Page 1


‫رسائل السالم‬ ‫(‪)8‬‬

‫أكوان اهلل‬ ‫القراءة العرفانية للكون برؤية قرآنية‬ ‫د‪ .‬نور الدين أبو لحية‬ ‫الطبعة الثانية‬ ‫‪5162 – 6341‬‬

‫دار األنوار للنشر والتوزيع‬



‫فهرس المحتويات‬

‫المقدمة‬

‫‪5‬‬

‫أوال ـ الكون الحي‬

‫‪9‬‬

‫‪ 1‬ـ اإلدراك‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ 1‬ـ المشاعر‪:‬‬

‫‪15‬‬

‫الخشوع‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫الغضب‪:‬‬

‫‪19‬‬

‫الشفقة‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫الرحمة‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫التعظيم‪:‬‬

‫‪11‬‬

‫‪ 3‬ـ التعبير‬

‫‪19‬‬

‫‪ 4‬ـ التحضر‪:‬‬

‫‪45‬‬

‫التنظيم‪:‬‬

‫‪41‬‬

‫العمران‪:‬‬

‫‪44‬‬

‫األخالق‪:‬‬

‫‪54‬‬

‫ثانيا ـ الكون العابد‬

‫‪07‬‬

‫‪ 1‬ـ القنوت ‪:‬‬

‫‪01‬‬

‫‪2‬‬


‫‪ 1‬ـ السجود‪:‬‬

‫‪47‬‬

‫‪ 3‬ـ التسبيح‪:‬‬

‫‪40‬‬

‫‪ 4‬ـ الدعاء‪:‬‬

‫‪115‬‬ ‫‪119‬‬

‫ثالثا ـ الكون المسخر‬ ‫‪ 1‬ـ الربانية‪:‬‬

‫‪117‬‬

‫الملكية‪:‬‬

‫‪111‬‬

‫التدبير‪:‬‬

‫‪134‬‬

‫‪ 1‬ـ السالم‪:‬‬

‫‪141‬‬

‫‪ 3‬ـ الحكمة‪:‬‬

‫‪110‬‬

‫الجمال‪:‬‬

‫‪107‬‬

‫التنوع‪:‬‬

‫‪104‬‬

‫تنوع األحياء‪:‬‬

‫‪101‬‬

‫تنوع األلوان‪:‬‬

‫‪144‬‬

‫التوازن‪:‬‬

‫‪149‬‬

‫االنتفاع‪:‬‬

‫‪191‬‬

‫‪ 4‬ـ الطهارة ‪:‬‬

‫‪177‬‬

‫رابعا ـ الكون المقروء‬

‫‪171‬‬ ‫‪174‬‬

‫‪ 1‬ـ الفناء‪:‬‬

‫‪3‬‬


‫‪ 1‬ـ البقاء‪:‬‬

‫‪111‬‬

‫‪ 3‬ـ القراءة‪:‬‬

‫‪113‬‬

‫‪ 4‬ـ اليقين‪:‬‬

‫‪153‬‬

‫‪4‬‬


‫المقدمة‬ ‫من مظاهر الصراع التي أفرزتها غفلة اإلنسان وكبرياؤه‪ :‬الصراع مع الكون‪..‬‬ ‫مع السماء واألرض‪ ..‬والنبات والحيوان‪ ..‬والرياح واألمطار‪ ..‬وكل األشياء‪.‬‬ ‫وهذا الصراع يكتسي لبوسا مختلفة‪ ،‬ويتوزع على مظاهر متنوعة‪ ،‬ولكن‬ ‫األساس في جميعها واحد‪ ،‬وهو أننا نتعامل مع أكوان ننسبها إلى الطبيعة‪ ،‬أو ننسبها‬ ‫إلى اآللهة الجاثمة على عروش قلوبنا وعقولنا‪ ،‬أو ننسبها إلى الالشيء الذي تفرزه‬ ‫الغفلة‪ ،‬وننسى في هذا الخضم أن ننسبها إلى الله‪.‬‬ ‫فاألكوان أكوان الله‪ ،‬واألشياء جميعا خلقت بيد الله‪ ،‬وصورت باسم الله‪،‬‬ ‫وهي تتوجه إلى الله قبل أن تتوجه إلينا‪.‬‬ ‫وهذه النظرة هي مبدأ السالم مع الكون‪ ،‬ومنطلقه‪.‬‬ ‫فكما أن بداية السالم مع المستعمرات‪ ،‬هو اعتراف المستعمر لها بحريتها‪،‬‬ ‫وبحقها في تقرير مصيرها‪ ،‬ليتعامل معها بعد ذلك تعامل المسالم ال المحارب‪،‬‬ ‫وتعامل الند ال المتعالي‪ ،‬وتعامل الصديق ال العدو‪ ،‬فكذلك يكون السالم مع‬ ‫الكون‪.‬‬ ‫فأي سالم نحلم به مع الكون‪ ،‬ونحن ال نعترف به؟‪ ..‬أو أن اعترافنا به مجرد‬ ‫معنى محصور في زاوية خاملة من زوايا العقل‪ ،‬ال نتأثر لها‪ ،‬وال نهتم بها‪.‬‬ ‫وهذا المنطلق الذي يحدد تعاملنا مع الكون هو الذي يشعرنا بالسعادة‬ ‫واألمان‪ ،‬وينزع عنا حجب الوحشة والضيق‪ ،‬ويزرع في قلوبنا االبتسامة‪ ،‬وينزع من‬

‫‪5‬‬


‫صدورنا الحزن‪.‬‬ ‫***‬ ‫وانطالقا من هذا نحاول في هذه الرسالة أن ننظر نظرة جديدة للكون‪ ،‬تنطلق‬ ‫من قراءته باسم الله‪ ،‬وتنتهي بصحبته في الله‪.‬‬ ‫ودليلنا في هذا أقدس كالم‪ ،‬وأشرف كالم‪ ،‬وأصدق كالم‪ ،‬كتاب الله تعالى‪،‬‬ ‫فهو الكتاب الذي يجعلنا نشعر بصداقة حميمة مع الكون‪ ،‬تجعلنا نراه كتابا تقلب‬ ‫صفحاته ليتجلى من خاللها أعظم محبوب‪ ،‬وأجمل محبوب‪ ،‬وأكمل محبوب‪،‬‬ ‫فنصادق من خالل الكون رب الكون‪ ،‬ونعبر من الكون إلى المكون‪.‬‬ ‫وهذه الصحبة الشريفة للكون‪ ،‬والتي تتعامل معه كما تتعامل مع اإلنسان‪،‬‬ ‫هي التي كان عليها رسول الله ‪. ‬‬ ‫وقد صور لنا بعض الصحابة بعض هذه الصحبة فقال‪ (:‬أصابنا ونحن مع‬ ‫رسول الله ‪ ‬مطر قال فحسر رسول الله ‪ ‬ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا‪ :‬يا‬ ‫رسول الله لم صنعت هذا؟ قال‪ :‬ألنه حديث عهد بربه تعالى)‬

‫(‪)1‬‬

‫وهذه الصحبة تستدعي نظرة شاملة للكون بجميع أنواعه‪ ،‬وبجميع‬ ‫خصائصه ووظائفه وصفاته‪ ،‬فبحسب سمو المعرفة يكون سمو التعامل‪.‬‬ ‫وقد حاولنا حصر أوصاف الكون ـ انطالقا من النصوص المقدسة ـ في أربعة‬ ‫أوصاف كل واحد منها معراج من معارج السالم‪ ،‬ورقية من رقى السعادة‪.‬‬

‫(‪ )1‬رواه مسلم وأبو داود والبخاري في األدب المفرد‪.‬‬

‫‪6‬‬


‫وهذه األوصاف األربعة هي‪ :‬الحياة‪ ،‬والعبادة‪ ،‬والتسخير‪ ،‬والمقروئية‪.‬‬ ‫فمعرفتنا بالكون الحي تشعرنا باألنس‪ ،‬وتملؤنا ينشوة الصداقة الحميمة‪ ،‬فال‬ ‫يمكن أن نصادق جمادا‪.‬‬ ‫ومعرفتنا بالكون العابد تعرفنا بوظيفتنا‪ ،‬وتجعلنا نلهج بالتسبيح في حلقة ذكر‬ ‫الكون الواسع‪.‬‬ ‫ومعرفتنا بالكون المسخر تجعلنا نتناول األشياء من يد الله‪ ،‬ال من يد‬ ‫الطبيعة‪ ،‬ونتناول األشياء بالله‪ ،‬ال بأيدينا‪.‬‬ ‫ومعرفتنا بالكون المقروء تعبر بنا من الكون إلى المكون‪ ،‬وتزج بنا في رحاب‬ ‫الحضرة المقدسة‪ ،‬فنبصر من خالل األشياء مشيئ األشياء‪ ،‬فنصادق مع قطرات‬ ‫الندى‪ ،‬وتفتح الزهر‪ ،‬وهبوب النسيم‪ ،‬رب الكون ومبدعه‪.‬‬ ‫وهذه األلقاب األربعة ألكوان الله هي الوحيدة التي تملؤنا باألنس‪ ،‬وتشعرنا‬ ‫بالسالم‪.‬‬ ‫السالم الشامل الذي يستغرق جميع طاقاتنا‪ ،‬ال السالم الذي يتغنى به‬ ‫الغافلون عن الله‪ ،‬والذي يجعل أسمى غاياته أن يحفظ تماسك هذا التراب الذي‬ ‫تمتطيه أرواحنا‪.‬‬ ‫وننبه في هذه الرسالة ـ كما نبهنا في سائر الرسائل ـ إلى أن ما في هذه الرسالة‬ ‫من حقائق نوعان‪:‬‬ ‫أما النوع األول‪ ،‬فهو حقائق مطلقة ال ينبغي ألحد أن يجحدها‪ ،‬ألن كل شيء‬

‫‪7‬‬


‫يدل عليها ابتداء من النصوص المقدسة‪ ..‬وهذه الحقائق ال نقبل مناقشة أحد فيها‪..‬‬ ‫ولن نجيبه إن ناقشنا‪ ،‬ألنه ال يمكن أن يجادل أحد في البديهيات‪.‬‬ ‫وأما النوع الثاني‪ ،‬فهو آراء وقع فيها الخالف‪ ..‬وقد اخترنا في الخالف ما‬ ‫رأيناه راجحا‪ ..‬وال حرج علينا في ذلك‪ ..‬ونحن في هذا النوع من الحقائق نتقبل‬ ‫كل مخالفة‪ ،‬ونخضع لكل توجيه‪ ،‬ونتراجع عن كل خطأ‪ ..‬وندعو الله لكل من نبهنا‬ ‫لذلك‪ ،‬فال عصمة إال لمن عصمه الله‪.‬‬

‫‪8‬‬


‫أوال ـ الكون الحي‬ ‫هل تدب الحياة فيما حولنا من أشياء؟‬ ‫وهل تعقل هذه الكائنات الكثيرة التي تحيط بنا نفسها وحقيقتها ووظائفها؟‬ ‫وهل تعقل غيرها‪ ،‬وعالقتها به؟‬ ‫وهل تحزن وتئن‪ ،‬وتفرح وتسر؟‬ ‫وهل تبغض وتحب‪ ،‬وتحلم وتأمل؟‬ ‫وهل في قدرتها التعبير عن مشاعرها وأفكارها؟‬ ‫ثم ما عالقتها بنا‪ ،‬وما عالقتنا بها؟‬ ‫وهل نحن وسط كون حي ينبض بالحياة‪ ،‬أم نحن في لجة كون جامد ال روح‬ ‫فيه وال مشاعر له؟‬ ‫وما تأثير هذه المعارف على أنفسنا وأنماط حياتنا؟‬ ‫هل هي مجرد قضايا فلسفية وترف عقلي قد يعني الخاصة‪ ،‬وال عالقة له‬ ‫بالعامة‪ ،‬أم أن له ارتباطا بنا نحن العوام والبسطاء والدهماء؟‬ ‫إن هذه التساؤالت من القضايا األساسية التي تشغل بال اإلنسان ويهتم لها‪،‬‬ ‫ويرسل في سبيل معرفة جزء منها المركبات الفضائية‪ ،‬ليسبر أغوار الكون‪ ،‬ويبحث‬ ‫عن أحياء فيه‪ ،‬ويتساءل بحماقة وغرور‪ :‬هل هناك حياة على غير األرض؟‬ ‫ولكن الحقائق الكبرى ـ التي تبينها الوثيقة اإللهية التي تنطوي على حقائق‬ ‫الوجود وأسراره ـ تخبر أن هذا الكون ال يحوي أحياء فقط‪ ،‬بل هو نفسه حي‪ ،‬بكل‬

‫‪9‬‬


‫ما تحمله هذه الكلمة من معاني‪.‬‬ ‫أما ما نتصوره نحن من حياة فهو صورة فقط من صور الحياة‪ ،‬وهي صورة‬ ‫ارتباطات مادية حيوية بعضها ببعض‪.‬‬ ‫وكما أن العلم الحديث يقر بوجود حياة في الخلية الواحدة‪ ،‬سواء كانت‬ ‫ضمن نسيج واحد أو كانت مستقلة منفردة‪ ،‬فكذلك تنبئنا النصوص المقدسة أن‬ ‫الكون كله حي جملة وتفصيال‪ ،‬وكل ذرة فيه أو ما دونها كائن حي له حقيقته التي‬ ‫استدعت وجوده‪ ،‬كما أن له صورته التي نعرفه من خاللها‪.‬‬ ‫قال بديع الزمان النورسي مبينا هذه الحقيقة وأثرها النفسي‪ (:‬فالكو ُن بجميع‬ ‫حي ومشع مضئ بذلك التجلي‪ِ ،‬واالّ ألصبح كل من العوالم ‪ -‬كما تراه‬ ‫عوالمه ّ‬ ‫عين الضاللة ‪ -‬جنازة هائلة مخيفة تحت هذه الدنيا المؤقتة الظاهرة‪ ،‬وعالم ًا خرب ًا‬ ‫مظلم ًا)‬

‫(‪)1‬‬

‫***‬ ‫ولكن اإليمان بهذه الحقائق إيمانا ذوقيا شهوديا يستدعي مرآة صافية‪ ،‬وقلبا‬ ‫محررا من أوثاق الهوى‪.‬‬ ‫هذا في الدنيا‪ ،‬أما في النشأة اآلخرة فإن اإلنسان ـ مؤمنا كان أو كافرا ـ بعد‬ ‫انحسار حجاب الغفلة يدرك هذه الحقائق‪ ،‬كما قال تعالى‪َ ﴿:‬ل َقدْ ُكن َْت فِي َغ ْف َل ٍة ِم ْن‬ ‫َه َذا َفك ََش ْفنَا َعن َْك ِغ َطا َء َك َف َب َص ُر َك ا ْل َي ْو َم َح ِديد﴾ ( ّق‪)11:‬‬ ‫(‪ )1‬الكلمة العاشرة ‪ -‬ص‪.117 :‬‬

‫‪01‬‬


‫فمن معاني الغفلة في اآلية تعطل الطاقات عن أداء وظيفتها بسبب إهمالها‬ ‫وعدم استعمالها‪.‬‬ ‫وقد أخبر ‪ ‬عن هذا اإلدراك في أحاديث كثيرة لعل أشهرها ما أخبر به عن‬ ‫معرفة أهل الجنة والنار للموت مع أنه جاءهم في صورة حسية‪ ،‬قال ‪ (:‬يجاء‬ ‫بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح‪ ،‬فيوقف بين الجنة والنار‪ ،‬فيقال‪ :‬يا أهل الجنة‬ ‫هل تعرفون هذا؟‪ ،‬فيشرئبون وينظرون‪ ،‬ويقولون‪ :‬نعم هذا الموت‪ ،‬ويقال‪ :‬يا أهل‬ ‫النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون‪ :‬نعم هذا الموت‪ ،‬فيؤمر به‬ ‫فيذبح‪ ،‬ثم يقال‪ :‬يا أهل الجنة خلود فال موت‪ ،‬ويا أهل النار خلود فال موت‪ ،‬ثم قرأ‬ ‫رسول الله ‪ ‬قوله تعالى‪َ ﴿:‬و َأن ِْذ ْر ُه ْم َي ْو َم ا ْل َح ْس َر ِة إِ ْذ ُق ِض َي ْاألَ ْم ُر َو ُه ْم فِي َغ ْف َل ٍة‬ ‫(‪)1‬‬ ‫َو ُه ْم ال ُي ْؤ ِمنُ َ‬ ‫ون ﴾ (مريم‪ )39:‬وأشار بيده إلى الدنيا)‬ ‫فهذا الحديث يكاد يصرح بالقدرات الهائلة ألهل النشأة اآلخرة في التعرف‬ ‫على هذه الحقائق‪ ،‬يستوي في ذلك مؤمنهم وكافرهم‪ ،‬وأهل الجنة وأهل النار‪.‬‬ ‫بل إن القرآن الكريم صرح بذلك حين ذكر قدرتهم على سماع جوارحهم‪،‬‬ ‫وهي تخاطبهم‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ي ْو َم ت َْش َهدُ َع َل ْي ِه ْم َأ ْل ِسنَ ُت ُه ْم َو َأ ْي ِد ِيه ْم َو َأ ْر ُج ُل ُه ْم بِ َما كَا ُنوا‬ ‫َي ْع َم ُل َ‬ ‫ون﴾ (النور‪)14:‬‬ ‫***‬ ‫انطالقا من هذه المعاني سنتحدث في هذا الفصل عن بعض الغيب الذي‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪00‬‬


‫كشف لنا عن بعض دالئل الحياة ونوعها فيما نراه من كائنات سواء كانت جامدة‬ ‫ال حظ لها من الحياة والعقل‪ ،‬أو حية نعطيها صورة من صورة الحياة‪ ،‬وهي صورة‬ ‫الحركة والنمو‪ ،‬وننفي عنها أهم ما في الحياة من العقل والوعي والشعور‬ ‫واالختيار‪.‬‬ ‫وسنكتفي بأربعة مظاهر للحياة تكفي أي عاقل ليحكم من خاللها بالحياة‬ ‫لمن اتصف بها‪ ،‬وهي‪ :‬اإلدراك‪ ،‬والمشاعر‪ ،‬والتعبير‪ ،‬والتحضر‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ اإلدراك‪:‬‬ ‫اإلدارك هو أهم صفة من صفات الحياة‪ ،‬بل هو ركن الحياة الركين‪ ،‬حتى أن‬ ‫من القدامى من عرف الحي بأنه المدرك النامي‪ ،‬أو عرفه بأنه المدرك فقط‪ ،‬فمن‬ ‫اكتمل له اإلدارك كان له من الحياة حظها األوفر‪ ،‬ومن كان له بعض اإلدراك كان‬ ‫له من الحياة ما كان له من اإلدراك‪.‬‬ ‫ويراد باإلدراك توفر الواسائل المتيحة للتعرف على العالم الخارجي‪.‬‬ ‫وربما يكون هذا الحد هو الحجاب الذي جعلنا‪ ،‬أو جعل أوهامنا تعتقد‬ ‫موت ما نراه من أشياء‪ ..‬ذلك أننا ال نرى لها عيونا ترى بها‪ ،‬أو آذانا تسمع بها‪ ،‬أو‬ ‫جلودا تلمس بها‪ ..‬فنحكم من خالل غياب الوسيلة على غياب الغاية‪.‬‬ ‫وهذا حكم خاطئ ابتداء‪ ..‬ومن السهولة التعرف على خطئه‪.‬‬ ‫فقبل قرنين من الزمان فقط كان اللسان شرطا من شروط القدرة على‬ ‫الكالم‪ ..‬ولكنا اآلن‪ ،‬وبفضل ما توفر لنا من تقنيات أزحنا هذا الشرط‪ ..‬فأصبحت‬

‫‪02‬‬


‫الشريحة الصغيرة التي ال تكاد ترى تتحدث بلسان فصيح‪ ،‬بل تترنم بألحان دونها‬ ‫كل الحناجر مع أنه ليس لها لسان وال حنجرة وال هواء يدخل أو يخرج‪.‬‬ ‫وهكذا القول في شئون كثيرة كان الوهم المتلبس بلباس العقل يحكم فيها‬ ‫بأحكامه على العقل‪ ..‬ولكن الحقائق التي أتاحها العلم مكنتنا من التعرف على‬ ‫محل الوهم‪.‬‬ ‫وهكذا ينبغي أن نتعامل مع ما لم نعلم علمه بعد‪ ..‬وإال وقعنا فيما وقع فيه‬ ‫أهل القرون السالفة من األوهام المتلبسة بلباس العلم‪.‬‬ ‫بعد هذا الخطاب البديهي للعقل‪ ،‬والذي قد ال نستفيد منه شيئا غير كون كل‬ ‫ذلك ممكنا‪ ،‬نرجع إلى المصدر المعصوم للمعارف لنتعرف على ترجيحه ألحد‬ ‫وجهي اإلمكان‪.‬‬ ‫والنصوص المقدسة تخبرنا عن هذا الوعي واإلدراك بأساليب مختلفة‪ ،‬ربما‬ ‫تكون هذه الرسالة جميعا‪ ،‬أدلة عليها‪.‬‬ ‫ولكنا سنقتصر هنا على بعض ما ذكرت النصوص من نماذج على هذا‬ ‫الشرط من شروط الحياة‪.‬‬ ‫فمن مظاهر اإلدراك مثال إدراك المدرك للعواقب‪ ،‬فلذلك يحترز منها‬ ‫بصنوف االحترازات‪ ..‬فنعرف من خالل احترازه على مدى إدراكه‪.‬‬ ‫ومما يذكر هنا من باب التنكيت أن بعضهم زعم الصمم‪ ،‬ليتخلص من‬ ‫وظيفة كلف بها‪ ،‬فاحتال عليه المسؤول بأن صاح فجأة فيه‪ (:‬احذر‪ ..‬فإن عقربا‬

‫‪03‬‬


‫تريد أن تلدغك)‪ ..‬فابتعد الرجل مسرعا‪ ..‬وانطلت الحيلة عليه‪ ..‬وعرف أن إدركه‬ ‫سليم بسبب احترازه‪.‬‬ ‫وهذا الدليل نستطيع أن نفهم منه قوله تعالى‪ ﴿:‬إِنَّا َع َر ْضنَا ْاألَ َما َن َة َع َلى‬ ‫ال َف َأبين َأ ْن يح ِم ْلنَها و َأ ْش َف ْقن ِمنْها وحم َلها ْ ِ‬ ‫السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫األن َْس ُ‬ ‫ان إِ َّن ُه‬ ‫َ َ َ َ َ َ‬ ‫ض َوا ْل ِج َب ِ َ ْ َ َ ْ َ َ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ك َ‬ ‫َان َظ ُلوم ًا َج ُهوالً﴾ (األحزاب‪ ،)01:‬فالحياة العاقلة المدركة للعواقب هي التي‬ ‫منعت هذا الكون من قبول أمانة التكليف‪.‬‬ ‫ولوال ما في الكون من طاقة اإلدراك واالختيار ما عرض عليه هذا العرض‬ ‫الخطير‪ ،‬ولوالها ما أجاب هذه اإلجابة الواعية‪.‬‬ ‫ومع صراحة النصوص الدالة على هذا المعنى نجد بعض المفسرين يجنح‬ ‫بها إلى التأويل الذي ال يحتاج إليه‪ ،‬فقد ذهب بعضهم ـ كما يذكر القرطبي وغيره ـ‬ ‫إلى أن العرض في هذه اآلية ضرب مثل‪( ،‬أي أن السموات واألرض على كبر‬ ‫أجرامها‪ ،‬لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع‪ ،‬لما فيها من‬ ‫الثواب والعقاب‪ ،‬أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات واألرض‬ ‫والجبال‪ ،‬وقد كلفه اإلنسان وهو ظلوم جهول لو عقل)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال قوم‪ :‬إن اآلية من المجاز‪ ،‬أي إنا إذا قايسنا ثقل األمانة بقوة السموات‬ ‫واألرض والجبال‪ ،‬رأينا أنها ال تطيقها‪ ،‬وأنها لو تكلمت ألبت وأشفقت‪.‬‬ ‫وهذا التأويل البعيد لآلية تغليب للعقل المحدود على الوحي المطلق‪ ،‬وهو‬

‫(‪ )1‬تفسير القرطبي‪.115/14:‬‬

‫‪04‬‬


‫نتيجة لصحبة العقل المسلم للفكر المادي‪ ،‬ولهذا كان السلف الذين لم يتلوثوا‬ ‫بمثل هذه الصحبة أشرف فهما‪ ،‬وأعظم إيمانا‪ ،‬وقد روي في هذا عن عبدالله بن‬ ‫مسعود قال‪ :‬لما خلق الله األمانة مثلها صخرة‪ ،‬ثم وضعها حيث شاء ثم دعا لها‬ ‫السموات واألرض والجبال ليحملنها‪ ،‬وقال لهن‪ :‬إن هذه األمانة‪ ،‬ولها ثواب‬ ‫وعليها عقاب؛ قالوا‪ :‬يا رب‪ ،‬ال طاقة لنا بها؛ وأقبل اإلنسان من قبل أن يدعي فقال‬ ‫للسموات واألرض والجبال‪ :‬ما وقوفكم؟ قالوا‪ :‬دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقنا‬ ‫منها ولم نطقها؛ قال‪ :‬فحركها بيده وقال‪ :‬والله لو شئت أن أحملها لحملتها؛‬ ‫فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه‪ ،‬ثم وضعها وقال‪ :‬والله لو شئت أن أزداد الزددت؛‬ ‫قالوا‪ :‬دونك! فحملها حتى بلغ بها حقويه‪ ،‬ثم وضعها وقال‪ :‬والله لو شئت أن أزداد‬ ‫الزددت؛ قالوا‪ :‬دونك‪ ،‬فحملها حتى وضعها على عاتقه‪ ،‬فلما أهوى ليضعها‪،‬‬ ‫قالوا‪ :‬مكانك! إن هذه األمانة‪ ،‬ولها ثواب وعليها عقاب وأمرنا ربنا أن نحملها‬ ‫فأشفقنا منها‪ ،‬وحملتها أنت من غير أن تدعي لها‪ ،‬فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك‬ ‫إلى يوم القيامة‪ ،‬إنك كنت ظلوما جهوال(‪.)1‬‬ ‫‪ 1‬ـ المشاعر‪:‬‬ ‫المشاعر الوجدانية هي روح الحياة‪ ..‬ومن ال مشاعر له ال حياة له‪..‬وقديما‬ ‫قال الشاعر يسخر من الذي لم يذق قلبه طعم الحب‪:‬‬ ‫إذا لم تذق في هذه الدار صبوة فموتك فيها والحياة سواء‬ ‫(‪ )1‬انظر‪ :‬القرطبي‪.150/14:‬‬

‫‪05‬‬


‫وقال اآلخر معبرا عن قصور حياة من لم يذق طعم هذه المشاعر‪:‬‬ ‫إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فأنت وعير في الفالة سواء‬ ‫وقال اآلخر يرميها بالجمود‪:‬‬ ‫إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا‬ ‫وقال اآلخر يرميها بالبهيمية‪:‬‬ ‫إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فقم فاعتلف تبنا فأنت حمار‬ ‫وكل هؤالء ـ ما عدا أولهم ـ عبروا حسب معارفهم‪ ،‬وحسبما دلتهم عليه‬ ‫مداركهم المحدودة‪ ..‬أما الحقيقة التي تنص عليها النصوص المقدسة‪ ..‬فتخالفهم‬ ‫في ذلك تمام المخالفة‪..‬‬ ‫فالنصوص المقدسة تنطق بكل لسان على ما لهذه الموجودات ـ سواء كان‬ ‫منها ما ينتمي إلى العالم الذي نسميه جمادا‪ ،‬أو العالم الذي نعطيه بعض أوصاف‬ ‫الحياة‪ ،‬وننزع منه أهمها‪.‬‬ ‫وسننطلق من النصوص المقدسة لنتعرف على بعض أسرار المشاعر التي‬ ‫تمتلئ بها قلوب الكائنات‪:‬‬ ‫الخشوع‪:‬‬ ‫فمنها الخشوع‪ ،‬وهو مجموعة مشاعر سامية يختلط فيها الحب بالهيبة‬ ‫وبالخشية وبالرجاء‪ ..‬وهو ال يمكن أن يكون إال لمن امت أ بالحياة الحقيقية‪..‬‬ ‫قال تعالى واصفا تأثير نزول القرآن على الجبل‪َ ﴿:‬ل ْو َأن َْز ْلنَا َه َذا ا ْل ُق ْر َ‬ ‫آن َع َلى‬

‫‪06‬‬


‫جب ٍل َلر َأي َته َخ ِ‬ ‫اشع ًا ُمت ََصدِّ ع ًا ِم ْن َخ ْش َي ِة ال َّل ِه َوتِ ْل َك ْاألَ ْم َث ُال ن َْض ِر ُب َها لِلن ِ‬ ‫َّاس َل َع َّل ُه ْم‬ ‫ََ َ ْ ُ‬ ‫َي َت َفك َُّر َ‬ ‫ون ﴾ (الحشر‪)11:‬‬

‫بل إنه من فرط الخشوع للتجلي يندك‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ف َل َّما ت ََج َّلى َر ُّب ُه ل ِ ْل َج َب ِل‬

‫َج َع َل ُه َد ّك ًا ﴾ (ألعراف‪)143 :‬‬

‫ات َي َت َف َّط ْر َن ِم ْن ُه‬ ‫الس َم َاو ُ‬ ‫بل ينهد لسماع شرك المشركين‪ ،‬قال تعالى‪َ :‬تكَا ُد َّ‬ ‫و َتن َْش ُّق ْاألَر ُض وت ِ‬ ‫َخ ُّر ا ْل ِج َب ُال َهدّ ًا َأ ْن َد َع ْوا لِ َّلر ْح َم ِن َو َلد ًا﴾ (مريم‪ 97:‬ـ‪)91‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫وقد ذكر العلماء ـ انطالقا من هذه اآلية ـ األثر الشديد الذي خلفه الشرك في‬ ‫األشياء‪ ،‬فذكر عن بعضهم أنه قال‪ (:‬إن الله تعالى لما خلق األرض وخلق ما فيها‬ ‫من الشجر لم تك في األرض شجرة يأتيها بنو آدم إال أصابوا منها منفعة وكان لهم‬ ‫منها منفعة فلم تزل األرض والشجر كذلك حتى تكلم فجرة بني آدم تلك الكلمة‬ ‫العظيمة وهي قولهم‪ ﴿:‬ات َ‬ ‫الر ْح َم ُن َو َلد ًا﴾ (مريم‪ ،)44:‬فلما قالوها اقشعرت‬ ‫َّخ َذ َّ‬ ‫األرض وشاك الشجر)‬

‫(‪)1‬‬

‫وكان ابن عباس يرجع ما في األرض من األذى بسب هذا قال‪ ( :‬اقشعرت‬ ‫الجبال وما فيها من األشجار والبحار وما فيها من الحيتان فصار من ذلك الشوك‬ ‫في الحيتان وفي األشجار الشوك)‬

‫(‪)1‬‬

‫ونحن وإن كنا ال نجزم بهذا‪ ،‬ولكنا مع ذلك ندرك أن الصور والخصائص‬

‫(‪ )1‬رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬القرطبي‪.154/11 :‬‬

‫‪07‬‬


‫التي نراها ل أشياء لها عالقة كبيرة بانفعاالتها التي يسببها سلوكنا‪ ،‬ولذلك قد نستلذ‬ ‫طعوما أو مناظر في بعض األيام‪ ،‬ثم نستقبحها أياما أخرى‪ ،‬وقد نعزو ذلك إلى‬ ‫نفوسنا فقط ونعزل الكون من هذا األثر المتناقض ل أشياء‪.‬‬ ‫وقد ورد في اآلثار ما يدل على سرور األشياء‪ ،‬والذي قد يسري إلى الناظرين‬ ‫ليشعرهم باألنس والسعادة‪ ،‬فقد روي أن الجبل يفخر إن مر عليه ذاكر لله تعالى‪،‬‬ ‫مر بك اليوم ذاكر لله؟ فإن قال‪:‬‬ ‫فعن ابن مسعود قال‪ (:‬إن الجبل ليقول للجبل‪ :‬هل َّ‬ ‫نعم‪ُ ،‬س َّر به) ثم قرأ عبد الله قوله تعالى‪َ ﴿:‬و َقا ُلوا ات َ‬ ‫َّخ َذ ال َّل ُه َو َلد ًا ُس ْب َحا َن ُه َب ْل َل ُه َما فِي‬ ‫السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض ُك ٌّل َل ُه َقانِ ُت َ‬ ‫ون﴾ (البقرة‪ )111:‬قال‪ (:‬أفتراهن يسمعن الزور‬ ‫َّ َ َ‬ ‫واليسمعن الخير)‬

‫(‪)1‬‬

‫وعن أنس بن مالك قال‪ (:‬ما من صباح وال رواح إال تنادي بقاع األرض‬ ‫بعضها بعضا‪ ،‬يا جاره هل مر بك اليوم عبد فصلى لله أو ذكر الله عليك‪ ،‬فمن قائلة‬ ‫ال‪ ،‬ومن قائلة نعم‪ ،‬فإذا قالت نعم رأت لها بذلك فضال عليها)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد أخبر القرآن الكريم عن مشاعر الخشية من الله التي تجعل الحجارة‬ ‫تهبط أو تتفجر أو تتشقق‪ ..‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وإِ َّن ِم َن ا ْل ِح َج َار ِة َل َما َي َت َف َّج ُر ِمنْ ُه ْاألَن َْه ُار‬ ‫َوإِ َّن ِمن َْها َل َما َي َّش َّق ُق َف َي ْخ ُر ُج ِمنْ ُه ا ْل َما ُء َوإِ َّن ِمن َْها َل َما َي ْهبِ ُط ِم ْن َخ ْش َي ِة ال َّله(‪())3‬البقرة‪:‬‬ ‫‪)04‬‬ ‫(‪ )1‬ابن أببي شيبة‪.117/0 :‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن المبارك في (دقائقه)‪ ،‬انظر‪ :‬القرطبي‪.110/17:‬‬ ‫(‪ )3‬انظر‪ :‬ابن كثير‪ 114/1 :‬فقد رد على هذا الزعم بالنصوص الكثيرة‪.‬‬

‫‪08‬‬


‫وقد زعم بعضهم أن إسناد الخشوع إلى الحجارة جاء من باب المجاز‪ ،‬كما‬ ‫أسندت اإلرادة إلى الجدار في قوله تعالى‪َ ﴿:‬ف َو َجدَ ا فِ َيها ِجدَ ار ًا ُي ِريدُ َأ ْن َينْ َق َّض‬ ‫َف َأ َقا َم ُه ﴾ (الكهف‪)00 :‬‬ ‫وال حاجة إلى هذا كما ذكرنا‪ ،‬والنصوص الكثيرة التي أوردناها تدل على‬ ‫هذا‪.‬‬ ‫الغضب‪:‬‬ ‫ومن المشاعر التي ورد في النصوص الحديث عنها الغضب‪..‬‬ ‫فقد أخبرنا القرآن الكريم أن جهنم ـ مثال ـ ليست تنورا للعذاب ال عقل له‪،‬‬ ‫وإنما هي كائن ككينونة اإلنسان لها عقل ووعي ومشاعر‪.‬‬ ‫بل إن مصدر عذابها وشدته نابع من غضبها لله‪ ،‬فهي مغتاظة على‬ ‫الجاحدين‪ ،‬كما قال تعالى‪ ﴿:‬إِ َذا ر َأتْهم ِمن مك ٍ‬ ‫َان َب ِع ٍيد َس ِم ُعوا َل َها َت َغ ُّيظ ًا َو َزفِير ًا﴾‬ ‫َ ُ ْ ْ َ‬ ‫(الفرقان‪)11:‬‬ ‫وقد صور بعض السلف شدة هذه الزفرة النابعة من الغيظ بقوله‪ (:‬إن جهنم‬ ‫خر لوجهه‪ ،‬ترتعد فرائضه‪ ،‬حتى‬ ‫لتزفر زفرة ال يبقى ملك مقرب وال نبي مرسل إال َّ‬ ‫إن إبراهيم ‪ ‬ليجثو على ركبتيه‪ ،‬ويقول‪ :‬رب ال أسألك اليوم إال نفسي)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومثل زفير استقبالها ألهلها‪ ،‬يصورها القرآن الكريم بصورة الجالد الحي‬ ‫الذي يتفنن في التعذيب‪ ،‬وهو مدرك ماذا يفعل ولماذا يفعل‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ك َّال إِن ََّها‬ ‫(‪ )1‬رواه عبد الرزاق‪.‬‬

‫‪09‬‬


‫َل َظى ن ََّزا َع ًة ِّل َّ‬ ‫لش َوى تَدْ ُعو َم ْن َأ ْد َب َر َوت ََو َّلى َو َج َم َع َف َأ ْو َعى ﴾ (المعارج‪ 15:‬ـ ‪)14‬‬ ‫فالقرآن الكريم عبر عما يحصل فيها من نزع للشوى(‪ ،)1‬بصيغة ( نزاعة)‬ ‫للداللة على أن شخص جهنم الحي هو الذي يؤدي هذه المهمة‪ ،‬بل يخبر أنها‬ ‫تدعو من أدبر وتولى‪.‬‬ ‫وهذا الغيظ الذي تبديه جهنم ألهلها ليس ناتجا من قسوة طبعية‪ ،‬بل هو كما‬ ‫توضح النصوص نابع من غيرة إيمانية‪ ،‬وقد قال ابن عباس‪ (:‬إن الرجل ليجر إلى‬ ‫النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض فيقول لها الرحمن‪ :‬ما لك؟ قالت‪ :‬إنه‬ ‫يستجير مني‪ ،‬فيقول أرسلوا عبدي؛ وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول‪ :‬يا رب ما كان‬ ‫هذا الظن بك‪ ،‬فيقول‪ :‬فما كان ظنك؟ فيقول‪ :‬أن تسعني رحمتك‪ ،‬فيقول‪ :‬أرسلوا‬ ‫عبدي؛ وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير‪ ،‬وتزفر‬ ‫زفرة ال يبقى أحد إال خاف)‬

‫(‪)1‬‬

‫والقرآن الكريم يخبرنا بأن جهنم ـ لشوقها ألهلها ـ تدرك بما أعطاها الله من‬ ‫البصيرة أن هناك من ال يزال خارجها‪ ،‬فلذلك تطالب بالمزيد‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ي ْو َم‬ ‫ أ ِ‬ ‫ول لِ َج َهن ََّم َه ِل ا ْم َت ْ‬ ‫ت َو َت ُق ُ‬ ‫َن ُق ُ‬ ‫ول َه ْل ِم ْن َم ِز ٍيد﴾ ( ّق‪)37:‬‬

‫(‪ )1‬قال ابن عباس‪ :‬جلدة الرأس‪ ،‬انظر‪ :‬الطبري‪ ،01/19 :‬ابن كثير‪.411/4 :‬‬ ‫(‪ )1‬ذكره ابن جرير في تفسيره وقال ابن كثير‪ :‬إسناده صحيح‪ ،‬انظر‪ :‬الطبري‪ ،140/14 :‬ابن كثير‪.311/3 :‬‬

‫‪21‬‬


‫والجنة في القرآن الكريم‪ ،‬وكما توضح األخبار واآلثار المفسرة له ـ مثل‬ ‫جهنم وكل مكونات العالم اآلخر ـ كائن حي مدرك متكلم‪ ،‬له مشاعره‬ ‫الوجدانية‪ ،‬جعله الله تعالى محال لرحمته‪ ،‬ومجلى لصفات فضله وكرمه‪.‬‬ ‫وقد ورد في اآلثار ما يدل على شوق الجنة ألهلها شوقا ال يقل عن شوق‬ ‫أهلها إليها‪ ،‬قال ‪ (:‬قالت الجنة‪ :‬يا رب قد أطردت انهاري وطابت ثماري‬ ‫فعجل على بأهلي)‬

‫(‪)1‬‬

‫الشفقة‪:‬‬ ‫ومنها شعور الشفقة هيبة من الله وإجالال له‪ ،‬قال ‪ (:‬إن يوم الجمعة سيد‬ ‫األيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم األضحى ويوم الفطر فيه‬ ‫خمس خالل خلق الله فيه آدم وأهبط الله فيه آدم إلى األرض وفيه توفى الله آدم‬ ‫وفيه ساعة ال يسأل الله فيها العبد شيئا إال أعطاه ما لم يسأل حراما وفيه تقوم الساعة‬ ‫ما من ملك مقرب وال سماء وال أرض وال رياح وال جبال وال بحر إال وهن يشفقن‬ ‫من يوم الجمعة)‬

‫(‪)1‬‬

‫والذراع المسمومة تشفق على رسول الله ‪ ،‬فتخبره عن سميتها(‪.)3‬‬ ‫والجبل يشفق على رسول الله ‪ ،‬كما روي أن النبي ‪ ‬قال‪ (:‬قال لي ثبير‬ ‫اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله‪ .‬فناداه حراء‪ :‬إلي يا رسول‬ ‫(‪ )1‬رواه الليث بن سعد‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد وابن ماجة‪.‬‬ ‫(‪ )3‬انظر‪ :‬شعب اإليمان‪.117/1 :‬‬

‫‪20‬‬


‫الله)‬

‫(‪)1‬‬

‫والشجر يمشي حين يدعوه رسول الله ‪. ‬‬ ‫والجذع يحن لفقد رسول الله ‪ ،‬فال يسكن حتى يضمه ‪ ،‬عن أبي سعيد‬ ‫قال‪ :‬كان رسول الله ‪ ‬يخطب إلى لزق جذع فأتاه رجل رومي فقال أصنع لك‬ ‫منبرا تخطب عليه فصنع له منبرا هذا الذي ترون‪ ،‬قال فلما قام عليه النبي ‪‬‬ ‫يخطب حن الجذع حنين الناقة إلى ولدها‪ ،‬فنزل إليه رسول الله ‪ ‬فضمه إليه‬ ‫فسكن فأمر به أن يحفر له ويدفن)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد كان ‪ ‬يبادل هذه األشياء مشاعرها‪ ،‬فكان يقول عن أحد‪( :‬هذا جبل‬ ‫يحبنا ونحبه)‬

‫(‪)3‬‬

‫الرحمة‪:‬‬ ‫ومن المشاعر التي ورد في النصوص المقدسة نسبتها للكائنات مشاعر‬ ‫الرحمة‪ ..‬وهي من المشاعر العظيمة التي تستدعي منتهى الكمال والرقي‪.‬‬ ‫ومن ذلك ما ورد في النصوص من اإلخبار عن المشاعر الفائضة من قلوب‬ ‫َت َع َل ْي ِه ُم‬ ‫األشياء دموعا رحمة للمؤمن‪ ،‬وهو ما يشير إليه قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ف َما َبك ْ‬ ‫الس َما ُء َو ْاألَ ْر ُض َو َما كَا ُنوا ُمنْ َظ ِري َن﴾ (الدخان‪)19:‬‬ ‫َّ‬ ‫فهذا البكاء الذي أخبر عنه القرآن الكريم ليس من جنس ما كانت تعبر به‬ ‫(‪ )1‬أورده القرطبي‪ .411/1 :‬وال نعلم درجته‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الترمذي‪ ،309/1 :‬الدارمي‪.19 :‬‬ ‫(‪ )3‬البخاري‪ ،539/1 :‬مسلم‪.993/1 :‬‬

‫‪22‬‬


‫العرب عن أحزانها‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬ ‫فالريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمامة‬ ‫وقال آخر‪:‬‬ ‫والشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا‬ ‫وقالت األخرى‪:‬‬ ‫أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع على ابن طريف‬ ‫ألن النصوص المقدسة ال يدخلها مثل هذا التأويل‪ ،‬ولو ورد في كالم‬ ‫العرب‪ ،‬فال النقل ينفيه‪ ،‬وال العقل يحيله‪.‬‬ ‫بل قد ورد في النقل ما يدل عليه‪ ،‬ومن ذلك قوله ‪ (:‬ما من مؤمن إال وله‬ ‫في السماء بابان‪ ،‬باب ينزل منه رزقه‪ ،‬وباب يدخل منه كالمه وعمله‪ ،‬فإذا مات‬ ‫الس َما ُء َو ْاألَ ْر ُض ﴾‬ ‫فقداه فبكيا عليه‪ ،‬ثم تال قوله تعالى‪َ ﴿:‬ف َما َبك ْ‬ ‫َت َع َل ْي ِه ُم َّ‬ ‫(الدخان‪)19 :‬‬

‫(‪)1‬‬

‫ولهذا أخبر القرآن الكريم بعدم بكاء السموات واألرض على الكفار‪ ،‬ألنهم‬ ‫لم يعملوا على األرض عمال صالحا تبكي عليهم ألجله‪ ،‬وال صعد لهم إلى السماء‬ ‫عمل صالح فتبكي فقده‪ ،‬قال علي‪ (:‬إنه يبكي عليه مصاله من األرض ومصعد‬ ‫عمله من السماء)‬

‫(‪)1‬‬

‫(‪ )1‬رواه الترمذي‪.‬‬ ‫(‪ )1‬انظر هذه اآلثاروغيرها في‪ :‬القرطبي‪ ،147/11 :‬ابن كثير‪.143/4 :‬‬

‫‪23‬‬


‫وكما تبكي األرض والسماء على المؤمن‪ ،‬تستبشر به‪ ،‬وقد قال أنس‪ (:‬لما‬ ‫كان اليوم الذي دخل فيه النبي ‪ ‬المدينة أضاء كل شيء‪ ،‬فلما كان اليوم الذي‬ ‫قبض فيه أظلم كل شيء‪ ،‬وإنا لفي دفنه ما نفضنا األيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا)‬

‫(‪)1‬‬

‫ولهذا ال يصح اعتبار المسلم غريبا ما دام محاطا بكل هذه المشاعر الفياضة‬ ‫التي تتدفق من حوله‪ ،‬قال ‪ (:‬إن اإلسالم بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى‬ ‫للغرباء يوم القيامة قيل‪ :‬من هم يا رسول الله؟ قال ‪ -‬هم الذين إذا فسد الناس‬ ‫صلحوا ‪ -‬ثم قال ‪ -‬أال ال غربة على مؤمن‪ ،‬وما مات مؤمن في غربة غائبا عنه بواكيه‬ ‫َت‬ ‫إال بكت عليه السماء واألرض) ثم قرأ رسول الله ‪ ‬قوله تعالى‪َ ﴿:‬ف َما َبك ْ‬ ‫الس َما ُء َو ْاألَ ْر ُض َو َما كَا ُنوا ُمنْ َظ ِري َن ﴾‪ ،‬ثم قال‪ (:‬أال إنهما ال يبكيان على‬ ‫َع َل ْي ِه ُم َّ‬ ‫الكافر)‬

‫(‪)1‬‬

‫وكما أن المؤمن يعيش بصحبة هذه المشاعر الفياضة التي تفيض عليه من‬ ‫الكون‪ ،‬فإن الكافر والغافل بعكس ذلك‪ ،‬فقد أخبر ‪ ‬أن البالد والشجر والدواب‬ ‫تستريح من أذى العبد الفاجر‪ ،‬فقد روي أن جنازة مرت على رسول الله ‪ ‬فقال‪(:‬‬ ‫مستريح ومستراح منه) قالوا‪ (:‬يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه) قال‪(:‬‬ ‫العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله‪ ،‬والعبد الفاجر يستريح‬ ‫منه العباد والبالد والشجر والدواب)‬

‫(‪)3‬‬

‫(‪ )1‬ابن ماجة‪.‬‬ ‫(‪ )1‬البيهقي في الشعب‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪24‬‬


‫وقد ذكر العلماء وجوها من استراحة الكون من العبد الفاجر الكافر أو‬ ‫العاصي منها أن العباد يستريحون من ظلمه لهم‪ ،‬وما يأتي به من المنكر‪ ،‬فإن أنكروا‬ ‫آذاهم‪ ،‬وإن تركوه أثموا‪.‬‬ ‫والبالد تستريح مما يفعله فيها من المعاصي‪ ،‬فيحصل الجدب‪ ،‬ويهلك‬ ‫الحرث والنسل‪ ،‬أو لغصبها ومنعها من حقها‪.‬‬ ‫والشجر يستريح منه لقلعه إياه غصبا أو غصب ثمره‪.‬‬ ‫والدواب تستريح منه الستعماله لها فوق طاقتها‪ ،‬وتقصيره في علفها‬ ‫وسقيها(‪.)1‬‬ ‫وهي وجوه ال يراد بها الحصر‪ ،‬فالتأذي الذي يحصل لها من جنس‬ ‫التأذي الذي يحصل للمؤمن عندما يسمع كلمة الكفر‪ ،‬وقد ذكرنا سابقا قوله‬ ‫ات َي َت َف َّط ْر َن ِمنْ ُه َو َتن َْش ُّق‬ ‫او ُ‬ ‫الس َم َ‬ ‫تعالى عن تأثير كلمة الكفرعلى األشياء‪َ ﴿ :‬تكَا ُد َّ‬ ‫ْاألَر ُض وت ِ‬ ‫َخ ُّر ا ْل ِج َب ُال َهدّ ًا﴾ (مريم‪)97:‬‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫بل ورد في النصوص واآلثار أن العالقة بين المؤمن والكون ليست عالقة‬ ‫مشاعر فقط‪ ،‬بل هي عالقة تعاون وتكافل‪ ،‬فقد أخبر ‪ ‬أنه‪ (:‬ال تقوم الساعة حتى‬ ‫يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر أو‬ ‫الشجرة فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله‬

‫(‪ )1‬انظر‪ :‬شرح الزرقاني‪.115/1 :‬‬

‫‪25‬‬


‫إال الغرقد فإنه من شجر اليهود)‬

‫(‪)1‬‬

‫وأخبر ابن عباس عن عابد كان يتعبد في غار فكان يأتيه غراب كل يوم‬ ‫برغيف حتى مات العابد‪.‬‬ ‫التعظيم‪:‬‬ ‫من المشاعر التي ورد في النصوص نسبتها لهذه الكائنات التعظيم‪ ..‬وهو‬ ‫نابع من معارف كثيرة ال يمكن أن تكون إال لحي عاقل قد اكتمل له الحياة والعقل‪.‬‬ ‫فقد ورد في النصوص ما يدل على تعظم الكائنات لرسول الله ‪ ‬بسجود‬ ‫االحترام والتقدير‪.‬‬ ‫فقد روي أن رسول الله ‪ ‬كان في نفر من المهاجرين واألنصار‪ ،‬فجاء بعير‬ ‫فسجد له‪ ،‬فقال أصحابه‪ (:‬يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر‪ ،‬فنحن أحق أن‬ ‫نسجد لك) فقال‪ (:‬اعبدوا ربكم‪ ،‬وأكرموا أخاكم)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي الحديث دليل على تكرر ذلك من البهائم المختلفة والشجر‪.‬‬ ‫ومن هذا الباب طاعتها لرسول الله ‪ ‬وشهادتها له‪ ،‬فقد روي أن أعرابيا دنا‬ ‫من رسول الله ‪ ،‬فقال له رسول الله ‪ :‬أين تريد؟ قال‪ :‬إلى أهلي قال‪ :‬هل لك‬ ‫في خير‪ ،‬قال‪ :‬وما هو؟ قال‪ :‬تشهد أن ال إله إال الله وحده ال شريك له وأن محمدا‬ ‫عبده ورسوله‪ ،‬قال‪ :‬ومن يشهد على ما تقول‪ ،‬قال‪ :‬هذه السلمة‪ ،‬فدعاها رسول الله‬

‫(‪ )1‬مسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أحمد‪.‬‬

‫‪26‬‬


‫‪ ‬وهي بشاطئ الوادي‪ ،‬فأقبلت تخد األرض خدا‪ ،‬حتى قامت بين يديه‬ ‫فاستشهدها ثالثا‪ ،‬فشهدت ثالثا أنه كما قال‪ ،‬ثم رجعت إلى منبتها‪ ،‬ورجع‬ ‫األعرابي إلى قومه‪ ،‬وقال‪ :‬إن اتبعوني أتيتك بهم وإال رجعت فكنت معك(‪.)1‬‬ ‫وقد تكرر ذلك مرات مختلفة‪ ،‬منها أنه جاء أعرابي إلى رسول الله ‪‬‬ ‫فقال‪ (:‬بم أعرف أنك نبي) قال‪ (:‬إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني‬ ‫رسول الله) فدعاه رسول الله ‪ ‬فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ‪‬‬ ‫ثم قال‪ (:‬ارجع) فعاد فأسلم األعرابي(‪.)1‬‬ ‫وقد كان احترام الكائنات لرسول الله ‪ ‬وتعظيمها له ومعرفتها بمنزلته عند‬ ‫الله داعية لها لالستجارة به واللجوء إلى بابه كما يلجأ الصادقون‪ ،‬وقد روي من‬ ‫ذلك أن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها‪ ،‬فانفلتت منه حتى جاءت النبي ‪ ‬فتبعها‬ ‫وأخذ يسحبها برجلها‪ ،‬فقال لها النبي ‪( :‬اصبري ألمر الله‪ ،‬وأنت يا جزار فسقها‬ ‫سوقا رفيقا)‬

‫(‪)3‬‬

‫وروي مثل ذلك عن جمل جاء إلى رسول الله ‪ ‬يشكو صاحبه‪ ،‬فقد دخل‬ ‫رسول الله ‪ ‬حائطا لرجل من األنصار فإذا فيه جمل‪ ،‬فلما رأى النبي ‪ ‬حن‬ ‫وذرفت عيناه فأتاه رسول الله ‪ ‬فمسح ذفراه فسكت فقال‪ :‬من رب هذا الجمل؟‬ ‫لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من األنصار فقال‪ :‬لي يا رسول الله‪ ،‬فقال ‪ (:‬أفال‬ ‫(‪ )1‬الدارمي‪ ،11 :‬مسند أبي يعلى‪.34/17 :‬‬ ‫(‪ )1‬الترمذي‪ ،594/5 :‬األحاديث المختارة‪.539/9 :‬‬ ‫(‪ )3‬رواه عبد الرزاق‪.‬‬

‫‪27‬‬


‫تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتذيبه)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي رواية أخرى أو في حادثة أخرى عن يعلى بن مرة قال‪ (:‬كنت مع النبي‬ ‫‪ ‬جالسا ذات يوم إذ جاء جمل يخبب حتى ضرب بجرانه بين يديه ثم ذرفت‬ ‫عيناه‪ ،‬فقال‪ :‬ويحك انظر لمن هذا الجمل؟ إن له لشأنا‪ ،‬قال فخرجت ألتمس‬ ‫صاحبه فوجدته لرجل من األنصار فدعوته إليه فقال‪ :‬ما شأن جملك هذا؟ فقال‪:‬‬ ‫وما شأنه؟ ال أدرى والله ما شأنه‪ ،‬حملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية‬ ‫فأتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه‪ ،‬قال‪ :‬ال تفعل هبه لي أو بعنيه‪ ،‬فقال‪ :‬بل هو‬ ‫لك يا رسول الله‪ ،‬قال‪ :‬فوسمه بميسم الصدقة ثم بعث به)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي رواية أخرى أن رسول الله ‪ ‬قال لصاحب البعير‪ (:‬ما لبعيرك‬ ‫يشكوك؟ زعم أنك سنأته حتى كبر تريد أن تنحره‪ ،‬قال‪ :‬صدقت‪ ،‬والذي بعثك‬ ‫بالحق ال أفعل)‬ ‫وفي رواية أخرى أو حادثة أخرى قال رسول الله ‪ ‬لصاحب البعير‪(:‬‬ ‫بعنيه)‪ ،‬فقال‪ (:‬ال بل أهبه لك يا رسول الله‪ ،‬وإنه ألهل بيت ما لهم معيشة غيره)‪،‬‬ ‫فقال‪ (:‬أما إذا ذكرت هذا من أمره فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف‪ ،‬فأحسنوا إليه)‬ ‫ومثل ذلك روي عن أنس قال‪ :‬مر رسول الله ‪ ‬على قوم قد صادوا ظبية‬ ‫فشدوها إلى عمود فسطاط‪ ،‬فقالت‪ :‬يا رسول الله إني وضعت ولدين خشفين‪،‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد‪.‬‬

‫‪28‬‬


‫فاستأذن لي أن ارضعهما ثم أعود‪ ،‬فقال رسول الله ‪ :‬خلوا عنها حتى تأتى‬ ‫خشفيها فترضعهما وتأتى إليكما‪ ،‬قالوا‪ :‬ومن لنا بذلك يا رسول الله؟قال أنا‪.‬‬ ‫فأطلقوها فذهبت فأرضعتهما ثم رجعت إليهما فاوثقوها‪ ،‬قال‪ :‬أتبيعونها؟ قالوا‪ :‬يا‬ ‫رسول الله هي لك‪ ،‬فخلوا عنها‪ ،‬فأطلقوها‪ ،‬فذهبت(‪.)1‬‬ ‫‪ 3‬ـ التعبير‬ ‫من أهم مظاهر الحياة القدرة على التعبير‪ ..‬وهي وإن كانت ليست شرطا في‬ ‫الحياة إال أن كمال الحياة ال يتحقق إال بها‪.‬‬ ‫وقد أخبر القرآن الكريم عن هذه الطاقة التي تتمتع بها األشياء‪ ،‬بل أخبر أن‬ ‫هذه الطاقة زودت بها األشياء منذ والدتها‪ ،‬فقد قال تعالى عن الكون المتشكل من‬ ‫ أ ْر ِ‬ ‫الس َم ِاء َو ِه َي ُد َخان َف َق َال َل َها َول ِ ْ َ‬ ‫ض ائْتِ َيا‬ ‫السموات واألرض‪ُ ﴿:‬ث َّم ْاست ََوى إِ َلى َّ‬ ‫ِِ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫ين ﴾ (فصلت‪)11:‬‬ ‫َط ْوع ًا َأ ْو ك َْره ًا َقا َلتَا َأ َت ْينَا َطائع َ‬ ‫وأخبر عن اإلنسان أنه تحدث‪ ،‬وهو ال يزال في عالم الذر‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وإِ ْذ‬ ‫َأ َخ َذ َر ُّب َك ِم ْن َبنِي آ َد َم ِم ْن ُظ ُه ِ‬ ‫ور ِه ْم ُذ ِّر َّيت َُه ْم َو َأ ْش َهدَ ُه ْم َع َلى َأ ْن ُف ِس ِه ْم َأ َل ْس ُت بِ َر ِّب ُك ْم‬ ‫(‪ )1‬رواه الطبرانى‪.‬‬ ‫(‪ )1‬استطاع العلم الحديث ـ بما زود من وسائل ـ أن يتوصل إلى ما يدل على هذا الحديث الكوني‪ ،‬وقد كان شرف هذا‬ ‫االكتشاف ألحد علماء الفضاء‪ ،‬وهو البروفيسور (مارك ويتل) من جامعة فيرجينيا‪ ..‬فقد تحدث هذا العالم عن األمواج‬ ‫الصوتية التي أطلقها الكون عندما كان عمره ‪ 347‬ألف سنة‪ ،‬واستمر هذا الصوت الناتج عن تمدد وتوسع الكون حتى أصبح‬ ‫عمر الكون مليون سنة‪ ،‬عندها بدأت النجوم األولى بالتشكل‪( .‬انظر‪ :‬السماء تتك ّلم! حقائق كونية حديثة جد ًا تتج ّلى في‬ ‫القرآن‪ ،‬بقلم المهندس عبد الدائم الكحيل‪ ،‬من موقع‪ :‬موسوعة اإلعجاز العلمي في القرآن والسنة) وانظر في هذا‪ :‬رسالة‬ ‫(معجزات علمية)‬

‫‪29‬‬


‫ِ ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ين﴾ (ألعراف‪)101:‬‬ ‫َقا ُلوا َب َلى َش ِهدْ نَا َأ ْن َت ُقو ُلوا َي ْو َم ا ْلق َيا َمة إِنَّا ُكنَّا َع ْن َه َذا َغافل َ‬ ‫بل أخبر أن الكافرين يكتشفون يوم القيامة هذه القدرة التي تتمتع بها‬ ‫الكائنات التي كانوا يحسبونها جامدة‪ ،‬قال تعالى حكاية عن كالم الجلود بعد‬ ‫تعجب الكفار من كالمها‪ ﴿ :‬و َقا ُلوا لِج ُل ِ‬ ‫ود ِه ْم لِ َم َش ِهدْ ُت ْم َع َل ْينَا َقا ُلوا َأ ْن َط َقنَا ال َّل ُه‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ا َّل ِذي َأ ْن َط َق ُك َّل َش ْي ٍء ﴾ (فصلت‪)11 :‬‬ ‫باإلضافة إلى هذا‪ ،‬فقد ورد في النصوص أن الجنة تتكلم‪ ،‬وتعقل أهلها‪،‬‬ ‫قال ‪ (:‬لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما ال عين رأت وال أذن سمعت‬ ‫وال خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمي فقالت‪ :‬قد أفلح المؤمنون)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد أخبرنا ‪ ‬عن حوار جرى بين الجنة والنار‪ ،‬فقال‪ (:‬تحاجت الجنة‬ ‫والنار‪ ،‬فقالت النار‪ :‬أوثرت بالمتكبرين والتمجبرين؛ وقالت الجنة‪ :‬مالي ال‬ ‫عز َّ‬ ‫وجل‪ ،‬للجنة‪ :‬أنت رحمتي أرحم‬ ‫يدخلني إال ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال ال ّله َّ‬ ‫بك من أشاء من عبادي‪ ،‬وقال للنار‪ :‬إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من‬ ‫عبادي‪ ،‬ولكل واحدة منكما ملؤها)‬

‫(‪)1‬‬

‫وهذه النصوص وغيرها تدل على حياة العالم اآلخر ووعيه وإدراكه‬ ‫وشعوره‪ ،‬وهو ما يهب ذوقا خاصا لمن تأمله وعاشه‪.‬‬

‫(‪ )1‬المعجم الكبير للطبراني‪.144/11 :‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪31‬‬


‫فإدراك المؤمن ـ مثال ـ بأن هذه األرض التي يعيش فيها‪ ،‬والتي لم يسمع‬ ‫حديثها‪ ،‬أو لم يخطر على باله أنها تتحدث‪ ،‬ستتحدث يوما ما لتخبره بكل‬ ‫حركة قام بها على ظهرها‪ ،‬يجعله محتاطا متأدبا متواضعا‪ ،‬فهو ال يركب جمادا‬ ‫ال يعقل‪ ،‬بل هو يمتطي كائنا حيا له وعيه ومشاعره‪.‬‬ ‫ت ْاألَر ُض ِز ْل َزا َلها و َأ ْخرج ِ‬ ‫قال تعالى مصورا ذلك اليوم‪ ﴿:‬إِ َذا ُز ْل ِز َل ِ‬ ‫ت‬ ‫َ َ َ َ‬ ‫ْ‬ ‫ْاألَ ْر ُض َأ ْث َقا َل َها َو َق َال ْ ِ‬ ‫ان َما َل َها َي ْو َم ِئ ٍذ ُت َحدِّ ُ‬ ‫نس ُ‬ ‫ث َأ ْخ َب َار َها بِ َأ َّن َر َّب َك َأ ْو َحى َل َها‬ ‫اإل َ‬ ‫﴾(الزلزلة)‬ ‫وقد فسر ‪ ‬حديث األرض في ذلك اليوم العظيم بقوله بعد أن تال قوله‬ ‫تعالى‪َ ﴿:‬ي ْو َم ِئ ٍذ ُت َحدِّ ُ‬ ‫ث َأ ْخ َب َار َها﴾ (الزلزلة‪ (:)4:‬أتدرون ما أخبارها؟ قالوا‪ :‬ال ّله‬ ‫ورسوله أعلم‪ ،‬قال‪ :‬فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على‬ ‫ظهرها‪ ،‬أن تقول‪ :‬عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا‪ ،‬فهذه أخبارها)‬

‫(‪)1‬‬

‫ولهذا ورد في الحديث األمر بمراعاة األرض والتحفظ منها‪ ،‬قال ‪(:‬‬ ‫تحفظوا من األرض فإنها أمكم‪ ،‬وإنه ليس من أحد عامل عليها خير ًا أو شر ًا‬ ‫إال وهي مخبرة)‬

‫(‪)1‬‬

‫بل أخبر ‪ ‬أن بعض هذا الكشف سيحصل في الدنيا عندما تقترب رحلتها‬ ‫من الدار اآلخرة‪ ،‬أو في البرزخ الذي بين الدنيا واآلخرة‪ ،‬قال ‪ (:‬والذي نفسي‬

‫(‪ )1‬رواه ابن مردويه والبيهقي في شعب اإليمان‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الطبراني في المعجم الكبير‪.‬‬

‫‪30‬‬


‫بيده ال تقوم الساعة حتى تكلم السباع اإلنسان وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه‬ ‫وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده)‬

‫(‪)1‬‬

‫وليس ذلك خاصا باآلخرة‪ ..‬وال بالبرزخ الذي بين الدنيا واآلخرة‪ ،‬بل ورد‬ ‫في النصوص ما يشمل الدنيا واآلخرة‪ ،‬وقد قال رسول الله ‪ (:‬إني ألعرف‬ ‫حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني ألعرفه اآلن)‬

‫(‪)1‬‬

‫هذا في عالم الجماد‪ ،‬أما في عالم الحيوان‪ ،‬فقد ذكر القرآن الكريم منطق‬ ‫حيوانين هما الهدهد والنملة‪:‬‬ ‫أما الهدهد‪ ،‬فقد وردت قصته في قوله تعالى إخبارا عن بعض ما وهب‬ ‫سليمان ‪ ‬من الملك أنه ذات يوم‪َ ﴿:‬ت َف َّقدَ ال َّط ْي َر َف َق َال َما لِ َي ال َأ َرى ا ْل ُهدْ ُهدَ َأ ْم‬ ‫ِ‬ ‫ك َ ِ‬ ‫ين ﴾ (النمل‪)17 :‬‬ ‫َان م َن ا ْل َغائبِ َ‬ ‫وبنبرة الحزم التي تقتضيها السلطة‪ ،‬قال‪َ ﴿:‬ألُ َع ِّذ َبنَّ ُه َع َذاب ًا َش ِديد ًا َأ ْو َألَ ْذ َب َحنَّ ُه‬ ‫َأو َلي ْأتِينِّي بِس ْل َط ٍ‬ ‫ان ُّمبِ ٍ‬ ‫ين ﴾ (النمل‪)11 :‬‬ ‫ْ َ َ ُ‬ ‫وبعد مدة جاء الهدهد‪ ،‬ومعه الحجة التي يبرر بها غيابه‪ ،‬وهي حجة جعلته‬ ‫طت بِ َما َل ْم ُت ِح ْط بِ ِه َو ِج ْئ ُت َك‬ ‫يدخل على سليمان ‪ ‬مزهوا فاخرا‪ ،‬ليقول له‪َ ﴿:‬أ َح ُ‬ ‫ِمن َس َبإٍ بِنَ َبإٍ َي ِق ٍ‬ ‫ين ﴾ (النمل‪)11 :‬‬ ‫دت ا ْم َر َأ ًة ت َْم ِل ُك ُه ْم َو ُأوتِ َي ْت‬ ‫ثم ذكر النبأ اليقين الذي جاء به‪ ،‬فقال‪ ﴿:‬إِنِّي َو َج ُّ‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬

‫‪32‬‬


‫ِمن ُك ِّل َش ْي ٍء َو َل َها َع ْرش َع ِظيم ﴾ (النمل‪)13 :‬‬

‫س ِمن د ِ‬ ‫لش ْم ِ‬ ‫وبنبرة الغاضب لله قال‪َ ﴿:‬و َجدت َُّها َو َق ْو َم َها َي ْس ُجدُ َ‬ ‫ون لِ َّ‬ ‫ون ال َّل ِه‬ ‫ُ‬

‫السبِ ِ‬ ‫يل َف ُه ْم َال َي ْهتَدُ َ‬ ‫الش ْي َط ُ‬ ‫َو َز َّي َن َل ُه ُم َّ‬ ‫ون ﴾ (النمل‪)14 :‬‬ ‫ان َأ ْع َما َل ُه ْم َف َصدَّ ُه ْم َع ِن َّ‬ ‫وبنبرة العارف بالله والناصح لخلق الله قال‪َ ﴿:‬أ َّال َي ْس ُجدُ وا ل ِ َّل ِه ا َّل ِذي ُي ْخ ِر ُج‬ ‫ا ْل َخبء فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ون َو َما ُت ْع ِلنُ َ‬ ‫ض َو َي ْع َل ُم َما ُت ْخ ُف َ‬ ‫ون (‪ )15‬ال َّل ُه َال إِ َل َه إِ َّال‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ْ َ‬ ‫ُه َو َر ُّب ا ْل َع ْر ِ‬ ‫ش ا ْل َع ِظي ِم (‪( ﴾)11‬النمل)‬ ‫وقد عبر عن معرفته لله بحسب حاله‪ ،‬فذكر من صفات الله أنه ﴿ ُي ْخ ِر ُج‬ ‫ا ْل َخبء فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ون َو َما ُت ْع ِلنُ َ‬ ‫ض َو َي ْع َل ُم َما ُت ْخ ُف َ‬ ‫ون﴾‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ْ َ‬ ‫أما النملة‪ ،‬فقد وردت قصتها في قوله تعالى‪َ ﴿:‬حتَّى إِ َذا َأت َْوا َع َلى َو ِادي الن َّْم ِل‬ ‫َقا َل ْت نَم َلة يا َأيها النَّم ُل اد ُخ ُلوا مس ِ‬ ‫اكنَ ُك ْم َال َي ْح ِط َمنَّ ُك ْم ُس َل ْي َم ُ‬ ‫ان َو ُجنُو ُد ُه َو ُه ْم َال‬ ‫ْ َ ُّ َ ْ ْ‬ ‫ََ‬ ‫َي ْش ُع ُر َ‬ ‫ون ﴾ (النمل‪)14 :‬‬ ‫وهي تمثل بقولها هذا عالما جليال من عوالم الرحمة والتكافل واألدب مما‬ ‫يقصر الكثير من البشر المتطاولون عن البلوغ إليه‪.‬‬ ‫فقد كانت في موضع تهديد بوطء جيش سليمان ‪ ‬لها‪ ،‬فلم تكتف في‬ ‫تلك اللحظة المملوءة بالرعب أن تفر بنفسها‪ ،‬بل التفتت إلى النمل من أصحابها‬ ‫أن يفروا بأنفسهم‪.‬‬ ‫وهي في تلك اللحظة لم تتخل عن األدب‪ ،‬فذكرت عذر سليمان ‪‬‬ ‫وجنوده‪ ،‬وهو أنهم قد يطؤونهم من غير شعور منهم‪ ،‬وهو خلق نبيل قل من يكون‬

‫‪33‬‬


‫عليه من البشر‪.‬‬ ‫وقد كانت هذه النملة ينبوعا من المنابع التي فاضت منها الروايات الكثيرة‬ ‫عن عالم النمل‪:‬‬ ‫ومنها ما روي أن سليمان ‪ ‬خرج يستسقي بالناس‪ ،‬فمر بنملة مستلقية‬ ‫على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء‪ ،‬وهي تقول‪ (:‬اللهم إنا خلق من خلقك ليس‬ ‫بنا غنى عن رزقك‪ ،‬فاما أن تسقينا وإما أن تهلكنا)‪ ،‬فقال سليمان ‪ ‬للناس‪(:‬‬ ‫ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد كانت لذلك ـ أيضا ـ منبعا للرحمة والشفقة ـ كما وردت بذلك النصوص‬ ‫واآلثار‪ ،‬ومنها أن النبي ‪ ‬رأى قرية نمل قد حرقت‪ ،‬فقال‪ :‬من حرق هذه؟ قالوا‪:‬‬ ‫نحن‪ ،‬قال‪ (:‬إنه ال ينبغي أن يعذب بالنار إال رب النار)‬

‫(‪)1‬‬

‫وورد في الحديث أن النبي ‪ (:‬نهى عن قتل أربع من الدواب النملة‬ ‫والنحلة والهدهد والصرد)‬

‫(‪)3‬‬

‫ولعل أكثر الحيوانات قدرة على التعبير كما ورد في النصوص واآلثار هي‬ ‫الطيور‪ ،‬فهي بنغماتها المختلفة الجاذبة للقلوب تعبر عن أسمى المعاني‪ ،‬وأشرف‬ ‫الحقائق‪.‬‬ ‫وسنهتدي بنور قوله تعالى عن سليمان ‪ُ ﴿:‬ع ِّل ْمنَا َمنْطِ َق ال َّط ْي ِر ﴾ (النمل‪:‬‬ ‫(‪ )1‬الدر المنثور‪.345/1 :‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة‪.‬‬

‫‪34‬‬


‫‪ )11‬لنسمع بعض أغاني الطيور‪ ،‬دون اهتمام بأسانيد ما نذكره أو مدى صحته‪.‬‬ ‫بل إنا نحاول أن نجعل من الطيور هداة نهتدي بها‪ ،‬ومواعظ عبرة نعتبر بها‪،‬‬ ‫ونأكل البقلة من ألسنتها دون أن نسأل عن البقال(‪:)1‬‬ ‫وأول ما نتعلمه من الطيور الزهد والقناعة التي عبر عنها هذا البلبل الزاهد‬ ‫الذي مر به سليمان ‪ ‬وهو على فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه‪ ،‬فقال‬ ‫سليمان ‪ ‬ألصحابه‪ :‬أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا‪ :‬ال يا نبي الله‪ .‬قال‪ :‬إنه‬ ‫يقول‪ :‬أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء‪.‬‬ ‫ونتعلم األدب من هذا الطائر المؤدب الذي عرف كيف يخاطب نبي الله‪،‬‬ ‫فقد كان سليمان ‪ ‬جالسا ذات يوم إذ مر به طائر يطوف‪ ،‬فقال لجلسائه‪ :‬أتدرون‬ ‫ما يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي‪ :‬السالم عليك أيها الملك المسلط والنبي لبني‬ ‫إسرائيل! أعطاك الله الكرامة‪ ،‬وأظهرك على عدوك‪ ،‬إني منطلق إلى أفراخي ثم أمر‬ ‫بك الثانية؛ وإنه سيرجع إلينا الثانية ثم رجع؛ فقال إنه يقول‪ :‬السالم عليك أيها‬ ‫الملك المسلط‪ ،‬إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم‬ ‫آتيك فافعل بي ما شئت‪ .‬فأخبرهم سليمان بما قال؛ وأذن له فانطلق‪.‬‬ ‫ونتعلم اإليمان بالقضاء والقدر من الهدهد الذي مر به سليمان ‪ ،‬وهو‬ ‫فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا فقال له سليمان‪ :‬احذر يا هدهد! فقال‪ :‬يا نبي‬ ‫الله! هذا صبي ال عقل له فأنا أسخر به‪ ،‬ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة‬

‫(‪ )1‬انظر هذه اآلثار في‪ :‬الدر المنثور‪،344/1 :‬‬

‫‪35‬‬


‫الصبي وهو في يده‪ ،‬فقال‪ :‬هدهد ما هذا؟ قال‪ :‬ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبي‬ ‫الله‪ ،‬قال‪ :‬ويحك! فأنت ترى الماء تحت األرض أما ترى الفخ! قال‪ :‬يا نبي الله إذا‬ ‫نزل القضاء عمي البصر‪.‬‬ ‫ونتعلم قصر األمل من هذا الورشان الذي صاح عند سليمان ‪ ‬فقال‪:‬‬ ‫أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬إنه يقول‪ :‬لدوا للموت وابنوا للخراب‪ .‬وصاحت‬ ‫فاختة‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما تقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬إنها تقول‪ :‬ليت هذا الخلق لم يخلقوا‬ ‫وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا‪.‬‬ ‫ونتعلم وجوها من األخالق من هذه الطيور التي صاحت عنده‪ ،‬وفسرها لنا‪:‬‬ ‫فقد صاح عنده طاوس‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬إنه يقول‪:‬‬ ‫كما تدين تدان‪.‬‬ ‫وصاح عنده هدهد فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬فإنه يقول‪ :‬من ال‬ ‫يرحم ال يرحم‪.‬‬ ‫وصاح صرد عنده‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬إنه يقول‪:‬‬ ‫استغفروا الله يا مذنبين‪.‬‬ ‫وصاحت عنده طيطوى فقال‪ :‬أتدرون ما تقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬إنها تقول‪:‬‬ ‫كل حي ميت وكل جديد بال‪.‬‬ ‫وصاحت خطافة عنده‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما تقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬إنها تقول‪:‬‬ ‫قدموا خيرا تجدوه‪.‬‬

‫‪36‬‬


‫ونتعلم صنوف الذكر من هذه الطيور التي فسر لنا سليمان ‪ ‬منطقها‪:‬‬ ‫فقد هدرت حمامة عنده‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما تقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬إنها تقول‪:‬‬ ‫سبحان ربي األعلى عدد ما في سماواته وأرضه‪.‬‬ ‫وصاح قمري عنده‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال إنه يقول‪ :‬سبحان‬ ‫ربي العظيم المهيمن‪.‬‬ ‫وصاح دراج عنده‪ ،‬فقال‪ :‬أتدرون ما يقول؟ قالوا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬إنه يقول‪﴿:‬‬ ‫الر ْح َم ُن َع َلى ا ْل َع ْر ِ‬ ‫ش ْاست ََوى﴾ (طـه‪)5:‬‬ ‫َّ‬ ‫وحدثهم عن الغراب أنه يقول‪ (:‬اللهم العن العشار)‬ ‫وعن الحدأة أنها تقول‪ُ ﴿:‬ك ُّل َش ْي ٍء َهالِك إِ َّال َو ْج َهه ﴾ (القصص‪)44 :‬‬ ‫وعن القطاة أنها تقول‪ (:‬من سكت سلم)‬ ‫وعن الببغاء أنها تقول‪ (:‬ويل لمن الدنيا همه)‬ ‫وعن الضفدع أنها تقول‪ (:‬سبحان ربي القدوس)‬ ‫وعن البازي أنه يقول‪ (:‬سبحان ربي وبحمده)‬ ‫وعن السرطان أنه يقول‪ (:‬سبحان المذكور بكل لسان في كل مكان)‬ ‫وهذه النصوص التي أوردناها ـ مع القول باحتمال صحتها وعدمه ـ الغرض‬ ‫منها هو التنبيه إلى الحكم التي نطقت بها‪ ،‬والمعارف التي منحتها‪.‬‬ ‫أما المبالغة في ذلك ـ مما ينتشر بين العامة ـ من التفاؤل بالطيور وأصواتها أو‬ ‫التشاؤم بها‪ ،‬فهو محرم شرعا‪ ،‬كتحريم التنجيم سواء بسواء‪.‬‬

‫‪37‬‬


‫فاألقدار بيد الله ال بيد الطيور أو النجوم أو الكهان‪ ،‬وقد روي أن طائرا مر‬ ‫على ابن عباس وهو يصيح؛ فقال رجل من القوم‪ :‬خير‪ ،‬خير‪ .‬فقال ابن عباس‪ :‬ما‬ ‫عند هذا ال خير وال شر‪.‬‬ ‫وقد كانت العرب تتيمن بالسانح‪ ،‬وهو الذي يأتي من ناحية اليمين‪ ،‬وتتشاءم‬ ‫بالبارح‪ ،‬وهو الذي يأتي من ناحية الشمال‪ ،‬وكانوا يتطيرون بصوت الغراب؛‬ ‫ويتأولونه البين(‪.)1‬‬ ‫وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور‪ ،‬وبأصواتها في‬ ‫غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك‪ ،‬ومثلها الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة‪،‬‬ ‫ويقولون إذا برحت‪ (:‬من لي بالسانح بعد البارح)‬ ‫ولهذا سمي التشاؤم تطيرا‪ ،‬وقد جاءت الشريعة بالنهي عن التطير والتشاؤم‬ ‫بما يسمع من صوت طائر ما كان‪ ،‬وعلى أي حال كان‪:‬‬ ‫فنفى ‪ ‬نسبة المتطير عن األمة‪ ،‬قال ‪ (:‬لن يلج الدرجا ت العلى من‬ ‫تكهن أو استقسم أو رجع من سفره تطيرا)‬

‫(‪)1‬‬

‫بل اعتبر التطير شركا‪ ،‬فقال ‪ (:‬الطيرة شرك ‪ -‬ثالثا ‪ -‬وما منا إال ولكن‬

‫(‪ )1‬وكان منهم أيضا من ال يرى التطير شيئا‪ ،‬ويمدحون من كذب به‪ ،‬كما قال المرقش‪:‬‬ ‫ولقد غدوت وكنت ال‬

‫أغدو على واق وحاتم‬

‫فإذا األشائم كاأليا‬

‫من واأليامن كاألشائم‬

‫(‪ )1‬رواه الطبراني في الكبير‪.‬‬

‫‪38‬‬


‫الله يذهبه بالتوكل)‬

‫(‪)1‬‬

‫وعلمنا ‪ ‬كيف نوحد الله‪ ،‬وننفي الشرك عند التطير بقوله ‪ (:‬من رجعته‬ ‫الطيرة عن حاجته فقد أشرك) قيل‪ :‬وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال‪ ( :‬أن يقول‬ ‫أحدهم اللهم ال طير إال طيرك وال خير إال خيرك وال إله غيرك ثم يمضي‬ ‫لحاجته)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي حديث آخر علمنا أن نقول‪ (:‬إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللهم ال يأتي‬ ‫بالحسنات إال أنت وال يذهب بالسيئات إال أنت ال حول وال قوة إال بك)‬

‫(‪)3‬‬

‫ونهى ‪ ‬عن كل سبب يؤدي إلى التطير‪ ،‬فقال ‪ (:‬أقروا الطير على‬ ‫مكناتها )‬

‫(‪)5( )4‬‬

‫وذلك أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكرها‬ ‫فنفرها؛ فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته‪ ،‬وهذا هو السانح عندهم‪ ،‬وإن‬ ‫أخذت ذات الشمال رجع‪ ،‬وهذا هو البارح عندهم‪ ،‬فنهى النبي ‪ ‬عن هذا‪.‬‬ ‫ولكن الخرافة مع ذلك ال تعني سد الباب مطلقا‪ ،‬ولذلك ال نرى أن العلم‬ ‫بمنطق الطير أو غيره من األشياء خاص بسليمان ‪ ،‬فالنصوص الكثيرة تنفي‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد والبخاري في األدب‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد والطبراني في الكبير وابن السني في عمل اليوم والليلة‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه ابن السني‪.‬‬ ‫(‪ )4‬الوكنة‪ :‬اسم لكل وكر وعش‪ ،‬والوكن‪ :‬موضع الطائر الذي يبيض فيه ويفرخ‪ ،‬وهو الخرق في الحيطان والشجر‪.‬‬ ‫(‪ )5‬رواه أبو داود والحاكم‪.‬‬

‫‪39‬‬


‫ذلك‪ ،‬ويكفي ما أخبر ‪ ‬عند ذكره لعالمات الساعة‪ (:‬والذي نفسي بيده ال تقوم‬ ‫الساعة حتى تكلم السباع اإلنسان‪ ،‬وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله‬ ‫وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد نفى األلوسي أن يكون ذلك خاصا بسليمان ‪ ‬بقوله‪ (:‬وقيل كانت‬ ‫الطير تكلمه ‪ ‬معجزة له نحو ما وقع من الهدهد‪ ،‬وقيل علم ‪ ‬ماتقصده الطير‬ ‫في أصواتها في سائر أحوالها فيفهم تسبيحها ووعظها وما تخاطبه به ‪ ‬وما‬ ‫يخاطب به بعضها بعضا‪ ،‬وبالجملة علم من منطقها ما علم االنسان من منطق بني‬ ‫صنفه‪ ،‬واليستبعد أن يكون للطير نفوس ناطقة ولغات مخصوصة تؤدي بها‬ ‫مقاصدها كما في نوع االنسان إال أن النفوس االنسانية أقوى وأكمل‪ ،‬واليبعد أن‬ ‫تكون متفاوتة تفاوت النفوس االنسانية الذي قال به من قال‪ ،‬ويجوز أن يعلم الله‬ ‫تعالى منطقها من شاء من عباده وال يختص ذلك باألنبياء عليهم السالم ويجري ما‬ ‫ذكرناه في سائر الحيوانات)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني يتحدث عن نفسه‪ (:‬وقد وقع لي في‬ ‫ابتداء أمري أني كنت أسمع كالم من في أقطار األرض من الهند والصين وغيرهما‪،‬‬ ‫حتى أني كنت أسمع كالم السمك في البحار المحيطة‪ ،‬ثم إن الله تعالى حجب‬ ‫عني وأبقى معي العلم كي ال أنكر مثل ذلك على أحد)‬

‫(‪)3‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان‪.‬‬ ‫(‪ )1‬تفسير األلوسي‪.‬‬ ‫(‪ )3‬العهود المحمدية‪.‬‬

‫‪41‬‬


‫ولذلك نرى أنه يمكن للبشر أن يفهموا لغة الحيوانات سواء عن طريق‬ ‫الكرامة أو االستدراج أو حتى بالدراسة والبحث‪ ،‬مع قصور البحث عن الوصول‬ ‫إلى كل ما يعبر به الحيوان عن نفسه‪ ،‬فالعلم في صورته الحديثة قاصر على معرفة‬ ‫الحاجات المادية ل أشياء‪.‬‬ ‫وفي هذا المجال أثبتت الدراسات العلمية‬

‫(‪)1‬‬

‫أن لكل نوع من أنواع‬

‫الحيوانات رائحة خاصة به‪ ،‬وداخل النوع الواحد هناك روائح إضافية تعمل بمثابة‬ ‫بطاقة شخصية أو جواز سفر للتعريف بشخصية كل حيوان أو العائالت المختلفة‪،‬‬ ‫أو أفراد المستعمرات المختلفة‪.‬‬ ‫و الرائحة تعتبر لغة خفية أو رسالة صامتة تتكون مفرداتها من مواد كيماوية‬ ‫أطلق عليها العلماء اسم ( فرمونات)‪ ،‬وهي بمثابة الحروف‪.‬‬ ‫وكمثال على لغات الحيوان‪ ،‬نعود إلى عالم النمل‪ ،‬فالعلم الحديث ينص‬ ‫على أن النمل يتميز برائحة خاصة تدل على العش الذي ينتمي إليه‪ ،‬والوظيفة التي‬ ‫تؤديها كل نملة في هذا العش‪ ،‬وحينما تلتقي نملتان فإنهما تستخدمان قرون‬ ‫االستشعار‪ ،‬وهي األعضاء الخاصة بالشم‪ ،‬لتعرف الواحدة األخرى‪.‬‬ ‫وقد وجد أنه إذا دخلت نملة غريبة مستعمرة ال تنتمي إليها‪ ،‬فإن النمل في‬ ‫هذه المستعمرة يتعرفها من طريق رائحتها ويعدها عدو ًا‪ ،‬ثم يبدأ في الهجوم عليها‪،‬‬ ‫ومن الطريف أنه في إحدى التجارب المعملية وجد أن إزالة الرائحة الخاصة‬

‫(‪ )1‬انظر‪ :‬رحيق العلم واإليمان‪ ،‬للدكتور أحمد فؤاد باشا‪.‬‬

‫‪40‬‬


‫ببعض النمل التابع لعشيرة معينة ثم إضافة رائحة رائحة خاصة بنوع آخر عدو له‪،‬‬ ‫أدى إلى مهاجمته بأفراد من عشيرته نفسها‪.‬‬ ‫وفي تجربة أخرى تم غمس نملة برائحة نملة ميتة ثم أعيدت إلى عشها‪،‬‬ ‫فلوحظ أن أقرانها يخرجونها من العش لكونها ميتة‪ ،‬وفي كل مرة تحاول فيها‬ ‫العودة يتم إخراجها ثانية على الرغم من أنها حية تتحرك وتقاوم‪ ،‬وحينما تمت إزالة‬ ‫رائحة الموت فقط تم السماح لهذه النملة بالبقاء في العش‪.‬‬ ‫وحينما تعثر النملة الكشافة على مصدر للطعام فإنها تقوم على الفور بإفراز‬ ‫( الفرمون) الالزم من الغدد الموجودة في بطنها لتعليم المكان‪ ،‬ثم ترجع إلى‬ ‫العش‪ ،‬وفي طريق عودتها ال تنسى تعليم الطريق حتى يتعقبها زمالؤها‪ ،‬وفي‬ ‫الوقت نفسه يصيفون مزيد ًا من اإلفراز لتسهيل الطريق أكثر فأكثر‪.‬‬ ‫ومن العجيب أن النمل يقلل اإلفراز عندما يتضاءل مصدر الطعام ويرسل‬ ‫عددا أقل من األفراد إلى مصدر الطعام‪ ،‬وحينما ينضب هذا المصدر تمام ًا فإن آخر‬ ‫نملة‪ ،‬وهي عائدة إلى العش ال تترك أثر ًا على اإلطالق‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى هذا‪ ،‬فقد أثبت العلم الحديث‬

‫(‪)1‬‬

‫أن لكل نوع من أنواع‬

‫الحيوانات لغة خاصة به‪ ،‬يتفاهم بها‪ ،‬ويتعارف مع غيره على أحوال ما حوله‪ ..‬فهذه‬ ‫هي الدجاجة التي تصدر أصوات ًا مميزة‪ ،‬فنرى صغارها أقبلت في سرعة تلتقط معها‬ ‫الحب‪ ..‬وتصدر أصوات ًا مخافة‪ ،‬فإذا بالصغار تهرول إلى العش في لحظة‪.‬‬

‫(‪ )1‬انظر‪( :‬الله والعلم الحديث)‪ ،‬عبد الرزاق نوفل‪.‬‬

‫‪42‬‬


‫يقول (ألن ديفو) ـ وهو أحد علماء الحيوان ـ أنه وقف يوم ًا يراقب ثالثة من‬ ‫صغار الثعلب تلعب حول أمها‪ ،‬وإذا بصغير منها يدخل في الغابة‪ ،‬ويبتعد عنها بعدا‬ ‫بحيث غاب عن النظر‪ ،‬فاستوت األم قائمة ومدت أنفها إلى الناحية التي ذهب‬ ‫منها‪ ،‬وبقيت على حالها هذه برهة عاد بعدها الصغير في اتجاه أمه ال يلتفت يمنة أو‬ ‫يسرة‪ ،‬كأنما كانت تجذبه بخيط ال تراه العين‪.‬‬ ‫ومثل ذلك وجدوا أن النحلة إذا عثرت على حقل مزهر عادت إلى الخلية‪،‬‬ ‫وما إن تتوسطها حتى ترقص رقص ًا خاص ًا‪ ،‬فإذا بالنحل يندفع إليها‪ ،‬ويسير خلفها‬ ‫إلى حيث تهديه النحلة إلى الزهور‪.‬‬ ‫ويتكلم نمل الشجر في المناطق االستوائية بلغة عجيبة‪ ،‬إذ يصعد إلى‬ ‫الشجرة ويدق دقات غير منتظمة‪ ،‬تقارب إشارات مورس التلغرافية‪ ،‬ويبلغ من‬ ‫قوتها أن تسمع من بعيد‪.‬‬ ‫وقد لوحظ أن أسراب الفيلة‪ ،‬ال تكف لحظة عن غمغمة‪ ،‬طالما هي تسير في‬ ‫رهط‪ ،‬فإذا تفرقت الجماعة‪ ،‬وسار كل فيل على حدة انقطع الصوت تمام ًا‪ ..‬ومن‬ ‫أعجب ما يؤيد لغة الفيلة‪ ،‬تلك األصوات المزعجة التي تالحظ عندما تجتمع‬ ‫الفيلة على المحكوم عليه ليعيش وحيدا ويسير منفرد ًا‪..‬‬ ‫وأصوات الغراب مميزة تميز ًا واضح ًا‪ ..‬فنعيبه أكبر على الخطر‪ ،‬وهو‬ ‫يصدره ليحذر به أبناء جنسه‪ ،‬بينما يصدر في مرحه ولعبه أصوات ًا أخرى تقرب من‬ ‫القهقهة‪.‬‬

‫‪43‬‬


‫ويفهم الحيوان لغة اإلنسان ويستجيب لها‪ ،‬كما يدعو اإلنسان الدجاج إلى‬ ‫الغذاء بصوت معروف‪ ،‬ويدعو اإلوز والبط بصوت مغاير‪ ،‬ويدعو الدواب إلى‬ ‫الشراب بالصفير كما يستطيع األوالد في الريف عند صيد السمك من جذبه قريب ًا‬ ‫منهم بأصوات خاصة‪ ،‬وكلنا نعلم أن الكلب في المنزل يعرف بل ينفذ أوامر سيده‪،‬‬ ‫وفي أمريكا رجل اسمه (جاك ماينز) تخصص في دراسة اإلوز البري‪ ،‬وبلغ من‬ ‫علمه بلغتها‪ ،‬أنه يستطيع أن يدعو سربا طائر ًا إلى النزول‪ ،‬حيث يختفي وذل بأن‬ ‫يخاطب اإلوز بلغتها ويخبرها بوجود بركة صالحة وطعام كثير‪.‬‬ ‫وما ذكره العلم الحديث من هذا هو بداية فقط‪ ..‬ويمكن للعلم في المستقبل‬ ‫أن يتعرف على الكثير من المعارف في هذا الجانب‪ ،‬بل يمكنه لو تخلى من منطق‬ ‫الصراع الذي يتعامل به مع الكون أن يعقد صداقة حميمة مع الكائنات جميعا‪،‬‬ ‫فيستفيد منها من غير أن يؤذيها ومن غير أن تؤذيه‪.‬‬ ‫وهذه العالقة النافعة ال تقتصر على منافع الدنيا مما قد يكون كرامة لبعض‬ ‫الصالحين‪ ،‬أو لحاجة من الحاجات‪ ،‬بل هي عامة شاملة‪ ،‬يمكن حصولها إن‬ ‫توفرت أسبابها‪:‬‬ ‫فجميع األشياء تشهد للمؤذن‪ ،‬قال ‪ (:‬ال يسمع صوت المؤذن جن وال‬ ‫إنس وال شجر وال حجر وال مدر وال شيء إال شهد له يوم القيامة)(‪ ،)1‬وقال ‪(:‬‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري‪.‬‬

‫‪44‬‬


‫يغفر للمؤذن منتهى أذانه ويستغفر له كل رطب ويابس سمعه)‬

‫(‪)1‬‬

‫وسر هذا هو ما ذكرنا سابقا من أن جميع األشياء تفرح لذكر الله‪ ،‬وهذا الفرح‬ ‫يبعثها على مجازاة من يسمعها هذا الذكر باالستغفار والشهادة له‪ ،‬وصوت المؤذن‬ ‫الذي يجتهد في رفع صوته ليبلغها هذا‪ ،‬يكون جزاؤه بحسب منتهى آذانه‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ التحضر‪:‬‬ ‫نقصد بالتحضر في هذا المبحث مرحلة من مراحل الحياة‪ ،‬أو صفة من‬ ‫صفات األحياء‪ ..‬وهي ترتبط بتعامل الحي مع العالم الخارجي‪ ..‬ومحاولته‬ ‫االنسجام معه إما بصنوف التنظيم‪ ،‬وإما باألخالق واآلداب‪ ،‬وإما بالقوانين‬ ‫والنظم‪ ،‬وإما بالبحث في سبل تيسير الحياة‪ ،‬وتوفير المرافق التي تتطلبها‪.‬‬ ‫ويشير إلى هذا النوع من الحياة‪ ،‬أو من أوصاف الحياة قوله تعالى‪َ ﴿:‬و َما ِم ْن‬ ‫ِ ِ‬ ‫َاح ْي ِه إِ َّال ُأ َمم َأ ْم َثا ُل ُك ْم َما َف َّر ْطنَا فِي ا ْل ِكت ِ‬ ‫َدا َّب ٍة فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫َاب ِم ْن‬ ‫ض َوال َطائ ٍر َيط ُير بِ َجن َ‬ ‫َش ْي ٍء ُث َّم إِ َلى َر ِّب ِه ْم ُي ْح َش ُر َ‬ ‫ون﴾ (األنعام‪)34:‬‬ ‫فاآلية تقرر حقيقة جليلة تهذب عالقتنا بغيرنا في هذا الكون‪ ،‬وهي أنه ( ما‬ ‫من دابة تدب على األرض ‪ -‬وهذا يشمل كل األحياء من حشرات وهوام‬ ‫وزواحف وفقاريات ‪ -‬وما من طائر يطير بجناحية في الهواء ‪ -‬وهذا يشمل كل‬ ‫طائر من طير أو حشرة غير ذلك من الكائنات الطائرة‪ ..‬ما من خلق حي في هذه‬ ‫األرض كلها إال وهو ينتظم في أمة‪ ،‬ذات خصائص واحدة‪ ،‬وذات طريقة في الحياة‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد والطبراني في الكبير والبزار‪.‬‬

‫‪45‬‬


‫واحدة كذلك‪ ..‬شأنها في هذا شأن أمة الناس)‬

‫(‪)1‬‬

‫و ال تكون هذه المخلوقات أمما إال إذا كان لها من الوعي واإلدراك ما تقيم‬ ‫به الروابط االجتماعية فيما بينها‪ ،‬وهذا بدوره يستدعي توفر وسائل خاصة للتفاهم‬ ‫فيما بينها‪ ،‬وهو ما كشف عنه العلم الحديث في حياة أنواع كثيرة من الطيور‬ ‫والحشرات والحيوان‪.‬‬ ‫وسنحاول انطالقا من النصوص المقدسة‪ ،‬ومن خالل ما اكتشفه العلم أن‬ ‫نبحث في دالئل أممية الكائنات الحية‪ ،‬وما وهبته من قدرات على التحضر‪.‬‬ ‫التنظيم‪:‬‬ ‫ويشير إليه من القرآن الكريم قوله تعالى‪َ ﴿:‬حتَّى إِ َذا َأت َْوا َع َلى َو ِاد الن َّْم ِل َقا َل ْت‬ ‫نَم َلة يا َأيها النَّم ُل اد ُخ ُلوا مس ِ‬ ‫اكنَ ُك ْم ال َي ْحطِ َمنَّ ُك ْم ُس َل ْي َم ُ‬ ‫ان َو ُجنُو ُد ُه َو ُه ْم ال‬ ‫ْ ْ‬ ‫ْ َ ُّ َ‬ ‫ََ‬ ‫َي ْش ُع ُر َ‬ ‫ون﴾ (النمل‪)14:‬‬ ‫ففي هذه اآلية إشارة إلى أن عالم النمل عالم منظم محكوم بقوانين ال‬ ‫يخالفها‪ ،‬فهذه النملة لم تكتف بالهرب بنفسها‪ ،‬بل دعت سائر النمل‪ ،‬ولوال علمها‬ ‫بأنهن سيطعنها ما فعلت‪.‬‬ ‫وال بأس أن نقتبس هنا ـ مهتدين بنور اآلية ـ بعض ما اكتشفه العلم الحديث‬

‫(‪)1‬‬

‫من مجتمعات النمل الدالة على وعي هذه الحشرة الصغيرة بما تفعله‪.‬‬

‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.1747/1 :‬‬ ‫(‪ )1‬اقتبسنا هذه االكتشافات من كتاب‪ :‬رحيق العلم واإليمان الدكتور أحمد فؤاد باشا‪.‬‬

‫‪46‬‬


‫ذكر أحد علماء التاريخ الطبيعي‪ ،‬وهو (رويال ديكنسون) في كتابه ( شخصية‬ ‫الحشرات) أنه ظل يدرس مدينة النمل حوالي عشرين عام ًا في بقاع مختلفة من‬ ‫العالم فوجد نظام ًا ال يمكن أن نراه في مدن البشر‪ ،‬وراقبه وهو يرعى أبقاره‪ ،‬وهي‬ ‫عبارة عن خنافس صغيرة رباها النمل في جوف األرض زمان ًا طوي ً‬ ‫ال حتى فقدت‬ ‫في الظالم بصرها‪.‬‬ ‫وذكر أن أمة النمل ـ شأنها شأن أمة اإلنسان ـ قد سخرت مئات األجناس من‬ ‫حيوانات أدنى منها جنس ًا في مصالحها‪ ،‬ومنها ( بق النبات)‪ ،‬وهو حشرة صغيرة‬ ‫تعيش على النبات ويصعب استئصالها‪ ،‬ألن أجناسها كثيرة من النمل ترعاها‪ ،‬وألن‬ ‫داخل المستعمرة ال يمكن أن تعيش النباتات‪ ،‬فإن النمل يرسل الرسل لتجمع له‬ ‫بيض هذا البق حيث تعنى به وترعاه حتى يفقس وتخرج صغاره‪ ،‬ومتى كبرت تدر‬ ‫سائ ً‬ ‫ال حلوا كالعسل يقوم على حلبه جماعة من النمل ال عمل لها إال حلب هذه‬ ‫الحشرات بمسها بقرونها‪ ،‬وتنتج هذه الحشرة ‪ 44‬قطرة من العسل كل يوم‪ ،‬وهذا‬ ‫ما يزيد مائة ضعف عما تنتجه البقرة إذا قارنا حجم الحشرة بحجم البقرة‪.‬‬ ‫ووجد أن النمل زرع مساحة بلغت خمسة عشر متر ًا مربع ًا من األرض حيث‬ ‫قامت جماعة من النمل بحرثها على أحسن ما يقضى به علم الزراعة‪ ،‬فبعضها زرع‬ ‫األرز‪ ،‬وجماعة أزالت األعشاب‪ ،‬وغيرها قامت لحراسة الزراعة من الديدان‪.‬‬ ‫و لما بلغت عيدان األرز نموها‪ ،‬وكان يرى صف ًا من شغالة النمل ال ينقطع‪،‬‬ ‫يتجه إلى العيدان فيتسلقها إلى خب األرز‪ ،‬فتنزع كل شغالة من النمل حبة‪ ،‬وتنزل‬

‫‪47‬‬


‫بها سريعة إلى مخازن تحت األرض الصورة‪.‬‬ ‫و قد طلى العالم أفراد النمل باأللوان‪ ،‬فوجد أن الفريق الواحد من النمل‬ ‫يذهب دائما إلى العود الواحد حتى يفرغ ما عليه من األرز‪ .‬ولما فرغ الحصاد هطل‬ ‫المطر أيام ًا وما إن انقطع حتى أسرع العالم إلى مزرعة النمل ليتعرف أحواله فوجد‬ ‫البيوت تحت األرض مزدحمة بالعمل‪ ،‬ووجد النملة تخرج من عشها تحمل حبة‬ ‫األرز وتذهب إلى العراء في جانب مائل من األرض معرض للشمس‪ ،‬وتضع‬ ‫حبتها لتجف من ماء المطر‪ ،‬وما إن انتصف النهار حتى كان األرز قد جف وعاد‬ ‫الشغالة به إلى مخازنه تحت األرض‪.‬‬ ‫العمران‪:‬‬ ‫ونقصد به ما زودت به األحياء من قدرات على توفير ما تحتاجه في حياتها‬ ‫من مرافق‪ ،‬ويشير إلى هذا النوع من التحضر ما ذكره الله تعالى من وحيه للنحل‬ ‫بكيفية بناء بيوتها‪ ،‬فقال تعالى‪ ﴿:‬و َأوحى رب َك إِ َلى النَّح ِل َأ ِن ات ِ‬ ‫َّخ ِذي ِم َن ا ْل ِج َب ِ‬ ‫ال‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ َ َ ُّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫الش َج ِر َو ِم َّما َي ْع ِر ُش َ‬ ‫اس ُل ِكي ُس ُب َل َر ِّب ِك ُذ ُل ً‬ ‫ُب ُيوت ًا َو ِم َن َّ‬ ‫ال‬ ‫ون ُث َّم ُكلي م ْن ُك ِّل ال َّث َم َرات َف ْ‬

‫َي ْخ ُر ُج ِم ْن ُب ُطونِ َها َش َراب ُم ْخت َِلف َأ ْل َوا ُن ُه فِ ِيه ِش َفاء لِلن ِ‬ ‫َّاس إِ َّن فِي َذلِ َك َآل َي ًة ل ِ َق ْو ٍم‬ ‫َي َت َفك َُّر َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪ 14:‬ـ ‪)19‬‬

‫فاآليتان تشيران إلى أن للنحل نظاما في منتهى الدقة واإلحكام‪ ،‬وهو ما‬ ‫سنراه من مكتشفات العلم الحديث‪ ،‬وتشير كذلك ـ وهو المهم ـ إلى أن لهذا‬

‫‪48‬‬


‫المخلوق من الوعي ما يستطيع أن يتلقى به وحي الله الذي يوجه أفعاله(‪.)1‬‬ ‫وقد كشف العلم الحديث عن بعض أسرار الوحي الذي تتلقاه أمة النحل‪،‬‬ ‫وال بأس من استعراض الناحيتين اللتين أشارت إليهما اآليتين‪ ،‬واعتبرتهما ثمرة‬ ‫وحي الله تعالى‪ ،‬وهما‪ :‬بيوت النحل‪ ،‬والطرق ـ أو سبل الله كما يسميها القرآن‬ ‫الكريم ـ التي يسلكها النحل مهتديا بالوحي اإللهي(‪:)1‬‬ ‫فأول ما يشير إلى اعتماد النحل على الوحي اإللهي هو بناء أقراص الشمع‬ ‫على هيئة خاليا سداسية تستعمل كمستودعات الختزان العسل‪ ،‬وقد أشار كثير من‬ ‫علماء المسلمين إلى الحكمة من اختيار ذلك الشكل‪ ،‬يقول ابن العربي‪ (:‬ومن‬ ‫عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها التخاذ بيوتها مسدسة‪ ،‬فبذلك اتصلت‬ ‫حتى صارت كالقطعة الواحدة‪ ،‬وذلك أن األشكال من المثلث إلى المعشر إذا‬ ‫جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل وجاءت بينهما فرج‪ ،‬إال الشكل المسدس؛‬ ‫فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة)‬

‫(‪)3‬‬

‫ويؤيد العلم الحديث هذا‪ ،‬فقد نص على أنه يكفي أن نتعرف على عظمة هذا‬ ‫اإلعجاز الهندسي من علماء الرياضيات الذين يقولون بأن النحل يصنع خالياه‬

‫(‪ )1‬وتعبير ( الوحي) هو التعبير الدال على حقيقة ما يبديه الكون من عجائب ال يستطيع عقله الصغير أن يقوم بها بمعزل‬ ‫عن إلهام وتوجيه الله تعالى ‪ ،‬ولذلك يعبر القرآن الكريم عن ما يحصل في األرض عند القيامة بقوله تعالى‪َ ﴿:‬ي ْو َم ِئ ٍذ ُت َحدِّ ُ‬ ‫ث‬ ‫َأ ْخ َب َار َها بِ َأ َّن َر َّب َك َأ ْو َحى َل َها ﴾( الزلزلة‪ 4:‬ـ‪)5‬‬ ‫(‪ )1‬المعلومات الحديثة مقتبسة من كتاب ( رحيق العلم واإليمان) للدكتور أحمد فؤاد باشا‪.‬‬ ‫(‪ )3‬القرطبي‪.134/17 :‬‬

‫‪49‬‬


‫بهذا الشكل ألنه يسمح لها باحتواء أكبر عدد ممكن من أعضاء المملكة‪ ،‬وبأقل‬ ‫قدرة ممكن من الشمع الغالي الالزم لبناء جدرانها‪ ،‬وهي عملية عبقرية تبلغ درجة‬ ‫من الكمال تفوق كل عبقريات البشر مجتمعين‪.‬‬ ‫و ينص علماء الحشرات على أن شغاالت النحل تبذل جهد ًا خارق ًا للحفاظ‬ ‫على العسل‪ ،‬فهي تنظف الخلية بمهارة فائقة وتسدّ كل الشقوق وتلمع كل الحوائط‬ ‫بغراء النحل‪ ،‬وهي ال تقنع بتهوية الخلية بل تحافظ على ثبات درجة الحرارة فيها‬ ‫عند مستوى ثابت وتقوم بعملية تكييف للهواء داخل الخلية‪.‬‬ ‫ففي أيام الصيف القائظ يمكن للمرء أن يرى طوابير الشغاالت وقد وقفن‬ ‫بباب الخلية واتجهن جميع ًا إلى ناحية واحدة ثم قمن بتحريك أجنحتهن بقوة‪.‬‬ ‫وهذه الشغاالت يطلق عليها اسم (المروحة) ألن عملها يؤدي إلى إدخال تيارات‬ ‫قوية من الهواء البارد إلى الخلية‪.‬‬ ‫ومن ناحية أخرى توجد في داخل الخلية مجموعة أخرى من الشغاالت‬ ‫منهمكة في طرد الهواء الساخن إلى خارج الخلية‪ .‬أما في األجواء الباردة فإن‬ ‫النحل يتجمع فوق األقراص لكي تقلل ما يتعرض من سطحها للجو‪ ،‬وتزيد حركة‬ ‫التمثيل الغذائي ببدنها‪ ،‬وتكون النتيجة رفع درجة الحرارة داخل الخلية بالقدرة‬ ‫الالزمة لحماية العسل من الفساد‪.‬‬ ‫أما الناحية الثانية التي أشار إليها القرآن الكريم فهي الطرق التي يسلكها‬ ‫النحل ليجمع رحيق األزهار‪ ،‬وقد نص علماؤنا القدامى على بعض وجوه الوحي‬

‫‪51‬‬


‫الذي يتلقاه النحل لتحقيق ذلك‪ ،‬قال ابن كثير‪ (:‬ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا‬ ‫أن تأكل من كل الثمرات وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها أي‬ ‫مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة واألودية‬ ‫والجبال الشاهقة ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها ال تحيد عنه يمنة وال يسرة بل‬ ‫إلى بيتها ومالها فيه من فراخ وعسل)‬

‫(‪)1‬‬

‫والعلم الحديث يؤيد هذا بالشواهد الكثيرة التي تحيل أن يفعل النحل ذلك‬ ‫بعقله الفطري البسيط‪ ،‬بل يحتاج إلى الوحي اإللهي الذي نص عليه القرآن الكريم‪.‬‬ ‫فالدراسات العلمية المستفيضة لمملكة النحل تنص على أن إلهام الله تعالى‬ ‫لها يجعلها تطير الرتشاف رحيق األزهار‪ ،‬فتبتعد عن خليتها آالف األمتار‪ ،‬ثم‬ ‫ترجع إليها ثانية دون أن تخطئها وتدخل خلية أخرى غيرها‪ ،‬علما بأن الخاليا في‬ ‫المناحل تكون متشابهة ومرصوصة بعضها إلى جوار بعض‪ ،‬وذلك ألن الله تعالى‬ ‫قد ذلل الطريق وسهلها لها ومنحها من قدرات التكيف الوظيفي والسلوكي ما‬ ‫يعينها في رحالت استكشاف الغذاء وجنية ثم العودة بعد ذلك إلى البيت‪.‬‬ ‫و قد نص العلم الحديث على أن العشيرة الواحدة من النحل تستطيع أن‬ ‫تجمع نحو ‪ 157‬كيلوجراما من العسل في الموسم الواحد‪ .‬والكيلوجرام الواحد‬ ‫من العسل يكلف النحلة ما بين ‪ 117777‬و‪ 157‬ألف حمل ٍ من الرحيق تجمعها‬ ‫بعد أن تطير مسافة تعادل محيط األرض عدة مرات في المتوسط‪ .‬وتستطيع النحلة‬

‫(‪ )1‬ابن كثير‪.501/1 :‬‬

‫‪50‬‬


‫أن تطير بسرعة ‪15‬كيلومترا في الساعة‪ ،‬وهو ما يعادل سرعة القطار‪ .‬وحتى لو كان‬ ‫الحمل الذي تنوء به يعادل ثالثة أرباع وزنها فإنها يمكن أن تطير بسرعة ‪37‬‬ ‫كيلومترا في الساعة‪.‬‬ ‫و في رحلة االستكشاف لجمع الغذاء الطيب تستعين العاملة بحواسها التي‬ ‫منحها الله إياها‪ .‬فهي مزودة بحاسة شم قوية عن طريق قرني االستشعار في مقدم‬ ‫األخص اللونين األزرق واألصفر‪ ،‬وهي تمتاز على العين البشرية في إحساسها‬ ‫باألشعة فوق البنفسجية‪ ،‬لذلك فهي ترى ما ال تراه عيوننا‪ ،‬مثل بعض المسالك‬ ‫والنقوش التي ترشد وتقود إلى مختزن الرحيق وال يمكننا الكشف عنها إال‬ ‫بتصويرها باألشعة فوق البنفسجية‪ .‬ثم إذا حطت على زهرة يانعة وبلغت ورحيقها‬ ‫استطاعت أن تتذوقه وتحدد بكم فطرتها مقدار حالوته‪.‬‬ ‫و في رحلة العودة تهتدي النحلة إلى مسكنها بحاستي النظر والشم معا‪ .‬أما‬ ‫حاسة الشم فتتعرف على الرائحة الخاصة المميزة للخلية‪ .‬وأما حاسة اإلبصار‬ ‫فتساعد على تذكر معالم رحلة االستكشاف‪ ،‬إذ يالحظ أن النحل عندما تغادر‬ ‫البيت تستدير إليه وتقف أو تحلق أمامه فترة وكأنها تتفحصه وتتمعنه حتى ينطبع‬ ‫في ذاكرتها‪ ،‬ثم هي بعد ذلك تطير من حوله في دوائر تأخذ في االتساع شيئ ًا فشيئ ًا‪،‬‬ ‫وعندما تعود إلى البيت تخبر عشيرتها بتفاصيل رحلتها‪ ،‬وتدل زميالتها على مكان‬ ‫الغذاء فينطلقن تباع ًا لجني الرحيق من الزهور واإلكثار منه الدخاره ما يفيض عن‬ ‫الحاجة لوقت الشتاء ببرده القارص وغذائه الشحيح‪.‬‬

‫‪52‬‬


‫وأغرب ما اكتشفه العلم الحديث في عالم الحشرات هو أن للنحل لغة‬ ‫خاصة يتفاهم بها عن طريق الرقص‪ ،‬وقد شرحها بالتفصيل عالم ألماني ضمنها‬ ‫كتابه المسمى ( حياة النحل الراقص)‪ ،‬فقد تبين لهذا العالم أن للنحلة الشغالة في‬ ‫جسمها من األجهزة ما يجعلها تستطيع قياس المسافات واألبعاد والزوايا بين‬ ‫قرص الشمس والخلية‪ ،‬ثم إنها تستخدم لغة سرية في التخاطب عن طريق رقصات‬ ‫خاصة معبرة تنبئ بها أخواتها عن وجود الرحيق الحلو وتحدد لهن موضعه تحديدا‬ ‫دقيق ًا من حيث زاوية االتجاه إليه وبعده عن بيتها‪.‬‬ ‫وليس األمر في هذا قاصرا على عالم النحل‪ ..‬بل ذكر العلماء في هذا الباب‬ ‫الكثير من الحقائق التي تعمق فهمنا لآليتين الكريمتين(‪ ،)1‬فقد ذكروا أن للحيوانات‬ ‫أساليب مختلفة في طريقة إنشاء بيوتها بتفاصيل تقنية باهرة‪ ،‬بل في أحيان كثيرة‬ ‫تتصرف الحيوانات مثل مهندس معماري بارع‪ ،‬وتعمل على شاكلة بنّاء ماهر في‬ ‫عمله‪ ،‬وتجد ح ّ‬ ‫ال لكل مشكلة قد تواجهها أثناء البناء تماما مثل المهندس‪ ،‬ومثل‬ ‫أخصائي في الديكور حيث تقوم بتوفير ما يلزم لداخل العش‪ ،‬وفي أحيان كثيرة‬ ‫أخرى تعمل هذه الحيوانات ليل نهار لإلعداد لهذه األعشاش‪ ،‬وإذا كان لهذه‬ ‫الحيوانات أزواج فتقوم بتوزيع االدوار و التعاون في صورة مثيرة لإلعجاب‪.‬‬ ‫ومن أكثر األعشاش والمنازل التي يعتنى بها عناية خاصة من قبل البالغين‬ ‫هي التي تنشأ الستقبال الصغار الجدد‪.‬‬

‫(‪ )1‬انظر‪ :‬كتاب التضحية عند الكائنات الحية‪ ،‬هارون يحي‪.‬‬

‫‪53‬‬


‫والتقنية التي تستخدمها هذه الكائنات ـ التي تبدو لنا غير عاقلة ـ تثير‬ ‫اإلعجاب والدهشة في آن واحد‪ ،‬فهذه الحيوانات تخطط وتخطو مراحل متعددة‬ ‫قبل الشروع في بناء أعشاشها أو منازلها لوضع بيضها أو والدة صغارها‪ ،‬كذلك‬ ‫تختار المكان األمثل واألكثر أمنا إلنشائها‪ ،‬فهي ال تنشئ منازلها عبثا و أينما اتفق‪.‬‬ ‫وطريقة بناء العش أو المسكن يتم اختيارها من قبل الحيوان أو الطير وفقا‬ ‫للمواد األولية المتوفرة وظروف البيئة الخارجية‪ ،‬فمثال تستخدم الطيور البحرية‬ ‫األعشاب البحرية التي تطفوا على سطح الماء وتقاوم األمواج في بناء أعشاشها‪،‬‬ ‫أ ّما الطيور التي تعيش في مناطق األعشاب الطويلة فتنشئ أعشاشا عميقة وواسعة‬ ‫الصحراوية تبني أعشاشها على قمم‬ ‫لتفادي السقوط عند هبوب الرياح‪ ،‬والطيور ّ‬ ‫النباتات التي تمتاز بانخفاض درجة حرارتها أقل بعشر درجات عن درجة المحيط‪،‬‬ ‫وإالّ ّ‬ ‫فإن درجة حرارة اليابسة تربو على ‪ 45‬درجة‪ ،‬وهي تؤدي حتما إلى موت‬ ‫األجنة الموجودة داخل البيض‪.‬‬ ‫ويتطلب اختيار المكان المناسب لبناء العش ذكاء ومعرفة واسعة‪ ،‬إالّ أن هذه‬ ‫المخلوقات ال تستطيع أن تتوقع مدى الضرر الذي سيلحق بمنازلها بتأثير األمواج‬ ‫العاتية أو درجة الحرارة العالية للبيئة الصحراوية‪.‬‬ ‫وإنما تبني أعشاشا وهمية لمجرد‬ ‫وال تكتفي هذه الحيوانات ببناء المنازل‪ّ ،‬‬ ‫التمويه بهدف لفت االنتباه إلى هذه األعشاش الوهمية حفاظا على حياة الصغار‬ ‫من خطر األعداء‪.‬‬

‫‪54‬‬


‫ومن األساليب التي تستخدمها الحيوانات للتمويه بناء األعشاش بين‬ ‫أغصان األشجار الكثيفة األوراق أو فوق النباتات الشوكية‪ ،‬وبعض أنواع‬ ‫الحيوانات تنشئ لها أوكارا خاصة تبيض فيها وترقد على بيضها وتقوم بإنشاء جدار‬ ‫خاص لمدخل هذا الوكر باستخدام الطين الموجود في البيئة الخارجية‪ ،‬وإذا لم‬ ‫يوجد تقوم بإفراز سائل خاص تخلطه مع كمية من التراب إلعداد الطين الالزم‬ ‫إلنشاء هذا الجدار الواقي‪.‬‬ ‫وأغلب أنواع الطيور تبني أعشاشها غريبة الشكل باستخدام ألياف النباتات‬ ‫أو األعشاب والحشائش البرية المتوفرة في البيئة‪ ،‬والجدير بالذكر أن الطير ا ّلذي‬ ‫سيبيض ألول مرة في حياته يبني عشه بإتقان بالغ دون أن يكون له سابق معرفة أو‬ ‫خبرة ببناء األعشاش‪.‬‬ ‫والحيوان على علم تام بكيفية بناء العش أو المسكن‪ ،‬وبالكيفية الخاصة‬ ‫بنوعه والمتميز بها عن األنواع األخرى اعتبارا من أول لحظة له في هذه الحياة‪،‬‬ ‫وكل نوع من أنواع الحيوانات يبني منزله بالكيفية نفسها في أية منطقة من مناطق‬ ‫العالم‪.‬‬ ‫والالفت للنظر عند دراسة كيفية بناء الحيوانات لمنازلها ليس فقط التخطيط‬ ‫البارع وإنما التضحية والتعاون ال ّلذين يبديهما كل من الذكر واألنثى في البناء‪.‬‬ ‫ولو تم ّعنا في عملية إنشاء الطيور ألعشاشها ألدركنا مدى الصعوبات التي‬ ‫تالقيها والجهد الضخم الذي تبذله والتفاني الذي تبديه في سبيل إتمام بناء هذه‬

‫‪55‬‬


‫األعشاش‪ ،‬فالطير الواحد يقوم بعدة مئات من رحالت الطيران في سبيل إنشاء‬ ‫عش للتمويه فقط‪ ،‬فما بالك بالجهد الالزم لبناء العش الحقيقي‪ ،‬والطير ال يستطيع‬ ‫أن يحمل في منقاره سوى قطعة أو قطعتين من المواد الالزمة لبناء العش من‬ ‫أغصان أو غيرها‪ ،‬ولكن هذا األمر ال يثير في الطير الشعور بالملل‪ ،‬و إنما بالعكس‬ ‫من ذلك يثابر على العمل بكل صبر‪ ،‬وإذا شعر بتعب أو إرهاق ال يترك العمل وال‬ ‫يترك ما في منقاره وال يهمل أي تفصيل من التفاصيل الالزمة لبناء العش‪.‬‬ ‫وال بأس أن نعود من جديد لعالم النمل ـ باعتباره نموذجا لهذه األحياء ـ لنرى‬ ‫مدى تحضره في هذا الجانب‪ ،‬كما رأينا تحضره في الجانب التنظيمي‪.‬‬ ‫فقد ذكر العلماء في هذا الباب أن للنمل ـ مثل اإلنسان ـ مشاريعه العمرانية‬ ‫الضخمة‪ ،‬وقد ذكر أحد علماء الحشرات أنه رأى مدينة هائلة للنمل في بنسلفانيا‬ ‫بلغت مساحتها خمسين فدان ًا‪ ،‬وكانت مكونة من ألف وستمائة عش ارتفاع‬ ‫معظمها قرابة ثالثة أقدام‪ ،‬ومحيطها اثنا عشر قدما عند القاعدة‪ ،‬وهذا يعني أن‬ ‫حجم الهرم األكبر‪.‬‬ ‫والنظام المعماري في أعشاش النمل متنوع طبق ًا لتنوع أجسام وعاداته‪،‬‬ ‫ويحصى العلماء منها أربعة طرز أو خمسة طرز رئيسية‪ ،‬والسائد هو الطرز األفقية‬ ‫ذو التعاريج الكثيرة والدهاليز التي ال تنتهي والغالبية العظمى في أعشاش النمل‬ ‫توجد تحت األرض‪ ،‬ويحتوي العش عادة على عدة طوابق‪ ،‬وربما يصل إلى‬ ‫عشرين طابق ًا في جزئه األعلى الصورة‪ ،‬وعلى عدد مماثل من الطوابق تحت سطح‬

‫‪56‬‬


‫األرض‪ ،‬ولكن طابق غرضه الخاص الذي تحدده أساسا درجة الحرارة ن فالجزء‬ ‫األكثر دفئ ًا في العش يحتفظ به خصيص ًا لتربية الصغار‪.‬‬ ‫ونصت االكتشافات على أنه من مظاهر مجتمع النمل قيامه بمشروعات‬ ‫جماعية مثل إقامة الطرق الطويلة في مثابرة وأناة‪ ،‬فتحرص مجموعاته المختلفة‬ ‫على االلتقاء في صعيد واحد من آن آلخر‪ ،‬وال تكتفي هذه المجموعات بالعمل‬ ‫نهار ًا‪ ،‬بل تواصله لي ً‬ ‫ال في الليالي القمرية‪ ،‬مع لزوم مستعمراتها في الليالي المظلمة‪.‬‬ ‫و ألعضاء مجتمع النمل طرق مختلفة متميزة في جمع المواد الغذائية‬ ‫وتخزينها والمحافظة عليها‪ ،‬فإذا لم تستطيع النملة حمل ما جمعته في فمها كعادتها‬ ‫لكبر حجمه‪ ،‬حركته بأرجلها الخلفية ورفعه بذراعيها‪.‬‬ ‫ومن عاداتها الناشئة من معارفها أن تقضم البذور قبل تخزينها حتى ال تعود‬ ‫إلى اإلنبات مرة أخرى‪ ،‬وتجزيء البذور الكبيرة كي يسهل عليها إدخالها في‬ ‫مستودعاتها‪ ،‬وإذا ما ابتلت بفعل المطر أخرجتها إلى الهواء والشمس لتحف‪.‬‬ ‫والنمل أنواع كثيرة(‪ )1‬كل منها قد يكون جنسا خاصا‪ ،‬مثل أجناس أمة البشر‪،‬‬ ‫ومنها نوع من النمل يسمى ( أتا) إذا حفرت في مستعمرته على عمق أكثر من متر‬ ‫وجدت في حجرة خاصة كتال متبلورة بنية اللون من مادة شبيهة باإلسفنج هي في‬ ‫حقيقتها عبارة عن أوراق متحللة لنوع معين من النبات يسمى ( الكيريزويت) إذا‬ ‫(‪)1‬‬

‫وقد أحصى العلم منها خمسة عشرة ألف نوع من أنواع النمل متعددة األلوان واألشكال تعيش في كل بقاع‬

‫األرض‪ ،‬منها النمل األبيض الذي تضرب جنوده برؤوسها الكبيرة جدران األنفاق إذا شعرت بهجوم على عشها أو أي خطر‬ ‫يتهددها فيفهم ذلك باقي أفراد النوع وتقوم بعمل الالزم نحو حماية نفسها من الخطر المحدق بها‪.‬‬

‫‪57‬‬


‫دققت فيها النظر وجدت خيوط ًا بيضاء رائعة من فطر ( عش الغراب) الذي يعتبر‬ ‫الطعام الوحيد لهذا النوع من النمل الذي يعيش غالبيته في المناطق المدارية‪.‬‬ ‫و لضمان العناية الفائقة لهذا الغذاء الحيوي توجد بصفة مستمرة في حجرة‬ ‫الزراعة مجموعة من الشغاالت تستقبل أوراق شجرة ( الكريزونت) وتنظفها‬ ‫باعتناء‪ ،‬ثم تمضغها فتحيلها إلى عجينة مبللة باللعاب وتكورها على شكل كريات‬ ‫صغيرة لتضيفها إلى الحافة الخارجية للمزرعة بحيث تزداد مساحتها مع تقد‬ ‫الزمن‪.‬‬ ‫ويذكر العالم (جوزيف وودكراتش) أن شغال آخرين يقومون في نفس‬ ‫الوقت باالحتفاظ بفطريات عش الغراب الناضجة‪ .‬هذا باإلضافة إلى المجهود‬ ‫الخارق الذي تبذله فرقة ثالثة من الشغالة في تسلق شجرة ( الكريزويت) ذات‬ ‫الخمسة أمتار طوالً لتنزع أوراقها وتحملها إلى األرض‪ ،‬ثم إلى العش حيث‬ ‫تسلمها إلى أفراد الفرقة األولى‪.‬‬ ‫فهذا التدبير العجيب ألمة النمل يخفف من زهو اإلنسان بنفسه‪ ،‬وبمشاريعه‬ ‫التي يتصور أن عقله الجبار هو وحده الذي يستطيع أن يقوم بها‪.‬‬ ‫األخالق‪:‬‬ ‫وهي أصل أصول الحضارة‪ ،‬ولب لبابها‪ ،‬والحضارة التي تفتقد األخالق‬ ‫حضارة أشباح ال حضارة أرواح‪ ،‬وحضارة موت ال حضارة حياة‪.‬‬ ‫وقد ورد في النصوص ما يشير إلى تنعم الكائنات المختلفة بهذا األصل‬

‫‪58‬‬


‫العظيم من أصول الحضارة‪ ..‬وقد ذكرنا ـ سابقا ـ أن الحجر كان يسلم على النبي‬ ‫‪ ‬في الوقت الذي كان فيه القرشيون يرمونه ‪ ‬بكل ما امت أت به نفوسهم من‬ ‫أحقاد‪.‬‬ ‫وسنكتفي هنا بذكر أصل من أصول األخالق‪ ..‬ومنه تتفرع أكثر األخالق‪..‬‬ ‫وهو الرحمة‪ ،‬فهي منبع أكثر األخالق‪.‬‬ ‫وقد ورد في النصوص ما يشير إلى اشتراك األحياء جميعا بما فيهم اإلنسان‬ ‫في الرحمة التي خص الله بها هذه الدنيا‪ ،‬فقد قال ‪ (:‬إن لله تعالى مائة رحمة‬ ‫أنزل منها رحمة واحدة بين الجن واالنس والبهائم والهوام‪ ،‬فبها يتعاطفون‪ ،‬وبها‬ ‫يتراحمون‪ ،‬وبها تعطف الوحش على ولدها‪ ،‬وأخر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها‬ ‫عباده يوم القيامة)‬

‫(‪)1‬‬

‫وسنسوق ـ هنا‪ ،‬وباختصار ـ بعض ما ساقه العلم الحديث من هذه الرحمة‪،‬‬ ‫وسنقتبس حديث ذلك من عالم أحب األحياء حبا شديدا‪ ،‬ودافع عن انتسابها لله‬ ‫دفاع المستميت‪ ،‬وهو العالم التركي هارون يحي‪ ،‬الذي يعتبر بحق من أكبر من رد‬ ‫على نظرية التظور المادية‪.‬‬ ‫فقد ذكر هذا العالم الفاضل في كتابه (التضحية عند الكائنات الحية) الكثير‬ ‫من أدلة الرحمة التي تمتلئ بها هذه الكائنات‪ ،‬قال‪ :‬إن جميع الكائنات الح ّية خطيرة‬ ‫ألي خطر‪ ،‬ور ّد فعل هذه الكائنات الحية‬ ‫تعرض صغارها ّ‬ ‫وحساسة جدّ ا في حالة ّ‬ ‫ّ‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن ماجة‪.‬‬

‫‪59‬‬


‫عند شعورها بالخطر هو الفرار إلى أماكن آمنة‪ ،‬وإذا ّ‬ ‫تعذر عليها النّأي بنفسها عن‬ ‫الصغار‬ ‫متوحشة وحا ّدة تجاه الخطر حفاظا على حياة ّ‬ ‫الخطر ُتصبح هذه الكائنات ّ‬ ‫أساسي‪ ،‬فال ّطيور والخفافيش (الوطاويط) مثال ال تتوانـى في مهاجمة‬ ‫بشكل‬ ‫ّ‬ ‫الباحثين يأخذون صغارها من األعشاش لغرض البحث والدّ راسة‪ ،‬وكذلك‬ ‫الحمير الوحشية أو الزيبرا التي تعيش على شكل مجاميع‪.‬‬ ‫وعندما يتهدّ د الخطر حيوانات مثل ابن آوى تقوم المجموعة بتوزيع األدوار‬ ‫الصغار ّ‬ ‫الزرافة‬ ‫والذود عنهم بكل شجاعة وإقدام‪ ،‬وتحمي ّ‬ ‫فيما بينها لحماية ّ‬ ‫صغيرها تحت بطنها وتهاجم الخطر بساقيها األمام ّيتين‪ ،‬أ ّما الوعول والظباء فتتم ّيز‬ ‫بحساس ّية مفرطة وتهرب عند إحساسها بالخطر‪ ،‬وإذا كان هناك صغير ينبغي ّ‬ ‫الذود‬ ‫عنه‪ ،‬فال تتر ّدد في الهجوم مستخدمة أظالفها الحا ّدة‪.‬‬ ‫جسما‪ ،‬فتقوم بإخفاء صغارها في‬ ‫أ ّما ال ّلبائن األصغر حجما واألضعف‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫متوحش ًة ومتوث ّبة في وجه العدو الذي يجابهها‪،‬‬ ‫تحاصر تصبح‬ ‫مكان آمن‪ ،‬وعندما ُ‬ ‫والصعاب من أجل حماية‬ ‫يتحمل المش ّقة ّ‬ ‫فاألرنب مثال مع فرط حساس ّيتة وضعفه ّ‬ ‫صغاره‪ ،‬فهو يسرع إلى ّ‬ ‫عدوه بأرجله الخلف ّية‪ ،‬ويكون‬ ‫عشه أو وكره ويعمد إلى ركل ّ‬ ‫السلوك أحيانا كافيا إلبعاد الحيوانات المفترسة‪.‬‬ ‫هذا ّ‬ ‫وتتم ّيز الغزالن بكونها تعمد إلى الجري وراء صغارها عند اقتراب الخطر‬ ‫منها‪ ،‬فالحيوانات المفترسة غالبا ما تهاجم من الخلف لذلك‪ ،‬فإن الغزال األ ّم‬ ‫تكون بذلك أقرب ما يكون من صغارها وتبعدهم عن مواطن الخطر‪ ،‬وفي حالة‬

‫‪61‬‬


‫اقتراب الخطر تجتهد في صرف نظر الحيوان المفترس بهدف حماية صغيرها‪.‬‬ ‫وهناك بعض ال ّلبائن تستخدم ألوان أجسامها للتّمويه وسيلة لدرء الخطر إالّ‬ ‫ّ‬ ‫أن صغارها تحتاج إلى توجيه وتدريب على وسيلة االختفاء هذه‪ ،‬وكمثال على‬ ‫ذلك حيوان اليحمور حيث تقوم األنثى باالستفادة من لون صغيرها في خ ّطة‬ ‫للتنكّر بهدف اإلفالت من األعداء‪ ،‬فهي تخفي صغيرها بين شجيرات وتجعله‬ ‫الصغير بنّي ال ّلون مغ ًّطى ببقع بيضاء‪ ،‬وهذه التّركيبة‬ ‫ساكنا ال يتحرك‪ ،‬ويكون جلد ّ‬ ‫الشمس المنعكسة تكون خير وسيلة لالنسجام مع لون ّ‬ ‫ال ّلونية مع أش ّعة ّ‬ ‫الشجيرات‬ ‫التي تحيط به‪ ،‬وهذه الطريقة في التخ ّفي تكون كافي ًة لخداع الحيوانات المفترسة‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫قصيرة تراقب ما يحدث دون‬ ‫مسافة‬ ‫تمر بالقرب منه‪ ،‬أ ّما األ ّم فتبقى على بعد‬ ‫التي ّ‬ ‫أن تثير انتباه األعداء‪ ،‬غير أنّها تقترب أحيانًا من صغيرها لكي ترضعه‪.‬‬ ‫وقبل ذهابها إلى الص ّيد تجبر صغيرها على الجلوس بواسطة منخرها‪،‬‬ ‫عادي سرعان ما يعود‬ ‫وحذرا‪ ،‬وعندما يسمع صوتا غير‬ ‫الصغير عادة متيقظا‬ ‫ّ‬ ‫ويكون ّ‬ ‫ً‬ ‫إلى الجلوس واالختفاء خوفا من أن يكون مصدر ٍ‬ ‫خطر بالنّسبة إليه‪ّ .‬‬ ‫ويظل الوليد‬ ‫على هذا ّ‬ ‫قادرا على الوقوف على قدميه والتّن ّقل مع أ ّمه‪.‬‬ ‫الشكل حتّى يصبح ً‬ ‫ثمة حيوانات ُتظهر ر ّد ٍ‬ ‫العدو المرتقب‪ ،‬بل وتوجيه‬ ‫فعل عنيف تجاه‬ ‫ّ‬ ‫و ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ضربات بهدف تخويفه وإبعاده مثل البوم وبعض أنواع ال ّطيور التي تسلك سلوكا‬ ‫استعراض ّيا يتم ّثل في مدّ جناحيه فيبدو أكبر من حجمه ال ّطبيعي‪.‬‬ ‫وهناك طيور تق ّلد فحيح األفاعي إلرهاب األعداء مثل طائر ذو الرأس‬

‫‪60‬‬


‫األسود الذي يصدر أصواتا صاخبة ويرفرف بجناحيه داخل ّ‬ ‫عشه‪ ،‬ويبدوا األمر‬ ‫مخيفا داخل ّ‬ ‫الضوضاء‬ ‫العش المظلم وسرعان ما يلوذ‬ ‫العدو بالفرار أمام هذه ّ‬ ‫ّ‬ ‫والحركة‪.‬‬ ‫تجمعات هي العناية‬ ‫وال ّظاهرة الملحوظة لدى ال ّطيور التي تعيش على شكل ّ‬ ‫للصغار وحرصهم على حمايتها وخصوصا من خطر طيور‬ ‫التي يوليها الكبار ّ‬ ‫تجمع األسراب لترهيب‬ ‫النّورس إذ ينطلق فرد أو اثنان بالغان ويحومان حول مكان ّ‬ ‫الصغار‪.‬‬ ‫النّوارس وإبعادها عن ّ‬ ‫يتم تنفيذها بالتّناوب بين ال ّطيور البالغة ّ‬ ‫وكل من ينهي‬ ‫ومهمة الحماية هذه ّ‬ ‫ّ‬ ‫للصيد والتّغذية وجمع ال ّطاقة‬ ‫مهمته يذهب إلى مكان آخر بعيد تتو ّفر فيه المياه ّ‬ ‫ّ‬ ‫مرة أخرى‪.‬‬ ‫للعودة ّ‬ ‫الوعول بروح التّضحية من أجل صغارها خصوصا عندما تشعر‬ ‫وتتم ّيز ُ‬ ‫بخطر يداهم صغيرها‪ ،‬فهي تقوم بحركة غاية في الغرابة إذ تلقي بنفسها أمام هذا‬ ‫الحيوان المفترس لتلهيه عن افتراس ولدها الصغير‪.‬‬ ‫وهذا األسلوب يمكن مالحظته في سلوك العديد من الحيوانات مثل أنثى‬ ‫النّمر التي تجتهد في القيام بما في وسعها حتّى تصرف انتباه األعداء المتر ّبصين‬ ‫بصغارها‪.‬‬ ‫فأول ما يفعله عند إحساسه بالخطر الدّ اهم هو أن يأخذ صغاره‬ ‫الراكون ّ‬ ‫أ ّما ّ‬ ‫ثم يسرع نازال إلى الحيوانات المفترسة ويكون وجها لوجه‬ ‫قمة أقرب شجرة‪ّ ،‬‬ ‫إلى ّ‬

‫‪62‬‬


‫الصغار ويستمر في االبتعاد‬ ‫ثم يبدأ بالفرار إلى ناحية بعيدة عن مكان ّ‬ ‫معها‪ ،‬ومن ّ‬ ‫يطمئن إلى زوال الخطر وعندئذ يتسلل خلس ًة عائد ًا إلى صغاره‪.‬‬ ‫حتّى‬ ‫ّ‬ ‫وهذه المحاوالت ال ُيكتب لها النّجاح دائم ًا‪ّ ،‬‬ ‫الصغار قد ينجون من‬ ‫ألن ّ‬ ‫خطر المفترسين إالّ ّ‬ ‫يتعرضان للموت والهالك‪.‬‬ ‫أن األبوين قد ّ‬ ‫العدو المفترس عن‬ ‫وهناك طيور تقوم بتمثيل دور الجريح لصرف نظر‬ ‫ّ‬ ‫الصغيرة‪ ،‬فعند إحساس األنثى باقتراب الحيوان المفترس تتس ّلل بهدوء من‬ ‫الفراخ ّ‬ ‫ّ‬ ‫العدو تبدأ في التخ ّبط وضرب أحد جناحيها‬ ‫العش ولم ّا تصل إلى مكان وجود‬ ‫ّ‬ ‫على األرض وإصدار أصوات مليئة باالستغاثة وطلب النّجدة‪ ،‬بيد ّ‬ ‫أن هذه األنثى‬ ‫تأخذ حذرها الالّزم فهي تم ّثل هذا الدّ ور على بعد مسافة ما من الحيوان المفترس‪،‬‬ ‫ويتوهم ّ‬ ‫أن األنثى المستغيثة تعتبر غنيمة سهل ًة ولكنّه بذهابه في اتجاهها يكون قد‬ ‫ّ‬ ‫وتهب طائرة مبتعدة‬ ‫ثم تنهي األنثى تمثيلها‬ ‫ّ‬ ‫ابتعد عن مكان وجود الفراخ ّ‬ ‫الصغار‪ّ ،‬‬ ‫عن الحيوان المفترس‪.‬‬ ‫وكثيرا ما تنطلي هذه‬ ‫يتم أداؤه بمهارة مقنعة للغاية‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وهذا المشهد التّمثيلي ّ‬ ‫الحيلة على القطط والكالب واألفاعي وحتى على بعض أنواع ال ّطيور‪.‬‬ ‫عتبر التمثيل أداة‬ ‫أ ّما ال ّطيور التي تبني أعشاشها مع مستوى سطح األرض‪ ،‬ف ُي ُ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫فالبط مثاليقوم بتمثيل ّية‬ ‫حماية فراخها من األعداء المفترسين‪،‬‬ ‫ف ّعال ًة وناجع ًة في‬ ‫العاجز عن ال ّطيران من على الماء عند إحساسه بقدوم الحيوانات الخطرة‪ّ ،‬‬ ‫ويظل‬ ‫هكذا يضرب بجناحيه على سطح الماء مع إحتفاضه بمسافة أمان بينه وبين‬

‫‪63‬‬


‫الحيوان المتر ّبص به‪ ،‬وعندما يطمئ ّن ّ‬ ‫بأن الحيوان المفترس قد ابتعد عن ّ‬ ‫عش‬ ‫ّمثيلي ويعود إلى ّ‬ ‫عشه‪.‬‬ ‫الفراخ يقطع مشهده الت ّ‬ ‫وهذا السلوك ليس قاصرا على هذه األنواع من الحيوانات‪ ،‬بل إن الحشرات‬ ‫أيضا تحمي صغارها من المهالك‪.‬‬ ‫السويدي (أدولف مودر) ّأول من اكتشف رعاية األبوين‬ ‫ويعتبر عالم األحياء ّ‬ ‫للصغار في عالم الحشرات وذلك سنة ‪ 1014‬عندما كان يجري أبحاثه على حشرة‬ ‫ّ‬ ‫(المدرع األوروبي) فوجد ّ‬ ‫أن األنثى تجلس على بيضها دون أكل أو شرب‪،‬‬ ‫وتصبح هذه األنثى مقاتلة شرسة عندما يقترب الخطر من بيضها‪.‬‬ ‫وكان العلماء والباحثون في تلك الفترة أو ما قبلها ال يقبلون فكرة رعاية‬ ‫وسبب ذلك يورده لنا البروفسور دوغالس‪.‬و‪.‬تلالني من‬ ‫الحشرات لصغارها‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫جامعة ديالور والذي يعمل أستاذا في علم الحشرات ويؤمن بنظرية التطور‪،‬‬ ‫فيقول‪ (:‬تجابه الحشرات مخاطر عديدة أثناء دفاعها عن صغارها‪ ،‬ويتساءل العلماء‬ ‫السر في عدم انقراض هذه الخصلة (خصلة الدفاع‬ ‫في مجال الحشرات عن ّ‬ ‫والحماية) أثناء عملية التّطور‪ّ ،‬‬ ‫ألن وضع البيض بأعداد كبيرة أفضل استراتيجي ّا من‬ ‫اتباع وسيلة الدّ فاع المحفوفة بالمخاطر والمهالك)‬ ‫ويع ّلق دوغالسن‪.‬و‪.‬تلالني أحد دعاة التّطور على هذا التّساؤل المح ّير‬ ‫ولكن‬ ‫ويرى أنّه يجب أن تنقرض هذه الميزة حسب فرض ّيات نظرية التّطور‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الموجود والمالحظ في ال ّطبيعة أنّها ال تزال موجودة وبصور عديدة سواء في عالم‬

‫‪64‬‬


‫الصغار فحسب بل عن الكبار أيضا‪.‬‬ ‫الحشرات أو غيرها وليس دفاعا عن ّ‬ ‫بعد هذا‪ ..‬قد نرى في سلوك بعض الحيوانات ما نتصوره ظلما ال ينسجم‬ ‫مع ما تتطلبه األخالق‪ ..‬وذلك صحيح‪ ..‬وقد أخبرت النصوص أن مثل هذه‬ ‫الحيوانات تعاقب على تصرفاتها هذه‪ ،‬فقد جاء في الحديث عن أبي ذر قال‪ :‬بينما‬ ‫نحن عند رسول ال ّله ‪ ‬إذا انتطحت عنزان‪ ،‬فقال رسول ال ّله ‪ (:‬أتدرون فيم‬ ‫انطحتا؟) قالوا‪ :‬ال ندري‪ ،‬قال‪ (:‬لكن الله يدري وسيقضي بينهما)(‪ ،)1‬وفي حديث‬ ‫آخر‪ ،‬قال ‪ (:‬إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة)‬

‫(‪)1‬‬

‫ونرى انطالقا من هذا الحديث أن الحيوانات محاسبة على سلوكها عموما‪..‬‬ ‫وهي مثل الناس في ذلك‪ ،‬وإلى ذلك يشير قوله تعالى‪َ ﴿:‬وإِ َذا ا ْل ُو ُح ُ‬ ‫وش ُح ِش َر ْت‬ ‫﴾ (التكوير‪ ،)5:‬بل هو ما ينص عليه قوله تعالى‪ُ ﴿:‬ث َّم إِ َلى َر ِّب ِه ْم ُي ْح َش ُر َ‬ ‫ون ﴾‬ ‫(األنعام‪ ،)34 :‬وهي تتناسب مع قوله تعالى عن اإلنسان‪ُ ﴿:‬ث َّم إِ َلى َر ِّب ِه ْم َم ْر ِج ُع ُهم‬ ‫﴾ (األنعام‪)174 :‬‬ ‫وبما أن التكليف يقتضي المجازاة‪ ،‬فإن هذه الحيوانات ستجازى على‬ ‫أعمالها‪..‬‬ ‫وقد ذكر العلماء هذا‪ ،‬ولكنهم أطبقوا ـ ل أسف ـ على اعتبار جزاء هذه‬ ‫الحيوانات هو صيرورتها ترابا‪.‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد‪.‬‬

‫‪65‬‬


‫وقد استدلوا لذلك بأدلة ال تنهض لتقرير مثل هذا األمر الخطير‪.‬‬ ‫ومما استدلوا به من ذلك ما ذكره المفسرون من الصحابة والتابعين لقوله‬ ‫تعالى‪ ﴿:‬إِنَّا َأن َْذ ْرنَا ُك ْم َع َذاب ًا َق ِريب ًا َي ْو َم َينْ ُظ ُر ا ْل َم ْر ُء َما َقدَّ َم ْت َيدَ ا ُه َو َي ُق ُ‬ ‫ول ا ْلكَافِ ُر َيا َل ْيتَنِي‬ ‫ُكن ُْت ُت َراب ًا﴾ (النبأ‪ )47:‬فاآلثار الواردة في ذلك عن أبي ُه َريرة‪ ،‬وعبد الله بن عمرو‪،‬‬ ‫وغيرهما قد يكون مصدرها اإلسرائيليات التي كانت مشتهرة‪ ..‬وكانت ـ ل أسف ـ‬ ‫مرجعا للبعض في تفسير القرآن الكريم‪.‬‬ ‫مع أن تفسير اآلية واضح ال يحتاج إلى مثل هذا‪ ..‬فالكافر ـ عندما بعابن‬ ‫جرائمه وما يترتب عليها من جزاء ـ يود لو أنه كان ترابا‪ ..‬أو يود لو أنه بقي ترابا‪ ،‬ولم‬ ‫اض إِ َلى ِج ْذ ِع الن َّْخ َل ِة‬ ‫يصر إنسانا‪ ..‬وهي في ذلك مثل قوله تعالى‪َ ﴿:‬ف َأ َجا َء َها ا ْل َم َخ ُ‬ ‫َقا َل ْت َيا َل ْيتَنِي ِم ُّت َق ْب َل َه َذا َو ُكن ُْت ن َْسي ًا َمن ِْس ّي ًا﴾ (مريم‪)13:‬‬ ‫ومما استدلوا به من الحديث ما يسمى بحديث الصور الطويل(‪ ،)1‬وهو‬ ‫حديث مملوء بالغرائب‪ ،‬وهو أشبه بأحاديث القصاص منه بأحاديث النبي ‪،‬‬ ‫وقد قال فيه ابن كثير‪ (:‬هذا حديث مشهور‪ ،‬وهو غريب جدا‪ ،‬ولبعضه شواهد في‬ ‫األحاديث المتفرقة‪ ،‬وفي بعض ألفاظه نكارة‪ .‬تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل‬

‫(‪ )1‬األحاديث الطوال للطبراني برقم (‪ ) 31‬وقد خولف فيه أحمد بن الحسن األيلي‪ ،‬فرواه أبو الشيخ األصبهاني في‬ ‫العظمة برقم (‪ )340‬من طريق إسحاق بن راهوية‪ ،‬والبيهقي في البعث والنشور برقم (‪ )119‬من طريق أبي قالبة الرقاشي‬ ‫كالهما إسحاق‪ -‬وأبو قالبة ‪ -‬من طريق أبي عاصم الضحاك‪ ،‬عن إسماعيل بن رافع‪ ،‬عن محمد بن أبي زياد‪ ،‬عن محمد بن‬ ‫كعب القرظي‪ ،‬عن رجل من األنصار‪ ،‬عن أبي هريرة‪ .‬به‪ ،‬وروى من طريق أخرى مدارها على إسماعيل بن رافع المدني‪،‬‬ ‫وقد ض عفه األئمة وتركه الدار قطني‪ ،‬وقال ابن عدي‪( :‬أحاديثه كلها مما فيه نظر)انظر‪ :‬ابن كثير‪.140/3 :‬‬

‫‪66‬‬


‫المدينة‪ ،‬وقد اختلف فيه‪ ،‬فمنهم من وثقه‪ ،‬ومنهم من ضعفه‪ ،‬ونص على نكارة‬ ‫حديثه غير واحد من األئمة‪ ،‬كأحمد بن حنبل‪ ،‬وأبي حاتم الرازي‪ ،‬وعمرو بن علي‬ ‫ال َفالس‪ ،‬ومنهم من قال فيه‪ :‬هو متروك‪ .‬وقال ابن عدي‪ :‬أحاديثه كلها فيها نظر إال‬ ‫أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء‪.‬‬ ‫وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة‪ ،‬قد أفردتها في‬ ‫جزء على حدة‪ ،‬وأما سياقه‪ ،‬فغريب جدً ا‪ ،‬ويقال‪ :‬إنه جمعه من أحاديث كثيرة‪،‬‬ ‫وجعله سياقا واحدا‪ ،‬فأنكر عليه بسبب ذلك‪ .‬وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج‬ ‫المزي يقول‪ :‬إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمع فيه كل الشواهد لبعض‬ ‫مفردات هذا الحديث‪ ،‬فالله أعلم)‬

‫(‪)1‬‬

‫وبناء على هذا نرى أن الجزاء المعد لهذه الكائنات ـ كما ذكرنا تفاصيله في‬ ‫رسالة (أسرار األقدار) ـ يتناسب مع الرحمة اإللهية التي وسعت كل شيء‪،‬‬ ‫والرحمة تقتضي أن يعامل كل شيء بحسب حاجته وهواه‪ ..‬وبما أنا ال ندري نوع‬ ‫الحاجات التي تمتلئ بها نفوس هذه الكائنات‪ ،‬فإن األدب يقتضي التوقف في‬ ‫المسألة إال أن يرد الدليل المعصوم‪ ،‬وحينها يسلم له مع اعتقاد انسجامه مع ما ورد‬ ‫في النصوص المحكمة من رحمة الله‪.‬‬ ‫وقد نقلت لنا النصوص ما يشير إلى بعض التكاليف التي كلفت بها هذه‬ ‫الكائنات‪ ،‬والطاقات التي منحت لها ألجل ذلك‪ ،‬ومنها قوله ‪ (:‬بينما رجل‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪67‬‬


‫يسوق بقرة له‪ ،‬قد حمل عليها‪ ،‬التفتت إليه البقرة‪ ،‬فقالت‪ (:‬إني لم أخلق لهذا‪،‬‬ ‫ولكني إنما خلقت للحرث)‬

‫(‪)1‬‬

‫وهذا الحديث ال يعني فقط جانبه اإلعجازي‪ ،‬ولعله ‪ ‬لم يقصده بادئ‬ ‫الرأي‪ ،‬وإنما فيه اإلشارة إلى أن لكل مخلوق الحدود الضابطة لوظيفته وتسخيره‪،‬‬ ‫وأن هذا الحيوان الذي نتصوره أعجم له من الوعي ما يدرك به حقيقته ووظيفته‪.‬‬ ‫ولعل الثور الهائج الذي يمتطيه مدعي الفروسية‪ ،‬والناس من حوله‬ ‫يضحكون ويصفقون يصيح بملء فيه بما صاحت هذه البقرة‪ ،‬ولكن صياحه ال‬ ‫تسمعه إال آذان الروح‪.‬‬ ‫وقد أخبر ‪ ‬عن بعض طاقات هذه الحيوانات ووعيها‪ ،‬ومنها أنها ترى ما‬ ‫ال يراه اإلنسان‪ ،‬فترى المالئكة والشياطين‪ ،‬وتنفعل لمرآهما‪ ،‬قال ‪ (:‬إذا سمعتم‬ ‫صياح الديكة فاسألوا الله من فضله‪ ،‬فإنها رأت ملكا وإذا سمعتم نهيق الحمار‪،‬‬ ‫فتعوذوا بالله من الشيطان‪ ،‬فإنه رأى شيطانا)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد يتصور البعض أن ما ذكره ‪ ‬عن الحمار من قدرته على رؤية الشيطان‬ ‫ذم له وعيب فيه‪ ،‬وهو فهم غير صحيح‪.‬‬ ‫بل إن رسول الله ‪ ‬أخبر عن طاقة من طاقات الحمار التي ننتفع بها‪ ،‬وهي‬ ‫قدرته على رؤية عالم الشر‪ ،‬ورؤية الشر ليست شرا‪ ،‬بل إن العلم بالشر هو الواقي‬

‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪68‬‬


‫لإلنسان من الوقوع فيه‪.‬‬ ‫والحمار بهذه الطاقة‪ ،‬وما ينبه به داعية من دعاة ذكر الله‪ ،‬وقد قال ‪ (:‬ال‬ ‫ينهق الحمار حتى يرى شيطانا أو يتمثل له شيطان ‪ ،‬فإذا كان ذلك فاذكروا الله‬ ‫وصلوا علي)‬

‫(‪)1‬‬

‫ولعل ذلك الصوت المزعج للحمار سببه هذه الرؤية‪ ،‬وليكون تنبيها‬ ‫للنفوس حتى ال تستريح لصوته ـ في حال كونه جميال ـ عن االستعاذة والصالة‪.‬‬ ‫والحمار بذلك يمثل جنديا من جنود الله التي يتعرف المؤمن من خاللها‬ ‫على أعدائه‪ ،‬أو هو عين من العيون التي يتبصر بها المؤمن بعض عوالم الله‪.‬‬ ‫وهو في كال الدورين يشبه الديك‪ ،‬فالديك هو عيننا على عالم المالئكة‪ ،‬كما‬ ‫أن الحمار عيننا على عالم الشياطين‪.‬‬ ‫هذا بعض ما ورد في النصوص‪ ،‬وقد ذكر أبو ذر اهتمام النبي ‪ ‬بالحديث‬ ‫عن هذه العوالم‪ ،‬فقال‪ (:‬ولقد تركنا رسول ال ّله ‪ ،‬وما يقلب طائر جناحيه في‬ ‫السماء إال ذكر لنا منه علم ًا)‬

‫(‪)1‬‬

‫(‪ )1‬رواه الطبراني مرفوعا‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن جرير وأحمد وعبد الرزاق‪ ،‬واللفظ ألحمد‪.‬‬

‫‪69‬‬


‫ثانيا ـ الكون العابد‬ ‫الحياة ال تكفي وحدها لتعقد مواثيق الصداقة بيننا وبين الكون‪ ..‬فكم من‬ ‫حي هو أشبه بميت‪ ،‬وكم من حي هو أعدى لنا من ميت‪..‬‬ ‫ولذلك‪ ،‬فإن هناك مقاما آخر من مقامات الكون‪ ،‬وخاصة من خواصه ترفع‬ ‫الصداقة بيننا وبين الكون لتجعلها في مرتبة األخوة في الله‪ ..‬وتجعل المحبة بيننا‬ ‫وبينه محبة في الله‪.‬‬ ‫هذه الخاصة‪ ..‬وتلك الصفة الرفيعة هي العبودية لله‪..‬‬ ‫وانطالقا من النصوص المقدسة ـ التي هي مرجعنا الوحيد في هذا الباب ـ‬ ‫فإن الكون ليس حيا فقط‪ ،‬بل هو حي عابد‪ ،‬يعرف ربه‪ ،‬ويتوجه له بأنواع التسبيح‬ ‫الس ْب ُع‬ ‫الس َم َاو ُ‬ ‫ات َّ‬ ‫والعبادة‪ ،‬تسبيحا يفقهه‪ ،‬ويدرك معانيه‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ت َس ِّب ُح َل ُه َّ‬ ‫َو ْاألَ ْر ُض َو َم ْن فِ ِيه َّن َوإِ ْن ِم ْن َش ْي ٍء إِ َّال ُي َس ِّب ُح بِ َح ْم ِد ِه َو َل ِك ْن ال َت ْف َق ُه َ‬ ‫يح ُه ْم إِ َّن ُه‬ ‫ون ت َْسبِ َ‬ ‫ك َ‬ ‫َان َح ِليم ًا َغ ُفور ًا﴾ (االسراء‪)44:‬‬ ‫ومثلما ذكرنا في تسرب النظرة المادية للنصوص الدالة على حياة الكون‪،‬‬ ‫والتي تنطلق من النظرة الحسية أو العقلية المستعبدة للحس‪ ،‬فإن هذه النظرة‪ ،‬وما‬ ‫تستخدمه من فنون التأويل سرى إلى الكون العابد وذلك بقصر عبادته على عبودية‬ ‫الداللة دون أن يكون له في ذاته عبودية يتوجه بها بوعيه إلى الله‪.‬‬ ‫فقال هؤالء‪ (:‬إن تسبيح الجمادات أنها تدعو الناظر إليها إلى أن يقول‪:‬‬ ‫سبحان الله)‪ ،‬وذلك لعدم توفر اإلدراك لها كما قال الشاعر‪:‬‬

‫‪71‬‬


‫ُتلقى بتسبيحة من حيث ما انصرفت وتستقر حشا الرائي بترعاد‬ ‫أي يقول من رآها‪ :‬سبحان خالقها‪.‬‬ ‫وهذه النظرة تخالف النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة التي تفيد بأن‬ ‫للكون تسبيحه وعباداته الخاصة‪.‬‬ ‫بل إن النصوص لم تكتف بالحديث العام‪ ،‬الذي قد يحتمل التأويل‪ ،‬بل‬ ‫ذكرت أنواع العبادة التي يمارسها الكون‪.‬‬ ‫وسنحاول التعرف على بعض هذه الشعائر التعبدية في هذا الفصل‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ القنوت ‪:‬‬ ‫أول هذه العبادات‪ ،‬وعلى رأسها‪ ،‬ويتربع ذروة سنامها‪ :‬القنوت لله تعالى‪،‬‬ ‫َّخ َذ ال َّله و َلد ًا سبحا َنه ب ْل َله ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫كما قال تعالى‪َ ﴿:‬و َقا ُلوا ات َ‬ ‫ض‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ُ َ ُ ْ َ َُ ُ َ‬ ‫ون﴾ (البقرة‪ ،)111:‬وقال تعالى‪ ﴿:‬و َله من فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ُك ٌّل َل ُه َقانِ ُت َ‬ ‫ض ُك ٌّل‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ ُ َ ْ‬ ‫َل ُه َقانِ ُت َ‬ ‫ون﴾ (الروم‪)11:‬‬ ‫والقنوت هو دوام الطاعة‪ ،‬ولذلك يقال للمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو‬ ‫سجوده هو قانت في ذلك كله‪ ،‬كما قال تعالى‪َ ﴿:‬أم ْن ُه َو َقانِت آنَاء ال َّل ْي ِل س ِ‬ ‫اجد ًا‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫َو َق ِائم ًا َي ْح َذ ُر ْاآل ِخ َر َة َو َي ْر ُجو َر ْح َم َة َر ِّب ِه)(الزمر‪ )9 :‬فاعتبره تعالى قانتا في حال‬ ‫السجود والقيام‪.‬‬ ‫ومثله ما ورد في الحديث حين سئل رسول الله ‪ ‬أي الصالة أفضل فقال‪(:‬‬

‫‪70‬‬


‫طول القنوت)(‪ ،)1‬ولم يرد به طول القيام فقط‪ ،‬بل طول القيام والركوع‬ ‫والسجود(‪.)1‬‬ ‫ِ‬ ‫يم ك َ‬ ‫َان ُأ َّم ًة َقانِت ًا ل ِ َّل ِه َحنِيف ًا َو َل ْم‬ ‫وعلى هذا يدل ـ كذلك ـ قوله تعالى‪ ﴿:‬إِ َّن إِ ْب َراه َ‬ ‫َي ُك ِم َن ا ْل ُم ْش ِر ِكي َن﴾ (النحل‪ )117:‬فقد كان إبراهيم تعالى يمارس جميع أنواع‬ ‫الطاعات وفي جميع األوقات‪.‬‬ ‫فالقنوت إذن هو دوام الطاعة واستمرارها وشمولها‪.‬‬ ‫انطالقا من هذا‪ ،‬فإن القرآن الكريم يخبرنا أن هذا الكون لم يتخل عن قنوته‬ ‫لله تعالى منذ والدته‪ ،‬بل يخبر أن والدته تمثل أعلى درجات القنوت لله تعالى‪،‬‬ ‫فكل ما نراه من أشياء ناتج عن الخضوع ألمر الله الواحد ﴿ ُك ْن ﴾‪:‬‬ ‫قال تعالى‪ ﴿:‬ب ِديع السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َوإِ َذا َق َضى َأ ْمر ًا َفإِن ََّما َي ُق ُ‬ ‫ول َل ُه ُك ْن‬ ‫َ ُ َّ َ َ‬ ‫ون﴾ (البقرة‪ ،)110:‬وقال تعالى‪ ﴿:‬إِن ََّما َق ْو ُلنَا لِ َش ْي ٍء إِ َذا َأ َر ْدنَا ُه َأ ْن َن ُق َ‬ ‫َف َي ُك ُ‬ ‫ول َل ُه ُك ْن‬ ‫ون﴾ (النحل‪ ،)47:‬وقال تعالى‪ ﴿:‬إِن ََّما َأ ْم ُر ُه إِ َذا َأ َرا َد َش ْيئ ًا َأ ْن َي ُق َ‬ ‫َف َي ُك ُ‬ ‫ول َل ُه ُك ْن‬ ‫َف َي ُك ُ‬ ‫يت َفإِ َذا َق َضى َأ ْمر ًا َفإِن ََّما‬ ‫ون﴾ ( ّيـس‪ ،)41:‬وقال تعالى‪ُ ﴿:‬ه َو ا َّل ِذي ُي ْح ِيي َو ُي ِم ُ‬ ‫َي ُق ُ‬ ‫ول َل ُه ُك ْن َف َي ُك ُ‬ ‫ون﴾ (غافر‪)14:‬‬ ‫وقد أجاب العلماء على ما قد يسأله من يستعبده عقله‪ ،‬فيقول‪ :‬في أي حال‬ ‫يقول له كن فيكون؟ أفي حال عدمه‪ ،‬أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه‬ ‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫قال ابن حجر‪ (:‬طول الصالة يستلزم طول القيام‪ ،‬كالركوع مثال ال يكون أطول من القيام‪ ،‬كما عرف باالستقراء‬

‫من صنيعه ‪‬‬

‫‪ ،‬ففي حديث الكسوف‪ :‬فركع نحوا من قيامه) فتح الباري‪.19/3:‬‬

‫‪72‬‬


‫استحال أن يأمر إال مأمورا‪ ،‬كما يستحيل أن يكون األمر إال من آمر‪ ،‬وإن كان في‬ ‫حال وجوده فتلك حال ال يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث‪ ،‬ألنه موجود‬ ‫حادث؟‬ ‫ومن تلك اإلجابات أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه‬ ‫الموجود‪ ،‬كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين‪ ،‬وال يكون هذا واردا‬ ‫في إيجاد المعدومات‪.‬‬ ‫أو أن الله عز وجل عالم بما هو كائن قبل كونه‪ ،‬فكانت األشياء التي لم تكن‬ ‫وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة‪ ،‬فجاز أن يقول لها‪ :‬كوني‪،‬‬ ‫ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود‪ ،‬لتصور جميعها له ولعلمه بها‬ ‫في حال العدم‪.‬‬ ‫أو أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه‬ ‫وإنشاءه كان‪ ،‬ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله‪ ،‬وإنما هو قضاء يريده‪ ،‬فعبر‬ ‫عنه بالقول وإن لم يكن قوال‪ ،‬واستدل هؤالء على هذا التأويل بقولهم‪ (:‬قد قالت‬ ‫االتساع للبطن الحق) وال قول هناك‪ ،‬وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن‪.‬‬ ‫أو قول اآلخر‪:‬‬ ‫فأصبحت مثل النسر طارت فراخه إذا رام تطيارا يقال له قع‬ ‫أو ما قال اآلخر‪:‬‬ ‫قالت جناحاه لساقيه الحقا ونجيا لحمكما أن يمزقا‬

‫‪73‬‬


‫وعن هذا المعنى عبر الغزالي بقوله‪ (:‬ومن هذا القبـيل في كنايته عن االقتدار‬ ‫قوله تعالى‪ ﴿:‬إنَّما َقو ُلنَا لِ ٍ‬ ‫أن َن ُق َ‬ ‫ول َل ُه ُك ْن َف َي ُك ُ‬ ‫شيء إ َذا َأر ْدنَا ُه ْ‬ ‫ون﴾‪ ،‬فإن ظاهره ممتنع‬ ‫ْ‬ ‫إذ قوله (كن) إن كان خطاب ًا للشيء قبل وجوده فهو محال إذ المعدوم ال يفهم‬ ‫الخطاب حتى يمتثل وإن كان بعد الوجود فهو مستغن عن التكوين‪ ،‬ولكن لما‬ ‫كانت هذه الكناية أوقع في النفوس في تفهيم غاية االقتدار عدل إليها)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومن اإلجابات في هذا ما يسمى (باألعيان الثابتة في العدم)‪ ..‬وأن ثبوت‬ ‫األشياء في حال عدمها هو الذي جعلها أهال ألن تخاطب وتكلف بالخروج من‬ ‫العدم إلى الوجود(‪.)1‬‬ ‫وكل ذلك يمكن أن يكون صحيحا‪ ،‬ولكن األصح هو التسليم لله في قوله‪،‬‬ ‫واعتبار ما قاله حقيقة قد ال تستوعب عقولنا صورتها‪ ..‬وليس للعقل المحدود أن‬ ‫يتجرأ على تصور الالمحدود‪.‬‬ ‫وهذا التفسير لطريقة وجود الكون وصدوره عن خالقه يقي المؤمن من‬ ‫التصورات المختلفة التي حاول البشر بعقولهم الضعيفة أن يصوروا بها هذا‬ ‫الصدور‪ ،‬ثم يؤسسوا عالقة الكون بربه على أساسه‪.‬‬ ‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬ ‫(‪ )1‬وهذا كما هو معلوم قول ابن عربي‪ ،‬وقد ذكر مثله بعض المعتزلة‪ ،‬وليس في هذا القول ما يمكن أن يبدع أو يكفر‬ ‫به أحد من الناس‪ ،‬فالصفر‪ ..‬وإن لم يكن له وجود عيني إال أن له وجودا ذهنيا اعتباريا‪ ،‬باإلضافة إلى كل ما نحلم به من أشياء‬ ‫ليست موجودة‪ ،‬فلوال ثبوتها مع عدمها ما أمكننا توهمها‪.‬‬ ‫هذا عن القول أما ما قد يستلزمه هذا القول من مفاهيم خاطئة‪ ..‬فذلك شيء آخر‪ ،‬والتوجه بالتخطئة حينئذ يكون‬ ‫لالستلزام ال للقول‪.‬‬

‫‪74‬‬


‫يقول سيد قطب موضحا التصور اإلسالمي حول هذه المسألة الخطيرة‪(:‬‬ ‫لقد صدر الكون عن خالقه‪ ،‬عن طريق توجه اإلرادة المطلقة القادرة‪ :‬كن‪ ،‬فيكون‪..‬‬ ‫فتوجه اإلرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن‪ ،‬على الصورة‬ ‫المقدرة له‪ ،‬بدون وسيط من قوة أو مادة‪ ..‬أما كيف تتصل هذه اإلرادة التي ال نعرف‬ ‫كنهها‪ ،‬بذلك الكائن المراد صدوره عنها‪ ،‬فذلك هو السر الذي لم يكشف لإلدراك‬ ‫البشري عنه)‬

‫(‪)1‬‬

‫أما سبب عدم هذا الكشف‪ ،‬فراجع إلى أن طاقات البشر من المحدودية‬ ‫بحيث ال تصل إلى مثل هذا اإلدراك‪.‬‬ ‫فكيف تدرك الطاقات البشرية تفسير الصلة بين األمر اإللهي والكينونة‪،‬‬ ‫وهي ال تدرك أسرار الصالت الموجودة في العوالم التي تعمرها‪ ،‬والتي تدعي أنها‬ ‫تفهمها وتبالغ في فهمها؟‬ ‫وهل يمكن أن نشرح لصبي صغير نظرية النسبية ـ مثال ـ أو أن نجيبه على‬ ‫األقل على التساؤالت الكثيرة التي يبعثها فضوله؟‬ ‫أما السبب في محدودية الطاقة البشرية فهو بكل بساطة ـ كما يقول سيد ـ أن‬ ‫ذلك ( ال يلزمها في وظيفتها التي خلقت لها وهي خالفة األرض وعمارتها‪..‬‬ ‫وبقدر ما وهب الله لإلنسان من القدرة على كشف قوانين الكون التي تفيده في‬ ‫مهمته‪ ،‬وسخر له االنتفاع بها‪ ،‬بقدر ما زوى عنه األسرار األخرى التي ال عالقة لها‬

‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.171/1 :‬‬

‫‪75‬‬


‫بخالفته الكبرى)‬

‫(‪)1‬‬

‫أما الفلسفات التي هي عصارة الفكر البشري المعتمد على نفسه‪ ،‬والمغتر‬ ‫بقوته‪ ،‬فقد ضربت ( في تيه ال منارة فيه‪ ،‬وهي تحاول كشف هذه األسرار ؛‬ ‫وتفترض فروضا تنبع من اإلدراك البشري الذي لم يهيأ لهذا المجال‪ ،‬ولم يزود‬ ‫أصال بأدوات المعرفة فيه واالرتياد‪ ،‬فتجيء هذه الفروض مضحكة في أرفع‬ ‫مستوياتها‪ ،‬مضحكة إلى حد يحير اإلنسان‪:‬كيف يصدر هذا عن فيلسوف! وما‬ ‫ذلك إال ألن أصحاب هذه الفلسفات حاولوا أن يخرجوا باإلدراك البشري عن‬ ‫طبيعة خلقته‪ ،‬وأن يتجاوزوا به نطاقه المقدور له! فلم ينتهوا إلى شيء يطمأن إليه ؛‬ ‫بل لم يصلوا إلى شيء يمكن أن يحترمه من يرى التصور اإلسالمي ويعيش في‬ ‫ظله)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد عصم الله المسلمين المهتدين بنور القرآن الكريم من الوقوع في هذه‬ ‫المتاهات‪ ،‬أو ( أن يحاولوا هذه المحاولة الفاشلة‪ ،‬الخاطئة المنهج ابتداء‪ ،‬فلما أن‬ ‫أراد بعض متفلسفتهم متأثرين بأصداء الفلسفة اإلغريقية ‪ -‬على وجه خاص ‪ -‬أن‬ ‫يتطاولوا إلى ذلك المرتقى‪ ،‬باءوا بالتعقيد والتخليط‪ ،‬كما باء أساتذتهم اإلغريق‪،‬‬ ‫ودسوا في التفكير اإلسالمي ما ليس من طبيعته‪ ،‬وفي التصور اإلسالمي ما ليس‬ ‫من حقيقته‪ ..‬وذلك هو المصير المحتوم لكل محاولة العقل البشري وراء مجاله‪،‬‬

‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.171/1 :‬‬ ‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.171/1 :‬‬

‫‪76‬‬


‫وفوق طبيعة خلقته وتكوينه)‬

‫(‪)1‬‬

‫فالقرآن الكريم إذن يفسر سر والدة الكون الذي تاه فيه الفالسفة وغيرهم‪،‬‬ ‫ثم خبطوا بعقولهم خبط عشواء‪ ،‬بهذا التفسير البسيط المعقول الذي تؤيده كل‬ ‫األدلة‪ ،‬وهو أن كل شيء قانت لله‪ ..‬وال يمكنه إال أن يقنت لله‪.‬‬ ‫***‬ ‫وقنوت األشياء لله‪ ،‬وخضوعها ألمره (كن) مستمر في كل األحوال‪،‬‬ ‫فالكون الذي أطاع الله ابتداء‪ ،‬فخرج إلى الوجود بأمر (كن) ال زال يجيب الله‪..‬‬ ‫وسيظل يجيبه‪.‬‬ ‫وإلى هذه االستمرارية في القنوت اإلشارة بقوله تعالى‪َ ﴿:‬ما ِم ْن َدا َّب ٍة إِ َّال ُه َو‬ ‫ِ‬ ‫آخذ بِن ِ‬ ‫َاص َيتِ َها)(هود‪ ،)51 :‬وقوله تعالى‪َ ﴿:‬ف ُس ْب َح َ‬ ‫وت ُك ِّل َش ْي ٍء‬ ‫ان ا َّل ِذي بِ َي ِد ِه َم َل ُك ُ‬ ‫َوإِ َل ْي ِه ُت ْر َج ُع َ‬ ‫ون﴾ ( ّيـس‪)43:‬‬ ‫وقد أقرت الكائنات بهذه الطاعة لله تعالى‪ ،‬كما قال تعالى‪ُ ﴿:‬ث َّم ْاست ََوى إِ َلى‬ ‫ أ ْر ِ‬ ‫الس َم ِاء َو ِه َي ُد َخان َف َق َال َل َها َول ِ ْ َ‬ ‫ض ائْتِ َيا َط ْوع ًا َأ ْو ك َْره ًا َقا َلتَا َأ َت ْينَا َط ِائ ِعي َن﴾‬ ‫َّ‬

‫(فصلت‪)11:‬‬ ‫وهذا هو الجواب اإللهي عن كل التساؤالت المحيرة التي يتيه فيها الغافل‪،‬‬ ‫وينكرها الملحد‪.‬‬ ‫فعندما تعجبت مريم ـ عليها السالم ـ أن تلد من غير زواج‪ ،‬أخبرها الله تعالى‬

‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.171/1 :‬‬

‫‪77‬‬


‫بأن أمره وحده كاف في ذلك‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬قا َل ْت َر ِّب َأنَّى َي ُك ُ‬ ‫ون لِي َو َلد َو َل ْم‬ ‫َي ْم َس ْسنِي َب َشر َق َال ك ََذلِ ِك ال َّل ُه َي ْخ ُل ُق َما َي َشا ُء إِ َذا َق َضى َأ ْمر ًا َفإِن ََّما َي ُق ُ‬ ‫ول َل ُه ُك ْن َف َي ُك ُ‬ ‫ون﴾‬ ‫(آل عمران‪)40:‬‬ ‫وعندما تعجب النصارى من صدور خارقة ميالد المسيح من غير حصول‬ ‫ما تعارف عليه الناس من أسباب‪ ،‬ودعاهم ذلك إلى الخطأ في تصور طبيعة‬ ‫ِ‬ ‫يسى ِعنْدَ ال َّل ِه ك ََم َث ِل آ َد َم َخ َل َق ُه‬ ‫المسيح تعالى‪ ،‬رد عليهم الله تعالى بقوله‪ ﴿:‬إِ َّن َم َث َل ع َ‬ ‫ِم ْن ُت َر ٍ‬ ‫اب ُث َّم َق َال َل ُه ُك ْن َف َي ُك ُ‬ ‫ون﴾ (آل عمران‪)59:‬‬ ‫وعندما تعجب المشركون من أمر البعث أخبرهم الله تعالى أن ذلك ليس‬ ‫عجبا‪ ،‬فالله تعالى ﴿ هو ا َّل ِذي َخ َل َق السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر َض بِا ْل َح ِّق َو َي ْو َم َي ُق ُ‬ ‫ول ُك ْن‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َُ‬ ‫ِ‬ ‫الص ِ‬ ‫ور َعال ِ ُم ا ْل َغ ْي ِ‬ ‫َف َي ُك ُ‬ ‫ب َو َّ‬ ‫الش َها َد ِة َو ُه َو‬ ‫ون َق ْو ُل ُه ا ْل َح ُّق َو َل ُه ا ْل ُم ْل ُك َي ْو َم ُينْ َف ُخ في ُّ‬ ‫ِ‬ ‫يم ا ْل َخبِ ُير﴾ (األنعام‪)03:‬‬ ‫ا ْل َحك ُ‬ ‫وهذا القنوت الذي يتصف به الكون‪ ،‬فيجعله في منتهى الخضوع لله ال‬ ‫يستثنى منه شيء حتى الكفار والملحدين‪ ،‬فإنهم يقنتون لله من حيث ال يعلمون‪.‬‬ ‫وقد أخبر القرآن الكريم أن من قنوت أجسادهم ما تشهد به عليهم يوم‬ ‫القيامة‪ ،‬كما قال تعالى‪َ ﴿:‬ي ْو َم ت َْش َهدُ َع َل ْي ِه ْم َأ ْل ِسنَ ُت ُه ْم َو َأ ْي ِد ِيه ْم َو َأ ْر ُج ُل ُه ْم بِ َما كَا ُنوا‬ ‫َي ْع َم ُل َ‬ ‫ون﴾ (النور‪)14:‬‬ ‫وقد صور ‪ ‬ذلك في مجلس من مجالسه مع الصحابة نقله لنا أنس بقوله‪:‬‬ ‫مم أضحك؟ قلنا‪:‬‬ ‫كنا عند النبي ‪ ‬فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال‪ :‬أتدرون َّ‬

‫‪78‬‬


‫ال ّله ورسوله أعلم‪ ،‬قال‪ :‬من مجادلة العبد ربه‪ ،‬يقول‪ :‬يا رب ألم تجرني من الظلم؟‬ ‫علي شاهد ًا إال من نفسي‪ ،‬فيقول‪ :‬كفى بنفسك اليوم‬ ‫فيقول‪ :‬بلى‪ ،‬فيقول‪ :‬ال أجيز َّ‬ ‫عليك شهيد ًا‪ ،‬وبالكرام عليك شهود ًا‪ ،‬فيختم على فيه ويقال ألركانه‪ :‬انطقي‪،‬‬ ‫لكن وسحق ًا‪ ،‬فعنكن كنت‬ ‫فتنطق بعمله‪ ،‬ثم يخلى بينه وبين الكالم‪ ،‬فيقول‪ :‬بعد ًا َّ‬ ‫أناضل)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد أحصى ابن القيم لقنوت الكفار غير ما ذكرنا من قنوت جوارحهم‬ ‫خمسة أنواع كلها مما ورد به التنزيل‪ ،‬وهي‪ (:‬قنوتهم لخلقه وحكمه وأمره قدرا‬ ‫واعترافهم بربوبيته واضطراهم إلى مسألته والرغبة إليه ودخولهم فيما يأمر به وإن‬ ‫كانوا كارهين وجزاؤهم على أعماله ودخولهم فيما يأمر به مع الكراهة)‬

‫(‪)1‬‬

‫فالقنوت شامل للجميع‪ ،‬والفرق الوحيد في ذلك هو أن المؤمن يقنت له‬ ‫طوعا وغيره يقنت له كرها‪ ،‬كما قال تعالى‪ ﴿:‬ول ِ َّل ِه يسجدُ من فِي السماو ِ‬ ‫ات‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ َْ ُ َ ْ‬ ‫ض َط ْوع ًا َوكَره ًا َو ِظال ُل ُهم ِبا ْل ُغدُ ِّو َو ْاآل َص ِ‬ ‫َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ال﴾ (الرعد‪)15:‬‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫ومثل القنوت اإلسالم‪ ،‬فإنه دين الكون جميعا طوعا أو كرها‪ ،‬قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫ون و َله َأس َلم من فِي السماو ِ‬ ‫َأ َف َغير ِد ِ ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َط ْوع ًا َوك َْره ًا َوإِ َل ْي ِه‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ين ال َّله َي ْب ُغ َ َ ُ ْ َ َ ْ‬ ‫َْ‬ ‫ُي ْر َج ُع َ‬ ‫ون﴾ (آل عمران‪)43:‬‬ ‫فالكون جميعا يستسلم لرب واحد‪ ،‬يتلقى منه قوانينه وتوجيهاته‪ ،‬فلذلك‬

‫(‪ )1‬أحمد‪ ،94/3 :‬أبو يعلى‪ ،55/0 :‬الحاكم‪.144/4 :‬‬ ‫(‪ )1‬رسالة في قنوت األشياء‪.10 :‬‬

‫‪79‬‬


‫حفظ من الفساد‪ ،‬ولم يدب إليه ما دب للبشر العاقل الذي اختار الكفر من فساد‪،‬‬ ‫ان ال َّل ِه َر ِّب ا ْل َع ْر ِ‬ ‫َان فِ ِيه َما آلِ َهة إِ َّال ال َّل ُه َل َف َسدَ تَا َف ُس ْب َح َ‬ ‫كما قال تعالى‪َ ﴿:‬ل ْو ك َ‬ ‫ش َع َّما‬ ‫َي ِص ُف َ‬ ‫ون﴾ (االنبياء‪)11:‬‬ ‫‪ 1‬ـ السجود‪:‬‬ ‫ومن عبادات الكون التي نص عليها القرآن الكريم (السجود)‪ ..‬وهي عبودية‬ ‫تجعل من الكون كله مسجدا يقيم شعائره‪ ،‬كل بطريقته الخاصة‪ ،‬بحسب قابليته‪،‬‬ ‫ومدى نيله لتجليات األسماء الحسنى‪.‬‬ ‫قال تعالى‪َ ﴿:‬أ َلم تَر َأ َّن ال َّله يسجدُ َله من فِي السماو ِ‬ ‫ات َو َم ْن فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ َْ ُ ُ َ ْ‬ ‫ْ َ‬ ‫اب َوكَثِير ِم َن الن ِ‬ ‫الش ْم ُس َوا ْل َق َم ُر َوالن ُُّجو ُم َوا ْل ِج َب ُال َو َّ‬ ‫َو َّ‬ ‫َّاس َوكَثِير َح َّق‬ ‫الش َج ُر َوالدَّ ُو ُّ‬ ‫ِ‬ ‫اب َو َم ْن ُي ِه ِن ال َّل ُه َف َما َل ُه ِم ْن ُمك ِْر ٍم إِ َّن ال َّل َه َي ْف َع ُل َما َي َشا ُء﴾ (الحج‪)14:‬‬ ‫َع َل ْيه ا ْل َع َذ ُ‬ ‫والسجود كما يعبر القرآن الكريم سجود شامل يشمل الشخوص والظالل‪،‬‬ ‫أو الجواهر واألعراض‪ ،‬كما قال تعالى‪ ﴿:‬ول ِ َّل ِه يسجدُ من فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ َْ ُ َ ْ‬ ‫َط ْوع ًا َوكَره ًا َو ِظال ُل ُهم بِا ْل ُغدُ ِّو َو ْاآل َص ِ‬ ‫ال﴾ (الرعد‪)15:‬‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫وقد صور القرآن الكريم شكال من أشكال السجود بقوله تعالى‪َ ﴿:‬أ َو َل ْم َي َر ْوا‬ ‫إِ َلى َما َخ َل َق ال َّل ُه ِم ْن َش ْي ٍء َي َت َف َّي ُأ ِظال ُل ُه َع ِن ا ْل َي ِم ِ‬ ‫ين َو َّ‬ ‫الش َم ِائ ِل ُس َّجد ًا ل ِ َّل ِه َو ُه ْم‬ ‫د ِ‬ ‫اخ ُر َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪)44:‬‬ ‫َ‬ ‫وقد خاض بعض الناس بعقولهم المحدودة في هذا المجال‪ ،‬واستبعدوا أن‬ ‫تسجد الظالل‪ ،‬وهي أعراض تفتقر إلى الجوهر‪ ،‬وهو فهم محدود منشؤه تعميم‬

‫‪81‬‬


‫المعارف البشرية على الكون جميعا‪ ،‬وما دروا أن للعرض عقله وكيانه وتميزه كما‬ ‫للجوهر عقله وكيانه وتميزه‪.‬‬ ‫وقد أخبر رسول الله ‪ ‬أن للموت الذي هو عرض من األعراض صورة‬ ‫تظهر يوم القيامة على هيئة كبش يذبح بين الجنة والنار(‪.)1‬‬ ‫ولذلك فإن هذه األمور تؤخذ تعقال وتذوقا‪ ،‬ال تخيال وتصورا‪ ،‬فحس‬ ‫اإلنسان ال يدرك إال ما هو في دائرته المحدودة‪ ،‬وهي من المحدودية بحيث ال‬ ‫يصح االعتماد عليها في تصوير ما غاب عن الحس‪.‬‬ ‫ومن ذلك ما عبر به ‪ ‬عن ظاهرة الكسوف التي نكتفي بتفسيرنا المادي‬ ‫لها‪ ،‬فإنه ‪ ‬يخبر بأن لها تفسيرا روحيا نص عليه بقوله ‪ (:‬إن الشمس والقمر‬ ‫خلقان من خلق الله وإنهما ال ينكسفان لموت أحد وال لحياته ولكن الله عز وجل‬ ‫إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له)‬

‫(‪)1‬‬

‫فمعرفتنا بالمواقيت الدقيقة المحددة للكسوف‪ ،‬ومعرفتنا باألسباب الظاهرة‬ ‫لحصوله ال تنفي هذا‪ ،‬فقد يكون للشيء الواحد األسباب الكثيرة‪ ،‬فال ينبغي أن‬ ‫ننكر ما نجهل من األسباب‪ ،‬وال ينبغي أن نكون من ضيق األفق‪ ،‬وقصور الهمة‬

‫(‪ )1‬نص الحديث‪ (:‬إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار‬ ‫فيقال‪ :‬يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون‪ :‬نعم هذا الموت وكلهم قد رآه‪ ،‬فيؤمر به فيذبح‪ ،‬ويقال‪:‬‬ ‫يا أهل الجنة خلود وال موت ويا أهل النار! خلود وال موت) رواه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪80‬‬


‫بحيث نكتفي بما لدينا من معارف(‪.)1‬‬ ‫وقد يرزق الله بعض خلقه ممن صفت مرآة قلوبهم رؤية سجود الكائنات‬ ‫لبارئها‪.‬‬ ‫ومن ذلك ما روى ابن عباس قال‪ :‬جاء رجل‪ ،‬فقال‪ (:‬يا رسول الله إني رأيتني‬ ‫الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت‪ ،‬فسجدت الشجرة لسجودي‬ ‫فسمعتها‪ ،‬وهي تقول‪( :‬اللهم اكتب لي بها عندك أجرا وضع عني بها وزرا واجعلها‬ ‫لي عندك ذخرا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود) قال ابن عباس‪ (:‬فقرأ‬ ‫رسول الله ‪ ‬سجدة ثم سجد فسمعته‪ ،‬وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول‬ ‫الشجرة)‬

‫(‪)1‬‬

‫وألجل هذه العبودية الخاشعة لله نهى ‪ ‬عن إتخاذ ظهور الدواب منابر (‬ ‫فرب مركوبة خيرا أو أكثر ذكرا لله تعالى من راكبها)‬

‫(‪)3‬‬

‫وهذا ما يجعل المؤمن يخفف من غلواء كبرياه‪ ،‬وهو يمشي مطأطئ الراس‬ ‫بخطى وئيدة على األرض الساجدة لله‪ ،‬ممتثال قوله تعالى‪َ ﴿:‬وال ت َْم ِ‬ ‫ش فِي‬ ‫ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َم َرح ًا إِن ََّك َل ْن ت ْ‬ ‫َخ ِر َق ْاألَ ْر َض َو َل ْن َت ْب ُل َغ ا ْل ِج َب َال ُطوالً﴾ (االسراء‪)30:‬‬ ‫أما هيئة السجود‪ ،‬والتي قد تستهوي الخيال‪ ،‬وقد تحجب العقل عن الحقائق‬ ‫إن وقف عندها‪ ،‬فإن لكل شيء سجوده الخاص الذي يعبر به عن منتهى خضوعه‬ ‫(‪ )1‬انظر ما يرتبط بهذا من تفاصيل علمية‪ ،‬ومن دالئل اإلعجاز العلمي‪ :‬رسالة (معجزات علمية)‬ ‫(‪ )1‬الترمذي‪.401/1 :‬‬ ‫(‪ )3‬رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه‪.‬‬

‫‪82‬‬


‫وذله لله تعالى‪.‬‬ ‫قال ابن القيم‪ (:‬والسجود من جنس القنوت‪ ،‬فإن السجود الشامل لجميع‬ ‫المخلوقات‪ ،‬وهو المتضمن لغاية الخضوع والذل‪ ،‬وكل مخلوق فقد تواضع‬ ‫لعظمته وذل لعزته واستسلم لقدرته‪ ،‬وال يجب أن يكون سجود كل شيء مثل‬ ‫سجود اإلنسان على سبعة أعضاء ووضع جبهة في رأس مدور على التراب‪ ،‬فإن‬ ‫هذا سجود مخصوص من اإلنسان)‬

‫(‪)1‬‬

‫بل إن األديان تختلف شعائرها وطقوسها في سجودها‪ ،‬فال يعني السجود‬ ‫بالضرورة ما يفعله المسلمون‪ ،‬قال ابن القيم‪ (:‬من األمم من يركع وال يسجد وذلك‬ ‫سجودها‪ ..‬ومنهم من يسجد على جنب كاليهود‪ ..‬فالسجود اسم جنس‪ ،‬ولكن لما‬ ‫شاع سجود اآلدميين المسلمين صار كثير من الناس يظن أن هذا هو سجود كل‬ ‫أحد)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومثل هذا سائر األلفاظ‪ ،‬فإنه ( لما كان المسلمون يصلون الصالة المعروفة‬ ‫صار يظن من يظن أن كل من صلى فهكذا يصلي‪ ،‬حتى صار بعض أهل الكتاب‬ ‫ينفرون من قولنا‪ :‬إن الله يصلي‪ ،‬وينزهونه عن ذلك‪ ،‬فإنهم لم يعرفوا من لفظ‬ ‫الصالة إال دعاء المصلي لغيره وخضوعه له‪ ،‬وال ريب أن الله منزه عن ذلك لكن‬ ‫ليست هذه صالته سبحانه)‬

‫(‪)3‬‬

‫(‪ )1‬رسالة في قنوت األشياء‪.10 :‬‬ ‫(‪ )1‬رسالة في قنوت األشياء‪.10 :‬‬ ‫(‪ )3‬رسالة في قنوت األشياء‪ ،10 :‬وقد ذكرنا رد هذه الشبهة في رسالة (معجزات حسية)‬

‫‪83‬‬


‫ومن هذا الباب ما روي في الحديث أن رسول الله ‪ ‬قال‪(:‬صوت الديك‬ ‫صالته‪ ،‬وضربه بجناحيه سجوده وركوعه) ثم تال هذه اآلية‪َ ﴿:‬وإِ ْن ِم ْن َش ْي ٍء إِ َّال‬ ‫(‪)1‬‬ ‫ُي َس ِّب ُح بِ َح ْم ِد ِه َو َل ِك ْن ال َت ْف َق ُه َ‬ ‫يح ُه ْم ﴾ (االسراء‪)44 :‬‬ ‫ون ت َْسبِ َ‬ ‫وعن ابن عباس قال‪ :‬ينادي مناد من السماء‪ ،‬اذكروا الله يذكركم‪ ،‬فال يسمعها‬ ‫أول من الديك‪ ،‬فيصيح فذلك تسبيحه(‪.)1‬‬ ‫ومنه ما روي عن سهل بن عبدالله أنه سئل‪ (:‬أيسجد القلب) قال‪ (:‬نعم‬ ‫سجدة ال يرفع رأسه منها أبدا)‬ ‫ومنه ما روي أن أهل الجنة في الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس في‬ ‫الدنيا(‪.)3‬‬ ‫وعلى هذا ينبغي أن تفسر اآليات واألحاديث لترفع كل وهم أو إشكال أو‬ ‫شبهة قد يزرعها المغرضون‪.‬‬ ‫ومع ذلك حاول بعض الناس أن يدخل بعقله إلى هذا الميدان‪ ،‬فذكر بعضهم‬ ‫هيئة سجود النبات والشجر‪ ،‬فذكر أن سجودها هو تفيؤ ظاللها‪ ،‬وهو ما ال دليل‬ ‫عليه‪ ،‬فللنبات سجوده كما للظالل سجودها‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فإن هؤالء الذين تكلفوا هذا مقرين بالسجود متكلفين لهيئته خير‬ ‫من الذين راحوا يؤولون السجود‪ ،‬فيحولونه إلى سجود مجازي ال حقيقة له‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الذكر‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن أبي حاتم‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه مسلم‪.‬‬

‫‪84‬‬


‫ومن هؤالء من ذهب إلى أن السجود هو مجرد الخضوع الخالي من أي‬ ‫مظهر‪ ،‬كما قال الشاعر‪:‬‬ ‫بجيش تضل البلق في حجراته ترى األكم فيه سجدا للحوافر‬ ‫ومن ذلك ما ذكره الرازي عن بعضهم‪ ،‬فقال‪ (:‬إن السجود عبارة عن االنقياد‬ ‫والخضوع وعدم االمتناع وكل من في السموات واألرض ساجد لله بهذا المعنى‪،‬‬ ‫ألن قدرته ومشيئته نافذة في الكل وتحقيق القول فيه أن ما سواه ممكن لذاته‬ ‫والممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود على السوية وكل من‬ ‫كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس‪ ،‬إال بتأثير موجود ومؤثر‬ ‫فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بإيجاده وعدم كل ما سواه بإعدامه‪ ،‬فتأثيره‬ ‫نافذ في جميع الممكنات في طرفي اإليجاد واإلعدام‪ ،‬وذلك هو السجود وهو‬ ‫التواضع والخضوع واالنقياد)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومن ذلك ما ذكر أن المراد من سجودها شهادتها وداللتها على الخالق‪ ،‬كما‬ ‫قال أبو الفرج‪ (:‬الساجدون على ضربين‪ :‬أحدهما من يعقل فسجوده عبادة‪،‬‬ ‫والثاني من ال يعقل فسجوده بيان أثر الصنعة فيه والخضوع الذي يدل على أنه‬ ‫مخلوق)‬

‫(‪)1‬‬

‫وهذه األقوال ـ وإن كانت معانيها صحيحة في ذاتها ـ إال أنه ال عالقة لها‬

‫(‪ )1‬التفسير الكبير‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رسالة في قنوت األشياء‪.43 :‬‬

‫‪85‬‬


‫بمعنى السجود الذي ورد في النصوص‪ ..‬وأدل دليل على هذه المنافاة هو أن‬ ‫النصوص الكثيرة دالة على طواعية سجود األشياء‪ ،‬ولو كان األمر كما ذكروا لما‬ ‫كانت في ذلك أي طواعية‪.‬‬ ‫بل هذا يتنافى مع ما يدل على تجدد ذلك منها‪ ،‬كما قال تعالى‪ ﴿:‬إِنَّا َس َّخ ْر َنا‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ص‪ ،)14:‬وقوله تعالى‪َ ﴿:‬أ َل ْم ت ََر َأ َّن ال َّل َه‬ ‫ا ْل ِج َب َال َم َع ُه ُي َس ِّب ْح َن بِا ْل َعش ِّي َو ْاأل ْش َر ِاق﴾ ( ّ‬ ‫ٍ‬ ‫يسبح َله من فِي السماو ِ‬ ‫ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫يح ُه‬ ‫ض َوال َّط ْي ُر َصا َّفات ُك ٌّل َقدْ َعل َم َصال َت ُه َوت َْسبِ َ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ُ َ ِّ ُ ُ َ ْ‬ ‫َوال َّل ُه َع ِليم بِ َما َي ْف َع ُل َ‬ ‫ون﴾ (النور‪ ،)41:‬فقد أخبر تعالى أنه يعلم ذلك‪ ،‬بينما داللتها‬ ‫على الله تعالى يعلمها جميع الناس‪.‬‬ ‫ومن ذلك ما أخبر الله تعالى به من كالم الهدهد والنمل‪ ،‬وأن سليمان علم‬ ‫منطق الطير بما يدل على اإلختصاص‪.‬‬ ‫ومن ذلك ( أنه قسم السجود إلى طوع وكره‪ ،‬وانفعالها لمشيئة الرب وقدرته‬ ‫ال ينقسم إلى طوع وكره‪ ،‬وال يوصف ذلك بطوع منها وال كره‪ ،‬فإن دليل فعل الرب‬ ‫فيها ليس هو فعل منها ألبتة‪ ،‬والقرآن يدل على أن السجود والتسبيح أفعال لهذه‬ ‫المخلوقات‪ ،‬وكون الرب خالقا لها إنما هو كونها مخلوقة للرب ليس فيه نسبة أمر‬ ‫إليها‪ ،‬ويبين ذلك أنه خص الظل بالسجود بالغدو واآلصال والظل متى كان وحيث‬ ‫كان مخلوق مربوب والله تعالى جعل الظلمات والنور)‬

‫(‪)1‬‬

‫أما البيت الذي استشهدوا به‪ ،‬فال يعتبر دليال شرعيا له حجيته من ناحية‪ ،‬ومن‬

‫(‪ )1‬رسالة في قنوت األشياء‪.43 :‬‬

‫‪86‬‬


‫ناحية ثانية‪ ( ،‬فهذا خضوع جماد لجماد‪ ،‬وال يلزم أن يكون سائر أنواع الخضوع‬ ‫مثل هذا‪ ،‬وإنما يشترك في نوع الخضوع‪ ،‬وليس خضوع المخلوقات للخالق مثل‬ ‫هذا)‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ 3‬ـ التسبيح‪:‬‬ ‫ومن عبادات الكون‪ ،‬وهي أكثرها ورودا في القرآن الكريم‪ ،‬عبادة التسبيح‬ ‫لله تعالى‪.‬‬ ‫وقد افتتحت خمس سور من القرآن الكريم بذكر تسبيح ما في السموات وما‬ ‫في األرض لله‪ ،‬وهي قوله تعالى‪ ﴿:‬سبح لِ َّل ِه ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َو ُه َو‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ َّ َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫يم﴾ (الحديد‪ )1:‬ونفس اآلية في سورة الحشر‪ ،‬وقوله تعالى‪َ ﴿:‬س َّب َح‬ ‫ا ْل َع ِز ُيز ا ْل َحك ُ‬ ‫ِ‬ ‫ل ِ َّل ِه ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو َما فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫يم﴾ (الصف‪ ،)1:‬وقوله‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ض َو ُه َو ا ْل َع ِز ُيز ا ْل َحك ُ‬ ‫َ‬ ‫تعالى‪ ﴿:‬يسبح ل ِ َّل ِه ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو َما فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض ا ْل َم ِل ِك ا ْل ُقدُّ ِ‬ ‫وس ا ْل َع ِز ِيز‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ُ َ ِّ ُ‬ ‫َ‬ ‫ا ْلح ِكي ِم﴾ (الجمعة‪ ،)1:‬وقوله تعالى‪ ﴿:‬يسبح ل ِ َّل ِه ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو َما فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ُ َ ِّ ُ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َل ُه ا ْل ُم ْل ُك َو َل ُه ا ْل َح ْمدُ َو ُه َو َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء َق ِدير﴾ (التغابن‪)1:‬‬ ‫وتسبيح األشياء دليل على معرفتها بالله معرفة تجعلها تنزهه عن كل ما ال‬ ‫يليق بجالله‪.‬‬ ‫والمعرفة التنزيهية هي األصل للمعرفة اإلثباتية‪ ..‬بل إن المعرفة التنزيهية‬ ‫معرفة إثباتية‪ ..‬فمن نزه الله عن الجهل أثبت له علما‪ ..‬ومن نزل الله عن الجور‬ ‫(‪ )1‬رسالة في قنوت األشياء‪.43 :‬‬

‫‪87‬‬


‫أثبت له عدال‪ ..‬وهكذا‪.‬‬ ‫وقد أخبرت النصوص أن الكائنات تنزه الله بحسب أحوالها‪ ،‬وأنواعها‪،‬‬ ‫فلكل مخلوق تسبيحه الخاص به‪ ،‬والذي قد ال يفقهه غيره ممن لم يذق ذوقه‪ ،‬أو‬ ‫يمر بتجربته‪.‬‬ ‫ولذلك نفى الله تعالى عن أكثر الخلق إمكانية فقه هذه التسابيح التي يعج بها‬ ‫الس ْب ُع َو ْاألَ ْر ُض َو َم ْن فِ ِيه َّن َوإِ ْن ِم ْن َش ْي ٍء‬ ‫الس َم َاو ُ‬ ‫ات َّ‬ ‫الكون‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ت َس ِّب ُح َل ُه َّ‬ ‫يح ُه ْم إِ َّن ُه ك َ‬ ‫إِ َّال ُي َس ِّب ُح بِ َح ْم ِد ِه َو َل ِك ْن ال َت ْف َق ُه َ‬ ‫َان َح ِليم ًا َغ ُفور ًا﴾ (االسراء‪)44:‬‬ ‫ون ت َْسبِ َ‬ ‫وعدم الفقه والتصور ال يعني في المنهج العلمي السليم إنكار ما لم يتمكن‬ ‫ِ ِ‬ ‫الس ْم َع َوا ْل َب َص َر‬ ‫من فقهه أو تصوره‪ ،‬كما قال تعالى‪َ ﴿:‬وال َت ْق ُ‬ ‫ف َما َل ْي َس َل َك بِه ع ْلم إِ َّن َّ‬ ‫َوا ْل ُف َؤا َد ُك ُّل ُأو َل ِئ َك ك َ‬ ‫َان َعنْ ُه َم ْس ُؤوالً﴾ (االسراء‪)31:‬‬ ‫فمن أنكر ما لم يقف على سره وحقيقته كان مقتفيا ما ليس له به علم‪.‬‬ ‫ومن األخطاء في هذا‪ ،‬والناشئة من اقتفاء سبيل العقل المجرد عن نور‬ ‫الوحي‪ ،‬الزعم بأن المراد بالتسبيح مجرد تسبيح الداللة‪ ،‬وقد رددنا على ذلك من‬ ‫قبل‪ ،‬وقد أفاض العلماء والربانيون في الرد على ذلك‪ ،‬فهو يسلب الكون خاصية‬ ‫مهمة من خصائصه‪ ،‬ويرفع عنه جلبابا من جالبيب الجمال التي كساه الله به‪.‬‬ ‫وحسبنا من الرد‪ ،‬ونفي الشبهة هنا أن الله أخبر عن التسبيح الخاص ل أشياء‬ ‫بوقت دون وقت‪ ،‬كالعشى واالشراق‪ ،‬كما قال تعالى‪ ﴿:‬إِنَّا َس َّخ ْرنَا ا ْل ِج َب َال َم َع ُه‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫(ص‪ ،)14:‬فهل المراد بذلك أن داللتها على خالقها‬ ‫ُي َس ِّب ْح َن بِا ْل َعش ِّي َو ْاأل ْش َر ِاق﴾ ّ‬

‫‪88‬‬


‫تخص هذين الوقتين فقط؟‬ ‫وقد قال ‪ ‬مشيرا إلى توقيت تسبيح الكائنات‪ (:‬ما تستقل الشمس فيبقي‬ ‫من خلق الله تعالى إال سبح الله بحمده إال ما كان من الشيطان وأغبياء بني آدم)‬

‫(‪)1‬‬

‫ولعل في تحديد مواقيت العبادات ارتباطها بالعبادات التي يمارسها الكون‪،‬‬ ‫حتى يشكل المؤمنون مع الكون الواسع حلقة ذكر واحدة‪ ،‬فقد أمر المؤمنون مثال‬ ‫بمراعاة هذين الوقتين‪ ،‬قال تعالى لزكريا ‪َ ﴿:‬وا ْذ ُك ْر َر َّب َك كَثِير ًا َو َس ِّب ْح بِا ْل َع ِش ِّي‬ ‫اإل ْبك ِ‬ ‫َو ْ ِ‬ ‫اصبِ ْر إِ َّن َوعْدَ ال َّل ِه َح ٌّق‬ ‫َار ﴾ (آل عمران‪ ،)41 :‬وقال لعموم المؤمنين‪َ ﴿:‬ف ْ‬ ‫واس َت ْغ ِفر لِ َذنْبِ َك وسبح بِحم ِد رب َك بِا ْلع ِشي و ْ ِ‬ ‫األ ْبك ِ‬ ‫َار﴾ (غافر‪)55:‬‬ ‫َ ِّ َ‬ ‫َ َ ِّ ْ َ ْ َ ِّ‬ ‫َ ْ ْ‬

‫وفي نفس الوقت الذي أخبر القرآن الكريم عن عبودية الكون في الغدو‬ ‫واآلصال أمر وأخبر عن المؤمنين أنهم يراعون هذين الوقتين‪.‬‬ ‫قال تعالى مخبرا عن عبودية الكون في هذين الوقتين‪َ ﴿:‬ول ِ َّل ِه َي ْس ُجدُ َم ْن فِي‬ ‫السماو ِ‬ ‫ض َط ْوع ًا َوكَره ًا َو ِظال ُل ُهم بِا ْل ُغدُ ِّو َو ْاآل َص ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ال﴾ (الرعد‪)15:‬‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫وقال عن المؤمنين مخبرا‪ ﴿:‬فِي بي ٍ‬ ‫وت َأ ِذ َن ال َّل ُه َأ ْن ُت ْر َف َع َو ُي ْذك ََر فِ َيها ْاس ُم ُه‬ ‫ُُ‬ ‫ُيس ِّب ُح َل ُه فِ َيها بِا ْل ُغدُ ِّو َو ْاآل َص ِ‬ ‫ال ِر َجال ال ُت ْل ِه ِيه ْم تِ َج َارة َوال َب ْيع َع ْن ِذك ِْر ال َّل ِه َوإِ َقا ِم‬ ‫َ‬

‫ون يوم ًا َت َت َق َّل ِ ِ‬ ‫الة وإِيت َِاء َّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫وب َو ْاألَ ْب َص ُار﴾ (النور‪ 31:‬ـ ‪)30‬‬ ‫ب فيه ا ْل ُق ُل ُ‬ ‫ُ‬ ‫الزكَاة َي َخا ُف َ َ ْ‬ ‫الص َ‬ ‫َّ‬ ‫وقال عنهم آمرا‪َ ﴿:‬وا ْذ ُك ْر َر َّب َك فِي َن ْف ِس َك ت ََض ُّرع ًا َو ِخي َف ًة َو ُد َ‬ ‫ون ا ْل َج ْه ِر ِم َن‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ا ْل َق ْو ِل بِا ْل ُغدُ ِّو َو ْاآل َص ِ‬ ‫ين﴾ (ألعراف‪)175:‬‬ ‫ال َوال َت ُك ْن م َن ا ْل َغافل َ‬

‫(‪ )1‬مسند الشاميين‪ ،44/1 :‬الفردوس بمأثور الخطاب‪.01/4 :‬‬

‫‪89‬‬


‫ولكن مع ذلك ـ ولزوما للمنهج العلمي ـ سنسوق بعض أدلة وردود عمدة‬ ‫من عمد هذا المنهج وهو الفخر الرازي‪ ،‬فقد نص على رأيه هذا بقوله‪ (:‬اعلم أن‬ ‫الحي المكلف يسبح لله بوجهين‪ :‬األول‪ :‬بالقول كقوله باللسان سبحان الله‪،‬‬ ‫والثاني‪ :‬بداللة أحواله على توحيد الله تعالى وتقديسه وعزته‪ ،‬فأما الذي ال يكون‬ ‫مكلف ًا مثل البهائم‪ ،‬ومن ال يكون حي ًا مثل الجمادات فهي إنما تسبح لله تعالى‬ ‫بالطريق الثاني)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد استدل لذلك باستدالل بعيد منشؤه ما ذكرناه من توهم عدم حياة الكون‬ ‫أو تصور أن النطق يحتاج إلى آلة كآلة نطق اإلنسان‪ ،‬وهو تغليب للخيال على‬ ‫العقل‪ ،‬وانتصار للوهم على الحقائق‪ ،‬قال الرازي في بيان وجه هذا االستدالل‪(:‬‬ ‫ألن التسبيح بالطريق األول ال يحصل إال مع الفهم والعلم واإلدراك والنطق وكل‬ ‫ذلك في الجماد محال‪ ،‬فلم يبق حصول التسبيح في حقه إال بالطريق الثاني)‬ ‫والعجب هو اعتباره ذلك محاال‪ ،‬فأي استحالة عقلية في ذلك‪ ،‬وهل العقل‬ ‫من اإلحاطة بحيث يدرك سر الحياة حتى يهيه لمن يشاء ويسلبه عمن يشاء؟ وأي‬ ‫استحالة نقلية‪ ،‬والنصوص تعج بأدلة حياة الكائنات‪.‬‬ ‫بل ذهب الرازي إلى أبعد من ذلك حين استلزم مما اعتبره دليال أن اعتبار‬ ‫تسبيحها يقوض االستدالل على اتصاف بالله بالحياة‪ ،‬قال‪ (:‬واعلم أنا لو جوزنا‬ ‫في الجماد أن يكون عالم ًا متكلم ًا لعجزنا عن االستدالل بكونه تعالى عالم ًا قادر ًا‬

‫(‪ )1‬تفسير الرازي‪.114/17 :‬‬

‫‪91‬‬


‫على كونه حي ًا وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه حي ًا وذلك كفر‪ ،‬فإنه يقال‪ :‬إذا‬ ‫جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست‬ ‫بأحياء فحينئذ ال يلزم من كون الشيء عالم ًا قادر ًا متكلم ًا كونه حي ًا فلم يلزم من‬ ‫كونه تعالى عالم ًا قادر ًا كونه حي ًا وذلك جهل وكفر‪ ،‬ألن من المعلوم بالضرورة أن‬ ‫من ليس بحي لم يكن عالم ًا قادر ًا متكلم ًا)‬ ‫وهذا االستدالل يبين الخطأ الذي وقع فيه المنهج الكالمي في استدالالته‬ ‫على صفات الله تعالى‪ ،‬فهو هنا يبني صفة الحياة التي تدل عليها ماليين األدلة على‬ ‫دليل واحد‪ ،‬تنهد صفة حياة الله بانهداده‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬فإن الرازي يستعمل هنا أسلوب الفقهاء في سد الذرائع‪،‬‬ ‫وهو منهج ال يصح استعماله في االستدالالت العقلية‪ ،‬فالعقل ال ينبغي أن يسد في‬ ‫وجهه أي باب‪ ،‬مهما كانت الذريعة المؤدية إليه‪ ،‬إال إذا كانت تؤديه إلى معارف ال‬ ‫يطيقها‪ ،‬أو ليست لديه أدوات تحصيلها‪.‬‬ ‫وقد أجاب الرازي على ما أوردناه من أدلة على تسبيح الكائنات بوجوه‬ ‫يقتضي المنهج العلمي إيرادها‪ ،‬وإن كنا نتجنب الجدل ما أمكن في هذه الرسائل‪:‬‬ ‫أما الوجه األول‪ ،‬فقد عبر عنه بقوله‪ (:‬إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة‬ ‫مركبة من عدد كثر من األجزاء التي ال تتجزأ‪ ،‬وكل واحد من تلك األجزاء دليل تام‬ ‫مستقل على وجود اإلله‪ ،‬ولكل واحد من تلك األجزاء التي ال تتجزأ حفاة‬ ‫مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة‪ ،‬واختصاص ذلك‬

‫‪90‬‬


‫الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجائزات فال يحصل ذلك االختصاص إال‬ ‫بتخصيص مخصص قادر حكيم‪.‬‬ ‫إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على‬ ‫وجود اإلله وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيض ًا دليل تام‬ ‫على وجود اإلله تعالى‪ ،‬ثم عدد تلك األجزاء غير معلوم‪ ،‬وأحوال تلك الصفات‬ ‫غير معلومة)‬

‫(‪)1‬‬

‫وكل هذا كالم صحيح ال حرج فيه‪ ،‬وهو من العبودية التي يمارسها الكون‪،‬‬ ‫والتي سميناها عبودية الداللة‪ ،‬ولكن الخطأ هو اعتبار ذلك هو التفسير الوحيد‬ ‫لتسبيح الكون ولقوله تعالى‪َ ﴿:‬و َل ِك ْن ال َت ْف َق ُه َ‬ ‫يح ُه ْم ﴾ (االسراء‪)44 :‬‬ ‫ون ت َْسبِ َ‬ ‫أما الوجه الثاني‪ ،‬فهو قوله بأن الكفار وإن كانوا يقرون بألسنتهم بإثبات إله‬ ‫العالم إال أنهم ما كانوا يتفكرون في أنواع الدالئل‪ ،‬ولهذا المعنى قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫و َك َأين ِمن آي ٍة فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ون َع َل ْي َها َو ُه ْم َعن َْها ُم ْع ِر ُض َ‬ ‫ض َي ُم ُّر َ‬ ‫ون﴾‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ ِّ ْ ْ َ‬ ‫(يوسف‪)175:‬‬ ‫وهو وجه صحيح‪ ،‬ولكنه ليس دليال على نفي تسبيح المقال‪ ،‬فال تناقض بين‬ ‫المقالة والداللة‪.‬‬ ‫أما الوجه الثالث‪ ،‬وهو وجه يعتمد على السياق الذي وردت فيه اآلية‪ ،‬فهو‬ ‫قوله بأن القوم وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم إال أنهم ما كانوا عالمين‬

‫(‪ )1‬تفسير الرازي‪.114/17 :‬‬

‫‪92‬‬


‫بكمال قدرته‪ ،‬ولذلك استبعدوا كونه تعالى قادر ًا على الحشر والنشر فكان المراد‬ ‫َان َم َع ُه آلِ َهة ك ََما َي ُقو ُل َ‬ ‫ذلك‪ ،‬ثم إنه قال لرسول الله ‪ُ ﴿:‬ق ْل َل ْو ك َ‬ ‫ون إِذ ًا َال ْب َت َغ ْوا إِ َلى‬ ‫ِذي ا ْل َع ْر ِ‬ ‫ش َسبِي ً‬ ‫ال﴾ (االسراء‪ )41:‬فهم ما كانوا عالمين بهذا الدليل‪ ،‬فلما ذكر هذا‬ ‫الس ْب ُع َو ْاألَ ْر ُض َو َم ْن فِ ِيه ّن)(االسراء‪)44 :‬‬ ‫الس َم َاو ُ‬ ‫ات َّ‬ ‫الدليل قال‪ُ ﴿:‬ت َس ِّب ُح َل ُه َّ‬ ‫وكأن اآلية تقول ـ كما يفهمها الرازي ـ‪ (:‬فتسبيح السموات واألرض ومن‬ ‫فيهن يشهد بصحة هذا الدليل وقوته وأنتم ال تفقهون هذا الدليل وال تعرفونه)‬ ‫وهذا الوجه ال يتنافى أيضا مع التسبيح المقالي للكائنات‪ ،‬بل هو فهم من‬ ‫الفهوم الصحيحة لآلية‪ ،‬والفهوم ال يلغي بعضها بعضا‪ ،‬فكالم الله يحتمل الجميع‪.‬‬ ‫ولعل أقوى دليل ذكره هو ما عبر عنه بقوله‪ (:‬مما يدل على أن األمر كما‬ ‫ذكرناه قوله‪ ﴿:‬إِ َّن ُه ك َ‬ ‫َان َح ِليم ًا َغ ُفور ًا ﴾ (االسراء‪ )44 :‬فذكر الحليم والغفور ههنا‬ ‫يدل على أن كونهم بحيث ال يفقهون ذلك التسبيح جرم عظيم صدر عنهم‪ ،‬وهذا‬ ‫إنما يكون جرم ًا إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله‬ ‫تعالى وحكمته‪ ،‬ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا وجه داللة تلك الدالئل‪.‬‬ ‫أما لو حملنا هذا التسبيح على أن هذه الجمادات تسبح الله بأقوالها وألفاظها‬ ‫لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات جرم ًا وال ذنب ًا‪ ،‬وإذا لم يكن ذلك جرم ًا وال ذنب ًا‬ ‫لم يكن قوله‪ ﴿:‬إِ َّن ُه ك َ‬ ‫َان َح ِليم ًا َغ ُفور ًا ﴾ (االسراء‪ )44 :‬الئق ًا بهذا الموضع)‬ ‫وهذا االستدالل األخير مع قوته إال أن الفاصلة القرآنية ال تشمل آخر اآلية‬ ‫فقط‪ ،‬بحيث يكون الحلم والمغفرة مرتبطان بعدم فقه التسبيح‪ ،‬بل هي مرتبطة‬

‫‪93‬‬


‫بموضوع اآلية جميعا(‪ ،)1‬وهو اإلخبار عن تسبيح كل شيء في الوقت الذي يغفل‬ ‫فيه اإلنسان‪.‬‬ ‫والعتاب على الغفلة يتناسب مع الحلم والمغفرة‪.‬‬ ‫وهذا يتناسب مع ما روي في اآلثار من العتاب على الغفلة في الوقت الذي‬ ‫تسبح فيه الموجودات‪ ،‬كما ورد في األثر‪(:‬الدابة والثوب يسبح‪ ،‬وأنت غافل)‬ ‫وفي أثر آخر‪ (:‬أما يستحي أحدكم أن تكون دابته أو ثوبه أكثر تسبيحا منه)‬ ‫وفي أثر آخر‪ (:‬ما ارتفعت الشمس قيد رمح إلى السماء فبقي لله شيء من‬ ‫خلقه إال سبح لله إال الشيطان وأعتى بني آدم)‬ ‫ومن هذا الباب ما روي في اآلثار عن داود ‪ ‬أنه قال‪ (:‬يا رب اغفر لي‬ ‫فمن أكثر لذكرك مني) فقام على صخرة إلى جنب نهر حتى أصبح‪ ،‬فناداه ضفدع‪(:‬‬ ‫يا داود تمن على الله تعالى‪ ،‬وأنا ضفدع أسبح الله الليل مع النهار من خشيته‪ ،‬فنظر‬ ‫فإذا هي قائمة على الماء‪ ،‬فقال‪ (:‬رب اغفر لي‪ ،‬فإن نعمك علي أفضل من ذكرك)‬ ‫وذهب إلى نفس ما ذهب إليه الرازي المفسر الكبير ناصر مكارم الشيرازي‪،‬‬ ‫وال بأس من إيراد ما ذكر من أدلة هنا‪ ،‬كما ذكرنا أدلة الرازي رغبة في تجلية‬ ‫(‪)1‬‬

‫اعتبر السيوطي هذه الفاصلة من الفواصل التي ال يظهر فيها ارتباطها بموضوع اآلية بادي الرأي‪ ،‬قال‪ (:‬الختم‬

‫بالحلم والمغفرة عقب تسابيح األشياء غير ظاهر في بادى الرأي‪ ،‬وذكر في حكمته أنه لما كانت األشياء كلها تسبح وال‬ ‫عصيان في حقها وأنتم تعصون ختم به مراعاة للمقدر في اآلية وهو العصيان‪ ،‬كما جاء في الحديث‪ (:‬لوال بهائم رتع وشيوخ‬ ‫ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا ولرص رصا)‪ ،‬وقيل التقدير حليما عن تفريط المسبحين غفورا لذنوبهم‪ ،‬وقيل‬ ‫حليما عن المخاطبين الذين ال يفقهون التسبيح بأهمالهم النظر في اآليات والعبر ليعرفوا حقه بالتأمل فيما أودع في مخلوقاته‬ ‫مما يوجب تنزيهه) اإلتقان‪ ،101/1 :‬وانظر‪ :‬البرهان‪.91/1 :‬‬

‫‪94‬‬


‫الحقيقة‪.‬‬ ‫والمفسرين‬ ‫قال الشيرازي في األمثل‪ُ (:‬هناك كالم كثير بين العلماء‬ ‫ّ‬ ‫والفالسفة حول تفسير حقيقة َهذا الحمد والتسبيح‪ ،‬فبعضهم اعتبر الحمد‬ ‫والتسبيح (حاال) والبعض اآلخر (قوال))‬ ‫ثم انتصر للقول األول بقوله‪ (:‬الكثير يعتقد َّ‬ ‫أن َهذا التسبيح والحمد هو على‬ ‫شاكلة ما نسميه بـ (لسان الحال) َوهو حقيقي غير مجازي إِالَّ أ ّن ُه بلسان الحال‬ ‫َوليس بالقول‪( .‬تأ ّمل ذلك)‪.‬‬ ‫ولتوضيح ذلك تقول‪ :‬قد يحدث أن نشاهد آثار عدم اإلرتياح واأللم‪َ ،‬وعدم‬ ‫النوم في َوجه أو عيني شخص ما َونقول له‪ :‬بالرغم ِمن أنّك لم تتحدث عن شيء‬ ‫ِمن َهذا القبيل‪ ،‬إِالّ أن عينيك تقوالن بأنّك لم تنم الليلة الماضية‪َ ،‬ووجهك يؤكّد‬ ‫بأنّك غير مرتاح ومتألم! َوقد يكون لسان الحال ِمن الوضوح بدرجة بحيث أ َّن ُه‬ ‫صرح‬ ‫ُيغطي على لسان القول لو حاول التستر عليها قوال‪َ ،‬‬ ‫وهذا هو المعنى الذي ّ‬ ‫به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السالم) بقوله‪( :‬ما أضمر أحد شيئ ًا إِالَّ‬ ‫ظهر في فلتات لسا ُنه وصفحات َوجهه)‬ ‫ِمن جانب آخر هل يمكن التصديق َّ‬ ‫بأن لوحة فنية جميلة للغاية تدل على‬ ‫(‪)1‬‬

‫تمدحه أو تثني عليه؟ وهل يمكن انكار ثناء دواوين أشعار‬ ‫ذوق َومهارة رسامها‪ ،‬ال‬ ‫ُ‬ ‫أساطين الشعر واالدب وتمجيدها لقرائحهم واذواقهم الرفيعة؟‪ ..‬أو يمكن انكار‬

‫(‪ )1‬نهج البالغة‪ ،‬الكلمات القصار‪ ،‬رقم ‪.11‬‬

‫‪95‬‬


‫أن بنا ًء عظيم ًا أو مصنع ًا كبير ًا أو عقوال الكترونية معقدة أو أمثالها‪ ،‬أنّها تمدح‬ ‫صانعها َو ُمبتكرها بلسان حالها غير الناطق؟‬ ‫لذا يجب التصديق والتسليم َّ‬ ‫بأن عالم الوجود العجيب ذا األسرار المتعدِّ دة‬ ‫المح ِّيرة‪ ،‬يقوم بتسبيح َوحمد الخالق‬ ‫والعظمة الكبيرة‪ ،‬والجزئيات العديدة ُ‬ ‫عز ّ‬ ‫وجل‪ ،‬وإِالَّ فهل (التسبيح) سوى التنزيه عن جميع العيوب؟ فنظام عالم الوجود‬ ‫َّ‬ ‫ناطق َّ‬ ‫ليس فيه أي نقص أو عيب‪:‬‬ ‫بأن خالق ُه َ‬ ‫ثم هل (الحمد) سوى بيان الصفات الكمالية؟ فنظام الخلق والوجود ك ّله‬ ‫ّ‬ ‫يتحدث عن الصفات الكمالية للخالق وعلمه َوقدرته الالمتناهية َوحكمته‬ ‫الوسيعة‪.‬‬ ‫خاصة َّ‬ ‫وأن تقدم العلوم البشرية وكشف بعض أسرار َوخفايا َهذا العالم‬ ‫ّ‬ ‫الواسع‪ ،‬توضح َهذا الحمد والتسبيح العام بصورة أجلى‪ .‬فاليوم مثال أ ّلف علماء‬ ‫النبات المؤلفات العديدة عن أوراق األشجار‪َ ،‬وخاليا َه ِذ ِه األوراق‪َ ،‬والطبقات‬ ‫السبع الداخلة في تكوينها‪ ،‬والجهاز التنفسي لها‪َ ،‬وطريقة التغذية َوسائر األُمور‬ ‫األُخرى التي تتصل َبهذا العالم‪.‬‬ ‫لذلك‪َّ ،‬‬ ‫فإن كل ورقة توحد الله ليال َونهار ًا‪َ ،‬وينتشر صوت تسبيحها في‬ ‫البساتين والغابات‪َ ،‬وفوق الجبال َوفي الوديان‪ ،‬إِالَّ َّ‬ ‫أن الجهالء ال يفقهون ذلك‪،‬‬ ‫َويعتبرونها جامدة ال تنطق‪.‬‬ ‫إِ َّن َهذا المعنى للتسبيح والحمد الساري في جميع الكائنات يمكن دركه‬

‫‪96‬‬


‫تمام ًا‪َ ،‬وليست ُهناك حاجة ألن نعتقد بوجود إِدراك َوشعور لكل ذرات الوجود‪،‬‬ ‫ألَنَّه ال يوجد دليل قاطع على ذلك‪ ،‬واآليات السابقة يحتمل أن يكون مقصودها‬ ‫التسبيح والحمد بلسان الحال)‬ ‫وقد رد على االعتراض القائل‪ (:‬إِذا كان الغرض ِمن الحمد والتسبيح هو‬ ‫عز ّ‬ ‫وجل‪ ،‬وتبيان الصفات السلبية‬ ‫تعبير نظام الكون عن نزاهة َوعظمة َوقدرة الخالق َّ‬ ‫والثبوتية‪ ،‬فلماذا يقول القرآن‪( :‬ال تفقهون تسبيحهم) ألنّه إِذا َ‬ ‫كان البعض ال يفقه‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫فإن العلماء يفقهون ويعلمون؟)‬ ‫وقد أجاب على ذلك بجوابين‪:‬‬ ‫توجه خطابها إِلى األكثرية الجاهلة ِمن عموم الناس‪،‬‬ ‫األول‪ :‬إِ َّن اآلية َّ‬ ‫ّ‬ ‫حيث َّ‬ ‫خصوص ًا إِلى المشركين‪ُ ،‬‬ ‫أن العلماء المؤمنين ِق َّلة َوهم مستثنون ِمن َهذا‬ ‫التعميم‪ُ ،‬وفق ًا لقاعدة ما ِمن عام إِالَّ َوفيه استثناء‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ال ّثاني‪ :‬هو َّ‬ ‫نعلمه كالقطرة‬ ‫أن ما نعلم ُه من أسرار َوخفايا العالم في مقابل ما ال ُ‬ ‫في قبال البحر‪َ ،‬وكالذرة في قبال الجبل العظيم‪ .‬وإِذا فكرنا بشكل صحيح فال‬ ‫نسمي الذي نعرفه بأنَّه (علم)‪ .‬إِنّنا في الواقع ال نستطيع أن نسمع تسبيح‬ ‫نستطيع أن ّ‬ ‫َوحمد َه ِذ ِه الموجودات الكونية مهما أوتينا ِمن العلم‪َّ ،‬‬ ‫ألن ما نسمع ُه هو كلمة‬ ‫واحدة فقط ِمن َهذا الكتاب العظيم!!‬ ‫َو َعلى هذا األساس تستطيع اآلية أن تخاطب العالم بأجمعه َوتقول لهم‪:‬‬ ‫إنّكم ال تفقهون تسبيح َو َحمد الموجودات بلسان حالها‪ ،‬أ ّما الشيء الذي تفقهوه‬

‫‪97‬‬


‫فهو ال يساوي شيئ ًا بالنسبة إِلى ما تجهلون)‬

‫(‪)1‬‬

‫وكل ما ذكره صحيح‪ ،‬ولكنه يدخل في نوع من أنواع التسبيح‪ ،‬أو يدخل‬ ‫باألحرى في صفة من صفات الكون‪ ،‬سميناها (المقروئية) أو الداللة‪ ..‬وهو تسبيح‬ ‫سلبي‪ ،‬ال إيجابي ألن الذي يقوم به من يشاهد الموجودات ال عين الموجودات‪،‬‬ ‫والله تعالى في القرآن أثبت التسبيح ألعيان الموجودات‪.‬‬ ‫والعجب أن يقول الشيرازي هذا مع أن الروايات الكثيرة الواردة عن أهل‬ ‫البيت ـ عليهم السالم ـ وسماعهم لتسبيح الموجودات تنفي هذا النوع من الفهم(‪.)1‬‬ ‫ومن التفسير الذي يتنافى مع عموم النصوص ما ذهب إليه بعضهم حين‬ ‫قصر التسبيح على أحوال معينة للكائنات‪.‬‬ ‫ومن ذلك قصره على كل حي ونام‪ ،‬فنفوا التسبيح عن الجمادات‪ ،‬ومن هذا‬ ‫قول عكرمة‪( :‬الشجرة تسبح‪ ،‬واالسطوان ال يسبح)‪ ،‬وقال يزيد الرقاشي للحسن‬ ‫(‪ )1‬انظر‪ :‬األمثل‪ ،‬للشيرازي‪.‬‬ ‫(‪ )1‬من ذلك ما روي عن بعض أصحاب اإلمام الصادق قال‪ :‬سألت اإلمام عن تفسير قوله تعالى‪ :‬وإن من شئ إال‬ ‫يسبح بحمده فقال‪( :‬كل شئ يسبح بحمده وإنا لنرى أن ينقض الجدار وهو تسبيحها)‬ ‫وعن اإلمام محمد الباقر قال‪ :‬نهى رسول الله ‪ ‬أن توسم البهائم في وجوهها‪ ،‬وأن تضرب وجوهها ألنها تسبح بحمد‬ ‫ربها‪.‬‬ ‫وعن اإلمام الصادق‪ :‬ما من طير يصاد في بر وال بحر‪ ،‬وال شئ يصاد من الوحش إال بتضييعه التسبيح‪.‬‬ ‫وروي أن اإلمام الباقر ‪ ،‬فعندما سمع يوما صوت عصفور‪ ،‬فقال ألبي حمزة الثمالي ‪ -‬وكان من خاصة أصحابه ‪( :-‬‬ ‫يسبحن ربهن عز وجل ويسألن قوت يومهن)‬ ‫وفي حديث آخر عن اإلمام الصادق نقرأ قوله ( عليه السالم)‪ :‬للدابة على صاحبها ستة حقوق‪ :‬ال يحملها فوق طاقتها‪،‬‬ ‫وال يتخذ ظهرها مجلسا يتحدث عليها‪ ،‬ويبدأ بعلفها إذا نزل‪ ،‬وال يسمها في وجهها‪ ،‬وال يضربها فإنها تسبح‪ ،‬ويعرض عليها‬ ‫الماء إذا مر بها) انظر‪ :‬نور الثقلين‪.114/3 :‬‬

‫‪98‬‬


‫وهما في طعام وقد قدم الخوان‪ (:‬أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟) فقال‪ (:‬قد كان‬ ‫يسبح مرة)‪ ،‬يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح‪ ،‬وأما اآلن فقد‬ ‫صار خوانا مدهونا‪.‬‬ ‫وقد ذكر النووي أن هذا مذهب الكثير من المفسرين‪ ،‬قال‪ (:‬وهذا مذهب‬ ‫كثيرين أو األكثرين من المفسرين في قوله تعالى‪َ ﴿:‬وإِ ْن ِم ْن َش ْي ٍء إِ َّال ُي َس ِّب ُح بِ َح ْم ِد ِه‬ ‫﴾ (االسراء‪ )44 :‬قالوا معناه وإن من شيء حي‪ ،‬ثم قالوا حياة كل شيء بحسبه‪،‬‬ ‫فحياة الخشب ما لم ييبس‪ ،‬والحجر ما لم يقطع)‬

‫(‪)1‬‬

‫واستدل القائلون لهذا من السنة بما ثبت عن ابن عباس أن النبي ‪ ‬مر على‬ ‫قبرين فقال‪ (:‬إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة‬ ‫وأما اآلخر فكان ال يستبرئ من البول) قال‪ :‬فدعا بعسيب رطب فشقه اثنين‪ ،‬ثم‬ ‫غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال‪ ( :‬لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)‬

‫(‪)1‬‬

‫ففهم هؤالء من قوله ‪ (:‬ما لم ييبسا) أن ذلك إشارة إلى أنهما ما داما‬ ‫رطبين يسبحان‪ ،‬فإذا يبسا صارا جمادا‪.‬‬ ‫ولسنا نرى في هذا النص أي داللة‪ ،‬فالحديث لم يربط تسبيح العسيب‬ ‫بتخفيف العذاب‪ ،‬بل ربطه برطوبته‪ ،‬فلعل لتلك الرطوبة تأثيرا خاصا أدركه رسول‬

‫(‪)1‬‬

‫مع كون هذا قول أكثر المفسرين إال أن المحققين على خالفه‪ ،‬قال النووي‪ (:‬وذهب المحققون من المفسرين‬

‫وغيرهم إلى أنه على عمومه‪ ،‬ثم اختلف هؤالء هل يسبح حقيقة أم فيه داللة على الصانع فيكون مسبح ًا منزه ًا بصورة حاله‪،‬‬ ‫والمحققون على أنه يسبح حقيقة) النووي على مسلم‪.171/3:‬‬ ‫(‪ )1‬البخاري‪ ،44/1 :‬مسلم‪.147/1 :‬‬

‫‪99‬‬


‫الله ‪ ‬بمشكاة النبوة‪ ،‬وليس لمن لم يطلع من تلك المشكاة أن يتطفل على مثل‬ ‫هذه األسرار(‪.)1‬‬ ‫***‬ ‫وقد ورد في النصوص ما يدل على أن تسبيح الخالئق مصدر من مصادر‬ ‫رزقها‪ ،‬قال ‪ (:‬أال أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه‪ ،‬إن نوحا قال البنه يا بني‪ .‬آمرك‬ ‫أن تقول‪ :‬سبحان الله‪ ،‬فإنها صالة الخلق‪ ،‬وتسبيح الخلق‪ ،‬وبها يرزق الخلق)‬

‫(‪)1‬‬

‫وورد ما يدل على أن ما يحصل لها من المصائب هو بسبب تضييعها‬ ‫التسبيح‪ ،‬وفي ذلك أكبر الداللة على وعيها التام ـ مع كونها غير مكلفة ـ فقد ورد‬ ‫في الحديث قوله ‪ (:‬ما صيد من صيد وال وشج من وشج إال بتضييعه‬ ‫التسبيح)(‪ ،)3‬وقال ‪ (:‬ما اصطيد طير في بر وال بحر إال بتضييعه التسبيح)‬

‫(‪)4‬‬

‫وفي حديث آخر قال ‪ (:‬ما صيد من طير في السماء وال سمك في الماء‬ ‫حتى يدع ما افترض الله عليه من التسبيح)(‪ ،)5‬وهذا الحديث إن صح يدل على‬ ‫(‪)1‬‬

‫ولذلك نرى أن يكتفى من فهم الحديث الذي استدلوا به بما ذكر منه من الناحية العملية‪ ،‬فال جدوى من الناحية‬

‫النظرية الرتباطها بأمر غيبي ليس لدينا وسائل التعرف على كنهه‪.‬‬ ‫والناحية العملية في هذا الحديث هي ما ذكره العلم اء من استحباب قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث‪ ،‬ألنه إذا كان‬ ‫يرجى التخفيف بتسبيح الجريد‪ ،‬فتالوة القرآن أولى‪ ،‬وقد ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن الحصيب األسلمي‬

‫الصحابي أوصى أن يجعل في قبره جريدتان‪ ،‬ففيه أنه تبرك بفعل مثل فعل النبي ‪‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد والنسائي‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه أبو نعيم في الحلية وابن مردويه‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه أبو نعيم في الحلية وابن مردويه‪.‬‬ ‫(‪ )5‬رواه ابن عساكر‪.‬‬

‫‪011‬‬

‫‪.‬انظر‪ :‬النووي على مسلم‪.171/3 :‬‬


‫الوعي التام للكائنات‪ ،‬فالفرائض ال تتوجه لغير العاقل الواعي‪.‬‬ ‫وقد ورد في حديث آخر بعض التفاصيل في ذلك‪ ،‬قال ‪ (:‬آجال البهائم‬ ‫كلها وخشاش األرض والنمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها‬ ‫وغير ذلك آجالها في التسبيح‪ ،‬فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها‪ ،‬وليس إلى‬ ‫ملك الموت منها شيء)‬

‫(‪)1‬‬

‫***‬ ‫واستشعار المؤمن لتسبيح الكائنات مع غفلته يشعره الحياء‪ ،‬ويدفعه إلى‬ ‫األدب معها‪ ،‬ولذا أمرنا بالتأدب معها احتراما وتعظيما لتسبيحها‪ ،‬وقد ورد في‬ ‫الحديث قوله ‪ (:‬ال تضربوا وجوه الدواب‪ ،‬فإن كل شيء يسبح بحمده)‬

‫(‪)1‬‬

‫ونهى عن اتخاذ البهائم كراسي‪ ،‬فقد مر ‪ ‬على قوم وهم وقوف على دواب‬ ‫لهم ورواحل فقال لهم‪ (:‬اركبوها سالمة‪ ،‬ودعوها سالمة‪ ،‬وال تتخذوها كراسي‬ ‫ألحاديثكم في الطرق واألسواق‪ ،‬فرب مركوبة خير من راكبها وأكثر ذكرا لله‬ ‫منه)‬

‫(‪)3‬‬

‫وقد قال بعضهم مصورا هذا‪ (:‬ما أحد سب شيئا من الدنيا دابة وال غيرها‪،‬‬ ‫ويقول‪ :‬خزاك الله أو لعنك الله إال قالت‪ :‬بل أخزى الله تعالى أعصانا لله تعالى)‬ ‫ولهذا نهي عن الذبح من غير ذكر السم الله‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وال َت ْأ ُك ُلوا ِم َّما َل ْم‬ ‫(‪ )1‬رواه العقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ والديلمي‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه أحمد‪.‬‬

‫‪010‬‬


‫ون إِ َلى َأولِي ِائ ِهم لِيج ِ‬ ‫ي ْذك َِر اسم ال َّل ِه َع َلي ِه وإِ َّنه َل ِفسق وإِ َّن َّ ِ‬ ‫وح َ‬ ‫اد ُلو ُك ْم َوإِ ْن‬ ‫ْ َ ْ ُ َ‬ ‫ين َل ُي ُ‬ ‫الش َياط َ‬ ‫ْ َ ُ ْ َ‬ ‫ُ‬ ‫ْ ُ‬ ‫وه ْم إِ َّن ُك ْم َل ُم ْش ِر ُك َ‬ ‫ون﴾ (األنعام‪)111:‬‬ ‫َأ َط ْع ُت ُم ُ‬ ‫وكأننا بذكر اسم الله عند ذبح الحيوان نعتذر له‪ ،‬أو نخبره بأننا إنما نفعل ذلك‬ ‫إلذن الله لنا‪ ،‬وإال فهو أكرم من أن نسلبه حياته لإلبقاء على حياتنا‪.‬‬ ‫ولعل الحيوان‪ ،‬وهو يسمع ذكر الله عند ذبحه يشعر بأنس عظيم‪ ،‬بل يشعر‬ ‫بما يشعر به الشهيد‪ ،‬وهو يقرب روحه لله‪.‬‬ ‫ومن هذا الباب أيضا ما ورد في السنة من النهي عن قتل بعض الحيوانات‪،‬‬ ‫وتعليل ذلك بتسبيحها لله‪ ،‬فقد نهى ‪ ‬عن قتل الضفدع‪ ،‬وعلل ذلك بقوله‪(:‬‬ ‫نعيقها تسبيح)‬

‫(‪)1‬‬

‫ولعل تخصيص الضفدع وبعض الحيوانات بكونها مسبحة مع ورود‬ ‫النصوص الكثيرة الدالة على تسبيح كل شيء هو مبالغة الضفدع ونحوها وإكثارها‬ ‫من ذكر الله‪.‬‬ ‫وقد ورد في الداللة على ذلك بعض اآلثار منها ما روي عن أنس قال‪ :‬ظن‬ ‫داود عليه السالم أن أحدا لم يمدح خالقه أفضل مما مدحه‪ ،‬وأن ملكا نزل وهو‬ ‫قاعد في المحراب والبركة إلى جانبه فقال‪ :‬يا داود افهم إلى ما تصوت به الضفدع‪،‬‬ ‫فأنصت داود عليه السالم فإذا الضفدع يمدحه بمدحة لم يمدحه بها داود عليه‬ ‫السالم فقال له الملك‪ :‬كيف تراه يا داود؟ قال‪ :‬أفهمت ما قالت؟ قال‪ :‬نعم‪ .‬قال‪:‬‬

‫(‪ )1‬رواه النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه‪.‬‬

‫‪012‬‬


‫ماذا قالت؟ قال‪ :‬قالت‪ :‬سبحانك وبحمدك منهتى علملك يا رب‪ .‬قال داود عليه‬ ‫السالم‪ :‬والذي جعلني نبيه‪ ،‬إني لم أمدحه بهذا(‪.)1‬‬ ‫ومثل هذا ما حدث به شهر قال‪ :‬كان داود ‪ ‬يسمى النواح في كتاب الله‬ ‫عز وجل‪ ،‬وأنه انطلق حتى أتى البحر‪ ،‬فقال‪ :‬أيها البحر‪ ،‬إني هارب‪ .‬قال‪ :‬من‬ ‫الطالب الذي ال ينأى طلبه‪ ،‬قال‪ :‬فاجعلني قطرة من مائك‪ ،‬أو دابة مما فيك‪ ،‬أو تربة‬ ‫من تربتك‪ ،‬أو صخرة من صخرك‪ .‬قال‪ :‬أيها العبد الهارب الفار من الطالب الذي‬ ‫ال ينأى طلبه‪ ،‬ارجع من حيث جئت‪ ،‬فإنه ليس مني شيء إال بارز‪ ،‬ينظر الله عز‬ ‫وجل إليه قد أحصاه وعده عدا فلست أستطيع ذلك‪.‬‬ ‫ثم انطلق حتى أتى الجبل‪ ،‬فقال‪ :‬أيها الجبل‪ ،‬اجعلني حجرا من حجارتك‬ ‫أو تربة من تربتك أو صخرة من صخرك أو شيئا مما في جوفك‪ ،‬فقال‪ :‬أيها العبد‬ ‫الهارب الفار من الطالب الذي ال ينأى طلبه‪ ،‬إنه ليس مني شيء إال يراه الله وينظر‬ ‫إليه وقد أحصاه وعده عدا‪ ،‬فلست أستطيع ذلك‪.‬‬ ‫ثم انطلق حتى أتى على األرض يعني الرمل فقال‪ :‬أيها الرمل‪ ،‬اجعلني تربة‬ ‫من تربك أو صخرة من صخرك أو شيئا مما في جوفك‪ .‬فأوحى الله إليه أجبه‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫رواه ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب اإليمان‪ ،‬وهذا النص ينبغي فهمه ـ كما يفهم‬

‫عتاب الله تعالى لنبيه ‪‬‬

‫على معنى التربية والتأديب ال على أن الضفدع أو غيره أعرف بالله وأكثر ذكرا له من أنبيائه ‪ ،‬فرتبة‬

‫النبوة ال تدانيها رتبة‪.‬‬ ‫ومن هذا الباب أيضا ما روى البيهقي في شعب اإليمان‪ ،‬عن صدقة بن يسار قال‪ :‬كان داود ‪ ‬في محرابه‪ ،‬فأبصر درة‬ ‫صغيرة ففكر في خلقها وقال‪ :‬ما يعب أ الله بخلق هذه؟ فأنطقها الله فقالت‪ :‬يا داود أتعجبك نفسك؟ ألنا على قدر ما آتاني‬ ‫الله‪ ،‬أذكر لله وأشكر له منك‪ ،‬على ما آتاك الله‪.‬‬

‫‪013‬‬


‫فقال‪ :‬أيها العبد الفار من الطالب الذي ال ينأى طلبه‪ ،‬ارجع من حيث جئت فاجعل‬ ‫عملك لقسمين‪ :‬لرغبة أو لرهبة‪ ،‬فعلى أيهما أخذك ربك لم تبال‪.‬‬ ‫وخرج فأتى البحر في ساعة‪ ،‬فصلى فيه‪ ،‬فنادته ضفدعة فقالت‪ :‬يا داود‪ ،‬إنك‬ ‫حدثت نفسك أنك قد سبحت في ساعة ليس يذكر الله فيها غيرك‪ ،‬وإني في سبعين‬ ‫ألف ضفدعة كلها قائمة على رجل تسبح الله تعالى وتقدسه(‪.)1‬‬ ‫ومثل هذا ما روي عن ابن عباس قال‪ :‬صلى داود ‪ ‬ليلة حتى أصبح‪ ،‬فلما‬ ‫أن أصبح نادته ضفدعة‪ :‬يا داود‪ ،‬كنت أدأب منك قد أغفيت إغفاءة (‪.)1‬‬ ‫***‬ ‫أما الكيفية التي تسبح بها الكائنات‪ ،‬وما تقوله في تسبيحها‪ ،‬فهي من علم‬ ‫الله الذي قد يطلع بعض خلقه على أسراره‪:‬‬ ‫ومن ذلك ما ذكره ابن عباس من قوله‪ (:‬الزرع يسبح بحمده‪ ،‬وأجره‬ ‫لصاحبه‪ ،‬والثوب يسبح‪ .‬ويقول الوسخ‪ :‬إن كنت مؤمنا فاغسلني إذا)‬

‫(‪)3‬‬

‫وعن أبي صالح قال‪ (:‬ذكر لنا أن صرير الباب تسبيحه)‬

‫(‪)4‬‬

‫وعن أبي غالب الشيباني‪ ،‬قال‪ (:‬صوت البحر تسبيحه‪ ،‬وأمواجه صالته)‬

‫(‪)5‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد في الزهد وأبو الشيخ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو الشيخ‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه‪.‬‬ ‫(‪ )4‬ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخطيب‪.‬‬ ‫(‪ )5‬رواه ابن أبي حاتم‪.‬‬

‫‪014‬‬


‫عن أبي جعفر قال‪ (:‬تدرون ما تقول العصافير قبل طلوع الفجر تسبح ربها‬ ‫وتسأل قوت يومها)‬ ‫وعن عبد الحميد بن يوسف قال‪ (:‬تسبيح الضفادع‪ (:‬سبحان المعبود بكل‬ ‫مكان‪ ،‬سبحان المحمود بكل مكان‪ ،‬سبحان المذكور بكل لسان)‬ ‫***‬ ‫وهذا التسبيح والعبودية التي تمارسها الكائنات بحب وشغف يكشف الله‬ ‫بعض وجوهها وأسرارها لمن شفت سرائرهم‪ ،‬وتطهرت قلوبهم‪ ،‬لتكون أنيسا لهم‬ ‫في ذكرهم‪.‬‬ ‫وال غرابة عقلية في هذا‪ ،‬فإن كل من توجه وجهة فتح له في تلك الوجهة‪،‬‬ ‫كالمرآة ينعكس فيها ما يقابلها‪.‬‬ ‫فالموجه للتجارة يفتح له فيها بحسب توجهه‪ ،‬والمتوجه للعلوم المادية يفتح‬ ‫له فيها بحسب جده وانشغاله بها‪ ،‬والمتوجه لعوالم الروح بالمكابدات والتأمالت‬ ‫ينفتح له من نوافذ هذا العوالم ما يرى به العجائب‪.‬‬ ‫وال يحق لمن لم يرزق مثل هذا أن ينكر على من رزقه‪ ،‬وإال كان ظالما‪،‬‬ ‫ولهذا يجيب الصالحون على من ينكر عليهم قائلين‪ (:‬سر سيرنا ترى ما رأينا)‬ ‫وقد سئل الغزالي أسئلة أجاب عن بعضها‪ ،‬وسكت عن أخرى‪ ،‬قائال‬ ‫لسائله‪ (:‬اعلم أن بعض مسائلك التي سألتني عنها ال يستقيم جوابها بالكتابة‬ ‫والقول‪ ،‬إن تبلغ تلك الحالة تعرف ما هي! وإال فعلمها من المستحيالت؛ ألنها‬

‫‪015‬‬


‫ذوقية‪ ،‬وكل ما يكون ذوقيا‪ ،‬ال يستقيم وصفه بالقول‪ ،‬كحالوة الحلو‪ ،‬ومرارة المر‪،‬‬ ‫ال تعرف إال بالذوق)‬

‫(‪)1‬‬

‫والسر الذي تنفتح به كوة التعرف على تسبيح الكائنات وعبوديتها هو‬ ‫الطهارة‪ ،‬فالعين المكتحلة بإثمد الخطيئة ال تستطيع رؤية أنوار اإليمان الساطعة‪،‬‬ ‫والقلب المغلف بأوزار المعاصي ال يبصر حقائق نفسه‪ ،‬وال حقائق الكون‪.‬‬ ‫ولهذا يشترط الربانيون الطهارة ـ بمعناها الشامل ـ للتحقق بمثل هذه‬ ‫المنازل‪ ،‬قال المناوي‪ (:‬وذلك ألن األرواح ذات طهارة ونزاهة ولها سمع وبصر‬ ‫وبصرها متصل ببصر العين‪ ،‬ولها سطوع في الجو تجول وتحول‪ ،‬ثم تصعد إلى‬ ‫مقامها الذي منه بدأت فإذا تخلصت من شغل النفس أدركت من أمر الله ما يعجز‬ ‫عنه البشر فهم ًا‪ ،‬ولوال شغلها رأت العجائب‪ .‬لكنها تدنست بما تلبست فتوسخت‬ ‫بما تقمصت من ثياب اللذات وتكدرت بما تشربت من كأس حب الخطيئات)‬ ‫وهذا التحقق يكون بالسير إلى الله‪ ،‬وقد قال الغزالي لتلميذه المحب‪ (:‬بالله‬ ‫إن تسر تر العجائب في كل منزل)‬ ‫انطالقا من هذا اتفق الربانيون من هذه األمة على أن في طاقة اإلنسان أن‬ ‫يسمع تسبيح الكائنات‪ ،‬بل في طاقته أن يرى سجودها وقنوتها إذا توفرت الشروط‬ ‫وانتفت الموانع‪.‬‬ ‫وأخطر الموانع هي الغفلة‪ ،‬فقد قال بعضهم‪ (:‬لوال ما غمي عليكم من‬

‫(‪ )1‬رسالة أيها الولد المحب‪ ،‬الغزالي‪.‬‬

‫‪016‬‬


‫تسبيح ما معكم في البيوت ما تقاررتم)‬

‫(‪)1‬‬

‫يقول سيد قطب عن تأثير الشفافية الروحية في هذا النوع من اإلدراك‪ (:‬وإن‬ ‫الكون ليبدو في هذا المشهد الخاشع متجها كله إلى خالقه‪ ،‬مسبحا بحمده‪ ،‬قائما‬ ‫بصالته ؛ وإنه لكذلك في فطرته‪ ،‬وفي طاعته لمشيئة خالقه الممثلة في نواميسه‪.‬‬ ‫وإن اإلنسان ليدرك ‪ -‬حين يشف ‪ -‬هذا المشهد ممثال في حسه كأنه يراه ؛ وإنه‬ ‫ليسمع دقات هذا الكون وإيقاعاته تسابيح لله‪ .‬وإنه ليشارك كل كائن في هذا‬ ‫الوجود صالته ونجواه‪ ..‬كذلك كان محمد بن عبد الله ‪ -‬صالة الله وسالمه عليه‬ ‫ إذا مشى سمع تسبيح الحصى تحت قدميه‪ .‬وكذلك كان داود ‪ ‬يرتل مزاميره‬‫فتؤوب الجبال معه والطير)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد ورد في النصوص الكثيرة ما يؤيد هذا القول‪ ،‬وهو من أكبر األدلة‬ ‫والشواهد على أن الكائنات تسبح الله تسبيحا حقيقيا يليق بطبيعتها‪.‬‬ ‫وأول من نستشهد به في هذا الباب ما حدث به ابن مسعود من قوله‪ (:‬كنا‬ ‫أصحاب محمد ‪ ‬نعد اآليات بركة‪ ،‬وأنتم تعدونها تخويفا‪ ،‬بينما نحن مع رسول‬ ‫الله ‪ ‬ليس معنا ماء فقال لنا‪( :‬اطلبوا من معه فضل ماء)‪ ،‬فأتي بماء فوضعه في‬ ‫إناء ثم وضع يده فيه‪ ،‬فجعل الماء يخرج من بين أصابعه‪ .‬ثم قال‪ (:‬حي على الطهور‬ ‫المبارك والبركة من الله) فشربنا منه‪ ،‬قال عبد الله‪ :‬كنا نسمع صوت الماء وتسبيحه‬

‫(‪ )1‬رواه أبو الشيخ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الظالل‪.‬‬

‫‪017‬‬


‫وهو يشرب(‪.)1‬‬ ‫وكانوا يسمعون تسبيح الطعام‪ ،‬عن ابن مسعود قال‪ (:‬كنا نأكل مع النبي ‪‬‬ ‫فنسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)‬

‫(‪)1‬‬

‫ويروي أنس قال‪ :‬أتى رسول الله ‪ ‬بطعام ثريد‪ ،‬فقال‪ (:‬إن هذا الطعام‬ ‫يسبح) قالوا‪ (:‬يا رسول الله‪ ،‬وتفقه تسبيحه؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬ثم قال لرجل‪ (:‬ادن هذه‬ ‫القصعة من هذا الرجل)‪ ،‬فأدناها منه فقال‪ :‬نعم يا رسول الله‪ ،‬هذا الطعام يسبح!‬ ‫فقال‪ (:‬ادنها من آخر)‪ ،‬وأدناها منه‪ ،‬فقال‪ :‬هذا الطعام يسبح‪ .‬ثم قال‪ :‬ردها فقال‬ ‫رجل‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬لو أمرت على القوم جميعا‪ ،‬فقال‪ (:‬ال إنها لو سكتت عند‬ ‫رجل لقالوا من ذنب‪ ..‬ردها فردها)‬

‫(‪)3‬‬

‫بل كانوا يسمعون تسبيح الحصى‪ ،‬قال أبو ذر‪ (:‬تناول رسول الله ‪ ‬سبع‬ ‫حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا)‬

‫(‪)4‬‬

‫ومن هذا الباب ما روي عن سماع آل البيت المطهرين ـ عليهم السالم ـ فعن‬ ‫أبي حمزة الثمالي قال‪ :‬قال محمد بن علي بن الحسين‪ ،‬وسمع عصافير يصحن‬ ‫قال‪ :‬تدري ما يقلن؟ قلت‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬يسبحن ربهن تعالى ويسألن قوت يومهن(‪.)5‬‬ ‫(‪ )1‬رواه النسائي وابن مردويه‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه أبو الشيخ‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه البـزار والطبراني في األوسط‪ ،‬وفي رواية الطبراني‪ (:‬فسمع تسبيحهن من في الحلقة)‪ ،‬وفيه‪ (:‬ثم دفعهن إلينا‬ ‫فلم يسبحن مع أحد منا)‬ ‫(‪ )5‬رواه أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية‪.‬‬

‫‪018‬‬


‫ويروي عن علي بن الحسين قال‪ (:‬كنا معه فمر بنا عصافير يصحن فقال‪:‬‬ ‫أتدرون ما تقول هذه العصافير؟ فقلنا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬أما أني ما أقول إنا نعلم الغيب‪،‬‬ ‫ولكني سمعت أبي يقول‪ :‬سمعت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين يقول‪ :‬إن الطير‬ ‫إذا أصبحت سبحت ربها‪ ،‬وسألته قوت يومها‪ ،‬وإن هذه تسبح ربها‪ ،‬وتسأله قوت‬ ‫يومها (‪.)1‬‬ ‫ومثل هؤالء من سار سيرهم من الصالحين‪ ،‬ومما يروى من ذلك أنه كان بيد‬ ‫بعضهم سبحة يسبح بها‪ ،‬فنام والسبحة في يده‪ ،‬فاستدارت السبحة‪ ،‬فالتفت على‬ ‫ذراعه‪ ،‬وجعلت تسبح فاستيقظ والسبحة تدور في يده‪ ،‬وإذا هي تقول‪ (:‬سبحانك‬ ‫يا منبت البنان ويا دائم الشأن)‬ ‫ويروى عن آخر أنه كان إذا دخل بيته فسبح سبحت معه آنية بيته (‪.)1‬‬ ‫ويذكر النورسي أن أربع قطط كانت تالزمه‪ ،‬وكانت تقول في هريرها‪ (:‬يا‬ ‫رحيم يا رحيم يا رحيم‪)..‬‬

‫(‪)3‬‬

‫ويحدث آخر عن أبيه قال‪ (:‬كان أبي إذا جاء الليل دخل البحر يسبح‪ ،‬فتجتمع‬ ‫(‪ )1‬رواه الخطيب‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أبو الشيخ‪.‬‬ ‫(‪ )3‬وقد ذكر النورسي بعض بركات هذه القطط‪ ،‬فقال‪ (:‬كانت لي حصة من الغذاء كل يوم ـ كما يعلم أحبائي القريبون‬ ‫ـ قبل سنتين أو ثالث وهي نصف رغيف‪ ،‬وكان رغيف تلك القرية صغير ًا‪ ،‬وكثير ًا ما كان ال يكفيني‪ ..‬ثم جاءني أربع قطط‬ ‫ضيوف ًا‪ ،‬وقد كفاني ذلك الغذاء وكفاهم‪ .‬بل غالب ًا كانت تبقى منه فضلة وزيادة‪.‬‬ ‫هذه الحالة قد تكررت عندي بحيث أعطتني قناعة تامة من أنني أنا الذي كنت استفيد من بركات تلك القطط! وأنا اعلن‬ ‫اعالن ًا قاطع ًا االن ان تلك القطط ما كانت حم ً‬ ‫علي ولم تكن تبقى تحت منتي‪ ،‬وانما انا الذي كنت ابقى تحت‬ ‫ال وال عبئ ًا ّ‬ ‫منّتها) انظر‪ :‬المكتوب الحادي والعشرون‪.‬‬

‫‪019‬‬


‫إليه حيتان البحر يسبحون معه)‬ ‫وبمثل هذا روي عن يونس ‪ ‬أنه لما التقمه الحوت‪ ،‬فتصدى به إلى‬ ‫ْت‬ ‫األرض سمعها تسبح فقال‪ (:‬أرى ربي يسبح بكل مكان) فقال‪ ﴿:‬ال إِ َل َه إِ َّال َأن َ‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ين)(االنبياء‪)40 :‬‬ ‫ُس ْب َحان ََك إِنِّي ُكن ُْت م َن ال َّظالم َ‬ ‫***‬ ‫وقد يكون سماع تسبيح الكائنات وعبوديتها طريقا لجذبة ربانية‪ ،‬أو ليقظة‬ ‫روحية ترفع حجاب الغفلة كما يحدث هذا الصالح‪ ،‬فقد قال‪ :‬بت ليلة في بعض‬ ‫أسواق القرى‪ ،‬فإذا فتى عليه سيما الصالحين‪ ،‬وكان كثيرا ما ينتبه من الليل‪ ،‬فيرفع‬ ‫صوته فيقول‪ (:‬ال إله إال الله) حتى أصبحنا‪ ،‬فلما أصبحنا أنست به وسألته عن فعله‬ ‫ذلك‪ ،‬فقال‪ (:‬كنت أرعى غنما ألبوي فبت ذات ليلة في موضع‪ ،‬وهي معي‪،‬‬ ‫فانتبهت على أصواتها وهي رافعة رأسها إلى السماء وهي تقول‪ (:‬ال إله إال الله)‬ ‫فقلت معها‪ (:‬ال إله إال الله) فلما رجعت إلى القرية رددت الغنم على أصحابها‪،‬‬ ‫وأقبلت على الخير وحبب إلي)‬ ‫ومثل ذلك‪ ،‬سئل بعضهم عن بدء زهده‪ ،‬فقال‪ :‬كنت يوما مع إخواني في‬ ‫بستان لنا‪ ،‬وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه‪ ،‬فأكلنا وشربنا حتى الليل‬ ‫فنمنا‪ ،‬وكنت مولعا بضرب العود والطنبور‪ ،‬فقمت في بعض الليل‪ ،‬فضربت‬ ‫بصوت يقال له راشين السحر‪ ،‬وأراد سنان يغني‪ ،‬وطائر يصيح فوق رأسي على‬ ‫شجرة‪ ،‬والعود بيدي ال يجيبني إلى ما أريد‪ ،‬وإذا به ينطق كما ينطق اإلنسان ‪ -‬يعني‬

‫‪001‬‬


‫ِ ِ ِ‬ ‫ين آ َمنُوا َأ ْن ت ْ‬ ‫َخ َش َع ُق ُلو ُب ُه ْم لِ ِذك ِْر ال َّل ِه َو َما‬ ‫العود الذي بيده – ويقول‪َ ﴿:‬أ َل ْم َي ْأن ل َّلذ َ‬ ‫ن ََز َل ِم َن ا ْل َح ِّق)(الحديد‪ )11 :‬قلت‪ :‬بلى والله! وكسرت العود‪ ،‬وصرفت من كان‬ ‫عندي‪ ،‬فكان هذا أول زهدي وتشميري‪.‬‬ ‫ولهذا كانوا الصالحون يجمعون مع تسبيحهم لله تسبيح الكائنات ليتقربوا‬ ‫بالجميع إلى الله‪ ،‬قال أحدهم‪ (:‬تباركت يا رب العالمين‪ ،‬يسبحك الليل والنهار‪،‬‬ ‫ويسبحك الثلج‪ ،‬ويسبحك الرعد‪ ،‬ويسبحك المطر‪ ،‬ويسبحك الندى‪ ،‬وتسبح لك‬ ‫السماء‪ ،‬وتسبح لك األرض‪ ،‬وتسبحك النجوم‪ ،‬وتسبحك جنودك كلهم‪ ،‬تباركت‬ ‫أسماؤك المباركة المقدسة التي لك بهن نسبح ونقدس ونهلل‪ ،‬ال إله إال أنت)‬ ‫***‬ ‫أما عن لغة التسبيح ـ التي قد تستهوي المجادلين ـ وقد يستهزئون إن سمعوا‬ ‫الصالحين يرددون أبياتا عن تسبيح الكائنات‪ ،‬ويقولون‪ (:‬ما علم هؤالء بالعروض‬ ‫والقوافي)‬ ‫فالجواب عليه بأن لغة الروح المدركة للتسبيح واحدة‪ ،‬لكن التعبير عن هذه‬ ‫اللغة يختلف باختالف األلسن‪.‬‬ ‫والله تعالى أخبر عن أقوال أنبيائه وغيرهم ـ مع عدم عربيتهم ـ بتلك البالغة‬ ‫المعجزة‪ ،‬بل عبر عن القول الواحد بصيغ مختلفة‪ ،‬وكان الكل كالمهم من حيث‬ ‫الحقيقة‪ ،‬وإن لم يكن عين كالمهم من حيث اللفظ‪ ،‬فاللفظ مجرد مطية للمعاني‪.‬‬ ‫وهكذا تسبيح الكائنات‪ ،‬أو كالمها‪ ،‬فال نتصور أن النملة أو الطير ينطق ما‬

‫‪000‬‬


‫ننطق به من حروف‪ ،‬فجهازه الصوتي مختلف عن أجهزتنا‪ ،‬ولكن الجهاز الروحي‬ ‫واحد‪ ،‬وهو ما يجعله يفهمنا‪ ،‬وما يجعلنا نفهمه‪.‬‬ ‫أما تحقيق هذا الكالم‪ ،‬فال يمكن إال بمعرفة سر الروح‪ ،‬أو إدراك كنه جهاز‬ ‫الروح‪ ،‬والروح ال يمكن إدراكها بأجهزة الحس‪ ،‬وإال كنا كبني إسرائيل الذين قالوا‬ ‫لموسى ‪َ ﴿:‬ل ْن ُن ْؤ ِم َن َل َك َحتَّى ن ََرى ال َّل َه َج ْه َر ًة ﴾ (البقرة‪)55 :‬‬ ‫ومن هذا المنطلق تتجاوب روح المؤمن مع نغمات الكون وتسبيحاته‪،‬‬ ‫فيسمعها وتسمعه‪ ،‬وينتشر من سماعهما من الفرح والسرور ما يقصر عنه فرح‬ ‫المتنزهين في البساتين الناظرين للقشور الغافلين عن األرواح‪.‬‬ ‫وقد كان اإلمام النورسي ـ بفعل ما مر به من عزلة إجبارية ـ فقيها بأسرار‬ ‫تسبيحات الكائنات‪ ،‬وهو يدعونا إلى التجاوب معه في ذلك‪ ،‬يقول مقارنا بين‬ ‫النظرة اإليمانية للكون‪ ،‬ونظرة اإللحاد والغفلة‪ (:‬ارفع رأسك يا أخي‪ ،‬وألق نظرة‬ ‫في الكائنات‪ ،‬وحاورها‪ ،‬أما كانت موحشة في طريقنا االولى واآلن تبتسم وتنشر‬ ‫البشر والسرور؟ أال ترى أن عيوننا قد أصبحت كالنحلة تطير الى كل جهة في‬ ‫بستان هذا الكون‪ ،‬وقد تفتحت فيه االزهار في كل مكان‪ ،‬وتمنح الرحيق الطهور‪.‬‬ ‫ففي كل ناحية انس وسلوان‪ ،‬وفي كل زاوية محبة ووئام‪ ..‬فهي ترتشف تلك الهدايا‬ ‫ال عىل عسل)‬ ‫الطيبة‪ ،‬وتق ّطر شهد الشهادة‪ ،‬عس ًِ‬

‫(‪)1‬‬

‫حتى ما نراه مما قد نتوهم قبحه‪ ،‬ونخاف من أذاه ليس إال ترنيمة من ترانيم‬

‫(‪ )1‬الكلمة الثالثة والثالثون‪.‬‬

‫‪002‬‬


‫تسابيح الكون‪ ،‬يقول النورسي‪ (:‬فال تخيفنكم نعرات الزالزل وصيحات‬ ‫الحوادث‪ ،‬فهي ترنمات االذكار ونغمات التسبيحات‪ ،‬وتهاليل التضرعات)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي تعبير آخر جميل يصف النورسي بعض األصوات التي تتلقفها أذن‬ ‫اإليمان بقوله‪ (:‬لندع عيوننا لتخلد الى شئ من الراحة‪ ،‬ونس ّلم آذاننا لاليمان بدالً‬ ‫منها‪ ،‬ولنستمع من الدنيا الى نغمات لذيذة‪ ..‬فاالصوات التي كانت تتعالى في‬ ‫طريقنا السابقة [طريق اإللحاد والغفلة ] وظنناها اصوات مآتم عامة ونعيات‬ ‫الموت‪ ..‬هي أصوات أذكار في هذه الطريق وتسابيح وحمد وشكر)‬

‫(‪)1‬‬

‫فكل ما نراه من حركات‪ ،‬وكل ما نسمعه من أصوات صدى من أصداء‬ ‫تسبيح الكون لله ( فترنمات الرياح ورعدات الرعود ونغمات االمواج‪ ..‬تسبيحات‬ ‫سامية جليلة وهزجات االمطار وسجعات االطيار‪ ..‬تهاليل رحمة وعناية)‬

‫(‪)3‬‬

‫والقلب الواعي المؤمن تكون له األذن التي تتلقف مثل هذه المعاني الرقيقة‪،‬‬ ‫التي يعبر عنها اللسان بمختلف لهجاته ولغاته‪.‬‬ ‫يقول النورسي‪ (:‬وهكذا تنطق الكائنات كلها مع ًا وتقول‪ :‬أيها االنسان الغافل‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫رحمة فتزقزق‬ ‫نعمة‪ ،‬أو نزول‬ ‫ال تحسبنا جامدات! فالطيور تنطق‪ ،‬في تذوق‬ ‫باصوات عذبة‪ ،‬بافواه دقيقة ترحاب ًا بنزول الرحمة المهداة‪ .‬حق ًا النعمة تنزل عليها‪،‬‬ ‫والشكر يديمها‪ ،‬وهي تقول رمز ًا‪ :‬ايتها الكائنات! يا اخوتي! ما اطيب حالنا! أال‬ ‫(‪ )1‬الكلمة الثالثة والثالثون‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الكلمة الثالثة والثالثون‪.‬‬ ‫(‪ )3‬الكلمة الثالثة والثالثون‪.‬‬

‫‪003‬‬


‫ُنر ّبى بالشفقة والرأفة‪ ..‬نحن راضون عما نحن عليه من احوال‪ ..‬وهكذا تبث‬ ‫اناشيدها بمناقيرها الدقيقة‪ ،‬حتى تحول الكائنات كلها الى موسيقى رفيعة)‬ ‫قد يقال ـ بعد هذا ـ فالتسبيح إذن ليس تسبيح مقال‪ ،‬وهو على ماذكر من‬ ‫تسبيح الداللة‪.‬‬ ‫وقائل هذا ال يعرف الفرق بين المقال والداللة‪ ،‬فالداللة ال تحتاج إلى‬ ‫الوعي‪ ،‬بينما المقال يحتاجه‪ ،‬بل هو ركنه األساسي‪.‬‬ ‫والمقال ال يستدعي نطقا بحروف وأصوات معينة‪ ،‬وقد أخبر تعالى عن علمه‬ ‫بما تقوله األفواه‪ ،‬وما تقوله األلسن‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿:‬لِ َّل ِه ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو َما فِي‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ‬ ‫ض وإِ ْن ُتبدُ وا ما فِي َأ ْن ُف ِس ُكم َأو ُت ْخ ُفوه يح ِ‬ ‫اس ْب ُك ْم بِ ِه ال َّل ُه َف َي ْغ ِف ُر ل ِ َم ْن َي َشا ُء‬ ‫ُ ُ َ‬ ‫ْاألَ ْر ِ َ ْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬

‫َو ُي َع ِّذ ُب َم ْن َي َشا ُء َوال َّل ُه َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء َق ِدير﴾ (البقرة‪)144:‬‬

‫بل عبر عن ما يجول في الخواطر بأنه قول يمكن أن يؤاخذ عليه‪ ،‬قال‬ ‫ون لِما ُنهوا َعنْه وي َتنَاجو َن بِ ْ ِ‬ ‫ِ‬ ‫األ ْث ِم‬ ‫ُ ََ َ ْ‬ ‫تعالى‪َ ﴿:‬أ َل ْم ت ََر إِ َلى ا َّلذي َن ُن ُهوا َع ِن الن َّْج َوى ُث َّم َي ُعو ُد َ َ ُ‬ ‫ان ومع ِصي ِ‬ ‫ِ‬ ‫ت الرس ِ‬ ‫ول َوإِ َذا َجا ُء َ‬ ‫وك َح َّي ْو َك بِ َما َل ْم ُي َح ِّي َك بِ ِه ال َّل ُه َو َي ُقو ُل َ‬ ‫ون فِي‬ ‫َوا ْل ُعدْ َو َ َ ْ َ‬ ‫َّ ُ‬ ‫َأ ْن ُف ِس ِه ْم َل ْوال ُي َع ِّذ ُبنَا ال َّل ُه بِ َما َن ُق ُ‬ ‫ول َح ْس ُب ُه ْم َج َهن َُّم َي ْص َل ْون ََها َفبِ ْئ َس ا ْل َم ِص ُير﴾‬ ‫(المجادلة‪)4:‬‬ ‫وقد يقال هنا‪ ،‬فكيف نسمع الصامت‪ ،‬وهل يمكن أن نستدل على معاني‬ ‫الخواطر من غير تعبيرات األلسن؟‬ ‫والجواب ما ذكرناه من قدرة آذان الروح على استشفاف معاني الصمت‬

‫‪004‬‬


‫الخاشع‪ ،‬وقد قال النورسي‪ (:‬إن نور االيمان هو الذي يسمع أصداء االذكار وانغام‬ ‫التسابيح‪ ،‬حيث ال مصادفة وال اتفاقية عشواء)‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ 4‬ـ الدعاء‪:‬‬ ‫من عبادات الكون التي ورد النص عليها في النصوص المقدسة (الدعاء)‪..‬‬ ‫والدعاء هو مخ العبادة‪ ..‬وال يمكن صدوره إال من ذات واعية تعي حاجتها‪،‬‬ ‫وتعرف من تتوجه إليه بطلب هذه الحاجة‪.‬‬ ‫وقد ورد في النصوص ما يشير إلى أن الكائنات قد منحت من الوعي بالواقع‬ ‫وما يرتبط به من مرضاة الله وسخطه حتى صارت كالمالئكة تدعو للصالحين‬ ‫وتلعن غيره‪.‬‬ ‫ومما ورد من ذلك ما ورد في أحاديث كثيرة من استغفار األشياء لطالب‬ ‫العلم‪ ،‬فعن قبيصة بن المخارق قال‪ (:‬أتيت رسول الله ‪ ‬فقال لي‪ (:‬يا قبيصة ما‬ ‫جاء بك) قلت‪ (:‬كبرت سني ورق عظمي‪ ،‬فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله تعالى به)‬ ‫قال‪ (:‬يا قبيصة‪ ،‬ما مررت بحجر وال شجر وال مدر إال استغفر لك‪ ،‬يا قبيصة إذا‬ ‫صليت الفجر‪ ،‬فقل ثالثا‪ :‬سبحان الله العظيم وبحمده تعافى من العمى والجذام‬ ‫والفالج‪ ،‬يا قبيصة قل‪ :‬اللهم إني أسألك مما عندك وأفض علي من فضلك وانشر‬ ‫علي رحمتك وأنزل علي من بركاتك)‬

‫(‪)1‬‬

‫(‪ )1‬الكلمة الثالثة والثالثون‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد‪.‬‬

‫‪005‬‬


‫ومنها قوله ‪ (:‬إن الله ومالئكته حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في‬ ‫البحر يصلون على معلم الناس الخير)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومنها قوله ‪( :‬من قال إذا ركب دابة‪ :‬باسم الله الذي ال يضر مع اسمه‬ ‫سمي‪ ،‬سبحان الذي سخر لنا هذا وما كما له مقرنين‪ ،‬وإنا‬ ‫شيء‪ ،‬سبحانه ليس له‬ ‫ّ‬ ‫إلى ربنا لمنقلبون‪ ،‬والحمد لله رب العالمين‪ ،‬وصلى الله على محمد وعليه وسلم‪،‬‬ ‫وأطعت ربك‪،‬‬ ‫خففت عن ظهري‪،‬‬ ‫قالت الدابة‪ :‬بارك الله عليك من مؤمن‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫وأحسنت إلى نفسك‪ ،‬بارك الله في سفرك‪ ،‬وأنجح مقصدك﴾ (‪.)1‬‬ ‫َ‬ ‫ومن هذا الباب ما روي أن سليمان ‪ ‬خرج يستسقي‪ ،‬فمر على نملة‬ ‫مستلقية على ظهرها‪ ،‬رافعة قوائمها إلى السماء‪ ،‬وهي تقول‪ (:‬اللهم إنا خلق من‬ ‫خلقك‪ ،‬ليس بنا غنى عن سقياك ورزقك‪ ،‬فإن لم تسقنا وترزقنا تهلكنا) فقال‬ ‫سليمان‪ (:‬ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم)‬ ‫ومنه ما روي أن بعضهم مر على أبي ذر وهو قائم عند فرس له‪ ،‬فسأله‪ :‬ما‬ ‫تعالج من فرسك هذا؟ فقال‪ :‬إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫وما دعاء البهيمة من البهائم قال‪ :‬والذي نفسي بيده ما من فرس إال وهو يدعو كل‬ ‫سحر فيقو‪ :‬اللهم أنت خولتني عبدا من عبادك وجعلت رزقي بيده فاجعلني أحب‬ ‫إليه من أهله وماله وولده‪.‬‬

‫(‪ )1‬رواه الترمذي‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه الطبراني‪.‬‬

‫‪006‬‬


‫(مهال عن الله ً‬ ‫ولهذا كله ورد في الحديث عن النبي ‪ ‬أنه قال‪ً :‬‬ ‫مهال‪ ،‬فإنه‬ ‫رضع‪ ،‬لصب عليكم العذاب‬ ‫لوال شباب ُخ َّشع‪ ،‬وبهائم ُرتَّع‪ ،‬وشيوخ ُركَّع‪ ،‬وأطفال َّ‬ ‫ص ًّبا)‬

‫(‪)1‬‬

‫وعلى عكس هذا ما روي من دعاء هذه الكائنات على من أساء إليها‪ ،‬ومن‬ ‫هذا الباب ما ورد في الحديث من قوله ‪(:‬كان فيمن كان قبلكم رجل يأتي وك َْر‬ ‫طائر‪ ،‬إذا أفرخ يأخذ فرخيه‪ ،‬فشكا ذلك الطائر إلى الله عز وجل ما يصنع ذلك‬ ‫الرجل به‪ ،‬فأوحى الله عز وجل إليه‪ :‬إن هو عاد فسأهلكه‪ ،‬فلما أفرخ خرج ذلك‬ ‫لما‪ ،‬فلما كان في طريق القرية لقيه سائل فأعطاه‬ ‫الرجل كما كان يخرج‪ ،‬وأخذ ُس ً‬ ‫رغي ًفا من زاده‪ ،‬ثم مضى حتى أتى ذلك الوكر‪ ،‬فوضع سلمه‪ ،‬ثم صعد فأخذ‬ ‫الفرخين وأبواهما ينظران‪ ،‬فقاال‪ :‬يا رب إنك وعدتنا أن تهلكه إن عاد‪ ،‬وقد عاد‬ ‫فأخذها فلم تهلكه‪ ،‬قال‪ :‬فأوحى الله إليهما‪ ،‬ولم تعلما أني ال أغلب أحدً ا تصدَّ ق‬ ‫في يوم –بصدقة ذلك اليوم‪ -‬بميتة سوء)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومن هذا الباب ما روى من التأثير الدنيوي لإلساءة الحيوان‪ ،‬فقد روي أن‬ ‫رجال ذبح عجال له بين يدي أمه‪ ،‬فخبل‪ ،‬فبينما هو تحت شجرة فيها وكر فيه فرخ‬ ‫فوقع الفرخ إلى األرض فرحمه‪ ،‬فأعاده في مكانه‪ ،‬فرد الله عليه قوته‪.‬‬ ‫وهذا يتفق مع ما ورد عن نهيه ‪ ‬أن توله والدة عن ولدها وهو ـ كما ذكر‬

‫(‪ )1‬رواه البيهقي في سننه‪ ،‬وأبو يعلى في مسنده‪.‬‬ ‫(‪ )1‬أخرجه ابن النجار في تاريخه‪.‬‬

‫‪007‬‬


‫العلماء ـ عام في بني آدم وغيرهم‪.‬‬ ‫ومن هذا الباب ما رواه الدينوري في (المجالسة)‪ :‬أن قو ًما كانوا في سفر‪،‬‬ ‫الطائر فيقول‪ :‬تدرون ما تقول هذه؟ فيقولون‪ :‬ال‪ ،‬قال‪ :‬فأتينا‬ ‫يمر‬ ‫ُ‬ ‫فكان فيهم رجل ُّ‬ ‫على قوم فيهم ظعينة على جمل لها وهو يرغو ويحنو عنقه إليها‪ ،‬قال‪ :‬أتدرون ما‬ ‫يقول هذا البعير؟ قلنا‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬فإنه يلعن راكبته ويزعم أنها رحلته على ِم ْخ َيط فهو‬ ‫مؤثر في سنامه‪ .‬قال‪ :‬فانتهينا إليهم فقلنا‪ :‬يا هؤالء إن صاحبنا هذا يزعم أن هذا‬ ‫البعير يلعن راكبته‪ ،‬ويزعم أنها رحلته على مخيط وأنه في سنامه‪ ،‬قال‪ :‬فأناخوا‬ ‫البعير‪ ،‬فحطوا عنه‪ ،‬فإذا هو كما قال)‬ ‫ولهذا كان الصالحون يستشعرون خطر اإلساءة للحيوان من هذا الجانب‪،‬‬ ‫وقد روي عن بعضهم أنه قال لبعير له عند الموت‪( :‬يا أيها البعير ال تخاصمني عند‬ ‫ربك‪ ،‬فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك)‬ ‫وعن عبد الله بن جعفر قال‪ :‬أردفني رسول الله ‪ ‬لى خلفه ذات‬ ‫حن وذرفت‬ ‫يوم‪..‬فدخل حائطا لرجل من األنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي ‪ّ ‬‬ ‫عيناه‪ ،‬فأتاه رسول الله ‪ ‬فمسح ذفراه فسكت‪ ،‬فقال‪( :‬من رب هذا الجمل؟ لمن‬ ‫هذا الجمل؟) فجاء فتى من األنصار فقال‪ :‬لي يا رسول الله‪ ،‬فقال‪( :‬أفال تتقي الله‬ ‫إلي أنك تجيعه وتدئبه)‬ ‫في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها‪ ،‬فإنه شكى ّ‬

‫(‪)1‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو داود‪.‬‬

‫‪008‬‬


‫ثالثا ـ الكون المسخر‬ ‫الكون ـ في النصوص المقدسة‪ ،‬وكما يفهمه المؤمن ـ كون مسخر في خدمة‬ ‫اإلنسان‪ ،‬يستجيب لجميع مطالبه‪ ،‬ليحقق له األمن بجميع أشكاله‪ ،‬ويوفر له القوت‬ ‫بجميع أنواعه‪ ،‬بل يضم إلى ذلك رعاية جوانبه النفسية‪ ،‬فيم أها بالحيوية‬ ‫والجمال‪.‬‬ ‫وهذه الرؤية هي الرؤية الوحيدة التي يتفق فيها المؤمن مع غيره‪ ،‬وهي رؤية‬ ‫مشتركة من حيث الظاهر‪ ،‬فالكل يتمتع بخيرات الكون‪ ،‬ويستغلها‪ ،‬ويستسخرها‬ ‫في مصالحه‪ ،‬معتبرا مصالحه أعلى من مصالحها‪.‬‬ ‫لكن النصوص المقدسة تميز نظرة المؤمن عن نظرات غيره تمييزا كليا‪،‬‬ ‫فتكسبها طابعا روحيا مؤدبا غير موغل في البهيمية(‪ )1‬وال مفرط في األنانية‪.‬‬ ‫وسنذكر هنا بعض خصائص الكون المسخر‪ ،‬كما وردت في النصوص‪،‬‬ ‫وهي من السمو والرفعة ما تجعل المؤمن يتعامل مع الكون بإحساس مرهف‪،‬‬ ‫عميق المشاعر‪.‬‬ ‫وهذا الحس النبيل هو الوحيد الذي نعيش فيه السالم مع الكون‪ ،‬ويعيش فيه‬ ‫الكون السالم معنا‪.‬‬ ‫وسنكتفي بأربع خصائص كبرى تكاد كل الخصائص األخرى تؤول إليها‪:‬‬ ‫أما أولها‪ ،‬فالربانية‪ ،‬وهي خاصبة أساسية‪ ،‬فهذا الكون الذي سخر لنا لم‬ ‫(‪ )1‬يحسب التعبير الغالب‪ ،‬ال بحسب الحقيقة كما قدمنا‪.‬‬

‫‪009‬‬


‫يسخر لنا من ذاته‪ ،‬وإنما سخر لنا من الله‪ ،‬فلذلك هو ينتسب إلى الله قبل أن ينتسب‬ ‫إلينا‪ ،‬أو هو يطيع الله في طاعته لنا‪.‬‬ ‫وهذه النظرة ترفع عنا الكبرياء التي تجعلنا نهين الكون من حيث ال نشعر‪،‬‬ ‫فنستكبر عليه‪ ،‬أو نطالبه بما نريد وكأننا أربابه‪.‬‬ ‫وأما الثانية‪ ،‬فالسالم‪ ،‬فالكون خلقه الله مسالما لنا‪ ،‬ال مصارعا لنا‪ ،‬ومن‬ ‫الخطأ الذي يتسرب من غياب هذه النظرة التعامل مع الكون تعامل المحاربين ال‬ ‫تعامل األصدقاء‪.‬‬ ‫وأما الثالثة‪ ،‬فالحكمة‪ ،‬وهي أن هذا الكون بما فيه خلق لحكم جليلة‪ ،‬ومن‬ ‫األدب مع الله أن نراعي ما خلق له‪ ،‬فنستعمله فيما خلق له‪.‬‬ ‫وأما الرابعة‪ ،‬فالطهارة‪ ،‬فهذا الكون الذي سخر لنا خلق على الفطرة األصلية‪،‬‬ ‫وهي فطرة طاهرة سليمة‪ ..‬ومن العبث بخلق الله واالستهانة به احتقار فطرته‪ ،‬أو‬ ‫تحويلها‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ الربانية‪:‬‬ ‫أول خاصية من خصائص الكون ربانيته‪ ،‬فالكون كون الله ملكا‪ ،‬وكون الله‬ ‫تدبيرا‪.‬‬ ‫وهذان الجانبان هما اللذان وردت النصوص الكثيرة للداللة عليهما‪ ،‬وملء‬ ‫القلوب والعقول بمعانيهما‪.‬‬ ‫وهذان المعنيان هما اللذان ينشأ عنهما األدب الرفيع مع الكون‪ ،‬فالذي‬

‫‪021‬‬


‫يشعر بأن ما يتصور أنه يملكه ملك لله‪ ،‬وأنه مجرد عارية له‪ ،‬يستحيي من الله أن‬ ‫يسيئ إليه في ملكه‪.‬‬ ‫والذي يرى أن ما يحدث في الكون من أحوال تدبير من تدبير الله يستحيي‬ ‫أن يعارض الله في تدبيره‪.‬‬ ‫الملكية‪:‬‬ ‫﴿ لِ َّل ِه ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض ﴾ (النساء‪ )107 :‬هي الالزمة القرآنية التي‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ‬ ‫تتردد كل حين‪ ،‬لتبين ملكية الله المطلقة لكل ما نراه وما ال نراه من األشياء‪.‬‬ ‫وليس الغرض من هذا التكرير تقرير هذه الحقيقة فقط‪ ،‬والتي تدل عليها كل‬ ‫الدالئل‪ ،‬بل الغرض منها التنبيه في كل مناسبة تدب فيها الغفلة إلى أن الله مالك‬ ‫السموات واألرض وما فيهن‪ .‬قال تعالى‪ ﴿:‬ل ِ َّل ِه م ْل ُك السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َو َما فِ ِيه َّن‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫َو ُه َو َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء َق ِدير﴾ (المائدة‪)117:‬‬ ‫أو في كل مناسبة تستدعي التعرف على عظمة الله‪ ،‬أو التصديق بوعده‬ ‫ووعيده‪ ،‬كما قال تعالى‪َ ﴿:‬أال إِ َّن ل ِ َّل ِه ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َأال إِ َّن َوعْدَ ال َّل ِه َح ٌّق‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ‬ ‫َو َلكِ َّن َأ ْك َث َر ُه ْم ال َي ْع َل ُم َ‬ ‫ون﴾ (يونس‪)55:‬‬ ‫أوفي كل مناسبة تستدعي التعرف على مصنوعات الله المستدرة للحمد‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ُّور ُث َّم‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر َض َو َج َع َل ال ُّظ ُل َمات َوالن َ‬ ‫قال تعالى‪ ﴿:‬ا ْل َح ْمدُ ل َّله ا َّلذي َخ َل َق َّ‬ ‫ِ‬ ‫ين َك َف ُروا بِ َر ِّب ِه ْم َي ْع ِد ُل َ‬ ‫ون﴾ (األنعام‪)1:‬‬ ‫ا َّلذ َ‬ ‫أو في كل مناسبة تستدعي تبيان قدرة الله المطلقة‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬أ ْم ًرا ِم ْن‬

‫‪020‬‬


‫ِعن ِْدنَا إِنَّا ُكنَّا مر ِس ِلين (‪ )5‬رحم ًة ِمن رب َك إِ َّنه هو الس ِميع ا ْلع ِليم (‪ )1‬رب السماو ِ‬ ‫ات‬ ‫َ ِّ َّ َ َ‬ ‫َ ْ َ ْ َ ِّ‬ ‫َ‬ ‫ُ ُ َ َّ ُ َ ُ‬ ‫ُْ‬ ‫ِِ‬ ‫َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ين (‪( ﴾)0‬الدخان)‬ ‫ض َو َما َب ْين َُه َما إِ ْن ُكنْ ُت ْم ُموقن َ‬ ‫أو في كل مناسبة تستدعي تذكير النفس بالله وبأوصاف الله وبأفعال الله‪،‬‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل لِمن ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫الر ْح َم َة‬ ‫ض ُق ْل ل َّله َكت َ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َب َع َلى َن ْفسه َّ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫َليجمعنَّ ُكم إِ َلى يو ِم ا ْل ِقيام ِة ال ري ِ ِ ِ‬ ‫ين َخ ِس ُروا َأ ْن ُف َس ُه ْم َف ُه ْم ال ُي ْؤ ِمنُ َ‬ ‫ون﴾‬ ‫ب فيه ا َّلذ َ‬ ‫َْ َ‬ ‫َْ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ْ َ َ ْ‬ ‫(األنعام‪)11:‬‬ ‫والقرآن الكريم يخبر في المناسبات المختلفة عن ملكية الله ل أشياء‪،‬‬ ‫ويرتب عليها ما يقتضيه اعتقاد هذه الملكية‪:‬‬ ‫فيرتب عليها تفرد الله تعالى بالوالية والنصرة‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬أ َل ْم َت ْع َل ْم َأ َّن ال َّل َه‬ ‫ِ‬ ‫ض وما َل ُكم ِمن د ِ‬ ‫ون ال َّل ِه ِم ْن َولِ ٍّي َوال ن َِص ٍير﴾‬ ‫ْ ْ ُ‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر ِ َ َ‬ ‫َل ُه ُم ْل ُك َّ‬ ‫(البقرة‪ ،)170:‬وقال تعالى‪ ﴿:‬إِ َّن ال َّله َله م ْل ُك السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫يت‬ ‫ض ُي ْح ِيي َو ُي ِم ُ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ ُ ُ‬ ‫وما َل ُكم ِمن د ِ‬ ‫ون ال َّل ِه ِم ْن َولِ ٍّي َوال ن َِص ٍير﴾ (التوبة‪)111:‬‬ ‫ََ ْ ْ ُ‬

‫ويرتب عليها تفرد الله بالثواب والعقاب‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬أ َل ْم َت ْع َل ْم َأ َّن ال َّل َه َل ُه‬ ‫م ْل ُك السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض ُي َع ِّذ ُب َم ْن َي َشا ُء َو َي ْغ ِف ُر لِ َم ْن َي َشا ُء َوال َّل ُه َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫َق ِدير﴾ (المائدة‪)47:‬‬ ‫ويرتب عليها استحقاقه وحده للحمد‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ُق ِل ا ْل َح ْمدُ ل ِ َّل ِه ا َّل ِذي َل ْم‬ ‫يت ِ‬ ‫َّخ ْذ َو َلد ًا َو َل ْم َي ُك ْن َل ُه َش ِريك فِي ا ْل ُم ْل ِك َو َل ْم َي ُك ْن َل ُه َول ِ ٌّي ِم َن ُّ‬ ‫الذ ِّل َو َك ِّب ْر ُه َتكْبِير ًا﴾‬ ‫َ‬ ‫(االسراء‪)111:‬‬

‫‪022‬‬


‫ويرتب عليها أنه وحده الذي يجير وال يجار عليها‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل َم ْن بِ َي ِد ِه‬ ‫وت ُك ِّل َش ْي ٍء َو ُه َو ُي ِج ُير َوال ُي َج ُار َع َل ْي ِه إِ ْن ُكنْ ُت ْم َت ْع َل ُم َ‬ ‫ون﴾ (المؤمنون‪ )44:‬ألن‬ ‫َم َل ُك ُ‬ ‫اإلجارة ال تكون إال لمالك قادر‪.‬‬ ‫ولهذا كان من أسماء الله تعالى الملك والمالك‪ ،‬وهذا االسم ال يعني بأي‬ ‫وجه من الوجوه ما نفهمه من الملكية التي ندعي حصولها لنا في بعض األشياء‪،‬‬ ‫فهي ملكية مجازية اعتبارية يحيط بها القصور من كل النواحي بخالف ملكية الله‬ ‫تعالى‪.‬‬ ‫فالملك ـ كما يقول الغزالي ـ هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل‬ ‫موجود‪ ،‬ويحتاج إليه كل موجود‪ ،‬بل ال يستغني عنه شيء في شيء‪ ،‬ال في ذاته وال‬ ‫في صفاته وال في وجوده وال في بقائه‪ ،‬بل كل شيء فوجوده منه أو مما هو منه‪،‬‬ ‫فكل شيء سواه هو له مملوك في ذاته وصفاته وهو مستغن عن كل شيء(‪.)1‬‬ ‫والملك بهذا الوصف ال يكون إال لله‪ ،‬أما العبد فال يتصور أن يكون ملكا‬ ‫مهما اتسعت أمالكه وقوي نفوذه‪.‬‬ ‫فهو ( ال يستغني عن كل شيء‪ ،‬فإنه أبدا فقير إلى الله تعالى‪ ،‬وإن استغنى‬ ‫عمن سواه‪ ،‬وال يتصور أن يحتاج إليه كل شيء بل يستغني عنه أكثر الموجودات‪،‬‬ ‫ولكن لما تصور أن يستغني عن بعض األشياء وال يستغني عنه بعض األشياء كان‬

‫(‪ )1‬المقصد األسنى‪.10 :‬‬

‫‪023‬‬


‫له شوب من الملك)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد أشار بعض العارفين لما قال له بعض األمراء‪ (:‬سلني حاجتك)‪ ،‬فأجابه‬ ‫العارف‪ (:‬أوتقول لي هذا ولي عبدان هما سيداك) فقال‪ (:‬ومن هما؟) قال‪(:‬‬ ‫الحرص والهوى‪ ،‬فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك) إلى أن الملك الذي‬ ‫يزعم لنفسه ملكية الخلق ال يملك حتى نفسه‪.‬‬ ‫وبذلك يكون شعور المؤمن بملكية الله لكل األشياء هو المنطلق للتعرف‬ ‫عليه من خاللها‪ ،‬ثم لتسخيرها وفق إرادة الله‪.‬‬ ‫ولهذا يتفق األنبياء على تذكير أقوامهم بهذه الحقيقية‪ ،‬وقد أخبر القرآن‬ ‫الكريم أن فرعون لما سأل موسى عن حقيقة الله طالبا التعرف على الماهية قائال‪﴿:‬‬ ‫ِ‬ ‫ين ﴾ أجابه موسى ‪ ‬ببيان ملكية الله لجميع األشياء‪ ،‬فقال‪﴿:‬‬ ‫َو َما َر ُّب ا ْل َعا َلم َ‬ ‫ِِ‬ ‫رب السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ين﴾ (الشعراء‪)14 :‬‬ ‫ض َو َما َب ْين َُه َما إِ ْن ُكنْ ُت ْم ُموقن َ‬ ‫َ ُّ َّ َ َ‬ ‫وكأن موسى ‪ ‬يرد بهذه اإلجابة على كل األسس التي يقوم عليها تصور‬ ‫فرعون أللوهيته‪ ،‬وهو ما عبر عنه ذات يوم بقوله‪َ ﴿:‬يا َق ْو ِم َأ َل ْي َس لِي ُم ْل ُك ِم ْص َر‬ ‫َو َه ِذ ِه ْاألَن َْه ُار ت َْج ِري ِم ْن ت َْحتِي َأ َفال ُت ْب ِص ُر َ‬ ‫ون ﴾ (الزخرف‪)51 :‬‬ ‫وبذلك يكون التعرف على ملكية الله ل أشياء هو أساس الشعور بالعبودية‬ ‫التي تقتضي تناول األشياء من يد الله‪ ،‬وهو ما يرفع اإلنسان إلى آفاق عليا من‬ ‫األدب مع الكون ومع الله‪.‬‬

‫(‪ )1‬المقصد األسنى‪.10 :‬‬

‫‪024‬‬


‫***‬ ‫وفي ذلك الحين يتحول الكون المسخر هدايا ربانية مقدمة من الله‬ ‫لإلنسان‪ ،‬ليفيض قلب اإلنسان ومشاعره بجميع أنواع الحمد‪.‬‬ ‫وبسر هذا المعنى يرتبط حمد الله ـ كما ورد في اآلثار ـ باألشياء‪ ،‬فرسول الله‬ ‫‪ ‬مثال يعلمنا عندما نريد أن نلبس ثوبا أن نقول كما ورد في الحديث‪ (:‬من لبس‬ ‫ثوبا فقال‪ :‬الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني وال قوة‪،‬‬ ‫غفر الله له ما تقدم من ذنبه)‬

‫(‪)1‬‬

‫فقد جاء التعبير النبوي معبرا على أن الله هو الكاسي وهو الرازق‪ ،‬وأنه ليس‬ ‫للعبد من حول وال قوة ليحقق لنفسه هذه المصلحة‪.‬‬ ‫ولهذا ورد اللباس في القرآن الكريم بصيغة اإللباس‪ ،‬كما قال تعالى‪َ ﴿:‬يا َبنِي‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اس ال َّت ْق َو َى َذلِ َك َخ ْير َذلِ َك ِم ْن‬ ‫آ َد َم َقدْ َأ َنز ْلنَا َع َل ْي ُك ْم ل َباس ًا ُي َو ِاري َس ْو َءات ُك ْم َو ِريش ًا َول َب ُ‬ ‫آي ِ‬ ‫ات ال ّل ِه َل َع َّل ُه ْم َي َّذك َُّر َ‬ ‫ون﴾ (األعراف‪)11 :‬‬ ‫َ‬ ‫والقرآن الكريم يعبر عن النعم المفاضة على العبادة مهما اختلف نوعها‬ ‫بصيغة اإلنزال‪ ،‬ليشير إلى أن ملكيتها الحقيقية لله‪ ،‬وأنها وافدة على العباد ال ملكا‬ ‫مستقرا لهم‪.‬‬ ‫قال تعالى في بيان عمومية نزول كل ما يتصور العباد ملكيته من الكون‪﴿:‬‬ ‫َوإِ ْن ِم ْن َش ْي ٍء إِ َّال ِعنْدَ نَا َخ َز ِائنُ ُه َو َما ُنن َِّز ُل ُه إِ َّال بِ َقدَ ٍر َم ْع ُلو ٍم﴾ (الحجر‪)11:‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫رواه أبو داود والترمذي‪.‬‬

‫‪025‬‬


‫ويستوي في هذا اإلنزال ما يكون حسا أو ما يكون معنى‪:‬‬ ‫قال تعالى عن إنزال الكائنات الحسية‪ُ ﴿:‬ق ْل َأ َر َأ ْي ُت ْم َما َأن َْز َل ال َّل ُه َل ُك ْم ِم ْن ِر ْز ٍق‬ ‫َف َج َع ْل ُت ْم ِمنْ ُه َح َرام ًا َو َحالالً ُق ْل آل َّل ُه َأ ِذ َن َل ُك ْم َأ ْم َع َلى ال َّل ِه َت ْفت َُر َ‬ ‫ون﴾ (يونس‪)59:‬‬ ‫وخص بعض الكائنات الحسية بالذكر بصفة اإلنزال ألهميتها‪ ،‬ومنها‬ ‫سو ِ‬ ‫ِ‬ ‫احدَ ٍة ُث َّم َج َع َل ِمن َْها َز ْو َج َها َو َأن َْز َل َل ُك ْم ِم َن‬ ‫األنعام‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬خ َل َق ُك ْم م ْن َن ْف ٍ َ‬ ‫ون ُأمهاتِ ُكم َخ ْلق ًا ِمن بع ِد َخ ْل ٍق فِي ُظ ُلم ٍ‬ ‫ِ‬ ‫اج ي ْخ ُل ُق ُكم فِي ب ُط ِ‬ ‫ات‬ ‫ْ َْ‬ ‫ُ‬ ‫ْاألَ ْن َعا ِم َث َمان َي َة َأ ْز َو ٍ َ‬ ‫َ‬ ‫َّ َ ْ‬ ‫ْ‬ ‫َث ٍ‬ ‫الث َذلِ ُك ُم ال َّل ُه َر ُّب ُك ْم َل ُه ا ْل ُم ْل ُك ال إِ َل َه إِ َّال ُه َو َف َأنَّى ُت ْص َر ُف َ‬ ‫ون﴾ (الزمر‪)1:‬‬

‫ومنها إنزال الماء‪ ،‬وهو أكثرها ورودا في القرآن الكريم‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪﴿:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يم َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪)17:‬‬ ‫الس َماء َما ًء َل ُك ْم منْ ُه َش َراب َومنْ ُه َش َجر فيه ُتس ُ‬ ‫ُه َو ا َّلذي َأن َْز َل م َن َّ‬ ‫وليس المراد باإلنزال هنا ما يتوهم من كون المطر نازال من السماء فقط‪،‬‬ ‫وإنما المراد ربطه بملكية الله‪ ،‬ولهذا سبق اإلنزال ذكر الضمير المنفصل العائد على‬ ‫الله تعالى‪.‬‬ ‫ومن النعم الحسية المنزلة الحديد‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ل َقدْ َأرس ْلنَا رس َلنَا بِا ْلبي َن ِ‬ ‫ات‬ ‫َ ِّ‬ ‫ْ َ ُ ُ‬ ‫ان لِي ُقوم النَّاس بِا ْل ِقس ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ط َو َأن َْز ْلنَا ا ْل َح ِديدَ فِ ِيه َب ْأس َش ِديد‬ ‫َاب َوا ْلم َيز َ َ َ ُ‬ ‫َو َأن َْز ْلنَا َم َع ُه ُم ا ْلكت َ‬ ‫ْ‬ ‫َّاس َول ِ َي ْع َل َم ال َّل ُه َم ْن َين ُْص ُر ُه َو ُر ُس َل ُه بِا ْل َغ ْي ِ‬ ‫َو َمنَافِ ُع لِلن ِ‬ ‫ب إِ َّن ال َّل َه َق ِو ٌّي َع ِزيز﴾‬ ‫(الحديد‪)15:‬‬ ‫وفي المزج بين إنزال الحديد‪ ،‬وإنزال الكتاب والميزان‪ ،‬وتقديم الكتاب‬ ‫والميزان على الحديد إشارة إلى أن تسيير منافع الحديد مقيد بالضوابط التي‬

‫‪026‬‬


‫يفرضها الكتاب والميزان‪.‬‬ ‫ومثل إنزال ملكية الله للكائنات الحسية إنزال الله للكائنات المعنوية‪ ،‬ومنها‬ ‫السكينة والجند الرباني‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ث َّم َأن َْز َل ال َّل ُه َس ِكينَ َت ُه َع َلى َر ُسول ِ ِه َو َع َلى‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ين َك َف ُروا َو َذلِ َك َج َزا ُء ا ْلكَافِ ِري َن﴾‬ ‫ا ْل ُم ْؤمني َن َو َأن َْز َل ُجنُود ًا َل ْم ت ََر ْو َها َو َع َّذ َب ا َّلذ َ‬

‫ِ‬ ‫ين َك َف ُروا َثانِ َي‬ ‫(التوبة‪ ،)11:‬وقال تعالى‪ ﴿:‬إِالّ َتن ُْص ُرو ُه َف َقدْ ن ََص َر ُه ال َّل ُه إِ ْذ َأ ْخ َر َج ُه ا َّلذ َ‬ ‫ول لِص ِ‬ ‫ِ‬ ‫احبِ ِه ال ت َْح َز ْن إِ َّن ال َّل َه َم َعنَا َف َأن َْز َل ال َّل ُه َس ِكينَ َت ُه َع َل ْي ِه‬ ‫ا ْثنَ ْي ِن إِ ْذ ُه َما في ا ْل َغ ِار إِ ْذ َي ُق ُ َ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫الس ْف َلى َوكَلِ َم ُة ال َّل ِه ِه َي ا ْل ُع ْل َيا َوال َّل ُه‬ ‫َو َأ َّيدَ ُه بِ ُجنُود َل ْم ت ََر ْو َها َو َج َع َل كَل َم َة ا َّلذ َ‬ ‫ين َك َف ُروا ُّ‬ ‫َع ِزيز َح ِكيم﴾ (التوبة‪ ،)47:‬وقال تعالى‪ ﴿:‬إِ ْذ َج َع َل ا َّل ِذي َن َك َف ُروا فِي ُق ُلوبِ ِه ُم ا ْل َح ِم َّي َة‬ ‫ِِ‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ين َو َأ ْل َز َم ُه ْم كَلِ َم َة‬ ‫َحم َّي َة ا ْل َجاهل َّية َف َأن َْز َل ال َّل ُه َسكينَ َت ُه َع َلى َر ُسوله َو َع َلى ا ْل ُم ْؤمن َ‬ ‫ال َّت ْق َوى َوكَا ُنوا َأ َح َّق بِ َها َو َأ ْه َل َها َوك َ‬ ‫َان ال َّل ُه بِ ُك ِّل َش ْي ٍء َع ِليم ًا﴾ (الفتح‪)11:‬‬ ‫ومن هذا الباب إنزال المالئكة والروح‪ ،‬كما قال تعالى‪ ﴿:‬ين َِّز ُل ا ْلم ِ‬ ‫الئك ََة‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وح ِمن َأم ِر ِه َع َلى من ي َشاء ِمن ِعب ِ‬ ‫اد ِه َأ ْن َأن ِْذروا َأ َّنه ال إِ َله إِ َّال َأنَا َفا َّت ُق ِ‬ ‫ون﴾‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ ْ َ ُ ْ َ‬ ‫ُ‬ ‫الر ِ ْ ْ‬ ‫بِ ُّ‬ ‫(النحل‪)1:‬‬

‫ومنه إنزال الشعور باألمن الذي يم أ النفس بالراحة‪ ،‬ويتيح لها النوم‪ ،‬قال‬ ‫تعالى‪ُ ﴿:‬ث َّم َأن َْز َل َع َل ْي ُك ْم ِم ْن َب ْع ِد ا ْل َغ ِّم َأ َمنَ ًة ُن َعاس ًا َي ْغ َشى َط ِائ َف ًة ِمنْ ُك ْم ﴾ (آل‬ ‫عمران‪)154:‬‬ ‫وبهذا يعيش المؤمن‪ ،‬وهو يرى كل شيء من الله حتى الطعام الذي يأكله‪،‬‬ ‫واللباس الذي يكسوه‪ ،‬وقد قال تعالى في الحديث القدسي‪ (:‬يا عبادي كلكم جائع‬

‫‪027‬‬


‫إال من أطعمته‪ ،‬فاستطعموني أطعمكم‪ ،‬يا عبادي كلكم عار إال من كسوته‬ ‫فاستكسوني أكسكم)‬

‫(‪)1‬‬

‫وبهذا الشعور المعطر باالعتراف بالنعمة لمسديها يخف غرور اإلنسان‪ ،‬بل‬ ‫يتالشى‪ ،‬وهو ما يجعله يتعامل مع األشياء تعامل العبودية التي تفيض باللطف‬ ‫والرحمة‪.‬‬ ‫وقد علمنا رسول الله ‪ ‬من صيغ الذكر ما يغرس هذه المعاني في نفوسنا‪،‬‬ ‫أو ما يحوله إلى واقع حي يرفع أرواحنا‪ ،‬ويهذب سلوكنا‪.‬‬ ‫فقد كان رسول ال ّله ‪ ‬إذا أصبح قال‪ (:‬أصبحنا وأصبح الملك لله عز‬ ‫وجل‪ ،‬والحمد لله‪ ،‬والكبرياء والعظمة لله‪ ،‬والخلق واألمر والليل والنهار وما‬ ‫سكن فيهما لله تعالى‪ ،‬اللهم اجعل أول هذا النهار صالحا‪ ،‬وأوسطه نجاحا وآخره‬ ‫فالحا‪ ،‬يا أرحم الراحمين)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي كون هذا الذكر في الصباح ـ الذي يعني بداية عمر اليوم ـ وهو الحين‬ ‫الذي يكون فيه عقل اإلنسان فارغا مهيئا ألي فكرة‪ ،‬وتكون جوارحه نشطة مهيئة‬ ‫ألي عمل‪ ،‬إشارة إلى أن التعرف على ملكية الله ل أشياء هو األساس الذي يحفظ‬ ‫التعامل معها ويرقيه‪.‬‬ ‫وفي المساء يعود التذكير بهذه المعاني متصدرا أعمال اإلنسان في الشطر‬

‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه الطبراني‪.‬‬

‫‪028‬‬


‫الثاني من يومه‪ ،‬فقد كان ‪ ‬يقول إذا أمسى‪ (:‬أمسينا وأمسى الملك لله ال إله إال‬ ‫الله وحده ال شريك له‪،‬له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‪ ،‬رب أسألك‬ ‫خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شر ما في هذه الليلة وشر ما‬ ‫بعدها رب أعوذ بك من الكسل ومن سوء الكبر أو الكفر رب أعوذ بك من عذاب‬ ‫في النار وعذاب في القبر)‬

‫(‪)1‬‬

‫بل علمنا رسول الله ‪ ‬أن نطرد الغفلة عن هذه المعاني حتى في اللحظات‬ ‫القصيرة التي ننتبه فيها من الليل‪ ،‬قال ‪ (:‬من تعار من الليل فقال حين يستيقظ ال‬ ‫إله إال الله وحده ال شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان‬ ‫الله والحمد لله وال إله إال الله والله أكبر وال حول وال قوة إال بالله ثم دعا رب‬ ‫اغفر لي ـ قال الوليد أو قال دعا ـ استجيب له فإن قام فتوضأ ثم صلى قبلت‬ ‫صالته)‬

‫(‪)1‬‬

‫وكان النبي ‪ ‬إذا قام من الليل يتهجد يبدأ بهذه المعاني لتكون أساسا لهبات‬ ‫الله النازلة على الروح‪ (:‬اللهم لك الحمد أنت قيم السموات واألرض ومن فيهن‬ ‫ولك الحمد لك ملك السموات واألرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور‬ ‫السموات واألرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات واألرض ولك‬ ‫الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق‬

‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري وغيره‪.‬‬

‫‪029‬‬


‫والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق اللهم لك أسلمت‬ ‫وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي‬ ‫ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر ال إله إال‬ ‫أنت أو ال إله غيرك)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد أمرنا أن ننطق بهذه الحقيقة ونجعلها شعارا في أكبر تجمع للمسلمين‪،‬‬ ‫وفي أكبر تظاهرة بشرية‪ ،‬فقد كانت تلبية رسول الله ‪ (:‬لبيك اللهم لبيك لبيك ال‬ ‫شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك ال شريك لك)‬ ‫وفي تخصيص ذلك التجمع بهذا الذكر الجليل تعليم ل أمة أن ال تقدم أي‬ ‫ملك على ملك الله‪ ،‬ولهذا ورد في الحديث قوله ‪ (:‬أغيظ رجل على الله يوم‬ ‫القيامة وأخبثه وأغيظه عليه رجل كان يسمى ملك األمالك‪ ،‬ال ملك إال الله‬ ‫تعالى)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد علمنا رسول الله ‪ ‬ـ باإلضافة إلى هذه األذكار الوقتية ـ أن ننبه أنفسنا‬ ‫دائما إلى ملكية الله ل أشياء في كل حين‪ ،‬بل دعا إلى التنافس في ذلك‪ ،‬فقال‪ (:‬من‬ ‫قال ال إله إال الله وحده ال شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير‬ ‫في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة‬ ‫سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪031‬‬


‫جاء به إال أحد عمل أكثر من ذلك)‬

‫(‪)1‬‬

‫***‬ ‫هذا هو أساس تعامل المؤمن مع األشياء‪ ،‬أما الجاحد فهو في تخرصاته‬ ‫وكبريائه وتيهه عن الحق ال يستشعر شيئا من اللذة التي يستشعرها المؤمن وهو‬ ‫يتناول األشياء من يد الله‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬أال إِ َّن ل ِ َّل ِه من فِي السماو ِ‬ ‫ات َو َم ْن فِي‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ ْ‬ ‫ِ‬ ‫ون ِمن د ِ‬ ‫ْاألَ ْر ِ‬ ‫ون ال َّل ِه ُش َركَا َء إِ ْن َيتَّبِ ُع َ‬ ‫ون إِ َّال ال َّظ َّن َوإِ ْن ُه ْم إِ َّال‬ ‫ين َيدْ ُع َ ْ ُ‬ ‫ض َو َما َيتَّبِ ُع ا َّلذ َ‬ ‫َي ْخ ُر ُص َ‬ ‫ون﴾ (يونس‪)11:‬‬

‫وقال عن الذين اتخذوا من دونه أولياء‪ُ ﴿:‬ق ْل من رب السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض‬ ‫َ ْ َ ُّ َّ َ َ‬ ‫َّخ ْذ ُت ْم ِم ْن ُدونِ ِه َأ ْولِ َيا َء ال َي ْم ِل ُك َ‬ ‫ُق ِل ال َّل ُه ُق ْل َأ َفات َ‬ ‫ون ِألَ ْن ُف ِس ِه ْم َن ْفع ًا َوال َض ّر ًا ُق ْل َه ْل‬ ‫ُّور َأ ْم َج َع ُلوا ل ِ َّل ِه ُش َركَا َء َخ َل ُقوا‬ ‫َي ْست َِوي ْاألَ ْع َمى َوا ْل َب ِص ُير َأ ْم َه ْل ت َْست َِوي ال ُّظ ُل َم ُ‬ ‫ات َوالن ُ‬ ‫َخ ْل ِق ِه َفت ََشابه ا ْل َخ ْل ُق َع َلي ِهم ُق ِل ال َّله َخالِ ُق ُك ِّل َشي ٍء وهو ا ْلو ِ‬ ‫ك َ‬ ‫احدُ ا ْل َق َّه ُار﴾‬ ‫ْ َ َُ َ‬ ‫ُ‬ ‫ََ‬ ‫ْ ْ‬ ‫(الرعد‪)11:‬‬ ‫وهؤالء خبطوا وخلطوا‪ ،‬فـ ﴿ جع ُلوا لِ َّل ِه ِمما َذر َأ ِمن ا ْلحر ِ‬ ‫ث َو ْاألَ ْن َعا ِم ن َِصيب ًا‬ ‫َ َ‬ ‫َّ َ َ َ ْ‬ ‫َان لِ ُش َرك َِائ ِه ْم َفال َي ِص ُل إِ َلى ال َّل ِه َو َما َك َ‬ ‫َف َقا ُلوا َه َذا لِ َّل ِه بِ َز ْع ِم ِه ْم َو َه َذا لِ ُش َرك َِائنَا َف َما ك َ‬ ‫ان‬ ‫ل ِ َّل ِه َف ُه َو َي ِص ُل إِ َلى ُش َرك َِائ ِه ْم َسا َء َما َي ْح ُك ُم َ‬ ‫ون﴾ (األنعام‪)131:‬‬ ‫ونتيجة خلطهم وخبطهم أنهم يعبدون السراب‪ ،‬ويدعون من ال يملك شيئا‪،‬‬ ‫قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ِل اد ُعوا ا َّل ِذين َز َعم ُتم ِمن د ِ‬ ‫ون ال َّل ِه ال َي ْم ِل ُكو َن ِم ْث َق َال َذ َّر ٍة فِي‬ ‫ْ ْ ْ ُ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪030‬‬


‫السماو ِ‬ ‫ات َوال فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َو َما َل ُه ْم فِ ِيه َما ِم ْن ِش ْر ٍك َو َما َل ُه ِمن ُْه ْم ِم ْن َظ ِه ٍير﴾‬ ‫َّ َ َ‬ ‫(سـبأ‪)11:‬‬ ‫بل لو كان بيد هؤالء أي ملك‪ ،‬فإن ملكهم سيبقى قاصرا عليهم‪ ،‬قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫َأ ْم َل ُه ْم ن َِصيب ِم َن ا ْل ُم ْل ِك َفإِذ ًا ال ُي ْؤ ُت َ‬ ‫َّاس ن َِقير ًا﴾ (النساء‪ ،)53:‬وقال تعالى‪﴿:‬‬ ‫ون الن َ‬ ‫َان ْ ِ‬ ‫ون َخ َز ِائن رحم ِة ربي إِذ ًا َألَمس ْك ُتم َخ ْشي َة ْ ِ‬ ‫األ ْن َف ِ‬ ‫األن َْس ُ‬ ‫اق َوك َ‬ ‫ُق ْل َل ْو َأ ْن ُت ْم ت َْم ِل ُك َ‬ ‫ان‬ ‫َ‬ ‫َ َ ْ َ َ ِّ‬ ‫َْ ْ‬ ‫َق ُتور ًا﴾ (االسراء‪)177:‬‬ ‫وهؤالء الجاحدون ـ الذين غفلوا عن ملكية الله ل أشياء في الدنيا ـ‬ ‫سيدركونها يوم القيامة‪ ،‬ولذلك يجيئ التعبير القرآني مخبرا عن ملكية الله ل أشياء‬ ‫في اآلخرة‪ ،‬وهو ال يعني عدم ملكيته لها في الدنيا‪ ،‬وإنما هو إخبار عن تعرف‬ ‫الجاحدين والغافلين حينها على هذه الملكية‪ ،‬كما قال تعالى‪َ ﴿:‬مالِ ِك َي ْو ِم الدِّ ِ‬ ‫ين﴾‬ ‫(الفاتحة‪)4:‬‬ ‫وهؤالء الجاحدون ـ كما يخبر القرآن الكريم ـ يقرون بهذه الملكية‪َ ﴿:‬ي ْو َم‬ ‫ون ال ي ْخ َفى َع َلى ال َّل ِه ِمنْهم َشيء لِم ِن ا ْلم ْل ُك ا ْليوم ل ِ َّل ِه ا ْلو ِ‬ ‫اح ِد ا ْل َق َّه ِار﴾‬ ‫َ‬ ‫ُه ْم َب ِار ُز َ َ‬ ‫َْ َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ ْ ْ َ‬ ‫(غافر‪)11:‬‬ ‫وقد صور ابن مسعود ذلك المشهد بقوله‪ (:‬يحشر الناس على أرض بيضاء‬ ‫مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها‪ ،‬فيؤمر مناد ينادي‪ (:‬لمن الملك اليوم)‪،‬‬ ‫فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم‪( :‬لله الواحد القهار)‪ ،‬فيقول المؤمنون هذا الجواب‬ ‫سرورا وتلذذا‪ ،‬ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا‪.‬‬

‫‪032‬‬


‫ويصور سيد قطب هذا المشهد الذي تنكشف بها الحقيقة بقوله‪ (:‬ويومئذ‬ ‫يتضاءل المتكبرون‪ ،‬وينزوي المتجبرون‪ ،‬ويقف الوجود كله خاشع ًا‪ ،‬والعباد كلهم‬ ‫خضع ًا‪ .‬ويتفرد مالك الملك الواحد القهار بالسطان‪ .‬وهو سبحانه متفرد به في كل‬ ‫آن‪ .‬فأما في هذا اليوم فينكشف هذا للعيان‪ ،‬بعد انكشافه للجنان‪ .‬ويعلم هذا كل‬ ‫منكر ويستشعره كل متكبر‪ .‬وتصمت كل نأمة وتسكن كل حركة‪ .‬وينطلق صوت‬ ‫جليل رهيب يسأل ويجيب ؛ فما في الوجود كله يومئذ من سائل غيره وال مجيب‪:‬‬ ‫لمن الملك اليوم؟ ‪ ..‬لله الواحد القهار)‬

‫(‪)1‬‬

‫وينفي الغزالي ما قد يتوهمه الغافلون من انحصار الملك لله في اآلخرة‬ ‫بقوله‪ (:‬وال قادر اال الملك الجبار‪ ،‬واذا انكشفت الغطاء عن أعين الغافلين‬ ‫فشاهدوا االمر كذلك سمعوا عند ذلك نداء المنادي لمن الملك اليوم لله الواحد‬ ‫القهار ولقد كان الملك لله الواحد القهار كل يوم ال ذلك على الخصوص‪ ،‬ولكن‬ ‫الغافلين ال يسمعون هذا النداء اال ذلك اليوم فهو نبأ عما يتجدد للغافلين من كشف‬ ‫االحوال حيث ال ينفعهم الكشف)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومثل الكالم في تينك اآليتين الكالم في قوله تعالى‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّل ِذي َخ َل َق‬ ‫السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر َض بِا ْل َح ِّق َو َي ْو َم َي ُق ُ‬ ‫ول ُك ْن َف َي ُك ُ‬ ‫ون َق ْو ُل ُه ا ْل َح ُّق َو َل ُه ا ْل ُم ْل ُك َي ْو َم ُينْ َف ُخ‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ِ‬ ‫ب و َّ ِ‬ ‫فِي الص ِ ِ‬ ‫يم ا ْل َخبِ ُير﴾ (األنعام‪ ،)03:‬وقوله‬ ‫ور َعال ُم ا ْل َغ ْي ِ َ‬ ‫ُّ‬ ‫الش َها َدة َو ُه َو ا ْل َحك ُ‬

‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.3703/5 :‬‬ ‫(‪ )1‬اإلحياء‪.314/1:‬‬

‫‪033‬‬


‫ِ‬ ‫تعالى‪ ﴿:‬ا ْل ُم ْل ُك َي ْو َم ِئ ٍذ ا ْل َح ُّق ل ِ َّلر ْح َم ِن َوك َ‬ ‫ين َع ِسير ًا﴾‬ ‫َان َي ْوم ًا َع َلى ا ْلكَاف ِر َ‬ ‫(الفرقان‪)11:‬‬ ‫فالملكية المخصوصة باليوم اآلخر‪ ،‬ال تنفي ملكية الدنيا‪ ،‬بل هي استمرار‬ ‫لها‪ ،‬والمراد بتخصيصها هو اإلخبار عن اكتشاف الجاحدين والغافلين لها‪ ،‬وهو‬ ‫اكتشاف بعد فوات األوان‪ ،‬والت ساعة مندم‪.‬‬ ‫ولهذا ال يصح ما يردده المسيحيون‪ ،‬وينسبونه للمسيح ‪ (:‬دعوا ما‬ ‫لقيصر لقيصر‪ ،‬وما لله لله)‪ ،‬بل الصحيح أن قيصر وما لقيصر لله ملكا وتدبيرا‪،‬‬ ‫وحكما وتقديرا‪.‬‬ ‫التدبير‪:‬‬ ‫كما أن كل شيء من الكائنات ملك لله‪ ،‬ال يحق التصرف فيه إال باسم الله‪،‬‬ ‫فإن كل شيء مما نراه من أنواع التدبير ملك لله كذلك‪ ،‬فالله تعالى هو المتصرف‬ ‫في كل شيء المحرك لكل شيء الفاعل لكل شيء(‪ ،)1‬قال تعالى‪ ﴿:‬إِ َّن َر َّب ُك ُم ال َّل ُه‬ ‫ا َّل ِذي َخ َل َق السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر َض فِي ِست َِّة َأ َّيا ٍم ُث َّم ْاست ََوى َع َلى ا ْل َع ْر ِ‬ ‫ش ُيدَ ِّب ُر ْاألَ ْم َر َما‬ ‫َّ َ َ‬ ‫اع ُبدُ و ُه َأ َفال ت ََذك َُّر َ‬ ‫ون﴾ (يونس‪)3:‬‬ ‫ِم ْن َش ِفي ٍع إِ َّال ِم ْن َب ْع ِد إِ ْذنِ ِه َذلِ ُك ُم ال َّل ُه َر ُّب ُك ْم َف ْ‬ ‫والقرآن الكريم مليء بذكر أنواع التدبير اإللهي ل أشياء‪ ،‬وهو يعرضها بصيغ‬ ‫مختلفة ليقرأ المؤمن من خالل تدبير الله ل أشياء صفات الكمال لله‪ ،‬قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الس َم ِاء َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫الس ْم َع َو ْاألَ ْب َص َار َو َم ْن ُي ْخ ِر ُج ا ْل َح َّي‬ ‫ض َأ َّم ْن َي ْمل ُك َّ‬ ‫ُق ْل َم ْن َي ْر ُز ُق ُك ْم م َن َّ‬ ‫(‪ )1‬انظر التفاصيل المرتبطة بهذا في رسالة (أسرار األقدار) من هذه السلسلة‪.‬‬

‫‪034‬‬


‫ِمن ا ْلمي ِ‬ ‫ت َو ُي ْخ ِر ُج ا ْل َم ِّي َت ِم َن ا ْل َح ِّي َو َم ْن ُيدَ ِّب ُر ْاألَ ْم َر َف َس َي ُقو ُل َ‬ ‫ون ال َّل ُه َف ُق ْل َأ َفال‬ ‫َ َ ِّ‬ ‫َت َّت ُق َ‬ ‫ون﴾ (يونس‪)31:‬‬ ‫وهذا التدبير يشمل جميع األشياء‪ ،‬حتى ما نتوهمه مظاهر طبيعية‪ ،‬ناتجة عن‬ ‫أسبابها الفلكية الحسية‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬يولِ ُج ال َّل ْي َل فِي الن ََّه ِار َو ُيولِ ُج الن ََّه َار فِي ال َّل ْي ِل‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َو َس َّخ َر َّ‬ ‫ين‬ ‫الش ْم َس َوا ْل َق َم َر ُك ٌّل َي ْج ِري ألَ َج ٍل ُم َس ّم ًى َذل ُك ُم ال َّل ُه َر ُّب ُك ْم َل ُه ا ْل ُم ْل ُك َوا َّلذ َ‬ ‫ون ِم ْن ُدونِ ِه َما َي ْم ِل ُك َ‬ ‫تَدْ ُع َ‬ ‫ون ِم ْن ِق ْط ِم ٍير﴾ (فاطر‪)13:‬‬

‫فالله تعالى هو الذي يمدنا بضوء النهار وسكينة الليل‪ ،‬ال حركات األرض‪،‬‬ ‫قال تعالى‪َ ﴿:‬و َج َع ْلنَا ال َّل ْي َل َوالن ََّه َار آ َي َت ْي ِن َف َم َح ْونَا آ َي َة ال َّل ْي ِل َو َج َع ْلنَا آ َي َة الن ََّه ِار ُم ْب ِص َر ًة لِ َت ْب َت ُغوا‬ ‫ِ‬ ‫ال ِمن رب ُكم ولِ َتع َلموا عَدَ د ِ‬ ‫اب َو ُك َّل َش ْي ٍء َف َّص ْلنَا ُه َت ْف ِصي ً‬ ‫ال﴾‬ ‫ين َوا ْلح َس َ‬ ‫السن َ‬ ‫َ ِّ‬ ‫َف ْض ً ْ َ ِّ ْ َ ْ ُ‬ ‫(االسراء‪)11:‬‬ ‫والله هو الذي يقلب الليل والنهار‪ ،‬ال ما نتوهمه من أسباب‪ ،‬قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫ب ال َّل ُه ال َّل ْي َل َوالن ََّه َار إِ َّن فِي َذلِ َك َل ِع ْب َر ًة ِألُولِي ْاألَ ْب َص ِار﴾ (النور‪ ،)44:‬وقال‬ ‫ُي َق ِّل ُ‬ ‫تعالى‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّل ِذي َج َع َل َل ُك ُم ال َّل ْي َل لِ َباس ًا َوالن َّْو َم ُس َبات ًا َو َج َع َل الن ََّه َار ُن ُشور ًا﴾‬ ‫(الفرقان‪ ،)40:‬وقال تعالى‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّل ِذي َج َع َل ال َّل ْي َل َوالن ََّه َار ِخ ْل َف ًة لِ َم ْن َأ َرا َد َأ ْن َي َّذك ََّر‬ ‫َأ ْو َأ َرا َد ُش ُكور ًا﴾ (الفرقان‪)11:‬‬ ‫وليس هناك من تناقض بين األمرين‪ ،‬فال علمنا بتدبير الله ينفي األسباب التي‬ ‫وضعها الله‪ ،‬وال األسباب تنفي تدبير الله‪ ،‬فاألشياء وأسبابها جميعا خلق من خلق‬ ‫الله‪.‬‬

‫‪035‬‬


‫ولهذا ورد التعبير القرآني عن تعاقب الليل والنهار بصيغة التقليب‪ ،‬قال‬ ‫ب ال َّل ُه ال َّل ْي َل َوالن ََّه َار إِ َّن فِي َذلِ َك َل ِع ْب َر ًة ِألُولِي ْاألَ ْب َص ِار﴾ (النور‪)44:‬‬ ‫تعالى‪ُ ﴿:‬ي َق ِّل ُ‬ ‫وهذا التقليب ال يبصره إال من رفع الغشاوة التي تقصر بصره على ما يتوهمه‪.‬‬ ‫وبمثل ذلك يتحدث القرآن الكريم عن جميع المظاهر التي ينسبها‬ ‫الجاحدون والغافلون للطبيعة‪ ،‬فالرياح ال تهب‪ ،‬وإنما ترسل‪.‬‬ ‫وقد كرر تعالى هذا المعنى في آيات كثيرة‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّل ِذي ُي ْر ِس ُل‬ ‫الرياح ب ْشر ًا بين يدَ ي رحمتِ ِه حتَّى إِ َذا َأ َق َّل ْت سحاب ًا ثِ َقاالً س ْقنَاه لِب َل ٍد مي ٍ‬ ‫ت َف َأن َْز ْلنَا بِ ِه‬ ‫ُ ُ َ َ ِّ‬ ‫َ َ‬ ‫ِّ َ َ ُ َ ْ َ َ ْ َ ْ َ َ‬ ‫ا ْلماء َف َأ ْخرجنَا بِ ِه ِمن ُك ِّل ال َّثمر ِ‬ ‫ات ك ََذلِ َك ُن ْخ ِر ُج ا ْل َم ْوتَى َل َع َّل ُك ْم ت ََذك َُّر َ‬ ‫ون﴾‬ ‫ْ‬ ‫َ ْ‬ ‫ََ‬ ‫َ َ‬ ‫(ألعراف‪)50:‬‬ ‫فاآلية ترجع األمر لله في كل شيء‪ ،‬فنالحظ هذه التعابير التي يتيه عنها‬ ‫الماديون‪ُ ( :‬ي ْر ِس ُل‪ُ ،‬س ْقنَا ُه‪َ ،‬ف َأن َْز ْلنَا‪َ ،‬ف َأ ْخ َر ْجنَا‪ )..‬وكلها تشير إلى تدبير الله للكليات‬ ‫والجزئيات‪.‬‬ ‫وبمثل ذلك جاء تعبير ( َف َأ ْس َق ْينَا ُك ُمو ُه) بدل تعبير ( فشربتم) في قوله تعالى‪﴿:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الس َم ِاء َما ًء َف َأ ْس َق ْينَا ُك ُمو ُه َو َما َأ ْن ُت ْم َل ُه بِ َخ ِازنِي َن﴾‬ ‫الر َي َ‬ ‫اح َل َواق َح َف َأن َْز ْلنَا م َن َّ‬ ‫َو َأ ْر َس ْلنَا ِّ‬ ‫(الحجر‪)11:‬‬ ‫وبمثل ذلك جاء تعبير ( َف َأ ْح َي ْينَا) بدل ( حيت) في قوله تعالى‪َ ﴿:‬وال َّل ُه ا َّل ِذي‬ ‫َأرس َل الرياح َف ُتثِير سحاب ًا َفس ْقنَاه إِ َلى ب َل ٍد مي ٍ‬ ‫ت َف َأ ْح َي ْينَا بِ ِه ْاألَ ْر َض َب ْعدَ َم ْوتِ َها ك ََذلِ َك‬ ‫َ َ ِّ‬ ‫ُ ُ‬ ‫ِّ َ َ ُ َ َ‬ ‫ْ َ‬ ‫ور﴾ (فاطر‪)9:‬‬ ‫الن ُُّش ُ‬

‫‪036‬‬


‫وفي مراعاة التعبير عند الحديث عما يسمى بمظاهر الطبيعة جاء قوله ‪‬‬ ‫حاكيا عن ربه تعالى‪ (:‬قال الله تعالى ما أنعمت على عبادي من نعمة إال أصبح فريق‬ ‫منهم بها كافرين يقولون الكوكب وبالكوكب)‬

‫(‪)1‬‬

‫والكوكب المراد هنا هو ما كان أهل الجاهلية ينسبون به الحوادث‪ ،‬إما‬ ‫باعتباره مؤثرا أو باعتباره عالمة‪ ،‬وهو نفس ما تذهب إليه الجاهلية الحديثة حين‬ ‫تفسر األشياء بعللها التي تتوهمها نافية تصريف الله تعالى وتدبيره‪.‬‬ ‫ولذلك اعتبر ‪ ‬هذه النسب الوهمية من الجاهلية‪ ،‬فقال ‪ (:‬أربع من أمر‬ ‫الجاهلية لن يدعهن الناس التعيير في األحساب والنياحة على الميت واألنواء‬ ‫وأجرب بعير فأجرب مائة من أجرب البعير األول)‬

‫(‪)1‬‬

‫وأخبر ‪ ‬عن عدم تماسك التفسير الطبيعي المتناسي لتصريف الله بقوله‬ ‫‪ (:‬لو أمسك الله عز وجل المطر عن عباده خمس سنين ثم أرسله ألصبحت‬ ‫طائفة من الناس كافرين يقولون سقينا بنوء المجدح)‬

‫(‪)3‬‬

‫وقد بين لنا ‪ ‬الطريقة الصحيحة في التعبير عن الحوادث الكونية بحادثة‬ ‫وقعت‪ ،‬فقد صلى ‪ ‬صالة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة‪ ،‬فلما‬ ‫انصرف أقبل على الناس‪ ،‬فقال‪ (:‬هل تدرون ماذا قال ربكم؟)‪ ،‬قالوا‪ (:‬الله ورسوله‬ ‫أعلم) قال‪ (:‬أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر‪ ،‬فأما من قال مطرنا بفضل الله‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد ومسلم والنسائي‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه أحمد والنسائي وابن حبان‪.‬‬

‫‪037‬‬


‫ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب‪ ،‬وأما من قال بنوء كذا وكذا فذلك كافر‬ ‫بي ومؤمن بالكوكب)‬

‫(‪)1‬‬

‫بل إن القرآن الكريم يرشدنا إلى نسبة ما نتوهمه من أفعالنا إلى الله‪ ،‬فالله‬ ‫تعالى ينسب إليه ما يتصور اإلنسان تفرده بتصريفه‪ ،‬قال تعالى عن عملية الحرث‬ ‫والزرع التي ينسبها كل إنسان إلى نفسه‪َ ﴿:‬أ َف َر َأ ْي ُتم َّما ت َْح ُر ُث َ‬ ‫ون َأ َأن ُت ْم ت َْز َر ُعو َن ُه َأ ْم ن َْح ُن‬ ‫الز ِار ُع َ‬ ‫وه ْم َو َل ِك َّن ال َّل َه َق َت َل ُه ْم َو َما َر َم ْي َت إِ ْذ َر َم ْي َت‬ ‫َّ‬ ‫ون ﴾‪ ،‬ومثله قوله تعالى‪َ ﴿:‬ف َل ْم َت ْق ُت ُل ُ‬ ‫َو َل ِك َّن ال َّل َه َر َمى﴾ (ألنفال‪ ،)10 :‬فالله تعالى هو المتفرد بالتدبير والتصريف‪.‬‬ ‫وهكذا مما ال يمكن حصره في القرآن الكريم‪.‬‬ ‫فالقرآن الكريم ينبهنا إلى الفاعل الحقيقي حتى ال ننحجب بعالم الحكمة‬ ‫عن قدرة الله‪ ،‬فعالم الحكمة يرينا األسباب‪ ،‬وعالم القدرة يرينا رب األسباب‪،‬‬ ‫وكالهما يدل عليه العقل والذوق‪.‬‬ ‫ولهذا كان أكبر القوادح في التوحيد نسبة أحداث الكون للكون‪ ،‬بل نص‬ ‫القرآن الكريم على كونه شركا‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬فإِ َذا َركِ ُبوا فِي ا ْل ُف ْل ِك َد َع ُوا ال َّل َه‬ ‫اه ْم إِ َلى ا ْل َب ِّر إِ َذا ُه ْم ُي ْش ِر ُك َ‬ ‫ون﴾ (العنكبوت‪)15:‬‬ ‫ُم ْخلِ ِصي َن َل ُه الدِّ ي َن َف َل َّما ن ََّج ُ‬ ‫قال الغزالي يبين حقيقة العلم الذي يضع األشياء موضعها‪ (:‬ومن‬ ‫انكشف له أمر العلم كما هو عليه علم ّ‬ ‫يتحرك‬ ‫أن الريح هو الهواء‪ ،‬والهواء ال ّ‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪038‬‬


‫محركه‪ ،‬وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك‬ ‫محرك‪ ،‬وكذلك ّ‬ ‫يحركه ّ‬ ‫بنفسه ما لم ّ‬ ‫محرك له وال هو متحرك في نفسه عز وجل)‬ ‫ّ‬ ‫األول الذي ال ّ‬

‫(‪)1‬‬

‫ولهذا بين لنا الله تعالى ما ينبغي أقواله عند ركوب الفلك‪َ ﴿:‬و َق َال ْار َك ُبوا فِ َيها‬ ‫ِ‬ ‫اها إِ َّن َر ِّبي َل َغ ُفور َر ِحيم﴾ (هود‪ )41:‬فمجرى السفينة‬ ‫بِ ْس ِم ال َّله َم ْج َر َاها َو ُم ْر َس َ‬ ‫ومرساها من الله تعالى ‪.‬‬ ‫وعلمنا أن نقول‪ ﴿:‬لِت َْست َُووا َع َلى ُظ ُه ِ‬ ‫ور ِه ُث َّم ت َْذ ُك ُروا نِ ْع َم َة َر ِّب ُك ْم إِ َذا ْاست ََو ْي ُت ْم‬ ‫َع َل ْي ِه َو َت ُقو ُلوا ُس ْب َح َ‬ ‫ان ا َّل ِذي َس َّخ َر َلنَا َه َذا َو َما ُكنَّا َل ُه ُم ْق ِرنِي َن﴾ (الزخرف‪)13:‬‬ ‫فاألنعام مسخرة ـ كما تنص اآلية ـ وهي لذلك تسير بأمر الله‪ ،‬وتتحرك‬ ‫بتصريف الله‪ ،‬والعاقل هو الذي يلجأ إلى اآلمر ال إلى المأمور‪.‬‬ ‫***‬ ‫وهذا اإلدراك ليس سلبيا كما يتصور المجادلون في الله بغير علم‪ ،‬فيقولون‪،‬‬ ‫أو يقول الشيطان على ألسنتهم‪ (:‬أنتم تهربون من الواقع بنسبة التدبير إلى الله)‪ ،‬بل‬ ‫يضحكون بسخرية واستهزاء إن نسب ما يتوهمونه مظاهر طبيعية للتصريف‬ ‫اإللهي‪.‬‬ ‫وال يمكن الحديث مع هؤالء أو تبادل الجدال معهم‪ ،‬ولكنا نقول ـ بأسلوبهم‬ ‫ـ إن النتائج العملية النافعة من التحقق بهذا اإلدراك والشعور به ال تكاد تحصى‪:‬‬ ‫ومن هذه النتائج السامية‪ :‬احترام تصريف الله‪ ،‬والشعور باألنس حين يمتلئ‬

‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬

‫‪039‬‬


‫القلب بنشوة النظر إلى الله وهو يجيب الحاجات المختلفة للكائنات‪ ،‬كما قال‬ ‫تعالى‪ ﴿:‬يس َأ ُله من فِي السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض ُك َّل َي ْو ٍم ُه َو فِي َش ْأ ٍن﴾ (الرحمن‪،)19:‬‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َْ ُ َ ْ‬ ‫ثم بعد هذا التطلع لما في يد الله والتضرع إليه في تحقيقه‪.‬‬ ‫ومنها التأدب مع الكون‪ ،‬واحترامه فقد وردت بها النصوص الكثيرة تنهى‬ ‫عن سب الريح أو الناقة أو الدهر ألن كل ذلك من الله‪.‬‬ ‫أما سب الزمان والدهر‪ ،‬الذي يعني تقلبات الحوادث‪ ،‬فقد ورد النهي عنه‬ ‫في أحاديث كثيرة قال ‪ (:‬قال الله عز وجل يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر‬ ‫بيدي األمر أقلب الليل والنهار)(‪ ،)1‬وقال ‪ (:‬ال تسموا العنب الكرم وال تقولوا‬ ‫خيبة الدهر فإن الله هو الدهر)(‪ ،)1‬وقال ‪ (:‬إن الله عز وجل قال استقرضت‬ ‫عبدي فلم يقرضني وسبني عبدي وال يدري يقول وادهراه وادهراه وأنا الدهر)‬

‫(‪)3‬‬

‫ونهى ‪ ‬عن سب الريح‪ ،‬وأخبر بأنها ال تتحرك حسب رغبتها‪ ،‬وإنما‬ ‫تتحرك بهدي الوحي اإللهي الذي يسير كل شيء‪ ،‬فقد روي أن رجال لعن الريح‬ ‫عند النبي ‪ ‬فقال‪ (:‬ال تلعن الريح فإنها مأمورة‪ ،‬وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل‬ ‫رجعت اللعنة عليه)‬

‫(‪)4‬‬

‫وعلمنا ‪ ‬الطريقة الصحيحة في التعامل معها‪ ،‬فقال ‪ (:‬الريح من روح‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه ابن جرير والحاكم‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه أبو داود والترمذي‪.‬‬

‫‪041‬‬


‫الله‪ ،‬فروح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فال تسبوها وسلوا الله‬ ‫خيرها واستعيذوا بالله من شرها)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد ذكر ‪ ‬عقوبة من يسب بعض هذه الكائنات التي ال تملك من أمر‬ ‫نفسها شيئا‪ ،‬وهي عدم جواز االنتفاع بها‪ ،‬فعن عائشة أنها ركبت جمال فلعنته‪،‬‬ ‫فقال لها النبي ‪ (:‬ال تركبيه)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي ذلك أبلغ التحذير من التطاول على خلق الله‪.‬‬ ‫بل إنه ال ينبغي احتقار حتى البعوض الذي قد يؤذينا بلسعه‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿:‬إِ َّن‬ ‫ال َّل َه ال َي ْست َْح ِيي َأ ْن َي ْض ِر َب َم َث ً‬ ‫وض ًة َف َما َف ْو َق َها ﴾ (البقرة‪)11 :‬‬ ‫ال َما َب ُع َ‬ ‫بل إن القرآن الكريم ينبه الذين يحتقرون بيت العنكبوت أن بيوتهم أوهن‪،‬‬ ‫ون ال َّل ِه َأولِياء كَم َث ِل ا ْلعنْ َكب ِ‬ ‫ِ‬ ‫َّخ ُذوا ِمن د ِ‬ ‫وت ات َ‬ ‫ين ات َ‬ ‫َّخ َذ ْت َب ْيت ًا‬ ‫َ ُ‬ ‫ْ ُ‬ ‫قال تعالى‪َ ﴿:‬م َث ُل ا َّلذ َ‬ ‫ْ َ َ َ‬ ‫وت َلبي ُت ا ْلعنْ َكب ِ‬ ‫وإِ َّن َأوهن ا ْلبي ِ‬ ‫وت َل ْو كَا ُنوا َي ْع َل ُم َ‬ ‫ون﴾ (العنكبوت‪)41:‬‬ ‫َ ُ‬ ‫َْ‬ ‫َ ْ َ َ ُُ‬ ‫وينبه الذين يحتقرون الذباب إلى ما يشير إليه من نواحي ضعفهم‪ ،‬قال‬ ‫ِ‬ ‫تعالى‪ ﴿:‬يا َأيها النَّاس ُض ِرب م َثل َف ِ‬ ‫ون ِمن د ِ‬ ‫ون ال َّل ِه َل ْن‬ ‫ين تَدْ ُع َ ْ ُ‬ ‫استَم ُعوا َل ُه إِ َّن ا َّلذ َ‬ ‫ُ‬ ‫َ ُّ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ َ‬ ‫اجت ََم ُعوا َل ُه َوإِ ْن َي ْس ُل ْب ُه ُم ُّ‬ ‫ف‬ ‫اب َش ْيئ ًا ال َي ْس َتن ِْق ُذو ُه ِمنْ ُه َض ُع َ‬ ‫الذ َب ُ‬ ‫َي ْخ ُل ُقوا ُذ َباب ًا َو َل ِو ْ‬

‫ِ‬ ‫وب﴾ (الحج‪)03:‬‬ ‫ب َوا ْل َم ْط ُل ُ‬ ‫ال َّطال ُ‬

‫ومن نتائج هذه النظرة السامية‪ :‬الراحة من منازعة األقدار اكتفاء ببتقدير الله‪:‬‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري في األدب‪ ،‬وأبو داود والحاكم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد وأبو يعلى‪.‬‬

‫‪040‬‬


‫وهي نتيجة مهمة‪ ،‬فإن العالم بتصريف الله للكائنات ال يحزن ما يحصل له‬ ‫منها‪ ،‬أو ما يفوته من منافعها‪ ،‬ألن سبب الحزن هو فوات المقدور عليه‪ ،‬أما ما يعتقد‬ ‫استحالته فإن نفس استحالته تعزيه عن عدم حصوله عليه‪.‬‬ ‫فلذلك ال يخاف مالك على ملكه‪ ،‬ما دام الله هو مؤتي الملك ونازعه‪ ،‬فإن‬ ‫أتى فبفضل الله‪ ،‬وإن ذهب فبقدرة الله‪ ،‬ولن تستطيع قوة في العالم نزعه أو تثبيته‪،‬‬ ‫قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ِل ال َّل ُه َّم َمالِ َك ا ْل ُم ْل ِك ُت ْؤتِي ا ْل ُم ْل َك َم ْن ت ََشا ُء َو َتن ِْز ُع ا ْل ُم ْل َك ِم َّم ْن ت ََشا ُء‬ ‫َو ُت ِع ُّز َم ْن ت ََشا ُء َو ُت ِذ ُّل َم ْن ت ََشا ُء بِ َي ِد َك ا ْل َخ ْي ُر إِن ََّك َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء َق ِدير﴾ (آل‬ ‫عمران‪)11:‬‬ ‫وال يخاف على رزقه ما دام الله هو الرازق قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل َم ْن َي ْر ُز ُق ُك ْم ِم َن‬ ‫ِ‬ ‫ض َأمن يم ِل ُك السمع و ْاألَبصار ومن ي ْخ ِرج ا ْلحي ِمن ا ْلمي ِ‬ ‫ت َو ُي ْخ ِر ُج‬ ‫َّ ْ َ َ ْ َ َ َ َ ْ ُ ُ َ َّ َ َ ِّ‬ ‫الس َماء َو ْاألَ ْر ِ َّ ْ َ ْ‬ ‫َّ‬ ‫ون ال َّل ُه َف ُق ْل َأ َفال َت َّت ُق َ‬ ‫ا ْل َم ِّي َت ِم َن ا ْل َح ِّي َو َم ْن ُيدَ ِّب ُر ْاألَ ْم َر َف َس َي ُقو ُل َ‬ ‫ون﴾ (يونس‪)31:‬‬ ‫وال يخاف الضر‪ ،‬وال يرجو النفع من غيره‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل ال َأ ْم ِل ُك لِنَ ْف ِسي‬ ‫َض ّر ًا َوال َن ْفع ًا إِ َّال َما َشا َء ال َّل ُه ل ِ ُك ِّل ُأ َّم ٍة َأ َجل إِ َذا َجا َء َأ َج ُل ُه ْم َفال َي ْس َت ْأ ِخ ُر َ‬ ‫اع ًة َوال‬ ‫ون َس َ‬ ‫َي ْس َت ْق ِد ُم َ‬ ‫ون﴾ (يونس‪)49:‬‬

‫وهكذا في جميع شؤون حياته‪ ..‬قال الغزالي مبينا التأثير النفسي لهذه‬ ‫المعارف‪ ..(:‬أن ينكشف لك أن ال فاعل إال الله تعالى‪ ،‬وأن كل موجود من خلق‬ ‫ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم‬ ‫فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله عز وجل ال شريك له فيه‪ ،‬وإذا انكشف لك هذا‬

‫‪042‬‬


‫لم تنظر إلى غيره‪ ،‬بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك‪ ،‬فإنه‬ ‫ذرة‬ ‫الفاعل على االنفراد دون غيره‪ ،‬وما سواه مسخرون ال استقالل لهم بتحريك ّ‬ ‫من ملكوت السموات واألرض‪ ،‬وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا‬ ‫اتضاح ًا أتم من المشاهدة بالبصر)‬

‫(‪)1‬‬

‫وهذه المعارف إذا انصبغ بها كيان اإلنسان وتوحد قلبه عند النظر للكون أو‬ ‫التعامل معه هو الكفيل الوحيد بتحقيق الراحة والسعادة والطمأنينة‪.‬‬ ‫ألن مصدر القلق واالضطراب هو الشتات الذي يحصل في اإلنسان نتيجة‬ ‫رؤية األشياء قائمة بذاتها‪ ،‬فتتوزع في نفسه الرغبة منها أو الرهبة‪ ،‬وهي متناقضة‬ ‫مختلفة‪ ،‬فيحصل فيه من التناقض بحسبما في األشياء من تناقض‪.‬‬ ‫أما إذا رآها جميعا بيد الله‪ ،‬فإن قلبه يتوحد مع الله‪.‬‬ ‫ومن نتائج هذه النظرة السامية‪ :‬اللجوء إلى الله ال إلى الكون‪ ،‬وطلب األشياء‬ ‫من الله ال من األشياء‪ ،‬فالله هو المتصرف ال األشياء‪.‬‬ ‫ومن الحماقة أن نترك اآلمر ونتوجه إلى المأمور‪ ،‬وقد ذكر الغزالي مثاال يبين‬ ‫تهافت الذين ينسبون األشياء إلى ما يتوهمونه‪ ،‬ثم يلجؤون إليه بضراعة والرجاء‬ ‫بقوله‪ (:‬فالتفات العبد في النجاة إلى الريح يضاهي التفات من أخذ لتحز رقبته‬ ‫فكتب الملك توقيع ًا بالعفو عنه وتخليته‪ ،‬فأخذ يشتغل بذكر الحبر والكاغد والقلم‬ ‫الذي به كتب التوقيع يقول‪ :‬لوال القلم لما تخلصت‪ ،‬فيرى نجاته من القلم ال من‬

‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬

‫‪043‬‬


‫محرك القلم وهو غاية الجهل)‬ ‫ّ‬

‫(‪)1‬‬

‫ولهذا وردت النصوص الكثيرة تدعونا إلى طلب منافع الكون من الله‪ ،‬ولو‬ ‫كانت هذه المنافع مما ننسبه إلى أنفسنا أو ننسبه إلى الطبيعة‪.‬‬ ‫ففي الوقت الذي يستسقي فيها الجاهلون باألنواء‪ ،‬أو يقولون ما يقول قوم‬ ‫هود حين رأوا سحاب العذاب‪ ،‬مما قصه علينا الله تعالى‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ف َل َّما َر َأ ْو ُه‬ ‫َع ِارض ًا ُم ْس َت ْقبِ َل َأ ْو ِد َيتِ ِه ْم َقا ُلوا َه َذا َع ِارض ُم ْمطِ ُرنَا َب ْل ُه َو َما ْاس َت ْع َج ْل ُت ْم بِ ِه ِريح فِ َيها‬

‫َع َذاب َألِيم﴾ (االحقاف‪)14:‬‬

‫في ذلك الوقت يتوجه المؤمنون إلى الله رب المطر ومنزله بالدعاء‬ ‫والعبودية‪ ،‬وقد وردت صيغ رقيقة عميقة في االستسقاء تبين الروح التي يتعامل بها‬ ‫المؤمن مع األشياء والحوادث‪.‬‬ ‫َ‬ ‫قحوط المطر‪ ،‬فأمر بمنبر‬ ‫منها ما روي أن الناس شكوا إلى رسول ال ّله ‪‬‬ ‫الناس يوم ًا يخرجون فيه‪ ،‬فخرج رسول الله ‪ ‬حين‬ ‫فوضع له في المصلى‪ ،‬ووعد َ‬ ‫بدا حاجب الشمس‪ ،‬فقعد على المنبر فكبر وحمد الله عزوجل‪ ،‬ثم قال‪( :‬إنكم‬ ‫شكوتم جدب دياركم‪ ،‬واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم‪ ،‬وقد أمركم الله‬ ‫سبحانه أن تدعوه‪ ،‬ووعدكم أن يستجيب لكم)‪ ،‬ثم قال‪( :‬الحمد لله رب العالمين‪،‬‬ ‫الرحمن الرحيم‪ ،‬مالك يوم الدين‪ ،‬ال إله إال الله يفعل ما يريد‪ ،‬اللهم أنت الله ال إله‬ ‫أنت الغني ونحن الفقراء‪ ،‬أنزل علينا الغيث‪ ،‬واجعل ما أنزلت لنا قوة وبالغا إلى‬

‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬

‫‪044‬‬


‫حين)‬ ‫ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه‪ ،‬ثم حول إلى الناس‬ ‫ظهره وقلب‪ ،‬أو حول رداءه وهو رافع يديه‪ ،‬ثم أقبل على الناس ونزل فصلى‬ ‫ركعتين‪.‬‬ ‫وكانت نتيجة هذا الدعاء‪ ،‬وما اشتمل عليه من مظاهر الذلة لله تعالى ما نصت‬ ‫عليه الرواية‪ (:‬فأنشأ الله تعالى سحابة‪ ،‬فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى‪،‬‬ ‫فلم يأت مسجده حتى سالت السيول‪ ،‬فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك ‪‬‬ ‫حتى بدت نواجذه‪ ،‬فقال‪ (:‬أشهد أن الله على كل شيء قدير‪ ،‬وأني عبد الله‬ ‫ورسوله)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومثلما طلب ‪ ‬السقيا من الله طلب الصحو من الله‪ ،‬فقد روي أنه لما كثر‬ ‫المطر سألوه اإلستصحاء فاستصحى لهم وقال‪ (:‬اللهم حوالينا وال علينا اللهم‬ ‫على اآلكام والجبال والظراب وبطون األودية ومنابت الشجر)‬

‫(‪)1‬‬

‫وكان ‪ ‬إذا رأى مطرا قال‪ (:‬اللهم صيبا نافعا)(‪ ،)3‬وكان يحسر ثوبه حتى‬ ‫يصيبه من المطر‪ ،‬فسئل عن ذلك‪ ،‬فقال‪ (:‬ألنه حديث عهد بربه)‬

‫(‪)4‬‬

‫ويروى أنه كان إذا سال السيل قال‪ (:‬اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله‬

‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪ ،‬وقال‪ :‬حديث غريب‪ ،‬وإسناده جيد‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن ماجة‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه البخاري‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه مسلم وأبو داود والبخاري في األدب المفرد‪.‬‬

‫‪045‬‬


‫طهورا فنتطهر منه‪ ،‬ونحمد الله عليه)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومثل اللجوء إلى الله في االستسقاء وطلب المنافع التي أودعها الله المطر‪،‬‬ ‫اللجوء إلى الله في جميع المنافع‪ ،‬وحمد الله عند حصول كل خير‪.‬‬ ‫فقد كان رسول الله ‪ ‬إذا طلعت الشمس قال‪ (:‬الحمد لله الذي جللنا اليوم‬ ‫عافيته‪ ،‬وجاء بالشمس‪ ،‬من مطلعها‪ ،‬اللهم أصبحت أشهد لك بما شهدت به‬ ‫لنفسك‪ ،‬وشهدت به مالئكتك وحملة عرشك وجميع خلقك إنك أنت الله ال إله‬ ‫إال أنت القائم بالقسط‪ ،‬ال إله إال أنت العزيز الحكيم‪ ،‬اكتب شهادتي بعد شهادة‬ ‫مالئكتك وأولي العلم‪ ،‬اللهم أنت السالم ومنك السالم وإليك السالم‪ ،‬أسألك يا‬ ‫ذا الجالل واإلكرام أن تستجيب لنا دعوتنا‪ ،‬وأن تعطينا رغبتنا‪ ،‬وأن تغنينا عمن‬ ‫أغنيته عنا من خلقك‪ ،‬اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري‪ ،‬وأصلح لي‬ ‫دنياي التي فيها معيشتي‪ ،‬وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي)‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ 1‬ـ السالم‪:‬‬ ‫تكاد كل النعم المسخرة في الكون تقول لإلنسان‪ (:‬أنا بين يديك‪ ..‬أنا رهن‬ ‫إشارتك‪ ..‬أنا مخلوق لخدمتك)‬ ‫أو تقول ما قاله بديع الزمان‪ ،‬وهو يعبر عن خطاب الشمس لنا‪ ،‬وترحيبها‬ ‫ال بكم‪ .‬فقد حللتم أه ً‬ ‫ال وسه ً‬ ‫بنا‪ (:‬يا إخوتي ال تستوحشوا مني وال تضجروا! فأه ً‬ ‫ال‬

‫(‪ )1‬رواه الشافعي والبيهقي مرسال‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أحمد ورجاله ثقات‪.‬‬

‫‪046‬‬


‫ونزلتم سهالً‪ .‬أنتم أصحاب المنزل‪ ،‬وأنا المأمور المكلف باإلضاءة لكم‪ ،‬أنا مثلكم‬ ‫فعلي‬ ‫خادم مطيع‬ ‫سخرني األحد الصمد لالضاءة لكم‪ ،‬بمحض رحمته وفضله‪ّ .‬‬ ‫ّ‬ ‫االضاءة والحرارة وعليكم الدعاء والصالة)‬

‫(‪)1‬‬

‫وهكذا يخاطبنا كل شيء بلسان حاله‪ ( ،‬فيا هذا ه ّ‬ ‫ال نظرت إلى القمر‪ ..‬إلى‬ ‫النجوم‪ ..‬إلى البحار‪ ..‬كل يرحب بلسانه الخاص ويقول‪ :‬حياكم وبياكم‪ .‬فأه ً‬ ‫ال‬ ‫وسه ً‬ ‫ال بكم)‬ ‫وهكذا تخاطبنا كل األشياء رافعة ألوية السالم‪ ،‬فتسخير الله للكون تسخير‬ ‫مصحوب بالسالم‪.‬‬ ‫وال ينبغي أن يحجبنا ما قد يمر بنا من المتاعب والمشاق عن رؤية سالم‬ ‫الكون‪ ،‬فهي متاعب يقتضيها البالء‪ ،‬وهي متاعب بسيطة بجنب الثمرات‬ ‫والمصالح المتحققة‪.‬‬ ‫والمؤمن ينظر إلى الكون‪ ،‬وما سخر له فيه بهذه النظرة‪ ،‬فهو يتعامل مع كون‬ ‫سخر له‪ ،‬ال كون معاند يحتاج فيه إلى الصراع معه من أجل تحقيق مصالحه‪.‬‬ ‫وهذه النظرة تخالف نظرة الكافر الجاحد‪ ،‬الذي يمتلئ كبرا وغرورا‪،‬‬ ‫فيتصور أنه مصارع عنيف‪ ،‬فلذلك يفرض وجوده على هذه األرض بجهده وحيلته‬ ‫وقوته‪ ،‬ويقول ـ كما عبر القرآن الكريم على لسان قارون ـ‪ ﴿:‬إِن ََّما ُأوتِي ُت ُه َع َلى ِع ْل ٍم‬ ‫ِعن ِْدي ﴾ (القصص‪ )04 :‬فلذلك رد عليه تعالى مكمال‪َ ﴿:‬أ َو َل ْم َي ْع َل ْم َأ َّن ال َّل َه َقدْ‬ ‫(‪ )1‬الكلمة الثالثة والثالثون‪.‬‬

‫‪047‬‬


‫َأه َل َك ِمن َقب ِل ِه ِمن ا ْل ُقر ِ‬ ‫ون َم ْن ُه َو َأ َشدُّ ِمنْ ُه ُق َّو ًة َو َأ ْك َث ُر َج ْمع ًا َوال ُي ْس َأ ُل َع ْن ُذ ُنوبِ ِه ُم‬ ‫ْ‬ ‫ْ ْ‬ ‫َ ُ‬ ‫ا ْل ُم ْج ِر ُم َ‬ ‫ون ﴾ (القصص‪ )04 :‬فهل علمه من القصور ما جعله ال يمتد إلى معرفة‬ ‫مصاير القرى الهالكة‪ ،‬ليرى أسباب هالكها؟‬ ‫ومثل قارون من أنعم الله عليه بنعمة العافية بعد البالء‪ ،‬فينسى المبتلي‬ ‫والمعافي‪ ،‬ال يذكر إال نفسه‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬فإِ َذا مس ْ ِ‬ ‫األن َْس َ‬ ‫ان ُض ٌّر َد َعانَا ُث َّم إِ َذا َخ َّو ْلنَا ُه‬ ‫َ َّ‬ ‫نِ ْع َم ًة ِمنَّا َق َال إِن ََّما ُأوتِي ُت ُه َع َلى ِع ْل ٍم َب ْل ِه َي فِ ْتنَة َو َل ِك َّن َأ ْك َث َر ُه ْم ال َي ْع َل ُم َ‬ ‫ون﴾‬ ‫(الزمر‪)49:‬‬ ‫وهكذا اإلنسان الثامل بخمرة العلم الحديث‪ ،‬والساجد أمام وثن العقل‬ ‫يتصور أنه يصارع الطبيعة‪ ،‬ويغلبها غلبة األبطال‪.‬‬ ‫وفي مقابل ذلك نجد القرآن الكريم يصور النعم المستسخرة بصورة الهدايا‬ ‫المقدمة على أطباق‪ ،‬ومعها ختم المهدي‪ ،‬فالله تعالى صور ـ مثال ـ األرض بصورة‬ ‫المركب الذلول‪ ،‬المحتوية على كل المنافع‪ ،‬فقال تعالى‪ُ ﴿:‬ه َو ا َّل ِذي َج َع َل َل ُك ُم‬ ‫ِِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ور﴾ (الملك‪)15:‬‬ ‫ْاألَ ْر َض َذ ُلوالً َفا ْم ُشوا في َمنَاكبِ َها َو ُك ُلوا م ْن ِر ْزقه َوإِ َل ْيه الن ُُّش ُ‬ ‫فاآلية تصف األرض بكونها ذلوال‪ ،‬وهذا الوصف يطلق عادة على الدابة‪،‬‬ ‫ليصور في األذهان ويغرس في العقول والقلوب ( أن هذه األرض التي نراها ثابتة‬ ‫مستقرة ساكنة‪ ،‬هي دابة متحركة‪ ..‬بل رامحة راكضة مهطعة(‪ ،)1‬وهي في الوقت‬ ‫(‪)1‬‬

‫فاألرض تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة‪ ،‬ثم تدور مع هذا حول الشمس بسرعة حوالي خمسة‬

‫وستين ألف ميل في الساعة‪ .‬ثم تركض هي والشمس والمجموعة الشمسية كلها بمعدل عشرين ألف ميل في الساعة‪ ،‬مبتعدة‬ ‫نحو برج الجبار في السماء‪ ..‬ومع هذا الركض كله يبقى اإلنسان على ظهرها آمنا مستريحا مطمئنا معافى ال تتمزق أوصاله‪،‬‬

‫‪048‬‬


‫ذاته ذلول ال تلقي براكبها على ظهرها‪ ،‬وال تتعثر خطاها‪ ،‬وال تخضه وتهزه وترهقه‬ ‫كالدابة غير الذلول‪ ،‬ثم هي دابة حلوب مثلما هي ذلول!)‬

‫(‪)1‬‬

‫بينما يصورها الجاحدون في صورة الدابة الرامحة الراكضة التي تحتاج‬ ‫فارسا قويا مثل فرسان رعاة البقر ليقوم بترويض جماحها على نغمات تصفيق‬ ‫المعجبين‪.‬‬ ‫ولهذا نجد في القرآن الكريم روعة التعبير عن الكون المسخر‪ ،‬بخالف تعبير‬ ‫العلوم الحديثة‪ ،‬والتي كان تقهقرها في فلسفة ما اكتشفته من معارف مساويا‬ ‫لتقدمها في اكتشافاتها واختراعاتها‪.‬‬ ‫وقد عقد النورسي هذه المقارنة بين التعبير القرآني في وصف الشمس في‬ ‫الشمس سراج ًا ﴾ (نوح‪ ،)11:‬وبين التعبير العلمي الحديث‬ ‫قوله تعالى‪َ ﴿:‬و َج َع َل‬ ‫َ‬ ‫الجاف‪ ،‬فقال عن التعبير القرآني‪ (:‬في تعبير السراج تصوير العالم بصورة قصر‪،‬‬ ‫وتصوير األشياء الموجودة فيه في صورة لوازم ذلك القصر‪ ،‬ومز ّيناته‪ ،‬ومطعوماته‬ ‫أحضرتها لضيوفه وخدّ امه يدُ كري ٍم‬ ‫لسكان القصر ومسافريه‪ ،‬واحساس أنه قد َ‬ ‫َّ‬ ‫منور‪ .‬ففي تعبير السراج تنبيه الى‬ ‫الشمس إالّ مأمور‬ ‫رحيم‪ ،‬وما‬ ‫مسخر وسراج َّ‬ ‫ُ‬ ‫واحساس كرمه‬ ‫رحمة الخالق في عظمة ربوبيته‪ ،‬وافها ُم إحسانه في سعة رحمته‪،‬‬ ‫ُ‬

‫وال تتناثر أشالؤه‪ ،‬بل ال يرتج مخه وال يدوخ‪ ،‬وال يقع مرة عن ظهر هذه الدابة الذلول‪ ..‬انظر ما يشير إلى هذه الحركات من‬ ‫القرآن الكريم في رسالة (معجزات علمية)‬ ‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.‬‬

‫‪049‬‬


‫في عظمة سلطنته)‬

‫(‪)1‬‬

‫أما العلم الحديث فيعرف الشمس بأنها ( كتلة عظيمة من المائع الناري تدور‬ ‫حول نفسها في مستقرها‪ ،‬تطايرت منها شرارات وهي أرضنا وسيارات أخرى‬ ‫فتدور هذه االجرام العظيمة المختلفة في الجسامة‪ ..‬ضخامتها كذا‪ ..‬ماهيتها‬ ‫كذا‪)..‬‬ ‫غير الحيرة‬ ‫وعقب على هذه المقارنة بقوله‪ (:‬فانظر ماذا أفادتك هذه المسألة َ‬ ‫المدهشة والدهشة الموحشة‪ ،‬فلم ُت ِفدْ ك كماالً علمي ًا وال ذوق ًا روحي ًا وال غاية‬ ‫إنسانية وال فائدة دينية)‬ ‫وعلى هذا تقاس جميع التعبيرات القرآنية المتعلقة بالكون المسخر‪ ،‬ولذلك‬ ‫من الجهل العظيم ما أنكره بعضهم من أن القرآن الكريم ال يتكلم عن الكائنات من‬ ‫الزاوية التي يسمونها علما‪ ،‬ويقصرون العلم عليها‪ ،‬قال النورسي‪ (:‬فقس على هذا‬ ‫ظاهرها مزخرفة وباطنُها جهالة فارغة‪ ،‬فال‬ ‫لتقدّ ر قيمة المسائل الفلسفية التي‬ ‫ُ‬ ‫يغرنك تشعشع ظاهرها و ُت ِ‬ ‫عرض عن بيان القرآن المعجز)‬ ‫ّ‬ ‫***‬ ‫والنظرة المسالمة للكون‪ ،‬أو شعورنا بأن الكون مسالم لنا يدعونا إلى احترام‬ ‫هذا السالم‪ ،‬فال نبادله بالحرب‪ ،‬وال نتعامل معه وفق ما يمليه الصراع‪.‬‬ ‫ولهذا ورد في النصوص الحث على رحمة الكائنات‪ ،‬ومحبتها في الله‪،‬‬

‫(‪ )1‬انظر‪ :‬المكتوب التاسع عشر‪ ،‬النورسي‪.‬‬

‫‪051‬‬


‫وأخذ ما نأخذ منها باسم الله‪.‬‬ ‫وقد ورد فيها ما يرغب في الجزاء الذي أعد للتعامل المسالم مع الكائنات‪،‬‬ ‫وما يرهب في نفس الوقت من التعامل معها كما يتعامل معها المصارعون‪:‬‬ ‫فقد جاء رجل إلى رسول الله ‪ ‬فقال‪ (:‬إني أنزع في حوضي حتى إذا م أته‬ ‫ألهلي ورد علي البعير لغيري فسقيته‪ ،‬فهل لي في ذلك من أجر‪ ،‬فقال رسول الله‬ ‫‪ (:‬في كل ذات كبد حرى أجر)‬

‫(‪)1‬‬

‫وجاء رجل آخر‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول إن الضالة ترد على حوضي فهل لي فيها‬ ‫من أجر إن سقيتها؟ قال‪ (:‬أسقها‪ ،‬فإن في كل ذات كبد حراء أجرا ً)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي حديث آخر قال رسول الله ‪ (:‬بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه‬ ‫الحر‪ ،‬فوجد بئرا ًفنزل فيها فشرب‪ ،‬ثم خرج‪ ،‬فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من‬ ‫العطش‪ ،‬فقال الرجل‪ :‬لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني‪ ،‬فنزل‬ ‫البئر فم أ خفه ماء‪ ،‬ثم أمسكه بفيه حتى رقي‪ ،‬فسقى الكلب‪ ،‬فشكر الله له‪ ،‬فغفرله‪،‬‬ ‫قالوا‪:‬يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرا ً؟ فقال‪ :‬في كل كبد رطبة أجر)‬

‫(‪)3‬‬

‫وأخبر ‪ ‬أن الله تعالى غفر لمومس مرت بكلب يلهث كاد يقتله العطش‪،‬‬ ‫فنزعت خفها‪ ،‬فأوثقته بخمارها‪ ،‬فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك(‪.)4‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن حبان في صحيحه‪ ،‬ورواه ابن ماجة والبيهقي‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه لبخاري‪ ،‬ومسلم‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه مسلم‪.‬‬

‫‪050‬‬


‫وفي حديث آخر‪ ،‬أن رسول الله ‪ ‬قال‪ (:‬الخيل لثالثة‪ :‬لرجل أجر‪ ،‬ولرجل‬ ‫ستر‪ ،‬وعلى رجل وزر‪ .‬فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال في مرج‬ ‫أو روضة فما أصابت في طلبها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات‪ ،‬ولو‬ ‫أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت أرواؤها وأثارها حسنات له‪ ،‬ولو‬ ‫أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له‪)..‬‬

‫(‪)1‬‬

‫والجزاء على اإلحسان للكائنات ال يقتصر على الجزاء األخروي‪ ،‬بل هو‬ ‫جزاء يشمل الدنيا واآلخرة‪ ،‬قال مطرف بن عبدالله‪ (:‬إن الله ليرحم برحمة‬ ‫العصفور)‬ ‫وقد ذكر الشعراني واقعة حدثت له تشير إلى هذا‪ ،‬قال‪ (:‬مما وقع لي أن‬ ‫زوجتي فاطمة القصبية أم ولدي عبدالرحمن نزل عليها حادر وأشرفت على‬ ‫الموت وغابت عن إحساسها وصاحت أمها وأهل الدار عليها حين رأوا أمارات‬ ‫الموت فحصل عندي كرب شديد ألجلها من جهة موافقتها للمزاج ودينها وخيرها‬ ‫فإذا بقائل يقول لي‪ (:‬ادخل مجاز الخالء تجد ذبابة في شق سحبها ضبع الذباب‬ ‫وهي صائحة يريد أكلها فخلصها ونحن نخلص لك زوجتك)‪ ،‬فدخلت ونظرت‬ ‫إلى الشق‪ ،‬فسمعت صياح الذبابة فوجدت الشق ضيقا ال يسع األصبع فأدخلت‬ ‫عودا برفق واستخرجتها وخلصتها من ضبع الذباب‪ ،‬فأفاقت أم عبدالرحمن في‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪052‬‬


‫الحال‪ ،‬وزغردت أمها‪ ،‬هذا أمر وقع لي)‬

‫(‪)1‬‬

‫وما ذكره الشعراني ليس مستغربا‪ ،‬وقد قال ‪ (:‬من ال يرحم من في األرض‬ ‫ال يرحمه من في السماء)‪ ،‬وهو يشير إلى أن الرحمة بالخلق هي العين التي تتدفق‬ ‫منه رحمة الله بالعبد‪ ،‬وقد روي من ذلك أيضا عن بعضهم أنه رؤي في المنام فقيل‬ ‫له‪ :‬ما فعل ال ّله بك قال‪ :‬غفر لي ورحمني‪ ،‬وسببه أني مررت بشارع بغداد في مطر‬ ‫شديد فرأيت هرة ترعد من البرد فرحمتها وجعلتها بين أثوابي)‬ ‫***‬ ‫وبمثل ما رغبت النصوص في هذه الخدمات ذاكرة أنواع الجزاء المرتبطة‬ ‫بها‪ ،‬رهبت من عكسها ترهيبا شديدا يبين خطورة تعامل المصارعين مع هذه‬ ‫المخلوقات‪.‬‬ ‫ففي الحديث‪ ،‬قال رسول الله ‪ (:‬عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم‬ ‫تسقها‪ ،‬ولم تتركها تأكل من خشاش األرض)‬

‫(‪)1‬‬

‫وصور ‪ ‬ذلك تصويرا مخيفا‪ ،‬فقال‪ (:‬دنت مني النار حتى قلت‪ :‬أي رب‬ ‫وأنا معهم‪ ،‬فإذا امرأة حسبت أنه قال‪ :‬تخدشها هرة _‪ :‬قال ما شأن هذه؟ قالوا‪:‬‬ ‫حبستها حتى ماتت جوعا)‬

‫(‪)3‬‬

‫وربط رسول الله ‪ ‬لعذاب هذه المرأة بتعذيب الهرة يدل على أنه سبب‬ ‫(‪ )1‬العهود المحمدية‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه البخاري‪.‬‬

‫‪053‬‬


‫تعذيبها‪ ،‬ال كونها كافرة‪ ،‬وهذا ما حمل النووي على قوله في شرح هذا الحديث‪(:‬‬ ‫إن المرأة كانت مسلمة وإنها دخلت النار بسببها‪ ،‬وهذه المعصية ليست صغيرة بل‬ ‫صارت بإصرارها كبيرة)‬

‫(‪)1‬‬

‫ونحن ال نرى في الحديث ما يدل على كونها مسلمة أو غير مسلمة‪ ،‬ولكن‬ ‫الحديث يشير إلى ما هو أعمق من ذلك‪ ..‬وهو أن هذا السلوك يستوجب العقوبة‬ ‫بغض النظر عن كون من سلك هذا السلوك مسلما أو غير مسلم(‪ ،)1‬بلغته الرسالة‬ ‫أو لم تبلغه‪ ،‬ألن الرحمة المرتبطة بهذا مندرجة في البرمجة اإللهية للفطرة‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬ولذلك يؤاخذ مخالفها سواء بلغته الرسالة أو لم تبلغه(‪.)3‬‬ ‫باإلضافة إلى ما أخبر به ‪ ‬من اقتصاص الحيوانات من بعضها بعضا يوم‬ ‫القيامة‪ ..‬فإن كان ذلك كذلك‪ ،‬فالبشر ـ بما أعطوا من طاقات ـ أولى بأن يحاسبوا‪.‬‬ ‫***‬ ‫والنصوص المقدسة لم تكتف بهذه التوجيهات التي قد ال تجد من غالظ‬ ‫القلوب من ال يهتم لها‪ ،‬ولذلك شرعت التشريعات المختلفة التي تحفظ حرمة‬ ‫(‪ )1‬شرح النووي على مسلم‪.49/9:‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫مع صراحة الحديث في كون العذاب بسبب الهرة‪ ،‬إال أن البعض حاول تأويله‪ ،‬قال القاضي‪ (:‬في هذا الحديث‬

‫المؤاخذة بالصغائر‪ ،‬قال‪ :‬وليس فيه أنها عذبت عليها بالنار)‪ ،‬ثم برر ما صرح به الحديث من كونها في النار بقوله‪ (:‬ويحتمل‬ ‫أنها كانت كافرة فزيد في عذابها بذلك)( النووي على مسلم‪).170/1 :‬‬ ‫وهذا مخالف لما ورد في الحديث‪ ،‬قال النووي بعد حكاية كالمه‪ (:‬هذا كالمه وليس بصواب‪ ،‬بل الصواب المصرح به‬ ‫في الحديث أنها عذبت بسبب الهرة‪ ،‬وهو كبيرة ألنها ربطتها وأصرت على ذلك حتى ماتت‪ ،‬واإلصرار على الصغيرة يجعلها‬ ‫كبيرة كما هو مقرر في كتب الفقه وغيرها‪ ،‬وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة (النووي على مسلم‪)170/1 :‬‬ ‫(‪ )3‬انظر في تفاصيل أدلة هذا في رسالة (أسرار األقدار)‬

‫‪054‬‬


‫هذه الكائنات‪ ،‬والتي تخول لولي األمر من خاللها أن يمارس ما يراه من عقوبات‬ ‫زاجرة‪.‬‬ ‫وهذه ميزة هامة في اإلسالم‪ ،‬من حيث عدم اكتفائه بالتوجيهات دون‬ ‫التشريعات‪ ..‬ول أسف ال زال يتولى مهمة الرفق بالحيوان في عصرنا هذا‬ ‫جمعيات خيرية ليس لها أي سلطة ردعية‪.‬‬ ‫ومن التشريعات التي شرعها اإلسالم‪ ،‬والمرتبطة بعالم الحيوان تحريم‬ ‫تصبير البهائم‪ ،‬وهو أن تحبس لترمى حتى تموت‪ ،‬ففي الحديث‪ :‬نهى النبي ‪‬‬ ‫عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل(‪.)1‬‬ ‫ومثل ذلك تحريم المثلة‪ ،‬وهي قطع أطراف الحيوان‪ ،‬ففي الحديث‪( :‬لعن‬ ‫النبي ‪ ‬من م ّثل بالحيوان)‬

‫(‪)1‬‬

‫واللعن من أخطر صيغ التحريم‪ ،‬والتحريم يقتضي العقاب‪ ،‬والعقاب أثر من‬ ‫آثار الجريمة‪ ،‬وهذا يعني‪ :‬أن اإلساءة إلى الحيوان وتعذيبه وعدم الرفق به يعتبر‬ ‫جريمة في نظر الشريعة اإلسالمية‪.‬‬ ‫ومثل ذلك ورد النهي عن كي الحيوان لغير غرض صحي‪ ،‬واألحاديث في‬ ‫النهي عن الكي في الوجه كثيرة‪.‬‬ ‫مر على حمار قد وسم في وجهه فقال‪ (:‬لعن الله الذي‬ ‫فقد روي أن النبي ‪ّ ‬‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري‪ ،‬وقال العقيلي‪( :‬جاء في النهي عن صير البهيمة أحاديث جياد)‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري‪.‬‬

‫‪055‬‬


‫وسمه)(‪ ،)1‬وفي رواية له‪ (:‬نهى رسول الله ‪ ‬عن الضرب في الوجه وعن الوسم‬ ‫في الوجه)‬ ‫وفي حديث آخر ًعن جنادة بن جراد قال‪ :‬أتيت النبي ‪ ‬بإبل قد وسمتها في‬ ‫أنفها‪ ،‬فقال رسول الله ‪ (:‬يا جنادة فما وجدت عضوا تسمه إال في الوجه أما إن‬ ‫أمامك القصاص) فقال‪ :‬أمرك إليها يا رسول الله(‪.)1‬‬ ‫مر حمار برسول الله ‪ ‬قد كوي‬ ‫وفي حديث آخر عن جابر بن عبد الله قال‪ّ :‬‬ ‫وجهه يفور منخراه من دم‪ ،‬فقال رسول الله ‪ (:‬لعن الله من فعل هذا)‪ ،‬ثم نهى‬ ‫عن الكي في الوجه والضرب في الوجه(‪.)3‬‬ ‫ومثل ذلك ورد النهي عن خصاء البهائم‪ ،‬ففي الحديث أن رسول الله ‪‬‬ ‫نهى أن يخصى اإلبل والبقر والغنم والخيل‪..‬‬ ‫ومما يلحق بهذا الباب تحريم كل لهو ال هدف له إال العبث بهذه العوالم‬ ‫التي أمرنا برحمتها واحترامها‪ ،‬وقد روي في الحديث‪ (:‬نهى رسول الله ‪ ‬عن‬ ‫التحريش بين البهائم)‬

‫(‪)4‬‬

‫ًعج إلى الله يوم القيامة‬ ‫وفي حديث آخر‪ ،‬قال ‪ (:‬من قتل عصفورا عبثا ّ‬

‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه الطبراني‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه الترمذي ًوصححه‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه أبو داود والترمذي‪.‬‬

‫‪056‬‬


‫يقول‪ :‬يا رب إن فالنا قتلني عبثا ًولم يقتلني منفعة)‬

‫(‪)1‬‬

‫ويحكي في ذلك بعض الصحابة قال‪ :‬كنا مع النبي ‪ ‬في سفر‪ ،‬فانطلق‬ ‫حمرة معها فرخان‪ ،‬فأخذنا فرخيها‪ ،‬فجاءت الحمرة فجعلت‬ ‫لحاجته‪ ،‬فرأينا ّ‬ ‫تعرش‪ ،‬فلما جاء رسول الله قال‪ (:‬من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)‬

‫(‪)1‬‬

‫ويدخل في هذا الباب تحريم جميع الممارسات التي تنظر لها الحضارة‬ ‫الحديثة على أنها تقاليد‪ ،‬وتحسب أن ذلك كاف إلعطاء بعد شرعي لها‪ ،‬ومنها‬ ‫تعذيب الحيوانات بإغراء بعضها على بعض وتهييجها‪ ،‬كمصارعة الثيران‪،‬‬ ‫ومصارعة الديكة‪ ،‬والكباش ونحو ذلك‪ ،‬أو نصبها غرضا ًللرماية والصيد‪ ،‬أو قتلها‬ ‫بدون فائدة وال منفعة‪.‬‬ ‫***‬ ‫ومما ورد النهي عنه إرهاق الحيوانات بالعمل الشاق‪ ،‬أو التعامل القاسي‬ ‫معها‪ ،‬ما ذكره رسول الله ‪ ‬من كيفية وضع الحمل عليها‪ ،‬مما يكون عونًا لها على‬ ‫السير‪ ،‬وتخصيص كل دابة بما تطيقه‪ ،‬والمبادرة ِّ‬ ‫الرحال عن النزول عنها‪،‬‬ ‫لحل ِّ‬ ‫وتقديم علفها على أكل صاحبها‪ ،‬وكذا المباردة إلى سقيها‪ ،‬كل ذلك شفقة عليها‬ ‫وإبقاء لها(‪.)3‬‬

‫(‪ )1‬رواه النسائي وابن حبان في صحيحه‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪.‬‬ ‫(‪)3‬‬

‫انظر في هذا‪ :‬تحرير الجواب عن ضرب الدَّ واب‪ ،‬للشيخ العالمة محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي‬

‫(‪)971-431‬‬

‫‪057‬‬


‫ففي الحديث قال رسول الله ‪ (:‬أخروا األحمال‪ ،‬فإن اليد مغلقة‪ ،‬والرجل‬ ‫موثقة)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي حديث آخر عن عائشة قالت‪ (:‬خرجت مع رسول الله ‪ ‬في حجة‬ ‫الوداع‪ ،‬وخرج معه نساؤه‪ ،‬وكان متاعي فيه خف‪ ،‬وهو على جمل ناج‪ ،‬وكان متاع‬ ‫صفية في ثِقل‪ ،‬وهو على جمل ثِفال َبطيء‪َ ،‬يتبطأ بالركب‪ ،‬فقال رسول الله ‪(:‬‬ ‫حولوا متاع عائشة على جمل صفية‪ ،‬وحولوا متاع صفية على جمل عائشة‪ ،‬حتى‬ ‫ِّ‬ ‫يمضي الركب)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد بنى الفقهاء على هذا وغيره حرمة الجمع بين الركوب وحمل المتاع إال‬ ‫إن كانت الدابة المركوبة محتملة للحمل عليها‬

‫(‪)3‬‬

‫وفي حديث آخر عن أنس قال‪ :‬كنا إذا نزلنا ً‬ ‫نحل‬ ‫منزال ال نس ّبح حتى ُ‬ ‫(‪)4‬‬ ‫جم المطي‪.‬‬ ‫الرحال ‪ ..‬يريد بذلك‪ :‬ال نصلي ُسبحة حتى نحط الرحال‪ ،‬و ُن َّ‬ ‫ِّ‬

‫وقد استنبط الفقهاء من هذا أنه يستحب لمن نزل ً‬ ‫منزال أن ال َيط َعم حتى‬ ‫يقصر في سقيها‪.‬‬ ‫يعلف الدابة‪ ،‬وال ِّ‬ ‫ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النهي عن وقوف الدابة وراكبها جالس‬ ‫(‪ )1‬رواه الطبراني والبزار وغيرهما‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أبو يعلى‪.‬‬ ‫(‪ )3‬قال ابن خزيمة قال‪ :‬إذا كان األغلب من الدواب المركوبة أنها إذا ُحمل عليها في السير عطبت‪ ،‬لم يكن لراكبها‬

‫الحمل عليها‪ ،‬إذ النبي ‪‬‬

‫قد اشترط أن ُتركب سالمة‪ ،‬و ُيشبه أن يكون معنى قوله‪( :‬اركبوها سالمة) أي‪ :‬ركو ًبا تسلم منه‬

‫وال تعطب‪ .‬انظر‪ :‬تحرير الجواب عن ضرب الدَّ واب‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫‪058‬‬


‫على ظهرها؛ ففي الحديث‪ ،‬قال رسول الله ‪ (:‬إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم‬ ‫منابر‪ ،‬فإن الله عز وجل إنما َّ‬ ‫سخرها لكم ل ُت ْبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إال بشق‬ ‫األنفس‪ ،‬وجعل لكم األرض‪ ،‬فعليها فاقضوا حاجتكم)(‪ ،)1‬وفي رواية قال رسو ل‬ ‫الله ‪ (:‬اركبوا هذه الدواب سالمة‪ ،‬وابتدعوها‬

‫(‪)1‬‬

‫سالمة‪ ،‬وال تتخذوها‬

‫كراسي)‬

‫(‪)3‬‬

‫دواب لهم ورواحل‪ ،‬وهم وقوف‪ ،‬فقال النبي‬ ‫مر على‬ ‫ِّ‬ ‫وفي رواية أنه ‪َّ ‬‬ ‫‪(:‬اركبوها سالمة‪ ،‬وانزلوا عنها سالمة‪ ،‬وال تتخذوها كراسي ألحاديثكم‬ ‫ذكرا لله عز وجل)‬ ‫ومجالسكم‪ُ ،‬فرب مركوبة خير من راكبها‪ ،‬وأكثر ً‬

‫(‪)4‬‬

‫ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النهي عن ركوب ثالثة في آن واحد‪،‬‬ ‫ففي الحديث عن جابر قال‪ (:‬نهى رسول الله ‪ ‬أن يركب ثالثة على دابة)‬

‫(‪)5‬‬

‫وفي حديث آخر‪ :‬أنه رأى ثالثة على بغل‪ ،‬فقال‪ :‬لينزل أحدكم فإن رسول‬ ‫الله ‪ ‬لعن الثالث(‪.)1‬‬ ‫بل ورد ما هو أخطر من ذلك‪ ،‬ففي الحديث عن علي قال‪ :‬إذا رأيتم ثالثة‬

‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫أي‪ :‬اتركوها ورفهوا عنها إذا لم تحتاجوا إلى ركوبها‪ .‬وهو (افتعل) من َو ُدع –بالضم‪َ -‬و َداعة َو َدعة؛ أي‪ :‬سكن‬

‫وترفه‪ ،‬النهاية‪.111/5 :‬‬ ‫(‪ )3‬رواه ابن خزيمة‪ ،‬والحاكم‪ ،‬وابن حبان‪ ،‬في «صحاحهم» وغيرهم‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه ابن خزيمة‪ ،‬وابن حبان وغيرهما‪.‬‬ ‫(‪ )5‬رواه الطبراني في األوسط‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن أبي شيبة‪.‬‬

‫‪059‬‬


‫على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من األمر بالنزول عنها عند المرور‬ ‫باألرض المخصبة بالك أ المباح لتَرعى فيها‪ ،‬وعد ك ِّفها عن المكان السهل‪ ،‬ففي‬ ‫الحديث‪ ،‬قال رسول الله ‪ (:‬إذا أخصبت األرض فانزلوا عن ظهركم فأعطوه‬ ‫حقه من الك أ‪ ،‬وإذا أجدبت األرض فامضوا عليها بنقيها)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي حديث آخر‪ ،‬قال رسول الله ‪ (:‬إذا ركبتم هذه الدواب فأعطوها‬ ‫حظها من المنازل)‬

‫(‪)3‬‬

‫وفي حديث آخر قال رسول الله ‪( :‬إذا سافرتم في الخصب ألمكنوا‬ ‫الركاب من أسنانها‪ ،‬وال تجاوزوا المنازل) الحديث(‪ ،)4‬وفي لفظ‪( :‬إذا كانت‬ ‫األرض مخصبة فأمكنوا الركاب وعليكم بالمنازل)‬ ‫وفي حديث آخر‪ ،‬قال رسول الله ‪ (:‬إذا ركبتم هذه البهائم ال ُعجم‪ ،‬فإذا‬ ‫كانت َسنة فانجوا عليها)‬

‫(‪)5‬‬

‫فتقصوا في‬ ‫وفي حديث آخر‪ ،‬قال رسول الله ‪ (:‬إذا كانت أرض مخصبة َّ‬ ‫السير واعطوا الركاب حقها‪ ،‬فإن الله رفيق يحب الرفق‪ ،‬وإذا كانت أرض مجدبة‬

‫(‪ )1‬رواه الطبراني‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البزار‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه الدارقطني في أفراده‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه ابن خزيمة‪ ،‬وأبو داود‪.‬‬ ‫(‪ )5‬رواه الطبراني‪.‬‬

‫‪061‬‬


‫فانجوا عليها)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي حديث آخر قال رسول الله ‪ (:‬إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه‬ ‫ويعين عليه ما ال يعين على ال ُعنف‪ ،‬فإذا ركبتم الدواب العجم فنزلوها منازلها‪ ،‬فإن‬ ‫أجدبت األرض فانجوا عليها)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي حديث آخر قال رسول الله ‪ (:‬إذا ركب أحدكم الدابة فليحملها على‬ ‫مالذها(‪ )3‬ـ أو قال‪ :‬على مالذة ـ فإن الله تعالى يحمل على القوي والضعيف)‬

‫(‪)4‬‬

‫ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النصوص داال على إراحتها من‬ ‫الركوب لتستريح(‪ ،)5‬وقد ورد في الحديث أنه ‪( ‬كان إذا صلى الفجر في السفر‬ ‫مشى)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد روي عن بعض الصالحين(‪ )0‬أنه كان في بعض أسفاره راك ًبا ناقة‪،‬‬ ‫فسمعها وهي تقول له‪ :‬أتعبتني يا صالح‪ ،‬فنزل عنها فمشى إلى أن سمعها وهي‬ ‫تقول‪ :‬اركب فقد استرحت‪.‬‬ ‫وال استبعاد في هذا‪ ،‬وقد مر معنا قوله ‪ (:‬بينما رجل راكب على بقرة‬

‫(‪ )1‬رواه البزار في مسنده‪ ،‬ورواه الطبراني بسند فيه من لم يسم‪ ،‬لكن موقو ًفا‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن قانع والطبراني في معجمي الصحابة‪.‬‬ ‫(‪ )3‬جمع ملذ‪ ،‬وهو موضع اللذة؛ أي‪ :‬ل ُي ْجرها في السهولة ال في الحزونة؛ وهي المكان الغليظ الخشن‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه الدارقطني في أفراده‪.‬‬ ‫(‪)5‬‬

‫وهذا من الهدي الصحي الذي أرشدنا له رسول الله ‪‬‬

‫‪ ،‬فالمشي رياضة صحية يحتاج إليها اإلنسان كل حين‪.‬‬

‫(‪ )1‬رواه الطبراني في األوسط‪.‬‬ ‫(‪ )0‬هو الشيخ صالح الزواوي المغربي‪.‬‬

‫‪060‬‬


‫التفتت إليه فقالت‪ :‬لم أخلق لهذا‪ُ ،‬خل ْق ُت للحراثة)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من النصوص داال على استحباب تنشيطها‬ ‫بالحداء(‪ )1‬وإراحتها بذلك‪ ،‬وقد جرت عادة اإلبل أنها تسرع السير إذا حدي بها‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫منها قوله ‪ ‬في مسير له لعبد الله بن رواحة (يابن رواحة‪ ،‬انزل فحرك الركاب)‪،‬‬ ‫فقال‪:‬‬ ‫اللهم لوال أنت ما اهتدينا وال تصدقنا وال صلينا‬ ‫فأنزل السكينة علينا‬

‫وثبت األقدام إن القينا‬

‫(‪)3‬‬

‫ومما يدخل في هذا الباب ما ورد من األمر بالرفق في السير بها إبقاء عليها‬ ‫ظهرا أبقى )‬ ‫وعلى نفسه؛ لقوله ‪( :‬المن َب ّت ال ً‬ ‫أرضا قطع وال ً‬

‫(‪)5( )4‬‬

‫***‬ ‫وعلى هذا الهدى المضمخ بعطر السالم‪ ،‬سار الصالحون متأدبين مع الكون‬ ‫مسالمين له‪ ،‬وقد عبر الشعراني عن األساس الذي نبعت منه رحمة الصالحين على‬ ‫الكائنات بهذا التعبير الرمزي الجميل‪ (:‬أخذ علينا العهد العام من رسول الله ‪‬‬ ‫أن نشفق على جميع خلق الله تعالى من مؤمن وكافر بطريقه الشرعي‪ ،‬كل بما‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الحدْ و‪ :‬هو سوق اإلبل والغناء لها‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫(‪)4‬‬

‫أي أن من يعسف الركاب ويحملها من السير على ما ال تطيق رجاء اإلسراع‪ ،‬ينقطع ظهره‪ ،‬فال هو قطع األرض‬

‫سالما ينتفع به بعد ذلك‪.‬‬ ‫التي أراد‪ ،‬وال هو أبقى ظهره‬ ‫ً‬ ‫(‪ )5‬رواه البزار‪.‬‬

‫‪062‬‬


‫يناسبه من الرحمة‪ ،‬لكن ال نبالغ في الرحمة كل المبالغة بحيث نرحم الشاة فال‬ ‫نذبحها مثال‪ ،‬ألن للرحمة حدا ال تتعداه‪ ،‬وقد سمى الحق تعالى نفسه أرحم‬ ‫الراحمين وأمرنا بذبح الحيوانات فنذبحها مع رقة القلب‪ ،‬ونضرب من شرد عن‬ ‫طريق االستقامة من رعية وعبد وولد وبهيمة رحمة به على وجه التأديب ال التشفي‬ ‫للنفس‪ ،‬ونكون أرحم به من نفسه)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد ذكر الشعراني التزام الربانيين بهذا العهد الذي أخذه رسول الله ‪ ‬على‬ ‫أمته‪ ،‬فذكر عن علي الخواص قوله‪ (:‬من شروط من تخلق بالرحمة على العالم أن‬ ‫يعامل الجماد معاملة الحي‪ ،‬فيمسك كوز الماء مثال ويضعه برفق وشفقة‪ ،‬خوفا أن‬ ‫يتألم من الوضع)‬ ‫وقد بلغت به شفافية الروح المسالمة أن قال عن نفسه‪ (:‬وقد وضعت الكوز‬ ‫مرة بعنف فقال‪ :‬أه‪ ،‬فمن ذلك اليوم وأنا أضعه برفق)‬ ‫ويتحدث عنه الشعراني أنه كان يم أ أواني الكالب ويقول‪ (:‬إنهم مساكين‬ ‫ال يقدرون أن يملؤوا من البئر إذا عطشوا ويمنعهم الناس من دخول دورهم‪ ،‬ومن‬ ‫الشرب من حيضان دوابهم خوف التنجيس)‬ ‫ويروي عنه أنه كان يرسل بعض تالمذته إلى المذبح فيأتي بشعث اللحم‬ ‫وبالطحال ونحوهما للقطط كل يوم ويقول‪ (:‬إن غالب الناس اليوم ال يطعم قطة‬ ‫الدار شيئا‪ ،‬وإنما تخطف كلما قدرت عليه إذا جاعت على رغم أنفه)‬

‫(‪ )1‬العهود المحمدية‪ ،‬الشعراني‪.‬‬

‫‪063‬‬


‫ويروي عنه أنه كان يتفقد النمل الذي في شقوق الدار ويضع له الدقيق ولباب‬ ‫الخبز على باب جحره ويقول‪ (:‬يمنعهم من االنتشار ألجل القوت‪ ،‬فإن النملة إذا‬ ‫جاعت خرجت تطلب رزقها ضرورة‪ ،‬وعرضت نفسها لوقوع حافر أو قدم عليها‬ ‫فتموت أو تنكسر رجلها‪ ،‬فإذا وجدت ما تأكل على باب جحرها استغنت عن‬ ‫الخروج)‬ ‫ويروي عن صالح آخر‪ ،‬قال‪:‬سمعت أخي أفضل الدين مرة يقول‪ (:‬من‬ ‫األدب إذا ركب العبد دابة أن يرحمها بالنزول عنها وال يركب إال عند الضرورة)‬ ‫ويروي عنه أنه رآه مرة قلب حافر الحمارة لما نزل من عليها وقبله‪ ،‬فأخذ‬ ‫يخاطبها قائال‪ (:‬اجعليني في حل)‪ ،‬وصار يعتذر إليها كما يعتذر لمن اعتدى عليه‬ ‫من الناس‪.‬‬ ‫ويروي عن اإلمام الجليل السيد أحمد بن الرفاعي أنه وجد بأم عبيدة كلبا‬ ‫أجرب أبرص أجذم عافته نفوس الناس وأخرجوه من البلد‪ ،‬فمكث الشيخ يخدمه‬ ‫في صحراء أم عبيدة نحو أربعين يوما‪ ،‬وعمل عليه مظلة من الحر وصار يدهنه حتى‬ ‫برئ وغسله بالماء الحار‪ ،‬وقال‪ :‬خفت أن يقول الله لي يوم القيامة‪ (:‬أما كانت فيك‬ ‫رحمة تشمل كلبا من خلقي)‬ ‫ويروي عنه أنه كان يقول‪ (:‬ال ينبغي لفقير أن يجعل للنمل الطائف على رزقه‬ ‫مانعا يحول بينه وبينه من قطران ونحوه إال بعد أن يخرج له نصيبا معلوما من ذلك‬ ‫ويضعه له على باب جحره)‬

‫‪064‬‬


‫ومما يروى في هذا أن عدي بن حاتم كان يفت الخبز للنمل ويقول‪ :‬إنهن‬ ‫جارات ولهن حق‪.‬‬ ‫وكان أبو إسحاق الشيرازي يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه‪،‬‬ ‫فعرض لهما كلب فزجره رفيق اإلمام أبي إسحاق‪ ،‬فنهاه اإلمام‪ ،‬وقال‪ :‬أما علمت‬ ‫أن الطريق بيني وبينه مشترك‪.‬‬ ‫وال زال الربانيون ـ في كل العهود ـ مسالمين للكون‪ ،‬وقد كان النورسي مثاال‬ ‫للشفقة على الكائنات قل نظيره‪ ،‬يقول المصاحبون له(‪ (:)1‬كان لالستاذ عالقة متينة‬ ‫مع المخلوقات ويشفق كثير ًا جد ًا على األشجار والحيوانات بل حتى على‬ ‫األحجار ايض ًا‪ ،‬فعندما يرى كلب ًا ‪ -‬مث ً‬ ‫ال ‪ -‬في الطريق يشفق عليه ويبادرنا بالقول‪(:‬‬ ‫هل لديكم كسرة خبز؟ فيأخذها ويعطيها للكلب)‬ ‫ويعتذر عن سباع الحيوانات بقوله‪ (:‬هذه حيوانات وفية‪ ،‬وإن عدوها‬ ‫وعواءها ناشئان عن صدقها ووفائها)‬ ‫وكان عندما يرى في السهول السلحفاة ‪ -‬مث ً‬ ‫ال ‪ -‬على حوافي السواقي‬ ‫يقول‪ (:‬ما شاء الله‪ ،‬بارك الله‪ ،‬ما أجملها من مخلوق‪ ،‬فالصنعة واإلتقان في خلقها‬ ‫ليس بأقل منكم)‬ ‫أما النمل‪ ،‬فله معه قصص كثيرة ـ ذكرنا بعضها ـ ومنها ما عبر عنه هذا‬

‫(‪ )1‬انظر هذه النصوص في‪ :‬السيرة ذاتية‪.535 :‬‬

‫‪065‬‬


‫الصاحب بقوله‪ (:‬أحيان ًا عندما كان األستاذ يرى مملكة النمل او يرانا نحرك حجر ًا‬ ‫وتحته مملكة النمل كان يعيد الحجر إلى مكانه ويقول‪ (:‬ال تقلقوا راحة هذه‬ ‫الحيوانات)‬ ‫وهذه قصة يذكرها بعض تالميذه كمظهر من مظاهر احترامه لهذا العالم‪،‬‬ ‫والتي يتجلى من خاللها سمو السلوك اإلسالمي مع الكون‪ ،‬يقول هذا التلميذ‪(:‬‬ ‫بدأ الجو يبرد شيئ ًا فشيئ ًا حيث الشتاء مقبل ونحن الزلنا على جبل أرك‪ ،‬كنا نتوقع‬ ‫هطول أمطار غزيرة وتساقط الثلوج بكثرة وكان المكان الذي نبقى فيه هو على‬ ‫شكل ربوة او مرتفع صغير‪ ،‬فأراد األستاذ ان نبني غرفة‪ .‬فبدأنا ببناء الغرفة على هذا‬ ‫المرتفع‪ ،‬وعندما حفرنا األساس وجدنا مملكة للنمل‪ ،‬ولما رأى األستاذ النمل‬ ‫أمرنا بالتوقف‪ .‬فسألناه عن السبب‪ .‬قال‪ (:‬هل يجوز بناء بيت بهدم بيت آخر؟ ال‬ ‫تخربوا بيوت هذه الحيوانات‪ .‬احفروا في مكان آخر غيره)‬ ‫قال‪ :‬فبدأنا نحفر في مكان آخر فوجدنا مملكة أخرى ايض ًا للنمل‪ .‬وحفرنا‬ ‫ثالثة فوجدنا نفس الشئ‪ .‬وهكذا تكررت العملية ثالث مرات‪ .‬فسألني أحد‬ ‫الطالب الذي كان يساعدني في هذا العمل‪ :‬هل سيستمر األمر هكذا؟ علينا ان‬ ‫نحفر في مكان ما فإذا ظهر النمل واريناه التراب لئال يراه األستاذ ومن بعد ذلك‬ ‫نستمر بالحفر‪ ،‬وإال فسوف نظل إلى العشاء ولما نقم بشئ‪ ،‬فليس في هذه المنطقة‬ ‫شبر اال وفيها مملكة للنمل‪.‬‬ ‫قال‪ :‬وعلى كل حال بنينا غرفة صغيرة لالستاذ هناك‪ ،‬فكان األستاذ كلما يرى‬

‫‪066‬‬


‫النمل ويشاهد مملكته في الغرفة يقدم له البرغل والسكر وفتات الخبز‪ ،‬فسألناه عن‬ ‫سبب تقديمه السكر للنمل فأجابنا ضاحك ًا‪ (:‬فليكن السكر شاي ًا لهم)‬

‫(‪)1‬‬

‫وكان عندما يلتقي في تجوله صيادي األرانب والطيور يقول لهم‪ (:‬ال‬ ‫تروعوا هذه الحيوانات ببنادقكم وال تؤذوا غيرها)‬ ‫وبهذا األسلوب كان ينصح الصيادين الهواة حتى جعل الكثيرين منهم‬ ‫يتخلون عن الصيد‪.‬‬ ‫وكان عندما يلتقي الرعاة في السهول الخضراء وهم يرعون حيواناتهم في‬ ‫مروج بين الجبال والوديان والسهول‪ ،‬يالطفهم ويقول لهم‪ (:‬إنكم إذا ما أديتم‬ ‫الصالة في أوقاتها الخمسة خالل اليوم يصير اليوم بكامله بمثابة عبادة لكم‪ ،‬ألنكم‬ ‫برعيكم هذا تقدمون خدمة كبيرة للبشرية فان انتفاع بني البشر من أصوافها‬ ‫ولحومها وألبانها هو بحكم الصدقة لكم‪ ،‬فال تؤذوا إذن هذه الحيوانات البريئة‬ ‫النافعة)‬ ‫‪ 3‬ـ الحكمة‪:‬‬ ‫ينظر المؤمن إلى الخدمات الجليلة التي تفاض عليه من الكون المسخر‪،‬‬ ‫فيراها هدايا ربانية‪ ،‬فيتمتع بها‪ ،‬ويتعرف على مهديها‪ ،‬بينما يراها الغافل فرصة‬ ‫الستغاللها أو الصراع معها والتغلب عليها‪.‬‬

‫(‪ )1‬السيرة الذاتية‪.513 :‬‬

‫‪067‬‬


‫والقرآن الكريم يلفتنا إلى وجوه الحكم في هذا الكون المسخر‪ ،‬لنرعاها‪،‬‬ ‫ونتعامل معه وفق مقتضاها‪ ،‬فال نحيد بها عن مراد الله‪ ،‬بينما يتصوره الغافلون‬ ‫الجاحدون كونا مستباحا‪ ،‬ال قوانين تحكمه‪ ،‬وال ضوابط أخالقيه تقيد التعامل‬ ‫معه‪.‬‬ ‫وأساس النظرة اإليمانية ـ كما سبق بيانه ـ هو اعتقاد المؤمن ملكية الله تعالى‬ ‫لهذا الكون‪ ،‬وهذه الملكية هي التي تجعل له وحده حق إباحة منافعه أو حظرها‪،‬‬ ‫وكيفية االنتفاع به‪ ،‬بخالف النظرة المادية الجاحدة التي تتصوره مشاعا ال مالك له‪،‬‬ ‫فال يخشون حسابا وال عقابا‪.‬‬ ‫وأساسها ـ أيضا ـ هو اعتقاده أن هذا الكون بني على أحسن نظام وأدقه‪ ،‬وأن‬ ‫أي تغيير فيه على ما هو عليه انحراف كبير وفساد عظيم‪ ،‬ويشير إلى هذا القاعدة‬ ‫المعروفة‪ (:‬ليس في اإلمكان أبدع مما كان)‬ ‫قال الغزالي شارحا لها‪ (:‬ال ريب أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على‬ ‫عقل أعقلهم وعلم أعلمهم وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم وأفاض عليهم‬ ‫من الحكمة ما ال منتهى لوصفها‪ ،‬ثم زاد مثل عدد جميعهم علم ًا وحكمة وعقالً‪،‬‬ ‫وعرفهم دقائق‬ ‫ثم كشف لهم عن عواقب األمور وأطلعهم على أسرار الملكوت ّ‬ ‫اللطف وخفايا العقوبات حتى اطلعوا به على الخير والشر والنفع والضر‪ ،‬ثم‬ ‫أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكم‪ ،‬لما اقتضى‬ ‫تدبـير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه أن يزاد فيما دبر الله سبحانه الخلق به في‬

‫‪068‬‬


‫الدنيا واآلخرة جناح بعوضة‪ ،‬وال أن ينقص منها جناح بعوضة‪ ،‬وال أن يرفع منها‬ ‫ذرة‪ ،‬وال أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر‬ ‫ذرة وال أن يخفض منها ّ‬ ‫ّ‬ ‫عمن بلي به‪ ،‬وال أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع عمن أنعم الله به عليه‪ ،‬بل‬ ‫كل ما خلقه الله تعالى من السموات واألرض ـ إن رجعوا فيها البصر وطولوا فيها‬ ‫النظر ـ ما رأوا فيها من تفاوت وال فطور وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق‬ ‫وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية‪ ،‬فكله عدل‬ ‫محض ال جور فيه‪ ،‬وحق صرف ال ظلم فيه بل هو على الترتيب الواجب الحق‬ ‫على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي‪ ،‬وليس في اإلمكان أص ً‬ ‫ال أحسن منه‬ ‫وال أتم وال أكمل)‬

‫(‪)1‬‬

‫ثم علل ذلك بقوله‪ (:‬ولو كان وادخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله لكان‬ ‫بخ ً‬ ‫ال يناقض الجود وظلم ًا يناقض العدل)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومن هذا المنطلق وردت اآليات القرآنية الكثيرة تتحدث عن منافع هذا‬ ‫الكون المسخر‪ ،‬وهي منافع تستدر حمد العبد من جهة‪ ،‬كواجب أخالقي يقتضيه‬ ‫استشعاره للنعمة‪ ،‬وهي في نفس الوقت ضوابط تحد من التصرف العشوائي العبثي‬ ‫للكون بعيدا عن مراعاة الحكمة‪.‬‬ ‫وإلى هذا المعنى الثاني اإلشارة بقوله ‪ (:‬بينما رجل يسوق بقرة له قد‬

‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬ ‫(‪ )1‬وقد نوقش الغزالي في هذا‪ ،‬وقد ذكرنا أدلة قوله هذا في رسالة (أسرار األقدار)‬

‫‪069‬‬


‫حمل عليها التفتت إليه البقرة فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني إنما خلقت‬ ‫للحرث)(‪ ،)1‬وهذا الحديث إنكار شديد على الجاحدين العابثين بالثيران في‬ ‫الساحات بوحشية وقسوة‪.‬‬ ‫وإليه اإلشارة كذلك بقوله ‪ (:‬إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر فإن‬ ‫الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إال بشق األنفس وجعل لكم‬ ‫األرض فعليها فاقضوا حاجتكم)‬

‫(‪)1‬‬

‫وبما أن لكل شيء في خلق الله حكم كثيرة ال يمكن إحصاؤها‪ ،‬أو أن‬ ‫إحصاءها يستدعي علوما كثيرة‪ ،‬فلذلك سنكتفي بأربعة مظاهر لحكم الله‪ ،‬هي‬ ‫مجامع لكثير من الحكم‪ ،‬ومن خاللها نرى ما يتطلبه التعامل مع حكمة الله في‬ ‫أكوانه‪ ،‬كما رأينا ما يتطلبه السالم معها‪.‬‬ ‫الجمال‪:‬‬ ‫ال يلفتنا القرآن الكريم إلى المنافع المادية الموجودة في الكون فقط‪ ،‬بل يدلنا‬ ‫على مظاهر الجمال المبثوثة فيه‪ ،‬وكأنه يأمرنا بالتطلع فيها والحفاظ على رونقها‬ ‫وبهائها‪.‬‬ ‫فالقرآن الكريم يحدثنا ـ مثال ـ عن البحر بهذا األسلوب‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ُه َو‬ ‫ا َّل ِذي َس َّخ َر ا ْل َب ْح َر لِ َت ْأ ُك ُلوا ِمنْ ُه َل ْحم ًا َط ِر ّي ًا َوت َْست َْخ ِر ُجوا ِمنْ ُه ِح ْل َي ًة َت ْل َب ُسون ََها َوت ََرى‬

‫(‪ )1‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه أبو داود‪.‬‬

‫‪071‬‬


‫ا ْل ُف ْل َك مو ِ‬ ‫اخ َر فِ ِيه َولِ َت ْب َت ُغوا ِم ْن َف ْضلِ ِه َو َل َع َّل ُك ْم ت َْش ُك ُر َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪)14:‬‬ ‫ََ‬ ‫فالبحر في التصوير القرآني ليس ذلك الطوفان الهائج الذي ينقض على‬ ‫السفن فيغرقها‪ ،‬وإنما هو نعمة من نعم الله التي جمعت بين الفضل والمنفعة‬ ‫والجمال‪.‬‬ ‫والقرآن الكريم يلفتنا إلى هذه المعاني جميعا‪ ،‬فـ ( نعمة البحر وأحيائه تلبي‬ ‫كذلك ضرورات اإلنسان وأشواقه‪ .‬فمنه اللحم الطري من السمك وغيره للطعام‪.‬‬ ‫وإلى جواره الحلية من اللؤلؤ ومن المرجان‪ ،‬وغيرهما من األصداف والقواقع التي‬ ‫يتحلى بها أقوام ما يزالون حتى اآلن‪ .‬والتعبير عن الفلك يشي بتلبية حاسة الجمال‬ ‫ال بمجرد الركوب واالنتقال‪ :‬وترى الفلك مواخر فيه‪ ،‬فهي لفتة إلى متاع الرؤية‬ ‫وروعتها‪:‬رؤية الفلك مواخر تشق الماء وتفرق العباب)‬

‫(‪)1‬‬

‫وهذه اآلية وغيرها تنطوي على حكم تشريعي خفي‪ ،‬وهو وجوب‬ ‫المحافظة على هذه النعم الموجودة في البحر‪ ،‬وهو ما لم تأخذه المدنية الحديثة‬ ‫في الحسبان‪ ،‬فلوثت البحر‪ ،‬كما لوثت الجو‪ ،‬وأغرقت األرض في طوفان من‬ ‫التلوث‪.‬‬ ‫وقد أشار القرآن الكريم إلى تأثير االنحراف في فساد األرض والبحر بقوله‬ ‫تعالى‪َ ﴿:‬ظ َه َر ا ْل َف َسا ُد فِي ا ْل َب ِّر َوا ْل َب ْح ِر بِ َما ك ََس َب ْت َأ ْي ِدي الن ِ‬ ‫َّاس لِ ُي ِذي َق ُه ْم َب ْع َض ا َّل ِذي‬ ‫َع ِم ُلوا َل َع َّل ُه ْم َي ْر ِج ُع َ‬ ‫ون﴾ (الروم‪)41:‬‬ ‫(‪ )1‬الظالل‪.‬‬

‫‪070‬‬


‫وهكذا تقترن في القرآن الكريم مظاهر الجمال في المكونات بالضرورة‬ ‫والحاجة‪ ،‬لنتملى هذا الجمال ونستمتع به‪ ،‬وال نحبس أنفسنا داخل حدود‬ ‫الضرورات والحاجات‪.‬‬ ‫ومثل ذلك ما ورد عند التعبير عن منافع األنعام‪ ،‬فمن منافعها‪ ،‬كما قال‬ ‫فء َو َمنَافِ ُع َو ِمن َْها َت ْأ ُك ُل َ‬ ‫ون َو َل ُك ْم فِ َيها َج َمال‬ ‫تعالى‪َ ﴿:‬و ْاألَ ْن َعا َم َخ َل َق َها َل ُك ْم فِ َيها ِد ْ‬ ‫ِحين ُت ِريح َ ِ‬ ‫ين ت َْس َر ُح َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪ 5:‬ـ ‪)1‬‬ ‫ون َوح َ‬ ‫َ ُ‬ ‫ففي هذه اآليات إحصاء دقيق لمنافع الحيوانات لتشمل المطعم والملبس‬ ‫والمسكن‪،‬وتضيف إليها الناحية الجمالية ( ففي األنعام دفء من الجلود‬ ‫واألصواف واألوبار واألشعار‪ ،‬ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وما إليها‪ .‬ومنها‬ ‫تأكلون لحما ولبنا وسمنا‪ ،‬وفي حمل األثقال إلى البلد البعيد ال يبلغونه إال بشق‬ ‫األنفس‪ .‬وفيها كذلك جمال عند اإلراحة في المساء وعند السرح في الصباح‪.‬‬ ‫جمال االستمتاع بمنظرها فارهة رائعة صحيحة سمينة)‬ ‫ولهذه اللفتة قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة اإلسالم للحياة‪ ،‬فالجمال‬ ‫عنصر أصيل في هذه النظرة‪ ،‬وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات من طعام‬ ‫وشراب وركوب ؛ بل تلبية األشواق الزائدة على الضرورات‪.‬‬ ‫ولهذا ينبهنا الله تعالى إلى النظر إلى مخلوقاته‪ ،‬وإلى ما أودع فيها من الحكمة‬ ‫والجمال‪ ،‬فيدعو إلى النظر إلى ما أودع في جسم اإلبل من مظاهر الجمال‬ ‫ون إِ َلى ْ ِ‬ ‫والحكمة‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬أ َفال َينْ ُظ ُر َ‬ ‫ف ُخ ِل َق ْت﴾ (الغاشية‪)10:‬‬ ‫األبِ ِل َك ْي َ‬

‫‪072‬‬


‫ف‬ ‫الس َماء َك ْي َ‬ ‫وينبهنا إلى النظر إلى السماء وكيفية رفعها قال تعالى‪ ﴿:‬وإِ َلى َّ‬

‫ُرفِ َع ْت﴾ (الغاشية‪)14:‬‬

‫ويدعونا إلى النظر إلى الجبال وكيفية تثبيتها قال تعالى‪َ ﴿:‬وإِ َلى ا ْل ِج َب ِ‬ ‫ف‬ ‫ال َك ْي َ‬ ‫ُن ِص َب ْت﴾ (الغاشية‪)19:‬‬ ‫ويدعونا إلى النظر إلى األرض وكيفية تسطيحها قال تعالى‪َ ﴿:‬وإِ َلى ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض‬ ‫ف ُس ِط َح ْت﴾ (الغاشية‪)17:‬‬ ‫َك ْي َ‬ ‫وكما يشير القرآن الكريم إلى الجمال المودع في الكون يشير إلى الجمال‬ ‫الذي يساهم اإلنسان في تكوينه‪ ،‬وكأنه يدعونا من خالل وصفه إلى مراعاته عند‬ ‫القيام بأي مشروع مرتبط بالكون‪:‬‬ ‫فالقرآن الكريم يبدع في وصف مظاهر الجمال والتناسق التي قام بها‬ ‫َان لِسبأٍ فِي مسكَنِ ِهم آية جنَّت ِ‬ ‫َان َع ْن َي ِم ٍ‬ ‫ين‬ ‫ْ َ َ‬ ‫السبأيون في مزارعهم‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ل َقدْ ك َ َ َ‬ ‫َْ‬ ‫َو ِشم ٍ‬ ‫ال ُك ُلوا ِم ْن ِر ْز ِق َر ِّب ُك ْم َو ْاش ُك ُروا َل ُه َب ْلدَ ة َط ِّي َبة َو َر ٌّب َغ ُفور ﴾ (سبأ‪)15:‬‬ ‫َ‬ ‫اض ِر ْب َل ُهم َّم َث ً‬ ‫ال‬ ‫ويبدع في وصف جنتي الرجل الكافر‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ْ‬ ‫َّر ُج َل ْي ِن َج َع ْلنَا ِألَ َح ِد ِه َما َجنَّ َت ْي ِن ِم ْن َأ ْعن ٍ‬ ‫َاب َو َح َف ْفن َُاه َما بِن َْخ ٍل َو َج َع ْلنَا َب ْين َُه َما َز ْرع ًا‬ ‫(‪ِ 31‬‬ ‫َت ُأ ُك َل َها َو َل ْم َت ْظ ِل ْم ِمنْ ُه َش ْيئ ًا َو َف َّج ْرنَا ِخ َال َل ُه َما ن ََهر ًا (‪﴾)33‬‬ ‫)ك ْلتَا ا ْل َجنَّ َت ْي ِن آت ْ‬ ‫(الكهف)‬ ‫والقرآن الكريم ال يذم ذلك الترتيب الذي رتب الله به جنته‪ ،‬وإنما ينكر عليه‬ ‫غروره وكفره وجحوده لفضل الله‪.‬‬

‫‪073‬‬


‫ولهذا يمن الله على عباده بما أنبت لهم من حدائق ذات بهجة‪ ،‬قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ات‬ ‫الس َماء َما ًء َف َأ ْن َب ْتنَا بِ ِه َحدَ ِائ َق َذ َ‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر َض َو َأن َْز َل َل ُك ْم م َن َّ‬ ‫َأ َّم ْن َخ َل َق َّ‬ ‫َان َل ُك ْم َأ ْن ُتنْبِ ُتوا َش َج َر َها َأإِ َله َم َع ال َّل ِه َب ْل ُه ْم َق ْوم َي ْع ِد ُل َ‬ ‫َب ْه َج ٍة َما ك َ‬ ‫ون ﴾ (النمل‪)17:‬‬ ‫التنوع‪:‬‬ ‫وهو مظهر من مظاهر حكمة الله في الكون‪ ،‬ودليل من أدلة الوحدانية‪ ،‬ألن‬ ‫الربط بين المختلفات وتوجيهها وجهة واحد ال يكون إال من إله واحد‪.‬‬ ‫وهذا التنوع شامل لجميع األشياء‪ ،‬فاألشياء تتنوع في المهام والوظائف‬ ‫والتراكيب الداخلية واألشكال الخارجية‪.‬‬ ‫وعلى هذا التنوع جاءت النصوص لتدل أوال على أن عظمة الله تعالى ال‬ ‫تبدو في مجرد إيجاد األشياء من العدم‪ ،‬بل بإبداعها بهذه الصور المختلفة‪ ،‬ليكون‬ ‫ذلك دليال على توحيد الله وإبداعه‪ ،‬وهذه هي الفائدة المعرفية الكبرى في هذا‬ ‫التنوع‪ ،‬وهي التي سنتحدث عنها في كون العارفين‪.‬‬ ‫أما الفائدة العملية الثانية المرتبطة بالكون المسخر‪ ،‬فهي الدعوة إلى‬ ‫المحافظة على هذا التنوع المحسوب بحساب دقيق‪.‬‬ ‫ولذلك يدعونا القرآن الكريم إلى النظر إلى أصناف النباتات ما تشابه منها‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ات ُك ِّل‬ ‫الس َماء َما ًء َف َأ ْخ َر ْجنَا بِ ِه َن َب َ‬ ‫وما لم يتشابه‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّلذي َأن َْز َل م َن َّ‬ ‫َشي ٍء َف َأ ْخرجنَا ِمنْه َخ ِضر ًا ُن ْخ ِرج ِمنْه حب ًا متَر ِ‬ ‫اكب ًا َو ِم َن الن َّْخ ِل ِم ْن َط ْل ِع َها ِقن َْوان َدانِ َية‬ ‫ُ‬ ‫َ ْ‬ ‫ُ ُ َّ ُ َ‬ ‫ْ‬ ‫وجن ٍ‬ ‫َّات ِم ْن َأ ْعن ٍ‬ ‫الر َّم َ‬ ‫الز ْي ُت َ‬ ‫ان ُم ْشتَبِه ًا َو َغ ْي َر ُمت ََشابِ ٍه ا ْن ُظ ُروا إِ َلى َث َم ِر ِه إِ َذا َأ ْث َم َر‬ ‫َاب َو َّ‬ ‫َ َ‬ ‫ون َو ُّ‬

‫‪074‬‬


‫وينْ ِع ِه إِ َّن فِي َذل ِ ُكم َآل ٍ‬ ‫يات لِ َق ْو ٍم ُي ْؤ ِمنُ َ‬ ‫ون﴾ (األنعام‪ ،)99:‬وكأن هذه اآلية تدعو إلى‬ ‫ََ‬ ‫ْ‬ ‫التصنيف العلمي ألجناس الكائنات‪ ،‬والذي يكون أساسا للمحافظة عليها‪.‬‬ ‫بل هي تدعونا إلى تأمل األطوار التي تمر بها الكائنات‪ ،‬وهي تسير في‬ ‫طريقها إلى استكمال وجودها‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿:‬ان ُظ ُرو ْا إِلِى َث َم ِر ِه إِ َذا َأ ْث َم َر َو َين ِْع ِه ﴾‬ ‫لتكون هذه الدراسة سبيال للتعرف على حاجتها‪ ،‬ثم رعايتها انطالقا من ذلك‪.‬‬ ‫وش ٍ‬ ‫وهذه اآلية تجمع مع قوله تعالى‪ ﴿:‬وهو ا َّل ِذي َأن َْش َأ جن ٍ‬ ‫َّات َم ْع ُر َ‬ ‫ات َو َغ ْي َر‬ ‫َ‬ ‫ََُ‬ ‫وش ٍ‬ ‫الر َّم َ‬ ‫الز ْي ُت َ‬ ‫َم ْع ُر َ‬ ‫ان ُمت ََشابِه ًا َو َغ ْي َر ُمت ََشابِ ٍه ُك ُلوا ِم ْن‬ ‫الز ْر َع ُم ْختَلِف ًا ُأ ُك ُل ُه َو َّ‬ ‫ات َوالن َّْخ َل َو َّ‬ ‫ون َو ُّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ين﴾ (األنعام‪)141:‬‬ ‫ب ا ْل ُم ْس ِرف َ‬ ‫َث َم ِره إِ َذا َأ ْث َم َر َوآ ُتوا َح َّق ُه َي ْو َم َح َصاده َوال ُت ْس ِر ُفوا إِ َّن ُه ال ُيح ُّ‬ ‫الحكم المرادة من أصناف الكائنات‪ ،‬فهي في اآلية األولى نظر واستمتاع وعبور‬ ‫منها إلى المبدع‪ ،‬وهي في اآلية األخيرة استهالك واستثمار وانتفاع‪.‬‬ ‫فاآلية األولى تغذي الروح وجمال الروح‪ ،‬واآلية الثانية تغذي الجسد‬ ‫وحاجات الجسد‪.‬‬ ‫وكما نبه القرآن الكريم إلى النظر إلى تنوع أصناف النباتات نبه إلى تنوع‬ ‫التضاريس والمناخ الذي يساهم في ذلك التنوع النباتي‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وفِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض‬ ‫َاب و َزرع ون ِ‬ ‫ِ‬ ‫َخيل ِصنْوان و َغير ِصنْو ٍ‬ ‫ِق َطع ُمت ََج ِ‬ ‫ان ُي ْس َقى بِ َم ٍاء‬ ‫َ َ ُْ َ‬ ‫او َرات َو َجنَّات م ْن َأ ْعن ٍ َ ْ َ‬ ‫ض فِي ْاألُ ُك ِل إِ َّن فِي َذلِ َك َآل ٍ‬ ‫و ِ‬ ‫اح ٍد َو ُن َف ِّض ُل َب ْع َض َها َع َلى َب ْع ٍ‬ ‫يات لِ َق ْو ٍم َي ْع ِق ُل َ‬ ‫ون﴾‬ ‫َ‬

‫(الرعد‪)4:‬‬ ‫وسنتحدث هنا عن ناحيتين وردت النصوص بتنوع المكونات فيهما‪ ،‬وهو‬

‫‪075‬‬


‫ما يفيد وجوب المحافظة على هذا التنوع‪:‬‬ ‫تنوع األحياء‪:‬‬ ‫من مظاهر حكمة الله تعالى في األرض أن عمرها بأنواع األحياء من النبات‬ ‫والحيوان‪ ،‬وذلك إلعالة الحياة من ناحية‪ ،‬وتحقيق التوازن البيئي من ناحية أخرى‪،‬‬ ‫فقد أودع الله تعالى فى مكونات البيئة الحيوية الكثير من المنافع التى سخرها‬ ‫بقدرته وحكمته لخدمة اإلنسان وتوفير الحاجات المختلفة لحياته‪.‬‬ ‫والباحثون يؤكدون‬

‫(‪)1‬‬

‫ـ اليوم ـ أن عالم الحيوان أشبه بالمدن الهائلة‬

‫والشعوب المتعددة األعراف واألعراق واللغات والعادات واألجناس التي ال‬ ‫حصر لها ويعجز العقل عن تصور أعدادها الهائلة والضخمة وأنسب وصف لهذه‬ ‫الكائنات ذوات األعداد الهائلة هو مصطلح (األمم) كما وصفها القرآن الكريم‪.‬‬ ‫فعدد الطيور الجاثمة وحدها أكثر من ‪ 5777‬نوع‪ ،‬وكل نوع من هذه الطيور‬ ‫هو أيضا أنواع عدة‪ ،‬فمثال طيور الفران األمريكية اإلستوائية حوالي ‪ 111‬نوعا‬ ‫صغيرة الحجم نوعا ما‪ ،‬وذوات عادات متنوعة جدا‪.‬‬ ‫وهناك ‪ 113‬نوعا من الطيور النملية والدج النملي والبيتا النملية مرتبطة‬ ‫ارتباط وثيقا بطيور الفران األمريكية الجنوبية والوسطى‪.‬‬ ‫وأما طيور كوتنجا المزركشة فتضم تقريبا ‪ 97‬نوعا تقريبا من الطيور‬

‫(‪ )1‬انظر‪ :‬من آيات الله في الحيوانات‪ ،‬األستاذ محمد محمد معافى علي‪ ،‬موقع موسوعة اإلعجاز العلمي في القرآن‬ ‫والسنة‪.‬‬

‫‪076‬‬


‫المزركشة والمبهرجة جدا‪.‬‬ ‫كما تعد طيور الجنة ـ وسميت بذلك ألن لديها ريشا فاتنا جدا حتى اعتقدوا‬ ‫أنه آت من الجنة ـ فتبلغ أنواعه ‪41‬تقريبا‪.‬‬ ‫وأما طيور النمانم ـ وهي طيور صغيرة عاملة ـ فتضم أكثر من ‪ 17‬نوعا‪ ،‬وهي‬ ‫طيور مدهشة جدا لما تصدره من أصوات البقبقة المرتفعة إلى درجة التصدق‬ ‫وتنتشر بكثرة في أمريكا‪.‬‬ ‫كما تبلغ أنواع صياد الذباب أكثر من ‪ 1177‬نوع‪.‬‬ ‫وتضم آكالت الحشرات أكثر من ‪ 307‬نوعا‪.‬‬ ‫وهناك أكثر من ‪ 377‬نوع من الطيور المخوضة والنوارس وطيور األوك‪.‬‬ ‫وتضم طيور ز ّمار الرمل أكثر من ‪ 17‬نوعا‪.‬‬ ‫وتبلغ أنواع طيور النورس أكثر من ‪ 97‬نوعا‪.‬‬ ‫أما أنواع الحمام واليمام فهنالك حوالي ‪ 197‬نوعا منها موزعة في أرجاء‬ ‫العالم‪ ،‬ويبلغ أنواع الببغاوات أكثر من ‪ 577‬نوعا‪.‬‬ ‫وتبلغ أنواع البوم أكثر من ‪ 113‬نوعا‪.‬‬ ‫وتبلغ أنواع طيور الضوع والسبد نحو ‪ 97‬نوعا‪.‬‬ ‫وتبلغ طيور الرفراف حوالي ‪ 40‬نوعا تتواجد في أنحاء العالم‪.‬‬ ‫كما يبلغ طير ن ّقار الخشب أكثر من ‪ 177‬نوعا في جميع أنحاء العالم‪.‬‬ ‫وفي عالم القرود تبلغ قرود العالم القديم أكثر من ‪ 17‬نوعا‪.‬‬

‫‪077‬‬


‫وبالنظر إلى الزواحف نجدها أعدادا هائلة جدا وأنواعا ال حصر لها‪،‬‬ ‫فالحيات العمياء تبلغ أنواعها ‪ 157‬نوعا‪ ،‬وهي تعيش وتحيا تحت األرض‪.‬‬ ‫كما تشتمل مجموعة السلحفيات على السالحف والحمسات ـ وهي‬ ‫سلحفة المياه العذبة ـ وتضم حوالي ‪177‬نوع‪ ،‬وتبلغ أنواع السحالي العمالقة أكثر‬ ‫من ‪ 077‬نوع في مناطق العالم الجديد‪.‬‬ ‫وتبلغ أنواع الحرباء حوالي ‪ 45‬نوعا كما تبلغ السحالي السامة حوالي‬ ‫‪ 3777‬نوعا من السحالي ونوعان فقط منها يفرزان السم وهي السحالي المخرزة‬ ‫والهيلية‪.‬‬ ‫واألفاعي أيضا أنواع شتى‪ ،‬منها السام‪ ،‬ومنها غير السام‪ ،‬وهي متعددة‬ ‫األشكال واأللوان‪ ،‬فنوع منها فقط‪ ،‬وهي أفاعي الكوبرا والممبا تبلغ أكثر من ‪177‬‬ ‫نوع تقريبا‪.‬‬ ‫كما تشتمل الحيات الخبيثة على حوالي ‪ 177‬نوع‪ ،‬وتقول بعض المصادر‬ ‫العلمية أن عدد أنواع الثعابين الحالية أكثر من ‪ 1077‬نوع ثلثها فقط سام‪.‬‬ ‫أما الخنافس فتضم أكثر من ‪ 377‬ألف نوع‪.‬‬ ‫وأما الثدييات عموما فتضم أكثر من ‪ 4177‬نوع‪.‬‬ ‫وتبلغ الخفافيش حوالي ‪ 977‬نوع أو أكثر‪.‬‬ ‫وتضم فصيلة الكنغر والولبات حوالي ‪ 55‬نوعا متفاوتا في الحجم‪.‬‬ ‫كما تضم مجموعة السنوريات حوالي ‪ 31‬نوعا تعيش تقريبا في كافة أنحاء‬

‫‪078‬‬


‫والرباح والنمس‬ ‫العالم عدا أستراليا والقطب الجنوبي‪ ،‬ويبلغ نوع سنور الزباد ّ‬ ‫حوالي ‪ 47‬نوعا‪.‬‬ ‫وهكذا يعتقد العلماء بإمكانية وجود أكثر من عشرة ماليين نوع أو جنس من‬ ‫الحيوانات في العالم‪ ،‬ومع ذلك‪ ،‬فقد تكون هناك أنواع أخرى أكثر بكثير بانتظار‬ ‫اكتشافها‪.‬‬ ‫والقرآن الكريم يذكر تسخير البيئة الحيوية لإلنسان‪ ،‬ويبين الوجوه الشرعية‬ ‫لالنتفاع بها‪ ،‬وهو في ضمن ذلك يحث على وجوب المحافظة عليها‪.‬‬ ‫قال تعالى عن عالم البحر وما يحتويه من أحياء‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّل ِذي َس َّخ َر ا ْل َب ْح َر‬ ‫ل ِ َت ْأ ُك ُلوا ِمنْه َلحم ًا َط ِري ًا وتَست َْخ ِرجوا ِمنْه ِح ْلي ًة َت ْلبسونَها وتَرى ا ْل ُف ْل َك مو ِ‬ ‫اخ َر فِ ِيه‬ ‫ََ‬ ‫ُ‬ ‫ُ ْ‬ ‫ُ َ َُ َ َ َ‬ ‫ّ َ ْ‬ ‫َول ِ َت ْب َت ُغوا ِم ْن َف ْض ِل ِه َو َل َع َّل ُك ْم ت َْش ُك ُر َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪)14:‬‬ ‫والشكر في هذه اآلية ال يعني فقط أن نقول‪ :‬الحمد لله‪ ،‬بل رأس الشكر أن‬ ‫يتعامل مع النعمة وفق حكمة الله ومراده‪.‬‬ ‫وقال تعالى عن عالم النبات‪ ﴿:‬ا َّل ِذي َج َع َل َل ُك ْم ِم َن َّ‬ ‫الش َج ِر ْاألَ ْخ َض ِر نَار ًا َفإِ َذا‬ ‫َأ ْن ُتم ِمنْه ُت ِ‬ ‫وقدُ َ‬ ‫ون﴾ ( ّيـس‪)47:‬‬ ‫ْ ُ‬ ‫فء َو َمنَافِ ُع َو ِمن َْها‬ ‫وقال عن عالم الحيوان‪َ ﴿:‬و ْاألَ ْن َعا َم َخ َل َق َها َل ُك ْم فِ َيها ِد ْ‬ ‫َت ْأ ُك ُل َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪)5:‬‬ ‫وقد وردت األحاديث الكثيرة تحث على وجوب المحافظة على البيئة‬ ‫الحيوية‪:‬‬

‫‪079‬‬


‫فذكر ‪ ‬األجر العظيم المعد لمن يساهم في زراعة األرض‪ ،‬وهو أجر ال‬ ‫يقل عن أجور الصالة والزكاة والحج‪ ،‬قال ‪ (:‬ما من مسلم يغرس غرس ًا أو يزرع‬ ‫زرع ًا فيأكل منه طيرا أو إنسان أو بهيمة إال كان له به صدقة)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي حديث آخر يشير ‪ ‬إلى منافع إحياء األرض زيادة على األجر المعد‬ ‫للمحيي بقوله ‪ (:‬ما من امرئ يحيى أرضا فتشرب منها كبد حرى أو تصيب منها‬ ‫عافية إال كتب الله تعالى له به أجرا)‬

‫(‪)1‬‬

‫بل إنه ‪ ‬يحث على هذه العبودية بغض النظر عن المنافع المرجوة منها‪،‬‬ ‫قال ‪ (:‬إذا قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها)(‪ ،)3‬وفي ذلك إشارة‬ ‫إلى أن منافع النبات ال تقتصر على الثمر‪.‬‬ ‫وقد جاءت األوامر التشريعية ترغب في إحياء األرض‪ ،‬وتجازي من يساهم‬ ‫في اإلحياء‪ ،‬قال ‪ (:‬األرض أرض الله‪ ،‬والعباد عباد الله‪ ،‬من أحيا موات ًا فهو‬ ‫له)‬

‫(‪)4‬‬

‫بل إن األوامر التشريعية ـ للمحافظة على البيئة الحيوية ـ تمتد حتى في حال‬ ‫الحرب ـ التي تتناسى فيها البشرية اليوم كل المقومات األخالقية ـ فقد كانت‬ ‫األوامر تصدر صريحة إلى قواد المسلمين تنهاهم عن قطع األشجار أو تدميرها‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه الطبراني في األوسط‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه أحمد والبخاري في األدب وعبد بن حميد‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه الطبراني في الكبير‪.‬‬

‫‪081‬‬


‫وضرورة المحافظة عليها‪.‬‬ ‫والسر في هذه الدعوة الحثيثة على االستزراع وحماية البيئة الحيوية ـ زيادة‬ ‫على ما سبق بيانه ـ هو المنافع العظيمة التى تقدمها البيئة الحيوية لإلنسان‪ ،‬إذ تلعب‬ ‫النباتات دور ًا مهم ًا فى إحداث التوازن فى تركيبة الهواء خاصة غازي األكسجين‬ ‫وثاني أكسيد الكربون والتوازن فى الدورة المائية من خالل عملية النتج‪ ،‬وحماية‬ ‫التربة من الجرف لما للغطاء النباتي من قدرة كبيرة على مقاومة عوامل الجرف‬ ‫المائي والهوائي‪.‬‬ ‫كما أن للبيئة الحيوية أهمية طبية حيث تضم نباتاتها وحيواناتها الكثير من‬ ‫المواد أو العناصر الفعالة فى صناعة الدواء‪.‬‬ ‫ولكن الفكر المنحرف ال يبالي ـ ال بالتوجيهات الربانية التي وردت في‬ ‫النصوص‪ ،‬وال بالمنافع التي أثبتها العلم‪ ،‬وال بالمخاطر التي حذر منها الحكماء ـ‬ ‫ولذلك فإن البيئة الحيوية ـ اليوم ـ فى تدهور مطرد نتيجة االستغالل المفرط‬ ‫والجائر‪.‬‬ ‫وتشير ورقة عمل أعدها برنامج األمم المتحدة للبيئة (اليونب) ومنظمة الفاو‬ ‫والبنك الدولي سنة ‪ 1944‬أن الغابات المدارية تختفي بمعدل ‪ 11‬مليون هكتار‬ ‫سنويا‪ ،‬وأن نصف الغابات المدارية فى العالم قد اختفى منذ بداية القرن الحالي‪،‬‬ ‫وأن هناك حاجة الستثمار نحو ‪ 4‬مليار دوالر على مدى السنوات الخمس القادمة‬ ‫لتنمية الغابات واحتواء األثر الضار إلزالة الغابات‪.‬‬

‫‪080‬‬


‫ومثل الضرر الذي حصل بعالم النبات حصل بعالم الحيوان‪ ،‬فانقرضت‬ ‫كثير من الحيوانات‪ ،‬وحيوانات أخرى تسير نحو االنقراض‪.‬‬ ‫وهذا كله بسبب جشع اإلنسان وحرصه‪.‬‬ ‫وفي مقابل ذلك جاءت الشريعة اإلسالمية بالتشريعات التي تحافظ على‬ ‫هذا العالم‪ ،‬وقد ذكر العلماء الكثير من األسرار والحكم المرتبطة بما أبيح أو حرم‬ ‫من أنواع الحيوان‪ ،‬وأكثرها مما يرتبط بمصلحة اإلنسان‪.‬‬ ‫ونرى أن من الحكم الشرعية ـ كذلك ـ هو حماية عالم الحيوان‪:‬‬ ‫فلذلك وردت النصوص بإباحة الحيوانات التي يكثر وجودها أو يسهل‬ ‫تنميتها‪ ،‬بخالف الحيوانات التي يندر وجودها‪.‬‬ ‫فنهى رسول الله ‪ ‬عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من‬ ‫الطير(‪ ،)1‬والسر في ذلك أن هذه األنواع من الحيوانات هي التي تحقق التوازن‬ ‫البيئي من ناحية‪ ،‬وهي نادرة من ناحية ثانية بحيث يؤدي صيدها إلى انقراضها‪ ..‬هذا‬ ‫باإلضافة إلى ما ذكره العلماء من الحكم المرتبطة بالصحة‪.‬‬ ‫وورد النهي عن أكل لحم القرد‪ ،‬قال ابن عبد البر‪ (:‬أجمع المسلمون على‬ ‫انه ال يجوز أكل القرد لنهى رسول الله ‪ ‬عن أكل القرد)‬ ‫وبخالف هذا نرى اإلباحة المطلقة لكثير من الحيوانات البحرية نظرا‬ ‫لكثرتها وعدم الخشية من انقراضها‪ ،‬بل يسرت الشريعة األحكام المرتبطة بها‪.‬‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد والترمذي‪.‬‬

‫‪082‬‬


‫وكأنها ـ من خالل هذا التسيير ـ تدعو إلى االستعاضة بها عن الحيوانات‬ ‫المحرمة حفاظا على البيئة‪ ،‬بل إن القرآن الكريم يصف من محاسن الحيوانات‬ ‫البحرية ما يرغب في أكلها‪ ،‬قال تعالى ممتنا على عباده‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّل ِذي َس َّخ َر ا ْل َب ْح َر‬ ‫ل ِ َت ْأ ُك ُلوا ِمنْه َلحم ًا َط ِري ًا وتَست َْخ ِرجوا ِمنْه ِح ْلي ًة َت ْلبسونَها وتَرى ا ْل ُف ْل َك مو ِ‬ ‫اخ َر فِ ِيه‬ ‫ََ‬ ‫ُ‬ ‫ُ ْ‬ ‫ُ َ َُ َ َ َ‬ ‫ّ َ ْ‬ ‫َول ِ َت ْب َت ُغوا ِم ْن َف ْض ِل ِه َو َل َع َّل ُك ْم ت َْش ُك ُر َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪)14:‬‬ ‫فاآلية الكريم تصف لحم الحيوانات البحرية بكونه طريا‪ ،‬وكأنها بذلك تثير‬ ‫الشهية إلى طلبه والرغبة فيه‪.‬‬ ‫وفي آية أخرى تخص صيد البحر باإلباحة‪ ،‬وفي ذلك إشارة أيضا إلى‬ ‫الترغيب في التمتع بنعم الله في البحر‪ ،‬ليحصل التوازن بين البر والبحر‪ ،‬ويحفظ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫لس َّي َار ِة‬ ‫التنوع في كليهما‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬أح َّل َل ُك ْم َص ْيدُ ا ْل َب ْح ِر َو َط َعا ُم ُه َمتَاع ًا َل ُك ْم َول َّ‬ ‫َو ُح ِّر َم َع َل ْي ُك ْم َص ْيدُ ا ْل َب ِّر َما ُد ْم ُت ْم ُح ُرم ًا َوا َّت ُقوا ال َّل َه ا َّل ِذي إِ َل ْي ِه ُت ْح َش ُر َ‬ ‫ون﴾‬ ‫(المائدة‪)91:‬‬ ‫والقرآن الكريم ينبهنا إلى أن الحياة بالصورة التي نتصورها ال تقتصر على‬ ‫هذه األرض‪ ،‬فالكون مملوء بأحياء كثيرة ال يستطيع خيالنا المحدود أن يرسم لها‬ ‫أي صورة‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿:‬ول ِ َّل ِه يسجدُ ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو َما فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض ِم ْن َدا َّب ٍة‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ َْ ُ َ‬ ‫وا ْلم ِ‬ ‫الئ َك ُة َو ُه ْم ال َي ْس َتكْبِ ُر َ‬ ‫ون﴾ (النحل‪ ،)49:‬بل اعتبرها من آياته الدالة على‬ ‫َ َ‬ ‫عظمته وقدرته ولطفه‪ ،‬فقال‪ ﴿:‬و ِمن آياتِ ِه َخ ْل ُق السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َو َما َب َّث فِ ِيه َما‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫ِم ْن َدا َّب ٍة َو ُه َو َع َلى َج ْم ِع ِه ْم إِ َذا َي َشا ُء َق ِدير﴾ (الشورى‪)19:‬‬

‫‪083‬‬


‫وبذلك تكون األرض مجرد نموذج ل أحياء‪ ..‬وأنواع األحياء‪ ..‬وفي ذلك‬ ‫إشارة بديعة إلى أن هذا الكون العريض الذي ال نعرف له حدودا مملوء هو اآلخر‬ ‫بأصناف الحياة واألحياء‪ ،‬قال النورسي‪ (:‬إن الكرة االرضية وهي واحدة من‬ ‫األجرام السماوية‪ ،‬على كثافتها وضآلة حجمها‪ ،‬قد أصبحت موطن ًا لما ال يحد من‬ ‫وأخس األماكن فيها منابع‬ ‫األحياء وذوي المشاعر‪ ،‬حتى لقد أصبحت أقذر‬ ‫ّ‬ ‫ومواطن لكثير من األحياء‪ ،‬ومحشر ًا ومعرض ًا للكائنات الدقيقة‪ .‬فالضرورة‬ ‫والبداهة والحدس الصادق واليقين القاطع جميع ًا تدل وتشهد بل تعلن ّ‬ ‫أن‪ :‬هذا‬ ‫الفضاء الواسع والسموات ذات البروج واألنجم والكواكب كلها مليئة باألحياء‬ ‫الغراء على اولئك‬ ‫وبذوي االدراك والشعور‪ .‬ويطلق القرآن الكريم والشريعة ّ‬ ‫األحياء الشاعرين والذين ُخلقوا من النور والنار ومن الضوء والظالم والهواء ومن‬ ‫الصوت والرائحة ومن الكلمات واألثير وحتى من الكهرباء وسائر السياالت‬ ‫اللطيفة االخرى بأنهم‪ :‬مالئكة‪ ..‬وجان‪ ..‬وروحانيات‪ ..‬ولكن كما أن االجسام‬ ‫الم َلك الموكّل على قطرة المطر من‬ ‫أجناس مختلفة كذلك المالئكة؛ اذ ليس َ‬ ‫الم َلك الموكّل على الشمس‪ .‬وكذلك الجن والروحانيات مختلف‬ ‫جنس َ‬ ‫األجناس الكثيرة)‬

‫(‪)1‬‬

‫تنوع األلوان‪:‬‬ ‫كما نبه القرآن الكريم إلى تنوع أجناس الكائنات الحية تحدث عن اختالف‬ ‫(‪ )1‬انظر‪ :‬الكلمة التاسعة والعشرون‪ ،‬وهي تخص بقاء الروح والمالئكة والحشر‪.‬‬

‫‪084‬‬


‫ِ‬ ‫الس َم ِاء َما ًء َف َأ ْخ َر ْجنَا بِ ِه‬ ‫ألوانها‪ ،‬فقال تعالى عن الجبال‪َ ﴿:‬أ َل ْم ت ََر َأ َّن ال َّل َه َأن َْز َل م َن َّ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ات م ْختَلِف ًا َأ ْل َوا ُن َها َو ِم َن ا ْل ِج َب ِ‬ ‫يب ُسود‬ ‫ال ُجدَ د بِيض َو ُح ْمر ُم ْختَلف َأ ْل َوا ُن َها َو َغ َرابِ ُ‬ ‫َث َم َر ُ‬ ‫﴾ (فاطر‪)10:‬‬ ‫وقال عن اختالف ألوان األنعام‪َ ﴿:‬و ِم َن الن ِ‬ ‫اب َو ْاألَ ْن َعا ِم ُم ْخت َِلف‬ ‫َّاس َوالدَّ َو ِّ‬ ‫َأ ْلوا ُنه ك ََذلِ َك إِنَّما ي ْخ َشى ال َّله ِمن ِعب ِ‬ ‫اد ِه ا ْل ُع َل َما ُء إِ َّن ال َّل َه َع ِزيز َغ ُفور﴾ (فاطر‪)14:‬‬ ‫َ ْ َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ُ‬ ‫وفي القرآن الكريم نجد لونا خاصا لقي عناية خاصة‪ ،‬هو اللون األخضر‪،‬‬ ‫فالله تعالى يصف أهل الجنة وهم على فرشهم في جو رفيع من البهجة والمتعة‬ ‫بقوله تعالى‪ ﴿:‬مت َِّك ِئين َع َلى ر ْفر ٍف ُخ ْض ٍر و َعب َق ِري ِحس ٍ‬ ‫ان﴾ (الرحمن‪،)01:‬‬ ‫َ‬ ‫َ ْ ٍّ َ‬ ‫َ َ‬ ‫ُ‬ ‫ِ ِ‬ ‫اب ُسنْدُ ٍ‬ ‫س ُخ ْضر َوإِ ْس َت ْب َرق َو ُح ُّلوا‬ ‫ويصف ألوان ثيابهم بقوله تعالى‪َ ﴿:‬عال َي ُه ْم ث َي ُ‬ ‫َأس ِ ِ ِ ٍ‬ ‫اه ْم َر ُّب ُه ْم َش َراب ًا َط ُهور ًا﴾ (االنسان‪)11:‬‬ ‫او َر م ْن ف َّضة َو َس َق ُ‬ ‫َ‬

‫وفي كل ذلك إشارة إلى وجوب المحافظة على ألوان األشياء وعدم‬ ‫إفسادها بما يفسدونها به اآلن من التدخل في هندستها الوراثية‪.‬‬ ‫وقد أثبت العلم الحديث(‪ )1‬أهمية اللون في التدخل في صحة اإلنسان‪،‬‬ ‫يقول أحد علماء النفس وهو أردتشام‪ (:‬إن تأثير اللون في اإلنسان بعيد الغور وقد‬ ‫أجريت تجارب متعددة بينت أن اللون يؤثر في إقدامنا وإحجامنا ويشعر بالحرارة‬ ‫أو البرودة‪،‬و بالسرور أو الكآبة‪ ،‬بل يؤثر في شخصية الرجل وفي نظرته إلى الحياة‪.‬‬

‫(‪)1‬‬

‫انظر‪ :‬مع الطب في القرآن الكريم‪ ،‬للدكتور عبد الحميد دياب‪ ،‬والدكتور أحمد قرقوز‪ ،‬مؤسسة علوم القرآن‬

‫دمشق‪.‬‬

‫‪085‬‬


‫و يسبب تأثير اللون في أعماق النفس اإلنسانية فقد أصبحت المستشفيات‬ ‫تستدعي االخصاصيين القتراح لون الجدران الذي يساعد أكثر في شفاء المرضى‬ ‫وكذلك المالبس ذات األلوان المناسبة‪.‬‬ ‫وقد بينت التجارب أن اللون األصفر يبعث النشاط في الجهاز العصبي‪ ،‬أما‬ ‫اللون األرجواني فيدعو إلى االستقرار واللون األزرق يشعر اإلنسان بالبرودة‬ ‫عكس الحمر الذي يشعره بالدفء ووصل العلماء إلى أن اللون الذي يبعث‬ ‫السرور والبهجة وحب الحياة هو اللون األخضر‪ ،‬لذلك أصبح اللون المفضل في‬ ‫غرف العمليات الجراحية لثياب الجراحين والممرضات‪.‬‬ ‫ومما يمكن ذكره هنا تلك التجربة التي تمت في لندن على جسر ( بالك‬ ‫فرايار) الذي يعرف بجسر االنتحار ألن اغلب حوادث االنتحار تتم من فوقه حيث‬ ‫تم تغيير لونه األغبر القاتم إلى اللون األخضر الجميل مما سبب انخفاض حوادث‬ ‫االنتحار بشكل ملحوظ‪.‬‬ ‫والتفسير العلمي لذلك أن اللون األخضر يريح البصر‪ ،‬وذلك ألن الساحة‬ ‫البصرية له أصغر من الساحات البصرية لباقي األلوان كما أن طول موجته وسطي‬ ‫فليست بالطويلة كاللون األحمر وليست بالقصيرة كاألزرق‪.‬‬ ‫بل إن ما يسمى اآلن بالطب البديل يتفق تماما مع ما ورد في القرآن الكريم‬ ‫من استعمال األلوان في خدمة الصحة‪ ،‬وسنذكر هنا من مشكاة قوله تعالى‪ ﴿:‬إِ َّن َها‬ ‫َب َق َرة َص ْف َرا ُء َف ِاقع َل ْو ُن َها ت َُس ُّر النَّاظِ ِري َن)(البقرة‪ )19 :‬بعض ما اكتشفه هذا النوع من‬

‫‪086‬‬


‫الطب(‪ )1‬لإلشارة إلى وجوب المحافظة على جمال الكون وألوانه كما خلقها الله‬ ‫تعالى‪.‬‬ ‫ينطلق أصحاب هذا العلم من أن الله تعالى مزج بنية االنسان بعناصر‬ ‫وتموجات كهربائية وإشعاعات ذاتية‪ ،‬بحيت تتجانس كلية مع العناصر الموجودة‬ ‫في الكون المحيط به من موجات كهرومغناطيسية وإشعاعات كونية وذبذبات‬ ‫لونية‪ ،‬وكالهما مكون من درجات مختلفة من الذبذبات الموجية‪ ،‬مما يؤهل‬ ‫اإلنسان الى الحياة بواسطة هذه الطاقات الكهربائية واإلشعاعية‪.‬‬ ‫ويذكرون أن لكل شخص إشعاعات تختلف في طول موجتها وعدد ذبذبتها‬ ‫وتردداتها عن غيره‪ ،‬وبذلك يكون كل شخصا مستقل عن غيره في الصفات‬ ‫والطبائع‪ ،‬وبذلك يكون لكل شخص لون خاص يتميز به‪ ،‬أو طول موجة وذبذبة‬ ‫ترددية خاصة به مثلما هو األمر بالنسبة لبصمات اإلصابع‪.‬‬ ‫فكل إنسان تنبعث منه إشعاعات خاصة به‪ ،‬ويستقبل إشعاعات من الكون‬ ‫من اإلشعاعات والذبذبات اللونية التى تحيط به في البيئة التي يعيشها‪ ،‬وكذلك‬ ‫تسبب اإلشعاعات الموجية والذبذبات الصحة والمرض ‪-‬بإذن الله‪ -‬والحب‬ ‫والكراهية وذلك لو كانت الموجات المرسلة والمستقبلة بين شخص وآخر‬ ‫متقاربة نتج عن ذلك تفاهم ومحبة قوية‪ ،‬وكلما تنافرت كلما نتج عنها خالف‬ ‫وكراهية‪.‬‬

‫(‪ )1‬انظر‪ ::‬كتاب الوصفة الطبية للعالج بالتغذية‪ ،‬ود‪.‬م ‪ /‬يحيى حمزة كوشك‪.‬‬

‫‪087‬‬


‫انطالقا من هذه االفتراضية التي تدل عليها األدلة الكثيرة أخذ ما يمكن‬ ‫تسميتهم بعلماء األلوان في إجراء الدراسات على تأثير األلوان على حالتنا النفسية‬ ‫والصحية‪ ،‬وطريقة تفكيرنا‪ ،‬فالشخص الذي يفضل لونا معينا ـ مثال ـ على لون آخر‬ ‫يكون له عالقة بتأثير ذلك اللون على إحساس ذلك الشخص‪.‬‬ ‫فعندما يدخل اللون ـ الذي هو عبارة عن ضوء أو طاقة مشعة مرئية ذات طول‬ ‫موجي معين ـ إلى المستقبالت الضوئية في العين تنبه الغدة النخامية والصنوبرية‪،‬‬ ‫وهذا يؤدي الى إفراز هرمونات معينة‪ ،‬تقوم بإحداث مجموعة من العمليات‬ ‫الفيسولوجية‪ ،‬وهذا التفسير يشرح سبب سيطرة األلوان على أفكارنا ومزاجنا‬ ‫وسلوكياتنا‪.‬‬ ‫ومن أمثلة ذلك أنهم ذكروا أن اللون البرتقالي مقو للقلب ومنشط عام‬ ‫ومضاد لإلحساس بالهبوط والفتور واالكتئاب والنعاس واإلضطهاد واليأس‬ ‫وكافة المشاعر السيئة‪ ،‬ويساعد على الشفاء من أمراض القلب واإلضطرابات‬ ‫العصبية وإلتهابات العينين‪..‬‬ ‫واللون البنفسجي مهدئ بوجه عام وخاصة في األمراض العصبية والنفسية‪.‬‬ ‫واللون الوردي له تأثير ملطف على الجسم حيث يقوم بإرخاء العضالت‪.‬‬ ‫واللون فوق البنفسجي مضر في حالة اإلصابة بأمراض القلب والرئتين‬ ‫ويسبب اإلنفصال الشبكي بالعين‪ ،‬ولكنه مطهر وقاتل لبعض الجراثيم‪.‬‬ ‫وهكذا سائر األلوان‪ ،‬وقد ال يكون بعض ما اكتشفه هؤالء صحيحا‪ ،‬فهذا‬

‫‪088‬‬


‫علم مع قدمه ال يزال من ناحية الجزم واليقين في بداياته‪ ،‬ولكنا نعتقد أن العلم ـ‬ ‫مستقبال ـ سيكتشف الكثير من الحقائق القطعية حول األلوان‪ ،‬وورودها في القرآن‬ ‫الكريم بذلك التفصيل كاف واحده لقناعتنا بهذا االستشراف المستقبلي‪.‬‬ ‫ولكن قبل ذلك‪ ..‬نحافظ على ألوان الكون قبل أن يدمرها جشع اإلنسان‬ ‫وحرص اإلنسان وصراع اإلنسان‪.‬‬ ‫التوازن‪:‬‬ ‫خلق الله تعالى كل ما نراه أو ما ال نراه من الكون في توازن تام ال يتخلف‪،‬‬ ‫وبمقادير محددة مضبوطة في منتهى الدقة واإلحكام‪ ،‬قال تعالى مبينا قانون ذلك‪﴿:‬‬ ‫َو َخ َل َق ُك َّل َش ْي ٍء َف َقدَّ َر ُه َت ْق ِدير ًا)(الفرقان‪)1 :‬‬ ‫وذكر بعض تفاصيل ذلك‪:‬‬ ‫فكل ما في األرض وما عليها مقدر وموزون بميزان الله الدقيق‪ ،‬قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫و ْاألَر َض مدَ دنَاها و َأ ْل َقينَا فِيها رو ِاسي و َأ ْنب ْتنَا فِيها ِمن ُك ِّل َشي ٍء مو ُز ٍ‬ ‫ون﴾‬ ‫ْ َْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ ََ َ َ َ‬ ‫َ ْ َ َ ْ‬ ‫َ ْ‬ ‫(الحجر‪)19:‬‬ ‫وحركات األفالك في مساراتها مقدرة تقديرا دقيقا ال تحيد عنه‪ ،‬قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫َفالِ ُق ْ ِ‬ ‫اإل ْص َب ِ‬ ‫اح َو َج َع َل ال َّل ْي َل َسكَن ًا َو َّ‬ ‫الش ْم َس َوا ْل َق َم َر ُح ْس َبان ًا َذلِ َك َت ْق ِد ُير ا ْل َع ِز ِيز‬ ‫ا ْل َع ِلي ِم﴾ (األنعام‪)91:‬‬ ‫وحركات الشمس وسيرها مقدر بحساب دقيق‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و َّ‬ ‫الش ْم ُس‬ ‫ت َْج ِري ل ِ ُم ْس َت َق ٍّر َل َها َذلِ َك َت ْق ِد ُير ا ْل َع ِز ِيز ا ْل َع ِلي ِم﴾ ( ّيـس‪)34:‬‬

‫‪089‬‬


‫وبهذا النظام الدقيق والموازين المضبوطة قدر الله السموات جميعا‪ ،‬قال‬ ‫تعالى‪َ ﴿:‬ف َق َضاهن سبع سماو ٍ‬ ‫ات فِي َي ْو َم ْي ِن َو َأ ْو َحى فِي ُك ِّل َس َم ٍاء َأ ْم َر َها َو َز َّينَّا‬ ‫ُ َّ َ ْ َ َ َ َ‬ ‫يح َو ِح ْفظ ًا َذلِ َك َت ْق ِد ُير ا ْل َع ِز ِيز ا ْل َع ِلي ِم﴾ (فصلت‪)11:‬‬ ‫الس َما َء الدُّ ْن َيا بِ َم َصابِ َ‬ ‫َّ‬ ‫وقد شرح العلم الحديث بعض ما أشار إليه القرآن الكريم من الموازين‬ ‫الضابطة للكون‪ ،‬وسنقتبس هنا بعض ما ذكره كنماذج للتوازن الدقيق للكون وفق‬ ‫الحكمة اإللهية(‪.)1‬‬ ‫فالعلم ينص على أنه لو كانت قشرة األرض أسمك مما هي بمقدار بضعة‬ ‫أقدام‪ ،‬المتص ثاني أكسيد الكربون األوكسجين‪ ،‬ولما أمكن وجود حياة النبات‪.‬‬ ‫ولو كان الهواء أرفع كثيرا مما هو عليه‪ ،‬فإن بعض الشهب التي تحترق اآلن‬ ‫بالماليين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة األرضية‪ ،‬وهي‬ ‫تسير بسرعة تترواح بين ستة أميال وأربعين ميال في الثانية‪ .‬وكان في إمكانها أن‬ ‫تشعل كل شيء قابل لالحتراق‪ .‬ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية الرتطمت‬ ‫كلها باألرض‪ ،‬ولكانت العاقبة مروعة‪ .‬أما اإلنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل‬ ‫يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربا من مجرد حرارة‬ ‫مروره‪.‬‬ ‫وينص على أن الهواء سميك بالقدر الالزم بالضبط لمرور األشعة ذات‬

‫(‪ )1‬انظر‪ :‬كتاب العلم يدعو إلى اإليمان‪ ،‬أ‪ .‬كريسي مورسون رئيس أكاديمية العلوم في واشنطن‪.‬‬

‫‪091‬‬


‫التأثير الكيميائي التي يحتاج إليها الزرع‪ ،‬والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات‪،‬‬ ‫دون أن تضر باإلنسان‪ ،‬إال إذا عرض نفسه لها مدة أطول من الالزم‪.‬‬ ‫وينص على أن األوكسجين لو كان بنسبة ‪ 57‬في المائة مثال أو أكثر في الهواء‬ ‫بدال من ‪ 11‬في المائة فإن جميع المواد القابلة لالحتراق في العالم تصبح عرضة‬ ‫لالشتعال‪ ،‬لدرجة أن أول شرارة من البرق تصيب شجرة ال بد أن تلهب الغابة حتى‬ ‫لتكاد تنفجر‪.‬‬ ‫ولو أن نسبة األوكسجين في الهواء قد هبطت إلى ‪ 17‬في المائة أو أقل‪ ،‬فإن‬ ‫الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خالل الدهور‪ .‬ولكن في هذه الحالة كان القليل‬ ‫من عناصر المدنية التي ألفها اإلنسان ‪ -‬كالنار مثال ‪ -‬تتوافر له‪.‬‬ ‫وال بأس أن نذكر هنا ـ من باب وجوه الحكمة في الكون ـ واقعة فيها مثل‬ ‫بارز على أهمية كل كائن حتى لو كان حشرة بسيطة قد ال يعيرها اإلنسان أي‬ ‫اهتمام‪.‬‬ ‫وهذه الواقعة حدثت منذ سنوات عديدة في استراليا حيث زرع نوع من‬ ‫الصبار‪ .‬كسياج وقائي‪ .‬ولكن هذا الزرع مضى في سبيله حتى غطى مساحة تقرب‬ ‫من مساحة انجلترا‪ ،‬وزاحم أهل المدن والقرى‪ ،‬وأتلف مزارعهم‪ ،‬وحال دون‬ ‫الزراعة‪ .‬ولم يجد األهالي وسيلة تصده عن االنتشار ؛ وصارت أستراليا في خطر‬ ‫من اكتساحها بجيش من الزرع صامت‪ ،‬يتقدم في سبيله دون عائق‪.‬‬ ‫وطاف علماء الحشرات بنواحي العالم حتى وجدوا أخيرا حشرة ال تعيش‬

‫‪090‬‬


‫إال على ذلك الصبار‪ ،‬وال تتغذى بغيره‪ ،‬وهي سريعة االنتشار‪ ،‬وليس لها عدو‬ ‫يعوقها في استراليا‪ .‬وما لبثت هذه الحشرة حتى تغلبت على الصبار‪ .‬ثم تراجعت‪،‬‬ ‫ولم يبق منها سوى بقية قليلة للوقاية‪ ،‬تكفي لصد الصبار عن االنتشار إلى األبد‪.‬‬ ‫والقرآن الكريم من خالل عرضه لبعض نماذج توازن الكون يدعونا إلى‬ ‫تسخير العلم لخدمة هذا التوازن حفاظا على وجودنا ووجود غيرنا على هذه‬ ‫األرض‪.‬‬ ‫ولكن العلم الحديث وقع في بعض األيدي اآلثمة التي استسخرته في‬ ‫مصالحها‪ ،‬فاختل توازن الكون في كثير من النواحي‪.‬‬ ‫ومن األمثلة التي يصح ضربها هنا وصف القرآن الكريم السماء بكونها سقفا‬ ‫الس َما َء َس ْقف ًا َم ْح ُفوظ ًا َو ُه ْم َع ْن آ َياتِ َها ُم ْع ِر ُض َ‬ ‫ون‬ ‫محفوظا‪ ،‬كما قال تعالى‪َ ﴿:‬و َج َع ْلنَا َّ‬ ‫﴾ (االنبياء‪)31:‬‬ ‫فإن في ذلك إشارة صريحة إلى وجوب المحافظة على هذا السقف‬ ‫المحفوظ‪ ،‬وهذا الوجوب يستدعي التعرف على كل ما يؤذيه لتجنبه‪.‬‬ ‫والعلم الحديث يخدم هذا الجانب‪ ،‬ويؤكده‪ ،‬ويخبر أن هذه البيئة التى‬ ‫جهزها الله تعالى بكل مقومات الحياة لتصبح بيت ًا آمن ًا لإلنسان وتفي بكل متطلباته‬ ‫المعيشية قد حفظها الله تعالى وحماها من مخاطر اإلشعاعات الكونية الفضائية‬ ‫والشهب والنيازك التى تندفع من القضاء الخارجي نحو األرض‪.‬‬ ‫لكن الفكر الجاحد الذي يتصور أنه يستمد من العلم الحديث يلغي كل هذه‬

‫‪092‬‬


‫االعتبارات‪ ،‬فال يخضع إال لسلطان الهوى‪ ،‬فيغلب المصالح الوقتية البسيطة على‬ ‫مصلحة األرض جميعا‪.‬‬ ‫وهذا الفكر هو الذي استسخر التكنولوجيا لتدمير هذا السقف المحفوظ‪،‬‬ ‫وسنشرح باختصار ماذا فعل هذا الفكر المصارع لتوازن الكون‪ ،‬وما سيمكن أن‬ ‫يصنعه إن لم يرعوي عن هذا السلوك‪.‬‬ ‫فنسبة ثاني أكسيد الكربون نسبة مقدرة تقدير ًا دقيق ًا‪ ،‬وهي تلعب دور ًا مهم ًا‬ ‫جد ًا فى إعالة الحياة على سطح األرض‪.‬‬ ‫فالبيئة بهذه النسبة الضئيلة جد ًا من ثاني أكسيد الكربون المقدرة تقدير ًا هادف ًا‬ ‫استطاعت أن تحتفظ فى غالفها الجوي القريب من سطح األرض حيث يتركز‬ ‫معظم ثاني أكسيد الكربون (‪ 47‬بالمائة) بدرجة حرارة مناسبة تسمح بوجود الحياة‬ ‫على سطحها‪.‬‬ ‫فالله تعالى قد أودع في هذا الغاز خاصية امتصاص الموجات الحرارية‬ ‫األرضية (األشعة تحت الحمراء) واالحتفاظ بها فى الغالف الجوي بما يعطي‬ ‫لهذا الغالف هذه الدرجة المناسبة من الحرارة التى تسمح بوجود الحياة‪.‬‬ ‫ومعني هذا أن االخالل بنسبة هذا الغاز زيادة أو نقصان ًا تعني زيادة أو نقصان ًا‬ ‫فى درجة حرارة الغالف الجوي وما يحمل هذا األمر من مخاطر كثيرة‪.‬‬ ‫وقد حصل هذا األمر‪ ،‬فنسبة ثاني أكسيد الكربون في زيادة مطردة فى‬ ‫الغالف الجوي منذ الخمسينات من هذا القرن‪.‬‬

‫‪093‬‬


‫ومن مخاطر هذه الزيادة ازدياد حرارة األرض مما يسبب انصهار كميات‬ ‫كبيرة من الثلوج فى مناطق القطبين والجبال‪ ،‬وهذه المياه تتحرك لتسهم فى رفع‬ ‫منسوب مياه البحار والمحيطات‪.‬‬ ‫وهذه الزيادة قد تتسبب في تعرض مدن ساحلية كثيرة للغرق‪ ،‬وتشير‬ ‫سجالت المد والجزر فى مناطق كثيرة من العالم أن منسوب مياه البحار قد ارتفع‬ ‫بمقدار ‪ 45‬ملليمتر ًا فى الفترة من ‪ ،1947 - 1497‬وأخذ المنسوب في االرتفاع‬ ‫بمعدل ‪ 3‬ملليمترات سنوي ًا حتي عام ‪ ،1907‬ثم ازداد المعدل ليصل إلى ‪14‬‬ ‫ملليمتر ًا فى الوقت الحاضر‪.‬‬ ‫وقد تبين للعلماء أن تزايد نسبة ثاني أكسيد الكربون الترجع فقط إلى تزايد‬ ‫استهالك مصادر الوقود األحفوري (الفحم ـ النفط ـ الغاز الطبيعي)‪ ،‬وإنما جاءت‬ ‫أيض ًا نتيجة التدهور الذى أصاب الغطاء النباتي الذي يعد المستهلك الرئيسي لثاني‬ ‫أكسيد الكربون‪.‬‬ ‫وخطورة هذا الوضع هي التي دعت إلى عقد مؤتمر دولي فى لندن فى فبراير‬ ‫‪ 1949‬لمناقشة اإلجراءات والوسائل الكفيلة بضبط إطالق ثاني أكسيد الكربون‬ ‫فى الغالف الجوي وتنمية مصادر استهالكه لوقف هذه الزيادة المطردة ومحاولة‬ ‫العودة بنسبته كما قدرها الله تعالى‪.‬‬ ‫ومن األمثلة التي يصح ضربها هنا ـ أيضا ـ ما نص عليه قوله تعالى‪﴿:‬‬ ‫و ْاألَر َض مدَ دنَاها و َأ ْل َقينَا فِيها رو ِاسي و َأ ْنب ْتنَا فِيها ِمن ُك ِّل َشي ٍء مو ُز ٍ‬ ‫ون﴾‬ ‫ْ َْ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َ ََ َ َ َ‬ ‫َ ْ َ َ ْ‬ ‫َ ْ‬

‫‪094‬‬


‫(الحجر‪)19:‬‬ ‫فاآلية الكريمة تشير إلى أن عناصر البيئة ‪ -‬الحية منها وغير الحية ‪ -‬تتفاعل‬ ‫وترتبط ببعضها في تناسق دقيق‪ ،‬يتيح لها أداء دورها بشكل متوازن ومتكامل‪،‬‬ ‫بحيث تحافظ على وجودها دون أن تتس َّبب في خلخلة منظومة الحياة‪ ،‬وتهدِّ د سائر‬ ‫األحياء‪.‬‬ ‫أي خلل في هذا النظام‪ ،‬يعني الخطر العام على األحياء‬ ‫وهي تدل على أن َّ‬ ‫جميعا‪ ،‬وللتدليل على ذلك نورد مثاال يتع َّلق بالنسيج الغابي‪ ،‬الذي عملت فيه يد‬ ‫اإلنسان قطعا واقتالعا‪ ،‬لتلبية حاجاته ونهمه إلى الخشب في مساكنه وقصوره‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫فإن تعرية البيئة الغابية‪ ،‬سيؤدي إلى اختفاء معظم األشجار التي تعتمد عليها‬ ‫تعري‬ ‫كثير من الحيوانات‪ ،‬ملجأ وأوكارا‪ ،‬ومصدرا للغذاء‪ ..‬وسيؤدي بالتالي إلى ِّ‬ ‫وتعرضها لالنجراف‪ ،‬وما يعقب ذلك من عجز األرض عن امتصاص الماء‪،‬‬ ‫التربة ُّ‬ ‫التصحر‪ ..‬وسيؤدي ذلك إلى خلخلة دورة األوكسيجين وثاني‬ ‫وازدياد خطر‬ ‫ُّ‬ ‫أوكسيد الكربون‪ ،‬باعتبار األشجار مصدرا بل مصنعا متجدِّ دا ل أوكسيجين‪،‬‬ ‫التلوث الهوائي‪..‬‬ ‫ومستهلكا ألوكسيد الكربون‪ ،‬ونقصان األشجار يزيد في درجة ُّ‬ ‫وسيؤدي ذلك أخيرا إلى تقليل ُّ‬ ‫تبخر الماء الناتج عن األشجار‪ ،‬بسبب قطعها‪،‬‬ ‫فتصاب المنطقة بالجفاف وتقل األمطار‪.‬‬ ‫هذا نموذج بسيط‪ ،‬وه ِّين من تصدُّ ع المنظومة البيئية بسبب اإلنسان‪.‬‬ ‫تعرضنا لآلثار الخطيرة الناجمة عن الصناعات الكيماوية ومركَّباتها‬ ‫ولو َّ‬

‫‪095‬‬


‫العمالقة‪ ،‬وآثار نفاياتها السا َّمة على األنهار والبحار‪ ،‬والحياة المائية‪ ،‬وعلى الغالف‬ ‫المرة‪،‬‬ ‫الجوي‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫وتسمم الهواء‪ ،‬ألفضى بنا الحديث إلى مجلدَّ ات من الحقائق َّ‬ ‫ُّ‬ ‫ِ‬ ‫نفسه‪ ،‬بما‬ ‫والمخاطر الحقيقية التي تعاني منها الحياة‪ ،‬ويدفع ثمنها الباهظ اإلنسان ُ‬ ‫وتشوهات ِخلقية‪.‬‬ ‫نجم عنها من أمراض مزمنة‬ ‫ُّ‬ ‫االنتفاع‪:‬‬ ‫لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يتيح لهذه المخلوقات التي تعمر الكون‬ ‫انتفاع بعضها ببعض بحسب درجاتها المختلفة‪.‬‬ ‫وكان من رحمة الله المقترنة بحكمته أن أتاح لإلنسان االنتفاع بكل ما في‬ ‫األرض من منافع‪ ،‬كما قال تعالى‪ُ ﴿:‬ه َو ا َّل ِذي َخ َل َق َل ُك ْم َما فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َج ِميع ًا ُث َّم‬ ‫استَوى إِ َلى السم ِاء َفسواهن سبع سماو ٍ‬ ‫ات َو ُه َو بِ ُك ِّل َش ْي ٍء َع ِليم﴾ (البقرة‪)19:‬‬ ‫َّ َ َ َّ ُ َّ َ ْ َ َ َ َ‬ ‫ْ َ‬ ‫وفي عالم األنعام أخبر تعالى أنه خلق األنعام لينتفع بها في الوجوه‬ ‫فء َو َمنَافِ ُع َو ِمن َْها َت ْأ ُك ُل َ‬ ‫ون﴾‬ ‫المشروعة‪ ،‬فقال تعالى‪َ ﴿:‬و ْاألَ ْن َعا َم َخ َل َق َها َل ُك ْم فِ َيها ِد ْ‬ ‫(النحل‪ ،)5:‬وقال تعالى‪َ ﴿:‬وإِ َّن َل ُك ْم فِي ْاألَ ْن َعا ِم َل ِع ْب َر ًة ُن ْس ِقي ُك ْم ِم َّما فِي ُب ُطونِ ِه ِم ْن‬ ‫بي ِن َفر ٍ‬ ‫ث َو َد ٍم َل َبن ًا َخالِص ًا َس ِائغ ًا ل ِ َّ‬ ‫لش ِاربِي َن﴾ (النحل‪ ،)11:‬وقال تعالى‪َ ﴿:‬وال َّل ُه‬ ‫َْ ْ‬ ‫ود ْاألَ ْنعا ِم بيوت ًا تَست ِ‬ ‫جع َل َل ُكم ِمن بيوتِ ُكم سكَن ًا وجع َل َل ُكم ِمن ج ُل ِ‬ ‫َخ ُّفون ََها َي ْو َم‬ ‫َ ُُ‬ ‫ْ ْ ُ‬ ‫َ َ َ‬ ‫َ َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ ْ ُُ ْ َ‬ ‫َظ ْعنِ ُك ْم َو َي ْو َم إِ َقا َمتِ ُك ْم َو ِم ْن َأ ْص َوافِ َها َو َأ ْو َب ِار َها َو َأ ْش َع ِار َها َأ َثاث ًا َو َمتَاع ًا إِ َلى ِح ٍ‬ ‫ين﴾‬

‫(النحل‪ ،)47:‬وقال تعالى‪َ ﴿:‬وإِ َّن َل ُك ْم فِي ْاألَ ْن َعا ِم َل ِع ْب َر ًة ُن ْس ِقي ُك ْم ِم َّما فِي ُب ُطونِ َها‬ ‫َو َل ُك ْم فِ َيها َمنَافِ ُع كَثِ َيرة َو ِمن َْها َت ْأ ُك ُل َ‬ ‫ون﴾ (المؤمنون‪ ،)11:‬وقال تعالى‪ ﴿:‬ال َّل ُه ا َّل ِذي‬

‫‪096‬‬


‫َج َع َل َل ُك ُم ْاألَ ْن َعا َم لِت َْر َك ُبوا ِمن َْها َو ِمن َْها َت ْأ ُك ُل َ‬ ‫ون﴾ (غافر‪)09:‬‬ ‫ومن هذا الباب الوحيد أتيح لإلنسان أن يتصرف بما قد يبدو ضارا بهذه‬ ‫األحياء‪ ..‬ومع ذلك‪ ،‬فإن المؤمن ينتفع بهذا النوع من االنتفاع‪ ،‬وهو ممتلئ‬ ‫بالرحمة‪ ،‬يستشعر منة الله الذي أتاح له أن يتنعم بهذا الضرر الذي يصيب غيره‪،‬‬ ‫وقد روي أن رجال قال‪ (:‬يا رسول الله إني ألرحم الشاة أن أذبحها)‪ ،‬فقال‪ (:‬إن‬ ‫رحمتها رحمك الله)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي حديث آخر قال رسول الله ‪ (:‬من رحم ذبيحة رحمه الله يوم‬ ‫القيامة)‪،‬وفي رواية‪ (:‬من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال بعضهم لرسول الله ‪ :‬يا رسول الله إني ألجد العنز ألذبحها‬ ‫فأرحمها قال‪( :‬وإن رحمتها رحمك الله)‬

‫(‪)3‬‬

‫ومع ذلك‪ ،‬فإن النصوص المقدسة فرضت من اآلداب ما يخفف من شدة‬ ‫الضرر الذي يصيب الكائنات عند انتفاعنا بها‪:‬‬ ‫فقد أرشدنا ‪ ‬إلى الكيفية المثلى لالستفادة من الحيوان مع عدم إيذائه ما‬ ‫أمكن‪ ،‬فقد رأى رسول الله ‪ ‬رجال أضجع شاة وهو يحد شفرته‪ ،‬فقال النبي‬ ‫‪ (:‬أتريد أن تميتها موتات‪ ،‬هال أحددت شفرتك قبل أن تضجعها)‬

‫(‪)4‬‬

‫(‪ )1‬رواه الحاكم وقال صحيح اإلسناد‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه الطبراني في الكبير‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه الطبراني في الكبير وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي قال أبو حاتم يكتب حديثه وال يحتج به‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه الطبراني والحاكم وقال‪ :‬صحيح على شرط الشيخين‪.‬‬

‫‪097‬‬


‫ومر رسول الله ‪ ‬برجل وهو يجر شاة بأذنها‪ ،‬فقال رسول الله ‪ (:‬دع‬ ‫أذنها وخذ بسالفتها )‬

‫(‪)1( )1‬‬

‫وذكر ‪ ‬بعض وجوه اإلحسان في الذبح‪ ،‬فقال‪ ( :‬إن الله كتب اإلحسان‬ ‫على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم‬ ‫شفرته وليرح ذبيحته)‬

‫(‪)3‬‬

‫ومن هذا الباب ما سنه الشارع من الذبح بدل غيره مما تمارسه الجاهليات‬ ‫المختلفة‪ ،‬وقد تفطن القدماء إلى دور الذبح في إزالة األلم‪ ،‬فهذا ابن الجوزي‬ ‫يقول‪ (:‬وأما ألم الذبح فانه يستر‪ ،‬وقد قيل أنه ال يوجد أصال ألن الحساس ل ألم‬ ‫أغشية الدماغ‪ ،‬ألن فيه األعضاء الحساسة‪ ،‬ولذلك إذا أصابها آفة من صرع أو سكتة‬ ‫لم يحس اإلنسان بألم فإذا قطعت األوداج سريعا لم يصل ألم الجسم إلى محل‬ ‫الحس ولهذا قال عليه الصالة والسالم إذا ذبح أحدكم فليحد شفرته وليرح‬ ‫ذبيحته)‬

‫(‪)4‬‬

‫ومثل ذلك نص العلم الحديث على أن الذبح من العنق هو أنجح وسيلة‬ ‫لإلجهاز السريع على الحيوان بغير تعذيب وال تمثيل إذ أنه من الثابت علميا أن‬ ‫الرقبة حلقة الوصل بين الرأس وسائر الجسد فإذا قطع الجهاز العصبي شلت‬

‫(‪ )1‬السالفة مقدم العنق‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه ابن ماجة‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه مسلم‪.‬‬ ‫(‪ )4‬تلبيس إبليس‪.‬‬

‫‪098‬‬


‫جميع وظائف الجسم الرئيسية‪ ،‬وإذا قطعت الشرايين واألوردة توقف الدم عن‬ ‫تغذية المخ‪ ،‬وإذا قطعت الممرات الهوائية وقف التنفس وفي جميع هذه الحاالت‬ ‫تنتهي الحياه سريعا‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى هذا‪ ،‬فإن الذبح يرتبط بمصلحة اإلنسان نفسه‪ ..‬فالدم هو‬ ‫المجرى الذي تلقى فيه مواد االيض أو التمثيل الغذائي كلها ففي ما هو مفيد وما‬ ‫هو ضار مؤذى‪ ،‬والكائنات المتطفلة في الجسم تفرز سمومها في الدم ناهيك عن‬ ‫وجودها في الدورة الدموية في بعض مراحل تطورها‪ ،‬ولهذا فالدم غذاء محرم في‬ ‫اإلسالم‪.‬‬ ‫وقد كان أهل الجاهلية يجبون أسنمة اإلبل ـ وهي حية ـ ويقطعون أليات‬ ‫الغنم وكان في ذلك تعذيب لهذه الحيوانات‪ ،‬فلهذا حرم الرسول ‪ ‬االنتفاع بهذه‬ ‫األجزاء‪ ،‬فقال‪( :‬ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومن هذا الباب نهيه ‪ ‬عن التمثيل بالبهائم‪ ،‬فقد (نهى رسول الله ‪ ‬أن‬ ‫يمثل بالبهائم)‬ ‫ومنه نهيه عن صبر البهائم‪ ،‬ونهيه عن صيد الحيوان أو قتله لغير غرض‪ ،‬قال‬ ‫‪ (:‬ال تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا)‬ ‫ومنه نهيه ‪ ‬عن الرمية‪ ،‬فقد روي أن النبي ‪ ‬نهى عن الرمية أن ترمي‬

‫(‪ )1‬رواه البزار‪.‬‬

‫‪099‬‬


‫الدابة‪ ،‬ثم تؤكل ولكن تذبح ثم يرموا إن شاءوا‪ ،‬وقد مر ابن عباس على أناس قد‬ ‫وضعوا حمامة يرمونها فقال موجها‪ (:‬نهى رسول الله ‪ ‬أن يتخذ الروح غرضا)‬ ‫‪ 4‬ـ الطهارة ‪:‬‬ ‫كل ما نراه في الكون ـ في أصل خلقته ـ طاهر لم يتدنس بأي أذى يجعل من‬ ‫منفعته مضرة‪ ،‬ومن مصلحته مفسدة‪.‬‬ ‫ولهذا األصل ينص الفقهاء على أن (األصل في األشياء الطهارة)‪ ،‬وهي‬ ‫قاعدة ال تعني المعنى التعبدي فقط‪ ،‬بل تعني كذلك الحفاظ على الكون المسخر‬ ‫بالهيئة التي خلق عليها‪ ،‬ألن أي تغيير قد تنقلب عواقبه على عكس المراد‪.‬‬ ‫ولعل أخطر ما يصيبه التلوث‪ ،‬وأسهل ما قد يتعرض للتلوث هو الماء باعتبار‬ ‫سيولته المستعدة لتحلل أي شيء فيه‪.‬‬ ‫ولهذا أولى القرآن الكريم أهمية كبيرة للماء‪ ،‬فقد ورد ذكره في القرآن الكريم‬ ‫‪ 49‬مرة‪ ،‬وامتن الله به على عباده ذاكرا وجوه الحكم في خلقه‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿ :‬ه َو‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يم َ‬ ‫ون (‪ُ )17‬ينبِ ُت َل ُكم‬ ‫الس َماء َماء َّل ُكم ِّمنْه َش َراب َومنْ ُه َش َجر فيه ُتس ُ‬ ‫ا َّلذي َأ َنز َل م َن َّ‬ ‫َّخ َيل واألَ ْعنَاب و ِمن ُكل ال َّثمر ِ‬ ‫ون والن ِ‬ ‫ات إِ َّن فِي َذلِ َك آل َي ًة ِّل َق ْو ٍم‬ ‫الز ْر َع َو َّ‬ ‫بِ ِه َّ‬ ‫َ َ‬ ‫َ‬ ‫الز ْي ُت َ َ‬ ‫ََ‬ ‫َي َت َفك َُّر َ‬ ‫ون (‪( ﴾)11‬النحل)‬ ‫ولكل هذه الخيرات النابعة من نعمة الماء يصفه القرآن الكريم بأنه مبارك أي‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ب‬ ‫الس َماء َما ًء ُم َب َارك ًا َف َأ ْن َب ْتنَا بِه َجنَّات َو َح َّ‬ ‫كثير العطاء‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ون ََّز ْلنَا م َن َّ‬ ‫ا ْل َح ِص ِيد ﴾ ّ‬ ‫(ق‪)9:‬‬

‫‪211‬‬


‫ِ‬ ‫الس َم ِاء‬ ‫ولكن كل هذه المنافع مقيدة بوصف الطهر‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و َأن َْز ْلنَا م َن َّ‬ ‫ماء َطهور ًا لِنُح ِيي بِ ِه ب ْلدَ ًة ميت ًا و ُنس ِقيه ِمما َخ َل ْقنَا َأ ْنعام ًا و َأن ِ‬ ‫َاس َّي كَثِير ًا﴾ (الفرقان‪:‬‬ ‫َ َ‬ ‫َ ً ُ‬ ‫ْ َ َ َ ْ َ ْ َ ُ َّ‬ ‫‪)49 ،44‬‬ ‫وفي ذلك إشارة إلى أن منافعه تقتضي وجود طهوريته‪ ،‬فإن سلبها تحول من‬ ‫دور اإلحياء الذي نص عليه قوله تعالى‪َ ﴿ :‬و َج َع ْلنَا ِم َن ا ْل َم ِاء ُك َّل َش ْي ٍء َح ٍّي َأ َفال‬ ‫ُي ْؤ ِمنُ َ‬ ‫ون)(االنبياء‪ )37 :‬إلى دور اإلماتة‪.‬‬ ‫والعلم الحديث أيد هذه النظرة القرآنية‪ ،‬ففصل في المنافع الجمة التي ورد‬ ‫القرآن الكريم ببيانها‪ ،‬فنص على أن الماء يشكل ‪ %07‬من مساحة اليابسة ويشكل‬ ‫في المتوسط ‪ %15‬من وزن اإلنسان والكائنات الحية‪.‬‬ ‫وحكمة هذه النسبة المرتفعة للماء هو دوره الكبير في سير التفاعالت‬ ‫الكيميائية داخل أجسام النباتات والحيوانات‪.‬‬ ‫وسر ذلك ما يملكه من خواص كيميائية وفيزيائية‪ ،‬منها بناؤه الفريد الذي‬ ‫يجعل جزيئاته متماسكة ومرتبطة بروابط هيدروجينية‪ ،‬ويصبح كل جزيء مرتبط ًا‬ ‫بأربعة جزيئات مجاورة‪ ،‬وكل منها بأربعة‪ ،‬وهكذا تبدوا جميع الجزيئات مرتبطة‬ ‫ببعض في شبكة فراغية متماسكة‪ ،‬ولوال هذا لكانت درجة غليان الماء (‪47-‬م)‬ ‫ودرجة تجمده ( ‪ 177-‬م) والستحال جود الماء على شكل سائل وصلب على‬ ‫سطح األرض والستحالت الحياة‪.‬‬ ‫وهو لهذا يمتص قدرة حرارية كبيرة لكي يتبخر حيث كل غران من الماء‬

‫‪210‬‬


‫السائل يحتاج إلى ‪ 547‬حريرة ليتحول إلى بخار‪ ،‬وهذه الخاصية تعطي الماء دور ًا‬ ‫فريد ًا في نقل القدرة من مكان آلخر‪ ،‬فالماء الذي يتبخر من المحيطات تسوقه‬ ‫الرياح مئات وآالف الكيلومترات إلى أماكن باردة فعند تبرد البخار وتحببه‬ ‫وتساقطه على شكل قطرات مطر ينشر معه الطاقة التي أمتصها أثناء تبخر ه فيساهم‬ ‫في رفع درجة الحرارة في تلك المناطق وتلطيف حرارة الجو وكذلك في أثناء‬ ‫تساقط الثلوج فكم هذه الحرارة المنتشرة كبيرة إذا علمنا أنه يتبخر كل عام ‪517‬‬ ‫ألف كيلوا متر مكعب من الماء‪.‬‬ ‫إلى غير ذلك من الخواص‪ ،‬التي تنتج عنها المنافع الكثيرة‪.‬‬ ‫والعلم الحديث بين كذلك ضوابط استعمال الماء والمخاطر التي تنجر عن‬ ‫سوء التعامل معه‪ ،‬ومن أخطرها ما يسمى بالمطر الحامضي‪ ،‬الذي يشير وصف‬ ‫القرآن الكريم للماء بالطهر على وجوب الحذر منه‪.‬‬ ‫لكن المدنية الحديث ال تبالي بهذا النهي الرباني المؤيد بالعلم حتى أصبح‬ ‫المطر يسقط في مناطق كثيرة ـ خاصة فى البيئات الصناعية ـ مطر ًا حمضي ًا يهلك‬ ‫الحرث والنسل‪ ،‬فقد بلغ األس الهيدروجيني للمطر فى بعض المناطق‬ ‫الصناعية درجة عالية تجعل مياه األمطار عالية الحموضة محدثه أضرار كثيرة‪ ،‬فقد‬ ‫فقدت مئات من البحيرات فى أمريكا الشمالية وشمال غرب أوربا ـ نتيجة ارتفاع‬ ‫درجة حموضة مياهها بسبب المطر الحمضي ـ معظم ما بها من ثروات سمكية‬ ‫وأصبحت ‪ 97‬بحيرة فى منطقة جبال أدرونداك فى والية نيويورك ـ مثال ـ خالية‬

‫‪212‬‬


‫تمام ًا من األسماك تحت تأثير الحموضة المتزايدة لمياه البحيرات وهي حموضة‬ ‫قاتلة ل أحياء‪.‬‬ ‫وال يقتصر تأثير المطر الحمضي على األضرار بمياه األنهار والبحيرات‬ ‫وإنما يمتد تأثيره إلي مخاطر كثيرة فقد أعلن فريق من الباحثين فى جامعة نيوها‬ ‫مبشير بالواليات المتحدة االمريكية (‪ )1945‬أن المطر الحمضي يمنع حاسة‬ ‫الشم عند سمك السالمون‪ ،‬ولهذا يفقد قدرته على إيجاد طريقة نحو مجاري‬ ‫األنهار العليا من أجل وضع بيضة وإتمام عملية الفقس‪ ،‬كما بدأت تضر األمطار‬ ‫الحمضية بالمحاصيل الزراعية تحت تأثير ترسب كميات كبيرة من المواد‬ ‫الحمضية فى التربة مما يغير من تركيبها الكيماوي فى اتجاه الحموضية المتزايدة‬ ‫التى تضر بل تقتل النباتات إذ تعمل الحموضة الزائدة فى التربة على إفقار التربة‬ ‫نتيجة إزالة الكاثيونات " األيونات الموجبة " منها التى تعتبر القاعدة األساسية‬ ‫لتغذية النباتات مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم‪.‬‬ ‫كما يؤدي المطر الحمضي إلى تدمير الكثير من األشجار والنباتات حيث‬ ‫تصاب بظاهرة الموت التراجعي‪ ،‬حيث تموت األشجار واقفه كما يقولون إذ تتلف‬ ‫األوراق العلوية المعرضة مباشرة للمطر الحمضي الذى يقتل المادة الخضراء فيها‬ ‫ثم ينتقل التأثير بعد ذلك الى األوراق التحتية فقد أوضح تقرير من ألمانيا االتحادية‬ ‫(‪ )1947‬أن مساحة من الغابات تقدر بنحو ‪ 517‬ألف هكتار أي حوالي ‪0‬ر‪ %0‬من‬ ‫مجموع مساحات الغابات في ألمانيا قد دمرت أو أتلفت بدرجات متفاوته نتيجة‬

‫‪213‬‬


‫المطر الحمضي والضباب الحمضي‪.‬‬ ‫وعندما نتساءل عن سبب هذا االنحراف عن الحكمة اإللهية في الحفاظ‬ ‫على طهارة المياه‪ ،‬نجده الجشع والحرص على الكسب بغض النظر عن المفاسد‬ ‫الحاصلة‪ ،‬فعندما نستخدم األسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية مث ً‬ ‫ال بدرجة‬ ‫كثافة عالية‪ ،‬خوفا من الجوائح‪ ،‬وحرصا على الكسب‪ ،‬وسعيا إلى زيادة إنتاجية‬ ‫المحاصيل الزراعية نصل إلى إفساد البيئة واإلنتاج مع ًا‪ ،‬ألن االستخدام المكثف‬ ‫لهذه الكيماويات تسرب كميات كبيرة منها إلى الهواء ومصادر المياه وإفسادهما‪،‬‬ ‫فض ً‬ ‫ال عن إنتاج محاصيل ملوثة كيمائيا‪.‬‬ ‫وفي تقرير صادر عن دول مجموعة التعاون االقتصادي األوربي (‪)1944‬‬ ‫حذر من تفاقم التلوث المائي الناجم عن تكثيف استخدام األسمدة الكيماوية‪،‬‬ ‫ودعا التقرير إلى الحد من االستخدام المكثف (اإلسراف) لهذه األسمدة‬ ‫الكيماوية لما لها من مخاطر كبيرة على األحياء المائية‪.‬‬ ‫فإذا قيل لهؤالء‪ :‬كفوا عن هذا اإلفساد في األرض‪ ،‬قالوا كما نص القرآن‬ ‫الكريم‪ ﴿ :‬إِن ََّما ن َْح ُن ُم ْصلِ ُح َ‬ ‫ون﴾ (البقرة‪ ،)11:‬ويعقب القرآن الكريم على قولهم‬ ‫ون َو َل ِك ْن ال َي ْش ُع ُر َ‬ ‫هذا بقوله تعالى‪َ ﴿ :‬أال إِن َُّه ْم ُه ُم ا ْل ُم ْف ِسدُ َ‬ ‫ون﴾ (البقرة‪)11:‬‬ ‫***‬ ‫وكمثال آخر على حث الشريعة على وجوب الحفاظ على طهارة البيئة‬

‫‪214‬‬


‫الحيوية النهي عن الجاللة(‪ ،)1‬وهي ما يأكل القاذورات من الحيوانات‪ ،‬أو هي‬ ‫الدابة التي تتبع النجاسات وتأكل الجلة ‪ ،‬وهي البعرة والعذرة‪ ،‬ففي الحديث‪( :‬‬ ‫نهى رسول الله ‪ ‬عن اإلبل الجاللة أن يؤكل لحمها وال يشرب لبنها وال يحمل‬ ‫عليها إال األدم ‪ ،‬وال يذكيها الناس حتى تعلف أربعين ليلة)‬

‫(‪)1‬‬

‫بل ورد النهي عن ركوبها‪ ،‬ففي الحديث‪ ( :‬نهى رسول الله ‪ ‬عن الجاللة‬ ‫في اإلبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها) (‪ ،)3‬وقد علل ذلك بأنها ربما عرقت‬ ‫فتلوث بعرقها‪.‬‬ ‫ومن هذا الباب نهي الشرع أن تلقى في األرض النجاسات ونحوها‪ ،‬وقد‬ ‫روي عن بعضهم قال‪ (:‬كنا نكري أراضي رسول الله ‪ ‬ونشترط على من يكريها‬ ‫أال يلقي فيها العذرة)‬

‫(‪)4‬‬

‫(‪ )1‬وهي الدابة التي تأكل العذرة أو غيرها من النجاسات‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه الدارقطني والبيهقي‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه أبو داود‪.‬‬ ‫(‪ )4‬رواه البيهقى‪.‬‬

‫‪215‬‬


‫رابعا ـ الكون المقروء‬ ‫ينظر العارفون بحزن إلى المختالين بسبب رحلتهم إلى القمر‪ ،‬أو تجولهم‬ ‫في الفضاء‪ ،‬أو ما يحلمون به من رقي في الكواكب‪ ،‬أو ما يوهمون به أنفسهم من‬ ‫غزو للفضاء‪ ،‬ألنهم يعتبرونهم لم يفعلوا سوى أن رحلوا من كون إلى كون‪..‬‬ ‫رحلوا من تراب األرض ليقعوا على تراب القمر‪ ،‬وتخلصوا من جاذبية‬ ‫األرض لتحتضنهم جاذبية القمر‪.‬‬ ‫أما رحلة العارفين‪ ،‬فهي من الكون إلى المكون‪ ،‬كما قال ابن عطاء الله‪ (:‬ال‬ ‫ترحل من كون إلى كون‪ ،‬فتكون كحمار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي‬ ‫ارتحل منه‪ ،‬ولكن ارحل من األكوان إلى المكون‪َ ﴿:‬و َأ َّن إِ َلى َر ِّب َك ا ْل ُمنْت ََهى﴾‬ ‫(النجم‪)41:‬‬ ‫ولذلك يعتبرون سكون اإلنسان ل أشياء وعدم عبوره منها وقوفا‪ ،‬بل‬ ‫سقوطا‪:‬‬ ‫يقول أحدهم معبرا عن ذلك‪ (:‬لو أن رجال دخل إلى بستان فيه من جميع ما‬ ‫خلق الله تعالى من األشجار‪ ،‬عليها من جميع ما خلق الله تعالى من األطيار‪،‬‬ ‫فخاطبه كل طائر منها بلغته‪ ،‬وقال‪ :‬السالم عليك يا ولي الله‪ ،‬فسكنت نفسه إلى‬ ‫ذلك كان في يدها أسيرا)‬ ‫ولذلك ينظرون إلى الكون المسبح قبل أن ينظروا إلى الكون المسخر‪،‬‬ ‫فيجتهدون في تفقه أسرار تسابيحه‪ ،‬قال الغزالي‪ (:‬فإذن جميع أقطار ملكوت‬

‫‪216‬‬


‫يتحرك‬ ‫السموات واألرض ميدان العارف يتبوأ منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن ّ‬ ‫إليها بجسمه وشخصه‪ ،‬فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنة عرضها السموات‬ ‫واألرض‪ .‬وكل عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصالً‪ ،‬إال‬ ‫أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم وسعة معارفهم‪،‬‬ ‫وهم درجات عند الله وال يدخل في ِ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫الحصر تفاوت درجاتهم)‬ ‫وهذا الرحيل هو سنة رسول الله ‪ ،‬روى ابن عباس أنه بات عند نبي الله‬ ‫‪ ‬ذات ليلة فقام نبي الله ‪ ‬من الليل‪ ،‬فخرج فنظر إلى السماء‪ ،‬ثم تال هذه اآلية‬ ‫ض و ْاختِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الف ال َّل ْي ِل َوالن ََّه ِار‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر ِ َ‬ ‫التي في آل عمران‪ ﴿:‬إِ َّن في َخ ْل ِق َّ‬ ‫َآل ٍ‬ ‫يات ِألُولِي ْاألَ ْل َب ِ‬ ‫اب﴾ (آل عمران‪ )197:‬إلى آخر السورة‪ .‬ثم قال‪( :‬اللهم اجعل‬ ‫في قلبي ُنورا‪ ،‬وفي َس ْمعي نورا‪ ،‬وفي َب َصري نورا‪ ،‬وعن يميني نورا‪ ،‬وعن شمالي‬ ‫نورا‪ ،‬ومن بين َيدَ ّي نورا‪ ،‬ومن َخ ْلفي نورا‪ ،‬ومن َف ْوقي نورا‪ ،‬ومن تحتي نورا‪،‬‬ ‫(‪)1‬‬ ‫وأع ِظم لي نورا يوم القيامة)‬ ‫ْ‬ ‫وأخبر ‪ ‬عن بعض الحجب التي تحول دون تأمل خلق الله‪ ،‬فقال ‪(:‬‬ ‫انتهيت إلى السماء السابعة‪ ،‬فنظرت فإذا أنا فوقي برعد وصواعق‪ ،‬ثم أتيت على‬ ‫قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم‪ ،‬فقلت‪ (:‬من هؤالء؟)‬ ‫قال‪ (:‬هؤالء أكلة الربا) فلما نزلت وانتهيت إلى سماء الدنيا فإذا أنا برهج ودخان‬

‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪217‬‬


‫وأصوات فقلت‪ (:‬من هؤالء؟) قال‪ (:‬الشياطين يحرفون على أعين بني آدم أن ال‬ ‫يتفكروا في ملكوت السماوات واألرض‪ ،‬ولوال ذلك لرأت العجائب)‬

‫(‪)1‬‬

‫وسنتجول في هذا الفصل مع العارفين في بعض جنان الملكوت‪ ،‬لنعيش‬ ‫بعض أشواقهم‪ ،‬ونذوق من بعض شرابهم‪.‬‬ ‫ونحن نقر في بداية هذا الفصل صعوبة الكالم في هذا الباب من نواح‬ ‫متعددة‪ ،‬منها ما له عالقة بالذوق‪ ،‬ومنها ما له عالقة بالتعبير‪ ،‬ومنها ما له عالقة‬ ‫بالعقل‪ ،‬ومنها ما له عالقة بأولئك المترصدين لكل كلمة ليحكموا من خاللها‬ ‫بالكفر أو البدعة‪.‬‬ ‫ولذلك سنحاول أن نبسط الكالم في الموضوع بقدر الطاقة‪ ،‬ونحاول أن‬ ‫نلتمس من التعابير ما ال يثير أحدا من الناس‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ الفناء‪:‬‬ ‫أول خطوة يبدأ بها السالكون طريق المعرفة هي إعدام رؤية الكون الذي‬ ‫يتوهمونه‪ ،‬والذي ال حقيقة وجودية له‪.‬‬ ‫فال حقيقة للكون القائم بذاته‪ ،‬أو الذي يستمد وجوده من ذاته‪ ،‬كما يستمد‬ ‫تدبيره من ذاته‪.‬‬ ‫وهذا اإلعدام يعبرون عنه بالفناء‬

‫(‪)1‬‬

‫عن رؤية األكوان‪ ،‬ويعرفونه بأنه (‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد‪.‬‬ ‫(‪ )1‬يقصد بالفناء في كالم العارفين أمران‪:‬‬

‫‪218‬‬


‫اضمحالل ما دون الحق)‪ ،‬فيضمحل عن القلب والشهود‪.‬‬ ‫قال الغزالي عند ذكره لمراتب السالكين في التوحيد‪ (:‬الرابعة أن ال يرى في‬ ‫الوجود إِال واحد ًا‪ ،‬وهي مشاهدة الصديقين‪ ،‬وتسميه الصوفية الفناء في التوحيد؛‬ ‫ألنه من حيث ال يرى إِال واحد ًا‪ ،‬فال يرى نفسه أيض ًا‪ ،‬وإذا لم ير نفسه لكونه‬ ‫مستغرق ًا في التوحيد‪ ،‬كان فاني ًا عن نفسه في توحيده‪ ،‬بمعنى أنه فني عن رؤية نفسه‬ ‫والخلق)‬

‫(‪)1‬‬

‫ويقول ابن القيم شارحا هذا الحال‪ ( :‬وإن لم تكن ذاته فانية في الحال‬ ‫مضمحلة‪ ،‬فتغيب صور الموجودات في شهود العبد‪ ،‬بحيث تكون كأنها دخلت‬ ‫في العدم‪ ،‬كما كانت قبل أن توجد‪ ،‬ويبقى الحق تعالى ذو الجالل واإلكرام وحده‬ ‫في قلب الشاهد‪ ،‬كما كان وحده قبل إيجاد العوالم)‬

‫(‪)1‬‬

‫وهذا الفناء مرحلة من مراحل السير‪ ،‬أو هو لمعة تلمع في ذهن العارف‬ ‫ووعيه بعد المكابدة والتأمل‪ ،‬ليعود بعدها إلى الكون الحقيقي‪ ،‬وهو الكون‬ ‫المؤسس بنور الله‪ ،‬والموجود بإبداع الله‪ ،‬ليقرأه باسم الله‪.‬‬ ‫فالعارف ال يحتقر الكون بإعدامه‪ ،‬وإنما يرفعه بأن يلبسه لباس العبودية‬

‫‪ 1‬ـ فناء سلوكي‪ ،‬وهو تغيير معنوى للسالك بإفناء ميوله ورغباته جميعا من المخالفة إلى الموافقة‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ فناء بمعنى التجريد العقلى وعدم االلتفات إلى المدركات واألفكار واألفعال واألحاسيس وذلك بانحصاره فى‬ ‫التفكير فى الله‪ ،‬وهذا ما نريده هنا‪.‬‬ ‫(‪ )1‬اإلحياء‪.)111/4( :‬‬ ‫(‪ )1‬مدارج السالكين‪.307/3:‬‬

‫‪219‬‬


‫والتوجه إلى الله‪.‬‬ ‫وكما أن أي ال بس يحتاج لخلع ثوبه القديم ليلبس الجديد‪ ،‬فكذلك العارف‬ ‫يفني الكون القديم‪ ،‬أو لباس الكون القديم‪ ،‬وهو لباس ال اسم له‪ ،‬ليلبسه لباس‬ ‫االنتماء إلى الله‪.‬‬ ‫ولذلك ال يوجد من يحترم الكون كاحترام العارفين‪ ،‬وال يوجد من ينسب‬ ‫الكون إلى مصدره كما ينسبه العارفون‪ ،‬فهم ال يقصرون الشرك على االعتقاد‬ ‫بوجود الند لله‪ ،‬بل يعتبرون من الشرك أو أساس الشرك نسبة الوجود الذاتي‬ ‫ل أشياء‪.‬‬ ‫وعلى هذا المعنى اتفق العارفون‪ ،‬وقد جمع ابن عطاء الله كل أقوالهم في‬ ‫ذلك بعبارة مختصرة فقال‪ (:‬األكوان ثابتة بإثباته‪ ،‬وممحوة بأحدية ذاته)‬ ‫فاألكوان ـ كما يراها العارفون‪ ،‬وكما هي في حقيقة الحال ـ عدم محض من‬ ‫حيث ذاتها‪ ،‬وما ثبوتها إال بإثباته تعالى وإيجاده لها وظهوره فيها‪.‬‬ ‫وهم يستشهدون لهذا المعنى بالمعنى اإلشاري المبثوث في ثنايا قوله‬ ‫تعالى‪ُ ﴿:‬ك ُّل َش ْي ٍء َهالِك إِ َّال َو ْج َهه)(القصص‪ ،))44 :‬فيفهمون منها أن كل ممكن‬ ‫هو باعتبار ذاته هالك‪ ،‬أو هو عدم محض ونفي صرف‪ ،‬وإنما له الوجود من جهة‬ ‫ربه‪ ،‬فهو هالك باعتبار ذاته‪ ،‬موجود بوجه ربه‪ ،‬أي أن وجوده قاصر على جهة ربه‪.‬‬ ‫وربما سياق اآلية قد يفيد هذا المعنى‪ ،‬فهو قد ورد في أثناء الدعوة إلى توحيد‬ ‫الله في الدعاء والعبادة‪ ،‬ليقول من جهة ال تتخذ أي ند تدعوه من دون الله فسيأتي‬

‫‪201‬‬


‫اليوم الذي يهلك فيه‪ ،‬فال يبقى شيء غير الله‪ ،‬وقد تفيد ما يريده خالعو لباس الكون‬ ‫المعدوم من نفي الوجود الذاتي‪ ،‬فلذلك يكون من دعا غير الله‪ ،‬متوجها بالدعاء‬ ‫إلى الوهم‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وال تَدْ ُع َم َع ال َّل ِه إِ َله ًا َ‬ ‫آخ َر ال إِ َل َه ِإ َّال ُه َو ُك ُّل َش ْي ٍء َهالِك إِ َّال‬ ‫َو ْج َه ُه َل ُه ا ْل ُحك ُْم َوإِ َل ْي ِه ُت ْر َج ُع َ‬ ‫ون﴾ (القصص‪)44:‬‬ ‫وال تنافي بين المعنيين‪ ،‬وال تصادم بينهما‪ ،‬وال يلغي أحدهما اآلخر‪ ،‬بل إن‬ ‫المعنى األول مؤسس على المعنى الثاني‪.‬‬ ‫وهكذا يفهم العارفون من كل النصوص الواردة في إثبات وحدانية الحق أو‬ ‫أحديته أو أحقيته‪:‬‬ ‫وقد كان النبي ‪ ‬إذا قام إلى الصالة في جوف الليل قال من ضمن دعاء‬ ‫التهجد‪ (:‬أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار‬ ‫حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق)‬

‫(‪)1‬‬

‫ففي قوله ‪ (:‬أنت الحق) أي واجب الوجود؛ فأصله من حق الشيء أي‬ ‫ثبت ووجب‪ ،‬فوجود الله هو الوجود الحقيقي إذ وجوده لنفسه‪ ،‬لم يسبقه عدم وال‬ ‫يلحقه عدم؛ وما عداه مما يقال عليه هذا االسم مسبوق بعدم‪ ،‬ويجوز عليه لحاق‬ ‫العدم‪ ،‬ووجوده من موجده ال من نفسه‪ ،‬فهو معدوم باعتبار ذاته في كل األحوال‪،‬‬ ‫كما قال العارف‪:‬‬ ‫الله قل وذر الوجود وما حوى‬

‫إن كنـت مرتـاد ًا بلوغ كمــال‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪200‬‬


‫فــالكــل دون اللــه أن حققتــه‬

‫عــدم عــلــى الــتــفصـــــيــل‬

‫واعلم بــأنــك والعوالم كلهــا‬

‫لـــواله فـــي مـــحـــو وفـــي‬ ‫واإلجـــــــــــــــمـــــــــــــــال‬ ‫ـال‬ ‫فـوجـوده لواله عين محـ‬ ‫اضــــــــــــمـــــــــحـــــــــالل‬

‫من ال وجود لــذاتــه من ذاتــه‬ ‫والعارفون بربهم لم يشـــهدوا‬

‫ســـوى الـمـتـكـبر المتعــال‬

‫العارفًا بالله عن الكون بقوله‪:‬‬ ‫عن‬ ‫وعبر اآلخر‬ ‫انشغالـــــــــــــ‬ ‫ـــــــــــــئـ‬ ‫ــــــــــــــــيـ‬ ‫شـ‬ ‫شـــغل المحب عن الهواء بســـره‬

‫فــي حــب مــن خــلــق الــهــواء‬

‫والـعــارفـون عـقـولــهــم معقولــة‬

‫مطهره‬ ‫ترتضـــيــه‬ ‫عن كــل كون‬ ‫ــــــــــــــــــره‬ ‫وســـــــــــــــــــــخـ‬ ‫أحـوالـهـم مجهولــة ومســـتره‬

‫فهم لــديــه مكرمون وفي الورى‬

‫وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر‪ ،‬كما ورد في الحديث‬ ‫كلمة لبيد(‪ :)1‬أال كل شيء ما خال الله باطل(‪.)1‬‬ ‫***‬ ‫والقرآن الكريم يدلنا على التأمل ومعايشة هذه المعاني من خالل ذكره‬ ‫لمبدأ خلقه األشياء‪ ،‬وكأنه يردنا إلى عدمها األصلي‪ ،‬ليصاحبنا معناه في تعاملنا‬ ‫معها‪ ،‬فال نعطيها من الوجود فوق ما تستحقه‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫األنْس ِ‬ ‫ان ِحين ِم َن الدَّ ْه ِر َل ْم‬ ‫وقد قال تعالى عن مبدأ اإلنسان‪َ ﴿:‬ه ْل َأتَى َع َلى ْ َ‬ ‫َي ُك ْن َش ْيئ ًا َم ْذ ُكور ًا﴾ (االنسان‪)1:‬‬ ‫(‪ )1‬وقد ورد الحديث بصيغ مختلفة منها أشعر كلمة تكلمت بها العرب‪ ،‬وفي رواية أصدق كلمة قالها شاعر‪ ،‬وفي‬ ‫أخرى أصدق بيت قاله الشاعر‪ ،‬وفي أخرى أصدق بيت قالته الشعراء‪ ،‬وفي أخرى أصدق كلمة قالتها العرب‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪202‬‬


‫وأخبر تعالى أن الغفلة عن أولية اإلنسان هي السبب في جحوده وكبريائه‪،‬‬ ‫فقال تعالى‪َ ﴿:‬و َض َر َب َلنَا َم َث ً‬ ‫ال َون َِس َي َخ ْل َق ُه َق َال َم ْن ُي ْح ِيي ا ْل ِع َظا َم َو ِه َي َر ِميم﴾‬ ‫( ّيـس‪ ،)04:‬ولهذا صحح له هذا الجهل بقوله تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل ُي ْح ِي َيها ا َّل ِذي َأن َْش َأ َها َأ َّو َل‬

‫َم َّر ٍة َو ُه َو بِ ُك ِّل َخ ْل ٍق َع ِليم﴾ ( ّيـس‪)09:‬‬

‫ومثلما جاءت اآليات الكثيرة تبين أولية اإلنسان لتدل على أنه ليس قائما‬ ‫بذاته‪ ،‬بل هو قائم بقيومية الله‪ ،‬جاء الحديث عن خلق األشياء جميعا‪ ،‬بل جاء‬ ‫الحث على السير في األرض الكتشاف مبدأ الخلق‪ ،‬ومن ثم اكتشاف أنها مخلوقة‬ ‫وليست قائمة بذاتها‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل ِس ُيروا فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ف َبدَ َأ ا ْل َخ ْل َق‬ ‫ض َفا ْن ُظ ُروا َك ْي َ‬ ‫ُث َّم ال َّل ُه ُين ِْش ُئ الن َّْش َأ َة ْاآل ِخ َر َة إِ َّن ال َّل َه َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء َق ِدير﴾ (العنكبوت‪)17:‬‬ ‫ومن هذا الباب جاءت أسماء الله تعالى التي نص عليها قوله تعالى‪ُ ﴿:‬ه َو‬ ‫اهر وا ْلب ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اط ُن َو ُه َو بِ ُك ِّل َش ْي ٍء َع ِليم﴾ (الحديد‪)3:‬‬ ‫ْاألَ َّو ُل َو ْاآلخ ُر َوال َّظ ُ َ َ‬ ‫فالتأمل في المعاني العميقة التي تحملها هذه األسماء يلبس األشياء جميعا‬ ‫ثوب العدم‪ ،‬ليبقى الحق وحده هو المتفرد بالوجودالحقيقي‪.‬‬ ‫يقول سيد قطب مبينا عمق المعاني التي تدل عليها هذه األسماء الحسنى‪(:‬‬ ‫وما يكاد يفيق من تصور هذه الحقيقة الضخمة التي تم أ الكيان البشري وتفيض‪،‬‬ ‫حتى تطالعه حقيقة أخرى‪ ،‬لعلها أضخم وأقوى‪ .‬حقيقة أن ال كينونة لشيء في هذا‬ ‫الوجود على الحقيقة‪ .‬فالكينونة الواحدة الحقيقية هي لله وحده سبحانه ؛ ومن ثم‬ ‫اهر وا ْلب ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اط ُن‬ ‫فهي محيطة بكل شيء‪ ،‬عليمة بكل شيء ﴿ ُه َو ْاألَ َّو ُل َو ْاآلخ ُر َوال َّظ ُ َ َ‬

‫‪203‬‬


‫َو ُه َو بِ ُك ِّل َش ْي ٍء َع ِليم﴾ (الحديد‪)3:‬‬ ‫ويقول عن المعاني التي يستشعرها‪ ،‬وهو يعيش في ظالل هذه األسماء‪(:‬‬ ‫األول فليس قبله شيء‪ .‬واآلخر فليس بعده شيء‪ .‬والظاهر فليس فوقه شيء‪.‬‬ ‫والباطن فليس دونه شيء‪ ..‬األول واآلخر مستغرقا كل حقيقة الزمان‪ ،‬والظاهر‬ ‫والباطن مستغرقا كل حقيقة المكان‪ .‬وهما مطلقتان‪ .‬ويتلفت القلب البشري فال‬ ‫يجد كينونة لشيء إال لله‪ .‬وهذه كل مقومات الكينونة ثابتة له دون سواه‪ .‬حتى‬ ‫وجود هذا القلب ذاته ال يتحقق إال مستمدا من وجود الله‪ .‬فهذا الوجود اإللهي هو‬ ‫الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده‪ .‬وهذه الحقيقة هي الحقيقة‬ ‫األولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته‪ .‬وليس وراءها حقيقة ذاتية وال وجود‬ ‫ذاتي لشيء في هذا الوجود)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد عبر القرآن الكريم ـ كذلك ـ عن هذا المعنى باسم الله ( األحد) في قوله‬ ‫تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل ُه َو ال َّل ُه َأ َحد﴾ (االخالص‪ ،)1:‬وهو اسم عظيم يحوي ـ مع التأمل ـ‬ ‫الكثير من الدالالت‪ ،‬ولهذا لما خشي رسول الله ‪ ‬أن ال يقدر حق قدره ـ كما قد‬ ‫ال تقدر المعاني الواردة في السورة حق قدرها ـ ذكر أن هذه السورة ـ التي تحوي‬ ‫هذه الحقيقة الجليلة ـ والتي نتوهمها صغيرة تعدل ثلث القرآن كما روي عن أبي‬ ‫سعد‪ ،‬أن رجال سمع رجال يقرأ‪ُ ﴿ :‬ق ْل ُه َو ال َّل ُه َأ َحد﴾ (االخالص‪ )1:‬يرددها‪ ،‬فلما‬ ‫أصبح جاء إلى النبي ‪ ‬فذكر ذلك له ‪ -‬وكأن الرجل يتقالها ‪ -‬فقال النبي ‪(:‬‬

‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.‬‬

‫‪204‬‬


‫والذي نفسي بيده‪ ،‬إنها لتعدل ثلث القرآن)‬

‫(‪)1‬‬

‫ولهذا كان بالل في رمضاء مكة في بداية اإلسالم يصيح بها في نشوة عظيمة‪،‬‬ ‫وقد فني عن كل العذاب المحيط به‪ (:‬أحد أحد)‬ ‫وال غرابة في كل هذا ـ كما يقول سيد قطب ـ ( فإن األحدية التي أمر رسول‬ ‫الله ‪ ‬أن يعلنها‪ :‬قل هو الله أحد ‪ .‬هذه األحدية عقيدة للضمير‪ ،‬وتفسير للوجود‪،‬‬ ‫ومنهج للحياة)‬

‫(‪)1‬‬

‫ولهذا ـ خالف ما قد نتصور ـ فإن غاية رسالة رسول الله ‪ ‬لم تكن الدعوة‬ ‫والتربية على معنى التوحيد الذي ينفي الشريك فقط‪ ،‬وإنما الدعوة والتربية على‬ ‫معنى األحدية الذي ينفي الوجود الذاتي لغير الله‪.‬‬ ‫وعلى كليهما تقوم حياة المؤمن‪ ،‬ومن كليهما يستمد العارف‪.‬‬ ‫وقد شرح سيد قطب بتعبيره الجميل المعاني التي يعيشها العارف‪ ،‬وهو في‬ ‫ظالل هذا االسم الجليل‪ ،‬فقال‪ (:‬إنها أحدية الوجود‪ ..‬فليس هناك حقيقة إال‬ ‫حقيقته‪ .‬وليس هناك وجود حقيقي إال وجوده‪ .‬وكل موجود آخر فإنما يستمد‬ ‫وجوده من ذلك الوجود الحقيقي‪ ،‬ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية)‬

‫(‪)3‬‬

‫(‪ )1‬رواه ابن حبان‪ ،‬وفي حديث آخر‪ ،‬قال رسول الله ‪ (: ‬أيعجز أحدكم أن يقرأ في كل ليلة ثلث القرآن قالوا نحن‬ ‫اعجز من ذلك واضعف قال‪( :‬إن الله عز وجل جزا القرآن ثالثة أجزاء فجعل قل هو الله احد جزا من أجزاء القرآن)رواه‬ ‫أحمد ومسلم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪.‬‬ ‫(‪ )3‬في ظالل القرآن‪.‬‬

‫‪205‬‬


‫وهذه الحقيقة هي التي تتأسس عليها كل حقائق المعرفة والسلوك‪ ،‬وهي‬ ‫النهاية التي ينتهي إليها سلوك العارف ليبدأ بها استمداده‪ ،‬فهو ما دام ينظر إلى‬ ‫الوجود نظرة الشريك الذي يزاحم ربه في وجوده‪ ،‬ال يستمد من هذا الوجود غير‬ ‫الجهل والتشتت‪ ،‬لكنه إن خلع عنه هذا الوجود المشرك‪ ،‬وحاله بحلية األحدية‪،‬‬ ‫فإن الوجود كله يصبح عيونا تفيض بالمعارف على قلبه‪.‬‬ ‫ولهذاال يفهم العارفون من قول ( ال إله إال الله) ما يفهمه الكثير من قصر‬ ‫معناها على ( ال معبود بحق إال الله)‪ ،‬بل يفهمون ذلك‪ ،‬ومعه يفهمون أن ( ال‬ ‫موجود بحق إال الله)‬ ‫***‬ ‫ولم يخالف أحد من العلماء في صحة هذه المعاني التي يتحدث عنها‬ ‫العارفون(‪.)1‬‬ ‫فهي معان شرعية تدل عليها النصوص الكثيرة‪ ،‬بل يدل عليها العقل‪،‬‬ ‫ويستطعمها الذوق‪.‬‬ ‫والرمي ألجل هذا بالبدعة والضالل ال دليل عليه‪ ،‬وال مبرر له‪.‬‬ ‫وبما أن بعض الناس ممن يدعون االنتساب إلى ابن القيم أو ابن تيمية يخول‬ ‫لنفسه الحكم بالبدعة والضاللة بسبب هذه المقوالت‪ ،‬فإنا سنود رأيهما هنا‪ ،‬ال من‬

‫(‪)1‬‬

‫باستنثاء بعض الحرفيين الذين لم تستطع عقولهم أن تفهم هذه المعاني العميقة‪ ،‬ولم تتح لهم أذواقهم أن‬

‫تستشعرها‪.‬‬

‫‪206‬‬


‫باب الجدل الذي نهينا عنه‪ ،‬وإنما من باب إلزامهم بما يلزمون به أنفسهم‪.‬‬ ‫تحدث ابن القيم عن الفناء والبقاء في كتبه الكثيرة‪ ،‬ومما قاله في مدارج‬ ‫السالكين عند حديثه عن منزلة الفناء‪ (:‬الفناء ضد البقاء‪ ،‬والباقي إما باق بنفسه من‬ ‫غير حاجة إلى من يبقيه‪ ،‬بل بقاؤه من لوازم نفسه وهو الله تعالى وحده‪ ،‬وما سواه‬ ‫فبقاؤه ببقاء الرب‪ ،‬وليس له من نفسه بقاء‪ ،‬كما أنه ليس له من نفسه وجود‪ ،‬فإيجاده‬ ‫وإبقاؤه من ربه وخالقه‪ ،‬وإال فهو ليس له من نفسه إال العدم‪ ،‬قبل إيجاده والفناء بعد‬ ‫إيجاده)‬

‫(‪)1‬‬

‫ويرفع توهم أن المراد بأن نفسه وذاته اقتضت عدمه وفناءه بقوله‪ (:‬إنما الفناء‬ ‫أنك إذا نظرت إلى ذاته بقطع النظر عن إيجاد موجده له كان معدوما‪ ،‬وإذا نظرت‬ ‫إليه بعد وجوده مع قطع النظر عن إبقاء موجده له استحال بقاؤه‪ ،‬فإنه إنما يبقى‬ ‫بابقائه كما أنه إنما يوجد بإيجاده فهذا معنى قولنا إنه بنفسه معدوم وفان فافهمه)‬

‫(‪)1‬‬

‫أما ابن تيمية‪ ،‬فتحدث في رسائلة كثيرا عن هذه الحال‪ ،‬وإن كان يعيب عليه‬ ‫نقصه عن الكمال وهو يتفق في ذلك مع كل من تحدث عن هذا الحال‪..‬‬ ‫يقول في مجموع الفتاوى‪ (:‬الفناء الذي يوجد فى كالم الصوفية يفسر بثالثة‬ ‫أمور‪ :‬أحدها فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب والتوكل عليه وعبادته وما يتبع‬ ‫ذلك‪ ،‬فهذا حق صحيح وهو محض التوحيد واإلخالص‪ ،‬وهو فى الحقيقة عبادة‬

‫(‪ )1‬مدارج السالكين‪.319/3 :‬‬ ‫(‪ )1‬مدارج السالكين‪.319/3 :‬‬

‫‪207‬‬


‫القلب وتوكله واستعانته وتألهه وإنابته وتوجهه إلى الله وحده الشريك له‪ ،‬وما يتبع‬ ‫ذلك من المعارف واألحوال‪ ،‬وليس ألحد خروج عن هذا‪ ،‬وهذا هو القلب السليم‬ ‫الذي قال الله فيه‪﴿ :‬إِ َّال َم ْن َأتَى الل َه بِ َق ْل ٍ‬ ‫ب َس ِلي ٍم﴾ (الشعراء‪ ،)49:‬وهو سالمة‬ ‫القلب عن اإلعتقادات الفاسدة ومايتبع ذلك‪.‬‬ ‫وهذا الفناء الينافيه البقاء‪ ،‬بل يجتمع هو والبقاء‪ ،‬فيكون العبد فانيا عن إرادة‬ ‫ما سواه وإن كان شاعرا بالله وبالسوى وترجمته قول (ال إله إال الله)‪ ،‬وكان النبى‬ ‫‪ ‬يقول‪ (:‬ال اله اال الله وال نعبد إال إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن)‬ ‫وهذا فى الجملة هو أول الدين وآخره‪.‬‬ ‫األمر الثانى فناء القلب عن شهود ما سوى الرب‪ ،‬فذاك فناء عن اإلرادة‪،‬‬ ‫وهذا فناء عن الشهاده‪ ،‬ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه‪ ،‬وهذا فناء عن العلم‬ ‫بالغير والنظر إليه‪ ،‬فهذا الفناء فيه نقص‪ ،‬فإن شهود الحقائق على ما هي عليه‪ ،‬وهو‬ ‫شهود الرب مدبرا لعباده آمرا بشرائعه أكمل من شهود وجوده أو صفة من صفاته‬ ‫أو اسم من أسمائه‪ ،‬والفناء بذلك عن شهود ما سوى ذلك)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقال في موضع آخر‪ ..(:‬وهذا فناء عن ذكر السوى وشهوده وخطوره‬ ‫بالقلب‪ ،‬وهذا حال ناقص يعرض لبعض السالكين‪ ،‬ليس هو الغاية‪ ،‬وال شرطا في‬ ‫الغاية‪ ،‬بل الغاية الفناء عن عبادة السوى‪ ..‬وهو حال ابراهيم ومحمد الخليلين ـ‬ ‫صلى الله عليهما وسلم ـ فإنه قد ثبت في الصحاح عن النبي ‪ ‬من غير وجه أنه‬

‫(‪ )1‬مجموع الفتاوى‪.330/17:‬‬

‫‪208‬‬


‫قال‪ (:‬إن الله اتخذني خليال كما اتخذ ابراهيم خليال)(‪ ..)1‬وحقيقة هذا الفناء هو‬ ‫تحقيق الحنيفية‪ ،‬وهو إخالص الدين لله وهو أن يفني بعبادة الله عن عبادة ما سواه‪،‬‬ ‫وبمحبته عن محبة ما سواه‪ ،‬وبطاعته عن طاعة ما سواه‪ ،‬وبخشيته عن خشية ما‬ ‫سواه‪ ،‬وبالحب فيه والبغض فيه عن الحب فيما سواه والبغض فيه‪ ،‬فال يكون‬ ‫لمخلوق من المخلوقين ال لنفسه وال لغير نفسه على قلبه شركة مع الله تعالى)‬

‫(‪)1‬‬

‫فهذه النصوص وغيرها تدل على أن حال الفناء الذي تحدث عنه أهل الله‬ ‫حال معتبر عند ابن تيمية وابن القيم‪ ،‬وأن ما يدعيه من يدعي صحبتهما من‬ ‫الدعاوى ال دليل عليه‪ ،‬وهو محض أحقاد تمتلئ بها النفوس‪ ،‬ال علم معتبر يمكن‬ ‫أن يناقش‪.‬‬ ‫أما ما ذكراه من نقص هذه الحال‪ ،‬فهو صحيح ال شك فيه‪ ..‬والمتوقف عند‬ ‫هذه الحال والمستلذ لها انقطع به الطريق‪ ..‬أولم يفهم الغاية منه‪ ..‬فالخالع للكون‬ ‫الفاني لن يفهم مراد الله من رسائل الكون حتى يعيد لبسه من جديد‪ ،‬باسم الله ال‬ ‫باسمه الذي ال وجود له‪.‬‬ ‫ولكن استنقاص العارفين المتحدثين عن هذه الحال غير صحيح‪..‬‬ ‫ومقارنتهم في ذلك بالسلف الصالح‪ ،‬واعتبار كالمهم بدعة بسبب ذلك أبعد عن‬ ‫الصواب‪.‬‬

‫(‪ )1‬رواه الحاكم‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الرد على المنطقيين‪.510 :‬‬

‫‪209‬‬


‫ذلك أن الكالم في هذه المسألة يشبه الكالم في التفسير والفقه‪ ..‬وغيرها من‬ ‫علوم الشريعة‪.‬‬ ‫فكالم المفسر في تفسير غريب القرآن ربما يكون بدعة لم يخض فيها‬ ‫السلف‪ ،‬ال لكونها بدعة‪ ،‬ولكن لكون ذلك الغريب كان مشهورا غير غريب‬ ‫عندهم‪.‬‬ ‫والكالم في دقائق الفقه‪ ،‬وتقسيمه إلى سنن وفرائض وموانع وأسباب ‪..‬‬ ‫وغير ذلك بدعة بالنسبة لفقهاء السلف‪ ..‬فلم تدعهم الحاجة في وقتهم إلى مثل‬ ‫هذه المصطلحات‪.‬‬ ‫وهكذا األمر في هذا الباب‪..‬‬ ‫فأهل الله الذين اختصوا بالبحث في هذا الجانب‪ ..‬ودرسوا األحوال التي‬ ‫يمر بها السالك في رحلته إلى الله الحظوا هذه المرحلة الخطيرة والمهمة‪..‬‬ ‫فلذلك تحدثوا عنها بصنوف من األحاديث‪..‬‬ ‫منها ما يرغب فيها‪ ،‬ويعتبرها قمة من قمم السلوك‪ ..‬وهو صحيح‪ ..‬ألن من‬ ‫وصل إليها بدأ البداية الصحيحة‪ ..‬والبداية الصحيحة البد أن توصل إلى النهاية‬ ‫الصحيحة‪.‬‬ ‫وليس ذلك نقصا‪ ..‬وليس القيام بأداء ظواهر العبودية أكمل من هذا‪..‬‬ ‫ذلك أن تلك الظواهر قد يقوم بها من ال حال له‪ ،‬بل من ال إيمان له‪.‬‬ ‫أما كالم العارفين فهو في أحوال الباطن‪ ،‬وهي أحوال دقيقة تستدعي‬

‫‪221‬‬


‫تفاصيل دقيقة كتلك التفاصيل التي يتحدث فيها الفقهاء عن دقائق الفقه‪ ،‬ما يقع‬ ‫منها وما ال يقع‪ ..‬ولم يقل أحد من الناس أن كالم الفقهاء في هذا قصور عن درجة‬ ‫السلف‪.‬‬ ‫ولكن العارفين مع هذا ينبهون السالكين إلى عدم الوقوف مع أي حال‪ ،‬وهم‬ ‫المنْت ََهى﴾ {النَّجم‪}41:‬‬ ‫يرددون لهم في كل حين قوله تعالى‪َ ﴿ :‬و َأ َّن إِ َلى َر ِّب َك ُ‬ ‫***‬ ‫قد يقال بعد هذا‪ :‬فما الذي يميز العارفين؟‬ ‫ولماذا ال يستوون مع سائر المؤمنين في النظر إلى الكون؟‬ ‫ولماذا تمتلئ الكتب بهذه المعاني الواضحة الصحيحة؟‬ ‫والجواب عن ذلك‪ :‬أن هذا العلم يتحول عند العارفين إلى معرفة‪ ،‬فالعالم‬ ‫يدرك الشيء‪ ،‬والعارف يذوقه ويعايشه‪.‬‬ ‫وعندما يعيش العارف أو السالك هذه المشاعر النبيلة‪ ،‬فإن وديان البالغة‬ ‫تفيض من لسانه لتعبر عن تلك المشاعر‪..‬وهذا سر تلك الكنوز العظيمة التي‬ ‫خلفها أولياء الله‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ البقاء‪:‬‬ ‫بعد أن يخلع العارف لباس الكون المعدوم‪ ،‬والذي كان حجابه الحائل بينه‬ ‫وبين عبادة ربه ومعرفته‪ ،‬يعود إلى الكون المنتسب إلى الله‪ ،‬والدال على الله‪،‬‬ ‫والمعرف بالله‪.‬‬

‫‪220‬‬


‫فالعارفون جميعا متفقون على أن حالة الفناء التي يمر بها السالك ـ والتي‬ ‫تعبر عن حقيقة عقدية‪ ،‬وذوق عرفاني ـ هي بداية المعرفة ال نهايتها‪ ،‬فإن الفناء هو‬ ‫مقدمة ما يسمونه بالبقاء‪.‬‬ ‫فالباقي بالله‪ ،‬والذي يرى األكون‪ ،‬ويصاحبها في الله أكمل من الذي فني‬ ‫عن األكوان‬ ‫وفي ذلك يقول ابن عطاء الله يعبر عن الحالين‪ (:‬صاحب الحقيقة غاب عن‬ ‫الخلق بشهود الملك الحق‪ ،‬وفني عن األسباب بشهود مسبب األسباب‪ ،‬فهو عبد‬ ‫مواجه بالحقيقة‪ ،‬ظاهر عليه سناها سالك للطريقة قد استولى على مداها‪ ،‬غير أنه‬ ‫غريق األنوار مطموس اآلثار قد غلب سكره على صحوه وجمعه على فرقه وفناؤه‬ ‫على بقائه وغيبته على حضوره)‬ ‫فهذه هي حال الفاني الذي شغله الله عن كل شيء‪ ،‬وهي حال شريفة‪،‬‬ ‫وصاحبها من الخواص‪ ،‬لكنه وإن كان كام ً‬ ‫ال بالنسبة ألهل الغفلة ناقص بالنسبة‬ ‫لخواص الخواص الذين جمعوا بين األمرين وهم أهل المعرفة‪.‬‬ ‫فلذا قال ابن عطاء الله معقبا على أوصاف الفاني‪ (:‬غير أنه غريق األنوار) قد‬ ‫غرق في بحار التوحيد واألحدية ( مطموس اآلثار) قد طمست بصيرته عن النظر‬ ‫إلى اآلثار والعبيد‪ ( ،‬قد غلب سكره) وعدم إحساسه باآلثار على صحوه وهو‬ ‫إحساسه بها‪ ،‬وهو رؤية الحق وحده على فرقه‪ ،‬وهو رؤية الحق والخلق‪ ،‬فهو في‬ ‫مقام الجمع ال في مقام الفرق‪.‬‬

‫‪222‬‬


‫أما الباقي‪ ،‬فحاله أكمل‪ ،‬قال ابن عطاء الله بعد ذكره لحال الفاني‪ (:‬وأكمل‬ ‫منه عبد شرب فازداد صحو ًا‪ ،‬وغاب فازداد حضور ًا‪ ،‬فال جمعه يحجبه عن فرقه‬ ‫وال فرقه يحجبه عن جمعه‪ ،‬وال فناؤه عن بقائه وال بقاؤه يصده عن فنائه‪ ،‬يعطي كل‬ ‫ذي قسط قسطه ويوفي كل ذي حق حقه)‬ ‫فهذا العارف الباقي بربه قد جمع بين المزيتين‪ ( ،‬فباطنه مكمل بالحقيقة‪،‬‬ ‫وظاهره مجمل بالشريعة‪ ،‬فيشكر الخلق والحق ال يغيب عن الحق في حال‬ ‫مخالطة الخلق‪ ،‬ليعطي كل ذي قسط قسطه)‬ ‫وقد جمع ابن عطاء الله حال السالكين والواصلين في قوله‪ (:‬من عرف‬ ‫الحق شهده في كل شيء‪ ،‬ومن فني به غاب عن كل شيء)‬ ‫فالعارف في حال البقاء يرى الخلق والحق‪ ،‬فيرى الحق تعالى ظاهر ًا في كل‬ ‫األشياء وقائم ًا بها‪ ،‬مع عدم غيبته عن نفسه وحسه‪ ،‬بخالف الفاني عن نفسه وعن‬ ‫األكوان‪ ،‬فإنه ال يرى في الوجود ظاهر ًا إال الله تعالى‪ ،‬ويغيب عن كل شيء سواه‬ ‫حتى عن نفسه وحسه‪.‬‬ ‫والعارفون يشيرون بالبقاء‪ ،‬الذي هو العودة إلى الكون إلى استيقاظ الفاني‬ ‫من حال الفناء واالصطالم‪ ..‬إلى حال الصحو والتحقيق‪ ،‬وهي مراتب قد يمر‬ ‫ببعضها السالك‪ ،‬وقد يتجاوزها إلى مقامات أرفع وأعلى من غير أن يمر عليها‪.‬‬ ‫ويعبرون بها عن بقاء الكون بالله‪ ،‬فالبقاء هو الدوام‪ ،‬واستمرار الوجود‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ القراءة‪:‬‬

‫‪223‬‬


‫بعد أن يمحى الكون الالموجود ـ المؤسس على الوهم ـ في ذهن العارف‬ ‫ووجدانه‪ ،‬ثم يعود من جديد بخلعة أخرى‪ ،‬هي خلعة االنتساب لله‪ ،‬فيعود له البقاء‬ ‫باسم الله‪ ،‬يتحول إلى كتاب يقرؤه العارف ليرى من خالله صفات ربه وكماالته‪.‬‬ ‫فالكون المقروء هو المرحلة الثالثة من عالقة العارفين بالكون‪ ،‬أو هو‬ ‫المرحلة األولى للعرفان‪.‬‬ ‫فالعارف هو الذي لديه القدرة على حل رموز الكون‪ ،‬أو هو الخبير الذي‬ ‫لديه المفاتيح التي يفك بها الشيفرة التي يختزنها الكون‪ ،‬أو هو صاحب البصيرة‬ ‫الذي يرى ما يخبأ بين سطور الكون‪.‬‬ ‫ولهذا كان أول ما أمر به رسول الله ‪ ،‬بل ما أمرت به أمته ـ كما يشير‬ ‫اس ِم َر ِّب َك ا َّل ِذي‬ ‫العارفون ـ هو أن تعاد قراءة الكون باسم الله‪ ،‬كما قال تعالى‪ ﴿:‬ا ْق َر ْأ بِ ْ‬ ‫َخ َل َق﴾ (العلق‪ ،)1:‬فاآلية تحتمل من حيث اإلشارة أن يكون اسم الموصول‬ ‫مفعوال به‪ ،‬ويصير المعنى حينئذ ( اقرأ باسم ربك األشياء التي خلقها)‬ ‫والقرآن الكريم مليئ بهذا المعنى مما قد ال يحوجنا إلى هذا المعنى‬ ‫اإلشاري الذي يفهمه العارفون‪ ،‬بل فيه الداللة على كيفية قراءة الكون باسم الله‪.‬‬ ‫فالله تعالى يأمرنا بقراء الرحمة اإللهية من خالل حياة األرض بعد موتها‪،‬‬ ‫قال تعالى‪َ ﴿:‬فا ْن ُظر إِ َلى آ َث ِار رحم ِ‬ ‫ف ُي ْح ِيي ْاألَ ْر َض َب ْعدَ َم ْوتِ َها ﴾ (الروم‪:‬‬ ‫ت ال َّل ِه َك ْي َ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫‪)57‬‬ ‫ويأمرنا باالستبشار تفاؤال بفضل الله‪ ،‬وفرحا بالله‪ ،‬وتنسما لرحمة الله عند‬

‫‪224‬‬


‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اح ُب ْشر ًا َب ْي َن َيدَ ْي‬ ‫الر َي َ‬ ‫هبوب الرياح التي يرسلها الله‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّلذي ُي ْرس ُل ِّ‬ ‫رحمتِ ِه حتَّى إِ َذا َأ َق َّل ْت سحاب ًا ثِ َقاالً س ْقنَاه لِب َل ٍد مي ٍ‬ ‫ت َف َأن َْز ْلنَا بِ ِه ا ْل َما َء َف َأ ْخ َر ْجنَا بِ ِه ِم ْن‬ ‫ُ ُ َ َ ِّ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ْ َ َ‬ ‫ُك ِّل ال َّثمر ِ‬ ‫ات ك ََذلِ َك ُن ْخ ِر ُج ا ْل َم ْوتَى َل َع َّل ُك ْم ت ََذك َُّر َ‬ ‫ون﴾ (ألعراف‪)50:‬‬ ‫ََ‬ ‫ويعلمنا أن نقرأ لطف الله وخبرته المحيطة بكل شي من خالل حروف الماء‬ ‫ِ‬ ‫الس َم ِاء َما ًء‬ ‫الساقطة على األرض المخضرة‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬أ َل ْم ت ََر َأ َّن ال َّل َه َأن َْز َل م َن َّ‬ ‫َف ُت ْصبِ ُح ْاألَ ْر ُض ُم ْخ َض َّر ًة إِ َّن ال َّل َه َل ِطيف َخبِير﴾ (الحج‪)13:‬‬ ‫ويعلمنا أن نقرأ علم الله وقدرته من خالل السطور المبثوثة في تقلب الزمان‬ ‫بأعمارنا‪ ،‬قال‪َ ﴿:‬وال َّل ُه َخ َل َق ُك ْم ُث َّم َيت ََو َّفا ُك ْم َو ِمنْ ُك ْم َم ْن ُي َر ُّد إِ َلى َأ ْر َذ ِل ا ْل ُع ُم ِر لِك َْي ال‬ ‫َي ْع َل َم َب ْعدَ ِع ْل ٍم َش ْيئ ًا إِ َّن ال َّل َه َعلِيم َق ِدير﴾ (النحل‪)07:‬‬ ‫ويرينا قوة الله القاهرة‪ ،‬وقدرته الشاملة باستعراض تفاصيل دقيق المكونات‬ ‫وجليلها‪:‬‬ ‫فالسموات التي ننبهر لضخامتها ال تعدو أن تكون شيئا حقيرا جدا أمام‬ ‫عظمة الله‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و َما َقدَ ُروا ال َّل َه َح َّق َقدْ ِر ِه َو ْاألَ ْر ُض َج ِميع ًا َق ْب َض ُت ُه َي ْو َم ا ْل ِق َيا َم ِة‬ ‫ات َم ْط ِو َّيات بِ َي ِمينِ ِه ُس ْب َحا َن ُه َو َت َعا َلى َع َّما ُي ْش ِر ُك َ‬ ‫ون﴾ (الزمر‪)10:‬‬ ‫الس َم َاو ُ‬ ‫َو َّ‬ ‫والقرآن الكريم يرشدنا من خالل هذه اآلية إلى أن سبب الجهل بقدر الله‬ ‫هو عدم قراءة الكون باسم الله‪ ،‬فهؤالء نظروا إلى عظم السموات واألرض غافلين‬ ‫عن خالقهما‪.‬‬

‫‪225‬‬


‫وليس من الغريب لهذا أن تحوي سيدة آي القرآن الكريم(‪ )1‬الحديث عن‬ ‫خلق الله لتستتدل به على الله‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿:‬ال َّل ُه ال إِ َل َه إِ َّال ُه َو ا ْل َح ُّي ا ْل َق ُّيو ُم ال َت ْأ ُخ ُذ ُه‬ ‫ِسنَة وال نَوم َله ما فِي السماو ِ‬ ‫ات َو َما فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض َم ْن َذا ا َّل ِذي َي ْش َف ُع ِعنْدَ ُه إِ َّال بِإِ ْذنِ ِه‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ ْ ُ َ‬ ‫َي ْع َل ُم َما َب ْي َن َأ ْي ِد ِيه ْم َو َما َخ ْل َف ُه ْم َوال ُي ِحي ُط َ‬ ‫ون بِ َش ْي ٍء ِم ْن ِع ْل ِم ِه إِ َّال بِ َما َشا َء َو ِس َع‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يم﴾‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر َض َوال َي ُؤو ُد ُه ح ْف ُظ ُه َما َو ُه َو ا ْل َعل ُّي ا ْل َعظ ُ‬ ‫ُك ْرس ُّي ُه َّ‬ ‫(البقرة‪)155:‬‬ ‫فاآلية الكريمة تدلنا على طريق العبور من السموات واألرض إلى الحي‬ ‫القيوم‪ ،‬ألنه ال يكون هذا اإلبداع العظيم في هذا الخلق العظيم إال بحياة المبدع‬ ‫وقيوميته‪ ،‬فالتوازن والتكامل والبقاء في المخلوقات دليل قيام خالقها بها‪.‬‬ ‫ومن هذه األبواب التي يفتحها لنا القرآن الكريم للتعرف على الله من خالل‬ ‫كتاب الكون ما ورد فيه من استدالالت على البعث‪ ،‬فهي ـ عند التأمل ـ أدلة على‬ ‫الله أكثر من داللتها على البعث‪.‬‬ ‫وهي تدل على الله قبل البعث‪ ،‬ألن األساس الذي أوقع الدهريين‬ ‫والمنكرين للبعث هو اعتقادهم باالستحالة العقلية لعودة العظم الرميم للحياة‪ ،‬كما‬ ‫قال تعالى ضاربا المثل ببعضهم‪َ ﴿:‬و َض َر َب َلنَا َم َث ً‬ ‫ال َون َِس َي َخ ْل َق ُه َق َال َم ْن ُي ْح ِيي‬ ‫ا ْل ِع َظا َم َو ِه َي َر ِميم﴾ ( ّيـس‪)04:‬‬ ‫(‪ )1‬عن أبي بن كعب قال‪ :‬قال رسول الله ‪(:‬يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟)‪ ،‬قال قلت‪ :‬الله‬ ‫ورسوله أعلم‪ ،‬قال‪( :‬يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟) قال‪ :‬قلت‪ ﴿:‬ال َّل ُه ال إِ َل َه إِ َّال ُه َو ا ْل َح ُّي ا ْل َق ُّيو ُم ﴾‬ ‫(البقرة‪ :‬من اآلية‪ ،)155‬فضرب في صدري وقال‪( :‬ليهنك العلم يا أبا المنذر) رواه مسلم‪.‬‬

‫‪226‬‬


‫والقرآن الكريم ـ لينفي هذه الشبهة‪ ،‬ويرفع هذا االلتباس ـ ال يتكلف كالما‬ ‫عقليا جافا كالكالم الذي يتعمده الفالسفة‪ ،‬بل يكتفي بأمرنا برفع أبصارنا وحواسنا‬ ‫للنظر إلى األرض الخاشعة كيف تتحول بالماء الرباني إلى جنة من جنان الحياة‪،‬‬ ‫قال تعالى‪ ﴿:‬و ِمن آياتِ ِه َأن ََّك تَرى ْاألَر َض َخ ِ‬ ‫اش َع ًة َفإِ َذا َأن َْز ْلنَا َع َل ْي َها ا ْل َما َء ْاهت ََّز ْت َو َر َب ْت إِ َّن‬ ‫َ ْ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ا َّل ِذي َأ ْح َي َاها َل ُم ْح ِيي ا ْل َم ْوتَى إِ َّن ُه َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء َق ِدير﴾ (فصلت‪ ،)39:‬وقال تعالى‪﴿:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الس َم ِاء َما ًء بِ َقدَ ٍر َف َأن َْش ْرنَا بِ ِه َب ْلدَ ًة َم ْيت ًا ك ََذلِ َك ُت ْخ َر ُج َ‬ ‫ون﴾‬ ‫َوا َّلذي ن ََّز َل م َن َّ‬ ‫ِ‬ ‫اح َف ُتثِ ُير َس َحاب ًا َف ُس ْقنَا ُه إِ َلى َب َل ٍد‬ ‫الر َي َ‬ ‫(الزخرف‪ ،)11:‬وقال تعالى‪َ ﴿:‬وال َّل ُه ا َّلذي َأ ْر َس َل ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ور﴾ (فاطر‪)9:‬‬ ‫َم ِّيت َف َأ ْح َي ْينَا بِه ْاألَ ْر َض َب ْعدَ َم ْوت َها ك ََذل َك الن ُُّش ُ‬ ‫أو يرشدهم إلى استعادة تذكر ما سبق من النشأة األولى‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل‬ ‫ُي ْح ِي َيها ا َّل ِذي َأن َْش َأ َها َأ َّو َل َم َّر ٍة َو ُه َو بِ ُك ِّل َخ ْل ٍق َع ِليم﴾ ( ّيـس‪)09:‬‬ ‫ويخاطب الذين قالوا ـ مغترين بما لديهم من المعارف ـ‪َ ﴿:‬أإِ َذا ُكنَّا ِع َظام ًا‬ ‫َو ُر َفات ًا َأإِنَّا َل َم ْب ُعو ُث َ‬ ‫ون َخ ْلق ًا َج ِديد ًا ﴾ (االسراء‪ ،)49 :‬بأمرهم بأن يتحولوا إلى أي‬ ‫شيء شاءوا مما يتعتقدون قوته‪ُ ﴿:‬قل ُكو ُنو ْا ِح َج َار ًة َأ ْو َح ِديد ًا َأ ْو َخ ْلق ًا ِّم َّما َي ْك ُب ُر فِي‬ ‫ُصدُ ِ‬ ‫ور ُك ْم ﴾(االسراء‪ ،)51-57 :‬فإذا بقيت حيرتهم حينها ويقولون‪َ ﴿:‬من ُي ِعيدُ نَا‬ ‫﴾‪ ،‬فإن الجواب القرآني يكتفي بتذكيرهم بالنظر إلى مبدأ خلقهم‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ِل‬ ‫ا َّل ِذي َف َط َر ُك ْم َأ َّو َل َم َّر ٍة ﴾‬ ‫وحينذاك يبدل هؤالء الغافلون عن كنوز المعارف المخبأة في السموات‬ ‫واألرض الموضوع‪ ،‬فيسألون عن موعد ما ال يؤمنون به‪،‬وكأن عدم تحديد الموعد‬

‫‪227‬‬


‫وس ُه ْم َو َي ُقو ُل َ‬ ‫هو الدليل على ما ينكونه‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ف َس ُين ِْغ ُض َ‬ ‫ون َمتَى‬ ‫ون إِ َل ْي َك ُر ُؤ َ‬ ‫ُه َو ُق ْل َع َسى َأن َي ُك َ‬ ‫ون َق ِريب ًا﴾ (االسراء‪)51:‬‬ ‫أما صعوبة تحقيق ذلك‪ ،‬فالقرآن الكريم يدل عليه بالنظر في السموات‬ ‫واألرض‪ ،‬فيستدل بالقدرة على النشأة الثانية بقدرته تعالى على النشأة األولى‪ ،‬قال‬ ‫ات و ْاألَر َض بِ َق ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اد ٍر َع َلى َأ ْن َي ْخ ُل َق ِم ْث َل ُه ْم َب َلى َو ُه َو‬ ‫الس َم َاو َ ْ‬ ‫تعالى‪َ ﴿:‬أ َو َل ْي َس ا َّلذي َخ َل َق َّ‬ ‫ِ‬ ‫يم﴾ ( ّيـس‪)41:‬‬ ‫ا ْل َخ َّال ُق ا ْل َعل ُ‬ ‫فكل شيء يسير على الله‪ ،‬والكون كله يدل على ذلك اليسر‪ ،‬قال تعالى‪﴿:‬‬ ‫ف ُي ْب ِد ُئ ال َّل ُه ا ْل َخ ْل َق ُث َّم ُي ِعيدُ ُه إِ َّن َذلِ َك َع َلى ال َّل ِه َي ِسير﴾ (العنكبوت‪،)19:‬‬ ‫َأ َو َل ْم َي َر ْوا َك ْي َ‬ ‫وقال تعالى‪َ ﴿:‬أ َف َع ِيينَا بِا ْل َخ ْل ِق ْاألَ َّو ِل َب ْل ُه ْم فِي َل ْب ٍ‬ ‫س ِم ْن َخ ْل ٍق َج ِد ٍيد﴾ ( ّق‪)15:‬‬ ‫ويرد على غالظ القلوب من بني إسرائيل الذي صورت لهم عقولهم الغارقة‬ ‫في أوحال المادة أن الله ـ تعالى عما يقولون ـ يلحقه العياء‪ ،‬فرد عليهم تعالى في‬ ‫ات و ْاألَر َض و َلم يعي بِ َخ ْل ِق ِهن بِ َق ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫اد ٍر‬ ‫َّ‬ ‫َ ََْْ‬ ‫الس َم َاو َ ْ‬ ‫قوله تعالى‪َ ﴿:‬أ َو َل ْم َي َر ْوا َأ َّن ال َّل َه ا َّلذي َخ َل َق َّ‬ ‫َع َلى َأ ْن ُي ْح ِي َي ا ْل َم ْوتَى َب َلى إِ َّن ُه َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء َق ِدير﴾ (االحقاف‪)33:‬‬ ‫وهذه النظرة العرفانية لسطور المكونات تكسبها من الجمال ما ال يكسبها‬ ‫أي وصف بشري‪ ،‬فال مقارنة بين من يرى ذات الزهرة التي سرعان ما تذبل‪ ،‬فيحزن‬ ‫لذبولها بقدر ما سره تفتحها‪ ،‬وبين من يرى في ابتسام الزهرة لطف الله ورحمته‬ ‫وجماله‪.‬‬ ‫وقد ذكر النورسي الفرق في آثار النظرة العرفانية والناظرة الغافلة للكون‬

‫‪228‬‬


‫بقوله‪ (:‬ثم إن اإليمان أراني بفضل أسرار القرآن الكريم أراني أحوال الدنيا‬ ‫وأوضاعها المنهارة في ظلمات العدم بنظر الغفلة‪ ،‬ال تتدحرج هكذا في غياهب‬ ‫العدم ‪ -‬كما ظ ّن في بادئ األمر ‪ -‬بل إنها نوع من رسائل ربانية ومكاتيب صمدانية‪،‬‬ ‫أتمت مهامها‪ ،‬وأفادت معانيها‪ ،‬وأخلفت‬ ‫وصحائف نقوش ل أسماء السبحانية قد ّ‬ ‫عنها نتائجها في الوجود‪ ،‬فأعلمني اإليمان بذلك ماهية الدنيا علم اليقين)‬

‫(‪)1‬‬

‫وشبه عبور المؤمن للكون الحسي الذي يستوي في النظر إليه العارف‬ ‫والغافل‪ ،‬بالنظر إلى المرآة‪ ،‬فهي من حيث أنها زجاجة‪ ،‬نرى مادتها الزجاجية‪،‬‬ ‫وتكون الصورة المتمثلة فيها شيئا ثانويا‪ ،‬بينما إن كان القصد من النظر الى المرآة‬ ‫رؤية الصورة المتمثلة فيها‪ ،‬فالصورة تتوضح أمامنا بينما يبقى زجاج المرآة أمر ًا‬ ‫ثانوي ًا‪.‬‬ ‫وقد وضع اصطالحين لذلك‪ ،‬ليوضح من خاللها النظرة القرآنية العرفانية‬ ‫للكون‪ ،‬استفادهما من اصطالحات النحويين هما ( المعنى االسمي للكون‪،‬‬ ‫والمعنى الحرفي له‪ ،‬فاالسم ما دل على معنى في نفسه‪ ،‬أما الحرف فهو الذي‪ّ :‬‬ ‫دل‬ ‫على معنى في غيره‪.‬‬ ‫والنظرة القرآنية اإليمانية إلى الموجودات تجعلها جميعا حروف ًا‪ ،‬تع ّبر عن‬ ‫معنى في غيرها‪ ،‬وهذا المعنى هو تجليات االسماء الحسنى والصفات الجليلة‬ ‫للخالق العظيم المتجلية على الموجودات‪.‬‬

‫(‪ )1‬اللمعة السادسة والعشرون (رسالة الشيوخ)‬

‫‪229‬‬


‫وكما أن الكون من حيث صورته المادية يحتوي على عناصر محددة تتكون‬ ‫منها جميع أشكال الموجودات‪ ،‬ويسمون الجدول الذي يحوي هذه العناصر‬ ‫بالجدول الدوري‪ ،‬فبمثل ذلك يتحدث العارفون عما يمكن تسميته بالجدول‬ ‫األسمائي للكون‪.‬‬ ‫وهذا الجدول يستخلص صفات الله من خالل أشكال المكونات وأنواع‬ ‫واختالف تدبيرها‪ ،‬وقد شرح النورسي بعض ما يرتبط بهذا الجدول بقوله‪ (:‬إن في‬ ‫كل شئ وجوه ًا كثيرة جد ًا متوجهة ‪ -‬كالنوافذ ‪ -‬الى الله سبحانه وتعالى‪ ،‬بمضمون‬ ‫اآلية الكريمة ﴿ َوإِ ْن ِم ْن َش ْي ٍء إِ َّال ُي َس ِّب ُح بِ َح ْم ِد ِه ﴾)(االسراء‪ )44 :‬إذ أن حقائق‬ ‫الموجودات وحقيقة الكائنات تستند إلى االسماء اإللهية الحسنى‪ ،‬فحقيقة كل‬ ‫شئ تستند الى اسم من االسماء أو إلى كثير من االسماء‪ .‬وأن االتقان الموجود في‬ ‫األشياء يستند إلى اسم من األسماء)‬

‫(‪)1‬‬

‫ويضرب بعض األمثلة على ذلك بالعلوم المادية التي تنقلب بهذه النظرة إلى‬ ‫علوم روحية‪ ،‬فعلم الحكمة الحقيقي يستند إلى اسم الله (الحكيم)‪ ،‬وعلم الطب‬ ‫يستند إلى اسم الله (الشافي)‪ ،‬وعلم الهندسة يستند إلى اسم الله (المقدّ ر)‪ ،‬وهكذا‬ ‫كل العلوم تستند الى األسماء الحسنى تبدأ منها‪ ،‬وتنتهي إليها‪.‬‬ ‫ولهذا اتفق العارفون على أن حقائق األشياء‪ ،‬إنما هي األسماء اإللهية‬ ‫الحسنى‪ ،‬أما ماهية األشياء فهي ظالل تلك الحقائق‪..‬‬

‫(‪ )1‬الكلمة الثانية والثالثون‪.‬‬

‫‪231‬‬


‫قال الشيخ عبد السالم بن مشيش مخاطب ًا مريده الشيخ أبا الحسن الشاذلي‬ ‫في وصية له‪ (:‬حدد بصر اإليمان تجد الله تعالى في كل شيء‪ ،‬وعند كل شئ‪ ،‬وقبل‬ ‫كل شئ‪ ،‬وبعد كل شئ‪ ،‬وفوق كل شئ‪ ،‬وتحت كل شيء‪ ،‬قريب ًا من كل شئ‪،‬‬ ‫ومحيط ًا بكل شئ‪ ،‬بقرب هو وصفه‪ ،‬وبحيطة هي نعته‪ ،‬وعد عن الظرفية والحدود‪،‬‬ ‫وعن األماكن والجهات‪ ،‬وعن الصحبة والقرب في المسافات‪ ،‬وعن الدور‬ ‫بالمخلوقات‪ ،‬وامحق الكل بوصفه األول واآلخر والظاهر والباطن‪ ،‬وهو هو‪..‬‬ ‫كان الله وال شئ معه‪ ،‬وهو اآلن على ما عليه كان)‬ ‫وتشبيهنا القراءة األسمائية للكون بالجدول الدوري للعناصر تشبيه من‬ ‫حيث األسس التي يقوم عليها كليهما‪ ،‬فالكون من حيث تركيبه يتركب من تلك‬ ‫العناصر‪ ،‬ومن حيث أسسه يقوم على تلك األسماء‪.‬‬ ‫أما من حيث الكم والمحدودية‪ ،‬فالفرق كبير بينهما‪ ،‬فعناصر الكون المادية‬ ‫محدودة‪ ،‬ولكن حقائق األسماء الحسنى المستندة للمكونات غير محدودة‪ ،‬وإلى‬ ‫هذا اإلشارة بقوله تعالى‪َ ﴿:‬و َل ْو َأن ََّما فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض ِم ْن َش َج َر ٍة َأ ْقالم َوا ْل َب ْح ُر َي ُمدُّ ُه ِم ْن‬ ‫ات ال َّل ِه إِ َّن ال َّل َه َع ِزيز َح ِكيم﴾ (لقمان‪ )10:‬فلو أن‬ ‫َب ْع ِد ِه َس ْب َع ُة َأ ْب ُح ٍر َما ن َِفدَ ْت كَلِ َم ُ‬ ‫جميع أشجار األرض جعلت أقالم ًا‪ ،‬وجعل البحر مداد ًا وأمد بسبعة أبحر معه‪،‬‬ ‫فكتبت بها كلمات ال ّله الدالة على عظمته وصفاته وجالله‪ ،‬لتكسرت األقالم ونفذ‬ ‫ماء البحر‪ ،‬ولو جاء أمثالها مدد ًا‪.‬‬ ‫ولم تذكر السبعة من باب الحصر‪ ،‬وكيف يحصر ما ال نهاية له‪ ،‬بل ذكرت‬

‫‪230‬‬


‫َان ا ْلبحر ِمدَ اد ًا لِكَلِم ِ‬ ‫ات َر ِّبي َلن َِفدَ‬ ‫َ‬ ‫على وجه المبالغة‪ ،‬كما قال تعالى‪ُ ﴿:‬ق ْل َل ْو ك َ َ ْ ُ‬ ‫ات َر ِّبي َو َل ْو ِج ْئنَا بِ ِم ْث ِل ِه َمدَ د ًا﴾ (الكهف‪)179:‬‬ ‫ا ْل َب ْح ُر َق ْب َل َأ ْن َتنْ َفدَ كَلِ َم ُ‬ ‫ولهذا يختلف العارفون المستمدون من بحار الكون في قراءة حروف‬ ‫الكون بحسب أحوالهم ومراتبهم‪ ،‬فما يدفع هذا إلى الرجاء قد يدفع اآلخر إلى‬ ‫الخوف‪ ،‬ألن كل واحد منهم يالحظ في كل حين ما ال يالحظ اآلخر‪ ،‬بل يالحظ‬ ‫في األوقات المختلفة المعارف المختلفة‪.‬‬ ‫وكمثال على تقريب ذلك ـ ولله المثل األعلى ـ ما نقرؤه نحن من رؤية‬ ‫الدموع‪ ،‬فقد تعبر عن الفرح‪ ،‬وقد تعبر عن الحزن‪ ،‬وقد تعبر عن الخشوع الذي دعا‬ ‫إليه الرجاء‪ ،‬وقد تعبر عن الخشوع الذي دعا إليه الخوف‪ ..‬وقد تعبر عن أشياء كثيرة‬ ‫ال يمكن حصرها‪.‬‬ ‫ويشير إلى هذا المعنى ما أخبر به رسول الله ‪ ‬من أحوال القيامة وأهوالها‪،‬‬ ‫حيث ( يجمع ال ّله األولين واآلخرين في صعيد واحد‪ ،‬يسمعهم الداعي وينفذهم‬ ‫البصر‪ ،‬وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما ال يطيقون وال يحتملون)‬ ‫في ذلك الموقف يقول بعض الناس لبعض‪ :‬أال ترون ما أنتم فيه مما قد‬ ‫بلغكم‪ ،‬أال تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟‬ ‫فيبدأون بآدم ‪ ،‬فيقولون‪ :‬يا آدم أنت أبو البشر خلقك ال ّله بيده‪ ،‬ونفخ فيك‬ ‫من روحه‪ ،‬وأمر المالئكة فسجدوا لك‪ ،‬فاشفع لنا إلى ربك أال ترى ما نحن فيه‪،‬‬ ‫أال ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم‪ :‬ربي قد غضب اليوم غضب ًا لم يغضب قبله مثله‪،‬‬

‫‪232‬‬


‫ولن يغضب بعده مثله‪ ،‬وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيت‪ ،‬نفسي نفسي نفسي‪،‬‬ ‫اذهبوا إلى غيري‪ ،‬اذهبوا إلى نوح‪.‬‬ ‫فيذهبون إلى نوح ‪ ،‬فيقولون‪ :‬يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل األرض‪،‬‬ ‫وقد سماك ال ّله عبد ًا شكور ًا‪ ،‬اشفع لنا إلى ربك‪ ،‬أال ترى ما نحن فيه‪ ،‬أال ترى ما قد‬ ‫بلغنا؟ فيقول نوح‪ :‬إن ربي قد غضب اليوم غضب ًا لم يغضب قبله مثله‪ ،‬ولن يغضب‬ ‫بعده مثله قط‪ ،‬وإنه قد كان لي دعوة دعوتها على قومي‪ ،‬نفسي نفسي نفسي‪ ،‬اذهبوا‬ ‫إلى غيري‪ ،‬اذهبوا إلى إبراهيم‪.‬‬ ‫وهكذا يذهبون إلى إبراهيم ‪ ،‬فيقول‪ (:‬إن ربي قد غضب اليوم غضب ًا لم‬ ‫يغضب قبله مثله‪ ،‬ولن يغضب بعده مثله‪ ،‬نفسي نفسي نفسي‪ ،‬اذهبوا إلى غيري‪،‬‬ ‫اذهبوا إلى موسى)‬ ‫فيقول موسى ‪ (:‬إن ربي قد غضب اليوم غضب ًا لم يغضب قبله مثله‪ ،‬ولن‬ ‫يغضب بعده مثله‪ ،‬نفسي نفسي نفسي‪ ،‬اذهبوا إلى غيري‪ ،‬اذهبوا إلى عيسى)‬ ‫فيقول عيسى ‪ (:‬إن ربي قد غضب اليوم غضب ًا لم يغضب قبله مثله‪ ،‬ولن‬ ‫يغضب بعده مثله‪ ،‬نفسي نفسي نفسي‪ ،‬اذهبوا إلى غيري‪ ،‬اذهبوا إلى محمد ًا ‪) ‬‬ ‫فيأتون محمد ًا ‪ ،‬فيقولون‪ :‬يا محمد أنت رسول ال ّله وخاتم األنبياء‪ ،‬وقد‬ ‫غفر ال ّله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر‪ ،‬فاشفع لنا إلى ربك‪ ،‬أال ترى ما نحن فيه‪،‬‬ ‫أال ترى ما قد بلغنا؟‬ ‫قال ‪ ‬في بيان ما يفعل ذلك اليوم‪ (:‬فأقوم فآتي تحت العرش‪ ،‬فأقع ساجد ًا‬

‫‪233‬‬


‫عز َّ‬ ‫وجل‪ ،‬ثم يفتح ال ّله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم‬ ‫لربي َّ‬ ‫يفتحه على أحد قبلي‪ ،‬فيقال‪ :‬يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه‪ ،‬واشفه تشفع‪،‬‬ ‫فأرفع رأسي‪ ،‬فأقول‪ :‬أمتي يا رب‪ ،‬أمتي يا رب‪ ،‬أمتي يا رب؟ فيقال‪ :‬يا محمد‪،‬‬ ‫أدخل من أمتك من ال حساب عليه من الباب األيمن من أبواب الجنة‪ ،‬وهم شركاء‬ ‫الناس فيما سوى ذلك من األبواب‪ ،‬ثم قال‪ :‬والذي نفس محمد بيده‪ ،‬إن ما بين‬ ‫المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر‪ ،‬أو كما بين مكة وبصرى)‬

‫(‪)1‬‬

‫ففي هذا الحديث إشارات جليلة إلى القراءات المختلفة ألفعال الله‪ ،‬فبينما‬ ‫اقتصر نظر األنبياء عليهم السالم ـ مع جاللتهم ـ في ذلك الحين ومع تلك األهوال‬ ‫على النظر إلى غضب الله عرف رسول الله ‪ ‬أن ذلك الغضب يحمل معاني‬ ‫الرحمة األزلية‪ ،‬فقرأ رحمة الله من خالل مظاهر الغضب‪ ،‬كما نقرأ رحمة الله‬ ‫بالغيث مع دوي الرعد‪.‬‬ ‫وفي قوله ‪ (:‬ثم يفتح ال ّله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما‬ ‫لم يفتحه على أحد قبلي) دليل على عدم انحصار المعارف اإللهية‪.‬‬ ‫وقد كانت هذه المعارف هي الحادي الذي حدا بيعقوب ‪ ‬إلى الطمأنينة‬ ‫ألمر الله‪ ،‬قال تعالى في حكاية ما كان يقوله لهم قبل رجوع يوسف ‪َ ﴿:‬أ َل ْم َأ ُق ْل‬ ‫َل ُك ْم إِنِّي َأ ْع َل ُم ِم َن ال َّل ِه َما ال َت ْع َل ُم َ‬ ‫ون ﴾ (يوسف‪)91 :‬‬ ‫ويروي المفسرون عن حنة امرأة عمران‪ ،‬أنها كانت امرأة ال تحمل‪ ،‬فرأت‬

‫(‪ )1‬رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪234‬‬


‫يوم ًا طائر ًا يزق فرخه‪ ،‬فاشتهت الولد فدعت ال ّله تعالى أن يهبها ولد ًا‪ ،‬فاستجاب‬ ‫ال ّله دعاءها‪.‬‬ ‫فكانت قراءتها لرحمة الله التي وهبت ذلك الطائر فرخه هي السر الذي‬ ‫ألهمها أن تدعو الله‪.‬‬ ‫وكأن الله تعالى يبين من خالل المكونات قدراته المختلفة ووجوه تدبيره‪،‬‬ ‫لنفتقر إليه كما يفتقر إليه كل شيء‪.‬‬ ‫فالتجليات التي تحملها المكونات ال نهاية لها‪ ،‬وكل واحد يقرأ بحسب‬ ‫استعداده ومرتبته وهمته‪ ،‬وسنذكر هنا بعض قراءات العارفين‪ ،‬ولكن قبل ذلك‪،‬‬ ‫ولالستشهاد على بعض ما تحمله المكونات من حقائق األسماء الحسنى‪،‬‬ ‫نستشهد بذلك العارف بالله الذي آوته الجبال والغابات أياما طويلة من عمره‬ ‫اإلمام بديع الزمان النوسي‪ ،‬الذي جعل من رسائل النور مفاتيح لقراءة حروف‬ ‫الكون‪.‬‬ ‫فقد ذكر أنه يمكن مشاهدة آثار تجلي عشرين اسم ًا من األسماء على ظاهر‬ ‫كل ذي حياة فحسب‪ ،‬ولتقريب هذه الحقيقة الدقيقة والعظيمة الواسعة‪ ،‬استشهد‬ ‫بالمثال التالي‪ ،‬والذي نتصرف فيه من باب مراعاة االختصار بعض التصرف‪.‬‬ ‫فذكر أنه لو أراد فنان بارع في التصوير والنحت رسم صورة زهرة فائقة‬ ‫الجمال‪ ،‬أو نحت تمثال بديع‪ ،‬فإنه يبدأ أول ما يبدأ بتعيين بعض خطوط الشكل‬ ‫العام لهما‪ ،‬وهذا التعيين يتم بتنظيم‪ ،‬ويعمله بتقدير يستند فيه إلى علم الهندسة‪،‬‬

‫‪235‬‬


‫فيع ّين الحدود وفقه بعل ٍم وبحكمة‪ ،‬لذا تح ُكم معاني العلم والحكمة ورا َء التنظيم‬ ‫والتحديد‪.‬‬ ‫ثم إن تلك االعضاء التي ُع ّينت وفق العلم والحكمة أخذت صيغة الصنعة‬ ‫تحكم معاني الصنع والعناية وراء العلم والحكمة‪.‬‬ ‫المتقنة والعناية الدقيقة‪ ،‬لذا‬ ‫ُ‬ ‫وقابلية الحسن والزينة في الظهور يدل على أن الذي يحرك الصنعة والعناية‬ ‫هو إرادة التجميل والتحسين وقصد التزيين‪ ،‬فهما إذن يحكمان من وراء الصنعة‬ ‫والعناية‪.‬‬ ‫وعندما يبدأ الفنان بإضفاء حالة التبسم لتمثاله‪ ،‬وشرع بمنح أوضاع حياتية‬ ‫لصورة الزهرة‪ ،‬يكون قد بدأ بفع َلي التزيين والتنوير‪ ،‬ويحركهما معنيا اللطف‬ ‫والكرم‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ..‬يحرك معاني الكرم واللطف‪ ،‬وما وراءهما معاني التودد والتعرف‪،‬‬ ‫أي تعريف نفسه بمهارته وفنه‪ ،‬وتحبيبها الى اآلخرين‪.‬‬ ‫وهذا التعريف والتحبيب آتيان من الميل إلى الرحمة وإرادة النعمة‪.‬‬ ‫ومعاني الترحم والتحنن هذه‪ ،‬ال يسوقهما الى الظهور لدى ذلك المستغنى‬ ‫عن الناس‪ ،‬غير ما في ذاته من جمال معنوي وكمال معنوي يريدان الظهور‪ ،‬فأجمل‬ ‫ما في ذلك الجمال‪ ،‬وهو المحبة‪ ،‬وألذ ما فيه وهو الرحمة‪ ،‬كل منها يريد إراءة نفسه‬ ‫بمرآة الصنعة‪ ،‬ويريد رؤية نفسه بعيون المشتاقين‪.‬‬ ‫فالجمال والكمال محبوب لذاته‪ ( ،‬يحب نفسه أكثر من أي شئ آخر‪ ،‬حيث‬

‫‪236‬‬


‫أنه حسن وعشق في الوقت نفسه‪ ،‬فاتحاد الحسن والعشق ٍ‬ ‫آت من هذه النقطة‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫ولما كان الجمال يحب نفسه‪ ،‬فالبد أنه يريد رؤية نفسه في المرايا‪ ،‬فالنعم‬ ‫الموضوعة على التمثال‪ ،‬والثمرات اللطيفة المعلقة على الصورة‪ ،‬تحمل لمع ًة‬ ‫براقة من ذلك الجمال المعنوي ‪ -‬كل حسب قابليته ‪ -‬ف ُتظهر تلك اللمعات‬ ‫الساطعة نفسها الى صاحب الجمال‪ ،‬والى اآلخرين مع ًا)‬

‫(‪)1‬‬

‫فعلى منوال هذا المثال الذي أورده بديع الزمان تتم قراءة العارف للكون‪،‬‬ ‫ول أسماء الحسنى التي تتجلى في مرآته‪ ،‬قال النورسي‪ (:‬وعلى غرار هذا المثال‬ ‫الذي ينظم الصانع الحكيم ـ ولله المثل االعلى ـ الجنة والدنيا والسموات واالرض‬ ‫والنباتات والحيوانات والجن واالنس والملك والروحانيات‪ ،‬أي بتعبير موجز‬ ‫ينظم سبحانه جميع األشياء كل ّيها وجزئيها‪ ..‬ينظمها جميع ًا بتجليات أسمائه‬ ‫الحسنى ويعطي لكل منها مقدار ًا معين ًا حتى يجعله يستقرىء اسم‪:‬المقدر‪،‬‬ ‫المنظم‪ ،‬المصور)‬

‫(‪)1‬‬

‫ففي النظر إلى زهرة واحدة جميلة صحائف كثيرة جد ًا من صحائف التعرف‬ ‫على الله‪:‬‬ ‫فصحيفة هيئة الشئ التي تبين شكله العام ومقداره‪ ،‬تلهج باسماء‪ :‬يا مصور‬ ‫يا مقدر يا منظم‪.‬‬

‫(‪ )1‬الكلمة الثانية والثالثون‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الكلمة الثانية والثالثون‪.‬‬

‫‪237‬‬


‫وصحيفة صور االعضاء المتباينة المنكشفة ضمن تلك الهيئة البسيطة‬ ‫للزهرة‪ ،‬أسماء كثيرة أمثال‪ :‬العليم‪ ،‬الحكيم‪.‬‬ ‫وصحيفة إضفاء الحسن والزينة على األعضاء المتباينة بأنماط متنوعة من‬ ‫الحسن والزينة تكتب في تلك الصحيفة أسماء كثيرة من امثال‪ :‬الصانع‪ ،‬البارئ‪.‬‬ ‫وصحيفة الزينة والحسن البديع الموهوبان لتلك الزهرة تقرأ اسماء كثيرة‬ ‫امثال‪ :‬يا لطيف‪ .‬يا كريم‪.‬‬ ‫وصحيفة تعليق ثمرات لذيذة على تلك الزهرة يجعالن تلك الصحيفة‪،‬‬ ‫تستقرئ اسماء كثير ًة أمثال‪ :‬يا ودود يا رحيم يا منعم‪.‬‬ ‫وصحيفة اإلنعام واإلحسان تقرأ أسماء أمثال‪ :‬يا رحمن يا حنان‪.‬‬ ‫وصحيفة ظهور لمعات الحسن والجمال الواضحة في تلك النعم تكتب‬ ‫وتقرأ اسماء‪ :‬يا جميل ذا الكمال يا كامل ذا الجمال‪.‬‬ ‫فهذه زهرة واحدة تلهج بجميع هذه المعارف التي تحتوي من األعماق ما‬ ‫ال حدود له‪ ،‬فإلى أي حد من السمو والكلية تستقرىء جميع االزهار‪ ،‬وجميع ذوي‬ ‫الحياة والموجودات االسماء الحسنى اإللهية‪.‬‬ ‫***‬ ‫وهذه القراءة التي يتنعم بها العارفون ال تكون من طرف واحد‪ ،‬كما هي‬ ‫العادة في جميع كتب الدنيا‪ ..‬حيث يكون الكتاب مفتوحا‪ ،‬وعين القارئ هي التي‬ ‫تكد لترى ما تنطق به الحروف‪.‬‬

‫‪238‬‬


‫فكتاب الله الذي يسمونه صامتا نطق عند العارفين‪ ..‬فصاحت كل ذرة‬ ‫تعرفهم بحقيقتها وانتمائها‪..‬‬ ‫يقول الغزالي‪ (:‬بل أرباب القلوب والمشاهدات قد أنطق الله تعالى في‬ ‫حقهم كل ذرة في السموات واألرض بقدرته التي بها نطق كل شيء حتى سمعوا‬ ‫تقديسها وتسبـيحها لله تعالى وشهادتها على نفسها بالعجز بلسان ذلق تتكلم بال‬ ‫حرف وال صوت ال يسمعه الذين هم عن السمع معزولون)‬

‫(‪)1‬‬

‫واستدرك للذين ال يفهمون من العبارات إال ظواهرها بقوله‪ (:‬ولست أعني‬ ‫به السمع الظاهر الذي ال يجاوز األصوات‪ّ ،‬‬ ‫فإن الحمار شريك فيه‪ ،‬وال قدر لما‬ ‫يشارك فيه البهائم‪ ،‬وإنما أريد به سمع ًا يدرك به كالم ليس بحرف وال صوت وال‬ ‫هو عربـي وال عجمي)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد ذكر النورسي بعض ما يسمعه العارفون من هذه األحاديث‪ ،‬فقال‪ :‬إن‬ ‫كنت تريد أن تشاهد تلك الحقائق الرفيعة عن قرب‪ ،‬فاذهب إلى ٍ‬ ‫بحر هائج‪ ،‬وإلى‬ ‫ٍ‬ ‫أرض مهتزة بالزالزل‪ ،‬وأسألهما‪ :‬ما تقوالن؟ ستسمع حتم ًا أنهما يناديان‪ :‬يا‬ ‫جليل‪ ..‬يا جليل‪ ..‬يا عزيز‪ ..‬يا جبار‪..‬‬ ‫ثم اذهب إلى الفراخ والصغار من الحيوانات‪ ،‬التي تعيش في البحر أو على‬ ‫االرض‪ ،‬والتي ُتربى في منتهى الشفقة والرحمة‪ ،‬وأسألها‪ :‬ما تقولين؟ البد أنها‬

‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬ ‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬

‫‪239‬‬


‫تترنم‪ :‬يا جميل‪ ..‬يا جميل‪ ..‬يا رحيم‪ ..‬يا رحيم‪.‬‬ ‫ثم انصت الى السماء كيف تنادي‪ :‬يا جـليـل ذو الجمال!‬ ‫وأعر سمعك إلى االرض كيف تردد‪ :‬يا جميل ذو الجالل‪.‬‬ ‫وتصــنّت للحـيوانات كيـف تقــول‪ :‬يا رحمن يا رزاق‪.‬‬ ‫واسأل الربيع‪ ،‬فستسمع منـه‪ :‬يا حـنان يا رحمـن يا رحـيم يا كريم يا لطيف يا‬ ‫منور يـا محـسن يا مز ّين‪ ..‬وأمثالـها من األسماء الكثيرة‪.‬‬ ‫مصور يا ّ‬ ‫عطوف يا ّ‬ ‫واسأل إنسان ًا هو حق ًا إنسان وشاهد كيف يقرأ جميع االسماء الحسنى‪ ،‬فهي‬ ‫مكتوبة على جبهته‪ ،‬حتى اذا أنعمت النظر ستقرؤها أنت بنفسك‪.‬‬ ‫وكأن الكون كله موسيقى متناغمة االلحان لذكر عظيم‪ .‬فامتزاج أصغر نغمة‬ ‫وأوطئها مع أعظم نغمة وأعالها ينتج لحن ًا لطيف ًا مهيب ًا‪ ..‬وقس على ذلك)‬

‫(‪)1‬‬

‫وانطالقا من هذه النظرة العرفانية يقبل العارف بالله على التعرف على خلق‬ ‫الله‪ ،‬فيبحث في جل العلوم والمعارف بنشوة عظيمة‪ ،‬وهو يرى ما سطر فيها من‬ ‫كلمات الله‪.‬‬ ‫وهكذا في الوقت الذي ينحجب فيه الغافل بالعلوم التي يطلقون عليها‬ ‫علوما مادية‪ ،‬يعرج من خاللها العارف إلى بحار معرفة الله‪ ،‬لتصبح في نظره علوم‬ ‫الروح والقلب والسر‪.‬‬ ‫قال الغزالي عند بيانه النشعاب العلوم المادية من القرآن الكريم‪ (:‬ثم هذه‬

‫(‪ )1‬الكلمة الرابعة والعشرون‪.‬‬

‫‪241‬‬


‫العلوم ما عددناها وما لم نعدها ليست أوائلها خارجة عن القرآن‪ ،‬فإن جميعها‬ ‫مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى‪ ،‬وهو بحر األفعال)‬

‫(‪)1‬‬

‫ثم ذكر بعض النماذج عن ذلك بقوله‪ (:‬فمن أفعال الله تعالى وهو بحر‬ ‫األفعال مثال الشفاء والمرض‪ ،‬كما قال الله تعالى حكاية عن ابراهيم ‪ ‬تعالى‪﴿:‬‬ ‫واذا مرضت فهو يشفين ﴾‪ ،‬وهذا الفعل الواحد ال يعرفه اال من عرف الطب‬ ‫بكماله‪ ،‬اذ ال معنى للطب اال معرفة المرض بكماله وعالماته ومعرفة الشفاء‬ ‫وأسبابه)‬

‫(‪)1‬‬

‫ومن النماذج تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان‪ ،‬والتي نص‬ ‫عليها قوله تعالى منبها إلى النظر فيهما‪َ ﴿:‬فال ِ ُق ْ ِ‬ ‫اإل ْص َب ِ‬ ‫اح َو َج َع َل ال َّل ْي َل َسكَن ًا‬ ‫َو َّ‬ ‫الش ْم َس َوا ْل َق َم َر ُح ْس َبان ًا َذلِ َك َت ْق ِد ُير ا ْل َع ِز ِيز ا ْل َع ِلي ِم﴾ (األنعام‪ )91:‬وكل ما يرتبط‬ ‫بالفلك إال ( من عرف هيئات تركيب السموات واألرض‪ ،‬وهو علم برأسه)‬ ‫ومثل ذلك تركيب اإلنسان ( فال يعرف كمال معنى قوله تعالى‪َ ﴿:‬يا َأ ُّي َها‬ ‫ِ‬ ‫ِْ‬ ‫ان َما َغ َّر َك بِ َر ِّب َك ا ْلك َِري ِم ا َّل ِذي َخ َل َق َك َف َس َّو َ‬ ‫نس ُ‬ ‫ور ٍة َّما َشاء‬ ‫اك َف َعدَ َل َك في َأ ِّي ُص َ‬ ‫اإل َ‬ ‫َر َّك َب َك ﴾(االنفطار‪1:‬ـ ‪ )4‬إال من عرف تشريح األعضاء من االنسان ظاهرا وباطنا‬ ‫وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها)‬

‫(‪)3‬‬

‫***‬ ‫(‪ )1‬جواهر القرآن‪.‬‬ ‫(‪ )1‬جواهر القرآن‪.‬‬ ‫(‪ )3‬جواهر القرآن‪.‬‬

‫‪240‬‬


‫قد يقال ـ هنا ـ فما الميزة التي يستحقها العارف دون العامي‪ ،‬وكالهما يقرأ‬ ‫الكون‪ ،‬وكالهما يفهم منه داللته على الله‪.‬‬ ‫وما الميزة التي يتميز بها العارف‪ ،‬والمتكلم يقرأمن صفحات الكون ما ال‬ ‫يقرؤه العارف‪ ،‬وعالم الطبيعة يعرف من معارف الكون ما ال يطلع عليه العارف‪.‬‬ ‫وللجواب على ذلك نذكر ما تتميز به المعرفة عن العلم‪ ،‬فالعلم اكتشاف قد‬ ‫يدفع إليه الفضول‪ ،‬والمعرفة معايشة يدفع إليها الشوق واالحتراق‪.‬‬ ‫ولهذا تختلف نظرة العارف عن العالم ل أشياء‪ ،‬كما اختلفت نظرة يعقوب‬ ‫‪ ‬وأبنائه حول قميص يوسف‪.‬‬ ‫فأبناء يعقوب ‪ ‬لم يروا في قميص يوسف سوى خيوط متجمعة ال‬ ‫تختلف عن أي خيوط‪ ،‬بينما رأي يعقوب ‪ ‬ـ المكتوي بنار العشق ـ في تلك‬ ‫الخيوط ابنه يوسف ‪ ،‬بل إنه شم رائحته من بعيد‪ ،‬قال تعالى يحكي هذه‬ ‫المواقف المتناقضة نحو الشيء الواحد حاكيا قول يوسف ‪{ ﴿:‬ا ْذ َه ُبوا‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ين (‪َ )93‬و َل َّما‬ ‫بِ َقميصي َه َذا َف َأ ْل ُقو ُه َع َلى َو ْجه َأبِي َي ْأت َبص ًيرا َو ْأ ُتوني بِ َأ ْهل ُك ْم َأ ْج َمع َ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ف َلو َال َأ ْن ُت َفنِّدُ ِ‬ ‫ون (‪َ )94‬قا ُلوا تَال َّل ِه‬ ‫َف َص َلت ا ْلع ُير َق َال َأ ُب ُ‬ ‫وس َ ْ‬ ‫وه ْم إِنِّي َألَ ِجدُ ِر َ‬ ‫يح ُي ُ‬

‫إِن ََّك َل ِفي َض َاللِ َك ا ْل َق ِدي ِم (‪( ﴾)95‬يوسف‪)95 – 93 :‬‬

‫وهذه اآليات الكريمة فيها إشارات جليلة ترتبط بذوق العارف‪ ،‬والتفريق بينه‬ ‫وبين ذوق العامي‪ ،‬فالقميص الذي يحمل رائحة يوسف ‪ ‬كالكون الذي يحمل‬ ‫ختم خالقه ومبدعه‪ ،‬والعمى الذي وجده إخوة يوسف ‪ ‬هو عمى العامي عن‬

‫‪242‬‬


‫رؤية ذلك الختم‪ ،‬وعود البصر ليعقوب ‪ ‬كعود البصيرة للعارف بعد اكتحاله‬ ‫برؤية الختم المطبوع على األشياء‪.‬‬ ‫فاألشياء واحدة‪ ،‬ولكن الشأن ليس في وحدة األشياء‪ ،‬وإنما في النظر إلى‬ ‫األشياء والمواقف من األشياء‪.‬‬ ‫فالفرق جليل بين من يوحد الله بنفي غير الله‪ ،‬وبين من يوحده باإلثبات‬ ‫المحض‪ ،‬فال يرى غيرا يحتاج إلى نفيه‪.‬‬ ‫وفرق كبير بين من يرى الكون قائما بذاته‪ ،‬وبين من يراه ظلمة لوال نور الله‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫الحق فيه‪ ،‬فمن رأى‬ ‫أنار ُه‬ ‫كما قال ابن عطاء الله‪(:‬‬ ‫ظهور ِّ‬ ‫ُ‬ ‫الكون ك ُّله ُظ ْلمة‪ ،‬وإنَّما َ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫وحج َب ْت‬ ‫الكون ولم يشهدُ ُه فيه أو عنده أو َق ْب َله أو َب ْعدَ ه فقد َأ ْع َو َز ُه وجو ُد‬ ‫األنوار‪ُ ،‬‬ ‫ِ‬ ‫بس ُح ِ‬ ‫ب اآلثار)‬ ‫عنه‬ ‫ُ‬ ‫شموس المعارف ُ‬ ‫وفرق كبير بين النظر اإليماني إلى المكونات والنظر الطبيعي‪ ،‬فالنظرة واحدة‬ ‫ولكن القلب المستقبل للنظرة مختلف‪ ،‬كاألرض تسقى بمطر واحد لكن بعضها‬ ‫ينتج زهرا واآلخر شوكا‪ ﴿:،‬يس َقى بِم ٍاء و ِ‬ ‫اح ٍد َو ُن َف ِّض ُل َب ْع َض َها َع َلى َب ْع ٍ‬ ‫ض فِي ْاألُ ُك ِل‬ ‫َ َ‬ ‫ُْ‬ ‫﴾ (الرعد‪)4 :‬‬ ‫وقد ذكر الغزالي الفرق بين الرؤيتين رؤية الموحد ورؤية الطبيعي بقوله‪(:‬‬ ‫وكل ما نظرنا فيه فإن الطبـيعي ينظر فيه ويكون نظره سبب ضالله وشقاوته‪،‬‬ ‫ذرة في السماء واألرض‬ ‫والموفق ينظر فيه فيكون سبب هدايته وسعادته‪ .‬وما من ّ‬ ‫إال والله سبحانه وتعالى يضل بها من يشاء ويهدي بها من يشاء‪ ،‬فمن نظر في هذه‬

‫‪243‬‬


‫األمور من حيث إنها فعل الله تعالى وصنعه استفاد منه المعرفة بجالل الله تعالى‬ ‫وعظمته واهتدى به‪ ،‬ومن نظر فيها قاصر ًا للنظر عليها من حيث تأثير بعضها في‬ ‫بعض ال من حيث ارتباطها بمسبب األسباب فقد شقي وارتد)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد ذكر النورسي الفرق بين الرؤيتين بتفريقه بين توحيدين‪:‬‬ ‫توحيد العامي الذي يقول‪ (:‬الشريك له‪ ،‬ليست هذه الكائنات لغيره)‪ ،‬وهذا‬ ‫يكون عرضة لتداخل الغفالت‪ ،‬بل الضالالت في أفكار صاحبه‪.‬‬ ‫وتوحيد حقيقي‪ ،‬هو توحيد العارف الذي يقول‪ (:‬هو الله وحدَ ه له الملك‪،‬‬ ‫وله الكون‪ ،‬له كل شئ) فيرى سكتّه على كل شئ‪ ،‬ويقرأ خاتمه على كل شئ‪ ،‬فيثبته‬ ‫له اثبات ًا حضوري ًا‪.‬‬ ‫ومثل هذه التوحيد‪ ،‬ومثل هذه الرؤية اليمكن تداخل الضاللة واالوهام فيها‬ ‫أبدا(‪.)1‬‬ ‫ولتقريب الصورة ل أذهان نذكر هذا المثال الذي أبدع فيه بديع الزمان أيما‬ ‫إبداع فقد ذكر أن حاكما عظيما ذا تقوى وصالح وذا مهارة وإبداع أراد أن يكتب‬ ‫القرآن الحكيم كتابة تليق بقدسية معانيه الجليلة‪ ،‬فأراد أن ُيلبِس القرآن الكريم ما‬ ‫يناسب إعجازه السامي من ثوب قشيب خارق مثله‪.‬‬ ‫فبدأ بكتابة القرآن الكريم كتابة عجيبة جد ًا مستعم ً‬ ‫ال جميع أنواع الجواهر‬

‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬ ‫(‪ )1‬المثنوي العربي النوري‪.‬‬

‫‪244‬‬


‫النفيسة ليشير بها إلى تنوع حقائقه العظيمة‪ ،‬فكتب بعض حروفه المجسمة‬ ‫بااللماس والزمرد وقسم ًا منها باللؤلؤ والمرجان وطائفة منها بالجوهر والعقيق‪،‬‬ ‫ونوع ًا منها بالذهب والفضة‪ ،‬حتى أضفى جماالً رائع ًا وحسن ًا جالب ًا لالنظار يعجب‬ ‫بها كل من يراها سواء أعلم القراءة أم جهلها‪.‬‬ ‫ثم عرض هذا القرآن البديع الكتابة‪ ،‬الرائع الجمال‪ ،‬على فيلسوف أجنبي ـ‬ ‫ونحن نشير به هنا إلى النظر السطحي للعامي ـ وعلى عالم مسلم‪ .‬وأمرهما بأن‬ ‫يكتب كل منكما كتاب ًا حول حكمة هذا القرآن‪.‬‬ ‫فكتب الفيلسوف كتاب ًا‪ ،‬وكتب العالم المسلم كتاب ًا‪.‬‬ ‫أما كتاب الفيلسوف‪ ،‬فاقتصر على البحث عن نقوش الحروف وجمالها‪،‬‬ ‫وعالقة بعضها ببعض‪ ،‬وأوضاع كل منها‪ ،‬وخواص جواهرها وميزاتها وصفاتها‪،‬‬ ‫ولم يتعرض في كتابه إلى معاني ذلك القرآن العظيم قط‪ ،‬بل لم يدرك أن ذلك‬ ‫القرآن البديع هو كتاب عظيم تنم حروفه عن معان جليلة‪ ،‬وإنما حصر نظره في‬ ‫روعة حروفه وجمالها الخارق‪.‬‬ ‫ومع هذا فهو مهندس بارع‪ ،‬ومصور فنان‪ ،‬وكيميائي حاذق‪ ،‬وصائغ ماهر‪،‬‬ ‫لذا فقد كتب كتابه هذا وفق ما يتقنه من مهارات ويجيده من فنون‪.‬‬ ‫أما العالم المسلم ـ ونحن نشير به هنا إلى العارف ـ فما إن نظر إلى تلك‬ ‫الكتابة البديعة حتى علم أنه‪ :‬كتاب مبين وقرآن حكيم‪ ،‬فلم يصرف اهتمامه الى‬ ‫زينته الظاهرة‪ ،‬وال أشغل نفسه بزخارف حروفه البديعة‪ ،‬وانما توجه كليا ًـ وهو‬

‫‪245‬‬


‫التواق للحق ـ الى ما هو أسمى وأثمن وألطف وأشرف وأنفع وأشمل مما انشغل‬ ‫به الفيلسوف االجنبي بماليين االضعاف‪ ،‬فبحث عما تحت تلك النقوش الجميلة‬ ‫من حقائق سامية جليلة وأسرار نيرة بديعة‪ ،‬فكتب كتابه تفسير ًا قيم ًا لهذا القرآن‬ ‫الحكيم‪ ،‬فأجاد وأتقن‪.‬‬ ‫والنورسي يشير بالقرآن الجميل الزاهي إلى هذا الكون البديع‪ ،‬وبالحاكم‬ ‫المهيب إلى سلطان االزل واالبد تعالى‪ ،‬أما الرجالن‪ ،‬فاألول هو العامي ولو كان‬ ‫عالما بالعلوم القديمة والحديثة‪ ،‬وأما اآلخر‪ ،‬فهو العارف الذي تتلمذ على أنوار‬ ‫القرآن الكريم‪.‬‬ ‫فالفرق كبير بين الرؤيتين‪ ،‬فالعارف ينظر إلى الكون ـ كما يقرأ القرآن الكريم‬ ‫ـ فـ ( ينظر الى الموجودات ‪ -‬التي كل منها حرف ذو مغزى ‪ -‬بالمعنى الحرفي‪ ،‬أي‬ ‫َ‬ ‫أجمل‬ ‫أحسن خلقه! ما‬ ‫ينظر اليها من حيث داللتها على الصانع الجليل‪ .‬فيقول‪ :‬ما‬ ‫َ‬ ‫خلقه! ما أعظم داللته على جمال المبدع الجليل)‪ ،‬وهذا النظر هو الذي يكشف‬ ‫َ‬ ‫الجمال الحقيقي للكائنات‪.‬‬ ‫أما العلم المجرد عن المعرفة فهو غارق في تزيينات حروف الموجودات‪،‬‬ ‫مبهوت أمام عالقات بعضها ببعض‪ ،،‬قد انصرف عن النظر عن قراءة حروف‬ ‫الكون الدالة على كاتبها‪ ،‬فإذا رأى شيئا من جمال الكائنات قال‪ (:‬ما أجمل هذا)‬ ‫بـدالً من‪ (:‬ما أجمـل خـلـق هذا)‬

‫(‪)1‬‬

‫(‪ )1‬الكلمة الثانية عشرة‪.‬‬

‫‪246‬‬


‫***‬ ‫وألهمية هذا النوع من القراءة الكونية‪ ،‬ولعالقته الوثيقة باإليمان‪ ،‬بل بأرفع‬ ‫درجات اإليمان يثني القرآن الكريم على المؤمنين الذين أمضوا حياتهم في قراءة‬ ‫رسائل الله إليهم عبر مكوناته‪.‬‬ ‫وأول هؤالء‪ ،‬وعلى رأسهم العارفون الذين يعبر عنهم القرآن الكريم بأولي‬ ‫األلباب(‪ ،)1‬وهم الذين خرجوا من ظواهر المكونات إلى بواطنها‪ ،‬ولم تحجبهم‬ ‫الصور المزخرفة للمكونات عن الحروف المسجلة فيها‪.‬‬ ‫ولعل أعظم وصف قرآني لهم هو ما ورد في أواخر سورة آل عمران من قوله‬ ‫الف ال َّلي ِل والنَّه ِار َآل ٍ‬ ‫ض و ْاختِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يات ِألُولِي‬ ‫ْ َ َ‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر ِ َ‬ ‫تعالى‪ ﴿:‬إِ َّن في َخ ْل ِق َّ‬ ‫ْاألَ ْلب ِ ِ‬ ‫ون ال َّل َه ِق َيام ًا َو ُق ُعود ًا َو َع َلى ُجنُوبِ ِه ْم َو َي َت َفك َُّر َ‬ ‫ين َي ْذ ُك ُر َ‬ ‫ون فِي َخ ْل ِق‬ ‫اب ا َّلذ َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ض ربنَا ما َخ َل ْق َت ه َذا ب ِ‬ ‫ِ‬ ‫اط ً‬ ‫اب الن َِّار﴾ (آل‬ ‫ال ُس ْب َحان ََك َفقنَا َع َذ َ‬ ‫َ َ‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر ِ َ َّ َ‬ ‫َّ‬ ‫عمران‪)191:‬‬ ‫وقد كان لهذه اآليات محل خاص من قلب رسول الله ‪ ‬كما تروي كتب‬ ‫السنة‪ ،‬فقد روي أن رسول ال ّله ‪ ‬كان يقرأ هذه اآليات وما يليها من آخر سورة آل‬ ‫عمران إذا قام من الليل لتهجده‪ ،‬قال ابن عباس‪ :‬بت عند خالتي ميمونة فتحدث‬ ‫رسول ال ّله ‪ ‬مع أهلة ساعة ثم رقد‪ ،‬فلما كان ثلث الليل اآلخر قعد فنظر إلى‬ ‫الف ال َّلي ِل والنَّه ِار َآل ٍ‬ ‫ض و ْاختِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يات‬ ‫ْ َ َ‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر ِ َ‬ ‫السماء فقال‪ :‬إِ َّن في َخ ْل ِق َّ‬ ‫(‪ )1‬نرى أن القرآن الكريم يعبر عن العارفين بمصطلح أولي األلباب‪.‬‬

‫‪247‬‬


‫ِألُولِي ْاألَ ْل َب ِ‬ ‫اب﴾ (آل عمران‪ )197:‬اآليات‪ ،‬ثم قام فتوضأ واستن‪ ،‬ثم صلى إحدى‬ ‫عشرة ركعة‪ ،‬ثم أذن بالل فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح (‪.)1‬‬ ‫وفي هذه اآليات برهان جلي على األثر الذي تتركه القراءة اإليمانية لحروف‬ ‫المكونات‪ ،‬فالقرآن الكريم قدم الفكر على الذكر‪ ،‬وقدم القراءة على التسبيح‪ ،‬ثم‬ ‫ذكر أن أول ما يقوله هؤالء العارفون‪ ،‬أو أول ما يقرؤونه هو أن هذا الخلق العظيم‬ ‫لم يخلق عبثا‪.‬‬ ‫ومن العبثية أن نقصر داللة كل المكونات على مجرد احتياجها إلى خالق‪،‬‬ ‫ثم ال نرحل من ذلك إلى التعرف على هذا الخالق الذي دلت على وجوده هذه‬ ‫المكونات‪.‬‬ ‫وهؤالء العارفون الذين يخبرنا القرآن الكريم عن أحوالهم بمجرد امتالء‬ ‫قلوبهم بالمعاني التي يدل عليها الكون انفجرت ألسنتهم بدعاء الله ومناجاته‪،‬‬ ‫وكأنهم رأو الكون‪ ،‬وهو يمد يديه باالفتقار واالضطرار إلى الله‪ ،‬فمدوا أيديهم‬ ‫معه‪.‬‬ ‫وكل ما ورد من أدعيتهم يدل على قراءة متأنية عميقة لحروف المكونات‪.‬‬ ‫ومن اآليات المتحدثة عن هذا الصنف قوله تعالى‪َ ﴿:‬أ َل ْم ت ََر َأ َّن ال َّل َه َأن َْز َل ِم َن‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫يع فِي ْاألَ ْر ِ‬ ‫يج َفت ََرا ُه‬ ‫ض ُث َّم ُي ْخ ِر ُج بِه َز ْرع ًا ُم ْختَلف ًا َأ ْل َوا ُن ُه ُث َّم َي ِه ُ‬ ‫الس َماء َما ًء َف َس َل َك ُه َينَابِ َ‬ ‫َّ‬

‫ُم ْص َف ّر ًا ُث َّم َي ْج َع ُل ُه ُح َطام ًا إِ َّن فِي َذلِ َك َل ِذك َْرى ِألُولِي ْاألَ ْل َب ِ‬ ‫اب﴾ (الزمر‪)11:‬‬ ‫(‪ )1‬أصل الحديث رواه البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪248‬‬


‫ونالحظ هنا كذلك أن هؤالء العارفين ال يقتصرون على النظر إلى‬ ‫المكونات‪ ،‬بل يبحثون في حركاتها وسكناتها وعجيب ما يحدث لها من‬ ‫التحوالت‪ ،‬ليتعرفوا من خالل ذلك على الله‪ ،‬وكأن الحسين كان ينظر من مشكاة‬ ‫هذه اآلية عندما قال في مناجاته‪ (:‬إلـهي! قد علمت باختالف اآلثار وتنقالت‬ ‫األطوار‪ ،‬أن مرادك أن تتعرف إلي في كل شيء‪ ،‬حتى ال أجهلك في شيء)‬ ‫ويلي هؤالء ـ الذين تعمقوا في معرفة الله نتيجة تعمقهم في معرفة الكون ـ‬ ‫أصحاب العقول الراجحة الذين يمدون أبصارهم لتأمل جميع المكونات في البر‬ ‫والبحر والسماء واألرض‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿:‬إِ َّن فِي َخ ْل ِق السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ض‬ ‫َّ َ َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َّاس َو َما َأ َنز َل ال َّل ُه‬ ‫َو ْاخت َالف ال َّل ْي ِل َوالن ََّه ِار َوا ْل ُف ْلك ا َّلتي ت َْج ِري في ا ْل َب ْح ِر بِ َما َين َف ُع الن َ‬

‫ِمن السم ِاء ِمن م ٍاء َف َأحيا بِ ِه ْاألَر َض بعدَ موتِها وب َّث فِيها ِمن ُك ِّل داب ٍة وتَص ِر ِ‬ ‫يف‬ ‫َ َّ َ ْ‬ ‫َ ْ‬ ‫َْ َْ َ ََ‬ ‫َْ‬ ‫ْ‬ ‫ْ َ‬ ‫ْ َّ َ‬ ‫ِ‬ ‫ض َآلي ٍ‬ ‫الس َح ِ‬ ‫ات لِ َق ْو ٍم َي ْع ِق ُل َ‬ ‫الر َي ِ‬ ‫ون ﴾‬ ‫الس َماء َو ْاألَ ْر ِ َ‬ ‫اب ا ْل ُم َس َّخ ِر َب ْي َن َّ‬ ‫اح َو َّ‬ ‫ِّ‬ ‫(البقرة‪)114:‬‬

‫ونالحظ في هذه اآلية الكريمة التفصيل في ذكر أنواع المكونات‪ ،‬ثم اإلخبار‬ ‫بأن هذه اآليات خاصة بالذين يعقلون‪ ،‬وفي ذلك إشارة إلى الفريق الثاني ممن‬ ‫يستفيدون من آيات الله‪ ،‬وهم الذين يستعملون عقولهم في االستدالل على‬ ‫الخالق‪ ،‬وقد مثل هؤالء علماء التوحيد والكالم‪ ،‬بخالف اآليات السابقة التي‬ ‫عبرت عن العقل باللب‪.‬‬ ‫ومثل هذه اآلية ما ورد من تفاصيل قد ال يدرك أكثرها إال العلماء‬

‫‪249‬‬


‫المختصون‪ ،‬والمعبر عنهم في القرآن الكريم بالذين يعقلون‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وفِي‬ ‫َاب و َزرع ون ِ‬ ‫ِ‬ ‫َخيل ِصنْوان و َغير ِصنْو ٍ‬ ‫ض ِق َطع ُمت ََج ِ‬ ‫ْاألَ ْر ِ‬ ‫ان‬ ‫َ‬ ‫او َرات َو َجنَّات م ْن َأ ْعن ٍ َ ْ َ‬ ‫َ َ ُْ‬ ‫ض فِي ْاألُ ُك ِل إِ َّن فِي َذلِ َك َآل ٍ‬ ‫يس َقى بِم ٍاء و ِ‬ ‫اح ٍد َو ُن َف ِّض ُل َب ْع َض َها َع َلى َب ْع ٍ‬ ‫يات لِ َق ْو ٍم‬ ‫َ َ‬ ‫ُْ‬

‫َي ْع ِق ُل َ‬ ‫ون﴾ (الرعد‪)4:‬‬

‫ومن األصناف القارئة لكتاب الكون صنف المفكرين‪ ،‬وهم الذين يمزجون‬ ‫بين الرؤى المختلفة للكون ليستنتجوا منها المعارف اإللهية‪ ،‬قال تعالى عنهم‪﴿:‬‬ ‫وهو ا َّل ِذي مدَّ ْاألَر َض وجع َل فِيها رو ِاسي و َأنْهارا و ِمن ُك ِّل ال َّثمر ِ‬ ‫ات َج َع َل فِ َيها‬ ‫َ ََ َ َ َ ً َ ْ‬ ‫َ َ َ‬ ‫َ َُ‬ ‫ََ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َزوجي ِن ا ْثنَي ِن ي ْغ ِشي ال َّلي َل النَّهار إِ َّن فِي َذلِ َك َآلي ٍ‬ ‫ات ل ِ َق ْو ٍم َي َت َفك َُّر َ‬ ‫ون(‪( ﴾ )3‬الرعد‪:‬‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ َْ ْ ُ‬ ‫َ َ‬ ‫‪)3‬‬ ‫ومن األصناف القارئة لكتاب الكون أصحاب الحواس المرهفة‪ ،‬أو الذين‬ ‫شفت حواسهم لتدرك ما يختزن الظاهر من حقائق الباطن‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ه َو ا َّل ِذي‬ ‫جع َل َل ُكم ال َّلي َل لِتَس ُكنُوا فِ ِيه والنَّهار مب ِصرا إِ َّن فِي َذلِ َك َآلي ٍ‬ ‫ات لِ َق ْو ٍم‬ ‫َ‬ ‫ْ ْ‬ ‫َ َ‬ ‫َ َ َ ُْ ً‬ ‫ْ‬ ‫َي ْس َم ُع َ‬ ‫ون(‪( ﴾)10‬يونس‪)10 :‬‬

‫ومن األصناف القارئة لكتاب الكون العلماء‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ِم ْن آ َياتِ ِه َخ ْل ُق‬ ‫ٍ ِ ِِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ض و ْاختِ ُ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ين﴾‬ ‫الف َأ ْلسنَت ُك ْم َو َأ ْل َوان ُك ْم إِ َّن في َذل َك َآليات ل ْل َعالم َ‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر ِ َ‬ ‫َّ‬ ‫(الروم‪)11:‬‬ ‫وقد قصر الخشية من الله على هؤالء‪ ،‬قال تعالى بعد تعداد آيات الكون‪﴿:‬‬ ‫َّاس والدَّ واب و ْاألَ ْنعا ِم م ْخت َِلف َأ ْلوا ُنه ك ََذلِ َك إِنَّما ي ْخ َشى ال َّله ِمن ِعب ِ‬ ‫ِ‬ ‫اد ِه‬ ‫َ ْ َ‬ ‫َ َ‬ ‫َ ُ‬ ‫َوم َن الن ِ َ َ ِّ َ َ ُ‬

‫‪251‬‬


‫ا ْل ُع َل َما ُء إِ َّن ال َّل َه َع ِزيز َغ ُفور﴾ (فاطر‪)14:‬‬

‫ومن األصناف القارئة لكتاب الكون المؤمنون‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ُه َو ا َّل ِذي َأن َْز َل‬ ‫ِ‬ ‫ات ُك ِّل َشي ٍء َف َأ ْخرجنَا ِمنْه َخ ِضر ًا ُن ْخ ِرج ِمنْه حب ًا متَر ِ‬ ‫ِ‬ ‫اكب ًا‬ ‫الس َماء َما ًء َف َأ ْخ َر ْجنَا بِ ِه َن َب َ‬ ‫ُ‬ ‫َ ْ‬ ‫ُ ُ َّ ُ َ‬ ‫ْ‬ ‫م َن َّ‬ ‫و ِمن الن َّْخ ِل ِمن َط ْل ِعها ِقنْوان دانِية وجن ٍ‬ ‫َّات ِم ْن َأ ْعن ٍ‬ ‫الز ْي ُت َ‬ ‫الر َّما َن ُم ْشتَبِه ًا‬ ‫َاب َو َّ‬ ‫َ َ َ َ َ َ‬ ‫ْ‬ ‫َ َ‬ ‫ون َو ُّ‬ ‫و َغير مت ََشابِ ٍه ا ْن ُظروا إِ َلى َثم ِر ِه إِ َذا َأ ْثمر وين ِْع ِه إِ َّن فِي َذلِ ُكم َآل ٍ‬ ‫يات ل ِ َق ْو ٍم ُي ْؤ ِمنُ َ‬ ‫ون﴾‬ ‫ََ ََ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ َْ ُ‬

‫(األنعام‪)99:‬‬ ‫ومن هذه األصناف القارئة المنيبون والمتقون‪ ،‬قال تعالى‪ُ ﴿:‬ه َو ا َّل ِذي ُي ِري ُك ْم‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫يب﴾ (غافر‪)13:‬‬ ‫الس َماء ِر ْزق ًا َو َما َيت ََذك َُّر إِ َّال َم ْن ُين ُ‬ ‫آ َياته َو ُين َِّز ُل َل ُك ْم م َن َّ‬

‫ومنهم العابدون الموحدون‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ِم ْن آ َياتِ ِه ال َّل ْي ُل َوالن ََّه ُار َو َّ‬ ‫الش ْم ُس‬ ‫لش ْم ِ‬ ‫َوا ْل َق َم ُر ال ت َْس ُجدُ وا ل ِ َّ‬ ‫س َوال ل ِ ْل َق َم ِر َو ْاس ُجدُ وا ل ِ َّل ِه ا َّل ِذي َخ َل َق ُه َّن إِ ْن ُكنْ ُت ْم إِ َّيا ُه‬ ‫َت ْع ُبدُ َ‬ ‫ون﴾ (فصلت‪)30:‬‬

‫ومنهم الشاكرون الحامدون‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و ِم ْن َر ْح َمتِ ِه َج َع َل َل ُك ُم ال َّل ْي َل َوالن ََّه َار‬ ‫لِت َْس ُكنُوا فِ ِيه َولِ َت ْب َت ُغوا ِم ْن َف ْضلِ ِه َو َل َع َّل ُك ْم ت َْش ُك ُر َ‬ ‫ون﴾ (القصص‪)03:‬‬ ‫وقد يجمع القرآن الكريم بين هذه األصناف في نسق واحد‪ ،‬كما ورد في‬ ‫ض َآلي ٍ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ات ل ِ ْل ُم ْؤ ِمنِي َن(‪َ )3‬وفِي َخ ْل ِق ُك ْم َو َما‬ ‫الس َم َاوات َو ْاألَ ْر ِ َ‬ ‫قوله تعالى‪ ﴿:‬إِ َّن في َّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫يب ُّث ِمن داب ٍة آيات ل ِ َقو ٍم ي ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫الس َم ِاء‬ ‫ْ ُ‬ ‫ْ َ َّ َ‬ ‫َُ‬ ‫ون(‪َ )4‬و ْاخت َالف ال َّل ْي ِل َوالن ََّه ِار َو َما َأ َنز َل ال َّل ُه م ْن َّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫اح آ َيات ل ِ َق ْو ٍم َي ْع ِق ُل َ‬ ‫الر َي ِ‬ ‫ون(‪﴾ )5‬‬ ‫م ْن ِر ْزق َف َأ ْح َيا بِه ْاألَ ْر َض َب ْعدَ َم ْوت َها َوت َْص ِريف ِّ‬

‫(الجاثـية)‬

‫‪250‬‬


‫ونرى أن التأمل والتعمق في فواصل هذه اآليات يكشف عن معارف جليلة‬ ‫ترتبط بهذه األصناف‪ ،‬ونوع المكونات التي تتأملها‪ ،‬وطريقة تأملها‪ ،‬وهو تصنيف‬ ‫أساسي له عالقة كبيرة بالسلوك‪ ،‬وقد نتحدث عنه في المناسبات المرتبطة به‪.‬‬ ‫ولهذه األصناف جميعا ورد قوله تعالى‪ ﴿:‬سنُ ِر ِيهم آ َياتِنَا فِي ْاآل َف ِ‬ ‫اق َوفِي‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫َأ ْن ُف ِس ِهم حتَّى ي َتبين َلهم َأ َّنه ا ْلح ُّق َأو َلم يك ِ‬ ‫ْف ِب َر ِّب َك َأ َّن ُه َع َلى ُك ِّل َش ْي ٍء َش ِهيد﴾‬ ‫ْ َ َ َ َّ َ ُ ْ ُ َ َ ْ َ‬ ‫(فصلت‪ ،)53:‬فهذه اآليات موجهة لهؤالء‪ ،‬أو هي بعبارة أخرى موجهة لجميع‬ ‫الناس‪ ،‬ولكن ال يستفيد منها غير هؤالء‪.‬‬ ‫أما غيرهم من المعرضين عن آيات الله الذين يقصرون نظرهم على‬ ‫شهواتهم‪ ،‬فال يرون في الكون غير سوق لتغذية هذه الشهوات‪ ،‬فالقرآن الكريم‬ ‫الس َما َء َس ْقف ًا َم ْح ُفوظ ًا َو ُه ْم َع ْن‬ ‫يضعهم في صنف المعرضين‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و َج َع ْلنَا َّ‬ ‫ون﴾ (االنبياء‪ ،)31:‬وقال تعالى‪ ﴿:‬و َك َأين ِمن آي ٍة فِي السماو ِ‬ ‫آ َياتِ َها ُم ْع ِر ُض َ‬ ‫ات‬ ‫َّ َ َ‬ ‫َ ِّ ْ ْ َ‬ ‫َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ون َع َل ْي َها َو ُه ْم َعن َْها ُم ْع ِر ُض َ‬ ‫ض َي ُم ُّر َ‬ ‫ون﴾ (يوسف‪)175:‬‬ ‫وهؤالء هم األميون في عالم الحقائق‪ ،‬وإن قرأو جميع حروف العالم‪،‬‬ ‫وحللوا جميع لغاته‪ ،‬فالعجب كل العجب ـ كما يقول الغزالي ـ ممن يرى خط ًا‬ ‫حسن ًا أو نقش ًا حسن ًا على حائط فيستحسنه‪ ،‬فيصرف جميع همه إلى التفكر في‬ ‫النقاش والخطاط وأنه كيف نقشه وخطه وكيف اقتدر عليه وال يزال يستعظمه في‬ ‫نفسه ويقول‪ :‬ما أحذقه وما أكمل صنعته وأحسن قدرته ثم ينظر إلى هذه العجائب‬ ‫ومصوره فال تدهشه عظمته وال يحيره‬ ‫في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه‬ ‫ّ‬

‫‪252‬‬


‫جالله وحكمته؟)‬

‫(‪)1‬‬

‫‪ 4‬ـ اليقين‪:‬‬ ‫بعد القراءات المتواصلة للحروف التي تبرزها المكونات‪ ،‬والمعاني التي‬ ‫ترسمها رسائلها اإللهية يطل العارف على واحة اليقين‪ ،‬كما يطل الظمآن على مورد‬ ‫الماء العذب الذي يسد له كل ظمأ‪ ،‬ويطفئ له كل حرقة‪ ..‬فاليقين هو الغاية التي‬ ‫يصل إليها العارف بعد قراءته المتواصلة لسطور الكون‪.‬‬ ‫ولهذا اعتبر القرآن الكريم تفصيل اآليات وتعديدها علة لليقين وطريقا إليه‪،‬‬ ‫فقال‪ ﴿:‬ال َّله ا َّل ِذي ر َفع السماو ِ‬ ‫ات بِ َغ ْي ِر َع َم ٍد ت ََر ْون ََها ُث َّم ْاست ََوى َع َلى ا ْل َع ْر ِ‬ ‫ش َو َس َّخ َر‬ ‫َ َ َّ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫الشمس وا ْل َقمر ُك ٌّل يج ِري ِألَج ٍل مسمى يدَ بر ْاألَمر ي َفص ُل ْاآل ِ‬ ‫يات َل َع َّل ُك ْم بِ ِل َق ِاء‬ ‫َ ُ َ ّ ً ُ ِّ ُ ْ َ ُ ِّ‬ ‫َ ْ‬ ‫َّ ْ َ َ َ َ‬ ‫رب ُكم ُت ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫ون﴾ (الرعد‪)1:‬‬ ‫َ ِّ ْ‬ ‫وألجل هذه القيمة التي يحتلها اليقين في سلم السير إلى الله اعتبره القرآن‬ ‫اع ُبدْ َر َّب َك َحتَّى َي ْأتِ َي َك ا ْل َي ِقي ُن﴾ (الحجر‪)99:‬‬ ‫الكريم غاية الغايات‪ ،‬فقال‪َ ﴿:‬و ْ‬ ‫واعتبر الغاية التي قصدت من إشهاد إبراهيم ‪ ‬لملكوت السموات‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وت‬ ‫يم َم َل ُك َ‬ ‫واألرض هي وصوله إلى درجة اليقين‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وك ََذل َك ُن ِري إِ ْب َراه َ‬ ‫ون ِمن ا ْلم ِ‬ ‫ات و ْاألَر ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫وقنِي َن﴾ (األنعام‪)05:‬‬ ‫ض َول َي ُك َ َ ُ‬ ‫الس َم َاو َ ْ‬ ‫َّ‬ ‫فطريق اليقين الذي تحقق به إبراهيم ‪ ‬هو ما رآه من ملكوت السموات‬ ‫واألرض‪ ،‬والقرآن الكريم يعبر عن رؤيته بـ ﴿ ُن ِري ﴾‪ ،‬وفي ذلك إشارة إلى أن رؤية‬ ‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬

‫‪253‬‬


‫إبراهيم ‪ ‬كانت رؤية بالله‪ ،‬ال بنفسه‪ ،‬أي أنه صار باقيا بالله بعد أن فنى عن نفسه‪.‬‬ ‫ويحكي القرآن الكريم بعض ما أريه إبراهيم ‪ ‬وما قرأه‪ ،‬فقال تعالى‪﴿:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ين﴾‬ ‫ب ْاآلفل َ‬ ‫َف َل َّما َج َّن َع َل ْيه ال َّل ْي ُل َرأى ك َْوكَب ًا َق َال َه َذا َر ِّبي َف َل َّما َأ َف َل َق َال ال ُأح ُّ‬ ‫(األنعام‪ ،)01:‬ثم رأى القمر بازعا‪َ ﴿ ،‬‬ ‫قال َه َذا َر ِّبي َف َل َّما َأ َف َل َق َال َل ِئ ْن َل ْم َي ْه ِدنِي َر ِّبي‬ ‫ين﴾ (األنعام‪ ،))00 :‬ثم رأى الشمس بازغة ﴿ َق َال َه َذا‬ ‫َألَ ُكو َن َّن ِم َن ا ْل َق ْو ِم َّ‬ ‫الضا ِّل َ‬ ‫َر ِّبي َه َذا َأ ْك َب ُر َف َل َّما َأ َف َل ْت َق َال َيا َق ْو ِم إِنِّي َب ِريء ِم َّما ُت ْش ِر ُك َ‬ ‫ون﴾ (األنعام‪)04 :‬‬ ‫والكثير قد يتصور أن ما ذكره إبراهيم ‪ ‬هو من باب التمثيل واالحتيال‬ ‫إلرشاد قومه‪ ،‬ونحن ال ننكر هذا‪ ،‬وال ننكر كذلك أن الله تعالى يصف لنا الطريق‬ ‫الذي سلكه إبراهيم ‪ ‬للوصول إلى الله‪ ،‬ال إلى اعتقاد وجوده أو تفرده باأللوهية‬ ‫فحسب‪ ،‬وإنما إلى معان أخرى أعمق وأجل‪.‬‬ ‫وال يرد على ذلك ما ذكره من ربوبية األشياء‪ ،‬فالربوبية غير األلوهية‪ ،‬وقد‬ ‫قال تعالى حاكيا عن يوسف ‪َ ﴿:‬و َق َال ل ِ َّل ِذي َظ َّن َأ َّن ُه ن ٍ‬ ‫َاج ِمن ُْه َما ا ْذ ُك ْرنِي ِعنْدَ َر ِّب َك‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الشي َط ُ ِ‬ ‫ين﴾ (يوسف‪ ،)41:‬ولهذا لم‬ ‫الس ْج ِن بِ ْض َع سن َ‬ ‫َف َأن َْسا ُه َّ ْ‬ ‫ان ذك َْر َر ِّبه َف َلبِ َث في ِّ‬ ‫يقل إبراهيم ‪ (:‬هذا إلهي)‪ ،‬بل قال‪َ ﴿:‬ه َذا َر ِّبي ﴾‪ ،‬فلعل مراده هنا هو ما اعتقده‬ ‫من منافع األشياء‪ ،‬فلما أفلت تبين له عجزها‪ ،‬وأن الله تعالى هو المتفرد بالنفع‬ ‫والضر(‪.)1‬‬ ‫(‪ )1‬وقد أول بعضهم ذلك‪ ،‬فذكر أن المراد منه درجات ما كان يظهر إلبراهيم الخليل ‪ ‬في ترقيه‪ ،‬ففسر الكوكب‬ ‫بأنه وصل إلى حجاب من حجب النور فعبر عنه بالكوكب‪ ،‬ولم يرد هذه األجسام المضيئة‪ ،‬فإن آحاد العوام ال يخفى عليهم‬ ‫أن الربوبية ال تليق باألجسام بل يدركون ذلك بأوائل نظرهم فما ال يضلل العوام ال يضلل الخليل ‪ ،‬انظر‪:‬‬

‫‪254‬‬


‫وألجل هذا المحل الرفيع لليقين في سلم الطريق إلى الله أخبر الله أن أئمة‬ ‫الهدى العارفين بالله الذين جعلهم الله نجوما لهداية الخلق هم الذين زاوجوا بين‬ ‫الصبر واليقين‪ ،‬أو المجاهدة والمعرفة قال تعالى‪َ ﴿:‬و َج َع ْلنَا ِمن ُْه ْم َأ ِئ َّم ًة َي ْهدُ َ‬ ‫ون‬ ‫بِ َأم ِرنَا َلما صبروا وكَا ُنوا بِآياتِنَا ي ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫ون﴾ (السجدة‪)14:‬‬ ‫ُ‬ ‫َّ َ َ ُ َ‬ ‫ْ‬ ‫وآيات الله بأنواعها المختلفة ال يفهمها وال يصدقها وال يقدرها حق قدرها‬ ‫ِ‬ ‫ين ال َي ْع َل ُم َ‬ ‫ون َل ْوال ُي َك ِّل ُمنَا ال َّل ُه َأ ْو َت ْأتِينَا آ َية‬ ‫سوى الموقنين‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬و َق َال ا َّلذ َ‬ ‫ك ََذلِ َك َق َال ا َّل ِذين ِمن َقب ِل ِهم ِم ْث َل َقولِ ِهم ت ََشابه ْت ُق ُلوبهم َقدْ بينَّا ْاآل ِ‬ ‫يات ل ِ َق ْو ٍم‬ ‫َ َّ‬ ‫ََ‬ ‫ُُ ْ‬ ‫ْ ْ‬ ‫َ ْ ْ ْ‬ ‫ي ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫ون﴾ (البقرة‪)114:‬‬ ‫ُ‬ ‫ومن هذه اآليات آيات الله الكونية المتجلية في األرض‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وفِي‬ ‫ض آيات ل ِ ْلم ِ‬ ‫وقنِي َن﴾ (الذريات‪ ،)17:‬أو المتجلي في اإلنسان والكائنات‬ ‫ْاألَ ْر ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫الحية‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿:‬وفِي َخ ْل ِق ُكم وما يب ُّث ِمن داب ٍة آيات لِ َقو ٍم ي ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫ون﴾‬ ‫ْ ُ‬ ‫ْ َ َّ َ‬ ‫ْ َ َ َُ‬ ‫َ‬ ‫(الجاثـية‪ ،)4:‬فكل هذه اآليات ال يدركها سوى الموقنين‪.‬‬ ‫ومثل ذلك آيات الله المستقبلية المرتبطة بمصير اإلنسان أومصير األرض‬ ‫ال يؤمن بها غير الموقنين‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬وإِ َذا َو َق َع ا ْل َق ْو ُل َع َل ْي ِه ْم َأ ْخ َر ْجنَا َل ُه ْم َدا َّب ًة ِم َن‬ ‫ض ُت َك ِّلمهم َأ َّن النَّاس كَا ُنوا بِآياتِنَا ال ي ِ‬ ‫ْاألَ ْر ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫ون﴾ (النمل‪)41:‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ُُ ْ‬ ‫وحقائق القرآن التي هي بصائر البصائر ال يراها وال يعرفها وال يهتدي بها‬

‫اإلحياء‪ ،330/1:‬وهو تأويل بعيد حكاه الغزالي عن بعضهم‪ ،‬فال يصح أن نعدل بألفاظ القرآن الكريم عن دالالتها الظاهرة‪،‬‬ ‫إال أن يكون ذلك من باب اإلشارة‪ ،‬فال حرج فيه بشرط اإلقرار بظاهر المعنى‪.‬‬

‫‪255‬‬


‫ويرحم غير الموقنين‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬ه َذا َب َص ِائ ُر لِلن ِ‬ ‫دى َو َر ْح َمة لِ َق ْو ٍم‬ ‫َّاس َو ُه ً‬ ‫ي ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫ون﴾ (الجاثـية‪)17:‬‬ ‫ُ‬ ‫والمعارف المرتبطة بالله ال يفهمها‪ ،‬أو يذعن لها‪ ،‬أو يستشعر سموها سوى‬ ‫ِِ‬ ‫الموقنين‪ ،‬قال تعالى‪ ﴿:‬رب السماو ِ‬ ‫ات َو ْاألَ ْر ِ‬ ‫ين﴾‬ ‫ض َو َما َب ْين َُه َما إِ ْن ُكنْ ُت ْم ُموقن َ‬ ‫َ ِّ َّ َ َ‬ ‫(الدخان‪)0:‬‬ ‫وأحكام الله ال يدرك حكمها‪ ،‬ويستكنه أسرارها‪ ،‬ويعرف وجوه المنافع‬ ‫والمصالح فيها سوى الموقنين‪ ،‬قال تعالى‪َ ﴿:‬أ َفحكْم ا ْلج ِ‬ ‫اه ِل َّي ِة َي ْب ُغ َ‬ ‫ون َو َم ْن َأ ْح َس ُن‬ ‫ُ َ َ‬ ‫ِمن ال َّل ِه حكْم ًا ل ِ َقو ٍم ي ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫ون﴾ (المائدة‪ ،)57:‬واآلية تشير إلى أن إدراك الحسن‬ ‫ْ ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫المتغلغل في ثنايا األحكام ال يقلب صفحاته سوى الموقنين‪ ،‬ولعله ألجل هذا لم‬ ‫يتصد للبحث في أسرار الشريعة ومقاصدها سوى من جمعوا بين العلم والتقوى‪،‬‬ ‫أو بين اليقين واإلرادة‪.‬‬ ‫ولهذا كان ‪ ‬يرغبنا في أن نسأل الله اليقين معتبرا إياه خيرا من العافية‪،‬‬ ‫وكيف ال يكون كذلك‪ ،‬وهو عافية القلب‪ ،‬قال ‪ (:‬عليكم بالصدق‪ ،‬فإنه مع البر‪،‬‬ ‫وهما في الجنة‪ ،‬وإياكم والكذب فإنه مع الفجور‪ ،‬وهما في النار‪ ،‬وسلوا الله اليقين‬ ‫والمعافاة فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيرا من المعافاة‪ ،‬وال تحاسدوا وال‬ ‫تباغضوا‪ ،‬وال تقاطعوا وال تدابروا‪ ،‬وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي هذا الحديث إشارة صريحة بأن اليقين من المواهب الربانية التي تتنزل‬

‫(‪ )1‬رواه أحمد والبخاري في األدب وابن ماجة‪.‬‬

‫‪256‬‬


‫على من تحقق بأسبابها‪ ،‬فأسباب اليقين كسبية وحقيقته وهبية‪.‬‬ ‫وقد كان ‪ ‬يعلمنا أن ندعو الله بأن يرزقنا اليقين‪ ،‬كهذا الدعاء الشامل‬ ‫الجامع الخاشع‪ (:‬اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي‪ ،‬وتجمع بها‬ ‫أمري‪ ،‬وتلم بها شعثي‪ ،‬وتصلح بها غائبي‪ ،‬وترفع بها شاهدي‪ ،‬وتذكي بها عملي‪،‬‬ ‫وتلهمني بها رشدي‪ ،‬وترد بها ألفتي‪ ،‬وتعصمني بها من كل سوء‪ ،‬اللهم أعطني‬ ‫إيمانا ويقينا ليس بعده كفر‪ ،‬ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا واآلخرة اللهم‬ ‫اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك‪ ،‬ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك‪،‬‬ ‫ومن اليقين ما يهون علينا مصائب الدنيا‪ ،‬ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما‬ ‫أحييتنا‪ ،‬واجعله الوارث منا؛ واجعل ثأرنا على من ظلمنا‪ ،‬وانصرنا على من عادانا‪،‬‬ ‫وال تجعل مصيبتنا في ديننا‪ ،‬وال تجعل الدنيا أكبر همنا وال مبلغ علمنا‪ ،‬وال تسلط‬ ‫علينا من ال يرحمنا)‬

‫(‪)1‬‬

‫فالرسول ‪ ‬يشير في هذا الدعاء الجامع إلى أن اليقين هو قاتل الكفر‪،‬‬ ‫فيستحيل على من بلغ درجة اليقين أن يتحول إلى الكفر‪ ،‬وأن اليقين كذلك قاتل‬ ‫األحزان‪ ،‬فهو الذي يهون مصائب الدنيا ويرفع آالمها‪ ،‬كما قال ‪ (:‬ال ترضين‬ ‫أحدا بسخط الله وال تحمدن أحدا على فضل الله وال تذمن أحدا على ما لم يؤتك‬ ‫الله فإن ما رزق الله ال يسوقه إليك حرص حريص وال يرده عنك كراهية كاره وإن‬ ‫الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضى واليقين وجعل الهم والحزن في‬

‫(‪ )1‬رواه الترمذي‪.‬‬

‫‪257‬‬


‫الشك والسخط)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد أخبر ‪ ‬أن األجور المعدة ل أعمال متوقفة على اليقين قال ‪ (:‬إن‬ ‫الله تعالى قد افترض عليكم صوم رمضان‪ ،‬وسننت لكم قيامه‪ ،‬فمن صامه وقامه‬ ‫إيمانا واحتسابا ويقينا كان كفارة لما مضى)‬

‫(‪)1‬‬

‫وفي نبوءاته ‪ ‬الغيبية الصادرة من حرصه ‪ ‬على هذه األمة يخبر ‪ ‬عن‬ ‫الخطر المحدق بأمته الناتج عن ضعف اليقين‪ ،‬قال ‪ (:‬ما أخاف على أمتي إال‬ ‫ضعف اليقين)‬

‫(‪)3‬‬

‫***‬ ‫ومن هذه المنطلقات القرآنية والنبوية أجمع العارفون بالله على أن اليقين‬ ‫هو البذرة التي تنبت منها جميع المحاسن التي ينضح بها العرفان‪.‬‬ ‫وقد أجمعوا على اعتباره المركب الذي يحمل السالكين إلى الله‪ ،‬وبقدر‬ ‫سالمة المركب يكون الوصول‪ ،‬ولهذا ورد في وصية لقمان البنه‪ (:‬يا بني ال‬ ‫يستطاع العمل إال باليقين‪ ،‬وال يعمل المرء إال بقدر يقينه‪ ،‬وال يقصر عامل حتى‬ ‫ينقص يقينه)‬ ‫وقد قال أبو سعيد الخراز معبرا عن هذا الدور‪ (:‬العلم ما استعملك واليقين‬ ‫ما حملك)‪ ،‬فلوال اليقين ما سار ركب إلى الله وال ثبت ألحد قدم في السلوك إال‬ ‫(‪ )1‬رواه الطبراني في الكبير وفيه خالد بن يزيد العمرى واتهم بالوضع‪.‬‬ ‫(‪ )1‬رواه النسائي والبيهقي‪.‬‬ ‫(‪ )3‬رواه الطبراني في األوسط والبيهقي‪.‬‬

‫‪258‬‬


‫به‪.‬‬ ‫وقد أجمعوا كذلك على أن اليقين ال يساكن قلبا يسكن لغير الله‪ ،‬وقد وقال‬ ‫ذو النون‪( :‬اليقين يدعو إلى قصر األمل وقصر األمل يدعو إلى الزهد والزهد‬ ‫يورث الحكمة وهي تورث النظر في العواقب)‪ ،‬وقال‪ (:‬ثالثة من أعالم اليقين‪ :‬قلة‬ ‫مخالطة الناس في العشرة وترك المدح لهم في العطية والتنزه عن ذمهم عند المنع‬ ‫وثالثة من أعالمه أيضا النظر إلى الله في كل شيء والرجوع إليه في كل أمر‬ ‫واالستعانة به في كل حال)‪ ،‬وقال السري‪ (:‬اليقين سكونك عند جوالن الموارد‬ ‫في صدرك لتيقنك أن حركتك فيها ال تنفعك وال ترد عنك مقضيا)‪ ،‬وكل هذه‬ ‫التعاريف تدور حول التجرد المحض لله‪.‬‬ ‫وأجمعوا على أن الطريق لليقين هو التقوى‪ ،‬قال ابن عطاء‪( :‬على قدر قربهم‬ ‫من التقوى أدركوا من اليقين‪ ،‬وأصل التقوى مباينة النهي وهو مباينة النفس فعلى‬ ‫قدر مفارقتهم النفس وصلوا إلى اليقين) وهذا التعريف كالذي سبقه يدور حول‬ ‫توحيد الهمة المتوجهة لله‪ ،‬فال يجتمع في قلب الموقن التوحيد مع الشرك‪.‬‬ ‫ويشير الجنيد إلى أن اليقين ال يعني ما يتصوره البعض ـ ممن يشحنون حياة‬ ‫العارفين واألولياء بالكرامات مع ما قد يالبسها من خرافات وأساطير ـ فالموقن ال‬ ‫يحتاج ألن يمشي على الماء ليثبت صحة يقينه‪ (:‬قد مشى رجال باليقين على الماء‬ ‫ومات بالعطش من هو أفضل منهم يقينا)‬ ‫***‬

‫‪259‬‬


‫نتساءل بعد هذا عن سر كون اليقين هو الدرجة العليا التي تصب فيها كل‬ ‫الدرجات مع أنه من المعاني التي يفهمها الجميع‪ ،‬ويعيها الجميع‪ ،‬بل يدعيها‬ ‫الجميع‪ ..‬فأي فضل للعارفين بعد هذا؟‬ ‫والجواب عن ذلك من خالل النصوص المقدسة هو أن اليقين درجات‬ ‫بعضها فوق بعض‪ ،‬وليس مرادنا منها هنا إال أعالها‪ ،‬وهي درجة المقربين‪ ..‬وهم ـ‬ ‫أيضا ـ درجات بعضهم فوق بعض‪.‬‬ ‫وأولى درجات اليقين التي يتحدث عنها العارفون هي الدرجة التي تبدأ من‬ ‫اإلدراك التام ل أشياء إدراكا مشابها إلدراك السمع والبصر‪ ،‬كما قال تعالى عن‬ ‫َاكسو ر ُؤ ِ‬ ‫المجرمين‪ ﴿:‬و َلو تَرى إِ ِذ ا ْلمج ِرم َ ِ‬ ‫وس ِه ْم ِعنْدَ َر ِّب ِه ْم َر َّبنَا َأ ْب َص ْرنَا‬ ‫ون ن ُ ُ‬ ‫ُ ْ ُ‬ ‫َ ْ َ‬ ‫وس ِمعنَا َفار ِجعنَا َنعم ْل صالِح ًا إِنَّا م ِ‬ ‫وقنُ َ‬ ‫ون﴾ (السجدة‪ ،)11:‬فقد اعتبروا إدراكهم‬ ‫َ َ ْ ْ ْ َْ َ‬ ‫ُ‬ ‫للحقائق إدراك سماع وبصر يقينا‪.‬‬ ‫ولهذا‪ ،‬فإن أولى عالمات العارف أن يكون قلبه مرآة تتجلى فيها الحقائق‬ ‫بوضوح تام‪ ،‬كما قال شاعرهم‪:‬‬ ‫إذا ســـكن الغــدير على صـــفــاء‬

‫وجـنــب أن يـحـركــه الــنســـيم‬

‫بــدت فـيــه الســـمــاء بــال امتراء‬

‫كــذاك الشـــمس تبــدو والنجوم‬

‫كــذاك قـلـوب أربــاب الــتــجــلي‬

‫يرى في صـــفوهــا اللــه العظيم‬

‫وهذا هو الفرق األساسي بين العلم والمعرفة‪ ،‬فالعلم بحث واستدالل‪،‬‬ ‫والمعرفة شهود وعيان‪ ،‬والعلم مكابدة وشك‪ ،‬والمعرفة راحة ويقين‪.‬‬ ‫ففي الوقت الذي يتيه فيه العلماء بحثا عن األدلة‪ ،‬ويتنازعون وفق ما تقتضيه‬

‫‪261‬‬


‫أنظارهم‪ ،‬يجلس العارفون المتخلصون من كثافة حجاب العقل المقيد بقيود‬ ‫الحس والوهم في أرائك جنة المشاهدة والمكاشفة واليقين‪.‬‬ ‫فالعارف يرى ما يؤمن به ويعيشه‪ ،‬أما العالم أو طالب العلم فيكتفي بأن‬ ‫يبحث عن أدلة ما يسمع عنه‪ ،‬وقد يحجب باألدلة عن المدلول‪ ،‬وبالطريق عن‬ ‫الغاية‪.‬‬ ‫وفي الوقت الذي يقلب فيه العالم صفحات الكون ليستدل به على ربه‪،‬‬ ‫ينطلق العارف من به ليستدل به على الكون‪ ،‬قال ابن عطاء الله‪ (:‬الكون كله ظلمة‪،‬‬ ‫وإنما أناره ظهور الحق فيه‪ ،‬فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده‬ ‫فقد أعوزه وجود األنوار‪ ،‬وحجبت عنه شموس المعارف بسحب اآلثار)‬ ‫فالكون في نظر العارفين ـ بالنظر إلى ذاته ـ ال يزال خامال في ظلمة العدم‬ ‫المحض‪ ،‬فال وجود له لوال نور الموجد‪ ،‬فلوال ظهور الحق فيه‪ ،‬ظهور إيجاد‬ ‫وتعريف ال ظهور حلول وتكييف لما كان له أي وجود‪.‬‬ ‫وهذا هو الفرق العظيم بين العارف والعالم‪ ،‬فالعارف في محل الرؤية قد‬ ‫تجاوز فيافي االستدالل وصحراء النظر ومتاهات البحث‪ ،‬أما العالم فال يزال‬ ‫تنقطع به السبل دون حصول ذلك اليقين الذي ينعم به العارف‪ ،‬قال ابن عطاء الله‪:‬‬ ‫(شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه‪ ،‬المستدل به عرف الحق ألهله‪ ،‬وأثبت‬ ‫األمر من وجود أصله‪ ،‬واالستدالل عليه من عدم الوصول إليه‪ .‬وإال فمتى غاب‬ ‫حتى يستدل عليه؟ ومتى بعد حتى تكون اآلثار هي التي توصل إليه؟)‬

‫‪260‬‬


‫ولهذا ينطلق العارفون من الله إلى الكون‪ ،‬ويأخذون األشياء من الله قبل‬ ‫أخذها من الكون‪ ،‬ولهذا لم ينحجبوا بالكون عن المكون‪ ،‬بل انحجبوا بالمكون‬ ‫عن الكون‪ ،‬الكون باعتباره أصال ال باعتباره فرعا وتابعا‪.‬‬ ‫وقد سمى الغزالي هذا اليقين (علم المكاشفة) وعرفه بأنه عبارة عن نور‬ ‫يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة‪.‬‬ ‫وهذا النور المتجلي على القلب تنكشف به الحقائق الكثيرة التي كان ـ في‬ ‫مرحلة العلم ـ يسمع من قبل أسماءها‪ ،‬ويتوهم لها معاني مجملة غير متضحة‪ ،‬وقد‬ ‫ينتشر له من بعض تلك المعاني ما يوهم التناقض أو يدعو إلى الشك‪ ،‬ولكن في‬ ‫مرحلة اليقين الذي يرفع الحجب يبصر الحقائق كما هي‪ ( ،‬فتتضح إذ ذاك حتى‬ ‫تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه‪ ،‬وبصفاته الباقيات التامات‪ ،‬وبأفعاله‪،‬‬ ‫وبحكمه في خلق الدنيا واآلخرة‪ ،‬ووجه ترتيبه لآلخرة على الدنيا‪ ،‬والمعرفة بمعنى‬ ‫والنبـي‪ ،‬ومعنى الوحي‪ ،‬ومعنى الشيطان‪ ،‬ومعنى لفظ المالئكة والشياطين‪،‬‬ ‫النبوة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وكيفية معاداة الشياطين لإلنسان‪ ،‬وكيفية ظهور الملك ل أنبـياء‪ ،‬وكيفية وصول‬ ‫الوحي إليهم‪ ،‬والمعرفة بملكوت السموات واألرض‪ ،‬ومعرفة القلب وكيفية‬ ‫تصادم جنود المالئكة والشياطين فيه‪ ،‬ومعرفة الفرق بـين لمة الملك ولمة‬ ‫الشيطان‪ ،‬ومعرفة اآلخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان‬ ‫والحساب‪ ،‬ومعنى قوله تعالى‪{ ﴿:‬ا ْق َر ْأ ِكتَا َب َك َك َفى بِنَ ْف ِس َك ا ْل َي ْو َم َع َل ْي َك َح ِسي ًبا﴾‬ ‫(االسراء‪ ،)14:‬ومعنى قوله تعالى‪َ ﴿:‬وإِ َّن الدَّ َار ْاآل ِخ َر َة َل ِه َي ا ْل َح َي َو ُ‬ ‫ان َل ْو كَا ُنوا‬

‫‪262‬‬


‫َي ْع َل ُم َ‬ ‫ون ﴾ (العنكبوت‪ ،)14 :‬ومعنى لقاء الله عز وجل والنظر إلى وجهه الكريم‪،‬‬ ‫ومعنى القرب منه والنزول في جواره‪ ،‬ومعنى حصول السعادة بمرافقة الم أ‬ ‫األعلى ومقارنة المالئكة والنبـيـين‪ ،‬ومعنى تفاوت درجات أهل الجنان حتى يرى‬ ‫الدري في جوف السماء إلى غير ذلك مما يطول‬ ‫بعضهم البعض كما يرى الكوكب ّ‬ ‫تفصيله)‬

‫(‪)1‬‬

‫وقد تاه الخلق الذين لم يجاوزا مرحلة العلم في هذه المعارف جميعا‪ ،‬وكثر‬ ‫الخالف بينهم‪ ،‬ألن كل واحد منهم ينظر إلى هذه المسائل‪ ،‬وهو متلبس بحجاب‬ ‫العقل‪ ،‬بخالف من جاوزه وترقى إلى المشاهدة‪.‬‬

‫(‪ )1‬اإلحياء‪.‬‬

‫‪263‬‬


‫هذا الكتاب‬ ‫هذه الرسالة من سلسلة [حقائق ورقائق] تدعو إلى النظر إلى الكون نظرة‬ ‫جديدة تنطلق من قراءته باسم الله‪ ،‬وتنتهي بصحبته في الله‪.‬‬ ‫وقد حاولت حصر أوصاف الكون ـ انطالقا من النصوص المقدسة ـ في‬ ‫أربعة أوصاف كل واحد منها معراج من معارج السالم‪ ،‬ورقية من رقى‬ ‫السعادة‪.‬‬ ‫وهذه األوصاف األربعة هي‪ :‬الحياة‪ ،‬والعبادة‪ ،‬والتسخير‪ ،‬والمقروئية‪.‬‬ ‫فمعرفتنا بالكون الحي تشعرنا باألنس‪ ،‬وتملؤنا ينشوة الصداقة الحميمة‪،‬‬ ‫فال يمكن أن نصادق جمادا‪.‬‬ ‫ومعرفتنا بالكون العابد تعرفنا بوظيفتنا‪ ،‬وتجعلنا نلهج بالتسبيح في حلقة‬ ‫ذكر الكون الواسع‪.‬‬ ‫ومعرفتنا بالكون المسخر تجعلنا نتناول األشياء من يد الله‪ ،‬ال من يد‬ ‫الطبيعة‪ ،‬ونتناول األشياء بالله‪ ،‬ال بأيدينا‪.‬‬ ‫ومعرفتنا بالكون المقروء تعبر بنا من الكون إلى المكون‪ ،‬وتزج بنا في‬ ‫رحاب الحضرة المقدسة‪ ،‬فنبصر من خالل األشياء مشيئ األشياء‪ ،‬فنصادق‬ ‫مع قطرات الندى‪ ،‬وتفتح الزهر‪ ،‬وهبوب النسيم‪ ،‬رب الكون ومبدعه‪.‬‬

‫‪264‬‬

أكوان الله  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you