Page 1

‫الفتـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة نظ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــري‬

‫حنطة | السنة الثالثة‬

‫العدد ‪ | 13‬كانون الثاني ‪2014‬‬

‫شهرية‬

‫مست�قلة‬

‫مخيم يحاصر الحصار وجبهة شعبية‪..‬‬ ‫أحمد عيساوي‬ ‫قتل ‪..‬تهجير‪ ..‬اختطاف‪ ..‬بانوراما‬ ‫صحفيين في سوريا ‪ ..‬عابد ملحم‬ ‫أنا منشق إذاً أنا موجود ‪ ..‬غياث عبدالعزيز‬ ‫د‪ .‬فداء الحوراني على بيادر حنطة ‪...‬‬ ‫ناجي الجرف‬ ‫من مسائل الثورة السورية‪..‬مروان عبدالهادي‬ ‫في معنى الذهاب أو عدم الذهاب إلى‬ ‫جنيف ‪..2‬عبداهلل أمين الحالق‬ ‫األصوليات االسالمية والفكر الديمقراطي‬ ‫في الثورة السورية‪..‬جمال الجميلي‬ ‫حين تراجع السينما ثورات الجيل األدبي‪..‬‬ ‫علي سفر‬ ‫كفالة اليتيم ثورة بحد ذاتها‪ ..‬والت أحمه‬

‫لوحة الغالف‬ ‫أنقذوا مخيم اليرموك‬ ‫عمل للفنان أنس سالمة‬

‫إن اآلراء الواردة في حنطة تعبر عن رأي‬ ‫الكاتب وال تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة‬

‫‪www.hentah.com‬‬


‫‪2‬‬

‫حصيدة‬

‫العدد ‪13‬‬

‫مخيم يحاصر الحصار وجبهة «شعبية»‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫أحمد عيساوي‬

‫إلى أنس عمارة وحسان حسان‬ ‫مع كل صاروخ غراد يسقط على فرن‪ ،‬أو مشفى‬ ‫أو حي سكين يقطنه مدنيون‪ ،‬مع كل ورقة نعوة‬ ‫تلصق على جدار يف املخيم‪ ،‬مع كل نقطة دم‬ ‫ينزفها فلسطيين قنصا او تعذيبا او قصفا‪ ..‬تزداد‬ ‫القطيعة بني أهل الشتات الفلسطيين وكل إطار‬ ‫فصائلي أو رمسي‪ ،‬وتَكتب التغريبة الفلسطينية‪،‬‬ ‫مصحوبةً هذه املرة مبرارٍة سورية‪ ،‬فصال جديدا من‬ ‫اخلذالن يضاف إىل الرصيد الكبري الذي خربه‬ ‫الالجئون منذ نكبة ‪.48‬‬ ‫مرت أشهر عديدة وخميم الريموك ‪ -‬قلب دمشق‬ ‫اجلنويب ‪ -‬يتعرض حلصار خانق من القوات‬ ‫النظامية‪ ،‬حبيث يستحيل إدخال املواد الغذائية‬ ‫والصحية اىل العائالت اليت مل تغادر املخيم‪،‬‬ ‫وبات األمر مأساويا لدرجة دفعت بعض رجال‬ ‫الدين إىل استصدار فتوى تبيح أكل حلم القطط‬ ‫والكالب‪.‬‬ ‫الصور والتسجيالت القادمة من أحياء دمشق‬ ‫اجلنوبية عن أطفال ماتوا من اجلوع ومسنني‬ ‫قضوا بسبب عدم توفّر أدوية السكري والضغط‬ ‫وأمراض القلب‪ ،‬ال تعبرّ إال عن وضاعة الفصائل‬ ‫الفلسطينية ودناءهتا يف ظل تعاطيها إما بالصمت‬ ‫املطلق أو بأصوات الشواذ الداعمة لنظام الطاغية‪.‬‬ ‫أعرج قليال على موقف (اجلبهة‬ ‫يهمين اليوم أن ّ‬ ‫الشعبية لتحرير فلسطني)‪ ،‬باعتبارها الفصيل‬ ‫األكثر متثيال لليسار الفلسطيين‪ ،‬ويف ضوء تعامل‬ ‫قيادة اجلبهة مع حمازبيها أوال مث مع الفلسطينيني‬ ‫بشكل عام‪ .‬ال بد من التأكيد على أ ّن املشكلة‬ ‫اليت يعانيها اليسار العريب بشكل عام هي ذاهتا‬ ‫معضلة (الشعبية) اليت ختلت عن العنوان العريض‬ ‫الذي قامت من أجله‪ .‬أليست (الشعبية) من‬ ‫محل شعار الرتابط العضوي بني النضال الوطين‬ ‫والنضال الطبقي؟ أليست (الشعبية) من رفع‬ ‫الدعوة إىل حترير العواصم العربية من حكامها‬ ‫املستبدين من أجل حترير فلسطني؟ أليست‬ ‫اجلبهة من قال بالتضامن األممي‪ ،‬حبيث يعترب‬ ‫نضال الشعب الفلسطيين جزءا مكمال لكل‬ ‫نضاالت الشعوب من أجل احلرية والكرامة‬ ‫والعدالة اإلجتماعية؟ (املادة العاشرة من النظام‬

‫أنقذوا مخيم اليرموك ‪ -‬عمل للفنان أنس سالمة‬ ‫وحىت بعض حمازبيها (خاصة داخل فلسطني‬ ‫الداخلي للجبهة)‪.‬‬ ‫سيخرج البعض بعد قراءة هذه السطور ليقول احملتلة)‪ ،‬فيما ارتأى الرفاق يف سوريا التحدي‬ ‫بشكل صريح‪ :‬اجلبهة تناضل من أجل كرامة والثورة على قيادة مل تبتعد عن موقف (فتح)‬ ‫وحرية الشعب السوري عندما تتوفر األطر اليت خذلت ناشطيها الشباب‪ ،‬وباعت ضمريها‬ ‫الدميقراطية والتقدمية هلذا النضال‪ .‬وهذا القول لقاء بعض التلزميات اإلدارية يف هذا اإلقليم وذاك‬ ‫فيه سفاهة تفوق كالم اجلبهويني املؤيدين لرباميل (تصرحيات ولقاء عباس زكي بالرئيس السوري‬ ‫الـ ‪ TNT‬وصواريخ السكود والقنابل الفراغية القَيا سخطا كبريا من فتحاويي سوريا‪ ،‬خاصة‬ ‫وأعمال القتل والتعذيب املمنهجة يف أقبية نشطاء العمل اإلغاثي يف املخيمات)‪.‬‬ ‫العار‪ ،‬أن خيرج على شاشات التلفزة مناضلون‬ ‫املخابرات‪.‬‬ ‫الثورة ليست نظيفة وال نقية وفيها ما فيها من من طراز ليلى خالد ليربروا قصف خميم الريموك‬ ‫متسلقني ومستبدين جدد وخارجني عن استبداد حبجة وجود «أفغان» يسعون للسيطرة عليه‪.‬‬ ‫قوجمي شعارايت إىل آخر ديين ممنهج ومعلّب العار أن يتم طرد رفاق من اجلبهة الشعبية بعد‬ ‫بالشكل الذي مينع أي فرز علماين‪ ،‬دميقراطي اعتقاهلم‪ ،‬ويتم جتميد عضويتهم بعد التأكد من‬ ‫أو إسالمي متصاحل مع اهلوية الوطنية التعددية مشاركتهم يف نشاطات داعمة حلراك السوريني‬ ‫(وهنا أحتدث عن مظاهرات ِسلمية متاماً)‪ ،‬العار‬ ‫للشعب السوري‪.‬‬ ‫وليس مطلوبا من (الشعبية) بقيادهتا أن تقف أن تتخذ الشعبية خطوات تأديبية حبق رفاق‬ ‫مع الثورة‪ ،‬لكن أقل املأمول من حزب ي ّدعي شاركوا يف مسرية النكبة يف أيار مايو ‪2011‬‬ ‫احنيازه للطبقات الشعبية وللمفقرين من سياسات وعادوا اىل خميمهم وخرجوا يوم اجلمعة ليهتفوا‬ ‫النهب املافياوية لشاليش وخملوف‪ ،‬أن تأخذ ضد نظام استغلهم وزايد وساوم على دمائهم‪.‬‬ ‫موقفا مبدئيا‪ ،‬موقفا حيمي املخيمات وناسها من املهانة أن يُستدعى الرفيق الشهيد حسان‬ ‫وجينّبها معارك ال قدرة فيها للفلسطيين على حسان الذي قضى تعذيبا يف فرع فلسطني‪ ،‬فرع‬ ‫األمن الذي حيمل اسم القضية اليت حيملها نظام‬ ‫حتمل مسؤولياهتا‪.‬‬ ‫وجتمد عضويته‪،‬‬ ‫يرى البعض يف الصمت سبيال لتحييد الريموك الطاغية مشاعة منذ عقود أربعة‪ّ -‬‬ ‫عن القصف والتدمري‪ ،‬ويرى البعض اآلخر يف فيقدم استقالته‪ ،‬والسبب هتافه بعد مسرية النكبة‬ ‫تأييد النظام انتصارا للمقاومة وفلسطني‪ .‬هذان «يا ماهر ويا جبان روح مترجل باجلوالن»‪.‬‬ ‫املوقفان عبرّ ا بشكل كبري عن (الشعبية) وقيادهتا‪ ،‬ختجل اجلبهة الشعبية أن تزف شهداءها الذين‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫يسقطون يف سجون النظام أو يقتلون باعمال‬ ‫القصف‪ ،‬مل تشر وال ببيان نعوة حىت إىل الرفيق‬ ‫أنس عمارة الذي انتسب للتنظيم وعمل فيه اكثر‬ ‫من عشر سنوات‪ ،‬وحدث األمر نفسه مع حسان‬ ‫حسان (فصلته اجلبهة سنة ‪ 2010‬ألسباب‬ ‫تتعلق بالسلوكيات واآلداب) ومع الشهيد عامر‬ ‫أبو ليلى الذي استشهد يف ‪ 13‬آذار ‪2013‬‬ ‫(وهو كان ترك التنظيم قبل الثورة بفرتة وجيزة)‪.‬‬ ‫سؤال مشروع يطرحه جبهويون‪ :‬ملاذا ال تبادر‬ ‫اجلبهة إىل إعداد ملف للمطالبة حبرية معتقليها‬ ‫الذين ما زالوا ميارسون عملهم احلزيب‪ ،‬وقرروا‬ ‫املشاركة بأعمال اإلغاثة (اإلسعاف والطبابة‬ ‫وتأمني املواد الغذائية)؟‬ ‫ملاذا ال تطالب اجلبهة حبرية حسام موعد‪ ،‬املعتقل‬ ‫للمرة الثانية‪ ،‬منذ سنة تقريبا وهو ناشط يف‬ ‫صفوف اجلبهة؟‬ ‫مثال حي على «تطنيش» اجلبهة حملاربيها‪،‬‬ ‫الرفيق أمحد جليل (من خان الشيح) معتقل‬ ‫منذ منتصف شهر حزيران ‪ ،2013‬كان عضو‬

‫حصيدة‬

‫رابطة مث خلية‪ ،‬وبقي حمسوبا على اجلبهة ‪ ،‬اعتقل‬ ‫من حاجز اللواء ‪ 68‬خبان الشيح‪ ،‬وهو طالب‬ ‫كيمياء من مواليد ‪.1988‬‬ ‫قال يل الشهيد أنس عمارة ذات مرة‪« :‬اجلبهة‬ ‫خذلتنا وخذلت تارخيها قبل كل شيء‪ ،‬انظر‬ ‫رفاقنا يف املعتقالت‪ .‬القيادة مل حترك ساكنا‪ ،‬مل‬ ‫تصدر بيانا يدين اعتقال الرفاق‪ ،‬حسام خالد‬ ‫موعد‪ ،‬وأمحد مرعي مصلح‪ ،‬وعلي وبشار‬ ‫مصلح (‪ )..‬أنا جبهاوي خارج التنظيم اليوم‪،‬‬ ‫وفلسطينييت دليلي إىل سورييت‪ ،‬فلسطينيتنا هوية‬ ‫سوريا الوطنية»‪.‬‬ ‫لقد أطاحت الثورة السورية بكل بديهيات الفكر‬ ‫الكالسيكي‪ ،‬ومل يعد اجلبهويون يف سوريا حباجة‬ ‫إىل الكراسات املاركسية واملؤمترات الداخلية‬ ‫لتكثيف الوعي واختاذ القرارات «احلكيمة» يف‬ ‫ما يتعلق بالسوريني واملخيمات والعمل اإلنساين‬ ‫التطوعي‪ .‬كثافة الدماء الفلسطينية السورية تكفي‬ ‫لتدليل املعىن إىل حيث ذهب حسان حسان‬ ‫وأنس عمارة وغريهم من الفلسطينيني كخالد‬

‫زيارة إلى فرع الهالل األحمر في بنش‬ ‫يف ظل الظروف اإلنسانية القاهرة اليت يعيشها‬ ‫الشعب السوري‪ ،‬يتعزز حضور املنظمات‬ ‫اإلغاثية واإلنسانية‪ ،‬ألن الدور األكرب يقع‬ ‫على عاتقها يف إغاثة املنكوبني وتقدمي الدعم‪.‬‬ ‫يف هذه املساحة‪ ،‬سنسلط الضوء على إحدى‬ ‫أهم املنظمات االنسانية اليت تعمل بكل طاقتها‬ ‫وطواقمها لتقدمي املساعدات للناس بكل أنواعها‪.‬‬ ‫اهلالل األمحر منظمة إنسانية دولية‪ ،‬انبثقت‬ ‫عن منظمة الصليب اﻻمحر الدويل‪ ،‬على شكل‬ ‫جلان يف الدول العربية واإلسالمية‪ ،‬مث حتولت إىل‬ ‫منظمات يف هذه الدول وهي مرتبطة مع االحتاد‬ ‫الدويل للصليب األمحر‪.‬‬ ‫وقد تأسست شعبة اهلالل األمحر يف مدينة بنش‬ ‫يف ‪ 2003/7/29‬هبيئة عامة من مخسة وسبعني‬ ‫متطوعاً من خمتلف األطياف يف املدينة‪.‬‬ ‫قمنا بزيارة شعبة اهلالل األمحر يف بنش‪ ،‬اليت تع ّد‬ ‫من أنشط الشعب يف اجملال اإلنساين‪ ،‬وتغطي‬ ‫مناطق عدة‪ ،‬فاستضافنا يف مقر الشعبة‪ ،‬رئيسها‬ ‫املهندس خالد حاج بكور( أبو سليمان ) ورحب‬

‫‪3‬‬ ‫بكراوي وأمحد كوسى وجعفر حممد وأمين جودة‬ ‫وحممد طه وشحادة الشهايب ومنري اخلطيب‬ ‫وغسان الشهايب و‪..‬‬ ‫هؤالء مل يكونوا ال «أفغاناً» وال «شيشاناً»‬ ‫ٍ‬ ‫أنظمة رجعية تناصب نظام املمانعة‬ ‫وال مرتزقةَ‬ ‫العداء الضمين»‪ ،‬هؤالء كتبوا اليوم تارخيا ناصعا‬ ‫للمخيمات وأسسوا من جديد لشراكة الدم‬ ‫ووحدته يف معركته األنبل ضد االستبداد‪ ،‬الذي‬ ‫مل ولن خيدم إال االحتالل‪.‬‬ ‫ما الذي ميكن أن يقال أيضاً؟ حتية خاصة لكل‬ ‫شباب اجلبهة الشعبية الذين اختاروا شعبهم‬ ‫وفضلوا (إنساهنم) على (قيادهتم)‪ ،‬حتية للرفاق‬ ‫الذين قدموا استقاالهتم احتجاجا على خذالن‬ ‫مستمر‪ ،‬حتية للذين مُجدت عضويتهم بسبب‬ ‫اعتقال أو نشاط ميداين‪ .‬والتحية األكرب للشهداء‬ ‫الذين تربأ التنظيم من دمائهم‪ ،‬وللمناضلني‬ ‫املستمرين يف املخيمات وخارجها يف سوريا‪..‬‬ ‫هلؤالء التحية واخللود‪.‬‬

‫جمال نجد‬

‫خاص حنطة ‪ -‬متطوع في الهالل األحمر السوري في مدينة بنش‬ ‫بنا‪ ،‬لنوجه إليه بعض ما يف جعبتنا من أسئلة‬ ‫حول عمل اهلالل األمحر يف بنش‪.‬‬ ‫حدثنا عن اخلدمات اليت يقدمها فرع اهلالل‬ ‫األمحر يف املدينة‪ ،‬سابقا ويف ظل األوضاع احلالية‪.‬‬ ‫يعمل اهلالل األمحر يف زمن السلم كما زمن‬ ‫احلرب‪ ،‬وختتلف االسرتاتيجية وأدوات العمل بني‬ ‫الزمنني‪.‬‬

‫يف زمن السلم يقوم اهلالل األمحر بتحضري‬ ‫التدرب‪ ،‬خالل‬ ‫طواقمه ومتطوعيه وكل من يشاء ُّ‬ ‫دورات منتظمة‪ ،‬وتعليمهم طرق اإلسعافات‬ ‫األولية والعمل يف ظرف الكوارث واحلروب‪.‬‬ ‫أما يف زمن احلرب‪ ،‬فتستعد كل طواقم اهلالل‬ ‫ومتطوعيه لتطبيق وتنفيذ ما مت تعلمه‪ .‬هنا يف‬ ‫بنش‪ ،‬حتولت شعبتنا وعيادهتا املتواضعة إىل‬


‫‪4‬‬ ‫مشفى‪ ،‬فقد توسعت أعمالنا‪ ،‬وكانت احلالة‬ ‫العسكرية قد تطلبت أن يستنفر الطاقم الطيب‬ ‫املؤلف من ِ‬ ‫أطباء وممرضي املدينة‪ ،‬للعمل وخدمة‬ ‫املصابني من جراء احلرب‪ ،‬كما أن مسألة توزيع‬ ‫اإلغاثة كانت من أهم اخلدمات اليت شغلت‬ ‫اهلالل يف هذه الفرتة‪ ،‬فقد قامت الشعبة بتوزيع‬ ‫آﻻف السلل الغذائية‪ ،‬مع كل ما رافق األمر من‬ ‫مشاكل النقل وانقطاع الطرق‪ ،‬والتعدي على‬ ‫قوافلنا‪ ،‬ومل تكن السلل الغذائية هي ما مت توزيعه‬ ‫فقط‪ ،‬بل السلل الصحية واألدوات امليدانية و‬ ‫اخليم ومستلزماهتا‪ ..‬وﻻ يتسع الكالم ملا قدمته‬ ‫الشعبة ألهايل الشهداء وللجرحى والنازحني إىل‬ ‫مدينتنا واألهايل احملتاجني‪..‬‬ ‫ما هي الجوانب التي يغطيها الهالل األحمر‬ ‫حاليا؟‬ ‫ يعمل اهلالل األمحر على أكثر من صعيد‪،‬‬‫وأهم ما نعمل عليه اجلانب الطيب واإلغاثي‪.‬‬ ‫طبيا‪ ،‬شاركت الشعبة ويف أهم فرتات القتال‬ ‫بإنقاذ وإسعاف اجلرحى‪ ،‬بطاقمها ومعداهتا‬ ‫املتواضعة‪ ،‬أما إغاثيا فقد مت توزيع آﻻف احلصص‬ ‫الغذائية خالل السنتني السابقتني ضمن املدينة‬ ‫وحميطها‪.‬‬ ‫ما هي المناطق التي تغطيها شعبة الهالل‬ ‫األحمر في بنش؟‬ ‫ يفرتض أن تغطي الشعبة مدينة بنش وريفها‬‫احمليط‪ ،‬لكن ظروف العمل والطرقات وبعض‬ ‫املشاكل اللوجستية‪ ،‬حصرت عملنا يف خدمة‬ ‫أهل املدينة‪ ،‬بعد أن كنا نعمل يف قرى (طعوم)‬ ‫وقرى أخرى جماورة‪ ،‬لكن‬ ‫و(تفتناز) و(معارة) ً‬ ‫كانت الظروف صعبة وتطلبت أن تغطي الشعبة‬ ‫كامل متطلبات أهايل املدينة‪ ،‬خاصة مع ازدياد‬ ‫عدد األسر احملتاجة إىل أكثر من ثالثة آالف‬ ‫أسرة‪.‬‬ ‫ما هي مصادر المعونات التي توزعونها‪ ،‬وما‬ ‫ردكم على ما يقال من أن النظام هو مصدر‬ ‫هذه المعونات؟‬ ‫ مصدرا الدعم الرئيسيان لشعبتنا هيما برنامج‬‫الغذاء العاملي‪ ،‬واللجنة الدولية للصليب األمحر‪،‬‬ ‫ما من مصدر آخر‪.‬‬ ‫ما هي الصعوبات التي تواجهكم؟‬ ‫إن أهم الصعوبات اليت تواجه فروع وشعب‬ ‫اهلالل األمحر بشكل عام هي طرق اإلمداد اليت‬ ‫تسري عليها القوافل‪ ،‬خاصة أن النقطة الرئيسية‬

‫حصيدة‬

‫العدد ‪13‬‬

‫للنقل هي امليناء البحري يف الالذقية وطرطوس‪،‬‬ ‫اخلاضعان لسلطة النظام‪ .‬أضف إىل ذلك التعدي‬ ‫على هذه القوافل من قبل جمهولني‪ ،‬مث إن عملية‬ ‫التوزيع غري املنتظم حتول دون وصول هذا الدعم‬ ‫إىل مستحقيه‪ ،‬وذلك لعدم خربة هذه اللجان أو‬ ‫عدم وثوق األهايل هبا أحياناً‪ .‬وهناك صعوبات‬ ‫ﻻ ميكن حصرها بعد وصول هذه املواد‪ ،‬من قبيل‬ ‫الدعم املايل ألجور النقل والتحميل وإيصال هذه‬ ‫املواد إىل األهايل يف بيوهتم‪ ،‬هناك الكثري من‬ ‫املعوقات اليت ال يتسع املقام لتعدادها‪.‬‬ ‫هل لك أن تتحدث أكثر عن معاناة‬ ‫متطوعيكم؟‬ ‫ إن الفهم اخلاطئ ألهداف وعمل اهلالل‬‫األمحر واجلهل مببادئه من أول أبواب املعاناة اليت‬ ‫تواجه عمل اهلالليني‪ ،‬كذلك االهتامات اليت‬ ‫يُتهم هبا عناصرنا‪ ،‬مع أن عملنا واضح وضوح‬ ‫الشمس‪ ،‬سواء أصبنا أو أخطأنا‪.‬‬ ‫هناك اهتامات باالبتعاد عن أحد أهم مبادئ‬ ‫منظمة اهلالل األمحر‪ ،‬وهو مبدأ (احلياد) جتاه‬ ‫طريف الصراع يف سوريا‪ .‬ما ردكم على هذه‬ ‫االهتامات؟‬ ‫فعال‪ ،‬هذا وارد وكثرياً ما نسمع مثل هذه‬ ‫اإلهتامات يف الوسط اإلغاثي‪ ،‬لكن من يشاهد‬ ‫عملنا وكيفية مشاركتنا يف كثري من املواقع‬ ‫الساخنة‪ ،‬وعدد الشهداء من املتطوعني واجلرحى‬ ‫واملعتقلني اهلالليني‪ ،‬ﻻ يستطيع القول بأن اهلالل‬ ‫األمحر منحاز إىل جهة أو فصيل ما‪ .‬وهنا جيب‬ ‫التفريق بني نوعني من العمل اإلغاثي الذي‬ ‫ميارسه اهلالل األمحر‪ ،‬األول عمله يف املناطق‬ ‫املسيطر عليها من قبل احلكومة‪ ،‬والثاين العمل يف‬ ‫مناطق املعارضة‪ ،‬فهذه املعادلة الصعبة ﻻ ميكن‬ ‫حلها بسهولة والوصول إىل املتضررين إﻻ بوجود‬ ‫اهلالل‪ ،‬ومبدأ احلياد الذي يؤمن به بعيدا عن‬ ‫السياسة والعسكرة‪ ،‬وهو حناول قدر املستطاع‬ ‫العمل عليه‪ ،‬بالرتكيز على الشأن اإلنساين‬ ‫والتوسط بني األطراف املتنازعة يف كثري من‬ ‫املواقع‪ ،‬مثالً مت التوصل إىل أكثر من اتفاق هدنة‬ ‫إلدخال اإلغاثة أو إخراج اجلرحى‪ ،‬أو الدخول‬ ‫إىل السجون أو إدخال املؤن إىل أحياء حماصرة‬ ‫أو إخراج رهائن لدى الطرفني‪ ..‬إخل‪ .‬برأيي أن‬ ‫اعى متاما يف عملنا‪ ،‬واهلالل األمحر‬ ‫مبدأ احلياد مر ً‬ ‫كان حاجة ملحة للطرفني‪.‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫سمعنا عن وجود مشاكل بين الهالل األحمر‬ ‫وبعض الجهات المعنية بالعمل اإلنساني‪،‬‬ ‫مثل اللجنة الخيرية األهلية‪ .‬ما هي طبيعة‬ ‫هذه المشاكل‪ ،‬وهل هناك تعاون مع أطراف‬ ‫أخرى؟‬ ‫ بشأن طبيعة اخلالف الذي حصل مع جلنة‬‫اإلغاثة‪ ،‬اهلالل للجميع‪ ،‬ومن أهم مبادئه‬ ‫عدم التمييز بني الناس‪ .‬لن أخوض أكثر ألننا‬ ‫منفتحون على اجلميع‪ ،‬وما كان مت جتاوزه‪ ،‬وحنن‬ ‫دائما ننشد التعاون مع كل اجلهات واللجان‪،‬‬ ‫ألن يف ذلك تطبيقا لقوله تعاىل (وتعاونوا على‬ ‫الرب والتقوى وﻻ تعاونوا على اإلمث والعدوان)‪.‬‬ ‫هل تتعرض فرق الهالل األحمر لمضايقات‬ ‫من قبل الكتائب أو المسلحين؟‬ ‫ بفضل حيادية اهلالل وتفانيه يف خدمة‬‫اجلميع‪ ،‬تشكل لدى فصائل املعارضة فهم واضح‬ ‫حول العمل املدين الذي يتوﻻه اهلالل‪ ،‬لذلك مل‬ ‫يتعرض متطوعونا إىل أية مضايقات تذكر‪.‬‬ ‫هل مساعداتكم لجميع الناس أم هي‬ ‫مخصصة للفقراء؟‬ ‫ إن حالة النزوح ومن مث العودة يشكل لدى‬‫كثريين فهماً بأن اإلغاثة هي للجميع‪ ،‬وبالنسبة‬ ‫إىل بعض املناطق اليت توزع فيها اإلغاثة‪ ،‬مثل‬ ‫املخيمات‪ ،‬فإن اإلغاثة للجميع هناك‪ .‬لكن ما‬ ‫حيصل عندنا يف املدينة أن هناك أكثر من ‪3700‬‬ ‫طلب‪ ،‬واإلغاثة اليت تصلنا ال تكاد الكاد تغطي‬ ‫‪ 2000‬طلب إغاثة‪ ،‬مما جيعلنا نتشدد يف دراسة‬ ‫الطلب‪ ،‬ونفرق هذه الطلبات إىل ثالثة مستويات‬ ‫تقييمية‪ .‬إذن هي ليست للجميع‪ ،‬وعلى هذا‬ ‫اﻻساس يتعرض اهلالل األمحر أحيانا إىل سيل‬ ‫من االهتامات حول صحة التوزيع‪ ..‬أخرياً‪ ،‬لدينا‬ ‫أخطاء ألننا بشر‪ ،‬خنطئ ونصيب‪ ،‬ومن يعمل‬ ‫خيطئ أكثر‪ ،‬لكننا واحلمد هلل راضون عن‬ ‫أكثر ْ‬ ‫عملنا وعن مستوى اجلهد املبذول‪.‬‬ ‫كلمة أخيرة‪..‬‬ ‫الوصول‬ ‫يؤمن لفرق اهلالل األمحر‬ ‫ُ‬ ‫نطمح أن َّ‬ ‫اآلمن إىل كل األماكن املتضررة‪ ،‬وأن نستطيع‬ ‫الوصول بسيارات اإلسعاف إىل كل املشايف دون‬ ‫التعرض هلا‪ ،‬وأن تتاح عودة النازحني سريعاً إىل‬ ‫بيوهتم‪ ،‬ليتسىن للهالل اﻻمحر أن يقدم خدماته‬ ‫يف ظل ظروف أفضل‪ .‬يف اخلتام‪ ،‬التطوع هو‬ ‫عطاء دون أخذ‪ٍ ،‬‬ ‫وتفان دون منة‪.‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫حصيدة‬

‫‪5‬‬

‫منتدى المعرفة وحرية التعبير بنسخته الرابعة يستقبل رئيس‬ ‫الحكومة المؤقتة أحمد طعمة في حوار مفتوح‬ ‫نور صالح‬ ‫انعقد يف مدينة غازي عينتاب الرتكية منتدى‬ ‫املعرفة وحرية التعبري‪ ،‬الذي تقيمه جمالت‬ ‫(حنطة) و(صور) و(ضوضاء)‪ ،‬ويستقبل‬ ‫شخصيات سياسية وثقافية سورية ملناقشة وتطوير‬ ‫فكر االختالف وتداول املعرفة وحرية التعبري‪،‬‬ ‫واستضاف املؤمتر يف نسخته الرابعة الدكتور‬ ‫أمحد طعمة رئيس احلكومة السورية املؤقتة‪ ،‬الذي‬ ‫حتدث يف حوار مفتوح مع الشباب واإلعالميني‪،‬‬ ‫وأجاب عن تساؤالهتم اليت دارت حول حماور‬ ‫سياسية واجتماعية واقتصادية‪ ،‬كما ركز ناشطون‬ ‫على ما اختص بالواقع اخلدمي ودور احلكومة‬ ‫املؤقتة يف تعزيز مقومات احلياة يف املناطق احملررة‪،‬‬ ‫وقال طعمة ردا على سؤال عن دور احلكومة‬ ‫املؤقتة يف إيصال اإلغاثة واملساعدات الغذائية‬ ‫إىل احملاصرين‪ ،‬إهنا أرسلت مساعدات مببلغ‬ ‫نصف مليون دوالر لغوطة دمشق احملاصرة‪ ،‬سيتم‬ ‫إيصاهلا يف مواعيد تدرسها احلكومة مع الكتائب‬ ‫العاملة على األرض‪ ،‬وإن العاملني يف اجلهاز‬ ‫اإلداري وامليداين للحكومة يفعلون ما بوسعهم‬ ‫للوصول إىل كل املناطق‪ ،‬منوهاً بأن احلكومة‬ ‫السورية املؤقتة تعد خططا على كل املستويات‬ ‫للتعامل مع التحديات‪.‬‬ ‫واستفاض طعمة يف احلديث عن مؤمتر جنيف‪2‬‬ ‫واحتماالت مشاركة املعارضة فيه‪ ،‬وقال إن املؤمتر‬ ‫إذا ما انعقد على أساس االلتزام بوثيقة جنيف‪،1‬‬ ‫اليت تتضمن نصا واضحا بضرورة تشكيل هيئة‬ ‫حكم انتقالية وإجناز التغيري الدميقراطي للسلطة‬ ‫وإجراء انتخابات عامة من دون األسد‪ ،‬وتطهري‬ ‫األجهزة العسكرية واألمنية‪ ،‬فإن فرصة جناحه‬ ‫ستكون أكرب‪ ،‬وهذا ما يتجه املؤمتر حنوه‪ ،‬وهلذا‬ ‫فإن االئتالف قد يوافق على حضور املؤمتر إذا مت‬ ‫ضمان التزام األسد بنقل السلطة‪ ،‬واعترب طعمة‬ ‫أن أي دولة تقبل خمرجت مؤمتر جنيف‪ 1‬متلك‬ ‫احلق يف حضور جنيف‪ ،2‬وأن املشكلة مع إيران‬ ‫هي يف جتاهلها التام ملا اتفق عليه يف جنيف‪،1‬‬ ‫طعمة قال أيضاً تعليقاً على الزيارة األخرية اليت‬ ‫قام هبا رئيس االئتالف الوطين لقوى الثورة‬

‫واملعارضة أمحد اجلربا إىل موسكو‪ ،‬إن االئتالف‬ ‫مستعد للذهاب إىل أي مكان لعرض قضية‬ ‫الشعب السوري‪ ،‬وإن التعامل مع أي طرف دويل‬ ‫ليس خطأ‪ ،‬بل اخلطأ هو اإلخالل باألسس اليت‬ ‫قامت عليها الثورة السورية‪.‬‬ ‫غياب احلكومة املؤقتة عن حمافظة الرقة‪ ،‬اليت‬ ‫كانت أول حمافظة حمررة‪ ،‬ومناطق أخرى بينها‬ ‫محص‪ ،‬كان مما اعرتف به رئيس احلكومة املؤقتة‪،‬‬ ‫رداً على استفسارات ناشطني من احملافظتني‬ ‫يف املنتدى‪ ،‬وقال إن طبيعة العمل البريقراطي‬ ‫واآلليات اإلدارية اليت تكبل عمل املعارضة‬ ‫تلعب دورا يف إضعاف حضورها يف املناطق‪،‬‬ ‫مؤكداً أن احلكومة املؤقتة تتواصل مع الكوادر‬ ‫امليدانية واإلغاثية واخلدمية وقادة الكتائب يف كل‬ ‫املناطق‪ ،‬وأن حضورها قد ال يكون قوياً ولكنه‬ ‫موجود بقدر املتاح‪.‬‬ ‫وأكد أن املعامالت املالية داخل االئتالف‬ ‫واحلكومة املؤقتة تراقب بآليات دميقراطية‪ ،‬وأن‬ ‫األموال اليت تصل إىل احلكومة املؤقتة توزع يف‬ ‫األماكن املخصصة هلا ووفقا لربامج وخطط‬ ‫يضعها خرباء داخل احلكومة‪ ،‬ووعد بأن يكون‬ ‫للحكومة املؤقتة دور أكرب وأكثر فعالية إذا ما‬ ‫أتاحت الظروف الدولية والواقع امليداين للثورة أن‬ ‫تستطيع احلكومة تطوير أدواهتا وتقوية الروابط‬

‫خاص حنطة‬ ‫بينها وبني الداخل‪ ،‬وقال أيضاً إن نية انتقال‬ ‫وزراء احلكومة املؤقتة وعامليها مجيعا إىل الداخل‬ ‫السوري والعمل يف املدن والقرى احملررة‪ ،‬فكرة‬ ‫قائمة دائماً‪ ،‬وأن من املمكن تطبيقها حاملا‬ ‫تسمح الظروف‪.‬‬ ‫وأكد طعمة يف هناية اللقاء‪ ،‬أن مكاتب االئتالف‬ ‫واحلكومة املؤقتة يف تركيا وغريها مفتوحة لكل‬ ‫السوريني‪ ،‬وناشد اجلميع التوجه إليها حال‬ ‫مواجهتهم أي مشاكل ختص وضعهم‪ ،‬مشددا‬ ‫أن احلكومة لن تتواىن عن تقدمي املساعدة قدر‬ ‫مستطاعها‪ ،‬وجمدداً التأكيد على دور الشباب يف‬ ‫صناعة التغيري الذي ينشده السوريون حنو احلرية‬ ‫والعدالة واملواطنة‪.‬‬

‫خاص حنطة ‪ -‬د‪.‬أحمد طعمة ضيف منتدى المعرفة وحرية التعبير‬


‫‪6‬‬

‫حصيدة‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫قتل‪ ..‬تهجير‪ ..‬اختطاف بانوراما الصحفيين في سوريا‪..‬‬ ‫ِ‬ ‫بعد‬ ‫ثماره‬ ‫يؤت‬ ‫وتحر ٌير لم‬ ‫عابد ملحم‬ ‫ش ّكل اختطاف الصحفيني واإلعالميني يف‬ ‫األشهر األخرية يف سوريا ظاهرًة انشغلت هبا‬ ‫وسائل اإلعالم‪ ،‬واملنظمات الدولية وحقوق‬ ‫ُ‬ ‫اإلنسان‪ ،‬إذ كان هلا قصب السبق يف التنامي‬ ‫يف ٍ‬ ‫بلد يشهد صراعاً بدأ ينحدر حنو ما ميكن أن‬ ‫يسمى حرباً أهلية‪.‬‬ ‫وتدخلت الظروف اليت تعيشها سوريا من فوضى‬ ‫عارمة ودخول أطراف عديدة يف الصراع السوري‬ ‫ذات أيديولوجيات خمتلفة‪ ،‬لتكون عامالً مساعداً‬ ‫لتنامي تلك الظاهرة‪.‬‬ ‫ووثّقت املنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة‬ ‫صحفياً قتلوا يف العام‬ ‫«مراسلون بال حدود» ‪ُ 71‬‬ ‫‪ 2013‬خالل ممارسة أعماهلم‪ ،‬كما سجلت‬ ‫املنظمة زيادة كبرية يف عدد الصحفيني الذين‬ ‫تعرضوا للخطف من ‪ 38‬يف العام ‪ ،2012‬إىل‬ ‫‪ 87‬يف العام ‪ 2013‬والنسبة الساحقة لعمليات‬ ‫اخلطف متت يف الشرق األوسط ومشال أفريقيا‪،‬‬ ‫حيث خطف يف سوريا لوحدها ‪ 49‬صحفياً‪.‬‬ ‫قبل عامني‪..‬‬ ‫مع بداية دخول العام ‪ 2012‬بدأت كتائب‬ ‫اجليش احلر الذي كان عددهُ يف تكاثر مستمر‬ ‫آنذاك‪ ،‬بتحرير أجزاء واسعة من األرض السورية‪،‬‬ ‫لتصل مع هناية العام إىل وقوع حمافظات كاملة‬ ‫بأيدي املنتفضني ضد النظام السوري واملطالبني‬ ‫بسقوطه‪.‬‬ ‫يف ذلك احلني كانت وسائل اإلعالم تمُ نع غالباً‬ ‫وخاصة تلك اليت تواكب بشكل كثيف احلدث‬‫السوري‪ -‬من احلصول على تصريح من وزارة‬ ‫اإلعالم السورية للعمل داخل األرض السورية‬ ‫وتغطية املعارك الدائرة هناك‪ ،‬وذلك لعدة‬ ‫أسباب‪ ،‬أمهها حماولة النظام السوري ضبط احلركة‬ ‫اإلعالمية العربية والعاملية من خالل احتكار‬ ‫مصادر املعلومات‪ ،‬وعدم إفشاء املعلومات عن‬ ‫املعارك الدائرة‪.‬‬ ‫التكنولوجيا احلديثة استطاعت ومنذ اليوم األول‬ ‫خرق ذلك املنع لتصبح القنوات الفضائية‬ ‫ووسائل اإلعالم العاملية وكربيات الوكاالت‬

‫عبد الوهاب المال ‪ -‬مواطن صحفي مختطف من قبل مجهولين في مدينة حلب‬ ‫حتظى بعشرات املصادر من داخل األرض وثقت‬ ‫بعدسات املوبايل‪ ،‬والحقاً بكامريات احرتافية ما‬ ‫كان حيدث‪ ،‬لتأيت نظرية األراضي احملررة لتحل‬ ‫املعضلة بشكل كامل‪ ،‬فاستطاع مئات الصحفيني‬ ‫ووسائل اإلعالم الدخول إىل سوريا عرب احلدود‬ ‫الرتكية واليت أصحبت معابرها إىل الداخل بيد‬ ‫اجليش احلر‪.‬‬ ‫ويف مدن كحلب والرقة‪ ،‬واليت ُش ّكلت فيها‬ ‫منظومات شبه حكومية تابعة للمعارضة تارة‪،‬‬ ‫وأخرى لفصائل حتمل مشروعاً إسالمياً‪ ،‬فظهرت‬ ‫يف البداية ظاهرة الـ «فيكسر» وهو مصطلح يدل‬ ‫على الشخص الذي يقوم باستقبال الصحفي‬ ‫األجنيب‪ ،‬وتويل مهمة الرتمجة له‪ ،‬وتوفري مصادر‬ ‫املعلومات‪ ،‬وأيضاً إتاحة الفرصة له للتحدث مع‬ ‫قادة عسكريني وزيارة جبهات ساخنة‪ ،‬وأيضاً‬ ‫تأمني اإلقامة واالتصال باإلنرتنت (عرب جهاز‬ ‫بث فضائي غالباً) مقابل مبالغ مالية‪.‬‬ ‫وبدأت تلك الظاهرة باالنتشار بشكل كبري يف‬ ‫العديد من املدن السورية ال سيما يف الرقة ّأوِل‬ ‫حمافظة حمررٍة بالكامل‪ ،‬وإن كانت حلب قد‬ ‫سبقتها بأشواط يف هذه اجملال‪.‬‬ ‫مل تكن الفصائل العسكرية آنذاك تكرتث‬ ‫لإلعالميني والصحفيني القادمني‪ ،‬وكان التساهل‬ ‫معهم حاضراً بشكل دائم‪ ،‬األمر الذي باغت‬ ‫قادة تلك الفصائل‪ ،‬فدخل عشرات اجلواسيس‬

‫ألجهزة استخبارات عديدة‪ ،‬بصفة صحفي‪،‬‬ ‫وتسبّب ذلك غالباً بإفشاء العديد من املعلومات‬ ‫والصور‪ ،‬لتلك األجهزة وتسريبها الحقاً لوسائل‬ ‫ألمر اعتربه الناشطون على‬ ‫اإلعالم الغربية‪ٌ ،‬‬ ‫األرض تشويهاً للثورة وصورة املقاتلني‪.‬‬ ‫خرجت مئات التقارير واألفالم الوثائقية والصور‬ ‫اليت حتكي الوضع السوري‪ ،‬وتصدرت الصور‬ ‫صفحات وسائل اإلعالم الغريب يف شكل بدا أنه‬ ‫تعاطف مع الثورة والثوار إال أن ما حدث بعد‬ ‫ذلك غيرّ الكثري‪..‬‬ ‫التحول‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫بدأت مظاهرة «األسلمة» تظهر على الكتائب‬ ‫املقاتلة لقوات النظام‪ ،‬وإن كانت موجودةً منذ‬ ‫البدء إال أهنا كانت خجولة‪ ،‬خاصة إىل جهة‬ ‫تطبيق النصوص الدينية أو ما يعرف بالشريعة‬ ‫اإلسالمية‪.‬‬ ‫ومع دخول العام ‪ ،2013‬وانفراط عقد جبهة‬ ‫النصرة‪ ،‬إثر مبايعة «اجلوالين» لـ زعيم تنظيم‬ ‫القاعدة «أمين الظواهري»‪ ،‬ظهر تنظيم الدولة‬ ‫اإلسالمية يف العراق والشام‪ ،‬والذي أظهر‬ ‫تش ّدده منذ البداية‪ ،‬فكان حامساً مع وسائل‬ ‫اإلعالم‪ ،‬وخاصة األمريكية منها‪ ،‬وملا تش ّكله‬ ‫تعرض الصحفيون‬ ‫مفردة «أمريكا» ملقاتليه‪ ،‬فقد ّ‬ ‫األمريكان إىل أكرب موجة من االختطاف وذبح‬ ‫الحقاً‪ ،‬وبقي عشرات منهم حىت اليوم جمهويل‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫املصري كالصحفي «ستيفان ستولوف» الذي‬ ‫استقبله أحد «الفيكسرية» من احلدود السورية‬ ‫الرتكية قادماً به إىل حلب‪ ،‬فخطف االثنان‪،‬‬ ‫ليفرج عن األول ويبقى الثاين مبصري جمهول‪.‬‬ ‫أمين يف تنظيم الدولة‪ :‬الصحافة هي قلب احلق‬ ‫باطالً‪ ،‬والباطل إىل حق!‬ ‫العبارة أعاله‪ ،‬مجلة أطلقها أحد القادة األمنيني‬ ‫يف تنظيم الدولة‪ ،‬عندما مسع بأين صحفي أثناء‬ ‫تعريف صديق مشرتك بيين وبينه‪..‬‬ ‫تعميم ذلك املفهوم على باقي أفراد التنظيم‬ ‫وأيديولوجيته‪ ،‬أمر واقع‪ ،‬وإذا ما أضفنا جنسية‬ ‫الصحفي‪ ،‬أمريكياً كان أو غري ذلك‪ ،‬فهو بنظر‬ ‫جمرد كافر يوجب قتاله‪.‬‬ ‫التنظيم ّإما جاسوس‪ ،‬أو ّ‬ ‫ومن ذلك املنطلق بدأت محلة خطف الصحفيني‬ ‫تزداد باطراد مع تزايد نفوذ تنظيم الدولة ومساحة‬ ‫األراضي الواقعة حتت نفوذه‪.‬‬ ‫أنكر التنظيم مراراً قيامه خبطف الصحفيني‬ ‫والنشطاء اإلعالميني يف الداخل‪ ،‬وذلك بعد‬ ‫تدخل أصحاب نفوذ عسكريني وأمنيني لإلفراج‬ ‫ّ‬ ‫لعل أبرز تلك احلوادث ما‬ ‫عن بعض املعتقلني‪ ،‬و ّ‬ ‫حدث مع اإلعالمي «عبد الوهاب ملاّ » عندما‬ ‫أُعلن عن اختطافه‪ ،‬وحبكم معارف «املال» ال ُكثر‬ ‫يف صفوف اجليش احلر والفصائل األخرى‪ ،‬فإ ّن‬ ‫أحداً مل يتم ّكن من الوصول إىل سحب اعرتاف‬ ‫من التنظيم بأنه املسؤول عن اختطافه‪.‬‬ ‫ما حدث مع امللاّ حدث مع كثر غريه‪ ،‬كـ‬ ‫«عبيدة بطل» مراسل تلفزيون أورينت واثنني من‬ ‫فريق البث املباشر‪ ،‬تكرر مرات عدة بعد ذلك‬ ‫مع آخرين كـ «أمحد برميو» الصحفي والناشط يف‬ ‫جمال اإلغاثة‪ ،‬وأيضاً مع «مؤيد سلوم» مراسل‬ ‫تلفزيون أورينت‪ ،‬بل حىت أن التنظيم أصدر مرةً‬ ‫بياناً يتعهد فيه بالبحث عن هؤالء املختطفني‪.‬‬ ‫يؤسس الحتاد إعالميني يف‬ ‫رحيل ّ‬ ‫حممد سعيد‪ٌ ..‬‬ ‫الدخل‪..‬‬ ‫اغتيال حممد سعيد مراسل قناة العربية‪ ،‬يف‬ ‫أهلب ُ‬ ‫قريته «حريتان» بريف حلب بثالث رصاصات‬ ‫يف الرأس من مسدس كامت للصوت‪ ،‬أثناء وجوده‬ ‫عند احلالق‪ ،‬مشاعر احلنق والغضب لدى‬ ‫إعالميي حلب‪ ،‬والذين هم يف الغالب نشطاء‬ ‫إعالميون غري متخصصني (دخلوا اجملال أثناء‬ ‫الثورة) ليقوم فيما بعد «عبد الوهاب مال» وعدد‬

‫حصيدة‬

‫من أصدقاء السعيد باجتماع سريع إلبداء موقف‬ ‫ما مما حيدث‪ ،‬فاجتمع حوايل ‪ 200‬إعالمي يف‬ ‫خطوة مفاجئة للجميع حيث نوقشت ظروف‬ ‫رحيل «السعيد» وطرح اسم تنظيم الدولة ألول‬ ‫مرة خاصة بعد ظهور منشور إلحدى الصفحات‬ ‫التابعة للدولة يقول بأنه «مت كتم انفاس مرتد‬ ‫يعمل لدى قناة العربية»‪.‬‬ ‫وقبل ذلك بستة أشهر عكف عدد من‬ ‫اإلعالميني على تأسيس احتاد يضم اإلعالميني‬ ‫يف حلب ليكون نواة الحتاد شامل يف مجيع أحناء‬ ‫سوريا‪ ،‬إال أن املشروع قيّض له أن يندثر لعدم‬ ‫توافر اإلمكانات‪ ،‬األمر الذي جعل هذا املشروع‬ ‫يعود ليحىي من جديد‪.‬‬ ‫أربعة أيام من موت السعيد قضاها اإلعالميون يف‬ ‫حلب بورشة عمل دائمة‪ ،‬خلصت إىل اإلعالن‬ ‫كون جلانه الثالث‬ ‫عن االحتاد‪ ،‬الذي مل يلبث أن ّ‬ ‫(احلريات‪ ،‬التفاوض‪ ،‬التنظيم)‪ ،‬حىت ُخطف أحد‬ ‫أعضائه (مؤيد سلوم) مراسل قناة أورينت‪ ،‬تبعهُ‬ ‫فوراً أبرز الداعني إلنشاء االحتاد (عبد الوهاب‬ ‫مال)‪ ،‬لينفرط العقد ويصل االختطاف لـ «أمحد‬ ‫برميو»‪ ،‬ولؤي أبو اجلود مراسل العربية أيضاً‪،‬‬ ‫ولتصل هتديدات عدة لكافة أعضاء اللجان‬ ‫التحضرية يف االحتاد‪.‬‬ ‫انفرط عقد االحتاد ومل يستطع إكمال املسرية‪،‬‬ ‫وتعرض مكتب فريق «مجع» اإلعالمي للمدامهة‬ ‫حبثاً عن «رأفت الرفاعي» مراسل قناة أورينت‪،‬‬ ‫وخطف أربعة من مكتب قناة شدا احلرية عرف‬ ‫ُ‬ ‫أهنم أعدموا الحقاً عقب حترير مقرات التنظيم‬ ‫من قبل جيش اجملاهدين‪.‬‬ ‫فراغ إعالمي سبّبته «اهلجرة»‪ ..‬واستهداف‬ ‫متزامن ملقرات إعالمية‪..‬‬ ‫هاجر العشرات من الصحفيني والنشطاء‬ ‫اإلعالميني من الداخل السوري عقب تسارع‬ ‫وترية االختطاف والتصفية‪ ،‬ووصل إىل مدينة‬ ‫«عنتاب» الرتكية وحدها أكثر من ‪ 50‬ناشطاً‬ ‫إعالمياً‪ ،‬فضالً عن الصحفيني املتخصصني‪.‬‬ ‫وتوقفت حركة الصحافة األجنبية بشكل كامل‬ ‫إىل الداخل السوري‪ ،‬وبات الصحفيون األجانب‬ ‫يكتفون بالوصول إىل «عنتاب» الرتكية ويف‬ ‫أحسن األحوال إىل احلدود السورية الرتكية‬ ‫وميارسون عملهم من هناك‪.‬‬

‫‪7‬‬ ‫يف هذه األثناء تعرض أكثر من مقر إعالمي‬ ‫لقصف غري مسبوق من قبل طريان اجليش‬ ‫السوري‪ ،‬فمثالً قصف مقر «مركز حلب‬ ‫اإلعالمي» ألول مرة‪ ،‬كما طال قصف شبكة‬ ‫«حلب نيوز» اإلخبارية‪ ،‬علماً أهنما مل يتعرضا‬ ‫للقصف قبل ذلك أبداً‪.‬‬ ‫التحرير‪..‬‬ ‫ويف عقب األحداث األخرية اليت شهدهتا املناطق‬ ‫الشمالية من سوريا‪ ،‬متكنت اجلبهة اإلسالمية‬ ‫وجيش اجملاهدين‪ ،‬وجبهة ثوارسوريا‪ ،‬من حترير‬ ‫أجزاء واسعة من املناطق اليت يسيطر عليها تنظيم‬ ‫الدولة اإلسالمية يف العراق والشام‪.‬‬ ‫وأدى ذلك بشكل روتيين إىل حترير األسرى‪،‬‬ ‫فمثالً ُحرر يف مقر التنظيم يف مدينة حلب‬ ‫لوحدها حوايل ‪ 300‬سجني‪ ،‬بينهم كان‬ ‫الصحفي «أمحد برميو» و اإلعالمي «ميالد‬ ‫شهايب»‪ ،‬فيما وجدت جثث أربعة إعالميني‬ ‫وهم إعالميو قناة شدا احلرية‪ ،‬حيث مت إعدامهم‬ ‫مع ‪ 30‬آخرين قبل انسحاب التنظيم من املقر‪.‬‬ ‫وبقي مصري العديد من الصحفيني جمهوالً رغم‬ ‫حماوالت البحث املكثفة عنهم‪ ،‬مع بقاء احتمال‬ ‫إعدامهم من قبل التنظيم‪.‬‬ ‫يف سوريا‪ ،‬مل جيد الصحفيون السوريون وحىت‬ ‫األجانب مكاناً يستطيعون القيام فيه بعملهم‬ ‫على أكمل وجه‪ ،‬فكل منطقة وهلا قوانينها‪ ،‬فإذا‬ ‫قرر الصحفي الدخول إىل املناطق احملررة سيكون‬ ‫مؤدجلاً ملا متليه عليه الفصائل املقاتلة‪ ،‬فضالً عن‬ ‫احتمال تعرضه لسوء من قبل التكفرييني‪ ،‬أما‬ ‫إن استطاع احلصول على تصريح رمسي من وزارة‬ ‫اإلعالم‪ ،‬فسيكون ملزماً باملسري جنباً إىل جنب‬ ‫مع عناصر اجليش السوري أيضاً ومن خلفه‬ ‫وأمامه إيعازات العسكر وما جيب أن يصور وما‬ ‫ال جيب أن يصور‪.‬‬


‫‪8‬‬

‫حصيدة‬

‫أطفال تل أبيض‪ ،‬حين انتصر البؤس‬

‫حالة من الفوضى وانعدام املعايري الضابطة للعمل‬ ‫وظروفه على البوابة احلدودية اليت تفصل األراضي‬ ‫السورية عن الرتكية‪ ،‬يف مدينة تل أبيض التابعة‬ ‫حملافظة الرقة‪.‬‬ ‫يصل عدد األطفال والشباب متوسطني العمر‬ ‫الذين يعملون على البوابة احلدودية السورية‬ ‫الرتكية يف مدينة تل ابيض ما بني ‪ 50‬إىل ‪60‬‬ ‫يومياً‪ ،‬غالبيتهم من األطفال‪ ،‬حسب مسؤولني‬ ‫على املعرب‪.‬‬ ‫جتولنا عند املعرب‪ ،‬سيارات وذاهبون وعائدون‬ ‫واكتظاظ بالبشر واملواد والصراخ‪.‬‬ ‫الحظنا فعالً كثرة األطفال‪ ،‬أطفال يبيعون‪،‬‬ ‫يصيحون على بضاعتهم‪ ،‬وآخرون يعملون‬ ‫محالني على املعرب‪ ،‬وهناك من يبيع سندويشات‬ ‫وأطعمةً{ وهناك من يعمل أي شيء‪ :‬يقف‬ ‫الطفل أو املراهق‪ ،‬وينتظر من حيتاج مساعدة يف‬ ‫نقل شيء أو تسيري أوراق أو أشياء من هذا‬ ‫القبيل‪ ،‬مقابل مبلغ من املال يتفق عليه‪.‬‬ ‫عند سؤال أحد األطفال‪ ،‬امسه علي‪ ،‬قال إنه يبلغ‬ ‫من العمر ‪ 12‬عاماً‪.‬‬ ‫قلنا له ملاذا أنت هنا‪ ،‬فأجاب بصوت عملي وبال‬ ‫مبالغات‪ ،‬وكأنه اعتاد هذا النوع من األسئلة‪ :‬هذا‬ ‫مصدر رزقي‪ ،‬أنا أعيش من عملي هنا‪ .‬ستقول‬ ‫يل ملاذا لست يف املدرسة‪ .‬املدرسة «ما بتطعمي‬ ‫خبز‪.»..‬‬ ‫شرح لنا علي أنه يأيت إىل املعرب منذ الصباح الباكر‪،‬‬ ‫وأنه يعمل حىت وقت متأخر جداً من النهار‪.‬‬ ‫علي يرعى أسرة مؤلفة من عشرة أشخاص‪.‬‬ ‫«أمي مريضة وأيب كذلك‪ .‬إنه يعاين من أمراض‬ ‫رئوية‪ ،‬مل جيربين أحد على ترك املدرسة‪ ،‬ظروف‬ ‫احلياة الصعبة هي اليت أوصلتين إىل هذا املكان‪.‬‬ ‫كنت أرغب فعالً أنا أكمل تعليمي وأصبح‬ ‫حمامياً‪ ،‬كان هذا حلم أمي وحلمي أيضاً‪.»..‬‬ ‫يكسب علي يوميا بني ‪ 1500‬إىل ‪ 2000‬لرية‬ ‫سورية‪ .‬يتوقف ذلك على أيام دوام البوابة‪ ،‬لكن‬ ‫العمل جمهد وفوق طاقة طفل يف عمر علي‪.‬‬ ‫«باألخري أنا جمبور‪ ..‬عندك حل تاين؟»‪.‬‬ ‫ابراهيم أيضا طفل يعمل على بوابة املعرب‪،‬‬ ‫يتيم األب‪ ،‬أخربنا ابراهيم أنه ينبغي أن يكون‬ ‫يف الصف اخلامس اآلن‪ ،‬لكنه تابع‪« :‬املدرسه‬ ‫ألهلها‪ ..‬إذا أنا ما اشتغلت أهلي يشحدو حق‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫الرقة ‪-‬خليل سليمان‬

‫خاص حنطة ‪ -‬أطفال يمارسون مهنة العتالة على البوابة الحدودية ‪ -‬تل أبيض‬ ‫اخلبز‪ ،‬باليوم اطالع ‪ 1000‬أو ‪ 1500‬أحسن‬ ‫من ألف مدرسة‪ ،‬وراي أيتام بدهم يعيشون‪ ،‬واهلل‬ ‫بيعوضين بأحسن من املدرسة‪ ،‬اهلل كرمي»‪.‬‬ ‫األمل املشوب بالقهر والغنب‪ ،‬هذه النفوس‬ ‫الصغرية اليت يطحنها واقع احلرب يف سوريا‪،‬‬ ‫حتاول جاهدة املقاومة واملواصلة‪ .‬كل األطفال‬ ‫انتقدوا أسئلتنا بشكل غري مباشر وبذكاء‪ .‬دائماً‬ ‫كان السؤال «ألديك حل آخر؟» حاضراً‪ .‬يتعلم‬ ‫هؤالء الصغار الواقعية باكراً باكراً‪ ،‬ينسون كيف‬ ‫حيلمون ويتعلمون فقط كيف يصارعون احلياة من‬ ‫أجل اللقمة‪.‬‬ ‫مصطفى يبلغ من العمر ‪ 10‬سنوات‪ ،‬نازح من‬ ‫ريف مدينة حلب‪ ،‬أخربنا أيضاً أنه مل يذهب‬ ‫للمدرسة منذ عامني‪.‬‬ ‫«باألول ألنو كنا نقول ال دراسة وال تدريس حىت‬ ‫يسقط الرئيس‪ ،‬بعدين ما عاد يف مدرسة ألنو‬ ‫انقصفت‪ ،»..‬وتابع قائالً‪« :‬هنا نرتزق ونكسب‬ ‫املال ونعني أهلنا‪ ،‬ال ميكن التوفيق بني املدرسة‬ ‫أفضل لقمة اخلبز على الدفرت‬ ‫والعمل‪ ،‬لذلك ّ‬ ‫والقلم‪ ،‬التعليم ضروري لكن احلياة ال تستمر‬ ‫بدون أن نأكل»‪.‬‬ ‫امساعيل قصة فريدة أخرى بني حاالت أطفال‬ ‫ومراهقي معرب تل أبيض‪ ،‬يبلغ من العمر ‪18‬‬ ‫عاماً‪ ،‬امساعيل يعيل إخوته يف غياب األب واألم‪.‬‬ ‫«ليس من الضروري أن يدرس كل أفراد العائلة‪،‬أنا‬ ‫أعمل هنا منذ الصباح الباكر حىت املساء‪ .‬أذهب‬ ‫إىل البيت بعد أن أقوم بشراء بعض االحتياحات‪،‬‬ ‫فنحن عائلة بال أب وال أم‪ ،‬لدي أخت أكرب مين‬ ‫وثالثة إخوة صغار‪ ،‬لذلك أقوم مع جمموعة من‬ ‫أصدقائي بالعمل ليالً‪ .‬يف الليل نعمل بالتهريب‪،‬‬ ‫أحيانا أكسب يف اليوم ‪ 5000‬لرية وحينها‬ ‫أكون سعيداً‪.‬‬

‫خالد وحسن ومصطفى‪ ،‬إخوة بأعمار متقاربة‪.‬‬ ‫يقول خالد وهو األخ األكرب ويبلغ من العمر‬ ‫‪ 14‬عاماً‪« :‬بعد أن تركنا أيب اضطررنا للعمل‪،‬‬ ‫نعيل أمي وأختاً تبلغ من العمر ست سنوات»‪.‬‬ ‫مطصفى األصغر بني الثالثة هو الوحيد الذي‬ ‫يذهب إىل املدرسة‪« .‬أحيانا» على حد تعبريه‪،‬‬ ‫وليس دائماُ‪ ،‬فالعمل أهم‪.‬‬ ‫«نبعثه للمدرسة كي ال ينسى القراءة والكتابة‪،‬‬ ‫ومبعدل وسطي نكسب يوميا حوايل ‪4000‬‬ ‫لرية‪ ،‬ذليتنا يا بشار اهلل ال يوفقك» يقول األخ‬ ‫األكرب‪.‬‬ ‫مشهد البوابة احلدودية‪ ،‬وهو يزدحم برجال‬ ‫الضرورة هؤالء‪ ،‬يعكس صورة مصغرة عن واقع‬ ‫أطفال سوريا اليوم‪ ،‬فوضى وانتهاك مستمر‬ ‫لطفولتهم‪ ،‬يعلق بعض املارين باملعرب أن كثريين‬ ‫من األطفال ميتهنون السرقة أو التهريب‪ ،‬وأهنم‬ ‫يبدون كأمنا ليس لديهم أهل‪ ،‬لكن حىت هؤالء‬ ‫املتذمرون كانوا متعاطفني مع األطفال‪ ،‬الكل هنا‬ ‫على ما يبدو‪ ،‬يعلم متاما الظروف اليت ساقتهم‬ ‫إىل هنا‪.‬‬ ‫التفكري يف حلول عاجلة ألطفال سوريا‪ ،‬ال ميكن‬ ‫إال أن يكون جزءاً رئيسياً من أي خطة دولية‬ ‫حلل النزاع يف البالد‪،‬ويف ظل غياب احلكومة‬ ‫السورية املؤقتة عن احتياجات الداخل‪ ،‬وعدم‬ ‫وجود أي جهة ترعى هؤالء األطفال وتتوىل أمر‬ ‫إعادهتم إىل شرط احلد األدىن للطفل من مسكن‬ ‫ومأكل وتعليم الئق ومحاية‪ ،‬ال يبدو أبداً أن شيئاً‬ ‫من هذا قريب‪ ،‬لكن أقل املمكن أن ال يسكت‬ ‫إعالم الثورة عن قضيتهم‪ ،‬وأن تستمر األصوات‬ ‫عل يف جنيف‪ ،‬أو غريها‪،‬‬ ‫ترصد وتتابع وتنادي‪ّ ،‬‬ ‫من يسمع‪..‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪ 2014‬حكايا البيدر‬

‫الدعم النفسي لألطفال بعد الصدمات «األزمات»‬

‫األزمة هي حالة غري معتادة‪ ،‬معزولة عما سبقها‬ ‫من جتارب‪ ،‬وينتج عنها ردود فعل طبيعية‬ ‫غريزية تتجلى بـ (اخلوف‪ -‬القلق‪ -‬االنطواء‪-‬‬ ‫االكتئاب‪ -‬احلزن الشديد‪ ،)..‬ورد الفعل الناتج‬ ‫عن األزمات‪ :‬هو استجابة طبيعية حلدث غري‬ ‫طبيعي‪.‬‬ ‫ولألزمات أنواع منها من عمل اإلنسان «حرب‪-‬‬ ‫حوادث سري‪ »..‬ومنها ما هو من عمل الطبيعة‬ ‫«زلزال‪ ،‬عاصفة‪ ،‬طوفان‪ ،‬حريق‪ ،‬جائحة‬ ‫مرضية»‪ ،‬بينما تنقسم االرتكاسات الطبيعية‬ ‫للحوادث غري الطبيعية إىل أربعة تصنيفات‪:‬‬ ‫‪-1‬انفعالية‪ :‬وتشمل «احلزن‪ ،‬الغضب‪ ،‬اليأس‪،‬‬ ‫العجز‪ ،‬اإلنكار‪ ،‬اخلدر الشعوري‪ ،‬القلق‪ ،‬اهللع»‪.‬‬ ‫‪-2‬استعرافية‪ :‬وتشمل «ضعف الرتكيز‪ ،‬ضعف‬ ‫الذاكرة‪ ،‬عدم التصديق‪ ،‬التخوف‪ ،‬صعوبة اختاذ‬ ‫القرارات»‪.‬‬ ‫‪-3‬جسدية‪:‬وتشمل «التعب‪ ،‬األرق‪ ،‬الصداع‪،‬‬ ‫فرط اليقظة والتنبه‪ ،‬األعراض القلبية الوعائية‪،‬‬ ‫املخاوف الصحية»‪.‬‬ ‫‪-4‬اجتماعية‪ :‬وتشمل «االنسحاب اجتماعي‪،‬‬ ‫الشعور بالرفض من قبل اآلخرين‪ ،‬توتر العالقات‬ ‫مع اآلخرين‪ ،‬الشعور بعدم اهتمام اآلخرين‪،‬‬ ‫تدهور األداء‪ ،‬فرط احلماية»‪.‬‬ ‫التدبير النفسي االجتماعي لألزمة‪:‬‬ ‫‪-1‬تأمني االحتياجات األساسية «مأوى‪ ،‬طعام‪،‬‬ ‫نقل‪ ،‬صحة‪ ،‬اتصاالت»‪.‬‬ ‫‪-2‬اخلدمات اإلنسانية‪« :‬رعاية األطفال‪ ،‬جتميع‬ ‫األسر»‪.‬‬ ‫‪-3‬توزيع املعلومات‪.‬‬ ‫‪-4‬دعم الصمود الفردي واجلماعي‪.‬‬ ‫‪-5‬البحث عن العواقب النفسية‪.‬‬ ‫‪-6‬معاجلة اآلثار اآلنية واملديدة للكرب‪.‬‬ ‫إعادة تنظيم الحياة بعد األزمة‪:‬‬ ‫‪-1‬استعادة األمان «استعادة حس األمان‪،‬‬ ‫تأمني املأوى واملأكل‪ ،‬بناء عالقة ثقة»‪.‬‬ ‫‪-2‬التأقلم مع الكرب «ذكريات‪ ،‬حداد‪ ،‬تفهم‪،‬‬ ‫إرشاد‪ ،‬مواجهة الكرب»‪.‬‬ ‫‪-3‬عودة احلياة املعتادة «استعادة املقدرة على‬ ‫الفعل‪ ،‬التكامل مع احلياة اليومية‪ ،‬تكامل الكرب‬ ‫مع التاريخ الشخصي»‪.‬‬

‫األطفال في ظل األزمات‪:‬‬ ‫ينمو كثري من األطفال يف معظم أحناء العامل‪ ،‬مع‬ ‫األسف‪ ،‬يف جو من العنف واإلرهاب والنزاعات‬ ‫العسكرية‪.‬‬ ‫وال شك أن تدور يف أذهاهنم الكثري من األسئلة‬ ‫امللحة حول األزمات اليت نواجهها‪ ،‬مثل احلروب‬ ‫وأسباب النزاعات وموقف اإلنسان منها‪ .‬وميكن‬ ‫هلذه األسئلة واألفكار أن تؤثر كثرياً على منو‬ ‫األطفال وفهمهم ألنفسهم ولغريهم وللعامل من‬ ‫حوهلم‪.‬‬ ‫وال غرابة أن يسأل األطفال يف وقت احلروب‬ ‫أسئلة معقدة وصعبة‪ ،‬ويتعقد املوقف أكثر يف‬ ‫هذا الوقت‪ ،‬إذ تعج وسائل اإلعالم صباح مساء‬ ‫بأخبار هذه النزاعات واحلروب‪ ،‬مع نقل الصور‬ ‫الفورية‪ ،‬واألصح أن وسائل اإلعالم هذه تنقلنا‬ ‫و أبناءنا إىل موقع احلدث أو االنفجار أو القتل‪.‬‬ ‫ومما يقلق اآلباء واملعلمني واملربني‪ ،‬هو كيفية‬ ‫محاية صغارهم من التأثريات الضارة لكل هذه‬ ‫األحداث‪ ،‬فنجد اآلباء يسألون عن الطريقة‬ ‫املثلى للتعامل مع األبناء والصغار يف هذه‬ ‫الظروف الصعبة‪ ،‬وعن املعلومات اليت يفيد‬ ‫إطالعهم عليها‪.‬‬ ‫كيف يتفاعل األطفال مع األزمات؟‬ ‫ختتلف ردود أفعال الصغار على أخبار احلروب‬ ‫والنزاعات والصور املرافقة هلا‪ ،‬بسبب عوامل كثرية‬ ‫مثل‪ :‬عمر الطفل وشخصيته والتجارب اليت مر‬ ‫هبا يف حياته‪ ،‬وعالقته مبن حوله‪ ،‬كالوالدين‬ ‫وغريمها‪ ،‬وأكثر ما يزعج األطفال الصغار قبل‬ ‫املرحلة املدرسية هي املناظر املرعبة واملؤملة‪،‬‬ ‫الدوي واالنفجارات‪.‬‬ ‫وكذلك أصوات‬ ‫ّ‬ ‫وليس ُمستغرباً أن خيلط أطفال هذه السن بني‬ ‫احلقيقة وبني خياالهتم‪ ،‬ويف تقديرهم حلجم‬ ‫األخطار واألذى الذي قد يلحق هبم أو بغريهم‪.‬‬ ‫ومن السهل أن تسيطر مشاعر اخلوف والقلق‬ ‫على هؤالء األطفال‪ ،‬فيصعب عليهم إدراك‬ ‫حقيقة األمر‪ ،‬وإبعاد األفكار املخيفة عن‬ ‫أذهاهنم‪.‬‬ ‫وبينما ميكن ألطفال املرحلة املدرسية التفريق‬ ‫بني احلقيقة واخليال‪ ،‬يصعب عليهم يف بعض‬ ‫األوقات الفصل بينهما‪ ،‬فقد خيلط الطفل بني‬ ‫مشهد من فيلم خميف وبني منظر من مناظر‬

‫‪9‬‬ ‫هيفين اإلدلبي‬

‫األخبار‪ ،‬مما يدفعه إىل املبالغة يف حقيقة األخبار‪.‬‬ ‫قد ال ينتبه الطفل إىل أن بعض املشاهد اإلخبارية‬ ‫يعاد عرضها مرات ومرات‪ ،‬وال يدرك أهنا تتكرر‬ ‫من جديد‪ .‬وبسبب وضوح الصور املنقولة‪ ،‬فقد‬ ‫يشعر الطفل أن احلدث قريب منه كثرياً‪ ،‬ورمبا يف‬ ‫الشارع الذي يسكنه‪.‬‬ ‫أما أطفال املرحلة اإلعدادية وشباب الثانوية‬ ‫فنجدهم أكثر اهتماماً بالنقاشات املتعلقة حبالة‬ ‫األزمة احلالية‪.‬‬ ‫وميكن لشخصية الطفل وطبيعته املزاجية أن تؤثر‬ ‫كذلك يف تفاعله مع احلدث‪.‬‬ ‫فبعض األطفال أكثر عرضة للخوف والقلق‬ ‫بسبب طبيعتهم النفسية‪ ،‬بالتايل حيرك عندهم‬ ‫اخلرب ِ‬ ‫اخلطر مشاعر اخلوف واالضطراب‪.‬‬ ‫وال ننسى أن األطفال يتفاوتون كذلك يف طبيعة‬ ‫عالقتهم مع األزمات الواقعة وخاصة احلرب أو‬ ‫النزاع‪ ،‬فقد يكون لبعضهم أقارب أو أناس من‬ ‫نفس اجلنسية أو اهلوية أو الديانة هلم تدخل‬ ‫مباشر يف احلرب أو القتال الدائر‪ ،‬وال شك أن‬ ‫هؤالء األطفال أكثر عرضة للتأثر باألحداث‬ ‫الدائرة‪.‬‬ ‫وقد مييل األطفال الكبار إىل ربط أخبار احلرب‬ ‫أو القتال بأمورهم وظروفهم الشخصية‪ ،‬وكأهنا‬ ‫تتعلق هبم مباشرة‪.‬‬ ‫ومن أكثر ما يشغل ذهن األطفال الصغار اخلوف‬ ‫من االفرتاق عن الوالدين‪ ،‬ومفهوم اخلري والشر‪،‬‬ ‫واخلوف من العقاب‪ ،‬وقد يسأل الطفل الصغري‬ ‫فيما إذا كان سلوكه حسنا أو سيئا‪ ،‬معتقداً أن‬ ‫احلرب قد وقعت على األطفال الذين يشاهدهم‬ ‫يف األخبار بسبب أن سلوكهم مع والديهم مل‬ ‫يكن حسناً‪ ،‬لذلك فاحلرب عقاب هلم‪.‬‬ ‫ومن املؤشرات القوية لتأثر األطفال باحلرب‬ ‫والقتال‪:‬‬ ‫ تراجع الطفل أو نكوصه إىل سلوك طفويل‬‫كان قد منا وجتاوزه يف مرحلة من مراحل عمره‬ ‫السابقة‪ ،‬مثال اخلوف من النوم منفرداً‪ ،‬والتبول‬ ‫الالإرادي‪ ،‬ومص اإلصبع وغريها من تصرفات‬ ‫متيّز من هم أصغر منه سناً‪.‬‬ ‫ التعلق الزائد بأحد والديه أو كليهما‪ ،‬وقلقه‬‫إذا ابتعد عنهما ولو لوقت قصري‪.‬‬ ‫‪ -‬االنطواء الشديد الذي ال ينسجم مع طبيعة‬


‫‪10‬‬

‫نفسيته السابقة‪.‬‬ ‫ اضطراب النوم والكوابيس الليلية‪.‬‬‫ التعلق الوسواسي القهري بأمور احلرب كتكرار‬‫األسئلة املتعلقة هبذه احلرب‪.‬‬ ‫ اخلوف من أمور مل يكن خيافها من قبل‬‫كالظلمة والليل‪.‬‬ ‫ السلوك العدواين من الضرب واالعتداء على‬‫األشقاء أو غريهم‬ ‫ما التأثير النفسي لتلك األزمات العنيفة على‬ ‫األطفال؟‬ ‫األطفال أكثر تضررا ً لعدم قدرهتم على فهم‬ ‫ما يدور حوهلم‪ ،‬وتشمل اآلثار النفسية للتعرض‬ ‫لألزمات واحلروب والكوارث عددا من األعراض‬ ‫الفزع الليلي واملعاناة من القلق‪( ،‬الفوبيا) أو‬ ‫(اخلوف املرضي) من األصوات أو الظالم أو غريها‬ ‫من مصادر اخلوف لدي األطفال‪ ،‬واالنتكاسة‬ ‫يف بعض املهارات اليت مت اكتساهبا‪ ،‬فيظهر التبول‬ ‫الال إرادي‪ ،‬وعدم القدرة علي التواجد مبفرده‪،‬‬ ‫إضافة إىل ظهور بعض االضطرابات السلوكية‬ ‫مثل قضم األظافر والكذب والعنف يف التعامل‬ ‫مع األشياء واألشخاص‪ ،‬وظهور مشكالت يف‬ ‫الكالم كالتلعثم أو الصوت اخلافت‪.‬‬ ‫األطفال اللذين تعرضوا النتهاكات احلرب يف‬ ‫سوريا ولبنان وفلسطني و‪ ..‬إخل‪ ،‬بشكل مباشر‬ ‫أو غري مباشر من خالل قصف منازهلم‪ ،‬أو‬ ‫هدمها‪ ،‬أو اعتقال‪ ،‬أو قتل ذويهم‪ ،‬أو بشكل‬ ‫غري مباشر من خالل مشاهدهتم النتهاكات‬ ‫احلرب من خالل التلفاز‪ ،‬غالباً يكثر لديهم‬ ‫ميل شديد للعنف‪ ،‬وتغري عام يف املزاج‪ ،‬وفقدان‬ ‫للشهية‪ ،‬والشعور بعدم االستقرار واضطرابات‬ ‫النوم والقلق والكآبة واحلزن واخلوف وعدم املبادرة‬ ‫والرتدد‪ ،‬وتشتت الذهن وضعف الذاكرة خاصة‬ ‫تلك األمور املتعلقة بالدراسة واملدرسة‪.‬‬ ‫غالباً ما تسوء حالة الطفل النفسية يف ظل‬ ‫ظروف احلرب لعدم إدراك ذويه ملا يعانيه‪ ،‬فهو‬ ‫يعرب عن معاناته بطريقة تستفز الكبار‪ ،‬خاصة‬ ‫من ليس لديهم املعرفة الكافية عن الطفولة‬ ‫ومشكالهتا واحتياجاهتا‪ ،‬واألغلب أن يعامل‬ ‫الطفل كفرد عادي‪ ،‬ولكن يف احلقيقة جيب أن‬ ‫يعامل بشكل خاص وبأكثر أمهية من اآلخرين‬ ‫ألنه يف أمس احلاجة للشعور باألمان واالستقرار‬ ‫يف ظل اخلوف مما حيدث حوله‪ ،‬وأيضاً الطفل‬ ‫بطبيعته يستمد الشعور باألمن واألمان ممن هم‬

‫حكايا البيدر العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫حول العصا إلى بندقية ‪ -‬عدسة جمال حسون‬ ‫طفل سوري ّ‬ ‫أكرب منه‪ ،‬وما حيدث مع الطفل من قلق وخوف‬ ‫ما هو إال انعكاس خوف وقلق الكبار حوله‬ ‫مما حيدث‪ ،‬لذلك يُنصح ذوو األطفال زيادة‬ ‫اهتمامهم ورعايتهم لألطفال يف ظل احلروب‬ ‫وقدر اإلمكان مساعدة األطفال لتخطي أزمة‬ ‫العنف وصدمة االنتهاكات وإشعارهم باألمن‬ ‫وإخفاء مشاعر القلق واخلوف قدر املستطاع‪،‬‬ ‫وهذا لن حيتاج الكثري من ذويهم والعاملني على‬ ‫صحتهم ورعايتهم وتعليمهم‪ ،‬وهذا ما حنتاج أن‬ ‫منارسه مع أطفال الكوارث واألزمات‪ ،‬من توعية‬ ‫لذويهم بطبيعة نفسية الطفل يف ظل األزمة‪،‬‬ ‫وكيف يتعاملون معها‪ ،‬وبناء برامج دعم نفسي‬ ‫تساعدهم على فهم الطفل وسلوكياته بشكل‬ ‫أفضل‪.‬‬ ‫كيفية التحدث مع األبناء عن الحروب‬ ‫واألزمات األخرى‪:‬‬ ‫مثة معتقد خاطئ عند الناس مفاده أن احلديث عن‬ ‫احلرب أو القتال أو أي أزمة أخرى مع األطفال‬ ‫من شأنه أن يزيد لديهم املخاوف والقلق‪ ،‬ولكن‬ ‫العكس هو الصحيح‪ ،‬و إن كان األمر يتوقف‬ ‫وحلد كبري على طريقة احلديث واحلوار معهم‬ ‫واألخطر من احلديث املباشر والصريح هو أن‬ ‫حيتفظ الطفل مبخاوفه اخلاصة اليت ال يتحدث‬ ‫عنها مع غريه‪.‬‬ ‫وكما هو احلال مع املواضيع األخرى يف احلياة‪،‬‬ ‫جيب االنتباه للمراحل العمرية املختلفة وملرحلة‬ ‫منو الطفل و مدى فهمه واستيعابه لألمور‬ ‫وبالرغم من أن األطفال الصغار وحىت الذين يف‬ ‫الرابعة أو اخلامسة من العمر ميكن أن يدركوا‬ ‫طبيعة أعمال العنف‪ ،‬إال أنه ليس بالضرورة‬ ‫أن يعرف كلهم كيفية احلديث عما يشغلهم‬

‫ويقلقهم‪ ،‬ولذلك فقد حيتاج األهل أحياناً أن‬ ‫يبدؤوا هم باحلديث مع أبنائهم عن مشاعرهم‬ ‫اجتاه هذه األحداث‪ ،‬مما يسهل على األطفال‬ ‫االنفتاح واحلديث عما بداخلهم أيضاً‪.‬‬ ‫وميكن أن يبدأ الوالدان بسؤال الطفل عما ميكن‬ ‫أن يكون قد مسع من أخبار أو عن رأيه فيما‬ ‫جيري من أحداث‪.‬‬ ‫وعلى األهل أن ميسكوا أنفسهم عن حماوالت‬ ‫إلقاء احملاضرات على األطفال حىت يتعرفوا أوالً‬ ‫على األمور املهمة اليت تشغل باهلم‪ ،‬فقد تكون‬ ‫غري ما يتوقعه األهل‪.‬‬ ‫وميكن االستفادة من بعض الظروف الطبيعية‬ ‫ومنها مثالً عندما يشاهد اجلميع نشرة األخبار‪،‬‬ ‫أو عندما حتدث بعض األمور كظهور املناقشات‬ ‫على شاشة التلفاز‪ ،‬أو عند مجع التربعات لصاحل‬ ‫ضحايا تلك األزمات‪.‬‬ ‫وليس من الطبيعي أن يكون النقاش يف هذه‬ ‫املواضيع املشحونة بالعواطف يف جلسة واحدة‪،‬‬ ‫ولكن ال بد من زيارة املوضوع كلما دعت احلاجة‬ ‫وقد تستجد بني احلني واآلخر قضايا وتفاصيل‬ ‫جديدة تستدعي احلديث جمدداً‪.‬‬ ‫وعلى األهل احرتام رغبة الطفل إن مل يُرد‬ ‫احلديث يف املوضوع يف بعض األوقات عندما ال‬ ‫يكون مرتاحاً لألمر‪.‬‬ ‫وعلى األبوين االنتباه لبعض املؤشرات الكالمية‬ ‫وغري الكالمية اليت ترافق حديث األطفال‪،‬‬ ‫ومنها‪:‬‬ ‫ تعبريات وجه الطفل‪.‬‬‫ حركات جسم الطفل وما حياول التعبري عنه‪.‬‬‫ سلوك الطفل يف اللليل‪.‬‬‫‪ -‬طبقة صوت الطفل‪.‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫حكايا البيدر‬

‫طفلة سورية من ريف إدلب ‪ -‬عدسة جمال حسون‬ ‫التعابري والكلمات اليت يستعملها الطفل‬‫للتعبريعما يف نفسه‪.‬‬ ‫دور األهل في المساندة النفسية للطفل‪:‬‬ ‫إن دور املنشطني واملتطوعني واملتخصصني‬ ‫لن يكون جدياً بدون مساعدة ذوي األطفال‬ ‫وتوعيتهم مبخاطر الصدمات على شخصيات‬ ‫أبنائهم‪ ،‬ومدهم بآليات التعامل السليمة مع‬ ‫األطفال يف ظل األزمات‪.‬‬ ‫على املتطوعني يف فرق الكوارث وإدارة األزمات‬ ‫توعية األهل بدورهم خالل األزمات مع األطفال‪،‬‬ ‫وإمداد األهل مبجموعة اعتبارات وإرشادات‬ ‫تساعد املتطوعني يف عملهم مع األطفال‬ ‫للمساندة النفسية من صدمات الكوارث حيث‬ ‫أن هناك جمموعة من االعتبارات والسلوكيات‬ ‫جيب على األهل أخذها بعني االعتبار عند‬ ‫التعامل مع الطفل‪ ،‬وذلك لتكون مساندة نفسية‬ ‫ناجحة مع أطفاهلم وسنوردها فيما يلي‪:‬‬ ‫مالحظة سلوك الطفل الطارئ‪:‬‬ ‫يتم ذلك عرب متابعة األهل لسلوك الطفل وهي‬ ‫أول خطوة مهمة يف عملية الدعم النفسي‪ ،‬فإن‬ ‫طرأ على الطفل سلوك غريب مل يتعودوا عليه‬ ‫فيجب أخده بعني االعتبار وتفهمه وعرض‬ ‫األهل تلك املالحظات على االختصاصيني‪.‬‬ ‫الحوار‪:‬‬ ‫على األهل إتاحة الفرصة للطفل للتحدث عن‬ ‫مشاكله واحتياجاته‪ ،‬فهذا خيفف من معاناة‬ ‫األطفال‪ ،‬لذلك جيب عدم ترك الطفل يغوص‬ ‫يف أحزانه وحيداً‪.‬‬ ‫وتشجيع الطفل بالتحدث عن جتاربه فور‬ ‫حصوهلا وبعد حصوهلا وخاصة إذا الحظت أنه‬ ‫ينطوي على نفسه على غرب عادته‪.‬‬ ‫مع مالحظة عدم أرغام الطفل على التحدث‬ ‫عما يزعجه أذا كان رافضاً احلديث‪ ،‬ويف تلك‬ ‫األثناء علينا تشجيعه أن يعرب بالرسم أو وصف‬ ‫ما حدث من خالل دور جيب أن يقوم به عادة‬

‫أثناء اللعب‪.‬‬ ‫المرونة‪:‬‬ ‫على األهل أن يؤمنوا بأن الطفل قادراً على‬ ‫خلق جو أفضل‪ ،‬إما بأنفسهم وإما بالتعاون‬ ‫مع األخريني ويكفي األطفال أن يبدي الكبار‬ ‫استعداداً ألن يقاوموا الظروف القائمة ويوفروا هلم‬ ‫ظروفاً أفضل‪.‬‬ ‫الوضوح والتفهم‪:‬‬ ‫أحياناً ال يكفي االستماع إىل الطفل وطمأنته‪،‬‬ ‫ومن األمهية مبكان أن نعطيه الفرصة لإلفصاح‬ ‫عن شعوره باألمل واحلزن والغضب‪ ،‬أيضاً علينا أن‬ ‫ال ندعه حيس باخلجل إذا أو أظهر حزنه‪ ،‬فاحلزن‬ ‫ليس دليالً على الضعف‪.‬‬ ‫التعامل مع نوبات الغضب‪:‬‬ ‫كثري ما خياف األطفال إرشادات الكبار وكثرياً‬ ‫أيضاً ما يتصرفون بعدوانية زائدة‪ ،‬النعدام الفرص‬ ‫للتعبري عن أنفسهم بأشكال أخرى‪ ،‬فاألطفال‬ ‫يف أمس احلاجة إىل الفعاليات والنشاطات اليت‬ ‫تشكل متنفساً لطاقاهتم وتشعرهم بأهنم قادرون‬ ‫على احلكم وقيادة أنفسهم وقادرون على‬ ‫السيطرة على حميطهم‪ ،‬وأحياناً يفضل أن نرتك‬ ‫الطفل يعرب عن مشاعر الغضب دون أن ندعه‬ ‫حيس أنه يقرتف ذنباً يستدعي اخلجل أو الندم‬ ‫وميكن بعدها التحدث معه حول سبب هذا‬ ‫الغضب‪.‬‬ ‫التعامل مع انزواء األطفال‪:‬‬ ‫علينا أن حنث الطفل املنطوي على نفسه‬ ‫للمشاركة يف نشاطات خمتلفة وندربه كما ندرب‬ ‫الصغري على املشي‪ ،‬وعلينا أال نفاجأ من وثرية‬ ‫التحسن يف حالة الطفل‪ ،‬كما ال ننسى أن الطفل‬ ‫له رغبته يف التعاون معنا إال أنه ال يستطيع تنفيذ‬ ‫هذه الرغبة لذلك‪.‬‬ ‫يجب علينا اتباع التالي‪:‬‬ ‫أن حنكي للطفل حكايات احليوانات اخلجولة‬ ‫واليت تسرتجع ثقتها بنفسها تدرجييا‪.‬‬

‫‪11‬‬ ‫أن نوفر للطفل فرص النجاح يف عالقته ولعبه مع‬ ‫األطفال األخرين‪ ،‬حبيث يبدي اجلميع سرورهم‬ ‫وفرحتهم لنجاحه‪.‬‬ ‫أن نطلب منه القيام بتمثيل دور شخصية خرافية‬ ‫تكون منطوية على نفسها‪ ،‬وخائفة يف البداية‬ ‫ومن مث تتحول إىل شخصية جريئة وشجاعة‬ ‫ومشاركة‪.‬‬ ‫مهمة األمهات‪:‬‬ ‫اشغلي ابنك بالتفكري يف ألعابه وشاركيه فيها‪،‬‬ ‫الحظي كل تصرف غريب يبدو عليه‪ ،‬وناقشيه‬ ‫فيه بطريقة بسيطة‪ ،‬واحذري البكاء أو االهنيار‬ ‫أمام طفلك‪ ،‬فهذا يشعره بالعجز‪ ،‬واجعلي‬ ‫ابنك يتحدث كثرياً‪ ،‬حبيث يقول كل ما يدور‬ ‫يف ذهنه وتصححيه له‪ ،‬وال توقفي حديثه مهما‬ ‫بدا سخيفاً أو أسئلته مكررة‪ ،‬كذلك انتهزي هذه‬ ‫الفرصة لتنمية الوازع الديين‪ ،‬أما األطفال يف سن‬ ‫أكرب فالبد من مشاركتهم يف الفعل‪ ،‬فمثالً ميكن‬ ‫أن يسامهوا يف تنظيف الشوارع أو نشاط يف‬ ‫مجعية من اجلمعيات اخلريية أو الشبابية‪ ..‬وأخريا‬ ‫أظهري البنك بطريقة غري مباشرة وجود كل‬ ‫السلع التموينية وكل ما حيبه داخل املنزل‪ ،‬فكثري‬ ‫من األطفال يقلق من احتمال غياب احلليب‬ ‫الذي حيبه‪.‬‬ ‫نصائح بسيطة ومهمة في جلسة الحديث مع‬ ‫أبنائك‪:‬‬ ‫استمع واستمع‪ ،‬واستمع من جديد ملا يقوله‬ ‫أبنائك‪ ،‬وأظهر احرتامك ألبنائك حىت لو مل‬ ‫توافقهم على ما يقولون‪ ،‬حيث ميكن الرد على‬ ‫أحدهم‪ :‬أنا أحرتم رأيك هذا‪ ،‬أو حاول قدر‬ ‫اإلمكان النظر يف عيين طفلك أثناء احلوار‪.‬‬ ‫تصيّد الظروف المناسبة لشرح بعض األفكار‬ ‫األساسية‪:‬‬ ‫قل احلقيقة‪ ،‬إذ يتعلم األبناء مبراقبة اآلخرين‪ ،‬فكن‬ ‫قدوة حسنة هلم‪ ،‬واقض مع أبنائك وقتاً مشرتكاً‬ ‫وحراً من دون قيود أو تعليمات‪ .‬أظهرأنك مهتم‬ ‫حقا بأبنائك‪ .‬حاول أال تنتقدهم بكثرية‪ ،‬أعط‬ ‫أبنائك كل انتباهك وتركيزك‪ ،‬وتذكر أنك تتحاور‬ ‫مع أبنائك بالكلمات والتعابري واحلركات مجيعاً‪.‬‬ ‫ذكر كل أبنائك بأن هلم مكاناً خاصاً عندك‪،‬‬ ‫وشجع أبناءك على احلديث عن مشاعرهم‪..‬‬


‫‪12‬‬

‫حكايا البيدر العدد ‪13‬‬

‫أنا منشق ‪ ..‬إذاً أنا موجود‬

‫مع بداية الثورة السورية‪ ،‬وما شهدته من متغريات‬ ‫عدة على خمتلف األصعدة العسكرية وامليدانية‬ ‫واإلنسانية‪ ،‬انتشرت يف صفوف املؤسسة‬ ‫العسكرية السورية ما مسيت بظاهرة االنشقاق‪..‬‬ ‫بدأت هذه الظاهرة على نطاق ضيق مع بدء‬ ‫الثورة السورية كحاالت فردية‪ ،‬يف قطع عسكرية‬ ‫تتموضع يف مناطق جغرافية حمددة من األراضي‬ ‫السورية‪ ،‬مث ما لبثت أن اتسعت لتشمل ضباطاً‬ ‫من خمتلف الرتب واملراكز ومن خمتلف االنتماءات‬ ‫الطائفية واجلغرافية‪.‬‬ ‫ال ميكن أن تنسب مثل هذه الظاهرة إىل شخص‬ ‫بعينه أو جمموعة من األشخاص‪ ،‬لكن ال بد من‬ ‫ذكر اسم وليد القشعمي‪ ،‬أول جندي سوري‬ ‫أعلن انشقاقه عن قوات النظام السوري بتاريخ‬ ‫‪ ،2011/4/11‬أي بعد مرور أقل من شهر على‬ ‫بدء الثورة السورية فاحتاً بذلك الباب للعديد من‬ ‫اجلنود بعده لتتواىل االنشقاقات حىت مت تسجيل‬ ‫حوايل ‪ 22‬الف حالة انشقاق بني اجلنود‪ ،‬مع‬ ‫هناية العام ‪ ،2011‬حبسب دفاتر السجالت‬ ‫العسكرية السورية‪ ،‬وارتفع العدد إىل ما يقارب‬ ‫‪ 64‬ألفا مع هناية العام ‪( 2012‬ونتحدث هنا‬ ‫عن اجلنود فقط ال عن الضباط)‪.‬‬ ‫وليد القشعمي ابن مدينة درعا غادر البالد سراً‬ ‫يف رحلة طويلة وشاقة إىل القاهرة‪ ،‬لكنها كما‬ ‫قال كانت بالنسبة له أهون من قتل أبناء بلده‬ ‫العزل بأوامر من ضباط اجليش النظامي‪.‬‬ ‫فراري‪:‬‬ ‫حىت اآلن ينكر النظام حدوث انشقاقات هامة‬ ‫يف صفوف اجليش‪ ،‬ويصر على تسمية املنشقني‬ ‫بلقب (فراري)‪ ،‬ويؤكد ان هذه احلاالت فردية‬ ‫وال تشكل شيئاً بالنسبة لقوام اجليش السوري‪،‬‬ ‫ويعكف على التأكيد أن هذه احلاالت أساسها‬ ‫طائفي أو حتدث بسبب إغراءات مادية يتعرض‬ ‫هلا اجلنود الفارون من اخلدمة‪.‬‬ ‫ويلجأ األفراد املوالون لألسد يف صفوف اجليش‬ ‫السوري إىل منع االنشقاقات بوسائل متعددة‬ ‫من هتديد بالقتل إىل هتديد باعتقال أهل‬ ‫وذوي املنشقني والتضييق عليهم‪ ،‬ومنذ بداية‬ ‫االنشقاقات يف صفوف اجليش مت سحب كافة‬ ‫اهلويات العسكرية من مجيع اجلنود الذين يؤدون‬ ‫اخلدمة اإللزامية تصعيباً ملرورهم على احلواجز‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫غياث عبدالعزيز‬

‫الشهيد المالزم اول أمجد الحميد‬ ‫العسكرية يف حال انشقاقهم‪ ،‬حيث جردوا‬ ‫من كافة اإلثباتات الشخصية ومنعت عنهم‬ ‫اإلجازات حىت الساعية منها‪.‬‬ ‫وللضباط حصة‪:‬‬ ‫يقول النقيب رياض األمحد ابن حمافظة الالذقية‬ ‫وهو من أوائل الضباط املنشقني عن اجليش‬ ‫السوري (أعلن انشقاقه بتاريخ ‪/16‬حزيران‬ ‫‪ )2011‬وهو سابقاً من مرتبات الفوج ‪ 45‬قوات‬ ‫خاصة‪ ،‬يقول يف تسجيل مصور يعلن به انشقاقه‪:‬‬ ‫«كلفنا بمهمة النزول إلى مدينة بانياس وكانت‬ ‫المعلومات التي وردتنا من القيادة تفيد بوجود‬ ‫تشكيل مسلح يضم عرباً سعوديين ولبنانيين‬ ‫وأردنيين وخبراء إسرائيليين وضابطاً مصرياً‬ ‫كبيراً برتبة لواء هدفهم زعزعة استقرار المدينة‬ ‫واالعتداء على األهالي والسيادة الوطنية‪.‬‬ ‫دخلنا المدينة ولم نجد عنصراً مسلحاً واحداً‬ ‫لتصلنا األوامر فيما بعد بإطالق النار على‬ ‫أية تظاهرة تشهدها المدينة وذلك كان سبب‬ ‫انشقاقي مع عدد من جنودي»‪.‬‬ ‫وقد أرجع املتحدث باسم «المجلس العسكري‬ ‫للجيش السوري الحر» الرائد ماهرالنعيمي‬ ‫سبب االنشقاق يف املناطق الساخنة إىل إعطاء‬ ‫األوامر للجيش بقتل املدنيني العزل‪.‬‬ ‫وقال النعيمي‪« :‬في كل مواجهة مع‬ ‫قسما من‬ ‫المتظاهرين يزج الجيش بها‪ ،‬فإن ً‬ ‫الضباط والجنود يرفض تنفيذ األوامر ويقوم‬ ‫باالنشقاق»‪.‬‬ ‫وأردف النعيمي «عمليات الفرار واالنشقاق‬ ‫لم تقتصر على الضباط والجنود السنة‪،‬‬ ‫فهناك ضابط علوي أعلن انشقاقه منذ أشهر‪،‬‬

‫وكذلك جنود ورقباء علويون‪ ،‬ولكن لم يلتحق‬ ‫هؤالء بنا‪ ،‬وربما آثروا عدم القتال وفروا إلى‬ ‫مناطقهم وقراهم واختبأوا فيها»‪.‬‬ ‫وجتدر اإلشارة إىل أن حاالت اإلنشقاق امتدت‬ ‫لتشمل ضابطات أيضاً منذ إعالن العقيد «زبيدة‬ ‫الميقي» انشقاقها عن صفوف اجليش يف ‪10‬‬ ‫تشرين األول(أكتوبر) ‪.2012‬‬ ‫احتياط ‪ -‬احتفاظ ‪ -‬إلزامي‪:‬‬ ‫حبسب دفاتر السجالت العسكرية فإن آخر دورة‬ ‫سحب إجباري يف اجليش السوري قبل األزمة‬ ‫بتاريخ ‪ 2010/5/1‬كانت الدورة ‪/102/‬‬ ‫اليت اعتربت األضخم يف تاريخ اجليش السوري‬ ‫منذ تأسيسه حيث بلغ تعدادها ‪ /90/‬ألف‬ ‫عسكري سرح منهم حىت تاريخ ‪2012/1/1‬‬ ‫حوايل ‪ /13/‬الف هم املستفيدين من التدريب‬ ‫اجلامعي العسكري واحتفظ بالباقي حىت تارخيه‪..‬‬ ‫عدد املنشقني من هذه الدورة كان األكرب يف‬ ‫صفوف اجليش بسبب ضخامة تعدادها ولطول‬ ‫فرتة خدمتهم اليت جتاوزت الثالث سنوات‪.‬‬ ‫الدورة ‪ /103/‬ضمت أقل من ‪ /20/‬الف‬ ‫عسكري والدورة ‪ /104/‬ضمت ربع هذا العدد‬ ‫بسبب عدم التحاق أغلبية املكلفني باخلدمة‬ ‫وخاصة يف املناطق الساخنة واحملررة ما دفع‬ ‫بالنظام لفرض اخلدمة االحتياطية اليت لقيت‬ ‫التجاوب األكربعند غالبية أبناء الطائفة العلوية‬ ‫وأقول غالبية وليس مجيعهم باإلضافة إىل نسبة‬ ‫حمدودة من السنة والدروز وعن ذلك يقول (س‪.‬‬ ‫د) الرقيب االحتياطي من مدينة جبلة‪« :‬نادراً‬ ‫ما جند علوياً ختلف عن اخلدمة اإللزامية أو‬ ‫االحتياطية‪ ،‬وهناك ضغط اجتماعي كبري من قبل‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫األهل والكبار يف القرى جتاه من يتخلف عن‬ ‫اخلدمة»‪.‬‬ ‫وعن قرى الساحل السوري‪ ،‬اليت يشكل العلويون‬ ‫غالبية سكاهنا‪ ،‬يقول املقدم املنشق تيسري ديب‪:‬‬ ‫«إن الخوف يمنع هذه القرى من المشاركة‬ ‫بالثورة واالنضمام إلى المظاهرات المطالبة‬ ‫بالحرية‪ ،‬النظام يريد لهذه القرى أن تبقى‬ ‫محسوبة عليه»‪ ،‬وجزم الضابط املنشق بأن‬ ‫«هناك العديد من أهايل هذه القرى على استعداد‬ ‫للمشاركة باحلراك الثوري‪ ،‬لكن اخلوف مينعهم»‪.‬‬ ‫وينحدر املقدم تيسري ديب من مدينة القرداحة‬

‫‪13‬‬

‫حكايا البيدر‬

‫مسقط رأس الرئيس السوري‪ ،‬وال يعد انشقاقه‬ ‫األول من نوعه داخل صفوف الطائفة العلوية‬ ‫اليت ينتمي إليها الرئيس بشار األسد‪ ،‬حيث مت‬ ‫اإلعالن عن تشكيل كتيبة «األحرار العلويني»‬ ‫يف بداية شهر مارس (آذار) من العام ‪،2012‬‬ ‫واليت تضم العديد من الضباط واجلنود العلويني‪،‬‬ ‫وعلى رأسهم النقيب صاحل حبييب صاحل‪ ..‬لكن‬ ‫املقدم ديب يعد أعلى املنشقني رتبة حىت اآلن‬ ‫من الطائفة العلوية‪.‬‬ ‫أخرياً‪ ،‬جند أن ظاهرة االنشقاق بغض النظر عن‬ ‫خلفيتها سواءً كانت مبدئية أو طائفية أو بسبب‬

‫اخلوف هي ظاهرة مل تعد باألمر اجلديد أو‬ ‫امللفت للنظر بقدر ما أصبحت حالةً شبه يومية‬ ‫يف كافة القطع والوحدات العسكرية السورية يف‬ ‫ظل اجلرائم املستمرة من قبل النظام السوري‬ ‫حبق شعبه‪ ،‬ويف ظل اخلوف من املعارك وعدم‬ ‫االستقرار لدى العديد من اجلنود داخل املؤسسة‬ ‫العسكرية وعدم رضى الغالبية عن املهام اليت‬ ‫توكل هلم إضافة إىل حتول اجليش إىل مؤسسة‬ ‫للسرقة واخلطف عند غالبية الضباط واملسؤولني‬ ‫عن هذه املؤسسة‪.‬‬

‫من ذاكرة أبو محمود الطنبرجي‪-‬قصة حقيقية‬ ‫كيف أصبحت غشيماً(غبياً)‬ ‫يف تلك القرية الصغرية كانت تسكن عائلة تلقب‬ ‫باّل الغشيم‪ ،‬ومل تكن حقيقة ذاك اللقب جمرد‬ ‫هتكم بل‪ ،‬ارتبط اللقب بالعائلة نظراً لفقرهم‬ ‫العقلي‪ ،‬وكثرياً ما روت عنهم القرية عشرات‬ ‫احلكايات املضحكة‪ .‬ومن ضمنها أنه يف يوم‬ ‫اشرتى أحد أفراد العائلة سيارة ذات عجالت‬ ‫ثالثة‪ ،‬وكانت رخيصة الثمن‪ ،‬ويف املشوار األول‬ ‫له إىل املدينة عاد مساءً بباص القرية ويف الباص‬ ‫سأله أحدهم عن سر املفتاح الذي حيمله فتذكر‬ ‫حينها أنه أركن سيارته يف السوق ونسيها‪.‬‬ ‫مما جعلهم أفقر أبناء القرية مادياً‪ ،‬وهذا الوضع‬ ‫املزري لتلك العائلة كان يشعل يف صدورها حقدا‬ ‫كامنا ال ينطفئ‪ .‬وذات يوم يف أوائل الثمانينيات‬ ‫من القرن املاضي‪ ،‬اشتعلت املدينة بأحداث‬

‫مأمون الجعبري‬ ‫جسيمة‪ ،‬على أثرها تويف األب لوجوده صدفة يف‬ ‫أحد االشتباكات‪ ،‬ومنح حينها لقب الشهيد‪،‬‬ ‫وكانت تلك نقطة التحول الرئيسية يف مستقبل‬ ‫تلك العائلة‪ ،‬حيث أن االبن األكرب كان قد‬ ‫حصل على الشهادة الثانوية بأسوأ العالمات‪،‬‬ ‫وكان امسه أمحد الغشيم‪ ،‬وكتعويض له عن وفات‬ ‫أبيه‪ ،‬أعطي أمحد الغشيم عالمات إضافية‬ ‫مسحت له بدخول فرع اهلندسة املدنية‪ ،‬وكان‬ ‫هذا التخصص عصيا على مقدراته‪ ،‬ولكنه أدرك‬ ‫مبكرا الطريقة اليت جتعله يتجاوز غباءه العلمي‪،‬‬ ‫فعمل خمربا على أصدقائه وأساتذته يف اجلامعة‪،‬‬ ‫وذاع صيته‪ ،‬واتقاء لشره من جهة املدرسني‬ ‫ومكافأة له من جهة األمن‪ ،‬جتاوز أمحد الغشيم‬ ‫السنوات اخلمسة‪ ،‬وأصبح مهندسا يف إحدى‬

‫شركات الدولة‪ ،‬وابتسم له القدر‪ ،‬وحدث حريق‬ ‫صغري يف تلك الشركة تلوث على أثرها حذاء‬ ‫املدير العام‪ ،‬وكان من بيت الوحش (املعدل‬ ‫الحقاً)‪ ،‬فما كان من أمحد اال أن احنىن ومسح‬ ‫احلذاء‪ ،‬فقال له ذاك الوحش ستبقى كلبا‪ ،‬ولكنه‬ ‫أصبح ذا حظوة عنده‪ ،‬وتسلم منصبا مهماً‪،‬‬ ‫وحينها كان صديقكم أبو حممود الطنربجي ابن‬ ‫قرية أمحد الغشيم (سابقا‪ ،‬ألنه غري امسه إىل أمحد‬ ‫املظلوم) قد فصل من ذات الشركة ألسباب‬ ‫علي أن أذهب ألمحد‬ ‫أمنية‪ ،‬فاقرتح فاعلو اخلري ّ‬ ‫املظلوم وأستعطفه علّه يستخدم حظوته‪ ،‬فرفضت‬ ‫رفضا قاطعا‪ ،‬وحينها خلعوا لقب الغشيم عن‬ ‫أمحد وألصق يب‪ ،‬ألصبح أبو حممود الغشيم‪.‬‬


‫‪14‬‬

‫ع البيدر‬

‫فداء الحوراني على بيدر حنطة‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫لقاء‪ :‬ناجي الجرف‬

‫مذبحة الـ ‪ 82‬جعلت من حماه أكثر وعياً للمجزرة ‪ -‬حماه مدينةٌ حملت آالمها‬ ‫«ع الساكت» منذ ‪ -1982‬الثورة في حماه خرجت من أكثر األحياء فقراً‬ ‫يقول البعض إن النظام «احتالل»؛ أي ليس‬ ‫من أصناف الحكم‪ ..‬ما رأيك؟‬ ‫االحتالل لهُ حدود‪ ،‬فمثالً يف أيام الفرنسيني‬ ‫كما تروي لنا الوالدة‪ ،‬كانت خترج املظاهرات‬ ‫من اجلامع األموي‪ ،‬وكانوا يعودون باجلرحى إىل‬ ‫اجلامع نفسه‪ ،‬مل يكن الفرنسيون جيرؤون على‬ ‫االقرتاب من املسجد على اعتباره مكاناً مق ّدساً‪،‬‬ ‫الوضع اآلن ال تفسري له‪ ،‬أنت تفهم أن يفعل‬ ‫عدوك بك ما يفعل‪ّ ،‬أما ما حيدث اآلن فال جند‬ ‫له تفسريا‪.‬‬ ‫جربت أن تكون مثاالً خالصاً عن‬ ‫حماه ّ‬ ‫السلمية‪ ..‬أو ّد سؤالك عن حماه وباألخص‬ ‫الفترة األولى من الثورة ومشفى «الحوراني»‬ ‫والحصار والمجازر‪ ،‬ماذا تذكرين من تلك‬ ‫الفترة؟‬ ‫كل آالم مذحبة الـ ‪ 1982‬اليت‬ ‫لرمبا ختتزن محاه ّ‬ ‫يقال إهنا كانت ضد الطليعة املقاتلة (اجلناح‬ ‫العسكري لإلخوان آنذاك) احلقيقة األكيدة أهنا‬ ‫مل تكن ضد الطليعة‪ ،‬بل كانت ضد البلد نفسه‪،‬‬ ‫ألن محاه نفسها هلا ميزات ال حتملها املدن‬ ‫السورية األخرى‪ ،‬فقد لعبت دوراً يف القضايا‬ ‫العربية‪ ،‬من خالل الرموز أو األشخاص‪ ،‬أما‬ ‫ٍ‬ ‫كمدينة أو كشعب فقد لعبت أدواراً مهمة يف‬ ‫السياسة السورية ‪.‬‬ ‫لكل القضايا‪ ،‬أي أنه ال ميكن‬ ‫وفزعة محاه كانت ّ‬ ‫إال أن تالحظ وجهة نظ ٍر جديدة سواءٌ كانت‬ ‫معك أم ضدك من السيدات والرجال على ٍ‬ ‫حد‬ ‫سواء‪ ،‬اجلميع هلم موقف ما‪ ،‬ويبدو أن ذلك كان‬ ‫«رب» النظام سوريا حبماه‪.‬‬ ‫حمظوراً‪ ،‬فكان أن ىّ‬ ‫وبالتأكيد مازال احلمويون خيتزنون هذا الشعور‪،‬‬ ‫فكانت املظاهرات تعبرياً عن رفض كامل للنزاع‬ ‫من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى «الس ْلمية» فقد‬ ‫شعروا بالسبب احلقيقي وهو العنف‪ ،‬الذي كان‬

‫د‪.‬فداء حوراني ‪ -‬خاص حنطة‬ ‫فأصروا‬ ‫وراء عدم تغطية مذحبتهم يف الثمانينات‪ّ ،‬‬ ‫على السلمية احلقيقية‪.‬‬ ‫لكننا مل نكن على مستوى تقدير ما سيحدث‪،‬‬ ‫رغم أننا كنا نعرف مذابح محاه سابقاً‪ ،‬إال أن‬ ‫أحداً مل يتوقع أن يعاملونا هبذه اهلمجية وأن‬ ‫يسكت العامل لـ ثالث سنوات‪ ،‬وبنفس احلجة‬ ‫السابقة وهي «العنف واإلرهاب»‪.‬‬ ‫«سوريا مفتاح املنطقة» كان األهل يقولوهنا ومل‬ ‫نكن نعي ذلك‪ ،‬اآلن نعي أن جناح الثورة السورية‬ ‫يعين فيما يعنيه تغري وجه املنطقة كلها‪ ،‬ليس فقط‬ ‫العريب‪ ،‬بل من إيران إىل إسرائيل‪ ،‬وهذا هو جوهر‬ ‫السبب يف تعقيد القضية السورية‪.‬‬ ‫تكلّمنا عن «فداء الحوراني» السياسية‪ ،‬نو ّد‬ ‫الحديث عن مشفى «الحوراني» وما شهدهُ‬ ‫من حاالت الجرحى المتظاهرين والمصابين‪..‬‬ ‫مل حيدث يف املشفى لدينا إال حالة أو اثنتان مت‬ ‫أخذهم من العمليات‪ ،‬وكان األمن السوري يأيت‬ ‫ألخذ اجلرحى كان األهايل حول املشفى يضربون‬ ‫طوقاً‪ ،‬فكنا نقول هلم‪« :‬تريدون اجلرحى‪..‬‬ ‫تفضلوا وخذوهم إن استطعتم»‪ ،‬كانت محاه كلها‬ ‫مستنفرًة على أبنائها وأوالدها‪ ،‬وأذكر يف مجعة‬ ‫«أطفال احلرية» مشهداً لن أنساه يف حيايت‪،‬‬

‫حيث كان هناك ستةً وثالثون شهيداً وكانت‬ ‫الدماء يف كل مكان ووصلت إىل أبواب املشفى‪،‬‬ ‫ساهم الناس بشكل كبري يف املساعدة فمنهم من‬ ‫أتى بـ مناشف ومنهم من أتى بشراشف قدمية‬ ‫وأدوية‪ ،‬كان هناك تعاطف وتكاتف كبريان‪.‬‬ ‫يعد مشفى «الحوراني» في حماه أشهر مشفى‬ ‫في سوريا‪ ..‬بسبب الحماية الشعبية له‪ ..‬هل‬ ‫ذلك بسبب اسم فداء الحوراني؟‬ ‫ال أعلم ولكن رمبا بسبب اإلعالم‪ ..‬هناك‬ ‫الكثري من املشايف مل حتز على نفس التغطية‬ ‫أحب أهايل محاه‪،‬‬ ‫اإلعالمية‪ ،‬وبالبنسبة يل فأنا ّ‬ ‫مع أين مل أعش فيها فقدت ولدت يف دمشق‬ ‫وغادرت إىل العراق فيما بعد‪ ،‬وعدت وأنا أكرب‬ ‫عمراً‪ .‬أنتمي حلماه من منطلق الشعور بالظلم‪،‬‬ ‫فحماه مدينة ظُلمت‪ ،‬وأنا مصممة «إنسانياً»‬ ‫أن أبقى متعاطفة معها‪ ،‬مدينة محلت آالمها «ع‬ ‫الساكت» منذ ‪.1982‬‬ ‫ربما تحمل حماه طابعاً خاصاً بها‪ ..‬ما الذي‬ ‫يميزها؟‬ ‫خيتلف وضع محاه عن باقي املدن‪ ،‬أنا دخلتها‬ ‫عام ‪ 1991‬وكان قد بدأ وقتها اإلفراج عن بعض‬ ‫شباهبا‪ ،‬كان األهايل يتحضرون وينتظروهنم على‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫مدخل املدينة‪ ،‬كانوا ينتظرون عسى أن متر تلك‬ ‫احلافالت اليت حتملهم‪ ،‬وطائفياً ميكنين القول‬ ‫تفهماً‬ ‫إن محاه رغم املذحبة إال أهنا كانت أكثر ّ‬ ‫ملوضوع أمهية وحدة سوريا ونسيجها االجتماعي‪،‬‬ ‫بالتأكيد هناك مشاعر طائفية حصلت يف كل‬ ‫تنجر‬ ‫سوريا‪ ،‬إال أنين أستطيع القول إن محاه مل ّ‬ ‫ٍ‬ ‫بقوة للطائفية‪ ،‬يف النهاية الناس ليست مالئكة‪.‬‬ ‫أصر احلمويون أن ال يدخل سالح إىل محاه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ورمبا هنا تتجلى قيمة املدينة املدنيّة الوحيدة واليت‬ ‫هي «محاه»‪ ..‬كيف ميكننا كمجتمع مدين أو‬ ‫كناشطني أن نعمم تلك القيم على باقي املدن؟‬ ‫بالنسبة ملوضوع السلمية يف املدن األخرى‪ ،‬ال‬ ‫أعتقد أن الناس ختلت عنها بإرادهتا‪ ،‬وبالعودة‬ ‫حلماه فإن هلا وضعاً خاصاً‪ ،‬يعود لوعيها فيما‬ ‫خيص املذحبة األوىل ‪ ،1982‬األمر الذي جعل‬ ‫ّ‬ ‫أهلها أكثر حذراً يف التعامل مع هذا املوضوع‪،‬‬ ‫خاصة أن «العسكرة» يف ‪ 82‬كانت غطاءً‬ ‫للنظام يف املرحلة األوىل‪ ،‬وهذا املوضوع هو الذي‬ ‫لعب عليه النظام خبصوصية موقف محاه‪.‬‬ ‫في أغلب المدن ال نشهد عمالً مسلحاً في‬ ‫مراكزها‪ ،‬ربما في حمص كان هناك حراك‬ ‫ط‬ ‫مسلح ضمن األحياء وكأن هناك مخط ٌ‬ ‫خاص لها‪ ،‬وأيضاً في إدلب والتي هي بيد‬ ‫النظام والحسكة والدير إلى اليوم‪ ..‬ما السبب‬ ‫برأيك؟‬ ‫تلك املقارنة فيها ظلم للمناطق اليت يتواجد‬ ‫فيها السالح‪ ،‬محاه برأي مجيع السوريني كانت‬ ‫ستستخدم السالح لو أتيح ذلك هلا‪ ،‬لكن وألن‬ ‫جرها إىل العسكرة سابقاً فقد كانت أوعى‬ ‫النظام ّ‬ ‫هذه املرة وحقنت حجم اخلسارات‪.‬‬ ‫الثورة يف محاه خرجت من األماكن األشد فقراً‪،‬‬ ‫إمياناً باحلرية وأننا مل خنرج لنحيا ما وضعنا النظام‬ ‫فيه‪ ،‬نريد التغيري نريد أن نعلم أوالدنا نريد أن‬ ‫نتنفس احلياة‪.‬‬ ‫متى سمعت عن أول مظاهرة في حماه‪ ..‬وما‬ ‫كان شعورك؟‬ ‫جاءت صديقة إيل يف أول مظاهرة خرجت من‬ ‫محاه‪ ،‬كنت وقتها يف الفراش وصاحت يب‪« :‬محاه‬ ‫محاه‪ ..‬حتركت» خرجنا بسيارهتا وكانت املظاهرة‬ ‫آنذاك خرجت من جامع عمر بن اخلطاب‪.‬‬ ‫يف الطريق رأيت شباباً يركبون على الدراجات‬ ‫النارية ويلبسون القميص الداخلي‪ ،‬وقتها مل يكن‬ ‫الناس يفرقون بني املتظاهر والشبيح‪ ،‬وجدت‬

‫ع البيدر‬

‫‪15‬‬

‫د‪.‬فداء حوراني ‪ -‬خاص حنطة‬ ‫املنظر غري الئق‪ ،‬ومع ذلك حييتهم‪ ،‬لكن بعد‬ ‫ذلك اكتشفت عقب دخولنا ساحة العاصي أهنم‬ ‫كانوا شبيحة!!‬ ‫ما رأي فداء االلحوراني بمؤتمر جنيف‪..‬؟‬ ‫بداية أود القول أنه كان لدينا أمل أن الثورة عندما‬ ‫حتولت إىل العسكرة ستستطيع أن حتل القضية‪،‬‬ ‫لكن قضية التمويل يف أكثر من قناة‪ ،‬والدول‬ ‫اليت اتضح أن لكل منها مصلحة خاصة‪ ،‬وتقطع‬ ‫التسليح أحياناً وتعاوده أحياناً حسب املصلحة‪،‬‬ ‫شتت كل سبل احلل‪ ،‬رغم أن السوريني حاولوا‬ ‫أن يكون التسليح ذاتياً‪ ،‬لكن النظام مدعوم من‬ ‫ٍ‬ ‫إمكانيات هائلة‪،‬‬ ‫إيران ومن حزب اهلل مما يعين‬ ‫ويف مثل هذه احلالة جنيف يعطي احلد األدىن من‬ ‫املطالب‪ ،‬ثالث سنوات من التضحيات اهلائلة‪،‬‬ ‫حنتاج إىل أي ٍ‬ ‫شيء حيرك الوضع أو يغريه‪ ،‬وإذا‬ ‫كان هناك حل سياسي فذلك جيد حىت لو كان‬ ‫لديك سالح‪ ،‬أنا ال أقول إن الذهاب سيحل‬ ‫نظام متج ّذر وحنن نرى كيف‬ ‫املشكلة‪ ،‬فهناك ٌ‬ ‫تسري األمور يف مصر وكيف ستكون ردات الفعل‬ ‫يف سوريا‪.‬‬

‫قال وليد المعلم‪« :‬واهم من يتخيل أن النظام‬ ‫سيتخلى عن السلطة»‪ ،‬يعني ذلك أن حتى‬ ‫تنحية بشار غير مطروحة‪ ..‬ما تعليقك؟‬ ‫من حيث املبدأ حنن مع حل سياسي جينب‬ ‫السوريني هذا املوضوع‪ ،‬وطبيعي أن يقول املعلم‬ ‫أمر متفق عليه‪ ،‬الوضع الدويل مأساة‬ ‫ذلك‪ ،‬فذلك ٌ‬ ‫بالنسبة لنا وأي حل سياسي ليس له أدوات جناح‬ ‫وطروف جناح سوف يؤدي إىل كوارث‪.‬‬ ‫كيف ترى فداء احلوراين األمل؟ وكيف ترى‬ ‫سوريا سابقاً والحقاً‪ ،‬وكيف نفكر هبا كسوريني؟‬ ‫سأتكلم مبا أشعر‪ ،‬ففي مرة كنت أشاهد صور‬ ‫السوريني على التلفزيون ومأساهتم‪ ،‬وكل تلك‬ ‫املناظر اليت نراها‪ ،‬كنت أشعر بأنين طفلة‪ .‬من‬ ‫مدة قريبة كنت أشاهد التلفزيون‪ .‬كان هناك فيلم‬ ‫شكرت‬ ‫وثائقي عن أيام حافظ األسد‪ ،‬حلظتها‬ ‫ُ‬ ‫أتصور‬ ‫اهلل أنين رأيت هذا اليوم‪ ،‬ألنيّ مل أكن ّ‬ ‫يوم ينتفض فيه هبذه‬ ‫أن الشعب السوري سيأيت ٌ‬ ‫الطريقة‪.‬‬


‫‪16‬‬

‫ع البيدر‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫لقاء خاص وموسع مع القائد العسكري (رداد خلوف) قائد لواء‬ ‫صقور معرة النعمان التابع للجبهة اإلسالمية‬ ‫لقاء محمد جدعان‬ ‫لدينا وثائق سنكشفها قريباً‪ ،‬حول عالقة البعض بالمخابرات اإليرانية‬ ‫هدف «تنظيم الدولة» الحقيقي إجهاض مشروع الجهاد‬ ‫لو سمحت‪ ،‬حدثنا عن عمل لواء صقور معرة‬ ‫النعمان في معرة النعمان في هذه اآلونة‪،‬‬ ‫وخاصة في المعارك الدائرة بين تنظيم الدولة‬ ‫اإلسالمية وباقي الفصائل‪.‬‬ ‫بسم اهلل الرمحن الرحيم واحلمد هلل رب العاملني‬ ‫والصالة والسالم على سيدنا حممد وعلى آله‬ ‫وصبحه أمجعني‪ ،‬أما بعد إخواين فنحن منذ أن‬ ‫قمنا يف هذه الثورة مل نقم إال من أجل أمر واحد‬ ‫أال وهو اجلهاد يف سبيل اهلل ضد هذه العصابات‬ ‫األسدية‪ ،‬اليت تصول علينا واليت تصول على‬ ‫ديننا وعرضنا وأموالنا ومالنا‪ ،‬فلذلك بدأنا يف‬ ‫هذه الثورة جهادا نلملم به ضعفنا ونلملم به‬ ‫إمكانياتنا شيئا فشيئا‪ ،‬حىت مكننا اهلل من بعض‬ ‫السالح الثقيل والسالح النوعي‪ ،‬وازددنا عددا‬ ‫وعدة وبذاا أصبحنا ننتقل من إنتصار إىل آخر‪،‬‬ ‫ولكن أخي الكرمي‪ ،‬يف األونة األخرية‪ ،‬مما يقارب‬ ‫حوايل ستة شهور و حىت اآلن‪ ،‬عاشت الثورة‬ ‫السورية يف بعض من االضطرابات الداخلية‪،‬‬ ‫وهذه االضطرابات الداخلية كان منها ما هو‬ ‫مقصود من النظام‪ ،‬ومنها ما كان غري مقصود‪،‬‬ ‫ومنها ما قد يكون له عالقة باملخابرات اإليرانية‬ ‫أو غريها‪ ،‬واهلل أعلم‪.‬‬ ‫ولكن أعدكم إن شاء اهلل أن إثباتات حول‬ ‫هذا‪ ،‬سوف تكون قريبة إن شاء اهلل حاملا حيني‬ ‫الوقت‪ ،‬أما إذا كنت تريد مين أن أجيبك على‬ ‫ما حيصل اآلن من قتال بني اجملاهدين وتنظيم‬ ‫الدولة اإلسالمية يف العراق والشام‪ ،‬فجوايب على‬ ‫حمورين‪.‬‬ ‫أوال أخاطب عناصر الدولة اإلسالمية وأقول هلم‬ ‫أن يرجعوا إىل جادة الصواب‪ ،‬وإىل احلق‪ ،‬فهم‬ ‫عبارة عن أشخاص مغرر هبم استغلوهم بفطرهتم‬ ‫السليمة لنيل مآرهبم‪ ،‬ولتحقيق أجندات هلم يف‬ ‫السيطرة ويف إجهاض مشروع اجلهاد يف أرض‬ ‫الشام‪ ،‬أما بالنسبة لألمراء ومن يعرف ماذا يفعل‪،‬‬

‫رداد خلوف قائد لواء صقور معرة النعمان‬ ‫فنحن ال نقول إال أهنم إخوة لنا يف الدين وال‬ ‫نكفرهم وال نصفهم بأي صفة أخرى‪ .‬وإمنا نقول‬ ‫إهنم بغوا علينا‪ ،‬فكما أمرنا اهلل‪( :‬وإِ ْن طَائَِفتَ ِ‬ ‫ان‬ ‫َ‬ ‫ِمن الْمؤِمنِني ا�قت�تلُوا فَأ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ت‬ ‫غ‬ ‫�ب‬ ‫ن‬ ‫إ‬ ‫ف‬ ‫ا‬ ‫م‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ََ ْ‬ ‫ْ‬ ‫ْ ُ ْ َ َْ َ‬ ‫َصل ُحوا �بَ�يْ�نَُه َ‬ ‫أل‬ ‫ُخَرى �فََقاتِلُوا الَّتيِ �تَْبغِي َحتىَّ‬ ‫إِ ْح َداهمَُا َعلَى ا ْ‬ ‫تَِفيءَ إِلىَ أ َْم ِر اللَّ ِه)‪.‬‬ ‫من هنا عانينا ما عانيناه من ظلم وترهيب من‬ ‫تنظيم الدولة‪ ،‬فكان البغي علينا واضحا للجميع‪،‬‬ ‫من مقتل األخ أبو عبيدة البنشي إىل الدكتور أبو‬ ‫ريان إىل غريهم وغريهم‪ ..‬إىل كل هذا الرتهيب‪،‬‬ ‫حىت بدا التنظيم وكأنه صائل آخر يتمثل لنا‪،‬‬ ‫فالحظتم يف بعض املظاهرات اليت قامت يف‬ ‫معرة النعمان حيث قام الناشطون وقالوا (أصبحنا‬ ‫وأغلبنا مطلوب للدولتني)‪ ،‬هؤالء كلهم بالفطرة‬ ‫مسلمون‪ ،‬فلذلك مت األمر نتيجة ضغط كبري‬ ‫علينا من تنظيم الدولة اإلسالمية من بغي وظلم‬ ‫وترهيب‪ ،‬فكان البد من انتفاضنا لقتاهلم لردهم‬ ‫إىل جادة الصواب‪.‬‬ ‫البارحة قال قائد جبهة ثوار سوريا في حديث‬ ‫على إحدى الفضائيات إن المهلة التي أعطاها‬ ‫لتنظيم العراق والشام قد انتهت وأن الحرب‬ ‫دائرة بينهم وأن بعض الفصائل لم تسانده كما‬ ‫كان هناك متفق‪.‬‬

‫هل كان هناك اتفاق بينكم وبينهم على العمل‬ ‫المشترك ضد تنظيم الدولة؟‬ ‫بداية مل يكن هناك أي اتفاق‪ ،‬ولكن أؤكد لك‬ ‫أن كافة الثوار وكافة اجلبهات وكافة اجملاهدين يف‬ ‫أرض الشام تأذوا من تنظيم الدولة‪ .‬سأحدثك‬ ‫مبثال‪ ،‬يف معرة النعمان‪ ،‬كل الفصائل اليت كانت‬ ‫يف معرة النعمان كانت قد أرهبت واضطهدت‬ ‫أحيانا من تنظيم الدولة‪ ،‬من اختطاف أو غريه‪،‬‬ ‫فكان ما كان يوم اجلمعة املاضي بدون ختطيط‬ ‫مسبق وبدون تنسق فيما بيننا بعد صالة اجلمعة‬ ‫اليت أُحرج هبا أمري الدولة يف املعرة إحراجا وثبت‬ ‫نقضه يف العهود اليت عقدها مع الشيخ أمحد إمام‬ ‫وخطيب اجلامع الكبري يف معرة النعمان‪ ،‬وخطب‬ ‫خطبة اجلمعة فأعلن أن كل مقاتل من الدولة هو‬ ‫عن ألف مقاتل من غريه‪ ،‬أي قام مبعىن ما بتسفيه‬ ‫املقاتلني واجملاهدين يف معرة النعمان‪ ،‬فما كان لنا‬ ‫بعد صالة اجلمعة املاضية إال أن انتفضنا وقمنا‬ ‫باعتقاهلم بشكل كامل ووضعهم يف السجون‬ ‫لدينا هم وسالحهم ومجيع مقراهتم وسيتم‬ ‫عرضهم إن شاء اهلل على حماكم شرعية مستقلة‬ ‫ونعلم احلكم الشرعي هبذا األمر‪ ،‬متاما كما علمنا‬ ‫الرسول عليه الصالة والسالم‪ ،‬من أن قتال البغاة‬ ‫اليكون كقتال الكفار أو املشركني‪ ،‬فلم نالحق‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫ُمدبِرهم ومل حنرق مساكنهم‪ ،‬ومل ِ‬ ‫نسب أمواهلم وال‬ ‫سالحهم‪ ،‬ولن نستعني مبشرك على قتاهلم‪ ،‬كما‬ ‫علّمنا الرسول عليه الصالة والسالم‪ ،‬وهم لدينا‬ ‫يف أحسن أحواهلم‪ ،‬وال تتوجه هلم كلمة مسيئة‪،‬‬ ‫دعون للعودة إىل جادة الصواب واحلق‪.‬‬ ‫وإمنا يُ َ‬ ‫هناك مشاكل كثرية بني صقور الشام واجلبهة‬ ‫اإلسالمية وأحرار الشام التابع للجبهة اإلسالمية‬ ‫وبني الدولة اإلسالمية يف العراق والشام‪ ،‬قبل بدء‬ ‫هذه العملية‪ ،‬وهناك معتقلون كثر لدى الدولة‬ ‫اإلسالمية من اجلبهة اإلسالمية‪ ،‬هل هناك‬ ‫تفاوض بني اجلبهة اإلسالمية ودولة اإلسالمية‬ ‫يف العراق والشام من أجل السجناء واملعتقلني‬ ‫لديهم؟‬ ‫أخي الكرمي‪ .‬املشكلة احلقيقية يف تنظيم‬ ‫الدولة االسالمية يف العراق والشام هي عدم‬ ‫اعرتافهم وقبوهلم باآلخر‪ ،‬ولو أهنم يعلمون بقرارة‬ ‫أنفسهم أن هناك جماهدين على األرض أفضل‬ ‫منهم وأثبت منهم‪ ،‬يعلمون كل ذلك لكن ال‬ ‫ينظرون إليهم كأنداد‪ ،‬ألن املوضوع لديهم أهنم‬ ‫حيسبون أنفسهم دولة‪ ،‬وكلمة دولة تعين خليفة‬ ‫وإماما وحاكما على اجلميع‪ ،‬وما علينا حنن إال‬ ‫أن نبايعهم على السمع والطاعة‪ ،‬وعلى هذا‬ ‫فاحلكم الشرعي هبذه األمور خيتلف‪ .‬مبعىن آخر‬ ‫عندما قامت إمارة لعبد اهلل بن الزبري يف احلجاز‪،‬‬ ‫واستمر اثين عشر عاما هبا وكان يطبق شرع اهلل‬ ‫وحيكم مبا أنزل اهلل‪ ،‬ومع ذلك قام اخلليفة بإرسال‬ ‫جيش له ويرأسه احلجاج‪ ،‬وقام بقتله على أستار‬ ‫الكعبة‪ .‬هنا ختتلف األمور الفقهية والشرعية‪ ،‬يف‬ ‫ظل وجود دولة ويف عدم وجود دولة‪ ،‬حنن نقول‬ ‫إننا منثل مشروع بناء أمة اسالمية ترتقي بفقه‬ ‫الواقع وفقه املراحل ببناء اجليل املسلم وإعداده‬ ‫عقيدة وفقها وإرشادا ليكون لبنة بناءة يف بنيان‬ ‫األمة اإلسالمية‪ ،‬أما عندهم فمختلف‪ .‬كما‬ ‫قلت لك عندما أنظر للناس على أهنم رعية وأنا‬ ‫الدولة تصري مشكلة‪ ،‬وعلى حد علمنا بشرعنا ال‬ ‫جيوز هلم إعالن دولة ألنه ال جيوز مبايعة جمهول‪.‬‬ ‫من هو البغدادي؟ حنن ال نعرفه‪ .‬وقد علّ َمنا أبو‬ ‫بكر الصديق عندما وصف رضي اهلل عنه صفات‬ ‫كثرية يف آخر خطبة له يصف هبا خليفته مث قال‬ ‫أجدها يف عمر بن اخلطاب‪ .‬على اخلليفة أو‬ ‫اإلمام أن يتمتع بعدة صفات أمهها أن يتجول‬ ‫يف كل شعاب املسلمني دون أن خياف على‬

‫ع البيدر‬

‫نفسه‪ ،‬وحنن ال جند بالشيخ أيب بكر البغدادي‬ ‫هذا الرجل‪ .‬ال نعرفه وال نعرف شيئا عنه وال نراه‪.‬‬ ‫هو مغيب عن الشعب فال بيعة له‪ ،‬ومن األصل‬ ‫ال موافقة على بيعتهم من الفصائل اجلهادية‬ ‫يف العراق منذ البداية فكيف لنا حنن يف أرض‬ ‫الشام أن نبايع شخصا مل يبايعه أهل العراق‪.‬‬ ‫وهنا يكمن لب املوضوع‪ ،‬وعليه أخي حنن نقوم‬ ‫باحتجاز معتقلني من تنظيم الدولة العراقية وهم‬ ‫لدينا إخوة ونعاملهم باحلسىن وقد مسعنا مؤخرا‬ ‫عن قتل األسرى لديهم ونقول حسبنا اهلل ونعم‬ ‫الوكيل‪ .‬ال أظن أن ظلما يستمر‪ ،‬وال أراهم إال‬ ‫قتيال أو شريدا أو طريدا‪ ،‬فدولة الظلم ال بد أن‬ ‫تزول‪ ،‬وال يستمر الظلم أبدا‪ .‬حنن نسأل اهلل أن‬ ‫يعيننا على هزمية هذه الفتنة وحفظ دماء املسلمني‬ ‫وإهناء هذا األمر بأقل اخلسائر وأقل الدماء‪.‬‬ ‫هناك خبر بأن السجن التابع لتنظيم الدولة‬ ‫اإلسالمية في العراق والشام بمنطقة كلي‬ ‫بريف إدلب الشمالي قد تحرر على يد الجبهة‬ ‫اإلسالمية‪ .‬هل لديكم علم بهذا األمر‪ ،‬وما‬ ‫هو عدد المعتقلين الذين تم تحريرهم؟‬ ‫ليس لدي معلومات كاملة عن هذا األمر‪ ،‬ولكن‬ ‫أؤكد لك أنه قد جتاوز عدد املعتقلني مئة ومخسني‬ ‫أو مئيت مقاتل من تنظيم الدولة‪ ،‬وال بد من أن‬ ‫يكون هناك شيء من التفاوض واالتصال حىت‬ ‫يرتدوا إىل جادة الصواب‪.‬‬ ‫هناك بعض العناصر التابعة لدولة العراق‬ ‫والشام انضمت إلى الجبهة وتركوا تنظيم‬ ‫الدولة اإلسالمية‪ .‬ما هو موقفكم من هذا؟‬ ‫نراه أمرا إجيابيا وجيدا‪ ،‬ألننا نعلم أن كل من‬ ‫التحق بتنظيم الدولة هو من شبابنا الذين‬ ‫جاهدوا معنا منذ بداية الثورة‪ ،‬وهم أناس حنسبهم‬ ‫أهل خري واستغلت طيبتهم وأتوهم هبم من حيث‬ ‫حببون‪ ،‬من الشرع والعقيدة وحماربة الفساد وطرد‬ ‫الظلم‪ ،‬ولكنهم مغيبون وال يعلمون ما هي املآرب‬ ‫احلقيقية لتنظيم الدولة‪ .‬وهناك سؤال بديهي‬ ‫عليهم أن يسألوه ألنفسهم‪ .‬ملاذا انتشار التنظيم‬ ‫يف املناطق احملررة وال وجود هلم على اجلبهات أو‬ ‫يف الرباط ويف املعارك الدائرة واملستمرة‪ ،‬إال بعض‬ ‫العمليات النوعية القليلة‪ .‬حنن من خالل قراءتنا‬ ‫لتاريخ تنظيم القاعدة يف العراق والشام ومقتل‬ ‫الشيخ أبو عمر البغدادي وأبو محزة املهاجر‬ ‫واستالم الشيخ أبو بكر البغدادي‪ ،‬نسأل أين‬

‫‪17‬‬ ‫كان أبو بكر البغدادي ومن دخل يف جملس‬ ‫شورى اجملاهدين؟ أنا أطلب من منربكم من‬ ‫اجلميع قراءة التاريخ ملعرفة حقيقة تنظيم القاعدة‬ ‫وحقيقة دولة العراق اإلسالمية‪ .‬سوف تتبني لك‬ ‫حقائق كثرية واسألوا من كان هبا خبريا‪ ،‬وهم‬ ‫إخواننا القدامى يف جبهة النصرة‪.‬‬ ‫هناك أرتال عديدة قدمت من الرقة إلى مدينة‬ ‫حلب‪ .‬هل هناك أي تعاون بينكم وبين الجبهة‬ ‫اإلسالمية في مدينة حلب‪ ،‬وما هي أخبار‬ ‫المعارك في مدينة حلب حتى اآلن ؟‬ ‫أستاذي الكرمي حنن يف اجلبهة اإلسالمية عبارة‬ ‫عن كتلة واحدة وجسد واحد وتقوم فيما بيننا‬ ‫االتصاالت والتنسيق الدائم واملتبادل‪ .‬يف آخر‬ ‫اتصال مع إخواننا يف حلب قالوا إهنم سيطروا‬ ‫سيطرة تامة على الوضع وحرروا عدة مناطق من‬ ‫أيدي تنظيم الدولة‪ ،‬ونعلم حق العلم ومن منربكم‬ ‫نريد أن ننقل هذا األمر‪ .‬ال نقاتلهم لقتلهم بل‬ ‫نقاتلهم لردهم إىل جادة الصواب فإن مل يرتدوا‬ ‫فآخر خيار يكون القتال والقتل‪ ،‬وحنن مدركون‬ ‫متاما حجم هذا األمر ونعد له اإلعداد اجليد‪،‬‬ ‫وال يؤثر أبدا أي رتل من أرتال الرقة أو غريها يف‬ ‫مسار ثورة اجملاهدين ولن يزعزعوها أو يغريوها‬ ‫بإذن اهلل واألمور كلها حتت السيطرة‪ .‬أنا أتفائل‬ ‫باخلري من خالل حمادثيت مع إخواين حبلب وريف‬ ‫إدلب الشمايل‪.‬‬ ‫الشعب كان له اليد الكبيرة في قيام هذه‬ ‫الكتائب اإلسالمية وجبهة ثوار سوريا ضد‬ ‫تنظيم الدولة‪ .‬ولكن هناك من الشعب أيضا‬ ‫من يقول إن هذه المعارك فتنة بالداخل‬ ‫وتقصم ظهر الثورة‪ ،‬ما رأيكم؟‬ ‫واهلل بالنسبة لرأي الشعب وأقوهلا بصراحة‪،‬الغالبيبة‬ ‫تريد الراحة واخلالص‪ .‬اجلميع متعب ومتلمل من‬ ‫الصدامات والقتال ومن الطائرات ومن القصف‬ ‫وغريه‪ ،‬ومن هنا جاءت نظرات خمتلفة للشعب‪.‬‬ ‫كلمة الشعب انت تعين هبا أمة وال ميكن أن‬ ‫حتدد موقفا واحدا‪ .‬من الشعب من هو مدرك‬ ‫وعارف ملا حيصل ولديه االطالع الكامل ومن‬ ‫الشعب من هو مغيب متاما ومن الشعب من‬ ‫ينادي بدولة إسالمية ومن الشعب من ينادي‬ ‫علمانية‪ ..‬إخل‪ .‬من هنا أخي الكرمي لو سألنا‬ ‫أنفسنا سؤاال‪ :‬ملاذا كان يف الثورة السورية فضائل‬ ‫كثرية ومسميات كثرية وبدأت األمور ترتاوح‪،‬‬


‫‪18‬‬ ‫بني قطاعي طرق وطاليب خالفة راشدة أو دولة‬ ‫إسالمية أو علمانيني‪ ..‬مفاهيمنا ختتلف من‬ ‫شخص إىل أخر‪ ،‬وهناك من يقيس الثورة بناء‬ ‫على مصلحته الشخصية‪ ،‬ومنهم من يريد حكما‬ ‫مدنيا والشعب يقرر ما يريد ليحكم الشعب‬ ‫بنفسه‪ ،‬ومنهم من يسعى إىل بناء دولة إسالمية‬ ‫على منهاج النبوة‪ ..‬يف بداية الثورة كنا كلنا يف‬ ‫خندق واحد ولكن متايزت الناس‪ ،‬فكل من‬ ‫اجتمع معي بالفكر تآلفنا وأصبحنا فصيال معينا‪،‬‬ ‫وعليه أصبحت هذه الفصائل ومثلها الشعب‪.‬‬ ‫من الناس من ال يريد إال اخلالص‪ ،‬وهناك من‬ ‫يلتزم احلياد ومن يسهر ليال بالدعاء للمجاهدين‬ ‫وال يرتكهم وال يغيبون عن ذهنه حلظة واألمر ال‬ ‫أستطيع أن أحصره يف خط واحد‪.‬‬

‫ع البيدر‬

‫العدد ‪13‬‬

‫علت أصوات كثيرة في هذه المرحلة تقول إن‬ ‫الجيش الحر الذي قام بهذه العملية وإن ثورة‬ ‫جديدة في سوريا قد ولدت‪ .‬ما رأيك بهذا؟‬ ‫أنا أرجح الرأي الثاين‪ .‬منذ البدايات قمنا بتشكيل‬ ‫سرية كان امسها سرية سند اإلسالم التابعة لكتيبة‬ ‫صقور الشام‪ ،‬وكان تعدادنا يف كتيبة صقور الشام‬ ‫آنذاك مئة مقاتل‪ ،‬وكانت سرييت مثانية عشر إىل‬ ‫عشرين مقاتال من الكتيبة‪ .‬كنا يف ذلك الوقت‬ ‫يف أوائل عام ‪ ،2012‬شكلنا كتيبة تابعة للجيش‬ ‫احلر واستمرينا على ما يقارب سنة كاملة‪ .‬إذن‬ ‫اجليش احلر هو عبارة عن مسمى مرحلي مؤقت‬ ‫كان يضم كل املقاتلني واجملاهدين ومن قام‬ ‫بالثورة السورية‪ ،‬أما يف املرحلة الثانية فقد متايز‬ ‫الناس فكريا وليس قتاليا‪ .‬حنن ال نقول إن من‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫ظل اآلن حتت مسميات اجليش احلر أو الفرق‬ ‫أو األركان أو غريه ليسوا جماهدين‪ .‬هم جماهدون‬ ‫وهم أهلنا وإخوتنا كنا وما زلنا سوية يف خندق‬ ‫واحد‪ .‬املسميات فرضتها االختالفات الفكرية‬ ‫والعقائدية‪ .‬مبعىن آخر أنا طموحي بناء دولة‬ ‫إسالمية على منهاج النبوة نسري هبا لبنة لبنة‪،‬آخر‬ ‫يقول ليس هديف هذا‪ ،‬بل هديف إسقاط النظام‬ ‫وفقط‪ ،‬فمن هنا جاء االختالف على الفكرة‬ ‫املستقبلية وجاء التالقي يف املرحلة اآلنية‪ ،‬فنحن‬ ‫وإياهم ال خنتلف‪ ،‬ومن ينادي ويقول بأن‬ ‫هذا احلراك قام به اجليش احلر فقط أو اجلبهة‬ ‫اإلسالمية فقط‪ ،‬فهو غري دقيق‪.‬‬


‫‪20‬‬

‫جرن حنطة العدد ‪13‬‬

‫من مسائل الثورة السورية (‪)1‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬ ‫مروان عبد الهادي‬

‫العفوية‪ ،‬وهروب المثقف من الثورة‬

‫أفرزت الثورة السورية‪ ،‬مثل أية ثورة يف العامل‪،‬‬ ‫خالل مسارها الطويل‪ ،‬منذ انطالقتها‪ ،‬العديد‬ ‫من االشكاليات‪ ،‬واألسئل‪ ،‬اليت تشكل يف‬ ‫جمملها أسئلة أو مسائل الثورة‪.‬‬ ‫وأمهية هذه املسائل تأيت من أهنا ما زالت موضوع‬ ‫جدل وحوار مستمر بني أفراد اجملتمع السوري‬ ‫مبكوناته وتياراته املختلفة حىت اآلن‪ .‬ومع استمرار‬ ‫الثورة وتعقد مسارها‪ ،‬ودخول الصراع املفتوح‬ ‫بني الشعب والنظام يف نفق مظلم‪ ،‬يصبح من‬ ‫الضروري التوقف عندها‪ ،‬واالشتغال عليها‪،‬‬ ‫واالرتقاء من اجلدل الشعبوي السطحي‪ ،‬أو‬ ‫اجلدل اإليديولوجي املغلق الذي حيمل اإلجابات‬ ‫اجلاهزة‪ ،‬إىل التأسيس املعريف هلذه املسائل‪،‬‬ ‫بقصد االرتقاء يف العمل الثوري‪ ،‬والتأسيس ملا‬ ‫ميكن تسميته اصطالحا «فلسفة الثورة»‪ .‬والثورة‬ ‫ال تنتج فلسفتها إذا مل تستند إىل فهم صحيح‬ ‫للواقع الذي تسعى إىل تغيريه‪.‬‬ ‫ومن املسائل املهمة اليت ما زالت حاضرة يف‬ ‫كل احلوارات‪ :‬العفوية والثورة‪ ،‬الالعنف والثورة‬ ‫السلمية‪ ،‬املثقف والسياسي يف الثورة املسلحة‪،‬‬ ‫األسلمة والعسكرة‪ ،‬األقليات واألكثرية‪ ،‬بنية‬ ‫النظام االستبدادي‪ ،‬البديل الثوري‪ ،‬الدولة املدنية‬ ‫والدميقراطية والعلمانية‪ ..‬إخل‪.‬‬ ‫العفوية والمثقف‬ ‫منذ البداية‪ ،‬كانت الثورة عفوية‪ ،‬وسلمية‪ ،‬وكانت‬ ‫أهم االنتقادات املوجهة هلا‪ :‬هل هذه ثورة‪ ،‬أم‬ ‫حراك‪ ،‬أم احتجاج‪..‬؟ وأين هو حزهبا وقادهتا وما‬ ‫هو برناجمها؟ وهي تساؤالت جدية‪ ،‬وما زالت‬ ‫تنتظر اجابات غري خطابية‪.‬‬ ‫إال أن االنطالقة العفوية للثورة مل توقفها أسئلة‬ ‫كهذه‪ ،‬وخاصة أن الشعب يكبت يف داخله‬ ‫كل أنواع القهر والظلم‪ ،‬وهو مهيأ لالنفجار يف‬ ‫أية حلظة‪ .‬وهذا ما رأيناه يف انتقال شعلة الثورة‬ ‫إىل كل املدن وبسرعة قياسية‪ .‬ومل يكن الشعب‬ ‫عموما مهتما بتوصيف الثورة‪ ،‬وأحزاهبا وقيادهتا‪.‬‬ ‫بل إهنم بأحاسيسهم‪ ،‬ومشاعرهم امللتهبة املكبوتة‬ ‫ضد النظام‪ ،‬جعلهم شاركوا ببساطة على أهنا‬ ‫ثورة‪ ،‬وأن قادهتا هم أبناؤهم الذين كربوا ونضجوا‬ ‫دون أن يشاوروهم‪ ،‬كما أهنم ليسوا حباجة لربامج‬

‫من مظاهرات مدينة السلمية ‪2012‬‬ ‫عقيمة مهملة يف األدراج‪ ،‬إذ يكفيهم أهنا ثورة‬ ‫ستؤدي إىل اسقاط النظام‪ ،‬الكابوس الذي جيثم‬ ‫على صدورهم منذ نصف قرن‪ ،‬وسقوط النظام‬ ‫يعين نيلهم حريتهم وكرامتهم‪.‬‬ ‫وقد بدأ شباب الثورة عملهم الثوري من الصفر‪.‬‬ ‫وليس يف جعبتهم من اإلرث الثوري الذي ميكن‬ ‫أن يساعدهم للقيام بتحديات الثورة‪ .‬ومع ذلك‬ ‫تعلموا بسرعة وأبدعوا يف مواجهة الرصاص‪ ،‬ويف‬ ‫تنظيم املظاهرات‪ ،‬والتنسيق فيما بينها والتأسيس‬ ‫لقيادة سياسية وإعالمية للثورة جتسدت باحتاد‬ ‫التنسيقيات واهليئة العامة للثورة‪.‬‬ ‫لكن كل ذلك مت ضمن العفوية الثورية‪ ،‬فاخلطاب‬ ‫القصري على الفضائيات‪ ،‬وتسمية أيام اجلمعة‪،‬‬ ‫والشعارات يف املظاهرات‪ ،‬مل تكن كافية للتعريف‬ ‫بالثورة وأهدافها وبراجمها‪ .‬كما أن صنع السياسة‬ ‫الثورية يف جمتمع ميت ومهزوم‪ ،‬ليس باألمر‬ ‫السهل‪ ،‬وال ميكن حتقيقه بسرعة تتوافق مع‬ ‫تسارع مفاعيل الثورة على االرض‪ .‬ويبدو أن‬ ‫شباب الثورة مل يكن يف ذهنهم رؤية اسرتاتيجية‬ ‫لالرتقاء بالعمل الثوري‪ ،‬وخاصة العمل على‬ ‫التأسيس لبناء تيار سياسي يقود الثورة فعلياً على‬ ‫كافة املستويات‪.‬‬ ‫ومل يكن يف خميلة الثوار سوى جتارب الربيع العريب‬ ‫يف مصر وتونس وليبيا‪ ،‬واليت متت قراءهتا على‬ ‫عجل‪ ،‬وبعفوية سياسية غري ناضجة‪ .‬وكان احللم‬ ‫الثوري حيكم آماهلم يف انتصار الثورة السريع كما‬ ‫حدث يف تونس ومصر‪ ،‬بسبب وقوف اجليش‬

‫إىل جانب الثورة‪ ،‬والتضحية برأس االستبداد‪ .‬أما‬ ‫اجليش يف سوريا‪ ،‬فهو موضوع خمتلف كليا‪ ،‬ومل‬ ‫تُفد الورود اليت قُدمت له يف املظاهرات السلمية‪،‬‬ ‫وشعارها «الشعب واجليش إيد وحدة»‪.‬‬ ‫وعندما وصل عدد الشهداء إىل أكثر من مخسة‬ ‫آالف‪ ،‬بدأ احللم على الطريقة الليبية باستجداء‬ ‫التدخل اخلارجي‪ .‬وهذا احللم تبدد أيضا‪ ،‬نتيجة‬ ‫القراءة الساذجة ملوقف الغرب الذي يدعي‬ ‫دعمه للدميقراطية وحقوق االنسان‪ .‬ورغم ذلك‬ ‫مازال احللم يدغدغ عقول السياسيني القابعني يف‬ ‫االئتالف وغريه‪ ،‬رغم النتائج الفاشلة ملساعيهم‬ ‫خالل العامني املاضيني‪.‬‬ ‫املباشرة وعم التخطيط مالزمة النطالقة كل‬ ‫ثورة‪ ،‬لكن ال ميكن للثورة أن تتقدم إىل األمام‬ ‫إذا استمرت هذه العفوية‪ ،‬ومل تنتقل إىل الوعي‬ ‫الثوري املنظم‪ ،‬وجتربة الثورة السورية السلمية‬ ‫القصرية‪ ،‬مل تقدم الوقت الكايف هلذا االنتقال‪،‬‬ ‫كما أهنا مل جتد من يساندها يف الداخل على‬ ‫ذلك‪ ،‬وخاصة املثقفني وبقايا املعارضة القدمية‪.‬‬ ‫فاملثقف السوري ال خيتلف حاله عن باقي أفراد‬ ‫اجملتمع‪ ،‬إذ من الطبيعي أن يكون املناخ الثقايف‬ ‫والسياسي سكونيا ومستنقعيا‪ ،‬ال خيتلف من‬ ‫حيث اجلوهر عن باقي القطاعات اجملتمعية‬ ‫األخرى‪ .‬وإذا جتاوزنا أبواق السلطة‪ ،‬أو مثقف‬ ‫السلطة‪ ،‬فقد دفع املثقف السوري مثناً غالياً‬ ‫ملعارضته النظام يف مرحلة الثمانينيات من القرن‬ ‫املاضي‪.‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫ومع وراثة االبن املهزلة السلطة عن األب منذ‬ ‫بداية القرن احلايل ووعوده باإلصالح والتحديث‪،‬‬ ‫عاد املثقف املعارض ليظهر من جديد عرب‬ ‫املنتديات اليت انتشرت يف كل سوريا ضمن ما‬ ‫يسمى بـ(ربيع دمشق)‪ ،‬والذي مل يستمر طويال‪،‬‬ ‫بعد أن اغلق النظام كافة املنتديات واعتقل بعض‬ ‫الناشطني‪.‬‬ ‫لكن هذا الظهور اجلديد للمثقف مل يكن ثوريا‬ ‫داعيا إلسقاط النظام‪ ،‬كما هو يف السابق‪ ،‬إمنا‬ ‫ظهر مشبعاً برؤية إصالحية‪ ،‬وبقيادة النظام‬ ‫الذي ادعى ضرورة اإلصالح والتحديث‪ ،‬وقد‬ ‫أصبحت املنظومة الفكرية للمعارضة السورية‬ ‫عموما‪ ،‬ليربالية حمورها الرئيسي اجملتمع املدين‪،‬‬ ‫والدميقراطية‪ ،‬والتداول السلمي للسلطة‪ ،‬وحقوق‬ ‫االنسان‪ ،‬متأثرة باملناخ العاملي اجلديد بعد سقوط‬ ‫االحتاد السوفييت ومنظومته الشمولية‪ ،‬وسيادة‬ ‫الفكر الليربايل العوملي اجلديد‪ .‬وقد عملت كافة‬ ‫األحزاب القدمية على تغيري براجمها اإليديولوجية‪،‬‬ ‫واستبداهلا بربامج ليربالية دميقراطية‪ .‬ومع أنه مل‬ ‫يتمخض عن ربيع دمشق أحزاب أو حركات‬ ‫سياسية جديدة‪ ،‬إال أنه عمل على بث احلركة يف‬ ‫املستنقع الثقايف اآلسن‪ ،‬دون أن يكون قادرا على‬ ‫إحداث فجوة مهمة لتنفس اهلواء النقي‪.‬‬ ‫وضمن هذا اجلو كانت أعداد الشباب غري قليلة‬ ‫يف املنتديات‪ ،‬والذين شكلوا فيما بعد عماد الثورة‬ ‫السورية وتنسيقياهتا‪ ،‬وكان من املالحظ وجود‬ ‫هوة بني جيل السبعينيات والشباب اجلديد‪،‬‬ ‫ويعود عدم التواصل بني اجليلني إىل الذهنية‬ ‫اإليديولوجية لألول‪ ،‬وجيل الشباب الرافض‬ ‫لأليديولوجيا‪ ،‬والذي مل خيرت منظومته الفكرية‬ ‫والسياسية بعد‪ ،‬وأيضا عجز اجليل السابق عن‬ ‫إجناز أية أنساق معرفية ثقافية‪ ،‬ميكن للجيل‬ ‫اجلديد أن يستند اليها‪ ،‬ويستكملها يف عملية‬ ‫تراكمية مستمرة‪.‬‬ ‫وبدال من حتفيز الشباب ودعمهم كي يؤسسوا‬ ‫منظومتهم الثقافية والسياسية اخلاصة‪ ،‬عمل‬ ‫اجليل القدمي على كسب الشباب إىل دكاكينهم‬ ‫املغلقة‪ ،‬والبحث عن مريدين‪ ،‬وليس مناضلني‪،‬‬ ‫وهذا منسجم مع البنية اإليديولوجية املغلقة‪،‬‬ ‫واليت تعتمد على الشخصانية التارخيية املهزومة‬ ‫لرموز املعارضة القدمية‪.‬‬ ‫ويف السنوات اليت سبقت الثورة‪ ،‬عمل املثقف‬

‫جرن حنطة‬

‫على عزل نفسه عن السياسة‪ ،‬وبالتايل توزع‬ ‫املثقفون إفراديا يف مواقع خمتلفة‪ ،‬مثل املثقف‬ ‫الناقد‪ ،‬واملثقف الناصح للنظام‪ ،‬واألغلبية من‬ ‫املثقفني كانت تنضوي حتت عنوان املثقف‬ ‫املنافق‪.‬‬ ‫ومنذ انطالقة الثورة السلمية‪ ،‬برز املثقف املنافق‬ ‫إىل السطح‪ ،‬والذي كان ينظر للثورة مبنظار الريبة‪،‬‬ ‫وعدم الثقة بقدرة الشعب على إسقاط النظام‪،‬‬ ‫ويقدم نفسه على أنه مع احلرية‪ ،‬والدميقراطية‪،‬‬ ‫ومع املعارضة‪ .‬ويبدأ مقولته متشبهاً باملثقف‬ ‫الناقد‪ ،‬باحثا عن أخطاء وثغرات الثورة مثل‬ ‫أن أعداد املتظاهرين قليلة ال متثل كل الشعب‪،‬‬ ‫والشعارات إسالمية‪ ،‬أين القيادة والربنامج‪ ..‬إخل‪،‬‬ ‫ويستنتج ببساطة‪ :‬أن هذه ليست ثورة‪ .‬ويرتد‬ ‫بذلك ليحافظ على موقعه مع النظام‪ .‬إنه خيتبئ‬ ‫وراء النقد املزيف‪ ،‬لريدد بصيغ ثقافوية مواقف‬ ‫النظام‪.‬‬ ‫ومع انتقال الثورة إىل الطور املسلح‪ ،‬صرخ بصوت‬ ‫عال‪ :‬انتهت الثورة‪ ،‬مرددا ضرورة اإلصالح‪،‬‬ ‫واالنتقال السلمي والتدرجيي حنو الدولة املدنية‬ ‫الدميقراطية‪.‬‬ ‫ويندرج حتت هذا العنوان اهلروب املزيف لبعض‬ ‫بقايا التنظيمات القدمية مثل (هيئة التنسيق) اليت‬ ‫تشكلت حتت عنوان‪ :‬ال للعنف‪ ،‬ال للطائفية‪ ،‬ال‬ ‫للتدخل اخلارجي‪ ،‬باحثة يف دفاتر الالعنف عن‬ ‫الوسيلة املثلى إلسقاط النظام‪ .‬ولألسف ما زالت‬ ‫هذه الالءات ترتدد حىت اآلن بعد كل اجلرائم‬ ‫والفظاعات اليت ارتكبها النظام حبق الشعب‪.‬‬ ‫وكذلك حركة (معا) وغريها من احلركات اليت‬ ‫تشكلت خالل الثورة‪.‬‬ ‫أما املثقف الناقد‪ ،‬الذي أيد الثورة منذ بداياهتا‪،‬‬ ‫مل جيد له موقعا فيها‪ ،‬ألنه رفض العمل السياسي‬ ‫اجلمعي‪ ،‬واحلال نفسه بالنسبة إىل بعض‬ ‫التنظيمات القدمية اليت أيدت الثورة وانضمت‬ ‫إليها مثل‪ :‬حزب الشعب‪ ،‬لكنهم مل يشكلوا‬ ‫أكثر من حاالت ثقافية بعيدة عن الشعب‪.‬‬ ‫وبالتايل كانت اجلهود الفردية للمثقفني ذات تأثري‬ ‫ال يُذكر‪ ،‬أو غري فعال‪ ،‬وذلك لعدة أسباب‪ ،‬أمهها‬ ‫وأوهلا‪ :‬عدم مساح النظام لالحتجاج‪ ،‬واالعتصام‬ ‫السلمي يف الساحات العامة كما حصل يف مصر‬ ‫وتونس‪ ،‬وثانيها‪ :‬أن العمل الفردي يف زمن الثورة‬ ‫غري ٍ‬ ‫جمد إن مل يكن رمزا ملهما للثورة والشعب‬

‫‪21‬‬ ‫الثائر‪ .‬وهذا الرمز مل يكن موجوداً‪ ،‬كما أن‬ ‫الثورة مل تفرزه حىت اآلن‪ ،‬مع أن كل من املثقفني‬ ‫املؤيدين للثورة‪ ،‬يعتربون نفسهم الرمز املعرب عن‬ ‫ضمري الشعب وامللهم للثورة‪ ،‬وثالثها‪ :‬طبيعة‬ ‫املثقف بشكل عام‪ ،‬نرجسي‪ ،‬ومتكرب‪ .‬يُضاف‬ ‫إىل ذلك أن املثقف السوري مل خيرج من عباءة‬ ‫الذهنية االستبدادية‪ ،‬وبالتايل جيب على الثورة أن‬ ‫خترج من حتت عباءته! ألنه –وباألساس‪ -‬الثقافة‬ ‫الدميقراطية حديثة العهد يف سوريا‪ ،‬ومل جتد بعد‬ ‫األرض اخلصبة لنموها‪.‬‬ ‫بعد نصف عام من انطالقة الثورة‪ ،‬بدأ نزوح‬ ‫أو هروب املثقف من أرض الثورة‪ ،‬عابرا املناطق‬ ‫احملررة‪ ،‬دون أن يلتفت للوراء‪ ،‬إىل دول اجلوار‪،‬‬ ‫وخاصة تركيا اليت احتضنت املعارضني‪ ،‬والذين‬ ‫شكلوا (اجمللس الوطين) مث (االئتالف الوطين)‪،‬‬ ‫الذي احتكر متثيل الثورة‪ ،‬دون أن يستطيع أن‬ ‫يكون قائدا سياسيا للثورة‪ .‬باإلضافة إىل العديد‬ ‫من التشكيالت اجلديدة الفندقية‪ ،‬واليت تتحدث‬ ‫مجيعها باسم الثورة‪ ،‬وكان آخر هذه التشكيالت‪:‬‬ ‫(احتاد الدميقراطيني)‪ ،‬و(كلنا سوريون)‪ ..‬إخل‪.‬‬ ‫وبدال من أن يعمل االئتالف على تشكيل قيادة‬ ‫سياسية للثورة يف الداخل‪،‬ساهم يف بعثرة شباب‬ ‫التنسيقيات‪ ،‬وتشتتهم يف اخلارج‪ ،‬للعمل يف‬ ‫اإلغاثة واإلعالم‪ ،‬أو حبجة توسعة االئتالف‪،‬‬ ‫أواالنضمام إىل التشكيالت الفندقية‪ .‬وهذا أدى‬ ‫يف النهاية إىل تفريغ الداخل من كل النشطاء‪،‬‬ ‫وبالتايل اختفاء اجلانب املدين والسياسي للثورة‪.‬‬ ‫وهذا بدوره مل يؤسس لبناء مجهور الثورة‪ ،‬احلامل‬ ‫لثقافة الثورة ومبادئها وأهدافها‪ ،‬والذي ميكن‬ ‫أن يستمر يف الدفاع عنها وعن جانبها املدين‪،‬‬ ‫إىل جانب العسكري‪ .‬وكذلك تصويب مسارها‬ ‫وبوصلتها يف وجه االحنرافات والتشوهات اليت‬ ‫ميكن أن تواجهها‪ .‬وكذلك أيضا حرم الثورة من‬ ‫تأييد الطبقة الوسطى اليت كان من املمكن أن‬ ‫تلعب دورا إجيابيا مهما يف الثورة‪ ،‬باإلضافة إىل‬ ‫األغلبية الصامتة اليت تشردت يف كل أصقاع‬ ‫األرض‪ ،‬وتعرضت لكل أنواع اإلهانة واجلوع‬ ‫واليت بدأت تلعن الثورة ومن وراءها‪.‬‬ ‫فالثقافة يف مرحلة الثورة ال قيمة هلا إذا مل تكن‬ ‫مقاومة للنظام املستبد‪ ،‬وال ميكن هلذه الثقافة‬ ‫أن تكون مقاومة‪ ،‬إن مل تكن مرتبطة بالسياسة‬ ‫الثورية بشكل مباشر‪ ،‬أو صانعة هلذه السياسة‪،‬‬


‫‪22‬‬ ‫باعتبارها احلاضنة الفكرية للثورة‪ .‬وهذه الثقافة‬ ‫كانت ومازالت غائبة حىت اآلن‪.‬‬ ‫صحيح أن املثقف ال يصنع ثورة‪ ،‬لكن يف كل‬ ‫الثورات كان له دور مهم‪ ،‬وإن مل يكن قائدا‬ ‫ملهما‪ ،‬فعلى األقل يشارك يف صناعة سياسة‬ ‫الثورة‪ .‬وإن مل قادرا على محل السالح‪ ،‬إمنا ميكن‬ ‫أن يشارك يف توجيه هذا السالح‪.‬‬ ‫واألكثر خطورة هو االنتقال العفوي حنو‬

‫عسكر حرامية‬

‫جرن حنطة‬

‫العدد ‪13‬‬

‫الثورة املسلحة‪ ،‬وما رافقه من فوضى السالح‪،‬‬ ‫واختالط االوراق‪ ،‬وحنن حنصد اآلن نتائج‬ ‫هروبنا من املناطق احملررة‪ ،‬مبالحقة كل من‬ ‫يؤمن بالدميقراطية‪ ،‬وحقوق االنسان‪ ،‬من قبل‬ ‫التكفرييني‪ ،‬والذين يُدخلون الثورة يف نفق مظلم‪.‬‬ ‫يف النهاية‪ ،‬ال بد من السؤال للحوار‪ :‬ما العمل؟‬ ‫ماذا جيب أن نعمل من أجل إنقاذ ثورتنا؟‬ ‫بالتأكيد‪ ،‬ال يوجد جواب جاهز‪ .‬لكن رمبا تكون‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫البداية بالعودة إىل إحياء التنسيقيات من جديد‪،‬‬ ‫والعمل على تنظيم حلقات ثقافية‪-‬سياسية‪،‬‬ ‫تضم النشطاء واملثقفني‪ ،‬تبحث يف مسائل الثورة‬ ‫وإشكالياهتا‪ ،‬والبحث عن آليات جديدة للعمل‬ ‫املدين والسياسي داخل املناطق احملررة‪.‬‬

‫الحرب النفسية والنظام األسدي‬

‫منصور العقابي‬ ‫عقيد منشق‬ ‫من املعروف أن احلرب النفسية هي أحدى‬ ‫أهم أدوات احلروب العسكرية على مر التاريخ‪،‬‬ ‫وتتجلى خطورهتا بتحطيم معنويات العدو‬ ‫وتشتيت قواه وزرع الفوضى بني صفوفه‪ ،‬مما‬ ‫يسهل على القوات العسكرية حتقيق أهدافها بأقل‬ ‫ّ‬ ‫اخلسائر وبالسرعة القصوى‪ .‬وقد دأب النظام‬ ‫األسدي ومنذ اليوم األول للثورة على استخدام‬ ‫احلرب النفسية وعلى نطاق واسع وبكثافة غري‬ ‫معهودة تتغري معطياهتا وطبيعتها حسب املكان‬ ‫والزمان‪ ،‬وخباصة اإلشاعة السوداء‪ ،‬األكثر تأثرياً‬ ‫يف املعنويات ويف صفوف الثوار واألهايل‪.‬‬ ‫وكانت الشبكة العنكبوتية من أكثر الوسائل‬ ‫اليت اعتمد عليها النظام يف حربه النفسية وبث‬ ‫اإلشاعات‪ ،‬وقد زادت وترية األستخدام هلذه‬ ‫املنظومة يف الفرتة األخرية مع مالحظة حتسن‬ ‫يف األداء وتلون يف املعطيات‪ ،‬وظهرت كثري‬ ‫من املواقع اإللكرتونية بقناع معارض وثوري‪،‬‬ ‫تبث مسومها بقوة‪ .‬واحلق يقال أهنا استطاعت‬ ‫أن جتذب الكثري من البسطاء والسذج‪ ،‬وأحياناً‬ ‫املوتورين‪ ،‬بفعل األسلوب املتقن يف تقدمي املعلومة‬ ‫بشكل يداعب املشاعر والعاطفة‪ ،‬ويلغي فعل‬ ‫العقل‪ ،‬حبيث متر الفكرة األساسية اليت يراد هلا‬ ‫أن تفعل فعلها يف النفوس دون أن يشعر املتلقي‬ ‫أنه قد وقع يف فخ ما يريده النظام‪ ..‬ومن أكثر‬ ‫املواضيع اليت ّروج هلا النظام وبقوة وفاعلية ومنذ‬ ‫اليوم األول للثورة‪ ،‬هي الطائفية‪ ،‬عكازه الذي‬ ‫يساعده على الصمود ومينعه من السقوط ويطيل‬

‫بروفايل إحدى الصفحات الموالية للنظام السوري‬ ‫من عمره‪.‬‬ ‫وباملناسبة فإن استخدامه املكثف للطائفية كان‬ ‫موجها باألساس للطائفة العلوية وباقي األقليات‪،‬‬ ‫يروجها النظام واليت‬ ‫وما املقاطع املسربة اليت كان ّ‬ ‫تفوح منها رائحة الطائفية الكريهة إال جلعل‬ ‫الطرف األخر ينجر إىل مستنقع الطائفية ويغرق‬ ‫فيه وبذلك ينجح هو يف إطالة أمد حياته‪.‬‬ ‫ولألسف جنح إىل حد ما يف ذلك‪ ،‬لغباء وهتور‬ ‫البعض‪ ،‬واندفاع البعض األخر وراء عواطفه‪ ،‬دون‬ ‫إدرك عواقب ذلك‪ .‬حىت أن النظام ساعد على‬ ‫إنشاء ونشر مواقع يديرها عمالء له‪ ،‬تبث مسوم‬ ‫الطائفية بشكل فظ وحتريضي مقيت‪ ،‬وتشيع‬ ‫أن الثورة قد انتهت وأن احلرب اآلن هي حرب‬

‫طائفية‪ ،‬وهذا مايريده النظام‪ ،‬ألن يف ذلك طوق‬ ‫جناة له‪ .‬ومن املؤسف أن جتد أن هذه املواقع‬ ‫جتد رواجا كبريا بني املعارضني والثوار وإقباال من‬ ‫البعض والغريب أن بعض هذه املواقع ليس صعبا‬ ‫أن تتعرف على عمالته للنظام‪ ،‬مبجرد أن تعمل‬ ‫عقلك وتبطل قلبك‪ ،‬ومنها ما هو واضح بعمالته‬ ‫التمعن والتف ّكر‪،‬‬ ‫للنظام ال حيتاج إال قليال من ّ‬ ‫لتجد السم الزعاف الذي يقدمه لك يف طبق‬ ‫العسل‪ ،‬فتف ّكروا يا ذوي األلباب‪ ،‬وال تكونوا‬ ‫سندا وعونا ملن يريد بكم شرا‪ ،‬وتذكر أنه ليس‬ ‫كل ما يلمع ذهبا‪ ،‬وأن القاتل عندما يريد أن‬ ‫يدس السم للضحية‪ ،‬يضعه يف الطعام األكثر‬ ‫شهية‪.‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫جرن حنطة‬

‫في معنى الذهاب أو عدم الذهاب إلى جنيف ‪2‬‬ ‫من حيث ممارساته االستئصالية على أرض‬ ‫الواقع‪ ،‬مثة تفاوض سيجري يف سوريا يف جنيف‬ ‫‪ 2‬ضد نظام فاشي‪ ،‬يشابه نوعاً ماذلك الذي‬ ‫عهده الفلسطينيون من تفاوض قبل عقدين من‬ ‫الزمن‪ ،‬مع احتالل مل يرتكب ما ارتكبه ممُ انِعه‬ ‫الذي سيجري التفاوض معه بعد أيام‪ .‬واحلال‪،‬‬ ‫أن ما عهده السوريون الثائرون وذاقوه يف األعوام‬ ‫كفيل بأن‬ ‫الثالثة من ثورهتم على يد هذا النظام‪ٌ ،‬‬ ‫يكون خيارهم واحداً هو رحيل النظام بكافة‬ ‫أركانه ورموزه‪.‬‬ ‫ومع استعصاء الواقع السوري على حل ينهي‬ ‫املوت اليومي للسوريني‪ ،‬واستعصاء النظام‬ ‫االسدي على أي سقوط حمتمل له‪ ،‬مع دعم‬ ‫عاملي وإقليمي مباشر وغري مباشر له‪ ،‬وتكالب‬ ‫عاملي وإقليمي مباشر لكسر الثورة السورية‪ ،‬ومنو‬ ‫مجاعات متطرفة ال نظري الحنطاطها وإجرامها‬ ‫إال األسدية»داعش منوذجاً»‪ ،‬يبدو استحقاق‬ ‫رض على الطرف الثائر على‬ ‫جنيف‪ 2‬وكأنه فُ َ‬ ‫األرض‪ ،‬ومن خلفه املعارضة السياسية‪ ،‬وبشروط‬ ‫هي دون سقف مطالبهم اليت رفعوها يف بداية‬ ‫ثورهتم‪ .‬إن جنيف‪ 2‬سينتهي غالباً على حل غري‬ ‫جذري بني الطرفني الذاهبَني إليه‪ ،‬املعارضة بكل‬ ‫تفرعاهتا وتنويعاهتا من جهة‪ ،‬والنظام السوري من‬ ‫جهة أخرى‪ :‬حالً يتجاوز كونه حرباً على ورق‪،‬‬ ‫قابالً للتهافت والسقوط عند أول استحقاق‬ ‫عسكري على أرض الواقع‪ .‬حل لن يتضمن‬ ‫تغيرياً جذرياً يف بنية النظام او ممارساته‪ ،‬واألهم‪:‬‬ ‫يف رئيسه‪.‬‬ ‫يشكل جنيف‪ 2‬منذ مت اإلعالن عنه‪ ،‬حموراً‬ ‫خالفياً يقسم املعارضة السورية بكافة فصائلها‬ ‫السياسية والعسكرية انقساماً عمودياً‪ ،‬بني مؤيد‬ ‫ومعارض له‪ ،‬بشروط أو من دون شروط‪ ،‬بغض‬ ‫النظر عن نتائجه احملتملة واحتماالت ما ميكن‬ ‫أن يقدمه النظام السوري يف املفاوضات‪« ،‬وهو‬ ‫لن يقدم شيئاً بطبيعة األحوال»‪ ،‬طاملا أنه قوي‬ ‫ومتماسك سياسياً أكثر من معارضيه‪ ،‬ومتمسك‬ ‫مببادئه اإلجرامية أكثر من متسك معارضيه‬ ‫السياسيني مببادئ الثورة عليه‪ ،‬وطاملا أنه يسيطر‬ ‫على أر ٍ‬ ‫اض سورية بقوة‪ ،‬وطاملا أن الفوضى‬ ‫تعم املناطق اليت تسيطر عليها املعارضة –على‬ ‫اختالف هذه املعارضة‬

‫ومع اجتماع جمموعة أصدقاء سوريا يف الشهر‬ ‫اجلاري‪ ،‬وإقرارهم باإلمجاع دعم االئتالف الوطين‬ ‫السوري املعارض برئاسة رئيس االئتالف الذي‬ ‫أعيد انتخابه‪ ،‬أمحد اجلربا‪ ،‬واعتبارهم «أن‬ ‫االنتقال السياسي يف سورية لوضع حد للنظام‬ ‫املتسلط يقدم وحده حالً حقيقياً عرب هدف‬ ‫جنيف ‪ ٢‬الذي ينبغي ان يعقد ضمن املهلة‬ ‫احملددة» كما جاء على لسان وزير اخلارجية‬ ‫الفرنسي لوران فابيوس‪ ..‬يبدو لوهلة وكأن‬ ‫الغرب ذاهب إىل جنيف صفاً واحداً إىل جانب‬ ‫املعارضة السورية إلزاحة األسد‪ ،‬واستكمال ما‬ ‫يلزم الستتباب األرض للسوريني من دون النظام‪،‬‬ ‫وإعادة بناء بلدهم من جديد‪.‬‬ ‫إال أن الرد على ذلك يأيت هذه املرة من الرئاسة‬ ‫السورية اليت قال بيا ٌن صدر بامسها بأهنا «ال‬ ‫تستغرب‪ ..‬ما جرى يف باريس من اجتماع ألعداء‬ ‫الشعب السوري وما متخض عنه من تصرحيات‬ ‫أقرب إىل األوهام منها إىل احلقيقة وال تصدر إال‬ ‫عن أشخاص منفصلني عن الواقع وبعيدين كل‬ ‫البعد عن أي منطق سياسي مقبول»‪.‬‬ ‫الواضح‪ ،‬أن ذهاب املعارضة إىل جنيف‪ 2‬لن‬ ‫يكون جماالً للتفاوض على انتقال السلطة الفوري‬ ‫من بشار األسد إىل سلطة رئاسية ودستورية‬ ‫جديدة‪ ،‬ذلك أن النظام والرئيس الذي ورث‬ ‫سوريا مزرعةً عن والده‪ ،‬وال يزال يعامل السوريني‬ ‫أرقاماً يف هذه املزرعة‪ ،‬لن يكدر صفو أحالم‬ ‫توريثه سورية البنه مستقبالً‪ ،‬أي حدث أو عمل‬ ‫سياسي أو حىت ميداين وإن يكن حبجم الثورة‬ ‫السورية‪ .‬الثورة السورية زلزلت قناعات العامل كله‬ ‫بالسوريني مبن فيهم القوى الداعمة لألسد‪ ،‬إال‬ ‫األسد الذي ال يزال يعترب أن فرص العودة إىل‬ ‫ما قبل ‪ 15‬آذار ‪ 2011‬ال تزال متاحةً بقوة له‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬أال يفعل الضغط الدويل على األسد فعله‬ ‫يف هذه احلالة؟‬ ‫يفرتض أن يضغط اجملتمع الدويل بقوة على‬ ‫األسد للتنحي واعتبار تنحيه بداية وقف شالل‬ ‫الدم اليومي يف سوريا‪ ،‬إال أن املوقف الدويل من‬ ‫«األزمة» كما حيلو هلم تسميتها‪ ،‬والداعم لألسد‬ ‫من قبل الروس حتديداً‪ ،‬واملعرب عن القلق لدى‬ ‫داعمي الثورة‪ ،‬ال يوحي بنيّة فعلية لدى اجملتمع‬ ‫الدويل يف الضغط على بشار األسد للتنحي‬

‫‪23‬‬ ‫عبداهلل أمين الحالق‬

‫بإرادة دولية‪ :‬األسد الذي اكتفى األمريكان‬ ‫بتحريك بارجة عسكرية امام الشواطئ اللبنانية‪،‬‬ ‫لكي يأمر جيشه باالنسحاب من هذا البلد عام‬ ‫‪.2005‬‬ ‫إىل ذلك‪ ،‬جند من كان يزحف على ُركبه يف‬ ‫طريقه إىل جنيف ‪ 2‬من جهة‪ ،‬ليحجز مقعداً له‬ ‫وهليئته «هيئة التنسيق» يف املستقبل وبأي مثن‪،‬‬ ‫حتت عنوان غريب ومن عامل ما وراء الطبيعة هو‬ ‫«تفكيك النظام من داخله»‪ ،‬قبل أن ترفض‬ ‫اهليئة الذهاب إىل املؤمتر قبل «جالء املالبسات»‬ ‫حبسب تعبري هيثم مناع‪ .‬كما جند من صار‬ ‫يعارض املؤمتر بسبب حضور إيران له بعد ان‬ ‫كان موافقاً على الذهاب إليه‪ ،‬ونعين االئتالف‬ ‫السوري املعارض‪ ،‬يف تتمة ملسلسل من خطابات‬ ‫عشائرية وعويل وبكاء بَعيد كل البعد عن الكالم‬ ‫السياسي‪ ..‬تشهد لذلك تصرحيات أمحد اجلربا‬ ‫مؤخراً‪ .‬كما يضاف إىل الرافضني جلنيف‪ ،2‬كل‬ ‫من ال ميتلك خارطة طريق مستقبلية دميقراطية‬ ‫ستكون بالطبع على حساب تورطه يف دعم‬ ‫التطرف والتيارات الراديكالية على األرض‪.‬‬ ‫غري ذلك‪ ،‬جند قسمني من السوريني ال يزاالن‬ ‫حيرتمان أنفسهما‪ ،‬بتقديرنا‪ ،‬يف املوقف من مؤمتر‬ ‫جنيف‪:2‬‬ ‫األول هو الذي يعارض الذهاب إىل املؤمتر عن‬ ‫قناعة مبدئيةوصحيحة‪ ،‬بأن اللعبة والقرار اكرب‬ ‫من طاولة هذا املؤمتر‪ ،‬كما هو إجرام النظام‬ ‫غري احملدود‪ ..‬والثاين وقوامه ناشطون وسياسيون‬ ‫سوريون وطنيون غري متورطني بالكذب على‬ ‫السوريني والتالعب بأمواهلم وأمنهم‪،‬وهو القسم‬ ‫الذاهب إىل جنيف ‪ ،2‬ال ليقدم تنازالت للخالفة‬ ‫االسدية‪ ،‬وإمنا ألنه يعتقد أن أي تنازل «شكلي»‬ ‫من النظام‪ ،‬حىت لو كان على مستوى السماح‬ ‫بإدخال الطعام إىل خميم الريموك‪ ،‬قد خيفف عدد‬ ‫املوتى يومياً يف سوريا‪ ،‬دون احلاجة إىل خطابات‬ ‫النفري العام واحلشد ومعارك التحرير الومهية اليت‬ ‫انتقلت عدواها من األسد إىل معارضيه‪.‬‬


‫‪24‬‬

‫جرن حنطة العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫طلعنا عالحرية‪..‬قراءة أولية في اإلعالم السوري الجديد‬ ‫إلى رزان وسميرة ووائل وناظم ومازن‬ ‫أثار اختطاف رزان زيتونة ومسرية اخلليل ووائل‬ ‫محادة وناظم احلمادي جم ّدداً مسألة العالقة‬ ‫التكاملية أو التنافسية أو التعارضية بني الوجه‬ ‫الشعيب‪ ،‬أي املدين والسياسي والدميقراطي هلذه‬ ‫الثورة‪ ،‬ووجهها العسكري أي املسلح والعنفي‬ ‫املتطرف‪ .‬رمبا جيدر بنا هنا أن نأخذ يف االعتبار‬ ‫و ّ‬ ‫التأزم‪ ،‬حب ّد ذاته‪ ،‬ليس جوهرانياً‪ ،‬وال ثابتاً‪،‬‬ ‫أن هذا ّ‬ ‫تأزم الثورة واجملتمع‬ ‫إذ هو ناجم يف األصل‪ ،‬عن ّ‬ ‫السوريَني‪ ،‬مبعىن أنه نتاج عديد األسباب‪ ،‬داخلية‬ ‫وخارجية‪ ،‬ضمنها العنف التدمريي الذي انتهجه‬ ‫النظام ضد السوريني‪ ،‬وحثّه على إضفاء طابع‬ ‫طائفي عليها‪ ،‬إضافة إىل طول أمد الثورة‪ ،‬وتص ّدع‬ ‫امجاعات السوريني‪ ،‬وغياب غالبية اجملتمع عن‬ ‫معادالت الصراع‪ ،‬وخذالن اجملتمع الدويل‪.‬‬ ‫يتفق كثريون على أن رزان باتت مبثابة الوجه‬ ‫األبرز الذي يعبرّ عن الوجه املدين هلذه الثورة‪ ،‬يف‬ ‫طورها األول‪ ،‬حسب تعبري حلازم صاغية‪ ،‬ليس‬ ‫ألن رزان حقوقية وكاتبة وناشطة سياسية‪ ،‬فقط‪،‬‬ ‫أصرت‪ ،‬أيضاً‪ ،‬على البقاء يف سوريا‪ ،‬ومل‬ ‫بل وألهنا ّ‬ ‫تعرضت هلا‪(.‬أنا‬ ‫خترج‪ ،‬رغم كل التهديدات اليت ّ‬ ‫هنا ألنين هنا يف سوريا بلدي)‪ ،‬هكذا أجابت‬ ‫أسست (جلان التنسيق احمللية)‪،‬‬ ‫رزان‪ ،‬اليت كانت ّ‬ ‫وأنشأت (مركز توثيق االنتهاكات يف سوريا)‪،‬‬ ‫وسهرت على اصدار جملة (طلعنا عاحلرية)‪.‬‬ ‫عموماً‪ ،‬ليس القصد هنا احلديث عن رزان‪ ،‬وإمنا‬ ‫عن الوجه املغيّب هلذه الثورة‪ ،‬الذي متثله رزان‬ ‫وأمثاهلا‪ ،‬والذي تدين له هذه الثورة بوجودها‪،‬‬ ‫وبشرعيتها‪ .‬فهؤالء الشبان الشجعان هم الذين‬ ‫كسروا حاجز اخلوف‪ ،‬وحت ّدوا جربوت النظام‪،‬‬ ‫وأجهزة املخابرات وعصابات الشبيحة‪ ،‬وخرجوا‬ ‫اىل ساحات املدن‪ ،‬يهتفون‪( :‬الشعب السوري‬ ‫ما بينذل) و(سوريا بدها حرية)‪ ،‬مع أن سالحهم‬ ‫الوحيد كان يتمثّل باملتظاهرات والتجمعات‬ ‫الشعبية‪ ،‬اليت كانوا يصدحون فيها حبناجرهم‬ ‫بأناشيد احلرية‪ ،‬ويلوحون فيها بقبضاهتم‪.‬‬ ‫طبعا‪ ،‬ليست هذه مفاضلة بني الوجه الشعيب‬ ‫واملدين للثورة وبني وجهها العسكري واملسلح‪،‬‬ ‫فمن السذاجة االعتقاد بإمكان إسقاط هكذا‬

‫نظام مبظاهرات واعتصامات وشعارات‪ ،‬وإمنا‬ ‫الغرض هنا يتعلق بالتنويه إىل خماطر تغليب‬ ‫وجه على آخر‪ ،‬وخماطر إزاحة البعد الشعيب‬ ‫للثورة وهتميشه لصاحل البعد املتعلّق بالعسكرة‬ ‫واجلماعات املسلحة‪.‬‬ ‫ويف مراجعة ملسارات الثورة ميكننا ببساطة‬ ‫مالحظة أن النظام اشتغل حبرص ودأب‬ ‫شديدين‪ ،‬منذ البداية‪ ،‬على إزاحة البعد الشعيب‪،‬‬ ‫املدين والسلمي والدميوقراطي للثورة‪.‬‬ ‫فقبل بروز ظاهرة العسكرة‪ ،‬والصراع املسلح‪،‬‬ ‫كان معدل الشهداء برصاص رجال األمن‬ ‫والشبيحة يبلغ حنو ‪ 600‬شخص شهريا‪ .‬وكان‬ ‫النظام أنكر الثورة‪ ،‬حىت أنه اعترب التظاهرات‬ ‫العارمة‪ ،‬اليت شهدهتا ساحات مدينيت محص‬ ‫يفضها‬ ‫ومحاه‪ ،‬جمرد فربكات تلفزيونية‪ ،‬قبل أن ّ‬ ‫بالرصاص والدبابات‪ ،‬علماً أنه حال دون متكني‬ ‫مجاهري حلب ودمشق ودرعا والالذقية من إجياد‬ ‫ساحة هلم‪ .‬وإىل هذا وذاك فقد سعى النظام‬ ‫لدفع السوريني يف املناطق احلاضنة للثورة إىل ترك‬ ‫أحيائهم‪ ،‬وحىت هتجريهم خارج البلد‪ ،‬ضمن‬ ‫اسرتاتيجيته الرامية إلفراغ الثورة‪ ،‬بتقويض طابعها‬ ‫الشعيب‪ ،‬وذلك بتعم ّده تدمري األحياء الشعبية‪،‬‬ ‫وحماصرهتا‪ ،‬وتعريضها للقصف املستمر‪.‬‬ ‫ما يلفت االنتباه‪ ،‬أيضاً‪ ،‬أن النظام الذي أطلق‬ ‫من معتقالته بعض منتسيب أو مناصري تنظيم‬ ‫«القاعدة»‪ ،‬واجلماعات الدينية العنيفة واملتطرفة‪،‬‬ ‫يف األشهر األوىل للثورة‪ ،‬اشتغل يف املقابل على‬ ‫إخفاء الناشطني الثوريني السلميني‪ ،‬الذين كانوا‬ ‫يقودون املتظاهرات‪ ،‬ويلهمون الناس بالشعارات‪،‬‬ ‫املتعلقة باحلرية والكرامة والدميوقراطية‪.‬‬ ‫هكذا كان نصيب مئات الناشطني القتل‬ ‫برصاص القناصة أو هبراوات الشبيحة أو التعرض‬ ‫لالعتقال‪ ،‬أو دفعهم إىل اخلروج من البلد‪ ،‬وهو‬ ‫ما حصل بقتل الناشط من داريا غياث مطر‬ ‫وعديد من قادة املتظاهرات يف دمشق وحلب‬ ‫ومحص ومحاه ودرعا والالذقية والرسنت‪ ،‬وباعتقال‬ ‫كثر من أمثال مازن درويش (رئيس املركز السوري‬ ‫لإلعالم وحرية التعبري)‪ ،‬والكاتب علي الشهايب‪،‬‬

‫ماجد كيالي‬

‫وبإجبار مئات من النشطاء للخروج اىل املنايف‪.‬‬ ‫يف هذا اإلطار‪ ،‬فقد اضطلعت األنشطة‬ ‫اإلعالمية بدور متميّز‪ ،‬إن يف مواجهتها حال‬ ‫االنكار‪ ،‬واحلجب‪ ،‬والتشويه‪ ،‬اليت حاول فيها‬ ‫النظام حماربة الثورة‪ ،‬أو يف سعيها لكسر حاجز‬ ‫اخلوف‪ ،‬وإشاعة مظاهر التمرد والعصيان‪ ،‬بغرض‬ ‫حترير الوعي الشعيب‪ ،‬واجملال العام‪ ،‬من احتالل‬ ‫النظام‪ .‬ويف هذين احلالني استطاعت الثورة‪ ،‬ألول‬ ‫مرة‪ ،‬فتح الفضاء العام أمام السوريني‪ ،‬من خالل‬ ‫مناخ احلرية الذي أتاحته‪ ،‬وأيضاً من خالل هذه‬ ‫الورشة اهلائلة واملدهشة لألنشطة اإلعالمية اليت‬ ‫حفلت هبا‪ ،‬واليت اخنرط فيها كتاب وفنانون‬ ‫ومصورون‪ ،‬مع أخذنا يف االعتبار الظروف‬ ‫الصعبة اليت اشتغلوا فيها‪ ،‬يف وضع كان فيه فيلم‬ ‫الفيديو على موبايل‪ ،‬يعرض صاحبه للقتل أو‬ ‫لإلعتقال‪ ،‬ويف وضع كان فيه أي شخص يلتقط‬ ‫صورة‪ ،‬أو يرسل بريدا الكرتونيا‪ ،‬كأنه يقوم بعملية‬ ‫انتحارية‪.‬‬ ‫باحملصلة‪ ،‬فقد اضطلعت جمموعة من الشباب‬ ‫الشجعان والرائعني‪ ،‬الذين يتوقون للخالص‬ ‫واحلرية‪ ،‬يف سوريا مغايرة‪ ،‬بدور هو يف غاية‬ ‫األمهية‪ ،‬يتمثل خبلق التواصل بني السوريني‪،‬‬ ‫وفيما بينهم وبني العامل‪ ،‬يف حتد لكل حواجز‬ ‫النظام العسكرية وأجهزته االستخباراتية‪ ،‬وخرباته‬ ‫يف القمع واحلجب والتورية والتزييف والتلفيق‪.‬‬ ‫واحلال‪ ،‬ففي معمعان الثورة‪ ،‬نشط هؤالء الشباب‬ ‫على شبكات التواصل االجتماعي لسد الفراغ‬ ‫املتعلق بغياب التشكيالت السياسية‪ ،‬وبإنشاء‬ ‫التنسيقيات‪ ،‬واملواقع اإلعالمية على الشبكة‬ ‫العنكبوتية‪ ،‬ومت انشاء بعض اذاعات ‪ ،FM‬ومثة‬ ‫جتارب أقل حملطات تلفزيونية‪.‬‬ ‫ولعل التجربة األكثر متايزاً وإدهاشاً‪ ،‬من وجهة‬ ‫نظري‪ ،‬متثلت يف إصدار الصحف واجملالت‪ ،‬اليت‬ ‫عرفت السوريني على كتابات جديدة‪ ،‬لكتاب‬ ‫شباب مل يكونوا معروفني من قبل‪ ،‬يطرحون‬ ‫أسئلة من خارج الصناديق املعروفة واملعهودة‪.‬‬ ‫وكانت تلك مفارقة الفتة حقاً‪ ،‬فسوريا اليت‬ ‫كانت فقرية يف الصحافة‪ ،‬واليت ظلت لعقود‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫مقتصرة على ثالثة صحف تشبه بعضها البعض‬ ‫(تشرين والبعث والثورة)‪ ،‬مع صحف حملية لبعض‬ ‫املدن‪ ،‬واليت كان كتاهبا‪ ،‬غري احملسوبني على‬ ‫النظام‪ ،‬جيدون متنفساً هلم يف الصحافة اللبنانية‬ ‫تعج باحلياة الصحفية‬ ‫واخلليجية‪ ،‬باتت فجأة ّ‬ ‫ومليئة بالصحف واجملالت‪.‬‬ ‫ولعل املقارنة يف العمل الصحايف ما قبل وما بعد‬ ‫الثورة تبينّ الفارق الكمي والنوعي بني احلالني‪،‬‬ ‫وتبينّ كم كان السوريون يفتقدون حلرية التعبري‪،‬‬ ‫وللرأي اآلخر‪ ،‬وتبني كم مت تضييع مواهب‬ ‫وطاقات ألجيال من الشباب يف العقود املاضية‪،‬‬ ‫بسب نظام االستبداد‪.‬‬ ‫تعرفنا على‬ ‫هكذا‪ ،‬ففي غضون هذه الثورة‪ّ ،‬‬

‫‪25‬‬

‫جرن حنطة‬

‫يضج باحلرية‪ ،‬وعلى شباب مليء‬ ‫إعالم آخر‪ّ ،‬‬ ‫باحلماسة‪ ،‬وبالنضج السياسي‪ ،‬وباألسئلة‬ ‫الفكرية‪ ،‬حىت عناوين هذه اجملالت والصحف‬ ‫بدت الفتة ومجيلة ومعربة‪ .‬ففي غضون هذه‬ ‫الفرتة‪ ،‬من عمر الثورة‪ ،‬بتنا أمام صحف وجمالت‬ ‫من مثل‪« :‬طلعنا عاحلرية»‪ ،‬و(سوريا بدها‬ ‫حرية)و(شرارة آذار)‪ ،‬و(أوكسجني)‪ ،‬و(جسر)‬ ‫و(البديل)‪ ،‬و(ثوري أنا)‪ ،‬أو مثل (حنطة)‪،‬‬ ‫و(زيتون)‪ ،‬و(عنب بلدي)‪ ،‬و(يامسني)‪ ،‬مثة أيضا‬ ‫(شام) و(سوريتنا)‪ ،‬و(دمشق)‪ ،‬و(زمان الوصل)‪،‬‬ ‫و(تواصل)‪ ،‬و(عهد الشام) و(ضوضاء)‪،‬‬ ‫و(عني املدينة)‪ ،‬و(الغربال)‪ ،‬و(صدى الشام)‪،‬‬ ‫و(متدن)‪ ،‬و(املسار احلر)‪ ،‬و(والت)‪ ،‬و(صور)‪،‬‬

‫و(بناة املستقبل)‪ ،‬و(طيارة ورق) (لألطفال)‪.‬‬ ‫كما جيدر التنويه إىل وجود مراكز دراسات‪،‬‬ ‫صدر عنها مؤلفات متميزة عن الواقع السوري‪،‬‬ ‫مثل (جمموعة اجلمهورية للدراسات)‪ ،‬و(املركز‬ ‫السوري للدراسات السياسية واالسرتاتيجية)‪،‬‬ ‫و(مركز اجملتمع املدين والدميقراطية)‪ ،‬و(مركز‬ ‫دراسات اجلمهورية الدميوقراطية)‪( .‬مع االعتذار‬ ‫عن أي سهو)‪.‬‬ ‫هذا واحد من أوجه الثورة السورية‪ ،‬املستحيلة‬ ‫واليتيمة واملدهشة‪ ،‬يستحق التقدير‪ ،‬ويؤكد بأهنا‬ ‫ثورة ولاّ دة وواعدة‪ ،‬رغم كل ما ينجم عنها من‬ ‫تداعيات‪ ،‬وما حييط هبا من مشكالت‪ ،‬وما‬ ‫تواجهه من حتديات‪.‬‬

‫األصوليات اإلسالمية والفكر الديمقراطي في الثورة السورية‬

‫األصولية اإلسالمية السياسية‪ ،‬بالتعريف العام‪،‬‬ ‫هي اصطالح سياسي فكري مستحدث‪،‬‬ ‫تشكل وتطور ضمن سياقات تارخيية متغرية‪،‬‬ ‫ويشري إىل نظرة متكاملة للحياة بكافة جوانبها‬ ‫السياسية واالجتماعية‪ ،‬واالقتصادية والثقافية‪،‬‬ ‫ومتثل األصولية اإلسالمية‪ ،‬تعبريا تارخييا عن‬ ‫واقع سياسي واجتماعي واقتصادي مأزوم‪ ،‬وهي‬ ‫نتيجة تفاعل بني عدة عوامل داخلية وخارجية‪،‬‬ ‫عربت عن نفسها بالرجوع إىل فرتة تارخيية من‬ ‫املاضي‪ ،‬ساد فيها األمان السياسي واالجتماعي‬ ‫واملعيشي‪ ،‬ووجدت يف ذلك املاضي منوذجا‬ ‫للمستقبل‪ ،‬وحلم يصور املاضي على أنه احلقيقة‬ ‫الثابتة واملكتملة‪ ،‬ويبين احلاضر على أساس من‬ ‫هذا التصور الشمويل والكلي‪ ،‬الذي يؤمثل مناذج‬ ‫ومفاهيم ومقوالت من املاضي‪ ،‬ليشكل منظومة‬ ‫من القناعات املغلقة الراسخة واملتأصلة بالنفس‬ ‫والعقل‪.‬‬ ‫تتألف عناصر األصولية االسالمية اليت تقوم‬ ‫عليها اجلماعة الدينية من‪:‬‬ ‫اإلميان بالوحي كمصدر أساسي‪ ،‬وهو مرجعية‬ ‫النص‪ ،‬واالعتقاد الراسخ بالنص كحقيقة مطلقة‬ ‫ثابتة ويقينية ال تتغري وال تتبدل‪ ،‬واعتبار النموذج‬ ‫النبوي وبعض من الصحابة والتابعني‪ ،‬منوذجا‬ ‫للعمل والسلوك احملدد بقواعد متينة ثابتة‪ ،‬يرجع‬ ‫مصدرها إىل النص واحلديث‪ ،‬باإلضافة إىل‬

‫عناصر أخرى تتفرع عن العناصر األساسية‪،‬‬ ‫وختتلف نتيجة لالختالف يف بنية التشكيالت‬ ‫االجتماعية والثقافية للجماعة أو اجملتمع (تنوع‬ ‫املذاهب واالجتهادات)‪ ،‬ويف أن هناك حدودا‬ ‫وفواصل بني األصوليات اإلسالمية‪ ،‬يتجلى يف‬ ‫اختاذ هذه األصوليات أشكال التعبري عن نفسها‬ ‫ورؤيتها للعامل و اآلخر‪ ،‬وطرق عملها‪،‬مما يشري‬ ‫إىل أن هناك متايزا يف الشكل بني األصوليات‬ ‫االسالمية السياسية‪ ،‬من حيث العمل ووسائل‬ ‫التطيب‪ ،‬رغم أن احملمول الفكري واحد (النص –‬ ‫الشريعة ) والغاية (الدولة اإلسالمية)‪.‬‬ ‫كما جند أن التمظهر العقيدي لألصوليات‬ ‫اإلسالمية بأنواعها واحد باألساس (الوحي‬ ‫– النص – النموذج النبوي والصحايب هي‬ ‫عناصرأساسية مشرتكة‪ ،‬بني ما مسي أصوليني‬ ‫معتدلني‪ ،‬وآخرين متطرفني جتمعهم مقوالت‬ ‫ُمؤمثلة‪ ،‬وفكر متعال لكنه راسخ بالنفوس‬ ‫والعقول‪،‬كحقائق غري قابلة للدحض والتغري‪،‬‬ ‫وسلوك تشريعي سياسي مصدره مبدأ احلاكمية‬ ‫هلل وحده)‪.‬‬ ‫ويتخذ اإلميان الديين يف األصولية صفة القانون‬ ‫امللزم‪ ،‬فهم يرفضون مبدأ احلاكمية الشعبية‪،‬‬ ‫والسيادة الشعبية‪ ،‬وحىت املعتدلون منهم‪،‬‬ ‫يزاوجون بني مفهوم الدميوقراطية والشورى‪ ،‬وتظل‬ ‫الدميقراطية لديهم جمرد لعبة سياسية أي (صندوق‬

‫جمال الجميلي‬

‫اقرتاع) للوصول للسلطة‪ ،‬معتمدين على مفهوم‬ ‫األغلبية الدينية للجماعة‪ ،‬وحىت االجتهاد حمدود‬ ‫بضوابط رمسها النص واحلديث للعقل اجملتهد‪،‬‬ ‫وأي جتاوز هو خروج عن العناصر السابقة غري‬ ‫مسموح به‪.‬‬ ‫اعتمادا على هذه املقدمة النظرية املوجزة‪ ،‬بقدر‬ ‫ما يسمح به حيز الورقة املقدمة‪ ،‬جند أننا أمام‬ ‫تقاطعات وافرتاقات‪ ،‬بني األصوليات اإلسالمية‬ ‫السياسية املتواجدة يف الوطن السوري‪ ،‬واذا ما‬ ‫اتفقنا أن لكل أصولية إسالمية‪ ،‬وسائلها وأدواهتا‬ ‫العنيفة الشديدة‪ ،‬أو السلمية الدعوية‪ ،‬للوصول‬ ‫إىل الغاية األوىل واألخرية يف تطبيق الشريعة‬ ‫وإقامة الدولة اإلسالمية‪ ،‬نستطيع أن نقرأ شكل‬ ‫وطبيعة الصراع القائم بينها دون أن يغيب‬ ‫عن بالنا أن األصوليات اإلسالمية الراديكالية‬ ‫تتشكل يف كال املذهبني السين والشيعي‪ ،‬فمن‬ ‫حيث التوجه السياسي واالجتماعي‪ ،‬حياول كل‬ ‫مذهب نشر أفكاره وسيطرته على فضاء جغرايف‪،‬‬ ‫وإقامة دولته الدينية واملذهبية‪ ،‬حتت شعار واسع‬ ‫هو الدولة اإلسالمية‪ ،‬أو اجلمهورية اإلسالمية‪،‬‬ ‫ساعياً كل اجتاه مذهيب إىل استقطاب الشعور‬ ‫الديين‪ ،‬واستفزاز الذات االسالمية اجملروحة اليت‬ ‫حتمل يف الالوعي الديين شرخها التارخيي القدمي‬ ‫بني كال املذهبني‪.‬‬ ‫إن توضيح بعض النقاط النظرية‪ ،‬وكذلك التعرض‬


‫‪26‬‬

‫لبعض املسائل اليت من احملرم االقرتاب منها‪،‬‬ ‫هو ضرورة معرفية‪ ،‬ويعود ذلك لسببني‪ :‬أوال‬ ‫ال جيوز التحدث عن القضايا الدينية باعتبارها‬ ‫مقدسات‪،‬وال يسمح بالنظر إليها بعيون وعقول‬ ‫مفتوحة‪ ،‬مع العلم أن تلمسي هلذه القضايا‬ ‫النظرية هو شرح لألسس الفكرية والقناعات اليت‬ ‫ترتكز عليها األصوليات اإلسالمية‪ ،‬دون الدخول‬ ‫يف تفاصيل هذه القناعات‪ ،‬وكيفية استثمارها يف‬ ‫الثورة السورية‪.‬‬ ‫ثانيا‪ :‬ألن الكثري من اليساريني والقوميني وحىت‬ ‫الليرباليني‪ ،‬وبسبب ثقافتنا وشعاراتنا الدمياغوجية‬ ‫التقدمية اهلشة والسطحية‪ ،‬يتصورون أننا جتاوزنا‬ ‫املاضي‪ ،‬ألننا ماركسيون أو قوميون أو ليرباليون‪،‬‬ ‫لكن الواقع القائم على األرض السورية‪ ،‬أثبت‬ ‫ضعف فهمنا ورداءة قراءتنا‪ ،‬إن عدم مواجهة‬ ‫املشروع األصويل اإلسالمي السياسي‪ ،‬مبشروع‬ ‫وطين دميقراطي علماين يؤسس حلالة من الفهم‬ ‫اجلديد للوطن واملواطن‪ ،‬أخذ الثورة إىل مناخات‬ ‫بعيدة‪ ،‬عن املشروع الوطين الدميوقراطي لبناء‬ ‫الدولة القانونية احلديثة‪.‬‬ ‫بالعودة اىل األرض السورية‪ ،‬وحالة الصراع‬ ‫القائم بني احلركات االسالمية األصولية‪ ،‬أوالً‪:‬‬ ‫القتال بني احلركات األصولية اإلسالمية من‬ ‫كال املذهبني‪ ،‬نرى أن احلالة العنفية والتكفريية‬ ‫هي السائدة بني املتقاتلني بني الطرفني‪ ،‬وليس‬ ‫هناك فرق يف الوسائل القتالية العنيفة والشاذة‬ ‫املستخدمة‪ ،‬وهذا ما عملت عليه واستثمرته‬ ‫أجهزة النظام األسدي بامتياز‪ ،‬مستغلة احلالة‬ ‫االسالمية للمجتمع السوري‪ ،‬وقد اختذ النظام‬ ‫االسدي ذو الطبيعة املذهبية ومجاهريه الرعاعية‪،‬‬ ‫شكال مذهبيا مستغالً خببث سياسي ووقاحة‬ ‫طائفية‪ ،‬كل أشكال التعاطف املذهيب معه‪،‬‬ ‫مستقطباً مجاعة دينية على أخرى‪ ،‬حموال الصراع‬ ‫مع اجملتمع إىل صراع مذهيب‪ ،‬مفتوح على‬ ‫اخلراب والدمار للوطن واإلنسان‪ ،‬مما أدى إىل‬ ‫احنراف الثورة واحلراك االجتماعي املدين عن‬ ‫املسار األساسي واملطالب األساسية يف احلرية‬ ‫والدميوقراطية وحقوق اإلنسان‪ .‬لقد استطاع‬ ‫النظام األسدي نقل الصراع بينه وبني اجملتمع من‬ ‫مفهوم املقاومة الشعبية إىل مفهوم اجلهاد الديين‪،‬‬ ‫مما مسح بدخول اجملتمع حبالة من اهلذيان الديين‪،‬‬ ‫ومسح باستقطاب املقاتلني من كال الطريف‪ ،‬مما‬ ‫أضعف وقضى على احلالة املدنية للمجتمع‬

‫جرن حنطة العدد ‪13‬‬

‫السوري والثورة السورية ‪.‬‬ ‫ثانياً‪ :‬أخطر أشكال الصراع واالقتتال هي بني‬ ‫األصوليات اإلسالمية من أصحاب االجتاه‬ ‫املذهيب الواحد‪ ،‬املعادي للنظام األسدي‪ ،‬رغم‬ ‫حماولة هذه احلركات تشكيل ما يسمى جبهات‬ ‫إسالمية‪ ،‬جتمع عدة فصائل مقاتلة حتت‬ ‫تسميات خمتلفة‪ ،‬إال أن تعدد هذه اجلبهات‬ ‫وتنوع مصادر دعمها ومتويلها‪ ،‬باإلضافة لطبيعة‬ ‫التشكيل االجتماعي والذهين والعشائري أو‬ ‫املناطقي لبعض الفصائل املنضوية حتت لواء هذه‬ ‫اجلبهات‪ ،‬وكذلك وجود فصائل وكتائب عديدة‬ ‫ما زالت منفصلة عن اجلبهات املتعددة‪ ،‬واجلميع‬ ‫يستند إىل مفهوم اجلهاد والغزوة والغنيمة‪ ،‬الذي‬ ‫حيكم الذهنية القتالية مما يتضمن الكثري من‬ ‫املخاطر‪ ،‬وجتلى ذلك يف اقتتال الفصائل مع‬ ‫بعضها‪ ،‬واهتام بعضها البعض بالفساد والعمالة‬ ‫إن انسحاب الفكر السياسي الدميوقراطي‬ ‫العلماين من الساحة السياسية‪ ،‬أفسح اجملال لفكر‬ ‫ماضوي منغلق‪ ،‬للسيطرة والتسيد والقيادة‪ ،‬وترك‬ ‫اجملال للدول اإلقليمية احلاملة ألجندهتا السياسية‬ ‫الضيقة ومصاحلها يف السيطرة واالحتواء‪ ،‬وحتديد‬ ‫مسار الثورة‪.‬‬ ‫وحيمل الكثري من املسؤولية السياسيون واملعارضون‬ ‫الدميوقراطيون واليساريون والليرباليون والقوميون‪،‬‬ ‫الذين اعتربوا أن املهام قد أجنزت‪ ،‬برفع شعارات‬ ‫مضطربة ومشوشة ومهادنة للتيار اإلسالمي‪،‬‬ ‫والتسابق فيما بينهم على مصاحبة األصوليات‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬وتقدمي خطاب سياسي يعلي من‬ ‫شأن األصوليات‪ ،‬وحماولة إجياد كل الوسائل‬ ‫املفهومية املغلوطة لتربير سلوكهم‪ ،‬معللني ذلك‬ ‫حبجج متعددة‪ ،‬على سبيل املثال ال احلصر‬ ‫(عدم اقصاء اآلخر)‪ ،‬بينما هم خيشون من‬ ‫إقصاء أنفسهم‪ ،‬لتناسيهم مشروعهم الدميوقراطي‬ ‫العلماين‪ ،‬الهثني وراء منافعهم السهلة وامتيازاهتم‬ ‫القادمة حسب تصورهم‪ ،‬ومثال آخر‪ :‬مفهوم‬ ‫العلمانية‪ ،‬اختفى هذا املفهوم من الفكر واخلطاب‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫السياسي‪ ،‬وأصبح شتيمة وهتمة معيبة‪ ،‬رغم أن‬ ‫العالقة بني الدميوقراطية والعلمانية‪ ،‬هي ضرورة‬ ‫موضوعية وليست منطقية‪ ،‬والدميوقراطية بدون‬ ‫العلمانية هي دمقراطية هشة وعجراء‪ ،‬والعلمانية‬ ‫دون الدميوقراطية هي عماء واستبداد‪ ،‬ومثال‬ ‫آخر يف عدم رغبتهم أو قدرهتم على التفريق‬ ‫بني مفهوم الدولة اإلحلادية املرفوض باملطلق‪،‬‬ ‫والدولة العلمانية‪ ،‬مما أضعف من مفهوم الدولة‬ ‫احلديثة القانونية‪ ،‬ومثال آخر‪ :‬عدم التمييز بني‬ ‫اجملتمع الديين‪ ،‬واجملتمع املتدين‪ ،‬وكذلك احلديث‬ ‫عن التجربة الرتكية على أهنا منوذج حيتذى‬ ‫متناسني أن الدستور الرتكي ينص وبشكل‬ ‫واضح يف مقدمته على أن (اجلمهورية الرتكية‬ ‫دولة دميوقراطية علمانية) وأن العسكر الرتكي‬ ‫قبل املرحلة السياسية الدميوقراطية القريبة لرتكيا‪،‬‬ ‫خيتلف يف بنيته االجتماعية والذهنية ونشأته‬ ‫التارخيية‪ ،‬وسلوكياته املنضبطة وعالقاته اخلارجية‪،‬‬ ‫عن العسكر األسدي يف تكوينه الطائفي وذهنيته‬ ‫املتصدعة ونشأته املخابراتية‪ ،‬وسلوكياته األمنية‬ ‫املنفلتة‪ ،‬والكثري من التمايزات األخرى‪ ..‬لكننا‬ ‫تعودنا أن نتلقف الشعارات والتسميات واملفاهيم‬ ‫دون سرب تارخيي‪،‬ومنهجية يف البحث الفكري‬ ‫االجتماعي والسياسي‪ ،‬مما أدى إىل إغالق احلقل‬ ‫السياسي‪.‬‬ ‫إن من ميزات الثورة السورية وفضائلها انكشاف‬ ‫القدمي‪ ،‬وهو دليل يؤكد أمهية التحوالت‬ ‫االجتماعية والسياسية اجلارية يف اجملتمع السوري‪،‬‬ ‫ويؤكد على أمهية مواجهة املشروع األسدي‬ ‫التدمريي‪ ،‬وكذلك مواجهة املشاريع األصولية‬ ‫اإلسالمية بكل أشكاهلا‪ ،‬مبشروع وطين سياسي‬ ‫دميوقراطي علماين‪ ،‬أسسه فكر حداثي يؤمن‬ ‫باحلرية وحقوق اإلنسان كاملة دون انتقاص‬ ‫لكل السوريني‪ ،‬إسالميني متدينني أو علمانيني‬ ‫أو يساريني أو ليرباليني أو قوميني‪ ،‬لكل واجباته‬ ‫ولكل حقوقه السورية املكفولة‪ ،‬بإقامة الدولة‬ ‫الدميوقراطية العلمانية احلديثة‪.‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫رحى‬

‫جدلية العسكرة والتنمية – االقتصاد السوري أنموذجاً – حلقة (‪)4‬‬ ‫كنا قد تناولنا يف احللقة املاضية تاريخ العسكرة يف‬ ‫سوريا والتطور التارخيي لعسكرة االقتصاد السوري‬ ‫وتطويعه آللة احلرب على مدى عقود من الزمن‪،‬‬ ‫كما تناولنا بشيء من التفصيل الكلفة التقديرية‬ ‫للمجهود احلريب الذي أنفق يف سبيل قمع الثورة‪،‬‬ ‫وسنحاول يف هذه احللقة األخرية تسليط الضوء‬ ‫على اآلثار االقتصادية واالجتماعية اليت خلفتها‬ ‫عسكرة االقتصاد السوري على اجملتمع وأفراده‬ ‫انطالقاً من السنوات الثالث األخرية اليت شكلت‬ ‫عمر الثورة السورية ‪.‬‬ ‫بدءاً ال بد أن نتعرف على منحىن اقتصادي‬ ‫شهري يعاجل هذا املوضوع بالذات يسمى ‪gun‬‬ ‫‪ butter curve‬وهو يعرب عن عالقة عكسية‬ ‫تربط بني اختيارات االقتصاد الوطين‪ ،‬فهي تصور‬ ‫االقتصاد على مفرتق طريقني‪ ،‬إما أن ينتج الزبدة‬ ‫(وهي تعبري عن التنمية واإلعمار) أو أن ينتج‬ ‫السالح ( وهو تعبري عن اجملهود احلريب )‪ ،‬ولذا‬ ‫فإن إنتاج أحدمها سيعين بالضرورة التوقف عن‬ ‫إنتاج اآلخر‪ ،‬أو ختفيضه على األقل‪ ..‬بإسقاط‬ ‫هذا املعىن على واقع االقتصاد السوري بعد ثالثة‬ ‫أعوام من الثورة‪ ،‬سنجد دون كثري من العناء‬ ‫والتدقيق‪ ،‬أن آلة العسكرة اهلمجية قد أذابت كل‬ ‫الزبدة املرتاكمة عرب عقود من التنمية املتواضعة‬ ‫أصال‪ ،‬وحولت االقتصاد السوري إىل اقتصاد‬ ‫حريب يقوم باحلرب وخيدمها مرتبعاً على حبار من‬ ‫«الزبدة الذائبة»‪.‬‬ ‫يكفي أن نعلم أن ما يقارب ستة ماليني سوري‬ ‫عاطلون عن العمل نتيجة احلرب‪ ،‬كما فقد‬ ‫قرابة املليون ونصف املليون أعماهلم للسبب‬ ‫ذاته وهؤالء يعيلون ما ال يقل عن ستة ماليني‬ ‫شخص بني نساء وأطفال وشيوخ‪ ،‬أما الذين‬ ‫أسعفهم كثري من احلظ ووجدوا عمالً فسيجنون‬ ‫أجراً ال يتجاوز متوسطه ‪ 140‬دوالراً أمريكياً‬ ‫يف الشهر الواحد وهذا يف أحسن االحوال‪،‬‬ ‫كما أشارت بعض الدراسات إىل أن معظم‬ ‫العاطلني عن العمل هم من ذوي التحصيل‬ ‫العلمي املتدين نسبياً فمعظمهم ال حيمل‬ ‫أكثر من شهادة ابتدائية أو ثانوية يف أحسن‬ ‫االحوال‪ ،‬ولذا فلنا أن نتصور صعوبة إجيادهم‬ ‫لعمل‪ ،‬أو أن نتصور طبيعة ذلك العمل املمكن‬

‫أن يعملوا فيه لو وجدوه‪ ،‬كما دخل مع بداية‬ ‫العام ما يقارب األربعة ماليني سوري خط الفقر‬ ‫املعروف‪ ،‬نصفهم يف خطر الفقر األشد‪ ،‬إضافة‬ ‫لنحو ‪ %44‬من الشعب كانوا واقعني أساساً‬ ‫حتت خط الفقر مع بداية عام ‪ ،2011‬فإذا ما‬ ‫أضفنا إىل ذلك معدالت التضخم العالية وغالء‬ ‫املعيشة واالرتفاع اجلنوين لألسعار الذي عصف‬ ‫ويعصف باالقتصاد السوري‪ ،‬نكون أمام كارثة‬ ‫صامتة بكل ما تعنيه الكلمة من معىن‪ ،‬ذلك‬ ‫أن مؤشرات قوة العمل تعترب املدخالت األكثر‬ ‫أمهية يف إجراء املقارنات وإعداد اخلطط التنموية‬ ‫بآجاهلا املختلفة القصرية واملتوسطة والطويلة‬ ‫املدى‪ ،‬يف اجملاالت الدميوغرافية واالقتصادية‬ ‫واالجتماعية على حنو سواء‪ ،‬وهو ما سيشكل‬ ‫مستقبالً حجرة عثرة وعائقاً مباشراً يضاف إىل‬ ‫تكلفة التنمية وإعادة اإلعمار ‪.‬‬ ‫بالرجوع إىل سجالت املكتب املركزي لإلحصاء‬ ‫ونشراته املتعددة ومنذ بداية العام ‪2011‬‬ ‫كان دخل املرأة السورية العاملة ‪ 15915‬لرية‬ ‫سورية‪ ،‬مقابل ‪ 13697‬ل‪.‬س للرجل العامل‪،‬‬ ‫وبلغ متوسط دخل السوري ‪ 14069‬ل‪.‬س‬ ‫عام ‪ 2011‬علماً أن ما يقارب ‪300.000‬‬ ‫شخص يدخلون يف حسابات قمة العمل سنوياً‬ ‫منذ عام ‪ ،2005‬ومعظمهم من الذكور‪ ،‬حيث‬ ‫تناقصت أعداد العامالت منذ ذلك التاريخ‪،‬‬ ‫وصوالً لبداية الثورة‪ ،‬وقد توزعت نسب العاملني‬ ‫حسب مسح املكتب املركزي لإلحصاء (ووفقاً‬ ‫ألرقامه)ب ـ ـ ـ ‪ %4.4‬أصحاب عمل‪ ،‬و‪%29.8‬‬ ‫يعملون حلساهبم و‪ %62.6‬يعملون بأجر‪،‬‬

‫‪27‬‬ ‫د‪.‬عبداهلل الفراتي‬

‫و‪ %3.2‬يعملون دون أجر‪ .‬كما بينت دراسة‬ ‫أخرى أن متوسط مدة البحث عن العمل يف‬ ‫سوريا هو ‪ 23‬شهراً لإلناث و‪ 19‬شهراً للرجال‬ ‫وهم يف معظمهم غري خاضعني ألي دورات‬ ‫تدريبية وذوي مستوى تعليمي منخفض نسبياً‬ ‫منهم ‪ %40‬يستعينون باألهل واألصدقاء فيما‬ ‫يلجأ ‪ %26‬إىل مكاتب التشغيل وأكثر من‬ ‫‪ %80‬من املتعطلني حيبذون العمل يف القطاع‬ ‫العام وحنو ‪ %13‬منهم يعتربون العمل الذي‬ ‫يوفر دخال مرتفعاً هو األنسب‪ ،‬وتتسم ‪%56‬‬ ‫من شواغر الشركات بأهنا صعبة امللء لعدم توفر‬ ‫املهارات املناسبة يف سوق العمل‪ ،‬وأقل من ‪%33‬‬ ‫من الشواغر يشغلها حديثو التخرج‪ ،‬كما يشري‬ ‫لذلك تقرير لـجمعية رجال وسيدات األعمال‬ ‫السورية‪.‬‬ ‫وهذا يعود بنا إىل البداية اخلاطئة اليت أنتجت‬ ‫لنا هذه النهاية اخلاطئة‪ ،‬فاألساس يكمن يف‬ ‫مدخالت العملية التعليمية وخمرجاهتا‪ ،‬فاالنفصال‬ ‫الواضح بني خمرجات العملية التعليمية اهلزيلة‬ ‫أساساً‪ ،‬ومتطلبات سوق العمل املرتفعة نسبياً‪،‬‬ ‫يطرح املزيد من التساؤل على التصرحيات الكثرية‬ ‫املتبجحة لوزارة العمل والشؤون االجتماعية‪،‬‬ ‫على وجه اخلصوص‪ ،‬فطوال عقد من الزمن‬ ‫ص َّمت آذاننا لكثرة ما أعلنت عن براجمها لتأهيل‬ ‫ُ‬ ‫املوارد البشرية السورية‪ ،‬عرب اتفاقات دولية وحملية‬ ‫ومبيزانيات جاوزت مئات ماليني اللريات‪ ،‬لكنها‬ ‫مل تنعكس ال على حياة اجملتمع السوري وال‬ ‫على اقتصاده حىت‪ ،‬مع استيفائها آلجاهلا مثبتة‬ ‫فشلها الذريع‪ ،‬وال أدل على ذلك من مشروع‬


‫‪28‬‬ ‫قرض البطالة ومتويل املشروعات الصغرية واليت‬ ‫كانت حرباً على ورق‪ ،‬وتسببت يف هدر مليارات‬ ‫املاليني دون فائدة تذكر‪ ،‬يف وقت ركزت الوزارة‬ ‫فيه عرب براجمها على القائمني باألعمال املهنية‬ ‫واحلرفية لرفع كفاءهتم اإلنتاجية‪ ،‬يف حني أمهلت‬ ‫محلة الشهادات املتوسطة واجلامعية‪ ،‬ما أفرز كتلة‬ ‫هجينة يف قوة العمل تتميز بتعليم ٍ‬ ‫عال وتعتمد‬ ‫أعماالً ذات جمهود عضلي ال يتناسب وكفاءاهتا‬ ‫العلمية‪ ،‬قد تضطر يف بعض األحيان أن تعمل‬ ‫ملا يقارب ‪ 16‬ساعة عمل كاملة يومياً‪ .‬ووفقاً‬ ‫لتقرير أصدره املركز السوري لبحوث السياسات‬ ‫تناول خسائر االقتصاد السوري جراء األزمة‬ ‫لعام ‪ 2012‬وحده‪ ،‬فقد ارتفعت نسبة البطالة‬ ‫وفقاً للتقديرات األولية إىل ما يقارب الضعفني‬ ‫ونصفاً عن العام املنصرم‪ ،‬حيث سجل معدل‬ ‫البطالة ‪ %34.9‬لعام ‪ 2012‬مقابل ‪%14.9‬‬ ‫عام ‪.2011‬‬ ‫وليس غريباً أن ال جند تلك األرقام واملؤشرات‬ ‫املخيفة يف تقارير مؤسسات النظام وهيئاته‬ ‫االقتصادية‪ ،‬فهي تعكف أساساً على متجيد‬ ‫السياسات االقتصادية واالجتماعية اليت ينتهجها‬ ‫النظام‪ ،‬وجتميل صورهتا املشوهة‪ ،‬وابتكار األعذار‬ ‫واملربرات للتدهور املتنامي للمستوى املعيشي‬ ‫للمواطن السوري‪ ،‬الذي ال يكاد يصدق أن‬ ‫املكتب املركزي لإلحصاء ال جيد أن مستوى‬ ‫التضخم يف االقتصاد ال يتجاوز ال‪ %10‬يف حني‬ ‫سجلت معظم السلع ارتفاعاً لنحو ‪ %200‬وقد‬ ‫بلغ يف بعضها حنو ‪ .%500‬نعم ليس ذلك غريباً‬ ‫يف تقارير «اقتصادية» ليس بوسع معديها سوى‬ ‫تلقي املؤشرات والبيانات‪ ،‬ال من واقع االقتصاد‬ ‫والقطاعات االقتصادية بل من «أقبية التنمية»‬ ‫وفروع «األمن االقتصادي»!‪.‬‬ ‫وليس يف وسع أي اقتصاد يف العامل يعيش‬ ‫على وقع األعمال العسكرية اليومية والقصف‬ ‫اجلوي والصاروخي على مدار الساعة‪ ،‬أال‬ ‫يصاب بالشلل الوظيفي ويصل حلالة اإلنكار‬ ‫لكونه اقتصاداً‪ ،‬فإغالق أو تدمري آالف املعامل‬ ‫واملنشآت االقتصادية نتيجة احلرب‪ ،‬ألقى مبئات‬ ‫آالف السوريني خارج نطاق اخلدمة‪ ،‬وجفف‬ ‫مصدر دخلهم الوحيد رافعاً نسبة البطالة إىل حنو‬ ‫‪ ،%50‬وقارعاً جلرس إنذار غاية يف اخلطورة مفاده‬ ‫أن نسبة التوظيف للخرجيني اجلدد ستكون ‪%0‬‬

‫جرن حنطة العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫المصرف التجاري السوري‬ ‫وبكالم آخر فإن نسبة ‪ %100‬من قوة العمل‬ ‫الشابة الوافدة حديثاً إىل سوق العمل‪ ،‬ستكون‬ ‫خارج اخلدمة‪ ،‬ما ينذر جبيل من الضياع ويشكل‬ ‫هتديداً مباشراً للنسيج االجتماعي السوري الذي‬ ‫سيكون سوريا القريبة‪.‬‬ ‫من جهة أخرى فقد سجل العجز يف امليزان‬ ‫التجاري بني الصادرات والواردات رقماً من نوع‬ ‫آخر خالل عمر الثورة‪ ،‬فمن املعلوم لالقتصاديني‬ ‫أن عجز امليزان كان حنو ثالثة مليارات دوالر‬ ‫قبل الثورة‪ ،‬حيث كانت نسبة الواردات تفوق‬ ‫الصادرات بنحو ‪ %35‬وكان يعوض ذلك العجز‬ ‫من خالل ارتفاع أسعار النفط مبا يدخل للموازنة‬ ‫رقماً قريباً من ذلك الرقم‪ ،‬فيتبجح عندها النظام‬ ‫اقتصادياً مبيزان جتاري يسميه «راحباً»‪ ،‬لكن‬ ‫مع بداية الثورة وتضاعف اإلنفاق العسكري‬ ‫والعقوبات االقتصادية اليت أفقدت النظام أسواقه‬ ‫الرئيسة يف أوربا الغربية على وجه اخلصوص‪ ،‬كان‬ ‫ال بد من تغري تلك التوليفة التجارية‪ ،‬فانتقلت‬ ‫الدول املستوردة من سوريا إىل طرف الدول‬ ‫املصدرة هلا‪ ،‬وتعترب إيران يف ذلك استثناءاً وحيداً‬ ‫لسباب معروفة للجميع‪ ،‬ما جعل العجز التجاري‬ ‫يفوق أرقام االستقرار بأضعاف ‪.‬‬ ‫وأما بالنسبة مليزان املدفوعات فيكفي أن نعلم أن‬ ‫النظام قد منع أي نشرة رمسية حتدد واقع االسترياد‬ ‫والتصدير من عام ‪ ،2011‬وهو ما يشي برقم‬ ‫سليب خطري‪ ،‬أشار إليه مركز حبوث الدراسات‬ ‫يف دراسة قدرت عجز ميزان املدفوعات بنحو‬ ‫‪ 16‬مليار دوالر‪ ،‬موهلا مباشرة احتياطي القطع‬ ‫األجنيب لدى املصرف املركزي‪ ،‬يف حني يرى‬ ‫آخرون أن عجز ميزان املدفوعات وفقاً هلذا الرقم‬ ‫يبلغ ‪ %29‬من إمجايل الناتج احمللي‪ ،‬خصوصاً مع‬ ‫توقف النفط‪ ،‬وشلل احلركة الصناعية والتجارية‪،‬‬ ‫وتراجع االقتصاد عموماً وأن العجز مل يغط‬

‫باالحتياطي األجنيب بل بالطرق األكثر سهولة‬ ‫من خالل طباعة العملة‪ ،‬يضاف إىل ذلك وجود‬ ‫قرض إيراين بـ ‪ 5‬مليارات شكل لوحده ما يقارب‬ ‫‪ %9‬من الناتج احمللي اإلمجايل‪ ،‬دون ذكر أي‬ ‫تفاصيل حول العقد‪ ،‬وما جيعل البالد يف طريق‬ ‫مفتوح حنو رقم قياسي خلدمة الدين العام الذي‬ ‫ختطى حاجز الـ ‪ %35‬وهو معيار صندوق النقد‬ ‫الدويل منذ زمن بعيد ‪.‬‬ ‫والغريب أن املستفيد الوحيد يف تلك الفروقات‬ ‫يف األسعار وكل تلك التطورات االقتصادية‬ ‫واالجتماعية السلبية هو النظام نفسه‪ ،‬حيث‬ ‫بقي مبنأى عن مآسي الشعب الذي أخذ يعاين‬ ‫األمرين فقط لتحصيل لقمة العيش بل حىت‬ ‫لتحصيل نصفها يف ظل التضخم الذي قارب‬ ‫نسبة الـ ‪ ،%50‬واهنيار قيمة اللرية السورية‪ ،‬حىت‬ ‫سجل الدوالر أكثر من ‪ 143‬لرية‪ ،‬قياساً بـ ‪45‬‬ ‫لرية قبل الثورة‪ ،‬وال يقف النظام عند هذا احلد بل‬ ‫يتعدى إىل خمزونات القطع األجنيب ومدخرات‬ ‫الشعب اخلاصة اليت متر عرب أجهزته احلكومية‪،‬‬ ‫فال أدل على ذلك من إجراء اختذه مصرف سوريا‬ ‫املركزي يف ‪ ،2013/5/23‬يطلب مبقتضاه من‬ ‫البنوك وشركات الصرافة املعتمدة‪ ،‬صرف كافة‬ ‫التحويالت األجنبية للسوريني من خارج سوريا‪،‬‬ ‫باللرية السورية حرصاً منه على رصيده من القطع‬ ‫األجنيب‪ ،‬والكارثة أن عملية الصرف تتم بالسعر‬ ‫الرمسي للدوالر الذي يعلن عنه املركزي‪ ،‬ولذا فإن‬ ‫الفرق خيسره املواطن البائس بني سعر املركزي‬ ‫وسعر السوق‪ ،‬وليس ذلك سوى سرقة منظمة‬ ‫تتم عرب شبابيك بلورية وبربطات عنق ‪،‬بدالً أن‬ ‫ينشل ذاك املال يف عرض الطريق ‪.‬‬ ‫هلا اهلل تلك الثورة وله اهلل ذاك الشعب الذي‬ ‫بقي بصموده الرقم الوحيد الثابت يف كل تلك‬ ‫املعادالت املتغرية ‪.‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫‪29‬‬

‫حنطة جلب‬

‫منظمة الصحة العالمية تؤكد تفشي مرض شلل األطفال في سوريا‬ ‫مترجم عن جريدة ‪The Washington Post‬‬ ‫جمال سعيدي‪ /‬رويترز‪:‬‬ ‫الجئة سوريّة تساعد أخاها الذي تقول عائلته‬ ‫بأنه مصاب بشلل األطفال‪ ،‬يف جتمع يقع داخل‬ ‫مسجد يف شبعا‪ -‬لبنان‪ .‬نتيجة لألخبار املتداولة‬ ‫عن تفشي شلل األطفال يف سوريا‪ ،‬فقد أعلن‬ ‫لبنان هو والبلدان اجملاورة له عن برامج طارئة‬ ‫للقيام بالتلقيح‪.‬‬ ‫بيروت (رويترز)‪ :‬تقول منظمة الصحة العاملية‬ ‫إهنا قامت بإجراء فحوصات طبية لعشرة أطفال‪،‬‬ ‫وكانت النتائج إجيابية‪ ،‬مما أثار خماوف من انتقال‬ ‫العدوى يف وسط اهلجرة اجلماعية واهنيار اخلدمات‬ ‫الصحية وظروف النزاع الدائر يف سورية‪.‬‬ ‫حذر مسؤولو الصحة من خماطر كبرية النتشار‬ ‫األمراض املعدية للغاية‪ ،‬بعدما تأكدت حاالت‬ ‫اإلصابة يف املنطقة الشرقية من دير الزور‪.‬‬ ‫باإلضافة إىل تلك احلاالت‪ ،‬أضاف املسؤولون‬ ‫أن ‪ 12‬طفال تظهر عليهم أعراض الشلل‬ ‫ينتظرون نتيجة االختبار‪ ،‬وهذا يعين أن آالف‬ ‫األطفال اآلخرين من املمكن أن يكونوا مصابني‬ ‫جملرد وجود نسبة ‪ 1‬من ‪ 200‬طفل مصاب‪.‬‬ ‫وقال بروس أيلورد (مساعد المدير العام لشلل‬ ‫األطفال وحاالت الطوارئ في منظمة الصحة‬ ‫العالمية) إن حاالت اإلصابة املؤكدة ليست‬ ‫سوى غيض من فيض‪ ،‬لكنها ميكن أن تتضخم‪.‬‬ ‫سنتان ونصف من الصراع الطويل يف سوريا‪،‬‬ ‫خلقت الظروف املثلى النتشار األمراض املعدية‪،‬‬ ‫و تدمري نظام الرعاية الصحية يف البالد وتعطيل‬ ‫برامج التلقيح الروتيين‪.‬‬ ‫حذر العاملون يف جمال الصحة من أن الظروف‬ ‫غري الصحية اليت يعيش فيها ماليني النازحني‬ ‫السوريني تشكل مرتعا خصبا لألمراض مثل شلل‬ ‫األطفال‪ ،‬واليت تنتقل عن طريق الغذاء امللوث أو‬ ‫إمدادات املياه‪ ،‬مع ما يصل إىل ‪ 4000‬الجئ‬ ‫يفرون من البالد كل يوم‪ ،‬خطورة انتشار املرض‬ ‫هي أزمة خطرية‪.‬‬ ‫وأضاف بروس إيلوارد أنه وقت مالئم للقضاء‬ ‫على فريوس شلل األطفال‪ ،‬فهذه ليست مشكلة‬ ‫سوريا وحدها‪ ،‬هذه مشكلة الشرق األوسط‪،‬‬ ‫واليت سوف تتطلب استجابة العديد من الدول‬

‫ترجمة عمر األمين‬

‫صورة المقال االساسي‬ ‫الكربى‪.‬‬ ‫هذا ما جرى بالفعل‪ ،‬فقد قامت سبع دول يف‬ ‫املنطقة‪ ،‬مبا فيها سوريا واألردن وتركيا ولبنان‪،‬‬ ‫بالبدء بربامج التلقيح الذي سيشمل ‪20‬‬ ‫مليون طفل خالل الشهرين املقبلني‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إىل جوالت التلقيح يف املناطق األكثر تعرضاً‬ ‫لألمراض‪.‬‬ ‫لقد كان مرض شلل األطفال هذا يفتك مبا‬ ‫يقارب ‪ 1000‬طفل يومياً حول العامل‪ ،‬عندما‬ ‫بدأت كل من منظمة الصحة العاملية ومحلة‬ ‫روتاري واليونيسيف بالعمل على حماربة املرض‬ ‫منذ ‪ 25‬سنة‪ .‬على الرغم من اخنفاض احلاالت‬ ‫بنسبة ‪ ،%99‬لكن الضغط الذي حصل مؤخراً‬ ‫شكل حتدياً كبرياً‪.‬‬ ‫املرض الذي يصيب عادة األطفال الذين تقل‬ ‫أعمارهم عن ‪5‬سنوات‪ ،‬ممكن أن يسبب الشلل‬ ‫الدائم يف غضون ساعات‪ ،‬وبعض احلاالت قد‬ ‫تؤدي إىل املوت‪ ،‬فهي جتمد عضالت اجلهاز‬ ‫التنفسي‪ ،‬وليس هلا عالج معروف حىت اآلن‪.‬‬ ‫احلاالت املؤكدة يف سورية هي األوىل من نوعها يف‬ ‫البالد منذ ‪ 14‬عاما‪ ،‬ومعظم إصابات األطفال‬ ‫الذين تقل أعمارهم عن سنتني تلقوا اإلصابة بعد‬ ‫بدء النزاع يف أوائل عام ‪ ،2011‬ومت تلقيحهم‬ ‫جزئيا حيث مل يتلقوا لقاحهم بشكل كامل‪.‬‬ ‫بلغ معدل احلصانة واملناعة يف البالد ‪ % 91‬عام‬ ‫‪ ،2010‬واخنفض إىل ‪ % 68‬اليوم‪ ،‬وفقا ملنظمة‬ ‫الصحة العاملية‪ ،‬وسط احلرب اليت استهدفت‬ ‫املرافق الصحية‪.‬‬ ‫وقالت رئيسة الشؤون اإلنسانية باألمم املتحدة‬

‫فالريي آموس يف مقابلة يف واشنطن يوم االثنني‪:‬‬ ‫«لقد ّفر األطباء والعاملون يف جمال الرعاية‬ ‫الصحية يف البالد بأعداد هائلة‪ ،‬ومن بقي منهم‬ ‫ما زال يعمل حتت التهديد أو بدون إمدادات‪،‬‬ ‫نظرا للدمار الذي حل باملستشفيات واملراكز‬ ‫الصحية‪ ,‬والذي سببه كال الطرفني املتنازعني»‪.‬‬ ‫وأضافت‪« :‬إن التلوث سببه تدمري مرافق معاجلة‬ ‫املياه واحملطات الكهربائية وغريها من البىن‬ ‫التحتية»‪.‬‬ ‫ومن غري املعروف كيف أحيل شلل األطفال إىل‬ ‫سوريا‪ ،‬وحاليا جيري اختاذ اختبارات التسلسل‬ ‫اجليين لتحديد منشأ اندالع املرض‪ .‬ويظهر من‬ ‫بوادر املرض أنه ميكن إرجاعها إىل باكستان‪،‬‬ ‫مت الكشف عن الساللة الباكستانية يف العينات‬ ‫البيئية يف مصر وإسرائيل‪.‬‬ ‫وفقا لعمال اإلغاثة‪ ،‬الذين يضغطون من أجل‬ ‫حتسني وصول املعونات عرب احلدود مع اقرتاب‬ ‫فصل الشتاء فإن شلل األطفال ليس هو املرض‬ ‫الوحيد الذي يسبب القلق يف سوريا‪ ،‬توجد أيضا‬ ‫حاالت التهاب الكبد والسل واحلصبة وهي يف‬ ‫ارتفاع‪.‬‬ ‫وقالت آموس «إن ما ال يقل عن ‪ 2000‬جمموعة‬ ‫تقاتل يف سوريا‪ ،‬وإن العاملني يف اجملال اإلنساين‬ ‫لألمم املتحدة مل يتمكنوا من الوصول إىل ما‬ ‫يقارب ‪ 3‬ماليني سوري يف حاجة‪ ،‬فهم مينعون‬ ‫من السفر إىل بعض املناطق عن طريق الرب عند‬ ‫نقاط التفتيش احلكومية أو املعارضة»‪.‬‬ ‫أكثر من ‪ 300,000‬من احملتاجني أيضا يف ما‬ ‫تسميه آموس «اجملتمعات احملاصرة»‪ ،‬اليت حيتلها‬


‫‪30‬‬ ‫مقاتلون من جانب واحد‪ ،‬مت فيها منع املدنيني‬ ‫من املغادرة ومنع أيضا دخول الغذاء والرعاية‬ ‫الطبية‪.‬‬ ‫وتابعت آموس قائلةً‪ :‬اجلزء األكرب من املدنيني‬ ‫احملاصرين يف إحدى ضواحي دمشق الشرقية‬ ‫حتيط هبم القوات احلكومية منذ بداية العام‬ ‫املاضي‪ ،‬وكانوا مستهدفني يف قصف األسلحة‬ ‫الكيميائية يف أغسطس‪ .‬ولكن يف أماكن أخرى‪،‬‬ ‫مثل حلب يف الشمال‪ ،‬فإن املتمردين يعرقلون‬ ‫وصول املساعدات‪ ،‬مع القتال شبه الدائم فإن‬ ‫أعداد احملتاجني سوف ترتفع أضعافا مضاعفة‬ ‫يف األسابيع واألشهر القليلة املقبلة‪.‬‬ ‫شعاع من األمل جاء حني مت اجالء مئات‬ ‫السكان من املعضمية‪ ،‬وهي منطقة يسيطر‬ ‫عليها املتمردون جنوب غرب دمشق اليت كانت‬ ‫حتت حصار القوات احلكومية ملدة عام تقريبا‪ ،‬يف‬ ‫صفقة توسطت فيها حكومة الرئيس بشار األسد‬ ‫واألم أغنيس‪ ،‬وهي راهبة كانت من مؤيدي بشار‬ ‫األسد منذ بدء االنتفاضة‪.‬‬ ‫وقال نشطاء وأطباء ميدانيون إهنم حاولوا‬

‫حنطة جلب العدد ‪13‬‬ ‫اإلخالء يف وقت سابق عندما سقطت القذائف‬ ‫يف املنطقة‪ ،‬حيث قام املدنيون بانتظار احلافالت‪.‬‬ ‫قتل شخص واحد‪ ،‬على حد قوهلم‪ ،‬وترك العديد‬ ‫مع حتذيرهم من عدم القيام بأي حماولة أخرى‪،‬‬ ‫مع ذلك‪ ،‬ظن الكثريون أن املعضمية مل تعد قادرة‬ ‫على البقاء‪ ،‬وسجلت فيها ‪ 11‬حالة وفاة بسبب‬ ‫سوء التغذية‪.‬‬ ‫وقال قصي زكريا وهو أحد نشطاء املعارضة يف‬ ‫املعضمية إنه مت إجالء‪ 800‬امرأة وطفل‪ ،‬لسوء‬ ‫احلظ‪ ،‬مل يكن يوجد لسكان املنطقة سوى اختاذ‬ ‫هذا القرار‪ ،‬لقد فشل العامل كله يف احلصول على‬ ‫قطعة من اخلبز لشعب املعضمية‪ ،‬شهدنا كل‬ ‫أنواع املوت على يد األسد‪ ،‬حىت غاز السارين‪،‬‬ ‫لكننا ال ميكن أن نقف بوجه اجلوع‪.‬‬ ‫يأيت اإلخالء وسط محلة دبلوماسية لتأمني‬ ‫وصول إنساين أفضل إىل سوريا قبل مؤمتر السالم‬ ‫املقرر يف جنيف الشهر املقبل‪ ،‬على أمل أن‬ ‫التحسينات قد تشجع املعارضة على املشاركة‪.‬‬ ‫تعني احملادثات املقررة قبالة موجة من الدبلوماسية‪،‬‬ ‫مع األخضر اإلبراهيمي‪ ،‬مبعوث األمم املتحدة‬ ‫واجلامعة العربية إىل سوريا‪ ،‬وزيارة دمشق هذا‬

‫إعالميو الثورة السورية يواجهون الجهاديين‬

‫بقلم‪ :‬إيما بيلز عن موقع (فايس) بتاريخ ‪2013 -12-9‬‬

‫عندما كان رامي رزوق يتنقل بني الرقة والطبقة‬ ‫يف الشمال السوري مت خطفه من على حاجز‬ ‫تابع لـ(داعش)‪ ،‬إحدى أفرع القاعدة‪ ،‬بينما‬ ‫كان يف طريقه إلعداد مقابلة كجزء من عمله‬ ‫الصحفي يف ردايو (انا)‪ .‬استخدمت داعش‬ ‫مفتاحه ملدامهة املبىن يف وقت متأخر من نفس‬ ‫اليوم‪ ،‬بعد أسبوعني من احلادثة‪ ،‬فاقتحمت املركز‬ ‫جمددا وصادرت مجيع األجهزة واملعلومات‪ .‬على‬ ‫ما يبدو‪ ،‬ال توجد مساحة للصحافة احلرة يف دولة‬ ‫اخلالفة االسالمية‪ ،‬اليت حتاول (داعش) إجيادها‪.‬‬ ‫مجعية (انا) اإلعالمية اجلديدة (الشبكة اليت تقف‬ ‫خلف اإلذاعة)‪ ،‬قررت املضي إىل النهاية يف‬ ‫املواجهة مع املتطرفني الذين لديهم اسرتاتيجيات‬ ‫واضحة ملنع حرية الصحافة وفرض الرقابة على‬ ‫الشعب السوري‪.‬‬ ‫بينما تتابع داعش قمعها للمشهد اإلعالمي‬ ‫الوليد يف الشمال والشرق السوري‪ ،‬تعهد راديو‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫األسبوع لدعم احلضور واألنشطة واالجتماعات‬ ‫خارج البالد من دون تنسيق مسبق مع احلكومة‪،‬‬ ‫حسبما ذكرت وكالة األنباء السورية اليت تديرها‬ ‫الدولة‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬يوجد حماور واحد وهو قدري‬ ‫مجيل‪ ،‬نائب رئيس الوزراء السوري‪.‬‬ ‫أكدت وزارة اخلارجية ان مجيل كان قد التقى‬ ‫يف جنيف يوم السبت مع الدبلوماسي األمريكي‬ ‫روبرت فورد‪ ،‬كان مجيل طلب االجتماع به بعض‬ ‫الوقت وأوضحت انه يتحدث عن نفسه فقط‬ ‫وليس بأي صفة رمسية‪ ،‬وفقاً ملسؤول كبري يف‬ ‫إدارة أوباما‪ ،‬مل يكن خموال ملناقشة هذه املسألة‬ ‫يف السجل‪.‬‬ ‫وقال مجيل‪ ،‬الذي هو جزء مما يطلق عليه اسم‬ ‫«املعارضة الوطنية» لفورد انه يريد أن يكون يف‬ ‫وفد املعارضة حملادثات جنيف‪ ،‬وقال السفري فورد‬ ‫إنه جيب عليه التحدث إىل ائتالف املعارضة‬ ‫السورية‪ ،‬وليس إىل فورد‪.‬‬ ‫وقال املسؤول إنه مل يتضح بعد ما إذا كان مجيل‪،‬‬ ‫كما قيل قد سافر إىل موسكو من جنيف‪ ،‬كما‬ ‫قالت احلكومة‪ ،‬أو استقال أو انشق‪.‬‬

‫ترجمة‪ :‬زين‪ .‬ف‪.‬‬

‫محمد السعيد مواطن صحفي تمت تصفيته من قبل بعض الجماعات الجهادية في حلب‬ ‫(انا) بإثارة عاصفة من االحتجاجات‪ ،‬سياسة‬ ‫سيتم اتباعها يف كل مرة يتم فيها استهداف‬ ‫ناشط أو صحفي من املتطرفني‪ ،‬وهذه خطوة‬ ‫شجاعة من قبل فريق راديو (انا)‪ ،‬مع أن داعش‬ ‫قامت بقطع رؤوس الكثري من أعدائها‪ ،‬وحصل‬ ‫يف وقت سابق أن اعتذرت عن قطع رأس مقاتل‬

‫ينتمي ألحد التنظيمات احلليفة‪ ،‬عن طريق‬ ‫اخلطأ!‪.‬‬ ‫تدعمها‬ ‫يوم االثنني املاضي‪ ،‬أطلقت الشبكة محلةً ُ‬ ‫‪ 21‬منظمة لإلعالم السوري و‪ 50‬منظمة دولية‬ ‫تشجع النمو املستمر يف الصحافة السورية‪ ،‬وصدر‬ ‫بيان عن احلملة طالب باإلفراج الفوري عن مجيع‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫الصحفيني واملواطنني الصحفيني احملتجزين لدى‬ ‫النظام أو (داعش) أو أي جمموعات أخرى‪،‬‬ ‫واملوقعون دعوا مجيع وسائل اإلعالم الدولية‪،‬‬ ‫وتلك الداعمة حلرية الصحافة لالنضمام إىل هذه‬ ‫املبادرة‪ ،‬واختاذ اإلجراءات ذات الصلة بسالمة‬ ‫الصحفيني وحرية التعبري يف سوريا‪.‬‬ ‫تكلمت مع السيد (رامي اجلراح) املدير املساعد‬ ‫ُ‬ ‫عن راديو (انا)‪ ،‬عن حجم املشكلة اليت تواجه‬ ‫الصحفيني احملليني‪ ،‬وقال‪ :‬أعتقد بأنه مل يتبق أي‬ ‫ناشطني صحفيني يف مدينة الرقة اآلن‪ ،‬وأضاف‬ ‫أن يف الشمال السوري ما يقارب ستني حالة‬ ‫اختطاف موثقة للصحفيني من قبل (داعش)‪،‬‬ ‫وقد زاد احلصار يف الشهرين األخريين‪.‬‬ ‫ويقدر اجلراح أن هناك حوايل ‪ 200‬ناشط‬ ‫إعالمي وصحفي مت اختطافهم منذ أول الثورة‬ ‫من قبل النظام السوري‪ ،‬وحسب تقديرات منظمة‬ ‫(مراسلون بال حدود) اليت تدعم الصحافة‪ ،‬يقدر‬ ‫العدد بـ ‪ ،60‬ولكن هذه اإلحصائية ال تعد‬ ‫شاملة‪ ،‬ألهنا ال تتضمن حاالت خيشى أصحاهبا‬ ‫من تبعات التواصل مع الصحافة احلرة‪.‬‬ ‫الرقة بكاملها اآلن حتت سيطرة جمموعات‬ ‫إسالمية متعددة‪ ،‬كل من تبقى من عناصر‬ ‫اجليش السوري احلر باملدينة بايعوا جبهة النصرة‪،‬‬ ‫وهنالك أيضا جمموعات متطرفة أكثر‪ ،‬انشقت‬ ‫عن جبهة النصرة وبايعت داعش‪ ،‬وبنهم شديد‬ ‫فرضوا آراءهم على السكان‪ ،‬مع تشجيع النساء‬ ‫على ارتداء النقاب الكامل‪ ،‬ويتم التعامل مع‬ ‫املعارضني بقسوة‪.‬‬ ‫تأسس راديو (انا) يف أوائل عام ‪ ،2012‬وذلك‬ ‫هبدف الدفع بـ(صحافة املواطن) داخل سوريا‪.‬‬ ‫لقد بثوا براجمهم على اإلنرتنت ملا يقارب السنة‪،‬‬ ‫قبل أن يقرروا التوجه للطريقة املثلى للوصول إىل‬ ‫الناس داخل البلد اليت تعاين من النزاعات‪ ،‬فقد مت‬ ‫البث على تردد أف أم‪ ،‬وحسب اجلراح‪ :‬منذ ما‬ ‫يقارب الثالثة أشهر ونصف أطلقنا أول تردد أف‬ ‫أم يف الرقة‪ ،‬الرقة مدينة حمررة منذ شباط من هذا‬ ‫العام ولكن خالل األشهر القيلة املاضية وقعت‬ ‫تقريبا بشكل كامل حتت سيطرة (داعش)‪.‬‬ ‫سعى راديو (انا) للحصول على إذن عمل من‬ ‫جلنة الشريعة اإلسالمية احمللية (اهليئة الشرعية)‪،‬‬ ‫وقد اشرتطوا عدم بث املوسيقا أو الربامج‬ ‫السياسية‪ ،‬وقد وافقوا على هذه الشروط‪ ،‬فقط‬ ‫كي يتمكنوا من إيصال املعدات الالزمة إىل‬

‫‪31‬‬

‫حنطة جلب‬

‫الغروب في قرية دورين ‪ -‬جبل االكراد عدسة‪ :‬ابو رودي‬ ‫املدينة‪ ،‬وعندما أحضروها إىل املدينة أقاموا احملطة‬ ‫يف مكان سري‪ ،‬وبدؤوا ببث جمموعة من الربامج‬ ‫التارخيية (ماذا حدث حقا) واألخبار واخلدمات‬ ‫العامة واملعلومات (من أين حنصل على اخلبز‬ ‫والغاز) والربامج الفكاهية‪ ،‬وبثوا أيضا تفاصيل‬ ‫عن احتجاجات اجملتمع املدين‪.‬‬ ‫هدف احملطة هو مكافحة التطرف والطائفية‪،‬‬ ‫وكما هو متوقع مل تتفق مع (داعش)‪ ،‬الذين‬ ‫هم متطرفون وطائفيون‪ .‬الربامج هدفها الرئيسي‬ ‫تقدمي املعلومات للناس حول العملية السياسية‪،‬‬ ‫ألهنم ال يفهموهنا جيدا‪ ،‬وأوضح اجلراح بأهنم‬ ‫قاموا بذلك ملدة ثالثة أشهر ونصف قبل أن‬ ‫يصبح (رامي رزوق) يف عداد املفقودين‪.‬‬ ‫كان البث خطريا على العاملني يف احملطة‪،‬‬ ‫فاإلعالميون يواجهون خطرا كبريا ببثهم املواد‬ ‫اليت تنتقد تصرف اجملموعات املتطرفة املتحكمة‬ ‫بالرقة‪ .‬قبل عدة أيام من اختفاء رامي‪ ،‬تعرض‬ ‫الناشط (مزين) الذي أعد العديد من الربامج‪،‬‬ ‫الستهداف من قبل (داعش) وقد جنا وفر إىل‬ ‫تركيا‪ ،‬بينما رامي الذي اختفى يف األول من‬ ‫أكتوبر‪ ،‬مل يشاهده أحد منذ ذلك الوقت‪ .‬راديو‬ ‫(انا) تلقى أخبارا عن رامي بأنه ال يزال على قيد‬ ‫احلياة‪ ،‬ولكنه تعرض لضرب مربح من آسريه‪.‬‬ ‫قال اجلراح‪ :‬أعرف رامي جيدا وأعرف كيف‬ ‫سيكون شعوره‪ .‬إنه يريد منا أن نفعل شيئا‬ ‫ملساعدته‪ ،‬وال أعتقد بأنه علينا االستسالم‬ ‫الصمت أكثر من ذلك‪ ،‬ألننا يف كل مرة‬ ‫نستسلم فيها‪ ،‬حيصلون على ما يريدون‪ ،‬الوقوف‬ ‫يف وجه املتطرفني قد يكون خطريا أو قاتال‪،‬ولكن‬ ‫االستسالم وضح أنه أكثر خطرا ومميتا‪.‬‬ ‫بالنسبة للجراح‪ ،‬هي أكثر من جمرد حرية صحافة‪،‬‬

‫بل هي استعادة الثورة السورية من اجملموعات اليت‬ ‫نراها ختطف ما كان يقاتل هو وكثريون من أجله‪،‬‬ ‫أولئك الذين حياولون إسكاتنا سوف نتحداهم‪،‬‬ ‫وأولئك الذين حياولون عزل عقولنا وأفكارنا‬ ‫سوف يعزلون‪ ،‬وتعهد بأن من اآلن وصاعدا‬ ‫سوف يكون إعالمي سوريا واقعيني مع كل ما‬ ‫يواجهونه من داعش أو جبهة النصرة أو النظام‬ ‫السوري‪ .‬بالنسبة لنا رسالتنا واضحة‪ ،‬يقول‬ ‫اجلراح‪ .‬ثورتنا كان من أهدافها احلرية والكرامة‬ ‫واملساواة‪ ,‬وهذه اخلصائص لن نتفاوض عليها‪.‬‬ ‫نؤمن بعدم وجود شعبية لـ(داعش)‪ ،‬إذا تكلم‬ ‫اجلميع فستواجه مشكلة الدعم العام‪ ،‬بشكل‬ ‫عام الناس ال حتب (داعش) ولكن ال أحد جيرؤ‬ ‫على التكلم بشكل معلن ضدهم‪ .‬إهنم خيشون‬ ‫من وقوفنا ضدهم‪.‬‬ ‫ملواجهة املخاطر‪ ،‬أمل اجلراح بتوفري ظروف مادية‬ ‫وإمكانات تقنية أفضل لإلعالميني وللصحفيني‪،‬‬ ‫وتدريبهم واحلفاظ على أمان الصحافيني املدنيني‬ ‫الذين يأخذون على عاتقهم تبليغ السكان‬ ‫حبقيقة ما جيري ونقل الواقع كما هو‪ .‬جراح‬ ‫ومنظمته يهدفون حلماية احملطات اإلذاعية‬ ‫األخرى يف دير الزور وإدلب وحلب وضواحي‬ ‫دمشق‪ ،‬وهم خيططون أيضا للبدء من جديد يف‬ ‫الرقة‪ ،‬حاملا تصبح املناطق قابلة للعمل‪ .‬يبقى أنه‬ ‫ليس مبقدورنا فعل أي شيء آخر اآلن‪ ،‬إال أن‬ ‫ننتظر‪ ،‬وأن نرى ما إذا كان فريق (انا) وإعالميو‬ ‫الثورة‪ ،‬سينجون من اهتمام (داعش) وغريها‬ ‫من التنظيمات‪ ،‬اليت ال تتضمن رؤيتها لسوريا‬ ‫حرة‪.‬‬ ‫املستقبل‪ ،‬على ما يبدو‪ ،‬صحافة ّ‬


‫‪32‬‬

‫حنطة جلب العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫فيلم (على الطريق)حين تراجع السينما ثورات الجيل األدبي‪..‬‬ ‫ليست املشكلة يف أن خيتار قارئ الفيلم تصنيفاً‬ ‫حمدداً ملا يشاهده‪ ،‬بل املشكلة يف أن يقوم‬ ‫بقسر الفيلم لكي يطابق القالب‪ ،..‬ولعل أهم‬ ‫اخلالصات اليت جينيها قارئ الفيلم من مماحكة‬ ‫األفكار املبثوثة يف األفالم‪ ،‬تتجلى يف أن تكون‬ ‫عالقته مع الفيلم هي عالقة مطابقة بني الذات‬ ‫وبني اخلطاب‪ ،‬فأن جيد املشاهد ذاته يف فيلم‬ ‫يتحدث عن جيل سابق على سبيل املثال‪،‬‬ ‫هلو أمر أهم بكثري من أن يستطيع تعليبه ذهنياً‬ ‫وتصنفيه ضمن النوع‪ ،‬وبالتايل رميه يف خزانات‬ ‫الذاكرة‪.‬‬ ‫فيلم (على الطريق ‪ )on the road‬للمخرج‬ ‫الربازيلي (والرت سالس ‪)Walter Salles‬‬ ‫والذي مت عرضه يف الصاالت يف العام ‪،2012‬‬ ‫أمنوذج هلذه املعادلة‪ ،‬فالفيلم املأخوذ عن رواية‬ ‫(جاك كريواك ‪-١٩٢٢( )Jack Kerouac‬‬ ‫‪ )١٩٦٩‬واسعة االنتشار (على الطريق) (‪)1‬‬ ‫يستدعي تصنيفه مباشرةً من خالل عنوانه‪ ،‬فهو‬ ‫من نوعية أفالم الطريق (‪)Road movie‬‬ ‫ولكنه ضمنياً‪ ،‬إمنا هو فيلم يتحدث عن جيل‬ ‫أديب كامل ساهم يف تغيري الواقع األديب األمريكي‬ ‫يف مرحلة ما بعد احلرب العاملية الثانية هو‬ ‫جيل الشعراء الغاضبني أو السعداء (‪Beat‬‬ ‫‪ )Generation‬وقد تعددت ترمجات‬ ‫املصطلح إىل اللغة العربية‪ ،‬غري أن ما حيتويه‬ ‫مضمون الظاهرة يتجاوز التوقف عند االسم‬ ‫حبد ذاته‪ ،‬ليصل إىل جوهر فعل اللغة حني‬ ‫تعرب عن تفجرات جيل بأكمله‪ ،‬أراد أفراده أن‬ ‫يتمردوا على السلطات األخالقية املهيمنة على‬ ‫حياهتم‪ ،‬فكان أن اختاروا طرائق تعبري خمتلفة‪،‬‬ ‫مت استنباطها عرب استخالصات غريبة من جتارب‬ ‫حياتية غري عادية‪..‬‬ ‫يتحدث الفيلم كما رواية جاك كريواك يف‬ ‫نسختها األصلية عن عالقة تربط بني شابني‬ ‫مها الراوي سال برادايس (سام ريلي ‪Sam‬‬ ‫‪ )Riley‬ودين موريايت (جاريت هودلند‬ ‫‪ ،)Garrett Hedlund‬الذين يبحثان‬ ‫يف التجربة احلياتية عن احلكمة اليت تؤدي إىل‬ ‫الشعر‪ ،‬وقد اختارا أن يغامرا يف التجوال عرب‬ ‫الطرق األمريكية من الشاطئ الشرقي إىل الغريب‪،‬‬

‫دون أن يكون السفر غاية حبد ذاته‪ ،‬بل إن‬ ‫عبور الطرقات الواسعة االمتداد‪ ،‬كان عبوراً بني‬ ‫وقائع حتيط بالذوات البشرية اليت يشكلوهنا واليت‬ ‫يعاطون معها‪ ،‬وهلذا فإن احلقيقة اليت تلهم اجلميع‬ ‫هنا‪ ،‬تكمن يف العبور من التعاسة إىل السعادة‪،‬‬ ‫ومن احلزن إىل الفرح‪ ،‬ومن االستكانة للواقع إىل‬ ‫التمرد عليه‪ ،‬وحماولة تدمري عرب استخدام املتعة‬ ‫اجلسدية بكافة أشكاهلا‪ ،‬من أجل الوصول إىل‬ ‫عامل خيايل خمتلف‪ ،..‬هنا يتخذ املسار السردي‬ ‫وقائع وتفاصيل حياة دين موريايت ماد ًة له‪ ،‬فهو‬ ‫املتمرد الذي نشأ سارقاً للسيارات‪ ،‬عابثاً ماجناً‪،‬‬ ‫غري مرتبط بأ ٍي من القيم املتفق عليها‪ ،‬فهو‬ ‫متمرد على العالقات األسرية‪ ،‬يبحث عن احلب‬ ‫حىت وإن أضطر يف سبيل ذلك إىل إحداث أذية‬ ‫نفسية ملن حيب‪ ،‬وهلذا نراه يتنقل بني امرأتني‬ ‫مها ماري لو (كريسنت ستيورات ‪Kristen‬‬ ‫‪ ،)Stewart‬وكاميل (كريسنت دنست‬ ‫‪ ،)Kirsten Dunst‬وحىت حني يصبح لديه‬ ‫أسرة وأطفال أجنبتهما هذه األخرية فإن توقه‬ ‫للخروج من القوقعة اليت يفرضها الزواج‪ ،‬يعيده‬ ‫مرة أخرى إىل الطريق‪ ،‬بينما يقوم سال الذي‬ ‫يرتبط بعالقة أسرية أقوى‪ ،‬بتدوين كل التفاصيل‬ ‫اليت مير هبا مع صديقه يف جتواهلما الكبري طيلة‬ ‫سنوات طوال‪ ،‬عربا فيها الواليات املتحدة من‬ ‫شرقها إىل غرهبا وبالعكس عدة مرات‪ ،‬وصوالً‬ ‫إىل زيارهتما للمكسيك‪ ،‬حيث يتعرفان على‬ ‫«جنة» أرضية قوامها اجلنس وتدخني املارجيوانا‪،‬‬ ‫وهناك حيث يصاب سال باحلمى‪ ،‬يقوم دين‬ ‫برتكه بعد تلقيه لرسالة من كاميل تدعوه فيها‬ ‫للعودة إىل حضن األسرة‪ ،‬فتحدث القطيعة‬

‫علي سفر‬

‫لقطة من الفيلم البرازيلي على الطريق‬ ‫بينهما‪ ،‬ولتنتهي احلكاية بلقاء سريع يف نيويورك‪،‬‬ ‫تتوضح من خالله مصائر الشخصيتني‪ ،‬حيث‬ ‫يبقى دين عابراً يف الشوارع بني عشيقاته وتشرده‬ ‫وحبثه عن أبيه املفقود‪ ،‬وكذلك يذهب سال‬ ‫لتدوين جتربته الطويلة مع دين ورفاقهما اآلخرين‬ ‫يف رواية سيكتبها يف عشرين يوماً بعد أن مجع‬ ‫تفاصيلها على عشرات الدفاتر الصغرية‪.‬‬ ‫رواية جاك كريواك واليت مازالت راهنةً لدى‬ ‫الكثريين من مجهور القراء‪ ،‬كانت يف احلقيقة‬ ‫تدوين كتبه املؤلف عن جتربته احلياتية مع جيل‬ ‫من الشعراء الذين تكرسوا الحقاً ضمن الفضاء‬ ‫األديب األمريكي والعاملي حتت اسم (شعراء البت‬ ‫‪ )Beat Generation‬وقد منت يف سنوات‬ ‫‪ 1950‬و‪ ،1960‬فسال هو كريوك ذاته‪ ،‬ودين‬ ‫موريايت هو نيل كاسيدي‪ ،‬الشخصية امللهمة‬ ‫للجيل كله‪ ،‬والذي حتول إىل أيقونة قوامها التمرد‪،‬‬ ‫بينما تظهر الشخصيات األخرى كالشاعر‬ ‫ألن غنسنربغ حتت اسم كارلو ماركس (أدى‬ ‫شخصيته يف الفيلم املمثل توم سرتيدج ‪Tom‬‬ ‫‪ ،)Sturridge‬وهو الذي جيمع يف البداية بني‬ ‫الشخصيتني‪ ،‬وكذلك الكاتب وليم بوروز حتت‬ ‫اسم بول يل (أدى شخصيته يف الفيلم املمثل‬ ‫فيغو مورتنسن ‪ ) Viggo Mortensen‬وقد‬ ‫بقيت الرواية حاضرةً بوصفها مادةً إبداعيةً قوامها‬ ‫املغامرة يف التمرد‪ ،‬ولعل هذا القوام قد جعلها‬ ‫ملهمةً ألجيال متعددة‪ ،‬مل تتمثل أو تكرر جتربة‬ ‫(شعراء البت) ذاهتا‪ ،‬بل متثلت جوهر حركتها‬ ‫وأدواهتا‪ ،‬واليت تتماثل مع ما شهدته احلركات‬ ‫اإلبداعية األوروبية أيضاً يف مرحلة النصف‬ ‫األول من القرن العشرين‪ ،‬واليت يتجلى أفرادها‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫كملهمني لشخصيات الرواية‪ ،‬والسيما منهم‬ ‫الروائي الفرنسي (مارسيل بروست ‪Marcel‬‬ ‫‪ ،)Proust‬والذي تتداول الشخصيات كتابه‬ ‫(البحث عن الزمن املفقود – الطريق إىل سوان)‬ ‫قراءةً وإهلاماً‪..‬‬ ‫أثر الرواية على األجيال دفع باملخرج فرنسيس‬ ‫فورد كوبوال ألن يشرتي حقوق حتويلها من‬ ‫الورق إىل الشاشة الكبرية يف العام ‪ ،1980‬مببلغ‬ ‫بسيط (‪ 95‬الف دوالر) مبقياً على املشروع‬ ‫يف أدراجه‪ ،‬وصوالً إىل السنوات األخرية حيث‬ ‫تشارك مع املخرج والرت سالس الذي كان قد‬ ‫بدأ العمل على هذا الفيلم قبل ‪ 8‬سنوات‪ ،‬فقد‬ ‫أخرج سابقاً فيلماً وثائقياً حتت عنوان (البحث‬ ‫عن «على الطريق»‪Looking for On‬‬ ‫‪ .)the Road‬وقد حتدث سالس للصحافة‬ ‫عن املشروع فقال‪« :‬إمكانية اقتباس الرواية‬ ‫كانت معقدة وهلذا أردت إخراج فيلم وثائقي‬ ‫متتبعاً الطرق اليت سلكها كريواك وبقية عناصر‬ ‫الشلة‪ ،‬كي أفهم بشكل أفضل تلك األوديسة‬ ‫اليت وصفها يف الكتاب‪ ،‬وما تبقى منها يف أمريكا‬ ‫ما بعد العصر الصناعي»‪ .‬وقد بدا واضحاً ومنذ‬ ‫بداية الفيلم اشتغال سالس على التفاصيل املرتبطة‬ ‫بفكرة الطريق‪ ،‬فالتجوال‪ ،‬سرياً على األقدام‪،‬‬ ‫وكذلك عبور الطرقات السريعة باستخدام‬ ‫السيارات الشاحنة الزراعية‪ ،‬وعرب السيارات‬ ‫القدمية‪ ،‬شكل امللمح الرئيس يف مشاهد الفيلم‪،‬‬ ‫حيث تتاىل الطُرقات مرتافقةً مع كالم الراوي‬ ‫الذي يتأرجح بني املقطوعات السردية املوصفة‬ ‫للحدث وللمشاعر‪ ،‬وبني املقاطع الشعرية اليت‬ ‫حتمل نبض اإلنسان الذي يعيش فاقداً للثبات‬ ‫يف املكان‪ ،‬وكأنه قد كتب عليه أن خيلق عابراً‬ ‫بني األمكنة‪..‬‬ ‫وهنا نتوقف كمشاهدين عند كثرة التفاصيل يف‬ ‫السياق‪ ،‬واليت جعلت من طول الفيلم أمراً ملفتاً‬ ‫(‪ 124‬دقيقة) دون أن تكون مملةً‪ ،‬وهي حتدث‬ ‫الرتاكم لدى املشاهد‪ ،‬وهو يراقب اجلماعة‬ ‫الشعرية‪ ،‬وهي ختوض يف منحدرات ومرتفعات‬ ‫ذواهتا‪ ،‬متتبعةً خيوطاً حياتيةً أثريية‪ ،‬تقودها إىل‬ ‫الشعر‪ ،‬وإىل احلب‪ ،‬وإىل البحث عن ٍ‬ ‫شكل‬ ‫خمتلف لإلنسان الذي بدأ يفقد روحه يف فرتة‬ ‫ما بعد احلرب العاملية الثانية‪ ،‬لصاحل النهوض‬ ‫الصناعي‪..‬‬ ‫لقد أنتجت هذه التفاصيل‪ ،‬اليت يعيد الفيلم‬

‫خميرة‬

‫رمسها عرب اسرتسال الكامريا عرب اللقطات‬ ‫العامة مالحم شعرية‪ ،‬كرستها قصائد جيل‬ ‫بأكمله‪ ،‬قصائد كاتب توصف األمكنة عرب رؤى‬ ‫اإلنسان الصغري الذي يقف يف مواجهة صلفها‬ ‫وطغياهنا‪ ،..‬العالقة هنا بني الكلمة وبني الصورة‬ ‫تتعدى املطابقةَ‪ ،‬لتتجه إىل حماولة التعبري اجملازي‪،‬‬ ‫وهكذا متر معنا على الطريق حماوالت اجلميع ألن‬ ‫يكتب قصيدته الذاتية‪ ،‬حىت وإن أخذت شكل‬ ‫عبور الطرقات بعر ٍي ٍ‬ ‫كامل‪ ،‬دون االلتفات إىل‬ ‫األخالق السائدة بوصفها‪ ،‬تعبري من تعبريات‬ ‫طغيان املكان وقسوته‪.‬‬ ‫ما يريد الفيلم أن يأخذنا إليه يتحقق عرب‬ ‫االستمتاع بالتفاصيل ومبغامرات الشخصيات‪،‬‬ ‫ولكنه من جهة ثانية يريد لنا أن نذهب إىل‬ ‫مراجعة املاضي‪ ،‬من أجل رؤية الطرائق اليت‬ ‫مرت هبا اجلماعة األدبية‪ ،‬وهي حتاول إثبات‬ ‫ذاهتا‪ ،‬وإثبات جتربتها‪ ،‬وهنا نتذكر أن السينما‬ ‫قد حاولت العودة عدة مرات إىل قراءة هذه‬ ‫التجربة‪ ،‬واليت رمبا كان أخرها حماولة املخرجان‬ ‫(روب ابستني ‪ Rob Epstein‬وجيفري‬ ‫فريدمان ‪ )Jeffrey Friedman‬مع املمثل‬ ‫(جيمس فرانكو ‪ )James Franco‬يف العام‬ ‫‪ 2010‬تتبع جزءاً مهماً من سرية الشاعر (ألن‬ ‫غنسنربغ ‪ )Allen Ginsberg‬يف فيلم‬ ‫ديكودراما محل عنوان (عواء‪ )( )Howl‬وهو‬ ‫عنوان قصيدة غنسنربغ اليت أودت به إىل التعرض‬ ‫للمحاكمة حبجة تعرضه لألخالق اجملتمعية‪ ،‬عرب‬ ‫نشره لعقائد الشذوذ اجلنسي‪ ،‬وتعاطي املخدرات‬ ‫وغري ذلك‪ ،‬واليت جنا منها بعد أن رأت احملكمة‬ ‫أن الشاعر يتحدث عن قضايا ملحةً يف اجملتمع‬ ‫وبالتايل فإنه ال خيالف القوانني‪!..‬‬ ‫رحلة فيلم (على الطريق) تضعنا يف صلب التعريف‬ ‫األول لألفالم اليت حتمل هذا العنوان العريض يف‬ ‫إطاره العام‪ ،‬ولكنها يف العمق تبدد اإلطار لصاحل‬ ‫قراءة ذاتية وعامة للتجربة اإلبداعية‪ ،‬اليت قررت‬ ‫ذات يوم لرحلتها أن تكون ثورًة ضد كل شيء‬ ‫حوهلا‪.‬‬ ‫هوامش‬ ‫‪-1‬ترمجت الرواية إىل العربية‪ ،‬على يد الشاعر‬ ‫الفلسطيين سامر أبو هواش‪ ،‬ومت إصدارها عن‬ ‫دار اجلمل يف العام ‪ ،2007‬وجيدر بنا ذكر‬ ‫أنه غداة عرض الفيلم نظّم «متحف الرسائل‬ ‫واملخطوطات» يف باريس معرضاً مثرياً حول هذه‬

‫‪33‬‬ ‫يتضمن خمطوطها األصلي الذي ش ّكل‬ ‫الرواية ّ‬ ‫البيان األساسي جملموعة «جيل البيت»‪ ،‬إىل‬ ‫بالتعرف عن كثب‬ ‫جانب وثائق غزيرة تسمح ّ‬ ‫وبالتعمق يف طبيعة العالقات‬ ‫على حياة كريواك‬ ‫ّ‬ ‫اليت ربطته برفاقه داخل اجملموعة املذكورة‪ .‬راجع‬ ‫مقالة أنطوان جوكي «أسرار جاك كريواك الكاتب‬ ‫«األسرع» اىل الضوء»‪ ،‬جريدة احلياة‪ ،‬اجلمعة ‪١‬‬ ‫يونيو ‪.٢٠١٢‬‬ ‫‪-2‬راجع مقالة الشاعر السوري فادي سعد‬ ‫«فيلم «عواء»‪ :‬عن القصيدة اليت جمّدت خطيئة‬ ‫الشعر» حيث يقول‪ « :‬يبدأ الفيلم بتصريح ّأول‬ ‫«كل كلمة واردة‬ ‫حياول توضيح طبيعة العمل‪ّ :‬‬ ‫يف هذا الفيلم ُمقتبَسة من حياة األشخاص‬ ‫احلقيقيني‪ .‬الفيلم هبذا املعىن وثائقي‪ ،‬لكن‪،‬‬ ‫أي وجهة نظر أخرى‪ ،‬هو ليس كذلك»‪.‬‬ ‫من ّ‬ ‫التوثيق مع األداء الدرامي ميتزجان إذاً‪ ،‬لتقدمي‬ ‫احلل األمثل ربمّ ا الجرتاح فيلم عن قصيدة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وقائع احملاكمة‪ ،‬املقابلة الصحافية مع غينسربغ‪،‬‬ ‫ت مجيعها على‬ ‫األحداث التارخيية‪،‬‬ ‫َ‬ ‫اعتمد ْ‬ ‫أرشيف من الوثائق والرسائل والصور الفوتوغرافية‬ ‫ومقابالت قدمية مع الشاعر‪ .‬املعاجلة الروائية‬ ‫جاءت لتمنح الفيلم تدفّقه البصري الدرامي‬ ‫ْ‬ ‫املمتع منتقالً بني حماور ثالثة متشابكة‪ .‬األول‬ ‫مقابلة صحافية طويلة مع غينسربغ (ميثّل دوره‬ ‫برباعة جيمس فرانكو) مع مراسل صحايف ال نرى‬ ‫وجهه‪ ،‬يعرض فيها غينسربغ آراءه ويعود عربها‬ ‫(فالش باك) إىل حمطات رئيسيّة يف حياته قبل‬ ‫وخالل كتابة «عواء»‪ .‬الثاين يدور حول وقائع‬ ‫حماكمة ناشر «عواء» لورنس فرلنغييت‪ ،‬وهو‬ ‫احملور األكثر درامية يف الفيلم‪ .‬الثالث‪ ،‬حياول‬ ‫عرض ُمعادل ختييلي للقصيدة‪ ،‬عرب‬ ‫فيها الفيلم َ‬ ‫صممها الفنان‬ ‫ترمجة بصريّة من رسوم متحركة ّ‬ ‫إريك دروكر (الذي عمل سابقاً مع غينسربغ)‪،‬‬ ‫حوَل فيها كلمات «عواء» إىل مالئكة حترتق‬ ‫ّ‬ ‫وأجساد عارية ترتعش وأعضاء تناسلية وهياكل‬ ‫عظميّة وناطحات سحاب ممسوخة وحقن‬ ‫مورفني وشوارع رماديّة حتاول متثيل اإلحاالت‬ ‫املدنيّة اخلانقة اليت‬ ‫الشخصيّة والصور واألفكار و َ‬ ‫كتبَها غينسربغ يف قصيدته‪ ،».‬جريدة السفري‬ ‫‪.2011/02/25‬‬


‫‪34‬‬

‫خميرة‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫الموسم المسرحي الدمشقي محاوالت خجولة للخروج عن التقليدية‬

‫طالل الهادي‬

‫مع استقرار السلطة السياسية يف سوريا منذ‬ ‫بداية السبعينيات‪ ،‬وحتقيق أعلى درجة توافق بني‬ ‫الدستور والقوانني املفسرة له من زاوية العالقة‬ ‫بني املؤسسات السلطوية (التشريعية والتنفيذية‬ ‫والقضائية)‪ ،‬والسيطرة على قمة اهلرم يف الدولة‬ ‫ٍ‬ ‫مؤسسة‬ ‫واستنساخ هذه السيطرة حىت أصغر‬ ‫إدارية وثقافية‪ ،‬وممارسة الفعل االحتكاري يف‬ ‫املؤسسات احلكومية ذاهتا حبيث يقف خلفها‬ ‫جهاز إداري حيكمه هنج هذه العالقات من حكم‬ ‫ٌ‬ ‫السلطة «التوجيه‪ ،‬التدخل الشامل‪ ،‬االستخدام‬ ‫اإليديولوجي يف اجتاه واحد‪ ،‬التضييق على‬ ‫اآلخر‪ ،‬وصوال إىل إلغائه إذا ما استطاعت هذه‬ ‫املؤسسات إىل ذلك سبيال»‪ ،‬ووضع العقبات‬ ‫الكثرية لعدم جناح اآلخر للوصول إىل فعل ثقايف‬ ‫غري خاضع هلذه السيطرة‪ ،‬حيث بدا للكثريين‬ ‫أهنم أمام معركة ثقافية من أجل إنتاج فعل ثقايف‬ ‫أو مسرحي أو سينمائي أو عمل درامي خارج‬ ‫هذه السيطرة‪.‬‬ ‫هذه الوضعية بقيت قائمة قبل الثورة السورية يف‬ ‫‪ ،2011/3/18‬واستمرت املؤسسات الثقافية‬ ‫السورية يف التعاطي مع الفعل الثقايف واملسرحي‬ ‫بالوضعية ذاهتا‪ ،‬مع استمرار الثورة السورية‪,‬‬ ‫حيث أنتجت املؤسسة املسرحية السورية (مديرية‬ ‫املسارح واملوسيقى) مواسم ‪،2012 ،2011‬‬ ‫‪ ،2013‬بذات العقلية‪ ،‬وهي تعتمد بشكل‬ ‫رمسي ومنهجي عدم وجود ثورٍة يف البالد السورية‪،‬‬ ‫رغم خروج مناطق و ٍ‬ ‫اسعة من البالد السورية عن‬ ‫سيطرة وهيمنة السلطة واجليش العريب السوري‬ ‫واملؤسسات األمنية‪.‬‬ ‫وإذا كان الدستور اجلديد للبالد قد أسقط‬ ‫املادة الثامنة من الدستور‪ ،‬وأهنى هيمنة احلزب‬ ‫الواحد على سوريا‪ ،‬فإنه باملعىن الفعلي مل جي ِر‬ ‫أي تغ ٍري حقيقي يف مؤسسات الدولة واجملتمع‪،‬‬ ‫ومنها املؤسسات الثقافية واملسرحية والسينمائية‪،‬‬ ‫ال بل عمد حزب البعث إىل تسجيل العديد‬ ‫من املؤسسات اإلدارية واألبنية احلكومية باسم‬ ‫احلزب‪ ،‬على أهنا ملكية خاصة للحزب وليس‬ ‫للدولة‪ ،‬لكي يتيح إمكانية االستمرار بفعل‬ ‫السيطرة واهليمنة للمراحل الالحقة يف البالد‪.‬‬

‫إن أزمة املسرح السوري تتحملها املؤسسات الرمسية‬ ‫السورية اليت تقودها وزارة الثقافة‪ ،‬ومديرية املسارح‬ ‫واملوسيقا واملسرح القومي‪ ،‬هذه املؤسسات اليت‬ ‫ما زالت تعمل بقوانني العصور الوسطى وعقلية‬ ‫هيمنة احلزب الواحد‪ ،‬لذلك مل تر هذه املؤسسات‬ ‫يف املسرح السوري سوى نشاط احتفايل تظاهري‬ ‫يسجل يف تقارير دورية ثقافية‪ ،‬ويرفع إىل احلكومة‬ ‫حيث يكون معنياً الوزير بأن يقدم التقارير هلا‪،‬‬ ‫وكذلك يفعل املدير املسؤول يف مديرية املسارح‪،‬‬ ‫كما يفعل املدير الذي يليه يف املسؤولية مثل‬ ‫«مدير املسرح القومي‪ ،‬مدير مسرح الطفل‪،»..‬‬ ‫وهكذا مضت ومتضي املؤسسات املسرحية‬ ‫السورية يف دائرة مغلقة‪ ،‬وسلسلة ال هناية هلا من‬ ‫األعمال الفوضوية غري املفيدة للشعب السوري‪،‬‬ ‫وإمنا تكرس مراكز النفوذ اليت تعمل هبا املؤسسة‬ ‫األمنية‪ ،‬و تصبح هذه املؤسسات إقطاعية للمدير‬ ‫وصاحب القرار‪.‬‬ ‫يف ظل هذه األوضاع املستمرة من سنوات‪ ،‬ماذا‬ ‫نتوقع من املؤسسات املسرحية السورية أن تفعل‬ ‫بعد سنتني من اندالع الثورة السورية؟ خصوصاً‬ ‫أ ّن ما من تغيري يف البناء الفوقي‪ ،‬وال البناء التحيت‬ ‫للمؤسسات الثقافية واملسرحية السورية‪ .‬حيث‬ ‫استمر املوسم املسرحي للعام ‪ ،2013‬كما جرت‬ ‫العادة متاما‪ ،‬باستثناء تغري يف مواعيد عروض‬ ‫املسرحيات اليت تقدم على املسارح الدمشقية‬ ‫يف الساعة الثامنة‪ ،‬والسابعة للكبار‪ ،‬واخلامسة‬ ‫مساءاً للصغار‪ ،‬لتصبح ما بني «‪ »2 -12‬ما‬ ‫بعد الظهر‪ ،‬واخلامسة مساءاً للكبار‪ .‬وميكن‬ ‫تقسيم املوسم املسرحي الدمشقي للعام ‪2013‬‬ ‫إىل عروض مسرحية كالسيكية‪ :‬أبرزها «ألعاب‬ ‫السكون األخرية» للمخرج موسى أسود‪ ،‬واليت‬ ‫أعدها عن نص «هناية اللعبة» لصموئيل بيكت‬ ‫مع مونودراما «ماجدة واملائدة» للكاتب البولوين‬ ‫اندجي ماليشكا‪ ،‬يف حماولة للجمع بني لغة‬ ‫بيكت اليت تتجه حنو السؤال الفلسفي‪ ،‬ولغة‬ ‫املونودراما اليت تنحو باجتاه املزج بني الواقع‬ ‫والفنتازيا‪ ,‬وحافظ العرض على املضمون الفكري‬ ‫العبثي والالجدوى والعدمية‪.‬‬ ‫أما عرض «ليلي داخلي» للمخرج سامر حممد‬

‫إمساعيل‪ ،‬املأخوذ عن نص «خطبة الذعة ضد‬ ‫رجل جالس» للكاتب العاملي الكولوميب غربيل‬ ‫غارسيا ماركيز‪ ،‬فقد أعده الروائي السوري خليل‬ ‫صويلح‪ ،‬ويتناول احلياة اليومية اليت يعيشها أناس‬ ‫الطبقة املرتفة يف ظل األوضاع الراهنة‪ ،‬يف حني‬ ‫أن العرض الذي أثار انتباه النقاد والصحافة هو‬ ‫«املرود واملكحلة» للكاتب املسرحي عدنان‬ ‫عودة واملخرج الشاب عروة العريب‪ ،‬ويقدم‬ ‫مذحبة األرمن اليت بدأت يف العام ‪ ،1917‬يف‬ ‫جبال أرارات على يد العثمانيني‪ ،‬لتتقاطع مع‬ ‫حكاية شاب سوري كردي يصادف أخته من‬ ‫أمه يف ليلة من ليايل دمشق بعد سنوات طويلة‪.‬‬ ‫وتدور األحداث يف مخسة أماكن يف سورية هي‬ ‫جدران البيوت الطينية يف الرقة ومحص وخيام‬ ‫البدو يف اجلزيرة السورية وقوارب الصيادين يف هنر‬ ‫الفرات وصوال إىل بيوت العاصمة دمشق على‬ ‫سفح جبل قاسيون‪ .‬وكذلك قدم على مسرح‬ ‫احلمراء يف دمشق عرض «تقاسيم على درب‬ ‫اآلالم» نص وإخراج زينايت قدسية‪ ،‬الذي يتناول‬ ‫حكاية إنسان مقدسي امسه «فريد املقدسي» من‬ ‫القدس الشرقية‪ ،‬يعمل يف بلدية القدس الغربية‬ ‫عند الكيان الصهيوين‪ ,‬حيث تعتقله املخابرات‬ ‫اإلسرائيلية وتضعه حتت اإلقامة اجلربية يف حماولة‬ ‫ملعرفة مكنونات صدره عن دولة «إسرائيل»‪،‬‬ ‫باإلضافة إىل ذلك قدم الشاب املخرج كفاح‬ ‫عرضي «بالد ما فيها موت‪ ،‬ويف بار‬ ‫اخلوص َ‬ ‫بشارع احلمرا» اللذان يعودان إىل دمشق يف زمن‬ ‫ما قبل الثورة السورية عرب اخلوض يف أيام الزمن‬ ‫اجلميل الدمشقي يف حلظات السلم يف الشام‪،‬‬ ‫ويف بار بشارع احلمرا يطرح قضية اهلجرة من‬ ‫دمشق إىل بريوت نتيجة ما حيصل بالشام‪ ،‬وعمل‬ ‫هؤالء الشباب يف البار‪ ،‬وما حيدث من خيانة‬ ‫زوجية من قبل أحد أصدقاء الزوج‪.‬‬ ‫كما قدمت مديرية املسارح أيضا عرضني راقصني‪،‬‬ ‫األول «إنسان»‪ ،‬من تأليف وإخراج نورس برو‪،‬‬ ‫يقدم رؤى إنسانية مستمدة من الشارع السوري‬ ‫بشكل حديث ومعاصر ال تغيب عنها الثقافة‬ ‫السورية بغناها وتنوعها‪ ,‬وعيش مكونات الشعب‬ ‫السوري مبختلف مناطقه وتوجهاته‪ ،‬متخذاً من‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫اإلهبار اجلسدي أساسا واضحاً لكل ما يعيشه‬ ‫اإلنسان السوري‪.‬‬ ‫والعرض الثاين الراقص «أبواب اجملد» لفرقة أجيال‬ ‫للمسرح الراقص‪ ،‬من تأليف فادي منصور‪،‬‬ ‫وإخراج مشرتك للفنانني جمد أمحد وباسل محدان‪،‬‬ ‫ويتناول العرض أمنيات طفلة صغرية تتمىن أن‬ ‫تزور أبواب الشام وأن حيل فيها اخلري والسالم‪.‬‬ ‫ويف مسرح الطفل‪ ،‬قدمت مديرية املسارح‬ ‫واملوسيقا مخسة عروض هي «أرنوب» للمخرج‬ ‫عبد السالم بدوي و»الرهان اخلاسر» للمخرج‬ ‫خوشنانف ظاظا‪ ،‬و»الزهرة القرمزية» للمخرج‬ ‫رشاد كوكش‪ ،‬و»التنني يبحث عن صديق»‬ ‫للمخرج عبد السالم بدوي‪.‬‬ ‫قدم املعهد العايل للفنون املسرحية عرض‬ ‫«الكوميديا السوداء»‪ ،‬مشروع خترج طالب‬ ‫السنة الرابعة‪ ،‬بإشراف الفنان بسام كوسا عن‬ ‫نص للكاتب الربيطاين(بيرت شافر) الذي كتبه‬ ‫عام ‪ ،1956‬ويتناول مدى زيف حياة اجلنس‬ ‫البشري حتت وهم أنه كائن اجتماعي‪ ،‬بينما‬ ‫هو يف احلقيقة يسعى بشكل الهث خلدمة ذاته‬ ‫األنانية‪ ،‬على كل القيم اإلنسانية واملفاهيم اليت‬ ‫حتكم عالقات الناس بعضهم ببعض‪.‬‬ ‫أما العرض الذي كان مفاجأة املوسم‪ ،‬فقد جاء‬ ‫من خارج مديرية املسارح واملوسيقا‪ ،‬وهو عرض‬ ‫«العودة إىل البيت»‪ ،‬وقدم يف «برج الفردوس»‬ ‫للمخرج أسامة غنم والكاتب هارولد بنرت‪،‬‬ ‫ويتناول حياة شخصيات غرائبية تعيش متزقات‬ ‫غري قابلة للرتميم‪ ،‬وحياة مقطعة األوصال‪ ،‬من‬ ‫خالل عميدها‪ ،‬األب الذي حياول استعادة‬ ‫سيطرة مفقودة على أبنائه‪.‬‬ ‫أخرياً‪ ،‬فإن املوسم املسرحي السوري تراوح بني‬ ‫التقليدية اليت جتري يف كل موسم مسرحي‪،‬‬ ‫وحماوالت اخلروج عن هذه التقليدية املؤسساتية‬ ‫املعروفة لدى املسرحيني السوريني‪ .‬لكن هذه‬ ‫احملاوالت يف اخلروج عن املوسم التقليدي بقيت‬ ‫خجولة نتيجة أن املؤسسة املسرحية السورية‬ ‫مازلت توجهها ذات العقلية اليت تنتمي إىل مراكز‬ ‫النفوذ الرمسية‪.‬‬

‫خميرة‬

‫‪35‬‬


‫‪36‬‬

‫عن دمشق حبة القلب‬ ‫نردد وجيب قلوبنا‪ ،‬لو غنينا‬ ‫لو قلنا دمشق ّ‬ ‫دمشق فإننا ننشد دبيب أرجل العصافري فوق‬ ‫سطح نافذة وهي تصطاد حبة تطعم هبا صغارها‬ ‫حب دمشق‬ ‫اجلوعى‪ ،‬ولو أطلقنا قصائدنا يف ّ‬ ‫الرت ّدت إلينا يف شكل غزالن تصبو إىل احلنني‬ ‫وهي حتنو على بعضها البعض‪.‬‬ ‫كل مرة كانت روحي‬ ‫ُ‬ ‫رحت دمشق مرات‪ ،‬ويف ّ‬ ‫العطشى تتألّق مبزيد من سغبها حنو إرواء جهلها‬ ‫كل مرة‪.‬‬ ‫حنس به جمهوالً ّ‬ ‫باملكان الذي جيعلنا ّ‬ ‫دمشق حبواريها القدمية اليت ال تبلى من عطرها‪،‬‬ ‫بشوارعها اجلديدة اليت تذ ّكرنا بضرورة احلياة‬ ‫على عجل‪ ،‬بنسائها اجلميالت املتطلّعات‬ ‫إىل املستحيل‪ ،‬وشباهبا احملمومني املتطلّعني إىل‬ ‫إجناز آمال قد ال يف ّكر أحد أصالً يف احللم‬ ‫هبا‪ ،‬بعجائزها ذوي التجاعيد الذين والاليت ال‬ ‫يهدؤون يف طلب الذكريات القادمة‪.‬‬ ‫يف سوريا عموماً حاالت غامضة من احلنني‪،‬‬ ‫حاالت مألوفة من اكتساب املعرفة‪ ،‬حاالت‬ ‫احلب‪ ،‬حاالت قابلة للقراءة الدائمة‬ ‫ملتبسة من ّ‬ ‫فض ما يصعُب على املرء أن يدركه‪.‬‬ ‫أمالً يف ّ‬

‫خميرة‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫محمد عيد إبراهيم‬ ‫حني تذهب يف سوريا من مشاهلا جلنوهبا‪ ،‬قد ال‬ ‫تستغرق ساعات معدودات‪ ،‬لكنها رحلة طويلة‬ ‫يف التاريخ ومعاناة أطول يف اجلغرافيا‪ ،‬فللتاريخ‬ ‫نقول إهنا بلد من بلدان‪ ،‬بلد يف بلدان‪ ،‬بلد بعمر‬ ‫بلدان‪ ،‬بلد قد تقضي عمرك كله من دون أن‬ ‫تستطيع اجتياز حدود تارخيه‪ .‬أما جغرافيته القلقة‬ ‫فهي ال تصيبك بالقلق‪ ،‬بل تسكنك يف احلشايا‬ ‫فال تستطيع ال فكاكاً‪ ،‬جغرافيا منحنية كأهنا‬ ‫جسم امرأة حبيبة حتلم بإتياهنا وليس مبقدورك إال‬ ‫احللم هبا‪ ،‬احللم هبا على أمل أن تروي عظامك‬ ‫من مكنوهنا يوماً‪.‬‬ ‫عفا اهلل عن دمشق‪ ،‬ورحم اهلل سوريا‪ ،‬مما هبا‬ ‫من تعب‪ ،‬ومما هبا من صراخ‪ ،‬ومما هبا من دم‪.‬‬ ‫ليبارك اهلل سوريا‪ ،‬وأهايل سوريا‪ ،‬ويف القلب‬ ‫منها دمشق‪ ،‬دمشق حبة القلب‪ ،‬فهل يستغين‬ ‫امرؤ عن قلبه ذات يوم؟ سوريا األمل تلوح يف‬ ‫املستقبل‪ ،‬ودمشق طفلة تركض للحاق مبا هو‬ ‫كل‬ ‫آت‪ ،‬وما هو آت مشرق قد ال يتوقّع أحد ّ‬ ‫ما فيه من ألوان‪.‬‬

‫أولى فعاليات بيادر سوريّة في عينتاب أمسية شعرية لـ خضر سلمان وعارف الكريز‬ ‫خاص حنطة‬

‫بالقلوب المشتتة بين الحب والحرب‪ ،‬األمل والخوف واالنتظار الطويل‪ ،‬حضر سوريون في عينتاب يوم الجمعة ‪ 17‬كانون الثاني ‪،2014‬‬ ‫أمسية شعرية لشاعرين سوريين شابين‪ ،‬في مركز بيتنا سوريا‪ ،‬وكانت األمسية مساحة لاللتقاء والتواصل واالنفتاح على فضاءات مشتركة‬ ‫لإلبداع‪.‬‬ ‫قصائد األمسية تنوعت‪ ،‬بين الحلم واألمل‪ ،‬بين مفردات واقعة الغربة واالعتقال‪ ،‬األصدقاء الشهداء‪ ،‬رفاق الطريق وراء السجون‪ ،‬والحبيبات‬ ‫وراء األسوار‪ ،‬واألهل في الحصار‪ ،‬الفرح والحزن والحرب‪ ،‬والسالم المفقود‪.‬‬ ‫األمسية التي تقيمها مجلة (حنظة) بالتعاون مع مركز بيتنا سوريا‪ ،‬هي جزء من نشاط نصف شهري تعمل مجلتنا على استدامته وتطويره‬ ‫الجتذاب المواهب السورية وإتاحة الفرصة للتواصل والتفاعل بين السوريين‪ ،‬وهو (بيادر سورية)‪ ،‬حيث يجمع فنانون شباب سوريون ما‬ ‫لديهم على بيادرنا ليكون للجمهور حق التفاعل واإلسهام في فعل اإلبداع‪ ،‬ألن اإلبداع بمفهومه األعم فعل واسع ومتسق ينبني عليه رغبة‬ ‫متجددة في اكتساب اإللهام عبر التواصل‪.‬‬ ‫وتنوعت انطباعات الحضور لدى سؤالهم عن األمسية‪ ،‬لكن الجميع أجمع على ضرورة استمرار هذه الفعاليات وتنميتها وتطويرها‪ ,‬لما فيها‬ ‫من إمكانيات غير متاحة في أماكن أخرى‪ ،‬لتمرر المنتج اإلبداعي الشبابي السوري إلى المتلقين والتفعيل المتبادل بين األدوات اإلعالمية‬ ‫المنضبطة والمدارة‪ ،‬وبين الفعل اإلبداعي الحر والجامح‪.‬‬ ‫سوريون في شتاتهم الطويل‪ ,‬ال ينسون الشعر‪ ،‬كتابةً وتذوقاً‪ ،‬وال تنسى حنطة أن تكون جزءاً من دائرة الحياة التي تصر على الحياة‪ ،‬حتى‬ ‫الوصول إلى سوريا التي يحلم بها أبناؤها جميعا‪ ،‬سوريا العمل والموهبة‪ ,‬سوريا الحرية الخالقة والفن المنفتح على فضاءاته اإلنسانية الرحبة‪..‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫رغيف كردي‬

‫سندويتش أمـل‪ ،‬كي ال نموت من اليأس‬ ‫مل َنر هذه املشاهد املروعة على الرغم من فداحة‬ ‫وهول ما رأيناه من قبل‪ ،‬إهنا اكثر خطورة ودموية‪.‬‬ ‫مدن وقرى تسبح يف حبور من الدم والدمار وتعود‬ ‫سنني اىل املاضي‪ ،‬سراديب من الظلم والظالم‬ ‫تعشش فيها عفونة االحقاد‪ .‬أهرامات من اجلثث‬ ‫تُقتَل بكافة طرق املوت‪ ،‬غذت اهناراً من دماء‬ ‫مواطين ما كان يسمى وطناً‪ .‬أمسى الوطن مذحباً‬ ‫ألبنائها ‪.‬‬ ‫إن مل أكن قتيالً فأنا قاتل‪ .‬ال يوجد خيار ثالث‬ ‫يف زمن ضاعت فيه كل احملرمات أو نسيت‪ .‬مل‬ ‫يعد الوطن يتسع لفكرتني أو ملذهبني‪ .‬أصبح‬ ‫مسرحاً ألمراء وقادة غارقني يف دماء أبنائه لدرجة‬ ‫الثمالة‪ .‬ينطبق عليهم املثل الفرنسي «مل يتعلموا‬ ‫شيئاً ومل ينسوا شيئاً»‪ .‬مل يتعلموا شيئاً من جتارهبم‬ ‫ومل ينسوا أحقادهم‪ .‬ال تتهمين باملبالغة‪ ،‬ما ينقل‬ ‫عن وطين أقل مما حيصل فيه‪.‬‬ ‫التوحش مبدأ لديهم والقتل وفنونه تسلية أو لعبة‬ ‫مقامرة على طاوالهتم‪.‬‬ ‫لعبة القناصة‪ ،‬واهلدف بطون احلوامل‪ .‬نشرت‬ ‫وسائل إعالم بريطانية يف اآلونة االخرية‪،‬‬ ‫مقابالت مع جراح تطوع يف العمل يف سوريا‬ ‫قدم فيها روايات مرعبة عن قناصة «يلعبون لعبة‬ ‫فيما بينهم‪ ،‬بإطالق رصاصهم على املدنيني‪ ،‬مبا‬ ‫يف ذلك احلوامل‪ ،‬من أجل احلصول على علبة‬ ‫سجائر‪ ،‬وقال اجلراح الربيطاين ديفيد نوت «كل‬ ‫النساء أصنب برصاصة يف الرحم‪ .‬لقد كان عمال‬ ‫مقصوداً‪ .‬إنه جحيم ما بعده جحيم»‪ .‬وأوضح‬ ‫أنه يف إحدى احلاالت اخرتقت رصاصة رأس‬ ‫اجلنني‪ .‬قناصة يقامرون على بطون احلوامل مقابل‬ ‫علبة سجائر‪ .‬مثن زهيد مقابل جنني يف رحم أمه‪.‬‬ ‫مشاهد من القرون الوسطى‪ .‬اقتالع للقلوب‪.‬‬ ‫إعدام طفل برئ‪ .‬جلد‪ .‬فتاوى دينية عن املأكل‬ ‫وامللبس‪ .‬إهنم يتدخلون حىت يف ألوان مالبسنا‬ ‫وطريقة نومنا‪ .‬خالفة إسالمية ودول ومجهوريات‬ ‫وإمارات باسم اإلسالم ومن يعرتض كافر‪ .‬قوانني‬ ‫ومراسيم مل نعهدها من قبل‪ .‬فنتازيا العنف لدينا‬ ‫تنتج وخترج بعيدا عنا جغرافياً وفكرياً‪ .‬لدينا ما‬ ‫يكفي من االستوديوهات والكومبارس لننتج‬ ‫املزيد من املشاهد هلم‪.‬‬

‫‪37‬‬ ‫أسامة أحمد‬

‫طفل سوري محاصر في مخيم اليرموك‬ ‫وطين أمسى سرداباً للعامل يتسكع فيه كل طامح‬ ‫للدم والقتل‪ ،‬حيث بات بإمكان كل جمرم ممارسة‬ ‫هوايته بالطريقة اليت يهواها‪.‬‬ ‫ال تتهمين باملبالغة‪ .‬ما ينقل عن وطين اأقل مما‬ ‫حيصل‪.‬‬ ‫مدن ومناطق حماصرة معاقبة باجلوع واحلرمان‪.‬‬ ‫ريف دمشق‪ ..‬كيف لدمشق أن تنسى خريات‬ ‫ريفها وهي اآلن تشاهد موت أبنائها من اجلوع‪،‬‬ ‫وهي اليت مل تبخل يوماً خبرياهتا؟ فتاوى حتلل أكل‬ ‫حلوم القطط والكالب‪ ،‬مل يبق لريف دمشق إال‬ ‫القطط والكالب‪.‬‬ ‫كيف لسوريا أن تنسى خريات جزيرهتا وهي‬ ‫تشاهد نزوح وتشرد أبنائها من احلصار؟ حمافظة‬ ‫احلسكة‪ ،‬الباحة الزراعية اخللفية لسوريا‪ ،‬اليت‬ ‫متدها سنويا مباليني األطنان من احملاصيل الزراعية‬ ‫من احلبوب واألقطان‪ .‬وماليني الدوالرات من‬ ‫عائدات النفط اليت تستخرج من أرض هذه‬ ‫اجلزيرة‪ .‬أبناؤها اليوم يقتاتون على ما يسد رمقهم‬ ‫يف خميمات الذل‪ ،‬أو يركبون قوارب املوت تلفهم‬ ‫أكفا ٌن من أمواج البحر‪.‬‬ ‫لكل حرب صورها وقصصها اخلالدة‪ .‬إهنا تلك‬ ‫الصور اليت باتت تستوطن يف الذاكرة اجلماعية‪،‬‬ ‫فعندما نستذكر مدينة حلبجة يف إقليم كردستان‬ ‫العراق نستعيد صورة فتاة تصرخ وتركض من األمل‬ ‫بعد قصف اخلردل والنابامل‪ ،‬ويف جماعة السودان‬ ‫نستعيد صورة طفلة تزحف ببطء إىل املوت‪ ،‬فيما‬ ‫يرتبص هبا نسر ينتظر موهتا‪ .‬صورة فتاة بوسنية‬ ‫غلفها العار بعد اغتصاهبا من جرياهنا‪..‬‬

‫هذه الصور وغريها ساعدت كثرياً يف جذب‬ ‫انتباه العامل وحثه على فعل شيء ما‪ .‬وحدهم‬ ‫السوريون قليلو احلظ‪ ،‬إذ مل تنجح كل تلك‬ ‫الصور واملشاهد اليت بنت مستوطنات يف ذاكرتنا‬ ‫اجلماعية يف أن حتد من كلفة فاتورة الفوضى‪.‬‬ ‫صور التقطها ضحايا الفوضى نقلوها مع‬ ‫آالمهم‪ .‬فهل من فسحة أمل تبعد عنا شبح‬ ‫املوت أم هيهات؟‬ ‫صورة فتاة ضغرية حممولة على االكتاف تصرخ‬ ‫«يا اهلل انصرنا عليهم» سبق أن هتفت هذه‬ ‫الفتاة ضد النظام ولكنها يف املظاهرة األخرية‬ ‫كانت هتتف ضد ظلمة آخرين‪ .‬قادت هذه‬ ‫الفتاة مظاهرة ضد الدولة اإلسالمية يف العراق‬ ‫والشام‪ .‬إهنا نقطة مضيئة يف زقاق اجلاهلية‪ .‬إهنا‬ ‫سندويتش أمل كي ال منوت من اليأس ‪.‬‬ ‫صورة أناس يركضون يف سباق بني احلرب‬ ‫والسلم‪ ،‬بني احلقد واحملبة‪ ،‬بني األمل واليأس‪.‬‬ ‫يف مدينة القامشلي يف ماراتون للسالم أشعلوا‬ ‫مضمارا من النور يف غابة من العتمة تعشش فيها‬ ‫طفيليات من احلقد‪ ،‬وجفت جذور أشجارها من‬ ‫اليأس والقهر‪ ،‬خبطواهتم الثابتة حنو السالم أعطونا‬ ‫سندويتش أمل كي ال منوت من اليأس‪.‬‬ ‫هل ستسعفنا كامرياتنا الرقمية ببسكالهتا البدائية‬ ‫منها واملتطورة‪ ،‬يف رصد مجيع صور األمل‪ ،‬وأن‬ ‫تضيء كل صور األمل يف وطين‪ ،‬الذي يف كل‬ ‫شارع فيه قصة وعند كل فرد حكاية‪.‬‬ ‫هل لنا مبزيد األمل كي ال منوت من اليأس أيضاً؟‬


‫‪38‬‬

‫رغيف كردي‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كفالة اليتيم ثورة بحد ذاتها‬

‫جراء النزاع املسلح يف سوريا‪ ،‬على خلفية‬ ‫االحتجاجات املناهضة للنظام السوري منذ‬ ‫منتصف آذار ‪ ،2011‬سقط اآلالف من‬ ‫الضحايا‪ ،‬بسبب اللجوء الستخدام شىت أنواع‬ ‫األسلحة الثقيلة ودك املدن وقصفها براً وجواً‪.‬‬ ‫إن سقوط املدنيني يومياً جراء آلة القمع‪ ،‬وضع‬ ‫النسيج االجتماعي السوري أمام خماطر وعقبات‪،‬‬ ‫من تفكك األسرة السورية وتشردها جراء وفاة‬ ‫األب أو الوالدين معاً‪ ،‬لتكون السبب الرئيس يف‬ ‫ازدياد حاالت اليتم‪ ،‬تزامناً مع ٍ‬ ‫تعام وجتاهل تام‬ ‫ُ‬ ‫من قبل اجلهات املختصة‪ ،‬اليت مل تلتزم بواجبها‬ ‫اإلنساين والقانوين بالشكل املنصوص عليه يف‬ ‫مجلة من الدساتري واملواثيق الدولية‪ ،‬فعاىن الطفل‬ ‫السوري معاناة مزدوجة‪ ،‬كان له األثر البالغ على‬ ‫حميط الطفل األسري واالجتماعي والرتبوي‪ ،‬مما‬ ‫جعله موضوع قابل لالستغالل مادياً وجنسياً‬ ‫وعسكرياً‪.‬‬ ‫اليتيم الذي أوصت به الديانات والكتب‬ ‫السماوية وأخذ حيزاً مهماً يف املواثيق والقانون‬ ‫الدويل إلعادة تأهيله واالهتمام به يف احلياة‬ ‫اجتماعياً ومادياً وتربوياً‪ ،‬مل يتم تقدميهم على‬ ‫أهنم ضحايا القدر أو بقايا اجملتمع كما هو شائع‬ ‫يف جمتمعات عديدة‪ ،‬بل كانوا موضوعا آليات‬ ‫قرآنية كرمية‪ ،‬ومواد جوهرية يف املواثيق والعهود‬ ‫الدولية‪ ،‬صانت هلم كل سبل االحرتام واملودة‬ ‫والتلذذ باحلريات العامة‪.‬‬ ‫األيتــام في كتاب الــرحمــن‬ ‫اإلحسان واإلكرام إىل اليتيم هو خلق إسالمي‪،‬‬ ‫دافع مشع‪ ،‬إنساين‪ ،‬متمثل بقيم وخصال من‬ ‫الدين احلنيف‪ ،‬خطوة وآية ذات داللة واضحة‬ ‫للحفاظ على النسيج االجتماعي‪ ،‬احلنان‬ ‫والدفء والشعور باآلخــرعرب تعاليم وإرشادات‬ ‫وتوجيهات من القرآن والسنة للحفاظ على صلة‬ ‫الــرحم و إيقاظ العمالق النائم «الضمري» داخل‬ ‫النفس البشرية‪ ،‬لالحتكاك والتقرب بني اإلنسان‬ ‫وأخيه اإلنسان‪ ،‬هي سيالة من األخالق واحملبة‬ ‫رسل نوراً و إخالصاً لشرحية‬ ‫والضوء واحلب تُ َ‬ ‫من اجملتمع‪ ،‬الشرحية اليت يقع على عاتق اجلميع‬ ‫الوقوف معها التزاماً بأمر اهلل وفرقانه‪.‬‬ ‫اإلسالم عرب ركائزه و أركانه ومقوماته وكتبه‬

‫وصحفه‪ ،‬وقف أمام كل القضايا اإلنسانية‬ ‫واالجتماعية واحلقوقية بكل توازن ودراية‪،‬‬ ‫ليؤكد للجمع بأن اإلسالم دين متكامل سبق‬ ‫كل العلوم والكتب يف ترتيب البيت اإلنساين‬ ‫بكل دقة و حكمة‪ ،‬فأعطى الدين اإلسالمي‬ ‫كل األمهية واالهتمام ملسألة اليتيم عرب شرائع‬ ‫و دساتري نستمدها من آيات القرآن الكرمي إىل‬ ‫جانب أحاديث شريفة‪ ،‬فلم يأيت اهتمام اإلسالم‬ ‫بقضية اليتيم اعتباطاً ومن باب الصدفة‪.‬‬ ‫رسول جل جالله‪ ،‬يتيماً بني قومه وكنف عائلته‬ ‫(أمل جيدك يتيمآ فآوى)‪ .‬إن انتقاء اهلل تعاىل خلامت‬ ‫أنبياءه يتيماً‪ ،‬هلي آية ربانية وهتذيب وتوجيه لعباده‬ ‫على قيمة ومقدرة اليتيم على االخنراط والعمل يف‬ ‫احلياة‪ ،‬وناهياً سبحانه‪ ،‬عن أن يكون اليتيم من‬ ‫فئة أو شرحية تعيش كعالة أو على اهلامش يف‬ ‫احلياة اليومية االجتماعية‪ ،‬بل هو قادر أن يكون‬ ‫فاعالً و سوياً يف رحلته اإلنسانية‪ ،‬كيف ال يكون‬ ‫فاعال وكان حممد (ص) يتيماً ونبياً أرسله اهلل‬ ‫جل جالله لبين البشر ليهديهم وجينبهم املعاصي‬ ‫بكتاب ومعجزات‪.‬‬ ‫أخذ اليتيم حيزاً كبرياً يف الشرائع اإلسالمية‪،‬‬ ‫كدليل واضح‪ ،‬على قيمة اإلنسان يف اإلسالم‪،‬‬ ‫فهو النواة الفاعلة القابل لالنشطار والتكاثر‪،‬‬ ‫لعمل اخلري واإلحسان ودفع عجلة احلياة حنو‬ ‫بر األمان واهلدوء دون أي متييز بينهم باختالف‬ ‫أجناسهم و ألواهنم ووضعهم االجتماعي‪ .‬أكد‬ ‫اإلسالم بأن االقرتاب من مال اليتيم وأكله من‬ ‫السبع املوبقات‪ ،‬كحاضنة قانونية حقوقية‪ ،‬وآلية‬ ‫ردع وحتذير لكل شرائح اجملتمع يف التقرب أو‬ ‫التفكري يف أكل مال اليتيم يف صورة قانونية‬ ‫حقوقية متكاملة غري قابلة للتسويغ‪ ،‬ويظهر ذلك‬ ‫ِ‬ ‫يف احلديث الشريف َع ْن أَبيِ ُهَر�يَْرةَ ‪َ ،‬رض َي اللَّهُ َعْنهُ‬ ‫اجتَنِبُوا‬ ‫‪،‬ع ِن النَّبيِ ِّ صلى اهلل عليه وسلم ‪ ،‬قَ َ‬ ‫َ‬ ‫ال‪ْ (:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ول اهلل ‪َ ،‬وَما ُه َّن‬ ‫س‬ ‫ر‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫‪:‬‬ ‫ا‬ ‫و‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ق‬ ‫‪،‬‬ ‫ات‬ ‫ق‬ ‫ب‬ ‫و‬ ‫م‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫ع‬ ‫ب‬ ‫الس‬ ‫ْ‬ ‫َُ َ َُ َ‬ ‫َّ ْ َ ُ َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الس ْح ُر ‪َ ،‬و�قَْتل ال�نَّْفسِ‬ ‫؟ قَ َ‬ ‫ال ‪ :‬الش ِّْرُك باهلل ‪َ ،‬و ِّ‬ ‫ُ‬ ‫الربا ‪ ،‬وأَ ْكل مالِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬ ‫الَّتيِ َحَّرَم اللهُ إال بالحَْ ِّق ‪َ ،‬وأَ ْك ُل َِّ َ ُ َ‬ ‫ف الْمحصنَ ِ‬ ‫الْيتِي ِم ‪ ،‬وال�تَّوليِّ �يوم َّ ِ‬ ‫ات‬ ‫الز ْحف‪َ ،‬وقَ ْذ ُ ُ ْ َ‬ ‫َ َ َْ َ‬ ‫َ‬ ‫ات الْغَافِالَ ِ‬ ‫الْمؤِمنَ ِ‬ ‫ت‪.).‬أخرجه البخاري‪ .‬ويف آية‬ ‫ُْ‬ ‫قرآنية حيذر اهلل تعاىل بشكل قاطع وبإنذار رهيب‬ ‫و شديد ملن يتطاول على أكل مال اليتيم ظلما‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫والت أحمه‬

‫ِ َّ ِ‬ ‫ين يَأْ ُكلُو َن ْأم َو َال الْيَتَ َامى‬ ‫بغري حق فيقول‪(:‬إ َّن الذ َ‬ ‫نهِِ‬ ‫صلَ ْو َن‬ ‫ظُْلماً إِنمََّا يَأْ ُكلُو َن فيِ بُطُو ْم نَاراً َو َسيَ ْ‬ ‫َسعِرياً) النساء‪.10‬‬ ‫حض اإلسالم على احرتام اليتيم بكل الصور‬ ‫اللبقة‪ ،‬ومعاملته كأي فرد داخل اخللية‬ ‫االجتماعية‪ ،‬ودفعه بكل قوة حنو احلياة العامة‬ ‫يف كل اجملاالت‪ ،‬باعتباره كيان فاعل قادر على‬ ‫خدمة وتطوير اجملتمع‪ ،‬حبكم الفرد هو اخللية‬ ‫األوىل و األساسية يف تشكيل نواة األسرة اليت‬ ‫هي اخلطوة األوىل لتكوين وخلق جمتمع ناضج‬ ‫سوي قادر على اإلبداع و النشاط‪ ،‬ومن منطلق‬ ‫تعزيز الروابط و العالقات االجتماعية واحرتام‬ ‫قيمة الفرد بغض النظر عن حالته األسرية‬ ‫وحفاظا على دور ومكان اليتيم‪ ،‬هنى اإلسالم‬ ‫بشكل قاطع إهانة اليتيم وعدم احرتامه أو إيصال‬ ‫الضعف و االستصغار إليه‪ ،‬فيقول عزوجل يف‬ ‫ِ‬ ‫كتابه‪َ( :‬أرأَي ِ‬ ‫ك‬ ‫ب بِالدِّي ِن (‪ )1‬فَ َذل َ‬ ‫َْ َ‬ ‫ت الَّذي يُ َك ِّذ ُ‬ ‫َّ ِ‬ ‫ع الْيتِ‬ ‫ض َعلَى طَ َع ِام‬ ‫يم (‪َ )2‬ولاَ يحَُ ُّ‬ ‫الذي يَ ُد ُّ َ َ‬ ‫الْ ِمس ِك ِ‬ ‫ني ) سورة املاعون‪،3‬ويف آية أخرى يقول‬ ‫ْ‬ ‫سبحانه‪ (:‬فَأ ََّما الإِْ نْ َسا ُن إِ َذا َما ا�بْ�تَلاَ هُ َربُّهُ فَأَ ْكَرَم ُه‬ ‫َو�نََّع َمهُ �فَ�يَُق ُ‬ ‫ول َربيِّ أَ ْكَرَم ِن (‪َ )15‬وأ ََّما إِ َذا َما ا�بْ�تَلاَ هُ‬ ‫ِ‬ ‫لاَّ‬ ‫ول َربيِّ أ ََهانَ ِن (‪َ )16‬ك بَ ْل‬ ‫�فََق َد َر َعلَْي ِه رْزقَهُ �فَ�يَُق ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يم (‪َ )17‬ولاَ تحََاضُّو َن َعلَى طَ َع ِام‬ ‫لاَ تُ ْكرُمو َن الْيَت َ‬ ‫ِ‬ ‫الْ ِمسك ِ‬ ‫ني) سورة الفجر ‪.15‬‬ ‫ْ‬ ‫للوصول إىل الذيوع املرجو‪ ،‬يف االهتمام باليتيم‬ ‫ورعايته‪ ،‬يتطلب منا تلقني وتعليم كل الشرائح‬ ‫االجتماعية معاين احملبة والوقوف إىل جانب اليتيم‬ ‫من كل النواحي‪ ،‬وتشجيعهم وتثقيفهم مباهية‬ ‫كفالة اليتيم واحتضانه‪ ،‬ألن تلك الكفالة هي‬ ‫جدار وقائي وتشجيعي وحافز إلعداد ومساعدة‬ ‫فئة من اجملتمع مادياً ومعنوياً‪ ،‬بل يتعدى ذلك‬ ‫إىل فتح كل السبل أمام تلك الفئة يف جمال‬ ‫التعليم والرتبية عرب مفهوم كفالة اليتيم‪ .‬وألن‬ ‫تلك الكفالة هلا قيم ومعاين سامية يف احلفاظ‬ ‫على فئة من اجملتمع‪ ،‬أكد اإلسالم على دور‬ ‫كفالة اليتيم كطريقة وأسلوب يف احلفاظ على‬ ‫شرحية معينة من اجملتمع من اجلوع والربد وسد كل‬ ‫الثغرات أمامها من االحنراف و الضياع‪ ،‬ولقيمة‬ ‫ومسو معىن الكفالة أثىن اإلسالم على كل شخص‬ ‫يقوم بكفالة اليتيم‪ ،‬حيث جعل عليه الصالة‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫والسالم كافل اليتيم مرافقاً ومصاحباً له يف اجلنة‪،‬‬ ‫ول اهلل ‪،‬‬ ‫ال َر ُس ُ‬ ‫ال ‪ :‬قَ َ‬ ‫َع ْن َس ْه ِل بْ ِن َس ْع ٍد ‪ ،‬قَ َ‬ ‫صلى اهلل عليه وسلم‪ :‬أَنَا َوَكافِ ُل الْيَتِي ِم َك َها�تَينْ ِ يف‬ ‫السبَّابَِة َوالْ ُو ْسطَى‪َ ،‬و�فََّر َق �بَ�يْ�نَُه َما‬ ‫َش َار بِ َّ‬ ‫الجَْن َِّة‪َ ،‬وأ َ‬ ‫قَلِيالً‪ .‬أخرجه اْمحد‪ -‬البخاري‪.‬‬ ‫أوىل اإلسالم عناية كبرية بأمر وشأن اليتيم فلم‬ ‫يقف أمام املساعدة املادية يف املأكل واملشرب‬ ‫وامللبس والعالج‪ ،‬بل ركز واهتم باجلانب النفسي‬ ‫ناهياً سلوك الشفقة واحلزن‪ ،‬ودعا كل الفئات‬ ‫إىل مراعاة حميط وظروف اليتيم الذي يشعر‬ ‫بالقهر واالنكسار بعد فقدانه ألبيه‪ ،‬ونادى خبلق‬ ‫فضاء مريح ممتع هادئ‪ ،‬قادر على استيعاب‬ ‫متطلبات واحتياجات اليتيم النفسية من احلنان‬ ‫واحملبة واإلخاء واالهتمام وجتبري الفراغ احلاصل‬ ‫يف حياته اليومية‪ ،‬عرب اللسان اللطيف والنظرة‬ ‫الرؤوف للوصول إىل االتصال احلسي واجلسدي‬ ‫السليم املفعم باإلنسانية‪ ،‬عن عبد اهلل بن أىب‬ ‫أوىف ‪-‬رضي اهلل عنه‪ -‬عن النيب ‪ -‬صلى اهلل عليه‬ ‫وسلم ‪ « :‬ما من مسلم ميسح يده على رأس يتيم‬ ‫إال كانت له بكل شعرة مرت يده عليها حسنة‬ ‫ورفعت له هبا درجة وحطت عنه هبا خطيئة‪.‬‬ ‫« ال يٌتم بعد احلــلم « حديث شريف‪ ،‬وذلك‬ ‫إليالء االهتمام والرعاية يف كفالة اليتم حىت سن‬ ‫حمدد واليتيم هو كل من مل يبلغ سن الرشد الثامنة‬ ‫عشرة من عمره الذي فقد أباه نتيجة وفاة طبيعية‬ ‫أو استشهاده ويشمل اليتيم اجلنسني من الذكر‬ ‫و األنثى‪ ،‬أن حتديد عمر اليتيم وفقآ للشريعة‬ ‫اإلسالمية يضعنا أمام الواجبات اليت تقع على‬ ‫عاتقنا يف رعاية وكفالة اليتيم وعدم التنصل‬ ‫والتسرت وراء حجج و ذرائع واهية‪ ،‬فالوصول إىل‬

‫رغيف كردي‬

‫العمر احملدد واملنصوص عليه يف الكفالة و الرعاية‬ ‫يكون حينها اليتيم قد وصل إىل حالة يانعة قادر‬ ‫على خوض زمام املبادرة و الغوص يف تالفيف‬ ‫احلياة وبدء االعتماد على الذات يف إدارة حياته‬ ‫اليومية وخلق فضائه األسري واالجتماعي‬ ‫والتعليمي والعملي‪ ،‬بعد أن خضع لرعاية وكفالة‬ ‫سليمة أتاحت و مهددت له الطريق السوي‬ ‫والسليم الذي من خالله سيصنع ما يبغي إليه‬ ‫كإنسان واعي قادر على التفاعل و االنسجام‬ ‫مع متطلباته اليومية على خمتلف األصعدة‪.‬‬ ‫يف صوٍر متكاملة ألمهية دور كفالة اليتيم‬ ‫واعتباره فرد كما غريه من أفراد اجملتمع‪ ،‬جاء‬ ‫اإلسالم ليعاجل و يضع كل األخالقيات و الركائز‬ ‫وأسلوب التعامل واالتصال مع اليتيم‪ ،‬إىل جانب‬ ‫محايته قانونياً واجتماعياً‪ ،‬وظهر ذلك واضحاً يف‬ ‫معاجلة القرآن الكرمي هلذه الظاهرة بذكرها ثالثة‬ ‫وعشرين مرة يف سور قرآنية متفرقة‪ ،‬باإلضافة إىل‬ ‫األحاديث الشريفة‪ .‬من هنا يأيت دور املؤسسات‬ ‫و الفعاليات اخلريية والشخصيات الدينية يف وضع‬ ‫آلية تنفيذية لتفعيل وتعميق مفهوم كفالة اليتيم‬ ‫لدى النسل البشري ونشر الوعي االجتماعي و‬ ‫اإلنساين جتاه التعامل مع هذه الفئة والعمل على‬ ‫إعداد كوادر خمتصة يف اجملال النفسي والرتبوي‬ ‫واإلرشادي عرب مؤسسات و منظمات تعمل‬ ‫خلدمة اليتيم من كل اجلوانب‪.‬‬ ‫اليتيم في المواثيق الدولية‬ ‫جاءت املواثيق والقوانني الدولية كحاجة لرفع‬ ‫كل الظلم واالضطهاد واالستغالل عن اإلنسان‪،‬‬ ‫ولوضع اجلهات املسؤولة أمام التزاماهتا األخالقية‬ ‫واإلنسانية والقانونية‪ ،‬ومن ضمن تلك املواثيق‬

‫‪39‬‬ ‫واالتفاقيات جاءت اتفاقية حقوق الطفل ببنودها‬ ‫وقناديلها األربع واخلمسني‪ ،‬لتكون جمموعة من‬ ‫املصابيح واملعايري وااللتزامات الغري قابلة للطعن‪،‬‬ ‫وتكون مبثابة اجلدار احلامي حلقوق األطفال‬ ‫ومناصرهتم ومساعدهتم يف تلبية احتياجاهتم‬ ‫األساسية‪ ،‬وتوفري املناخ املالئم أمام قدراهتم‬ ‫وطاقاهتم‪ ،‬وفتح الفضاء الواسع أمام تطلعاهتم‬ ‫ومهاراهتم‪ ،‬وايصال الطمأنينة واحملبة إليهم‪،‬‬ ‫جلعلهم كيانات فاعلة يف جمتمعاهتم‪.‬‬ ‫اتفاقية الطفل عرب موادها تشمل كل األطفال‬ ‫على دون خلفية وضعهم األسري واالجتماعي‪،‬‬ ‫وهكذا يكون اليتيم له كل احلق يف التلذذ بتلك‬ ‫املواد والربوتوكوالت واالتفاقيات اليت تصون و‬ ‫أقر رؤساء العامل‬ ‫حترتم حقوقه‪ .‬يف عام ‪ّ ،1989‬‬ ‫حباجة أطفال العامل إىل اتفاقية خاصة هبم‪ ،‬ألنه‬ ‫غالبا ما حيتاج األشخاص دون الثامنة عشر إىل‬ ‫رعاية خاصة ومحاية ال حيتاجها الكبار‪ .‬كما‬ ‫أراد الرؤساء أيضاً ضمان اعرتاف العامل حبقوق‬ ‫األطفال‪ ،‬وتتضمن االتفاقية أربعة ومخسني مادة‪،‬‬ ‫توضح بطريقة‬ ‫وبروتوكوالن اختياريان‪ .‬وهي ّ‬ ‫واضحة حقوق اإلنسان األساسية اليت جيب أن‬ ‫يتمتع هبا األطفال يف أي مكان ودون متييز‪.‬‬ ‫جاءت االتفاقية لتحدد عمر الطفل بثمانية عشرة‬ ‫عاماً وفق املادة األوىل «ألغراض هذه االتفاقية‪،‬‬ ‫يعىن الطفل كل إنسان مل يتجاوز الثامنة عشرة‪،‬‬ ‫ما مل يبلغ سن الرشد قبل ذلك مبوجب القانون‬ ‫املنطبق عليه»‪ .‬وتأيت املادة السادسة لتؤكد على‬ ‫حق الطفل يف احلياة و العيش والنمو»‪ -1‬تعرتف‬ ‫الدول األطراف بأن لكل طفل حقا أصيال يف‬ ‫احلياة‪ - 2 .‬تكفل الدول األطراف إىل أقصى‬ ‫حد ممكن بقاء الطفل و منوه»‪ .‬بينما تتضح يف‬ ‫الفقرة األوىل من املادة الثانية عشر حق الطفل‬ ‫يف بناء الرأي والعامل اخلاص بطفولته وفق نضجه‬ ‫وسنه «تكفل الدول األطراف يف هذه االتفاقية‬ ‫للطفل القادر على تكوين آرائه اخلاصة حق‬ ‫التعبري عن تلك اآلراء حبرية يف مجيع املسائل اليت‬ ‫متس الطفل‪ ،‬وتوىل آراء الطفل االعتبار الواجب‬ ‫وفقا لسن الطفل و نضجه»‪.‬‬ ‫حددت الفقرة األوىل من املادة التاسعة عشر على‬ ‫محاية الطفل من كل أشكال االستغالل اجلنسي‬ ‫والعنف بشكل قاطع «تتخذ الدول األطراف‬ ‫مجيع التدابري التشريعية واإلدارية واالجتماعية‬


‫‪40‬‬ ‫والتعليمية املالئمة حلماية الطفل من كافة أشكال‬ ‫العنف أو الضرر أو اإلساءة البدنية أو العقلية‬ ‫واإلمهال أو املعاملة املنطوية على إمهال‪ ،‬وإساءة‬ ‫املعاملة أو االستغالل‪ ،‬مبا يف ذلك اإلساءة‬ ‫اجلنسية‪ ،‬وهو يف رعاية الوالد ( الوالدين ) أو‬ ‫الوصي القانوين ( األوصياء القانونيني ) عليه‪ ،‬أو‬ ‫أي شخص آخر يتعهد الطفل برعايته»‪ .‬وكان‬ ‫للتعليم مادة خاصة عرب فقرات متعددة أعطت‬ ‫كل األولوية يف حق الطفل يف التعليم لتنمية‬ ‫مواهبه وشخصيته وقدراته العقلية وذلك يف املادة‬ ‫الثامنة والعشرين «تعرتف الدول األطراف حبق‬ ‫الطفل يف التعليم»‪.‬‬ ‫كان إلجياد وخلق اجلو املناسب للطفل يف اللعب‬ ‫واللهو من حقوقه املشروعة وفقا للفقرة األوىل من‬ ‫املادة الواحد والثالثني «تعرتف الدول األطراف‬ ‫حبق الطفل يف الراحة ووقت الفراغ‪ ،‬ومزاولة‬ ‫األلعاب وأنشطة االستجمام املناسبة لسنه‬ ‫واملشاركة حبرية يف احلياة الثقافية ويف الفنون»‪.‬‬ ‫وتقر املادة اخلامسة والثالثني باحلماية القانونية‬ ‫للطفل يف خطفه أو االجتار به «تتخذ الدول‬ ‫األطراف مجيع التدابري املالئمة الوطنية والثنائية‬ ‫واملتعددة األطراف ملنع اختطاف األطفال أو‬ ‫بيعهم أو االجتار هبم ألي غرض من األغراض أو‬ ‫بأي شكل من األشكال»‪.‬‬ ‫تشمل األحكام الرئيسية الواردة يف الربوتوكول‬ ‫االختياري امللحق باتفاقية حقوق الطفل واخلاص‬ ‫باشرتاك األطفال يف النـزاع املسلح على التزام‬ ‫الدولة الطرف فيه بأن تتخذ مجيع التدابري املمكنة‬ ‫عمليا لكفالة عدم اشرتاك أفراد قواهتا املسلحة‬ ‫الذين يقل سنهم عن مثان عشرة سنة اشرتاكا‬ ‫مباشرا يف األعمال العدائية‪ .‬وأنه ال جيوز للدول‬ ‫األطراف جتنيد أي شخص مل يبلغ سن الثامنة‬ ‫عشرة‪ .‬كما حيظر الربوتوكول على اجلماعات‬ ‫املتمردة أو اجلماعات املسلحة غري احلكومية‬ ‫جتنيد األشخاص الذين مل يبلغ سنهم مثان‬ ‫عشرة سنة أو استخدامهم يف األعمال العدائية‪.‬‬ ‫يشدد الربوتوكول االختياري امللحق باتفاقية‬ ‫حقوق الطفل واخلاص ببيع األطفال واستغالهلم‬ ‫يف البغاء ويف املواد اخلليعة تشديدا خاصا على‬ ‫جترمي االنتهاكات اخلطرية حلقوق األطفال‪ ،‬وهي‬ ‫بيع األطفال والتبين غري القانوين واستغالل‬ ‫األطفال يف البغاء واملواد اخلليعة‪ .‬ويؤكد على دور‬

‫رغيف كردي العدد ‪13‬‬ ‫التعاون الدويل هبذا اخلصوص يف مكافحة هذه‬ ‫األنشطة عرب الوطنية‪ ،‬وعلى قيمة الوعي العام‬ ‫ومحالت اإلعالم والتثقيف لتعزيز محاية األطفال‬ ‫من تلك االنتهاكات اخلطرية حلقوقهم‪ .‬ووضع‬ ‫قواعد ملعاجلة االنتهاكات يف ظل القانون احمللي‪،‬‬ ‫مبا يف ذلك ما يتعلق مبرتكيب االنتهاكات‪ ،‬ومحاية‬ ‫الضحايا‪.‬‬ ‫جاءت هذه املواثيق واالتفاقيات واملنظمات‬ ‫لتصون حقوق الطفل مبختلف فئاته العمرية‬ ‫وفروقاته االجتماعية و األسرية‪ ،‬ولتكون النافذة‬ ‫اليت تشرق منها كل معاين احلياة واالهتمام واحملبة‬ ‫على ميادين الطفولة والرباءة‪ ،‬لكن رغم هذه‬ ‫االتفاقيات مازلت هناك انتهاكات كبرية حتصل‬ ‫حبق الطفولة‪ ،‬وذلك لعدم جدية تلك الدول و‬ ‫التزامها باالتفاقيات‪ ،‬رغم إهنا اعتربهتا الصك‬ ‫القانوين احملمي للطفل‪.‬‬ ‫أن عدم تفعيل و تأسيس املنظمات اخلاصة‬ ‫برعاية الطفولة‪ ،‬والشح الثقايف يف نشر ثقافة‬ ‫حقوق الطفل يف البيئات اجملتمعية وعدم االهتمام‬ ‫بتلك املواثيق واالتفاقيات كانت ذرائع وحجج‬ ‫الستغالل األطفال‪ ،‬والتعامي عن حقوقهم اليت‬ ‫باتت واجباً اخالقياً إنسانياً ليست حباجة إىل أية‬ ‫مواثيق وبنود وعهود‪ ،‬لو كان مبقدرة اإلنسان أن‬ ‫يتحكم بسلوكه الفطري السوي‪ ،‬الذي مل يصبغ‬ ‫مبكتسبات غري سوية يف جمتمعات أطاحت و‬ ‫حطمت كل القيم اإلنسانية وفقاً لشهواهتا‬ ‫ومصاحلها‪ .‬فهكذا تطفأ كل املصابيح والقناديل‬ ‫يف جمتمعاتنا أمام دروب اليتيم‪.‬‬ ‫آليات ومعايير التواصل مع اليتيم‬ ‫أن ازدياد عدد األطفال «اليتامى» يف الواقع‬ ‫السوري الراهن‪ ،‬يضعنا أمام مسؤولية كبرية يف‬ ‫العمل بكل جدية وحزم يف كفالة اليتيم‪ ،‬إلعادة‬ ‫إنتاج كيان إنساين قادر على االخنراط واالحتكاك‬ ‫يف اجملتمع ليكون حالة إجيابية سوية يف جمتمعه‪،‬‬ ‫قادر على اإلنتاج و األبداع يف شىت اجملاالت‪ ،‬أن‬ ‫االهتمام و رعاية األيتام يتطلب منا مجيعاً العمل‬ ‫يف أكثر من جمال‪:‬‬ ‫ الظلم والقهر والتعامي الذي يتلقاه اليتيم من‬‫حميطه‪ ،‬يضعه وجيعله عرضة آلثار واضطرابات‬ ‫نفسية خطرية‪ ،‬ومن هنا بات جلياً علينا األخذ‬ ‫بعني االعتبار اجلانب النفسي لليتيم و معاجلته‬ ‫بأقصى سرعة ألن هذه اآلثار النفسية هي من‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫صناعة اجملتمع نفسه الذي يهمل يتاماه‪ ،‬لذلك‬ ‫جيب العمل على إعداد عيادات نفسية متحركة‬ ‫و ثابتة يف مناطق تواجد الالجئني السوريني للحد‬ ‫من اآلثار و االضطرابات النفسية عند اليتيم‪.‬‬ ‫ كن لليتيم األب واألخ واألم والصديق‪ ،‬البسمة‬‫اليت تالقيه يف كل مكان‪ ،‬الصدر الواسع والرحب‬ ‫الذي حيميه من فقدانه للحنان و طعم األبوة و‬ ‫األمومة‪ ،‬أن ايالء اليتيم االهتمام من اجلانب‬ ‫العاطفي واألسري واجب وحاجة و ضرورة‬ ‫إنسانية لوضع اليتيم ومده باحلنان والعطف الذي‬ ‫فقده جراء فقدانه لوالديه‪ ،‬فبات من الضروري‬ ‫نشر التوعية بني اجلمهور العام من خالل‬ ‫احلمالت وحقل اإلعالم ووضعه أمام مسؤولياته‬ ‫األخالقية جتاه اليتيم ومعاملته كفئة من فئات‬ ‫اجملتمع دون أية فروقات‪.‬‬ ‫ جراء احلروب والنزاعات املسلحة يصبح‬‫الطفل ذو اهتمام بالصور واملشاهدات اليومية‬ ‫املباشرة اليت تضعه أمام سلوك مكتسب قادر‬ ‫على توجيهه حنو العمل الالسوي يف اكتساب‬ ‫لغة العنف والتوجه حنو محل السالح‪ ،‬وتكون‬ ‫العواقب أكثر من ذلك عندما يكون الطفل يتيماً‬ ‫بعيداً عن حاضنة أسرية اجتماعية تربوية حتميه‬ ‫من اثار احلروب و النزاعات املسلحة‪ .‬فيجب‬ ‫العمل على إجياد آلية ردع لكل من حياول‬ ‫استغالل األطفال يف النزاعات املسلحة والعمل‬ ‫على التوعية الفكرية واحلماية االجتماعية جلميع‬ ‫فئات اجملتمع عن خماطر استغالل و جر األطفال‬ ‫يف سلوك بعيد عن عمره و براءته‪ .‬والعمل خللق‬ ‫طفولة هادئة وهانئة لألطفال الذين يعانون من‬ ‫ويالت احلروب والنزاعات املسلحة و التيتم‬ ‫واإلرهاب‪.‬‬ ‫ االهتمام باجلانب التعليمي والرتبوي‪ ،‬من‬‫خالل إعداد دور تعليمي يعمل ويشجع الطفل‬ ‫اليتيم على التعلم‪ ،‬حيث يبقى العلم هوالعامل‬ ‫األساس يف تقدم اجملتمعات وتطورها‪ ،‬ويبقى‬ ‫اجلدار احلامي لليتيم من االحنراف حنو بؤر‬ ‫الفساد و الألخالق‪ ،‬وكذلك أبعاده عن شبح‬ ‫األمية واجلهل والفوضى واجلرمية‪.‬‬ ‫ تشكيل و إعداد فرق للمسح واإلحصاء يف‬‫املدن واحملافظات‪ ،‬حيث يقع على عاتقهم إجراء‬ ‫مسح دوري لعدد اليتامى واحتياجاهتم مع مراعاة‬ ‫التصنيف العمري‪.‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫‪41‬‬

‫كانون الثاني ‪ 2014‬رغيف كردي‬

‫ حيتاج اليتيم يف حياته إىل احلضانة والعناية‬‫والتمريض‪ ،‬واهتمام ومعاونة يف اجلوانب النفسية‬ ‫املتعلقة باحلنان والرمحة والدفء األسري‪ ،‬وحكماً‬ ‫حيتاج إليه الطفل مما جيعله آمناً بالطمأنينة‬ ‫والراحة النفسية‪ ،‬فبات واجباً تشجيع األمهات‬ ‫وحثهن إىل حقوق حضانة أطفاهلن اليتامى عرب‬ ‫الربوشورات ومحالت التوعية والزيارات امليدانية‪،‬‬ ‫وكذلك االهتمام بثقافة اللمس والتواصل احلسي‬ ‫مع اليتيم حيث يشعر الطفل بالسعادة واحلنان‬ ‫واألمان ويبعده عن معاناة الوحدة واألمل وفقدان‬ ‫احلنان اليت ستنتقل وترافقه عند الكرب مما ستشكل‬ ‫عنده عقد واضطرابات نفسية‪.‬‬ ‫ فتح باب التواصل مع املنظمات واملؤسسات‬‫املختصة لالستفادة من جتارهبم وخرباهتم يف رعاية‬

‫األيتام‪ .‬وتسخري القدرات اإلعالمية واالستفادة‬ ‫منها يف تسليط الضوء على اليتيم من حيث‬ ‫الواجبات واحلقوق‪ ،‬وعقد ورش العمل واجملالس‬ ‫اخلاصة بكفالة اليتيم‪ ،‬واالستفادة من الطاقات‬ ‫الرتبوية وحث روح ثقافة التطوع يف هذا اجملال‪.‬‬ ‫خالصة‬ ‫جيب الوقوف بكل جدية يف بناء مؤسسات‬ ‫ومجعيات تقوم على رعاية األيتام وحتث دور‬ ‫الكفالة لدى كل شرائح اجملتمع عرب ركائز و‬ ‫برامج أساسية مهنية تتمثل يف تأهيل األيتام‬ ‫تربوياً و مهنياً وصحياً وتنشئتهم تنشئة سليمة‬ ‫وصحيحة خللق جمتمع متساو يكون اإلنسان‬ ‫يتساوى مع أخيه اإلنسان يف الواجبات واحلقوق‪.‬‬ ‫أن الطفل اليتيم يف سوريا حيتاج إىل كل احلنان‬

‫والدفء واالهتمام والرعاية اخلاصة‪ ،‬إلعداده‬ ‫اجتماعياً ونفسياً‪ ،‬ليكون فرداً قادراً على متابعة‬ ‫مسرية احلياة من خالل واجباته وحقوقه‪ ،‬فالواقع‬ ‫السوري اجلديد يكتمل ويصبح أمجل باالهتمام‬ ‫واالتصال والتقرب مع مجيع املعضالت واملشاكل‬ ‫اليت تواجه املواطن السوري يف حياته اليومية‬ ‫داخل الوطن ويف بالد اللجوء‪.‬‬ ‫انه املأمول‪ ،‬يف خلق قاعدة خمتصة يف العمل‬ ‫الرتبوي والنفسي واالجتماعي لالهتمام بكفالة‬ ‫اليتيم من مجيع اجلوانب للحد من الفروقات‬ ‫االجتماعية واألسرية والنفسية يف النسيج‬ ‫السوري اجلميل‪ ،‬املنشد والتواق يف بناء سوريا‬ ‫لكل السوريني يتساوى فيها املواطنون بالواجبات‬ ‫واحلقوق دون أي متييز‪.‬‬

‫تنمية األطفال ذوي االحتياجات الخاصة في المناطق الكـردية‬ ‫طفل يرى كل شيء‪ ،‬يرغب بكل شيء وميلك‬ ‫من القدرة العقلية واألحاسيس ما ميكنه من‬ ‫االخنراط مبجتمعه بشكل طبيعي‪ ،‬إال أن كل‬ ‫هذا مل يكن كافيا ليحظى بقبول من حييطون به‪،‬‬ ‫وأكاد أقول من أقرب الناس إليه‪ ،‬فقط ألن اهلل‬ ‫أراد له أال يسمع أو ينطق أو يبصر‪.‬‬ ‫هل فكر أحد منا أن يتعرف على رغباته‪ ،‬أن‬ ‫ينمي موهبة له‪ ،‬أن يتواصل معه على أقل تقدير‪،‬‬ ‫أو أن يرافقه دون أن يقلل من إنسانيته؟ أن‬ ‫يسعى يف تعليمه لغة ختصه ليتواصل هبا مع حميطه‬ ‫ويشارك يف تأدية دوره يف اجملتمع؟ وأخص بالذكر‬ ‫هنا األطفال الصم والبكم‪ ،‬الذين يتحملون اليوم‬ ‫فوق آالمهم الداخلية ضغوط ومشاق احلرب‪.‬‬ ‫طفلة تبلغ السابعة من عمرها‪ ،‬أمضت ما يقارب‬ ‫نصفها يف ظروف احلرب‪ ،‬نزحت إىل مدينة‬ ‫القامشلي بعد أن فقدت والدها وأخاها واهنار‬ ‫املنزل الذي كان خمبأ لذكريات طفولتها‪ ،‬فانعقد‬ ‫لساهنا عن رواية املأساة وأصيبت باهللع‪ .‬طفل‬ ‫آخر نزح من مدينة حلب‪ ،‬شهد انفجارا لقنبلة‬ ‫بالقرب من السيارة اليت هربت هبم إىل االمان‪،‬‬ ‫مما تسبب يف إصابته بالتأتأة (صعوبة يف النطق)‪.‬‬ ‫وحاالت أخرى كثرية ألطفال كرد استشهد‬ ‫آبائهم يف املعارك مع اجلماعات اإلسالمية مما‬

‫أدى إلصابتهم بنوع من العنف والتمرد ‪.‬‬ ‫ويف ظاهرة غريبة عن املنطقة الكردية طيلة‬ ‫السنوات املنصرمة يف ظل النظام البعثي‪ ،‬وجود‬ ‫مركز صغري لالهتمام باألطفال ممن يعانون من‬ ‫الصمم والبكم أو اولئك الذين عقد هلم لسان‬ ‫لشدة املظاهر املروعة اليت شهدوها ومراقبة‬ ‫أوضاعهم وتقدمي الدعم النفسي هلم‪.‬‬ ‫تقول كوثر أومو األخصائية النفسية ومعاجلة‬ ‫النطق واملشرفة على كافة احلاالت النفسية‬ ‫لألطفال يف مركز آفا للتنمية الفكرية واجلسدية‪:‬‬ ‫«خنتص مبعاجلة أطفال النازحني ومتضرري احلرب‬ ‫إضافة إىل ذوي االحتياجات اخلاصة‪ ،‬علما أننا‬ ‫تلقينا أعدادا كبرية من أطفال العوائل النازحة من‬ ‫املدن السورية األخرى دير الزور ومحص والبوكمال‬

‫نوبار اسماعيل‬

‫خاص حنطة‬ ‫وسرى كانيه (راس العني) ومن العراقيني الذين‬ ‫كانوا قد نزحوا إىل دمشق ومنها إىل القامشلي‪،‬‬ ‫أي النازحني مرتني‪.‬‬ ‫بدوره أشار فايز حممد املعاجل الفيزيائي يف مركز‬ ‫آفا إىل سعيهم ملساعدة االطفال وبالدرجة‬ ‫األوىل الذين يعانون من املشاكل النفسية جراء‬ ‫الظروف الراهنة وإعادة تأهيلهم نفسيا للمجتمع‪.‬‬ ‫استقبل املركز ما يقارب ‪ 25‬من األطفال املرضى‬ ‫النفسيني جراء الصراعات وتوصل يف معاجلتهم‬ ‫إىل نتائج جيدة‪ ،‬كذلك ‪ 20‬طفال ممن خضعوا‬ ‫للمعاجلة الفيزيائية‪ ،‬وصور لنا أشد احلاالت تأثريا‬ ‫عليه وهي إصابة طفل من معارك سري كانىي‪/‬‬ ‫رأس العني بطلقات نارية يف رجله وظهره‪.‬‬ ‫يف اآلونة األخرية شرع املركز بتعليم لغة كانت‬


‫‪42‬‬ ‫يف طي النسيان على الرغم من أمهيتها ودورها‪،‬‬ ‫علما أن الدول بدأت بتدريسها وتعليمها منذ‬ ‫مئات السنني ومن خالل معاهد وجامعات‬ ‫خاصة هبا‪ ،‬سلط هبا املركز الضوء على شرحية من‬ ‫الوافدين إىل مدينة القامشلي إىل جانب أبناءها‬ ‫كانوا ضائعني يبحثون عن مأوى هلم أسوة بباقي‬ ‫احملافظات للجلوس مع حاالت مشاهبة هلم‪،‬‬ ‫بغية التواصل مع شرحيتهم‪ ،‬الشيء الذي افتقدته‬ ‫املدينة‪ ،‬فاستغل مركز آفا وجود عبداهلل امساعيل‬ ‫عضو مجعية رعاية الصم بدمشق ومرتجم لغة‬ ‫اإلشارة‪.‬‬ ‫يتحدث امساعيل‪« :‬أولئك الوافدون من الصم‬ ‫وممن هم من أبناء املنطقة مل يلقوا جهة تعين‬ ‫بأمورهم ومت تعهد الفكرة‪ ،‬األمر الذي القى‬ ‫توجها لدى مركز آفا لتقدمي اخلدمات يف هذا‬ ‫اجملال»‪.‬‬ ‫وقد مت ختريج دفعتني من املتدربني ككادر يف جمال‬ ‫تعليم األطفال الصم والبكم وهتيئة كادر متدرب‬ ‫على لغة اإلشارة كخطوة أولية‪ ،‬ليتم من مث‬ ‫البدء بتعليم األطفال الصم لغتهم‪ .‬وتألفت كل‬ ‫جمموعة من ‪ 12‬طالبا من ذوي الشهادات أو‬ ‫ممن يعملون يف مجعيات تعىن بذوي االحتياجات‬ ‫اخلاصة واالرشاد النفسي‪.‬‬ ‫يقول املعاجل الفيزيائي فايز حممد‪« :‬معرفتنا‬ ‫يف كيفية ملء الفراغ يف اجملتمع الذي يتمثل‬ ‫بوجود الصم والبكم وعدم قدرهتم على التكيف‬ ‫والتواصل مع احلالة االجتماعية كانت السبب‬ ‫وراء خطوتنا هذه كواجب إنساين»‪.‬‬ ‫ورأت كوثر أومو أن الصم حباجة ماسة إىل‬ ‫النطق‪ ،‬لكننا نعاين من معوقات بأن ذوي هؤالء‬ ‫األطفال يقاطعون متابعتهم للعالج نظرا لعدم‬ ‫توفر املواصالت وعدم توفر الوعي لدى األهايل‬ ‫بإمكانية أن يتحول طفلهم إىل شخص مؤهل‬ ‫بإمكانه االعتماد على نفسه‪ .‬منوهة إىل ضرورة‬ ‫تعليم النطق لالطفال املؤهلني دون الكبار الذين‬ ‫يعانون صعوبة يف تعلم النطق لضمور عضالت‬ ‫احلنجرة لديهم‪.‬‬ ‫وتقول‪« :‬نتلقى األطفال حىت عمر العاشرة لكن‬ ‫هناك جتاوزات‪ ،‬ومن احلاالت اليت قمنا مبعاجلتها‬ ‫أطفال تلقوا صدمات نفسية نتيجة احلرب مما‬ ‫تسببت يف فقداهنم لصوهتم نتيجة اخلوف‬ ‫والرعب غالبيتهم أطفال نازحني ممن شهدوا‬ ‫مناظر مروعة»‪.‬‬

‫رغيف كردي‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫خاص حنطة‬ ‫ويف حديثه عن السر وراء ذكاء الشخص األصم‬ ‫رأى عبداهلل امساعيل أن حرمانه من حاسة السمع‬ ‫يكون السبب يف متتعه ببصر وحدس حادين جدا‬ ‫لدرجة أن بإمكانه استنتاج الفكرة من تعابري وجه‬ ‫األشخاص أو احلالة اليت حتيط به وهذا ما يفسر‬ ‫براعتهم يف األعمال احلرفية وغريها من أعمال‬ ‫التصميم الفوتوغرايف بشكل خاص‪.‬‬ ‫بدورها تشرح لنا كوثر أومو السبب يف مرافقة‬ ‫البكم للصمم يف الشخص عينه وتعزو ذلك إىل‬ ‫عدم امتالك األصم أصواتا متكنه من النطق‪،‬‬ ‫وأكدت ان كلتا احلاستني منفصلة وباإلمكان‬ ‫تنمية إحدامها دون األخرى وتضيف‪« :‬نسعى‬ ‫إلفهام الطفل األبكم بطريقة اإلشارة والصوت‬ ‫وبالطريقة اللمسية لنتعرف على احلنجرة والنطق‬ ‫إذا ما كانا سليمني لديه»‪.‬‬ ‫تسعى كلناز ابراهيم ألن تكون أمنوذجا مشجعا‬ ‫من خالل عملها كإدارية يف مركز آفا وامتالكها‬ ‫إعاقة يف رجلها‪ ،‬وترى بأن اإلعاقات يف غالبيتها‬ ‫نقوم‬ ‫فكرية قبل أن تكون جسدية وجيب أن ّ‬ ‫االنسان على أساس عمله وليس شكله‪.‬‬ ‫وتضيف «استقبلنا ‪ 50‬حالة نفسية لألطفال‬ ‫غالببيتهم من النازحني‪ ،‬واآلن يراود مركزنا ‪4‬‬ ‫حاالت للصم والبكم وهم الزالوا قيد املعاجلة‬ ‫اثنان منهم من مدينة تل كوجر اليت شهدت‬ ‫صراعات يف اآلونة األخرية»‪.‬‬ ‫ويرى فاروق امساعيل وهو عضو متدرب يف لغة‬ ‫اإلشارة‪ ،‬أنه‪« :‬كان اهلدف األمسى اللتحاقنا‬ ‫بتعلم هذه اللغة هي املسامهة يف سعي الفرد‬ ‫األصم واألبكم لتلبية احتياجاته بنفسه دون‬ ‫الرجوع إىل اآلخرين مما فتحت لنا قناة للشعور‬ ‫مبعاناة هؤالء األطفال»‪.‬‬

‫العديد من املعوقات تقف يف طريق مركز آفا‬ ‫للتنمية الفكرية واجلسدية ملتابعة نشاطها من‬ ‫عدم توفر املواصالت واإلمكانات املادية الضعيفة‬ ‫واليت تقدر بألف يورو (‪ )1000‬وتقدمها هلا‬ ‫مجعية اجلسر السويسرية‪ ،‬واستغالل األهايل‬ ‫حلاالت أوالدهم يف احلصول على املساعدات‪،‬‬ ‫باإلضافة لعدم وجود كادر ووسائل متخصصة‬ ‫لتأهيل املكفوفني وتقدمي الدعم هلم‪.‬‬ ‫ويف ختام حديثهم عرب أعضاء املركز عن أملهم يف‬ ‫ملء الفراغ يف اجملتمع الذي يتمثل بوجود الصم‬ ‫والبكم وعدم قدرهتم على التكيف والتواصل‬ ‫مع احلالة االجتماعية هبدف تعليم األصم اللغة‬ ‫األكادميية واملنهجية بتعليمهم القاموس اإلشاري‬ ‫املوحد‪.‬‬ ‫يبقى أزيز الرصاص وأصوات املدافع‪ ،‬وحتليق‬ ‫الطريان وقصف بالصواريخ‪ ،‬واحلرب الطاحنة‬ ‫سائدة يف األرجاء‪ ،‬وهو طفل ال يعلم ما جيري‬ ‫أو كيف‪ ،‬يهلع حلركة من حوله متحسسا حميطه‬ ‫عربهم فاملشاهد املروعة حتدث على مرأى من‬ ‫عينيه‪ ،‬قد يفقد إثرها عزيزا على قلبه الصغري‪،‬‬ ‫يصرخ بصمت ال تسمعه إال جدران قلبه الصغري‬ ‫الذي أهنكه التعب ومزقه حاجز اإلعاقة الذي‬ ‫حال دون وصول أحاسيسه للناس‪،‬واحلرب اليت‬ ‫حمت من عامله اجلميل كل آثار الطفولة والرباءة‪،‬‬ ‫اليت من الصعب جبو كهذا استعادهتا‪ ،‬يف حني‬ ‫هناك ويف الطرف اآلخر يعيش القاتل نشوة‬ ‫االنتصار‪.‬‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪ 2014‬رغيف كردي‬

‫مستقبل الكرد في سوريا والشرق األوسط الجديد‬ ‫يدرك املتتبع لتاريخ الشعب الكردي منذ تقسيم‬ ‫وطنه (كردستان) ألول مرة يف عام ‪ 1514‬وفق‬ ‫معاهدة جالديران فيما بني العثمانيني والصفويني‬ ‫(تركيا وإيران)‪ ،‬وحىت التقسيم الثاين حبسب‬ ‫اتفاقية سايكس بيكو املشؤومة يف أوائل القرن‬ ‫املنصرم الذي كرس ووسع التجزئة‪ ،‬لتلحق جزءا‬ ‫ثالثا منها بالعراق والرابع بسوريا‪ ،‬وما رافقهما‬ ‫من تبعات مأساوية على خمتلف أصعدة احلياة‬ ‫الكوردية وأمهها كارثة اتباع سياسات الترتيك‬ ‫والتفريس والتعريب‪ ،‬عرب العقوبات الشديدة ملن‬ ‫يتحدث وميارس طقوس ِ‬ ‫عاداته القومية الكوردية‪،‬‬ ‫وتصل العقوبة لإلعدام‪ .‬وسياسة األرض احملروقة‬ ‫ألي مجاعة تطالب حبق تقرير املصري‪ ،‬وما إعدام‬ ‫الشيخ سعيد برياين والقاضي حممد وإبادة البارزانيني‬ ‫وقامسلو ومقاصل الشباب الكورد حىت هذا اليوم‬ ‫يف إيران وغريها‪ ،‬إال مناذج لتعرضنا هللوكوستات‬ ‫كانت كلها الدافع االضطراري لشعبنا الكوردي‬ ‫للعيش حبالة النضال والكفاح الوطين اليومي‬ ‫ليدفع املوت عن ِ‬ ‫نفسه أوآل وحيمي خصوصيته‬ ‫القومية ثانيآ‪ ،‬واليت تتكفل كل القوانني والشرائع‬ ‫السماوية والدنيوية الوضعية بصوهنا ومحايتها من‬ ‫األعمال االنصهارية الشوفينية‪ ،‬ولكنها رغم ذلك‬ ‫مل جتد قوى إقليمية أو دولية ملساندهتا يف احلفاظ‬ ‫على وجودها التارخيي‪.‬‬ ‫مل ولن تستطيع أية قوة يف العامل قهرنا والنيل من‬ ‫ثوابتنا مهما صغرت أو كربت‪ ،‬وقد برهن شعبنا‬ ‫يف اإلقليم اجلنويب احملرر من كردستان منذ ‪1991‬‬ ‫شعب حر ودميقراطي حضاري وجتربتهم يف‬ ‫أهنم ٌ‬ ‫النهضة العمرانية والثقافية وإدارة احلكم حيتذى‬ ‫هبا يف كل الشرق األوسط ‪.‬‬ ‫هذه املنطقة اليت تتميز خبارطة جيوسياسية‬ ‫اسرتاتيجية لالستقرار العاملي‪ ،‬بدأت مالمح‬ ‫هنضتها اجلديدة تتشكل بإرادة شعوهبا احلرِة هذه‬ ‫املرة‪ ،‬عرب انضمامها للربيع العريب كما يسميها‬ ‫البعض نرى أن األصح ربيع احلرية اليت تطمح‬ ‫لتحطيم هياكل الدكتاتوريات اإلرهابية املتسلطة‬ ‫وبناء ورسم مستقبلنا وفق إرادتنا احلرة‪ ،‬وشعبنا‬ ‫الكوردي السوري الذي التحق بالثورة السورية‬ ‫العظيمة منذ يومها األول جزء من هذا‪ ،‬ويراها‬ ‫ِ‬ ‫النتفاضته الشاخمة يوم ‪ 12‬آذار‪2004‬‬ ‫إمتاما‬

‫‪43‬‬ ‫سليمان كرو‬

‫خاص حنطة‬ ‫حيث قدم الشهداء والتضحيات وما يزال‪ ،‬حىت‬ ‫حترير الوطن من حكم الطغمة البعثية األسدية‬ ‫وأتباعهما من العصابات اإلجرامية التكفريية‬ ‫كداعش وغريها من امليليشيات اليت حتارب‬ ‫أهداف الثورة يف بناء سوريا حرة دميقراطية‬ ‫عادلة المركزية لكل السوريني‪ ،‬الذين اصطدموا‬ ‫بتكالب كل القوى اإلقليمية والدولية جلعل‬ ‫سوريا ساحة لتصفية صراعاهتا الوحشية أو نقطة‬ ‫انطالق ملصاحلهم اخلاصة‪ ،‬وذلك إما عرب دعم‬ ‫النظام بكل الوسائل وبشكل مباشر كروسيا‬ ‫والصني وإيران وحلفائهم لدميومة اإلرهاب‬ ‫األسدي‪ ،‬أوبالسكوت املشني من أمريكا والغرب‬ ‫وحلفائهما يف تركيا واخلليج العريب‪ ،‬الذين دعموا‬ ‫القوى والشخصيات املعارضة املنفذة ملصاحلها‬ ‫وليس املصلحة الوطنية السورية اليت أصبحت‬ ‫بوصلتها السياسية تتجه حنو جنيف‪ 2‬كأمل‬ ‫أخري لوقف النزيف الدامي واحلفاظ على الوحدة‬ ‫اجلغرافية الراهنة اليت ال نراها صامدة للسببني‬ ‫التاليني‪:‬‬ ‫أوال الصعوبات اليت باتت تواجه مسألة العيش‬ ‫املشرتك بني السنة والعلويني‪ ،‬وبني املسلمني‬ ‫واملسيحيني‪ ،‬وبني الكورد والعرب‪ ،‬الصعوبات‬ ‫اليت زرعها اإلرهاب األسدي والعصابات‬ ‫التكفريية ومنتها قوى املعارضات املختلفة يف‬ ‫مواقفها السياسية الرافضة للنظام الفيدرايل يف‬ ‫سوريا الغد‪.‬‬ ‫والسبب الثاين يتجسد يف رغبة اإلرادة الدولية‬ ‫بالنظر لسوريا كعمود فقري لبناء الشرق األوسط‬ ‫اجلديد الذي حيتم عليها االستقرار الشامل‪.‬‬ ‫وأوىل مقوماته إهناء الصراعات العرقية والدينية‬

‫عرب نيل كل مكون حلقوقه اإلنسانية والقومية‬ ‫وفق مبادئ حقوق تقرير املصري للشعوب املعرتف‬ ‫هبا من قبل كافة اهليئات التابعة لألمم املتحدة‪،‬‬ ‫والذي يعين عمليآ رسم خارطة جغرافية جديدة‬ ‫للمنطقة عامة ‪.‬‬ ‫وهنا يأيت ما يهم قضيتنا الكردية‪.‬‬ ‫إذا مل ندرك أمهية استثمار حيثيات هذه املرحلة‬ ‫احلساسة والفرصة التارخيية املناسبة يف نيل‬ ‫حقوقنا القومية يف النظام الفيدرايل‪ ،‬فسنكون‬ ‫أمام لوزان جديد‪ .‬وهنا أناشد األخ مسعود‬ ‫البارزاين األب الروحي لألمة الكوردية بأن يشكل‬ ‫إقليم كردستان سوريا (روج آفا) الشريان النابض‬ ‫حلياة اجلنوب احلر من وطننا عرب امتداده للبحر‬ ‫املتوسط من خالل حدود منطقة عفرين وجبل‬ ‫ِ‬ ‫حدوده الكبرية مع مشال‬ ‫األكراد‪ ،‬ناهيك عن‬ ‫كردستان‪ ،‬وبالتايل عليك أيها البارزاين املناضل‬ ‫حتمل مسؤوليتك التارخيية يف عدم ترك املفتاح‬ ‫الكوردي السوري بأيدي هواة السياسة‪ ،‬مما‬ ‫يسمون بزعماء احلركة الكردية يف سوريا‪ ،‬الذين‬ ‫أثبتوا تكرار فشلهم السياسي الذريع منذ أيام يف‬ ‫حوارات هولري‪ 2‬بعدم قدرهتم حىت على إبداء‬ ‫موقف سياسي واحد سواء بدعم ثورتنا السورية‬ ‫أو كيفية تشكيل سلطة إلدارة املناطق الكردية‪،‬‬ ‫كما ينبغي احلزم مواجهة قتل الكرد واملتاجرة‬ ‫بالقضية لتنفيذ أجندات أعداء الشعبنا الكردي‬ ‫الذي يرنو إلخو ِ‬ ‫انه يف املنطقة لبناء احتاد شرق‬ ‫أوسطي جديد ترفرف ِ‬ ‫فيه راية السالم بني‬ ‫الشعوب عاليآ‪ ،‬لنكون حقاً أمام لوحة فسيفساء‬ ‫مجيلة وحضارة إنسانية شرقية دميقراطية وأصيلة‪.‬‬


‫‪44‬‬

‫حنطة بلدية‬

‫«مشان إدعسلك عليه»‬ ‫ٍ‬ ‫يفتح الباب بشبه‬ ‫«رفسة»‪ ،‬و يدخلون دفعةً‬ ‫واحد ًة بطريقتهم االستعراضيّة املسرحيّة‪ ،‬يتقدمهم‬ ‫أضخمهم‪ ،‬وينتشرون يف أحناء القاعة اإلمتحانيّة‪.‬‬ ‫تفتيش!‪.‬‬‫هباملادة‪.‬‬ ‫أففف ‪ ..‬رابع تفتيش ّ‬‫تظن للوهلة األوىل أنهّ م من ّقوات احلرس‬ ‫ّ‬ ‫اجلمهوري‪ ،‬الذين يتميّزون بأناقتهم الشديدة‪ ،‬و‬ ‫ائيلي‬ ‫بزاهتم املبتذلة وكرافاهتم‪ ،‬و سالحهم اإلسر ّ‬ ‫القصري‪ ،‬ووقاحتهم!‬ ‫يع جدي ٌد يف اجلامعات و هو‬ ‫كان قد ُس ّن تشر ٌ‬ ‫منع إدخال اهلواتف ال�نّّقالة حتىّ ولو كانت مغلقةً‬ ‫ِ‬ ‫املكافحة‬ ‫إىل قاعات اإلمتحان‪ ،‬وكان إسلوب‬ ‫القسري‬ ‫بدائيّاً يعتمد على التّفتيش املفاجئ‪ ،‬و‬ ‫ّ‬ ‫يتم تركيب أجهزة التشويش‪ ،..‬يف‬ ‫أحياناً ريثما ّ‬ ‫ٍ‬ ‫تفتيش طالت قاعتنا‪،‬‬ ‫ذلك اليوم أربع محالت‬ ‫وكانت ال ّدوريّة مؤلفةً من عميد الكليّة‪ ،‬وهو‬ ‫دكتور برتبة بروفيسور‪ ،‬و نائبيه‪ ،‬و ثالثة من‬ ‫عناصر األمن اجلامعي‪ ،‬ويتق ّدمهم الضخم الذي‬ ‫يُطلق عليه لقب دكتور أيضاً‪ ،‬ولكنيّ مل أعرف‬ ‫مهمته يف اجلامعة‪ ،‬حيث كنت أراه‬ ‫يوماً ما هي ّ‬ ‫اجلامعي‪ ،‬أو‬ ‫التمرد‬ ‫فقط يف حاالت الشغب و ّ‬ ‫ّ‬ ‫التمرد الثّوري كما ذاك اليوم‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫كان ضخم اجلثّة بطر ٍ‬ ‫يقة غريبة‪ ،‬ويرتدي دائم ًا‬ ‫(ترانشكوت) طويالً وحذاءً ضخماً‪ ،‬وحيمل فوق‬ ‫فمة شاربني أمحرين يغطيان شفته العليا على‬ ‫شكل خيمة‪ ،‬وكما الصرصار يرتعش شارباه‬ ‫عندما يتوتّر‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫يداه عمالقتان بطريقة كاريكاتوريّة‪ ،‬آه‪ ،‬اآلن‬ ‫عرفت ملاذا ظننت أن الباب قد فُتح برفسة!‪.‬‬ ‫(دكتور بعد إذنك ما فينا عم نكتب‪ ،‬و املادة‬‫صعبة وعم توترونا)‪.‬‬ ‫فجرت كلمتها يف القاعة صمتاً خميفاً طويالً‪،‬‬ ‫ميت ّد ألربعة ٍ‬ ‫عقود سابقة‪ ..‬أربعني عاماً بأيامها‬ ‫و ساعاهتا و لياليها املظلمة‪ ،‬املمت ّدة إىل أجمد‬ ‫احلركات االنقالبيّة التّصحيحيّة‪ ،‬صمتاً ال يعرف‬ ‫السنني‬ ‫شرحه إال سجون حوت عرب عشرات ّ‬ ‫حلظات طويلة‪ ..‬ما‬ ‫رجاالً تنحين هلم اهلامات‪..‬‬ ‫ٌ‬ ‫الذي سيحدث‪ ..‬هل سيعتقلون اجلميع؟‬ ‫الربوفيسور عميد الكلية يضع يديه خلف ظهره ‪،‬‬

‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫علي صدر الدين حمودي‬

‫الزاوية‪ ،‬مثّ فجأة يقطع صمته‬ ‫وعيناه شاردتان يف ّ‬ ‫ويقول‪:‬‬ ‫بنيت هايت دفرتك اإلمتحاين‪..‬‬‫ليش؟‬‫لربة !‬ ‫سلمي دفرتك وتفضلي طلعي ّ‬‫دكتور مو معقول تسحبلي دفرتي‪ .‬شو حكيت‬‫أنا‪ .‬مافينا عم نركز‪ .‬ما حدا قادر يكتب‪..‬‬ ‫بسرعة!‬‫ليش دكتور‪ ..‬كلشي طلبتو شويّة هدوء!‪.‬‬‫جل رغبتها كانت شوية‬ ‫ياااااه‪ .‬شويّة هدوء‪ُّ ..‬‬ ‫أقل حقوقها االمتحانية ‪ ..‬شويّة هدوء‬ ‫هدوء‪ّ ..‬‬ ‫باالمتحان‪..‬‬ ‫دكتور كلشي طلبتو شويّة هدوء‪..‬‬‫طيب الظّاهر إنيت ما بتفهمي باحلكي‪ ...‬هايت‬‫دفرت‪ ،‬و بطاقتك‪ ،‬واحلقيين على مكتيب‪.‬‬ ‫كنّا نتابع األحداث و حنن مذهولون من انتحارها‬ ‫املفاجئ‪( ،‬احلقيين على مكتيب) تعين عقوبة‬ ‫الفصل اليت تصل إىل أربع دورات امتحانية أو‬ ‫الفصل النّهائي‪ ،‬و كان من الالفت للنّظر مرافقة‬ ‫عميد الكليّة‪ ،‬حيث كانوا كالتّماثيل وراءه ال‬ ‫تبدو عليهم أيّة مالمح من أي نوع ‪ ،‬مل يتحرك‬ ‫الصورة إال شاربَا ال ّدكتور (احلمريوين)‪..‬‬ ‫يف ّ‬ ‫دكتور أرجوك‪..‬‬‫(صارخا) احلقيين على مكتيب عم قلك!‪.‬‬‫طيب ليش؟‬‫هالروح‬ ‫رح قلّك ليش‪ ،‬مشان علمك كيف ّ‬‫الثّوريّة‪ ،‬والبطولة عندك‪ ،‬وغريتك على املصلحة‬ ‫مرة تانية‪ ..‬هاحلس الثّوري‬ ‫ّ‬ ‫العامة‪ ،‬ما تظهر ّ‬ ‫اجلميل تبعك؛ احلقيين على مكتيب مشان‬ ‫إدعسلك عليه‪..‬‬ ‫و أقسم بكل ما مر على البشرية من أديانٍ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫وآهلة و ٍ‬ ‫ومعتقدات ومذاهب ومدارس ٍ‬ ‫كهنة وأنبياء‬ ‫وأولياء ومباركني ومعاقني ومسؤولني وانتهازيني‬ ‫ومتسلقني‪ ،‬أن هذه اجلملة اليت قاهلا الربوفيسور‬ ‫ختتصر أغرب إجنا ٍز ماسوينٍّ ظهر على العقود‬ ‫األخرية حتت اسم البعث ‪.‬‬ ‫«البعث» ذلك التاريخ القذر‪( ..‬مسح ال ّذاكرة)‬ ‫هو املصطلح الوحيد الذي يعرب عن سياسة حزب‬ ‫الشعوب «العربيّة» بأكملها‪ .‬وشعاره‬ ‫البعث ض ّد ّ‬

‫األمة‬ ‫بوحدة األمة وعروبتها‪ ،‬ال يعين إال جعل ّ‬ ‫خادمةّ صهيونيّة أمريكيّة رخيصة‪.‬‬ ‫مرًة‪ :‬أنتم أبناء‬ ‫السياسيني العتاق ّ‬ ‫قال يل أحد ّ‬ ‫التزمت يف الثّورة هو نتاج البعث‪،‬‬ ‫البعث‪ ..‬هذا ّ‬ ‫«عمي»‪ ،‬حنن نعلم أن البعث‬ ‫حنن ال نلومكم ّ‬ ‫من ربّاكم‪ ..‬ولكنّه مل يحُ سن تربيتكم ‪ ،‬فكان‬ ‫خطؤه بثورة‪ ..‬هه!‬ ‫نعم‪ ..‬البعث من ربّانا‪ ،‬و حنن أبناؤه العاقّون‪ .‬مل‬ ‫أكن أعلم أن مثّة فكراً آخر على سطح كوكبنا‬ ‫غري البعث‪ ،‬فنحن ولدنا عليه‪ ،‬و بقينا عليه‪،‬‬ ‫يصح‬ ‫كأنمّ ا تولد يف ال ّدنيا ولك وال ٌد واحد‪ ،‬وال ُّ‬ ‫أن يكون أكثر‪ ،‬وفجأ ًة تكتشف أنه ال َّ‬ ‫بد من‬ ‫ٍ‬ ‫كل‬ ‫وجود والد آخر لك‪ ،‬فالبعث حييط بك من ّ‬ ‫جانب‪ ،‬فإذا دخلت املدرسةً‪ ،‬فهذا يعين أنك‬ ‫دخلت مرحلة طالئع البعث‪ ،‬مث شبيبة البعث مث‬ ‫نصري البعث مث العضو العامل يف البعث مث شهيد‬ ‫الزواج و الطّالق ويف احلياة و املمات‪،‬‬ ‫البعث‪ ..‬يف ّ‬ ‫ش‬ ‫مشر ٌ‬ ‫يف مناسبات الكرامة و الطّهور‪ ..‬البعث ّ‬ ‫فينا‪ ،‬فهو احلزب القائد‪ ،‬وله مدارس و شوارع‬ ‫و أبنية احلزب القائد‪ ،‬ومقرات احلزب القائد‪،‬‬ ‫ومعتقالت احلزب القائد‪ ،‬وعلكة احلزب القائد‪،‬‬ ‫و فوط احلزب القائد‪ ..‬باألجنحة!‪ ..‬تصفيق‪..‬‬ ‫تصفيق‪ ..‬بناء املبادئ على الوهم والقضايا الومهيّة‬ ‫وصنعت‬ ‫اليت قُبض مثنها يف سويسرا وتل أبيب‪ُ ،‬‬ ‫أعالمها كرافات و مظّالت‪ ..‬تصفيق‪ ..‬أعياد‬ ‫ات حنتفل‬ ‫وطنيّة ال أساس هلا‪ ..‬تصفيق‪ ..‬انتصار ٌ‬ ‫هتافات‪..‬‬ ‫العدو سويّاً‪ ..‬تصفيق‪..‬‬ ‫ٌ‬ ‫بإجنازها مع ّ‬ ‫شعارات‪ ..‬تصفيق‪ ..‬جبهات القتال واألبطال‬ ‫وأبو طقم الليموين‪ ..‬تصفيق‪ ..‬تصفيق‪..‬‬ ‫بكل ما على األرض من‬ ‫فكر ٌّ‬ ‫تبّاً للعامل‪ٌ ..‬‬ ‫قمعي ّ‬ ‫بكل ما على األرض من قذارة‪.‬‬ ‫قمع‪ٌّ ،‬‬ ‫قمعي ّ‬


‫العدد ‪13‬‬

‫كانون الثاني ‪ 2014‬حنطة بلدية‬

‫برميل الذئبة المعدنية‬ ‫يف البداية‪ ،‬سرتتاب من الصوت‪ ،‬وختشى أن‬ ‫يكو َن هو ذاتهُ الصوت املدرج لديك يف قائمة‬ ‫اخلوف واالرتياب ُح ّقان مشروعان‪ ،‬ألن‬ ‫العار‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫من يقرأ ذلك الصوت مكتوباً على شكل نوتة‬ ‫خارج سوريا‪ ،‬ليس كمن يسمعهُ معزوفاً هبيلوكوبرت‬ ‫كل يوم يف مسائها‪ .‬هلذا ينبغي اإلسراع بالتحقق‬ ‫منهُ بني األصوات املك ّدسة داخل رأسك‪.‬‬ ‫جيب أن تُزيح صوت الدراجة النارية حاالً من‬ ‫أمام بوق السيارة‪ ،‬وترفع جلبة الناس يف اخلارج‬ ‫بعيداً عن مواء القطة‪َ ،‬ح ِذراً أشد احلذر من‬ ‫اختالط دقات قلبك الراجفة مع دقات‬ ‫الساعة‪ ،‬وحاملا تستوثق أنه هو‪ ،‬سينخفض تلقائياً‬ ‫منسوب األمل بنسبة أربعني يف املئة‪ ،‬وترتفع نسبة‬ ‫األدرينالني يف الدم مبعدل أقل مما لو كان الصوت‬ ‫احلوامة‬ ‫مصدرهُ طائرة ميغ أو سيخوي‪ ،‬فصوت ّ‬ ‫قبل الثورة حيادي وال شيء غري ذلك‪ ،‬لكنه بعد‬ ‫الثورة أشبه مبسمار يثقب الرأس من الداخل إىل‬ ‫اخلارج كأي فكرة مريعة ختطر على بال إنسان‪.‬‬ ‫من اإلنصاف القول إنه الصوت الوحيد يف‬ ‫حرب اإلبادة هذه‪ ،‬الذي مينحك فرصة الوصول‬ ‫للباب اخلارجي مث الشارع‪ ،‬بينما امليغ والسيخوي‬ ‫متنعانك حىت من التباهي بأن لك رأسا يف‬ ‫األصل‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫أنت اآلن يف الشارع بال زمن‪� ،‬تَْقلب الغيوم‬ ‫والسماء رأساً على عقب كي تراها‪ ،‬فعيون الناس‬

‫‪45‬‬

‫وائل زكي زيدان‬

‫لن تساعدك بأكثر من حتديد اجلهة‪ .‬أما الذئبة‬ ‫املعدنية اليت تعوي يف السماء فلن يكتشف‬ ‫مسعك وبصرك السليمان‪.‬‬ ‫موقعها إال َ‬ ‫يتألف السوريون عادة يف مثل هذه احلاالت من‬ ‫حلم ودم ورهبة‪ ،‬بينما تتألف احلوامة‪ ،‬من فوالذ‬ ‫احلوامة عدة مرات قبل دخول اجملال‬ ‫وقتلة‪ .‬تدور ّ‬ ‫املستضعفة عمداً بقصد انتظار‬ ‫اجلوي للمدينة ُ‬ ‫العزل يف املدينة املكشوفة‪.‬‬ ‫أكرب جتمع للضحايا ّ‬ ‫« عجوز يتوسل أن ال يتجمهر أحد أمام منزله»‪.‬‬ ‫«أم تفشل بتهدئة صغارها الفزعني»‪.‬‬ ‫«أخرى توبخ ابنها الشاب ألنه عاد من لبنان»‪..‬‬ ‫« أخت تسأل عن أخيها الصغري‪»..‬‬ ‫اجلميع حي ّذر اجلميع من الوقوف وسط الشارع‬ ‫على أمل أن تشطبه الطائرة هو وعائلته من‬ ‫حساباهتا‪ .‬احلوامة تدور والناس يلوذون باجلدران‪.‬‬ ‫من أمجل الصيحات يف العامل تلك اللحظة‪:‬‬ ‫«راحت‪ !..‬راحت!»‪ ،‬وأسوء خرب‪« :‬صارت‬ ‫فوقنا»‪. .‬‬ ‫الربميل الذي سيُلقى على الناس بعد قليل‪ ،‬اسم‬ ‫فلوكلوري وشعيب أطلقه الناس أنفسهم‪.‬‬ ‫على قنبلة ضخمة ِزنتها حويل ربع طن‪ ،‬تستطيع‬ ‫أن تدمر أكثر من بيت مؤلف من طابقني‪،‬‬ ‫وتسحقها بشكل كامل على رؤوس قاطنيها‪.‬‬ ‫مل يعد تدمري املنزل الشخصي يف سوريا من‬

‫األمور اليت يصعب تقبّلها‪ ،‬فالسوري ينظر اليوم‬ ‫إىل أنقاض منزله بسعادة الذي مل يكن بالصدفة‬ ‫موجوداً فيه‪.‬‬ ‫«شل َفت‪!..‬‬ ‫عندما تسمع صيحات الناس َ‬ ‫َشلفت!»‪ ،‬جيب وخالل ثوان أن جتري بعض‬ ‫احلسابات اهلندسية والفيزيائية كي تستنتج ‪ ،‬هل‬ ‫من احلكمة الدخول للبيت أم الركض واالبتعاد‬ ‫عنه قدر املستطاع؟ وحده فيثاغورس ميكنه إجراء‬ ‫مثل هذه احلسابات‪ ،‬صفري الربميل امللقى من‬ ‫السماء يرغمك على إغماض عينيك مباشرة‪،‬‬ ‫والعجيب أنه حىت لو كانتا نصف مفتوحتني‬ ‫فإنك لن ترى أحداً ممن يلتصق بك‪ ،‬وستتبخر‬ ‫اجلدران واألشياء وتفقد إحساسك جبسدك‪،‬‬ ‫ال أفكار وال مشاعر‪ ،‬وتصبح عالقتك بكل‬ ‫ما حييط بك خالية من املعىن‪ .‬يف هذه اللحظة‬ ‫بالذات‪ ،‬أنت من أكثر األرواح وحدة يف هذا‬ ‫الكون‪ ،‬وهو موقف ال حيسدك عليه سوى شيوخ‬ ‫الصوفية يف العصر اململوكي‪.‬‬ ‫إن صوت انفجاره اهلائل على مسافة قريبة منك‬ ‫لن يكون هو اخلامتة‪ ،‬ألن املدافع من حواجزالنظام‬ ‫القريبة ستبدأ بالعمل‪ ،‬وهكذا تنتهي دائماً قصة‬ ‫صوت احلوامة‪ ،‬لتبدأ ملحمة املدفعية‪.‬‬


‫‪46‬‬

‫حنطة بلدية‬

‫الحارس‪ ،‬الذئب‪ ،‬وشيء ليس الحنين‬ ‫‪ -1‬الحارس‪:‬‬ ‫جيب على أحدهم أال ينام حني تنام املدينة‪ ,‬ال‬ ‫بد من حارس للحرام‪.‬‬ ‫لعل موظفاً متعباً يرغب أن يتعاطى شيئاً ويلمس‬ ‫َّ‬ ‫صدراً غري امرأته‪ ,‬لعل هناك من ضيّع درب‬ ‫اخلمارة يف آخر الشارع‪ ,‬لعل لصاً يريد أن يلتفت‬ ‫لرزقه‪ ,‬لعل جمنوناً يريد أن يتعرى أمام شبابيك‬ ‫الطالبات‪.‬‬ ‫لعل أحداً من هؤالء سينظر من الشباك‪ ,‬ولعله‬ ‫كجندي يف حصار‪.‬‬ ‫يراين فيمتلئ قلبه بالعزمية‬ ‫ٍّ‬ ‫كلهم دواجن‪ ,‬هل ترى كل هذه املدينة؟ كلهم‬ ‫فراخ يف مدجنة‪ ,‬إال من حترس أنت احلياة من‬ ‫أجلهم يف العتمة والربد‪..‬‬ ‫كلهم حيلمون نعم‪ ,‬لكن كلهم يكذب أحالمه‪.‬‬ ‫حيلمون بأن يشتهوا مثلك السرير واحلالل بينما‬ ‫هم يسكرون يف العتمة واملدى املهتوك‪ ,‬حيلمون‬ ‫بأن يكونوا أقوياء على الوحشة‪ ,‬حيلمون ببريتك‬ ‫وصراخك‪ ,‬وحيلمون بأن يقولوا للشرطي حني‬ ‫سألك ماذا تفعل هنا‪:‬‬ ‫«أحرس احلرام»‪..‬‬ ‫‪ -2‬الذئب‬ ‫حمسوبك ذئب ابن رصيف‪ .‬هذا الذئب الذي‬ ‫ِ‬ ‫املسافات حىت وصل‬ ‫لىب نداءك يوماً‪ ,‬وطوى‬ ‫ِ‬ ‫إليك وأعمل أنفه املتعب يف شعرك املدلَّل‪ ,‬هو‬ ‫من صناعة الرصيف يا حلوة‪ ,‬وعلى بطاقته‬ ‫ٍ‬ ‫اسم‬ ‫الشخصية صورة جلثة قطة جبانب احلاوية‪ ,‬و ٌ‬ ‫ممحو بغبار البناء‪.‬‬ ‫ٌّ‬ ‫أذكر وأنا أمس زندك األبيض‪ ,‬أن رصيفاً مكوي ًا‬ ‫بالشمس وزيت السيارات وفضالت الكالب يف‬ ‫القاهرة‪ ,‬أمنين أن أحكي عنه قليالً إذا مسست‬ ‫زنداً أبيض‪.‬‬ ‫ال حيلم الرصيف باحلقول وال حيسد الشجر‪,‬‬ ‫هو ليس هبذه السذاجة‪ ,‬إنه حيلم برؤية امر ٍأة‬ ‫عارية وحيسد جدران غرف النوم‪ ,‬ال يعد النجوم‬ ‫وصراصري الليل يف السهرة‪ ,‬بل كم جنساً حيصل‬ ‫يف املدينة اآلن‪ ,‬وإىل أي صد ٍر أوت كل عينني‬ ‫محراوين مرتا من هنا أول الليل‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫حني أخربتصديقي الرصيف أنين من قرية عدد‬ ‫سكاهنا بعدد سكانه يف التاسعة صباحاً بكى‪,‬‬ ‫وعندما قلت له إن أرصفة طرطوس يغسلها املطر‬

‫العدد ‪13‬‬ ‫خضر سلمان‬

‫ومتر عليها رياح املرافئ البعيدة أشعل سيجارةً‬ ‫وغيرَّ احلديث بكربياء اجملروح‪ ,‬مكسوراًكيتي ٍم بني‬ ‫ٍ‬ ‫شهيد يف درس الرتبية‬ ‫أمهات اآلخرين‪ ,‬كابن‬ ‫القومية‪.‬‬ ‫وع ُّد اجلنس‬ ‫وعلمين أشياء كثرية‪ ,‬رهافة السمع َ‬ ‫يف املدينة‪.‬‬ ‫األسرة من بعيد‪ .‬يب‬ ‫لقد‬ ‫عددت أصوات اهتزاز َّ‬ ‫ُ‬ ‫منه الرهافة‪ ,‬يب من األرصفة مثل ما بك من‬ ‫ٍ‬ ‫رصيف كما حواسك‬ ‫الورد‪ ,‬وحواسي حواس‬ ‫باب مرت ٍ‬ ‫اس ٍ‬ ‫ف يف دمشق القدمية‪ ,‬لكن‬ ‫حو ُّ‬ ‫َ‬ ‫موهبيت وليدة الضرورة‪ ,‬حاجة البقاء‪ ,‬ورهافتك‬ ‫هي البنة التاجر اليت تستحم بالعسل‪.‬‬ ‫علي‬ ‫املهم‪ ,‬قال يل‪ :‬سلم عليها وقل هلا أن متر َّ‬ ‫عارية‪.‬‬ ‫عليك‪ ,‬ويقول ِ‬ ‫الرصيف يسلم ِ‬ ‫لك ُمري عليه‬ ‫عاريةً‪..‬‬ ‫‪ -3‬شيء ليس الحنين‪:‬‬ ‫أكره احلنني‪ ,‬لكنين أحب هذا املأوى من‬ ‫التفاصيل‪ ,‬الذي مير ببايل‪ ,‬يلفين كدرٍع أو‬ ‫كمعطف‬ ‫كلما صخبت حويل املدن الكبرية‬ ‫هيت لك أيتها الذكريات‪..‬‬ ‫مل ال‪ ,‬وفراشي بارد وال بنات هنا‪ ,‬واملطر يف‬ ‫مرسني يشبه املطر يف طرطوس‪ ,‬وال خوف علي‬ ‫من اجلنون‪ ,‬وأنا أعيش يف قلبه‪ ,‬مل ال؟‬ ‫أذكر أنه يوم قرر اجلنون أن يتوب‬ ‫صببت له كأساً وتركته مع راقصة سكرانة‪,‬‬ ‫ودفعت عنه احلساب ببسالة صديق السوء‬ ‫أذكر أنه عندما قرر أن يرمي السالح‬ ‫شددته من أذنه‬ ‫وأعطيته درساً يف اجلنون‬ ‫مل ال‪ ,‬أمطري أيتها الذكريات‬ ‫مطر مرسني مل يشبه مطر طرطوس عبثاً‪..‬‬ ‫مل أحب الذهاب إىل شغل الزيتون يوماً‪ ,‬لكن‬ ‫الزيتون حيبين‪ .‬هذا حمرج‬ ‫يف الشوارع الغريبة‪ ,‬كثرياً ما يرمي على قليب‬ ‫رائحته األليفة‬ ‫كلما تبعين لص مسلح أو دخلت يف حارة‬ ‫سوداء‬ ‫ويقول يل تشجع فهذا العامل أوهن مما يبدو عليه‬

‫كانون الثاني ‪2014‬‬

‫ويقول يل أن ِ‬ ‫أحبك بعرقك‬ ‫السنة ما يف موسم‪ ,‬كان اهلل يف عون أيب‬ ‫ختيلي أن مير عليك عام بال موسم‬ ‫زغب على ظهرك‬ ‫وال يطلع ٌ‬ ‫وال يكرب صدرك‪..‬‬ ‫مع أهنا متطر‪..‬‬ ‫كان اهلل يف عون أيب‬ ‫أيب اآلن يرقب الشتاء من النافذة‬ ‫ويذرف على كل زيتونة مل يقطفها دمعة‬ ‫ويشكر اهلل على احلرمان‬ ‫كأي فالح طافح باليقني‪..‬‬ ‫أحياناً أفكر‪ ,‬لو مل أولد على البحر كان ليحتاج‬ ‫األمر قيصرية‪ ,‬ألن أمي مل تعرف السهولة منذ‬ ‫صرخيت األوىل‬ ‫لكن البحر يساعد النساء حني حيملن غرباء‬ ‫ويساعد الغرباء يف محل النساء أيضاً‬ ‫جريب أن تقفزي يف اهلواء وانظري كيف تلتقطك‬ ‫ذراعاي‬ ‫ٍ‬ ‫بثقة واعتياد‪ ,‬حىت أنين ال أنسى أن أملس صدرك‬ ‫بالغلط‬ ‫جريب أن تقفزي يف البحر وانظري كيف تلتقطك‬ ‫ذراعاه‬ ‫بثقة واعتياد‪ ,‬حىت أنه ال ينسى أن يغتصبكِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يقتلك‪ ,‬يبعثك‪ ,‬يبكي على‬ ‫يعتصرك‪,‬‬ ‫بالغلط‪,‬‬ ‫ِ‬ ‫قدميك‬ ‫وي ِ‬ ‫بكيك على كل ما مضى‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫البحر عبقري أناينٌّ ونزق‪ ,‬عندما فتح عينيه على‬ ‫العوامل ظن أن كل هؤالء النساء له‪ ,‬فابتلع نصف‬ ‫اليابسة واستعد مبا ترين من العواصف واخلطر‬ ‫واجلمال‬ ‫وها هو‬ ‫ال يدري أين يذهب بكل هذا املزاج العايل‬ ‫وكيف حيتال على بنطاله املنتفخ إىل األبد‬ ‫وها هو‬ ‫كلما عادت موجةٌ فارغة اليدين‬ ‫يلعن من كان السبب‬ ‫مع أن أحداً مل خيدعه‬ ‫هذا الصديق القدمي‬ ‫هذا األناين الذي ال يطاق‬ ‫الذي يعربد يف شتاء طرطوس اآلن‬ ‫بدوين‬


Hentah