Page 1

‫الكالم الصفي وقصة إنتاجه تعبريًا‬

‫وص يف ِخ ِ‬ ‫الس َياق)‬ ‫يانة ِّ‬ ‫ص ٌ‬ ‫(ن ُ ُ‬

‫خـداش‬ ‫زيـاد َّ‬

‫مركز القطَّ ان للبحث والتطوير التربوي‬ ‫مؤسسة عبد احملسن القطَّ ان‬ ‫رام الله – فلسطني‬ ‫‪2009‬‬


‫عنوان الكتاب‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َات َج ِميلةٌ َ‬ ‫أل َ‬ ‫الس َياق‬ ‫َأ ْوق ٌ‬ ‫خطائِنا ال َّن ِض َرة ‪ُ ..‬ن ُص ٌ‬ ‫وص في خيانة ِّ‬ ‫خداش‬ ‫تأليف‪ :‬زياد َّ‬ ‫شمالة‬ ‫مراجعة لغوية‪ :‬عبد الرحمن أبو َّ‬ ‫‪Book Title:‬‬ ‫‪Delightful Rushes of Zesty Blunders: The Duplicity of Context‬‬ ‫‪Author: Ziad Khaddash‬‬

‫الناشر‪:‬‬ ‫مؤسسة عبد احملسن القطَّ ان‬ ‫مركز القطَّ ان للبحث والتطوير التربوي‬ ‫رام الله – فلسطني‬ ‫الطبعة األولى ‪2009‬‬ ‫هاتف‪)972( 2 2963281 :‬‬ ‫فاكس‪)972( 2 2963283 :‬‬ ‫‪Publisher:‬‬ ‫‪A. M. Qattan Foundation‬‬ ‫‪Qattan Center for Educational Research and Development‬‬ ‫‪P. O. Box 2276‬‬ ‫‪Ramallah – Palestine‬‬ ‫‪First Edition - 2009‬‬ ‫‪ISBN: 978-9950-313-31-6‬‬ ‫‪Tel: +972 2 2963281‬‬ ‫‪Fax: +972 2 2963283‬‬ ‫‪www.qattanfoundation.org‬‬

‫لوحة الغالف واللوحات الداخلية للفنان جاد سلمان‪-‬فلسطني‪.‬‬


‫ـداء‬ ‫ِإ ْه َ‬

‫إلى هيفاء ‪...‬‬ ‫بطلة قصتي ‪ ..‬وحياة قصتي‪ ..‬وقصتي‪.‬‬


‫قائمة احملتويات‬ ‫‪ 7‬إضاءات‬ ‫‪ 9‬مقدمة‬

‫شغف مضاد‪ ،‬رغبة معاكسة ‪ ...‬وفعل طافح بالعافية ملعلم ال يشاء أن يكون معلماً!‬

‫‪ 13‬تَجربتي يف تَ‬ ‫للص ِّ‬ ‫السابع‬ ‫الكتابة‬ ‫دريس‬ ‫ف َّ‬ ‫اإلبداعية َّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫السطح‬ ‫رب ِض َّد ال َي َباب‪،‬‬ ‫حرب ِض َّد َّ‬ ‫ٌ‬ ‫‪َ 21‬ح ٌ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الع َر ّبية)‬ ‫نهاج‬ ‫(إعدام‬ ‫اخليال في ِم ِ‬ ‫ُ‬ ‫اللغة َ‬

‫وسح ُر الالمتحقق‬ ‫‪َ 37‬ج َمالياتُ ال َّت‬ ‫خريب ِ‬ ‫ِ‬

‫ارسة القف ِز من ال َّن ِ‬ ‫دريبات صفيةٌ َع َلى مُ َم ِ‬ ‫ِ‬ ‫وعناق ا ُ‬ ‫حللم)‬ ‫وافذ‬ ‫( َت‬ ‫ٌ‬

‫حث عن َ‬ ‫ُ‬ ‫الم َّ‬ ‫الضائع‬ ‫اعتناق َع‬ ‫‪49‬‬ ‫الك ِ‬ ‫قيدة ال َّت َجاو ِز يف ال َب ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫تدريس َنص)‬ ‫(جتربةٌ في‬

‫ثمة َ‬ ‫ون األُس َتاذ ‪َ ...‬‬ ‫مل َعانٌ ُم َب َّلل‪ .‬هل تَ َراه؟‬ ‫‪ 61‬انظ ْر ُع َي َ‬ ‫مل َ‬ ‫العينني ا ُ‬ ‫ُ‬ ‫كاية ُمع ِّلم َ‬ ‫تني‬ ‫اجملنون ِذي‬ ‫ن‬ ‫‪ِ 71‬ح‬ ‫الف ِّ‬ ‫ش َّج َر ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫وطال ِب ِه الذين اختفوا فجأة‬ ‫ُ‬ ‫الطالب املذعو ِر الَّذي ُض َ‬ ‫ف‬ ‫حكاية أَمين‬ ‫بط يف َّ‬ ‫‪79‬‬ ‫الص ِ‬ ‫ِ‬ ‫س َده‬ ‫س َج َ‬ ‫تحس ُ‬ ‫يَ‬ ‫َّ‬ ‫متد َد َع َلى َ‬ ‫مس ل َت ْن َه َ‬ ‫واستسلم َّ‬ ‫شه‬ ‫رض‬ ‫س ّ‬ ‫َ‬ ‫للش ِ‬ ‫األ ِ‬ ‫‪ 93‬اعرتافاتُ مد ِّر ٍ‬ ‫َات جميلةٌ َ‬ ‫ألخطائنا ال َّن ِض َرة)‬ ‫( َأوق ٌ‬


‫ون يحت ّلون ا َ‬ ‫‪ُ 103‬ط َّ‬ ‫ملدرسة‬ ‫ال ِبي‬ ‫االنتحاريُّ َ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫حلوة تَ ُع ُّ‬ ‫ض يَدي‬ ‫غيمة‬ ‫‪109‬‬ ‫ْ‬ ‫شجا َر َها‬ ‫‪115‬‬ ‫كانت ت ُ َح ِّد ُث أَ َ‬ ‫‪ْ 121‬‬ ‫بصو ِتك ‪َ ..‬ف ُ‬ ‫الدي َك ِثري‬ ‫س ِليني َ‬ ‫الغبا ُر يف ِب ِ‬ ‫اغ ِ‬ ‫ريوز‬ ‫لماتٌ عن َف ُ‬ ‫‪َ 127‬ك َ‬ ‫ِ‬ ‫الس َياق)‬ ‫(في خيانة ِّ‬

‫الد َ‬ ‫هشة!‬ ‫‪َ 131‬هيـَّـا نُطار ُد َّ‬ ‫‪ 135‬ال َبح ُر َ‬ ‫طف ُ‬ ‫واأل َ‬ ‫والك َتابَة‬ ‫ال ِ‬ ‫اد َو ِح َكايَات‬ ‫جس ٌ‬ ‫‪ 139‬أَ َ‬


‫إضــاءات‬ ‫نصوصي هذه ليست قصص ًا متخيلة‪ ،‬وليست وقائع مؤكدة‪ ،‬إنها كل شيء‪،‬‬ ‫تخييل وواقع‪ ،‬أوهام ومتنيات‪ ،‬أحالم وشطح‪ .‬إنها ببساطة حتليق (غير شرعي)‬ ‫فوق جبل الثلج الراكد املسمى مدرسة‪.‬‬ ‫أنا لست رج ً‬ ‫ال تربوي ًا أبداً‪ ،‬لم أحلم يوم ًا أن أكون مدرساً‪ ،‬تورطت في املهنة‪،‬‬ ‫وما زلت بسبب انعدام اخليارات‪ ،‬وملا كان التدريس –برأيي‪ -‬جرمية بحق أجسادنا‬ ‫ال واغتيا ً‬ ‫أو ً‬ ‫ال‪ ،‬وقت ً‬ ‫اضطررت للبحث عن‬ ‫ال لروح اإلنسان فينا وإمكاناته‪ ،‬فقد ّ‬ ‫طرق التفافية لقتل القتل‪ ،‬وحشر اجلرمية في زواياها النتنة‪ ،‬وحفظ كرامة أجسادنا‪،‬‬ ‫فكانت هذه الدروب والشعاب‪ ،‬التي اجترحتها مع تالميذي الذين تورطوا هم‬ ‫بالوجود هنا مثلي متاماً‪ .‬نحن نحاول هنا إثبات حقنا في االستمتاع بكوننا بشراً‪.‬‬ ‫املدارس في بالدنا أمكنة مثالية لنفي إنسانيتنا‪.‬‬ ‫اضطررت إلى صياغة مشاركات طالبي في النقاش بطريقتي اللغوية اخلاصة‪ ،‬مع‬ ‫ّ‬ ‫االحتفاظ الكامل مبعانيهم وأفكارهم وهواجسهم‪.‬‬ ‫الشكر لطالبي الذي تعاونوا معي في كسر جمود املكان‪-‬املدرسة‪ ،‬وحتطيم عنجهيته‬ ‫البليدة‪.‬‬ ‫الشكر لـ «القطان»؛ املؤسسة التي فهمتني وشجعتني‪.‬‬

‫‪7‬‬


‫مقدمة‬ ‫شغف مضاد‪ ،‬رغبة معاكسة ‪ ...‬وفعل طافح بالعافية‬ ‫ملعلم ال يشاء أن يكون معلمًا!‬ ‫وسيم الكردي‬ ‫خداش حني يكتب بعض ًا من‬ ‫ال تذوي جذوة الشغف القصصي لدى القاص زياد َّ‬ ‫جتاربه في «مهنة التدريس» من موقعه «كمعلم»‪ ،‬فال جترده «بالدة املدرسة» أو‬ ‫القص هذه‪ ،‬فيستمر القص‪ ،‬ولكن ما يروى هنا‬ ‫«بالؤها» أو «بالهتها» من جذوة‬ ‫ّ‬ ‫سيد النص في حضور‬ ‫هو قصص أخرى‪ ،‬من طراز آخر‪ ،‬يقف احلوار فيها‪ ،‬وكأنه ّ‬ ‫الكلمات‪ ،‬وفي حضور أصحابها الغائبني؛ الطالب‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫ِ‬ ‫جتليات هذه التجارب املتناثرة في أزمان انعقادها‪،‬‬ ‫احلوار‪ ،‬نعم احلوار؛ أعمق‬ ‫املنتظمة في مكان انعقادها وسياقات إنتاجها‪ .‬طلبته يتحررون من املألوف والعادي‬ ‫من التعبير‪ ،‬واملسكون بالنمطي من التعبير‪ ،‬يقفزون على أجنحة احلكي يحيكون‬ ‫مجازات واستعارات وصور ًا عبر نصوص لم يحيكوا من قبل ذلك ما يشبهها‪ ،‬ولم‬ ‫يروا في نصوص كتبهم املدرسية ما مياثلها‪ ،‬يدفعهم املعلم أو القاص أو كالهما‬ ‫مع ًا إلى مغامرة ال تقع في أقصى ما تسمح به حدود اللغة وحسب‪ ،‬بل في ما‬ ‫ميكن جتاوزه من حدود اخليال عبر ذائقة تتجاوز ما ُأفسد منها في «حقل التعليم»‪،‬‬ ‫لتصل إلى ما فيها من يناعة وطزاجة في «مجال التعلم»‪ .‬وعلى الرغم من أنه يعيد‬ ‫بعض االشتغال على نصوص تالمذته حني يدونها مستعين ًا بذاكرته الرطبة‪ ،‬فإنه‬ ‫يحاول أن يجد لنفسه عذر ًا حتت وطأة قيود البحث ومتطلبات النقل‪« :‬االضطرار‬ ‫إلى صياغة مشاركات طالبي في النقاش بطريقتي اللغوية اخلاصة‪ ،‬مع االحتفاظ‬ ‫الكامل مبعانيهم وأفكارهم وهواجسهم»‪ .‬وهو جلوء اعتذاري ال ضرورة له حني‬ ‫نرى البحث التأملي متجلي ًا عبر بنية قصصية تضع ال ّناص فيها في موقع متغير‬ ‫داخل مجاله العملي‪ ،‬وتتيح له إمكانية إعادة سردها وفق تأويل يخدم غايات‬ ‫النص النهائية كتجربة جسدية وكفعل كتابي إبداعي‪ .‬ورمبا تأتي اعتذاريته هذه‬ ‫من مالحظة كنت قد أشرت فيها إلى ذلك لزياد في أول مرة نشر فيها نص ًا من هذه‬ ‫النصوص في مجلة رؤى تربوية حني قلت له إن كالم طالبه يتغير عبر إعادة كتابته‬ ‫من قبله‪ ،‬وهذا التغيير قد يخدش املعنى أو يعكره أو ينأى به عن منبعه األصلي‪،‬‬


‫وكم ُل ْه ٍم من ناحية ثانية‪ ،‬وفي‬ ‫ومع ذلك فهو يستعمل كالمهم كنص من ناحية‪َ ،‬‬ ‫االستعمالني فهو يشتغل على القول كي يغدو قصصاً‪ ،‬وكي يغدو شهادة‪ ،‬وفي‬ ‫كلتا احلالتني فهو بحث داخل البحث وخارجه ‪ ...‬ولنتجرأ‪ ،‬قليالً‪ ،‬ونسميه‬ ‫«بحث ًا عبر القص»‪ .‬إن النظر في هذه النصوص مع ًا يدفعنا إلى أن نشفع له جترأه‬ ‫يؤمن النقل‪ .‬ولعل املراد‬ ‫على «أمانة النقل» عبر «أمانة القص» الذي ال َّ‬ ‫يؤمن كما ال ّ‬ ‫املعبر عنها ملستقبل األيام‪،‬‬ ‫هنا من هذه النصوص هو الرسائل التي ستبثها التجارب ّ‬ ‫وليس املراد هو الصور التي ميكن أن تلتقطها الذاكرة مما أنتجته التجربة في ماضيها‬ ‫وحسب‪ .‬إنها كتابة جديدة تأخذ مما قيل‪ ،‬وتبثه كما يراد للنص أن يكون‪ ،‬لذلك‬ ‫فهو «يخون السياق» كما يشتهي‪ ،‬وبهذه «اخليانة» فهو ال يعيد انتماء املعلم للسياق‬ ‫فحسب‪ ،‬بل انتماء السياق لإلنسان في املعلم‪ .‬إنه ال يتلعثم حني يبوح بخياناته‪،‬‬ ‫أو يجأر بها؛ إنها جرأة اخلائف‪ ،‬اخلائف من اتهامه بالتخلي عن نصه القصصي‬ ‫وارتكابه فظاعة «البحث العلمي»‪ ،‬فإذ به يخون خيانتني؛ يتواطأ مع «القاص» فيما‬ ‫يقص لنا‪ ،‬ويتواطأ مع «املعلم» حني يحكي لنا عن عمله املهني الذي يكرهه‪ ،‬وإذ‬ ‫ال تعلمي ًا من طراز رفيع ينبغي محاورته‪ ،‬فع ً‬ ‫باخليانة «التربوية» تغدو فع ً‬ ‫ال يتحقق‬ ‫ضمن عملية يتضافر فيها «النقض فالبناء ثم نقض آخر فبناء آخر ‪ »...‬يسيران‬ ‫معاً‪ ،‬أحدهما مالزم لآلخر والزم له‪ .‬إذن‪ ،‬فهو ال يجعل من «املدرسة» كما هو‬ ‫متواضع عليها في الذهن االجتماعي السائد مرجعي َته‪ ،‬بل يفككها ويعيد مساءلتها‬ ‫َ‬ ‫املدعاة‪ ،‬ودورها «الرسولي» مجرد ستارات حتجب‬ ‫ويخبرها بأن «طهارتها» ّ‬ ‫معاولها الطاغية التي تفعل فعلها في إفساد اخليال‪ ،‬وتكريس ال الببغاء كله‪ ،‬بل‬ ‫رجع صداه وحسب‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫نفسه مجبر ًا على عبورها‪ ،‬وحتقنه بكراهيتها‪:‬‬ ‫هذه التجربة التي يجد «املعلم» َ‬ ‫«فالتدريس جرمية بحق أجسادنا»‪ ،‬إنها «مهنته» التي يظن أنها «متتهنه»‪ ،‬ورمبا هي‬ ‫كذلك‪ ،‬إنه «ميتهنها» أيضاً‪ ،‬فتبث فيه شغف ًا مضاد ًا ملا ميكن أن نسميه «املدرسة»‪ .‬إن‬ ‫«املدارس في بالدنا أمكنة مثالية لنفي إنسانيتنا»‪ .‬إنه االمتهان بجذري الكلمة معاً‪:‬‬ ‫وم ُه َن)‪ .‬ومن هنا يتجلى يقينه الوحيد‪ ،‬بأنه في املكان الذي ال ينبغي له أن‬ ‫(م َه َن َ‬ ‫َ‬ ‫يكون فيه‪ ،‬وتبدو املجازفة في قبوله في حدها األكثر غرابة‪ ،‬ضجيجه الهادئ ميعن‬ ‫في ارتكاب «التدريس» على الرغم من موقفه املعرفي من كل هذه املهنة التي يتخلق‬ ‫فيها «هاجس أن يكون التدريس جرمية بحق اجلسد‪ ،‬أن تكون املدرسة املكان املثالي‬ ‫لنفي اإلنسانية»‪ ،‬ويبقى معلماً؛ معلم ًا ليس وفي ًا ملا يقوم به قو ً‬ ‫ال‪ ،‬وهو في اآلن‬ ‫وفي ملا يقوم به فع ً‬ ‫ال ‪ ...‬وليقل «الكاتب» عن «املعلم» ما يشاء‪ ،‬وليحشد‬ ‫نفسه‪ٌّ ،‬‬ ‫ما يشاء من اللعنات على هذه املهنة «اللعينة»‪ ،‬لكنه ال يتبرأ منها حني ينبغي أن‬


‫يكون «معلماً»‪ ،‬ولكنه يختار في أحيان كثيرة التسرب مما اعتاد الناس فيما ينبغي‬ ‫أن يكون عليه املعلم ‪ ...‬يجتاز ذلك ويتجاوزه بكفاءة نادرة؛ بكفاءة «الكاتب»‬ ‫و»املعلم» معاً‪ ،‬ويضع كليهما مع ًا مضفرين في داخل التجربة التعليمية‪ ،‬بل في‬ ‫صميمها‪ ،‬وليقل‪« :‬لست تربوياً‪ ،‬ولم أحلم بأن أكون مدرساً‪ ،‬تورطت في املهنة‪،‬‬ ‫ولنر كيف يقتص أحدهما من‬ ‫جلأت إليها لغياب اخليارات ‪ ،»...‬ليكن ذلك‪َ ،‬‬ ‫اآلخر في لعبة يتواطأ كالهما على اآلخر مبعرفته‪.‬‬ ‫ستستغربون كم يحتفي مبا يقوم به مع التالميذ كما يحتفي بقصة جديدة له‪ ،‬يقيم‬ ‫لذلك احتفا ً‬ ‫األولي الطازج‪،‬‬ ‫ال كرنفالي ًا ال ينتهي‪ ،‬تدوم احتفائيته املشبعة ببراءة‬ ‫ّ‬ ‫وتستمر‪ ،‬وكأنها تفرط في بث براءتها على الرغم من مرروها على عوالم ال منتهية‬ ‫مما يفقدها هذه البراءة في شوارع رام الله األخاذة بالنشوة حني يذرعها بقدميه من‬ ‫أقصاها إلى أقصاها؛ يذرعها كقاص في ثوب املعلم‪ ،‬كما يذرعها كمعلم في‬ ‫سيدون نطفتها اآلن ستتراءى له حلظة‬ ‫ثوب القاص‪ ،‬وكما تتراءى له حلظة قصصية‬ ‫ِّ‬ ‫«مدرسية»‪ ،‬سيتعجل الغد كي ينثرها في صفه بني طالبه‪ ،‬فيتلقفونها لتغدو كتابة‪،‬‬ ‫وتبدو الكتابة هنا نص ًا بنص‪.‬‬ ‫إنه في هذا الكتاب يكتب شذرات من جتربة مليئة بالشغف في عمقها‪ ،‬محاطة‬ ‫بكراهية سياق إنتاجها‪ ،‬لكن األمر ليس كراهية صرفة‪ ،‬ورمبا لم تكن الكراهية‬ ‫وحدها دافع ًا وراء ما أجنز املعلم القاص أو القاص املعلم؛ إن زياد يتنصل من أن‬ ‫يكون “رج ً‬ ‫ال تربوياً”‪ ،‬إنه يقول ذلك ويفعله‪ ،‬وهو يدرك حجم املجزرة التي تقوم‬ ‫جتسد أي شكل من أشكال‬ ‫بها املدرسة‪ .‬إن إدراكه ملا تعنيه “املدرسة” وأنها ال ِّ‬ ‫العافية‪ ،‬وأنها املكان الذي يزج فيه الصغار‪ ،‬وتبدأ املفرمة بفرم خياالتهم وأفكارهم‬ ‫وهواجسهم وتطلعاتهم‪ ...‬يدفع به إلى أن ينزاح كثير ًا عما هو مرتب ومنظم‬ ‫فضاء دراسي ًا مفتوح ًا لطاقة‬ ‫ومدروس‪ ،‬ويحاول أن يجعل من احليز املدرسي املغلق‬ ‫ً‬ ‫التالميذ كي يرحلوا بعيد ًا في خياالتهم التي قلي ً‬ ‫ال ما تتيح لهم املدرسة هذا النوع‬ ‫من الرحلة‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫ويبدو الكتاب كرحلة أيضاً‪ ،‬بكل ما احتوى بني دفتيه من خبرة وجتريب؛ وكما‬ ‫اخلبر ُة قصةٌ ‪ ،‬فالقصةُ خبر ٌة‪ ،‬وفي احلالتني لدينا فعل في احلياة وفعل في روايتها‪،‬‬ ‫وكالهما ‪-‬فعل الرواية ورواية الفعل‪ -‬يتضافران‪ ،‬تضيف املسافة فيما بني‬ ‫افتراقهما‪ ،‬أو لعلها تذوب ‪ . ...‬فالقصة ليست إطار ًا فقط أو مترين ًا في الكتابة‪،‬‬ ‫إنها الفعل (الذي يصور) ما ال منلك‪ ،‬وهي ليست إطار ًا براني ًا وحسب ‪ ...‬تحُ شر‬


‫فيه األفعال التعليمية بل هي رواية‪ ،‬روايةٌ (ما للتجربة) كما يراها الراوي وكما‬ ‫يرويها‪ ،‬تقول ما يرد فيها‪ ،‬ولكنها أيض ًا (وهذا األهم) تقول ما ال يرد فيها ‪...‬‬ ‫إنها ال تعني فقط (أن الضمني مسكوت عنه)‪ ،‬بل إن الضمني هو النص األصلي‬ ‫الذي تقوله كل كلمات النص “الظاهر”‪ ،‬إنها تقول “أبعد” مما “تقول”‪ ،‬وتسلك‬ ‫أحيان ًا الطرق االلتفافية لتقول ما تنوي قوله؛ ففي النص السياسي‪/‬اجلغرافي‪،‬‬ ‫وطرقَها ليقتل القتل كما يقول‪ ،‬تستدعي‬ ‫فإن “الطرق االلتفافية” التي بحث عنها َ‬ ‫خنق مدننا وقرانا من قبل غاصبها‪ ،‬وتغدو الطرق االلتفافية شرايني حياة ملستوطناته‬ ‫‪ ...‬أما في حالتنا‪ ،‬فإن االستعارة هنا تذهب إلى مكان آخر‪ ،‬على الرغم من‬ ‫أن هذه اإلحالة “تتجه بنا نحن الذين نعرف “الطرق االلتفافية”‪ ،‬إلى تلك الطرق‬ ‫اخلانقة “لنا” ‪ ...‬واملنفتحة “لهم”‪ .‬تذهب االستعارة إلى جتاوز الطرق املعروفة‬ ‫واملطروقة واملعتادة على طرق أخرى تلتف فترى ما لم تعتد رؤيته‪ ،‬وتعرف أن‬ ‫هناك موجودات ما وراء العني‪ ،‬وتغدو العني مؤهل ًة ليس اللتقاط مكرر منسوخ‪،‬‬ ‫بل التقاط فريد وبكر وخاص وشخصي‪.‬‬ ‫أكاد أقول‪ :‬شكراً‪ ،‬ملعلم لم ينتظر شكر ًا من أحد‪ ،‬ولم يشأ أن يكون معلماً‪ ،‬ولم‬ ‫يرغب في أن يكون مدرساً‪ ،‬ومع ذلك فقد أعطى املهن َة كما لم يعط كثيرون‪ ،‬إن‬ ‫املسألة رمبا لم تكن “حباً” أو “كراهية”‪ ،‬بل كانت كما ينبغي أن تكون‪ ،‬لشخص‬ ‫وجد نفسه في مكان مدرسي “طوع ًا أم إجباراً”‪ ،‬فما كان منه إال أن يعطي كل ما‬ ‫لديه‪ ،‬ولذلك‪ ،‬سأقول له‪ :‬شكر ًا على ذلك‪ .‬وسأقول له‪ :‬بإمكانك أن تذرع‬ ‫صفك من أقصاه إلى أقصاه كما تذرع املدينة من أقصاها إلى أقصاها مضفر ًا‬ ‫بخيالني ال ينجو أحدهما من اآلخر‪ ،‬على األقل‪ ،‬إلى حني ‪ ...‬وحتى ذلك احلني‬ ‫فسيكون بإمكان طالبك أن يحلقوا بخياالتهم ونصوصهم كما يبتغون‪ ،‬وكما‬ ‫ينبغي أن يكون‪.‬‬

‫‪12‬‬


‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اإلبداعية‬ ‫الكتابة‬ ‫دريس‬ ‫َتجربتي يف َت‬ ‫للص ِّ‬ ‫السابع‬ ‫ف َّ‬ ‫َّ‬


‫للص ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫السابع‬ ‫الكتابة‬ ‫دريس‬ ‫َتجربتي يف َت‬ ‫ف َّ‬ ‫اإلبداعية َّ‬ ‫الكتابة كبحث خلف السور‬ ‫ألدرسهم التعبير‪،‬‬ ‫عندما وقفت أمام طالب الصف السابع ألول مرة في حياتي ّ‬ ‫أذكر أنني قلّدت أستاذي الذي علمني في الصف السابع اللغة العربية‪ .‬قلت‬ ‫لهم متام ًا كما قال أستاذي‪ :‬اكتبوا عن الفرق بني الشتاء والصيف‪ .‬وال تصدروا‬ ‫ضجيجاً‪ .‬كان األستاذ ميشي بيننا ويسرح في ذهنه إلى البعيد‪ ،‬لم يكن يفكر‬ ‫بالتأكيد في طريقة جديدة لتدريسنا الكتابة‪ .‬كان يعاني من مشاكل اقتصادية‬ ‫واجتماعية ونفسية‪ ،‬وكذلك كنت أنا‪ .‬أمتشى عادة بني الطالب‪ ،‬أنظر إلى اجلبل‬ ‫املقابل للنافذة على يسار الطالب وأفكر‪ :‬يا إلهي! متى ستنتهي هذه احلصة الطويلة‬ ‫اململّة؟ متى سينتهي هذا اليوم الدراسي الطويل؟ فجأة‪ ،‬انقض صوت طالب على‬ ‫السكون البليد للحصة‪:‬‬ ‫ أستاذ‪ ،‬ممكن سؤال؟‬‫ تفضل يا رام‪.‬‬‫ لدينا أربعة فصول‪ ،‬اخلريف‪ ،‬الشتاء‪ ،‬الربيع‪ ،‬الصيف‪ .‬ملاذا ال يوجد فصل‬‫خامس؟‬ ‫فاجأني رام بسؤاله‪ ،‬تلك املفاجأة التي توقظ مريض ًا من غيبوبته‪ .‬كان األستاذ‬ ‫القدمي الذي علّمني يتهيأ إلجابة رام إجابة محبطة وقاسية‪ ،‬لو حدثت بالفعل كانت‬ ‫ستدمر أو تشل طاقة الكائن احلساس واملوشك على االمتداد والتعمق في األشياء‪.‬‬ ‫انفتاح فضاء التساؤل! الصدمة!‬ ‫فجأة‪ ،‬شعرت بصراع طاحن في داخلي؛ بني األستاذ املترهل القدمي احملبط وبني‬ ‫الكاتب احلساس املتفتح والرقيق املتعاطف مع الطفولة املعذبة‪ ،‬الذي يطمح دائم ًا‬ ‫إلى تطوير قدراته التخيلية وتطهير ذهنه من رواسب التفكير السطحي والعشائري‪،‬‬ ‫وذي البعد الواحد‪ .‬الصراع ما بني أستاذين في شخصية واحدة‪.‬‬ ‫‪15‬‬

‫جلست على الكرسي حائر ًا وممزقاً‪ .‬وجدت نفسي انهض‪ ،‬وسمعتني أقول‪ :‬يا له‬ ‫من سؤال رائع يا رام! سؤال غريب ومثير للتفكير والتخيل‪ .‬طلبت من الطالب أن‬


‫يتركوا ما بأيديهم ويتوقفوا عن الكتابة‪ .‬حتفز الطالب لهيأتي اجلديدة‪ ،‬وأطل من‬ ‫عودهم على إصدار‬ ‫عيونهم فضول كبير ملعرفة سر احليوية املفاجئة ألستاذهم الذي ّ‬ ‫األوامر واملشي بينهم والتأفف من ضجيجهم‪ .‬كتبت على السبورة كلمة “كتابة‬ ‫إبداعية” وقلت لهم‪ :‬ال “تعبير” بعد اليوم‪ ،‬هناك “كتابة إبداعية”‪ ،‬فسمعت‬ ‫العبارة تتردد همس ًا بينهم فيما هم يتبادلون النظر احلائر‪.‬‬ ‫ ماذا تعني “كتابة إبداعية” يا أستاذ؟‬‫ الكتابة اإلبداعية هي الكتابة التي تقع خلف السور‪.‬‬‫ ما هو السور يا أستاذ؟‬‫ السور هو احلاجز الذي يفصل املألوف عن الغرائبي‪ ،‬الواقعي عن اخليالي‪ ،‬أما ما‬‫قبل السور فهو الواقع مبوجوداته كافة‪ :‬الشارع‪ ،‬البيت‪ ،‬املصنع‪ ،‬املستشفى ‪...‬‬ ‫الخ‪ .‬وخلف السور هو كل ما نخافه أو ال نعرفه أو نخجل منه‪ ،‬هو املجهول‪.‬‬ ‫ إذن سنهرب من الواقع لنطير خلف السور يا أستاذ؟‬‫ نعم هو هروب باملعنى اإليجابي والسلبي‪ ،‬نحن نهرب من الواقع لنواجهه‪،‬‬‫نستخدمه‪ ،‬ونختبره ثم نحوله إلى واقع فني‪ ،‬ال هروب ًا نهائي ًا من الواقع‪ ،‬هو‬ ‫يالحقنا كظلنا‪ ،‬لكننا نضحك عليه‪ ،‬نراوغه ونعيد خلقه من جديد ليصبح واقع ًا‬ ‫جديد ًا بشروط أخرى وقوانني مختلفة‪ .‬لذلك‪ ،‬فالكتابة األدبية مزيج من البقاء‬ ‫داخل السور وخارجه‪.‬‬ ‫ هيا نهرب يا أستاذ! علّمنا الهروب‪ ،‬علّمنا الطيران!‬‫ الكتابة خلف السور هي الكذب بعينه‪ ،‬نعم‪ ،‬ولكنه الكذب الضروري الصادق‬‫الذي يؤدي إلى اكتشاف قدراتنا وسبر طاقاتنا وإضاءة أبعاد جديدة من احلياة‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫ أستاذ‪ ،‬رام سألك ملاذا ال يوجد فصل خامس‪ ،‬أنا أسألك أال يوجد وقت آخر‬‫بني الليل والنهار؟‬


‫ نعم‪ ،‬توجد هناك مساحة صغيرة‪ ،‬عجيبة‪ ،‬كأنها السحر بني الظلمة والضوء‪،‬‬‫ألم تشاهدها‪ ،‬تقع فجر ًا عند الرابعة تقريباً‪ .‬يقولون إن هذا اللون يشبه لون‬ ‫الضوء في اجلنة‪.‬‬ ‫ وملاذا ال توجد نهاية للعالم‪ ،‬نهاية أرضية؟ أتخيل أحيان ًا ‪-‬يا أستاذ‪ -‬أنني أسافر‬‫بعيد ًا بعيد ًا حتى آخر العالم‪ ،‬وهناك أقف على حافة الدنيا‪ ،‬أحب أن أعرف أو‬ ‫أتخيل ماذا يوجد وراء العالم الذي نعيش فيه‪.‬‬ ‫ذهلت أميا ذهول من أسئلة طالبي‪ .‬لم أستطع أن أكمل لسببني‪ .‬أولهما‪ ،‬أن‬ ‫احلصة انتهت‪ ،‬يا إلهي! انتهت احلصة بسرعة‪ ،‬ملاذا؟ وألن دهشتي شلّتني‪ ،‬قلت‬ ‫لهم سنكمل الحقاً‪.‬‬ ‫خرجت من الصف مبهور ًا وشاعر ًا بخجل شديد‪ .‬وجثة بداخلي تتحلل وتتساقط‬ ‫إلى اخلارج‪ .‬ضوء غريب غمرني‪ ،‬لم أسمع حديث الزمالء معي‪ .‬طلبت إذن ًا‬ ‫من مديري وخرجت إلى املدينة‪ ،‬جلست في مقهى بعيد عن الضوضاء وعن‬ ‫العالم ورحت أجلد نفسي‪ ،‬ست سنوات من األوامر أمضيتها أمام الطالب‬ ‫أعبس في وجوههم وأقمع أسئلتهم وأسخر من جنونهم وأغضب من ضحكاتهم‬ ‫وتعليقاتهم‪ .‬ست سنوات من اجلفاف واملشي املتواصل بني الطالب‪ ،‬ال أفعل‬ ‫شيئ ًا سوى انتظار نهاية احلصة وانتظار نهاية العام‪ ،‬وانتظار نهاية العالم الذي فيه‬ ‫مدارس ودفاتر حتضير ومديرون وكتب‪ .‬اليوم صحوت‪ ،‬اليوم صرت حقيقي ًا‬ ‫صحاني؟ ألكوني كاتباً؟‬ ‫وثري ًا وانسجمت مع رؤياي للعالم واإلنسان‪ .‬ما الذي ّ‬ ‫أم لكوني إنسان ًا عنده ضمير؟ اليوم اكتشفت بفضل الطالب الرائعني أنه باإلمكان‬ ‫استغالل املدرسة املثقلة بالقيود والبالدة والروتني والعادي وحتويلها إلى واقع آخر‪،‬‬ ‫وأحوله إلى عالم فني آخر‪.‬‬ ‫متام ًا كما استغل أنا الواقع ألعيد خلقه‬ ‫ّ‬

‫‪17‬‬

‫في صباح اليوم التالي‪ ،‬عدت إلى املدرسة إنسان ًا آخر بالفعل‪ ،‬كانت هذه احلادثة‬ ‫مفص ً‬ ‫حولني الجتاه آخر‪ ،‬مات األستاذ القدمي داخلي وانتصر الكاتب‬ ‫ال حقيقي ًا ّ‬ ‫الذي يحلم بالطيران هناك خلف السور‪ ،‬واكتشاف الكنوز والتعمق في املجهول‬ ‫وغير املألوف‪ ،‬ومالمسة الغريب واختبار عالقات جديدة بني األشياء‪ .‬استغربت‬ ‫من حالي كثيراً؛ ما دمت كاتب ًا أعيش أغلب وقتي خلف السور كتابة وحياة‪ ،‬فلماذا‬ ‫لم أحاول تدريب طالبي على القفز معي والطيران؟‬


‫هل السبب في ذلك هو نفسيتي اخلربة؟ أم وضعي االقتصادي البائس؟ أم هو‬ ‫اإلحباط العام للوطن ولإلنسانية؟ ال أدري؟ وال أريد أن أدري‪ .‬املهم أنني حتولت‬ ‫إلى إنسان آخر‪ .‬وقفت أمام الطالب بهيئة جديدة وروح مختلفة‪ ،‬كتبت على‬ ‫السبورة “كتابة إبداعية”‪ .‬طلبت منهم أن يستعدوا للكذب ‪-‬الكتابة‪ ،‬القفز خلف‬ ‫السور‪.‬‬ ‫سألتهم‪ :‬هل لديكم تعريفات أخرى للكتابة اإلبداعية؟‬ ‫نظروا في وجوه بعضهم البعض‪ ،‬وابتسموا‪ ،‬حاولوا أرجوكم‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬قد تكون الضحك على الواقع‪.‬‬ ‫قال باسم‪ :‬قد تكون الهرب من الواقع‪.‬‬ ‫قال حامد‪ :‬قد تكون الطيران خلف األشياء املوجودة‪.‬‬ ‫قال أسعد‪ :‬قد تكون التحول إلى شيء آخر‪.‬‬ ‫قال سليم‪ :‬قد تكون اكتشاف اجلديد‪.‬‬ ‫قال محمد‪ :‬قد تكون اإلنسان اآلخر‪.‬‬ ‫رائع ‪ ..‬رائع‪ ،‬هتفت بصوت ٍ‬ ‫عال‪ ،‬أحسست برغبة في إطالق صوت يشبه‬ ‫االعتذار‪ ،‬يشبه الندم‪ ،‬يشبه اخلجل‪ ،‬يشبه البكاء ‪ ...‬لم أفعل‪ ،‬متالكت نفسي‬ ‫وجلست على الكرسي‪ ،‬أتنفس بسرعة‪.‬‬ ‫لدي رؤية معينة لتدريس الكتابة‬ ‫نهضت بعد خمس دقائق عن الكرسي‪ .‬لم يكن َّ‬ ‫اإلبداعية‪ .‬لم يكن لدي دفتر حتضير‪ ،‬ال أؤمن به‪ .‬أشعر به شيئ ًا ثقي ً‬ ‫ال يكتم‬ ‫أنفاسي ويحدد إمكانياتي ويحد من طيراني‪ ،‬ويغلق أفقي‪“ ،‬ال أحب أن يحددني‬ ‫أو يسورني أحد”‪ .‬جاءت األشياء هكذا على عواهنها‪ .‬رأيت نفسي أسألهم‪:‬‬ ‫‪18‬‬

‫‪ -‬أتعرفون كائن ًا اسمه البحر‪.‬‬


‫ نعم‪ ،‬نعرفه‪ ،‬ونحبه‪ ،‬ونشتاق إليه‪ ،‬ونخافه‪.‬‬‫ إذن اكتبوا عنه انطباع ًا سريع ًا من كلمة واحدة “دون أل التعريف‪ ،‬وذلك لعدم‬‫التحديد والقولبة ولتوسيع أفق الصفة إلى أبعد حد‪ ،‬لتصبح كلمة كونية”‪.‬‬ ‫قال أمجد‪ :‬البحر عمق‪.‬‬ ‫قال أمين‪ :‬البحر خوف‪.‬‬ ‫قال سليم‪ :‬البحر زرقة‪.‬‬ ‫قال زياد‪ :‬البحر ضياع‪.‬‬ ‫قال راضي‪ :‬البحر سفر‪.‬‬ ‫قال عدنان‪ :‬البحر موت‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬البحر ليل‪.‬‬ ‫قال فراس‪ :‬البحر شهيق‪.‬‬ ‫قال مالك‪ :‬البحر جنون‪.‬‬ ‫سجلت كلمات الطالب على السبورة‪ ،‬رأيتني أطلب منهم أن يوظفوا كلماتهم في‬ ‫جمل مفيدة‪ .‬كتبوا جم ً‬ ‫ال جيدة‪:‬‬ ‫ في البحر أضيع واختفي‪.‬‬‫ في البحر ليل عميق‪.‬‬‫ في البحر زرقة خائنة‪.‬‬‫ البحر سفر طويل بال عودة‪.‬‬‫‪19‬‬

‫كتبت اجلمل على السبورة‪ ،‬طلبت منهم تسجيلها في الدفاتر‪.‬‬


‫طلبت منهم حتضير مخيالتهم والتعاون لكتابة نص مشترك عن البحر‪ ،‬كل طالب‬ ‫يكتب جملة‪ ،‬أنا أيض ًا سأكتب معهم‪.‬‬ ‫كتبت أنا اجلملة األولى “أمشي وحدي على شاطئ البحر ليالً‪ ،‬ال بشر حولي”‪.‬‬ ‫كتب الطالب أحمد اجلملة الثانية “كنت حزين ًا جد ًا وخائفاً”‪ .‬كتب الثالث “وكان‬ ‫البحر بجانبي شخص ًا غريب ًا مخيف ًا يتنفس بقوة”‪ .‬وكتب الرابع فجأة “رأيت ضوء ًا‬ ‫قوي ًا يأتي من بعيد”‪.‬‬ ‫كتب الرابع “رأيت نفسي اجته نحو الضوء”‪ ،‬كتب اخلامس “كان الضوء يتجه نحوي‬ ‫هو اآلخر”‪ ،‬السادس “كنت خائف ًا جداً‪ ،‬لكني مصمم على التقدم”‪ ،‬السابع‬ ‫“الضوء كان خائف ًا أيض ًا هكذا أحسست”‪ ،‬الثامن “وقفت قبالة الضوء حائراً‪ ،‬إنه‬ ‫ضوء غريب غير متشكل على أية هيئة‪ ،‬أنه ليس إنسان ًا وال حيوان ًا أنه ضوء فقط”‪.‬‬ ‫التاسع “أهو أنا‪ ،‬مددت يدي فاختفت في الضوء‪ ،‬حاولت أن أرجعها فلم تعد‪،‬‬ ‫أصبحت بال يد”‪ .‬العاشر “مددت رأسي‪ ،‬اختفى وذاب‪ ،‬أصبحت بال رأس”‪،‬‬ ‫قدمي اختفيا”‪ ،‬الثاني عشر “رميت كامل جسدي نحو الضوء‬ ‫احلادي عشر “مددت‬ ‫َّ‬ ‫العجيب الساطع‪ ،‬فاختفيت عن نفسي ولم أعرف حتى اآلن أين أنا”‪.‬‬ ‫طلبت من الطالب كتابة النص املشترك على دفاترهم‪ ،‬ثم طلبت منهم كتابة‬ ‫نصوصهم الشخصية بعيد ًا عن أجواء النص املشترك‪.‬‬ ‫شرعوا يكتبون‪ ،‬كنت أكتب معهم نصي‪ ،‬كنت أقفز معهم خلف السور‪ ،‬كنت‬ ‫أعتذر منهم ومن الوطن ومن الكتابة ومن نفسي ‪ ...‬وكنت أعانق احلياة‪.‬‬

‫‪20‬‬


‫السطح‬ ‫الي َباب‪،‬‬ ‫حرب ِض َّد َّ‬ ‫ٌ‬ ‫َح ٌ‬ ‫رب ِض َّد َ‬

‫‪21‬‬


‫السطح‬ ‫الي َباب‪،‬‬ ‫حرب ِض َّد َّ‬ ‫ٌ‬ ‫َح ٌ‬ ‫رب ِض َّد َ‬

‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الع َر ّبية)‬ ‫نهاج‬ ‫(إعدام‬ ‫اخليال في ِم ِ‬ ‫ُ‬ ‫اللغة َ‬

‫ابتداء‬ ‫أتذكر ذلك اليوم جيداً‪ ،‬كان صباح ًا كئيب ًا في طقسه وفي تفاصيله األخرى‬ ‫ً‬ ‫من تكرارية األشياء واألصوات واحلركات في املدرسة‪« :‬صياح املدير‪ ،‬اجلنازات‬ ‫املعلقة في وجوه املعلمني‪ ،‬شغب الطالب على الدرج‪ ،‬رنني اجلرس‪ ،‬الصمت‬ ‫الذي يسيطر فجأة على الدرج وبني الصفوف»‪ ،‬مرور ًا بالوقت الذي يتباطأ في‬ ‫انتهاء بلعنة ال سبيل لصدها اسمها لعنة احلصة‬ ‫الصف كأنه مؤامرة أو كابوس‪،‬‬ ‫ً‬ ‫السادسة‪ .‬إ َّنه اليوم األول في العام الدراسي اجلديد‪ ،‬جلست على الطاولة أمام‬ ‫درستهم اللغة العربية في‬ ‫طالب الصف الثامن – طالب أعرفهم جيداً‪ ،‬فقد َّ‬ ‫درستهم طرق ًا ُأخرى في اإلحساس باألشياء والتعبير عنها‪ ،‬ها‬ ‫الصف السابع‪َّ ،‬‬ ‫هم يجلسون أمامي اآلن بانتظار استكمال مشروع «الرؤية املجنونة للعالم»‪ .‬نحن‬ ‫بانتظار كتاب اللغة العربية للصف الثامن؛ وهو منهاج جديد وضعته نخبة من‬ ‫األكادمييني واملعلمني اختارتها وزارة التربية والتعليم‪.‬‬ ‫دخل سكرتير املدرسة يرافقه طالبان يحمالن كتباً‪ ،‬وزع السكرتير كتاب اللغة‬ ‫العربية على الطالب وألقى أمامي بنسختني‪ .‬حدثت جلبة في الصف‪ ،‬فقد ابتهج‬ ‫الطالب بكتابهم اجلديد الذي يؤكد نضوجهم ودخولهم بنجاح مرحلة أخرى من‬ ‫مراحل حياتهم‪ .‬تصفَّحت الكتاب بكسل‪ ،‬كان لدي يقني كامل بأن ال جديد هنا‬ ‫وال تغيير‪ .‬فالعقل الذي صاغ هذا املنهاج هو العقل نفسه الذي صاغ منهاج السابع‬ ‫والسادس‪ ،‬فليس من املعقول أن يتطور العقل فجأة ليصبح منهاج ًا مختلفاً‪ ،‬يعتذر‬ ‫عن سطحيته السابقة‪ .‬على حواف شفتي وقفت هذه الكلمات‪ :‬يا أعزائي إنها‬ ‫حرب أخرى سنخوضها هذا العام ضد يباس الفكرة وتكلس األحاسيس وزيف‬ ‫الصورة وتسطح الوعي‪ .‬لم أنطق هذه الكلمات همستها لنفسي‪ ،‬وأنا أنظر حزين ًا‬ ‫لطالب أبرياء جاهزين لتقبل أفكاري بحماس‪ ،‬لكنهم قد يتقبلون أفكار ًا أخرى من‬ ‫مدرس آخر مؤمن باملنهاج ومطيع له‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫إنهم يعيشون مرحلة قلقة جد ًا ورخوة‪ ،‬مهيأون فيها للتأثر بأية فكرة صادرة عن‬ ‫شخص يقف أمامهم معلم ًا عادي ًا جد ًا يشبهه آالف املعلمني املنتشرين في القرى‬ ‫واملدن واملخيمات‪ .‬شخص يلقي عليهم مبعلوماته طالب ًا منهم حفظها‪ ،‬شخص ال‬ ‫يجرؤ على اخلروج عن املنهاج قيد أمنلة‪ ،‬ليس خوف ًا من وصايا األسياد في املكاتب‬


‫الرطبة فحسب‪ ،‬بل إحساس منه بالضياع وفقدان البوصلة –املسطرة خارج هذا‬ ‫املنهاج الذي يشكل له الطريق والدليل واإلدارة والسقف‪ ،‬وحتى الشرف الوطني‪،‬‬ ‫والعائلي‪ ،‬والديني‪ .‬انتهت احلصة األولى‪ ،‬انصرفت متأبط ًا حربي إلى غرفة‬ ‫املعلمني‪ ،‬هناك كان الزمالء كسالى ومتشابهني متام ًا ومتأففني‪ .‬كالعادة‪ ،‬انزويت‬ ‫وحدي في أقصى الغرفة‪ .‬ورحت أتصفح تفاصيل احلرب التي سأخوضها ضد‬ ‫العقل املتكرر‪ ،‬العقل الراضي عن نفسه‪ ،‬العقل املطمئن والهادئ واملنتصر‪ ،‬العقل‬ ‫الذي وصل إلى نهاية التفكير ونهاية األشياء‪ ،‬العقل الذي ال عقل بعده‪.‬‬ ‫كانت أصوات املعلمني حولي تتعالى‪ ،‬وكنت أبذل جهد ًا خارق ًا ألنفيهم عن حيز‬ ‫أفكاري وهواجسي واحتراقاتي‪.‬‬ ‫أحيان ًا كنت أجنح‪ ،‬وأحيان ًا كانت عزلتي (املختارة) عنهم ُتهزم أمام صياحهم‬ ‫ونقاشاتهم احملتدمة حول موعد الراتب وموعد مجيء املفتشني‪ ،‬وموعد العطلة‬ ‫املقبلة‪.‬‬ ‫وكنت أهرب إلى امللعب‪ ،‬أمشي هناك مستكم ً‬ ‫ال جتميع خيوط خططي‪ ،‬ملواجهة‬ ‫وحش هائل األنياب‪ ،‬يتستر خلف أقنعة مخملية من احلب‪ ،‬واألخالق‪ ،‬والترابط‬ ‫األسري‪ ،‬والقيم الدينية‪ ،‬واملهارات اللغوية‪ ،‬واملعلومات التاريخية‪ ،‬والقصائد‪،‬‬ ‫والقصص‪.‬‬ ‫لم يكن حولي أحد تقريب ًا أناقشه في خططي أو حتى أكاشفه بأسرار حربي‪.‬‬ ‫بالعكس متاماً‪ ،‬فالبيئة التي أعمل وسطها كانت دائم ًا حتاول إحباطي وكسر شوكة‬ ‫مشروعي التثويري –»التجريبي»‪ .‬املعلمون في عالم وأنا في عالم آخر‪.‬‬

‫التوغل في زرقة األشياء‬

‫‪24‬‬

‫الوحيد الذي فهم رؤيتي واستوعب جنوني هو مدير مدرستي‪ ،‬والواقع أنني‬ ‫يجب أن أعترف أن وسط كل هذه الكآبات التي أعيشها في املدرسة بسبب طبيعة‬ ‫القوانني واألنظمة‪ ،‬وبسبب عماء وغباء الشروط والواجبات اجلامدة وغير القابلة‬ ‫للتعديل أو املناقشة‪ ،‬كان ُّ‬ ‫احلظ يبتسم لي جزئي ًا هذه املرة؛ بسبب وجود مدير‬ ‫مدرسة صغير في السن نسبي ًا (‪ 28‬سنة) ليبرالي‪ ،‬يحترم الفكرة األخرى‪ ،‬يناقش‬ ‫بأدب في املسائل اخلالفية‪ ،‬واألهم من ذلك جرأته في طرح ما يعتقده صحيح ًا‬


‫أمام املسؤولني الطحلبيني ذوي الطاعة العمياء للتقارير والكتب الرسمية واألوامر‬ ‫واألرقام والسجالت‪ .‬واألهم من األهم هو امتالكه حلس فني رفيع مييز بني اجلميل‬ ‫والقبيح في السلوك واحلياة‪.‬‬ ‫صباح اليوم التالي‪ ،‬أقف أمام طالبي قائ ً‬ ‫ال لهم‪ :‬ها هو عام آخر يأتي‪ .‬سنستكمل‬ ‫مشروعنا يا أصدقائي‪ .‬سنمد في طول أجنحتنا وسنتوغل أكثر في زرقة األشياء‪.‬‬ ‫ هل أنتم مستعدون للطيران إلى أبعد مما فعلنا؟‬‫ نعم‪ ،‬مستعدون‪ .‬أجابوا بصوت واحد‪.‬‬‫ حسناً‪ ،‬هذا كتاب الصف الثامن (رفعت الكتاب بيدي) منهاج جديد‪ .‬وكلمة‬‫منهاج تعني الطريق أو الرؤية‪ ،‬ما يعني أنهم يعتقدون (مؤلفو الكتاب) أنهم‬ ‫يعطوننا طريق ًا لنمشي عليها أو رؤية لنهتدي بها‪.‬‬ ‫ال بأس! لندعهم هانئني في قاع يقينهم اليابس‪ ،‬ولنحترم وهمهم‪ .‬ولكننا سنعتذر‬ ‫لهم في سرنا طبع ًا (ضحك الطالب يرتفع ويتخذ شكل نشوة)‪ :‬نحن شاكرون لكم‬ ‫جد ًا إعطاءنا املعلومات القيمة حول قواعد اللغة العربية‪ ،‬وقواعد اإلمالء واخلط‪،‬‬ ‫هذه مهارات نحن ملتزمون بها متاماً‪ .‬ولكننا لن ننصاع لتوجيهاتكم بخصوص‬ ‫طرق التفكير‪ ،‬وآليات مناقشة الدروس‪ ،‬وفي مضامني التعبير اخلاوية واململة‬ ‫والقاتلة للمخيلة‪ ،‬واملعدمة للحياة الداخلية لصالح احلياة اخلارجية الرتيبة‪ .‬هنا‬ ‫صراعنا معهم‪ .‬هنا ساحة املواجهة‪ .‬لن نقول لهم ذلك بصوت ٍ‬ ‫عال‪ ،‬سنهمس‬ ‫ذلك همس ًا حتى ال يسمعوا‪ .‬ها هاهاها‪.‬‬ ‫أصدقائي األعزاء سأقرأ لكم اآلن مقدمة هذا املنهاج‪ ،‬وهي حتتوي على أهداف هذا‬ ‫الكتاب وعلى رؤيته أو خطابه العام‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫‪1 .1‬الطالب محور العملية التعليمية‪ ،‬فال بد من مراعاة منوه املعرفي واللغوي‬ ‫واالجتماعي والنفسي‪.‬‬ ‫‪2 .2‬اختيار املادة التعليمية والنصوص األدبية والشعرية والنثرية مت في إطار األبعاد‬ ‫املعرفية والوجدانية والوطنية والعربية واإلسالمية واإلنسانية‪ ،‬مع احملافظة‬ ‫على خصوصية الواقع الفلسطيني‪.‬‬


‫‪3 .3‬مراعاة التنوع في الفنون األدبية‪-‬الشعرية والنثرية املمثلة للعصور التاريخية‬ ‫املتعاقبة‪ ،‬مع التركيز على النص املعاصر‪ ،‬تعميم ًا للتواصل بني الطالب‬ ‫وحاضره‪.‬‬ ‫وقد حرصنا في معاجلة كل نص على توافر العناصر التالية‪:‬‬ ‫‪.1‬‬ ‫‪.2‬‬ ‫‪.3‬‬ ‫‪.4‬‬ ‫‪.5‬‬ ‫‪.6‬‬

‫‪1‬جو النص‪ :‬نبذة عن سيرة الشاعر وإضاءة حول نصه‪.‬‬ ‫‪2‬املعجم والداللة‪ :‬يتناول تعدد داللة الكلمة الواحدة في سياقات لغوية‬ ‫مختلفة‪.‬‬ ‫‪3‬الفهم واالستيعاب‪ :‬يقوم على أسئلة سهلة قريبة اإلجابة تساعد على فهم‬ ‫النص‪.‬‬ ‫‪4‬التحليل‪ :‬يقوم على أسئلة تثير التفكير وتتناول بناء النص وتوضيح الصور‬ ‫الفنية‪.‬‬ ‫‪5‬التعبير أو التلخيص‪ :‬يقوم على مراعاة التدرج في تنمية مهارات التعبير‬ ‫بأنواعه‪ ،‬والترابط مع موضوعات الدرس‪.‬‬ ‫‪“6‬أقرأ وأستمتع”‪ :‬يشمل مجموعة من النصوص اجلميلة املشوقة التي مت‬ ‫اختيارها من أجل املتعة والفائدة‪.‬‬

‫إن األسس العامة ملنهاج اللغة العربية الفلسطيني تستمد مبادئها من إرث املجتمع‬ ‫العربي الفلسطيني وقيمه الدينية واالجتماعية والثقافية ومن وثيقة إعالن دولة‬ ‫فلسطني العام ‪.1988‬‬ ‫إلى هنا ما ورد في مقدمة منهاج الثامن للغة العربية‪.‬‬ ‫سأحتدث لكم اآلن يا أصدقائي عن كلمة صغيرة مكونة من أربعة حروف‪ :‬هي‬ ‫كلمة (خيال) (هنا رن اجلرس معلن ًا انتهاء احلصة) «وكأن اجلرس هنا يرمز إلى‬ ‫رفض هذه الكلمة ويعلن اخلطر منها»‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫املدير يبلغني بفرح أنه مت اختياري أمين ًا ملكتبة املدرسة‪ .‬بإمكاني اآلن أن أفكر‬ ‫بهدوء بعيد ًا عن عادية الزمالء‪ .‬بإمكاني أن أكون وحدي في قاعة مليئة باملوسيقى‬ ‫والكتب واللوحات وجبل مجاور طويل ومليء بالشجر والغزالن الشاردة‪.‬‬ ‫سأعتبر اآلن أن احلظ ابتسم لي هذا العام مرتني‪ :‬حني أرسل لي مدير ًا مختلف ًا يتفهم‬


‫جنوني (وعصياني)‪ ،‬وحني أهداني قاعة واسعة أرسم فيها بهدوء خطوات املعارك‬ ‫وشكلها وحجمها‪ُ .‬أدير احلرب على خصمي في عقر داره وباستخدام أشيائه‪:‬‬ ‫كتب‪ ،‬وحاسوب‪ ،‬وقاعة‪ ،‬ومدفأة‪ ،‬وستائر‪ ،‬وسبورة‪ ،‬وطباشير‪ ،‬وكراسي‪.‬‬

‫جنود لكسر العتمة‬ ‫حصة جديدة أمام طالب الصف الثامن أ‪ .‬هؤالء هم لكسر العتمة وإضاءة الغرفة‬ ‫السحرية املراد إبقاؤها معتمة‪ .‬غرفة معلقة بحزن وصمت في سقف روحنا‪ .‬غرفة‬ ‫موجودة داخل كل إنسان في هذا الكون ‪ ...‬غرفة مخذولة ومقصية‪ ،‬إضاءتها‬ ‫خطرة جد ًا ومحرجة ألنها تكشف عوالم أخرى وهواجس مختلفة تتطلب جهود ًا‬ ‫السهولة في كل شيء‪،‬‬ ‫ذهنية ونفسية خاصة ال تتوافر فينا بسهولة؛ ألننا تربينا على ُّ‬ ‫السهولة في التفكير والقراءة والعالقات االجتماعية والكتابة والزواج واختيار‬ ‫املهنة‪ ،‬وحتى في العالقة مع الله واألصدقاء‪ .‬دعونا نناقش بند (التحليل) الوارد‬ ‫في مقدمة املنهاج التي حتتوي (هذه املقدمة) على األهداف العامة للمنهاج‪ .‬يقول‬ ‫هذا البند‪ :‬التحليل‪« :‬يقوم على أسئلة تثير التفكير وتتناول بناء النص وتوضيح‬ ‫الصورة الفنية فيه»‪.‬‬

‫غياب التحليل في التحليل‬ ‫هيا بنا نرى تطبيق هذا البند على درس (احملبة بني الناس) ص ‪ .9‬انظروا أسئلة هذا‬ ‫الدرس املفترض فيها أن تثير التفكير وتبعث على توضيح الصورة وبناء النص‪.‬‬ ‫‪.1‬‬ ‫‪.2‬‬ ‫‪.3‬‬ ‫‪.4‬‬ ‫‪.5‬‬

‫‪27‬‬

‫‪1‬ماذا يقصد الكاتب باحملبة؟‬ ‫‪2‬للحب العقلي أنواع‪ ،‬أذكرها‪.‬‬ ‫‪3‬ملن وجبت محبة الله؟‬ ‫‪4‬هناك أمور إذا فعلها اإلنسان كان حري ًا بحب جليسه‪ ،‬أذكر أهمها‪.‬‬ ‫‪5‬بني كيف يحافظ الصديق على صديقه؟‬

‫أين هي األسئلة التي تدفع إلى جو ذهني يثير التفكير‪ ،‬هل سؤال من نوع ( ُأذكر وملن‬ ‫وبينّ ) يثير تفكيري‪ .‬وحتى لو اعتبرنا َأن هذا النوع من األسئلة يثير التفكير‪ ،‬كيف‬ ‫ميكن أن يثار تفكير شخص ما ال ميتلك مخيلة‪ ،‬وإن امتلكها فهي كسيحة وعاجزة؟‬ ‫فكلمة املخيلة أو اخليال لم ترد في مقدمة املنهاج أبداً‪ ،‬هذه الكلمة الضائعة واملغيبة‬


‫يفترض فيها أن تشكل فضاء العملية التعليمية كلها‪( .‬سنتكلم الحق ًا عن مجزرة‬ ‫غياب هذه الكلمة)‪ .‬انظروا أسئلة الفهم واالستيعاب في درس (حكاية عبد‬ ‫الله البري مع عبد الله البحري) لتتأكدوا بأنفسكم من عدم وجود فرق بني أسئلة‬ ‫التحليل وأسئلة الفهم واالستيعاب‪ ،‬علم ًا بأن مقدمة الكتاب تدعي وجود فرق بني‬ ‫منطي هذه األمثلة‪ ،‬سأختار ثالثة أمثلة للتمثيل‪.‬‬ ‫‪1 .1‬كيف كانت معنويات الصياد؟‬ ‫‪2 .2‬ما موقف امللك من اتهام البري بسرقة مجوهرات امللكة؟‬ ‫‪3 .3‬ما األسباب التي جعلت امللك يعني الصياد؟‬ ‫ما الفرق هنا بني منط سؤال (بني) وبني (كيف) (وما موقف) وبني (أذكر) وما‬ ‫األسباب؟‬ ‫لنذهب إلى قصيدة (فتح طبريا)‪ ،‬اُنظروا أسئلة حتليلها‪:‬‬ ‫أي الصور توحي بذلك‬ ‫‪1 .1‬تكلم الشاعر عن القدس وكأنها شخص ماثل أمامه‪ُّ ،‬‬ ‫(دور الطالب هنا هو فقط العثور على الصورة)‪.‬‬ ‫‪2 .2‬تتعدد األفكار في النص لكنها تبقى مترابطة في مضمون واحد‪ ،‬وهذا النص‬ ‫يعبر عن األفكار التالية‪:‬‬ ‫ •اإلشادة ببطولة صالح الدين‪.‬‬ ‫ •متجيد فتح طبريا‪.‬‬ ‫ •سرور مدينة القدس (دور الطالب هنا كما ترون حتديد اجلملة الصحيحة)‪.‬‬ ‫أبني األبيات التي تعبر عن كل فكرة‪.‬‬ ‫‪3 .3‬كانت مدينة طبريا حصينة لكنها استسلمت‪ُ .‬أوضح الصورة التي تعبر عن‬ ‫هذه الفكرة‪“ .‬دور الطالب هنا هو التوضيح”‪.‬‬ ‫قصيدة “فتح طبريا” ليست غنية جد ًا بالصور الفنية‪ ،‬لكن حتى مع بساطة‬ ‫صورها وعاديتها لم تستطع أسئلة (التحليل) أن تصل إلى شواطئ هذه‬ ‫الصور‪“ .‬ملاذا ال نطلب منهم أن يقارنوا أو يربطوا أو يتأملوا أو يفككوا أو‬ ‫يعيدوا صياغة؟!”‪.‬‬

‫‪28‬‬

‫انظروا أسئلة “زائر املساء”‪ ،‬وهي قصة للقاص خليل السواحري‪ ،‬سأمثل على‬ ‫هذه األسئلة ببضع أسئلة فقط‪.‬‬


‫‪1 .1‬ما موضوع القصة وما الذي ترمز إليه؟‬ ‫‪2 .2‬تدور أحداث القصة في مواقع عدة‪ ،‬أبينها وأوضح صلتها بالكفاح الفلسطيني‪.‬‬ ‫‪3 .3‬تكثر في القصة الصور الفنية‪ ،‬أشرح منها ما يأتي‪:‬‬ ‫ مزقت جسد صالح زخة رصاص‪.‬‬‫ كأن صاعقة انقضت على ذاكرتي ومسحت منها كل األسماء‪.‬‬‫ موجة من األرق تغزو مفاصلي وتسبح عبر َأطرافي‪.‬‬‫يقرأ طالب الصف الثامن هذه القصة القصيرة وهو ال يعر ف ما هي القصة القصيرة‪.‬‬ ‫غاب تعريف هذا اجلنس األدبي وتوضيحه وجذوره وطبيعته‪( .‬هذا تفسير التباس‬ ‫التعريف بني القصة والرواية)‪ .‬كثيرون من الكبار ال يعرفون الفرق بني هذين‬ ‫اجلنسني‪ ،‬فقد تعرضت أكثر من مرة لسؤال غريب‪ :‬أما زلت تكتب روايات؟‬ ‫قصة «زائر املساء» قصة عادية جداً‪ ،‬مساحة التأويل فيها ضعيفة جداً‪ .‬هناك‬ ‫قيم وطنية صحيح تعززها أحداث القصة‪ ،‬هناك دالالت إنسانية لطيفة‪ ،‬لكنها‬ ‫ال تغني مخيلة الطالب وال تثير عنده شهية االكتشاف والكشف عن املخبوء من‬ ‫األمور‪ .‬هذه هي مشكلة صائغي املنهاج‪ :‬غياب إميانهم بأهمية تقدمي نصوص‬ ‫تتحمل تأويالت متعددة‪ .‬فالذهن القائم على صياغة هذا املنهاج تربى على البعد‬ ‫الواحد للقصيدة‪ ،‬والرؤية الواحدة للقصة‪ ،‬وهو ينفر من تعدد الدالالت؛ ألنها‬ ‫تربكه وتشتت أفكاره التي اعتادت على االستقرار واألمان؛ أمان اإلجابة اجلاهزة‬ ‫املسبقة‪ ،‬أمان الذهن املرتاح‪.‬‬ ‫سأنتقل إلى مناقشة بند آخر من بنود املقدمة‪.‬‬ ‫انظروا هذا البند‪ :‬الطالب محور العملية التعليمية؛ فال بد من مراعاة منوه املعرفي‬ ‫واللغوي واالجتماعي والنفسي‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫أنا ال أعرف (وأعود اآلن إلى الكلمة املقصية) كيف ميكن أن ينمو الطالب معرفي ًا‬ ‫ولغوي ًا ونفسي ًا واجتماعي ًا وهو يعاني من مخيلة مشلولة‪ .‬سأحيلكم اآلن على‬ ‫مهارة التعبير في املنهاج‪ .‬انظروا عدد ًا من املواضيع التي يقترحها الكتاب ‪-‬عفو ًا‬ ‫هو ال يقترحها هو يفرضها‪ -‬على الطالب‪.‬‬


‫‪.1‬‬ ‫‪.2‬‬

‫‪.3‬‬

‫‪.4‬‬ ‫‪.5‬‬ ‫‪.6‬‬ ‫‪.7‬‬ ‫‪.8‬‬

‫‪1‬أعبر شفوي ًا عن فرحتي لتحرير وطني‪.‬‬ ‫‪2‬أكتب فقرة حول بلدتي تكون اجلملة املفتاحية فيها واحدة مما يأتي‪:‬‬ ‫ •تشتهر بلدتي بكثرة املدارس‪.‬‬ ‫ •في بلدتي أماكن أثرية كثيرة‪.‬‬ ‫ •يعتمد اقتصاد بلدتي على أشياء عدة‪.‬‬ ‫‪3‬أكتب فقرة تكون اجلملة املفتاحية فيها واحدة مما يأتي‪:‬‬ ‫ •جاء إعالن قيام دولة فلسطني بعد نضاالت عديدة‪.‬‬ ‫ •حرية الرأي من األسس التي تقوم عليها دولة فلسطني‪.‬‬ ‫ •حترص الدولة الفلسطينية على توافر العدالة واملساواة بني أفرادها‪.‬‬ ‫‪4‬أخاطب شفوي ًا أخي العربي باألفكار األساسية الواردة في قصيدة (فلسطني)‬ ‫لعلي محمود طه‪(.‬ملاذا ال يخاطب نفسه‪ ،‬يحاورها‪ ،‬يكتشفها؟)‪.‬‬ ‫‪5‬أحتدث شفوي ًا عن املهنة التي أحب أن أمارسها‪.‬‬ ‫‪6‬أكتب فقرة تبدأ باجلملة التالية‪ :‬تتسم شخصية روزاليا باحلنان والرحمة‪.‬‬ ‫‪7‬أخلص قصة (جزاء اإلحسان) مبا ال يزيد على عشرين سطراً‪.‬‬ ‫‪8‬أكتب واحدة من األفكار التالية‪:‬‬ ‫ •املعاملة التي أحب أن يعاملني بها أفراد أسرتي‪.‬‬ ‫ •املعاملة التي أحب أن يعاملني بها املهتمون بالتربية‪.‬‬ ‫ •احلرص على العالقة مع أبنائي‪.‬‬

‫َأنا لغتي‬ ‫هذه هي مضامني التعبير التي فرضها صائغو ذهن مستقبلنا على أجيالنا البريئة‪،‬‬ ‫كيف ميكن أن ينمو الطالب معرفي ًا ولغوي ًا واجتماعي ًا ونفسي ًا بهذه املضامني اخلاوية‬ ‫اململة‪ ،‬وبهذا القدر الفظيع من العداء الكتشاف املجهول ومغامرة التوغل في‬ ‫مضامني شخصية تعتمد على احللم والهواجس الفردية واقتحام األشياء؟ كيف؟‬

‫‪30‬‬

‫ما هو النمو اللغوي الذي سيحققه الطالب حني يلخص قصة «جزاء اإلحسان»‪ ،‬أو‬ ‫حني يتحدث شفوي ًا عن املهنة التي يحبها؟ فهذه املضامني اليومية السطحية تستدعي‬ ‫لغة سطحية تقريرية وجافة (حتى لو كانت صحيحة املبنى)‪ ،‬هل هذا هو املطلوب‪:‬‬ ‫ال وتسلس ً‬ ‫صحة الكلمات واجلمل‪ ،‬مبنى وقواعد‪ ،‬وتنقيط ًا وخط ًا جمي ً‬ ‫ال ألفكار‬ ‫منظمة؟ هل هذا هو املطلوب؟ إذا كان هذا هو املطلوب‪ ،‬فأين النمو اللغوي‬ ‫الذي سيتحقق من هذا املضمون؟ ثم ما هو النمو اللغوي؟ هل هو متاسك الفكرة‬


‫وانتظامها مع سياق اجلمل األخرى‪ ،‬واستخدام كلمات جديدة وتوظيفها في جمل‬ ‫مفيدة؟‬ ‫إذا كان هذا هو النمو اللغوي فهذه مصيبة‪ ،‬هذا تدمير للغة وتخريب للثقة بها‬ ‫أو قتل لها إن وجدت عند الطالب‪ .‬النمو اللغوي ‪-‬حسب وجهة نظري‪ -‬هو‬ ‫إعادة صياغة اللغة بطريقة تفتح أمامها الطريق الكتشاف أبعاد أخرى للحياة‪ ،‬هو‬ ‫إعادة توظيف الكلمة في سياقات جديدة‪ ،‬هو تدريب لغتنا ومفرداتنا على املغامرة‬ ‫وخلق كلمات جديدة من كلمات قدمية‪ ،‬إذا كانت احلالة أو الصورة التي أكتب‬ ‫عنها تتطلب ذلك‪ .‬النمو اللغوي هو اجلرأة اللغوية في سبر أعماق األشياء‪،‬‬ ‫وليس الهرب أمام اجلديد من الصور واملشاعر واحلاالت‪ .‬النمو اللغوي يعني أن‬ ‫ال أكون عبد ًا للغة وقوانينها‪ ،‬بل عاشق لها وناقد ومعدل بحب ومودة وانتماء‪.‬‬ ‫نعود طالبنا على أن يصادقوا اللغة ‪ ...‬يعشقوها‪ ،‬ويكتشفوا معها وبها‬ ‫علينا أن ِّ‬ ‫وفيها األشياء‪ .‬طالب الصف الثامن الذي يطلب منه أن يكتب عن (كثرة املدارس‬ ‫في منطقته) لن يجد سوى الكلمات اجلاهزة واملستقرة املصفوفة بأدب في قاموس‬ ‫االستخدام اليومي‪.‬‬

‫أنعذرهم أم نلومهم؟‬ ‫مرة أخرى أجد نفسي عاذر ًا للذهن الذي صاغ املنهاج‪ ،‬فهذا الذهن ال يعرف شيئ ًا‬ ‫عن املغامرة في اللغة وتدريب اللسان على تذوق الناتئ واملنحني في اللغة‪ .‬هم‬ ‫تربوا في املدارس (وفي اجلامعات حتى) على العوم في سطح اللغة‪ ،‬في الدائرة‬ ‫اآلمنة منها‪ ،‬أما الدوائر اخللفية املعتمة فال أحد يجرؤ على دخولها‪ ،‬فهناك يتم‬ ‫الوقوف وجه ًا لوجه أمام احللم‪ .‬واحللم خطير جداً‪ ،‬فهو ال يعترف بالسائد واملستقر‬ ‫واملتفق عليه‪ .‬هو خارج عن القانون‪( .‬أجمل لص خارج عن القانون)‪.‬‬ ‫هل ألومهم أم أعذرهم؟ فبالتأكيد سوف أعذرهم‪ .‬فهم ضحايا تربية عقيمة‬ ‫وأساليب بالية ورؤى قدمية‪ ،‬ولكن كيف ميكن أن نقنعهم أنهم ضحايا؟‬ ‫كيف ميكن إنقاذهم من ذهنهم؟ وبالتالي إنقاذ ذهن أوالدنا‪ ،‬إنه ألمر فظيع أن يصيغ‬ ‫الضحايا ذهن ضحايا جدد‪ ،‬وهكذا تتوالى املأساة ضحايا يخلقون ضحايا‪.‬‬ ‫‪31‬‬

‫قررت أن أبدأ بشن أول املعارك بالتعاون مع جنودي‪ ،‬قررت بالتعاون مع طالبي‬


‫الذين فهموا انتقاداتي ومالحظاتي أن نشعل شموع الغرفة املعتمة داخلنا‪ .‬قلت‬ ‫لهم‪ :‬لن نكتب عن كثرة املدارس في منطقتنا‪ ،‬ولن نوجه رسالة إلى الشعوب‬ ‫العربية؟ ولن نلخص قصة «جزاء اإلحسان»‪ ،‬ولن نكتب عن املهنة التي نحبها‪.‬‬ ‫سنكتب عن حلم حلمناه ليلة أمس‪ .‬عن اجلبل املجاور وهو ينحني على مدرستنا‬ ‫وكأنه يعانقنا أو يخنقنا‪ ،‬سنكتب عن النهر الغادر والصديق اجلبان والشجاع‪.‬‬ ‫سنكتب عن العالقة الغامضة بني الرياح واملطر‪ ،‬سنكتشف اللغة السرية للغيوم‪.‬‬ ‫سنحاول محاورة غابة بعيدة‪ ،‬سنطير إلى القمر وجنري معه حوار ًا صحافياً‪،‬‬ ‫سنحاول أن نعرف ملاذا اختفى سكان قرية ما فجأة‪ ،‬وسنقرأ يوميات بنت صغيرة‬ ‫اختفت دون سبب‪ ،‬سنكتشف سر الصداقة الغريبة بني املطر والشجر‪ ،‬وسر احلرب‬ ‫الهائلة بني النار واملاء‪ .‬سنرسم رائحة زهرة‪ ،‬ونفتح نافذة فكرة‪ ،‬سنعرف ملاذا‬ ‫سجن القمر الشمس‪ ،‬وسنقوم بتجربة تزويد النار بدفء‪ .‬سنبتعد عن املدرسة‬ ‫وساحتها ومقاعدها وعن بيوتنا وأهلنا ومدينتنا ووطننا‪ ،‬سنذهب إلى أماكن بعيدة‪.‬‬ ‫ال تقلقوا يا أهلنا ويا مدرسينا ويا شرطة مدينتنا‪ ،‬نحن لسنا تائهني‪ ،‬نحن نخلع فقط‬ ‫ذاكرتنا ملدة مؤقتة‪ ،‬ونطير مع الريح لنعرف أكثر عن وجوه أخرى للحياة‪ .‬حاالت‬ ‫وأحاسيس وصور ومناطق غير مأهولة في أعماقنا‪ .‬سنعود ال تقلقوا ‪ ..‬سنعود‬ ‫‪ ..‬سنعود‪.‬‬

‫في أعماق الغرفة السحرية‬ ‫نحن داخل الغرفة‪ ،‬اآلن أغلقنا باب الصف باملفتاح‪ ،‬أشعلنا شمعة‪ ،‬أسدلنا ستائر‬ ‫النوافذ‪ ،‬استرخى جنودي في مقاعدهم‪ ،‬فككوا الزرين األولني في قمصانهم‪،‬‬ ‫وراحوا يحدقون في الشمعة‪ ،‬غابوا عن الوجود‪ ،‬وغبت أنا معهم‪ .‬كنت قد قلت‬ ‫لهم‪ ،‬الشمعة نص‪ ،‬لنحاول أن نقرأه‪.‬‬

‫‪32‬‬

‫نصف نائم أجاب بشار‪ :‬الشمعة حزن‪.‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة انهيار‪:‬‬ ‫ ‬ ‫إبراهيم‪:‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة خوف‪:‬‬ ‫ ‬ ‫فراس‪:‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة تضحية‪:‬‬ ‫ ‬ ‫عمر‪:‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة موت‪:‬‬ ‫ ‬ ‫أحمد‪:‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة خالص‪:‬‬ ‫ ‬ ‫عمرو‪:‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة حرية‪:‬‬ ‫ ‬ ‫براء‪:‬‬

‫تنهار الشمعة أمام املطر‬ ‫تخاف الشمعة من الريح‬ ‫تضحي بجسمها‬ ‫متوت بهدوء دون مقاومة‬ ‫خالصها في موتها‬ ‫حريتها في موتها‬


‫ ‬ ‫محمد‪:‬‬ ‫ ‬ ‫رام‪:‬‬ ‫ ‬ ‫عبد الله‪:‬‬ ‫ ‬ ‫خالد‪:‬‬

‫ ‬ ‫الشمعة صمت‪:‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة متاهة‪:‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة قوة‪:‬‬ ‫ ‬ ‫الشمعة ابتسام‪:‬‬

‫صمتها في انطفائها‬ ‫متاهتها في لهبها‬ ‫قوتها في موتها‬ ‫ابتسامتها في ضوئها‬

‫تعالوا نكتب مشهد ًا صغير ًا نصف فيه حالة من حاالت الشمعة أو داللة من‬ ‫داللتها!‬ ‫اكتب أنا‪ :‬امتطي لهب الشمعة وأسافر إلى الثلج‪.‬‬ ‫يكتب رام‪ :‬ارسم معاناتها في لوحة صغيرة فيحترق اإلطار‪.‬‬ ‫يكتب محمد‪ :‬الشمعة تنزف جما ً‬ ‫ال حزيناً‪.‬‬ ‫يكتب وسام‪ :‬الشمعة تخون لهبها وتنطفئ قبل أوانها‪.‬‬ ‫يكتب فراس‪ :‬تبتسم ومتوت وتترك وراءها جسم ًا غريب ًا غير مرتب‪.‬‬ ‫يطرق أحدهم الباب – يا إلهي! نهبط على األرض‪ ،‬نصحو من حلمنا‪ ،‬نتأفف‬ ‫أفتح الباب‪ ،‬يا للمهزلة! معلم يرسل طالب ًا إلى الصفوف بحث ًا عن (عصا)‬ ‫معاً‪ُ ،‬‬ ‫‪ ..‬يضحك الطالب‪.‬‬ ‫يقترح عمر‪ :‬ال تفتح الباب ألي سبب حتى لو كان املدير‪ .‬أوافقه وأقرر عدم فتح‬ ‫الباب أبداً‪.‬‬ ‫ ولكن مجرد الطرق على الباب سيوقظنا يا أستاذ وقد يطفئ الشمعة يقول‬‫أحمد‪.‬‬

‫‪33‬‬

‫تبدو احليرة على وجهي‪ ،‬أتوتر وأصيح‪ :‬أين نذهب؟ أليس هناك مكان آخر‬ ‫للحلم‪ ،‬للهدوء‪ ،‬مكان ال يزعجنا فيه أحد‪ ،‬ال يخدش طيراننا طرقات باب أو‬ ‫جرافة‪ .‬أتدرون أحس أحيان ًا أن هناك مؤامرة ضد احللم‪ ،‬ضد اخليال‪،‬‬ ‫صوت ّ‬ ‫يبتسم الطالب‪ .‬نعاود احللم‪ .‬نصف إغماضة وتشتعل الشمعة‪ ،‬عتمة خفيفة في‬


‫الصف‪ .‬نكتب أحالمنا وهواجسنا على السبورة‪.‬‬ ‫يكتب جنودي نصوصهم على الدفاتر‪ .‬أكتب أنا معهم نصي‪ .‬نقرأ نصوصنا على‬ ‫بعضنا البعض‪.‬‬ ‫أطلب من طالبي أن يبدوا مالحظاتهم‪ ،‬أقول لهم‪ :‬لقد ودعنا صيغ السؤال‬ ‫التقليدية‪( :‬ملاذا وبني واذكر وعدد واشرح وعلل)‪.‬‬ ‫دعونا نستخدم اآلن صيغ ًا جديدة‪ :‬قارن‪ ،‬اربط‪ ،‬حلل‪ ،‬صغ‪ ،‬فكك‪ ،‬ركب‪،‬‬ ‫تأمل‪ ،‬من هذه الصيغ نستطيع أن نصنع حلماً‪ ،‬حلم ًا قادر ًا على إمتاعنا ذهني ًا‬ ‫ومعرفياً‪.‬‬ ‫رام يبدي مالحظاته على نص إبراهيم‪:‬‬ ‫إبراهيم أنت تكرر كلمات كثيرة في نصوصك‪.‬‬ ‫إبراهيم يبدي مالحظاته على نص رام‪:‬‬ ‫رام أنت متفائل جد ًا في نصوصك‪.‬‬ ‫أنا أبدي مالحظاتي على نص عمر‪:‬‬ ‫عمر‪ ،‬يا صديقي أنت تكثر من األسئلة في نصك‪.‬‬

‫‪34‬‬

‫أندهش لنصوص طالبي‪ .‬أرافقهم إلى املدير‪ .‬يقرأون نصوصهم أمامه‪ ،‬املدير‬ ‫يندهش واملعلمون مستغربون من اندهاشنا‪ .‬وال يعرفون ما الذي يدهشنا؟ ما‬ ‫الذي يستأهل هذه الدهشة السعيدة؟ إنهم يرثون لنا اهتمامنا وتوترنا‪ .‬آخذ تلفون‬ ‫املدرسة الالسلكي إلى غرفة صف فارغ في االستراحة‪ .‬أهاتف وسيم الكردي‬ ‫الشاعر والتربوي‪ ،‬يقرأ طالبي نصوصهم لوسيم‪ .‬طالبي فرحون ومتوترون‬ ‫ورائعون‪ .‬وسيم يقول لي الحقاً‪ :‬هل تعرف أثر هذه االتصاالت على الطالب؟‬ ‫أجيبه‪ :‬نعم‪ ،‬أعرف‪ .‬الطالب يقرأ ما يكتبه‪ ،‬لشخص خارج نطاق الصف‪،‬‬ ‫يتواصل معه لغوي ًا دون أن يراه‪ ،‬يسمع آثار تفاعالته‪ ،‬يتخيل متلقي ًا مجهو ً‬ ‫ال‬


‫بالنسبة إليه‪. ...‬‬ ‫وأعرف أيض ًا أن ملركز القطان للبحث والتطوير التربوي دور ًا كبير ًا في إيقاظ املعلم‬ ‫اجلميل الذي كان غافي ًا داخلي‪.‬‬ ‫في االستراحة‪ :‬أغادر الطالب والضجيج واملعلمني وأدخل قاعة املكتبة املالصقة‬ ‫للجبل الذي ينحني على املدرسة كأنه يعانقها أو يخنقها‪ .‬أتنفس بعمق‪.‬‬ ‫أضع (سي دي) موسيقى الهنود احلمر في بيته في جهاز احلاسوب‪.‬‬ ‫تشتعل القاعة أصواتاً‪ .‬رجال في غابة يصلون أو يبكون أو ينادون أو يضحكون‬ ‫أو يحتضرون أو يغضبون‪ .‬صوت جماعي‪ .‬ال أفهم من كالمه شيئ ًا لكني أفهم‬ ‫كل شيء‪ .‬كأنهم يغنون ملطر سوف يطرد غبار الطريق‪ ،‬أو كأنهم يقولون كونوا‬ ‫غابة ال شجرة‪ .‬ال أدري إن كان أحدهم يطرق الباب أم ال‪ .‬لم انتبه‪ ،‬ال أريد‬ ‫أن أصغي إال إلى املوسيقى الغريبة التي يعزفها هذا اجلبل الضخم‪ .‬بجانبي‬ ‫اجلرافة في املكان‪،‬‬ ‫علي األصوات – طرقات باب القاعة‪ ،‬مع ضجيج َّ‬ ‫اختلطت َّ‬ ‫مع صوت هنود احلمر‪ ،‬مع صوت الغرفة املفتوحة داخلي‪ ،‬مع صوت الرصاص‬ ‫في املدينة‪.‬‬ ‫إنها احلياة‪ .‬أصوات ‪ ..‬أصوات ‪ ..‬أصوات‪ .‬بعضها يزعج وبعضها يريح‪.‬‬ ‫أسير على جبل يقود إلى‬ ‫بعضها معك وبعضها ضدك‪ .‬إنها احلياة‪ .‬أرى نفسي ُ‬ ‫غابة‪ ،‬حتتي أصوات غاضبة‪ ،‬وفوقي مطر غزير‪ ،‬وحولي رياح هوجاء تدفعني نحو‬ ‫الهاوية‪ ،‬وبعيد ًا بعيد ًا أسمع صوت طالبي يضحكون ويغنون‪ :‬كن غابة ال شجرة‪.‬‬ ‫كن حديقة ال زهرة‪ .‬كن مدى ال جداراً‪ .‬كن أفق ًا ال سياجاً‪ .‬ما زلت على اجلبل‬ ‫أسير‪ ،‬متوتر ًا وآي ً‬ ‫ال للسقوط فوق األصوات اخلشنة والغاضبة‪ .‬أكاد أهوي‪ ،‬آه‬ ‫ُ‬ ‫إني أهوي‪ ،‬آه ‪ ..‬آه ‪ ،..‬فجأة يرسم طالبي شمعة ضخمة بلهب واسع وهادئ‪،‬‬ ‫يحملني اللهب كصهوة حصان باجتاه الغابة باجتاه طالبي‪ .‬هناك أراهم يتوغلون‬ ‫في أعماق املجهول‪ -‬عنوان الرحلة يا أستاذ هو (املواجهة مع املجهول ‪ -‬وداع ًا‬ ‫للمعلوم) أسير معهم‪ .‬ال نعرف ما الذي ينتظرنا‪.‬‬ ‫‪35‬‬

‫أليس هذا هو هدف احلياة‪ :‬أن نكتشف ونغامر ونقتحم ونخرق الوصايا ونحرق‬ ‫الطرق القدمية التي ال تؤدي إال إلى العبودية واخلوف‪ ،‬أن نعرف أكثر‪ ،‬أن نبحث‬


‫عن آفاق جديدة للعيش؟‬ ‫ليس للغابة نهاية‪ ،‬ما زلنا نشق طريقنا غير املعروف طريق بكر‪ ،‬منشي عليه كأننا‬ ‫نعزفه أو نرقصه‪ .‬إلى أين نذهب؟ يا له من سؤال رائع‪.‬‬ ‫واجلواب األروع‪ :‬هو إلى حيث ال ندري‪ ،‬إلى حيث ال نعرف‪ ،‬إلى املجهول‪ ،‬آه‬ ‫املجهول ‪ ...‬املجهول‪.‬‬

‫‪36‬‬


‫خريب ِ‬ ‫ِ‬ ‫حر الالمتحقق‬ ‫اليات ال َّت‬ ‫َج َم‬ ‫ُ‬ ‫وس ُ‬

‫‪37‬‬


‫خريب ِ‬ ‫ِ‬ ‫حر الالمتحقق‬ ‫اليات ال َّت‬ ‫َج َم‬ ‫ُ‬ ‫وس ُ‬

‫ارسة القف ِز من ال َّن ِ‬ ‫دريبات صفيةٌ َعلَى مُ َم ِ‬ ‫ِ‬ ‫وعناق ا ُ‬ ‫حللم)‬ ‫وافذ‬ ‫( َت‬ ‫ٌ‬ ‫األطفال واملجانني واألموات هم وحدهم األحرار متاماً‪ .‬اندهش طالبي لكالمي‬ ‫هذا‪ ،‬وهمسوا‪ :‬لقد جن أستاذنا‪ .‬حصتنا هذا اليوم ستكون حصة جنون وحلم‬ ‫وتدمير للعرف التربوي‪ ،‬سنقفز من النافذة واحد ًا تلو اآلخر‪ .‬سنختار أن نكون إما‬ ‫مجانني وإما أموات ًا وإما أطفا ً‬ ‫ال‪ ،‬دون أن نأخذ إذن ًا من أحد‪ .‬أترون تلك البحيرة‬ ‫القذرة هناك‪ ،‬سنذهب إليها ونتحلَّق حولها وجنرب أن نخرب تقاليد هذا اليوم‬ ‫الدراسي‪ ،‬وأن نستبدل هذه التقاليد بتقاليد غريبة‪ ،‬بحث ًا عن اإلنساني املشوه فينا‪،‬‬ ‫عن طاقتنا على احلياة‪ ،‬عن حقنا في التجريب وممارسة األخطاء‪.‬‬ ‫قال ماجد‪ :‬سيغضب املدير ألننا لم نأخذ إذنه للخروج‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬ليغضب‪ ،‬نحن نريده أن يغضب‪ .‬ألسنا نهدف إلى التخريب؟‬ ‫قال فراس‪ :‬لكن التخريب عمل غير جيد ألنه يؤدي إلى خراب املجتمع‪.‬‬ ‫قال عمر‪ :‬ال أتفق معك‪ .‬هذا يعتمد على ما سنخربه‪.‬‬ ‫قال ماهر‪ :‬أنا سأخرج من بوابة املدرسة ألنني ال أستطيع القفز من النافذة بسبب‬ ‫ألم في كاحلي‪.‬‬ ‫لتبق في الصف إذن‪ .‬أنت ال تصلح للجنون‪.‬‬ ‫قال وسام‪َ :‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬األلم ضروري الكتشاف هنائنا الداخلي‪ ،‬اقفز وتألم مرة أخرى‪ ،‬ألنك‬ ‫ستصل قبلنا إلشراقات اجلنون‪.‬‬ ‫قال أنس‪ :‬أستاذ أنت غريب جداً‪ ،‬كيف تنصح شخص ًا باأللم؟!‬ ‫‪39‬‬

‫سمعت أحمد يهمس‪ :‬بالفعل‪ ،‬أستاذنا مجنون‪.‬‬


‫قلت‪ :‬أو قد أكون طف ً‬ ‫ال أو ميتاً‪ ،‬وتعلم دائم ًا أن ترفع صوتك في احلديث‪ ،‬ال‬ ‫تهمس برأيك همساً‪ ،‬يا أحمد هناك مساحة هائلة هنا من حرية الرأي‪ ،‬تذكر‬ ‫ذلك‪ ،‬ألسنا مخربني للوضع االجتماعي السائد‪ ،‬حيث ال يتمكن إنسان بالدنا من‬ ‫إبداء رأيه في وجه أبيه أو معلمه أو حاكمه أو شيخ اجلامع‪ ،‬لقد خربنا هذا التقليد‬ ‫واستبدلناه بتقليد آخر‪ :‬أن نتحرر من اخلوف ونقول ما نحسه متاماً‪.‬‬ ‫قال عمرو‪ :‬اآلن عرفت معنى التخريب‪ ،‬إنه يعني حتطيم السيئ‪ ،‬وهذا سلوك‬ ‫رائع‪.‬‬ ‫ضج الصف بشغب مفاجئ‪ ،‬اشتبك الطالب مع بعضهم البعض في نقاش عنيف‪،‬‬ ‫إلي‪ :‬تذكروا أن اجلنون‬ ‫تخلله صياح واتهامات‪ ،‬طلبت منهم أن يصمتوا ويستمعوا ّ‬ ‫والتخريب ال يعني الفوضى والصياح والتجريح! تذكروا أن التحرر من السجون‬ ‫التي فينا هو عمل منظم ووا ٍع‪ ،‬وأن التخريب اجلميل هو عمل إنساني وأخالقي‬ ‫يهدف إلى البحث عن النضير واملزدهر واألزرق فينا‪ ،‬ال ‪ ..‬ال فائدة أبد ًا في كالمنا‬ ‫وإمياننا إذا لم نقرن هذا الكالم بسلوك‪.‬‬ ‫لنبدأ اجلنون!‬ ‫ ماذا اخترمت أن تكونوا؟‬‫قال القليل منهم‪ :‬مجانني‪.‬‬ ‫قال الكثير منهم‪ :‬أطفا ً‬ ‫ال‪.‬‬ ‫طالبان اثنان فقط اختارا أن يكونا ميتني‪.‬‬

‫‪40‬‬

‫الصف الثامن يقع في الطابق الثاني‪ ،‬والعلو ليس مرتفع ًا جداً‪ .‬قلت لهم‪ :‬اقفزوا‬ ‫ورائي واحد ًا تلو اآلخر‪ ،‬مع صيحة يطلقها كل قافز تعبر عن فرحه بالتحرر من‬ ‫اجلدران‪ ،‬قفزت أمامهم‪ ،‬مع صيحة فرح وحشية‪ ،‬فقفزوا ورائي‪ ،‬مالئني الدنيا‬ ‫صياحاً‪ ،‬أكثر من نصف الطالب بقوا في الصف‪ ،‬أطلوا برؤوسهم واعتذروا‬ ‫قائلني‪ :‬ال نستطيع أن منارس هذا اجلنون‪ ،‬سيغضب املدير منا‪ ،‬ونخاف من آالم‬ ‫القفز‪ ،‬ثم أننا غير مقتنعني بالفكرة‪.‬‬


‫قلت لهم‪ :‬رائع أن تختاروا موقف ًا حتى لو كان معارض ًا لفكرتي‪ ،‬لكم احلرية في‬ ‫الرفض‪ ،‬مطلق احلرية لكم‪.‬‬ ‫مشيت مع الطالب اخلمسة عشر متجهني إلى البركة القذرة القريبة من املدرسة‪،‬‬ ‫أطلت رؤوس املدرسني والطالب من الصفوف املختلفة‪ ،‬أطلت ساخرة وغاضبة‬ ‫ومستغربة‪ ،‬سمعنا الفوضى تدب في أنحاء املدرسة‪ ،‬صاح الطالب‪ :‬يا مجانني!‬ ‫ابتسم مجانيني‪ .‬قلت لهم‪ :‬يا لها من تسمية رائعة‪ ،‬نحن بالفعل مجانني‪.‬‬ ‫سمعنا مدرس التاريخ يصيح‪ :‬يجب أن نضع حد ًا لهذا اجلنون‪ ،‬أنت تشجع‬ ‫الطالب على الفوضى والعبث‪.‬‬ ‫درست في عشر مدارس‪ ،‬لم أشهد سلوك ًا مثل هذا في‬ ‫صاح مدرس الفيزياء‪َّ :‬‬ ‫حياتي‪ ،‬يجب أن يوجه لك إنذار فوري‪.‬‬ ‫سمعنا املدير ينادي بصوت عال‪ :‬ارجع يا أستاذ أرجوك‪ ،‬إلى أين أنت ذاهب مع‬ ‫الطالب‪ ،‬أنت لم تستشرني‪ ،‬أرجوك هناك ضيوف قادمون من وزارة التربية بعد‬ ‫نصف ساعة‪ ،‬ال تفضحني أرجوك‪ ،‬عد يا أستاذ‪ ،‬عودوا يا طالب‪ ،‬سأوجه لكم‬ ‫إنذارات‪.‬‬ ‫ضحكت مع الطالب بصوت ٍ‬ ‫عال‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬هذا ما ننتظره‪ .‬صح أستاذ؟‬ ‫أجبت‪ :‬طبع ًا لو لم َنر سخريتهم واستغرابهم وتهديداتهم ملا جنحت فكرتنا‪.‬‬ ‫سأل أمين‪ :‬وما هي فكرتنا يا أستاذ؟‬ ‫الفكرة ستتوصلون إليها بأنفسكم‪ ،‬فقط وافقوا على التجربة‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫وعال‪ :‬نحن موافقون‪.‬‬ ‫قالوا بصوت واحد‬ ‫‪41‬‬

‫حتلقنا حول البركة‪ ،‬كانت بركة قذرة مليئة باألوراق واألكياس وبقايا الطعام‬


‫وحيوانات ميتة‪ ،‬كانت الدنيا مهيأة ملطر غزير‪ ،‬الرؤوس الساخرة ما زالت تطل‬ ‫علينا‪ ،‬التهديدات نسمعها بوضوح‪ ،‬وصياح الطالب الساخر داخل الصفوف ميأل‬ ‫الدنيا‪.‬‬ ‫إلي أن أعود‪ ،‬فهناك ضيوف‪ ،‬بإمكاني أن أفعل ذالك الحق ًا إن‬ ‫جاء املدير‪ ،‬توسل َّ‬ ‫أردت‪ ،‬قلت له‪:‬‬ ‫عد إلى مكتبك أرجوك ال حترجني أنا‪ ،‬نحن نتعلم اآلن‪ ،‬أنا لم أفعل شيئ ًا سيئ ًا أو‬ ‫مخالف ًا ملصالح الطالب‪ ،‬فقط هي جتربة‪.‬‬ ‫قال‪ :‬لكنك لم تأخذ إذني‪ .‬قلت‪ :‬هذا من شروط التجربة‪ .‬معط املدير شعره‬ ‫غاضب ًا وشتم جتاربي وصاح‪ :‬قلت لك هناك ضيوف قادمون‪ ،‬لن يستوعبوا طريقة‬ ‫خروجك إلى هنا بالقفز مع الطالب من النافذة‪ ،‬ولن يفهموا وجود طالب حتت‬ ‫املطر مع مدرسهم أرجوك ُعـد!‬ ‫ال تتعب نفسك يا مديري‪ ،‬افعل ما تراه مناسباً‪ ،‬قم بصالحياتك‪ ،‬أعطني إنذار ًا‬ ‫ولن متس بسوء من قبل مفتشيك‪.‬‬ ‫انصرف املدير غاضب ًا ومتوعداً‪ ،‬وحائر ًا وانصرفنا نحن إلى تخريبنا‪.‬‬ ‫قلت للطالب‪ :‬وكأن السماء تشاطرنا رغبتنا في اكتشاف أنفسنا وفي فحص‬ ‫األشياء‪.‬‬ ‫قال عالء‪ :‬املطر ضروري لزيادة اجلنون‪.‬‬ ‫قال راضي‪ :‬الرياح جد ًا مطلوبة للتحدي‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬لنبدأ‪.‬‬ ‫قال سمير‪ :‬أستاذ أنا خائف من املدير‪ ،‬فهو صديق والدي أخشي أن يعاقبني‪.‬‬ ‫‪42‬‬

‫عاد سمير إلى الصف وراح يشارك في السخرية منا مع جوقة الساخرين‪.‬‬


‫حتلقنا نحن األربعة عشر طالب ًا ومعلم ًا حول البركة‪ .‬بدأ املطر يتساقط والرياح‬ ‫تعصف بوجوهنا‪ ،‬والدوريات العسكرية االحتاللية متر من أمامنا متشككة‬ ‫وخائفة‪.‬‬ ‫بدأت احلديث‪:‬‬ ‫ال شك أن احلياة ورطة‪ ،‬نحن متورطون فيها بوجودنا ألن احلرية هي نقيض احلياة‪،‬‬ ‫احلرية احلقيقية توجد فقط في امليت وفي املجنون والطفل‪ .‬نحن لسنا ميتني ولسنا‬ ‫أطفا ً‬ ‫ال وال مجانني‪ ،‬حتى لو زعمنا ذلك‪ ،‬فنحن نكذب‪ ،‬لهذا نحن متورطون‪.‬‬ ‫إن املدرسة متثل رمز ًا واضح ًا من رموز هذا التورط في شكل مصغر وصادق جد ًا‬ ‫عن احلياة وشروطها وقيودها‪ ،‬في املدرسة نحن نتحرك حواس ًا وأذهان ًا ‪...‬‬ ‫معلمني وطالباً‪ ،‬بأمر شيء جهنمي ومروع اسمه اجلرس‪ ،‬هذا اجلرس هو معادل‬ ‫موضوعي عادل ومنطقي ووفي للحياة‪ ،‬احلياة جرس ضخم معلق في أعناقنا‪ .‬إذا‬ ‫أحببنا أن نضحك بصوت ٍ‬ ‫عال مث ً‬ ‫ال في قاعة كبيرة يتم فيها تأبني زعيم أمة سابق‪،‬‬ ‫يدق اجلرس دقة فظيعة وينهرنا معلن ًا توبيخنا ويهددنا بعقاب كبير‪ ،‬فنمتنع عن‬ ‫الضحك صاغرين‪.‬‬ ‫قال عبد الله‪ :‬ولكن الضحك حرام في مناسبة كهذه‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬أرأيت يا عبد الله اجلرس دق عندك اآلن‪ ،‬كما سيدق عندي وعند أي بشر‬ ‫آخرين‪ ،‬إنها احلياة‪ ،‬نحن ال نناقش أخالقية املوضوع أو عدم أخالقيته‪ ،‬نحن‬ ‫نناقش داللته الوجودية واإلنسانية‪ ،‬نحن نصف عن بعد وبشكل حيادي جداً‪.‬‬ ‫سأل رشيد‪ :‬وما احلل يا أستاذ هل منوت؟ أم جنن؟ أم نصبح أطفا ً‬ ‫ال؟‬ ‫ املوت مرفوض ألننا نحب احلياة‪ ،‬نحب ورطتنا‪ ،‬أرأيتم شخص ًا يحب أمله‪ ،‬إنه‬‫اإلنسان‪.‬‬ ‫قال زيد‪ :‬إذن‪ ،‬سنختار اجلنون أو الطفولة‪.‬‬ ‫ هيا اختاروا! قلت لهم‪.‬‬‫‪43‬‬

‫معظمهم اختار الطفولة وقليل منهم اختار اجلنون‪.‬‬


‫ أنا اخترت الطفولة‪ ،‬قلت لهم‪.‬‬‫طلبت منهم أن يفتحوا عيونهم ويرفعوا نظراتهم إلى األعلى‪ ،‬ضامني حبات املطر‬ ‫إلى حدقاتهم‪ ،‬ويحلموا مبدرسة جديدة مفترضة‪.‬‬ ‫مدرسة مستحيلة وبعيدة عن الواقع البشري‪ ،‬مارسوا احللم الغريب والالمتحقق‪،‬‬ ‫فهنا السعادة‪ ،‬أن نحلم مبا ال يأتي أبداً‪ ،‬هنا اجلمال‪ :‬أن منشي باجتاه احللم الصعب‪،‬‬ ‫متعبني ومتحدرين من ساللتنا الهشة واملسكينة‪ ،‬رفع الطالب نظراتهم إلى‬ ‫األعلى‪ ...‬اغتسلت عيونهم باملطر‪.‬‬ ‫قال هيثم‪ :‬أريد مدرسة مصنوعة من شجر‪ ،‬ال أريد جدران وأسقفاً‪ ،‬أريد أن أتلقى‬ ‫دروسي وبجانبي ثمار التوت‪.‬‬ ‫قال جمعة‪ :‬أريد مدرسة في البحر‪ ،‬املقاعد فيها زوارق‪ ،‬والطباشير زيت‬ ‫السمك‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬ال أريد بنايات‪ ،‬بإمكاننا أن ندرس حتت الشجر أو فوق اجلبال‪.‬‬ ‫قال أسعد‪ :‬ال نريد سبورات‪ ،‬نريد أن نكتب على اجلدران‪.‬‬ ‫قال عوني‪ :‬املدرسة التي أحلم بها أريدها بعيدة عن املدينة‪ ،‬وتؤدي إليها شوارع‬ ‫خاصة بنا‪ ،‬ال سيارات نرى‪ ،‬وال مارة‪.‬‬ ‫قال رمزي‪ :‬أحب املدرسة التي أجلس فيها براحتي‪ ،‬أمد رجلي أو أجلس على‬ ‫األرض مثالً‪.‬‬ ‫قال هادي‪ :‬أريد مدرسة فيها مسابح وقاعات واسعة للرياضة وحواسيب كبيرة‬ ‫بحجم املدينة‪ ،‬حتى ندخل في احلاسوب ونتحول إلى أرقام أو صفحات‪.‬‬ ‫قال سالم‪ :‬أريد مدرسة ال أجراس فيها أبداً‪.‬‬ ‫‪44‬‬

‫قال صالح‪ :‬أريد مدرسة ال مدير فيها وال نائب مدير‪ ،‬فقط معلمون‪.‬‬


‫سألت الطالب‪ :‬ألم تشعروا مبتعة في احللم املستحيل‪.‬‬ ‫أجابوا‪ :‬نعم ‪ ..‬نعم ‪ ..‬نعم‪.‬‬ ‫كم هو رائع أن نحلم بأشياء ال تتحقق‪ ،‬لو حتققت هذه األحالم لفقدت كونها‬ ‫أحالماً‪ ،‬لفقدت جمالها وغرائبيتها اخلاصة‪ ،‬ألصبحت واقع ًا ممالً‪ ،‬نتمنى أن‬ ‫نغيره‪ ،‬لواقع آخر‪ ،‬هنا السعادة‪ :‬في الطريق إلى احللم‪ :‬نحن محرومون من احللم‬ ‫املستحيل‪ ،‬ألننا نريد أن نغير واقعنا نحو األفضل وال نعرف لذة احللم نفسها‪.‬‬ ‫للتخلص من لعبة األحالم املتحققة واملتواصلة‪ ،‬اقترح أن نتدرب على احللم‬ ‫الصعب‪ ،‬ليس بحث ًا عن واقع جديد‪ ،‬بل بحث عن لذة احللم نفسها‪ ،‬عن دهشة‬ ‫التحسر واأللم والتأمل في ورطتنا وسجوننا ومحدوديتنا الذهنية‪ ،‬هذا ال يعني أني‬ ‫أطلب منكم أن ال حتلموا أحالم ًا تتحقق لتغيروا واقعكم‪ ،‬أبد ًا أنا مع تغيير الواقع‬ ‫دائماً‪ ،‬ولكن هذا موضوع آخر‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬سأحلم أن أصبح إلهاً‪.‬‬ ‫ضحك الطالب‪.‬‬ ‫قال رشيد‪ :‬سأحلم أن يصبح لي ست عيون وأربع عشرة أذن ًا حتى اسمع موسيقي‬ ‫احلوت األزرق‪.‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬سأحلم أن أطير فوق العالم واسمع ثرثرة الفراش‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬سأحلم أن أصبح الهواء ألجتسس على اليهود‪.‬‬ ‫حلم طالبي أحالم ًا خرافية‪ ،‬وحلمت معهم‪ ،‬راقبت النشوة وهي تقطر من‬ ‫رموشهم مع حبات املطر‪ ،‬كنا خمسة عشر كائن ًا بشري ًا نحاول أن نلتف على ورطتنا‬ ‫الوجودية وعلى أجراسنا‪( ،‬خربنا) التقليد اليومي‪ ،‬دون أن نؤذي أحداً‪.‬‬ ‫‪45‬‬

‫هل رأيتم كم هو رائع أن نخرج عن السائد واليومي‪ ،‬وأن نتعرض للتهديد؛ تهديد‬ ‫الذين ال يشبهوننا‪ ،‬تهديد الذين لم يصل ذهنهم ملستوى ذهننا‪ ،‬أن تشعر بالتميز‬


‫عن غيرك فهذا انتصار كبير ولذة عميقة‪.‬‬ ‫قال رشيد‪ :‬نحن خربنا اخلراب إذن‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬نحن متميزون ومرتفعون عن األرض‪ ،‬نحن نبني بطريقتنا وهم يهدمون‬ ‫ويعتقدون أنهم يبنون‪.‬‬ ‫قال سالم‪ :‬سمير تخاذل وهرب‪.‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬وهكذا هي احلياة؛ هناك متخاذلون وصامدون‪ ،‬وهناك مرتبكون‬ ‫ومؤمنون‪ ،‬وتذكروا أن اجلميل غريب دائماً‪.‬‬ ‫نحن غرباء بالنسبة إليهم ألننا جميلون‪ ،‬رقص الطالب فرحاً‪.‬‬ ‫نحن جميلون‪ ،‬نحن جميلون‪.‬‬ ‫ ماذا تعلمنا من هذه التجربة؟ سألت الطالب ونحن عائدون إلى سجوننا‪:‬‬‫قال عبد الله‪ :‬أنا ال أدري‪ ،‬ولكني أدري أني استمتعت‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬خربنا اخلراب‪ ،‬نحن‪ ،‬إذن‪ ،‬مناضلون ومنتمون‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬تدربنا على احللم املستحيل‪.‬‬ ‫قال سليم‪ :‬عرفنا كم نحن متميزون‪.‬‬ ‫قال زيد‪ :‬غامرنا ولم نخف من التهديدات‪.‬‬ ‫قال عمر‪ :‬عرفنا قيمة ومتعة أن ال نستمع إال ألنفسنا‪.‬‬ ‫‪46‬‬

‫قال رشيد‪ :‬قاومنا اخلوف من اجلرس‪.‬‬


‫قال أمين‪ :‬قمنا مبا نحن مقتنعون به على الرغم من التهديد والوعيد‪.‬‬ ‫سألت طالبي‪ :‬وما داللة البركة القذرة؟ ألم تتساءلوا عنها وعن رمزيتها؟‬ ‫قال رام‪ :‬هي القبح والظالم واخلوف ونحن حولها لنتحداها‪.‬‬ ‫قال عبد الله‪ :‬هي الغموض املثير‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬هي الضحية التي تشبهنا‪.‬‬ ‫قال راضي‪ :‬هي نحن‪ ،‬ونحن نحاول أن نصفي أنفسنا من القاذورات‪.‬‬ ‫صحت بصوت ٍ‬ ‫عال‪ :‬كم أنتم رائعون ‪ ...‬نعم ‪ ...‬نعم‪ .‬كلكم صح‪ ،‬ال أحد‬ ‫مخطئ أبداً‪ ،‬تعالوا أحضنكم‪.‬‬ ‫عدنا إلى الصف‪ -‬السجن‪ ،‬كان صفير الطالب يتعالى سخرية منا‪ ،‬وكان املعلمون‬ ‫يرمقوننا بحنق وحيرة‪ ،‬واملدير ينتظرنا بإنذاراته‪ ،‬وكنا نحن موكب نور ومعرفة‬ ‫يشق طريقه وسط ظلمة مثيرة للشفقة‪.‬‬

‫‪47‬‬


‫الب ِ‬ ‫ِ‬ ‫حث‬ ‫اعتناق َع‬ ‫ُ‬ ‫قيدة ال َّت َجاو ِز يف َ‬ ‫الم َّ‬ ‫الك ِ‬ ‫الضائع‬ ‫عن َ‬ ‫‪49‬‬


‫الم َّ‬ ‫حث عن الكَ ِ‬ ‫الب ِ‬ ‫ِ‬ ‫الضائع‬ ‫اعتناقُ َع‬ ‫قيدة ال َّت َجاو ِز يف َ‬

‫ِ‬ ‫تدريس َنص)‬ ‫(جتربةٌ في‬

‫قلت لطالبي‪ :‬تهيأوا لساعة من اإلجهاد الذهني اللذيذ‪ ،‬ساعة من االحتماالت‪،‬‬ ‫واالقتحامات‪ ،‬والتفسيرات‪ ،‬سنغادر هذا الصف اآلن (صفق الطالب بقوة‬ ‫وساد ضجيج خفيف)‪ ،‬هذه املساحة املنقبضة التي ال تساعدنا أبد ًا على مد سيقان‬ ‫مخيالتنا وأذرع جنوننا نحو القصي والالمحدود والغريب‪ ،‬سنجلس في احلديقة‬ ‫هناك حيث تنمو األزهار بهدوء دون أن يعترضها أحد هناك في احلديقة‪ ،‬سنبدع‬ ‫ونكتشف كما تكتشف األزهار ذاتها وروعتها ورائحتها‪ ،‬هناك نستطيع أن جنلس‬ ‫على التراب ‪ ...‬نتشممه ‪ ...‬جنلس عليه ‪ ...‬نتحسسه بينما نحن نفكك‬ ‫مبتعة هائلة ظل صورة معلقة‪ ،‬أو نبدد ضباب عبارة عالقة‪ ،‬أو ننطح عتمة كلمة‬ ‫حرون‪.‬‬ ‫في احلديقة يحثنا منظر األزهار على اإلميان برائحة الكلمات‪ ،‬نعم يا أصدقائي‪،‬‬ ‫هناك رائحة خاصة للكلمات‪ ،‬تلك الرائحة التي تدوخنا وتسكرنا‪ ،‬وتأخذ بأيدينا‬ ‫لنرقص ونطير ونذوب ونطلق سراحنا في أبدية األشياء‪ .‬في احلديقة سنجلس‬ ‫بالطريقة التي تريحنا‪ ،‬ال رقابة على اجللسات‪ ،‬ال رقابة على شيء‪ ،‬هناك رقابة‬ ‫فقط على جفاف التفكير وجموده وضيقه‪ ،‬لن نسمح بفكرة مترهلة للمرور‪،‬‬ ‫الكلمات الساخنة والبعيدة واملغمورة واحمللوم بها هي كلماتنا‪ ،‬هي طريقنا هي‬ ‫قاموسنا‪ ،‬هذه الساعة ستكون ساعة اقتحام هائلة لكهوف الصور وتفجير ألنفاق‬ ‫املعاني وآبارها‪.‬‬ ‫بناء على حبهم لألدب ورغبتهم في أن يصبحوا‬ ‫عدد طالبي عشرة‪ ،‬فقد اخترتهم ً‬ ‫كتاب ًا وشعراء‪.‬‬ ‫سيسألني يزن‪ :‬هي حرب إذن يا أستاذ؟‬

‫‪51‬‬

‫سأجيب‪ ،‬نعم‪ .‬هي حرب باملعنى العنيف والدقيق للكلمة‪ ،‬سنطيح بطريقة‬ ‫التفكير القدمية‪ ،‬سننسف حصون املعاني املكررة‪ ،‬سنغير على قالع املفاهيم‬ ‫النهائية‪ ،‬وسنبني خنادق وحصون ًا وقالع ًا من املفاهيم واملعاني املفتوحة والقابلة‬ ‫للتجدد والعاشقة للنور واحلياة‪.‬‬


‫سيسألني أمير‪ :‬هل سيكون هناك أسرى يا أستاذ؟‬ ‫سأضحك أنا والطالب بصوت عال‪ ،‬سيطل املدير مستغرب ًا ومتهيئ ًا االعتراض أو‬ ‫مساءلة‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬ال أسرى في حربنا ضد املوت والبالدة والظالم‪ .‬نحن أمراء النور ومكتشفو‬ ‫األبعاد اجلديدة وأصدقاء الظالل‪ ،‬نريد أن نكسب هذه احلرب لصالح اجلمال‬ ‫واحلب‪ ،‬لصالح هذه احلديقة املفتوحة واحلرة والنظيفة‪.‬‬ ‫طالبي في احلديقة اآلن‪ .‬كل يجلس حسب راحة جسده‪ ،‬بعضهم جلس على‬ ‫تفيأ ظالل الورد القصير‪ ،‬آخرون وقفوا متكئني‬ ‫األرض متكئاً‪ ،‬قسم منهم ّ‬ ‫بأجسامهم على السور‪ ،‬جلست أنا على حافة السور بيدي أوراق مطبوع عليها‬ ‫سطور من قصيدة محمود درويش «ورد أقل»‪ .‬أوزع األوراق على الطالب‪.‬‬ ‫الطالب ينظرون باهتمام‪ ،‬أراقب البهجة القلقة في وجوههم‪.‬‬ ‫أقول لهم‪ :‬أعيروني انتباهكم‪ ،‬حاولوا أن تنسوا ما يدور حولكم من أصوات‬ ‫سيارات وطالب وباعة خضار متجولني ومدرسني يصرخون ويهددون‪.‬‬ ‫أصدقائي أمامنا بضعة سطور شعرية للكبير واجلميل محمود درويش‪ ،‬سنحاول‬ ‫أن نلج هذا اإلنسان الفني‪ ،‬مزودين باخلبرة واألدوات التي اكتسبناها في العام‬ ‫املاضي‪ ،‬خبرة الرؤية املجنونة احلرة‪ ،‬خبرة حتسس العالم بأصابع من حلم‪ ،‬خبرة‬ ‫اختراق احلدود بأقدام من وهم‪ ،‬خبرة حتطيم احلواجز أمام رغباتنا في استخدام‬ ‫طاقاتنا على بناء عالم جديد على أنقاض القدمي اليابس‪.‬‬ ‫طالبي يقرأون بصمت سطور املقطوعة‪ ،‬ال شيء يتحرك فيهم سوى أذهانهم‪.‬‬ ‫أرفعوا رؤوسكم واسمعوني‪ ،‬قلت لهم‪.‬‬ ‫بدأت أقرأ بصوت متلون منخفض ٍ‬ ‫عال تبع ًا ملنخفضات املعاني ومرتفعاتها‪.‬‬ ‫‪52‬‬

‫ورد أقل‬ ‫«أريد مزيد ًا من العمر كي نلتقي ومزيد ًا من االغتراب‬


‫ولو كان قلب ًا خفيف ًا ألطلقت قلبي على كل نخلة‬ ‫أريد مزيد ًا من القلب كي أستطيع الوصول إلى ساق نخلة‬ ‫ولو كان عمري معي النتظرتك خلف زجاج الغياب‬ ‫أريد مزيد ًا من األغنيات ألحمل مليون باب وباب‬ ‫وأنصبها خيمة في مهب البالد وأسكن جملة‬ ‫أريد مزيد ًا من السيدات ألعرف آخر قبلة‬ ‫وأول موت جميل على خنجر من نبيذ السحاب‬ ‫أريد مزيد ًا من العمر كي يعرف القلب أهله‬ ‫وكي أستطيع الرجوع إلى ‪ ...‬ساعة من تراب»‪.‬‬ ‫أنهيت القراءة‪ ،‬رفعت رأسي‪ ،‬ألرى تأثير إلقائي الشعري على الطالب‪ ،‬بعضهم‬ ‫كان حائراً‪ ،‬آخرون ابتسموا‪ ،‬البعض كان يتنهد‪ ،‬طلبت منهم أن يقولوا لي ما‬ ‫ٍ‬ ‫معان وأفكار وأحاسيس‪.‬‬ ‫وصلهم من‬ ‫قال رام‪ :‬محمود يطلب عمر ًا إضافي ًا ليعيش أكثر‪ ،‬يبدو أن في انتظاره أشياء كثيرة‬ ‫ليحققها والعمر قصير‪.‬‬ ‫قال براء‪ :‬الزمن قصير والشاعر يخافه‪.‬‬ ‫قال أحمد‪ :‬الشاعر يحب احلياة لكن احلياة ال تكترث له‪.‬‬ ‫قال أمير‪ :‬الشاعر يعرف أن الزمن لن يستجيب له‪ ،‬فهو يستجدي أيام ًا جديدة حلياة‬ ‫أخرى‪ ،‬الشاعر يبدو مسكين ًا لكنه جميل‪.‬‬ ‫قال سامر‪ :‬الشاعر يريد أن يسكن جملة‪ ،‬هذا تعبير عن رغبته في اخللود والبقاء‬ ‫عبر األدب‪.‬‬ ‫هرب محمود‬ ‫قال محمد‪ :‬فلسطني غير موجودة هنا‪ ،‬اإلنسان هو املوجود‪ ،‬ملاذا ّ‬ ‫فلسطني خارج القصيدة‪.‬‬ ‫‪53‬‬

‫قال خالد‪ :‬أتساءل فقط عن عالقة األغنيات باألبواب‪ ،‬يبدو أن كل أغنية تعني‬ ‫باباً‪ ،‬وكل باب يؤدي أو يسلم ألغنية‪.‬‬


‫قال يزن‪ :‬محمود يريد نساء كثيرات‪ ،‬ملاذا؟‬ ‫قال ؟؟؟؟‪ :‬ملاذا يريد محمود مزيد ًا من االغتراب؟ أحب أن أفكر‪ ،‬ملاذا؟ فاإلنسان‬ ‫يبحث دائم ًا عن االنسجام مع محيطه ال االغتراب‪.‬‬ ‫قال معتصم‪ :‬الشاعر يحلم بالوصول إلى ساق نخلة‪ ،‬ملاذا نخلة وليس زيتونة؟‬ ‫محمود ال يتحدث عن فلسطني‪ ،‬والدليل أنه ال يتحدث عن الزيتون‪ ،‬فالزيتون‬ ‫رمز معروف من رموز بالدنا‪.‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬انطباعي األول يا أصدقائي عن القصيدة أن محمود يحب احلياة جداً‪،‬‬ ‫تأملوا يا أصحابي‪ ،‬الفراغ املفاجئ في السطر األخير‪ :‬وكي أستطيع الرجوع إلى‬ ‫‪ ...‬ساعة من تراب‪.‬‬ ‫أنا أرى أن جوهر املقطوعة الشعرية ولغزها وداللتها موجودة هنا‪ ،‬في هذا الفراغ‬ ‫الذي ينتظر أن نعبئه‪ .‬مهمتنا اليوم في هذه الساعة أن نحاول تعبئة هذه املساحة‬ ‫بكلمة واحدة‪ ،‬محمود ترك هذه املساحة لنا‪ ،‬لنستخدم مخيالتنا‪ ،‬الروعة ستكون‬ ‫في جتاور تفسيراتنا‪ ،‬لن تكون هناك إجابات خاطئة‪ ،‬كل إجاباتكم ستكون‬ ‫صحيحة‪ ،‬أريد منكم أن تربطوا بني‪ :‬الزمن‪ ،‬والنخلة‪ ،‬والقلب‪ ،‬واجلملة‪،‬‬ ‫واخليمة‪ ،‬والتراب‪ ،‬واألبواب‪ ،‬والغياب‪.‬‬ ‫من هذه الكلمات ميكننا‪ ،‬على ما أعتقد‪ ،‬أن نعبئ املساحة الفارغة‪ ،‬في السطر‬ ‫األخير‪.‬‬ ‫اعترض أمير قائالً‪ :‬أستاذي أنا اقترح أن نضيف كلمات أخرى‪ ،‬إلضاءة عتمة‬ ‫مساحة الفراغ‪ ،‬الكلمة هي‪ :‬االغتراب‪.‬‬ ‫أثنيت على إضافة أمير للكلمة‪ ،‬طلبت من طالبي التصفيق له‪ ،‬قبل أن أطلب منهم‬ ‫أن يبدأوا في التفكير‪ ،‬بالكلمة الضائعة‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫قلت لهم‪ :‬سأذكركم فقط مبا سبق وقلته لكم عن طبيعة أسرار الشعر وعالقته‬ ‫بالواقع‪ ،‬وعن حق الشاعر في االنزياح بعيد ًا عن احلياة‪ ،‬وموجوداتها بهدف القبض‬ ‫على سر احلياة وجوهرها‪ ،‬وعن حقه في الهذيان والتوغل في احللم واألسطورة‪.‬‬


‫الشاعر إنسان مختلف متاماً‪ ،‬يرى األشياء‪ ،‬ويحس بها بطريقة مختلفة‪ .‬الشاعر‬ ‫كائن حساس جداً‪ ،‬يرى ما ال نرى‪ ،‬أسلوبه في التعبير عن شعوره‪ ،‬يختلف عن‬ ‫أسلوب الناس العاديني‪ ،‬لذلك علينا أن نتأفف من تركيباته اللغوية‪ ،‬وكلماته‬ ‫الغريبة‪ ،‬علينا أن نكون صبورين جد ًا في تفكيك معانيه وصوره‪ .‬دالالت‬ ‫الشاعر عبارة عن حصان حرون ومجنون‪ ،‬ال يستطيع ترويضها إال اخلبير والصبور‬ ‫واحملب العاشق للوصول إلى أوار اللهب‪ ،‬أوار اللهب األزرق‪ ،‬منطقة خطيرة‬ ‫وبعيدة‪ ،‬مثل قمة (إيفرست)‪ .‬املتسلقون اخلطرون والصبورون هم وحدهم الذين‬ ‫يستأهلون الوصول للقمة – اللهب‪ ،‬تأملوا السطور جيداً‪ ،‬اربطوا بني الكلمات‪،‬‬ ‫فككوا الصور‪ ،‬وحللوا األفكار‪ ،‬اقلبوا أرض الكلمات رأس ًا على عقب‪ ،‬انبشوا‬ ‫التراب حتت العبارة‪ ،‬واغطسوا في فضائها‪ ،‬جتاوزوا معاني الشاعر نفسه‪ ،‬دائم ًا‬ ‫اعتنقوا عقيدة التجاوز‪ ،‬اخلقوا معانيكم أنتم‪ ،‬اكتبوا نصوص ًا شفاهية‪ ،‬منطلقني من‬ ‫نص درويش اجلميل‪ ،‬هذه هي إحدى مهمات األدب‪ ،‬حتويل القارئ إلى مؤلف‪،‬‬ ‫دفعه إلى اجلنون‪ ،‬الكتشاف ذاته‪ ،‬ومعرفة أعماقه جيداً‪ ،‬تعرفوا إلى أرواحكم‪،‬‬ ‫من خالل هذا النص الالهب‪ ،‬سافروا إلى القمم‪ ،‬قمم أنفسكم املضببة‪ ،‬واهبطوا‬ ‫إلى قيعانكم املغبشة والراكدة‪.‬‬ ‫تنفس طالبي بعمق‪ ،‬مشى بعضهم في احلديقة وهو يقرأ بعمق وصمت وتوتر‪،‬‬ ‫البعض انزوى في طرف احلديقة حتت ظل السور‪ ،‬آخرون متددوا‪ ،‬مستلقني على‬ ‫ظهورهم‪ ،‬رافعني األوراق‪ ،‬وذائبني في سطورها‪.‬‬ ‫لم تعد هناك أصوات معادية‪ ،‬سبق وأن دربت طالبي على نفي اخلارج‪ ،‬والتركيز‬ ‫على الداخل‪ ،‬املدرسة اختفت‪ ،‬املدير مات‪ ،‬زعيق الصفوف وهدير األروقة‪،‬‬ ‫انطفأ‪.‬‬ ‫سألت طالبي‪ :‬أين نحن اآلن؟‬ ‫أجابوا‪ :‬نحن فينا‪.‬‬ ‫ابتسمت‪ ،‬وكررت اجلملة همس ًا بيني وبيني‪ ،‬التي سبق وعلمتهم اللجوء إليها‪،‬‬ ‫حني تداهمنا سيول الواقع الثقيل‪.‬‬ ‫‪55‬‬

‫اختفى طالبي‪ ،‬واختفيت أنا أيضاً‪ ،‬كل غطس في ذاته‪ ،‬في كنوزه‪ ،‬حقيقته‪.‬‬


‫بعد نصف ساعة عدنا إلى األرض‪ ،‬هبط طالبي أمامي بأقدامهم املتعبة‪.‬‬ ‫كانوا يبتسمون‪.‬‬ ‫قال يزن‪ :‬الكلمة هي موت‪.‬‬ ‫قال أشرف‪ :‬إله‪.‬‬ ‫قال محمد‪ :‬زيتونة‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬ساعة‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬بريق‪.‬‬ ‫قال سالم‪ :‬غياب‪.‬‬ ‫قال أحمد‪ :‬وردة‪.‬‬ ‫قال محمود‪ :‬جحيم‪.‬‬ ‫قال فراس‪ :‬صمت‪.‬‬ ‫قال راضي‪ :‬رعب‪.‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬أرض‪.‬‬ ‫قلت لهم‪ :‬بعد ٍ‬ ‫ثوان سأختفي من أمامكم‪ ،‬ستخطفني جنيات الوادي‪ ،‬أريد من‬ ‫ال‪ ،‬ويتلقى منه سؤا ً‬ ‫كل واحد منكم أن يسأل صديق ًا يختاره‪ ،‬سؤا ً‬ ‫ال أيض ًا حول‬ ‫دالالت هذه القصيدة وكلماتها وعباراتها وأجوائها‪.‬‬ ‫‪56‬‬

‫رأيت في وجوههم الدهشة املثيرة‪ ،‬وخرجت من احلديقة‪ ،‬ووقفت في امللعب‪.‬‬


‫سمعت أحمد يسأل راضي‪ :‬هل هناك موت جميل وآخر غير جميل؟‬ ‫سأل رام فراس‪ :‬كيف يكون السحاب نبيذاً؟‬ ‫سأل سالم محمود‪ :‬ما داللة الباب في القصيدة؟‬ ‫سأل خالد أشرف‪ :‬يتحدث محمود عن القبالت والسيدات وفي الوقت نفسه‬ ‫يتحدث عن اخليمة والرجوع‪ ،‬ما داللة هذا املزج بني الوطني والعاطفي؟‬ ‫دخلت احلديقة قفزاً‪ ،‬والفرح يتطاير من جسدي وقلبي‪ ،‬صحت فيهم‪ :‬تعالوا‬ ‫أضمكم‪ ،‬فقد أطلقت جنيات الوادي سراحي بعد أن سمعت هذه اجلنيات‬ ‫ضحكاتكم‪ ،‬وحواركم‪ ،‬وأسئلتكم‪ ،‬ضممتهم‪ ،‬تساقط بعض دمعي فوقهم‪:‬‬ ‫فقال أحمد‪ :‬إنه نبيذ السحاب يأتي عبر عيونك يا أستاذ‪.‬‬ ‫ضحكت وضحكوا‪.‬‬ ‫قلت لهم‪ :‬اكتبوا اآلن جم ً‬ ‫ال قصيرة‪ ،‬تعليق ًا أو إضافة لقصيدة درويش‪.‬‬ ‫قال أشرف‪ :‬يا زمن‪ ،‬أيها القاتل‪ :‬أعطني فرح أن أبقى ألساعد أبي في احلفل فهو‬ ‫عجوز‪.‬‬ ‫قال سامر‪ :‬أريد مزيد ًا من الوقت ألحارب أعداء وطني‪.‬‬ ‫قال سالم‪ :‬أريد وقت ًا إضافي ًا يا الهي ألحب وطني أكثر‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬أقيم أنا اآلن في بطن عبارة‪ ،‬ال أريد أن أخرج‪ ،‬فالدنيا في اخلارج‬ ‫برد‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬أغرقني يا نبيذ السحاب البني‪ ،‬أريد أن أغيب عن الوعي‪.‬‬ ‫‪57‬‬

‫قال محمود‪ :‬غنيت فجأة‪ ،‬فانفتحت أبواب العالم أمامي‪.‬‬


‫قال أمين‪ :‬ال نخيل هنا‪ ،‬بل زيتون ونخيل روحي هرمت وأنا حزين‪.‬‬ ‫قال فراس‪ :‬أحب أن اغترب أكثر ألرى وطني أفضل وأحبه‪.‬‬ ‫أقبل حبيبتي بطريقة جديدة‪.‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬يا هدير العمر توقف‪ ،‬أريد أن ِّ‬ ‫ضحك الطالب هنا‪ ،‬برز اخلجل السعيد على أعينهم‪.‬‬ ‫أثنيت على إبداعات أصدقائي‪ ،‬صفقت لهم بحرارة‪ ،‬وطلبت منهم أن يستعدوا‬ ‫لقراءتها بصوت ٍ‬ ‫عال‪.‬‬ ‫قرأوها‪ ،‬أو غنوها‪ ،‬أو رسموها‪ ،‬صححت أخطاءهم القرائية‪ ،‬واإللقائية‪.‬‬ ‫طلبت منهم أن يستبدلوا الزمان باملكان باعتباره شقيقه‪ ،‬ويبدعوا جم ً‬ ‫ال من‬ ‫مخيالتهم‪.‬‬ ‫قال سالم‪ :‬أريد مزيد ًا من األمكنة‪ ،‬فقد سرق اليهود أرضي‪.‬‬ ‫قال أحمد‪ :‬أريد مزيد ًا من األمكنة‪ ،‬ألسافر أكثر‪.‬‬ ‫قال أشرف‪ :‬أريد مزيد ًا من األمكنة‪ ،‬ألرى أصدقائي البعيدين‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬أريد مزيد ًا من األمكنة‪ ،‬ألموت في أكثر من مكان‪.‬‬ ‫قال محمد‪ :‬أريد مزيد ًا من األمكنة‪ ،‬ألكون في كل مكان حياً‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬أريد مزيد ًا من األمكنة‪ ،‬ألهرب من االحتالل‪.‬‬ ‫طلبت منهم البحث عن الكلمات التي تشكل دالالت وطنية ألي شعب مضطهد‬ ‫أو غير مضطهد في العالم‪.‬‬ ‫‪58‬‬

‫قال سامر‪ :‬خيمة‪.‬‬


‫قال أحمد‪ :‬رجوع‪.‬‬ ‫قال أشرف‪ :‬االغتراب‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬أهله‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬موت جميل‪.‬‬ ‫قال راضي‪ :‬البالد‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬موت‪.‬‬ ‫قلت لهم‪ :‬أعيروني سمعكم مرة أخرى‪ ،‬قرأت القصيدة بصوت ٍ‬ ‫عال‪.‬‬ ‫الحظت أن استجابتهم الذهنية أصبحت أفضل اآلن‪ ،‬كانوا يتمايلون كأني أغني‬ ‫أو أرقص‪.‬‬ ‫قلت لهم‪ :‬الحظوا املشترك فيما يريد درويش‪ :‬أغنيات‪ ،‬قلب‪ ،‬عمر‪ ،‬سيدات‪.‬‬ ‫سألتهم‪ :‬ما املشترك هنا؟‬ ‫أجابوا بصوت واحد‪ :‬احلياة‪ ،‬احلياة‪ ،‬احلياة‪.‬‬ ‫سأل أمين‪ :‬ما رمز النخلة في القصيدة؟‬ ‫قلت لهم‪ :‬فكروا!‬ ‫أجاب رام‪ :‬النخلة رمز للعلو والرشاقة والزمن اخلالد‪.‬‬ ‫أجاب أحمد‪ :‬النخلة هي رمز للصعود واالمتداد والقوة‪.‬‬ ‫‪59‬‬

‫قال خالد‪ :‬النخلة رمز لنساء غير موجودات‪.‬‬


‫قال راضي‪ :‬النخلة هي الكون أو الوطن‪.‬‬ ‫طلبت منهم أن يكتبوا في البيت نصاً‪ ،‬مستخدمني فيه كلمات نص درويش‪ ،‬بعيد ًا‬ ‫عن دالالت نص درويش‪ ،‬وفضائه‪ :‬الغياب‪ ،‬البالد‪ ،‬السيدات‪ ،‬نبيذ‪ ،‬تراب‪،‬‬ ‫انتظرتك‪ ،‬ساق‪ ،‬باب‪ ،‬أهل‪ ،‬موت‪ ،‬قبلة‪.‬‬ ‫فجأة‪ ،‬رن اجلرس‪ ،‬معلن ًا نهاية احلصة‪ ،‬خرجنا من احلديقة‪ ،‬عدنا إلى الصف‪،‬‬ ‫وال أدري هل سمعت حق ًا طالبي يرددون هذه اجلملة أثناء صعودهم الدرج أم‬ ‫أني توهمتها‪ :‬نريد مزيد ًا من الوقت واألمكنة واألغنيات والسيدات‪ ،‬كي نستطيع‬ ‫الرجوع إلى ساعة من لهب لذيذ‪.‬‬

‫‪60‬‬


‫ون األُس َتاذ‪...‬‬ ‫انظر ُع َي َ‬ ‫ْ‬ ‫ان ُم َب َّلل‪ .‬هل َت َراه؟‬ ‫ثمة َ‬ ‫َ‬ ‫مل َع ٌ‬ ‫‪61‬‬


‫ان ُم َب َّلل‪ .‬هل َت َراه؟‬ ‫ون األُس َتاذ ‪...‬‬ ‫ثمة َ‬ ‫َ‬ ‫مل َع ٌ‬ ‫انظر ُع َي َ‬ ‫ْ‬ ‫بينما الشتاء في اخلارج يزدهر على حواف شبابيك الصف‪ .‬قلت لطالب الصف‬ ‫الثامن‪ :‬أنا ضجر هذا اليوم‪ ،‬هيا نرتكب خروج ًا عن العادي واليومي‪ .‬ونتوه في‬ ‫دروب معرفة جديدة‪ .‬ابتهج الطالب‪ .‬قفز أحمد من مقعده باجتاه النوافذ‪ ،‬أسدل‬ ‫الستائر وعاد إلى املعقد وهو يكاد يطير طاقة‪.‬‬ ‫الستائر؟ سألته‪.‬‬ ‫ أحمد‪ ،‬ملاذا أسدلت َّ‬‫ ألن الشتاء هو الصوت‪ ،‬ألم تدرسنا وتدربنا على اإلصغاء إلى األصوات‪ .‬ألم‬‫السمع هي ملكة احلواس ‪...‬‬ ‫تقل لنا أن حاسة َّ‬ ‫ البارحة لي ً‬‫ال أصغيت (تابع أحمد) إلى صوت املطر وهو يصفع األرض والبيوت‪،‬‬ ‫وأصغيت أكثر إلى صوت املاء وهو ميشي بهدوء وصمت في أخاديد الطريق‬ ‫الوعر خلف غرفة نومي‪ .‬شعرت حينها أن الشتاء فع ً‬ ‫ال هو الصوت‪ ،‬وددت‬ ‫حلظتها لو أخبئ الشتاء حتت حلافي‪ ،‬أتسامر معه وأحدثه ويحدثني عن الصيف‬ ‫الذي يتربص به‪ ،‬واخلريف الذي انتحر والربيع الذي سافر جبن ًا أو مكراً‪.‬‬ ‫ رائع ما قلته يا أحمد‪ ،‬أجمل ما فيه توحدك مع الطبيعة وانسجامك مع أصواتها‪.‬‬‫الناس تنسى أن الطبيعة تتحرك وتتنفس وتراقبنا بحزن وحيرة‪.‬‬ ‫سأل محمود‪ :‬ما هي املعرفة اجلديدة التي تقترح التيه في دروبها يا أستاذ؟‬ ‫لدي يا أصدقائي موضوع يؤرقني منذ مدة طويلة‪ ،‬هذا املوضوع نتج عن ذكريات‬ ‫ ّ‬‫املدرسة واجلامعة التي تهاجمني في الليل والنهار‪ ،‬هذه الذكريات احلزينة في‬ ‫أغلبها ال تقتصر على سنني حياتي كتلميذ أو طالب‪ ،‬بل تشمل كذلك سنني‬ ‫حياتي كمعلم جديد في مدارس عديدة‪.‬‬ ‫رفع أمير يده مستأذن ًا باحلديث‪:‬‬ ‫‪63‬‬

‫‪ -‬هل سنبحر في هذه املعرفة اجلديدة هنا بني املقاعد اجلديدة‪ ،‬هنا بني املقاعد اخلشبية‬


‫اجلامدة والسبورة اخلرساء واجلدران الصماء‪ .‬هيا نخرج إلى مكان آخر يا أستاذ‬ ‫يتالءم مع اإلبحار بعيد ًا والتيه واخلروج على القوانني العمياء؟‬ ‫ جميل هذا االقتراح يا أمير‪ ،‬فاألمكنة مهمة جداً‪ ،‬فحني تكون األفكار مجنونة‬‫حتتاج إلى مكان مجنون يحتوي على طاقة كبيرة‪ ،‬على اقتراح اخليارات وتفتيح‬ ‫الذهن‪ ،‬وتفجير احلدود‪ .‬وحدها األفكار العادية السطحية ما حتتاج إلى أمكنة‬ ‫فقيرة وسطحية‪ .‬فالسطح يبحث عن السطح دوماً‪ ،‬والعمق يلهث خلف‬ ‫العمق‪.‬‬ ‫لكن املشكلة يا أمير أن الشتاء في اخلارج يضيق علينا اخليارات‪ .‬فمن غير املعقول‬ ‫أن نتوه في معرفتنا اجلديدة حتت وابل املطر والريح‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬أنت تقول من غير املعقول؟ ال أصدق إنك أنت يا أستاذي الذي علمتنا‬ ‫حتويل الالمعقول إلى معقول تتحدث اآلن عن استحالة شيء على الذهن اإلنساني‬ ‫والروح اإلنسانية‪.‬‬ ‫ إذن دعونا نخترع في الصف عامل ًا جديداً‪ ،‬أعطوني اقتراحاتكم‪ .‬قال أحمد‪:‬‬‫نقوم بقصقصة ورق الدفاتر ونصنع منها ورود ًا وسناسل وحدائق‪.‬‬ ‫قال رمزي‪ :‬نرسم على السبورة غابة فيها أسود وفيلة ومنور وغزالن‪.‬‬ ‫قال حذيفة‪ :‬نقوم بابتكار شجرة وصخور وطرق وعرة من أغلفة الكتب املهترئة‪.‬‬ ‫قلت لهم‪ :‬رائع جد ًا يا أصدقائي أن تكون لديكم القدرة الذهنية على تغيير العالم‪،‬‬ ‫استبداله والعبث اجلميل بأشيائه وحتويل مصيره‪ ،‬نعم أنه الذهن البشري (املهمل)‬ ‫الذي يستطيع حتريك اجلمادات بطاقته الكامنة التي هي بحاجة إلى استدراج ولغة‬ ‫خاصة للقبض عليها وإطالقها‪.‬‬

‫‪64‬‬

‫شرع الطالب بحماس شديد بتغيير معالم الصف‪ ،‬أخرجوا املقاعد من الصف‪،‬‬ ‫بدأوا يقصقصون األوراق ويشكلونها على شكل أزهار وسناسل وصخور وأشجار‬ ‫ومنور وأسود و‪ ...‬و‪ ...‬و‪ ...‬الخ‪ .‬أما على السبورة‪ ،‬فقد ألصقت غابة كبيرة‬ ‫تطل من بني أشجارها الكثيفة أصوات طيور وحيوانات كاسرة‪ .‬وهكذا لم يعد‬


‫الصف صفاً‪ ،‬فقد أعمل فيه الطالب أياديهم وأذهانهم وأفكارهم واقتراحاتهم‬ ‫العنيدة‪ ،‬كنت أراقبهم وأنا أهمس لنفسي‪ :‬هكذا هو الذهن البشري املستيقظ‬ ‫الرشيق الذي يعرف عمقه وتأثيره وقوته‪ .‬ال شيء يقف أمام إرادة هذا الذهن‪.‬‬ ‫ذهن مليء باخليارات والطرق البديلة والرغبات في التغيير الدائم‪ ،‬ذهن يتمتع‬ ‫بكبرياء عظيم‪ ،‬ورفض دائم للتدجني وتلقي األوامر‪ .‬ذهن يعمل وحده‪ ،‬مبرمج‬ ‫على اقتحام الطرق املقفلة وحتدي السدود وهز القناعات‪.‬‬ ‫قال فؤاد‪ :‬هيا يا أستاذ‪ ،‬نحن مستعدون متام ًا للتيه‪.‬‬ ‫قال حسن‪ :‬ما هو املوضوع الذي يؤرقك منذ فترة؟ وما هي الذكريات يا أستاذ التي‬ ‫هيجت هذا املوضوع فيك؟‬

‫‪65‬‬

‫ قبل ٍ‬‫ليال عدة يا أصدقاء‪ ،‬شاهدت فيلم ًا أجنبي ًا على إحدى القنوات الفضائية‪،‬‬ ‫في هذا الفيلم ظهرت امرأة فاتنة جداً‪ ،‬مالمح هذه املرأة الطفلية سكنتني إلى‬ ‫حد األرق‪ .‬وال أعرف ملاذا أحسست حينها أني أعرف هذه املالمح وهي ليست‬ ‫غريبة عني‪ ،‬وكنت كلما اقتربت من معرفة هذه املالمح في أعماقي وذاكرتي‬ ‫تهت من جديد‪ ،‬وتداخلت مالمح أخرى مع بعضها‪ .‬فأشعر بحسرة لذيذة‪،‬‬ ‫حسرة شخص يبحث عن شخص منذ زمن لكنه يعرف جيداً‪ ،‬أنه سيجده في‬ ‫منكب بكل كياني على سطور رواية‪،‬‬ ‫آخر املطاف‪ .‬وفي ذات ليلة طويلة‪ ،‬وأنا‬ ‫ٌ‬ ‫عيني وتركت الكتاب يسقط‬ ‫علي املالمح من جديد‪ .‬وعندها أغمضت ّ‬ ‫هجمت ّ‬ ‫توضحت املالمح وتكشفت‬ ‫يدي وغرقت في عتمة هائلة‪ ،‬ورويد ًا رويد ًا ّ‬ ‫من بني ّ‬ ‫عن صورة وجه أعرفه جيد ًا وأتذكره‪ ،‬إ َّنه وجه (هدى) زميلتي وصديقتي في‬ ‫الرابع‪ ،‬وجه واسع‪ ،‬مستدير أبيض جداً‪ ،‬ال يعرف معنى كلمة شر أو‬ ‫َّ‬ ‫الصف ّ‬ ‫أذى‪ ،‬أو عنف‪ ،‬منذ الصف األول وأنا أجلس بجانب هدى‪ ،‬كنا نتقاسم أرغفة‬ ‫الساندويتش وقطع احللوى‪ ،‬وكانت متفوقة جد ًا في دراستها‪ ،‬ومواظبة على‬ ‫واجباتها املدرسية‪ ،‬وحني سخر تالميذ وتلميذات الصف من خطي القبيح‬ ‫وهتفوا في وجهي ونحن نازلون على درج املدرسة‪ :‬خرابيش الدجاج‪ ،‬خرابيش‬ ‫الدجاج‪ .‬صرخت هدى في وجوههم‪ ،‬وهددتهم بإبالغ املديرة‪ .‬فلزموا‬ ‫الصمت وتفرقوا‪ .‬بعد الصف الرابع‪ ،‬انتقلت إلى مدرسة أخرى‪ .‬وانتقلت‬ ‫هدى إلى مدرسة أخرى‪ ،‬ذهبت هي إلى مدرسة إناث وذهبت أنا إلى مدرسة‬ ‫ذكور‪ .‬لم أعد أرى هدى‪ ،‬صار يجلس بجانبي في الصف اخلامس تلميذ اسمه‬ ‫صالح‪ ،‬هنا وقف أمين وسألني وابتسامة خفيفة على شفتيه‪ :‬هدى وصالح‪،‬‬


‫عاملان مختلفان‪ .‬صحيح أستاذ؟‬ ‫ بالتأكيد مختلفان‪ ،‬ولكن مهالً‪ ،‬هما أيض ًا متكامالن مبعنى أنهما ال يستطيعان‬‫االستغناء عن بعضهما البعض‪ .‬أرجو أن ال يفهم من كلمة (مختلفان) أن‬ ‫أحدهما أقل قيمة من اآلخر‪.‬‬ ‫ أكمل يا أستاذ أكمل‪ .‬قال حسن‪.‬‬‫ وهكذا اختفت (هدى) من حياتي‪ .‬كنت أحس اجتاهها بشعور مريح جداً‪ .‬لم‬‫أحزن كثير ًا حينها‪ ،‬لكني شعرت بفراغ ما يتكون شيئ ًا فشيئ ًا في أعماقي‪ ،‬وكبر‬ ‫معي هذا الفراغ‪ ،‬حتى حتول إلى حزن خفي وصامت‪ ،‬وغصة هادئة تتحرك ببطء‬ ‫في دمي‪ .‬ومضت بي السنون جترفني بأحداثها وخارطاتها وتقلباتها‪.‬‬

‫‪66‬‬

‫لم أجلس أثناءها بجانب بنت في مدرسة‪ ،‬كان هناك أشرف وهادي وخالد وعدنان‪،‬‬ ‫أنس هدى أبد ًا – ظلت حتى فترة بعيدة تتربع بخيالء وهدوء في داخلي‪ ،‬وشيئ ًا‬ ‫لم َ‬ ‫فشيئ ًا غامت صورتها واندثرت‪ .‬ولم أعد أذكر مالمحها‪ ،‬وإن كنت أتذكر أسمها‬ ‫أحياناً‪ .‬وحني شاهدت املمثلة األجنبية‪ ،‬استيقظت هدى داخلي بكامل براءتها‬ ‫وصفاء نظرتها‪ ،‬وطيبة قلبها‪ .‬ومنذ ذلك الوقت وأنا أبحث بيني وبني نفسي في‬ ‫سؤال مهم جداً‪ :‬إلى أي مدى أثَّر غياب هدى كزميلة صف على طاقتي وروحي؟‬ ‫أريد منكم اآلن يا أصدقائي أن تعينوني بإحساساتكم واقتراحاتكم وآرائكم على‬ ‫فهم هذا املوضوع ومحاولة الوصول إلى إجابة تريح أذهاننا‪ ،‬على الرغم من أنني‬ ‫متأكد أننا سنظل نسأل ونسال‪ ،‬ونتوهم أننا وصلنا إلى إجابات‪ ،‬إنني أعرف متام ًا‬ ‫أحفاد للسؤال وأحباؤه‪ًّ ،‬أما اإلجابات فهي ال تريحنا وال ترغب فينا‪ ،‬كما أننا‬ ‫أننا‬ ‫ُ‬ ‫ال نحبها وال نرغب فيها‪ُ .‬أريد منكم يا أحبائي أن تدركوا أمر ًا مهماً‪ ،‬وهو أنكم‬ ‫بحكم أنكم لم تعيشوا واقع االختالط وإحساس عدم االختالط‪ ،‬لذلك‪ ،‬أرجو‬ ‫منكم أن تتأنوا في اإلفصاح عن مشاعركم اجتاه غياب اجلنس اآلخر عن صفوفكم‪،‬‬ ‫فأنتم قد تصدرون في مواقفكم عن حنني عاطفي وعطش إنساني طبيعي‪ ،‬وهذا‬ ‫مشروع وعادي‪ .‬لكن ال أريد أن يكون الدافع وراء رغبتكم في االختالط هو‬ ‫فقط االندفاع العاطفي وتلبية ألشواق جسدية أو عاطفية‪ ،‬فقط أريدكم أن تتعمقوا‬ ‫في فهم املسألة وتقيسوا ضرر غياب االختالط الواقع ليس فقط على قلوبكم‬ ‫ومشاعركم‪ ،‬ولكن على طاقتكم على احلياة‪ ،‬وعلى روحك املعنوية وإحساسك‬ ‫بنفسك وعالقتك مع العالم‪ .‬أريدكم أن جتيبوا عن هذا السؤال بكلمة صغيرة دون‬


‫أل التعريف‪ :‬السؤال هو‪ :‬ماذا تعني لك زميلة املعقد الدراسي‪ .‬وهو املعنى الذي‬ ‫ال ينطبق على الزميل‪.‬‬ ‫قال هاشم‪ :‬راحة‪.‬‬ ‫قال سمير‪ :‬سفر‪.‬‬ ‫قال رامي‪ :‬ارتفاع‪.‬‬ ‫قال علي‪ :‬صمت‪.‬‬ ‫قال كامل‪ :‬مكتبة‪.‬‬ ‫قال زكي‪ :‬هياج‪.‬‬ ‫قال صابر‪ :‬حديقة‪.‬‬ ‫قال هيثم‪ :‬حلم‪.‬‬ ‫قال هادي‪ :‬صعود‪.‬‬ ‫قال رائد‪ :‬حركة‪.‬‬ ‫قال سليم‪ :‬نار‪.‬‬ ‫قال عبد الرحمن‪ :‬ذكاء‪.‬‬ ‫قال سمير‪ :‬مطر‪.‬‬ ‫قال أمجد‪ :‬تعطل‪.‬‬ ‫‪67‬‬

‫قال فادي‪ :‬ثرثرة‪.‬‬


‫قال مسعود‪ :‬حرام‪.‬‬ ‫قال خليل‪ :‬بئر‪.‬‬ ‫سجلت كلمات أصدقائي على السبورة‪ .‬طلبت منهم تأمل كلماتهم واإلسهاب‬ ‫في شرحها وتفكيكها‪.‬‬ ‫قال هاشم‪ :‬ارتاح حني جتلس بجانبي بنت‪ ،‬وال أعرف ملاذا؟‬ ‫عيني أجنحة وأطير‪.‬‬ ‫قال سمير‪ :‬أسافر إلى النجوم وتنبت في َّ‬ ‫قال رامي‪ :‬أحس بارتفاع في نظري لألشياء‪.‬‬ ‫قال علي‪ :‬أصمت أكثر بجانب بنت‪ ،‬بجانب شاب أثرثر‪.‬‬ ‫قال كامل‪ :‬أحس أني أجتول بني رفوف مكتبة‪.‬‬ ‫قال ربحي‪ُ :‬أحس هياج أمواج في قلبي‪.‬‬ ‫قال صابر‪ :‬كأني أقطف وردة زنبق من حديقة‪.‬‬ ‫قال هيثم‪ :‬كأني أحلم‪.‬‬ ‫قال هادي‪ :‬كأني أصعد جب ً‬ ‫ال وألهث وال أصل‪.‬‬ ‫قال رائد‪ :‬األشياء تتحرك‪ ،‬الستائر تغني‪.‬‬ ‫قال سليم‪ :‬نار تأكل عيني‪.‬‬ ‫قال سمير‪ :‬أحس أني ذكي‪.‬‬ ‫‪68‬‬

‫قال أمجد‪ :‬أحس أنها ستمطر بعد قليل‪.‬‬


‫قال فادي‪ :‬أحس برغبة في الثرثرة‪.‬‬ ‫قال مسعود‪ :‬أحس أنني أرتكب حرام ًا وأخاف‪.‬‬ ‫قال خليل‪ :‬أحس أني أغوص في بئر ال قاع فيها‪.‬‬ ‫ وماذا كنت حتس أنت يا ُأستاذ؟ سؤال مفيد‪.‬‬‫ كنت أحس أنني إنسان جميل جداً‪ ،‬رغبتي في الدراسة تزداد وحتصيلي يتحسن‪،‬‬‫كنت أحس أن طاقتي على احلياة كبيرة‪ ،‬أرغب في الرقص والكالم‪ ،‬وأحيان ًا‬ ‫الصمت املمتع‪ ،‬كنت أحس أني طائر يستطيع الطيران في أي فضاء يريده‪ ،‬وأنني‬ ‫إلي‪ .‬كنت أحس أن طعم املعلم واحلياة واملواد‬ ‫محمي وال خطر يستطيع الوصول ّ‬ ‫والعام مختلف‪.‬‬ ‫ وماذا كانت حتس هي يا ُأستاذ؟ سأل خليل‪.‬‬‫ ال أعرف‪ ،‬لكني أعتقد أنها لو سئلت اآلن ألجابت اإلجابات نفسها‪.‬‬‫ أين هدى اآلن يا أستاذ؟ سأل شادي‪.‬‬‫ ليتني أعرف يا صديقي شادي‪ ،‬ليتني أعرف‪ ،‬حق ًا أود لو أعرف قد تكون‬‫موجودة في أي مكان‪ -‬بجوار املدرسة أو خارج البالد‪ .‬لكن هذا موضوع غير‬ ‫مهم إطالقاً‪ .‬هدى فراغ ما زال يعيش داخلي‪ -‬وعلى الرغم من أني جتاوزت‬ ‫األربعني وعبرت حياتي نساء كثيرات ‪ ...‬صديقات وحبيبات‪ ،‬وزميالت‬ ‫وقريبات‪( .‬الطالب يبتسمون)‪ ،‬إال أن هذا الفراغ ما زال موجوداً‪ .‬وهو لن‬ ‫يزول أبداً‪ ،‬إن األمر يشبه أن تفصل قوة شريرة عينك اليسرى عن وجهك بعد‬ ‫فترة قصيرة من والدتك بعينني سليمتني‪ ،‬وبعد سنني طويلة من العيش بعني‬ ‫واحدة‪ُ ،‬تعاد لك العني املفقودة‪ .‬إنك لن تنسى سنني العمر النصفي تلك املؤملة‬ ‫احملفورة في فضاء ذاكرتك‪ .‬ستبقى تعاني من دوار العتمة اخلفيفة‪ ،‬حتى ولو‬ ‫ُدلقت عليك كل أنوار العالم‪.‬‬ ‫‪69‬‬

‫الطالب ساكتون‪ ،‬ثمة صمت قلق يفترس املكان والشتاء ما زال يزدهر‪ ،‬اسمع‬


‫همسات هنا وهناك‪ ،‬وال أدري إن كان ما سمعته من أحمد لزميله هو بالضبط ما‬ ‫قاله أم أنني توهمت هذه الكلمات‪:‬‬ ‫انظر عيون األستاذ‪ ،‬ثمة ملعان مبلل فيها‪ .‬هل تراه؟‬

‫‪70‬‬


‫ِ‬ ‫اجملنون‬ ‫ن‬ ‫ِح‬ ‫الف ِّ‬ ‫كاية ُمع ِّلم َ‬ ‫ُ‬ ‫مل َ‬ ‫ش َّج َرتنيِ‬ ‫ِذي العيننيِ ا ُ‬ ‫اختفوا فَ ج َأة‬ ‫وطالب ِِه الَّذين‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫‪71‬‬


‫ِ‬ ‫اجملنون‬ ‫ن‬ ‫ِح‬ ‫الف ِّ‬ ‫كاية ُمع ِّلم َ‬ ‫ُ‬ ‫مل َ‬ ‫ش َّج َرتنيِ‬ ‫ِذي العيننيِ ا ُ‬ ‫اختفوا فَ ج َأة‬ ‫وطالب ِِه الَّذين‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫الشرطة‬ ‫رن هاتف املركز‪ ،‬اندفع صوت متوتر يصيح‪« :‬أن طالب صف كامل مع معلم‬ ‫الفن في مدرسة ما في املدينة قد اختفوا»‪ .‬لم نفهم في البداية ماذا عنى الصوت‬ ‫املتوتر باختفاء الطالب‪ ،‬ذهبنا إلى املدرسة‪ ،‬استجوبنا املدير املنذهل وطالب‬ ‫الصفوف األخرى اخلائفني‪ ،‬الكل أجمع على أنهم شاهدوا املعلم «غريب األطوار‬ ‫ذا القميص املشجر والشعر الشجري والعينني املشجرتني» وطالب الصف الثامن‬ ‫«ج» يدخلون الصف بداية احلصة الثانية‪ ،‬وأنهم لم يشاهدوا الباب يفتح أبداً‪ ،‬ولم‬ ‫يخرج أي طالب إلى املرحاض أو إلحضار غرض‪ ،‬مثل طباشير أو أوراق ‪...‬‬ ‫الخ‪ ،‬كما يحدث عاد ًة‪.‬‬

‫‪73‬‬

‫املدير قال لنا‪ :‬إنه لم يرحت ملعلم هذا الصف ومربيه منذ تعني في املدرسة منذ‬ ‫عامني‪ ،‬فهو ال يتكلم مع املدرسني‪ ،‬يعتكف معظم استراحاته في املكتبة‪ ،‬يغلق‬ ‫الباب على نفسه‪ ،‬وأنه تسمع في املكتبة أصوات موسيقى غريبة يتخللها أصوات‬ ‫طيور وحيوانات وبشر يبكون أو يرقصون أو يصلون‪ ،‬العالقة بني طالب هذا‬ ‫الصف املختفي وبني هذا املعلم ذي القميص املشجر والعينني املشجرتني والشعر‬ ‫الشجري‪ ،‬كانت غريبة‪ ،‬منذ جاء هذا املعلم إلى املدرسة‪ ،‬منذ احلصة األولى‬ ‫مفاجئ‪ ،‬صاروا أميل إلى الصمت‪ ،‬ميشون على‬ ‫تغير‬ ‫ٌ‬ ‫تقريباً‪ ،‬أصاب الطالب ٌ‬ ‫األرض أثناء الدخول إلى املدرسة واخلروج منها‪ ،‬وكأنهم يستعدون لطيرانٍ‬ ‫قاد ٍم بعد قليل‪ ،‬ينظرون كثير ًا إلى السماء‪ ،‬لم يعودوا يلعبون ويركضون خلف‬ ‫ٍ‬ ‫بسقف دائري‬ ‫بعضهم البعض‪ ،‬وقت االستراحة ميضونه داخل بيت قدمي جد ًا‬ ‫وأرضية مبعثرة وجدران سميكة وفوضوية‪ .‬وهو قبر أو مسكن لولي مات قبل‬ ‫خمسمائة سنة كما يروي سكان املنطقة اسمه (سيدي جنم)‪ .‬مفتاح بيت «سيدي‬ ‫موجود فقط بحوزة معلم هذا الصف الغريب‪ .‬بحكم كونه معلم الفن‪.‬‬ ‫جنم»‬ ‫ٌ‬ ‫إفادة آذن املدرسة قالت إنه سمع طالبني من هذا الصف يهمسان لبعضهما البعض‬ ‫بهذه اجلمل‪:‬‬


‫األول للثاني‪ :‬أنا اخترت أن أكون طائر ًا متوحشاً‪.‬‬ ‫الثاني لألول‪ :‬أنا اخترت أن أكون حصان ًا بري ًا ال يفعل شيئ ًا سوى الركض‪ ،‬وال‬ ‫يصلح ظهره لركوب أحد سوى الريح‪.‬‬ ‫األول للثاني‪ :‬اخفض صوتك‪ ،‬فلو عرف الناس مبا ننوي فعله ألخفقت خططنا‬ ‫وبقينا بشر ًا عاديني نساق كالشياه في محفل الطاعة األبدية‪.‬‬ ‫الثاني لألول‪ :‬هل تدري ماذا يعني أن تكون حصان ًا بري ًا ال يفعل شيئ ًا سوى‬ ‫الركض‪ ،‬وظهره ال يصلح لركوب أحد سوى الريح؟ ذلك يعني أنني سأتذوق‬ ‫طعم بدائية الريح‪ ،‬وهي تذوب في منخري‪ ،‬وأنني سوف اختلط في الريح لدرجة‬ ‫أنني سأعجز عن معرفة نفسي‪ :‬هل أنا حصان أم ريح؟‬ ‫ذلك يعني أني لن أخاف حني يقول لنا املعلم غد ًا امتحان فاستعدوا ‪ ...‬وإال‪.‬‬ ‫ذلك يعني أني لن أرضخ لتهديدات مدير املدرسة لي حني أقص شعري وفق‬ ‫رغبتي‪ ،‬وحني أحضر بلباس اختاره أنا ال قوانني املدرسة‪ ،‬وحني أحتج على ضرب‬ ‫معلم الرياضيات لزميل لي‪ ،‬ألنه يبتسم باستمرار في احلصة‪.‬‬ ‫األول للثاني‪ :‬يا الهي! ماذا فعل بنا هذا املعلم املجنون؟‬ ‫وهل تعرف ماذا يعني أن تصبح طائر ًا متوحش ًا ‪ ...‬يعني أنني لن أقف في الطابور‬ ‫الصباحي مستمع ًا للنشيد الوطني الذي مللته ومتثائب ًا مع مئات املتثائبني من زمالئي‪،‬‬ ‫وخاضع ًا ألوامر االنحناء واالرتفاع ‪ ...‬يعني أنني سأمتلك نظرة أخرى لألشياء‬ ‫غير نظرة النملة الضيقة‪.‬‬ ‫الثاني لألول‪ :‬يا إلهي! ماذا فعل بنا هذا املدرس املجنون؟‬

‫إفادة معلم الرياضة‬

‫‪74‬‬

‫بينما كنت في امللعب أعلّم طالب اخلامس»ب» فن االنحناء أمام احلواجز‪ ،‬مر بي‬ ‫طالب الصف املختفي صامتني ومعلمهم الغريب‪ ،‬واندسوا كلهم في عتمة «سيدي‬ ‫جنم»‪ ،‬أغلقوا الباب خلفهم بإحكام‪ ،‬وساد صمت غير مفهوم‪.‬‬


‫أفاد الطالب أمين في الصف اخلامس «ب»‪ :‬أقسم أني رأيت ما يشبه طرف أجنحة‬ ‫فضية المعة منغرسة بخاصرة أحد الطالب‪.‬‬ ‫إفادة احلاجة «أم أحمد» جارة املدرسة‪ :‬شاهدت بأم عيني من خالل شرفتي‬ ‫املطلة على الصف املختفي طالب الصف وهم يرسمون بأيديهم أشكا ً‬ ‫ال غريبة‬ ‫في الهواء‪ ،‬معلمهم ذي العينني املشجرتني والقميص املشجر والشعر املشجر كان‬ ‫يرسم هو اآلخر‪ ،‬عيناه بدتا جاحظتان‪ ،‬انفعاالت مخيفة تسيل في وجهه‪ ،‬فجأة‬ ‫رأيتهم وكأنهم يعانقون أو يلبسون الرسومات التي رسموها‪ ،‬ويختفون من أمام‬ ‫عيني الكليلتني‪.‬‬ ‫ناظري‪ ،‬اعتقدت في البداية أني أتخيل أشياء غريبة بفعل َّ‬

‫احملققون حائرون‬ ‫جمع رئيس قسم التحقيقات‪ ،‬في مركز شرطة املدينة إفادات املدير والطالب واآلذن‬ ‫ومدرس الرياضة واحلاجة أم أحمد‪ ،‬واملعلمني‪ ،‬وضعها أمام طاقم احملققني‪ ،‬ساد‬ ‫فضاء املكتب إحساس بعجز كبير عن كشف سر االختفاء‪ ،‬ووقع الرئيس بحرج‬ ‫كبير أمام أسئلة الصحافيني الذين تدفقوا على املركز‪ ،‬زاد من إرباك املوقف وفوضاه‬ ‫صراخ أهالي الطلبة وجتمعهم العنيف على بوابات املركز‪ ،‬ومطالبتهم الباكية‬ ‫واملهددة بكشف سر اختفاء أبنائهم‪.‬‬

‫االحتالل ينفي اعتقال الطالب‬ ‫نفى مصدر مسؤول في قوات االحتالل اإلسرائيلي‪ ،‬مسؤوليته عن اعتقال طالب‬ ‫الصف الثامن «ج» في مدرسة في مدينة رام الله‪ ،‬وأفاد املصدر أنه لم يبلغ في‬ ‫املنطقة عن حوادث تبرر احتجاز طالب مدرسة‪.‬‬

‫خبر االختفاء في صحيفة محلية‬

‫‪75‬‬

‫صف مدرسي كامل اختفي مع معلم الفن‪ ،‬في إحدى مدارس رام الله‪ ،‬مصادر في‬ ‫الشرطة أفادت أن ظروف االختفاء غامضة جداً‪ .‬مصدر مسؤول في وزارة التربية‬ ‫والتعليم قال إنه ليس هناك دليل على جرمية جنائية أو سياسية‪ ،‬وأن التحقيقات ما‬ ‫زالت مستمرة‪.‬‬


‫تقرير مفتش الفن عن مدرس الفن املختفي‬ ‫لم يعجبني شكله‪ ،‬فشعره طويل وفوضوي‪ ،‬طريقته في تعليم الرسم مريبة‪،‬‬ ‫فهو ال يؤمن باأللوان‪ ،‬خامته األساسية الهواء‪ ،‬وفرشاته يده وذهنه‪ ،‬املدرس لم‬ ‫ينبس بكلمة‪ ،‬أصابع يده وإمياءات عينيه هي طريقته في التعليم‪ ،‬أوصي باالنتباه له‬ ‫ومتابعة سلوكه‪ ،‬فقد يكون خطير ًا جد ًا على أذهان الطالب‪.‬‬

‫تقرير مدير املدرسة عن مدرس الفن‬ ‫ال أعرف بالضبط ما طبيعة هذا املعلم‪ ،‬أحيان ًا أحس أنه بسيط جداً‪ ،‬وأحيان ًا أخاف‬ ‫علي إلغاء‬ ‫من أفكاره وسلوكه‪ ،‬فهو ال يختلط باملعلمني وال يصافحهم‪ .‬اقترح َّ‬ ‫النشيد الوطني‪ ،‬ألن استمرار سماعه يسبب للطالب امللل واإلحباط والالمعنى‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بأغان لفيروز‪ ،‬مث ً‬ ‫ال أو عبد الوهاب‪ ،‬ضحكت عليه في سري ‪...‬‬ ‫اقترح استبداله‬ ‫إنه مجنون حقاً‪.‬‬ ‫ومرة اقترح إلغاء الزي الرسمي واستبداله مبالبس يختارها الطالب حسب ذوقه‬ ‫وتفكيره وأحالمه‪ ،‬أوصي بإرسال جلنة لفحص ذهن هذا املعلم‪ ،‬فقد يكون خطير ًا‬ ‫على األجيال‪.‬‬

‫بوح ليلي حزين ألم طالب مفقود‬

‫‪76‬‬

‫في اآلونة األخيرة‪ ،‬كان يكثر النظر إلى النجوم‪ ،‬طاقته اجلسدية مؤخر ًا ضعفت‪،‬‬ ‫بينما طاقته الذهنية الداخلية‪ ،‬تصاعدت‪ ،‬بشكل خطير‪ ،‬كان يحشر نفسه في‬ ‫غرفته‪ ،‬أراه من ثقب الباب يرسم بيده في الفراغ‪ ،‬أشكا ً‬ ‫ال غريبة‪ ،‬مرة يرسم ما‬ ‫يشبه احلصان‪ ،‬وأخرى شمساً‪ ،‬وثالثة بيوت ًا عالية تشبه اجلبال وجزر ًا نائية وعصافير‬ ‫مختلفة األشكال واأللوان‪ ،‬وشجر ًا غريباً‪ ،‬ضخم اجلذوع‪ .‬كان يقول لي‬ ‫باستمرار أن حرية يده وهو يرسم أو حتفر في الهواء تقوده إلى شعور ممتع جداً‪،‬‬ ‫وأن االستمرار في الرسم مع التركيز ونفي الوجود املرئي‪ ،‬يؤدي حتم ًا إلى جتسد‬ ‫الشكل املرسوم ووجوده احلقيقي‪ .‬وقال لي مرة أن معلم الفن ذا العينني املشجرتني‬ ‫قال له‪ :‬إنه بينما كان يرسم حصان ًا في الفراغ الليلي فوق تلة من تالل أريحا العالية‬ ‫اجلرداء‪ ،‬في الوقت الذي كان فيه العالم نائم ًا وساكتاً‪ ،‬صهل حصان فجأة بني‬ ‫يديه‪ ،‬فركبه ومضى عائد ًا إلى رام الله القريبة‪.‬‬


‫ماذا قالت روح سيدي جنم؟‬ ‫كانوا يأتون لي خفافاً‪ ،‬ثملني بالصمت‪ ،‬معلمهم كائن مجنون يتعاطى التحريض‬ ‫على التحول والذوبان في األشياء سبي ً‬ ‫ال للتعلم واحلب واحلياة‪ ،‬فهو يقول لهم‬ ‫بصوت يشبه احللم‪ :‬التحوالت سر هذا الكون‪ ،‬الناس غافلون بانشغاالتهم‬ ‫حدقنا في ساق ضخم‬ ‫العادية عما يحيط بهم من صخور وشجر ومطر وغيوم‪ ،‬فلو ّ‬ ‫لشجرة‪ ،‬لسمعنا أصوات تنفس‪ ،‬أو بكاء‪ ،‬أو نداء‪ ،‬أو صالة‪ ،‬أو رقص‪... ،‬‬ ‫مشكلة الناس في عاملنا هذا‪ ،‬أنهم ال يعرفون معنى كلمة حتديق‪ ،‬فلو ذاقوا طعمها‬ ‫لتغيرت حياتهم‪ ،‬الكتشفوا كم هم واسعون وجميلون وأقوياء‪ ،‬التحديق يعطيك‬ ‫فرصة استرجاع معنى قواك غير املرئية‪ ،‬التحديق ينقي الهواء الذي تتنفسه‪ ،‬ويصور‬ ‫لك الشجرة ّأم ًا لك‪ ،‬والغيمة جدة أو جارة‪.‬‬ ‫الطالب ‪-‬والكالم ما زال لسيدي جنم‪ -‬كانوا ينفذون أقوال معلمهم بفرح هادئ‪،‬‬ ‫كنت أراهم يحدقون في جدراني املشققة القاسية‪ ،‬أو عشبة خضراء تطل بإصرار‬ ‫من شقوق سقفي الدائري الصلب‪ ،‬كانت احلصة كاملة ميضونها محدقني دون‬ ‫أي حركة‪ ،‬أصوات الطالب في اخلارج (في ملعب املدرسة) لم تكن تشكل لهم‬ ‫إزعاجاً‪ ،‬فقد دربهم هذا املعلم ذو العينني املشجرتني على قتال اخلارج‪ ،‬أو جتميده‪،‬‬ ‫املركز‪ ،‬أحببت هذا املعلم‪ ،‬سحرني هؤالء الطالب‪،‬‬ ‫أو اعتقاله في قبضة انفصالهم َّ‬ ‫فألول مرة يزورني أشخاص مختلفون‪ ،‬يحترمون هيبة فضائي‪ ،‬يعرفون قيمتي‪،‬‬ ‫وتاريخي‪ ،‬لقد اعتدت على سطحيني ومزعجني يعبثون في أحشائي‪ ،‬ينتزعون‬ ‫عشبي بفظاظة‪ ،‬يكشطون جدراني بأرجلهم الغبية يسرقون حجارة أرضي‪،‬‬ ‫يشتمون تاريخ سقفي بقفزاتهم البهلوانية‪.‬‬

‫رسائل املختفني القصيرة‬ ‫وأخير ًا أفاد مركز شرطة املدينة في مؤمتر صحافي أن احملققني في اختفاء الطلبة‬ ‫الغامض قد عثروا على قصاصات رسائل قصيرة لطالب الثامن “ج”‪ ،‬وذلك في‬ ‫شقوق جدران “سيدي جنم”‪ ،‬كما عثر بجانب الكلمات على أشكال مرسومة‬ ‫لألشياء واألدوات التي اختفوا من خاللها‪.‬‬ ‫‪77‬‬

‫املعلم‪ :‬لست مختفي ًا أنا بينكم أال ترونني؟‬


‫أحمد‪ :‬أنا سمكة في بحر قريب‪ ،‬لن أعود إلى يابستكم أبداً‪ .‬من املاء أتعلم‬ ‫االتساع‪.‬‬ ‫راضي‪ :‬الله ما أجمل الريح وهي تلطم صهيلي! من الريح أتعلم فن التحرش‬ ‫بأوصالي الضائعة‪.‬‬ ‫لهاء! أتلتهمون ثمري وتدعون اختفائي؟! أتعلم اآلن من الثمر كيف‬ ‫صالح‪ :‬يا ُب ّ‬ ‫أستل من موتي حياتي‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫خليل‪ :‬صحيح أن موتي قريب‪ ،‬لكني احتفظ بسر اللهب وعذوبة الزهرة‪ ،‬أتعلم‬ ‫من الفراشات التسامح ونبل املغادرة‪.‬‬ ‫شاكر‪ :‬تعالوا إلى موجي! فأنا صديق الصخور والبط والطيور واألطفال‬ ‫والقوارب‪ ،‬أتعلم من البحر التاريخ احلقيقي لألشياء‪.‬‬ ‫محمد‪ :‬أنا ملجأ الرسل‪ ،‬وأنتم ملجأ الضجر والفراغ‪ ،‬أتعلم من الكهوف كيف‬ ‫أخبئ الهاربني من الطغاة‪.‬‬ ‫يسار‪ :‬حلمي أبيض‪ ،‬روحي زرقاء‪ ،‬وأنتم فحم جائع‪ ،‬أتعلم من البياض متعة‬ ‫الفراغ حني يرفض بيع نفسه‪.‬‬ ‫مالك‪ :‬أنا الفكرة وأنتم التردد‪ ،‬أتعلم من الذهن الربط بني سقوط مملكة وبني عجز‬ ‫مليكها اجلنسي‪.‬‬ ‫أسامة‪ :‬خطوتي واسعة يا عبيد اجلغرافيا‪ ،‬أتعلم من الطيران طاقة التمدد‪ ،‬وعمق‬ ‫النظر‪.‬‬ ‫هاشم‪ :‬بال ماض وبال مستقبل أتنفس أنا األبدية‪ ،‬أنا الزمن‪ ،‬أتعلم من األبدية‬ ‫متدد الطاقة‪.‬‬ ‫‪78‬‬

‫يوسف‪ :‬غيمة أنا معلقة فوق رقابكم‪ ،‬أراقب صحراءكم وأبتسم‪ ،‬أتعلم من الغيوم‬ ‫الكبرياء‪.‬‬


‫ِ‬ ‫الطالب املذعو ِر‬ ‫حكاية أَمين‬ ‫ُ‬ ‫الص ِ‬ ‫س َده‬ ‫ف َي‬ ‫َّ‬ ‫الَّذي ُض َ‬ ‫بط يف َّ‬ ‫تحس ُ‬ ‫س َج َ‬ ‫‪79‬‬


‫ِ‬ ‫الطالب املذعو ِر‬ ‫حكاية أَمين‬ ‫ُ‬ ‫الص ِ‬ ‫س َده‬ ‫ف َي‬ ‫َّ‬ ‫الَّذي ُض َ‬ ‫بط يف َّ‬ ‫تحس ُ‬ ‫س َج َ‬ ‫اخلبر انتشر في املدرسة بسرعة عجيبة‪ :‬أمين الطالب في الصف الثامن ضبط في‬ ‫الصف يتحسس املنطقة السفلية من جسده‪ .‬حسب الشهود من التالميذ قيل إن‬ ‫الع َرق كان يسيل من وجهه‪ ،‬وأن جسمه كان ينتفض‪ .‬أمين طالب متوسط الذكاء‬ ‫َ‬ ‫في الصف في مدرستي اإلعدادية التي أعلَّم فيها منذ ثالث سنوات‪ ،‬عقاب أمين‬ ‫كان صارم ًا جد ًا وهستيرياً‪ ،‬املعلم الذي ضبط الواقعة (الكريهة) جر أمين من‬ ‫عنقه نحو إدارة املدرسة قائ ً‬ ‫ال للمدير بصوت ساخر‪« :‬هذا الطالب احملترم‬ ‫كان ميارس السفالة مع جسده»‪ .‬املدير جحظت عيناه‪ ،‬ومشى باجتاه الطالب‬ ‫الذي وقف مذعور ًا تقف الدموع على حواف عينيه‪ ،‬املعلمون الذين تصادف‬ ‫وجودهم في غرفة املدير وقفوا جميعهم وراحوا يسخرون ضاحكني من أمين‪:‬‬ ‫«املنطقة السفلية؟ يا حقير‪ ،‬يا سافل‪ ،‬يا منحط‪ ،‬يا مجرم»‪ .‬أحدهم صفع أمين‬ ‫على وجهه وهو يصيح‪ :‬ملاذا فعلت ذلك أيها الشيطان؟ أمين كان يبكي‪ ،‬معلمو‬ ‫الصفوف خرجوا من حصصهم‪ ،‬جتمعوا حول أمين إلى أن بدا وكأنه سيشنق‬ ‫بعد قليل‪ ،‬العينان حمراوان مليئتان بالدموع‪ ،‬اجلسم كله يرتعش‪ ،‬اليدان‬ ‫بدتا وكأنهما مشلولتان – عاطلتان حتى عن مسح الدموع أو اتقاء الصفعات‪،‬‬ ‫جر أمين من شعره‪ ،‬باجتاه غرفة جانبية للتحقيق معه‪ ،‬لم يعرف أحد من‬ ‫املدير َّ‬ ‫املعلمني نتيجة االستجواب إال في نهاية احلصة السادسة‪ ،‬حني عرفنا جميع ًا أن‬ ‫أمين اعترف بإسهاب أنه لم يستطع أن ينسى املشهد اإلباحي الذي شاهده صباح‬ ‫هذا اليوم املبكر جداً‪ ،‬حيث تسلل إلى غرفة التلفاز‪ ،‬واستخدم رقم ًا سري ًا لفتح‬ ‫احملطة الفضائية اإلباحية‪ ،‬هذا الرقم كان أمين قد سمع أباه يسر به لصديق له على‬ ‫الهاتف اخلليوي‪.‬‬ ‫أمين قال في اعترافاته أن أباه لم يكتشف بعد أنه كشف الرقم السري للمحطة‪ ،‬وهو‬ ‫يتوسل إلى املدير واملعلمني أن ال يخبروا أباه باملوضوع‪ ،‬فأبوه متدين جد ًا وصارم‪،‬‬ ‫وقد يذبحه بالسكني‪.‬‬

‫‪81‬‬

‫بطريقة ما‪ ،‬وصل اخلبر لألب املتدين جداً‪ ،‬شهادات الطالب الذين يسكنون بجوار‬ ‫بيت أمين قالت أن أمين ُح ِشر في غرفة على السطح تستخدم لتربية الدجاج‪ ،‬محروم ًا‬ ‫من الذهاب إلى املدرسة طبعاً‪ ،‬الطعام ُيلقى له كأنه دجاجة من الدجاجات من فوق‬


‫سمع من الغرفة ليالً‪،‬‬ ‫السياج الذي يشكل باب ًا للغرفة‪ ،‬وأن صرخات قوية كانت ُت ْ‬ ‫بعد ذلك كان والد أمين املتدين جد ًا يخرج غاضب ًا من الغرفة حام ً‬ ‫ال في يده عص ًا‬ ‫طويلة‪.‬‬ ‫بعد شهر كامل عاد أمين إلى املدرسة هزيالً‪ ،‬بنظرات شاردة‪ ،‬ومالمح مستنفرة‬ ‫لسخريات متوقعة من الطالب‪ ،‬وحدث متام ًا ما توقعته مالمح أمين‪ ،‬فقد هاج‬ ‫الطالب وماجوا ملجرد رؤيتهم أمين املسكني‪ ،‬كان أمين أثناء دخوله يضع يده في‬ ‫الساحة‪“ :‬أخرج يدك من جيبك أيها الشيطان”‪،‬‬ ‫مر عنه في َّ‬ ‫جيبه‪ ،‬فنهره معلم ّ‬ ‫فأخرجها أمين بسرعة وهو يقول بصوت ميت‪“ :‬كنت أبحث عن الشيكل يا‬ ‫أستاذ‪ ...‬والله كنت أبحث عن الشيكل”‪.‬‬ ‫ينس طالب مدرستي الستمائة مع معلميها العشرين حكاية أمين الذي ُ َ‬ ‫ضبط وهو‬ ‫لم َ‬ ‫يتحسس جسده‪ ،‬حتى بعد مضي أشهر على وقوعها‪ ،‬حتول أمين إلى شخص آخر‪،‬‬ ‫مشوش‪ ،‬حزين‪ ،‬انطوائي‪ ،‬مرعوب‪ ،‬يتلعثم في كالمه‪ ،‬وهبط مستوى حتصيله‬ ‫هبوط ًا مريعاً‪.‬‬ ‫ذات يوم وأنا أبحث مع طالب الصف الثامن “ج” وهو الصف الذي أربيه عن‬ ‫مواضيع جديدة لنستخدمها في التأمل والكتابة واحللم والشرود نحو املدهش‬ ‫واملربك وغير الواضح واملثير لطاقاتنا وحواسنا وأرواحنا‪ ،‬خطرت في بالي حكاية‬ ‫أمين املذعور‪ ،‬قلت للطالب‪ :‬ألستم تبحثون اآلن عن امللتبس واحملير والغريب‬ ‫من األفكار واحلكايات والوقائع واملشاعر وعن التناقض غير املفهوم في السلوك‬ ‫اإلنساني؟ أجاب الطالب‪ :‬بلى‪ .‬قلت‪ :‬إذن هيا نناقش حكاية أمين املذعور الذي‬ ‫ضبط يتحسس جسده في الصف‪ ،‬بعض الطالب انفجر بالضحك‪ ،‬بعضهم هزوا‬ ‫رؤوسهم حزن ًا وتعاطفاً‪ ،‬البعض اآلخر‪ ،‬فتحوا عيونهم على مصراعيها حتمس ًا‬ ‫للفكرة وتفاع ً‬ ‫ال مع وقعها وفضاءاتها احملتملة‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫قال سمير‪ :‬هيا نصوت على الفكرة‪ :‬من يؤيد مناقشة الفكرة عليه رفع يده‪ ،‬رفع‬ ‫عشرون طالب ًا تقريب ًا أيديهم‪ .‬من خمسة وثالثني طالب ًا هم مجموع طالب الثامن‬ ‫“ج”‪ .‬قلت للطالب الذين لم يتحمسوا للفكرة‪ :‬بإمكانكم الذهاب إلى املكتبة‪،‬‬ ‫خرج الطالب اخلمسة عشر إلى املكتبة‪ ،‬وبقي في الصف العشرون املتحمسون‪،‬‬ ‫واكتشفت أن الطالب اخلارجني هم أنفسهم الذين ضحكوا ساخرين حني اقترحت‬ ‫نقاش فكرة حكاية أمين املذكور‪.‬‬


‫عشرون طالب ًا متحمس ًا للتحليق في سماء حكاية جديدة وأنا‪ ،‬جالسون في الصف‬ ‫الثامن “ج”‪ .‬صامتون ال نعرف من أين نبدأ‪.‬‬ ‫قال جهاد‪ :‬معلمنا العزيز إن نقاش حكاية مثل هذه يحتاج إلى مكان مختلف نكون‬ ‫فيه‪ ،‬مكان يشبه مالمح احلكاية الغريبة والطريفة واحملزنة واخلطيرة‪.‬‬ ‫قال عادل‪ :‬أنا أقترح أن نذهب إلى قمة اجلبل‪ ،‬هناك حتت شجر التني‪ .‬أشار عادل‬ ‫إلى اجلبل القريب‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬اقتراحي أن نهبط إلى الوادي هناك حتت شجرة الزيتون‪ .‬وأشار خالد‬ ‫نحو الوادي القريب‪.‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬ملاذا الوادي وملاذا اجلبل؟‬ ‫قال عادل‪ :‬اجلبل ٍ‬ ‫عال وبعيد متام ًا مثل الفكرة أو احلكاية‪ ،‬فهي عالية وبعيدة‪،‬‬ ‫وهناك في القمة ال شيء يعترض األفكار حني تأتي من أعماقنا البعيدة‪ .‬فال‬ ‫بيوت‪ ،‬وال سيارات‪ ،‬وال مدارس‪ ،‬وال مناهج‪ .‬كل شيء هناك غض وعفوي‬ ‫ومتسامح وحر‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬اقترحت الوادي؛ ألن الهبوط في املكان يوازي الهبوط في التفكير نحو‬ ‫األعمق‪ ،‬والبعد واحلقيقي والشجاع من الهواجس الكامنة داخلنا تنتظر استفزازنا‬ ‫لها‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬رائع هذا االختالف‪ ،‬رائع هو تفسيركما لألمكنة وعالقتها بالفكرة‬ ‫واإلحساس‪.‬‬ ‫“من يصوت على الوادي‪ ،‬ومن يصوت على اجلبل؟”‪ .‬قلت لهم‪ .‬خمسة صوتوا‬ ‫على الوادي وخمسة عشر طالب ًا صوتوا على اجلبل‪ .‬قلت لهم‪ :‬استعدوا للجبل‪.‬‬ ‫بدأ الطالب بتجهيز احلقائب استعداد ًا للصعود‪ .‬قال عدنان ستكون هناك معركة‬ ‫صغيرة يا أستاذ أمامنا وهي موافقة املدير‪.‬‬ ‫‪83‬‬

‫حسان‪ :‬لو وافق املدير بسرعة ألحسست باخلذالن واحلزن‪ ،‬عليه أن يخاف‬ ‫قال ّ‬


‫ويرتبك ويستفسر عن سبب الصعود ومدته حتى أشعر بالبطولة والنصر والقوة‪.‬‬ ‫قال كامل‪ :‬ماذا لو رفض املدير يا أستاذ؟‬ ‫قلت‪ :‬وهل هناك مهمة للمديرين في مدارسنا غير الرفض واخلوف واالرتباك‬ ‫أمام أفكار حديثة وغير منطية وبعيدة عن التوقع وغير مشمولة في دفتر حسابات‬ ‫املديرين‪.‬‬ ‫قال سعيد‪ :‬سنقفز عن السور كما فعلنا في السابق‪ ،‬أليس كذلك يا أستاذ؟‬ ‫قلت‪ :‬سنحاول بكل طاقاتنا أن نقنع املدير‪ .‬وإذا رفض سنقفز‪ ،‬وإذا استطال‬ ‫السور سوف نطير‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫وعال‪ :‬نعم ‪ ..‬نعم لنقفز‪ ،‬سوف نقفز‪ ،‬ما أروع‬ ‫صرخ الطالب بصوت جماعي‬ ‫القفز عن السور‪ .‬سنطير‪ ،‬هيا نطير ‪ ..‬نطير ‪ ..‬نطير‪.‬‬ ‫الصف مع ًا بهدوء‪ ،‬وقف املدير أمامنا‪ ،‬غير مصدق حلكاية الصعود إلى‬ ‫خرجنا من َّ‬ ‫اجلبل‪.‬‬ ‫ وماذا ستفعلون هناك يا أستاذ زياد؟ ماذا يختلف الصف عن اجلبل‪ ،‬ثم إن اجلبل‬‫اآلن مليء باألفاعي‪ ،‬أنا أخاف بصراحة على حياة طالب مدرستي‪.‬‬ ‫قال شريف همساً‪ :‬األفاعي موجودة في الصف واملدرسة على شكل معلمني‬ ‫عابسني‪ ،‬ومناهج وغبار ورطوبة وروتني وجرس أيض ًا وبرابيج‪.‬‬ ‫سأل املدير شريف مستهجن ًا همسه‪ :‬ماذا قلت يا ولد؟‬ ‫قال شريف‪ :‬كنت أقول يا مديري العزيز أن األفاعي ميكن أن تزحف إلينا في الصف‬ ‫عبر اجلبل أيضاً‪ .‬فاخلطر هو هو؛ سواء صعدنا أم لم نصعد‪.‬‬ ‫‪84‬‬

‫لم يوافق املدير على رحلة اجلبل‪ ،‬رفض بشدة معل ً‬ ‫ال ذلك مدعي ًا طبع ًا بأن وفد ًا من‬ ‫الوزارة في طريقه إلينا‪.‬‬


‫همس جمال في أذني‪ :‬هيا نقفز يا أستاذ‪ ،‬الوقت يداهمنا‪ ،‬واألفكار املجنونة تقف‬ ‫على بوابة الرأس مدلية برأسها‪.‬‬ ‫قال عامر‪ :‬القفز صعب جد ًا يا زمالئي‪ ،‬فالسياج ٍ‬ ‫عال جداً‪ ،‬والبوابة مقفلة‪،‬‬ ‫واملفتاح مع املدير‪.‬‬ ‫قلت للطالب‪ :‬إذن هيا نستخدم الطريقة األخيرة “الطيران”‪ ،‬فليذهب كل طالب‬ ‫إلى املكتبة ويخرج أجنحته‪ .‬أسرع الطالب إلى املكتبة‪ ،‬حلق بهم املدير مهدد ًا‬ ‫ومتوعداً‪ ،‬كان يصيح بي‪ :‬أنا أحملك املسؤولية كاملة أستاذ زياد‪ ،‬فهذا آخر إنذار‬ ‫معك‪ .‬سيكون مصيرك الفصل من املدرسة‪ ،‬وعدم قبولك في أي مدرسة أخرى‪.‬‬ ‫تسلَّق الطالب سياج املدرسة العالي‪ ،‬وطاروا بأجنحتهم التي صنعها كل منهم من‬ ‫خامات عديدة من البالستيك‪ ،‬والورق‪ ،‬والنحاس‪ ،‬والقماش‪ ،‬وورق الشجر‪،‬‬ ‫وكنت في السابق قد طلبت من طالبي جتهيز أجنحة من مواد يختارونها هم حتسب ًا‬ ‫ملواقف قد جند أنفسنا فيها محاصرين بالسياج واألبواب املسدودة واجلدران‪.‬‬ ‫طرت مع طالبي نحو اجلبل القريب‪ .‬كان املشهد رائعاً‪ ،‬حفرنا في أجسادنا جملة‬ ‫رائعة بشكل عفوي دون أن نخطط لكتابتها وهي‪“ :‬في األعالي متر األفكار بحرية”‬ ‫محروسة بالهواء النقي‪ ،‬الصمت املهيب والطيور الصديقة‪.‬‬ ‫كان الطالب واملعلمون في الصفوف احملبوسة يخرجون رؤوسهم من النوافذ‪،‬‬ ‫وهم يلوحون لنا متفاجئني من هذا املنظر الغريب‪ .‬رأينا املدير وهو يقف عند‬ ‫البوابة‪ .‬كان جسمه صغير ًا جداً‪ ،‬ورأسه لم يكن موجوداً‪ .‬البيوت املجاورة‬ ‫للمدرسة صعقت من واحد وعشرين جسد ًا بشري ًا يطير فوقها باجتاه اجلبل‪.‬‬ ‫هبطنا على اجلبل‪ ،‬بعض الطالب هبط على الشجرة‪ ،‬وعلق هناك بعد نصف‬ ‫ساعة كنا جميع ًا متحررين من األجنحة وجالسني فيما يشبه دائرة حتت شجرة تني‬ ‫ضخمة‪.‬‬ ‫قال هيثم‪ :‬بعض الطالب عاتبون عليك يا أستاذ‪ ،‬ويعتقدون أنك لم تكن على‬ ‫مستوى ما نسمعه منك من نظريات وأفكار‪.‬‬ ‫‪85‬‬

‫قلت‪ :‬أنا مستعد لالستماع إلى عتابكم بكل رحابة صدر‪ .‬فأنتم تعرفون أنني‬ ‫أدربكم دائم ًا على قول ما يعتمل في نفوسكم بحرية‪.‬‬


‫قال رام‪ :‬ملاذا كنت محايد ًا ومتفرج ًا في حكاية أمين املذعور يا أستاذ وأنت تعرف أن‬ ‫املسكني لم يرتكب جرمية هو مجرد خطأ صغير كما قلت أنت لنا‪ ،‬لكنك لم تترجم‬ ‫رأيك إلى كفاح أو صراع أو معركة كما تفعل مع املدير أحيان ًا ومع أنظمة املدرسة؟‬ ‫قلت‪ :‬معكم حق يا أصدقائي‪ ،‬أحس أني لم أكن شجاع ًا في هذا املوضوع‪ ،‬وقد‬ ‫حاولت بيني وبني نفسي أن أحلل األسباب الواعية وغير الواعية لذلك‪ .‬عن‬ ‫حساسية املوضوع وارتباطه باألهالي وقيمهم املقدسة ونظراتهم اجلامدة كل ذلك قد‬ ‫يكون عطَّ ل حركتي اجتاه املواجهة‪ ،‬قد يكون هناك سبب آخر هو أنني منذ حدثت‬ ‫هذه الواقعة احملزنة وأنا أفكر وأحلل وأناقش املوضوع مع نفسي‪ ،‬عن الذهول‬ ‫واالستغراب من ردود فعل املدير واملعلمني ومعظم الطالب على هذه احلادثة قد‬ ‫أخ َر اتخاذ موقف يتناسب مع ما أحمله من رؤى حداثية وإنسانية انقالبية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫قال محمد‪ :‬هل انتهت مرحلة الذهول والنقاش مع نفسك يا أستاذ‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬نعم ‪ ...‬نعم‪ ،‬يجب أن نتحرك جميع ًا مبوقف جماعي مع املعلمني املتفهمني‬ ‫والرافضني لعقاب أمين‪ ،‬كذلك من طالب املدرسة الذين تقاطعوا مع أمين‪.‬‬ ‫قال هاني‪ :‬هل سنناقش اآلن كيفية اتخاذ موقف من اإلدارة؟‬ ‫قال سعيد‪ :‬ال ‪ ...‬ال‪ ،‬اآلن سنناقش احلكاية نفسها وماهيتها‪ ،‬ودالالتها‪،‬‬ ‫وجذورها‪ ،‬وامتدادها‪ ،‬وردود األفعال عليها‪ .‬املوقف سنناقشه الحقاً‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬نعم ‪ ..‬نعم‪ ،‬هاني على حق‪ ،‬اآلن سنناقش احلكاية من ناحية فلسفية‬ ‫وإنسانية‪ ،‬وسأبدأ بسؤال أطرحه عليكم يا أصدقائي‪ ،‬وأرجو اإلجابة عنه بكلمة‬ ‫صغيرة دون أل التعريف “رأيت البهجة تشع من عيون الطالب‪ ،‬فهم يحبون‬ ‫اإلجابات املختصرة بكلمات دون أل التعريف”‪.‬‬ ‫السؤال هو ما هو اجلسد؟‬ ‫قال هاني‪ :‬إطار‪.‬‬ ‫‪86‬‬

‫قال سعيد‪ :‬ورطة‪.‬‬


‫قال رام‪ :‬سر‪.‬‬ ‫قال هاشم‪ :‬متعة‪.‬‬ ‫قال محمد‪ :‬جمال‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬خوف‪.‬‬ ‫قال عادل‪ :‬خيانة‪.‬‬ ‫حسان‪ :‬عذاب‪.‬‬ ‫قال ّ‬ ‫قال سمير‪ :‬سؤال‪.‬‬ ‫قال عدنان‪ :‬موت‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬ذكاء‪ ،‬الطالب العشرة اآلخرون طلبوا املشاركة في فعالية أخرى غير هذه‬ ‫فوافقت‪.‬‬ ‫سجل سمير اإلجابات على ورقة‪ ،‬طلبت من الطالب أن يضعوا الكلمات في‬ ‫جمل مفيدة‪ ،‬بحيث تتوضح معانيهم‪:‬‬ ‫قال هاني‪ :‬اجلسد إطار للمعاني واألحالم واألفكار‪.‬‬ ‫قال سعيد‪ :‬اجلسد ورطة جميلة تأخذنا إلى أخطاء مشروعة‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬اجلسد سر جميل أجمل ما فيه غموضه‪.‬‬ ‫قال هاشم‪ :‬اجلسد متعة تعطينا التواصل مع العالم‪.‬‬ ‫‪87‬‬

‫قال محمد‪ :‬اجلسد جمال دائم ويعطينا راحة البصر‪.‬‬


‫قال خالد‪ :‬اجلسد خوف الطبيعة من ذاتها املتوحشة‪.‬‬ ‫قال عادل‪ :‬اجلسد خيانة الطبيعة لنفسها‪.‬‬ ‫حسان‪ :‬اجلسد عذاب مستمر لكنه محتمل وأحيان ًا ممتع‪.‬‬ ‫قال ّ‬ ‫قال سمير‪ :‬اجلسد سؤال كبير لم يجب عليه أحد بعد‪.‬‬ ‫قال عدنان‪ :‬اجلسد موت دائم لكن حياة كبيرة موجودة فيه‪.‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬اجلسد ذكاء الطبيعة حني يستبد الغباء بالعقل‪.‬‬ ‫رائعة هذه اإلجابات‪ ،‬قلت ألصدقائي وسأسأل اآلن سؤا ً‬ ‫ال آخر‪ :‬هل تعتقد أن‬ ‫أمين أخطأ في تصرفه حني حتسس جسده في الصف؟ وما رأيك بالعقاب؟ هل‬ ‫توافق عليه؟ وملاذا؟‬ ‫قال مأمون‪ :‬أمين أخطأ ً‬ ‫خطأ كبير ًا لكن العقاب كان مبالغ ًا فيه‪.‬‬ ‫قال عبد احلليم‪ :‬أمين أخطأ خطأ صغير ًا وكان العقاب غير مبرر‪.‬‬ ‫قال سالم‪ :‬خطأ أمين أن حتسس جسده في الصف كان بإمكانه أن يفعل ذلك في‬ ‫البيت‪.‬‬ ‫قال شريف‪ :‬حتسس اجلسد ليس جرمية حتى لو حدث في الصف‪ ،‬أنا أرى بعض‬ ‫املعلمني يهرشون منطقتهم السفلية وعقاب أمين كان جرمية كاملة‪.‬‬ ‫قال خلدون‪ :‬أمين حتسس جسده حتت ضغط معني‪ ،‬واألهل يتحملون هذا اخلطأ‪،‬‬ ‫كان يجب أن يحافظوا على الرقم السري للمحطة اإلباحية‪.‬‬

‫‪88‬‬

‫قال عز الدين‪ :‬عقاب أمين كان مبرراً‪ ،‬فقد ارتكب خطأ كبير ًا جد ًا لم يفعله أحد من‬ ‫قبل أبداً‪ .‬لكني أؤيد نسيان املوضوع‪ ،‬واالعتناء بنفسية أمين املدمرة‪.‬‬


‫قال وائل‪ :‬حتسس اجلسد بحد ذاته شيء لذيذ‪ ،‬لكن التوقيت واملكان كانا املشكلة‬ ‫ذاتها‪.‬‬ ‫قال عبد الرحمن‪ :‬أنا متعاطف جد ًا مع أمين‪ ،‬لقد مررت بالتجربة نفسها في حفلة‬ ‫عرس أخي‪ ،‬فقد شعرت باإلثارة فجأة حني رأيت بنت ًا تنحني وينزلق نصف نهدها‬ ‫خارج جسمها‪ ،‬وبشكل ال إرادي رأيت نفسي أحتسس جسدي وشعرت براحة‬ ‫كبيرة حينها‪“ .‬الطالب يضحكون بصوت عال”‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬رأيي أن األهل يتحملون املسؤولية كاملة‪ ،‬حتسس اجلسد بحد ذاته ليس‬ ‫جرمية‪ ،‬لقد حتسس أمين جسده راغب ًا في معرفة هذا اجلسد واكتشافه وهذا طبيعي‬ ‫جداً‪ ،‬الضغط الشهوي على أمين كان كبيراً‪ ،‬لذا فهو معذور‪ ،‬وميكن تبرير فعلته‪،‬‬ ‫ولو لم يشاهد أمين احملطة اإلباحية ملا فعل ذلك‪ .‬املشكلة في األساس هي في‬ ‫احملطة اإلباحية ومشاهدتها‪ ،‬املخطئ األول هو األب‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬هل حدث وأن حتسست جسدك وأنت صغير يا أستاذ زياد؟‬ ‫كان السؤال مفاجئ ًا “الطالب ينظرون بوجوه بعضهم البعض مبتسمني ومنتظرين‬ ‫اإلجابة بتلهف”‪.‬‬ ‫نعم‪ ،‬فعلت ذلك وأفعله اآلن‪ ،‬متام ًا كما تفعل كل الكائنات البشرية وغير البشرية‪.‬‬ ‫حتسس اجلسد ليست جرمية في األصل‪ .‬إنها فعل إنساني حميم وبريء‪ .‬الفرنسيون‬ ‫يسمونه‪“ :‬احلب مع الذات”‪ ،‬لكن منظومة القيم والرؤى القدمية اجلديدة وضعت‬ ‫سيجته بسياج حديدي من املعايير‬ ‫اجلسد في بوتقة‬ ‫احملرم واملقدس لدرجة أنها ّ‬ ‫ّ‬ ‫واألفكار‪ .‬ملاذا ال يتشوش العالم احليواني ويضطرب ويهتز حني تتحسس حمامة‬ ‫أو كلب أو بقرة أو عصفورة جسدها‪ ،‬إننا نشاهد حيوانات كثيرة تتحسس جسدها‬ ‫حلساً‪ ،‬أو تقبيالً‪ ،‬أو عضاً‪ ،‬وذلك مطاردة للمتعة والكتشاف قدرتها على إعطاء‬ ‫اللذة‪ .‬ملاذا ال نستاء نحن وال نغضب وال نضطرب حني نشاهد مشاهد حتسس‬ ‫احليوانات ألجسامها؟‬ ‫ أرجو أن أسمع بعض اإلجابات منكم‪ ،‬قلت لطالبي‪.‬‬‫‪89‬‬

‫قال سعيد‪ :‬ألن ال قيم وال معايير في حياة احليوان وعامله‪.‬‬


‫قال عدنان‪ :‬ألن البشر يخافون من أجسادهم‪ ،‬وخوفهم هذا نابع من نظريات‬ ‫حترمي هم واضعوها‪.‬‬ ‫قال سالم‪ :‬إذن ملاذا يضع البشر النظريات؟ لنتحسس أجسادنا بحرية ومتعة‪،‬‬ ‫ونكون منسجمني مع أنفسنا‪ ،‬البشر أغبياء جد ًا وغريبون‪ ،‬يحرمون التحسس‬ ‫ويتحسسون أجسادهم‪ .‬إنهم يناقضون أنفسهم‪ .‬إنهم كذابون‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬إذن أنت يا سالم تريدنا أن نكون حيوانات بال قيم‪ ،‬بال معايير‪ ،‬بال‬ ‫أخالق‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬أنا اتفق مع رام‪ :‬نحن بشر وعاملنا محكوم مبنظومة قوانني عامة‪ ،‬علينا أن ال‬ ‫نتجاوزها ألن جتاوزها يعني وصولنا إلى مستوى احليوانية الهمجية‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬أستاذ ألول مرة أسمعك تتحدث عن قوانني يجب احترامها‪ .‬هذا‬ ‫غريب‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬أنا أحتدث عن القوانني العامة التي تشكل حاجز ًا وفاص ً‬ ‫ال بيننا وبني احليوان‪،‬‬ ‫ّأما القوانني التي وضعها البشر للتحكم الغبي والسيطرة وتعتيم عوالم أجسادهم‬ ‫وتسخيفها‪ ،‬فأرفضها‪.‬‬ ‫قال هاشم‪ :‬هل ميكن أن توضح لنا هذه النقطة يا أستاذ؟ يبدو املوضوع ملتبس ًا‬ ‫وشائكاً‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬أقصد أنني أرفض مث ً‬ ‫ال أن ُينظر للجسد اإلنساني تلك النظرة املقدسة التي‬ ‫تعطيه طابع ًا خرافي ًا مخيف ًا وبعيد ًا غير قابل للمس أو التفكير أو التعبير عن شهواته‪،‬‬ ‫بشرط أن يتم ذلك وفق أسس معينة حتى ال نتحول إلى حيوانات كما أشرت‬ ‫سابقاً‪.‬‬ ‫قال خالد‪ :‬أستاذ أنا غير مرتاح حلديثك عن األسس والقوانني أشعرك أنك تخوننا‬ ‫وتخذلنا‪.‬‬ ‫‪90‬‬

‫قلت‪ :‬يا أصدقائي احلياة الوحيدة التي بال أسس وبال قوانني حياة احليوانات‪ ،‬هل‬


‫تقبلون أن تصبحوا حيوانات؟‬ ‫قال عدنان‪ :‬لكننا أص ً‬ ‫ال حيوانات يا أستاذ‪.‬‬ ‫قلت أنا‪ :‬نحن بالفعل من أصول حيوانية‪ ،‬لكننا نظمنا حياتنا وأعدنا صياغتها ورتبنا‬ ‫عقلنا بحيث نرتقي عن أصلنا‪ ،‬ونستمتع باملعرفة واإلدراك والوعي والنظام‪.‬‬ ‫قال هاشم‪ :‬النظام؟ أنت تتحدث عن النظام يا أستاذ؟‬ ‫ألست عدو األنظمة؟ ألم تعلمنا ذلك؟‬ ‫قلت‪ :‬هذه نقطة يجب توضيحها‪ .‬حني أقول إني ضد القوانني واألنظمة والعادات‬ ‫هل يعطيني هذا الكالم أو اإلدعاء احلق في خلع مالبسي كاملة والسير في رام الله‬ ‫دونها؟ هل يعطيني هذا احلق رفض القوانني واألنظمة أن أخرج إلى املدينة ليالً‪،‬‬ ‫وأن أطلق العيارات النارية على الشرفات وعجالت السيارات املتوقفة‪ ،‬مستمتع ًا‬ ‫بثقبها‪ ،‬مبرر ًا ذلك باحلرية التي أنادي بها والقوانني التي أرفضها؟‬ ‫قال سعيد‪ :‬اعتقد أننا خرجنا عن موضوع أمين‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬نحن في صلب املوضوع‪ ،‬ألم نقل إننا سنتحدث عن جذور احلكاية‬ ‫وامتداداتها‪.‬‬ ‫ لنعد إلى حكاية أمين ‪ -‬قلت‪ -‬ولنحدد أين املجرم وأين الضحية‪.‬‬‫قال هاشم‪ :‬املجرم هو األب وأمين هو الضحية‪.‬‬ ‫قال سعيد‪ :‬الضحية هو األب وأمين أيضاً‪.‬‬ ‫قال رام‪ :‬املجرم هو املجتمع واألب وأمين ضحايا‪.‬‬ ‫‪91‬‬

‫قال عدنان‪ :‬أجسادنا هي املجرمة وأرواحنا ضحايا‪.‬‬


‫قال خالد‪ :‬كلنا مجرمون وضحايا في آن‪.‬‬ ‫قال سالم‪ :‬بصراحة ال أعرف أين حدود الضحية‪ ،‬وأين حدود املجرم‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬أنا ال أعرف في احلقيقة ففي داخل كل مجرم ضحية‪ ،‬وداخل كل ضحية‬ ‫مجرم‪ ،‬املوضوع مشوش‪.‬‬ ‫قال عبد احلليم‪ :‬املجرم هو املدير والضحايا هم نحن جميعاً‪ ،‬أهالي وطالب‬ ‫ومعلمني «ضحك الطالب»‪.‬‬ ‫عز الدين‪ :‬املجرمة هي احلياة‪ ،‬احلياة نفسها غريبة‪ ،‬تفرز الضحايا واملجرمني‪،‬‬ ‫قال ّ‬ ‫كما تخلق السمك الصغير والسمك الكبير‪ ،‬األسد واألرنب‪ ،‬النار والعشب‪،‬‬ ‫السيف والزهرة‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬لقد قاربت الشمس على املغيب‪ .‬أهالينا يبحثون اآلن عنا‪ ،‬هيا نستعد للعود‬ ‫يا أصدقائي!‬ ‫لبس الطالب أجنحتهم‪ ،‬لبست أنا جناحي املصنوعني من القماش‪ ،‬طرنا عائدين‬ ‫كانت املدرسة خاوية‪ ،‬ال جرس‪ ،‬ال ضجيج ال مديرين‪ ،‬ال معلمني‪ .‬مررنا فوق‬ ‫املدينة‪ ،‬رأينا الناس وهم يشيرون إلينا مستغربني أو خائفني‪ ،‬أو فضوليني‪ .‬سمعت‬ ‫رام يهمس لصديقه عدنان‪ :‬ليتنا نبقى طائرين في السماء‪ ،‬هنا بإمكاننا أن نتحسس‬ ‫أجسادنا بحرية‪ .‬هنا ال بيوت دجاج نحشر فيها‪ ،‬ال مدير يفصلنا وآباء قساة‪ ،‬ال‬ ‫معلمني يهجمون علينا حانقني متوترين مرعوبني‪ ،‬هنا ال حاجة ألرقام سرية‪،‬‬ ‫ومحطات مغلقة‪ ،‬كل شيء مفتوح هنا‪ ،‬مفتوح بقوة وذكاء وتسامح الطبيعة‪.‬‬

‫‪92‬‬


‫متد َد َع َلى ا َأل ِ‬ ‫رض‬ ‫اعرتافات مد ِّر ٍ‬ ‫ُ‬ ‫س ّ‬ ‫واستسلم َّ‬ ‫مس ل َت ْن َه َ‬ ‫للش ِ‬ ‫شه‬ ‫َ‬ ‫‪93‬‬


‫متد َد َع َلى ا َأل ِ‬ ‫رض‬ ‫اعرتافات مد ِّر ٍ‬ ‫ُ‬ ‫س ّ‬ ‫واستسلم َّ‬ ‫مس ل َت ْن َه َ‬ ‫للش ِ‬ ‫شه‬ ‫َ‬

‫َات جميلةٌ َألخطائنا ال َّن ِض َرة)‬ ‫( َأوق ٌ‬

‫أريد أن أعتذر مني ومنكم‪ ،‬قلت لطالبي واقف ًا ثم جلست‪ ،‬إنه يوم مشمس من‬ ‫ذلك النوع الذي يجعلك تشعر برغبة خرساء في اإلفصاح عما بداخلك‪ ،‬يوم‬ ‫للصراخ لنفض الكسل عن ثيابنا‪ ،‬للتمطي‪ ،‬للرقص‪ ،‬للحب‪ ،‬يبتسمون ‪...‬‬ ‫يوم مغ ٍر لالعترافات ‪ ..‬لالنكشاف على بعضنا البعض‪ ،‬لتأمل الطيات الداخلية‬ ‫لقمصاننا ومعاطفنا‪ ،‬بعد كل عاصفة ثلجية‪ ،‬ثمة شمس تأتي لتقول لنا‪ :‬هيا تعروا‬ ‫واخلعوا القفازات واجلوارب السميكة‪ ،‬حترروا من الكنكنة‪ ،‬واالنكماش على‬ ‫الذات‪ ،‬مددوا أذهانكم وابسطوا أرواحكم‪ ،‬إنه وقت للفضفضة‪:‬‬ ‫ ماذا فعلت يا أستاذ؟ هل أسأت إلى زياد أم إلينا؟‬‫ أسأت لزياد وذهنه وقلبه‪ ،‬أسأت لروح قصصي‪ ،‬وجوهر عاملي الفني‪ ،‬أسأت‬‫لكم ألني خنتكم واجنرفت مع ما يناقض ما أقوله لكم‪ ،‬أجبتهم‪.‬‬ ‫تشوقنا للجواب‪.‬‬ ‫خبرنا‪ ،‬أنت ّ‬ ‫ ماذا فعلت؟ ّ‬‫كل أسبوع أكون على موعد مع طالبي في حصة سرية ابتكرتها واستللتها من‬ ‫برنامج الدروس‪ ،‬أطلقت عليها مبساعدة طالبي اسم (حصة االعترافات)‪ ،‬شيء‬ ‫يشبه االسترخاء اجلسماني والتمدد الذهني وفتح صنبور الرأس لتسيل ديدانه‬ ‫وتنفجر دمامله الداخلية ويهرب قيحه‪ .‬ثمة ديدان في الرأس تتغذى على تبجحنا‬ ‫وغطرستنا وغبائنا وانغالقنا على ما ربينا عليه‪ ،‬االعترافات هواء نظيف يهز الركود‬ ‫ويخلخل الرتابة‪.‬‬ ‫أرجوك! قل لنا ما الذي فعلته حتى تعتذر لنا ولزياد؟‬ ‫سأقول لكم‪ :‬سأفصح‪ ،‬سأدلق خيبتي أمامكم‪ ،‬كما علّمتكم أن تفعلوا‪.‬‬ ‫‪95‬‬

‫أتذكرون يوم قلت لكم‪ :‬إن دلق اخليبات العكرة على األرض يحولها داخلنا إلى‬ ‫ٍ‬ ‫صاف ولذيذ‪.‬‬ ‫نبيذ‬


‫كنت أمشي في الشارع‪ ،‬معي صديقي “م”‪ ،‬واملشي في الشارع عادتي اليومية التي‬ ‫ال هدف من ورائها سوى البحث عني واستنفار حواسي واختبار أبعادي وحتسس‬ ‫نبض روحي احلقيقي‪ .‬غالب ًا ما أرى زياد احلقيقي أثناء املشي‪ ،‬حتت خطواتي أمتدد‪،‬‬ ‫أمامي تنزاح الستائر عن مشاعري‪ .‬فجأة رأيت رج ً‬ ‫ال خمسيني ًا يركب دراجة في‬ ‫الشارع‪ ،‬ويضع على رأسه خوذة وخلفه كان يركب ابنه الصغير‪ ،‬كان املنظر غريب ًا‬ ‫بالنسبة لي‪ ،‬فالرجل فلسطيني يحمل على وجهه مالمح أجنبية‪ ،‬استفزني املشهد‪،‬‬ ‫ال أعرف ملاذا‪ ،‬شعرت بالضيق وال أعرف ملاذا‪ .‬كان الناس املتشابهون جد ًا ميشون‬ ‫في الشارع أو يركبون السيارات‪ .‬يا إلهي كم يشبهون بعضهم البعض! املالمح‬ ‫نفسها‪ ،‬الثياب نفسها‪ ،‬حركة األجسام نفسها‪ ،‬الرائحة نفسها‪ ،‬وكنت أنا أشبههم‬ ‫جداً‪ ،‬وكان صديقي “م” كذلك‪ ،‬أما ذلك الرجل الغريب فقد كان مختلف ًا عنا‬ ‫جميعاً؛ في هيئته العامة وابتسامته الدائمة‪ .‬استغرب صديقي “م” الصيحة املكبوتة‬ ‫وعيني‪ ،‬ولم أعرف أال الحق ًا ما هي تلك الصرخة‪ ،‬وما‬ ‫التي صدرت عن جسدي‬ ‫ّ‬ ‫داللتها املرعبة بالنسبة لي‪ .‬قال لي صديقي عندما جلسنا في املقهى إنني نظرت‬ ‫للرجل باشمئزاز غير مبرر‪ ،‬وإنني بدوت وكأنني أتعرض للدغة نحلة‪ ،‬أصابتني‬ ‫دهشة مؤملة كثيرة‪ ،‬بدأت حبال األسئلة حتيط بعنقي‪ ،‬وتتحول إلى أفا ٍع‪ .‬ملاذا تأملت‬ ‫حني رأيت الرجل الغريب املنظر؟ الرجل لم يؤذني‪ ،‬كان يركب الدراجة وخلفه‬ ‫ابنه‪ ،‬لم يشتمني‪ ،‬لم يعرقل خطواتي‪ ،‬لم يرني أصالً‪.‬‬ ‫ قد يكون نظر إليك نظرة عدم اهتمام أو استهتار يا أستاذ‪ ،‬قال جعفر‪.‬‬‫ذكرتك مالمحه بشخص ال حتبه يا أستاذ‪ ،‬قال مجد‪.‬‬ ‫ قد ّ‬‫‪ -‬قد يكون شخص ًا تعرفه وقد أساء إليك في أيام قدمية‪ ،‬قال وليد‪.‬‬

‫‪96‬‬

‫ ال ‪ ..‬ال أبداً‪ ،‬ليس صحيح ًا ما قلتموه‪ ،‬لكني عرفت السبب الحقاً‪“ ،‬استنفرت‬‫مالمح الطالب وبان على وجوههم حتفز وتشوق كبيران”‪ ،‬ألنني ُربيت على‬ ‫االنتماء األعمى لفكرة التشابه‪ ،‬ألنني ُدربت على كره املختلفني عني‪ ،‬ألنني‬ ‫ُد ّجنت على اخلوف من التغيير واحتمال التنوع‪ ،‬ألنني ضعيف كما أنتم‪ ،‬كما‬ ‫كلنا‪ ،‬نرتعب من فكرة أن يزاحم وقتنا آخرون قادمون من فكرة أخرى‪ ،‬أو أرض‬ ‫جديدة‪ ،‬أو لون آخر‪ .‬بسبب ذلك‪ ،‬كرهت الرجل الذي ال أعرف حتى اسمه‪،‬‬ ‫رفضت وجوده‪ ،‬هذا شعور مقزز‪ ،‬أن أرفض اآلخرين ألنهم ال يشبهونني‪،‬‬ ‫أحس براحة جد ًا اآلن ألني انتقد نفسي‪ ،‬أشرحها‪ ،‬أحللها‪ ،‬أدعها تعترف‬


‫وتندم‪ ،‬حتى ال تعيد اخلطأ مرة أخرى‪.‬‬ ‫سأدعكم اآلن تتذكرون متى آخر مرة تورطتم في خطأ رفض اآلخرين ألنهم فقط‬ ‫ال يشبهونكم‪:‬‬ ‫أحمد‪ :‬ابن جيراننا سمير‪ ،‬ربى شعر رأسه حتى أصبح يشبه شعر بنت‪ ،‬فلحقته في‬ ‫الشارع وسخرت منه‪ ،‬وصرخت عليه‪ :‬شعر بنات‪ ،‬شعر بنات‪ ،‬فعلت ذلك ألن‬ ‫شعره فقط ال يشبه شعري‪.‬‬ ‫أمين‪ :‬سخرت من ابن خالي القادم من الناصرة ألنه طويل جداً‪ ،‬وطوله ال يتناسب‬ ‫مع عمره‪ ،‬سخرت منه ألن طوله ال يشبه طولي‪.‬‬ ‫معاذ‪ :‬رفضت وجود بنت عمي معي في غرفة واحدة‪ ،‬ألنها بنت وأنا صبي‪،‬‬ ‫رفضت وجودها ألنها تختلف عني‪.‬‬ ‫ضرار‪ :‬شعرت في الصيف املاضي بقلق وضيق لوجود أجانب على شاطئ البحر‬ ‫امليت‪ ،‬ألنهم ال يشبهوننا‪ ،‬يتحدثون لغة أخرى‪ ،‬ويضحكون بطريقة تختلف عن‬ ‫ضحكاتنا‪ ،‬كما أن جلدهم شديد البياض‪ ،‬أنا أكره اليهود جداً‪ ،‬ألنهم يحتلون‬ ‫بالدنا ويقتلون أطفالنا‪ ،‬لكني حني رأيت يهود ًا يقطفون معنا الزيتون‪ ،‬ويحموننا‬ ‫من املستوطنني اليهود أيض ًا استغربت‪ ،‬وشعرت بارتباك وبعدم فهم لألشياء‪.‬‬ ‫طارق‪ :‬لهجة ابن جيراننا تختلف عن لهجتي‪ ،‬فهو من قرية وأنا من قرية أخرى‪،‬‬ ‫أشعر بعدم ارتياح له وهو يتحدث‪ ،‬أفضل لهجة أهل قريتي‪ ،‬واآلن أشعر بخجل‬ ‫من ذلك‪.‬‬ ‫شكرت طالبي على صراحتهم‪ ،‬قلت لهم‪ :‬املشكلة ليست في اخلطأ‪ ،‬فاألخطاء‬ ‫مطلوبة‪ ،‬وهي نضرة وشرعية‪ ،‬وتقودنا إلى احلقائق دائماً‪ ،‬املشكلة ‪-‬بل الكارثة‪-‬‬ ‫هي في اعتقادنا أننا لم نخطئ‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫وهل هناك يا أستاذ أشخاص يحبون اآلخرين ويحترمونهم وال يقعون في أخطاء‬ ‫الرفض واإلقصاء؟ هل هناك شخص كامل في هذا الشعور؟‬


‫طبع ًا ال‪ ،‬أبداً‪ ،‬كلنا معرضون لهذا الشعور‪ ،‬ألننا ‪-‬كما قلت لكم‪ -‬تربينا على قيم‬ ‫وعادات ترفض الغريب‪ ،‬ومتجد احمللي والوطني متجيد ًا عنصرياً‪.‬‬ ‫وهل هذا معناه يا أستاذ أن ال نرفض االحتالل ألنه غريب ومختلف؟ هل يجب أن‬ ‫نحترمه وال نرفضه؟ سأل مجيد‪.‬‬ ‫ال ‪ ...‬ال‪ ،‬إياكم أن تخلطوا بني املوضوعني‪ ،‬هذا موضوع مختلف‪ ،‬االحتالل‬ ‫ٍ‬ ‫ومؤذ‪ .‬قلت لكم سابق ًا‬ ‫شيء آخر يا أصدقائي‪ ،‬االحتالل فعل همجي وعنصري‬ ‫إنه إذا كان املختلف عنا مؤذي ًا وضار ًا للحياة‪ ،‬فعلينا أن نرفضه‪ ،‬فحريته تنتهي إذا‬ ‫كانت تعني ضرر ًا للحياة والبشر‪ ،‬ما دام املختلف عني طيب ًا وإنسان ًا ومسامل ًا وغير‬ ‫ٍ‬ ‫مؤذ فال مشكلة في جتاوره معي‪ .‬إذن‪ ،‬ال مشكلة بيننا وبني املختلف اإلنساني غير‬ ‫املؤذي‪ .‬قد يؤذيني شبيهي‪ ،‬أيضاً‪ ،‬وهنا أرى أنني يجب أن أرفضه وأقصيه‪ ،‬ففعل‬ ‫الرفض عند اإليذاء مطلوب وضروري‪.‬‬ ‫يعني لو آذاك الرجل الغريب راكب الدراجة كنت رفضته وكرهته صح أستاذ؟‬ ‫طبع ًا صح‪ ،‬أرفضه ليس ألنه غريب‪ ،‬بل ألنه آذاني وأضر مبصاحلي كإنسان‪.‬‬ ‫انظروا إلى هذين الصندوقني‪ ،‬كان هناك صندوقان خشبيان‪ ،‬مملوءان بالتراب‪ ،‬في‬ ‫أحدهما زرعت ست وردات من شقائق النعمان‪ ،‬واآلخر زرعت فيه أنواع مختلفة‬ ‫من الورود؛ ياسمني‪ ،‬نرجس‪ ،‬جدل احلمام‪ ،‬جوري‪ ،‬قرن الغزال‪ ،‬قرنفل‪،‬‬ ‫فل‪.‬‬ ‫طلبت منهم أن يتأملوا الصندوقني‪ ،‬ويحكوا لي عما يفضلونه جمالياً‪.‬‬ ‫تأمل الطالب الصندوقني وكتبوا لي انطباعاتهم عنهما‪:‬‬ ‫مصعب‪ :‬أحب صندوق الورود املتعددة‪ ،‬ألنه منحني إحساس ًا بالتنوع‬ ‫واالختالف‪.‬‬ ‫‪98‬‬

‫أمين‪ :‬أحببت التنوع في الورد ألنه أعطاني شعور ًا بالتنقل‪ ،‬وبالتالي عدم امللل‪.‬‬


‫جميل‪ :‬أحببت وردة شقائق النعمان‪ ،‬حتى ولو كانت مكررة‪ ،‬ألنها تذكرني بالدم‬ ‫الفلسطيني واحلزن الفلسطيني‪.‬‬ ‫سفيان‪ :‬أحببت صندوق الورد املتنوع‪ ،‬ألنه يشبه احلياة فهي متنوعة‪.‬‬ ‫نادر‪ :‬أحببت الزهرات املتنوعة ألنها تعطيني حكايات متنوعة؛ كل زهرة لديها‬ ‫حكاية‪.‬‬ ‫وماذا عنك يا أستاذ؟ أيهما تفضل؟ وملاذا؟ سأل نعيم‪.‬‬ ‫سأقول لكم انطباعي‪ :‬أنا أؤمن دائم ًا أن االختالف هو سمة احلياة وقانونها ولغزها‬ ‫ومتعتها‪ ،‬لكن تربيتنا الظاملة حجبت عنا طبيعتنا‪ ،‬وحرفت مسارها باجتاه مرضي‬ ‫هو حب التشابه‪ ،‬ورفض اآلخر‪ ،‬وكره التنوع‪ ،‬والغريب أننا نعرف أن احلياة لم‬ ‫تكن لتكون لوال وجود حواء وآدم‪ ،‬تخيلوا لو هبط آدم وحده‪ ،‬هل كان سيكون‬ ‫هناك أرض وحياة‪ .‬إن أساس احلياة ومبتدأها وصرختها األولى هو االختالف‪،‬‬ ‫فلنختلف عن بعضنا البعض‪ ،‬ونحب اختالفنا‪ ،‬ألنه احلياة نفسها‪.‬‬ ‫تفضل الفرنسي أم‬ ‫ وماذا عن إحساسنا الوطني يا أستاذ؟ بالنسبة إليك من ّ‬‫الفلسطيني؟‬ ‫ أنا فلسطيني‪ ،‬أنتمي إلى فلسطني وطني ًا وتاريخياً‪ ،‬وإنسان أيض ًا أنتمي إلى‬‫اإلنسانية‪ ،‬أحب فلسطني وأحب العالم‪ ،‬وليس هناك تناقض بني فلسطينيتي‬ ‫وإنسانيتي أبداً‪ ،‬يجمعني مع الفلسطيني األرض والتاريخ واجلغرافيا واللغة‪،‬‬ ‫ويجمعني مع الفرنسي أو اإليطالي أو البرتغالي كوننا ننتمي إلى كوكب األرض‪،‬‬ ‫وكوننا بشر ًا نحمل األحالم نفسها بالرخاء والسالم واحلب والتطور‪ ،‬إذن ال‬ ‫تناقض هنا‪.‬‬ ‫‪ -‬وماذا عن الدين يا أستاذ‪ ،‬أنت مسلم والفرنسي كافر؟‬

‫‪99‬‬

‫ الفرنسي أو ً‬‫ال ليس بكافر‪ ،‬من الذي قرر أنه كافر؟ له دينه ولي ديني‪ ،‬أحترم دينه‬ ‫ويحترم ديني‪ ،‬ثم إن األديان جوهرها واحد‪ :‬احلب والسالم‪.‬‬


‫ شكر ًا لكم‪ ،‬أريد منكم اآلن أن تذكروا لي مشاهد أو حاالت أو مواقف من احلياة‬‫املدرسية‪ ،‬تشعر فيها ومعها بامللل والفراغ والضيق ألنها غير متنوعة ومكررة‪:‬‬ ‫عدنان‪ :‬أكره النشيد الوطني يا أستاذ‪ ،‬إنه ممل ومكرر وال أشعر معه بانفعال أبداً‪.‬‬ ‫خالد‪ :‬أكره حصص الرياضيات‪ ،‬ال تنوع فيها أبداً‪ ،‬أرقام ‪ ...‬أرقام‪.‬‬ ‫راضي‪ :‬أكره الزي املوحد‪ ،‬أشعر به ثقي ً‬ ‫ال ومعتماً‪.‬‬ ‫عمر‪ :‬أكره “البربيش” في أيادي املدرسني‪ ،‬كم أحب لو يحملوا ورد ًا أو‬ ‫مشاعل‪.‬‬ ‫فادي‪ :‬أكره طريقة املدرسني في التدريس‪ ،‬إنها واحدة ومملة وغير متنوعة‪.‬‬ ‫نضال‪ :‬أكره شكل الصف وشكل املقاعد وترتيبها‪ ،‬كم أحب أن تتنوع جلساتنا‬ ‫وجنلس كل مرة بطريقة مختلفة‪.‬‬ ‫ تفكيركم يعجبني ‪-‬قلت لهم‪ -‬أريد منكم غد ًا أن تقترحوا طرق ًا غريبة وصاعقة‬‫لتغيير منط الصف‪ .‬أريدكم أن حتضروا معكم خامات التغيير وال تكترثوا‬ ‫الستياءات املدرسني واملدير واستغراباتهم القادمة‪.‬‬ ‫في الصباح‪ ،‬عند احلصة األولى‪ ،‬فوجئ مدرس اجلغرافيا بشجرتي سرو مزروعتني‬ ‫في أرض الصف‪ ،‬في تربة بالطتني مت خلعهما من األرض‪ ،‬خرج املدرس مرغي ًا‬ ‫مزبداً‪ ،‬حضر املدير‪ ،‬ضحك الطالب طويالً‪ .‬في اليوم الثاني‪ ،‬أحضر طالب‬ ‫قفص عصافير‪ ،‬وأثناء حصة الرياضيات‪ ،‬فتح القفص وأطلق سراح العصافير‪،‬‬ ‫هجمت اإلدارة وحققت في هذه املفاجأة‪ ،‬كالعادة لم يعترف أحد‪.‬‬ ‫‪ -‬العصافير دخلت وخرجت وحدها يا مدير‪ ،‬قال أحد الطالب‪.‬‬

‫‪100‬‬

‫في الصباح الثالث فوجئ مدرس اإلجنليزي‪ ،‬بترتيب آخر للمقاعد‪ ،‬احتج وهدد‬ ‫مبعاقبة الفاعلني‪.‬‬


‫ ملاذا يا أستاذ؟ دعنا منارس التغيير لقد مللنا من الشكل القدمي لترتيب املقاعد‪.‬‬‫ أنا متعود على النمط القدمي‪ ،‬اهدأوا وأعيدوا النظام السابق إلى عهده‪ .‬قال‬‫مدرس اإلجنليزي‪.‬‬ ‫الصباح الرابع‪ :‬كانت فيروز تصدح في املدرسة “في قهوة عاملفرق” أمام ذهول‬ ‫الطالب الراقص وتصفيقهم احلار‪ ،‬وجوههم كانت تضج باحليوية وعيونهم متتلئ‬ ‫باحلياة‪.‬‬ ‫ أليس هذا املطلوب؟ أن نبعث احليوية والطاقة في جسد الطالب وروحه قبل‬‫الدخول إلى عالم التلقني القاتل؟ قلت للمدير‪.‬‬ ‫ وماذا عن التربية‪ ،‬أنا أعمل وفق شروطهم‪ ،‬وال يهمني من أفضل ومن أنسب‪،‬‬‫أجابني املدير‪.‬‬ ‫الصباح اخلامس كانت صخرة كبيرة تتربع حتت اللوح مباشرة‪ ،‬صخرة مبلولة‪،‬‬ ‫مخلوعة من األرض للتو‪.‬‬ ‫صعق مدرس العربي وصاح إلهي! صخرة في صف؟!‬ ‫قال طالب لصديقه‪ :‬أول مرة بشوف أستاذ العربي مصعوق ومندهش‪ ،‬أول مرة‬ ‫ومضاء باألسئلة والبحث‪.‬‬ ‫بشوف وجهه زاخر بالقلق ُ‬

‫‪101‬‬


‫ُط َّ‬ ‫املدرسة‬ ‫البِي‬ ‫ون يحت ّلون َ‬ ‫االنتحار ُّي َ‬ ‫َ‬

‫‪103‬‬


‫ُط َّ‬ ‫املدرسة‬ ‫البِي‬ ‫ون يحت ّلون َ‬ ‫االنتحار ُّي َ‬ ‫َ‬ ‫كان األمر مفاجئ ًا بالنسبة لي‪ ،‬إذ لم أكن أتوقع أن تسبب تربيتي اخلاصة واملختلفة‬ ‫ألذهان طالبي إلى اجنرافات متهورة وغريبة كهذه‪ .‬لم أكن أشعر برضا تام‪ ،‬في‬ ‫الوقت نفسه لم أكن أشعر برفض تام أيضاً‪ .‬كنت محتار ًا وأتخبط في تلك املنطقة‬ ‫أدرب طالبي على رفض اخلضوع للقوانني التي‬ ‫الواقعة بني الرغبة واخلوف‪ ،‬كنت ّ‬ ‫تكسر الروح وتشل الطاقة الداخلية‪ ،‬لم أكن متأكد ًا أن اقتراحهم املجنون اجلديد‬ ‫الذي وضعوه أمامي هذا الصباح يصب في اجتاه رفض اخلضوع أم ال؟ إذ ماذا يعني‬ ‫احتالل املدرسة من قبل الطالب واعتقال املدرسني واملدير واآلذن وعمال الكافتيريا‬ ‫في غرفهم؟ هل يصب هذا اجلنون في مصلحة طاقة الطالب ومحاربة األنظمة‬ ‫التعليمية التي تقهر األحاسيس؟ طلبت من أحمد وصهيب وخالد ومحمود وأمير‬ ‫وهم أعضاء الهيئة اإلدارية لنادي األدباء أن يتركوني وحدي في املكتبة ُأفكر في‬ ‫اقتراحهم‪ .‬تأملت اخلطة املكتوبة التي كتبها الطالب جيداً‪ ،‬رحت أناقش املسألة‬ ‫بشكل موضوعي محايد‪ ،‬فوجدت أنها متهورة‪ ،‬وقد تؤذي طاقة الطالب بد ً‬ ‫ال من‬ ‫تنميتها‪ .‬لكني سرعان ما استبدلت (موضوعيتي) و(حياديتي) برؤيتي اخلاصة‬ ‫لألشياء‪ ،‬فوجدت أنها خطة رائعة وطريفة‪ ،‬تعلم الطالب التخطيط واملبادرة‬ ‫ورفض األوامر املتعفنة واملريضة‪ ،‬ومناقشة الوصايا قبل تنفيذها‪ .‬وحلظة بعد‬ ‫حلظة‪ ،‬أقنعت نفسي أن املوضوعية واحليادية اللتني حتججت بهما لرفض اخلطة ما‬ ‫هما إال قناع خلوفي من فقدان وظيفتي التي اعتاش منها‪ ،‬فأنا في النهاية موظف‪-‬‬ ‫عبد‪ ،‬أنفذ ما أتلقاه من وصايا وكتب وتقارير ومناهج‪ ،‬وإذا أردت أن أرفض كوني‬ ‫ذلك فهذا معناه أن أكون في الشارع عاط ً‬ ‫ال عن العمل والتأثير والفاعلية واملتعة‬ ‫أيضاً‪.‬‬

‫‪105‬‬

‫وفجأة! سمعت داخلي صوت ًا آخر‪ ،‬عنيف ًا وغاضباً‪ ،‬يتهمني باجلنب وعدم االنسجام‬ ‫ومر‬ ‫مع الذات‪ ،‬والثرثرة املجانية‪ ،‬والصوتية‪ ،‬فدب ذعر غريب في مفاصلي‪ّ ،‬‬ ‫أمامي شريط احلوارات التي أجراها معي صحافيون حول عالقة نصوصي القصصية‬ ‫بحياتي الشخصية‪ ،‬كنت أجيبهم بلذة‪ :‬أنا نصوصي‪ ،‬ونصوصي أنا‪ ،‬تذكرت ما‬ ‫كنت أقول لطالبي حول ضرورة أن يكون اإلنسان منسجم ًا مع نفسه‪ ،‬ال أن يقول‬ ‫عكس ما يفعل‪ ،‬رأيت نفسي أنهض‪ ،‬أزيح الستائر عن شبابيك املكتبة‪ ،‬فتشتعل‬ ‫أشياء املكتبة بنور الشمس الشتائية الدافئة‪ ،‬ناديت طالبي املجانني‪ .‬أبلغتهم‬ ‫موافقتي وبحماسي‪ .‬ابتسم الطالب‪ ،‬عانقوني فشعرت أن الله نفسه يبتسم‬


‫ويعانقني‪ ،‬باشرنا في اخلطة‪ .‬كان املطلوب هو احتالل املدرسة كلها في ظرف‬ ‫نصف ساعة‪ .‬كان هناك اجتماع في غرفة املعلمني يضم املدير والسكرتير ونائب‬ ‫املدير واآلذن والفرصة كانت سانحة إلغالق الغرفة‪ ،‬عند الساعة العاشرة والثلث‬ ‫خرج الطالب إلى االستراحة‪ ،‬كان عدد طالب املدرسة يزيد على الستمائة‪،‬‬ ‫املشاركون في االنقالب هم عشرة فقط‪ ،‬مت إغالق الغرفة باملفتاح‪ ،‬تقدم أحمد من‬ ‫ميكروفون املدرسة‪ ،‬راح يتلو على الطالب بيان االنقالب‪:‬‬ ‫أيها األعزاء‪ ،‬يا زمالئي‪ ،‬نعلن أمامكم سيطرتنا التامة على مرافق املدرسة‪ ،‬سندير‬ ‫املدرسة هذا اليوم كما نشتهي‪ ،‬املعلمون واملدير ونائبه واآلذن والسكرتير معتقلون‬ ‫باحترام شديد في غرفة املعلمني‪.‬‬ ‫كان املدير يصيح ويهدد‪ ،‬واملعلمون ذهلوا من سلوك كهذا‪ ،‬لزموا الصمت‪ ،‬بعضهم‬ ‫كان يضحك‪ ،‬قطع الطالب االنتحاريون (قادة االنقالب) هاتف املدرسة‪.‬‬ ‫ بإمكانك يا أستاذ زياد أن تفعل ما تشاء‪ ،‬أن تراقب ما نفعل أو أن جتلس في غرفة‬‫اإلدارة أو أن تغادر املدرسة قال لي خالد أحد االنقالبيني‪.‬‬ ‫قلت له‪ :‬إنني سأراقب ما يحدث ولن أتدخل أبداً‪.‬‬ ‫دس صهيب رسالة من حتت الباب موجهة للمدير واملعلمني والسكرتير والنائب‬ ‫واآلذن‪ .‬ملخصها “نحن نعتذر عن هذا األسلوب في املطالبة باحلقوق‪ ،‬لكننا‬ ‫مضطرون إلى ذلك بحكم استهتار اإلدارة بنا وتعاملها معنا وكأننا أطفال سذّ ج‪،‬‬ ‫لذلك أرجو أن تتحملوا هذا اجلنون الذي لن يستمر سوى ليوم واحد فقط‪ ،‬رد‬ ‫املدير على الرسالة بالصباح مهدد ًا ومتوعد ًا بعقوبات شديدة‪.‬‬

‫‪106‬‬

‫جلست أنا في غرفة اإلدارة أراقب ما يفعل االنتحاريون الرائعون الذين هم نتاج‬ ‫أسلوبي اخلطير معهم في زرع داء املغامرة اجلميل وحس االنقالب على األشياء‬ ‫التي فقدت ضياءها وفائدتها وشرعيتها ومستقبلها‪ .‬طلب أحمد من الطالب جمع‬ ‫(برابيج) املعلمني التي يضربون بها الطالب‪ ،‬جمع الطالب األربعة عشر البرابيج‪،‬‬ ‫كومها أحمد بعضها فوق بعض‪ ،‬أشعل فيها النيران في رواق املدرسة الرئيسي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫صاح محمود‪ :‬هيا نرقص حول ال ّنار ابتهاجاً‪ .‬رقص الطالب وصاحوا بأعلى‬ ‫أصواتهم إلى اجلحيم‪ :‬أيها العنف إلى اجلحيم‪ ،‬أيها األذى‪ .‬أصابتني قشعريرة‬


‫لذيذة‪ ،‬وتذكرت العرائض التي تقدم بها الطالب لإلدارة مطالبني فيها بإلغاء عقوبة‬ ‫الضرب (بالبربيج)‪ .‬إلى اخلطوة التالية‪ ،‬صاح أحمد‪ ،‬ركض الطالب اخلمسة‬ ‫عشر (وهم من صفوف مختلفة) باجتاه الصفوف الفارغة من الطالب‪ ،‬وهناك‬ ‫سمعت أصوات حتطيم‪ ،‬ركضت باجتاه الصوت فإذا باالنتحاريني يفصلون بفأس‬ ‫املقعد الذي يجلس عليه طالبان إلى مقعدين متجاورين‪.‬‬ ‫قال لي رمزي‪ .‬ألم تعلمنا االحتفاء بجسديتنا وفردانيتنا يا أستاذ؟ نحن نطبق‬ ‫تعاليمك‪.‬‬ ‫صاح أمجد‪ :‬ال تلفظ كلمة تعاليم‪ ،‬التعاليم وصايا وحكم وقوانني‪ ،‬ونحن نرفض‬ ‫كل ذلك‪ ،‬أنا أفضل كلمة اقتراحاتك بدل تعاليمك‪.‬‬ ‫ نعم ‪ ..‬نعم‪ ،‬كم أنا فخور بكم أيها االنقالبيون الرائعون! قلت لهم‪.‬‬‫قال مفيد‪ :‬إنه وقت رمي الطباشير هيا‪ ،‬تبعه الطالب‪ ،‬جمعوا الطباشير في سلة‬ ‫كبيرة وألقوا بها من النافذة وهم يصيحون مبتهجني‪ ،‬الطباشير تسبب لنا التشويش‬ ‫الذهني واألذى الصحي أليس كذلك يا أستاذ؟ نعم ‪ ..‬نعم‪ ،‬وقد أبلغت اإلدارة‬ ‫مرار ًا استبدالها بأقالم “فلوماستر” ولكن بال جدوى‪.‬‬

‫‪107‬‬

‫بعد ذلك دخل الطالب صف ًا من الصفوف‪ ،‬وقف سمير وقال‪ :‬سنناقش هذا‬ ‫اليوم قصيدة محمود درويش امللحمية (اجلدارية) وأجمل ما في هذه القصيدة هو‬ ‫أنها غير مقررة في املنهاج بعد نصف ساعة من النقاش بني طالبي الرائعني (وهم‬ ‫باملناسبة من صفوف مختلفة أصغرهم في الصف اخلامس وأكبرهم في الثامن)‬ ‫طلب باسل أن يعطي الطالب محاضرة قصيرة عن حياة أبي ذر الغفاري‪ ،‬أحد‬ ‫الصحابة اجلليلني املنحازين للفقراء والبسطاء‪ ،‬وهكذا أعطى كل طالب ما لديه‬ ‫من خبرات ومعلومات أعد لها جيد ًا في األيام السابقة في الرياضيات‪ ،‬والعلوم‪،‬‬ ‫واللغة اإلجنليزية ‪ ..‬الخ‪ .‬خرج الطالب من الصف هادئني‪ ،‬توجه أحمد نحو‬ ‫غرفة املعلمني‪ ،‬فتح الباب‪ ،‬تدفق سباب املعلمني وصياح املدير كشالل‪ ،‬هرب‬ ‫الطالب إلى املكتبة‪ ،‬فتحت أبواب املدرسة‪ ،‬دخل الطالب إلى الصفوف بينما‬ ‫مشيت أنا إلى املكتبة بهدوء خفيف وسعادة منقطعة النظير‪ .‬هناك أغلقنا باب‬ ‫املكتبة‪ ،‬رحنا نناقش اخلطوة التالية بعد أن سلمني املدير قرار ًا بفصل الطالب‬ ‫وإنذار ًا أخير ًا لي‪.‬‬


‫كنا محاطني بالكتب‪ ،‬جلسنا على األرض على شكل دائرة‪ ،‬الستائر كانت ُمزاحة‪،‬‬ ‫النوافذ مفتوحة الشمس جتلس معنا‪ ،‬وفراشات مختلفة األشكال واأللوان تقتحم‬ ‫املكتبة‪ ،‬تزقزق فوقنا‪ ،‬تطلق أصوات ًا تشبه الغناء‪ ،‬أو الصالة‪ ،‬وهل من فرق؟‬

‫‪108‬‬


‫غيمةٌ حلوةٌ َت ُع ُّ‬ ‫ض َيدي‬

‫‪109‬‬


‫غيمةٌ حلوةٌ َت ُع ُّ‬ ‫ض َيدي‬ ‫تخرب عقولنا بد ً‬ ‫ال من أن تبنيها‪ .‬جمدت أمام أحد طالبي‬ ‫أستاذ زياد‪ :‬أنت ّ‬ ‫في الصف التاسع وهو يلسعني بهذه اجلملة‪ ،‬في آخر العام الدراسي‪ .‬أستاذ‪:‬‬ ‫أنت تشبه شخص ًا يتلذذ في تعذيب الناس‪ ،‬أنت تسيل املاء أمام رجل محبوس لم‬ ‫يشرب املاء منذ أيام كثيرة‪ ،‬ملاذا تفعل ذلك؟ لم ال تتركنا عميان ًا ومظلمني بد ً‬ ‫ال من‬ ‫أن تصدمنا وتخرب أذهاننا وتشيع اإلرباك في مخيالتنا؟ هذا ما قاله لي أخي الذي‬ ‫علمته أنت في العام املاضي‪ ،‬هو اآلن يعاني من أزمة العودة إلى الطريقة املعتادة‬ ‫في اإلحساس باألشياء‪ ،‬أنت ظالم يا أستاذ ظالم‪ ،‬وأهلي مستاؤون منك‪ ،‬وأبي‬ ‫يفكر في تقدمي شكوى ضدك إلى الوزارة‪ ،‬سامحك الله! ال أدري كيف لبيت‬ ‫طلبك وأطللت من الشباك مرة ومددت يدي إلى الغيمة حتى تعضها عضة خفيفة‬ ‫وأشفى من احلزن كيف؟؟ نحن ال ندري أين اخللل؟ هل هو فيك؟ أم في املعلمني‬ ‫اآلخرين؟ بصراحة لم نعد نعرف ‪ ...‬أنت تدعي أنك حداثي ومجدد‪ ،‬لكن ملاذا‬ ‫ال يكون اخللل فيك؟ وما هي احلداثة؟ هل احلداثة أن أكون حديث ًا في نصوصي‬ ‫وقدمي ًا في سلوكي؟‪ ،‬ملاذا ال نكون مثل املدارس األخرى؟ ماذا يعني أن نختلف‬ ‫عنهم؟ أنت علمتنا أن ثمن االختالف مؤلم وصعب وخطير‪ ،‬ال تزعل منا أستاذنا‪،‬‬ ‫الصف الذي علمته العام املاضي والذي هو اآلن في مدرسة أخرى أنت تعتبرها‬ ‫تقليدية يعاني من نتائج حداثتك وجنونك‪ ،‬ماذا يعني أن الشجر ميكن زرعه في‬ ‫الضباب‪ ،‬وأن القمر يتسلل إلى فراشنا ويبكي على وسائدنا‪ ،‬وأن الورد هو شوك‬ ‫نادم أو متزوج حديثاً‪ ،‬وأن العقارب أصلها فراشات مرتدة وخائنة أو مسحورة؟‬ ‫صعقتني كلمات يزن‪ ،‬قلت له متلعثماً‪ :‬لن أجيبك اآلن‪ ،‬سأذهب اآلن إلى البيت‪،‬‬ ‫سأفكر فيما قلته ‪ ..‬ما قلته مهم جد ًا ومثير للنقاش‪.‬‬

‫‪111‬‬

‫أمام النافذة املفتوحة بانتظار غيمة ثقيلة الفم تعض وجهي ألتخلص من شعوري‬ ‫باالختناق‪ ،‬هكذا علمت طالبي أن يفعلوا وهي طريقة اليابانيني القدامى في طرد‬ ‫األسى‪ ،‬لم أفكر كثير ًا فيما قاله يزن بناء على استياء أخيه زيد الذي علمته العام‬ ‫املاضي جماليات تقليب األشياء وتأمل طياتها وتفكيكها‪ ،‬ورفض االنحناء أمام‬ ‫سطوح الظواهر املخادعة‪ ،‬واإلصغاء برهافة إلى الصامت والعميق واملخبوء من‬ ‫مفردات العالم‪ .‬منذ اللحظة األولى فهمت أن هناك بالفعل أزمة‪ ،‬والغريب أني‬ ‫لم أفكر فيما قاله يزن من قبل‪ ،‬كنت أعتقد أن مجرد زرع بذرة اجلنون في أذهانهم‬


‫كفيل بأن يجعلهم ينمون في جو حداثي حواري دميقراطي‪ ،‬صحي‪ ،‬نقي‪...‬‬ ‫وأنهم سوف يجرفون في طريقهم كل ما يعطّ ل تذوقهم التلقائي والطفولي‬ ‫والغرائبي للحياة‪ .‬لم أفكر في عنف ورخاوة وبالدة ما ينتظرهم في الصف العاشر‬ ‫في املدرسة األخرى التي سينتقلون إليها‪ ،‬لم أفكر في أن الصخرة املتربة التي‬ ‫حملتها قبل أسبوعني تقريب ًا مبساعدة خمسة طالب ضخام اجلثث من اجلبل املجاور‬ ‫ووضعناها على طاولة الصف وزيناها بالشموع‪ ،‬خلفية أو مقدمة لدرس الكتابة‪،‬‬ ‫ستشكل ذكرى حزينة محبطة للطالب حني يستمر مشهد الصف بتكراريته القاتلة‬ ‫وأشيائه الثابتة كما هو طوال عام كامل قادم‪ ،‬لم أفكر في أن األساتذة اآلخرين في‬ ‫املدرسة األخرى سوف يتهمونني باخلرف والهرم واالدعاء‪ ،‬حني يسألهم طالبي‬ ‫ملاذا ال نقرأ سأم الريح الليلي اخلريفي اخلفيف ونتحسس قفا املدينة صباحاً‪ ،‬ونحاكم‬ ‫أكاذيب الصيف‪ ،‬ونلبس وجوه الشجر واملوت والبرد‪ ،‬ونرسم لون اخلطيئة‪ ،‬كما‬ ‫كنا نفعل في املدرسة السابقة؟‬ ‫سوف أعترف اآلن أن الطريق الغريب الذي شققته لروح طالبي ومشاعرهم‬ ‫كان محاولة شخصية مني‪ ،‬كي أهرب من الوحش الذي يسكن املدرسة دون أن‬ ‫يغادرها حلظة واحدة‪ ،‬هو التكرار‪ ،‬هو إبحار جماعي إذن لهروب كبير من طوفان‬ ‫التكرار والثبات الذي ال يتوقف عن الفيضان هناك في البنايات املسورة بإحكام‪،‬‬ ‫ال شيء يتغير‪ ،‬كل أعوام الدراسة تشبه نفسها‪ ،‬املدرسة التي تعلم فيها أبي هي‬ ‫نفسها التي تعلمت فيها أنا‪ ،‬هي ذاتها التي يتعلم فيها طالبي‪ .‬املعلمون الذين‬ ‫كانوا زمالء ألبي هم أنفسهم زمالئي اآلن‪ .‬أنا رفضت أن أكون منهم‪ ،‬لذلك أنا‬ ‫في نظرهم غير طبيعي‪ ،‬مريب ومخيف‪ ،‬األسوار نفسها العالية والكاحلة التي حتيط‬ ‫بامللعب‪ ،‬الطباشير نفسها يعاد تدويرها من غبار الطباشير القدمية‪ ،‬كل شيء هنا‬ ‫يتم تدويره‪ :‬املنهاج‪ ،‬السبورات‪ ،‬الدفاتر‪ ،‬املقاعد‪ ،‬الكتب‪ ،‬الغرف‪ ،‬األقالم‪،‬‬ ‫فضاءات النصوص والدروس املقررة في املنهاج هي هي حتى لو اختلفت أسماء‬ ‫مؤلفي املنهاج‪ ،‬حيث ال أسئلة وال نبش وتقليب ومساءلة لتربة النصوص وأوجهها‬ ‫اخلفية‪ ،‬وال حتريض على حوار أو اقتحام ملناطق جديدة في التفكير والشعور‪ ،‬أو‬ ‫استفزاز جلدل‪ .‬ما زال الطالب في بالدنا ميزقون دفاترهم وكتبهم ابتهاج ًا بنهاية‬ ‫العام‪ .‬أنا مزقتها وأساتذتي مزقوها قبلي‪ ،‬وطالبي ميزقونها اآلن‪ ،‬وطالب طالبي‬ ‫سيمزقونها الحقا‪ .‬اإلذعان والثبات واخلوف‪ ،‬هذه هي عناوين احلياة املدرسية في‬ ‫بالدنا‪ .‬كيف ال أهرب إلى احللم ألحافظ على صحة عقلي؟ كيف؟‬ ‫‪112‬‬

‫حبيبي يزن‪ :‬أعترف لك متام ًا بوجود أزمة كبيرة ستنتج عن الصدام بني الطعم‬


‫السدميي لألشياء الذي دربتكم عليه وبني الطعم احلامض‪ ،‬القدمي اجلديد الذي‬ ‫حاولت أن أخلصكم منه‪ ،‬سيكون هناك صراع بني احلموضة والسدمي‪ .‬أنت‬ ‫تعتقد أن احلموضة ستنتصر بحكم طول فترة الدراسة القادمة في مدارس تقليدية‬ ‫جداً‪ ،‬وبحكم قصر فترة احلياة احللمية التي عشناها معاً‪ ،‬هل أعتذر لك؟ هل‬ ‫أبدي لك عجزي عن التفكير؟ ال ‪ ..‬ال يا صديقي الصغير‪ ،‬لن أعتذر‪ ،‬ألنني‬ ‫ببساطة ال أستطيع أن أستسلم للوحش‪ ،‬ليس ذنبي أن عاملنا ٍ‬ ‫قاس جد ًا ومراوغ وال‬ ‫يكترث بأحاسيس اآلخرين النيرة والصادقة‪ .‬إن القدر وضعني أمامكم‪ ،‬ال بديل‬ ‫لي عنكم‪ ،‬ال أخفي استمتاعي معكم في كل حصص محاصرة بقطع الروث التي‬ ‫تتساقط علينا من فتحات السقف وتتسرب من النوافذ ومن حتت الباب‪ ،‬وال أخفي‬ ‫في الوقت ذاته تعبي‪ ،‬نعم أنا تعب جد ًا جد ًا من هذه املهنة التي خفضت من مستوى‬ ‫ذكائي‪ ،‬صحيح أني هزمت الوحش‪ ،‬لكني تعبت من ردعه‪ ،‬هو ال يتوقف عن‬ ‫مهاجمتي والتربص بي‪.‬‬ ‫اطمئن صديقي الصغير‪ ،‬فالروح السدميية املبدعة إن دخلت كيان ًا أو حواس إنسان‬ ‫فصعب أن تتركه‪ ،‬لن يهزموك‪ ،‬وسوف حتلم بضوء الصخرة الغريبة في الصف كل‬ ‫يوم‪ ،‬أما الشموع فسوف تبدد لك رائحة الصفوف اخلانقة وتهديك أجمل الروائح‬ ‫وأصفاها‪.‬‬ ‫الغيوم احللوة ستظل تدق نافذتك يا يزن لتتعرض يدك لعضها الندي‪ ،‬ولن متل‬ ‫العقارب من مالحقتك في صورتها األولى وحقيقتها املؤكدة ‪ ..‬الفراشات‬ ‫املسحورة‪ .‬ولن يتركك الورد وهو يومئ إليك من بعيد‪ ،‬مذكر ًا إياك بأنه شوك‬ ‫نادم‪ ...‬لن يهزموك يا صديقي الصغير لن يهزموك!‬

‫‪113‬‬


‫ار َها‬ ‫ْ‬ ‫شج َ‬ ‫كانت تُ َح ِّدثُ أَ َ‬

‫‪115‬‬


‫ار َها‬ ‫ْ‬ ‫شج َ‬ ‫كانت تُ َح ِّدثُ أَ َ‬ ‫أثمة عالقة بني املرأة والشجرة؟ طلبت من تالميذي مرة أن يرسموا امرأة‪ ،‬فرسم‬ ‫أحدهم شجرة‪ ،‬آخرون رسموا ضباب ًا وبحر ًا وساح ً‬ ‫ال ومطر ًا وباباً‪ ،‬لم تهزني في‬ ‫رسوماتهم سوى الشجرة – لكني لم أعرف في حينها ملاذا طلبت من تالميذي‬ ‫أن يحولوا رسوماتهم إلى جمل أو نصوص قصيرة‪ ،‬بينما غرقت أنا في صورة‬ ‫الشجرة بحث ًا عن امرأتي فيها‪ ،‬أو بحث ًا عني وعن أشياء مبعثرة أحسها وال أستطيع‬ ‫أن أحددها أو أقبض على أجزائها‪.‬‬ ‫سالم‪ :‬هي كائن مثل الضباب غريب ينقشع بسرعة ولكنه يجدد غموضه بسرعة‬ ‫أيضاً‪.‬‬ ‫حسام‪ :‬مثل البحر هي عميقة وواسعة‪ ،‬قد يغرق فيها الرجال وقد ينجون وقد‬ ‫يبقون معلقني ما بني النجاة والغرق‪.‬‬ ‫أمين‪ :‬مخلوق يشبه السواحل‪ ،‬ترتاح فيه السفن أو تستعد لسفر بعيد‪.‬‬ ‫عادل‪ :‬إنسان يشبه الباب حني نفتحه قد نرى اجلنة أو النار‪ ،‬وقد نرى أبوب ًا أخرى‪،‬‬ ‫فتمشي حياتنا في فتح األبواب والبحث خلفها‪.‬‬ ‫أحمد‪ :‬كم تشبه الشجرة هذه املرأة وال أعرف ملاذا وكيف؟‬ ‫انتهت احلصة‪ ،‬انتهى اليوم الدراسي‪ ،‬انتهى العام الدراسي‪ ،‬ذهب الطالب إلى‬ ‫متزقاتي‬ ‫عطلة األذهان‪ ،‬سكنت السبورة‪ ،‬هدأت مقاعد الصفوف‪ ،‬ذهبت أنا إلى ّ‬ ‫واضطرابات قراراتي‪ :‬هل سأعود إلى مهنة التعليم العام القادم؟‬

‫‪117‬‬

‫وجدت نفسي أعود إلى دنيا الرتابة املسكونة بصورة املرأة – الشجرة‪ .‬نسيت‬ ‫متاعب املهنة من سياط اجلرس إلى ألم تكرار األيام الدراسية‪ ،‬كان أحمد يهاتفني‬ ‫طوال أيام العطلة‪ ،‬يسألني سؤا ً‬ ‫ال واحداً‪ :‬هل فككت لغز العالقة يا أستاذ؟ يطول‬ ‫صمتي على الهاتف‪ ،‬فيغلق أحمد السماعة كأنه يعتذر عن إرباكي‪ .‬على جدران‬ ‫سور املدرسة العالي فوجئت بأربع شجرات مرسومة بتأن بالغ‪ ،‬على جذوعها‬


‫وجوه أربع نساء‪ ،‬في الصف كان أحمد يبتسم بهدوء وهو يقول لي‪“ :‬أحببت أن‬ ‫أشرك طالب املدرسة الستمائة في البحث عن لغز العالقة”‪.‬‬ ‫البيت القدمي وهو متهالك‪ ،‬بعيد عن املدينة وقريب في آن‪ ،‬شجر كثير حوله‬ ‫وكالب‪ ،‬يا إلهي ماذا تفعل الكالب حول هذا البيت؟ تسكنه امرأة عجوز مجنونة‪.‬‬ ‫الضوء ال يعرف هذا البيت‪ .‬النوافذ مغلقة دائم ًا وبإصرار‪ .‬املرأة العجوز التي ال‬ ‫يعرف اسمها وحكاياتها أحد‪ ،‬ال تخرج من البيت إال بعد منتصف الليل‪ ،‬تطلق‬ ‫الصيحات الغامضة وحتدث أشجارها‪ .‬الكالب تخرج من هدوئها وتطلق هي‬ ‫األخرى نباحها املتواصل‪ .‬تصحو احلارة‪ ،‬تتأفف النساء‪ ،‬يغضب الرجال‪ ،‬يخاف‬ ‫األطفال‪ ،‬لكن أحد ًا لم يجرؤ بعد على االقتراب من البيت القدمي املعتم واملرأة‬ ‫املجنونة والكالب‪.‬‬ ‫ ما عالقة هذه القصة مبوضوع املرأة – الشجرة يا أستاذ؟‬‫ ماذا تقول املرأة العجوز املجنونة للشجر؟‬‫ هل هو مفتاح لغزنا‪ ،‬لو أننا سمعنا بوضوح الكلمات‪ ،‬القتربنا من احلل‪ .‬لكن‬‫أحد ًا ال يستطيع أن يقترب ليسمع الكلمات الهامسة‪ ،‬فدائم ًا الطريق إلى اللغز‬ ‫محفوفة باخلطر‪.‬‬ ‫ هل أنت متأكد أن هناك شجر ًا كثير ًا حول البيت القدمي يا أستاذ؟ سألني طالب‬‫مبتسم دربته على فن الربط بني األشياء وتبديل املواقع‪.‬‬ ‫ هل أنت متأكد أن هناك امرأة مجنونة وكالب ًا وبيت ًا قدمي ًا يا أستاذ؟ سألني طالب‬‫آخر علمته فن التشكيك في كل احلكايا‪ ،‬ألن ال شيء نهائي ًا ومؤكد ًا في هذا‬ ‫العالم‪.‬‬ ‫طلب الطالب عنوان بيت املرأة العجوز‪ .‬قلت لهم حني تعرفون تفاصيل الكالم‬ ‫اخلافت ما بني الشجر واملرأة ستعرفون فور ًا عنوان البيت‪.‬‬ ‫‪118‬‬

‫قال ليث‪ :‬ما دام بعض الطالب وأنا منهم يعتقد أنك ابتكرت حكاية البيت والكالب‬ ‫والشجر والعجوز‪ ،‬فلنقم أيض ًا بابتكار كالم املرأة للشجر وكالم الشجر للمرأة‪.‬‬


‫وافقت على االقتراح دون أن أؤكد أو أنفي حقيقة االبتكار أو حقيقة احلكايا‪.‬‬ ‫سعيد‪ :‬املرأة للشجر‪ :‬ضموني إليكن يا شجراتي‪ ،‬أشعر بالبرد واخلوف‪ ،‬أشعر‬ ‫باملوت يقترب‪ .‬الشجرات تتحرك وتغطي جسد املرأة البارد‪.‬‬ ‫حسن‪ :‬مدت املرأة العجوز يدها املتجعدة‪ ،‬ألصقتها في جذع الشجرة العالية‪،‬‬ ‫حتولت اليد إلى غصن جديد‪ .‬همست الشجرة‪ :‬يا إلهي ما أجمل أن تعود غصوني‬ ‫إلي بعد فقدان سنوات طويلة!‬ ‫علي‪ :‬وضعت املرأة خدها على األرض‪ ،‬حتول فور ًا إلى جذع كبير وصلب‪،‬‬ ‫امتدت جنو اجلذع غصون كثيرة كانت مقصوفة من شجر ميت كثير‪ ،‬أضيفت شجرة‬ ‫جديدة إلى عشرات الشجر حول البيت القدمي‪.‬‬ ‫فتحي‪ :‬قالت شجرة صغيرة للمرأة العجوز‪ :‬ملاذا أنت بعيدة عني يا أمي؟ اقتربي‬ ‫ألعيد لك شبابك وأعيدي لي توازني وروعتي‪.‬‬ ‫أجابت املرأة‪ :‬كم أود ذلك يا ابنتي لكن الكالب تتربص بي‪.‬‬ ‫سهيل‪ :‬اقتربت املرأة العجوز املجنونة من شجرة عالية‪ ،‬وضعت على جذعها‬ ‫بنطا ً‬ ‫حتول اجلذع إلى خصر امرأة‪ ،‬وضعت املرأة العجوز على الغصون‬ ‫ال أزرق‪ّ .‬‬ ‫فتحولت األغصان إلى يدي امرأة ونهديها‪.‬‬ ‫قميص ًا أسود‬ ‫ّ‬ ‫هاشم‪ :‬لم يكن ثمة شجرة وال كالب‪ ،‬وال بيت قدمي‪ ،‬كان محض حلم‪ ،‬صحوت‬ ‫بعده خائفاً‪ ،‬وبحثت عن أمي وأنا ارجتف‪.‬‬ ‫جرافات البلدية البيت القدمي واقتلعت الشجر‪ ،‬هربت الكالب‪.‬‬ ‫خلدون‪ :‬هدمت ّ‬ ‫ماتت املرأة‪ ،‬حتول املكان إلى سوبرماركت كبير‪ ،‬لكن اجليران ما زالوا يسمعون‬ ‫صياح املرأة ونباح الكالب‪.‬‬ ‫ هل عرفتهم اآلن سر املرأة “الشجرة “ يا أصدقائي؟ سألت طالبي‪.‬‬‫‪119‬‬

‫أجاب الطالب بصوت واحد‪ :‬لم نعرف شيئ ًا بعد يا أستاذ‪ .‬انتهت احلصة‪ ،‬انتهى‬


‫اليوم الدراسي‪ ،‬انتهى العام الدراسي‪ .‬تركت مهنة التعليم‪ ،‬مرت سنوات طويلة‪،‬‬ ‫نسيت حكاية البيت والشجرة واملرأة العجوز والكالب‪ ،‬ولم أعد أذكر إن كانت‬ ‫من ابتكارات ذهني لتدريب الطالب على تعلم التخييل والكتابة‪ ،‬أم كانت حكاية‬ ‫حقيقة‪ ،‬استخدمتها ألغراض تعليمية وتربوية‪ .‬أنا اآلن رجل مجنون بال عمل‪،‬‬ ‫هكذا يقول الناس عني‪ ،‬ألنني ببساطة أعتقد أن الشجر نساء وأن النساء شجر‪،‬‬ ‫أتعرض دائم ًا لضرب الناس وتعنيفهم حني يرونني أملس عني امرأة معتقد ًا أنها ثمرة‬ ‫خوخ ناضجة للقطف‪ .‬يا إلهي! أنا مجنون فعالً‪.‬‬

‫‪120‬‬


‫اغ ِ‬ ‫بصو ِتك ‪..‬‬ ‫ْ‬ ‫س ِليني َ‬ ‫بار يف ب ِ‬ ‫ِالدي َك ِثري‬ ‫فَ ُ‬ ‫الغ ُ‬ ‫‪121‬‬


‫بار يف ب ِ‬ ‫اغ ِ‬ ‫ِالدي ك َِثري‬ ‫ْ‬ ‫بصو ِتك ‪ ..‬فَ ُ‬ ‫الغ ُ‬ ‫س ِليني َ‬ ‫ال أدري كيف خطرت لي هذه الفكرة‪ ،‬أنا أيض ًا فوجئت بها تتلبسني‪ ،‬لكنها جاءت‬ ‫ضمن سياق رؤية جديدة بدأت أتعامل وفقها مع أذهان طالبي‪ .‬رؤية خارجة عن‬ ‫القانون وعن السائد واملكرس‪ .‬رؤية مجنونة تعيد صياغة العالم على ضوء شروط‬ ‫جديدة‪ ،‬شروط قوامها اجلمال والتنوع واحلب والرشاقة الذهنية والنضارة الروحية‬ ‫والنفسية‪.‬‬ ‫طيلة حياتي املدرسية‪ ،‬ال أتذكر أنني سمعت من أستاذي كلمة مدح أو ذم‬ ‫للموسيقى‪ ،‬وكأن هذا العالم األثيري الشفاف اإلنساني الذي يسمونه (املوسيقى)‬ ‫ال يستحق التفاتة صغيرة أو تأم ً‬ ‫ال بسيطاً‪ .‬كانت حصص الفن متر في جدول أيام‬ ‫األسبوع فارغة وطويلة ومملة‪ ،‬يطلب منا املدرس أن نرسم أي شيء‪ .‬شجرة‪،‬‬ ‫عربة‪ ،‬جبالً‪ ،‬مطر‪ ،‬أي شيء ‪ ..‬أي شيء‪ .‬وحني نرسم الـ “أي شيء”‪ ،‬ال يتكرم‬ ‫علينا املدرس حتى بنظرة‪ ،‬فيخرج مسرع ًا حني يرن اجلرس‪ ،‬ونقوم نحن بتمزيق‬ ‫رسوماتنا وإلقائها في سلة القمامة‪.‬‬

‫‪123‬‬

‫في املدارس‪ ،‬هنا في بالدنا القاسية التي نحبها‪ ،‬ال يحبون املوسيقى‪ ،‬هل يخافونها‬ ‫ألنها تأخذهم دون أن يشعروا إلى أعماقهم؟! هي سفيرتنا إلينا إذن‪ .‬املوسيقى‬ ‫عالم محير جد ًا ومتعب على الرغم من حريرية ملمسة ونعومته‪ ،‬املوسيقى هي‬ ‫الالمكان والالزمان‪ ،‬هي الضياع البهيج والتشرد األعمى‪ ،‬هي الصيد الصعب‬ ‫في براري الروح وأدغال الوقت العادي‪ .‬في املدارس يحرصون جيد ًا على‬ ‫ترتيب ذهن الطالب وفق أسس راسخة جد ًا قائمة على الطاعة العمياء للوصايا‬ ‫والقيم االجتماعية البالية‪ ،‬وعلى ضرورة النظرة اجلزئية لألشياء‪ ،‬وعلى حترمي‬ ‫اخلوض والتفكير في األحالم التي حلموها ليلة أمس‪ ،‬األحالم والتشتت والشعر‬ ‫واملوسيقى والهذيان‪ ،‬مفاهيم محرمة وخطيرة على ذهن الطالب‪ ،‬املوسيقى هي‬ ‫أخطر هذه املفاهيم ألنها تدرب الذهن على القفز عن أسواره املرسومة له‪ ،‬وحترض‬ ‫الذاكرة على االحتفاظ بالنضير والعميق واحملير واملخبوء واحملظور من املشاعر‬ ‫واألشياء‪ ،‬واملشاهد‪ ،‬املوسيقى تطرد الرضا عن النفس والقناعة الزائفة‪ ،‬ومطلوب‬ ‫من الذهن أن يكون راضي ًا عن قدراته قانع ًا بحدوده‪ ،‬املوسيقى ضد احلدود‪ ،‬ألنها‬ ‫تلغي العداء بني الشعوب باملوسيقى‪ ،‬تذوب الفوارق بني األبيض واألسود‪ ،‬بني‬ ‫الغني والفقير‪ ،‬بني الذكر واألنثى‪ ،‬بني الشرقي والغربي‪ ،‬بني الله واإلنسان‪.‬‬


‫باملوسيقى نشتت جحافل األحقاد بيننا‪ ،‬ونزرع في سمائنا الداخلية عواصف‬ ‫األسئلة‪ .‬املوسيقى حترض على السؤال‪ ،‬ال حتب اإلجابات‪ .‬تقرب اإلنسان‬ ‫من حواسه وطبيعته وبهاء أعماقه األصلية‪ ،‬ومطلوب من الطالب عندنا من قبل‬ ‫صائغي وجداننا وساجني الغابة فينا وقامعي البراءة والعفوية أن يحاربوا حواسهم‪،‬‬ ‫ويفقدوا ذاكرة أعماقهم‪ ،‬ألن احلواس حتض على الرذيلة‪ ،‬وتترك الباب مفتوح ًا‬ ‫على مصراعيه أمام “الفساد واالنحطاط”‪ .‬هم ال يدرون ‪-‬أولئك الذين يخططون‬ ‫ذهن طالبنا ويصيغون وجدان أجيالنا‪ -‬أن الذهن البشري ال ينمو وال يتطور بال‬ ‫حواس‪ ،‬احلواس هي أهم الطرق وأنفذها للوصول إلى املعرفة‪ ،‬الحق ًا تعلمت‬ ‫هذه املفاهيم‪ .‬تدريب على مصافحة النجوم عبر صوت فيروز‪ ،‬اقتربت جد ًا جد ًا‬ ‫من املطلق ‪ ..‬األبدية‪ ،‬على أجنحة صوت فيروز‪ ،‬وهي حتملني إلى الالزمان‪،‬‬ ‫والالشعوب‪ ،‬والالدول‪ ،‬والالقيود‪ ،‬والالحدود‪ ،‬والالفوضى‪ ،‬والالمسافات‪.‬‬ ‫فيروز هي التي علمتني كيف أثق بإنسانيتي واكتشف بكارة أشيائي وحواسي وأمترد‬ ‫على احلدود‪ ،‬سيدة الالتوقف‪ ،‬الالأسوار هي فيروز‪ .‬حني كنت أسمع صوتها‬ ‫وأنا في الصف العاشر (أهدتني بنت في الصف السابع شريط ًا لها) كنت أشعر‬ ‫بزوال هويتي (كعربي وكفلسطيني وكطالب وكالجئ وكذكر) كنت أشعر بهوية‬ ‫واحدة (اإلنسانية) هويتي هي‪ :‬بشريتي بال تعريفات قومية أو ذكورية أو أكادميية‪.‬‬ ‫أذكر أن الدنيا كانت متطر بشدة‪ ،‬الشوارع خالية من الناس والعربات قليلة ومسرعة‪،‬‬ ‫وأنا وحدي عند النافذة أتكئ على الزجاج املبلول‪ ،‬وفيروز خلفي وأمامي وفوقي‬ ‫تغني (رجعت الشتوية) كأنها (فيروز) كانت تغسلني من غبار الواجبات املدرسية‬ ‫الثقيلة‪ ،‬كأنها كانت تخلق عندي سعادة غريبة غامضة (سعادة أني إنسان(‪.‬‬ ‫اإلنسان احملب واملسالم واملكتشف واملندهش‪ .‬إنسان ال يخوض حرب ًا ضد أحد‪،‬‬ ‫ال يؤذي عصفور ًا بل يبتسم ويطير‪ ،‬ويحب‪ .‬أول دهشات حياتي ما زلت أذكرها‬ ‫حني سمعت أغنية فيروز (رجعت الشتوية)‪ ،‬فيروز بهذه األغنية أهدتني ذهن ًا‬ ‫جديد ًا هو ذهن اجلبل العالي‪ ،‬ذهن النسر املتجول‪ ،‬ذهن األفق املتطاول‪.‬‬

‫‪124‬‬

‫اآلن‪ ،‬وأنا أعمل مدرس ًا في إحدى املدارس احلكومية‪ ،‬أشعر أني أحمل مسؤولية‬ ‫أن أربي طالبي على مصادقة النسور‪ ،‬والتحرش باجلبال‪ ،‬واللعب مع األفق‪ ،‬اآلن‬ ‫وأنا أمتهن مهنة التدريس وبد ً‬ ‫ال من التباكي على فساد نظامنا التعليمي والتربوي‪،‬‬ ‫وبد ً‬ ‫ال من التذمر الالمجدي من بالدة املنهاج وغبائه‪ ،‬أجد نفسي متمرد ًا على كل‬


‫شيء‪ :‬على املنهاج‪ ،‬على املفتش‪ ،‬على املدير‪ ،‬على نظام اجللسات في الصفوف‪،‬‬ ‫وحتى على لون الستارة في الصف‪ ،‬وعلى اللوحات املعلقة على جدران الصفوف‪،‬‬ ‫وعلى قسوة مالمح آذن املدرسة‪ ،‬وعلى ضيق ساحة املدرسة‪ ،‬وارتفاع أسوارها‬ ‫املبالغ فيه‪ ،‬وعلى هشاشة طباشير املدرسة‪ ،‬وعلى لون رخام املرحاض‪ ،‬وعلى‬ ‫الرنني املتعجرف للجرس‪ ،‬وعلى حمل املدرسني للعصا‪ ،‬وعلى جتهم مالمح املدير‬ ‫دائماً‪ ،‬وعلى غياب األنثى عن صفوف املدرسة‪ ،‬وعلى طاعة الطالب العمياء‬ ‫لوصايا املدرسني‪.‬‬ ‫فجأة وهكذا كما أنا دائم ًا عصفت برأسي فكرة مجنونة‪ ،‬طلبت من طالبي أن‬ ‫يلحقوا بي‪ ،‬أخذتهم إلى قاعة املكتبة‪ ،‬هناك أغلقت القاعة بإحكام وأشعلت‬ ‫صوت فيروز‪ ،‬طلبت منهم اإلصغاء‪ ،‬فقط اإلصغاء ومحاولة فهم الكلمات‬ ‫ومصاحبة اللحن‪ .‬رأيت التذمر في وجوههم في البداية‪ .‬رأيت االستغراب من‬ ‫فيروز هذه‪ ،‬لتمضي حصة كاملة نسمعها صامتني؟‬ ‫طالبي لم يتعودوا على الصمت‪ ،‬الصمت هو عدو الطالب‪ ،‬وعدو كل من يعيش‬ ‫في هذا الوطن القاتل والقتيل‪ .‬لم يتعودوا اإلصغاء‪ ،‬اإلصغاء في بالدنا هو امللل‬ ‫هو السطح‪ ،‬هو الفراغ‪ ،‬هو الالشيء‪ .‬قلت لهم‪ :‬اإلصغاء أيض ًا موهبة‪ ،‬الثرثرة‬ ‫الفارغة والكالم الكثير هو دمار وخراب‪ ،‬تعرفوا على اإلصغاء‪ ،‬تعرفوا على‬ ‫الصمت‪ ،‬تذمر الطالب ومتلملوا‪ ،‬قلت لهم‪ :‬هناك صوت للصمت‪ ،‬انتبهوا له‬ ‫وادرسوه تأملوه‪ ،‬الصمت ليس الفراغ‪ ،‬كما هو ظاهر‪ ،‬الصمت لغة أخرى ال يتقنها‬ ‫سوى من يريد حلياته أن تتطور وتتعمق‪ ،‬ملن يريد أن يعرف أكثر‪ ،‬الصمت صديق‬ ‫الفراشة والقصيدة والنهر واحللم والظالل والله واحلقيقة والطفولة والبراءة‪.‬‬ ‫شيئ ًا فشيئ ًا أقنعت طالبي جزئي ًا بالتدريب على اإلصغاء والصمت‪.‬‬ ‫اشتعلت القاعة أغاني لفيروز‪ ،‬قلت لهم‪ :‬فكروا في “شادي” الصبي الذي مات‪،‬‬ ‫عيشوا موته‪ ،‬عيشوا حزن فيروز‪ ،‬غنوا حنينها‪ ،‬والبسوا ذاكرتها‪ ،‬راحوا يرسمون‬ ‫مشاهد أخرى حلكاية شادي‪:‬‬ ‫شادي كان صبي ًا خجو ً‬ ‫ال ورقيق ًا وكانت فيروز حتبه‪.‬‬ ‫‪125‬‬

‫شادي لم ميت بل اختفى‪ ،‬سيظهر ذات مساء وستغني فيروز أغنية عودته‪.‬‬


‫شادي كبر وسافر إلى البرازيل وهناك حتول إلى قاطع طرق وفيروز ال تعرف‪.‬‬ ‫وهكذا عشنا مع فيروز أجمل وأبهى اللحظات‪ ،‬طلبت من طالبي أن يكتبوا‬ ‫انطباعاتهم فكانت هذه الكلمات‪:‬‬ ‫الطالب بالل عمر‪ :‬صوت جبل يخرج من قلب حزين ودافئ‪ .‬ومن حنجرة‬ ‫رائعة‪.‬‬ ‫الطالب رام زاهر‪ :‬أسبح وأطفو على بحر جائع‪ ،‬بحر يريد أن يأكل أغنية فيروز‪،‬‬ ‫فيروز نهر يسحبني إلى الغابة‪ ،‬يقتل الظالم ويحطم املوت‪.‬‬ ‫الطالب محمد ناصر‪ :‬أشعر أن قلبي ميتلئ باألشياء املجنونة‪.‬‬ ‫الطالب عمر وماجد‪ :‬أغنياتها جتردني من همومي‪.‬‬ ‫الطالب عمر جناتي‪ :‬تشع نور ًا واختفي بها مع النسيم‪.‬‬ ‫الطالب براء قطيط‪ :‬أشعر بروحي تغتسل بصوتها‪ ،‬أشعر بالنغمات تقتحمني‬ ‫وتعريني‪ ،‬أشعر بطفولتي‪ ،‬أشعر بضوابط عقلي تطير‪ ،‬أشعر باهتزاز مشاعري‪.‬‬ ‫الطالب حجازي فؤاد‪ :‬صوت جميل جد ًا ينطلق من مشاعر محرومة ونبيلة ومن‬ ‫خوف قدمي‪.‬‬ ‫ذهب الطالب إلى صفهم‪ ،‬بقيت وحدي في قاعة املكتبة‪ ،‬وحدي مع فيروز‪ .‬فجأة‬ ‫رأيت فيروز تتسلل من صوتها‪ ،‬متسك بيدي وتهمس‪ :‬هل أنت جاهز للطيران؟!‬

‫‪126‬‬

‫سمعتني أجيب همساً‪ :‬نعم أنا جاهز‪ .‬نشرت فيروز أجنحتها‪ :‬ال أدري أين أنا‬ ‫اآلن؟! املكان بال مواصفات‪ ،‬غامض وسائل‪ ،‬ال أدري كم هي الساعة‪ ،‬هنا ال‬ ‫زمن‪ ،‬ال صبح ال مساء ال ليل‪ ،‬ال نهار‪ ،‬ال شيخوخة‪ ،‬ال أمراض‪ ،‬ال موت‪.‬‬ ‫كينونة بال قيود‪ ،‬أحاسيس حرة ال ُيتعامل معها وفق “معيار الفضيلة والرذيلة”‪.‬‬ ‫إ ْذ ال فضيلة وال رذيلة هنا‪ ،‬هنا خير دائم ونور مقيم‪ .‬هنا في هذا املكان يعيش الله‬ ‫واألنبياء والقديسون‪ ،‬تعيش احلقيقة‪ ،‬يعيش احلب والسالم‪.‬‬


‫ريوز‬ ‫لم ٌ‬ ‫ات عن فَ ُ‬ ‫َك َ‬

‫‪127‬‬


‫ريوز‬ ‫َلم ٌ‬ ‫ات عن فَ ُ‬ ‫ك َ‬

‫ِ‬ ‫الس َياق)‬ ‫(في خيانة ِّ‬

‫ألقيت هذا النص أمام طالبي في الصف التاسع قائ ً‬ ‫ال لهم‪ :‬إني ال أمتلك مزاج ًا‬ ‫للتدريس هذا اليوم‪ ،‬دعونا نتواطأ مع جمالنا الداخلي (ونخون) سياقنا املدرسي‬ ‫املجرم‪ ،‬نحتفل على طريقتنا بعيد ميالد مجرتنا املشعة فيروز‪ ،‬ونهرب إلى حيث‬ ‫هذياننا وشطحنا وذاتيتنا العارمة املخنوقة‪ ،‬سأفتح صنبور روحي وأدلق أمامكم‬ ‫قصتي مع فيروز‪ .‬تفاوتت ردود أفعال طالبي‪ ،‬منهم من كان يسمعني مبتسماً‪،‬‬ ‫منهم من كان يخربش على دفتره‪ ،‬منهم من كان ينظر إلى اجلبل ضجراً‪ ،‬ومنهم من‬ ‫كان نائماً‪ ،‬إنها احلياة ‪ ..‬إنها احلياة‪.‬‬ ‫كيف ميكن أن نصدق أن فيروز بلغت من العمر السبعني؟ كيف ميكن أن نسمح‬ ‫ألحد بأن يزعم أن فيروز هي امرأة عادية زمنية‪ ،‬مثلنا كانت طفلة فشابة فكهلة‬ ‫وأخير ًا صارت عجوزاً؟ أي صفاقة يتمتع بها هذا الشخص الذي يرى في فيروز‬ ‫ما رآه ابن خلدون في الدول؟ ما الذي ميكن أن يقال في فيروز؟ ما الذي ميكن أن‬ ‫يقال في الله أو املاء أو الشمس أو املطر أو الطفولة أو املوسيقى أو احلب أو محمود‬ ‫درويش؟‬ ‫ال‪ ،‬نحن ال نستطيع أن نعرف احلب أو الشعر‪ ،‬أنا ال أعرف ملاذا تعجبني هذه البنت‬ ‫وال تعجبني تلك‪ ،‬وصديقي صالح يستغرب كيف أني أذوب وأتهاوى أمام ابتسامة‬ ‫امرأة ما هو يراها عادية جداً‪.‬‬

‫‪129‬‬

‫ال أستطيع أن اقنع صديقي بإحساسي ألنني أنا نفسي ال أفهم هذا االنخطاف‬ ‫الذي يحصل لي‪ .‬الشعر أيض ًا ال نستطيع أن نعرفه‪ ،‬إنه يجبرنا على االندهاش‬ ‫والرقص أو النشوة‪ ،‬لكننا ال نعرف ملاذا‪ .‬أيض ًا نحن ال نستطيع أن نعرف‬ ‫فيروز‪ ،‬هي مثل احلب والشعر ال توضع في قوالب وال متسك في حدود‪ ،‬وال‬ ‫يحاط بطاقتها‪ ،‬نحن هنا رهائن أحاسيس فحسب‪ ،‬أسرى غموض‪ ،‬أحياناً‪،‬‬ ‫نحن نستعذب هذا العجز عن حتديد هذه الظواهر وفهمها‪ ،‬ألن الالمعرف‬ ‫وحتى الالمسمى أقرب لإلثارة الذهنية وللجمال واللذة‪ .‬وأجمل وأنبل أنواع‬ ‫العماء هو هذا الذي يزودك باملتعة وأنت ال تراه متام ًا مثل احلب مع ذكرى معتقة‬ ‫وغامقة‪ ،‬ال امرأة سكن عطرها في قلب البيت‪ ،‬أو بيت القلب‪ ،‬ثمة أفراد‬


‫عابرون للزمن والتاريخ واألمكنة يتحولون فجأة إلى ظواهر مثل ظاهرة شروق‬ ‫الشمس وغروبها‪ ،‬أو مجيء الشتاء بعد اخلريف‪ ،‬أو حب األطفال الغامض‬ ‫للمفاتيح‪.‬‬ ‫أنقذتني فيروز من موت اخترته بنفسي! هل كنت أحلم ذلك أم هي حقيقة؟ أهو‬ ‫نادل املطعم الذي أنفذني؟ وكانت فيروز تغني بالصدفة؟ لم أد ِر حتى اآلن‪،‬‬ ‫الصورة ضبابية تشبه نص ًا هممت بكتابته وزهقت منه أو يئست منه ومزقته في شتاء‬ ‫ما‪ .‬نخر روحي خواء مدمر‪ ،‬فركضت نحو جبل قرنطل في أريحا اخلالدة‪ ،‬وقفت‬ ‫خلف السور‪ ،‬رفعت قدمي اليمنى مستعد ًا للسقوط اجلميل‪ ،‬فجأة سمعت صوت‬ ‫فيروز يقف معي مستعد ًا هو اآلخر للقفز؛ “أنا اللي بسموني امللكة‪ ،‬بالغار متوج‬ ‫زمني‪ ،‬مملكتي ما فيها بكي‪ ،‬وجبيني وال مرة حني”‪ .‬جتمدت قدمي على السور‪،‬‬ ‫لم أستطع التحرك‪ ،‬وكأن يد ًا عمالقة متسك بجسمي كله‪ ،‬شعرت بشخص يقف‬ ‫خلفي‪ ،‬ميد يده‪ ،‬وكأنه يقول‪ :‬كيف تترك زمن ًا تعيش فيه هذه السيدة؟ فيروز ال‬ ‫تعيش في املوت‪ ،‬هي ابنة احلياة‪ ،‬تعال إلى احلياة! تعال إلى فيروز! سقطت قدمي‬ ‫عن السور‪ ،‬مشيت باجتاه املطعم بجانبي متشي فيروز بصوتها وكلماتها ورنني‬ ‫يديها‪ ،‬مشيت باجتاه حياتي وواصلت سنيني‪ ،‬من منا ال يعتقد أو لم يعتقد أن فيروز‬ ‫صديقته الشخصية‪ ،‬وإنها تغني له وحده؟ من منا لم يشعر أن فيروز تغني حنينه إلى‬ ‫حبيبته املفقودة؟ وفرحه وذهوله حلبيبته الراسخة في حياته؟‬

‫‪130‬‬

‫كم عالقة حب على هذه األرض كانت تقف على أبواب خراب‪ ،‬فجاء صوت‬ ‫فيروز وأصلحها وأعاد لها نسغها؟ كم عالقة حب لم يكن مقدر ًا لها أن ال تصير‬ ‫أو حتدث لو لم يأت صوت فيروز ومينحها ما حتتاجه من كيمياء وسقاية مشاعر‬ ‫ودوافع؟ كل الناس يحبون صوت فيروز‪ ،‬هذا الصوت ال يغني للمثقفني فقط‪،‬‬ ‫إنه يغني لكل األعمار والفئات متام ًا كشعر محمود درويش‪ ،‬شعر محمود يخطف‬ ‫قلوب املثقفني والناس العاديني وعقولهم‪ ،‬لذالك جند في أمسياته الطالب والطبيب‬ ‫وربة البيت والكوافيرة والعامل والتاجر واملثقف‪ ،‬وهكذا هو صوت فيروز‪ ،‬نعثر‬ ‫عليه في سيارة األجرة‪ ،‬وفي البيوت‪ ،‬واحملالت‪ ،‬والقصور‪ ،‬ملاذا أرى تشابه ًا‬ ‫وترابط ًا غريب ًا بني شعر محمود وصوت فيروز؟ أألنهما أهم من ميكن أن نباهي به‬ ‫األمم في هذا الزمن العربي املختل عقلياً؟ ما الذي ميكن أن نقوله ملستشرق حاقد‬ ‫حني يتهمنا بالضحالة احلضارية اآلن؟ هل هناك غير فيروز ومحمود درويش نهرع‬ ‫إليهما صائحني‪ :‬هنا حضارتنا‪ ،‬هنا روعتنا‪ ،‬هنا جمالنا‪ .‬فاذهب إلى خيبتك أيها‬ ‫املستشرق‪.‬‬


‫الد َ‬ ‫هشة!‬ ‫َهيـَّـا ن ُ‬ ‫طارد َّ‬ ‫ُ‬

‫‪131‬‬


‫الد َ‬ ‫هشة!‬ ‫َهيـَّـا ن ُ‬ ‫طارد َّ‬ ‫ُ‬ ‫أيها القارئ‪/‬ة العزيز‪/‬ة‪ ،‬ولّى زمن كسلك‪ ،‬وذهب زمن تفاصيلي اجلاهزة ونهاياتي‬ ‫النهائية‪ ،‬وحضوري املستبد‪ .‬أعتذر؛ ألنني سوف أتعبك قليالً‪ ،‬عليك أن تنهي‬ ‫ما سأبدأ به اآلن‪ ،‬أنت مضطر إلى ذلك‪ ،‬ال خيار أمامك‪ ،‬عليك أن تختار‪/‬ي‬ ‫مشهدك األخير‪ ،‬مبا يتناسب مع همومك وهواجسك وثقافتك وروحك ورغباتك‬ ‫ومرجعياتك‪ ،‬بصراحة تعبت من هيمنتي ومركزيتي وإطالقية مخيلتي‪ ،‬فض ً‬ ‫ال عن‬ ‫أنه لم يعد لدي وقت؛ فاملشاغل كثيرة‪ ،‬واملزاج‪ ،‬غالباً‪ ،‬ما يكون متعكّ راً‪ ،‬سنكتب‬ ‫النص القصير جداً‪ ،‬سأترك لك‪/‬ي الـمشهد األخير‪( ،‬إذا كان هناك مشهد‬ ‫مع ًا هذا ّ‬ ‫أخير؛ فحسب «بارت» الذي أعلن ميالد القارئ وموت الـمؤلف‪ ،‬فإنه ال نهايات‬ ‫في السرد أبداً)‪ ،‬سأعلن هنا نصف موتي‪ ،‬وأحتفي بنصف حياتك‪ ،‬فمرحب ًا يا‬ ‫شريكي في صناعة األلم وصياغة الدهشة‪ ،‬وترتيل املنفى ‪. ...‬‬

‫سعلة أب غائب‬ ‫تهم بدخول مدرستها‪ ،‬بطيئة‪ ،‬مبتسمة‪ .‬أمشي أنا‬ ‫البنت صغيرة جد ًا وضريرة‪ّ ،‬‬ ‫باجتاه مدرستي‪ ،‬وحني حاذيتها صدرت عني سعلة سريعة وعنيفة‪ ،‬سمعتها تقول‬ ‫بصوت صغير‪« :‬ياه‪ ،‬كم تشبه هذه السعلة سعلة املرحوم أبي‪ ،‬أرجوك‪ ،‬اسعل مر ًة‬ ‫أخرى يا عمو»‪ .‬ابتسمت‪ ،‬حاولت أن أعيدها‪ ،‬لكنني لم أجنح؛ فالسعال ليس‬ ‫فع ً‬ ‫ال إرادي ًا كما نعرف‪ ،‬افتعلت سعلة سريعة‪ ،‬لكنها رفضتها قائلةً‪« :‬ال ال ال‪ ،‬مش‬ ‫هاي يا عمو‪ ،‬بدي زي األولى‪ ،‬أرجوك زي األولى»‪ .‬مشت باجتاهي وهي تنظر‬ ‫إلي محاول ًة توقع اجتاه وجهي‪ .‬اعتذرت منها بارتباك‪ ،‬ومشيت‪.‬‬ ‫أي مكان أتذكرها وأحتسر؛ ألنني لست‬ ‫صرت كلما تهيأت لسعال حقيقي في ّ‬ ‫أمامها ‪ ...‬في صباح آخر‪ ،‬رأيتها تخطو باجتاه بوابة مدرستها ببطء جريح وناعم‬ ‫ومليء بالنداءات ميسك بيد ابتسامة‪ ،‬ابتسامة غريبة‪ ،‬فحواها اعتذارات للشارع؛‬ ‫ألنها مشت عليه‪ ،‬وللـمارة؛ ألنها شوشت طريقهم‪ ،‬ولسائقي السيارات؛ ألنها‬ ‫أبطأت حركتهم‪ ،‬وللهواء؛ ألنها قضمت منه جرعتني أو ثالثاً‪ ،‬وللوجود؛ ألنها‬ ‫شقت فيه حيز ًا ألنفاسها وحضورها اجلسدي‪ .‬بحثت عن سعلة داخل حنجرتي‪،‬‬ ‫لـم أجد‪ ،‬شعرت بحزن شديد‪. ...‬‬ ‫‪133‬‬

‫مر ًة داهمتني في الصف نوبة سعال شديد‪ ،‬فركضت بسرعة باجتاه مدرستها‪،‬‬ ‫وهناك ‪. ...‬‬


‫ال ِ‬ ‫والك َتابَة‬ ‫حر وا َأل َ‬ ‫طف ُ‬ ‫الب ُ‬ ‫َ‬

‫‪135‬‬


‫ال ِ‬ ‫والك َتابَة‬ ‫حر وا َأل َ‬ ‫طف ُ‬ ‫الب ُ‬ ‫َ‬ ‫منذ ست سنوات لم أزر بحر بالدي‪ ،‬أنا الكائن املائي القادم من برج السرطان‪،‬‬ ‫املصنوع من رمل وعواصف وصخور مبللة وأمواج‪ ،‬وقوارب عتيقة‪ ،‬وتنهدات‬ ‫أشباح بحارة ميتني‪ ،‬أعيش في رام الله‪ ،‬منذ ستة آالف سنة‪ ،‬أنتظر غرق ًا غامض ًا‬ ‫وجميالً‪ ،‬يحييني وفق صياغة أخرى‪ ،‬في بحر قريب‪ ،‬بحر يعرفني وأعرفه يريدني‬ ‫وأريده‪ ،‬ال يبعد عني سوي عشرين سنة ضوئية‪ ،‬البارحة تسللت لي ً‬ ‫ال إلى بحر‬ ‫بالدي‪ ،‬على أطراف أصابعي رأيت نفسي أقترب رويد ًا ‪ ..‬رويد ًا من أضخم‬ ‫وأعنف موجاته‪ ،‬أستدرجها إلى قلبي اليابس العطش‪ ،‬فتهرع إليه بجنون لتطفئ‬ ‫جفافه وتنقذ رمقه األخير‪ ،‬وهناك أغلق عليها جدران روحي وأهرب بها إلى رام‬ ‫الله‪ ،‬أغلق باب نوافذ وأبواب غرفتي بإحكام‪ ،‬ثم أطلق سراحها برفق ومحبة‪،‬‬ ‫أشرع في تربيتها وترويضها كغزالة البر املذهولة‪ ،‬وفي صباح اليوم التالي أعلن في‬ ‫الصحف خبر اصطياد وطني‪.‬‬ ‫وفجأة! وبينما أنا غاط في نوم أبله‪ ،‬أشعر ببلل في جسمي‪ ،‬فأصحو فزع ًا ومشوشاً‪،‬‬ ‫فإذا باملوجة الضخمة والعنيفة تزحف على وجهي غاضبة ومستاءة‪ ،‬تلطم صدري‪،‬‬ ‫تتجاوز جسدي متسلقة النوافذ ودافعة الباب أمامها‪ .‬متجهة صوب حيفا‪.‬‬ ‫في احللم األول اصطدت موجة‪ ،‬وفي احللم الثاني هربتها إلى بيتها‪« ،‬ليش اعملت‬ ‫هيك يا أبو الذوذ؟» هكذا سألتني نانسي ابنة جاري األمورة الصغيرة ذات األربع‬ ‫سنني‪.‬‬ ‫نانسي تلثع بحرف السني‪ ،‬وهي اللثغة اللذيذة التي تكاد تطيح بعقلي‪ ،‬من فرط‬ ‫عذوبتها‪ ،‬لم أستطع أن أجيبها إجابة عاقلة مقنعة‪ ،‬اكتفيت بقولي‪ :‬إنه مجرد حلم‬ ‫يا صغيرتي‪ ،‬فأسمعها تهمس ألمها‪« :‬عمو ذوذو بحكيلي قصص كذابة»‪ .‬وفي‬ ‫مدرستي‪ ،‬في الصف الرابع حتديداً‪ ،‬مطبق ًا حصة إشغال لغياب معلمها‪ ،‬أروي‬ ‫للتالميذ املندهشني الصامتني حكايتي مع األفعى واألسد في الغابة‪.‬‬

‫‪137‬‬

‫فأقول لهم‪ ،‬في نهاية حكاية خرافية‪ :‬وهكذا يا أحبائي الصغار أقنعت األفعى بأن‬ ‫ترقص معي فرقصنا وصرنا أصحاباً‪.‬‬


‫فأسمع همس ًا آخر في املقعد األخير بني تلميذين‪ :‬هذا األستاذ كزاب‪ ،‬بضحك‬ ‫علينا‪ ،‬كيف برقص مع احلية‪ ،‬مهي ممكن توكله‪.‬‬ ‫فاهمس أنا اآلخر بيني وبيني‪ :‬آه يا أصحابي اللذيذين‪ ،‬ومن قال إن األدب والفن‬ ‫ليسا وهم ًا وكذباً‪ .‬ولكنه الوهم اجلميل والرائع الضروري واملفيد‪ ،‬الوهم الذي‬ ‫ينقذ البشرية من السقوط السريع املدوي في حفرة احلقيقة‪ ،‬األدب والفن ال مينعان‬ ‫السقوط لكنهما يبطئانه‪ ،‬ويزينانه باأللوان والعطور‪ ،‬ويفلسفانه‪ ،‬ويعمقانه‪،‬‬ ‫بحيث تتكشف من خالله أبعاد أخرى للعالم‪ ،‬وممكنات جديدة للوجود‪.‬‬ ‫ نانسي ناسي البارحة حلمت‪.‬‬‫‪ -‬كمان كذبة يا أبو الذوذ؟ يا الله! بكفي تكزب!‬

‫‪138‬‬


‫ايات‬ ‫جس ٌ‬ ‫اد َو ِح َك َ‬ ‫أَ َ‬

‫‪139‬‬


‫ايات‬ ‫جس ٌ‬ ‫اد َو ِحكَ َ‬ ‫أَ َ‬ ‫احلكاية حياة‬ ‫متفوق في دراسته‪ ،‬دمه خفيف‪ ،‬يحب الرقص‬ ‫عطية تلميذ في الصف اخلامس‪ّ ،‬‬ ‫جداً‪ ،‬يسحبني من يدي ويقول لي همس ًا بعيد ًا عن زمالئه‪“ :‬أستاز اليوم راح أرقص‬ ‫رقصة اخلوف من الليل”‪ .‬في قاعة مكتبة املدرسة أجلس في حلقة دائرية مع ثالثني‬ ‫تلميذ ًا من أعضاء (نادي أصدقاء اجلسد)‪ .‬عطية يرقص اآلن‪ ،‬املوسيقى تشتعل‬ ‫منخفض ًة ومرتفع ًة غاضب ًة وخائف ًة وفرح ًة وغامض ًة وساحر ًة وحر ًة‪ ،‬بال تخطيط بال‬ ‫منهاج بال تنظير‪ ،‬بال حدود يتحرك جسد عطية أمامنا‪ ،‬عيناه وقدماه وذراعاه حتكي‬ ‫وتروي قصة اخلوف من الليل‪ ،‬الطالب هادئون‪ ،‬يتأملون رقص عطية‪ ،‬ليكتشفوا‬ ‫مداخلَ حلكاية اخلوف‪ ،‬كما أطلب منهم بعد كل رقصة‪ .‬ينهي عطية رقصته‪،‬‬ ‫تسكت املوسيقى ونصفق له‪ ،‬يبدأ الطالب في تأويل رقصته‪ ،‬أستمع وأسجل‬ ‫تأمالتهم‪ ،‬بينما أراقب من النافذة بني احلني واآلخر زهور شقائق النعمان وهي‬ ‫الهش املمتع‪ ،‬أو وهي تعيد اكتشاف فنائها‬ ‫تروي قصة القصة املتجددة‪ ،‬قصة اجلسد ّ‬ ‫الرائع في مهب صيف سيطيح بها بعد أشهر قليلة‪ ،‬أترون تلك الزهور الراقصة يا‬ ‫أصدقائي؟ إنها أجسادكم‪ ،‬حني تفرح بالوجود‪ ،‬ترقّص إحساسها وتغني نبضها‪،‬‬ ‫بينما هي تعرف أن ثمة فص ً‬ ‫ال قادم ًا ستختفي فيه‪ ،‬لكنها تدرك‪ ،‬أيضاً‪ ،‬أنها ستعود‬ ‫في ربيع ما‪ ،‬نضرة وندية ومضرجة باحلياة‪ ،‬واحلكايات اجلديدة‪ ،‬التي سيرويها‬ ‫احلجر واجلبل والبشر والشجر‪ ،‬أجسادنا تذهب لكن حكاياتنا تبقى‪“ .‬أستاز‪،‬‬ ‫أنا راح أرقص هال رقصة البحر املالح‪ .‬وأنا بعده أستاز راح أرقص رقصة الطريق‬ ‫الصحراوي”‪ ،‬وهكذا تباع ًا يرقص أصدقائي الصغار حكاياتهم‪ ،‬وأنا ال أتوقف عن‬ ‫النظر إلى الزهور‪ ،‬مدرك ًا أن الزهور نفسها تنظر إلينا وتقول لبتالتها ‪ -‬صغارها‪:‬‬ ‫إن األجساد التي ترقص اآلن في مكتبة هذا البشري‪ ،‬ستموت يوم ًا ما لكنها ستترك‬ ‫خلفها قصص ًا كما نحن يا صغاري‪.‬‬

‫‪141‬‬

‫هشاشة تنظر إلى هشاشة‪ .‬حكايات تتأمل حكايات‪ .‬الشجرة أختنا‪ ،‬ونحن أشقاء‬ ‫الصخور‪ ،‬كل شيء في الوجود موجود في كل شيء‪ ،‬تذكروا أصدقائي ال شيء‬ ‫مفصو ً‬ ‫ال عن شيء‪ ،‬في داخلنا زهور وفي داخل الزهور دمنا‪ ،‬في جوف احلجر‬ ‫رائحتنا‪ ،‬كنا جسد ًا واحد ًا ضخم ًا مترامي األطراف‪ ،‬مكون ًا من صخور وانهار‬ ‫وزهور وجبال ومعادن وفصول وغيوم وحشرات وطيور وشجر وبحار‪ ،‬والله‬


‫موزع فينا جميعاً‪ ،‬ونحن منثورون فيه‪ ،‬حدث االنفصال‪ ،‬لسبب ما‪ ،‬ولكن كل‬ ‫منا احتفظ بالله داخله‪ ،‬كعالمة شاسعة على وحدة األصل ووحدة احلكايات‪،‬‬ ‫هنا تعالى صوت التالميذ‪ :‬ملاذا ال نرقص رقصة االنفصال؟ اقترب التالميذ من‬ ‫بدوا فيه وكأنهم جسد ًا واحداً‪ ،‬انفصلوا ببطء رقصاً‪،‬‬ ‫بعضهم البعض بشكل َ‬ ‫أياديهم وأطرافهم‪ ،‬تتحرك باجتاهات متباعدة‪.‬‬ ‫الزهور تترك خلفنا حكاياتنا‪ /‬حكاياتها ومنضي سعداء إلى نهايتنا‪ ،‬ما هي لذة احلياة‬ ‫إن لـم تترك أثر ًا على شكل حكاية؟ سمعت اجلرس يرن‪ ،‬انتبهت فجأة إال أنني‬ ‫وحدي في املكتبة‪ ،‬كنت أحتدث مع نفسي إذن‪ .‬هل التالميذ قناعي واستعارتي‬ ‫ومجازي؟ ألقيت من خالل النافذة نظرة كسولة باجتاه زهرات األرض البرية‬ ‫القريبة‪ ،‬كانت ثمة شياه تقضم الزهرات بتلذذ أعمى‪ ،‬ابتسمت‪ ،‬ياه البتالت اآلن‬ ‫ممضوغة في جوف الشاة‪ ،‬الشاه ستذبح بعد نصف ساعة ليمضغ حلمها البشر‪،‬‬ ‫البشري الذي سيمضغها سيموت بعد ستة أيام‪ ،‬دود األرض سيمضغ حلمه‪.‬‬ ‫ألم أقل لكم أننا كل شيء يا أصدقائي؟ وأن كل شيء نحن؟ نحن الشياه واألرض‬ ‫والدود والزهر ونحن البشر و‪ ...‬متضغ حكايات ‪ ..‬حكايات ‪ ..‬حكايات‪.‬‬

‫حنني وجبل‬

‫‪142‬‬

‫على جبل عال جد ًا وجدنا أنفسنا قريبني جد ًا من الغيوم‪ ،‬ست مدرسني وسبعون‬ ‫طالب ًا متفوق ًا من مدرستنا‪ ،‬كان من املقرر أن تكون الرحلة إلى أريحا لكن السائق‬ ‫محبة‪ :‬سآخذكم إلى‬ ‫املقدسي بحافلته التي حتمل لوحة صفراء صرخ في وجوهنا ّ‬ ‫فتجمد الدم في عروقي ذهو ً‬ ‫ال من الفكرة‪ ،‬هل يتجمد الدم‬ ‫البحر إلى عني جدي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫في العروق ذهو ً‬ ‫ال؟ نعم‪ ،‬فأن أزور عني جدي التي حتتفظ لي في أغصان أشجارها‬ ‫وسعف نخيلها‪ ،‬وبوصها بأكثر من شهقة أو رقصة أو عتاب أو غضب أو فرح أو‬ ‫صدمة ألكثر من امرأة‪ ،‬فهذا أمر مذهل‪ ،‬وال أعرف كيف سأتصرف جتاهه‪ ،‬هل‬ ‫أحزن أم أفرح أم أحزن وأفرح معاً؟ هل أخاف؟ هل أبكي؟ “أستاز‪ ،‬اطّ لع هناك‬ ‫في إشي أزرق اكبير واسع‪ ،‬قطع تلميذ يجلس بجانبي حبل أفكاري بصرخته التي‬ ‫هزت فضائي‪ ،‬نظرت حيث يشير فإذا بالوحش احلبيب يجلس بحنكته الوجودية‬ ‫وملوح ًا بحب لكل ناظر‪ .‬أستاز‪ ،‬نفسي أملس البحر‪ ،‬عمري‬ ‫الزرقاء كعادته صابر ًا ّ‬ ‫ما ملسته في حياتي‪ ،‬أستاز‪ ،‬إنت بتعرف تسبح؟ أنا بخاف‪ .‬أستاز‪ ،‬يال ننزل على‬ ‫البحر إحنا وين رايحني؟ أستاز‪ ،‬البحر شكله ما بخلص يا الله ما أطوله‪ .‬أستاز‬


‫سيدي حكالي إنه كان زمان يسبح في بحر يافا‪ ،‬وستي كانت اتخاف واضلها قاعدة‬ ‫على الشط‪ ،‬وين يافا أستاز؟ يال انروح عليها‪ ،‬كانوا يصرخون حولي بينما كنت‬ ‫أنا أتذكر‪ ،‬فقط أتذكر‪ .‬قبل النزول للبحر‪ ،‬اقترح أحد املعلمني أن نصعد إلى جبل‬ ‫قريب يدعى محمية عني جدي‪ ،‬صعدنا مشياً‪ ،‬سمعت أصوات ًا هامسة‪ :‬أستاز‪ ،‬إحنا‬ ‫جايني منشي؟! يا الله‪ ،‬نفسي أملس البحر خلينا انروح نلمسه‪ ،‬ساعات من الصعود‬ ‫املتقطع‪ ،‬طالب املدارس اليهود ميرون عنا أو منر عنهم نظرات خائفة وتشكيك‬ ‫ومخيالت مزروعة بالقنابل واملوت‪ ،‬قلت لنفسي‪ :‬كان ميكن أن تكون الرحالت‬ ‫مشتركة بيننا وبينهم لو أنهم فقط يعترفون أن الشمس تشرق كل يوم‪ .‬نواصل‬ ‫الصعود ونحن املدرسني جنر أجسادنا القدمية الهثني خلف التالميذ اخلفيفني‪،‬‬ ‫وأخير ًا نصل إلى قمة اجلبل بعد أن سبقنا التالميذ ركض ًا إلى هناك‪ ،‬غير مدركني‬ ‫ما ينتظرنا من مفاجآت‪ ،‬وفجأة أدركنا متأخرين أننا وقعنا في مصيدة جبل عال‬ ‫بال إمكانية للعودة منه إلى البحر‪ ،‬إال عبر طريق الصعود نفسها‪ ،‬وطريق الصعود‬ ‫مخيفة‪ ،‬فقد تنزلق أجساد التالميذ واملدرسني وتهوي إلى قاع الوادي‪ ،‬جلسنا على‬ ‫القمة الواسعة والطيور الغريبة حتلّق خلفنا‪ ،‬كان املدير مرتعب ًا أما التالميذ فكانوا‬ ‫يضحكون فرحني‪ ،‬املدرسون كانوا مشغولني بالتقاط أنفاسهم‪ ،‬ولم يقرروا بعد‬ ‫الهلع أو الذهول‪.‬‬ ‫أستاز‪ ،‬يال نرقص رقصة اخلوف من اجلبل‪ ،‬نهر املدير الطالب املجنون‪ :،‬إحنا في‬ ‫ايش وأنت في إيش‪ ،‬وأمام ذهول املدير واملدرسني أشرت ألصدقائي في نادي‬ ‫أصدقاء اجلسد لالستعداد‪ ،‬كان عددهم عشرين‪ ،‬أشعلت املوسيقى من هاتفي‬ ‫اخلليوي انتحينا جانباً‪ ،‬ورحنا نرقص خوفنا وحنيننا إلى الوادي‪ ،‬إلى البحر‪،‬‬ ‫إلى البيوت‪ ،‬املدير ضحك‪ ،‬الطالب اآلخرون كانوا يصفقون‪ ،‬املدرسون كانوا‬ ‫ال مشان الله!‬ ‫محتارين‪ .‬أستاز‪ ،‬يال ننزل على البحر‪ ،‬نفسي أملسه ي ّ‬

‫‪143‬‬


أوقات جميلة لأخطائنا النضرة  

أوقات جميلة لأخطائنا النضرة

Advertisement