمكن الطالب من فهم ما يقوله معلمه (‪.)Fuys, et al, 1988‬‬ ‫ذكر الزوجان فان هيل خاصية خامسة‪ ،‬وهي االكتساب‬ ‫(‪ :)attainment‬وتعني أنه ميكن لعملية التعلم نقل الطالب من‬ ‫مستوى تفكير إلى آخر‪.‬‬

‫‪ .3‬االنتقال بني املستويات‬ ‫اعتقد فان هيل أ ّنه ميكن تسريع التطوير الذهني املعرفي في الهندسة من‬ ‫خالل التعليم (‪ ،)Usiskin, 1982‬وليس من خالل النضج أو العمر‬ ‫(‪ .)Senk, 1989; Fuys, et al. ;1988‬وطبق ًا لفان هيل‪ ،‬فإن‬ ‫االنتقال من مستوى تفكير إلى آخر يتم من خالل خمس مراحل‪ ،‬وهي‬

‫من فعاليات مسرح احلرية في جنني‪.‬‬


‫التي حتتاج إلى تفكير حتليلي حول األشكال الهندسية‪ ،‬مع أهمية‬ ‫استخدام مواد ملموسة مثل أحاجي الفسيفساء (‪)Mosaic Puzzle‬‬ ‫التي تساعد على بناء خلفية بصرية وتفكير حتليلي عند األطفال‪ .‬رأى‬ ‫فان هيل ضرورة أن يتذكر املعلم دائم ًا أن “الهندسة تبدأ باللعب” (‪316‬‬ ‫‪.)Hiele, 1999:‬‬

‫تقييم وخالصة‬

‫كما أن نظرية التفكير الهندسي تلفت انتباه معلمي الرياضيات إلى ما‬ ‫يعرف باحلاجز اللغوي بني املعلم والطالب الذي ‪-‬كما ذكر فان هيل‪ -‬أنه‬ ‫ينتج عندما يستخدم املعلم لغة أعلى من مستوى تفكير الطلبة (‪Fuys,‬‬ ‫‪ ،)et al., 1988; NCTM, 1988; Usiskin, 1982‬وقد يفسر‬ ‫ذلك صعوبات الطلبة في تعلم الهندسة‪ ،‬فكما أشارت الدراسات إلى‬ ‫أن ضعف الطلبة العام في البرهان ناجم عن ضعف قدرات املعلمني‬ ‫في الهندسة (‪ )Back- Nanwald, 1997‬في (شويخ‪.)2005 ،‬‬ ‫لذا‪ ،‬فإن على معلم الهندسة أن يشعر أنه يستوعب املادة التي يقوم‬

‫وقد أظهرت دراسة بورجر وشوجنسي (‪Burger &Shaughnessy,‬‬ ‫‪ )1986‬أهمية املستويات (‪ )0‬و(‪ )1‬و(‪ )2‬في وصف عملية االستدالل‬ ‫لدى الطلبة‪ ،‬وقد يكون النقص في التمارين واألنشطة التي يدرسها‬ ‫الطالب في مستويات التفكير الهندسي والتي تؤهل لالنتقال من مستوى‬ ‫إلى آخر أحد أسباب التأرجح بني املستويات‪ ،‬فقد يكتسب الطالب‬ ‫بد‬ ‫مستوى معيناً‪ ،‬ولكنه يفقده بعد فترة ليعود للمستوى األدنى‪ .‬لذا‪ ،‬ال ّ‬ ‫من تطوير نشاطات كافية تساعد الطلبة على االنتقال خالل املستويات‪،‬‬ ‫كما يجب مساعدة طلبة املرحلة األساسية على اكتشاف خصائص‬ ‫األشكال الهندسية بشكل غير شكلي‪ ،‬وتطوير قدراتهم البصرية‪.‬‬ ‫وأخير ًا أرى ضرورة تعريف املعلمني مبستويات فان هيل للتفكير‬ ‫الهندسي‪ ،‬وباملراحل الضرورية حلدوث االنتقال من مستوى تفكير إلى‬ ‫آخر‪ ،‬ما يساعد املعلمني على ترتيب أفكارهم وتقييم مستوى فان هيل‬ ‫أي موضوع‬ ‫الذي وصل إليه طلبتهم سابقاً‪ ،‬والبناء عليه قبل البدء بشرح ّ‬ ‫هندسي جديد‪.‬‬

‫‪89‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫تعتبر نظرية فان هيل في التفكير الهندسي من النظريات املهمة التي تلقى‬ ‫ألن فهمها ومعرفتها يساعد في‬ ‫اهتمام التربويني في العالم؛ وذلك ّ‬ ‫تدريس الهندسة للطلبة في املراحل املختلفة‪ .‬وللنظرية تبعات تربوية‬ ‫كثيرة‪ ،‬فهي تبينّ للمعلمني ضرورة مرور طلبتهم خالل مستويات تفكير‬ ‫دنيا‪ ،‬وصو ً‬ ‫أن ذلك قد يستغرق‬ ‫ال إلى مستويات التفكير العليا‪ ،‬غير ّ‬ ‫بعض الوقت‪ ،‬كما أن على معلمي الرياضيات معرفة أن التعليم أساسي‬ ‫للتقدم خالل املستويات‪ ،‬وأنه بإمكان الطلبة الفهم والتوسع في نظام‬ ‫مسلمات (‪ )axiomatic system‬فقط عندما يصلون إلى مستويات‬ ‫التفكير العليا في الهرمية‪ ،‬وقد يفسر ذلك ما أظهرته دراسات عديدة‬ ‫(‪ )Usiskin, 1982; Senk, 1989‬وهو أن كتابة برهان هندسي‬ ‫أمر صعب وغير مرغوب فيه بني الطلبة‪ ،‬ذلك ألن مثل هؤالء الطلبة‬ ‫قد ال يكونون قد وصلوا إلى مستوى االستنتاج الشكلي‪ ،‬فقد ظهر في‬ ‫أن الطلبة الذين كانت خلفيتهم الهندسية‬ ‫دراسة سنك (‪ّ )Senk, 1989‬‬ ‫ضعيفة في املستويني البصري والتحليلي ودخلوا املرحلة الثانوية‪ ،‬كانت‬ ‫فرصتهم في تعلم الهندسة في وقت الحق من السنة قليلة‪ ،‬ولم يكونوا‬ ‫قادرين إال على حفظ البراهني‪.‬‬

‫بتدريسها استيعاب ًا تاماً‪ ،‬وهذا الشعور لن يتأ ّتى ما لم يكن املعلم على‬ ‫دراية تامة مبوضوعاتها‪ ،‬بحيث يكون باستطاعته أن يعرض أي موضوع‬ ‫من موضوعاتها بطرق مختلفة‪ ،‬وأن يوضح ما يوجد بينها من ترابط‬ ‫أن التفكير الهندسي يعتمد بشكل مباشر على‬ ‫وتداخل‪ .‬وكما ظهر ّ‬ ‫اخللفية الرياضية ملعلم الرياضيات التي يكون قد تلقاها وهو طالب في‬ ‫املدرسة‪ ،‬فإذا كانت هذه اخللفية ضعيفة‪ ،‬فإن ذلك سيؤدي بالضرورة‬ ‫أن ملعتقدات املعلمني‬ ‫إلى ضعف في تدريسه الهندسة لطالبه‪ ،‬كما ّ‬ ‫وتوجهاتهم أثر ًا كبيراً‪ ،‬حيث يرى الكثير منهم أن الهندسة هي من‬ ‫املواضيع األقل أهمية (‪ )Backe-Nanwald, 1997‬في (شويخ‪،‬‬ ‫‪ .)2005‬فعلى الصعيد الفلسطيني‪ ،‬وجد أن نظرة املعلمني للهندسة‬ ‫ليست باألمر املشجع (شويخ‪ ،)2005 ،‬وقد يشكل ذلك أحد أسباب‬ ‫الصعوبات أمام الطلبة واملعلمني في تعلمها وتعليمها‪ ،‬لذا يقع على‬ ‫عائق املعلمني تطوير فهمهم للموضوعات الهندسية ليستطيعوا إيصال‬ ‫املفاهيم الهندسية لطلبتهم بشكل صحيح ألن «فاقد الشيء ال يعطيه»!‬

‫رفاء الرمحي‬ ‫محاضرة في جامعة بيرزيت‬

‫املراجع‬ ‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫< شويخ‪ ،‬جهاد (‪ .)2005‬أمناط التفكير الهندسي لدى الطلبة الفلسطينيني ‪ -‬رسالة ماجستير غير منشورة‪ ،‬جامعة بيرزيت‪ ،‬بيرزيت‪ ،‬فلسطني‪.‬‬ ‫‪< Burger, W. F. & Shaughnessy, J.M. (1986). Characterizing the Van Hiele levels of development in geometry. Journal‬‬ ‫‪for Research in Mathematics Education, 17(1), 31-48.‬‬ ‫‪< Fuys, D., Geddes, D., & Tischler, R. (1988). The Van Hiele model of thinking in geometry among adolescents.‬‬ ‫‪Journal for Research in Mathematics Education Monograph Series, No. 3, Reston, VA: National Council of Teachers‬‬ ‫‪of Mathematics.‬‬ ‫‪< NCTM.(1988). The Van Hiele model of thinking in geometry among adolescents. Journal for Research in Mathematics‬‬ ‫‪Education, Monograph No, 3.‬‬ ‫‪< Senk, S.L. (1989). Van Hiele levels and achievement in writing geometry proofs. Journal for Research in Mathematics‬‬ ‫‪Education, 20 (3), 309-321.‬‬


< Usiskin, Z . (1982). Van Hiele Levels and achievement in Secondary School geometry (Final report of the Cognitive Development and Achievement in Secondary School Geometry Project). Chicago: University of Chicago, Department of Education. (ERIC Document Reproduction Service No. ED 220 288). < Van Hiele , P. (1999). Developing geometric thinking through activities that begin with play. Teaching Children Mathematics, 5(6), 310-316. < Wirzup, I. (1976). Breakthroughs in the psychology of learning and teaching geometry, in: J. Martin (Ed). Space and geometry: papers from a research workshop ( pp. 75-97). Columbus, Ohio: ERICK/SMEAC.

90

‫ملف الثقافة العلمية‬ ‫ العدد التاسع والعشرون‬- ‫رؤى تربوية‬

.‫من فعاليات مدرسة غزة للموسيقى‬


‫علُو ِم وت َ ِ‬ ‫وظ ُ‬ ‫تَ‬ ‫يف دَورَةِ التَّعلُّم‬ ‫عليم ال ُ‬ ‫ُ‬

‫‪91‬‬

‫هايل الكرد‬

‫مقدمة‬

‫ولتحقيق ذلك‪ ،‬مت عقد لقاءات تربوية عدة لتدارس املوضوع واإلطار النظري له مع مجموعة من معلمي العلوم‪ ،‬الذين تبنوا هذا التوجه من خالل‬ ‫توظيف دورة تعلم العلوم منوذج الـ (‪ )E’S5‬البنائي الذي يقوم على النظرية البنائية في التدريس‪ ،‬كما مت عقد ورش عمل إلعداد مناذج لدروس‬ ‫تطبيقية في ضوء خطوات دورة التعلم منوذج الـ (‪ ،)E’S5‬وتطبيقها داخل الصف‪ ،‬وذلك ملساعدة الطالب على التمكن من بناء معرفتهم بأنفسهم‬ ‫باستخدام ما لديهم من معلومات مسبقة لتعلم املفاهيم اجلديدة‪ ،‬عن طريق املالحظة الدقيقة والتجريب‪ ،‬والقيام بعملية االستقصاء بأنفسهم‪،‬‬ ‫لتؤدى إلى عملية التعلم واكتشاف تطبيقات جديدة للمفاهيم املراد تعلمها (صادق‪.)2003 ،‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫يشهد تدريس العلوم في عصر العلم والتقنية عاملي ًا ومحلي ًا اهتمام ًا كبير ًا وتطوير ًا مستمر ًا ملواكبة خصائص هذا العصر ومتطلباته‪ ،‬وهذا يتطلب أن‬ ‫يكون للمدرسة دور مهم في مواكبة هذا التطوير‪ .‬ولكن عند النظر إلى الواقع احلالي جند أنه ال تزال الفلسفة العامة للمدرسة‪ ،‬ودورها في املجتمع‪،‬‬ ‫وأهداف التربية والتعليم‪ ،‬ورسالة املعلم‪ ،‬تركز على عملية نقل املعلومات وتوصيلها‪ ،‬وعلى اكتساب املعرفة عن طريق السرد والتذكر بدل التركيز‬ ‫على توليدها واستعمالها‪ .‬وفي معظم الصفوف يتأثر املعلمون بالكالم معظم الوقت‪ ،‬دون االهتمام باألسئلة والنشاطات التي تتطلب إمعان النظر‬ ‫والتفكير أو االهتمام بإعطاء دور إيجابي للطالب الذي يصرح املعلمون بأنه محور العملية التعليمية وغايتها (جراوان‪ .)1999 ،‬ومن هنا ال بد أن‬ ‫يركز تدريس العلوم على تقدمي املعرفة على أساس التفكير والبحث والتجريب‪ ،‬واستخدام املهارات العلمية املختلفة‪ ،‬حتى يكون للتعليم معنى لدى‬ ‫الطالب‪ ،‬حيث أن وظيفة املعلومات في حياة الطالب‪ ،‬هي نقطة االنطالق التي يجب أن يبدأ منها تدريس العلوم (عميرة‪ ،‬الديب‪.)1997 ،‬‬

‫ويعرف منوذج الـ(‪ )E’S5‬بأنه منوذج تدريسي يتكون من خمس مراحل (خطوات) تدريسية‪ ،‬يستخدمها املعلم مع طالبه داخل أو خارج غرفة الصف‬ ‫أو املختبر‪ ،‬ويهدف إلى أن يبنى الطالب معرفته العلمية بنفسه‪ ،‬كما يهدف إلى تنمية العديد من املفاهيم واملهارات العلمية‪ .‬ويعتمد هذا النموذج‬ ‫على االنشغال (‪ )Engage‬إلثارة الطالب وجذب انتباههم‪ ،‬واالستكشاف (‪ ،)Explore‬والتفسير (‪ ،) Explain‬والتوسيع (‪،)Extend‬‬ ‫والتقومي (‪ )Evaluation‬في جميع مراحلها‪.‬‬

‫دورة التعلم (‪)Learning Cycle‬‬

‫< تعريف (‪ :)1988( )Good etal‬وقد عرفها بأنها طريقة في تخطيط‬ ‫الدروس وفي التعلم والتعليم‪ ،‬تقوم على العملية االستقصائية من‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ظهرت دورة التعلم أثناء عقد الستينيات بالواليات املتحدة األمريكية‪،‬‬ ‫وبالتحديد العام ‪ ،1967‬وجاءت صياغتها بصورتها األولى على يد كل‬ ‫من كاربلس (‪ ،)Karplus‬وآتكن (‪ ،)Atkin‬ثم أدخل عليها كل من‬ ‫كاربلس وآخرين بعض التعديالت‪ ،‬وذلك في الفترة بني سنة ‪1970‬‬ ‫وحتى سنة ‪ ،1974‬حيث أدخلت كجزء من مشروع تطوير منهج العلوم‬ ‫(‪(SCIS) )Science Curriculum Improvement Study‬‬ ‫(‪ .)Hanuscin, 2007‬وهناك تعريفات مختلفة لدورة التعلم‪ ،‬ومن‬ ‫جملة هذه التعريفات‪:‬‬

‫أجل تنظيم اكتساب املعارف‪ ،‬وأن الفهم الصحيح ميكن بناؤه عن‬ ‫طريق دورة التعلم‪.‬‬ ‫< بينما عرفها عبد السالم (‪ :)2001‬بأنها طريقة أو منوذج تدريسي‬ ‫ميكن استخدامه في تصميم مواد ومحتوى املنهج وإستراتيجيات‬ ‫تعليم العلوم‪ ،‬ويؤكد على التفاعل بني املعلم والطالب‪ ،‬ويعتمد‬ ‫على األنشطة الكشفية لتنمية أمناط االستدالل احلسي والشكلي لدى‬ ‫الطالب‪.‬‬ ‫< أما (‪ ،)2008( )Marek, et al‬فيذكر أن دورة التعلم ليست‬ ‫طريقة تدريس‪ ،‬ولكنها خطوات (إجراءات) تدريس‪ ،‬تسمح‬ ‫باستخدام طرائق تدريس عديدة مثل‪ ،‬العمل املخبري‪ ،‬والعروض‪،‬‬ ‫واملجموعات‪ ،‬والرحالت امليدانية (احلقلية)‪ ،‬والتكنولوجيا احلديثة‪،‬‬ ‫وكل هذه الطرائق لتدريس العلوم ميكن استخدامها خالل دورة‬ ‫التعلم‪.‬‬


‫‪92‬‬

‫وقد استثمرت طريقة التدريس بدورة التعلم في تدريس العلوم مبختلف‬ ‫فروعها‪ ،‬إذ قام العديد من الباحثني في مجال التربية العلمية بتطويعها‬ ‫واختبار فعاليتها كأسلوب تدريس عام في العلوم؛ ونتيجة لهذه البحوث‬ ‫والدراسات الكثيرة اكتسبت هذه الطريقة شهرة كبيرة جد ًا في تدريس‬ ‫العلوم (جاسم‪ .)2001 ،‬ومن خالل توظيفنا لدورة التعلم أصبح‬ ‫الطلبة يجدون أن التعلم ممتع ومثير لهم‪ ،‬وظهر ميل شديد لديهم في‬ ‫تقدمي أسئلة أكثر‪ ،‬ما ساعدهم في التفكير واالستدالل بشكل أكبر‪،‬‬ ‫وأصبحوا يحبون مادة العلوم بعد تطبيق دورة التعلم‪.‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫مراحل دورة التعلم‬ ‫في البداية تكونت دورة تعلم العلوم كطريقة تدريس من ثالث مراحل‪،‬‬ ‫هي‪ :‬االستكشاف‪ ،‬والتوصل إلى املفهوم‪ ،‬والتطبيق‪ .‬ومع تطور‬ ‫أهداف تدريس العلوم في الوقت احلاضر‪ ،‬فإن دورة تعلم العلوم‬ ‫أصبحت تتكون من أربع مراحل‪ ،‬هي‪ :‬االستكشاف‪ ،‬والتفسير‪،‬‬ ‫والتوسيع‪ ،‬والتقومي‪ .‬وتطورت في السنوات األخيرة وأصبحت‬ ‫تتكون من خمس مراحل هي‪ :‬االنشغال‪ ،‬واالستكشاف‪ ،‬والتفسير‪،‬‬ ‫والتوسيع‪ ،‬والتقومي‪ .‬ثم قدم خبراء متحف ميامي بالواليات املتحدة‬ ‫األمريكية (‪ )Miami Museum of Science, 2001‬دورة‬ ‫التعلم املكونة من سبع مراحل‪ ،‬ولكنني سوف أستعرض هنا دورة‬ ‫التعلم املكونة من خمس مراحل التي قمنا بتوظيفها في تدريس منهاج‬ ‫العلوم الفلسطيني كما هي موضحة في الشكل التالي (‪Lorsbach,‬‬ ‫‪.)2008‬‬

‫االستكشاف‬

‫التوسيع‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫التفسير‬

‫‪ .1‬مرحلة االنشغال (‪:)Engage‬‬

‫‪ .2‬مرحلة استكشاف املفهوم (‪:)Explore‬‬

‫في هذه املرحلة يكون التعلم متمركز ًا حول املتعلم‪ ،‬ويكون املتعلم نشيط ًا‬ ‫وتتطلب من الطالب أن يستكشف املفهوم املراد تعلمه من خالل قيامه‬ ‫بسلسلة من األنشطة‪ ،‬وفيها يعطى الطالب مواد وتوجيهات يتبعونها‬ ‫جلمع بيانات بواسطة خبرات حسية حركية مباشرة‪ ،‬إلدراك معنى املفهوم‬ ‫الذي يدرسونه‪ ،‬ويكون طور االستكشاف متمركز ًا حول املتعلم‪ ،‬كما‬ ‫يكون املعلم في هذا الطور مسؤو ً‬ ‫ال عن إعطاء الطلبة توجيهات كافية‬ ‫ومواد مناسبة تتعلق باملفهوم املراد استكشافه‪ ،‬ولكن على أن ال تتضمن‬ ‫توجيهات املعلم ما ينبغي أن يتعلمه الطلبة‪ ،‬ويجب أن ال تفسر هذه‬ ‫اإلرشادات املفهوم املراد تعلمه أيض ًا (‪.)Martin etal, 1998‬‬

‫ولكي نساعد الطلبة في بناء املفاهيم‪ ،‬ينبغي توفر مواد محسوسة‬ ‫وخبرات مباشرة‪ ،‬واألسئلة التوجيهية التالية تساعد املعلم على البدء‬ ‫بعملية التخطيط‪:‬‬ ‫< ما املفهوم احملدد الذي سيكتشفه الطلبة؟‬ ‫< ما النشاطات التي يجب أن ينفذها الطلبة ليألفوا املفهوم؟‬ ‫< ما أنواع املالحظات والتسجيالت التي سيحتفظ بها الطلبة؟‬ ‫< ما أنواع اإلرشادات التي يحتاجها الطلبة؟ وكيف سأعطيها لهم دون‬ ‫إخبارهم باملفهوم؟‬

‫‪ .3‬مرحلة التفسير (‪:)Explain‬‬

‫االنشغال‬ ‫التقـويـ ـ ـ ــم‬

‫< ملاذا حدث هذا؟‬ ‫< كيف ميكن أن أجد؟‬ ‫< ماذا أعرف بالفعل عن هذا؟‬ ‫< ماذا أستطيع أن أكتشف حول هذا املفهوم أو املوضوع؟‬

‫الهدف في هذه املرحلة حتفيز الطالب وإثارة فضولهم واهتمامهم‬ ‫وانخراط الطالب مبوضوع الدراسة (املفهوم)‪ ،‬ويكون دور املعلم خلق‬ ‫اإلثارة وتوليد الفضول وتشجيع التنبؤ وطرح أسئلة مثيرة للتفكير‪ ،‬ليثير‬ ‫لديهم تساؤالت واستجابات تكشف عما لديهم من معلومات وخبرات‬ ‫سابقة‪ ،‬وكيف يفكرون جتاه املوضوع أو املفهوم‪( ،‬صادق‪.)2003 ،‬‬ ‫وتستخدم لتركيز اهتمام املتعلمني على املهمات الالحقة‪ ،‬وفيها أيض ًا‬ ‫يجب أن يطرح الطلبة أسئلة (‪ ،)Lorsbach, 2008‬مثل‪:‬‬

‫تهدف إلى جعل املعلم يوجه تفكير الطلبة بحيث يبني الطلبة املفهوم‬ ‫بطريقة تعاونية‪ ،‬ولتحقيق ذلك يقوم املعلم بتهيئة بيئة الصف املطلوبة‪،‬‬ ‫وعندها يطلب املعلم من الطلبة تزويده باملعلومات التي جمعوها‪،‬‬ ‫ويساعدهم على معاجلتها وتنظيمها عقلياً‪ ،‬ويقوم بعد ذلك بتقدمي اللغة‬ ‫املناسبة والالزمة للمفهوم (للوصول للمفهوم)‪ .‬فالطلبة هنا يركزون‬ ‫على نتائجهم األولية التي حصلوا عليها من عملية االستكشاف التي‬ ‫قاموا بتنفيذها (الهويدي‪.)2005 ،‬‬

‫واألسئلة التالية تساعد املعلم على توجيه الطلبة لبناء استكشاف ذاتي‬ ‫للمفهوم‪:‬‬ ‫< ما أنواع املعلومات أو النتائج التي يجب أن يتحدث عنها الطلبة؟‬ ‫< كيف أساعد الطلبة على تلخيص نتائجهم؟‬ ‫< كيف سأوجه الطلبة وفي الوقت نفسه أحجم عن إخبارهم ماذا‬ ‫وجدوا‪ ،‬على الرغم من أن فهمهم للمفهوم لم يكتمل بعد؟‬ ‫< كيف سأساعدهم على استعمال املعلومات التي يحصلون عليها لبناء‬ ‫املفهوم بطريقة سليمة؟‬ ‫< ما األوصاف التي يجب أن يسندها الطلبة للمفهوم؟‬ ‫< ما املبررات التي سأعطيها للطلبة إذا سألوا عن سبب أهمية هذا‬ ‫املفهوم؟‬


‫‪ .4‬مرحلة التوسيع «تطبيق املفهوم» (‪:)Extend‬‬

‫يكون التوسيع متمركز ًا حول املتعلم‪ ،‬ويهدف إلى مساعدة املتعلم على‬ ‫التنظيم العقلي للخبرات التي حصل عليها عن طريق ربطها بخبرات‬ ‫سابقة مشابهة‪ ،‬حيث تكتشف تطبيقات جديدة ملا جرى تعلمه‪ ،‬ويجب‬ ‫أن ترتبط املفاهيم التي جرى بناؤها بأفكار وخبرات أخرى‪ ،‬وذلك من‬ ‫أجل جعل الطلبة يفكرون فيما وراء تفكيرهم الراهن‪ ،‬ويجب أن يطلب‬ ‫من الطلبة استعمال لغة املفهوم إلضافة بعد آخر له‪ ،‬وهذا هو املكان‬ ‫املناسب ملساعدة الطلبة على تطبيق ما تعلموه‪ ،‬وذلك بإثراء األمثلة أو‬ ‫بتزويدهم بخبرات إضافية إلثارة مهارات استقصاء أخرى لديهم‪ ،‬أو من‬ ‫خالل البحث في الترابط بني منحى العلم والتقانة واملجتمع وفهم تاريخ‬ ‫العلوم وطبيعته‪ .‬وعلى املعلم أن يعطى وقت ًا كافي ًا لكي يطبق الطالب ما‬ ‫تعلموه في مواقف جديدة‪ ،‬وربط املفهوم مع املفاهيم أو املوضوعات‬ ‫األخرى (خطايبة‪.)2005 ،‬‬

‫< ما هي األمثلة التي تبني كيف تشجع املفاهيم الطلبة على رؤية فوائد‬ ‫العلوم بالنسبة لهم؟‬ ‫< ما األمثلة التي تساعدهم على فهم العالقة بني العلوم والتقانة‬ ‫واملجتمع؟‬ ‫< ما األمثلة التي تساعدهم على تطوير مهارات االستقصاء في العلوم‬ ‫وفي امتالك معلومات عن تاريخ العلوم وطبيعتها؟‬ ‫< ما األسئلة التي بإمكاني طرحها لتشجيع ال��لبة على اكتشاف أهمية‬ ‫املفهوم وتطبيقه‪ ،‬وحتديد فرص العمل الناشئة عنه؟ وكيف استعمل‬ ‫هذا املفهوم عبر التاريخ؟‬ ‫< ما اخلبرات اجلديدة التي يحتاجها الطلبة لتطبيق أو توسيع (إغناء)‬ ‫املفهوم؟‬ ‫< ما املفهوم التالي ذو العالقة باملفهوم احلالي؟ وكيف استطيع تشجيع‬ ‫اكتشاف املفهوم التالي؟‬

‫واألسئلة التالية تساعد املعلم على توجيه الطلبة على تنظيم أفكارهم‪:‬‬

‫‪ .5‬مرحلة التقومي (‪:)Evaluation‬‬

‫< ما اخلبرات السابقة التي امتلكها الطلبة ذات العالقة باملفهوم احلالي؟‬ ‫وكيف أستطيع ربط هذا املفهوم باخلبرات السابقة؟‬

‫‪93‬‬

‫الهدف من هذه املرحلة تقييم تعلم فهم الطالب‪ ،‬لذلك يجب أن يكون‬ ‫التقومي مستمراً‪ ،‬ويجب أن تتخذ إجراءات متعددة إلجراء تقومي مستمر‬ ‫ومتكامل لتعلم الطلبة ولتشجيع البناء املعرفي للمفاهيم واملهارات‬

‫ملف الثقافة العلمية‬ ‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫من حفل افتتاح املقر اجلديد ملدرسة غزة للموسيقى‪.‬‬


‫‪94‬‬

‫العملية‪ ،‬ومن املمكن أن يجرى التقومي في كل طور من أطوار دورة‬ ‫تعلم العلوم وليس في نهايتها فقط (الهويدى‪ .)2005 ،‬ويكون دور‬ ‫املعلم مالحظة الطالب في تطبيق املفاهيم واملهارات اجلديدة‪ ،‬وتقييم‬ ‫معرفة ومهارات الطالب والسماح للطالب لتقييم معرفتهم ومهاراتهم‬ ‫العملية واجلماعية (صادق‪.)2003 ،‬‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ومن األسئلة املساعدة في هذا اخلصوص ما يلي‪:‬‬ ‫< ما نتاجات التعلم املناسبة التي أتوقعها؟‬ ‫< ما أنواع التقومي املناسبة لتقومي اخلبرات اليدوية الالزمة للتأكد من‬ ‫مدى إتقان الطلبة للمهارات األساسية مثل املالحظة‪ ،‬والتصنيف‪،‬‬ ‫والقياس‪ ،‬والتنبؤ‪ ،‬واالستدالل‪.‬‬ ‫< ما أنوع التقنيات املناسبة للطلبة لعرض وتوضيح مهارات عمليات‬ ‫العلوم املتكاملة؟‬ ‫< كيف أستطيع استعمال الصور ملساعدة الطلبة على كشف قدراتهم‬ ‫على التفكير في املسائل التي تتطلب استيعاب املفاهيم األساسية وعلى‬ ‫تكامل خبراتهم؟‬ ‫< ما أنواع األسئلة التي أستطيع طرحها ملساعدة الطلبة على كشف‬ ‫قدراتهم على استعادة ما تعلموه؟‬ ‫مثال‪:‬‬ ‫سيتناول املثال التالي* منوذج ًا مقترح ًا لدرس تطبيقي في ضوء خطوات‬ ‫دورة التعلم لنموذج (‪:)5E’S‬‬ ‫ ‬ ‫الصف‪:‬‬ ‫الوحدة الرابعة‪ :‬‬ ‫ ‬ ‫املوضوع‪:‬‬

‫السادس‬ ‫احلركة والقوة‬ ‫أشكال احلركة‬

‫أهداف الدرس‪:‬‬ ‫بعد نهاية الدرس أتوقع أن يكون الطالب قادر ًا على أن‪:‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫< يستكشف أشكال احلركة‪.‬‬ ‫< يصف كل شكل من أشكال احلركة‪.‬‬ ‫< يعطي أمثلة على أشكال احلركة املختلفة‪.‬‬ ‫< يبني كل شكل من أشكال احلركة‪.‬‬ ‫املواد الالزمة‪:‬‬ ‫ألعاب (سيارات أطفال) ‪ -‬مجسمات للكرة األرضية ‪( -‬كرة‪ ،‬خيط‪،‬‬ ‫حامل خشبي)‪.‬‬

‫خطة سير الدرس‬ ‫املرحلة األولى‪ :‬االنشغال‬

‫< يطلب املعلم من أحد الطالب االنتقال من مكان إلى آخر‪ ،‬ثم يسأل‬ ‫عرف احلركة؟‬ ‫الطالب‪ :‬ماذا فعل هذا الطالب؟ ّ‬ ‫< يناقش صور الكتاب املدرسي صفحة (‪ ،)106‬ويسألهم ماذا تشاهدون‬ ‫في الصفحة من صور؟ هل جميع هذه األشياء تتحرك؟ وهل لها شكل‬

‫احلركة نفسه؟‬ ‫< ثم يكتب عنوان الدرس (أشكال احلركة على السبورة)‪.‬‬

‫املرحلة الثانية‪ :‬االستكشاف‬

‫< يقسم املعلم الطالب إلى مجموعات‪ ،‬ويتم توزيع ورقة العمل‪.‬‬ ‫< يقوم بتوزيع سيارات األطفال‪ ،‬ويطلب من الطالب حتريك السيارة‬ ‫مرات عدة‪ ،‬ويطلب تسجيل شكل احلركة مع وصف لها في ورقة‬ ‫العمل‪.‬‬ ‫< يقوم بتوزيع مجسمات الكرة األرضية‪ ،‬ويطلب حتريك املجسم‬ ‫وإعطاء شكل ووصف للحركة وكتابتها في ورقة العمل‪.‬‬ ‫< يطلب من الطالب أن يربطوا الكرة باخليط وتعليقه باحلامل‪ ،‬ثم دفع‬ ‫الكرة دفعة خفيفة من اجلانب ويسجل مالحظاته في ورقة العمل‪.‬‬ ‫< يتيح املعلم الفرصة لطالبه كي يتناقشوا حول املالحظات التي قاموا‬ ‫بتسجيلها‪.‬‬

‫املرحلة الثالثة‪ :‬التفسير‬

‫< يناقش املعلم الطالب في النتائج التي توصلوا إليها‪ ،‬ويسألهم عن نوع‬ ‫حركة السيارة عند انتقالها من مكان إلى آخر‪.‬‬ ‫< ما االختالف بني حركة مجسم الكرة األرضية وحركة بندول الساعة؟‬ ‫< يسجل على السبورة أنواع احلركة بعد سماعها من الطالب‪.‬‬ ‫< يطلب من الطالب صياغة املفاهيم (احلركة االنتقالية‪ ،‬الدورانية‪،‬‬ ‫االهتزازية) بلغتهم‪ ،‬ثم يسجل املعلم املفاهيم على السبورة‪.‬‬ ‫< يعطي الطلبة مثا ً‬ ‫ال لكل شكل من أشكال احلركة ويطلب املعلم منهم‬ ‫تسجيلها في كراسة النشاط‪.‬‬

‫املرحلة الرابعة‪ :‬التوسع‬

‫< يطلب املعلم منهم متثيل شكل احلركات‪.‬‬ ‫< ما سبب تعاقب الليل والنهار؟ كيف حتدث الفصول األربعة؟‬ ‫< عدد بعض أشكال احلركة في مدينة املالهي‪.‬‬ ‫> العلوم من منظور شخصي واجتماعي‬ ‫< ما أشكال احلركة التي تقوم بها عند ممارسة التمارين الرياضية؟‬ ‫< اذكر أسماء أصحاب مهن يعتمد عملها على احلركة؟‬ ‫> العلوم والتقانة‬ ‫< كيف متت االستفادة من موضوع احلركة في صناعة السيارات؟‬ ‫< ما اجلهاز الذي يساعد شخص فاقد قدميه؟‬ ‫> العلوم بوصفها طريقة لالستقصاء‬ ‫< ما أهمية استخدام أشكال احلركة في حياتنا؟‬ ‫> تاريخ العلوم وطبيعتها‬ ‫< اذكر بعض أنواع سباق اجلري؟‬ ‫< هل سمعت بسباق اجلري (املاراثون) ملاذا ُسمي بهذا االسم؟‬

‫املرحلة اخلامسة‪ :‬التقومي‬

‫أكمل املخطط املفاهيمي التالي‪:‬‬


‫أشكال احلركة‬

‫‪95‬‬

‫منها‬ ‫االنتقالية‬

‫الدورانية‬

‫االهتزازية‬

‫مثال‬

‫مثال‬

‫مثال‬

‫انتقال السيارة‬ ‫نشاط بيتي‪:‬‬ ‫‪ .1‬صف شكل احلركة فيما يلي‪ :‬عجل الدراجة – البندول؟‬ ‫‪ .2‬اذكر شكل احلركة املشترك في كل من ( طبلة األذن – وتر العود – بندول الساعة)‬ ‫‪ .3‬اصنع أرجوحة وحدد شكل حركتها؟‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫فيما يلي ورقة العمل املقترحة التي تتضمن نشاطات حتقق أهداف الدرس‬ ‫ورقة عمل حول أشكال احلركة‬ ‫األهداف اخلاصة‪:‬‬ ‫< يستكشف أشكال احلركة‪.‬‬ ‫< يصف كل شكل من أشكال احلركة‪.‬‬ ‫< يعطي أمثلة على أشكال احلركة املختلفة‪.‬‬ ‫املواد واألدوات‪ :‬ألعاب (سيارات أطفال) – مجسمات للكرة األرضية – خيوط – حوامل خشبية – كرات‪.‬‬ ‫إرشادات‪ :‬عزيزي قائد املجموعة‪ ،‬بالتعاون مع أفراد مجموعتك‪ ،‬قم بإجراء األنشطة التالية‪:‬‬ ‫نشاط (‪( :)1‬احلركة االنتقالية)‪ :‬قم عزيزي الطالب بتحريك السيارة من بداية الطاولة إلى نهايتها سجل املالحظة في اجلدول التالي‪:‬‬ ‫احلركة‬

‫نوعها‬

‫نشاط (‪( :)2‬احلركة الدورانية)‪ :‬قم عزيزي الطالب بتحريك مجسم الكرة األرضية سجل املالحظة في اجلدول التالي‪:‬‬ ‫احلركة‬

‫نوعها‬

‫ما املقصود باحلركة الدورانية؟‬ ‫‪......................................................................................‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ما املقصود باحلركة االنتقالية؟‬ ‫‪......................................................................................‬‬


‫نشاط (‪( :)3‬احلركة االهتزازية)‪ :‬قم عزيزي الطالب بتعليق اخليط في الكرة‪ ،‬ثم تعليق اخليط على احلامل‪ ،‬وارفع الكرة ألعلى اخليط ثم اتركها‪،‬‬ ‫سجل املالحظة في اجلدول التالي‪:‬‬

‫‪96‬‬

‫نوعها‬

‫احلركة‬

‫ما املقصود باحلركة االهتزازية؟‬ ‫‪......................................................................................‬‬ ‫االستنتاج‪ :‬أستنتج أن األجسام‪ .............‬في شكل احلركة‪ ،‬فمنها ما يتحرك حركة‪ ،...........‬ومنها ما يتحرك حركة‬ ‫‪ ،............‬ومنها ما يتحرك حركة‪. .............‬‬

‫اخلالصة‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

‫ولتعميم هذه التجربة مت عقد لقاء تربوي في مركز القطان في غزة مت فيه‬ ‫مشاهدة هذا الدرس التطبيقي مع مجموعة من املعلمني اآلخرين‪ ،‬وبعد‬ ‫تأمل الدرس ومناقشته كانت مالحظاتهم كما يلي‪:‬‬ ‫< املعلمة ميسون منفذة الدرس‪« :‬لقد خرجت عن نطاق الروتني اليومي‬ ‫في الشرح‪ ،‬واستخدام دورة تعلم العلوم سهل علي وعلى الطالبات‬ ‫فهم املوضوع ووصول الطالبات للمعرفة بأنفسهن»‪.‬‬ ‫< املعلم حمدان‪« :‬مقدمة الدرس مشوقة وهادفة وفق مرحلة االنشغال‪،‬‬ ‫قامت الطالبات بتنفيذ األنشطة اجلماعية بشكل جيد وفق مرحلة‬ ‫االستكشاف‪ ،‬وفي مرحلة التفسير ناقشت املعلمة الطالبات في النتائج‬ ‫بصورة جيدة‪ ،‬وكنت أمتنى لو قامت املعلمة مبطابقة عمل املجموعات‬ ‫مع بعضه»‪.‬‬ ‫< املعلم محمود‪« :‬الدرس جذاب‪ ،‬ولقد بذلت املعلمة جهد ًا كبيراً‪،‬‬ ‫وأشركت الطالبات في إحضار األدوات الالزمة للدرس‪ ،‬ولقد طبقت‬ ‫املعلمة مراحل دورة التعلم فكانت مرحلة االنشغال مناسبة للدرس‪،‬‬ ‫وجذبت الطلبات‪ ،‬وقد جمعت في نهاية الدرس املفاهيم باستخدام‬

‫خارطة مفاهيمية»‪.‬‬ ‫< الباحث هايل الكرد‪« :‬طبقت املعلمة درسها وفق دورة التعلم مبراحلها‬ ‫املختلفة‪ ،‬وجعلت الطالبات العنصر الفعال في عملية التعليم والتعلم‪،‬‬ ‫وكان دورها مقتصر ًا على التوجيه في مرحلة االستكشاف‪ ،‬وبالفعل‬ ‫جنحت املعلمة في جعل الطالبات يتوصلن بأنفسهن ألشكال احلركة‬ ‫من خالل األنشطة‪ ،‬ووصف احلركة االنتقالية والدورانية واالهتزازية‬ ‫مع إعطاء أمثلة حياتية تطبيقية عليها (أشكال احلركة في مدينة املالهي‬ ‫ القيام بالتمارين الرياضية ‪ -‬قضية الفرد املعاق حركي ًا وآلية مساعدته‬‫في احلياة)»‪.‬‬ ‫بعد أن خضنا في بعض جوانب دورة التعلم؛ سواء من الناحية النظرية‬ ‫أم من الناحية التطبيقية‪ ،‬ولتشجيع الطالب على بناء املعرفة بأنفسهم‬ ‫دون أن يتلقوها من املعلم جاهزة‪ ،‬ولتنمية العديد من املهارات العلمية‬ ‫املختلفة‪ ،‬جند أن هناك حاجة ماسة لتبني املعلمني لهذا املدخل في تعليم‬ ‫العلوم ملسايرة االهتمام الدولي واحمللى بالنظرية البنائية‪ ،‬ومداخل‬ ‫إستراتيجيات تدريسها‪ ،‬ليساعدهم على االرتقاء بأنفسهم كمهنيني‬ ‫وباحثني‪.‬‬ ‫هايل الكرد‬ ‫مركز القطان‪ -‬غزة‬

‫الهامش‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫* ُطبق مع طلبة الصف السادس في مدرسة الهاشمية األساسية للبنات في غزة في ‪ 11‬تشرين الثاني ‪.2008‬‬

‫املراجع‬ ‫املراجع العربية‪:‬‬ ‫< جاسم عبد الله (‪« .)2001‬فاعلية استخدام دائرة التعلم في حتسني حتصيل العلوم لدى تالميذ الصف األول املتوسط بدولة الكويت»‪ .‬مجلة رسالة اخلليج العربي‪،‬‬ ‫‪.80‬‬ ‫< خطايبة‪ ،‬عبد الله (‪ .)2005‬تعليم العلوم للجميع‪ .‬عمان‪ :‬دار املسيرة للنشر‪.‬‬ ‫< صادق‪ ،‬منير (‪« .)2003‬فعالية منوذج ‪ Seven ES‬البنائي في تدريس العلوم في تنمية التحصيل وبعض مهارات عمليات التعلم لدى تالميذ الصف الثاني‬ ‫اإلعدادي بسلطنة ُعمان»‪ .‬مجلة التربية العلمية‪ ،‬املجلد السادس‪ ،3 ،‬ص‪.187-145 :‬‬ ‫< عبد السالم‪ ،‬عبد السالم (‪ .)2001‬االجتاهات احلديثة في تدريس العلوم‪ .‬القاهرة‪ :‬دار الفكر الغربي‪.‬‬


‫ العدد التاسع والعشرون‬- ‫رؤى تربوية‬

‫ملف الثقافة العلمية‬

97

.‫ دار املعارف‬:‫ القاهرة‬.‫ تدريس العلوم والتربية العلمية‬.)1997( ‫ الديب فتحي‬،‫< عميرة إبراهيم‬ .‫ دار الكتاب اجلامعي‬:‫ عمان‬.‫ تعليم التفكير مفاهيم وتطبيقات‬.)1999( ‫ عبد الرحمن جروان‬،‫< فتحي‬ .‫ املركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر‬:‫ دمشق‬،‫ عبد الله خطايبة وآخرون‬:‫ ترجمة‬،‫ تعليم العلوم جلميع األطفال‬.)1998( ‫ أر‬،‫< مارتن‬ .‫ دار الكتاب اجلامعي‬:‫ العني‬،‫ األساليب احلديثة في تدريس العلوم‬.)2005( ‫ زيد‬،‫< الهويدى‬ :‫املراجع اإلجنليزية‬ < Anthony W. Lorsbach , The Learning Cycle as a Tool for Planning Science Instruction, Illinois State University: :2008/10/11 ،‫على شبكة اإلنترنت‬ http://www.coe.ilstu.edu/scienceed/lorsbach/257lrcy.htm < Edmund A. Marek, Brian L. Gerber, Ann M. Cavallo, LITERACY THROUGH THE LEARNING CYCL: :2008/9/18 ،‫على شبكة اإلنترنت‬ http://www.ed.psu.edu/CI/Journals/1998AETS/t3_6_marek.rtf < Good, R. etal. 1988. Using prediction in a science learning cycle: A pilot study proposed Research in science Teaching. ERIC No: 302414. < Hanuscin. D. and Lee. M. 2007. Using a Learning Cycle Approach to Teaching the Learning Cycle to Preservice Elementary Teachers. The 2007 annual meeting of the Association for Science Teacher Education, Clearwater, Fl: :2008/12/15 ،‫على شبكة اإلنترنت‬ http:// web.missouri.edu/hanuscind /astp 20075E.pdf. < Miami Museum of Science: :2009/2/2 ،‫على شبكة اإلنترنت‬ http://www.miamisci.org/ph/lpintro7e.html.

.‫من فعاليات جمعية الكمنجاتي في جنني‬


‫املساندة النفسية واجلماعية‬ ‫للطلبة من آثار الصدمة‬

‫‪98‬‬

‫محمد أبو ملوح‬ ‫«يتكئ أمين صاحب السنوات األربع على جدار بيته يبكي بألم‪ ،‬ويرفض أن يلبي نداء والده بالدخول‪ ،‬فيخرج ويجلس بجواره ميسح دموعه‪،‬‬ ‫ويهمس في أذنه «الطائرات رحلت ولن تعود ‪ ..‬والقصف انتهى ‪ ..‬ولن يهتز البيت مرة أخرى ‪ ..‬احللوى وقطع الشوكوالتة واأللعاب في‬ ‫انتظارك ‪ ..‬هات يدك لندخل سوياً»‪ .‬فيهز كتفيه ويتمتم‪« :‬بابا ‪ ..‬ال‪ ،‬لن أدخل البيت»‪.‬‬ ‫بحيرة وألم يقول أبو أمين‪« :‬ال أعرف ماذا أفعل معه وكيف أتصرف؟‬ ‫أنا في حيرة من أمري ‪ ...‬حاولت معه بكل الطرق واستخدمت كافة‬ ‫الوسائل‪ ،‬ولكن لألسف! كلها باءت بالفشل» (عطا الله‪ ,‬ومصطفى‪,‬‬ ‫‪.)2009‬‬ ‫إن حالة أمين الذي يقطن في مدينة غزة ليست غريبة وال الوحيدة بعد‬ ‫احلرب الشرسة التي تعرض لها قطاع غزة على مدى اثنني وعشرين‬ ‫يوماً‪ ،‬استخدمت فيها آلة العدوان اإلسرائيلية كل أساليب الدمار من‬ ‫قذائف وقنابل وأسلحة محرمة دولياً‪ ،‬طالت الصغار قبل الكبار‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫لقد تركت احلرب مشاهد وصور ًا في مخيلة كل الناس‪ ،‬وبخاصة‬ ‫األطفال منهم لن تمُ حى ولن تنسى أبداً‪ .‬كيف تنسى الطالبة دالل‬ ‫أبو عيشة من مخيم الشاطئ وابنة األربعة عشر ربيع ًا التي فقدت كل‬ ‫أسرتها‪ ،‬والطالبة جميلة الهباش من غزة ابنة اخلمسة عشر عام ًا التي‬ ‫السموني من حي الزيتون ابنة الثالثة عشر‬ ‫فقدت رجليها‪ ،‬والطفلة أملازة ّ‬ ‫ربيع ًا التي ُدفنت كل عائلتها حتت أنقاض منزلهم املكون من ثالثة طوابق‬ ‫أمام عينها‪ ،‬وفقدت اثنني وثالثني فرد ًا من أقاربها‪.‬‬ ‫حتد‬ ‫وإن كانت احلرب قد وضعت أوزارها بوقف نار هش‪ ،‬فإننا أمام ٍّ‬ ‫آخر وهو اخلوف من أن يتحول ما أدرج في ذاكرة األطفال إلى سلوك‬ ‫دائم يرافقهم مدى حياتهم‪ ،‬ومن ثم يتحول إلى أمراض نفسية عدوانية‪.‬‬ ‫نحن بحاجة إلى إعمار من نوع آخر إلزالة ما تركته احلرب العسكرية من‬ ‫آثار نفسية وصحية واجتماعية واقتصادية وانفعالية ‪ ...‬وسياسية‪ .‬إن‬ ‫احلرب على قطاع غزة تركت أثار ًا نفسية صادمة‪ ،‬وبخاصة على األطفال‬ ‫الذين يشكلون ‪ %60‬من السكان الذين قتل منهم أربعمائة واثنا عشر‬ ‫طفالً‪ ،‬وجرح منهم مئات آخرون‪ .‬إن أعداد األطفال الذين يعانون من‬ ‫اضطرابات وصدمات نفسية كبيرة واإلمكانيات متواضعة‪.‬‬

‫الصدمة النفسية‬ ‫إن األحداث التي تسبب الصدمة النفسية هي أحداث كبيرة وخطيرة‬

‫ومفاجئة‪ ،‬يغلب عليها القوة الشديدة واملفرطة وغير املتوقعة‪ ،‬وميكن‬ ‫ويعرف‬ ‫أن تؤثر على فرد أو مجموعة من األفراد أو املجتمع بأسره‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫احلواجري (احلواجري‪ )2000 ،‬الصدمة النفسية بأنها «حدث غير‬ ‫متوقع «مفاجئ» يتسم باحلدة خارج عن اخلبرة الذاتية لإلنسان‪ ،‬يؤدي‬ ‫إلى تهديد وجوده وحياته‪ ،‬وال تستطيع وسائل الدفاع املختلفة أن‬ ‫تسعف اإلنسان للتكيف معه»‪.‬‬

‫مظاهر الصدمة النفسية‬ ‫تظهر على الشخص الذي يعاني من الصدمة النفسية املظاهر التالية‪:‬‬ ‫كوابيس وأحالم مزعجة حول أحداث احلرب‪ ،‬شعور بأن احلرب سوف‬ ‫حتدث مرة أخرى‪ ،‬استرجاع األحداث عن طريق لعبة احلرب‪ ،‬االنطواء‬ ‫والبعد عن اآلخرين والشعور بالقهر‪ ،‬صعوبة وتقطع النوم واحلركة‬ ‫الزائدة غير املعتادة‪ ،‬عدم القدرة على القيام باألعمال اليومية املعتادة‪،‬‬ ‫تشتت التفكير وصعوبة التركيز وانخفاض التحصيل الدراسي‪،‬‬ ‫التبول الالإرادي‪ ،‬اخلوف من الظالم والترقب والتوجس‪ ،‬قلة األكل‬ ‫وفقدان الشهية والصداع املستمر‪ ،‬االلتصاق بالوالدين والبقاء باملنزل‪،‬‬ ‫اإلحساس بفقدان األمل والكآبة بسهولة‪.‬‬ ‫أعتقد أن من أهم مظاهر الصدمة التي الحظتها فقدان األطفال لطفولتهم‬ ‫وحديثهم بأحاديث الكبار‪ ,‬وجتاوز عمرهم العقلي لعمرهم الزمني بكثير‬ ‫مثل الطفل أحمد زايد من بيت الهيا‪ ،‬الذي خاطب العالم من خالل‬ ‫شاشات القنوات الفضائية بلهجة فاقت سنوات عمره التسع بقوله‪:‬‬ ‫«يجي العالم يشوف حالتنا ويشوف أوالدنا كيف؟ مرميني بالصفوف‬ ‫قاعدين على البالط ال ميه وال أكل وال كهرباء ‪ ...‬هذه حياة؟! هذه حياة‬ ‫هذه؟! هذا حصار هذا أكبر حصار هذا أعظم حصار من إسرائيل‪...‬‬ ‫يشوفوا كيف إحنا عايشني مرميني ال بنضحك وال بنلعب وال بنتعلم وال‬ ‫بنشوف برامج أطفال‪ ،‬كل ما أفتح التلفزيون بشوف تشييع جنازات‪،‬‬ ‫وطخ‪ ،‬وموت‪ ،‬وحرب‪ ،‬دبابات‪ ،‬واجتياح‪ ،‬ما بشوف برامج أطفال‬ ‫أتعلم منها‪ ،‬وال رسوم متحركة أتسلي وال بلعب‪ ...‬كله تشييع جنازات‬


‫أو حاملني شهداء وبطخوا ‪ ...‬إحنا هينا ال في أكل وال شرب‪ ،‬إحنا‬ ‫مرميني زي الشحادين‪ ،‬شوفوا الشعوب الثانية كيف أوالدهم يضحكوا‬ ‫ويلعبوا وبيفرحوا؛ وإحنا علينا حصار من سنتني تقريباً‪ ،‬ال بناكل وال‬ ‫بنشرب وال حد بيعمل شي‪ ،‬وال املعابر بتفتح‪ ،‬وال بيدخل لنا أكل وال‬ ‫أشياء ثانية» (زايد‪.)2009 ،‬‬ ‫هناك وسائل عدة ملواجهة الصدمة النفسية والتعامل معها ومنها‪:‬‬ ‫‪ )1‬املساندة النفسية‪ :‬هي تزويد الذي يعاني من الصدمة بالدعم النفسي‬ ‫من خالل إحساسه باملشاركة ومساعدته على التفريغ والتنفيس عما‬ ‫يجول بخاطره‪ ،‬ومساعدته على تنظيم أفكاره من خالل استبصاره‬ ‫بالتجربة التي مر بها حتى يتمكن من التخلص التدريجي من آثار‬ ‫الصدمة وما خلفته من اضطرابات فكرية أو انفعالية‪ ،‬وعلى املختص‬ ‫الذي يقوم باملساندة النفسية أن ميتلك مهارات التواصل الفعال‬ ‫والقدرة على تشخيص االضطرابات املختلفة‪.‬‬ ‫‪ )2‬املساندة اجلماعية‪ :‬هي إتاحة الفرصة ملجموعة من الطلبة الذين‬ ‫يعانون من الصدمة النفسية‪ ,‬بالتنفيس والتفريغ عما يجول في‬ ‫أنفسهم‪ ،‬ما يخلق شعور ًا باملشاركة في األلم واأللفة واالنتماء‪.‬‬ ‫وهذا يدفع الطالب ليكون أكثر صبر ًا وجلد ًا وعاطفة واهتمام ًا‬ ‫باآلخرين فيستصغر جتربته أمام كبر جتارب اآلخرين‪ .‬وحول فاعلية‬ ‫تطبيق هذا األسلوب‪ ،‬يقول املعلم بسام صاحلة معلم الصف الثامن‬ ‫األساسي الذي استشهد ثالثة من طالبه من القصف على مدرسة‬ ‫الفاخورة التابعة لوكالة الغوث في جباليا‪:‬‬

‫‪ )3‬التفريغ النفسي‪ :‬هو نوع من الدعم النفسي يتم فيه إتاحة الفرصة‬ ‫للطفل للتعبير عما بداخله من معاناة ومحاولة إخراجها خارج ذاته‪،‬‬ ‫وال تظل حبيسة في داخله‪ ،‬وذلك من خالل احلديث أو باستخدام‬ ‫الرسم ملا رآه أو رسم رسومات أكثر تفاؤ ً‬ ‫ال مما شاهده‪ ,‬وكذلك اللعب‬ ‫في مجموعات وتدريبهم على ألعاب جديدة‪ ,‬وكذلك تدريبهم على‬ ‫تقسيم األدوار للتفاعل مع اآلخرين‪ ،‬ومن خالل رواية القصص بأن‬ ‫يروي كل فصل قصة أو حكاية عن جناحات وانتصارات‪ ،‬ومن‬ ‫خالل توظيف السيكودراما‪ ،‬حيث ميكن لألطفال عمل مسرحية‬

‫ويضيف املعلم بسام «لقد اضطررت للقيام ببعض التعديالت حتى أتيح‬ ‫الفرصة للطلبة للتفريغ النفسي‪ ,‬مث ً‬ ‫ال اتفقت مع بعض املعلمني على‬ ‫أعطاء وقت أكبر لفترة التهيئة الصفية للموضوعات املختلفة وحتويل‬ ‫تعليم بعض الفقرات إلى أسلوب التعلم باأللعاب‪ ،‬وتعديل خطة‬ ‫العمل السنوية‪ ،‬حيث قدمت درس القراءة «حمزة طوقان» ابن عم‬ ‫فدوى طوقان‪ ،‬الذي هدم االحتالل بيته في نابلس وتوظيفه لربط الواقع‬ ‫الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة‪ ،‬وكمدخل للتفريغ النفسي عند‬ ‫الطلبة»‪.‬‬

‫‪99‬‬

‫مواجهة الواقع‬ ‫تنوعت اجلهود للتعامل مع آثار الصدمة من جهات مختلفة‪ ،‬فتقول‬ ‫إحدى املديرات من مدراس غزة «في نطاق استعدادات الوزارة‬ ‫الستقبال الطلبة للفصل الدراسي الثاني بعد انتهاء احلرب على غزة‪،‬‬ ‫عقدت مديريات التربية والتعليم اجتماعات ملديري املدارس التابعة‬ ‫لها‪ ،‬أعلن فيه عن برنامج ترفيهي ملدة أسبوع في جميع املدارس للترفيه‬ ‫عن الطلبة‪ .‬ويتضمن البرنامج العمل ضمن محاور عدة‪ ،‬أهمها السرد‬ ‫القصصي ملعاناة الطلبة أثناء العدوان‪ ،‬واللعب الترفيهي‪ ،‬والرسم‪،‬‬ ‫والتفريغ االنفعالي‪ ،‬على أن يختتم هذا البرنامج بيوم مفتوح‪ ،‬ويتم في‬ ‫ذلك اليوم توزيع وجبة غذائية على طلبة بعض املدارس‪ .‬يذكر أن بعض‬ ‫املدارس التزمت بالفعل بهذا النشاط الترفيهي‪ ،‬إال أن بعض املدارس‪،‬‬ ‫وبخاصة الثانوية‪ ،‬لم يتم االلتزام بهذا البرنامج الترفيهي نظر ًا ألسباب‬ ‫عدة ال مجال لذكرها هنا»‪.‬‬ ‫ويشير أحد املعلمني في مدرسة خاصة إلى «أن بعض املدارس اخلاصة‬ ‫قامت ببعض األنشطة للترفيه عن طلبتها‪ ،‬ومنها على سبيل املثال قيام‬ ‫إحدى املدارس بإتاحة الفرصة للطلبة لنفخ أكبر عدد من البالونات‪،‬‬ ‫وعند االنتهاء من عملية النفخ‪ ،‬مت النزول مللعب املدرسة وإطالقها‬ ‫في الهواء واجلري خلف هذه البالونات من أجل (غز) أكبر عدد ممكن‬ ‫منها‪ .‬وفي مدراس أخرى مت تقدمي عروض بهلوانية وموسيقية وتقدمي‬ ‫العصائر وبعض املأكوالت»‪.‬‬ ‫أما برنامج التربية والتعليم في وكالة الغوث‪ ,‬فقد قرر أن يكون األسبوع‬ ‫األول للدوام تهيئة نفسية وتفريغاً‪ ,‬ولكن البرنامج استمر لليومني‬ ‫األولني‪ ،‬ومن ثم انتظمت الدراسة كاملعتاد لتعويض ما ضاع وكسب‬ ‫الوقت في إنهاء املنهاج‪ ،‬واستدراك ًا مت عمل يوم ثالث مفتوح في نهاية‬ ‫األ��بوع‪.‬‬ ‫وقد أفاد موجه اإلشراف والتوجيه مبدارس وكالة الغوث في محاضرة‬ ‫له في مركز القطان قائالً‪« :‬كان هدف اللقاءات في اليومني األولني من‬ ‫الدوام هو املساندة اجلماعية للتخفيف من آثار ما بعد الصدمة‪ ،‬وإتاحة‬ ‫أكبر فرصة ممكنة للطلبة للتفريغ‪ ،‬ألنه يعتبر أول مبادرات العالج‪،‬‬ ‫والكالم هو نصف أو ثلثا العالج‪ ،‬ولكن يجب احلذر من أن يكون‬ ‫التفريغ دون تفاصيل دقيقة‪ ،‬وصدور أحكام حتى ال تتكون صدمة‬ ‫ثانوية‪ .‬وآليات التفريغ الفاعلة هي الرسم‪ ,‬وأنشطة حركية‪ ,‬وغناء‪,‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫«كان احلزن يخيم على جو الفصل‪ ,‬واأللم في عيون الطلبة عميق‪،‬‬ ‫فبادرت إلى إزاحة املقاعد جانباً‪ ،‬وأحضرت حصيرة وفرشت أرض‬ ‫غرفة الفصل‪ ,‬وجلسنا مع ًا في دائرة‪ ,‬وبدأت احلديث بتجربتي مع‬ ‫السماح بتدخالت من هنا وهناك‪ ,‬هذا في اليوم األول من الدوام‪.‬‬ ‫ولكن في األيام الثالثة التالية أحضرت وجبة إفطار لي وجلميع طلبة‬ ‫الفصل‪ ,‬نبدأ بتناول الفطور مع ًا على احلصيرة‪ ،‬ثم تعقد جلسات‬ ‫نعبر كل بالطريقة التي يراها‬ ‫التفريغ‪ ،‬وفي اليوم األخير اتفقنا على أن ّ‬ ‫مناسبة من رسم‪ ,‬وكتابة وحكاية ‪ ...‬الخ‪ .‬لقد كان ميل الطلبة‬ ‫كبير ًا للرسم‪ ،‬فجمعنا كل الرسومات ومت تعليقها على جدران‬ ‫الفصل‪ ,‬كانت أشبه مبعرض غلب عليه صور الشهداء الثالثة من‬ ‫الفصل في إطارات من باقات الزهور‪ ،‬وعبارات مختلفة‪ ,‬لقد‬ ‫اتصل بي أحد أولياء األمور وشكرني كثير ًا في املساعدة في التخفيف‬ ‫عن ابنه لفقدان صديقه األول الشهيد «بشار»‪.‬‬

‫متثيلية يعبرون من خاللها عن أكثر املوضوعات إحلاح ًا عندهم‪.‬‬


‫‪100‬‬

‫ومتثيل وكتابة‪ .‬وأكد أيض ًا على أن هناك مشاكل اجتماعية خفية يجب‬ ‫التعامل معها‪ ،‬وهي شعور ذوي الشهداء باحلرمان‪ ،‬ما يؤدي إلى‬ ‫التجمد االنفعالي وتلبد املشاعر وعدم االستقرار»‪.‬‬ ‫لقد شارك مركز القطان يوم ‪ 24‬كانون الثاني املاضي في لقاء مطول في‬ ‫برنامج غزة للصحة النفسية بحضور العديد من املؤسسات احلكومية‬ ‫واألهلية ووكالة الغوث الدولية‪ ،‬التي تداعت ملواجهة نتائج احلرب‬ ‫على غزة‪ ،‬وخاصة أنها لم تكن األولى مع اختالف حجم العدوان‪،‬‬ ‫ولن تكون األخيرة‪ ،‬كما هو متوقع سياسي ًا وإعالمياً‪ ،‬ولكن احملزن كان‬

‫التعامل مع األشياء والظواهر بعد حدوثها‪ .‬ملاذا لم تكن هناك جهود‬ ‫وقائية وبرامج داعمة ومنشطة من أجل زيادة الوعي النفسي واملجتمعي‬ ‫قبل حدوث الظاهرة؟ وما هي اإلجراءات واالستعدادات للتعامل مع‬ ‫الظاهرة أثناء حدوثها؟ وليس التخبط والعشوائية في مواجهتها‪ .‬وعسى‬ ‫ما حدث أن يقرع الناقوس للحذر واحليطة للمستقبل‪ ،‬وإعداد برامج‬ ‫وكوادر مؤهلة للعمل أثناء احلرب وبعدها من أجل الوقاية والسالمة‪.‬‬ ‫محمد أبو ملوح‬ ‫مركز القطان ‪ -‬غزة‬

‫املراجع‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫< ثابت‪ ,‬عبد العزيز (‪ .)1999‬العنف واإليذاء واخلبرة الصادمة لدى األطفال‪ .‬غزة‪ :‬برنامج غزة للصحة النفسية‪.‬‬ ‫< احلواجري‪ ,‬أحمد (‪ .)2000‬دليل املعلم في التعامل مع مشكالت الطالب في الظروف الضاغطة والصادمة‪ .‬غزة‪ :‬دائرة التربية والتعليم – وكالة هيئة األمم املتحدة‬ ‫إلغاثة وتشغيل الالجئني الفلسطينيني‪.‬‬ ‫< زايد‪ ,‬أحمد (‪ .)2009‬مقابلة مع قناة اجلزيرة الفضائية‬ ‫‪Available on line: http://www.youtube.com/watch?v=H39i5tYTxaI&feature=related‬‬‫< الشيمي‪ ,‬داليا ومؤمن‪ ,‬داليا (‪« .)2006‬دليل املساندة النفسية في احلروب والكوارث»‪.‬‬ ‫‪http://www.islamonline.net/arabic/In_Depth/Cyber_Counselor/Lebanon_Palestine_summer/topic_0101/d.shtml‬‬ ‫< صاحلة‪ ,‬بسام‪ ،‬وطالب الصف الثامن األساسي في مدرسة جباليا اإلعدادية لالجئني‪ .‬مقابلة في مركز القطان للبحث والتطوير التربوي – غزة بتاريخ‪:‬‬ ‫‪.2009/2/23‬‬ ‫< عطا الله‪ ,‬عال ومصطفى‪ ,‬شيماء (‪« .)2009‬صغار غزة بعد احلرب ‪ ..‬وسالت دموع اخلوف»‪.‬‬ ‫‪www.Islamonline Accessed 15.2.2009.‬‬ ‫< كريستني‪ ،‬نصار (‪ .)1991‬واقع احلرب وانعكاساتها على الطفل – حالة خاصة – الطفل اللبناني‪ .‬طرابلس‪ :‬جروس برس‪.‬‬

‫من فعاليات جمعية الكمنجاتي في جنني‪.‬‬


‫فصول من الكرامة‬

‫‪101‬‬

‫رحمة عودة‬ ‫الفصل األول من العام الدراسي ‪ 2009/2008‬بدأ بكارثة تعليمية متثلت في إضراب املعلمني؛ وقفت وحيدة أستقبل ‪ 850‬طالبة‪ ،‬منهم ‪190‬‬ ‫طالبة جديدة تلتحق باملدرسة ألول مرة في الصف األول األساسي‪ ،‬قدمن للمدرسة بأزهى حلة مدرسية جديدة‪ ،‬وحقيبة كم اشتقن لها وكم‬ ‫حلمن بحملها‪ ،‬ويعلم الله كيف استطاع األهل توفيرها لبناتهن إلدخال البهجة إلى قلوبهن الصغيرة‪ .‬وقفت حائرة لساعات في انتظار قدوم‬ ‫الهيئة التدريسية‪ ،‬ولكن بعد طول انتظار قدمت ثالث معلمات فقط‪ ،‬وأوئدت فرحة الطالبات قبل أن تولد‪ ،‬وعدن أدراجهن إلى البيت دون أن‬ ‫يدخلن الفصول‪ .‬وبعد أيام اكتمل النصاب‪ ،‬وقدمت للعمل باملدرسة هيئة تدريسية جديدة (ثالث وعشرون معلمة ميارسن العمل ألول مرة)‬ ‫مع طاقم إداري جديد (ثالثة إداريني)‪ ،‬عجزت عن مجاراة الوضع القائم‪ ،‬متكنت بشق األنفس من مترير فصل دراسي كامل مع ما حمله من‬ ‫معاناة نفسية للجميع؛ الطلبة وأولياء األمور‪ ،‬واملدرسات‪ ،‬واملشرفني التربويني‪ ،‬وأنا في مقدمة اجلميع‪ ،‬ومع ذلك حلمنا أن تكون بداية الفصل‬ ‫الدراسي الثاني بداية جديدة أكثر أمناً‪ ،‬نعمل فيها على إنقاذ ما ميكن إنقاذه من العام الدراسي‪ ،‬بل من مستقبل جيل بأكمله‪.‬‬ ‫وقبل أن ُتسطر حروف النهاية للفصل الدراسي األول اندلعت احلرب‪،‬‬ ‫انقطعنا عن املدرسة على مدى أربعة وعشرين يوماً‪ ،‬جلسنا ننتظر‬ ‫املجهول‪ ،‬نحاول التماسك ونستجمع لنفوسنا قوة أمام األطفال‪ ،‬ماذا‬ ‫عسانا أن نفعل في اليوم األول بعد العودة للمدرسة؟ مدرسة الكرامة‬ ‫األساسية التي تقع في حي الشعف أقصى شرق مدينة غزة‪ ،‬لقد بات‬ ‫هذا احلي مشهور ًا على الرغم من فقره املدقع من كثرة ما تردد اسمه في‬ ‫محطات اإلذاعة والتلفزة‪ ،‬توقعت كما توقع اجلميع أال جند من املدرسة‬ ‫سوى ركام‪ ،‬ومع ذلك عند عودتنا للمدرسة لم جند شيئ ًا فيها قد تغير‪،‬‬ ‫كأمنا تركناها باألمس؛ يبدو أن مبنى املدرسة (الكرامة) أبى إال أن يبقى‬ ‫شامخ ًا كاسمها‪.‬‬

‫وفي احلرب معنى آخر غير اخلوف والعجز عبرت عنه املعلمة صابرين‬ ‫سلمان (‪ 23‬عاماً) معلمة الرياضيات للصف الرابع األساسي في املدرسة‬ ‫نفسها‪« :‬كانت أيام ًا صعبة عادت بنا احلياة إلى ما قبل احلضارة‪ ،‬حيث ال‬ ‫كهرباء وال غاز للطهي وال ماء‪ ،‬وعلى الرغم من قسوة تلك األيام‪ ،‬فقد‬ ‫علمتنا معنى االحتاد والتعاون واحملبة واخلوف على اآلخرين والتوفير‬ ‫واالستغالل األمثل للموارد»‪.‬‬ ‫وعلى مدى ثالثة أيام مرت ثقيلة ‪-‬قبل قدوم الطلبة‪ -‬جتاذبنا أطراف‬ ‫احلديث باختالف ألوانه؛ السياسي واألمني والتعليمي والنفسي‪،‬‬ ‫ووضعنا خطة ‪-‬أظنها محكمة‪ -‬الستقبال الطالبات وعالج اآلثار السلبية‬ ‫املدمرة على مسيرة التربية والتعليم‪ ،‬متحورت اخلطة حول أهداف رئيسة‬ ‫ثالثة هي‪:‬‬ ‫< جتاوز حالة اإلحباط واليأس واالكتئاب التي مير بها أعضاء الهيئة‬ ‫التدريسية والنظر نحو املستقبل بعني املتفائل‪.‬‬ ‫< التخفيف من آثار الصدمة النفسية واالنفعالية للطالبات وتعليمهن‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫وأخير ًا بدأ الفصل الدراسي الثاني من العام نفسه بكارثة جديدة‪ ،‬كارثة‬ ‫إنسانية ونفسية وبيئية‪ ،‬ووقفت هذه املرة ألستقبل الهيئة التدريسية عاجزة‬ ‫كما عجزت في املرة األولى‪ ،‬كيف أواسي من كانت أولى كلماتها لي‬ ‫عندما خاطبتها احلمد لله على السالمة كيف حالكم؟‪« :‬املوت لم يعد‬ ‫يحمل إلى نفوسنا في طياته ذلك اخلوف‪ ،‬فاجلميع كان مرشح ًا للشهادة‪،‬‬ ‫بل أكثر من ذلك‪ ،‬كنا للحظات نتمناه‪ ،‬املخيف فع ً‬ ‫ال هو الفراق؛ إنه‬ ‫مؤلم جد ًا كنت أقول في نفسي لو متنا سوي ًا ال يهم‪ ،‬ولكن أرجوكم ال‬ ‫متوتوا وتتركوني وحيدة»‪ ،‬تلك الكلمات التي عبرت بها غادة الكيالي‬ ‫(‪ 27‬عاماً) معلمة العلوم للصف الرابع األساسي مبدرسة الكرامة عن‬ ‫حالها‪ ،‬وتابعت حديثها تصف يوم ًا من أيام حرب غزة‪ ،‬ذلك اليوم الذي‬ ‫حمل إليها أسوأ خبر ميكن أن يصل إلى إنسان‪ ،‬فقالت‪« :‬أقسى وأطول‬ ‫وأشد يوم في حياتي‪ ،‬أعتقد أن املشاكل لها حل طاملا أن اإلنسان قادر‬ ‫على التفكير‪ ،‬ولكن أمام املوت يقف الكل عاجزاً‪ ،‬فمنذ اللحظة التي‬ ‫استشهد فيها شقيقي زكريا (‪ 19‬عاماً) شعرت باخلوف الشديد‪ ،‬ليس من‬ ‫املوت‪ ،‬ولكن اخلوف من العجز»‪.‬‬

‫ومبرارة تقول املعلمة عبير الزمارة (‪ 27‬عاماً) معلمة اللغة اإلجنليزية‪:‬‬ ‫«كيف ميكن أن ننسى الناس الذين قتلوا وهم في املساجد يصلون؟ هل‬ ‫أصبح أداء العبادة في بيوت الله جرمية؟ ويجول في خاطري سؤال لو‬ ‫أن مليون ونصف املليون من احليوانات يعيشون في محمية طبيعية في‬ ‫دولة عظمى مثل أمريكا أو روسيا لعاشت هذه احليوانات أفضل من‬ ‫تلك التي يحياها سكان قطاع غزة‪ ،‬فأين القوانني التي تضعها املنظمات‬ ‫الدولية حلماية املدنيني زمن احلرب؟ وأين منظمات حقوق اإلنسان؟ بل‬ ‫أين منظمات حقوق احليوان لتدافع عن حظائر احليوانات التي انتهكت‬ ‫حرماتها وقتل ساكنوها»‪.‬‬


‫‪102‬‬

‫العمل والتطلع ملستقبل أفضل‪.‬‬ ‫< إنقاذ العام الدراسي وجتاوز مرحلة تسييس التعليم إلى حرية التعليم‬ ‫من قيود احلزبية املقيتة‪.‬‬ ‫ولتحقيق هذه األهداف‪ ،‬صيغت خطة إجرائية تضمنت العمل على ما‬ ‫يلي‪:‬‬ ‫‪1‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫< التعبير عن مشاعرنا نحن الكبار بكل ما أوتينا من بيان‪ ،‬ودون خجل‬ ‫من واقع مؤقت فرض علينا بقوة القهر واخلوف أو السالح‪ ،‬فاملصارحة‬ ‫باملشاعر املكبوتة ومكنونات الصدر لها دور كبير في إعادة بناء الذات‪،‬‬ ‫متهيد ًا لتكون أداة بناء ال معول هدم وفناء‪ ،‬هذا بالفعل ما مارسناه على‬ ‫مدار األيام الثالثة األولى التي سبقت قدوم الطالبات للمدرسة‪.‬‬ ‫< التعامل مع الطالبات بروح األخوة والرحمة قبل كل شيء‪ ،‬مع إفساح‬ ‫املجال لهن للتعبير عن جتاربهن أثناء احلرب‪ ،‬من خالل احلديث عن‬ ‫املشاعر والتفريغ النفسي باألحاديث والقصص واألناشيد واألغاني‬ ‫واأللعاب والرسم ومختلف ألوان النشاط الرياضي واحلركي‪ ،‬مع‬ ‫تعويد الطالبات على تقبل اآلخر‪ ،‬وعدم السخرية من مشاعر الغير‪،‬‬ ‫ومواساة اآلخرين ومساندتهم بجميع الوسائل املمكنة‪.‬‬ ‫< تقبل الطالبات مهما كان مستواهن التحصيلي واالجتماعي‪ ،‬بحيث‬ ‫يحرم استخدام أنواع العقاب البدني واللفظي كافة‪ ،‬أو حتى ارتفاع‬ ‫الصوت بالـتأنيب‪ ،‬وبخاصة خالل الشهر األول‪ ،‬وعدم الضغط على‬ ‫الطالبات بأي شكل من األشكال مهما كان‪ ،‬ومن الضغوط الواجب‬ ‫البعد عنها عدم تكليف الطالبات بواجبات بيتية مرهقة أو امتحانات‪،‬‬ ‫ومع التوازن في التساهل مع الطالبات متشي ًا مع «مبدأ ال إفراط وال‬ ‫تفريط»‪.‬‬

‫من تدريبات طلبة مدرسة التمثيل في مسرح احلرية في جنني‪.‬‬

‫< عدم انتظار أي دعم مادي أو معنوي من أي جهة كانت‪ ،‬وتوجيه‬ ‫اجلهود الذاتية للمساندة النفسية والدعم االجتماعي‪ ،‬من خالل‬ ‫حصر األضرار في البيئة احمليطة‪ ،‬وزيارة بعض األسر املتضررة ورصد‬ ‫التغييرات التي طرأت على أوضاع الطالبات من حيث الضرر املادي‬ ‫املتمثل في هدم البيوت أو استشهاد األب أو األم أو أحد اإلخوة‪،‬‬ ‫وذلك لتعميم اجلديد من أحوال الطالبات على املعلمات‪ ،‬ليتم خالل‬ ‫الفصل الدراسي احلالي واألعوام التالية تقدمي الرعاية النفسية الكافية‬ ‫التي تضمن لهن االستمرار في الدراسة واالندماج في املجتمع املدرسي‬ ‫وكذلك احمللي‪.‬‬ ‫< اإلعالن عن انطالق مشروع «قلم لزميلتي»‪ ،‬الذي يتضمن جمع‬ ‫التبرعات من الطالبات واملعلمات من قرطاسية وزي مدرسي أو حتى‬ ‫مالبس وحقائب وأحذية وألعاب وغيرها الكثير‪ ،‬ومن كل ما يفيض‬ ‫عن حاجة األسر امليسورة احلال‪ ،‬ليتم تقدميه للطالبات الالتي فقدن‬ ‫البيت الذي كان يؤويهن‪ ،‬ومعه فقدن حقائبهن املدرسية ومالبسهن‬ ‫وكل ممتلكاتهن‪ ،‬على أن تتم العملية بطريقة ممنهجة‪ ،‬بحيث حتدد‬ ‫جلنة عليا تشرف على املشروع‪ ،‬وينبثق عنها جلان فرعية‪ ،‬إحداها‬ ‫جلمع التبرعات العينية والنقدية‪ ،‬وأخرى لرصد الطالبات املتضررات‬ ‫ونوع الدعم الذي يحتجنه‪ ،‬وثالثة تتولى التوزيع بعدالة حسب‬ ‫االحتياجات‪.‬‬ ‫وفي اليوم األول من أيام الفصل الدراسي الثاني (‪،)2009/1/24‬‬ ‫بدأت الطالبات بالتوافد على املدرسة‪ ،‬وأيض ًا كان املوقف هائ ً‬ ‫ال ‪-‬كما‬ ‫اعتدنا األهوال من بداية هذا العام‪ -‬بكل ما في الكلمة من معنى‪،‬‬ ‫الطالبات وجوههن واجمة‪ ،‬وعيونهن حائرة‪ ،‬وبعضهن لم يرتدين‬ ‫الزي املدرسي‪ ،‬بل لم يحملن تلك احلقيبة التي اعتدتن عليها‪ ،‬ليس‬ ‫َّ‬


‫عن رضا أو تقصير؛ بل ألنهن أرغمن على ذلك بسبب تدمير منازلهن‬ ‫وفقدان ممتلكاتهن‪ .‬لم يدق جرس املدرسة في موعده‪ ،‬تأخر بقرار‬ ‫إداري‪ ،‬ال أدري ملاذا؟ أهو من خوف من مواجهة الطالبات؟ أم إلفساح‬ ‫املجال للمعلمات لتجميع أفكارهن وشجاعتهن ملواجهة املوقف؟ أم‬ ‫لترك الطالبات يلعنب مع زميالتهن؟‬ ‫وأخيراً‪ ،‬دق اجلرس‪ ،‬وانتظم طابور الصباح‪ ،‬وقرئت الفاحتة‪ ،‬واستمع‬ ‫اجلميع للسالم الوطني بصمت غير معهود‪ ،‬ووجهت كلمة مقتضبة باسم‬ ‫اإلدارة املدرسية للطالبات حلثهن على جتاوز املرحلة احلالية‪ ،‬واالنطالق‬ ‫نحو العمل واملثابرة‪ ،‬وانطلق اجلميع إلى الغرف الصفية حسب ما تقرر‬ ‫سابقاً‪ ،‬وجاء دور تنفيذ اخلطة‪ .‬بدأ فصل جديد من فصول املأساة‬ ‫اإلنسانية التي يعيشها أطفال فلسطني يتكشف‪ ،‬وتوزعت األنشطة لهذا‬ ‫اليوم ما بني رواية األحداث املاضية وتفريغ ما زرعته هذه األحداث من‬ ‫مشاعر متناقضة جتاوزت احلزن والكآبة إلى الشعور بالقهر أو الالمباالة‪،‬‬ ‫بدأت أشعر أثناء مروري على الغرف الصفية أنني أدخل بيو ًتا ال فصو ً‬ ‫ال‪،‬‬ ‫أسمع قصص ًا وروايات لم تصل إليها وسائل اإلعالم‪ .‬كان اإلعالميون‬ ‫فيها أطفا ً‬ ‫ال ال تتجاوز أعمارهم عشر سنوات؛ اجلميع يتحدث بانفعال‬ ‫كما لو كانت فصول الرواية مستمرة واحلدث قائم ًا إلى اآلن‪ ،‬كانت‬ ‫املشاعر متتزج بني املعلمات والطالبات‪ ،‬مع العلم أن هناك العديد من‬ ‫يسكن احلي نفسه الذي تقع فيه املدرسة‪ ،‬وتعرضن للمعاناة‬ ‫املعلمات‬ ‫َّ‬ ‫نفسها‪ ،‬إال أن جميعهن دسن على جراحهن وكن بالفعل أمهات‪ ،‬بل‬ ‫في بعض األحيان من أهل االختصاص في عالج الصدمات واألزمات‬ ‫االنفعالية‪ ،‬وأرى أنه من باب العدالة أن نقول إن بعض املعلمات كانت‬ ‫عقود عملهن املؤقتة قد انتهت‪ ،‬وحلرصهن على املصلحة العامة‪ ،‬فقد‬ ‫ليكن إلى جانب طالباتهن ويقمن بالعمل‬ ‫التزمن بالدوام في ذلك اليوم‪َّ ،‬‬ ‫وفق ما سبق من ترتيبات حلني سد العجز في أعضاء الهيئة التدريسية‪.‬‬

‫ومن األنشطة التي مت أيض ًا العمل عليها خالل األسبوع األول‪ ،‬التعبير‬ ‫عن املشاعر بالرسم‪ ،‬وكانت اإلدارة املدرسية قد وفرت األوراق‬ ‫واأللوان للطالبات لترسم كل طالبة رسمها اخلاص بشكل فردي‪ .‬ومما‬ ‫أثار فضولي‪ ،‬رسم الطفلة نغم عودة ابنة السنوات الست‪ ،‬الطالبة في‬ ‫الصف األول األساسي‪ ،‬فطلبت منها أن تفسر الرسم‪ ،‬فكانت القصة‬

‫«هذه البنت أبوها في السجن‪ ،‬والولد أخوه اتصاوب باحلرب‪،‬‬ ‫بدهم يروحوا يزوروهم‪ ،‬بس احلرب لسة ما خلصت‪ ،‬بالطريق في‬ ‫دبابة وأسد‪ ،‬األوالد شاطرين‪ ،‬اتفقوا الولد يرمي احلجر على البنت‬ ‫ويجرحها شوية علشان يتصلوا باإلسعاف ينقلهم على اجلانب الثاني‪،‬‬ ‫ويزوروا حبايبهم هناك»‪.‬‬

‫‪103‬‬

‫ومبناقشة إيحاءات الرسم والقصة مع بعض التربويني‪ ،‬اتضح أن الطفلة‬ ‫ال تزال تعاني من اخلوف؛ فاحلرب في اعتقادها ال تزال قائمة‪ ،‬وفي‬ ‫القصة إشارة واضحة لضرورة االتفاق للتغلب على هذا اخلوف‬ ‫واحلواجز‪ ،‬ومن ثم حتقيق األماني والرغبات‪.‬‬ ‫وفي اليوم التالي‪ ،‬أعطيت الفرصة لكل صف دراسي أن يرسم لوحة‬ ‫جدارية كبيرة بطول مترين‪ ،‬وقد اشتركت املعلمات مع الطالبات في‬ ‫الرسم‪ ،‬وفي نهاية املطاف ُعلقت اللوحات على جدران املدرسة‪،‬‬ ‫بحيث حتولت اجلدران املتشحة بسواد األوساخ إلى تصوير لساحات‬ ‫املعركة بعيون األطفال‪.‬‬ ‫كما أتيحت الفرصة للطالبات ليلعنب في ساحة املدرسة لساعات طويلة‪،‬‬ ‫وقد مت التركيز على األلعاب اجلماعية‪ ،‬وكانت هناك متابعة فاعلة من‬ ‫أعضاء الهيئة التدريسية واإلدارية كافة‪ ،‬من أجل دمج جميع الطالبات‬ ‫في هذه األلعاب‪ ،‬كما تركت الفرصة للطالبات للعب لفترة طويلة حتى‬ ‫تعنب‪ ،‬وطالبت بعض الطالبات بالذهاب للغرف الصفية لكي يتعلمن‪.‬‬ ‫ومن األلعاب التي شهدت اندماج الطالبات فيها وإقبالهن عليها‬ ‫بشغف‪ ،‬ما أسهم بشكل فاعل في التخفيف عن الطالبات‪ ،‬تلك اللعبة‬ ‫التي مازلت أذكر يوم كنا نلعبها‪ ،‬وأصر على أنها من أجمل األلعاب‬ ‫التي مارسناها أيام طفولتنا‪ ،‬بل لقد كانت اللعبة الوحيدة التي يشترك‬ ‫فيها اجلميع بحماس‪:‬‬ ‫جتلس الطالبات في دائرة كبيرة وجوههن إلى داخل الدائرة‪ ،‬ومتسك‬ ‫إحداهن مندي ً‬ ‫ال وتدور من خلفهن وهي تنشد «طاق طاق طاقية تعيش‬ ‫الوحدة العربية‪ .‬رن رن يا جرس محمد راكب على الفرس‪ .‬فرسك‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ومن القصص التي سمعتها وأثارت أحزاني الشديدة‪ ،‬تلك التي روتها‬ ‫الطالبة إميان إعالو ابنة الثماني سنوات‪ ،‬الطالبة في الصف الثالث‬ ‫األساسي‪« :‬بينما كنا في املنزل في أمان نزلت قذيفة دبابة‪ ،‬تطايرت‬ ‫حجارة البيت املكون من ثالثة طوابق وصارت كومة‪ ،‬وانتشر الغبار‬ ‫في كل مكان‪ ،‬وأصبحت الرؤية صعبة ورائحة الفسفور خنقتني‪ ،‬لم‬ ‫أستطيع التنفس وشعرت بشيء دخل في رجلي‪ ،‬حاولت أن أمسك به‬ ‫وأشده ألخرجه لم أعرف ما هذا الشيء ألني لم أره من شدة الغبار‪،‬‬ ‫وأحسست بأمي إلى جواري‪ ،‬حاولت هزها لم ترد‪ ،‬فقد كانت مغمى‬ ‫عليها‪ ،‬إلى جواري أيض ًا أحسست بأخي مؤمن لم أميز مالمحه‪،‬‬ ‫أمسكت بجزء من جسد أخي ألفاجأ أنه قد انفصل عنه‪ ،‬أدركت أن‬ ‫أخي مؤمن أصبح أشالء مقطعة‪ ،‬بكيت بشدة‪ ،‬حسبت أن أهلي جميع ًا‬ ‫ماتوا‪ ،‬أتى اإلسعاف ونقلونا إلى املستشفى‪ ،‬أمي كانت بخير لم يصبها‬ ‫أي مكروه‪ ،‬وكانت حام ً‬ ‫ال في شهرها الثامن‪ ،‬أخي استشهد وأنا أصبت‬ ‫إصابة طفيفة»‪.‬‬

‫أغرب من الرسم ‪. ...‬‬


‫‪104‬‬

‫الهندي املشكشك بالوردي والورد مو عندي‪ .‬الله ال يضرك يا درة يام‬ ‫اخلدود احملمرة‪ .‬والثعلب فات فات في ديله سبع لفات‪ .‬غمضوا عنيكم‬ ‫يا حلوين»‪ ،‬ثم تلقي الطالبة مبنديلها على إحدى الطالبات اجلالسات‬ ‫لتأخذ هذه الطالبة الدور وتعيد كرة النشيد واجلري‪.‬‬ ‫في هذه اللعبة إشارات ضمنية للسان حال اجلميع في انتظار األمل‬ ‫املنشود بالوحدة‪ ،‬وذلك الفارس املغوار الذي ينتظره اجلميع لتحقيقها‬ ‫والتغلب على الثعلب املاكر املتمثل في العدو‪ ،‬وصراع األخوة‪ ،‬وكل‬ ‫ما يهدد أمن الصغار‪ ،‬يستمتع األطفال بترديد أغنية هذه اللعبة ويتمنى‬ ‫الكبار أن تتحقق اآلمال‪.‬‬ ‫وإضافة إلى كل ما سبق‪ ،‬فقد جاء دعم نفسي من نوع آخر‪ ،‬فقد أرادت‬ ‫املعلمة صابرين سلمان (‪ 23‬عاماً)‪ ،‬معلمة الرياضيات للصف الرابع‬ ‫األساسي زيارة أسرة الطالبة آالء احلبشي ابنة السنوات العشر‪ ،‬والطالبة في‬ ‫أحد الصفوف التي تقوم بتدريسها‪ ،‬وقد القى قرارها قبو ً‬ ‫ال‪ .‬وعن الدافع‬ ‫لهذه الزيارة قالت املعلمة «في أول يوم من أيام الفصل الدراسي الثاني‬ ‫علي ليروين لي ما حدث معهن‪،‬‬ ‫دخلت فصلي‪ ،‬وإذ بالطالبات يتدافعن َّ‬ ‫أمسكت الطالبة آالء بجلبابي وقالت والدموع متأل عينوها «أبي مات وبيتنا‬ ‫تهدم»‪ .‬لم أمتالك نفسي ولم أحتمل هول املوقف‪ ،‬أحسست أن أحد أعز‬ ‫أحبابي يقول هذا الكالم‪ ،‬ضممتها إلى صدري وقلت لها‪ :‬والدك شهيد‬ ‫يجب أن تفتخري به‪ ،‬أنت اآلن أفضل منا جميعاً‪ ،‬هو في اجلنة وسوف‬ ‫يشفع لك ولسبعني من أهله‪ ،‬وهدأت من روعها وطلبت منها أن تروي لنا‬ ‫ما حدث‪ ،‬تعاطف معها اجلميع من طالبات ومعلمات‪ ،‬وفي االستراحة‬ ‫إلي بعض الطالبات وقلن إنهن يرغنب بزيارة آالء في املنزل وتعزية‬ ‫جاءت َّ‬ ‫علي املشاركة في هذه الزيارة فلم أتردد»‪.‬‬ ‫والدتها‪ ،‬وعرضن َّ‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫وتقول املعلمة صابرين عن تفاصيل الزيارة‪« :‬أبلغنا مديرة املدرسة‬ ‫برغبتنا بالقيام بزيارة ألسرة الطالبة آالء احلبشي لتقدمي العزاء لهم‬ ‫باستشهاد األب‪ ،‬فوافقت بحماس‪ ،‬وشجعتنا وذهبنا أنا واملعلمة‬ ‫غادة الكيالي ونفني أبو بكر وخمسة من زميالت آالء بالصف الرابع‪.‬‬ ‫كان البيت شديد التواضع‪ ،‬فيه أجزاء كبيرة قد تهدمت بفعل القصف‬ ‫اإلسرائيلي‪ ،‬استقبلتنا األم وابنها الطالب في الثانوية العامة‪ ،‬وكانت‬ ‫األم صابرة‪ ،‬وشكرت لنا قدومنا ملواساة األسرة في مصابها‪ ،‬وروت لنا‬ ‫ظروف استشهاد األب»‪ .‬وعندما سألنا عن املعيل لألسرة بعد استشهاد‬ ‫األب‪ ،‬قالت‪ :‬الله حسبهم ونعم الوكيل وهو ال ينسى أحداً‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من اجلهد الذي بذلته اإلدارة املدرسية والهيئة التدريسية‬ ‫للتخفيف عن الطالبات‪ ،‬فإن اخلطب كان شديداً‪ ،‬واآلثار النفسية ال‬ ‫تزال أثقل من أن يحتملها كاهل الطالبات الصغيرات املثقل باألحزان‪.‬‬ ‫وعن ذلك تقول املعلمة سماح أبو نعمة (‪ 22‬عاماً)‪ ،‬معلمة التربية‬ ‫اإلسالمية للصف الثالث األساسي‪« :‬إميان طالبتي في الصف الثالث‬ ‫األساسي مؤدبة ومتفوقة؛ بعد احلرب صارت عدوانية تضرب زميالتها‬ ‫بعنف وتتعمد إيذاءهن‪ ،‬بل أكثر من ذلك‪ ،‬فهي تقوم بسرقة أدواتهن‬ ‫املدرسية‪ .‬وفي لقاء فردي مع الطالبة روت لي القصة وهي تبكي خج ً‬ ‫ال‬ ‫مما تفعل «بيتنا قصف وتدمر بالكامل ونحن بداخله‪ ،‬استطعنا الهرب‬ ‫بسالم‪ ،‬اآلن ال منلك شيئ ًا سوى املالبس التي كنا نرتديها عندما هربنا‬ ‫من القصف ‪ ...‬ال يوجد عندي أدوات مدرسية»‪.‬‬

‫أما الطالبة لندا في الصف الثالث األساسي‪ ،‬فتصف املعلمة سماح‬ ‫ما آلت إليه حالها بعد احلرب بقولها‪« :‬كانت قبل احلرب مجتهدة‬ ‫وتؤثر الوحدة‪ ،‬ال‬ ‫واجتماعية‪ ،‬عادت إلى املدرسة بعد احلرب مكتئبة ْ‬ ‫تشارك في األنشطة الصفية‪ ،‬سألتها عن وحدتها وعدم تبادل احلديث‬ ‫مع زميالتها في الفسحة‪ ،‬أجهشت لندا بالبكاء‪ ،‬ثم قالت (أبي والبيت‬ ‫يبق لنا شيء حتى البيت الذي ظل أبي يبنيه سنوات طويلة‬ ‫راحوا) ولم َ‬ ‫ٍ‬ ‫وبناه بيديه راح‪ ،‬ماذا بقي لنا في هذه احلياة؟ كل شي غال راح‪ ،‬ملاذا‬ ‫تركونا ‪....‬؟! لقد أخطأوا ‪ ...‬املفروض قتلونا كمان وأجهشت‬ ‫بالبكاء مرة أخرى»‪.‬‬ ‫وتقول معلمة الصف األول األساسي باسمة احلاج (‪ 42‬عاماً) تصف‬ ‫أوضاع طالباتها بعد احلرب‪« :‬أدرس الصف األول منذ ‪ 19‬عاماً‪،‬‬ ‫لم أصادف طوال هذه املسيرة طالبة متزق دفاترها وكتبها مثلما تفعل‬ ‫الطالبة إسالم‪ ،‬فإذا انتهت من متزيق دفاترها انتقلت لتمزيق دفاتر‬ ‫زميالتها‪ .‬وال تعد هذه احلالة الوحيدة عندي‪ ،‬فالطالبة آالء تكسر‬ ‫األقالم ‪ ...‬حاالت في غاية الغرابة عجزت عن معاجلتها‪ ،‬انتهت‬ ‫احلرب منذ شهر تقريباً‪ ،‬كل يوم أعطي آالء قلم ًا وإسالم دفتراً؛ وال‬ ‫فائدة‪ ،‬بدأت أفكر في أن أعالج املوقف بطرق أخرى‪ ،‬ولكني بحاجة‬ ‫لدعم أكبر من ذوي االختصاص‪ ،‬وقسم اإلرشاد التربوي مبديرية‬ ‫التربية والتعليم»‪.‬‬ ‫وعلى الرغم مما تركته احلرب من آثار نفسية سيئة‪ ،‬فإن هناك بارقة أمل‬ ‫دائماً‪ ،‬ويظهر هذا في عزم الطالبة إميان إعالو وتصميمها‪ ،‬فقد كان‬ ‫مما قالته ملعلمتها سماح أبو نعمة بعد لقاء فردي جمع بينهما‪« :‬رغم ما‬ ‫حدث‪ ،‬سأجد وأجتهد في دروسي‪ ،‬وسأغيظ األعداء»‪.‬‬ ‫يبق سوى شهرين‪ ،‬واآلن نسابق األيام‪،‬‬ ‫شارف العام على نهايته‪ ،‬لم َ‬ ‫ال ندرى ملاذا؟ لرأب الصدع في العالقات االجتماعية الناشئة عن‬ ‫تعيني معلمني مساندين جاءوا ليحلوا محل معلمني أساسيني التزموا‬ ‫باإلضراب؟ أم لعالج اآلثار النفسية السلبية للحرب على الكبار قبل‬ ‫الصغار؟ أم إلجناز العام بأقل اخلسائر املمكنة في العملية التعليمية؟ أم‬ ‫الستخالص العبر من األهوال التي مرت بنا خالل هذا العام العصيب‬ ‫وأخذ االحتياطات الالزمة حتسبا ألزمات مشابهة؟ أم لبناء جسور‬ ‫املودة بني أركان العملية التعليمية متمثلة باملعلمني وطلبتهم‪ ،‬وأعمق‬ ‫من ذلك بني اإلدارات املدرسية والقيادات التربوية في املجتمع؛ بعيد ًا‬ ‫عن التجاذبات السياسية وطلب ًا لألمن التربوي والطمأنينة النفسية‬ ‫على مستقبل املعلمني والطلبة‪ ،‬وحتقيق ًا ملسؤولية املؤسسة التربوية عن‬ ‫األحكام اخللقية التي تشيع في املجتمع الفلسطيني؟‬ ‫رحمة محمد عودة‬ ‫مركز القطان ‪ -‬غزة‬

‫الهامش‬ ‫‪ 1‬مت وضع اخلطة اإلجرائية بتبادل مشترك لألفكار بني رحمة عودة ودالل‬ ‫الوحيدي؛ كونهما تعمالن في إدارة مدرستني حتمالن االسم نفسه «الكرامة»‪،‬‬ ‫وتشغالن املبنى نفسه‪ ،‬إحداهما أساسية دنيا‪ ،‬واألخرى أساسية عليا‪.‬‬


‫الفاخورة ‪ ..‬معاناة شعب وفاجعة طالب‬

‫‪105‬‬

‫بسام صاحلة‬

‫كان طالبي في انتظار خروج طالب الفترة الصباحية ليحلوا محلهم على‬ ‫مقاعد الدراسة في الفترة املسائية‪ ،‬هذا يلهو مع زميله‪ ،‬وذاك يراجع مع‬ ‫زميله النشاط البيتي‪ ،‬وثالث يدرس أسئلة املراجعة نظر ًا لقرب اختبارات‬ ‫نهاية الفصل األول‪ .‬وفجأة دوت انفجارات عدة عنيفة هزت املكان‪،‬‬ ‫وكأن زلزا ً‬ ‫فأخذت أنا وزمالئي املعلمون طمأنة‬ ‫ال قوي ًا قد حدث‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الطالب بأن هذا ما هو إال تفريغ طائرات أو غارات وهمية ‪-‬كما‬ ‫يقولون‪ -‬فقد تعودنا على مثل هذه الغارات الوهمية‪ ،‬ولكن استؤنف‬ ‫دوي االنفجارات في كل مكان‪ ،‬وتعالت سحب الدخان‪ ،‬ودوت‬

‫صفارات سيارات اإلسعاف والدفاع املدني‪ ،‬فأيقن اجلميع أنه قد وقع‬ ‫ما كان اجلميع يتوقعه‪ ،‬وإن كان البعض قد راهن على أن وقوعه غير‬ ‫معقول‪.‬‬ ‫كانت الساعة بعد احلادية عشرة بقليل‪ ،‬وكان معظم طالب الفترة‬ ‫الصباحية قد غادروا إلى بيوتهم وكان طالبنا داخل الفصول الدراسية‪،‬‬ ‫فهاجوا وماجوا‪ ،‬واجتهد املعلمون في بث الطمأنينة في نفوسهم‪ ،‬ولكن‬ ‫دون جدوى‪ ،‬فقد كان األمر أكبر من أن تتم السيطرة عليه‪ .‬وما هي إال‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫اليوم هو يوم السبت ‪ 27‬من كانون األول ‪ ،2008‬وغد ًا سيستمتع طالب مدرستي بإجازة رأس السنة الهجرية (‪ ،)1430‬وكان بودهم لو أخذوا‬ ‫ال من ٍ‬ ‫اإلجازة هذا اليوم بد ً‬ ‫غد ليصلوا عطلة يوم اجلمعة بعطلة رأس السنة الهجرية‪ ،‬وبذلك يكون لديهم متسع من الوقت ليزوروا أقاربهم‬ ‫خارج مخيم جباليا‪ ،‬ولكن ال بأس‪ ،‬فقد اتفقت مع بعض طالبي أن نستغل اإلذاعة املدرسية للحديث عن الهجرة النبوية وربطها بهجرة الشعب‬ ‫الفلسطيني عن وطنه‪ ،‬فتكون لديهم فكرة جيدة عن مناسبة هذه العطلة التي سيتمتعون بها‪.‬‬


‫حلظات‪ ،‬حتى هرول الطالب خارج الفصول‪ ،‬ولم ِ‬ ‫ميض إال وقت قصير‬ ‫حتى فرغت املدرسة من الطالب‪ ،‬ثم من املعلمني‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫ظن َّنا أن األمر سيستغرق يوم ًا أو بضعة أيام‪ ،‬ولكن طال أمد العدوان‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫يكتف بالقصف اجلوي‪ ،‬بل بدأ بالزحف البري على املناطق احلدودية‬ ‫ولم‬ ‫وغير املكتظة بالسكان‪ .‬وكان نصيب قرية بيت الهيا ومنطقتي السالطني‬ ‫والعطاطرة غرب مخيم جباليا هو النصيب األوفى من القصف والتدمير‬ ‫والقتل باجلملة لألطفال والنساء والشيوخ‪ ،‬فخرج الناس في هذه‬ ‫املناطق من بيوتهم وبساتينهم ال يلوون على شيء‪ ،‬ولكن أين يذهبون؟‬ ‫أين يجدون األمن واألمان حتى تنتهي هذه األزمة ويعودون من حيث‬ ‫خرجوا؟ لم يجدوا ‪-‬بحسب ما ظنوا‪ -‬خير ًا من مدارس وكالة الغوث‬ ‫الدولية‪ ،‬فمن ناحية هي مدارس من املستبعد أن ينالها القصف‪ ،‬ومن‬ ‫ناحية أخرى هي تابعة لوكالة الغوث الدولية التي هي بعيدة عن الصراع‪.‬‬ ‫لنر!‬ ‫فهل وجدوا األمن واألمان حقًا؟ َ‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫«بعد أيام عدة من العدوان اتصلت بي وكالة الغوث‪ ،‬وطلبت مني‬ ‫املساعدة في إيواء الناس الذين يفرون من القصف في مدرستي‪ ،‬مدرسة‬ ‫الفاخورة‪ ،‬وطلبت مني االستعانة مبن أراه مناسب ًا من معلمي املنطقة‬ ‫فاتصلت بعدد من املعلمني الذين أعرفهم‪ ،‬فوافقوا جميع ًا‬ ‫ومعلماتها‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وفتحت‬ ‫للمدرسة‬ ‫فذهبت‬ ‫الباكر‪،‬‬ ‫الصباح‬ ‫في‬ ‫ذلك‬ ‫وكان‬ ‫استثناء‪،‬‬ ‫دون‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫أبوابها‪ ،‬ولكني لم أجد أحد ًا هناك‪ ،‬فقد جلأ كثير من الناس إلى مدرسة‬ ‫بيت الهيا االبتدائية لالجئني‪ ،‬ألنها أقرب إليهم من مدرسة الفاخورة‪،‬‬ ‫وبعد حلظات بدأ زمالئي في املجيء إلى املدرسة‪ ،‬ثم ما لبث أن انهالت‬ ‫ٍ‬ ‫حدب وصوب‪ .‬ولم تكن هناك‬ ‫اجلموع من البشر على املدرسة من كل‬ ‫في البداية أية مواد غذائية أو مالبس أو أغطية‪ ،‬لدرجة أن األطفال‬ ‫والنساء قد باتوا ليلتهم على بالط الغرف الدراسية في البرد القارس‪،‬‬ ‫ثم ما لبثت املساعدات أن أتت شيئ ًا فشيئاً‪.‬‬

‫يوم الثالثاء ‪ 6‬كانون الثاني ‪ ،2009‬حدث في محيط املدرسة ما لم‬ ‫يكن باحلسبان‪ ،‬فغرب املدرسة توجد ساحة واسعة‪ ،‬يليها شارع ضيق‬ ‫يوصل املدرسة مبنطقة السالطني والعطاطرة‪ ،‬وكان هذا الشارع وتلك‬ ‫الساحة يغصان بالقادمني اجلدد من تلك املنطقتني للجوء للمدرسة‪،‬‬ ‫وفجأة وأنا في داخل املدرسة شعرت كأن زلزا ً‬ ‫ال ضرب املدرسة‪ ،‬وإذا‬ ‫بعدد من الناس الذين بالداخل تسيل من أجسامهم ورؤوسهم الدماء‪،‬‬ ‫وحاولت أن أسعف من أراه منهم‪ ،‬ظن ًا مني أن هذا كل شيء‪ ،‬ولكن‬ ‫جاءت النداءات واالستغاثات والصراخ من خارج املدرسة‪ ،‬وكان ما‬ ‫تطاير شظايا االنفجارات والقنابل‪.‬‬ ‫رأيته داخل املدرسة إمنا هو فقط من ُ‬ ‫خرجت مسرع ًا إلى اخلارج‪ ،‬حيث الساحة والشارع الضيق‪ ،‬ويا لهول‬ ‫ُ‬ ‫ما رأيت! رأيت جثث ًا وقطع ًا آدمية ودماء وأشالء وال أدري ماذا أقول أو‬ ‫أصف‪ .‬لقد كان املوت في كل مكان‪ ،‬وكان من الصعب التعرف على‬ ‫الشهداء من شدة متزق اجلثث وكثرتها واختالط بعضها بالبعض اآلخر‪،‬‬ ‫وجاءت سيارات اإلسعاف والدفاع املدني على الفور‪ ،‬ولكن أ َّنى لها‬ ‫أن تستطيع التعامل مع هذا العدد الضخم من الشهداء واجلرحى! وكان‬ ‫وجدت من بني الشهداء ثالثة من‬ ‫من أكثر املناظر إيالم ًا بالنسبة لي أن‬ ‫ُ‬ ‫طالب أحد الصفوف التي أعلمها‪ ،‬رأيتهم مضرجني بدمائهم‪ ،‬وصرت‬ ‫أستذكر صورتهم‪ ،‬وأستذكر أنني قمت بتصويرهم وهم أحياء ‪-‬كأني‬ ‫فقمت بتصوير جثثهم وهم شهداء‬ ‫كنت أعرف أنهم سيستشهدون‪-‬‬ ‫ُ‬ ‫باستخدام جهاز اجلوال اخلاص بي‪ .‬ومن يومها ال تكاد صورتهم تفارق‬ ‫مخيلتي‪ ،‬وقد آثر زمالؤهم ‪-‬بعد انتهاء العدوان وعودتهم للمدرسة‪ -‬أن‬ ‫ال يجلس أحد على مقاعدهم‪ ،‬وأن يضعوا اسم كل منهم على مقعده‪.‬‬ ‫بعد هذا احلادث مباشر ًة وحتى يومنا هذا لم تهدأ وسائل اإلعالم احمللية‬ ‫والعربية والعاملية ‪-‬لي ً‬ ‫ال أو نهاراً‪ -‬وهي تطلبني ألروي لهم ما حدث‪،‬‬ ‫وكأني الشاهد الوحيد على احلادث على الرغم من أني كنت داخل‬ ‫املدرسة وقت حدوث القصف‪ ،‬وقد لفت نظري أن كثير ًا من وسائل‬


‫عائلي ممتع أخرج الطالب من اجلو الكئيب الذي كانوا غارقني فيه‪.‬‬ ‫كررت جتربة هذا اليوم لليومني الثاني والثالث‪ ،‬وكان مفعولها كالسحر‬ ‫في نفوس الطالب‪.‬‬ ‫وخالل هذه األيام الثالثة فكرنا ‪-‬أنا وطالبي‪ -‬فيما ميكن أن نقدمه لزمالئنا‬ ‫وفاء ومحبة‪ ،‬واستقر الرأي على الذهاب إلى بيوت العزاء اخلاصة‬ ‫الشهداء ً‬ ‫ذهبت مع طالب الصف وأخذنا معنا األكاليل‬ ‫بالشهداء الثالثة‪ ،‬وقد‬ ‫ُ‬ ‫وقدمنا واجب العزاء لذويهم‪ .‬كما اتفقنا على عمل صورة مكبرة جتمع‬ ‫ثالثتهم وتعليقها في الفصل حتى ال ننساهم أبداً‪ .‬وكذلك إحياء ذكرى‬ ‫األربعني عندما يحني هذا املوعد‪ ،‬حيث نذكر مناقبهم ومآثرهم‪ ،‬��نذكر‬ ‫ما ينتظرهم وأمثالهم من الشهداء من ثواب عند الله سبحانه وتعالى‪.‬‬

‫اإلعالم ‪-‬وال أقول كلها‪ -‬كانت تتعامل مع احلدث وكأنه خبر غريب‬ ‫يريدون التسابق على نشره‪ ،‬دون النظر إليه كحادث مروع يعكس حجم‬ ‫الوحشية لالحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬وحجم املأساة التي يعيشها شعبنا‬ ‫والظلم الذي يقع عليه‪ ،‬بل شعرت أن كثير ًا من املراسلني يعتبرون‬ ‫مهنتهم كأي مهنة أخرى كاحلدادة والنجارة والبناء وغيرها‪.‬‬ ‫وأخير ًا وضعت احلرب أوزارها‪ ،‬ووقف القصف والدمار‪ ،‬ولكن آثاره‬ ‫لم تزل في نفسي ووجداني أو ً‬ ‫ال‪ ،‬وفي نفوس طالبي الذين صحوا من‬ ‫هذا الكابوس ليجدوا ثالثة من زمالئهم في الفصل الثامن قد فارقوهم‬ ‫شهداء في هذه املجزرة البشعة‪ ،‬إلى جانب طالب آخرين وعدد كبير‬ ‫من الناس الذين كانوا داخل املدرسة أو جوارها‪ .‬لقد فارقنا ثالثة من‬ ‫أحب الطالب إلى قلوبنا‪ ،‬وأرقُّهم وأنبلهم‪ ،‬وهم بشار ناجي‪ ،‬وعصام‬ ‫ديب‪ ،‬وعاهد قداس‪ .‬لقد كانت الفاجعة أليمة واحلدث جلل‪ ،‬حضر‬ ‫الطالب للمدرسة ودخلوا الفصل وكأنه غريب عنهم‪ ،‬دخلوا يقدمون‬ ‫ِرج ً‬ ‫ال ويؤخرون أخرى‪ ،‬وأخير ًا جلس كل واحد في مكانه دون أن ينبس‬ ‫ببنت شفة‪ ،‬مطأطئي الرؤوس‪ ،‬عيونهم تذرف دمع ًا حاراً‪ ،‬ولم يفتحوا‬ ‫كتاب ًا أو ميسكوا قلماً‪ ،‬ثم ما لبث أحدهم وأخرج أوراق ًا وقلم ًا كتب على‬ ‫كل ورقة منها اسم واحد من الشهداء الثالثة وألصقها على املقعد الذي‬ ‫كان يجلس عليه‪.‬‬

‫أما فيما يتعلق باملنهاج املدرسي‪ ،‬فقد اتفقت مع زمالئي مدرسي اللغة‬ ‫العربية على إجراء بعض التغييرات على اخلطة الفصلية‪ ،‬بحيث يتم‬ ‫تقدمي بعض الدروس مثل قصيدة «حمزة« لفدوى طوقان التي حتكي‬ ‫ما فعله اليهود بابن عمها حمزة من هدم بيته وسجن ابنه؛ ملناسبة هذا‬ ‫املوضوع للظرف الذي عشناه أثناء العدوان وبعده‪.‬‬ ‫كما اتفقت مع مدير املدرسة وموجه املادة على تنفيذ درس توضيحي‬ ‫خاص بتوظيف التخيل واللعب واألحداث اجلارية في تدريس اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬ومت اإلعداد للدرس وسيتم تنفيذه قريباً‪.‬‬ ‫فطلبت من كل طالب أن يكتب ما‬ ‫لم أنس التعبير الكتابي والرسم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫يروق له عما حدث أثناء العدوان أو عن الشهداء الثالثة أو أحدهم‪:‬‬ ‫ِذكر ما جرى‪ ،‬املشاعر واألحاسيس‪ ،‬األمنيات والتطلعات ‪ ...‬كما‬ ‫طلبت منهم أن يرسموا ما يروق لهم حول هذا املوضوع‪ ،‬وقمنا بتعليق‬ ‫ُ‬ ‫رسومات الطالب على جدران الفصل‪.‬‬ ‫ونظمت لطالب الفصل رحلة ترفيهية عالجية ملركز القطان للبحث‬ ‫ُ‬ ‫والتطوير التربوي يوم االثنني ‪ 23‬شباط ‪ ،2009‬حيث قامت د‪ .‬مي‬ ‫نايف بإدارة أنشطة تراوحت بني احلديث الشفوي والتعبير الكتابي‬ ‫وبعض األنشطة احلركية‪ ،‬أعقب ذلك مشاهدة فيلم محلي واقعي‬ ‫بعنوان «اجلواهر الثالث« للمخرج ميشيل خليفي‪ ،‬شد انتباه الطالب‬ ‫وأخرجهم من دائرة الكبت واحلزن‪.‬‬ ‫وأخيراً‪ ،‬ال بد من كلمة في هذا املقام‪ ،‬فبالدنا تتعرض بني كل فترة‬ ‫ٍ‬ ‫ومآس ِجسام‪ ،‬وال يبدو في األفق أن هذه األحداث‬ ‫وأخرى ألحداث‬ ‫واملآسي ستنتهي‪ ،‬أال يدعونا ذلك ألن نخطط جيد ًا من اآلن ملا يجب‬ ‫القيام به قبيل وقوع األحداث‪ ،‬وما يجب عمله أثناءها‪ ،‬وكيف نتصرف‬ ‫بعدها‪ ،‬ونوحد الطاقات‪ ،‬ونوفر اإلمكانات الالزمة لذلك‪ ،‬حتى نتجنب‬ ‫ما أمكن من اآلثار السلبية ملثل هذه األحداث على طالبنا خاصة‪ ،‬وعلى‬ ‫أبناء شعبنا عامة؟ أرجو ذلك‪.‬‬ ‫بسام حسني صاحلة‬ ‫مدرسة الفاخورة ‪ -‬مخيم جباليا‬ ‫* الصور الواردة في هذة املقالة مستلّة من أرشيف صحيفة «األيام» الفلسطينية‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫متالكت نفسي على الرغم من أنني أعاني ما يعانيه طالبي‪ ،‬وقررت‬ ‫ُ‬ ‫أن أعمل شيئ ًا ُيخرج هؤالء الطالب من هذا اجلو الكئيب‪ ،‬وأجعلهم‬ ‫يفرغون تلك الشحنة العظيمة من الكبت التي متأل عقولهم وقلوبهم‪.‬‬ ‫أحضرت‬ ‫طلبت من الطالب إزاحة املقاعد ورصها في أطراف الغرفة‪ ،‬ثم‬ ‫ُ‬ ‫وجلست أنا والطالب سوي ًا‬ ‫حصير ًة كبيرة وفرشتها في وسط الغرفة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫عليها‪ ،‬وجلسنا نتحدث عن هؤالء الشهداء حديث ًا حر ًا كما لو كان‬ ‫تداعي أفكار‪ ،‬ثم انتقلنا إلى احلديث عما جرى لكل طالب أو ألسرته‬ ‫أو جيرانه أو أقاربه أو أصدقائه بعفوية مطلقة‪ ،‬مع بث التشجيع وعدم‬ ‫الضعف أو اخلور لدى الطالب‪ .‬وأثناء هذا احلديث ذي الشجون‪ ،‬كنت‬ ‫قد أرسلت طالبني إلى محل بيع الفالفل املجاور للمدرسة‪ ،‬لشراء اخلبز‬ ‫والفالفل جلميع طالب الصف‪ ،‬وما أن أفرغ الطالب جزء ًا من الشحنة‬ ‫التي بداخلهم حتى وصل اخلبز والفالفل‪ ،‬وجلسنا نأكل جميع ًا في جو‬

‫‪107‬‬


‫عبر َ اخلَيَال‬ ‫جَتلِّ ُ‬ ‫يات اإل ِبداعِ َ‬

‫‪108‬‬

‫أمني دراوشة‬

‫عنوان الكتاب‬

‫اخليال ‪ ..‬من الكهف إلى الواقع االفتراضي‬

‫اسم املؤلف‬

‫د‪ .‬شاكر عبد احلميد‬

‫الناشر‬

‫الكويت‪ :‬دار املعرفة‪2009 ،‬‬

‫عدد الصفحات واحلجم‬

‫‪ 515‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫«العقل ال ميكنه أن يعمل دون خيال»‪.‬‬ ‫«وما اخليال في جوهره إال تفكير في البدائل األخرى للواقع‪،‬‬ ‫وكذلك الراهن والراكد واملقيم واآلسن من األمور»‪.‬‬ ‫إن ما يقوم به الكتاب هو محاولة استكشاف لبعض جوانب اخليال‪،‬‬ ‫بأي طريقة نظر إليه اإلنسان‪ ،‬وكيف فسره عبر التاريخ‪ .‬فال أحد ميكنه‬ ‫«أن يحيط باخليال‪ ،‬إنه دائم ًا يرفرف بجناحيه ويهرب من كل محاوالت‬ ‫اإلحاطة والتحديد‪ .‬إنه طائر حر غالب ًا ما ارتبط باإلبداع واحلرية‬ ‫واملستقبل وجوهر الوجود اإلنساني» (ص‪.)10:‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫اخليال ومفاهيمه‬ ‫إن اخليال ال ميكن أن يرتبط إال باحلركة‪ ،‬ال بالسكون‪ ،‬بحركة أجنحة‬ ‫الطيور‪ ،‬واألحصنة املجنحة‪ .‬احلركة من وضع إلى وضع‪ ،‬من حالة‬ ‫إلى حالة‪ ،‬احلركة كما تصورها أينشتني وموتسارت‪ ،‬حركة الطفل وهو‬ ‫يجاهد ويناضل لينمو حتى يصبح إنسان ًا كبير ًا مبدعاً‪.‬‬ ‫لقد فسر فرويد أحالم الطيران‪ ،‬تفسير ًا جنسياً‪ ،‬أما يوجن فقد فسرها‬ ‫بدوافع الطموح والتفوق املوجودة في الالوعي اجلمعي اإلنساني‪.‬‬ ‫أما الشعر فال يقوم إال على االستعارات والصور‪ ،‬فما الشعر إال دفق حر‬

‫للمشاعر امللتهبة احلاملة الطائرة‪.‬‬ ‫حلم دافينشي بالطيور والطيران‪ ،‬بل حاول أن يصنع منوذج ًا مبكر ًا‬ ‫للطائرة‪ ،‬وكم يسعد األطفال بطائراتهم الورقية‪ ،‬احمللقة‪ ،‬يفرحون‪،‬‬ ‫يتقافزون ويحدقون في السماء ويصنعون املستقبل باحللم‪.‬‬ ‫فاخليال الركن األساسي في النشاط اإلنساني‪ ،‬وهو الذي ساعد اإلنسان‬ ‫على استكشاف العالم‪ ،‬ومحاولة السيطرة عليه‪.‬‬ ‫أما أقدم اإلشارات على وجود اخليال اإلنساني‪ ،‬فهي رسوم الكهوف‪،‬‬ ‫وهي رسوم سبقت األساطير‪ ،‬وذلك الن الصورة سبقت اللغة الشفهية‪،‬‬ ‫اللغة التي سبقت اللغة الكتابية‪ .‬وما ذلك إال «أحالم وكوابيس قدمية‪،‬‬ ‫لكننا لم نعرفها إال عندما جسدها اإلنسان القدمي في رسومه وأساطيره»‬ ‫(ص‪.)22:‬‬ ‫كانوا يرسمون ما جاء في عقولهم من صور‪ ،‬خالل حاالت الوعي املتغيرة‬ ‫املتعلقة بهم‪ ،‬يأتون بالرؤى املؤثرة‪ ،‬يحاولون اإلمساك مبا شاهدوه في‬ ‫أحالمهم وهلوساتهم‪ .‬لكن ماذا عن اخليال من جانبه اإلبداعي املوجه‬ ‫في اآلداب والعلوم والفنون والتربية‪ .‬إنه يسير نحو نظامه اخلاص في‬ ‫إنتاج إبداعاته التي كونت مسيرة التقدم البشرية حتى وصلنا إلى ما يعرف‬ ‫باسم‪ :‬الواقع االفتراضي‪.‬‬


‫إن الكتاب سيحاول أن يقدم إجابات عن الواقع االفتراضي‪.‬‬

‫الواقع االفتراضي‬ ‫إنه الواقع الذي يحاكي الواقع احلقيقي‪ ،‬ولكن عن طريق «عمليات‬ ‫إلكترونية رقمية ترتبط بعالم الكمبيوتر والشاشات واألدوات‬ ‫التكنولوجية املتقدمة» (ص‪ .)28:‬إن عوالم الكمبيوتر هي عوالم بصرية‬ ‫قريبة للواقع ثالثية األبعاد‪ ،‬يتأثر ويتفاعل اإلنسان خاللها‪ ،‬بواسطة‬ ‫احلركة‪ ،‬واللعب في بيئات افتراضية كاملعارك العسكرية وأعماق البحار‬ ‫والغابات ‪ . ...‬فالفن االفتراضي مثالً‪ ،‬هو «النشاط الذي يسمح لنا‪،‬‬ ‫ومن خالل التفاعل مع التكنولوجيا‪ ،‬بأن نستغرق بأنفسنا ونندمج في‬ ‫الصورة وعاملها‪ ،‬وأن نتفاعل معها أيضا» (ص‪.)29:‬‬ ‫إن الواقع االفتراضي يؤثر على مستخدميه بتأثيرات واقعية‪ ،‬على الرغم‬ ‫من كونه ليس واقعاً‪.‬‬

‫اخليال هو العقل العابر للحدود‬ ‫ولكن ما هو معنى اخليال في اللغة العربية؟‬ ‫ٍ‬ ‫وخيل‬ ‫للخيال معان كثيرة في اللغة العربية‪ ،‬فقد يعني‪ :‬الظن‪ ،‬والظل‪ّ ،‬‬ ‫شبه‪ .‬وأخال الشيء‪ :‬اشتبه‪ .‬فاخليال قد يعني الظل الدال على‬ ‫عليه‪ّ :‬‬ ‫صاحبه أو الصورة الدالة على صاحبها‪ ،‬ومن البديهي القول إن هناك‬ ‫خلط ًا وعدم متييز بني اخليال والتوهم‪ .‬فالوهم في لسان العرب يدل على‬ ‫اخليال مبعنى التخيل أو االعتقاد‪ .‬ولكن بشكل عام يرتبط التخيل بحالة‬ ‫عقلية والتوهم حالة مرتبطة باإلحساس‪.‬‬ ‫ويعرف قاموس أكسفورد الفانتازيا أو التخيل بأنه‪« :‬حلم يقظة ينبعث‬ ‫نتيجة للرغبات أو االجتاهات الشعورية أو الالشعورية‪ ،‬إنها العملية أو‬ ‫امللكة اخلاصة بتكوين التمثيالت العقلية لألشياء التي ال تكون موجودة‬ ‫فعال» (ص‪.)45:‬‬ ‫أما املتخيل حسب الكاتب‪ ،‬فهو «موضوع التخييل في حالة ما إذا كانت‬ ‫عالقتنا باملتخيل أكثر حرية‪ ،‬وهو كذلك موضوع اخليال في حالة ما إذا‬ ‫كانت عالقتنا باملتخيل أكثر حرية‪ ،‬وهو كذلك موضوع اخليال في حالة‬ ‫ما إذا كانت عالقتنا باملتخيل أكثر انضباط ًا وحتديد ًا وتبلوراً» (ص‪.)47:‬‬ ‫واملتخيل قد يكون فردي ًا أو جماعياً‪ ،‬ومتعلق ًا بحالة سوية أو مرضية‪.‬‬

‫وبشكل عام‪ ،‬يكون العمل اإلبداعي‪ ،‬محصلة للتخيل واخليال‪ ،‬واخليال‬ ‫مرتبط بالنظام والتكنيك‪ ،‬والتخيل مرتبط باحلرية النسبية‪ ،‬واملبدع احلق‬ ‫يجسد عمليتي التخيل واخليال في عمله‪.‬‬ ‫هو من ّ‬

‫أنواع اخليال‬

‫‪109‬‬

‫«ليس حضور اخليال هو العيب‪ ،‬العيب‬ ‫في غيابه أو محاربته من جانب «أعداء اخليال»»‪.‬‬ ‫قال أرسطو‪« :‬ال توجد رغبة دون خيال»‪.‬‬ ‫يورد د‪ .‬شاكر عبد احلميد سبعة عشر نوع ًا من اخليال‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫‪ .1‬اخليال االجتماعي‪ :‬ويتحدث عن الكيفية التي يفهم بها الناس ما‬ ‫يدور في العالم اخلارجي‪.‬‬ ‫‪ .2‬املتخيل الثقافي‪ :‬عن الكيفية التي ترى بها ثقافة معينة العالم‪ ،‬وترى‬ ‫نفسها أيض ًا وسط هذا العالم‪.‬‬ ‫‪ .3‬اخليال السياسي‪ :‬ويرتبط بقدرة الساسة على طرح البدائل للخروج‬ ‫من أوضاع راكدة‪.‬‬ ‫‪ .4‬اخليال اجلغرافي‪.‬‬ ‫‪ .5‬اخليال التاريخي‪ :‬عن الكيفية التي يستطيع بها امل��رخ أن يكتب عن‬ ‫املاضي الذي لم يعشه‪.‬‬ ‫‪ .6‬اخليال االقتصادي‪.‬‬ ‫‪ .7‬اخليال البدني الرياضي‪.‬‬ ‫‪ .8‬اخليال األدبي‪ :‬املتعلق بخيال الصور األدبية واملجاز اللغوي‬ ‫واالستعارات‪.‬‬ ‫‪ .9‬اخليال التشكيلي‪.‬‬ ‫‪ .10‬اخليال املوسيقي‪.‬‬ ‫‪ .11‬اخليال االنفعالي‪.‬‬ ‫‪ .12‬خيال التفاصيل وتفاصيل اخليال‪.‬‬ ‫‪ .13‬اخليال الفلسفي املتعلق بالتأمل والتحليق‪ ،‬وذلك من خالل اخليال‬ ‫النافذ إلى النفس البشرية واحلياة والفنون وغيرها‪.‬‬ ‫‪ .14‬اخليال التطبيقي القائم على أساس التجريب والتدريب وحرية‬ ‫التفكير والتقييم بعيد ًا عن اخلوف من العقاب والفشل‪.‬‬ ‫‪ .15‬اخليال التجريبي‪.‬‬ ‫‪ .16‬اخليال التجريدي‪ :‬وهو مرتبط بالعلم واألدب والفن‪.‬‬ ‫‪ .17‬خيال العتمة وخيال الضوء‪ :‬فاخليال قد يعبر عن األحالم واآلمال‪،‬‬ ‫أو الفزع والكوابيس واخلوف‪.‬‬

‫ويضيف أن اخليال ما هو إال «طريقة لالستكشاف والتجوال العقلي‬ ‫على نحو إرادي مرن واحتمالي والعب بالبدائل خالل العوالم اخلاصة‬ ‫بالصور‪ ،‬واخليال في جوهرة عملية حتويل للصور‪ ،‬وعلى عكس احلال‬ ‫في االعتقاد الذي يكون إما صحيح ًا وإما خاطئاً» (ص‪.)50:‬‬

‫وفي الفصول املقبلة سيكون هناك بعض التحليق والرفرفة‪.‬‬

‫فاخليال ال يهتم كثير ًا بأمور اخلطأ والصواب والصدق والكذب‪،‬‬ ‫إنه أكثر حرية ورحابة‪ .‬وهو العملية الكلية التي حتتوي على التخييل‬ ‫والتخيل واملتخيل والعالم املتخيل الذي جتول فيه عملية التخيل بحرية‬ ‫ال محدودة في البداية‪.‬‬

‫«عن طريق العقل واملنطق‪ ،‬منوت كل ساعة‪ ،‬لكن من خالل اخليال نحيا»‬ ‫(كيتس‪ ،‬ص‪)79:‬‬ ‫«هو أيض ًا جوهر الفن والفلسفة والوجود اإلنساني»‬ ‫(دريدا‪ ،‬ص‪)82:‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫وستبقى أجنحة اخليال ترفرف و”تواصل طريقها‪ ،‬دوماً‪ ،‬صعود ًا‬ ‫وهبوطا‪ ،‬مينة ويسرة‪ ،‬في ضوء الشمس وبني طيات الظالم‪ ،‬وهي دوم ًا‬ ‫لم ولن تكف أبد ًا عن التحليق والرفرفة” (ص‪.)90:‬‬


‫خيال األطفال‬ ‫‪110‬‬

‫«حتى عندما متشي الطيور على األرض‪ ،‬فإننا نعرف أن لها أجنحة»‪.‬‬ ‫فيكتور هوجو‬ ‫يتناول عبد احلميد في الفصل الثاني من دراسته اخليال عند األطفال‪،‬‬ ‫حيث يظهر اخليال عند األطفال بشكل جلي بعد سن الثانية‪ ،‬وينتج‬ ‫حسب رأي عالم النفس الروسي فيجوتسكي نتيجة اإلحباط الذي‬ ‫يحس به األطفال عندما ال ُتشبع رغباتهم املباشرة‪ .‬فاألطفال حديثو‬ ‫الوالدة يحتاجون إلى اإلشباع الفوري‪ ،‬ومع منو الطفل يحدث هناك‬ ‫تغيرات‪ ،‬فرغبات الطفل وأمانيه تصبح أكثر تركيباً‪ ،‬ومسألة حتقيقها‬ ‫بشكل مباشر تصبح أقل قابلية للتحقيق‪ ،‬وقد ال تتحقق رغباته على‬ ‫اإلطالق‪ .‬فمن املمكن أن يرغب الطفل في ركوب حصان‪ ،‬ولكن‬ ‫ال ميكن حتقيق رغبته‪ ،‬فيصبح غاضباً‪ ،‬ويحس باإلحباط عند منعه‬ ‫من ذلك من قبل والديه‪ .‬وعندما يحس األطفال بتلك الفجوة املثيرة‬ ‫(‪ )Frustrated gab‬بني ما يرغبون ويحتاجون له‪ ،‬وبني اإلشاعات‬ ‫املتحققة لهذه الرغبات واحلاجات‪ ،‬يتطور اللعب اخليال‪ ،‬فالرغبات‬ ‫غير القابلة للتحقق في الواقع‪ ،‬ميكن حتقيقها في عالم اخليال‪ .‬ويصبح‬ ‫بإمكانهم تخيل عصا ما كأنها حصان ميتطونه ‪ ...‬الخ‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫يصرف األطفال إحباطاتهم وتوتراتهم‪،‬‬ ‫ومن خالل اللعب اخليال‬ ‫ّ‬ ‫ويتحررون نسبي ًا منها‪ ،‬ومع مرور بعض الوقت يكون الطفل قادر ًا‬ ‫من خالل اخليال أن يضع نفسه مكان اآلخرين‪ ،‬والعكس صحيح‪،‬‬ ‫فيما يسمى لعبة تبادل األدوار‪ ،‬وميكن أن يستخدم الطفل األشياء‬ ‫واملوضوعات‪ ،‬التي تسمى في عالم املسرح “امللحقات املهمات‬ ‫املسرحية (‪ )Props‬كمعينات مساعدة للخيال‪ ،‬إنها موضوعات انتقالية‬

‫يتعلق الطفل بها وتساعده على العبور إلى عالم اخليال‪ ،‬إنها ال تكون‬ ‫لها املعنى نفسه في عالم الراشدين‪ ،‬بل تكون رمز ًا وتعبير ًا عن شيء ما‬ ‫مفقود” (ص‪ ،)92:‬ومنها اللعب اخلشبية والعصي وغيرها‪ ،‬ولذلك‬ ‫نرى الطفل يستخدم األحجار الصغيرة كبدائل للنقود‪ ،‬واملكعبات في‬ ‫بناء منازل متخيلة ‪ ...‬وهكذا‪.‬‬ ‫يتبني اخليال عند األطفال في شتى اجلوانب‪ ،‬في ألعابهم‪ ،‬وفي كالمهم‪،‬‬ ‫وفي رسوماتهم‪ ،‬وفي قصصهم‪ .‬وسوف نتطرق تالي ًا إلى بعض جتليات‬ ‫اخليال عند األطفال كما وردت في الكتاب‪.‬‬ ‫األطفال واللعب‪ :‬يعتبر اللعب ركن ًا أساسي ًا في حياة األطفال‪ ،‬وبخاصة‬ ‫عندما يكونون متحررين من احلاجة الفورية للطعام‪ ،‬أو االبتعاد عن‬ ‫أخطار تهدد حياتهم‪ .‬وحتدث العالم السويسري بياجيه عن وجود‬ ‫مراحل أساسية للعب‪ ،‬هي‪ :‬لعب املمارسة‪ ،‬اللعب الرمزي‪ ،‬األلعاب‬ ‫ذات القواعد‪.‬‬ ‫ويعتبر لعب احملاكاة من أكبر األشكال املرتبطة بلعب املمارسة‪،‬‬ ‫ويتضمن ألعاب ًا حتدث املتعة‪ .‬فمنذ الوالدة وحتى عمر السنتني‪ ،‬يكشف‬ ‫الطفل عن قدر كبير من احملاكاة لآلخرين‪ ،‬أو لنفسه‪ ،‬في سلوكه‪ ،‬من‬ ‫غير فهم واضح ملا تعنيه هذه احلركات‪ .‬فاألطفال يحاولون االستكشاف‬ ‫من خالل اللمس واألصوات واملشاهدة‪ ،‬ويتذوقون األشياء وميضغونها‬ ‫ويشمونها ويلعقونها ويقبلونها‪ ،‬ويلعبون بها‪ ،‬ثم يرمونها أرضاً‪ ،‬أو‬ ‫يضعونها بعيد ًا عنهم‪.‬‬ ‫هذا االكتشاف بأن األشياء تسقط‪ ،‬تشعر األطفال بالبهجة والفرح‪،‬‬ ‫فيشعرون بقوة جديدة‪ .‬فاللعب هو خبرة مستمرة للتعلم‪ ،‬وتعتبر‬ ‫محاكاة تعبيرات الوجه واللعب باأليدي واألصابع جميعها أمثلة للعب‬

‫مشهد من مسرحية «الناي السحري» ملجموعة متثيل دراغون في مسرح احلرية في جنني‪.‬‬


‫املمارسة‪ .‬وهو توطئة للعب الرمزي كما يقول بياجيه‪.‬‬ ‫وينتقل الطفل بنموه من عوالم على أساس اللعب والدمى إلى عوالم‬ ‫تقوم على أساس الهندسة واالقتصاد والسياسة واإلعالم‪ ،‬وبذلك ينمو‬ ‫الطفل‪ ،‬ويتطور‪ ،‬مع كمية املواد واملعلومات التي ميتصها من العالم‬ ‫الواقعي‪ ،‬ونقلها إلى عامله املتخيل‪.‬‬ ‫لكن العالم فيجوتسكي‪ ،‬خالف بياجيه مبا يطرحه‪ ،‬وقال‪“ :‬إن السلوك‬ ‫اإليهامي املبكر ليس محاكاة رمزية‪ ،‬لكنه سلوك ميهد الطريق إلى الفهم‬ ‫الرمزي‪ ،‬فخالل السلوك اإليهامي يخلق الطفل موقف ًا متخيالً‪ ،‬فيه‬ ‫“تفقد األشياء قوتها احملددة اخلاصة‪ ،‬إلى درجة أن الطفل يبدأ في األداء‬ ‫على نحو مستقل عما يراه” (ص‪.)95:‬‬ ‫وهذا األداء اخلاص يعلم الطفل أن يوجه سلوكه ليس فقط من خالل‬ ‫اإلدراك املباشر لألشياء‪ ،‬أو املوقف الذي يؤثر فيه بشكل مباشر‪ ،‬بل من‬ ‫خالل املعنى اخلاص بهذا املوقف‪.‬‬ ‫وشرع فيجوتسكي بعد ذلك‪ ،‬يقدم حتليله اإلبداعي اخلاص عن الكالم‬ ‫املتمركز حول الذات‪ ،‬حيث قال “هذا الكالم يعكس ميل الطفل أو نزوعه‬ ‫اخلاص‪ ،‬وبخاصة عندما يكون منهمك ًا في التخطيط أو محاولة التغلب‬ ‫باحليلة على عقبة ما‪ ،‬إلى أن يفكر بالكلمات‪ ،‬وأن املصير الذي يلحق بعد‬ ‫ذلك مبثل هذا النوع من الكالم ‪ ...‬يصبح متوجه ًا إلى الداخل‪ ،‬ويصبح‬ ‫ضمنياً‪ ،‬يصبح كالم ًا داخلياً” (ص‪ .)97:‬ذلك حلظة أن يفصل الطفل بني‬ ‫الكالم املوجه نحو التخاطب مع اآلخرين‪ ،‬والكالم املوجه من أجل خدمة‬ ‫التفكير الذاتي الداخلي‪“ .‬إنه نوع من احلوار احلر اخليالي املرن اإلميائي مع‬ ‫الذات في ذلك‪ ،‬مقابل احلوار مع اآلخرين‪ ،‬الذي ينبغي أن يكون واقعي ًا‬ ‫ومنطقياً‪ ،‬أو يتظاهر ‪-‬على األقل‪ -‬بأنه كذلك” (ص‪.)97:‬‬ ‫ومن خالل حديث فيجوتسكي‪ ،‬وحتليله ملسار الكالم املتمركز حول‬ ‫الذات‪ ،‬فإن اإليهام بالنسبة له‪ ،‬ليس وظيفة سيكولوجية يتم كبتها‬ ‫وقمعها أو إخمادها خالل املسار اخلاص بالنمو‪.‬‬ ‫وأظهرت دراسة حلاالت مرضية ألطفال مبراحل مبكرة أن غياب اخليال‬ ‫املبكر‪ ،‬وليس وجوده‪ ،‬هو ما يدل على املرض‪ .‬فمن األعراض املرضية‬ ‫ملرض التوحد‪ ،‬نرى الغياب الواضح للعب التظاهري‪ ،‬فالطفل املتوحد‬ ‫ال يتواصل مع اآلخرين‪ ،‬ويكرر حركات منطية ثابتة‪.‬‬

‫واإليهام يعتمد على التظاهر واللعب واملراوغة‪ ،‬ويجلب املتعة‪ ،‬ويطور‬ ‫السلوك‪ ،‬وال يكون بهدف املراوغة ألغراض نفعية أو اخلداع‪ ،‬كما في‬ ‫حاالت الكذب والتحايل وما إلى ذلك‪.‬‬

‫فما هو اإليهام؟‬ ‫اإليهام هو «نوع من النشاط العقلي واحلركي واالنفعالي الذي يقوم‬

‫‪111‬‬

‫وقد يقدم اللعب اإليهامي املساعدة لألطفال وحتى للكبار على مواجهة‬ ‫املشكالت التي يصادفونها في حياتهم الواقعية‪ .‬ويقدم فرصة لنا ملمارسة‬ ‫األدوار التي نقوم بها أو نتمنى أن نصل إليها بحياتنا مثل لعب دور الطبيب‬ ‫أو القائد أو األم ‪. ...‬‬ ‫ويجعل اإليهام املرء يتعاطف مع اآلخرين ويفهمهم نتيجة قيامه‬ ‫بأدوارهم‪ ،‬ويساعد في فهم مشاعرنا اخلاصة وأحالمنا وإخفاقاتنا‬ ‫نتيجة مشاهدتنا لهذه األدوار اإليهامية‪ .‬وينتج عن ذلك توسيع آفاقنا‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬ويجعلنا أكثر توافق ًا مع أنفسنا وواقعنا‪.‬‬

‫امللحقات والشروط التعاقدية‬ ‫امللحقات مأخوذة من عالم املسرح‪ ،‬وتنقسم إلى‪ :‬ملحقات يدوية‬ ‫يستخدمها املمثل مثل املنديل والكتب واملسدس ‪ ،...‬ملحقات املنظر‬ ‫مثل مطفئة السجائر‪ ،‬ملحقات التزيني مثل الصور املعلقة والستائر‪.‬‬ ‫ويستعني األطفال بامللحقات في تنشيط لعبهم اإليهامي‪ ،‬مثل استخدام‬ ‫العصا في اللعب‪ ،‬وتخيلها حصان ًا ميكن ركوبه‪ .‬ومن املهم بالنشاط‬ ‫اإليهامي «أن يتفق على الشرط‪ ،‬أو اشتراط أولي على استخدام أحد‬ ‫امللحقات بطريقة إيهامية معينة‪ ،‬وفي ضوئها ينشأ السلوك‪ ،‬أما إذا‬ ‫رفض مثل هذا الشرط أو االشتراط فإن النشاط اإليهامي سيتوقف»‬ ‫(ص‪.)107:‬‬ ‫وفي دراسات اخليال يعرف ذلك باإليقاف املؤقت للحكم العقلي‬ ‫املنطقي أو حالة عدم التصديق‪ .‬وعندما يصبح الطفل أكبر‪ ،‬تصبح‬ ‫األلعاب البسيطة املنفصلة مركبة ومتكاملة في لعبة مميزة‪ ،‬ومع النمو‬ ‫يستطيع الطفل أن يدخل اآلخرين قي األلعاب املركبة‪ ،‬ويلعب أدوار ًا‬ ‫وأدوار ًا معاكسة‪.‬‬ ‫ومييل األطفال في سن الرابعة واخلامسة إلى تركيز ألعابهم حول هدف‬ ‫معني‪ ،‬فإذا لعبوا لعبة القراصنة‪ ،‬فإن اللعب يتركز حول اكتشاف مكان‬ ‫الكنز املفقود أو املسروق ويتضمن اللعب التهيؤ على إعداد املالبس‬ ‫املناسبة للعبة وصناعة السفينة ‪ ...‬وجميعها أنشطة متكاملة ومتعددة‬ ‫األدوار‪ .‬ويتضمن اللعب أيض ًا موضوعات متخيلة‪ ،‬كالوصول إلى‬ ‫الكنز واالحتفال بالنصر‪.‬‬

‫لعب الدور اإليهامي‬ ‫يظهر اللعب عند سن الثانية وما بعدها‪ ،‬ويتبنى الطفل من خالله أدوار ًا‬ ‫مختلفة‪ ،‬لكنها مترابطة‪ ،‬مثل دور األم وطفلها أو سائق احل��فلة‪ ،‬وهو من‬ ‫أشكال التعامل بني األطفال األصدقاء‪ .‬وهذا النوع من اللعب يدل على‬ ‫الصداقة والتوجه نحوها‪ .‬والتعاون في هذه األلعاب يحتاج إلى املرونة‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫لذلك علينا أن نسأل دوم ًا عن الدور املهم لإليهام في األنشطة االجتماعية‬ ‫واملعرفية السليمة لدى األطفال والكبار على حد سواء‪.‬‬

‫على أساس اخليال الذي يسقط على نحو مقصود على شيء ما»‬ ‫(ص‪ .)101:‬واإليهام يعني أيض ًا استعمال امللحقات في نشاطات‬ ‫خيالية‪ ،‬فتصبح امللحقات موضوعات للتخيل‪ ،‬فالعصا تصبح فرس ًا‬ ‫يركبه الطفل‪.‬‬


‫‪112‬‬

‫ويقول عبد احلميد إنه «ينظر إلى األطفال الناجحني واملشاركني بفاعلية‬ ‫في مثل هذا النشاط من جانب زمالئهم على أنهم محبوبون‪ ،‬ومن‬ ‫جانب مدرسيهم على أنهم اجتماعيون بدرجة عالية» (ص‪.)109:‬‬

‫أما بالنسبة للفترة الزمنية‪ ،‬فإن بشر اخليال وحيواناته‪ ،‬يتفاوتون في املدة‬ ‫الزمنية‪ ،‬فمنهم من يبقى فترة زمنية طويلة ساكن ًا في خيال الطفل‪ ،‬ويكون‬ ‫رفيق ًا حلو املعشر‪ ،‬وآخرون يسكنون لفترة زمنية قصيرة وعابرة‪.‬‬

‫ويورد عبد احلميد تعريف العالم هاريس ملعنى لعب الدور‪ ،‬بأنه‬ ‫«لعب إيهامي يقوم خالله الطفل‪ ،‬وعلى نحو مؤقت‪ ،‬بأداء الدور‬ ‫اخلاص بشخص آخر‪ ،‬وباستخدام أفعال وأقوال إيهامية أو متخلية»‬ ‫(ص‪.)109:‬‬

‫وميكن أن يزدحم خيال األطفال بالكثير من الكائنات (بشر وحيوانات)‪،‬‬ ‫يذهب بعضهم ليحل غيرهم محلهم‪ .‬وقد يكون اخليال مزدحم ًا لدرجة‬ ‫كبيرة يتضمن مجموعة من القطط أو جيش من سكان املريخ‪ .‬والبعض‬ ‫ليس لديه سوى رفيق واحد أو اثنني‪ .‬ولكن حسب الدراسات‪ ،‬فإنه‬ ‫على األغلب يوجد لدى الطفل رفيقان أو أكثر قليالً‪.‬‬

‫وليس بالضرورة أن يحدد الطفل الدور اخلاص به هنا‪ ،‬إذ أن املرحلة‬ ‫الصريحة إمنا تظهر بعد ذلك في سن الثالثة أو الرابعة‪ .‬ولكن هنا يجب‬ ‫أن نستدل على الدور الذي يلعبه الطفل من خالل األنشطة اإليهامية التي‬ ‫يقوم بها أو موافقته لالقتراحات التي يقدمها العب آخر مشارك معه‪.‬‬ ‫وهناك العديد من املظاهر التي تدلل على نشاط اخليال عند األطفال ما بني‬ ‫اللعب اإليهامي‪ ،‬ولعب الدور‪ ،‬وسماع القصص‪ ،‬وغيرها‪ .‬ولكن هناك‬ ‫ظاهرة ملفتة لالنتباه درسها العلماء‪ ،‬وتتعلق مبا يسمى بالرفيق اخليالي‪.‬‬

‫الرفيق اخليالي‬ ‫ميارس األطفال النشاط اإليهامي اخلاص بلعب الدور بني سن الثانية‬ ‫والثالثة‪ ،‬وهو عادة يكون نشاط ًا مؤقتاً‪ ،‬ففي أي حلظة قد يتخذ األطفال‬ ‫دور الطفل الرضيع‪ ،‬أو البطة األم ‪. ...‬‬ ‫ولكن بعض األطفال يبدأون مبمارسة نوع محير من النشاط اخلاص‬ ‫بلعب الدور‪ ،‬فهم يلمحون إلى وجود كائن متخيل هويته ثابتة ومستمرة‬ ‫معهم عبر شهور عدة‪ ،‬ويتم استحضار ذلك الكائن بطريقة منتظمة‪،‬‬ ‫بحيث يصبح رفيق ًا مالزم ًا للطفل‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ويورد الكاتب تعريف الباحثة سفيندسون للرفيق اخليالي بأنه «الشخصية‬ ‫غير املرئية التي يطلق عليها الطفل اسم ًا خاصاً‪ ،‬ويشير إليها خالل‬ ‫محادثاته مع اآلخرين أو يلعب معها مباشرة فترة من الزمن‪ ،‬على األقل‬ ‫عبر شهور عدة‪ ،‬ويكون لها حضورها الواقعي بالنسبة إلى الطفل‪ ،‬ولكن‬ ‫من دون أساس واقعي موضعي واضح أو مشاهد» (ص‪.)112:‬‬ ‫وكان االعتقاد السائد سابق ًا أن األطفال الذين لديهم رفيق خيالي غير‬ ‫أسوياء أو يعانون من اضطرابات سلوكية اجتماعية‪ ،‬ولكن دراسة‬ ‫لألمريكية مارجوري تايلور أثبتت أن ال فروق دالة في الشخصية أو‬ ‫احلالة املزاجية بني األطفال الذين يخترعون الرفيق اخليالي‪ ،‬والذين ال‬ ‫يفعلون ذلك‪.‬‬

‫لكن من يشغل احلياة اخليالية لألطفال؟‬ ‫البشر واحليوانات‪ ،‬ويكونون متفاوتني في مدى تطور شخصياتهم‬ ‫وحيويتهم‪ ،‬وكذلك بعدهم أو قربهم من العالم الواقعي‪ .‬فالبعض قد‬ ‫يتخذ صورة شخص مقرب منه في العالم الواقعي‪ ،‬والبعض اآلخر‬ ‫يستخدم شخصية خيالية من فلم كارتوني أو من كتاب ‪...‬‬

‫ويضفي األطفال على بعض الدمى واحليوانات‪ ،‬شخصية ثابتة نسبياً‪،‬‬ ‫ويعاملها كما لو كانت واقعية «فيتحدث إليها ويختلق لها صوت ًا خاص ًا‬ ‫بها‪ ،‬ويوجهها أو يستشيرها حول بعض املشكالت» (ص‪.)115:‬‬ ‫وحسب الدراسات‪ ،‬فإن الرفيق اخليالي القائم على أساس لعبة‪ ،‬ميكن‬ ‫أن يختلف عن اللعبة الواقعية‪ ،‬فيكون أكبر حجم ًا وأكثر ألوان ًا وحركة‬ ‫‪ ...‬والدراسات املبكرة التي تناولها الكتاب‪ ،‬تشير إلى «أن النسبة‬ ‫املئوية لوجود ظاهرة الرفيق اخليالي هي ‪ %13.4‬فقط بني األطفال‪،‬‬ ‫أما الدراسات التالية فقد ارتفعت بهذه النسبة إلى ‪ ... %65‬والسبب‬ ‫الرئيسي هنا هو أن البحوث املبكرة كانت تستبعد احليوانات احملشوة‬ ‫واللعب الواقعية من أن تكون موجودة ضمن هذه الظاهرة العامة بالرفيق‬ ‫اخليالي» (ص‪.)116:‬‬ ‫والدراسات املستمرة حول املوضوع‪ ،‬تضع هذه األشياء ضمن ظاهرة‬ ‫الرفيق اخليالي‪ .‬وتناول عبد احلميد في كتابه بعض اخلصائص املميزة‬ ‫لألطفال الذين يبتكرون رفقاء خياليني‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫‪ .1‬اخلصائص الشخصية‪ :‬والدراسات املبكرة حتدثت عن أن هؤالء‬ ‫األطفال يكونون ذوي مزاج عصبي وال يتحملون املسؤولية‪،‬‬ ‫ومييلون إلى أن يكونوا في الظل‪ ،‬لكن الدراسات احلديثة أثبتت‬ ‫عكس ذلك‪.‬‬ ‫‪ .2‬تركيز االنتباه‪ :‬يكون لدى هؤالء األطفال قدرة على تركيز االنتباه‬ ‫أكثر من غيرهم‪.‬‬ ‫‪ .3‬الذكاء‪ :‬ميتازون بالذكاء الشديد‪.‬‬ ‫‪ .4‬اإلبداع‪ :‬أشارت بعض الدراسات إلى أن هؤالء األطفال يكونون‬ ‫أكثر إبداع ًا من غيرهم‪.‬‬ ‫‪ .5‬اخللفية األسرية‪ :‬تكثر الظاهرة لدى األطفال الوحيدين‪ ،‬الذين‬ ‫ليس لديهم أخوة‪ ،‬ولكنها حتدث أيض ًا في األسر التي لديها أكثر‬ ‫من طفل‪.‬‬ ‫‪ .6‬مشاهدة التلفزيون‪ :‬هؤالء األطفال يشاهدون التلفزيون أقل من‬ ‫غيرهم من األطفال‪ ،‬وذلك ألن وظيفة التلفزيون تشبه وظيفة‬ ‫الرفيق اخليالي‪ ،‬فكالهما يقدمان الصداقة واملتعة‪.‬‬ ‫‪ .7‬ويدلل ذلك على األضرار السيئة التي يحدثها التلفزيون على‬ ‫اخليال‪.‬‬ ‫‪ .8‬النوع أو اجلنس والرفيق اخليالي‪ :‬حتدثت بعض الدراسات على أن‬ ‫البنات لديهن بشكل أكثر من األوالد ظاهرة الرفيق اخليالي‪ .‬ولكن‬ ‫دراسات أخرى أشارت إلى أن ذلك يكون في األعمار املبكرة‪ ،‬ألنه‬


‫كلما زاد العمر زادت أعداد األوالد الذين لديهم هذه الظاهرة‪.‬‬ ‫‪ .9‬اجتاه الوالدين نحو اخليال‪ :‬تشجيع الوالدين للسلوك اخليالي يعززه‬ ‫لدى األطفال‪ ،‬والعكس صحيح‪.‬‬ ‫‪ .10‬العمر‪ :‬على األغلب يكون عمر الرفيق اخليالي وحجمه ونوعه‬ ‫مساوي ًا للطفل الذي يبتكره‪.‬‬ ‫ويكون الرفقاء اخلياليون سعداء وأطفا ً‬ ‫ال محبوبني‪ ،‬ويقومون بأفعال‬ ‫مضحكة وغريبة وسخيفة أحياناً‪.‬‬ ‫ويقول عبد احلميد‪ :‬إن ظاهرة الرفيق اخليالي تستمر أحيان ًا شهور ًا عدة‬ ‫عند البعض‪ ،‬ولكن عند البعض اآلخر قد تستمر سنوات عدة‪ .‬ولكنها‬ ‫ظاهرة تختفي يوم ًا ما‪ .‬وهي مسألة تتعلق بفقدان االهتمام “وحتول نشاط‬ ‫اللعب نحو أمور أخرى ورفقاء آخرين أكثر واقعية‪ ،‬مع تزايد األحداث‬ ‫واخلبرات امللموسة احملسوسة” (ص‪.)120:‬‬ ‫فعند سن التاسعة أو العاشرة‪ ،‬تذهب بعض األنشطة اخليالية لألطفال‬ ‫إلى أكبر من ظاهرة الرفيق اخليالي إلى العوالم اخلفية أو املجتمعات‬ ‫املتخيلة‪.‬‬

‫العوالم اخلفية أو املجتمعات املتخيلة‬ ‫وهي مجتمعات إما تكون موجودة وإما يتم ابتكارها لتعيش فيها كائنات‬ ‫خيالية‪ .‬وتناول الكتاب ما قام به الكاتبان روبرت سيلفي وستيفن‬ ‫ماكبث‪ ،‬حيث قاما بجمع ‪ 64‬دراسة حالة تشتمل على مجتمعات‬ ‫متخيلة‪ ،‬ابتكرها ‪ 61‬من الراشدين و‪ 3‬من األطفال‪ ،‬نصفهم ذكور‬ ‫والنصف اآلخر إناث‪.‬‬

‫وميز بعض الباحثني بني ظاهرة الرفيق اخليالي وظاهرة املجتمعات‬ ‫املتخيلة من حيث أن األولى تتعلق بفرد واحد أو اثنني‪ ،‬وتنسى بسرعة‪،‬‬ ‫بينما الثانية أكثر تفصيالً‪ ،‬وتضم كائنات كثيرة ومتنوعة‪ ،‬ويتم تذكرها‬ ‫لسنوات طويلة‪.‬‬

‫‪113‬‬

‫كما ترتبط ظاهرة الرفيق اخليالي أكثر بالطفولة املبكرة من ‪ 6-2‬سنوات‪،‬‬ ‫بينما املجتمعات املتخلية تكون في مرحلة وسيطة ومتأخرة من ‪12-6‬‬ ‫سنة‪.‬‬

‫اخليال االفتراضي التكنولوجي واألطفال‬ ‫يشير عبد احلميد في الكتاب إلى بعض الدراسات احلديثة‪ ،‬التي تتحدث‬ ‫عن فائدة ألعاب الفيديو احلديثة‪ ،‬بكونها تنمي لدى األطفال مهارات‬ ‫عدة‪ ،‬منها اتخاذ القرارات‪ ،‬وحل املشكالت‪ ،‬والتفكير الناقد‪،‬‬ ‫واإلبداء‪ ،‬واملثابرة أيضاً‪ ،‬وكل ذلك في جو خيالي مليء باملتعة واإلثارة‪،‬‬ ‫نتيجة تتابع الصور واألحداث السريع‪ ،‬لكن ‪-‬حسب رأي الكاتب‪ -‬كل‬ ‫هذا يحدث لدى الطفل انفصا ً‬ ‫ال عن الواقع‪ ،‬ويجعله يعيش في عالم‬ ‫خيالي‪ ،‬في وقت عليه أن يعد نفسه لدخول العالم احلقيقي‪.‬‬ ‫عدا عن العنف والقسوة املوجودة باأللعاب‪ ،‬التي معظم األبحاث‬ ‫واألسر تعترض عليها‪ ،‬وال تهتم وال تعترض على اجلانب االنسحابي‪،‬‬ ‫والهروب من الواقع الذي يعيشه الطفل داخل هذه األلعاب‪.‬‬

‫واهتم الكاتبان أساس ًا بتلك العوالم اخلاصة التي‪:‬‬ ‫‪ .1‬يتعرفها األطفال على أنها خيالية بشكل ال شك فيه‪.‬‬ ‫‪ .2‬تستأثر باهتمام الطفل فترة طويلة من الزمن‪.‬‬ ‫‪ .3‬لها أهمية عظيمة لدى الطفل‪ ،‬ويستمر اهتمام الطفل بها فترة طويلة‪.‬‬

‫ورشح عن الدراسة معلومات مهمة منها‪:‬‬ ‫‪ .1‬عمر الذروة في خلق العوالم املتخيلة هو سن التاسعة ‪.%74‬‬ ‫‪ %19 .2‬منها مت خلقها ما بني سن الثالثة والسادسة‪.‬‬ ‫‪ %7 .3‬منها مت خلقها ما بني سن ‪.16-13‬‬ ‫‪ .4‬في بعض العوالم حرص بعض األطفال على مشاركة الكبار فيها‪،‬‬ ‫والبعض اآلخر اعتبرها أمور ًا خاصة به‪.‬‬

‫من فعاليات مدرسة غزة للموسيقى‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫وكان هناك تنوع في هذه املجتمعات املتخيلة التي جاءت في األفكار‬ ‫املقدمة‪« :‬فمن بني احلاالت األربع والستني التي درسوها‪ ،‬كانت هناك‬ ‫سبع عشرة حالة تتعلق بأماكن سحرية (أنشئت بفعل السحر)‪ ،‬وكان‬ ‫هناك خمسة وأربعون مكان ًا طبيعي ًا أيضاً‪ ،‬ثم كان هناك مكانان ميزجان‬ ‫بني األماكن الطبيعية واألماكن املسحورة ‪ ...‬وبعض العوالم التي تقوم‬ ‫على أساس وجود لعبة أو دمية ‪( »..‬ص‪.)121:‬‬


‫‪114‬‬

‫والكثير من ألعاب الفيديو «تشبه الرعب الليلي‪ ،‬مع فارق واحد كبير‪،‬‬ ‫هو أنها تسمح ملستخدمها أن يهاجم من يهاجمه ‪ ...‬وليس هناك من‬ ‫حاجة إلى أن يظل عرضة دائم ًا للهجوم‪ ،‬هنا نوع من األمن واألمان ال‬ ‫يتوفر في أثناء النوم الليلي» (ص‪.)124:‬‬

‫باحملاكاة‪ ،‬وتشتمل احملاكاة «على تكوين للصور في سلسلة من‬ ‫األحداث التي ميكن أن حتدث في احلياة الواقعية‪ ،‬وهي قادرة كذلك‬ ‫على حتويل احلاالت اجلسمية إلى صور عقلية‪ ،‬وعلى ترجمة صور‬ ‫األحالم أيض ًا إلى أنشطة ال شعورية وال إرادية» (ص‪.)158:‬‬

‫هناك شواهد كثيرة تدلل على أن الطفل يعي ويدرك أن هناك عاملني؛‬ ‫أحدهما واقعي‪ ،‬واآلخر خيالي‪ ،‬لكنه يشعر بصالت معينة بينهما‪.‬‬ ‫وعندما يصل الطفل إلى التميز داخل املستوى اخليالي بني عاملني «عالم‬ ‫واقعي ومدرك وعالم متخيل وغير مرئي‪ ،‬ومن ثم يكون هذا الوعي‬ ‫بتعدد مستويات الواقع هو البداية احلقيقية لإلبداع» (ص‪.)128:‬‬

‫وعندها يقوم اخليال بالتحرر من مهامه العادية واالبتعاد عنها‪ .‬وهنا‬ ‫نقترب من مفهوم عملية اإلبداع التي ظهرت خالل القرن املاضي‪ .‬إن‬ ‫اخليال منذ أرسطو حتى كانط‪ ،‬ما هو إال نشاط حر «ولكن ليس على‬ ‫نحو مطلق كما أشار بيكون‪ ،‬وقد استمر األمر هكذا حتى وصلنا إلى ما‬ ‫يشبه اإلجماع على أن اخليال هو نوع من املمارسة للحرية العقلية‪ .‬وأن‬ ‫هذه املمارسة تتم بطرائق عدة» (ص‪.)183:‬‬

‫فالسفة اخليال‬ ‫«فما أوسع حضرة اخليال‪ ،‬وفيه يظهر وجود املجال‪،‬‬ ‫بل ال يظهر فيها على التحقيق إال وجود اخليال»‪.‬‬ ‫محي الدين بن عربي‬ ‫كان للخيال في اعتقاد أفالطون دور غامض يقوم به بني اإلحساس‬ ‫والتفكير املجرد‪ ،‬ودور ًا محدد ًا ومحاط ًا بالظنون والشكوك‪ ،‬إنه نوع‬ ‫من الصور املوجودة في املخ‪ ،‬التي لها عالقة «بوعينا بالصور العقلية‬ ‫اخلاصة‪ ،‬مبا ننظر إليه في العالم الواقعي‪ ،‬وحتى عندما ننغمس في‬ ‫أحالم اليقظة أو نتصور عقلي ًا خطة للمستقبل‪ ،‬فإن التخيل «الفانتازيا»‬ ‫ينشأ في عقولنا‪ ،‬هنا‪ ،‬لكنه يكون أيض ًا مجرد حاالت مصاحبة للتفكير»‬ ‫(ص‪ .)138:‬بينما ظلت الصور لدى أرسطو تعبر عن بقايا خلبرتنا‬ ‫احلسية‪ ،‬أو تعمل بوصفها صوراً‪ ،‬نسخ ًا من الصور التي حتاكي األصل‬ ‫الواقعي‪ ،‬وليس املثالي كما تصور أفالطون‪ .‬صور أكثر ثبات ًا وصدقاً‪ ،‬ال‬ ‫كما يصفها أفالطون نسخة من نسخة أخرى من أصل‪.‬‬ ‫إن الصور كما عبر عنها أرسطو قد «تساعد على احلدس‪ ،‬احلقيقة‬ ‫اجلوهرية املوجودة في األشياء الواقعية‪ .‬والصور والتخيل هنا ال‬ ‫ينتجان املعنى‪ ،‬لكنهما ميثالن الواقع أمام العقل بأصدق شكل ممكن»‬ ‫(ص‪.)144:‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫فاخليال يجب أن يظل خاضع ًا للعقل كما يتصور أرسطو‪ .‬واحلقيقة إنه‬ ‫ينسب ألوغسطني الفضل في حترير مفهوم اخليال من الدالالت السلبية‬ ‫املصاحبة له‪ ،‬وعن «ذلك الربط الوثيق ورمبا الوحيد بينه وبني اإلدراك‬ ‫احلسي» (ص‪.)152:‬‬ ‫فأوغسطني هو الذي قال «إن ما نراه يعتمد على املدى الذي ننظر عنده‬ ‫إليه» (ص‪ .)152:‬فعندما تشتد الرغبة التي من خاللها ننظر إلى‬ ‫شيء أو ننتظره‪ ،‬فإننا ميكن أن نخلط بني الصور الواقعية له والصورة‬ ‫التي نخلقها نحن حوله‪ .‬وهذا قد يؤدي إلى ظهور الهلوسات‪ ،‬أو‬ ‫استجابات جسمية متطابقة مع االستجابات التي حتدث إذا كانت الصور‬ ‫واقعية وليست خيالية‪.‬‬ ‫ويعد الفارابي من أهم املفكرين اإلسالميني‪ ،‬الذين حتدثوا عن اخليال‬ ‫وأبدعوا في موضوعه‪ .‬فقد نسب الفارابي للخيال امللكة اخلاصة‬

‫اخليال األدبي‬ ‫يورد الكاتب في مؤلفه قصة صينية قدمية‪ ،‬تعبر بكلمات قليلة جد ًا عن‬ ‫معنى اخليال في األدب‪ .‬فاخليال يخلق شيئ ًا جديداً‪ .‬لذلك‪ ،‬فاإلبداع‬ ‫واخللق والتوليد هو ما مييز اخليال عن االستحضار واالستعادة عن مجرد‬ ‫اإلنتاج‪ .‬فاخليال يأتي في كل مرة على هيئة شعرية‪ .‬وللخيال معنى‬ ‫يتصل بالعمل الصعب واجلهد الدؤوب‪ ،‬واملقصود هنا التوليد للعمل‬ ‫اخليالي بقوة الرسم والتشكيل بفعل األداء اخليالي ذاته‪.‬‬ ‫واخليال هنا كأنه يرجع إلى املرء‪ ،‬إلى ذاته «تلك النظرة التي كان قد‬ ‫وجهها نحو شيء معني‪ ،‬أو هو املركب األدائي الذي يوجه‪ ،‬بحيث‬ ‫يعمل كمرآة غير مرئية للذات الشعرية (ص‪ .)221:‬فاخليال الشعري‬ ‫يتسبب في حدوث مضاعفات للخيال والصور‪ ،‬وذلك من خالل توليد‬ ‫األشياء لدى الشاعر في حاالت التجلي الكامل لها‪ .‬ولذلك «يعتبر‬ ‫اخليال الشعري نسخة مضاعفة للخيال في حاالت نشاطه اخلاص لتفهم‬ ‫األشياء وإدراكها‪ ،‬وهذه هي حالته دائماً» (ص‪.)222:‬‬ ‫ولكن أين هي القصة الصينية القدمية التي ستختصر الكثير من الكلمات؟‬ ‫«كان يا ما كان‪ ،‬حلمت ذات مرة‪ ،‬أنا تشوجن زو‪ ،‬أنني فراشة‪ ،‬حتلق هنا‬ ‫وهناك‪ ،‬وترفرف بجناحيها ثم حتلق هنا وهناك‪ ،‬ثم استيقظت فجأة من‬ ‫نومي‪ ،‬وإلى اآلن ال أعرف هل كنت إنسان ًا يحلم بأنه فراشة‪ ،‬أم أنني‬ ‫فراشة حتلم‪ ،‬اآلن بأنها إنسان»‪.‬‬

‫أشباح العقل وأشباح اخليال‬ ‫«كان موضوع األشباح من أكثر املوضوعات تعذيب ًا لي عبر حياتي»‪.‬‬ ‫جيرمي بنتام‬ ‫«تنشط الشياطني على خيال اإلنسان حتى يصبح كل شيء على غير حقيقته»‪.‬‬ ‫توما األكويني‬ ‫تنتج األفكار اإلبداعية في حالة توحد بني الواقع واخليال‪ ،‬واملبدع يحاول‬ ‫بكل ما أوتي من قوة أن يلتقط تلك احلالة‪ ،‬أن ميسكها بيديه‪ ،‬لكي‬ ‫يجسدها في أعماقه‪ .‬وكان هيبوليت تني يقول «إن اإلدراك اخلارجي هو‬ ‫هلوسة حقيقية» (ص‪ .)252:‬وقال لويس بورخيس «إنه بينما نكون‬ ‫نائمني في هذا العالم‪ ،‬نستيقظ في عالم آلخر» (ص‪.)252:‬‬


‫أما الشاعر واملصور وليم بليك‪ ،‬فيقول «إنه لو مت تنظيف أبواب‬ ‫اإلدراك‪ ،‬فإن كل شيء سيبدو لإلنسان كما هو عليه حقيقة‪ ،‬النهائي‪،‬‬ ‫لقد أغلق ذلك اإلنسان الباب على نفسه حتى يستطيع أن يرى كل‬ ‫األشياء من خالل فتحات أو شقوق صغيرة موجودة في كهفه»‬ ‫(ص‪.)252:‬‬

‫اخليال العلمي‬ ‫«اخليال شمس في روح اإلنسان»‪.‬‬ ‫الطبيب بارسيلسس ‪ -‬القرن ‪16‬‬ ‫تعتمد الفانتازيا األدبية واحلكايات اخلرافية على اخلارق من األمور‬ ‫والكائنات على السحر والسحرة‪ ،‬وكل ذلك متحرر من األسباب‬ ‫الطبيعية والقوانني املادية‪ .‬ولكن اخليال العلمي يقوم على أساس العلم‪،‬‬ ‫أو «على األقل على أساس افتراض فحواه أن كل شيء قابل للتفسير‬ ‫بوساطة العلم» (ص‪ .)281:‬وعلى الرغم من أن اخليال العلمي قد‬ ‫يحوي حي ً‬ ‫ال وظواهر خيالية‪ ،‬لكنها يجب أن تفسر في ظواهر العلم‬ ‫واألسباب الطبيعية‪.‬‬

‫خيال العلماء‬ ‫«اخليال أكثر أهمية من املعرفة‪،‬‬ ‫وذلك ألن املعرفة محدودة‪ ،‬أما اخليال فيحيط بالعالم كله»‪.‬‬ ‫(أينشتني‪ ،‬ص‪.)283:‬‬ ‫التفكير بالصورة‪ ،‬هو ما يرتكز عليه اخليال‪ ،‬والصورة قد تكون بصرية أو‬ ‫سمعية‪ ،‬أو ملسية ‪ ...‬واقترح بعض العلماء أن كفاءة التفكير بالصورة‬ ‫تعود إلى عدد من اخلصائص منها‪:‬‬

‫ولذلك‪ ،‬فإن لها تأثيرها االنفعالي واحلسي الكبيرين‪ ،‬إذا متت املقارنة‬ ‫بالصور اللفظية األكثر غموض ًا وجتريداً‪ .‬ووردت إشارات جمة في‬ ‫الدراسات النفسية احلديثة‪ ،‬تشير إلى أن اإلبداع في العلم يتشابه مع‬ ‫اإلبداع في الفن‪ ،‬فالفنانون والعلماء يستخدمون «اإلستراتيجيات‬ ‫نفسها في تفكيرهم وفي سعيهم إلى اكتشاف متثيالت جديدة للطبيعة»‬ ‫(ص‪ .)292:‬فالعلماء يحلون املشكالت‪ ،‬وكذلك الفنانون وإن‬ ‫بطرقهم اخلاصة‪.‬‬

‫«اخليال موطن احلقيقة»‪.‬‬ ‫(جوشوا رينوالدز‪ ،‬ص‪)323 :‬‬

‫‪115‬‬

‫في العام ‪ ،1924‬نشر الشاعر أندريه بريتون (‪ )1966-1896‬البيان‬ ‫األول للسيريالية‪ .‬وعرف السيريالية بأنها حركة أدبية «موجهة بواسطة‬ ‫التفكير‪ ،‬في ظل الغياب ألي حتكم ميارسه العقل‪ ،‬وأنها تخلي نفسها‬ ‫من أي التزام جمالي أو أخالقي» (ص‪ .)353:‬وأكدت في بياناتها‬ ‫وأعمالها أهمية اخليال واحلرية واحللم‪ ،‬بل واحلماقة‪ ،‬وأكدت على‬ ‫أهمية اخلضوع للقوى املظلمة اخلاصة بالالشعور‪ ،‬حيث الهذيان‬ ‫واجلنون والكوابيس‪ ،‬لكن اخلضوع هنا بقصد التحليق والتمكن‪.‬‬ ‫وكتب بريتون يقول «أيها اخليال العزيز‪ :‬إن ما أحبه فيك بشكل خاص هو‬ ‫أنه من املستحيل نسيانك» (ص‪ .)354 :‬وقد قامت حركات جتريبية نابضة‬ ‫باحلياة في الفن التشكيلي‪ ،‬مثل‪ :‬التعبيرية والسيريالية والدادية والرمزية‪،‬‬ ‫بردم احلدود الفاصلة بني املقوالت والتصورات الفنية احملددة واجلامدة‪.‬‬ ‫إن السرد التشكيلي السيريالي والقوطي هو احلرية للخيال‪ ،‬والفوز الكبير‬ ‫لالشعور‪ ،‬إذ ال يتم االهتمام بالوجه املبتسم بل باجلمجمة التي وراءه‪.‬‬ ‫انظر ألعمال كلمنت ومونش‪ ،‬حيث «يطفر املوت ويثب فرح ًا باحلياة‬ ‫في مشاهد ذات جمال بصري آسر الفت» (ص‪ .)355:‬وكذلك أعمال‬ ‫الفنان املصري صالح عناني التي «متزج فيها احلياة باملوت والسخرية‬ ‫باأللم واملالمح املشوهة باجلمال والكوميديا باملأساة» (ص‪.)355:‬‬ ‫وكما قال هنري جيمس «نحن نعمل في الظالم‪ ،‬نحن نفعل ما نستطيع‬ ‫أن نفعله‪ ،‬نحن نعطي ما منلك‪ ،‬ومشاعر الشك لدينا هي انفعالنا‬ ‫احلقيقي‪ ،‬وانفعالنا وشغفنا هو شغلنا الشاغل‪ ،‬وما يتبقى بعد ذلك هو‬ ‫اجلنون اخلاص بالفن»‪.‬‬

‫اخليال املسرحي‬ ‫«عليك أن تتبع إيقاع حتليقك اخلاص»‪.‬‬ ‫(الشاعر األمريكي وولت وايتمان‪ ،‬ص‪)375 :‬‬ ‫«هدفنا حترير اخليال‪ ،‬وجذب اجلمهور نحو عالم خيالي»‬ ‫(املخرج املسرحي البريطاني بيتر بروك‪ ،‬ص‪)357 :‬‬ ‫إن إحضار اجلمهور خلشبة املسرح‪ ،‬وجعله يعيش املناخ اخلاص‬ ‫باملوضوع الرئيسي في املسرحية‪ ،‬هو الهدف من تصميم خشبة املسرح‬ ‫ومشاهدها‪ .‬وكل شيء مقبول إذا جنح العمل الفني‪ ،‬وجعل اجلمهور‬ ‫قادر ًا على التحليق كما املمثلني‪ .‬يقول الفيلسوف جادامير «إذا كان‬ ‫للمسرح أن يقدم لنا شيئ ًا ال يكون مجرد خدعة سيكولوجية‪ ،‬وإذا كان‬ ‫له أن يقدم لنا رمز ًا مبين ًا وقو ً‬ ‫ال ناطقاً‪ ،‬فإنه يحتاج إلى التجلي الروحي‬ ‫نفسه الذي يكون للغة اإلمياءة» (ص‪.)375:‬‬ ‫إذن‪ ،‬املسرح يقدم لنا يد املساعدة للوصول إلى مزيد من الوعي بذواتنا‬ ‫وذوات اآلخرين‪ ،‬وباحلياة‪ ،‬ويقدم أيض ًا املسرات االنفعالية اإليجابية‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫‪ .1‬الطبيعة اخلاصة لعملية التفكير بالصورة‪ :‬وهي طبيعة تتيح مرونة‬ ‫وحرية أكبر في تكوين األفكار اجلديدة‪.‬‬ ‫‪ .2‬الطبيعة العيانية والتشاكلية الثرية للصور‪ :‬فالصور العقلية تتسم‬ ‫بالثراء من حيث اللون واحلركة والشكل وغير ذلك‪.‬‬ ‫‪ .3‬احلدس املكاني‪ :‬أي الطبيعة املكانية للصور‪ .‬واملقصود هنا التعامل‬ ‫بحرية عبر املكان والزمان‪ ،‬وحتويلها إلى أشكال قابلة للتحقق في‬ ‫الواقع‪.‬‬ ‫‪ .4‬التأثير االنفعالي‪ :‬فالصور العقلية وما ينتج عن التفكير البصري‪،‬‬ ‫هي صور مليئة باحليوية‪ ،‬من حيث أشكالها وحركاتها وأل��انها‪ ،‬بل‬ ‫حتى أصواتها املفترضة املصاحبة لها‪.‬‬

‫اخليال التشكيلي‬


‫‪116‬‬

‫والشعور باملتعة‪ .‬ففي مسرحية «الطريق إلى دمشق» لسترندبرج‪ ،‬يقول‬ ‫على لسان زهر اللوتس «ال بد أنني كنت نائم ًا لبضعة ألوف من السنني‪،‬‬ ‫وحلمت أنني انفجرت وحتولت إلى أثير ولم أعد أستطيع أن أحس أو‬ ‫أعاني أو أسعد‪ ،‬ولكنني اآلن أعاني‪ ،‬وكأمنا أنا البشرية جمعاء‪ .‬أعاني‬ ‫وليس لي احلق في أن أشكو» (ص‪.)401 :‬‬ ‫ويقول في مكان آخر «من يدري‪ ،‬لعل كل شيء في حياتي كان حلماً‪،‬‬ ‫وإنني اآلن في حلم‪ .‬لكم أمتنى أن يكون األمر كذلك» (ص‪.)401:‬‬ ‫فاأللم ميكن الصبر عليه إذا حتدثت عنه‪ ،‬أو كتبت شيئ ًا عنه كمسرحية‬ ‫أو قصة‪ .‬وكذلك يعود إلينا املاضي‪ ،‬ويعود األموات أحياء من خالل‬ ‫اخليال والتخيل واحللم واملسرح والسينما‪.‬‬

‫اخليال السينمائي‬ ‫«كل أعمال اإلنسان لها جذورها في اخليال اإلبداعي»‪.‬‬ ‫(كارل جوستاف يوجن‪ ،‬ص‪)403:‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ميكن للسرد النثري لألحداث أن يصل إلى إثارة اخليال لدينا‪ ،‬لكن الفلم‬ ‫السينمائي وأحداثه التي نشاهدها أمام أعيننا وتتوالى‪ ،‬هي «ما يجعل‬ ‫تخييالت اخليال تتجسد أمامنا‪ ،‬إننا هنا نرى هذه األحداث الشخصيات‬ ‫بطرائقنا اخلاصة ‪ ...‬بل إننا نرى هذه األحداث والشخصيات متجسدة‬ ‫أمامنا ‪ ...‬ثم كما قيل نسقط مخاوفنا ورغباتنا اإلنسانية على املواقف‬ ‫املوجودة أمامنا» (ص‪ .)424:‬وما تلك الرغبات واملخاوف التي نسقطها‬ ‫على ما نشاهده سوى حاالت قلق وانفعاالت خاصة‪ ،‬تكون شعورية وال‬ ‫شعورية‪ ،‬وجتد لها إشباع ًا وتصريف ًا من خالل األحداث اخليالية تلك‪.‬‬ ‫فاألفالم السينمائية كلها‪ ،‬يوجد فيها قدر من التخيل واإليهام‪ ،‬وحتى‬ ‫األفالم الوثائقية والتسجيلية‪ ،‬فيها قدر من اخليال‪ .‬فالدقة في رسم‬ ‫التفاصيل‪ ،‬بل تفاصيل التفاصيل‪ ،‬تؤدي إلى استثارة اإلدراك‪ ،‬الذي‬ ‫يخرج من الواقع عن طريق التخيل الحتماالت ما ميكن أن يحصل لو أن‬ ‫الوضع الذي ترصده الكاميرا تغير اآلن‪ ،‬وتخيل األحداث التي أدت إلى‬ ‫وصول األمر إلى ما وصل إليه‪ ،‬وما ميكن فعله لتغير الوضع‪.‬‬ ‫وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن املاضي‪ ،‬ازداد اهتمام صناع السينما‬ ‫بقصص الرعب‪ ،‬وجتليات الرعب النفسية واجلسدية واملرتبطة بظواهر‬ ‫مثل التعذيب واجلنون‪ ،‬والقتل واالنتحار‪ ،‬والوحوش وغيرها‪ .‬وما زال‬ ‫االهتمام بهذا النوع من األفالم مستمر ًا لغاية اآلن‪ .‬فاملخرج السينمائي‬ ‫ديفيد كرونينبرغ الذي سار بأفالمه نحو منحنى خيالي للتعامل مع‬ ‫األمور األساسية املتصلة باخلوف‪ ،‬كاملوت واملرض والشيخوخة‪ ،‬يبرر‬ ‫ذلك قائ ً‬ ‫ال «ال أعتقد أن ما قدمته في أفالمي أكثر تطرف ًا مما هو موجود في‬ ‫الواقع‪( .‬ص‪ .)442 :‬ويضيف «إن ما قدمته من أفالم إمنا يعمل فقط‪،‬‬ ‫على إضاءة هذا الواقع» (ص‪.)442 :‬‬

‫صور في فوضى‬ ‫يقول الكاتب لويس بورخس «بينما نكون نائمني في هذا العالم‪ ،‬نستيقظ‬ ‫في عالم آخر‪ ،‬وبهذا املعنى فإن كل إنسان ما هو إال إنسانان اثنان من‬

‫البشر على األقل» (ص‪ .)443:‬ال يحصل اخليال بطريقة سوية ومنظمة‬ ‫دائماً‪ ،‬فأحيانا تتداخل أبعاده ويضطرب اخليال‪ ،‬فتحدث الفوضى بني‬ ‫صورة وتشكيالته‪ .‬فما أسباب هذا االضطراب؟‬ ‫إنه املكان‪ ،‬فعالقة املكان باخليال عالقة مهمة؛ سواء في حاالت‬ ‫الصحة أم املرض‪ .‬إن محبة املكان من األمور الرئيسية الزدهار اخليال‪،‬‬ ‫وعن ذلك قال ابن العربي «إن املكان الذي ليس مكانه ال يعول عليه»‬ ‫(ص‪ .)445:‬وحتدث باشالر عن محبة املكان قائ ً‬ ‫ال «واملكان الذي هو‬ ‫مكانه» (ص‪.)445:‬‬ ‫أما من األسباب التي جتعل اخليال ميوت في ضوء املكان‪ ،‬فاملدارس‬ ‫الضيقة والكئيبة‪ ،‬التي يتكدس فيها الطالب دون أدنى شروط التعلم‪،‬‬ ‫وكيف للخيال أن ينمو ويكبر في ظل القمع واالستبداد السياسي‪ ،‬وفي‬ ‫ظل األزمات االقتصادية؟‬ ‫كما يلعب الزمان دور ًا مهم ًا في تفسير اخليال‪ ،‬وبخاصة في العصور‬ ‫الوسطى‪ ،‬وروبرت هولم يعتبرها البؤرة الرئيسية لكل أنواع اإلبداع‬ ‫اخليالي‪.‬‬ ‫فقد كان الهواء في ذاك الزمان «مملوء ًا بالطيور العجائبية‪ ،‬واألرض مغطاة‬ ‫باحليوانات الهائجة‪ ،‬والبحار زاخرة باألسماك املتوحشة‪ ،‬في حني كان‬ ‫اإلنسان يحكي حكايات متعددة عن األماكن غير املستكشفة‪ ،‬عن بالد رائعة‬ ‫وفراديس سماوية مجهولة» (ص‪ .)445:‬وهكذا طورت وأبدعت األمم‬ ‫حكاياتها عن الغزاة البرابرة‪ ،‬وعن العالم الذي في طريقه إلى الغياب‪.‬‬ ‫يعد اخليال أكثر ملكاتنا جموحاً‪ ،‬فهو دائم ًا يحاول أن يتحرر من الروابط‬ ‫والسالسل التي تربطه بالعقل‪« ،‬وعندما جنح في ذلك‪ ،‬فإنه ال تكون‬ ‫لديه‪ -‬هناك خرافات وال معتقدات غريبة وال أوهام شاذة وال أحالم‬‫مبالغ فيها‪ ،‬ميكنه أن ينميها» (ص‪ .)462:‬وكما قال بيكون «فإننا‬ ‫منيل إلى االعتقاد أكثر من ميلنا إلى الفحص واالختبار» (ص‪.)462:‬‬ ‫وحسب املؤلف‪ ،‬فإن هذا امليل‪ ،‬يسيطر ويسود على نحو خاطئ خالل‬ ‫طفولة العقل البشري‪.‬‬

‫اخليال والتربية‬ ‫«اخليال ضروري لإلنسان‪ ،‬ال بد منه كالنور والهواء واملاء والسماء»‪.‬‬ ‫(أبو القاسم الشابي‪ ،‬ص‪)463:‬‬ ‫«األفكار اإلبداعية ال تزود إال العقول املهيأة لها؟»‪.‬‬ ‫(باستير‪ ،‬ص‪)464:‬‬ ‫في البداية يجب القول إننا كلنا منلك اخليال‪ ،‬ولكن بدرجات متفاوتة‪.‬‬ ‫وميكننا كذلك عبر أساليب علمية حديثة متاحة اآلن‪ ،‬أن نطور خيالنا‬ ‫وجنعله خصب ًا أكثر‪.‬‬

‫ساحات اللعب‬ ‫أول ساحات اللعب هي ساحة الطفولة‪ ،‬التي ميكن للجميع أن يدخلها‬


‫بغض النظر عن مستوى خياله‪ ،‬ميكن لنا ولوجها واستكشافها والتمتع‬ ‫مبباهجها‪ .‬وعالم األحالم ساحة لعب أخرى‪ ،‬والقراءة؛ فسواء قرأت‬ ‫كتاب ًا تاريخياً‪ ،‬أم صحيفة‪ ،‬أم ذهبت إلى معرض فني أو قاعات املسرح‬ ‫والسينما ‪ ...‬كل ذلك يساعد على فتح األبواب املغلقة‪ ،‬وفتح بوابات‬ ‫ساحات اللعب اخليالية‪ .‬فما عليك سوى إعادة اكتشاف خيالك من‬ ‫خالل جعل نفسك «منفتح ًا على نحو وا ٍع على كل أنواع املؤثرات‪،‬‬ ‫وأنت ينبغي لك أال تتوقع أن تقوم هذه املؤثرات بالتأثير املباشر في‬ ‫خيالك أو عملك اإلبداعي‪ ،‬من تلقاء نفسها ‪ ...‬ما ينبغي أن تقوم به‬ ‫هو أال ترددها على نحو ببغائي» (ص‪ .)464:‬عليك أن تضيف إليها‬ ‫من خبرتك وذاتك ومشاعرك وانفعاالت‪.‬‬ ‫واخليال أنواع‪ ،‬فالبعض خياله تشكيلي واآلخر لغوي‪ ،‬وآخر علمي‬ ‫‪ ...‬فما علينا سوى اكتشاف اخليال لدى التالميذ في املدارس وطالب‬ ‫اجلامعات‪ ،‬ونطوره‪ ،‬كل حسب خياله‪ .‬ولكن بداية علينا أن جنعلهم‬ ‫يدركون أهمية اخليال‪ ،‬ويألفون الفكرة‪ ،‬ثم بعد ذلك يوجه كل شخص‬ ‫وفق خياله املميز‪.‬‬ ‫أن نشجع الناس على التحرر من القوالب اجلامدة في التفكير‪،‬‬ ‫وجعلهم أكثر أصالة ومرونة‪ ،‬إحدى الطرق األساسية في تنشيط اخليال‬ ‫اإلبداعي‪.‬‬ ‫ليس من اخلطأ‪ ،‬إذا عملنا على إثارة القدرة لدى األطفال على التفكير‬ ‫في األشياء بشكل منطقي منظم‪ ،‬ولكن ما املانع أيض ًا من «تعليمهم‬ ‫التفكير في األشياء كما ينبغي أن تكون‪ ،‬أو كما يحتمل أن تكون‪ ،‬في‬ ‫شروط إضافية متعلقة بها‪ ،‬مثل املرونة والقابلية للتغير والثراء‪ ،‬وأيضا‬ ‫احلرية اخلاصة بالنشاط العقلي» (ص‪ .)466:‬فال ميكن تنشيط القدرة‬ ‫اخلاصة بالتغلب على املشكالت وهزمية العقبات بطرق جديدة وإبداعية‬ ‫دون خيال‪ .‬فاخليال ضروري لإلبداع‪.‬‬

‫التربية عن طريق اخليال‬ ‫من الضروري أن يتعلم الطالب املواد الدراسية األساسية‪ ،‬حسب عمره‪،‬‬ ‫فال بد أن يتعلم القراءة والكتابة واحلساب والفيزياء ‪ ...‬وفق املراحل‬ ‫الدراسية التي نعرفها‪.‬‬

‫ٍ‬ ‫كاف؟‬ ‫لكن‪ ،‬هل هذا‬

‫ولكن جتميع هذه املعلومات وتركيبها معاً‪ ،‬والتفكير مبا يوجد خلفها‬ ‫ويتجاوزها أمر خاص بالطالب نفسه‪ ،‬يتجاوز به الطالب القصور الذاتي‬ ‫في التفكير التقليدي‪ ،‬وهو أمر ال يتم إال «بالوعي بجوهر اخليال‪ ،‬اخليال‬ ‫احلر املنطلق العابر للحدود‪ ،‬املتجاوز ألسر الراهن وقيود احلاضر‪،‬‬

‫فاخليال يجعل الطالب يهضمون املوضوعات التي يتعلمونها‪ ،‬ويضيفون‬ ‫عليها‪ ،‬وذلك من خالل اجلمع بني األسلوب السردي والتصويري‪.‬‬ ‫على التربية أن تقوم على أساس اخليال في العلم والفن وغيرها من‬ ‫املوضوعات‪ ،‬إن أرادت أن تكون تربية توصل إلى اإلبداع‪ ،‬وإلى‬ ‫مستقبل مضيء‪.‬‬

‫‪117‬‬

‫هناك خالف كبير ودائم بني من يطرح ويؤكد على ضرورة تعليم الطالب‬ ‫املوضوعات التقليدية‪ ،‬وبني من يرغب بتشجيع الطالب وح ّثهم على‬ ‫التفكير بحرية‪ ،‬واخلروج من سجن هذه املوضوعات التقليدية‪ ،‬وبذلك‬ ‫بجعلها أدوات وليس سالسل وقيوداً‪.‬‬ ‫وما زال النمط السائد في التعليم في معظم دول العالم‪ ،‬مبا فيه العالم‬ ‫العربي‪ ،‬قائم ًا على تعليم املوضوعات التقليدية‪ ،‬وملء عقول الطالب‬ ‫مبوضوعات كثيرة ومملة‪.‬‬ ‫إن اخليال ال يتعارض مع املتوقع من التعليم‪ ،‬بل يؤكد ذلك‪ ،‬بل يضيف‬ ‫إليه «وال يتعارض مع املهام املطلوبة من الطالب التي يحققونها من دراسة‬ ‫بعض املوضوعات املدرسية‪ ،‬ويتمايزون من خاللها بواسطة االمتحان‬ ‫‪ ...‬لكن أصحابه يقولون بضرورة أن تخفف وزارات التربية والتعليم‬ ‫في بالدنا العربية الوطء عن كاهل الطالب والتالميذ وعن عقولهم»‬ ‫(ص‪ .)470:‬فتقدم لهم ما هو مهم في حياتهم احلاضرة واملستقبلية‬ ‫دون إرهاق‪ ،‬وأن يتم ذلك بطرق جميلة ومثيرة ومريحة‪.‬‬ ‫التربية عن طريق اخليال أمر ال مفر منه‪ ،‬فهو ضروري للطالب كالنور‬ ‫الشابي‪ .‬فالتربية املوجهة نحو املاضي‬ ‫والهواء واملاء والسماء كما قال ّ‬ ‫وحسب ال تفيد‪ ،‬على التربية أن تتوجه أيض ًا للحاضر واملستقبل‪.‬‬ ‫على الكتب املدرسية أن تتخلص من احلشو‪ ،‬والفصول الدراسية من‬ ‫االزدحام املقيت‪ ،‬واملدارس من العشوائية‪ .‬على التربية أن تهتم باملعلم‬ ‫والطالب والكتاب‪ ،‬وحتى األبنية التعليمية‪ .‬على املدارس واجلامعات‬ ‫أن تكون أماكن للفرح والبهجة‪ .‬ويخاطب عبد احلميد املسؤولني عن‬ ‫التربية قائالً‪« :‬ال جتعلوا عقول الطالب مجرد مخازن ومستودعات‬ ‫للمعلومات‪ ،‬بل طاقات للتجدد والتجديد واإلضافة واإلبداع‪ ،‬وزودوا‬ ‫املعامل باألجهزة واملواد الضرورية‪( »..‬ص‪.)472:‬‬ ‫إذا أردنا جعل التعليم أكثر متعة وتشويقاً‪ ،‬علينا إضافة املكون اخلاص‬ ‫باخليال إليه‪ ،‬وأن ُيكافأ الطالب األخصب خيا ً‬ ‫ال «وأن يعد املعلم بطرائق‬ ‫ال جتعله من أعداء اخليال‪ ،‬كما أشارت بعض تلك البحوث احلديثة التي‬ ‫قالت إن املعلمني يعاقب��ن الطالب اخليالي واألكثر إبداع ًا واختالف ًا أكثر‬ ‫من عقابهم للطالب التقليدي أو اخلامل» (ص‪.)472:‬‬ ‫فاخليال ‪-‬حسب رأي الكاتب‪ -‬ينتج صورة بديلة‪ ،‬صورة موازية أو‬ ‫حتى مكملة‪ ،‬لكنها مختلفة كونها ال تتعلق باملاضي واحلاضر وحسب‪،‬‬ ‫بل باملستقبل‪ ،‬فاخليال يستكشف ويسبر أغوار االحتماالت‪ ،‬ويتحرق‬ ‫لرؤية الواقع من األعماق‪ ،‬ليراه كما هو حقيقة أو ما ميكن أن يكون ليس‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ال‪ ،‬فيجب علينا أن تزود البرامج الدراسية بشيء ضروري ومفقود‬ ‫بالتربية أال وهو اخليال‪ .‬على الطالب أن يفكر بالطريقة املألوفة والطريقة‬ ‫األخرى ‪ ...‬الطريقة اخليالية‪ ،‬حسب العمر‪ ،‬أما تعليم التفكير حسب‬ ‫الطرق التقليدية املعروفة فقط‪ ،‬فإنه يؤدي بنا إلى الهاوية‪ .‬فاملعلومات‬ ‫القدمية املعروفة‪ ،‬التي تكتسب من خالل التعلم‪ ،‬تنسب إلى أصحابها‪:‬‬ ‫الكتاب‪ ،‬احلاسوب املعلم ‪ ..‬كل من يقدمها للطالب جاهزة‪.‬‬

‫واملتجه دوم ًا نحو املستقبل‪ ،‬إنه خيال ال يكف أبد ًا عن النظر وإعادة‬ ‫النظر فيما هو داخلي وما هو خارجي» (ص‪.)469:‬‬


‫مبثل ما يقدم للعقل بهذه الطريقة أو بأخرى‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫واملفروض أن نعلم طالبنا خالل تعلمهم تاريخ الوطن الغربي أو‬ ‫جغرافيته‪ ،‬وخالل موضوعات الطبيعة كعلوم النبات واحليوان والفيزياء‪،‬‬ ‫والفنون واألدب ‪ ...‬أن ال ينظروا إليها على أنها موضوعات موجودة‬ ‫وحسب‪ ،‬في العالم اخلارجي‪ ،‬بل هي موجودة في داخلهم‪.‬‬ ‫ويجب حتفيزهم على تكوين صور حية حول املوضوعات وحول‬ ‫مكوناتها الوظيفية والبنائية‪ ،‬ويطورون أحاسيسهم االنفعالية اخلاصة‬ ‫واملناسبة لهم‪.‬‬ ‫وفي وقتنا احلاضر توجد برامج رقمية ومصورة للتدريب على اخليال‬ ‫داخل الفصل الدراسي وخارجه‪ ،‬وتوجد أيض ًا برامج إثرائية لتدريب‬ ‫الطالب على التفكير مثل إديسون وبيكاسو وغيرهم بطرق بسيطة‬ ‫ومشوقة‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ويعيد الكاتب القول إن اخليال ليس «مجرد قدرة على تكوين الصور في‬ ‫العقل وعلى التفكير فيها أو من خاللها‪ ،‬كما قال بعض العلماء‪ :‬إن هذا‬ ‫املعنى قاصر على أن يحيط بجوهر اخليال‪ ،‬األكثر حرية ومرونة وقدرة‬

‫من فعاليات مدرسة غزة للموسيقى‪.‬‬

‫على اللعب بالصور‪ ،‬وعلى التركيب بينها‪ ،‬وعلى حتريكها وحتويلها‪،‬‬ ‫والقيام بتجارب ذهنية أو فعلية حولها ومن خاللها» (ص‪.)476:‬‬ ‫وأخير ًا يحط بنا الكاتب في مرفأ احللم‪ ،‬ويعيد التركيز على البعد اخليالي‬ ‫في التربية والتعليم‪ ،‬وهو البعد املهمل فيهما‪ ،‬مع أنه األفضل للوصول‬ ‫إلى تعليم ميتاز بالكفاءة والفاعلية‪ ،‬ويجب االهتمام بتحسني اختبارات‬ ‫التحصيل‪ ،‬فالتركيز على اخليال في التربية والتعليم يؤدي إلى حتسني كل‬ ‫املقاييس واملؤشرات اخلاصة بالتحصيل األكادميي للطالب‪ .‬ألن اخلبرة‬ ‫التربوية سوف تصبح حينئذ خبرة عميقة ومتكاملة وممتعة‪.‬‬ ‫يا إلهي ما أجمل الكتاب!‬ ‫وما أروع صوره وخياالته!‬ ‫إنه كتاب ثمني وقيم ومشوق‪ ،‬ويعج باإلثارة‪ ،‬ومكتباتنا عطشى إلى مثل‬ ‫هذه الكتب‪ ،‬وحبذا لو أن سكان الوطن العربي يطلعون عليه‪ ،‬وبخاصة‬ ‫من لهم األمر في وزارة التربية والتعليم العالي عندنا‪.‬‬ ‫أمني دراوشة‬ ‫كاتب وباحث من رام الله‬


‫نحو براديغم جديد‬

‫*‬

‫‪119‬‬

‫إدغار موران**‪ ,‬ترجمة وتقدمي‪ :‬د‪ .‬يوسف تيبس‬

‫***‬

‫يتلخص فكر إدغار موران في تبيان خاصية تعقيد العالم واإلنسان‪ ،‬ما يستلزم منهج ًا يتطابق مع هذه اخلاصية‪ .‬وهو التصور الذي قاده إلى‬ ‫إعادة النظر في مفاهيم فلسفية وعلمية من قبيل النظام والالنظام‪ ،‬والنسق‪ ،‬واملعلومة‪ ،‬والكائن احلي‪ ،‬واملعرفة‪ ،‬واللغة‪ ،‬واملنطق‪ ،‬والبراديغم‪،‬‬ ‫والهوية‪ ،‬والقيمة األخالقية‪ ...‬معتمد ًا إبستيمولوجيا جديدة هي إبستيمولوجيا التعقيد‪ ،‬أو لنقل براديغم ًا معرفي ًا جديد ًا يتكون من نظرية‬ ‫اإلعالم ونظرية األنساق والربانية‪ ،‬إضافة إلى أفكار بعض الفالسفة والعلماء وبعض املبادئ أهمها مبدأ احلوار املنطقي‪.‬‬ ‫تنبني إبستيمولوجيا إدغار موران على فكرة استحالة تأسيس العقل على منطق أحادي تقليدي‪ ،‬ألن العلم املعاصر قد جتاوز أهم مبادئ هذا‬ ‫املنطق‪ ،‬أقصد‪ ،‬مبدأ عدم التناقض والثالث املرفوع من خالل اإلقرار بثنائية مكونات الضوء وامتناع البت في متام األنساق املصورنة واتساقها‪.‬‬ ‫وهو ما يعني أن استمرار اعتماد العلم على املنطق التقليدي سيفقده أهم خصائصه‪ :‬اإلبداع واالبتكار والتعقيد‪ .‬بيد أن هذا ال يستلزم‪ ،‬في نظر‬ ‫موران‪ ،‬ترك املنطق ألن استعمال املنطق أمر ضروري للفهم‪ ،‬وجتاوزه ضروري للذكاء؛ واالستناد إلى املنطق ضروري للتحقق‪ ،‬وجتاوزه ضروري‬ ‫للحقيقة‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬تكون العقالنية احلقيقية هي تلك التي تعترف بحدودها‪ ،‬ألن املنطق ال يستطيع تأسيس العقل‪ ،‬وتقدر على معاجلة هذه احلدود؛ أي تصبح‬ ‫نظرية للنظرية بالنسبة لذاتها كي تتجاوز هذه احلدود وتعترف في الوقت نفسه بأفق ال يقبل العقلنة‪.‬‬ ‫إن املشكل بالنسبة لإلنسان املواطن‪ ،‬في نظر موران‪ ،‬هو‪ :‬كيفية احلصول على املعلومات حول العالم‪ ،‬وكيفية اكتساب كفاءة تقطيعها وتنظيمها‪،‬‬ ‫يعرفها الفكر اإلنساني بفكر التعقيد‪ .‬باختصار شديد ميكن أن نسم فكر إدغار موران‬ ‫األمر الذي يستلزم «إصالح الفكر»‪ ،‬أي ملء الثغرات التي ّ‬ ‫بـ»إصالح الفكر» بواسطة إعمال منهج املنهج في جميع جوانب الوجود والفكر اإلنسانيني‪ .‬وخير دليل على ذلك هو التسمية املضاعفة لعناوين‬ ‫أجزاء كتابه املوسوعي املنهج «طبيعة الطبيعة»‪ ،‬و«حياة احلياة»‪ ،‬و«معرفة املعرفة»‪ ،‬و«إنسانية اإلنسانية»‪.‬‬

‫إن التعقيد هو التحدي األعظم للفكر املعاصرة‪ ،‬ألنه يستلزم إصالح ًا‬ ‫لنمط تفكيرنا‪ُ .‬بنِي الفكر العلمي التقليدي على ثالث مرتكزات هي‪:‬‬ ‫«النظام» و«القابلية لالنفصال» و«العقل»‪ .‬واحلال أن أسس كل واحد‬ ‫منها قد تزحزح بسبب تطورات العلوم ذاتها التي بنيت في األصل على‬ ‫هذه املرتكزات الثالثة‪.‬‬

‫ال يسعى فكر التعقيد إلى استبدال فكرة الالنظام بالنظام‪ ،‬بل إلى خلق‬ ‫حوار منطقي‪ 1‬بني النظام والالنظام والتنظيم‪.‬‬

‫مرتكزات العلم التقليدي‪ :‬نشأ مفهوم «النظام» عن التصور احلتمي‬ ‫وامليكانيكي للعالم‪ .‬وعليه‪ ،‬كان يعتبر الالنظام نتيجة جلهلنا املؤقت‪.‬‬ ‫ويوجد وراء هذا الالنظام الظاهر نظام خفي يتطلب االكتشاف‪ .‬مت‬ ‫التشكيك في فكرة النظام الكلي أو ً‬ ‫ال من قبل الديناميكا احلرارية التي‬ ‫اعترفت بوجود اضطراب جسيمي غير منظم في احلرارة‪ .‬ثانياً‪ ،‬من قبل‬ ‫الفيزياء اجلزيئية‪ .‬ثالثاً‪ ،‬من طرف الفيزياء الكوسمية‪ ،‬وحالي ًا من طرف‬

‫أما املرتكز الثاني للفكر التقليدي فهو مفهوم «القابلية لالنفصال»‪ ،‬الذي‬ ‫يناظر املبدأ الديكارتي‪ ،‬مفاد هذا األخير أن دراسة الظاهرة أو حل املشكل‬ ‫يستلزم تفكيكه إلى عناصر بسيطة‪ُ .‬ترجم هذا املبدأ‪ ،‬في املجال العلمي‪،‬‬ ‫من جهة إلى التخصص‪ ،‬ثم إلى التخصص الدقيق في امليادين املعرفية‪،‬‬ ‫ومن جهة أخرى إلى فكرة إمكان اعتبار الواقع املوضوعي بغض النظر عن‬ ‫املالحظ‪ .‬واحلال أنه منذ ربع قرن تطورت «علوم نسقية» تربط ما يدرس‬ ‫بشكل منفصل من قبل العلوم التقليدية‪ .‬يتكون موضوعها عبر التفاعالت‬ ‫بني العناصر وليس عبر فصلها‪ .‬فموضوع علم البيئة هو األنساق البيئية‬ ‫واملجال احليوي‪ ،‬التي تشكل مجموعات متعالقة ترجع بشكل منفصل إلى‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫ميثل فكر التعقيد براديغم ًا جديد ًا َتو َلّد عن حدود العلوم املعاصرة‬ ‫وتطورها معاً‪ .‬وال يتخلى عن مبادئ العلم التقليدي‪ ،‬بل يدمجها في‬ ‫خطاطة أوسع وأغنى‪.‬‬

‫فيزياء الفوضى‪ .‬توقفت فكرتا النظام والالنظام عن التنافي بإطالق‪:‬‬ ‫للتد ُّوم؛‬ ‫ميكن‪ ،‬من جهة‪ ،‬أن يتولد نظام تنظيمي من شروط مجاورة َ‬ ‫وميكن‪ ،‬من جهة أخرى‪ ،‬أن يتولد الالنظام من احلاالت األولية احملددة‪.‬‬


‫‪120‬‬

‫علم احليوان‪ ،‬وعلم النبات‪ ،‬والبيولوجيا املجهرية‪ ،‬واجلغرافيا‪ ،‬والعلوم‬ ‫الفيزيائية‪ ... ،‬الخ‪ .‬تتصور علوم األرض كوكبنا كنسق معقد ينتج ذاته‬ ‫بذاته وينتظم ذاتياً؛ وعليه جتمع بني علوم كانت منفصلة من قبل مثل‬ ‫اجليولوجيا‪ ،‬وعلم الطقس‪ ،‬وعلم البراكني‪ ،‬وعلم الزالزل‪ ... ،‬الخ‪.‬‬ ‫هناك سمة أخرى للقابلية لالنفصال هي التمييز بني ا ُمل ِ‬ ‫الحظ واملالحظة‪.‬‬ ‫غير أن الفيزياء املعاصرة قد أعادت النظر فيها‪ .‬فنحن نعلم في الفيزياء‬ ‫املجهرية‪ ،‬منذ فيرنار هايزنبيرغ‪ ،‬أن ا ُمل ِ‬ ‫الحظ يتفاعل مع مالحظته‪.‬‬ ‫أصبح واضح ًا أنه لم يعد يتعالى أي عالم اجتماع أو اقتصاد‪ ،‬في العلوم‬ ‫اإلنسانية واالجتماعية‪ ،‬مثل جنمة سيروس‪ ،‬على املجتمع‪ .‬إنه جزء من‬ ‫هذا املجتمع‪ ،‬واملجتمع ككل يوجد بداخله‪ .‬ففكر التعقيد ال يستبدل عدم‬ ‫القابلية للفصل بالقابلية لالنفصال‪ ،‬بل يدعو إلى حوار منطقي يستعمل‬ ‫القابل لالنفصال‪ ،‬لكنه يدمجه في غير القابل لالنفصال‪.‬‬

‫رؤى تربوية ‪ -‬العدد التاسع والعشرون‬

‫إن املرتكز الثالث ألسلوب تفكيرنا هو املنطق االستقرائي‪-‬االستنباطي‪-‬‬ ‫التماثلي (‪)La logique inductive-déductive-identitaire‬‬ ‫الذي يكافئ العقل املطلق‪ .‬كان العقل التقليدي يقوم على املبادئ‬ ‫الثالثة‪ :‬االستقراء واالستنباط والهوية (أي رفض التناقض)‪ .‬وجهت‬ ‫أول ضربة قاضية لالستقراء‪ ،‬الذي يسمح باستنتاج قوانني عامة من‬ ‫حاالت جزئية‪ ،‬من طرف كارل بوبر‪ 2.‬فقد أصاب كارل بوبر عندما أقر‬ ‫باستحالة استنتاج قانون عام من قبيل «كل بجع أبيض» ملجرد أننا لم جند‬ ‫أبد ًا بجع ًا أسود‪ .‬ال شك في أن االستقراء له قيمة تفسيرية لكن ليس‬ ‫له قيمة البرهان القاطع‪ .‬يبني برهان عدم التمام لكورث جودل (‪K.‬‬ ‫صو َرن ال يستطيع البرهنة بإطالق‬ ‫‪ )Gödel‬أن النسق االستنباطي ا ُمل ْ‬ ‫على صحته ذاتياً‪ .‬والشيء نفسه برهن عليه ألفريد تارسكي في املنطق‬ ‫الداللي‪ :‬ال نسق يتوفر على الوسائل الكافية لتفسير ذاته‪ .‬من املمكن‬ ‫أن جند في بعض احلاالت برهان ًا أو تفسير ًا في األنساق الفوقية‪ ،‬لكن‬ ‫هذه األخيرة تتضمن هي نفسها ثغرات‪ .‬ومن املؤكد أنه بإمكاننا وضع‬ ‫«وجهات نظر فوقية» (‪ :)Métapoints de vue‬فإذا أردت مث ً‬ ‫ال أن‬ ‫أعرف مجتمعي‪ ،‬بإمكاني أن أقارن بني املجتمعات املعاصرة‪ ،‬أو أن‬ ‫أدرس املجتمعات القدمية املناقضة‪ ،‬بل أستطيع أن أتخيل مجتمعات‬ ‫«ممكنة»‪ .‬وهو ما يسمح لي بإنشاء نوع من الشرفة أست��يع أن أالحظ‬ ‫انطالق ًا منها مجتمعات أخرى خارجية مع البقاء داخل مجتمعي‪ .‬غير‬ ‫أنه ال يوجد أبد ًا نسق فوقي نظري ميكننا من جتاوز وضعنا االجتماعي أو‬ ‫وضعنا اإلنساني‪ ،‬أي يجعل منا كائنات فوق اجتماعية أو فوق إنسانية‪.‬‬

‫الثالثة‪ ،‬النظام والقابلية لالنفصال والعقل املطلق‪ ،‬فانعكس ذلك على‬ ‫أسلوب تفكيرنا‪ .‬وعليه كيف نسير في عالم لم يعد النظام فيه مطلقاً‪،‬‬ ‫وحيث القابلية لالنفصال محدودة‪ ،‬وحيث يشمل املنطق في ذاته ثغوراً؟‬ ‫هذا هو املشكل الذي يواجه فكر التعقيد‪.‬‬ ‫أول مخرج نسلكه هو ما نصطلح عليه اليوم بـ»النظريات الثالث»‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫الربانية (السبيرنطيقا)‪ ،‬ونظرية األنساق‪ .‬ظهرت‬ ‫نظرية اإلعالم‪ ،‬ونظرية ُّ‬ ‫هذه النظريات املترابطة واحلميمية في بداية األربعينيات وتخاصبت فيما‬ ‫بينها‪.‬‬ ‫نظرية اإلعالم‪ :‬أداة ملعاجلة الاليقني واملفاجأة وغير املتوقع‪ .‬ذلك أن‬ ‫املعلومة التي تعني الفائز في معركة حتل مشكل الاليقني؛ والتي تخبر‬ ‫باملوت املفاجئ ملستبد تأتي بغير املتوقع واجلديد في الوقت نفسه‪ .‬يسمح‬ ‫مفهوم املعلومة بالدخول في عالم يوجد فيه النظام (التكرار) والالنظام‬ ‫(الضجيج)‪ ،‬وأن يستخرج منها اجلديد (املعلومة ذاتها)‪ .‬إضافة إلى أن‬ ‫املعلومة ميكن أن تتخذ صيغة تنظيمية ( ُت ِ‬ ‫برمج) في ثنايا آلة ربانية‪ .‬فتصبح‬ ‫آنئذ املعلومة هي ما يتحكم في الطاقة وما مينح اآللة االستقاللية‪.‬‬ ‫الربانية‪ :‬متثل في حد ذاتها نظرية في اآلالت املستقلة‪ .‬فقد قطعت فكرة‬ ‫رد الفعلي الراجع‪ ،‬التي أدخلها نوربيرت فينار (‪،)Norbert Wiener‬‬ ‫مع مبدأ العلية اخلطي‪ ،‬عندما استبدلها بفكرة العلية الدائرية‪( :‬ب) تؤثر‬ ‫في (ج) و(ج) تؤثر عود ًا في (ب)؛ أي أن العلة تؤثر في املعلول‪ ،‬وهذا‬ ‫يؤثر بدوره في العلة‪ ،‬كما هو احلال في جهاز التدفئة‪ ،‬حيث يقنن مثبت‬ ‫احلرارة اشتغال مولِّد البخار‪ .‬إن هذه اآللية املسماة بـ»التقنني» هي التي‬ ‫تسمح باستقاللية اجلهاز‪ ،‬في حالتنا هذه االستقالل احلراري للشقة‬ ‫بالنظر إلى احلرارة اخلارجية‪.‬‬

‫أخيراً‪ ،‬أدت تطورات بعض العلوم من قبيل الفيزياء الذرية أو الفيزياء‬ ‫الكونية‪ ،‬بشكل جتريبي وعقالني‪ ،‬إلى تناقضات يستحيل جتاوزها‬ ‫كما هو حال الطبيعة املتناقضة الظاهرة للذرة (موجة‪ /‬جسيم)‪ ،‬وتلك‬ ‫اخلاصة بأصل الكون واملادة والزمان واملكان‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬وعلى الرغم من أننا ال نستطع االستغناء عن املنطق االستقرائي‪-‬‬ ‫االستنباطي‪-‬التماثلي‪ ،‬فإنها ليست مع ذلك سبي ً‬ ‫ال لليقني والبرهان‬ ‫املطلقني‪ .‬ال يطالب الفكر املعقد بترك هذا املنطق‪ ،‬بل بتأليف حواري‬ ‫منطقي بني استعماله مقطع ًا مقطع ًا وخرقه في الثقوب السوداء‪ ،‬حيث‬ ‫يتوقف عن العمل‪.‬‬ ‫النظريات الثالث‪ :‬زحزحت تطورات العلوم املعاصرة هذه املرتكزات‬

‫طالبات في مدرسة غزة للموسيقى فرحات بعودتهن إلى‬ ‫املقر اجلديد‪.‬‬


‫تاريخ فكرة التعقيد‬ ‫الرواد‬ ‫أدرك العديد من كبار فالسفة الغرب‪ ،‬من قبيل هرقليطس‪ ،‬وكانط‪ ،‬وهيجل‪ ،‬ونيتشه‪ ،‬وهوسرل‪ ،‬أهمية فكرة التعقيد وحدود «العقد اخلالص»‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫املؤسسة للواقع الفيزيائي واإلنساني‪ ،‬واستحالة اختزال هذا العالم إلى‬ ‫ال شك في أن باسكال هو الذي أدرك بشكل أفضل التناقضات املنطقية ّ‬ ‫مجموعة من املكونات البسيطة‪.‬‬

‫‪121‬‬

‫نظرية األنساق الربانية‬ ‫حدث نقاش فكري حاد في نهاية األربعينيات بالواليات املتحدة حول جماعة من العلماء أبدعت الربانية (نوربرت فينار)‪ ،‬ونظرية األنساق‪،‬‬ ‫ونظرية اإلعالم (كلود شانون ‪ .)Claude shannon‬وباملوازاة مت ابتكار احلاسوب واإلعالميات‪ ،‬واألجهزة األولى للتحكم اإللكتروني‪.‬‬ ‫ندوات ماسي (‪)Macy‬‬ ‫جمعت هذه الندوات التسعة فريق ًا من العلماء من مشارب‬ ‫ماسي‪.‬‬ ‫مؤسسة‬ ‫برعاية‬ ‫نيويورك‬ ‫في‬ ‫‪،1953‬‬ ‫إلى‬ ‫‪1946‬‬ ‫من‬ ‫نظمت ندوات ماسي‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫مختلفة حول املواضيع األساسية لنظريات التعقيد‪ .‬من بني احلاضرين نذكر عالم الرياضيات جون فون نوميان‪ ،‬وعالم األنثروبولوجيا جريجوري‬ ‫باتيسون‪ ،‬وعالم االجتماع بول الزارفيلد‪ ،‬وعالم النفس كورث ليوين‪ ،‬وعالم الفيزيولوجيا العصبية واران ماكولوتش‪ ،‬وعالم الرياضيات‬ ‫نوربيرت فينار‪ ،‬حيث كان هانز فون فوستر سكرتير ًا لهذه الندوات التي ناقشت األنساق والربانية وعلوم العقل‪.‬‬ ‫النظام بواسطة الضجيج‬ ‫صاغ فون فوستر في سنة ‪ 1960‬مفهوم النظام بواسطة الضجيج (‪ .)order from noise‬مثال‪ :‬يتخيل جهاز ًا على شكل ركام من املكعبات‪،‬‬ ‫ممغنط من ثالثة أوجه تزحزح فتتجمع عفوي ًا في بناء مهيكل‪ .‬وفي سنة ‪ 1968‬نشر لودفيج فون بيرطاالن في (‪)Ludwig von Bertalanffy‬‬ ‫كتابه‪ :‬النظرية العامة لألنساق (‪.)La Théorie générale des systèmes‬‬ ‫نظرية الفوضى‬ ‫التأثر بالشروط األولية‪ ،‬اجلواذب الغريبة‪ ،‬الصور النمطية الهندسية املتكررة ‪ ...‬ظهرت نظرية الفوضى في األرصاد اجلوية ثم في علوم الطبيعة‪.‬‬ ‫باملوازاة مع ذلك‪ ،‬ظهرت نظرية الكوارث على يد عالم الرياضيات روني طوم‪.‬‬ ‫التنظيم الذاتي‬ ‫‪ :1977‬حصل لييا بريجوجني (‪ )Llya prigogine‬على جائزة نوبل نظير بحوثه في البنيات التبديدية‪ .‬وقام هنري أطالن‪ ،‬في البيولوجيا‪،‬‬ ‫بص ْو َر َنة نظرية للتنظيم بواسطة «الضجيج» (أي الصدفة‪ ،‬الالنظام) قابلة للتطبيق على األنساق احلية (‪ .)Le cristal et la fumée, 1979‬كما‬ ‫َ‬ ‫اقترح عاملا البيولوجيا من أصل شيلي‪ ،‬فرانسيسكو فاريال وهومبيرطو ماتورانا‪ ،‬نظرية «اآلالت بروتية ‪( »Prïétiques‬تتوالد ذاتياً)‪.‬‬ ‫من ‪ 1977‬إلى ‪ :1992‬نشر إدغار موران املنهج (‪ )La Méthode‬في أربعة أجزاء تتعلق كلها بفكر التعقيد‪.‬‬ ‫‪ :1987‬مت إنشاء معهد سانطا في (والية املكسيك اجلديدة‪ ،‬الواليات املتحدة)‪ ،‬وهو مركز متعدد التخصصات يعنى بعلوم التعقيد‪.‬‬

‫إن «التوازن احليوي» (‪ )Homéostasie‬في حالة اجلهاز العضوي‬ ‫احلي‪ ،‬كما َنّبي ذلك والتار كانون بوضوح كبير في كتابه حكمة اجلسد‬ ‫(‪ ،)1930( ،)The Wisdom of the Body‬هو مجموعة من‬ ‫العمليات ّ ِ‬ ‫املنظمة تتأسس على العديد من ردود األفعال الراجعة‪ .‬متكن‬ ‫حلقة الفعل الراجع (املسماة التغذية الراجعة)‪ ،‬في صيغتها السالبة‪ ،‬من‬ ‫استقرار اجلهاز‪ ،‬ومن تقليل االنحراف‪ ،‬كما هو احلال بالنسبة للتوازن‬ ‫احليوي‪ .‬تكون التغذية الراجعة‪ ،‬في صيغتها اإليجابية‪ ،‬جهاز تضخيم‪،‬‬

‫مث ً‬ ‫ال عند الصعود إلى احلالة القصوى من النزاع املسلح‪ .‬فعنف زعيم‬ ‫يؤدي إلى رد فعل عنيف‪ ،‬يستتبع بدوره رد فعل أكثر عنفاً‪ .‬مثل هذه‬ ‫التفاعالت‪ ،‬املتعاظمة أو املستقرة كثيرة في الظواهر االقتصادية‪،‬‬ ‫وا