Issuu on Google+

‫الرحيق المختوم‬ ‫صفي الرحمن‬ ‫المباركفوري‬


‫بين يدي الكتاب‬ ‫كلـمـة معالي الدكتور عبد ا عمر نصيف‬ ‫كلـمـة معالي الشيخ محمد بن على الحركان‬ ‫كلمة المؤلف‬

‫بين يدي الكتاب‬ ‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬والصل ة والسل م على عبده ورسوله محمد أفضل الرسل وخات م النبيين‪ ،‬وعلى آله وصحبه‬ ‫ومن اهتدي بهديه إلى يو م الدين‪.‬‬ ‫وبع ــد‪:‬‬ ‫فهذا الكتاب هو الذي أسهمت به في مسابقة السير ة النبوية العالمية التي نظمتها رابطة العال م السلمي‪ ،‬وأعلنت‬ ‫عنها عقب أول مؤتمر للسير ة النبوية الذي عقدته دولة باكستان في شهر ربيع الول عا م ‪1396‬هـ‪.‬‬ ‫وقد قدر ال لهذا الكتاب من القبول ما ل م أكن أرجوه وقت الكتابة‪ ،‬فقد نال المركز الول في المسابقة‪ ،‬وأقبل عليه‬ ‫الخاصة والعامة إقبال يغتبط عليه‪.‬‬ ‫وكان من حديث هذا الكتاب أني ل م أطلع على إعلن الرابطة عن المسابقة في وقته‪ ،‬ولما أخبرت به بعد حين ل م‬ ‫ِ‬ ‫ض ا ـ كلًيا إل أن القدر ساقني إلى ذلك‪ .‬وكان آخر موعد لتلقي‬ ‫أم ْلـ إلى السها م فيها‪ ،‬بل رفضت هذا القتراح رف ً‬ ‫بحوث المسابقة واستقبالها عند الرابطة أول شهر محر م من العا م القاد م ‪1397‬هـ‪ ،‬أي نحو تسعة أشهر من وقت‬ ‫العلن‪ ،‬وقد ضاعت مني من ذلك عد ة أشهر‪ ،‬والمد ة الباقية ل م تكن تكفي لعداد مثل هذا الكتاب‪ ،‬ولكن لما عزمت‬ ‫على ذلك استعنت ال سبحانه وتعالى‪ ،‬وشمرت عن ساق الجد‪ ،‬حتى ت م إنجازه إوارساله في الموعد‪.‬‬ ‫وكنت أعاني ـ مع ضيق الوقت والشتغال بأعمال أخري ـ قلة المصادر‪ ،‬وعد م القدر ة على مراجعة كل ما هو موجود‪،‬‬ ‫وكانت الدقة مطلوبة عندي بصفة خاصة مع تجنب الحشو والزوائد‪ ،‬والحاطة بالموضوع بقدر المكان‪ ،‬وقد مررت‬ ‫بأماكن شعرت فيها بشيء من الفجو ة والفراغ‪ ،‬وبحاجة إلى إضافات ل م تكن في مستطاعي في ذلك الحين‪ .‬فكل ما‬ ‫كان بالمكان هو التسويد السريع لما هو موجود‪ ،‬ث م نسخه أو استنساخه بغير مراجعة أو تنقيح‪.‬‬ ‫وقد بقيت في النفس رغبة إلى ملء تلك الفجو ة والفراغ إواضافة بعض الزيادات فيما بعد‪ ،‬ولكن مضت اليا م والعوا م‬ ‫ول م يقدر لي ذلك‪ ،‬حتى َتقاد م الَعْهُد وانفلت الزماُ م ‪،‬ـ وكنت أحياًنا أثبت في الكتاب أشياء‪ ،‬وربما أقد م أو أؤخر‪ ،‬أو‬

‫أضـيف أو أعدل أشياء‪ ،‬وهي إوان ل م تكن عين ما كانت تتحدث به النفس عند التأليف‪ ،‬لكنها مهمة ومفيد ة في السير ة‬ ‫ت إليه من المراجع الحديثة‪،‬‬ ‫إن شاء ال ‪ ،‬وكذلك اطلعت على مصادر قديمـة أغنتـني إلى حــد كبير عـما كـنت أَح ْلـ ُ‬ ‫فأدخلت كل ذلك في هذه الطبعة بتوفيـق ال ‪.‬‬


‫وقد كنت أرجو ظهور بعض الملحوظات العلمية القيمة‪ ،‬أستفيد بها في صلب بعض الموضوعات‪ ،‬لكن الذي وصلني‬ ‫منها ل يمس الجوهر‪ ،‬إوانما يمس بعض المور الجانبية التي ل تقد م ول تؤخر‪ ،‬يضاف إلى ذلك أن معظمها خطأ‬ ‫ط غريب ل م يكن ُيْر َجـي ـمثله من عامة الدارسين‪ ،‬فضًل عن أصحاب التخصص‪.‬‬ ‫واضح‪ ،‬بل تََخ ّبـ ٌ‬ ‫وهذه الطبعة التي تتضمن هذه الضافات والتغييرات تكون أفضل وأكثر فائد ة من الطبعات السابقة إن شاء ال ‪،‬‬ ‫وهي الطبعة الشرعية الوحيد ة مع تلك الضافات والتعديلت‪ .‬وقد طبع الكتاب قبل ذلك من جهة الرابطة عد ة‬ ‫طبعات‪ ،‬كما طبعه بعض الخوان بإذن من المؤلف‪ ،‬ولكن هناك عشرات الطبعات كلها غير شرعية قا م بها‬ ‫الناشرون بغير إذن من المؤلف ول إشعار له‪ ،‬مستغلين سمعة الكتاب‪ .‬وقد بلغت الجرأ ة ببعضه م إلى أنه احتفظ‬ ‫بجميع حقوق الكتاب لنفسه‪ ،‬فهداه م ال للحق‪ ،‬وليصال الحقوق إلى أهلها قبل أن يأتي يو م ل بيع فيه ول خلل‪.‬‬ ‫وصلى ال على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وبارك وسل م‪.‬‬ ‫‪ 18‬ربيع الول ‪1415‬هـ‬ ‫‪ 26‬أغسطس ‪ 1994‬م‬ ‫صفي الرحمن المباركفوري‬ ‫الجامعة السلمية‪ ،‬المدينة المنور ة‬


‫كلـمـة معالي الدكتور عبد ال عمر نصيف‬ ‫الحمد ل الذي بنعمته تت م الصالحات‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمًد اـ عبده ورسوله‬ ‫وصفيه وخليله‪ ،‬أدي الرسالة وبلغ المانة ونصح المة وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها‪ ،‬صلى ال عليه‬ ‫وعلى آله وصحبه أجمعين‪ ،‬ورضي ال عن كل من تبع سنته وعمل بها إلى يو م الدين‪ ،‬وعنا معه م بعفوك ورضاك يا‬ ‫أرح م الراحمين‪.‬‬

‫أما بعد‪:‬‬

‫فإن السنة النبوية المطهر ة ـ وهي العطاء المتجدد والزاد الباقي إلى يو م الدين‪ ،‬والتي يتسابق المتسابقون‪ ،‬ويتنافس‬ ‫المتنافسون إلى الحديث عنها وكتابة الكتب والسفار في مواضيعها منذ بعث صلى ال عليه وسل م حتى تقو م الساعة‬ ‫ـ تضع للمسلمين النموذج العملي والبرنامج الواقعي لما ينبغي أن يكون عليه سلوكه م وأفعاله م وأقواله م وعلقاته م‬ ‫بربه م‪ ،‬ث م بأهله م وعشيرته م إواخوانه م وأمته م والناس أجمعين‪.‬‬ ‫وقد قال ال عز وجل‪ :‬‏}لَقَْد َك اـَن لَُك ْ مـ ِفيـ َر ُسـوـِل ال ِ أُْس َوـ ةٌـ َح َسـَنـةٌ لَّم نـ َك اـَن َيْر ُجـوـال َ َواْلَيْو َ ماـْل ِخ ــَر ـَو َذ ـَكـَرـال َ َك ثِـيًرا{‬ ‫]الحزاب‪.[21 :‬‬ ‫وقالت السيد عائشة ـ رضوان ال عليها ـ عندما سئلت عن خلق رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)كان خلقه القرآن(‪.‬‬ ‫فل ريب إذن أنه لبد لمن أراد النجا ة من هذه الدنيا باتباع المنهج الرباني في جميع شئون آخرته ودنياه وأن يتأسي‬ ‫بالرسول العظ م صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ويأخذ بالسير ة النبوية تفكًرا وتدبًرا على أنها هذا المنهج الرباني القوي م عاشه‬ ‫سيدنا رسول ال صلى ال عليه وسل م واقًعاـ عملّيا في جميع شئون الحيا ة‪ ،‬ففيها الهدي والرشاد للقاد ة والمقودين‬ ‫والحكا م والمحكومين والمرشدين والموجهين والمجاهدين‪ ،‬وفيها السو ة الحسنة في جميع المجالت‪ :‬في السياسة‬ ‫والحك م والقتصاد والمال والجتماع والعلقات النسانية والخلق الفاضلة والعلقات الدولية‪ ،‬فما أحرى المسلمين‬ ‫اليو م ـ وقد انحدروا في مهاوي الجهالة والتخلف لبتعاده م عن هذه المنهج ـ أن يعودوا إلى صوابه م وأن يقدموا السير ة‬ ‫النبوية في مناهجه م الدراسية ومنتدياته م المختلفة على أنها ليست للمتعة الفكرية وحسب‪ ،‬بل فيها طريق العود ة إلى‬ ‫ال ‪ ،‬وفيها إصلح الناس وفلحه م‪ ،‬فهي السلوب العلمي لترجمة كتاب ال عّز وجّل سلوًك اـ وأخلًقا‪ ،‬حتى يصبح‬ ‫المؤمن محتكًم اـ إلى شريعة ال سبحانه وتعالي ومحكًم اـ لها في جميع شئون الناس‪.‬‬ ‫وهذا الكتاب ]الرحيق المختو م[ جهد رائع وعمل مشكور لمؤلفه فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري الذي‬ ‫استجاب لدعو ة رابطة العال م السلمي في مسابقة السير ة النبوية التي نظمتها عا م ‪1396‬هـ‪ ،‬ففاز بالجائز ة الولى كما‬ ‫هو مذكور في مقدمة الطبعة الولى لفضيلة الشيخ محمد على الحركان ـ رحمه ال ـ المين العا م السابق لرابطة‬ ‫العال م السلمي تغمده ال برحمته وجزاه عنا خير الجزاء‪.‬‬ ‫وقد كان إقبال الناس عظيًم اـ وثناؤه م عطًرا على هذا الكتاب‪ ،‬وقد نفدت نسخ الطبعة الولى بالكامل‪ ،‬وطلب مني‬ ‫ص ا ـ لوجهه‬ ‫التقدي م للطبعة الثالثة فاستجبت له بهذه المقدمة الوجيز ة‪ ،‬سائًل المولي عز وجل أن يجعل هذا العمل خال ً‬


‫الكري م‪ ،‬وأن ينفع به المسلمين نفًعاـ يؤدي إلى تغيير واقعه م إلى الفضل‪ ،‬وأن يعيد للمة السلمية مجدها المفقود‬ ‫س تَْأم رـ و ـن ِباْلم عـرـ و ـ ِ‬ ‫ومكانتها في قياد ة الم م عمًل بقوله عز وجل‪ :‬‏}ُكنـتُ م َخ ْيـرـ أُّم ٍةـ أُْخ ِر ـج ْ ِ‬ ‫فَو تَـْن هَـْو َن ـَع ِنـ اْلُم نـَك ِرـ‬ ‫َ‬ ‫ت ـللّنا ِ ُ ُ َ َ ْ ُ‬ ‫ْ َ‬ ‫َو تُـْؤ ِم ـُنـوَنِبال ِ{ ]آل عمران‪.[110 :‬‬ ‫وصلى ال على المبعوث رحمة للعالمين‪ ،‬رسول الهدى ومرشد النسانية إلى طريق النجا ة والفلح‪ ،‬وعلى آله‬ ‫وصحبه وسل م‪.‬‬ ‫والحمد ل رب العالمين‪.‬‬ ‫د‪ .‬عبد ال عمر نصيف‬ ‫المين العال م لرابطة العال م السلمي ]سابًقا[‬ ‫نائب الرئيس لمجلس الشوري‬ ‫المملكة العربية السعودية‬


‫كلـمـة معالي الشيخ محمد بن على الحركان‬ ‫ـ رحمه ال ـ المين العا م لرابطة العال م السلمي‬ ‫الحمد ل رب العالمين‪ ،‬خالق السموات والرض‪ ،‬وجاعل الظلمات والنور‪ ،‬وصلي ال على سيدنا محمد خات م النبياء‬ ‫والرسل أجمعين‪ ،‬بّش رـ وأنذر‪ ،‬ووعد وأوعد‪ ،‬أنقذ ال به البشر من الضللة‪ ،‬وهدي الناس إلى صراط مستقي م‪ ،‬صراط‬ ‫ال الذي له ما في السموات وما في الرض أل إلى ال تصير المور‪.‬‬

‫وبعــد‪:‬‬

‫فلما أعطى ال سبحانه وتعالي لرسوله الشفاعة والدرجة الرفيعة‪ ،‬وهدي المسلمين إلى محبته‪ ،‬وجعل اتباعه من محبته‬ ‫تعالى فقال تعالى‪ :‬‏}ُقْل ِإن ُك نـتُْ م تُِح ّبــوَن ال َ َفاتِّبُعوِني ُيْح بِـْب ُكـُ مـ ال ُ َو َيـْغ ِفـْرـلَُك ْ مـ ُذ ُنـوَبُك ْ مـ{ ]آل عمران‪ ،[31 :‬فكان هذا‬ ‫من السباب التي صيرت القلوب تهفو إلى محبته صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وتتلمس السباب التي توثق الصلة فيما‬ ‫بينها وبينه صلى ال عليه وسل م‪ .‬فمنذ فجر السل م والمسلمون يتسابقون إلى إبراز محاسنه‪ ،‬ونشر سيرته العطر ة‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وسيرته صلى ال عليه وسل م هي أقواله وأفعاله وأخلقه الكريمة‪ ،‬فقد قالت السيد ة عائشة زوج‬ ‫النبي صلى ال عليه وسل م رضي ال عنها‪ :‬‏)كان خلقه القرآن(‪ ،‬والقرآن كتاب ال وكلماته التامة‪ ،‬ومن كان كذلك‬ ‫كان أحسن الناس وأكمله م وأحقه م بمحبة خلق ال جميًعاـ‪.‬‬ ‫ول م َيَز ِلـالمسلمون متمسكين بهذه المحبة الغالية التي انبثق عنها المؤتمر السلمي الول للسير ة النبوية الشريفة الذي‬ ‫عقد بباكستان سنة ‪1396‬هـ‪ ،‬حيث أعلنت الرابطة في هذا المؤتمر عن جوائز مالية مقدارها مائة وخمسون ألف ر‬ ‫سعودي توزع على أحسن خمسة بحوث في السير ة النبوية بالشروط التية‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ أن يكون البحث متكامًل مع ترتيب الحوادث التاريخية حسب وقوعها‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ أن يكون جيًد اـ ول م يسبق نشره من قبل‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ أن يذكر الباحث جميع المخطوطات والمصادر العلمية التي اعتمد عليها في كتابة البحث‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ أن يكتب الباحث ترجمة كاملة ومفصلة عن حياته مع ذكر مؤهلته العلمية ومؤلفاته إن وجدت‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ أن يكتب البحث بخط واضح‪ ،‬ويستحسن نسخه على اللة الكاتبة‪.‬‬ ‫‪ 6‬ـ تقبل البحوث باللغة العربية واللغات الحية الخري‪.‬‬ ‫‪ 7‬ـ يبدأ قبول البحوث من غر ة ربيع الثاني ‪1396‬هـ‪ ،‬وينتهي موعد القبول بغر ة محر م ‪1397‬هـ‪.‬‬ ‫‪ 8‬ـ تسل م البحوث إلى المانة العامة لرابطة العال م السلمي بمكة المكرمة في ظرف مختو م‪ ،‬وتضع المانة عليه‬ ‫ص ا ـ‪.‬‬ ‫رقًم اـ تسلسلًيا خا ً‬ ‫‪ 9‬ـ تقو م بفحص البحوث لجنة عليا من كبار العلماء في هذ الشأن‪.‬‬ ‫فكان هذا العلن حافًزا لتسابق العلماء الذين وهبه م ال حب رسوله صلى ال عليه وسل م‪ ،‬واستعدت رابطة العال م‬ ‫السلمي لستقبال هذه البحوث باللغات العربي�� والنجليزية والردية وأية لغة أخري‪.‬‬


‫وبدأ الخوان الكرا م في إرسال بحوثه م بهذه اللغات‪ ،‬وقد بلغ عددها واحًد اـ وسبعين ومائة بحث منها‪:‬‬ ‫‪ 84‬بحًثا باللغة العربية‪ 64 ،‬بحًثا باللغة الردية‪ 21 ،‬بحًثا باللغة النجليزية‪ ،‬وبحث واحد فقط باللغة الفرنسية‪ ،‬وبحث‬

‫واحد فقط باللغة الهوساوية‪.‬‬

‫وقد كونت الرابطة لجنة من كبار العلماء لدراسة هذه البحوث وترتيبها حسب استحقاق الفائز للجائز ة‪ ،‬وقد كان‬ ‫الفائزون بالجوائز حسب الترتيب التي‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ الفائز بالجائز ة الولى الشيخ صفي الرحمن المباركفوري من الجامعة السلفية بالهند‪ ،‬ومقدار جائزته خمسون ألف‬ ‫ر سعودي‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ الفائز بالجائز ة الثانية الدكتور ماجد على خان من الجامعة الملية السلمية نيودلهي‪ ،‬الهند‪ ،‬ومقدار جائزته‬ ‫أربعون ألف ر سعودي‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ الفائز بالجائز ة الثالثة الدكتور نصير أحمد ناصر رئيس الجامعة السلمية بباكستان‪ ،‬ومقدار جائزته ثلثون ألف‬ ‫ر سعودي‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ الفائز بالجائز ة الرابعة الستاذ حامد محمود محمد منصور ليمود من جمهورية مصر العربية‪ ،‬ومقدار جائزته‬ ‫عشرون ألف ر سعودي‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ الفائز بالجائز ة الخامسة الستاذ عبد السل م هاش م حافظ من المدينة المنور ة‪ ،‬المملكة العربية السعودية‪ ،‬ومقدار‬ ‫جائزته عشر ة آلف ر سعودي‪.‬‬ ‫وقد أعلنت الرابطة أسماء الفائزين في المؤتمر السلمي السيوي الول الذي عقد في كراتشي في شهر شعبان سنة‬ ‫‪1398‬هـ‪ .‬كما أعلن عن ذلك في جميع الصحف‪.‬‬ ‫وبهذه المناسبة أقامت المانة العامة للرابطة بمقرها بمكة المكرمة حفًل كبيًرا تحت إشراف صاحب السمو الملكي‬ ‫المير سعود بن عبد المحسن بن عبد العزيز وكيل إمار ة منطقة مكة المكرمة‪ ،‬نيابة عن صاحب السمو الملكي‬ ‫المير فواز بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة‪ ،‬حيث تفضل سموه بتوزيع الجوائز على أصحابها‪ ،‬وذلك صباح‬ ‫يو م السبت الموافق ‪ 12‬ربيع الول سنة ‪1399‬هـ‪ .‬وفي هذا الحفل أعلنت المانة العامة أنها ستقو م بطبع البحوث‬ ‫الفائز ة ونشرها بعد ة لغات‪ ،‬وتنفيًذ اـ لذلك ها هي ذي تضع بين يدي القارئ الكري م باكور ة طبعات تلك البحوث‪ ،‬وهو‬

‫بحث الشيخ‪ /‬صفي الرحمن المباركفوري‪ ،‬من الجامعة السلفية بالهند؛ لنه الفائز بالجائز ة الولي‪ ،‬وستوالي طبع بقية‬ ‫البحوث الفائز ة حسب ترتيبها‪ ،‬سائلين ال سبحانه وتعالي أن يتقبل منا جميًعاـ أعمالنا خالصة لوجهه الكري م‪ ،‬إنه نع م‬ ‫المولي ونع م النصير‪.‬‬ ‫وصلى ال على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسل م‪.‬‬ ‫محمد بن على الحركان‬ ‫المين العا م لرابطة العال م السلمي‬


‫كلمة المؤلف‬ ‫الحمد ل الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله‪ ،‬فجعله شاهًد اـ ومبشًرا ونذيًرا‪ ،‬وداعًيا إلى ال‬ ‫بإذنه وس ارًج ا ـ منيًرا‪ ،‬وجعل فيه أسو ة حسنة لمن كان يرجو ال واليو م الخر وذكر ال كثيًرا‪ .‬ال م صل وسل م وبارك‬ ‫عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه م بإحسان إلى يو م الدين‪ ،‬وفّج رـ له م ينابيع الرحمة والرضوان تفجي ار‪.‬‬ ‫وبعـد‪:‬‬ ‫فإن من دواعي الغبطة والسرور أن رابطة العال م السلمي أعلنت عقب مؤتمر السير ة النبوية الذي عقد في باكستان‬ ‫في شهر ربيع الول من سنة ‪1396‬هـ عن تنظي م مسابقة علمية عالمية؛ لتقدي م أحسن بحث في موضوع السير ة‬ ‫طا للكاتبين‪ ،‬وتنسيقا لجهوده م الفكرية‪ .‬إواني أري أن‬ ‫النبوية ـ على صاحبها ألف ألف صل ة وسل م وتحية ـ وذلك تنشي ً‬ ‫هذا العمل له قيمة كبير ة ربما ل يحيط بوصفه البيان‪ .‬فإن السير ة النبوية والسو ة المحمدية ـ على صاحبها ما يستحق‬ ‫من الصل ة والسل م ـ إذا لحظناها بعين الدقة والعتبار هي المنبع الوحيد الذي تتفجر منه ينابيع حيا ة العال م‬ ‫السلمي وسعاد ة المجتمع البشري‪.‬‬ ‫إوان من سعادتي وحسن حظي أن أقد م بحًثا أسه م به في تلك المسابقة المباركة‪ ،‬ولكن أين أنا حتى ألقي ضوًءا على‬ ‫حيا ة سيد الولين والخرين صلى ال عليه وسل م‪ .‬إوانما أنا رجل يري لنفسه كل السعاد ة والفلح أن يقتبس من نوره‪،‬‬ ‫حتى ل يتهالك في دياجير الظلمات‪ ،‬بل يحيا وهو من أمته‪ ،‬ويموت وهو من أمته‪ ،‬ويغفر ال له ذنوبه بشفاعته‪.‬‬

‫ومن منهجي في هذا الكتاب ـ عدا ما جاء في إعلن الرابطة ـ أني قررت سلوك سبيل العتدال‪ ،‬متجنًبا التطويل‬

‫الممل واليجاز المخل‪ ،‬وقد وجدت المصادر تختلف فيما بينها حول كثير مما يتعلق بالحداث اختلًفا ل يحتمل‬ ‫الجمع والتوفيق‪ ،‬فاخترت سبيل الترجيح‪ ،‬وأثبت في الكتاب ما ترجح لدي بعد التدقيق في الدراسة والنقد‪ ،‬إل أني‬ ‫طويت ذكر الدلئل والوجوه؛ لن ذلك يفضي إلى طول غير مطلوب‪.‬‬ ‫أما بالنسبة لقبول الروايات وردها فقد استفدت في ذلك مما كتبه الئمة المتقنون‪ ،‬واعتمدت عليه م فيما حكموا به من‬ ‫الصحة والحسن والضعف؛ إذ ل م أجد وقًتا يكفي للخوض في هذا المجال‪.‬‬

‫ت الستغراب ممن يق أر الكتاب‪ ،‬أو‬ ‫وقد أشرت في بعض المواضع إلى بعض الدلئل ووجوه الترجيح‪ ،‬وذلك حينما ِخ ْف ـ ُ‬ ‫رأيت شبه التفاق فيما بين الولين والخرين على خلف ما هو الصواب‪ .‬وال ولي التوفيق‪.‬‬

‫ال م قدر لي الخير في الدنيا والخر ة‪ ،‬إنك أنت الغفور الودود‪ ،‬ذو العرش المجيد‪.‬‬ ‫صفي الرحمن المباركفوري‬ ‫بنارس ـ الهند‬


‫العرب‪ ،‬الرض والشعب‪ ،‬الحك م والقتصاد‪ ،‬الديانة‬ ‫موقع العرب وأقوامها‬ ‫إن السير ة النبوية ـ على صاحبها الصل ة والسل م ـ هي في الحقيقة عبار ة عن الرسالة التي حملها رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م إلى المجتمع البشرى قوًل وفعًل ‪ ،‬ـ ـوتوجيها وسلوًك اـ‪ ،‬وقلب بها موازين الحيا ة‪ ،‬فبدل مكان السيئة الحسنة‪،‬‬ ‫وأخرج بها الناس من الظلمات إلى النور‪ ،‬ومن عباد ة العباد إلى عباد ة ال ‪ ،‬حتى عدل خط التاريخ َوغّير مجرى‬ ‫الحيا ة في العال م النساني‪ ،‬ول يت م إحضار هذه الصور ة الرائعة إل بعد المقارنة بين البيئة التي سبقت هذه الرسالة‬

‫وبين ما آلت إليه بعدها‪.‬‬ ‫وهذا يقتضي تقدي م فصول موجز ة عن أقوا م العرب وتطوراتها قبل السل م‪ ،‬وعن تاريخ الحكومات والمارات والنظ م‬ ‫القبلية التي كانت سائد ة في ذلك الزمان‪ ،‬مع صور من الديانات والِم لَـل والّنَح ل ـ والعادات والتقاليد‪ ،‬والوضاع‬ ‫السياسية والجتماعية والقتصادية‪.‬‬ ‫وقد خصصنا لكل من ذلك هذا الباب‪ ،‬إواليك م تلك الفصول‪:‬‬


‫موقع العرب‬ ‫كلمة العرب تنبيء عن الصحارى والِقفَـار‪ ،‬والرض الُم ْجـ ِد ـبــة التي ل ماء فيها ول نبات‪ .‬وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقد م‬ ‫طُنوا تلك الرض واتخذوها موطنا له م‪.‬‬ ‫العصور على جزير ة العرب‪ ،‬كما أطلق على قو م َق َ‬ ‫وجزير ة العرب يحدها غرًبا البحر الحمر وشبه جزير ة سيناء‪ ،‬وشرًقا الخليج العربى وجزء من بلد العراق الجنوبية‪،‬‬ ‫وجنوًبا بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند‪ ،‬وشماًل بلد الشا م وجزء من بلد العراق‪ ،‬على اختلف في بعض‬ ‫هذه الحدود‪ ،‬وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع إلى مليون وثلثمائة ألف ميل مربع‪.‬‬ ‫ولجزير ة العرب أهمية بالغة من حيث موقعها الطبيعي والجغرافي؛ فإنها في وضعها الداخلي محاطة بالصحاري‬ ‫والرمال من كل جانب؛ ولجل هذا الوضع صارت الجزير ة حصًنا منيًعاـ ل م يستطع الجانب أن يحتلوها ويبسطوا عليها‬ ‫سيطرته م ونفوذه م‪ .‬ولذلك نرى سكان الجزير ة أح ارًرا في جميع الشئون منذ أقد م العصور‪ ،‬مع أنه م كانوا مجاورين‬ ‫لمبراطوريتين عظيمتين ل م يكونوا يستطيعون دفع هجماتهما لول هذا السد المنيع‪.‬‬

‫وأما بالنسبة إلى الخارج فإنها تقع بين القارات المعروفة في العال م القدي م‪ ،‬وتلتقى به بًرا وبحًرا‪ ،‬فإن ناحيتها الشمالية‬ ‫الغربية باب للدخول في قار ة إفريقية‪ ،‬وناحيتها الشمالية الشرقية مفتاح لقار ة أوربا‪ ،‬والناحية الشرقية تفتح أبواب العج م؛‬ ‫ومن ث م آسيا الوسطى وجنوبها والشرق البعيد‪ ،‬وكذلك تلتقي كل قار ة بالجزير ة بحًرا‪ ،‬وترسى سفنها وبواخرها على ميناء‬ ‫الجزير ة أرًس اـ‪.‬‬ ‫ولجل هذا الوضع الجغرافي كان شمال الجزير ة وجنوبها موئًل للم م‪ ،‬ومركًزا لتبادل التجار ة‪ ،‬والثقافة‪ ،‬والديانة‪،‬‬ ‫والفنون‪.‬‬


‫أقوا م العرب‬ ‫وأما أقوا م العرب فقد قسمها المؤرخون إلى ثلثة أقسا م؛ بحسب السللت التي ينحدرون منها‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ العرب البائد ة‪ :‬وه م العرب القدامى الذين انقرضوا تماًم اـ ول م يمكن الحصول على تفاصيل كافية عن تاريخه م‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ضـَر ـَمـوـت‪،‬‬ ‫مثل‪ :‬عاد‪ ،‬وثمود‪ ،‬و َ‬ ‫ضـوــر‪ ،‬وَو بـَـار‪ ،‬وَع بِـيل‪ ،‬وجاس م‪ ،‬وَح ْ‬ ‫طْس مـ‪ ،‬وَج دـيــس‪ ،‬وِع ْم ـلــق‪ ،‬وأَُم ْيـ مـ‪ ،‬وُج ْرـُه م‪،‬وَح ُ‬ ‫وغيرها‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ العرب العاربة‪ :‬وه م العرب المنحدر ة من صلب َيْش ُجـبـ بن َيْع ُرـبـبن قَْح طــان‪ ،‬وتسمى بالعرب القحطانية‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ العرب المستعربة‪ :‬وهي العرب المنحدر ة من صلب إسماعيل عليه السل م‪ ،‬وتسمى بالعرب العدنانية‪.‬‬ ‫أما العرب العاربة ـ وهي شعب قحطان ـ فَم ْهـُد هـا بلد اليمن‪ ،‬وقد تشعبت قبائلها وبطونها من ولد سبأ بن يشجب بن‬ ‫يعرب بن قحطان‪ .‬فاشتهرت منها قبيلتان‪ِ :‬ح ْمـَيـرـ بن سبأ‪ ،‬وَك ْهـلن بن سبأ‪ ،‬وأما بقية بنى سبأ ـ وهـ م أحـد عشـر أو‬ ‫أربعة عشـر بطًنا ـ فيقال له م‪ :‬السبئيون‪ ،‬وليست له م قبائل دون سبأ‪.‬‬

‫أ ـ فأما حمير فأشهر بطونها‪:‬‬ ‫ر ة‬ ‫ض اــعة‪ :‬ومنها َبْهراء َو بِـلّى والقَْي نـ وَك ْلـبـ وُع ْذـَرـ ةوَو َب ـَ ‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ قُ َ‬ ‫‪ 2‬ـ الّس كـاِس ك‪:‬ـ وهـ م بنو زيـد بـن وائلة بن حمير‪ ،‬ولقب زيد‪ :‬السكاسك‪ ،‬وهي غير سكاسك ِك ْنـدـ ة التية في بنى َك ْهـلن‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ زيــد الجمهــور‪ :‬ومنها حمير الصغر‪ ،‬وسبأ الصغر‪ ،‬وحضور‪ ،‬وذو أصبح‪.‬‬ ‫ب ـ وأما َك ْهـلن فأشهر بطونها‪:‬‬ ‫َهْم دــان‪ ،‬وأْلَهان‪ ،‬والْش َعـر‪ ،‬وطيئ‪ ،‬وَم ْذـِحـج ـ]ومن مذحج‪َ :‬ع ْنـسـ والّنْخ ع ـ[‪ ،‬ولَْخ م ـ ]ومن لخ م‪ :‬كند ة‪ ،‬ومن كند ة‪ :‬بنو‬ ‫معاوية والّس ُكـوـن والسكاسك[‪ ،‬وُج َذـاـ م‪ ،‬وعاملة‪ ،‬وَخ ْوــلن‪،‬وَم َعـاِفر‪ ،‬وأنمار ]ومن أنمار‪َ :‬خ ثْـَع مـ وَبِج يـلََة‪ ،‬ومن بجيلة‪:‬‬ ‫أْح َم ـسـ[ والْز دــ‪] ،‬ومن الزد‪ :‬الوس‪ ،‬والخزرج‪ ،‬وُخ َزــاعة‪،‬وأولد َج ْفـَنة ملوك الشا م المعروفون بآل غسان[‪.‬‬ ‫وهاجرت بنو كهلن عن اليمن‪ ،‬وانتشرت في أنحاء الجزير ة‪ ،‬يقال‪ :‬كانت هجر ة معظمه م قبيل َس ْيـلـ الَعِر مـحين فشلت‬ ‫تجارته م لضغط الرومان وسيطرته م على طريق التجار ة البحرية‪ ،‬إوافساده م طريق البر بعد احتلله م بلد مصر‬ ‫والشا م‪.‬‬

‫ويقال‪ :‬بل إنه م هاجروا بعد السيل حي�� هلك الحرث والنسل بعد أن كانت التجار ة قد فشلت‪ ،‬وكانوا قد فقدوا كل‬ ‫وسائل العيش‪ ،‬ويؤيده سياق القرآن ‏}لَقَْد َك اـَن ِلَس َبـٍإ ِفيـ َم ْسـَكـنِـِه ْ مـآَيةٌ َج ّنـَتاِن َع نـ َيِم يـٍن و ِش ـ َم ـاـٍلُك لُـوا ِم نـ ّر ْز ـ ِ‬ ‫قَـر ّبـُك ْ مـ‬ ‫َ‬


‫طّيَبةٌ َو َرـ ّ‬ ‫ضـواـَفَأْر َسـْلـَناـَع لَـْي ِهـْ مـ َس ْيـَلـ اْلَعِر ِ مـَو َبـّد ْلـَناُه م بَِج ّنـتَْي ِهـْ مـ َج ّنـتَْي ِنـ َذ َوـاَتى أُُك ٍلـ َخ ْمـٍطـَوأَْثٍل‬ ‫َواْش ُكـُرـ والَـهُ َب ْلـَد ةٌـ َ‬ ‫بـَغ فُـوٌر َفَأْع َرـ ُ‬ ‫َو َش ـْيـ ءٍ ـّم نـ ِس ْد ـٍرـَقِليٍل َذ ِلـَك َج َزـْيـَنـاُه مبَِم اـ َك فَـُر واـَوَهـْلـ ُنَج اـِزيِإّل اْلَك فُـوَر َو َجـ َعـْلـَناَبْي َنـهُْ م َو َبـْي َنـ اْلقَُرىـالِّتي َباَر ْكـَنـاـِفيَها قًُرىـ‬ ‫ث‬ ‫ظاِه َرـ ةًَو َقـّد ْرـ َنـاـِفيَها الّس ْيـَرـ ِس يـُر واـِفيَها لََياِلَي َوأَّياًم اـآِم نِـيَن َفَقالُوا َر ّبـَنا َباِع ْد ـ َبْي َنـ َأْس َفـاِر َنـاَو َ‬ ‫َ‬ ‫ظـَلُم وـا َأنفَُس هُـْ م فََج َعـْلـَناُهْ م أََح اـِد يـ َ‬ ‫و م ـّزـْقـَناُه مُك ّلـ م مـّزـ ٍ ِ ِ‬ ‫ٍّ‬ ‫ص ّبــاٍر َش ُكـوـٍر{ ]سور ة سبأ‪[19 :15:‬‬ ‫قـِإّن فيـ َذ لـَك َل َي ـاـت لُك ّلـ َ‬ ‫ْ َُ‬ ‫ََ‬ ‫ول غرو إن كانت هناك ـ عدا ما تقد م ـ منافسة بين بطون كهلن وبطون حمير أدت إلى جلء كهلن‪ ،‬فقد يشير إلى‬ ‫هذا بقاء حمير مع جلء كهلن‪.‬‬ ‫ويمكن تقسي م المهاجرين من بطون كهلن إلى أربعة أقسا م‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ الْز د‪:‬ـ‬ ‫وكانت هجرته م على رأى سيده م وكبيره م عمران بن عمرو ُم َزـْيـِقـياء‪،‬فساروا يتنقلون في بلد اليمن ويرسلون الرواد‪ ،‬ث م‬ ‫ساروا بعد ذلك إلى الشمال والشرق‪ .‬وهاك تفصيل الماكن التي سكنوا فيها بعد الرحلة نهائًيا‪:‬‬

‫نزل عمران بن عمرو في ُع َمـاـن‪ ،‬واستوطنها هو وبنوه‪ ،‬وه م أْز د ـُع َمـاـن‪.‬‬ ‫واستوطنت بنو نصر بن الزد ُتهامة‪ ،‬وه م أزد َش ُنـوء ة‪.‬‬ ‫طـف ثَْع لَـبة بن عمرو مزيقياء نحو الحجاز‪ ،‬فأقا م بين الثعلبية وذى قار‪ ،‬ولما كبر ولده وقوى ركنه سار نحو‬ ‫وَع َ‬ ‫المدينة‪ ،‬فأقا م بها واستوطنها‪ ،‬ومن أبناء ثعلبة هذا‪ :‬الوس والخزرج‪ ،‬ابنا حارثة بن ثعلبة‪.‬‬

‫وتنقل منه م حارثة بن عمرو ـ وهو خزاعة ـ وبنوه في ربوع الحجاز‪ ،‬حتى نزلوا بمر الظهران‪ ،‬ث م افتتحوا الحر م فقطنوا‬ ‫مكة وأجلوا سكانها الجراهمة‪.‬‬ ‫وسار َج ْفـَنةـ بن عمرو إلى الشا م فأقا م بها هو وبنوه‪ ،‬وهو أبو الملوك الغساسنة؛ نسبة إلى ماء في الحجاز يعرف‬ ‫بغسان‪ ،‬كانوا قد نزلوا بها أوًل قبل انتقاله م إلى الشا م‪.‬‬ ‫وانضمت البطون الصغير ة إلى هذه القبائل في الهجر ة إلى الحجاز والشا م‪ ،‬مثل كعب بن عمرو‪ ،‬والحارث بن عمرو‪،‬‬ ‫وعوف بن عمرو‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ لَْخ م ـ وُج َذـاـ م‪:‬‬ ‫انتقلوا إلى الشرق والشمال‪ ،‬وكان في اللخميين نصر بن ربيعة أبو الملوك المناذر ة بالحير ة‪.‬‬ ‫طّيئـ‪:‬‬ ‫‪ 3‬ـ بنو َ‬


‫ساروا بعد مسير الزد نحو الشمال حتى نزلوا بالجبلين أجأ وسلمى‪ ،‬وأقاموا هناك‪ ،‬حتى عرف الجبلن بجبلى طيئ‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ ِك ْنـدـ ة‪:‬‬ ‫نزلوا بالبحرين‪ ،‬ث م اضطروا إلى مغادرتها فنزلوا بـ]حضرموت[‪ ،‬ولقـوا هنـاك ما لقوا بالبحرين‪ ،‬ث م نزلوا نجًد اـ‪ ،‬وكونوا‬ ‫هناك دولة كبير ة الشأن‪ ،‬ولكنها سرعان ما فنيت وذهبت آثارها‪.‬‬

‫وهناك قبيلة من حمير مع اختلف في نسبتها إليه ـ وهي قضاعة ـ هجرت اليمن واستوطنت بادية السماو ة من‬ ‫مشارف العراق‪ ،‬واستوطن بعض بطونها مشارف الشا م وشمالي الحجاز‪.‬‬ ‫وأما العرب المستعربة‪ ،‬فأصل جده م العلى ـ وهو سيدنا إبراهي م عليه السل م ـ من بلد العراق‪ ،‬من مدينة يقال لها‪:‬‬ ‫]أر[ على الشاطئ الغربي من نهر الفرات‪ ،‬بالقرب من الكوفة‪ ،‬وقد جاءت الحفريات والتنقيبات بتفاصيل واسعة عن‬ ‫هذه المدينة‪ ،‬وعن أسر ة إبراهي م عليه السل م‪ ،‬وعن الحوال الدينية والجتماعية في تلك البلد‪.‬‬ ‫ومعلو م أن إبراهي م عليه السل م هاجر منها إلى حاران أو َح ّرــان‪،‬ومنها إلى فلسطين‪ ،‬فاتخذها قاعد ة لدعوته‪ ،‬وكانت‬ ‫له جولت في أرجائها وأرجاء غيرها من البلد‪ ،‬وفي إحدى هذه الجولت أتى إبراهي م عليه السل م على جبار من‬

‫الجبابر ة‪ ،‬ومعه زوجته سار ة‪ ،‬وكانت من أحسن النساء‪ ،‬فأراد ذلك الجبار أن يكيد بها‪ ،‬ولكن سار ة دعت ال تعالى‬ ‫عليه فرد ال كيده في نحره‪ ،‬وعرف الظال م أن سار ة امرأ ة صالحة ذات مرتبة عالية عند ال ‪ ،‬فأخدمها هاجر اعت ارًفا‬ ‫بفضلها‪ ،‬أو خوًفا من عذاب ال ‪ ،‬ووهبتها سار ة لبراهي م عليه السل م‪.‬‬ ‫ورجع إبراهي م عليه السل م إلى قاعدته في فلسطين‪ ،‬ث م رزقه ال تعالى من هاجر ابنه إسماعيل‪ ،‬وصار سبًبا لغير ة‬

‫سار ة حتى ألجأت إبراهي م إلى نفي هاجر مع ولدهـا الرضيـع ـ إسماعيل ـ فقد م بهما إبراهي م عليه السل م إلى الحجاز‪،‬‬

‫وأسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت ال المحر م الذي ل م يكن إذ ذاك إل مرتفًعاـ من الرض كالرابية‪ ،‬تأتيه السيول‬ ‫فتأخذ عن يمينه وشماله‪ ،‬فوضعهما عند دوحة فوق زمز م في أعلى المسجد‪ ،‬وليس بمكة يومئذ أحد‪ ،‬وليس بها ماء‪،‬‬ ‫فوضع عندهما جرابا فيه تمر‪ ،‬وسقاء فيه ماء‪ ،‬ورجع إلى فلسطين‪ ،‬ول م تمض أيا م حتى نفد الزاد والماء‪ ،‬وهناك‬ ‫تفجرت بئر زمز م بفضل ال ‪ ،‬فصارت لهما قوتا وبلًغ اـ إلى حين‪ .‬والقصة معروفة بطولها‪.‬‬ ‫وجاءت قبيلة يمانية ـ وهي ُج ْرـُه مالثانية ـ فقطنت مكة بإذن من أ م إسماعيل‪ .‬يقال‪ :‬إنه م كانوا قبل ذلك في الودية‬ ‫التي بأطراف مكة‪ ،‬وقد صرحت رواية البخاري أنه م نزلوا مكة بعد إسماعيل‪ ،‬وقبل أن يشب‪ ،‬وأنه م كانوا يمرون بهذا‬ ‫الوادى قبل ذلك‪.‬‬ ‫وكان إبراهي م عليه السل م يرتحل إلى مكة ليطالع تركته بها‪ ،‬ول يعل م بالضبط عدد هذه الرحلت‪ ،‬إل أن المصادر‬ ‫المعتمد ة حفظت لنا أربعة منها‪:‬‬


‫‪ 1‬ـ فقد ذكر ال تعالى في القرآن الكري م أنه أرى إبراهي م في المنا م أنه يذبح إسماعيل‪ ،‬فقا م بامتثال هذا المر‪ :‬‏} َفلَّماـ‬ ‫ِ‬ ‫ّ ِ‬ ‫تـ الّر ْؤ ـَيــاِإّنا َك َذـِلـَك َنْج ِزــياْلُم ْحـ ِس ـ نِـيَنِإّن َهَذ اـ لَهَُو اْلَبَل ء ـا ـْلُم بِـيُن‬ ‫ص ّدـْقـ َ‬ ‫أَْس لَـَم اـ َو تَـلهُ لْلَج بِــيِن َو َنــاَد ْيـَنـاهُأَْن َيا ِإْب َرـاه يـُ مقَْد َ‬ ‫َو فَـَد ْيـَنـاهُ بِِذ ْبـٍحـ َع ِظـ يـٍ م{ ]الصافات‪[107 :103:‬‬ ‫وقد ذكر في ِس ْفـرـ التكوين أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلث عشر ة سنة‪ ،‬وسياق القصة يدل على أنها وقعت‬ ‫قبل ميلد إسحاق؛ لن البشار ة بإسحاق ذكرت بعد سرد القصة بتمامها‪.‬‬ ‫وهذه القصة تتضمن رحلة واحد ة ـ على القل ـ قبل أن يشب إسماعيل‪ ،‬أما الرحلت الثلث الخر فقد رواها البخاري‬ ‫بطولها عن ابن عباس مرفوًع اـ‪ ،‬وملخصها‪:‬‬ ‫‪2‬ـ أن إسماعيل عليه السل م لما شب وتعل م العربية من ُج ْرـُه م‪،‬وأنفسه م وأعجبه م زوجوه امرأ ة منه م‪ ،‬وماتت أمـه‪ ،‬وبدا‬ ‫لبراهي م أن يطالع تركته‪ ،‬فجاء بعد هذا الزواج‪ ،‬فل م يجد إسماعيل‪ ،‬فسأل امرأته عنه وعن أحوالهما‪ ،‬فشكت إليه‬ ‫ضيق العيش فأوصاها أن تقول لسماعيل أن يغير عتبة بابه‪ ،‬وفه م إسماعيل ما أراد أبوه‪ ،‬فطلق امرأته تلك وتزوج‬ ‫ضـ اــض بن عمرو‪ ،‬كبير جره م وسيده م على قول الكثر[‪.‬‬ ‫امرأ ة أخرى ]وهي ابنة ُم َ‬ ‫‪ 3‬ـ وجاء إبراهي م عليه السل م مر ة أخرى بعد أن تزوج إسماعيل هذه الزوجة الثانية‪ ،‬فل م يجده فرجع إلى فلسطين بعد‬

‫ت َع تَـَبة بابه‪.‬‬ ‫أن سأل زوجته عنه وعن أحوالهما‪ ،‬فأثنت على ال بخير‪ ،‬فأوصى إلى إسماعيل أن ُيثَّب َ‬

‫‪ 4‬ـ ث م جاء إبراهي م عليه السل م بعد ذلك فلقى إسماعيل‪ ،‬وهو َيْب ِرـى َنْب لـ له تحت دوحة قريًبا من زمز م‪ ،‬فلما رآه قا م‬ ‫إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد‪ ،‬وكان لقاؤهما بعد فتر ة طويلة من الزمن‪ ،‬قلما يصبر فيها الب‬ ‫الكبير الواه العطوف عن ولده‪ ،‬والوالد البار الصالح الرشيد عن أبيه‪ ،‬وفي هذه المر ة بنيا الكعبة‪ ،‬ورفعا قواعدها‪،‬‬ ‫وأّذ نـ إبراهي م في الناس بالحج كما أمره ال ‪.‬‬ ‫ضـ اــض اثنى عشر ولًد اـ ذكًرا‪،‬وه م‪ :‬نابت أو نبايوط‪،‬وقَْي دـار‪ ،‬وأدبائيل‪ ،‬و ِم ْبـشـا م‪،‬‬ ‫وقد رزق ال إسماعيل من ابنة ُم َ‬

‫طور‪ ،‬وَنفيس‪ ،‬وقَْي ُدـمـان‪.‬‬ ‫وِم ْشـمـاع‪ ،‬ودوما‪ ،‬وِم يـشا‪ ،‬وحدد‪ ،‬وتيما‪ ،‬وَي ُ‬

‫وتشعبت من هؤلء اثنتا عشر ة قبيلة‪ ،‬سكنت كلها في مكة مد ة من الزمان‪ ،‬وكانت جل معيشته م إذ ذاك التجار ة من‬ ‫بلد اليمن إلى بلد الشا م ومصر‪ ،‬ث م انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزير ة بل إوالى خارجها‪ ،‬ث م أدرجت أحواله م في‬ ‫غياهب الزمان‪ ،‬إل أولد نابت وقيدار‪.‬‬ ‫وقد ازدهرت حضار ة النباط ـ أْب نـاء نابت ـ في شمال الحجاز‪ ،‬وكونوا دولة قوية عاصمتها البتراء ـ المدينة الثرية‬

‫القديمة المعروفة في جنوب الردن‪ ،‬وقد دان لهذه الدولة النبطية من بأطرافها‪ ،‬ول م يستطع أحد أن يناوئها حتى جاء‬ ‫الرومان وقضوا عليها‪.‬‬


‫وقد جنحت طائفة من المحققين من أهل العل م بالنساب إلى أن ملوك آل غسان وكذا النصار من الوس والخزرج‬ ‫إنما كانوا من آل نابت بن إسماعيل‪ ،‬وبقاياه م في تلك الديار‪.‬‬ ‫إواليه مال الما م البخاري ـ رحمه ال ـ في صحيحه‪ ،‬فقد عقد باًبا عنوانه‪] :‬نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السل م[‪،‬‬ ‫واستدل عليه ببعض الحاديث‪ ،‬ورجح الحافظ ابن حجر في شرحه أن قحطان من آل نابت بن إسماعيل عليه‬ ‫السل م‪.‬‬ ‫وأما قيدار بن إسماعيل فل م يزل أبناؤه بمكة‪ ،‬يتناسلون هناك حتى كان منه عدنان وولده َم َعـّد ‪،‬ـ ومنه حفظت العرب‬ ‫العدنانية أنسابها‪ .‬وعدنان هو الجد الحادى والعشرون في سلسة النسب النبوى‪ ،‬وقد ورد أنه صلى ال عليه وسل م كان‬ ‫إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول‪ :‬‏)كذب النسابون(‪ ،‬فل يتجاوزه‪ ،‬وذهب جمع من العلماء إلى جواز رفع النسب‬ ‫فوق عدنان؛ مضعفين للحديث المشار إليه‪ ،‬ولكنه م اختلفوا في هذا الجزء من النسب اختلفا ل يمكن الجمع بين‬ ‫أقواله م‪ ،‬وقد مال المحقق الكبير العلمة القاضى محمد سليمان المنصورفورى ـ رحمه ال ـ إلى ترجيح ما ذكره ابن‬ ‫سعد ـ والذي ذكره الطبرى والمسعودى وغيرهما في جملة القوال ـ وهو أن بين عدنان وبين إبراهي م عليه السل م‬ ‫أربعين أبا بالتحقيق الدقيق‪ .‬وسيأتى‪.‬‬ ‫وقد تفرقت بطون َم َعـّدـ من ولده َنَزار ـ قيل‪ :‬ل م يكن لمعد ولد غيره ـ فكان لنزار أربعة أولد‪ ،‬تشعبت منه م أربعة قبائل‬ ‫ضـ رــ‪ ،‬وهذان الخيران هما اللذان كثرت بطونهما واتسعت أفخاذهما‪ ،‬فكان من ربيعة‪:‬‬ ‫عظيمة‪ :‬إياد وأنمار وربيعة وُم َ‬ ‫ض َبـْي َعـةـ وأسد‪ ،‬ومن أسد‪َ :‬ع ْنـَزـ ةوَج ِدـيــلة‪ ،‬ومن جديلة‪ :‬القبائل الكثير ة المشهور ة مثل‪ :‬عبد القيس‪ ،‬والّنِم رـ‪ ،‬وبنو وائل‬ ‫ُ‬ ‫الذين منه م بكر وتَْغ ِلــب‪ ،‬ومن بنى بكر‪ :‬بنو قيس وبنو شيبان وبنو حنيفة وغيرها‪ .‬أما عنز ة فمنها آل سعود ملوك‬ ‫المملكة العربية السعودية في هذا الزمان‪.‬‬

‫وتشعبت قبائل مضر إلى شعبتين عظيمتين‪ :‬قَْي سـ َع ْيـلـن بن مضر‪ ،‬وبطون إلياس ابن مضر‪ ،‬فمن قيس عيلن‪:‬‬

‫صـ ‪.‬رـ‬ ‫صـ َعــة‪،‬وبنو َغ َ‬ ‫طـفان‪ .‬ومن غطفان‪َ :‬ع ْبـسـ‪ ،‬وُذ ْبـيـان‪ ،‬وأْش َجـعــ‪،‬وأْع ُ‬ ‫ص ْع ـ َ‬ ‫بنو سلي م‪ ،‬وبنو هوازن‪ ،‬وبنو ثقيف‪ ،‬وبنو َ‬

‫ضـ ر ـ‪ :‬تمي م بن مر ة‪ ،‬وُهَذ ْيـلـ بن ُم دـِر كـة‪ ،‬وبنو أسد بن خزيمة‪ ،‬وبطون كنانة بن خزيمة‪ ،‬ومن كنانة‬ ‫ومن إلياس بن ُم َ‬ ‫قريش‪ ،‬وه م أولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ص ّى ـ بن كلب‪ ،‬وهي‪:‬‬ ‫وانقسمت قريش إلى قبائل شتى‪ ،‬من أشهرها‪ُ :‬ج َمـحـ وَس ْهـ م وَع دـ ّ‬ ‫ى ـ ومخزو م وتَْي مـ وُزْه َرـ ة‪،‬وبطون قُ َ‬ ‫عبد الدار بن قصى‪،‬وأسد بن عبد العزى بن قصى‪ ،‬وعبد مناف بن قصى‪.‬‬ ‫وكان من عبد مناف أربع فصائل‪ :‬عبد شمس‪ ،‬وَنْو َفــل‪ ،‬والمطلب‪ ،‬وهاش م‪ ،‬وبيت هاش م هو الذي اصطفي ال منه‬ ‫سيدنا محمد بن عبد ال بن عبد المطلب بن هاش م صلى ال عليه وسل م‪.‬‬

‫قال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)إن ال اصطفي من ولد إبراهي م إسماعيل‪ ،‬واصطفي من ولد إسماعيل بنى كنانة‪،‬‬ ‫واصطفي من بنى كنانة قريًش اـ‪ ،‬واصطفي من قريش بنى هاش م‪ ،‬واصطفانى من بنى هاش م(‪.‬‬


‫وعن العباس بن عبد المطلب قال‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)إن ال خلق الخلق فجعلني من خير فرقه م‬ ‫وخير الفريقين‪ ،‬ث م تخير القبائل‪ ،‬فجعلني من خير القبيلة‪ ،‬ث م تخير البيوت‪ ،‬فجعلني من خير بيوته م‪ ،‬فأنا خيره م نفًس اـ‬ ‫وخيره م بيًتا (‪ .‬وفي لفظ عنه‪ :‬‏)إن ال خلق الخلق فجعلني في خيره م فرقة‪ ،‬ث م جعله م فرقتين فجعلني في خيره م فرقة‪،‬‬ ‫ث م جعله م قبائل فجعلني في خيره م قبيلة‪ ،‬ث م جعله م بيوًتا فجعلني في خيره م بيًتا وخيره م نفًس اـ(‪.‬‬

‫ولما تكاثر أولد عدنان تفرقوا في أنحاء شتى من بلد العرب متتبعين مواقع القطر ومنابت العشب‪.‬‬ ‫فهاجرت عبد القيس‪ ،‬وبطون من بكر بن وائل‪ ،‬وبطون من تمي م إلى البحرين فأقاموا بها‪.‬‬ ‫ص بــة اليمامة‪ ،‬وأقامت سائر بكر بن وائل في طول‬ ‫وخرجت بنو حنيفة بن على بن بكر إلى اليمامة فنزلوا بُح ْجـ رــ‪ ،‬قَ َ‬ ‫الرض من اليمامة إلى البحرين إلى سيف كاظمة إلى البحر‪ ،‬فأطراف سواد العراق فالُُبلّةُ فَِه يـت‪.‬‬

‫وأقامت تغلب بالجزير ة الفراتية‪ ،‬ومنها بطون كانت تساكن َبْك ًرـا‪.‬وسكنت بنو تمي م ببادية البصر ة‪.‬‬ ‫وأقامت بنو سلي م بالقرب من المدينة‪ ،‬من وادي القرى إلى خيبر إلى شرقي المدينة إلى حد الجبلين‪ ،‬إلى ما ينتهي إلى‬ ‫الحر ة‪.‬‬ ‫وسكنت بنو أسد شرقي تيماء وغربي الكوفة‪ ،‬بينه م وبين تيماء ديار ُبْح تُـٍر من طيئ‪ ،‬وبينه م وبين الكوفة خمس ليال‪.‬‬ ‫وسكنت ذبيان بالقرب من تيماء إلى حوران‪ ،‬وبقى بتهامة بطون كنانة‪ ،‬وأقا م بمكة وضواحيها بطون قريش‪ ،‬وكانوا‬ ‫متفرقين ل تجمعه م جامعة حتى نبغ فيه م قصّي ابن كلب‪ ،‬فجمعه م‪ ،‬وكون له م وحد ة شرفته م ورفعت من أقداره م‪.‬‬


‫الحكـ م والمـار ة فـي العـرب‬ ‫الملك باليمن‬ ‫الملك بالحيرة‬ ‫الملك بالشام‬ ‫المارة بالحجاز‬ ‫الحكم في سائر العرب‬ ‫الحالة السياسية‬

‫كان حكا م جزير ة العرب عند ظهور دعو ة النبي صلى ال عليه وسل م على قسمين‪:‬‬ ‫‪1‬ـ ملوك ُم تَـّو ُجـوــن ـ إل أنه م في الحقيقة كانوا غير مستقلين‪.‬‬ ‫‪2‬ـ رؤسـاء القبائـل والعشائر ـ وكـان له م مـن الحك م والمتـياز مـا كـان للملـوك المتوجين‪ ،‬ومعظ م هـؤلء كانـوا على تمـا م‬ ‫الستقـلل‪ ،‬وربمـا كانت لبعضـه م تبعية لملك متـوج‪.‬‬ ‫والملوك المتوجون ه م‪ :‬ملوك اليمن‪ ،‬وملوك مشارف الشا م ]وه م آل غسان[ وملوك الحير ة‪ ،‬وما عدا هؤلء من حكا م‬ ‫الجزير ة ل م تكن له م تيجان‪ .‬وفيما يلى موجز عن هؤلء الملوك والرؤساء‪.‬‬ ‫الملك باليمن‬ ‫من أقد م الشعوب التي عرفت باليمن من العرب العاربة قو م سبأ‪ ،‬وقد عثر على ذكره م في حفريات ]أور[ بخمس‬ ‫وعشرين قرنا قبل الميلد‪ ،‬ويبدأ ازدهار حضارته م ونفوذ سلطانه م وبسط سيطرته م بأحد عشر قرنا قبل الميلد‪.‬‬ ‫ويمكن تقسي م أدواره م حسب التقدير التى‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ ما بين ‪ 1300‬إلى ‪ 620‬ق‪ .‬م‬ ‫عرفت دولته م في هذه الفتر ة بالدولة المعينية‪ ،‬ظهرت في الَج ْوـفــ؛ أى السهل الواقع بين نجران وحضرموت‪ ،‬ث م أخذت‬

‫تنمو وتتسع وتسيطر وتزدهر حتى بلغ نفوذها السياسى إلى الُعل وَم َعـان من شمالي الحجاز‪.‬‬

‫ويقال‪ :‬إن مستعمراتها وصلت إلى خارج بلد العرب‪ ،‬وكانت التجار ة هي صلب معيشته م‪ ،‬ث م إنه م بنوا سد مأرب‬ ‫الذي له شأن كبير في تاريخ اليمن‪ ،‬والذي وفر له م معظ م خيرات الرض‪ ،‬‏} َحتّــى َنُس وـا الّذ ْكـَرـ َو َك ـاـُنوا َقْو ًم ـاـُبوًرا{‬ ‫] الفرقان‪[18:‬‬ ‫وكان ملوكه م في هذه الفتر ة يلقبون بـ ]مكرب سبأ[ وكانت عاصمته م مدينة ] ِ‬ ‫ص ْرـ ـَوـ ـ[احالتي توجد أنقاضها على بعد‬ ‫‪ 50‬كيلو متًرا إلى الشمال الغربي من مدينة ]مأرب[‪ ،‬وعلى بعد ‪ 142‬كيلو متًرا شرقى صنعاء‪ ،‬وتعرف باس م‬

‫]ُخ َرـْيـبـة[‪ .‬ويقدر عدد هؤلء الملوك ما بين ‪ 22‬و ‪ 26‬ملًك اـ‪.‬‬


‫‪ 2‬ـ ما بين ‪ 620‬ق‪ .‬م إلى سنة ‪ 115‬ق‪ .‬م‬ ‫وعرفت دولته م في هذه الفتر ة بدولة سبأ‪ ،‬وقد تركوا لقب ]مكرب[ وعرفوا بـ]ملوك سبأ[‪ ،‬واتخذوا ]مأرب[ عاصمة له م‬ ‫بدل ]صرواح[ وتوجد أنقاض مأرب على بعد ‪ 192‬كيلو متًرا شرقي صنعاء‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ منذ سنة ‪ 115‬ق‪ .‬م إلى سنة ‪ 300‬م‬ ‫وعرفت الدولة في هذه الفتر ة بالدولة الحميرية الولى؛ لن قبيلة حمير غلبت واستقلت بمملكة سبأ‪ ،‬وقد عرف ملوكها‬ ‫بـ]ملوك سبأ وذى ريدان[‪ ،‬وهؤلء الملوك اتخذوا مدينة ]ريدان[ عاصمة له م بدل مدينة ]مأرب[‪ ،‬و تعرف ]ريدان[ باس م‬ ‫ظفار‪ ،‬وتوجد أنقاضها على جبل مدور بالقرب من ]يري م[‪ .‬وفي هذا العهد بدأ فيه م السقوط والنحطاط‪ ،‬فقد فشلت‬ ‫تجارته م إلى حد كبير لبسط النباط سيطرته م على شمال الحجاز أوًل ‪ ،‬ـ ـث م لغلبة الرومان على طريق التجار ة البحرية‬

‫بعد نفوذ سلطانه م على مصر وسوريا وشمالى الحجاز ثانًيا‪ ،‬ولتنافس القبائل فيما بينها ثالًثا ‪ .‬وهذه العناصر هي التي‬ ‫سببت في تفرق آل قحطان وهجرته م إلى البلد الشاسعة‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ منذ سنة ‪ 300‬م إلى أن دخل السل م في اليمن‬ ‫عرفت الدولة في هذه الفتر ة بالدولة الحميرية الثانية‪ ،‬وعرف ملوكها بـ]ملوك سبأ وذى ريدان وحضرمـوت ويمـنت[‪ ،‬وقد‬ ‫توالت على هذه الدولة الضطرابات والحوادث‪ ،‬وتتابعت النقلبات والحروب الهلية التي جعلتها عرضة للجانب‬ ‫حتى قضى على استقللها‪ .‬ففي هذا العهد دخل الرومان في عدن‪ ،‬وبمعونته م احتلت الحباش اليمن لول مر ة سنة‬ ‫‪ 340‬م؛ مستغلين التنافس بين قبيلتى همدان وحمير‪ ،‬واستمر احتلله م إلى سنة ‪ 378‬م‪ .‬ث م نالت اليمن استقللها‪،‬‬ ‫ولكن بدأت تقع الثلمات في سد مأرب‪ ،‬حتى وقع السيل العظي م الذي ذكره القرآن بسيل العر م في سنة ‪ 450‬م‪ ،‬أو‬ ‫‪ 451‬م‪.‬وكانت حادثة كبرى أدت إلى خراب العمران وتشتت الشعوب‪.‬‬ ‫وفي سنة ‪ 523‬م قاد ذو ُنَواس اليهودى حملة منكر ة على المسيحيين من أهل نجران‪ ،‬وحاول صرفه م عن المسيحية‬ ‫قسًرا‪ ،‬ولما أبوا خّد له م الخدود وألقاه م في النيران‪ ،‬وهذا الذي أشـار إلـيه القـرآن في سـور ة الـبروج بقـوله‪ :‬‏}قُتَِل‬ ‫ب اْلُْخ ُد ـوـِد{ اليات ] البروج‪.[4:‬‬ ‫ص َح ـاـ ُ‬ ‫أَ ْ‬ ‫وكان هذا الحادث هو السبب في نقمة النصرانية الناشطة إلى الفتح والتوسع تحت قياد ة أباطر ة الرومان من بلد‬ ‫العرب‪ ،‬فقد حرضوا الحباش‪ ،‬وهيأوا له م السطول البحرى‪ ،‬فنزل سبعون ألف جندى من الحبشة‪ ،‬واحتلوا اليمن مر ة‬ ‫ثانية‪ ،‬بقياد ة أرياط سنة ‪ 525‬م‪ ،‬وظل أرياط حاكًم اـ من قبل ملك الحبشة حتى اغتاله أبرهة بن الصباح الشر م ـ أحد‬ ‫قواد جيشه ـ سنة ‪ 549‬م‪ ،‬ونصب نفسه حاكًم اـ على اليمن بعد أن استرضى ملك الحبشة وأرضاه‪ ،‬وأبرهة هذا هو‬ ‫الذي جند الجنود لهد م الكعبة‪ ،‬وعرف هو وجنوده بأصحاب الفيل‪.‬وقد أهلكه ال بعد عودته إلى صنعاء عقب وقعة‬

‫الفيل‪ ،‬فخلفه على اليمن ابنه َيْك ُسـوـ م‪ ،‬ث م البن الثانى مسروق‪ ،‬وكانا ـ فيما يقال ـ ش ار من أبيهما‪ ،‬وأخبث سير ة منه في‬

‫اضطهاد أهل اليمن وقهره م إواذلله م‪.‬‬


‫أما أهل اليمن فإنه م بعد وقعة الفيل استنجدوا بالفرس‪ ،‬وقاموا بمقاومة الحبشة حتى أجلوه م عن البلد‪ ،‬ونالوا‬ ‫الستقلل في سنة ‪ 575‬م بقياد ة معديكرب سيف بن ذى يزن الحميرى‪ ،‬واتخذوه ملًك اـ له م‪ ،‬وكان معديكرب أبقى معه‬ ‫جمًعاـ من الحبشة يخدمونه ويمشون في ركابه‪ ،‬فاغتالوه ذات يو م‪ ،‬وبموته انقطع الملك عن بيت ذى يزن‪ ،‬وصارت‬

‫اليمن مستعمر ة فارسية تتعاقب عليها ول ة من الفرس‪ ،‬وكان أوله م وهرز‪ ،‬ث م المرزبان بن وهرز‪ ،‬ث م ابنه التينجان‪ ،‬ث م‬ ‫خسرو بن التينجان‪ ،‬ث م باذان‪ ،‬وكان آخر ول ة الفرس‪ ،‬فإنه اعتنق السل م سنة ‪ 628‬م‪ ،‬وبإسلمه انتهي نفوذ فارس‬ ‫على بلد اليمن‪.‬‬

‫الملك بالحير ة‬ ‫كانت الفرس تحك م بلد العراق وما جاورها منذ أن جمع شمله م قوروش الكبير ‏)‪ 557‬ـ ‪ 529‬ق‪ .‬م ( ول م يكن أحد‬ ‫يناوئه م‪ ،‬حتى قا م السكندر المقدونى سنة ‪ 326‬ق‪ .‬م فهز م ملكه م دا ار وبدده م وخضد شوكته م‪ ،‬حتى تجزأت بلده م‪،‬‬ ‫وتولها ملوك عرفوا بملوك الطوائف‪ ،‬وقد ظل هؤلء الملوك يحكمون البلد مجزأ ة إلى سنة ‪ 230‬م‪ .‬وفي عهد هؤلء‬ ‫الملوك هاجر القحطانيون‪ ،‬واحتلوا جزًءا من ريف العراق‪ ،‬ث م لحقه م من هاجر من العدنانيين فزاحموه م حتى سكنوا‬ ‫جزًءا من الجزير ة الفراتية‪.‬‬ ‫وأول من ملك من هؤلء المهاجرين هو مالك بن فَْه م التُّنوخى من آل قحطان‪ ،‬وكان منزله النبار‪ ،‬أو مما يلى‬ ‫النبار‪ ،‬وخلفه أخوه عمرو بن فه م في رواية‪ .‬وَج ِذـيــمة بن مالك بن فه م ـ الملقب بالْب رـش والَو ّ‬ ‫ض ـاــح ـ في رواية أخرى‪.‬‬ ‫وعادت القو ة مر ة ثانية إلى الفرس في عهد أردشير بن بابك ـ مؤسس الدولة الساسانية سنة ‪ 226‬م ـ فإنه جمع شمل‬ ‫الفرس‪ ،‬واستولى على العرب المقيمين على تخو م ملكه‪ ،‬وكان هذا سببا في رحيل قضاعة إلى الشا م‪ ،‬ولكن دان له‬ ‫أهل الحير ة والنبار‪.‬‬ ‫وفي عهد أردشير كانت ولية جذيمة الوضاح على الحير ة وسائر َم ْنـ ببادية العرا�� والجزير ة من ربيعة ومضر‪ ،‬وكأن‬ ‫أردشير رأى أنه يستحيل عليه أن يحك م العرب مباشر ة‪ ،‬ويمنعه م من الغار ة على تخو م ملكه‪ ،‬إل أن يملك عليه م‬ ‫رجًل منه م له عصبية تؤيده وتمنعه‪ ،‬ومن جهة أخرى يمكنه الستعانة به م على ملوك الرومان الذين كان يتخوفه م‪،‬‬

‫وليكون عرب العراق أما م عرب الشا م الذين اصطنعه م ملوك الرومان‪ ،‬وكان يبقى عند ملك الحير ة كتيبة من جنود‬ ‫الفرس؛ ليستعين بها على الخارجين على سلطانه من عرب البادية‪ ،‬وكان موت جذيمة حوالى سنة ‪ 268‬م‪.‬‬

‫وبعد موت جذيمة ولى الحير ة والنبار عمرو بن عدى بن نصر اللخمى ] ‪268‬ـ ‪ 288‬م[ وهو أول ملوك اللخميين‪،‬‬ ‫وأول من اتخذ الحير ة مقًرا له‪ ،‬وكان في عهد كسرى سابور بن أردشير‪ ،‬ث م ل م يزل الملوك من اللخميين من بعده‬ ‫يتولون الحير ة حتى ولى الفرس قَُباذ بن فيروز ]‪448‬ـ ‪ 531‬م[ وفي عهده ظهر َم ْزـ َدـكـ‪،‬وقا م بالدعو ة إلى الباحية‪،‬‬

‫فتبعه قباذ كما تبعه كثير من رعيته‪ ،‬ث م أرسل قباذ إلى ملك الحير ة ـ وهو المنذر بن ماء السماء ]‪512‬ـ ‪ 554‬م[ ـ‬


‫يدعوه إلى اختيار هذا المذهب الخبيث‪ ،‬فأبي عليه ذلك حمية وأنفة‪ ،‬فعزله قباذ‪ ،‬وولى بدله الحارث بن عمرو بن‬ ‫حجر الكندى بعد أن أجاب دعوته إلى المذهب المزدكى‪.‬‬ ‫وخلف قباذ كسرى أنوشروان ]‪531‬ـ ‪ 578‬م[ وكان يكره هذا المذهب جًد اـ‪ ،‬فقتل المزدك وكثيًرا ممن دان بمذهبه‪ ،‬وأعاد‬ ‫المنذر إلى ولية الحير ة‪ ،‬وطلب الحارث بن عمرو‪ ،‬لكنه أفلت إلى دار كلب‪ ،‬فل م يزل فيه م حتى مات‪.‬‬ ‫واستمر الملك بعد المنذر بن ماء السماء في عقبه حتى كان النعمان بن المنذر ]‪ 583‬ـ ‪ 605‬م[ فإنه غضب عليه‬ ‫كسرى بسبب وشاية دبرها زيد بن عدى العبادى‪ ،‬فأرسل كسرى إلى النعمان يطلبه‪ ،‬فخرج النعمان حتى نـزل سـ ار‬ ‫عـلى هانئ بن مسعود سـيد آل شيبان‪ ،‬وأودعه أهله وماله‪ ،‬ث م توجه إلى كسرى‪ ،‬فحبسه كسرى حتى مات‪ .‬وولى على‬ ‫الحير ة بدله إياس بن قَِبيصة الطائى‪ ،‬وأمره أن يرسل إلى هانئ بن مسعود يطلب منه تسلي م ما عنده‪ ،‬فأبي ذلك هانئ‬ ‫حمية‪ ،‬وآذن الملك بالحرب‪ ،‬ول م يلبث أن جاءته م ارزبة كسرى وكتائبه في موكب إياس‪ ،‬ودارت بين الفريقين معركة‬ ‫هائلة عند ذى قار‪ ،‬انتصر فيها بنو شيبان وانهزمت الفرس هزيمة نكراء‪ .‬وهذا أول يو م انتصرت فيه العرب على‬ ‫العج م‪ ،‬وهو بعد ميلد الرسول صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫واختلف المؤرخون في تحديد زمن هذه المعركة‪ ،‬فقيل‪ :‬هو بعد ميلد الرسول صلى ال عليه وسل م بقليل‪ ،‬وأنه صلى‬ ‫ال عليه وسل م ولد لثمانية أشهر من ولية إياس بن قبيصة على الحير ة‪ .‬وقيل‪ :‬قبل النبو ة بقليل ـ وهو القرب‪ .‬وقيل‪:‬‬ ‫بعد النبو ة بقليل‪ .‬وقيل‪ :‬بعد الهجر ة‪ .‬وقيل‪ :‬بعد بدر‪ .‬وقيل غير ذلك‪.‬‬ ‫وولى كسرى على الحير ة بعد إياس حاكًم اـ فارسًيا اسمه آزادبه بن ماهبيان بن مهرابنداد‪ ،‬وظل يحك م ‪ 17‬عاما]‪614‬ـ‬ ‫‪ 631‬م[ ث م عاد الملك إلى آل لخ م سنة ‪ 632‬م‪ ،‬فتولى منه م المنذر بن النعمان الملقب بالمعرور‪ ،‬ولكن ل م تزد وليته‬ ‫على ثمانية أشهر حتى قد م عليه خالد بن الوليد بعساكر المسلمين ‪.‬‬

‫الملك بالشا م‬ ‫في العهد الذي ماجت فيه العرب بهجرات القبائل سارت بطون من قضاعة إلى مشارف الشا م وسكنت بها‪ ،‬وكانوا‬ ‫ض ْجـَعـ مـابن سليح المعروفون باس م الضجاعمة‪ ،‬فاصطنعه م الرومان؛ ليمنعوا‬ ‫من بنى ُس لَـْي حـ بن ُح ْلـوان الذين منه م بنو َ‬ ‫عرب البرية من العبث‪ ،‬وليكونوا عد ة ضد الفرس‪ ،‬وولوا منه م ملًك اـ‪ ،‬ث م تعاقب الملك فيه م سنين‪ ،‬ومن أشهر ملوكه م‬ ‫زياد بن الهَُبولة‪ ،‬ويقدر زمنه م من أوائل القرن الثانى الميلدى إلى نهايته تقريًبا‪ ،‬وانتهت وليته م بعد قدو م آل غسان‪،‬‬

‫الذين غلبوا الضجاعمة على ما بيده م وانتصروا عليه م‪ ،‬فولته م الرو م ملوًك اـ على عرب الشا م‪ ،‬وكانت قاعدته م مدينة‬ ‫بصرى‪ ،‬ول م تزل تتوالى الغساسنة على الشا م بصفته م عماًل لملوك الرو م حتى كانت وقعة اليرموك سنة ‪13‬هـ‪ ،‬وانقاد‬

‫للسل م آخر ملوكه م َج َبـلَـة بن اليه م في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ال عنه‪.‬‬


‫المار ة بالحجاز‬ ‫ولي إسماعيل عليه السل م زعامة مكة وولية البيت طول حياته‪ ،‬وتوفي وله ‪ 137‬سنة‪ ،‬ث م ولى واحد‪ ،‬وقيل‪ :‬اثنان‬ ‫ضـ اــض بن عمرو الُج ْرـُهـِم ّىـ‪ ،‬ـفانتقلت‬ ‫من أبنائه‪ :‬نابت ث م قَْي دـار‪ ،‬ويقال العكس‪ ،‬ث م ولى أمر مكة بعدهما جدهما ُم َ‬ ‫زعامة مكة إلى جره م‪ ،‬وظلت في أيديه م‪ ،‬وكان لولد إسماعيل مركز محتر م؛ لما لبيه م من بناء البيت‪ ،‬ول م يكن له م‬ ‫من الحك م شيء‪.‬‬ ‫ومضت الدهور واليا م ول م يزل أمر أولد إسماعيل عليه السل م ضئيًل ل يذكر‪ ،‬حتى ضعف أمر جره م قبيل ظهور‬

‫ص رــ‪ ،‬وأخذ نج م عدنان السياسى يتألق في أفق سماء مكة منذ ذلك العصر‪ ،‬بدليل ما جاء بمناسبة غزو بختنصر‬ ‫ُبْخ تُـَن ّ‬ ‫للعرب في ذات ِع ْر ـقــ‪،‬فإن قائد العرب في الموقعة ل م يكن جرهمًيا‪ ،‬بل كان عدنان نفسه‪.‬‬

‫وتفرقت بنو عدنان إلى اليمن عند غزو ة بختنصر الثانية ]سنة ‪ 587‬ق‪ .‬م[ وذهب برخيا ـ صاحب يرمياه النبي‬ ‫السرائيلى َبَم َعـّدـ ـ إلى حران من الشا م‪ ،‬فلما انكشف ضغط بختنصر رجع معد إلى مكة فل م يجد من جره م إل َج ْوـ َش ـ مـ‬ ‫بن ُج ْلـُهمة‪ ،‬فتزوج بابنته ُم َعـانة فولدت له ن ازًرا‪.‬‬ ‫وساء أمر جره م بمكة بعد ذلك‪ ،‬وضاقت أحواله م‪ ،‬فظلموا الوافدين إليها‪ ،‬واستحلوا مال الكعبة‪ ،‬المر الذي كان يغيظ‬ ‫العدنانيين ويثير حفيظته م‪ ،‬ولما نزلت خزاعة بَِم ّرـ الظّْهران‪ ،‬ورأت نفور العدنانيين من الجراهمة استغلت ذلك‪ ،‬فقامت‬ ‫بمعونة من بطون عدنان ـ وه م بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة ـ بمحاربة جره م‪ ،‬حتى أجلته م عن مكة‪ ،‬واستولت‬ ‫على حكمها في أواسط القرن الثانى للميلد‪.‬‬ ‫ولما لجأت جره م إلى الجلء سدوا بئر زمز م‪ ،‬ودرسوا موضعها‪ ،‬ودفنوا فيها عد ة أشياء‪ ،‬قال ابن إسحاق‪ :‬فخرج عمرو‬ ‫بن الحارث بن مضاض الجرهمى بغزالى الكعبة‪ ،‬وبحجر الركن السود فدفنهما في بئر زمز م‪ ،‬وانطلق هو ومن معه‬ ‫من جره م إلى اليمن‪ ،‬فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزًنا شديًد اـ‪ ،‬وفي ذلك قال عمرو‪:‬‬ ‫ص فَــا ** أنيـس ولـ م َيْس ُم ــر بمك ــة سام ــر‬ ‫كأن ل م يكن بين الَح ُجـوــن إلى ال ّ‬ ‫ص ُرـ وـفالليالى والُج ُدـوـد الَعَواِثر‬ ‫بلــى نحــن كــنا أهـلــها فأبـادنـا ** ُ‬ ‫ويقدر زمن إسماعيل عليه السل م بعشرين قرًنا قبل الميلد‪ ،‬فتكون إقامة جره م في مكة واحًد اـ وعشرين قرًنا تقريًبا‪،‬‬ ‫وحكمه م على مكة زهاء عشرين قرًنا‪.‬‬ ‫واستبدت خزاعة بأمر مكة دون بنى بكر‪ ،‬إل أنه كان إلى قبائل مضر ثلث خلل‪:‬‬ ‫الولى‪ :‬الدفع بالناس من عرفة إلى المزدلفة‪ ،‬والجاز ة به م يو م النفر من منى‪ ،‬وكان يلى ذلك بنو الَغْو ث ـبن مر ة من‬

‫ص وـَفة‪ ،‬ومعنى هذه الجاز ة أن الناس كانوا ل يرمون يو م النفر حتى يرمى‬ ‫بطون إلياس بن مضر‪ ،‬وكانوا يسمون ُ‬


‫رجل من صوفة‪ ،‬ث م إذا فرغ الناس من الرمى وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانبى العقبة‪ ،‬فل م يجز أحد حتى‬ ‫يمروا‪ ،‬ث م يخلون سبيل الناس‪ ،‬فلما انقرضت صوفة ورثه م بنو سعد بن زيد منا ة من تمي م‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬الفاضة من جمع غدا ة النحر إلى منى‪ ،‬وكان ذلك في بنى عدوان‪.‬‬ ‫الثالثة‪:‬إنساء الشهر الحر م‪ ،‬وكان ذلك إلى بنى فُقَْي مـ بن عدى من بنى كنانة‪.‬‬ ‫واستمرت ]ولية[ خزاعة على مكة ثلثمائة سنة‪ .‬وفي وقت حكمه م انتشر العدنانيون في نجد وأطراف العراق‬ ‫والبحرين‪ ،‬وبقى بأطراق مكة بطون من قريش وه م ح لُــول و ِ‬ ‫ص ْرــ م ـمتقطعون‪ ،‬وبيوتات متفرقون في قومه م من بنى‬ ‫ُ‬ ‫كنانة‪ ،‬وليس له م من أمر مكة ول البيت الحرا م شيء حتى جاء قصى بن كلب‪.‬‬ ‫ويذكر من أمر قصى‪ :‬أن أباه مات وهو في حضن أمه‪ ،‬ونكح أمه رجل من بنى ُع ْذـَرـ ةـ وهو ربيعة بن حرا م ـ‬ ‫فاحتملها إلى بلده بأطراف الشا م‪ ،‬فلما شب قصى رجع إلى مكة‪ ،‬وكان واليها إذ ذاك ُح لَـْي لـ بن َح ْبـِشـ ّيــةمن خزاعة‪،‬‬ ‫فخطب قصى إلى حليل ابنته ُح ّبــى‪ ،‬فرغب فيه حليل وزوجه إياها‪ ،‬فلما مات حليل قامت حرب بين خزاعة وقريش‪،‬‬ ‫أدت أخيًرا إلى تغلب قصى على أمر مكة والبيت‪.‬‬

‫وهناك ثلث روايات في بيان سبب هذه الحرب‪:‬‬ ‫الولى‪ :‬أن قصًيا لما انتشر ولده وكثر ماله وعظ م شرفه وهلك حليل رأى أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة‬ ‫وبنى بكر‪ ،‬إوان قريًش اـ رءوس آل إسماعيل وصريحه م‪ ،‬فكل م رجاًل من قريش وبنى كنانة في إخراج خزاعة وبنى بكر‬ ‫عن مكة فأجابوه‪.‬‬

‫الثانية‪ :‬أن حليًل ـ فيما تزع م خزاعة ـ أوصى قصًيا بالقيا م على الكعبة وبأمر مكة‪ ،‬ولكن أبت خزاعة أن تمضى ذلك‬ ‫لقصى فهاجت الحرب بينهما‪.‬‬ ‫الثالثة‪ :‬أن حليًل أعطى ابنته حبى ولية البيت‪ ،‬واتخذ أبا ُغ ْبـشـان‪ .‬الخزاعي وكيل لها‪ ،‬فقا م أبو غبشان بسدانة الكعبة‬

‫نيابة عن حبى‪ ،‬وكان في عقله شيء‪ ،‬فلما مات حليل خدعه قصى‪ ،‬واشترى منه ولية البيت بأذواد من البل أو بزق‬ ‫من الخمر‪ ،‬ول م ترض خزاعة بهذا البيع‪ ،‬وحاولوا منع قصى عن البيت‪ ،‬فجمع قصى رجاًل من قريش وبنى كنانة‬ ‫لخراج خزاعة من مكة‪ ،‬فأجابوه‪.‬‬

‫وأيا ما كان‪ ،‬فلما مات حليل وفعلت صوفة ما كانت تفعل أتاه م قصى بمن معه من قريش وكنانة عند العقبة‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫نحن أولى بهذا منك م‪ ،‬فقاتلوه فغلبه م قصى على ما كان بأيديه م‪ ،‬وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصى‪،‬‬ ‫فبادأه م قصى وأجمع لحربه م‪ ،‬فالتقوا واقتتلوا قتاًل شديًد اـ حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا‪ ،‬ث م تداعوا إلى الصلح‬ ‫فحّك مـوا َيْع ُمـرـ بن عوف أحد بنى بكر‪ ،‬فقضى بأن قصًيا أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة‪ ،‬وكل د م أصابه قصى‬


‫منه م موضوع يشدخه تحت قدميه‪ ،‬وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية‪ ،‬وأن يخلى بين قصى وبين الكعبة‪،‬‬ ‫فسمى يعمر يومئذ‪ :‬الشداخ‪.‬‬ ‫وكانت فتر ة تولى خزاعة أمر البيت ثلثمائة سنة‪ ،‬واستولى قصى على أمر مكة والبيت في أواسط القرن الخامس‬ ‫للميلد سنة ‪ 440‬م‪،‬وبذلك صارت لقصى ث م لقريش السياد ة التامة والمر النافذ في مكة‪ ،‬وصار قصى هو الرئيس‬ ‫الديني لهذا البيت الذي كانت تفد إليه العرب من جميع أنحاء الجزير ة‪.‬‬ ‫ومما فعله قصى بمكة أنه جمع قومه من منازله م إلى مكة‪ ،‬وقطعها رباًع اـ بين قومه‪ ،‬وأنزل كل قو م من قريش‬ ‫منازله م التي أصبحوا عليها‪ ،‬وأقر النسأ ة وآل صفوان وعدوان ومر ة بن عوف على ما كانوا عليه من المناصب؛ لنه‬ ‫كان يراه ديًنا في نفسه ل ينبغى تغييره‪.‬‬ ‫ومن مآثر قصى‪ :‬أنه أسس دار الندو ة بالجانب الشمالى من مسجد الكعبة‪ ،‬وجعل بابها إلى المسجد‪ ،‬وكانت مجمع‬ ‫قريش‪ ،‬وفيها تفصيل مها م أمورها‪ ،‬ولهذه الدار فضل على قريش؛ لنها ضمنت اجتماع الكلمة وفض المشاكل‬ ‫بالحسنى‪.‬‬ ‫وكان لقصى من مظاهر الرياسة والتشريف‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ رياسة دار الندو ة‪ :‬ففيها كانوا يتشاورون فيما نزل به م من جسا م المور‪ ،‬وفيها كانوا يزوجون بناته م‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ اللواء‪ :‬فكانت ل تعقد راية ول لواء لحرب قو م من غيره م إل بيده أو بيد أحد أولده‪ ،‬وفي هذه الدار‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ القياد ة‪ :‬وهي إمار ة الركب‪ ،‬فكانت ل تخرج ركب لهل مكة في تجار ة أو غيرها إل تحت إمارته أو إمار ة أولده‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ الحجابـة‪ :‬وهي حجابة الكعبة‪،‬ل يفتح بابها إل هو‪ ،‬وهو الذي يلى أمر خدمتها وسدانتها‪.‬‬ ‫ض ا ـ من الماء‪ ،‬يحلونها بشيء من التمر والزبيب‪ ،‬فيشرب‬ ‫‪ 5‬ـ سقاية الحاج‪ :‬وهي أنه م كانوا يملون للحجاج حيا ً‬ ‫الناس منها إذا وردوا مكة‪.‬‬ ‫‪ 6‬ـ رفاد ة الحاج‪ :‬وهي طعا م كان يصنع للحاج على طريقة الضيافة‪ ،‬وكان قصى فرض على قريش خرًج ا ـ تخرجه في‬ ‫الموس م من أموالها إلى قصى‪ ،‬فيصنع به طعاًم اـ للحاج‪ ،‬يأكله من ل م يكن له سعة ول زاد‪.‬‬ ‫كان كل ذلك لقصى‪ ،‬وكان ابنه عبد مناف قد شرف وساد في حياته‪ ،‬وكان عبد الدار بكره‪ .‬فقال له قصى فيما يقال‪:‬‬ ‫للحقنك بالقو م إوان شرفوا عليك‪ ،‬فأوصى له بما كان يليه من مصالح قريش‪ ،‬فأعطاه دار الندو ة واللواء والقياد ة‬ ‫والحجابة والسقاية والرفاد ة‪ ،‬وكان قصى ل يخالف ول يرد عليه شيء صنعه‪ ،‬وكان أمره في حياته وبعد موته كالدين‬ ‫المتبع‪ ،‬فلما هلك أقا م بنوه أمره ل نزاع بينه م‪ ،‬ولكن لما هلك عبد مناف نافس أبناؤه بنى عمه م عبد الدار في هذه‬ ‫المناصب‪ ،‬وافترقت قريش فرقتين‪ ،‬وكاد يكون بينه م قتال‪ ،‬إل أنه م تداعوا إلى الصلح‪ ،‬واقتسموا هذه المناصب‪،‬‬


‫فصارت السقاية والرفاد ة والقياد ة إلى بنى عبد مناف‪ ،‬وبقيت دار الندو ة واللواء والحجابة بيد بنى عبد الدار‪ .‬وقيل‪:‬‬ ‫كانت دار الندو ة بالشتراك بين الفريقين‪ ،‬ث م حك م بنو عبد مناف القرعة فيما أصابه م‪ ،‬فصارت السقاية والرفاد ة لهاش م‬ ‫والقياد ة لعبد شمس‪ ،‬فكان هاش م بن عبد مناف هو الذي يلى السقاية والرفاد ة طول حياته‪ ،‬فلما مات خلفه أخوه‬ ‫المطلب بن عبد مناف‪ ،‬وولى بعده عبد المطلب بن هاش م بن عبد مناف جد رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وبعـده‬ ‫أبنـاؤه حتى جـاء السل م والولية إلى العبـاس‪ .‬ويقـال‪ :‬إن قصًيا هـو الذي قس م المناصب على أولده‪ ،‬ثـ م توارثـها‬

‫أبناؤهـ م حسـب التفصيل المذكور‪ ،‬وال أعل م‪ .‬وكانت لقريش مناصب أخرى سوى ما ذكرنا وزعوها فيما بينه م‪ ،‬وكونوا‬

‫بها دويلة ـ بل بتعبير أصح‪ :‬شبه دويلة ديمقراطية ـ وكانت له م من الدوائر والتشكيلت الحكومية مـا يشبه في عصرنـا‬ ‫هـذا دوائـر البرلمـان ومجالسها‪ ،‬وهاك لوحة من تلك المناصب‪:‬‬ ‫‪1‬ـ اليسار‪ :‬أي تولية قداح الصنا م للستقسا م‪ ،‬وكان ذلك في بني ُج َمـحـ‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ تحجير الموال‪ :‬أي تنظي م القربات والنذور التي كانت تهدى إلى الصنا م‪ ،‬وكذلك فصل الخصومات‬ ‫والمرافعات‪.‬وكان ذلك في بني سه م‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ الشورى‪ :‬وكانت في بني أسد‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ الشناق‪ :‬أي تنظي م الديات والغرامات‪ ،‬وكان ذلك في بني تَْي مـ‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ العقاب‪ :‬أي حمل اللواء القومى‪ ،‬وكان ذلك في بني أمية‪.‬‬

‫‪ 6‬ـ القبة‪ :‬أي تنظي م المعسكر‪ ،‬وكذلك قياد ة الخيل‪ ،‬وكان في بني مخزو م‪.‬‬ ‫‪ 7‬ـ السفار ة‪ :‬وكانت في بني عدي‪.‬‬

‫الحك م في سائر العرب‬ ‫قد تقد م ذكر هجرات القبائل القحطانية والعدنانية‪ ،‬وأنها اقتسمت البلد العربية فيما بينها‪ ،‬فما كان من هذه القبائل‬ ‫بالقرب من الحير ة كانت تبًعاـ لملك العرب بالحير ة‪ ،‬وما كان منها في بادية الشا م كانت تبًعاـ للغساسنة‪ ،‬إل أن هذه‬ ‫التبعية كانت اسمية ل فعلية‪ ،‬وأما ما كان منها في البوادى في داخل الجزير ة فكانت حر ة مطلقة‪.‬‬ ‫والحقيقة أن هذه القبائل كانت تختار لنفسها رؤساء يسودونها‪ ،‬وأن القبيلة كانت حكومة مصغر ة‪ ،‬أساس كيانها‬ ‫السياسى الوحد ة العصبية‪ ،‬والمنافع المتبادلة في حماية الرض ودفع العدوان عنها‪.‬‬ ‫وكانت درجة رؤساء القبائل في قومه م كدرجة الملوك‪ ،‬فكانت القبيلة تبًعاـ لرأي سيدها في السل م والحرب‪ ،‬ل تتأخر‬ ‫عنه بحال‪ ،‬وكان له من الحك م والستبداد بالرأي ما يكون لدكتاتور قوى؛ حتى كان بعضه م إذا غضب غضب له‬

‫ألوف من السيوف ل تسأله‪ :‬في م غضب‪ ،‬إل أن المنافسة في السياد ة بين أبناء الع م كانت تدعوه م إلى المصانعة‬ ‫بالناس من بذل الندى إواكرا م الضيف والكر م والحل م‪ ،‬إواظهار الشجاعة والدفاع عن الغير ة‪ ،‬حتى يكسبوا المحامد في‬ ‫أعين الناس‪ ،‬ولسيما الشعراء الذين كانوا لسان القبيلة في ذلك الزمان‪ ،‬وحتى تسمو درجته م عن مستوى المنافسين‪.‬‬


‫ض وــل‪ ،‬يقول الشاعر‪:‬‬ ‫وكان للساد ة والرؤساء حقوق خاصة‪ ،‬فكانوا يأخذون من الغنيمة الِم ْرـبــاعوال ّ‬ ‫ص فــي والّنشيطة والفُ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ض وــل‬ ‫لك الِم ْرـَبــاعفينـا وال ّ‬ ‫ص فَــايا ** وُح ْكـُمـكـوالّنش يــطة والفُ ُ‬ ‫والمرباع‪ :‬ربع الغنيمة‪ ،‬والصفي‪ :‬ما كان يصطفيه الرئيس‪ ،‬أي يختاره لنفسه قبل القسمة‪ ،‬والنشيطة‪ :‬ما أصاب‬ ‫الرئيس في الطريق قبل أن يصل إلى بيضة القو م‪.‬والفضول‪:‬ما فضل من القسمة مما ل تصح قسمته على عدد‬ ‫الغزا ة‪ ،‬كالبعير والفرس ونحوهما‪.‬‬


‫الحالة السياسية‬ ‫بعد أن ذكرنا حكا م العرب يجمل بنا أن نذكر جملة من أحواله م السياسية حتى يتضح الوضع‪ ،‬فالقطار الثلثة التي‬ ‫كانت مجاور ة للجانب كانت حالتها السياسية في تضعضع وانحطاط ل مزيد عليه‪.‬فقد كان الناس بين ساد ة وعبيد‪،‬‬ ‫أو حكا م ومحكومين‪ ،‬فالساد ة ـ ولسيما الجانب ـ كان له م كل الُغْن مـ‪ ،‬والعبيد عليه م كل الُغْر مــ‪ ،‬وبعبار ة أوضح‪:‬إن‬

‫الرعايا كانت بمثابة مزرعة تورد المحصولت إلى الحكومات‪ ،‬والحكومات كانت تستخدمها في ملذاتها وشهواتها‪،‬‬

‫ورغائبها‪ ،‬وجورها‪ ،‬وعدوانها‪.‬أما الناس فكانوا في عمايته م يتخبطون‪ ،‬والظل م ينحط عليه م من كل جانب‪ ،‬وما في‬ ‫استطاعته م التذمر والشكوى‪ ،‬بل كانوا يسامون الخسف والجور والعذاب ألواًنا ساكتين‪ ،‬فقد كان الحك م استبداديا‪،‬‬ ‫والحقوق ضائعة مهدور ة‪.‬‬ ‫وأما القبائل المجاور ة لهذه القطار فكانوا مذبذبين تتقاذفه م الهواء والغراض‪ ،‬مر ة يدخلون في أهل العراق‪ ،‬ومر ة‬ ‫يدخلون في أهل الشا م‪.‬‬ ‫وكانت أحوال القبائل داخل الجزير ة مفككة الوصال‪ ،‬تغلب عليها المنازعات القبلية والختلفات العنصرية والدينية‪،‬‬ ‫حتى قال ناطقه م‪:‬‬ ‫ت ـ** غويت‪ ،‬إوان ترشد غزية أرشد‬ ‫وما أنا إل من َغ َّزـيـةإن َغ َوـ ْ‬ ‫ول م يكن له م ملك يدع م استقلله م‪ ،‬أو مرجع يرجعون إليه‪ ،‬ويعتمدون عليه وقت الشدائد‪.‬‬ ‫وأما حكومة الحجاز فقد كانت تنظر إليها العرب نظر ة تقدير واحترا م‪ ،‬ويرونها قاد ة وَس َدـنـة المركز الدينى‪ ،‬وكانت تلك‬

‫طا من الصدار ة الدنيوية والحكومية والزعامة الدينية‪ ،‬حكمت بين العرب باس م الزعامة الدينية‪،‬‬ ‫الحكومة في الحقيقة خلي ً‬

‫وحكمت في الحر م وما واله بصفتها حكومة تشرف على مصالح الوافدين إلى البيت‪ ،‬وتنفذ حك م شريعة إبراهي م‪،‬‬

‫وكانت لها من الدوائر والتشكيلت ما يشابه دوائر البرلمان ـ كما أسلفنا ـ ولكن هذه الحكومة كانت ضعيفة ل تقدر‬ ‫على حمل العبء كما وضح يو م غزو الحباش‪.‬‬


‫ديانات العـرب‬ ‫كان معظ م العرب يدينون بدين إبرهي م عليه السل م منذ أن نشأت ذريته في مكة وانتشرت في جزير ة العرب‪ ،‬فكانوا‬ ‫ظا مما ذكروا به‪ ،‬إل أنه م بقى‬ ‫يعبدون ال ويوحدونه ويلتزمون بشعائر دينه الحنيف‪ ،‬حتى طال عليه م المد ونسوا ح ً‬

‫فيه م التوحيد وعد ة شعائر من هذا الدين‪ ،‬حتى جاء عمرو بن لَُح ّي ـ رئيس خزاعة‪ ،‬وكان قد نشأ على أمر عظي م من‬ ‫المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين‪ ،‬فأحبه الناس ودانوا له‪ ،‬ظًنا منه م أنه من أكابر العلماء وأفاضل‬ ‫الوليـاء‪.‬‬

‫ث م إنه سافر إلى الشا م‪ ،‬فرآه م يعبدون الوثان‪ ،‬فاستحسن ذلك وظنه حًقا؛ لن الشا م محل الرسل والكتب‪ ،‬فقد م معه‬ ‫بهَُب لـ وجعله في جوف الكعبة‪ ،‬ودعا أهل مكة إلى الشرك بال فأجابوه‪ ،‬ث م ل م يلبث أهل الحجاز أن تبعوا أهل مكة؛‬

‫لنه م ول ة البيت وأهل الحر م‪.‬‬

‫وكان هبل من العقيق الحمر على صور ة إنسان‪ ،‬مكسور اليد اليمنى‪ ،‬أدركته قريش كذلك‪ ،‬فجعلوا له يًد اـ من ذهب‪،‬‬ ‫وكان أول صن م للمشركين وأعظمه وأقدسه عنده م‪.‬‬ ‫ومن أقد م أصنامه م َم نـا ة‪ ،‬كانت لهَُذ ْيـلـ وخزاعة‪ ،‬وكانت بالُم َشـلّـل على ساحل البحر الحمر حذو قَُد ْيـدـ‪ ،‬والمشلل‪ :‬ثنية‬ ‫جبل يهبط منها إلى قديد‪ .‬ث م اتخذوا اللت في الطائف‪ ،‬وكانت لثقيف‪ ،‬وكانت في موضع منار ة مسجد الطائف‬ ‫اليسرى‪ ،‬ث م اتخذوا الُعّزىـبوادى نخلة الشامية فوق ذات ِع ْر ـقــ‪،‬وكانت لقريش وبني كنانة مع كثير من القبائل‬ ‫الخرى‪.‬‬

‫وكانت هذه الصنا م الثلثة أكبر أوثان العرب‪ ،‬ث م كثر فيه م الشرك‪ ،‬وكثرت الوثان في كل ُبقعة‪.‬‬ ‫ويذكر أن عمرو بن لحي كان له رئى من الجن‪ ،‬فأخبره أن أصنا م قو م نوح ـ وًد اـ وسواًع اـ ويغوث ويعوق ونسًرا ـ‬ ‫مدفونة بجد ة‪ ،‬فأتاها فاستثارها‪ ،‬ث م أوردها إلى تهامة‪ ،‬فلما جاء الحج دفعها إلى القبائل‪ ،‬فذهبت بها إلى أوطانها‪.‬‬ ‫فأما ود‪ :‬فكانت لكلب‪ ،‬بَج َرـشـبَد ْوـ َم ـةـالجندل من أرض الشا م مما يلى العراق‪ ،‬وأما سواع‪ :‬فكانت لهذيل بن ُم ْدـِرـكـة‬ ‫طـيف من بني مراد‪،‬‬ ‫بمكان يقال له‪ُ:‬رَهاط من أرض الحجاز‪ ،‬من جهة الساحل بقرب مكة‪ ،‬وأما يغوث‪ :‬فكانت لبني ُغ َ‬ ‫بالُج ْرـف ـعند سبأ‪ ،‬وأما يعوق‪:‬فكانت لهمدان في قرية َخ ْيـوـان من أرض اليمن‪ ،‬وخيوان‪ :‬بطن من همدان‪ ،‬وأما‬

‫نسر‪:‬فكانت لحمير لل ذى الكلع في أرض حمير‪.‬‬

‫وقد اتخذوا لهذه الطواغيت بيوًتا كانوا يعظمونها كتعظي م الكعبة‪ ،‬وكانت لها سدنة وحجاب‪ ،‬وكانت تهدى لها كما‬ ‫يهدى للكعبة‪ ،‬مع اعترافه م بفضل الكعبة عليها‪.‬‬ ‫ص ةـ‬ ‫وقد سارت قبائل أخرى على نفس الطريق‪ ،‬فاتخذت لها أصناًم اـ آلهة وبنت لها بيوًتا مثلها‪ ،‬فكان منها ذو الَخ لَـ َ‬ ‫لَد ْوـ س ـوَخ ثْـَع مـ وُبَج ْيـلَـة‪ ،‬ببلده م من أرض اليمن‪ ،‬بتََبالة بين مكة واليمن‪ ،‬وكانت ِفْلس لبني طيئ ومن يليها بين جبلى‬


‫طيئ سلمى وأجأ‪.‬وكان منها ريا م‪ ،‬بي�� بصنعاء لهل اليمن وحمير‪ ،‬وكانت منها رضاء‪ ،‬بيت لبني ربيعة بن كعب‬

‫بن سعد بن زيد‪ ،‬منا ة بن تمي م‪ ،‬وكان منها الَك َعـَبـات لبكر وتغلب ابني وائل‪ ،‬ولياد بَِس ْنـَدـاـد‪.‬‬

‫ض ا ـ صن م يقال له‪:‬ذو الكفين‪ ،‬ولبني بكر ومالك وملكان أبناء كنانة صن م يقال له‪:‬سعد‪ ،‬وكان لقو م من‬ ‫وكان لَد ْوـ س ـأي ً‬ ‫عذر ة صن م يقال له‪:‬شمس‪ ،‬وكان لخولن صن م يقال له‪ُ:‬ع ْمـيــاِنس‪.‬‬ ‫وهكذا انتشرت الصنا م ودور الصنا م في جزير ة العرب‪ ،‬حتى صار لكل قبيلة ث م في كل بيت منها صن م‪ ،‬أما‬ ‫المسجد الحرا م فكانوا قد ملوه بالصنا م‪ ،‬ولما فتح رسول ال صلىال عليه وسل م مكة وجد حول البيت ثلثمائة وستين‬ ‫صنًم اـ‪ ،‬فجعل يطعنها بعود في يده حتى تساقطت‪ ،‬ث م أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت‪ ،‬وكان في جوف الكعبة‬ ‫ض ا ـ أصنا م وصور‪ ،‬منها صن م على صور ة إبراهي م‪ ،‬وصن م على صور ة إسماعيل ـ عليهما الصل ة والسل م ـ وبيدهما‬ ‫أي ً‬ ‫ض ا ـ يو م الفتح‪.‬‬ ‫الزل م‪ ،‬وقد أزيلت هذه الصنا م ومحيت هذه الصور أي ً‬

‫وقد تمادى الناس في غيه م هذا حتى يقول أبو رجاء الُعطاردى رضي ال عنه‪ :‬كنا نعبد الحجر‪ ،‬فإذا وجدنا حجًرا هو‬ ‫خير منه ألقيناه وأخذنا الخر‪ ،‬فإذا ل م نجد حجًرا جمعنا ُج ثْـَو ةًـ من تراب‪ ،‬ث م جئنا بالشا ة فحلبناه عليه‪ ،‬ث م طفنا به‪.‬‬ ‫وجملة القول‪:‬إن الشرك وعباد ة الصنا م كانا أكبر مظهر من مظاهر دين أهل الجاهلية الذين كانوا يزعمون أنه م على‬ ‫دين إبراهي م عليه والسل م‪.‬‬ ‫أما فكر ة الشرك وعباد ة الصنا م فقد نشأت فيه م على أساس أنه م لما أروا الملئكة والرسل والنبيين وعباد ال‬ ‫الصالحين من الولياء والتقياء والقائمين بأعمال الخير ـ لما رأوه م أنه م أقرب خلق ال إليه‪ ،‬وأكرمه م درجة وأعظمه م‬ ‫منزلة عنده‪ ،‬وأنه م قد ظهرت على أيديه م بعض الخوارق والكرامات‪ ،‬ظنوا أن ال أعطاه م شيًئا من القدر ة والتصرف‬ ‫في بعض المور التي تختص بال سبحانه وتعالى‪ ،‬وأنه م لجل تصرفه م هذا ولجل جاهه م ومنزلته م عند ال‬ ‫يستحقون أن يكونوا وسطاء بين ال سبحانه وتعالى وبين عامة عباده‪ ،‬فل ينبغى لحد أن يعرض حاجته على ال إل‬ ‫بواسطة هؤلء؛ لنه م يشفعون له عند ال ‪ ،‬وأن ال ل يرد شفاعته م لجل جاهه م‪ ،‬كذلك ل ينبغى القيا م بعباد ة ال إل‬ ‫بواسطة هؤلء؛ لنه م بفضل مرتبته م سوف يقربونه إلى ال زلفي‪.‬‬ ‫ولما تمكن منه م هذا الظن ورسخ فيه م هذا العتقاد اتخذوه م أولياء‪ ،‬وجعلوه م وسيلة فيما بينه م وبين ال سبحانه‬ ‫وتعالى‪ ،‬وحاولوا التقرب إليه م بكل ما رأوه من أسباب التقرب؛ فنحتوا لمعظمه م صوًرا وتماثيل‪ ،‬إما حقيقية تطابق‬ ‫صوره م التي كانوا عليها‪ ،‬إواما خيالية تطابق ما تخيلوا له م من الصور في أذهانه م ـ وهذه الصور والتماثيل هي التي‬ ‫تسمى بالصنا م‪.‬‬

‫وربما ل م ينحتوا له م صوًرا ول تماثيل‪ ،‬بل جعلوا قبوره م وأضرحته م وبعض مقراته م ومواضع نزوله م واستراحته م أماكن‬ ‫مقدسة‪ ،‬وقدموا إليها النذور والقرابين‪ ،‬وأتوا لها بأعمال الخضوع والطاعات‪ ،‬وهذه الضرحة والمقرات والمواضع هي‬ ‫التي تسمى بالوثان‪.‬‬


‫أما عبادته م لهذه الصنا م والوثان فكانت له م فيها تقاليد وأعمال ابتدع أكثرها عمرو بن لحى‪ ،‬وكانوا يظنون أن ما‬ ‫أحدثه عمرو بن لحى فهو بدعة حسنة‪ ،‬وليس بتغيير لدين إبراهي م \‪ ،‬فكان من جملة عبادته م للصنا م والوثان أنه م‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ كانوا يعكفون عليها ويلتجئون إليها‪ ..‬ويهتفون بها‪ ،‬ويستغيثونها في الشدائد‪ ،‬ويدعونها لحاجاته م‪ ،‬معتقدين أنها‬ ‫تشفع عند ال ‪ ،‬وتحقق له م ما يريدون‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ وكانوا يحجون إليها ويطوفون حولها‪ ،‬ويتذللون عندها‪ ،‬ويسجدون لها‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ وكانوا يتقربون إليها بأنواع من القرابين‪ ،‬فكانوا يذبحون وينحرون لها على أنصابها‪ ،‬كما كانوا يذبحون بأسمائها‬ ‫في أي مكان‪.‬‬ ‫ل تَْأُك لُـوْا ِم ّمـاـ‬ ‫ص ِبـ{ ]المائد ة‪ ،[3 :‬وفي قوله‪:‬‏} َو َ‬ ‫وهذان النوعان من الذبح ذكرهما ال تعالى في قوله‪ :‬‏} َوَمـاـُذ بِـَح َع لَــى الّن ُ‬ ‫لَْ م ُيْذ َكـِرـ اْس ُ مـ ال ِ َع لَـْي ِهـ{ ]النعا م‪[121:‬‬ ‫‪ 4‬ـ وكان من أنواع التقرب إلى هذه الصنا م والوثان أنه م كانوا يخصون لها شيئا من مآكله م ومشاربه م حسبما يبدو‬ ‫له م‪ ،‬وكذلك كانوا يخصون لها نصيبا من حرثه م وأنعامه م‪ ،‬ومن الطرائف‪:‬أنه م كانوا يخصون من ذلك جزًءا ل‬ ‫ض ا ـ‪.‬وكانت عنده م عد ة أسباب ينقلون لجلها إلى الصنا م ما كان ل‪ ،‬ولكن ل م يكونوا ينقلون إلى ال ما كان‬ ‫أي ً‬ ‫لصنامه م بحال‪ ،‬قال تعالى‪:‬‏} وجـعـلُـوْاِللِّه ِم ّمـاـ َذ رـَأ ِم نـ اْلح رـِث ـوالَْن عـاِ م َن ِ‬ ‫ص يــًبا َفَقالُوْا َهـَذ اـ ِللِّه بَِزْع ِمـِهـْ مـَوَهـَذ اـِلُش َرـَكـآـئَِناـفََم اـ‬ ‫َ َ َْ َ َ‬ ‫َََ‬ ‫ص ُلـ ـِإَلى ال ِ و م ـاـَك اـن ِللِّه فَهو ي ِ‬ ‫لي ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ص ُلـ ـِإَلى ُش َرـَكـآـئِِه ْ مـَس اـء َم اـ َيْح ُك ـُمـوـَن{ ]النعا م‪.[136:‬‬ ‫َُ َ‬ ‫َك اـَن لُش َرـَكـآـئِه ْ مـفَ َ َ‬ ‫َ َ َ‬ ‫طعـم هـا ِإلّ‬ ‫ّ‬ ‫‪ 5‬ـ وكان من أنواع التقرب إليها النذر في الحرث والنعا م قال تعالى‪ :‬‏} وَقــالُوْا َهـِذ ِه ـ أَْن عـا م و حـ ر ـ ٌ ِ‬ ‫َ ٌ َ َْ‬ ‫ث ـح ْجـٌر ـل َي ْ َ ُ َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫تـظُُهوُرَهاـ َوأَْن َعـاٌ م لّ َيْذ ُكـُرـ وـَناْس َ مـ ال ِ َع لَـْي هَـا اْفتَراء َع لَـْي هـ َس َيـْج ِز ـيـه مـبَم اـ َك اـُنوْا َيْفتَُر وـَن{‬ ‫َم نـ ّنَش اـء بَِزْع ِمـِهـْ مـَوأَْن َعـاٌ م ُح ّرـَمـ ْ‬

‫] النعا م‪.[138:‬‬

‫‪ 6‬ـ وكانت منها البحير ة والسائبة والوصيلة والحامى‪.‬‬ ‫قال سعيد بن المسيب‪ :‬البحير ة‪ :‬التي يمنع درها للطواغيت‪ ،‬فل يحلبها أحد من الناس‪.‬والسائبة‪ :‬كانوا يسيبونها‬ ‫للهته م‪ ،‬فل يحمل عليها شىء‪.‬والوصيلة‪ :‬الناقة البكر تبكر في أول نتاج البل بأنثى‪ ،‬ث م تثنى بعد بأنثى‪ ،‬وكانوا‬ ‫يسيبونها لطواغيته م إن وصلت إحداهما بالخرى‪ ،‬ليس بينهما ذكر‪ .‬والحامى‪ :‬فحل البل يضرب الضراب المعدود‬ ‫]العشر من البل[ فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت‪ ،‬وأعفوه من الحمل‪ ،‬فل م يحمل عليه شىء وسموه الحامى‪.‬‬ ‫وقال ابن إسحاق‪ :‬البحير ة بنت السائبة‪ ،‬هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينه م ذكر‪ ،‬سيبت فل م يركب‬ ‫ظهرها‪ ،‬ول م يجز وبرها‪ ،‬ول م يشرب لبنها إل ضيف‪ ،‬فما نتجت بعد ذلك من أنثى شقت أذنها‪ ،‬ث م خلى سبيلها مع‬ ‫أمها فل م يركب ظهرها‪ ،‬ول م يجز وبرها‪ ،‬ول م يشرب لبنها إل ضيف‪ ،‬كما فعل بأمها‪ ،‬فهي البحير ة بنت السائبة‪.‬‬ ‫والوصيلة‪ :‬الشا ة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينه م ذكر جعلت وصيلة‪ .‬قالوا‪ :‬قد وصلت‪،‬‬


‫فكان ما ولد بعد ذلك للذكور منه م دون إناثه م إل أن يموت شىء فيشترك في أكله ذكوره م إواناثه م‪ .‬والحامى‪ :‬الفحل‬

‫إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمى ظهره‪ ،‬فل م يركب‪ ،‬ول م يجز وبره‪ ،‬وخلى في إبله يضرب فيها‪،‬‬ ‫لو ِ‬ ‫ل ينتفع منه بغير ذلك‪ ،‬وفي ذلك أنزل ال تعالى‪:‬‏} ماـ ج عـَلـ ال ُ ِم نـ بِح يـرٍ ةو َ ِ ٍ‬ ‫ل َح اـٍ م َو لَـِك ّنـ الِّذ يـَن‬ ‫ص ـ يـ ـلٍَةَو َ‬ ‫َ ََ‬ ‫ل َس آـئَبة َو َ َ‬ ‫َ َ َ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِِ‬ ‫ِ‬ ‫ص ةٌـ‬ ‫ل َيْع ِقـلُـوَن{ ]المائد ة‪ ،[103:‬وأنزل‪:‬‏} َوَقــالُوْا َم اـ ِفيـ ُب ُ‬ ‫ب ـ َوأَْك ثَـُرُهْ م َ‬ ‫َك فَـُر وْاـَيْفتَُر وـَن َع لَــى ال ِ اْلَك ذـ َ‬ ‫طوِن َهـذ ه ـ الَْن َعـا م َخ اـل َ‬ ‫لُّذ ُكـوـِر َنـاـَو ُم ـَحـ ّرـٌ مـَع لَــى أَْز َوــاِج َنــاَو إِاـنـ َيُك نـ ّم ْيـتَـًة فَهُْ م ِفيِه ُش َرـَكـا {ـء ] النعا م‪ ،[139:‬وقيل في تفسير هذه النعا م غير ذلك‪.‬‬ ‫وقد مر عن سعيد بن المسيب أن هذه النعا م كانت لطواغيته م‪.‬وفي الصحيحين أن النبي صلىال عليه وسل م قال‪:‬‬ ‫ص َبــه ]أي أمعاءه [ في النار(؛ لنه أول من غير دين إبراهي م‪،‬‬ ‫‏) رأيت عمرو بن عامر بن لحى الخزاعى يجر قَ َ‬ ‫فنصب الوثان وسيب السائبة‪ ،‬وبحر البحير ة‪ ،‬ووصل الوصيلة‪ ،‬وحمى الحامى‪.‬‬ ‫كانت العرب تفعل كل ذلك بأصنامه م معتقدين أنها تقربه م إلى ال وتوصله م إليه‪،‬وتشفع لديه‪ ،‬كما في القرآن‪ :‬‏} َماـ‬ ‫ل َينفَُعهُْ م َو َيـُقوُلوَن َهـُؤلء‬ ‫ض ّرـُهْ مَو َ‬ ‫َنْع ُبـُد ُهـْ م ِإّل لُِيقَّر ُبــوَناـِإَلى ال ِ ُز ْلـَفى{ ]الزمر‪ [3 :‬‏} َوَيـْعُبـُدوـَن ِم نـ ُد وـِن ال ِ َم اـ َ‬ ‫ل َي ُ‬ ‫ُشفَـَعاُؤ َنـا ِع نـَد ال ِ{ ]يونس‪[81:‬‬ ‫وكانت العرب تستقس م بالزل م‪ ،‬والّز لَـ م‪:‬القدح الذي ل ريش له‪ ،‬وكانت الزل م ثلثة أنواع‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ نوع فيه ثلثة أسه م‪ ،‬أحدها‪]:‬نع م[‪ ،‬وثانيها‪] :‬ل[‪ ،‬وثالثها‪ُ]:‬غ ْفـلـ[‪ ،‬كانوا يستقسمون بها فيما يريدون من العمل؛ من‬ ‫نحو السفر والنكاح وأمثالهما‪.‬فإن خرج ]نع م[ عملوا به‪ ،‬إوان خرج ]ل[أخروه عامه ذلك حتى يأتوه مر ة أخرى‪ ،‬إوان طلع‬ ‫]غفل[ أعادوا الضرب حتى يخرج واحد من الولين‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ ونوع فيه المياه والعقول والديات‪.‬‬ ‫‪3‬ـ ونوع فيه ]منك م[ أو ]من غيرك م[ أو ]ملصق[‪ ،‬فكانوا إذا شكوا في نسب أحده م ذهبوا به إلى هبل‪ ،‬وبمائة دره م‬ ‫طا‪ ،‬إوان خرج عليه ]من غيرك م[ كان حليًفا‪ ،‬إوان‬ ‫وجزور‪ ،‬فأعطوها صاحب القداح‪ ،‬فإن خرج ]منك م[ كان منه م وسي ً‬ ‫خرج عليه ]ملصق[ كان على منزلته فيه م‪ ،‬ل َنَس بـ ول ِح ْلــف‪.‬‬ ‫ويقرب من هذا الميسر والقداح‪ ،‬وهو ضرب من القمار‪ ،‬كانوا يقتسمون به لح م الجزور التي كانوا يتقامرون عليها؛‬ ‫وذلك أنه م كانوا يشترون الجزور نسيئة فينحرونها ويقسمونها ثمانية وعشرين قسًم اـ‪ ،‬أو عشر ة أقسا م‪ ،‬ث م يضربون‬ ‫عليها بالقداح‪ ،‬وفيها ]الرابح[ و]الغفل[‪ ،‬فمن خرج له قدح ]الرابح[ فاز‪ ،‬وأخذ نصيبه من الجزور‪ ،‬ومن خرج له‬ ‫]الغفل[ خاب وغر م ثمنها‪.‬‬ ‫وكانوا يؤمنون بأخبار الكهنة والعرافين والمنجمين‪ ،‬والكاهن‪ :‬هو من يتعاطى الخبار عن الكوائن في المستقبل‪،‬‬ ‫ويدعى معرفة السرار ومن الكهنة من يزع م أن له تابًعاـ من الجن‪ ،‬ومنه م من يدعى إدراك الغيب بفه م أعطيه‪ ،‬ومنه م‬ ‫من يدعى معرفة المور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كل م من يسأله أو فعله أو حاله‪ ،‬وهذا القس م‬


‫يسمى ع ارًفا‪ ،‬كمن يدعى معرفة المسروق ومكان السرقة والضالة ونحوهما‪.‬والمنج م‪:‬من ينظر في النجو م أي الكواكب‪،‬‬ ‫ويحسب سيرها ومواقيتها‪ ،‬ليعل م بها أحوال العال م وحوادثه التي تقع في المستقبل‪.‬‬

‫والتصديق بأخبار المنجمين هو في الحقيقة إيمان بالنجو م‪ ،‬وكان من إيمانه م بالنجو م اليمان بالنواء‪ ،‬فكانوا‬ ‫يقولون‪:‬مطرنا بنوء كذا وكذا‪.‬‬ ‫وكانت فيه م الطير ة ]بكسر ففتح[ وهي التشاؤ م بالشىء‪ ،‬وأصله أنه م كانوا يأتون الطير أو الظبى فينفرونه‪ ،‬فإن أخذ‬ ‫ذات اليمين مضوا إلى ما قصدوا وعدوه حسًنا‪ ،‬إوان أخذ ذات الشمال انتهوا عن ذلك وتشاءموا‪ ،‬وكانوا يتشاءمون‬ ‫كذلك إن عرض الطير أو الحيوان في طريقه م‪.‬‬ ‫ويقرب من هذا تعليقه م كعب الرنب‪ ،‬والتشاؤ م ببعض اليا م والشهور والحيوانات والدور والنساء‪ ،‬والعتقاد بالعدوى‬ ‫والهامة‪ ،‬فكانوا يعتقدون أن المقتول ل يسكن جأشه ما ل م يؤخذ بثأره‪ ،‬وتصير روحه هامة أي بومة تطير في الفلوات‪،‬‬ ‫وتقول‪:‬صدى صدى أو اسقونى اسقونى‪ ،‬فإذا أخذ بثأره سكن واستراح‪.‬‬ ‫كان أهل الجاهلية على ذلك وفيه م بقايا مـن ديــن إبراهي م‪ ،‬ل م يكونوا قد تركوه كلـه ـ مثـل تعظي م البيت‪ ،‬والطـواف بـه‪،‬‬ ‫والحـج‪ ،‬والعمـر ة‪ ،‬والـوقوف بعرفة والمزدلفة‪ ،‬إواهداء البدن ـ إوانما كانوا قد ابتدعوا في ذلك بدًع اـ‪:‬‬ ‫منها‪:‬أن قريًش اـ كانوا يقولون‪:‬نحن بنو إبراهي م وأهل الحر م‪ ،‬وول ة البيت وقاطنو مكة‪ ،‬وليس لحد من العرب مثل حقنا‬ ‫ومنزلتنا ـ وكانوا يسمون أنفسه م الُح ْمـسـ ـ فل ينبغى لنا أن نخرج من الحر م إلى الحل‪ ،‬فكانوا ل يقفون بعرفة‪ ،‬ول‬ ‫ِ‬ ‫ض الّناُس{ ]البقر ة‪:‬‬ ‫ض وْاـ ِم ْنـ َح ْي ـ ُ‬ ‫ثـ أََفا َ‬ ‫يفيضون منها‪ ،‬إوانما كانوا يفيضون من المزدلفة وفيه م أنزل ال تعالى‪ :‬‏}ثُّ م َأفي ُ‬ ‫‪.[199‬‬

‫ومنها‪ :‬أنه م قالوا‪ :‬ل ينبغى للحمس أن يأِقطوا الِقطـ ول يسلوا السمن وه م حر م‪ ،‬ول يدخلوا بيًتا من شعر‪ ،‬ول يستظلوا‬ ‫إن استظلوا إل في بيوت الد م ما داموا حرًم اـ‪.‬‬ ‫ومنها‪ :‬أنه م قالوا‪ :‬ل ينبغى لهل الِح ّل ـ أن يأكلوا من طعا م جاءوا به من الحل إلى الحر م‪ ،‬إذا جاءوا حجاجا أو‬ ‫عماًرا‪.‬‬ ‫ومنها‪:‬أنه م أمروا أهل الحل أل يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافه م إل في ثياب الحمس‪ ،‬وكانت الحمس يحتسبون‬ ‫على الناس‪ ،‬يعطـى الرجـل الرجـل الثياب يطـوف فيها‪ ،‬وتعطى المرأ ة المرأ ة الثياب‪ ،‬تطوف فيها‪ ،‬فإن ل م يجدوا شيًئا‬ ‫فكان الرجال يطوفون عرا ة‪ ،‬وكانت المرأ ة تضع ثيابها كلها إل درًع اـ مفرًج ا ـ ث م تطوف فيه‪ ،‬وتقول‪:‬‬ ‫اليو م يبدو بعضه أو كله ** وما بدا منه فل أحله‬ ‫وأنزل ال في ذلك‪ :‬‏} َيا َبِني آَد َ مـ ُخ ُذـوْـا ِز يـَنتَُك ْ مـِع نـَد ُك ّلـ َم ْسـِجـٍد{ـ ]العراف‪ [31:‬فإن تكر م أحد من الرجل والمرأ ة فطاف‬ ‫في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها بعد الطواف ول ينتفع بها هو ول أحد غيره‪.‬‬


‫ومنها‪ :‬أنه م كانوا ل يأتون بيوته م من أبوابها في حال الحرا م‪ ،‬بل كانوا ينقبون في ظهور البيوت نقًبا يدخلون‬ ‫ت ِم نـ‬ ‫ويخرجون منه‪ ،‬وكانوا يحسبون ذلك الجفاء بّرا‪ ،‬وقد نهي عنه القرآن‪ ،‬قال ال تعالى‪ :‬‏} َولَـْيَسـ اْلبِّر بِأَْن تَْأتُْو ْاـ اْلُبُيو َ‬ ‫ت ِم ْنـ َأْب َوـابَِها َواتّقُوْا ال َ لََع لّـُك ْ مـ تُْف ِلـُح وـَن{ ]البقر ة‪. [189:‬‬ ‫ظُُهوِرَهاـ َو لَـِك ّنـ اْلبِّر َم ِنـ اتَّقى َوْأتُوْا اْلُبُيو َ‬ ‫كانت هذه الديانة ـ ديانة الشرك وعباد ة الوثان‪ ،‬والعتقاد بالوها م والخرافات ـ هي الديانة السائد ة في جزير ة العرب‪،‬‬ ‫وقد وجدت اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئية سبًل للدخول في ربوعها‪.‬‬ ‫ولليهود دوران ـ على القل ـ مثلوهما في جزير ة العرب‪:‬‬ ‫الول‪ :‬هجرته م في عهد الفتوح البابلية والشورية في فلسطين‪ ،‬فقد نشأ عن الضغط على اليهود‪ ،‬وعن تخريب بلده م‬ ‫وتدمير هيكله م على يد الملك ُبْخ تُـَنصر سنة ‪ 587‬ق‪ .‬م‪ ،‬وسبى أكثره م إلى بابل أن قسًم اـ منه م هجر البلد الفلسطينية‬ ‫إلى الحجاز‪ ،‬و تَــو ّ‬ ‫طن في ربوعها الشمالية‪.‬‬ ‫َ‬ ‫الدور الثاني‪ :‬يبدأ من احتلل الرومان لفلسطين بقياد ة تيطس الرومانى سنة ‪ 70‬م‪ ،‬فقد نشأ عن ضغط الرومان على‬ ‫اليهود وعن تخريب الهيكل وتدميره أن قبائل عديد ة من اليهود رحلت إلى الحجاز‪ ،‬واستقرت في يثرب وخيبر وتيماء‪،‬‬ ‫وأنشأت فيها القرى والطا م والقلع‪ ،‬وانتشرت الديانة اليهودية بين قس م من العرب عن طريق هؤلء المهاجرين‪،‬‬ ‫وأصبح لها شأن يذكر في الحوادث السياسية التي سبقت ظهور السل م‪ ،‬والتي حدثت في صدره‪ .‬وحينما جاء‬ ‫طـَلق وقريظة وقينقاع‪ ،‬وذكر السمهودي أن عدد‬ ‫صـ َ‬ ‫السل م كانت القبائل اليهودية المشهور ة هي‪ :‬خيبر والنضير والُم ْ‬ ‫القبائل اليهودية التي نزلت بيثرب بين حين وآخر‪ :‬يزيد على عشرين‪.‬‬

‫ودخلت اليهودية في اليمن من قبل تُّبان أسعد أبي َك َرـبـ‪،‬فإنه ذهب مقاتًل إلى يثرب واعتنق هناك اليهودية وجاء‬ ‫بحبرين من بني قريظة إلى اليمن‪ ،‬فأخذت اليهودية إلى التوسع والنتشار فيها‪ ،‬ولما ولى اليمن بعده ابنه يوسف ذو‬ ‫ُنَواس هج م على النصارى من أهل نجران ودعاه م إلى اعتناق اليهودية‪ ،‬فلما أبوا خّد له م الخدود وأحرقه م بالنار‪ ،‬ول م‬ ‫يفرق بين الرجل والمرأ ة والطفال الصغار والشيوخ الكبار‪ ،‬ويقال‪ :‬إن عدد المقتولين ما بين عشرين ألًفا إلى أربعين‬ ‫ألًفا‪ .‬وقع ذلك في شهر أكتوبر سنة ‪ 523‬م‪ .‬وقد ذكره م ال تعالى في القرآن الكري م في سور ة البروج؛ إذ يقول‪ :‬‏}قُتَِل‬

‫ب اْلُْخ ُد ـوـِد الّناِر َذ اـِت اْلَو قُــوِد ِإْذ ُهْ م َع لَـْي هَـا قُُعوٌد َوُهْ م َع لَــى َم اـ َيْفَع لُـوَن ِباْلُم ْؤـ ِم ـنِـيَنُش هُـوٌد{ ]البروج‪.[7 :4 :‬‬ ‫ص َح ـاـ ُ‬ ‫أَ ْ‬

‫أما الديانة النصرانية‪ ،‬فقد جاءت إلى بلد العرب عن طريق احتلل الحبشة وبعض البعثات الرومانية‪ ،‬وكان أول‬ ‫احتلل الحباش لليمن سنة ‪ 340‬م‪ ،‬ولكن ل م يطل أمد هذا الحتلل‪ ،‬فقد طردوا منها ما بين عامي ‪370‬ـ ‪ 378‬م‪،‬‬ ‫إل أنه م شجعوا على نشر النصرانية وتشجعوا لها‪ ،‬وقد وصل أثناء هذا الحتلل رجل زاهد مستجاب الدعوات‬ ‫وصاحب كرامات ـ اسمه فيميون ـ إلى نجران‪ ،‬ودعاه م إلى دين النصرانية فلبوا دعوته واعتنقوا النصرانية؛ لما أروا من‬ ‫آيات صدقه وصدق دينه‪.‬‬ ‫ولما احتلت الحباش اليمن مر ة أخرى عا م ‪ 525‬م ـ كرد فعل على ما أتاه ذو نواس من تحريق نصارى نجران في‬ ‫الخدود‪ ،‬وتمكن أبرهة الشر م من حكومة اليمن ـ أخذ ينشر الديانة النصرانية بأوفر نشاط وأوسع نطاق‪ ،‬حتى بلغ من‬


‫نشاطه أنه بني كعبة باليمن‪ ،‬وأراد أن يصرف حج العرب إليها ويهد م بيت ال الذي بمكة‪ ،‬فأخذه ال نكال الخر ة‬ ‫والولى‪.‬‬ ‫وقد اعتنق النصرانية العرب الغساسنة وقبائل تغلب وطيئ وغيرهما لمجاور ة الرومان‪ ،‬بل قد اعتنقها بعض ملوك‬ ‫ض ا ـ‪.‬‬ ‫الحير ة أي ً‬ ‫أما المجوسية‪ ،‬فكان ما كان منها في العرب المجاورين للفرس‪ ،‬فكانت في عراق العرب وفي البحرين ـ الحسا ـ‬ ‫وَهَج ر ـ وما جاورها من منطقة سواحل الخليج العربي‪ ،‬ودان لها رجال من اليمن في زمن الحتلل الفارسي‪.‬‬ ‫أما الصابئية ـ وهي ديانة تمتاز بعباد ة الكواكب وبالعتقاد في أنواء المنازل وتأثير النجو م وأنها هي المدبر ة للكون ـ‬ ‫فقد دلت الحفريات والتنقيبات في بلد العراق وغيرها أنها كانت ديانة قو م إبراهي م الكلدانيين‪ ،‬وقد دان بها كثير من‬ ‫أهل الشا م وأهل اليمن في غابر الزمان‪ ،‬وبعد تتابع الديانات الجديد ة من اليهودية والنصرانية‪ ،‬تضعضع بنيان‬ ‫الصابئية وخمد نشاطها‪ ،‬ولكن ل م يزل في الناس بقايا من أهل هذه الديانة مختلطين مع المجوس أو مجاورين له م في‬ ‫عراق العرب وعلى شواطئ الخليج العربي‪ .‬وقد وجد شيء من الزندقة في بعض العرب‪ ،‬وكانت وصلت إليه م عن‬ ‫طريق الحير ة‪ ،‬كما وجدت في بعض قريش لحتكاكه م بالفرس عن طريق التجار ة‪.‬‬


‫الحالة الدينية‬ ‫كانت هذه الديانات هي ديانات العرب حين جاء السل م‪ ،‬وقد أصاب هذه الديانات النحلل والبوار‪ ،‬فالمشركون‬ ‫الذين كانوا يدعون أنه م على دين إبراهي م كانوا بعيدين عن أوامر ونواهي شريعة إبراهي م‪ ،‬مهملين ما أتت به من‬ ‫مكار م الخلق‪ .‬وكثرت فيه م المعاصي‪ ،‬ونشأ فيه م على توالى الزمان ما ينشأ في الوثنيين من عادات وتقاليد تجرى‬ ‫مجرى الخرافات الدينية‪ ،‬وأثرت في الحيا ة الجتماعية والسياسية والدينية تأثيًرا بالًغاـ جًد اـ‪.‬‬ ‫أما اليهودية‪ ،‬فقد انقلبت رياء وتحكًم اـ‪ ،‬وصار رؤساؤها أرباًبا من دون ال ‪ ،‬يتحكمون في الناس ويحاسبونه م حتى‬ ‫على خطرات النفس وهمسات الشفاه‪ ،‬وجعلوا همه م الحظو ة بالمال والرياسة إوان ضاع الدين وانتشر اللحاد والكفر‪،‬‬

‫والتهاون بالتعالي م التي حض ال عليها وأمر كل فرد بتقديسها‪.‬‬

‫طا عجيًبا بين ال والنسان‪ ،‬ول م يكن لها في نفوس العرب‬ ‫وأما النصرانية‪ ،‬فقد عادت وثنية عسر ة الفه م‪ ،‬وأوجدت خل ً‬ ‫المتدينين بهذا الدين تأثير حقيقي؛ لبعد تعاليمها عن طراز المعيشة التي ألفوها‪ ،‬ول م يكونوا يستطيعون البتعاد عنها‪.‬‬ ‫وأما سائر أديان العرب‪ :‬فكانت أحوال أهلها كأحوال المشركين‪ ،‬فقد تشابهت قلوبه م‪ ،‬وتواردت عقائده م‪ ،‬وتوافقت‬ ‫تقاليده م وعوائده م‪.‬‬


‫صور من المجتمع العربي الجاهلي‬

‫الحالة الجتماعية‬ ‫الحالة التقتصادية‬ ‫اللخل ق‬

‫بعد البحث عن سياسة الجزير ة وأديانها يجمل بنا أن نلقى شيًئا من الضوء على أحوالها الجتماعية والقتصادية‬ ‫والخلقية‪ ،‬وفيما يلي بيانها بإيجاز‪:‬‬ ‫الحالة الجتماعية‬ ‫كانت في العرب أوساط متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض‪ ،‬فكانت علقة الرجل مع أهله في الشراف على‬ ‫درجة كبير ة من الرقى والتقد م‪ ،‬وكان لها من حرية الراد ة ونفاذ القول القسط الوفر‪ ،‬وكانت محترمة مصونة تَُس ّلـ‬

‫دونها السيوف‪ ،‬وتراق الدماء‪ ،‬وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بما له في نظر العرب المقا م السامي من الكر م‬

‫والشجاعة ل م يكن يخاطب في معظ م أوقاته إل المرأ ة‪ ،‬وربما كانت المرأ ة إذا شاءت جمعت القبائل للسل م‪ ،‬إوان شاءت‬ ‫أشعلت بينه م نار الحرب والقتال‪ ،‬ومع هذا كله فقد كان الرجل يعتبر بل نزاع رئيس السر ة وصاحب الكلمة فيها‪،‬‬ ‫وكان ارتباط الرجل بالمرأ ة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها‪ ،‬ول م يكن من حقها أن تفتات عليه م‪.‬‬ ‫بينما هذه حال الشراف‪ ،‬كان هناك في الوساط الخرى أنواع من الختلط بين الرجل والمرأ ة‪ ،‬ل نستطيع أن نعبر‬ ‫عنه إل بالدعار ة والمجون والسفاح والفاحشة‪ .‬روى البخاري وغيره عن عائشة رضي ال عنها‪.‬‬ ‫إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء‪ :‬فنكاح منها نكاح الناس اليو م؛ يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته‬ ‫فيصدقها ث م ينكحها‪ ،‬ونكاح آخر‪ :‬كان الرجل يقول لمرأته إذا طهرت من طمثها‪ :‬أرسلي إلى فلن فاستبضعي منه‪،‬‬ ‫ويعتزلها زوجها ول يمسها أبًد اـ حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه‪ ،‬فإذا تبين حملها أصابها زوجها‬ ‫إذا أحب‪ ،‬إوانما يفعل ذلك رغبة في َنَج اــبة الـولد‪ ،‬فكان هـذا النكاح ]يسمى[ نكاح الستبضاع‪ ،‬ونكاح آخر‪ :‬يجتمع‬ ‫الرهط دون العشر ة‪ ،‬فيدخلون على المرأ ة كله م يصيبها‪ ،‬فإذا حملت‪ ،‬ووضعت ومر]ت[ ليال بعد أن تضع حملها‬

‫أرسلت إليه م‪ ،‬فل م يستطع رجل منه م أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها‪] ،‬فـ[ تقول له م‪ :‬قد عرفت م الذي كان من أمرك م‪،‬‬ ‫وقد ولدت‪ ،‬فهو ابنك يا فلن‪] ،‬فـ[ تسمى من أحبت ]منه م[ باسمه‪ ،‬فيلحق به ولدها‪ .‬ل يستطيع أن يمتنع منه‬ ‫الرجل‪،‬ونكاح رابع‪:‬يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأ ة ل تمتنع ممن جاءها‪،‬وهن البغايا‪،‬كن ينصبن على‬ ‫أبوابهن رايات تكون علًم اـ‪ ،‬فمن أرادهن دخل عليهن‪ ،‬فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها‪ ،‬ودعوا له م‬ ‫القافة‪ ،‬ث م ألحقوا ولدها بالذي يرون‪ ،‬فالتاطته به‪ ،‬ودعى ابنه‪ ،‬ل يمتنع من ذلك‪ ،‬فلما بعث ]ال [ محمًد اـ صلى ال‬ ‫عليه وسل م بالحق هد م نكاح ]أهل[ الجاهلية كله إل نكاح السل م اليو م‪.‬‬


‫وكانت عنده م اجتماعات بين الرجل والمرأ ة تعقدها شفار السيوف‪ ،‬وأسنة الرماح‪ ،‬فكان المتغلب في حروب القبائل‬ ‫يسبي نساء المقهور فيستحلها‪ ،‬ولكن الولد الذين تكون هذه أمه م يلحقه م العار مد ة حياته م‪.‬‬ ‫وكان من المعروف في أهل الجاهلية أنه م كانوا يعددون بين الزوجات من غير حد معروف ينتهي إليه‪ ،‬حتى حددها‬ ‫القرآن في أربع‪ .‬وكانوا يجمعون بين الختين‪ ،‬وكانوا يتزوجون بزوجة آبائه م إذا طلقوها أو ماتوا عنها حتى نهى‬ ‫تـَع لَـْي ُكـْ مـ‬ ‫ف ِإّنهُ َك اـَن َفاِح َشـًةـ َو َم ـْقـًتا َو َس ـاـء َس بِـي ً‬ ‫عنهما القرآن ‏} َو َ‬ ‫ل َتنِك ُحـوْاـ َم اـ َنَك َحـ آَباُؤ ُكـ مـ ّم َنـ الّنَس اـء ِإلّ َم اـ قَْد َس لَـ َ‬ ‫ل ُح ّرـَمـ ْ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ضـْع ـَنـُك ْ مـَوَأَخ َوـاـتُُك مـّم َنـ‬ ‫ت الَِخ َو َبـَنا ُ‬ ‫أُّم هَـاتُُك ْ مـ َو َبـَناتُُك ْ مـ َوَأَخ َوـاـتُُك ْ مـَوَع ّمـاـتُُك ْ مـَو َخـ اـلَتُُك ْ مـَو َبـَنا ُ‬ ‫ت الُْخ ت ـ َوأُّم هَـاتُُك ُ مـ اللتي َأْر َ‬ ‫ل‬ ‫ت نَِس آـئُِك ْ مـ َو َرـَبــائُِبُك ُ مـاللِّتي ِفيـ ُح ُجـوـِر ُكـ مـّم نـ ّنَس آـئُِك ُ مـ اللِّتي َد َخـ ْلـُت م بِِه ّنـ فَِإن لّْ م تَُك وـُنوْا َد َخـ ْلـُت م بِِه ّنـ فَ َ‬ ‫ضـاـَع ِةـَوأُّم هَـا ُ‬ ‫الّر َ‬ ‫ِ ِّ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ف ِإّن ال َ َك اـَن َغ فُـوًرا ّر ِحـ يـًم{اـ‬ ‫ص لَ ـبُِك ْ مـ َوَأن تَْج َم ـُعـوْا َبْي َنـ الُْخ تَـْي ِنـ إَلّ َم اـ قَْد َس لَـ َ‬ ‫ُج َنــاَح َع لَـْي ُكـْ مـ َو َحـ لَـئُل أَْب َنـائُك ُ مـ الذ يـَن م ْنـ أَ ْ‬

‫]سور ة النساء‪ [23 ،22 :‬وكان الطلق والرجعة بيد الرجال‪ ،‬ول م يكن لهما حد معين حتى حددهما السل م‪.‬‬

‫طا دون وسط‪ ،‬أو صنًفا دون صنف إل‬ ‫وكانت فاحشة الزنا سائد ة في جميع الوساط‪ ،‬ل نستطيع أن نخص منها وس ً‬ ‫أف ارًد اـ من الرجال والنساء ممن كان تعاظ م نفوسه م يأبى الوقوع في هذه الرذيلة‪ ،‬وكانت الحرائر أحسن حاًل من‬ ‫الماء‪ ،‬والطامة الكبرى هي الماء‪ ،‬ويبدو أن الغلبية الساحقة من أهل الجاهلية ل م تكن تحس بعار في النتساب‬

‫إلى هذه الفاحشة‪ ،‬روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‪ :‬قا م رجل فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إن فلًنا‬ ‫ابني‪ ،‬عاهرت بأمه في الجاهلية‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ل دعو ة في السل م‪ ،‬ذهب أمر الجاهلية‪،‬‬ ‫الولد للفراش وللعاهر الَح َجـر ـ(‪ ،‬وقصة اختصا م سعد بن أبي وقاص وعبد بن َز ْمـَعـةـفي ابن أمة زمعة ـ وهو عبد‬ ‫الرحمن بن زمعة ـ معروفة‪.‬‬ ‫وكانت علقة الرجل مع أولده على أنواع شتى‪ ،‬فمنه م من يقول‪:‬‬ ‫إنم ــا أولدن ــا بيننــا ** أكبادنا تمشى على الرض‬ ‫ومنه م من كان يئد البنات خشية العار والنفاق‪ ،‬ويقتل الولد خشية الفقر والملق‪:‬‏}ُقْل تََعاَلْو ْاـ أَْتُل َم اـ َح ّرـَ مـَر ّبـُك ْ مـ‬ ‫ل تَْقتُلُوْا أَْولََد ُكـ مـّم ْنـ إْم لَـ ٍ‬ ‫ل تَْقَر ُبـوْا اْلَفَواِح َش ـَم اـ‬ ‫ق ّنْح ُن ـ َنْر ُزـ ـقُـُك ْ مَـو إِاـّياُهْ م َو َ‬ ‫َع لَـْي ُكـْ مـ أَلّ تُْش ِرـُكـوْـابِِه َش ْيـًئـا َو ِبــاْلَواِلَد ْيـِنـِإْح َس ـاـًناـ َو َ‬ ‫ل تَْقتُلُوْا الّنْفَس الِّتي َح ّرـَ مـال ُ ِإلّ ِباْلَح ّ‬ ‫ص ـاـُك ْ مـبِِه لََع لّـُك ْ مـ تَْع ِقـلُـوَن{ ]النعا م‪ [151 :‬ولكن ل‬ ‫قـ َذ ِلـُك ْ مـ َو ّ‬ ‫طَن َو َ‬ ‫ظهََر ِم ْنـهَـا َو َم ـاـَب َ‬ ‫َ‬ ‫يمكن لنا أن نعد هذا من الخلق المنتشر ة السائد ة‪ ،‬فقد كانوا أشد الناس احتياًج ا ـ إلى البنين ليتقوا به م العدو‪.‬‬

‫أما معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطد ة قوية‪ ،‬فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية ويموتون‬ ‫لها‪ ،‬وكانت روح الجتماع سائد ة بين القبيلة الواحد ة تزيدها العصبية‪ ،‬وكان أساس النظا م الجتماعي هو العصبية‬ ‫الجنسية والرح م‪ ،‬وكانوا يسيرون على المثل السائر‪ :‬‏)انصر أخاك ظالًم اـ أو مظلوًم اـ( على المعنى الحقيقي من غير‬ ‫التعديل الذي جاء به السل م؛ من أن نصر الظال م كفه عن ظلمه‪ ،‬إل أن التنافس في الشرف والسؤدد كثيًرا ما كان‬

‫يفضى إلى الحروب بين القبائل التي كان يجمعها أب واحد‪ ،‬كما نرى ذلك بين الوس والخزرج‪ ،‬وَع ْبـسـ وُذ ْبـيـان‪،‬‬ ‫وَبْك رـ وتَْغ ِلـب وغيرها‪.‬‬


‫أما العلقة بين القبائل المختلفة فقد كانت مفككة الوصال تماًم اـ‪ ،‬وكانت قواه م متفانية في الحروب‪ ،‬إل أن الرهبة‬ ‫والوجل من بعض التقاليد والعادات المشتركة بين الدين والخرافة ربما كان يخفف من حدتها وصرامتها‪ .‬وأحياًنا كانت‬

‫الموال ة والحلف والتبعية تفضى إلى اجتماع القبائل المتغاير ة‪ .‬وكانت الشهر الحر م رحمة وعوًنا له م على حياته م‬ ‫وحصول معايشه م‪ .‬فقد كانوا يأمنون فيها تما م المن؛ لشد ة التزامه م بحرمتها‪ ،‬يقول أبو رجاء الُعطاردي‪ :‬إذا دخل‬ ‫ص ُل ـ الِس ّنــة؛ فل ندع رمًح ا ـ فيه حديد ة ول سهًم اـ فيه حديد ة إل نزعناه‪ ،‬وألقيناه شهر رجب‪ .‬وكذلك‬ ‫شهر رجب قلنا‪ُ :‬م َنـ ّ‬ ‫في بقية الشهر الحر م‪.‬‬

‫وقصارى الكل م أن الحالة الجتماعية كانت في الحضيض من الضعف والعماية‪ ،‬فالجهل ضارب أطنابه‪ ،‬والخرافات‬ ‫لها جولة وصولة‪ ،‬والناس يعيشون كالنعا م‪ ،‬والمرأ ة تباع وتشترى وتعامل كالجمادات أحيانا‪ ،‬والعلقة بين المة واهية‬ ‫مبتوتة‪ ،‬وما كان من الحكومات فُج ّلـ همتها ملء الخزائن من رعيتها أو جر الحروب على مناوئيها‪.‬‬ ‫الحالة القتصادية‬ ‫أما الحالة القتصادية‪ ،‬فتبعت الحالة الجتماعية‪ ،‬ويتضح ذلك إذا نظرنا في طرق معايش العرب‪ .‬فالتجار ة كانت‬ ‫أكبر وسيلة للحصول على حوائج الحيا ة‪ ،‬والجولة التجارية ل تتيسر إل إذا ساد المن والسل م‪ ،‬وكان ذلك مفقوًد اـ في‬ ‫جزير ة العرب إل في الشهر الحر م‪ ،‬وهذه هي الشهور التي كانت تعقد فيها أسواق العرب الشهير ة من ُع كـاظ وذي‬

‫المَج اــز وَم َجـ ّنــة وغيرها‪.‬‬

‫وأما الصناعات فكانوا أبعد الم م عنها‪ ،‬ومعظ م الصناعات التي كانت توجد في العرب من الحياكة والدباغة وغيرها‬ ‫كانت في أهل اليمن والحير ة ومشارف الشا م‪ ،‬نع م‪ ،‬كان في داخل الجزير ة شيء من الزراعة والحرث واقتناء النعا م‪،‬‬ ‫وكانت نساء العرب كافة يشتغلن بالغزل‪ ،‬لكن كانت المتعة عرضة للحروب‪ ،‬وكان الفقر والجوع والعرى عاًم اـ في‬ ‫المجتمع‪.‬‬

‫الخلق‬ ‫ل شك أن أهل الجاهلية كانت فيه م دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السلي م ويأباها الوجدان‪ ،‬ولكن كانت فيه م من‬ ‫الخلق الفاضلة المحمود ة ما يروع النسان ويفضى به إلى الدهشة والعجب‪ ،‬فمن تلك الخلق‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ الكر م‪ :‬وكانوا يتبارون في ذلك ويفتخرون به‪ ،‬وقد استنفدوا فيه نصف أشعاره م بين ممتدح به وُم ثْـٍن على غيره‪،‬‬

‫كان الرجل يأتيه الضيف في شد ة البرد والجوع وليس عنده من المال إل ناقته التي هي حياته وحيا ة أسرته‪ ،‬فتأخذه‬ ‫هز ة الكر م فيقو م إليها‪ ،‬فيذبحها لضيفه‪ .‬ومن آثار كرمه م أنه م كانوا يتحملون الديات الهائلة والحمالت المدهشة‪،‬‬ ‫يكفون بذلك سفك الدماء‪ ،‬وضياع النسان‪ ،‬ويمتدحون بها مفتخرين على غيره م من الرؤساء والسادات‪.‬‬


‫وكان من نتائج كرمه م أنه م كانوا يتمدحون بشرب الخمور‪ ،‬ل لنها مفخر ة في ذاتها؛ بل لنها سبيل من سبل الكر م‪،‬‬ ‫ومما يسهل الّس َرـفـعلى النفس‪ ،‬ولجل ذلك كانوا يسمون َش َجـ َر ـ العنب بالَك ْرـ مــ‪،‬وَخ ْمـَرــهبِبِْن ِتـ الكر م‪ .‬إواذا نظرت إلى‬ ‫دواوين أشعارالجاهلية تجد ذلك باًبا من أبواب المديح والفخر‪ ،‬يقول عنتر ة بن شداد العبسي في معلقته‪:‬‬ ‫تـمن الم َدـاـم ةـ بع َدـ ما ** ر َكـ ــدالهواجـِر بالم شــو ِ‬ ‫ف الُم ْعـلـِ م‬ ‫ولقد َش ِرـْبـ ُ‬ ‫ُ َ َْ‬ ‫َ‬ ‫َ ُ َ ُ‬ ‫ت بأزه ـَر بالّش مـال ُم فـَّد ِ مـ‬ ‫بُز َجـ اـَج ٍةـصـَْفراء ذات أسـِّر ة ** ُقرَنـ ْ‬ ‫ت فإننى م سـتَـهلِـك ** مالى وِع ر ـ ِ‬ ‫ضـ ىـوـاِفـٌر ل م ُيْك لـَِ م‬ ‫فــإذا شـَِر بـ ُ‬ ‫ْ‬ ‫ُْ ْ‬

‫ص ُر ـ عن َنَد ىـ ** وكمــا َع لـمـت شمائلــى َو تَـَك ّرـمـِـى‬ ‫ت ـفما أُقَ ّ‬ ‫ص َحـْوـ ُ‬ ‫إواذا َ‬ ‫ومن نتائج كرمه م اشتغاله م بالميسر‪ ،‬فإنه م كانوا يرون أنه سبيل من سبل الكر م؛ لنه م كانوا يطعمون المساكين ما‬ ‫ربحوه أو ما كان يفضل عن سها م الرابحين؛ ولذلك ترى القرآن ل ينكر نفع الخمر والميسر إوانما يقول‪ :‬‏} َ إوِاثُْمهُـَمآـأَْك َبـُر‬ ‫ِم نـ ّنْفِع ِه ـَمـا{ـ ]البقر ة‪[219:‬‬ ‫‪ 2‬ـ الوفاء بالعهد‪ :‬فقد كان العهد عنده م ديًنا يتمسكون به‪ ،‬ويستهينون في سبيله قتل أولده م‪ ،‬وتخريب دياره م‪ ،‬وتكفي‬ ‫في معرفة ذلك قصة هانئ بن مسعود الشيباني‪ ،‬والّس َمـْوـأـلبن عاديا‪ ،‬وحاجب بن زرار ة التميمي‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ عز ة النفس والباء عن قبول الخسف والضي م‪ :‬وكان من نتائج هذا فرط الشجاعة وشد ة الغير ة‪ ،‬وسرعة النفعال‪،‬‬ ‫فكانوا ل يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إل قاموا إلى السيف والسنان‪ ،‬وأثاروا الحروب العوان‪ ،‬وكانوا‬ ‫ل يبالون بتضحية أنفسه م في هذا السبيل‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ المضي في العزائ م‪ :‬فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والفتخار‪ ،‬ل يصرفه م عنه صارف‪ ،‬بل كانوا‬ ‫يخاطرون بأنفسه م في سبيله‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ الحل م‪ ،‬والنا ة‪ ،‬والتؤد ة‪ :‬كانوا يتمدحون بها إل أنها كانت فيه م عزيز ة الوجود؛ لفرط شجاعته م وسرعة إقدامه م على‬ ‫القتال‪.‬‬ ‫‪ 6‬ـ السذاجة البدوية‪ ،‬وعد م التلوث بلوثات الحضار ة ومكائدها‪ :‬وكان من نتائجها الصدق والمانة‪ ،‬والنفور عن الخداع‬ ‫والغدر‪.‬‬ ‫نرى أن هذه الخلق الثمينة ـ مع ما كان لجزير ة العرب من الموقع الجغر��في بالنسبة إلى العال م ـ كانت سبًبا في‬

‫اختيار ال عز وجل إياه م لحمل عبء الرسالة العامة‪ ،‬وقياد ة المة النسانية‪ ،‬إواصلح المجتمع البشرى؛ لن هذه‬ ‫الخلق إوان كان بعضها يفضى إلى الشر‪ ،‬ويجلب الحوادث المؤلمة إل أنها كانت في نفسها أخلًقا ثمينة‪ ،‬تدر‬ ‫بالمنافع العامة للمجتمع البشرى بعد شيء من الصلح‪ ،‬وهذا الذي فعله السل م‪.‬‬


‫ولعل أغلى ما عنده م من هذه الخلق وأعظمها نفًعاـ ـ بعد الوفاء بالعهد ـ هو عز ة النفس والمضي في العزائ م؛ إذ ل‬ ‫يمكن قمع الشر والفساد إواقامة نظا م العدل والخير إل بهذه القو ة القاهر ة وبهذا العز م الصمي م‪ .‬وله م أخلق فاضلة‬ ‫أخرى دون هذه التي ذكرناها‪ ،‬وليس قصدنا استقصاءها‪.‬‬


‫النسب والمولد والنشأ ة‬ ‫نسب النبي صلى ا عليه وسلم وأسرته‬ ‫السرة النبوية‬ ‫المولـــد‬ ‫السيرة الجمالية تقبل النبوة‬

‫نسب النبي صلى ال عليه وسل م وأسرته‬ ‫نسب النبي صلى ال عليه وسل م‬ ‫نسب نبينا محمد صلى ال عليه وسل م ينقس م إلى ثلثة أجزاء‪ :‬جزء اتفق عليه كافة أهل السير والنساب‪ ،‬وهو‬ ‫الجزء الذي يبدأ منه صلى ال عليه وسل م وينتهي إلى عدنان‪.‬‬ ‫وجزء آخر كثر فيه الختلف‪ ،‬حتى جاوز حد الجمع والئتلف‪ ،‬وهو الجزء الذي يبدأ بعد عدنان وينتهي إلى‬ ‫إبراهي م عليه السل م فقد توقف فيه قو م‪ ،‬وقالوا‪ :‬ل يجوز سرده‪ ،‬بينما جوزه آخرون وساقوه‪ .‬ث م اختلف هؤل المجوزون‬ ‫في عدد الباء وأسمائه م‪ ،‬فاشتد اختلفه م وكثرت أقواله م حتى جاوزت ثلثين قوًل ‪ ،‬ـ ـإل أن الجميع متفقون على أن‬ ‫عدنان من صريح ولد إسماعيل عليه السل م‪.‬‬

‫أما الجزء الثالث فهو يبدأ من بعد إبراهي م عليه السل م وينتهي إلى آد م عليه السل م‪ ،‬وجل العتماد فيه على نقل أهل‬ ‫الكتاب‪ ،‬وعنده م فيه من بعض تفاصـيل العمـار وغيرهـا ما ل نشك في بطلنه‪ ،‬بينما نتوقف في البقية الباقية‪.‬‬ ‫وفيما يلى الجزاء الثلثة من نسبه الزكى صلى ال عليه وسل م بالترتيب ‪:‬‬ ‫الجزء الول ‪ :‬محمد بن عبد ال بن عبد المطلب ـ واسمه َش ْيـَبـة ـ بن هاش م ـ واسمه عمرو ـ بن عبد مناف ـ واسمه‬ ‫ص ّى ـ ـ واسمه زيد ـ بن ِك لـب بن ُم ّرـ ةبن كعب بن لؤى بن غالب بن ِفْهـر ـ وهو الملقب بقريش إواليه‬ ‫المغير ة ـ بن قُ َ‬ ‫ض ر ـ ـ واسمه قيس ـ بن ِك َنـانة بن ُخ َزـْيـَمـةـبن ُم ْدـِرـكـةـ واسمه عامـر ـ بن إلياس بن‬ ‫تنتسب القبيلة ـ بن مالك بن الّن ْ‬ ‫ضـ ر ـ بن نَِزار بن َم َعـّدـ بن عدنان‪.‬‬ ‫ُم َ‬ ‫الجزء الثانى ‪ :‬ما فوق عدنان‪ ،‬وعدنان هو ابن أَُد دـ بن الهََم ْيـَسـعـ بن سلمان بن َع ْوـ ص ـبن بوز بن قموال بن أبي بن‬ ‫عوا م بن ناشد بن ح از بن بلداس بن يدلف بن طابخ بن جاح م بن ناحش بن ماخى بن عيض بن عبقر بن عبيد بن‬ ‫الدعا بن َح ْمـدــان بن سنبر بن يثربى بن يحزن بن يلحن بن أرعوى بن عيض بن ديشان بن عيصر بن أفناد ابن‬

‫أيها م بن مقصر بن ناحث بن زارح بن سمى بن مزى بن عوضة بن عرا م بن قيدار ابن إسماعيل بن إيراهي م عليهما‬ ‫السل م‪.‬‬


‫الجزء الثالث ‪ :‬ما فوق إبراهي م عليه السل م‪ ،‬وهو ابن تاَرح ـ واسمه آزر ـ بن ناحور بن ساروع ـ أو ساروغ ـ بن َراُع وـ‬ ‫بن َفاَلخ بن عابر بن َش اـَلخ بن أْر فَـْخ َش ـدـبن سا م بن نوح عليه السل م بن لمك بن َم تـوَش لـَخ بن أَْخ ُنــوخ ـ يقال ‪ :‬هو‬ ‫إدريس النبي عليه السل م ـ بن َيْر د ـبن َم ْهـلئيل بن قينان بن أُنوش بن ِش يــث بن آد م ـ عليهما السل م‪.‬‬

‫السر ة النبوية‬ ‫تعرف أسرته صلى ال عليه وسل م بالسر ة الهاشمية ـ نسبة إلى جده هاش م بن عبد مناف ـ إواذن فلنذكر شيًئا من‬ ‫أحوال هاش م ومن بعده ‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ هاش م ‪:‬‬ ‫قد أسلفنا أن هاشًم اـ هو الذي تولى السقاية والرفاد ة من بني عبد مناف حين تصالح بنو عبد مناف وبنو عبد الدار‬ ‫على اقتسا م المناصب فيما بينهما‪ ،‬وكان هاش م موسًرا ذا شرف كبير‪ ،‬وهو أول من أطع م الثريد للحجاج بمكة‪ ،‬وكان‬

‫اسمه عمرو فما سمى هاشًم اـ إل لهشمه الخبز‪ ،‬وهو أول من سن الرحلتين لقريش‪ ،‬رحلة الشتاء والصيف‪ ،‬وفيه يقول‬ ‫الشاعر ‪:‬‬ ‫عمرو الذي َهَش مـ الثريَد لقومه ** َقوٍ م بمكة م ِسـنـِتين ِع ج ـاـ ِ‬ ‫ف‬ ‫َ‬ ‫ُْ‬ ‫َ‬ ‫ت إليه الرحلتان كلهما ** َس فَـُر الشتاء ورحلة الصياف‬ ‫ُس ّنـ ْ‬

‫ومن حديثه أنه خرج إلى الشا م تاجًرا‪ ،‬فلما قد م المدينة تزوج سلمى بنت عمرو أحد بني عدى بن النجار وأقا م عندها‪،‬‬ ‫ث م خرج إلى الشا م ـ وهي عند أهلها قد حملت بعبد المطلب ـ فمات هاش م بغز ة من أرض فلسطين‪ ،‬وولدت امرأته‬ ‫سلمى عبد المطلب سنة ‪ 497‬م‪ ،‬وسمته شيبة؛ لشيبة كانت في رأسه‪ ،‬وجعلت تربيه في بيت أبيها في يثرب‪ ،‬ول م‬ ‫يشعر به أحد من أسرتـه بمكـة‪ ،‬وكان لهاش م أربعة بنين وه م‪ :‬أسد وأبو صيفي ونضلة وعبد المطلب‪ .‬وخمس بنات‬ ‫وهن‪ :‬الشفاء‪ ،‬وخالد ة‪ ،‬وضعيفة‪ ،‬ورقية‪ ،‬وجنة‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ عبـد المطلب ‪:‬‬ ‫قد علمنا مما سبق أن السقاية والرفاد ة بعد هاش م صارت إلى أخيه المطلب بن عبد مناف ]وكان شريًفا مطاًع اـ ذا‬ ‫فضل في قومه‪ ،‬كانت قريش تسميه الفياض لسخائه[ لما صار شيبة ـ عبد المطلب ـ وصيًفا أو فوق ذلك ابن سبع‬

‫سنين أو ثماني سنين سمع به المطلب‪ .‬فرحل في طلبه‪ ،‬فلما رآه فاضت عيناه‪ ،‬وضمه‪ ،‬وأردفه على راحلته فامتنع‬

‫حتى تأذن له أمه‪ ،‬فسألها المطلب أن ترسله معه‪ ،‬فامتنعت‪ ،‬فقال ‪ :‬إنما يمضى إلى ملك أبيه إوالى حر م ال فأذنت‬ ‫له‪ ،‬فقد م به مكة مردفه على بعيره‪ ،‬فقال الناس‪ :‬هذا عبد المطلب‪ ،‬فقال‪ :‬ويحك م‪ ،‬إنما هو ابن أخى هاش م‪ ،‬فأقا م عنده‬


‫حتى ترعرع‪ ،‬ث م إن المطلب هلك بـ ]دمان[ من أرض اليمن‪ ،‬فولى بعده عبد المطلب‪ ،‬فأقا م لقومه ما كان آباؤه‬ ‫يقيمون لقومه م‪،‬وشرف في قومه شرًفا ل م يبلغه أحد من آبائه‪ ،‬وأحبه قومه وعظ م خطره فيه م‪.‬‬ ‫ولما مات المطلب وثب نوفل على أركاح بد المطلب فغصبه إياها‪ ،‬فسأل رجاًل من قريش النصر ة على عمه‪ ،‬فقالوا‪:‬‬

‫ل ندخل بينك وبين عمك‪ ،‬فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياًتا يستنجده م‪ ،‬فسار خاله أبو سعد بن عدى في‬ ‫ثمانين راكًبا‪ ،‬حتى نزل بالبطح من مكة‪ ،‬فتلقاه عبد المطلب‪ ،‬فقال‪ :‬المنزل يا خال‪ ،‬فقال‪ :‬ل وال حتى ألقى نوفًل ‪ ،‬ـ ـ‬ ‫ث م أقبل فوقف على نوفل‪ ،‬وهو جالس في الحجر مع مشايخ قريش‪ ،‬فسل أبو سعد سيفه وقال‪ :‬ورب البيت‪ ،‬لئن ل م‬

‫ترد على ابن أختى أركاحه لمكنن منك هذا السيف‪ ،‬فقال‪ :‬رددتها عليه‪ ،‬فأشهد عليه مشايخ قريش‪ ،‬ث م نزل على عبد‬ ‫المطلب‪ ،‬فأقا م عنده ثلًثا‪ ،‬ث م اعتمر ورجع إلى المدينة‪ .‬فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف‬

‫على بني هاش م‪ .‬ولما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب قالوا‪ :‬نحن ولدناه كما ولدتموه‪ ،‬فنحن أحق بنصره ـ‬

‫وذلك أن أ م عبد مناف منه م ـ فدخلوا دار الندو ة وحالفوا بني هاش م على بني عبد شمس ونوفل‪ ،‬وهذا الحلف هو الذي‬ ‫صار سبًبا لفتح مكة كما سيأتى‪.‬‬ ‫ومن أه م ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان‪:‬‬ ‫حفر بئر زمز م ووقعة الفيل‬ ‫وخلصة الول‪ :‬أنه أمر في المنا م بحفر زمز م ووصف له موضعها‪ ،‬فقا م يحفر‪ ،‬فوجد فيه الشياء التي دفنها‬ ‫الجراهمة حين لجأوا إلى الجلء‪ ،‬أي السيوف والدروع والغزالين من الذهب‪ ،‬فضرب السياف باًبا للكعبة‪ ،‬وضرب في‬ ‫الباب الغزالين صفائح من ذهب‪ ،‬وأقا م سقاية زمز م للحجاج‪.‬‬ ‫ولما بدت بئر زمز م نازعت قريش عبد المطلب‪ ،‬وقالوا له ‪ :‬أشركنا‪.‬قال‪ :‬ما أنا بفاعل‪ ،‬هذا أمر خصصت به‪ ،‬فل م‬ ‫يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلى كاهنة بني سعد ُهَذ ْيـ مـ‪ ،‬وكانت بأشراف الشا م‪ ،‬فلما كانوا في الطريق‪ ،‬ونفد الماء‬ ‫سقى ال عبد المطلب مطًرا‪ ،‬م ينزل عليه م قطر ة‪ ،‬فعرفوا تخصيص عبد المطلب بزمز م ورجعـوا‪ ،‬وحينئذ نذر عبد‬ ‫المطلب لئن آتاه ال عشر ة أبناء‪ ،‬وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحده م عند الكعبة‪.‬‬ ‫وخلصة الثانى‪ :‬أن أبرهة بن الصباح الحبشى‪ ،‬النائب العا م عن النجاشى على اليمن‪ ،‬لما رأي العرب يحجون‬ ‫الكعبة بني كنيسة كبير ة بصنعاء‪ ،‬وأراد أن يصرف حج العرب إليها‪ ،‬وسمع بذلك رجل من بني كنانة‪ ،‬فدخلها ليًل‬

‫فلطخ قبلتها بالعذر ة‪ .‬ولما عل م أبرهة بذلك ثار غيظه‪ ،‬وسار بجيش عرمر م ـ عدده ستون ألف جندى ـ إلى الكعبة‬

‫ليهدمها‪ ،‬واختار لنفسه فيل من أكبر الفيلة‪ ،‬وكان في الجيش ‪ 9‬فيلة أو ‪ 13‬فيل‪ ،‬وواصل سيره حتى بلغ الُم َغـّم سـ‪،‬‬

‫وهناك عبأ جيشه وهيأ فيله‪ ،‬وتهيأ لدخول مكة‪ ،‬فلما كان في وادى ُم َحـ ّسـرـ بين المزدلفة ومنى برك الفيل‪ ،‬ول م يق م‬

‫ليقد م إلى الكعبة‪ ،‬وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقو م يهرول‪ ،‬إواذا صرفوه إلى الكعبة برك‪،‬‬ ‫فبيناه م كذلك إذ أرسل ال عليه م طيًرا أبابيل‪ ،‬ترميه م بحجار ة من سجيل‪ ،‬فجعله م كعصف مأكول‪ .‬وكانت الطير‬

‫أمثال الخطاطيف والبلسان‪ ،‬مع كل طائر ثلثة أحجار؛ حجر في منقاره‪ ،‬وحجران في رجليه أمثال الحمص‪ ،‬ل‬


‫تصيب منه م أحًد اـ إل صارت تتقطع أعضاؤه وهلك‪ ،‬وليس كله م أصابت‪ ،‬وخرجوا هاربين يموج بعضه م في بعض‪،‬‬ ‫فتساقطوا بكل طريق وهلكوا على كل منهل‪ ،‬وأما أبرهة فبعث ال عليه داء تساقطت بسببه أنامله‪ ،‬ول م يصل إلى‬ ‫صنعاء إل وهو مثل الفرخ‪ ،‬وانصدع صدره عن قلبه ث م هلك‪.‬‬ ‫وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب‪ ،‬وتحرزوا في رءوس الجبال خوًفا على أنفسه م من معر ة الجيش‪ ،‬فلما نزل‬ ‫بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوته م آمنين‪.‬‬ ‫وكانت هذه الوقعة في شهر المحر م قبل مولد النبي صلى ال عليه وسل م بخمسين يوًم اـ أو بخمسة وخمسين يوًم اـ ـ‬ ‫عند الكثر ـ وهو يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة ‪ 571‬م‪ ،‬وكانت تقدمة قدمها ال لنبيه وبيته؛ لّنا حين‬

‫ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء ال استولوا على هذه القبلة مرتين بينما كان أهلها مسلمين‪ ،‬كما‬

‫ص ر ـسنة ‪ 587‬ق‪ .‬م‪ ،‬والرومان سنة ‪ 70‬م‪ ،‬ولكن ل م يت م استيلء نصارى الحبشة على الكعبة وه م‬ ‫وقع لُبْخ تُـَن ّ‬ ‫المسلمون إذ ذاك‪ ،‬وأهل الكعبة كانوا مشركين‪.‬‬

‫وقد وقعت هذه الوقعة في الظروف التي يبلغ نبؤها إلى معظ م المعمور ة المتحضر ة إذ ذاك‪ .‬فالحبشة كانت لها صلة‬ ‫قوية بالرومان‪ ،‬والفرس ل يزالون له م بالمرصاد‪ ،‬يترقبون ما نزل بالرومان وحلفائه م؛ ولذلك سرعان ما جاءت الفرس‬ ‫إلى اليمن بعد هذه الوقعة‪ ،‬وهاتان الدولتان كانتا تمثلن العال م المتحضر في ذلك الوقت‪ .‬فهذه الوقعة لفتت أنظار‬ ‫العال م ودلته على شرف بيت ال ‪ ،‬وأنه هو الذي اصطفاه ال للتقديس‪ ،‬فإذن لو قا م أحد من أهله بدعوى النبو ة كان‬ ‫ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة‪ ،‬وكان تفسيًرا للحكمة الخفية التي كانت في نصر ة ال للمشركين ضد أهل‬ ‫اليمان بطريق يفوق عال م السباب‪.‬‬ ‫وكان لعبد المطلب عشر ة بنين‪ ،‬وه م‪ :‬الحارث‪ ،‬والزبير‪ ،‬وأبو طالب‪ ،‬وعبد ال ‪ ،‬وحمز ة‪ ،‬وأبو لهب‪ ،‬والَغْي َدـاـق‪،‬‬ ‫والم َقـّو مــ‪ ،‬و ِ‬ ‫ض َرــار‪،‬والعباس‪ .‬وقيل‪ :‬كانوا أحد عشر‪ ،‬فزادوا ولًد اـ اسمه‪ :‬قَُث م‪ ،‬وقيل ‪ :‬كانوا ثلثة عشر‪ ،‬فزادوا‪ :‬عبد‬ ‫ُ‬ ‫وقيل‪ :‬إن عبد الكعبة هو المقو م‪ ،‬وحجل هو الغيداق‪ ،‬ول م يكن من أولده رجل اسمه قث م‪ ،‬وأما البنات‬ ‫الكعبة وَح ْجـًل ـ ‪ ،‬ـ ـ‬ ‫فست وهن ‪ :‬أ م الحكي م ـ وهي البيضاء ـ وَبّر ة‪ ،‬وعاتكة‪ ،‬وصفية‪ ،‬وأْر َو ــى‪،‬وأميمة‪.‬‬ ‫‪3‬ـ عبد ال والد رسول ال صلى ال عليه وسل م‪:‬‬ ‫ظة بـن مـر ة‪ ،‬وكـان عبد ال أحسن أولد عبد المطلب‬ ‫أمـه فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزو م بن َيقَ َ‬

‫وأعفه م وأحبه م إليه‪ ،‬وهو الذبيح؛ وذلك أن عبد المطلب لمـا ت م أبناؤه عشر ة‪ ،‬وعرف أنه م يمنعونه أخبره م بنذره‬

‫فأطاعوه‪ ،‬فقيل ‪ :‬إنه أقـرع بينه م أيه م ينـحـر ؟ فطـارت القرعــة على عـبد ال ‪ ،‬وكــان أحـب النـاس إليه‪.‬فقال‪:‬ال م هو‬ ‫أو مائة من البل‪.‬ث م أقرع بينه وبين البل فطارت القرعة على المائة من البل‪ ،‬وقيل‪:‬إنه كتب أسماءه م في‬ ‫القداح‪،‬وأعطاها قي م هبل‪ ،‬فضرب القداح فخرج القدح على عبد ال ‪ ،‬فأخذه عبد المطلب‪ ،‬وأخذ الشفر ة‪،‬ث م أقبل به إلى‬ ‫الكعبة ليذبحه‪،‬فمنعته قريش‪،‬ولسيما أخواله من بني مخزو م وأخوه أبو طالب‪ .‬فقال عبد المطلب ‪ :‬فكيف أصنع‬ ‫بنذري؟ فأشاروا عليه أن يأتى عرافة فيستأمرها‪ ،‬فأتاها‪ ،‬فأمرت أن يضرب القداح على عبد ال وعلى عشر من البل‪،‬‬


‫فإن خرجت على عبد ال يزيد عشًرا من البل حتى يرضى ربه‪ ،‬فإن خرجت على البل نحرها‪ ،‬فرجع وأقرع بين عبد‬ ‫ال وبين عشر من البل‪ ،‬فوقعت القرعة على عبد ال ‪ ،‬فل م يزل يزيد من البل عشًرا عشًرا ول تقع القرعة إل عليه‬ ‫إلى أن بلغت البل مائة فوقعت القرعة عليها‪ ،‬فنحرت ث م تركت‪ ،‬ل يرد عنها إنسان ول سبع‪ ،‬وكانت الدية في قريش‬

‫وفي العرب عشًرا من البل‪ ،‬فجرت بعد هذه الوقعة مائة من البل‪ ،‬وأقرها السل م‪ ،‬وروى عن النبي صلى ال عليه‬ ‫وسل م أنه قال‪] :‬أنا ابن الذبيحين[ يعنى إسماعيل‪ ،‬وأباه عبد ال ‪.‬‬ ‫واختار عبد المطلب لولده عبد ال آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهر ة بن كلب‪ ،‬وهي يومئذ تعد أفضل امرأ ة في‬ ‫قريش نسًبا وموضًعاـ‪ ،‬وأبوها سيد بني زهر ة نسًبا وشرًفا‪ ،‬فزوجه بها‪ ،‬فبني بها عبد ال في مكة‪ ،‬وبعد قليل أرسله عبد‬ ‫المطلب إلى المدينة يمتار له م تمًرا‪ ،‬فمات بها‪ ،‬وقيل ‪ :‬بل خرج تاجًرا إلى الشا م‪ ،‬فأقبل في عير قريش‪ ،‬فنزل بالمدينة‬

‫وهو مريض فتوفي بها‪ ،‬ودفن في دار النابغة الجعدى‪ ،‬وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة‪ ،‬وكانت وفاته قبل أن يولد‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وبه يقول أكثر المؤرخين‪ ،‬وقيل ‪ :‬بل توفي بعد مولده بشهرين أو أكثر‪ .‬ولما بلغ‬ ‫نعيه إلى مكة رثته آمنة بأروع المراثى‪ ،‬قالت ‪:‬‬ ‫ب البطحاِء من ابن هاش م ** وجاور لَْح ًد ـاـ خارجًـا في الَغـَم اـِغ ـ ــ م‬ ‫َع فَـا جان ُ‬ ‫ت في الناس مثل ابن هاشـ م‬ ‫َد َعـتْــه المنــايا دع ـو ة فأجـابـ ـهـا ** وما ترك ْ‬ ‫عشيـة ارحـوا يحملــون سريـره ** تََعاَو َرـهُأصـحـابــه في الت ازحـ ــ م‬ ‫فإن تـك غـالتـه المنـايا وَر ْيـَبـه ــا** فقـد كـان ِم ْعـطــاًء كـثير التراح م‬

‫وجميع ما خلفه عبد ال خمسة أجمال‪ ،‬وقطعة غن م‪ ،‬وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أ م أيمن‪ ،‬وهي حاضنـة رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسل م‪.‬‬

‫المولد وأربعون عاًم اـ قبل النبو ة‬ ‫المول ــد‬ ‫ولـد سيـد المرسلـين صلى ال عليه وسل م بشـعب بني هاشـ م بمكـة في صبيحـة ي ـو م الثنين التاسع مـن شـهر ربيـع‬ ‫الول‪ ،‬لول عـا م مـن حادثـة الفيـل‪ ،‬ولربعـين سنة خلت من ملك كسرى أنوشروان‪ ،‬ويوافق ذلك عشرين أو اثنين‬ ‫وعشرين من شهر أبريل سنة ‪ 571‬م حسبما حققه العال م الكبير محمد سليمان ـ المنصورفورى ـ رحمه ال ‪.‬‬ ‫وروى ابــن سعــد أن أ م رســول ال صلى ال عليه وسل م قالــت ‪ :‬لمــا ولـدتــه خــرج مــن فرجـى نــور أضــاءت لـه قصـور‬ ‫الشا م‪ .‬وروى أحمد والدارمى وغيرهمـا قريبًـا مـن ذلك‪.‬‬


‫وقد روى أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلد‪ ،‬فسقطت أربع عشر ة شرفة من إيوان كسرى‪ ،‬وخمدت النار التي‬ ‫يعبدها المجوس‪ ،‬وانهدمت الكنائس حول بحير ة ساو ة بعد أن غاضت‪ ،‬روى ذلك الطبرى والبيهقى وغيرهما‪ .‬وليس له‬ ‫إسناد ثابت‪ ،‬ول م يشهد له تاريخ تلك الم م مع قو ة دواعى التسجيل‪.‬‬ ‫ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده‪،‬فجاء مستبشًرا ودخل به الكعبة‪ ،‬ودعا ال وشكر له‪.‬‬ ‫واختار له اس م محمد ـ وهذا الس م ل م يكن معروًفا في العرب ـ وَخ تَـَنهـ يو م سابعه كما كان العرب يفعلون‪.‬‬ ‫وأول من أرضعته من المراضع ـ وذلك بعد أمه صلى ال عليه وسل م بأسبوع ـ ثَُو ْي ـَبـةـ مول ة أبي لهب بلبن ابن لها يقال‬ ‫له‪َ :‬م ْسـُرـ وـح‪،‬وكانت قد أرضعت قبله حمز ة بن عبد المطلب‪ ،‬وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد السد المخزومي‪.‬‬

‫في بني سعد‬ ‫وكانت العاد ة عند الحاضرين من العرب أن يلتمسوا المراضع لولده م ابتعاًد اـ له م عن أمراض الحواضر؛ ولتقوى‬ ‫أجسامه م‪ ،‬وتشتد أعصابه م‪ ،‬ويتقنوا اللسان العربى في مهده م‪ ،‬فالتمس عبد المطلب لرسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫المراضع‪ ،‬واسترضع له امرأ ة من بني سعد بن بكر‪ ،‬وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد ال بن الحارث‪ ،‬وزوجها الحارث‬ ‫ابن عبد العزى المكنى بأبي كبشة من نفس القبيلة‪.‬‬ ‫إواخوته صلى ال عليه وسل م هناك من الرضاعة ‪ :‬عبد ال بن الحارث‪ ،‬وأنيسة بنت الحارث‪ ،‬وحذافة أو جذامة بنت‬ ‫الحارث ]وهي الشيماء؛ لقب غلب على اسمها[ وكانت تحضن رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وأبو سفيان بن‬ ‫الحارث بن عبد المطلب ابن ع م رسول ال صلى ال عليه وسل م وكان عمه حمز ة بن عبد المطلب مسترضًعاـ في بني‬ ‫سعد بن بكر‪ ،‬فأرضعت أمه رسول ال صلى ال عليه وسل م يوًم اـ وهو عند أمه حليمة‪،‬فكان حمز ة رضيع رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسل م من جهتين‪ ،‬من جهة ثويبة ومن جهة السعدية‪.‬‬

‫ورأت حليمة من بركته صلى ال عليه وسل م ما قضت منه العجب‪ ،‬ولنتركها تروى ذلك مفصًل ‪:‬‬ ‫قال ابن إسحاق ‪ :‬كانت حليمة تحدث ‪ :‬أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه في نسو ة من بني‬ ‫سعد بن بكر‪ ،‬تلتمس الرضعاء‪ .‬قالت ‪ :‬وذلك في سنة شهباء ل م تبق لنا شيًئا‪ ،‬قالت ‪ :‬فخرجت على أتان لى قمراء‪،‬‬

‫ض ُبقطر ة‪ ،‬وما ننا م ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا‪ ،‬من بكائه من الجوع‪ ،‬ما في ثديى‬ ‫ومعنا شارف لنا‪ ،‬وال ما تَبِ ّ‬

‫تـ بالركب حتى‬ ‫ما يغنيه‪ ،‬وما في شارفنا ما يغذيه‪ ،‬ولكن كنا نرجو الغيث والفرج‪ ،‬فخرجت على أتانى تلك‪ ،‬فلقد أَذ ّمـ ْ‬ ‫شق ذلك عليه م‪ ،‬ضعًفا وعجًفا‪ ،‬حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء‪ ،‬فما منا امرأ ة إل وقد عرض عليها رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسل م فتأباه‪ ،‬إذا قيل لها‪ :‬إنه يتي م‪ ،‬وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي‪ ،‬فكنا نقول‪ :‬يتي م! وما عسى‬ ‫أن تصنع أمه وجده‪ ،‬فكنا نكرهه لذلك‪ ،‬فما بقيت امرأ ة قدمت معي إل أخذت رضيًعاـ غيرى‪ ،‬فلما أجمعنا النطلق‬

‫قلت لصاحبى‪ :‬وال ‪ ،‬إنى لكره أن أرجع من بين صواحبى ول م آخذ رضيًعا‪ ،‬وال لذهبن إلى ذلك اليتي م فلخذنه‪.‬‬

‫قال ‪ :‬ل عليك أن تفعلى‪ ،‬عسى ال أن يجعل لنا فيه بركة‪ .‬قالت‪ :‬فذهبت إليه وأخذته‪،‬وما حملنى على أخذه إل أنى‬ ‫ل م أجد غيره‪ ،‬قالت‪ :‬فلما أخذته رجعت به إلى رحلى‪ ،‬فلما وضعته في حجرى أقبل عليه ثديأي بما شاء من لبن‪،‬‬


‫فشرب حتى روى‪ ،‬وشرب معه أخوه حتى روى‪ ،‬ث م ناما‪ ،‬وما كنا ننا م معه قبل ذلك‪ ،‬وقا م زوجي إلى شارفنا تلك‪ ،‬فإذا‬ ‫هي حافل‪ ،‬فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعا‪ ،‬فبتنا بخير ليلة‪ ،‬قالت‪ :‬يقول صاحبى حين‬ ‫أصبحنا‪ :‬تعلمي وال يا حليمة‪ ،‬لقد أخذت نسمة مباركة‪ ،‬قالت‪ :‬فقلت‪ :‬وال إنى لرجو ذلك‪ .‬قالت‪ :‬ث م خرجنا وركبت‬ ‫أنا أتانى‪ ،‬وحملته عليها معى‪ ،‬فوال لقطعت بالركب ما ل يقدر عليه شىء من حمره م‪ ،‬حتى إن صواحبى ليقلن لى‪:‬‬

‫يا ابنة أبي ذؤيب‪ ،‬ويحك! أْر بِــعى علينا‪ ،‬أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن‪ :‬بلى وال ‪ ،‬إنها لهي‬

‫ض ا ـ من أرض ال أجدب منها‪،‬‬ ‫هي‪ ،‬فيقلن‪ :‬وال إن لها شأًنا‪ ،‬قالت‪ :‬ث م قدمنا منازلنا من بلد بني سعد‪ ،‬وما أعل م أر ً‬ ‫فكانت غنمى تروح علّى حين قدمنا به معنا شباًع اـ لُّبنًـا‪ ،‬فنحلب ونشرب‪ ،‬وما يحلب إنسان قطر ة لبن‪ ،‬ول يجدها في‬

‫ضرع‪ ،‬حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانه م‪ :‬ويلك م‪ ،‬اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبي ذؤيب‪ ،‬فتروح‬

‫أغنامه م جياًع اـ ما تبض بقطر ة لبن‪ ،‬وتروح غنمى شباًع اـ لبًنا‪ .‬فل م نزل نتعرف من ال الزياد ة والخير حتى مضت‬ ‫سنتاه وفصلته‪ ،‬وكان يشب شباًبا ل يشبه الغلمان‪ ،‬فل م يبلغ سنتيه حتى كان غلًم اـ جفًرا‪ .‬قالت‪ :‬فقدمنا به على أمه‬

‫ونحن أحرص على مكثه فينا‪ ،‬لما كنا نرى من بركته‪ ،‬فكلمنا أمه‪ ،‬وقلت لها‪ :‬لو تركت ابني عندي حتى يغلظ‪ ،‬فإني‬ ‫أخشى عليه وباء مكة‪ ،‬قالت‪ :‬فل م نزل بها حتى ردته معنا‪.‬‬ ‫شق الصدر‬ ‫وهكذا رجع رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى بني سعد‪ ،‬حتى إذا كان بعده بأشهر على قول ابن إسحاق‪ ،‬وفي‬ ‫السنة الرابعة من مولده على قول المحققين وقع حادث شق صدره‪ ،‬روى مسل م عن أنس‪ :‬أن رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م أتاه جبريل‪ ،‬وهو يلعب مع الغلمان‪ ،‬فأخذه فصرعه‪ ،‬فشق عن قلبه‪ ،‬فاستخرج القلب‪ ،‬فاستخرج منه علقة‪،‬‬ ‫طْس تـ من ذهب بماء زمز م‪ ،‬ث م لََم هـ ـ أي جمعه وض م بعضه إلى بعض ـ‬ ‫فقال‪ :‬هذا حظ الشيطان منك‪ ،‬ث م غسله في َ‬ ‫ث م أعاده في مكانه‪ ،‬وجاء الغلمان يسعون إلى أمه ـ يعنى ظئره ـ فقالوا‪ :‬إن محمًد اـ قد قتل‪ ،‬فاستقبلوه وهو ُم ْنـتَـِق عُـ اللون ـ‬ ‫أي متغير اللون ـ قال أنس‪ :‬وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره‪.‬‬ ‫إلى أمه الحنون‬ ‫وخشيت عليه حليمة بعد هذه الوقعة حتى ردته إلى أمه‪ ،‬فكان عند أمه إلى أن بلغ ست سنين‪.‬‬ ‫ورأت آمنة ـ وفاء لذكرى زوجها الراحل ـ أن تزور قبره بيثرب‪ ،‬فخرجت من مكة قاطعة رحلة تبلغ نحو خمسمائة كيلو‬ ‫متر ومعها ولدها اليتي م ـ محمد صلى ال عليه وسل م ـ وخادمتها أ م أيمن‪ ،‬وق��مها عبد المطلب‪ ،‬فمكثت شهًرا ث م قفلت‪،‬‬ ‫وبينما هي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق‪ ،‬ث م اشتد حتى ماتت بالْب َوـاء بين مكة والمدينة‪.‬‬ ‫إلى جده العطوف‬ ‫وعاد به عبد المطلب إلى مكة‪ ،‬وكانت مشاعر الحنو في فؤاده تربو نحو حفيده اليتي م الذي أصيب بمصاب جديد َنَك أـ‬ ‫الجروح القديمة‪َ ،‬فَر ّ‬ ‫قـعليه رقة ل م يرقها على أحد من أولده‪ ،‬فكان ل يدعه لوحدته المفروضة‪ ،‬بل يؤثره على أولده‪،‬‬ ‫قال ابن هشا م‪ :‬كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة‪ ،‬فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه‪،‬‬


‫ل يجلس عليه أحد من بنيه إجلًل له‪ ،‬فكان رسول ال صلى ال عليه وسل م يأتى وهو غل م جفر حتى يجلس عليه‪،‬‬ ‫فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه‪ ،‬فيقول عبد المطلب إذا رأي ذلك منه م‪ :‬دعوا ابني هذا‪ ،‬فوال إن له لشأًنا‪ ،‬ث م يجلس‬ ‫معه على فراشه‪ ،‬ويمسح ظهره بيده‪ ،‬ويسره ما يراه يصنع‪.‬‬

‫ولثمانى سنوات وشهرين وعشر ة أيا م من عمره صلى ال عليه وسل م توفي جده عبد المطلب بمكة‪ ،‬ورأي قبل وفاته أن‬ ‫يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه‪.‬‬ ‫إلى عمه الشفيق‬ ‫ونهض أبو طالب بحق ابن أخيه على أكمل وجه‪ ،‬وضمه إلى ولده وقدمه عليه م واختصه بفضل احترا م وتقدير‪،‬‬ ‫وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه‪ ،‬ويبسط عليه حمايته‪ ،‬ويصادق ويخاص م من أجله‪ ،‬وستأتي نبذ من ذلك في‬ ‫مواضعها‪.‬‬ ‫يستسقى الغما م بوجهه‬ ‫طةقال‪ :‬قدمت مكة وه م في قحط‪ ،‬فقالت قريش‪ :‬يا أبا طالب‪ ،‬أقحط الوادي‪،‬‬ ‫أخرج ابن عساكر عن َج ْلـهَُم ةـ بن ُع ْرـ فُـ َ‬ ‫وأجدب العيال‪ ،‬فهَلُّ م فاستسق‪ ،‬فخرج أبو طالب ومعه غل م‪ ،‬كأنه شمس ُد ُجـ ّنــة‪ ،‬تجلت عنه سحابة قَتَْم اـء‪ ،‬حوله‬

‫أَُغ ْيـلـمة‪ ،‬فأخذه أبو طالب‪ ،‬فألصق ظهره بالكعبة‪،‬ولذ بأضبعه الغل م‪ ،‬وما في السماء قََزَع ةـ‪،‬فأقبل السحاب من هاهنا‬ ‫وهاهنا وأغدق واْغ َدـْوـ َد ـقـ‪،‬وانفجر الوادي‪ ،‬وأخصب النادي والبادي‪ ،‬إوالى هذا أشار أبو طالب حين قال‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ص ـَم ـةٌـللرامل‬ ‫وأبي َ‬ ‫ض ُيستسقى الَغَم اـ م بوجهه ** ثماُل اليتامى ع ْ‬ ‫َبِح يـَرىـالراهب‬

‫ولما بلغ رسول ال صلى ال عليه وسل م اثنتى عشر ة سنة ـ قيل‪ :‬وشهرين وعشر ة أيا م ـ ارتحل به أبو طالب تاجًرا إلى‬ ‫ص َبــة لُح وـَران‪،‬وكانت في ذلك الوقت قصبة للبلد العربية‬ ‫الشا م‪ ،‬حتى وصل إلى ُب ْ‬ ‫ص َرـىـ وهي معدود ة من الشا م‪ ،‬وقَ َ‬ ‫التي كانت تحت حك م الرومان‪ .‬وكان في هذا البلد راهب عرف َببِح يـَرى‪،‬واسمه ـ فيما يقال‪ :‬جرجيس‪ ،‬فلما نزل‬ ‫الركب خرج إليه م‪ ،‬وكان ل يخرج إليه م قبل ذلك‪ ،‬فجعل يتخّلله م حتى جاء فأخذ بيد رسول ال صلى ال عليه وسل م‪،‬‬

‫وقال‪ :‬هذا سيد العالمين‪ ،‬هذا رسول رب العالمين‪ ،‬هذا يبعثه ال رحمة للعالمين‪ .‬فقال له ]أبو طالب و[ أشياخ‬

‫قريش‪] :‬و[ ما علمك ]بذلك[؟ فقال‪ :‬إنك م حين أشرفت م من العقبة ل م يبق حجر ول شجر إل خر ساجًد اـ‪ ،‬ول يسجدان‬

‫]وانا نجده في كتبنا[‪ ،‬ث م أكرمه م بالضيافة‪،‬‬ ‫إل لنبى‪ ،‬إوانى أعرفه بخات م النبو ة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة‪ ،‬إ‬ ‫وسأل أبا طالب أن يرده‪ ،‬ول يقد م به إلى الشا م؛ خوًفا عليه من الرو م واليهود‪ ،‬فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى مكة‪.‬‬ ‫حرب الِفَج اــر‬


‫وفي السنة العشرين من عمره صلى ال عليه وسل م وقعت في سوق ُع كـاظ حرب بين قريش ـ ومعه م كنانة ـ وبين قَْي سـ‬ ‫َع ْيـلـن‪ ،‬تعرف بحرب الِفَج اــر وسببها‪ :‬أن أحد بني كنانة‪ ،‬واسمه الَبّراض‪ ،‬اغتال ثلثة رجال من قيس عيلن‪ ،‬ووصل‬ ‫الخبر إلى عكاظ فثار الطرفان‪ ،‬وكان قائد قريش وكنانة كلها حرب بن أمية؛ لمكانته فيه م سنا وشرًفا‪ ،‬وكان الظفر‬ ‫في أول النهار لقيس على كنانة‪ ،‬حتى إذا كان في وسط النهار كادت الدائر ة تدور على قيس‪ .‬ث م تداعى بعض قريش‬ ‫إلى الصلح على أن يحصوا قتلى الفريقين‪ ،‬فمن وجد قتله أكثر أخذ دية الزائد‪ .‬فاصطلحوا على ذلك‪ ،‬ووضعوا‬ ‫الحرب‪ ،‬وهدموا ما كان بينه م من العداو ة والشر‪ .‬وسميت بحرب الفجار؛ لنتهاك حرمة الشهر الحرا م فيها‪ ،‬وقد حضر‬ ‫هذه الحرب رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وكان ينبل على عمومته؛ أي يجهز له م النبل للرمي‪.‬‬ ‫حلف الفضول‬ ‫وعلى أثر هذه الحرب وقع حلف الفضول في ذى القعد ة في شهر حرا م تداعت إليه قبائل من قريش‪ :‬بنو هاش م‪ ،‬وبنو‬ ‫المطلب‪،‬وأسد بن عبد العزى‪ ،‬وزهر ة بن كلب‪ ،‬وتي م بن مر ة‪ ،‬فاجتمعوا في دار عبد ال بن ُج ْدـعـان التيمى؛ لسّنه‬

‫وشرفه‪ ،‬فتعاقدوا وتعاهدوا على أل يجدوا بمكة مظلوًم اـ من أهلها وغيره م من سائر الناس إل قاموا معه‪ ،‬وكانوا على‬ ‫من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته‪ ،‬وشهد هذا الحلف رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ .‬وقال بعد أن أكرمه ال‬ ‫بالرسالة‪ :‬‏)لقد شهدت في دار عبد ال بن جدعان حلًفا ما أحب أن لى به حمر النع م‪ ،‬ولو أدعى به في السل م‬ ‫لجبت(‪.‬‬ ‫وهذا الحلف روحه تنافي الحمية الجاهلية التي كانت العصبية تثيرها‪ ،‬ويقال في سبب هذا الحلف‪ :‬إن رجًل من ُز َبـْي دـ‬

‫قد م مكة ببضاعة‪ ،‬واشتراها منه العاص بن وائل السهمى‪ ،‬وحبس عنه حقه‪ ،‬فاستعدى عليه الحلف عبد الدار‬ ‫ومخزوًم اـ‪ ،‬وُج َمـًحـا ـوَس ْهـًم اـ وَع ِدـ ّيــا فل م يكترثوا له‪ ،‬فعل جبل أبي قَُبْي سـ‪ ،‬ونادى بأشعار يصف فيها ظلمته رافًعاـ صوته‪،‬‬ ‫فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب‪ ،‬وقال‪ :‬ما لهذا مترك؟ حتى اجتمع الذين مضى ذكره م في حلف الفضول‪،‬‬ ‫فعقدوا الحلف ث م قاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي‪.‬‬ ‫حيا ة الكدح‬

‫ول م يكن له صلى ال عليه وسل م عمل معين في أول شبابه‪ ،‬إل أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنًم اـ‪ ،‬رعاها في‬ ‫بني سعد‪ ،‬وفي مكة لهلها على ق ارريط‪ ،‬ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجار ة حين شب‪،‬فقد ورد أنه كان يتجر مع‬

‫السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له‪ ،‬ل يدارى ول يمارى‪ ،‬وجاءه يو م الفتح فرحب به‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫مرحًبا بأخي وشريكي‪.‬‬ ‫وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجًرا إلى الشا م في مال خديجة رضي ال عنها قال ابن إسحاق‪ :‬كانت خديجة‬ ‫بنت خويلد امرأ ة تاجر ة ذات شرف ومال‪ ،‬تستأجر الرجال في مالها‪ ،‬وتضاربه م إياه بشيء تجعله له م‪ ،‬وكانت قريش‬ ‫قوًم اـ تجاًرا‪ ،‬فلما بلغها عن رسول ال صلى ال عليه وسل م ما بلغها من صدق حديثه‪ ،‬وعظ م أمانته وكر م أخلقه‬ ‫بعثت إليه‪ ،‬فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشا م تاجًرا‪ ،‬وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار‪،‬‬


‫مع غل م لها يقال له‪ :‬ميسر ة‪ ،‬فقبله رسول ال صلى ال عليه وسل م منها‪ ،‬وخرج في مالها ذلك‪ ،‬وخرج معه غلمها‬ ‫ميسر ة حتى قد م الشا م‪.‬‬ ‫زواجه بخديجة‬ ‫ولما رجع إلى مكة‪ ،‬ورأت خديجة في مالها من المانة والبركة ما ل م تر قبل هذا‪ ،‬وأخبرها غلمها ميسر ة بما رأي فيه‬ ‫صلى ال عليه وسل م من خلل عذبة‪ ،‬وشمائل كريمة‪ ،‬وفكر راجح‪ ،‬ومنطق صادق‪ ،‬ونهج أمين‪ ،‬وجدت ضالتها‬ ‫المنشود ة ـ وكان السادات والرؤساء يحرصون على زواجها فتأبي عليه م ذلك ـ فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها‬ ‫نفيسة بنت منبه‪ ،‬وهذه ذهبت إليه صلى ال عليه وسل م تفاتحه أن يتزوج خديجة‪ ،‬فرضى بذلك‪ ،‬وكل م أعمامه‪ ،‬فذهبوا‬ ‫إلى ع م خديجة وخطبوها إليه‪ ،‬وعلى إثر ذلك ت م الزواج‪ ،‬وحضر العقد بنو هاش م ورؤساء مضر‪ ،‬وذلك بعد رجوعه‬ ‫من الشا م بشهرين‪ ،‬وأصدقها عشرين َبْك ر ةـ‪ .‬وكانت سنها إذ ذاك أربعين سنة‪ ،‬وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسًبا‬ ‫وثرو ة وعقًل ‪ ،‬ـ ـوهي أول امرأ ة تزوجها رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ول م يتزوج عليها غيرها حتى ماتت‪.‬‬ ‫وكل أولده صلى ال عليه وسل م منها سوى إبراهي م‪،‬ولدت له‪ :‬أوًل القاس م ـ وبه كان يكنى ـ ث م زينب‪ ،‬ورقية‪ ،‬وأ م كلثو م‪،‬‬ ‫وفاطمة‪ ،‬وعبد ال ‪ .‬وكان عبد ال يلقب بالطيب والطاهر‪ ،‬ومات بنوه كله م في صغره م‪ ،‬أما البنات فكلهن أدركن‬

‫السل م فأسلمن وهاجرن‪،‬إل أنهن أدركتهن الوفا ة في حياته صلى ال عليه وسل م سوى فاطمة رضي ال عنها‪ ،‬فقد‬ ‫تأخرت بعده ستة أشهر ث م لحقت به‪.‬‬ ‫بناء الكعبة وقضية التحكي م‬ ‫ضـ ًم ـاـفوق‬ ‫ولخمس وثلثين سنة من مولده صلى ال عليه وسل م قامت قريش ببناء الكعبة؛ وذلك لن الكعبة كانت َر ْ‬

‫القامة‪ ،‬ارتفاعها تسعة أذرع من عهد إسماعيل عليه السل م‪ ،‬ول م يكن لها سقف‪ ،‬فسرق نفر من اللصوص كنزها الذي‬

‫كان في جوفها‪ ،‬وكانت مع ذلك قد تعرضت ـ باعتبارها أثًرا قديما ـ للعوادى التي أدهت بنيانها‪ ،‬وصدعت جدرانها‪،‬‬ ‫وقبل بعثته صلى ال عليه وسل م بخمس سنين جرف مكة سيل عر م انحدر إلى البيت الحرا م‪ ،‬فأوشكت الكعبة منه‬ ‫ص ا ـ على مكانتها‪ ،‬واتفقوا على أل يدخلوا في بنائها إل طيًبا‪ ،‬فل‬ ‫على النهيار‪ ،‬فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حر ً‬ ‫يدخلون فيها مهر بغى ول بيع رًبا ول مظلمة أحد من الناس‪ ،‬وكانوا يهابون هدمها‪ ،‬فابتدأ بها الوليد بن المغير ة‬ ‫المخزومى‪ ،‬فأخذ المعول وقال‪ :‬ال م ل نريد إل الخير‪ ،‬ث م هد م ناحية الركنين‪ ،‬ولما ل م يصبه شيء تبعه الناس في‬

‫الهد م في اليو م الثاني‪ ،‬ول م يزالوا في الهد م حتى وصلوا إلى قواعد إبراهي م‪ ،‬ث م أرادوا الخذ في البناء فج أزوا الكعبة‪،‬‬ ‫وخصصوا لكل قبيلة جزًءا منها‪ .‬فجمعت كل قبيلة حجار ة على حد ة‪ ،‬وأخذوا يبنونها‪ ،‬وتولى البناء بناء رومي اسمه‪:‬‬ ‫باقو م‪ .‬ولما بلغ البنيان موضع الحجر السود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه‪ ،‬واستمر النزاع أربع ليال‬ ‫أو خمًس اـ‪ ،‬واشتد حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس في أرض الحر م‪ ،‬إل أن أبا أمية بن المغير ة المخزومى عرض‬ ‫عليه م أن يحكموا فيما شجر بينه م أول داخل عليه م من باب المسجد فارتضوه‪ ،‬وشاء ال أن يكون ذلك رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فلما رأوه هتفوا‪ :‬هذا المين‪ ،‬رضيناه‪ ،‬هذا محمد‪ ،‬فلما انتهى إليه م‪ ،‬وأخبروه الخبر طلب رداء‬


‫فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميًعاـ بأطراف الرداء‪ ،‬وأمره م أن يرفعوه‪ ،‬حتى‬ ‫إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه‪ ،‬وهذا حل حصيف رضى به القو م‪.‬‬

‫وقصرت بقريش النفقة الطيبة فأخرجوا من الجهة الشمالية نحوا من ستة أذرع‪ ،‬وهي التي تسمى بالحجر والحطي م‪،‬‬ ‫ورفعوا بابها من الرض؛ لئل يدخلها إل من أرادوا‪ ،‬ولما بلغ البناء خمسة عشر ذ ارًع اـ سقفوه على ستة أعمد ة‪.‬‬ ‫وصارت الكعبة بعد انتهائها ذات شكل مربع تقريًبا‪ ،‬يبلغ ارتفاعه ‪ 15‬متًرا‪ ،‬وطول ضلعه الذي فيه الحجر السود‬ ‫والمقابل له ‪ 10‬أمتار‪ ،‬والحجر موضوع على ارتفاع ‪50.1‬متر من أرضية المطاف‪ .‬والضلع الذي فيه الباب والمقابل‬ ‫له ‪12‬متًرا‪ ،‬وبابها على ارتفاع مترين من الرض‪ ،‬ويحيط بها من الخارج قصبة من البناء أسفلها‪ ،‬متوسط ارتفاعها‬ ‫‪25.0‬متًرا ومتوسط عرضها ‪ 30.0‬متًرا وتسمى بالشاذروان‪ ،‬وهي من أصل البيت لكن قريًش اـ تركتها‪.‬‬

‫السير ة الجمالية قبل النبو ة‬ ‫كان النبي صلى ال عليه وسل م قد جمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات‪ ،‬وكان ط ارًزا رفيًعاـ من الفكر‬ ‫ظا وافًرا من حسن الفطنة وأصالة الفكر ة وسداد الوسيلة والهدف‪ ،‬وكان يستعين‬ ‫الصائب‪ ،‬والنظر السديد‪ ،‬ونال ح ً‬ ‫بصمته الطويل على طول التأمل إوادمان الفكر ة واستكناه الحق‪ ،‬وطالع بعقله الخصب وفطرته الصافية صحائف‬ ‫الحيا ة وشئون الناس وأحوال الجماعات‪ ،‬فعاف ما سواها من خرافة‪ ،‬ونأي عنها‪ ،‬ث م عاشر الناس على بصير ة من‬

‫أمره وأمره م‪ ،‬فما وجد حسًنا شارك فيه إوال عاد إلى عزلته العتيد ة‪ ،‬فكان ل يشرب الخمر‪ ،‬ول يأكل مما ذبح على‬ ‫النصب‪ ،‬ول يحضر للوثان عيًد اـ ول احتفاًل ‪ ،‬ـ ـبل كان من أول نشأته ناف ار من هذه المعبودات الباطلة‪ ،‬حتى ل م يكن‬ ‫شيء أبغض إليه منها‪ ،‬وحتى كان ل يصبر على سماع الحلف باللت والعزى‪.‬‬

‫ول شك أن القدر حاطه بالحفظ‪ ،‬فعندما تتحرك نوازع النفس لستطلع بعض متع الدنيا‪ ،‬وعندما يرضى باتباع بعض‬ ‫التقاليد غير المحمود ة ـ تتدخل العناية الربانية للحيلولة بينه وبينها‪ ،‬قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ما هممت‬ ‫بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين‪ ،‬كل ذلك يحول ال بيني وبينه‪ ،‬ث م ما هممت به حتى أكرمنى‬ ‫برسالته‪ ،‬قلت ليلة للغل م الذي يرعى معي الغن م بأعلى مكة‪ :‬لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما‬ ‫يسمر الشباب‪ ،‬فقال‪ :‬أفعل‪ ،‬فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزًفا‪ ،‬فقلت‪ :‬ما هذا؟ فقالوا‪ :‬عرس‬ ‫فلن بفلنة‪ ،‬فجلست أسمع‪ ،‬فضرب ال على أذنـى فنمت‪ ،‬فما أيقظني إل حر الشمس‪ .‬فعدت إلى صاحبي فسألني‪،‬‬ ‫فأخبرته‪ ،‬ث م قلت ليلة أخرى مثل ذلك‪ ،‬ودخلت بمكة فأصابني مثل أول ليلة‪ ...‬ث م ما هممت بسوء(‪.‬‬ ‫وروى البخاري عن جابر بن عبد ال قال‪ :‬لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى ال عليه وسل م وعباس ينقلن الحجار ة‪،‬‬ ‫فقال عباس للنبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬اجعل إزارك على رقبتك يقيقك من الحجار ة‪ ،‬فخر إلى الرض وطمحت عيناه‬ ‫إلى السماء ث م أفاق‪ ،‬فقال‪ :‬‏) إزاري‪ ،‬إزاري( فشد عليه إ ازره‪ .‬وفي رواية‪ :‬فما رؤيت له عور ة بعد ذلك‪.‬‬


‫وكان النبي صلى ال عليه وسل م يمتاز في قومه بخلل عذبة وأخلق فاضلة‪ ،‬وشمائل كريمة‪ ،‬فكان أفضل قومه‬

‫مروء ة‪ ،‬وأحسنه م خلًقا‪ ،‬وأعزه م جواًرا‪ ،‬وأعظمه م حلًم اـ‪ ،‬وأصدقه م حديًثا‪ ،‬وألينه م َع ِرـيـكة‪،‬وأعفه م نفًس اـ وأكرمه م خيًرا‪،‬‬ ‫وأبره م عمًل ‪ ،‬ـ ـوأوفاه م عهًد اـ‪ ،‬وآمنه م أمانة حتى سماه قومه‪] :‬المين[ لما جمع فيه من الحوال الصالحة والخصال‬

‫المرضية‪ ،‬وكان كما قالت أ م المؤمنين خديجة رضي ال عنها يحمل الكل‪ ،‬ويكسب المعدو م‪ ،‬ويقرى الضيف‪ ،‬ويعين‬

‫على نوائب الحق‪.‬‬


‫حيا ة النبـو ة و الرسـالة والدعـو ة‬ ‫النبــوة والدعــوة ‪ -‬العهـد المكـي‬ ‫في ظلل النبوة والرسالة‬ ‫المرحلة الولى‪ :‬من جهاد الدعوة إلي ا‬

‫النب ـو ة والدع ـو ة ‪ -‬العهـد المكـي‬ ‫تنقس م حيا ة رسول ال صلى ال عليه وسل م بعد أن شرفه ال بالنبو ة والرسالة إلى عهدين يمتاز أحدهما عن الخـر‬ ‫تمـا م المتياز‪ ،‬وهما‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ العهد المكي‪ ،‬ثلث عشر ة سنة تقريًبا‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ العهد المدني‪ ،‬عشر سنوات كاملة‪.‬‬ ‫ث م يشتمل كل من العهدين على عد ة مراحل‪ ،‬لكل مرحلة منها خصائص تمتاز بها عن غيرها‪ ،‬يظهر ذلك جلًيا بعد‬ ‫النظر الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعو ة خلل العهدين‪.‬‬ ‫ويمكن تقسي م العهد المكي إلى ثلث مراحل‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ مرحلة الدعو ة السرية‪ ،‬ثلث سنوات‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ مرحلة إعلن الدعو ة في أهل مكة‪ ،‬من بداية السنة الرابعة من النبو ة إلى هجرته صلى ال عليه وسل م إلى‬ ‫المدينة‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ مرحلة الدعو ة خارج مكة وفشوها فيه م‪ ،‬من أواخر السنة العاشر ة من النبو ة‪ .‬وقد شملت العهد المدني وامتدت إلى‬ ‫آخر حياته صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫أما مراحل العهد المدني فسيجيء تفصيلها في موضعه‪.‬‬

‫في ظلل النبو ة والرسالة‬ ‫في غار حراء‬ ‫لما تقاربت سنه صلى ال عليه وسل م الربعين‪ ،‬وكانت تأملته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه‪،‬‬

‫حبب إليه الخلء‪ ،‬فكان يأخذ الّس ِوـ يــق والماء‪ ،‬ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على مبعد ة نحو ميلين من مكة ـ‬


‫وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع‪ ،‬وعرضه ذراع وثلثة أرباع ذراع من ذراع الحديد ـ فيقي م فيه شهر رمضان‪،‬‬ ‫ويقضي وقته في العباد ة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون وفيما وراءها من قدر ة مبدعة‪ ،‬وهو غير مطمئن لما‬ ‫عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة وتصوراتها الواهية‪ ،‬ولكن ليس بين يديه طريق واضح‪ ،‬ول منهج محدد‪ ،‬ول‬ ‫طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه‪.‬‬ ‫ض ّجـة ـ‬ ‫وكان اختياره صلى ال عليه وسل م لهذه العزلة طرًفا من تدبير ال له‪ ،‬وليكون انقطاعه عن شواغل الرض و َ‬ ‫الحيا ة وهمو م الناس الصغير ة التي تشغل الحيا ة نقطة تحول لستعداده لما ينتظره من المر العظي م‪ ،‬فيستعد لحمل‬ ‫المانة الكبرى وتغيير وجه الرض‪ ،‬وتعديل خط التاريخ‪ ...‬دبر ال له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلث سنوات‪،‬‬ ‫ينطلق في هذه العزلة شهًرا من الزمان‪ ،‬مع روح الوجود الطليقة‪ ،‬ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون‪ ،‬حتى يحين‬ ‫موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن ال ‪.‬‬ ‫جبريل ينزل بالوحي‬ ‫ولما تكامل له أربعون سنة ـ وهي رأس الكمال‪ ،‬وقيل‪ :‬ولها تبعث الرسل ـ بدأت طلئع النبو ة تلوح وتلمع‪ ،‬فمن ذلك أن‬ ‫حجًرا بمكة كان يسل م عليه‪ ،‬ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان ل يرى رؤيا إل جاءت مثل فلق الصبح‪ ،‬حتى‬ ‫مضت على ذلك ستة أشهر ـ ومد ة النبو ة ثلث وعشرون سنة‪ ،‬فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزًءا من النبو ة ـ‬ ‫فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى ال عليه وسل م بحراء شاء ال أن يفيض من رحمته على أهل‬ ‫الرض‪ ،‬فأكرمه بالنبو ة‪ ،‬وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن‪.‬‬ ‫وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلئل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليو م بأنه كان يو م الثنين لحدى وعشرين مضت من‬ ‫شهر رمضان ليًل ‪ ،‬ـ ـوقد وافق ‪ 10‬أغسطس سنة ‪ 610‬م‪ ،‬وكان عمره صلى ال عليه وسل م إذ ذاك بالضبط أربعين‬ ‫سنة قمرية‪ ،‬وستة أشهر‪ ،‬و ‪ 12‬يوًم اـ‪ ،‬وذلك نحو ‪ 39‬سنة شمسية وثلثة أشهر وعشرين يوًم اـ‪.‬‬

‫ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي ال عنها تروى لنا قصة هذه الوقعة التي كانت نقطة بداية النبو ة‪ ،‬وأخذت تفتح‬ ‫دياجير ظلمات الكفر والضلل حتى غيرت مجرى الحيا ة‪ ،‬وعدلت خط التاريخ‪ ،‬قالت عائشة رضي ال عنها‪.‬‬ ‫أول ما بديء به رسول ال صلى ال عليه وسل م من الوحي الرؤيا الصالحة في النو م‪ ،‬فكان ل يرى رؤيا إل جاءت‬

‫ب إليه الخلء‪ ،‬وكان يخلو بغار حراء‪ ،‬فَيتََح ّنــث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذوات العدد قبل أن‬ ‫مثل َفَلق الصبح‪ ،‬ث م ُح ّبـ َ‬ ‫ينزع إلى أهله‪ ،‬ويتزود لذلك‪ ،‬ث م يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها‪ ،‬حتى جاءه الحق وهو في غار حراء‪ ،‬فجاءه الملك‬ ‫فقال‪ :‬اق أر‪ :‬قال‪ :‬‏)ما أنا بقارئ(‪ ،‬قال‪ :‬‏)فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد‪ ،‬ث م أرسلنى‪ ،‬فقال‪ :‬اقرأ‪ ،‬قلت‪ :‬مـا أنـا‬ ‫بقـارئ‪ ،‬قـال‪ :‬فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلـغ منـى الجهد‪ ،‬ث م أرسلني فقال‪ :‬اقرأ‪ ،‬فقلت‪ :‬ما أنا بقارئ‪ ،‬فأخذني فغطني‬ ‫ق ا ِْل نـَس اـَن ِم ْنـ َع لَـ ٍ‬ ‫ق اْقَرْأ َو َرـّبـَكاْلَْك َرـُ مـ{]العلق‪ ،([3 :1:‬فرجع‬ ‫ق َخ لَـ َ‬ ‫الثالثة‪ ،‬ثـ م أرسلـني فـقـال‪ :‬‏}اْقَرْأ ِباْس ِ مـ َر ّبـَكـالِّذ ي ـ َخ لَـ َ‬ ‫بها رسول ال صلى ال عليه وسل م يرجف فؤاده‪ ،‬فدخل على خديجة بنت خويلد فقال‪ :‬‏) َزّمـلُـونىزملونى(‪ ،‬فزملوه حتى‬ ‫ذهب عنه الروع‪ ،‬فقال لخديجة‪ :‬‏)ما لي؟( فأخبرها الخبر‪ ،‬‏)لقد خشيت على نفسي(‪ ،‬فقالت خديجة‪ :‬كل‪ ،‬وال ما‬


‫يخزيك ال أبًد اـ‪ ،‬إنك لتصل الرح م‪ ،‬وتحمل الكل‪ ،‬وتكسب المعدو م‪ ،‬وتقرى الضيف‪ ،‬وتعين على نوائب الحق‪،‬‬ ‫فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن ع م خديجة ـ وكان ام أر تنصر في‬ ‫الجاهلية‪ ،‬وكان يكتب الكتاب العبرانى‪ ،‬فيكتب من النجيل بالعبرانية ما شاء ال أن يكتب‪ ،‬وكان شيًخ ا ـ كبيًرا قد عمي‬ ‫ـ فقالت له خديجة‪ :‬يابن ع م‪ ،‬اسمع من ابن أخيك‪ ،‬فقال له ورقة‪ :‬يابن أخي‪ ،‬ماذا ترى؟ فأخبره رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م خبر ما رأي‪ ،‬فقال له ورقة‪ :‬هذا الناموس الذي نزله ال على موسى‪ ،‬يا ليتني فيها َج َذـعـا‪ ،‬ليتنى أكون حًيا‬ ‫إذ يخرجك قومك‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)أو مخرجّي ه م؟( قال‪:‬نع م‪ ،‬ل م يأت رجل قط بمثل ما جئت‬ ‫بـ ورقة أن توفي‪ ،‬وفََتر الوحى‪.‬‬ ‫ىـ‪ ،‬ـ إوان يدركنى يومك أنصرك نصًرا مؤزًرا‪ ،‬ث م ل م َيْن َشـ ْ‬ ‫به إل ُع وـِد َ‬

‫فَتَْر ة الوحى‬ ‫أما مد ة فتر ة الوحى فاختلفوا فيها على عد ة أقوال‪ .‬والصحيح أنها كانت أياًم اـ‪ ،‬وقد روى ابن سعد عن ابن عباس ما‬ ‫يفيد ذلك‪ .‬وأما ما اشتهر من أنها دامت ثلث سنوات أو سنتين ونصًفا فليس بصحيح‪.‬‬ ‫وقد ظهر لى شىء غريب بعد إدار ة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العل م‪ .‬ول م أر من تعرض له منه م‪ ،‬وهو أن‬ ‫هذه القوال والروايات تفيد أن رسول ال صلى ال عليه وسل م كان يجاور بحراء شهًرا واحًد اـ‪ ،‬وهو شهر رمضان من‬ ‫كل سنة‪ ،‬وذلك من ثلث سنوات قبل النبو ة‪،‬وأن سنة النبو ة كانت هي آخر تلك السنوات الثلث‪ ،‬وأنه كان يت م جواره‬ ‫بتما م شهر رمضان‪ ،‬فكان ينزل بعده من حراء صباًح اـ ـ أي لول يو م من شهر شوال ـ ويعود إلى البيت‪.‬‬ ‫وقد ورد التنصيص في رواية الصحيحين على أن الوحى الذي نزل عليه صلى ال عليه وسل م بعد الفتر ة إنما نزل وهو‬ ‫صلى ال عليه وسل م راجع إلى بيته بعد إتما م جواره بتما م الشهر‪.‬‬ ‫أقول‪ :‬فهذا يفيد أن الوحى الذي نزل عليه صلى ال عليه وسل م بعد الفتر ة إنما نزل في أول يو م من شهر شوال بعد‬ ‫نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبو ة والوحى؛ لنه كان آخر مجاور ة له بحراء‪ ،‬إواذا ثبت أن أول نزول الوحى‬ ‫كان في ليلة الثنين الحادية عشر ة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن فت�� ة الوحى كانت لعشر ة أيا م فقط‪ .‬وأن الوحى‬ ‫نزل بعدها صبيحة يو م الخميس لول شوال من السنة الولى من النبو ة‪ .‬ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر‬ ‫الواخر من رمضان بالمجاور ة والعتكاف‪ ،‬وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد‪ ،‬وال أعل م‪.‬‬ ‫وقد بقى رسول ال صلى ال عليه وسل م في أيا م الفتر ة كئيًبا محزوًنا تعتريه الحير ة والدهشة‪ ،‬فقد روى البخاري في‬ ‫كتاب التعبير ما نصه‪:‬‬ ‫وفتر الوحي فتر ة حزن النبي صلى ال عليه وسل م فيما بلغنا حزًنا عدا منه م ارًرا كى يتردى من رءوس شواهق‬ ‫الجبال‪ ،‬فكلما أْو فــي بِذ ْرـ َوــ ةـجبل لكى يلقى نفسه منه َتبّد ىـ له جبريل فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬إنك رسول ال حًقا‪ ،‬فيسكن لذلك‬ ‫جأشه‪ ،‬وتَقَّر نفسه‪ ،‬فيرجع‪ ،‬فإذا طالت عليه فتر ة الوحى غدا لمثل ذلك‪ ،‬فإذا أوفي بذرو ة الجبل تبدى له جبريل فقال‬ ‫له مثل ذلك‪.‬‬


‫جبريل ينزل بالوحي مر ة ثانية‬ ‫قال ابن حجر‪ :‬وكان ذلك ]أي انقطاع الوحي أياًم اـ[؛ ليذهب ما كان صلى ال عليه وسل م وجده من الروع‪ ،‬وليحصل‬ ‫له التشوف إلى العود‪ ،‬فلما حصل له ذلك وأخذ يرتقب مجىء الوحى أكرمه ال بالوحي مر ة ثانية‪ .‬قال‪ :‬صلى ال‬ ‫عليه وسل م‪:‬‬ ‫‏)جاورت بحراء شهًرا فلما قضيت جوارى هبطت ]فلما استبطنت الوادي[ فنوديت‪ ،‬فنظرت عن يميني فل م أر شيًئا‪،‬‬ ‫ونظرت عن شمالي فل م أر شيًئا‪ ،‬ونظرت أمامي فل م أر شيئا‪ ،‬ونظرت خلفي فل م أرشيًئا‪ ،‬فرفعت رأسى فرأيت شيًئا‪،‬‬ ‫ت منه رعًبا حتى هويت إلى الرض[‬ ‫]فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والرض‪ ،‬فَُج ئِـثْ ُ‬ ‫فأتيت خديجة فقلت‪] :‬زملوني‪ ،‬زملوني[‪ ،‬دثرونى‪ ،‬وصبوا على ماء بارًد اـ(‪ ،‬قال‪ :‬‏)فدثرونى وصبوا على ماء بارًد اـ‪،‬‬ ‫طهّْر َوالّر ْجـ َزَـفاْه ُجـْرـ{ ]المدثر‪ ([5 :1 :‬وذلك قبل أن تفرض‬ ‫فنزلت‪ :‬‏}َيا أَّيَها اْلُم ّدـثّـُر قُْ م فََأنِذ ْر ـ َو َرـّبـَكفََك ّبـْر َو ثِـَياَبَك فَ َ‬ ‫الصل ة‪ ،‬ث م حمى الوحى بعد وتتابع‪.‬‬ ‫وهذه اليات هي مبدأ رسالته صلى ال عليه وسل م وهي متأخر ة عن النبو ة بمقدار فتر ة الوحى‪ .‬وتشتمل على نوعين‬ ‫من التكليف مع بيان ما يترتب عليه‪:‬‬ ‫النوع الول‪ :‬تكليفه صلى ال عليه وسل م بالبلغ والتحذير‪ ،‬وذلك في قوله تعالى‪ :‬‏}قُْ م فََأنِذ ْر ـ{ فإن معناه‪ :‬حذر الناس‬ ‫من عذاب ال إن ل م يرجعوا عما ه م فيه من الغى والضلل وعباد ة غير ال المتعال‪ ،‬والشراك به في الذات‬ ‫والصفات والحقوق و الفعال‪.‬‬ ‫النوع الثاني‪ :‬تكليفه صلى ال عليه وسل م بتطبيق أوامر ال سبحانه وتعالى على ذاته‪ ،‬واللتزا م بها في نفسه؛ ليحرز‬ ‫بذلك مرضا ة ال ‪ ،‬ويصير أسو ة حسنة لمن آمن بال وذلك في بقية اليات‪ .‬فقوله‪ :‬‏}َو َرـّبـَكفََك ّبـْر{ معناه‪ :‬خصه‬ ‫طهّْر{ المقصود الظاهر منه‪ :‬تطهير الثياب والجسد‪ ،‬إذ ليس‬ ‫بالتعظي م‪ ،‬ول تشرك به في ذلك أحًد اـ‪ .‬وقوله‪ :‬‏}َو ثِـَياَبَك فَ َ‬

‫لمن يكبر ال ويقف بين يديه أن يكون نجًس اـ مستقذًرا‪ .‬إواذا كان هذا التطهر مطلوًباـ فإن التطهر من أدران الشرك‬ ‫وأرجاس العمال والخـلق أولـى بالطـلب‪ ،‬وقولــه‪ :‬‏}َوالّر ْجـ َزَـفاْه ُجـْرـ{ معناه‪ :‬ابتعد عن أسباب سخط ال وعذابه‪ ،‬وذلك‬ ‫بالتزا م طاعته وترك معصيته‪ .‬وقوله‪ :‬‏}َوَل تَْم ُنــن تَْس تَـْك ثِـُر{ أي‪ :‬ل تحسن إحساًنا تريد أجره من الناس أو تريد له جزاء‬ ‫أفضل في هذه الدنيا‪.‬‬ ‫أما الية الخير ة ففيها تنبيه على ما يلحقه من أذى قومه حين يفارقه م في الدين ويقو م بدعوته م إلى ال وحده‬

‫ص بِـْر{‪ ،‬ث م إن مطلع اليات تضمنت النداء العلوى ـ في صوت الكبير‬ ‫وبتحذيره م من عذابه وبطشه‪ ،‬فقال‪ :‬‏}َو ِلـَر ّبـَكـَفا ْ‬ ‫المتعال ـ بانتداب النبي صلى ال عليه وسل م لهذا المر الجلل‪ ،‬وانتزاعه من النو م والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح‬ ‫والمشقة‪ :‬‏}َيا أَّيَها اْلُم ّدـثّـُر قُْ م فََأنِذ ْر ـ{‪ ،‬كأنه قيل‪ :‬إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريًح اــ‪ ،‬أما أنت الذي تحمل هذا‬ ‫العبء الكبير فما لك والنو م؟ وما لك والراحة؟ وما لك والفراش الدافئ؟ والعيش الهادئ؟ والمتاع المريح! ق م للمر‬


‫العظي م الذي ينتظرك‪ ،‬والعبء الثقيل المهيأ لك‪ ،‬ق م للجهد والنصب‪ ،‬والكد والتعب‪ ،‬ق م فقد مضى وقت النو م والراحة‪،‬‬ ‫وما عاد منذ اليو م إل السهر المتواصل‪ ،‬والجهاد الطويل الشاق‪ ،‬ق م فتهيأ لهذا المر واستعد‪.‬‬ ‫إنها كلمة عظيمة رهيبة تنزعه صلى ال عليه وسل م من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ‪ ،‬لتدفع به في‬ ‫الخض م‪ ،‬بين الزعازع والنواء‪ ،‬وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحيا ة سواء‪.‬‬ ‫وقا م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فظل قائًم اـ بعدها أكثر من عشرين عاًم اـ؛ ل م يسترح ول م يسكن‪ ،‬ول م يعـش لنفسه‬ ‫ول لهله‪ .‬قا م وظل قائًم اـ على دعو ة ال ‪ ،‬يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ول ينوء به‪ ،‬عبء المانة الكبرى‬

‫في هذه الرض‪ ،‬عبء البشرية كلها‪ ،‬عبء العقيد ة كلها‪ ،‬وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى‪ ،‬عاش في المعركة‬ ‫الدائبة المستمر ة أكثر من عشرين عاًم اـ؛ ل يلهيه شأن عن شأن في خلل هذا المد منذ أن سمع النداء العلوى‬ ‫الجليل‪ ،‬وتلقى منه التكليف الرهيب‪ ...‬جزاه ال عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء‪.‬‬ ‫وليست الوراق التية إل صور ة مصغر ة بسيطة من هذا الجهاد الطويل الشاق الذي قا م به رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسل م خلل هذا المد‪.‬‬ ‫أقسا م الوحى‬ ‫وقبل الدخول في موضوع هذا الجهاد أرى من الحسن أن أستطرد إلى بيان أقسا م الوحى ومراتبه‪ .‬قال ابن القي م‪ ،‬وهو‬ ‫يذكر تلك المراتب‪:‬‬ ‫إحداها‪ :‬الرؤيا الصادقة‪ ،‬وكانت مبدأ وحيه صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه‪ ،‬كما قال النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)إن روح القدس‬ ‫نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها‪ ،‬فاتقوا ال وأجملوا في الطلب‪ ،‬ول يحملنك م استبطاء الرزق‬ ‫على أن تطلبوه بمعصية ال ‪ ،‬فإن ما عند ال ل ينال إل بطاعته(‪.‬‬ ‫الثالثة‪ :‬إنه صلى ال عليه وسل م كان يتمثل له الملك رجًل فيخاطبه حتى َيِع َى ـ عنه ما يقول له‪ ،‬وفي هذه المرتبة كان‬ ‫يراه الصحابة أحياًنا‪.‬‬ ‫ص د ـ عرًقا في‬ ‫الرابعة‪ :‬أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس‪ ،‬وكان أشده عليه‪ ،‬فيلتبس به الملك‪ ،‬حتى أن جبينه ليتَفَ ّ‬ ‫اليو م الشديد البرد‪ ،‬وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الرض إذا كان راكبها‪ ،‬ولقد جاء الوحى مر ة كذلك وفخذه على فخذ‬ ‫زيد بن ثابت‪ ،‬فثقلت عليه حتى كادت ترضها‪.‬‬ ‫الخامسة‪ :‬إنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها‪ ،‬فيوحى إليه ما شاء ال أن يوحيه‪ ،‬وهذا وقع له مرتين كما ذكر‬ ‫ال ذلك في سور ة النج م‪.‬‬


‫السادسة‪ :‬ما أوحاه ال إليه‪ ،‬وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصل ة وغيرها‪.‬‬ ‫السابعة‪ :‬كل م ال له منه إليه بل واسطة ملك كما كل م ال موسى بن عمران‪ ،‬وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطًعاـ‬

‫بنص القرآن‪ .‬وثبوتها لنبينا صلى ال عليه وسل م هو في حديث السراء‪.‬‬

‫وقـد زاد بعضه م مرتبة ثامنة؛ وهي تكلي م ال له كفاًح ا ـ من غير حجاب‪ ،‬وهي مسألة خلف بين السلف والخلف‪.‬‬ ‫انتهي مع تلخيص يسير في بيان المرتبة الولى والثامنة‪.‬‬

‫المرحلة الولى‪ :‬من جهاد الدعو ة إلي ال‬ ‫ثلث سنوات من الدعو ة السرية‬ ‫قا م رسول ال صلى ال عليه وسل م بعد نزول ما تقد م من آيات سور ة المدثر‪ ،‬بالدعو ة إلى ال سبحانه وتعالى؛ وحيث‬ ‫إن قومه كانوا جفا ة ل دين له م إل عباد ة الصنا م والوثان‪ ،‬ول حجة له م إل أنه م ألفوا آباءه م على ذلك‪ ،‬ول أخلق‬ ‫له م إل الخذ بالعز ة والنفة‪ ،‬ول سبيل له م في حل المشاكل إل السيف‪ ،‬وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في‬ ‫جزير ة العرب‪ ،‬ومحتلين مركزها الرئيس‪ ،‬ضامنين حفظ كيانها‪ ،‬فقد كان من الحكمة تلقاء ذلك أن تكون الدعو ة في بدء‬ ‫أمرها سرية؛ لئل يفاجئ أهل مكة بما يهيجه م‪.‬‬ ‫الرعيل الول‬ ‫وكان من الطبيعى أن يعرض الرسول صلى ال عليه وسل م السل م أوًل على ألصق الناس به من أهل بيته‪،‬‬

‫وأصدقائه‪ ،‬فدعاه م إلى السل م‪ ،‬ودعا إليه كل من توس م فيه الخير ممن يعرفه م ويعرفونه‪ ،‬يعرفه م بحب الحق‬ ‫والخير‪ ،‬ويعرفونه بتحرى الصدق والصلح‪ ،‬فأجابه من هؤلء ـ الذين ل م تخالجه م ريبة قط في عظمة الرسول صلى‬

‫ال عليه وسل م وجللة نفسه وصدق خبره ـ َج ْمـٌعـ ُع ِرـفـوا في التاريخ السلمى بالسابقين الولين‪ ،‬وفي مقدمته م زوجة‬

‫النبي صلى ال عليه وسل م أ م المؤمنين خديجة بنت خويلد‪ ،‬وموله زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي وابن عمه علي‬

‫بن أبي طالب ـ وكان صبًيا يعيش في كفالة الرسول صلى ال عليه وسل م ـ وصديقه الحمي م أبو بكر الصديق‪ .‬أسل م‬ ‫هؤلء في أول يو م الدعو ة‪.‬‬ ‫ث م نشط أبو بكر في الدعو ة إلى السل م‪ ،‬وكان رجًل مألًفا محبًبا سهًل ذا خلق ومعروف‪،‬وكان رجال قومه يأتونه‬ ‫ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته‪ ،‬فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه‪ ،‬فأسل م بدعوته‬ ‫عثمان بن عفان الموى‪ ،‬والزبير بن العوا م السدى‪ ،‬وعبد الرحمن بن عوف‪ ،‬وسعد بن أبي وقاص الزهريان‪ ،‬وطلحة‬ ‫بن عبيد ال التيمي‪ .‬فكان هؤلء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس ه م الرعيل الول وطليعة السل م‪.‬‬


‫ث م تل هؤلء أمين هذه المة أبو عبيد ة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر‪ ،‬وأبو سلمة بن عبد السد‬ ‫المخزومى‪ ،‬وامرأته أ م سلمة‪ ،‬والرق م بن أبي الرق م المخزومى‪ ،‬وعثمان بن مظعون الُج َمـِحـّى ـوأخواه قدامة وعبد ال ‪،‬‬ ‫وعبيد ة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف‪ ،‬وسعيد بن زيد العدوى‪ ،‬وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت‬ ‫عمر بن الخطاب‪ ،‬وخباب بن الرت التميمى‪ ،‬وجعفر بن أبي طالب‪ ،‬وامرأته أسماء بنت ُع َمـْيـسـ‪ ،‬وخالد بن سعيد بن‬

‫العاص الموى‪ ،‬وامرأته أمينة بنت خلف‪ ،‬ث م أخوه عمرو بن سعيد بن العاص‪ ،‬وحاطب بن الحارث الجمحي‪ ،‬وامرأته‬ ‫فاطمة بنت الُم َجـ لّــل وأخوه الخطاب بن الحارث‪ ،‬وامرأته فَُك ْيـهَـة بنت يسار‪ ،‬وأخوه معمر ابن الحارث‪ ،‬والمطلب بن‬ ‫أزهر الزهري‪ ،‬وامرأته رملة بنت أبي عوف‪ ،‬ونعي م بن عبد ال بن النحا م العدوي‪ ،‬وهؤلء كله م قرشيون من بطون‬ ‫وأفخاذ شتى من قريش‪.‬‬ ‫ومن السابقين الولين إلى السل م من غير قريش‪ :‬عبد ال بن مسعود الهذلي‪ ،‬ومسعود بن ربيعة القاري‪ ،‬وعبد ال‬ ‫ص هَـْي بـ بن ِس نـان الرومي‪ ،‬وعمار بن ياسر‬ ‫بن جحش السدي وأخوه أبو أحمد بن جحش‪ ،‬وبلل بن رباح الحبشي‪ُ ،‬‬ ‫العنسي‪ ،‬وأبوه ياسر‪ ،���وأمه سمية‪ ،‬وعامر بن ُفهير ة ‪.‬‬ ‫وممن سبق إلى السل م من النساء غير من تقد م ذكرهن‪ :‬أ م أيمن بركة الحبشية‪ ،‬وأ م الفضل لبابة الكبرى بنت‬ ‫الحارث الهللية زوج العباس بن عبد المطلب‪ ،‬وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي ال عنهما‪.‬‬ ‫هؤلء معروفون بالسابقين الولين‪ ،‬ويظهر بعد التتبع والستقراء أن عدد الموصوفين بالسبق إلى السل م وصل إلى‬ ‫مائة وثلثين رجًل وامرأ ة‪ ،‬ولكن ل يعرف بالضبط أنه م كله م أسلموا قبل الجهر بالدعو ة أو تأخر إسل م بعضه م إلى‬ ‫الجهر بها‪.‬‬ ‫الصل ة‬ ‫ومن أوائل ما نزل من الحكا م المر بالصل ة‪ ،‬قال ابن حجر‪ :‬كان صلى ال عليه وسل م قبل السراء يصلى قطًعاـ‬ ‫وكذلك أصحابه‪ ،‬ولكن اختلف هل فرض شىء قبل الصلوات الخمس من الصلوات أ م ل؟ فقيل‪ :‬إن الفرض كانت‬

‫صل ة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‪ .‬انتهي‪ .‬وروى الحارث بن أبي أسامة من طريق ابن لَِه يـَعةـ موصوًل عن زيد‬ ‫ابن حارثة‪ :‬أن رسول ال صلى ال عليه وسل م في أول ما أوحى إليه أتاه جبريل‪ ،‬فعلمه الوضوء‪ ،‬فلما فرغ من‬

‫الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه‪ ،‬وقد رواه ابن ماجه بمعناه‪ ،‬وروى نحوه عن البراء بن عازب وابن‬ ‫عباس‪ ،‬وفي حديث ابن عباس‪ :‬وكان ذلك من أول الفريضة‪.‬‬ ‫وقد ذكر ابن هشا م أن النبي صلى ال عليه وسل م وأصحابه كانوا إذا حضرت الصل ة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا‬ ‫بصلته م من قومه م‪ ،‬وقد رأي أبو طالب النبي صلى ال عليه وسل م وعلّيا يصليان مر ة‪ ،‬فكلمهما في ذلك‪ ،‬ولما عرف‬ ‫جلية المر أمرهما بالثبات‪.‬‬ ‫تلك هي العباد ة التي أمر بها المؤمنون‪ ،‬ول تعرف له م عبادات وأوامر ونواه أخرى غير ما يتعلق بالصل ة‪ ،‬إوانما كان‬ ‫الوحى يبين له م جوانب شتى من التوحيد‪ ،‬ويرغبه م في تزكية النفوس‪ ،‬ويحثه م على مكار م الخلق‪ ،‬ويصف له م‬


‫الجنة والنار كأنهما رأي عين‪ ،‬ويعظه م بمواعظ بليغة تشرح الصدور وتغذى الرواح‪ ،‬وتحدو به م إلى جو آخر غير‬ ‫الذي كان فيه المجتمع البشرى آنذاك‪.‬‬ ‫وهكذا مرت ثلثة أعوا م‪ ،‬والدعو ة ل م تزل مقصور ة على الفراد‪ ،‬ول م يجهر بها النبي صلى ال عليه وسل م في المجامع‬ ‫والنوادى‪،‬إل أنها عرفت لدى قريش‪ ،‬وفشا ذكر السل م بمكة‪ ،‬وتحدث به الناس‪ ،‬وقد تنكر له بعضه م أحياًنا‪ ،‬واعتدوا‬ ‫على بعض المؤمنين‪ ،‬إل أنه م ل م يهتموا به كثيًرا حيث ل م يتعرض رسول ال صلى ال عليه وسل م لدينه م‪ ،‬ول م يتكل م‬

‫في آلهته م‪.‬‬


‫المرحلـة الثانية‪ :‬الدع ـو ة جهــاًرا‬ ‫أول أمـر بإظهار الدعـوة‬ ‫المجلس الستشاري لكف الحجاج عن استماع الدعوة‬ ‫أساليب شتى لمجابهة الدعوة‬ ‫الطضطهادات‬

‫أول أمـر بإظهار الدعـو ة‬ ‫لما تكونت جماعة من المؤمنين تقو م على الخو ة والتعاون‪ ،‬وتتحمل عبء تبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها نزل‬ ‫الوحى يكلف رسول ال صلى ال عليه وسل م بمعالنة الدعو ة‪ ،‬ومجابهة الباطل بالحسنى‪.‬‬ ‫وأول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى‪ :‬‏} َوَأنِذْرـَع ِشـ يـَر تَـَكاْلَْقَر بِــيَن{ ]الشعراء‪ ،[214:‬وقد ورد في سياق ذكرت فيه أوًل‬ ‫قصة موسى عليه السل م‪ ،‬من بداية نبوته إلى هجرته مع بني إسرائيل‪ ،‬وقصة نجاته م من فرعون وقومه‪ ،‬إواغراق آل‬

‫فرعون معه‪ ،‬وقد اشتملت هذه القصة على جميع المراحل التي مر بها موسى عليه السل م‪ ،‬خلل دعو ة فرعون وقومه‬ ‫إلى ال ‪.‬‬

‫وكأن هذا التفصيل جىء به مع أمر الرسول صلى ال عليه وسل م بجهر الدعو ة إلى ال ؛ ليكون أمامه وأما م أصحابه‬ ‫مثال لما سيلقونه من التكذيب والضطهاد حينما يجهرون بالدعو ة‪ ،‬وليكونوا على بصير ة من أمره م منذ البداية‪.‬‬ ‫ومن ناحية أخرى تشتمل هذه السور ة على ذكر مآل المكذبين للرسل‪ ،‬من قو م نوح‪ ،‬وعاد‪ ،‬وثمود‪ ،‬وقو م إبراهي م‪ ،‬وقو م‬ ‫لوط‪ ،‬وأصحاب اليكة ـ عدا ما ذكر من أمر فرعون وقومه ـ ليعل م الذين سيقومون بالتكذيب عاقبة أمره م وما سيلقونه‬ ‫من مؤاخذ ة ال إن استمروا عليه‪ ،‬وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة له م وليس للمكذبين‪.‬‬ ‫الدعـو ة في القربين‬ ‫ودعا رسول ال صلى ال عليه وسل م عشيرته بني هاش م بعد نزول هذه الية‪ ،‬فجاءوا ومعه م نفر من بني المطلب بن‬ ‫عبد مناف‪ ،‬فكانوا نحو خمسة وأربعين رجًل‪ .‬فلما أراد أن يتكل م رسول ال صلى ال عليه وسل م بادره أبو لهب وقال‪:‬‬ ‫هؤلء عمومتك وبنو عمك فتكل م‪ ،‬ودع الصبا ة‪ ،‬واعل م أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة‪ ،‬وأنا أحق من أخذك‪،‬‬

‫فحسبك بنو أبيك‪ ،‬إوان أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليه م من أن يثب بك بطون قريش‪ ،‬وتمده م العرب‪ ،‬فما‬ ‫رأيت أحًد اـ جاء على بني أبيه بشر مما جئت به‪ ،‬فسكت رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ول م يتكل م في ذلك المجلس‪.‬‬ ‫ث م دعاه م ثانية وقال‪ :‬‏)الحمد ل‪ ،‬أحمده وأستعينه‪ ،‬وأومن به‪ ،‬وأتوكل عليه‪ .‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك‬ ‫له(‪ .‬ث م قال‪ :‬‏)إن الرائد ل يكذب أهله‪ ،‬وال الذي ل إله إل هو‪ ،‬إنى رسول ال إليك م خاصة إوالى الناس عامة‪ ،‬وال‬ ‫لتموتن كما تنامون‪ ،‬ولتبعثن كما تستيقظون‪ ،‬ولتحاسبن بما تعملون‪ ،‬إوانها الجنة أبًد اـ أو النار أبًد اـ(‪.‬‬


‫فقال أبو طالب‪ :‬ما أحب إلينا معاونتك‪ ،‬وأقبلنا لنصيحتك‪ ،‬وأشد تصديًقا لحديثك‪ .‬وهؤلء بنو أبيك مجتمعون‪ ،‬إوانما‬ ‫أنا أحده م‪ ،‬غير أني أسرعه م إلى ما تحب‪ ،‬فامض لما أمرت به‪ .‬فوال ‪ ،‬ل أزال أحوطك وأمنعك‪ ،‬غير أن نفسى ل‬ ‫تطاوعنى على فراق دين عبد المطلب‪.‬‬ ‫فقال أبو لهب‪ :‬هذه وال السوأ ة‪ ،‬خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيرك م‪ ،‬فقال أبو طالب‪ :‬وال لنمنعه ما بقينا‪.‬‬ ‫على جبل الصفا‬ ‫وبعد تأكد النبي صلى ال عليه وسل م من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه‪ ،‬صعد النبي صلى ال عليه‬ ‫وسل م ذات يو م على الصفا‪ ،‬فعل أعلها حجًرا‪ ،‬ث م هتف‪ :‬‏)يا صباحاه(‬ ‫وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجو م جيش أو وقوع أمر عظي م‪.‬‬ ‫ث م جعل ينادى بطون قريش‪ ،‬ويدعوه م قبائل قبائل‪ :‬‏)يا بني فهر‪ ،‬يا بني عدى‪ ،‬يا بني فلن‪ ،‬يا بني فلن‪ ،‬يا بني‬ ‫عبد مناف‪ ،‬يا بني عبد المطلب(‪.‬‬ ‫فلما سمعوا قالوا‪ :‬من هذا الذي يهتف؟ قالوا‪ :‬محمد‪ .‬فأسرع الناس إليه‪ ،‬حتى إن الرجل إذا ل م يستطع أن يخرج إليه‬ ‫أرسل رسوًل لينظر ما هو‪ ،‬فجاء أبو لهب وقريش‪.‬‬ ‫صـ ّدـِقـّىـ؟(‪.‬‬ ‫فلما اجتمعوا قال‪ :‬‏) أرأيتك م لو أخبرتك م أن خيًل بالوادى بَس ْفـح هذا الجبل تريد أن تغير عليك م أكنت م ُم َ‬ ‫قالوا‪ :‬نع م‪ ،‬ما جربنا عليك كذًبا‪ ،‬ما جربنا عليك إل صدًقا‪.‬‬ ‫قال‪ :‬‏)إنى نذير لك م بين يدى عذاب شديد‪ ،‬إنما مثلى ومثلك م كمثل رجل رأي الَعُد ّوـ فانطلق َيْر َبـأـأهله(‏) أي يتطلع‬ ‫وينظر له م من مكان مرتفع لئل يدهمه م العدو( ‏)خشى أن يسبقوه فجعل ينادى‪ :‬يا صباحاه(‬ ‫ث م دعاه م إلى الحق‪ ،‬وأنذره م من عذاب ال ‪ ،‬فخص وع م فقال‪:‬‬ ‫‏)يا معشر قريش‪ ،‬اشتروا أنفسك م من ال ‪ ،‬أنقذوا أنفسك م من النار‪ ،‬فإنى ل أملك لك م من ال ضًرا ول نفًعا‪ ،‬ول أغنى‬ ‫عنك م من ال شيًئا‪.‬‬ ‫يا بني كعب بن لؤى‪ ،‬أنقذوا أنفسك م من النار‪ ،‬فإني ل أملك لك م ضًرا ول نفًعاـ‪.‬‬ ‫يا بني مر ة بن كعب‪ ،‬أنقذوا أنفسك م من النار‪.‬‬ ‫يا معشر بني قصى‪ ،‬أنقذوا أنفسك م من النار‪ ،‬فإنى ل أملك لك م ضًرا ول نفًعاـ‪.‬‬


‫يا معشر بني عبد مناف‪ ،‬أنقذوا أنفسك م من النار‪ ،‬فإنى ل أملك لك م من ال ضًرا ول نفًعا‪ ،‬ول أغنى عنك م من ال‬ ‫شيًئا‪.‬‬ ‫يا بني عبد شمس‪ ،‬أنقذوا أنفسك م من النار‪.‬‬ ‫يا بني هاش م‪ ،‬أنقذوا أنفسك م من النار‪.‬‬ ‫يا معشر بني عبد المطلب‪ ،‬أنقذوا أنفسك م من النار‪ ،‬فإنى ل أملك لك م ضًرا ول نفًعا‪ ،‬ول أغنى عنك م من ال شيًئا‪،‬‬ ‫سلونى من مالى ماشئت م‪ ،‬ل أملك لك م من ال شيًئا‪.‬‬ ‫يا عباس بن عبد المطلب‪ ،‬ل أغنى عنك من ال شيًئا‪.‬‬ ‫يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول ال ‪ ،‬ل أغنى عنك من ال شيًئا‪.‬‬ ‫يا فاطمة بنت محمد رسول ال ‪ ،‬سلينى ما شئت من مالى‪ ،‬أنقذى نفسك من النار‪ ،‬فإنى ل أملك لك ضًرا ول نفًعا‪،‬‬ ‫ول أغنى عنك من ال شيًئا‪.‬‬ ‫للها( أي أصلها حسب حقها‪.‬‬ ‫غير أن لك م رحًم اـ سأُبّلها ِبب َ‬ ‫ولما ت م هذا النذار انفض الناس وتفرقوا‪ ،‬ول يذكر عنه م أي رد ة فعل‪ ،‬سوى أن أبا لهب واجه النبي صلى ال عليه‬ ‫ت َيَد اـ أَِبي لَهٍَب َو تَـ ّ‬ ‫ب{ ]سور ة المسد‪.[1:‬‬ ‫وسل م بالسوء‪ ،‬وقال‪ :‬تبا لك سائر اليو م‪ ،‬ألهذا جمعتنا؟ فنزلت‪ :‬‏}تَّب ْ‬

‫كانت هذه الصيحـة العالية هي غاية البلغ‪ ،‬فقد أوضح الرسول صلى ال عليه وسل م لقرب الناس إليه أن التصديق‬ ‫بهذه الرسالة هو حيا ة الصلت بينه وبينه م‪ ،‬وأن عصبة القرابة التي يقو م عليها العرب ذابت في حرار ة هذا النذار‬ ‫التى من عند ال ‪.‬‬ ‫ضـَع ِنـ اْلُم ْشـِرـِكـيـ َ{ن‬ ‫صَد ـ ْ‬ ‫عـ بَِم اـ تُْؤ َمـُرـ َوَأْع ِرـ ْ‬ ‫ول م يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى‪ :‬‏} َفا ْ‬ ‫]الحجر‪ ،[94:‬فقا م رسول ال صلى ال عليه وسل م يجهر بالدعو ة إلى السل م في مجامع المشركين ونواديه م‪ ،‬يتلو‬ ‫عليه م كتاب ال ‪ ،‬ويقول له م ما قالته الرسل لقوامه م‪ :‬‏}َيا َقْو ِ م ـاْع ُبـُد وْـا ال َ َم اـ لَُك مـ ّم ْنـ ِإلَـٍه َغ ْيـُرـه{ُ ]العراف‪،[59:‬وبدء‬ ‫يعبد ال تعالى أما م أعينه م‪ ،‬فكان يصلى بفناء الكعبة نهاًرا جهاًرا وعلى رءوس الشهاد‪.‬‬ ‫وقد نالت دعوته مزيًد اـ من القبول‪ ،‬ودخل الناس في دين ال واحًد اـ بعد واحد‪ .‬وحصل بينه م وبين من ل م يسل م من أهل‬ ‫بيته م تباغض وتباعد وعناد واشمأزت قريش من كل ذلك‪ ،‬وساءه م ما كانوا يبصرون‪.‬‬ ‫المجلس الستشاري لكف الحجاج عن استماع الدعو ة‬


‫وخلل هذه اليا م أه م قريًش اـ أمر آخر‪،‬وذلك أن الجهر بالدعو ة ل م يمض عليه إل أيا م أو أشهر معدود ة حتى قرب‬ ‫موس م الحج‪ ،‬وعرفت قريش أن وفود العرب ستقد م عليه م‪ ،‬فرأت أنه لبد من كلمة يقولونها للعرب‪ ،‬في شأن محمد‬

‫صلى ال عليه وسل م حتى ل يكون لدعوته أثر في نفوس العرب‪ ،‬فاجتمعوا إلى الوليد بن المغير ة يتداولون في تلك‬ ‫ض اــ‪ ،‬قالوا‪:‬‬ ‫ض اــ‪ ،‬ويرد قولك م بعضه بع ً‬ ‫الكلمة‪ ،‬فقال له م الوليد‪ :‬أجمعوا فيه رأيًـا واحًد اـ‪،‬ول تختلفوا فيكذب بعضك م بع ً‬ ‫فأنت فقل‪ ،‬وأق م لنا أرًيا نقول به‪ .‬قال‪ :‬بل أنت م فقولوا أسمع‪ .‬قالوا‪ :‬نقول‪ :‬كاهن‪ .‬قال‪ :‬ل وال ما هو بكاهن‪ ،‬لقد رأينا‬ ‫الكهان فما هو بَز ْمـَزـَمـةـالكاهن ول سجعه‪ .‬قالوا‪ :‬فنقول‪ :‬مجنون‪ ،‬قال‪ :‬ما هو بمجنون‪ ،‬لقد رأينا الجنون وعرفناه‪ ،‬ما‬ ‫هو بَخ ْن ـِقـهـ ول تََخ اـلُِج ه ـ ول وسوسته‪ .‬قالوا‪ :‬فنقول‪ :‬شاعر‪ .‬قال‪ :‬ما هو بشاعر‪ ،‬لقد عرفنا الشعر كله َر َجـ َزــهوَهَز َجـ ه ـ‬

‫ض ه ـوَم ْقـُبوضه وَم ْبـُسـوـطه‪ ،‬فما هو بالشعر‪ ،‬قالوا‪ :‬فنقول‪ :‬ساحر‪ .‬قال‪ :‬ما هو بساحر‪ ،‬لقد رأينا السحار وسحره م‪،‬‬ ‫وَقِر يـ َ‬ ‫]وان عليه لطلو ة[ إوان أصله لَعَذ قـ‪ ،‬إوان‬ ‫فما هو بَنْفثِِه مـ ول عْقِد ِهـ مـ‪ .‬قالوا‪ :‬فما نقول؟ قال‪ :‬وال إن لقوله لحلو ة‪ ،‬إ‬ ‫فَْرَع هـلَج َنــا ة‪ ،‬وما أنت م بقائلين من هذا شيًئا إل عرف أنه باطل‪ ،‬إوان أقرب القول فيه لن تقولوا‪ :‬ساحر‪ .‬جاء بقول هو‬ ‫سحر‪ ،‬يفرق به بين المرء وأبيه‪ ،‬وبين المرء وأخيه‪ ،‬وبين المرء وزوجته‪ ،‬وبين المرء وعشيرته‪ ،‬فتفرقوا عنه بذلك‪.‬‬ ‫وتفيد بعض الروايات أن الوليد لما رد عليه م كل ما عرضوا له‪ ،‬قالوا‪ :‬أرنا رأيك الذي ل غضاضة فيه‪ ،‬فقال له م‪:‬‬ ‫أمهلونى حتى أفكر في ذلك‪ ،‬فظل الوليد يفكر ويفكر حتى أبدى له م رأيه الذي ذكر آنًفا‪.‬‬ ‫تلَهُ َم اـًل ّم ْمـُدـوـًد اـَو َبـِنيَن‬ ‫ت َو ِحـ يـًد اـَو َجـ َعـْلـ ُ‬ ‫وفي الوليد أنزل ال تعالى ست عشر ة آية من سور ة المدثر‏} َذْرنِــيَو َم ـْنـَخ لَـْق ُ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ّ‬ ‫ُشهُـوًد اـ َو َم ـهّـد ّ‬ ‫فـ قَّد َرـ ثُّ م‬ ‫ت لَهُ تَْم ِهـيـًد اـ ثُّ م َي ْ‬ ‫ص ُعــوًد اـ ِإّنهُ فَّك َرـ َو قَـّد َرـ فَقُتَِل َك ْيـ َ‬ ‫طَم ُعـ أَْن َأِز يـَد َك لـ ِإّنهُ َك اـَن ل َي ـاـتَناـَع نـيًد اـ َس أُـْرِه قُـهُ َ‬ ‫ّ ِ‬ ‫ّ‬ ‫ص ِلــيِهَس قَـَر{‬ ‫فـ قَّد َرـ ثُّ م َن َ‬ ‫قُتَِل َك ْيـ َ‬ ‫ظَر ثُّ م َع َبـَس َو َبـَس َرـثُّ م أَْد َبـَر َواْس تَـْك َبـَر فَـَقا َِإلْن َهَذ اـ ِإل س ْح ـٌر ـُيْؤ ثَـُر ِإْن َهَذ اـ ِإل َقْو ُل ـاْلَبَش ِرـَسـأُـ ْ‬ ‫ظَر ثُّ م‬ ‫فـ قَّد َرـ ثُّ م َن َ‬ ‫فـ قَّد َرـ ثُّ م قُتَِل َك ْيـ َ‬ ‫]من ‪ 11‬إلى ‪ [26‬وفي خللها صور كيفية تفكيره‪ ،‬فقال‪ :‬‏}ِإّنهُ فَّك َرـ َو قَـّد َرـ فَقُتَِل َك ْيـ َ‬ ‫َع َبـَس َو َبـَس َرـثُّ م أَْد َبـَر َواْس تَـْك َبـَرفََقاَل ِإْن َهَذ اـ ِإّل ِس ْح ـٌر ـُيْؤ ثَـُر ِإْن َهَذ اـ ِإّل َقْو ُل ـاْلَبَش ِرـ{ ]المدثر‪[25 :18:‬‬ ‫وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه‪ ،‬فجلسوا بسبل الناس حين قدموا للموس م‪ ،‬ل يمر به م أحد إل‬ ‫حذروه إياه وذكروا له م أمره‪.‬‬ ‫أما رسول ال صلى ال عليه وسل م فخرج يتبع الناس في منازله م وفي ُع َكـاـظ وَم َجـ ّنــة وذى الَم َجـاــز‪ ،‬يدعوه م إلى ال ‪،‬‬ ‫وأبو لهب وراءه يقول‪ :‬ل تطيعوه فإنه صابئ كذاب‪.‬‬ ‫وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموس م بأمر رسول ال صلى ال عليه وسل م وانتشر ذكره في بلد العرب‬ ‫كلها‪.‬‬

‫أساليب شتى لمجابهة الدعو ة‬


‫ولما فرغت قريش من الحج فكرت في أساليب تقضى بها على هذه الدعو ة في مهدها‪ .‬وتتلخص هذه الساليب فيما‬ ‫يلي‪:‬‬ ‫‪1‬ـ السخرية والتحقير‪ ،‬والستهزاء والتكذيب والتضحيك‪:‬‬ ‫قصدوا بها تخذيل المسلمين‪ ،‬وتوهين قواه م المعنوية‪ ،‬فرموا النبي صلى ال عليه وسل م بته م هازلة‪ ،‬وشتائ م سفيهة‪،‬‬ ‫فكانوا ينادونه بالمجنون ‏} َوَقــالُوْا َيا أَّيَها الِّذ ي ـ ُنّز َلـَع لَـْي ِهـ الّذ ْكـُرـ ِإّنَك َلَم ْجـ ُنــوٌن{ ]الحجر‪ ،[6:‬ويصمونه بالسحر والكذب‬ ‫ب{ ]ص‪،[4:‬وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة‬ ‫‏} َوَعِجـُبـواَأن َج اــءُه م ّم نـِذ ٌر ـ ّم ْنـهُـْ م َو قَــاَل اْلَك اـِفُرـ وـَنَهَذ اـ َس اـِح ٌر ـ َك ّذـاـ ٌ‬ ‫ِّ‬ ‫صـ اـِرِه ْ مـلَّم اـ َس ِمـُعـوا الّذ ْكـَرـ َو َيـُقوُلوَن ِإّنهُ َلَم ْجـ ُنــوٌن{‬ ‫ناقمة‪ ،‬وعواطف منفعلة هائجة ‏} َ إوِان َيَك اـُد الذ يـَن َك فَـُر واـلَُيْز ِلـُقوَنَكـبِأَْب َ‬ ‫]القل م‪،[51:‬وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استه أزوا به م وقالوا‪ :‬هؤلء جلساؤه ‏} َمّنـ ال ُ َع لَـْي ِهـ مـ ّم نـ‬ ‫َبْي نِـَناـ{ ]النعا م‪ ،[53 :‬قال تعالى‪ :‬‏}أَلَْيَسـ ال ُ بِأَْع لَـَ م ِبالّش اـِك ِرـيـَن{ ]النعا م‪،[53:‬وكانوا كما قص ال علينا ‏}ِإّن الِّذ يـَن‬ ‫ض َح ـُك ـوـَن َو إِاَذـاـَم ّرـ وْاـبِِه ْ مـ َيتََغاـَم ُزـ وـَنَو إِاَذ اـانَقَلُبوْا ِإَلى أَْه ِلـِه ُ مـ انَقَلُبوْا فَِك ِهـيـَن َو إِاَذـاـَرَأْو ُهـْ مَقالُوا ِإّن‬ ‫َأْج َر ـُمـوـاَك اـُنوْا ِم َنـ الِّذ يـَن آَم ُنـوا َي ْ‬ ‫ض اـّلوَن َو َم ـاـأُْر ِسـ لُـواَع لَـْي ِهـْ مـ َح اـِفِظ يـَن{ ]المطففين‪.[33 :29 :‬‬ ‫َهُؤَل ءَلـ ـ َ‬ ‫وقد أكثروا من السخرية والستهزاء وزادوا من الطعن والتضحيك شيًئا فشيًئا حتى أثر ذلك في نفس رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م‪ ،‬كما قال ال تعالى‪ :‬‏} ولَـقَْد َنع لَـ م أَّنَك ي ِ‬ ‫ص ْدـُرـَكـبَِم اـ َيُقوُلوَن { ]الحجر‪ ،[97:‬ث م ثبته ال وأمره بما‬ ‫ض يـ ـ ُ‬ ‫َ‬ ‫ق َ‬ ‫َ ْ ُ‬ ‫يذهب بهذا الضيق فقال‪ :‬‏} فََسّبـْح بَِح ْمـِدـ َر ّبـَكـَو ُك ـنـ ّم َنـ الّس اـِج ِدـيـَن َواْع ُبـْد َر ّبـَك َح تّــى َيْأتَِيَكـ اْلَيِقيُن{]الحجر‪ ،[99 ،98:‬وقد‬ ‫أخبره من قبل أنه يكفيه هؤلء المستهزئين حيث قال‪ :‬‏}ِإّنا َك فَـْي َنـاَك اْلُم ْسـتَـْهِز ئِـيَنالِّذ يـَن َيْج َع ـلُـوَن َم َعـ ال ِ ِإلـًها آَخ َر ـ‬ ‫ف ـَيْع َمـلُـوَن{ ]الحجر‪ ،[96 ،95 :‬وأخبره أن فعله م هذا سوف ينقلب وباًل عليه م فقال‪ :‬‏} َولَـقَِد اْس تُـْهِزىَء ِبُر ُسـٍلـّم نـ‬ ‫َفَس ْوـ َ‬ ‫ق ِبالِّذ يـَن َس ِخـ ُرـ وْاـِم ْنـهُـ م ّم اـ َك اـُنوْا بِِه َيْس تَـْهِز ُؤ ـوـ َ{ن ]النعا م‪.[10:‬‬ ‫قَْب ِلـَك فََح اـ َ‬ ‫‪2‬ـ إثار ة الشبهات وتكثيف الدعايات الكاذبة‪:‬‬ ‫وقد أكثروا من ذلك وتفننوا فيه بحيث ل يبقى لعامة الناس مجال للتدبر في دعوته والتفكير فيها‪ ،‬فكانوا يقولون عن‬ ‫ث أَْح لَـٍ م{ ]النبياء‪ [5:‬يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار‪ ،‬ويقولون‪ :‬‏} َبِلـ اْفتََراهُ{ من عند نفسه ويقولون‪:‬‬ ‫ضَغــا ُ‬ ‫القرآن‪ :‬‏} أَ ْ‬ ‫ن ]الفرقان‪ [4 :‬أي اشترك هو وزملؤه في‬ ‫ك اْفتََراهُ َوأََع اـَنهُـ َع لَـْي ِهـ َقْو ٌ م ـآَخ ُرـ و ـَ{‬ ‫‏} ِإّنَماـ ُيَع لّـُم هُـ َبَش ٌرـ{ وقالوا‪ :‬‏}ِإْن َهَذ اـ ِإّل ِإْف ٌ‬ ‫اختلقه‪ .‬‏} وَقــالُوا أَس اـِط ي ـر اْلَّو ِلــين اْك تَـتَبها فَِه يـ تُم لَــى ع لَـْي ِهـ بْك رـ ةًوأَـ ِ‬ ‫ل ]الفرقان‪[5:‬‬ ‫ص يــً{‬ ‫َ ُ‬ ‫َ ََ َ ْ َ ُ َ َ‬ ‫َ‬ ‫وأحيانا قالوا‪ :‬إن له جًنا أو شيطاًنا يتنزل عليه كما ينزل الجن والشياطين على الكهان‪ .‬قال تعالى رًد اـ عليه م‪ :‬‏} َهْل‬ ‫أَُنّبُئُك ْ مـ َع لَــى َم نـ تََنّز ُلـالّش َيـاِط يـُن تََنّز ُلـَع لَــى ُك ّلـ أَّفاٍك أَِثيٍ م{ ]الشعراء‪ ،[222 ،221:‬أي إنها تنزل على الكذاب الفاجر‬ ‫المتلطخ بالذنوب‪ ،‬وما جّر بـت م علّى كذًبا‪ ،‬وما وجدت م في فسًقا‪ ،‬فكيف تجعلون القرآن من تنزيل الشيطان؟‬ ‫وأحياًنا قالوا عن النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬إنه مصاب بنوع من الجنون‪ ،‬فهو يتخيل المعانى‪ ،‬ث م يصوغها في‬

‫كلمات بديعة رائعة كما يصوغ الشعراء‪ ،‬فهو شاعر وكلمه شعر‪ .‬قال تعالى رًد اـ عليه م‪ :‬‏} َوالّشَعـَراءَيتّبُِعهُُ م اْلَغاُو وـَن أَلَْ م‬ ‫تََر أَّنهُْ م ِفيـ ُك ّلـ َواٍد َيِه يـُم وـَن َوأَّنهُْ م َيُقوُلوَن َم اـ َل َيْفَع لُـوَن{ ]الشعراء‪ [226 :225:‬فهذه ثلث خصائص يتصف بها‬


‫الشعراء ليست واحد ة منها في النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فالذين اتبعوه هدا ة مهتدون‪ ،‬متقون صالحون في دينه م‬ ‫وخلقه م وأعماله م وتصرفاته م‪ ،‬وليست عليه م مسحة من الغواية في أي شأن من شئونه م‪ ،‬ث م النبي صلى ال عليه‬ ‫وسل م ل يهي م في كل واد كما يهي م الشعراء‪ ،‬بل هو يدعو إلى رب واحد‪ ،‬ودين واحد‪ ،‬وصراط واحد‪ ،‬وهو ل يقول إل‬ ‫ما يفعل‪ ،‬ول يفعل إل ما يقول‪ ،‬فأين هو من الشعر والشعراء؟ وأين الشعر والشعراء منه‪.‬‬ ‫هكذا كان يرد عليه م بجواب مقنع حول كل شبهة كانوا يثيرونها ضد النبي صلى ال عليه وسل م والقرآن والسل م‪.‬‬ ‫ومعظ م شبهته م كانت تدور حول التوحيد‪ ،‬ث م رسالة محمد صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ث م بعث الموات ونشره م وحشره م‬ ‫يو م القيامة‪ ،‬وقد رد القرآن على كل شبهة من شبهاته م حول التوحيد‪ ،‬بل زاد عليها زيادات أوضح بها هذه القضية‬ ‫من كل ناحية‪ ،‬وبين عجز آلهته م عجًزا ل مزيد عليه‪ ،‬ولعل هذا كان مثار غضبه م واستنكاره م الذي أدى إلى ما أدى‬ ‫إليه‪.‬‬ ‫أما شبهاته م في رسالة النبي صلى ال عليه وسل م فإنه م مع اعترافه م بصدق النبي صلى ال عليه وسل م وأمانته وغاية‬ ‫صلحه وتقواه‪ ،‬كانوا يعتقدون أن منصب النبو ة والرسالة أجل وأعظ م من أن يعطى لبشر‪ ،‬فالبشر ل يكون رسوًل ‪ ،‬ـ ـ‬

‫والرسول ل يكون بشًرا حسب عقيدته م‪ .‬فلما أعلن رسول ال صلى ال عليه وسل م عن نبوته‪ ،‬ودعا إلى اليمان به‬ ‫تحيروا وقالوا‪ :‬‏} ماـِل هَذ اـ الّر سـوـِل يْأُك ُلـ ال ّ‬ ‫طَعاَ م و َيـْم ِشـ يِفـيـ اْلَْس وـا ِ‬ ‫ق{ ]الفرقان‪ ،[7 :‬وقالوا‪ :‬إن محمًد اـ صلى ال عليه‬ ‫َ َ‬ ‫ُ َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ب الِّذ ي ـ‬ ‫وسل م بشر‪،‬و ‏} َماـ َأنَز َلـال ُ َع لَــى َبَش ٍرـ ّم نـ َش ْيـ ٍء ـ{ ]النعا م‪ ،[19 :‬فقال تعالى رًد اـ عليه م‪:‬‏}ُقْل َم ْنـ َأنَز َلـاْلك تَـا َ‬ ‫َج اــء بِِه ُم وـَس ىـ ُنوًرا وُهًد ىـّللّنا ِ‬ ‫ض ا ـ بأن كل قو م قالوا‬ ‫س{‪ ،‬وكانوا يعرفون ويعترفون بأن موسى بشر‪ .‬ورد عليه م أي ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ت لَهُْ م ُر ُسـلُـهُْ م ِإن ّنْح ُن ـ ِإل َبَش ٌرـ ّم ثْـلُُك ْ مـ َو لَـِك ّنـ‬ ‫لرسله م إنكاًرا على رسالته م‪ :‬‏}ِإْن َأنتُْ م ِإل َبَش ٌرـ ّم ثْـلَُناـ{ ]إبراهي م‪ ،[10:‬فـ ‏}َقالَ ْ‬ ‫ال َ َيُم ّنـ َع لَــى َم نـ َيَش اـء ِم ْنـ ِع َبــاِد ِه{ـ ]إبراهي م‪ .[11 :‬فالنبياء والرسل ل يكونون إل بشًرا‪ ،‬ول منافا ة بين البشرية‬ ‫والرسالة‪.‬‬

‫وحيث إنه م كانوا يعترفون بأن إبراهي م و إسماعيل وموسى ـ عليه م السل م ـ كانوا رسًل وكانوا بشًرا‪ ،‬فإنه م ل م يجدوا‬ ‫مجاًل للصرار على شبهته م هذه‪،‬فقالوا‪:‬أل م يجد ال لحمل رسالته إل هذا اليتي م المسكين‪،‬ما كـان ال ليترك كـبار أهـل‬ ‫مكـة والطائف ويتخذ هذا المسكين رسوًل‏} َوَقــالُوا لَْوَل ُنّز َلـَهَذ اـ اْلقُْرآُن َع لَــى َر ُجـٍلـّم َنـ اْلَقْر َي ـتَْي ِنـَع ِظـ يـٍ م{ ]الزخرف‪ ،[31:‬قال‬ ‫ثـ‬ ‫تعالى رًد اـ عليه م‪:‬‏}أَُهْ م َيْقِس ُم ـوـَن َر ْحـ َم ـةَـَر ّبـَك{ـ ]الزخرف‪ ،[32:‬يعنى أن الوحى والرسالة رحمة من ال و‏}ال ُ أَْع لَـُ م َح ْيـ ُ‬ ‫َيْج َع ـُلـ ِر َسـاـلَتَهُ{ ]النعا م‪.[124:‬‬ ‫وانتقلوا بعد ذلك إلى شبهة أخرى‪ ،‬قالوا‪ :‬إن رسل ملوك الدنيا يمشون في موكب من الخد م والحش م‪ ،‬ويتمتعون بالبهة‬ ‫والجلل‪ ،‬ويوفر له م كل أسباب الحيا ة‪ ،‬فما بال محمد يدفع ��ي السواق للقمة عيش وهو يدعى أنه رسول ال ؟‬ ‫‏} وَقــالُوا َم اـِل َهَذ اـ الّر ُسـوـِل َيْأُك ُلـ الطَّعاَ م و َيـْم ِشـ يِفـيـ اْلَْس وـا ِ‬ ‫ك َفَيُك وـَن َم َعـهُـ َنِذ يـًراأَْو ُيْلَقى ِإلَْي ِهـ َك نـٌز أَْو‬ ‫ق لَْوَل ُأنِز َلـ ِإلَْي ِهـ َم لَـ ٌ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫را ]الفرقان‪ ،[8 :7:‬ورد على شبهته م هذه بأن‬ ‫تَُك وـُن لَهُ َج ّنـةٌ َيْأُك ُلـ م ْنـهَـا َو قَــاَل الظالُم وـَن إن تَتبُعوَن إل َر ُجـًلـّم ْسـُحـوـً {‬ ‫محمًد اـ رسول‪ ،‬يعنى أن مهمته هو إبلغ رسالة ال إلى كل صغير وكبير‪ ،‬وضعيف وقوى‪ ،‬وشريف ووضيع‪ ،‬وحر‬


‫وعبد‪ ،‬فلو لبث في البهة والجلل والخد م والحش م والحرس والمواكبين مثل رسل الملوك‪ ،‬ل م يكن يصل إليه ضعفاء‬ ‫الناس وصغاره م حتى يستفيدوا به‪ ،‬وه م جمهور البشر‪ ،‬إواذن فاتت مصلحة الرسالة‪ ،‬ول م تعد لها فائد ة تذكر‪.‬‬ ‫أما إنكاره م البعث بعد الموت فل م يكن عنده م في ذلك إل التعجب والستغراب والستبعاد العقلي‪ ،‬فكانوا يقولون‪ :‬‏} أَئَِذاـ‬ ‫ظــاًم اـأَئِّنا لََم ْبـُعـوُثوَن أََوآَباُؤ َنـاـاْلَّو لُــوَن{ ]الصافات‪،[17 ،16:‬وكانوا يقولون‪ :‬‏} َذِلـَك َر ْجـ ٌع ـَبِع يـٌد{ ]ق‪[3 :‬‬ ‫ِم تْـَنا َو ُك ـّنـا تَُراًبا َوِع َ‬ ‫قـِإّنُك ْ مـ لَِفيـ َخ ْلـ ٍ‬ ‫وكانوا يقولون على سبيل الستغراب‪ :‬‏}َهْل َنُد لّـُك ْ مـ َع لَــى َر ُجـٍلـُيَنّبُئُك ْ مـ ِإَذ اـ ُم ّزـْقـتُْ م ُك ّلـ ُم َمـّزـ ٍ‬ ‫ق َج ِدـيـٍد أَْفتََرىـ‬ ‫َع لَــى ال ِ َك ِذـ ًبـاـ َأ م بِِه ِج ّنـةٌ{ ]سبأ‪.[8 ،7 :‬‬ ‫وقال قائله م‪:‬‬ ‫ث ُخ َرــافةيا أ م عمرو‬ ‫ت ـث م َبْع ٌ‬ ‫ثـ ث م َح ْشـٌرـ ** حِد يـ ُ‬ ‫َأمْو ٌ‬ ‫وقد رد عليه م بتبصيره م ما يجرى في الدنيا‪ ،‬فالـظال م يموت دون أن يلقى جزاء ظلمه‪ ،‬والمظلو م يموت دون أن يأخذ‬ ‫حقه من ظالمه‪ ،‬والمحسن الصالح يموت قبل أن يلقى جزاء إحسانه وصلحه‪ ،‬والفاجر المسىء يموت قبل أن يعاقب‬ ‫على سوء عمله‪ ،‬فإن ل م يكن بعث ول حيا ة ول جزاء بعد الموت لستوى الفريقان‪ ،‬بل لكان الظال م والفاجر أسعد من‬ ‫المظلو م والصالح‪ ،‬وهذا غير معقول إطلقا‪ .‬ول يتصور من ال أن يبني نظا م خلقه على مثل هذا الفساد‪ .‬قال‬ ‫فـ تَْح ُك ـُمـوـَن{ ]القل م‪ ،[36 ،35:‬وقال‪ :‬‏} أَفََنْجَعـُلـ اْلُم ْسـ ِلـِم يـَن َك اـْلُم ْجـ ِر ـِمـيـَن‬ ‫تعالى‪ :‬‏} أَفََنْجَعـُلـ اْلُم ْسـ ِلـِم يـَن َك اـْلُم ْجـ ِر ـِمـيـَنَم اـ لَُك ْ مـ َك ْيـ َ‬ ‫ِ‬ ‫ب ـالِّذ يـَن اْج تَـَر ُحـواـالّس ّيـَئاِت ّأن ّنْج َع ـلَـهُْ م َك اـلِّذ يـَن آَم ُنـوا َوَع ِمـلُـوا‬ ‫َم اـ لَُك ْ مـ َك ْيـ َ‬ ‫فـ تَْح ُك ـُمـوـَن{ ]ص‪ ،[28 :‬وقال‪ :‬‏}أًْ م َح سـ َ‬ ‫ص اـِلَح اـِت َس َوـاء ّم ْحـ َيــاُه م َو َم ـَمـاـتُهُْ م َس اـء َم اـ َيْح ُك ـُمـوـَن{ ]الجاثية‪.[21:‬‬ ‫ال ّ‬ ‫وأما الستبعاد العقلى فقال تعالى رًد اـ عليه‪ :‬‏}أََأنتُْ م أََش ّدـ َخ ْلـًقا أَِ م الّس َمـاـء َبَناَهاـ{ ]النازعات‪ ،[27:‬وقال‪ :‬‏} َأَولَـْ م َيَر ْو ـاـأَّن ال‬ ‫ِ‬ ‫ض ـَو لَـْ م َيْع َيـ بَِخ ْلـِقِه ّنـ بَِقاِد ٍر ـ َع لَــى أَْن ُيْح يِـَي اْلَم ْوـ تَــى َب لَـى ِإّنهُ َع لَــى ُك ّلـ َش ْيـ ٍء ـقَِد يـٌر{‬ ‫َ الِّذ ي ـ َخ لَـ َ‬ ‫ق الّس َمـاـَواتَواْلَْر َ‬ ‫لوَلى َفلَْوَل َتذّك ُرـ وـَن{ ]الواقعة‪ ،[62:‬وبين ما هو معروف عقًل وعرًفا‪،‬‬ ‫]الحقاف‪ ،[33 :‬وقال‪ :‬‏} َولَـقَْد َع ِلـْم تُـُ م الّنْش أَـ ةَ ا ْ ُ‬ ‫ق ّنِع يـُد هُـ{ ]النبياء‪ ،[104:‬وقال‪ :‬‏} أَفََعِييَنا ِباْلَخ ْلـ ِ‬ ‫وهو أن العاد ة ‏} َأْهوـُن ـَع لَـْي ِهـ{ ]الرو م‪،[27 :‬وقال‪ :‬‏} َكَمـاـ َبَد ْأـَنا َأّو َل ـ َخ ْلـ ٍ‬ ‫ق‬ ‫َ‬ ‫اْلَّو ِل ـ{ ]ق‪.[15 :‬‬ ‫وهكذا رد على كل ما أثاروا من الشبهات رًد اـ مفحًم اـ يقنع كل ذى عقل ولب‪ ،‬ولكنه م كانوا مشاغبين مستكبرين يريدون‬ ‫ُع لـوا في الرض وفرض رأيه م على الخلق‪ ،‬فبقوا في طغيانه م يعمهون‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ الحيلولة بين الناس وبين سماعه م القرآن‪ ،‬ومعارضته بأساطير الولين‪:‬‬ ‫كان المشركون بجنب إثار ة هذه الشبهات يحولون بين الناس وبين سماعه م القرآن ودعو ة السل م بكل طريق يمكن‪،‬‬ ‫فكانوا يطردون الناس ويثيرون الشغب والضوضاء ويتغنون ويلعبون‪ ،‬إذا أروا أن النبي صلى ال عليه وسل م يتهيأ‬ ‫للدعو ة‪ ،‬أو إذا رأوه يصلى ويتلو القرآن‪ .‬قال تعالى‪ :‬‏} َوقَــاَل الِّذ يـَن َك فَـُر واـَل تَْس َمـُعـوا ِلهََذ اـ اْلقُْرآِن َواْلَغْوـاـِفيِه لََع لّـُك ْ مـ تَْغ ِلـُبوَن{‬


‫]فصلت‪ [26:‬حتى إن النبي صلى ال عليه وسل م ل م يتمكن من تلو ة القرآن عليه م في مجامعه م ونواديه م إل في‬ ‫ض ا ـ عن طريق المفاجأ ة‪ ،‬دون أن يشعروا بقصده قبل بداية التلو ة‪.‬‬ ‫أواخر السنة الخامسة من النبو ة‪ ،‬وذلك أي ً‬ ‫وكان النضر بن الحارث‪ ،‬أحد شياطين قريش قد قد م الحير ة‪ ،‬وتعل م بها أحاديث ملوك الفرس‪ ،‬وأحاديث رست م‬ ‫واسفنديار‪ ،‬فكان إذا جلس رسول ال صلى ال عليه وسل م مجلًس اـ للتذكير بال والتحذير من نقمته خلفه النضر‬ ‫ويقول‪ :‬أنا و ال يا معشر قريش أحسن حديًثا منه‪ ،‬ث م يحدثه م عن ملوك فارس ورست م واسفنديار‪ ،‬ث م يقول‪ :‬بماذا‬ ‫محمد أحسن حديًثا مني‪.‬‬

‫وفي رواية عن ابن عباس أن النضر كان قد اشترى قَْي َنـًة‪ ،‬فكان ل يسمع بأحد يريد السل م إل انطلق به إلى قينته‪،‬‬ ‫فيقول‪ :‬أطعميه واسقيه وغنيه‪ ،‬هذا خير مما يدعوك إليه محمد‪ ،‬وفيه نزل قوله تعالى‪ :‬‏} وِمـَنـالّنا ِ‬ ‫س َم نـ َيْش تَـِري لَْهَو‬ ‫َ‬ ‫اْلح ِدـيـِث ِلي ِ‬ ‫ض ّلـ ـَع نـ َس بِـيِل ال ِ{ ]لقمان‪.[6 :‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬

‫الضطهادات‬ ‫أعمل المشركون الساليب التي ذكرناها شيًئا فشيًئا لحباط الدعو ة بعد ظهورها في بداية السنة الرابعة من النبو ة‪،‬‬ ‫ومضت على ذلك أسابيع وشهور وه م مقتصرون على هذه الساليب ل يتجاوزونها إلى طريق الضطهاد والتعذيب‪،‬‬ ‫ولكنه م لما أروا أن هذه الساليب ل م تجد نفًعاـ في إحباط الدعو ة السلمية استشاروا فيما بينه م‪ ،‬فقرروا القيا م بتعذيب‬ ‫المسلمين وفتنته م عن دينه م‪ ،‬فأخذ كل رئيس يعذب من دان من قبيلته بالسل م‪ ،‬وانقض كل سيد على من اختار من‬ ‫عبيده طريق اليمان‪.‬‬ ‫وكان من الطبيعي أن يهرول الذناب والوباش خلف ساداته م وكبرائه م‪ ،‬ويتحركوا حسب مرضاته م وأهوائه م‪ ،‬فجروا‬ ‫على المسلمين ـ ولسيما الضعفاء منه م ـ ويلت تقشعر منها الجلود‪ ،‬وأخذوه م بنقمات تتفطر لسماعها القلوب‪.‬‬ ‫كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسل م له شرف ومنعة أنبه وأخزاه‪ ،‬وأوعده بإبلغ الخسار ة الفادحة في المال‪ ،‬والجاه‪،‬‬ ‫إوان كان ضعيًفا ضربه وأغرى به‪.‬‬ ‫وكان ع م عثمان بن عفان يلفه في حصير من ورق النخيل ث م يدخنه من تحته‪.‬‬ ‫ولما علمت أ م مصعب بن عمير بإسلمه منعته الطعا م والشراب‪ ،‬وأخرجته من بيته‪ ،‬وكان من أنع م الناس عيًش اـ‪،‬‬ ‫فـ جلده تخشف الحية‪.‬‬ ‫فتََخ ّشـ َ‬

‫وكان صهيب بن سنان الرومي ُيعّذ بـ حتى يفقد وعيه ول يدرى ما يقول‪.‬‬


‫وكان بلل مولى أمية بن خلف الجمحي‪ ،‬فكان أمية يضع في عنقه حبًل ‪ ،‬ـ ـث م يسلمه إلى الصبيان‪ ،‬يطوفون به في‬

‫جبال مكة‪ ،‬ويجرونه حتى كان الحبل يؤثر في عنقه‪ ،‬وهو يقول‪ :‬أَح ٌدـ أَح ٌدـ‪،‬ـ وكان أمية يـشده شـًد اـ ث م يضربه بالعصا‪،‬‬ ‫و يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس‪ ،‬كما كان يكرهه على الجوع‪ .‬وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت‬ ‫الظهير ة‪ ،‬فيطرحه على ظهره في الرمضاء في بطحاء مكة‪ ،‬ث م يأمر بالصخر ة العظيمة فتوضع على صدره‪ ،‬ث م يقول‪:‬‬ ‫ل وال ل تـزال هكـذا حتى تموت أو تكفر بمحمد‪ ،‬وتعبد اللت والعزى‪ ،‬فيقول وهو في ذلك‪ :‬أحد‪،‬أحد‪ ،‬ويقـول‪ :‬لو‬ ‫أعل م كلمة هي أغيظ لك م منها لقلتها‪ .‬ومر به أبو بكر يوما وه م يصنعون ذلك به فاشتراه بغل م أسود‪ ،‬وقيل‪ :‬بسبع‬ ‫أواق أو بخمس من الفضة‪ ،‬وأعتقه‪.‬‬ ‫وكان عمار بن ياسر رضي ال عنه مولى لبني مخزو م‪ ،‬أسل م هو وأبوه وأمه‪ ،‬فكان المشركون ـ وعلى رأسه م أبو جهل‬ ‫ـ يخرجونه م إلى البطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونه م بحرها‪ .‬ومر به م النبي صلى ال عليه وسل م وه م يعذبون فقال‪:‬‬ ‫‏) صب ًار آل ياسر‪ ،‬فإن موعدك م الجنة(‪ ،‬فمات ياسر في العذاب‪ ،‬وطعن أبو جهل سمية ـ أ م عمار ـ في قبلها بحربة‬ ‫فماتت‪ ،‬وهي أول شهيد ة في السل م‪ ،‬وهي سمية بنت خياط مول ة أبي حذيفة بن المغير ة بن عبد ال بن عمر بن‬ ‫مخزو م‪ ،‬وكانت عجوًزا كبير ة ضعيفة‪ .‬وشددوا العذاب على عمار بالحر تار ة‪ ،‬وبوضع الصخر الحمر على صدره‬

‫أخرى‪ ،‬وبغطه في الماء حتى كان يفقد وعيه‪ .‬وقالوا له‪ :‬ل نتركك حتى تسب محمًد اـ‪ ،‬أو تقول في اللت والعزى‬ ‫خيًرا‪ ،‬فوافقه م على ذلك مكرًها‪ ،‬وجاء باكًيا معتذًرا إلى النبي صلى ال عليه وسل م‪ .‬فأنزل ال ‪ :‬‏} َمنـ َك فَـَر ِبال ِ ِم نـ‬ ‫طـَم ئِـّن ِباِل يـَم اـِن{الية ] النحل‪.[ 106 :‬‬ ‫َبْع ِدـ إيَم اـنِِه ِإلّ َم ْنـ أُْك ِرـهَ َو َقـْلُبهُ ُم ْ‬

‫وكان أبو فَُك ْيـهَـَة ـ واسمة أفلح ـ مولى لبني عبد الدار‪ ،‬وكان من الزد‪ .‬فكانوا يخرجونه في نصف النهار في حر‬ ‫شديد‪ ،‬وفي رجليه قيد من حديد‪ ،‬فيجردونه من الثياب‪ ،‬ويبطحونه في الرمضاء‪ ،‬ث م يضعون على ظهره صخر ة حتى‬ ‫ل يتحرك‪ ،‬فكان يبقى كذلك حتى ل يعقل‪ ،‬فل م يزل يعذب كذلك حتى هاجر إلى الحبشة الهجر ة الثانية‪ ،‬وكانوا مر ة قد‬ ‫ربطوا رجله بحبل‪ ،‬ث م جروه وألقوه في الرمضاء وخنقوه حتى ظنوا أنه قد مات‪ ،‬فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقه ل‪.‬‬ ‫وكان خباب بن الرت مولى ل م أنمار بنت ِس بـاع الخزاعية‪ ،‬وكان حداًد اـ‪ ،‬فلما أسل م عذبته مولته بالنار‪ ،‬كانت تأتى‬ ‫بالحديد ة المحما ة فتجعلها على ظهره أو رأسه‪ ،‬ليكفر بمحمد صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فل م يكن يزيده ذلك إل إيماًنا‬ ‫ض ا ـ يعذبونه فيلوون عنقه‪ ،‬ويجذبون شعره‪ ،‬وقد ألقوه على النار‪ ،‬ث م سحبوه عليها‪ ،‬فما‬ ‫وتسليًم اـ‪ ،‬وكان المشركون أي ً‬ ‫أطفأها إل َو َد ـَكـ ظهره‪.‬‬

‫وكانت ِز ّنـيَر ةُأَم ةًـ رومية قد أسلمت فعذبت في ال ‪ ،‬وأصيبت في بصرها حتى عميت‪ ،‬فقيل لها‪ :‬أصابتك اللت‬ ‫والعزى‪ ،‬فقالت‪ :‬ل وال ما أصابتني‪ ،‬وهذا من ال ‪ ،‬إوان شاء كشفه‪ ،‬فأصبحت من الغد وقد رد ال بصرها‪ ،‬فقالت‬ ‫قريش‪ :‬هذا بعض سحر محمد‪.‬‬ ‫وأسلمت أ م ُع َبـْي سـ‪ ،‬جارية لبني زهر ة‪ ،‬فكان يعذبها المشركون‪ ،‬وبخاصة مولها السود بن عبد يغوث‪ ،‬وكان من أشد‬ ‫أعداء رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ومن المستهزئين به‪.‬‬


‫وأسلمت جارية عمر بن مؤمل من بني عدى‪ ،‬فكان عمر بن الخطاب ي��ذبها ـ وهو يومئذ على الشرك ـ فكان يضربها‬ ‫حتى يفتر‪ ،‬ث م يدعها ويقول‪ :‬وال ما أدعك إل سآمة‪ ،‬فتقول‪ :‬كذلك يفعل بك ربك‪.‬‬ ‫وممـن أسلمـن وعـذبن مـن الجـوارى‪ :‬النهدية وابنتها‪ ،‬وكانتا لمـرأ ة من بني عبد الدار‪.‬‬ ‫وممن عذب من العبيد‪ :‬عامر بن فُهَْي َرـ ة‪ ،‬كان يعذب حتى يفقد وعيه ول يدرى ما يقول‪.‬‬ ‫واشترى أبوبكر رضي ال عنه هؤلء الماء والعبيد رضي ال عنه م وعنهن أجمعين‪ ،‬فأعتقه م جميًعاـ‪ .‬وقد عاتبه في‬ ‫ذلك أبوه أبو قحافة وقال‪ :‬أراك تعتق رقاًبا ضعاًفا‪ ،‬فلو أعتقت رجاًل جلًد اـ لمنعوك‪ .‬قال‪ :‬إني أريد وجه ال ‪ .‬فأنزل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫بـ َو تَـَو لّــى{‬ ‫ص َل ـ َه ـاـِإّل اْلَْش قَـى الذ ي ـ َك ذـ َ‬ ‫ال قرآًنا مدح فيه أبا بكر‪ ،‬وذ م أعداءه‪ .‬قال تعالى‪ :‬‏} َفَأنَذْرـتُـُكْ مـَناًرا تَلَظى َل َي ْ‬ ‫]الليل‪ [16 :14:‬وهو أمية بن خلف‪ ،‬ومن كان على شاكلته ‏} َوَسـُيـَجّنـُبَهااْلَتَْقى الِّذ ي ـ ُيْؤ تِــي َم اـلَهُ َيتََز ّكـىـَو َم ـاـِلََح ٍد ـ‬ ‫ى ـ ]الليـل‪ [21 :17:‬وهـو أبـو بـكـر الصديـق رضي ال‬ ‫ضـ {‬ ‫ِع نـَد هُـ ِم نـ ّنْع َمـٍةـ تُْج َزـىـِإّل اْب تِـَغاء َو ْجـ ِه ـَر ّبـِه اْلَْع لَــى َو َلـَس ْوـ َ‬ ‫فَـيْر َ‬ ‫عنه‪.‬‬ ‫ض ا ـ‪ .‬فقد أخذه نوفل بن خويلد العدوى‪ ،‬وأخذ معه طلحة بن عبيد ال‬ ‫وأوذى أبو بكر الصديق رضي ال عنه أي ً‬ ‫فشدهما في حبل واحد‪ ،‬ليمنعهما عن الصل ة وعن الدين فل م يجيباه‪ ،‬فل م يروعاه إل وهما مطلقان يصليان؛ ولذلك‬ ‫سميا بالقرينين‪ ،‬وقيل‪ :‬إنما فعل ذلك عثمان بن عبيد ال أخو طلحة بن عبيد ال رضي ال عنه‪.‬‬ ‫والحاصل أنه م ل م يعلموا بأحد دخل في السل م إل وتصدوا له بالذى والنكال‪ ،‬وكان ذلك سهًل ميسوًرا بالنسبة‬

‫لضعفاء المسلمين‪ ،‬ول سيما العبيد والماء منه م‪ ،‬فل م يكن من يغضب له م ويحميه م‪ ،‬بل كانت الساد ة والرؤساء ه م‬

‫أنفسه م يقومون بالتعذيب ويغرون الوباش‪ ،‬ولكن بالنسبة لمن أسل م من الكبار والشراف كان ذلك صعًبا جًد اـ؛ إذ‬ ‫كانوا في عز ومنعة من قومه م‪ ،‬ولذلك قلما كان يجتريء عليه م إل أشراف قومه م‪ ،‬مع شيء كبير من الحيطة‬ ‫والحذر‪.‬‬


‫ايذاء المشركين المسلمين‬ ‫موتقف المشركين من رسول ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫وفد تقريش إلى أبي طالب‬ ‫تقريش يهددون أبا طالب‬ ‫تقريش بين يدى أبي طالب مرة ألخرى‬ ‫اعتداءات على رسول ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫دار الرتقم‬ ‫الهجرة الولى إلى الحبشة‬ ‫سجود المشركين مع المسلمين وعودة المهاجرين‬ ‫الهجرة الثانية إلى الحبشة‬ ‫مكيدة تقريش بمهاجري الحبشة‬ ‫الشدة في التعذيب ومحاولة القطضاء على رسول ا صلى ا عليه وسلم‬

‫موقف المشركين من رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫وأما بالنسبة لرسول ال صلى ال عليه وسل م فإنه صلى ال عليه وسل م كان رجًل شهًم اـ وقوًرا ذا شخصية فذ ة‪،‬‬ ‫تتعاظمه نفوس العداء والصدقاء بحيث ل يقابل مثله إل بالجلل والتشريف‪ ،‬ول يجترئ على اقتراف الدنايا‬ ‫والرذائل ضده إل أراذل الناس وسفهاؤه م‪ ،‬ومع ذلك كان في منعة أبي طالب‪ ،‬وأبو طالب من رجال مكة‬ ‫المعدودين‪ ،‬كان معظًم اـ في أصله‪ ،‬معظًم اـ بين الناس‪ ،‬فكان من الصعب أن يجسر أحد على إخفار ذمته‬ ‫واستباحة بيضته‪ ،‬إن هذا الوضع أقلق قريًش اـ وأقامه م وأقعده م‪ ،‬ودعاه م إلى تفكير سلي م يخرجه م من المأزق دون‬ ‫أن يقعوا في محذور ل يحمد عقباه‪ ،‬وقد هداه م ذلك إلى أن يختاروا سبيل المفاوضات مع المسئول الكبر‪ :‬أبي‬ ‫طالب‪ ،‬ولكن مع شيء كبير من الحكمة والجدية‪ ،‬ومع نوع من أسلوب التحدي والتهديد الخفي حتى يذعن لما‬ ‫يقولون‪.‬‬

‫وفد قريش إلى أبي طالب‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب‪ ،‬فقالوا‪ :‬يا أبا طالب‪ ،‬إن ابن أخيك قد سب آلهتنا‪،‬‬ ‫وعاب ديننا‪ ،‬وَس فّـه أحلمنا‪ ،‬وضلل آباءنا‪ ،‬فإما أن تكفه عنا‪ ،‬إواما أن تخلى بيننا وبينه‪ ،‬فإنك على مثل ما نحن‬ ‫عليه من خلفه‪ ،‬فنكفيكه‪ ،‬فقال له م أبو طالب قوًل رقيًقا ورده م رًد اـ جميًل ‪ ،‬ـ ـفانصرفوا عنه‪ ،‬ومضى رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسل م على ما هو عليه‪ ،‬يظهر دين ال ويدعو إليه‪ .‬ولكن ل م تصبر قريش طويًل حين رأته صلى‬ ‫ال عليه وسل م ماضًيا في عمله ودعوته إلى ال ‪ ،‬بل أكثرت ذكره وتذامرت فيه‪ ،‬حتى قررت مراجعة أبي طالب‬ ‫بأسلوب أغلظ وأقسى من السابق‪.‬‬


‫قريش يهددون أبا طالب‬ ‫وجاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له‪ :‬يا أبا طالب‪ ،‬إن لك سًناـ وشرًفا ومنزلة فينا‪ ،‬إوانا قد استنهيناك من‬ ‫ابن أخيك فل م تنهه عنا‪ ،‬إوانا وال ل نصبر على هذا من شت م آبائنا‪ ،‬وتسفيه أحلمنا‪ ،‬وعيب آلهتنا‪ ،‬حتى تكفه‬ ‫عنا‪ ،‬أو ننازله إواياك في ذلك‪ ،‬حتى يهلك أحد الفريقين‪.‬‬

‫َع ظُـ م على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد‪ ،‬فبعث إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م وقال له‪ :‬يا بن‬

‫أخي‪ ،‬إن قومك قد جاءونى فقالوا لي كذا وكذا‪ ،‬فأبق علّي وعلى نفسك‪ ،‬ول تحملنى من المر ما ل أطيق‪ ،‬فظن‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م أن عمه خاذله‪ ،‬وأنه ضُعف عن نصرته‪ ،‬فقال‪ :‬‏)يا ع م‪ ،‬وال لو وضعوا الشمس‬

‫في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا المر ـ حتى يظهره ال أو أهلك فيه ـ ما تركته(‪ ،‬ث م استعبر‬ ‫وبكى‪ ،‬وقا م‪ ،‬فلما ولى ناداه أبو طالب‪ ،‬فلما أقبل قال له‪ :‬اذهب يا بن أخي‪ ،‬فقل ما أحببت‪ ،‬فو ال ل أُْس ِلـُم كـ‬ ‫لشىء أبًد اـ وأنشد‪:‬‬ ‫وال لن يصلوا إليك بَج ْمـعـِِه مـ ** حتى أَُو ّسـَدـ في الت ـراب دفي ـًنا‬ ‫ض ة ـ** واْب ِشـ ْر ـوقَّر بذاك منك عيوًنا‬ ‫ضـ ا ـ َ‬ ‫فاصدع بأمرك ما عليك َغ َ‬ ‫وذلك في أبيات‪.‬‬

‫قريش بين يدى أبي طالب مر ة أخرى‬ ‫ولما رأت قريش أن رسول ال صلى ال عليه وسل م ماض في عمله عرفت أن أبا طالب قد أبي خذلن رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وأنه مجمع لفراقه م وعداوته م في ذلك‪ ،‬فذهبوا إليه بعمار ة ابن الوليد بن المغير ة وقالوا له‪ :‬يا‬ ‫أبا طالب‪ ،‬إن هذا الفتى أْن هَـَد فتى في قريش وأجمله‪ ،‬فخذه فلك عقله ونصره‪ ،‬واتخذه ولًد اـ فهو لك‪ ،‬وأْس ِلـْ م إلينا‬ ‫ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك‪ ،‬وفرق جماعة قومك‪ ،‬وسفه أحلمه م‪ ،‬فنقتله‪ ،‬فإنما هو رجل برجل‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬وال لبئس ما تسومونني‪ ،‬أتعطوني ابنك م أغذوه لك م‪ ،‬وأعطيك م ابني تقتلونه؟ هذا وال ما ل يكون أبًد اـ‪.‬‬

‫فقال المطع م بن عدى بن نوفل ابن عبد مناف‪ :‬وال يا أبا طالب لقد أنصفك قومك‪ ،‬وجهدوا على التخلص مما‬ ‫تكره‪ ،‬فما أراك تريد أن تقبل منه م شيًئا‪ ،‬فقال‪ :‬وال ما أنصفتموني‪ ،‬ولكنك قد أجمعت خذلني ومظاهر ة القو م‬ ‫علّى ‪،‬ـ فاصنع ما بدا لك‪.‬‬


‫ولما فشلت قريش في هذه المفاوضات‪ ،‬ول م توفق في إقناع أبي طالب بمنع رسول ال صلى ال عليه وسل م وكفه‬ ‫عن الدعو ة إلى ال ‪ ،‬قررت أن يختار سبيل قد حاولت تجنبه والبتعاد منه مخافة مغبته وما يؤول إليه‪ ،‬وهو‬ ‫سبيل العتداء على ذات الرسول صلى ال عليه وسل م‪.‬‬

‫اعتداءات على رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫واخترقت قريش ما كانت تتعاظمه وتحترمه منذ ظهرت الدعو ة على الساحة‪ ،‬فقد صعب على غطرستها وكبريائها‬ ‫أن تصبر طويًل ‪ ،‬ـ ـفمدت يد العتداء إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬مع ما كانت تأتيه من السخرية‬

‫والستهزاء والتشوية والتلبيس والتشويش وغير ذلك‪ .‬وكان من الطبيعى أن يكون أبو لهب في مقدمته م وعلى‬

‫رأسه م‪ ،‬فإنه كان أحد رؤوس بني هاش م‪ ،‬فل م يكن يخشى ما يخشاه الخرون‪ ،‬وكان عدًواـ لدوًد اـ للسل م وأهله‪،‬‬ ‫وقد وقف موقف العداء من رسول ال صلى ال عليه وسل م منذ اليو م الول‪ ،‬واعتدى عليه قبل أن تفكر فيه‬ ‫قريش‪ ،‬وقد أسلفنا ما فعل بالنبي صلى ال عليه وسل م في مجلس بني هاش م‪ ،‬وما فعل على الصفا‪.‬‬ ‫وكان أبو لهب قد زوج ولديه عتبة وعتيبة ببنتى رسول ال صلى ال عليه وسل م رقية وأ م كلثو م قبل البعثة‪ ،‬فلما‬ ‫كانت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنف وشد ة حتى طلقاهما‪.‬‬ ‫ولما مات عبد ال ـ البن الثاني لرسول ال صلى ال عليه وسل م ـ استبشر أبو لهب وذهب إلى المشركين يبشره م‬ ‫بأن محمًد اـ صار أبتر‪.‬‬ ‫وقد أسلفنا أن أبا لهب كان يجول خلف النبي صلى ال عليه وسل م في موس م الحج والسواق لتكذيبه‪ ،‬وقد روى‬ ‫طارق بن عبد ال المحاربى ما يفيد أنه كان ل يقتصر على التكذيب بل كان يضربه بالحجر حتى يدمى عقباه‪.‬‬ ‫وكانت امرأ ة أبي لهب ـ أ م جميل أروى بنت حرب بن أمية‪ ،‬أخت أبي سفيان ـ ل تقل عن زوجها في عداو ة النبي‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقد كانت تحمل الشوك‪ ،‬وتضعه في طريق النبي صلى ال عليه وسل م وعلى بابه ليًل ‪ ،‬ـ ـ‬ ‫وكانت امرأ ة سليطة تبسط فيه لسانها‪ ،‬وتطيل عليه الفتراء والدس‪ ،‬وتؤجج نار الفتنة‪ ،‬وتثير حرًباـ شعواء على‬

‫النبي صلى ال عليه وسل م؛ ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب‪.‬‬

‫ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول ال صلى ال عليه وسل م وهو جالس في المسجد عند‬ ‫الكعبة‪ ،‬ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها ِفْهـٌر ]أي بمقدار ملء الكف[ من حجار ة‪ ،‬فلما وقفت عليهما أخذ ال‬


‫ببصرها عن رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فل ترى إل أبا بكر‪ ،‬فقالت‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬أين صاحبك؟ قد بلغنى‬ ‫أنه يهجونى‪ ،‬وال لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه‪ ،‬أما وال إني لشاعر ة‪ .‬ث م قالت‪:‬‬ ‫ُم َذـّمـمـا عصينا * وأمره أبينا * ودينه َقلَْي نـا‬ ‫ث م انصرفت‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬أما تراها رأتك؟ فقال‪ :‬‏)ما رأتنى‪ ،‬لقد أخذ ال ببصرها عني(‪.‬‬ ‫وروى أبو بكر البزار هذه القصة‪ ،‬وفيها‪ :‬أنها لما وقفت على أبي بكر قالت‪ :‬أبا بكر‪ ،‬هجانا صاحبك‪ ،‬فقال أبو‬

‫بكر‪ :‬ل ورب هذه البنية‪ ،‬ما ينطق بالشعر ول يتفوه به‪ ،‬فقالت‪ :‬إنك لُم صـّد قـ‪.‬‬

‫كان أبو لهب يفعل كل ذلك وهو ع م رسول ال صلى ال عليه وسل م وجاره‪ ،‬كان بيته ملصقا ببيته‪ ،‬كما كان‬ ‫غيره من جيران رسول ال صلى ال عليه وسل م يؤذونه وهو في بيته‪.‬‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬كان النفر الذين يؤذون رسول ال صلى ال عليه وسل م في بيته أبا لهب‪ ،‬والحك م بن أبي‬ ‫العاص بن أمية‪ ،‬وعقبة بن أبي معيط‪ ،‬وعدى بن حمراء الثقفي‪ ،‬وابن الصداء الهذلى ـ وكانوا جيرانه ـ ل م يسل م‬ ‫منه م أحد إل الحك م بن أبي العاص‪ ،‬فكان أحده م يطرح عليه صلى ال عليه وسل م رح م الشا ة وهو يصلى‪ ،‬وكان‬ ‫أحده م يطرحها في برمته إذا نصبت له‪ ،‬حتى اتخذ رسول ال صلى ال عليه وسل م حجًرا ليستتر به منه م إذا‬ ‫صلى فكان رسول ال صلى ال عليه وسل م إذا طرحوا عليه ذلك الذى يخرج به على العود‪ ،‬فيقف به على بابه‪،‬‬ ‫ث م يقول‪ :‬‏)يا بني عبد مناف‪ ،‬أي جوار هذا؟( ث م يلقيه في الطريق‪.‬‬ ‫وازداد عقبة بن أبي ُم َعـْيـطـ في شقاوته وخبثه‪ ،‬فقد روى البخاري عن عبد ال بن مسعود رضي ال عنه‪:‬أن النبي‬ ‫صلى ال عليه وسل م كان يصلى عند البيت‪ ،‬وأبو جهل وأصحاب له جلوس؛ إذ قال بعضه م لبعض‪ :‬أيك م يجىء‬ ‫لـ َج ُزـ وـربني فلن فيضعه على ظهر محمد إذا سجد‪ ،‬فانبعث أشقى القو م ]وهو عقبة بن أبي معيط[ فجاء به‬ ‫بَس َ‬

‫فنظر‪ ،‬حتى إذا سجد النبي وضع على ظهره بين كتفيه‪ ،‬وأنا أنظر‪ ،‬ل أغنى شيًئا‪ ،‬لو كانت لي منعة‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫فجعلوا يضحكون‪ ،‬ويحيل بعضه م على بعضه م ]أي يتمايل بعضه م على بعض مرًح ا ـ وبطًرا[ ورسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م ساجد‪ ،‬ل يرفع رأسه‪ ،‬حتى جاءته فاطمة‪ ،‬فطرحته عن ظهره‪ ،‬فرفع رأسه‪ ،‬ث م قال‪] :‬ال م عليك‬ ‫بقريش[ ثلث مرات‪ ،‬فشق ذلك عليه م إذ دعا عليه م‪ ،‬قال‪ :‬وكانوا يرون أن الدعو ة في ذلك البلد مستجابة‪ ،‬ث م‬ ‫سمى‪ :‬‏)ال م عليك بأبي جهل‪ ،‬وعليك بعتبة بن ربيعة‪ ،‬وشيبة بن ربيعة‪ ،‬والوليد بن عتبة‪ ،‬وأمية بن خلف‪،‬‬

‫وعقبة بن أبي معيط( ـ وعد السابع فل م نحفظه ـ فوالذي نفسى بيده لقد رأيت الذين عّد رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م صرعى في الَقِليب‪ ،‬قليب بدر‪.‬‬


‫وكان أمية بن خلف إذا رأي رسول ال صلى ال عليه وسل م همزه ولمزه‪ .‬وفيه نزل‪ :‬‏} َوْيـٌلـلُّك ّلـ ُهَم َزـٍ ةلَّم َزـٍ ة{ ]سور ة‬ ‫الهمز ة‪ [1:‬قال ابن هشا م‪ :‬الهمز ة‪ :‬الذي يشت م الرجل علنية‪ ،‬ويكسر عينيه‪ ،‬ويغمز به‪ .‬واللمز ة‪ :‬الذي يعيب الناس‬ ‫سًرا‪ ،‬ويؤذيه م‪.‬‬ ‫أما أخوه أبي بن خلف فكان هو وعقبة بن أبي معيط متصافيين‪ .‬وجلس عقبة مر ة إلى النبي صلى ال عليه‬ ‫وسل م وسمع منه‪ ،‬فلما بلغ ذلك أبًيا أنبه وعاتبه‪ ،‬وطلب منه أن يتفل في وجه رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫ففعل‪ ،‬وأبي بن خلف نفسه فت عظًم اـ رميًم اـ ث م نفخه في الريح نحو رسول ال صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫وكان الخنس بن َش ِرـيـق الثقفي ممن ينال من رسول ال صلى ال عليه وسل م وقد وصفه القرآن بتسع صفات‬ ‫تدل على ما كان عليه‪ ،‬وهي في قوله تعالى‪:‬‏} وَل تُِط ع ـ ُك ّلـ َح ّلـ ٍ‬ ‫ف ـّـم ِهـيـٍن َهّمـاـٍز ّم ّشـاـء بَِنِم يـٍ م َم ّنـاٍع لّْلَخ ْي ـِرـ ُم ْعـتَـٍد أَِثيٍ م‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ك َز نِــيٍ م{ ]القل م‪.[13 :10:‬‬ ‫ُع تُـّل َبْع َدـ َذ ِلـ َ‬ ‫وكان أبو جهل يجىء أحياًنا إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م يسمع منه القرآن‪ ،‬ث م يذهب عنه فل يؤمن ول‬ ‫يطيع‪ ،‬ول يتأدب ول يخشى‪ ،‬ويؤذى رسول ال صلى ال عليه وسل م بالقول‪ ،‬ويصد عن سبيل ال ‪ ،‬ث م يذهب‬ ‫ص لّــى{ ]القيامة‪:‬‬ ‫ص ّد ـ َ‬ ‫قـ َوَل َ‬ ‫مختاًل بما فعل‪ ،‬فخوًرا بما ارتكب من الشر‪ ،‬كأن ما فعل شيًئاـ يذكر‪ ،‬وفيه نزل‪ :‬‏}فََل َ‬ ‫‪ ،[31‬وكان يمنع النبي صلى ال عليه وسل م عن الصل ة منذ أول يو م رآه يصلى في الحر م‪ ،‬ومر ة مر به وهو‬ ‫يصلى عند المقا م فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬أل م أنهك عن هذا‪ ،‬وتوعده‪ ،‬فأغلظ لــه رسـول ال صلى ال عليه وسل م وانتـهره‪،‬‬ ‫عـ الّز َبـانَِيَة{‬ ‫عـ َناِد َيــه َس َنـْد ُ‬ ‫فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬بأي شىء تهددنى؟ أما وال إني لكثر هذا الوادى نادًيا‪ .‬فأنزل ال ‏} َفْلَيْد ُ‬ ‫ك فَأَْو لَــى ثُّ م‬ ‫]العلق‪ .[18 ،17:‬وفي رواية أن النبي صلى ال عليه وسل م أخذ بخناقه وهزه‪ ،‬وهو يقول له‪:‬‏} أَْولَــى لَ َ‬ ‫ك فَأَْو لَــى{ ]القيامة‪ [35 ،34:‬فقال عدو ال ‪ :‬أتوعدنى يا محمد؟ وال ل تستطيع أنت ول ربك شيًئا‪ ،‬إواني‬ ‫أَْو لَــى لَ َ‬ ‫لعز من مشى بين جبليها‪.‬‬ ‫ول م يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا النتهار‪ ،‬بل ازداد شقاو ة فيما بعد‪ .‬أخرج مسل م عن أبي هرير ة قال‪:‬‬ ‫قال أبو جهل‪ :‬يعفر محمد وجهه بين أظهرك م؟ فقيل‪ :‬نع م‪ ،‬فقال‪ :‬واللت والعزى‪ ،‬لئن رأيته لطأن على رقبته‪،‬‬ ‫ولعفرن وجهه‪ ،‬فأتى رسول ال صلى ال عليه وسل م وهو يصلى‪ ،‬زع م ليطأ رقبته‪ ،‬فما فجأه م إل وهو ينكص‬ ‫على عقبيه‪ ،‬ويتقى بيديه‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما لك يا أبا الحك م؟ قال‪ :‬إن بينى وبينه لخندًقا من نار وهوًل وأجنحًة‪ ،‬فقال‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)لو دنا منى لختطفته الملئكة عضًواـ عضًواـ(‪.‬‬ ‫هذه صور ة مصغر ة جًد اـ لما كان يتلقاه رسول ال صلى ال عليه وسل م والمسلمون من الظل م والخسف والجور‬ ‫على أيدى طغا ة المشركين‪ ،‬الذين كانوا يزعمون أنه م أهل ال وسكان حرمه‪.‬‬


‫وكان من مقتضيات هذه الظروف المتأزمة أن يختار رسول ال صلى ال عليه وسل م موقًفا حازًم اـ ينقذ به‬ ‫المسلمين عما دهمه م من البلء‪ ،‬ويخفف وطأته بقدر المستطاع‪ ،‬وقد اتخذ رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫خطوتين حكيمتين كان لهما أثرهما في تسيير الدعو ة وتحقيق الهدف‪ ،‬وهما‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ اختيار دار الرق م بن أبي الرق م المخزومى مرك از للدعو ة ومقًرا للتربية‪.‬‬ ‫‪2‬ـ أمر المسلمين بالهجر ة إلى الحبشة‪.‬‬

‫دار الرق م‬ ‫كانت هذه الدار في أصل الصفا‪ ،‬بعيد ة عن أعين الطغا ة ومجالسه م‪ ،‬فاختارها رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫ليجتمع فيها بالمسلمين سًرا‪ ،‬فيتلو عليه م آيات ال ويزكيه م ويعلمه م الكتاب والحكمة؛ وليؤدى المسلمون عبادته م‬ ‫وأعماله م‪ ،‬ويتلقوا ما أنزل ال على رسوله وه م في أمن وسل م‪ ،‬وليدخل من يدخل في السل م ول يعل م به الطغا ة‬ ‫من أصحاب السطو ة والنقمة‪.‬‬ ‫ومما ل م يكن يشك فيه أن رسول ال صلى ال عليه وسل م لو اجتمع بالمسلمين علنا لحاول المشركون بكل ما‬ ‫عنده م من القسو ة والغلظة أن يحولوا بينه وبين ما يريد من تزكية نفوسه م ومن تعليمه م الكتاب والحكمة‪ ،‬وربما‬ ‫أفضى ذلك إلى مصادمة الفريقين‪ ،‬بل قد وقع ذلك فعًل‪ .‬فقد ذكر ابن إسحاق أن أصحاب رسول ال صلى ال‬

‫عليه وسل م كانوا يجتمعون في الشعاب‪ ،‬فيصلون فيها سًرا‪ ،‬فرآه م نفر من كفار قريش‪ ،‬فسبوه م وقاتلوه م‪ ،‬فضرب‬

‫سعد بن أبي وقاص رجًل فسال دمه‪ ،‬وكان أول د م هريق في السل م‪.‬‬

‫ومعلو م أن المصادمة لو تعددت وطالت لفضت إلى تدمير المسلمين إوابادته م‪ ،‬فكان من الحكمة السريةُ‬ ‫والختفاء‪ ،‬فكان عامة الصحابة ُيْخ فُــون إسلمه م وعبادته م واجتماعه م‪ ،‬أما رسول ال صلى ال عليه وسل م فكان‬

‫ظهراني المشركين‪ ،‬ل يصرفه عن ذلك شىء‪ ،‬ولكن كان يجتمع مع المسلمين سًرا؛‬ ‫يجهر بالدعو ة والعباد ة بين‬ ‫إ‬ ‫نظًرا لصالحه م وصالح السل م‪.‬‬ ‫الهجر ة الولى إلى الحبشة‬ ‫كانت بداية العتداءات في أواسط أو أواخر السنة الرابعة من النبو ة‪ ،‬بدأت ضعيفة‪ ،‬ث م ل م تزل تشتد يوًم اـ فيوًم اـ‬

‫وشهًرا فشهرا‪ ،‬حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة‪ ،‬ونبا به م المقا م في مكة‪ ،‬وأخذوا يفكرون في حيلة تنجيه م‬

‫من هذا العذاب اللي م‪ ،‬وفي هذه الظروف نزلت سور ة الزمر تشير إلى اتخاذ سبيل الهجر ة‪ ،‬وتعلن بأن أرض ال‬ ‫ص اـبُِر وـَنأَْج َرـُه مبَِغْيـِرـ ِح َسـاـٍب{‬ ‫ض ـال ِ َواـِس َع ـةٌـِإّنَم اـ ُيَو فّــى ال ّ‬ ‫ليست بضيقة ‏} ِللِّذيـَن َأْح َس ـُنـوا ِفيـ َهِذـ ِهـ الّد ْنـَيـا َح َسـَنـةٌ َوَأـْر ُ‬ ‫]الزمر‪.[10:‬‬


‫ص َح ـَمـةـالنجاشى ملك الحبشة ملك عادل‪ ،‬ل يظل م عنده أحد‪،‬‬ ‫وكان رسول ال صلى ال عليه وسل م قد عل م أن أ ْ‬ ‫فأمر المسلمين أن يهاجروا إلى الحبشة ف ارًرا بدينه م من ال م‪ ،‬لكن لما بلغت إلى الشاطئ كانوا قد انطلقوا آمنين‪،‬‬ ‫وأقا م المسلمون في الحبشة في أحسن جوار‪.‬‬

‫سجود المشركين مع المسلمين وعود ة المهاجرين‬ ‫وفي رمضان من نفس السنة خرج النبي صلى ال عليه وسل م إلى الحر م‪ ،‬وفيه جمع كبير من قريش‪ ،‬فيه م‬ ‫ساداته م وكبراؤه م‪ ،‬فقا م فيه م‪ ،‬وفاجأه م بتلو ة سور ة النج م‪ ،‬ول م يكن أولئك الكفار سمعوا كل م ال من قبل؛ لنه م‬ ‫ض اــ‪،‬من قوله م‪ :‬‏}َل تَْس َمـُعـوا ِلهََذ اـ اْلقُْرآِن َواـْلَغ ْوـاـِفيـِه لََع لّـُك ْ مـ تَْغ ِلـُبوَن{‬ ‫كانوا مستمرين على ما تواصى به بعضه م بع ً‬ ‫]فصلت‪ [26:‬فلما باغته م بتلو ة هذه السور ة‪ ،‬وقرع آذانه م كل م إلهي خلب‪ ،‬وكان أروع كل م سمعوه قط‪ ،‬أخذ‬ ‫مشاعره م‪ ،‬ونسوا ما كانوا فيه فما من أحد إل وهو مصغ إليه‪ ،‬ل يخطر بباله شىء سواه‪ ،‬حتى إذا تل في‬ ‫خواتي م هذه السور ة قوارع تطير لها القلوب‪ ،‬ث م ق أر‪ :‬‏} َفاْسُجـُدـوـا ِللِّه َواـْع ُبـُد وـا{ ]النج م‪ [62:‬ث م سجد‪ ،‬ل م يتمالك أحد‬ ‫نفسه حتى خر ساجًد اـ‪ .‬وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين‪ ،‬فما‬ ‫تمالكوا أن يخروا ل ساجدين‪.‬‬

‫ط في أيديه م لما أحسوا أن جلل كل م ال َلّوى زمامه م‪ ،‬فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهده م في‬ ‫وَس قَـ َ‬ ‫محوه إوافنائه‪ ،‬وقد توالى عليه م اللو م والعتاب من كل جانب‪ ،‬ممن ل م يحضر هذا المشهد من المشركين‪ ،‬وعند‬

‫ذلك كذبوا على رسول ال صلى ال عليه وسل م وافتروا عليه أنه عطف على أصنامه م بكلمة تقدير‪ ،‬وأنه قال‬

‫عنها ما كانوا يرددونه ه م دائما من قوله م‪ :‬‏)تلك الغرانيـق العلى‪ ،‬إوان شفاعته م لترتجى(‪ ،‬جاءوا بهذا الفك المبـين‬ ‫ليعـتذروا عـن سجوده م مع النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وليس يستغ ــرب هـذا مـن قـو م كانوا يألفون الكذب‪،‬‬ ‫ويطيلون الدس والفتراء‪.‬‬ ‫وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة‪ ،‬ولكن في صور ة تختلف تماًم اـ عن صورته الحقيقية‪ ،‬بلغه م أن قريًش اـ‬ ‫أسلمت‪ ،‬فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة‪ ،‬فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار وعرفوا جلية المر رجع‬ ‫منه م من رجع إلى الحبشة‪ ،‬ول م يدخل في مكة من سائره م أحد إل مستخفًيا‪ ،‬أو في جوار رجل من قريش‪.‬‬ ‫ث م اشتد عليه م وعلى المسلمين البلء والعذاب من قريش‪ ،‬وسطت به م عشائره م‪ ،‬فقد كان صعب على قريش ما‬ ‫بلغها عن النجاشي من حسن الجوار‪ ،‬ول م ير رسول ال صلى ال عليه وسل م بدا من أن يشير على أصحابه‬ ‫بالهجر ة إلى الحبشة مر ة أخرى‪.‬‬


‫الهجر ة الثانية إلى الحبشة‬ ‫واستعد المسلمون للهجر ة مر ة أخرى‪ ،‬وعلى نطاق أوسع‪ ،‬ولكن كانت هذه الهجر ة الثانية أشق من سابقتها‪ ،‬فقد‬ ‫تيقظت لها قريش وقررت إحباطها‪ ،‬بيد أن المسلمين كانوا أسرع‪ ،‬ويسر ال له م السفر‪ ،‬فانحازوا إلى نجاشي‬ ‫الحبشة قبل أن يدركوا‪.‬‬ ‫وفي هذه المر ة هاجر من الرجال ثلثة وثمانون رجًل إن كان فيه م عمار‪ ،‬فإنه يشك فيه‪ ،‬وثماني عشر ة أوتسع‬

‫عشر ة امرأ ة‪.‬‬

‫مكيد ة قريش بمهاجري الحبشة‬ ‫عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لنفسه م ودينه م‪ ،‬فاختاروا رجلين جلدين لبيبين‪ ،‬وهما‪ :‬عمرو بن‬ ‫العاص‪ ،‬وعبد ال بن أبي ربيعة ـ قبل أن يسلما ـ وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته‪ ،‬وبعد أن‬ ‫ساق الرجلن تلك الهدايا إلى البطارقة‪ ،‬��زوداه م بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون‪ ،‬وبعد أن اتفقت‬ ‫البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائه م‪ ،‬حض ار إلى النجاشي‪ ،‬وقدما له الهديا ث م كلماه فقال له‪:‬‬ ‫ض َوــى إلى بلدك غلمان سفهاء‪ ،‬فارقوا دين قومه م‪ ،‬ول م يدخلوا في دينك‪ ،‬وجاءوا بدين ابتدعوه‪،‬‬ ‫أيها الملك‪ ،‬إنه قد َ‬ ‫ل نعرفه نحن ول أنت‪ ،‬وقد بعثنا إليك فيه م أشراف قومه م من آبائه م وأعمامه م وعشائره م؛ لترده م إليه م‪ ،‬فه م‬ ‫أعلى به م عيًنا‪ ،‬وأعل م بما عابوا عليه م‪ ،‬وعاتبوه م فيه‪.‬‬ ‫وقالت البطارقة‪ :‬صدقا أيها الملك‪ ،‬فأسلمه م إليهما‪ ،‬فليرداه م إلى قومه م وبلده م‪.‬‬ ‫ولكن رأي النجاشي أنه ل بد من تمحيص القضية‪ ،‬وسماع أطرافها جميًعاـ‪ .‬فأرسل إلى المسلمين‪ ،‬ودعاه م‪،‬‬ ‫فحضروا‪ ،‬وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائًنا ما كان‪ .‬فقال له م النجاشي‪ :‬ما هذا الدين الذي فارقت م فيه قومك م‪،‬‬ ‫ول م تدخلوا به في دينى ول دين أحد من هذه الملل ؟‬

‫قال جعفر بن أبي طالب ـ وكان هو المتكل م عن المسلمين‪ :‬أيها الملك كنا قوًم اـ أهل جاهلية؛ نعبد الصنا م‬ ‫ونأكل الميتة‪ ،‬ونأتى الفواحش‪ ،‬ونقطع الرحا م‪ ،‬ونسىء الجوار‪ ،‬ويأكل منا القوى الضعيف‪ ،‬فكنا على ذلك حتى‬ ‫بعث ال إلينا رسوًل منا‪ ،‬نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه‪ ،‬فدعانا إلى ال لنوحده ونعبده‪ ،‬ونخلع ما كنا نعبد‬

‫نحن وآباؤنا من دونه من الحجار ة والوثان‪ ،‬وأمرنا بصدق الحديث‪ ،‬وأداء المانة‪ ،‬وصلة الرح م‪ ،‬وحسن الجوار‪،‬‬ ‫والكف عن المحار م والدماء‪ ،‬ونهانا عن الفواحش‪ ،‬وقول الزور‪ ،‬وأكل مال اليتي م‪،‬وقذف المحصنات‪،‬وأمرنا أن نعبد‬


‫ال وحده‪،‬ل نشرك به شيًئا‪،‬وأمرنا بالصل ة والزكا ة والصيا م ـ فعدد عليه أمور السل م ـ فصدقناه‪ ،‬وآمنا به‪،‬‬

‫واتبعناه على ما جاءنا به من دين ال ‪ ،‬فعبدنا ال وحده‪ ،‬فل م نشرك به شيًئا‪ ،‬وحرمنا ما حر م علينا‪ ،‬وأحللنا ما‬ ‫أحل لنا‪ ،‬فعدا علينا قومنا‪ ،‬فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عباد ة الوثان من عباد ة ال تعالى‪ ،‬وأن نستحل‬

‫ما كنا نستحل من الخبائث‪ ،‬فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا‪ ،‬وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك‪،‬‬ ‫واخترناك على من سواك‪ ،‬ورغبنا في جوارك‪ ،‬ورجونا أل نظل م عندك أيها الملك‪.‬‬ ‫فقال له النجاشي‪ :‬هل معك مما جاء به عن ال من شيء؟ فقال له جعفر‪ :‬نع م‪ .‬فقال له النجاشي‪ :‬فاقرأه على‪،‬‬ ‫ض ـلُـوا‬ ‫فق أر عليه صدًرا من‪ :‬‏}كهيعص{ فبكى وال النجاشي حتى اخضلت لحيته‪ ،‬وبكت أساقفته حتى أْخ َ‬

‫مصاحفه م حين سمعوا ما تل عليه م‪ ،‬ث م قال له م النجاشي‪ :‬إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكا ة‬ ‫واحد ة‪ ،‬انطلقا‪ ،‬فل وال ل أسلمه م إليكما‪ ،‬ول يكادون ـ يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه ـ فخرجا‪ ،‬فلما خرجا‬

‫قال عمرو بن العاص لعبد ال بن أبي ربيعة‪ :‬وال لتينه غًد اـ عنه م بما أستأصل به خضراءه م‪ .‬فقال له عبد ال‬ ‫بن أبي ربيعة‪ :‬ل تفعل‪ ،‬فإن له م أرحاًم اـ إوان كانوا قد خالفونا‪ ،‬ولكن أصر عمرو على رأيه‪.‬‬ ‫فلما كان الغد قال للنجاشي‪ :‬أيها الملك‪ ،‬إنه م يقولون في عيسى ابن مري م قوًل عظيًم اـ‪ ،‬فأرسل إليه م النجاشي‬ ‫يسأله م عن قوله م في المسيح ففزعوا‪ ،‬ولكن أجمعوا على الصدق‪ ،‬كائًنا ما كان‪ ،‬فلما دخلوا عليه وسأله م‪ ،‬قال له‬ ‫جعفر‪ :‬نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى ال عليه وسل م‪ :‬هو عبد ال ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مري م‬ ‫العذراء الَبُتول ‪.‬‬ ‫فأخذ النجاشي عوًد اـ من الرض ث م قال‪ :‬وال ما عدا عيسى ابن مري م ما قلت هذا العود‪ ،‬فتناخرت بطارقته‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬إوان َنَخ ْر ـتُـ موال ‪.‬‬ ‫ث م قال للمسلمين‪ :‬اذهبوا فأنت م ُش ُيـوٌ م بأرضي ـ والشيو م‪ :‬المنون بلسان الحبشة ـ من َس ّبـك م َغ ِرـ مـ‪ ،‬من سبك م غر م‪،‬‬ ‫من سبك م غر م‪ ،‬ما أحب أن لى َد ْبـًرـامن ذهب إواني آذيت رجًل منك م ـ والدبر‪ :‬الجبل بلسان الحبشة‪.‬‬ ‫ث م قال لحاشيته‪ :‬رّد وـا عليهما هداياهما فل حاجة لى بها‪ ،‬فوال ما أخذ ال منـي الرشـو ة حين رد علي ملكي‪،‬‬ ‫فآخذ الرشـو ة فيــه‪ ،‬وما أطاع الناس في فأطيعـه م فيه‪.‬‬ ‫قالت أ م سلمة التي تروى هذه القصة‪ :‬فخرجا من عنده مقبوحين مردوًد اـ عليهما ما جاءا به‪ ،‬وأقمنا عنده بخير‬ ‫دار مع خير جار‪.‬‬ ‫هذه رواية ابن إسحاق‪ ،‬وذكر غيره أن وفاد ة عمرو بن العاص إلى النجاشي كانت بعد بدر‪ ،‬وجمع بعضه م بأن‬


‫الوفاد ة كانت مرتين‪ .‬ولكن السئلة والجوبة التي ذكروا أنها دارت بين النجاشي وبين جعفر بن أبي طالب في‬ ‫الوفاد ة الثانية هي نفس السئلة والجوبة التي ذكرها ابن إسحاق هنا‪ ،‬ث م إن تلك السئلة تدل بفحواها أنها كانت‬ ‫في أول مرافعة قدمت إلى النجاشي‪.‬‬

‫الشد ة في التعذيب ومحاولة القضاء على رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫ظا‪،‬‬ ‫ولما أخفق المشركون في مكيدته م‪ ،‬وفشلوا في استرداد المهاجرين استشاطوا غضًبا‪ ،‬وكادوا يتميزون غي ً‬ ‫فاشتدت ضراوته م وانقضوا على بقية المسلمين‪ ،‬ومدوا أيديه م إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م بالسوء‪،‬‬ ‫وظهرت منه م تصرفات تدل على أنه م أرادوا القضاء على رسول ال صلى ال عليه وسل م؛ ليستأصلوا جذور‬ ‫الفتنة التي أقضت مضاجعه م‪ ،‬حسب زعمه م‪.‬‬ ‫أما بالنسبة للمسلمين فإن الباقين منه م في مكة كانوا قليلين جًد اـ‪ ،‬وكانوا إما ذوى شرف ومنعة‪ ،‬أو محتمين بجوار‬ ‫أحد‪ ،‬ومع ذلك كانوا يخفون إسلمه م ويبتعدون عن أعين الطغا ة بقدر المكان‪ ،‬ولكنه م مع هذه الحيطة والحذر‬

‫ل م يسلموا كل السلمة من الذى والخسف والجور‪.‬‬ ‫وأما رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقد كان يصلى ويعبد ال أما م أعين الطغا ة‪ ،‬ويدعو إلى ال سًرا وجهًرا ل‬

‫يمنعه عن ذلك مانع‪ ،‬ول يصرفه عنه شيء؛ إذ كان ذلك من جملة تبليغ رسالة ال منذ أمره ال سبحانه وتعالى‬ ‫ضـَع ِنـ اْلُم ْشـِرـِكـيـ َ{ن ]الحجر‪ ،[94:‬وبذلك كان يمكن للمشركين أن يتعرضوا له إذا‬ ‫صَد ـ ْ‬ ‫عـ بَِم اـ تُْؤ َمـُرـ َوَأـْع ِرـ ْ‬ ‫بقوله‪ :‬‏} َفا ْ‬ ‫أرادوا‪ ،‬ول م يكن في الظاهر ما يحول بينه م وبين ما يريدون إل ما كان له صلى ال عليه وسل م من الحشمة‬ ‫والوقار‪ ،‬وما كان لبي طالب من الذمة والحترا م‪ ،‬وما كانوا يخافونه من مغبة سوء تصرفاته م‪ ،‬ومن اجتماع بني‬ ‫هاش م عليه م‪ ،‬إل أن كل ذلك ل م يعد له أثره المطلوب في نفوسه م؛ إذ بدءوا يستخفون به منذ شعروا بانهيار‬ ‫كيانه م الوثنى وزعامته م الدينية أما م دعوته صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫ومما روت لنا كتب السنة والسير ة من الحداث التي تشهد القرائن بأنها وقعت في هذه الفتر ة‪ :‬أن عتيبة بن أبي‬ ‫لهب أتى يوًم اـ رسول ال صلى ال عليه وسل م فقال‪ :‬أنا أكفر بـ ‏} َواـلّنْجِ م ـِإَذ اـ َه َوـى{ ]النج م‪ [1:‬وبالذي ‏}ثُّ م َد َنـاـ‬ ‫فَتََد لّـى{ ]النج م‪ [8:‬ث م تسلط عليه بالذى‪ ،‬وشق قميصه‪ ،‬وتفل في وجهه صلى ال عليه وسل م‪ ،‬إل أن البزاق ل م‬

‫يقع عليه‪ ،‬وحينئذ دعا عليه النبي صلى ال عليه وسل م وقال‪ :‬‏)ال م سلط عليه كلًبا من كلبك(‪ ،‬وقد استجيب‬ ‫دعاؤه صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقد خرج عتيبة إثر ذلك في نفر من قريش‪ ،‬فلما نزلوا بالزرقاء من الشا م طاف به م‬ ‫السد تلك الليلة‪ ،‬فجعل عتيبة يقول‪ :‬يا ويل أخي هو وال آكلى كما دعا محمد علّى ‪،‬ـ قتلنى وهو بمكة‪ ،‬وأنا‬ ‫بالشا م‪ ،‬ث م جعلوه بينه م‪ ،‬وناموا من حوله‪ ،‬ولكن جاء السد وتخطاه م إليه‪ ،‬فضغ م رأسه‪.‬‬


‫ومنها‪ :‬ما ذكر أن عقبة بن أبي ُم َعـْيـطـ وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان‪.‬‬ ‫ومما يدل على أن طغاته م كانوا يريدون قتله صلى ال عليه وسل م ما رواه ابن إسحاق عن عبد ال ابن عمرو بن‬ ‫العاص قال‪ :‬حضرته م وقد اجتمعوا في الحجر‪ ،‬فذكروا رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما رأينا مثل ما‬ ‫صبرنا عليه من أمر هذا الرجل‪ ،‬لقد صبرنا منه على أمر عظي م‪ ،‬فبينا ه م كذلك إذ طلع رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م‪ ،‬فأقبل يمشى حتى استل م الركن‪ ،‬ث م مر به م طائًفا بالبيت فغمزوه ببعض القول‪ ،‬فعرفت ذلك في وجه‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فلما مر به م الثانية غمزوه بمثلها‪ ،‬فعرفت ذلك في وجهه‪ ،‬ث م مر به م الثالثة‬ ‫فغمزوه بمثلها‪ .‬فوقف ث م قال‪ :‬‏)أتسمعون يا معشر قريش‪ ،‬أما والذي نفسى بيده‪ ،‬لقد جئتك م بالذبح(‪ ،‬فأخذت القو م‬ ‫كلمته‪ ،‬حتى ما منه م رجل إل كأنما على رأسه طائر واقع‪ ،‬حتى إن أشده م فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد‪ ،‬ويقول‪:‬‬ ‫انصرف يا أبا القاس م‪ ،‬فو ال ما كنت جهوًل‪.‬‬ ‫فلما كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليه م‪ ،‬فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به‪ ،‬فلقد رأيت رجًل‬ ‫منه م أخذ بمجمع ردائه‪ ،‬وقا م أبو بكر دونه‪ ،‬وهو يبكى ويقول‪ :‬أتقتلون رجًل أن يقول ربي ال ؟ ث م انصرفوا‬ ‫ص ا ـ‪.‬‬ ‫عنه‪ ،‬قال ابن عمرو‪ :‬فإن ذلك لشد ما رأيت قريًش اـ نالوا منه قط‪ .‬انتهي ملخ ً‬

‫وفي رواية البخاري عن عرو ة بن الزبير قال‪ :‬سألت ابن عمرو بن العاص‪ :‬أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون‬ ‫بالنبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬قال‪ :‬بينا النبي صلى ال عليه وسل م يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي‬ ‫معيط‪ ،‬فوضع ثوبه في عنقه‪ ،‬فخنقه خنًقا شديًد اـ؛ فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه‪ ،‬ودفعه عن النبي صلى ال‬ ‫عليه وسل م‪ ،‬وقال‪ :‬أتقتلون رجًل أن يقول ربي ال ؟‪.‬‬ ‫وفي حديث أسماء‪ :‬فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال‪ :‬أدرك صاحبك‪ ،‬فخرج من عندنا وعليه غدائر أربـع‪ ،‬فـخرج‬ ‫وهــو يـقول‪ :‬أتقتلون رجًل أن يقول ربي ال ؟ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر‪ ،‬فرجع إلينا ل نمس شيًئاـ من غدائره‬ ‫إل رجع معنــا‪.‬‬


‫دخول كبار الصحابة فى السل م‬ ‫إسل م حمز ة رضي ال عنه‬ ‫خلل هذا الجو الملبد بغيو م الظل م والعدوان ظهر برق أضاء الطريق‪ ،‬وهو إسل م حمز ة بن عبد المطلب رضي ال‬ ‫عنه أسل م في أواخر السنة السادسة من النبو ة‪ ،‬والغلب أنه أسل م في شهر ذى الحجة‪.‬‬ ‫وسبب إسلمه‪ :‬أن أبا جهل مر برسول ال صلى ال عليه وسل م يوًم اـ عند الصفا فآذاه ونال منه‪ ،‬ورسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م ساكت ل يكلمه‪ ،‬ث م ضربه أبو جهل بحجر في رأسه فََش ّجـ هُـ حتى نزف منه الد م‪ ،‬ث م انصرف عنه إلى‬ ‫نادى قريش عند الكعبة‪ ،‬فجلس معه م‪ ،‬وكانت مول ة لعبد ال بن ُج ْدـَعـاـن في مسكن لها على الصفا ترى ذلك‪ ،‬وأقبل‬ ‫حمز ة من القََنص ُم تَـَو ّش ـًحـ ا ـقوسه‪ ،‬فأخبرته المول ة بما رأت من أبي جهل‪ ،‬فغضب حمز ة ـ وكان أعز فتى في قريش‬ ‫وأشده شكيمة ـ فخرج يسعى‪ ،‬ل م يقف لحد؛ معًد اـ لبي جهل إذا لقيه أن يوقع به‪ ��‬فلما دخل المسجد قا م على رأسه‪،‬‬

‫صـ فّـَر اْس تَـه‪ ،‬تشت م ابن أخي وأنا على دينه ؟ ث م ضربه بالقوس فشجه شجة منكر ة‪ ،‬فثار رجال من بني‬ ‫وقال له‪ :‬يا ُم َ‬ ‫مخزو م ـ حى أبي جهل ـ وثار بنو هاش م ـ حي حمز ة ـ فقال أبو جهل‪ :‬دعوا أبا عمار ة‪ ،‬فإني سببت ابن أخيه سًبا‬ ‫قبيًح ا ـ‪.‬‬

‫وكان إسل م حمز ة أول المر أنفة رجل‪ ،‬أبي أن يهان موله‪ ،‬ث م شرح ال صدره فاستمسك بالعرو ة الوثقى‪ ،‬واعتز به‬ ‫المسلمون أيما اعتزاز‪.‬‬ ‫إسل م عمر بن الخطاب رضي ال عنه‬ ‫وخلل هذا الجو الملبد بغيو م الظل م والعدوان أضاء برق آخر أشد بريًقا إواضاء ة من الول‪ ،‬أل وهو إسل م عمر بن‬ ‫الخطاب‪ ،‬أسل م في ذى الحجـة سـنة سـت مـن النبـو ة‪ .‬بعد ثلثة أيا م من إسل م حمز ة رضي ال عنه وكان النبي صلى‬ ‫ال عليه وسل م قد دعا ال تعالى لسلمه‪ .‬فقد أخرج الترمذى عن ابن عمر‪ ،‬وصححه‪ ،‬وأخرج الطبراني عن ابن‬ ‫مسعود وأنس أن النبي صلى ال عليه وسل م قال‪ :‬‏)ال م أعز السل م بأحب الرجلين إليك‪ :‬بعمر بن الخطاب أو‬ ‫بأبي جهل بن هشا م( فكان أحبهما إلى ال عمر رضي ال عنه‪.‬‬ ‫وبعد إدار ة النظر في جميع الروايات التي رويت في إسلمه يبدو أن نزول السل م في قلبه كان تدريجًيا‪ ،‬ولكن قبل‬ ‫أن نسوق خلصتها نرى أن نشير إلى ما كان يتمتع به رضي ال عنه من العواطف والمشاعر‪.‬‬ ‫كان رضي ال عنه معروًفا بحد ة الطبع وقو ة الشكيمة‪ ،‬وطالما لقى المسلمون منه ألوان الذى‪ ،‬والظاهر أنه كانت‬ ‫تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة؛ احترامه للتقاليد التي سنها الباء والجداد وتحمسه لها‪ ،‬ث م إعجابه بصلبة‬


‫المسلمين‪ ،‬وباحتماله م البلء في سبيل العقيد ة‪ ،‬ث م الشكوك التي كانت تساوره ـ كأي عاقل ـ في أن ما يدعو إليه‬ ‫السل م قد يكون أجل وأزكى من غيره‪ ،‬ولهذا ما إن َيُثور حتى َيُخ وــر‪.‬‬ ‫وخلصة الروايات ـ مع الجمع بينها ـ في إسلمه رضي ال عنه‪ :‬أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته‪ ،‬فجاء إلى‬

‫الحر م‪ ،‬ودخل في ستر الكعبة‪ ،‬والنبي صلى ال عليه وسل م قائ م يصلي‪ ،‬وقد استفتح سور ة ‏} اْلَحاـقّةُ{‪،‬فجعل عمر يستمع‬ ‫إلى القرآن‪ ،‬ويعجب من تأليفه‪ ،‬قال‪ :‬فقلت ـ أي في نفسي‪ :‬هذا وال شاعر‪ ،‬كما قالت قريش‪ ،‬قال‪ :‬فق أر ‏}ِإّنهُ َلقَْو ُل ـ‬ ‫َر ُسـوـٍل َك ِرـيـٍ م َو َم ـاـُهَو ِبَقْو ِل ـَش اـِع ٍر ـَقِليًل َم اـ تُْؤ ِمـُنــوَن{ ]الحاقة‪ [41 ،40:‬قال‪ :‬قلت‪ :‬كاهن‪ .‬قال‪:‬‏} َوَل ِبَقْو ِل ـَك اـِه ٍنـ َقِليًل َم اـ‬ ‫تََذ ّكـُرـ وـَنَتنِز يـٌل ّم نـ ّر ّ‬ ‫بـاْلَعالَِم يـَن{ إلى آخر السور ة ]الحاقة‪ . [43 ،42:‬قال‪ :‬فوقع السل م في قلبي‪.‬‬

‫كان هذا أول وقوع نوا ة السل م في قلبه‪ ،‬لكن كانت قشر ة النزعات الجاهلية‪ ،‬وعصبية التقليد‪ ،‬والتعاظ م بدين الباء‬ ‫هي غالبـة على مخ الحقيقة التي كان يتهمس بها قلبه‪ ،‬فبقى مجًد اـ في عمله ضد السل م غير مكترث بالشعور الذي‬ ‫يكمن وراء هذه القشر ة‪.‬‬ ‫وكان من حد ة طبعه وفرط عداوته لرسول ال صلى ال عليه وسل م أنه خرج يوًم اـ متوشًح ا ـ سيفه يريد القضاء على‬ ‫النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فلقيه نعي م بن عبد ال النحا م العدوي‪ ،‬أو رجل من بني زهر ة‪ ،‬أو رجل من بني مخزو م‬ ‫فقال‪ :‬أين تعمد يا عمر؟ قال‪ :‬أريد أن أقتل محمًد اـ‪ .‬قال‪ :‬كيف تأمن من بني هاش م ومن بني زهر ة وقد قتلت محمًد اـ؟‬ ‫فقال له عمر‪ :‬ما أراك إل قد صبوت‪ ،‬وتركت دينك الذي كنت عليه‪ ،‬قال‪ :‬أفل أدلك على العجب يا عمر! إن أختك‬ ‫وَخ تَـَنَكـ قد صبوا‪ ،‬وتركا دينك الذي أنت عليه‪ ،‬فمشى عمر دامًرا حتى أتاهما‪ ،‬وعندهما خباب بن الرت‪ ،‬معه‬ ‫صحيفة فيها‪] :‬طه[ يقرئهما إياها ـ وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن ـ فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت‪،‬‬ ‫وسترت فاطمة ـ أخت عمر ـ الصحيفة‪ .‬وكان قد سمع عمر حين دنا من البيت قراء ة خباب إليهما‪ ،‬فلما دخل عليهما‬ ‫قال‪ :‬ما هذه الهينمة التي سمعتها عندك م؟ فقال‪ :‬ما عدا حديًثا تحدثناه بيننا‪ .‬قال‪ :‬فلعلكما قد صبوتما‪ .‬فقال له ختنه‪:‬‬ ‫يا عمر‪ ،‬أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديًد اـ‪ .‬فجاءت أخته فرفعته عن‬ ‫زوجها‪ ،‬فنفحها نفحة بيده‪ ،‬فدمى وجهها ـ وفي رواية ابن إسحاق أنه ضربها فشجها ـ فقالت‪ ،‬وهي غضبى‪ :‬يا عمر‪،‬‬ ‫إن كان الحق في غير دينك‪ ،‬أشهد أن ل إله إل ال ‪ ،‬وأشهد أن محمًد اـ رسول ال ‪.‬‬ ‫فلما يئس عمر‪ ،‬ورأي ما بأخته من الد م ند م واستحيا‪ ،‬وقال‪ :‬أعطونى هذا الكتاب الذي عندك م فأقرؤه‪ ،‬فقالت أخته‪:‬‬ ‫إنك رجس‪ ،‬ول يمسه إل المطهرون‪ ،‬فق م فاغتسل‪ ،‬فقا م فاغتسل‪ ،‬ث م أخذ الكتاب‪ ،‬فق أر‪ :‬‏}بس م ال الرحمن الرحي م{ فقال‪:‬‬ ‫ـي‬ ‫ص َلـ ةَلِـ ـِذ ْكـِرـ {‬ ‫أسماء طيبة طاهر ة‪ .‬ث م ق أر ]طه[ حتى انتهي إلى قوله‪ :‬‏}ِإّنِني أََنا ال ُ َل ِإلََه ِإّل أََنا َفاْع ُبـْد نِـي َوأَِقِ مـ ال ّ‬ ‫]طه‪ [14:‬فقال‪ :‬ما أحسن هذا الكل م وأكرمه؟ دلوني على محمد‪.‬‬ ‫فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت‪ ،‬فقال‪ :‬أبشر يا عمر‪ ،‬فإني أرجو أن تكون دعو ة الرسول صلى ال عليه‬ ‫وسل م لك ليلة الخميس‪ :‬‏)ال م أعز السل م بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشا م(‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه‬


‫وسل م في الدار التي في أصل الصفا‪.‬‬ ‫فأخذ عمر سيفه‪ ،‬فتوشحه‪ ،‬ث م انطلق حتى أتى الدار‪ ،‬فضرب الباب‪ ،‬فقا م رجل ينظر من خلل الباب‪ ،‬فرآه متوشًح ا ـ‬

‫السيف‪ ،‬فأخبر رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬واستجمع القو م‪ ،‬فقال له م حمز ة‪ :‬ما لك م ؟ قالوا‪ :‬عمر؟ فقال‪ :‬وعمر؟‬

‫افتحوا له الباب‪ ،‬فإن كان جاء يريد خيًرا بذلناه له‪ ،‬إوان كان جاء يريد شًرا قتلناه بسيفه‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م داخل يوحى إليه‪ ،‬فخرج إلى عمر حتى لقيه في الحجر ة‪ ،‬فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف‪ ،‬ث م جبذه جبذ ة‬ ‫شديد ة فقال‪ :‬‏)أما أنت منتهًيا يا عمر حتى ينزل ال بك من الخزى والنكال ما نزل بالوليد بن المغير ة؟ ال م‪ ،‬هذا‬ ‫عمر بن الخطاب‪ ،‬ال م أعز السل م بعمر بن الخطاب(‪ ،‬فقال عمر‪ :‬أشهد أن ل إله إل ال ‪ ،‬وأنك رسول ال ‪.‬‬ ‫وأسل م‪ ،‬فكبر أهل الدار تكبير ة سمعها أهل المسجد‪.‬‬ ‫كان عمر رضي ال عنه ذا شكيمة ل يرا م‪ ،‬وقد أثار إسلمه ضجة بين المشركين‪ ،‬وشعو ار له م بالذلة والهوان‪ ،‬وكسا‬ ‫المسلمين عز ة وشرًفا وسروًرا‪.‬‬ ‫روى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال‪ :‬لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول ال صلى ال عليه وسل م عداو ة‪،‬‬ ‫قال‪ :‬قلت‪ :‬أبو جهل‪ ،‬فأتيت حتى ضربت عليه بابه‪ ،‬فخرج إلّى ‪،‬ـ وقال‪ :‬أهًل وسهًل ‪ ،‬ـ ـما جاء بك؟ قال‪ :‬جئت لخبرك‬ ‫إني قد آمنت بال وبرسوله محمد‪ ،‬وصدقت بما جاء به‪ .‬قال‪ :‬فضرب الباب في وجهي‪ ،‬وقال‪ :‬قبحك ال ‪ ،‬وقبح ما‬ ‫جئت به‪.‬‬ ‫وذكر ابن الجوزي أن عمر رضي ال عنه قال‪ :‬كان الرجل إذا أسل م تعلق به الرجال‪ ،‬فيضربونه ويضربه م‪ ،‬فجئت ـ‬ ‫أي حين أسلمت ـ إلى خالى ـ وهو العاصى بن هاش م ـ فأعلمته فدخل البيت‪ ،‬قال‪ :‬وذهبت إلى رجل من كبراء قريش ـ‬ ‫لعله أبو جهل ـ فأعلمته فدخل البيت‪.‬‬ ‫وفي رواية لبن إسحاق‪ ،‬عن نافع‪ ،‬عن ابن عمر قال‪ :‬لما أسل م عمر بن الخطاب ل م تعل م قريش بإسلمه‪ ،‬فقال‪ :‬أي‬ ‫أهل مكة أنشأ للحديث؟ فقالوا‪ :‬جميل بن معمر الجمحى‪ .‬فخرج إليه وأنا معه‪ ،‬أعقل ما أرى وأسمع‪ ،‬فأتاه‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫ياجميل‪ ،‬إني قد أسلمت‪ ،‬قال‪ :‬فو ال ما رد عليه كلمة حتى قا م عامًد اـ إلى المسجد فنادى ]بأعلى صوته[ أن‪ :‬يا‬ ‫قريش‪ ،‬إن ابن الخطاب قد صبأ‪ .‬فقال عمر ـ وهو خلفه‪ :‬كذب‪ ،‬ولكنى قد أسلمت ]وآمنت بال وصدقت رسوله[‪،‬‬ ‫طَلح ـ أي أعيا ـ عمر‪ ،‬فقعد‪ ،‬وقاموا على‬ ‫فثاروا إليه فما زال يقاتله م ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسه م‪ ،‬و َ‬ ‫رأسه‪ ،‬وهو يقول‪ :‬افعلوا ما بدا لك م‪ ،‬فأحلف بال أن لو كنا ثلثمائة رجل لقد تركناها لك م أو تركتموها لنا‪.‬‬

‫وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون قتله‪.‬روى البخاري عن عبد ال بن عمر قال‪:‬بينما هو ـ أي عمر ـ في‬ ‫الدار خائًفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمى أبو عمرو‪،‬وعليه حلة حبر ة وقميص مكفوف بحرير ـ وهو من بني سه م‪،‬‬ ‫وه م حلفاؤنا في الجاهلية ـ فقال له‪ :‬ما لك؟ قال‪ :‬زع م قومك أنه م سيقتلوني إن أسلمت‪ ،‬قال‪ :‬ل سبيل إليك ـ بعد أن‬


‫قالها أمنت ـ فخرج العاص‪ ،‬فلقى الناس قد سال به م الوادي‪ ،‬فقال‪ :‬أين تريدون؟ فقالوا‪ :‬هذا ابن الخطاب الذي قد‬ ‫ط ـعنه‪.‬‬ ‫صبأ‪ ،‬قال‪ :‬ل سبيل إليه‪ ،‬فََك ّرـ الناس‪ .‬وفي لفظ في رواية ابن إسحاق‪ :‬وال ‪ ،‬لكأنما كانوا ثوًبا ُك ِشـ َ‬ ‫هذا بالنسبة إلى المشركين‪ ،‬أما بالنسبة إلى المسلمين فروى مجاهد عن ابن عباس قال‪ :‬سألت عمر بن الخطاب‪:‬‬ ‫لي شيء سميت الفاروق؟ قال‪ :‬أسل م حمز ة قبلى بثلثة أيا م ـ ث م قص عليه قصة إسلمه‪ .‬وقال في آخره‪ :‬قلت ـ أي‬ ‫حين أسلمت‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬ألسنا على الحق إن متنا إوان حيينا؟ قال‪ :‬‏)بلى‪ ،‬والذي نفسي بيده‪ ،‬إنك م على الحق إوان‬ ‫مت م إوان حييت م(‪ ،‬قال‪ :‬قلت‪ :‬ففي م الختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن‪ ،‬فأخرجناه في صفين‪ ،‬حمز ة في أحدهما‪ ،‬وأنا‬ ‫في الخر‪ ،‬له كديد ككديد الطحين‪ ،‬حتى دخلنا المسجد‪ ،‬قال‪ :‬فنظرت إلّى قريش إوالى حمز ة‪ ،‬فأصابته م كآبة ل م‬ ‫يصبه م مثلها‪ ،‬فسماني رسول ال صلى ال عليه وسل م ‏)الفاروق( يومئذ‪.‬‬

‫وكان ابن مسعود رضي ال عنه يقول‪ :‬ما كنا نقدر أن نصلى عند الكعبة حتى أسل م عمر‪.‬‬ ‫وعن صهيب بن سنان الرومى رضي ال عنه قال‪ :‬لما أسل م عمر ظهر السل م‪ ،‬ودعى إليه علنية‪ ،‬وجلسنا حول‬ ‫البيت حلًقا‪ ،‬وطفنا بالبيت‪ ،‬وانتصفنا ممن غلظ علينا‪ ،‬ورددنا عليه بعض ما يأتى به‪.‬‬ ‫وعن عبد ال بن مسعود قال‪ :‬ما زلنا أعز ة منذ أسل م عمر‪.‬‬

‫ممثل قريش بين يدي الرسول صلى ال عليه وسل م‬ ‫وبعد إسل م هذين البطلين الجليلين ـ حمز ة بن عبد المطلب وعمـر بن الخطاب رضي ال عنهما أخذت السحائب‬ ‫تتقشع‪ ،‬وأفاق المشركون عن سكره م في تنكيله م بالمسلمين‪ ،‬وغيروا تفكيره م في معاملته م مع النبي صلى ال عليه‬ ‫وسل م والمؤمنين‪ ،‬واختاروا أسلوب المساومات وتقدي م الرغائب والمغريات‪ ،‬ول م يدر هؤلء المساكين أن كل ما تطلع‬ ‫عليه الشمس ل يساوي جناح بعوضة أما م دين ال والدعو ة إليه‪ ،‬فخابوا وفشلوا فيما أرادوا‪.‬‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظى قال‪ :‬حدثت أن عتبة بن ربيعة‪ ،‬وكان سيًد اـ‪ ،‬قال‬

‫يوًم اـ ـ وهو في نادى قريش‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه وسل م جالس في المسجد وحده‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬أل أقو م إلى‬ ‫محمد فأكلمه وأعرض عليه أموًرا لعله يقبل بعضها‪ ،‬فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسل م حمز ة رضي ال‬ ‫عنه و أروا أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسل م يكثرون ويزيدون‪ ،‬فقالوا‪ :‬بلى‪ ،‬يا أبا الوليد‪ ،‬ق م إليه‪ ،‬فكلمه‪ ،‬فقا م‬ ‫طـِة في‬ ‫إليه عتبة‪،‬حتى جلس إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقال‪ :‬يابن أخي‪ ،‬إنك منا حيث قد علمت من الّس َ‬

‫العشير ة‪ ،‬والمكان في النسب‪ ،‬إوانك قد أتيت قومك بأمر عظي م‪ ،‬فرقت به جماعته م‪ ،‬وسفهت به أحلمه م‪ ،‬وعبت به‬ ‫آلهته م ودينه م‪ ،‬وكفرت به من مضى من آبائه م‪ ،‬فاسمع منى أعرض عليك أموًرا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها‪.‬‬


‫قال‪ :‬فقال رسول صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)قل يا أبا الوليد أسمع(‪.‬‬ ‫قال‪ :‬يابن أخي‪ ،‬إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا المر ماًل جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا ماًل ‪ ،‬ـ ـ إوان‬ ‫كنت تريد به شرًفا سودناك علينا حتى ل نقطع أمًرا دونك‪ ،‬إوان كنت تريد به ملًك اـ ملكناك علينا‪ ،‬إوان كان هذا الذي‬ ‫يأتيك رئًيا تراه ل تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب‪ ،‬وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه‪ ،‬فإنه ربما غلب التابع‬ ‫على الرجل حتى يداوى منه ـ أو كما قال له ـ حتى إذا فرغ عتبة ورسول ال صلى ال عليه وسل م يستمع منه قال‪:‬‬

‫‏)أقد فرغت يا أبا الوليد؟( قال‪ :‬نع م‪ ،‬قال‪ :‬‏)فاسمع منى(‪ ،‬قال‪:‬أفعل‪ ،‬فقال‪ :‬‏} بس م ال الرحمن الرحي م ح م َتنِز يـٌل ّم َنـ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ضـأَْك ثَـُرُهْ م فَهُْ م َل َيْس َمـُعـوَن َو َقــالُوا ُقُلوُبَنا‬ ‫ب فُ ّ‬ ‫ص لَـ ْ‬ ‫الّر ْحـ َم ـِنـالّر ِحـ يـِ مِك تَـا ٌ‬ ‫ت آَياتُهُ قُْرآًنا َع َرـبِـّيالَّقْو ٍ م ـَيْع َلـُم وـَن َبش يـًراَو َن ـذ يـًراَفَأْع َرـ َ‬ ‫ِفيـ أَِك ّنـٍة ّم ّمـاـ تَْد ُعـوـَنا ِإلَْي ِهـ{ ]فصلت‪ .[5 :1:‬ث م مضى رسول ال فيها‪ ،‬يقرؤها عليه‪ .‬فلما سمعها منه عتبة أنصت له‪،‬‬

‫وألقى يديه خلف ظهره معتمًد اـ عليهما‪ ،‬يسمع منه‪ ،‬ث م انتهي رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى السجد ة منها فسجد‬ ‫ث م قال‪ :‬‏)قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت‪ ،‬فأنت وذاك(‪.‬‬

‫فقا م عتبة إلى أصحابه‪ ،‬فقال بعضه م لبعض‪ :‬نحلف بال لقد جاءك م أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به‪ .‬فلما جلس‬ ‫إليه م قالوا‪ :‬ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال‪ :‬ورائي أني سمعت قوًل وال ما سمعت مثله قط‪ ،‬وال ما هو بالشعر ول‬

‫بالسحر‪ ،‬ول بالكهانة‪ ،‬يا معشر قريش‪ ،‬أطيعونى واجعلوها بي‪ ،‬وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه‪ ،‬فوال‬

‫ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظي م‪ ،‬فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيرك م‪ ،‬إوان يظهر على العرب فملكه ملكك م‪،‬‬ ‫وعزه عزك م‪ ،‬وكنت م أسعد الناس به‪ ،‬قالوا‪ :‬سحرك وال يا أبا الوليد بلسانه‪ ،‬قال‪ :‬هذا رأيي فيه‪ ،‬فاصنعوا ما بدا لك م‪.‬‬ ‫ضـواـفَُقْل‬ ‫وفي روايات أخرى‪ :‬أن عتبة استمع حتى إذا بلغ الرسول صلى ال عليه وسل م قوله تعالى‪ :‬‏}فَِإْن َأْع َرـ ُ‬ ‫َأنَذ رـ تُـُك مـ ِ‬ ‫ص اـِع قَـِة َع اـٍد َو ثَـُم وـَد{ ]فصلت‪ [13:‬قال‪ :‬حسبك‪ ،‬حسبك‪ ،‬ووضع يده على ف م رسول ال صلى ال‬ ‫ص اـع قَـًة ّم ثْـَل َ‬ ‫ْ ْ َ‬ ‫عليه وسل م‪ ،‬وناشده بالرح م أن يكف‪ ،‬وذلك مخافة أن يقع النذير‪ ،‬ث م قا م إلى القو م فقال ما قال‪.‬‬


‫رؤساء تقريش يفاوطضون رسول ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫عزم أبي جهل على تقتل رسول ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫مساومات وتنازلت‬ ‫حيرة تقريش وتفكيرهم الجاد واتصالهم باليهود‬ ‫موتقف أبي طالب وعشيرته‬

‫رؤساء قريش يفاوضون رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫وكأن رجاء قريش ل م ينقطع بما أجاب به النبي صلى ال عليه وسل م عتبة على اقتراحاته؛ لنه ل م يكن صريًح ا ـ في‬ ‫الرفض أو القبول‪ ،‬بل تل عليه النبي صلى ال عليه وسل م آيات ل م يفهمها عتبة‪ ،‬ورجع من حيث جاء‪ ،‬فتشاور‬

‫رؤساء قريش فيما بينه م وفكروا في كل جوانب القضية‪ ،‬ودرسوا كل المواقف بروية وتريث‪ ،‬ث م اجتمعوا يوًم اـ عند ظهر‬ ‫الكعبة بعد غروب الشمس‪ ،‬وأرسلوا إلى النبي صلى ال عليه وسل م يدعونه‪ ،‬فجاء مسرًع اـ يرجو خيًرا‪ ،‬فلما جلس إليه م‬

‫قالوا له مثل ما قال عتبة‪ ،‬وعرضوا عليه نفس المطالب التي عرضها عتبة‪ .‬وكأنه م ظنوا أنه ل م يثق بجدية هذا‬

‫العرض حين عرض عتبة وحده‪ ،‬فإذا عرضوا ه م أجمعون يثق ويقبل‪ ،‬ولكن قال له م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪:‬‬ ‫طُلب َأْم َوــالُك مـول الّش رـف فيك م‪ ،‬ول الُم ْلـَك عليك م‪ ،‬ولكّن ال َبَعثَِنى إلَْي ُكـ مـ‬ ‫‏)ما بي ما تَُقوُلون‪ ،‬ما ِج ْئـتُـُك مـ بما ِج ْئـتُـُك مـ ِبه أَ ْ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫تلَـُك ْ مـ ‪،‬ـ فِإْن تَْقَب لُـوا ِم ّنـى ما‬ ‫ص ْح ـ ُ‬ ‫َر ُسـوًـل ‪ َ،‬ـوـ َأْن َزـَلـعلّى ك تـاًبا‪ ،‬وَأَم َرـنِــىأْن َأُك وـَن لَُك مـ َبش يـًراَو َن ـذ يـًرا‪،‬فََب لـْغ تُـُك مـ ِر َسـاـلت ربي‪َ ،‬و َن ـ َ‬ ‫ّ‬ ‫ص بِــر لْم ِرـ ال ِ حّتى َيْح ُك ـ مـ ال ُ َبْي نِـى َو َبْي ـَنُك مـ(‪ .‬أو كما قال‪.‬‬ ‫ِج ْئـتُـُك مـ ِبه فَهَُو َح ظـُك مـ في الُد نـيا والخر ة‪ ،‬إواْن تَُر ّدـوـا علّى أَ ْ‬

‫فانتقلوا إلى نقطة أخرى‪ ،‬وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يسير عنه م الجبال‪ ،‬ويبسط له م البلد‪ ،‬ويفجر فيها النهار‪،‬‬ ‫ويحيى له م الموتى ـ ول سيما قصى بن كلب ـ فإن صدقوه يؤمنون به‪ .‬فأجاب بنفس ما سبق من الجواب‪.‬‬ ‫فانتقلوا إلى نقطة ثالثة‪ ،‬وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يبعث له ملًك اـ يصدقه‪ ،‬ويراجعونه فيه‪ ،‬وأن يجعل له جنات‬ ‫وكنوًزا وقصوًرا من ذهب وفضة‪ ،‬فأجابه م بنفس الجواب‪.‬‬ ‫فانتقلوا إلى نقطة رابعة‪ ،‬وطلبوا منه العذاب‪ :‬أن يسقط عليه م السماء كسًفا‪ ،‬كما يقول ويتوعد‪ ،‬فقال‪ :‬‏)ذلك إلى ال ‪،‬‬ ‫إن شاء فعل(‪ .‬فقالوا‪ :‬أما عل م ربك أنا سنجلس معك‪ ،‬ونسألك ونطلب منك‪ ،‬حتى يعلمك ما تراجعنا به‪ ،‬وما هو‬ ‫صانع بنا إذا ل م نقبل‪.‬‬ ‫وأخيًرا هددوه أشد التهديد‪ ،‬وقالوا‪:‬أما وال ل نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا‪ ،‬فقا م رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م عنه م‪ ،‬وانصرف إلى أهله حزيًنا أسفا لما فاته ما طمع من قومه‪.‬‬


‫عز م أبي جهل على قتل رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫ولما انصرف رسول ال صلى ال عليه وسل م عنه م خاطبه م أبو جهل في كبريائه وقال‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬إن محمًد اـ‬

‫قد أبي إل ما ترون من عيب ديننا‪ ،‬وشت م آبائنا‪ ،‬وتسفيه أحلمنا‪ ،‬وشت م آلهتنا‪ ،‬وأني أعاهد ال لجلسن له بحجر ما‬ ‫أطيق حمله‪ ،‬فإذا سجد في صلته فضخت به رأسه‪ ،‬فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى‪ ،‬فليصنع بعد ذلك بنو عبد‬

‫مناف ما بدا له م‪ ،‬قالوا‪ :‬وال ل نسلمك لشيء أبًد اـ‪ ،‬فامض لما تريد‪.‬‬ ‫فلما أصبح أبو جهل‪ ،‬أخذ حجًرا كما وصف‪ ،‬ث م جلس لرسول ال صلى ال عليه وسل م ينتظره‪ ،‬وغدا رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م كما كان يغدو‪ ،‬فقا م يصلي‪ ،‬وقد غدت قريش فجلسوا في أنديته م ينتظرون ما أبو جهل فاعل‪ ،‬فلما‬ ‫سجد رسول ال صلى ال عليه وسل م احتمل أبو جهل الحجر‪ ،‬ث م أقبل نحوه‪ ،‬حتى إذا دنا منه رجع منهزًم اـ ممتقًعاـ‬

‫لونه‪ ،‬مرعوًباـ قد يبست يداه على حجره‪ ،‬حتى قذف الحجر من يده‪ ،‬وقامت إليه رجال قريش فقالوا له‪ :‬ما لك يا أبا‬ ‫الحك م؟ قال‪ :‬قمت إليه لفعل به ما قلت لك م البارحة‪ ،‬فلما دنوت منه عرض لى دونه فَْح ٌل ـ من البل‪ ،‬ل وال ما‬ ‫ِ‬ ‫ص َرـتِــهول أنيابه لفحل قط‪ ،‬فَهَّ م بى أن يأكلنى‪.‬‬ ‫رأيت مثل َهاَم تـه‪ ،‬ول مثل َق َ‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬فذكر لى أن رسول ال صلى ال عليه وسل م قال‪ :‬‏)ذلك جبريل عليه السل م لو دنا لخذه(‬

‫مساومات وتنازلت‬ ‫ولما فشلت قريش في مفاوضته م المبنية على الغراء والترغيب‪ ،‬والتهديد والترهيب‪ ،‬وخاب أبو جهل فيما أبداه من‬ ‫الرعونة وقصد الفتك‪ ،‬تيقظت فيه م رغبة الوصول إلى حل حصيف ينقذه م عما ه م فيه‪ ،‬ول م يكونوا يجزمون أن النبي‬ ‫صلى ال عليه وسل م على باطل‪ ،‬بل كانوا ـ كما قال ال تعالى ‏}لَِفي َش ّكـ ّم ْنـهُـ ُم ِرـيـٍب{ ]الشورى‪ .[ 14:‬ف أروا أن يساوموه‬ ‫صلى ال عليه وسل م في أمور الدين‪ ،‬ويلتقوا به في منتصف الطريق‪ ،‬فيتركوا بعض ما ه م عليه‪ ،‬ويطالبوا النبي‬ ‫صلى ال عليه وسل م بترك بعض ما هو عليه‪ ،‬وظنوا أنه م بهذا الطريق سيصيبون الحق‪ ،‬إن كان ما يدعو إليه النبي‬ ‫صلى ال عليه وسل م حًقا‪.‬‬ ‫روى ابن إسحاق بسنده‪ ،‬قال‪ :‬اعترض رسول ال صلى ال عليه وسل م ـ وهو يطوف بالكعبة ـ السود بن المطلب بن‬ ‫أسد بن عبد العزى والوليد بن المغير ة وأمية بن خلف والعاص بن وائل السهمى ـ وكانوا ذوى أسنان في قومه م ـ فقالوا‪:‬‬ ‫يا محمد‪ ،‬هل م فلنعبد ما تعبد‪ ،‬وتعبد ما نعبد‪ ،‬فنشترك نحن وأنت في المر‪ ،‬فإن كان الذي تعبد خيًرا مما نعبد كنا قد‬ ‫أخذنا بحظنا منه‪ ،‬إوان كان ما نعبد خيًرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه‪ ،‬فأنزل ال تعالى فيه م‪ :‬‏}ُقْل َيا أَّيَها‬ ‫اْلَك اـِفُر وـَنَل أَْع ُبـُد َم اـ تَْع ُبـُد وـَن{ السور ة كلها‪.‬‬


‫وأخرج َع ْبـُدـ بن ُح َمـ ـْي دـ وغيره عن ابن عباس أن قريًش اـ قالت‪ :‬لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك‪ .‬فأنزل ال ‪ :‬‏}ُقْل َيا أَّيَها‬ ‫ن السور ة كلها وأخرج ابن جرير وغيره عنه أن قريًش اـ قالوا لرسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬تعبد آلهتنا سنة‪،‬‬ ‫اْلَك اـِفُر و ـَ{‬ ‫ونعبد إلهك سنة‪،‬فأنزل ال ‪:‬‏}ُقْل أَفََغ ْي َرـ ال ِ تَْأُم ُرـ وـّني أَْع ُبـُد أَّيَها اْلَج اـِه لُــوَن{ ]الزمر‪[64:‬‬ ‫ولما حس م ال تعالى هذه المفاوضة المضحكة بهذه المفاصلة الجازمة ل م تيأس قريش كل اليأس‪ ،‬بل أبدوا مزيًد اـ من‬ ‫التنازل بشرط أن يجرى النبي صلى ال عليه وسل م بعض التعديل فيما جاء به من التعليمات‪ ،‬فقالوا‪ :‬‏} اْئِتـ بِقُْرآٍن‬ ‫ض ا ـ بإنزال ما يرد به النبي صلى ال عليه وسل م عليه م فقال‪ :‬‏}ُقْل َم اـ َيُك وـُن‬ ‫َغ ْيـِرـ َهـَذ اـ أَْو َبّد ْلـهُ{‪ ،‬فقطع ال هذا السبيل أي ً‬ ‫ب َيْو ٍ م ـَع ِظـ يـٍ م{ ]يونس‪[15:‬‬ ‫ِلي أَْن أَُبّد لَـهُ ِم نـ تِْلَقاء َنْفِس ي ـِإْن أَتّبُِع ِإلّ َم اـ ُيوَح ى ـ ِإلَّي ِإّني أََخ اـ ُ‬ ‫صـ ْي ـ ُ‬ ‫تـ َر ّبـي َع َذـاـ َ‬ ‫ف ِإْن َع َ‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ي َع لَـْي َنـاـ َغ ْيـَرـهَُو إِاًذـاـلّتَّخ ُذـوـَك‬ ‫ونبه على عظ م خطور ة هذا العمل بقوله‪:‬‏} َ إوِان َك اـُد وْـا َلَيْفتُنوَنَك َع ِنـ الذ ي ـ أَْو َحـْيـَنـاـِإلَْي َكـ لتْفتَِر َ‬ ‫فـاْلح يــاِ ة و ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ت تَر َكـنـِإلَْي ِهـ مـ َش ْيـًئـاـ َقِلي ً ِ ّ‬ ‫ل تَِج ُدـ لََك َع لَـْي َنـا‬ ‫فـاْلَم َمـاـِت ثُّ م َ‬ ‫ل َو لَـْو َ‬ ‫َ�� ِلــي ً‬ ‫ض ـ ْعـ ـ َ‬ ‫لَأن ثَّبتَْناَك لَقَْد ك دـ ّ ْ ُ ْ‬ ‫ل إذًا لََذ ْقـَناَك ض ْعـ ـ َ َ َ َ‬ ‫َن ِ‬ ‫را ]السراء‪.[75 :73:‬‬ ‫ص يــً {‬ ‫حير ة قريش وتفكيره م الجاد واتصاله م باليهود‬ ‫أظلمت أما م المشركين السبل بعد فشله م في هذه المفاوضات والمساومات والتنازلت‪ ،‬واحتاروا فيما يفعلون‪ ،‬حتى قا م‬ ‫أحد شياطينه م‪ :‬النضر بن الحارث‪ ،‬فنصحه م قائًل‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬وال لقد نزل بك م أمر ما أتيت م له بحيلة بعد‪ ،‬قد‬

‫كان محمد فيك م غلًم اـ حدًثا أرضاك م فيك م‪ ،‬وأصدقك م حديًثا‪ ،‬وأعظمك م أمانة‪ ،‬حتى إذا رأيت م في صدغيه الشيب‪ ،‬و‬

‫جاءك م بما جاءك م به‪ ،‬قلت م‪ :‬ساحر‪ ،‬ل وال ما هو بساحر‪ ،‬لقد رأينا السحر ة وَنْفَثه م وَع ْقـَد هـ م‪ ،‬وقلت م‪ :‬كاهن‪ ،‬ل وال ما‬ ‫هو بكاهن‪ ،‬قد رأينا الكهنة وتََخ اـلَُج هـ م وسمعنا َس َجـ َعـُه م‪ ،‬وقلت م‪ :‬شاعر‪ ،‬ل وال ما هو بشاعر‪ ،‬قد رأينا الشعر وسمعنا‬ ‫أصنافه كلها َهَز َجـ ه ـوَر َجـ َزــه‪،‬وقلت م‪ :‬مجنون‪ ،‬ل وال ما هو بمجنون‪ ،‬لقد رأينا الجنون‪ ،‬فما هو بخنقه‪ ،‬ول وسوسته‪ ،‬ول‬ ‫تخليطه‪ ،‬يا معشر قريش‪ ،‬فانظروا في شأنك م‪ ،‬فإنه وال لقد نزل بك م أمر عظي م‪.‬‬

‫وكأنه م لما أروا صموده صلى ال عليه وسل م في وجه كل التحديات‪ ،‬ورفضه كل المغريات‪ ،‬وصلبته في كل مرحلة ـ‬ ‫مع ما كان يتمتع به من الصدق والعفاف ومكار م الخلق ـ قويت شبهته م في كونه رسوًل حًقا‪ ،‬فقرروا أن يتصلوا‬ ‫باليهود حتى يتأكدوا من أمره صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فلما نصحه م النضر بن الحارث بما سبق كلفوه مع آخر أو‬ ‫آخرين ليذهب إلى يهود المدينة‪ ،‬فأتاه م فقال أحباره م‪ :‬سلوه عن ثلث‪ ،‬فإن أخبر فهو نبى مرسل‪ ،‬إوال فهو متقول؛‬ ‫سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الول‪،‬ما كان أمره م؟ فإن له م حديًثا عجًبا ‪ ،‬وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق‬

‫الرض ومغاربها‪ ،‬ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح‪ ،‬ما هي؟‬

‫فلما قد م مكة قال‪ :‬جئناك م بفصل ما بينك م وبين محمد‪ ،‬وأخبره م بما قاله اليهود‪ ،‬فسألت قريش رسول صلى ال عليه‬ ‫وسل م عن المور الثلثة‪ ،‬فنزلت بعد أيا م سور ة الكهف‪ ،‬فيها قصة أولئك الفتية‪ ،‬وه م أصحاب الكهف‪ ،‬وقصة الرجل‬


‫الطواف‪ ،‬وهو ذو القرنين‪ ،‬ونزل الجواب عن الروح في سور ة السراء‪ .‬وتبين لقريش أنه صلى ال عليه وسل م على‬ ‫حق وصدق‪ ،‬ولكن أبي الظالمون إل كفوًرا‪.‬‬ ‫هذه نبذ ة خفيفة مما واجه به المشركون دعو ة رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وقد مارسوا كل ذلك جنبا إلى جنب‪،‬‬ ‫متنقلين من طور إلى طور‪ ،‬ومن دور إلى دور‪ .‬فمن شد ة إلى لين‪ ،‬ومن لين إلى شد ة‪ ،‬ومن جدال إلى مساومة‪،‬‬ ‫ومن مساومة إلى جدال‪ ،‬ومن تهديد إلى ترغيب‪ ،‬ومن ترغيب إلى تهديد‪ ،‬كانوا يثورون ث م يخورون‪ ،‬ويجادلون ث م‬ ‫يجاملون‪ ،‬وينازلون ث م يتنازلون‪ ،‬ويوعدون ث م يرغبون‪ ،‬كأنه م كانوا يتقدمون ويتأخرون‪ ،‬ل يقر له م قرار‪ ،‬ول يعجبه م‬ ‫الفرار‪ ،‬وكان الغرض من كل ذلك هو إحباط الدعو ة السلمية‪ ،‬ولَّ م َش ْعـِثـ الكفر‪ ،‬ولكنه م بعد بذل كل الجهود واختبار‬ ‫كل الحيل عادوا خائبين‪ ،‬ول م يبق أمامه م إل السيف‪ ،‬والسيف ل يزيد الفرقة إل شد ة‪ ،‬ول ينتج إل عن تناحر يستأصل‬ ‫الشأفة‪ ،‬فاحتاروا ماذا يفعلون‪.‬‬

‫موقف أبي طالب وعشيرته‬ ‫أما أبو طالب فإنه لما واجه مطالبة قريش بتسلي م النبي صلى ال عليه وسل م له م ليقتلوه‪ ،‬ث م رأي في تحركاته م‬ ‫وتصرفاته م ما يؤكد أنه م يريدون قتله إواخفار ذمته ـ مثل ما فعله عقبة بن أبي معيط‪ ،‬وأبو جهل بن هشا م وعمر بن‬ ‫الخطاب ـ جمع بني هاش م وبني المطلب‪ ،‬ودعاه م إلى القيا م بحفظ النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فأجابوه إلى ذلك كله م‬ ‫ـ مسلمه م وكافره م ـ َح ِمـّيـًة للجوار العربي‪ ،‬وتعاقدوا وتعاهدوا عليه عند الكعبة‪ .‬إل ما كان من أخيه أبي لهب‪ ،‬فإنه‬ ‫فارقه م‪ ،‬وكان مع قريش‪.‬‬


‫المقاطعة العامة‬ ‫ميثا ق الظلم والعدوان‬ ‫ثلثة أعوام في شعب أبي طالب‬ ‫نقض صحيفة الميثا ق‬ ‫آلخر وفد تقريش إلي أبي طالب‬

‫ميثاق الظل م والعدوان‬ ‫زادت حير ة المشركين إذ نفدت به م الحيل‪ ،‬ووجدوا بني هاش م وبني المطلب مصممين على حفظ نبى ال صلى ال‬

‫ص ـِبـفتحالفوا على بني هاش م‬ ‫عليه وسل م والقيا م دونه‪ ،‬كائًنا ما كان‪ ،‬فاجتمعوا في خيف بني كنانة من وادى الُم َحـ ّ‬ ‫وبني المطلب أل يناكحوه م‪ ،‬ول يبايعوه م‪ ،‬ول يجالسوه م‪ ،‬ول يخالطوه م‪ ،‬ول يدخلوا بيوته م‪ ،‬ول يكلموه م‪ ،‬حتى يسلموا‬ ‫إليه م رسول ال صلى ال عليه وسل م للقـتل‪ ،‬وكتـبوا بذلك صحيـفـة فيها عهود ومواثيق ‏)أل يقبلوا من بني هاش م صلًح ا ـ‬

‫أبًد اـ‪ ،‬ول تأخذه م به م رأفة حتى يسلموه للقتل(‪ .‬قال ابن القي م‪ :‬يقال‪ :‬كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاش م‪،‬‬ ‫ت‬ ‫ويقال‪ :‬نضر بن الحارث‪ ،‬والصحيح أنه َبِغ يــض بن عامر بن هاش م‪ ،‬فدعا عليه رسول ال صلى ال عليه وسل م فَُش لّـ ْ‬ ‫يده‪.‬‬ ‫ت م هذا الميثاق وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة‪ ،‬فانحاز بنو هاش م وبنو المطلب‪ ،‬مؤمنه م وكافره م ـ إل أبا لهب ـ‬ ‫وحبسوا في شعب أبي طالب‪ ،‬وذلك فيما يقال‪ :‬ليلة هلل المحر م سنة سبع من البعثة‪ .‬وقد قيل غير ذلك‪.‬‬

‫ثلثة أعوا م في شعب أبي طالب‬ ‫واشتد الحصار‪ ،‬وقطعت عنه م المير ة والماد ة‪ ،‬فل م يكن المشركون يتركون طعاًم اـ يدخل مكة ول بيًعاـ إل بادروه‬ ‫فاشتروه‪ ،‬حتى بلغه م الجهد‪ ،‬والتجأوا إلى أكل الوراق والجلود‪ ،‬وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائه م‬ ‫وصبيانه م يتضاغون من الجوع‪ ،‬وكان ل يصل إليه م شيء إل سًرا‪ ،‬وكانوا ل يخرجون من الشعب لشتراء الحوائج‬

‫إل في الشهر الحر م‪ ،‬وكانوا يشترون من العير التي ترد مكة من خارجها‪ ،‬ولكن أهل مكة كانوا يزيدون عليه م في‬ ‫السلعة قيمتها حتى ل يستطيعون شراءها‪.‬‬ ‫وكان حكي م بن حزا م ربما يحمل قمًح اـ إلى عمته خديجة رضي ال عنها وقـد تعـرض لـه مر ة أبو جهل فتعلق به‬ ‫ليمنعه‪ ،‬فتدخل بينهما أبو البخترى‪ ،‬ومكنه من حمل القمح إلى عمته‪.‬‬

‫وكان أبو طالب يخاف على رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فكان إذا أخذ الناس مضاجعه م يأمر رسول ال صلى‬


‫ال عليه وسل م أن يضطجع على فراشه‪ ،‬حتى يرى ذلك من أراد اغتياله‪ ،‬فإذا نا م الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو‬ ‫بني عمه فاضطجع على فراش رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وأمره أن يأتى بعض فرشه م‪.‬‬ ‫وكان رسول ال صلى ال عليه وسل م والمسلمون يخرجون في أيا م الموس م‪ ،‬فيلقون الناس‪ ،‬ويدعونه م إلى السل م‪ ،‬وقد‬ ‫أسلفنا ما كان يأتى به أبو لهب‪.‬‬

‫نقض صحيفة الميثاق‬ ‫مر عامان أو ثلثة أعوا م والمر على ذلك‪ ،‬وفي المحر م سنة عشر من النبو ة نقضت الصحيفة وفك الحصار؛ وذلك‬ ‫أن قريًش اـ كانوا بين راض بهذا الميثاق وكاره له‪ ،‬فسعى في نقض الصحيفة من كان كارًهاـ لها‪.‬‬ ‫وكان القائ م بذلك هشا م بن عمرو من بني عامر بن لؤى ـ وكان يصل بني هاش م في الشعب مستخفًيا بالليل بالطعا م ـ‬ ‫فإنه ذهب إلى زهير بن أبي أمية المخزومى ـ وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ـ وقال‪ :‬يا زهير‪ ،‬أرضيت أن تأكل‬ ‫الطعا م‪ ،‬وتشرب الشراب‪ ،‬وأخوالك بحيث تعل م؟ فقال‪ :‬ويحك‪ ،‬فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أما وال لو كان معى رجل‬ ‫آخر لقمت في نقضها‪ ،‬قال‪ :‬قد وجدت رجًل‪ .‬قال‪ :‬فمن هو؟ قال‪ :‬أنا‪ .‬قال له زهير‪ :‬ابغنا رجًل ثالًثا ‪.‬‬ ‫فذهب إلى المطع م بن عدى‪ ،‬فذكره أرحا م بني هاش م وبني المطلب ابني عبد مناف‪ ،‬ولمه على موافقته لقريش على‬ ‫هذا الظل م‪ ،‬فقال المطع م‪ :‬ويحك‪ ،‬ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد‪ ،‬قال‪ :‬قد وجدت ثانًيا‪ ،‬قال‪ :‬من هو؟ قال‪ :‬أنا‪ .‬قال‪:‬‬

‫ابغنا ثالًثا ‪ .‬قال‪ :‬قد فعلت‪ .‬قال‪ :‬من هو؟ قال‪ :‬زهير بن أبي أمية‪ ،‬قال‪ :‬ابغنا رابًعاـ‪.‬‬

‫فذهب إلى أبي البخترى بن هشا م‪ ،‬فقال له نحًواـ مما قال للمطع م‪ ،‬فقال‪ :‬وهل من أحد يعين على هذا؟ قال‪ :‬نع م‪.‬‬ ‫قال‪ :‬من هو؟ قال زهير بن أبي أمية‪ ،‬والمطع م بن عدى‪ ،‬وأنا معك‪ ،‬قال‪ :‬ابغنا خامًس اـ‪.‬‬ ‫فذهب إلى زمعة بن السود بن المطلب بن أسد‪ ،‬فكلمه وذكر له قرابته م وحقه م‪ ،‬فقال له‪ :‬وهل على هذا المر الذي‬ ‫تدعونى إليه من أحد؟ قال‪ :‬نع م‪ ،‬ث م سمى له القو م‪ ،‬فاجتمعوا عند الَح ُجـوــن‪ ،‬وتعاقدوا على القيا م بنقض الصحيفة‪،‬‬

‫وقال زهير‪ :‬أنا أبدأك م فأكون أول من يتكل م‪.‬‬

‫فلما أصبحوا غدوا إلى أنديته م‪ ،‬وغدا زهير عليه حلة‪ ،‬فطاف بالبيت سبًعا‪ ،‬ث م أقبل على الناس‪ ،‬فقال‪ :‬يا أهل مكة‪،‬‬ ‫أنأكل الطعا م ونلبس الثياب وبنو هاش م هلكى‪ ،‬ل يباع ول يبتاع منه م؟ وال ل أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة‬ ‫الظالمة‪.‬‬ ‫قال أبو جهل ـ وكان في ناحية المسجد‪ :‬كذبت‪ ،‬وال ل تشق‪.‬‬


‫فقال زمعة بن السود‪ :‬أنت وال أكذب‪ ،‬مارضينا كتابتها حيث كتبت‪.‬‬ ‫قال أبو البخترى‪ :‬صدق زمعة‪ ،‬ل نرضى ما كتب فيها‪ ،‬ول نقر به‪.‬‬ ‫قال المطع م بن عدى‪ :‬صدقتما‪ ،‬وكذب من قال غير ذلك‪ ،‬نب أر إلى ال منها ومما كتب فيها‪.‬‬ ‫وقال هشا م بن عمرو نحًواـ من ذلك‪.‬‬ ‫فقال أبو جهل‪ :‬هذا أمر قضى بليل‪ ،‬وتُُش وـِو رـ فيه بغير هذا المكان‪.‬‬ ‫وأبو طالب جالس في ناحية المسجد‪ ،‬إنما جاءه م لن ال كان قد أطلع رسوله صلى ال عليه وسل م على أمر‬ ‫الصحيفة‪ ،‬وأنه أرسل عليها الرضة‪ ،‬فأكلت جميع ما فيها من جور وقطيعة وظل م إل ذكر ال عز وجل‪ ،‬فأخبر بذلك‬ ‫عمه‪ ،‬فخرج إلى قريش فأخبره م أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا‪ ،‬فإن كان كاذًبا خلينا بينك م وبينه‪ ،‬إوان كان صادًقا‬ ‫رجعت م عن قطيعتنا وظلمنا‪ ،‬قالوا‪ :‬قد أنصفت‪.‬‬ ‫وبعد أن دار الكل م بين القو م وبين أبي جهل‪ ،‬قا م المطع م إلى الصحيفة ليشقها‪ ،‬فوجد الرضة قد أكلتها إل ‏)باسمك‬ ‫ال م(‪ ،‬وما كان فيها من اس م ال فإنها ل م تأكله‪.‬‬ ‫ث م نقض الصحيفة وخرج رسول ال صلى ال عليه وسل م ومن معه من الشعب‪ ،‬وقد رأي المشركون آية عظيمة من‬ ‫ضـواـَو َيـُقولُوا ِس ْح ـٌر ـّم ْسـتَـِم ّرـ{ ]القمر‪ [2:‬ـ أعرضوا عن هذه‬ ‫آيات نبوته‪ ،‬ولكنه م ـ كما أخبر ال عنه م ‏} َ إوِان َيَر ْو ـاـآَيًة ُيْع ِرـ ُ‬ ‫الية وازدادوا كفًرا إلى كفره م ‪.‬‬ ‫آخر وفد قريش إلي أبي طالب‬ ‫خرج رسول ال صلى ال عليه وسل م من الشعب‪ ،‬وجعل يعمل على شاكلته‪ ،‬وقريش إوان كانوا قد تركوا القطيعة‪،‬‬ ‫لكنه م ل م يزالوا عاملين على شاكلته م من الضغط على المسلمين والصد عن سبيل ال ‪ ،‬وأما أبو طالب فهو ل م يزل‬ ‫يحوط ابن أخيه‪ ،‬لكنه كان قد جاوز الثمانين من سنه‪ ،‬وكان�� الل م والحوادث الضخمة المتوالية منذ سنوات ـ لسيما‬ ‫حصار الشعب ـ قد وهنت وضعفت مفاصله وكسرت صلبه‪ ،‬فل م يمض على خروجه من الشعب إل أشهر معدودات‪،‬‬ ‫إواذا هو يلحقه المرض ويلح به‪ ،‬وحينئذ خاف المشركون سوء سمعته م في العرب إن أتوا بعد وفاته بمنكر على ابن‬ ‫أخيه‪ ،‬فحاولوا مر ة أخرى أن يفاوضوا النبي صلى ال عليه وسل م بين يديه‪ ،‬ويعطوا بعض ما ل م يرضوا إعطاءه قبل‬


‫ذلك‪ .‬فقاموا بوفاد ة هي آخر وفادته م إلى أبي طالب‪.‬‬ ‫قال ابن إسحاق وغيره‪ :‬لما اشتكى أبو طالب‪ ،‬وبلغ قريًش اـ ثقله‪ ،‬قالت قريش بعضها لبعض‪ :‬إن حمز ة وعمر قد أسلما‪،‬‬ ‫وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها‪ ،‬فانطلقوا بنا إلى أبي طالب‪ ،‬فليأخذ على ابن أخيه‪ ،‬وليعطه منا‪ ،‬وال ما‬ ‫نأمن أن يبتزونا أمرنا‪ ،‬وفي لفظ‪ :‬فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون إليه شيء فتعيرنا به العرب‪ ،‬يقولون‪ :‬تركوه‬ ‫حتى إذا مات عمه تناولوه‪.‬‬ ‫مشوا إلى أبي طالب فكلموه‪ ،‬وه م أشراف قومه؛ عتبة بن ربيعة‪ ،‬وشيبة بن ربيعة‪ ،‬وأبو جهل بن هشا م‪ ،‬وأمية بن‬ ‫خلف‪ ،‬وأبو سفيان بن حرب‪ ،‬في رجال من أشرافه م ـ وه م خمسة وعشرون تقريًباـ ـ فقالوا‪ :‬يا أبا طالب‪ ،‬إنك منا حيث‬ ‫قد علمت‪ ،‬وقد حضرك ما ترى‪ ،‬وتخوفنا عليك‪ ،‬وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك‪ ،‬فادعه فخذ له منا‪ ،‬وخذ لنا‬ ‫منه؛ ليكف عنا ونكف عنه‪ ،‬وليدعـنا وديننا وندعه ودينه‪ ،‬فبعث أبو طالب‪ ،‬فجاءه فقال‪ :‬يابن أخي‪ ،‬هؤلء أشراف‬ ‫قومك‪ ،‬قد اجتمعوا لك ليعطوك‪ ،‬وليأخذوا منك‪ ،‬ث م أخبـره بالذي قالوا له وعرضوا عليه من عد م تعرض كل فريق‬ ‫للخر‪ .‬فقال له م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏) أرأيت م إن أعطيتك م كلمة تكلمت م بها‪ ،‬ملكت م بها العرب‪ ،‬ودانت لك م‬ ‫بها العج م( ‪ ،‬وفي لفظ أنه قال مخاطًبا لبي طالب‪ :‬‏)إني أريده م على كلمة واحد ة يقولونها تدين له م بها العرب‪،‬‬ ‫وتؤدى إليه م بها العج م الجزية(‪ ،‬وفي لفظ آخر قال‪ :‬‏)أي ع م‪ ،‬أفل أدعوه م إلى ما هو خير له م؟( قال‪ :‬إوال م تدعوه م؟‬ ‫قال‪ :‬‏)أدعوه م إلى أن يتكلموا بكلمة تدين له م بها العرب‪ ،‬ويملكون بها العج م(‪ ،‬ولفظ رواية ابن إسحاق‪ :‬‏)كلمة واحد ة‬

‫تعطونها تملكون بها العرب‪ ،‬وتدين لك م بها العج م(‪ ،‬فلما قال هذه المقالة توقفوا وتحيروا ول م يعرفوا كيف يرفضون هذه‬ ‫الكلمة الواحد ة النافعة إلى هذه الغاية والحد‪ .‬ث م قال أبو جهل‪ :‬ما هي؟ وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها‪ ،‬قال‪ :‬تقولون‪:‬‬ ‫‏)ل إله إل ال ‪ ،‬وتخلعون ما تعبدون من دونه(‪ .‬فصفقوا بأيديه م‪ ،‬ث م قالوا‪ :‬أتريد يا محمد أن تجعل اللهة إلًها واحًد اـ؟‬ ‫إن أمرك لعجب‪.‬‬ ‫ث م قال بعضه م لبعض‪ :‬إنه وال ما هذا الرجل بمعطيك م شيًئا مما تريدون‪ ،‬فانطلقوا وامضوا على دين آبائك م‪ ،‬حتى‬ ‫يحك م ال بينك م وبينه‪ ،‬ث م تفرقوا‪.‬‬ ‫وفي هؤلء نزل قوله تعالى‪ :‬‏}ص واْلقُْرآِنِذ ي ـ الّذ ْكـِرـ َب ِلـ الِّذ يـَن َك فَـُر واـِفيـ ِع ّزـٍ ةو ِش ـ قَـا ٍ‬ ‫قَك ْ مـ أَْه لَـْك َنــا ِم نـ قَْب ِلـِه مـ ّم نـ َقْر ٍن ـ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ت ـ ـِح يـَن َم َنـا ٍ‬ ‫ب أََج َعـَلـ اْل ل ـ ـهََة إلًَها َواح ًدـاـإّن‬ ‫ص َوَع ِجـ ُبـواَأن َج اــءُه م ّم نـذ ٌر ـ ّم ْنـهُـْ م َو قَــاَل اْلَك اـفُر وـَنَهَذ اـ َس اـح ٌر ـ َك ذـاـ ٌ‬ ‫َفَناَد ْوـاـَوَل َ‬ ‫ِ‬ ‫ص بِـُر واـَع لَــى آِلهَتُِك ْ مـ ِإّن َهَذ اـ َلَش ْيـ ٌء ـُيَراُد َم اـ َس ِمـْعـَنـاـ بِهََذ اـ ِفيـ اْلِم لّـِة‬ ‫ب َوان َ‬ ‫طلَ َ‬ ‫َهَذ اـ َلَش ْيـ ٌء ـُع َجـ اـ ٌ‬ ‫ق اْلَم َلُـ م ْنـهُـْ م أَِن اْم ُشـوـا َوا ْ‬ ‫ق ـ ـ]ص‪.[7 :1:‬‬ ‫اْل ِخ ــَرـإِ ةْن َهَذ اـ ِإّل اْخ تِـَل {ٌ‬


‫عــا م الح ــزن‬ ‫وفاة أبي طالب‬ ‫لخديجة إلى رحمة ا‬ ‫تراكم الحزان‬ ‫الزواج بسودة رطضي ا عنها‬ ‫عوامل الصبر والثبات‬

‫وفا ة أبي طالب‬ ‫ألح المرض بأبي طالب‪ ،‬فل م يلبث أن وافته المنية‪ ،‬وكانت وفاته في رجب سنة عشر من النبو ة‪ ،‬بعد الخروج من‬ ‫الشعب بستة أشهر‪ .‬وقيل‪ :‬توفي في رمضان قبل وفا ة خديجة رضي ال عنها بثلثة أيا م‪.‬‬ ‫وفي الصحيح عن المسيب‪ :‬أن أبا طالب لما حضرته الوفا ة دخل عليه النبي صلى ال عليه وسل م وعنده أبو‬ ‫جهل‪ ،‬فقال‪ :‬‏)أي ع م‪ ،‬قل‪ :‬ل إله إل ال ‪ ،‬كلمة أحاج لك بها عند ال ( فقال أبو جهل وعبد ال بن أبي أمية‪ :‬يا‬ ‫أبا طالب‪ ،‬ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فل م يزال يكلماه حتى قال آخر شيء كلمه م به‪ :‬على ملة عبد المطلب‪،‬‬ ‫فقال النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)لستغفرن لك ما ل م أنه عنـه(‪ ،‬فـنزلت‪:‬‏} َماـ َك اـَن ِللّنبِّي َواـلِّذ يـَن آَم ُنـوْا َأن‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ك‬ ‫ب اْلَج ِحـيـِ م{ ]التوبة‪ [113:‬ونزلت‪ :‬‏}ِإّن َ‬ ‫ص َح ـاـ ُ‬ ‫َيْس تَـْغ فـُرـ وْاـلْلُم ْشـِرـكـيـَنَو لَـْو َك اـُنوْا أُْو ِلــي قُْر َبـىـم نـ َبْع دـ َم اـ تََبّيَن لَهُْ م أَّنهُْ م أَ ْ‬ ‫تـ{ ]القصص‪.[56 :‬‬ ‫َل تَْهِد ي ـ َم ْنـ أَْح َبـْب َ‬ ‫ول حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من الحياطة والمنع‪ ،‬فقد كان الحصن الذي احتمت به الدعو ة‬ ‫السلمية من هجمات الكبراء والسفهاء‪ ،‬ولكنه بقى على ملة الشياخ من أجداده‪ ،‬فل م يفلح كل الفلح‪.‬‬ ‫ففي الصحيح عن العباس بن عبد المطلب‪ ،‬قال للنبى صلى ال عليه وسل م‪ :‬ما أغنيت عن عمك‪ ،‬فإنه كان‬ ‫ض ـاــحمن نار‪ ،‬ولول أنا لكان في الدرك السفل من النار(‬ ‫ض ْحـ َ‬ ‫يحوطك ويغضب لك؟ قال‪ :‬‏)هو في َ‬ ‫وعن أبي سعيد الخدرى أنه سمع النبي صلى ال عليه وسل م ـ وذكر عنده عمه ـ فقال‪ :‬‏)لعله تنفعه شفاعتى يو م‬ ‫القيامة‪ ،‬فيجعل في ضحضاح من النار تبلغ كعبيه(‬


‫خديجة إلى رحمة ال‬ ‫وبعد وفا ة أبي طالب بنحو شهرين أو بثلثة أيا م ـ على اختلف القولين ـ توفيت أ م المؤمنين خديجة الكبرى‬ ‫رضي ال عنها وكانت وفاتها في شهر رمضان في السنة العاشر ة من النبو ة‪ ،‬ولها خمس وستون سنة على أشهر‬ ‫القوال‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه وسل م إذ ذاك في الخمسين من عمره‪.‬‬ ‫إن خديجة كانت من نع م ال الجليلة على رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة‬ ‫قلقه‪ ،‬وتؤازره في أحرج أوقاته‪ ،‬وتعينه على إبلغ رسالته‪ ،‬وتشاركه في مغار م الجهاد المر‪،‬وتواسيه بنفسها ومالها‪،‬‬ ‫يقول رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)آمنت بى حين كفر بى الناس‪ ،‬وصدقتنى حين كذبني الناس‪ ،‬وأشركتنى‬ ‫في مالها حين حرمنى الناس‪ ،‬ورزقنى ال ولدها وحر م ولد غيرها(‬ ‫وفي الصحيح عن أبي هرير ة قال‪ :‬أتى جبريل النبي صلى ال عليه وسل م ‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬هـذه خديجة قـد‬ ‫أتت‪ ،‬معها إناء فيه إدا م أو طعا م أو شراب‪ ،‬فإذا هي أتتك فاقـ أر عليها السل م من ربها‪ ،‬وبشرها ببيت في الجنة‬

‫ب ـ‪.‬‬ ‫ص َ‬ ‫ص َخـ َ‬ ‫ب ـفيه ول َن َ‬ ‫ص ٍب ـ ل َ‬ ‫من قَ َ‬ ‫تراك م الحزان‬

‫وقعت هاتان الحادثتان المؤلمتان خلل أيا م معدود ة‪ ،‬فاهتزت مشاعر الحزن والل م في قلب رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م‪ ،‬ث م ل م تزل تتوالى عليه المصائب من قومه‪ .‬فإنه م تج أروا عليه وكاشفوه بالنكال والذى بعد موت أبي‬ ‫طالب‪ ،‬فازداد غًم اـ على غ م‪ ،‬حتى يئس منه م‪ ،‬وخرج إلى الطائف رجـاء أن يستجيبوا لدعوتـه‪ ،‬أو يؤووه وينصـروه‬ ‫على قومــه‪ ،‬فل م يـر مـن يؤوى ول م يـر ناصًرا‪ ،‬بل آذوه أشد الذى‪ ،‬ونالوا منه ما ل م ينله قومـه‪.‬‬ ‫وكما اشتدت وطأ ة أهل مكة على النبي صلى ال عليه وسل م اشتدت على أصحابه حتى التجأ رفيقه أبو بكر‬ ‫الصديق رضي ال عنه إلى الهجر ة عن مكة‪ ،‬فخرج حتى بلغ َبْر ك ـالِغ َمـاـد‪ ،‬يريد الحبشة‪ ،‬فأرجعه ابن الّد ُغـّنـة في‬ ‫جواره‪.‬‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول ال صلى ال عليه وسل م من الذى ما ل م تطمع به‬ ‫في حيا ة أبي طالب‪ ،‬حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ت ارًبا‪ ،‬ودخل بيته والتراب على رأسه‪،‬‬ ‫فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكى‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه وسل م يقول لها‪ :‬‏)ل‬ ‫تبكى يابنية‪ ،‬فإن ال مانع أباك(‪ .‬قال‪ :‬ويقول بين ذلك‪ :‬‏)ما نالت منى قريش شيًئاـ أكرهه حتى مات أبو طالب(‪.‬‬


‫ولجل توالى مثل هذه الل م في هذا العا م سمى بعا م الحزن‪ ،‬وعرف به في السير ة والتاريخ‪.‬‬

‫الزواج بسود ة رضي ال عنها‬ ‫وفي شوال من هذه السنة ـ سنة ‪ 10‬من النبو ة ـ تزوج رسول ال صلى ال عليه وسل م سود ة بنت زمعة‪ ،‬كانت‬ ‫ممن أسل م قديًم اـ وهاجرت الهجر ة الثانية إلى الحبشة‪ ،‬وكان زوجها السكران بن عمرو‪ ،‬وكان قد أسل م وهاجر‬ ‫معها‪ ،‬فمات بأرض الحبشة‪ ،‬أو بعد الرجوع إلى مكة‪ ،‬فلما حلت خطبها رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫وتزوجها‪ ،‬وكانت أول امرأ ة تزوجها بعد وفا ة خديجة‪ ،‬وكانت قد وهبت نوبتها لعائشة رضي ال عنها أخيًرا‪.‬‬ ‫عوامل الصبر والثبات‬ ‫وهنا يقف الحلي م حيران‪ ،‬ويتساءل عقلء الرجال فيما بينه م‪ :‬ما هي السباب والعوامل التي بلغت بالمسلمين إلى‬ ‫هذه الغاية القصوى‪ ،‬والحد المعجز من الثبات؟ كيف صبروا على هذه الضطهادات التي تقشعر لسماعها‬ ‫الجلود‪ ،‬وترجف لها الفئد ة؟ ونظًرا إلى هذا الذي يتخالج القلوب نرى أن نشير إلى بعض هذه العوامل والسباب‬ ‫إشار ة عابر ة بسيطة‪:‬‬

‫‪ 1‬ـ اليمــان بال ‪:‬‬ ‫إن السبب الرئيسي في ذلك أوًل وبالذات هو اليمان بال وحده ومعرفته حق المعرفة‪ ،‬فاليمان الجاز م إذا خالطت‬

‫بشاشته القلوب يزن الجبال ول يطيش‪ ،‬إوان صاحب هذا اليمان المحك م وهذا اليقين الجاز م يرى متاعب الدنيا‬ ‫مهما كثرت وكبرت وتفاقمت واشتدت ـ يراها في جنب إيمانه ـ طحالب عائمة فوق َس ْيـلـ جارف جاء ليكسر‬ ‫السدود المنيعة والقلع الحصينة‪ ،‬فل يبالى بشيء من تلك المتاعب أما م ما يجده من حلو ة إيمانه‪ ،‬وط ارو ة‬ ‫ثـ ِفيـ الَْر ِ‬ ‫ض{ـ ]الرعد‪.[17:‬‬ ‫بـ ُج فَــاء َوأَـّم اـَم اـ َينفَُع الّناَس فََيْم ُكـ ُ‬ ‫إذعانه‪ ،‬وبشاشة يقينه ‏} فَأَّماـ الّز َبـُدـفََيْذ َهـ ُ‬ ‫ويتفرع من هذا السبب الوحيد أسباب أخرى تقوى هذا الثبات والمصابر ة وهي‪:‬‬ ‫‪ 2‬ـ قياد ة تهوى إليها الفئد ة‪:‬‬

‫فقد كان النبي صلى ال عليه وسل م ـ وهو القائد العلى للمة السلمية‪ ،‬بل وللبشرية جمعاء ـ يتمتع من جمال‬ ‫الخلق‪ ،‬وكمال النفس‪ ،‬ومكار م الخلق‪ ،‬والشي م النبيلة‪ ،‬والشمائل الكريمة‪ ،‬بما تتجاذب إليه القلوب وتتفإني دونه‬


‫ب ل م يرزق بمثلها بشر‪ .‬وكان على أعلى قمة من الشرف والنبل‬ ‫النفوس‪ ،‬وكانت أنصبته من الكمال الذي يحّب ُ‬ ‫والخير والفضل‪ .‬وكان من العفة والمانة والصدق‪ ،‬و��ن جميع سبل الخير على ما ل م يتمار ول م يشك فيه أعداؤه‬ ‫فضًل عن محبيه ورفقائه‪ ،‬ل تصدر منه كلمة إل ويستيقنون صدقها‪.‬‬ ‫اجتمع ثلثة نفر من قريش‪ ،‬وكان قد استمع كل واحد منه م إلى القرآن سًرا عن صاحبيه‪ ،‬ث م انكشف سره م‪،‬‬ ‫فسأل أحده م أبا جهل ـ وكان من أولئك الثلثة‪ :‬ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال‪ :‬ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن‬ ‫وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعموا فأطعمنا‪ ،‬وحملوا فحملنا‪ ،‬وأعطوا فأعطينا‪ ،‬حتى إذا تحاذينا على الركب‪ ،‬وكنا‬

‫َك َفـَر سـْى ِرَهاـن قالوا‪ :‬لنا نبى يأتيه الوحى من السماء‪ ،‬فمتى ندرك هذه؟ وال ل نؤمن به أبًد اـ‪ ،‬ول نصدقه‪.‬‬

‫كـ َو لَـِك ّنـ‬ ‫وكان أبو جهل يقول‪ :‬يا محمد‪ ،‬إنا ل نكذبك ولكن نكذب بما جئت به‪ ،‬فأنزل ال ‪:‬‏} فَِإّنهُْ م لَ ُيَك ّذـُبـوَن َ‬ ‫ال ّ‬ ‫ظاِلِم يـَن ِبآَياِت ال ِ َيْج َح ـُدـوـَن{ ]النعا م‪.[33:‬‬ ‫وغمزه صلى ال عليه وسل م الكفار يوًم اـ ثلث مرات فقال في الثالثة‪ :‬‏)يا معشر قريش‪ ،‬جئتك م بالذبح(‪ ،‬فأخذته م‬ ‫تلك الكلمة حتى إن أشده م عداو ة يرفؤه بأحسن ما يجد عنده‪.‬‬ ‫لـ َج ُزـ وـٍروهو ساجد‪ ،‬دعا عليه م‪ ،‬فذهب عنه م الضحك‪ ،‬وساوره م اله م والقلق‪ ،‬وأيقنوا أنه م‬ ‫ولما ألقوا عليه َس َ‬

‫هالكون‪.‬‬

‫ودعا على عتبة بن أبي لهب فل م يزل على يقين من لقاء ما دعا به عليه حتى إنه حين رأي السد قال‪ :‬قتلنى‬ ‫وال ـ محمد ـ وهو بمكة‪.‬‬ ‫وكان أبي بن خلف يتوعده بالقتل‪ .‬فقال‪ :‬‏)بل أنا أقتلك إن شاء ال (‪ ،‬فلما طعن أبًيا في عنقه يو م أحد ـ وكان‬ ‫خدًش اـ غير كبير ـ كان أبي يقول‪ :‬إنه قد كان قال لى بمكة‪ :‬أنا أقتلك‪ ،‬فو ال لو بصق على لقتلني ـ وسيأتي‪.‬‬ ‫وقال سعد بن معاذ ـ وهو بمكة ـ لمية بن خلف‪ :‬لقد سمعت رسول ال صلى ال عليه وسل م يقول‪ :‬‏)إنه م ـ أي‬ ‫المسلمين ـ قاتلوك( ففزع فزًع اـ شديًد اـ‪ ،‬وعهد أل يخرج عن مكة‪ ،‬ولما ألجأه أبو جهل للخروج يو م بدر اشترى أجود‬ ‫بعير بمكة ليمكنه من الفرار‪ ،‬وقالت له امرأته‪ :‬يا أبا صفوان‪ ،‬وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال‪ :‬ل وال‬ ‫ما أريد أن أجوز معه م إل قريًباـ‪.‬‬ ‫هكذا كان حال أعدائه صلى ال عليه وسل م‪،‬أما أصحابه ورفقاؤه فقد حل منه م محل الروح والنفس‪ ،‬وشغل منه م‬


‫مكان القلب والعين‪ ،‬فكان الحب الصادق يندفع إليه اندفاع الماء إلى الُح دــور‪ ،‬وكانت النفوس تنجذب إليه‬ ‫انجذاب الحديد إلى المغناطيس‪.‬‬

‫فصورته هيولى كل جس م ** ومغناطيس أفئـد ة الرجــال‬ ‫وكان من أثر هذا الحب والتفاني أنه م كانوا ليرضون أن تندق أعناقه م ول يخدش له ظفر أو يشاك شوكة‪.‬‬ ‫وطيء أبو بكر بن أبي قحافة يوًم اـ بمكة‪ ،‬وضرب ضرًباـ شديًد اـ‪ ،‬دنا منه عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين‬ ‫مخصوفين ويحرفهما لوجهه‪ ،‬ون از على بطن أبي بكر‪ ،‬حتى ما يعرف وجهه من أنفه‪ ،‬وحملت بنو تي م أبا بكر‬ ‫في ثوب حتى أدخلوه منزله‪ ،‬ول يشكون في موته‪ ،‬فتكل م آخر النهار فقال‪ :‬ما فعل رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م؟ فمسوا منه بألسنته م وعذلوه‪ ،‬ث م قاموا وقالوا لمه أ م الخير‪ :‬انظرى أن تطعميه شيًئاـ أو تسقيه إياه‪ ،‬فلما‬ ‫خلت به ألحت عليه‪ ،‬وجعل يقول‪ :‬ما فعل رسول ال صلى ال عليه وسل م؟ فقالت‪ :‬وال ل عل م لى بصاحبك‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬اذهبى إلى أ م جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه‪ ،‬فخرجت حتى جاءت أ م جميل فقالت‪ :‬إن أبا بكر يسألك‬ ‫عن محمد بن عبد ال ‪ ،‬قالت‪ :‬ما أعرف أبا بكر ول محمد بن عبد ال ‪ ،‬إوان كنت تحبين أن أذهب معك إلى‬ ‫ابنك ذهبت‪ ،‬قالت‪ :‬نع م‪ ،‬فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريًع اـ دنًفا‪ ،‬فدنت أ م جميل وأعلنت بالصياح‪،‬‬

‫وقالت‪ :‬وال إن قوًم اـ نالوا هذا منك لهل فسق وكفر‪ ،‬إواني لرجو أن ينتق م ال لك منه م‪ ،‬قال‪ :‬فما فعل رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسل م؟ قالت‪ :‬هذه أمك تسمع‪ ،‬قال‪ :‬فل شيء علىك منها‪ ،‬قالت‪ :‬سال م صالح‪ ،‬فقال‪ :‬أين هو؟‬

‫قالت‪ :‬في دار ابن الرق م‪ ،‬قال‪ :‬فإن ل على أل أذوق طعاًم اـ ول أشرب ش ارًباـ أو آتى رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م‪ ،‬فأمهلتا حتى إذا هدأت الّر ْجـ لــ‪،‬وسكن الناس خرجتا به‪ ،‬يتكئ عليهما‪ ،‬حتى أدخلتـاه على رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م‪.‬‬

‫وسننقل نوادر الحب والتفإني في مواضع شتى من هذا الكتاب‪ ،‬ول سيما ما وقع في يو م أحد‪ ،‬وما وقع من خبيب‬ ‫وأمثاله‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ الشعور بالمسئولية‪:‬‬ ‫فكان الصحابة يشعرون شعوًرا تاًم اـ ما على كواهل البشر من المسئولية الفخمة الضخمة‪ ،‬وأن هذه المسئولية ل‬ ‫يمكن عنها الحياد والنحراف بحال‪ ،‬فالعواقب التي تترتب على الفرار عن تحملها أشد وخامة وأكبر ضرًرا عما‬ ‫ه م فيه من الضطهاد‪ ،‬وأن الخسار ة التي تلحقه م ـ وتلحق البشرية جمعاء ـ بعد هذا الفرار ل يقاس بحال على‬ ‫المتاعب التي كانوا يواجهونها نتيجة هذا التحمل‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ اليمـان بالخـر ة‪:‬‬ ‫وهو مما كان يقوى هذا الشعور ـ الشعور بالمسئولية ـ فقد كانوا على يقين جاز م بأنه م يقومون لرب العالمين‪،‬‬


‫ويحاسبون على أعماله م دقها وجلها‪ ،‬صغيرها وكبيرها‪ ،‬فإما إلى النعي م المقي م‪ ،‬إواما إلى عذاب خالد في سواء‬ ‫الجحي م‪ ،‬فكانوا يقضون حياته م بين الخوف والرجاء‪ ،‬يرجون رحمة ربه م ويخافون عذابه‪ ،‬وكانوا ‏} ُيْؤتُــوَن َم اـ آتَوا‬

‫ّو ُقـُلوُبهُْ م َو ِجـ لَـةٌ أَّنهُْ م ِإَلى َر ّبـِه ْ مـَراِج ُعــو َ{ن ]المؤمنون‪ ،[60:‬وكانوا يعرفون أن الدنيا بعذابها ونعيمها ل تساوى جناح‬ ‫بعوضة في جنب الخر ة‪ ،‬وكانت هذه المعرفة القوية تهون له م متاعب الدنيا ومشاقها وم اررتها؛ حتى ل م يكونوا‬ ‫يكترثون لها ويلقون إليها باًل‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ القـ ـرآن‪:‬‬ ‫وفي هذه الفترات العصيبة الرهيبة الحالكة كانت تنزل السور واليات تقي م الحجج والبراهين على صدق مبادئ‬ ‫السل م ـ التي كانت الدعو ة تدور حولها ـ بأساليب منيعة خلبة‪ ،‬وترشد المسلمين إلى أسس قدر ال أن يتكون‬ ‫عليها أعظ م وأروع مجتمع بشرى في العال م ـ وهو المجتمع السلمى ـ وتثير مشاعر المسلمين ونوازعه م على‬ ‫الصبر والتجلد‪ ،‬تضرب لذلك المثال‪ ،‬وتبين له م ما فيه من الحك م ‏}أَْ م َح ِسـ ْب ـتُـْ م َأن تَْد ُخـلُـوْا اْلَج ّنـَة َو لَـّم اـَيْأتُِك مـ ّم ثَـُل‬ ‫ِّ‬ ‫الِّذ يـَن َخ َلـْو ْاـِم نـ قَْب ِلـُك مـ ّم ّسـتْـهُُ م اْلَبْأَس اـء َواـل ّ‬ ‫ص ُر ـ ال ِ َأل ِإّن‬ ‫ض ّرــاءَو ُزـْلـِز لُـوْاَح تّــى َيُقوَل الّر ُسـوـُل َواـلذ يـَن آَم ُنـوْا َم َعـهُـ َم تَـى َن ْ‬ ‫ب ـالّناُس َأن ُيتَْر ُكـوـا َأن َيُقولُوا آَم ّنـا َوُهـْ م َل ُيْفتَُنوَن َو لَـقَْد فَتَّنا الِّذ يـَن ِم نـ‬ ‫ص َر ـ ال ِ َقِر يـ ٌ‬ ‫ب{ ]البقر ة‪ [ 214:‬‏}ال م أََح ِسـ َ‬ ‫َن ْ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ص َدـقُـوا َو لَـَيْع لَـَم ّنـاْلَك اـِذ بِــيَن{ ]العنكبوت‪.[3 :1:‬‬ ‫قَْب لـِه ْ مـ َفلََيْع لَـَم ّنـ ال ُ الذ يـَن َ‬ ‫كما كانت تلك اليات ترد على إيرادات الكفار والمعاندين رًد اـ مفحًم اـ‪ ،‬ول تبقى له م حيلة‪ ،‬ث م تحذره م مر ة عن‬ ‫عواقب َو ِخـ يـَم ةـ إن أصروا على غيه م وعناده م ـ في جلء ووضوح‪ ،‬مستدلة بأيا م ال ‪ ،‬والشواهد التاريخية التي‬ ‫تدل على سنة ال في أوليائه وأعدائه‪ ،‬وتلطفه م مر ة‪ ،‬وتؤدى حق التفهي م والرشاد والتوجيه حتى ينصرفوا عما ه م‬ ‫فيه من الضلل المبين‪.‬‬ ‫وكان القرآن يسير بالمسلمين في عال م آخر‪ ،‬ويبصره م من مشاهد الكون وجمال الربوبية‪ ،‬وكمال اللوهية‪ ،‬وآثار‬ ‫الرحمة والرأفة‪ ،‬وتجليات الرضوان ما يحنون إليه حنيًناـ ل يقو م له أي عقبة‪.‬‬ ‫ضـ َوـاـ ٍَنو َجـ ّنــاٍت لّهُْ م ِفيـَها َنِع يـٌ م‬ ‫وكانت في طى هذه اليات خطابات للمسلمين‪ ،‬فيها ‏} ُيَبّشُرـُهْ مَر ّبـُه م بَِر ْحـ َم ـٍةـّم ْنـهُـ َو ِرـ ْ‬ ‫ّم ِقـيـٌ م{ ] التوبة‪ ،[ 21:‬وتصور له م صور ة أعدائه م من الكفر ة الطغا ة الظالمين يحاكمون ويصادرون‪ ،‬ث م ‏} َيْوَ م ـ‬ ‫ُيْس َحـُبــوَن ِفيـ الّناِر َع لَــى ُو ُجـ وـِه ِهـْ مـُذ وـقُوا َم ّسـ َس قَـَر{ ]القمر‪.[48:‬‬ ‫‪ 6‬ـ البشارات بالنجاح‪:‬‬ ‫ومع هذا كله كان المسلمون يعرفون منذ أول يو م لقوا فيه الشد ة والضطهاد ـ بل ومن قبله ـ أن الدخول في‬ ‫السل م ليس معناه جر المصائب والحتوف‪ ،‬بل إن الدعو ة السلمية تهدف ـ منذ أول يومها ـ إلى القضاء على‬ ‫الجاهلية الجهلء ونظامها الغاش م‪ ،‬وأن من نتائجها في الدنيا بسط النفوذ على الرض‪ ،‬والسيطر ة على الموقف‬


‫السياسي في العال م لتقود المة النسانية والجمعية البشرية إلى مرضا ة ال ‪ ،‬وتخرجه م من عباد ة العباد إلى عباد ة‬ ‫ال ‪.‬‬ ‫وكان القرآن ينزل بهذه البشارات ـ مر ة بالصراحة وأخرى بالكناية ـ ففي تلك الفترات القاصمة التي ضيقت الرض‬ ‫على المسلمين‪ ،‬وكادت تخنقه م وتقضى على حياته م كانت تنزل اليات بما جرى بين النبياء السابقين وبين‬ ‫أقوامه م الذين قاموا بتكذيبه م والكفر به م‪ ،‬وكانت تشتمل هذه اليات على ذكر الحوال التي تطابق تماًم اـ أحوال‬

‫مسلمى مكة وكفارها‪ ،‬ث م تذكر هذه اليات بما تمخضت عنه تلك الحوال من إهلك الكفر ة والظالمين‪ ،‬إوايراث‬

‫عباد ال الصالحين الرض والديار‪ .‬فكانت في هذه القصص إشارات واضحة إلى فشل أهل مكة في المستقبل‪،‬‬ ‫ونجاح المسلمين مع نجاح الدعو ة السلمية‪.‬‬

‫ت َك ِلـَم تُـَناـ ِلِع َبــاِد َنــا اْلُم ْرـ َسـِلــيَنِإّنهُْ م‬ ‫وفي هذه الفترات نزلت آيات تصرح ببشار ة غلبة المؤمنين‪ ،‬قال تعالى‪ :‬‏} َولَـقَْد َس َبـقَ ْ‬ ‫ف ـُيْب ِ‬ ‫لَه م اْلم نـص وـر و ـنو إِاـّنـ ُج نـَد َنـاـ لَه م اْلَغاـِلُبون فَتَو ّل ـ َع ْنـهـ م َح تّــى ِح يـٍن وأَـْب ِ‬ ‫صـ ُرـ ـوـَنأَفَبَِعَذـاـبَِناـ َيْس تَـْع ِجـ لُــوَن فَِإَذ اـ‬ ‫صـ ْرــُهـفَْ مـَس ْوـ َ‬ ‫ُْ‬ ‫ُُ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫ُُ َ ُ ُ َ َ‬ ‫ِ‬ ‫ص َبــاُح اْلُم نـَذ ِرـيـ َ{ن ]الصافات‪،[177 :171:‬وقال‪ :‬‏} َسُيـْهَزُ مـاْلَج ْمـُعـ َو ُيـَو لّــوَنالّد ُبـَر{ ]القمر‪،[45:‬‬ ‫َنَز َلـبَِس اـَح تـِه ْ مـ فََس اـء َ‬ ‫ب ]ص‪ .[11:‬ونزلت في الذين هاجروا إلى الحبشة‪ :‬‏} َواـلِّذيـَن َهاـَج ُرـ وْاـِفيـ‬ ‫ك َم ْهـُز وـٌ مّم َنـ اْلَْح َزـا ِ{‬ ‫وقال‪ :‬‏} ُجنـٌد ّم اـ ُهَناِل َ‬ ‫ال ِ ِم نـ َبْع ِدـ َم اـ ظُِلُم وْاـ لَُنَبّو َئـّنهُْ م ِفيـ الّد ْنـَيـا َح َسـَنـةً َوَلَْج ُر ـالِخ َرـِ ةأَْك َبـُرـ لَْو َك اـُنوْا َيْع لَـُم وـَن{ ]النحل‪ .[41:‬وسألوه عن‬ ‫ت ّللّس اـئِِليَن{ ]يوسف‪ .[7:‬أي فأهل مكة‬ ‫فـ َو إِاـْخـ َو ـتِـِهآَيا ٌ‬ ‫قصة يوسف فأنزل ال في طيها‪ :‬‏}لّقَْد َك اـَن ِفيـ ُيوُس َ‬ ‫السائلون يلقون ما لقى إخوانه من الفشل‪ ،‬ويستسلمون كاستسلمه م‪ ،‬وقال وهو يذكر الرسل‪ :‬‏} َوقَــاَل الِّذ يـَن‬ ‫ّ‬ ‫َك فَـر وْاـِلر سـِلـِه مـلَُنْخ ِر ـَجـ ّن ـُك مـّم ْنـ َأر ِ‬ ‫ضـ‬ ‫ضـ َن ـآأَـْو لَتَُعوُد ّنـ ِفيـ ِم لّـتَِناـ فَأَْو َحـى ـِإلَْي ِهـْ مـ َر ّبـهُْ م لَُنْهِلَك ّنـ الظاِلِم يـَن َو لَـُنْس ِكـَنـّنـُك ُ مـالَْر َ‬ ‫ْ‬ ‫ُ ُ ُ ْ‬ ‫ف َوِعـ يـِد{ ]إبراهي م‪.[14 ،13:‬وحينما كانت الحرب مشتعلة بين الفرس‬ ‫ِم نـ َبْع ِدـ ِه ـْ مـَذ ِلـ َ‬ ‫ف َم قَـاِم يـ َو َخـ اـ َ‬ ‫ك ِلَم ْنـ َخ اـ َ‬ ‫والرومان‪ ،‬وكان الكفار يحبون غلبة الفرس لكونه م مشركين‪ ،‬والمسلمون يحبون غلبة الرومان لكونه م مؤمنين بال‬ ‫والرسل والوحى والكتب واليو م الخر‪ ،‬وكانت الفرس يغلبون ويتقدمون‪ ،‬أنزل ال بشار ة بغلبة الرو م في بضع‬ ‫سنين‪ ،‬ولكنه ل م يقتصر على هذه البشار ة الواحد ة‪ ،‬بل صرح ببشار ة أخرى‪ ،‬وهي نصر ال للمؤمنين حيث قال‪:‬‬ ‫ٍِ‬ ‫ص ِر ـ ال { ]الرو م‪.[5 ،4 :‬‬ ‫‏} َوَيـْوَم ـئـذَيْفَرُح اْلُم ْؤـ ِمـُنــوَنبَِن ْ‬ ‫وكان رسول ال صلى ال عليه وسل م نفسه يقـو م بمـثل هذه البشارات بين آونـة وأخـرى‪ ،‬فكـان إذا وافي الموس م‪،‬‬

‫وقـا م بـين الناس في ُع كـاظ‪ ،‬وَم َجـ ّنــة‪ ،‬وذى الَم َجـ اــز لتبليغ الرسالة‪ ،‬لـ م يكـن يبشره م بالجـنة فحسب‪ ،‬بل يقول له م‬

‫بكل صراحة‪ :‬‏)يأيها الناس‪ ،‬قولوا‪ :‬ل إله إل ال تفلحوا‪ ،‬وتملكوا بها العرب‪ ،‬وتدين لك م بها العج م‪ ،‬فإذا مت م كنت م‬ ‫ملوًك اـ في الجنة(‪.‬‬ ‫وقد أسلفنا ما أجاب به النبي صلى ال عليه وسل م عتبة بن ربيعة حين أراد مساومته على رغائب الدنيا‪ ،‬وما‬ ‫فهمه ورجاه عتبة من ظهور أمره عليه الصل ة والسل م‪.‬‬


‫وكذلك ما أجاب به النبي صلى ال عليه وسل م آخر وفد جاء إلى أبي طالب‪ ،‬فقد صرح له م أنه يطلب منه م‬ ‫كلمة واحد ة يعطونها تدين له م بها العرب‪ ،‬ويملكون العج م‪.‬‬ ‫وقال خباب بن الرت‪ :‬أتيت النبي صلى ال عليه وسل م وهو متوسد برده وهو في ظل الكعبة‪ ،‬وقد لقينا من‬ ‫المشركين شد ة‪ ،‬فقلت‪ :‬أل تدعو ال ‪ ،‬فقعد‪ ،‬وهو محمر وجهه‪ ،‬فقال‪ :‬‏)لقد كان من قبلك م ليمشط بمشاط الحديد‬ ‫ما دون عظامه من لح م وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه‪ ،‬وليتمن ال هذا المر حتى يسير الراكب من صنعاء‬ ‫إلى حضرموت ما يخاف إل ال ـ زاد بيان الراوى ـ والذئب على غنمه( وفي رواية‪ :‬‏)ولكنك م تستعجلون(‬ ‫ول م تكن هذه البشارات مخفية مستور ة‪ ،‬بل كانت فاشية مكشوفة‪ ،‬يعلمها الكفر ة‪ ،‬كما كان يعلمها المسلمون‪ ،‬حتى‬ ‫كان السود بن المطلب وجلساؤه إذا أروا أصحاب النبي صلى ال عليه وسل م تغامزوا به م‪ ،‬وقالوا‪ :‬قد جاءك م‬ ‫ملوك الرض الذين يرثون كسرى وقيصر‪ ،‬ث م يصفرون ويصفقون‪.‬‬ ‫وأما م هذه البشارات بالمستقبل المجيد المستنير في الدنيا‪ ،‬مع ما فيه من الرجاء الصالح الكبير البالغ إلى النهاية‬ ‫في الفوز بالجنة كان الصحابة يرون أن الضطهادات التي تتوالى عليه م من كل جانب‪ ،‬والمصائب التي تحيط‬ ‫به م من كل الرجاء ليست إل‪ :‬‏)سحابة صيف عن قليل تقشع(‪.‬‬ ‫هذا ول م يزل الرسول صلى ال عليه وسل م يغذى أرواحه م برغائب اليمان‪ ،‬ويزكى نفوسه م بتعلي م الحكمة والقرآن‪،‬‬ ‫ويربيه م تربية دقيقة عميقة‪ ،‬يحدو بنفوسه م إلى منازل سمو الروح‪ ،‬ونقاء القلب‪ ،‬ونظافة الخلق‪ ،‬والتحرر من‬ ‫سلطان الماديات‪ ،‬والمقاومة للشهوات‪ ،‬والنزوع إلى رب الرض والسموات‪ ،‬ويذكى جمر ة قلوبه م‪ ،‬ويخرجه م من‬ ‫الظلمات إلى النور‪ ،‬ويأخذه م بالصبر على الذى‪ ،‬والصفح الجميل‪ ،‬وقهر النفس‪ .‬فازدادوا رسوًخ ا ـ في‬

‫ص ا ـ على العل م‪ ،‬وفقًها في الدين‪،‬‬ ‫الدين‪،‬وعزوفا عن الشهوات‪ ،‬وتفانًياـ في سبيل المرضا ة‪ ،‬وحنيًنا إلى الجنة‪ ،‬وحر ً‬ ‫ومحاسبة للنفس‪ ،‬وقهًرا للنزعات وغلبة على العواطف‪ ،‬وتسيطًرا على الثائرات والهائجات‪ ،‬وتقيًد اـ بالصبر والهدوء‬ ‫والوقار‪.‬‬


‫المرحلة الثالثة‪ :‬دعـو ة السـل م خـارج مكـة‬

‫الرسول صلى ال عليه وسل م في الطائف‬ ‫في شوال سنة عشر من النبو ة ]في أواخر مايو أو أوائل يونيو سنة ‪ 619‬م[ خرج النبي صلى ال عليه وسل م إلى‬ ‫الطائف‪ ،‬وهي تبعد عن مكة نحو ستين ميًل ‪ ،‬ـ ـسارها ماشًيا على قدميه جيئة وذهوًبا‪ ،‬ومعه موله زيد بن حارثة‪،‬‬ ‫وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاه م إلى السل م‪ ،‬فل م تجب إليه واحد ة منها‪.‬‬ ‫فلما انتهي إلى الطائف عمد ثلثة إخو ة من رؤساء ثقيف‪ ،‬وه م عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير‬ ‫الثقفي‪ ،‬فجلس إليه م ودعاه م إلى ال ‪ ،‬إوالى نصر ة السل م‪ ،‬فقال أحده م‪ :‬هو َيْم ُرـطـثياب الكعبة ]أي يمزقها[ إن‬ ‫كان ال أرسلك‪ .‬وقال الخر‪ :‬أما َو َجـ َد ـال أحًد اـ غيرك‪ ،‬وقال الثالث‪:‬وال ل أكلمك أبًد اـ‪ ،‬إن كنت رسوًل لنت‬

‫أعظ م خطًرا من أن أرد عليك الكل م‪ ،‬ولئن كنت تكذب على ال ما ينبغى أن أكلمك‪ .‬فقا م عنه م رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م وقال له م‪] :‬إذ فعلت م ما فعلت م فاكتموا عني[‪.‬‬

‫وأقا م رسول ال صلى ال عليه وسل م بين أهل الطائف عشر ة أيا م‪ ،‬ل يدع أحًد اـ من أشرافه م إل جاءه وكلمه‪،‬‬ ‫فقالوا‪ :‬اخرج من بلدنا‪ .‬وأغروا به سفهاءه م‪ ،‬فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤه م وعبيده م يسبونه ويصيحون به‪،‬‬ ‫طْي نـ]أي صفين[ وجعلوا يرمونه بالحجار ة‪ ،‬وبكلمات من السفه‪ ،‬ورجموا‬ ‫حتى اجتمع عليه الناس‪ ،‬فوقفوا له ِس َم ـاـ َ‬ ‫عراقيبه‪ ،‬حتى اختضب نعله بالدماء‪ .‬وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه ِش َج ـاــج في رأسه‪ ،‬ول م يزل به‬

‫السفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلثة أميال من الطائف‪ ،‬فلما التجأ إليه رجعوا‬ ‫عنه‪ ،‬وأتى رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى ُح ْبـلَـة من عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار‪ .‬فلما جلس إليه‬ ‫واطمأن‪ ،‬دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلء قلبه كآبة وحزًناـ مما لقى من الشد ة‪ ،‬وأسًفا على أنه ل م‬

‫يؤمن به أحد‪ ،‬قال‪:‬‬

‫وهواني على الناس‪ ،‬يا أرح م الراحمين‪ ،‬أنت رب المستضعفين‪،‬‬ ‫ض ْعـفـ قُّو تِــى‪ ،‬وقلة حيلتى‪ ،‬إ‬ ‫‏)ال م إليك أشكو َ‬ ‫وأنت ربي‪ ،‬إلى من تَِك لُـنى؟ إلى بعيد َيتََج هّـُم نِـى؟ أ م إلى عدو ملكته أمري؟ إن ل م يكن بك علّي غضب فل أبالي‪،‬‬ ‫ولكن عافيتك هي أوسع لي‪ ،‬أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات‪ ،‬وصلح عليه أمر الدنيا والخر ة من أن‬

‫تنزل بي غضبك‪ ،‬أو يحل علي َس َخـ طُــك‪ ،‬لك الُعتَْبىـ حتى ترضى‪ ،‬ول حول ول قو ة إل بك(‪.‬‬ ‫فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما‪ ،‬فدعوا غلًم اـ لهما نصرانًياـ يقال له‪َ :‬ع ّدـاـس‪ ،‬وقال له‪:‬خذ قطًفا من هذا‬ ‫العنب‪ ،‬واذهب به إلى هذا الرجل‪ .‬فلما وضعه بين يدى رسول ال صلى ال عليه وسل م مد يده إليه قائًل‪ :‬‏)باس م‬


‫ال ( ث م أكل‪.‬‬ ‫فقال عداس‪ :‬إن هذا الكل م ما يقوله أهل هذه البلد‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)من أي البلد‬ ‫أنت؟ وما دينك؟ قال‪ :‬أنا نصراني من أهل ِنيَنَوى‪ .‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬من قرية الرجل الصالح‬ ‫يونس بن َم تّـى(‪ .‬قال له‪ :‬وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ذاك أخي‪ ،‬كان‬

‫نبًيا وأنا نبي(‪ ،‬فأكب عداس على رأس رسول ال صلى ال عليه وسل م ويديه ورجليه يقبلها‪.‬‬

‫فقال ابنا ربيعة أحدهما للخر‪ :‬أما غلمك فقد أفسده عليك‪ .‬فلما جاء عداس قال له‪ :‬ويحك ما هذا؟ قال‪ :‬يا‬ ‫سيدى‪ ،‬ما في الرض شيء خير من هذا الرجل‪ ،‬لقد أخبرني بأمر ل يعلمه إل نبى‪ ،‬قال له‪ :‬ويحك يا عداس ‪،‬‬ ‫ل يصرفنك عن دينك‪ ،‬فإن دينك خير من دينه‪.‬‬ ‫ورجع رسول ال صلى ال عليه وسل م في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيًباـ محزوًناـ كسير القلب‪ ،‬فلما بلغ‬ ‫قرن المنازل بعث ال إليه جبريل ومعه ملك الجبال‪ ،‬يستأمره أن يطبق الخشبين على أهل مكة‪.‬‬ ‫وقد روى البخاري تفصيل القصة ـ بسنده ـ عن عرو ة بن الزبير‪ ،‬أن عائشة رضي ال عنها حدثته أنها قالت للنبى‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ :‬هل أتى عليك يو م كان أشد عليك من يو م أحد؟ قال‪ :‬‏)لقيت من قومِك ما لقيت‪ ،‬وكان أشد‬ ‫ما لقيت منه م يو م العقبة‪ ،‬إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياِليل بن عبد ُك لَـل‪ ،‬فل م يجبني إلى ما أردت‪،‬‬

‫فانطلقت ـ وأنا مهمو م ـ على وجهي‪ ،‬فل م أستفق إل وأنا بَقْر ِنـالثعالب ـ وهو المسمى بَقْر ِن ـالمنازل ـ فرفعت رأسي‬ ‫فإذا أنا بسحابة قد أظلتني‪ ،‬فنظرت فإذا فيها جبريل‪ ،‬فناداني‪ ،‬فقال‪ :‬إن ال قد سمع قول قومك لك‪ ،‬وما ردوا‬ ‫عليك‪ ،‬وقد بعث ال إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيه م‪ .‬فناداني ملك الجبال‪ ،‬فسل م علّي ث م قال‪ :‬يا محمد‪،‬‬ ‫ذلك‪ ،‬فما شئت‪ ،‬إن شئت أن أطبق عليه م الخشبين ـ أي لفعلت‪ ،‬والخشبان‪ :‬هما جبل مكة‪ :‬أبو قَُبْي سـ والذي‬ ‫يقابله‪ ،‬وهو قَُعْيـِقـَعـاـن ـ قال النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬بل أرجو أن يخرج ال عز وجل من أصلبه م من يعبد ال‬ ‫عز وجل وحده ل يشرك به شيئا(‪.‬‬

‫وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول صلى ال عليه وسل م تتجلى شخصيته الفذ ة‪ ،‬وما كان عليه من الخلق‬ ‫العظي م ل يدرك غوره‪.‬‬ ‫وأفاق رسول ال صلى ال عليه وسل م واطمأن قلبه لجل هذا النصر الغيبى الذي أمده ال عليه من فوق سبع‬ ‫سموات‪ ،‬ث م تقد م في طريق مكة حتى بلغ وادى نخلة‪ ،‬وأقا م فيه أياًم اـ‪ .‬وفي وادى نخلة موضعان يصلحان للقامة‬ ‫ـ الّس ْيـلـ الكبير والّز ْيـَمـةـ لما بهما من الماء والخصب‪ ،‬ول م نقف على مصدر يعين موضع إقامته صلى ال عليه‬ ‫وسل م فيه‪.‬‬


‫وخلل إقامته صلى ال عليه وسل م هناك بعث ال إليه نفًرا من الجن ذكره م ال في موضعين من القرآن‪ :‬في‬ ‫ص تُــوا َفلَّم اـ قُ ِ‬ ‫ضـرـ وهـَقالُوا َأن ِ‬ ‫ِ‬ ‫ض َيـ ـَو لّـْو اـِإَلى‬ ‫ص َر ـْفـَناـِإلَْي َ‬ ‫كـ َنفًَرا ّم َنـ اْلِج ّن ـ َيْس تَـم ُعــوَن اْلقُْرآَن َفلَّم اـ َح َ ُ ُ‬ ‫سور ة الحقاف‪ :‬‏} َ إوِاـْذـ َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫صـ ّد ـقًـا لَّم اـ َبْي َنـ َيَد ْيـِهـ َيْهِد ي ـ ِإَلى اْلَح ّ‬ ‫ق ـ َو إِاـلَـى‬ ‫قَْو ِم ـِهـ مـّم نـذ ِر ـيـَنَقالُوا َيا قَْو َم ـَنـا ِإّنا َس مـْعـَنـاـ ك تَـاًباـ ُأنِز َلـ م نـ َبْع دـ ُم وـَس ىـ ُم َ‬ ‫طِر يـ ٍ‬ ‫ق ّم ْسـتَـِقيـٍ م َيا قَْو َم ـَنـاـَأِج يـُبوا َد اـِع َي ـال ِ َوآـِم ُنـوا بِِه َيْغ ِفـْرـ لَُك مـ ّم نـ ُذ ُنـوبُِك ْ مـ َو ُيـِج ْر ـُكـ مـّم ْنـ َع َذـاـٍب أَِليٍ م{ ]الحقاف‪:29:‬‬ ‫َ‬ ‫‪.[31‬‬

‫وفي سور ة الجن‪ :‬‏}ُقْل ُأوِح َي ـ ِإلَّي أَّنهُ اْس تَـَم َعـ َنفٌَر ّم َنـ اْلِج ّن ـ َفَقالُوا ِإّنا َس ِمـْعـَنـاـ قُْرآًناـَع َجـ ًبـاـ َيْهِد ي ـ ِإَلى الّر ْشـِدـ��فآَم ّنـا بِِه‬ ‫كـِبَر ّبـَناـأََح ًدـاـ{ إلـى تمـا م اليــة الخامـسة عشـر ] الجن‪.[15 :1 :‬‬ ‫َو لَــن ّنْش ِرـ َ‬ ‫ومن سياق هذه اليات ـ وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث ـ يتبين أن النبي صلى ال‬ ‫عليه وسل م ل م يعل م حضور ذلك النفر من الجن حين حضروا وسمعوا‪ ،‬إوانما عل م بعد ذلك حين أطلعه ال عليه‬ ‫بهذه اليات‪ ،‬وأن حضوره م هذا كان لول مر ة‪ ،‬ويقتضى سياق الروايات أنه م وفدوا بعد ذلك م ارًرا‪.‬‬ ‫وحًقا كان هذا الحادث نصًرا آخر أمده ال من كنوز غيبه المكنون بجنوده التي ل يعلمها إل هو‪ ،‬ث م إن اليات‬ ‫التي نزلت بصدد هذا الحادث كانت في طيها بشارات بنجاح دعو ة النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وأن أي قو ة من‬ ‫ب ـ َد اـِع ي ـال ِ َفلَْي َسـ بُِم ْعـِجـ ٍز ـِفيـ اْلَْر ِ‬ ‫ض ـَو لَـْي َسـ‬ ‫قوات الكون ل تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها‪ :‬‏} َوَمـنـّل ُيِج ْ‬ ‫َ‬ ‫ظَنّنا َأن ّلن ّنعِج َز ـ ال َ ِفيـ اْلَْر ِ‬ ‫ض َلـ ٍل ـّـم بِـيٍن{ ]الحقاف‪ ،[32:‬‏} َوأَـّنا َ‬ ‫لَهُ ِم نـ ُد وـنِِه َأوِلَياء أُْو لَ ـئِ َ‬ ‫ك ِفيـ َ‬ ‫ض ـَو لَــن ّنْع ِجـ َزـهُ‬ ‫َهَرـًبـا{ـ ]الجن‪.[12:‬‬

‫أما م هذه النصر ة‪ ،‬وأما م هذه البشارات‪ ،‬أقشعت سحابة الكآبة والحزن واليأس التي كانت مطبقة عليه منذ أن خرج‬ ‫من الطائف مطروًد اـ مدحوًرا‪ ،‬حتى صم م على العود إلى مكة‪ ،‬وعلى القيا م باستئناف خطته الولى في عرض‬ ‫السل م إوابلغ رسالة ال الخالد ة بنشاط جديد وبجد وحماس‪.‬‬ ‫وحينئذ قال له زيد بن حارثة‪ :‬كيف تدخل عليه م وقد أخرجوك؟ يعنى قريًش اـ‪ ،‬فقال‪ :‬‏)يا زيد‪ ،‬إن ال جاعل لما ترى‬

‫فرًج ا ـ ومخرًج اــ‪ ،‬إوان ال ناصر دينه‪ ،‬ومظهر نبيه(‪ .‬وسار رسول ال صلى ال عليه وسل م حتى إذا دنا من مكة‬ ‫مكث بِح َرــاء‪،‬وبعث رجًل من خزاعة إلى الخنس بن َش ِرـيـق ليجيره‪ ،‬فقال‪ :‬أنا حليف‪ ،‬والحليف ل يجير ‪ ،‬فبعث‬ ‫إلى سهيل بن عمرو‪ ،‬فقال سهيل‪ :‬إن بني عامر ل تجير على بني كعب‪ ،‬فبعث إلى المطع م بن عدى‪ ،‬فقال‬

‫المطع م‪ :‬نع م ‪ ،‬ث م تسلح ودعا بنيه وقومه ‪ ،‬فقال‪ :‬البسوا السلح‪ ،‬وكونوا عند أركان البيت‪ ،‬فإني قد أجرت‬ ‫محمًد اـ‪ ،‬ث م بعث إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬أن ادخل‪ ،‬فدخل رسول ال صلى ال عليه وسل م ومعه زيد‬ ‫بن حارثة حتى انتهي إلى المسجد الحرا م‪ ،‬فقا م المطع م بن عدى على راحلته فنادى‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬إني قد‬


‫أجرت محمًد اـ فل يهجه أحد منك م‪ ،‬وانتهي رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى الركن فاستلمه‪ ،‬وطاف بالبيت‪،‬‬ ‫وصلى ركعتين‪ ،‬وانصرف إلى بيته‪ ،‬ومطع م بن عدى وولده محدقون به بالسلح حتى دخل بيته‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬إن أبا جهل سأل مطعًم اـ‪ :‬أمجير أنت أ م متابع ـ مسل م؟‪ .‬قال‪ :‬بل مجير‪ .‬قال‪ :‬قد أجرنا من أجرت‪.‬‬ ‫وقد حفظ رسول ال صلى ال عليه وسل م للمطع م هذا الصنيع‪ ،‬فقال في أسارى بدر‪ :‬‏)لو كان المطع م بن عدى‬ ‫حًيا ث م كلمنى في هؤلء النتنى لتركته م له(‪.‬‬


‫عرض السلم علي القبائل والفراد‬ ‫القبائل التي عرض عليها السلم‬ ‫المؤمنون من غير أهل مكة‬ ‫ست نسمات طيبة من أهل يثرب‬ ‫استطراد‬

‫عرض السل م علي القبائل والفراد‬ ‫في ذى القعد ة سنة عشر من النبو ة ـ في أواخر يونيو أو أوائل يوليو سنة ‪ 619‬م ـ عاد رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م إلى مكة؛ ليستأنف عرض السل م على القبائل والفراد‪ ،‬ولقتراب الموس م كان الناس يأتون إلى مكة رجال‪،‬‬ ‫وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق لداء فريضة الحج‪ ،‬وليشهدوا منافع له م‪ ،‬ويذكروا اس م ال في أيا م‬ ‫معلومات‪ ،‬فانتهز رسول ال صلى ال عليه وسل م هذه الفرصة‪ ،‬فأتاه م قبيلة قبيلة يعرض عليه م السل م ويدعوه م‬ ‫إليه ‪ ،‬كما كان يدعوه م منذ السنة الرابعة من النبو ة ‪ ،‬وقد بدأ يطلب منه م من هذه السنة ـ العاشر ة ـ أن يؤووه‬ ‫وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثه ال به‪.‬‬

‫القبائل التي عرض عليها السل م‬ ‫قال الزهرى‪ :‬وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين أتاه م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ودعاه م وعرض نفسه‬ ‫صـفَــة‪ ،‬وفزار ة‪ ،‬وغسان‪ ،‬ومر ة‪ ،‬وحنيفة‪ ،‬وسلي م‪ ،‬وَع ْبـسـ‪ ،‬وبنو‬ ‫صـ َعـةـ‪ ،‬وُم َحـ اـِر بـبن َخ َ‬ ‫ص ْعـ َ‬ ‫عليه م‪ :‬بنو عامر بن َ‬ ‫نصر‪ ،‬وبنو الَبّك اـء‪ ،‬وكند ة‪ ،‬وكلب‪ ،‬والحارث بن كعب‪ ،‬وُع ْذـَرـ ة‪،‬والحضارمة‪ ،‬فل م يستجب منه م أحد‪.‬‬

‫وهذه القبائل التي سماها الزهرى ل م يكن عرض السل م عليها في سنة واحد ة ول في موس م واحد‪ ،‬بل إنما كان ما‬ ‫بين السنة الرابعة من النبو ة إلى آخر موس م قبل الهجر ة‪ .‬ول يمكن تسمية سنة معينة لعرض السل م على قبيلة‬ ‫معينة‪ ،‬ولكن الكثر كان في السنة العاشر ة‪.‬‬ ‫أما كيفية عرض السل م على هذه القبائل‪ ،‬وكيف كانت ردوده م على هذا العرض فقد ذكرها ابن إسحاق‪،‬‬ ‫ونلخصها فيما يلي‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ بنو كلب‪ :‬أتى النبي صلى ال عليه وسل م إلى بطن منه م يقال له م‪ :‬بنو عبد ال ‪ ،‬فدعاه م إلى ال وعرض‬ ‫عليه م نفسه‪ ،‬حتى إنه ليقول له م‪ :‬‏)يا بني عبد ال ‪ ،‬إن ال قد أحسن اس م أبيك م(‪ ،‬فل م يقبلوا منه ما عرض‬ ‫عليه م‪.‬‬


‫‪ 2‬ـ بنو حنيفة‪ :‬أتاه م في منازله م فدعاه م إلى ال ‪ ،‬وعرض عليه م نفسه‪ ،‬فل م يكن أحد من العرب أقبح عليه رًد اـ‬

‫منه م‪.‬‬

‫‪ 3‬ـ وأتى إلى بني عامر بن صعصعة‪ :‬فدعاه م إلى ال ‪ ،‬وعرض عليه م نفسه‪ ،‬فقال َبْي َحـ َرـ ةبن ِفَرـاس ]رجل‬ ‫منه م[‪ :‬وال ‪ ،‬لو إني أخذت هذا الفتى من قريش لكلت به العرب‪ ،‬ث م قال‪ :‬أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك‪،‬‬ ‫ث م أظهرك ال على من خالفك أيكون لنا المر من بعدك؟ قال‪ :‬‏)المر إلى ال ‪ ،‬يضعه حيث يشاء(‪ ،‬فقال له‪:‬‬ ‫فـ نحورنا للعرب دونك‪ ،‬فإذا أظهرك ال كان المر لغيرنا‪ ،‬ل حاجة لنا بأمرك‪ ،‬فأبوا عليه‪.‬‬ ‫أفَتُْهَد ُ‬ ‫ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ له م ل م يواف الموس م لكبر سنه‪ ،‬وقالوا له‪ :‬جاءنا فتى من قريش من بني‬ ‫عبد المطلب يزع م أنه نبى‪ ،‬يدعونا إلى أن نمنعه ونقو م معه‪ ،‬ونخرج به إلى بلدنا‪ ،‬فوضع الشيخ يديه على‬ ‫طـَلب؟ والذي نفس فلن بيده ما تَقَّو لَــها‬ ‫لف ؟ هل لُذ َنـاَباها من َم ْ‬ ‫رأسه ث م قال‪ :‬يا بني عامر وهل لها من تَ َ‬

‫إسماعيلى قط‪ ،‬إوانها لحق‪ ،‬فأين رأيك م كان عنك م؟‪.‬‬ ‫المؤمنون من غير أهل مكة‬

‫وكما عرض رسول ال صلى ال عليه وسل م السل م على القبائل والوفود‪ ،‬عرض على الفراد والشخاص‪،‬‬ ‫وحصل من بعضه م على ردود صالحة‪ ،‬وآمن به عد ة رجال بعد هذا الموس م بقليل‪ ،‬وهاك نبذ ة منه م‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ سويد بن الصامت‪:‬‬ ‫كان شاعًرا لبيًبا‪ ،‬من سكان يثرب‪ ،‬يسميه قومه ]الكامل[ لجلده وشعره وشرفه ونسبه‪ ،‬جاء مكة حاًج ا ـ أو معتمًرا‪،‬‬ ‫فدعاه رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى السل م‪ ،‬فقال‪ :‬لعل الذي معك مثل الذي معى‪ .‬فقال له رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)وما الذي معك؟( قال‪ :‬حكمة لقمان‪ .‬قال‪ :‬‏)اعرضها علّي(‪ .‬فعرضها‪ ،‬فقال له رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)إن هذا لكل م حسن‪ ،‬والذي معى أفضل من هذا؛ قرآن أنزله ال تعالى علّي ‪،‬ـ هو هدى‬ ‫ونور(‪ ،‬فتل عليه رسول ال صلى ال عليه وسل م القرآن‪ ،‬ودعاه إلى السل م‪ ،‬فأسل م‪ ،‬وقال‪ :‬إن هذا لقول حسن‪.‬‬

‫فلما قد م المدينة ل م يلبث أن قتل في وقعة بين الوس والخزرج قبل يو م بعاث‪ .‬والغلب أنه أسل م في أوائل السنة‬ ‫الحادية عشر ة من النبو ة‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ إياس بن معاذ‪:‬‬ ‫كان غلًم اـ حدثا من سكان يثرب‪ ،‬قد م في وفد من الوس‪ ،‬جاءوا يلتمسون الحلف من قريش على قومه م من‬ ‫الخزرج‪ ،‬وذلك قبيل حـرب بعاث في أوائل سنة ‪ 11‬من النبو ة؛ إذ كانت نيران العداو ة متقد ة في يثرب بين‬ ‫القبيلتين ـ وكان الوس أقل عدًد اـ من الخزرج ـ فلما عل م رسول ال صلى ال عليه وسل م بمقدمه م جاءه م‪ ،‬فجلس‬ ‫إليه م‪ ،‬وقال له م‪ :‬‏)هل لك م في خير مما جئت م له؟( فقالوا‪ :‬وما ذاك؟ قال‪ :‬‏)أنا رسول ال ‪ ،‬بعثنى إلى العباد‪،‬‬ ‫أدعوه م إلى أن يعبدوا ال ول يشركوا به شيًئا‪ ،‬وأنزل علّي الكتاب(‪ ،‬ث م ذكر له م السل م‪ ،‬وتل عليه م القرآن‪ .‬فقال‬


‫إياس بن معاذ‪ :‬أي قو م‪ ،‬هذا وال خير مما جئت م له‪ ،‬فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع ـ رجل من الوفد ـ حفنة من‬ ‫تراب البطحاء فرمى بها وجه إياس‪ ،‬وقال‪ :‬دعنا فلعمرى لقد جئنا لغير هذا‪ ،‬فصمت إياس‪ ،‬وقا م رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م‪ ،‬وانصرفوا إلى المدينة من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش‪.‬‬ ‫وبعد رجوعه م إلى يثرب ل م يلبث إياس أن هلك‪ ،‬وكان يهلل ويكبر ويحمد ويسبح عند موته‪ ،‬فل يشكون أنه مات‬ ‫مسلًم اـ‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ أبو ذر الغفاري‪:‬‬ ‫وكان من سكان نواحي يثرب‪ ،‬ولعله لما بلغ إلى يثرب خبر مبعث النبي صلى ال عليه وسل م بسويد بن‬ ‫ض اــ‪ ،‬وصار سبًباـ لسلمه‪.‬‬ ‫الصامت إواياس بن معاذ‪ ،‬وقع في أذن أبي ذر أي ً‬ ‫روى البخاري عن ابن عباس قال‪ :‬قال أبو ذر‪ :‬كنت رجًل من غفار‪ ،‬فبلغنا أن رجًل قد خرج بمكة يزع م أنه‬

‫نبى‪ ،‬فقلت لخي‪ :‬انطلق إلى هذا الرجل وكلمه‪ ،‬وائتنى بخبره‪ ،‬فانطلق فلقيه‪ ،‬ث م رجع‪ ،‬فقلت‪ :‬ما عندك؟ فقال‪:‬‬ ‫وال ‪ ،‬لقد رأيت رجًل يأمر بالخير‪ ،‬وينهي عن الشر‪ ،‬فقلت له‪ :‬ل م تشفنى من الخبر‪ ،‬فأخذت ج ارًبا وعصا‪ ،‬ث م‬ ‫أقبلت إلى مكة‪ ،‬فجعلت ل أعرفه‪ ،‬وأكره أن أسأل عنه‪ ،‬وأشرب من ماء زمز م وأكون في المسجد‪ .‬قال‪ :‬فمر بى‬ ‫علّي‪ .‬فقال‪ :‬كأن الرجل غريب؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬نع م‪ .‬فقال‪ :‬فانطلق إلى المنزل‪ ،‬فانطلقت معه ل يسألنى عن شيء‬ ‫ول أسأله ول أخبره‪ .‬فلما أصبحت غدوت إلى المسجد لسأل عنه‪ ،‬وليس أحد يخبرنى عنه بشيء‪ .‬قال‪ :‬فمر بى‬ ‫علّي فقال‪ :‬أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬ل‪ .‬قال‪ :‬فانطلق معي‪ ،‬قال‪ :‬فقال‪ :‬ما أمرك؟ وما أقدمك‬ ‫هذه البلد ة؟ قال‪ :‬قلت له‪:‬إن كتمت علّي أخبرتك‪ ،‬قال‪ :‬فإني أفعل‪ ،‬قال‪ :‬قلت له‪ :‬بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل‬

‫يزع م أنه نبى ال ‪ ،‬فأرسلت أخي يكلمه فرجع ول م يشفنى من الخبر‪ ،‬فأردت أن ألقاه‪.‬‬

‫فقال له‪ :‬أما إنك قد رشدت‪ .‬هذا وجهي إليه‪ ،‬ادخل حيث أدخل فإني إن رأيت أحًد اـ أخافه عليك قمت إلى الحائط‬ ‫كإني أصلح نعلى‪ ،‬وامض أنت‪ .‬فمضى ومضيت معه حتى دخل‪ ،‬ودخلت معه على النبي صلى ال عليه‬ ‫وسل م‪.‬فقلت له‪:‬اعرض علّي السل م‪ .‬فعرضه‪ ،‬فأسلمت مكإني ‪ ،‬فقال لي‪ :‬‏)يا أبا ذر‪ ،‬اكت م هذا المر‪ ،‬وارجع إلى‬ ‫بلدك‪ ،‬فإذا بلغك ظهورنا فأقبل(‪ .‬فقلت‪ :‬والذي بعثك بالحق لصرخن بها بين أظهره م‪ ،‬فجئت إلى المسجد‪،‬‬ ‫وقريش فيه ‪ ،‬فقلت‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬إني أشهد أن ل إله إل ال ‪ ،‬وأشهد أن محمًد اـ عبده ورسوله ‪ ،‬فقالوا‪ :‬قوموا‬ ‫إلى هذا الصابئ‪ .‬فقاموا‪ ،‬فضربت لموت‪ ،‬فأدركنى العباس فأكب علّي ‪،‬ـ ث م أقبل عليه م فقال‪ :‬ويلك م تقتلون رجًل‬

‫من غفار؟ ومتجرك م وممرك م على غفار‪ ،‬فأقلعوا عنى‪ .‬فلما أن أصبحت الغد‪ ،‬رجعت‪ ،‬فقلت مثل ما قلت‬

‫بالمس‪ .‬فقالوا‪ :‬قوموا إلى هذا الصابئ‪ ،‬فصنع بي ما صنع بالمس‪ ،‬فأدركني العباس‪ ،‬فأكب علّي وقال مثل‬ ‫مقالته بالمس‪.‬‬


‫‪ 4‬ـ طُفَْي لـ بن عمرو الّد ْوـ ســى‪:‬‬ ‫كان رجًل شريًفا‪ ،‬شاعًرا لبيًبا‪ ،‬رئيس قبيلة دوس‪ ،‬وكانت لقبيلته إمار ة أو شبه إمار ة في بعض نواحى اليمن‪ ،‬قد م‬ ‫مكة في عا م ‪ 11‬من النبو ة‪ ،‬فاستقبله أهلها قبل وصوله إليها‪ ،‬وبذلوا له أجل تحية وأكر م تقدير‪ ،‬وقالوا له‪ :‬يا‬

‫طفيل‪ ،‬إنك قدمت بلدنا‪ ،‬وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا‪ ،‬وقد فرق جماعتنا‪ ،‬وشتت أمرنا‪ ،‬إوانما‬ ‫قوله كالسحر‪ ،‬يفرق بين الرجل وأبيه‪ ،‬وبين الرجل وأخيه ‪ ،‬وبين الرجل وزوجـه‪ ،‬إوانا نخشى عليك وعلى قومك ما‬

‫قد دخل علينا‪ ،‬فل تكلمه ول تسمعن منه شيًئا‪.‬‬

‫يقول طفيل‪ :‬فوال ما زالوا بي حتى أجمعت أل أسمع منه شيًئا‪ ،‬ول أكلمه‪ ،‬حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى‬ ‫المسجد ُك ْرـ ُسـفًـا؛فرًقا من أن يبلغنى شيء من قوله‪ ،‬قال‪ :‬فغدوت إلى المسجد فإذا هو قائ م يصلى عند الكعبة‪،‬‬

‫فقمت قريًباـ منه‪ ،‬فأبي ال إل أن يسمعنى بعض قوله‪ ،‬فسمعت كلًم اـ حسًنا‪ ،‬فقلت في نفسى‪ :‬واثكل أمي‪ ،‬وال‬ ‫إني رجل لبيب شاعر؛ ما يخفي علّي الحسن من القبيح‪ ،‬فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان‬

‫حسًنا قبلته‪ ،‬إوان كان قبيًح ا ـ تركته‪ ،‬فمكثت حتى انصرف إلى بيته فاتبعته‪ ،‬حتى إذا دخل بيته دخلت عليه‪،‬‬ ‫فعرضت عليه قصة مقدمى‪ ،‬وتخويف الناس إياي‪ ،‬وسد الذن بالكرسف‪ ،‬ث م سماع بعض كلمه‪ ،‬وقلت له‪:‬‬

‫اعرض علّي أمرك‪ ،‬فعرض علّي السل م‪ ،‬وتل علّي القرآن‪ .‬فوال ما سمعت قوًل قط أحسن منه‪ ،‬ول أمًرا أعدل‬ ‫منه‪ ،‬فأسلمت وشهدت شهاد ة الحق‪ ،‬وقلت له‪ :‬إني مطاع في قومى‪ ،‬وراجع إليه م‪ ،‬وداعيه م إلى السل م‪ ،‬فادع‬ ‫ال أن يجعل لى آية‪ ،‬فدعا‪.‬‬ ‫وكانت آيته أنه لما دنا من قومه جعل ال نوًرا في وجهه مثل المصباح‪ ،‬فقال‪ :‬ال م في غير وجهي‪ .‬أخشى أن‬ ‫يقولوا‪ :‬هذه مثلة‪ ،‬فتحول النور إلى سوطه‪ ،‬فدعا أباه وزوجته إلى السل م فأسلما‪ ،‬وأبطأ عليه قومه في السل م‪،‬‬ ‫لكن ل م يزل به م حتى هاجر بعد الخندق‪ ،‬ومعه سبعون أو ثمانون بيًتا من قومه‪ ،‬وقد أبلى في السل م بلء‬ ‫حسًنا‪ ،‬وقتل شهيًد اـ يو م اليمامة‪.‬‬ ‫‪5‬ـ ِ‬ ‫ض َمــاـد الزدى‪:‬‬

‫كان من أْز ِد ـَش ُنـوَء ة من اليمن‪ ،‬وكان يرقى من هذا الريح‪ ،‬قد م مكة فسمع سفهاءها يقولون‪ :‬إن محمًد اـ مجنون‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬لو إني أتيت هذا الرجل لعل ال يشفيه على يدى‪ ،‬فلقيه‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬إني أرقى من هذا الريح‪ ،‬فهل‬ ‫لك؟ فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)إن الحمد ل نحمده ونستعينه‪ ،‬من يهده ال فل مضل له‪ ،‬ومن‬ ‫يضلله فل هادى له‪ ،‬وأشهد أن ل إله إل ال وحده ل شريك له‪ ،‬وأشهد أن محمًد اـ عبده ورسوله‪ .‬أما بعد(‪.‬‬ ‫فقال‪ :‬أعد علّي كلماتك هؤلء‪ ،‬فأعادهن عليه رسول ال صلى ال عليه وسل م ثلث مرات‪ ،‬فقال‪ :‬لقد سمعت قول‬ ‫الكهنة‪ ،‬وقول السحر ة‪ ،‬وقول الشعراء‪ ،‬فما سمعت مثل كلماتك هؤلء‪ ،‬ولقد بلغن قاموس البحر‪ ،‬هات يدك أبايعك‬ ‫على السل م‪ ،‬فبايعه‪.‬‬


‫ست نسمات طيبة من أهل يثرب‬ ‫وفي موس م الحج من سنة ‪ 11‬من النبو ة ـ يوليو سنة ‪ 620‬م ـ وجدت الدعو ة السلمية بذوًرا صالحة‪ ،‬سرعان ما‬ ‫تحولت إلى شجرات باسقات‪ ،‬اتقى المسلمون في ظللها الوارفة لفحات الظل م والعدوان حتى تغير مجرى‬ ‫الحداث وتحول خط التاريخ‪.‬‬ ‫وكان من حكمته صلى ال عليه وسل م إزاء ما كان يلقى من أهل مكة من التكذيب والصد عن سبيل ال أنه كان‬ ‫يخرج إلى القبائل في ظل م الليل‪ ،‬حتى ل يحول بينه وبينه م أحد من أهل مكة المشركين‪.‬‬ ‫فخرج ليلة ومعه أبو بكر وعلى‪ ،‬فمر على منازل ُذ ْهـلـ وشيبان بن ثعلبة ‪ ،‬وكلمه م في السل م‪ .‬وقد دارت بين‬ ‫أبي بكر وبين رجل من ذهل أسئلة وردود طريفة‪ ،‬وأجاب بنو شيبان بأرجى الجوبة‪ ،‬غير أنه م توقفوا في قبول‬ ‫السل م‪.‬‬ ‫ث م مر رسول ال صلى ال عليه وسل م بعقبة منى‪ ،‬فسمع أصوات رجال يتكلمون فعمده م حتى لحقه م‪ ،‬وكانوا ستة‬ ‫نفر من شباب يثرب كله م من الخزرج‪ ،‬وه م‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ أسعد بن ُز َرـار ة]من بني النجار[‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ عوف بن الحارث بن رفاعة ابن َع ْفـراء ]من بني النجار[‪.‬‬ ‫[‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ رافع بن مالك بن الَع ْجـ لــن ]من بني ُز َر ـْيـقـ‬

‫طَبـة بن عامر بن حديد ة ]من بني سلمة[‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ قُ ْ‬ ‫‪ 5‬ـ ُع ْقـَبة بن عامر بن نابي ]من بني َح َرــا مبن كعب [‪.‬‬

‫‪ 6‬ـ جابر بن عبد ال بن ِر ئـاب ]من بني عبيد بن َغ ْنـ مـ [‪.‬‬ ‫وكان من سعاد ة أهل يثرب أنه م كانوا يسمعون من حلفائه م من يهود المدينة‪ ،‬إذا كان بينه م شيء‪ ،‬أن نبًيا من‬ ‫النبياء مبعوث في هذا الزمان سيخرج‪ ،‬فنتبعه‪ ،‬ونقتلك م معه قتل عاد إوار م‪.‬‬ ‫فلما لحقه م رسول ال صلى ال عليه وسل م قال له م‪ :‬‏)من أنت م؟( قالوا‪ :‬نفر من الخزرج‪ ،‬قال‪ :‬‏)من موالى اليهود؟(‬ ‫أي حلفائه م‪ ،‬قالوا‪ :‬نع م‪ .‬قال‪ :‬‏)أفل تجلسون أكلمك م؟( قالوا‪ :‬بلى‪ ،‬فجلسوا معه‪ ،‬فشرح له م حقيقة السل م ودعوته‪،‬‬ ‫ودعاه م إلى ال عز وجل‪ ،‬وتل عليه م القرآن‪ .‬فقال بعضه م لبعض‪ :‬تعلمون وال يا قو م‪ ،‬إنه للنبى الذي توعدك م‬ ‫به يهود‪ ،‬فل تسبقنك م إليه‪ ،‬فأسرعوا إلى إجابة دعوته‪ ،‬وأسلموا‪.‬‬ ‫وكانوا من عقلء يثرب‪ ،‬أنهكته م الحرب الهلية التي مضت قريًبا‪ ،‬والتي ل يزال لهيبها مستعًرا‪ ،‬فأملوا أن تكون‬


‫دعوته سبًبا لوضع الحرب‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنا قد تركنا قومنا ول قو م بينه م من العداو ة والشر ما بينه م‪ ،‬فعسى أن يجمعه م‬ ‫ال بك‪ ،‬فسنقد م عليه م‪ ،‬فندعوه م إلى أمرك‪ ،‬ونعرض عليه م الذي أجبناك إليه من هذا الدين ‪ ،‬فإن يجمعه م ال‬ ‫عليك فل رجل أعز منك‪.‬‬ ‫ولما رجع هؤلء إلى المدينة حملوا إليها رسالة السل م‪ ،‬حتى ل م تبق دار من دور النصار إل وفيه ذكر رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسل م‪.‬‬

‫استطراد ـ زواج رسول ال صلى ال عليه وسل م بعائشة‬ ‫وفي شوال من هذه السنة ـ سنة ‪ 11‬من النبو ة ـ تزوج رسول ال صلى ال عليه وسل م عائشة الصديقة رضي ال‬ ‫عنها وهي بنت ست سنين وبني بها بالمدينة في شوال في السنة الولى من الهجر ة وهي بنت تسع سنين‪.‬‬


‫الس ـراء والمع ـراج‬

‫وبينما النبي صلى ال عليه وسل م يمـر بهذه المرحلة‪ ،‬وأخذت الدعو ة تشق طريًقا بين النجاح والضطهـاد‪ ،‬وبـدأت‬ ‫نجـو م المل تتلمح في آفاق بعيد ة‪ ،‬وقع حادث السراء والمعـراج‪ .‬واختلف في تعيين زمنه على أقوال شتى‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ فقيل‪ :‬كان السراء في السنة التي أكرمه ال فيها بالنبو ة‪ ،‬واختاره الطبرى‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ وقيل‪ :‬كان بعد المبعث بخمس سنين‪ ،‬رجح ذلك النووى والقرطبى‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ وقيل‪ :‬كان ليلة السابع والعشرين من شهر رجب سنة ‪ 10‬من النبو ة‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ وقيل‪ :‬قبل الهجر ة بستة عشر شهًرا‪ ،‬أي في رمضان سنة ‪ 12‬من النبو ة‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ وقيل‪ :‬قبل الهجر ة بسنة وشهرين‪ ،‬أي في المحر م سنة ‪ 13‬من النبو ة‪.‬‬ ‫‪ 6‬ـ وقيل‪ :‬قبل الهجر ة بسنة‪ ،‬أي في ربيع الول سنة ‪ 13‬من النبو ة‪.‬‬ ‫َو ُرـّدـِتـالقواُل الثلثة الول بأن خديجة رضي ال عنها توفيت في رمضان سنة عشر من النبو ة‪ ،‬وكانت وفاتها‬ ‫قبل أن تفرض الصلوات الخمس‪ .‬ول خلف أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة السراء‪ .‬أما القوال الثلثة‬ ‫الباقية فل م أجد ما أرجح به واحًد اـ منها‪ ،‬غير أن سياق سور ة السراء يدل على أن السراء متأخر جًد اـ‪.‬‬ ‫وروى أئمة الحديث تفاصيل هذه الوقعة‪ ،‬وفيما يلي نسردها بإيجاز‪:‬‬ ‫قال ابن القي م‪ :‬أسرى برسول ال صلى ال عليه وسل م بجسده على الصحيح من المسجد الحرا م إلى بيت المقدس‪،‬‬ ‫راكًبا على الُبَراق‪ ،‬صحبة جبريل عليهما الصل ة والسل م‪ ،‬فنزل هناك‪ ،‬وصلى بالنبياء إماًم اـ‪ ،‬وربط البراق بحلقة‬ ‫باب المسجد‪.‬‬ ‫ث م عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا‪ ،‬فاستفتح له جبريل ففتح له‪ ،‬فرأي هنالك آد م أبا البشر‪،‬‬ ‫فسل م عليه‪ ،‬فرحب به ورد عليه السل م‪ ،‬وأقر بنبوته‪ ،‬وأراه ال أرواح السعداء عن يمينه‪ ،‬وأرواح الشقياء عن‬ ‫يساره‪.‬‬ ‫ث م عرج به إلى السماء الثانية‪ ،‬فاستفتح له‪ ،‬فرأي فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مري م‪ ،‬فلقيهما وسل م عليهما‪،‬‬ ‫فردا عليه ورحبا به‪ ،‬وأقّرا بنبوته‪.‬‬

‫ث م عرج به إلى السماء الثالثة‪ ،‬فرأي فيها يوسف‪ ،‬فسل م عليه فرد عليه ورحب به‪ ،‬وأقر بنبوته‪.‬‬ ‫ث م عرج به إلى السماء الرابعة‪ ،‬فرأي فيها إدريس‪ ،‬فسل م عليه‪ ،‬فرد عليه‪ ،‬ورحب به‪ ،‬وأقر بنبوته‪.‬‬ ‫ث م عرج به إلى السماء الخامسة‪ ،‬فرأي فيها هارون بن عمران‪ ،‬فسل م عليه‪ ،‬فرد عليه ورحب به‪ ،‬وأقر بنبوته‪.‬‬


‫ث م عرج به إلى السماء السادسة‪ ،‬فلقى فيها موسى بن عمران‪ ،‬فسل م عليه‪ ،‬فرد عليه ورحب به‪ ،‬وأقر بنبوته‪.‬‬ ‫فلما جاوزه بكى موسى‪ ،‬فقيل له‪ :‬ما يبكيك ؟ فقال‪ :‬أبكى؛ لن غلًم اـ بعث من بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر‬ ‫مما يدخلها من أمتى‪.‬‬ ‫ث م عرج به إلى السماء السابعة‪ ،‬فلقى فيها إبراهي م عليه السل م‪ ،‬فسل م عليه‪ ،‬فرد عليه‪ ،‬ورحب به‪ ،‬وأقر بنبوته‪.‬‬ ‫ث م رفع إلى سدر ة المنتهى‪ ،‬فإذا َنْب قُـها مثل ِقلَـل َهَجـ رــ‪ ،‬إواذا ورقها مثل آذان الفيلة‪ ،‬ث م غشيها فراش من ذهب‪،‬‬ ‫ونور وألوان‪ ،‬فتغيرت‪ ،‬فما أحد من خلق ال يستطيع أن يصفها من حسنها‪ .‬ث م رفع له البيت المعمور‪ ،‬إواذا هو‬

‫يدخله كل يو م سبعون ألف ملك ث م ل يعودون‪ .‬ث م أدخل الجنة‪ ،‬فإذا فيها حبائل اللؤلؤ‪ ،‬إواذا ترابها المسك‪ .‬وعرج‬ ‫ص ِر ـيـفالقل م‪.‬‬ ‫به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه َ‬

‫ث م عرج به إلى الجّبار جل جلله‪ ،‬فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى‪ ،‬فأوحى إلى عبده ما أوحى‪ ،‬وفرض‬ ‫عليه خمسين صل ة‪ ،‬فرجع حتى مّر على موسى فقال له‪ :‬ب م أمرك ربك؟ قال‪] :‬بخمسين صل ة[‪ .‬قال‪ :‬إن أمتك‬

‫ل تطيق ذلك‪ ،‬ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لمتك‪ ،‬فالتفت إلى جبريل‪ ،‬كأنه يستشيره في ذلك‪ ،‬فأشار‪ :‬أن نع م‬ ‫إن شئت‪ ،‬فعل به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى‪ ،‬وهو في مكانه ـ هذا لفظ البخاري في بعض الطرق‬

‫ـ فوضع عنه عشًرا‪ ،‬ث م أنزل حتى مر بموسى‪ ،‬فأخبره‪ ،‬فقال‪ :‬ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف‪ ،‬فل م يزل يتردد بين‬ ‫موسى وبين ال عز وجل‪ ،‬حتى جعلها خمًس اـ‪ ،‬فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف‪ ،‬فقال‪] :‬قد استحييت من‬ ‫ربي‪ ،‬ولكني أرضى وأسل م[‪ ،‬فلما بعد نادى مناد‪ :‬قد أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى‪ .‬انتهي‪.‬‬

‫ث م ذكر ابن القي م خلًفا في رؤيته صلى ال عليه وسل م ربه تبارك وتعالى‪ ،‬ث م ذكر كلًم اـ لبن تيمية بهذا الصدد‪،‬‬ ‫وحاصل البحث أن الرؤية بالعين ل م تثبت أصًل ‪ ،‬ـ ـوهو قول ل م يقله أحد من الصحابة‪ .‬وما نقل عن ابن عباس‬ ‫من رؤيته مطلًقا ورؤيته بالفؤاد فالول ل ينافي الثاني‪.‬‬

‫ث م قال‪ :‬وأما قوله تعالى في سور ة النج م‪ :‬‏}ثُّ م َد َنـا فَتََد لّـى{ ]النج م‪ [8:‬فهو غير الدنو الذي في قصة السراء‪ ،‬فإن‬ ‫الذي في سور ة النج م هو دنو جبريل وتدليه‪ ،‬كما قالت عائشة وابن مسعود‪ ،‬والسياق يدل عليه‪ ،‬وأما الدنو والتدلى‬ ‫في حديث السراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه‪ ،‬ول تعرض في سور ة النج م لذلك‪ ،‬بل فيه‬ ‫أنه رآه نزلة أخرى عند سدر ة المنتهى‪ .‬وهذا هو جبريل‪ ،‬رآه محمد صلى ال عليه وسل م على صورته مرتين‪ :‬مر ة‬ ‫في الرض‪ ،‬ومر ة عند سدر ة المنتهى‪ ،‬وال أعل م‪ .‬انتهى‪.‬‬ ‫ض اــ‪ ،‬وقد رأى النبي صلى ال‬ ‫وقد جاء في بعض الطرق أن صدره صلى ال عليه وسل م شق في هذه المر ة أي ً‬ ‫عليه وسل م في هذه الـرحلة أموًرا عديد ة‪:‬‬


‫عرض عليه اللبن والخمر‪ ،‬فاختار اللبن‪ ،‬فقيل‪ :‬هديت الفطر ة أو أصبت الفطر ة‪ ،‬أما إنك لو أخذت الخمر غوت‬ ‫أمتك‪.‬‬ ‫ورأي أربعة أنهار يخرجن من أصل سدر ة المنتهى‪ :‬نهران ظاهران ونهران باطنان‪ ،‬فالظاهران هما‪ :‬النيل والفرات‪،‬‬ ‫عنصرهما‪ .‬والباطنان‪ :‬نهران في الجنة‪ .‬ولعل رؤية النيل والفرات كانت إشار ة إلى تمكن السل م من هذين‬ ‫القطرين‪ ،‬وال أعل م‪.‬‬ ‫ورأى مالًك اـ خازن النار‪ ،‬وهو ل يضحك‪ ،‬وليس على وجهه بشر ول بشاشة‪ ،‬وكذلك رأي الجنة والنار‪.‬‬ ‫ورأى أكلة أموال اليتامى ظلًم اـ له م مشافر كمشافر البل‪ ،‬يقذفون في أفواهه م قطًعاـ من نار كالفهار‪ ،‬فتخرج من‬ ‫أدباره م‪.‬‬ ‫ورأى أكلة الربا له م بطون كبير ة ل يقدرون لجلها أن يتحولوا عن أماكنه م‪ ،‬ويمر به م آل فرعون حين يعرضون‬ ‫على النار فيطأونه م‪.‬‬ ‫ورأى الزنا ة بين أيديه م لح م سمين طيب‪ ،‬إلى جنبه لح م غث منتن‪ ،‬يأكلون من الغث المنتن‪ ،‬ويتركون الطيب‬ ‫السمين‪.‬‬ ‫ورأى النساء اللتى يدخلن على الرجال من ليس من أولده م‪ ،‬رآهن معلقات بثديهن‪.‬‬ ‫ورأى عيًرا من أهل مكة في الياب والذهاب‪ ،‬وقد دله م على بعير َنّد له م‪ ،‬وشرب ماءه م من إناء مغطى وه م‬ ‫نائمون‪ ،‬ث م ترك الناء مغطى‪ ،‬وقد صار ذلك دليًل على صدق دعواه في صباح ليلة السراء‪.‬‬ ‫قال ابن القي م‪ :‬فلما أصبح رسول ال صلى ال عليه وسل م في قومه أخبره م بما أراه ال عز وجل من آياته‬ ‫الكبرى‪ ،‬فاشتد تكذيبه م له وأذاه م واستضراره م عليه‪ ،‬وسألوه أن يصف له م بيت المقدس‪ ،‬فجله ال له‪ ،‬حتى‬ ‫عاينه‪ ،‬فطفق يخبره م عن آياته‪ ،‬ول يستطيعون أن يردوا عليه شيًئا‪ ،‬وأخبره م عن عيره م في مسراه ورجوعه‪،‬‬ ‫وأخبره م عن وقت قدومها‪ ،‬وأخبره م عن البعير الذي يقدمها‪ ،‬وكان المر كما قال‪ ،‬فل م يزده م ذلك إل نفوًرا‪ ،‬وأبي‬

‫الظالمون إل كفوًرا ‪.‬‬

‫يقال‪ُ :‬س مـى أبو بكر رضي ال عنه صديًقا؛ لتصديقه هذه الوقعة حين كذبها الناس‪.‬‬


‫وأوجز وأعظ م ما ورد في تعليل هذه الرحلة هو قوله تعالى‪ :‬‏} ِلُنِرَيـهُ ِم ْنـ آَياتَِناـ{ ]السراء‪ [1 :‬وهذه سنة ال في‬ ‫ت الّس َمـاـَواـِت َواـلَْر ِ‬ ‫ض ـَو ِلـَيُك وـَن ِم َنـ اْلُم وـِقنِـيَن{ ]النعا م‪ ،[75:‬وقال لموسى‬ ‫النبياء‪ ،‬قال‪ :‬‏} َوَكـَذـِلـ َ‬ ‫كُنِري ِإْب َرـاِه يـَ مَم لَـُك وـ َ‬ ‫ىـ ]طه‪ ،[23:‬وقد بين مقصود هذه الراء ة بقوله‪ :‬‏} َوِلـَيُكوـَن ِم َنـ اْلُم وـِقنِـيَن{‬ ‫ك ِم ْنـ آَياتَِناـ اْلُك ْبـَرـ {‬ ‫عليه السل م‪ :‬‏} ِلُنِرَيـ َ‬ ‫فبعد استناد علو م النبياء إلى رؤية اليات يحصل له م من عين اليقين ما ل يقادر قدره‪ ،‬وليس الخبر كالمعاينة‪،‬‬ ‫فيتحملون في سبيل ال ما ل يتحمل غيره م‪ ،‬وتصير جميع قوات الدنيا عنده م كجناح بعوضة ل يعبأون بها إذا‬ ‫ما تدول عليه م بالمحن والعذاب‪.‬‬ ‫والحك م والسرار التي تكمن وراء جزئيات هذه الرحلة إنما محل بحثها كتب أسرار الشريعة‪ ،‬ولكن هنا حقائق‬ ‫بسيطة تتفجر من ينابيع هذه الرحلة المباركة‪ ،‬وتتدفق إلى حدائق أزهار السير ة النبوية ـ على صاحبها الصل ة‬ ‫ض ا ـ منها باليجاز‪:‬‬ ‫والسل م والتحية ـ أرى أن أسجل بع ً‬ ‫يرى القارئ في سور ة السراء أن ال ذكر قصة السراء في آية واحد ة فقط‪ ،‬ث م أخذ في ذكر فضائح اليهود‬ ‫وجرائمه م‪ ،‬ث م نبهه م بأن هذا القرآن يهدى للتى هي أقو م‪ ،‬فربما يظن القارئ أن اليتين ليس بينهما ارتباط‪ ،‬والمر‬ ‫ليس كذلك‪ ،‬فإن ال تعالى يشير بهذا السلوب إلى أن السراء إنما وقع إلى بيت المقدس؛ لن اليهود سيعزلون‬ ‫عن منصب قياد ة المة النسانية؛ لما ارتكبوا من الجرائ م التي ل مجال بعدها لبقائه م على هذا المنصب‪ ،‬إوان‬ ‫ال سينقل هذا المنصب فعل إلى رسوله صلى ال عليه وسل م ويجمع له مركزى الدعو ة البراهيمية كليهما‪ ،‬فقد‬ ‫آن أوان انتقال القياد ة الروحية من أمة إلى أمة؛ من أمة ملت تاريخها بالغدر والخيانة والث م والعدوان‪ ،‬إلى أمة‬ ‫تتدفق بالبر والخيرات‪ ،‬ول يزال رسولها يتمتع بوحى القرآن الذي يهدى للتى هي أقو م‪.‬‬ ‫ولكن كيف تنتقل هذه القياد ة‪ ،‬والرسول يطوف في جبال مكة مطروًد اـ بين الناس؟ هذا السؤال يكشف الغطاء عن‬ ‫حقيقة أخرى‪ ،‬وهي أن عهًد اـ من هذه الدعو ة السلمية قد أوشك إلى النهاية والتما م‪ ،‬وسيبدأ عهد آخر جديد‬

‫يختلف عن الول في مجراه‪ ،‬ولذلك نرى بعض اليات تشتمل على إنذار سافر ووعيد شديد بالنسبة إلى‬ ‫ك َقْر َيـًة َأَم ْرـ َنــاُم تْـَر ِفـيـَهاَفَفَس قُـوْا ِفيـَها فََح ّ‬ ‫ق ـ َع لَـْي هَـا اْلقَْو ُل ـَفَد ّمـْرـ َنــاَهاـتَْد ِمـيـًراَو َكـْ مـ أَْه لَـْك َنـاـ ِم َنـ‬ ‫المشركين ‏} َ إوِاـَذـاـَأَر ْدـَنـاـَأن ّنْهِل َ‬ ‫كـبُِذ ُنـوِب ِع َبــاِد ِه ـَخ بِــي ًرا َب ِ‬ ‫را ]السراء‪ [17 ،16:‬وبجنب هذه اليات آيات أخرى‬ ‫ص يــً {‬ ‫اْلقُُر وـِن ِم نـ َبْع ِدـ ُنوٍح َو َكـفَـى ِبَر ّبـ َ‬ ‫َ‬ ‫تبين للمسلمين قواعد الحضار ة وبنودها ومبادئها التي يبتنى عليها مجتمعه م السلمى‪ ،‬كأنه م قد أووا إلى أرض‬ ‫امتلكوا فيها أموره م من جميع النواحى‪ ،‬وكونوا وحد ة متماسكة تدور عليها رحى المجتمع‪ ،‬ففيه إشار ة إلى أن‬

‫الرسول صلى ال عليه وسل م سيجد ملجأ ومأمًنا يستقر فيه أمره‪ ،‬ويصير مركًزا لبث دعوته في أرجاء الدنيا‪ .‬هذا‬ ‫سر من أسرار هذه الرحلة المباركة‪ ،‬يتصل ببحثنا فآثرنا ذكره‪.‬‬ ‫ولجل هذه الحكمة وأمثالها نرى أن السراء إنما وقع إما قبيل بيعة العقبة الولى أو بين العقبتين‪ ،‬وال أعل م‪.‬‬


‫بيعة العقبة الولى‬ ‫سفير السلم في المدينة‬ ‫النجاح المغتبط‬ ‫بيعة العقبة الثانية‬ ‫بداية المحادثة وتشريح العباس للخطورة المسئولية‬ ‫بنود البيعة‬ ‫التأكيد من لخطورة البيعة‬ ‫عقد البيعة‬ ‫اثنا عشر نقيًبا‬ ‫شيطان يكتشف المعاهدة‬ ‫استعداد النصار لطضرب تقريش‬ ‫تقريش تقدم الحتجاج إلى رؤساء يثرب‬ ‫تأكد اللخبر لدى تقريش ومطاردة المبايعين‬

‫بيعة العقبة الولى‬ ‫قد ذكرنا أن ستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موس م الحج سنة ‪ 11‬من النبو ة‪ ،‬ووعدوا رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م بإبلغ رسالته في قومه م‪.‬‬ ‫وكان من جراء ذلك أن جاء في الموس م التالي ـ موس م الحج سنة ‪ 12‬من النبو ة‪ ،‬يوليو سنة ‪ 621‬م ـ اثنا عشر‬ ‫رجًل ‪ ،‬ـ ـفيه م خمسة من الستة الذين كانوا قد التقوا برسول ال صلى ال عليه وسل م في العا م السابق ـ والسادس‬ ‫الذي ل م يحضر هو جابر بن عبد ال بن ِر ئـاب ـ وسبعة سواه م‪ ،‬وه م‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ معاذ بن الحارث‪ ،‬ابن عفراء من بني النجار ]من الخزرج[‬ ‫‪ 2‬ـ َذ ْكـَوـاـنبن عبد القيس من بني ُز َر ـْيـ ‪.‬قـ ]من الخزرج[‬ ‫‪ 3‬ـ عباد ة بن الصامت من بني َغ ْنـ مـ ]من الخزرج[‬ ‫‪ 4‬ـ يزيد بن ثعلبة من حلفاء بني غن م ]من الخزرج[‬

‫ض لَــة من بني سال م ]من الخزرج[‬ ‫‪ 5‬ـ العباس بن ُع َبـاد ة بن َن ْ‬ ‫‪ 6‬ـ أبو الهَْي ثَـ م بن التّّيَهان من بني عبد الشهل ]من الوس[‪.‬‬ ‫‪ 7‬ـ ُع َوـ ْي ـ مـبن ساعد ة من بني عمرو بن َع ْوـ ف ـ]من الوس[‪.‬‬ ‫الخيران من الوس‪ ،‬والبقية كله م من الخزرج‪.‬‬ ‫التقى هؤلء برسول ال صلى ال عليه وسل م عند العقبة بمنى فبايعوه بيعة النساء‪ ،‬أي وفق بيعتهن التي نزلت‬ ‫بعد الحديبية‪.‬‬


‫روى البخاري عن عباد ة بن الصامت أن رسول ال صلى ال عليه وسل م قال‪] :‬تعالوا بايعوني على أل تشركوا‬ ‫بال شيًئا‪ ،‬ول تسرقوا‪ ،‬ول تزنوا‪ ،‬ول تقتلوا أولدك م‪ ،‬ول تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديك م وأرجلك م‪ ،‬ول تعصوني في‬ ‫معروف‪ ،‬فمن وفي منك م فأجره على ال ‪ ،‬ومن أصاب من ذلك شيًئاـ فعوقب به في الدنيا‪ ،‬فهو له كفار ة‪ ،‬ومن‬

‫أصاب من ذلك شيًئا فستره ال ‪ ،‬فأمـره إلى ال ؛ إن شاء عاقبه‪ ،‬إوان شاء عفا عـنه[‪ .‬قــال‪ :‬فبايعته ـ وفي نسخة‪:‬‬ ‫فبايعناه ـ على ذلك‪.‬‬

‫سفير السل م في المدينة‬ ‫وبعد أن تمت البيعة وانتهى الموس م بعث النبي صلى ال عليه وسل م مع هؤلء المبايعين أول سفير في يثرب؛‬ ‫ليعل م المسلمين فيها شرائع السل م‪ ،‬ويفقهه م في الدين‪ ،‬وليقو م بنشر السل م بين الذين ل م يزالوا على الشرك‪،‬‬ ‫صـ َعـبـ بن ُع َمـْيـرـ العبدرى رضي ال‬ ‫واختار لهذه السفار ة شاًبا من شباب السل م من السابقين الولين‪ ،‬وهو ُم ْ‬ ‫عنه‪.‬‬

‫النجاح المغتبط‬ ‫نزل مصعب بن عمير على أسعد بن ُز َرـار ة‪،‬وأخذا يبثان السل م في أهل يثرب بجد وحماس‪ ،‬وكان مصعب ُيْع َرـفـ‬ ‫بالمقرئ‪.‬‬

‫ظَفر‪،‬‬ ‫ومن أروع ما يروى من نجاحه في الدعو ة أن أسعد بن زرار ة خرج به يوًم اـ يريد دار بني عبد الشهل ودار بني َ‬ ‫فدخل في حائط من حوائط بني ظفر‪ ،‬وجلسا على بئر يقال لها‪ :‬بئر َم َرـقــ‪،‬واجتمع إليهما رجال من المسلمين ـ‬ ‫ضـْي ـرـسيدا قومهما من بني عبد الشهل يومئذ على الشرك ـ فلما سمعا بذلك قال سعد‬ ‫وسعد بن معاذ وأَُس ْيـدـ بن ُح َ‬

‫لسيد‪ :‬اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما‪ ،‬وانههما عن أن يأتيا دارينا‪ ،‬فإن أسعد بن زرار ة ابن‬ ‫خالتي‪ ،‬ولول ذلك لكفيتك هذا‪.‬‬ ‫فأخذ أسيد حربته وأقبل إ��يهما‪ ،‬فلما رآه أسعد قال لمصعب‪ :‬هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق ال فيه‪ ،‬قال مصعب‪:‬‬ ‫إن يجلس أكلمه‪ .‬وجاء أسيد فوقف عليهما متشتًم اـ‪ ،‬وقال‪ :‬ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلنا إن كانت‬

‫لكما بأنفسكما حاجة‪ ،‬فقال له مصعب‪ :‬أو تجلس فتسمع‪ ،‬فإن رضيت أم ار قبلته‪ ،‬إوان كرهته كف عنك ما تكره‪،‬‬

‫فقال‪ :‬أنصفت‪ ،‬ث م ركز حربته وجلس‪ ،‬فكلمه مصعب بالسل م‪ ،‬وتل عليه القرآن‪ .‬قال‪ :‬فو ال لعرفنا في وجهه‬

‫السل م قبل أن يتكل م‪ ،‬في إشراقه وتهلله‪ ،‬ث م قال‪ :‬ما أحسن هذا وأجمله؟ كيف تصنعون إذا أردت م أن تدخلوا في هذا‬ ‫الدين؟‬ ‫قال له‪ :‬تغتسل‪ ،‬وتطهر ثوبك‪ ،‬ث م تشهد شهاد ة الحق‪ ،‬ث م تصلى ركعتين‪ .‬فقا م واغتسل‪ ،‬وطهر ثوبه وتشهد وصلى‬


‫ركعتين‪ ،‬ث م قال‪ :‬إن ورائى رجًل إن تبعكما ل م يتخلف عنه أحد من قومه‪ ،‬وسأرشده إليكما الن ـ سعد بن معاذ ـ ث م‬

‫أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه‪ ،‬وه م جلوس في ناديه م‪ .‬فقال سعد‪ :‬أحلف بال لقد جاءك م بغير الوجه الذي‬ ‫ذهب به من عندك م‪.‬‬ ‫فلما وقف أسيد على النادى قال له سعد‪ :‬ما فعلت؟ فقال‪ :‬كلمت الرجلين‪ ،‬فوال ما رأيت بهما بأًس اـ‪ ،‬وقد نهيتهما‬ ‫فقال‪ :‬نفعل ما أحببت‪.‬‬

‫ك فقا م سعد‬ ‫وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرار ة ليقتلوه ـ وذلك أنه م قد عرفوا أنه ابن خالتك ـ ِلُيْخ ِفـُرـ و ـ‪.‬‬

‫مغضًباـ للذى ذكر له‪ ،‬فأخذ حربته‪ ،‬وخرج إليهما‪ ،‬فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيًد اـ إنما أراد منه أن يسمع منهما‪،‬‬

‫تـهذا منى‪،‬‬ ‫فوقف عليهما متشتًم اـ‪ ،‬ث م قال لسعد بن زرار ة‪ :‬وال يا أبا أمامة‪ ،‬لول ما بينى وبينك من القرابة ما ُر ْمـ َ‬

‫تغشانا في دارنا بما نكره؟‬

‫وقـد كان أسعد قال لمصعب‪ :‬جاءك وال سيد من ورائه قومه‪ ،‬إن يتبعك ل م يتخلف عنك منه م أحد‪ ،‬فقال مصعب‬ ‫لسعد بن معاذ‪ :‬أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمًرا قبلته‪ ،‬إوان كرهته عزلنا عنك ما تكره‪ ،‬قال‪ :‬قد أنصفت‪ ،‬ث م ركز‬ ‫حربته فجلس‪ .‬فعـرض عليــه السل م‪ ،‬وقـ أر علـيه القـرآن‪ ،‬قـال‪ :‬فعرفنـا وال في وجهـه السل م قبـل أن يتكل م‪ ،‬في‬

‫إشـراقه وتهّلله‪ ،‬ثـ م قـال‪ :‬كيـف تصنـعون إذا أسلمتـ م؟ قال‪ :‬تغتسل‪ ،‬وتطهر ثوبك‪ ،‬ث م تشهد شهاد ة الحق‪ ،‬ث م تصلى‬

‫ركعتين‪ .‬ففعل ذلك‪.‬‬

‫ث م أخذ حربته فأقبل إلى نادى قومه‪ ،‬فلما رأوه قالوا‪ :‬نحلف بال لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به‪.‬‬ ‫فلما وقف عليه م قال‪ :‬يا بني عبد الشهل‪ ،‬كيف تعلمون أمرى فيك م؟ قالوا‪ :‬سيدنا وأفضلنا أرًيا‪ ،‬وأيمننا نقيبة‪ ،‬قال‪:‬‬

‫فإن كل م رجالك م ونسائك م علّى حرا م حتى تؤمنوا بال ورسوله‪ .‬فما أمسى فيه م رجل ول امرأ ة إل مسلًم اـ ومسلمة‪ ،‬إل‬

‫ص ْي ـِرـ مـ تأخر إسلمه إلى يو م أحد‪ ،‬فأسل م ذلك اليو م وقاتل وقتل‪ ،‬ول م يسجد ل سجد ة‪ ،‬فقال النبي‬ ‫رجل واحد ـ وهو الُ َ‬

‫صلى ال عليه وسل م‪] :‬عمل قليًل وأجر كثيًرا[‪.‬‬

‫وأقا م مصعب في بيت أسعد بن زرار ة يدعو الناس إلى السل م‪ ،‬حتى ل م تبق دار من دور النصار إل وفيها رجال‬ ‫طـَم ةـووائل‪ .‬كان فيه م قيس بن السلت الشاعر ـ وكانوا‬ ‫ونساء مسلمون‪ ،‬إل ما كان من دار بني أمية بن زيد وَخ ْ‬

‫يطيعونه ـ فوقف به م عن السل م حتى كان عا م الخندق سنة خمس من الهجر ة‪.‬‬

‫وقبل حلول موس م الحج التالى ـ أي حج السنة الثالثة عشر ة ـ عاد مصعب بن عمير إلى مكة يحمل إلى رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م بشائر الفوز‪ ،‬ويقص عليه خبر قبائل يثرب‪ ،‬وما فيها من مواهب الخير‪ ،‬وما لها من قو ة‬ ‫ومنعة‪.‬‬


‫بيعة العقبة الثانية‬ ‫في موس م الحج في السنة الثالثة عشر ة من النبو ة ـ يونيو سنة ‪ 622‬م ـ حضر لداء مناسك الحج بضع وسبعون‬ ‫نفًس اـ من المسلمين من أهل يثرب‪،‬جاءوا ضمن حجاج قومه م من المشركين‪ ،‬وقد تساءل هؤلء المسلمون فيما‬ ‫بينه م ـ وه م ل م يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق‪ :‬حتى متى نترك رسول ال صلى ال عليه وسل م يطوف‬ ‫ويطرد في جبال مكة ويخاف؟‬ ‫فلما قدموا مكة جرت بينه م وبين النبي صلى ال عليه وسل م اتصالت سرية أدت إلى اتفاق الفريقين على أن‬ ‫يجتمعوا في أوسط أيا م التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمر ة الولى من منى‪ ،‬وأن يت م الجتماع في‬ ‫سرية تامة في ظل م الليل‪.‬‬ ‫ولنترك أحد قاد ة النصار يصف لنا هذا الجتماع التاريخي الذي حول مجرى اليا م في صراع الوثنية والسل م‪.‬‬ ‫يقول كعب بن مالك النصاري رضي ال عنه‪:‬‬ ‫خرجنا إلى الحج‪ ،‬وواعدنا رسول ال صلى ال عليه وسل م بالعقبة من أوسط أيا م التشريق‪ ،‬فلما فرغنا من الحج‪،‬‬ ‫وكانت الليلة التي واعدنا رسول ال صلى ال عليه وسل م لها‪ ،‬ومعنا عبد ال بن عمرو بن َح َرــا مأبو جابر‪ ،‬سيد‬ ‫من ساداتنا‪ ،‬وشريف من أشرافنا‪ ،‬أخذناه معنا ـ وكنا نكت م من معنا من قومنا من المشركين أمرنا ـ فكلمناه وقلنا‬ ‫له‪ :‬يا أبا جابر‪ ،‬إنك سيد من ساداتنا‪ ،‬وشريف من أشرافنا‪ ،‬إوانا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار‬ ‫غًد اـ‪ .‬ث م دعوناه إلى السل م‪ ،‬وأخبرناه بميعاد رسول ال صلى ال عليه وسل م إيانا العقبة‪ ،‬قال‪ :‬فأسل م وشهد معنا‬ ‫العقبة وكان نقيًبا‪.‬‬

‫قال كعب‪ :‬فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول ال‬

‫طا‪ ،‬مستخفين‪ ،‬حتى اجتمعنا في الّش ْعـبـ عند العقبة‪ ،‬ونحن ثلثة وسبعون‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬نتسلل تسلل القَ َ‬ ‫رجًل ‪ ،‬ـ ـوامرأتان من نسائنا؛ ُنَس ْيـَبـة بنت كعب ـ أ م ُع َمـاـر ة ـ من بني مازن بن النجار‪،‬وأسماء بنت عمرو ـ أ م منيع ـ‬ ‫من بني سلمة‪.‬‬

‫فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول ال صلى ال عليه وسل م حتى جاءنا‪ ،‬ومعه عمه‪ :‬العباس بن عبد المطلب ـ‬ ‫وهو يومئذ على دين قومه ـ إل أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه‪ ،‬ويتوثق له‪ ،‬وكان أول متكل م‪.‬‬


‫بداية المحادثة وتشريح العباس لخطور ة المسئولية‬ ‫وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لبرا م التحالف الدينى والعسكرى‪ ،‬وكان أول المتكلمين هو العباس بن‬ ‫عبد المطلب ع م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬تكل م ليشرح له م ـ بكل صراحة ـ خطور ة المسئولية التي ستلقى‬ ‫على كواهله م نتيجة هذا التحالف‪ .‬قال‪:‬‬ ‫يا معشر الخزرج ـ وكان العرب يسمون النصار خزرجًـا‪ ،‬خزرجـها وأوسـها كليهما ـ إن محمًد اـ منا حيث قد‬ ‫علمت م‪ ،‬وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه‪،‬فهو في عز من قومه ومنعة في بلده‪ .‬إوانه قد أبي إل‬

‫النحياز إليك م واللحوق بك م‪ ،‬فإن كنت م ترون أنك م وافون له بما دعوتموه إليه‪ ،‬ومانعوه ممن خالفه‪ ،‬فأنت م وما‬ ‫تحملت م من ذلك‪ .‬إوان كنت م ترون أنك م ُم ْسـ ِلـُم وـه وخاذلوه بعد الخروج به إليك م فمن الن فدعوه‪ .‬فإنه في عز ومنعة‬ ‫من قومه وبلده‪.‬‬ ‫قال كعب‪ :‬فقلنا له‪ :‬قد سمعنا ما قلت‪ ،‬فتكل م يا رسول ال ‪ ،‬فخذ لنفسك ولربك ما أحببت‪.‬‬ ‫وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عز م صمي م‪ ،‬وشجاعة مؤمنة‪ ،‬إواخلص كامل في تحمل هذه المسئولية‬ ‫العظيمة‪ ،‬وتحمل عواقبها الخطير ة‪.‬‬ ‫وألقى رسول ال صلى ال عليه وسل م بعد ذلك بيانه‪ ،‬ث م تمت البيعة‪.‬‬

‫بنود البيعة‬ ‫وقد روى ذلك الما م أحمد عن جابر مفصًل‪ .‬قال جابر‪ :‬قلنا‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬عل م نبايعك؟ قال‪:‬‬ ‫]على السمع والطاعة في النشاط والكسل‪.‬‬ ‫وعلى النفقة في العسر واليسر‪.‬‬ ‫وعلى المر بالمعروف والنهي عن المنكر‪.‬‬ ‫وعلى أن تقوموا في ال ‪ ،‬ل تأخذك م في ال لومة لئ م‪.‬‬ ‫وعلى أن تنصرونى إذا قدمت إليك م‪ ،‬وتمنعونى مما تمنعون منه أنفسك م وأزواجك م وأبناءك م‪ ،‬ولك م الجنة[‪.‬‬


‫وفي رواية كعب ـ التي رواها ابن إسحاق ـ البند الخير فقط من هذه البنود‪ ،‬ففيه‪ :‬قال كعب‪ :‬فتكل م رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م‪ ،‬فتل القرآن‪ ،‬ودعا إلى ال ‪ ،‬ورغب في السل م‪ ،‬ث م قال‪] :‬أبايعك م على أن تمنعوني مما تمنعون منه‬ ‫نسائك م وأبناءك م[‪ .‬فأخذ البراء ابن َم ْعـُرـ وـربيده ث م قال‪ :‬نع م‪ ،‬والذي بعثك بالحق نبًيا‪ ،‬لنمنعنك مما نمنع أُُز َر ـنــامنه‪،‬‬

‫فبايعنا يا رسول ال ‪ ،‬فنحن وال أبناء الحرب وأهل اْلَح ْلـَقة‪ ،‬ورثناها كابًرا عن كابر‪.‬‬

‫قال‪ :‬فاعترض القول ـ والبراء يكل م رسول ال صلى ال عليه وسل م ـ أبو الهيث م بن التّّيَهان‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول ال ‪ ،‬إن‬

‫بيننا وبين الرجال حباًل ‪ ،‬ـ ـ إوانا قاطعوها ـ يعنى اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك‪ ،‬ث م أظهرك ال إن ترجع إلى‬ ‫قومك وتدعنا؟‬

‫قال‪ :‬فتبس م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ث م قال‪] :‬بل الّد ُ مـ الّد ُ مـ‪،‬ـ والهَْد ُ مـ اْلهَْد ُ مـ‪،‬ـ أنا منك م وأنت م منى‪ ،‬أحارب من‬ ‫حاربت م‪ ،‬وأسال م من سالمت م[‪.‬‬

‫التأكيد من خطور ة البيعة‬ ‫وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة‪ ،‬وأجمعوا على الـشروع في عقدها قا م رجلن من الرعيل الول ممن‬ ‫أسلموا في مواس م سنتى ‪ 11‬و ‪ 12‬من النبو ة‪ ،‬قا م أحدهما تلو الخر؛ ليؤكدا للقو م خطور ة المسئولية‪ ،‬حتى ل‬ ‫يبايعوه إل على جلية من المر‪ ،‬وليعرفا مدى استعداد القو م للتضحية‪ ،‬ويتأكدا من ذلك‪.‬‬ ‫ض لَــة‪ :‬هل تدورن عل م تبايعون هذا الرجل؟ قالوا‪:‬‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عباد ة بن َن ْ‬ ‫تـ أموالك م مصيبة‪،‬‬ ‫نع م‪ ،‬قال‪ :‬إنك م تبايعونه على حرب الحمر والسود من الناس‪ .‬فإن كنت م ترون أنك م إذا َنهََك ْ‬ ‫وأشرافك م قتل أسلمتموه‪ ،‬فمن الن‪ ،‬فهو وال إن فعلت م خزى الدنيا والخر ة‪ .‬إوان كنت م ترون أنك م وافون له بما‬ ‫دعوتموه إليه على َنْهَك ةـ الموال وقتل الشراف فخذوه‪ ،‬فهو وال خير الدنيا والخـر ة‪.‬‬

‫قالوا‪ :‬فإنا نأخذه على مصيبة الموال وقتل الشراف‪ ،‬فما لنا بذلك يا رسول ال إن نحن وفينا بذلك؟ قال‪:‬‬ ‫]الجنة[‪ .‬قالوا‪ :‬ابسط يدك‪ ،‬فبسط يده فبايعوه‪.‬‬ ‫وفي رواية جابر ]قال[‪ :‬فقمنا نبايعه‪،‬فأخذ بيده أسعد بن زرار ة ـ وهو أصغر السبعين ـ فقال‪ :‬رويدا يا أهل يثرب‪،‬‬ ‫إنا ل م نضرب إليه أكباد البل إل ونحن نعل م أنه رسول ال ‪ ،‬وأن إخراجه اليو م مفارقة العرب كافة‪ ،‬وقتل خيارك م‪،‬‬ ‫وأن تعضك م السيوف‪ ،‬فإما أنت م تصبرون على ذلك فخذوه‪ ،‬وأجرك م على ال ‪ ،‬إواما أنت م تخافون من أنفسك م خيفة‬ ‫فذروه فهو أعذر لك م عند ال ‪.‬‬


‫عقد البيعة‬ ‫وبعد إقرار بنود البيعة‪ ،‬وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعة بالمصافحة‪ ،‬قال جابر ـ بعد أن حكى قول أسعد‬ ‫طـ عنا يدك‪ .‬فوال ل نذر هذه البيعة‪ ،‬ول نستقيلها‪.‬‬ ‫بن زرار ة ـ قال‪ :‬فقالوا‪ :‬يا أسعد‪ ،‬أ��م ْ‬ ‫وحينئذ عرف أسعد مدى استعداد القو م للتضحية في هذا السبيل وتأكد منه ـ وكان هو الداعية الكبير مع مصعب‬ ‫بن عمير ـ فكان هو السابق إلى هذه البيعة‪ .‬قال ابن إسحاق‪ :‬فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرار ة‬ ‫كان أول من ضرب على يده‪ .‬وبعد ذلك بدأت البيعة العامة‪ ،‬قال جابر‪ :‬فقمنا إليه رجًل رجًل فأخذ علينا البيعة‪،‬‬

‫يعطينا بذلك الجنة‪.‬‬

‫وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قوًل‪ .‬ما صافح رسول ال صلى ال عليه وسل م امرأ ة أجنبية قط‪.‬‬

‫اثنا عشر نقيًبا‬ ‫وبعد أن تمت البيعة طلب رسول ال صلى ال عليه وسل م أن يختاروا اثنى عشر زعيًم اـ يكونون نقباء على‬ ‫قومه م‪ ،‬يكفلون المسئولية عنه م في تنفيذ بنود هذه البيعة‪ ،‬فقال للقو م‪ :‬أخرجوا إلّى منك م اثنى عشر نقيًبا ليكونوا‬ ‫على قومه م بما فيه م‪.‬‬

‫فت م اختياره م في الحال‪ ،‬وكانوا تسعة من الخزرج وثلثة من الوس‪.‬وهاك أسماءه م‪:‬‬ ‫نقباء الخزرج‬ ‫‪1‬ـ أسعد بن ُز َرـاَر ةبن عدس‪.‬‬ ‫‪2‬ـ سعد بن الّر بِـيع بن عمرو‪.‬‬

‫‪3‬ـ عبد ال بن رواحة بن ثعلبة‪.‬‬ ‫‪4‬ـ رافع بن مالك بن الَع ْجـ لــن‪.‬‬

‫ص ْخـر‪.‬ـ‬ ‫‪5‬ـ البراء بن َم ْعـُرـ وـربن َ‬ ‫‪6‬ـ عبد ال بن عمرو بن َح َرـ ‪.‬ـا م‬

‫‪7‬ـ عباد ة بن الصامت بن قيس‪.‬‬ ‫‪ 8‬ـ سعد بن عباد ة بن ُد لَـْي مـ‪.‬‬

‫‪9‬ـ المنذر بن عمرو بن ُخ َنـْي سـ‪.‬‬

‫نقباء الوس‬


‫ضـْي ـرـ بن ِس َم ـاـك‪.‬‬ ‫‪1‬ـ أَُس ْيـدـ بن ُح َ‬ ‫‪2‬ـ سعد بن َخ ْيـثَـَم ةـ بن الحارث‪.‬‬

‫‪3‬ـ رفاعة بن عبد المنذر بن زبير‪.‬‬ ‫ولما ت م اختيار هؤلء النقباء أخذ عليه م النبي صلى ال عليه وسل م ميثاًقا آخر بصفته م رؤساء مسئولين‪.‬‬ ‫قال له م‪] :‬أنت م على قومك م بما فيه م كفلء‪ ،‬ككفالـة الحواريين لعيسى ابن مري م‪ ،‬وأنا كفيل على قومي[ ـ يعنى‬ ‫المسلمين ـ قالوا‪ :‬نع م‪.‬‬

‫شيطان يكتشف المعاهد ة‬ ‫ولما ت م إبرا م المعاهد ة‪ ،‬وكان القو م على وشك الرفضاض‪ ،‬اكتشفها أحد الشياطين؛ وحيث إن هذا الكتشاف‬ ‫جاء في اللحظة الخير ة‪ ،‬ول م يكن يمكن إبلغ زعماء قريش هذا الخبر سًرا‪ ،‬ليباغتوا المجتمعين وه م في الشعب‪،‬‬

‫قا م ذلك الشيطان على مرتفع من الرض‪،‬وصاح بأنفذ صوت سمع قط‪ :‬يا أهل الَج َبــاجب ـ المنازل ـ هل لك م في‬ ‫ُم َذـّمـ مـ والصبا ة معه؟ قد اجتمعوا على حربك م‪.‬‬

‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪] :‬هذا أَز ّ‬ ‫بـالعقبة‪ ،‬أما وال يا عدو ال لتفرغن لك‪ .‬ث م أمره م أن ينفضوا‬ ‫إلى رحاله م[‪.‬‬

‫استعداد النصار لضرب قريش‬ ‫وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن عباد ة بن نضلة‪ :‬والذي بعثك بالحق‪ ،‬إن شئت لنميلن على أهل‬ ‫منى غًد اـ باسيافنا‪.‬‬ ‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪] :‬ل م نؤمر بذلك‪ ،‬ولكن ارجعوا إلى رحالك م[‪ ،‬فرجعوا وناموا حتى أصبحوا‪.‬‬ ‫قريش تقد م الحتجاج إلى رؤساء يثرب‬ ‫لما قـرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيه م ضجة‪ ،‬وساورته م القلقل والحزان؛ لنه م كانوا على معرفة تامة‬ ‫بعواقب مثل هذه البيعة ونتائجها بالنسبة إلى أنفسه م وأمواله م‪ ،‬فما أن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء‬ ‫مكة وأكابر مجرميها إلى أهل يثرب؛ ليقد م احتجاجه الشديد على هذه المعاهد ة‪ ،‬قال الوفد‪:‬‬ ‫]يا معشر الخزرج‪ ،‬إنه قد بلغنا أنك م قد جئت م إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا‪ ،‬وتبايعونه على حربنا‪،‬‬ ‫إوانه وال ما من حى من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينه م منك م[‪.‬‬


‫ولما كان مشركو الخزرج ل يعرفون شيًئاـ عن هذه البيعة؛ لنها تمت في سرية تامة في ظل م الليل‪ ،‬انبعث هؤلء‬ ‫المشركون يحلفون بال ‪ :‬ما كان من شيء وما علمناه‪ ،‬حتى أتوا عبد ال بن أبي بن سلول‪ ،‬فجعل يقول‪ :‬هذا‬ ‫باطل‪ ،‬وما كان هذا‪،‬وما كان قومى ليفتاتوا على بمثل هذا‪ ،‬ولو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني‪.‬‬ ‫أما المسلمون فنظر بعضه م إلى بعض‪ ،‬ث م لذوا بالصمت‪ ،‬فل م يتحدث أحد منه م بنفي أو إثبات‪.‬‬ ‫ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين‪ ،‬فرجعوا خائبين‪.‬‬ ‫تأكد الخبر لدى قريش ومطارد ة المبايعين‬

‫عاد زعماء مكة وه م على شبه اليقين من كذب هذا الخبر‪ ،‬لكنه م ل م يزالوا يتَن ّ‬ ‫طُس وـنه ـ يكثرون البحث عنه‬ ‫ََ‬

‫ويدققون النظر فيه ـ حتى تأكد لديه م أن الخبر صحيح‪ ،‬والبيعة قد تمت فعًل‪ .‬وذلك بعد ما نفر الحجيج إلى‬

‫أوطانه م‪ ،‬فسارع فرسانه م بمطارد ة اليثربيين‪ ،‬ولكن بعد فوات الوان‪ ،‬إل أنه م تمكنوا من رؤية سعد بن عباد ة‬

‫والمنذر ابن عمرو فطاردوهما‪ ،‬فأما المنذر فأعجز القو م‪ ،‬وأما سعد فألقوا القبض عليه‪ ،‬فربطوا يديه إلى عنقه‬ ‫بنِْس عـ َر ْحـ ِلــه‪،‬وجعلوا يضربونه ويجرونه ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة‪ ،‬فجاء المطع م بن عدى والحارث بن‬ ‫حرب بن أمية فخلصاه من أيديه م؛ إذ كان سعد يجير لهما قوافلهما المار ة بالمدينة‪ ،‬وتشاورت النصار حين فقدوه‬ ‫أن يكروا إليه‪ ،‬فإذا هو قد طلع عليه م‪ ،‬فوصل القو م جميًعاـ إلى المدينة‪.‬‬ ‫هذه هي بيعة العقبة الثانية ـ التي تعرف ببيعة العقبة الكبرى ـ وقد تمت في جو تعلوه عواطف الحب والولء‪،‬‬ ‫والتناصر بين أشتات المؤمنين‪ ،‬والثقة والشجاعة والستبسال في هذا السبيل‪ .‬فمؤمن من أهل يثرب يحنو على‬ ‫أخيه المستضعف في مكة‪ ،‬ويتعصب له‪،‬ويغضب من ظالمه‪ ،‬وتجيش في حناياه مشاعر الود لهذا الخ الذي‬ ‫أحبه بالغيب في ذات ال ‪.‬‬ ‫ول م تكن هذه المشاعر والعواطف نتيجة نزعة عابر ة تزول على مر اليا م‪ ،‬بل كان مصدرها هو اليمان بال‬ ‫وبرسوله وبكتابه‪ ،‬إيمان ل يزول أما م أي قو ة من قوات الظل م والعدوان‪ ،‬إيمان إذا هبت ريحه جاءت بالعجائب‬ ‫في العقيد ة والعمل‪ ،‬وبهذا اليمان استطاع المسلمون أن يسجلوا على أوراق الدهر أعماًل ‪ ،‬ـ ـويتركوا عليها آثاًرا‬ ‫خل عن نظائرها الغابر والحاضر‪ ،‬وسوف يخلو المستقبل‪.‬‬


‫طلئـع الهجـر ة‬

‫طلئـع الهجـرة‬ ‫في دار الندوة ]برلمان تقريش[‬ ‫النقاش البرلماني والجماع على تقرار غاشم بقتل النبي صلى ا عليه وسلم‬

‫طلئـع الهجـر ة‬ ‫وبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية ونجح السل م في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة ـ وهو‬ ‫أخطر كسب حصل عليه السل م منذ بداية دعوته ـ أذن رسول ال صلى ال عليه وسل م للمسلمين بالهجر ة إلى‬ ‫هذا الوطن‪.‬‬ ‫ول م يكن معنى الهجر ة إل إهدار المصالح‪ ،‬والتضحية بالموال‪ ،‬والنجا ة بالشخص فحسب‪ ،‬مع الشعار بأنه‬ ‫مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها‪ ،‬وبأنه يسير نحو مستقبل مبه م‪ ،‬ل يدرى ما يتمخض عنه‬ ‫من قلقل وأحزان‪.‬‬ ‫وبدأ المسلمون يهاجرون وه م يعرفون كل ذلك‪ ،‬وأخذ المشركون يحولون بينه م وبين خروجه م؛ لما كانوا يحسون‬ ‫به من الخطر‪ ،‬وهاك نماذج من ذلك‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ كان من أول المهاجرين أبو سلمة ـ هاجر قبل العقبة الكبرى بسنة على ما قاله ابن إسحاق ـ وزوجته وابنه‪،‬‬ ‫فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره‪ :‬هذه نفسك غلبتنا عليها‪ ،‬أرأيت صاحبتنا هذه؟ عل م نتركك تسير بها في‬ ‫البلد؟ فأخذوا منه زوجته‪ ،‬وغضب آل أبي سلمة لرجله م‪،‬فقالوا‪ :‬ل نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا‪،‬‬ ‫وتجاذبوا الغل م بينه م فخلعوا يده‪ ،‬وذهبوا به‪ .‬وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة‪.‬‬ ‫وكانت أ م سلمة رضي ال عنها و بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غدا ة بالبطح تبكى حتى تمسى‪،‬‬ ‫ومضى على ذلك نحو سنة‪ ،‬فرق لها أحد ذويها وقال‪ :‬أل تخرجون هذه المسكينة؟ فرقت م بينها وبين زوجها‬ ‫وولدها‪ ،‬فقالوا لها‪ :‬الحقى بزوجك إن شئت‪ ،‬فاسترجعت ابنها من عصبته‪ ،‬وخرجت تريد المدينة ـ رحلة تبلغ‬ ‫حوالى خمسمائة كيلو متر تمر بين شواهق الجبال ومهالك الودية ـ وليس معها أحد من خلق ال ‪ .‬حتى إذا‬ ‫كانت بالتّْن ِعـ يـ م لقيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة‪ ،‬وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة‪ ،‬فلما‬

‫نظر إلى قباء‪ ،‬قال‪ :‬زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة ال ‪ ،‬ث م انصرف راجًعاـ إلى مكة‪.‬‬


‫ص هَـْي بـ بن ِس نـان الرومى بعد رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فلما أراد الهجر ة قال له كفار قريش‪:‬‬ ‫‪ 2‬ـ وهاجر ُ‬

‫أتيتنا صعلوًك اـ حقيًرا‪ ،‬فكثر مالك عندنا‪ ،‬وبلغت الذي بلغت‪ ،‬ث م تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ وال ل يكون ذلك‪.‬‬ ‫فقال له م صهيب‪ :‬أرأيت م إن جعلت لك م مالى أتخلون سبيلى؟ قالوا‪ :‬نع م‪ ،‬قال‪ :‬فأني قد جعلت لك م مالى‪ ،‬فبلغ ذلك‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م فقال‪] :‬ربح صهيب‪ ،‬ربح صهيب[‪.‬‬ ‫ض بـ فوق‬ ‫‪ 3‬ـ وتواعد عمر بن الخطاب‪ ،‬وَع ّيـاش بن أبي ربيعة‪ ،‬وهشا م بن العاص بن وائل موضًعاـ اسمه التَّنا ُ‬ ‫َس ِرـفـيصبحون عنده‪ ،‬ث م يهاجرون إلى المدينة‪ ،‬فاجتمع عمر وعياش‪ ،‬وحبس عنهما هشا م‪.‬‬ ‫ولما قدما المدينة ونزل بقباء قد م أبو جهل وأخوه الحارث إلى عياش ـ وأ م الثلثة واحد ة‪ ،‬وهي أسماء بنت ُم َخـ ّر ـَبـ ــة‬

‫فقال له‪ :‬إن أمك قد نذرت أل يمس رأسها مشط‪ ،‬ول تستظل بشمس حتى تراك‪َ ،‬فَر ّ‬ ‫قـلها‪ .‬فقال له عمر‪ :‬يا‬

‫عياش‪ ،‬إنه وال إن يريدك القو م إل ليفتنوك عن دينك فاحذره م‪ ،‬فوال لو آذى أمك القمل لمتشطت‪ ،‬ولو قد‬

‫اشتد عليها حر مكة لستظلت‪ ،‬فأبي عياش إل الخروج معهما ليبر قس م أمه‪ ،‬فقال له عمر‪ :‬أما إذ قد فعلت ما‬ ‫فعلت فخذ ناقتى هذه‪ ،‬فإنها ناقة نجيبة ذلول‪ ،‬فالز م ظهرها‪ ،‬فإن رابك من القو م ريب فانج عليها‪.‬‬ ‫فخرج عليها معهما‪ ،‬حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل‪ :‬يابن أمي‪ ،‬وال لقد استغلظت بعيري هذا‪،‬‬ ‫أفل تعقبني على ناقتك هذه؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬فأناخ وأناخا ليتحول عليها‪ ،‬فلما استووا بالرض عدوا عليه فأوثقاه‬ ‫وربطاه‪ ،‬ث م دخل به مكة نهاًرا موثًقا‪ ،‬وقال‪ :‬يا أهل مكة‪ ،‬هكذا فافعلوا بسفهائك م‪ ،‬كما فعلنا بسفيهنا هذا‪.‬‬ ‫هذه ثلثة نماذج لما كان المشركون يفعلونه بمن يريد الهجر ة إذا علموا ذلك‪ .‬ولكن على رغ م ذلك خرج الناس‬ ‫ض ا ـ‪ .‬وبعد شهرين وبضعة أيا م من بيعة العقبة الكبرى ل م يبق بمكة من المسلمين إل‬ ‫أرساًل يتبع بعضه م بع ً‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م وأبو بكر وعلى ـ أقاما بأمره لهما ـ إوال من احتبسه المشركون كرًهاـ‪ ،‬وقد أعد‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج‪ ،‬وأعد أبو بكر جهازه‪.‬‬

‫روى البخاري عن عائشة قالت‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسل م للمسلمين‪] :‬أني أريت دار هجرتك م‪ ،‬ذات‬ ‫نخل بين لَبتَْي نـ[ ـ وهما الحرتان ـ فهاجر من هاجر قبل المدينة‪ ،‬ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى‬ ‫المدينة‪ ،‬وتجهز أبو بكر قبل المدينة‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال عليه وسل م‪] :‬على ِر ْسـ ِلــك‪،‬فأني أرجو أن يؤذن‬ ‫لي[‪ .‬فقال له أبو بكر‪ :‬وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال‪] :‬نع م[‪ ،‬فحبس أبو بكر نفسه على رسول ال صلى ال‬ ‫ط ـ أربعة أشهر‪.‬‬ ‫عليه وسل م ليصحبه‪ ،‬وعلف راحلتين كانتا عنده ورق الّس َمـرـ ـ وهو الَخ َب ـ ُ‬ ‫في دار الندوة ‏]ربرلمان قريش‏[‬


‫ولما رأى المشركون أن أصحاب رسول ا صلى ا عليه وسلم قد تجهزوا وخرجوا‪ ،‬وحملوا وساقوا الذرارى‬ ‫والفطفال والموال إلى الوس والخزرج أصاربتهم الكآربة والحزن‪ ،‬وساورهم القلق والهم ربشكل لم يسبق له مثيل‪،‬‬ ‫فقد تجسد أمامهم خطر حقيقى عظيم‪ ،‬أخذ يهدد كيانهم الوثني والقتصادي‏‪.‬‬ ‫فقد كانوا يعلمون ما في شخصية محمد صلى ا عليه وسلم من غاية قوة التأثير مع كمال القيادة والرشاد‪ ،‬وما‬ ‫في أصحاربه من العزيمة والستقامة والفداء في سبيله‪ ،‬ثم ما في قبائل الوس والخزرج من القوة والمنعة‪ ،‬وما في‬ ‫عقلء هاتين القبيلتين من عوافطف السلم والصل‪،‬ح‪ ،‬والتداعي إلى نبذ الحقاد‪ ،‬ولسيما ربعد أن ذاقوا مرارة‬ ‫الحروب الهلية فطيلة أعوام من الدهر‏‪.‬‬ ‫كما كانوا يعرفون ما للمدينة من الموقع الستراتيجي ربالنسبة إلى المحجة التجارية التى تمر ربساحل البحر الحمر‬ ‫من اليمن إلى الشام‏‪ .‬وقد كان أهل مكة يتاجرون إلى الشام ربقدر رربع مليون دينار ذهب سنوًيا‪ ،‬سوى ما كان لهل‬ ‫الطائف وغيرها‏‪ .‬ومعلوم أن مدار هذه التجارة كان على استقرار المن في تلك الطريق‏‪.‬‬ ‫فل يخفي ما كان لقريش من الخطر البالغ في تمركز الدعوة السلمية في يثرب‪ ،‬ومجاربهة أهلها ضدهم‏‪.‬‬ ‫شعر المشركون ربتفاقم الخطر الذي كان يهدد كيانهم‪ ،‬فصاروا يبحثون عن أنجح الوسائل لدفع هذا الخطر الذي‬ ‫مبعثه الوحيد هو حامل لواء دعوة السلم محمدصلى ا عليه وسلم‏‪.‬‬ ‫وفي يوم الخميس ‪ 26‬من شهر صفر سنة ‪ 14‬من النبوة‪ ،‬الموافق ‪ 12‬من شهر سبتمبر سنة ‪622‬م ـ أي ربعد‬ ‫شهرين ونصف تقريًبا من ربيعة العقبة الكبرى ـ عقد ربرلمان مكة ‏]دار الندوة‏[ في أوائل النهارأخطر اجتماع له في‬ ‫تاريخه‪ ،‬وتوافد إلى هذا الجتماع جميع نواب القبائل القرشية؛ ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاء سريًعا على‬ ‫حامل لواء الدعوة السلمية؛ وتقطع تيار نورها عن الوجود نهائًيا‏‪ .‬وكانت الوجوه البارزة في هذا الجتماع‬ ‫الخطير من نواب قبائل قريش‏‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ أربو جهل ربن هشام‪ ،‬عن قبيلة ربني مخزوم‏‪.‬‬ ‫‪4 ،3 ،2‬ـ جبير ربن ُم ْ‬ ‫طِعم‪ ،‬وفطَُعْيَمة ربن عدى‪ ،‬والحارث ربن عامر‪ ،‬عن ربني نَْوَفل ربن عبد مناف‏‪.‬‬ ‫‪7 ،6 ،5‬ـ شيبة وعتبة اربنا رربيعة وأربو سفيان ربن حرب‪ ،‬عن ربني عبد شمس ربن عبد مناف‏‪.‬‬ ‫‪ 8‬ـ النّ ْ‬ ‫ضر ربن الحارث‪ ،‬عن ربني عبد الدار‏‪.‬‬ ‫‪11 ،10 ،9‬ـ أربو البَْختَِرى ربن هشام‪ ،‬وَزْمَعة ربن السود‪ ،‬وَحِكيم ربن ِحَزام‪ ،‬عن ربني أسد ربن عبد العزى‏‪.‬‬ ‫‪13 ،12‬ـ نُبَْيه وُمنَّبه اربنا الحجاج‪ ،‬عن ربني سهم‏‪.‬‬ ‫‪14‬ـ أمية ربن َخَلف‪ ،‬عن ربني ُجَمح‏‪.‬‬ ‫ولما جاءوا إلى دار الندوة حسب الميعاد‪ ،‬اعترضهم إربليس في هيئة شيخ جليل‪ ،‬عليه ربَ ّ‬ ‫ت له‪ ،‬ووقف على الباب‪،‬‬ ‫فقالوا‏‪ :‬من الشيخ‏؟ قال‏‪ :‬شيخ من أهل نجد سمع ربالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون‪ ،‬وعسى أل يعدمكم‬ ‫منه رأًيا ونصًحا‏‪ .‬قالوا‏‪ :‬أجل‪ ،‬فادخل‪ ،‬فدخل معهم‏‪.‬‬


‫النقاش البرلماني والجماع على قرار غاش م بقتل النبي صلى ال عليه وسل م‬ ‫وبعد أن تكامل الجتماع بدأ عرض القتراحات والحلول‪ ،‬ودار النقاش طويًل‪ .‬قال أبو السود‪ :‬نخرجه من بين‬

‫أظهرنا وننفيه من بلدنا‪ ،‬ول نبالي أين ذهب‪ ،‬ول حيث وقع‪ ،‬فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت‪.‬‬

‫قال الشيخ النجدى‪ :‬ل وال ما هذا لك م برأي‪ ،‬أل م تروا حسن حديثه‪ ،‬وحلو ة منطقه‪ ،‬وغلبته على قلوب الرجال‬ ‫بما يأتى به؟ وال لو فعلت م ذلك ما أمنت م أن يحل على حى من العرب‪ ،‬ث م يسير به م إليك م ـ بعد أن يتابعوه ـ حتى‬ ‫يطأك م به م في بلدك م‪ ،‬ث م يفعل بك م ما أراد‪ ،‬دبروا فيه أرًيا غير هذا‪.‬‬ ‫قال أبو البخترى‪ :‬احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باًبا‪ ،‬ث م تربصوا به ما أصاب أمثاله من الشعراء الذين كانوا‬ ‫قبله ـ زهيًرا والنابغة ـ ومن مضى منه م‪ ،‬من هذا الموت‪ ،‬حتى يصيبه ما أصابه م‪.‬‬ ‫قال الشيخ النجدى‪ :‬ل وال ما هذا لك م برأي‪ ،‬وال لئن حبستموه ـ كما تقولون ـ ليخرجن أمره من وراء الباب الذي‬ ‫أغلقت م دونه إلى أصحابه‪ ،‬فلوشكوا أن يثبوا عليك م‪ ،‬فينزعوه من أيديك م‪ ،‬ث م يكاثروك م به حتى يغلبوك م على‬ ‫أمرك م‪ ،‬ما هذا لك م برأي‪ ،‬فانظروا في غيره‪.‬‬ ‫وبعد أن رفض البرلمان هذين القتراحين‪ ،‬قد م إليه اقتراح آث م وافق عليه جميع أعضائه‪ ،‬تقد م به كبير مجرمى‬ ‫مكة أبو جهل بن هشا م‪ .‬قال أبو جهل‪ :‬وال إن لى فيه أرًياـ ما أراك م وقعت م عليه بعد‪ .‬قالوا‪ :‬وما هو يا أبا‬ ‫طافينا‪ ،‬ث م نعطى كل فتى منه م سيًفا صارًم اـ‪،‬‬ ‫الحك م؟ قال‪ :‬أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاًباـ جليًد اـ َنِس يـبا َو ِسـ ي ـ ً‬ ‫ث م يعمدوا إليه‪ ،‬فيضربوه بها ضربة رجل واحد‪ ،‬فيقتلوه‪ ،‬فنستريح منه‪ ،‬فإنه م إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل‬ ‫جميًعاـ‪ ،‬فل م يقدر بنو عبد مناف على حرب قومه م جميًعاـ‪ ،‬فرضوا منا بالَع ْقـلـ‪ ،‬فعقلناه له م‪.‬‬ ‫قال الشيخ النجدى‪ :‬القول ما قال الرجل‪ ،‬هذا الرأي الذي ل رأي غيره‪.‬‬ ‫ووافق برلمان مكة على هذا القتراح الث م بالجماع‪ ،‬ورجع النواب إلى بيوته م وقد صمموا على تنفيذ هذا القرار‬ ‫فوًرا‪.‬‬


‫هجـر ة النبـي صلى ال عليه وسل م‬

‫بين تدبير تقريش وتدبير ا سبحانه وتعالى‬ ‫تطوي ق منزل الرسول صلى ا عليه وسلم‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم يغادر بيته‬ ‫من الدار إلى الغار‬ ‫إذ هما في الغار‬ ‫في الطري ق إلى المدينة‬ ‫النزول بقباء‬ ‫الدلخول في المدينة‬

‫بين تدبير قريش وتدبير ال سبحانه وتعالى‬ ‫من طبيعة مثل هذا الجتماع السرية للغاية‪ ،‬وأل يبدو على السطح الظاهر أي حركة تخالف اليوميات‪ ،‬وتغاير‬ ‫ض ا ـ ينبئ عن‬ ‫العادات المستمر ة‪ ،‬حتى ل يش م أحد رائحة التآمر والخطر‪ ،‬ول يدور في خلد أحد أن هناك غمو ً‬ ‫الشر‪ ،‬وكان هذا مكًرا من قريش‪ ،‬ولكنه م ماكروا بذلك ال سبحانه وتعالى‪ ،‬فخيبه م من حيث ل يشعرون‪ .‬فقد نزل‬

‫جبريل عليه السل م إلى النبي صلى ال عليه وسل م بوحى من ربه تبارك وتعالى فأخبره بمؤامر ة قريش‪ ،‬وأن ال قد‬ ‫أذن له في الخروج‪ ،‬وحدد له وقت الهجر ة‪ ،‬وبين له خطة الرد على قريش فقال‪ :‬ل تبت هذه الليلة على فراشك‬ ‫الذي كنت تبيت عليه‪.‬‬

‫وذهب النبي صلى ال عليه وسل م في الهاجر ة ـ حين يستريح الناس في بيوته م ـ إلى أبي بكر رضي ال عنه ليبر م‬ ‫معه مراحل الهجر ة‪ ،‬قالت عائشة رضي ال عنها‪ :‬بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهير ة‪ ،‬قال‬ ‫قائل لبي بكر‪ :‬هذا رسول ال صلى ال عليه وسل م متقنًعاـ‪ ،‬في ساعة ل م يكن يأتينا فيها‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬فداء له‬ ‫أبي وأمى‪ ،‬وال ما جاء به في هذه الساعة إل أمر‪.‬‬ ‫قالت‪ :‬فجاء رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،.‬فاستأذن‪،‬فأذن له فدخل‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسل م لبي‬ ‫بكر‪] :‬أخرج َم ْنـ عندك[‪ .‬فقال أبو بكر‪ :‬إنما ه م أهلك‪ ،‬بأبي أنت يا رسول ال ‪ .‬قال‪] :‬فأني قد أذن لى في‬ ‫الخروج[‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬الصحبة بأبي أنت يا رسول ال ؟ قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪] :‬نع م[‪.‬‬

‫ث م أبر م معه خطة الهجر ة‪ ،‬ورجع إلى بيته ينتظر مجىء الليل‪ .‬وقد استمر في أعماله اليومية حسب المعتاد حتى‬ ‫ل م يشعر أحد بأنه يستعد للهجر ة‪ ،‬أو لي أمر آخر اتقاء مما قررته قريش‪.‬‬


‫تطويق منزل الرسول صلى ا عليه وسلم‬ ‫أما أكاربر مجرمي قريش فقضوا نهارهم في العداد سرا لتنفيذ الخطة المرسومة التى أربرمها ربرلمان مكة ‏]دار‬ ‫الندوة‏[ صباًحا‪ ،‬واختير لذلك أحد عشر رئيًسا من هؤلء الكاربر‪ ،‬وهم‏‪:‬‬ ‫‪1‬ـ أربو جهل ربن هشام‏‪.‬‬ ‫‪2‬ـ الَحَكم ربن أربي العاص‏‪.‬‬ ‫‪3‬ـ ُعْقَبة ربن أربي ُمَعْي‏ط‏‪.‬‬ ‫‪4‬ـ النّ ْ‬ ‫ضر ربن الحارث‏‪.‬‬ ‫‪5‬ـ ُأمية ربن َخَلف‏‪.‬‬ ‫‪6‬ـ َزْمَعة ربن السود‏‪.‬‬ ‫ى‏‪.‬‬ ‫‪7‬ـ فطَُعْيمة ربن َعِد ‪.‬‏ّ‬ ‫‪ 8‬ـ أربو لهب‏‪.‬‬ ‫‪9‬ـ أربي ربن خلف‏‪.‬‬ ‫‪10‬ـ نُبَْيه ربن الحجاج‏‪.‬‬ ‫‪11‬ـ أخوه ُمنَّبه ربن الحجاج‏‪.‬‬ ‫وكان من عادة رسول ا صلى ا عليه وسلم أن ينام في أوائل الليل ربعد صلة العشاء‪ ،‬ويخرج ربعد نصف الليل‬ ‫إلى المسجد الحرام‪ ،‬يصلي فيه قيام الليل‪ ،‬فأمر علًيا رضي ا عنه تلك الليلة أن يضطجع على فراشه‪ ،‬ويتسجى‬ ‫رببرده الحضرمي الخضر‪ ،‬وأخبره أنه ل يصيبه مكروه‏‪.‬‬ ‫فلما كانت عتمة من الليل وساد الهدوء‪ ،‬ونام عامة الناس جاء المذكورون إلى ربيته صلى ا عليه وسلم سًرا‪،‬‬ ‫واجتمعوا على رباربه يرصدونه‪ ،‬وهم يظنونه نائًما حتى إذا قام وخرج وثبوا عليه‪ ،‬ونفذوا ما قرروا فيه‏‪.‬‬ ‫وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجا‪،‬ح هذه المؤامرة الدنية‪ ،‬حتى وقف أربو جهل وقفة الزهو والخيلء‪ ،‬وقال‬ ‫مخافطًبا لصحاربه المطوقين في سخرية واستهزاء‏‪ :‬إن محمًدا يزعم أنكم إن تاربعتموه على أمره كنتم ملوك العرب‬ ‫والعجم‪ ،‬ثم ربعثتم من ربعد موتكم‪ ،‬فجعلت لكم جنان كجنان الردن‪ ،‬وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذربح‪ ،‬ثم ربعثتم من‬ ‫ربعد موتكم‪ ،‬ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها‏‪.‬‬ ‫وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة ربعد منتصف الليل في وقت خروجه صلى ا عليه وسلم من البيت‪ ،‬فباتوا‬ ‫متيقظين ينتظرون ساعة الصفر‪ ،‬ولكن ا غالب على أمره‪ ،‬ربيده ملكوت السموات والرض‪ ،‬يفعل ما يشاء‪ ،‬وهو‬ ‫ك الِّذيَن َكفَُروْا‬ ‫يجير ول يجـار عليه‪ ،‬فقـد فعـل مـا خافطب ربه الرسول صلى ا عليه وسلم فيما ربعد‏‪ :‬‏}َوإِْذ يَْمُكُر ربِ َ‬ ‫ك َويَْمُكُروَن َويَْمُكُر ا ُ َوا ُ َخْيُر اْلَماِكِريَن{ ‏]النفال‏‪30:‬‏[‏‪.‬‬ ‫ك أَْو يُْخِرُجو َ‬ ‫ك أَْو يَْقتُُلو َ‬ ‫لِيُْثبُِتو َ‬ ‫الرسول صلى ال عليه وسل م يغادر بيته‬ ‫وقد فشلت قريش في خطته م فشًل ذريًعاـ مع غاية التيقظ والتنبه؛ إذ خرج رسول ال صلى ال عليه وسل م من‬ ‫البيت‪ ،‬واخترق صفوفه م‪ ،‬وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رءوسه م‪ ،‬وقد أخذ ال أبصاره م عنه فل‬ ‫ل ُيْب ِ‬ ‫صـ ُرـ ـو ـ{َن ]يس‪ .[9:‬فل م يبق‬ ‫يرونه‪ ،‬وهو يتلو‪ :‬‏} َوَجـَعـْلـَناِم نـ َبْي ِنـ أَْي ِدـ يـِه ْ مـ َس ّدـاـ َو ِمـْنـَخ ْلـِفِهـْ مـ َس ّدـاـ فَأَْغ َشـْيـَنـاُهْ م فَهُْ م َ‬ ‫منه م رج�� إل وقد وضع على رأسه ت ارًبا‪ ،‬ومضى إلى بيت أبي بكر‪ ،‬فخرجا من خوخة في دار أبي بكر ليًل‬ ‫حتى لحقا بغار ثَْو ر ـ في اتجاه اليمن‪.‬‬


‫وبقى المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر‪ ،‬وقبيل حلولها تجلت له م الخيبة والفشل‪ ،‬فقد جاءه م رجل ممن‬ ‫ل م يكن معه م‪ ،‬ورآه م ببابه فقال‪ :‬ما تنتظرون؟ قالوا‪ :‬محمًد اـ‪ .‬قال‪ :‬خبت م وخسرت م‪ ،‬قد وال مر بك م‪ ،‬وذر على‬ ‫رءوسك م التراب‪ ،‬وانطلق لحاجته‪ ،‬قالوا‪ :‬وال ما أبصرناه‪ ،‬وقاموا ينفضون التراب عن رءوسه م‪.‬‬ ‫ولكنه م تطلعوا من صير الباب ف أروا علًيا‪ ،‬فقالوا‪ :‬وال إن هذا لمحمد نائًم اـ‪ ،‬عليه برده‪ ،‬فل م يبرحوا كذلك حتى‬ ‫أصبحوا‪ .‬وقا م علّى عن الفراش‪ ،‬فسقط في أيديه م‪ ،‬وسألوه عن رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقال‪ :‬ل عل م لي‬

‫به‪.‬‬

‫من الدار إلى الغار‬ ‫غادر رسول ا صلى ا عليه وسلم ربيته في ليلة ‪ 27‬من شهر صفر سنة ‪ 14‬من النبوة‪ ،‬الموافق ‪ 12/13‬سبتمبر‬ ‫سنة ‪622‬م‏‪ .‬وأتى إلى دار رفيقه ـ وأم‪.‬‏ّن الناس عليه في صحبته وماله ـ أربي ربكر رضي ا عنه‏‪ .‬ثم غادر منزل‬ ‫الخير من رباب خلفي؛ ليخرجا من مكة على عجل وقبل أن يطلع الفجر‏‪.‬‬ ‫ولما كان النبي صلى ا عليه وسلم يعلم أن قريًشا َستَِجّد في الطلب‪ ،‬وأن الطريق الذي ستتجه إليه النظار لول‬ ‫وهلة هو فطريق المدينة الرئيسى المتجه شماًل‪ ،‬فسلك الطريق الذي يضاده تماًما‪ ،‬وهو الطريق الواقع جنوب‬ ‫مكة‪ ،‬والمتجه نحو اليمن‪ ،‬سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى ربلغ إلى جبل يعرف ربجبل ثَْور وهو جبل‬ ‫شامخ‪َ ،‬وِعر الطريق‪ ،‬صعب المرتقى‪ ،‬ذو أحجار كثيرة‪ ،‬فحفيت قدما رسول ا صلى ا عليه وسلم‪ ،‬وقيل‏‪ :‬ربل‬ ‫كان يمشى في الطريق على أفطراف قدميه كى يخفي أثره فحفيت قدماه‪ ،‬وأيا ما كان فقد حمله أربو ربكر حين ربلغ‬ ‫إلى الجبل‪ ،‬وفطفق يشتد ربه حتى انتهي ربه إلى غار في قمة الجبل عرف في التاريخ ربغار ثور‏‪.‬‬ ‫إذ هما في الغار‬ ‫ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر‪ :‬وال ل تدخله حتى أدخل قبلك‪ ،‬فإن كان فيه شيء أصابني دونك‪ ،‬فدخل‬ ‫فكسحه‪ ،‬ووجد في جانبه ثقًبا فشق إ ازره وسدها به‪ ،‬وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه‪ ،‬ث م قال لرسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م‪ :‬ادخل‪ ،‬فدخل رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ووضع رأسه في حجره ونا م‪ ،‬فلدغ أبو بكر في رجله‬ ‫من الجحر‪ ،‬ول م يتحرك مخافة أن ينتبه رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فسقطت دموعه على وجه رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقال‪] :‬ما لك يا أبا بكر؟[ قال‪ :‬لدغت‪ ،‬فداك أبي وأمي‪ ،‬فتفل رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م‪ ،‬فذهب ما يجده‪.‬‬ ‫وَك ُمـَنـاـ في الغار ثلث ليال‪ ،‬ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الحد‪ .‬وكان عبد ال بن أبي بكر يبيت عندهما‪.‬‬ ‫قالت عائشة‪ :‬وهو غل م شاب ثَِقفـ لَِقنـ‪ ،‬فُيْد ِلــج من عندهما بَس َحـ ٍرـ ‪،‬ـ ـفيصبح مع قريش بمكة كبائت‪ ،‬فل يسمع‬ ‫أمًرا يكتادان به إل وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظل م‪ ،‬و ]كان[ يرعى عليهما عامر بن فُهَْي َرـ ة مولى‬


‫أبي بكر ِم ْنـَحـ ة ـمن غن م‪ ،‬فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء‪ ،‬فيبيتان في ِر ْسـ ل ـ وهو لبن ِم ْنـَحـ تِــهما‬ ‫وَر ضــيِفهـما ـ حتى َيْن ِعـ ق ـ بها عامر بن فُهَْي َرـ ة بَغ لَـس‪ ،‬يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالى الثلث‪ ،‬وكان عامر بن‬ ‫فهير ة يتبع بغنمه أثر عبد ال بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة لُيَع فـي عليه‪.‬‬ ‫أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلت رسول ال صلى ال عليه وسل م صباح ليلة تنفيذ المؤامر ة‪ .‬فأول‬ ‫ما فعلوا بهذا الصدد أنه م ضربوا علًيا‪ ،‬وسحبوه إلى الكعبة‪ ،‬وحبسوه ساعة‪ ،‬عله م يظفرون بخبرهما‪.‬‬ ‫ولما ل م يحصلوا من علّي على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر وقرعوا بابه‪ ،‬فخرجت إليه م أسماء بنت أبي بكر‪،‬‬ ‫فقالوا لها‪ :‬أين أبوك؟ قالت‪ :‬ل أدرى وال أين أبي؟ فـرفع أبو جهل يـده ـ وكان فاحًش اـ خبيًثا ـ فلط م خـدها لطمـة‬ ‫طـرح منها قرطها‪.‬‬ ‫وقررت قريش في جلسة طارئة مستعجلة استخدا م جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على الرجلين‪ ،‬فوضعت‬ ‫جميع الطرق النافذ ة من مكة ]في جميع الجهات[ تحت المراقبة المسلحة الشديد ة‪ ،‬كما قررت إعطاء مكافأ ة‬ ‫ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين‪ ،‬كائًناـ من كان‪.‬‬ ‫وحينئذ جدت الفرسان والمشا ة وقصاص الثر في الطلب‪ ،‬وانتشروا في الجبال والوديان‪ ،‬والوهاد والهضاب‪ ،‬لكن‬ ‫من دون جدوى وبغير عائد ة‪.‬‬ ‫وقد وصل المطاردون إلى باب الغار‪ ،‬ولكن ال غالب على أمره‪ ،‬روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال‪:‬‬ ‫كنت مع النبي صلى ال عليه وسل م في الغار‪ ،‬فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدا م القو م‪ ،‬فقلت‪ :‬يا نبي ال ‪ ،‬لو أن‬ ‫بعضه م طأطأ بصره رآنا‪ .‬قال‪] :‬اسكت يا أبا بكر‪ ،‬اثنان‪ ،‬ال ثالثهما[‪ ،‬وفي لفظ‪] :‬ما ظنك يا أبا بكر باثنين ال‬ ‫ثالثهما[‪.‬‬ ‫وقد كانت معجز ة أكر م ال بها نبيه صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقد رجع المطاردون حين ل م يبق بينه وبينه م إل‬ ‫خطوات معدود ة‪.‬‬ ‫في الطريق إلى المدينة‬ ‫وحين خمدت نار الطلب‪ ،‬وتوقفت أعمال دوريات التفتيش‪ ،‬وهدأت ثائرات قريش بعد استمرار المطارد ة الحثيثة‬ ‫ثلثة أيا م بدون جدوى‪ ،‬تهيأ رسول ال صلى ال عليه وسل م وصاحبه للخروج إلى المدينة‪.‬‬


‫وكانا قد استأج ار عبد ال بن أَُر ْيـِقـطـالليثى‪ ،‬وكان هادًيا ِخ ّرـيـًتاـ ماهًرا بالطريق ـ وكان على دين كفار قريش‪،‬‬ ‫وأمناه على ذلك‪ ،‬وسلما إليه راحلتيهما‪ ،‬وواعداه غار ثَْو ر ـ بعد ثلث ليال براحلتيهما‪ ،‬فلما كانت ليلة الثنين ـ غر ة‬

‫ربيع الول سنة ‪1‬هـ ‪ 16 /‬سبتمبر سنة ‪ 622‬م ـ جاءهما عبد ال بن أريقط بالراحلتين‪ ،‬وكان قد قال أبو بكر‬

‫للنبى صلى ال عليه وسل م عند مشاورته في البيت‪ :‬بأبي أنت يا رسول ال ‪ ،‬خذ إحدى راحلتى هاتين‪ ،‬وقرب‬ ‫إليه أفضلهما‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م بالثمن‪ .‬وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي ال عنها‬ ‫ِ‬ ‫ص ـاـًم اـ‪ ،‬فلما ارتحل ذهبت لتعلق السفر ة‪ ،‬فإذا ليس لها عصا م‪ ،‬فشقت نطاقها‬ ‫بُس ْفـَر تِــهما‪ ،‬ونسيت أن تجعل لها ع َ‬ ‫باثنين‪ ،‬فعلقت السفر ة بواحد‪ ،‬وانتطقت بالخر فسميت‪ :‬ذات النطاقين‪.‬‬ ‫ث م ارتحل رسول ال صلى ال عليه وسل م وأبو بكر رضي ال عنه وارتحل معهما عامر بن فُهَْي رـ ة‪ ،‬وأخذ به م‬ ‫الدليل ـ عبد ال بن أريقط ـ على طريق السواحل‪.‬‬ ‫وأول ما سلك به م بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب نحو اليمن‪ ،‬ث م اتجه غرًباـ نحو الساحل‪،‬‬ ‫حتى إذا وصل إلى طريق ل م يألفه الناس‪ ،‬اتجه شماًل على مقربة من شاطئ البحر الحمر‪ ،‬وسلك طريًقا ل م‬ ‫يكن يسلكه أحد إل نادًرا‪.‬‬

‫وقد ذكر ابن إسحاق المواضع التي مر بها رسول ال صلى ال عليه وسل م في هذا الطريق‪ ،‬قال‪ :‬لما خرج بهما‬ ‫الدليل سلك بهما أسفل مكة‪ ،‬ث م مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من ُع ْسـفَـان‪ ،‬ث م سلك بهما‬

‫على أسفل أَم جـ‪ ،‬ث م استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قَُد ْيـًدـاـ‪ ،‬ث م أجاز بهما من مكانه ذلك‬ ‫فسلك بهما اْلَخ ّرــار‪،‬ث م سلك بهما ثَّنية اْلَم ّرـ ة‪،‬ث م سلك بهما ِلْقًفا‪ ،‬ث م أجاز بهما َم ْدـلَـَج ة ـِلْقف‪ ،‬ث م استبطن بهما‬ ‫ض َو ـْي ـنـ‪،‬ث م بطن ذى َك ْشـرـ‪ ،‬ث م أخذ‬ ‫َم ْدـلَـجة ِم َجـاــج‪ ،‬ث م سلك بهما َم ْرـِجـ ح ـِم َجـاــح‪ ،‬ث م تبطن بهما َم ْرـِجـ ح ـمن ذى الُغ ْ‬ ‫بهما على اْلَج َدـاـِج دــ‪ ،‬ث م على الجرد‪ ،‬ث م سلك بهما ذا سل م من بطن أعدا َم ْدـلَـَج ة ـتِْع ِهـَنـ ‪ ،‬ـث م على الَعَبـابيد‪ ،‬ث م أجاز‬ ‫بهما الَفاَج ةــ‪ ،‬ث م هبط بهما اْلَعْرـج‪،‬ث م سلك بهما ثنية الَعاـِئر ـ عن يمين َر ُكـوـبة ـ حتى هبط بهما بطن ِر ْئـ مـ‪ ،‬ث م قد م‬ ‫بهما على ُقباء‪.‬‬ ‫وهاك بعض ما وقع في الطريق‬ ‫‪1‬ـ روى البخاري عن أبي بكر الصديق رضي ال عنه قال‪ :‬أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قا م قائ م الظهير ة وخل‬ ‫الطريق‪ ،‬ل يمر فيه أحد‪ ،‬فرفعت لنا صخر ة طويلة‪ ،‬لها ظل ل م تأت عليها الشمس‪ ،‬فنزلنا عنده‪ ،‬وسويت للنبي‬ ‫صلى ال عليه وسل م مكاًناـ بيدى‪ ،‬ينا م عليه‪ ،‬وبسطت عليه فرو ة‪ ،‬وقلت‪ :‬ن م يا رسول ال ‪ ،‬وأنا أنفض لك ما‬ ‫حولك‪ ،‬فنا م‪ ،‬وخرجت أنفض ما حوله‪ ،‬فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخر ة‪ ،‬يريد منها مثل الذي أردنا‪ ،‬فقلت‬ ‫له‪ :‬لمن أنت يا غل م؟ فقال‪ :‬لرجل من أهل المدينة أو مكة‪ .‬قلت‪ :‬أفي غنمك لبن؟ قال‪ :‬نع م‪ .‬قلت‪ :‬أفتحلب؟‬


‫قال‪ :‬نع م‪ .‬فأخذ شا ة‪ ،‬فقلت‪ :‬انفض الضرع من التراب والشعر والقََذ ىـ‪ ،‬فحلب في قعب ُك ثْـبة من لبن‪ ،‬ومعى إداو ة‬ ‫حملتها للنبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬يرتوى منها‪ ،‬يشرب ويتوضأ‪ ،‬فأتيت النبي صلى ال عليه وسل م فكرهت أن‬

‫أوقظه‪ ،‬فوافقته حين استيقظ‪ ،‬فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله‪ ،‬فقلت‪ :‬اشرب يا رسول ال ‪ ،‬فشرب‬ ‫حتى رضيت‪ ،‬ث م قال‪] :‬أل م يأن للرحيل؟[ قلت‪ :‬بلى‪ ،‬قال‪ :‬فارتحلنا‪.‬‬ ‫‪2‬ـ وكان من دأب أبي بكر رضي ال عنه أنه كان ردًفا للنبى صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وكان شيًخ ا ـ يعرف‪ ،‬ونبى ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م شاب ل يعرف‪ ،‬فيلقى الرجل أبا بكر فيقول‪ :‬من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول‪ :‬هذا‬ ‫الرجل يهدينى الطريق‪ ،‬فيحسب الحاسب أنه يعنى به الطريق‪ ،‬إوانما يعنى سبيل الخير‪.‬‬ ‫‪3‬ـ وفي اليو م الثاني أو الثالث مر بخيمتى أ م َم ْعـَبـد الخزاعية‪ ،‬وكان موقعهما بالُم َشـلّـل من ناحية قَُد ْيـدـ على بعد‬ ‫نحو ‪ 130‬كيلو متًرا من مكة‪ ،‬وكانت أ م معبد امرأ ة برز ة جلد ة تحتبى بفناء الخيمة‪ ،‬ث م تطع م وتسقى من مر بها‪،‬‬ ‫فسألها‪ :‬هل عندها شيء؟ فقالت‪ :‬وال لو كان عندنا شيء ما أعوزك م‪ ،‬الِقَرـىـوالشاء عازب‪ ،‬وكانت َس َنـةٌ‬ ‫َش ْهـباء‪.‬‬ ‫فنظر رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى شا ة في كسر الخيمة‪ ،‬فقال‪] :‬ما هذه الشا ة يا أ م معبد؟[ قالت‪ :‬شا ة‬ ‫خلفها الجهد عن الغن م‪ ،‬فقال‪] :‬هل بها من لبن؟[ قالت‪ :‬هي أجهد من ذلك‪ .‬فقال‪] :‬أتأذنين لى أن أحلبها؟[ قالت‪:‬‬ ‫نع م بأبي وأمي إن رأيت بها حلًبا فاحلبها‪ .‬فمسح رسول ال صلى ال عليه وسل م بيده ضرعها‪ ،‬وسمى ال ودعا‪،‬‬

‫تـ ‪،‬ـ ـفدعا بإناء لها َيْر بِــض الرهط‪ ،‬فحلب فيه حتى علته الرغو ة‪ ،‬فسقاها‪ ،‬فشربت حتى رويت‪،‬‬ ‫ت ـ عليه وَد ّرـ ْ‬ ‫فتََفاّج ْ‬ ‫وسقى أصحابه حتى رووا‪ ،‬ث م شرب‪ ،‬وحلب فيه ثانًيا‪ ،‬حتى مل الناء‪ ،‬ث م غادره عندها فارتحلوا‪.‬‬ ‫فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعن از عجافا يتساوكن ه ًزل ‪ ،‬ـ ـفلما رأي اللبن عجب‪ ،‬فقال‪ :‬من أين لك‬

‫هذا؟ والشا ة عازب‪ ،‬ول حلوبة في البيت؟ فقالت‪ :‬ل وال إل أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت‪،‬‬ ‫ومن حاله كذا وكذا‪ ،‬قال‪ :‬أني وال أراه صاحب قريش الذي تطلبه‪ِ ،‬‬ ‫ص ِفــيـه لى يا أ م معبد‪ ،‬فوصفته بصفاته‬ ‫الكريمة وصًفا بديًعاـ كأن السامع ينظر إليه وهو أمامه ـ وسننقله في بيان صفاته صلى ال عليه وسل م في أواخر‬ ‫الكتاب ـ فقال أبو معبد‪ :‬وال هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا‪ ،‬لقد هممت أن أصحبه‪ ،‬ولفعلن‬ ‫إن وجدت إلى ذلك سبيًل‪ .‬وأصبح صوت بمكة عالًيا يسمعونه ول يرون القائل‪:‬‬ ‫جزى ال رب العرش خير جزائه ** رفيقين َح لّـ خيمــتى أ م َم ْعـَبــِد‬ ‫هـمـا نزل بالبِـ ـّر وارتحل به ** وأفلح من أمسى رفيق محمــد‬

‫ص ّى ـ مــا َز َوــىال عنكــ م ** به من فعال ل ُيَح اــذى وُس ـْؤ ُدـدـ‬ ‫فيا لقُ َ‬


‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ص ــد‬ ‫لَيْهِن بني كعـب مكــان َفتاتهــ م ** ومقعُد هــا للمؤمنـين َبْم رـ َ‬ ‫َس لُـوا أختك م عن شاتهـا إوانائهـا ** فإنك م إن تسألوا الشـا ة تَْش ـهَ ــد‬ ‫قالت أسماء‪ :‬ما درينا أين توجه رسول ال صلى ال عليه وسل م إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة فأنشد هذه‬ ‫البيات‪ ،‬والناس يتبعونه ويسمعون صوته ول يرونه حتى خرج من أعلها‪ .‬قالت‪ :‬فلما سمعنا قوله عرفنا حيث‬ ‫توجه رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وأن وجهه إلى المدينة‪.‬‬ ‫‪4‬ـ وتبعهما في الطريق ُس َرـاقة بن مالك‪ .‬قال سراقة‪ :‬بينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومى بني ُم ْدـلـج‪ ،‬أقبل‬

‫رجل منه م حتى قا م علينا ونحن جلوس‪ ،‬فقال‪ :‬يا سراقة‪ ،‬أني رأيت آنًفا أْس ِوـَدـ ةـبالساحل‪ ،‬أراها محمًد اـ وأصحابه‪.‬‬ ‫قال سراقة‪ :‬فعرفت أنه م ه م‪ ،‬فقلت له‪ :‬إنه م ليسوا به م‪ ،‬ولكنك رأيت فلًناـ وفلًنا انطلقوا بأعيننا‪ ،‬ث م لبثت في‬ ‫المجلس ساعة‪ ،‬ث م قمت فدخلت‪ ،‬فأمرت جاريتى أن تخرج فرسى‪ ،‬وهي من وراء أَك َمـةـ‪ ،‬فتحبسها َع لَـّى ‪،‬ـ وأخذت‬ ‫ت ـعاليه‪ ،‬حتى أتيت فرسى فركبتها‪،‬‬ ‫طـ ْ‬ ‫رمحى‪ ،‬فخرجت به من ظهر البيت‪ ،‬فَخ َ‬ ‫تـ بُز ّجـ ِهـالرض‪ ،‬وَخ فَـ ْ‬ ‫ض ُ‬ ‫طُ‬

‫تـبى فرسى فخررت عنها‪ ،‬فقمت‪ ،‬فأهويت يدى إلى كنانتى‪،‬‬ ‫فَر فَـْع تُـها تَُقّر بـ بى حتى دنوت منه م‪ ،‬فَعثَـَر ْ‬ ‫بـ‬ ‫ض ّرـُهْ مـأ م ل؟ فخرج الذي أكره‪ ،‬فركبت فرسي ـ وعصيت الزل م ـ تَُقّر ُ‬ ‫فاستخرجت منها الزل م‪ ،‬فاستقسمت بها‪ ،‬أ ُ‬ ‫ت ـ يدا‬ ‫بي‪ ،‬حتى إذا سمعت قراء ة رسول ال صلى ال عليه وسل م ـ وهو ل يلتفت‪ ،‬وأبو بكر يكثر اللتفات ـ َس اـَخ ْ‬ ‫فرسى في الرض حتى بلغتا الركبتين‪ ،‬فخررت عنها‪ ،‬ث م زجرتها فنهضت‪ ،‬فل م تََك ْدـ تخرج يديها‪ ،‬فلما استوت‬ ‫قائمة إذا لثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان‪ ،‬فاستقسمت بالزل م‪ ،‬فخرج الذي أكره‪ ،‬فناديته م‬

‫بالمان‪ ،‬فوقفوا‪ ،‬فركبت فرسى حتى جئته م‪ ،‬ووقع في نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنه م أن سيظهر‬ ‫أْم ُرـ رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقلت له‪ :‬إن قومك قد جعلوا فيك الدية‪ ،‬وأخبرته م أخبار ما يريد الناس به م‪،‬‬ ‫وعرضت عليه م الزاد والمتاع فل م َير َزــأني‪،‬ول م يسألني إل أن قال‪] :‬أَْخ ِ‬ ‫ف ـ عنا[‪ ،‬فسألته أن يكتب لى كتاب أْم ٍنـ ‪،‬ـ ـ‬ ‫ْ‬ ‫فأمر عامر بن فُهَْي رـ ة‪ ،‬فكتب لى في رقعة من أد م‪ ،‬ث م مضى رسول ال صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫وفي رواية عن أبي بكر قال‪ :‬ارتحلنا والقو م يطلبوننا‪ ،‬فل م يدركنا منه م أحد غير سراقة بن مالك بن ُج ْعـُشـ مـ‪ ،‬على‬

‫ل تَْح َز ـْنـِإّن ال َ َم َعـَنـا{ ]التوبة‪.[40:‬‬ ‫فرس له‪ ،‬فقلت‪ :‬هذا الطلب قد لحقنا يا رسول ال ‪ ،‬فقال‪ :‬‏} َ‬

‫ورجع سراقة فوجد الناس في الطلب فجعل يقول‪ :‬قد استبرأت لك م الخبر‪ ،‬قد كفيت م ما ها هنا‪ .‬وكان أول النهار‬ ‫جاهًد اـ عليهما‪ ،‬وآخره حارًس اـ لهما‪.‬‬ ‫صـْي ـبـالسلمى ومعه نحو ثمانين بيًتا‪ ،‬فأسل م‬ ‫‪ 5‬ـ وفي الطريق لقى النبي صلى ال عليه وسل م ُبرْي َدـ ةـ بن الُح َ‬ ‫وأسلموا‪ ،‬وصلى رسول ال صلى ال عليه وسل م العشاء الخر ة فصلوا خلفه‪ ،‬وأقا م بريد ة بأرض قومه حتى قد م‬ ‫على رسول ال صلى ال عليه وسل م بعد أُُح دـ‪.‬‬


‫وعن عبد ال بن بريد ة أن النبي صلى ال عليه وسل م كان يتفاءل ول يتطير‪ ،‬فركب بريد ة في سبعين راكًباـ من‬

‫أهل بيته من بني سه م‪ ،‬فلقى النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقال له‪] :‬ممن أنت؟[ قال‪ :‬من أسل م‪ ،‬فقال‪ :‬لبي بكر‪:‬‬ ‫سلمنا‪ ،‬ث م قال‪ِ] :‬م ْنـ بني َم ْنـ؟[ قال‪ :‬من بني سه م‪ .‬قال‪] :‬خرج سهمك[‬ ‫‪6‬ـ ومر رسول ال صلى ال عليه وسل م بأبي أْو س ـتمي م بن َح َجـر ـأو بأبي تمي م أوس بن حجر السلمى‪،‬‬ ‫بقحداوات بين الُج ْحـ فَــة وَهْرـ َش ـىـ بالعرج ـ وكان قد أبطأ عليه بعض ظهره‪ ،‬فكان هو وأبو بكر على جمل واحد‪،‬‬

‫فحمله أوس على فحل من إبله‪ ،‬وبعث معهما غلًم اـ له اسمه مسعود‪ ،‬وقال‪ :‬اسلك بهما حيث تعل م من محار م‬ ‫الطريق ول تفارقهما‪ ،‬فسلك بهما الطريق حتى أدخلهما المدينة‪ ،‬ث م رد رسول ال صلى ال عليه وسل م مسعوًد اـ‬

‫إلى سيده‪ ،‬وأمره أن يأمر أوًس اـ أن يس م إبله في أعناقها قيد الفرس‪ ،‬وهو حلقتان‪ ،‬ومد بينهما مًد اـ‪ ،‬فهي سمته م‪.‬‬ ‫ولما أتى المشركون يو م أحد أرسل أوس غلمه مسعود بن ُهَنْي َدـ ةـ من الَعْرـجعلى قدميه إلى رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م يخبره به م‪ .‬ذكره ابن َم اـُك وـل عن الطبرى‪ ،‬وقد أسل م بعد قدو م رسول ال صلى ال عليه وسل م المدينة‪،‬‬ ‫وكان يسكن العرج‪.‬‬

‫‪7‬ـ وفي الطريق ـ في بطن ِر ْئـ م ـ لقى رسول ال صلى ال عليه وسل م الزبير‪ ،‬وهو في ركب من المسلمين‪ ،‬كانوا‬ ‫ض ا ـ‪.‬‬ ‫تجاًرا قافلين من الشا م‪ ،‬فكسا الزبير رسول ال صلى ال عليه وسل م وأبا بكر ثياًبا بيا ً‬ ‫النزول بقباء‬ ‫وفي يو م الثنين ‪ 8‬ربيع الول سنة ‪ 14‬من النبو ة ـ وهي السنة الولى من الهجر ة ـ الموافق ‪ 23‬سبتمبر سنة‬ ‫‪ 622‬م نزل رسول ال صلى ال عليه وسل م بقباء‪.‬‬ ‫قال عرو ة بن الزبير‪ :‬سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول ال صلى ال عليه وسل م من مكة‪ ،‬فكانوا يغدون كل‬ ‫غدا ة إلى الَح ّرـ ة‪،‬فينتظرونه حتى يرده م حر الظهير ة‪ ،‬فانقلبوا يوًم اـ بعد ما أطالوا انتظاره م‪ ،‬فلما أووا إلى بيوته م‬ ‫ط م من آطامه م لمر ينظر إليه‪ ،‬فبصر برسول ال صلى ال عليه وسل م وأصحابه‬ ‫أَْو فــي رجل من يهود على أُ ُ‬ ‫م َبـّي ِ‬ ‫ض ي ــن يزول به م السراب‪ ،‬فل م يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته‪ :‬يا معاشر العرب‪ ،‬هذا جدك م الذي‬ ‫ُ‬ ‫تنتظرون‪ ،‬فثار المسلمون إلى السلح‪ .‬وتلقوا رسول ال صلى ال عليه وسل م بظهر الحر ة‪.‬‬ ‫قال ابن القي م‪ :‬وُس ِمـعـت الَو ْجـ َب ـةُـوالتكبير في بني عمرو بن عوف‪ ،‬وكبر المسلمون فرًح ا ـ بقدومه‪ ،‬وخرجوا للقائه‪،‬‬ ‫فتلقوه وحيوه بتحية النبو ة‪ ،‬فأحدقوا به مطيفين حوله‪ ،‬والسكينة تغشاه‪ ،‬والوحى ينزل عليه‪ :‬‏}فَِإّن ال َ ُهَو َم ْوـَل هُـ ـ‬


‫ظِه يـٌر{ ]التحري م‪.[4:‬‬ ‫ك َ‬ ‫صـاـِلُح اْلُم ْؤـ ِم ـنِـيَنَواـْلَم َلـ ئِ ــَك َبةُـْع َدـ َذ ِلـ َ‬ ‫َو ِجـ ْب ـِرـيـُلَو َ‬ ‫قال عرو ة بن الزبير‪ :‬فتلقوا رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فعدل به م ذات اليمين حتى نزل به م في بني عمرو‬ ‫بن عوف‪ ،‬وذلك يو م الثنين من شهر ربيع الول‪ .‬فقا م أبو بكر للناس‪ ،‬وجلس رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫صامًتا‪ ،‬فطفق من جاء من النصار ممن ل م ير رسول ال صلى ال عليه وسل م يحىى ـ وفي نسخة‪ :‬يجىء ـ أبا‬ ‫بكر‪ ،‬حتى أصابت الشمس رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه‪ ،‬فعرف الناس‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م عند ذلك‪.‬‬ ‫وكانت المدينة كلها قد زحفت للستقبال‪ ،‬وكان يوًم اـ مشهوًد اـ ل م تشهد المدينة مثله في تاريخها‪ ،‬وقد رأي اليهود‬ ‫صدق بشار ة َح ْبـقُـوق النبي‪ :‬إن ال جاء من التيمان‪ ،‬والقدوس من جبال فاران‪.‬‬ ‫ونزل رسول ال صلى ال عليه وسل م بقباء على كلثو م بن الهد م‪ ،‬وقيل‪ :‬بل على سعد بن َخ ْيـثَـَم ةـ‪ ،‬والول أثبت‪.‬‬ ‫ومكث على بن أبي طالب رضي ال عنه بمكة ثلًثا حتى أدى عن رسول ال صلى ال عليه وسل م الودائع التي‬ ‫كانت عنده للناس‪ ،‬ث م هاجر ماشًياـ على قدميه حتى لحقهما بقباء‪ ،‬ونزل على كلثو م بن الهَْد مـ‪.‬‬ ‫وأقا م رسول ال صلى ال عليه وسل م بقباء أربعة أيا م‪ :‬الثنين والثلثاء والربعاء والخميس‪ .‬وأسس مسجد قباء‬ ‫وصلى فيه‪ ،‬وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبو ة‪ ،‬فلما كان اليو م الخامس ـ يو م الجمعة ـ ركب بأمر ال‬ ‫له‪ ،‬وأبو بكر ردفه‪ ،‬وأرسل إلى بني النجار ـ أخواله ـ فجاءوا متقلدين سيوفه م‪ ،‬فسار نحو المدينة وه م حوله‪،‬‬ ‫وأدركته الجمعة في بني سال م بن عوف‪ ،‬فجمع به م في المسجد الذي في بطن الوادى‪ ،‬وكانوا مائة رجل‪.‬‬ ‫الدخول في المدينة‬ ‫ث م سار النبي صلى ال عليه وسل م بعد الجمعة حتى دخل المدينة ـ ومن ذلك اليو م سميت بلد ة يثرب بمدينة‬ ‫الرسول صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ويعبر عنها بالمدينة مختصًرا ـ وكان يوًم اـ مشهوًد اـ أغر‪ ،‬فقد ارتجت البيوت‬ ‫والسكك بأصوات الحمد والتسبيح‪ ،‬وتغنت بنات النصار بغاية الفرح والسرور‪:‬‬ ‫طـلـع الـبــدر علـينا **مـن ثـنيــات الـوداع‬ ‫وجـب الشـكـر علـينا ** م ــا دعــا لـلـه داع‬ ‫أيـهـا المبـعـوث فـينا ** جـئـت بـالمـر المطاع‬ ‫والنصار إوان ل م يكونوا أصحاب ثروات طائلة إل أن كل واحد منه م كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى ال عليه‬ ‫وسل م عليه‪ ،‬فكان ل يمر بدار من دور النصار إل أخذوا خطا م راحلته‪ :‬هل م إلى العدد والعد ة والسلح والمنعة‪،‬‬


‫فكان يقول له م‪] :‬خلوا سبيلها فإنها مأمور ة[‪ ،‬فل م تزل سائر ة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوى اليو م‬ ‫فبركت‪ ،‬ول م ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليًل ‪ ،‬ـ ـث م التفتت ورجعت فبركت في موضعها الول‪ ،‬فنزل عنها‪،‬‬ ‫وذلك في بني النجار ـ أخواله صلى ال عليه وسل م ـ وكان من توفيق ال لها‪ ،‬فإنه أحب أن ينزل على أخواله‪،‬‬

‫يكرمه م بذلك‪ ،‬فجعل الناس يكلمون رسول ال صلى ال عليه وسل م في النزول عليه م‪ ،‬وبادر أبو أيوب النصارى‬ ‫إلى رحـله‪ ،‬فأدخله بيته‪،‬فجعل رسول ال صلى ال عليه وسل م يقول‪] :‬المرء مع رحله[‪ ،‬وجـاء أسعد بن زرار ة فأخـذ‬ ‫بزما م راحلته‪ ،‬فكانت عنــده‪.‬‬ ‫وفي رواية أنس عند البخاري‪ ،‬قال نبى ال صلى ال عليه وسل م‪] :‬أي بيوت أهلنا أقرب؟[ فقال أبو أيوب‪ :‬أنا يا‬ ‫رسول ال ‪ ،‬هذه دارى‪ ،‬وهذا بأبي‪ .‬قال‪] :‬فانطلق فهيئ لنا مقيًل[‪ ،‬قال‪ :‬قوما على بركة ال ‪.‬‬ ‫وبعد أيا م وصلت إليه زوجته َس ْوـ َد ـ ةـ‪،‬وبنتاه فاطمة وأ م كلثو م‪ ،‬وأسامة بن زيد‪ ،‬وأ م أيمن‪ ،‬وخرج معه م عبد ال بن‬ ‫أبي بكر بعيال أبي بكر‪ ،‬ومنه م عائشة‪ ،‬وبقيت زينب عند أبي العاص‪ ،‬ل م يمكنها من الخروج حتى هاجرت بعد‬ ‫بدر‪.‬‬ ‫طَح اــن يجرى َنْج ًل ـ ‪ ،‬ـ ـأي ماًء آِج ًنــا‪.‬‬ ‫قالت عائشة‪ :‬وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض ال ‪ ،‬فكان ُب ْ‬ ‫وقالت‪ :‬لما قد م رسول ال صلى ال عليه وسل م المدينة وعك أبو بكر وبلل‪ ،‬فدخلت عليهما فقلت‪ :‬يا أبه كيف‬ ‫تجدك؟ ويا بلل كيف تجدك؟ قالت‪ :‬فكان أبو بكر إذا أخذته الُح ّمـىـ يقول‪:‬‬ ‫صـ ّبـٌح في أهله ** والموت أدنى من ِش َرـاكَنْع ِلــه‬ ‫كل امرئ ُم َ‬ ‫وكان بلل إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول‪:‬‬ ‫أل ليت ِش ْع ـِرـىهل أبيتَّن ليلة ** بـَواـٍد وحـولى إْذ ِخـٌر ـ وَج ِلـيـُل‬ ‫طِفيـُل‬ ‫وهل أرْد نـ يومـًـا ميـاه ِم َجـّنــة ** وهل َيْب ُدـَوـ ْن ـلى شامة و َ‬ ‫قالت عائشة‪ :‬فجئت رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فأخبرته‪ ،‬فقال‪] :‬ال م العن شيبة بن ربيعة‪ ،‬وعتبة بن‬ ‫ربيعة‪ ،‬وأمية بن خلف‪ ،‬كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء[‪ .‬ث م قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪] :‬ال‬ ‫ م حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد‪ ،‬وصححها‪ ،‬وبارك في صاعها ومدها‪ ،‬وانقل حماها فاجعلها بالُج ْحـ فَــة[‪.‬‬ ‫وقد استجاب ال دعاءه صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فأرى في المنا م أن امرأ ة سوداء ثائر ة الرأس خرجت من المدينة‬ ‫حتى نزلت بالَم ْهـَيَع ةـ‪ ،‬وهي الجحفة‪ .‬وكان ذلك عبار ة عن نقل وباء المدينة إلى الجحفة‪ ،‬وبذلك استراح المهاجرون‬ ‫عما كانوا يعانونه من شد ة مناخ المدينة‪.‬‬


‫إلى هنا انتهي بيان قس م من حياته صلى ال عليه وسل م بعد النبو ة‪ ،‬وهو العهد المكى‪ .‬وفيما يلى نقد م باليجاز‬ ‫عهده المدنى صلى ال عليه وسل م‪ .‬وبال التوفيق‪.‬‬


‫العهد المدني عهد الدعو ة والجهاد والنجاح‬ ‫مراحل الدعوة والجهاد في العهد المدني‬ ‫سكان المدينة وأحوالهم عند الهجرة‬

‫مراحل الدعو ة والجهاد في العهد المدني‬ ‫يمكن تقسي م العهد المدني إلى ثلث مراحل‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ مرحلة تأسيس المجتمع السلمي‪ ،‬وتمكين الدعو ة السلمية‪ ،‬وقد أثيرت في هذه المرحلة القلقل والفتن من‬ ‫الداخل‪ ،‬وزحف فيها العداء من الخارج؛ ليستأصلوا شأفة المسلمين‪ ،‬ويقلعوا الدعو ة من جذورها‪ .‬وقد انتهت هذه‬ ‫المرحلة بتغلب المسلمين وسيطرته م على الموقف مع عقد صلح الحديبية في ذى القعد ة سنة ست من الهجر ة‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ مرحلة الصلح مع العدو الكبر‪ ،‬والفراغ لدعو ة ملوك الرض إلى السل م‪ ،‬وللقضاء على أطراف المؤامرات‪.‬‬ ‫وقد انتهت هذه المرحلة بفتح مكة المكرمة في رمضان سنة ثمان من الهجر ة‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ مرحلة استقبال الوفود‪ ،‬ودخول الناس في دين ال أفواًج ا ـ‪ .‬وقد امتدت هذه المرحلة إلى وفا ة الرسول صلى ال‬ ‫عليه وسل م في ربيع الول سنة إحدى عشر ة من الهجر ة‪.‬‬

‫سكان المدينة وأحواله م عند الهجر ة‬ ‫ل م يكن معنى الهجر ة التخلص والفرار من الفتنة فحسب‪ ،‬بل كانت الهجر ة تعنى مع هذا تعاوًنا على إقامة مجتمع‬ ‫ض ا ـ على كل مسل م يقدر على الهجر ة أن يهاجر ويسه م في بناء هذا الوطن‬ ‫جديد في بلد آمن‪ ،‬ولذلك أصبح فر ً‬ ‫الجديد‪ ،‬ويبذل جهده في تحصينه ورفعة شأنه‪.‬‬

‫ولشك أن رسول ال صلى ال عليه وسل م كان هو الما م والقائد والهادى في بناء هذا المجتمع‪ ،‬وكانت إليه أزمة‬ ‫المور بل نزاع‪.‬‬ ‫والذين قابله م رسول ال صلى ال عليه وسل م في المدينة كانوا على ثلثة أصناف‪ ،‬يختلف أحوال كل واحد منها‬ ‫بالنسبة إلى الخر اختلًفا واضًح اــ‪ ،‬وكان يواجه بالنسبة إلى كل صنف منها مسائل عديد ة غير المسائل التي‬


‫كان يواجهها بالنسبة إلى الخر‪.‬‬ ‫وهذه الصناف الثلثة هي‪:‬‬ ‫‪ 1‬ـ أصحابه الصفو ة الكرا م البرر ة رضي ال عنه م‪.‬‬ ‫‪ 2‬ـ المشركون الذين ل م يؤمنوا بعد‪ ،‬وه م من صمي م قبائل المدينة‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ اليهــود‪.‬‬ ‫أ ـ والمسائل التي كان يواجهها بالنسبة إلى أصحابه هو أن ظروف المدينة بالنسبة إليه م كانت تختلف تماًم اـ عن‬

‫الظروف التي مروا بها في مكة‪ ،‬فه م في مكة إوان كانت تجمعه م كلمة جامعة وكانوا يستهدفون هدًفا واحًد اـ‪ ،‬إل‬ ‫أنه م كانوا متفرقين في بيوتات شتى‪ ،‬مقهورين أذلء مطرودين‪ ،‬ل م يكن له م من المر شيء‪ ،‬إوانما كان المر بيد‬ ‫أعدائه م في الدين‪ ،‬فل م يكن هؤلء المسلمون يستطيعون أن ينشئوا مجتمًعاـ إسلمًياـ جديًد اـ بمواده التي ل يستغنى‬ ‫عنها أي مجتمع إنسإني في العال م؛ ولذلك نرى السور المكية تقتصر على تفصيل المبادئ السلمية‪ ،‬وعلى‬

‫التشريعات التي يمكن العمل بها لكل فرد وحده‪ ،‬وعلى الترغيب في البر والخير ومكار م الخلق والترهيب عن‬ ‫الرذائل والدنايا‪.‬‬ ‫أما في المدينة فكان أمر المسلمين بأيديه م منذ أول يو م‪ ،‬ول م يكن يسيطر عليه م أحد من الناس‪ ،‬وهذا يعنى أنه م‬ ‫قد آن له م أن يواجهوا مسائل الحضار ة والعمران‪ ،‬والمعيشة والقتصاد‪ ،‬والسياسة والحكومة‪ ،‬والسل م والحرب‪ ،‬وأن‬ ‫تفصل له م مسائل الحلل والحرا م‪ ،‬والعباد ة والخلق‪ ،‬وما إلى ذلك من شئون الحيا ة‪.‬‬ ‫أي آن للمسلمين أن يكونوا مجتمًعاـ إسلمًيا يختلف في جميع مراحل الحيا ة عن المجتمع الجاهلي‪ ،‬ويمتاز عن‬ ‫أي مجتمع يوجد في العال م النساني‪ ،‬ويكون ممثًل للدعو ة السلمية التي عانى لها المسلمون ألواًنا من النكال‬ ‫والعذاب طيلة عشر سنوات‪.‬‬

‫ول يخفي أن تكوين أي مجتمع على هذا النمط ل يمكن أن يستتب في يو م واحد‪ ،‬أو شهر واحد‪ ،‬أو سنة واحد ة‪،‬‬ ‫بل لبد له من زمن طويل يتكامل فيه التشريع والتقنين والتربية والتثقيف والتدريب والتنفيذ شيًئاـ فشيًئا‪ ،‬وكان ال‬ ‫كفيًل بهذا التشريع‪ ،‬وكان رسول ال صلى ال عليه وسل م قائًم اـ بتنفيذه والرشاد إليه‪ ،‬وبتربية المسلمين وتزكيته م‬ ‫ب َواـْلِح ْك ـَمـ{َةـ ]الجمعة‪:‬‬ ‫وفق ذلك ‏}ُهَو الِّذ ي ـ َبَع َ‬ ‫ثـ ِفيـ اْلُّم ّيـيَن َر ُسـوًـلّم ْنـهُـْ م َيْتُلو َع لَـْي ِهـْ مـ آَياتِِه َو ُيـَز ّكـيـِه ْ مَـو ُيـَع لّـُم هُـُ م اْلِك تَـا َ‬ ‫‪.[2‬‬ ‫وكان الصحابة رضي ال عنه م مقبلين عليه بقلوبه م‪،‬يتحلون بأحكامه‪،‬ويستبشرون بها ‏} َ إوِاـَذـاـتُِلَي ْ‬ ‫تـ َع لَـْي ِهـْ مـ آَياتُهُ‬


‫َزاَد تْـهُْ م ِإيَم اـًنا{ ]النفال‪ .[2 :‬وليس تفصيل هذه المسائل كلها من مباحث موضوعنا‪ ،‬فنقتصر منها على قدر‬ ‫الحاجة‪.‬‬ ‫وكان هذا أعظ م ما واجهه رسول ال صلى ال عليه وسل م بالنسبة للمسلمين‪ ،‬وهو الهدف السمى والمطلب‬ ‫النبيل المقصود من الدعو ة السلمية والرسالة المحمدية‪ ،‬ومعلو م أنه ليس بقضية طارئة تطلب الستعجال‪ ،‬بل‬ ‫هي قضية أصيلة تحتاج إلى آجال‪ .‬نع م‪ ،‬كانت هناك قضايا طارئة تطلب الحل العاجل والحكي م‪ ،‬أهمها أن‬ ‫المسلمين كانوا على قسمين‪:‬‬ ‫قس م كانوا في أرضه م ودياره م وأمواله م‪ ،‬ل يهمه م من ذلك إل ما يه م الرجل وهو آمن في ِس ْر ـبِــه‪،‬وه م النصار‪،‬‬ ‫وكان بينه م تنافر مستحك م وعداء مزمن منذ أمد بعيد‪.‬‬

‫وقس م آخر فاته م كل ذلك‪ ،‬ونجوا بأنفسه م إلى المدينة‪ ،‬وه م المهاجرون‪ ،‬فل م يكن له م ملجأ يأوون إليه‪ ،‬ول عمل‬ ‫يكسبون به ما يسد حاجته م‪ ،‬ول مال يبلغون به َقَواـًم اـمن العيش‪ ،‬وكان عدد هؤلء اللجئين غير قليل‪ ،‬ث م كانوا‬ ‫يزيدون يوًم اـ فيوما؛ إذ كان قد أوذن بالهجر ة لكل من آمن بال ورسوله‪ .‬ومعلو م أن المدينة ل م تكن على ثرو ة‬

‫طائلة فتزعزع ميزانها القتصادى‪ ،‬وفي هذه الساعة الحرجة قامت القوات المعادية للسل م بشبه مقاطعة‬ ‫اقتصادية‪َ ،‬قّلت لجلها المستوردات وتفاقمت الظروف‪.‬‬

‫ب ـ أما القو م الثاني ـ وه م المشركون من صمي م قبائل المدينة ـ فل م تكن له م سيطر ة على المسلمين‪ ،‬وكان منه م‬ ‫من يتخالجه الشكوك ويتردد في ترك دين الباء‪ ،‬ولكن ل م يكن يبطن العداو ة والكيد ضد السل م والمسلمين‪ ،‬ول م‬ ‫تمض عليه م مد ة طويلة حتى أسلموا وأخلصوا دينه م ل‪.‬‬ ‫وكان فيه م من يبطن شديد الحن والعداو ة ضد رسول ال صلى ال عليه وسل م والمسلمين‪ ،‬ولكن ل م يكن يستطيع‬ ‫أن يناوئه م‪ ،‬بل كان مضطًرا إلى إظهار الوّد والصفاء نظًرا إلى الظروف‪ ،‬وعلى رأس هؤلء عبد ال بن أبي‪ ،‬فقد‬ ‫كانت الوس والخزرج اجتمعوا على سيادته بعد حرب ُبَعاـث ـ ول م يكونوا اجتمعوا على سياد ة أحد قبله ـ وكانوا قد‬

‫نظموا له الَخ ْر ـ زــ‪،‬لُيتَّو ُجـ وـه وُيَم لّـُك وـه‪ ،‬وكان على وشك أن يصير ملًك اـ على أهل المدينة إذ بوغت بمجىء رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وانصراف قومه عنه إليه‪ ،‬فكان يرى أنه استلبه الملك‪ ،‬فكان يبطن شديد العداو ة ضده‪،‬‬ ‫ولما رأي أن الظروف ل تساعده على شركه‪ ،‬وأنه سوف يحر م بقايا العز والشرف وما يترتب عليهما من منافع‬ ‫الحيا ة الدنيا أظهر السل م بعد بدر‪ ،‬ولكن بقى مستبطًناـ الكفر‪ ،‬فكان ل يجد مجاًل يكيد فيه برسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م وبالمسلمين إل ويأتيه‪ ،‬وكان أصحابه ـ من الرؤساء الذين حرموا المناصب المرجو ة في ملكه ـ‬ ‫يساهمونه ويدعمونه في تنفيذ خططه‪ ،‬وربما كانوا يتخذون بعض الشباب وسذجة المسلمين عميًل لتنفيذ خطته م‬

‫من حيث ل يشعر‪.‬‬


‫جـ ـ أما القو م الثالث ـ وه م اليهود ـ فإنه م كانوا قد انحازوا إلى الحجاز زمن الضطهاد الشورى والروماني كما‬ ‫أسلفنا‪ ،‬وكانوا في الحقيقة عبرانيين‪ ،‬ولكن بعد النسحاب إلى الحجاز اصطبغوا بالصبغة العربية في الزى واللغة‬ ‫والحضار ة‪ ،‬حتى صارت أسماؤه م وأسماء قبائله م عربية‪ ،‬وحتى قامت بينه م وبين العرب علقة الزواج والصهر‪،‬‬ ‫إل أنه م احتفظوا بعصبيته م الجنسية‪ ،‬ول م يندمجوا في العرب قطًعاـ‪ ،‬بل كانوا يفتخرون بجنسيته م السرائيلية ـ‬ ‫اليهودية ـ وكانوا يحتقرون العرب احتقاًرا بالًغاـ وكانوا يرون أن أموال العرب مباحة له م‪ ،‬يأكلونها كيف شاءوا‪ ،‬قال‬ ‫كـ و ِمـْنـهـ م ّم نـ ِإن تَْأم ْنـهـ بِِد يـناٍر لّ يؤ ّدـِهـ ِإلَي َ ّ‬ ‫تـ‬ ‫تعالى‪ :‬‏} َوِمـْنـأَْه ِلـ اْلِك تَـاِب َم ْنـ ِإن تَْأَم ْنـهُـ بِِقنـ َ‬ ‫َُ ْ‬ ‫كـ ِإل َم اـ ُد ْمـ َ‬ ‫َ ُ َ‬ ‫طاٍر ُيَؤ ّدـِهـ ِإلَْي َ َ ُ ْ‬ ‫ك بِأَّنهُْ م َقالُوْا لَْي َسـ َع لَـْي َنـاـ ِفيـ الُّم ّيـيَن َس بِـيٌل{ ]آل عمران‪ .[75 :‬ول م يكونوا متحمسين في نشر دينه م‪،‬‬ ‫َع لَـْي ِهـ َقآئًِم اـ َذ ِلـ َ‬ ‫إوانما جل بضاعته م الدينية هي‪ :‬الفأل والسحر والنفث والرقية وأمثالها‪ ،‬وبذلك كانوا يرون أنفسه م أصحاب عل م‬ ‫وفضل وقياد ة روحانية‪.‬‬

‫وكانوا َم هَـَر ةًفي فنون الكسب والمعيشة‪ ،‬فكانت في أيديه م تجار ة الحبوب والتمر والخمر والثياب‪ ،‬كانوا يستوردون‬ ‫الثياب والحبوب والخمر‪ ،‬ويصدرون التمر‪ ،‬وكانت له م أعمال من دون ذلك ه م لها عاملون‪ ،‬فكانوا يأخذون‬ ‫المنافع من عامة العرب أضعاًفا مضاعفة‪ ،‬ث م ل م يكونوا يقتصرون على ذلك‪ ،‬بل كانوا أكالين للربا‪ ،‬يعطون‬ ‫القروض الطائلة لشيوخ العرب وساداته م؛ ليكسبوا بها مدائح الشعراء والسمعة الحسنة بين الناس بعد إنفاقها من‬ ‫غير جدوى ول طائلة‪ ،‬وكانوا يرتهنون لها أرض هؤلء الرؤساء وزروعه م وحوائطه م‪ ،‬ث م ل يلبثون إل أعواًم اـ حتى‬

‫يتملكونها‪.‬‬

‫وكانوا أصحاب دسائس ومؤامرات وعتو وفساد؛ يلقون العداو ة والشحناء بين القبائل العربية المجاور ة‪ ،‬ويغرون‬ ‫بعضها على بعض بكيد خفي ل م تكن تشعره تلك القبائل‪ ،‬فكانت تتطاحن في حروب‪ ،‬ول م تكد تنطفئ نيرانها‬ ‫حتى تتحرك أنامل اليهود مر ة أخرى لتؤججها من جديد‪ .‬فإذا ت م له م ذلك جلسوا على حياد يرون نتائج هذا‬ ‫التحريض والغراء‪ ،‬ويستلذون بما يحل بهؤلء المساكين ـ العرب ـ من التعاسة والبوار‪ ،‬ويزودونه م بقروض ثقيلة‬ ‫ربوية حتى ل يحجموا عن الحرب لعسر النفقة‪ .‬وبهذا التدبير كانوا يحصلون على فائدتين كبيرتين‪ :‬هما الحتفاظ‬ ‫على كيانه م اليهودى‪ ،‬إوانفاق سوق الربا؛ ليأكلوه أضعاًفا مضاعفة‪ ،‬ويكسبوا ثروات طائلة‪.‬‬ ‫وكانت في يثرب منه م ثلث قبائل مشهور ة‪:‬‬ ‫‪1‬ـ بنو قَْي ُنـَقاع ‪ :‬وكانوا حلفاء الخزرج‪ ،‬وكانت دياره م داخل المدينة‪.‬‬ ‫‪2‬ـ بنو الّن ِ‬ ‫ض يــر‪ :‬وكانوا حلفاء الخزرج‪ ،‬وكانت دياره م بضواحى المدينة‪.‬‬ ‫‪3‬ـ بنو قَُر ْيـظـة‪ :‬وكانوا حلفاء الوس‪ ،‬وكانت دياره م بضواحى المدينة‪.‬‬


‫وهذه القبائل هي التي كانت تثير الحروب بين الوس والخزرج منذ أمد بعيد‪ ،‬وقد ساهمت بأنفسها في حرب‬ ‫ُبَعاـث‪ ،‬كل مع حلفائها‪.‬‬ ‫وطبًعاـ فإن اليهود ل م يكن يرجى منه م أن ينظروا إلى السل م إل بعين البغض والحقد؛ فالرسول ل م يكن من أبناء‬ ‫جنسه م حتى ُيَس ّكـنـ َج ْأـَش عصبيته م الجنسية التي كانت مسيطر ة على نفسياته م وعقليته م‪ ،‬ودعو ة السل م ل م تكن‬ ‫إل دعو ة صالحة تؤلف بين أشتات القلوب‪ ،‬وتطفئ نار العداو ة والبغضاء‪ ،‬وتدعو إلى التزا م المانة في كل‬

‫الشئون‪ ،‬إوالى التقيد بأكل الحلل من طيب الموال‪ ،‬ومعنى كل ذلك أن قبائل يثرب العربية ستتآلف فيما بينها‪،‬‬ ‫وحينئذ لبد من أن تفلت من براثن اليهود‪ ،‬فيفشل نشاطه م التجارى‪ ،‬ويحرمون أموال الربا الذي كانت تدور عليه‬ ‫رحى ثروته م‪ ،‬بل يحتمل أن تتيقظ تلك القبائل‪ ،‬فتدخل في حسابها الموال الربوية التي أخذتها اليهود‪ ،‬وتقو م‬ ‫بإرجاع أرضها وحوائطها التي أضاعتها إلى اليهود في تأدية الربا‪.‬‬ ‫كان اليهود يدخلون كل ذلك في حسابه م منذ عرفوا أن دعو ة السل م تحاول الستقرار في يثرب؛ ولذلك كانوا‬ ‫يبطنون أشد العداو ة ضد السل م‪ ،‬وضد رسول ال صلى ال عليه وسل م منذ أن دخل يثرب‪ ،‬إوان كانوا ل م‬ ‫يتجاسروا على إظهارها إل بعد حين‪.‬‬ ‫ويظهر ذلك جلًيا بما رواه ابن إسحاق عن أ م المؤمنين صفية رضي ال عنها قال ابن إسحاق‪ :‬حدثت عن صفية‬ ‫بنت حيي بن أخطب أنها قالت‪ :‬كنت أَح ّ‬ ‫ب ـ ولد أبي إليه‪ ،‬إوالى عمي أبي ياسر‪ ،‬ل م ألقهما قط مع ولد لهما إل‬

‫أخذإني دونه‪ .‬قالت‪ :‬فلما قد م رسول ال صلى ال عليه وسل م المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غدا‬ ‫عليه أبي؛ حيى بن أخطب‪ ،‬وعمى أبو ياسر بن أخطب ُم َغـلّـِس يــن‪ ،‬قالت‪ :‬فل م يرجعا حتى كانا مع غروب‬ ‫الشمس‪ ،‬قالت‪ :‬فأتيا َك اـلّْي نـ كسلنين ساقطين يمشيان الهَُو ْيـَنـىـ‪ .‬قالت‪ :‬فهششت إليهما كما كنت أصنع‪ ،‬فوال ما‬ ‫التفت إلّى واحد منهما‪ ،‬مع ما بهما من الغ م‪ .‬قالت‪ :‬وسمعت عمى أبا ياسر‪ ،‬وهو يقول لبي حيي بن أخطب‪:‬‬ ‫أهو هو؟ قال‪ :‬نع م وال‪ ،‬قال‪ :‬أتعرفه وتثبته؟ قال‪ :‬نع م‪ ،‬قال‪ :‬فما في نفسك منه؟ قال‪ :‬عداوته وال ما بقيت‪.‬‬

‫ض ا ـ ما رواه البخاري في إسل م عبد ال بن َس لَـ م رضي ال عنه فقد كان حبًرا من فطاحل علماء‬ ‫ويشهد بذلك أي ً‬ ‫اليهود‪ ،‬ولما سمع بمقد م رسول ال صلى ال عليه وسل م المدينة في بني النجار جاءه مستعجًل ‪ ،‬ـ ـوألقى إليه أسئلة‬

‫ل يعلمها إل نبى‪ ،‬ولما سمع ردوده صلى ال عليه وسل م عليها آمن به ساعته ومكانه‪ ،‬ث م قال له‪ :‬إن اليهود قو م‬

‫ت ‪ ،‬ـإن علموا بإسلمي قبل أن تسأله م َبهَُتوِنى عندك‪ ،‬فأرسل رسول ال صلى ال عليه وسل م فجاءت اليهود‪،‬‬ ‫ُبْه ٌ‬ ‫ودخل عبد ال بن سل م البيت‪ .‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪] :‬أي رجل فيك م عبد ال بن سل م؟[ قالوا‪:‬‬

‫أعلمنا وابن أعلمنا‪ ،‬وأخيرنا وابن أخيرنا ـ وفي لفظ‪ :‬سيدنا وابن سيدنا‪ .‬وفي لفظ آخر‪ :‬خيرنا وابن خيرنا‪ ،‬وأفضلنا‬ ‫وابن أفضلنا ـ فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ] :‬أفرأيت م إن أسل م عبد ال؟[ فقالوا‪ :‬أعاذه ال من ذلك ]مرتين‬ ‫أو ثلثا[‪ ،‬فخرج إليه م عبد ال فقال‪ :‬أشهد أن ل إله إل ال‪ ،‬وأشهد أن محمًد اـ رسول ال‪ ،‬قالوا‪ :‬شّر نـا وابن شّر نـا‪،‬‬


‫ووقعوا فيه‪ .‬وفي لفظ‪ :‬فقال‪ :‬يا معشر اليهود‪ ،‬اتقوا ال‪ ،‬فوال الذي ل إله إل هو‪ ،‬إنك م لتعلمون أنه رسول ال‪،‬‬ ‫وأنه جاء بحق‪ .‬فقالوا‪ :‬كذبت‪.‬‬ ‫وهذه أول تجربة تلقاها رسول ال صلى ال عليه وسل م من اليهود في أول يو م دخل فيه المدينة‪.‬‬ ‫وهذه هي الظروف والقضايا الداخلية التي واجهها الرسول صلى ال عليه وسل م حين نزل بالمدينة‪.‬‬ ‫أما من ناحية الخارج فكان يحيط بها من يدين بدين قريش‪ ،‬وكانت قريش ألـد عـدو للسل م والمسلمين‪ ،‬جربت‬ ‫عليه م طوال عشر ة أعوا م ـ حينما كان المسلمون تحت أيديها ـ كل أساليب الرهاب والتهديد والمضايقة والتعذيب‪،‬‬ ‫والمقاطعة والتجويع‪ ،‬وأذاقته م التنكيلت والويلت‪ ،‬وشنت عليه م حرًباـ نفسية مضنية مع دعاية واسعة منظمة‪،‬‬ ‫ولما هاجر المسلمون إلى المدينة صادرت أرضه م ودياره م وأمواله م‪ ،‬وحالت بينه م وبين أزواجه م وذرياته م‪ ،‬بل‬ ‫حبست وعذبت من قدرت عليه‪ ،‬ول م تقتصر على هذا‪ ،‬بل تآمرت على الفتك بصاحب الدعو ة صلى ال عليه‬

‫وسل م‪ ،‬والقضاء عليه وعلى دعوته‪ ،‬ول م تَْأُلـ جهًد اـ في تنفيذ هذه المؤامر ة‪ .‬فكان من الطبيعى جًد اـ‪ ،‬حينما نجا‬ ‫المسلمون منها إلى أرض تبعد نحو خمسمائة كيلو متر‪ ،‬أن تقو م بدورها السياسى والعسكرى‪ ،‬لما لها من الصدار ة‬ ‫الدنيوية والزعامة الدينية بين أوساط العرب بصفتها ساكنة الحر م ومجاور ة بيت ال وسدنته‪ ،‬وتغرى غيرها من‬

‫مشركي الجزير ة ضد أهل المدينة‪ ،‬وفعًل قامت بذلك كله حتى صارت المدينة محفوفة بالخطار‪ ،‬وفي شبه‬ ‫ت لجلها المستوردات‪ ،‬في حين كان عدد اللجئين إليها يزيد يوًم اـ بعد يو م‪ ،‬وبذلك كانت ]حالة‬ ‫مقاطعة شديد ة َقلّ ْ‬ ‫الحرب[ قائمة بين هؤلء الطغا ة من أهل مكة ومن دان دينه م‪ ،‬وبين المسلمين في وطنه م الجديد‪.‬‬ ‫وكان من حق المسلمين أن يصادروا أموال هؤلء الطغا ة كما صودرت أمواله م‪ ،‬وأن يديلوا عليه م من التنكيلت‬ ‫بمثل ما أدالوا بها‪ ،‬وأن يقيموا في سبيل حياته م العراقيل كما أقاموها في سبيل حيا ة المسلمين‪ ،‬وأن يكيلوا لهؤلء‬ ‫الطغا ة صاًع اـ بصاع حتى ل يجدوا سبيًل لباد ة المسلمين واستئصال خضرائه م‪.‬‬ ‫وهذه هي القضايا والمشاكل الخارجية التي واجهها رسول ال صلى ال عليه وسل م بعدما ورد المدينة‪ ،‬وكان عليه‬ ‫أن يعالجها بحكمة بالغة حتى يخرج منها مكلًل بالنجاح‪.‬‬ ‫وقد قا م رسول ال صلى ال عليه وسل م بمعالجة كل القضايا أحسن قيا م‪ ،‬بتوفيق من ال وتأييده‪ ،‬فعامل كل قو م‬ ‫بما كانوا يستحقونه من الرأفة والرحمة أو الشد ة والنكال‪،‬وذلك بجانب قيامه بتزكية النفوس وتعلي م الكتاب‬ ‫والحكمة‪ ،‬ول شك أن جانب التزكية والتعلي م والرأفة والرحمة كان غالًبا على جانب الشد ة والعنت ـ حتى عاد المر‬ ‫إلى السل م وأهله في بضع سنوات‪ ،‬وسيجد القارئ كل ذلك جلًيا في الصفحات التية‪.‬‬


‫المرحلة الولى‬ ‫بناء مجتمع جديد‬ ‫بناء المسجد النبوي‬ ‫المؤالخاة بين المسلمين‬ ‫ميثا ق التحالف السلمي‬ ‫أثر المعنويات في المجتمع‬

‫بناء مجتمع جديد‬ ‫قد أسلفنا أن نزول رسول ال صلى ال عليه وسل م بالمدينة في بني النجار كان يو م الجمعة ]‪ 12‬ربيع الول سنة‬ ‫‪ 1‬هـ‪ /‬الموافق ‪ 27‬سبتمبر سنة ‪ 622‬م[‪ ،‬وأنه نزل في أرض أما م دار أبي أيوب‪ ،‬وقال‪] :‬هاهنا المنزل إن شاء‬ ‫ال[‪ ،‬ث م انتقل إلى بيت أبي أيوب رضي ال عنه‬

‫بناء المسجد النبوي‬ ‫وأول خطو ة خطاها رسول ال صلى ال عليه وسل م بعد ذلك هو بناء المسجد النبوي‪ ،‬واختار له المكان الذي‬ ‫بركت فيه ناقته صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فاشتراه من غلمين يتيمين كانا يملكانه‪ ،‬وأسه م في بنائه بنفسه‪ ،‬فكان ينقل‬ ‫اللِبن والحجار ة ويقول‪:‬‬

‫شـ الخر ة ** فاْغ ِفـْرـ للنصار والُم هَـاِج َر ـ[ ة‬ ‫]الله م ل َع ْيـَشـ إل َع ْيـ ُ‬ ‫وكان يقول‪:‬‬ ‫طـَهر[‬ ‫]هذا الِح َمـاـُل ل ِح َمـاـل َخ ْيـَبـرـ ** هــذا أبَـّر َر ّبـَناـوأ ْ‬ ‫وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في العمل‪ ،‬حتى إن أحده م ليقول‪:‬‬ ‫ضـ لّــل‬ ‫لئن قََع ـْد نـا والنبي َيْع َمـلـ ** لـذاك ِم ـّنا الَعَمـ ـُل الُم َ‬ ‫وكانت في ذلك المكان قبور للمشركين‪ ،‬وكان فيه خرب ونخل وشجر ة من َغ ْرـ قَــد‪،‬فأمر رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م بقبور المشركين فنبشت‪ ،‬وبالَخ ِرـبـفسويت‪ ،‬وبالنخل والشجر ة فقطعت‪ ،‬وصفت في قبلة المسجد‪ ،‬وكانت‬

‫القبلة إلى بيت المقدس‪ ،‬وجعلت عضادتاه من حجار ة‪ ،‬وأقيمت حيطانه من اللبن والطين‪ ،‬وجعل سقفه من جريد‬ ‫النخل‪ ،‬وُع ُمـدـه الجذوع‪ ،‬وفرشت أرضه بالرمال والحصباء‪ ،‬وجعلت له ثلثة أبواب‪ ،‬وطوله مما يلى القبلة إلى‬

‫مؤخره مائة ذراع‪ ،‬والجانبان مثل ذلك أو دونه‪ ،‬وكان أساسه قريًباـ من ثلثة أذرع‪.‬‬


‫وبني بجانبه بيوًتا بالحجر واللبن‪ ،‬وسقفها بالجريد والجذوع‪ ،‬وهي حجرات أزواجه صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وبعد‬ ‫تكامل الحجرات انتقل إليها من بيت أبي أيوب‪.‬‬ ‫ول م يكن المسجد موضًعاـ لداء الصلوات فحسب‪ ،‬بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعالي م السل م وتوجيهاته‪،‬‬ ‫ومنتدى تلتقى وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها‪ ،‬وقاعد ة‬ ‫لدار ة جميع الشئون وبث النطلقات‪ ،‬وبرلمان لعقد المجالس الستشارية والتنفيذية‪.‬‬ ‫وكان مع هذا كله داًرا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللجئين الذين ل م يكن له م هناك دار ول مال‬ ‫ول أهل ول بنون‪.‬‬ ‫وفي أوائل الهجر ة شرع الذان‪ ،‬تلك النغمة العلوية التي تدوى في الفاق‪ ،‬وتهز أرجاء الوجود‪ ،‬تعلن كل يو م‬ ‫خمس مرات بأن ل إله إل ال وأن محمًد اـ رسول ال‪ ،‬وتنفي كل كبرياء في الكون وكل دين في الوجود‪ ،‬إل‬ ‫كبرياء ال‪ ،‬والدين الذي جاء به عبده محمد رسول ال‪ .‬وقد تشرف برؤيته في المنا م أحد الصحابة الخيار عبد‬ ‫ال بن زيد بن عبد ربه رضي ال عنه فأقره النبي صلى ال عليه وسل م وقد وافقت رؤياه رؤيا عمر بن الخطاب‬ ‫رضي ال عنه فأقره النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬والقصة بكاملها مروية في كتب السنة والسير ة‪.‬‬

‫المؤاخا ة بين المسلمين‬ ‫ث م إن النبي صلى ال عليه وسل م بجانب قيامه ببناء المسجد‪ :‬مركز التجمع والتآلف‪ ،‬قا م بعمل آخر من أروع ما‬ ‫يأثره التاريخ‪ ،‬وهو عمل المؤاخا ة بين المهاجرين والنصار‪ ،‬قال ابن القي م‪ :‬ث م أخي رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م بين المهاجرين والنصار في دار أنس بن مالك‪ ،‬وكانوا تسعين رجًل ‪ ،‬ـ ـنصفه م من المهاجرين‪ ،‬ونصفه م من‬

‫النصار‪ ،‬أخي بينه م على المواسا ة‪ ،‬ويتوارثون بعد الموت دون ذوى الرحا م إلى حين وقعة بدر‪ ،‬فلما أنزل ال‬ ‫ضـهُـْ م أَْو لَــى بَِبْع ٍ‬ ‫ضـ{ ]النفال‪ [75 :‬رد التوارث إلى الرح م دون عقد الخو ة‪.‬‬ ‫عز وجل‪ :‬‏} َوأُـْولُـوْاالَْر َحـاـِ مَبْع ُ‬

‫وقد قيل‪ :‬إنه أخي بين المهاجرين بعضه م مع بعض مؤاخا ة ثانية‪ ...‬والثبت الول‪ ،‬والمهاجرون كانوا مستغنين‬ ‫بأخو ة السل م وأخو ة الدار وقرابة النسب عن عقد مؤاخا ة فيما بينه م‪ ،‬بخلف المهاجرين مع النصار‪ .‬اهـ‪.‬‬ ‫ومعنى هذا الخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية‪ ،‬وتسقط فوارق النسب واللون والوطن‪ ،‬فل يكون أساس الولء‬ ‫والبراء إل السل م‪.‬‬


‫وقد امتزجت عواطف اليثار والمواسا ة والمؤانسة إواسداء الخير في هذه الخو ة‪ ،‬وملت المجتمع الجديد بأروع‬ ‫المثال‪.‬‬ ‫روى البخاري‪ :‬أنه م لما قدموا المدينة أخي رسول ال صلى ال عليه وسل م بين عبد الرحمن وسعد ابن الربيع‪،‬‬ ‫فقال لعبد الرحمن‪ :‬إني أكثر النصار ماًل ‪ ،‬ـ ـفاقس م مالى نصفين‪ ،‬ولى امرأتان‪ ،‬فانظر أعجبهما إليك فسمها لي‪،‬‬

‫أطلقها‪ ،‬فإذا انقضت عدتها فتزوجها‪ ،‬قال‪ :‬بارك ال لك في أهلك ومالك‪ ،‬وأين سوقك م؟ فدلوه على سوق بني‬ ‫ٍِ‬ ‫ص ْفـَر ة‪،‬فقال النبي صلى‬ ‫قينقاع‪ ،‬فما انقلب إل ومعه فضل من أقطـ وَس ْمـ ٍنـ ‪،‬ـ ـث م تابع الغدو‪ ،‬ث م جاء يوًم اـ وبه أثر ُ‬ ‫ال عليه وسل م‪َ ] :‬مْهـَيْ م؟[ قال‪ :‬تزوجت‪ .‬قال‪] :‬ك م سقت إليها؟[ قال‪ :‬نوا ة من ذهب‪.‬‬

‫وروى عن أبي هرير ة قال‪ :‬قالت النصار للنبى صلى ال عليه وسل م‪ :‬اقس م بيننا وبين إخواننا النخيل‪ .‬قال‪] :‬ل[‪،‬‬ ‫فقالوا‪ :‬فتكفونا المؤنة ونشركك م في الثمر ة‪ .‬قالوا‪ :‬سمعنا وأطعنا‪.‬‬ ‫وهذا يدلنا على ما كان عليه النصار من الحفاو ة البالغة بإخوانه م المهاجرين‪ ،‬ومن التضحية واليثار والود‬ ‫والصفاء‪ ،‬وما كان عليه المهاجرون من تقدير هذا الكر م حق قدره‪ ،‬فل م يستغلوه ول م ينالوا منه إل بقدر ما يقي م‬ ‫أوده م‪.‬‬ ‫وحًقا فقد كانت هذه المؤاخا ة حكمًة فذً ة‪ ،‬وسياسًة حكيمًة‪ ،‬وحًل رشيًد اـ لكثير من المشاكل التي كان يواجهها‬ ‫المسلمون‪ ،‬والتي أشرنا إليها‪.‬‬

‫ميثاق التحالف السلمي‬ ‫وكما قا م رسول ال صلى ال عليه وسل م بعقد هذه المؤاخا ة بين المؤمنين‪ ،‬قا م بعقد معاهد ة أزاح بها ما كان بينه م‬ ‫من ح اززات في الجاهلية‪ ،‬وما كانوا عليه من نزعات قبلية جائر ة‪ ،‬واستطاع بفضلها إيجاد وحد ة إسلمية شاملة‪.‬‬ ‫ص ا ـ‪:‬‬ ‫وفيما يلى بنودها ملخ ً‬ ‫هذا كتاب من محمد النبي صلى ال عليه وسل م بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب‪ ،‬ومن تبعه م فلحق‬ ‫به م‪ ،‬وجاهد معه م‪:‬‬ ‫‪1‬ـ إنه م أمة واحد ة من دون الناس‪.‬‬

‫‪2‬ـ المهاجرون من قريش على ِر ْبـَعـتِـه م يتعاقلون بينه م‪ ،‬وه م َيْفُد وـن َع اـِنيه م بالمعروف والقسط بين المؤمنين‪ ،‬وكل‬


‫قبيلة من النصار على ربعته م يتعاقلون معاقله م الولى‪ ،‬وكل طائفة منه م تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين‬ ‫المؤمنين‪.‬‬ ‫‪3‬ـ إوان المؤمنين ل يتركون ُم ْفـَر ًحـ ا ـبينه م أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل‪.‬‬ ‫‪4‬ـ إوان المؤمنين المتقين على من بغى منه م‪ ،‬أو ابتغى َد ِسـ يــعة ظل م أو إث م أو عدوان أو فساد بين المؤمنين‪.‬‬ ‫‪5‬ـ إوان أيديه م عليه جميًعاـ‪ ،‬ولو كان ولد أحده م‪.‬‬ ‫‪6‬ـ ول يقتل مؤمن مؤمنا في كافر‪.‬‬

‫‪7‬ـ ول ينصر كافًرا على مؤمن‪.‬‬ ‫‪ 8‬ـ إوان ذمة ال واحد ة يجير عليه م أدناه م‪.‬‬

‫‪9‬ـ إوان من تبعنا من يهود فإن له النصر والسو ة‪ ،‬غير مظلومين ول متناصرين عليه م‪.‬‬ ‫‪10‬ـ إوان سل م المؤمنين واحد ة؛ ل يسال م مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل ال إل على سواء وعدل بينه م‪.‬‬ ‫‪ 11‬ـ إوان المؤمنين يبيء بعضه م على بعض بما نال دماءه م في سبيل ال‪.‬‬ ‫‪ 12‬ـ إوانه ل يجير مشرك ماًل لقريش ول نفًس اـ‪ ،‬ول يحول دونه على مؤمن‪.‬‬

‫‪ 13‬ـ إوانه من اعتبط مؤمًنا قتًل عن بينة فإنه قود به إل أن يرضى ولي المقتول‪.‬‬ ‫‪ 14‬ـ إوان المؤمنين عليه كافة‪ ،‬ول يحل له م إل قيا م عليه‪.‬‬

‫‪ 15‬ـ إوانه ل يحل لمؤمن أن ينصر محدًثا ول يؤويه‪ ،‬وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة ال وغضبه يو م‬ ‫ص ْرـف ـول َع ْدـلـ‪.‬‬ ‫القيامة‪ ،‬ول يؤخذ منه َ‬ ‫‪ 16‬ـ إوانك م مهما اختلفـت م فيه من شيء‪ ،‬فإن مرده إلى ال ـ عز وجل ـ إوالى محمـد صلى ال عليه وسل م‪.‬‬

‫أثر المعنويات في المجتمع‬ ‫بهذه الحكمة وبهذا التدبير أرسى رسول ال صلى ال عليه وسل م قواعد مجتمع جديد‪ ،‬كانت صورته الظاهر ة بيانا‬ ‫وآثاًرا للمعاني التي كان يتمتع بها أولئك المجاد بفضل صحبة النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وكان النبي صلى‬ ‫ال عليه وسل م يتعهده م بالتعلي م والتربية‪ ،‬وتزكية النفوس‪ ،‬والحث على مكار م الخلق‪ ،‬ويؤدبه م بآداب الود‬ ‫والخاء والمجد والشرف والعباد ة والطاعة‪.‬‬ ‫سأله رجل‪ :‬أي السل م خير؟ قال‪] :‬تطع م الطعا م‪ ،‬وتقرئ السل م على من عرفت ومن ل م تعرف[‪.‬‬ ‫قال عبد ال بن سل م‪ :‬لما قد م النبي صلى ال عليه وسل م المدينة جئت‪ ،‬فلما تبينت وجهه‪ ،‬عرفت أن وجهه ليس‬ ‫بوجه كذاب‪ ،‬فكان أول ما قال‪] :‬يا أيها الناس‪ ،‬أفشوا السل م‪ ،‬وأطعموا الطعا م‪ ،‬وصلوا الرحا م‪ ،‬وصلوا بالليل‬ ‫والناس نيا م‪ ،‬تدخلوا الجنة بسل م[‬ ‫وكان يقول‪] :‬ل يدخل الجنة من ل يأمن جاره بوائقه[‬ ‫ويقول‪] :‬المسل م من سل م المسلمون من لسانه ويده[‬


‫ويقول‪] :‬ل يؤمن أحدك م حتى يحب لخيه ما يحب لنفسه[‬ ‫ويقول‪] :‬المؤمنون كرجل واحد‪ ،‬إن اشتكى عينه اشتكى كله‪ ،‬إوان اشتكى رأسه اشتكى كله[‪.‬‬ ‫ويقول‪] :‬المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا[ ويقول‪] :‬ل تباغضوا‪ ،‬ول تحاسدون‪ ،‬ول تدابروا‪ ،‬وكونوا عباد‬

‫ال إخوانًا‪ ،‬ول يحل لمسل م أن يهجر أخاه فوق ثلثة أيا م[‪ .‬ويقول‪] :‬المسل م أخو المسل م ل يظلمه ول يسلمه‪ ،‬ومن‬

‫كان في حاجة أخيه كان ال في حاجته‪ ،‬ومن فرج عن مسل م كربة فرج ال عنه كربة من كربات يو م القيامة‪،‬‬

‫ومن ستر مسلمًا ستره ال يو م القيامة[ ويقول‪] :‬ارحموا من في الرض يرحمك م من في السماء[‪ .‬ويقول‪] :‬ليس‬ ‫المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جانبه[‪ .‬ويقول‪ِ] :‬س بـاب المؤمن فسوق‪ ،‬وقتاله كفر[‪ .‬وكان يجعل إماطة‬ ‫الذى عن الطريق صدقة‪ ،‬ويعدها شعبة من شعب اليمان ‪ .‬ويقول‪] :‬الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء‬ ‫النار[‪ .‬ويقول‪] :‬أيما مسل م كسا مسلمًا ثوبًا على ُع رـى كساه ال من ُخ ضــر الجنة‪ ،‬وأيما مسل م أطع م مسلمًا على‬

‫جوع أطعمه ال من ثمار الجنة‪ ،‬وأيما مسل م سقى مسلمًا على ظمأ سقاه ال من الرحي م المختو م[ ويقول‪] :‬اتقوا‬

‫الناء ولو بشق تمر ة‪ ،‬فإن ل م تجد فبكلمة طيبة[‪ .‬وبجانب هذا كان يحث حثًا شديدًا على الستعفاف عن المسألة‪،‬‬ ‫ويذكر فضائل الصبر والقناعة‪ ،‬فكان يعد المسألة كدوحًا أو خدوشًا أو خموشًا في وجه السائل الله م إل إذا كان‬

‫مضط ًرا‪ .‬كما كان يبين له م ما في العبادات من الفضائل والجر والثواب عند ال‪ ،‬وكان يربطه م بالوحي النازل‬

‫عليه من المساء ربطًا مؤثقًا‪ ،‬فكان يقرؤه عليه م ويقرؤونه‪ :‬لتكون هذه الدراسة إشعا ًار بما عليه م من حقوق الدعو ة‬ ‫ل عن ضرور ة الفه م والتدبر‪ .‬وهكذا هذب تفكيره م‪ ،‬وربع معنوياته م‪ ،‬وأيقظ مواهبه م‪ ،‬وزوده م‬ ‫وتبعات الرسلة‪ ،‬فض ً‬

‫بأعلى القي م والقدار‪ ،‬حتى وصول إلى أعلى قمة من الكمال عرفت في تاريخ البشر بعد النبياء‪ .‬يقول عبد ال‬

‫بن مسعود رضى ال عنه‪ :‬من كان مستنا فليستن بمن قد مات‪ ،‬فإن الحي ل تؤمن عليه الفتنة‪ ،‬أولئك أصحاب‬ ‫محمد صلى ال عليه وسل م‪ ،‬كانوا أفضل هذه المة؛ وأبرها قلوبًا‪ ،‬وأعمقها علما‪ ،‬وأقلها تكلفًا‪ ،‬اختاره م ال‬ ‫لصحبة نبيه‪ ،‬ولقامة دينه‪ ،‬فاعرفوا له م فضله م‪ ،‬وابتعوه م على أثره م‪ ،‬وتمسكوا بما استطعت م من أخلقه م‬

‫وسيره م‪ ،‬فإنه م كانوا على الهدى المستقي م‪ .‬ث م إن هذا الرسول القائد العظ م صلى ال عليه وسل م كان يتمتع من‬ ‫الصفات المعنوية والظاهر ة‪ ،‬ومن الكمالت المواهب‪ ،‬والمجاد والفضائل‪ ،‬ومكار م الخلق ومحاسن العمال بما‬ ‫جعتله تهوى إليه الفئد ة‪ ،‬وتتفانى عليه النفوس‪ ،‬فما يتكل م بكلمة إل ويبادر صحابته رضي ال عنه م إلى‬ ‫امتثالها‪ ،‬وما يصدر من إرشاد أو توجيه إل ويتسابقون إلى العمل به‪ .‬بمثل هذا استطاع النبي صلى ال عليه‬ ‫ل‬ ‫وسل م أن يبني في المدينة مجتمعًا جديدًا أروع وأشرف مجتمع عرفة التاريخ‪ ،‬وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع ح ً‬

‫تنفست له النسانية الصعداء‪ ،‬بعد أن كانت قد تعبت في غياهب الزمان ودياجير الظلمات‪ .‬وبمثل هذه‬

‫المعنويات الشامخة تكاملت عناصر المجتمع الجديد الذي واجه كل تيارات الزمان حتى صرف وجهتها‪ ،‬وحول‬ ‫مجرى التاريخ واليا م‪.‬‬


‫معاهد ة مع اليهود‬ ‫بعد أن أرسى رسول ال صلى ال وعليه وسل م قواعد مجتمع جديد وأمة إسلمية حديد ة‪ ،‬بإقامة الوحد ة العقدية‬ ‫والسياسية والنظامية بين المسلمين‪ ،‬بدأ بتنظي م علقاته بغير المسلمين‪ ،‬وكان قصده بذلك توفير المن والسل م‬ ‫والسعاد ة الخير للبشرية جمعاء‪ ،‬مع تنظي م المنطقة في وفاق واحد‪ ،‬فسن في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي ل م‬ ‫تعهد في ذلك العال م الملئ بالتعصب والغراض الفردية والعرقية‪.‬‬ ‫وأقرب من كان يجاور المدينة من غير المسلمين ه م اليهود ‪ -‬كما أسلفنا ‪ -‬وه م إوان كانوا يبطنون العداو ة‬ ‫للمسلمين‪ ،‬لكن ل م يكونوا أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد‪ ،‬فعقد معه م رسول ال صلى ال عليه وسل م معاهد ة‬ ‫قرر له م فيها النصح والخير‪ ،‬وترك له م فيها مطلق الحرية في الدين والمال‪ ،‬ول م يتجه إلى سياسة البعاد أو‬ ‫المصادر ة والخصا م‪.‬‬ ‫وفيما يلى أه م بنود هذه المعاهد ة‪:‬‬ ‫بنود المعاهد ة‬ ‫‪ -1‬إن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين‪ ،‬لليهود دينه م وللمسلمين دينه م مواليه م وأنفسه م‪ ،‬وكذلك لغير بنى‬ ‫عوف من اليهود‪.‬‬ ‫وان على اليهود نفقته م‪ ،‬وعلى المسلمين نفقته م‪.‬‬‫‪ 2‬إ‬ ‫‪ -3‬إوان بينه م النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة‪.‬‬ ‫‪ -4‬إوان بينه م النصح والنصحية‪ ،‬والبر دون الث م‪.‬‬ ‫‪ -5‬إوانه ل م يأث م امرؤ بحليفه‪.‬‬

‫‪ -6‬إوان النصر للمظلو م‪.‬‬ ‫‪ -7‬إوان اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين‪.‬‬

‫وان يثرب حرا م جوفها لهل هذه الصحيفة‪.‬‬‫‪ 8‬إ‬ ‫‪ -9‬إوانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى ال عز وجل‪ ،‬إوالى‬ ‫محمد رسول ال صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫‪ -10‬إوانه ل تجار قريش ول من نصرها‪.‬‬ ‫‪ -11‬إوان بينه م النصر على من َد َهـ مـ يثرب‪ ..‬على كل أناس حصته م من جابنه م الذي قبله م‪.‬‬ ‫‪ -12‬إوانه ل يحول هذا الكتاب دون ظال م أو آث م‪.‬‬

‫وبإبرا م هذه المعاهد ة صارت المدينة وضواحيها دولة وفاقية‪ ،‬عاصمتها المدينة‪ ،‬ورئيسها ـ إن صح هذا التعبير ـ‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬والكلمة النافذ ة والسلطان الغالب فيها للمسلمين‪.‬‬


‫ولتوسيع منطقة المن والسل م عاهد النبي صلى ال عليه وسل م قبائل أخرى في المستقبل بمثل هذه المعاهد ة‪،‬‬ ‫حسب ما اقتضته الظروف‪ ،‬وسيأتي ذكر شيء عنها‪.‬‬


‫الكفاح الدامي‬

‫استفزازات تقريش واتصالهم بعبد ا بن أبي‬ ‫إعلن عزيمة الصد عن المسجد الحرام‬ ‫تقريش تهدد المهاجرين‬ ‫الذان بالقتال‬ ‫الغزوات والسيرايا تقبل بدر‬ ‫وفيما يلى أحوال هذه السرايا باليجاز‪:‬‬

‫استف اززات قريش واتصاله م بعبد ال بن أبي‬ ‫تقد م ما أدلى به كفار مكة من التنكيلت والويلت على المسلمين في مكة‪ ،‬ث م ما أتوا به من الجرائ م التي‬ ‫استحقوا لجلها المصادر ة والقتال‪ ،‬عند الهجر ة‪ ،‬ث م إنه م ل م يفيقوا من غيه م ول امتنعوا عن عدوانه م بعدها‪ ،‬بل‬ ‫زاده م غيظًا أن فاته م المسلمون ووجدوا مأمنًا ومق ًار بالمدنية‪ ،‬فكتبوا إلى عبد ال بن أبي سلول‪ -‬وكان إذ ذاك‬

‫مشركًا ‪ -‬بصفته رئيس النصار قبل الهجر ة ‪ -‬فمعلوا أنه م كانوا قد اتفقوا عليه‪ ،‬وكادوا يجعلونه ملكًا على أنفسه م‬

‫لول أن هاجر رسول ال صلى ال عليه وسل م إليه م‪ ،‬وآمنوا به ‪ -‬كتبوا إليه إوالى أصحابه المشركين‪ ،‬يقولون له م‬ ‫في كلمات باتة‪:‬‬ ‫إنك م آويت م صاحبنا‪ ،‬إوانا نقس م بال لتقاتلنه أو لتخرجنه‪ ،‬أو لنسيرن إليك م بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتك م‪ ،‬ونستبيح‬ ‫نساءك م‪.‬‬

‫وبمجرد بلوغ هذا الكتاب قا م عبد ال بن أبي ليمتثل أوامر إخوانه المشركين من أهل مكة ‪ -‬وقد كان يحقد على‬ ‫النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬لما يراه أنه استبله ملكه‪ -‬يقول عبد الرحمن بن كعب‪ :‬فلما بلغ ذلك عبد ال بن أبي‬ ‫ومن كان معه من عبد ة الوثان اجتمعوا لقتال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فلما بلغ ذلك النبي صلى ال‬ ‫عليه وسل م لقيه م‪ ،‬فقال‪ :‬‏)لقد بلغ وعيد قريش منك م المبالغ‪ ،‬ما كانت تكيدك م بأكثر ما تريدون أن تكيدوا به‬ ‫أنفسك م‪ ،‬تريدون أن تقالوا أبناءك م إواخوانك م(‪ ،‬فلما سمعوا ذلك من النبي صلى ال عليه وسل م تفرقوا‪.‬‬ ‫امتنع عبد ال بن أبي بن سلول عن القتال إذ ذلك‪ ،‬لما رأي خو ًار أو رشدًا في أصحابه‪ ،‬ولكن يبدو من تصرفاته‬ ‫أنه كان متواطئًا مع قريش‪ ،‬فكان ل يجد فرصة إل وينتهزها ليقاع الشر بين المسلمين والمشركين‪ ،‬وكان يض م‬

‫معه اليهود‪ ،‬ليعينوه على ذلك‪ ،‬ولكن تلك هي حكمة النبي صلى ال عليه وسل م التي كانت تطفئ نار شره م حينا‬ ‫بعد حين‪.‬‬


‫إعلن عزيمة الصد عن المسجد الحرام‬ ‫ثم أن سعد ربن معاذ انطلق إلى مكة معتمرًا‪ ،‬فنزل على أمية ربن خلف ربمكة‪ ،‬فقال لمية‏‪ :‬انظر لي ساعة خلوة لعلي‬ ‫أن أفطوف البيت‪ ،‬فخرج ربه قريباً من نصف النهار‪ ،‬فلقيهما أربو جهل‪ ،‬فقال‏‪ :‬يا أربا صفوان‪ ،‬من هذا معك‏؟ فقال‏‪:‬‬ ‫هذا سعد‪ ،‬فقال له أربو جهل‏‪ :‬أل أراك تطوف ربمكة آمناً وقد آويتم الصباة‪ ،‬وزعمتم أنكم تنصرونهم‪ ،‬وتعينونهم‪ ،‬أما‬ ‫وا لول أنك مع أربي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا‪ ،‬فقال له سعد ‪ -‬ورفع صوته عليه‏‪ :‬أما وا لئن منعتني‬ ‫هذا لمنعك ما هو أشد عليكم منه‏‪ :‬فطريقك على أهل المدينة‏‪.‬‬ ‫قريش تهدد المهاجرين‬ ‫وكأن قريشًا كانت تعتزعلى شر أشد من هذا‪ ،‬وتفكر في القيا م بنفهسا للقضاء على المسلمين‪ ،‬وخاصة على‬

‫النبي صلى ال عليه وسل م‪.‬‬

‫ول م يكن هذا مجرد وه م أو خيال‪ ،‬فقد تأكد لدى رسول ال صلى ال عليه وسل م من مكائد قريش إوارادتها على‬

‫الشر ما كان لجله ل يبيت إل ساه ًرا‪ ،‬أو في حرس من الصحابة‪ .‬روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة‬

‫ل صالحًا من‬ ‫رضى ال عنها قالت‪ :‬سهر رسول ال صلى ال عليه وسل م مقدمه المدينة ليلة فقال‪ :‬‏)ليت رج ً‬

‫أصحابي يحرسني الليلة(‪ ،‬قالت‪ :‬فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلح‪ ،‬فقال‪ :‬‏)من هذا ؟( قال‪ :‬سعد بن أبي‬ ‫وقاص‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ما جاء بك؟( فقال‪ :‬وقع في نفسي خوف على رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فجئت أحرسه‪ ،‬فدعا له رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ث م نا م‪.‬‬ ‫ول م تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي‪ ،‬بل كان ذلك أم ًار مستم ًرا‪ ،‬فقد روى عن عائشة قالت‪ :‬كان رسول‬ ‫ل حتى نزل‪ :‬‏} واـُل َيع ِ‬ ‫كـِم َنـ الّنا ِ‬ ‫س{ ]المائد ة‪ ،[67 :‬فأخرج رسول ال صلى‬ ‫ال صلى ال عليه وسل م يحرس لي ً‬ ‫صـ ُمـ ـ َ‬ ‫َ ْ‬ ‫ال عليه وسل م رأسه من القبة‪ ،‬فقال‪ :‬‏)يا أيها الناس‪ ،‬انصرفوا عني فقد عصمني ال عز وجل(‪.‬‬

‫ول م يكن الخطر مقتص اًر على رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬بل كان يحدق بالمسلمين كافة‪ ،‬فقد روى أبي بن‬

‫كعب‪ ،‬قال‪ :‬لما قد م رسول ال صلى ال عليه وسل م وأصحابه المدينة‪ ،‬وآوته م النصار رمته م العرب عن قوس‬ ‫واحد ة‪ ،‬وكانوا ل يبيتون إل بالسلح‪ ،‬ول يصبحون إل فيه‪.‬‬

‫الذان بالقتال‬ ‫في هذه الظروف الخطير ة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة‪ ،‬وتنبئ عن قريش أنه م ل يفيقون عن غيه م‬ ‫ول يمتنعون عن تمرده م بحال‪ ،‬أنزل ال تعالى الذن بالقتال للمسلمين ول م يفرضه عليه م‪ ،‬قال تعالى‪ :‬‏} أُِذَنـ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِّ‬ ‫ص ِرـِه ْ مـلَقَِد يـٌر{ ]الحج‪.[39 :‬‬ ‫للذ يـَن ُيَقاتَُلوَن بِأَّنهُْ م ظُلُم وـا َو إِاـّنـ اَل َع لَــى َن ْ‬


‫وأنزل معه آيات بين له م فيها أن هذا الذن إنما هو لزاحة الباطل إواقامة شعائر ال‪ ،‬قال تعالى‪ :‬‏} الِّذيـَن ِإن‬ ‫ص َلـ ةَ ـ ـوآـتَواالّز َكـاـ ةَ وأَـم رـ واـِباْلم عـرـ و ـ ِ‬ ‫ّم ّكـّنـاُهْ م ِفيـ اْلَْر ِ‬ ‫فَو َنـهَْو اـَع ِنـ اْلُم نـَك ِرـ َو ِلـلِّه َع اـِقَبـةُـ اْلُُم وـِر { ]الحج‪:‬‬ ‫َ ُْ‬ ‫َ َُ‬ ‫ض ـَأَقاُم وـا ال ّ َ ُ‬ ‫‪.[41‬‬ ‫وكان الذن مقتص اًر على قتال قريش‪ ،‬ث م تطور فيما بعد مع تغير الظروف حتى وصل إلى مرحلة الوجوب‪،‬‬

‫وجاوز قريشًا إلى غيره م‪ ،‬ول بأس أن نذكر تلك المراحل بإيجاز قبل أن ندخل في ذكر الحداث‪:‬‬

‫‪ -1‬اعتبار مشركي قريش محاربين؛ لنه م بدأوا بالعدوان‪ ،‬فحق للمسلمين أن يقاتلوه م ويصادروا أمواله م دون‬ ‫غيره م من بقية مشركي العرب‪.‬‬ ‫‪ -2‬قتال كل من تمال من مشركي العرب مع قريش واتحد معه م‪ ،‬وكذلك كل من تفرد بالعتداء على المسلمين‬ ‫من غير قريش‪.‬‬ ‫‪ -3‬قتال من خان أو تحيز للمشركين من اليهود الذين كان له م عقد وميثاق مع رسول ال صلى ال عليه وسل م‪،‬‬ ‫ونبذ ميثاقه م إليه م على سواء‪.‬‬ ‫‪ -4‬قتال من بادأ بعداو ة المسلمين من أهل الكتاب‪ ،‬كالنصارى‪ ،‬حتى يعطوا الجزية عن يد وه م صاغرون‪.‬‬ ‫‪ -5‬الكف عمن دخل في السل م‪ ،‬مشركًا كان أو يهوديًا أو نصرانيًا أو غير ذلك‪ ،‬فل يتعرض لنفسه وماله إل‬

‫بحق السل م‪ ،‬وحسابه على ال‪.‬‬

‫ولما نزل الذن بالقتال رأى رسول ال صلى ال عليه وسل م أن يبسط سيطرته على الطريق الرئيس الذي تسلكه‬ ‫قريش من مكة إلى الشا م في تجاراته م‪ ،‬واختار لذلك خطتين‪:‬‬ ‫الولى‪ :‬عقد معاهدات الحلف أو عد م العتداء مع القبائل التي كانت مجاور ة لهذا الطريق‪ ،‬أو كانت تقطن ما‬ ‫بين هذا الطريق وما بين المدينة‪ ،‬وقد عقد صلى ال عليه وسل م معاهد ة مع جهينة قبل الخذ في النشاط‬ ‫العسكري‪ ،‬وكانت مساكنه م على ثلث مراحل من المدينة‪ ،‬كما عقد معاهدات أخرى أثناء دورياته العسكرية‪،‬‬ ‫وسيأتي ذكرها‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬إرسال البعوث واحد ة تلو الخرى إلى هذا الطريق‪.‬‬

‫الغزوات والسيرايا قبل بدر‬


‫ل بعد نزول الذن بالقتال وكانت أشبه بالدوريات‬ ‫ولتنفيذ هاتين الخطتين بدأ بالتحركات العسكرية فع ً‬

‫الستطلعية‪ ،‬وكان المطلوب منها كما أشرنا‪:‬‬

‫الستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة‪ ،‬والمسالك المؤدية إلى مكة‪.‬‬ ‫عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق‪.‬‬ ‫إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء وأنه م تخلصوا من ضعفه م‬ ‫القدي م‪.‬‬ ‫إنذار قريش ُع قـَبى طيشها‪ ،‬حتى تفيق عن َغ يـها الذي ل يزال يتوغل في أعماقها‪ ،‬وعلها تشعر بتفاق م الخطر‬ ‫على اقتصادها وأسباب معايشها فتجنح إلى السل م‪ ،‬وتمتنع عن إراد ة قتال المسلمين في عقر داره م‪ ،‬وعن الصد‬ ‫عن سبيل ال‪ ،‬وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة‪ ،‬حتى يصير المسلمون أح ار ًار في إبلغ رسالة‬

‫ال في ربوع الجزير ة‪.‬‬

‫وفيما يلى أحوال هذه السرايا باليجاز‪:‬‬ ‫‪ -1‬سرية سيف البحر‬ ‫في رمضان سنة ‪ 1‬هـ‪ ،‬الموافق مارس سنة ‪ 623‬م‪ ،‬أمر رسول ال صلى ال عليه وسل م على هذه السرية حمز ة‬ ‫ل من المهاجرين يعترضون عي اًر لقريش جاءت من الشا م‪ ،‬وفيها أبو جهل‬ ‫بن عبد المطلب‪ ،‬وبعثه في ثلثين رج ً‬ ‫بن هشا م في ثلثمائة رجل‪ ،‬فلبغوا سيف البحر من ناحية العيص‪ ،‬فالتقوا واصطفوا للقتال‪ ،‬فمشى مجدي بن‬ ‫عمرو الجني ـ وكان حليفًا للفريقين جميعًا ـ بين هؤلء وهؤلء حتى جحز بينه م فل م يقتتلوا‪.‬‬ ‫وكان لواء حمز ة أول لواء عقده رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وكان أبيض‪ ،‬وحمله أبو مرثد َك نـاز بن حصين‬

‫الَغَنـوي‪.‬‬

‫‪-2‬سرية رابغ‪:‬‬ ‫في شوال سنة ‪ 1‬من الهجر ة‪ ،‬الموافق أبريل سنة ‪ 632‬م‪ ،‬بعث لها رسول ال صلى ال عليه وسل م عبيد ة بن‬ ‫ل من المهاجرين‪ ،‬فلقى أبا سفيان ‪ -‬وهو في مائتين ‪ -‬على بطن رابغ‪ ،‬وقد‬ ‫الحارث بن المطلب في ستين رج ً‬ ‫ترامي الفريقان بالنبل‪ ،‬ول م يقع قتال‪.‬‬

‫وفي هذه السرية انض م رجل�� من جيش مكة إلى المسلمين‪ ،‬وهما المقداد بن عمرو البهراني‪ ،‬وعتبه بن غزوان‬ ‫المارني‪ ،‬وكانا مسلمين خرجا مع الكفار ليكون ذلك وسيلة للوصول إلى المسلمين‪ ،‬وكان لواء عبيد ة أبيض‪،‬‬


‫وحامله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف‪.‬‬ ‫‪ -3‬سرية الخرار‬ ‫في ذي العقد ة سنة ‪ 1‬هـ‪ ،‬الموافق مايو سنة ‪ 623‬م‪ ،‬بعث لها رسول ال صلى ال عليه وسل م سعد بن أبي‬ ‫وقاص في عشرين رجل يعترضون عي اًر لقريش‪ ،‬وعهد إليه إل يجاوز الخرار‪ ،‬فخرجوا مشا ة يكمنون بالنهار‪،‬‬

‫ويسيرون بالليل‪ ،‬حتى بلغوا الخرار صبيحة خمس‪ ،‬فوجدوا العير قد مرت بالمس‪.‬‬ ‫كان لواء سعد رضى ال عنه أبيض‪ ،‬وحمله المقداد بن عمرو‪.‬‬ ‫‪-4‬غز ة البواء أو ودان‪:‬‬

‫في صفر سنة ‪ 2‬هـ‪ ،‬الموافق أغسطس سنة ‪ 623‬م‪ ،‬خرج رسول ال صلى ال عليه وسل م فيها بنفسه في سبعين‬ ‫ل من المهاجرين خاصة يعترض عي ًار لقريش‪ ،‬حتى بلغ ودان‪ ،‬فل م يلق كيدًا‪ ،‬واستخلف فيها على المدينة سعد‬ ‫رج ً‬ ‫بن عباد ة رضى ال عنه‪.‬‬

‫وفي هذه الغزو ة عقد معاهد ة حلف مع عمرو بن مخشى الضمري‪ ،‬وكان سيد بنى ضمر ة في زمانه‪ ،‬وهذا نص‬ ‫المعاهد ة‪ :‬‏)هذا كتاب من محمد رسول ال لبني ضمره‪ ،‬فإنه م آمنون على أمواله م وأنفسه م‪ ،‬إوان له م النصر على‬ ‫من رامه م إل أن يحاربوا دين ال ن ما بل بحر صوفة وأن النبي إذا دعاه م لنصره أجابوه(‪.‬‬ ‫وهذه أول غزو ة غزاها رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وكانت غيبته خمس عشر ة ليلة‪ ،‬وكان اللواء أبيض‬ ‫وحامله حمز ة بن عبد المطلب‪.‬‬ ‫‪ -5‬غزو ة بواط‪:‬‬ ‫في شهر ربيع الول سنة ‪ 2‬هـ الموافق سبتمبر سنة ‪ 623‬م‪ ،‬خرج فيها رسول ال صلى ال عليه وسل م في مائتين‬ ‫من أصحابه‪ ،‬يعترض عي ًار لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش‪ ،‬وألفان وخمسمئة بعير‪،‬‬

‫فبلغ بواطا من ناحية رضوى ول م يلق كيدا‪.‬‬

‫واستخلف في هذه الغزو ة على المدينة سعد بن معاذ‪ ،‬واللواء كان أبيض‪ ،‬وحامله سعد بن أبي وقاص رضى ال‬ ‫عنه‪.‬‬

‫‪-6‬غزو ة سفوان‬ ‫في شهر ربيع الول سنة ‪ 2‬هـ‪ ،‬الموافق سبتمبر سنة ‪ 623‬م‪ ،‬أغار كرز بن جابر الفهري في قوات خفيفة من‬


‫ل من‬ ‫المشركين على مراعي المدينة‪ ،‬ونهب بعض المواشي فخرج رسول ال صلى ال عليه وسل م في سبعين رج ً‬

‫أصحابه لمطارته‪ ،‬حتى بلغ واديًا يقال له‪ :‬سفوان من ناحية بدر‪ ،‬ولكنه ل م يدرك كر اًز وأصحابه‪ ،‬فرجع من دون‬ ‫حرب‪ ،‬وهذه الغزو ة تسمى بغزو ة بدر الولى‪.‬‬

‫واستخلف في هذه الغزو ة على المدينة زيد بن حارثة‪ ،‬وكان اللواء أبيض‪ ،‬وحامله علي بن أبي طالب‪.‬‬ ‫‪ -7‬غزو ة ذي العشير ة‪:‬‬ ‫في جمادى الولى‪ ،‬وجمادى الخر ة سنة ‪ 2‬هـ‪ ،‬الموافق نوفمبر وديسمبر سنة ‪623‬هـ‪ ،‬خرج فيها رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م في خمسين ومائة ويقال‪ :‬في مائتين‪ ،‬من المهاجرين‪ ،‬ول م يكره أحدًا على الخروج‪ ،‬وخرجوا على‬

‫ثلثين بعي ًار يعتقبونها‪ ،‬يعترضون عي ًار لقريش‪ ،‬ذاهبة إلى الشا م‪ ،‬وقد جاء الخبر بفصولها من مكة‪ ،‬فيها أموال‬

‫لقريش فبلغ ذا العشير ة‪ ،‬فوجد العير قد فاتته بأيا م‪ ،‬وهذه هي العير التي خرج في طلبها حين رجعت من الشا م‪،‬‬

‫فصارت سببًا لغزو ة بدر الكبرى‪.‬‬ ‫وكان خروجه صلى ال عليه وسل م في أواخر جمادى الولى‪ ،‬ورجوعه في أوائل جمادى الخر ة‪ ،‬على ما قاله ابن‬ ‫إسحاق‪ ،‬ولعل هذه هو سبب اختلف أهل السير في تعيين شهر هذه الغزو ة‪.‬‬ ‫وفي هذه الغزو ة عقد رسول ال صلى ال عليه وسل م معاهد ة عد م اعتداء مع بنى مدلج وحلفائه م من بنى ضمر ة‪.‬‬ ‫واستخلف على المدينة في هذه الغزو ة أبا سلمة بن عبد السد المخزومي‪ ،‬وكان اللواء أبيض‪ ،‬وحامله حمز ة بن‬ ‫عبد الملطب رضي ال عنه‪.‬‬ ‫‪ -8‬سرية نخلة‪:‬‬ ‫في رجب سنة ‪ 2‬هـ‪ ،‬الموافق يناير سنة ‪ 624‬م‪ ،‬بعث رسول ال صلى ال عليه وسل م كتب له كتابًا‪ ،‬وأمره أل‬ ‫ينظر فيه حتى يسير يومين‪ ،‬ث م ينظر فيه‪ .‬فسار عبد ال ث م ق أر الكتاب بعد يومين‪ ،‬فإذا فيه‪ :‬‏)إذا نظرت في‬

‫كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكلة والطائف‪ ،‬فترصد بها عير قريش وتعل م لنا من أخباره م(‪ .‬فقال‪:‬‬ ‫سمعًا وطاعة‪ ،‬وأخبر أصحابه بذلك‪ ،‬وأنه ل يستكرهه م‪ ،‬فمن أحب الشهاد ة فلينهض‪ ،‬ومن كره الموت فليرجع‪،‬‬

‫وأما أنا فناهض‪ ،‬فنهضوا كله م‪ ،‬غير أنه لما كان في أثناء الطريق أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان‬

‫بعي اًر لهما كانا يعتقبانه‪ ،‬فتخلفا في طلبه‪.‬‬ ‫وسار عبد ال بن جحش حتى نزل بنخلة‪ ،‬فمرت عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجار ة‪ ،‬وفيها عمرو بن‬

‫الخضرمي‪ ،‬وعثمان ونوفل ابنا عبد ال بن المغير ة‪ ،‬والحك م ابن كيسان مولى بني المغير ة‪ .‬فتشاور المسلمون‬ ‫وقالوا‪ :‬نحن في آخر يو م من رجب الشهر الحرا م‪ ،‬فإن قاتلناه م انتهكنا الشهر الحرا م‪ ،‬إوان تركناه م الليلة دخلوا‬ ‫الحر م‪ ،‬ث م اجتمعوا على اللقاء‪ ،‬فرمى أحده م عمرو بن الحضرمي فقتله‪ ،‬وأسروا عثمان والحك م وأفلت نوفل‪ ،‬ث م‬


‫قدموا بالعير والسيرين إلى المدينة‪ ،‬وقد عزلوا من ذلك الخمس‪ ،‬وهو أو خمس كان في السل م‪ ،‬وأول قتيل في‬ ‫السل م‪ ،‬وأول أسيرين في السل م‪.‬‬ ‫وأنكر رسول ال صلى ال عليه وسل م ما فعلوه‪ ،‬وقال‪ :‬‏)ما أمرتك م بقتال في الشهر الحرا م( وتوقف عن التصرف‬ ‫في العير والسيرين‪.‬‬ ‫ووجد المشركون فيما حدث فرصة لتها م المسلمين بأنه م قد أحلوا ما حر م ال‪ ،‬وكثر في ذلك القيل والقال‪ ،‬حتى‬

‫ك َع ِنـ‬ ‫نزل الوحي حاسمًا هذه القاويل وأن ما عليه المشروكون أكبر وأعظ م مما ارتكبه المسلمون‪ :‬‏} َيْسأَـُلوَن َ‬ ‫ِِ ِ ِ ِ ِ ِ‬ ‫جْه ِلـِه ِم ْنـهُـ أَْك َبـُرـ‬ ‫صـّد ـَع نـ َس بِـيِل اِل َو ُكـْفـٌر بِِه َواـْلَم ْسـِجـِداـْلَح َرــاِ مَو إِاـْخـ َرـا ُأَ‬ ‫الّش ْهـِر اْلَح َرــا مقتَـاٍل فيـه ُقْل قتَـاٌل فيـه َك بِـيٌر َو َ‬ ‫ِع نـَد اِل َواـْلِفتْـَنةُ أَْك َبـُرـ ِم َنـ اْلقَْتِل{ ]البقر ة‪.[217 :‬‬

‫فقد صرح هذا الوحي بأن الضجة التي افتعلها المشركون لثار ة الريبة في سير ة المقاتلين المسلمين ل مساغ لها‪،‬‬ ‫فإن الحرمات المقدسة قد انتهكت كلها في محاربة السل م‪ ،‬واضطهاد أهله‪ ،‬أل م يكن المسلمون مقيمين بالبلد‬ ‫الحرا م حين تقرر سلب أمواله م وقتل نبيه م؟ فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأ ة‪ ،‬فأصبح انتهاكها معر ة‬ ‫وشناعة؟ ل جر م أن الدعاية التي أخذ ينشرها المشركون دعاية تبتني على وقاحة ودعار ة‪.‬‬ ‫وبعد ذلك أطلق رسول ال صلى ال عليه وسل م سراح السيرين‪, ،‬أدى دية المقتول إلى أوليائه‪.‬‬ ‫تلك م السرايا والغزوات قبل بدر‪ ،‬ل م يجر في احد منها سلب الموال وقتل الرجال إل بعد ما ارتكبه المشركون في‬ ‫قياد ة كرز بن جابر الفهري‪ ،‬فالبداية إنما هي من المشركين مع ما كانوا قد أتوه قبل ذلك من الفاعيل‪.‬‬ ‫وبعد وقوع ما وقع في سرية عبد ال بن جحش تحقق خوف المشركين وتجسد أمامه م الخطر الحقيقي‪ ،‬ووقعوا‬ ‫فيما كانوا يخشون الوقوع فيه‪ ،‬وعلموا أن المدينة في غاية من التيقظ والتربص‪ ،‬تترقب كل حركة من حركاته م‬ ‫التجارية‪ ،‬وأن المسلمين يستطيعون أن يزحفوا إلى ثلثمائة ميل تقريبًا‪ ،‬ث م يقلتوا ويأسروا رجاله م‪ ،‬ويأخذوا أمواله م‪،‬‬ ‫ويرجعوا سالمين غانمين‪ ،‬وشعر هؤلء المشركون بأن تجارته م إلى الشا م أما م خطر دائ م‪ ،‬لكنه م بدل أن يفيقوا‬

‫عن غيه م‪ ،‬ويأخذوا طريق الصلح والموادعة ‪ -‬كما فعلت جهينة وبنو ضمر ة ازدادوا حقدًا وعيظًا‪ ،‬وصم م‬

‫صناديده م وكبراؤه م على ما كانوا يوعدون ويهددون به من قبل‪ :‬من إباد ة المسلمين في عقر داره م‪ ،‬وهذا هو‬ ‫الطيش الذي جاء به م إلى بدر‪.‬‬ ‫أما المسلمون فقد فرض ال عليه م القتال بعد وقعة سرية عبد ال بن جحش في شهر شعبان سنة ‪ 2‬هـ‪ ،‬وأنزل‬ ‫ل ُيِح ّ‬ ‫ثـ‬ ‫ل تَْع تَـُد وْـا ِإّن اَل َ‬ ‫في ذلك آيات بينات‪ :‬‏} َوقَــاِتلُوْا ِفيـ َس بِـيِل اِل الِّذ يـَن ُيَقاتُِلوَنُك ْ مـ َو َ‬ ‫ب ـ اْلُم ْعـتَـِد يـَن َواـْقتُُلوُهْ مـ َح ْيـ ُ‬ ‫ل تَُقاِتُلوُهْ مـ ِع نـَد اْلَم ْسـِجـِد ـاْلَح َرــاِ مَح تّــى ُيَقاتُِلوُك ْ مـ ِفيـِه‬ ‫ثـ أَْخ َر ـُجـ وـُك ْ مـَواـْلِفتْـَنةُـ أََش ّدـ ِم َنـ اْلقَْتِل َو َ‬ ‫ثَِق ْفـتُُم وـُهْ مـ َوأَـْخ ِرـُجـ وـُه مّـم ْنـ َح ْيـ ُ‬ ‫ل تَُك وـَن ِفتْـَنةٌ َو َيـُك وـَن الّد يـُن‬ ‫ك َج َزــاءاْلَك اـِف ِرـيـَنفَِإِن انتَهَْو ْاـ فَِإّن اَل َغ فُـوٌر ّر ِحـ يـٌ مَو َقــاتُِلوُهْ م َح تّــى َ‬ ‫فَِإن َقاتَُلوُك ْ مـ َفاْقتُُلوُهْ مـ َك َذـِلـ َ‬ ‫ل ع ْدـوـاـنِإلّ ع لَــى ال ّ‬ ‫ظاِلِم يـَن{ ]البقر ة‪.[193 :190:‬‬ ‫ِللِّه فَِإِن انتَهَوْا فَ َ ُ َ َ َ‬


‫ث م ل م يلبث أن أنزل ال تعالى عليه م آيات من نوع آخر‪ ،‬يعلمه م فيها طريقة القتال‪ ،‬ويحثه م عليه‪ ،‬ويبين له م‬ ‫ق فَِإّم اـ َم ّنـا َبْع ُدـ َو إِاـّمـاـِفَدـاـء‬ ‫ب ـالّر قَـاِب َح تّــى ِإَذ اـ َأثَْخ نـتُُم وـُهْ مـ َفُش ّدـوـا اْلَو ثَـا َ‬ ‫ض ْرـ َ‬ ‫بعض أحكامه‪ :‬‏}فَِإذا لَِقيـتُُ م الِّذ يـَن َك فَـُر واـَف َ‬ ‫ضـ ُكـ مـ بَِبْع ٍ‬ ‫ضـ َواـلِّذ يـَن قُتِلُوا ِفيـ َس بِـيِل اِل‬ ‫ب ـأَْو َزــاَرَهَذاـِلـ َ‬ ‫ص َر ـِم ْنـهُـْ م َو لَـِك نـ لَّيْب لُـَو َبْع َ‬ ‫ض َع ـ اْلَح ْرـ ُ‬ ‫َح تّــى تَ َ‬ ‫ك َو لَـْو َيَش اـء اُل َل ن ـتَـ َ‬ ‫ِّ‬ ‫ِ‬ ‫ض ّلـ ـأَْع مـاـلَه م س َيـهِد يـِه مـو ُيـ ِ‬ ‫َفَلن ُي ِ‬ ‫ص ْرـُكـْ مـ‬ ‫َ ُْ َ ْ ْ َ ْ‬ ‫ص ُرـ واـاَل َين ُ‬ ‫ص لـُحَبالَهُْ م َو ُيـْد خـلُـهُُ ماْلَج ّنـَة َع ّرـفَـَهالَهُْ م َيا أَّيَها الذ يـَن آَم ُنـوا ِإن َتن ُ‬ ‫ت أَْقَد اـَم ُكـْ مـ { ]محمد‪.[7 :4 :‬‬ ‫َو ُيـثَّب ْ‬ ‫ت ُس وـَر ةٌ ّم ْحـ َك ـَمـةٌـَو ُذـِكـَرـِفيـَها‬ ‫ث م ذ م ال الذين طفقت أفئدته م ترجف وتخفق حين سمعوا المر بالقتال‪ :‬‏} فَِإَذاـ ُأنِز لَـ ْ‬ ‫ظَر اْلَم ْغـِشـ ّي ـَع لَـْي ِهـ ِم َنـ اْلَم ْوـ ِت{ـ ]محمد‪.[20 :‬‬ ‫كـ َن َ‬ ‫ضـَينظُُر وـَن ِإلَْي َ‬ ‫تـالِّذ يـَن ِفيـ ُقُلوبِِه مـ ّم َرـ ٌ‬ ‫اْلِقتَـاُل َرأَْي َ‬ ‫إوايجاب القتال والحض عليه‪ ،‬والمر بالستعداد له هو عين ما كانت تقتضيه الحوال‪ ،‬ولو كان هناك قائد يسبر‬ ‫أغوار الظروف لمر جنده بالستعداد لجميع الطورائ‪ ،‬فكيف بالرب العلي م المتعال‪ ،‬فالظروف كانت تقتضى‬ ‫عراكًا داميًا بين الحق والباطل‪ ،‬وكانت وقعة سرية عبد ال بن جحش ضربة قاسية على غير ة المشركين‬ ‫وحميته م‪ ،‬آلمته م وتركته م يتقلبون على مثل الجمر‪.‬‬

‫وآيات المر بالقتال تدل بفحواها على قرب العراك الدامي‪ ،‬وأن النصر والغلبة فيه للمسلمين نهائي��‪ ،‬انظر كيف‬ ‫يأمر ال المسلمين بإخراج المشركين من حيث أخرجوه م‪ ،‬وكيف يعلمه م أحكا م الجند المتغلب في الساري‬ ‫والثخان في الرض حتى تضع الحرب أوزارها‪ ،‬هذه كلها إشار ة إلى غلبة المسلمين نهائيًا‪ .‬ولكن ترك كل ذلك‬

‫مستو ًار حتى يأتي كل رجل بما فيه من التحمس في سبيل ال‪.‬‬

‫وفي هذه اليا م ‪ -‬في شعبان سنة ‪ 2‬هـ ‪ /‬فبراير ‪ 624‬م ‪ -‬أمر ال تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى‬ ‫المسجد الحرا م‪ ،‬وأفاد ذلك أن الضعفاء والمنافقين من اليهود الذين كانوا قد خلوا صفوف المسلمين لثار ة البلبلة‪،‬‬ ‫انكشفوا عن المسلمين ورجعوا إلى ما كانوا عليه‪ ،‬وهكذا تطهرت صفوف المسلمين عن كثير من أهل الغدر‬ ‫والخيانة‪.‬‬ ‫ولعل في تحويل القبلة إشار ة لطيفة إلى بداية دور جديد ل ينتهي إلى بعد احتلل المسلمين هذه القبلة‪ ،‬أو ليس‬ ‫من العجب أن تكون قبلة قو م بيد أعدائه م‪ ،‬إوان كانت بأيديه م فعل فلبد من تخليصها يوما ما إن كانوا على‬ ‫الحق‪.‬‬ ‫وبهده الوامر والشارات زاد نشاط المسلمين‪ ،‬واشتد شوقه م إلى الجهاد في سبيل ال‪ ،‬ولقاء العدو في معركة‬ ‫فاصلة لعلء كلمة ال‪.‬‬


‫غزو ة بدر الكبرى أول معركة من معارك السل م الفاصلة‬

‫سبب الغزوة‬ ‫مبلغ تقوة الجيش السلمي وتوزيع القيادات‬ ‫النذير في مكة‬ ‫أهل مكة يتجهزون للغزو‬ ‫تقوام الجيش المكي‬ ‫مشكلة تقبائل بني بكر‬ ‫جيش مكة يتحرك‬ ‫العير تفلت‬ ‫َهّم الجيش المكي بالرجوع‪ ،‬ووتقوع النشقا ق فيه‬ ‫موتقف الجيش السلمي في طضي ق وحرج‬ ‫المجلس الستشاري‬ ‫الجيش السلمي يواصل سيره‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم يقوم بعملية الستكشاف‬ ‫الحصول على أهم المعلومات عن الجيش المكي‬ ‫الجيش السلمي يسب ق إلى أهم المراكز العسكرية‬ ‫مقر القيادة‬ ‫تعبئة الجيش وتقطضاء الليل‬ ‫الجيش المكي في عرصة القتال‪ ،‬ووتقوع النشقا ق فيه‬

‫سبب الغزو ة‬ ‫سبق في ذكر غرز ة العشير ة أن عي اًر لقريش أفلتت من النبي صلى ال عليه وسل م في ذهابها من مكة إلى الشا م‪،‬‬

‫فلما قرب رجوعها من الشا م إلى مكة بعث رسول ال صلى ال عليه وسل م طلحة بن عبيد ال وسعيد بن زيد إلى‬ ‫الشمال ليقوما باكتشاف خبرها‪ ،‬فوصل إلى الحوراء ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير‪ ،‬فأسرعا إلى المدينة‬ ‫وأخب ار رسول ال صلى ال عليه وسل م الخبر‪.‬‬ ‫وكانت العير تحمل ثروات طائلة لكبار أهل مكة ورؤسائها‪ :‬ألف بعير موقر ة بأموال ل تقل عن خمسين ألف‬ ‫دينار ذهبي‪ .‬ول م يكن معها من الحرب إل نحو أربعين رجل‪.‬‬ ‫إنها فرصة ذهبية للمسلمين ليصيبوا أهل مكة بضربة اقتصادية قاصمة‪ ،‬تتأل م لها قلوبه م على مر العصور‪ ،‬لذلك‬ ‫ل‪ :‬‏)هذه عير قريش فيها أمواله م‪ ،‬فاخرجوا إليها لعل ال ينفلكموها(‪.‬‬ ‫أعلن رسول ال صلى ال عليه وسل م قائ ً‬ ‫ول م يعز م على أحد بالخروج‪ ،‬بل ترك المر للرغبة المطلقة‪ ،‬لما أنه ل م يكن يتوقع عند هذا النتداب أنه‬ ‫سيصطد م بجيش مكة ‪ -‬بدل العير‪ -‬هذا الصطدا م العنيف في بدر؛ ولذلك تخلف كثير من الصحابة في‬ ‫المدينة‪ ،‬وه م يحسبون أن مضى رسول ال صلى ال عليه وسل م في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا‬ ‫والغزوات الماضية؛ ولذلك ل م ينكر على أحد تخلفه في هذه الغرو ة‪.‬‬


‫مبلغ قو ة الجيش السلمي وتوزيع القيادات‬ ‫ل ـ ‪ ،313‬أو ‪ ،314‬أو ‪317‬‬ ‫واستعد رسول ال صلى ال عليه وسل م للخروج ومعه ثلثمائة وبضعة عشر رج ً‬

‫ل ـ ‪ 82‬أو ‪ 83‬أو ‪ 86‬من المهاجرين و ‪ 61‬من الوس و ‪ 170‬من الخرزج‪ .‬ول م يحتفلوا لهذا الخروج احتفال‬ ‫رج ً‬ ‫بليغا‪ ،‬ول اتخذوا أهبته م كاملة‪ ،‬فل م يكن معه م إل فرس أو فرسان‪ :‬فرس للزبير بن العوا م‪ ،‬وفرس للمقداد بن‬

‫السود الكندي‪ ،‬وكان معه م سبعون بعي ار يعتقب الرجلن والثلثة على بعير واحد‪ ،‬وكان رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعي اًر واحد‪.‬‬ ‫واستخلف على المدينة وعلى الصل ة ابن أ م مكتو م‪ ،‬فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة ابن عبد المنذر‪ ،‬واستعمله‬ ‫على المدينة‪.‬‬ ‫ودفع لواء القياد ة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري‪ ،‬وكان هذا اللواء أبيض‪.‬‬ ‫وقس م جيشه إلى كتيبتين‪:‬‬ ‫‪ -1‬كتيبة المهاجرين‪ :‬وأعطى رايتها علي بن أبي طالب‪ ،‬ويقال لها‪ :‬العقاب‪.‬‬ ‫‪ -2‬وكتبية النصار‪ :‬وأعطى رايتها سعد بن معاذ‪ .‬ـ وكانت الرايتان سوداوين ـ‪.‬‬ ‫وجعل على قياد ة الميمنة الزبير بن العوا م‪ ،‬وعلى الميسر ة المقداد بن عمرو‪ -‬وكانا هما الفارسين الوحيدين في‬ ‫الجيش ‪ -‬كما سبق ‪ -‬وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة‪ ،‬وظلت القياد ة العامة في يده صلى ال عليه‬ ‫وسل م كقائد أعلى للجيش‪.‬‬ ‫وسار رسول ال صلى ال عليه وسل م في هذا الجيش غير المتأهب‪ ،‬فخرج من نقب المدينة‪ ،‬ومضى على‬ ‫الطريق الرئيسي المؤدي إلى مكة‪ ،‬حتى بلغ بئر الروحاء‪ ،‬فلما ارتحل منها ترك طريق مكة إلى اليسار‪ ،‬وانحرف‬ ‫ذات اليمين على النازية يريد بد ًار فسلك في ناحية منه حتى جزع وديًا يقال له‪ :‬رحقان بين النازية وبين مضيق‬

‫الصفراء‪ ،‬ث م مر على المضيق ث م انصب منه حتى قرب من الصفراء‪ ،‬ومن هنالك بعث بسبس بن عمرو الجني‬

‫وعدي بن أبي الزغباء الجهي إلى بدر يتجسسان له أخبار العير‪.‬‬


‫النذير في مكة‬ ‫وأما خبر العير فإن أبا سفيان ‪ -‬وهو المسئول عنها ‪ -‬كان على غاية من الحيطة والحذر‪ ،‬فقد كان يعل م أن‬ ‫طريق مكة محفوف بالخطار‪ ،‬وكان يتحسس الخبار ويسأل من لقى من الركبان‪ ،‬ول م يلبث أن نقلت إليه‬ ‫استخباراته بأن محمدًا صلى ال عليه وسل م قد استنفر أصحابه ليوقع بالعير‪ ،‬وحينئذ استأجر أبو سفيان ضمض م‬

‫بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيره م؛ ليمنعوه من محمد صلى ال عليه وسل م‬

‫وأصحابه‪ ،‬وخرج ضمض م سريعًا حتى أتى مكة‪ ،‬فخرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره‪ ،‬وقد جدع أنفه وحول رحله‪،‬‬

‫وشقق قميصه‪ ،‬وهو يقول‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬اللطيمة‪ ،‬اللطيمة أموالك م مع أبي سفيان قد عرض لها لها محمد في‬ ‫أصحابه‪ ،‬ل أرى أن تدركوها‪ ،‬الغوث‪ ...‬الغوث‪.‬‬

‫أهل مكة يتجهزون للغزو‬ ‫فتحفز الناس س ارًع اـ وقالوا‪ :‬أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟ كل وال ليعلمن غير ذلك‪،‬‬

‫فكانوا بين رجلين‪ :‬إما خارج‪ ،‬إواما باعث مكانه رجًل ‪ ،‬ـ ـوأوعبوا في الخروج فل م يتخلف من أشرافه م أحد سوى أبي‬ ‫لهب‪ ،‬فإنه عوض عنه رجًل كان له عليه دين‪ ،‬وحشدوا من حوله م من قبائل العرب‪ ،‬ول م يتخلف عنه م أحد من‬ ‫بطون قريش إل بني عدى فل م يخرج منه م أحد‪.‬‬

‫قوا م الجيش المكي‬

‫وكان قوا م هذا الجيش نحو ألف وثلثمائة مقاتل في بداية سيره‪ ،‬وكان معه مائة فرس وستمائة ِد ْرــع‪،‬وجمال كثير ة‬

‫ل يعرف عددها بالضبط‪ ،‬وكان قائده العا م أبا جهل ابن هشا م‪ ،‬وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف‬ ‫قريش‪ ،‬فكانوا ينحرون يوًم اـ تسًعاـ ويوًم اـ عشًرا من البل‪.‬‬ ‫مشكلة قبائل بني بكر‬ ‫ولما أجمع هذا الجيش على المسير ذكرت قريش ما كان بينها وبين بني بكر من العداو ة والحرب‪ ،‬فخافوا أن‬ ‫تضربه م هذه القبائل من الخلف‪ ،‬فيكونوا بين نارين‪ ،‬فكاد ذلك يثنيه م‪ ،‬ولكن حينئذ تبدى له م إبليس في صور ة‬

‫ُس َرـاقة بن مالك بن ُج ْعـُشـ مـ المدلجى ـ سيد بني كنانة ـ فقال له م‪ :‬أنا لك م جار من أن تأتيك م كنانة من خلفك م بشيء‬ ‫تكرهونه‪.‬‬


‫جيش مكة يتحرك‬

‫ط ًار َو ِرـَئـاءالّنا ِ‬ ‫ص ّدـوـَنَع نـ َس بِـيِل اِل{ ]النفال‪ ،[47:‬وأقبلوا ـ كما‬ ‫وحينئذ خرجوا من دياره م‪ ،‬كما قال ال‪ :‬‏} َب َ‬ ‫س َو َيـ ُ‬ ‫ن‬ ‫قال رسول ال صلى ال عليه وسل م ـ بحده م وحديده م يحادون ال ويحادون رسوله ‏} َوَغـَدـْواـَع لَــى َح ْرـٍد ـَقاِد ِرـيـ َ{‬ ‫] القل م‪ ،[25:‬وعلى حمية وغضب وحنق على رسول ال صلى ال عليه وسل م وأصحابه؛ لجرأ ة هؤلء على‬ ‫قوافله م‪.‬‬ ‫تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر‪ ،‬وسلكوا في طريقه م وادى ُع ْسـفَـان‪ ،‬ث م قَُد ْيـًدـاـ‪ ،‬ث م الُج ْحـ فَــة‪ ،‬وهناك‬ ‫تلقوا رسالة جديد ة من أبي سفيان يقول له م فيها‪ :‬إنك م إنما خرجت م لتحرزوا عيرك م ورجالك م وأموالك م‪ ،‬وقد نجاها‬ ‫ال فارجعوا‪.‬‬

‫العير تفلت‬ ‫ظا‪ ،‬وضاعف حركاته‬ ‫وكان من قصة أبي سفيان أنه كان يسير على الطريق الرئيسى‪ ،‬ولكنه ل م يزل حذًرا متيق ً‬ ‫ى ـبن عمرو‪ ،‬وسأله عن جيش المدينة‪ ،‬فقال‪ :‬ما‬ ‫الستكشافية‪ ،‬ولما اقترب من بدر تقد م عيره حتى لقى َم ْجـ ِد ـ ّ‬ ‫رأيت أحًد اـ أنكره إل إني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل‪ ،‬ث م استقيا في شن لهما‪ ،‬ث م انطلقا‪ ،‬فبادر أبو‬

‫سفيان إلى مناخهما‪ ،‬فأخذ من أبعار بعيرهما‪ ،‬ففته فإذا فيه النوى‪ ،‬فقال‪ :‬هذه وال علئف يثرب‪ ،‬فرجع إلى عيره‬ ‫سريًعاـ‪ ،‬وضرب وجهها محوًل اتجاهها نحو الساحل غرًبا‪ ،‬تارًك اـ الطريق الرئيسى الذي يمر ببدر على اليسار‪،‬‬ ‫وبهذا نجا بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة‪ ،‬وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها في الجحفة‪.‬‬

‫َهّ مـ الجيش المكي بالرجوع‪ ،‬ووقوع النشقاق فيه‬ ‫ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة ه م بالرجوع‪ ،‬ولكن قا م طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائًل‪ :‬وال‬ ‫ل نرجع حتى نرد بدًرا‪ ،‬فنقي م بها ثلًثا‪ ،‬فننحر الَج ُزـ وـر‪،‬ونطع م الطعا م‪ ،‬ونسقى الخمر‪ ،‬وتعزف لنا الِقيـان‪ ،‬وتسمع‬ ‫بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا‪ ،‬فل يـزالون يهابوننا أبًد اـ‪.‬‬ ‫ولكن على رغ م أبي جهل ـ أشار الْخ َنـسـ بن َش ِرـيـق بالرجوع فعصوه‪،‬فرجع هو وبنو ُزْه َر ـ ة وكان حليًفا له م‪،‬‬ ‫ورئيًس اـ عليه م في هذا النفير ـ فل م يشهد بدًرا زهرى واحد‪ ،‬وكانوا حوالى ثلثمائة رجل‪،‬واغتبطت بنو زهر ة َبْع ُدـ برأي‬

‫الخنس بن شريق‪ ،‬فل م يزل فيه م مطاًع اـ معظًم اـ‪.‬‬

‫وأرادت بنو هاش م الرجوع فاشتد عليه م أبو جهل‪ ،‬وقال‪ :‬ل تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع‪.‬‬

‫فسار جيش مكة وقوامه ألف مقاتل بعد رجوع بني زهر ة ـ وهو يقصد بدًرا ـ فواصل سيره حتى نزل قريًباـ من بدر‪،‬‬ ‫وراء كثيب يقع بالعدو ة القصوى على حدود وادى بدر‪.‬‬


‫موقف الجيش السلمي في ضيق وحرج‬ ‫أما استخبارات جيش المدينة فقد نقلت إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م ـ وهو ل يزال في الطريق بوادي‬ ‫َذ ِفـَرـانـ خبر العير والنفير‪ ،‬وتأكد لديه بعد التدبر في تلك الخبار أنه ل م يبق مجال لجتناب اللقاء الدامي‪ ،‬وأنه‬ ‫ل بد من إقدا م يبني على الشجاعة والبسالة‪ ،‬والجراء ة‪ ،‬والجسار ة‪ ،‬فمما ل شك فيه أنه لو ترك جيش مكة يجوس‬ ‫خلل تلك المنطقة يكون ذلك تدعيًم اـ لمكانة قريش العسكرية‪ ،‬وامتداًد اـ لسلطانها السياسي‪ ،‬إواضعاًفا لكلمة‬ ‫المسلمين وتوهيًنا لها‪،‬بل ربما تبقى الحركة السلمية بعد ذلك جسًد اـ ل روح فيه‪ ،‬ويجرؤ على الشر كل من فيه‬ ‫حقد أو غيظ على السل م في هذه المنطقة‪.‬‬

‫ث م هل هناك ضمان للمسلمين بامتناع جيش مكة عن مواصلة سيره نحو المدينة‪ ،‬حتى ينقل المعركة إلى‬ ‫أسوارها‪ ،‬ويغزو المسلمين في عقر داره م؟ كل! فلو حدث من جيش المدينة نكول ما‪ ،‬لكان له أسوأ الثر على‬ ‫هيبة المسلمين وسمعته م‪.‬‬

‫المجلس الستشاري‬ ‫ونظًرا إلى هذا التطور الخطير المفاجيء عقد رسول ال صلى ال عليه وسل م مجلًس اـ عسكرًيا استشارًياـ أعلى‪،‬‬ ‫أشار فيه إلى الوضع الراهن‪ ،‬وتبادل فيه الرأي مع عامة جيشه وقادته‪ .‬وحينئذ تزعزع قلوب فريق من‬ ‫ك ِباْلَح ّ‬ ‫ق ـ َو إِاـّنـ َفِر يـقًا ّم َنـ اْلُم ْؤـ ِمـنِــيَن‬ ‫ك ِم نـ َبْي تِـ َ‬ ‫كَـر ّبـ َ‬ ‫الناس‪،‬وخافوا اللقاء الدامى‪،‬وه م الذين قال ال فيه م‪ :‬‏} َكَمـاـ أَْخ َر ـَجـ َ‬ ‫كـ ِفيـ اْلَح ّ‬ ‫ق ـ َبْع َدـَمـاـ تََبّيَن َك أَـّنَم اـ ُيَس اـُقوَن ِإَلى اْلَم ْوـ ِت ـَوُهـْ م َينظُُر وـَن{ ]النفال‪ ،[6 ،5:‬وأمــا قاد ة‬ ‫لََك اـِرُهوَن ُيَج اـِد لُــوَن َ‬ ‫الجيش فقـا م أبو بكر الصديق فقال وأحسن‪،‬ث م قا م عمر بن الخطاب فقال وأحسن‪،‬ث م قا م المقداد بن عمرو فقال‪:‬‬ ‫ت‬ ‫يا رسول ال‪ ،‬امض لما أراك ال‪،‬فنحن معك‪،‬وال ل نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى‪ :‬‏} َفاْذَهـ ْ‬ ‫بـ َأن َ‬ ‫كفََقاِتل ِإّنا َهاـُهَناـ َقاِع ُد ـوـَن{ ]المائد ة‪ ،[24:‬ولكن اذهب أنت وربك فقاتل إنا معكما مقاتلون‪ ،‬فوالذي بعثك‬ ‫َو َرـّبـ َ‬ ‫بالحق لو سرت بنا إلى َبْر ك ـالِغ َمـاـد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه‪.‬‬ ‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م خيًرا ودعا له به‪.‬‬

‫وهؤلء القاد ة الثلثة كانوا من المهاجرين‪ ،‬وه م أقلية في الجيش‪ ،‬فأحب رسول ال صلى ال عليه وسل م أن يعرف‬

‫رأي قاد ة النصار؛ لنه م كانوا يمثلون أغلبية الجيش‪ ،‬ولن ثقل المعركة سيدور على كواهله م‪ ،‬مع أن نصوص‬ ‫العقبة ل م تكن تلزمه م بالقتال خارج دياره م‪ ،‬فقال بعد سماع كل م هؤلء القاد ة الثلثة‪ :‬‏)أشيروا علّى أيها الناس(‬ ‫إوانما يريد النصار‪ ،‬وفطن إلى ذلك قائد النصار وحامل لوائه م سعد بن معاذ‪.‬‬

‫فقال‪ :‬وال‪ ،‬ولكأنك تريدنا يا رسول ال؟‬ ‫قال‪ :‬‏)أجل(‪.‬‬


‫قال‪ :‬فقد آمنا بك‪ ،‬فصدقناك‪ ،‬وشهدنا أن ما جئت به هو الحق‪ ،‬وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على‬ ‫السمع والطاعة‪ ،‬فامض يا رسول ال لما أردت‪ ،‬فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته‬

‫ص ّدـقـ في‬ ‫ص ُبــر في الحرب‪ُ ،‬‬ ‫لخضناه معك‪ ،‬ما تخلف منا رجل واحد‪ ،‬وما نكره أن تلقى بنا عدونا غًد اـ‪ ،‬إنا ل ُ‬ ‫اللقاء‪ ،‬ولعل ال يريك منا ما تَقَّر به عينك‪ ،‬فِس ْر ـبنا على بركة ال‪.‬‬

‫وفي رواية أن سعد بن معاذ قال لرسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬لعلك تخشى أن تكون النصار ترى حًقا عليها‬ ‫أل تنصرك إل في دياره م‪ ،‬إواني أقول عن النصار وأجيب عنه م‪ :‬فاظعن حيث شئت‪ ،‬و ِ‬ ‫ص ْلـ ـَح ْبـلـ من شئت‪،‬‬ ‫واقطع حبل من شئت‪ ،‬وخذ من أموالنا ما شئت‪ ،‬وأعطنا ما شئت‪ ،‬وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت‪ ،‬وما‬ ‫أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لمرك‪ ،‬فهو ال لئن سرت حتى تبلغ البرك من ِغ ْم ـدــان لنسيرن معك‪ ،‬ووال لئن‬ ‫استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك‪.‬‬ ‫فَُس ّرـ رسول ال صلى ال عليه وسل م بقول سعد‪ ،‬ونشطه ذلك‪ ،‬ث م قال‪ :‬‏)سيروا وأبشروا‪ ،‬فإن ال تعالى قد وعدنى‬ ‫إحدى الطائفتين‪ ،‬وال لكإني الن أنظر إلى مصارع القو م(‪.‬‬

‫الجيش السلمي يواصل سيره‬

‫ث م ارتحل رسول ال صلى ال عليه وسل م من َذ ِفـَرـان‪،‬فسلك على ثنايا يقال لها‪ :‬الصافر‪ ،‬ث م انحط منها إلى بلد‬ ‫يقال له‪ :‬الّد ّبـة‪ ،‬وترك الَح ّنــان بيمين ـ وهو َك ثِـيب عظي م كالجبل ـ ث م نزل قريًباـ من بدر‪.‬‬ ‫الرسول صلى ال عليه وسل م يقو م بعملية الستكشاف‬ ‫وهناك قا م صلى ال عليه وسل م بنفسه بعملية الستكشاف مع رفيقه في الغار أبي بكر الصديق رضي ال عنه‬ ‫وبينما هما يتجولن حول معسكر مكة إذا هما بشيخ من العرب‪ ،‬فسأله رسول ال صلى ال عليه وسل م عن قريش‬ ‫وعن محمد وأصحابه ـ سأل عن الجيشين زياد ة في التكت م ـ ولكن الشيخ قال‪ :‬ل أخبركما حتى تخبراني ممن‬ ‫أنتما؟ فقال له رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)إذا أخبرتنا أخبرناك(‪ ،‬قال‪ :‬أو ذاك بذاك؟ قال‪ :‬‏)نع م(‪.‬‬ ‫قال الشيخ‪ :‬فإنه بلغنى أن محمًد اـ وأصحابه خرجوا يو م كذا وكذا‪ ،‬فإن كان صدق الذي أخبرني فه م اليو م بمكان‬ ‫كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش المدينة‪ .‬وبلغنى أن قريًش اـ خرجوا يو م كذا وكذا‪ ،‬فإن كان صدق الذي أخبرني‬

‫فه م اليو م بمكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش مكة‪.‬‬

‫ولما فرغ من خبره قال‪ :‬ممن أنتما؟ فقال له رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)نحن من ماء(‪ ،‬ث م انصرف عنه‪،‬‬ ‫وبقى الشيخ يتفوه‪ :‬ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟‬


‫الحصول على أه م المعلومات عن الجيش المكي‬ ‫وفي مساء ذلك اليو م بعث صلى ال عليه وسل م استخباراته من جديد ليبحث عن أخبار العدو‪ ،‬وقا م لهذه العملية‬ ‫ثلثة من قاد ة المهاجرين؛ على بن أبي طالب والزبير بن العوا م وسعد ابن أبي وقاص في نفر من أصحابه‪،‬‬ ‫ذهبوا إلى ماء بدر فوجدوا غلمين يستقيان لجيش مكة‪ ،‬فألقوا عليهما القبض‪ ،‬وجاءوا بهما إلى الرسول صلى ال‬ ‫عليه وسل م وهو في الصل ة‪ ،‬فاستخبرهما القو م‪ ،‬فقال‪ :‬نحن سقا ة قريش‪ ،‬بعثونا نسقيه م من الماء‪ ،‬فكره القو م‪،‬‬ ‫ورجوا أن يكونا لبي سفيان ـ لتزال في نفوسه م بقايا أمل في الستيلء على القافلة ـ فضربوهما ضرًباـ موجًعاـ‬

‫حتى اضطر الغلمان أن يقول‪ :‬نحن لبي سفيان فتركوهما‪.‬‬

‫ولما فرغ رسول ال صلى ال عليه وسل م مـن الصل ة قال له م كالعاتب‪ :‬‏)إذا صدقاك م ضربتموهما‪ ،‬إواذا كذباك م‬ ‫تركتموهما‪ ،‬صدقا وال‪ ،‬إنهما لقريش(‪.‬‬ ‫أخبراني عن قريش(‪ ،‬قال‪ :‬ه م وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدو ة القصوى‪ ،‬فقال‬ ‫ث م خاطب الغلمين قائًل‪ :‬‏) إ‬

‫لهما‪ :‬‏)ك م القو م؟( قال‪ :‬كثير‪ .‬قال‪ :‬‏)ما عدته م؟( قال‪ :‬ل ندرى‪ ،‬قال‪ :‬‏)ك م ينحرون كل يو م؟( قال‪ :‬يوًم اـ تسًعاـ‬

‫ويوًم اـ عشًرا‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)القو م فيما بين التسعمائة إلى اللف(‪ ،‬ث م قال لهما‪ :‬‏)فمن‬ ‫ى بن هشا م‪ ،‬وحكي م بن ِح ــزا م‪ ،‬وَنْو َفــل بن خويلد‪،‬‬ ‫فيه م من أشراف قريش؟( قال‪ :‬عتبة وشيبة ابنا ربيعة‪ ،‬وأبو الَبْخ تَــر ّ‬ ‫والحارث بن عامر‪ ،‬وطَُعْيـَمـةـ بن عدى‪ ،‬والنضر بن الحارث‪َ ،‬و زـْم َعـةـبن السود‪ ،‬وأبو جهل بن هشا م‪ ،‬وأميــة بن‬ ‫خلف في رجال سمياه م‪.‬‬

‫فأقبل رسول ال صلى ال عليه وسل م على الناس فقال‪ :‬‏)هذه مكة قد ألقت إليك م أفلذ كبدها(‪.‬‬ ‫نزول المطر‬ ‫وأنزل ال عز وجل في تلك الليلة مطًرا واحًد اـ‪ ،‬فكان على المشركين وابًل شديًد اـ منعه م من التقد م‪ ،‬وكان على‬ ‫المسلمين طل طهره م به‪ ،‬وأذهب عنه م رجس الشيطان‪ ،‬ووطأ به الرض‪ ،‬وصلب به الرمل‪ ،‬وثبت القدا م‪،‬‬ ‫ومهد به المنزل‪ ،‬وربط به على قلوبه م‪.‬‬ ‫الجيش السلمي يسبق إلى أه م المراكز العسكرية‬ ‫وتحرك رسول ال صلى ال عليه وسل م بجيشه ليسبق المشركين إلى ماء بدر‪ ،‬ويحول بينه م وبين الستيلء‬ ‫عليه‪ ،‬فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر‪ ،‬وهنا قا م الُح َبــاب بن المنذر كخبير عسكرى وقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أرأيت‬

‫هذا المنزل‪ ،‬أمن ًزل أنزلكه ال‪ ،‬ليس لنا أن نتقدمه ول نتأخر عنه؟ أ م هو الرأي والحرب والمكيد ة؟ قال‪ :‬‏)بل هو‬ ‫الرأي والحرب والمكيد ة(‪.‬‬


‫قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬إن هذا ليس بمنزل‪ ،‬فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القو م ـ قريش ـ فننزله ونغّو رـ ـ أي‬ ‫ض اــ‪ ،‬فنمله ماء‪ ،‬ث م نقاتل القو م‪ ،‬فنشرب ول يشربون‪ ،‬فقال رسول‬ ‫ُنَخ ّر ـبـ ما وراءه من الُقُلب‪ ،‬ث م نبني عليه حو ً‬ ‫ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)لقد أشرت بالرأي(‪.‬‬

‫فنهض رسول ال صلى ال عليه وسل م بالجيش حتى أتى أقرب ماء من العدو‪ ،‬فنزل عليه شطر الليل‪ ،‬ث م صنعوا‬ ‫الحياض وغوروا ما عداها من القلب‪.‬‬

‫مقر القياد ة‬ ‫وبعد أن ت م نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول ال صلى ال عليه وسل م أن يبني‬ ‫المسلمون مقًرا لقيادته؛ استعداًد اـ للطوارئ‪ ،‬وتقديًرا للهزيمة قبل النصر‪ ،‬حيث قال‪:‬‬ ‫يا نبى ال‪ ،‬أل نبني لك عريًش اـ تكون فيه‪ ،‬ونعد عندك ركائبك‪ ،‬ث م نلقى عدونا‪ ،‬فإن أعزنا ال وأظهرنا على عدونا‬ ‫كان ذلك ما أحببنا‪ ،‬إوان كانت الخرى جلست على ركائبك فلحقت بَِم ْنـ وراءنا من قومنا‪ ،‬فقد تخلف عنك أقوا م يا‬ ‫نبي ال ما نحن بأشد لك حًبا منه م‪ ،‬ولو ظنوا أنك تلقى حرًباـ ما تخلفوا عنك‪ ،‬يمنعك ال به م‪ ،‬يناصحونك‬ ‫ويجاهدون معك‪.‬‬

‫فأثنى عليه رسول ال صلى ال عليه وسل م خيًرا ودعا له بخير‪ ،‬وبني المسلمون َع ِرـيـًش اـعلى تل مرتفع يقع في‬ ‫الشمال الشرقى لميدان القتال‪ ،‬ويشرف على ساحة المعركة‪.‬‬ ‫كما ت م اختيار فرقة من شباب النصار بقياد ة سعد بن معاذ يحرسون رسول ال صلى ال عليه وسل م حول مقر‬ ‫قيادته‪.‬‬

‫تعبئة الجيش وقضاء الليل‬ ‫ث م عبأ رسول ال صلى ال عليه وسل م جيشه‪ .‬ومشى في موضع المعركة‪ ،‬وجعل يشير بيده‪ :‬‏)هذا مصرع فلن‬ ‫غًد اـ إن شاء ال‪ ،‬وهذا مصرع فلن غدا إن شاء ال(‪ .‬ث م بات رسول ال صلى ال عليه وسل م يصلي إلى جذع‬ ‫شجر ة هنالك‪ ،‬وبات المسلمون ليله م هادئي النفاس منيري الفاق‪ ،‬غمرت الثقة قلوبه م‪ ،‬وأخذوا من الراحة‬

‫قسطه م؛ يأملون أن يروا بشائر ربه م بعيونه م صباًح ا ـ‪ :‬‏}ِإْذ ُيَغّشـيـُك ُ مـ الّنَعاـَس أََم َنـًةـ ّم ْنـهُـ َو ُيـَنّزـ ُلـَع لَـْي ُكـ مـ ّم نـ الّس َمـاـء َم اـء‬ ‫ت بِِه الَْقَد اـَ م{ ]النفال‪.[11:‬‬ ‫طـاِن َو ِلـَيْر بِـ َ‬ ‫بـَع نـُك ْ مـ ِرْجـ َز ـالّش ْيـ َ‬ ‫لُّي َ‬ ‫طَع لَــى ُقُلوبُِك ْ مـ َو ُيـثَّب َ‬ ‫طهَّر ُكـ مـبِِه َو ُيـْذ ِهـ َ‬ ‫كانت هذه الليلة ليلة الجمعة‪ ،‬السابعة عشر ة من رمضان في السنة الثانية من الهجر ة‪ ،‬وكان خروجه صلى ال‬ ‫عليه وسل م في ‪ 8‬أو ‪ 12‬من نفس الشهر‪.‬‬


‫الجيش المكي في عرصة القتال‪ ،‬ووقوع النشقاق فيه‬ ‫أما قريش فقضت ليلتها هذه في معسكرها بالعدو ة القصوى‪ ،‬ولما أصبحت أقبلت في كتائبها‪ ،‬ونزلت من الكثيب‬ ‫إلى وادي بدر‪ .‬وأقبل نفر منه م إلى حوض رسول ال صلى ال عليه وسل م فقال‪] :‬دعوه م[‪ ،‬فما شرب أحد منه م‬ ‫يومئذ إل قتل‪ ،‬سوى حكي م بن حزا م‪ ،‬فإنه ل م يقتل‪ ،‬وأسل م بعد ذلك‪ ،‬وحسن إسلمه‪ ،‬وكان إذا اجتهد في اليمين‬ ‫قال‪ :‬ل والذي نجاني من يو م بدر‪.‬‬ ‫فلما اطمأنت قريش بعثت ُع َمـْيـرـ بن وهب الُج َمـِحـ ى ـللتعرف على مدى قو ة جيش المدينة‪ ،‬فدار عمير بفرسه حول‬ ‫العسكر‪ ،‬ث م رجع إليه م فقال‪ :‬ثلثمائة رجل‪ ،‬يزيدون قليًل أو ينقصون‪ ،‬ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقو م كمين أو‬ ‫مدد؟‬

‫فضرب في الوادى حتى أبعد‪ ،‬فل م ير شيًئا‪ ،‬فرجع إليه م فقال‪ :‬ما وجدت شيًئا‪ ،‬ولكنى قد رأيت يا معشر قريش‬ ‫البليا تحمل المنايا‪ ،‬نواضح يثرب تحمل الموت الناقع‪ ،‬قو م ليس معه م منعة ول ملجأ إل سيوفه م‪ ،‬وال ما أرى‬ ‫أن يقتل رجل منه م حتى يقتل رجًل منك م‪،‬فإذا أصابوا منك م أعدادك م فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيك م‪.‬‬ ‫وحينئذ قامت معارضة أخرى ضد أبي جهل ـ المصم م على المعركة ـ تدعو إلى العود ة بالجيش إلى مكة دونما‬ ‫قتال‪ ،‬فقد مشى حكي م بن حزا م في الناس‪ ،‬وأتى عتبة ابن ربيعة فقال‪ :‬يا أبا الوليد‪ ،‬إنك كبير قريش وسيدها‪،‬‬ ‫والمطاع فيها‪ ،‬فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟ قال‪ :‬وما ذاك يا حكي م؟ قال‪ :‬ترجع بالناس‪ ،‬وتحمل‬ ‫أمر حليفك عمرو بن الحضرمى ـ المقتول في سرية نخلة ـ فقال عتبة‪ :‬قد فعلت‪ .‬أنت ضامن علّى بذلك‪ .‬إنما‬ ‫هو حليفي‪ ،‬فعلى عقله ]ديته[ وما أصيب من ماله‪.‬‬ ‫ظـِلّيِة ـ أبا جهل‪ ،‬والحنظلية أمه ـ فإني ل أخشى أن يشجر أمر الناس‬ ‫ث م قال عتبة لحكي م بن حزا م‪ :‬فائت ابن الَح ْن ـ َ‬ ‫غيره‪.‬‬ ‫ث م قا م عتبة بن ربيعة خطيًباـ فقال‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬إنك م وال ما تصنعون بأن تلقوا محمًد اـ وأصحابه شيًئا‪ ،‬وال‬ ‫لئن أصبتموه ليزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه‪ ،‬قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجًل من عشيرته‪،‬‬

‫فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب‪ ،‬فإن أصابوه فذاك الذي أردت م‪ ،‬إوان كان غير ذلك أْلَفاُك ْ مـ ول م‬ ‫ضـواـمنه ما تريدون‪.‬‬ ‫تََعّرـ ُ‬

‫وانطلق حكي م بن حزا م إلى أبي جهل ـ وهو يهيئ درًع اـ له ـ قال‪ :‬يا أبا الحك م‪ ،‬إن عتبة أرسلنى بكذا وكذا‪ ،‬فقال‬ ‫أبو جهل‪ :‬انتفخ وال َس ْحـ ُر ـهُحين رأي محمًد اـ وأصحابه‪ ،‬كل وال ل نرجع حتى يحك م ال بيننا وبين محمد‪ ،‬وما‬


‫بعتبة ما قال‪ ،‬ولكنه قد رأي أن محمًد اـ وأصحابه أكلة َج ُزـ وـر‪،‬وفيه م ابنه ـ وهو أبو حذيفة بن عتبة كان قد أسل م‬ ‫قديًم اـ وهاجر ـ فَتََخ ّوـفَـُك ْ مـعليه‪.‬‬ ‫صـ فّــر اْس تَـه من انتفخ سحره‪ ،‬أنا أ م هو؟‬ ‫ولما بلغ عتبة قول أبي جهل‪ :‬انتفخ وال سحره‪ ،‬قال عتبة‪ :‬سيعل م ُم َ‬ ‫وتعجل أبو جهل‪ ،‬مخافة أن تقوى هذه المعارضة‪ ،‬فبعث على إثر هذه المحاور ة إلى عامر بن الحضرمى ـ أخي‬ ‫عمرو بن الحضرمى المقتول في سرية عبد ال بن جحش ـ فقال‪ :‬هذا حليفك ]أي عتبة[ يريد أن يرجع بالناس‪،‬‬ ‫وقد رأيت ثأرك بعينك‪ ،‬فق م فاْن ُشـدـ ُخ ْفـَر تَــك‪ ،‬وَم ْقـتََل أخيك‪ ،‬فقا م عامر فكشف عن استه‪ ،‬وصرخ‪ :‬واعمراه‪ ،‬واعمراه‪،‬‬ ‫بـ أمره م‪ ،‬واستوثقوا على ما ه م عليه من الشر‪ ،‬وأفسد على الناس الرأي الذي دعاه م إليه‬ ‫فحمى القو م‪ ،‬وَح ِقـ َ‬ ‫عتبة‪ .‬وهكذا تغلب الطيش على الحكمة‪ ،‬وذهبت هذه المعارضة دون جدوى‪.‬‬


‫الجيشان يتراآن‬ ‫ساعة الصفر وأول وتقود المعركة‬ ‫المبـــارزة‬ ‫الهجوم العام‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم يناشد ربه‬ ‫نزول الملئكة‬ ‫الهجوم المطضاد‬ ‫إبليس ينسحب عن ميدان القتال‬ ‫الهزيمة الساحقة‬ ‫صمود أبي جهل‬ ‫مصرع أبي جهل‬ ‫من روائع اليمان في هذه المعركة‬

‫الجيشان يتراآن‬ ‫ولما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)الله م هذه قريش قد أقبلت بُخ َيــلئها‬ ‫وفَْخ رـها تَُح اـّد كـ وتكذب رسولك‪ ،‬الله م فنصرك الذي وعدتني‪ ،‬الله م أْح نِـُه م ]الغدا ة[( وقد قال رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م ـ ورأى عتبة بن ربيعة في القو م على جمل له أحمر‪ :‬‏)إن يكن في أحد من القو م خير فعند صاحب‬ ‫الجمل الحمر‪ ،‬إن يطيعوه َيْر ُش ـُدـوـا(‪.‬‬ ‫وعدل رسول ال صلى ال عليه وسل م صفوف المسلمين‪ ،‬وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب‪ ،‬فقد كان في يديه‬ ‫ِقْدـحـ يعدل به‪ ،‬وكان س وـاـد بن َغ ِزـّيـةم سـتَـْن ِ‬ ‫صـ ًلـ ـمن الصف‪ ،‬فطعن في بطنه بالقدح‪ ،‬وقال‪ :‬‏)استو يا سواد(‪ ،‬فقال‬ ‫ُْ‬ ‫ََ‬ ‫سواد‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أوجعتنى فأقدنى‪ ،‬فكشف عن بطنه وقال‪ :‬‏)استقد(‪ ،‬فاعتنقه سواد وقبل بطنه‪ ،‬فقال‪ :‬‏)ما‬ ‫حملك على هذا يا سواد؟( قال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬قد حضر ما ترى‪ ،‬فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى‬ ‫جلدك‪ .‬فدعا له رسول ال صلى ال عليه وسل م بخير‪.‬‬ ‫ولما ت م تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه بأل يبدأوا القتال حتى يتلقوا منه الوامر الخير ة‪ ،‬ث م أدلى إليه م‬ ‫بتوجيه خـاص في أمـر الحـرب‪ ،‬فقال‪ :‬‏)إذا أكثبوك م ـ يعنى اقتربوا منك م ـ فارموه م‪ ،‬واستبقوا نبلك م‪ ،‬ول تسلوا‬ ‫السيوف حتى يغشوك م( ث م رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة‪،‬وقا م سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب‬ ‫العريش‪.‬‬ ‫أما المشركون فقد استفتح أبو جهل في ذلك اليو م فقال‪ :‬الله م أقطعنا للرح م‪ ،‬وآتانا بما لنعرفه‪،‬فأِح ْنـهـ الغدا ة‪،‬الله م‬ ‫أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره اليو م‪ ،‬وفي ذلك أنزل ال‪ :‬‏}ِإن تَْس تَـْفِتُح وْاـ فَقَْد َج اــءُك ُ مـ اْلفَتُْح َو إِاـنـ َتنتَهُوْا‬ ‫ن ]النفال‪[19:‬‬ ‫تـَوأَـّن اَل َم َعـ اْلُم ْؤـ ِم ـنِـي َ{‬ ‫فَهَُو َخ ْيـٌرـ لُّك ْ مـ َو إِاـنـ تَُعوُد وْـا َنُعْد َو لَــن تُْغ نِـَي َع نـُك ْ مـ ِفَئـتُُك ْ مـ َش ْيـًئـاـ َو لَـْو َك ثُـَر ْ‬


‫ساعة الصفر وأول وقود المعركة‬ ‫وكان أول وقود المعركة السود بن عبد السد المخزومى ـ وكان رجًل شرًس اـ سيئ الخلق ـ خرج قائًل‪ :‬أعاهد ال‬ ‫لشربن من حوضه م أو لهدمنه أو لموتن دونه‪ .‬فلما خرج خرج إليه حمز ة بن عبد المطلب رضي ال عنه فلما‬

‫طّن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض‪ ،‬فوقع على ظهره تشخب رجله دًم اـ نحو أصحابه‪،‬‬ ‫التقيا ضربه حمز ة فأ َ‬ ‫ث م حبا إلى الحوض حتى اقتح م فيه‪ ،‬يريد أن تبر يمينه‪ ،‬ولكن حمز ة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل‬ ‫الحوض‪.‬‬

‫المب ــارز ة‬ ‫وكان هذا أول قتل أشعل نار المعركة‪ ،‬فقد خرج بعده ثلثة من خير ة فرسان قريش كانوا من عائلة واحد ة‪ ،‬وه م‬ ‫عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة‪ ،‬والوليد بن عتبة‪ ،‬فلما انفصلوا من الصف طلبوا المبارز ة‪ ،‬فخرج إليه م ثلثة من‬ ‫شباب النصار َع ْوـ ف ـوُم َعـّوـ ذ ـابنا الحارث ـ وأمهما عفراء ـ وعبد ال بن رواحة‪ ،‬فقالوا‪ :‬من أنت م؟ قالوا‪ :‬رهط من‬ ‫النصار‪ .‬قالوا‪ :‬أ ِك فّـاء كرا م‪ ،‬ما لنا بك م حاجة‪ ،‬إوانما نريد بني عمنا‪ ،‬ث م نادى مناديه م‪ :‬يا محمد‪ ،‬أخرج إلينا‬ ‫أكفاءنا من قومنا‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ق م يا عبيد ة بن الحارث‪ ،‬وق م يا حمز ة‪ ،‬وق م يا على(‪،‬‬

‫فلما قاموا ودنوا منه م‪ ،‬قالوا‪ :‬من أنت م؟ فأخبروه م‪ ،‬فقالوا‪ :‬أنت م أكفاء كرا م‪ ،‬فبارز عبيد ة ـ وكان أسن القو م ـ عتبة بن‬ ‫ربيعة‪ ،‬وبارز حمز ة شيبة‪ ،‬وبارز على الوليد‪ .‬فأما حمز ة وعلى فل م يمهل قرنيهما أن قتلهما‪ ،‬وأما عبيد ة فاختلف‬ ‫بينه وبين قرنه ضربتان‪ ،‬فأثخن كل واحد منهما صاحبه‪ ،‬ث م َك ّرـ على وحمز ة على عتبة فقتله‪ ،‬واحتمل عبيد ة‬ ‫ض ِمـًنـاـ حتى مات بالصفراء‪،‬بعد أربعة أو خمسة أيا م من وقعة بدر‪ ،‬حينما كان‬ ‫وقد قطعت رجله‪ ،‬فل م يزل َ‬

‫ص ُمـوـا ِفيـ‬ ‫المسلمون في طريقه م إلى المدينة‪ .‬وكان على يقس م بال أن هذه الية ن ـزلت فيه م‪ :‬‏} َهَذـاـِن َخ ْ‬ ‫صـَم ـاـِناْخ تَـ َ‬

‫َر ّبـِه ْ م{ـ الية ]الحج‪.[19:‬‬ ‫الهجو م العا م‬

‫وكانت نهاية هذه المبارز ة بداية سيئة بالنسبة للمشركين؛ إذ فقدوا ثلثة من خير ة فرسانه م وقادته م دفعة‬ ‫واحد ة‪،‬فاستشاطوا غضًبا‪،‬وكروا على المسلمين كر ة رجل واحد‪.‬‬ ‫وأما المسلمون فبعد أن استنصروا ربه م واستغاثوه وأخلصوا له وتضرعوا إليه تلقوا هجمات المشركين المتتالية‪،‬‬ ‫وه م مرابطون في مواقعه م‪ ،‬واقفون موقف الدفاع‪ ،‬وقد ألحقوا بالمشركين خسائر فادحة‪ ،‬وه م يقولون‪ :‬أَح د ـ أَح د ـ‪.‬‬


‫الرسول صلى ال عليه وسل م يناشد ربه‬ ‫أما رسول ال صلى ال عليه وسل م فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر‪ ،‬ويقول‪:‬‬ ‫‏)الله م أنجز لي ما وعدتني‪ ،‬الله م إني أنشدك عهدك ووعدك(‪ ،‬حتى إذا َح ِمـَىـ الَو ِطـيـُس ‪،‬ـوـ ـاستدارت رحى الحرب‬ ‫بشد ة واحتد م القتال‪ ،‬وبلغت المعركة قمتها‪ ،‬قال‪ :‬‏)الله م إن تهلك هذه العصابة اليو م ل تعبد‪ ،‬الله م إن شئت ل م‬ ‫تعبد بعد اليو م أبًد اـ(‪ .‬وبالغ في البتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه‪ ،‬فرده عليه الصديق‪ ،‬وقال‪ :‬حسبك يا رسول‬ ‫ال‪ ،‬ألححت على ربك‪.‬‬ ‫بـ ]النفال‪،[12 :‬وأوحى‬ ‫وأوحى ال إلى ملئكته‪ :‬‏}أَّني َم َعـُكـْ مـ َفثَّبتُوْا الِّذ يـَن آَم ُنـوْا َس أُـْلِقيـ ِفيـ ُقُلوِب الِّذ يـَن َك فَـُر وْاـالّرْع َ{‬ ‫إلى رسوله‪ :‬‏}أَّني م ِمـّدـُكـ مـ بِأَْل ٍ‬ ‫ض اـ‬ ‫فـ ّم َنـ اْلَم لـئَِك ِةـ ُم ْرـ ِد ـِف ـيـ{َن ]النفال‪ [9:‬ـ أي إنه م ردف لك م‪ ،‬أو يردف بعضه م بع ً‬ ‫ُ‬

‫أرساًل ‪ ،‬ـ ـل يأتون دفعة واحد ة‪.‬‬

‫نزول الملئكة‬ ‫وأغفي رسول ال صلى ال عليه وسل م إغفاء ة واحد ة‪ ،‬ث م رفع رأسه فقال‪ :‬‏)أبشر يا أبا بكر‪ ،‬هذا جبريل على‬

‫ثََناياه الّنْقُع( ]أي الغبار[ وفي رواية ابن إسحاق‪ :‬قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)أبشر يا أبا بكر‪ ،‬أتاك‬ ‫نصر ال‪ ،‬هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده‪ ،‬وعلى ثناياه النقع(‪.‬‬ ‫ث م خرج رسول ال صلى ال عليه وسل م من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول‪ :‬‏} َسُيـْهَزُ مـاْلَج ْمـُعـَو ُيـَو لّــوَن‬ ‫صـَبــاء‪ ،‬فاستقبل بها قريًش اـ وقال‪ :‬‏)شاهت الوجوه( ورمى بها في وجوهه م‪،‬‬ ‫الّد ُبـَر{ ]القمر‪، [45:‬ث م أخذ َح ْفـَنًة من الَح ْ‬

‫تـِإْذ‬ ‫فما من المشركين من أحد إل أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة‪ ،‬وفي ذلك أنزل ال‪ :‬‏} َوَمـاـَر َمـْيـ َ‬ ‫تـَو لَـِك ّنـ اَل َر َمـى{ـ ]النفال‪.[17:‬‬ ‫َر َمـْيـ َ‬ ‫الهجو م المضاد‬ ‫وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الخير ة بالهجمة المضاد ة فقال‪ :‬‏)شدوا(‪ ،‬وحرضه م على القتال‪ ،‬قائًل‪ :‬‏)والذي‬

‫نفس محمد بيده‪ ،‬ل يقاتله م اليو م رجل فيقتل صابًرا محتسًبا مقبًل غير مدبر‪ ،‬إل أدخله ال الجنة(‪ ،‬وقال وهو‬

‫يحضه م على القتال‪ :‬‏)قوموا إلى جنة عرضها السموات والرض(‪] ،‬وحينئذ[ قال ُع َمـْيـرـ بن الُح َمـاـ م���َ :‬بْخ َبْخ‪ .‬فقال‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ما يحملك على قولك‪ :‬بخ بخ؟( قال‪ :‬ل‪ ،‬وال يا رسول ال إل رجاء أن أكون‬ ‫من أهلها‪ ،‬قال‪ :‬‏)فإنك من أهلها(‪ .‬فأخرج تمرات من َقَر نِــه فجعل يأكل منهن‪ ،‬ث م قال‪ :‬لئن أنا حييت حتى آكل‬

‫تمراتى هذه إنها لحيا ة طويلة‪ ،‬فرمى بما كان معه من التمر‪ ،‬ث م قاتله م حتى قتل‪.‬‬


‫وكذلك سأله عوف بن الحارث ـ ابن عفراء ـ فقال‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬ما يضحك الرب من عبده؟ قال‪ :‬‏) َغْمـُسـهـ يده في‬ ‫الَعُدـّوـ حاسًرا(‪ ،‬فنزع درعا كانت عليه فقذفها‪ ،‬ث م أخذ سيفه فقاتل القو م حتى قتل‪.‬‬ ‫وحين أصدر رسول ال صلى ال عليه وسل م المر بالهجو م المضاد كانت حد ة هجمات العدو قد ذهبت وفتر‬ ‫حماسه‪ ،‬فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين‪ ،‬فإنه م حينما تلقوا أمر الشد والهجو م ـ‬ ‫وقد كان نشاطه م الحربي على شبابه ـ قاموا بهجو م كاسح مرير‪ ،‬فجعلوا يقلبون الصفوف‪ ،‬ويقطعون العناق‪.‬‬ ‫طا وحد ة أن أروا رسول ال صلى ال عليه وسل م يثب في الدرع‪ ،‬وقد تقدمه م فل م يكن أحد أقرب من‬ ‫وزاده م نشا ً‬ ‫المشركين منه‪ ،‬وهو يقول في جز م وصراحة‪ :‬‏} َسُيـْهَزُ مـاْلَج ْمـعُـَو ُيـَو لّــوَنالّد ُبـَر{ فقاتل المسلمون أشد القتال ونصرته م‬ ‫الملئكة‪ .‬ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال‪ :‬كان يومئذ َيْن ُدـرـ رأس الرجل ل يدرى من ضربه‪ ،‬وتندر يد الرجل‬

‫ل يدرى من ضربها‪ .‬وقال ابن عباس‪ :‬بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع‬

‫ضربة بالسوط فوقه‪ ،‬وصوت الفارس يقول‪ :‬أقد م َح ْي ـُزـ وـ م‪،‬فنظر إلى المشرك أمامه‪ ،‬فخر مستلقًيا‪ ،‬فنظر إليه فإذا‬ ‫ض ـّر ـذلك أجمع‪ ،‬فجاء النصارى فحدث بذلك رسول ال صلى‬ ‫هو قد خط م أنفه وشق وجهه كضربة السوط‪ ،‬فاْخ َ‬ ‫ال عليه وسل م‪ ،‬فقال‪ :‬‏)صدقت‪ ،‬ذلك من مدد السماء الثالثة(‪.‬‬

‫وقال أبو داود المازنى‪ :‬إني لتبع رجًل من المشركين لضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي‪ ،‬فعرفت أنه‬

‫قد قتله غيرى‪ ،‬وجاء رجل من النصار بالعباس بن عبد المطلب أسيًرا‪،‬فقال العباس‪ :‬إن هذا وال ما أسرني‪ ،‬لقد‬ ‫أسرني رجل أجلح‪ ،‬من أحسن الناس وجًها على فرس أْب لَـق‪ ،‬وما أراه في القو م‪ ،‬فقال النصاري‪ :‬أنا أسرته يا‬ ‫رسول ال‪ ،‬فقال‪ :‬‏)اسكت فقد أيدك ال بملك كري م(‪.‬‬ ‫وقال علي‪ :‬قال لي رسول ال صلى ال عليه وسل م يو م بدر‪ ،‬ولبي بكر‪ :‬‏)مع أحدكما جبريل ومع الخر‬ ‫ميكائيل‪ ،‬إواسرافيل ملك عظي م يشهد القتال‪ ،‬أو يكون في القتال(‪.‬‬ ‫إبليس ينسحب عن ميدان القتال‬ ‫ولما رأى إبليس ـ وكان قد جاء في صور ة سراقة بن مالك بن ُج ْعـُشـ مـ المدلجي كما ذكرنا‪ ،‬ول م يكن فارقه م منذ ذلك‬ ‫الوقت ـ فلما رأي ما يفعل الملئكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه‪ ،‬وتشبث به الحارث بن هشا م ـ وهو يظنه‬ ‫سراقة ـ فوكز في صدر الحارث فألقاه‪ ،‬ث م خرج هارًبا‪ ،‬وقال له المشركون‪ :‬إلى أين يا سراقة؟ أل م تكن قلت‪ :‬إنك‬ ‫ف اَل َواـُل َش ِدـ يـُد اْلِع قَــاِب{ ]النفال‪ ،[48:‬ث م فر حتى‬ ‫جار لنا‪ ،‬ل تفارقنا؟ فقال‪ :‬‏}ِإّني َأَرىـَم اـ َ‬ ‫ل تََر ْو ـَنِإـّنَيـ أََخ اـ ُ‬ ‫ألقى نفسه في البحر‪.‬‬


‫الهزيمة الساحقة‬ ‫وبدأت أمارات الفشل والضطراب في صفوف المشركين‪ ،‬وجعلت تتهد م أما م حملت المسلمين العنيفة‪ ،‬واقتربت‬ ‫المعركة من نهايتها‪ ،‬وأخذت جموع المشركين في الفرار والنسحاب المبدد‪ ،‬وركب المسلمون ظهوره م يأسرون‬ ‫ويقتلون‪ ،‬حتى تمت عليه م الهزيمة‪.‬‬

‫صمود أبي جهل‬ ‫أما الطاغية الكبر أبو جهل‪ ،‬فإنه لما رأى أول أمارات الضطراب في صفوفه حاول أن يصمد في وجه هذا‬ ‫السيل‪ ،‬فجعل يشجع جيشه ويقول له م في شراسة ومكابر ة‪ :‬ل يهزمنك م خذلن سراقة إياك م‪ ،‬فإنه كان على ميعاد‬ ‫من محمد‪ ،‬ول يهولنك م قتل عتبة وشيبة والوليد‪ ،‬فإنه م قد عجلوا‪ ،‬فواللت والعزى ل نرجع حتى نقرنه م بالحبال‪،‬‬ ‫ول ألفين رجًل منك م قتل منه م رجًل ‪ ،‬ـ ـولكن خذوه م أخًذ اـ حتى نعرفه م بسوء صنيعه م‪.‬‬ ‫ولكن سرعان ما تبدت له حقيقة هذه الغطرسة‪ ،‬فما لبث إل قليًل حتى أخذت الصفوف تتصدع أما م تيارات‬

‫هجو م المسلمين‪ .‬نع م‪ ،‬بقى حوله عصابة من المشركين ضربت حوله سياًج ا ـ من السيوف‪ ،‬وغابات من الرماح‪،‬‬ ‫ولكن عاصفة هجو م المسلمين بددت هذا السياج‪ ،‬وأقلعت هذه الغابات‪ ،‬وحينئذ ظهر هذا الطاغية‪ ،‬ورآه‬ ‫المسلمون يجول على فرسه‪ ،‬وكان الموت ينتظر أن يشرب من دمه بأيدى غلمين أنصاريين‪.‬‬

‫مصرع أبي جهل‬ ‫قال عبد الرحمن بن عوف رضي اله عنه إني لفي الصف يو م بدر إذ التفت‪ ،‬فإذا عن يمينى وعن يسارى فتيان‬ ‫حديثا السن‪ ،‬فكأني ل م آمن بمكانهما‪ ،‬إذ قال لي أحدهما سًرا من صاحبه‪ :‬يا ع م‪ ،‬أرني أبا جهل‪ ،‬فقلت‪ :‬يابن‬ ‫أخي‪ ،‬فما تصنع به؟ قال‪ :‬أخبرت أنه يسب رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬قال‪ :‬والذي نفسي بيده لئن رأيته ل‬ ‫يفارق سوادي سواده حتى يموت العجل منا‪ ،‬فتعجبت لذلك‪ .‬قال‪ :‬وغمزني الخر‪ ،‬فقال لي مثلها‪ ،‬فل م أنشب أن‬ ‫نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس‪ .‬فقلت‪ :‬أل تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألني عنه‪ ،‬قال‪ :‬فابتدراه فضرباه‬ ‫حتى قتله‪ ،‬ث م انصرفا إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فـقال‪ :‬‏)أيكما قتله؟( فقـال كـل واحد منهما‪ :‬أنا قتلته‪،‬‬ ‫قال‪ :‬‏)هل مسحتما سيفيكما؟( فـقال‪ :‬ل‪ .‬فنـظر رسول ال صلى ال عليه وسل م إلــى السيفـين فقال‪ :‬‏)كلكما قتله(‪،‬‬ ‫وقضى رسول ال صلى ال عليه وسل م بَس لَـِبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح‪ ،‬والرجلن معاذ بن عمرو بن الجموح‬ ‫وُم َعـّوـ ذـابن عفراء‪.‬‬


‫وقال ابن إسحاق‪ :‬قال معاذ بن عمرو بن الجموح‪ :‬سمعت القو م‪ ،‬وأبو جهل في مثل الَح َرـَجـ ـة ـ والحرجة‪ :‬الشجر‬

‫الملتف‪ ،‬أو شجر ة من الشجار ل يوصل إليها‪ ،‬شبه رماح المشركين وسيوفه م التي كانت حول أبي جهل لحفظه‬ ‫بهذه الشجر ة ـ وه م يقولون‪ :‬أبو الحك م ل يخلص إليه‪ ،‬قال‪ :‬فلما سمعتها جعلته من شاني فصمدت نحوه‪ ،‬فلما‬ ‫ت قدمه ـ أطارتها ـ بنصف ساقه‪ ،‬فوال ما شبهتها حين طاحت إل‬ ‫أمكنني حملت عليه‪ ،‬فضربته ضربة أ َ‬ ‫طّن ْ‬ ‫بالنوا ة تَِط يـُح من تحت ِم رـ ِ‬ ‫ضـ َخـ ـة ـالنوى حين يضرب بها‪ .‬قال‪ :‬وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي‪،‬‬ ‫ْ‬

‫فتعلقت بجلد ة من جنبي‪ ،‬وأجهضني القتال عنه‪ ،‬فلقد قاتلت َع اـّم َةـ يومي إواني لسحبها خلفي‪ ،‬فلما آذتني وضعت‬ ‫ّ‬ ‫تـ بها عليها حتى طرحتها‪ ،‬ث م مر بأبي جهل ـ وهو َع ِقـيـٌر ـ ُم َعـّوـ ذ ـابن عفراء فضربه حتى‬ ‫عليها قدمي‪ ،‬ث م تََم طـْي ُ‬ ‫أثبته‪ ،‬فتركه وبه َر َمـقـ‪،‬وقاتل معوذ حتى قتل‪.‬‬ ‫ولما انتهت المعركة قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)من ينظر ما صنع أبو جهل؟( فتفرق الناس في طلبه‪،‬‬

‫فوجده عبد ال بن مسعود رضي ال عنه وبه آخر رمق‪ ،‬فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته ليحتز رأسه‪ ،‬وقال‪:‬‬ ‫هل أخزاك ال يا عدو ال؟ قال‪ :‬وبماذا أخزاني؟ أأعمد من رجل قتلتموه؟ أو هل فوق رجل قتلتموه؟ وقال‪ :‬فلو‬ ‫غير أّك اـر قتلنى‪ ،‬ث م قال‪ :‬أخبرني لمن الدائر ة اليو م؟ قال‪ :‬ل ورسوله‪ ،‬ث م قال لبن مسعود ـ وكان قد وضع رجله‬ ‫على عنقه‪ :‬لقد ارتقيت مرتقى صعًباـ يا ُر َو ـْيـِعـ َى ـالغن م‪ ،‬وكان ابن مسعود من رعا ة الغن م في مكة‪.‬‬

‫وبعد أن دار بينهما هذا الكل م احتز ابن مسعود رأسه‪ ،‬وجاء به إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقال‪ :‬يا‬ ‫رسول ال‪ ،‬هذا رأس عدو ال أبي جهل‪ ،‬فقال‪ :‬‏)ال الذي ل إله إل هو؟( فرددها ثلًثا‪ ،‬ث م قال‪ :‬‏)ال أكبر‪ ،‬الحمد‬ ‫ل الذي صدق وعده‪ ،‬ونصر عبده‪ ،‬وهز م الحزاب وحده‪ ،‬انطلق أرنيه(‪ ،‬فانطلقـنا فــأريته إيـاه‪ ،‬فقال‪ :‬‏)هذا فرعون‬ ‫هذه المة(‪.‬‬

‫من روائع اليمان في هذه المعركة‬ ‫لقد أسلفنا نموذجين رائعين من عمير بن الحما م وعوف بن الحارث ـ ابن عفراء ـ وقد تجلت في هذه المعركة‬ ‫مناظر رائعة تبرز فيها قو ة العقيد ة وثبات المبدأ‪ ،‬ففي هذه المعركة التقى الباء بالبناء‪ ،‬والخو ة بالخو ة‪ ،‬خالفت‬ ‫بينهما المبادئ ففصلت بينهما السيوف‪ ،‬والتقى المقهور بقاهره فشفي منه غيظه‪.‬‬ ‫‪ 1‬ـ روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي صلى ال عليه وسل م قال لصحابه‪ :‬‏)إني قد عرفت أن رجاًل من‬

‫بني هاش م وغيره م قد أخرجوا كرًهاـ‪ ،‬ل حاجة له م بقتالنا‪ ،‬فمن لقى أحًد اـ من بني هاش م فل يقتله‪ ،‬ومن لقى أبا‬ ‫يبن هشا م فل يقتله‪ ،‬ومن لقى العباس بن عبد المطلب فل يقتله‪ ،‬فإنه إنما أخرج مستكرًه اـ(‪ ،‬فقال أبو‬ ‫الَبْخ تَـِر ّ‬ ‫حذيفة بن عتبة‪ :‬أنقتل آباءنا وأبناءنا إواخواننا وعشيرتنا ونترك العباس‪ ،‬وال لئن لقيته للحمنه ـ أو للجمنه ـ‬


‫بالسيف‪ ،‬فبلغت رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقال لعمر بن الخطاب‪ :‬‏)يا أبا حفص‪ ،‬أيضرب وجه ع م رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسل م بالسيف(‪ ،‬فقال عمر‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬دعني فلضرب عنقه بالسيف‪ ،‬فوال لقد نافق‪.‬‬ ‫فكان أبو حذيفة يقول‪ :‬ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ‪ ،‬ول أزال منها خائًفا إل أن تكفرها عنى‬ ‫الشهاد ة‪ .‬فقتل يو م اليمامة شهيًد اـ‪.‬‬

‫‪ 2‬ـ وكان النهي عن قتل أبي البختري؛ لنه كان أكف القو م عن رسول ال صلى ال عليه وسل م وهو بمكة‪،‬‬

‫وكان ل يؤذيه‪ ،‬ول يبلغ عنه شيء يكرهه‪ ،‬وكان ممن قا م في نقض صحيفة مقاطعة بني هاش م وبني المطلب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ى لقيه في المعركة ومعه زميل له‪،‬‬ ‫ولكن أبا البختري قتل على رغ م هذا كله‪ ،‬وذلك أن الُم َجـ ذ ـرـ بن زياد اْلَب َلـِو ّ‬ ‫يقاتلن سوًيا‪ ،‬فقال المجذر‪ :‬يا أبا البخترى إن رسول ال صلى ال عليه وسل م قد نهانا عن قتلك‪ ،‬فقال‪ :‬وزميلي؟‬

‫فقال المجذر‪ :‬ل وال ما نحن بتاركي زميلك‪ ،‬فقال‪:‬وال إذن لموتن أنا وهو جميًعاـ‪ ،‬ث م اقتتل‪ ،‬فاضطر المجذر‬ ‫إلى قتله‪.‬‬ ‫‪ 3‬ـ كان عبد الرحمن بن عوف وأمية بن خلف صديقين في الجاهلية بمكة‪ ،‬فلما كان يو م بدر مر به عبد‬ ‫الرحمن‪ ،‬وهو واقف مع ابنه على بن أمية‪ ،‬آخًذ اـ بيده‪ ،‬ومع عبد الرحمن أدراع قد استلبها‪ ،‬وهو يحملها‪ ،‬فلما رآه‬

‫قال‪ :‬هل لك في؟ فأنا خير من هذه الدراع التي معك‪ ،‬ما رأيت كاليو م قط‪ ،‬أما لك م حاجة في اللبن؟ ـ يريد أن‬

‫من أسرني افتديت منه بإبل كثير ة اللبن ـ فطرح عبد الرحمن الدراع‪ ،‬وأخذهما يمشى بهما‪ ،‬قال عبد الرحمن‪ :‬قال‬ ‫لي أمية بن خلف‪ ،‬وأنا بينه وبين ابنه‪ :‬من الرجل منك م المعل م بريشة النعامة في صدره؟ قلت‪ :‬ذاك حمز ة بن عبد‬ ‫المطلب‪ ،‬قال‪ :‬ذاك الذي فعل بنا ا��فاعيل‪.‬‬ ‫قال عبد الرحمن‪ :‬فوال إني لقودهما إذ رآه بلل معي ـ وكان أمية هو الذي يعذب بلًل بمكة ـ فقال بلل‪ :‬رأس‬ ‫الكفر أمية بن خلف‪ ،‬ل نجوت إن نجا‪ .‬قلت‪ :‬أي بلل‪ ،‬أسيري‪ .‬قال‪ :‬ل نجوت إن نجا‪ .‬قلت‪ :‬أتسمع يابن‬

‫السوداء‪ .‬قال‪ :‬ل نجوت إن نجا‪ .‬ث م صرخ بأعلى صوته‪ :‬يا أنصار ال‪ ،‬رأس الكفر أمية بن خلف‪ ،‬ل نجوت إن‬ ‫نجا‪ .‬قال‪ :‬فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل اْلَم َسـَكـةـ‪ ،‬وأنا أذب عنه‪ ،‬قال‪ :‬فأخلف رجل السيف‪ ،‬فضرب رجل ابنه‬

‫فوقع‪ ،‬وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط‪ ،‬فقلت‪ :‬انج بنفسك‪ ،‬ول نجاء بك‪ ،‬فوال ما أغني عنك شيًئاـ‪ .‬قال‪:‬‬

‫فَهََبُر وـُهَم اـبأسيافه م حتى فرغوا منهما‪ ،‬فكان عبد الرحمن يقول‪ :‬يرح م ال بلًل ‪ ،‬ـ ـذهبت أدراعي‪ ،‬وفجعني بأسيري‪.‬‬ ‫وروى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال‪ :‬كاتبت أمية بن خلف كتاًباـ بأن يحفظني في صاغيتي ـ أي‬ ‫خاصتي ومالي ـ بمكة‪ ،‬وأحفظه في صاغيته بالمدينة‪ ...‬فلما كان يو م بدر خرجت إلى جبل لحرزه حين نا م‬

‫الناس‪ ،‬فأبصره بلل‪ ،‬فخرج حتى وقف على مجلس النصار فقال‪ :‬أمية بن خلف‪ ،‬ل نجوت إن نجا أمية‪ ،‬فخرج‬ ‫معه فريق من النصار في آثارنا‪ ،‬فلما خشيت أن يلحقونا خلفت له م ابنه ليشغله م‪ ،‬فقتلوه‪ ،‬ث م أبوا حتى يتبعونا‪،‬‬ ‫وكان رجًل ثقيًل ‪ ،‬ـ ـفلما أدركونا قلت له‪ :‬ابرك‪ ،‬فبرك‪ ،‬فألقيت عليه نفسي لمنعه‪ ،‬فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى‬

‫قتلوه‪ ،‬وأصاب أحده م رجلي بسيفه‪ .‬وكان عبد الرحمن يرينا ذلك الثر في ظهر قدمه‪.‬‬

‫‪ 4‬ـ وقتل عمر بن الخطاب رضي ال عنه يومئذ خاله العاص بن هشا م بن المغير ة‪ ،‬ول م يلتفت إلى قرابته منه‪،‬‬ ‫ولكن حين رجع إلى المدينة قال للعباس ع م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وهو في السر‪ :‬يا عباس أسل م‪،‬‬


‫فوال أن تسل م أحب إلى من أن يسل م الخطاب‪ ،‬وما ذاك إل لما رأيت رسول ال صلى ال عليه وسل م يعجبه‬ ‫إسلمك‪.‬‬ ‫‪ 5‬ـ ونادى أبو بكر الصديق رضي ال عنه ابنه عبد الرحمن ـ وهو يومئذ مع المشركين ـ فقال‪ :‬أين مالي يا‬ ‫خبيث؟ فقال عبد الرحمن‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍّ‬ ‫ب‬ ‫لَْ م َيْب َ‬ ‫ض لــل الّش َيـ ْ‬ ‫ص اـِر ٍ مـَيْقتُُل ُ‬ ‫قـ َغ ْيـُرـ َش كـةـ وَيْع ُبـوب ** و َ‬ ‫‪ 6‬ـ ولما وضع القو م أيديه م يأسرون‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه وسل م في العريش‪ ،‬وسعد بن معاذ قائ م على‬ ‫بابه يحرسه متوشًح ا ـ سيفه‪ ،‬رأي رسول ال صلى ال عليه وسل م في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس‪،‬‬ ‫فقال له‪ :‬وال لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القو م؟ قال‪ :‬أجل وال يا رسول ال‪ ،‬كانت أول وقعة أوقعها ال بأهل‬ ‫الشرك‪ ،‬فكان الثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلّى من استبقاء الرجال‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ص ـن ـالسدي‪ ،‬فأتى رسول ال صلى ال عليه وسل م فأعطاه ِج ْذـًلـ من‬ ‫‪ 7‬ـ وانقطع يومئذ سيف ُع كـاـَش ةـ بن م ْحـ َ‬

‫حطب‪ ،‬فقال‪ :‬‏)قاتل بهذا يا عكاشة(‪ ،‬فلما أخذه من رسول ال صلى ال عليه وسل م هزه‪ ،‬فعاد سيًفا في يده طويل‬ ‫القامة‪ ،‬شديد المتن‪ ،‬أبيض الحديد ة‪ ،‬فقاتل به حتى فتح ال تعالى للمسلمين‪ ،‬وكان ذلك السيف يسمى الَع ْوـ نــ‪ ،‬ث م‬

‫ل م يزل عنده يشهد به المشاهد‪ ،‬حتى قتل في حروب الرد ة وهو عنده‪.‬‬

‫‪ 8‬ـ وبعد انتهاء المعركة مر مصعب بن عمير العبدري بأخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد‬ ‫المسلمين‪،‬مر به وأحد النصار يشد يده‪ ،‬فقال مصعب للنصاري‪ :‬شد يديك به‪ ،‬فإن أمه ذات متاع‪ ،‬لعلها تفديه‬ ‫منك‪ ،‬فقال أبو عزيز لخيه مصعب‪ :‬أهذه وصاتك بي؟ فقال مصعب‪ :‬إنه ـ أي النصاري ـ أخي دونك‪.‬‬ ‫‪ 9‬ـ ولما أمر بإلقاء جيف المشركين في الَقِليب‪ ،‬وأخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب‪ ،‬نظر رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م في وجه ابنه أبي حذيفة‪ ،‬فإذا هو كئيب قد تغير‪ ،‬فقال‪ :‬‏)يا أبا حذيفة‪ ،‬لعلك قد دخلك من شأن‬

‫أبيك شيء؟( فقال‪ :‬ل وال‪ ،‬يا رسول ال‪ ،‬ما شككت في أبي ول مصرعه‪ ،‬ولكنني كنت أعرف من أبي أرًيا‬ ‫وحلًم اـ وفضًل ‪ ،‬ـ ـفكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى السل م‪ ،‬فلما رأيت ما أصابه‪ ،‬وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد‬

‫الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك‪ .‬فدعا له رسول ال صلى ال عليه وسل م بخير‪ ،‬وقال له خيًرا‪.‬‬


‫تقتلى الفريقين‬ ‫مكة تتلقى نبأ الهزيمة‬ ‫المدينة تتلقى أنباء النصر‬ ‫الجيش النبوي يتحرك نحو المدينة‬ ‫وفود التهنئة‬ ‫تقطضية السارى‬ ‫القرآن يتحدث حول موطضوع المعركة‬

‫قتلى الفريقين‬ ‫انتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة للمشركين‪ ،‬وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين‪ ،‬وقد استشهد من المسلمين في هذه‬ ‫المعركة أربعة عشر رجًل ‪ ،‬ـ ـستة من المهاجرين وثمانية من النصار‪.‬‬ ‫أما المشركون فقد لحقته م خسائر فادحة‪ ،‬قتل منه م سبعون‪ ،‬وأسر سبعون‪ .‬وعامته م القاد ة والزعماء والصناديد‪.‬‬ ‫ولما انقضت الحرب أقبل رسول ال صلى ال عليه وسل م حتى وقف على القتلى فقال‪ :‬‏)بئس العشير ة كنت م لنبيك م؛‬ ‫كذبتموني وصدقني الناس‪ ،‬وخذلتموني ونصرني الناس‪ ،‬وأخرجتموني وآواني الناس(‪ ،‬ث م أمر به م فسحبوا إلى قليب‬ ‫من ُقُلب بدر‪.‬‬ ‫وعن أبي طلحة‪ :‬أن نبي ال صلى ال عليه وسل م أمر يو م بدر بأربعة وعشرين رجًل من صناديد قريش‪ ،‬فقذفوا في‬ ‫صـة ـثلث ليال‪ ،‬فلما كان ببدر اليو م الثالث‬ ‫َ‬ ‫طو ّ‬ ‫ي من أطواء بدر َخ بِــيث ُم ْخـ بــث‪ .‬وكان إذا ظهر على قو م أقا م بالَعْرـ َ‬ ‫أمر براحلته فشد عليها رحلها‪ ،‬ث م مشى‪ ،‬واتبعه أصحابه‪ .‬حتى قا م على شفة الّر ِكـّىـ‪ ،‬ـفجعل يناديه م بأسمائه م وأسماء‬ ‫آبائه م‪ ،‬‏)يا فلن بن فلن‪ ،‬يا فلن بن فلن‪ ،‬أيسرك م أنك م أطعت م ال ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حًقا‪ ،‬فهل‬ ‫وجدت م ما وعد ربك م حًقا؟( فقال عمر‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬ما تكل م من أجساد ل أرواح لها؟ قال النبي صلى ال عليه‬

‫وسل م‪ :‬‏)والذي نفس محمد بيده‪ ،‬ما أنت م بأسمع لما أقول منه م( وفي رواية‪ :‬‏)ما أنت م بأسمع منه م‪ ،‬ولكن ل يجيبون(‪.‬‬

‫مكة تتلقى نبأ الهزيمة‬ ‫فر المشركون من ساحة بدر في صور ة غير منظمة؛ تبعثروا في الوديان والشعاب‪ ،‬واتجهوا صوب مكة مذعورين‪ ،‬ل‬ ‫يدرون كيف يدخلونها خجًل‪.‬‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬وكان أول من قد م بمصاب قريش الَح ْيـُسـَمـاـن بن عبد ال الخزاعى‪ ،‬فقالوا‪ :‬ما وراءك؟ قال‪ :‬قتل عتبة‬ ‫بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحك م بن هشا م وأمية بن خلف‪ ،‬في رجال من الزعماء سماه م‪ .‬فلما أخذ يعد أشراف‬ ‫قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الِح ْجـر‪:‬ـ وال إن يعقل هذا‪ ،‬فاسألوه عنى‪ .‬قالوا‪ :‬ما فعل صفوان بن أمية؟‬ ‫قال‪ :‬ها هو ذا جالس في الحجر‪ ،‬وقد وال رأيت أباه وأخاه حين قتل‪.‬‬

‫وقال أبو رافع ـ مولى رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬كنت غلًم اـ للعباس وكان السل م قد دخلنا أهَل البيت‪ ،‬فأسل م‬


‫العباس‪ ،‬وأسلمت أ م الفضل‪ ،‬وأسلمت‪ ،‬وكان العباس يكت م إسلمه‪ ،‬وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر‪ ،‬فلما جاءه‬ ‫الخبر كبته ال وأخزاه‪ ،‬ووجدنا في أنفسنا قو ة وعًزا‪ ،‬وكنت رجًل ضعيًفا أعمل القداح‪ ،‬أنحتها في حجر ة زمز م‪ ،‬فوال‬ ‫إني لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أ م الفضل جالسة‪ ،‬وقد سرنا ما جاءنا من الخبر‪ ،‬إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه‬ ‫بشر حتى جلس على طُُنب الحجر ة‪ ،‬فكان ظهره إلى ظهرى‪ ،‬فبينما هو جالس إذ قال الناس‪ :‬هذا أبو سفيان بن‬

‫الحارث بن عبد المطلب قد قد م‪ ،‬فقال له أبو لهب‪ :‬هل م إلّى ‪،‬ـ فعندك لعمرى الخبر‪ ،‬قال‪ :‬فجلس إليه‪،‬والناس قيا م‬

‫عليه‪ .‬فقال‪ :‬يابن أخي‪ ،‬أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال‪ :‬ما هو إل أن لقينا القو م فمنحناه م أكتافنا‪ ،‬يقتلوننا كيف‬ ‫شاءوا‪ ،‬ويأسروننا كيف شاءوا واي م ال مع ذلك ما لمت الناس‪ ،‬لَِقيَناـ رجال بيض على خيل ُبْلق بين السماء والرض‪،‬‬ ‫وال ما تُِليق شيًئا‪ ،‬ول يقو م لها شيء‪.‬‬ ‫قال أبو رافع‪ :‬فرفعت طنب الحجر ة بيدى‪ ،‬ث م قلت‪ :‬تلك وال الملئكة‪ .‬قال‪ :‬فرفع أبو لهب يده‪ ،‬فضرب بها وجهي‬ ‫ضربة شديد ة‪ ،‬فثاورته‪ ،‬فاحتملنى فضرب بى الرض‪ ،‬ث م برك علّى يضربني‪ ،‬وكنت رجًل ضعيًفا فقامت أ م الفضل‬ ‫تـ في رأسه شجة منكر ة‪ ،‬وقالت‪ :‬استضعفته أن غاب عنه‬ ‫إلى عمود من ُع ُمـدـ الحجر ة فأخذته‪ ،‬فضربته به ضربة َفلََع ْ‬ ‫سيده‪ ،‬فقا م مولًياـ ذليًل ‪ ،‬ـ ـفوال ما عاش إل سبع ليال حتى رماه ال بالعدسة ]وهي قرحة تتشاء م بها العرب[ فقتلته‪،‬‬

‫فتركه بنوه‪ ،‬وبقى ثلثة أيا م ل تقرب جنازته‪ ،‬ول يحاول دفنه‪ ،‬فلما خافوا السبة في تركه حفروا له‪ ،‬ث م دفعوه بعود في‬ ‫حفرته‪ ،‬وقذفوه بالحجار ة من بعيد حتى واروه‪.‬‬ ‫هكذا تلقت مكة أنباء الهزيمة الساحقة في ميدان بدر‪ ،‬وقد أثر ذلك فيه م أثًرا سيًئا جًد اـ‪ ،‬حتى منعوا النياحة على‬ ‫القتلى؛ لئل يشمت به م المسلمون‪.‬‬ ‫ومن الطرائف أن السود بن المطلب أصيب ثلثة من أبنائه يو م بدر‪ ،‬وكان يحب أن يبكي عليه م‪ ،‬وكان ضرير‬

‫ب ـ؟ هل بكت قريش على قتلها؟ لعلي‬ ‫البصر‪ ،‬فسمع ليًل صوت نائحة‪ ،‬فبعث غلمه‪ ،‬وقال‪ :‬انظر هل أحل الّنْح ُ‬ ‫أبكي على أبي حكيمة ـ ابنه ـ فإن جوفي قد احترق‪ ،‬فرجع الغل م وقال‪ :‬إنما هي امرأ ة تبكى على بعير لها أضلته‪،‬‬

‫فل م يتمالك السود نفسه وقال‪:‬‬ ‫أتبكي أن يضل لها بعير ** ويمنعها من النو م السهود‬ ‫فل تبكي على بكر ولكن ** على بدر تقاصرت الجدود‬ ‫على بدر سرا ة بني هصيص ** ومخزو م ورهط أبي الوليد‬ ‫وبكى إن بكيت على عقيل ** وبكى حارثا أسد السود‬ ‫وبكيه م ول تسمى جميعا ** وما لبي حكيمة من نديد‬ ‫أل قد ساد بعده م رجال ** ولول يو م بدر ل م يسودوا‬


‫المدينة تتلقى أنباء النصر‬ ‫ولما ت م الفتح للمسلمين أرسل رسول ال صلى ال عليه وسل م بشيرين إلى أهل المدينة؛ ليعجل له م البشرى‪ ،‬أرسل‬ ‫عبد ال بن رواحة بشيًرا إلى أهل العالية‪ ،‬وأرسل زيد بن حارثة بشيًرا إلى أهل السافلة‪.‬‬ ‫وكان اليهود والمنافقون قد أرجفوا في المدينة بإشاعة الدعايات الكاذبة‪ ،‬حتى إنه م أشاعوا خبر مقتل النبي صلى ال‬ ‫ص َوــاء ـ ناقة رسول ال صلى ال عليه وسل م ـ قال‪ :‬لقد قتل‬ ‫عليه وسل م‪ ،‬ولما رأي أحد المنافقين زيد بن حارثة راكًبا الَق ْ‬ ‫محمد‪ ،‬وهذه ناقته نعرفها‪ ،‬وهذا زيد ل يدري ما يقول من الرعب‪ ،‬وجاء فَلّ‬ ‫فلما بلغ الرسولن أحاط بهما المسلمون‪ ،‬وأخذوا يسمعون منهما الخبر‪ ،‬حتى تأكد لديه م فتح المسلميـن‪ ،‬فََعّم تـ البهجـة‬

‫والسـرور‪ ،‬واهتزت أرجاء المدينة تهليًل وتكبيًرا‪ ،‬وتقد م رءوس المسلمين ـ الذين كانوا بالمدينة ـ إلى طريق بدر‪ ،‬ليهنئوا��� ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م بهذا الفتح المبين‪.‬‬ ‫قال أسامة بن زيد‪ :‬أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول ال صلى ال عليه وسل م التي كانت عند‬ ‫عثمان بن عفان‪ ،‬كان رسول ال صلى ال عليه وسل م خلفنى عليها مع عثمان‪.‬‬

‫الجيش النبوي يتحرك نحو المدينة‬ ‫أقا م رسول ال صلى ال عليه وسل م ببدر بعد انتهاء المعركة ثلثة أيا م‪ ،‬وقبل رحيله من مكان المعركة وقع خلف‬ ‫بين الجيش حول الغنائ م‪ ،‬ولما اشتد هذا الخلف أمر رسول ال صلى ال عليه وسل م بأن يرد الجميع ما بأيديه م‪،‬‬ ‫ففعلوا‪ ،‬ث م نزل الوحى بحل هذه المشكلة‪.‬‬ ‫عن عباد ة بن الصامت قال‪ :‬خرجنا مع النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فشهدت معه بدًرا‪ ،‬فالتقى الناس فهز م ال العدو‪،‬‬ ‫فانطلقت طائفة في آثاره م يطاردون ويقتلون‪ ،‬وأكبت طائفة على المغن م يحرزونه ويجمعونه‪ ،‬وأحدقت طائفة برسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسل م؛ ل يصيب العدو منه ِغ ّرـ ة‪،‬حتى إذا كان الليل‪ ،‬وفاء الناس بعضه م إلى بعض‪ ،‬قال الذين‬ ‫جمعوا الغنائ م‪ :‬نحن حويناها‪ ،‬وليس لحد فيها نصيب‪،‬وقال الذين خرجوا في طلب العدو‪ :‬لست م أحق بها منا‪ ،‬نحـن‬

‫نحـينا منـها العـدو وهزمناه‪ ،‬وقال الذين أحدقوا برسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬خفنا أن يصيب العدو منه غر ة‪،‬‬ ‫ِِ‬ ‫ت بِْي نِـُك ْ مـ َوَأِط يـُعوْااَل‬ ‫لنَفاِل ُقِل ا َ‬ ‫فاشتغلنا به‪ ،‬فأنزل ال‪ :‬‏} َيْسَأـُلوَنَك َع ِنـ ا َ‬ ‫ص ِلـُح وْاـَذ اـ َ‬ ‫لنَفاُل للّه َوالّر ُسـوـِلَفاتّقُوْا اَل َوَأ ْ‬ ‫َو َرـُسـوـلَهُِإن ُك نـُت م ّم ْؤـِم ـنِـيَن{ ]النفال‪ .[1:‬فقسمها رسول ال صلى ال عليه وسل م بين المسلمين‪.‬‬ ‫وبعد أن أقا م رسول ال صلى ال عليه وسل م ببدر ثلثة أيا م تحرك بجيشه نحو المدينة ومعه السارى من المشركين‪،‬‬


‫واحتمل معه النفل الذي أصيب من المشركين‪ ،‬وجعل عليه عبد ال بن كعب‪ ،‬فلما خرج من م ِ‬ ‫ضـ ي ــق الصفراء نزل‬ ‫َ‬ ‫على َك ثِـيب بين المضيق وبين الّناِز َيـة‪ ،‬وقس م هنالك الغنائ م على المسلمين على السواء بعد أن أخذ منها الخمس‪.‬‬ ‫وعندما وصل إلى الصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث ـ وكان هو حامل لواء المشركين يو م بدر‪ ،‬وكان من أكابر‬ ‫مجرمى قريش‪ ،‬ومن أشد الناس كيًد اـ للسل م إوايذاء لرسول ال صلى ال عليه وسل م ـ فضرب عنقه علي بن أبي‬ ‫طالب‪.‬‬ ‫ولمـا وصل إلى ِع ْر ـق ـالظّْب َيـِة أمر بقتل ُع ْقـَبةـ بن أبي ُم َعـْي طـ ـ وقد أسلفنا بعض ما كان عليه من إيذاء رسول ال صلى‬ ‫ال عليه وسل م‪ ،‬فهو الذي كان ألقى َس لـ َج ُزـ وـرعلى ظهر رسول ال صلى ال عليه وسل م وهو في الصل ة‪ ،‬وهو‬ ‫ص ْبـَيـِةـ يا محمد؟ قال‪:‬‬ ‫الذي خنقه بردائه وكاد يقتله‪ ،‬لول اعتراض أبي بكر رضي ال عنه ـ فلما أمر بقتله قال‪ :‬من لل ّ‬ ‫‏)النار(‪ .‬فقتله عاص م ابن ثابت النصارى‪ ،‬ويقال‪ :‬علي بن أبي طالب‪.‬‬ ‫وكان قتل هذين الطاغيتين واجًبا نظًرا إلى سوابقهما‪ ،‬فل م يكونا من السارى فحسب‪ ،‬بل كانا من مجرمى الحرب‬ ‫بالصطلح الحديث‪.‬‬

‫وفود التهنئة‬ ‫ولما وصل صلى ال عليه وسل م إلى الّر ْو ـَحـاــءلقيه رءوس المسلمين ـ الذين كانوا قد خرجوا للتهنئة والستقبال حين‬ ‫سمعوا بشار ة الفتح من الرسولين ـ يهنئونه بالفتح‪ .‬وحينئذ قال له م َس لَـَم ةـ بن سلمة‪:‬ما الذي تهنئوننا به؟ فوال إن لَِقينا‬ ‫ص ْلـًعاـ كاْلُبْد نـ المُعّقلَِة ‪،‬ـ فنحرناها‪ ،‬فتبس م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ث م قال‪ :‬‏)يا بن أخي‪ ،‬أولئك‬ ‫إل عجائز ُ‬ ‫المل(‪.‬‬

‫وقال أسيد بن حضير‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬الحمد ل الذي أظفرك‪ ،‬وأقر عينك‪ ،‬وال يا رسول ال ما كان تخلفي عن بدر‬ ‫وأنا أظن أنك تلقى عدًوا‪ ،‬ولكن ظننت أنها عير‪ ،‬ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م‪ :‬‏)صدقت(‪.‬‬ ‫ث م دخل رسول ال صلى ال عليه وسل م المدينة مظفًرا منصوًرا قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها‪ ،‬فأسل م بشر كثير‬ ‫من أهل المدينة‪ ،‬وحينئذ دخل عبد ال بن أبي وأصحابه في السل م ظاهًرا‪.‬‬ ‫وقد م السارى بعد بلوغه المدينة بيو م‪ ،‬فقسمه م على أصحابه‪ ،‬وأوصى به م خيًرا‪ .‬فكان الصحابة يأكلون التمر‪،‬‬


‫ويقدمون لسرائه م الخبز‪ ،‬عمًل بوصية رسول ال صلى ال عليه وسل م‬

‫قضية السارى‬ ‫ولما بلغ رسول ال صلى ال عليه وسل م المدينة استشار أصحابه في السارى‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬هؤلء‬ ‫بنو الع م والَعِش يــر ة والخوان‪ ،‬إواني أرى أن تأخذ منه م الفدية‪ ،‬فيكون ما أخذناه قو ة لنا على الكفار‪ ،‬وعسى أن يهديه م‬ ‫ال‪ ،‬فيكونوا لنا عضًد اـ‪.‬‬ ‫فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ما ترى يابن الخطاب؟( قال‪ :‬قلت‪ :‬وال ما أرى ما رأى أبو بكر‪ ،‬ولكن أرى‬ ‫أن تمكننى من فلن ـ قريب لعمر ـ فأضرب عنقه‪ ،‬وتمكن علًيا من َع ِقـيـل بن أبي طالب فيضرب عنقه‪ ،‬وتمكن حمز ة‬ ‫من فلن أخيه فيضرب عنقه‪ ،‬حتى يعل م ال أنه ليست في قلوبنا هواد ة للمشركين‪ .‬وهؤلء صناديده م وأئمته م وقادته م‪.‬‬

‫فهوى رسول ال صلى ال عليه وسل م ما قال أبو بكر‪ ،‬ول م يهو ما قلت‪ ،‬وأخذ منه م الفداء‪ :‬فلما كان من الغد قال‬ ‫عمر‪ :‬فغدوت إلى النبي صلى ال عليه وسل م وأبي بكر وهما يبكيان‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أخبرني ماذا يبكيك أنت‬ ‫وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت‪ ،‬إوان ل م أجد بكاء تباكيت لبكائكما‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)أبكى‬ ‫للذى عرض على أصحابك من أخذه م الفداء‪ ،‬فقد عرض علّى عذابه م أدنى من هذه الشجر ة( ـ شجر ة قريبة‪.‬‬ ‫وأنزل ال تعالى‪ :‬‏} َماـ َك اـَن ِلَنبِّي َأن َيُك وـَن لَهُ أَْس َرـىـَح تّــى ُيثِْخ َن ـ ِفيـ الَْر ِ‬ ‫ضـالّد ْنـَيـاـ َواُل ُيِر يـُد الِخ َرـ ةََواُل‬ ‫ض ـتُِر يـُد وـَن َع َرـ َ‬ ‫ب َع ِظـ يـٌ م{ ]النفال‪.[68 ،67:‬‬ ‫َع ِزـيـٌز َح ِكـيـٌ م لّْو َ‬ ‫ب ّم َنـ اِل َس َبـ َ‬ ‫ق لََم ّسـُكـْ مـ ِفيَم اـ أََخ ْذـتُـْ م َع َذـاـ ٌ‬ ‫ل ِك تَـا ٌ‬ ‫والكتاب الذي سبق من ال قيل‪ :‬هو قوله تعالى‪ :‬‏} فَِإّماـ َم ّنـا َبْع ُدـ َو إِاّمـاـِفَد اـء{ ]محمد‪ .[4 :‬ففيه الذن بأخذ الفدية من‬ ‫السارى؛ ولذلك ل م يعذبوا‪ ،‬إوانما نزل العتاب لنه م أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الرض‪ ،‬وقيل‪ :‬بل الية المذكور ة‬

‫نزلت فيما بعد‪ ،‬إوانما الكتاب الذي سبق من ال هو ما كان في عل م ال من إحلل الغنائ م لهذه المة‪ ،‬أو من المغفر ة‬ ‫والرحمة لهل بدر‪.‬‬

‫وحيث إن المر كان قد استقر على رأي الصديق فقد أخذ منه م الفداء‪ ،‬وكان الفداء من أربعة آلف دره م إلى ثلثة‬ ‫آلف دره م إلى ألف دره م‪ ،‬وكان أهل مكة يكتبون‪ ،‬وأهل المدينة ل يكتبون‪ ،‬فمن ل م يكن عنده فداء دفع إليه عشر ة‬ ‫غلمان من غلمان المدينة يعلمه م‪ ،‬فإذا حذقوا فهو فداء‪.‬‬ ‫ص ْيـفـي‬ ‫ومّن رسول ال صلى ال عليه وسل م على عد ة من السارى فأطلقه م بغير فداء‪ ،‬منه م‪ :‬المطلب ابن َح ْنـ َ‬ ‫طـب‪ ،‬و َ‬


‫بن أبي رفاعة‪ ،‬وأبو عز ة الُج َمـِحـىــ‪ ،‬وهو الذي قتله أسي ار في أحد‪ ،‬وسيأتي‪.‬‬ ‫ومّن على َخ تَـِنه أبي العاص بشرط أن يخلى سبيل زينب‪ ،‬وكانت قد بعثت في فدائه بمال بعثت فيه بقلد ة لها كانت‬ ‫عند خديجة‪ ،‬أدخلتها بها على أبي العاص‪ ،‬فلما رآها رسول ال صلى ال عليه وسل م رق لها رقة شديد ة‪ ،‬واستأذن‬ ‫أصحابه في إطلق أبي العاص ففعلوه‪ ،‬واشترط رسول ال صلى ال عليه وسل م على أبي العاص أن يخلى سبيل‬ ‫زينب‪ ،‬فخلها فهاجرت‪ ،‬وبعث رسول ال صلى ال عليه وسل م زيد بن حارثة ورجًل من النصار‪ ،‬فقال‪ :‬‏)كونا ببطن‬

‫َيأَج ج ـ حتى تمر بكما زينب فتصحباها(‪ ،‬فخرجا حتى رجعا بها‪ .‬وقصة هجرتها طويلة ومؤلمة جًد اـ‪.‬‬

‫ِ‬ ‫صـ قَـًعا‪ ،‬فقال عمر‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬انزع ثنيتي سهيل بن عمرو َيْد لَـْع‬ ‫وكان في السرى سهيل بن عمرو‪ ،‬وكان خطيًبا م ْ‬ ‫لَس اـُنه‪ ،‬فل يقو م خطيًبا عليك في موطن أبًد اـ‪ ،‬بيد أن رسول ال صلى ال عليه وسل م رفض هذا الطلب؛ احت ارًزا عن‬ ‫الُم ْثـلَِة ‪،‬ـ وعن بطش ال يو م القيامة‪.‬‬ ‫وخرج سعد بن النعمان معتمًرا فحبسه أبو سفيان‪ ،‬وكان ابنه عمرو بن أبي سفيان في السرى‪ ،‬فبعثوا به إلى أبي‬ ‫سفيان فخلى سبيل سعد‪.‬‬

‫القرآن يتحدث حول موضوع المعركة‬ ‫وحول موضوع هذه المعركة نزلت سور ة النفال‪ ،‬وهذه السور ة تعليق إلهي ـ إن صح هذا التعبير ـ على هذه المعركة‪،‬‬ ‫يختلف كثيًرا عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح‪.‬‬ ‫إن ال تعالى لفت أنظار المسلمين ـ أوًل ـ إلى بعض التقصيرات الخلقية التي كانت قد بقيت فيه م‪ ،‬وصدر بعضها‬

‫منه م؛ ليسعوا في تحلية نفوسه م بأرفع مراتب الكمال‪ ،‬وفي تزكيتها عن هذه التقصيرات‪.‬‬

‫ث م ثَّنى بما كان في هذا الفتح من تأييد ال وعونه ونصره بالغيب للمسلمين‪ .‬ذكر له م ذلك لئل يغتروا بشجاعته م‬

‫وبسالته م‪ ،‬فتتسور نفوسه م الغطرسة والكبرياء‪ ،‬بل ليتوكلوا على ال‪ ،‬ويطيعوه ويطيعوا رسوله عليه الصل ة والسل م‪.‬‬

‫ث م بين له م الهداف والغراض النبيلة التي خاض الرسول صلى ال عليه وسل م لجلها هذه المعركة الدامية الرهيبة‪،‬‬ ‫ودله م على الصفات والخلق التي تتسبب في الفتوح في المعارك‪.‬‬ ‫ث م خاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة‪ ،‬ووعظه م موعظة بليغة‪ ،‬تهديه م إلى الستسل م للحق واللتزا م‬ ‫به‪.‬‬


‫ث م خاطب المسلمين حول موضوع الغنائ م‪ ،‬وقنن له م مبادئ وأسس هذه المسألة‪.‬‬ ‫ث م بين وشرع له م من قوانين الحرب والسل م ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعو ة السلمية في هذه المرحلة‪،‬‬ ‫حتى تمتاز حروب المسلمين عن حروب أهل الجاهلية‪ ،‬ويتفوق المسلمون في الخلق والقي م والمثل‪ ،‬ويتأكد للدنيا أن‬ ‫السل م ليس مجرد وجهة نظر‪ ،‬بل هو دين يثقف أهله عملًيا على السس والمبادئ التي يدعو إليها‪.‬‬ ‫ث م قرر بنوًد اـ من قوانين الدولة السلمية التي تقي م الفرق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها‪ ،‬والذين يسكنون‬ ‫خارجها‪.‬‬ ‫وفي السنة الثانية من الهجر ة فرض صيا م رمضان‪ ،‬وفرضت زكا ة الفطر‪ ،‬وبينت أنصبة الزكا ة الخرى‪ ،‬وكانت‬ ‫فريضة زكا ة الفطر وتفصيل أنصبة الزكا ة الخرى تخفيًفا لكثير من الوزار التي كان يعانيها عدد كبير من‬ ‫المهاجرين اللجئين الذين كانوا فقراء ل يستطيعون ضرًبا في الرض‪.‬‬ ‫ومن أحسن المواقع وأروع الصدقات أن أول عيد تعيد به المسلمون في حياته م هو العيد الذي وقع في شوال سنة ‪2‬‬ ‫هـ‪ ،‬إثر الفتح المبين الذي حصل له م في غزو ة بدر‪ .‬فما أروع هذا العيد السعيد الذي جاء به ال بعد أن تَّوَج هامته م‬ ‫بتاج الفتح والعز‪ ،‬وما أروق منظر تلك الصل ة التي صلوها بعد أن خرجوا من بيوته م يرفعون أصواته م بالتكب��ر‬

‫والتوحيد والتحميد‪ ،‬وقد فاضت قلوبه م رغبة إلى ال‪ ،‬وحنيًنا إلى رحمته ورضوانه بعد ما أوله م به من النع م‪،‬وأيده م به‬ ‫ض ـتََخ اـُفون َأن يتََخ ّ‬ ‫ض َع ـفُـوَن ِفيـ الَْر ِ‬ ‫طـفَُك ُ مـ الّناُس َفآَواـُك ْ مـ‬ ‫من النصر‪ ،‬وقد ذكره م بذلك قائًل‪ :‬‏} َواْذُكـُرـوِْإاـْذ َأنتُْ م َقِليٌل ّم ْسـتَـ ْ‬ ‫َ َ‬ ‫ن ]النفال‪.[26:‬‬ ‫ص ِرـِهَو َرـ َز ـقَـُكّم مـَنـ الطّّيَباِت لََع لّـُك ْ مـ تَْش ُكـُرـ و ـَ{‬ ‫َوأَّيَد ُكـ مـبَِن ْ‬


‫النشاط العسكري بين بدر وأحد‬ ‫إن معركة بدر كانت أول لقاء مسلح بين المسلمين والمشركين‪ ،‬وكانت معركة فاصلة أكسبت المسلمين نص اًر‬

‫حاسمًا شهد له العرب قاطبة‪ .‬والذين كانوا أشد استياء لنتائج هذه المعركة ه م أولئك الذين منوا بخسائر فادحة‬ ‫مباشر ة؛ وه م المشركون‪ ،‬أو الذين كانوا يرون عز ة المسلمين وغلبته م ضربًا قاصمًا على كيانه م الديني‬

‫والقتصادي‪ ،‬وه م اليهود‪ .‬فمنذ أن انتصر المسلمون في معركة بدر كان هذان الفريقان يحترقان غيظًا وحنًقا‬ ‫على المسلمين؛ ‏} لَتَِجَدــّنـ أََش ّدـ الّنا ِ‬ ‫س َع َدـاـَو ةًـلّلِّذ يـَن آَم ُنـوْا اْلَيُهوَد َواـلِّذ يـَن أَْش َرـُكـو{ْـا ]المائد ة‪ ،[82:‬وكانت في المدينة‬

‫بطانة للفريقين دخلوا في السل م حين ل م يبق مجال لعزه م إل في السل م‪ ،‬وه م عبد ال بن أبي وأصحابه‪ ،‬ول م‬ ‫تكن هذه الفرقة الثالثة أقل غيظًا من الوليين‪.‬‬

‫وكانت هناك فرقة رابعة‪ ،‬وه م البدو الضاربون حول المدينة‪ ،‬ل م يكن يهمه م مسألة الكفر واليمان‪ ،‬ولكنه م كانوا‬

‫أصحاب سلب ونهب‪ ،‬فأخذه م القلق‪ ،‬واضطربوا لهذا النتصار‪ ،‬وخافوا أن تقو م في المدينة دولة قوية تحول‬ ‫بينه م وبين اكتساب قوته م عن طريق السلب والنهب‪ ،‬فجعلوا يحقدون على المسلمين وصاروا له م أعداء‪.‬‬ ‫وتبين بهذا أن النتصار في بدر كما كان سببًا لشوكة المسلمين وعزه م وكرامته م كذلك كان سببًا لحقد جهات‬

‫ل ليصاله إلى غايته‪.‬‬ ‫متعدد ة‪ ،‬وكان من الطبيعي أن يتبع كل فريق ما يراه كفي ً‬

‫فبينما كانت المدينة وما حولها تظاهر بالسل م‪ ،‬وتأخذ في طريق المؤامرات والدسائس الخفية كانت فرقة من‬ ‫اليهود تعلن بالعداو ة‪ ،‬وتكاشف عن الحقد والغيظ‪ ،‬وكانت مكة تهدد بالضرب القاص م‪ ،‬وتعلن بأخذ الثأر والنقمة‪،‬‬ ‫وتهت م بالتعبئة العامة جها ًرا‪ ،‬وترسل إلى المسلمين بلسان حالها‪ ،‬تقول‪:‬‬ ‫ول بد من يو م أغّر ُم َحـ ّجـل ـ** يطول استماعي بعده للنوادب‬ ‫ل فقد قادت غزو ة قاصمة إلى أسوار المدينة عرفت في التاريخ بغزو ة أحد‪ ،‬والتي كان لها أثر سيئ على‬ ‫وفع ً‬

‫سمعة المسلمين وهيبته م‪.‬‬

‫وقد لعب المسلمون دو ًار هامًا للقضاء على هذه الخطار‪ ،‬تظهر فيه عبقرية قياد ة النبي صلى ال عليه وسل م‪،‬‬

‫وما كان عليه من غاية التيقظ حول هذه الخطار‪ ،‬وما كان عليه من حسن التخطيط للقضاء عليها‪ ،‬ونذكر في‬

‫السطور التية صور ة مصغر ة منها‪:‬‬

‫غزو ة بني ُس لَـي م بالُك ْدـرـ‬ ‫طـَفان تحشد قواتها‬ ‫أول ما نقلت استخبارات المدينة إلى النبي صلى ال عليه وسل م بعد بدر أن بني سلي م وبني َغ َ‬ ‫لغزو المدينة‪ ،‬فباغته م النبي صلى ال عليه وسل م في مائتي راكب في عقر دراه م‪ ،‬وبلغ إلى منازله م في موضع‬


‫يقال له‪ :‬الُك ْدـرـ‪ .‬ففر بنو سلي م‪ ،‬وتركوا في الوادي خمسمائة بعير استولي عليها جيش المدينة‪ ،‬وقسمها رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م بعد إخراج الخمس فأصاب كل رجل بعيرين‪ ،‬وأصاب غلما يقال له‪ :‬‏)يسار( فأعتقه‪.‬‬ ‫وأقا م النبي صلى ال عليه وسل م في دياره م ثلثة أيا م‪ ،‬ث م رجع إلى المدينة‪.‬‬ ‫وكانت هذه الغزو ة في شوال سنة ‪ 2‬هـ بعد الرجوع من بدر بسبعة أيا م‪ ،‬أوفي المحر م للنصف منه‪ ،‬واستخلف في‬ ‫طة‪ .‬وقيل‪ :‬ابن أ م مكتو م‪.‬‬ ‫هذه الغزو ة على المدينة ِس َبـاع بن ُع ْرـ فُـ َ‬

‫مؤامر ة لغتيال النبي صلى ال عليه وسل م‬ ‫كان من أثر هزيمة المشركين في وقعة بدر أن استشاطوا غضبًا‪ ،‬وجعلت مكة تغلي كالِم ْرـَجـل ـضد النبي صلى‬ ‫ال عليه وسل م‪ ،‬حتى تآمر بطلن من أبطالها أن يقضوا على مبدأ هذا الخلف والشقاق ومثار هذا الذل والهوان‬ ‫في زعمه م‪ ،‬وهو النبي صلى ال عليه وسل م‪.‬‬

‫جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الِح ْجـر ـبعد وقعة بدر بيسير ـ وكان عمير من شياطين‬ ‫قريش ممن كان يؤذي النبي صلى ال عليه وسل م وأصحابه وه م بمكة ـ وكان ابنه وهب بن عمير في أساري‬ ‫بدر‪ ،‬فذكر أصحاب الَقِليب ومصابه م‪ ،‬فقال صفوان‪ :‬وال إن في العيش بعده م خير‪.‬‬ ‫قال له عمير‪ :‬صدقت وال‪ ،‬أما وال لول َد ْيـنـ على ليس له عندي قضاء‪ ،‬وعيال أخشي عليه م ال ّ‬ ‫ض ْيـعـَة بعدي‬ ‫ت إلى محمد حتى أقتله‪ ،‬فإن لي ِقَبـلَـهُْ م ِع لّـًة‪ ،‬ابني أسير في أيديه م‪.‬‬ ‫لركب ُ‬

‫فاغتنمها صفوان وقال‪ :‬على دينك‪ ،‬أنا أقضيه عنك‪ ،‬وعيالك مع عيإلى‪ ،‬أواسيه م ما بقوا‪ ،‬ل يسعني شيء ويعجز‬ ‫عنه م‪.‬‬ ‫فقال له عمير‪ :‬فاكت م عني شأني وشأنك‪ .‬قال‪ :‬أفعل‪.‬‬ ‫ث م أمر عمير بسيفه فُش ِحـ َذ ـ له وُس ّ مـ‪،‬ـ ث م انطلق حتى قد م به المدينة‪ ،‬فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه‬ ‫عمر بن الخطاب ـ وهو في نفر من المسلمين يتحدثون ما أكرمه م ال به يو م بدر ـ فقال عمر‪ :‬هذا الكلب عدو‬ ‫ال عمير ما جاء إل لشر‪ .‬ث م دخل على النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقال‪ :‬يا نبي ال‪ ،‬هذا عدو ال عمير قد‬

‫جاء متوشحًا سيفه‪ ،‬قال‪ :‬‏)فأدخله علي(‪ ،‬فأقبل إلى عمير فلَّبَبهُ بَح َمـاـلة سيفه‪ ،‬وقال لرجال من النصار‪ :‬ادخلوا‬ ‫على رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث‪ ،‬فإنه غير مأمون‪ ،‬ث م دخل‬

‫به‪ ،‬فلما رآه رسول ال صلى ال عليه وسل م ـ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه ـ قال‪ :‬‏)أرسله يا عمر‪ ،‬ادن يا‬ ‫عمير(‪ ،‬فدنا وقال‪ :‬أْن ِعـ ُمـوـا صباحًا‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)قد أكرمنا ال بتحية خير من تحيتك يا‬ ‫عمير‪ ،‬بالسل م تحية أهل الجنة(‪.‬‬ ‫ث م قال‪ :‬‏)ما جاء بك يا عمير ؟( قال‪ :‬جئت لهذا السير الذي في أيديك م‪ ،‬فأحسنوا فيه‪.‬‬ ‫قال‪ :‬‏)فما بال السيف في عنقك؟( قال‪:‬قبحها ال من سيوف‪ ،‬وهل أغنت عنا شيئًا ؟‬ ‫قال‪ :‬‏)اصدقني‪ ،‬ما الذي جئت له ؟( قال‪ :‬ما جئت إل لذلك‪.‬‬


‫ت أنت وصفوان بن أمية في الِح ْجـرــ‪ ،‬فذكرتما أصحاب القليب من قريش‪ ،‬ث م قلت‪ :‬لول دين علي‬ ‫قال‪ :‬‏)بل قعد َ‬ ‫وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا‪ ،‬فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني‪ ،‬وال حائل بينك وبين‬ ‫ذلك(‪.‬‬

‫قال عمير‪ :‬أشهد أنك رسول ال‪ ،‬قد كنا يا رسول ال نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء‪ ،‬وما ينزل عليك‬ ‫من الوحي‪ ،‬وهذا أمر ل م يحضره إل أنا وصفوان‪ ،‬فوال إني لعل م ما أتاك به إل ال‪ ،‬فالحمد ل الذي هداني‬ ‫للسل م‪ ،‬وساقني هذا المساق‪ ،‬ث م تشهد شهاد ة الحق‪ .‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)فقهوا أخاك م في‬ ‫دينه‪ ،‬وأقرئوه القرآن‪ ،‬وأطلقوا له أسيره(‪.‬‬ ‫وأما صفوان فكان يقول‪ :‬أبشروا بوقعة تأتيك م الن في أيا م تنسيك م وقعة بدر‪ .‬وكان يسأل الركبان عن عمير‪،‬‬ ‫حتى أخبره راكب عن إسلمه فحلف صفوان أل يكلمه أبًد اـ‪ ،‬ول ينفعه بنفع أبدا‪.‬‬ ‫ورجع عمير إلى مكة وأقا م بها يدعو إلى السل م‪ ،‬فأسل م على يديه ناس كثير‪.‬‬


‫غـزو ة بني قينقـاع‬

‫غـزوة بني تقينقـاع‬ ‫نموذج من مكيدة اليهود‬ ‫بنو َتقيُنَقاع ينقطضون العهد‬ ‫الحصار ثم التسليم ثم الجلء‬ ‫سِوي ق‬ ‫غزوة ال ّ‬ ‫غزوة ذي أمر‬ ‫تقتل كعب بن الشرف‬ ‫غزوة ُبْحران‬ ‫سرية زيد بن حارثة‬

‫غـزوة ربني قينقـاع‬ ‫قدمنا ربنود المعاهدة التي عقدها رسول ا صلى ا عليه وسلم مع اليهود‪ ،‬وقد كان حريصاً كل الحرص على تنفيذ ما جاء في هذه‬ ‫المعاهدة‪ ،‬وفع ً‬ ‫ل لم يأت من المسلمين ما يخالف حرفا ً واحد ًا من نصوصها‏‪ .‬ولكن اليهود الذين ملوا تاريخهم ربالغدر والخيانة ونكث‬ ‫العهود‪ ،‬لم يلبثوا أن تمشوا مع فطبائعهم القديمة‪ ،‬وأخذوا في فطريق الدس والمؤامرة والتحريش وإثارة القلق والضطراب في‬ ‫صفوف المسلمين‏‪ .‬وهاك مثلً من ذلك‏‪:‬‬

‫نموذج من مكيد ة اليهود‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬مر شاس بن قيس ـ وكان شيخًا ]يهوديًا[ قد عسا ‪ ،‬عظي م الكفر‪ ،‬شديد الضغن على المسلمين‪،‬‬

‫شديد الحسد له م ـ على نفر من أصحاب رسول ال صلى ال عليه وسل م من الوس والخزرج في مجلس قد جمعه م‪،‬‬

‫يتحدثون فيه‪ ،‬فغاظه ما رأي من ألفته م وجماعته م وصلح ذات بينه م على السل م‪ ،‬بعد الذي كان بينه م من العداو ة‬ ‫في الجاهلية‪ ،‬فقال‪ :‬قد اجتمع مل بني قَْي لَـَة بهذه البلد‪ ،‬ل وال ما لنا معه م إذا اجتمع ملؤه م بها من قرار‪ ،‬فأمر فتي‬ ‫شابًا من يهود كان معه‪ ،‬فقال‪ :‬اعمد إليه م‪ ،‬فاجلس معه م‪ ،‬ث م اذكر يو م ُبَعاث وما كان من قبله‪ ،‬وأنشده م بعض ما‬

‫كانوا تقاولوا فيه من الشعار‪ ،‬ففعل‪ ،‬فتكل م القو م عند ذلك‪ ،‬وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلن من الحيين على‬

‫الركب فتقاول‪ ،‬ث م قال أحدهما لصاحبه‪ :‬إن شئت م رددناها الن َج َذـَعـة ـ يعني الستعداد لحياء الحرب الهلية التي‬ ‫كانت بينه م ـ وغضب الفريقان جميعًا‪ ،‬وقالوا‪ :‬قد فعلنا‪ ،‬موعدك م الظاهر ة ـ والظاهر ة‪ :‬الَح ّرـ ةـ السلح السلح‪ ،‬فخرجوا‬ ‫إليها ]وكادت تنشب الحرب[‪.‬‬

‫فبلغ ذلك رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فخرج إليه م فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءه م فقال‪ :‬‏)يا‬ ‫معشر المسلمين‪ ،‬ال ال‪ ،‬أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهرك م بعد أن هداك م ال للسل م‪ ،‬وأكرمك م به‪ ،‬وقطع به عنك م‬ ‫أمر الجاهلية‪ ،‬واستنقذك م به من الكفر وألف بين قلوبك م(‬ ‫فعرف القو م أنها نزغة من الشيطان‪ ،‬وكيد من عدوه م‪ ،‬فبكوا‪ ،‬وعانق الرجال من الوس والخزرج بعضه م بعضًا‪ ،‬ث م‬ ‫انصرفوا مع رسول ال صلى ال عليه وسل م سامعين مطيعين‪ ،‬قد أطفأ ال عنه م كيد عدو ال شاس بن قيس‪.‬‬

‫هذا نموذج مما كان اليهود يفعلونه ويحاولونه من إثار ة القلقل والفتن في المسلمين‪ ،‬إواقامة العراقيل في سبيل الدعو ة‬ ‫السلمية‪ ،‬وقد كانت له م خطط شتي في هذا السبيل‪ .‬فكانوا يبثون الدعايات الكاذبة‪ ،‬ويؤمنون وجه النهار‪ ،‬ث م‬


‫يكفرون آخره؛ ليزرعوا بذور الشك في قلوب الضعفاء‪ ،‬وكانوا يضيقون سبل المعيشة على من آمن إن كان له م به‬ ‫ارتباط مإلى‪ ،‬فإن كان له م عليه يتقاضونه صباح مساء‪ ،‬إوان كان له عليه م يأكلونـه بالباطل‪ ،‬ويمتنعون عن أدائه‬ ‫وكانوا يقولون‪ :‬إنما كان علينا قرضك حينما كنت على دين آبائك‪ ،‬فأما إذ صبوت فليس لك علينا من سبيل‪.���‬ ‫كانوا يفعلون كل ذلك قبل بدر على رغ م المعاهد ة التي عقدوها مع رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وكان رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م وأصحابه يصبرون على كل ذلك؛ حرصًا على رشده م‪ ،‬وعلى بسط المن والسل م في المنطقة‪.‬‬ ‫بنو َقيُنَقاع ينقضون العهد‬ ‫لكنه م لما أروا أن ال قد نصر المؤمنين نص ًار مؤز ًار في ميدان بدر‪ ،‬وأنه م قد صارت له م عز ة وشوكة وهيبة في قلوب‬ ‫القاصي والداني‪ .‬تميزت قدر غيظه م‪ ،‬وكاشفوا بالشر والعداو ة‪ ،‬وجاهروا بالبغي والذي‪.‬‬

‫وكان أعظمه م حقدًا وأكبره م ش اًر كعب بن الشرف ـ وسيأتي ذكره ـ كما أن شر طائفة من طوائفه م الثلث ه م يهود‬

‫بني قينقاع‪ ،‬كانوا يسكنون داخل المدينة ـ في حي باسمه م ـ وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والواني‪ ،‬ولجل‬ ‫هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منه م آلت الحرب‪ ،‬وكان عدد المقاتلين فيه م سبعمائة‪ ،‬وكانوا أشجع يهود‬ ‫المدينة‪ ،‬وكانوا أول من نكث العهد والميثاق من اليهود‪.‬‬

‫فلما فتح ال للمسلمين في بدر اشتد طغيانه م‪ ،‬وتوسعوا في تحرشاته م واستف اززاته م‪ ،‬فكانوا يثيرون الشغب‪ ،‬ويتعرضون‬ ‫بالسخرية‪ ،‬ويواجهون بالذي كل من ورد سوقه م من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائه م‪.‬‬ ‫وعندما تفاق م أمره م واشتد بغيه م‪ ،‬جمعه م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فوعظه م ودعاه م إلى الرشد والهدي‪،‬‬ ‫وحـذره م مغـبة البغـي والـعدوان‪ ،‬ولكنه م ازدادوا في شره م وغطرسته م‪.‬‬ ‫روي أبو داود وغيره‪ ،‬عن ابن عباس رضي ال عنهما قال‪ :‬لما أصاب رسول ال صلى ال عليه وسل م قريشًا يو م‬

‫بدر‪ ،‬وقد م المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع‪ .‬فقال‪ :‬‏)يا معشر يهود‪ ،‬أسلموا قبل أن يصيبك م مثل ما أصاب‬

‫قريشًا(‪ .‬قالوا‪:‬يا محمد‪ ،‬ل يغرنك من نفسك أنك قتلت نف ًار من قريش كانوا أغما اًر ل يعرفون القتال‪ ،‬إنك لو قاتلتنا‬ ‫نَلى َج هَـّنَ م َو بِـْئ َسـ‬ ‫لعرفت أنا نحن الناس‪ ،‬وأنك ل م تلق مثلنا‪ ،‬فأنزل ال تعالى‪ :‬‏}ُقل لّلِّذ يـَن َك فَـُر وْاـَس تُـْغ َلـُبوَن َو تُـْح َش ـُرـ و ـَِإ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ص ِرـِه‬ ‫ي اْلَعْيـِنـ َواُل ُيَؤ ّيـُد بَِن ْ‬ ‫اْلم هَـاُد قَْد َك اـَن لَُك ْ مـ آَيةٌ فيـ فَئتَْي ِنـ اْلتَقََتا فَئةٌ تَُقاتُل فيـ َس بِـيِل ال َوأُْخ َرـىـَك اـفَرـ ةٌَيَر ْو ـَنـُه مّم ثْـلَْي ِهـْ مـ َرْأ َ‬ ‫ِ ِ ِ ّ‬ ‫صـ اـِر{ ]آل عمران ‪.[13 ،12‬‬ ‫َم نـ َيَش اـء ِإّن فيـ َذ لـَك لَع ْبـَرـ ةًلُْو ِلــي الَْب َ‬

‫كان في معني ما أجاب به بنو قينقاع هو العلن السافر عن الحرب‪ ،‬ولكن كظ م النبي صلى ال عليه وسل م غيظه‪،‬‬

‫وصبر المسلمون‪ ،‬وأخذوا ينتظرون ما تتمخض عنه الليإلى واليا م‪.‬‬ ‫وازداد اليهود ـ من بني قينقاع ـ جراء ة‪ ،‬فقلما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقًا واضطرابًا‪ ،‬وسعوا إلى حتفه م بظلفه م‪،‬‬

‫وسدوا على أنفسه م أبواب الحيا ة‪.‬‬

‫روي ابن هشا م عن أبي عون‪ :‬أن امرأ ة من العرب قدمت بَج لَـٍب لها‪ ،‬فباعته في سوق بني قينقاع‪ ،‬وجلست إلى‬

‫صائغ‪ ،‬فجعلوا يريدونها على كشف وجهها‪ ،‬فأبت‪ ،‬فََعَم دـ الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها ـ وهي غافلة ـ فلما‬ ‫قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت‪ ،‬فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ـ وكان يهوديًا ـ فشدت‬


‫اليهود على المسل م فقتلوه‪ ،‬فاستصرخ أهل المسل م المسلمين على اليهود‪ ،‬فوقع الشر بينه م وبين بني قينقاع‪.‬‬

‫الحصار ث م التسلي م ث م الجلء‬ ‫وحينئذ ِع يـَل صبر رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فاستخلف على المدينة أبا لَُبابة بن عبد المنذر‪ ،‬وأعطي لواء‬ ‫المسلمين حمز ة بن عبد المطلب‪ ،‬وسار بجنود ال إلى بني قينقاع‪ ،‬ولما رأوه تحصنوا في حصونه م‪ ،‬فحاصره م أشد‬ ‫الحصار‪ ،‬وكان ذلك يو م السبت للنصف من شوال سنة ‪ 2‬هـ‪ ،‬ودا م الحصار خمس عشر ة ليلة إلى هلل ذي القعد ة‪،‬‬ ‫وقذف ال في قلوبه م الرعب ـ فهو إذا أرادوا خذلن قو م وهزيمته م أنزله عليه م وقذفه في قلوبه م ـ فنزلوا على حك م‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م في رقابه م وأمواله م ونسائه م وذريته م‪ ،‬فأمر به م فكتفوا‪.‬‬ ‫وحينئذ قا م عبد ال بن أبي بن سلول بدور نفاقه‪ ،‬فألح على رسول ال صلى ال عليه وسل م أن يصدر عنه م العفو‪،‬‬ ‫موالى ـ وكـان بنـو قينـقاع حلفـاء الخزرج ـ فأبطأ عليه رسول ال صلى ال عليه وسل م فكرر‬ ‫فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬أحسن فـي إ‬ ‫ابن أبي مقالته فأعرض عنه‪ ،‬فأدخل يده في جيب درعه‪ ،‬فقال له رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)أرسلني(‪،‬‬ ‫ل ‪ ،‬ث م قال‪ :‬‏)ويحك‪ ،‬أرسلني(‪ .‬ولكن المنافق مضى على إص ارره وقال‪ :‬ل وال ل‬ ‫ظل ً‬ ‫وغضب حتى أروا لوجهه ُ‬

‫أرسلك حتى تحسن في موالى أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الحمر والسود‪ ،‬تحصده م في غدا ة‬

‫واحد ة ؟ إني وال امرؤ أخشي الدوائر‪.‬‬ ‫وعامل رسول ال صلى ال عليه وسل م هذا المنافق ـ الذي ل م يكن مضي على إظهار إسلمه إل نحو شهر واحد‬ ‫فحسب ـ عامله بالحسنى‪ .‬فوهبه م له‪ ،‬وأمره م أن يخرجوا من المدينة ول يجاوروه بها‪ ،‬فخرجوا إلى أْذ ُرـَع اـتالشا م‪ ،‬فقل‬ ‫أن لبثوا فيها حتى هلك أكثره م‪.‬‬

‫وقبض رسول ال صلى ال عليه وسل م منه م أمواله م‪ ،‬فأخذ منها ثلث ِقِس ي ـودرعين وثلثة أسياف وثلثة رماح‪،‬‬ ‫وخمس غنائمه م‪ ،‬وكان الذي تولي جمع الغنائ م محمد بن مسلمة‪.‬‬ ‫غزو ة الّس ِوـ يــق‬ ‫بينما كان صفوان بن أمية واليهود والمنافقون يقومون بمؤامراته م وعملياته م‪ ،‬كان أبو سفيان يفكر في عمل قليل‬ ‫المغار م ظاهر الثر‪ ،‬يتعجل به؛ ليحفظ مكانة قومه‪ ،‬ويبرز ما لديه م من قو ة‪ ،‬وكان قد نذر أل يمس رأسه ماء من‬

‫ب ‪ ،‬ـ من‬ ‫جنابة حتى يغزو محمدًا‪ ،‬فخرج في مائتي راكب ليبِّر يمينه‪ ،‬حتى نزل بصْد رـ َقنا ة إلى جبل يقال له‪َ :‬ثي ٌ‬ ‫المدينة على َبِر يـد أو نحوه‪ ،‬ولكنه ل م يجرؤ على مهاجمة المدينة جها ًرا‪ ،‬فقا م بعمل هو أشبه بأعمال القرصنة‪ ،‬فإنه‬

‫دخل في ضواحي المدينة في الليل مستخفيًا تحت جنح الظل م‪ ،‬فأتي حيي بن أخطب‪ ،‬فاستفتح بابه‪ ،‬فأبي وخاف‪،‬‬ ‫فانصرف إلى َس لّـ م بن ِم ْشـَكـ مـ سيد بِني النضير‪ ،‬وصاحب كنزه م إذ ذاك‪ ،‬فاستأذن عليه فأذن‪ ،‬فَقََراه وسقاه الخمر‪،‬‬ ‫طن له من خبر الناس‪ ،‬ث م خرج أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتي أصحابه‪ ،‬فبعث مفرز ة منه م‪ ،‬فأغارت على‬ ‫وَب َ‬

‫ل من النصار وحليفًا له‬ ‫ص َوــاًرامن النخل‪ ،‬ووجدوا رج ً‬ ‫ناحية من المدينة يقال لها‪] :‬الُعَر يـض[‪ ،‬فقطعوا وأحرقوا هناك أ ْ‬


‫في حرث لهما فقتلوهما‪ ،‬وفروا راجعين إلى مكة‪.‬‬ ‫وبلغ رسول ال صلى ال عليه وسل م الخبر‪ ،‬فسارع لمطارد ة أبي سفيان وأصحابه‪ ،‬ولكنه م فروا ببالغ السرعة‪ ،‬وطرحوا‬ ‫سويقاً كثي اًر من أزواده م وتمويناته م‪ ،‬يتخففون به‪ ،‬فتمكنوا من الفلت‪ ،‬وبلغ رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى‬ ‫َقْر قَـَر ِ ةالُك ْدـرـ‪ ،‬ث م انصرف راجعًا‪ .‬وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقه م‪ ،‬وسموا هذه المناوشة بغزو ة السويق‪.‬‬

‫وقد وقعت في ذي الحجة سنة ‪ 2‬هـ بعد بدر بشهرين‪ ،‬واستعمل على المدينة في هذه الغزو ة أبا لبابة بن عبد المنذر‪.‬‬

‫غزو ة ذي أمر‬ ‫وهي أكبر حملة عسكرية قادها رسول ال صلى ال عليه وسل م قبل معركة أحد‪ ،‬قادها في المحر م سنة ‪ 3‬هـ‪.‬‬ ‫وسببها أن استخبارات المدينة نقلت إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م أن جمعًا كبي ًار من بني ثعلبة ومحارب‬

‫تجمعوا‪ ،‬يريدون الغار ة على أطراف المدينة‪ ،‬فندب رسول ال صلى ال عليه وسل م المسلمين‪ ،‬وخرج في أربعمائة‬ ‫ل ما بين راكب وراجل‪ ،‬واستخلف على المدينة عثمان بن عفان‪.‬‬ ‫وخمسين مقات ً‬

‫وفي أثناء الطريق قبضوا على رجل يقال له‪ُ :‬ج َبــار من بني ثعلبة‪ ،‬فأدخل على رسول ال صلى ال عليه وسل م‪،‬‬ ‫ل لجيش المسلمين إلى أرض العدو‪.‬‬ ‫فدعاه إلى السل م فأسل م‪ ،‬فضمه إلى بلل‪ ،‬وصار دلي ً‬

‫وتفرق العداء في رءوس الجبال حين سمعوا بقدو م جيش المدينة‪ .‬أما النبي صلى ال عليه وسل م فقد وصل بجيشه‬ ‫إلى مكان تجمعه م‪ ،‬وهو الماء المسمي ]بذي أمر[ فأقا م هناك صف ًار كله ـ من سنة ‪ 3‬هـ ـ أو قريبًا من ذلك‪ ،‬ليشعر‬ ‫العراب بقو ة المسلمين‪ ،‬ويستولي عليه م الرعب والرهبة‪ ،‬ث م رجح إلى المدينة‪.‬‬

‫قتل كعب بن الشرف‬ ‫كان كعب بن الشرف من أشد اليهود حنقًا على السل م والمسلمين‪ ،‬إوايذاء لرسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وتظاه ار‬ ‫بالدعـو ة إلى حربه‪.‬‬ ‫كان من قبيلة طيئ ـ من بني َنْب هـان ـ وأمه من بني النضير‪ ،‬وكان غنيًا مترفًا معروفًا بجماله في العرب‪ ،‬شاع ًار من‬ ‫شعرائها‪ .‬وكان حصنه في شرق جنوب المدينة خلف ديار بني النضير‪.‬‬

‫ولما بلغه أول خبر عن انتصار المسلمين‪ ،‬وقتل صناديد قريش في بدر قال‪ :‬أحق هذا ؟ هؤلء أشراف العرب‪،‬‬ ‫وملوك الناس‪ ،‬وال إن كان محمد أصاب هؤلء القو م لبطن الرض خير من ظهرها‪.‬‬ ‫ولما تأكد لديه الخبر‪ ،‬انبعث عدو ال يهجو رسول ال صلى ال عليه وسل م والمسلمين‪ ،‬ويمدح عدوه م ويحرضه م‬ ‫عليه م‪ ،‬ول م يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريش‪ ،‬فنزل على المطلب بن أبي َو َد ـاـعة السهمي‪ ،‬وجعل ينشد الشعار‬ ‫يبكي فيها على أصحاب الَقِليب من قتلى المشركين‪ ،‬يثير بذلك حفائظه م‪ ،‬ويذكي حقده م على النبي صلى ال عليه‬

‫وسل م‪ ،‬ويدعوه م إلى حربه‪ ،‬وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون‪ :‬أديننا أحب إليك أ م دين محمد وأصحابه؟‬ ‫ل؟ فقال‪ :‬أنت م أهدي منه م سبيل‪ ،‬وأفضل‪ ،‬وفي ذلك أنزل ال تعالى‪ :‬‏}أَلَْ م تََر ِإَلى الِّذ يـَن ُأوتُوْا‬ ‫وأي الفريقين أهدي سبي ً‬


‫ص يـ ـبا ّم نـ اْلِك تَـاِب يؤ ِم ـنـون ِباْلِج بـِتـ وال ّ‬ ‫ِ‬ ‫طاُغ وـِت َو َيـُقوُلوَن ِللِّذ يـَن َك فَـُر وْاـَهُؤلء أَْه َدـىـ ِم َنـ الِّذ يـَن آَم ُنـوْا َس بِـيلً{ ] النساء‪:‬‬ ‫ُْ ُ َ‬ ‫َن ً َ‬ ‫ْ َ‬ ‫‪.[51‬‬

‫ث م رجع كعب إلى المدينة على تلك الحال‪ ،‬وأخذ يشبب في أشعاره بنساء الصحابة‪ ،‬ويؤذيه م بسلطة لسانه أشد‬ ‫اليذاء‪.‬‬ ‫وحينئذ قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)من لكعب بن الشرف ؟ فإنه آذى ال ورسوله(‪ ،‬فانتدب له محمد بن‬ ‫مسلمة‪ ،‬وَع ّبـاد بن بشر‪ ،‬وأبو نائلة ـ واسمه ِس ْلـَك اـن بن سلمة‪ ،‬وهو أخو كعب من الرضاعة ـ والحارث بن أوس‪ ،‬وأبو‬ ‫َع ْبـسـ بن جبر‪ ،‬وكان قائد هذه المفرز ة محمد بن مسلمة‪.‬‬

‫وتفيد الروايات في قتل كعب بن الشرف أن رسول ال صلى ال عليه وسل م لما قال‪ :‬‏)من لكعب بن الشرف ؟ فإنه‬ ‫قد آذى ال ورسوله(‪ ،‬قا م محمد بن مسلمة فقال‪ :‬أنا يا رسول ال‪ ،‬أتحب أن أقتله ؟ قال‪ :‬‏)نع م(‪ .‬قال‪ :‬فائذن ��ي أن‬ ‫أقول شيئًا‪ .‬قال‪ :‬‏)قل(‪.‬‬

‫فأتاه محمد بن مسلمة‪ ،‬فقال‪ :‬إن هذا الرجل قد سألنا صدقة‪ ،‬إوانه قد َع ّنـانا‪.‬‬ ‫قال كعب‪ :‬وال لَتََم لّـّنهُ‪.‬‬

‫قال محمد بن مسلمة‪ :‬فإنا قد اتبعناه‪ ،‬فل نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ؟ وقد أردنا أن تسلفنا‬ ‫َو ْس ـقـًـا أو َو ْس ـقَـين‪.‬‬ ‫قال كعب‪ :‬نع م‪ ،‬أرهنوني‪.‬‬ ‫قال ابن مسلمة‪ :‬أي شيء تريد ؟‬ ‫قال‪ :‬أرهنوني نساءك م‪.‬‬ ‫قال‪ :‬كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ؟‬ ‫قال‪ :‬فترهنوني أبناءك م‪.‬‬

‫بـ أَح ُدـهـ م فيقال‪ُ :‬رِه نـبوسق أو وسقين هذا عار علينا‪ .‬ولكنا نرهنك الّ ْ‬ ‫قال‪ :‬كيف نرهنك أبناءنا فُيَس ّ‬ ‫لَم ةـ‪ ،‬يعني‬ ‫السلح‪.‬‬

‫فواعده أن يأتيه‪.‬‬ ‫وصنع أبو نائلة مثل ما صنع محمد بن مسلمة‪ ،‬فقد جاء كعبًا فتناشد معه أطراف الشعار سويعة‪ ،‬ث م قال له‪ :‬ويحك‬ ‫يا بن الشرف‪ ،‬إني قد جئت لحاجة أريد ذكرها لك فاكت م عني‪.‬‬

‫قال كعب‪ :‬أفعل‪.‬‬

‫قال أبو نائلة‪ :‬كان قدو م هذا الرجل علينا بلء‪ ،‬عادتنا العرب‪ ،‬ورمتنا عن َقْو ٍ‬ ‫ت عنا السبل‪ ،‬حتى‬ ‫س ـواحد ة‪ ،‬وقطع ْ‬ ‫ضاع العيال‪ ،‬وُج ِهـَدـتـ النفس‪ ،‬وأصبحنا قد ُج ِهـْدـنـا وُج ِهـدـ عيالنا‪ ،‬ودار الحوار على نحو ما دار مع ابن مسلمة‪.‬‬

‫وقال أبو نائلة أثناء حديثه‪ :‬إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي‪ ،‬وقد أردت أن آتيك به م‪ ،‬فتبيعه م وتحسن في ذلك‪.‬‬ ‫وقد نجح ابن مسلمة وأبو نائلة في هذا الحوار إلى ما قصد‪ ،‬فإن كعبًا لن ينكر معهما السلح والصحاب بعد هذا‬ ‫الحوار‪.‬‬

‫وفي ليلة ُم ْقـِم َرـ ةـ ليلة الرابع عشر من شهر ربيع الول سنة ‪ 3‬هـ ـ اجتمعت هذه المفرز ة إلى رسول ال صلى ال عليه‬ ‫ل‪ :‬‏)انطلقوا على اس م ال‪ ،‬الله م أعنه م(‪ ،‬ث م رجع إلى بيته‪ ،‬وطفق‬ ‫وسل م‪ ،‬فشيعه م إلى َبِقيع الَغْرـ قَــد‪،‬ث م وجهه م قائ ً‬


‫يصلى ويناجي ربه‪.‬‬ ‫وانتهت المفرز ة إلى حصن كعب بن الشرف‪ ،‬فهتف به أبو نائلة‪ ،‬فقا م لينزل إليه م‪ ،‬فقالت له امرأته ـ وكان حديث‬ ‫العهد بها‪ :‬أين تخرج هذه الساعة ؟ أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الد م‪.‬‬

‫قال كعب‪ :‬إنما هو أخي محمد بن مسلمة‪ ،‬ورضيعي أبو نائلة‪ ،‬إن الكري م لو دعي إلى طعنة أجاب‪ ،‬ث م خرج إليه م‬ ‫وهو متطيب ينفح رأسه‪.‬‬ ‫وقد كان أبو نائلة قال لصحـابـه‪ :‬إذا ما جاء فإني آخذ بشعره فأشمه‪ ،‬فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونك م‬ ‫فاضربوه‪ ،‬فلما نزل كعب إليه م تحدث معه م ساعة‪ ،‬ث م قال أبو نائلة‪ :‬هل لك يا بن الشرف أن نتماشى إلى ِش ْع ـبـ‬ ‫العجوز فنتحدث بقية ليلتنا ؟ قال‪ :‬إن شئت م‪ ،‬فخرجوا يتماشون‪ ،‬فقال أبو نائلة وهو في الطريق ‪ :‬ما رأيت كالليلة طيبًا‬ ‫أعطر ‪ ،‬وزهي كعب بما سمع ‪ ،‬فقال‪ :‬عندي أعطر نساء العرب ‪ ،‬قال أبو نائلة ‪ :‬أتأذن لي أن أش م رأسك ؟ قال‪:‬‬

‫نع م ‪ ،‬فأدخل يده في رأسه فشمه وأش م أصحابه ‪.‬‬ ‫ث م مشى ساعـة ث م قال ‪ :‬أعود ؟ قال كعب‪ :‬نع م ‪ ،‬فعاد لمثلها ‪ .‬حتى اطمأن ‪.‬‬ ‫ث م مشى ساعة ث م قال‪ :‬أعود ؟ قال‪ :‬نع م ‪ ،‬فأدخل يده في رأسه‪ ،‬فلما استمكن منه قال‪ :‬دونك م عدو ال ‪ ،‬فاختلفت‬ ‫لفوضعه في ثُّنتِِه ‪،‬ـ ث م تحامل عليه حتي بلغ عانته‪،‬‬ ‫عليه أسيافه م‪ ،‬لكنها ل م تغن شيئًا‪ ،‬فأخذ محمد بن مسلمة ِم ْغـَوـ ً‬ ‫ل‪ ،‬وكان قد صاح صيحة شديد ة أفزعت من حوله‪ ،‬فل م يبق حصن إل أوقدت عليه النيران‪.‬‬ ‫فوقع عدو ال قتي ً‬

‫ورجعت المفرز ة وقد أصيب الحارث بن أوس بُذ َبـاب بعض سيوف أصحابه فجرح ونزف الد م‪ ،‬فلما بلغت المفرز ة َح ّرـ ة‬ ‫الُعَر ْيـضـرأت أن الحارث ليس معه م‪ ،‬فوقفت ساعة حتي أتاه م يتبع آثاره م‪ ،‬فاحتملوه‪ ،‬حتي إذا بلغوا َبِقيع الَغْر قَــد‬ ‫كبروا‪ ،‬وسمع رسول ال صلى ال عليه وسل م تكبيره م‪ ،‬فعرف أنه م قد قتلوه‪ ،‬فكبر‪ ،‬فلما انتهوا إليه قال‪ :‬‏)أفلحت‬ ‫الوجوه(‪ ،‬قالوا‪ :‬ووجهك يا رسول ال‪ ،‬ورموا برأس الطاغية بين يديه‪ ،‬فحمد ال على قتله‪ ،‬وتفل علي جرح الحارث‬ ‫فبرأ‪ ،‬ول م يؤذ بعده‪.‬‬ ‫ولما علمت اليهود بمصرع طاغيتها كعب بن الشرف دب الرعب في قلوبه م العنيد ة‪ ،‬وعلموا أن الرسول صلى ال‬ ‫عليه وسل م لن يتوانى في استخدا م القو ة حين يري أن النصح ل يجدي نفعًا لمن يريد العبث بالمن إواثار ة‬

‫الضطرابات وعد م احترا م المواثيق‪ ،‬فل م يحركوا ساكنًا لقتل طاغيته م‪ ،‬بل لزموا الهدوء‪ ،‬وتظاهروا بإيفاء العهود‪،‬‬

‫واستكانوا‪ ،‬وأسرعت الفاعي إلى جحورها تختبئ فيها ‪.‬‬

‫وهكذا تفرغ الرسول صلى ال عليه وسل م ـ إلي حين ـ لمواجهة الخطار التي كان يتوقع حدوثها من خارج المدينة‪،‬‬ ‫وأصبح المسلمون وقد تخفف عنه م كثير من المتاعب الداخلية التي كانوا يتوجسونها‪ ،‬ويشمون رائحتها بين آونة‬ ‫وأخري ‪.‬‬

‫غزو ة ُبْح رـان‬ ‫وهي دورية قتال كبير ة‪ ،‬قوامها ثلثمائة مقاتل‪ ،‬قادها الرسول صلى ال عليه وسل م في شهر ربيع الخر سنة ‪ 3‬هـ إلى‬ ‫أرض يقال لها‪ :‬بحران ـ وهي َم ْعـِدـ ن ـبالحجاز من ناحية الفُْرع ـ فأقا م بها شهر ربيع الخر ث م جمادى الولى ـ من‬


‫السنة الثالثة من الهجر ة ـ ث م رجع إلى المدينة‪ ،‬ول م يلق حربًا‪.‬‬

‫سرية زيد بن حارثة‬ ‫وهي آخر وأنجح دورية للقتال قا م بها المسلمون قبل أحد‪ ،‬وقعت في جمادي الخر ة سنة ‪ 3‬هـ‪.‬‬ ‫وتفصيلها‪ :‬أن قريشًا بقيت بعد بدر يساورها القلق والضطراب‪ ،‬وجاء الصيف‪ ،‬واقترب موس م رحلتها إلى الشا م‪،‬‬ ‫فأخذها َهّ م آخر‪.‬‬

‫قال صفوان بن أمية لقريش ـ وهو الذي نخبته قريش في هذا العا م لقياد ة تجارتها إلى الشا م‪ :‬إن محمدًا وصحبه‬

‫َع ّوـُرـ واـعلينا متجرنا‪ ،‬فما ندري كيف نصنع بأصحابه‪ ،‬وه م ل يبرحون الساحل ؟ وأهل الساحل قد وادعه م ودخل‬ ‫عامته م معه‪ ،‬فما ندري أين نسلك ؟ إوان أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا فل م يكن لها من بقاء‪ .‬إوانما حياتنا‬ ‫بمكة على التجار ة إلى الشا م في الصيف‪ ،‬إوالى الحبشة في الشتاء‪.‬‬

‫ودارت المناقشة حول هذا الموضوع‪ ،‬فقال السود بن عبد المطلب لصفوان‪ :‬تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق‬ ‫العراق ـ وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشا م‪ ،‬وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها‪ ،‬وكانت قريش‬

‫تجهل هذه الطريق كل الجهل ـ فأشار السود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فَُرات بن َح ّيــان ـ من بني بكر‬ ‫ل له‪ ،‬ويكون رائده في هذه الرحلة‪.‬‬ ‫بن وائل ـ دلي ً‬

‫وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية‪ ،‬آخذ ة الطريق الجديد ة‪ ،‬إل أن أنباء هذه القافلة وخطة سيرها طارت إلى‬ ‫المدينة‪ .‬وذلك أن َس ِلـيط بن النعمان ـ كان قد أسل م ـ اجتمع في مجلس شرب ـ وذلك قبل تحري م الخمر ـ مع نعي م بن‬ ‫مسعود الشجعي ـ ول م يكن أسل م إذ ذاك ـ فلما أخذت الخمر من نعي م تحدث بالتفصيل عن قضية العير وخطة‬ ‫سيرها‪،‬فأسرع سليط إلى النبي صلى ال عليه وسل م يروي له القصة‪.‬‬ ‫وجهز رسول ال صلى ال عليه وسل م لوقته حملة قوامها مائة راكب في قياد ة زيد بن حارثة الكلبي‪ ،‬وأسرع زيد حتى‬ ‫ده م القافلة بغتة ـ على حين غر ة ـ وهي تنزل على ماء في أرض نجد يقال له‪َ :‬قْر َدـ ةـ بالفتح فالسكون ـ فاستولي عليها‬ ‫كلها‪ ،‬ول م يكن من صفوان ومن معه من حرس القافلة إل الفرار بدون أي مقاومة‪.‬‬ ‫وأسر المسلمون دليل القافلة ـ فرات بن حيان‪ ،‬وقيل‪ :‬ورجلين غيره ـ وحملوا غنيمة كبير ة من الواني والفضة كانت‬ ‫تحملها القافلة‪ ،‬قدرت قيمتها بمائة ألف‪ ،‬وقس م رسول ال صلى ال عليه وسل م هذه الغنيمة على أفراد السرية بعد أخذ‬ ‫الخمس‪ ،‬وأسل م فرات بن حيان على يديه صلى ال عليه وسل م‪.‬‬


‫وكانت مأسا ة شديد ة ونكبة كبير ة أصابت قريشًا بعد بدر‪ ،‬اشتد لها قلق قريش وزادتها هما وحزنًا‪ .‬ول م يبق أمامها إل‬

‫طريقان‪،‬إما أن تمتنع عن غطرستها وكبريائها‪ ،‬وتأخذ طريق الموادعة والمصالحة مع المسلمين‪ ،‬أو تقو م بحرب شاملة‬

‫تعيد لها مجدها التليد‪ ،‬وعزها القدي م‪ ،‬وتقضي على قوات المسلمين بحيث ل يبقي له م سيطر ة على هذا ول ذاك‪ ،‬وقد‬ ‫اختارت مكة الطريق الثانية‪ ،‬فازداد إصرارها على المطالبة بالثأر‪ ،‬والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة‪ ،‬وتصميمها‬ ‫على الغزو في دياره م‪ ،‬فكان ذلك وما سبق من أحداث التمهيد القوي لمعركة أحد‪.‬‬


‫غـزو ة أحـد‬

‫استعداد تقريش لمعركة ناتقمة‬ ‫تقوام جيش تقريش وتقيادته‬ ‫جيش مكة يتحرك‬ ‫استعداد المسلمين للطوارئ‬ ‫الجيش المكي إلى أسوار المدينة‬ ‫المجلس الستشاري للخذ لخطة الدفاع‬ ‫تكتيب الجيش السلمي ولخروجه إلى ساحة القتال‬ ‫استعراض الجيش‬ ‫المبيت بين أحد والمدينة‬ ‫تمرد عبد ا بن أبي وأصحابه‬ ‫بقية الجيش السلمي إلى أحد‬ ‫لخطة الدفاع‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم ينفث روح البسالة في الجيش‬

‫تعبئـة الجيش المكي‬ ‫مناورات سياسية من تقبل تقريش‬ ‫جهود نسوة تقريش في التحميس‬ ‫أول وتقود المعركة‬ ‫ثقل المعركة حول اللواء وإبادة حملته‬ ‫القتال في بقية النقاط‬ ‫مصرع أسد ا حمزة بن عبد المطلب‬ ‫السيطرة على الموتقف‬ ‫من أحطضان المرأة إلى مقارعة السيوف والدرتقة‬ ‫نصيب فصيلة الرماة في المعركة‬ ‫الهزيمة تنزل بالمشركين‬ ‫غلطة الرماة الفظيعة‬ ‫لخالد بن الوليد يقوم بلخطة تطوي ق الجيش السلمي‬

‫استعداد قريش لمعركة ناقمة‬ ‫كانت مكة تحترق غيظًا على المسلمين مما أصاربها في معركة ربدر من مأساة الهزيمة وقتل الصناديد والشراف‪ ،‬وكانت تجيش فيها‬ ‫نزعات النتقام وأخذ الثأر‪ ،‬حتى إن قريشاً كانوا قد منعوا البكاء على قتلهم في ربدر‪ ،‬ومنعوا من الستعجال في فداء الساري حتى‬ ‫ل يتفطن المسلمون مدي مأساتهم وحزنهم‏‪.‬‬ ‫وعلى أثر غزوة ربدر اتفقت قريش على أن تقوم ربحرب شاملة ضد المسلمين تشفي غيظها وتروي غلة حقدها‪ ،‬وأخذت في الستعداد‬ ‫للخوض في مثل هذه المعركة‏‪.‬‬ ‫وكان عكرمة ربن أربي جهل‪ ،‬وصفوان ربن أمية‪ ،‬وأربو سفيان ربن حرب‪ ،‬وعبد ا ربن أربي رربيعة أكثر زعماء قريش نشافطاً وتحمساً‬ ‫لخوض المعركة‏‪.‬‬ ‫وأول ما فعلوه ربهذا الصدد أنهم احتجزوا العير التي كان قد نجا ربها أربو سفيان‪ ،‬والتي كانت سبباً لمعركة ربدر‪ ،‬وقالوا للذين كانت فيها‬ ‫أموالهم‏‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬إن محمداً قد َوتََرُكم وقتل خياركم‪ ،‬فأعينونا ربهذا المال على حرربه ؛ لعلنا أن ندرك منه ثأرًا‪ ،‬فأجاربوا لذلك‪،‬‬ ‫صّدوْا َعن َسِبيِل‬ ‫فباعوها‪ ،‬وكانت ألف ربعير‪ ،‬والمال خمسين ألف دينار‪ ،‬وفي ذلك أنزل ا تعالي‏‪ :‬‏}إِّن الِّذيَن َكفَُروْا ُينفُِقوَن أَْمَوالَهُْم لِيَ ُ‬ ‫اِ فََسُينفُِقونََها ثُّم تَُكوُن َعلَْيِهْم َحْسَرةً ثُّم يُْغلَُبوَن{ ‏]النفال‏‪36 :‬‏[‬ ‫ثم فتحوا رباب التطوع لكل من أحب المساهمة في غزو المسلمين من الحاربيش وكنانة وأهل تهامة‪ ،‬وأخذوا لذلك أنواعا من فطرق‬ ‫التحريض‪ ،‬حتى إن صفوان ربن أمية أغري أربا عزة الشاعر ـ الذي كان قد أسر في ربدر‪ ،‬فََمّن عليه رسول ا صلى ا عليه وسلم‬ ‫وأفطلق سراحه ربغير فدية‪ ،‬وأخذ منه العهد ربأل يقوم ضده ـ أغراه على أن يقوم ربتحريض القبائل ضد المسلمين‪ ،‬وعاهده أنه إن رجع‬ ‫عن الغزوة حي ًا يغنيه‪ ،‬وإل يكفل ربناته‪ ،‬فقام أربو عزة ربتحريض القبائل ربأشعاره التي كانت تذكي حفائظهم‪ ،‬كما اختاروا شاعراً آخر ـ‬ ‫ُمَسافع ربن عبد مناف الجمحي ـ لنفس المهمة‏‪.‬‬ ‫وكان أربو سفيان أشد تأليباً على المسلمين ربعدما رجع من غزوة الّسِويق خائباً لم ينل ما في نفسه‪ ،‬ربل أضاع مقداًرا كبيراً من تمويناته‬ ‫في هذه الغزوة‏‪.‬‬ ‫وزاد الطينة ربلة ـ أو زاد النار إذكاء‪ ،‬إن صح هذا التعبير ـ ما أصاب قريشا ً أخيرًا في سرية زيد ربن حارثة من الخسارة الفادحة التي‬ ‫قصمت فقار اقتصادها‪ ،‬وزودها من الحزن والهم ما ل يقادر قدره‪ ،‬وحينئذ زادت سرعة قريش في استعدادها للخوض في معركة‬ ‫تفصل ربينهم وربين المسلمين‏‪.‬‬

‫قوام جيش قريش وقيادته‬ ‫ولما استدارت السنة كانت مكة قد استكملت عدتها‪ ،‬واجتمع إليها من المشركين ثلثة آلف مقاتل من قريش‬ ‫والحلفاء والحاربيش‪ ،‬ورأي قادة قريش أن يستصحبوا معهم النساء حتى يكون ذلك أربلغ في استماتة الرجال دون‬


‫أن تصاب حرماتهم وأعراضهم‪ ،‬وكان عدد هذه النسوة خمس عشرة امرأة‏‪.‬‬ ‫وكان سل‪،‬ح النقليات في هذا الجيش ثلثة آلف ربعير‪ ،‬ومن سل‪،‬ح الفرسان مائتا فرس ‪ ،‬جنبوها فطول الطريق‪،‬‬ ‫وكان من سل‪،‬ح الوقاية سبعمائة درع‏‪ .‬وكانت القيادة العامة إلى أربي سفيان ربن حرب‪ ،‬وقيادة الفرسان إلى خالد ربن‬ ‫الوليد يعاونه عكرمة ربن أربي جهل‏‪ .‬أما اللواء فكان إلى ربني عبد الدار‏‪.‬‬ ‫جيش مكة يتحرك‬ ‫تحرك الجيش المكي بعد هذا العداد التا م نحو المدينة‪ ،‬وكانت التارات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في‬ ‫القلوب‪ ،‬ويشف عما سوف يقع من قتال مرير‪ .‬الستخبارات النبوية تكشف‬ ‫حركة العدو‬ ‫وكان العباس بن عبد المطلب يرقب حركات قريش واستعداداتها العسكرية‪ ،‬فلما تحرك هذا الجيش بعث العباس رسالة‬ ‫مستعجلة إلى النبي صلى ال عليه وسل م ضمنها جميع تفاصيل الجيش‪.‬‬ ‫وأسرع رسول العباس بإبلغ الرسالة‪ ،‬وجد في السير حتى إنه قطع الطريق بين مكة والمدينة ـ التي تبلغ مسافتها إلى‬ ‫نحو خمسمائة كيلو متر ـ في ثلثة أيا م‪ ،‬وسل م الرسالة إلى النبي صلى ال عليه وسل م وهو في مسجد قباء‪.‬‬ ‫ق أر الرسالة على النبي صلى ال عليه وسل م أبي بن كعب‪ ،‬فأمره بالكتمان‪ ،‬وعاد مسرعًا إلى المدينة‪ ،‬وتبادل الرأي مع‬ ‫قاد ة المهاجرين والنصار‪.‬‬

‫استعداد المسلمين للطوارئ‬ ‫وظلت المدينة في حالة استنفار عا م ل يفارق رجالها السلح حتى وه م في الصل ة‪ ،‬استعدادًا للطوارئ‪.‬‬ ‫وقامت مفرز ة من النصار ـ فيه م سعد بن معاذ‪ ،‬وأسيد بن حضير‪ ،‬وسعد بن عباد ة ـ بحراسة رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م ‪ ،‬فكانوا يبيتون على بابه وعليه م السلح‪ .‬وقامت على مداخل المدينة وأنقابها مفرزات تحرسها ؛ خوفا من‬ ‫أن يؤخذوا على غر ة‪.‬‬ ‫وقامت دوريات من المسلمين ـ لكتشاف تحركات العدو ـ تتجول حول الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون‬ ‫للغار ة على المسلمين‪.‬‬

‫الجيش المكي إلى أسوار المدينة‬ ‫وتابع جيش مكة سيره على الطريق الغربية الرئيسية المعتاد ة‪ ،‬ولما وصل إلى الْب َوـاء اقترحت هند بنت عتبة ـ زوج‬ ‫أبي سفيان ـ بنبش قبر أ م رسول ال صلى ال عليه وسل م ‪َ ،‬بيَد أن قاد ة الجيش رفضوا هذا الطلب‪،‬وحذروا من‬ ‫العواقب الوخيمة التي تلحقه م لو فتحو هذا الباب‪.‬‬


‫ث م واصل جيش مكة سيره حتى اقترب من المدينة‪ ،‬فسلك وادي الَعقيق‪ ،‬ث م انحرف منه إلى ذات اليمين حتى نزل‬

‫قريبًا بجبل أحد‪ ،‬في مكان يقال له‪َ :‬ع يـَنْي نـ‪ ،‬في بطن الّس ْبـَخـ ة ـمن قنا ة على شفير الوادي ـ الذي يقع شمإلى المدينة‬

‫بجنب أحـد‪ ،‬فعسكر هناك يو م الجمعة السادس من شهر شوال سنة ثلث من الهجر ة‪.‬‬ ‫المجلس الستشاري لخذ خطة الدفاع‬

‫ونقلت استخبارات المدينة أخبار جيش مكة خب اًر بعد خبر حتى الخبر الخير عن معسكره‪ ،‬وحينئذ عقد رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسل م مجلسًا استشاريًا عسكريًا أعلى ‪ ،‬تبادل فيه الرأي لختيار الموقف‪ ،‬وأخبره م عن رؤيا رآها‪ ،‬قال‪:‬‬ ‫‏)إني قد رأيت وال خي ًرا‪ ،‬رأيت بق ًار يذبح‪ ،‬ورأيت في ُذ َبـاب سيفي ثُْلمًا‪ ،‬ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة(‪،‬‬

‫وتأّو ل ـ البقر بنفر من أصحابه يقتلون‪ ،‬وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته‪ ،‬وتأول الدرع بالمدينة‪.‬‬

‫ث م قد م رأيه إلى صحابته أل يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها‪،‬فإن أقا م المشركون بمعسكره م أقاموا بَِش ّرـ ُم قَـا م‬ ‫وبغير جدوي‪ ،‬إوان دخلوا المدينة قاتله م المسلمون على أفواه الزقة‪ ،‬والنساء من فوق البيوت‪ ،‬وكان هذا هو الرأي‪.‬‬

‫ووافقه على هذا الرأي عبد ال بن أبي بن سلول ـ رأس المنافقين ـ وكان قد حضر المجلس بصفته أحد زعماء‬

‫الخزرج‪ .‬ويبدو أن موافقته لهذا الرأي ل م تكن لجل أن هذا هو الموقف الصحيح من حيث الوجهة العسكرية‪ ،‬بل‬ ‫ليتمكن من التباعد عن القتال دون أن يعل م بذلك أحد‪ ،‬وشاء ال أن يفتضح هو وأصحابه ـ لول مر ة ـ أما م المسلمين‬ ‫وينكشف عنه م الغطاء الذي كان كفره م ونفاقه م يكمن وراءه‪ ،‬ويتعرف المسلمون في أحرج ساعاته م على تلك الفاعي‬ ‫التي كانت تتحرك تحت ملبسه م وأكمامه م‪.‬‬ ‫فقد بادر جماعة من فضلء الصحابة ممن فاته الخروج يو م بدر ومن غيره م‪ ،‬فأشاروا على النبي صلى ال عليه‬ ‫وسل م بالخروج‪ ،‬وألحوا عليه في ذلك حتى قال قائله م‪ :‬يا رسول ال‪،‬كنا نتمني هذا اليو م وندعو ال‪ ،‬فقد ساقه إلينا‬

‫وقرب المسير‪ ،‬اخرج إلى أعدائنا‪ ،‬ل يرون أنا َج ُبـّنا عنه م‪.‬‬

‫وكان في مقدمة هؤلء المتحمسين حمز ة بن عبد المطلب ع م رسول ال صلى ال عليه وسل م ـ الذي كان قد أبلي‬ ‫أحسن بلء في معركة بدر ـ فقد قال للنبي صلى ال عليه وسل م ‪ :‬والذي أنزل عليك الكتاب ل أطع م طعامًا حتى‬ ‫أجالده م بسيفي خارج المدينة ‪.‬‬

‫وتنازل رسول ال صلى ال عليه وسل م عن رأيه مراعا ة لهؤلء المتحمسين‪ ،‬واستقر الرأي على الخروج من المدينة‪،‬‬ ‫واللقاء في الميدان السافر‪.‬‬


‫تكتيب الجيش السلمي وخروجه إلى ساحة القتال‬ ‫ث م صلى النبي صلى ال عليه وسل م بالناس يو م الجمعة‪ ،‬فوعظه م وأمره م بالجد والجتهاد‪ ،‬وأخبر أن له م النصر بما‬ ‫صبروا‪ ،‬وأمره م بالتهيؤ لعدوه م‪ ،‬ففرح الناس بذلك‪ .‬ث م صلى بالناس العصر‪ ،‬وقد حشدوا وحضر أهل الَع َوـإاـلى ‪ ،‬ث م‬ ‫دخل بيته‪ ،‬ومعه صاحباه أبو بكر وعمر‪ ،‬فعمماه وألبساه‪ ،‬فتدجج بسلحه وظاهر بين درعين ]أي لبس درعا فوق‬

‫درع[ وتقلد السيف‪ ،‬ث م خرج على الناس‪.‬‬ ‫وكان الناس ينتظرون خروجه‪ ،‬وقد قال له م سعد بن معاذ وأسيد بن حضير‪ :‬استكرهت م رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م على الخروج فردوا المر إليه‪،‬فندموا جميعًا على ما صنعوا‪ ،‬فلما خرج قالوا له‪ :‬يا رسول ال‪،‬ما كان لنا أن‬

‫نخالفك فاصنع ما شئت‪ ،‬إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل‪ .‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ما ينبغي لنبي‬ ‫إذا لبس لَْم تَـه ـ وهي الدرع ـ أن يضعها حتى يحك م ال بينه وبين عدوه( ‪.‬‬ ‫وقس م النبي صلى ال عليه وسل م جيشه إلى ثلث كتائب‪:‬‬ ‫‪ .1‬كتيبة المهاجرين‪ ،‬وأعطي لواءها مصعب بن عمير العبدري‪.‬‬ ‫‪ .2‬كتيبة الوس من النصار‪ ،‬وأعطي لواءها أسيد بن حضير‪.‬‬ ‫‪ .3‬كتيبة الخزرج من النصار‪ ،‬وأعطي لواءها الُح َبــاب بن المنذر‪.‬‬ ‫وكان الجيش متألفًا من ألف مقاتل فيه م مائة دارع‪ ،‬ول م يكن فيه م من الفرسان أحد ‪،‬واستعمل على المدينة ابن أ م‬

‫مكتو م على الصل ة بمن بقي في المدينة‪،‬وآذن بالرحيل‪ ،‬فتحرك الجيش نحو الشمال‪ ،‬وخرج السعدان أما م النبي‬ ‫صلى ال عليه وسل م يعدوان دارعين‪.‬‬

‫ولما جاوز ثنية الوداع رأي كتيبة حسنة التسليح منفرد ة عن سواد الجيش‪ ،‬فسأل عنها‪ ،‬فأخبر أنه م اليهود من حلفاء‬ ‫الخزرج يرغبون المساهمة في القتال ضد المشركين‪ ،‬فسأل‪ :‬‏)هل أسلموا ؟( فقالوا‪:‬ل‪ ،‬فأبى أن يستعين بأهل الكفر‬ ‫على أهل الشرك‪.‬‬ ‫استعراض الجيش‬ ‫وعندما وصل إلى مقا م يقال له‪] :‬الشيخان[ استعرض جيشه‪ ،‬فرد من استصغره ول م يره مطيقًا للقتال‪ ،‬وكان منه م‬ ‫عبد ال بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد‪ ،‬وأسيد بن ظَُهير‪ ،‬وزيد بن ثابت‪ ،‬وزيد بن أرق م‪ ،‬وَع َرـاَبةـبن أْو ســ‪،‬‬

‫وعمرو بن حز م‪ ،‬وأبو سعيد الخدري‪ ،‬وزيد بن حارثة النصاري‪ ،‬وسعد بن َح ّبــة‪ ،‬ويذكر في هؤلء البراء بن عازب‪،‬‬

‫لكن حديثه في البخاري يدل على شهوده القتال ذلك اليو م‪.‬‬


‫وأجاز رافع بن َخ ِدـيــج‪ ،‬وَس ُمـَرـ ةبن ُج ْنـَدـبـعلى صغر سنهما‪ ،‬وذلك أن رافع بن خديج كان ماه ًار في رماية النبل‬

‫فأجازه‪ ،‬فقال سمر ة‪ :‬أنا أقوي من رافع‪،‬أنا أصرعه‪ ،‬فلما أخبر رسول ال صلى ال عليه وسل م بذلك أمرهما أن‬ ‫يتصارعا أمامه فتصارعا‪ ،‬فصرع سمر ة رافعًا‪ ،‬فأجازه أيضًا‪.‬‬ ‫المبيت بين أحد والمدينة‬

‫ل لحراسة‬ ‫وفي هذا المكان أدركه م المساء‪ ،‬فصلى المغرب‪ ،‬ث م صلى العشاء‪ ،‬وبات هنالك‪ ،‬واختار خمسين رج ً‬

‫المعسكر يتجولون حوله‪ ،‬وكان قائده م محمد بن مسلمة النصاري‪ ،‬بطل سرية كعب بن الشرف‪ ،‬وتولي َذ ْكـَوـاـنبن‬ ‫عبد قيس حراسة النبي صلى ال عليه وسل م خاصة‪.‬‬

‫تمرد عبد ال بن أبي وأصحابه‬

‫وقبل طلوع الفجر بقليل أدلج‪ ،‬حتى إذا كان بالّش ْوـ ط ـصلى الفجر‪ ،‬وكان بمقربة جدًا من العدو‪ ،‬فقد كان يراه م‬

‫ل‪ :‬ما ندري عل م‬ ‫ويرونه‪ ،‬وهناك تمرد عبد ال بن أبي المنافق‪ ،‬فانسحب بنحو ثلث العسكر ـ ثلثمائة مقاتل ـ قائ ً‬

‫نقتل أنفسنا ؟ ومتظاه ًار بالحتجاج بأن الرسول صلى ال عليه وسل م ترك رأيه وأطاع غيره‪.‬‬

‫ول شك أن سبب هذا النعزال ل م يكن هو ما أبداه هذا المنافق من رفض رسول ال صلى ال عليه وسل م رأيه‪ ،‬إوال ل م‬

‫يكن لسيره مع الجيش النبوي إلى هذا المكان معني‪ .‬ولو كان هذا هو السبب ل نعزل عن الجيش منذ بداية سيره‪ ،‬بل‬ ‫كان هدفه الرئيسي من هذا التمرد ـ في ذلك الظرف الدقيق ـ أن يحدث البلبلة والضطراب في جيش المسلمين على‬ ‫مرأي ومسمع من عدوه م‪،‬حتى ينحاز عامة الجيش عن النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وتنهار معنويات من يبقي معه‪،‬‬ ‫بينما يتشجع العدو‪ ،‬وتع��و همته لرؤية هذا المنظر‪ ،‬فيكون ذلك أسرع إلى القضاء على النبي صلى ال عليه وسل م‬ ‫وأصحابه المخلصين‪ ،‬ويصحو بعد ذلك الجو لعود ة الرياسة إلى هذا المنافق وأصحابه‪.‬‬ ‫وكاد المنافق ينجح في تحقيق بعض ما كان يهدف إليه‪ ،‬فقد همت طائفتان ـ بنو حارثة من الوس‪ ،‬وبنو سلمة من‬ ‫الخزرج ـ أن تفشل‪ ،‬ولكن ال تولهما‪ ،‬فثبتتا بعدما سري فيهما الضطراب‪ ،‬وهمتا بالرجوع والنسحاب‪ ،‬وعنهما يقول‬ ‫ال تعالي‪ :‬‏}ِإْذ هّمـتـ ّ‬ ‫ن ]آل عمران‪.[122 :‬‬ ‫لـ َواـُل َو ِلـّيهَُم اـَوَعـ لَــىاِل َفْلَيتََو ّك ـِلـاْلُم ْؤـ ِمـُنــو َ{‬ ‫طآئِفََتاِن ِم نـُك ْ مـ َأن تَْفَش َ‬ ‫َ‬ ‫وحاول عبد ال بن َح َرـ ــا م والد جابر بن عبد ال ـ تذكير هؤلء المنافقين بواجبه م في هذا الظرف الدقيق‪ ،‬فتبعه م وهو‬

‫يوبخه م ويحضه م على الرجوع‪ ،‬ويقول‪ :‬تعالوا قاتلوا في سبيل ال أو ادفعوا‪ ،‬قالوا‪ :‬لو نعل م أنك م تقاتلون ل م نرجع‪،‬‬ ‫ل‪ :‬أبعدك م ال أعداء ال‪ ،‬فسيغني ال عنك م نبيه‪.‬‬ ‫فرجع عنه م عبد ال بن حرا م قائ ً‬

‫وفي هؤلء المنافقين يقول ال تعالى ‪ :‬‏} َوْلـَيْعلَـَ مالِّذ يـَن َناَفقُوْا َو ِقـيـَل لَهُْ م تََعاـَلْو ْاـَقاِتلُوْا ِفيـ َس بِـيِل اِل أَِو اْد َفـُعوْا َقالُوْا لَْو َنْع لَـُ م‬ ‫ِقتَـا ً ّ‬ ‫بـِم ْنـهُـْ م ِل ِ‬ ‫ل يـَم اـِن َيُقوُلوَن ِبَأْفَواـِه ِهـ مـّم اـ لَْي َسـ ِفيـ ُقُلوبِِه ْ مـ َواـُل أَْع لَـُ م بَِم اـ َيْك تُـُم وـَن{ ]آل‬ ‫ل لتَّبْع َنـاُك ْ مـ ُهْ م ِلْلُك ْفـِر َيْو َم ـئِـٍذَأْقَر ُ‬


‫عمران‪.[167 :‬‬ ‫بقية الجيش السلمي إلى أحد‬ ‫وبعد هذا التمرد والنسحاب قا م النبي صلى ال عليه وسل م ببقية الجيش ـ وه م سبعمائة مقاتل ـ ليواصل سيره نحو‬

‫العدو‪ ،‬وكان معسكر المشركين يحول بينه وبين أحد في مناطق كثير ة‪ ،‬فقال‪ :‬‏)من رجل يخرج بنا على القو م من َك ثَـٍب‬ ‫ـ أي من قريب ـ من طريق ل يمر بنا عليه م ؟(‪.‬‬

‫فقال أبو َخ يـَثمَة‪ :‬أنا يارسول ال‪ ،‬ث م اختار طريقًا قصي ًار إلى أحد يمر بَح ّرـِ ةبني حارثة وبمزارعه م‪ ،‬تاركًا جيش‬ ‫المشركين إلى الغرب‪.‬‬ ‫ومر الجيش في هذا الطريق بحائط ِم ْرـَبـعـبن َقيِظ ي ـ ـ وكان منافقًا ضرير البصر ـ فلما أحس بالجيش قا م يحثو التراب‬ ‫في وجوه المسلمين‪ ،‬ويقول‪ :‬ل أحل لك أن تدخل حائطي إن كنت رسول ال‪ .‬فابتدره القو م ليقتلوه‪ ،‬فقال صلى ال‬ ‫عليه وسل م ‪ :‬‏)ل تقتلوه‪ ،‬فهذا الْع َمـىـ أعمى القلب أعمى البصر(‪.‬‬ ‫ل‬ ‫ونفذ رسول ال صلى ال عليه وسل م حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدو ة الوادي‪ ،‬فعسكر بجيشه مستقب ً‬

‫ل بين المسلمين وبين المدينة‪.‬‬ ‫المدينة‪ ،‬وجاعل ظهره إلى هضاب جبل أحد‪ ،‬وعلى هذا صار جيش العدو فاص ً‬

‫خطة الدفاع‬ ‫وهناك عبأ رسول ال صلى ال عليه وسل م جيشه‪ ،‬وهيأه م صفوفًا للقتال‪ ،‬فاختار منه م فصيلة من الرما ة الماهرين‪،‬‬ ‫ل‪ ،‬وأعطي قيادتها لعبد ال بن جبير بن النعمان النصاري الوسي البدري‪ ،‬وأمره م بالتمركز‬ ‫قوامها خمسون مقات ً‬

‫على جبل يقع على الضفة الشمالية من وادي قنا ة ـ وعرف فيما بعد بجبل الرما ة ـ جنوب شرق معسكر المسلمين‪،‬‬ ‫على بعد حوالى مائة وخمسين مت ًار من مقر الجيش السلمي‪.‬‬

‫والهدف من ذلك هو ما أبداه رسول ال صلى ال عليه وسل م في كلماته التي ألقاها إلى هؤلء الرما ة‪ ،‬فقد قال‬ ‫لقائده م‪ :‬‏)انضح الخيل عنا بالنبل‪ ،‬ل يأتونا من خلفنا‪ ،‬إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك‪ ،‬ل نؤتين من قبلك( وقال‬ ‫للرما ة‪ :‬‏)احموا ظهورنا‪ ،‬فإن رأيتمونا نقتل فل تنصرونا‪ ،‬إوان رأيتمونا قد غنمنا فل تشركونا(‪ ،‬وفي رواية البخاري أنه‬ ‫قال‪ :‬‏)إن رأيتمونا تخطفنا الطير فل تبرحوا مكانك م هذا حتى أرسل إليك م‪ ،‬إوان رأيتمونا هزمنا القو م ووطأناه م فل‬ ‫تبرحوا حتى أرسل إليك م(‪.‬‬

‫بتعين هذه الفصيلة في الجبل مع هذه الوامر العسكرية الشديد ة سد رسول ال صلى ال عليه وسل م الثلمة الوحيد ة‬


‫التي كان يمكن لفرسان المشركين أن يتسللوا من ورائها إلى صفوف المسلمين‪ ،‬ويقوموا بحركات اللتفاف وعملية‬ ‫التطويق‪.‬‬ ‫أما بقية الجيش فجعل على الميمنة المنذر بن عمرو‪ ،‬وجعل على الميسر ة الزبير بن العوا م‪ ،‬يسانده المقداد بن‬ ‫السود‪ ،‬وكان إلى الزبير مهمة الصمود في وجه فرسان خالد بن الوليد‪،‬وجعل في مقدمة الصفوف نخبة ممتاز ة من‬ ‫شجعان المسلمين ورجالته م المشهورين بالنجد ة والبسالة‪ ،‬والذين يوزنون باللف ‪.‬‬ ‫ولقد كانت خطة حكيمة ودقيقة جدًا‪ ،‬تتجلي فيها عبقرية قياد ة النبي صلى ال عليه وسل م لعسكرية‪ ،‬وأنه ل يمكن لي‬

‫قائد مهما تقدمت كفاءته أن يضع خطة أدق وأحك م من هذا؛ فقد احتل أفضل موضع من ميدان المعركة‪ ،‬مع أنه نزل‬

‫فيه بعد العدو‪ ،‬فإنه حمي ظهره ويمينه بارتفاعات الجبل‪ ،‬وحمي ميسرته وظهره ـ حين يحتد م القتال ـ بسد الثلمة‬ ‫الوحيد ة التي كانت توجد في جانب الجيش السلمي‪ ،‬واختار لمعسكره موضعًا مرتفعًا يحتمي به ـ إذا نزلت الهزيمة‬

‫بالمسلمين ـ ول يلتجئ إلى الفرار‪ ،‬حتى يتعرض للوقوع في قبضة العداء المطاردين وأسره م‪ ،‬ويلحق مع ذلك خسائر‬

‫فادحة بأعدائه إن أرادوا احتلل معسكره وتقدموا إليه‪،‬وألجأ أعداءه إلى قبول موضع منخفض يصعب عليه م جدًا أن‬

‫يحصلوا على شيء من فوائد الفتح إن كانت الغلبة له م‪ ،‬ويصعب عليه م الفلت من المسلمين المطاردين إن كانت‬ ‫الغلبة للمسلمين‪ ،‬كما أنه عوض النقص العددي في رجاله باختيار نخبة ممتاز ة من أصحابه الشجعان البارزين‪.‬‬ ‫وهكذا تمت تعبئة الجيش النبوي صباح يو م السبت السابع من شهر شوال سنة ‪3‬هـ‪.‬‬ ‫الرسول صلى ال عليه وسل م ينفث روح البسالة في الجيش‬ ‫ونهى الرسول صلى ال عليه وسل م الناس عن الخذ في القتال حتى يأمره م‪ ،‬وظاهر بين درعين‪ ،‬وحرض أصحابه‬ ‫على القتال‪ ،‬وحضه م على المصابر ة والجلد عند اللقاء‪ ،‬وأخذ ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه حتى جرد‬

‫سيفًا بات ًار ونادي أصحابه‪ :‬‏)من يأخذ هذا السيف بحقه؟(‪ ،‬فقا م إليه رجال ليأخذوه ـ منه م على بن أبي طالب‪ ،‬والزبير‬ ‫بن العوا م‪ ،‬وعمر بن الخطاب ـ حتى قا م إليه أبو ُد َجـ اــنة ِس َم ـاـك بن َخ َرـَشـةـ‪،‬فقال‪ :‬وما حقه يا رسول ال ؟ قال‪ :‬‏)أن‬ ‫تضرب به وجوه العدو حتى ينحني(‪ .‬قال‪ :‬أنا آخذه بحقه يا رسول ال‪ ،‬فأعطاه إياه‪.‬‬ ‫ل شجاعًا يختال عند الحرب‪ ،‬وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها عل م الناس أنه سيقاتل‬ ‫وكان أبو دجانة رج ً‬

‫حتى الموت‪ .‬فلما أخذ السيف عصب رأسه بتلك العصابة‪ ،‬وجعل يتبختر بين الصفين‪ ،‬وحينئذ قال رسول ال صلى‬

‫ال عليه وسل م‪ :‬‏)إنها لمشية يبغضها ال إل في مثل هذا الموطن(‪.‬‬

‫تعبئـة الجيش المكي‬ ‫أما المشركون فعبأوا جيشه م حسب نظا م الصفوف‪ ،‬فكانت القياد ة العامة إلى أبي سفيان صخر بن حرب الذي تمركز‬


‫في قلب الجيش‪ ،‬وجعلوا على الميمنة خالد بن الوليد ـ وكان إذ ذاك مشركًا ـ وعلى الميسر ة عكرمة بن أبي جهل‪،‬‬

‫وعلى المشا ة صفوان ابن أمية‪ ،‬وعلى رما ة النبل عبد ال بن أبي ربيعة‪.‬‬

‫أما اللواء فكان إلى مفرز ة من بني عبد الدار‪ ،‬وقد كان ذلك منصبه م منذ أن اقتسمت بنو عبد مناف المناصب التي‬ ‫ورثوها من قصي بن كلب ـ كما أسلفنا في أوائل الكتاب ـ وكان ل يمكن لحد أن ينازعه م في ذلك؛ تقيدًا بالتقاليد‬

‫التي ورثوها كاب ًار عن كابر‪ ،‬بيد أن القائد العا م ـ أبا سفيان ـ ذكره م بما أصاب قريشًا يو م بدر حين أسر حامل لوائه م‬

‫النضر بن الحارث‪ ،‬وقال له م ـ ليستفز غضبه م ويثير حميته م‪ :‬يا بني عبد الدار‪ ،‬قد وليت م لواءنا يو م بدر فأصابنا ما‬

‫قد رأيت م‪ ،‬إوانما يؤتي الناس من قبل راياته م‪ ،‬إواذا زالت زالوا‪ ،‬فإما أن تكفونا لواءنا‪ ،‬إواما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه‪.‬‬

‫ونجح أبو سفيان في هدفه‪ ،‬فقد غضب بنو عبد الدار لقول أبي سفيان أشد الغضب‪ ،‬وهموا به وتواعدوه وقالوا له‪:‬‬ ‫نحن نسل م إليك لواءنا ؟ستعل م غدًا إذا التقينا كيف نصنع‪ .‬وقد ثبتوا عند احتدا م المعركة حتى أبيدوا عن بكر ة أبيه م‪.‬‬

‫مناورات سياسية من قبل قريش‬ ‫وقبيل نشوب المعركة حاولت قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف المسلمين‪ .‬فقد أرسل أبو سفيان إلى النصار‬ ‫يقول له م‪ :‬خلوا بيننا وبين ابن عمنا فننصرف عنك م‪ ، ،‬فل حاجة لنا إلى قتالك م‪ .‬ولكن أين هذه المحاولة أما م اليمان‬ ‫الذي ل تقو م له الجبال‪ ،‬فقد رد عليه النصار ردًا عنيفًا‪ ،‬وأسمعوه ما يكره‪.‬‬ ‫واقتربت ساعة الصفر‪ ،‬وتدانت الفئتان‪ ،‬فقامت قريش بمحاولة أخري لنفس الغرض‪ ،‬فقد خرج إلى النصار عميل‬ ‫ص يـِفي‪ ،‬وكان يسمي الراهب‪ ،‬فسماه رسول ال صلى ال عليه‬ ‫خائن يسمي أبا عامر الفاسق ـ واسمه عبد عمرو ابن َ‬ ‫وسل م الفاسق‪ ،‬وكان رأس الوس في الجاهلية‪ ،‬فلما جاء السل م َش ِرـقـبه‪ ،‬وجاهر رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫بالعداو ة‪ ،‬فخرج من المدينة وذهب إلى قريش يؤلبه م على رسول ال صلى ال عليه وسل م ويحضه م على قتاله‪،‬‬

‫ووعده م بأن قومه إذا رأوه أطاعوه‪ ،‬ومالوا معه ـ فكان أول من خرج إلى المسلمين في الحابيش وُع ْبـَدـاـن أهل مكة‪.‬‬ ‫فنادي قومه وتعرف عليه م‪ ،‬وقال‪ :‬يا معشر الوس‪ ،‬أنا أبو عامر‪ .‬فقالوا‪ :‬ل أنع م ال بك عينًا يا فاسق‪ .‬فقال‪ :‬لقد‬ ‫ل شديدًا وراضخه م بالحجار ة‪.‬‬ ‫أصاب قومي بعدي شر‪ .‬ـ ولما بدأ القتال قاتله م قتا ً‬

‫وهكذا فشلت قريش في محاولتها الثانية للتفريق بين صفوف أهل اليمان‪ .‬ويدل عمله م هذا على ما كان يسيطر‬ ‫عليه م من خوف المسلمين وهيبته م‪ ،‬مع كثرته م وتفوقه م في العدد والعد ة‪.‬‬

‫جهود نسو ة قريش في التحميس‬ ‫وقامت نسو ة قريش بنصيبهن من المشاركة في المعركة‪ ،‬تقودهن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان‪ ،‬فكن يتجولن في‬


‫الصفوف‪ ،‬ويضربن بالدفوف؛ يستنهضن الرجال‪ ،‬ويحرضن على القتال‪ ،‬ويثرن حفائظ البطال‪ ،‬ويحركن مشاعر أهل‬ ‫الطعان والضراب والنضال‪ ،‬فتار ة يخاطبن أهل اللواء فيقلن‪:‬‬ ‫َو ْي ـهـا بني عبد الــدار **‬ ‫ويـها ُح َمـاـ ة الدب ــار **‬ ‫ضـربًا بكـل بت ـ ــار **‬

‫وتار ة يأززن قومهن على القتال وينشدن‪:‬‬ ‫إن تـُْقبلُـوا ُنَعانـِـق **‬ ‫شـ النم ــارق **‬ ‫وَنف ـِْر ُ‬

‫أو تـُْد بِـُر واـُنفـَـاِر قـ **‬ ‫ف ـراق غيـر َوامِـق **‬

‫أول وقود المعركة‬ ‫وتقارب الجمعان وتدانت الفئتان‪ ،‬وآنت مرحلة القتال‪ ،‬وكان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي‬ ‫طلحة العبدري‪ ،‬وكان من أشجع فرسان قريش‪ ،‬يسميه المسلمون كبش الكتيبة‪ .‬خرج وهو راكب على جمل يدعو إلى‬ ‫المبارز ة‪ ،‬فأحج م عنه الناس لفرط شجاعته‪ ،‬ولكن تقد م ��ليه الزبير ول م يمهله‪ ،‬بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه‬ ‫على جمله‪ ،‬ث م اقتح م به الرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه‪.‬‬ ‫ورأي النبي صلى ال عليه وسل م هذا الصراع الرائع فكبر‪ ،‬وكبر المسلمون وأثنى على الزبير‪ ،‬وقال في حقه‪ :‬‏)إن‬ ‫لكل نبي حواريًا‪ ،‬وحواري الزبير( ‪.‬‬ ‫ثقل المعركة حول اللواء إواباد ة حملته‬

‫ث م اندلعت نيران المعركة‪ ،‬واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان‪ ،‬وكان ثقل المعركة يدور حول‬ ‫لواء المشركين‪ ،‬فقد تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء بعد قتل قائده م طلحة بن أبي طلحة‪ ،‬فحمله أخوه أبو شيبة‬ ‫عثمان بن أبي طلحة‪ ،‬وتقد م للقتال وهو يقول‪:‬‬ ‫ص ْعـَدـ ةـ أو تَْن َدـقّـا‬ ‫ب ـ ال ّ‬ ‫ضـ َ‬ ‫إّن على أْه لـ اللَواء حق ـًا ** أن تُْخ َ‬ ‫فحمل عليه حمز ة بن عبد المطلب فضربه على عاتقه ضربة بترت يده مع كتفه‪ ،‬حتى وصلت إلى سرته‪ ،‬فبانت‬ ‫رئته‪.‬‬


‫ث م رفع اللواء أبو سعد بن أبي طلحة‪ ،‬فرماه سعد بن أبي وقاص بسه م أصاب حنجرته‪ ،‬فأُْد ِلـَع لساُنهُ ومات لحينه‪.‬‬ ‫وقيل‪ :‬بل خرج أبو سعد يدعو إلى البراز‪ ،‬فتقد م إليه على بن أبي طالب‪ ،‬فاختلفا ضربتين‪ ،‬فضربه على فقتله‪.‬‬ ‫ث م رفع اللواء ُم َسـاـفع بن طلحة بن أبي طلحة‪ ،‬فرماه عاص م بن ثابت بن أبي الْف لَـح بسه م فقتله‪ ،‬فحمل اللواء بعده‬ ‫أخوه ِك لَـب بن طلحة بن أبي طلحة‪ ،‬فانقض عليه الزبير بن العوا م وقاتله حتى قتله‪ ،‬ث م حمل اللواء أخوهما الُج لَــس‬ ‫بن طلحة بن أبي طلحة‪ ،‬فطعنه طلحة بن عبيد ال طعنة قضت على حياته‪ .‬وقيل‪ :‬بل رماه عاص م بن ثابت بن أبي‬ ‫الفلح بسه م فقضي عليه‪.‬‬ ‫هؤلء ستة نفر من بيت واحد‪ ،‬بيت أبي طلحة عبد ال بن عثمان بن عبد الدار‪ ،‬قتلوا جميعًا حول لواء المشركين‪ ،‬ث م‬ ‫حمله من بني عبد الدار أرطا ة بن ُش َرـْحـ بِــيل‪،‬فقتله على بن أبي طالب‪ ،‬وقيل‪ :‬حمز ة بن عبد المطلب‪ ،‬ث م حمله ُش َرـيـح‬

‫بن قارظ فقتله قُْز َمـاـنـ وكان منافقًا قاتل مع المسلمين حمية‪ ،‬ل عن السل م ـ ث م حمله أبو زيد عمرو بن عبد مناف‬ ‫العبدري‪ ،‬فقتله قزمان أيضًا‪ ،‬ث م حمله ولد لشرحبيل بن هاش م العبدري فقتله قزمان أيضًا‪.‬‬

‫فهؤلء عشر ة من بني عبد الدار ـ من حمله اللواء ـ أبيدوا عن آخره م‪ ،‬ول م يبق منه م أحد يحمل اللواء‪ .‬فتقد م غل م لـه م‬ ‫ص َؤــاب ـ فحمل اللواء‪ ،‬وأبدي من صنوف الشجاعة والثبات ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا‬ ‫حبشي ـ اسمه ُ‬

‫قبله‪ ،‬فقد قاتل حتى قطعت يداه‪ ،‬فبرك على اللواء بصدره وعنقه؛ لئل يسقط‪ ،‬حتى قتل وهو يقول‪ :‬الله م هل أعزرت‬ ‫؟ يعني هل أعذرت؟‪.‬‬ ‫ص ؤـاب ـ سقط اللواء على الرض‪ ،‬ول م يبق أحد يحمله‪ ،‬فبقي ساقطًا‪.‬‬ ‫وبعد أن قتل هذا الغل م ـ ُ‬

‫القتال في بقية النقاط‬ ‫وبينما كان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين كان القتال المرير يجري في سائر نقاط المعركة‪ ،‬وكانت روح‬ ‫اليمان قد سادت صفوف المسلمين‪ ،‬فانطلقوا خلل جنود الشرك انطلق الفيضان تتقطع أمامه السدود‪ ،‬وه م يقولون‪:‬‬ ‫]أمت‪ ،‬أمت[ كان ذلك شعا اًر له م يو م أحد‪.‬‬ ‫أقبل أبو ُد َجـ اــنة معلمًا بعصابته الحمراء‪ ،‬آخذًا بسيف رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬مصممًا على أداء حقه‪ ،‬فقاتل‬

‫حتى أمعن في الناس‪ ،‬وجعل ل يلقي مشركًا إل قتله‪ ،‬وأخذ يهد صفوف المشركين هّد اـ‪.‬قال الزبير بن العوا م‪ :‬وجدت‬ ‫في نفسي حين سألت رسول ال صلى ال عليه وسل م السيف فمنعنيه‪ ،‬وأعطاه أبا دجانة‪ ،‬وقلت ـ أي في نفسي‪ :‬أنا‬ ‫ابن صفية عمته‪ ،‬ومن قريش‪ ،‬وقد قمت إليه‪ ،‬فسألته إياه قبله فآتاه إياه وتركني‪ ،‬وال لنظرن ما يصنع ؟ فاتبعته‪،‬‬ ‫فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه‪ ،‬فقالت النصار‪ :‬أخرج أبو دجانة عصابة الموت‪ ،‬فخرج وهو يقول‪:‬‬


‫أنا الذي عاهـدني خليلي ** ونحـن بالّس ْفـح لدى الّنِخ يــل‬

‫بـبَس يـف ال والرسول‬ ‫ض ِر ـ ْ‬ ‫أل أقو م الّد ْهـَرـ في الَك يـول ** أ ْ‬ ‫ف عليه‪ ،‬فجعل كل واحد منهما يدنو‬ ‫فجعل ل يلقى أحدًا إل قتله‪ ،‬وكان في المشركين رجل ل يدع لنا جريحًا إل َذ فّـ َ‬ ‫من صاحبه‪ ،‬فدعوت ال أن يجمع بينهما فالتقيا‪ ،‬فاختلفا ضربتين‪ ،‬فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته‪ ،‬فََع ّ‬ ‫تـ‬ ‫ض ْ‬ ‫بسيفه‪ ،‬فضربه أبو دجانة فقتله ‪.‬‬

‫ث م أمعن أبو دجانة في هّد الصفوف‪ ،‬حتى خلص إلى قائد ة نسو ة قريش‪ ،‬وهو ل يدري بها‪ .‬قال أبو دجانة‪:‬رأيت‬ ‫إنسانًا يْخ ِم ـشـ الناس خمشًا شديدًا‪ ،‬فصمدت له‪ ،‬فلما حملت عليه السيف وَلْو َل ـ‪ ،‬ـفإذا امرأ ة‪ ،‬فأكرمت سيف رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م أن أضرب به امرأ ة‪.‬‬ ‫وكانت تلك المرأ ة هي هند بنت عتبة‪ .‬قال الزبير بن العوا م‪ :‬رأيت أبا دجانة قد حمل السيف على مفرق رأس هند‬ ‫بنت عتبة‪ ،‬ث م عدل السيف عنها‪ ،‬فقلت‪:‬ال ورسوله أعل م ‪.‬‬ ‫وقاتل حمز ة بن عبد المطلب قتال الليوث المهتاجة‪ ،‬فقد اندفع إلى قلب جيش المشركين يغامر مغامر ة منقطعة‬ ‫النظير‪ ،‬ينكشف عنه البطال كما تتطاير الوراق أما م الرياح الهوجاء‪ ،‬فبالضافة إلى مشاركته الفعالة في إباد ة‬ ‫حاملي لواء المشركين فعل الفاعيل بأبطاله م الخرين‪ ،‬حتى صرع وهو في مقدمة المبرزين‪ ،‬ولكن ل كما تصـرع‬ ‫البطال وجهًا لوجـه في ميدان القتـال‪ ،‬إوانما كمـا يغتال الكرا م في حلك الظـل م‪.‬‬ ‫مصرع أسد ال حمز ة بن عبد المطلب‬ ‫طـِع مــ‪ ،‬وكان عمه طَُعيَم ةـ بن عدي قد أصيب يو م بدر‪ ،‬فلما‬ ‫يقول قاتل حمز ة وْح ِش ـي ـبن حرب‪ :‬كنت غلمًا لجبير بن ُم ْ‬ ‫سارت قريش إلى أحد قال لي جبير‪ :‬إنك إن قتلت حمز ة ع م محمد بعمي فأنت عتيق‪ .‬قال‪ :‬فخرجت مع الناس ـ‬ ‫ل حبشيًا أقذف بالحربة قذف الحبشة‪ ،‬قلما أخطئ بها شيئًا ـ فلما التقي الناس خرجت أنظر حمز ة وأتبصره‪،‬‬ ‫وكنت رج ً‬ ‫حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الْو َر ـقـ‪،‬يهُّد الناس هّد اـ ما يقو م له شيء‪ .‬فوال إني لتهيأ له أريده‪ ،‬فأستتر‬ ‫منه بشجر ة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه ِس َبـاع بن عبد العزي‪ ،‬فلما رآه حمز ة قال له‪ :‬هل م إلى يابن ُم قَـطَّع ةـ‬ ‫ظور ـ وكانت أمه ختانة ـ قال‪ :‬فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه ‪.‬‬ ‫الُب ُ‬

‫قال‪ :‬وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه‪ ،‬فوقعت في ثُّنِته ـ أحشائه ـ حتى خرجت من بين رجليه‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ب ‪ ،‬ـوتركته إواياها حتى مات‪ ،‬ث م أتيته فأخذت حربتي‪ ،‬ث م رجعت إلى العسكر فقعدت فيه‪ ،‬ول م‬ ‫وذهب لينوء نحوي فَُغ لـ َ‬ ‫يكن لي بغيره حاجة‪ ،‬إوانما قتلته لعتق‪ ،‬فلما قدمت مكة عتقت ‪.‬‬ ‫السيطر ة على الموقف‬

‫وبرغ م هذه الخسار ة الفادحة التي لحقت المسلمين بقتل أسد ال وأسد رسوله حمز ة بن عبد المطلب‪ ،‬ظل المسلمون‬ ‫مسيطرين على الموقف كله‪ .‬فقد قاتل يومئذ أبو بكر‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ ،‬وعلى بن أبي طالب‪ ،‬والزبير بن العوا م‪،‬‬ ‫ومصعب بن عمير‪ ،‬وطلحة بن عبيد ال‪ ،‬وعبد ال بن جحش‪ ،‬وسعد بن معاذ‪ ،‬وسعد بن عباد ة‪ ،‬وسعد بن الربيع‪،‬‬


‫ل َفّل عزائ م المشركين‪ ،‬وف ّ‬ ‫ت في أعضاده م‪.‬‬ ‫وأنس بن النضر وأمثاله م قتا ً‬ ‫من أحضان المرأ ة إلى مقارعة السيوف والدرقة‬ ‫ظـلة الَغِس يــل ـ وهو حنظلة بن أبي عامر‪ ،‬وأبو عامر هذا هو الراهب الذي‬ ‫وكان من البطال المغامرين يومئذ َح ْنـ َ‬ ‫سمي بالفاسق‪ ،‬والذي مضي ذكره قريبًا ـ كان حنظلة حديث عهد بالُعْر ســ‪،‬فلما سمع هواتف الحرب وهو على امرأته‬

‫انخلع من أحضانها‪ ،‬وقا م من فوره إلى الجهاد‪ ،‬فلما التقي بجيش المشركين في ساحة القتال أخذ يشق الصفوف حتى‬ ‫خلص إلى قائد المشركين أبي سفيان صخر بن حرب‪ ،‬وكاد يقضي عليه لول أن أتاح ال له الشهاد ة‪ ،‬فقد شد على‬

‫أبي سفيان‪ ،‬فلما استعله وتمكن منه رآه شداد بن السود فضربه حتى قتله‪.‬‬ ‫نصيب فصيلة الرما ة في المعركة‬ ‫وكانت للفصيلة التي عينها الرسول صلى ال عليه وسل م على جبل الرما ة يد بيضاء في إدار ة دفة القتال لصالح‬ ‫الجيش السلمي‪ ،‬فقد هج م فرسان مكة بقياد ة خالد بن الوليد يسانده أبو عامر الفاسق ثلث مرات؛ ليحطموا جناح‬ ‫الجيش السلمي اليسر‪ ،‬حتى يتسربوا إلى ظهور المسلمين‪ ،‬فيحدثوا البلبلة والرتباك في صفوفه م وينزلوا عليه م‬ ‫هزيمة ساحقة‪ ،‬ولكن هؤلء الرما ة رشقوه م بالنبل حتى فشلت هجماته م الثلث‪.‬‬ ‫الهزيمة تنزل بالمشركين‬

‫هكذا دارت رحي الحرب الّز ُبـون‪ ،‬وظل الجيش السلمي الصغير مسيطًرا على الموقف كله حتى خارت عزائ م أبطال‬ ‫المشركين‪ ،‬وأخذت صفوفه م تتبدد عن اليمين والشمال والما م والخلف‪ ،‬كأن ثلثة آلف مشرك يواجهون ثلثين ألف‬ ‫مسل م ل بضع مئات قلئل‪ ،‬وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين‪.‬‬ ‫وبعد أن بذلت قريش أقصى جهدها لسد هجو م المسلمين أحست بالعجز والخور‪ ،‬وانكسرت همتها ـ حتى ل م يجترئ‬ ‫ص ؤـاب فيحمله ليدور حوله القتال ـ فأخذت في النسحاب‪ ،‬ولجأت‬ ‫أحد منها أن يدنو من لوائها الذي سقط بعد مقتل ُ‬

‫إلى الفرار‪ ،‬ونسيت ما كانت تتحدث به في نفوسها من أخذ الثأر والوتر والنتقا م‪ ،‬إواعاد ة العز والمجد والوقار‪.‬‬

‫قال ابن إسحاق‪ :‬ث م أنزل ال نصره على المسلمين‪ ،‬وصدقه م وعده‪ ،‬فحسوه م بالسيوف حتى كشفوه م عن المعسكر‪،‬‬ ‫وكانت الهزيمة لشك فيها‪.‬‬ ‫روى عبد ال بن الزبير عن أبيه أنه قال‪ :‬وال لقد رأيتني أنظر إلى َخ َدـ مـ ـ سوق ـ هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات‬ ‫هوارب‪ ،‬ما دون أخذهن قليل ول كثير‪ ...‬إلخ‪.‬‬ ‫وفي حديث البراء بن عازب عند البخاري في الصحيح‪ :‬فلما لقيناه م هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل‪،‬‬ ‫يرفعن سوقهن قد بدت خلخيلهن ‪ .‬وتبع المسلمون المشركين يضعون فيه م السلح وينتهبون الغنائ م‪.‬‬


‫غلطة الرما ة الفظيعة‬ ‫وبينما كان الجيش السلمي الصغير يسجل مر ة أخري نص ًار ساحقًا على أهل مكة ل م يكن أقل روعة من النصر‬

‫الذي اكتسبه يو م بدر‪ ،‬وقعت من أغلبية فصيلة الرما ة غلطة فظيعة قلبت الوضع تمامًا‪ ،‬وأدت إلى إلحاق الخسائر‬

‫الفادحة بالمسلمين‪ ،‬وكادت تكون سببًا في مقتل النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وقد تركت أسوأ أثر على سمعته م‪ ،‬وعلى‬

‫الهيبة التي كانوا يتمتعون بها بعد بدر‪.‬‬

‫لقد أسلفنا نصوص الوامر الشديد ة التي أصدرها رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى هؤلء الرما ة‪ ،‬بلزومه م موقفه م‬ ‫من الجبل في كل حال من النصر أو الهزيمة‪ ،‬ولكن على رغ م هذه الوامر المشدد ة لما رأي هؤلء الرما ة أن‬ ‫المسلمين ينتهبون غنائ م العدو غلبت عليه م أثار ة من حب الدنيا‪ ،‬فقال بعضه م لبعض‪ :‬الغنيمة‪ ،‬الغنيمة‪ ،‬ظهر‬ ‫أصحابك م‪ ،‬فما تنتظرون ؟‬ ‫أما قائده م ع��د ال بن جبير‪ ،‬فقد ذكره م أوامر الرسول صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وقال‪ :‬أنسيت م ما قال لك م رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م؟‬ ‫ل‪ ،‬وقالت‪ :‬وال لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة ‪ .‬ثـ م غـادر أربعون‬ ‫ولكن الغلبية الساحقة ل م تلق لهذا التذكير با ً‬ ‫ل أو أكثر هؤلء الرما ة مواقعه م من الجبل‪ ،‬والتحقوا بَس َوـاد الجيش ليشاركـوه فـي جمع الغنائ م‪ .‬وهكذا خلت ظهور‬ ‫رج ً‬ ‫المسلمين‪ ،‬ول م يبق فيها إل ابن جبير وتسعة أو أقل من أصحابه والتزموا مواقفه م مصممين على البقاء حتى يؤذن‬

‫له م أو يبادوا‪.‬‬

‫خالد بن الوليد يقو م بخطة تطويق الجيش السلمي‬ ‫وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية‪ ،‬فكّر بسرعة خاطفة إلى جبل الرما ة ليدور من خلفه إلى مؤخر ة الجيش‬

‫السلمي‪ ،‬فل م يلبث أن أباد عبد ال بن جبير وأصحابه إل البعض الذين لحقوا بالمسلمين‪ ،‬ث م انقض على المسلمين‬

‫من خلفه م‪ ،‬وصاح فرسانه صيحة عرف بها المشركون المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين‪ ،‬وأسرعت‬ ‫امرأ ة منه م ـ وهي عمر ة بنت علقمة الحارثية ـ فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب‪ ،‬فالتف حوله المشركون‬ ‫ولثوا به‪ ،‬وتنادي بعضه م بعضًا‪ ،‬حتى اجتمعوا على المسلمين‪ ،‬وثبتوا للقتال‪ ،‬وأحيط المسلمون من الما م والخلف‪،‬‬ ‫ووقعوا بين ِش قّــي الرحي‪.‬‬


‫موتقف الرسول الباسل إزاء عمل التطوي ق‬ ‫تبدد المسلمين في الموتقف‬ ‫احتدام القتال حول رسول ا‬ ‫أحرج ساعة في حياة الرسول صلى ا عليه وسلم‬ ‫بداية تجمع الصحابة حول الرسول صلى ا عليه وسلم‬ ‫تطضاعف طضغط المشركين‬ ‫البطولت النادرة‬ ‫إشاعة مقتل النبي صلى ا عليه وسلم وأثره على المعركة‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم يواصل المعركة وينقذ الموتقف‬ ‫مقتل أبي بن لخلف‬ ‫طلحة ينهض بالنبي صلى ا عليه وسلم‬ ‫آلخر هجوم تقام به المشركون‬ ‫تشويه الشهداء‬

‫مدى استعداد أبطال المسلمين للقتال حتى نهاية المعركة‬ ‫بعد انتهاء الرسول صلى ا عليه وسلم إلى الشعب‬ ‫شماتة أبي سفيان بعد نهاية المعركة وحديثه مع عمر‬ ‫جمع الشهداء ودفنهم‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم يثني على ربه عز وجل ويدعوه‬ ‫الرجوع إلى المدينة‪ ،‬ونوادر الحب والتفاني‬ ‫الرسول صلى ا عليه وسلم في المدينة‬ ‫تقتلى الفريقين‬ ‫حالة الطوارئ في المدينة‬ ‫غزوة حمراء السد‬ ‫القرآن يتحدث حول موطضوع المعركة‬ ‫الحكم والغايات المحمودة في هذه الغزوة‬

‫موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق‬ ‫وكان رسول ال صلى ال عليه وسل م حينئذ في مفرز ة صغير ة ـ تسعة نفر من أصحابه ـ في مؤخر ة المسلمين ‪ ،‬كان‬ ‫يرقب مجالد ة المسلمين ومطاردته م المشركين؛ إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة‪ ،‬فكان أمامه طريقان‪ :‬إما أن‬ ‫ينجو ـ بالسرعة ـ بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون‪ ،‬ويترك جيشه المطوق إلى مصيره المقدور‪ ،‬إواما أن‬ ‫يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعه م حوله‪ ،‬ويتخذ به م جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب‬ ‫أحد‪.‬‬ ‫وهناك تجلت عبقرية الرسول صلى ال عليه وسل م وشجاعته المنقطعة النظير‪ ،‬فقد رفع صوته ينادي أصحابه‪ :‬‏)إلي‬ ‫عباد ال(‪ ،‬وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون‪ ،‬ولكنه ناداه م ودعاه م مخاط اًر‬ ‫بنفسه في هذا الظرف الدقيق‪.‬‬

‫ل فقد عل م به المشركون فخلصوا إليه‪ ،‬قبل أن يصل إليه المسلمون‪.‬‬ ‫وفع ً‬

‫تبدد المسلمين في الموقف‬ ‫أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منه م‪ ،‬فل م تكن تهمها إل أنفسها‪ ،‬فقد أخذت طريق الفرار‪،‬‬ ‫وتركت ساحة القتال‪ ،‬وهي ل تدري ماذا وراءها؟ وفر من هذه الطائفة بعضه م إلى المدينة حتى دخلها‪ ،‬وانطلق‬ ‫بعضه م إلى ما فوق الجبل‪.‬‬ ‫ورجعت طائفة أخري فاختلطت بالمشركين‪ ،‬والتبس العسكران فل م يتميزا‪ ،‬فوقع القتل في المسلمين بعضه م من بعض‪.‬‬ ‫روي البخاري عن عائشة قالت‪ :‬لما كان يو م أحد هز م المشركون هزيمة بينة‪ ،‬فصاح إبليس‪ :‬أي عباد ال أخراك م ـ أي‬


‫احترزوا من ورائك م ـ فرجعت أوله م فاجتلدت هي وأخراه م‪ ،‬فبصر حذيفة‪ ،‬فإذا هو بأبيه اليمان‪ ،‬فقال‪ :‬أي عباد ال‬ ‫أبي أبي‪ .‬قالت‪ :‬فوال ما احتجزوا عنه حتى قتلوه‪ ،‬فقال حذيفة‪ :‬يغفر ال لك م‪ .‬قال عرو ة‪ :‬فوال ما زالت في حذيفة‬ ‫بقية خير حتى لحق بال ‪.‬‬ ‫وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد‪ ،‬وعمتها الفوضي‪ ،‬وتاه منها الكثيرون؛ل يدرون أين يتوجهون‪ ،‬وبينما‬ ‫ه م كذلك إذ سمعوا صائحًا يصيح‪ :‬إن محمدًا قد قتل‪ ،‬فطارت بقية صوابه م‪ ،‬وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار‬

‫في نفوس كثير من أفرادها‪ ،‬فتوقف من توقف منه م عن القتال‪ ،‬وألقي بأسلحته مستكينًا‪ ،‬وفكر آخرون في التصال‬

‫بعبد ال بن أبي ـ رأس المنافقين ـ ليأخذ له م المان من أبي سفيان‪.‬ومر بهؤلء أنس بن النضر‪ ،‬وقد ألقوا ما بأيديه م‬

‫فقال‪ :‬ما تنتظرون ؟ فقالوا‪ :‬قتل رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬قال‪ :‬ما تصنعون بالحيا ة بعده ؟ قوموا فموتوا على‬ ‫ما مات عليه رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ث م قال‪ :‬الله م إني أعتذر إليك مما صنع هؤلء‪ ،‬يعني المسلمين‪ ،‬وأب أر‬ ‫إليك مما صنع هؤلء‪ ،‬يعني المشركين‪ ،‬ث م تقد م فلقيه سعد بن معاذ‪ ،‬فقال‪ :‬أين يا أبا عمر ؟ فقال أنس‪ :‬واها لريح‬ ‫الجنة يا سعد‪ ،‬إني أجده دون أحد‪ ،‬ث م مضي فقاتل القو م حتى قتل‪ ،‬فما عرف حتى عرفته أخته ـ بعد نهاية المعركة‬ ‫ـببنانه‪ ،‬وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح‪ ،‬وضربة بسيف‪ ،‬ورمية بسه م ‪.‬‬ ‫ونادى ثابت بن الَد ْحـ َد ـاـح قومه فقال‪ :‬يا معشر النصار‪ ،‬إن كان محمد قد قتل‪ ،‬فإن ال حي ل يموت‪ ،‬قاتلوا على‬ ‫دينك م‪ ،‬فإن ال مظفرك م وناصرك م‪ .‬فنهض إليه نفر من النصار‪ ،‬فحمل به م على كتيبة فرسان خالد فما زال يقاتله م‬ ‫حتى قتله خالد بالرمح‪ ،‬وقتل أصحابه ‪.‬‬ ‫طـ في دمه‪ ،‬فقال‪ :‬يا فلن‪ ،‬أشعرت أن محمدًا قد قتل ؟ فقال‬ ‫ومر رجل من المهاجرين برجل من النصار‪ ،‬وهو يتََش ّحـ ُ‬ ‫النصاري‪ :‬إن كان محمد قد قتل فقد َب لّـغ‪ ،‬فقاتلوا عن دينك م ‪.‬‬ ‫وبمثل هذا الستبسال والتشجيع عادت إلى جنود المسلمين روحه م المعنوية‪ ،‬ورجع إليه م رشده م وصوابه م‪ ،‬فعدلوا عن‬ ‫فكر ة الستسل م أو التصال بابن أبي‪ ،‬وأخذوا سلحه م‪ ،‬يهاجمون تيارات المشركين‪ ،‬وه م يحاولون شق الطريق إلى‬ ‫مقر القياد ة‪ ،‬وقد بلغه م أن خبر مقتل النبي صلى ال عليه وسل م كذب ُم ْخـ تَـَلق‪ ،‬فزاده م ذلك قو ة على قوته م‪ ،‬فنجحوا‬ ‫في الفلت عن التطويق‪ ،‬وفي التجمع حول مركز منيع‪ ،‬بعد أن باشروا القتال المرير‪ ،‬وجالدوا بض ارو ة بالغة‪.‬‬

‫وكانت هناك طائفة ثالثة ل م يكن يهمه م إل رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ .‬فقد كرت هذه الطائفة إلى رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وعمل التطويق فى بدايته‪ ،‬وفى مقدمة هؤلء أبو بكر الصديق‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ ،‬وعلي بن‬ ‫أبي طالب وغيره م ـ رضي ال عنه م ـ كانوا فى مقدمة المقاتلين‪ ،‬فلما أحسوا بالخطر على ذاته الشريفة ـ عليه الصل ة‬ ‫والسل م والتحية ـ صاروا فى مقدمة المدافعين‪.‬‬

‫احتدا م القتال حول رسول ال‬

‫وبينما كانت تلك الطوائف تتلقي أواصر التطويق‪ ،‬وتطحن بين ِش قّــي َر َحـ ي ـالمشركين‪ ،‬كان العراك محتدمًا حول رسول‬


‫ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وقد ذكرنا أن المشركين لما بدءوا عمل التطويق ل م يكن مع رسول ال صلى ال عليه وسل م‬ ‫إل تسعة نفر‪ ،‬فلما نادي المسلمين‪ :‬‏)هلموا إلي‪ ،‬أنا رسول ال(‪ ،‬سمع صوته المشركون وعرفوه‪ ،‬فكروا إليه وهاجموه‪،‬‬ ‫ومالوا إليه بثقله م قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين‪ ،‬فجري بين المشركين وبين هؤلء النفر التسعة من‬ ‫الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفاني والبسالة والبطولة‪.‬‬ ‫روى مسل م عن أنس بن مالك أن رسول ال صلى ال عليه وسل م أفرد يو م أحد في سبعة من النصار ورجلين من‬ ‫قريش‪ ،‬فلما رهقوه قال‪ :‬‏)من يرده م عنا وله الجنة ؟ أو هو رفيقي في الجنة ؟( فتقد م رجل من النصار فقاتل حتى‬ ‫قتل ث م رهقوه أيضًا فقال‪ :‬‏)من يرده م عنا وله الجنة‪ ،‬أو هو رفيقي في الجنة ؟( فتقد م رجل من النصار فقاتل حتى‬ ‫قتل‪ ،‬فل م يزل كذلك حتى قتل السبعة‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م لصاحبيه ـ أي القرشيين‪ :‬‏)ما أنصفنا‬ ‫أصحابنا( ‪.‬‬ ‫وكان آخر هؤلء السبعة هو عمار ة بن يزيد بن الّس َكـنـ‪ ،‬قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط ‪.‬‬ ‫أحرج ساعة في حيا ة الرسول صلى ال عليه وسل م‬ ‫وبعد سقوط ابن السكن بقي الرسول في القرشيين فقط‪ ،‬ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال‪ :‬ل م يبق مع النبي صلى‬ ‫ال عليه وسل م في بعض تلك اليا م التي يقاتل فيهن غير طلحة ابن عبيد ال وسعد ـ بن أبي وقاص ـ وكانت أحرج‬ ‫ساعة بالنسبة إلى حيا ة رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين‪ ،‬ول م يتوان المشركون‬ ‫في انتهاز تلك الفرصة‪ ،‬فقد ركزوا حملته م على النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وطمعوا في القضاء عليه‪ ،‬رماه عتبة بن‬ ‫تـ شفته السفلي‪ ،‬وتقد م إليه عبد ال بن‬ ‫أبي وقاص بالحجار ة فوقع لشقه‪ ،‬وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى‪ ،‬وُك ِلـَم ْ‬ ‫شهاب الزهري فََش ّجـ هـ في جبهته‪ ،‬وجاء فارس عنيد هو عبد ال بن قَِم َئـة‪ ،‬فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة‬ ‫شكا لجلها أكثر من شهر إل أنه ل م يتمكن من هتك الدرعين‪ ،‬ث م ضرب على وجنته صلى ال عليه وسل م ضربة‬ ‫أخري عنيفة كالولي حتى دخلت حلقتان من حلق الِم ْغـفَـر في وْج َنـِته‪ ،‬وقال‪ :‬خذها وأنا ابن قمئة‪ .‬فقال رسول ال‬

‫صلى ال عليه وسل م وهو يمسح الد م عن وجهة‪ :‬‏)أقمأك ال( ‪.‬‬

‫ت الد م عنه ويقول‪ :‬‏)كيف يفلح‬ ‫وفي الصحيح أنه صلى ال عليه وسل م كسرت َر َبـاِع َيــته‪،‬وُش ّجـ في رأسه‪ ،‬فجعل َيْس لُـ ُ‬ ‫قو م شجوا وجه نبيه م‪ ،‬وكسروا رباعيته‪ ،‬وهو يدعوه م إلى ال(‪ ،‬فأنزل ال عز وجل‪ :‬‏} لَْيَسـ لََك ِم َنـ الَْم ِرـ َش ْيـ ٌء ـأَْو‬ ‫ظاِلُم وـَن{ ]آل عمران‪. [128:‬‬ ‫ب َع لَـْي ِهـْ مـ أَْو ُيَعّذ َبـهُْ م فَِإّنهُْ م َ‬ ‫َيُتو َ‬ ‫وفي رواية الطبراني أنه قال يومئذ‪ :‬‏)اشتد غضب ال على قو م دموا وجه رسوله(‪ ،‬ث م مكث ساعة ث م قال‪ :‬‏)الله م‬ ‫اغفر لقومي فإنه م ل يعلمون( ‪ ،‬وفي صحيح مسل م أنه قال‪:‬‏)رب اغفر لقومي فإنه م ل يعلمون( ‪ ،‬وفي الشفاء‬ ‫للقاضي عياض أنه قال‪ :‬‏)الله م اهد قومي فإنه م ل يعلمون(‪.‬‬


‫ول شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حيا ة رسول ال صلى ال عليه وسل م إل أن القرشيين سعد بن أبي‬ ‫وقاص وطلحة بن عبيد ال قاما ببطولة نادر ة‪ ،‬وقاتل ببسالة منقطعة النظير‪ ،‬حتى ل م يتركا ـ وهما اثنان فحسب ـ��� ‫سبيل ً إلى نجاح المشركين في هدفه م‪ ،‬وكانا من أمهر رما ة العرب فتناضل حتى أجهضا مفرز ة المشركين عن رسول‬ ‫ال صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫فأما سعد بن أبي وقاص‪ ،‬فقد نثل له رسول ال صلى ال عليه وسل م كنانته وقال‪:‬‏)ار م فداك أبي وأمي( ‪ .‬ويدل على‬ ‫مدى كفاءته أن النبي صلى ال عليه وسل م ل م يجمع أبويه لحد غير سعد‪.‬‬ ‫وأما طلحة بن عبيد ال فقد روي النسائي عن جابر قصة تََج ّمـعـ المشركين حول رسول ال صلى ال عليه وسل م ومعه‬ ‫نفر من النصار‪ ،‬قال جابر‪ :‬فأدرك المشركون رسول ال صلى ال عليه وسل م فقال‪ :‬‏)من للقو م ؟( فقال طلحة‪ :‬أنا‪،‬‬ ‫ث م ذكر جابر تقد م النصار‪ ،‬وقتله م واحدًا بعد واحد‪ ،‬بنحو ما ذكرنا من رواية مسل م‪ ،‬فلما قتل النصار كله م تقد م‬

‫طلحة‪ .‬قال جابر‪ :‬ث م قاتل طلحة قتال الحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه‪ ،‬فقال‪َ :‬ح ّسـ ‪،‬ـ ـ ـفقال النبي صلى‬

‫ال عليه وسل م‪ :‬‏)لو قلت‪ :‬بس م ال‪ ،‬لرفعتك الملئكة والناس ينظرون(‪ ،‬قال‪ :‬ث م رد ال المشركين ‪ .‬ووقع عند الحاك م‬ ‫في الكليل أنه جرح يو م أحد تسعًا وثلثين أو خمسًا وثلثين‪ ،‬وشلت إصبعه‪ ،‬أي السبابة والتي تليها ‪.‬‬ ‫وروي البخاري عن قيس بن أبي حاز م قال‪ :‬رأيت يد طلحة شلء‪ ،‬وقى بها النبي صلى ال عليه وسل م يو م أحد‪.‬‬ ‫وروي الترمذي وابن ماجه أن النبي صلى ال عليه وسل م قال فيه يومئذ‪ :‬‏)من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على‬ ‫وجه الرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد ال( ‪.‬‬ ‫وروي أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت‪ :‬كان أبوبكر إذا ذكر يو م أحد قال‪ :‬ذلك اليو م كله لطلحة‪.‬‬ ‫وقال فيه أبو بكر الصديق رضي ال عنه أيضًا‪:‬‬ ‫ت الَم هَـا الِع يـَنا‬ ‫يا طلحة بن عبيد ال قد َو َجـ َب ـ ْ‬ ‫ت** لك الجنان وُبّو ئـ َ‬ ‫وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل ال نصره بالغيب‪ ،‬ففي الصحيحين عن سعد‪ ،‬قال‪ :‬رأيت رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م يو م أحد‪ ،‬ومعه رجلن يقاتلن عنه‪ ،‬عليهما ثياب بيض كأشد القتال‪ ،‬ما رأيتهما قبل ول بعد‪.‬‬ ‫وفي رواية‪ :‬يعني جبريل وميكائيل‪.‬‬

‫بداية تجمع الصحابة حول الرسول صلى ال عليه وسل م‬ ‫وقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة‪ ،‬إوال فالمصطفون الخيار من صحابته صلى ال عليه وسل م ـ الذين‬


‫كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال ـ ل م يكادوا يرون تغير الموقف‪ ،‬أو يسمعوا صوته صلى ال عليه وسل م‬ ‫حتى أسرعوا إليه ؛ لئل يصل إليه شيء يكرهونه‪ ،‬إل أنه م وصلوا وقد لقي رسول ال صلى ال عليه وسل م ما لقي من‬ ‫الجراحات ـ وستة من النصار قد قتلوا والسابع قد أثبتته الجراحات‪ ،‬وسعد وطلحة يكافحان أشد الكفاح ـ فلما وصلوا‬ ‫أقاموا حوله سياجًا من أجساده م وسلحه م‪ ،‬وبالغوا في وقايته من ضربات العدو‪ ،‬ورد هجماته‪ .‬وكان أول من رجع‬ ‫إليه هو ثانيه في الغار أبو بكر الصديق رضي ال عنه‪.‬‬

‫روي ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت‪ :‬قال أبو بكر الصديق‪ :‬لما كان يو م أحد انصرف الناس كله م عن‬ ‫ل يقاتل عنه‬ ‫النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فكنت أول من فاء إلى النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فرأيت بين يديه رج ً‬

‫ويحميه‪ ،‬قلت‪ :‬كن طلحة‪ ،‬فداك أبي وأمي‪ ،‬كن طلحة‪ ،‬فداك أبي وأمي‪] ،‬حيث فاتني ما فاتني‪ ،‬فقلت‪ :‬يكون رجل من‬ ‫قومي أحب إلي[ فل م أنشب أن أدركني أبو عبيد ة بن الجراح‪ ،‬إواذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني‪ ،‬فدفعنا إلى النبي‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فإذا طلحة بين يديه صريعًا‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)دونك م أخـاك م فقـد أوجب(‪ ،‬وقد‬ ‫رمي النبي صلى ال عليه وسل م في َو ْجـ َن ـتِِهحتى غابت حلقتان من حلق الِم ْغـفَـر في وجنته‪ ،‬فذهبت لنزعهما عن‬ ‫النبي صلى ال عليه وسل م فقال أبو عبيد ة‪ :‬نشدتك بال يا أبا بكر‪ ،‬إل تركتني‪ ،‬قال‪ :‬فأخذ بفيه فجعل يَن ّ‬ ‫ض ــضه‬ ‫كراهية أن يؤذي رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ث م استل السه م بفيه‪ ،‬فَنَد َرـتـثنية أبي عبيد ة‪ ،‬قال أبو بكر‪ :‬ث م‬ ‫ذهبت لخذ الخر‪ ،‬فقال أبو عبيد ة‪ :‬نشدتك بال يا أبا بكر‪ ،‬إل تركتني‪ ،‬قال‪:‬فأخذه فجعل ينضضه حتى اْس تَـّله‪،‬‬ ‫فندرت ثنية أبي عبيد ة الخري‪ ،‬ث م قال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪:‬‏)دونك م أخاك م‪ ،‬فقد أوجب(‪ ،‬قال‪ :‬فأقبلنا على‬ ‫طلحة نعالجه‪ ،‬وقد أصابته بضع عشر ة ضربة ‪ .‬وفي تهذيب تاريخ دمشق ‪ :‬فأتيناه في بعض تلك الحفار فإذا به‬ ‫بضع وستون أو أقل أو أكثر‪ ،‬بين طعنة ورمية وضربة‪ ،‬إواذا قد قطعت إصبعه‪ ،‬فأصلحنا من شأنه‪.‬‬ ‫وخلل هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي صلى ال عليه وسل م عصابة من أبطال المسلمين منه م أبو ُد َجـ اــنة‪،‬‬

‫ومصعب بن عمير‪ ،‬وعلى بن أبي طالب ‪ ،‬وسهل بن حنيف‪ ،‬ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري‪ ،‬وأ م عمار ة‬ ‫ُنَس ْيـبـة بنت كعب المازنية‪ ،‬وقتاد ة ابن النعمان‪ ،‬وعمر بن الخطاب‪ ،‬وحاطب بن أبي بلتعة‪ ،‬وأبو طلحة‪.‬‬ ‫تضاعف ضغط المشركين‬

‫كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن‪ ،‬وبالطبع فقد اشتدت حملته م وزاد ضغطه م على المسلمين‪ ،‬حتى سقط‬ ‫تـركبته‪ ،‬وأخذه على‬ ‫رسول ال صلى ال عليه وسل م في حفر ة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها‪ ،‬فُج ِحـَشـ ْ‬ ‫ل من المهاجرين يقول‪ :‬شهدت‬ ‫بيده‪ ،‬واحتضنه طلحة بن عبيد ال حتى استوي قائمًا‪ ،‬وقال نافع بن جبير‪ :‬سمعت رج ً‬ ‫أحدًا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه وسل م وسطها‪ ،‬كل ذلك يصرف عنه‪ ،‬ولقد‬

‫رأيت عبد ال بن شهاب الزهري يقول يومئذ‪ :‬دلوني على محمد‪ ،‬فل نجوت إن نجا‪ ،‬ورسول ال صلى ال عليه وسل م‬

‫إلى جنبه‪ ،‬ما معه أحد‪ ،‬ث م جاوزه‪ ،‬فعاتبه في ذلك صفوان‪ ،‬فقال‪ :‬وال ما رأيته‪ ،‬أحلف بال إنه منا ممنوع‪ ،‬خرجنا‬ ‫أربعة‪ ،‬فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله‪ ،‬فل م نخلص إلى ذلك ‪.‬‬


‫البطولت النادر ة‬ ‫وقا م المسلمون ببطولت نادر ة وتضحيات رائعة‪ ،‬ل م يعرف لها التاريخ نظي ًار‪ .‬كان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي‬

‫رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ويرفع صدره ليقيه سها م العدو‪ .‬قال أنس‪ :‬لما كان يو م أحد انهز م الناس عن النبي‬

‫ل راميًا شديد النزع‪ ،‬كسر يومئذ قوسين‬ ‫صلى ال عليه وسل م‪ ،‬وأبو طلحة بين يديه مجوب عليه بحجفة له‪ ،‬وكان رج ً‬

‫أو ثلثا‪ ،‬وكان الرجل يمر معه بَج ْع ـَبـة من النبل فيقول‪ :‬‏)انثرها لبي طلحة(‪ ،‬قال‪ :‬ويشرف النبي صلى ال عليه‬ ‫وسل م ينظر إلى القو م‪ ،‬فيقول أبو طلحة‪ :‬بأبي أنت وأمي ل تشرف يصيبك سه م من سها م القو م‪َ ،‬نْح ِرــيدون نحرك ‪.‬‬

‫وعنه أيضًا قال‪ :‬كان أبو طلحة يتترس مع النبي صلى ال عليه وسل م بترس واحد‪ ،‬وكان أبو طلحة حسن الّر ْمـيــ‪،‬‬ ‫فكان إذا رمي تشرف النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فينظر إلى موقع نبله‪.‬‬

‫وقا م أبو دجانة أما م رسول ال صلى ال عليه وسل م‪َ ،‬فتَّر َسـ عليه بظهره‪ .‬والنبل يقع عليه وهو ل يتحرك‪.‬‬ ‫وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص ـ الذي كسر الّر بـاعية الشريفة ـ فضربه بالسيف حتى طرح رأسه‪ ،‬ث م‬

‫أخذ فرسه وسيفه‪ ،‬وكان سعد بن أبي وقاص شديد الحرص على قتل أخيه ـ عتبة هذا ـ إل أنه ل م يظفر به‪ ،‬بل ظفر‬

‫به حاطب‪.‬‬ ‫وكان سهل بن ُح َنــيف أحد الرما ة البطال‪ ،‬بايع رسول ال صلى ال عليه وسل م على الموت‪ ،‬ث م قا م بدور فعال في‬ ‫ذود المشركين‪.‬‬

‫وكان رسول ال صلى ال عليه وسل م يباشر الرماية بنفسه‪ ،‬فعن قتاد ة بن النعمان‪ :‬أن رسول ال رمي عن قوسه حتى‬ ‫اندقت ِس يـُتها ‪ ،‬فأخذها قتاد ة بن النعمان‪ ،‬فكانت عنده‪ ،‬وأصيبت يومئذ عينه حتى وقعت على َو ْجـ َنـِته‪،‬فردها رسول ال‬ ‫صلى ال عليه وسل م بيده‪ ،‬فكانت أحسن عينيه وأَح ّدـُهـما‪.‬‬ ‫وقاتل عبد الرحمن بن عوف حتى أصيب فوه يومئذ فهُتَِ م ‪،‬ـ وجرح عشرين جراحة أو أكثر‪ ،‬أصابه بعضها في رجله‬ ‫فعرج‪.‬‬

‫وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الد م من وجنته صلى ال عليه وسل م حتى أنقاه‪ ،‬فقال‪ :‬‏) ُمّجـهـ(‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫وال ل أمجه‪ ،‬ث م أدبر يقاتل‪ ،‬فقال النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر‬ ‫إلى هذا(‪ ،‬فقتل شهيدًا‪.‬‬ ‫وقاتلت أ م عمار ة فاعترضت لبن قَِم َئـةـ في أناس من المسلمين‪ ،‬فضربها ابن قمئة على عاتقها ضربة تركت جرحًا‬ ‫أجوف‪ ،‬وضربت هي ابن قمئة عد ة ضربات بسيفها‪ ،‬لكن كانت عليه درعان فنجا‪ ،‬وبقيت أ م عمار ة تقاتل حتى‬


‫أصابها اثنا عشر جرحًا‪.‬‬ ‫وقاتل مصعب بن عمير بض ارو ة بالغة‪ ،‬يدافع عن النبي صلى ال عليه وسل م هجو م ابن قمئة وأصحابه‪ ،‬وكان اللواء‬ ‫بيده‪ ،‬فضربوه على يده اليمني حتى قطعت‪ ،‬فأخذ اللواء بيده اليسري‪ ،‬وصمد في وجوه الكفار حتى قطعت يده‬ ‫اليسري‪ ،‬ث م برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل‪ ،‬وكان الذي قتله هو ابن قمئة‪ ،‬وهو يظنه رسول ال ـ لشبهه به ـ‬ ‫فانصرف ابن قمئة إلى المشركين‪ ،‬وصاح‪ :‬إن محمدًا قد قتل ‪.‬‬

‫إشاعة مقتل النبي صلى ال عليه وسل م وأثره على المعركة‬ ‫ول م يمض على هذا الصياح دقائق‪ ،‬حتى شاع خبر مقتل النبي صلى ال عليه وسل م في المشركين والمسلمين‪ .‬وهذا‬ ‫هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائ م كثير من الصحابة المطوقين‪ ،‬الذين ل م يكونوا مع رسول ال صلى ال عليه‬ ‫وسل م‪ ،‬وانهارت معنوياته م‪ ،‬حتى وقع داخل صفوفه م ارتباك شديد‪ ،‬وعمتها الفوضي والضطراب‪ ،‬إل أن هذه الصيحة‬ ‫خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين ؛ لظنه م أنه م نجحوا في غاية مرامه م‪ ،‬فاشتغل الكثير منه م‬ ‫بتمثيل قتلي المسلمين‪.‬‬

‫الرسول صلى ال عليه وسل م يواصل المعركة وينقذ الموقف‬ ‫ل شديدًا‪ ،‬وقامت بقية الصحابة الموجودين‬ ‫ولما قتل مصعب أعطي رسول ال اللواء على بن أبي طالب‪ ،‬فقاتل قتا ً‬ ‫هناك ببطولته م النادر ة‪ ،‬يقاتلون ويدافعون‪.‬‬

‫وحينئذ استطاع رسول ال صلى ال عليه وسل م أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق‪ ،‬فأقبل إليه م فعرفه كعب بن‬ ‫مالك ـ وكان أول من عرفه ـ فنادي بأعلى صوته‪ :‬يا معشر المسلمين أبشروا‪ ،‬هذا رسول ال صلى ال عليه وسل م‪،‬‬ ‫فأشار إليه أن اصمت ـ وذلك لئل يعرف موضعه المشركون ـ إل أن هذا الصوت بلغ إلى آذان المسلمين‪ ،‬فلذ إليه‬ ‫ل من الصحابة‪.‬‬ ‫المسلمون حتى تجمع حوله حوالى ثلثين رج ً‬ ‫وبعد هذا التجمع أخذ رسول ال صلى ال عليه وسل م في النسحاب المنظ م إلى شعب الجبل‪ ،‬وهو يشق الطريق بين‬ ‫المشركين المهاجمين‪ ،‬واشتد المشركون في هجومه م ؛ لعرقلة النسحاب إل أنه م فشلوا أما م بسالة ليوث السل م ‪.‬‬ ‫تقد م عثمان بن عبد ال بن المغير ة ـ أحد فرسان المشركين ـ إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م وهو يقول‪ :‬ل نجوت‬ ‫إن نجا‪ .‬وقا م رسول ال صلى ال عليه وسل م لمواجهته‪ ،‬إل أن الفرس عثرت في بعض الحفر‪ ،‬فنازله الحارث بن‬

‫ف عليه وأخذ سلحه‪ ،‬والتحق برسول ال صلى ال عليه وسل م‪.‬‬ ‫ال ّ‬ ‫ص ّمـةـ‪ ،‬فضرب على رجله فأقعده‪ ،‬ث م َذ فّـ َ‬

‫ص ّمـةـ‪ ،‬فضرب بالسيف على عاتقه فجرحه‬ ‫وعطف عبد ال بن جابر ـ فارس آخر من فرسان مكة ـ على الحارث بن ال ّ‬ ‫حتى حمله المسلمون ولكن انقض أبو دجانة ـ البطل المغامر ذو العصابة الحمراء ـ على عبد ال بن جابر فضربه‬


‫بالسيف ضربة أطارت رأسه‪.‬‬ ‫وأثناء هذا القتال المرير كان المسلمون يأخذه م النعاس أمنة من ال‪ ،‬كما تحدث عنه القرآن‪ .‬قال أبو طلحة‪ :‬كنت‬ ‫فيمن تغشاه النعاس يو م أحد حتى سقط سيفي من يدي م ار ًرا‪ ،‬يسقط وآخذه ويسقط وآخذه ‪.‬‬ ‫وبمثل هذه البسالة بلغت هذه الكتيبة ـ في انسحاب منظ م ـ إلى شعب الجبل‪ ،‬وشق لبقية الجيش طريقًا إلى هذا المقا م‬ ‫المأمون‪ ،‬فتلحق به في الجبل‪ ،‬وفشلت عبقرية خالد أما م عبقرية رسول ال صلى ال عليه وسل م‪.‬‬

‫مقتل أبي بن خلف‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬فلما أسند رسول ال صلى ال عليه وسل م في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول‪ :‬أين محمد ؟‬ ‫ت إن نجا‪ .‬فقال القو م‪ :‬يا رسول ال‪ ،‬أيعطف عليه رجل منا ؟ فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪:‬‏)دعوه(‪،‬‬ ‫ل نجو ُ‬ ‫فلما دنا منه تناول رسول ال صلى ال عليه وسل م الحربة من الحارث بن الصمة‪ ،‬فلما أخذها منه انتفض انتفاضة‬ ‫تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض‪ ،‬ث م استقبله وأبصر تَْر قُـَو تَــهمن فرجة بين سابغة الدرع‬ ‫والبيضة‪ ،‬فطعنه فيها طعنة تدأدأ ـ تدحرج ـ منها عن فرسه م ار ًار‪ .‬فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشًا غير‬

‫كبير‪ ،‬فاحتقن الد م‪ ،‬قال‪ :‬قتلني وال محمد‪ ،‬قالوا له‪ :‬ذهب وال فؤادك‪ ،‬وال إن بك من بأس‪ ،‬قال‪ :‬إنه قد كان قال‬

‫لي بمكة‪:‬‏)أنا أقتلك( ‪ ،‬فوال لو بصق على لقتلني‪ .‬فمات عدو ال بَس ِرـفـوه م قافلون به إلى مكة‪.‬وفي رواية أبي‬

‫السود عن عرو ة‪ ،‬وكذا في رواية سعيد بن المسيب عن أبيه‪ :‬أنه كان يخور خوار الثور‪ ،‬ويقول‪ :‬والذي نفسي بيده‪،‬‬

‫لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا جميعًا ‪.‬‬

‫طلحة ينهض بالنبي صلى ال عليه وسل م‬ ‫وفي أثناء انسحاب رسول ال صلى ال عليه وسل م إلى الجبل عرضت له صخر ة من الجبل‪ ،‬فنهض إليها ليعلوها فل م‬ ‫يستطع ؛ لنه كان قد َبّد َنـ وظاهر بين الدرعين‪ ،‬وقد أصابه جرح شديد‪.‬فجلس تحته طلحة بن عبيد ال‪ ،‬فنهض به‬ ‫بـطلحةُ( ‪ ،‬أي‪:‬الجنة‪.‬‬ ‫حتى استوي عليها‪ ،‬وقال‪ :‬‏) أْوَجـ َ‬ ‫آخر هجو م قا م به المشركون‬ ‫ولما تمكن رسول ال صلى ال عليه وسل م من مقر قيادته في الشعب قا م المشركون بآخر هجو م حاولوا به النيل من‬ ‫المسلمين‪ .‬قال ابن إسحاق‪ :‬بينا رسول ال صلى ال عليه وسل م في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل ـ يقوده م‬ ‫أبو سفيان وخالد بن الوليد ـ فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)الله م إنه ل ينبغي له م أن يعلونا(‪ ،‬فقاتل عمر بن‬ ‫الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوه م من الجبل ‪.‬‬ ‫وفي مغازي الموي‪ :‬أن المشركين صعدوا على الجبل‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م لسعد‪:‬‏) اْجُنـْبهُـْ م( ـ يقول‪:‬‬


‫ل فقتله‪ ،‬قال‪ :‬ث م‬ ‫اردده م ـ فقال‪ :‬كيف أْج ُنـُبهُْ م وحدي ؟ فقال ذلك ثلثًا‪ ،‬فأخذ سعد سهمًا من كنانته‪ ،‬فرمي به رج ً‬ ‫أخذت سهمي أعرفه‪ ،‬فرميت به آخر‪ ،‬فقتلته‪ ،‬ث م أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته‪ ،‬فهبطوا من مكانه م‪ ،‬فقلت‪ :‬هذا‬ ‫سه م مبارك‪ ،‬فجعلته في كنانتي‪ .‬فكان عند سعد حتى مات‪ ،‬ث م كان عند بنيه ‪.‬‬

‫تشويه الشهداء‬ ‫وكان هذا آخر هجو م قا م به المشركون ضد النبي صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ولما ل م يكونوا يعرفون من مصيره شيئًا ـ بل‬ ‫كانوا على شبه اليقين من قتله ـ رجعوا إلى مقره م‪ ،‬وأخذوا يتهيأون للرجوع إلى مكة‪ ،‬واشتغل من اشتغل منه م ـ وكذا‬

‫اشتغلت نساؤه م ـ بقتلي المسلمين‪ ،‬يمثلون به م‪ ،‬ويقطعون الذان والنوف والفروج‪ ،‬ويبقرون البطون‪ .‬وبقرت هند بنت‬ ‫عتبة كبد حمز ة فلكتها‪ ،‬فل م تستطع أن تسيغها فلفظتها‪ ،‬واتخذت من الذان والنوف َخ َدـمـًا ـ خلخيل ـ وقلئد‪.‬‬ ‫مدى استعداد أبطال المسلمين للقتال حتى نهاية المعركة‬ ‫وفي هذه الساعة الخير ة وقعت وقعتان تدلن على مدي استعداد أبطال المسلمين للقتال‪ ،‬ومدي استماتته م في سبيل‬ ‫ال‪:‬‬ ‫‪ .1‬قال كعب بن مالك‪ :‬كنت فيمن خرج من المسلمين‪ ،‬فلما رأيت تمثيل المشركين بقتلي المسلمين قمت فتجاوزت‪،‬‬ ‫فإذا رجل من المشركين جمع اللمة يجوز المسلمين وهو يقول‪ :‬استوسقوا كما استوسقت جزر الغن م‪ .‬إواذا رجل من‬ ‫المسلمين ينتظره وعليه لمته‪ ،‬فمضيت حتى كنت من ورائه‪ ،‬ث م قمت أقدر المسل م والكافر ببصري‪ ،‬فإذا الكافر‬ ‫أفضلهما عد ة وهيئة‪ ،‬فل م أزل أنتظرهما حتى التقيا‪ ،‬فضرب المسل م الكافر ضربة فبلغت وركه وتفرق فرقتين‪ ،‬ث م كشف‬ ‫المسل م عن وجهه‪ ،‬وقال‪ :‬كيف تري يا كعب ؟ أنا أبو دجانة ‪.‬‬ ‫‪ .2‬جاءت نسو ة من المؤمنين إلى ساحة القتال بعد نهاية المعركة‪ ،‬قال أنس‪ :‬لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأ م‬ ‫ِ‬ ‫بـعلى متونهما‪ ،‬تفرغانه في أفواه القو م‪ ،‬ث م ترجعان فتملنها‪،‬‬ ‫سلي م‪ ،‬إوانهما لمشمرتان ـ أري َخ َدـ مـ سوقهما ـ تَْن قُـَزاِن القَر َ‬ ‫ث م تجيئان فتفرغانه في أفواه القو م ‪ .‬وقال عمر‪ :‬كانت ]أ م َس ِلـيط من نساء النصار[ تزفر لنا القرب يو م أحد ‪.‬‬ ‫وكانت في هؤلء النسو ة أ م أيمن‪ ،‬لما رأت فلول المسلمين يريدون دخول المدينة‪ ،‬أخذت تحثو التراب في وجوهه م‬ ‫وتقول لبعضه م‪:‬هاك المغزل‪ ،‬وهل م سيفك‪ .‬ث م سارعت إلى ساحة القتال‪ ،‬فأخذت تسقي الجرحي‪ ،‬فرماها ِح ّبــان ـ‬ ‫بالكسر ـ بن الَعَرـ قَـة بسه م‪ ،‬فوقعت وتكشفت‪ ،‬فأغرق عدو ال في الضحك‪ ،‬فشق ذلك على رسول ال صلى ال عليه‬

‫وسل م‪ ،‬فدفع إلى سعد بن بي وقاص سهمًا ل نصل له‪ ،‬وقال‪:‬‏)ار م به(‪ ،‬فرمي به سعد‪ ،‬فوقع السه م في نحر حبان‪،‬‬ ‫فوقع مستلقيًا حتى تكشف‪ ،‬فضحك رسول ال صلى ال عليه وسل م حتى بدت نواجذه‪ ،‬ث م قال‪:‬‏)استقاد لها سعد‪،‬‬ ‫أجاب ال دعوته( ‪.‬‬


‫بعد انتهاء الرسول صلى ال عليه وسل م إلى الشعب‬

‫ولما استقر رسول ال صلى ال عليه وسل م في مقره من الّش عـب خرج على أبي طالب حتى مل َد َرـقَـتهماء من‬ ‫الِم ْهـَراسـ قيل‪ :‬هو صخر ة منقور ة تسع كثي ًار‪ .‬وقيل‪ :‬اس م ماء بأحد ـ فجاء به إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م‬

‫ليشرب منه‪ ،‬فوجد له ريحًا فعافه‪ ،‬فل م يشرب منه‪ ،‬وغسل عن وجهه الد م‪ ،‬وصب على رأسه وهو يقول‪ :‬‏)اشتد غضب‬

‫ال على من َد ّمـىـ وجه نبيه( ‪.‬‬

‫وقال سهل‪ :‬وال إني لعرف من كان يغسل جرح رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬ومن كان يسكب الماء‪ ،‬وبما‬ ‫ُدوـِوي ؟ كانت فاطمة ابنته تغسله‪ ،‬وعلى بن أبي طالب يسكب الماء بالِم َجـّنـ ‪ ،‬ـفلما رأت فاطمة أن الماء ل يزيد الد م‬ ‫إل كثر ة أخذت قطعة من حصير‪ ،‬فأحرقتها‪ ،‬فألصقتها فاستمسك الد م‪.‬‬ ‫وجاء محمد بن مسلمة بماء عذب سائغ ‪ ،‬فشرب منه النبى صلى ال عليه وسل م ودعا له بخير‪ .‬وصلى الظهر قاعدًا‬ ‫من أثر الجراح ‪ ،‬وصلى المسلمون خلفه قعودًا‪.‬‬

‫شماتة أبي سفيان بعد نهاية المعركة وحديثه مع عمر‬ ‫ولما تكامل تهيؤ المشركين للنـصراف أشـرف أبو سفـيان على الجبل‪ ،‬فـنادي أفيك م محمد؟ فل م يجيبوه‪ .‬فقال‪ :‬أفيك م‬ ‫ابن أبي قحافة؟ فل م يجبيبوه‪ .‬فقال‪ :‬أفيك م عمر بن الخطاب؟ فل م يجيبوه ـ وكان النبي صلى ال عليه وسل م منعه م من‬ ‫الجابة ـ ول م يسأل إل عن هؤلء الثلثة لعلمه وعل م قومه أن قيا م السل م به م‪ .‬فقال‪ :‬أما هؤلء فقد كفيتموه م‪ ،‬فل م‬ ‫يملك عمر نفسه أن قال‪ :‬يا عدو ال‪ ،‬إن الذين ذكرته م أحياء‪ ،‬وقد أبقي ال ما يسوءك‪ .‬فقال‪ :‬قد كان فيك م مثلة ل م‬ ‫آمر بها ول م تسؤني‪.‬‬

‫ث م قال‪ :‬أْع ِل ـ ُهَب لـ‪.‬‬

‫فقال النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)أل تجيبونه؟( فقالوا‪:‬فما نقول؟ قال‪ :‬‏)قولوا‪ :‬ال أعلى وأجل(‪.‬‬ ‫ث م قال‪ :‬لنا الُعّزى ول عزى لك م‪.‬‬

‫فقال النبي صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)أل تجيبونه؟( قالوا‪ :‬ما نقول؟ قال‪ :‬‏)قولوا‪:‬ال مولنا‪ ،‬ول مولي لك م(‪.‬‬ ‫تـ فََعال ‪ ،‬يو م بيو م بدر‪ ،‬والحرب ِس َج ـاــل‪.‬‬ ‫ث م قال أبو سفيان‪ :‬أْن َعـْمـ َ‬ ‫فأجابه عمر‪ ،‬وقال‪ :‬لسواء‪ ،‬قتلنا في الجنة‪ ،‬وقتلك م في النار‪.‬‬ ‫ث م قال أبو سفيان‪ :‬هل م إلى يا عمر‪ ،‬فقال رسول ال صلى ال عليه وسل م‪ :‬‏)ائته فانظر ما شأنه؟( فجاءه‪ ،‬فقال له أبو‬ ‫سفيان‪ :‬أنشدك ال يا عمر‪ ،‬أقتلنا محمدًا؟ قال عمر‪ :‬الله م ل‪ .‬إوانه ليستمع كلمك الن‪ .‬قال‪ :‬أنت أصدق عندي من‬ ‫ابن قَِم َئـة وأبر‪.‬‬ ‫مواعد ة التلقي في بدر‬ ‫قال ابن إسحاق‪ :‬ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادي‪ :‬إن موعدك م بدر العا م القابل‪.‬فقال رسول ال صلى ال‬ ‫عليه وسل م لرجل من أصحابه‪ :‬‏)قل‪ :‬نع م‪ ،‬هو بيننا وبينك موعد(‪.‬‬


‫التثبت من موقف المشركين‬ ‫ث م بعث رسول ال صلى ال عليه وسل م على بن أبي طالب‪ ،‬فقال‪ :‬‏)اخرج في آثار القو م فانظر ماذا يصنعون؟ وما‬ ‫يريدون؟ فإن كانوا قد َج َنـُبوا الخيل‪ ،‬واْم تَـطُوا البل‪ ،‬فإنه م يريدون مكة‪ ،‬إوان كانوا قد ركبوا الخيل وساقوا البل فإنه م‬ ‫يريدون المدينة‪ .‬والذي نفسي بيده‪ ،‬لئن أرادوها لسيرن إليه م فيها‪ ،‬ث م لناجزنه م(‪ .‬قال على‪ :‬فخرجت في آثاره م أنظر‬

‫ماذا يصنعون‪ ،‬فجنبوا الخيل وامتطوا البل‪ ،‬وَو ّجـهُـوا إلى مكة ‪.‬‬

‫تفقد القتلى والجرحى‬ ‫وفرغ الناس لتفقد القتلي والجرحي بعد منصرف قريش‪ .‬قال زيد بن ثابت‪ :‬بعثني رسول ال صلى ال عليه وسل م يو م‬ ‫أحد أطلب سعد بن الربيع‪ .‬فقال لي‪ :‬‏)إن رأيته فأقرئه مني السل م‪ ،‬وقل له‪ :‬يقول لك رسول ال صلى ال عليه وسل م‪:‬‬ ‫كيف تجدك؟( قال‪ :‬فجعلت أطوف بين القتلي‪ ،‬فأتيته وهو بآخر رمق‪ ،‬فيه سبعون ضربة ؛ ما بين طعنة برمح‪،‬‬ ‫وضربة بسيف‪ ،‬ورمية بسه م‪ ،‬فقلت‪ :‬يا سعد‪ ،‬إن رسول ال يق أر عليك السل م‪ ،‬ويقول لك‪ :‬أخبرني كيف تجدك؟ فقال‪:‬‬ ‫وعلى رسول ال صلى ال عليه وسل م السل م‪ ،‬قل له‪ ،‬يا رسول ال‪ ،‬أجد ريح الجنة‪ ،‬وقل لقومي النصار‪ :‬ل عذر‬ ‫لك م عند ال إن خلص إلى رسول ال صلى ال عليه وسل م وفيك م عين تطرف‪ ،‬وفاضت نفسه من وقته ‪.‬‬ ‫ص يـِر م ـ عمرو بن ثابت ـ وبه رمق يسير‪ ،‬وكانوا من قبل يعرضون عليه السل م فيأباه‪ ،‬فقالوا‪:‬‬ ‫ووجدوا في الجرحي الُ َ‬

‫بـ على قومك‪ ،‬أ م‬ ‫إن هذا الصير م ما جاء به؟ لقد تركناه إو��نه لمنكر لهذا المر‪ ،‬ث م سألوه‪ :‬ما الذي جاء بك‪ ،‬أَح َدـ ٌ‬ ‫رغبة في السل م؟ فقال‪ :‬بل رغبة في السل م‪ ،‬آمنت بال ورسوله‪ ،‬ث م قاتلت مع رسول ال صلى ال عليه وسل م حتى‬ ‫أصابني ما ترون‪ ،‬ومات من وقته‪ ،‬فذكروه لرسول ال صلى ال عليه وسل م‪ ،‬فقال‪ :‬‏)هو من أهل الجنة(‪ .‬قال أبو‬ ‫ص ّل ـ ل صل ة قط ‪.‬‬ ‫هرير ة‪ :‬ول م ُي َ‬

‫ووجدوا في الجرحي قُْز َمـاـنـ وكان قد قاتل قتال البطال ؛ قتل وحده سبعة أو ثمانية من المشركين ـ وجدوه قد أثبتته‬ ‫ظَفر‪ ،‬وبشره المسلمون فقال‪ :‬وال إن قاتلت إل عن أحساب قومي‪ ،‬ولول