Page 1

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪3 2009‬‬


‫ا�سرتاتيجية‬ ‫الأفكار وال�سيا�سات واال�سرتاتيجيات املعا�صرة‬ ‫ت�صدر كل �شهرين عن «مركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية»‬ ‫ال�سنة الأوىل‪ ،‬العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب ‪2009‬‬

‫رئي�س التحرير‬

‫�أحمد عبدالكرمي �سيف‬ ‫مدير التحرير‬

‫حممد �سيف حيدر‬ ‫نائب مدير التحرير‬

‫�سقاف عمر ال�سقاف‬ ‫الت�صميم والإخراج الفني‬

‫اال�شرتاكات‪:‬‬

‫ال�سنة الواحدة (�ستة �أعداد) �شاملة �أجرة الربيد‪:‬‬ ‫داخل اجلمهورية اليمنية‪ 3000 :‬ريال للأفراد‪ 5000 ،‬ريال للم�ؤ�س�سات‪.‬‬ ‫الدول العربية‪ 50 :‬دوالر ًا للأفراد‪ 90 ،‬دوالر ًا للم�ؤ�س�سات‪.‬‬ ‫بقية دول العامل‪ 70 :‬دوالر ًا للأفراد‪ 120 ،‬دوالر للم�ؤ�س�سات‪.‬‬ ‫ير�سل طلب اال�شرتاك �إىل عنوان املجلة مع حوالة م�صرفية �أو �شيك‬ ‫ُم�صدّق بقيمة اال�شرتاك لأمر مركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية‪.‬‬ ‫ولال�ستف�سار ميكن التوا�صل عرب الربيد الإلكرتوين‪:‬‬ ‫‪subscription@shebacss.com‬‬

‫ثمن الن�سخة‪:‬‬

‫اليمن ‪ 300‬ريال‪ ،‬ال�سعودية ‪ 20‬ريا ًال‪ ،‬الإمارات العربية املتحدة ‪ 20‬درهم ًا‪،‬‬ ‫الكويت ‪ 2‬دينار‪ ،‬مملكة البحرين ‪ 1.5‬دينار‪ ،‬قطر ‪ 20‬ريا ً‬ ‫ال‪� ،‬سلطنة عمان ‪1.5‬‬ ‫ريال‪ ،‬العراق ‪ 2500‬دينار‪ ،‬لبنان ‪ 4000‬لرية‪� ،‬سورية ‪ 200‬لرية‪ ،‬الأردن ‪ 2.5‬دينار‪،‬‬ ‫فل�سطني ‪ 5‬دوالر‪ ،‬م�صر ‪ 10‬جنيهات‪ ،‬ال�سودان ‪ 4‬جنيهات‪ ،‬ليبيا ‪ 2‬دينار‪ ،‬اجلزائر‬ ‫‪ 300‬دينار‪ ،‬تون�س ‪ 5‬دينار‪ ،‬املغرب ‪ 20‬درهم ًا‪ ،‬موريتانيا ‪� 300‬أوقية‪.‬‬

‫حممد عبدالرحمن الذبحاين‬ ‫�سكرتارية املجلة‬

‫عفاف الوزير‬

‫‪Austria, France, Germany, and Italy: € 6, United‬‬ ‫‪Kingdom £ 3, USA $ 5‬‬

‫ُعب بال�ضرورة‬ ‫ُعب املقاالت املن�شورة عن �آراء كتّابها‪ ،‬وال ت رِّ‬ ‫ت رِّ‬ ‫عن ر�أي «مدارات ا�سرتاتيجية» �أو مركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية‪.‬‬ ‫جميع احلقوق حمفوظة ملركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية‪.‬‬

‫جملة مدارات ا�سرتاتيجية‬ ‫مركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية‬ ‫�ص‪ .‬ب‪ 16822 .‬هاتف‪ +967 1 677466 :‬فاك�س‪+967 1 677466 :‬‬ ‫�صنعاء – اجلمهورية اليمنية‬ ‫الربيد الإلكرتوين‪madarat@shebacss.com :‬‬ ‫‪madaratistrategyya@yahoo.com‬‬ ‫املوقع على الإنرتنت‪www.shebacss.com/madarat :‬‬

‫رفـ ـ ــد ال�سيا�سـ ـ ــة باملعرفـ ــة‬

‫‪Relating Policy to Knowledge‬‬

‫‪4‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪5 2009‬‬


‫فـي هذا العدد‬ ‫ت�شرين الثاين‪/‬نوفمرب ‪ -‬كانون الأول‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫نافذة على ‪scss‬‬

‫‪06‬‬

‫فـي التعريف مبركز �سبا للدرا�سات اال�سرتاتيجية‬

‫‪08‬‬

‫االفتتاحية‬ ‫ُنثري الت�سا�ؤالت‪ ،‬ونحتفي بالتنوع‬ ‫رئي�س التحرير‬

‫اليمن والعامل‬

‫حتلي�لات‪ :‬ير�ص ��د �أحم���د عبدالكرمي �سي���ف طبيعة العالقة ب�ي�ن احلوثيني و�إي ��ران وانعكا�ساته ��ا على اليمن‬ ‫واملنطق ��ة؛ ويكت����ب عبدالغن���ي املاوري ع����ن موق ��ع اليم ��ن يف اال�سرتاتيجي ��ة الإ�سرائيلية؛ ويقر�أ حمم���د الغرا�سي‬ ‫العامل اجليو�سرتاتيجي يف العالقات اليمنية – امل�صرية‪ ،‬ويبني �صالح القا�ضي ملاذا ما زالت العالقات اليمنية‬ ‫– اخلليجية عادية‪ ،‬وال ترقى �إىل م�ستوى ال�شراكة امل�أمولة؛ يف حني ُيعطينا عبداهلل الفقيه ملحة تاريخية مكثفة‬ ‫عن تطور مكانة اليمن يف اال�سرتاتيجية الأمريكية‪ .‬ال�صفحات ‪31-10‬‬ ‫وجه��ات نظ��ر‪ :‬يحاول علي �سيف ح�سن ا�ستك�شاف �آفاق الدور املمكن الذي ميكن �أن تلعبه اليمن يف الإقليم؛‬ ‫ويركز حممد الكهايل على �أهمية اجلانب النف�سي يف عملية بناء الإن�سان اليمني؛ �أما خالد الرماح فيتطرق �إىل‬ ‫بع�ض جوانب �أزمة منظمات املجتمع املدين يف اليمن‪ .‬ال�صفحات ‪43-32‬‬ ‫تفاعالت اليمن والعامل يف ‪ 60‬يوم ًا‪� :‬شهرا �آب‪�/‬أغ�سط�س و�أيلول‪�/‬سبتمرب ‪ 2009‬ال�صفحات ‪49-44‬‬ ‫ع�ين على اليمن‪ :‬يكتب يوئيل جوزن�سك���ي عن الأهمية املتزايدة لليمن يف ال�ص ��راع الإقليمي؛ ويحذر جريجوري‬ ‫جون�س���ون من تراجع اليقظة �إزاء ن�شاطات تنظيم القاعدة يف اليم ��ن‪ ،‬وير�صد عادل الطريفي اجلدل القائم حول‬ ‫ال�سيا�س ��ات م ��ن �صع ��دة �إىل وزير�ستان‪ ،‬وتركز ن����دوة �أقامتها م�ؤ�س�سة كارنيجي لل�سالم ال���دويل على خطورة تنظيم‬ ‫القاعدة يف اليمن وال�سيا�سات اليمنية والأمريكية ملحاربته؛ �أما �ساميون هندر�سون فيحاول حتليل م�شهد القتال‬ ‫الدائر على احلدود اليمنية ‪ -‬ال�سعودية‪ .‬ال�صفحات ‪58-50‬‬

‫‪60‬‬

‫‪64‬‬ ‫‪66‬‬

‫‪6‬‬

‫املراقب اال�سرتاتيجي‬ ‫�إيران ما بعد �أزمة االنتخابات الرئا�سية العا�شرة‪:‬‬ ‫ما الذي ينتظرنا؟‬ ‫حمجوب الزويري‬ ‫ما وراء التقارب ال�سوري – ال�سعودي وما بعده‬ ‫ر�ضوان زيادة‬ ‫املمانعة والتفكيك‪ :‬م�صري التحالف ال�سوري ‪ -‬الإيراين‬ ‫معاذ الأ�شهبي‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪70‬‬

‫‪74‬‬

‫‪78‬‬

‫يف ب�ؤرة االهتمام‬

‫مدار الأفكار‬

‫املخا�ض ال�صعب للعملة اخلليجية املوحدة‬ ‫�أحمد �أحمد مطهر‬ ‫هل �سينجح الرهان الأمريكي على ال�صوفية؟‬ ‫عمار علي ح�سن‬ ‫ملاذا مل تكن القومية العربية ليربالية؟‬ ‫�أحمد عبدالكرمي �سيف‬

‫املائدة امل�ستديرة‪ :‬الأزمة يف جنوب اليمن‪� ..‬إىل �أين؟‬ ‫علي دهم�س‪ ،‬علي العمراين‪� ،‬أحمد ال�صويف‪ ،‬زايد جابر‬ ‫�سجال حول قوة تنظيم القاعدة يف اليمن‬ ‫عبدالإله �شائع وعاي�ش عوا�س‬ ‫ب�صراحة مع �أحمد الدغ�شي حول‪:‬‬ ‫جدلية الديني وال�سيا�سي يف امل�شهد اليمني الراهن‬

‫املحــور‬ ‫‪� 84‬صراع املحاور (والأدوار) يف النظام العربي‪:‬‬ ‫ك�شف ح�ساب مت�أخر‬ ‫حممد �سيف حيدر‬ ‫‪ 86‬زمن �أوباما‪ :‬حدود التغري يف ال�سيا�سة الأمريكية‬ ‫جتاه ال�شرق الأو�سط‬ ‫عمرو حمزاوي‬ ‫دور �أوروبا املعطل يف ال�شرق الأو�سط‬ ‫‪92‬‬ ‫غ�سان العزي‬ ‫‪ 98‬دروب �إ�سرائيل ال�شائكة يف ال�شرق الأو�سط‬ ‫م‪� .‬س‪ .‬ح‬ ‫ال�سعودية و�إيران‪:‬‬ ‫‪104‬‬ ‫�سيا�سات اال�ستقطاب الإقليمي وعواقبه‬ ‫�سامح را�شد‬ ‫تركيا اجلديدة‪ :‬ال�صعود الإقليمي‬ ‫‪110‬‬ ‫و�صراع الأجندات‬ ‫علي ح�سني باكري‬

‫‪116‬‬

‫‪124‬‬

‫‪130‬‬

‫الفهر�ست‬ ‫مراجعات كتب وعرو�ض موجزة‬

‫‪147-138‬‬

‫جيوبوليتيك‬ ‫طريق الربازيل نحو ال ُقطب ّية‬ ‫�سقاف عمر ال�سقاف‬ ‫الأمن املفقود يف ال�صومال‪ :‬ر�ؤية من الداخل‬ ‫عبدالغفار فرح‬

‫‪150‬‬

‫‪158‬‬

‫ترجمات‬ ‫�ألوية �إيران االنتحارية‪� :‬إرهاب ناه�ض‬ ‫علي �ألفونه‬ ‫اجلغرافيا ال�سيا�سية جلائزة نوبل لل�سالم‬ ‫جورج فريدمان‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪166‬‬ ‫‪174‬‬

‫‪7 2009‬‬


‫نافذة على ‪SCSS‬‬

‫�آليات عمل املركز‬

‫مركز �سب�أ للدرا�سات الإ�سرتاتيجية‬ ‫‪Sheba Center for Strategic Studies‬‬

‫مركز �س��ب�أ للدرا�س��ات الإ�س�تراتيجية ه����و م�ؤ�س�سة‬ ‫فكري����ة م�ستقلة وال تتوخى الربح مقره����ا العا�صمة اليمنية �صنعاء‪.‬‬ ‫يرمي املركز �إىل تطبي����ق �أف�ضل معايري البحث العاملية‪ ،‬مبا ينعك�س‬ ‫�إيجابي���� ًا عل����ى الدول����ة واملجتمع اليمن����ي‪ .‬ويعمل عل����ى حتقيق نتائج‬ ‫عملي����ة‪ ،‬وو�ضع مقاربات �سيا�سية جدي����دة من خالل البحث والن�شر‬ ‫واالجتماع‪ ،‬ومتتد اهتماماته من اليمن �إىل جمالها احليوي (القرن‬ ‫الأفريق����ي ومنطقة اخلليج) و�إىل الق�ضاي����ا الأ�سا�سية والديناميات‬ ‫احلاكمة يف منطقة ال�شرق الأو�سط‪.‬‬ ‫يفرت�����ض مبخرج����ات املركز �أن تدع����م �صانعي الق����رار يف الأو�ساط‬ ‫ال�سيا�سي����ة والإقت�صادي����ة واالجتماعية وتزويده����م ب�سيا�سات بديلة‬ ‫معقول����ة‪ ،‬م����ن خ��ل�ال و�ضع ه����ذه املخرج����ات حت����ت ت�صرفهم على‬ ‫�ش����كل معلومات وبح����وث وتقاري����ر وحتليالت وت�ص����ورات م�ستقبلية‬ ‫(�سيناريوه����ات)‪ ،‬وب����ذا يقدم املركز �أكرب ع����دد ممكن من البدائل‬ ‫املتاح����ة التي تُ�سه����م يف تعزيز عملية عقلنة اتخ����اذ القرار مل�صلحة‬ ‫الب��ل�اد‪ .‬ومن جانب �آخ����ر‪ ،‬ينجز املركز �أعماله بالتع����اون والتفاعل‬ ‫الإيجابيني مع امل�ؤ�س�سات الأكادميية والبحثية اليمنية املختلفة‪.‬‬ ‫ت�ضيي����ق الفج����وة بني و�ض����ع ال�سيا�سات ُّ‬ ‫الر�ؤي��ة‬ ‫بالطرق‬ ‫التقليدي����ة من خالل دع����م العقالنية يف التفك��ي�ر وتقدمي حتليالت‬ ‫ودرا�سات �إ�سرتاتيجية ُمع ّمقة ومهنية من حيث �إحاطتها ور�صانتها‪،‬‬ ‫وواقعي����ة م����ن حي����ث �إمكان����ات تطبيقه����ا‪ ،‬ومنا�سبة م����ن حيث زمن‬ ‫تقدميها‪.‬‬

‫الأهداف‬

‫ط����رح الت�س����ا�ؤالت ال�صحيح����ة ح����ول الق�ضاي����ا الإ�سرتاتيجي����ة‬ ‫وال�سيا�سية واالقت�صادية واالجتماعية املتعلقة باليمن واملنطقة‪.‬‬ ‫تبني �أ�سلوب علمي وعقالين يف البحث يجانب املناهج ال�سكوالئية‬ ‫التقليدية‪.‬‬ ‫مراجع����ة النظري����ات واملفاهي����م الغربية التي يت����م �إ�سقاطها على‬ ‫املجتمعات العربية بغية اخلروج بنظريات ومفاهيم وت�صورات‬

‫ر‬ ‫ف‬ ‫ـ‬ ‫ـ‬ ‫ـ‬ ‫د‬ ‫ا‬ ‫ل‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫ي‬ ‫ا‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫ـ‬ ‫ـ‬ ‫ـ‬ ‫ة‬ ‫ب‬ ‫ا‬ ‫ملعرف ـ ـة‬ ‫‪to Knowledge‬‬

‫منا�سبة لتحليل الواقع العربي‪.‬‬ ‫�إعادة حتدي����د الأولويات البحثية بح�سب �أهمي����ة املوا�ضيع للدولة‬ ‫واملجتمع‪.‬‬ ‫اال�ستف����ادة م����ن كاف����ة الق����درات وامله����ارات املتواف����رة وتوجيهها‬ ‫للإ�سهام يف تراكم املعرفة‪.‬‬ ‫دعم الدرا�سات والأن�شطة التي من �ش�أنها حت�سني التعليم وتعزيز‬ ‫التفك��ي�ر النقدي وحترير املناهج من املفاهي����م املغلوطة وامل�سلمات‬ ‫اخلاطئ����ة ومن �أ�ساليب التعلي����م التقليدية القائمة على احلفظ دون‬ ‫تطوير املقاربة النقدية‪.‬‬ ‫�أخ����ذ زمام املب����ادرة لإعادة تعريف العالق����ة بالآخر (وخا�صة مع‬ ‫الغ����رب) من خالل فه����م ال�سم����ات الإيجابية للعالق����ات امل�شرتكة‪،‬‬ ‫و�إدراك تن����وع الغرب و�إختالفه وعدم التعام����ل مع دوله وجمتمعاته‬ ‫كنمط واحد‪.‬‬ ‫و�ضع الدرا�س����ات امل�ستقبلية وال�سيناريوهات املتوقعة �أو املنظورة‪،‬‬ ‫وبالتايل تقدمي ت�صورات بالبدائل املتاحة ل�صناع القرار يف اليمن‪.‬‬

‫نط��اق االهتم��ام‬

‫و�ضع املركز حمددين اثنني لنطاق‬

‫اهتماماته‪:‬‬ ‫النط����اق املو�ضوعات����ي‪ ،‬ويهت����م بدرا�س����ة ال�ش�����ؤون الإ�سرتاتيجية‬ ‫(ق�ضايا الأمن والدفاع)‪ ،‬وال�سيا�سية‪ ،‬والإقت�صادية‪ ،‬والإجتماعية‪.‬‬ ‫النطاق اجلغرايف‪ ،‬ويغطي كل من‪:‬‬ ‫ اليمن‪.‬‬‫ املجال احليوي لليمن‪ ،‬الذي ي�ضم الدول املطلة على البحر الأحمر‬‫ودول اخلليج (دول جمل�س التعاون اخلليجي‪ ،‬و�إيران‪ ،‬والعراق)‪.‬‬ ‫ منطق����ة ال�ش����رق الأو�سط و�شم����ال �أفريقيا‪ ،‬والالعب��ي�ن الدوليني‬‫الرئي�سيني‪.‬‬ ‫وحيث �إن املحددات املذكورة �أعاله متداخلة بحكم طبيعة العالقات‬ ‫الدولي����ة‪ ،‬ف�����إن اليمن ي�ؤث����ر ويت�أثر بتفاع����ل وتداخل كث��ي�ر من تلك‬ ‫العنا�ص����ر‪ .‬وعليه‪ ،‬ف�إن املركز يقوم بدرا�س����ة وحتليل هذه املعطيات‬ ‫ري يف اليمن ب�شكل مبا�شر �أو غري‬ ‫والق�ضايا طامل����ا كان لها �أث ٌر �أو ت�أث ٌ‬ ‫مبا�شر‪.‬‬

‫و�سائل مقروءة‪ ،‬مطبوعة و�إلكرتونية‪:‬‬ ‫ الكتب‪.‬‬‫ جملة ربع �سنوية حمكمة‪.‬‬‫ جملة غري حمكمة ت�صدر كل �شهرين‪.‬‬‫�سال�س����ل درا�سات حمكمة (�سل�سلة درا�س����ات �إ�سرتاتيجية‪� ،‬سل�سلة‬‫ درا�س����ات �سيا�سي����ة‪� ،‬سل�سلة درا�سات �إقت�صادي����ة‪� ،‬سل�سلة درا�سات‬‫�إجتماعية)‪.‬‬ ‫ �أوراق بحثية‪.‬‬‫ تقارير‪.‬‬‫ موجز ال�سيا�سات‪.‬‬‫ التقرير الإ�سرتاتيجي ال�سنوي‪.‬‬‫ ترجمات‪.‬‬‫ القر�ص امل�ضغوط (‪.)CD‬‬‫ املوقع الإلكرتوين‪.‬‬‫ ن�شرة املركز الإخبارية ال�شهرية‪.‬‬‫عقد اجتماعات مبا�شرة‪:‬‬ ‫ م�ؤمترات‪.‬‬‫ ندوات‪.‬‬‫ ور�ش عمل‪.‬‬‫ برنامج مر�صد الأزمات‪.‬‬‫ حما�ضرات‪.‬‬‫‪ -‬مقابالت �إعالمية‪.‬‬

‫م�صادر التمويل‬

‫تربعات غري م�شروطة من املجتمع املدين والتجاري‪.‬‬ ‫تربعات ومنح غري م�شروطة من اجلهات الداعمة الدولية‪.‬‬ ‫منح لربامج حمددة‪.‬‬ ‫بيع مطبوعات املركز‪.‬‬ ‫الربامج التدريبية‪.‬‬ ‫ر�سوم ا�ست�شارية‪.‬‬ ‫�إعالنات جتارية ر�صينة‪.‬‬ ‫العم����ل عل����ى ت�أم��ي�ن وق����ف دائ����م للمرك����ز ي�ص����رف م����ن عوائ����ده‬ ‫الإ�ستثمارية‪.‬‬

‫عالقات املركز‬

‫بغي����ة تبادل اخلربات وتو�سيع املعرف����ة واالطالع‪ ،‬ف�إن املركز يحافظ‬ ‫على �شبكة �ضخمة من العالقات مع‪:‬‬ ‫ م�ؤ�س�سات الدولة املختلفة‪ .‬‬‫ امل�ؤ�س�سات الأكادميية والبحثية الوطنية والدولية‪.‬‬‫‪ -‬منظمات املجتمع املدين الوطنية والأجنبية‪.‬‬

‫‪cy‬‬

‫‪Relating Poli‬‬

‫‪8‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪9 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫رئي�س التحرير‬

‫�إفتتاحيـة‬ ‫‪10‬‬

‫ُنثري الت�سا�ؤالت‪،‬‬ ‫ونحتفي بالتنوع‬

‫�سيا�سات وا�سرتاتيجيات و�أفكار‬

‫ونح���ن �إذ ن�شه���د م���رور م���ا يناه���ز الع���ام على مي�ل�اد مرك���ز �سب�أ‬ ‫للدرا�س���ات الإ�سرتاتيجية يجب توجيه ال�شكر والعرفان لكل من قدم دعم ًا �أو ت�شجيع ًا �أو‬ ‫�إ�ست�شارة �ساهمت يف �إخراج املركز �إىل حيز الوجود‪ ،‬وهم ُكرث‪ .‬ورمبا يكون �أبلغ تعبري عن �إمتناننا له�ؤالء هو‬ ‫يف حتقي���ق ر�سال���ة و�أهداف املركز والتي ميكن تلخي�صها يف �إر�ساء عم���ل بحثي م�ؤ�س�سي ر�صني يقوم بتحليل‬ ‫الواقع‪ ،‬وتقدمي ر�ؤى م�ستقبلية من �أجل النهو�ض بواقع جديد �أو تطوير الواقع احلايل �إىل م�ستوى �أف�ضل‪ ،‬وفق‬ ‫مرجعي���ات �أكادميية وا�سرتاتيجية‪ ،‬بعيد ًا عن االرجت���ال‪� ،‬أو النظرة الأحادية‪ ،‬وبحيث يكون م�صدر ًا �أ�سا�سي ًا‬ ‫للمعلومات واال�ست�شارة وتقدمي البدائل ل�ص ّناع القرار على خمتلف م�ستوياتهم‪ ،‬وهذا بال�ضبط ما دفع بع�ض‬ ‫املفكرين �إىل ت�سمية مثل ما نقوم به يف مركزنا هذا ببيوت اخلربة‪.‬‬ ‫�إنن���ا عل���ى وعي كام���ل ب�أهمية ما نقوم به‪ ،‬لذا و�ضعنا م���ن املعايري وال�ضوابط ما ي�ضم���ن عم ًال م�ؤ�س�سي ًا ال‬ ‫�شخ�صي ًا‪ ،‬علمي ًا مدرو�س ًا ال �إرجتاليا‪ ،‬وا�ضعني ن�صب �أعيننا املعايري العاملية للو�صول �إليها‪ .‬ومع هذا ال ندعي‬ ‫التف���رد ب���ل نرى �أن البلد حتتاج للمزيد من مثل هذه امل�ؤ�س�س���ات‪ .‬وبنظرة �سريعة جند �أن هناك ما جمموعه‬ ‫‪ 1924‬مرك���ز ًا يف �أم�ي�ركا ال�شمالية منها ‪ 1776‬مركز ًا يف الواليات املتحدة وحده���ا‪ .‬يليها دول �أوروبا الغربية‬ ‫�إذ يوج���د فيه���ا ‪ 1198‬مركز ًا‪ ،‬يف حني يوجد يف �آ�سيا ‪ 601‬مركز‪ ،‬ويف �أوروب���ا ال�شرقية ‪ 483‬مركز ًا ويف �أمريكا‬ ‫الالتينية ‪ 408‬مراكز‪ ،‬ويف �أفريقيا ‪ ،274‬مركز ًا ويف ال�شرق الأو�سط ‪ 192‬مركز ًا فقط‪.‬‬ ‫ف�أي���ن هي مراك���ز الدرا�سات العربي���ة؟ والالفت �أن املركز العرب���ي الوحيد الذي ورد �ضم���ن قائمة �أف�ضل‬ ‫ثالثني مركز ًا يف العامل هو مركز الأهرام للدرا�سات ال�سيا�سية واال�سرتاتيجية‪ .‬وقد يكون ذلك �إجناز ًا‪ ،‬لكن‬ ‫ال�ص���ورة الكلية يف الع���امل العربي قامتة‪ .‬لقد غاب���ت �أغلب هذه املراكز العربية عن البح���ث العلمي الأ�صيل‬ ‫وربط���ت جزء ًا كب�ي�ر ًا من ن�شاطاتها ب�شكل �أكرث م���ن الالزم بالإعالم (�ضمن حم�ل�ات عالقات عامة) على‬ ‫ح�ساب الدرا�سات اجلادة‪ .‬ف�أين الدرا�س���ات اال�سرتاتيجية للتغريات الوطنية والدولية واخليارات ال�سيا�سية‬ ‫منه���ا �أو االقت�صادية بحيث يتم و�ضعه���ا �أمام �صاحب القرار‪ ،‬وهنا القيمة العلي���ا للدرا�سات التي تربط بني‬ ‫الأكادميي���ا وال�سيا�سات‪ .‬له���ذا كان �شعارنا ربط �صن���ع ال�سيا�سة باملعرف���ة ‪Relating Policy to Knowledge‬‬ ‫ك�شرط �ضروري لرت�شيد �صنع ال�سيا�سات املختلفة‪ ،‬و�شرط الزم للتقدم‪.‬‬ ‫ولع���ل �إ�صدار العدد الأول من جمل���ة “مدارات ا�سرتاتيجية” ميثل �أبلغ و�أن�س���ب �إحتفال مبرور هذه الفرتة‬ ‫على �إن�شاء املركز‪ .‬وهذه املجلة �سوف متثل منرب ًا للنخبة وموجهة يف نف�س الوقت للنخب على �إختالفها‪ ،‬لي�س‬ ‫يف اليم���ن فقط ولك���ن يف منطقة ال�شرق الأو�سط‪ .‬واملجلة �إذ حتمل �إ�سم “مدارات ا�سرتاتيجية” فهي تعك�س‬ ‫ذل���ك لأنه���ا �ستجوب م���دارات متعددة بالتحليل والنق���د والفكر‪ .‬وهي �إذ حتمل �صف���ة “جملة النخبة” ذلك‬ ‫�أنها موجهة للنخبة يف مرتبة و�سطي بني الكتابة الأكادميية والإعالمية‪ .‬وكتابها �أي�ض ًا نخبة من الأكادمييني‬ ‫واملفكري���ن وال�سيا�سي�ي�ن واالقت�صاديني ورجال الأعمال‪ ،‬وه���م �أي�ض ًا من مدار�س فكري���ة متعددة‪ ،‬ومن دول‬ ‫وثقافات خمتلفة‪.‬‬ ‫وم���ن ناف���ل الق���ول التنويه ب�أن خل���ف �إ�صدار ه���ذه املجلة كان هن���اك‪ ،‬و�سي�ستمر‪ ،‬عم���ل دءوب وجهد كبري‬ ‫بذل���ه طاقم املرك���ز‪ ،‬وعلى اخل�صو�ص‪ ،‬هيئة حترير املجل���ة وكادرها الفني‪ ،‬كما كانت هن���اك �سل�سلة طويلة‬ ‫م���ن الإ�ست�شارات واملراجع���ات لن�ضمن خروج العدد الأول مر�ضي ًا بحدود املمك���ن‪ ،‬ذاكرين هذا لأننا نعد �أن‬ ‫عمليات التطوير �شك ًال وم�ضمون ًا لن تقف ولن تعرف حدود ًا‪.‬‬ ‫وختام��� ًا‪� ،‬إن هذه املجلة حماولة جادة ور�صين���ة للم�ساهمة يف �إثارة ت�سا�ؤالت جوهرية على م�ستوى الإقليم‪،‬‬ ‫توجه للنخبة‪ ،‬ف�إنها �أي�ضا‬ ‫و�أي�ض ًا نافذة لتبادل الر�ؤى والأفكار التي جتيب على الت�سا�ؤالت املطروحة‪ .‬وهي �إذ ّ‬ ‫لن ت�ستمر �إال بتفاعل هذه النخب مع املجلة وامل�ساهمة يف حمتوياتها‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫�أحمد عبدالكرمي �سيف‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ا�سرتاتيجية‬

‫العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪11 2009‬‬


‫حتليالت‬

‫اليمن والعامل‬

‫وجهات نظر‬

‫فـي ‪ 60‬يوما‬

‫عني على اليمن‬

‫«احلوثيون»‬

‫و�ألعوبة �إيران فـي اليمن‬ ‫�أحمد عبدالكرمي �سيف‬

‫دخل ال�صراع يف اليمن بني حكومته املركزية وجماعة احلوثيني �سنته اخلام�سة‪ ،‬خا�ض‬ ‫الطرفان فيها �ست����ة حروب‪ ،‬ودخلت الأخرية مرحلة خطرية من املواجهة الع�سكرية يف‬ ‫بلد يواجه حتديات حقيقية؛ فهناك حراك �سيا�سي يف اجلنوب بد�أ مبطالب حقوقية ثم‬ ‫ت�صاعد ليطالب بالإنف�صال‪ ،‬كما �أن القاعدة جتمع �شبكاتها وتتو�سع فيما تظن �أنه ملج�أ‬ ‫�آمن لإنطالق عملياتها يف اجلزيرة العربية‪ ،‬ناهيك عن الو�ضع االقت�صادي الذي يجعل‬ ‫الإنفاق الع�سكري والأمني ملواجهة هذه التحديات عبئ ًا حقيقي ًا‪ ،‬فما بالك بالإنفاق على‬ ‫مواجه����ة ع�سكرية ممتدة‪ ،‬كتلك التي جتري وقائعها منذ �سن����وات بني ال�سلطة اليمنية‬ ‫واحلوثيني؟‬ ‫ميث���ل موق���ع اليم���ن اجليو�سيا�سي نقط���ة جذب ل�ص���راع القوى‬ ‫الدولية والإقليمي���ة‪� ،‬شهدنا ذلك يف تاريخ اليمن املعا�صر وكيف‬ ‫مت تدوي���ل �صراعاتها الداخلية‪� ،‬إبتداء م���ن اال�ستقطاب العربي‬ ‫وال���دويل الذي تال ن�شوب الث���ورة اليمنية يف ع���ام ‪ ،1962‬وتكرر‬ ‫���م فلم يكن‬ ‫الأم���ر نف�سه يف حرب االنف�ص���ال عام ‪ .1994‬ومن ث ّ‬ ‫غريب��� ًا وجود الدور اخلارجي يف ال�ص���راع الراهن بني احلكومة‬ ‫املركزي���ة واحلوثي�ي�ن‪ ،‬ال���دور ال���ذي متح���ور حتدي���د ًا يف الدور‬ ‫الإيراين‪ ،‬ودخ���ول الكتل ال�سيا�سية ال�شيعة واحلوزات الدينية يف‬ ‫العراق والبحرين والكويت على اخلط‪.‬‬ ‫كذل���ك ترددت �إتهامات �أكرث حيا ًء يف فرتة من الفرتات �إىل دور‬ ‫ليبي‪ ،‬بدعوى رغبة ليبيا يف ت�صفية احل�ساب مع النظام ال�سعودي‬ ‫ال���ذي يدعم احلكوم���ة اليمني���ة يف موقفها م���ن احلوثيني‪ ،‬على‬

‫�أ�سا����س �أن احلوثيني يف اليمن ميثلون‪ ،‬م���ع الفارق‪ ،‬جيب �شيعي‬ ‫م���وال لإيران �شبيه بدور حزب اهلل اللبناين‪ ،‬والذي من �ش�أنه �أن‬ ‫ي�ؤثر على �أمن اململكة العربية ال�سعودية‪ .‬كذلك تردد دور خافت‬ ‫لقط���ر التي قامت بو�ساط���ة بني طريف ال�ص���راع‪ ،‬بدت �إىل حني‬ ‫�أنها ناجحة‪ ،‬والتي اتُهمت يف بع�ض الكتابات ب�أن و�ساطتها كانت‬ ‫ملنع احل�سم الع�سكري ال���ذي كان �سي�ضع نهاية حلركة احلوثيني‬ ‫يف اليمن يف حماولة لإبقاء ال�ضغط على ال�سعودية‪.‬‬ ‫العوامل ال�سابقة ت�شري لوجود قوى خارجية �صاحبة دور يف تفجري‬ ‫ال�ص���راع و�إدامت���ه‪� ،‬إ�ضافة للحديث عن دعم �سع���ودي للحكومة‬ ‫اليمنية لإعتبارات الأمن الوطني ال�سعودي‪ ،‬وعن �ضغوط غربية‬ ‫عام���ة‪ ،‬على احلكوم���ة اليمني���ة للت�صعيد �ض���د احلوثيني ب�سبب‬ ‫موقفهم املعادي لليهود و�إ�سرائيل والواليات املتحدة‪.‬‬ ‫�أحمد عبدالك���رمي �سـيف رئي�س التحري���ر‪ ،‬واملدير التنفيذي‬ ‫ملركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية‪.‬‬

‫انتهت دول���ة الإمامة ولكن‬ ‫اجل��ذر ال�سيا�س��ي للأزمـ��ة‬ ‫بق���ي الفكر‪ .‬تكر�ست خ�ل�ال �ألف عام من حك���م الأئمة م�صالح‬ ‫�ضخم���ة لهم كفئة وطبق���ة‪ .‬ومع جميء النظ���ام اجلمهوري عام‬ ‫‪ 1962‬مت ن���زع احلكم منهم وتقلي�ص نفوذهم وم�صاحلهم ب�شكل‬ ‫كبري جد ًا‪ ،‬م���ع بقاء �أعداد منهم يف مفا�ص���ل الدولة مت تثبيتهم‬ ‫حني متت امل�صاحلة ب�ي�ن اجلمهوريني وامللكيني عام ‪ .1968‬هذا‬ ‫الهام����ش مت انتزاعه ليعطى للجنوبيني بع���د الوحدة ‪ ،1990‬مما‬ ‫�أوج���د �سخط ًا بينه���م وعزز العزم على العم���ل ال�ستعادة امل�صالح‬ ‫املفق���ودة‪ .‬وكان البد م���ن غطاء ديني و�آخ���ر �سيا�سي ميهد ب�شكل‬ ‫مقبول داخلي ًا وخارجي ًا لعودة النفوذ ال�سابق يف اليمن‪.‬‬ ‫وجدي���ر بالذك���ر �أن ال�سائ���د الآن ب�ي�ن �أتباع املذه���ب الزيدي هو‬ ‫الفرق���ة الهادوي���ة الأق���رب لل�سن���ة‪ ،‬وق���د �أحيا احلوثي���ون الفرقة‬

‫اجلارودي���ة (ن�سبة �إىل �أبي اجلارود زياد بن املنذر العبدي املتويف‬ ‫�سن���ة ‪ 150‬هـ) وهي الأك�ث�ر تطرف ًا بني فرق الزيدي���ة والأبعد عن‬ ‫ال�سنة والأقرب �إىل الإثنى ع�شرية‪ ،‬وقد حاربها الأئمة فيما م�ضى‬ ‫واندث���رت‪ ،‬لهذا يح�صل اخللط ل���دى الكثري ب����أن احلوثيني �إثني‬ ‫ع�شرية جعفرية‪.‬‬ ‫ومع جميء الثورة الإيرانية ‪ 1979‬عاد �أ�صحاب امل�شروع اجلارودي‬ ‫عل���ى مهل‪ .‬بد�أ �أول حترك على يد العالمة �أحمد فليتة عام ‪1986‬‬ ‫ب�إن�شاء «احت���اد ال�شباب»‪ ،‬وكان �ضمن ما يقوم بتدري�سة مادة عن‬ ‫الثورة الإيرانية يدر�سها حممد بدرالدين احلوثي‪ .‬ويف عام ‪1988‬‬ ‫جت���دد الن�ش���اط على ي���د بع�ض الرم���وز الدينية مث���ل جمدالدين‬ ‫امل�ؤي���دي وبدرالدي���ن احلوث���ي‪ .‬وم���ع قي���ام الوح���دة حتولت هذه‬ ‫الأن�شط���ة �إىل م�شروع �سيا�س���ي بت�أ�سي�س حزب احلق‪ ،‬ثم يف ‪1992‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫حتليالت‬

‫قام حمم���د يحيى �سامل عزان بت�أ�سي�س «منت���دى ال�شباب امل�ؤمن»‬ ‫وال���ذي انقلب علي���ه يف ‪ 1997‬ح�سني بدرالدي���ن احلوثي وعبداهلل‬ ‫عي�ض���ة الرزام���ي وعبدالرحي���م احلم���ران وحت��� ّول التنظيم من‬ ‫املدلول الثق���ايف �إىل ال�سيا�سي (تنظيم ال�شب���اب امل�ؤمن)‪ ،‬وتفرغ‬ ‫ح�سني احلوث���ي للتنظيم ت���ارك ًا مقعده يف الربمل���ان لأخيه يحيى‪،‬‬ ‫وجعل �أبوه بدرالدين احلوثي مرجع ًا ديني ًا للتنظيم‪.‬‬

‫ج���زء م���ن خمطط �إي���راين كب�ي�ر يرتكز عل���ى ت�صني���ع وت�صدير‬ ‫امل�ش���اكل الطائفية لي�سهل على �إي���ران التغلغل داخل الب�ؤر املتوترة‬ ‫ومتري���ر م�شروعه���ا التو�سعي‪ .‬ه���ذا امل�شروع املعل���ن ر�سمي ًا الذي‬ ‫تبنت���ه احلكوم���ات ال�سيا�سية الإيراني���ة كافة‪ ،‬وال���ذي يهدف �إىل‬ ‫ن�ش���ر الت�شيع اجلعفري وتر�صد ميزانيات مالية �ضخمة لإجناحه‪،‬‬ ‫ومبا يحق���ق م�ساعي التو�سع والهيمنة عل���ى املنطقة و�إعادة املجد‬ ‫الإيراين الغابر‪.‬‬ ‫�إن م�شروع التمدد الإيراين جاء تنفيذ ًا لتو�صيات امل�ؤمتر الت�أ�سي�سي‬ ‫ل�شيع���ة العامل فى مدين���ة قم الإيراني���ة‪ ،‬والذي �أو�ص���ى ب�ضرورة‬ ‫تعميم التجربة ال�شيعي���ة‪ ،‬التي قال �إنها كانت ناجحة فى العراق‪،‬‬ ‫�إىل باق���ى ال���دول العربي���ة والإ�سالمي���ة الأخرى منه���ا ال�سعودية‬ ‫والأردن واليمن وم�صر والكويت والبحرين‪ ،‬وذلك من خالل بناء‬ ‫قوات ع�سكرية غري نظامية جلمي���ع الأحزاب واملنظمات ال�شيعية‬ ‫بالع���امل عن طريق �إدخال جمموعة م���ن الأفراد داخل امل�ؤ�س�سات‬ ‫احل�سا�سة الع�سكرية والأجه���زة الأمنية‪ ،‬ودعمها مالي ًا عن طريق‬ ‫تخ�صي����ص ميزاني���ة خا�صة به���ا‪ .‬لق���د ا�ستغل النظ���ام الإيراين‬ ‫حدوث مترد «احلوثيني»‪ ،‬وعم���ل على �أن تكون جماعة م�ستن�سخة‬ ‫عن ملي�شيا «جي�ش املهدي»‪ ،‬فتم ت�سليحها ودعمها من قبل النظام‬ ‫الإيراين لأغرا�ض �سيا�سية بحتة‪.‬‬

‫غزوه عام ‪ 2003‬فر�ص��� ًا ذهبية لتمدد النفوذ الإيراين يف املنطقة‬ ‫العربي���ة‪ ،‬كذلك ا�ستف���ادت �إيران من �أح���داث ‪� 11‬أيلول‪�/‬سبتمرب‬ ‫يف تكري����س فك���رة �أن الإرهاب �سني ولي�س �شيعي��� ًا‪ ،‬و�س ّوقت �إيران‬ ‫فك���رة احللف ال�شيعي امل���وايل مل�صالح الغ���رب يف منطقة ال�شرق‬ ‫الأو�سط‪ .‬وال ميكن �إغفال النجاح الن�سبي ملثل هذه الإ�سرتاتيجية‪،‬‬ ‫حيث �ساعدت �إيران احللف الغربي لإ�سقاط �صدام ح�سني وجلب‬ ‫حلفائها م���ن �شيعة العراق ل�سدة احلك���م‪ ،‬ويف نف�س الوقت قامت‬ ‫بدع���م ف�صائل املقاومة ال�سنية والقاعدة ملزيد من توريط �أمريكا‬ ‫يف الع���راق و�أفغان�ستان لبقاء حاجة �أمريكا مل�ساعدة �إيران‪ ،‬الأمر‬ ‫ال���ذي ذكره ب�صراحة الرئي�س باراك �أوباما‪ ،‬وهذا بدوره ق ّوى من‬ ‫موق���ف �إيران على �صعيد امللف النووي الذي بدوره يدعم امل�شروع‬ ‫الإقليم���ي الإيراين‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أن �إي���ران تهدد ب�إغراق املنطقة يف‬ ‫الفو�ض���ى يف ح���ال مهاجمة مواقعه���ا النووية من خ�ل�ال الأقليات‬ ‫ال�شيعية يف دول اخلليج العربية‪.‬‬

‫هناك �ضرورة للوقوف مبو�ضوعية لتحديد وفهم �أبعاد التحركات‬ ‫االيراني���ة يف �ش���رق �أفريقي���ا والق���رن الأفريقي‪ ،‬والت���ي زادت يف‬ ‫الآونة الأخرية لإيجاد الو�سيلة الأن�سب للتعامل مع هذه التحركات‬ ‫واحل�ؤول دون متكني �إيران من تو�سيع مناطق نفوذها وم�صاحلها‬ ‫يف املنطقة‪� ،‬إذ ي�ؤثر ذلك بال�سلب على م�صالح الدول القريبة من‬ ‫منطقة القرن الإفريقي وعلى ر�أ�سها م�صر وال�سعودية واليمن من‬ ‫ناحي���ة‪ ،‬ودول اخلليج من ناحية �أخ���رى‪� .‬إن التحركات الإيرانية‬ ‫تفر�ض حتديات عل���ى م�صر وال�سعودية وعلى دول املنطقة حيث‬ ‫�أن �إفريقيا هي عم���ق ا�سرتاتيجي مل�صر وال�سعودية‪ ،‬وعليهما �أن‬ ‫تواجه���ا حتدي���ات التح���ركات الإيرانية‪ ،‬حيث �أنه���ا ال ت�ستهدف‬ ‫فقط زيادة نفوذها يف القارة‪ ،‬ولكن الت�أثري على امل�صالح العربية‬ ‫يف ق���ارة �إفريقيا‪ ،‬وخا�صة م���ا يحدث يف �ش���رق �إفريقيا والقرن‬ ‫الإفريق���ي‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل ما تت���م �إثارته من ا�ضطرابات وقالقل‬ ‫ته���دد ا�ستق���رار دول ذات عالقة �أمنية م�شرتك���ة مثل ال�صومال‬ ‫واليمن وال�سودان وغريها‪.‬‬

‫م���ع الوحدة برزت �أح���زاب �سيا�سية تعرب ع���ن م�صالح فئوية مثل‬ ‫ح���زب اهلل‪ ،‬وح���زب احلق‪ ،‬وح���زب احت���اد الق���وى ال�شعبية‪ .‬ومل‬ ‫حت�صل جميعها �سوى على مقعدين يف �أول �إنتخابات برملانية عام‬ ‫‪ 1993‬ومل حت�ص���ل عل���ى �أي مقعد يف �إنتخاب���ات ‪ 1997‬و ‪ ،2003‬يف‬ ‫حني تعزز متثيل الإ�سالميني ال�سنة والقوميني على ح�سابهم‪ .‬هذا‬ ‫ر�س���خ القناعة لديهم بعدم جدوى اللعب���ة ال�سيا�سية القائمة على‬ ‫الإنتخاب���ات ال�ستع���ادة احلكم‪ .‬تزامن مع ه���ذا ال�صعود املتنامي‬ ‫لتنظي���م ال�شباب امل�ؤمن ونزوع �إي���ران لت�صدير الثورة �إىل اليمن‪،‬‬ ‫وه���ذا الدع���م هو ما يجع���ل من بني �أدبي���ات احلوث���ي الثناء على‬ ‫الثورة الإ�سالمية يف �إيران له���دف �سيا�سي ولي�س عقائدي‪ ،‬الأمر‬ ‫الذي جعل املراقبني يقولون باثناع�شرية احلركة احلوثية‪.‬‬

‫�إغالق الدائرة ال�شيعية وتهديدات الأمن القومي‬ ‫م ّث���ل �إ�ضع���اف الع���راق بعد ع���ام ‪ 1990‬ومن ثم‬ ‫العرب��ي‬

‫�إن املتتبع للأحداث ال يجد بالغ عناء يف اكت�شاف التواط�ؤ الإيراين‬ ‫وحماولة زعزعة املنطقة ككل ولي�س اليمن فقط؛ فاليمن والعراق‬ ‫‪14‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫حت��ركات مريب��ة‬

‫تث��ي�ر الأن�شط����ة اال�ستخباراتي����ة‬

‫والع�سكري����ة الإيرانية على حدود العامل العربي القلق ال�شديد‪،‬‬ ‫ومل تعد تلك الأن�شطة خافية‪ .‬وعلى �صعيد �آخر يتزايد احل�ضور‬ ‫الإي����راين يف املنطقة‪ ،‬وتتمتع بت�سهيالت هامة يف ميناء ع�صب‬ ‫املطل على باب املندب مع زيادة التعاون مع �إريرتيا‪ ،‬بالإ�ضافة‬ ‫�إىل التع����اون الع�سكرى بني طهران واخلرطوم و�إقامة عالقات‬ ‫م����ع بع�ض الأط����راف املتحارب����ة يف ال�صومال‪ ،‬ث����م �أخري ًا دعم‬ ‫احلوثيني يف منطقة �صعدة و�شمال اليمن‪� .‬إن �إيران ت�سعى �إىل‬ ‫فت����ح ممرات بحرية وبرية ت�سهل الو�صول �إىل مناطق الأزمات‬ ‫يف منطقة ال�ش����رق الأو�سط‪ ،‬ال�سيما منطقة ال�صراع العربي ‪-‬‬ ‫الإ�سرائيلي‪ ،‬من خالل ت�أمني وجود �إيراين بالقرب من املمرات‬ ‫البحرية‪ ،‬خ�صو�ص���� ًا البحر الأحمر وباب املندب‪ ،‬وهو ما يوفر‬ ‫ورق����ة ت�ستطيع �إي����ران ا�ستخدامها للتعامل م����ع ال�سيناريوهات‬ ‫املحتملة لأزم����ة ملفها النووي‪ ،‬وعلى ر�أ�سه����ا احتمال تعر�ضها‬ ‫ل�ضربة ع�سكرية �سواء من جانب �إ�سرائيل �أو الواليات املتحدة‪،‬‬ ‫�أو االثنت��ي�ن مع���� ًا‪� .‬إن ال����دور الإيراين على ال�ساح����ة الإفريقية‪،‬‬ ‫ال يت����م عرب �أدوات الدولة الر�سمي����ة وال ي�سمح ب�إ�شراك الدولة‬ ‫ب�ش����كل مبا�ش����ر‪ ،‬رغم �أنه يلع����ب دور ًا يف غاي����ة الأهمية خلدمة‬ ‫�أهداف ال�سيا�سة اخلارجية الإيرانية‪.‬‬ ‫وقد �أنتج ذلك ارتباك ًا وا�ضح ًا لدى الأو�ساط ال�سيا�سية ودوائر‬ ‫�صنع القرار يف العديد م����ن عوا�صم العامل؛ فالوجود الإيراين‬ ‫وا�ضح يف هذه املنطقة لكن بع�ض �أدواته غري مرئية‪ .‬وهذا الدور‬ ‫اخلف����ي تقوم به م�ؤ�س�س����ات ما ي�سمى بـ «�إم����داد الإمام (بنياد‬ ‫�إمداد �إمام)»‪ ،‬وهي م�ؤ�س�سات خريية تعمل مبعزل عن �سيطرة‬ ‫احلكومة‪ ،‬ومتثل كيان����ات اقت�صادية عمالقة تناطح �إمكانيات‬ ‫الدول����ة نف�سه����ا‪ ،‬مث����ل م�ؤ�س�س����ة «امل�ست�ضعف��ي�ن»‪ ،‬و»ال�شهي����د»‪،‬‬ ‫و»الإم����ام الر�ض����ا»‪ ،‬و»اخلام�����س ع�شر م����ن خ����رداد» وغريها‪.‬‬ ‫ومتار�����س هذه امل�ؤ�س�سات �أن�شطة كث��ي�رة متتد من التجارة �إىل‬ ‫الت�صنيع ون�شر الدعوة الدينية – ال�سيا�سية وتقدمي اخلدمات‬ ‫االجتماعي����ة‪ ،‬وه����ي ُمعفاة من ال�ضرائب وتتب����ع املر�شد الأعلى‬ ‫للجمهوري����ة مبا�شرة‪ .‬كم����ا �أن م�ؤ�س�س����ة �إمداد الإم����ام (بنياد‬ ‫ام����داد ام����ام) �إح����دى الأدوات التي ت�ستخدمها �إي����ران لت�أمني‬ ‫وجوده����ا يف �شرق �إفريقيا‪ ،‬ال�سيم����ا جلهة دعم ت�أ�سي�س مراكز‬ ‫�شيعية يف هذه املنطقة‪ ،‬وهو دور متار�سه م�ؤ�س�سة �إمداد الإمام‬ ‫يف �سياق ال�سعي �إىل ت�صدير الثورة الإيرانية �إىل اخلارج‪.‬‬ ‫ومن يوم لآخر تتزايد �شواهد وبراهني و�أدلة الأ�صابع الإيرانية‬ ‫يف حتري����ك مت����رد احلوثي��ي�ن يف �صع����دة (�أ�سلح����ة‪ ،‬ام����وال‪،‬‬

‫م�ش��روع التمدد الإيراين جاء تنفي��ذ ًا ملقررات‬ ‫امل�ؤمت��ر الت�أ�سي�س��ي ل�ش��يعة الع��امل ف��ى مدينة‬ ‫ق��م الإيراني��ة‪ ،‬والذي �أو�ص��ى ب�ض��رورة تعميم‬ ‫التجرب��ة ال�ش��يعية‪ ،‬الت��ي ق��ال �إنه��ا كان��ت‬ ‫ناجح��ة فى الع��راق‪� ،‬إىل باقى ال��دول العربية‬ ‫والإ�س�لامية الأخ��رى منها ال�س��عودية والأردن‬ ‫واليمن وم�صر والكويت والبحرين‬ ‫من�ش����ورات‪ ،‬تدري����ب‪ ،‬اعرتافات‪ ،‬مب����ادرات وو�ساط����ات �سرية‬ ‫وعلنية لإيق����اف احلرب عند ت�ضييق اخلن����اق على املتمردين‪،‬‬ ‫دع����م لوج�ستي و�سيا�س����ي للمتمردين‪...‬ال����خ)‪ .‬وتلقائي ًا تتناثر‬ ‫مالم����ح الدع����م الإي����راين للتمرد احلوث����ي يف �أكرث م����ن زاوية‬ ‫وتتك�ش����ف عراها يف �سل�سلة �أحداث و�شواهد ميدانية و�أحاديث‬ ‫مرتابط����ة روحي ًا ولوج�ستي ًا‪ ،‬ب�ش����كل يك�شف بو�ضوح عن حقيقة‬ ‫امل�ش����روع الذي حتاول �إيران تنفي����ذه يف املنطقة كلها ولي�س يف‬ ‫اليمن فح�سب‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪15 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫حتليالت‬

‫اليمن‬ ‫الإ�سرائيلية‬ ‫فـي اال�سرتاتيجية‬

‫ب�إعالن��ه يف �ش��هر ت�ش��رين الأول‪� /‬أكتوب��ر ‪ ،2008‬القب���ض عل��ى خلي��ة �إرهابي��ة مرتبطة باال�س��تخبارات الإ�س��رائيلية‬ ‫(املو�س��اد)‪� ،‬أثار الرئي�س علي عبد اهلل �ص��الح ده�شة الكثريين‪ .‬وقد اعترب البع�ض هذا الإعالن رواية مفربكة الدعاء‬ ‫انت�ص��ار وهمي �ض��د �إ�س��رائيل‪ .‬غري �أن املتتبع لل�سيا�س��ة الإ�س��رائيلية �إزاء املنطقة يعرف �أن م�س���ألة تورط �إ�سرائيل يف‬ ‫�أعمال تخريبية �أو جت�س�سية هي م�س�ألة واردة يف �أي وقت‪.‬‬

‫عبد الغنــي املـــــاوري‬ ‫وفيم����ا يتعلق باليمن‪ ،‬ال يجب التقلي����ل من اخلطر الإ�سرائيلي على‬ ‫الأمن القومي اليمني‪ .‬ويف هذا الإطار‪ُ ،‬يخطئ من يعتقد �أن �إ�سرائيل‬ ‫ال متل����ك �سيا�س����ة جتاه اليم����ن‪ ،‬ذل����ك �أن �إ�سرائيل تق����دم نف�سها على‬ ‫�أنه����ا دولة حمورية يف منطقة ال�شرق الأو�س����ط‪ ،‬وبالتايل ف�إنها متتلك‬ ‫�سيا�سة خا�صة جتاه كل دول املنطقة‪ ،‬هذا من ناحية‪ ،‬من ناحية ثانية‬ ‫م ّثل احللم الإ�سرائيل����ي يف ال�سيطرة على البحر الأحمر وباب املندب‬ ‫دافع���� ًا قوي���� ًا العتماد ا�سرتاتيجي����ة �إ�سرائيلية جتاه ال����دول املطلة على‬ ‫البحر الأحمر‪ ،‬ومن بينها اليمن‪ .‬تقوم هذه اال�سرتاتيجية على �إقامة‬ ‫عالق����ات �سيا�سية واقت�صادية مع هذه الدول يتيح لها ح�ضور دائم يف‬ ‫البح����ر الأحمر‪ ،‬ويف ح����ال مل ت�ستطع �إقامة هذه العالق����ة‪ ،‬ف�إنه يجب‬ ‫�ضم����ان بقاء البحر الأحم����ر مفتوح ًا لل�سف����ن الإ�سرائيلية مهما كانت‬ ‫الظروف‪.‬‬ ‫وق����د حاول الإ�سرائيليون �إعط����اء اهتمامهم باليمن بعد ًا ديني ًا من‬ ‫خ��ل�ال القول �أن اليمن هي موط����ن لأ�سباط بني �إ�سرائيل‪ ،‬وهي املكان‬ ‫الذي ي�ضم بالد �سب�أ التي ورد ذكرها يف العهد القدمي (مزمور ‪،10:72‬‬ ‫�أ�شعياء ‪ .)3:43‬لكن هذه الق�شرة الدينية‪ ،‬بح�سب الباحث الفل�سطيني‬ ‫�إبراهيم عبد الكرمي‪ ،‬تُخفي حتتها اعتبارات ا�سرتاتيجية واقت�صادية‬ ‫وع�سكري����ة تدفع ال�صهيوني����ة و�إ�سرائيل للنظر �إىل ه����ذا اجلزء املهم‬ ‫من �شبه اجلزيرة العربي����ة بعني احلر�ص على تعطيل دوره �أو تقوي�ض‬ ‫‪16‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫حتكم����ه يف املنفذ اجلنوبي للبحر الأحمر‪ ،‬ال����ذي ت�صنفه �إ�سرائيل يف‬ ‫عداد املواقع احليوية لوجودها ولأمنها‪.‬‬ ‫ومل تك����ن ه����ذه ه����ي الأ�سط����ورة الوحي����دة الت����ي ي����ر ّوج له����ا بع�ض‬ ‫ال�صهاين����ة بغر�ض حماولة حتريف احلقائ����ق ال�سيا�سية واجلغرافية‪،‬‬ ‫فف����ي �سياق �إقناع الإثيوبيني ب�أهمية العالقات مع �إ�سرائيل مت الرتويج‬ ‫لأ�سطورة زواج النبي �سليمان عليه ال�سالم وال�سيدة بلقي�س ملكة �سب�أ‪،‬‬ ‫وق����د اقتنع [االمرباطور الإثيوبي هيال�سال�سي ب�أنه منحدر من �صلب‬ ‫�سليمان وبلقي�س‪ ،‬وبالت����ايل فهو ن�صف �إ�سرائيلي ون�صف ميني‪ ،‬وكان‬ ‫هذا م��ب�رر ًا للزعيم االثيوبي ب�أن مي�ض����ي يف عالقات ا�سرتاتيجية مع‬ ‫الدولة العربية دون حتفظات‪.‬‬ ‫تاريخي���� ًا‪ ،‬تعود االهتمام����ات ال�صهيونية باليم����ن �إىل ما قبل قيام‬ ‫دولة الكيان الإ�سرائيلي ع����ام ‪ ،1948‬فقد �أُن�شئت جلنة خا�صة باليمن‬ ‫�ضمن عدة جلان ملتابعة �أحوال اليهود يف العامل يف امل�ؤمتر ال�صهيوين‬ ‫الأول ال����ذي ُع ِقد يف بال ب�سوي�سرا ع����ام ‪ ،1897‬وقد قامت هذه اللجنة‬ ‫بدور كبري يف ت�سهيل هجرة اليهود اليمنيني �إىل فل�سطني‪.‬‬ ‫وعل����ى الرغ����م م����ن �أن م�س�أل����ة الهج����رة مثل����ت بع����د ًا �أ�سا�سي���� ًا يف‬ ‫اال�سرتاتيجي����ة الإ�سرائيلية �إزاء اليم����ن حيث ال تزال الوكالة اليهودية‬ ‫ت�سع����ى جاه����د ًة �إىل نقل ما تبق����ى من اليهود اليمني��ي�ن �إىل �إ�سرائيل‪.‬‬ ‫لك����ن اهتمام �إ�سرائي����ل باليمن يتعدى ذلك �إىل م�سائ����ل تتعلق بالأمن‬ ‫عبدالغني املاوري �صحفي وكاتب من اليمن‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪17 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫حتليالت‬

‫الإ�سرائيل����ي‪ ،‬فقد مثل وجود اجلي�ش امل�ص����ري يف اليمن يف �ستينيات‬ ‫الق����رن املا�ض����ي تهدي����د ًا مبا�ش����ر ًا للم�صال����ح الإ�سرائيلي����ة يف البحر‬ ‫الأحمر‪ ،‬وق����د حاول الإ�سرائيلي����ون بطرق �شتى �إغ����راق امل�صريني يف‬ ‫الرم����ال اليمني����ة املتحركة‪ ،‬فعم����دوا �إىل الدخول كط����رف يف احلرب‬ ‫اليمني����ة من خالل توف��ي�ر ال�سالح والغ����ذاء والأدوية للق����وات املوالية‬ ‫للإم����ام الب����در يف حماولة منه����م لإنهاك اجلي�ش امل�ص����ري الذي كان‬ ‫يقات����ل �إىل جان����ب قوات الث����ورة‪ ،‬وقالت �صحيف����ة �سالح اجلو‬

‫ُيخطئ من يعتقد �أن �إ�س��رائيل ال متلك �سيا�س��ة‬ ‫جتاه اليمن‪ ،‬ذلك �أن �إ�سرائيل تقدم نف�سها على‬ ‫�أنها دولة حمورية يف منطقة ال�ش��رق الأو�سط‪،‬‬ ‫وبالتايل ف�إنها متتلك �سيا�س��ة خا�ص��ة جتاه كل‬ ‫دول املنطقة‬ ‫الإ�سرائيل����ي �أن الطريان الإ�سرائيلي نفذ ع����دد ًا من الطلعات اجلوية‬ ‫ف����وق اليمن �أ�سقط �أثناءها ال�سالح والعتاد للقوات املوالية للبدر‪ ،‬وقد‬ ‫ك�شف����ت ال�صحيفة وثائ����ق �سرية ت�ؤك����د ذلك‪ .‬ويف ه����ذا ال�سياق‪ ،‬ذكر‬ ‫ال�صحف����ي امل�ص����ري حممد ح�سنني هيكل يف �سي����اق حديثه عن الدور‬ ‫الربيط����اين يف ح����رب ‪� 1967‬أن �إ�سرائي����ل كان����ت متورط����ة يف احلرب‬ ‫يف اليم����ن وذلك بح�سب الوثائ����ق الربيطانية‪ ،‬وهو م����ا يتقاطع مع ما‬ ‫تناقلته و�سائل الإعالم م�ؤخر ًا حول دور �إ�سرائيل يف حرب اليمن‪ ،‬و�أن‬ ‫العالقة بني �إ�سرائيل ونظام البدر بد�أت عرب و�ساطة جمموعة �ضباط‬ ‫كومان����دوز بريطاني��ي�ن‪ .‬ومن غ��ي�ر امل�ستبع����د �أن تعم����ل �إ�سرائيل على‬ ‫الدخ����ول جم����دد ًا يف ال�صراعات الداخلية يف اليم����ن‪ ،‬ذلك �أن فل�سفة‬ ‫اال�سرتاتيجية الإ�سرائيلية جتاه الدول املطلة على البحر الأحمر تقوم‬ ‫على ا�ستمالتها �أو حماولة تفجريها من الداخل‪.‬‬ ‫وتع����د العالقة القوي����ة التي تربط اليم����ن بالف�صائ����ل الفل�سطينية‬ ‫الت����ي كانت جتد ملج�أً �آمن���� ًا لن�شاطها يف الأرا�ض����ي اليمنية �أحد �أهم‬ ‫االعتبارات التي جعلتها يف موقع متقدم يف اال�سرتاتيجية الإ�سرائيلية‪،‬‬ ‫وق����د لفتت عملي����ة اختطاف طائرة لوفتهانزا �أملاني����ة �إىل مدينة عدن‬ ‫ُخف‬ ‫عام ‪ 1972‬م����ن قبل اجلبهة ال�شعبية‪ ،‬اهتم����ام �إ�سرائيل التي مل ت ِ‬ ‫خ�شيته����ا م����ن تو�س����ع عملي����ات احل����ركات الفل�سطيني����ة املقاومة �ضد‬ ‫�أه����داف خا�ص����ة بها يف البح����ر الأحمر‪ ،‬وقد �أدى دخ����ول اليمن طرف ًا‬ ‫يف احل����رب الأهلي����ة اللبنانية الت����ي تفجرت يف ع����ام ‪� 1975‬إىل جانب‬ ‫احلرك����ة الوطنية الت����ي �أ�س�سها الزعيم اللبناين كم����ال جنبالط �ضد‬ ‫‪18‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫اجلبه����ة الوطنية التي كانت متث����ل الأحزاب امل�سيحي����ة �أو ما ُا�صطلح‬ ‫على ت�سميته باليم��ي�ن امل�سيحي املدعوم من قبل �إ�سرائيل‪� ،‬إىل ازدياد‬ ‫اهتمام الأخرية باليمن‪.‬‬ ‫عالوة على ذلك‪ ،‬م ّثلت طبيعة النظام الذي كان قائم ًا يف اجلنوب‬ ‫عن�ص����ر ًا �إ�ضافي ًا لهذا االهتمام‪� ،‬إذ �أُ ِوكلت لال�ستخبارات الإ�سرائيلية‬ ‫مهمة التج�س�س على الدول التي كان ُيعتقد �أنها مبثابة قواعد لالحتاد‬ ‫ال�سوفييت����ي يف ال�ش����رق الأو�س����ط‪ ،‬وكان جنوب اليمن �أح����د �أهم هذه‬ ‫ال����دول‪ ،‬وقد امتد ن�شاط �إ�سرائيل التج�س�سي �إىل �شمال اليمن‪ ،‬وذلك‬ ‫م����ن �أجل معرفة تفا�صي����ل القوة البحرية اليمني����ة‪ ،‬ولعل من املنا�سب‬ ‫تذ ُّكر ق�ص����ة اجلا�سو�س الإ�سرائيلي ب����اروخ مرزاحي الذي مت القب�ض‬ ‫عليه يف مدينة احلديدة يف عام ‪.1973‬‬ ‫غ��ي�ر �أن �أهم مرتك����زات ال�سيا�سة الإ�سرائيلية جت����اه اليمن هو ما‬ ‫يتعلق ب�ضمان الهيمنة عل����ى البحر الأحمر‪ ،‬وهذه امل�س�ألة متثل �أولوية‬ ‫متقدم����ة يف اال�سرتاتيجي����ة الإ�سرائيلية الأمنية‪ ،‬فقد ب����د�أت �إ�سرائيل‬ ‫يف ع����ام ‪� ،1949‬أي بعد �شهور قليلة م����ن �إن�شائها بت�أ�سي�س وجود لها يف‬ ‫البحر الأحمر‪ ،‬و�صو ًال �إىل ال�سيطرة التامة عليه‪.‬‬ ‫وقد ع��ب�ر �أول رئي�س حكومة �إ�سرائيلية بن غوريون عن ذلك بقوله‬ ‫“�أنن����ي �أحلم ب�أ�ساطيل داوود متخ����ر عباب البحر الأحمر”‪ ،‬وا�صف ًا‬ ‫مين����اء �إي��ل�ات املطل على البح����ر الأحمر مب����وت �إ�سرائي����ل وحياتها‪،‬‬ ‫واملعروف �أن الإ�سرائيليني �أع����ادوا اكت�شاف خطورة �ش ّل ميناء �إيالت‬ ‫�أثناء حرب ت�شرين الأول‪� /‬أكتوبر ‪ ،1973‬عندما قامت اليمن بالتعاون‬ ‫مع م�ص����ر ب�إغالق م�ضيق باب املندب‪ ،‬وكان م����ن نتائج هذا الإغالق‬ ‫من����ع و�صول �إم����دادات النفط �إىل �إ�سرائيل‪ ،‬وهو م����ا اعتربته الأخرية‬ ‫عم ًال ع�سكري ًا �ضدها‪.‬‬ ‫وكان م����ن نتائج هذه احل����رب �سقوط نظرية احل����دود الآمنة التي‬ ‫اعتمدتها الدولة العربية من����ذ قيامها‪ ،‬وبح�سب تقرير رفعه �أبا �أيبان‬ ‫�إىل الكني�س����ت عام ‪ 1973‬ف�إن الإ�سرتاتيجي����ة الإ�سرائيلية جتاه البحر‬ ‫الأحم����ر‪ ،‬تقوم على �ض����رورة �أن تدافع �إ�سرائيل ع����ن خمرجها الآمن‬ ‫واحلر �إىل هذا البحر ب�أي ثمن‪ ،‬وقد ُعبرّ عن هذه ال�سيا�سة من خالل‬ ‫تهديد الدول املطلة على البحر الأحمر ‪ -‬ومن بينها اليمن ‪ -‬باحلرب‬ ‫يف حال قامت ب�أعمال عدائية �ضد الوجود الإ�سرائيلي يف هذا البحر‪.‬‬ ‫كم����ا ا�ستطاع����ت تل �أبي����ب تثبيت مبد�أ �إبق����اء البحر الأحم����ر مفتوح ًا‬ ‫�أم����ام املالح����ة البحري����ة الإ�سرائيلي����ة يف اتفاقية “ف�����ض اال�شتباك”‬ ‫الت����ي وقعته����ا مع م�صر ع����ام ‪ .1974‬وعلى الرغم م����ن �أن هذا االتفاق‬ ‫�أعطى �إ�سرائيل �أهم ما كانت تطالب به منذ فرتة طويلة‪ ،‬ف�إنها عملت‬ ‫عل����ى تدوي����ل باب املندب واجل����زر التي تتحكم في����ه‪ ،‬ويف موازاة ذلك‬ ‫ا�ستطاع����ت من خ��ل�ال عالقات خا�صة مع �إثيوبي����ا و�إريرتيا احل�صول‬ ‫عل����ى مواقع يف جزر دهلك وفاطمة وحالب وتعزيز وجودها الع�سكري‬ ‫يف البح����ر الأحمر‪ ،‬و�ساعده����ا ذلك يف بناء �أنظم����ة ات�صاالت حديثة‬

‫لغر�����ض التج�س�����س على دول املنطقة ومن بينه����ا اليمن‪ ،‬لذلك مل يكن‬ ‫م�ستغرب���� ًا �أن يك����ون راديو �أ�سرائي����ل �أول من �أعلن ع����ن هرب الرئي�س‬ ‫عل����ي نا�صر حممد �إث����ر �أحداث كانون الثاين‪ /‬يناي����ر ‪ 1986‬بعد ر�صد‬ ‫الرادارات الإ�سرائيلية لطائرته املتوجهة �إىل �شمال اليمن‪.‬‬ ‫والوا�ض����ح �أن كل ه����ذه التح����ركات �ش ّكلت تهدي����د ًا مبا�شر ًا للأمن‬ ‫القومي اليمني والعربي‪ .‬ويف هذا ال�سياق‪ ،‬ميكن فهم الدور الإ�سرائيلي‬ ‫يف احتالل جزر �أرخبيل حني�ش نهاية ‪ ،1995‬من خالل توفري الأ�سلحة‬ ‫املتط����ورة للجانب الإريرتي و�ضمان جناح العمليات التي قادها مايكل‬ ‫دوما‪ ،‬وهو طيار مقدم �إ�سرائيلي‪.‬‬ ‫ويف �أعق����اب حرب غزة نهاية العام املا�ض����ي ومطلع العام اجلاري‬ ‫(‪ )2009‬اكت�شفت �إ�سرائيل مهمة جديدة ميكنها من خالل وجودها يف‬ ‫البح����ر الأحمر القيام بها على �أكمل وجه‪ ،‬وه����ي منع و�صول الأ�سلحة‬ ‫�إىل حرك����ة حما�����س الفل�سطيني����ة‪ .‬ويف ه����ذا الإط����ار‪ ،‬نقل����ت �صحيفة‬ ‫�صاندي تامي����ز الربيطاني����ة يف منت�صف ني�سان‪� /‬أبري����ل املا�ضي عن‬ ‫م�ص����ادر �أمني����ة �إ�سرائيلية �أن الغ����ارة التي ا�ستهدف����ت قافلتي �أ�سلحة‬ ‫كانت تعرب ال�س����ودان يف طريقها مل�صر‪ ،‬متت بوا�سطة طائرة انطلقت‬ ‫م����ن �إريرتيا برغم نفي هذه الأخرية‪ ،‬ما يعني �أن �إ�سرائيل باتت تعترب‬ ‫نف�سه����ا �أكرب قوة يف البح����ر الأحمر‪ ،‬ومن حقها املبادرة �إىل �ضرب ما‬ ‫تعتقد �أنها �أهداف معادية‪ ،‬وهو �أمر البد �أن يثري قلق الدول املطلة على‬ ‫����ال كثري ًا بهذا الهجوم الذي‬ ‫ه����ذا البحر‪ ،‬التي ‪ -‬ل�سوء احلظ ‪ -‬مل ُتب ِ‬ ‫�ستظهر نتائجه اخلطرية على الأمن العربي يف امل�ستقبل املنظور‪.‬‬ ‫والواق����ع �أن �إ�سرائيل حت����اول الإيحاء ب�أن ه����ذه املنطقة الهامة يف‬ ‫العامل غ��ي�ر �آمنة و�أن حركة املالحة الدولية فيها تظل ُمه ّددة‪ ،‬و�صو ًال‬ ‫�إىل �أن ت�صبح فك����رة تدويل مياه البحر الأحمر مطلب ًا دولي ًا‪ .‬ويف هذا‬ ‫ال�سي����اق‪ ،‬قد يكون م����ن املنا�سب الإ�شارة �إىل احتم����ال تورط �إ�سرائيل‬ ‫يف ات�ساع ظاهرة القر�صن����ة يف خليج عدن والبحر الأحمر‪ ،‬خ�صو�ص ًا‬ ‫�أن القر�صن����ة ت�ص����ب يف حتقي����ق حل����م �إ�سرائيل القدمي‪ ،‬وه����و تدويل‬ ‫الأم����ن يف البحر الأحمر وباب املندب‪ ،‬و�إخ����راج الدول العربية نهائي ًا‬ ‫م����ن املعادل����ة ال�سيا�سية والأمنية يف هذا املمر املائ����ي الهام‪ .‬وقد تن ّبه‬ ‫جمل�س ال�ش����ورى اليمني لوجود �أطماع لإ�سرائيل يف تدويل مياه البحر‬ ‫الأحمر‪ ،‬معترب ًا �أن ظاهرة القر�صنة البحرية املتزايدة تخدم امل�شروع‬ ‫الإ�سرائيل����ي الداع����ي �إىل التدوي����ل‪ .‬وق����ال املجل�س يف تقري����ر له حول‬ ‫ظاه����رة “القر�صنة البحرية يف خليج ع����دن واملحيط الهندي” �صدر‬ ‫يف �أواخر �آذار‪ /‬مار�س املا�ضي �أنه “ال يخفى على �أحد م�شروع الكيان‬ ‫ال�صهي����وين لتدويل البحر الأحمر‪ ،‬وما لهذا امل�شروع من خماطر على‬ ‫الأمن القومي العربي”‪.‬‬ ‫ً‬ ‫عل����ى اجلان����ب الآخر‪ ،‬تب����دو الدولة العربي����ة �أكرث ارتياح����ا‪ ،‬فثمة‬ ‫اجت����اه يف �إ�سرائي����ل ي����رى �أن فكرة التدوي����ل مل تعد تل����ك الفكرة التي‬ ‫تخي����ف الدول العربية‪ ،‬وبالت����ايل ف�إن مواجهة الأخط����ار امل�شرتكة قد‬

‫تك����ون فر�صة منا�سبة لإيجاد عالقات جيدة مع هذه الدول‪ ،‬خ�صو�ص ًا‬ ‫�أن مفه����وم العدو ق����د تغيرّ ؛ فلم تعد �إ�سرائيل ه����ي العدو‪ ،‬و�إمنا �إيران‬ ‫التي تعد ع����دو ًا م�شرتك ًا لإ�سرائيل والعرب مع���� ًا‪ .‬ويدلل �أ�صحاب هذه‬ ‫النظري����ة على �صح����ة فكرتهم ب�����أن �إ�سرائيل تُبدي احرتام���� ًا متزايد ًا‬ ‫للأنظمة العربية‪ ،‬فيما حتر�ص �إيران على التدخل يف ال�ش�ؤون الداخلية‬ ‫للدول العربية ودعم املنظمات واجلماعات اخلارجة على هذه الأنظمة‪.‬‬ ‫ومب���وازاة ذل���ك‪ ،‬يرى بع�ض ال�سا�س���ة الإ�سرائيليني �أن���ه ينبغي العمل‬ ‫عل���ى �إقامة عالقات اقت�صادي���ة متميزة مع دول املنطق���ة‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أن‬ ‫مرحل���ة �إدخال ب�ضائع �إ�سرائيلي���ة �إىل الأ�سواق العربية ب�أ�سماء م�ستعارة‬ ‫قد �أثبتت �أن موجة املقاطع���ة االقت�صادية للمنتوجات الإ�سرائيلية �آخذة‬ ‫يف االنح�سار‪ .‬ويف هذا ال�سياق‪ ،‬نقلت جملة “الوطن العربي” يف عددها‬ ‫ال�ص���ادرة يف الأول م���ن ني�سان‪� /‬أبري���ل ‪ 2009‬عن �صحيف���ة “ه�آرت�س”‬ ‫الإ�سرائيلي���ة �أن جتار ًا �إ�سرائيليني باعوا �أ�سلح���ة لدول عربية منها ليبيا‬ ‫واليمن‪ .‬ويف مو�ضوع �أكرث خطورة‪ ،‬زعمت املجلة نف�سها‪ ،‬نق ًال عن تقرير‬ ‫ل�صحيف���ة الوورل���د تريبيون الأمريكي���ة‪� ،‬أن �شركة الغ���از امل�سال اليمنية‬ ‫و ّقع���ت م�ؤخر ًا عقد ًا مع �شرك���ة �إ�سرائيلية �ضم���ن كون�سورتيوم يف جمال‬ ‫الطاق���ة تقوده �شركة توتال الفرن�سية العمالقة‪ ،‬و�أن ال�شركة الإ�سرائيلية‬ ‫م�شارك ٌة ولكن من الباطن‪.‬‬ ‫ويف ح���ال �صح���ت هذه الأخبار وهي بحاج���ة �إىل مزيد من التدقيق‪،‬‬ ‫ف����إن هذا يعني �أن �إ�سرائيل قد ق���ررت الدخول �إىل ال�سوق اليمني‬

‫العالقة القوي��ة التي تربط اليمن بالف�ص��ائل‬ ‫الفل�سطينية التي كانت جتد ملج�أً �آمن ًا لن�شاطها‬ ‫يف الأرا�ض��ي اليمني��ة �أح��د �أه��م االعتب��ارات‬ ‫التي جعلتها يف موقع متقدم يف اال�س�تراتيجية‬ ‫الإ�سرائيلية‬ ‫م���ن بابه الوا�س���ع‪ ،‬وهو باب اال�ستثم���ار يف جمال الطاق���ة‪ ،‬ولو بطريقة‬ ‫غ�ي�ر معلنة‪ ،‬ما يدل على وجود توجه �إ�سرائيلي ر�سمي يق�ضي بالبدء يف‬ ‫ق���رع الأبواب الر�سمية اليمنية‪ .‬ولكن هذا اليعني ب�أي حال �أن �إ�سرائيل‬ ‫ق���ررت نهائي ًا التخلي عن �إ�شعال احلرائ���ق يف الدول العربية ومن بينها‬ ‫اليم���ن الت���ي متثل تهديد ًا لأمنها ولو نظري ًا‪ ،‬يف �ض���وء ما يقال يف دوائر‬ ‫بحثي���ة �إ�سرائيلية من �أن اليمن م���ن �ضمن عدة دول قد ت�سقط يف �أيدي‬ ‫الأ�صولي�ي�ن الإ�سالمي�ي�ن الذي���ن ال يخفون عدائه���م للغ���رب و�إ�سرائيل‬ ‫بطبيعة احلال‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪19 2009‬‬


‫حتليالت‬

‫اليمن والعامل‬

‫فـي ‪ 60‬يوما‬

‫وجهات نظر‬

‫عني على اليمن‬

‫العامل اجليو�سرتاتيجي‬ ‫فـي العالقات اليمنية ‪ -‬امل�صرية‬ ‫على الرغم من انتفاء حالة التالم�س احلدودي بني م�ص��ر واليمن‪ ،‬ف�إن املعطيات اجلغرافية الأخرى‪ ,‬املتمثلة يف حتكم‬ ‫الدولتني مبداخل البحر الأحمر‪ ،‬جعلت من عملية االحتكاك والتوا�صل بينهما حتمية �إ�سرتاتيجية‪� ,‬أك�سبت عالقات‬ ‫البلدين مزيد ًا من العمق والثبات‪.‬‬

‫حممد حممد الغرا�سي‬ ‫ه���ذه احلتمي���ة جعل���ت م���ن م�س�ألة قي���ام عالق���ات م�ستقرة‬ ‫وطبيعية تنطوي على قدر منا�سب من التفاهم بني البلدين �أمر‬ ‫ال منا����ص منه‪ ,‬وال ميكن جتاهله‪ .‬مبعنى �آخر‪� ,‬إن العالقات بني‬ ‫اليمن وم�صر مل تكن ‪ -‬ولن تكون ‪ -‬قائمة على م�صالح وظروف‬ ‫�آني���ة �أو ر�ؤى �شخ�صية‪ ،‬وال من باب الرتف‪� ,‬أو املجامالت بحيث‬ ‫جتع���ل من وجود هذه العالق���ات كغيابها‪� ,‬أو ميك���ن للدولتني �أو‬ ‫�إحداهما �أن تقرر �أنها يف غنى عن عالقات م�ستقرة بينهما‪ ،‬بل‬ ‫�إن وجود مثل هذه العالقات �أمر حتمي ال ميكن للدولتني جتاهل‬ ‫�ضرورة تنظيمها وتطويرها‪.‬‬ ‫وتت�ض���ح الآلية التي تبني كيفي���ة ارتباط‪ ,‬وت�أثر العالقات بني‬ ‫اليمن وم�صر مبوقعهما اال�سرتاتيجي‪ ،‬من خالل معرفة النقاط‬ ‫الرئي�سية التالية‪:‬‬ ‫الأوىل‪ :‬ر�ؤية الدولتان لأهمية موقع كل منهما‪� ،‬أي ماذا يعني‬ ‫هذا املوقع بالن�سبة لأهداف وم�صالح وقيم الدولتني‪.‬‬ ‫الثانية‪ :‬كيف ترجم���ت الدولتان ر�ؤيتهما تلك يف �شكل �سلوك‬ ‫مبا�شر‪� ,‬أو غري مبا�شر جتاه بع�ضهما‪ ،‬مع الإ�شارة �إىل ردود فعل‬ ‫القوى الإقليمية‪ ,‬والدولية يف هذا الإطار‪.‬‬ ‫الثالث���ة‪ :‬كي���ف انعك����س موق���ع الدولت�ي�ن عل���ى �سيا�ساتهما‪,‬‬ ‫ومواقفهما جتاه الق�ضايا ذات االهتمام امل�شرتك‪ ,‬وعلى �أمناط‬ ‫التعاون الثنائي وجماالته‪.‬‬ ‫ويف حديثن���ا عن النقطتني الأوىل والثاني���ة‪� ،‬سيكون الرتكيز‬ ‫عل���ى الر�ؤي���ة‪ ,‬وال�سلوك امل�صري عل���ى افرتا����ض �أن م�صر هي‬ ‫الطرف الأكرب‪ ,‬والأق���وى‪ ,‬والأكرث ت�أثري ًا وت�أثر ًا‪ ،‬وعلى افرتا�ض‬ ‫�أي�ض ًا �أن ال�سلوك اليمني هو رد فعل يف �أغلب الأوقات‪ ,‬ولعل �أبرز‬ ‫دليل على ذلك �أن التاريخ �سجل لنا �أكرث من حالة وجود م�صري‬ ‫يف اليمن‪ ,‬ولي�س العك�س‪.‬‬ ‫‪20‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫تع���د اليم���ن م���ن الناحي���ة الإ�سرتاتيجية خط الدف���اع الأول‬ ‫بالن�سب���ة مل�ص���ر‪ ،‬فالبح���ر الأحمر بح�ي�رة �شبه مغلق���ة‪ ,‬تتحكم‬ ‫م�ص���ر يف مدخله���ا ال�شمايل‪ ,‬بينم���ا تتحكم اليم���ن يف مدخلها‬ ‫اجلنوبي عرب م�ضيق باب املندب‪ ،‬من خالل حتكمها يف مفاتيح‬ ‫ه���ذا امل�ضيق‪ ،‬وهي اجلزر اليمني���ة الإ�سرتاتيجية‪ ,‬و�أهمها جزر‬ ‫(ب���رمي‪ ,‬وزقر‪ ,‬وحني����ش) بالإ�ضافة �إىل خلي���ج عدن‪ ,‬الذي يعد‬ ‫�أحد بواب���ات باب املندب‪ ،‬وق���د ازدادت �أهمية اليم���ن بالن�سبة‬ ‫مل�ص���ر بع���د �شق قناة ال�سوي����س‪ ،‬التي جعلت م���ن البحر الأحمر‬ ‫�شريان ًا مهم ًا‪ ،‬للموا�صالت بني ال�شرق والغرب‪ ،‬وللتجارة الدولية‬ ‫خا�صة جتارة النفط‪ .‬وبالتايل‪ ,‬عندما يتعر�ض املدخل اجلنوبي‬ ‫للبح���ر الأحمر لأي هزة ته���دد ب�إغالق باب املن���دب‪� ,‬أو عندما‬ ‫تك���ون الأو�ض���اع يف اليمن غ�ي�ر م�ستقرة‪ ،‬ف�أمن قن���اة ال�سوي�س‪,‬‬ ‫والأمن القومي امل�صري عموم ًا‪ ,‬الطرف الأكرث ت�ضرر ًا‪ ,‬وعر�ضة‬ ‫للتهديد‪.‬‬ ‫ه���ذه الو�ضعية جعل���ت ال�سل���وك امل�صري جت���اه اليمن ي�أخذ‬ ‫�أمن���اط االحت���واء‪� ,‬إن مل نق���ل ال�سيط���رة �أحيان��� ًا والتحالف‪� ,‬أو‬ ‫التن�سيق �أحيان ًا �أخرى‪ ،‬ومن �أبرز الدالئل التاريخية على ذلك‪:‬‬ ‫ يف الق���رن اخلام�س ع�شر‪ ,‬عندما �أراد الربتغاليون �إخ�ضاع‬‫م�ص���ر‪ ,‬بهدف ال�سيطرة على جتارة ال�ش���رق القادمة من الهند‬ ‫وج���زر جنوب الهند ال�شرقية‪ ،‬قرروا بداي���ة ال�سيطرة على مياه‬ ‫البح���ر العربي‪ ,‬و�سد منافذ جنوب البحر الأحمر‪� ,‬أي ال�سيطرة‬ ‫على ال�سواحل اليمني���ة كاملة‪ ،‬وكانت النتيجة �أن واجهت م�صر‬ ‫�أزم���ة اقت�صادية خانقة ب�سب���ب احل�صار الربتغ���ايل امل�ضروب‬ ‫على موانئها‪ ،‬ويف املقابل كان ف�شل احلملة الربتغالية على عدن‬ ‫بداية انح�سار هذا احل�صار‪.‬‬ ‫وعل���ى �إثر تلك الأحداث‪� ,‬سع���ت الدولة امل�صرية اململوكية‬ ‫�إىل �إقام���ة حتال���ف مع الدولة اليمني���ة الطاهرية حينئذ‪ ،‬فلما‬ ‫حممد حممد الغرا�سي كاتب ميني‪.‬‬

‫رف����ض ال�سلطان عامر هذا التحال���ف‪ ,‬بدافع اخلوف من فر�ض‬ ‫ال�سيطرة ال�سيا�سية والع�سكرية امل�صرية على اليمن‪ ،‬دفع حياته‬ ‫ثمن��� ًا لذل���ك‪ ,‬بالإ�ضافة �إىل �سقوط الدول���ة الطاهرية يف اليمن‬ ‫عل���ى يد املمالي���ك الذين �أتبع���وا بعد ذلك خط���ة دفاعية كانت‬ ‫مبقت�ضاها ال�سواحل اليمنية ه���ي خط الدفاع الأول يف مواجهة‬ ‫الأ�سطول الربتغايل يف البحر العربي‪ ,‬وجنوب البحر الأحمر‪.‬‬ ‫ عندم���ا حك���م العثمانيون م�صر يف �سن���ة ‪ ،1517‬ركزوا على‬‫ال�سواح���ل اليمني���ة لكونه���ا متثل القاع���دة‪� ,‬أو اخل���ط الأول يف‬ ‫الدف���اع عن م�ص���ر العثمانية‪ .‬وفى القرن التا�س���ع ع�شر ا�ستعاد‬ ‫العثمانيون ال�سيطرة على اليمن ملحا�صرة حممد علي يف م�صر‪،‬‬ ‫ولل�سب���ب نف�س���ه �أي�ض ًا احتلت بريطانيا ع���دن التي �أ�صبحت بعد‬ ‫فتح قناة ال�سوي�س حمطة هامة جد ًا يف الطريق �إىل الهند‪.‬‬ ‫ وا�صلت الدول���ة امل�صرية خالل الفرتات الالحقة �سيا�سات‬‫االحتواء �أو التحالف مع اليمن‪ ،‬ففي العهد الأمامي كانت هناك‬ ‫معاه���دة الدف���اع امل�شرتك ثم احت���اد الدول العربي���ة مع م�صر‬ ‫و�سورية‪.‬‬ ‫ كان قرار م�صر م�ساندة الثورة اليمنية يف بداية ال�ستينيات‪,‬‬‫يه���دف �أ�سا�س��� ًا �إىل حماية الث���ورة امل�صرية‪ ,‬م���ن خالل �إغالق‬ ‫جمي���ع املنافذ التي قد ت�ؤدي �إىل الأرا�ضي امل�صرية‪ ,‬ولي�س فقط‬ ‫ت�أمني حدودها الإقليمية‪.‬‬ ‫ يف حرب ‪ 1973‬قامت القوات امل�صرية باال�شرتاك مع القوات‬‫اليمنية‪ ،‬ب�إغالق م�ضي���ق باب املندب ملنع �أي حماولة �إ�سرائيلية‬

‫اخلريط��ة كق��در‪ :‬املعطي���ات اجلغرافية جعل���ت عملية االحت���كاك والتوا�ص���ل بني اليمن‬ ‫وم�صر حتمية ا�سرتاتيجية‬

‫الحتالل اجلزر الإ�سرتاتيجية يف جنوب البحر الأحمر‪.‬‬ ‫‪ .6‬مع انتهاء القطيعة العربية امل�صرية على �إثر كامب ديفيد‪،‬‬ ‫كان���ت م�صر يف تنظي���م �إقليمي واح���د مع اليم���ن‪ ,‬وهو جمل�س‬ ‫التع���اون العرب���ي‪ ،‬الذي �إنته���ى باندالع حرب اخللي���ج الثانية‪،‬‬ ‫لتدخل م�صر يف عالقة حتالفية مع دول اخلليج العربي يف �إطار‬ ‫دول �إعالن دم�شق‪.‬‬ ‫نتيج���ة للح�سا�سي���ة امل�صري���ة جت���اه موقع وحتك���م اليمن يف‬ ‫البواب���ة اجلنوبية للبحر الأحمر‪ ,‬وللرغبة امل�صرية امل�ستمرة يف‬ ‫ت�أم�ي�ن الأو�ضاع يف هذه املنطقة‪ ،‬كان البد من ظهور حاالت من‬ ‫التوتر والتوج�س‪� ,‬أو الريبة التي �أحاطت بعالقات البلدين �سواء‬ ‫عل���ى امل�ستوى الثنائي‪� ,‬أو على امل�ستوى الإقليمي‪ ،‬وظهر ذلك يف‬ ‫حاالت وجوانب عدة منها‪:‬‬ ‫ كانت اليمن يف كثري من الأوقات تخ�شى‪ ,‬وتعمل على منع �أن‬‫يتح���ول �سلوك م�صر جتاهها �إىل ن���وع من ال�سيطرة �أو التحكم‪،‬‬ ‫وت�ؤكد عل���ى ا�ستقاللها و�سيادتها وخ�صو�صي���ة �أو�ضاعها‪ .‬فقد‬ ‫عرفن���ا الثم���ن الذي دفعه ال�سلط���ان عامر نتيج���ة رف�ضه فكرة‬ ‫التحال���ف م���ع الدول���ة امل�صري���ة اململوكية‪ ,‬وكذل���ك كانت حالة‬ ‫الريب���ة قائم���ة ب�ي�ن الطرفني �أثن���اء الوجود امل�ص���ري يف اليمن‬ ‫خالل الفرتة التي تلت قيام ثورة ‪� 26‬أيلول‪� /‬سبتمرب ‪ ,1962‬وما‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪21 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫حتليالت‬

‫�ش���اب تل���ك الف�ت�رة م���ن خالف���ات ب�ي�ن القي���ادات اليمنية‬ ‫وامل�صري���ة‪ ,‬و�صلت ذروته���ا باعتقال رئي����س و�أع�ضاء احلكومة‬ ‫اليمنية يف القاهرة‪.‬‬ ‫ كان���ت اليم���ن ت���درك �أنه���ا �ساح���ة للتناف����س ال�سعودي ‪-‬‬‫امل�صري خالل ال�ستينيات‪ ،‬ورمب���ا ما يزال هذا الإدراك قائم ًا‬ ‫م���ع ا�ستم���رار التناف����س ولو ب�شكل غ�ي�ر ملمو�س ب�ي�ن الريا�ض‬ ‫والقاه���رة‪ ,‬ال�سيما و�أن موازين القوى ت�ش�ي�ر �إىل �أنهما تعدان‬ ‫م���ن �أبرز الق���وى ال�سيا�سي���ة والع�سكرية يف املنطق���ة؛ فقد كان‬ ‫الوجود امل�صري يف اليمن حمل رف�ض كامل من قبل ال�سعودية؛‬ ‫وال غراب���ة يف ذلك‪ ،‬فهذا الوجود جع���ل م�صر مت�سك مبداخل‬ ‫وخم���ارج البحر الأحمر‪ ,‬وت�سيطر على خط يبلغ �ألفي كيلو مرت‬ ‫م���ن �شمال البحر الأحمر �إىل جنوبه‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل �أن القوات‬ ‫امل�صرية كانت يف موقع ميكنها من فر�ض طوق بري كامل على‬ ‫ال�سعودي���ة‪ ,‬فاليم���ن بحكم موقعها هي القاع���دة التحتية ل�شبه‬ ‫اجلزيرة العربية‪.‬‬ ‫وق���د زاد من حدة هذه التوت���رات‪ ,‬ت�صريحات عبد النا�صر‬ ‫ب����أن القوات امل�صري���ة �ستهاجم قواعد الق���وات امللكية اليمنية‬ ‫يف الأرا�ض���ي ال�سعودي���ة‪ ،‬التي كان���ت تدعم النظ���ام امللكي يف‬ ‫مواجه���ة الث���ورة وق���وات النظام اجلمه���وري‪ .‬وبع���د ان�سحاب‬ ‫القوات امل�صري���ة من اليمن بعد هزمية ‪ 1967‬كان من الطبيعي‬ ‫�أن ت�صع���د بعد ذلك يف اليمن القوى الت���ي كانت تدعو �إىل حل‬ ‫واتفاق مع ال�سعودية‪.‬‬ ‫ يف بداية الت�سعينيات توترت العالقات اليمنية ‪ -‬امل�صرية‬‫عندما اعتربت القاه���رة �أن اليمن حمطة انطالق للمتطرفني‬ ‫امل�صري�ي�ن من باك�ست���ان و�أفغان�ست���ان‪ ,‬ثم اليم���ن‪ ,‬فال�سودان‬ ‫وم�ص���ر‪ ،‬بالإ�ضاف���ة �إىل قل���ق م�صر م���ن تنام���ي دور احلركة‬ ‫الإ�سالمي���ة يف اليمن‪ ،‬وقد تقل�صت ه���ذه التوترات بعد التوقيع‬ ‫على االتفاقية الأمنية بني البلدين يف ‪.1996‬‬ ‫بالن�سبة للنقطة الرئي�سة الثالثة املتعلقة ب�سيا�سات ومواقف‬ ‫البلدين جت���اه الق�ضاي���ا الإقليمية والدولي���ة‪ ,‬ال�سيما املرتبطة‬ ‫مبنطق���ة البح���ر الأحم���ر‪ ،‬ميك���ن الت�أكي���د عل���ى �أن الدولت�ي�ن‬ ‫حتد واحد‪ ,‬ه���و �أمن وعروبة البح���ر الأحمر‪ ،‬وذلك‬ ‫تواجه���ان ٍّ‬ ‫طبع��� ًا مع ا�ستبع���اد �أي احتم���االت لقيام �أي م���ن الدولتني ب�أي‬ ‫ن�شاط ي�ستهدف �أمن وم�صالح الدولة الأخرى‪.‬‬ ‫‪22‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫كم���ا ميك���ن الت�أكي���د �أي�ض ًا عل���ى �أن اله���دف اال�سرتاتيجي‬ ‫للدولت�ي�ن ه���و ا�ستق���رار الأو�ض���اع الأمنية‪ ،‬مبا يحف���ظ وي�ؤمن‬ ‫�سالم���ة املالح���ة البحرية يف البح���ر الأحمر وقن���اة ال�سوي�س‪،‬‬ ‫ومبا ي�ضمن انتفاء �أي �أخطار ت�أتي عرب هذه املنطقة تهدد �أمن‬ ‫وم�صالح الدولتني‪ ،‬ويرتبط حتقيق هذا الهدف ب�أمرين‪:‬‬ ‫الأول‪ :‬العمل على منع �أو احتواء �أو الت�سوية ال�سلمية لأي نزاع‬ ‫يف البح���ر الأحمر‪ ،‬غري �أننا جند �أن هذا البحر يعد �أبرز ب�ؤرة‬ ‫لل�صراع ال���دويل‪ ،‬وذلك ب�سبب النزاع���ات احلدودية بني دوله‬ ‫التي تختلف �سيا�ساتها وا�سرتاتيجياتها‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل ت�شابك‪,‬‬ ‫وت�ص���ارع م�صال���ح وا�سرتاتيجيات القوى الدولي���ة التي ترتبط‬ ‫بالبحر الأحم���ر‪� ،‬إ�سرتاتيجي ًا و�سيا�سي��� ًا واقت�صادي ًا وع�سكري ًا‬ ‫يف مقدمته���ا دول اخلليج والوالي���ات املتحدة الأمريكية و�أوروبا‬ ‫والياب���ان وال�صني‪ .‬فقد كان البح���ر الأحمر‪ ,‬وما يزال م�سرح ًا‬ ‫لكثري م���ن النزاع���ات‪ ،‬مثل احل���روب العربي���ة ‪ -‬الإ�سرائيلية‬ ‫وح���روب اخلليج‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل التوت���رات الثنائية مثل التوتر‬ ‫امل�ص���ري ‪ -‬ال�سوداين‪ ،‬والتوتر ال�س���وداين ‪ -‬الأثيوبي‪ ،‬وم�شاكل‬ ‫�إريرتي���ا (احتالله���ا جزيرة حني����ش اليمنية‪ ،‬وتوت���ر العالقات‬ ‫ال�سودانية ‪ -‬الإريرتية وكذلك الإريرتية ‪ -‬الأثيوبية)‪ ،‬والوجود‬ ‫الع�سك���ري الفرن�سي يف جيبوت���ي‪ ،‬ونزاع �أوجادين ب�ي�ن �إثيوبيا‬ ‫وال�صوم���ال‪ ،‬كذلك م�شاكل بع�ض الدول مثل امل�شكلة ال�سودانية‬ ‫وامل�شكلة ال�صومالية ‪.‬‬ ‫الثاين‪ :‬حتقي���ق الرقابة الفاعلة الت���ي ت�ضمن ت�أمني �سالمة‬ ‫مداخ���ل البح���ر الأحم���ر‪ ,‬وبال���ذات املدخل اجلنوب���ي يف باب‬ ‫املندب‪ ،‬وهن���ا �أي�ض ًا جند �أن هذه املنطقة ت�شهد حالي ًا عمليات‬ ‫قر�صن���ة ت�شكل تهدي���د ًا حقيقي��� ًا ل�سالمة هذا املم���ر‪ ,‬و�سالمة‬ ‫التجارة الدولية عربه‪.‬‬ ‫�أم���ا بالن�سب���ة لعروبة البح���ر الأحمر‪ ,‬فهو ه���دف �إ�سرتاتيجي‬ ‫للدول العربية املطلة علي���ه‪ ,‬وذلك يف مواجهة حماوالت تدويل‬ ‫هذه املنطقة‪ ،‬من خ�ل�ال وجود القوات الأجنبية فيها مبربرات‬ ‫متعلق���ة ب�أمن وم�صالح تلك القوى‪ ,‬وب�أعذار خمتلفة منها على‬ ‫�سبيل املث���ال �إنهاء عمليات القر�صنة‪ .‬وترف����ض الدول العربية‬ ‫املطلة على البحر الأحمر تدويل نزاعات هذا البحر وم�شاكله‪,‬‬ ‫وت�ؤكد على �أن حماية �أمنه م�س�ؤولية عربية‪ .‬ويف هذا الإطار‪ ،‬كان‬ ‫هناك حت���ركات �سيا�سية عربية ته���دف �إىل و�ضع �إ�سرتاتيجية‬

‫عربي���ة موحدة جت���اه البحر الأحمر‪� ,‬أو �إن�ش���اء منظمة �أو هيئة‬ ‫عربية �أو جمل�س عربي حلماية �أمن البحر الأحمر‪.‬‬ ‫بي���د �أن ه���ذه التوجه���ات مل تل���قَ جناح��� ًا‪ ,‬ب�سب���ب الوج���ود‬ ‫الع�سكري الأجنبي يف البحر الأحمر وحوله‪ ,‬والعتبارات داخلية‬ ‫و�إقليمي���ة قد ت�شكل خماوف��� ًا عربية متبادلة م���ن �سيطرة دولة‬ ‫�أو حم���ور معني على املنطق���ة‪ .‬فم�صر ترى �أنها م���ا تزال �أكرب‬ ‫قوة ع�سكرية عربي���ة‪ ,‬وال�سعودية ترى �أنها �أكرب قوة اقت�صادية‬ ‫عربية‪ ،‬ومع���روف لدينا تناف����س الدولت���ان اال�سرتاتيجي حول‬ ‫زعام���ة النظ���ام الإقليم���ي العرب���ي ب�ش���كل عام‪ ،‬وق���د تتالقى‬ ‫م�صالح الق���وى العربية الكربى‪ ,‬وجتد ال���دول الأخرى‪ ,‬ومنها‬ ‫اليم���ن نف�سه���ا حم�ش���ورة ب�ي�ن ع���دة ق���وى م�سيطرة ق���د تكون‬ ‫�إ�سرائيل �أحدها‪.‬‬ ‫وم���ع غياب �إ�سرتاتيجي���ة عربية موح���دة يف البحر الأحمر‪،‬‬ ‫ولرتك���ز معظم النزاع���ات وامل�ش���اكل يف جنوب البحر‬ ‫العالق��ات بني اليمن وم�ص��ر مل تك��ن ‪ -‬ولن تكون‬ ‫ قائم��ة عل��ى م�ص��الح وظ��روف �آني��ة �أو ر�ؤى‬‫�شخ�صية‪ ،‬وال من باب الرتف‪� ,‬أو املجامالت بحيث‬ ‫جتع��ل من وجود هذه العالق��ات كغيابها‪� ,‬أو ميكن‬ ‫للدولت�ين �أو �إحداهم��ا �أن تق��رر �أنه��ا يف غنى عن‬ ‫عالقات م�س��تقرة بينهما‪ ،‬ب��ل �إن وجود مثل هذه‬ ‫العالق��ات �أم��ر حتم��ي ال ميكن للدولت�ين جتاهل‬ ‫�ضرورة تنظيمها وتطويرها‬

‫الأحم���ر‪ ،‬تتحمل اليمن �أكرث من غريها ع���بء الرقابة الفاعلة‬ ‫على ب���اب املندب‪ ،‬وهو الأم���ر الذي �شكل دافع ًا قوي��� ًا لها باجتاه‬ ‫تطوير قدراتها الع�سكري���ة البحرية‪ ,‬وتكثيف جهودها الدبلوما�سية‬ ‫بهدف تنويع‪ ,‬وتكثيف �آليات التن�سيق مع دول جنوب البحر الأحمر‪.‬‬ ‫ويف ه���ذا الإط���ار‪ ،‬ي�أت���ي دور اليمن البارز يف �إن�ش���اء جتمع �صنعاء‪,‬‬ ‫ال���ذي ي�ض���م �إىل جانب اليمن كل م���ن ال�سودان وجيبوت���ي و�إثيوبيا‬ ‫وال�صومال‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل اجله���ود واملبادرات اليمنية التي هدفت‬ ‫�إىل ت�سوي���ة ع���دد من النزاع���ات‪ ,‬مثل الن���زاع الإثيوب���ي الإريرتي‪,‬‬ ‫والنزاع ال�صومايل‪.‬‬ ‫ونفرت����ض يف كل تلك اجلهود‪ ,‬وجود تن�سق ميني ‪ -‬م�صري على‬ ‫الرغم م���ن غياب حقائق دامغة يف هذا الإط���ار‪ ،‬كما نلحظ غياب‬ ‫التوجهات التحالفية امل�صرية ال�سابقة جتاه اليمن‪ ،‬ولعل �أبرز مثال‬ ‫عل���ى ذلك املوقف امل�ص���ري �إزاء احتالل �إريرتي���ا جلزيرة حني�ش‪,‬‬ ‫�إذ ظ���ل املوقف امل�ص���ري يدعو �إىل احلل ال�سلم���ي خوف ًا من حدوث‬ ‫�صراعات يف املنطقة تهدد حرية‪ ,‬و�سالمة املالحة فيها‪.‬‬ ‫وفيم���ا يتعلق مب�ستوى التعاون االقت�ص���ادي بني اليمن وم�صر‬ ‫يف �ض���وء موقعهما امل�شرتك على البحر الأحمر‪ ،‬جند �أن معطيات‬ ‫ث���روات هذا البح���ر ال�سمكية واملعدني���ة والنفطي���ة‪ ،‬ت�ساعد على‬ ‫تكوين قاعدة كبرية لإقامة عالقات تعاون‪ ,‬بل‪ ,‬وتكامل اقت�صادي‬ ‫ا�ستثم���اري بني الدولتني‪� ،‬إال �أن م�ستوى هذا التعاون يبدو مت�أخر ًا‬ ‫نوع ًا ما مقارنة بتلك املقومات االقت�صادية امل�شرتكة‪ .‬يف املقابل‪،‬‬ ‫كان البلدان يواجهان م�شاكل فيما بينهما حول اال�صطياد يف املياه‬ ‫الإقليمي���ة من قب���ل ال�صيادين امل�صريني‪ ,‬عموم��� ًا ف�إن االتفاقات‬ ‫املوقعة بني البلدين يف جماالت التعاون االقت�صادي كثرية‪� ،‬إال �أن‬ ‫تطبيقها‪ ,‬وتنفيذها يبدو مرهون ًا بعوامل �سيا�سية �أخرى‪.‬‬ ‫يف اخلت���ام‪ ,‬ن�ؤك���د عل���ى حقيق���ة �إ�سرتاتيجية تق���ول �أنه مهما‬ ‫�أحاط���ت ب����ؤر التوت���ر بالعالقات اليمني���ة امل�صري���ة‪� ،‬إال �أن هذه‬ ‫العالقات �ستظل بعيدة عن التهور الذي ي�ؤدي بها �إىل مزيد من‬ ‫الت�أزم‪ ،‬ومرد ذلك حتمية املوقع اال�سرتاتيجي؛ التي �أك�سبت هذه‬ ‫العالق���ات نوع ًا م���ن الثبات اال�سرتاتيج���ي‪ ،‬فمهما بلغت درجة‬ ‫التوت���ر واالختالف يف ال���ر�ؤى ووجهات النظر‪ ،‬ف����إن العالقات‬ ‫ب�ي�ن �صنعاء والقاهرة �ستظل قائمة على الأقل عند م�ستواها‬ ‫الع���ادي‪� ,‬أي �أنها لن ت�صل �إىل حال���ة القطيعة الكاملة �أو‬ ‫العداء وال�صراع املبا�شرين‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪23 2009‬‬


‫حتليالت‬

‫اليمن والعامل‬

‫وجهات نظر‬

‫فـي ‪ 60‬يوما‬

‫عني على اليمن‬

‫اليمن ودول اخلليج‬

‫عالقات‬

‫عادية‬ ‫متر العالقات اليمنية اخلليجية بحالة من اال�ستقرار والهدوء يف حاالتها االعتيادية‪ ،‬غري �أنها‬ ‫مل ت�ص��ل بعد �إىل مرحلة التميز والثقة املتبادلة بني النظم ال�سيا�س��ية يف دول جمل�س التعاون‬ ‫اخلليج��ي واليم��ن‪ ,‬رغ��م ما يب��دو يف الظاهر ويف الت�ص��ريحات الر�س��مية من تق��دم يف العالقات‬ ‫والتن�سيق الثنائي‪ ،‬الذي ميهد الندماج كامل يف منظومة جمل�س التعاون اخلليجي‪.‬‬

‫�صالح القا�ضي‬ ‫اليم���ن الت���ي تقدمت ر�سمي��� ًا بطل���ب االن�ضمام �إىل‬ ‫جمل�س التع���اون يف قمة الدوحة عام ‪ ,1996‬ما زالت‬ ‫حتى اللحظة ت�أمل يف التفاتة حقيقية من دول اجلوار‬ ‫من �أجل و�ضع خطة زمنية لت�أهيلها‪ ,‬و�ض ّمها يف هذا‬ ‫الكيان الإقليم���ي‪ ،‬لأن بقاءها خارج املجل�س لي�س يف‬ ‫�صالح دول اخلليج‪ ,‬ولي�س يف �صالح اليمن �أي�ض ًا وفق‬ ‫كل احل�سابات ال�سيا�سي���ة والإ�سرتاتيجية‪ .‬وقد ثبت‬ ‫بالتجرب���ة �أن بقاء اليمن خارج ه���ذه املنظومة رمبا‬ ‫يدفعه���ا �إىل حتالفات خارج النطاق اجلغرايف ي�ضر‬ ‫ب���دول اخلليج ب�شكل �أو ب�آخر‪ ،‬كما حدث �إبان ت�شكيل‬ ‫جمل����س التع���اون العربي‪ ,‬ال���ذي مثل وج���وده خلط ًا‬ ‫ل�ل��أوراق وفرز حم���اور عدائية يف اجل�س���د العربي‪,‬‬ ‫قادا �إىل نتائج وخيمة على كل دول املنطقة‪.‬‬ ‫م���ن الوا�ض���ح �أن دول جمل����س التع���اون اخلليجي مل‬ ‫حت�سم �أمرها بعد حيال �ضم اليمن �إىل املجل�س‪ ،‬وما‬ ‫زالت هناك اختالف���ات وتباينات يف الر�ؤى بني هذه‬ ‫ال���دول �إزاء ه���ذه الق�ضية وغريه���ا يف �إطار الت�ضاد‬ ‫احلا�ص���ل ح���ول ق�ضايا وم�صال���ح بيني���ة‪ ،‬وكل دولة‬ ‫‪24‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫�صالح القا�ضي �إعالمي وباحث ميني مقيم يف دبي‪.‬‬

‫م���ن دول جمل�س التعاون له���ا ح�ساباتها وم�صاحلها‬ ‫ومنظورها للعالقات مع اليمن‪.‬‬ ‫على �صعيد الواقع العملي‪ ,‬مل يلتم�س املغرتب اليمني‬ ‫يف دول اجل���وار �أو اليمني�ي�ن يف بالدهم �أي تطور يف‬ ‫العالق���ات مع دول اخلليج ب�ص���ورة جتعلهم يدركون‬ ‫�أن بالده���م بات���ت قاب قو�س�ي�ن �أو �أدن���ى من دخول‬ ‫جمل����س التع���اون‪� ,‬إن على �صعيد امل�صال���ح املتبادلة‬ ‫�أو الت�سهي�ل�ات املقدم���ة لهم يف التنق���ل والإقامة يف‬ ‫دول اجلوار‪ ،‬وم���ا زالت اجلن�سي���ات الآ�سيوية تتمتع‬ ‫بت�سهي�ل�ات و�أف�ضلي���ات يف دول اخللي���ج �أك�ث�ر م���ن‬ ‫اليمنيني‪.‬‬ ‫�إن العالق���ات اخلليجي���ة اليمني���ة ينبغ���ي �أن تغ���ادر‬ ‫مرحلة ال�شكوك وعدم الثق���ة بني النظم ال�سيا�سية‪,‬‬ ‫والب���د �أن تبن���ى ه���ذه العالق���ات عل���ى امل�صارح���ة‬ ‫واملكا�شف���ة ون�سج �شبكة من امل�صالح امل�شرتكة‪ ،‬فمن‬ ‫الوا�ضح �أن الأزمات واحلروب التي عا�شتها املنطقة‬ ‫ما زال���ت عالقة يف ذاكرة النظم ال�سيا�سية‪ ،‬التي مل‬ ‫تغادر بعد تلك احلقبة‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪25 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫حتليالت‬ ‫و�سد الثغرات الدميغرافي���ة والبنيوية لدى دول املنطقة‪ ,‬و�سي�صبح‬ ‫احلج���م الكلي لل�سكان يف هذا التجمع الإقليمي ما يربو على �أربعني‬ ‫ملي���ون ن�سمة‪ ,‬وهو ما �سي�شكل قوة ب�شرية يعتد بها يف ميزان القوى‬ ‫الإقليمية‪.‬‬ ‫�إن املحددات االقت�صادية بني اليمن ودول اخلليج لها �أهمية كربى‪,‬‬ ‫قد تفوق خ�ل�ال ال�سنوات القادم���ة العوامل واملح���ددات ال�سيا�سية‬ ‫والأمني���ة‪ ,‬رغم �أن التن�سيق الأمني يف مواجه���ة الأن�شطة الإرهابية‬ ‫�ص���ار يحتل بند ًا هام ًا يف الأجن���دة ال�سيا�سية على �صعيد العالقات‬ ‫اخلارجي���ة‪ .‬وق���د �شهدت م�س�ي�رة العالق���ات االقت�صادي���ة اليمنية‬ ‫اخلليجي���ة خالل ال�سن���وات املا�ضية تطور ًا ملحوظ��� ًا‪ ,‬مبا يعزز من‬ ‫فر����ص التكامل لالقت�صاد اليمني م���ع االقت�صاديات اخلليجية‪� ،‬إذ‬ ‫ك�شفت الإح�صاءات اليمنية الر�سمية ارتفاع حجم التبادل التجاري‬ ‫بني اليمن‪ ,‬ودول جمل�س التعاون اخلليجي �إىل �أعلى م�ستوى له منذ‬ ‫خم����س �سن���وات لي�ص���ل �إىل ‪ 646,6‬مليار ريال خ�ل�ال العام املا�ضي‬ ‫‪ 2007‬مقارنة بـ ‪ 443,7‬مليار ريال يف ‪.2006‬‬

‫رغبة تنتظر القدرة‪ :‬على دول جمل�س التعاون �أن تتعامل مع اليمن وفق منظور �سيا�سي واقعي دون اخلو�ض يف املجامالت ال�سيا�سية التي ال تف�ضي �إىل نتيجة عملية‬

‫م���ن وجهة النظر الواقعية‪ ,‬عل���ى دول جمل�س التعاون �أن تتعامل مع‬ ‫اليمن وفق منظور �سيا�سي واقعي ووا�ضح دون اخلو�ض يف املجامالت‬ ‫ال�سيا�سي���ة الت���ي ال تف�ضي �إىل �أي نتيجة عملي���ة‪ ،‬وذلك عرب تقدمي‬ ‫خط���ة �إ�سرتاتيجية حقيقي���ة لليمن تت�ضمن ا�شرتاط���ات ومتطلبات‬ ‫االن�ضم���ام الكام���ل �إىل املجل����س يف خمتل���ف اجلوان���ب ال�سيا�سية‬ ‫واالقت�صادي���ة والأمني���ة والت�شريعية‪ ،‬مقابل ا�ستع���داد اليمن عملي ًا‬ ‫بتنفي���ذ برنام���ج زمني ي�ؤهله���ا للع�ضوية الكاملة م���ن خالل تعديل‬ ‫ومواءم���ة الأنظمة والت�شريعات م���ع دول اخلليج‪ ,‬و�إنهاء كل مظاهر‬ ‫االخت�ل�االت الأمنية‪ ,‬والق�ضاء على انت�ش���ار ال�سالح‪ ,‬وب�سط �سلطة‬ ‫الدول���ة عل���ى كل املحافظات‪ ،‬والغزل على من���وال �سيا�سات مواكبة‬ ‫لتوجهات دول اخلليج‪.‬‬ ‫وب�ص���رف النظ���ر عن اختالف النظ���م ال�سيا�سية ب�ي�ن اليمن ودول‬ ‫ً‬ ‫ف�ض�ل�ا عن النظ���ام الأ�سا�س���ي للمجل�س وم���ا يحتويه من‬ ‫اخللي���ج‪,‬‬ ‫ن�صو����ص مقيدة‪ ,‬ف�إن ق�ضية ان�ضمام اليمن ملجل�س التعاون متثل يف‬ ‫حقيقته���ا بعد ًا �سيا�سي ًا �صرف ًا ورغبة خليجية يف القبول من عدمه‪،‬‬ ‫واليم���ن يف الظ���روف االقت�صادي���ة ال�صعب���ة الت���ي تعي�شه���ا تعتقد‬ ‫مب�سئولي���ة دول اجل���وار يف م�ساعدته���ا ودعمها للنهو����ض واللحاق‬ ‫برك���ب التنمي���ة‪ ,‬وبالتايل ت�أهيله���ا لالنخ���راط يف منظومة جمل�س‬ ‫التع���اون‪ ،‬و�صنعاء بذلك ت�ستح�ضر دائم ًا من���وذج االحتاد الأوروبي‬ ‫الذي تبنى دعم �أ�سبانيا وت�أهيلها لدخول االحتاد‪.‬‬ ‫واق���ع احلال‪� ,‬أن اليم���ن يف ظروفها احلالية بحاج���ة �إىل “م�شروع‬ ‫‪26‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫مار�شال خليجي” لدعمه���ا ا�سرتاتيجي ًا واقت�صادي ًا‪� ,‬ضمن م�شروع‬ ‫�شامل ي�ساعد يف حتقي���ق تقدم تنموي يقلل من الهوة ال�سحيقة بني‬ ‫اليم���ن‪ ,‬ودول اجل���وار على �صعي���دي م�ستوى دخل الف���رد والتنمية‬ ‫االقت�صادية‪� ,‬إن كانت هناك رغبة حقيقية و�صادقة من دول اخلليج‬ ‫ب�ضم اليمن �إىل هذا التكتل الإقليمي‪.‬‬ ‫من الناحية ال�سيا�سية‪ ،‬ومن منظور العالقات اخلارجية‪ ,‬ف�إن اليمن‬ ‫�ص���ارت اليوم �أقرب �إىل دول اخلليج من �أي وقت م�ضى يف مواقفها‬ ‫ال�سيا�سي���ة جت���اه خمتلف الق�ضاي���ا الإقليمية والدولي���ة والتطورات‬ ‫احلا�صلة عل���ى ال�ساحة العربية على �صعيد امللفات ال�ساخنة‪ ،‬وهذا‬ ‫ه���و الو�ضع الطبيع���ي لليم���ن‪� ,‬أن تن�سق مع دول اجل���وار الرتباطها‬ ‫الع�ض���وي وامل�صلح���ي معه���ا‪ ،‬وق���د �أ�صبح���ت �صنع���اء حتر�ص على‬ ‫التن�سيق مع دول اجلوار وطرح م�صاحلها معها يف �سلم الأولويات‪.‬‬ ‫ويرى البع����ض �أن ان�ضمام دولة معينة �إىل تكتل �إقليمي جماور لها‪,‬‬ ‫ويال�صقها جغرافيا‪ ,‬مل يعد مرهون��� ًا بت�شابه الظروف االقت�صادية‬ ‫وال�سيا�سية والثقافي���ة والتكنولوجية‪ ,‬بل �أ�صبح الأمر متعلق ًا بحجم‬ ‫امل�صال���ح امل�شرتكة بني الطرفني‪ ,‬وم���اذا ميكن �أن يحقق كل طرف‬ ‫للآخر من تلك امل�صالح‪.‬‬ ‫ال�شك‪� ,‬أن ان�ضمام اليمن �إىل جمل�س التعاون اخلليجي �سيعيد ر�سم‬ ‫خريط���ة اخلليج واجلزي���رة العربية من الناحيت�ي�ن اجليوبوليتيكية‬ ‫والإ�سرتاتيجي���ة جلهة حتقيق م�صال���ح م�شرتكة‪ ,‬وي�ساهم مبعاجلة‬

‫متث���ل ال���دول اخلليجية �شري���ك ًا جتاري ًا مهم��� ًا بالن�سب���ة لليمن‪� ،‬إذ‬ ‫ت�ستحوذ على الن�صيب الأكرب من واردات اليمن من ال�سلع املختلفة‪،‬‬ ‫كما ت�شكل �سوق ًا مهم ًا لل�صادرات اليمنية غري النفطية‪ ,‬وبالأخ�ص‬ ‫ال�سل���ع الزراعي���ة وال�سمكية‪ ،‬حيث احتل جمل����س التعاون اخلليجي‬ ‫املرتبة الأوىل خالل ال�سنوات املا�ضية‪.‬‬ ‫وال ميك���ن التقلي���ل ب�أي ح���ال من الأح���وال مما حتقق عل���ى �صعيد‬ ‫التقارب بني اليم���ن ودول جمل�س التعاون اخلليجي خالل ال�سنوات‬ ‫القليل���ة املا�ضية‪ ,‬وما اتخ���ذه املجل�س من خطوات جت���اه اليمن‪� ،‬إذ‬ ‫مث���ل قرار قمة م�سقط يف دي�سمرب ‪ 2001‬ال���ذي ت�ضمن موافقة دول‬ ‫جمل����س التعاون على االن�ضمام اجلزئي لليم���ن �إىل �أربع م�ؤ�س�سات‬ ‫رئي�سية يف املجل����س‪ ,‬هي مكتب الرتبية وال�صح���ة والعمل وال�ش�ؤون‬ ‫االجتماعية ودورة ك�أ�س اخلليج‪ ،‬هذا القرار م ّثل نقطة حتول بارزة‬ ‫يف م�سرية العالقات اليمنية اخلليجية‪ ،‬كما وافق جمل�س التعاون يف‬ ‫عام ‪ 2008‬على ان�ضمام اجلهاز املركزي للرقابة واملحا�سبة اليمني‬ ‫�إىل �أجه���زة الرقابة واملحا�سبة بدول املجل����س‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال عن ان�ضمام‬ ‫مكتب براءة االخرتاع لأقرانه يف دول املجل�س‪.‬‬ ‫وال�شاه���د‪� ,‬أن احلكوم���ة اليمني���ة تب���ذل جه���ود ًا �شتى عل���ى �صعيد‬ ‫تعزي���ز العالق���ات مع دول جمل����س التع���اون والإيف���اء بااللتزامات‬ ‫واال�ستحقاق���ات املطلوبة لالن�ضمام �إىل املجل�س وفق��� ًا لإمكانياتها‬ ‫وقدراته���ا املتاحة‪ ،‬وقد ك�شفت م�صفوفة خارط���ة الطريق الندماج‬ ‫اليم���ن يف جمل����س التعاون ل���دول اخللي���ج العربية املع���دة من قبل‬ ‫احلكوم���ة اليمني���ة ع���ن خم�س���ة م�س���ارات رئي�سي���ة لت�أهي���ل اليمن‬ ‫لالن�ضم���ام الكام���ل للمنظومة اخلليجي���ة وفق ر�ؤي���ة عملية ترتكز‬ ‫على حتقيق التكامل االقت�صادي مع دول جمل�س التعاون اخلليجي‪.‬‬ ‫وتتمثل هذه امل�سارات يف م�سار ال�شراكة التجارية‪ ,‬ودورها يف عملية‬

‫ب�ص��رف النظر عن اختالف النظم‬ ‫ال�سيا�سية بني اليمن ودول اخلليج‪,‬‬ ‫ف� ً‬ ‫ضال عن النظام الأ�سا�سي للمجل�س‬ ‫وم��ا يحتوي��ه م��ن ن�ص��و�ص مقيدة‪,‬‬ ‫ف�إن ق�ض��ية ان�ض��مام اليم��ن ملجل�س‬ ‫التع��اون متث��ل يف حقيقته��ا بع��د ًا‬ ‫�سيا�سي ًا �ص��رف ًا ورغبة خليجية يف‬ ‫القبول من عدمه‬ ‫التكام���ل االقت�صادي‪ ,‬واندماج اليم���ن يف اقت�صاديات دول جمل�س‬ ‫التعاون اخلليج���ي‪ ،‬وم�سار ال�شراكة اال�ستثماري���ة لتعزيز التكامل‪,‬‬ ‫واالندم���اج لالقت�صاد اليمني يف اقت�صادي���ات دول جمل�س التعاون‬ ‫اخلليج���ي‪ ،‬وم�سار العمالة اليمنية �إىل جانب م�سار البناء امل�ؤ�س�سي‬ ‫الالزم لت�أهيل اليمن لالن�ضمام �إىل جمل�س التعاون اخلليجي‪.‬‬ ‫�إن الأزم���ات ال�ساخنة الت���ي تعي�شها دول اخللي���ج العربي مع بع�ض‬ ‫الق���وى الإقليمي���ة مثل �إي���ران‪ ,‬تدفع دول اخلليج �أك�ث�ر من �أي وقت‬ ‫م�ض���ى �إىل االلتفات �إىل اليمن وا�ستيعابها ملا متثله من كتلة ب�شرية‬ ‫وعم���ق تاريخي وا�سرتاتيج���ي حا�ضن لدول املنطق���ة‪ ,‬ملواجهة مثل‬ ‫هذه التطورات والأخطار التي تهدد كينونة املنطقة و�إرثها التاريخي‬ ‫والعروبي‪.‬‬ ‫بكل املقايي�س‪ ,‬ف����إن العالقات اليمنية اخلليجية متر اليوم بظروف‬ ‫�أن�ضج من ذي قبل‪� ،‬سيما و�أن اليمن طوى كل امللفات احلدودية مع‬ ‫كل م���ن ال�سعودية و�سلطنة عمان‪ ,‬ومل تعد هناك عوائق ومنغ�صات‬ ‫حت���ول دون تطوي���ر العالق���ات الثنائي���ة ب�ي�ن �صنع���اء وكل ال���دول‬ ‫اخلليجية‪.‬‬ ‫وتبقى الق�ضية الأ�سا�سية يف توافر �إرادة �سيا�سية حقيقية من قبل‬ ‫دول جمل����س التعاون اخلليجي جت���اه ا�ستيعاب اليم���ن و�ض ّمها �إىل‬ ‫املجل����س‪ ,‬ولو مت ذلك �ضمن خط���ة �إ�سرتاتيجية زمنية حمددة‪ ،‬يتم‬ ‫م���ن خاللها و�ضع م�سارات وا�ضحة وجلي���ة وا�ستحقاقات تلتزم بها‬ ‫اليمن �أم���ام دول املجل�س‪ ,‬مقابل دعم وم�سان���دة خليجية مربجمة‬ ‫للنهو�ض باالقت�صاد اليمن���ي و�إخراجه من غرفة الإنعا�ش �إىل واقع‬ ‫�أك�ث�ر قب���و ًال ومواءم���ة م���ع دول اجلوار الرثي���ة‪ ،‬وتلك ه���ي املعادلة‬ ‫احلقيقية بني الطرفني‪ ،‬ما مل �ستظل امل�س�ألة تدور يف �إطار ما ي�سمى‬ ‫«ح���وار الطر�شان» واملفاو�ض���ات طويلة املدى‪ ,‬والتنظ�ي�ر ال�سيا�سي‬ ‫املحلق يف �آفاق بعيدة عن �أر�ض الواقع‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪27 2009‬‬


‫حتليالت‬

‫اليمن والعامل‬

‫وجهات نظر‬

‫فـي ‪ 60‬يوما‬

‫عني على اليمن‬

‫من‬

‫احتواء ال�شيوعية‬

‫�إىل‬

‫احتواء القاعدة‬ ‫مكانة اليمن فـي اال�سرتاتيجية الأمريكية‬ ‫من الأربعينيات حتى اليوم‬ ‫عبداهلل الفقيه‬

‫‪28‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫عبداهلل الفقية �أ�ستاذ العلوم ال�سيا�سية يف جامعة �صنعاء‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪29 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫حتليالت‬

‫ن����ال اجلزء ال�شمايل من اليمن ا�ستقالله عن تركيا يف ع����ام ‪ .1918‬وحاول الإمام يحيى حميد الدين‬ ‫ب�شكل متكرر لفت انتباه الواليات املتحدة �إىل مملكته القرو�سطية دون حتقيق قدر كبري من النجاح‪.‬‬ ‫وم����ع تنامي الدور الدويل للإمرباطوري����ة الأمريكية ال�صاعدة ازداد اهتم����ام الإمام باحل�صول على‬ ‫اعرتافها‪ ،‬ومنت تطلعاته للح�صول على دعمها الع�سكري يف مواجهة خ�صومه ال�سعوديني يف ال�شمال‬ ‫والربيطاني��ي�ن يف اجلنوب‪ .‬ومرت ثالثة عقود تقريب ًا قبل �أن يحظ����ى الإمام‪ ،‬وبف�ضل التطورات التي‬ ‫�أتت بها احلرب الكونية الثانية‪ ،‬باعرتاف الواليات املتحدة بـ “اململكة املتوكلية اليمنية‪”.‬‬ ‫وكان هن����اك ثالث����ة عوامل �أ�سا�سية لفتت انتب����اه الأمريكيني �إىل �شمال اليم����ن حينها‪ ،‬هي‪ :‬جماورته‬ ‫للملك����ة العربي����ة ال�سعودية‪ ،‬واخلوف م����ن حتوله �إىل منطقة نف����وذ �سوفييتي‪ ،‬وفتح الب����اب لل�شركات‬ ‫الأمريكية للتنقيب عن النفط‪ .‬وظلت مكانة اليمن يف اال�سرتاتيجية الأمريكية ثابتة ن�سبي ًا على الأقل‬ ‫حت����ى نهاي����ة القرن املا�ضي‪� .‬أما اليوم ف�إن هناك م�ؤ�شرات متزاي����دة على �أن الإدارة الأمريكية جتري‬ ‫عملية مراجعة لإ�سرتاتيجيتها يف اليمن ويف الدول العربية الأخرى‪.‬‬ ‫حاول الإمام عقب ا�ستقالل �شمال اليمن‬ ‫�أمريكا والإمام‬ ‫عن تركيا وت�أ�سي�س اململكة املتوكلية اليمنية يف عام ‪ ،1918‬ا�ستغالل‬ ‫التناف����س الربيط���اين الأمريكي واحل�صول على اع�ت�راف الواليات‬ ‫املتحدة الأمريكي���ة ودعمها الع�سكري يف مواجه���ة الربيطانيني يف‬ ‫اجلنوب وال�سعوديني يف ال�شمال‪ .‬وا�صطدمت جهود الإمام بالنفوذ‬ ‫الربيط���اين الكبري داخل دوائ���ر �صنع الق���رار الأمريكي من جهة‪،‬‬ ‫وبتنامي مكانة اململكة العربية ال�سعودية يف الإ�سرتاتيجية الأمريكية‬ ‫من جهة ثانية‪.‬‬ ‫وتغري ح���ظ الإمام يحي���ى بعد �أن و�ضع���ت احلرب العاملي���ة الثانية‬ ‫�أوزاره���ا‪� ،‬إذ ب���د�أت الوالي���ات املتح���دة يف تو�سيع دائ���رة عالقاتها‬ ‫يف املنطق���ة كي تقطع الطري���ق على االحت���اد ال�سوفييتي‪ ،‬وتحُ �صِّ ن‬ ‫م�صاحله���ا املتنامي���ة يف ال�سعودي���ة واخللي���ج العرب���ي‪ .‬وق���د عمل‬ ‫الكولونيل ويليام �إيدي �ضابط البحرية ال�سابق‪ ،‬وامل�سئول حينها عن‬ ‫بناء العالقات الأمريكية مع ال�سعودية ودول اخلليج‪ ،‬والذي مل يكن‬ ‫ليفوت���ه الأهمية الإ�سرتاتيجي���ة لليمن ال�شمايل‪ ،‬عل���ى التوا�صل مع‬ ‫اململك���ة املتوكلية والتفاو�ض معها ب�ش����أن االعرتاف و�إقامة عالقات‬ ‫بني الدولتني‪ .‬وتكللت جه���ود �إيدي بتوقيع الواليات املتحدة والإمام‬ ‫يحي���ى على معاه���دة �صداقة وجت���ارة اعرتفت مبوجبه���ا الواليات‬ ‫املتح���دة الأمريكية باململك���ة املتوكلية اليمنية كدول���ة م�ستقلة ذات‬ ‫�سيادة يف ‪� 4‬آذار‪/‬مار�س ‪.1946‬‬ ‫ورمب���ا جاء االع�ت�راف الأمريك���ي مـت�أخ���ر ًا بع�ض ال�ش���يء بالن�سبة‬ ‫للإمام يحيى الذي كانت املعار�ضة حلكمه تتنامى ب�سرعة‪ .‬وهناك‬ ‫من يذهب �إىل القول ب�أن االعرتاف الأمريكي قد �ساهم يف التعجيل‬ ‫‪30‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ب���زوال الإمام يحيى‪� ،‬إذ اغتي���ل يف عام ‪ 1948‬بعد مرور عامني على‬ ‫االع�ت�راف‪ ،‬وقبل �أن يتمكن م���ن توطيد عالقت���ه بالأمريكيني‪� .‬أما‬ ‫ابن���ه الإم���ام �أحمد ال���ذي �صع���د �إىل العر�ش عقب ف�ش���ل ثورة عام‬ ‫‪ ،1948‬فق���د تعام���ل مع الأمريكي�ي�ن بحذر �شدي���د‪ .‬وبينما جنح يف‬ ‫فت���ح بعث���ة دبلوما�سية ميني���ة يف وا�شنطن يف ع���ام ‪ ،1951‬ف�إنه ظل‬ ‫يف املقاب���ل مياط���ل الأمريكيني يف م�س�ألة ال�سماح له���م ب�إن�شاء بعثة‬ ‫دبلوما�سي���ة يف اليمن‪ .‬وحاول الإمام �أحمد الت���زام �سيا�سة احلياد‬ ‫يف التعامل مع الأمريكيني من جهة ومع ال�سوفييت من جهة �أخرى‪،‬‬ ‫�أم ًال يف احل�صول على الدعم االقت�صادي والع�سكري من اجلانبني‬ ‫ومب���ا ميكنه من مواجه���ة الربيطانيني يف اجلن���وب وال�سعوديني يف‬ ‫ال�شمال‪ .‬وقد حتقق ذلك للإم���ام‪ ،‬بالرغم من املعار�ضة ال�سعودية‬ ‫والربيطاني���ة‪ ،‬يف عام ‪ .1957‬ومتكن الأمريكيون بدورهم‪ ،‬وبالرغم‬ ‫من تردد الإمام �أحمد‪ ،‬من افتتاح بعثة دبلوما�سية يف تعز يف �أيلول‪/‬‬ ‫�سبتم�ب�ر ‪ .1959‬و�إذا كان الإم���ام يحيى قد قت���ل بعد حوايل عامني‬ ‫م���ن اعرتاف الواليات املتحدة مبملكته‪ ،‬ف�إن الإمام �أحمد قد َق َ�ضى‬ ‫ومع���ه �أي�ض ًا اململكة املتوكلية اليمنية بعد ح���وايل عامني من افتتاح‬ ‫الأمريكيني لأول بعثة دبلوما�سية يف اليمن‪.‬‬ ‫ثورة �أيلول‪�/‬سبتمرب ‪ 1962‬تلقى جمل�س الأمن القومي‬ ‫الأمريكي يف ‪� 14‬أيلول‪�/‬سبتمرب ‪ 1962‬مذكرة من اال�ستخبارات تقول‬ ‫«يخط���ط جمموع���ة من �ضباط اجلي����ش اليمني‪ ،‬رمب���ا للتنفيذ عن‬ ‫قريب‪ ،‬الغتيال الإمام واعتق���ال البدر‪ ،‬وت�أ�سي�س جمهورية‪ ،‬و ُيعتقد‬ ‫�أن املخطط�ي�ن يحظ���ون بدعم نا�ص���ر (جمال عب���د النا�صر) وبوالء‬ ‫زعم���اء قبليني مهمني”‪ .‬ويف ‪� 20‬أيلول‪�/‬سبتمرب‪� ،‬أي يف اليوم التايل‬

‫مع�ض��لة ال�س��جناء‪ :‬اجل���دل الدائ���ر حول‬ ‫ال�سجناء اليمنيني يف �سج���ن جوانتناموا ي�شري‬ ‫�إىل �أن اال�سرتاتيجي���ة الأمريكي���ة القادم���ة يف‬ ‫اليمن �ستتميز بدرجة عالية من املرونة‬

‫لوفاة الإمام �أحمد‪ ،‬رفع ال�ضابط املخت�ص ب�ش�ؤون اجلزيرة العربية‬ ‫يف اخلارجي���ة الأمريكي���ة �إىل الرئي����س الأمريكي ج���ون �إف كنيدي‬ ‫تقري���ر ًا حول ما �سيرتتب عل���ى وفاة الإمام �أحمد م���ن �صراع حول‬ ‫ال�سلط���ة‪ .‬وحي���ث �أن الأمري احل�سن‪� ،‬شقيق الإم���ام الراحل ورئي�س‬ ‫البعثة اليمنية يف الأمم املتحدة‪ ،‬كان قد طلب من الأمريكيني دعمه‬ ‫لت���ويل الإمامة بعد �أخيه‪ ،‬فقد مت �إل�صاق ورقة على التقرير م�ؤرخة‬ ‫يف ‪� 21‬أيلول‪�/‬سبتم�ب�ر تقول “نعتقد �أن على الواليات املتحدة جت ّنب‬ ‫التدخ���ل يف ال�ص���راع الدائر حول ال�سلط���ة يف اليمن ما مل تنحرف‬ ‫اليمن ب�شكل كبري يف اجتاه املع�سكر ال�سوفييتي ‪ -‬ال�صيني»‪.‬‬ ‫وي���ورد التقري���ر �سبب�ي�ن يجع�ل�ان �أمريكا متتن���ع عن دع���م الأمري‬ ‫احل�س���ن‪ :‬الأول ه���و �أن الأمري احل�سن ينتم���ي �إىل �أ�سرة بيت حميد‬ ‫الدي���ن التي فق���د النا�س الثقة بها‪ ،‬وتعي�ش خ���ارج الع�صر و”قد ال‬ ‫ت�ستم���ر طوي ًال”‪ ،‬و�أنه‪ ،‬و�إن كان يحظى بدع���م بع�ض �أفراد الأ�سرة‬ ‫املالكة وبع����ض القبائل‪� ،‬إال �أنه ال يحظى بدعم كبري من “العنا�صر‬ ‫امل�ستن�ي�رة”‪ .‬ويف الوق���ت ال���ذي ي�شري في���ه التقري���ر �إىل �أن الأمري‬ ‫احل�س���ن منح���از لأم�ي�ركا ومع���اد لل�شيوعي���ة‪ ،‬ف�إن���ه ي���رى يف ذلك‬ ‫عام���ل �ضعف للح�سن ولي����س عامل قوة‪� .‬أما ال�سب���ب الثاين لرف�ض‬ ‫الأمريكي�ي�ن دع���م احل�س���ن‪ ،‬فهو وجود �ش���ك كبري لديه���م بجدوى‬ ‫“الدعم املحدود” الذي ميكن لهم تقدميه‪� ،‬أي بقدرة ذلك الدعم‬ ‫عل���ى �إي�صال احل�س���ن �إىل ال�سلطة ناهيك عن �إبقائ���ه فيها يف ظل‬ ‫وجود العديد من اجلماعات التي تتناف�س على وراثة الإمام‪.‬‬

‫ويب���دو �أن التقري���ر املرف���وع �إىل الرئي����س كني���دي يف الع�شرين من‬ ‫�أيلول‪�/‬سبتمرب ‪ 1962‬قد و�ض���ع �أهم معامل الإ�سرتاتيجية الأمريكية‬ ‫يف اليم���ن‪ ،‬وهي‪ .1 :‬عدم التدخل يف ال�ش�ؤون اليمنية �إال يف احلدود‬ ‫ال�ضيقة جد ًا؛ ‪ .2‬رفع م�ستوى التدخل عندما يزداد خطر وقوع اليمن‬ ‫حت���ت النفوذ ال�سوفييت���ي؛ ‪ .3‬عدم االهتمام مبا يجري يف اليمن �إال‬ ‫من حيث �أثره املتوق���ع يف الأمن بالدول املجاورة؛ ‪ .4‬االنحياز لقوى‬ ‫التحديث واال�ستن���ارة يف بلد يعي�ش ظروف ًا م�شابهة ملمالك الع�صور‬ ‫الو�سطى‪.‬‬ ‫عم���ل الأمريكي���ون‪ ،‬وف���ق تل���ك اخلط���وط العري�ضة‪ ،‬عل���ى مقاومة‬ ‫ال�ضغوط ال�سعودي���ة والربيطانية لدفعهم للتدخل يف ال�ش�أن اليمني‬ ‫ب�شكل �أكرب خالل ال�ستينيات‪ .‬وعلى عك�س الربيطانيني وال�سعوديني‪،‬‬ ‫الذي���ن ر�أوا يف الدور امل�ص���ري يف اليمن خطر ًا يجب مقاومته‪ ،‬ر�أى‬ ‫الأمريكيون �أن نوع العالقة التي �سرتبط احلكومة اليمنية اجلديدة‬ ‫يف �شمال اليمن باحلكومة امل�صرية غري مهم طاملا �أدركت احلكومة‬ ‫امل�صري���ة ب�أن للحكومة الأمريكية م�صال���ح حيوية يف احلفاظ على‬ ‫الأم���ن يف اخلليج‪ ،‬ويف حممي���ة عدن‪ ،‬وطاملا ح�ص���رت احلكومتان‬ ‫اليمنية وامل�صرية جهودهما يف تثبيت الأو�ضاع يف اليمن دون خو�ض‬ ‫�أي مغامرات يف ال�شمال �أو يف اجلنوب‪.‬‬ ‫وم���ع �أن الأمريكي�ي�ن �أدرك���وا جي���د ًا �أن التدخل امل�ص���ري يف اليمن‬ ‫�سيزيد من ح���دة ال�ضغوط على الأنظمة املحافظة يف اخلليج وعلى‬ ‫الوجود الربيطاين يف اجلنوب‪� ،‬إال �أنهم كما يبدو مل ينظروا �إىل‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪31 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫حتليالت‬

‫تل���ك ال�ضغوط على �أنها عامل �سلبي‪ ،‬ب���ل حاولوا توظيفها لتحريك التكلف���ة املرتفع���ة لأي تعامل �أمريك���ي مبا�شر مع اليم���ن وم�شاكله‬ ‫املي���اه الراك���دة يف املنطقة‪ .‬وعل���ى عك�س الربيطاني�ي�ن يف اجلنوب الكبرية‪ ،‬وخ�صو�ص ًا يف اجلانب االقت�صادي والتنموي‪.‬‬ ‫وال�سعودي�ي�ن يف ال�شم���ال‪ ،‬مل ي��� َر الأمريكي���ون �أن ال�ص���راع امل�سلح ويالح���ظ �أن التعامل الأمريكي املبا�شر م���ع �شمال اليمن قد ارتبط‬ ‫يف �شم���ال اليمن ميكن���ه �أن ي�ساه���م يف انت�شار ال�شيوعي���ة‪ .‬و�أظهر بنمو امل�صالح االقت�صادية الأمريكية‪ .‬فعلى �سبيل املثال‪ ،‬ف�إن زيارة‬ ‫الأمريكي���ون من���ذ البداي���ة‪ ،‬ورمب���ا كان للتطورات داخ���ل الواليات نائ���ب الرئي�س الأمريكي جورج بو�ش يف عام ‪ ،1986‬وهو �أول م�سئول‬ ‫املتحدة دورها يف ذلك‪ ،‬درجة عالية من اليقني �أنه ومهما‬ ‫�أمريكي رفيع يزور اليمن ال�شمايل‪ ،‬ارتبطت بامل�شاركة‬ ‫طال���ت احلرب ب�ي�ن امللكي�ي�ن واجلمهوري�ي�ن‪ ،‬ف�إن‬ ‫�إذا كانت‬ ‫يف افتت���اح م�صفاة �صافر لتكري���ر النفط التي‬ ‫النهاية �ستكون ل�صالح اجلمهوريني‪.‬‬ ‫الواليات املتحدة قد اكتفت‬ ‫مت �إقامته���ا يف حمافظة م����أرب‪ ،‬بعد جناح‬ ‫ب�إهداء الإمام يحيى جهاز �إر�سال‬ ‫وتعك�س الوثائق الأمريكية التي مت الإفراج‬ ‫�شرك���ة هن���ت الأمريكي���ة يف اكت�ش���اف‬ ‫الع�صر‬ ‫إىل‬ ‫�‬ ‫انتباهه‬ ‫للفت‬ ‫إذاعي‬ ‫�‬ ‫عنه���ا �أن �إدارة الرئي����س كني���دي‪ ،‬وق���د‬ ‫النفط بكميات جتاري���ة‪ .‬ويف ‪ 26‬كانون‬ ‫إنها‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫مملكته‪،‬‬ ‫حدود‬ ‫خارج‬ ‫املتغري‬ ‫انح���ازت �إىل النظ���ام اجلمه���وري منذ‬ ‫الثاين‪/‬يناي���ر ‪ ،1990‬وبعد تلقيه دعوة‬ ‫إىل‬ ‫�‬ ‫يحتاج‬ ‫اليمن‬ ‫أن‬ ‫�‬ ‫اليوم‬ ‫تدرك‬ ‫�أول وهل���ة‪ّ � ،‬أجل���ت االع�ت�راف بالنظام‬ ‫م���ن ال�سيد جورج بو�ش ال���ذي كان قد‬ ‫االلتحاق‬ ‫ل�ضمان‬ ‫اجلهود‬ ‫من‬ ‫الكثري‬ ‫ً‬ ‫اجلديد حت���ى ت�ستطلع نواي���ا امل�صريني‬ ‫مت انتخاب���ه رئي�سا للواليات املتحدة يف‬ ‫تهديد‬ ‫إىل‬ ‫�‬ ‫حتوله‬ ‫وعدم‬ ‫بالع�صر‬ ‫واجلمهوري�ي�ن يف �صنعاء وحت���ى تُطمئن‬ ‫ع���ام ‪� ،1988‬سافر الرئي����س �صالح �إىل‬ ‫جلريانه‬ ‫أو‬ ‫�‬ ‫لذاته‬ ‫ال�سعودي�ي�ن ب����أن اعرتافه���ا بالنظ���ام‬ ‫وا�شنط���ن ليك���ون بذل���ك �أول رئي�س ميني‬ ‫الدويل‬ ‫املجتمع‬ ‫أو‬ ‫�‬ ‫اجلمهوري ال ي�أتي على ح�ساب التزامها ب�أمن‬ ‫ي���زور الواليات املتحدة‪ .‬وق���د جاءت الزيارة‬ ‫اململك���ة‪ .‬وملا حتقق لها ذلك �أعلنت �إدارة كندي يف‬ ‫مب���ا حتمله م���ن رمزية‪ ،‬وما ت���دل عليه من حتول‬ ‫‪ 19‬كان���ون الأول‪/‬دي�سم�ب�ر ‪ 1962‬اعرتافها ب���ـ «اجلمهورية‬ ‫يف طريق���ة التعام���ل الأمريكي م���ع اليم���ن‪ ،‬متزامنة مع‬ ‫العربية اليمني���ة»‪ .‬ويف ‪ 20‬كانون الأول‪/‬دي�سمرب‪� ،‬أي بعد االعرتاف التح�ض�ي�رات القائم���ة على قدم و�س���اق لتوحيد �شط���ري اليمن يف‬ ‫الأمريك���ي بيوم واحد‪ ،‬جل����س حم�سن العيني عل���ى مقعد اليمن يف دول���ة واح���دة مع ما يحمله مث���ل ذلك التطور م���ن �أهمية للم�صالح‬ ‫الأمم املتحدة بعد �أن كان الأ�ستاذ �أحمد حممد ال�شامي رئي�س وفد الأمريكية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫اململك���ة املتوكلي���ة قد ترك مقع���ده يف اليوم ال�ساب���ق احتجاجا على م���ن جهة ثاني���ة‪ ،‬حاف���ظ الأمريكي���ون رغ���م �إيكالهم مل���ف اليمن‬ ‫االعرتاف الأمريكي‪.‬‬ ‫لل�سعودي���ة عل���ى درجة منخف�ضة م���ن احل�ضور يف ال�ش����أن اليمني‪،‬‬ ‫هدفت فيما يبدو �إىل مراقبة ما يجري والت�أكد من �أن جبهة �شمال‬ ‫احتواء ال�ش��يوعية‬ ‫�سعى الأمريكيون منذ عام ‪ ،1946‬اليم���ن غري معر�ضة لالخرتاق من قب���ل ال�سوفييت‪ .‬وقد متثل ذلك‬ ‫وبنج���اح كبري‪� ،‬إىل منع �شمال اليمن من التحول �إىل منطقة للنفوذ احل�ضور يف التمثيل الدبلوما�سي والقن�صلي‪ ،‬ويف الدعم االقت�صادي‬ ‫ال�شيوعي‪ .‬وف�شل���ت احلكومة الربيطانية املحتل���ة جلنوب اليمن يف والإن�ساين‪.‬‬ ‫القي���ام بنف�س ال���دور‪ .‬وبينما متكن���ت عنا�صر الي�س���ار من الهيمنة‬ ‫عل���ى ال�سلطة يف اجلنوب وح ّولته �إىل منطقة نفوذ �سوفييتي‪ ،‬متكن م���ن جه���ة ثالث���ة‪ ،‬حاف���ظ الأمريكيون عل���ى م�ست���وى منخف�ض من‬ ‫اجلمهوري���ون م���ن الو�ص���ول �إىل ال�سلط���ة يف ال�شم���ال وح ّولوه �إىل ال�صراع بني �شطري اليمن وداخل كل �شطر‪ .‬وقد ظهر ذلك وا�ضح ًا‬ ‫جبه���ة من جبهات املواجهة واالحتواء لل�شيوعية‪ .‬وات�سمت ال�سيا�سة من خالل الطريقة التي مت بها التعامل مع طلبات الأ�سلحة اليمنية‬ ‫الأمريكي���ة يف اليم���ن خالل عق���دي ال�سبعيني���ات والثمانينيات من �أو م���ع النزاعات التي اندلعت ب�ي�ن ال�شطرين‪ .‬ولعل الأمريكيون قد‬ ‫الق���رن املا�ضي بااللتزام باال�سرتاتيجي���ة التي تبلورت ب�شكل وا�ضح �شعروا‪ ،‬وعلى نحو م�ستمر‪ ،‬ب�أن �أي �صراع طويل �أو وا�سع النطاق بني‬ ‫�شط���ري اليمن �سيكون له �آثاره ال�سيئة عل���ى اال�ستقرار يف اخلليج‪.‬‬ ‫خالل ال�ستينيات‪.‬‬ ‫و�أكد املوقف الأمريكي من حرب عام ‪ 1994‬ا�ستمرار ذات التوجه‪.‬‬ ‫من جهة‪ ،‬ترك الأمريكي���ون ملف �شمال اليمن وم�شكالته الداخلية‬ ‫دعم���ت الوالي���ات املتح���دة توحيد‬ ‫للمملكة العربية ال�سعودية‪ .‬وذهبوا �أبعد من ذلك فجعلوا عالقاتهم احت��واء القاع��دة‬ ‫مع �شمال اليمن متر عرب الو�سيط ال�سعودي رغم املحاوالت احلثيثة �شط���ري اليم���ن يف ع���ام ‪ ،1990‬ور�أت يف ذل���ك عام���ل تعزي���ز‬ ‫ً‬ ‫للنظ���ام اليمني‪ ،‬وخ�صو�صا يف عه���د الرئي�س علي عبد اهلل �صالح‪ ،‬لال�ستق���رار يف املنطق���ة وت�صفية جليب من جي���وب ال�شيوعية‪ .‬ومل‬ ‫التعام���ل م���ع وا�شنط���ن مبا�شرة‪ .‬وميك���ن �إرجاع ذل���ك التوجه �إىل يهت���م الأمريكيون مع مطلع الت�سعينيات كث�ي�ر ًا مب�س�ألة تبني الدولة‬ ‫عدة �أ�سباب �أبرزها عدم وج���ود م�صالح �أمريكية كبرية يف اليمن‪ ،‬اجلدي���دة للدميقراطية خوف ًا من �أن ي�ؤدي ت�شجيع مثل ذلك التوجه‬ ‫والرغبة يف تطم�ي�ن ال�سعوديني ب�أن الواليات املتحدة ال تلعب بالنار �إىل حال���ة من عدم اال�ستقرار يف الدول املجاورة لليمن‪ .‬و�إذا كانت‬ ‫ً‬ ‫يف بل���د نظروا �إليه عل���ى �أنه مبثابة احلديقة اخللفي���ة‪ ،‬وهروبا من �إدارة الرئي�س كنيدي مل تعرتف بالنظام اجلمهوري يف �شمال اليمن‬ ‫‪32‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫�سيا�سات الواقع‪ :‬تدرك احلكومة اليمنية �أنه ال ميكن حتقيق اال�ستقرار �إال من خالل مواجهة امل�شكالت ولي�س ترحيلها �أو الهروب منها‬

‫�إال بع���د احل�صول عل���ى تطمينات من �أن اليمني�ي�ن ال يطمحون �إىل‬ ‫ت�صدي���ر ثورتهم �إىل الدول املجاورة‪ ،‬فقد حذر م�سئولون �أمريكيون‬ ‫نظرائه���م اليمنيني يف ال�سنوات الأوىل من الت�سعينيات من حماولة‬ ‫ت�صدير الدميقراطية اليمنية �إىل جريانهم‪.‬‬ ‫ورغم �أن التطورات التي �شهدها اليمن مع نهاية الثمانينيات وبداية‬ ‫الت�سعينيات مثلت �أح���د الرباهني على انت�صار الواليات املتحدة يف‬ ‫�صراعه���ا مع املع�سك���ر ال�شرقي‪� ،‬إال �أن التط���ورات التي �ستتلو ذلك‬ ‫�ستربه���ن بدورها عل���ى �أن ك�سب احلرب الب���اردة مل يكن من دون‬ ‫ترك���ة‪ ،‬وتركة ثقيلة‪ .‬فال ميكن ف�صل الغزو العراقي للكويت يف عام‬ ‫‪ ،1990‬والتدخ���ل الع�سكري الدويل لتحري���ر الكويت‪ ،‬وظهور تنظيم‬ ‫القاعدة وتطوره‪ ،‬وحرب ع���ام ‪ 1994‬الأهلية يف اليمن‪ ،‬و�أحداث ‪11‬‬ ‫�أيلول‪�/‬سبتم�ب�ر ‪ ،2001‬والغزو الأمريكي لأفغان�ستان والعراق‪ ،‬وغري‬ ‫ذلك م���ن الأحداث عل���ى امل�ستوي���ات الدولية والإقليمي���ة واملحلية‪،‬‬ ‫ع���ن �صراعات احلرب الب���اردة وعن ال�سيا�س���ات واال�سرتاتيجيات‬ ‫الت���ي مت �إتباعها‪ .‬وبنف�س الطريق���ة‪ ،‬ف�إنه ال ميكن ف�صل ال�سيا�سات‬ ‫الت���ي تتبعها الوالي���ات املتحدة اليوم الحت���واء القاعدة واجلماعات‬ ‫الإرهابي���ة الأخ���رى يف اليمن �أو غريها من ال���دول عن تلك التي مت‬ ‫�إتباعها الحتواء ال�شيوعية‪.‬‬ ‫لك���ن الوا�ضح �أن عامل الي���وم يختلف كثري ًا عن ع���امل الأم�س‪ .‬و�إذا‬ ‫كانت الواليات املتحدة قد اكتفت يف عام ‪ 1946‬ب�إهداء الإمام يحيى‬ ‫جهاز �إر�س���ال �إذاعي للفت انتباهه �إىل الع�ص���ر املتغري خارج حدود‬ ‫مملكت���ه‪ ،‬ف�إنها ت���درك اليوم بالت�أكي���د �أن اليمن يحت���اج �إىل الكثري‬

‫م���ن اجلهود ل�ضم���ان االلتح���اق بالع�صر وع���دم حتول���ه �إىل تهديد‬ ‫لذات���ه �أو جلريان���ه �أو املجتمع الدويل‪ .‬وتدرك كذل���ك �أن التهديدات‬ ‫الت���ي تواجهها ال�شعوب من الداخل هي �أك�ث�ر تعقيد ًا من التهديدات‬ ‫خارجي���ة امل�ص���در‪ .‬و�إذا كان الإم���ام يحيى وجنله الإم���ام �أحمد من‬ ‫بع���ده قد ح���اوال يف القرن املا�ض���ي عزل اململكة املتوكلي���ة عن العامل‬ ‫كا�سرتاتيجي���ة للبقاء يف ال�سلطة ولو لبع����ض الوقت فقط كما �أثبتت‬ ‫الأح���داث �أو للحف���اظ على اال�ستقرار‪ ،‬ف�إن احلكوم���ة اليمنية تدرك‬ ‫اليوم �أن���ه‪ ،‬ويف ظل قوى العوملة ال�سيا�سية واالقت�صادية واالجتماعية‬ ‫والثقافي���ة والتكنولوجية التي ال تتقيد ب����أي حدود‪ ،‬ال ميكن احلفاظ‬ ‫عل���ى ال�سلطة �أو حتقيق اال�ستقرار �إال من خ�ل�ال االندماج يف العامل‬ ‫ولي����س االنعزال عنه‪ ،‬ومواجهة امل�ش���كالت ولي�س ترحيلها �أو الهروب‬ ‫منها‪.‬‬ ‫ومع �أنه من ال�صعب يف ظل فرتة م�ضطربة مثل التي تعي�شها املنطقة‬ ‫والع���امل‪ ،‬احلديث عن مالمح معين���ة لإ�سرتاتيجية �أمريكية م�ستقرة‬ ‫نح���و اليمن‪� ،‬إال �أن الوا�ضح �أن �سيا�سة حتقيق اال�ستقرار ب�أي ثمن مل‬ ‫تعد ممكنة‪ ،‬و�أن اال�ستق���رار املطلوب والذي يحقق م�صالح الواليات‬ ‫املتحدة وم�صالح �شعوب املنطق���ة ينبغي �أن تخلق �شروطه احلقيقية‬ ‫الت���ي ت�ضمن ا�ستم���راره‪� ،‬س���واء على م�ست���وى املنطق���ة ككل �أو على‬ ‫م�ستوى كل دولة‪.‬‬ ‫و�إذا كان اجلدل الدائر حول ال�سجناء اليمنيني يف �سجن جوانتناموا‬ ‫ي�ؤ�ش���ر �إىل �شيء ف�إن���ه �إمنا ي�ؤ�ش���ر �إىل �أن اال�سرتاتيجي���ة الأمريكية‬ ‫القادم���ة يف اليم���ن �ستُعط���ي اهتمام��� ًا كب�ي�ر ًا لل�شراك���ة يف التنمية‬ ‫ومواجهة التحديات‪ ،‬و�ستتميز بدرجة عالية من املرونة‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪33 2009‬‬


‫دور‬

‫حتليالت‬

‫اليمن والعامل‬

‫وجهات نظر‬

‫فـي ‪ 60‬يوما‬

‫عني على اليمن‬

‫يبحث عن مين‬

‫ل�س��ت بحاج��ة �إىل تركيز النظر لأرى يف �أفق اليم��ن دور ًا محُ ِّلق ًا يبحث عن مين ليحط رحال��ه فيه‪ .‬فاملحيط الإقليمي‬ ‫والبعد الدويل بحاجة ما�س��ة ليمن قادر على القيام بدور يتوافق مع احلديث النبوي ال�ش��ريف الذي �أو�صي باليمن �إذا‬ ‫ما ا�شتدت املحن‪ .‬وهم فع ًال اليوم يواجهون حتديات وحمن �شديدة‪ ،‬وقد ا�ستخدموا كل ما هو متاح �أمامهم ملواجهة هذه‬ ‫التحديات‪� ،‬إال �إنهم مازالوا بحاجة �إىل دور ال �أحد ي�ستطيع �أن ي�ؤديه غري اليمن‪.‬‬

‫علي �سيف ح�سن‬

‫عل����ى م����دى التاري����خ والق����ادة الإ�سرتاتيجي����ون يعرفون �أهمي����ة اليمن‬ ‫وت�أثرياته����ا ال�سلبية والإيجابية عليه����م‪ ،‬وكان ر�سول اهلل حممد �صلى اهلل‬ ‫علي����ه و�سلم ال����ذي يعتربه غري امل�ؤمنني ب����ه �أعظم الق����ادة الذين عرفتهم‬ ‫الب�شري����ة‪ ،‬كان ق����د ن ّبه و�أكد على ال����دور الإ�سرتاتيجي اله����ام لليمن‪ .‬كما‬ ‫�أن ق����ادة وم�ؤ�س�سي دول اجلوار وبنظرته����م الثاقبة‪ ،‬وكما يردد الرواة‪ ،‬قد‬ ‫�أو�ص����وا خلفائهم ب�أن خريهم و�ش ّرهم من اليمن‪ ،‬وبالغريزة الفطرية لدى‬ ‫الإن�س����ان‪ ،‬وباحل�صافة والبديه����ة مت تقدمي خي����ار درء املف�سدة على خيار‬ ‫جلب امل�صلحة يف عالقاتهم معنا‪ .‬وكذلك فعل الأبعدون‪.‬‬ ‫مل����اذا اقت�ص����ر خيار اجلمي����ع يف عالقتهم معنا عل����ى �إ�سرتاتيجية درء‬ ‫املف�س����دة وه����ي حال����ة ا�ستثنائي����ة وم�ؤقت����ة يف كل العالق����ات ب��ي�ن ال�شعوب‬ ‫والأمم؟ وملاذا مل ينتقلوا �إىل �إ�سرتاتيجية جلب امل�صلحة بالرغم من �أنها‬ ‫هي العالقة الطبيعية وامل�ستدامة يف العالقة بني ال�شعوب والأمم؟‬ ‫ال �أري����د �أن �أحمل الآخرين امل�سئولية وتربئة ال����ذات‪ ،‬كما �إنني ال �أحب‬ ‫جل����د ال����ذات �أي�ض���� ًا‪� .‬س�أكتفي بالق����ول �إننا نح����ن اليمني����ون مل نتمكن من‬ ‫التع����رف عل����ى اليمن كما هو ب����كل مكوناته واكتفينا مبعرف����ة ما هو ظاهر‬ ‫وب����ارز لن����ا كيمنيني من ميننا‪ ،‬و�ضاق بنا الأفق �إىل حد �أننا مل نعد نرى يف‬ ‫اليم����ن �سوى كثاف����ة �سكانية وموارد �شحيحة م�ستنزف����ة‪ .‬ت�صورنا هذا عن‬ ‫ذاتنا بلغ �إىل عقول وتفك��ي�ر التكنوقراط املهتمني باليمن من اجلوار ومن‬ ‫القوى الدولية‪.‬‬ ‫وبالنتيجة �ضمرت طموحاتنا وتراجعت من �إ�سرتاتيجية �إدارة التنمية‬ ‫�إىل مهارات �إدارة الفقر‪ ،‬ومعها تقزّمت �آفاق عالقاتنا مع اجلوار والعامل‬ ‫م����ن �آفاق ال�شراك����ة �إىل قنوات امل�ساع����دات‪ ،‬و�أ�صبحنا نتعام����ل مع العامل‬ ‫واجلوار كمانحني ال ك�شركاء‪.‬‬ ‫مين كهذا ال ي�ستطيع �أن يحقق �سوى حتفيز وا�ستنفار املخاوف الغريزية‬ ‫‪34‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫علي �سيف ح�سن رئي�س منتدى التنمية ال�سيا�سية ب�صنعاء‪.‬‬

‫لدى اجل����وار والعامل ويعزز لديه����م �صوابية اختياره����م لإ�سرتاتيجية درء‬ ‫املف�س����دة يف عالقتهم معنا‪ .‬باملقابل‪ ،‬وكرد فع����ل غريزي �أي�ض ًا‪ ،‬فقد تعزز‬ ‫لدين����ا االرتياب والتوج�س منهم‪ ،‬وكحلقة مغلق����ة تعززت �إ�سرتاتيجية درء‬ ‫املف�سدة وجتنب املخاطر املتبادلة بيننا وبينهم‪.‬‬ ‫مي����ن كه����ذا لي�س هو اليم����ن الذي يبحث عن����ه الدور‪ ،‬مي����ن كهذا غري‬ ‫م�ؤه����ل خلل����ق �إ�سرتاتيجية عالقات م����ع الآخرين قائمة عل����ى �أ�سا�س جلب‬ ‫امل�صلح����ة‪ .‬ف�أي مي����ن يبحث عنه الدور املحلق يف م����دارات اليمن وافقها؟‬ ‫�إن����ه اليمن الذي يتجاوز ح����دود الكثافة ال�سكانية وامل����وارد امل�ستنزفة‪� .‬إنه‬ ‫اليمن بتاريخه العريق‪ ،‬وموقعه الإ�سرتاتيجي الهام‪ ،‬وغنى تنوعه‪ :‬البيئي‪،‬‬ ‫الطبيعي‪ ،‬االجتماعي‪ ،‬الثقايف‪ ،‬ال�سيا�سي‪ ،‬الإعالمي‪.‬‬ ‫�إن����ه اليم����ن كما ه����و فع ً‬ ‫��ل�ا ال كما ن����راه نحن الي����وم‪� .‬إنه مي����ن النخبة‬ ‫ال�سيا�سية والثقافي����ة واالقت�صادية املقتدرة على التخيل والإبداع‪ ،‬ومتتلك‬ ‫الأف����ق الوا�س����ع النظر بامت����داد خارطة العامل لرتى ب�أن النم����و والتنمية ال‬ ‫تعتم����دان على املوارد الطبيعة فقط‪ ،‬فكثري م����ن دول العامل الغنية باملورد‬ ‫الطبيعي����ة تعاين من �شقاء التخلف وكث��ي�ر من الدول �شحيحة املوارد تنعم‬ ‫بالرفاه‪.‬‬ ‫�إنه اليمن �صاحب الإرادة الوطنية الواثقة واملقتدرة على �إعادة �صياغة‬ ‫�أ�س�س العالقة مع الآخرين‪ ،‬من �إ�سرتاتيجية درء املف�سدة �إىل �إ�سرتاتيجية‬ ‫جل����ب امل�صلحة‪ .‬فما الذي ل����دى اليمن كل اليمن ليقدم����ه للجوار والعامل‬ ‫كم�صلحة هم بحاجة �إليها لي�ستطيع يف املقابل طلب م�صلحة مقابلة متثل‬ ‫الثمن العادل ملا يقدمه؟‬ ‫لنب����د�أ بالنظ����ر �إىل الطرف ال�شرق����ي لليمن‪ ،‬والذي ميث����ل بوابتنا نحو‬ ‫اخللي����ج العربي‪ ،‬حيث تتوفر كل ال�شروط واملتطلب����ات لنقل وتخرين جزء‬ ‫كبري من نفط اخلليج ب�أمان ومبا يجنبه خماطر املرور يف م�ضيق هرمز‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪35 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫وجهات نظر‬

‫هذا الدور ميثل حاجة �إ�سرتاتيجية ملنتجي النفط وم�ستهلكيه يف اخلليج‬ ‫والعامل‪ .‬وهذا اجلزء من اليمن ميثل املوقع الإ�سرتاتيجي الأن�سب‪.‬‬ ‫وبالن�سب����ة لن����ا ف�إن م�شروع���� ًا كهذا يحق����ق عوائد تنموية نح����ن ب�أم�س‬ ‫احلاجة لها‪ ،‬وي�ستحق �أن نقاي�ضه مب�صالح ال تقل �أهمية لنا كما هو بالن�سبة‬ ‫لهم‪ .‬املانع �أو العائ����ق الوحيد �أمام جلب امل�صلحة املتبادلة من خالل هذا‬ ‫امل�ش����روع هو هيمنة ثقافة التوج�س واالرتياب لدى الأطراف امل�ستفيدة من‬ ‫امل�ش����روع‪ ،‬وه����ي هواج�س م�شروع����ة ومنطقية يف ظل �سي����ادة �إ�سرتاتيجية‬ ‫درء املف�س����دة‪� ،‬إال �إنها ميكن �أن ت�ض����ع لها االحتياطيات واملعاجلات �إذا ما‬ ‫توفرت الإرادة العتماد �إ�سرتاتيجية جلب امل�صلحة‪.‬‬ ‫كل م����ا حتتاجه ه����ذا الأطراف جمتمعة‪� ،‬أو مبب����ادرة �أحدها‪ ،‬هو فقط‬ ‫الإ�ص����رار على تبن����ي امل�شروع باعتباره �أ�سا�س ملزيد م����ن م�شاريع امل�صالح‬ ‫املتبادلة‪ ،‬وحينها �ستوجد الكثري من املتاحات للتعامل مع مربرات التوج�س‬ ‫واالرتياب‪� .‬إن �أب�سط البدائل املتاحة واملمكنة والفاعلة لتحقيق ذلك تتمثل‬ ‫مبنح حق �إدارة ت�شغيل و�أمن هذه الأنابيب واخلزانات �إىل �شركة خمتلطة‬ ‫ن�ساهم نحن يف ت�أ�سي�سه����ا مع بقية ال�شركاء امل�ستفيدين من امل�شروع‪ ،‬من‬ ‫منتجي النفط اخلليجيني وال�شركات النفطية العاملية‪.‬‬ ‫و�إذا م����ا و�صلنا �إىل مثلث عدن الكربى‪ ،‬وال����ذي ميكن حتديده مبدئي ًا‬ ‫بذلك املثلث املمتد من �شقرة �إىل املخاء مرور ًا مبنطقة العند‪ ،‬والذي ميثل‬ ‫واجهة اليمن التاريخية وامل�ستقبلية نحو العامل واملنفذ الأكرث تنا�سب ًا لدول‬ ‫اخلليج العربي نحو �أفريقيا‪� ،‬سنجد مو�ضع ًا ا�سرتاتيجي ًا منا�سب ًا ومناف�س ًا‬ ‫ال�ست�ضافة املخازن التجارية وجممع����ات ال�صناعات التجميعية لل�شركات‬ ‫اخلليجية و العاملية املتطلعة �إىل الأ�سواق الأفريقية‪.‬‬ ‫ونبق����ى يف مداراتن����ا ح����ول ال�شواط����ئ واجل����زر اليمنية مب����ا متثله من‬ ‫منتجع����ات �سياحي����ة و�صحية يحتاجه����ا ال�سياح من خمتلف بل����دان العامل‬ ‫و�شعوب الأر�ض‪ ،‬ومبا ميلكونه من ا�ستعداد ومقدرة على دفع الثمن العادل‬ ‫لذلك‪.‬‬ ‫تتج����ه امل����دارات نح����و العم����ق اليمن����ي ومرتفعاته‪ ،‬ال����ذي ميثل ح�صن‬ ‫اليم����ن وحت�صيناته عن����د ال�ضرورة واحلاجة‪ .‬هنا �سنج����د التاريخ اليمني‬ ‫العري����ق متج�سد ًا باملواقع والآثار التاريخية للعديد من الديانات ال�سماوية‬ ‫واحل�ضارات الإن�سانية‪ .‬هذه املواقع متثل بالن�سبة لليمن‪ ،‬كما هي بالن�سبة‬ ‫لبقي����ة �شعوب الأر�����ض‪ ،‬ثروة هائلة وم�ص����در ًا مل�صال����ح م�ستدامة‪ .‬وكل ما‬ ‫حتتاجه هو �إعادة ت�أهيلها واملحافظة عليها وجعلها متاحة و�آمنة للراغبني‬ ‫بزيارتها من كل بقاع الأر�ض ك�سياحة دينية وثقافية متزايدة‪.‬‬ ‫وم����ع ارتف����اع مداراتنا يب����دو اليمن �أمامن����ا كيان ًا واحد ًا ب����كل مكوناته‬ ‫ومبوقع����ه الإ�سرتاتيج����ي اله����ام‪ ،‬ال����ذي قد يبدو بعي����د ًا عن ح����دود الدول‬ ‫العظم����ى �إال �أن����ه يف الواقع قريب ج����د ًا من م�صاحلها و�أمنه����ا‪ .‬فما الذي‬ ‫يحتاج����ه العامل من بلد يحتل ه����ذا املوقع الإ�سرتاتيج����ي الهام‪ ،‬وما الذي‬ ‫ميكننا �أن نقدمه نح����ن للعامل من خالل عالقة جديدة قائمة على �أ�سا�س‬ ‫جلب امل�صالح املتبادلة‪.‬‬ ‫�إن العامل ودل اجلوار مع ًا ب�أم�س احلاجة �إىل الأمن واال�ستقرار يف هذه‬ ‫البقعة م����ن الأر�ض‪ ،‬وهم يعلمون جيد ًا وبحك����م تقييمهم لدور اليمن على‬ ‫مر التاريخ‪ ،‬وملا متثله املكونات الطبيعية وال�سكانية لليمن من م�صدر خري‬ ‫�أو �ش����ر للآخرين‪ .‬لقد عرفوا يقين���� ًا �أن اليمن احلايل مقتدر على �أن يكون‬ ‫‪36‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫نحن اليمنيون مل نتمكن من التعرف على‬ ‫اليم��ن كم��ا هو ب��كل مكونات��ه واكتفينا‬ ‫مبعرفة ما هو ظاه��ر وبارز لنا كيمنيني‬ ‫من ميننا‪ ،‬و�ض��اق بنا الأفق �إىل حد �أننا‬ ‫مل نعد نرى يف اليمن �سوى كثافة �سكانية‬ ‫وموارد �شحيحة م�ستنزفة‬ ‫م�ص����در ًا للمخاط����ر‪ ،‬وعلى هذا الأ�سا�����س تبنوا �إ�سرتاتيجي����ة درء املف�سدة‬ ‫يف عالقته����م احلالية مع اليم����ن‪ .‬لكن املنطق واحل�صاف����ة ت�ؤكد حاجتهم‬ ‫وا�ستعداده����م لالنتق����ال �إىل �إ�سرتاتيجي����ة جل����ب امل�صلح����ة كونها اخليار‬ ‫الطبيعي واملنطقي القابل لال�ستدامة لهم ولنا‪.‬‬ ‫فه����ل نحن قادرون عل����ى توفري الأمن واال�ستقرار لن����ا ولهم؟ نعم نحن‬ ‫قادرون على ذلك‪ ،‬ولدينا كل املقومات الالزمة لذلك‪ .‬وكل ما نحتاجه هو‬ ‫�إرادة وطنية جمعية واثقة ومقتدرة على التغلب على الهواج�س واالرتياب‪،‬‬ ‫وجت����اوز عالق����ة درء املف�س����دة �إىل عالقة جل����ب امل�صلحة م����ع الأهل ومع‬ ‫الآخري����ن‪� .‬إن �إرادة كه����ذه ال ميكن �أن تتوفر م����ن دون وفاق وتوافق وطني‬ ‫جمع����ي يعزز هذا االختيار ويبدد م�صادر التوج�س واالرتياب‪ ،‬ويوفر الثقة‬ ‫واالقتدار الوطني للتعامل مع احتماالت الكمائن ال�سيا�سية‪.‬‬ ‫ه����ذه جمرد مالمح ملا ميكن �أن يقدمه اليمن للجوار والعامل وي�ستطيع‬ ‫�أن يتب����ادل معهم امل�صالح‪ ،‬و�أن يرتقي بعالقته معهم من م�ستوى املانحني‬ ‫�إىل م�ست����وى ال�شركاء‪ .‬وما زال بالإم����كان ر�ؤية فر�ص وممكنات ومتاحات‬ ‫كثرية‪ ،‬املهم �أن تتوفر الإرادة والتوافق الوطني لذلك‪.‬‬ ‫�إن مين���� ًا كه����ذا �سيك����ون قادر ًا على توف��ي�ر متطلبات ال����دور احلائم يف‬ ‫م����دارات اليمن‪ ،‬و�سيكون قادر ًا �أي�ض ًا على �أن ينتقل بنا نحن اليمنيون من‬ ‫حال����ة ان�شغالنا ببع�ضنا ‪ -‬كما هو حا�صل حالي���� ًا ‪� -‬إىل حالة ان�شغالنا عن‬ ‫بع�ضنا‪ ،‬كما يجب �أن تكون عليه حالتنا‪.‬‬ ‫�إن التعمق يف البحث ع����ن الأ�سباب احلقيقية وراء الكثري من الأزمات‬ ‫وامل�ش����اكل التي نعي�شه����ا حالي ًا‪ ،‬مبا فيها امل�ش����اكل يف اجلنوب �أو يف �صعدة‬ ‫ترج����ع �أ�سا�س���� ًا �إىل متركز كل م�صاحلنا ك�أف����راد وجماعات حول ما تبقى‬ ‫من م����وارد م�ستنزفة وح����ول ما يتاح لنا م����ن منح وم�ساع����دات‪� .‬سيتزايد‬ ‫تكالبن����ا وتنازعن����ا بل وت�صارعنا ح����ول ما تبقى لنا من م����وارد على و�شك‬ ‫اال�ستنزاف‪ ،‬وحول ما تي�سر لنا من منح وم�ساعدات من مانحني متوج�سني‬ ‫من����ا‪ ،‬ما مل حت����دث املعجزة اال�ستثنائية لهذا اجلي����ل وميتلك �إرادة وطنية‬ ‫واثقة ومقتدرة‪ ،‬حممية ومعززة بوف����اق وطني‪ ،‬ت�ستطيع تفعيل وا�ستخدام‬ ‫كل املكون����ات اليمنية وتوفر املجال والفر�ص لكل من����ا‪� ،‬أفراد ًا وجماعات‪،‬‬ ‫لتحقي����ق ال����ذات وجني امل�صال����ح امل�شروعة ب�صورة عادل����ة تتنا�سب مع ما‬ ‫بالإم����كان �أن يقدمه كل من مكونات اليمن الب�شري����ة والطبيعية والثقافية‬ ‫وال�سيا�سية يف عملية تبادل جلب امل�صالح مع الآخرين‪.‬‬

‫�صدر حديث ًا �ضمن‬ ‫�سل�سلة درا�سات �سيا�سية‬

‫الإرهاب ‪� ..‬إ�شكالية املفهوم‬ ‫�أحمد عبدالكرمي �سيف‬ ‫رفـ ـ ــد ال�سيا�سـ ـ ــة باملعرفـ ــة‬

‫‪Relating Policy to Knowledge‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪37 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬ ‫حتليالت‬

‫فـي ‪ 60‬يوما‬

‫وجهات نظر‬

‫عني على اليمن‬

‫جودة‬

‫احلياة‬

‫�أو ً‬ ‫ال‬

‫ال�صحة النف�سية كمقدمة‬ ‫لإعادة بناء الإن�سان اليمني‬

‫حممد �أحمد الكهايل‬

‫نكت�شف يف معظ م الأحيان �أن خلفية كثري من الب�شر الذين جنحوا يف تقدمي �أعمال جليلة ملجتمعاتهم‬ ‫و�أثبتوا ذواتهم وتركوا ب�صمات م�ؤثرة وم�ستمرة الت�أثري‪� ،‬أنهم مل يكونوا من الأغنياء �أو �أ�صحاب اجلاه‪،‬‬ ‫كم���ا �أنه���م مل يكونوا من �أ�صحاب ال�سلطة �أو القريبني منها‪ .‬لقد كانوا من الب�سطاء �شديدي التوا�ضع‬ ‫يف �إطاره���م االجتماع���ي �أو العلمي �أو العملي‪ ،‬والأمثلة على ذلك كث�ي�رة �شرق ًا وغرب ًا‪� ،‬شما ًال وجنوب ًا‪.‬‬ ‫لق���د كانوا يتمتعون بق���درات عادية جد ًا‪ ،‬وا�ستثنائية جد ًا‪ .‬عادية يف ذاته���ا الإن�ساين‪ ،‬وا�ستثنائية يف‬ ‫القدرة على املبادرة واال�ستمرار يف خدمة الآخرين‪ ،‬بل والتفاين يف ذلك‪.‬‬ ‫رج���ع علماء ال�سلوك الإن�ساين ذل���ك �إىل امتالك �أولئك النا�س‬ ‫ُي ِ‬ ‫للتوازن بني القدرات والأهداف التي ي�ضعونها لأنف�سهم بو�ضوح‬ ‫وب�ساط���ة‪ ،‬ووج���ود الأنظمة العامة التي ت�ضم���ن لهم حتقيق تلك‬ ‫الأه���داف �أو الو�ص���ول �إىل غاياته���م بجدارة‪ .‬وهذا م���ا يفتقده‬ ‫جمتمع مثل جمتمعنا اليمني اليوم فالكثري من معدومي القدرات‬ ‫‪38‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ي�ستطيع���ون الو�صول �إىل مراتب ومكانات تخ�ص �آخرين ال ينظر‬ ‫�إىل قدراته���م وال يهت���م بها‪ ،‬كما �أن تغيرّ قيم���ة العمل واحرتامه‬ ‫وانعكا�سه���ا �سلب ًا على ُح ِّبه‪ ،‬والعطاء من �أجل الآخرين ومن �أجل‬ ‫تط���ور العمل‪ ،‬تنتج العج���ز عن التك ّيف مع امل�ش���كالت والأزمات‬ ‫اليومية �أو العارِ�ضة‪ ،‬وتقتل القدرات الكامنة يف الإن�سان‪ ،‬لتجاوز‬ ‫حممد �أحمد الكهايل كاتب وباحث ميني‪.‬‬

‫ال���ذات والعم���ل م���ن �أج���ل الآخرين الذي���ن ي�شكل���ون بفرديتهم‬ ‫املجموع العام امل�ساوي للوطن كقيمة ح�سية ومعنوية‪.‬‬ ‫ه���ذا التفكيك للم�شكلة من منظور ال�صح���ة النف�سية وال�سلوكية‬ ‫يك�شف ع���ن حقيقة خط�ي�رة تتمثل يف فق���دان الإن�س���ان اليمني‬ ‫الي���وم لكل ه���ذه العنا�ص���ر جمتمع���ة؛ فالتفوق العلم���ي والعملي‬ ‫اليوم ال ي�ضمن لل�شب���اب الذين ي�شكلون �أكرث من ن�صف ال�سكان‬ ‫الفر����ص الت���ي ي�ستحقونها يف الأعم���ال �أو التعلي���م �أو الرتقي �أو‬ ‫الأجر �أو املكانة‪ .‬وتعاين الأعمال اليوم يف البلد من ندرة الكفاءة‬ ‫واخل�ب�رة‪ ،‬و َيتب َّنى اخلطاب ال�سيا�سي فتح ب���اب الهجرة للعمالة‬ ‫املاهرة‪ .‬وهذا ما يولد هذه احلالة امل�ستغربة من الالمباالة وعدم‬ ‫االكرتاث لكثري من الأمور التي �أ�صبحت �سمة غالبة لدى العامة‬ ‫واخلا�ص���ة‪ ،‬وحال���ة االن�سحاب م���ن الفعل االجتماع���ي والتفاعل‬ ‫م���ع املتغريات وامل�شكالت‪ ،‬وظهور م�ش���كالت اجتماعية و�سلوكية‬ ‫خط�ي�رة يتط���ور البع����ض منه���ا �إىل ح���د الظواه���ر االجتماعية‬ ‫كالتط���رف �أو الإدم���ان �أو االنتح���ار �أو الهج���رة‪ ،‬وب���روز م�شكلة‬ ‫�ضع���ف االنتماء ب�شكله���ا اخلطري وم�شكالته���ا املتعددة‪� .‬صحيح‬ ‫�أن الفقر والأو�ضاع االقت�صادي���ة غري امل�ستقرة تخلق الكثري من‬ ‫امل�ش���كالت املت�شابهة‪ ،‬لكنها ال ت�صل �إىل ح���د ا�ستالب الهوية �أو‬ ‫�إ�ضعاف االنتماء والدافعية‪.‬‬ ‫�إن م���ا ي�ؤك���ده الواق���ع اليوم ه���و ا�ست�شراء مر�ض خط�ي�ر �أ�صاب‬ ‫النف�س اليمنية التي هي جزء من حميطها العربي النادر تعافيه‬ ‫خ�ل�ال احلقبة احلالية من هذا املر����ض املرتبط ب�سالمة النف�س‬ ‫و�صحتها وقدرتها على العم���ل والتحرك واكت�ساب املعرفة وفهم‬ ‫الآخ���ر‪ ،‬واملحيط العام الداخل���ي واخلارجي لها وامتالكها للثقة‬ ‫وتقدي���ر ال���ذات‪ ،‬واحرتامها‪ .‬ول���و فح�صنا النظري���ات اخلا�صة‬ ‫بت�ش��� ّكل ال�شخ�صية الإن�سانية‪ ،‬لوجدنا �أنن���ا �إزاء م�شكلة من نوع‬ ‫جديد ومر�ض يتطلب تطعيم ًا ووقاية من نوع خا�ص �أي�ض ًا‪.‬‬ ‫�إن دور احل�ض���ارة يف ت�شكيل ال�شخ�صية اليوم ي�صعب حتديده �أو‬ ‫الإ�ش���ارة �إىل �أثر من �آثاره يف حياتنا‪ ،‬بل �إننا كثري ًا ما نقف �أمام‬ ‫�س�ؤال وعتب دائم‪« :‬ما هكذا كنا!»‪ ،‬وهل نحن �أبناء هذه احل�ضارة‬ ‫حق ًا؟! كما �أن الأخذ بنظرية التفاعل القائم بني الفرد واملجتمع‬ ‫وم�ؤ�س�سات���ه و�أثر ذل���ك يف بناء وتكوي���ن ال�شخ�صية �سيذهب بنا‬ ‫�إىل البحث عن امل�ؤ�س�سات القائمة امل�ؤثرة يف ال�شخ�صية اليمنية‬ ‫الي���وم‪ ،‬والتي افتقدت قدرتها على الت�أث�ي�ر يف التكوين الإيجابي‬ ‫لوقوعها يف ذات املر�ض و�إال ملا كان هذا حال املتفاعلني معها‪.‬‬ ‫�إن ه���ذا الإ�ش���كال يعيدنا �إىل البحث يف م���دى توافر �أو ا�ستقرار‬ ‫�أنظم���ة احلاج���ات الأ�سا�سية اخلم�س التي و�ضعه���ا عامل النف�س‬ ‫ً‬ ‫منتق�ل�ا من مرحلة‬ ‫ال�شه�ي�ر �إبراه���ام ما�سلو‪ .‬فالإن�س���ان يعي�ش‬ ‫�إىل �أخرى ابتداء باحلاج���ات الف�سيولوجية (الطعام‪ ،‬ال�شراب‪،‬‬ ‫اله���واء‪ ،‬النوم) وكل االحتياجات املرافقة اخلا�صة بالبقاء على‬ ‫قيد احلياة‪ ،‬وهي من �أخطر املراحل التي قد ي�ؤدي النق�ص يف‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪39 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫وجهات نظر‬

‫على حافة الإرهاق‪ :‬عدم ا�ستقرار منظومة االحتياجات النف�سية للإن�سان اليمني جعل جودة احلياة التي يعي�شها منخف�ضة و�أقل ا�ستقرار ًا‬

‫�إ�شباعها �إىل �سيطرة ذلك النق�ص على باقي املراحل‪.‬‬ ‫يقول ما�سلو �إن جنة اجلائع املكان الذي يوجد به �أكرث قدر ممكن‬ ‫م���ن الطعام‪ ،‬وي�سيطر على تفك�ي�ره �أن توفري حاجته من الطعام‬ ‫باقي حياته �سيكون مفتاح ال�سعادة الدائمة ولن يحتاج �إىل �شيء‬ ‫�آخر‪ .‬فال�شعور باالنتم���اء واحلرية واحلب واالحرتام‪ ،‬والتعليم‪،‬‬ ‫وكل القي���م ت�ستبع���د وتو�ض���ع يف �إطار الكمالي���ات غري املجدية‪،‬‬ ‫لأنها ال ت�ستطيع �أن توق���ف �صوت اجلوع‪ .‬تقول ليندا دافيدوف‪،‬‬ ‫عامل���ة النف�س وال�سل���وك‪ ،‬يف �شرحها ل�س ّلم احلاج���ات �أن �إ�شباع‬ ‫احلاجات الف�سيولوجية الأ�سا�سية وتك ّون �شعور بالأمان �إزاءها‪،‬‬ ‫يدف���ع الإن�سان مبا�ش���رة �إىل ال�شعور باحلاج���ة للحماية والبعد‬ ‫ع���ن اخلطر؛ فالأطفال مث ًال يرغبون يف طريقة حمددة روتينية‬ ‫ميكن االعتماد عليها يف حياتهم بينما يبحث الكبار عن وظائف‬ ‫م�ستقرة وتكوين املدخرات‪ ،‬وقد يقر�أ الأفراد الديانات ووجهات‬ ‫النظر الفل�سفية لتنظيم حياته���م و�إعطائهم االح�سا�س بالأمن‬ ‫التي مبجرد حتققها تظهر احلاجة �إىل احلب‪ ،‬والألفة واالنتماء‪،‬‬ ‫حيث ي�سعى الأفراد �إىل احلب و�إىل �أن يكونوا حمبوبني‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ت�ب�رز عقب ذلك حاجات االح�ت�رام وال�شعور بالقب���ول والقدرة‬ ‫عل���ى الإجناز والتقدير واالعرتاف بالكيان الفردي و�إ�ستح�سانه‬ ‫لينطل���ق الإن�س���ان �إىل املرحل���ة اخلام�سة والأخ�ي�رة املتمثلة يف‬ ‫حتقيق الذات وحتقيق الإمكانات والقدرات‪.‬‬ ‫�إن ع���دم ا�ستقرار هذه املنظومة م���ن االحتياجات لدى الإن�سان‬ ‫اليمني الي���وم يعني �أن جودة احلياة مبعنى �أدق منخف�ضة وغري‬ ‫م�ستق���رة‪ ،‬وهذا يحيلن���ا �إىل حقيقة افتقادن���ا لل�صحة النف�سية‬ ‫الت���ي ال تعني املر�ض النف�سي بل تعني ج���ودة احلياة‪� .‬أي ‪ -‬كما‬ ‫�أ�سلفن���ا ‪ -‬امتالك الإن�سان اليمني للتوازن بني قدراته و�إمكانياته‬ ‫ور�ؤيت����ه للم�ستقب����ل‪ ،‬وكيفية العم����ل لتحقيق �أهداف����ه‪ ،‬ور�سوخ حب‬ ‫العم����ل والعطاء يف العمل‪ ،‬والعم����ل من �أجل الآخرين حوله‪ ،‬وهو ما‬ ‫يق����ود �إىل �أهم عنا�صر ال�صح����ة النف�سية وهو ق����درة الإن�سان على‬ ‫مواجه����ة الأزمات وال�صدم����ات وامل�شكالت‪ ،‬وبالت����ايل القدرة على‬ ‫جت����اوز ال����ذات �إىل الآخري����ن والعمل م����ن �أجلهم وم����ن �أجل القيم‬ ‫واملثل‪ ،‬ور�سوخ االنتماء للوطن واملجتمع‪.‬‬ ‫�إن احلرم����ان م����ن ه����ذه املقوم����ات لل�صح����ة النف�سي����ة يخلق هذه‬

‫امل�ش����كالت املعا�شة اليوم؛ فغي����اب ال�شعور بالإنتم����اء وال�سلبية �إزاء‬ ‫الق�ضاي����ا العام����ة مرجعها افتقادن����ا لل�شعور ب�أن لن����ا دور يف كل ما‬ ‫يج����ري حولنا ويف كل م�ش����كالت البلد والنا�����س‪ ،‬ويف مت ّكن ال�شعور‬ ‫بالقه����ر والظل����م وع����دم القدرة على حتقي����ق العدل وغي����اب حرية‬ ‫الر�أي الفاعلة وال�شعور بالأمان على امل�ستقبل‪.‬‬ ‫كم����ا �أن العمل ال�سيا�سي املنفتح على املجتمع واملتفاعل معه واملو ِّلد‬ ‫للطاقات املبدعة واخلالقة غري موجود اليوم يف جمتمعنا‪ ،‬ون�شاط‬ ‫الأحزاب ال يتعدى جتنيد املنا�صرين حتى �شاخت وترهلت يف زمن‬ ‫قيا�س����ي‪ ،‬ويف طياتها منظمات املجتمع املدين الت����ي يع ّول عليها يف‬ ‫احلف����اظ على م�ؤ�شرات عدة مثل م�ؤ�شر حماية احلقوق ال�شخ�صية‬ ‫والعامة وتر�سيخ قيم النظ����ام والقانون واحلريات والعمل الطوعي‬ ‫واخلدمة املجتمعية‪.‬‬ ‫والتعليم اليوم يف حالة من الرتدي تزداد خطورته كل يوم‪ ،‬وتقول‬ ‫الكث�ي�ر من الدرا�س���ات �أنه مب�شكالته احلالية م���ن �ضعف املنهج‬ ‫و�ضعف املعلم والإدارة وغريها �أخطر عنا�صر م�شكالت امل�ستقبل‪،‬‬ ‫و�أك�ب�ر �أبواب غياب ال�صحة النف�سي���ة يف املجتمع‪ .‬يكفي �أن ندلل‬ ‫بوفرة خمرجات العملية التعليمية ووجود البطالة‪ .‬التعليم اليوم‬ ‫ال ينتج عمالة ماهرة‪� ،‬أو عمالة يتطلبها �سوق العمل!‬ ‫وتوفِّ���ر البنى التعليمية الأهلية العامة بيئة خ�صبة للقيم ال�سالبة‬ ‫�أي�ض ًا عرب �ضعف الأداء والإدارة وع�شوائية املناهج و�ضعف املتابعة‬ ‫وت�سلي���ع التعليم يف كل م�ستوياته‪ ،‬ما ي�ضرب ال�ضمري اجلمعي يف‬ ‫ال�صمي���م وينت���ج املزيد من الأزم���ات النف�سية الت���ي تظهر اليوم‬ ‫ب�ش���كل العجز النف�سي وال�سلوكي‪ ،‬و�سيزي���د هذا العجز م�ستقب ًال‬ ‫لأن قاعدة من العجز تنت���ج �أخرى �أكرث ات�ساع ًا‪ .‬كما يو ِّلد �ضعف‬ ‫اللغة وتعليمها مزيد ًا من امل�شكالت النف�سية وا�ضطراب ال�سلوك‬ ‫كونها �أداة التفكري والإبداع‪.‬‬ ‫وكث�ي�ر ًا ما يالح���ظ �أن العقدين الأخريين قد م ّث�ل�ا نقاط حتول‬ ‫قوي���ة بالن�سبة لل�شخ�صي���ة اليمنية‪ ،‬والعربية عموم��� ًا‪ ،‬عرب الآلية‬ ‫الإعالمية واالنفتاح املباغت عل���ى عامل الف�ضاء والف�ضائيات يف‬ ‫ظل عجز داخلي تام عن املناف�سة �أو حتى البقاء يف قائمة اهتمام‬ ‫الإن�س���ان اليمني ب�إعالمه املحلي‪ ،‬وبالتايل انفتاح �شخ�صيته على‬ ‫ثقافات وفنون و�ألوان و�شخ�صيات جاذبة ّ‬ ‫وجذابة جنحت بالفعل‬ ‫يف �إح���داث الكثري من التغ�ّي�ررّ يف ال�شخ�صية‪ ،‬ويف ال�سلوك �آثارها‬ ‫ونتائجه���ا وخا�ص���ة ال�سالبة منه���ا وا�ضحة للعي���ان وخا�صة على‬ ‫الفئات العمرية ال�صغرية واليافعة �سريعة الت�أثر والتق ّبل والتب ّني‬ ‫حت�س �أنه ُم رِّعب عنها �أو �أنها يجب �أن‬ ‫ل���كل ما جتد في���ه �ضالتها �أو ّ‬ ‫تك���ون يف ذات الو�ضع‪ ،‬ال�سيما يف تل���ك الق�ضايا املتعلقة باحلرية‬ ‫ال�شخ�صي���ة �أو العام���ة �أو الأمثل���ة املتج���اوزة ل�ص���راع الأجي���ال‬ ‫وبالف���روق وال�سم���ات ذات الب���ون ال�شا�سع التي تذيبه���ا الأ�ضواء‬ ‫وامل�ؤثرات لتجعل منها �أهداف ًا حمققة‪.‬‬ ‫�إن �أب���رز مالم���ح الت�أثري غ�ي�ر ال�صحي يف النف�سي���ة اليمنية عرب‬

‫م��ن املهم اليوم‪ ،‬يف �س��ياق تعاظ��م الأهميات‬ ‫والأولويات التي يجب �أن يبد�أ العمل لأجلها‪،‬‬ ‫االهتمام بال�ص��حة النف�س��ية واال�س��تقرار‬ ‫النف�س��ي للإن�سان اليمني حمور كل ما ُيبذل‬ ‫م��ن جهد‪ ،‬وم��ا ُينف��ق من �أم��وال‪ ،‬وم��ا ُينفّذ‬ ‫من ُبن��ى‪ ،‬و�أن نبحث عن احلل��ول احلقيقية‬ ‫واجلادة لكل ما يعرتي ال�شخ�ص��ية اليمنية‬ ‫م��ن عل��ل ينتجه��ا الفق��ر �أو غي��اب الق��دوة‬ ‫واملث��ل م��ن احلي��اة �أو احلرم��ان املركّ��ب من‬ ‫فر���ص احلي��اة الكرمية واحلري��ة والقدرة‬ ‫على املناف�سة وامتالك القرار‬ ‫الإع�ل�ام تتمث���ل يف ح���االت ال�ص���راع الوا�ضح���ة مع ال���ذات ومع‬ ‫الآخ���ر يف املحيط ذاته التي نلحظه���ا ب�سهولة يف النقا�شات‪ ،‬ويف‬ ‫االهتمام���ات‪ ،‬ويف الأزياء‪ ،‬ويف الأذواق العامة التي �شابها الكثري‬ ‫من اخللل امللحوظ‪.‬‬ ‫احلدي���ث عن مر����ض �إن�س���ان مرتب���ط بهوي���ة تاريخي���ة ووطنية‬ ‫وح�ضارة وتراث‪� ،‬أمر فيه الكثري من اخلطورة والكثري من اجلدية‬ ‫واحل���ذر‪� ،‬إال �أن الأعرا�ض املر�ضية وما تفرزه من �إ�شكاالت جتعل‬ ‫للحدي���ث �أهميت���ه اال�ستثنائي���ة ب���ل و�ضرورته‪ .‬وم���ن امل�ؤ�سف �أن‬ ‫املكتب���ة اليمنية وامل�ؤ�س�سات املتعاملة م���ع الإن�سان اليمني خدمية‬ ‫كانت �أو غريها تفتقر �إىل امل�ؤ�شرات العلمية والبيئية والدرا�سات‬ ‫اجل���ادة والدقيقة ح���ول هذا الإن�سان‪ ،‬وحتدي���د ًا حول �شخ�صيته‬ ‫وم���دى ثباته���ا والعوام���ل امل�ؤث���رة فيها م���ن داخله���ا وخارجها‪،‬‬ ‫والأمرا�ض التي �أ�صابتها ع�ب�ر التاريخ‪ ،‬وكيف واجهتها‪ ،‬وماهية‬ ‫الآث���ار املرتتب عليها؟ و�إذا كانت ال�صحة النف�سية لهذا الإن�سان‬ ‫يف حال���ة مر�ضي���ة‪ ،‬فم���ا ه���ي ال�سمات والق���درات الت���ي حتملها‬ ‫ال�شخ�صي���ة اليمنية لكي تو�ضع عل���ى �ضوئها التدخالت واحللول‬ ‫واملعاجلات املنا�سبة؟‬ ‫من املهم اليوم‪ ،‬يف �سياق تعاظم الأهميات والأولويات التي يجب‬ ‫�أن يب���د�أ العمل لأجلها‪ ،‬االهتمام بال�صح���ة النف�سية واال�ستقرار‬ ‫النف�س���ي للإن�سان اليمني حمور كل ما ُيبذل من جهد‪ ،‬وما ُينفق‬ ‫م���ن �أموال‪ ،‬وما ُينفّذ م���ن ُبنى‪ ،‬و�أن نبحث عن احللول احلقيقية‬ ‫واجلادة لكل ما يعرتي ال�شخ�صية اليمنية من علل ينتجها الفقر‬ ‫�أو غي���اب القدوة واملثل من احلياة �أو احلرمان املر ّكب من فر�ص‬ ‫احلياة الكرمية واحلرية والقدرة على املناف�سة وامتالك القرار‬ ‫وحب العمل واملبادرة لأجل الآخرين كقيم اجتماعية و�سلوكية‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪41 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫حتليالت‬

‫وجهات نظر‬

‫فـي ‪ 60‬يوما‬

‫عني على اليمن‬

‫ازدادت يف العقدي��ن الأخريي��ن‪ ،‬وب�ش��كل ملفت‪ ،‬وت�يرة الأدوار التي ت�ض��طلع بها منظمات املجتمع امل��دين‪ ،‬وتنوعت املهام‬ ‫والوظائ��ف الت��ي تقوم بها‪ .‬وتنبع �أهمية منظمات املجتمع املدين من كونها قطاع حيوي ي�ش��غل احليز االجتماعي املمتد‬ ‫بني الأ�س��رة والدولة‪ ،‬ويلعب دور ًا مهم ًا يف تو�س��يع فر�ص الأفراد على امل�ش��اركة يف احلياة العامة‪ ،‬وتنمية روح املبادرات‬ ‫الطوعية‪ ،‬وتعميق م�شاعر االنتماء املجتمعي وال�سيا�سي‪ .‬والأهم �أنه ي�شارك الدولة يف الوظائف التي ال ت�ستطيع القيام‬ ‫بها‪ ،‬مبا يحقق التكامل الوظيفي بني الدولة واملجتمع املدين يف خدمة �أهداف التنمية ال�شاملة والنهو�ض باملجتمع‪.‬‬

‫متويل �ضعيف‬ ‫وا�ستقاللية م�ستباحة‬

‫�أزمــة‬

‫منظمات املجـتمع املدين فـي اليمن‬

‫خالد �أحمد الرماح‬ ‫وق���د �شهدت منظمات املجتمع املدين يف اليمن منذ بداية ت�سعينيات‬ ‫الق���رن املا�ضي منو ًا مطرد ًا‪ ،‬بفع���ل �أجواء االنفت���اح والتعددية التي‬ ‫�شهدته���ا اليم���ن بع���د �إعادة حتقي���ق وحدة الب�ل�اد و�إق���رار النظام‬ ‫الدميقراطي يف الثاين والع�شرين من �أيار‪ /‬مايو ‪ .1990‬فطبق ًا لآخر‬ ‫االح�ص���اءات الر�سمية‪ ,‬ف�إن عدد منظمات املجتمع املدين يف اليمن‬ ‫و�ص���ل حتى منت�صف عام ‪� ،2008‬إىل نحو ‪ 5,620‬منظمة‪ ,‬منها ‪4,045‬‬ ‫منظم���ة �أهلي���ة‪ ،‬يف حني كان العدد قبل قي���ام الوحدة ال يتجاوز ‪286‬‬ ‫منظمة يف ال�شطرين‪.‬‬ ‫�إال �أن امل�شكل���ة الأ�سا�سية الت���ي تواجهنا هنا تتمثل يف �أن معظم هذه‬ ‫املنظمات تظل عدمي الفاعلية �أو متعرثة‪ ،‬لأ�سباب عديدة من بينها‪:‬‬ ‫و�شحة م�صادر التمويل‪،‬‬ ‫االفتقار �إىل اخلربة الكافية‪ ،‬وال�شخ�صنة‪ّ ،‬‬ ‫وع���دم اال�ستقاللي���ة‪ ،‬وغريها م���ن الأ�سباب الأخرى الت���ي ال ي�سعنا‬ ‫اخلو����ض فيه���ا‪� .‬إال �أن �إ�شكالي���ة التمويل حتظى بالأولوي���ة لأهميتها‬ ‫يف �إجن���اح عمل منظمات املجتمع املدين‪ ,‬وتعزي���ز قدرتها يف تنفيذ‬ ‫م�شاريعها و�أهدافها‪ ،‬خ�صو�ص ًا يف املجتمعات حديثة العهد بالتجربة‬ ‫كم���ا هو حال اليمن‪ ،‬التي ما زالت تفتق���د �إىل قيمة العمل التطوعي‬ ‫الهادف خلدمة ال�صالح العام‪.‬‬ ‫وامل�ؤك���د �أن فقد منظمات املجتمع املدين م�ص���ادر التمويل الكافية‪،‬‬ ‫وع���دم قدرته���ا على ت�أم�ي�ن احتياجاته���ا املالية ال�ضروري���ة ينعك�س‬ ‫بال�ض���رورة عل���ى �أدائه���ا لدوره���ا وفاعليته���ا يف املجتم���ع‪ .‬ويرتبط‬ ‫ب�إ�شكالي���ة التموي���ل �إ�شكالي���ة �أخ���رى ال تق���ل �أهمية‪ ،‬وه���ي �إ�شكالية‬ ‫اال�ستقاللي���ة‪ .‬ففي خ�ض���م البحث عن م�صادر متوي���ل‪ ،‬تفقد بع�ض‬ ‫منظم���ات املجتم���ع امل���دين ا�ستقالليتها الذاتية ل�صال���ح تف�ضيالت‬ ‫اجلهات املمولة الداخلية واخلارجية‪.‬‬

‫باجلمعي���ات وامل�ؤ�س�سات الأهلية‪ ،‬قد منح منظم���ات املجتمع املدين‬ ‫مي���زات عديدة كنوع من الدعم‪ ،‬منه���ا‪� :‬إعفاء جميع م�صادر دخلها‬ ‫وعوائدها م���ن ال�ضرائب‪ ,‬و�إعفاء كل ما ت�ستورده �أو تتلقاه كمعونات‬ ‫وهب���ات من اخلارج م���ن ال�ضرائب والر�س���وم اجلمركية‪ ،‬وتخفي�ض‬ ‫‪ 50%‬م���ن تكلفة ا�سته�ل�اك املياه والكهرباء ملقراته���ا الرئي�سية‪ .‬كما‬ ‫ن����ص القانون عل���ى منح املنظم���ات الأهلية ذات النف���ع العام دعم ًا‬ ‫حكومي��� ًا‪� ،‬إذا م���ا ا�ستوف���ت �شروط ًا معينة م���ن بينه���ا‪� :‬أن يكون قد‬ ‫م�ض���ى عل���ى ت�أ�سي�سه���ا ومبا�شرته���ا لن�شاطها الفعل���ي امللمو�س عام‬ ‫عل���ى الأق���ل‪ ،‬و�أن يكون ن�شاطه���ا حمقق ًا للمنفعة العام���ة‪ ،‬و�أن تقدم‬ ‫�ص���ورة من ح�سابها اخلتام���ي ال�سنوي املقر م���ن اجلمعية العمومية‬ ‫�إىل وزارة ال�ش����ؤون االجتماعي���ة‪ .‬وم���ع ذل���ك ف�إن الدع���م احلكومي‬ ‫ال ي���زال حم���دود ًا‪ ,‬وال ي�ستفي���د منه �س���وى عدد قليل م���ن منظمات‬ ‫املجتمع امل���دين‪ .‬فوفق ًا للم�سح امليداين الذي �أج���راه مكتب ال�ش�ؤون‬ ‫االجتماعي���ة والعمل ب�أمانة العا�صمة خالل الفرتة ‪2008/7/15 - 5/1‬‬ ‫ف����إن ‪ 86‬منظمة من �أ�صل ‪ 493‬منظمة يف �أمانة العا�صمة تلقت دعم ًا‬ ‫حكومي��� ًا مالي ًا وعيني��� ًا‪ ،‬و‪ 44‬منظمة منها تلقت دعم��� ًا حكومي ًا مالي ًا‬ ‫يقدر بـ ‪ 6,170,000‬ريال‪� ,‬أي مبتو�سط ‪ 140,000‬ريال �سنوي ًا لكل منها‪،‬‬ ‫وهو مبلغ �ضئيل وبالكاد يغطي الإيجارات وامل�صاريف الت�شغيلية على‬ ‫مدار العام‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال عن �أن�شطة املنظمة الأ�سا�سية‪.‬‬ ‫�أم���ا ما يتعلق بالدعم ال�شعبي‪� ،‬سواء املقدم من �أفراد �أو من القطاع‬ ‫اخلا����ص‪ ،‬ف�إنه ووفق��� ًا للم�سح ذات���ه‪ ,‬يعد امل�ص���در الرئي�سي لتمويل‬ ‫املنظم���ات الأهلي���ة (‪ 217‬منظمة من �إجم���ايل ‪ 493‬منظمة يف �أمانة‬ ‫العا�صم���ة)‪ ،‬وه���و يف كل الأحوال يع���اين من �صعوبات‪ ،‬لع���ل �أهمها‬ ‫�ضع���ف الوعي املجتمع���ي ب�أهمي���ة منظمات املجتمع امل���دين‪ ،‬وعدم‬ ‫الثقة يف قدرتها على امل�ساهمة يف تنمية املجتمع وحل م�شاكله‪� ،‬سواء‬ ‫من قبل الأفراد �أو القطاع اخلا�ص �أو رجال الأعمال‪.‬‬

‫متوي��ل �ض��عيف ت�أت���ي �إ�شكالي���ة التموي���ل بدرج���ة رئي�سية‬ ‫م���ن �ضعف التمويل املحل���ي ب�أنواعه الثالثة (احلكوم���ي‪ ،‬وال�شعبي‪ ،‬وم���ا زاد الطني بلة‪� ,‬أن منظمات املجتم���ع املدين تعاين من عجز يف‬ ‫والذات���ي)‪ .‬فرغم �أن القان���ون اليمني رقم (‪ )1‬لع���ام ‪ 2001‬اخلا�ص قدرتها على التمويل الذاتي وتنمية مواردها الذاتية‪ .‬نتيجة لعوائق‬ ‫‪42‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫خالد الرماح باحث يف مركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪43 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫وجهات نظر‬ ‫و�أجندة ق�ضاي���ا خا�صة حتقق م�صاحلهم‪ ,‬والت���ي قد ال تتطابق مع‬ ‫امل�صالح الوطنية‪ ،‬كما ال يخلو الأمر من خماطر التبعية‪ ,‬وا�ستخدام‬ ‫املنظمات املحلية لتنفيذ �أهداف وم�صالح �أطراف خارجية‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال‬ ‫ع���ن ا�ستخدام الدع���م الأجنبي ملنظم���ات املجتمع امل���دين كو�سيلة‬ ‫الخرتاق املجتمع‪ ،‬وحماولة خلق تغيريات ثقافية واجتماعية عميقة‬ ‫يف ن�سيج���ه‪ ،‬تخدم م�صالح القوى الغربية عل���ى املدى البعيد‪ .‬ولعل‬ ‫الأثر املبا�شر ملخاطر االعتماد احل�صري على التمويل الأجنبي‪� ،‬أنه‬ ‫يحول اجتاه ودور منظمات املجتمع املدين من تنفيذ ورعاية �أجندة‬ ‫ُ‬ ‫ق�ضاي���ا و�أولويات نابعة من حاجات املجتمع وق�ضاياه الأكرث �إحلاحاً‬ ‫�إىل ا�ست�ي�راد �أجن���دة ق�ضايا و�أولوي���ات جاهزة تُراع���ي تف�ضيالت‬ ‫وم�صالح الأطراف اخلارجية املقدمة للدعم‪.‬‬

‫املنظمات الطوعية غري احلكومية املمولة خارجي ًا‪،‬‬ ‫ت�ص��بح يوم ًا ع��ن يوم ج��زء ًا من حرك��ة دولية ذات‬ ‫ت�أثري متزايد يف �ص��نع ال�سيا�س��ات املحلية‪ ،‬خ�صو�ص ًا‬ ‫يف بيئ��ة ال��دول النامي��ة يف ظ��ل �أج��واء العومل��ة‬ ‫والتحلل التدريجي للحدود ال�سيادية للدول‪ ،‬بحيث‬ ‫ت�ص��بح هذه املنظمات �أكرث ارتباط�� ًا ب�أهداف القوى‬ ‫اخلارجية‪ ،‬و�أدوات بيدها توجهها كيف ت�شاء‬

‫ويف املقاب���ل‪ ،‬ي���رى م�ؤيدو التمويل اخلارجي �أن���ه ال ميكن اال�ستغناء‬ ‫عن الدعم املقدم من اخل���ارج‪ ،‬نتيجة لل�صعوبات املتعلقة بالتمويل‬ ‫املحل���ي‪ ،‬و�أن���ه ال يتم تبنى �أجن���دة ق�ضايا اجله���ات املمولة‪ ،‬بل يتم‬ ‫التقاط���ع معه���ا يف الق�ضاي���ا ذات االهتم���ام امل�ش�ت�رك‪ .‬وبالت���ايل‪,‬‬ ‫فالتموي���ل الأجنب���ي فر�صة لإنعا����ش وتفعيل دور منظم���ات املجتمع‬ ‫امل���دين املحلي���ة‪ ،‬يف ظ���ل احل�صار ال���ذي تفر�ض���ه احلكومات على‬ ‫بع�ضها‪.‬‬ ‫غزل منقو�ض؟‪ :‬معظم منظمات املجتمع املدين يف اليمن تظل عدمية الفاعلية �أو متعرثة‬

‫رئي�سي���ة �أهمها‪ :‬االفتقار �إىل ر�ؤو����س الأموال (�أو قرو�ض مي�سرة من دون ا�ستثن���اء �أو متيي���ز‪ .‬ف� ً‬ ‫ضال ع���ن �أن ت�صنيفه���ا �سيا�سي ًا يحرمها‬ ‫دون فوائ���د) لإن�شاء م�شاريع ا�ستثمارية �أو وقفيات ت�ساهم يف متويل احل�صول عل���ى التمويل من امل�صادر الأخ���رى لدخولها يف ح�سابات‬ ‫�أن�شط���ة هذه املنظمات على امل���دى الطويل‪ .‬ف� ً‬ ‫ضال عن �ضعف البنية ال�صراع ال�سيا�سي من قبل هذا الطرف �أو ذاك‪.‬‬ ‫امل�ؤ�س�سي���ة لكثري منها‪ ,‬وغي���اب ال�شفافي���ة والدميقراطية الداخلية‬ ‫ً‬ ‫���ي التمويل واال�ستقاللية عندما يتم احلديث‬ ‫ت‬ ‫إ�شكالي‬ ‫�‬ ‫تثار‬ ‫ما‬ ‫ا‬ ‫وغالب‬ ‫ّ‬ ‫وامل�ساءل���ة‪ ،‬م���ا يجعلها عر�ض���ة للف�س���اد و�سوء اال�ستغ�ل�ال من قبل‬ ‫عن التمويل الأجنبي‪ ،‬والذي �أ�صبح يف الوقت الراهن م�صدر ًا مهم ًا‬ ‫القائمني عليها وحتويلها �إىل و�سيلة لالنتفاع ال�شخ�صي‪.‬‬ ‫لتمويل كثري م���ن منظمات املجتمع املدين‪ ،‬يف ظ���ل اجتاه املنظمات‬ ‫‪ ..‬وا�س��تقاللية م�س��تباحة جمم���ل املعوق���ات امل�ش���ار الدولي���ة والدول الكربى �إىل ر�صد مبالغ كبرية لدعم هذه املنظمات‬ ‫�إليه���ا �سالف��� ًا دفعت بع����ض منظم���ات املجتمع امل���دين يف اليمن �إما و�أن�شطتها كجزء من دعم عملية الإ�صالح يف املنطقة‪ .‬وتعترب اليمن‬ ‫�إىل ا�ست�ي�راد �أجن���دات �أط���راف خارجي���ة‪� ,‬أو العم���ل خلدم���ة قوى م���ن البلدان العربي���ة القليلة التي �سمحت ملنظم���ات املجتمع املدين‬ ‫�سيا�سي���ة داخلية‪ ،‬وهو ما ميثل يف حد ذاته م�شكلة حقيقية‪ ،‬ذلك �أن باحل�صول على متويل �أجنبي ب�شرط �إبالغ وزارة الت�أمينات وال�ش�ؤون‬ ‫اال�ستقاللية �شرط �ضروري ل�ضمان فعالية منظمات املجتمع املدين‪ ,‬االجتماعي���ة بذلك‪ ،‬واحل�صول على موافقة الوزارة على الأن�شطة �أو‬ ‫وقيامه���ا بدور ايجابي ومثمر يلبي حاجات املجتمع‪ ,‬وي�ساهم يف حل امل�شروعات التي �ستمول من �أموال الدعم الأجنبي‪.‬‬ ‫م�شاكله بحي���اد ومو�ضوعية‪ .‬وتعني اال�ستقاللي���ة �أن تكون منظمات‬ ‫املجتم���ع املدين م�ستقلة يف حتديد �أولوياته���ا و�أجندة ق�ضاياها بنا ًء التموي��ل كمقدم��ة للتطويع �إن �سعي منظمات املجتمع‬ ‫عل���ى الغر�ض الذي وجدت من �أجله‪ ،‬وبن���ا ًء على احتياجات املجتمع املدين املحلية لزيادة مواردها التمويلية من املانحني الأجانب �سواء‬ ‫و�أولويات���ه الأكرث �إحلاح��� ًا‪ ،‬بعيد ًا عن تف�ضي�ل�ات الأطراف املانحة‪ .‬كان���وا دو ًال �أو منظم���ات‪ ،‬كان وال ي���زال حمل خ�ل�اف وجدل �شديد‬ ‫وكذلك �أن تكون م�ستقلة �سيا�سي ًا؛ مبعنى �أن تن�أى بنف�سها عن هيمنة بني فري���ق معار�ض و�آخ���ر م�ؤيد‪ ،‬وفري���ق ثالث ي�سع���ى �إىل املوائمة‬ ‫الأحزاب ال�سيا�سية‪� ،‬أو �أن تكون طرف ًا يف ال�صراع ال�سيا�سي‪ ،‬والذي بني اال�ستف���ادة من التمويل الأجنبي‪ ,‬واحلف���اظ على اال�ستقاللية‪,‬‬ ‫ال يحرمه���ا فقط م���ن اال�ستقاللي���ة‪ ،‬ب���ل و ُيبعدها عن ال���دور الذي وت�أمني امل�صلحة الوطنية للبالد يف الوقت ذاته‪.‬‬ ‫وج���دت ومن �أجله‪ ،‬وهو خدمة املجتمع بكل �أطيافه وقواه ال�سيا�سية‪ ,‬ينطلق الفريق الأول يف معار�ضته من كون املانحني يفر�ضون �شروطا‪ً,‬‬ ‫‪44‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫وبغ�ض النظر عن هذا ال���ر�أي �أو ذاك‪ ,‬ف�إن ال�شواهد الواقعية ت�ؤكد‬ ‫�أن بع�ض اجله���ات املانحة متار�س �أحيان ًا �ضغوط��� ًا معلنة �أو مبطنة‬ ‫على منظمات املجتمع املدين املحلي���ة لتحديد اجتاهاتها ومواقفها‬ ‫يف ق�ضاي���ا �أخ���رى ال عالقة لها بالق�ضايا امل�شرتك���ة‪ .‬ومن ال�شواهد‬ ‫اجلديرة بالذكر هنا �أن �إحدى املنظمات الدولية املانحة العاملة يف‬ ‫اليم���ن �أوقفت متويلها مل�شاريع م�شرتكة مع �إحدى منظمات املجتمع‬ ‫امل���دين املحلي���ة ب�سبب تك���رار الأخ�ي�رة ملواقفه���ا امل�ؤي���دة للق�ضية‬ ‫الفل�سطيني���ة‪ ،‬لأن ذل���ك ال ير�ض���ي الداعم�ي�ن (اليه���ود) للمنظمة‬ ‫الدولية على حد زعمها‪.‬‬ ‫�أما النتائج بعيدة املدى على امل�ستوى االجتماعي‪ -‬ال�سيا�سي للتمويل‬ ‫الأجنب���ي‪� ،‬أن املنظم���ات الطوعية غري احلكومي���ة املمولة خارجي ًا‪،‬‬ ‫ت�صب���ح يوم ًا ع���ن يوم جزء ًا من حركة دولي���ة ذات ت�أثري متزايد يف‬ ‫�صن���ع ال�سيا�س���ات املحلية‪ ،‬خ�صو�ص ًا يف بيئة ال���دول النامية يف ظل‬ ‫�أج���واء العوملة والتحل���ل التدريجي للحدود ال�سيادي���ة للدول‪ ،‬بحيث‬ ‫ت�صب���ح هذه املنظم���ات �أكرث ارتباط��� ًا ب�أهداف الق���وى اخلارجية‪،‬‬ ‫و�أدوات بيدها توجهها كيف ت�شاء‪.‬‬ ‫وت�ؤك���د التجربة حت���ى الآن على النتائج ال�سلبي���ة للتمويل اخلارجي‬ ‫ال�ضخ���م والزائد عن احلاجة‪ ،‬والذي كان �سبب��� ًا يف انت�شار الف�ساد‬ ‫يف �أو�س���اط منظم���ات املجتمع املدين‪ ،‬ف�أ�صبح البح���ث عن التمويل‬ ‫الأجنب���ي هدف��� ًا يف ح���د ذات���ه‪ ,‬بغ����ض النظ���ر عن طبيع���ة وجدوى‬ ‫الأن�شط���ة املمول���ة‪ .‬و�أغرى وف���رة الدع���م الأجنبي البع����ض لإن�شاء‬ ‫منظم���ات جمتمع مدين لي�س خلدم���ة ق�ضايا معين���ة �أو �إميان ًا بها‪،‬‬

‫بق���در ما �أ�صبحت و�سيلة �سهلة للإث���راء والك�سب ال�شخ�صي‪ .‬لذلك‬ ‫غالب��� ًا ما يظهر على ال�سطح اخلالف عل���ى الغنائم بني امل�ؤ�س�سني‪،‬‬ ‫والتعام���ل مع الق�ضايا التي تعنى بها املنظم���ة بانتهازية وبرغماتية‬ ‫�شديدة‪.‬‬ ‫ولت�ل�ايف هذه ال�سلبي���ات‪ ،‬ف�إن الأمر يتطلب قي���ام منظمات املجتمع‬ ‫امل���دين بو�ض���ع معاي�ي�ر �صارمة لتلق���ي التموي���ل �س���واء كان داخلي ًا‬ ‫�أو خارجي��� ًا‪ ،‬والت�أكي���د على مب���د�أ ال�شفافي���ة الكامل���ة يف �أعمالها‪،‬‬ ‫واملحا�سبة الذاتي���ة‪ ،‬والدميقراطية الداخلية‪ .‬و�ضرورة وجود حوار‬ ‫م�ستم���ر ودوري بني الطرفني املانح واملمنوح ل���ه يف وجود احلكومة‬ ‫كطرف ثالث‪ ،‬وو�ضع خطط �إ�سرتاتيجية جلذب التمويالت املحلية‪،‬‬ ‫وتنمية الوعي لدى املواطن العادي ب�أهمية منظمات املجتمع املدين‬ ‫ودوره���ا يف خدم���ة املجتمع‪ ،‬وت�شجي���ع العمل التطوع���ي يف �أو�ساط‬ ‫ال�شب���اب كجزء مه���م لتنمية الق���درات الذاتية له���ذه املنظمات يف‬ ‫تنفيذ �أن�شطتها‪.‬‬ ‫وعل���ى الدول���ة م���ن جانبه���ا �أن تق���وم بدور �أك�ث�ر ايجابي���ة يف دعم‬ ‫املنظمات الأكرث فاعلية بحيادية و�شفافية‪ ،‬خ�صو�ص ًا تلك التي تعنى‬ ‫بالق�ضايا الأكرث حيوية يف املجتمع‪ ،‬كمحاربة الفقر والبطالة وحمو‬ ‫الأمي���ة وغريه���ا‪ ،‬لتحقيق ال�شراك���ة الفعلية بني الدول���ة ومنظمات‬ ‫املجتمع املدين‪ ،‬مبا يخ���دم التنمية وي�ساهم يف حل م�شاكل املجتمع‬ ‫الأكرث �إحلاح ًا‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪45 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬ ‫حتليالت‬

‫فـي ‪ 60‬يومـا‬

‫وجهات نظر‬

‫عني على اليمن‬ ‫للجه���ود واالت�صاالت املكثفة التي �أجرتها اليمن بهدف الإفراج عن‬ ‫ال�شيخ حممد علي امل�ؤيد ومرافقه حممد زايد‪.‬‬

‫تفاعالت اليمن‬ ‫والعامل فـي‬

‫‪60‬‬

‫‪12‬‬

‫يوم ًا‬

‫�شهرا �آب‪�/‬أغ�سط�س و �أيلول‪�/‬سبتمرب ‪2009‬‬

‫�آب‪�/‬أغ�سط�س ‪2009‬‬

‫‪5‬‬

‫التقى وزير اخلارجية الدكتور �أبو بكر القربي‪ ،‬ب�صنعاء‪ ،‬نائب‬ ‫املدير الإقليمي لربنامج الغذاء العاملي فليب وارد‪ .‬وجرى يف اللقاء‬ ‫ا�ستعرا�ض �أن�شطة الربنامج وجماالت التعاون معه‪ ،‬وال�سبل الكفيلة‬ ‫بتو�سيع �أن�شطته ملواجهة ظاهرة اجلفاف ودعم جهود حتقيق الأمن‬ ‫الغذائي يف اليمن‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫وق���ع ب�صنعاء على مذكرة تفاهم ب�ي�ن �شركتي النفط اليمنية‬ ‫و�شرك���ة كوراك البحرينية القاب�ضة‪ ،‬لدرا�سة �إن�شاء �شركة م�شرتكة‬ ‫مينية ‪ -‬بحرينية‪ ،‬وت�أ�سي�س جممع لل�صناعات النفطية يف اليمن‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫التق���ى نائب رئي�س الوزراء ل�ش����ؤون الدفاع والأمن وزير الإدارة‬ ‫املحلي���ة الدكتور ر�شاد العليم���ي بال�سفري الربيط���اين ب�صنعاء تيم‬ ‫تورل���و‪ ،‬والقائم ب�أعم���ال ال�سفري الأمل���اين ب�صنعاء ماي���كل ريو�س‪,‬‬ ‫لبح���ث نتائ���ج التحقيق���ات يف جرمية االختطاف ال���ذي تعر�ض لها‬ ‫ت�سعة �أجانب يف �صعدة خ�ل�ال حزيران‪/‬يونيو املا�ضي بينهم �سبعة‬ ‫مواطن�ي�ن �أمل���ان ومواطن بريط���اين ومواطنة كوري���ة جنوبية‪ ,‬وقتل‬ ‫ثالث ن�ساء من بني املختطفني‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫ق���ررت ال�سلط���ات الق�ضائي���ة الأمريكية �إطالق �س���راح ال�شيخ‬ ‫حممد عل���ي امل�ؤيد ومرافقه حممد زايد امل�سجونني يف �سجن بوالية‬ ‫كل���ورادو على خلفية حكمني ق�ضائيني كانا ق���د �صدرا �ضدهما قبل‬ ‫�سنوات من الق�ضاء الأمريكي‪.‬‬ ‫‪46‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪8‬‬

‫التقى وزير اخلارجية الدكتور �أبو بكر القربي‪� ،‬سفري الواليات‬ ‫املتح���دة الأمريكي���ة ب�صنع���اء �ستيف���ن �سي����ش‪ ،‬تناول اللق���اء قرار‬ ‫احلكومة الأمريكية الإفراج عن ال�شيخ امل�ؤيد ومرافقه حممد زايد‪،‬‬ ‫والتفا�صي���ل املرتبط���ة بنقلهما �إىل اليم���ن‪ ،‬بالإ�ضاف���ة �إىل ق�ضايا‬ ‫املعتقلني اليمنيني بجوانتنامو وباج���رام‪ .‬وبحث اللقاء الأو�ضاع يف‬ ‫ال�صومال و�ضرورة تنفيذ قرارات جمل�س الأمن واالحتاد الأفريقي‬ ‫املتعلق���ة بدع���م احلكوم���ة الفيدرالي���ة االنتقالي���ة مبا يع���زز الأمن‬ ‫واال�ستقرار يف ال�صومال ويحقق امل�صاحلة‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫الرئي����س علي عبداهلل �صالح ي�ستقبل �سف�ي�ر الواليات املتحدة‬ ‫الأمريكي���ة ب�صنع���اء �ستيف���ن �سي�ش‪ ،‬و�سف�ي�ر اململك���ة املتحدة تيم‬ ‫تورل���و‪ ،‬وال�سف�ي�ر الهولندي ه���اري بوكيما‪ ،‬ونائ���ب ال�سفري الأملاين‬ ‫ماي���كل روي�س‪ ،‬وجرى خ�ل�ال اللقاء ا�ستعرا�ض عالق���ات اليمن مع‬ ‫ال���دول املانحة‪� ،‬إ�ضافة �إىل ا�ستعرا����ض توجهات احلكومة للمرحلة‬ ‫القادمة‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫التق���ى وزير اخلارجية الدكتور �أبو بك���ر القربي‪� ،‬سفري اليابان‬ ‫ب�صنع���اء تو�شيكاجي‪ .‬وجرى خالل اللق���اء بحث العالقات الثنائية‬ ‫بني البلدين‪ ،‬والدعم الياب���اين خلفر ال�سواحل يف اليمن‪ ،‬واجلهود‬ ‫امل�شرتكة يف مكافحة القر�صنة‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫الرئي����س علي عب���داهلل �صال���ح يتلقى ات�ص���ا ًال هاتفي ًا من‬ ‫مدير مكتب التحقيقات الفيدرايل الأمريكي (�إف‪ .‬بي‪� .‬آي) روبرت‬ ‫مولل���ر‪ ،‬والذي �أبلغ���ه �أن الواليات املتحدة الأمريكي���ة قد ا�ستجابت‬

‫الرئي����س علي عب���داهلل �صال���ح يتلقى ات�ص���ا ًال هاتفي ًا من‬ ‫الرئي����س ال�صومايل �شريف �شيخ �أحمد رئي����س احلكومة االنتقالية‬ ‫ال�صومالية‪� ،‬أطلعه فيه على تطورات الأو�ضاع يف ال�صومال واجلهود‬ ‫املبذولة لتعزيز دعائم الأمن واال�ستقرار هناك‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫التقى وزير اخلارجية الدكتور �أبو بكر القربي املمثل املقيم‬ ‫لربنام���ج الأمم املتح���دة الإمنائي ب�صنعاء براتيب���ا مهتا‪ .‬جرى يف‬ ‫اللقاء بحث تطورات الأو�ضاع يف حمافظة �صعدة يف �ضوء ا�ستمرار‬ ‫احلرب مع املتمردين‪ ،‬ومناق�شة ال�سبل الكفيلة ب�إي�صال امل�ساعدات‬ ‫الإن�سانية للنازحني من املناطق املت�ضررة من القتال‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫وق���ع بالعا�صم���ة اليمني���ة عل���ى اتفاقيت���ي متوي���ل‪ ،‬تق���دم‬ ‫مبوجبه���ا الياب���ان لليمن منح���ة قيمتها ‪15‬ملي���ون و‪� 100‬ألف دوالر‪.‬‬ ‫وقع االتفاقيت�ي�ن وزير اخلارجية الدكتور �أبو بك���ر القربي وال�سفري‬ ‫الياباين ب�صنعاء ما�ساكازو تو�شيكاجي‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫ق���ال ال�سفري الهن���دي ب�صنعاء‪ ،‬برافني فريم���ا‪� ،‬أن حجم‬ ‫التب���ادل التج���اري بني اليم���ن والهن���د ارتفع خالل عام���ي ‪- 2007‬‬ ‫‪ 2008‬لي�ص���ل �إىل ملياري���ن و‪ 486‬ملي���ون دوالر‪ .‬و�أو�ض���ح ال�سفري‬ ‫فريما خالل احتفال نظمته �سفارة الهند ب�صنعاء احتفا ًء بالذكرى‬ ‫الثالث���ة وال�ستني لعيد ا�ستقالل الهند‪� ،‬أن قيمة �صادرات اليمن �إىل‬ ‫الهن���د خالل نف�س الف�ت�رة بلغت ملي���ار و‪ 469‬ملي���ون دوالر‪ ،‬متثلت‬ ‫بالنف���ط اخلام واخل���ردة واجلل���ود واحلجر اجل�ي�ري‪ ،‬بينما بلغت‬ ‫قيمة واردات اليمن من الهند مليار و‪ 17‬مليون دوالر و�شملت ال�شاي‬ ‫والأرز والقمح واحلبوب والدواجن والتوابل والتبغ ومنتجات اللحوم‬ ‫والأدوية وامل�شغوالت اليدوية واملواد الكيمائية‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫تلقى الرئي�س علي عبداهلل �صالح ر�سالة خطية من العاهل‬ ‫ال�سع���ودي عب���داهلل ب���ن عبدالعزي���ز �آل �سع���ود‪ ،‬تتعل���ق بالعالقات‬ ‫الثنائي���ة و�سبل تعزيزها‪ .‬كما ت�ضمن���ت الر�سالة التي قام بت�سليمها‬ ‫ال�سفري ال�سعودي ب�صنعاء علي بن حممد احلمدان‪ ،‬دعوة الرئي�س‪،‬‬ ‫حل�ضور االفتتاح الر�سمي جلامعة امللك عبداهلل للعلوم والتقنية يف‬ ‫�أيلول‪�/‬سبتمرب ‪.2009‬‬

‫‪16‬‬

‫الرئي����س عل���ي عب���داهلل �صال���ح ي�ستقبل املبع���وث اخلا�ص‬ ‫للأم�ي�ن العام ل�ل��أمم املتح���دة اىل ال�صومال �أحم���د ولد عبداهلل‪،‬‬ ‫ال���ذي اطلعه على تط���ورات الأو�ض���اع يف ال�صوم���ال واجلهود التي‬

‫تبذله���ا الأمم املتح���دة لدعم احلكومة ال�صومالي���ة احلالية بهدف‬ ‫تعزيز الأمن واال�ستقرار يف �أنحاء ال�صومال‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫الرئي����س عل���ي عب���داهلل �صال���ح ي�ستقبل وف���د الكوجنر�س‬ ‫الأمريكي الذي ي���زور اليمن برئا�سة ال�سيناتور جون ماكني‪ ،‬وجرى‬ ‫خ�ل�ال اللقاء بحث العالق���ات الثنائية وجم���االت التعاون امل�شرتك‬ ‫و�سب���ل تطويرها يف كافة املجاالت‪ ،‬وعلى وج���ه اخل�صو�ص التعاون‬ ‫يف املجال االقت�صادي والأمني وجمال مكافحة الإرهاب‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫تلق���ى رئي����س جمل�س ال���وزراء الدكتور عل���ي حممد جمور‬ ‫ر�سال���ة جوابية من نظريه الفرن�سي فران�سوا فيون‪ ،‬رد ًا على ر�سالته‬ ‫ح���ول اجلهود التي تبذلها ال�سلطات الفرن�سي���ة ال�ستكمال التحقيق‬ ‫و�إجراءات البحث وانت�شال ال�صندوقني الأ�سودين للطائرة اليمنية‬ ‫املنكوبة قبالة �سواحل جزر القمر �أواخر حزيران‪ /‬يونيو املا�ضي‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫التق���ى وزي���ر اخلارجي���ة ال�سف�ي�رة كري�ست�ي�ن روبيت�ش���ن‬ ‫املكلف���ة من قب���ل رئي�س ال���وزراء الفرن�سي مب�ساع���دة ومتابعة �أ�سر‬ ‫�ضحاي���ا حادثة حتطم الطائرة اليمني���ة‪ ،‬والتي قامت بتقدمي عزاء‬ ‫فرن�س���ا حكوم ًة و�شعب��� ًا يف �ضحايا احل���ادث‪ .‬كما مت خ�ل�ال اللقاء‬ ‫تناول جمري���ات التحقيق اخلا�ص���ة بتحطم الطائ���رة والبحث عن‬ ‫ال�صندوق�ي�ن الأ�سودي���ن‪ ،‬و�أهمية الو�ص���ول بالتحقي���ق �إىل �أ�سباب‬ ‫احلادث احلقيقية‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫التق���ى وزي���ر الدفاع حمم���د نا�ص���ر �أحمد نائ���ب ال�سفري‬ ‫الرو�س���ي ب�صنعاء �أولي���غ ليفني‪ .‬جرى خالل اللق���اء بحث عالقات‬ ‫وجماالت التعاون الع�سكري بني جي�شي البلدين‪ ،‬خا�صة يف جماالت‬ ‫التدري���ب والت�أهيل وتبادل اخل�ب�رات واملعلومات فيما يخ�ص العمل‬ ‫امل�شرتك ملكافحة الإرهاب والقر�صنة البحرية يف املنطقة‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫�أعل���ن ال�صندوق الدويل للتنمي���ة الزراعية (الإيفاد) عن‬ ‫تق���دمي منحة �إ�ضافي���ة لليمن بقيمة �سبعة مالي�ي�ن وخم�سمائة �ألف‬ ‫دوالر‪ ،‬تكر�س للم�ساهمة يف تغطية الفجوة التمويلية املتعلقة مب�شروع‬ ‫التنمي���ة الريفية يف اليمن‪ .‬جاء ذل���ك خالل املباحثات التى عقدت‬ ‫بني اليمن وال�صندوق ال���دويل للتنمية الزراعية (الإيفاد) برئا�سة‬ ‫وكي���ل وزارة التخطي���ط والتعاون ال���دويل لقطاع برجم���ة امل�شاريع‬ ‫املهند�س عب���داهلل ال�شاطر وم�ست�شار (الإيفاد)‬ ‫�إفران لوكا‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫ناق����ش وزي���ر‬ ‫ال�صناعة والتجارة‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪47 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫فـي ‪ 60‬يومـا‬

‫الدكتور يحيى املتوكل مع ال�سفري الأمريكي ب�صنعاء �ستيفن �سي�ش‪،‬‬ ‫الرتتيب���ات اجلاري���ة لعق���د املجل�س اليمن���ي الأمريك���ي لال�ستثمار‬ ‫والتج���ارة خالل الأ�شهر القليل���ة املقبلة‪ .‬وتطرق اللقاء �إىل م�ساعي‬ ‫اليمن لالن�ضمام ملنظمة التج���ارة العاملية واخلطوات التي قطعتها‬ ‫يف ه���ذا اجلانب‪� ،‬سواء على م�ستوى املفاو�ضات الثنائية �أو املتعددة‬ ‫الأطراف‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫التق���ى وزي���ر اخلارجية الدكت���ور �أبو بك���ر القربي‪� ،‬سفري‬ ‫الوالي���ات املتحدة الأمريكي���ة ب�صنعاء �ستيفن �سي����ش‪ .‬تناول اللقاء‬ ‫التع���اون بني البلدي���ن يف املجال التنم���وي والدعم ال���ذي �ستقدمه‬ ‫الوالي���ات املتحدة لليمن يف الف�ت�رة املقبلة‪ ،‬كما تناول اللقاء ق�ضايا‬ ‫املعتقلني اليمنيني بجوانتانامو‪.‬‬

‫‪20‬‬

‫التق���ى وزير اخلارجي���ة الدكتور �أبو بك���ر القربي‪� ،‬سفراء‬ ‫ك ًال م���ن االحتاد الأوروبي والدول الأع�ض���اء الدائمة مبجل�س الأمن‬ ‫و�سفري تركيا وممثل الأمم املتح���دة املقيم ب�صنعاء‪ ،‬وممثل البعثة‬ ‫الأوربية ب�صنعاء‪ .‬كما التقى وزير اخلارجية ب�سفراء الدول العربية‬ ‫يف �إطار اللق���اءات الدورية لبحث الأو�ض���اع يف املنطقة والتطورات‬ ‫عل���ى ال�ساح���ة اليمنية‪ .‬وق���د �أطلع الدكت���ور القرب���ي ال�سفراء على‬ ‫تطورات الأو�ضاع يف حمافظة �صعدة‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫التق���ى وزي���ر اخلارجية الدكت���ور �أبو بك���ر القربي ممثلي‬ ‫منظم���ات الإغاث���ة الدولي���ة واملنظم���ات الإن�سانية غ�ي�ر احلكومية‬ ‫العاملة يف اليمن‪ .‬وك ّر�س اللق���اء ال�ستعرا�ض الأو�ضاع الإن�سانية يف‬ ‫حمافظة �صعدة ب�سبب الأعمال القتالية يف املحافظة‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫التق���ى وزير اخلارجية الدكتور �أبو بك���ر القربي ب�صنعاء‪،‬‬ ‫�سفراء ال���دول الأفريقية والآ�سيوية املعتمدي���ن لدى اليمن يف �إطار‬ ‫اللق���اءات الدوري���ة لبح���ث الأو�ض���اع يف املنطقة والتط���ورات على‬ ‫ال�ساحة اليمنية‪ ،‬ال�سيما الأو�ضاع يف �صعدة‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫بح���ث وزير اخلارجية الدكتور �أبو بك���ر القربي‪ ،‬مع �سفري‬ ‫الوالي���ات املتح���دة الأمريكي���ة ب�صنع���اء �ستيفن �سي����ش‪ ،‬العالقات‬ ‫الثنائي���ة بني البلدي���ن‪ .‬وتطرق اللقاء �إىل التط���ورات يف ال�ساحتني‬ ‫املحلية والعربية‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫نقل الدكتور عبدالكرمي الإرياين امل�ست�شار ال�سيا�سي لرئي�س‬ ‫اجلمهورية‪ ،‬خالل لقائه �صاحب ال�سمو ال�شيخ حمد بن خليفة �آل ثاين‬ ‫�أم�ي�ر دولة القطر‪ ،‬ر�سال���ة �شفوية من الرئي�س عل���ي عبداهلل �صالح‪،‬‬ ‫تتعل���ق بالعالقات الثنائية ب�ي�ن البلدين وامل�ستج���دات على ال�ساحات‬ ‫الإقليمية والعربية والدولية والق�ضايا ذات االهتمام امل�شرتك‪.‬‬ ‫‪48‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪26‬‬

‫بح���ث وزير اخلارجية الدكتور �أبو بكر القربي‪ ،‬مع �سفري‬ ‫الياب���ان ب�صنعاء ما�ساكازو تو�شيكاج���ي‪ ،‬التعاون القائم بني اليمن‬ ‫والياب���ان يف جم���ال مكافحة الإره���اب و�سبل دعم وح���دة مكافحة‬ ‫الإره���اب يف اليمن‪ .‬كم���ا جرى بحث �سبل تعزي���ز عالقات التعاون‬ ‫بني البلدين يف خمتلف املجاالت‪.‬‬

‫‪26‬‬

‫ا�ستقب���ل وزي���ر خارجي���ة احلكوم���ة االنتقالي���ة الفدرالية‬ ‫ال�صومالي���ة علي �أحم���د جامع يف العا�صمة مقدي�ش���و‪� ،‬سفري اليمن‬ ‫ل���دى ال�صوم���ال �أحمد حميد عم���ر‪ ،‬ال���ذي �سلمه تهنئ���ة من وزير‬ ‫اخلارجية الدكتور �أبو بكر القربي مبنا�سبة تعيينه وزير ًا للخارجية‪.‬‬ ‫وبح���ث ال�سفري عمر مع الوزير ال�صوم���ايل التطورات اجلارية على‬ ‫ال�ساح���ة ال�صومالي���ة واجلهود املبذولة لر�أب ال�ص���دع بني الفرقاء‬ ‫ال�صومال�ي�ن‪ ،‬ودع���وة الرئي����س ال�صومايل للمعار�ض���ة وقف القتال‬ ‫خالل �شهر رم�ضان املبارك‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫�أج���رى الرئي�س علي عبداهلل �صالح ات�صا ًال هاتفي ًا بالأمري‬ ‫حمم���د ب���ن نايف بن عبدالعزي���ز �آل �سعود م�ساعد وزي���ر الداخلية‬ ‫باململك���ة العربية ال�سعودية‪ ،‬اطمئن خالله على �سالمته بعد جناته‬ ‫م���ن احلادث الإرهابي الذي كان ي�ستهدفه‪ ،‬وه ّن�أه بالنجاة من هذا‬ ‫احلادث الإجرامي‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫التقى وزير اخلارجية الدكتور �أبو بكر القربي �سفري جنوب‬ ‫�أفريقيا غري املقيم لدى اليمن جون ديفيز‪ .‬جرى خالل اللقاء بحث‬ ‫العالقات الثنائية بني البلدين‪ ،‬و�آخر امل�ستجدات يف �صعدة‪ .‬وت�سلم‬ ‫الدكت���ور القربي ر�سالة تت�ضم���ن دعوته لزيارة جن���وب افريقيا يف‬ ‫كانون الأول‪/‬دي�سمرب املقبل لتوقيع اتفاقية تفاهم بني البلدين‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫�أعلن���ت الوكال���ة الأمريكي���ة للتنمي���ة اعتزامه���ا تق���دمي‬ ‫م�ساع���دات غذائي���ة للنازحني ج���راء التمرد والقت���ال يف حمافظة‬ ‫�صع���دة بتكلف���ة تزيد عن ‪ 2.5‬مليون دوالر‪ .‬و�أو�ض���ح بيان �صادر عن‬ ‫ال�سف���ارة الأمريكي���ة ب�صنع���اء �أن امل�ساعدات ت�شم���ل‪ 3440‬طن ًا من‬ ‫القمح‪ ،‬و‪ 460‬طن ًا من الفا�صوليا‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫بح���ث وزير اخلارجية �أبو بكر القربي‪ ،‬مع �سفري جمهورية‬ ‫الع���راق طالل جميل العبيدي العالقات الثنائية بني البلدين‪ ،‬و�آخر‬ ‫امل�ستجدات على ال�ساحة الإقليمية والدولية و�أهمها تطورات الو�ضع‬ ‫يف العراق‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫بح���ث وزي���ر اخلارجية �أبو بك���ر القربي م���ع املمثل املقيم‬ ‫لربنامج الأمم املتح���دة الإمنائي براتيبا ميهتا‪ ،‬الأو�ضاع الإن�سانية‬

‫للنازحني جراء احلرب يف �صعدة‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫بح���ث وزير اخلارجية �أبو بك���ر القربي‪ ،‬مع �سفري الواليات‬ ‫املتح���دة �ستيف���ن �سي����ش‪ ،‬العالق���ات الثنائية ب�ي�ن البلدي���ن و�سبل‬ ‫تطويرها‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل التطورات يف ال�ساحتني املحلية والعربية‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫بحث وزير اخلارجية �أبو بكر القربي‪ ،‬مع �سفري دولة قطر‬ ‫ب�صنعاء جا�سم عبد العزيز بوالعينني‪� ،‬أوجه العالقات الثنائية بني‬ ‫البلدين وتطورات الأو�ضاع يف املنطقة‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫قال الأمني العام ملجل�س التعاون اخلليجي عبد الرحمن بن‬ ‫حم���د العطية‪� ،‬أن اليمن “يحتل مكانة خا�صة لدى جمل�س التعاون‪،‬‬ ‫و�أن دول املجل����س تدعم وحدة وا�ستقرار اليمن ف�أمن اليمن جزء ال‬ ‫يتجز�أ من �أمن دول املنطقة”‪.‬‬ ‫�أيلول‪�/‬سبتمرب ‪2009‬‬

‫‪1‬‬

‫عقدت بالعا�صمة الليبية طرابل�س جل�سة مباحثات بني الرئي�س‬ ‫علي عب���داهلل �صالح‪ ،‬والعقيد معمر الق���ذايف قائد ثورة الفاحت من‬ ‫�أيلول‪�/‬سبتم�ب�ر الليبية‪ ،‬حيث بحثا �سب���ل تعزيز العالقات الثنائية‪،‬‬ ‫كم���ا بحثا تطورات الأو�ضاع العربية الراهنة وامل�ستجدات الإقليمية‬ ‫والدولي���ة الت���ي تهم البلدي���ن ويف مقدمتها التط���ورات يف فل�سطني‬ ‫والعراق وال�سودان وال�صومال‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫ا�ستقب���ل عبدربه من�صور هادي نائب رئي�س اجلمهورية‪� ،‬سفري‬ ‫جمهوري���ة ال�ص�ي�ن ال�شعبية اجلديد ل���دى اليمن لي���و دنغلني ومعه‬ ‫املحل���ق الع�سكري يف ال�سف���ارة‪ .‬جرى خالل املقابل���ة مناق�شة عدد‬ ‫من الق�ضايا واملو�ضوعات املت�صلة بعالقات ال�صداقة احلميمة بني‬ ‫اليمن وال�صني‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫�أك���دت دول جمل����س التع���اون اخلليجي‪ ،‬دعمه���ا لكامل لوحدة‬ ‫وامن وا�ستقرار اجلمهوري���ة اليمنية‪ ،‬جمددة الدعم لكافة اجلهود‬ ‫الهادف���ة لتعزيز احل���وار وتغليب امل�صلحة ال�شامل���ة‪ .‬وكلف املجل�س‬ ‫ال���وزاري اخلليج���ي على م�ست���وى وزراء اخلارجي���ة يف ختام دورته‬ ‫ال���ـ ‪ 112‬بج���دة‪ ,‬الأمني العام ملجل�س التع���اون عبدالرحمن بن حمد‬ ‫العطي���ة بزي���ارة �صنع���اء للت�ش���اور مع احلكوم���ة اليمني���ة‪ ،‬كما �أقر‬ ‫املجل����س ال���وزاري اخلليج���ي ان�ضمام اليم���ن �إىل اللجن���ة الوزارية‬ ‫للربيد واالت�صاالت‪ ،‬ورفع تو�صية بذلك �إىل القمة اخلليجية املقبلة‬ ‫التي �ستنعقد يف كانون الأول‪/‬دي�سمرب ‪ 2009‬يف دولة الكويت‪.‬‬

‫‪4‬‬

‫ا�ستقب���ل الرئي�س علي عبداهلل �صالح �أمني عام جمل�س التعاون‬

‫لدول اخللي���ج العربية عبدالرحمن العطية‪ ،‬الذي �أطلعه على نتائج‬ ‫اجتم���اع املجل�س ال���وزاري لدول املجل����س الذي انعق���د يف الريا�ض‬ ‫م�ؤخ���ر ًا‪ ،‬وما اتخ���ذ من قرارات ب�ش����أن اليمن ومنه���ا املوافقة على‬ ‫ان�ضمام اليمن �إىل هيئة الربيد واالت�صاالت‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫ا�ستقبل الرئي�س علي عبداهلل �صالح‪ ،‬عثمان �صالح حممد وزير‬ ‫الدولة لل�ش�ؤون اخلارجية بدولة �إريرتيا‪ ،‬الذي نقل له ر�سالة خطية‬ ‫م���ن الرئي�س �أ�سيا�سي �أفورقي رئي�س دولة �إريرتيا‪ ،‬تتعلق بالعالقات‬ ‫الثنائي���ة‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل الت�شاور �إزاء تط���ورات الأو�ضاع يف منطقة‬ ‫القرن الأفريقي ويف مقدمتها الأو�ضاع يف ال�صومال وتن�سيق جهود‬ ‫البلدين من اجل حتقيق الوفاق بني خمتلف الأطراف ال�صومالية‪.‬‬

‫‪6‬‬

‫ا�ستقبل الرئي�س علي عبداهلل �صالح م�ساعد الرئي�س الأمريكي‬ ‫ل�ش����ؤون الأمن ومكافحة الإرهاب ج���ون برينن‪ ،‬الذي نقل له ر�سالة‬ ‫خطية من الرئي�س الأمريكي باراك �أوباما‪ ،‬تتعلق بالعالقات الثنائية‬ ‫وال�شراك���ة والتعاون القائم ب�ي�ن البلدين ويف مقدمته���ا التعاون يف‬ ‫جمال مكافحة الإرهاب‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫بح���ث وزير اخلارجي���ة الدكتور �أب���و بكر القربي‪ ،‬م���ع ال�سفري‬ ‫الأمريك���ي ب�صنعاء �ستيفن �سي�ش‪ ،‬العالق���ات الثنائية بني البلدين‪،‬‬ ‫كما بحث اجلانبان الأو�ضاع يف ال�صومال وجهود مكافحة الإرهاب‬ ‫وجهود احلكوم���ة اليمنية لتوفري احلماي���ة للنازحني جراء احلرب‬ ‫يف �صع���دة‪ .‬كما بحث الدكتور القربي‪ ،‬مع وزير اخلارجية الإريرتي‬ ‫عثمان �صالح حممد وم�ست�شار الرئي�س الإريرتي لل�ش�ؤون ال�سيا�سية‬ ‫مي���ان ج�ب�ر �آب‪ ،‬العالق���ات الثنائي���ة بني البلدي���ن و�أهمي���ة انعقاد‬ ‫اللجن���ة التنفيذية لبحث العديد من امل�شاري���ع املقدمة من البلدين‬ ‫و�إقرارها‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫ناق����ش وزير اخلارجي���ة الدكتور �أبو بك���ر القربي‪ ،‬خالل لقائه‬ ‫يف القاه���رة الأم�ي�ن الع���ام جلامع���ة ال���دول العربية عم���ر مو�سى‪,‬‬ ‫املو�ضوع���ات املدرجة على جدول �أعمال اجتم���اع الدورة العادية الـ‬ ‫‪ 132‬ملجل�س جامعة الدول العربية على امل�ستوى الوزاري‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫وق���ع ب�صنع���اء‪ ،‬بح�ضور رئي����س جمل�س ال���وزراء الدكتور علي‬ ‫حممد جمور‪ ،‬على مذكرة تفاهم بني وزارة النفط واملعادن و�شركة‬ ‫“جاز �سيتي” اخلليجية ب�ش�أن �إجراء درا�سة اجلدوى االقت�صادية‬ ‫لإقامة م�شروع مدينة غ���از مينية ت�شمل‬ ‫عل���ى جتمعات �صناعي���ة ملختلف‬ ‫ال�صناعات الت���ي ي�ستخدم‬ ‫فيها الغ���از مبا يف ذلك‬ ‫�صناعة‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪49 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫فـي ‪ 60‬يومـا‬

‫البرتوكيماويات‪� ،‬إ�ضافة �إىل حمطة للطاقة الكهربائية وحتلية املياه‬ ‫وغريه���ا من امل�شاريع واال�ستثماري���ة املرتبطة بالغاز‪ .‬و ّقع االتفاقية‬ ‫وزي���ر النفط واملع���ادن �أمري العيدرو����س‪ ،‬فيما وقعها ع���ن ال�شركة‬ ‫الرئي�س التنفيذي بدر حميد جعفر‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫ا�ستقب���ل الرئي����س علي عب���داهلل �صالح‪ ،‬عل���وي بن �شهاب‬ ‫ممث���ل الرئي�س الإندوني�سي‪ .‬وجرى بحث جوانب التعاون بني اليمن‬ ‫ً‬ ‫ممث�ل�ا يف �شركة‬ ‫و�إندوني�سي���ا ومنه���ا رغب���ة اجلان���ب الإندوني�سي‬ ‫�أندورام���ا الإندوني�سية العاملية‪ ،‬اال�ستثمار يف جماالت النفط والغاز‬ ‫وال�صناع���ات البرتوكيماوي���ة خا�ص���ة �صناع���ة البول�س�ت�ر ب�أنواع���ه‬ ‫البال�ستيكية والن�سيجية‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫التق���ى وزير اخلارجية الدكت���ور �أبوبكر القرب���ي ب�صنعاء‬ ‫مدي���ر مكتب تن�سيق امل�ساع���دات الإن�سانية ب���الأمم املتحدة را�شيد‬ ‫خاليكوف‪ ،‬واملن�سق املقيم لهيئات الأمم املتحدة والربنامج الإمنائي‬ ‫لدى اليمن براتيبا مهتا‪ .‬جرى خالل اللقاء بحث تطورات الأو�ضاع‬ ‫يف حمافظة �صعدة وال�سبل الكفيل���ة ب�إي�صال امل�ساعدات الإن�سانية‬ ‫للنازحني من مناطق املواجهات الع�سكرية‪.‬‬

‫‪13‬‬

‫�أكد الربملان العربي االنتقايل دعمه الكامل للوحدة اليمنية‬ ‫وت�أيي���ده للحكومة اليمنية وما تتخذه م���ن �إجراءات لدعم الوحدة‪،‬‬ ‫ورف�ضه الكامل لأي تدخل يف ال�ش�ؤون الداخلية اليمنية‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫التق���ى وزي���ر اخلارجية الدكت���ور �أبو بك���ر القربي ال�سفري‬ ‫الياب���اين ب�صنع���اء ما�س���كازو تو�شيكاج���ي الذي بحث مع���ه‪� ،‬أوجه‬ ‫التعاون بني البلدين عل���ى �صعيد مكافحة الإرهاب والقر�صنة‪ ،‬كما‬ ‫ناق����ش اللقاء املعونة اليابانية خلف���ر ال�سواحل يف اليمن والعالقات‬ ‫الثنائية بني البلدين و�سبل تعزيزها‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫التق���ى وزي���ر اخلارجي���ة الدكت���ور �أب���و بكر القرب���ي وكيل‬ ‫م�ساع���د وزارة اخلارجية الأمريكية لل�ش�ؤون العربية ال�سيدة جانيت‬ ‫�ساندر�س���ون التي بحثت معه العالقات الثنائي���ة بني البلدين و�سبل‬ ‫تطويره���ا‪ ،‬كما بح���ث اللقاء ق�ضايا الإرهاب ودع���م برامج التنمية‬ ‫واال�ستثمار يف اليمن‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫�أق���رت الوالي���ات املتح���دة الأمريكي���ة رف���ع �سق���ف الدعم‬ ‫التنموي املقدم لليم���ن لي�صل �إىل ‪ 121‬مليون دوالر يف مبادرة متثل‬ ‫نقلة نوعية يف م�سار التعاون الثنائي مع اجلمهورية اليمنية‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫وقع بوزارة التخطيط والتعاون الدويل‪ ،‬على اتفاقية �إطار‬ ‫امل�ساعدات الأمريكية لليمن للأعوام ‪ 2011 - 2009‬مببلغ ‪ 121‬مليون‬ ‫‪50‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫دوالر‪ .‬تكر����س االتفاقي���ة التي وقعه���ا نائب رئي�س ال���وزراء لل�ش�ؤون‬ ‫االقت�صادي���ة وزير التخطيط والتعاون الدويل عبدالكرمي الأرحبي‪،‬‬ ‫ومدي���ر الوكالة الأمريكي���ة للتنمي���ة الدولية الدكتور جي���ف �إ�شلي‪،‬‬ ‫لدع���م برام���ج وم�شاريع فني���ة ومالي���ة يف القطاع���ات االجتماعية‬ ‫وبخا�ص���ة التعليم وال�صحة والتنمي���ة االقت�صادية وجماالت احلكم‬ ‫اجليد والتنمية الدميقراطية‪.‬‬

‫‪16‬‬

‫التق���ى وزي���ر اخلارجية الدكت���ور �أبو بك���ر القربي‪� ،‬سفري‬ ‫ايطالي���ا ماريو بوفو والقائم ب�أعمال بعثة املفو�ضية الأوروبية ميكلي‬ ‫�شريفونه والقائم ب�أعم���ال ال�سفارة اال�سبانية ب�صنعاء فران�سي�سكو‬ ‫خافري بوغا‪ .‬جرى يف اللقاء بحث التح�ضريات اجلارية الجتماعات‬ ‫جلن���ة احلوار ال�سيا�س���ي اليمني ‪ -‬الأوروبي املق���رر انعقادها نهاية‬ ‫�شهر ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر ‪ 2009‬يف بروك�سل‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫ا�ستقب���ل الرئي����س علي عب���داهلل �صال���ح م�صطفى عثمان‬ ‫م�ست�ش���ار الرئي����س ال�س���وداين عمر الب�ش�ي�ر‪ ،‬الذي نقل ل���ه ر�سالة‬ ‫خطية من الرئي�س الب�شري تتعلق بالعالقات الثنائية‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل‬ ‫تط���ورات الأو�ضاع يف ال�سودان واملنطقة ويف مقدمتها التطورات يف‬ ‫ال�ساحة الفل�سطينية والأو�ضاع يف ال�صومال‪ ،‬كما ت�ضمنت الر�سالة‬ ‫ت�أكي���د وقوف ال�سودان وت�ضامنه �إىل جانب اليمن و�أمنه وا�ستقراره‬ ‫ووحدته‪.‬‬

‫‪18‬‬

‫رح���ب م�صدر م�سئول بدعوة ال�سي���د ح�سن ن�صر اهلل‪� ،‬أمني‬ ‫عام ح���زب اهلل اللبناين‪ ،‬بوقف �إطالق النار ب�ي�ن الدولة واملتمردين‬ ‫احلوثي�ي�ن‪ .‬وقال امل�صدر يف ت�صري���ح لوكالة الأنب���اء اليمنية (�سب�أ)‬ ‫“�إنن���ا يف الوق���ت ال���ذي نق���در في���ه لل�سيد ح�س���ن ن�ص���ر اهلل دعوته‬ ‫وحر�ص���ه على جتنب �إراقة الدم اليمني‪ ،‬ف�إننا ن�ؤكد له ب�أن الدولة قد‬ ‫فر�ضت عليها احلرب فر�ض ًا وكانت دوم ًا ‪ -‬وما تزال ‪ -‬حري�صة على‬ ‫اللجوء �إىل كل اخليارات ال�سلمية من �أجل جتنب احلرب وعدم �إراقة‬ ‫الدماء‪ ،‬و�أر�سلت العديد من اللجان ومن خمتلف الفعاليات ال�سيا�سية‬ ‫واالجتماعية لإقناع العنا�صر املتمردة اخلارجة على النظام والقانون‬ ‫بالكف عن �أعمالها الإرهابية والتخريبية واعتداءاتها على املواطنني‬ ‫و�أفراد القوات امل�سلح���ة والأمن واجلنوح لل�سلم‪� ،‬إال �أن تلك العنا�صر‬ ‫ظل���ت على غيها وا�ستم���رت �أعمال القتل والتخري���ب وقطع الطرقات‬ ‫ونه���ب وتخري���ب املن�ش����آت العام���ة واخلا�ص���ة‪ ،‬مم���ا �أ�ضط���ر الدولة‬ ‫لال�ضط�ل�اع مب�سئوليتها م���ن �أجل �إخم���اد الفتنة الت���ي �أ�شعلتها تلك‬ ‫العنا�صر و�إجبارها على االلتزام بالنظام والقانون»‪.‬‬

‫‪23‬‬

‫و�ص���ل الرئي����س علي عب���داهلل �صال���ح �إىل مدينة جدة يف‬ ‫زي���ارة للمملك���ة العربية ال�سعودي���ة‪ ،‬تلبية للدع���وة املوجهة �إليه من‬ ‫العاهل ال�سعودي عبداهلل بن عبدالعزيز �آل �سعود‪ ،‬وذلك للم�شاركة‬

‫يف حفل افتتاح جامعة امللك عبداهلل للعلوم التقنية‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫وقعت اجلمهوية اليمنية وجمهورية الدومنيكان بنيويورك‬ ‫اتفاقية متثي���ل دبلوما�سي يف �إطار توجه اليمن نحو تعزيز عالقتها‬ ‫م���ع دول �أمريكا الالتينية‪ ،‬وقعها وزي���ر اخلارجية الدكتور �أبو بكر‬ ‫القربي‪ ،‬ووزير اخلارجية الدومنيكاين كارويل مورالي�س‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫�أق���ر جمل����س حق���وق الإن�س���ان التاب���ع ل�ل��أمم املتحدة يف‬ ‫اجتماع���ه بجني���ف التقرير الوطني ال�شامل ع���ن حقوق الإن�سان يف‬ ‫اليمن يف �إطار املراجعة الدورية ال�شاملة حلقوق الإن�سان‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫انتخب���ت اجلمهوري���ة اليمنية بالإجم���اع رئي�س ًا ملجموعة‬ ‫(ال���ـ ‪ + 77‬ال�صني) للع���ام ‪ 2010‬يف االجتماع الذي عقد مبقر الأمم‬ ‫املتحدة بنيويورك‪ .‬و�ستت�سلم اليمن الرئا�سة من جمهورية ال�سودان‬ ‫بعد انتهاء رئا�ستها نهاية العام ‪.2009‬‬

‫‪26‬‬

‫التق���ى وزي���ر اخلارجي���ة الدكتور �أب���و بك���ر القربي‪ ،‬مبقر‬ ‫الأمم املتحدة بنيويورك م�ساعد وزيرة اخلارجية الأمريكية ل�ش�ؤون‬ ‫ال�ش���رق الأو�سط جيفري فليتم���ان‪ .‬جرى خالل اللق���اء ا�ستعرا�ض‬ ‫جوانب التع���اون الثنائي بني اليمن والوالي���ات املتحدة يف املجاالت‬ ‫التنموية واالقت�صادية وحماربة الإرهاب‪ ،‬و�أهمية تقدمي املزيد من‬ ‫الدعم لليمن ملواجهة الآثار االقت�صادية الناجتة عن الأزمة املالية‪،‬‬ ‫ودع���م برامج احلكوم���ة للحد من الفقر والبطال���ة وتنفيذ الأجندة‬ ‫الوطنية للإ�صالحات‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫�أعل���ن الأمني العام ملنظمة امل�ؤمت���ر الإ�سالمي الربوفي�سور‬ ‫�أكم���ل الدين �إح�س���ان �أوغلو عن �إدان���ة وا�ستن���كار املنظمة لأعمال‬ ‫العنف التي يقوم بها املتمردون يف �صعدة‪.‬‬

‫‪27‬‬

‫�أكد وزراء خارجية الواليات املتحدة ودول جمل�س التعاون‬ ‫اخلليجي وم�صر والأردن والع���راق يف بيان م�شرتك‪ ,‬دعم بلدانهم‬ ‫الكامل حلكوم���ة اجلمهورية اليمنية وجه���ود الرئي�س علي عبداهلل‬ ‫�صالح‪ ،‬للحفاظ على وحدة و�أم���ن وا�ستقرار اليمن‪ .‬و�أ�شار الوزراء‬ ‫يف البي���ان ال�صادر عقب اجتماع مغلق عقدوه على هام�ش مداوالت‬ ‫اجلمعي���ة العام���ة ل�ل��أمم املتح���دة يف نيوي���ورك‪ ،‬اهتم���ام بلدانهم‬ ‫بالو�ضع يف اليم���ن‪ .‬و�أكدوا دعمهم الكامل جلهود احلكومة اليمنية‬ ‫املكر�س���ة من �أجل احلفاظ على وحدة و�أمن وا�ستقرار اليمن‪ ،‬وكذا‬ ‫لبذل جهود حثيثة لإيجاد حوار �سلمي‪.‬‬

‫�سفراء كل من الواليات املتحدة الأمريكية واململكة املتحدة ومملكة‬ ‫هولن���دا وجمهوري���ة �أملاني���ا االحتادية والقائ���م ب�أعم���ال املفو�ضية‬ ‫الأوروبي���ة ب�صنع���اء‪ .‬تط���رق اللق���اء �إىل بحث ومناق�ش���ة جملة من‬ ‫الق�ضايا املت�صلة بالتعاون القائم بني اليمن وجمتمع �أملانحني و�سبل‬ ‫تطوي���ره وتعزيزه ومبا يتواءم والتطلعات امل�شرتكة‪ ،‬كما بحث اللقاء‬ ‫الق�ضايا املت�صلة بتعزيز جهود الإغاثة الإن�سانية للنازحني املدنيني‬ ‫من حمافظة �صعدة‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫وقع ب�صنعاء بني احلكومة اليمنية ممثلة بوزارة التخطيط‬ ‫والتع���اون الدويل واحلكوم���ة الأمريكية ممثلة بالوكال���ة الأمريكية‬ ‫للتنمية الدولي���ة على مذكرة تفاهم تق�ض���ي بتعديل اتفاقية املنحة‬ ‫الأمريكي���ة اخلا�صة بدع���م مراكز التدريب املهن���ي وبرامج الدعم‬ ‫الفنية لقطاع التعليم الفني والتدريب املهني يف اليمن‪ ،‬وبحيث يتم‬ ‫رف���ع قيمة املنحة الأمريكية لت�صل �إىل ثالثة ماليني و�سبعمائة �ألف‬ ‫دوالر‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫�أق���ر االجتماع ال���وزاري لدول جتمع �صنع���اء �إعداد ميثاق‬ ‫للتجمع وخطة عمل طويلة املدى بحيث تقدم �إىل االجتماع الوزاري‬ ‫يف ت�شرين الثاين‪/‬نوفمرب ‪ .2009‬و�أكد االجتماع املنعقد على هام�ش‬ ‫اجتماعات اجلمعية العامة للأمم املتحدة يف نيويورك برئا�سة وزير‬ ‫اخلارجية الدكتور �أبوبكر القرب���ي‪ ،‬على متابعة تنفيذ قرارات قمة‬ ‫جتم���ع �صنعاء اخلام�سة املنعقدة يف اخلرط���وم �آذار‪/‬مار�س ‪،2009‬‬ ‫وحتديد مواعيد اجتماع���ات اللجان الفنية لدرا�سة امل�شاريع املعدة‬ ‫من الدول الأع�ضاء لتعزيز التعاون وال�شراكة‪ .‬وا�ستعر�ض االجتماع‬ ‫تفعيل اللجان الفنية للتجمع‪ ،‬و�سبل دعم حكومة ال�صومال امل�ؤقتة‪،‬‬ ‫وحتديد موعد القمة القادمة للدول املن�ضوية يف التجمع‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫ا�ستقبل الرئي�س ال�سوداين عمر ح�سن الب�شري يف العا�صمة‬ ‫ال�سوداني���ة اخلرط���وم‪ ،‬نائب رئي����س اجلمهورية عبدرب���ه من�صور‬ ‫هادي الذي يزور ال�س���ودان للم�شاركة يف احتفاالت امل�ؤمتر الوطني‬ ‫يف دورته الثالثة‪.‬‬

‫‪30‬‬

‫ا�ستقب���ل رئي�س جمل�س الوزراء الدكتور علي حممد جمور‪،‬‬ ‫ب�صنع���اء‪ ،‬املدي���ر الإقليم���ي اجلديد للبن���ك الدويل ل�ش����ؤون اليمن‬ ‫وم�ص���ر وجيبوتي ديفيد كريج‪ ،‬وجرى مناق�شة العالقات بني اليمن‬ ‫والبنك الدويل وتوجهاتها التنموية للفرتة املقبلة‪.‬‬

‫‪29‬‬

‫عق���د نائ���ب رئي����س ال���وزراء لل�ش����ؤون االقت�صادي���ة وزير‬ ‫التخطي���ط والتعاون الدويل عبد الكرمي الأرحب���ي‪ ،‬لقا ًء مو�سع ًا مع‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪51 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬ ‫حتليالت‬

‫فـي ‪ 60‬يومـا‬

‫وجهات نظر‬

‫عني على اليمن‬

‫حتليالت ووجهات نظر عربية وعاملية*‬

‫اليمن و�أهميته املتزايدة يف ال�صراع الإقليمي‬ ‫يوئيل جوزن�سكي‬

‫معهد درا�سات الأمن القومي (�إ�سرائيل)‬ ‫‪� 11‬أيلول‪�/‬سبتمرب ‪2009‬‬

‫بعيد ًا ع���ن �أنظار اجلمهور وو�سائل الإعالم‪،‬‬ ‫تزداد �أهمية اليمن باعتباره �ساحة لل�صراع‬ ‫بني الق���وى الإقليمية‪ .‬وعلى م���دار ال�سنوات‬ ‫الأخ�ي�رة �ش���كل القت���ال الدائ���ر يف الأجزاء‬ ‫ال�شمالية الغربية من البالد م�صدر التهديد‬ ‫الرئي�س���ي لليمن‪ ،‬وال���ذي اندلع جم���دد ًا يف‬ ‫�أوائ���ل �آب‪� /‬أغ�سط����س‪ ،‬و�أ�ضاف بع���د ًا �آخر‬ ‫لع���دم اال�ستق���رار يف بلد يع���اين بالفعل من‬ ‫مواجه���ة الن���زاع االنف�ص���ايل يف اجلن���وب‬ ‫والن�ش���اط اجله���اد العاملي‪ ،‬والت���ي �أ�صبحت‬ ‫م�ؤخر ًا حمطة على الطريق ملهربي الأ�سلحة‬ ‫املوجهة يف جزء منها حلركة حما�س‪.‬‬ ‫كج���زء م���ن القت���ال احل���ايل يف جولت���ه‬ ‫(ال�ساد�س���ة)‪ ،‬حت���اول الق���وات احلكومي���ة‬ ‫�إخماد التمرد الذي يقوده عبد امللك احلوثي‪،‬‬ ‫الذي ي�سيطر رجاله على املناطق اجلبلية يف‬ ‫حمافظة �صعدة �شمال غ���رب البالد‪ ،‬والتي‬ ‫تقع بالقرب من احل���دود مع اململكة العربية‬ ‫ال�سعودي���ة‪ .‬وي���دور القتال ما ب�ي�ن احلوثيني‬ ‫واحلكوم���ة اليمني���ة ب�ص���ورة دوري���ة من���ذ‬ ‫حزيران‪/‬يونيو ‪ ،2004‬ومع كل موجة من هذا‬ ‫القتال ت���زداد االو�ضاع وح�شي���ة‪ ،‬مما �أ�سفر‬ ‫‪52‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ع���ن �آالف اجلرح���ى و�أ�ض���رار هائل���ة‪ .‬رغم‬ ‫�أن���ه ال يوجد �أ�سا�س الدعاء احلكومة اليمنية‬ ‫�أن االنتفا�ض���ات الث�ل�اث ‪ -‬االنف�صاليني يف‬ ‫اجلنوب‪ ،‬وتعزيز ق���وة اجلهاديني املرتبطني‬ ‫م���ع تنظيم القاعدة‪ ،‬وحركة التمرد ال�شيعية‬ ‫يف ال�شمال ‪ -‬متحدون �ضدها‪ ،‬واجلمع بينها‬ ‫هو �أم���ر مقلق‪� .‬إن �أعم���ال العنف احلالية ال‬ ‫تهدد وحدة اليمن وا�ستقراره فح�سب‪ ،‬ولكن‬ ‫تهدد �أي�ض��� ًا �أمن اململكة العربي���ة ال�سعودية‬ ‫و�شب���ه اجلزي���رة العربي���ة‪ .‬وين�ض���م �إليه���ا‬ ‫املحاوالت املتزايدة م���ن املنظمات املرتبطة‬ ‫مع تنظي���م القاع���دة التي حت���اول الإطاحة‬ ‫باحلكوم���ة اليمنية‪ ،‬وكذل���ك بالعائلة املالكة‬ ‫يف اململك���ة العربي���ة ال�سعودي���ة‪ ،‬حيث ميكن‬ ‫اال�ست���دالل عل���ى ذلك من حماول���ة الهجوم‬ ‫الإرهاب���ي الأخ�ي�ر‪ ،‬والت���ي كان م�صدره���ا‬ ‫اليمن وا�ستهدف���ت العائلة املالكة ال�سعودية‪.‬‬ ‫يف هذا الهجوم الذي ا�ستهدف الأمري نايف‬ ‫بن عبدالعزيز‪ ،‬وال���ذي يعد واحد ًا من قادة‬ ‫اململك���ة يف احل���رب عل���ى االره���اب‪ ،‬وجنل‬ ‫الرج���ل الثالث يف الت�سل�س���ل الهرمي للعائلة‬ ‫املالكة يف ال�سعودية‪� ،‬أ�صيب بجروح طفيفة‪.‬‬

‫�إن القتال ال���ذي تخو�ضه احلكوم���ة اليمنية‬ ‫�ض���د املتمردي���ن احلوثي�ي�ن ميث���ل �إىل ح���د‬ ‫كب�ي�ر منوذج��� ًا م�صغ���ر ًا للتوت���رات الدينية‬ ‫واالجتماعي���ة واالقت�صادي���ة‪ ،‬وال�سيا�سي���ة‪،‬‬ ‫واالقليمي���ة التي تغل���ي حتت ال�سط���ح‪ .‬ومن‬ ‫بعي���د‪ ،‬ميكن للم���رء �أن يفرت�ض ب����أن النزاع‬ ‫ه���و عبارة عن �صراع م�سل���ح بني اجلماعات‬ ‫امل�سلح���ة واحلكوم���ة ‪ -‬وه���و م�س�أل���ة ميني���ة‬ ‫حملي���ة – ولك���ن ال�صراع ي�ض���م يف �صفوفه‬ ‫�أطراف ا�ضافية اخرى‪ ،‬م���ن بينها ال�صراع‬ ‫بني �إيران التي تقود الكتلة الراديكالية وكتلة‬ ‫الدول الربغماتية‪ ،‬والذي يف جزء منه تقوده‬ ‫اململكة العربية ال�سعودية‪.‬‬ ‫اجلولة الأخ�ي�رة من القت���ال اندلعت نتيجة‬ ‫النهي���ار وقف �إطالق الن���ار‪ ،‬الذي دخل حيز‬ ‫التنفي���ذ يف ‪ 16‬حزيران‪/‬يونيو ‪ ،2007‬والذي‬ ‫ج���اء خرق ًا لالتف���اق الر�سمي ال���ذي وقع يف‬ ‫الدوحة يف الثاين من �شباط‪/‬فرباير ‪،2008‬‬ ‫بو�ساط���ة م���ن �أمري قط���ر‪� ،‬آل ث���اين‪ .‬ووفق ًا‬ ‫لالتف���اق كان م���ن املفرت�ض عل���ى احلكومة‬ ‫تعوي�ض امل�صابني �أو املت�ضررين من العمليات‬ ‫الع�سكري���ة‪ ،‬وامل�ساعدة يف �إعادة بناء القرى‬ ‫الت���ي حلقت بها الأ�ض���رار من جراء القتال‪،‬‬ ‫والك���ف عن �ش���ن هجمات ع�سكري���ة �أخرى‪.‬‬ ‫يف املقاب���ل‪ ،‬تعهد احلوثيون بالقاء �أ�سلحتهم‬ ‫واحلف���اظ على ال�س�ل�ام يف الأقلي���م‪ .‬وعلى‬ ‫الرغم من االنخفا�ض يف نطاق القتال �إال �أن‬ ‫اال�شتباكات املتقطعة بني اجلانبني ا�ستمرت‬ ‫حتى بع���د �أن �أعل���ن الرئي�س اليمن���ي �صالح‬ ‫وقف��� ًا الطالق النار م���ن جانب واحد احتفا ًء‬ ‫* التحليالت الواردة تعرب عن �آراء كتابها فقط‪.‬‬

‫مب�ضي ‪ 30‬عام ًا على توليه من�صبه‪ ،‬ورمبا مع‬ ‫العلم �أنه كان عاجز ًا عن و�ضع حد النتفا�ضة‬ ‫احلوثيني‪.‬‬ ‫يف ح�ي�ن ينتم���ي املتم���ردون اىل الطائف���ة‬ ‫الزيدية م���ن ال�شيعة والت���ي تختلف �إىل حد‬ ‫م���ا ع���ن ال�شيعي���ة احلالي���ة املوج���ودة عادة‬ ‫يف �إي���ران‪� ،‬إال �أن �إي���ران مل ت�ت�ردد ‪ -‬وفق��� ًا‬ ‫للحكوم���ة يف العا�صمة �صنع���اء – يف تقدمي‬ ‫الدع���م للمتمردي���ن ف���ى �أوائل ع���ام ‪،2004‬‬ ‫حيث �أكد كبار م�س�ؤويل احلكومة اليمنية ويف‬ ‫�أكرث من منا�سبة اتهاماته���م لإيران بتزويد‬ ‫احلوثي�ي�ن باال�سلح���ة‪ ،‬والتموي���ل‪ ،‬وتدري���ب‬ ‫اجلن���اح الع�سك���ري للمتمردي���ن (حرك���ة‬ ‫ال�شباب امل�ؤمن)‪ .‬ويف (مطلع �أيول‪�/‬سبتمرب‬ ‫‪ )2009‬اته���م وزي���ر الإعالم اليمن���ي اللوزي‬ ‫«عنا�صر �أجنبي���ة» بتزويد املتمردين ال�شيعة‬ ‫يف حمافظة �صعدة بامل�ساعدات االقت�صادية‬ ‫وال�سيا�سي���ة و�إحل���اق «ال�ضرر ب�أم���ن اليمن‬ ‫وا�ستق���راره»‪ .‬ع�ل�اوة على ذل���ك‪ ،‬فقد �أعلن‬ ‫�أن وزي���ر اخلارجي���ة اليمن���ي م���ن جانبه قد‬ ‫اجتمع م���ع ال�سفري الإي���راين يف �صنعاء من‬ ‫�أج���ل «حتذي���ر �إي���ران حول اخلط���وات التي‬ ‫�ستتخذه���ا احلكوم���ة اليمني���ة‪ ...‬رد ًا عل���ى‬ ‫حقيقة ان و�سائل االعالم املرتبطة مع �إيران‬ ‫هي التي ت�شعل نار النزاع‪ ،‬ويف الواقع الفعلي‬ ‫هي عبارة ع���ن �أدوات للمتمردين‪ ..‬و�أ�ضاف‬ ‫الوزير �أنه يف حال ا�ستمر هذا الو�ضع �سوف‬ ‫يرتتب عنه �آثار �سلبية من �ش�أنها �أن ت�ؤثر يف‬ ‫العالقة بني �إيران واليمن»‪.‬‬ ‫يف خط���وة ميك���ن ان تف�س���ر عل���ى �أنها دعم‬ ‫للمتمردي���ن‪ ،‬قال وزي���ر ال�ش����ؤون اخلارجية‬ ‫الإي���راين متك���ي‪ ،‬ال���ذي اجتمع م���ع ال�سفري‬ ‫اليمني يف طه���ران‪ ،‬والذي �أعرب عن «قلقه‬ ‫العمي���ق لو�ضع ال�شيع���ة يف اليمن»‪ ،‬ويف نف�س‬ ‫الوقت �أكد على �أهمية العالقات ال�صحيحة‬ ‫بني احلكومة يف �صنع���اء وال�شيعة يف اليمن‪.‬‬ ‫وخ�ل�ال الأ�سابي���ع الأخرية �أ�ش���ارت م�صادر‬ ‫�إعالمية حم�سوبة على طهران �إىل �أن �سالح‬ ‫اجل���و ال�سع���ودي �ش���ارك يف ق�ص���ف معاقل‬ ‫املتمردي���ن داخ���ل الأرا�ض���ي اليمني���ة (يف‬ ‫حماول���ة ملنع القتال م���ن االنت�شار �إىل داخل‬

‫حدوده���ا)‪ ،‬وب�أن اململكة العربي���ة ال�سعودية‬ ‫قد وع���دت الرئي�س اليمني عب���د اهلل �صالح‬ ‫بتموي���ل حرب���ه �ض���د املتمردي���ن‪ .‬علم��� ًا �أن‬ ‫اململكة العربية ال�سعودية مل ترد ر�سمي ًا على‬ ‫ه���ذه التقاري���ر الإعالمية‪ ،‬ولك���ن ال�صحف‬ ‫ال�سعودي���ة كثري ًا م���ا تتهم �إي���ران مب�ساعدة‬ ‫املتمردين‪ .‬ويف اجلول���ة احلالية من القتال‪،‬‬ ‫رف����ض كال اجلانبني اقرتاح��� ًا لوقف �إطالق‬ ‫الن���ار؛ حي���ث زعم���ت احلكوم���ة �أن العر�ض‬ ‫االخ�ي�ر ال يحت���وي «�شيئ��� ًا جدي���د ًا»‪ ،‬ومت‬ ‫مواجهة االقرتاح من خالل تقدمي احلكومة‬ ‫الئحة من املطال���ب للمتمردين‪ :‬فتح الطرق‬ ‫امل�س���دودة‪ ،‬و�إزالة الألغام؛ ان�سحاب احلركة‬ ‫املتم���ردة من معاقله���ا يف اجلب���ال‪ ،‬و�إعادة‬ ‫املع���دات امل�سروقة ؛ �إط�ل�اق �سراح الأ�سرى‪،‬‬ ‫ووقف كل تدخل يف ال�سيا�سة الداخلية‪.‬‬ ‫وفقا مل�ص���ادر احلكومة اليمنية‪ ،‬ف�إن اجلولة‬ ‫الرابع���ة م���ن القت���ال (�شباط‪/‬فرباير حتى‬ ‫حزيران‪/‬يونيو ‪� )2007‬شهدت تهديدات من‬ ‫قبل احلوثي �ضد اجلالية اليهودية يف �صعدة‪،‬‬ ‫وق���د ك���ذب املتم���ردون ادع���اءات احلكومة‬ ‫ونف���وا �أن يكونوا قد وجهوا تهديدات للجالية‬ ‫اليهودي���ة يف �صعدة‪ .‬ومع ذل���ك‪ ،‬وخوف ًا من‬ ‫ان تتعر����ض اجلالية اليهودية لال�ضطهاد يف‬ ‫مناطق القتال‪ ،‬فقد قامت احلكومة برتحيل‬ ‫عدد من العائ�ل�ات اليهودية من �صعدة �إىل‬ ‫�صنعاء‪ ،‬ويقال �أنها وفرت لهم ال�سكن‪.‬‬ ‫ما ه���ي مطال���ب املتمردين؟ ب�صف���ة عامة‪،‬‬ ‫ي�سع���ى املتم���ردون لتحقي���ق ق���در �أك�ب�ر من‬ ‫احلك���م الذات���ي يف �إدارة �ش�ؤونهم اخلا�صة‪،‬‬ ‫وكذلك الإف���راج عن ان�صاره���م امل�سجونني‬ ‫وو�ضع ح���د للهجمات من جانب قوات الأمن‬ ‫والقم���ع املتوا�ص���ل‪ ،‬والت���ي يزعم���ون �أنه���ا‬ ‫ال�صف���ة الغالبة ل�سل���وك احلكومة جتاههم‪.‬‬ ‫كما �أنهم يعار�ضون ال���دفء املتزايد وزيادة‬ ‫التع���اون ب�ي�ن اليم���ن والوالي���ات املتح���دة‪،‬‬ ‫وخا�صة يف جم���ال مكافحة الإرهاب‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال‬ ‫ع���ن تدخل ال�سعودي���ة يف ال�سيا�سة الداخلية‬ ‫اليمني���ة‪ .‬ويته���م املتمردون اململك���ة العربية‬ ‫ال�سعودية بتمويل احلكومة اليمنية يف حربها‬ ‫�ضدهم وتقدمي امل�ساعدات للعنا�صر القبلية‬

‫ال�سنية‪.‬‬ ‫وب�سب���ب التعتي���م الإعالم���ي‪ ،‬ف����إن الأعداد‬ ‫الدقيقة للخ�سائر يف �أي من اجلانبني لي�ست‬ ‫وا�ضح���ة‪ ،‬ولكن م���ن املع���روف �أن احلكومة‬ ‫اليمني���ة تق���وم با�ستخ���دام قواته���ا املدرعة‬ ‫واملدفعية والقوات اجلوية ل�سحق االنتفا�ضة‬ ‫م���رة و�إىل الأب���د (وفق��� ًا الع�ل�ان �أدىل ب���ه‬ ‫الرئي����س �صالح)‪ ،‬ورمبا �أي�ض��� ًا للإ�شارة �إىل‬ ‫االنف�صاليني يف اجلنوب �أن احلكومة عاقدة‬ ‫العزم على الن�ضال من �أجل الوحدة الوطنية‪.‬‬ ‫ت�ش�ي�ر التقدي���رات �إىل �أن ح���وايل ‪100,000‬‬ ‫ن�سمة‪ ،‬معظمهم من الن�ساء والأطفال‪ ،‬فروا‬ ‫م���ن منازلهم‪ ،‬ولك���ن حدة القت���ال‪ ،‬وطبيعة‬ ‫الت�ضاري����س‪ ،‬والتعتي���م م���ن قب���ل احلكومة‬ ‫يجعل م���ن ال�صعوبة مب���كان م�ساعدة قوات‬ ‫الأمم املتحدة وو�سائل الإعالم على الدخول‬ ‫ملناطق القتال‪.‬‬ ‫حت���ى لو كان���ت اتهام���ات من جان���ب �إيران‬ ‫واململكة العربية ال�سعودية هي عملية دعائية‬ ‫�أكرث منها واقعية‪ ،‬ف�إن احلرب لي�ست جمرد‬ ‫تهدي���د داخل���ي لوح���دة اليمن‪ ،‬ولك���ن �أي�ض ًا‬ ‫تهدي���دا متزايدا للمملك���ة العربية ال�سعودية‬ ‫و�شبه اجلزيرة العربي���ة‪ ،‬واملنطقة ب�أ�سرها‪.‬‬ ‫والقتال الدائ���ر يف اليمن عمل �إىل حد كبري‬ ‫يف حتوي���ل اليمن �إىل �ساح���ة �أخرى لل�صراع‬ ‫(الأهمي���ة الكب�ي�رة للموق���ع اال�سرتاتيج���ي‬ ‫ال�س ّن���ة الواقعي���ة الت���ي ت�سعى‬ ‫لليم���ن) ب�ي�ن ُ‬ ‫الحت���واء اليمن يف �صفوفه���ا و�إيران ال�شيعية‬ ‫الراديكالي���ة‪ ،‬التي ت�سعى �إىل تو�سيع نفوذها‬ ‫الإقليمي‪ ،‬و�إن�شاء وجود لها يف منطقة البحر‬ ‫الأحم���ر والقرن الأفريقي‪ .‬وقد عملت �إيران‬ ‫على زيادة تواجد قواتها البحرية يف منطقة‬ ‫خليج عدن (وتزعم �أنها تهدف اىل التعامل‬ ‫م���ع تزاي���د �أعم���ال القر�صن���ة يف املنطقة)‪.‬‬ ‫كم���ا �أنها تعمل على تعزيز نفوذها ال�سيا�سي‬ ‫وعالقاتها االقت�صادية مع ال�سودان وجيبوتي‬ ‫و�إريرتي���ا وبطريق���ة م���ن �ش�أنه���ا �أن ت�سم���ح‬ ‫له���ا باحلفاظ على وج���ود ع�سكري ن�شط يف‬ ‫البحر الأحمر‪ ،‬وحتمل �إيران خيار ا�ستخدام‬ ‫هذا الوجود الع�سكري �ضد ا�سرائيل‪.‬‬ ‫خالف ًا جلريانها يف �شبه اجلزيرة العربية‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪53 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫عني على اليمن‬

‫واخلليج الفار�س���ي التي تريد �أي�ض ًا احلد من‬ ‫نفوذ �إيران‪ ،‬ف�إن اليمن غري قادر على ال�سيطرة‬ ‫الفعال����ة عل����ى جميع �أرا�ضيه����ا واحلفاظ على‬ ‫�سيادته����ا‪ ،‬وهذا يوف����ر بدوره فر�ص����ة �سانحة‬ ‫�أم����ام خمتل����ف املت�شددين للو�ص����ول اىل دول‬ ‫اخللي����ج ومنطق����ة الق����رن الأفريق����ي‪ ،‬والدول‬ ‫املطل����ة على البح����ر الأحم����ر‪ .‬كم����ا �أن اليمن‬ ‫�أب����دى يف الآون����ة الأخ��ي�رة اهتمام���� ًا متجدد ًا‬ ‫ب�إقامة قاعدة �أمريكية ب�سبب القلق الأمريكي‬

‫من حماوالت تنظيم القاع����دة اليجاد قاعدة‬ ‫له‪ .‬وقبل نحو �شهر قام قائد القيادة املركزية‬ ‫الأمريكي����ة اجل��ن�رال برتايو�س وتعه����د لليمن‬ ‫مب�ساع����دة احلكومة على مكافح����ة الإرهاب‪.‬‬ ‫لي�س من الوا�ض����ح �إذا كانت الواليات املتحدة‬ ‫�أي�ض ًا �س����وف تدعم احلكوم����ة يف �صنعاء �ضد‬ ‫االنتفا�ض����ة يف ال�شم���ال‪ ،‬و�إذا كان���ت الزيارة‬ ‫�شملت هذا الهدف‪.‬‬ ‫حتى ل���و كان النزاع يف اليمن م���ا يزال بعيد ًا‬

‫تراجع اليقظة‪ :‬ظهور تنظيم «القاعدة»‬ ‫من جديد يف اليمن‬ ‫جريجوري جون�سون‬

‫معهد وا�شنطن ل�سيا�سات ال�شرق الأدنى‬ ‫‪ 14‬متوز‪/‬يوليو‪2009 ,‬‬

‫ج��ددت التقارير الأخ�ي�رة التي ت�شري ب�أن‬ ‫مقاتلي تنظيم «القاعدة» يغادرون باك�ستان‬ ‫و�أف��غ��ان�����س��ت��ان‪ ،‬ح��ي��ث ت��ك��ب��دت املجموعة‬ ‫انتكا�سات خطرية‪ ،‬املخاوف الدولية ب�أن‬ ‫اليمن ت��ع��ود للظهور م��رة �أخ���رى كمالذ ًا‬ ‫�إره��اب��ي�� ًا رئي�سي ًا و�آم��ن�� ًا‪ .‬وعلى الرغم من‬ ‫�أن التقييمات حول معاودة ظهور «تنظيم‬ ‫«ال��ق��اع��دة» يف اليمن» هي دقيقة‪ ،‬ال يعود‬ ‫ت��ده��ور ال��و���ض��ع �إىل جن��اح��ات ال��والي��ات‬ ‫املتحدة يف �أي مكان �آخ���ر‪ ،‬ب��ل ه��و نتيجة‬ ‫ت��راج��ع االهتمام الأم�يرك��ي واليمني على‬ ‫م��دى ال�سنوات اخلم�س املا�ضية‪ .‬وميكن‬ ‫�أن ي�ساعد جت��دي��د ال��ت��ع��اون ب�ين �صنعاء‬ ‫ووا�شنطن يف التعامل مع تنظيم «القاعدة»‬ ‫ومعاجلة م�شاكل اليمن املنهجية‪ ،‬يف احلد‬ ‫من جاذبية املنظمة الإرهابية يف هذا البلد‬ ‫امل�ضطرب‪.‬‬ ‫الهزمية الظاهرة لـ «تنظيم‬ ‫«القاعدة» يف اليمن»‬ ‫يف �أواخ���ر ع���ام ‪ ،2003‬هُ ���زم «تنظي���م‬ ‫«القاعدة» يف اليمن» �إىل حد كبري من خالل‬ ‫التعاون الوثيق ب�ي�ن الواليات املتحدة وقوات‬ ‫الأم���ن اليمنية‪ .‬وبلغ ه���ذا التعاون ذروته يف‬ ‫‪54‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ت�شري���ن الثاين‪/‬نوفم�ب�ر ع���ام ‪ 2002‬عندما‬ ‫اغتال���ت وكال���ة املخابرات املركزي���ة‪ ،‬رئي�س‬ ‫التنظي���م «�أبو عل���ي احلارث���ي»‪ ،‬ولكن وزارة‬ ‫الدفاع الأمريكية جت���اوزت «رواية التغطية»‬ ‫املتفق عليها و�سرب���ت (تفا�صيل) العملية �إىل‬ ‫ال�صحاف���ة‪ .‬لقد كان���ت وا�شنطن حتتاج �إىل‬ ‫(�إظهار نوع من) االنت�صار يف وقت مبكر من‬ ‫احلرب عل���ى الإره���اب‪ ،‬وكان اغتيال زعيم‬ ‫«تنظي���م «القاع���دة» يف اليم���ن» �أكرث من �أن‬ ‫يكون جيد ًا لكي يبقى دون اعرتاف‪.‬‬ ‫ولكن اليم���ن‪ ،‬نظرت �إىل ذل���ك ب�أنه قد «مت‬ ‫بيعها» على ح�ساب م�صالح الواليات املتحدة‬ ‫الداخلية‪ .‬وقد دفع الرئي�س اليمني علي عبد‬ ‫اهلل �صال���ح ثمن��� ًا باهظ ًا ب�سماح���ه للواليات‬ ‫املتح���دة بتنفي���ذ الهج���وم ‪ --‬وه���ي (حجة)‬ ‫ال ي���زال تنظي���م «القاع���دة» ي�ستخدمه���ا يف‬ ‫دعايت���ه حي���ث يجد له���ا ت�أثري كب�ي�ر – وقد‬ ‫ا�ستغرق �أكرث من عام من الزمن لكي تعرتف‬ ‫احلكوم���ة علن��� ًا ب�أنها ق���د �أذن���ت لوا�شنطن‬ ‫بتنفيذ (االغتيال)‪.‬‬ ‫ويف ت�شري���ن الثاين‪/‬نوفم�ب�ر ‪ ،2003‬كان���ت‬ ‫الوالي���ات املتح���دة ال تزال تدف���ع ثمن ًا لذلك‬ ‫اخلط����أ عندم���ا اعتقل���ت اليم���ن يف �ش���وارع‬

‫عن �شا�ش���ات التلفزيون‪� ،‬إال �أنه يتمتع ب�أهمية‬ ‫�إقليمي���ة رئي�سي���ة يف املنطق���ة‪ .‬وبعي���د ًا ع���ن‬ ‫ا�ستق���رار اليمن الدخلي‪ ،‬وه���ي امتحان �آخر‬ ‫لق���درة ال�شعوب الربغماتي���ة على كبح جماح‬ ‫النف���وذ الإي���راين االقليم���ي‪ ،‬وهك���ذا حتى لو‬ ‫انته���ت موج���ة العن���ف احلالي���ة بوق���ف �آخر‬ ‫الط�ل�اق النار ف����إن ثباته لن مي���ر عليه وقت‬ ‫طوي���ل دون �أن يتعر����ض وق���ف �إط�ل�اق النار‬ ‫لالختبار‪.‬‬

‫�صنع���اء «حممد حم���دي الأه���دل»‪( ،‬الرجل‬ ‫الث���اين يف «تنظي���م «القاع���دة» يف اليم���ن»‬ ‫ال���ذي ا�ستل���م) من�ص���ب القيادة بع���د مقتل‬ ‫«احلارث���ي»‪ .‬وب���د ًال من �أن متن���ح للم�سئولني‬ ‫الأمريكي�ي�ن �إمكاني���ة الو�ص���ول املبا�شر �إىل‬ ‫«الأهدل»‪ ،‬ا�ضطر ه�ؤالء �إىل العمل عن طريق‬ ‫و�سطاء مينيني؛ ومع ذلك‪ ،‬ففي الوقت الذي‬ ‫كان ق���د مت اغتيال قيادت���ه �أو كانت تقبع يف‬ ‫ال�سجون‪ ،‬وبنيت���ه التحتية قد دمرت �إىل حد‬ ‫كب�ي�ر‪ ،‬ومقاتليه كانوا �أك�ث�ر مي ًال لالن�ضمام‬ ‫�إىل التم���رد يف الع���راق من���ه �إىل اجلهاد يف‬ ‫الداخ���ل‪ ،‬كان يبدو �أن «تنظيم «القاعدة» يف‬ ‫اليمن» قد هزم �إىل حد كبري‪.‬‬ ‫تنظيم «القاعدة» يعيد بناء �صفوفه‬ ‫لقد اعتربت كل من الواليات املتحدة واليمن‬ ‫ب����أن ذل���ك االنت�ص���ار كان مطلق��� ًا‪ ،‬حيث مل‬ ‫تدركا ب����أن ع���دو ًا مهزوم ًا لي����س بال�ضرورة‬ ‫�أن يكون مقه���ور ًا‪ .‬ويف الواقع‪�ُ ،‬شطب تنظيم‬ ‫«القاعدة» من قائمة �أولويات البلدين‪ ،‬ومتت‬ ‫ا�ستعا�ضت���ه مبوا�ضي���ع مقلقة �أخ���رى‪ ،‬كانت‬ ‫تبدو �أك�ث�ر �إحلاح��� ًا‪ .‬وبالن�سب���ة لوا�شنطن‪،‬‬ ‫هيمنت الإ�صالحات الدميقراطية وحمالت‬ ‫مكافح���ة الف�س���اد عل���ى ج���دول الأعم���ال‬ ‫الثنائي (بني البلدي���ن) باعتبارها جزء ًا من‬ ‫رغب���ة �إدارة بو����ش يف جت�سيد �ش���رق �أو�سط‬ ‫جدي���د‪ .‬وبالن�سب���ة لليم���ن‪ ،‬حت���ول االهتمام‬ ‫ب�شكل متزاي���د �إىل احلرب الأهلية الطائفية‬ ‫الدائ���رة يف ال�سن���وات اخلم����س الأخرية يف‬ ‫ال�شم���ال‪ ،‬و�إىل تهدي���دات االنف�ص���ال (التي‬ ‫ظهرت) م�ؤخ���ر ًا يف اجلنوب‪ .‬وخالل عامني‬ ‫متتالي�ي�ن من اله���دوء الن�سبي الت���ي �أعقبت‬

‫(هزمي���ة تنظي���م «القاع���دة»)‪ ،‬مت بالت�أكي���د‬ ‫جتاهل التهديد الذي ي�شكله التنظيم‪ ،‬ولكن‪،‬‬ ‫لي����س م���ن ال�ض���روري ب�أن���ه ق���د مت ن�سيانه‪.‬‬ ‫وق���د ازده���رت ال�سياح���ة‪ ،‬وب���ادرت وزارة‬ ‫اخلارجية الأمريكية بطرح برنامج (لت�شجيع‬ ‫الأمريكيني) على الدرا�سة يف اليمن‪.‬‬ ‫وحت���ى مو�ض���وع ه���روب ثالث���ة وع�ش���رون‬ ‫(حمتج���ز ًا)‪ ،‬م���ن امل�شتب���ه بانتمائه���م �إىل‬ ‫تنظيم «القاعدة»‪ ،‬من ال�سجن يف مطلع عام‬ ‫‪ - 2006‬والذي �ألقى فيه م�سئولون �أمريكيون‬ ‫الل���وم ب�صورة �سري���ة على تع���اون احلكومة‬ ‫اليمنية ‪ -‬متت معاملته ب�صورة �أكرث كعملية‬ ‫انح���راف‪ ،‬من (اعتب���اره و�سيل���ة) لفتح وابل‬ ‫معرك���ة جدي���دة‪ .‬وكان م���ن ب�ي�ن الهارب�ي�ن‬ ‫«قا�س���م الرمي���ي» و«نا�ص���ر الوحي�شي»‪ ،‬وهو‬ ‫�سكرت�ي�ر �ساب���ق لأ�سام���ة ب���ن الدن و�أح���د‬ ‫املخ�ضرم�ي�ن م���ن القتال يف تورا ب���ورا‪ .‬وقد‬ ‫�أوج���د �إهمال احلكومة ال���ذي دام ما يقرب‬ ‫م���ن عامني ون�صف الع���ام الكثري من املجال‬ ‫للرجلني لك���ي ينتظما من جديد ويعيدا بناء‬ ‫«تنظيم «القاعدة» يف اليمن»‪.‬‬ ‫وي���دل ت���ورط «الرمي���ي» و»الوحي�ش���ي»‪� ،‬إىل‬ ‫جانب ع���دد كبري من اليمني�ي�ن من خمتلف‬ ‫�أنح���اء البالد‪� ،‬إحدى �أك�ث�ر احلقائق املثرية‬ ‫للقل���ق ح���ول التج�سي���د احل���ايل لتنظي���م‬ ‫«القاعدة»‪ :‬منظمة لها متثيل �أكرب يف البالد‪،‬‬ ‫حيث يتجاوز (وج���ود) «تنظيم «القاعدة» يف‬ ‫اليمن»‪ ،‬املنزلة الطبقي���ة‪ ،‬والقبيلة‪ ،‬والهوية‬ ‫االقليمية‪ ،‬ب�ش���كل ال ميكن مظاهاته من قبل‬ ‫�أي جماعة �أو ح���زب �سيا�سي يف اليمن‪ .‬وقد‬ ‫�أثبت «الوحي�شي» وغريه (من �أع�ضاء القيادة)‬ ‫داخل التنظيم موهبة خا�صة يف التعبري عن‬ ‫�سرد يهدف �إىل جذب جمهور حملي‪ ،‬وذلك‬ ‫با�ستخدام كل �شئ بدء ًا من فل�سطني وحمنة‬ ‫ال�شي���خ امل�ؤيد ‪ -‬رجل دين ميني كان يعمل يف‬ ‫جمعي���ة خريية وا�سعة االنت�شار‪( ،‬وكان يقبع)‬ ‫يف �سج���ن �أمريك���ي ب�سب���ب توف�ي�ره الأموال‬ ‫للإرهابي�ي�ن (قبل �أن يطل���ق �سراحه م�ؤخر ًا)‬ ‫– من �أجل زيادة جاذبيتهم اخلطابية (لكي‬

‫ت�ستله���م) مينيني �شبان‪ .‬لق���د كانت حكومتا‬ ‫الوالي���ات املتح���دة واليم���ن عاجزت���ان ع���ن‬ ‫الت�صدي لهذا النه���ج‪ ،‬ومن الناحية الفعلية‬ ‫تركتا ال�ساحة (مفتوحة) لتنظيم «القاعدة»‪.‬‬ ‫ويف حزيران‪/‬يوني���و ‪� ،2007‬أعل���ن تنظي���م‬ ‫«القاع���دة» ر�سمي��� ًا ع���ن وج���وده يف الب�ل�اد‬ ‫و�أن قائ���ده ه���و «الوحي�ش���ي»‪ .‬ويف غ�ض���ون‬ ‫�أي���ام قليلة‪� ،‬شدد على نواي���اه بقيامه بهجوم‬ ‫انتح���اري على فوج من ال�سي���اح الأ�سبانيني‪.‬‬ ‫ومنذ ذلك احلني‪ ،‬ازدادت املنظمة قوة‪ .‬ففي‬ ‫كان���ون الثاين‪/‬يناير ‪ ،2008‬قام���ت ب�إ�صدار‬ ‫الع���دد الأول م���ن جملتها الن�ص���ف �شهرية‪،‬‬ ‫«�ص���دى املالح���م»‪ ،‬ويف ذلك ال�شه���ر نف�سه‬ ‫�شنت �سل�سلة من الهجمات‪ ،‬بلغت ذروتها يف‬ ‫االعتداء عل���ى ال�سفارة الأمريكية يف �أيلول‪/‬‬ ‫�سبتم�ب�ر ‪ .2008‬ويف وق���ت �ساب���ق م���ن هذا‬ ‫العام‪ ،‬قامت بهجوم�ي�ن انتحاريني ا�ستهدفا‬ ‫مواطن�ي�ن من كوري���ا اجلنوبي���ة‪ ،‬الأول �ضد‬ ‫جمموعة من ال�سي���اح والثاين �ضد م�سئولني‬ ‫�أر�سلوا للتحقيق يف احلادث (الأول)‪.‬‬ ‫وق���د ا�ستف���اد تنظي���م «القاع���دة» �أي�ض ًا من‬ ‫جناحاته الأخ�ي�رة‪ ،‬بجذبه جمندين من كل‬ ‫من اليم���ن واململكة العربي���ة ال�سعودية‪ .‬ويف‬ ‫كان���ون الثاين‪/‬يناير (املا�ضي)‪ ،‬ان�ضم اثنان‬ ‫من ال�سجناء ال�سابقني يف معتقل جوانتانامو‬ ‫�إىل اجلماع���ة كق���ادة (ميداني�ي�ن)‪ ،‬وق���ادا‬ ‫عملية دمج الفروع املحلية يف اململكة العربية‬ ‫ال�سعودي���ة واليم���ن �إىل «وكال���ة» اقليمي���ة‬ ‫واحدة‪ .‬ومنذ ذلك احلني‪ ،‬قام �أحد القادة‪،‬‬ ‫«حممد العويف»‪ ،‬بت�سليم نف�سه �إىل ال�سلطات‬ ‫ال�سعودية‪ ،‬ولكن يبدو �أن لفتته اندفعت �أكرث‬ ‫م���ن الرغب���ة يف حماي���ة �أ�سرته م���ن حدوث‬ ‫تغيري يف مواقفه‪.‬‬ ‫�إن ه���ذه املنظم���ة الإقليمية اجلدي���دة‪ ،‬التي‬ ‫تطلق عل���ى نف�سها ا�سم «تنظي���م «القاعدة»‬ ‫يف �شبه اجلزي���رة العربية»‪ ،‬تدل على تنامي‬ ‫طموح «الوحي�شي»‪ .‬فط���وال العامني الأولني‬ ‫من قيادته‪ ،‬كان يعمل بجد لتهيئة بنية حتتية‬

‫دائم���ة ميكنه���ا �أن تبقى حيوية بع���د فقدان‬ ‫ق���ادة رئي�سي�ي�ن‪ .‬وق���د ثبت جناح���ه يف هذا‬ ‫املجال من خالل الواقع العملي ب�أنه حتى مع‬ ‫خ�سارة املنظمة لـ «حم���زة القعيطي»‪ ،‬قائد ًا‬ ‫حملي��� ًا ماه���ر ًا ب�ص���ورة خا�ص���ة‪ ،‬يف تب���ادل‬ ‫لإطالق النار جرى مع ق���وات الأمن اليمنية‬ ‫يف �آب‪�/‬أغ�سط����س ‪ ،2008‬كان التنظي���م ال‬ ‫ي���زال قادر ًا عل���ى �شن هجوم عل���ى ال�سفارة‬ ‫الأمريكي���ة بعد �شهر واح���د فقط من مقتله‪.‬‬ ‫وينظ���ر حالي��� ًا «الوحي�ش���ي» �إىل ا�ستخ���دام‬ ‫املناط���ق اليمنية «املحكوم���ة ب�صورة جزئية‬ ‫جد ًا» كنق���اط انطالق ل�ش���ن هجمات‪ ،‬لي�س‬ ‫يف اليمن فح�سب ولكن �أي�ض ًا يف جميع �أنحاء‬ ‫�شبه اجلزيرة العربية والقرن الأفريقي‪.‬‬ ‫الدرو�س امل�ستفادة‬ ‫ال ينبع ظه���ور تنظيم «القاع���دة» من جديد‬ ‫يف اليمن من جناح���ات الواليات املتحدة يف‬ ‫�إزاحته���م من �أماكن اخرى‪ .‬وبد ًال من ذلك‪،‬‬ ‫م���ن ال�ض���روري �أن تفهم الوالي���ات املتحدة‬ ‫وحلفائها ب����أن هزمية جيل واحد من تنظيم‬ ‫«القاع���دة» ال يزيل اخلطر متام ًا‪ .‬يجب على‬ ‫وا�شنطن �أن ت�ضع ا�سرتاتيجية ذات م�سارين‬ ‫للق�ض���اء على «تنظيم «القاع���دة» يف اليمن»‬ ‫بالتع���اون مع اليمن وحلفاء الواليات املتحدة‬ ‫ب�ي�ن دول «جمل�س التع���اون اخلليجي»‪ .‬وعلى‬ ‫املدى الق�ص�ي�ر‪ ،‬يجب على الواليات املتحدة‬ ‫�أن ت�ش���ارك م���رة �أخ���رى مع كل م���ن اليمن‬ ‫واململكة العربية ال�سعودية ب�صورة منف�صلة‪،‬‬ ‫ال�سته���داف قيادة تنظي���م «القاعدة» وبنيته‬ ‫التحتي���ة‪ .‬وعل���ى الرغ���م م���ن �أن النجاح يف‬ ‫ذلك �سيكون �أ�صعب بكث�ي�ر يف املرة الثانية‪،‬‬ ‫�إال �أن���ه بالإمكان حتقيق ذلك عن طريق �شن‬ ‫�ضربات دقيقة ومن�سقة‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬ف����إن تنفيذ النه���ج الطويل الأمد‬ ‫هو �أكرث �أهمية و�أكرث �صعوبة على حد �سواء‪.‬‬ ‫ولدى التج�سيد احلايل لـ «تنظيم «القاعدة»‬ ‫يف اليمن» عدد ًا �أكرب من املجندين – والذين‬ ‫هم �أ�صغر �سن ًا ‪ -‬م���ن �أي وقت م�ضى‪ ،‬نظر ًا‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪55 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫عني على اليمن‬

‫للدعاي���ة القوية التي يقوم بها «الوحي�شي»‪،‬‬ ‫ف� ً‬ ‫ضال عن انعدام الفر�ص واالنهيار الأويل‬ ‫لل�سلط���ة االجتماعي���ة التقليدي���ة‪ .‬وع�ل�اوة‬ ‫على ذلك‪ ،‬ف�إن اليم���ن من�شغلة‪ ،‬و�أجهزتها‬ ‫الأمني���ة مرهق���ة بدع���وات االنف�صال عن‬ ‫اجلن���وب الت���ي ت���زداد عنف��� ًا‪ ،‬وبتهديدات‬ ‫لتج���دد القت���ال يف ال�شم���ال‪ ،‬والأه���م م���ن‬

‫ذلك‪( ،‬تع���اين) م���ن اقت�صاد متع�ث�ر يجعل‬ ‫الأ�سالي���ب التقليدي���ة التب���اع حوكم���ة م���ن‬ ‫«من���ط الرعاية واحلماية» �شب���ه م�ستحيل‪.‬‬ ‫كما تواجه الواليات املتحدة واليمن جماعة‬ ‫من تنظي���م «القاعدة» �أ�صبح���ت الآن �أكرث‬ ‫قب���و ًال كمنظمة م�شروعة‪ .‬و�سيك���ون قتل �أو‬ ‫�إلقاء القب�ض على قادة «تنظيم «القاعدة»‬

‫جدل حول ال�سيا�سات ‪ ..‬من �صعدة‬ ‫�إىل وزير�ستان‬ ‫عادل بن زيد الطريفي‬ ‫جريدة «الريا�ض» ال�سعودية‬ ‫‪ 14‬ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر ‪2009‬‬

‫ما العمل؟ ال �شك‪� ،‬أن مواجهة تزايد الن�شاط‬ ‫امل�سل���ح �ضروري‪ ،‬بيد �أن احلل���ول الع�سكرية‬ ‫وحدها ال ت�ضمن الن�صر من دون توافر �أفق‬ ‫�سيا�سي معقول‪.‬‬ ‫هناك ج���دل دائر ي���زداد �صخب���ه يوما بعد‬ ‫يوم ح���ول ال�سيا�سات الواج���ب اتباعها فيما‬ ‫يخ����ص ع���ودة الن�ش���اط امل�سل���ح �إىل ع���دد‬ ‫م���ن ب����ؤر التوت���ر ال�سيا�س���ي يف �أفغان�ست���ان‬ ‫و�شمال اليمن ومناط���ق القبائل الباك�ستانية‬ ‫وال�صوم���ال‪ .‬البع�ض ي�ؤي���د ال�سيا�سات التي‬ ‫تدع���و �إىل الت�صعي���د الع�سكري �ض���د العمل‬ ‫امل�سل���ح‪ ،‬والبع����ض الآخ���ر يف�ض���ل �أن تك���ون‬ ‫هن���اك �أف���كار �أو �أطروحات تتجن���ب �إر�سال‬ ‫اجلي����ش – �أو املزيد من اجلن���ود يف احلالة‬ ‫الأفغاني���ة‪ -‬لأن من �ش�أن ذل���ك �أن يذكي نار‬ ‫تل���ك املواجهات‪ ،‬ويت�سبب على املدى الطويل‬ ‫يف انفالت املواجهات من عقالها‪.‬‬ ‫مواجه���ة طالب���ان �أفغان�ست���ان‪� ،‬أو طالب���ان‬ ‫باك�ستان‪ ،‬ومث���ل ذلك احلوثي���ون واملقاتلون‬ ‫العراقيون هو يف حقيقته مواجهة جلماعات‬ ‫متتل���ك زخم���ا يف حميطها وج���ذورا حملية‪،‬‬ ‫وهو �أمر �صعب بالن�سب���ة حلكومات مركزية‬ ‫ال ت�سيط���ر عل���ى كام���ل الأر����ض‪ .‬احلركات‬ ‫امل�سلح���ة ترفع �شعار مواجهة املحتل يف حالة‬ ‫�أفغان�ست���ان �أو الع���راق‪� ،‬أو قت���ال احلكوم���ة‬ ‫املارق���ة يف حالة باك�ستان واليمن‪ ،‬وما يجعل‬ ‫‪56‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫التح���دي مزدوج���ا ه���و ك���ون مواجه���ة هذه‬ ‫احل���ركات مكلف��� ًا عل���ى ال�صعيدي���ن املادي‬ ‫وال�سيا�س���ي‪ ،‬كما �أن جتن���ب مواجهتها يعني‬ ‫اخل�ض���وع لأحكامه���ا‪ .‬ال�ش���ك �أن �أي حكومة‬ ‫�ست�سع���ى ملواجه���ة خ�صومه���ا امل�سلحني �إذا‬ ‫ما كان���ت واثقة م���ن االنت�ص���ار �أو م�ضطرة‬ ‫�إىل القت���ال‪ ،‬ولك���ن يف احل���االت التي ميلك‬ ‫الق���ادة ال�سيا�سيون فيها ن�صف اخليار‪ ،‬ك�أن‬ ‫تكون مواجهة اخل�ص���وم مكلفة من الناحية‬ ‫ال�سيا�سي���ة بو�صفه���ا خيارات غ�ي�ر �شعبية‪،‬‬ ‫�أو لأنها خي���ارات تت�ضمن لزام���ا خ�سائر يف‬ ‫الوالءات والتحالفات ‪-‬ال�سيما يف دول قبلية‬ ‫وع�شائرية‪ ،-‬ف����إن اخلالف حول ال�سيا�سات‬ ‫الواجب اتباعها منهك ومدمر‪.‬‬ ‫يف الوق���ت الراه���ن حت���اول �إدارة الرئي����س‬ ‫�أوبام���ا تقري���ر م���ا �إذا كان���ت �ست�ستجي���ب‬ ‫ل�ضغ���وط اجل�ن�راالت ب�إر�س���ال جن���ود‬ ‫�إ�ضافي�ي�ن يف ح���رب غري �شعبية ب���ل وبوجود‬ ‫�ضغ���وط داخلية �أمريكية متمثل���ة يف الهموم‬ ‫االقت�صادي���ة والرعاي���ة ال�صحية‪� .‬أمام هذه‬ ‫اخليارات املعاقة هن���اك �صندوق (بندورا)‬ ‫من املفاج����آت ال�سيئة‪ ،‬فالرتكي���ز الأمريكي‬ ‫على العراق بنتائجه املتوا�ضعة‪ ،‬حجب متدد‬ ‫منظم���ات م�سلح���ة متطرف���ة‪ ،‬فف���ي منطقة‬ ‫وزير�ستان ووادي �سوات منت حركة طالبان‬ ‫باك�ستان والتي تف���وق يف تهديدها وتطرفها‬

‫يف اليم���ن»‪ ،‬وتفكيك بنيت���ه التحتية خطوة‬ ‫هام���ة �إىل الأم���ام‪ ،‬ولكن م���ن غري املرجح‬ ‫الق�ضاء على هذه امل�شكلة على املدى البعيد‪.‬‬ ‫و�ستكون معاجلة الق�ضاي���ا الأ�سا�سية‪ ،‬و�إن‬ ‫كان���ت �صعبة جد ًا‪ ،‬عن�صر ًا رئي�سي ًا ل�ضمان‬ ‫عدم ظه���ور تنظيم «القاع���دة» مرة �أخرى‬ ‫من جديد يف اليمن‪.‬‬ ‫الأيديولوج���ي نظريته���ا الأفغانية‪ ،‬ثم هناك‬ ‫التم���رد احلوث���ي يف اليم���ن حي���ث مزج���ت‬ ‫الدعاي���ة احلوثي���ة ب�ي�ن مع���اداة احلكوم���ة‬ ‫واحل���رب �ض���د �أمري���كا و�إ�سرائي���ل‪ ،‬وميكن‬ ‫مالحظ���ة �أن���ه يف الوق���ت ال���ذي تراجع���ت‬ ‫في���ه ن�شاط���ات تنظي���م القاع���دة يف العراق‬ ‫وبع����ض البل���دان الت���ي كان���ت نا�شط���ة فيه‪،‬‬ ‫عادت �أفغان�ست���ان وال�صومال لت�صبح م�أوى‬ ‫ح�صين���ا للن�ش���اط املتط���رف واخل���ارج عن‬ ‫ال�سيط���رة واملتابعة‪� .‬أي �أن���ه يف الوقت الذي‬ ‫ذهبت �أمري���كا لت�صفي القاعدة هناك منت‬ ‫ع���دة مواط���ن للقاعدة‪ .‬الي���وم‪ ،‬يعترب بع�ض‬ ‫املراقب�ي�ن �أن تهديد طالب���ان باك�ستان يفوق‬ ‫تهدي���د الطالب���ان الأ�صلية‪ ،‬ث���م �إن الن�شاط‬ ‫الع�سك���ري الي���وم يف�ش���ل يوم���ا بع���د يوم يف‬ ‫�أفغان�ست���ان باعرتاف اجل�ن�رال ماكري�ستال‬ ‫حيث باتت طالبان ت�سيطر على ثلث م�ساحة‬ ‫الأرا�ضي الأفغانية‪.‬‬ ‫ما العمل؟ ال �شك‪� ،‬أن مواجهة تزايد الن�شاط‬ ‫امل�سل���ح �ضروري‪ ،‬بيد �أن احلل���ول الع�سكرية‬ ‫وحده���ا ال ت�ضم���ن الن�صر ب���دون توافر �أفق‬ ‫�سيا�سي معقول‪ .‬الزخم (‪ )momentum‬ال�سيا�سي‬ ‫والع�سكري مهمان‪ ،‬وهما مرتبطان ببع�ضهما‬ ‫البع�ض‪� .‬إدارة الرئي�س �أوباما ال تريد خ�سارة‬ ‫احلرب هناك �أو فقدان ثقة اجلرناالت‪ ،‬كما‬ ‫�أنه���ا ال تريد �أن تدعم حرب���ا ال تتمتع بغطاء‬ ‫�شعبي ال�سيما من رئي�س يفرت�ض به �أن يكون‬ ‫قائد �سالم حائز على جائزة نوبل‪ .‬يف الوقت‬ ‫ذاته‪ ،‬جتد احلكوم���ة الباك�ستانية نف�سها يف‬ ‫موقع �صعب‪ ،‬حي���ث ت�ست�شعر تنامي التهديد‬ ‫الأ�صويل يف منطقة القبائل‪ ،‬وكما جربت يف‬ ‫العمليات الع�سكرية الأخرية يف وادي �سوات‬ ‫ف�إن التكلفة الب�شرية ال�سيما �سقوط املدنيني‬ ‫و�آالف املهجري���ن يخل���ق ال�ضغائ���ن واملق���ت‬

‫�ض���د احلكومة �أكرث مم���ا ي�ساهم يف ت�صفية‬ ‫الطالب���ان‪ .‬احلكومة اليمنية كذلك‪ ،‬واجهت‬ ‫خي���ارا �صعب���ا يف تنفي���ذ ال�ضرب���ات اجلوية‬ ‫ملعاق���ل التم���رد اجلبلية املح�صن���ة‪ ،‬وهي ما‬ ‫تزال حتى ال�ساعة جتاهد حل�صر املواجهات‬ ‫خارج التجمعات املدنية‪.‬‬ ‫يف بداية ا�شتداد الت�صعيد احلربي يف فيتنام‪،‬‬ ‫كان الأمريكي���ون ب�ي�ن خيارين �إم���ا تخفيف‬ ‫تواجدهم و�إع���ادة التمركز يف مكان �آخر يف‬ ‫�شرق �آ�سيا‪� ،‬أو ار�سال املزيد من اجلنود وقد‬ ‫فعلوا‪ ،‬وطال���ت احلرب ل�سن���وات‪ .‬هل كانت‬ ‫�ضروري���ة؟ رمبا‪ ،‬فمعايري الرب���ح واخل�سارة‬ ‫يف املقايي�س اال�سرتاتيجية خمتلفة‪ .‬بالن�سبة‬ ‫لأولئ���ك الذي���ن دعم���وا احل���رب كان ذل���ك‬ ‫�ضروري���ا حت���ى و�إن مل تنت�ص���ر الوالي���ات‬ ‫املتح���دة ب�ش���كل كام���ل �ض���د خ�صمه���ا‪ ،‬لأن‬ ‫اله���دف الأهم ه���و �أن ال يح���دث االن�سحاب‬ ‫الأمريك���ي �أ�ض���رارا جيو�سيا�سي���ة مل�صال���ح‬

‫الوالي���ات املتح���دة يف �آ�سي���ا وبقي���ة العامل‪،‬‬ ‫ومن �أجل �أن ي���درك اخل�صوم –والالعبون‬ ‫ال�صغ���ار الذي���ن تتب���دل والءاته���م ل�صال���ح‬ ‫الق���وي‪� -‬أن الواليات املتح���دة ال تت�ساهل يف‬ ‫مواجهة الذين يتحدون �سيا�ساتها‪.‬‬ ‫�سواء كان ذلك �صحيحا ً�أم خاطئ ًا‪ ،‬ف�إن الأهم‬ ‫بالن�سب���ة لأولئ���ك الذي���ن يدعم���ون مواجهة‬ ‫الن�شاط امل�سلح ه���و �أن ال يت�سبب االن�سحاب‬ ‫يف تقوي����ض امل�صال���ح الأ�سا�سي���ة للدول���ة‪.‬‬ ‫احلكوم���ة اليمني���ة تواج���ه التم���رد احلوثي‬ ‫لأن القب���ول به يعني فتح ب���اب التق�سيم لكل‬ ‫جماعة ترغب يف حت���دي احلكومة‪ .‬مواجهة‬ ‫طالب���ان يعني �أن ال تتكرر �أحداث ‪� 11‬أيلول‪/‬‬ ‫�سبتم�ب�ر‪ .‬مواجهة القاع���دة يعني �أن ال يعود‬ ‫م�سل�سل العمليات االنتحارية �إىل الواجهة يف‬ ‫بلدان املنطقة‪.‬‬ ‫املع�ضل���ة هنا‪� ،‬أن �إر�س���ال املزيد من اجلنود‬ ‫يعن���ي �سقوط املزيد م���ن ال�ضحايا الأبرياء‪،‬‬

‫«القاعدة» فـي اليمن‬ ‫ندوة‬ ‫م�ؤ�س�سة كارنيجي لل�سالم الدويل‬ ‫‪ 7‬متوز‪/‬يوليو ‪2009‬‬

‫رغ���م الإخفاق���ات العدي���دة الت���ي منيت بها‬ ‫القاع���دة يف معقله���ا الرئي����س يف منطق���ة‬ ‫القبائل على احلدود الباك�ستانية ـ الأفغانية‪،‬‬ ‫ف����إن التنظي���م م���ا زال ميار����س ن�شاطات���ه‬ ‫ب�ص���ورة متزاي���دة وبقوة �أك�ب�ر يف عديدٍ من‬ ‫مناط���ق الع���امل‪ ،‬م���ن �أهمه���ا اليم���ن‪ .‬فقد‬ ‫ً‬ ‫ملحوظا يف‬ ‫�شهدت ال�سنوات الأخرية تنام ًيا‬ ‫العمليات التي تقوم به���ا القاعدة يف اليمن‪.‬‬ ‫ويزداد الأمر خطورة يف ظل الأزمات العديدة‬ ‫الت���ي تع�صف بالدولة اليمنية �سواء من جهة‬ ‫مت���رد احلوثي�ي�ن يف ال�شم���ال �أو الدع���وات‬ ‫االنف�صالية املت�صاعدة يف اجلنوب‪.‬‬ ‫ويف ه���ذا ال�سياق نظمت م�ؤ�س�س���ة كارنيجي‬

‫لل�س�ل�ام الدويل ندوة حتت عنوان “القاعدة‬ ‫يف اليمن” م�ؤخر ًا �أدارها كري�ستوفر بو�سيك‬ ‫‪ ،Christopher Boucek‬الباح���ث بربنام���ج‬ ‫ال�ش���رق الأو�س���ط بامل�ؤ�س�س���ة‪ ،‬و�ش���ارك فيها‬ ‫كل م���ن جريج���وري جون�س���ون ‪Gregory D.‬‬ ‫‪ ،Johnsen‬الذي عمل مب�ؤ�س�سة فولربايت يف‬ ‫اليمن‪ ،‬و�شاري فيالرو�سا ‪ ،Shari Villarosa‬نائب‬ ‫من�س���ق ال�ش����ؤون الإقليمية يف مكت���ب من�سق‬ ‫مكافحة الإرهاب‪.‬‬ ‫ي���رى جريج���وري جون�س���ون �أن هن���اك قل ًقا‬ ‫متزاي���دً ا م���ن �أن ال�ضغ���ط املتنام���ي ال���ذي‬ ‫تتعر�ض له القاعدة يف باك�ستان و�أفغان�ستان‬ ‫ق���د يدفعه���ا �إىل �إع���ادة جتمي���ع نف�سه���ا يف‬

‫�أو �إيجاد الظروف املنا�سبة للتغرير بع�شرات‬ ‫ال�شبان ملواجهة املحتل �أو احلكومة‪� .‬إذا ازداد‬ ‫زخم الن�شاط امل�سلح ا�ستطاع انتزاع والءات‬ ‫النا����س بالقوة لأنهم يدرك���ون �أنه الرابح يف‬ ‫املعرك���ة‪ ،‬وازدادت قدرته على جتنيد املزيد‬ ‫�إىل �صفوف���ه‪ .‬يف املقاب���ل‪� ،‬إذا ازداد زخ���م‬ ‫االنت�صارات الع�سكري���ة مع قدوم املزيد من‬ ‫اجلن���ود ازدادت قدرة اجليو����ش على فر�ض‬ ‫الأم���ن وا�ستعادة ال�سيط���رة‪ ،‬وبالتايل ازداد‬ ‫الزخ���م ال�سيا�سي الداع���م لتوجهات القادة‬ ‫ال�سيا�سيني‪ .‬كم���ا نرى م�شكلة “الزخم” �أنه‬ ‫ي�صلح تف�سريا لكال الطرفني‪.‬‬ ‫بي���د �أن الأكي���د ه���و �أن املكا�س���ب ال�سيا�سية‬ ‫تتغري بتغ�ي�ر الظروف وامل�سببات‪ ،‬متاما كما‬ ‫يدور احلكم مع العلة وجودا وعدما‪ .‬املواجهة‬ ‫الع�سكرية لها �أبعاد فني���ة حربية و�سيا�سية‪،‬‬ ‫ولكنها حتمل قدرا كبريا من املقامرة‪ ،‬فكما‬ ‫يقال للفوز �ألف �أب‪ ،‬والهزمية يتيمة‪.‬‬ ‫�أماكن مث���ل اليمن‪ .‬ورغ���م �أن جون�سون يقر‬ ‫بوجود �أ�سباب ثيولوجية (الهوتية �أو عقدية)‬ ‫و�أ�سب���اب ظرفية تدعم هذا القلق‪ ،‬ف�إنه يرى‬ ‫�أن امل�سلمة القائلة ب�أن ال�ضغط الأمريكي يف‬ ‫�أحد �أجزاء العامل م�سئ���ول ب�صورة مبا�شرة‬ ‫ع���ن �إع���ادة ظه���ور املنظم���ات الإرهابية يف‬ ‫�أماك���ن �أخ���رى لي�س���ت حقيقية‪ ،‬عل���ى الأقل‬ ‫عندم���ا يتعل���ق بع���ودة القاع���دة للظه���ور يف‬ ‫اليمن‪ .‬فالقاعدة‪ ،‬طب ًق���ا جلون�سون‪� ،‬أعادت‬ ‫جتمي���ع وتنظيم نف�سها يف اليمن لي�س ب�سبب‬ ‫جناحات الواليات املتح���دة يف �أي مكان من‬ ‫الع���امل‪ ،‬بل عل���ى العك����س كنتيج���ة مبا�شرة‬ ‫لف�شل اليمن والواليات كل على حدة‪.‬‬ ‫وي�شري �إىل �أن تنظي���م القاعدة يف اليمن قد‬ ‫مر مبرحلت�ي�ن رئي�سينت‪ :‬املرحل���ة الأوىل يف‬ ‫الفرتة من �أكتوب���ر ‪� 2000‬إىل نوفمرب ‪،2003‬‬ ‫والثاني���ة‪ ،‬وه���ي املرحلة احلالي���ة‪ ،‬بد�أت يف‬ ‫نوفمرب ‪ 2006‬مع هروب ما يقرب من ‪ 23‬من‬ ‫عنا�صر القاعدة امل�شتبه بهم من �أحد‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪57 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫عني على اليمن‬

‫�سج���ون اليمن‪ .‬وبني هذي���ن املرحلتني‪ ،‬كان‬ ‫هناك فا�صل زمني مل���دة عامني‪ ،‬بدا خالله‬ ‫�أن القاعدة قد هزم���ت ب�صورة كبرية‪ .‬لكن‬ ‫بدال م���ن ت�أمني هذا الف���وز‪ ،‬تعاملت كل من‬ ‫احلكومة اليمني���ة والأمريكية مع الفوز على‬ ‫القاع���دة ك�أن���ه مطل���ق وم�ضم���ون‪ ،‬ومن ثم‬ ‫تراجع���ت القاعدة م���ن �أولوي���ات الطرفني‪،‬‬ ‫إحلاحا‪.‬‬ ‫ومت ا�ستبدالهما ب�أم���ور �أخرى �أكرث � ً‬ ‫(للمزيد من التفا�صيل‪� ،‬أنظر مقال جون�سون‬ ‫ال�سابق ايراده �ضمن «عني على اليمن»)‬ ‫من جهته���ا‪ ،‬ت�شري �ش���اري فيالرو�سا �إىل �أن‬ ‫الو�ض���ع الأمني يف اليمن ق���د تدهور ب�صورة‬ ‫ملحوظ���ة‪ ،‬ونتيجة لذل���ك ف�إن موق���ع اليمن‬ ‫اجلغ���رايف‪ ،‬وافتق���اره للتنمي���ة االقت�صادية‬ ‫و�ضع���ف امل�ؤ�س�س���ات احلكومية‪ ،‬يث�ي�ر القلق‬ ‫من �أن يتحول اليمن �إىل مالذ �آمن للقاعدة‪.‬‬ ‫وبجانب هذا الو�ضع الأمني املتدهور‪ ،‬يعاين‬ ‫اليمن من م�ش���كالت و�أزمات �أخرى عديدة‪،‬‬ ‫ح�سبما تذك���ر فيالرو�سا‪ .‬فمعظ���م �إيرادات‬ ‫احلكوم���ة اليمني���ة ت�أتي من النف���ط‪ ،‬ويتوقع‬ ‫معظ���م املحلل�ي�ن �أن يتحول اليم���ن من دولة‬ ‫م�صدر للنفط �إىل دولة م�ستوردة يف غ�ضون‬ ‫اخلم�س �سنوات القادم���ة‪ .‬كما يعاين اليمن‬ ‫من نق�ص يف كميات املياه املتاحة‪ ،‬وانخفا�ض‬ ‫يف م�ؤ�ش���رات التنمية مقارنة بالدول الأخرى‬ ‫يف ال�ش���رق الأو�س���ط‪ ،‬ب�ش���كل يجع���ل اليم���ن‬ ‫�أق���رب �إىل دول �أفريقي���ا جن���وب ال�صحراء‬ ‫من���ه �إىل دول ال�شرق الأو�س���ط‪� .‬إ�ضافة �إىل‬ ‫�أن احلكوم���ة املركزية ال ت�سيطر ب�شكل كامل‬ ‫عل���ى كل �أجزاء البالد‪ ،‬فف���ي ال�شمال هناك‬ ‫مت���رد مت�صاع���د م���ن قب���ل احلوثي�ي�ن‪ ،‬ويف‬ ‫اجلنوب هناك توترات م�ستمرة‪.‬‬ ‫وبالإ�ضافة لهذه امل�شكالت‪ ،‬يعاين اليمن من‬ ‫م�شكالت �ضب���ط احلدود‪ ،‬والأم���ن البحري‬ ‫غ�ي�ر الكفء‪ .‬كما ميثل املواطن���ون اليمنيون‬ ‫ن�سب���ة كبرية م���ن املقاتلني الأجان���ب الذين‬ ‫يحارب���ون م���ن �أج���ل القاعدة ح���ول العامل‪،‬‬ ‫وخا�ص���ة يف العراق وباك�ست���ان و�أفغان�ستان‪.‬‬ ‫وهن���اك م�ؤ�شرات عل���ى �أن ه����ؤالء املقاتلني‬ ‫يع���ودون �إىل اليمن‪ .‬وهن���اك � ً‬ ‫أي�ضا‪ ،‬ح�سبما‬ ‫تذك���ر فيالرو�س���ا‪ ،‬ق�ضية تهري���ب الأ�سلحة‪،‬‬ ‫فاليم���ن‪ ،‬الذي يبل���غ عدد �سكان���ه ‪ 22‬مليون‬ ‫ن�سمة‪ ،‬لدي���ه ما يقرب م���ن ‪ 60‬مليون قطعة‬ ‫�س�ل�اح‪ .‬وه���ذه الأ�سلحة لي�س���ت فقط يف كل‬ ‫‪58‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫م���كان‪ ،‬ب���ل �إنه���ا تنقل ب�ص���ورة �شائع���ة �إىل‬ ‫ال�صومال وتغذي عدم اال�ستقرار ال�سائد يف‬ ‫املنطقة‪.‬‬ ‫وفيما يتعلق مبواجهة القاعدة‪ ،‬فرغم �إبداء‬ ‫احلكوم���ة اليمني���ة لرغبتها يف التع���اون مع‬ ‫الواليات املتحدة‪ ،‬واتخاذها بع�ض اخلطوات‬ ‫يف هذا الإطار من قبيل اعتقال امل�شتبه بهم‪،‬‬ ‫ف����إن القدرات اليمنية يف هذا املجال ال تزال‬ ‫حمدودة‪ ،‬ومن ثم يتطلع اليمن �إىل الواليات‬ ‫املتحدة وغريها من الدول لتقدمي امل�ساعدة‬ ‫من خالل التدريب والت�سهيل‪.‬‬ ‫ومن جانبها تريد الواليات املتحدة م�ساعدة‬ ‫اليم���ن‪“ ،‬لأنها ال تريد �أن ترى اليمن يتحول‬ ‫�إىل �أفغان�ستان �أخ���رى‪ ،‬حيث بو�سع القاعدة‬ ‫�أن تدرب وتخطط وتنفذ العمليات الإرهابية‬ ‫�سواء �ضد الواليات املتحدة �أو �شركائها حول‬ ‫الع���امل �أو يف �أي م���كان يف املنطقة”‪ ،‬وذلك‬ ‫ح�سب كلمات فيالرو�سا‪ .‬وتتمثل ا�سرتاتيجية‬ ‫الوالي���ات املتحدة يف تقلي���ل التهديدات التي‬ ‫تواجهها م�صاحلها القومية وحماولة حت�سني‬ ‫اال�ستق���رار يف اليمن‪ ،‬الأم���ر الذي من �ش�أنه‬ ‫�أن ي�ساعد يف توفري اال�ستقرار الإقليمي‪.‬‬ ‫ويف ه���ذا الإط���ار تق���وم الوالي���ات املتح���دة‬ ‫بعديدٍ من اخلط���وات هدفها حتقيق التنمية‬ ‫االقت�صادية والب�شرية‪ ،‬وتعزيز الدميقراطية‬ ‫واحلكم الر�شيد وحت�س�ي�ن التعليم والرعاية‬ ‫ال�صحية‪ ،‬وذلك ملواجهة القاعدة يف اليمن‪،‬‬ ‫طب ًقا لفيالرو�سا‪ .‬فم���ن ناحية تدفع الإدارة‬ ‫باجت���اه �إ�ص���دار اليم���ن لت�شريع ق���وى يتعلق‬ ‫مبكافح���ة ومتويل الإرهاب‪ ،‬ميكن اليمن من‬ ‫حماكمة الإرهابيني ومن ميولهم باملال‪ .‬كما‬ ‫حت���ث الوالي���ات املتح���دة احلكوم���ة اليمنية‬ ‫على تطوير برنامج لإعادة ت�أهيل املتطرفني‬ ‫املوجودين يف ال�سجون �أو الذين �ست�ستقبلهم‬ ‫اليم���ن يف امل�ستقب���ل (‪ %40‬م���ن معتقل���ي‬ ‫جوانتانام���و ه���م م���ن اليمن)‪ .‬وم���ن ناحية‬ ‫ثانية تدف���ع الواليات املتح���دة اليمن باجتاه‬ ‫تعزي���ز التدابري الأمنية على احلدود‪ ،‬وذلك‬ ‫للحد م���ن تهريب ال�سالح‪ ،‬وم���رور املقاتلني‬ ‫الأجانب‪.‬‬ ‫وم���ن ناحية ثالث���ة توف���ر الوالي���ات املتحدة‬ ‫برامج “تدريب لفر����ض القانون”‪ ،‬بوا�سطة‬ ‫مكت���ب الأمن الدبلوما�س���ي‪ ،‬وذلك منذ عام‬ ‫‪ .1998‬ورغم �أن بع�ض املحا�ضرات التدريبية‬

‫قد �أ�صبحت �أكرث �صعوبة يف ال�سنوات الأخرية‬ ‫ال�سيم���ا يف ظل الأو�ض���اع الأمنية املتدهورة‪،‬‬ ‫ف����إن الإدارة الأمريكية ت�سعى للح�صول على‬ ‫متوي���ل �أكرث لهذه الربام���ج‪ .‬ويف هذا الإطار‬ ‫قام فري���ق لتقييم نظم التموي���ل بزيارة �إىل‬ ‫اليمن يف عام ‪.2007‬‬ ‫وم���ن ناحية رابع���ة تتطلع الوالي���ات املتحدة‬ ‫مل�ساعدة اليمنيني يف بناء وحدة ا�ستخبارات‬ ‫خا�صة مبكافحة متويل اجلماعات الإرهابية‪،‬‬ ‫وتوفري التدريب لعنا�ص���ر هذه الوحدة حول‬ ‫كيفية �إج���راء التحقيق���ات املتعلق���ة بتمويل‬ ‫املنظمات الإرهابي���ة‪ ،‬وكذلك تعليم املدعني‬ ‫والق�ضاة �إجراءات مكافح���ة غ�سيل الأموال‬ ‫املتعلقة بتمويل الإرهاب‪.‬‬ ‫ومن ناحية خام�س���ة قامت الواليات املتحدة‬ ‫بزي���ادة امل�ساع���دات الت���ي يقدمه���ا برنامج‬ ‫‪� USAID‬إىل اليمن من ‪ 9.3‬مليون دوالر عام‬ ‫‪� 2008‬إىل ‪ 24‬مليون دوالر عام ‪ .2009‬وتركز‬ ‫ه���ذه امل�ساع���دات‪ ،‬طب ًق���ا لفيالرو�س���ا‪ ،‬على‬ ‫جماالت‪ :‬ال�صحة والتعليم واحلوكمة وتعزيز‬ ‫النم���و االقت�صادي‪ .‬و�إ�ضافة لذلك فقد تلقى‬ ‫اليمن يف ع���ام ‪ ،2009‬نح ��و ‪ 2.8‬مليون دوالر‬ ‫كتمويل ع�سكري �أجنب���ي‪ ،‬و‪ 60‬مليون لتمويل‬ ‫وت�سلي���ح ق���وات الأم���ن‪ ،‬و ‪ 3.4‬ملي���ون لدعم‬ ‫ا�سرتاتيجي���ة “ارتب���اط م���ا بع���د القبلية”‪.‬‬ ‫و�إ�ضاف���ة �إىل ما �سب���ق‪ ،‬تق���وم وزارة الدفاع‬ ‫الأمريكي���ة وق���وات خف���ر ال�سواح���ل بتوفري‬ ‫الدعم والتدريب لقوات الأمن اليمنية‪.‬‬ ‫ه���ذه اخلط���وات الت���ي تق���وم به���ا الواليات‬ ‫املتح���دة‪ ،‬ح�سبم���ا ت���رى فيالرو�س���ا‪ ،‬لي�ست‬ ‫فق���ط من �أج���ل اليم���ن‪“ ،‬ف����إذا نظرنا �إىل‬ ‫اخلريط���ة �س�ن�رى �أن تده���ور الأو�ض���اع يف‬ ‫اليم���ن �سي�ؤثر لي�س فق���ط يف اململكة العربية‬ ‫ال�سعودي���ة ودول اخللي���ج‪ ،‬ب���ل �سي�ؤث���ر يف‬ ‫ال�صوم���ال ب�ش���كل خا����ص”‪ .‬ف�أك�ب�ر جتم���ع‬ ‫لل�صومالي�ي�ن يف اخلارج موج���ود يف اليمن‪،‬‬ ‫كم���ا �أن عدم اال�ستق���رار يف اليمن ي�ؤدي �إىل‬ ‫ع���دم اال�ستق���رار يف ال�صوم���ال‪ .‬ولذا ت�شري‬ ‫فيالرو�س���ا �إىل �أن اال�ستق���رار يف اليمن �أمر‬ ‫هام لي�س فقط ملنطق���ة ال�شرق الأو�سط‪ ،‬بل‬ ‫� ً‬ ‫أي�ضا ملنطقة القرن الأفريقي‪ .‬ومن ثم تنظر‬ ‫الواليات املتحدة �إىل اليمن وال�صومال ك�أحد‬ ‫�أولوي���ات حمارب���ة الإره���اب بع���د باك�ستان‬ ‫و�أفغان�ستان‪.‬‬

‫حرب �صغرية �أو م�شكلة كبرية؟ القتال‬ ‫على احلدود اليمنية ال�سعودية‬ ‫�ساميون هندر�سون‬

‫معهد وا�شنطن ل�سيا�سات ال�شرق الأدنى‬ ‫‪ 10‬ت�شرين الثاين‪/‬نوفمرب‪2009 ,‬‬

‫ق����د ينفجر التوتر القائم من����ذ فرتة طويلة بني‬ ‫احلكوم����ة اليمنية وع�ش��ي�رة متمردة يف منطقة‬ ‫نائي����ة على احلدود (م����ع ال�سعودي����ة) �إىل �أزمة‬ ‫�إقليمي����ة ك��ب�رى‪ ،‬حي����ث ت�ش��ي�ر تقاري����ر و�سائل‬ ‫الإعالم ب�����أن التوتر القائ����م يتميز بخ�صائ�ص‬ ‫اندالع ح����رب بالوكالة بني ال�سعودي����ة و�إيران‪.‬‬ ‫فف����ي ‪ 10‬ت�شري����ن الثاين‪/‬نوفمرب‪ ،‬ح����ذر وزير‬ ‫اخلارجية الإي����راين منو�شهر متقي من حدوث‬ ‫تدخل �أجنب����ي‪ ،‬يف �إ�شارة وا�ضح����ة �إىل اململكة‬ ‫العربي����ة ال�سعودي����ة‪ .‬وهناك احتم����ال وارد ب�أن‬ ‫ت�صب����ح اليم����ن دولة فا�شل����ة‪ ،‬يف الوق����ت الذي‬ ‫�أ�صبح����ت فيه بالفعل م��ل�اذ ًا لعنا�ص����ر تنظيم‬ ‫«القاع����دة»‪ .‬يبدو �أن التعامل م����ع هذا التحدي‬ ‫�سيك����ون مبثاب����ة اختب����ار مبك����ر لل�صالحي����ات‬ ‫التنفيذي����ة الت����ي يتمتع بها اجلي����ل اجلديد من‬ ‫القيادة ال�سعودية‪.‬‬

‫هجوم القوات احلكومية‬ ‫يع����ود القت����ال الدائ����ر حالي���� ًا (ب��ي�ن احلكوم����ة‬ ‫اليمني����ة واملتمردين) �إىل �شه����ر �آب‪�/‬أغ�سط�س‬ ‫املا�ض����ي‪ ،‬عندما بد�أت حكوم����ة �صنعاء هجوم ًا‬ ‫�ض����د املقاتل��ي�ن م����ن ع�ش��ي�رة احلوث����ي الذي����ن‬ ‫كان����وا يحا�ص����رون الطرق يف املناط����ق اجلبلية‬ ‫�شم����ال غرب البالد‪ ،‬قرب احل����دود مع اململكة‬ ‫العربي����ة ال�سعودي����ة‪ .‬و�أطلق����ت احلكوم����ة على‬ ‫ذلك الهجوم ا�سم عملية “الأر�ض املحروقة”‪،‬‬ ‫واعتربت �أعمال املتمردين انتهاك ًا للهدنة التي‬ ‫مت ترتيبها يف الع����ام املا�ضي‪ .‬لقد كانت هناك‬ ‫�صعوبات يف عملية مكافحة املتمردين‪ :‬فقد مت‬ ‫اعتق����ال بع�ض اجلنود من الق����وات احلكومية‪،‬‬ ‫كما �أظهرت لقطات فيديو عر�ضها املتمردون‪،‬‬ ‫مدرع����ات ميني����ة مدم����رة‪ .‬وقد ف����ر الكثري من‬

‫الالجئ��ي�ن من املنطقة‪ ،‬كم����ا كان هناك بع�ض‬ ‫املدنيني من بني ال�ضحايا‪.‬‬ ‫يق����ول احلوثي����ون‪ ،‬الذي����ن ي�ستم����دون ا�سمه����م‬ ‫م����ن عائل����ة زعيمه����م‪ ،‬ب�أنه����م يري����دون املزيد‬ ‫من احلك����م الذات����ي املحلي ودور ًا �أك��ب�ر لأتباع‬ ‫مذهبهم الزيدي ال�شيع����ي الأ�صل يف الإ�سالم‪،‬‬ ‫الذي عادة ما يعت��ب�ر معتد ًال‪ .‬وتتمتع املجموعة‬ ‫بعالقة وثيقة مع ال�سنة املحليني‪ ،‬الذين ي�شكلون‬ ‫الأغلبي����ة‪ .‬ويف الواق����ع‪� ،‬أن الرئي�س اليمني علي‬ ‫عبد اهلل �صالح هو نف�س����ه زيدي‪ .‬وحتى اندالع‬ ‫القت����ال االخ��ي�ر‪ ،‬ع����ادة م����ا كان����ت التحليالت‬ ‫امل�ستن����دة عل����ى املناق�شات املتعلق����ة باالنق�سام‬ ‫ال�سني ال�شيعي غري منا�سبة لليمن‪ ،‬بالرغم من‬ ‫�أن تلك التحليالت كان����ت يف كثري من الأحيان‬ ‫و�سيلة مفي����دة لفهم �أجزاء �أخ����رى من ال�شرق‬ ‫الأو�س����ط‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬ف�إن القت����ال الدائر حالي ًا‬ ‫يف �شمال اليم����ن لديه ما ي�ؤهله لأن يكون حرب ًا‬ ‫بالوكال����ة‪ ،‬تقوم في����ه �إي����ران (ال�شيعية) بدعم‬ ‫املتمردين احلوثيني بينم����ا ترد اململكة العربية‬ ‫ال�سعودية (ال�سنية) على ذلك بدعمها الرئي�س‬ ‫اليمن����ي علي عب����د اهلل �صال����ح‪ .‬ويع����ود القتال‬ ‫ب��ي�ن احلوثيني والق����وات احلكومية �إىل الأعوام‬ ‫‪ ،2005 - 2004‬وا�ستم����ر حتى بع����د مقتل زعيم‬ ‫املتمردين ح�سني احلوثي‪ .‬ويف عام ‪ 2007‬اندلع‬ ‫املزيد م����ن القتال‪ ،‬ولكن القائ����د اجلديد عبد‬ ‫امللك احلوثي‪� ،‬شقيق ح�سني احلوثي‪ ،‬وافق على‬ ‫اتفاقي����ة لوقف �إطالق الن����ار‪ .‬لكن اال�شتباكات‬ ‫اندلع����ت مرة �أخ����رى يف �أوائل ع����ام ‪ ،2008‬قبل‬ ‫�أن يتمكن الدبلوما�سيون القطريون من ترتيب‬ ‫هدنة بني الطرفني‪.‬‬ ‫وعلى الرغ����م من �أن الق����وات احلوثية ال متلك‬

‫طائ����رات وعرب����ات مدرع����ة‪ ،‬يق����ال �إن لديه����ا‬ ‫ميزة تكتيكية يف عملي����ات املواجهة مع القوات‬ ‫اليمني����ة ب�سبب �أعداده����ا وتدريبها‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال عن‬ ‫ا�ستخدامه����ا املاهر للألغ����ام الأر�ضية‪ .‬وتظهر‬ ‫املواق����ع احلوثي����ة على �شبك����ة الإنرتن����ت �إقامة‬ ‫جتمع����ات وا�سع����ة مب�شاركة ح�ض����ور كبري‪� ،‬إىل‬ ‫جانب قي����ام تدريبات متوالية على درجة عالية‬ ‫م����ن االن�ضب����اط ِّ‬ ‫تذك����ر (املتتبع��ي�ن) بن�شاطات‬ ‫دع����م ادعاءات حكومة‬ ‫ح����زب اهلل يف لبنان‪ .‬و ُت َ‬ ‫�صنع����اء ع����ن وج����ود ت����ورط �إيراين م����ن خالل‬ ‫ن�ش����ر ال�شعارات عل����ى �إحدى مواق����ع احلوثيني‬ ‫عل����ى �شبكة االنرتنت وه����ي‪“ :‬اهلل �أكرب‪ ،‬املوت‬ ‫لأمريكا‪ ،‬املوت لإ�سرائي����ل‪ ،‬اللعنة على اليهود‪،‬‬ ‫والن�صر للإ�سالم”‪ .‬ويوحي هذا الإ�سلوب عن‬ ‫وج����ود �أهداف تتج����اوز بكثري ال�سع����ي لتحقيق‬ ‫احلكم الذاتي املحلي‪.‬‬ ‫ويف ‪ 4‬ت�شري����ن الثاين‪/‬نوفم��ب�ر‪� ،‬شن����ت القوات‬ ‫اجلوي����ة ال�سعودي����ة هجم����ات �ض����د املتمردي����ن‬ ‫احلوثي��ي�ن با�ستخدامه����ا مقات��ل�ات م����ن طراز‬ ‫�إف ‪ 15-‬وطائ����رات تورنادو للهجوم على املواقع‬ ‫الأر�ضي����ة‪ .‬ووفق���� ًا مل����ا �أعلنت����ه الريا�����ض‪ ،‬كان‬ ‫املتم����ردون قد عربوا احلدود �إىل داخل اململكة‬ ‫العربية ال�سعودية‪ ،‬وقتلوا عدد ًا من ال�سعوديني‪.‬‬ ‫وقد نفت كلتا العا�صمتني تقارير و�سائل الإعالم‬ ‫عن ق�صف الطائ����رات ال�سعودية لأهداف عرب‬ ‫احل����دود يف اليمن‪ .‬وبع����د ذل����ك‪ ،‬يف ‪ 8‬ت�شرين‬ ‫الثاين‪/‬نوفم��ب�ر‪ ،‬حتطم����ت مقاتل����ة ميني����ة يف‬ ‫ح����ادث ن�س����ب م�س�ؤولون يف �صنع����اء وقوعه �إىل‬ ‫م�ش����اكل ميكانيكية؛ بيد ادع����ى املتمردون ب�أن‬ ‫نريانهم امل�ضادة للطائرات هي التي جنحت يف‬ ‫�إ�سق����اط تلك املقاتلة‪ .‬وترج����ع الق�صة احلالية‬ ‫ح����ول قيام ت����ورط �إيراين حمتم����ل‪� ،‬إىل �أواخر‬ ‫ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر املن�صرم‪ ،‬عندما �أوقفت‬ ‫اليم����ن �سفينة �إيرانية حممل����ة بال�سالح �شملت‬ ‫�أي�ض ًا �أ�سلحة م�ض����ادة للدبابات‪ .‬ومما ي�ضاف‬ ‫�إىل ه����ذه الق�ص����ة املث��ي�رة‪ ،‬هو �أح����دث �شريط‬ ‫فيديو مت بثه على �إح����دى مواقع احلوثيني على‬ ‫�شبك����ة االنرتن����ت‪ ،‬يظه����ر جندي���� ًا �سعودي ًا من‬ ‫الق����وات اخلا�ص����ة وق����ع يف الأ�س����ر‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال عن‬ ‫�أ�سلحة ومركبات �سعودية كان قد مت الإ�ستيالء‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪59 2009‬‬


‫اليمن والعامل‬

‫عني على اليمن‬

‫عليه����ا‪ ،‬بالإ�ضاف����ة عل����ى م����ا يبدو �أنه����ا طائرة‬ ‫�سعودية تق�صف الفو�سفور الأبي�ض على مواقع‬ ‫املتمردين يف اجلبال‪.‬‬

‫التداعيات الإقليمية‬ ‫قد تكون للأزم����ة يف اليمن عواقب وخيمة على‬ ‫�أم����ن اخللي����ج‪ .‬فاليم����ن‪ ،‬الدولة الأك��ث�ر كثافة‬ ‫يف �شب����ه اجلزي����رة العربية من ناحي����ة ال�سكان‬ ‫والأك��ث�ر فقر ًا فيها – هي �أي�ض ًا �أفقر بلد عربي‬ ‫ب�ص����ورة �إجمالية‪ ،‬ح�سب قيا�����س الناجت املحلي‬ ‫الإجمايل للفرد الواحد‪ .‬وتقع القارة الأفريقية‬ ‫عل����ى بعد ثماني����ة ع�شر مي ًال فق����ط من اليمن‪،‬‬ ‫عرب م�ضيق ب����اب املندب‪ ،‬الذي مير من خالله‬ ‫�أك��ث�ر من ثالثة ماليني برميل من النفط يومي ًا‬ ‫يف طريق����ه �إىل �أوروبا‪ .‬كما تقع دولة ال�صومال‬ ‫الفا�شل����ة ع��ب�ر خليج عدن‪ ،‬ال����ذي �أ�صبح حالي ًا‬ ‫“وعاء ًا للقر�صنة”‪ ،‬كما �أنه كان موقع ًا لهجوم‬ ‫من قب����ل تنظيم «القاعدة» عل����ى ناقلة نفط يف‬ ‫عام ‪ .2002‬ه����ذا وينحدر �أي�ض ًا والد �أ�سامة بن‬ ‫الدن م����ن اليمن‪ ،‬التي ما زال يجد فيها الآالف‬ ‫م����ن مقاتلي «القاعدة» ملج�����أً‪ ،‬وفق ًا للم�سئولني‬ ‫يف �صنع����اء‪ .‬وبالرغ����م م����ن �أن الب��ل�اد كان����ت‬ ‫قائم����ة ب�ص����ورة �أو ب�أخرى مئات م����ن ال�سنني‪،‬‬ ‫يع����ود ت�شكيلها احلايل �إىل ع����ام ‪ ،1990‬عندما‬ ‫احتدتا اليم����ن ال�شمالية واليمن اجلنوبية‪ .‬ويف‬ ‫ع����ام ‪� ،1994‬سحقت احلكومة مترد ًا من جانب‬ ‫جنوبيني �سع����وا �إىل احل�صول على الإ�ستقالل‪،‬‬ ‫ولك����ن اال�ستي����اء م����ن هيمن����ة �صنع����اء �آخذ يف‬ ‫اال�ستمرار‪.‬‬ ‫الآثار املرتتبة على ال�سعوديني‬ ‫م����ن الناحية التاريخية‪ ،‬حت����ذر اململكة العربية‬ ‫ال�سعودي����ة م����ن الت����ورط يف ال�ش�����ؤون اليمنية‪.‬‬ ‫فخالل احلرب الأهلي����ة اليمنية يف ال�ستينيات‬ ‫م����ن الق����رن املا�ض����ي‪ ،‬وق����ف ال�سعودي����ون م����ع‬ ‫اجلان����ب امللكي‪ ،‬يف حني دعم����ت م�صر القوات‬ ‫اجلمهوري����ة التي انت�ص����رت يف النهاية‪ .‬وكانت‬ ‫الق����وات امل�صري����ة ق����د ا�ستخدم����ت الأ�سلح����ة‬ ‫الكيميائي����ة يف تل����ك احل����رب‪ .‬وبع����د عقود من‬ ‫الزم����ن‪ ،‬عندم����ا دع����م الرئي�س عل����ي عبد اهلل‬ ‫�صالح الرئي�س العراق����ي ال�سابق �صدام ح�سني‬ ‫يف غ����زوه للكويت ع����ام ‪ ،1990‬قامت ال�سعودية‬ ‫بطرد مئ����ات الآالف من اليمنيني‪ ،‬الذين كانوا‬ ‫حت����ى ذل����ك احل��ي�ن ج����زء ًا رئي�سي ًا م����ن قوتها‬ ‫العامل����ة‪ .‬كم����ا �أن احل����دود ب��ي�ن البلدين كانت‬ ‫�أي�ض ًا مو�ضع ت�س����ا�ؤل‪ ،‬حيث طالب اليمنيون يف‬ ‫‪60‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫ال�ساب����ق باملحافظ����ات اجلنوبي����ة للمملكة‪ .‬ويف‬ ‫حني مت الآن حل تلك امل�س�ألة ‪ -‬على ما يبدو ‪،-‬‬ ‫تقوم الريا�ض يف بع�ض الأحيان ب�إهانة ال�سكان‬ ‫املحليني‪ ،‬الذين غالبيته����م من الزيديني (كما‬ ‫هو احل����ال بالن�سب����ة لليمنيني ع��ب�ر احلدود)‪،‬‬ ‫والإ�سماعيلي��ي�ن‪ .‬وتتعر�����ض كلت����ا املجموعت��ي�ن‬ ‫للتمييز م����ن قبل ال�شرط����ة الديني����ة ال�سعودية‬ ‫(الت����ي تتبع املذهب الوهاب����ي)‪ .‬ويف �أوائل عام‬ ‫‪ ،2001‬فقدت ال�سلطات ال�سعودية ب�صورة م�ؤقتة‬ ‫ال�سيطرة على العا�صم����ة الإقليمية جنران بعد‬ ‫�أن قام����ت ال�شرطة الدينية بحملة اتخذت فيها‬ ‫�إجراءات �صارمة �ضد اجلماعات املحلية‪.‬‬ ‫خ��ل�ال الأزمة احلالي����ة‪ ،‬تعهد جمل�����س الوزراء‬ ‫ال�سع����ودي بـ “عدم الت�سامح مع املت�سللني”‪ ،‬يف‬ ‫�إ�شارة وا�ضح����ة �إىل املتمردين احلوثيني‪ .‬ومن‬ ‫املثري للإهتمام‪� ،‬أن امللك عبد اهلل كان قد منح‬ ‫وب�صورة فعالة‪ ،‬تفوي�ض لإدارة (بع�ض املنا�صب‬ ‫احلكومية) �إىل اجليل املقبل من الأمراء‪ .‬ففي‬ ‫‪ 8‬ت�شري����ن الثاين‪/‬نوفم��ب�ر‪ ،‬ق����ام الأمري خالد‬ ‫ب����ن �سلط����ان‪ ،‬م�ساعد وزير الدف����اع وجنل ويل‬ ‫العهد املري�ض الأمري �سلط����ان‪ ،‬بزيارة القوات‬ ‫ال�سعودي����ة على احلدود حيث خ�ص�ص (حزام)‬ ‫ميتد �ست����ة �أميال داخ����ل الأرا�ض����ي ال�سعودية‪،‬‬ ‫كـ “منطق����ة تخ�ضع لعمليات القت����ل”‪ .‬وهناك‬ ‫�شخ�صي����ة رئي�سية �أخرى مثل الأمري حممد بن‬ ‫ناي����ف بن عب����د العزيز‪ ،‬رئي�س جه����از مكافحة‬ ‫الإره����اب (م�ساع����د وزي����ر الداخلي����ة لل�ش�����ؤون‬ ‫الأمني����ة)‪ ،‬ال����ذي جن����ا م����ن امل����وت املحق����ق يف‬ ‫�أواخ����ر �آب‪�/‬أغ�سط�����س املن�ص����رم عندم����ا قام‬ ‫مقاتل تاب����ع لتنظيم «القاع����دة» و�صل لتوه من‬ ‫اليمن‪ ،‬بتفجري نف�س����ه بينما كان من املفرت�ض‬ ‫�أن يقوم بت�سليم نف�سه‪ .‬كما ي�شارك �أي�ض ًا جنل‬ ‫العاه����ل ال�سعودي الأمري م�شع����ل بن عبد اهلل‪،‬‬ ‫(يف املنا�ص����ب الإداري����ة احلكومي����ة) حيث عني‬ ‫يف وق����ت �ساب����ق من هذا الع����ام �أم��ي�ر ًا ملنطقة‬ ‫جنران‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل تعيني جنل �شقيق امللك‬ ‫الأم��ي�ر من�ص����ور ب����ن متع����ب‪ ،‬ال����ذي حل حمل‬ ‫والده الطاعن يف ال�س����ن با�ستالمه يف الأ�سبوع‬ ‫(االول م����ن ت�شري����ن الثاين‪/‬نوفم��ب�ر) من�صب‬ ‫وزير ال�ش�����ؤون البلدية والقروية‪ .‬وت�شعر اململكة‬ ‫بقيام حتد خا�ص يتمث����ل با�ضطرارها ال�سماح‬ ‫للحج����اج اليمنيني بزيارة مدين����ة مكة املكرمة‬ ‫خ��ل�ال مو�سم احل����ج احلايل‪ ،‬عل����ى الرغم من‬ ‫التوت����ر القائ����م عل����ى احل����دود‪ .‬ويف ‪ 8‬ت�شري����ن‬ ‫الثاين‪/‬نوفمرب احلايل‪� ،‬أوعز الأمري م�شعل بن‬

‫عبد اهلل للم�سئولني ال�سعودي��ي�ن ب�إبقاء املعابر‬ ‫احلدودية مفتوحة‪.‬‬

‫�سيا�سة الواليات املتحدة‬ ‫بالن�سب����ة لوا�شنط����ن‪ ،‬يزي����د توتر احل����دود من‬ ‫تعقيد العالقات التي هي معقدة بالفعل‪ .‬فمنذ‬ ‫تفج��ي�ر (ال�سفين����ة احلربي����ة الأمريكي����ة) “يو‪.‬‬ ‫�أ�����س‪� .‬أ�����س‪ .‬كول” م����ن قبل تنظي����م «القاعدة»‬ ‫يف مين����اء ع����دن يف ع����ام ‪ ،2000‬ر�أت الوالي���ات‬ ‫املتح���دة ب����أن اليم���ن مل تت�ص���رف بق���وة كافي���ة‬ ‫�ض���د مقاتل���ي «القاعدة»‪ .‬وحت���ى �أولئك املقاتلني‬ ‫الذي���ن مت �سجنه���م‪ ،‬غالب ًا م���ا �أُطل���ق �سراحهم‬ ‫�أو �سم���ح لهم عل���ى ما يبدو بالف���رار‪ .‬ويع ّقد هذا‬ ‫ال�سيناري���و جه���ود حكوم���ة الرئي����س الأمريك���ي‬ ‫�أوباما لإغ�ل�اق معتقل جوانتانام���و‪ ،‬الذي ي�شكل‬ ‫في���ه اليمني���ون �أكرب وح���دة وطني���ة متبقية‪ .‬وقد‬ ‫ف�شل���ت حتى الآن جهود الوالي���ات املتحدة لإقناع‬ ‫الرئي����س علي عبد اهلل �صال���ح بال�سماح ب�إر�سال‬ ‫ه����ؤالء املعتقل�ي�ن لي�ساهم���وا يف برام���ج �إع���ادة‬ ‫الت�أهي���ل ال�سعودي���ة‪ ،‬لأن وا�شنط���ن ال تثق بقيام‬ ‫اليم���ن برعاي���ة املعتقلني مبا في���ه الكفاية‪ .‬ومن‬ ‫ناحية �أخرى‪ ،‬عملت وا�شنطن بنجاح مع �صنعاء‬ ‫لرتتي���ب هج���رة �أع�ضاء م���ن اجلالي���ة اليهودية‬ ‫املتبقي���ة يف اليم���ن‪ ،‬الت���ي كان���ت م�ستهدفة من‬ ‫قبل كل م���ن احلوثيني وتنظي���م «القاعدة»‪ .‬وقد‬ ‫�أو�ضحت وزارة اخلارجي���ة الأمريكية ر�أيها ب�أنه‬ ‫لن يت���م حل ال�ص���راع بني احلوثي�ي�ن واحلكومة‬ ‫اليمني���ة املركزية بالو�سائل الع�سكرية‪ .‬ولكن من‬ ‫جانبهم‪ ،‬يحذر امل�سئولون اليمنيون ب�صورة غري‬ ‫علني���ة ب�أن الدول���ة قد ت�صبح مه���ددة �إذا ال تتم‬ ‫م�ساعدة �صنعاء بالإم���دادات الع�سكرية و ُتعطى‬ ‫لها حرية الت�ص���رف ملوا�صلة حملتها الع�سكرية‪.‬‬ ‫وعل���ى اجلبه���ة الدبلوما�سية‪ ،‬ت�أم���ل �صنعاء ب�أن‬ ‫تتمك���ن م���ن جع���ل عالقاته���ا م���ع �إي���ران خالية‬ ‫م���ن اللب����س والغمو����ض‪ ،‬بينما تطل���ب يف الوقت‬ ‫الراه���ن من احلوثي�ي�ن‪ ،‬الذين ي�ت�راوح عددهم‬ ‫ب�ي�ن ‪ 6,000‬و‪ 7,000‬رجل م�سل����ح‪ ،‬بالتخلي عن‬ ‫مواقعه����م الع�سكري����ة‪ .‬وتخ�شى �صنع����اء من �أن‬ ‫يهدف احلوثي����ون ‪ -‬بت�شجيع من طهران ‪� -‬إىل‬ ‫تقوي�����ض م�صالح الواليات املتح����دة وال�سعودية‬ ‫يف ه����ذه البقعة التي ت�شكل زاوية اليمن يف �شبه‬ ‫اجلزي����رة العربي����ة‪ .‬و�سوف يت����م اختبار نظرة‬ ‫كه����ذه خالل �أ�شه����ر ال�شت����اء املقب����ل‪ ،‬التي هي‬ ‫�أف�ض����ل وقت للقتال يف جبال اليمن‪ ،‬على عك�س‬ ‫الكثري من بقية مناطق العامل‪.‬‬

‫املراقب الإ�سرتاتيجي‬ ‫�سيا�سات اليوم وم�سارات الغد‬

‫�إيران ما بعد �أزمة االنتخابات الرئا�سية‪..‬ماالذي ينتظرنا؟‬

‫حمجوب الزويري‬

‫ما وراء التقارب ال�سعودي ‪ -‬ال�سوري وما بعده‬

‫ر�ضوان زيادة‬

‫م�صري التحالف ال�سوري ‪ -‬الإيراين‬

‫معاذ الأ�شهبي‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ا�سرتاتيجية‬

‫العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪61 2009‬‬


‫املراقب اال�سرتاتيجي‬

‫�إيران ما بعد �أزمة االنتخابات الرئا�سية العا�شرة‪..‬‬

‫ما الذي ينتظرنا؟‬ ‫مل يكن حدث االنتخابات الرئا�سية الإيرانية العا�شرة التي جرت يف ‪ 12‬حزيران‪/‬‬ ‫يونيو ‪ 2009‬حدث ًا عادي ًا �أو عابر ًا بالن�سبة لإيران‪� ،‬إذ �أن االنتخابات‪ ،‬التي دائم ًا‬ ‫ما ُتع َقد لإعادة ح�شد الر�أي العام خلف النظام ال�سيا�سي‪� ،‬أفرزت هذه املرة نوع ًا من‬ ‫االختالف‪ ،‬ال يبدو �أن غيومه �ستختفي �سريع ًا عن �سماء �إيران ال�سيا�سية‪.‬‬ ‫حمجوب الزويري‬ ‫اعت���ادت �إي���ران يف ظ���ل اجلمهوري���ة الإ�سالمي���ة عل���ى �أن حدث‬ ‫االنتخاب���ات املتك���رر �إمنا هو يف احلقيقة و�سيل���ة لتجاوز االختالفات‬ ‫وعوام���ل التناق�ض بني ال���ر�أي العام الإيراين وب�ي�ن النظام‪ ،‬من هنا‬ ‫كان احلر�ص عل���ى �أن تكون ن�سبة امل�شاركة يف �أي انتخابات يف �إيران‬ ‫عالي��� ًة‪ ،‬لأن ه���ذه الن�سب���ة العالية له���ا دالالتها الكب�ي�رة يف ما يتعلق‬ ‫بعالقة النظام مع ال�شعب‪.‬‬ ‫لق���د �ش ّكلت نتائ���ج االنتخابات الرئا�سي���ة الإيراني���ة بداية ف�صل‬ ‫جدي���د يف تاريخ اجلمهورية الإ�سالمي���ة‪ ،‬هذا الف�صل مل ُيقر�أ منه �إال‬ ‫مقدمته يف احلقيقة لأن الكثري من حمتويات هذا الف�صل رمبا حتتاج‬ ‫�إىل مزيد من الوقت لقراءتها وفهمها بعمق‪ .‬وقد طرح �إعادة انتخاب‬ ‫الرئي����س الإي���راين حممود �أحمدي جناد �س�ؤا ًال كب�ي�ر ًا حول ما ميكن‬ ‫�أن ت����ؤول �إلي���ه التطورات الداخلي���ة يف �إيران‪ ،‬وم���دى انعكا�سها على‬ ‫�سيا�سات �إيران الإقليمية و الدولية وهو مو�ضوع هذه الورقة‪.‬‬ ‫الأم���ر الذي يبدو ملفت ًا لالنتباه ه���و عن�صر املفاج�أة الذي �أ�صاب‬ ‫الكثريين �سواء يف املنطقة �أو يف العامل ب�سبب ما جرى بعد االنتخابات‪،‬‬ ‫و�إ�ص���رار ق���وى التيار الإ�صالح���ي على اال�ستم���رار يف االحتجاج على‬ ‫نتيج���ة االنتخابات رغم القب�ضة الأمني���ة احلديدية التي واجهت بها‬ ‫احلكوم���ة تلك التطورات‪ ،‬وعن�ص���ر املفاج�أة هذا �أي�ض��� ًا امتد لي�ؤكد‬ ‫عل���ى �أن هنالك نق�ص ًا كبري ًا يف املعرفة حول �إيران‪� ،‬سواء �أكان ذلك‬ ‫يف الإقلي���م �أو يف العامل‪ ،‬ولعل ذلك يف�سر ما ذهب �إليه البع�ض �أن ما‬ ‫حدث رمبا يكون بداية نهاية نظام اجلمهورية الإ�سالمية‪.‬‬ ‫النظ��ام فـ��ي �أزم��ة لق���د خ ّلف���ت االنتخاب���ات الرئا�سية‬ ‫الإيرانية جملة من الق�ضاي���ا التي ميكن القول ب�أنها �أ�ضحت عنا�صر‬ ‫‪62‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫�ضع���ف للنظ���ام بع���د �أن كان���ت عنا�صر ق���وة‪ ،‬وه���ذه العنا�صر ميكن‬ ‫�إجمالها يف ما يلي‪:‬‬ ‫�أو ًال‪ :‬طرح���ت االنتخابات الأخرية �أ�سئلة حول مدى نزاهة العملية‬ ‫االنتخابي���ة وجديتها يف �أن تك���ون ممثل ًة لر�أي ال�شع���ب الإيراين وثار‬ ‫حوله���ا كثري م���ن ال�شك والريب���ة واللغ���ط‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال ع���ن الت�شكيك يف‬ ‫الإج���راءات املتبعة للت�صديق على �شرعي���ة املر�شحني هو الأمر الذي‬ ‫يق���وم فيه ع���اد ًة جمل����س �صيان���ة الد�ستور‪ ،‬وه���ذا الأم���ر ال يبدو �أن‬ ‫النظام بحاجة �إليه يف ه���ذا الوقت ال�سيما مع ارتفاع وترية املواجهة‬ ‫م���ع الغرب فيما يتعلق بالربنامج النووي الإيراين‪ .‬وامل�ؤكد �أن عن�صر‬ ‫ال�شرعي���ة يف االنتخابات مهم لأنه يعطي النظام �شرعية �شعبية تعزز‬ ‫م���ن �شرعيته الديني���ة التي ت�أ�س�س���ت بنا ًء على نظري���ة والية الفقيه‪،‬‬ ‫وه���ذان العن�صران (ال�شرعي���ة الدينية وال�شرعي���ة ال�شعبية) ي�ستند‬ ‫�إليهما النظام يف مواجهة خ�صومه‪� ،‬سواء يف الداخل �أو يف اخلارج‪.‬‬ ‫لق���د بدا وا�ضح��� ًا �أن م�س�ألة االنتخابات يف �إي���ران �أُزيل عنها ثوب‬ ‫امل�صداقي���ة‪ ،‬وهو الأمر ال���ذي ُيرى من خالل املطالب���ة من قبل قوى‬ ‫التيار الإ�صالحي ب�ضرورة عقد انتخابات حرة ونزيهة حتت �إ�شراف‬ ‫م�ستقل‪.‬‬ ‫ثاني ًا‪ :‬حدة اجلدل بني قوى التيار املحافظ وقوى التيار الإ�صالحي‬ ‫�أخ���ذت خالل ه���ذه االنتخابات منح���ى غري م�سبوق‪ ،‬وم���ع �أن هذا ال‬ ‫ينف���ي بالطبع وجود تناف�س �شديد بني املحافظني والإ�صالحيني‪ ،‬لكن‬ ‫االخت�ل�اف هذه املرة و�صل �إىل درج���ة انق�سم فيها كبار قادة النظام‬ ‫بني التيارين‪ .‬فاملر�شد الأعلى للثورة الإ�سالمية �آية اهلل علي خامنئي‬ ‫�أعل���ن بو�ضوح �أنه ي�ؤيد الرئي�س �أحمدي جناد‪ ،‬وبالتايل فقد �أكد على‬ ‫�شرعية االنتخابات الرئا�سية العا�شرة‪ .‬يف حني بدا رئي�س‬

‫حمجوب الزويري �أ�ستاذ الدرا�سات ال�شرق �أو�سطية مبركز الدرا�سات اال�سرتاتيجية‪ ،‬اجلامعة الأردنية‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪63 2009‬‬


‫املراقب اال�سرتاتيجي‬ ‫جمل�س ت�شخي�ص م�صلح���ة النظام ورئي�س جمل�س خرباء القيادة‬ ‫ها�شم���ي راف�سنج���اين عل���ى النقي�ض؛ فموقف���ه بدا �أق���رب �إىل قوى‬ ‫التي���ار الإ�صالحي‪ ،‬وكان ذلك وا�ضح ًا من الهج���وم الذي �شنته عليه‬ ‫قوىالتي���ار املحافظ ب�سبب ع���دم ا�ستنكاره ملواق���ف املر�شح اخلا�سر‬ ‫مري ح�سني مو�سوي‪.‬‬ ‫ه���ذا االنق�سام بني �أهم ال�سيا�سيني الإيرانيني انت�شرت عدواه �إىل‬ ‫القي���ادات الدينية التي اختارت �أن تكون بعي���دة عن ميدان ال�سيا�سة‬ ‫اليومية‪ ،‬و�أعني بهم املرجعيات الدينية التي يرتكز معظمها يف مدينة‬ ‫ق���م‪ .‬فاالنتقادات التي وجهه���ا املرجع الدين �آي���ة اهلل على منتظري‬ ‫�إىل احلكوم���ة الإيراني���ة ب�سب���ب الإج���راءات القمعي���ة الت���ي اتبعتها‬ ‫يف مواجه���ة املحتج�ي�ن عل���ى نتائج االنتخاب���ات الرئا�سي���ة العا�شرة‪،‬‬ ‫جت���اوزت جمرد االنتق���اد واالحتجاج على تلك الإج���راءات �إىل طرح‬ ‫م�س�أل���ة غاية يف الأهمية ترتبط بال�شرعي���ة ال�سيا�سية للنظام برمته‪.‬‬ ‫الأمر ال���ذي �أ�ضاف �إىل اجل���دل ال�سيا�سي الداخلي بع���د ًا جديد ًا مل‬ ‫يك���ن مطروح ًا من قب���ل‪ ،‬والأهم رمب���ا �أنه انعك�س خارجي��� ًا‪ .‬فوزيرة‬ ‫اخلارجي���ة الأمريكية‪ ،‬هي�ل�اري كلينتون‪ ،‬مل ت�ت�ردد يف احلديث عن‬ ‫م�شكلة “امل�شروعية التي يواجهها النظام ال�سيا�سي الإيراين”‪.‬‬ ‫ومل يقف احلد عند �آية اهلل منتظري بل جتاوزه �إىل ع�ضو جمل�س‬ ‫خ�ب�راء القيادة �آية اهلل د�ستغيب الذي حت���دث عن جانب �آخر متعلق‬ ‫بتغيي���ب دور م�ؤ�س�سة جمل�س خرباء القيادة وال���ذي تعد مراقبة �أداء‬ ‫املر�ش���د الأعل���ى للث���ورة الإ�سالمي���ة �آية اهلل عل���ي خامنئ���ي‪ ،‬مهمته‬ ‫الأ�سا�سي���ة‪� .‬إن حديث �آية اهلل د�ستغيب له �أهميته ب�سبب الربط الذي‬ ‫جرى نتيجة موقف املر�شد املعلن دعم �إعادة انتخاب الرئي�س �أحمدي‬ ‫جن���اد‪ .‬وجوهر طرح املو�ض���وع يعود �إىل �أن املر�ش���د الأعلى يف �إيران‬ ‫يج���ب �أن ال يتبن���ى موقف �أي تيار �سيا�سي باعتب���اره مرجعية للجميع‬ ‫ولي����س لتي���ار �أو ل�شخ�ص معني‪ .‬ه���ذا النقا�ش ما ي���زال متوا� ً‬ ‫صال بني‬ ‫مرجعي���ات متع���ددة وهناك حديث ع���ن اجتماعات ليلي���ة ُعقِ دت مع‬ ‫مرجعي���ات مهمة مثل �آي���ة اهلل مكارم �شريازي‪ ،‬ويب���دو �أنها مرتبطة‬ ‫بتطورات الو�ضع يف �إي���ران بعد االنتخابات الرئا�سية‪ .‬غري �أن امللفت‬ ‫لالنتباه �أكرث ه���و توا�صل �آية اهلل علي ال�سي�ستاين واملرجعية ال�شيعية‬ ‫يف الع���راق مع مرجعي���ات �أخرى داخ���ل �إيران ملناق�ش���ة االنعكا�سات‬ ‫الت���ي ميك���ن �أن ترتكها الأزم���ة ال�سيا�سي���ة التي �أعقب���ت االنتخابات‬ ‫الرئا�سية‪.‬‬ ‫ثالث��� ًا‪ :‬ع�سكرة امل�شه���د ال�سيا�سي الإي���راين‪ .‬فالنظ���ام ال�سيا�سي‬ ‫الإي���راين يعتمد على التفاعل بني رجال الدين ورجال ال�سيا�سة‪ ،‬لكن‬ ‫التط���ورات الت���ي �أعقبت �أح���داث جامعة طه���ران ‪ 1999‬يف ظل والية‬ ‫الرئي�س الإ�صالحي حممد خامتي‪ ،‬والتي هاجمت فيها قوات التعبئة‬

‫(البا�سي���ج) �أماكن �سك���ن الطلبة‪� ،‬أع���ادت دور امل�ؤ�س�س���ة الع�سكرية‬ ‫والأمني���ة الإيراني���ة يف احلي���اة ال�سيا�سي���ة �إىل الواجه���ة من جديد‪.‬‬ ‫حينها رد القائد العام للحر�س الثوري والتعبئة رحيم �صفوي بطريقة‬ ‫توعد بقطع �أل�سنة ورقاب‬ ‫قوي���ة على منتقدي �سلوك قوات التعبئة‪� ،‬إذ ّ‬ ‫من يهددون النظام‪.‬‬ ‫على �أن التدخل الع�سكري يف احلياة ال�سيا�سية تعزز �أكرث وبدا قوي ًا‬ ‫عق���ب انتخاب الرئي�س �أحمدي جناد يف حزيران‪ /‬يونيو ‪ .2005‬حيث‬ ‫ظه���ر دعم امل�ؤ�س�س���ة الع�سكرية له وتعزز طيلة ف�ت�رة جناد الرئا�سية‬ ‫الأوىل وكذلك خ�ل�ال �إعادة انتخابه للمرة الثاني���ة‪ ،‬وهو الأمر الذي‬ ‫�أ�ش���ار له املر�شح���ان اخلا�سران مري ح�سني مو�س���وي ومهدي كروبي‪،‬‬ ‫كم���ا �أ�ش���ارت له كذل���ك الت�صريح���ات التي �ص���درت من كب���ار قادة‬ ‫خف رغبته يف �أن‬ ‫احلر�س الث���وري مثل حممد على جعفري الذي مل ُي ِ‬ ‫يفوز الرئي�س �أحمدي جناد بفرتة رئا�سية ثانية‪ .‬هذا كله طرح �س�ؤا ًال‬ ‫حول ت�أثري تدخل امل�ؤ�س�سة الع�سكري���ة يف ال�ش�ؤون ال�سيا�سية‪ ،‬وعالقة‬ ‫ذلك مبو�ضوع �شرعية النظام‪.‬‬ ‫رابع ًا‪ :‬ال يبدو �أن النقاط املثارة �أعاله �ستكون بال ت�أثري على �صورة‬ ‫‪� Image‬إيران يف املنطقة ويف العامل‪� .‬إذ لطاملا عمل النظام ال�سيا�سي‬ ‫الإي���راين على �إظهار نف�سه كنظام دميقراطي و�إ�سالمي‪ ،‬يعتمد على‬ ‫ال�شرعية الدينية و�شرعي���ة �صناديق االقرتاع مع ًا‪ ،‬لكن هذه ال�صورة‬ ‫يبدو �أنها ت�أثرت مبا حدث داخلي ًا‪ ،‬وهو �أمر �سيت�ضح �أكرث يف امل�ستقبل‬ ‫القري���ب‪ .‬لذلك يجب عدم ا�ستبعاد ح�صول تغيرّ يف املزاج العام �إزاء‬ ‫�إي���ران‪ ،‬كم���ا �أن ه���ذا املزاج ق���د يتغيرّ ب���دوره �أي�ض ًا يف ح���ال حدوث‬ ‫مواجهة بني �إيران و�إ�سرائيل على خلفية طموحات طهران النووية‪.‬‬ ‫تبعات �أزمة الداخل على �سيا�سات اخلارج �إن‬ ‫العنا�ص���ر الت���ي �سبق ذكره���ا ميكن اعتباره���ا تبعات �سلبي���ة لنتائج‬ ‫االنتخاب���ات الرئا�سية الإيرانية العا�ش���رة‪ ،‬على �أنه من املهم الرتكيز‬ ‫هن���ا على ت�أثري كل ذل���ك يف م�سارات ال�سيا�س���ة اخلارجية الإيرانية‪.‬‬ ‫ويف ه���ذا ال�سياق‪ ،‬من املهم الإ�شارة �إىل �أن تبعات الأحداث الداخلية‬ ‫ق���د تدفع �إيران �إىل �إجراء تعديل تكتيك���ي يف مواقفها املتعلقة ب�أزمة‬ ‫برناجمه���ا النووي‪ ،‬وهو الأمر ال���ذي طرحته �إيران يف اجتماع جنيف‬ ‫مع جمموع���ة ‪ ،5+1‬حيث قبلت �إي���ران بت�صدير ق�سم م���ن اليورانيوم‬ ‫منخف����ض التخ�صيب (م���ن ‪ 3.5‬اىل ‪� )19‬إىل رو�سيا وفرن�سا وحتويله‬ ‫اىل �صفائح ت�ستخدم يف املفاعالت الإيرانية لأغرا�ض بحثية �أو لتوليد‬ ‫الطاق���ة‪ .‬و�إن كان ه���ذا االق�ت�راح ‪ -‬كم���ا يبدو ‪ -‬لن يغ�ي�ر الكثري يف‬ ‫م�سار �أزمة الربنامج النووي ال �سيما يف ظل ا�ستمرار م�شكلة الت�صور‬ ‫ال�سلبي املتبادل بني الدول الغربية و�إيران‪.‬‬

‫حقيقة اجلغرافيا ال�سيا�سية �س ُتبقي �إيران العب ًا ال ميكن �إغفاله يف معادالت املنطقة‬ ‫بغ�ض النظر عن طبيعة النظام ال�سيا�سي الذي ي�سيطر على مقاليد الأمور‬ ‫‪64‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫االنق�سام بني �أهم ال�سيا�سيني الإيرانيني انت�شرت عدواه �إىل املرجعيات والقيادات الدينية التي‬ ‫يرتكز معظمها يف مدينة قم‪ ،‬والتي اختارت �أن تكون بعيدة عن ميدان ال�سيا�سة اليومية‬ ‫ويف �سي����اق مت�ص����ل‪ ،‬ميكن الق����ول �أن هناك ثالث����ة �سيناريوهات‬ ‫حمتملة فيما يخ�ص م�س����ار ال�سيا�سة الإيرانية اخلارجية والداخلية‬ ‫خالل الفرتة املقبلة‪:‬‬ ‫ال�سيناري����و الأول يتمث����ل يف العم����ل عل����ى تهدئة جمي����ع اجلبهات‬ ‫الداخلي����ة منه����ا واخلارجي����ة تكتيكي ًا‪ ،‬وه����ذا يعني داخلي���� ًا اطالق‬ ‫ع����دد م����ن ال�سجناء على ذمة �أح����داث ما بع����د االنتخابات‪ ،‬وكذلك‬ ‫اال�ستم����رار يف احل����وارات الداخلية بني “كبار الق����وم” كما �س ّماهم‬ ‫ها�شمي راف�سنج����اين‪ .‬وثمة ت�أكيد ب�أن هناك ت�صور قد مت حت�ضريه‬ ‫وت�سليم����ه �إىل مكت����ب املر�شد الأعلى للث����ورة اال�سالمية �أية اهلل علي‬ ‫خامنئي‪ .‬ويف هذا الإطار ميكن فهم اخلطوة الإيرانية حول �إمكانية‬ ‫قبول �إيران تخ�صيب بع�ض كميات اليورانيوم يف رو�سيا �أو فرن�سا‪.‬‬ ‫ال�سيناري����و الث����اين يرك����ز عل����ى �إحتمالي����ة �أن تركز �إي����ران على‬ ‫احتواء تطورات امل�شهد ال�سيا�سي الداخلي وكذلك التبعات املختلفة‬ ‫لق����رارات املقاطع����ة االقت�صادي����ة‪ .‬وهذا ق����د يعني ح�ص����ول تراجع‬ ‫ن�سب����ي يف الدور الإقليمي لإيران‪ ،‬ال�سيم����ا يف ملفات �ساخنة كامللف‬ ‫الفل�سطين����ي واللبن����اين والعراقي‪ .‬بي����د �أنه من املهم هن����ا الإ�شارة‬ ‫�إىل �أن ه����ذا الرتاجع �سيكون بطيئ ًا‪ ،‬كم����ا �سريتبط بقدرة الالعبني‬

‫الإقليميني والدوليني الآخرين على تعزيز �أدوارهم يف تلك امللفات‪.‬‬ ‫�أم����ا ال�سيناري����و الثال����ث فريك����ز على احتمالي����ة موا�صل����ة �إيران‬ ‫لنف�����س النهج ال����ذي كانت عليه قبل االنتخاب����ات بالن�سبة ل�سيا�ستها‬ ‫اخلارجي����ة‪ ،‬ب����ل ورمب����ا حتاول زي����ادة وترية ه����ذا ال����دور كجزء من‬ ‫مواجهة �أزمة امل�شروعية التي يتم احلديث عنها ب�شكل وا�ضح خارج‬ ‫�إي����ران وداخله����ا‪ .‬وهذا الأم����ر �سيزي����د بالت�أكيد من توت����ر عالقات‬ ‫�إي����ران اخلارجي����ة م����ع دول الإقليم وم����ع الغرب‪ ،‬و�أه����م م�ؤ�شر على‬ ‫ه����ذا الت�صعيد �سيكون ما �ستئول �إليه �أزم����ة امللف النووي الإيراين‪،‬‬ ‫خ�صو�ص ًا يف ظل الت�أكيد الإيراين على �أن التخ�صيب م�س�ألة �سيادية‬ ‫ال ميكن التخلي عنها‪.‬‬ ‫ومهم����ا يكن من �أمر‪ ،‬ف�����إن حقيقة اجلغرافي����ا ال�سيا�سية �ستُبقي‬ ‫�إي����ران العب ًا ال ميكن �إغفاله يف مع����ادالت املنطقة بغ�ض النظر عن‬ ‫طبيعة النظام ال�سيا�سي الذي ي�سيطر على مقاليد الأمور‪ .‬لكن هذا‬ ‫ال����دور �أمامه حتدي ي�صع����ب جتاهله‪ ،‬وهو ال����دور الرتكي املتنامي‪،‬‬ ‫والذي ي����راه الالعبون الإقليميون وكذلك الدوليون �أكرث توازن ًا فيما‬ ‫يتعلق بالتعامل مع ملفات ال�شرق الأو�سط التي تزداد �سخونتها يوما‬ ‫بعد يوم‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪65 2009‬‬


‫املراقب اال�سرتاتيجي‬

‫ما وراء‬

‫التقارب ال�سعودي‪ -‬ال�سوري‬

‫وما بعده‬

‫على مدى �س��نوات الت�س��عينيات من القرن املا�ضي �شكّل املحور امل�صري – ال�سعودي – ال�سوري حمور ال�سيا�سة العربية‪،‬‬ ‫فق��د كان ي�ص��وغ املواق��ف ال�سيا�س��ية للمنطق��ة العربية م��ن جممل الق�ض��ايا الرئي�س��ية كاملوقف من عملية ال�س�لام‬ ‫و�إ�س��رائيل‪ ،‬واملوق��ف م��ن الع��راق وبالتايل من نظام الرئي�س ال�س��ابق �ص��دام ح�س�ين‪ ،‬واملوقف من الوالي��ات املتحدة‬ ‫كطرف دويل رئي�سي مهتم بل وفاعل وم�ؤثر يف املنطقة‪.‬‬

‫ر�ضـــوان زيــــادة‬

‫وعلى الرغم من االختالفات اجلزئية والثانوية التي كانت تخت�ص‬ ‫به����ا كل دول����ة من هذه ال����دول الثالث (م�ص����ر‪ ،‬ال�سعودي����ة‪� ،‬سورية)‪،‬‬ ‫ف�����إن املوقف العام جتاه ه����ذه الق�ضايا كان متفق ًا علي����ه �ضمني ًا بينها‪،‬‬ ‫وكان التن�سيق بني هذه ال����دول على �أعلى امل�ستويات ويت�صف بالدورية‬ ‫الدائم����ة‪ ،‬فمث ًال التقى الرئي�س ال�سوري الأ�سبق حافظ الأ�سد بالرئي�س‬ ‫كل من دم�شق‬ ‫امل�ص����ري ح�سن����ي مبارك يف ع����ام ‪ 1999‬ت�سع م����رات يف ٍ‬ ‫ش����ر يعك�س م����دى الت�ش����اور والتن�سيق ب��ي�ن البلدين‪،‬‬ ‫والقاه����رة‪ ،‬يف م�ؤ� ٍ‬ ‫وكذلك م�ست����وى الزيارات بني ال�سعودية و�سوري����ة مل يكن ب�أقل حرارة‬ ‫من مثيله مع م�صر‪.‬‬ ‫العق��د ال��ذي انف��رط التغي��ي�رات التي دخل����ت على هذا‬ ‫املح����ور‪� ،‬أو بح�س����ب ما ي�سمي����ه البع�ض انفراط عقد ه����ذا املحور يعود‬ ‫�إىل �أ�سب����اب داخلية يف كل بلد وخا�صة �سورية‪ ،‬وعوامل �إقليمية ودولية‬ ‫مل ي�صم����د املح����ور �أمامها‪ .‬كان����ت �أوىل هذه التغيريات وف����اة الرئي�س‬ ‫ال�س����وري حافظ الأ�سد وا�ستالم جنله ب�شار الأ�سد ال�سلطة خلف ًا له‪ .‬يف‬ ‫البداية‪ ،‬حاول البلدان (م�ص����ر وال�سعودية) احت�ضان القادم اجلديد‬ ‫ودجم����ه �أو �إعادة ت�أهيله �ضمن املح����ور نف�سه‪ .‬مل يكن الرئي�س ال�سوري‬ ‫اجلديد ميانع يف ذلك‪� ،‬سيما �أن املحور كان مفيد ًا ل�سورية للغاية جلهة‬ ‫التن�سي����ق ال�سيا�سي والأمني امل�ستمر والدع����م االقت�صادي الذي كانت‬ ‫حت�صل عليه من دول اخلليج‪.‬‬ ‫لك����ن امل�شكلة كانت يف عدم تفاعل الكيمياء ال�شخ�صية بني الرئي�س‬ ‫اجلديد وب��ي�ن كال الزعيمني‪ ،‬الرئي�س امل�ص����ري وويل العهد ال�سعودي‬ ‫�آن����ذاك الأمري عبداهلل الذي �أ�صبح فيما بع����د ملك ًا‪ .‬فالرئي�س ال�سوري‬ ‫الق����ادم �إىل ال�سيا�سة بامل�صادفة بحكم وف����اة �أخيه الكبري با�سل الذي‬ ‫‪66‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫كان مهي�����أً ليخلف وال����ده‪ ،‬كان �أكرث اهتمام ًا يف بن����اء �شعبيته‪ ،‬وب�سبب‬ ‫ع����دم اخل��ب�رة الكافية �س ّبب����ت خطابات����ه يف م�ؤمترات القم����ة العربية‬ ‫الت����ي عقدت يف عامي ‪ 2001‬و‪ 2002‬بع�ض احلما�سة يف ال�شارع العربي‪،‬‬ ‫لكنها قوبلت بفت����ور من قبل القادة العرب الذين وجدوا فيها نوع ًا من‬ ‫«تعليمه����م الدرو�س الت����ي حفظوها» مم����ن ال يتقن ال�سيا�س����ة �أو يتعلم‬ ‫فنونها بعد‪.‬‬ ‫وم����ع اغتيال رئي�����س الوزراء اللبن����اين رفيق احلري����ري يف �شباط‪/‬‬ ‫فرباي����ر ‪ 2005‬واته����ام �سورية باغتيال����ه‪ ،‬دخلت العالق����ات ال�سورية ‪-‬‬ ‫ال�سعودي����ة مرحل����ة جدي����دة خا�صة �أن احلري����ري كان ميث����ل ال�سيا�سة‬ ‫ال�سعودي����ة يف امل�ش����رق العربي‪ ،‬ويحتفظ بعالق����ات تارييخة ووثيقة مع‬ ‫ال�سعودي����ة‪ ،‬فاغتيال����ه م ّث����ل ا�ستهداف���� ًا لل�سيا�سة ال�سعودي����ة يف لبنان‪،‬‬ ‫ولذلك دخل����ت العالقات ال�سعودية ‪ -‬ال�سوري����ة يف مرحلة اتهام و�شك‬ ‫عمي����ق تخللها الكثري م����ن الهجمات الإعالمية ب��ي�ن الطرفني‪ ،‬ثم �أتى‬ ‫خط����اب الأ�س����د ال����ذي �أعقب ح����رب متوز‪/‬يوليو ‪ 2006‬ب��ي�ن حزب اهلل‬ ‫و�إ�سرائيل ليق�صم الق�شة يف العالقات بني الطرفني‪.‬‬ ‫فقد كانت ال�سعودية وم�صر كلتاهما اتهمتا حزب اهلل بتوريط لبنان‬ ‫بحرب لي�س له خي����ار فيها‪ ،‬وكلفت لبنان كثري ًا‪ .‬ومع‬ ‫كحكوم����ة وك�شعب ٍ‬ ‫�صم����ود حزب اهلل يف وجه الآلة الع�سكري����ة الإ�سرائيلية‪ ،‬ف�إن ذلك دفع‬ ‫الأ�س����د لو�صف القادة العرب الذين انتقدوا حزب اهلل ب�أنهم «�أن�صاف‬ ‫رجال»‪.‬‬ ‫و�إذا عرفنا �أن العالقات العربية ‪ -‬العربية غالب ًا �أو دائم ًا ما حتكمها‬ ‫�أو حتركه����ا ال�سلوكي����ات ال�شخ�صي����ة للق����ادة بحكم غي����اب امل�ؤ�س�سات‬ ‫ر�ض ــوان زيـ ــادة باحث يف امل�ؤ�س�سة الوطنية للدميقراطية (‪ – )NED‬وا�شنطن‪.‬‬

‫الد�ستوري����ة وال�سيا�سي����ة يف معظم الدول العربية‪ ،‬ف�����إن اتهامات بهذا‬ ‫احلج����م �ستنعك�س بكل ت�أكي����د على العالقات ال�سيا�سي����ة بني البلدين‪.‬‬ ‫ولذل����ك دخل����ت العالق����ات ال�سعودي����ة – ال�سورية مرحل����ة عا�صفة من‬ ‫االتهامات ال�شخ�صية و�صلت على م�ستوى وزراء اخلارجية بني البلدين‪،‬‬ ‫ومل تفل����ح عمليات الو�ساطة يف تهدئة الطرف��ي�ن‪ .‬ومع تدخل الأطراف‬ ‫الدولية‪ ،‬وال �سيما الواليات املتحدة التي طورت يف عهد الرئي�س ال�سابق‬ ‫ج����ورج بو�ش �سيا�سة املح����اور يف املنطقة العربية �أو هكذا كانت حت�سب‬ ‫كمحور �إيراين ‪� -‬سوري وي�ضم احلركات الراديكالية يف امل�شرق العربي‬ ‫كحما�����س وح����زب اهلل واجلهاد الإ�سالمي وغريه����م‪ ،‬وحمور االعتدال‬ ‫العربي الذي ي�ضم ال�سعودية وم�صر والأردن وغريها‪ ،‬وترافق ذلك مع‬ ‫تعم����ق توتر العالقات ال�سورية ‪ -‬الأمريكي����ة وو�صولها �إىل حد التهديد‬ ‫بتغيري النظام ال�سوري بعد �سقوط «�شقيقه» يف بغداد‪.‬‬ ‫وه����ذا ما �أج����ج اخلالف ال�سعودي ‪ -‬ال�س����وري‪ ،‬ودفع به �إىل مرحلة‬ ‫التوت����ر العلن����ي وت�ض����ارب امل�صال����ح ولي�����س �أقله����ا تخفي�����ض التمثي����ل‬ ‫الدبلوما�سي‪ ،‬كما ظهر ذلك علن ًا يف عدم ح�ضور القادة العرب ال�سيما‬ ‫الزعيم��ي�ن ال�سع����ودي وامل�صري‪ ،‬القمة العربية الت����ي ُع ِقدت يف دم�شق‬ ‫عام ‪.2008‬‬ ‫تقارب ُمع ّلق؟ يف الواقع �أي ًا من هذه اخلالفات ح ّل‪ ،‬بقدر ما‬ ‫جرى تركها للزمن وتعليقها بقدر ما تدفع التغيريات الدولية والإقليمية‬ ‫ملواق����ف جديدة‪ .‬وفع ًال مع قدوم �إدارة �أمريكية جديدة بقيادة الرئي�س‬ ‫باراك �أوباما‪ ،‬والذي تعهد خالل حملته االنتخابية بت�شجيع احلوار مع‬ ‫�إي����ران و�سورية‪ ،‬وهو ما بد�أ به منذ اليوم الأول من ا�ستالم �إدارته مما‬ ‫ب�شكل كبري على تخفيف التوتر الأمريكي ‪ -‬الإيراين‪ ،‬وا�ستبدال‬ ‫�ساعد ٍ‬

‫�سيا�سة دعم احللفاء وت�شكيل املحاور ب�سيا�سة تهدف ب�شكل رئي�س �إىل‬ ‫دع����م اال�ستق����رار يف املنطقة‪ ،‬وعل����ى ر�أ�س ذلك حتقي����ق اال�ستقرار يف‬ ‫العراق‪ .‬ولذلك فرت التوتر ال�سعودي ‪ -‬الإيراين‪ ،‬وب�شكل مبا�شر التوتر‬ ‫ال�سوري ‪ -‬ال�سعودي‪.‬‬ ‫ثم �أتت مبادرة امللك عبد اهلل يف قمة الكويت يف جمع القادة العرب‬ ‫به����دف حل اخلالفات كمب����ادرة باجتاه حت�سني الأج����واء ال�سعودية –‬ ‫ال�سوري����ة‪ ،‬وفع ً‬ ‫��ل�ا جرى تب����ادل الزيارات ب��ي�ن م�س�ؤولني عل����ى م�ستوى‬ ‫ق����ادة �أجهزة املخابرات يف كال البلدي����ن‪ ،‬ثم جرى تبادل الر�سائل بني‬ ‫الطرف��ي�ن مما مهد لزيارات متبادلة على م�ست����وى قادة البلدين‪ ،‬فقد‬ ‫زار الرئي�����س ال�سوري الريا�ض مبنا�سبة افتت����اج جامعة امللك عبد اهلل‬ ‫للعل����وم والتكنولوجي����ا‪ ،‬ثم قام املل����ك ال�سعودي بزي����ارة دم�شق يف �أول‬ ‫زيارة له منذ ا�ستالمه العر�ش يف ت�شرين الأول ‪�/‬أكتوبر ‪.2009‬‬ ‫وبذلك ميكن القول �أن ملف اخلالف ال�سعودي – ال�سوري قد ُ�س ِّوي‬ ‫تقريب���� ًا‪ ،‬ولكن����ه مل يعد �إىل طبيعت����ه على م�ستوى التن�سي����ق الدائم بني‬ ‫الطرف��ي�ن كما كانت احلال خالل عقد الت�سعينيات من القرن املا�ضي‪.‬‬ ‫فهناك الكثري من امللفات التي مل حتل و�إمنا جرى ت�أجيلها فقط‪ ،‬ولي�س‬ ‫�أوله����ا ا�ستكم����ال التحقيقات يف مل����ف اغتيال رئي�س ال����وزراء اللبناين‬ ‫ال�ساب����ق رفي����ق احلري����ري‪ ،‬وملف التحال����ف اال�سرتاتيج����ي ال�سوري ‪-‬‬ ‫الإي����راين‪ ،‬وغري ذلك من امللفات‪ .‬وم����ا مل تتح�سن العالقات امل�صرية‬ ‫حال من‬ ‫– ال�سورية‪ ،‬التي مل يطر�أ عليها �أي حت�سن وا�ستقرت على ٍ‬ ‫الربود‪ ،‬ف�إن ملف العالقات ال�سعودية ‪ -‬ال�سورية ُمع ّر�ض لالنتكا�س يف‬ ‫�أي حلظة‪ ،‬ال �سيما �أن ال م�ؤ�س�سات �سيا�سية ترعاه وحتميه بقدر ما هي‬ ‫طي ملف اخلالف‪.‬‬ ‫نيات ح�سنة و�أمنيات يف ّ‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪67 2009‬‬


‫املراقب اال�سرتاتيجي‬

‫لي�س �س��ر ًا �أن ت�ص��اعد االهتمام الإقليمي املكثف ب�س��ورية‪ ،‬وخ�صو�ص�� ًا خالل‬ ‫الأ�ش��هر القليلة املا�ض��ية‪ ،‬له عالقة بامل�س��اعي املتعددة وغ�ير الناجزة جلهة‬ ‫ف�صل �سورية عن �إيران وتفكيك احللف ال�سوري‪ -‬الإيراين‪.‬‬

‫فعلى �سبيل املثال‪� ،‬أتت الزيارة املهمة للعاهل ال�سعودي �إىل دم�شق‬ ‫(منت�ص���ف ت�شري���ن الأول‪� /‬أكتوب���ر املا�ض���ي) ولقاءه م���ع الرئي�س‬ ‫ال�سوري ب�ش���ار الأ�سد يف �سياق الرغبة احلثيث���ة لإعادة �سورية �إىل‬ ‫الف�ض���اء العربي‪ ،‬كما �أن الت�سهي�ل�ات املتناهية التي و ّفرها االتفاق‬ ‫احل���دودي الأخري بني �أنقرة ودم�شق‪ ،‬من �ش�أنه���ا جعل تركيا بوابة‬ ‫�سوري���ة �إىل �أوروب���ا والعامل‪ ،‬ما يعن���ي خرق حم���اوالت العزل التي‬ ‫ميار�سها الغرب �ضد �سورية جراء حتالفها مع �إيران‪.‬‬ ‫ورغ���م هذا‪ ،‬ال يب���دو‪ ،‬حت���ى الآن‪� ،‬أن ثمة نتيجة جلمل���ة امل�ساعي‬ ‫الغربي���ة والإقليمي���ة بخ�صو�ص تفكي���ك احللف ال�س���وري الإيراين‬ ‫القائ���م‪� ،‬إذ ال ي���زال احلليف���ان ي�ش���ددان عل���ى ثب���ات العالق���ات‬ ‫الإ�سرتاتيجية القائمة بينهما ويفعالن ما بو�سعهما لتكري�س ال�صورة‬ ‫االعتيادي���ة التي يت�صف بها التحالف ال�سوري – الإيراين باعتباره‬ ‫�أحد املعامل الأ�سا�سية ل�سيا�س���ات ال�شرق الأو�سط‪ ،‬ولت�أكيد �أن هذا‬ ‫التحال���ف م���ا زال ناجح ًا ومثمر ًا منذ ت�أ�سي�س���ه قبل �أكرث من ت�سعة‬ ‫وع�شري���ن عام ًا‪ ،‬و�أن امل�سار الراهن للعالقات ال�سورية الإيرانية ما‬ ‫يزال را�سخ ًا وقوي ًا مل يتغري‪ ،‬وغري قابل يف الوقت الراهن لأن ي�شهد‬ ‫حتو ًال جوهري ًا‪.‬‬ ‫‪68‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫معاذ الأ�شهبي‬

‫لعبة �س��ورية يف التحركات الغربية يف �سبيل ف�صل �سورية‬ ‫عن �إيران وتفكي���ك حتالفهما‪ ،‬ثمة ت�س���ا�ؤالت مفتوحة عن �إمكانية‬ ‫جناح الغرب يف هذا الف�صل من خالل معادلة غري ناجزة‪ ،‬تلبي ما‬ ‫حتتاجه �سورية من فر�ص اقت�صادية بديلة و�شرعية �سيا�سية �أكرب‪،‬‬ ‫وحتق���ق احلاجات الأمريكية املعلنة جلهة مواجهة �إيران والتطرف‬ ‫الإ�سالم���ي والقي���ام‪ ،‬بالت���ايل‪ ،‬بتح���رك ا�ستباق���ي �ض���د الأرا�ضي‬ ‫الإيرانية!‬ ‫لك���ن امل�س�ألة لي�ست بهذه الب�ساطة‪ ،‬وال ميكنها �أن تتم وفق معادلة‬ ‫تبجح���ة تنزع عن ال�سيا�س���ة ال�سورية كل �أهمي���ة ومغزى‪� .‬صحيح‬ ‫ُم ِّ‬ ‫�أن التحال���ف ال�س���وري الإيراين هو يف املح�صل���ة ت�شكيل جلملة من‬ ‫العالق���ات الثنائي���ة القائمة ب�ي�ن الدولت�ي�ن‪ ،‬لكنها حم�صل���ة ت ُِخل‬ ‫بالتف�صي�ل�ات املهم���ة‪ ،‬كم���ا �أن �إرها�ص���ات ه���ذه العالق���ات والتي‬ ‫ن�صها؛ لأنها‬ ‫جعلتها عن�صر ًا �أ�سا�سي ًا يف �سيا�سات املنطقة �أكرب من ّ‬ ‫مرتبطة بتاريخ وفعل ي�شكالن ال�صورة الأ�شد لإ�شكاالت املنطقة‪.‬‬ ‫ويف ه���ذا ال�سياق‪ ،‬فقد فت���ح انت�صار الث���ورة الإ�سالمية يف �إيران‬ ‫ع���ام ‪ 1979‬الب���اب وا�سع��� ًا لوج���ود م�صال���ح م�شرتكة ب�ي�ن طهران‬ ‫ودم�شق‪ ،‬وي�ؤرخ كثريون ت�أ�سي�س التحالف ال�سوري‪ -‬الإيراين بالعام‬ ‫معاذ الأ�شهبي باحث وكاتب من اليمن‪.‬‬

‫‪ 1980‬وه���و تاريخ بداية احلرب العراقي���ة الإيرانية‪ .‬غري �أن م�شهد‬ ‫ه���ذا التحالف جتلى بو�ضوح يف وقوف �سورية �إىل جانب �إيران �ضد‬ ‫الع���راق خ�ل�ال �سني احلرب ‪ ،1988 – 1980‬و�أي�ض��� ًا يف حتول �إيران‬ ‫�إىل ط���رف غري مبا�شر يف ال�صراع مع �إ�سرائيل من خالل حتالفها‬ ‫م���ع �سوري���ة‪ ،‬ويف م ّد طه���ران ذراعها �إىل لبن���ان ومتكنها من خلق‬ ‫«ح���زب اهلل»‪ ،‬كذلك الأمر بالن�سبة �إىل دعم «حما�س» يف فل�سطني‪.‬‬ ‫والواق���ع �أن �إعالن الثورة الإ�سالمية يف �إيران عن رغبتها بت�صدير‬ ‫�شجع ال�سيا�س���ة ال�سورية على اال�صطفاف‬ ‫نف�سه���ا �إىل دول اجلوار ّ‬ ‫�إىل جان���ب الإيرانيني يف احلرب بني �إي���ران والعراق بحجة تهدئة‬ ‫العداء بني الدول العربية و�إيران‪.‬‬ ‫والآن �أي�ض��� ًا‪ ،‬كم���ا كان م���ن قب���ل‪ ،‬ال توج���د �إمكاني���ة يف التقدير‬ ‫اال�سرتاتيج���ي ال�سوري لرتك الإيراني�ي�ن جانب ًا �أو فك حتالفهم مع‬ ‫طه���ران‪ .‬ويفه���م ال�سوري���ون �أن اال�صطفاف �إىل جان���ب العرب لن‬ ‫ي�ساع���د عل���ى التخفيف من املخاطر الأمني���ة امل�سلطة على دم�شق‪،‬‬ ‫وال على تعزيز م�صالح �سورية الإقليمية‪ .‬ورغم تباين وجهات نظر‬ ‫ال يبدو‪ ،‬حتى الآن‪� ،‬أن ثمة نتيجة جلملة‬ ‫امل�ساعي الغربية والإقليمية بخ�صو�ص‬ ‫تفكيك احللف ال�سوري الإيراين القائم‪،‬‬ ‫�إذ ال يزال احلليفان ي�شددان على ثبات‬ ‫العالقات الإ�سرتاتيجية القائمة بينهما‬

‫(‬

‫م�صيـر التحـالــف‬

‫ال�سوري ‪ -‬الإيراين‬

‫)‬

‫املمانعة‬

‫والتفـكيك‬ ‫كل م���ن �سوري���ة و�إيران حول الكث�ي�ر من امل�سائ���ل‪� ،‬إال �إنهما كانتا‬ ‫عل���ى اتفاق على امل�س�ألة الأهم وه���ي �أن الوجود الع�سكري الغربي‬ ‫والأمريك���ي‪ ،‬خ�صو�ص ًا يف اخلليج ويف الع���راق‪ ،‬يهدد م�صاحلهما‬ ‫كاف لهما لتمتني دعائ���م التحالف‬ ‫الإ�سرتاتيجي���ة‪ ،‬وه���ذا �سب���ب ٍ‬ ‫القائم بينهما‪.‬‬ ‫ويف الوق���ت نف�س���ه‪ ،‬يحر�ص ال�سوري���ون على ا�ستخ���دام دورهم‬ ‫املحوري مبهارة لال�ستف���ادة ب�أق�صى درجة ممكنة من الإيرانيني‬ ‫والعرب‪ .‬وقد �ساهمت �إ�سرتاتيجية �سورية يف التعامل مع حميطها‪،‬‬ ‫�س���واء العربي �أو غري العرب���ي‪ ،‬يف تعزيز موقفه���ا الإقليمي و�سط‬ ‫عزل���ة �أوروبية و�أمريكية‪ .‬ويف ظل الن�ش���اط املحموم الطاغي على‬ ‫املنطق���ة‪ ،‬ا�ستطاعت �سوري���ة تعظيم قوتها من خ�ل�ال انخراطها‬ ‫يف لعبة مزدوجة ب�ي�ن الطرفني؛ فهي من جهة متنح �إيران فر�صة‬ ‫ممار�س���ة نفوذ ميتد م���ن �سورية �إىل الأرا�ض���ي الفل�سطينية حتت‬ ‫�سلطة «حما�س» التي تعترب حليف ل�سورية و�إيران‪ .‬ومن جهة �أخرى‬ ‫تعت�ب�ر �سورية نف�سها‪ ،‬وهي املرتعة بالطوائ���ف الدينية والعرقيات‬ ‫املختلف���ة‪ ،‬العب ًا �أ�سا�سي ًا �ضمن اجله���ود ال�سنية الرامية �إىل احلد‬ ‫من مت���دد النفوذ ال�شيعي يف املنطقة‪ ،‬وق���د �ساعدها هذا التوجه‬ ‫على اجتذاب اال�ستثم���ارات العربية من اخلليج وحت�سني �صورتها‬ ‫لدى جريانها العرب‪.‬‬ ‫�س��ورية كلعب��ة رغ���م ت�شدي���د ال�سوريني عل���ى عالقاتهم‬ ‫الوثيقة جد ًا ب�إيران‪� ،‬إال �أنهم يدركون �أن هذه العالقات لي�ست بال‬ ‫ح���دود‪ ،‬ويفهمون �أي�ض ًا �أنه ال يوج���د يف ال�سيا�سة �أ�صدقاء دائمون‬ ‫�أو �أعداء دائمون‪ ،‬و�إمنا م�صالح دائمة‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪69 2009‬‬


‫املراقب اال�سرتاتيجي‬ ‫وم���ا ي�ؤكد �أن العالقات بني �سورية و�إي���ران هي عالقات م�صلحة‪،‬‬ ‫و�أن الظ���روف الت���ي م��� ّر به���ا كال البلدين ه���ي الت���ي �أدت ايل هذا‬ ‫التحال���ف‪� ،‬أن �إي���ران‪ً ،‬‬ ‫مث�ل�ا‪ ،‬مل تق���م مب�شاركة �سوري���ة يف املعرفة‬ ‫النووية الت���ي متتلكها �أو يف تكنولوجيا ال�صواري���خ املتطورة‪ .‬كما �أن‬ ‫العالقات بينهما مل ت�سر على منط واحد؛ ففي البداية كانت �سورية‬ ‫هي التي تقدم الدعم ال�سيا�سي لإيران ولها اليد الطوىل يف العالقة‪،‬‬ ‫�أم���ا الآن ف�إيران هي التي لها اليد الط���وىل يف دعم �سورية‪ ،‬ال�سيما‬ ‫يف �ضوء الق���وة الإيرانية املت�صاعدة والعزل الدويل والإقليمي الذي‬ ‫تعر�ض���ت له �سوري���ة‪ .‬وب�سبب �ضعف هذه الأخ�ي�رة وكثافة ال�ضغوط‬ ‫عليها‪� ،‬أخذت العالقات مع �إيران ت�أخذ منحى خمتلف ًا يف غري �صالح‬ ‫�سوري���ة‪ ،‬وبات���ت دم�ش���ق تريد من حتالفه���ا مع �إيران حماي���ة �أمنها‬ ‫املهدد من العراق حيث ترابط القوات الأمريكية‪� ،‬أو من لبنان حيث‬ ‫�أُجبرِ ت على �سحب جي�شها من هناك‪.‬‬ ‫ويف ه���ذا الإط���ار‪ ،‬ي���رى كث�ي�رون �أن �سورية التي حو�ص���رت عربي ًا‬ ‫ودولي ًا وجدت خمرج ًا له���ا �أ�سماه ال�سوريون «عالقات �إ�سرتاتيجية»‬ ‫مع �إيران‪ ،‬و�أن ما يفعل���ه ال�سوريون جمرد ا�ستقواء ب�إيران �أكرث منه‬ ‫حتالف ًا معها‪ .‬وال�شاهد �أن العالقات االقت�صادية بني الدولتني لي�ست‬ ‫مغري���ة كثري ًا ل�سورية؛ فاال�ستثم���ارات الإيرانية يف �سورية ال تتجاوز‬ ‫املليار دوالر‪ ،‬وامليزان التجاري ال�سوري الإيراين عاجز ب�شكل فا�ضح‬ ‫ل�صالح �إي���ران التي تزيد قيمة �صادراتها �إيل �سورية ع�شرين �ضعف ًا‬ ‫من م�ستورداتها منها‪ ،‬كما �أن العالقات الع�سكرية بينهما متوا�ضعة‪.‬‬ ‫ولأن �إيران من الدول القالئل التي تنت�صر ل�سورية وتدعمها وتت�شاور‬ ‫معه���ا‪ ،‬مل يكن على ال�سوري�ي�ن �سوى احلفاظ عل���ى عالقاتهم معها‬ ‫والت�أكيد على �أنها عالقات �إ�سرتاتيجية‪.‬‬ ‫لك���ن هذا ال يعني �أن م�سار العالقات ال�سورية – الإيرانية ال ميكن‬ ‫�أن يتغ�ّي�ررّ ‪ .‬وعلى خلفية التحوالت التي ت�شهدها املنطقة حالي ًا‪� ،‬صار‬ ‫ممكن��� ًا احلدي���ث بحذر ع���ن ح�صول انق�س���ام �سوري – �إي���راين �أو‬ ‫فق���دان حتالف الدولتني قيمته و�أهميته م���ن ناحيتني‪ :‬الأوىل ظهور‬ ‫ب���وادر خالف بينهم���ا يف ملفات ع���دة �أبرزها الع���راق والعالقة مع‬ ‫�أمريكا و�إ�سرائيل‪ ،‬والثانية �سعي �سورية لتقوية مكانتها والبحث عن‬ ‫�أفق �سيا�سي و�إقليمي �أو�سع‪.‬‬ ‫واحلقيق���ة �أن املرتك���ز الفعل���ي لأي دور رئي�س���ي يف عملية تفكيك‬ ‫التحال���ف ال�سوري – الإيراين يقوم عل���ى متغريين �أ�سا�سيني‪ :‬الأول‬ ‫وه���و املتعل���ق مبل���ف التفاو�ض ب�ي�ن �سوري���ة و�إ�سرائي���ل‪ ،‬وخ�صو�ص ًا‬ ‫بعدم���ا با�ش���رت دم�ش���ق وتل �أبي���ب مفاو�ض���ات غري مبا�ش���رة ذات‬ ‫�صيغة جغرافية برعاية تركية كان���ت ورقة التفاو�ض الأ�سا�سية فيها‬ ‫مرتفع���ات اجلوالن ولي�س �شيئ ًا �آخر‪ ،‬ويف ه���ذا ي�صر ال�سوريون على‬ ‫عملية �سالم حم���ددة وممرحلة وحتت �إ�شراف دويل على نحو مينع‬ ‫حتوله���ا �إىل جمرد تفاو����ض هالمي بال مالم���ح يحرجهم يف حالة‬ ‫ق���ررت وا�شنطن وتل �أبيب توجيه �ضربة ع�سكرية لإيران‪� .‬أما املتغري‬ ‫‪70‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫فـي ب�ؤرة االهتمام‬ ‫ال تك��ف التوازن��ات الإ�س�تراتيجية يف ال�ش��رق‬ ‫الأو�س��ط ع��ن التغري‪ ،‬وتفكيك التحالف ال�س��وري –‬ ‫الإيراين �س��يغري بالت�أكيد من وجه املنطقة وب�ش��كل‬ ‫م�ض��اعف‪ ،‬غ�ير �أن فك ه��ذا التحالف لي�س �س��ه ً‬ ‫ال يف‬ ‫الوق��ت الراه��ن‪ ،‬وكي يحدث ف�إنه يتطلب �ش��يئني ال‬ ‫ثال��ث لهما‪� :‬إما �أن تبا�ش��ر الوالي��ات املتحدة حتو ً‬ ‫ال‬ ‫جوهري ًا ل�سيا�س��تها يف ال�ش��رق الأو�سط‪� ،‬أو �أن تتغري‬ ‫�سورية من الداخل‬

‫الث���اين فهي املفا�ضلة الراجحة التي يقيمه���ا ال�سوريون يف ت�سا�ؤلهم‬ ‫امل�شروع عن االمتيازات التي �سيح�صلون عليها من الواليات املتحدة‬ ‫واالحتاد الأوروبي مقاب���ل تخليهم عن طهران‪ .‬ومن املفيد الإ�شارة‬ ‫هن���ا �إىل �أن���ه يف توقيع دم�ش���ق واالحتاد الأوروب���ي منت�صف ت�شرين‬ ‫الأول‪� /‬أكتوب���ر الفائت عل���ى اتفاق ال�شراكة ال�سوري���ة – الأوروبية‪،‬‬ ‫ينته���ز ال�سوريون باب��� ًا م�شرع ًا �أتاح���ه االتفاق الذي يعي���د املنا�شط‬ ‫االقت�صادي���ة الأوربي���ة �إىل م���ا كان���ت عليه قبل جتميده���ا منذ نحو‬ ‫خم�س �سنوات‪ ،‬وبه يبد�أ الغرب خطوات جديدة يف ا�ستقطاب �سورية‬ ‫واحلد من �سطوة الهيمنة الإيرانية عليها‪.‬‬ ‫وختام��� ًا‪ ،‬ال تكف التوازنات الإ�سرتاتيجي���ة يف ال�شرق الأو�سط عن‬ ‫التغ�ي�ر‪ ،‬وتفكيك التحالف ال�سوري – الإي���راين �سيغري بالت�أكيد من‬ ‫وجه املنطقة وب�شكل م�ضاعف‪ ،‬غري �أن فك هذا التحالف لي�س �سه ًال‬ ‫يف الوق���ت الراهن‪ ،‬وكي يحدث ف�إنه يتطل���ب‪ ،‬يف تقديرنا‪� ،‬شيئني ال‬ ‫ثالث لهما‪� :‬إما �أن تبا�شر الواليات املتحدة حتو ًال جوهري ًا ل�سيا�ستها‬ ‫يف ال�شرق الأو�سط‪� ،‬أو �أن تتغري �سورية من الداخل‪.‬‬

‫قراءات فـي ال�سيا�سة واالقت�صاد وال�ش�ؤون اجلارية‬

‫هل ينجح الرهان الأمريكي على ال�صوفية؟‬

‫عمار علي ح�سن‬

‫املخا�ض ال�صعب للعملة اخلليجية املوحدة‬

‫�أحمد �أحمد مطهر‬

‫ملاذا مل تكن القومية العربية ليربالية؟‬

‫�أحمد عبدالكرمي �سيف‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ا�سرتاتيجية‬

‫العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪71 2009‬‬


‫فـي ب�ؤرة االهتمام‬

‫العملة اخلليجية املوحدة‬ ‫وخما�ضها ال�صعب‬ ‫يف ظل الأزمة املالية العاملية‪ ،‬والتي ع�صفت باالقت�صاديات العاملية الكربى وطالت �آثارها جميع‬ ‫دول العامل �سواء ب�شكل مبا�شر �أو غري مبا�شر‪� ،‬سعت الكثري من هذه الدول �إىل �إيجاد حلول‬ ‫�سريعة وناجعة لعلها ت�ساعد يف ت�ضميد جراح ما �أحدثته الأزمة‪ ،‬وخا�صة يف هذه املرحلة التي‬ ‫ينظر �إليها على نطاق وا�سع باعتبارها �أهم مراحل الأزمة املالية و�أكرثها خطورة‪.‬‬ ‫�أحمد �أحمد مطهر‬ ‫ويف ه���ذا الإط���ار‪ ،‬اكت�سبت فكرة االندم���اج والتكام���ل اقت�صادي ًا‬ ‫طابع ًا ملح ًا بو�صفها �إح���دى احللول املطروحة بقوة لإنقاذ االقت�صاد‬ ‫العامل���ي‪ ،‬ل���ذا اجتهت الكث�ي�ر من ال�ش���ركات العمالقة و�أ�س���واق املال‬ ‫العاملي���ة يف الف�ت�رة الأخ�ي�رة �إىل الأخذ بهذا النهج لت�ل�ايف انهيارها‬ ‫ج��� ّراء الكارثة املالية‪ .‬ومل تكن دول جمل����س التعاون اخلليجي مبن�أى‬ ‫ع���ن فكرة االندم���اج والتكام���ل االقت�صاديني بطبيعة احل���ال‪ ،‬وحتى‬ ‫يتبلور ذلك ب�صورة وا�ضحة‪ ،‬فقد ا�ست�شعر القادة اخلليجيون �ضرورة‬ ‫امل�ض���ي يف م�شروعه���م الق���دمي اخلا����ص ب�إ�ص���دار العمل���ة اخلليجية‬ ‫املوحدة‪ ،‬وحددوا لهذه اخلطوة �إطار ًا زمني ًا يبد�أ العام املقبل ‪.2010‬‬ ‫واملع���روف �أن فك���رة �إ�صدار عمل���ة خليجية موح���دة لي�ست وليدة‬ ‫اللحظة �أو نتاج للأزمة املالية الأخرية‪ ،‬ولكن �أهمية الإ�سراع با�ستكمال‬ ‫�إج���راءات �إ�صدار هذه العملة ظهرت على ال�سطح بقوة نتيجة للك�ساد‬ ‫ال���ذي �أ�صاب العامل و�أدى �إىل حدوث تدهور يف �أ�سعار النفط ب�صورة‬ ‫مفزع���ة‪ ،‬مما �أثر ب�شكل كبري يف معظ���م االقت�صادات اخلليجية التي‬ ‫تعتمد ب�شكل �أ�سا�سي على العائدات النفطية‪.‬‬ ‫متت���د جذور فك���رة �إ�ص���دار عملة خليجي���ة موحدة ل���دول جمل�س‬ ‫التع���اون اخلليج���ي �إىل الف�ت�رة نف�سها الت���ي �شهدت ن�ش����أة املجل�س؛‬ ‫فقد �أ�شارت الوثيقتان الرئي�سيت���ان للمجل�س‪ ،‬وهما النظام الأ�سا�سي‬ ‫واالتفاقي���ة االقت�صادية املوحدة لع���ام ‪� ،1981‬إىل اخلطوط العري�ضة‬ ‫واملعامل الأ�سا�سية والعامة لربنامج تعاون وتكامل اقت�صاديني تنخرط‬ ‫في���ه دول اخللي���ج العربية املن�ضوي���ة يف املجل�س‪ ،‬مب���ا يف ذلك العمل‬ ‫عل���ى توحيد العملة لتك���ون متممة للتكامل االقت�ص���ادي املن�شود‪ .‬وقد‬ ‫واف���ق املجل�س الأعل���ى يف كانون الأول‪/‬دي�سم�ب�ر ‪ 2001‬على الربنامج‬ ‫‪72‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫الزمن���ي لإقام���ة احتاد نقدي خليج���ي‪ ،‬والذي يق�ض���ي بجعل الدوالر‬ ‫الأمريك���ي ُمثبت��� ًا م�ش�ت�رك ًا لعمالت دول جمل����س التعاون قب���ل نهاية‬ ‫‪ .2002‬كم���ا يق�ضي الربنام���ج ب�أن تتفق الدول الأع�ض���اء على معايري‬ ‫تق���ارب الأداء االقت�صادي ذات العالق���ة باال�ستقرار املايل والنقدي‪،‬‬ ‫وه���ي املعايري الالزمة لنجاح االحتاد النقدي قبل نهاية ‪ ،2005‬وذلك‬ ‫متهي���د ًا لإط�ل�اق العملة يف موعد ال يتج���اوز الأول من كانون الثاين‪/‬‬ ‫يناير ‪.2010‬‬ ‫�إن حتقيق الوحدة النقدية بني دول اخلليج العربية و�إ�صدار العملة‬ ‫اخلليجي���ة املوحدة لي����س بالأمر اله�ّي‪،‬نّ ‪ ،‬و�إن كان يف ذات الوقت غري‬ ‫م�ستحيل‪ .‬ف�إذا �أخذنا التجربة الأوروبية بعني االعتبار‪ ،‬ف�إننا جند �أن‬ ‫دول املجموع���ة الأوروبية قد �أم�ض���ت نحو ن�صف قرن منذ بزوغ فكرة‬ ‫االحتاد الأوروبي عام ‪� ،1946‬إىل �أن متخ�ضت معاهدة “ما�سرتخت”‬ ‫وظه���رت �إىل الوجود‪ ،‬وهي املعاهدة الت���ي و�ضعت الإطار العام لقيام‬ ‫الوح���دة النقدية الأوروبية وح���ددت مراحل الو�صول �إىل �صدور عملة‬ ‫موح���دة وذل���ك مببارك���ة ‪ 15‬دول���ة �أوروبية‪ ،‬وم���ن ّثم دخوله���ا – �أي‬ ‫املعاه���دة ‪ -‬ح ّيز التنفي���ذ يف ت�شرين الثاين‪/‬نوفم�ب�ر ‪� 1993‬إىل حني‬ ‫البدء بطرح عملة اليورو يف الأ�سواق يف كانون الثاين‪/‬يناير ‪.2002‬‬ ‫لقد قطعت دول االحتاد الأوروبي �أ�شواط ًا ومراحل عدة متكنت من‬ ‫خالله���ا الإيفاء ب�إلتزامات الوحدة النقدية وحتقيق املعايري امل�شرتكة‬ ‫له���ذه الوح���دة‪� ،‬إىل �أن و�صل الي���ورو �إىل يد مواطن���ي االحتاد بعد �أن‬ ‫كان جمرد فكرة وحلم يراود خاطرهم؛ فهل من املمكن – يف املقابل‬ ‫ �أن ت�صب���ح الفكرة واحللم الذي ظل ي���راود املواطن اخلليجي منذ‬‫ت�أ�سي�س جمل�س التعاون ل���دول اخلليج العربية‪ ،‬بتتويج عملية التكامل‬ ‫�أحمد �أحمد مطهر كاتب من اليمن‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪73 2009‬‬


‫فـي ب�ؤرة االهتمام‬ ‫االقت�ص���ادي ب�ي�ن دول املجل����س‪ ،‬و�إ�ص���دار العملة اخلليجي���ة املوحدة‬ ‫يف موعده���ا‪ ،‬حلم��� ًا ممك���ن التحقيق كم���ا ح�صل يف جترب���ة االحتاد‬ ‫الأوروبي‪ .‬واحلقيقة �أن الإجابة على هذا ال�س�ؤال لي�س �أمر ًا �سه ًال‪� ،‬إال‬ ‫�أن الظروف االقت�صادية املت�شابهة بني دول جمل�س التعاون اخلليجي‪،‬‬ ‫بالإ�ضاف���ة �إىل امت�ل�اك دول املجل�س‪ ،‬بعك�س ما ه���و عليه الو�ضع لدى‬ ‫دول االحت���اد الأوروبي‪ ،‬مقومات مهمة مث���ل التاريخ امل�شرتك والدين‬ ‫واللغة والعادات قد ت�ساعد يف اخت�صار الوقت وحتقيق عملية التكامل‬ ‫االقت�ص���ادي‪ ،‬الت���ي �ستت���وج ب�إ�ص���دار العملة اخلليجي���ة املوحدة على‬ ‫اعتب���ار �أن �إ�صدار العملة املوح���دة يعد �أعلى مراح���ل عملية التكامل‬ ‫االقت�ص���ادي بني الدول‪ ،‬وذلك جت�سي���د ًا لرغبة دول املجل�س يف زيادة‬ ‫التعاون والتكامل بينها‪ ،‬وال�سعي الدءوب ملوا�صلة العمل نحو ا�ستكمال‬ ‫�إقام���ة هذا التكامل االقت�صادي �أ�سوة بالتكتالت االقت�صادية العاملية‬ ‫كاالحتاد الأوروبي مث ًال‪.‬‬ ‫ويف هذا ال�سياق‪ ،‬ت�شري درا�سة �أعدها �صندوق النقد الدويل �إىل �أن‬ ‫�أي �سلبيات حمتملة للعمل���ة املوحدة يف دول جمل�س التعاون اخلليجي‬ ‫�ستك���ون �أقل �ش�أن ًا مما هي عليه يف التجمعات الأقليمية الأخرى‪ ،‬مثل‬ ‫منطقة اليورو وغريها‪ ،‬وذلك لأن دول املجل�س مل تلج�أ يف املا�ضي �إىل‬ ‫تعدي���ل ترتيبات �أ�سعار �صرف عمالته���ا �إال يف القليل النادر‪ ،‬ما يعني‬ ‫�ض�آل���ة احتمال ا�ستخدامها لهذا املخ���رج يف ظل الظروف الت�ضخمية‬ ‫املختلف���ة �أو لأي �سبب �آخر‪� .‬إ�ضاف���ة �إىل �أن الت�شابه بني االقت�صادات‬ ‫اخلليجية بنيوي ًا‪ ،‬من حيث اعتمادها ب�صورة كبرية على ال�صادارات‬ ‫النفطي���ة‪� ،‬سيجعل من �أي �صدم���ة م�ستقبلية حمتملة‪ ،‬تطاول كل دول‬ ‫املجل�س ولي�س دولة بعينها‪.‬‬ ‫عل���ى �أنه‪ ،‬وبالرغم من ذلك‪ ،‬ف�إن االلتزامات والرتتيبات الالزمة‬ ‫لإ�ص���دار عملة موحدة كثرية وتت�سم ببع�ض املعوقات التي يتوجب على‬ ‫كل دول���ة من ال���دول الأع�ضاء الوفاء بها‪ ،‬ومن �أب���رز هذه الإلتزامات‬ ‫ر�سم حد �أق�صى للت�ضخم على �أن ال يتجاوز ‪ %2‬فوق متو�سط معدالت‬ ‫الت�ضخم يف كل دولة من دول جمل�س التعاون اخلليجي‪ ،‬ووجود هام�ش‬ ‫م�ش�ت�رك ملع���دالت الفائدة بحيث ال تتج���اوز �أ�سع���ار الفائدة ق�صرية‬ ‫الأجل ‪ %2‬فوق متو�سط �أدنى ثالثة معدالت يف كل دولة‪ ،‬ون�سبة عامة‬ ‫للدين احلكومي من الناجت املحلي على �أن ال تتجاوز ن�سبة الدين العام‬ ‫‪ %60‬م���ن الن���اجت املحلي الإجم���ايل للحكومة العام���ة و‪ %70‬للحكومة‬ ‫املركزي���ة‪ ،‬كم���ا يج���ب �أن يغط���ي احتياطي النق���د الأجنب���ي واردات‬ ‫الب�ضائ���ع لأربع���ة �أ�شهر على الأقل‪ ،‬وال يج���ب �أن يتجاوز العجز املايل‬ ‫عج���ز املوازنة ل�سنة ‪ %3‬من الناجت املحلي الإجمايل‪ .‬كما يجب �إقرار‬ ‫م�صرف مركزي ونظ���ام م�صريف ومايل موحدين قبل �إ�صدار العملة‬ ‫املوحدة‪ ،‬وهذا ‪ -‬يف ت�صوري ‪ -‬قد يتطلب مزيد ًا من الوقت خا�صة �أنه‬ ‫مل يبق �سوى �أ�شهر قليلة حلني املوعد املقرر لإ�صدار العملة اخلليجية‬ ‫املوحدة‪ ،‬واملحدد بالأول من �شهر كانون الثاين‪/‬يناير ‪.2010‬‬ ‫فهن���اك تباين وا�ضح بني دول جمل�س التع���اون �إزاء مدى الإلتزام‬ ‫به���ذه املعايري‪ ،‬خ�صو�ص ًا فيما يتعلق بن�سبة الت�ضخم و�أ�سعار الفائدة‪.‬‬ ‫وق���د �أك���د الأم�ي�ن الع���ام امل�ساع���د لل�ش����ؤون االقت�صادي���ة يف جمل�س‬ ‫التعاون اخلليج���ي‪ ،‬حممد املزروعي‪�“ ،‬أن معي���ار الت�ضخم �س ُيح�سب‬ ‫‪74‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫انطالق��� ًا من متو�سط امل�ستويات الت���ي �سيكون عليها هذا الت�ضخم يف‬ ‫وق���ت �إطالق الوحدة النقدية‪� ،‬س���واء كانت هذه امل�ستويات مرتفعة �أو‬ ‫منخف�ضة مع هام�ش �إرتفاع وانخفا�ض”‪ ،‬مو�ضح ًا �أن “الدول البعيدة‬ ‫عن ه���ذا املعيار �ستك���ون مطالبة بب���ذل اجلهود و�إج���راءات �إ�ضافية‬ ‫خلف����ض الت�ضخم”‪ .‬وقد ذكر رئي�س م�ؤ�س�سة النقد ال�سعودية‪ ،‬حممد‬ ‫اجلا�سر‪ ،‬يف وقت �سابق من هذا العام ‪� 2009‬أن جمل�س النقد اخلليجي‬ ‫ُراجع الدول‬ ‫�سينطلق يف موعده مطلع العام املقبل‪ ،‬مبدي ًا متنياته �أن ت ِ‬ ‫التي رف�ضت االن�ضمام �إىل العملة اخلليجية املوحدة موقفها‪.‬‬ ‫وكانت �سلطنة عمان قد �أعلنت �أنها لن تن�ضم �إىل العملة اخلليجية‬ ‫املوحدة‪“ ،‬لأن اقت�صادها غري م�ستعد بعد” ملثل هذه اخلطوة كما قال‬ ‫امل�سئولون العمانيون‪ .‬ويف وقت �سابق من هذا العام‪� ،‬أعلنت الإمارات‬ ‫العربي���ة املتحدة ان�سحابها من اتفاق الوحدة النقدية‪ ،‬احتجاج ًا على‬ ‫قرار جعل العا�صمة ال�سعودية الريا�ض مقر ًا للبنك املركزي اخلليجي‬ ‫املقرتح‪� ،‬إذ كانت الإمارات ترغب يف �أن تكون هي من ي�ست�ضيف مقر‬ ‫البنك‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ويف �ض���وء ه���ذه املواقف‪ ،‬توق���ع م�ص���در خليجي �أال تك���ون هناك‬ ‫عمل���ة خليجية موح���دة قبل �سنوات‪ ،‬و�إن بد�أ جمل����س النقد اخلليجي‬ ‫عمل���ه يف كانون الثاين‪/‬يناير املقبل‪ .‬وكانت الكويت وال�سعودية وقطر‬ ‫والبحري���ن اتفق���ت يف حزيران‪/‬يوني���و املا�ضي على ت�شكي���ل املجل�س‬ ‫النقدي للإعداد لإ�ص���دار العملة اخلليجية املوحدة‪ .‬ويجمع كثري من‬ ‫املراقبني يف املنطقة على �أنه حتى لو ت�شكل املجل�س النقدي يف املوعد‬ ‫املقرر ف����إن التفا�صيل التقني���ة وو�ضع االج���راءات واللوائح �سيتطلب‬ ‫وقت��� ًا طوي ًال‪ .‬كما �أنه من غري الوا�ضح حتى الآن �إن كان جمل�س النقد‬ ‫�سيعم���ل بال���دول الأرب���ع �أم �ستُم ّثل فيه �أي�ض��� ًا الدولت���ان املن�سحبتان‬ ‫م���ن العملة املوح���دة‪� ،‬أو كيف �سيكون عمله‪ ،‬وطريق���ة الت�صويت على‬ ‫قراراته‪.‬‬ ‫وهذا الو�ضع ق���د يدعونا للت�شا�ؤم بخ�صو�ص �إمكانية �إ�صدار عملة‬ ‫خليجي���ة موحدة يف موعده���ا املقرر (الأول من كان���ون الثاين‪/‬يناير‬ ‫رجحت م�صادر خليجي���ة �أن يكون عام ‪ 2015‬هو املوعد‬ ‫‪ ،)2010‬وق���د ّ‬ ‫اجلدي���د لإطالق العمل���ة اخلليجية املوحدة‪ .‬ويف ه���ذا ال�سياق‪� ،‬أ�شار‬ ‫الدكت���ور حمد التويجري‪ ،‬رئي�س ق�سم االقت�صاد بجامعة امللك �سعود‪،‬‬ ‫�إىل “�أن �إتفاقية االحتاد اجلمركي اخلليجي �أخذت �أكرث من ‪� 25‬سنة‬ ‫حت���ى مت �إقرارها‪ ،‬وهي يف الواق���ع ب�سيطة باملقارنة مع م�شروع العملة‬ ‫اخلليجي���ة املوحدة‪ ،‬التي كان ق���رار �إطالقها يف العام ‪ 2010‬متفائ ًال‪،‬‬ ‫غري �أن الأمر الواقع يوكد �صعوبة تطبيقها يف الوقت نف�سه”‪.‬‬ ‫وجتدر الإ�ش���ارة هنا �إىل �أنه من �أب���رز ال�صعوبات واملعوقات التي‬ ‫تواجهه���ا دول املجل�س تتمثل يف حج���م النفوذ على ال�سيا�سة النقدية‪،‬‬ ‫التي �ستكون دول املنطقة م�ستعدة للتنازل عنه ل�صالح “بنك مركزي‬ ‫م�شرتك”‪ ،‬وهذه احلالة تُعرف عند دار�سي العلوم ال�سيا�سية مبرحلة‬ ‫“اخرتاق خط ال�سيادة”‪ ،‬وتعد من �أهم املراحل امل�ؤدية �إىل وحدة‬ ‫�أعم و�أ�شمل‪ ،‬وهي خطوة الزم���ة �إذا ما �أراد القادة اخلليجيون وحدة‬ ‫اقت�صادي���ة حقيقية بني الدول الأع�ضاء‪ .‬فعل���ى �سبيل املثال‪� ،‬أ�ضحت‬ ‫العمل���ة الأوروبية املوح���دة مناف�س ًا قوي��� ًا للدوالر الأمريك���ي‪ ،‬ومل ت�ؤ ِّد‬

‫�إىل انتقا����ص �أي م���ن �سيادة ال���دول القومية الأوروبي���ة‪ ،‬لذا البد من‬ ‫التنازل عن حجم النفوذ على ال�سيا�سة النقدية ل�صالح بنك مركزي‬ ‫م�شرتك‪ ،‬وهذه اخلطوة مهمة وال مت ّثل‪ ،‬يف النتيجة‪ ،‬انتقا�ص ًا �أو تناز ًال‬ ‫ع���ن �سي���ادة �أي م���ن دول الأع�ضاء بل عل���ى العك�س من ذل���ك‪ ،‬ف�إنها‬ ‫�ست�ص���ب يف �صالح توحيد ال�سيا�س���ات النقدية اخلليجية حتى تتمكن‬ ‫دول املجل�س من �إ�صدار عملة موحدة‪.‬‬ ‫واحل���ال �أن �إ�ص���دار العملة اخلليجي���ة املوحدة �سيع ّم���ق الروابط‬ ‫االقت�صادي���ة م���ع االحت���اد الأوروب���ي وغ�ي�ره م���ن التكت�ل�ات والقوى‬ ‫االقت�صادي���ة‪ ،‬و�سيعزز موق���ع دول جمل�س التع���اون التفاو�ضي ب�شكل‬ ‫كب�ي�ر‪ ،‬خ�صو�ص ًا مع االحت���اد الأوروبي الذي طاملا ت���ذرع بعدم وجود‬ ‫عملة خليجية موحدة متكنه م���ن تخفي�ض اجلمارك على ال�صادرات‬ ‫اخلليجي���ة ل���دول االحتاد الأوروب���ي‪� ،‬إذ متثل �ص���ادارات دول اخلليج‬ ‫ل���دول االحتاد الأوروب���ي ما ن�سبت���ه ‪ %20‬من �إجمايل �ص���ادرات دول‬ ‫اخللي���ج‪ .‬لذا ف�إن �إ�ص���دار عملة خليجية موح���دة �سي�ساهم يف تعزيز‬ ‫التوج���ه الراه���ن نح���و تو�سي���ع القاع���دة االقت�صادي���ة ل���دول جمل�س‬ ‫ّ‬ ‫التعاون اخلليجي‪ ،‬واحلد من االعتماد الكلي على العائدات النفطية‪،‬‬ ‫�إىل جان���ب خف����ض تكالي���ف املعامالت املالي���ة والتجاري���ة لل�شركات‬ ‫تو�س���ع يف حركة‬ ‫وامل�ؤ�س�س���ات بدرج���ة كبرية مم���ا ي����ؤدي �إىل حدوث ّ‬ ‫املبادالت التجارية املالية‪.‬‬ ‫وم���ن املهم الإ�شارة هنا �إىل �أن دول جمل�س التعاون اخلليجي تنتج‬ ‫حالي��� ًا �أكرث من خم�س �إجمايل االحتياطي العاملي من النفط‪ ،‬ومتتلك‬ ‫نحو خم�س���ي االحتياطي العاملي من النفط‪ ،‬ف����إذا قررت دول جمل�س‬ ‫التع���اون ت�سعري النف���ط بالعملة اجلديدة ف�إن امل�ص���ارف املركزية يف‬ ‫ال���دول الأخ���رى �ستقوم باالحتف���اظ باحتياطياته���ا بالعملة اجلديدة‬ ‫لتغطية تكاليف م�شرتياتها م���ن النفط‪ ،‬وبالتايل �سي�ؤدي الطلب على‬ ‫العمل���ة اجلديدة من ال���دول خارج نطاق املجل����س �إىل توفري عائدات‬ ‫م���ن �صك العملة‪ ،‬وهذه اخلطوة �ست����ؤدي �إىل تقوية العملة و�ستجعلها‬ ‫عمل���ة �آمنة للدول الأخرى و�سيت���م ا�ستخدامها كمثبت لأ�سعار �صرف‬ ‫عمالته���ا‪ .‬وم���ن املفي���د هن���ا التنوي���ه �إىل �أن ت�سعري النف���ط بالعملة‬ ‫اخلليجي���ة املوح���دة واعتمادها كغط���اء عو�ض ًا عن ال���دوالر‪� ،‬سيعزز‬ ‫موق���ف دول اخلليج التفاو�ضي ويجع���ل �سيا�ستها النقدية م�ستقلة عن‬ ‫الظ���روف التي مير بها االقت�ص���اد الأمريكي‪ .‬ففي الوقت احلايل‪ ،‬ما‬ ‫زال���ت �أ�سع���ار النفط مرهونة مبدى خف�ض �أو رف���ع �سعر الفائدة لدى‬ ‫االحتياطي الفدرايل الأمريكي‪ ،‬لذا ف�إن حتقيق مزيد من اال�ستقالل‬ ‫يف جم���ال �سع���ر ال�ص���رف ل���دول املجل�س �سيتي���ح لها خي���ارات �أكرب‬ ‫التخاذ قراراتها امل�ستقبلية ب�ش�أن �سيا�ستها االقت�صادية دون اخل�ضوع‬ ‫للظروف االقت�صادية الأمريكية كما هو حا�صل الآن‪.‬‬ ‫وثم���ة مي���زة �أخرى ق���د ت�ض���اف للعمل���ة اخلليجي���ة املوحدة حني‬ ‫�إطالقه���ا‪ ،‬تتمثل يف �إمكانية تقدميها كعملة �إ�سالمية ذات وزن‪ ،‬وهذا‬ ‫الأمر قد يجعل امل�ص���ارف املركزية يف الدول الإ�سالمية مثل ماليزيا‬ ‫وباك�ستان و�أندوني�سيا تتوجه �إىل االحتفاظ مبا تعتربه عملة �إ�سالمية‬ ‫مقبول���ة �ضم���ن احتياطياته���ا‪ ،‬مما يزي���د يف النهاية من ق���وة العملة‬ ‫اخلليجية املوحدة‪.‬‬

‫ت�سعري النفط‬ ‫بالعملة اخلليجية‬ ‫املوحدة واعتمادها‬ ‫كغطاء عو�ض ًا عن‬ ‫الدوالر‪� ،‬سيعزز‬ ‫موقف دول‬ ‫اخلليج التفاو�ضي‬ ‫ويجعل �سيا�ستها‬ ‫النقدية م�ستقلة‬ ‫عن الظروف التي‬ ‫مير بها االقت�صاد‬ ‫الأمريكي‬ ‫�إن �إط�ل�اق العملة اخلليجية املوحدة وحتقي���ق احللم الذي �أ�صبح‬ ‫يعان���ق ال�سماء اخلليجية والعربية‪� ،‬سي�سهم يف �إنعا�ش منطقة اخلليج‬ ‫اقت�صادي��� ًا‪ ،‬و�ستنعك����س الآثار �إيجاب��� ًا على اليمن الت���ي تعترب نف�سها‬ ‫ج���زء ًا ال يتجز�أ م���ن دول املنطقة‪ ،‬حي���ث متثل العم���ق الإ�سرتاتيجي‬ ‫والب�شري لدول جمل�س التعاون اخلليجي‪ .‬غري �أن ال�س�ؤال الذي يفر�ض‬ ‫نف�سه بق���وة هنا‪ ،‬هو‪ :‬هل �سي�ساعد �إط�ل�اق العملة اخلليجية املوحدة‬ ‫ لو فر�ضنا جناحها يف �إنعا����ش املنطقة اقت�صادي ًا وتو�سيع التجارية‬‫البيني���ة بني دول املنطق���ة – على تقارب امل�سافات ‪ -‬اقت�صادي ًا ‪ -‬بني‬ ‫دول جمل����س التع���اون اخلليجي واليمن‪� ،‬أم �أنه �سي����ؤدي �إىل تباعدها‬ ‫�أكرث ف�أكرث؟‬ ‫م���ن املع���روف �أن التق���ارب يف الظ���روف االقت�صادي���ة ه���و الذي‬ ‫يدعم عملي���ة االندماج و ُي�س ّهل عملية الو�ص���ول �إىل تكامل اقت�صادي‬ ‫بغ�ض النظ���ر عن مدى ت�شابه �أو اختالف �أنظم���ة احلكم فيما بينها‪.‬‬ ‫غ�ي�ر �أن و�ضع اليم���ن االقت�صادي يف الوقت الراه���ن �صعب جد ًا‪ ،‬وال‬ ‫ي�ؤهله���ا لعملية االن�ضمام ملجل�س التعاون اخلليجي قبل �إ�صدار العملة‬ ‫اخلليجية املوحدة‪ ،‬فما بالك بعد �إ�صدارها وجناحها‪ .‬فتطور تكاملي‬ ‫مهم كهذا قد يقود �إىل زي���ادة الفجوة االقت�صادية ب�شكل خميف بني‬ ‫اليم���ن ودول جمل����س التعاون اخلليج���ي‪ ،‬خا�ص���ة �أن �إنتعا�ش املنطقة‬ ‫اقت�صادي ًا يف ظل وج���ود عملة خليجية موحدة �سيعود ‪ -‬يف معظمه ‪-‬‬ ‫ل�صالح دول املجل�س �أكرث منه ل�صالح دول اجلوار الأخرى‪.‬‬ ‫�صحي���ح �أن اليمن تب���دو ‪ -‬نظري ًا عل���ى الأقل ‪ -‬الأق���رب �إىل دول‬ ‫املجل����س‪ ،‬لك���ن اليم���ن بحاج���ة �إىل برنام���ج ت�أهي���ل ُيعن���ى بت�أهيلها‬ ‫اقت�صادي��� ًا لتحقيق تق���ارب فعلي مع دول جمل�س التع���اون اخلليجي‪.‬‬ ‫واحلقيق���ة �أن جدية قادة املجل�س بخ�صو����ص ت�أهيل اليمن اقت�صادي ًا‬ ‫�ست�سه���م يف �س ّد الفج���وة االقت�صادية احلالية ب�ي�ن االقت�صاد اليمني‬ ‫واالقت�ص���ادات اخلليجية‪ ،‬كما �ست�ساعد عل���ى تقوية العملة اخلليجية‬ ‫ً‬ ‫عاج�ل�ا �أو �آج ًال‪ ،‬وذلك ملا متتلكه اليمن من‬ ‫املوح���دة املزمع �إطالقها‬ ‫مقومات ال متتلكها دول منطقة اخلليج‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪75 2009‬‬


‫الرهان الأمريكي على ال�صوفية‬

‫�صناعة‬ ‫«امل�سلم امل�ست�أن�س»‬

‫فـي ب�ؤرة االهتمام‬

‫هناك من توقعوا تراجع الطرق ال�صوفية �أو اندثارها يف امل�ستقبل‪ ،‬متكئني يف ذلك �إىل �أ�سانيد‬ ‫ثالثة‪� ،‬أولها موجة التحديث التي تت�سرب رويد ًا رويد ًا �إىل عقل املجتمع الإ�سالمي‪ ،‬والتي �ست�ضع‬ ‫ظاهرة تقليدية مثل الطريقة يف موقف حرج‪ ،‬وثانيها ظهور وترعرع �أ�شكال �أخرى للتدين تتمثل‬ ‫يف جماعات �شتى تت�سطر فوق اخلريطة الإ�سالمية راحت تزاحم ال�صوفية‪ ،‬تنتقدها �أحيان ًا‬ ‫وجتلدها �أحيان ًا وت�ضربها يف مقتل اعتقادها اخلا�ص بكرامات الأولياء والت�ضرع للأ�ضرحة‪،‬‬ ‫وثالثها غياب الهدف ال�سيا�سي الوا�ضح لل�صوفية بينما متتلكه القوى الإ�سالمية الأخرى‪ ،‬ما‬ ‫جعل املت�صوفة جماعة ال يهمها تغيري املجتمع �أو االنت�صار الجتاه �سيا�سي معني و�إن كان �أفرادها‬ ‫يعرفون كالآخرين هموم الوطن ويت�أثرون بها‪.‬‬ ‫عمار علي ح�سن‬ ‫وه���ذا االبتعاد ع���ن ال�سيا�سة قد ي����ؤدي مع الأي���ام �إىل ان�صراف‬ ‫مت�س حياة‬ ‫النا�س ع���ن الطرق ال�صوفية بقدر ان�صرافه���ا عن ق�ضية ّ‬ ‫كل �إن�س���ان وهي ال�سيا�سة‪ ،‬الت���ي تبد�أ باخلدمات الب�سيطة يف املجتمع‬ ‫املحلي‪ ،‬وتت�صاع���د لت�صل �إىل م�ستوى احلكوم���ة املركزية ومنها �إىل‬ ‫النظام العاملي‪ ،‬ما يجعل من ال�صعب على �أي فرد �أن يتجاهلها‪ ،‬فهي‬ ‫مقتحمة ال تعرف حدود ًا وال �سدود ًا‪.‬‬ ‫لك���ن يبدو �أن احلقيقة ت�سري عك�س ه���ذه التوقعات‪ ،‬فطوال القرن‬ ‫الع�شرين �سارت ال�صوفية يف اجتاه خمالف للر�سم البياين الذي ب�شر‬ ‫ب���ه بع�ض الباحث�ي�ن وا�ستطاعت �أن ت�ضم بني مريديه���ا بع�ض الفئات‬ ‫املحدث���ة‪ ،‬و�أن ت�ساهم يف عملية التحديث االجتماعي‪ .‬ومل ت�ؤد �أ�شكال‬ ‫التدي���ن الأخرى �إىل تراجع نفوذ املت�صوفة بل حدث العك�س‪ ،‬فالنظم‬ ‫احلاكمة كان يف م�صلحته���ا دائم ًا �أن تكون ال�صوفية قوية ظاهرة يف‬ ‫مواجه���ة القوى الإ�سالمية املناوئة لها ول���ذا عملت طوال الوقت على‬ ‫�إله���اب وقودها لي�ستم���ر م�شتع ًال‪ ،‬ث���م دخل الأمريكي���ون على اخلط‬ ‫فزادوا هذا التوجه عمق ًا‪ ،‬و�أعطوه بعد ًا دولي ًا وا�سرتاتيجي ًا كبري ًا‪.‬‬ ‫فقب���ل �سنة تقريب ًا �أ�صدرت م�ؤ�س�سة راند الأمريكية تقرير ًا بعنوان‬ ‫«بناء �شبكات م�سلمة معتدلة» اعتمدت فيه ال�صوفية طريق ًا �إ�سالمي ًا‬ ‫يت���واءم مع امل�صالح الأمريكية‪ ،‬لأنه ميك���ن �أن يكون حائط �صد �أمام‬ ‫اجلماع���ات والتنظيمات املتطرفة‪ ،‬وج�سر ًا يفتح الإ�سالم ال�سني على‬ ‫الت�شي���ع ذي املرجعي���ة الواحد الت���ي‪� ،‬إن احتوته���ا وا�شنطن‪� ،‬ضمنت‬ ‫�سالم ًة لأمنها وحفظ��� ًا لأهدافها اال�سرتاتيجية يف بالدنا‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال عن‬ ‫�إمكاني���ة �أن يقرب الت�صوف‪ ،‬فكري ًا وتنظيمي��� ًا وحركي ًا‪ ،‬بني الإ�سالم‬ ‫وقيم العلمانية‪ ،‬قيا�س ًا �إىل التجربة الرتكية‪ ،‬حيث ا�ستوعب املت�صوفة‬ ‫قي���م العلمانية‪ ،‬وطوروا ر�ؤيتهم الدينية لتواكب الع�صر‪ ،‬وتتما�شى مع‬ ‫النهج الدميوقراطي‪ ،‬على م�ستوى القيم والإجراءات‪.‬‬ ‫وقب���ل خم�س �سن���وات تقريب ًا ا�ست�ضاف معه���د نيك�سون للدرا�سات‬

‫‪76‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫عمار علي ح�سن كاتب وباحث يف علم االجتماع ال�سيا�سي ـ م�صر‪.‬‬

‫اال�سرتاتيجي���ة م�ؤمت���ر ًا حا�ش���د ًا‪� ،‬ش���ارك في���ه مت�صوف���ة ومفك���رون‬ ‫�إ�سالمي���ون ينتمون �إىل خمتل���ف دول العامل الإ�سالم���ي من غانا �إىل‬ ‫فرغان���ة‪ ،‬لبحث ه���ذه الفكرة‪ ،‬التي اختم���رت يف العقل اال�سرتاتيجي‬ ‫الأمريك���ي بعد حدث احل���ادي ع�شر م���ن �أيلول‪�/‬سبتمرب ‪ ،2001‬حيث‬ ‫بد�أ الأمريكيون‪ ،‬يف �سياق حملتهم ال�شاملة على «الإرهاب»‪ ،‬يدر�سون‬ ‫�إمكاني���ة تعمي���م «ال�صوفي���ة» بحي���ث ت�صبح ه���ي ال�ش���كل امل�ستقبلي‬ ‫للإ�س�ل�ام‪� ،‬أو عل���ى الأق���ل تق���وى �شوكتها عل���ى ال�ساح���ة الإ�سالمية‪،‬‬ ‫لتح�سم من ر�صيد اجلماع���ات والتنظيمات ال�سيا�سية املتطرفة ذات‬ ‫الإ�سناد الإ�سالمي‪ ،‬التي �أنتجت تنظيم القاعدة وما على �شاكلته‪.‬‬ ‫وال تنبع الر�ؤية اال�سرتاتيجية الأمريكية هذه من فراغ‪ ،‬بل تت�أ�س�س‬ ‫عل���ى �أمرين‪ :‬الأول هو الأدوات والطرق التي اتبعتها الواليات املتحدة‬ ‫يف �إ�سق���اط ال�شيوعية‪ ،‬والثاين هو اجلدل الذي طال بني امل�ست�شرقني‬ ‫ح���ول م���ا �إذا كان الت�ص���وف الإ�سالم���ي ينط���وي على حل���ول ملع�ضلة‬ ‫التط���رف‪ ،‬وم���ا �إن كان فيه ما يقرب بني الإ�س�ل�ام والليربالية‪� ،‬أو ما‬ ‫ي�سه���ل مهم���ة وا�شنطن يف جتديد مناه���ج التعليم الدين���ي يف العامل‬ ‫الإ�سالمي‪.‬‬ ‫وهناك من امل�ست�شرقني من يعترب الت�صوف «قلب الإ�سالم»‪ ،‬ومن‬ ‫ي�ؤك���د �أن «م�ستقبل العامل الإ�سالمي �سيكون حتما للتيار ال�صويف»‪ ،‬بل‬ ‫�إن هن���اك من بني فقهاء امل�سلم�ي�ن �أنف�سهم من ي�ؤكد �أن حل م�شاكلنا‬ ‫احلياتية املعا�صرة يف يد الت�صوف‪ ،‬وهنا يقول الداعية اليمني علي زين‬ ‫العابدين بن عبد الرحمن اجلف���ري امللقب باحلبيب علي‪« :‬احلقيقة‬ ‫�أنن���ي �أرى �أن لب الق�ضية التي تعي�شها الأمة وم�صيبتها الكربى يرجع‬ ‫�إىل ح���ب الدنيا وكراهية امل���وت‪ .‬والذي يعالج هات�ي�ن اخل�صلتني هو‬ ‫عل���م الت�صوف مبعناه الراقي ولي�س الت�ص���وف الهزيل الذي ميار�سه‬ ‫البع����ض الي���وم‪ .‬فالت�صوف الراقي ه���و الذي يعتن���ي بتطهري القلوب‬ ‫و�صفائه���ا ويخل�صها من حب الدنيا وكراهية املوت ويربطها باهلل عز‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪77 2009‬‬


‫فـي ب�ؤرة االهتمام‬ ‫وج���ل‪ .‬فالت�صوف به���ذا املعنى هو‬ ‫الق���ادر على حل جمي���ع م�شكالتنا‬ ‫و�أزماتنا االقت�صادية واالجتماعية‬ ‫وال�سلوكي���ة‪ ،‬لأن ه���ذا املعن���ى من‬ ‫الت�ص���وف ه���و ال���ذي �أخ���رج لن���ا‬ ‫�صالح الدين الأيوب���ي ونور الدين‬ ‫زنك���ي‪ ،‬والذي يق���ر�أ تاريخ االثنني‬ ‫يجدهما نت���اج مدر�سة الت�صوف»‪.‬‬ ‫ب���ل يذه���ب حمم���د يتي���م �إىل م���ا‬ ‫ه���و �أبعد م���ن ذلك حني ي���رى �أن‬ ‫الت�صوف هو ال���ذي يقي ال�سيا�سة‬ ‫من الف�ساد‪ ،‬ح�ي�ن يوفر لها ثوابت‬ ‫نقية‪ ،‬وي�سمح باجلمع بني «معانقة‬ ‫احلق وخمالطة اخللق»‪� ،‬أو الرباط الروحي واملمار�سة ال�سيا�سية»‪.‬‬ ‫ورغم غلب���ة الطابع الفلكلوري فيها عل���ى العقدي �شقت ال�صوفية‬ ‫درب��� ًا و�سيع ًا يف تاريخ امل�سلمني‪ ،‬منذ �أن كانت جمرد �شحنات عاطفية‬ ‫جتي����ش بها �ص���دور الزاهدي���ن‪� ،‬إىل �أن �صارت م�ؤ�س�س���ات اجتماعية‬ ‫ت�ت�راوح يف بع�ض الدول بني الدي���ن والفلكلور‪ ،‬ويف �أخرى بني العقيدة‬ ‫وال�سيا�سة‪ .‬لك���ن هناك فارق ًا كبري ًا بني طرق �صوفية تواكب احلداثة‬ ‫وتنخ���رط يف العمل العام حتى تتمكن من دفع رموزها �إىل قمة الهرم‬ ‫ال�سيا�س���ي كما احل���ال يف تركيا‪ ،‬وطرق �صوفي���ة متاهت يف الفولكلور‬ ‫وباتت ظاه���رة احتفالية بع���د �أن الت�صقت بث���وب التقليدية وتكل�ست‬ ‫عن �إنت���اج �أي ممار�سات �سيا�سية �إيجابية �إال ما ت�ستفيد منه ال�سلطة‬ ‫يف تكري����س �شرعيته���ا كما الو�ضع يف م�صر‪ ،‬الت���ي �إن كان ميكن على‬ ‫ا�ستحياء ت�صنيف طرقه���ا ال�صوفية ب�أنها �أحد روافد املجتمع الأهلي‬ ‫اعتم���ادا على الن�ش���اط اخلريي لبع�ضه���ا‪ ،‬ف�إن م���ن ال�صعوبة مبكان‬ ‫الطم���وح �إىل تثويرها �أو �إنه���اء م�س�ألة ان�سحابه���ا الوا�ضح ن�سبي ًا من‬ ‫احلي���اة ال�سيا�سية‪� ،‬أو على الأقل تنقيتها م���ن بع�ض مظاهر اخلرافة‬ ‫والدج���ل التي �سقطت فيه���ا‪ ،‬وبالتايل تفتقد �إىل م���ا يجعل امل�سلمون‬ ‫يتقبلونها طريقا متكامال نقيا للإ�سالم‪.‬‬ ‫فال�صوفية امل�صرية مث ًال �إن كانت قد فرزت يف ع�صور غابرة‪ ،‬وملرات‬ ‫قليلة‪� ،‬شيوخا ناطح���وا ال�سالطني با�ستنادهم �إىل التفاف جماهريي‬ ‫منقطع النظري ين�ساق حول �أعمال بارا�سيكولوجية و�أ�سطورية ومنافع‬ ‫مادي���ة‪ ،‬ف�إنها حتولت يف الوق���ت املعا�صر �إىل جمرد خ���ادم للحكام‪.‬‬ ‫وهي م�س�ألة ال تخطئها عني من يتابع االحتفاالت ال�صوفية وال يهملها‬ ‫عق���ل من يفكر يف خطاب املت�صوفة حي���ال ال�سلطة من جهة‪ ،‬واحلبل‬ ‫ال�س���ري الذي يربط تنظيمهم ب�شقيه الإداري والروحي بجهاز الدولة‬ ‫الأمن���ي والديني من جه���ة ثانية‪� .‬أما يف تركيا‪ ،‬فبدء ًا من جنم الدين‬ ‫�أرب���كان زعيم حزب الرفاه و�أحد رموز الطريق���ة النق�شبندية و�صو ًال‬ ‫�إىل �أح���د مريدي���ه وه���و طيب رج���ب �أردوغ���ان زعيم ح���زب العدالة‬ ‫والتنمية‪ ،‬تغالب الطرق ال�صوفي���ة تقليديتها وت�ستغل الف�ضاء الوا�سع‬ ‫الذي يتيحه الفكر ال�صويف من ت�سامح واعرتاف بالآخر يف و�ضع �أطر‬ ‫وو�سائط �سيا�سية جتعلها متناغمة مع احلياة الدميقراطية التي تعتمد‬ ‫‪78‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫على التعددية‪ ،‬كما ت�ستخدم ما يف‬ ‫ال�صوفي���ة من ح�ض على الرتاحم‬ ‫والتما�س���ك وال�صرب عل���ى املكاره‬ ‫يف تعزي���ز ثقافة الإجناز‪ ،‬ومن ثم‬ ‫ال�سري قدم ًا على درب التنمية‪.‬‬ ‫لك���ن الت�ص���ورات الأمريكي���ة‬ ‫ه���ذه‪ ،‬والتي �سبق الإ�ش���ارة �إليها‪،‬‬ ‫تتعام���ل م���ع الت�ص���وف يف بع���ده‬ ‫احلرك���ي على �أ�سا�س �أنه �إما منط‬ ‫واح���د �إيجابي ميك���ن تعميمه‪� ،‬أو‬ ‫�أنه حالة جواني���ة فريدة تعلي من‬ ‫تقدي���ر طوي���ة الإن�س���ان وحريته‪،‬‬ ‫وتزي���د م���ن ت�ساحم���ه يف التعامل‬ ‫مع الآخري���ن‪ ،‬و�إميانه بحقوق الإن�سان‪ ،‬وبذل���ك ميكن ا�ستخدامه يف‬ ‫حماربة التطرف‪ ،‬وا�ستخدامه على �أنه الإطار الديني لثقافة �سيا�سية‬ ‫�إ�سالمية ذات �سمت دميقراطي‪.‬‬ ‫�إال �أن الت�صوف‪ ،‬يف حقيقة الأمر‪ ،‬مل يعد حالة من الزهد والتعبد‬ ‫الف���ردي‪ ،‬كم���ا بد�أ‪ ،‬فق���د �صار م�ؤ�س�س���ات �ضخمة لها امت���داد‪ ،‬عابر‬ ‫للق���ارات كاف���ة‪ ،‬بع�ضه���ا يجته���د يف �أن يلع���ب دور ًا تنموي��� ًا و�سيا�سي ًا‬ ‫واجتماعي��� ًا‪ ،‬وبع�ضه���ا متاهى يف الفلكل���ور ومت اختزال���ه �إىل ظاهرة‬ ‫احتفالي���ة‪ ،‬بع�ضه���ا مت�سام���ح يف التعام���ل مع الآخري���ن‪ ،‬مبا يف ذلك‬ ‫�أتب���اع الطرق ال�صوفية املناف�س���ة‪ ،‬وبع�ضها يدخل يف تناحر مع الآخر‬ ‫ويعادي���ه‪ ،‬بع�ضها تعاون مع اال�ستعم���ار ‪ -‬ورمبا هو ما تريده الواليات‬ ‫املتح���دة يف الوقت الراه���ن ‪ -‬لكن �أغلبها ح���ارب امل�ستعمر ب�ضراوة‪،‬‬ ‫وجزء منها �ساهم يف التنمية ب�أبعادها ال�شاملة‪.‬‬ ‫ويبدو �أن النظرة الأمريكية القا�صرة تدور فقط يف حيز �ضيق ينظر‬ ‫�إىل املت�صوفة بو�صفهم «خونة» �أو «عمالء» �أو متقاع�سني عن املقاومة‬ ‫واجله���اد‪ ،‬قيا�س��� ًا �إىل ما قامت به جماعات م���ن التيجانية يف خدمة‬ ‫ال�سلطة �أيام اال�ستعمار الأوروبي لأفريقيا‪ .‬فامل�ستعمر �شجع التيجانية‬ ‫عل���ى االنت�شار‪ ،‬لأن���ه ر�أى يف تعاليمها ما ي�ص���رف النا�س عن اجلهاد‬ ‫والتفكري ال�سليم وعن �صحيح العقيدة وال�شريعة‪ ،‬ويلقيهم يف غياهب‬ ‫اخلرافات‪ .‬وقد مل�س الأوروبيون رغبة رجال الطريقة يف احل�صول على‬ ‫امل���ال والنفوذ فراحوا يغذون هذه ال���روح‪ ،‬وي�شرتون والء ه�ؤالء باملال‬ ‫واملنا�صب‪ ،‬ف�أثمر هذا وقوف التيجانية �إىل جانب اال�ستعمار يف بع�ض‬ ‫املواقف احلا�سمة‪ ،‬ويف مقدمتها م�ساعدة الفرن�سيني �ضد الأمري عبد‬ ‫القادر اجلزائري‪ ،‬ما ح���دا بالقائد الفرن�سي بيجو �إىل �أن ير�سل �إىل‬ ‫�شي���خ الطريقة قائ ًال‪« :‬لوال عطفكم لكان ا�ستقرار الفرن�سيني يف هذه‬ ‫البل���د �أ�صعب بكثري مما كان‪ ...‬عندم���ا ت�شعر بحاجة �إىل �شيء ما �أو‬ ‫خدم���ة من �أي ن���وع كانت فما علي���ك �إال �أن تكت���ب �إىل مرافقي الذي‬ ‫�سي�سره �أن يبلغني رغباتك»‪.‬‬ ‫كم���ا ينظر الأمريكيون ب�إيجابي���ة �إىل القاديانية‪ ،‬التي لب�ست رداء‬ ‫الت�صوف‪ ،‬لتخدع منا�صريها ب�أن م�سلكها �سليم‪ ،‬مع �أن م�ؤ�س�سها املريزا‬ ‫غالم �أحمد‪ ،‬مل يكن �سوى عميل ي�ساعد الإنكليز لب�سط نفوذهم على‬

‫�شب���ه القارة الهندية و�أفغان�ستان‪ ،‬فها ه���و يقول‪« :‬لقد ق�ضيت معظم ع���اود االحتاد ال�سوفيتي املنه���ار زحفه جنوبا ليط���وي القوقاز و�آ�سيا‬ ‫عمري يف ت�أييد احلكومة الإنكليزية ون�صرتها‪ ،‬ويف النهي عن اجلهاد‪ ،‬الو�سطى‪ ،‬ف�شحذ مريدو النق�شبندية هممهم‪ ،‬وا�ستجمعوا عزميتهم‪،‬‬ ‫ووج���وب طاعة ويل الأمر‪ ،‬وكان ه���ديف �أن ي�صبح امل�سلمون خمل�صني الت���ي مل تنل منها امل�آ�سي التاريخية‪ ،‬وراحوا يقاومون اجلي�ش الأحمر‬ ‫لهذه احلكومة‪� ...‬إن عقيدتي التي �أكررها �أن للإ�سالم جزئني‪ ،‬الأول بكل ما و�سعهم من قوة‪ ،‬حتت قيادة ال�شيخ جنم الدين دي جوت�سو يف‬ ‫طاعة اهلل‪ ،‬والثاين طاعة احلكومة التي ب�سطت الأمن و�آوتنا يف ظلها داغ�ستان‪ ،‬وال�شي���خ �أوزون حجي يف ال�شي�ش���ان‪ ،‬وا�ستمرت مقاومتهم‬ ‫�أحد ع�شر عاما‪ ،‬مب�ساعدة الدولة العثمانية‪ .‬ويف �شبه القارة الهندية‬ ‫من الظاملني‪ ،‬وهي احلكومة الربيطانية«‪.‬‬ ‫وتن�س���ى الر�ؤية الأمريكية ه���ذه �أو تتنا�سى تاريخ ًا طوي ًال من كفاح لع���ب النق�شبنديون بقي���ادة ال�شيخ �أحمد بن عب���د الأحد ال�سرهندي‬ ‫املت�صوف���ة �ض���د اال�ستعمار‪ .‬فق���د تكفلت الط���رق ال�صوفية يف �شمال الفاروق���ي دور ًا يف ن�ش���ر الإ�سالم بني �صفوف املغ���ول‪ .‬وظهرت حركة‬ ‫وغرب �أفريقي���ا بكبح جانب من النزع���ة اال�ستعمارية التي ا�ست�شرت ال�شيخ �أحمد بن عبد احلليم الدهلوي الذي دعا �إىل الت�صوف القائم‬ ‫ل���دى الأ�سب���ان والربتغالي�ي�ن بعد متكنهم م���ن �إخ���راج امل�سلمني من عل���ى االعتقاد والعم���ل مبا جاء يف الكت���اب وال�سنة‪ ،‬لتق���ف للإنكليز‬ ‫الأندل����س ع���ام ‪ .1492‬فامل�ستعم���رون �أرادوا �أن يتعقب���وا الدي���ن باملر�ص���اد حني �أخ���ذوا ي�ستبدون بالأمر‪ ،‬ويقل�ص���ون �سلطات احلاكم‬ ‫الإ�سالمي جنوب املتو�سط ويف عمق ال�صحراء الأفريقية‪ ،‬ال�سيما بعد امل�سل���م‪ ،‬و�أطلق الكلمة امل�أثورة‪�« :‬إن���ه ال ُيت�ص َّور وجود ملك م�سلم من‬ ‫�أن ر�ص���دت البابوية مبالغ �ضخمة لتحقيق هذا الهدف‪ ،‬وراحت تنفخ دون نف���وذ‪� ،‬إال �إذا ت�صورنا ال�شم�س من دون �ضوء!»‪ ،‬ثم فتواه الأ�شهر‬ ‫يف �أو�صال حكام �أوروبا‪ ،‬ليتحم�سوا يف تنفيذ هذه اال�سرتاتيجية‪ .‬لكن «�إن الهن���د قد �أ�صبح���ت دار حرب ال دار �إ�سالم‪ ،‬وعل���ى امل�سلمني �أن‬ ‫مريدي اجلازولي���ة والقادرية والتيجانية وال�شاذلية وال�سنو�سية كانوا يهبوا جميعا للجهاد بعد �أن �أ�صبح �إمام امل�سلمني ال حول له وال قوة‪ ،‬وال‬ ‫لهم باملر�صاد‪ ،‬وحولوا �سواح���ل �أفريقيا يف القرن ال�ساد�س ع�شر �إىل تنفذ �أحكامه‪ ،‬واحلل والعقد �صار بي���د الإنكليز‪ ...‬يعينون املوظفني‪،‬‬ ‫ويدفعون الرواتب‪ ،‬وي�شرفون على الق�ضاء وتنفيذ الأحكام»‪ .‬و�إثر هذه‬ ‫�ساحة مواجهة �ضد امل�ستعمرين‪.‬‬ ‫ول���وال ن�ضال م�شاي���خ ال�صوفية مثل اخلليف���ة الطاهر يف نيجرييا‪ ،‬الفتوى ق���اد العلماء اجلهاد‪ ،‬وخا�ضوا غمار احلروب واملعارك لإنقاذ‬ ‫و�سام���وري ت���وري يف ب�ل�اد املاندوجنو‪ ،‬وعب���د الق���ادر اجلزائري يف امل�سلمني من الإنكليز‪ ،‬ومن ال�سيخ الذين لقوا دعم ًا من املحتلني‪.‬‬ ‫وكان من تالميذه ال�شي���خ �أحمد بن حممد بن عرفان الذي �أ�س�س‬ ‫�شمال �إفريقيا‪ ،‬وعمر الفوت���ي التكروري يف الغرب‪ ،‬وحممد عبد اهلل‬ ‫ح�سن يف ال�صومال‪ ،‬ورابح ف�ضل اهلل يف و�سط القارة ال�سمراء‪ ،‬لتغري دول���ة ذات �ش����أن‪ ،‬خا�ضت جهادا طوي�ل�ا �ضد ال�سي���خ‪ ،‬وهزمتهم يف‬ ‫الرتكي���ب الديني الراهن لأفريقيا متام ًا‪ .‬فه�ؤالء مل يكتفوا بالت�صدي مع���ارك عدة‪� ،‬إىل �أن �سق���ط �شهيد ًا‪ ،‬بعد �أن دب���ت الفتنة يف �صفوف‬ ‫لال�ستعم���ار‪ ،‬ب���ل كون���وا دوال وممال���ك متما�سكة‪� ،‬أعط���ت مقاومتهم تابعي���ه‪ ،‬لكن راية اجلهاد مل ت�سقط بع���ده‪ ،‬بل حملها �أتباعه‪ ،‬لت�ستمر‬ ‫للم�ستعم���ر عمق ًا وق���وة ودميومة‪ .‬وم���ا كان لهذه ال���دول واملمالك �أن �ض���د ال�سيخ والإنكلي���ز معا‪ .‬ولعب مريدو الطريق���ة املحمدية دور ًا يف‬ ‫تق���وم لوال جناح م�شايخ الطرق ال�صوفية يف ن�شر الإ�سالم على نطاق مقاومة اال�ستعمار الهولن���دي لإندوني�سيا وجنوب الهند‪ ،‬ومتكنوا من‬ ‫وا�س���ع‪ ،‬بني �أع���داد غفرية من الب�ش���ر‪ ،‬وعلى نطاق جغ���رايف مرتام‪� .‬إب���رام حتال���ف م���ع الهندو�س يف هذه احل���رب الطويل���ة‪ ،‬التي انتهت‬ ‫فحا�ص���ل �ضرب الب�شر املوالني له�ؤالء امل�شاي���خ‪ ،‬واجلغرافيا املنطوية ب�إجبار امل�ستعمر على الرحيل‪ .‬ويف تايالند‪ ،‬ن�شطت الطرق ال�صوفية‬ ‫حتت �أقدام الأتباع‪� ،‬أنتج على الفور كيانات جتمع بني ال�سلطة الدينية يف منطقة فطاين‪ ،‬التي تقع بني ماليزيا وتايالند ويعود �أ�صل �سكانها‬ ‫للمجموع���ة املاليوي���ة ويتكلمون اللغ���ة املاليوية ويكتبونه���ا حتى الآن‬ ‫وال�سلطة ال�سيا�سية‪.‬‬ ‫�إن ن�ش���اط الط���رق ال�صوفية يف ن�شر الإ�سالم بالق���ارة الأفريقية‪ ،‬ب�أحرف عربية‪.‬‬ ‫يف خامتة املطاف‪ ،‬ميكن القول �إن اال�سرتاتيجية الأمريكية الرامية‬ ‫و�إن كان ق���د ب���د�أ مت�أخرا ع�شرة ق���رون كاملة عما ق���ام به التجار يف‬ ‫هذا ال�ش�أن‪ ،‬كان وا�ضح ًا وحا�سم ًا �إذ �أن املت�صوفة‪ ،‬مل يكتفوا ب�إدخال �إىل تعزي���ز الت�ص���وف يف وج���ه اجلماع���ات والتنظيم���ات ال�سيا�سية‬ ‫جماع���ات متفرقة تعي�ش بالقرب من خطوط التجارة �أو بع�ض قاطني الراديكالي���ة‪ ،‬حمكوم عليه���ا بالف�شل الذريع‪ .‬ورمب���ا يغري الأمريكان‬ ‫امل���دن يف الإ�سالم‪ ،‬بل توغل���وا �إىل قلب القارة‪ ،‬حيث القبائل الوثنية‪ ،‬وجهة نظرهم‪ ،‬حال قراءة متعمقة ملا ينتجه الفكر ال�صويف من ثقافة‬ ‫�سيا�سي���ة من ناحي���ة‪ ،‬والإطالع عل���ى تاريخ‬ ‫الت���ي ت�سك���ن الق���رى والنج���وع‪ ،‬فحولوه���ا �إىل‬ ‫الط���رق ال�صوفية يف �آ�سيا و�أفريقيا من جهة‬ ‫الإ�سالم‪ .‬ونقلوا الدعوة من �شكلها الفردي �إىل‬ ‫أمريكية‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫اال�سرتاتيجية‬ ‫ثانية‪ ،‬ورمبا مي�ضون يف ا�سرتاتيجيتهم‪ ،‬لكن‬ ‫�صيغة جماعية م�ؤ�س�سية‪.‬‬ ‫الرامية �إىل تعزيز‬ ‫الثاب���ت يف كل الأح���وال �أن ال�صوفية �شكلت‬ ‫�أم���ا يف ق���ارة �آ�سي���ا ف�ب�رز دور النق�شبندية‪،‬‬ ‫عل���ى م���دار التاريخ �أح���د جتلي���ات الإ�سالم‬ ‫الت���ي وجدت نف�سه���ا‪ ،‬حني ا�شت���د �ساعدها‪ ،‬يف‬ ‫الت�صوف يف وجه اجلماعات‬ ‫يف �أبعاده الديني���ة وال�سيا�سية واالجتماعية‪،‬‬ ‫حاجة �إىل االنخراط يف حركة اجلهاد مبنطقتي‬ ‫والتنظيمات ال�سيا�سية‬ ‫و�ستظ���ل ت���زاول ه���ذا التجل���ي يف امل�ستقبل‬ ‫ال�شي�شان وداغ�ست���ان �ضد القي�صرية الرو�سية‪،‬‬ ‫عليها‬ ‫حمكوم‬ ‫الراديكالية‪،‬‬ ‫املنظ���ور‪ ،‬م���ن دون �أن تك���ون مطي���ة يف ي���د‬ ‫الت���ي كان���ت حتت���ل �آ�سي���ا الو�سط���ى والقوقاز‪.‬‬ ‫الذريع‬ ‫بالف�شل‬ ‫الأمريكيني‪.‬‬ ‫فلم���ا قام���ت الث���ورة البل�شفي���ة ع���ام ‪1917‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪79 2009‬‬


‫فـي ب�ؤرة االهتمام‬

‫ملاذا مل تكن القومية‬ ‫العربية ليربالية؟‬ ‫م ّثلت القومية العربية يف نظر م�ؤ�س�سي النه�ضة العربية الرافعة ال�ضرورية خلروج العرب من عباءة العثمانيني‬ ‫ومن ربق اال�ستعمار وطريق ًا للحاق بركب املدنية واحلداثة‪ .‬ولكن ال�س�ؤال‪ :‬ملاذا اتخذت القومية العربية م�سار‬ ‫الي�سار اال�شرتاكي؟ مبعنى �آخر‪ ،‬لمِ َ مل تكن ليربالية؟ ونعني بالليربالية املنظومة الفكرية الليربالية الر�أ�سمالية‬ ‫متكاملة‪ .‬ولو كان الأمر غري كذلك‪ ،‬فكيف كان �سيكون تاريخ العرب املعا�صر؟‬ ‫�أحمد عبدالكرمي �سـيف‬ ‫ولو �أن طرح هذا الإفرتا�ض ال ي�ستقيم يف منطق �سياق التاريخ‪ ،‬ولكن‬ ‫طرحه ي�ساءل تيار القومية العربية الآن ‪ -‬يف العقد الأول من القرن‬ ‫احلادي والع�شرين – �إذا كان �سياق الأحداث يف املا�ضي قد فر�ض‬ ‫عل���ى القومي���ة العربية م�سارات وم�آالت ا�شرتاكي���ة قد تكون مربرة‬ ‫نب �أي من تي���ارات القومية‬ ‫�أو مفهوم���ة على الأقل‪ ،‬لك���ن ملاذا مل يت ّ‬ ‫العربي���ة طرح��� ًا ليربالي��� ًا حت���ى الآن؟! والتاريخ يقدم لن���ا �شواهد‬ ‫عديدة عل���ى �أمم تبنت القومي���ة الليربالية وحق���ق بع�ضها النجاح‬ ‫عل���ى مثال اليابان و�أملانيا يف بدايات الق���رن الع�شرين‪ .‬فهل هناك‬ ‫ف���راق �أبدي بني القومية والليربالية يف تاريخنا العربي! وطرح هذا‬ ‫الت�س���ا�ؤل ال يعني رف�ض �أو قب���ول �أي من التيارات الفكرية القومية‪،‬‬ ‫وال ه���و دعوة لقومية ليربالية وال رف����ض لغريها‪ ،‬بقدر ما هو �س�ؤال‬ ‫فكري مطروح للبحث على الفال�سفة واملفكرين وال�سيا�سيني‪.‬‬ ‫تتف���ق غالبي���ة الأدبيات املتعلق���ة بالفكر العرب���ي احلديث‪ ،‬على‬ ‫اعتبار �أن مرحلة ما قبل احلرب العاملية الأوىل متثل مرحلة اليقظة‪/‬‬ ‫النه�ض���ة‪ /‬البعث‪ /‬ع�ص���ر التنوير العرب���ي‪ ،‬و�إن كانت تختلف هذه‬ ‫الأدبي���ات على بداية ه���ذه احلقبة التاريخية‪ .‬في�ؤرخه���ا فاروق �أبو‬ ‫زيد ب���ـ ‪ 1828‬تاريخ ن�ش�أة ال�صحافة العربية‪ ،‬وي�ؤرخها حليم بركات‬ ‫بـ ‪ 1789‬تاري���خ الثورة الفرن�سية‪ ،‬وي�ؤرخه���ا البع�ض بظهور حركات‬ ‫الإ�صالح الديني يف القرنني الثامن ع�شر والتا�سع ع�شر‪ :‬الوهابية‪،‬‬ ‫‪80‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫وال�سنو�سي���ة‪ ،‬واملهدي���ة‪ ،‬فيم���ا ي�ؤرخه���ا البع�ض بت�أ�سي����س اجلامعة‬ ‫الإ�سالمي���ة على يد جمال الدين الأفغ���اين (‪ 1838‬ـ ‪ ،)1897‬و�آخرون‬ ‫يرون بدايتها متزامن ًا بدخول نابليون �إىل م�صر ‪.1798‬‬ ‫�إن الو�ضع ال�سيا�سي والبنى االجتماعية واالقت�صادية للمجتمعات‬ ‫العربية يف ظ���ل املرحلة العثمانية خالل الق���رن التا�سع ع�شر ميثل‬ ‫مرحلة تبلور ع�صر التنوير العربي احلديث‪ ،‬هذه املرحلة التاريخية‬ ‫مثل���ت اخللفية املو�ضوعية لظه���ور الفكر القوم���ي العربي‪ ،‬وحتليل‬ ‫هذه الفرتة يلقي ال�ضوء على اجتاهات القومية العربية فيما بعد‪.‬‬ ‫متيز التاريخ العربي ال�سيا�سي واالجتماعي واالقت�صادي خالل‬ ‫الف�ت�رة املذك���ورة بعدد م���ن اخل�صائ����ص؛ منها �سي���ادة العالقات‬ ‫االقطاعي���ة على م�ستوى البناءي���ن التحتي والفوقي‪ ،‬هيمنة القطاع‬ ‫الزراعي يف منوذجه املتخلف على احلياة االقت�صادية واالجتماعية‬ ‫ومثل���ت ‪ %85‬من �إجم���ايل الن�شاط االقت�صادي‪ ،‬فيم���ا �سيطر على‬ ‫‪ %15‬املتبقي���ة يف القطاع���ات االقت�صادي���ة احلديثة مث���ل التجارة‬ ‫وال�صناعة الأقليات القومية والأوروبية (�أوربيون‪ ،‬يونانيون‪� ،‬أرمن‪،‬‬ ‫يه���ود)‪ .‬وقد تعاي�ش���ت العالق���ات الر�أ�سمالي���ة الأوروبي���ة الوافدة‬ ‫(خ�صو�ص ًا بعد توقيع نظ���ام الإمتيازات اجلائر ل�صالح الأوروبيني‬ ‫بني دول �أوروبا وال�سلط���ان العثماين حممود الثاين عام ‪ )1828‬مع‬ ‫العالقات م���ا قبل الر�أ�سمالي���ة ال�سائدة يف املناط���ق العربية حتت‬ ‫�أحمد عبدالك���رمي �سـيف رئي�س التحري���ر‪ ،‬واملدير التنفيذي‬ ‫ملركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية‪.‬‬

‫ال�سلطة العثمانية‪.‬‬ ‫�أدت هذه االزدواجية �إىل خراب االقت�صاد الفالحي واحلريف‪،‬‬ ‫حي���ث ترك الفالح���ون �أرا�ضيه���م هرب ًا م���ن ال�ضرائ���ب التي زاد‬ ‫عدده���ا على املائة نوع‪ ،‬وزاد من ع���بء ذلك نظام الإلتزام‪ ،‬حيث‬ ‫يلتزم كل وايل للباب العايل بتوريد مبلغ مقطوع من واليته مما دفع‬ ‫الوالة للمبالغة يف جب���ي ال�ضرائب للح�صول على فائ�ض الإلتزام‪.‬‬ ‫ه���ذا دفع لتال�شي ال�صناعات �أم���ام املناف�سة غري املتكافئة يف ظل‬ ‫نظام الإمتيازات ل�صالح الواردات الأوروبية‪ ،‬ونظام الإلتزام دفع‬ ‫لت���دين العم���ل يف الزراع���ة �إىل ‪ %40‬من قوة العم���ل بنهاية القرن‬ ‫الثامن ع�شر‪ .‬وانح�صرت امللكية يف �أمالك الدولة (املريي) وكان‬ ‫ال�سلطان العثماين نف�سه يعترب املالك احلقيقي لها‪ ،‬ودائم ًا ما كان‬ ‫يقطعها ويلزمها لأ�صحابه و�أتباع���ه؛ والأرا�ضي الوقفية (الرزق‪/‬‬ ‫احلبو�س���ات) وكان���ت تخ�ض���ع عملي ًا لكب���ار رجال الدي���ن الوثيقي‬ ‫ال�صلة بال�سلط���ة وباالقطاع؛ وامللكية الفردية اخلا�صة ال�صغرية ‪،‬‬ ‫والتي كانت تتال�ش���ي تدريجي ًا ل�صالح ال�صنف�ي�ن الآخرين‪ .‬بينما‬ ‫انخرط���ت ‪ %60‬من قوة العمل املتوف���رة يف �إعمال غري منتجة مثل‬ ‫الع�ساكر‪� ،‬أ�صحاب عقارات‪ ،‬رجال دين‪ ،‬جتار‪ ،‬خدم‪.‬‬ ‫لق���د انعك�س ه���ذا الواقع االجتماعي واالقت�ص���ادي بال�سوء على‬ ‫احلي���اة الفكرية العربي���ة‪ ،‬وزاد من فداحة الأم���ر �سيا�سة الترتيك‬ ‫التي �شرعت تتبعها حكومة ال�سالطني العثمانيني‪ .‬يف هذا الواقع من‬ ‫القهر والتخلف‪ ،‬و�صلت �أفكار الث���ورة الفرن�سية (احلرية‪ ،‬الإخاء‪،‬‬ ‫امل�س���اواة)‪ ،‬وانهزام النظام االقطاعي‪ ،‬وانت�صار الثورة ال�صناعية‬ ‫بقيادة الطبقة الربجوازية الأوروبية النا�شئة‪ ،‬وظهور الفكر القومي‬ ‫الأملاين‪ ،‬وتال�شي االمرباطوريات املمتدة ل�صالح الدول القومية‪...‬‬ ‫الخ وذلك عرب منافذ متعددة �أبرزها م�صر ولبنان‪.‬‬

‫�إرها�ص��ات يقظة عربي��ة‬ ‫�أدى تداخل وتناق�ض‬ ‫جانب�ي�ن �إىل يقظ���ة عربي���ة‪ :‬اجلان���ب الأول؛ �سيط���رة الإحت���كار‬ ‫الر�أ�سم���ايل الغرب���ي واال�ستب���داد االقطاع���ي الرتك���ي‪ ،‬واجلان���ب‬ ‫الث���اين؛ انت�شار �أف���كار حركة التنوير الأوروبي���ة يف احلرية واالخاء‬ ‫وامل�س���اواة والليربالية والدميقراطي���ة‪ .‬و�أدى ذلك �إىل يقظة متثلت‬ ‫يف جمموع���ة من احل���ركات والثورات املبكرة قب���ل احلرب العاملية‬ ‫جتلت يف احلركة اال�ستقاللية عن الدولة العثمانية يف كل من م�صر‬ ‫وفل�سط�ي�ن (حممد علي با�شا‪ ،‬ظاهر العمر)‪ ،‬ثورة كتلة من زعماء‬ ‫م�صر وقادتهم �ضد االحتالل الفرن�سي مل�صر‪ ،‬احلركة اال�ستقاللية‬ ‫التي حمل لواءها الزيديون يف اليمن الجالء العثمانيني‪ ،‬احلركات‬ ‫الدينية اال�صالحية (الوهابية‪ ،‬ال�سنو�سية‪ ،‬املهدية)‪ ،‬ثورة ال�ضباط‬ ‫امل�صري�ي�ن بقيادة �أحمد عراب���ي �ضد اخلديوي توفي���ق ‪ .1882‬كما‬ ‫انتع�ش���ت النه�ضة الأدبية والعلمية التي متثل���ت يف انت�شار املدار�س‬ ‫املختلف���ة‪ :‬ابتدائي���ة‪ ،‬اعدادية‪ ،‬عالي���ة‪ ،‬وت�سارع �إن�ش���اء اجلمعيات‬ ‫الأدبي���ة والديني���ة وال�سيا�سية (العلني���ة منها وال�سري���ة) يف بع�ض‬ ‫الأقطار العربي���ة‪ ،‬و�أبرزها رابطة الوطن العرب���ي (‪ ،)1904‬جمعية‬ ‫الإخ���اء العربي العثم���اين (‪ ،)1908‬املنتدي الأدب���ي (‪ ،)1909‬حزب‬

‫ليربالية‬ ‫‪Liberalism‬‬

‫الالمركزي���ة (‪ ،)1912‬امل�ؤمتر العرب���ي يف باري�س (‪ ،)1913‬اجلمعية‬ ‫القحطانية (‪ ،)1909‬اجلمعية الثورية العربية‪ ،‬حزب العهد‪ ،‬جمعية‬ ‫العلم الأخ�ضر‪ ،‬جمعية العربية الفتاة (‪.)1911‬‬ ‫يف ه���ذا املن���اخ‪ ،‬وقب���ل احل���رب العاملي���ة الأوىل‪ ،‬ب���رزت ثالث���ة‬ ‫تي���ارات‪ .‬الأول‪ ،‬التيار الديني؛ ال���ذي انطلق يف القرن التا�سع ع�شر‬ ‫لتقوي���ة اخلالف���ة اال�سالمي���ة يف وج���ه الغ���زو الأوروب���ي امل�سيحي‪.‬‬ ‫وق���د �ضم هذا التي���ار جماعتني متناف�ستني هم���ا‪ :‬جماعة تقليدية؛‬ ‫ارتبط���ت باخلالفة العثماني���ة وحاربت كل دع���وة لال�صالح‪ ،‬وهي‬ ‫اجلماعة التي ارتبطت با�سم �أبو الهدى ال�صيادي (ت ‪ )1900‬الذي‬ ‫كان م�ست�ش���ارا لل�سلط���ان عبداحلميد‪ ،‬والذي �ش���ارك يف �إ�ضطهاد‬ ‫الأفغاين والكواكبي‪ .‬واجلماعة ال�سلفية اال�صالحية‪ ،‬ومثلها جمال‬ ‫الدي���ن الأفغاين (‪ )1898-1839‬وحممد عبده (‪ )1905-1849‬وحممد‬ ‫ر�شي���د ر�ض���ا (‪ ،)1935-1865‬واهتم���ت باحي���اء الدي���ن اال�سالم���ي‬ ‫والع���ودة ب���ه �إىل نقاوت���ه الأوىل‪ ،‬والتي انتق���دت امل�ؤ�س�س���ة الدينية‬ ‫الر�سمية‪ ،‬وعار�ضت ال�سلطة يف كثري من الأحيان‪.‬‬ ‫التي���ار الث���اين‪ ،‬اللي�ب�رايل؛ يف �سوري���ة وم�ص���ر خا�ص���ة‪ ،‬حيث‬ ‫�ش���دد هذا التيار عل���ى الهوية القومية كبدي���ل للخالفة �أو اجلامعة‬ ‫اال�سالمية‪ ،‬وعلى العلمانية كبديل لل�سلطة الدينية‪ ،‬وعلى العقالنية‬ ‫كبديل لالميانية املطلقة‪ ،‬وعلى التحرر االجتماعي (وخا�صة حترر‬ ‫امل���ر�أة) كبديل للنزوع التقليدي‪ ،‬وعلى التطلع نحو امل�ستقبل كبديل‬ ‫للتطل���ع نحو املا�ض���ي‪ ،‬وعلى الوعي القومي كبدي���ل للوعي الطائفي‬ ‫والقبلي واملحلي‪ ،‬كما نادى هذا التيار ب�أفكار االندماج االجتماعي‪،‬‬ ‫و�ضرورة �إحي���اء اللغة العربية واالقبال عل���ى التعليم احلديث‪� .‬أما‬ ‫�أبرز ممثلي هذا التيار فه���م‪ :‬بطر�س الب�ستاين وابراهيم اليازجي‬ ‫ويعق���وب �صروف وجرجي زي���دان وقا�سم �أم�ي�ن و�صدقي الزهاوي‬ ‫وحمم���د كرد علي ورفي���ق العظم و�شكي���ب �أر�س�ل�ان و�أحمد لطفي‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪81 2009‬‬


‫فـي ب�ؤرة االهتمام‬ ‫ال�سيد ويل الدين يكن ومعروف الر�صايف‪.‬‬ ‫التيار الثالث‪ ،‬التقدمي؛ الذي التقى مع التيار الليربايل يف �أفكار‬ ‫القومية والعلمانية والعقالنية والتحرر االجتماعي‪ ،‬ولكنه زاد عليه‬ ‫يف �أن���ه كان �أك�ث�ر راديكالية‪ ،‬و�أنه كان على متا����س مع قيم ومبادئ‬ ‫اال�شرتاكية (العلمية والوطنية)‪ .‬وكان من �أبرز �أعالم هذا التيار‪:‬‬ ‫�شبلي �شميل‪ ،‬وفرح �أنطون‪ ،‬و�سالمة مو�سى‪.‬‬ ‫�ص��دمة اال�س��تعمار‬ ‫بعد احلرب العالية الأوىل برزت‬ ‫جملة من التغريات والأحداث ترتب عليها عدد من النتائج ال�سلبية‪،‬‬ ‫فق���د انتقل الوطن العربي من حتت احلك���م العثماين املتهاوي �إىل‬ ‫ن�ي�ر اال�ستعمار الر�أ�سمايل الأوروبي الفت���ي والقوي والنهم لرثوات‬ ‫الع���امل الثال���ث لت�شغيل �آلت���ه ال�صناعي���ة ال�ضخم���ة‪ ،‬ومتت جتزئة‬ ‫الوطن العربي �إىل كيانات هجينة مفتعلة‪ ،‬وحتويلها �إىل م�ستعمرات‬ ‫تقا�سمته���ا ال���دول املنت�صرة يف احل���رب‪ ،‬الأمر ال���ذي تكر�س معه‬ ‫ال���والء القطري حم���ل الوالء القوم���ي‪ ،‬والوالء الع�صب���وي (القبلي‬ ‫والدين���ي والطائفي واجله���وي والع�صبوي) حمل ال���والء الوطني‪.‬‬ ‫و�ص���در وعد بلف���ور امل�ش�ؤوم املتعل���ق باعطاء فل�سطني وطن��� ًا قومي ًا‬ ‫لل�صهيونية العاملية‪ ،‬الأمر الذي ترتب عليه بداية انتداب بريطانيا‬ ‫العظمي عل���ى فل�سطني‪ ،‬والحقا طرد ال�شعب الفل�سطيني من وطنه‬ ‫و�إح�ل�ال الكيان ال�صهيوين حمله‪ .‬وكذل���ك مت انت�صار ثورة �أكتوبر‬ ‫اال�شرتاكي���ة يف رو�سيا وقيام االحت���اد ال�سوفييتي ‪ 1917‬التي مهدت‬ ‫لربوزه كقوة عظمى �ستدخل العامل مع الواليات املتحدة يف احلرب‬ ‫الب���اردة‬

‫‪82‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫والإ�ستقط���اب العاملي بعد احلرب العاملية الثانية‪ ،‬والتي كان العامل‬ ‫العربي م�سرحا لكثري من ف�صولها‪.‬‬ ‫وقد �إتبع اال�ستعمار الأوروبي للوطن العربي �سيا�سة املحافظة‬ ‫على عالقات الإنتاج الإقطاعية‪ ،‬بعد تهجينها ببع�ض عالقات الإنتاج‬ ‫الر�أ�سمالية‪ ،‬وحما�صرة ال�صناعات الوطنية التقليدية وطردها‬ ‫من ال�سوق ل�صالح ال�صناعات الر�أ�سمالية الوافدة (وهي �إ�ستمرار‬ ‫لنظام الإم��ت��ي��ازات)‪ ،‬وت�شويه االقت�صاديات الزراعية الوطنية‬ ‫وحتويلها �إىل اقت�صادات موجهة تخدم م�صانع اال�ستعمار‪ ،‬مثال‬ ‫ذلك فر�ض زراعة القطن يف دلتا م�صر و�أبني اليمن لتزويد م�صانع‬ ‫الن�سيج يف مان�ش�سرت‪ ،‬وزراعة العنب يف اجلزائر لتزويد م�صانع‬ ‫النبيذ يف بوردو‪ ،‬وبهذا جعلت االقت�صاديات العربية وحيدة اجلانب‬ ‫واالجت��اه مبا فيه م�صلحة ال�صناعة الغربية‪ .‬وحافظ اال�ستعمار‬ ‫على االنق�سام العمودي يف املجتمع العربي (قبلي‪ ،‬طائفي‪ ،‬ديني‪،‬‬ ‫قومي‪ ،‬جهوي) وتوظيفه يف خدمة �سيا�سة فرق ت�سد اال�ستعمارية‬ ‫املعروفة‪ ،‬ون�شر وتعميق الفكر والإنتماء القطري يف الوطن العربي‬ ‫(الفرعونية‪ ،‬القومية ال�سورية‪ ،‬الأمازيغية) على ح�ساب القومية‬ ‫العربية‪ ،‬وحماولة تفكيك العالقة بني العروبة واال�سالم بوا�سطة‬ ‫ت�شجيع كل من التطرف القومي والتطرف الديني‪.‬‬ ‫ومع ذلك ح�صلت تط���ورات �إيجابية مثل ن�ضج الوعي ال�سيا�سي‬ ‫القوم���ي مب�ضمونه االجتماع���ي للعدالة‪ ،‬واالنت�ش���ار الن�سبي للفكر‬ ‫العلم���ي على ح�ساب الفكر الغيب���ي امليتافيزيقي واخلرايف‪ ،‬وتنامي‬ ‫�أع���داد املثقفني والطلبة والع�سكر واملوظف�ي�ن‪ ،‬وظهور العمال كقوة‬ ‫�أ�سا�سي���ة ذات �أف���ق طبق���ي‪ ،‬وظه���ور االنق�س���ام الأفق���ي (الطبقي‬ ‫�أ�سا�س���ا‪ ،‬و�إن كان ال ي���زال الرتاتب االجتماعي ه���و ال�سمة ال�سائدة‬ ‫يف املجتم���ع العرب���ي عل���ى ح�ساب الطبق���ة مبفهومه���ا االقت�صادي‬ ‫والقان���وين) يف املجتم���ع‪� ،‬إىل جان���ب االنق�سام العم���ودي‪ ،‬وتراجع‬ ‫االقت�ص���اد الطبيع���ي (الزراع���ي �أ�سا�س��� ًا) جزئيا ل�صال���ح �أمناط‬ ‫الإنتاج احلديثة (االقت�صاد ال�صناعي ب�شكل ب�سيط‪ ،‬واخلدمي وهو‬ ‫الغال���ب)‪ ،‬ومنو القطاع احل�ضري‪ ،‬وتط���ور اخلدمات ال�صحية وما‬ ‫ترتب عليها من الزيادة ال�سكانية ومنو املدن‪� .‬أدى ذلك �إىل تقل�ص‬ ‫النف���وذ ال�سيا�سي والأدبي للربجوازية الوطني���ة ولأحزابها‪ ،‬مقابل‬ ‫تزاي���د كم وكيف ونفوذ الفئ���ات املتو�سط���ة والربجوازية ال�صغرية‬ ‫النا�شئة‪ .‬وبغياب الربجوازي���ة الوطنية فقدت الليربالية ال�سيا�سية‬ ‫واالقت�صادية �أهم مدافع عنها وم�ستفيد منها‪.‬‬ ‫ه���ذه التط���ورات دعت املثق���ف وال�سيا�سي العرب���ي مل�سائلة واقع‬ ‫التخلف والبحث عن خم���ارج من هذا الواقع‪ .‬الذ البع�ض باملا�ضي‬ ‫املجي���د للأمة كمهرب من حا�ضرها البائ����س‪ ،‬نهاية القرن التا�سع‬ ‫ع�شر ومطلع القرن الع�شرين‪ .‬بينما جل�أ البع�ض للح�ضارة الغربية‪،‬‬ ‫يف �صورة هروب �إىل الأمام حيث االيديولوجيات اجلاهزة وال�سيما‬ ‫الإيديولوجيت�ي�ن الرئي�سيتني؛ الر�أ�سمالية واال�شرتاكية‪ ،‬ظن َا ب�أنهما‬

‫الطري���ق لالنتق���ال م���ن املجتم���ع االقطاعي‬ ‫التقلي���دي �إىل املجتم���ع ال�صناع���ي احلديث‬ ‫دون �إعتب���ار لظ���روف التط���ور االقت�ص���ادي‬ ‫واالجتماع���ي املختلف���ة‪ .‬وهناك اجت���اه ثالث‬ ‫ا�ستح�ض���ر ايجابي���ات املا�ض���ي (ال�ت�راث)‬ ‫ومزجه���ا بايجابيات احلا�ض���ر (احلداثة)‪،‬‬ ‫للو�ص���ول �إىل جمتم���ع عربي موح���د ومتقدم‬ ‫قائ���م عل���ى املزاوج���ة ب�ي�ن العق���ل والنق���ل‪،‬‬ ‫وب�ي�ن القومي���ة واال�شرتاكي���ة‪ ،‬وب�ي�ن العروبة‬ ‫واال�سالم‪ ،‬و�أب���رز رموز ه���ذا االجتاه �ساطع‬ ‫احل�ص���ري وزك���ي الأر�س���وزي ومي�شيل عفلق‬ ‫و�أكرم احلوراين و�ص�ل�اح البيطار‪ ،‬وبالتايل‬ ‫ح���زب البع���ث العرب���ي اال�شرتاك���ي وحرك���ة‬ ‫القوميني العرب بكل فروعها العربية‪.‬‬

‫حتوالت ما بعد احلقبة‬ ‫ب�سبب احلرب‬ ‫اال�ستعمارية‬

‫م��ع �أن تراج��ع القومية العربي��ة كحركة دافعة لل�سيا�س��ة يف احلياة العربية‪،‬‬ ‫بد�أ بهزمية ‪� ،1967‬إال �أن هذا الرتاجع و�ص��ل ذروته بغزو العراق للكويت ‪.1990‬‬ ‫وب��ذا خل��ت ال�س��احة من��ذ �أربعينيات وخم�س��ينيات الق��رن املا�ض��ي لليرباليني‬ ‫الدميقراطي�ين الع��رب مدفوعني بت�ش��جيع �إدارة كلينتون‪ ،‬وم��ع ذلك مل ينجح‬ ‫الأمر يف بروز تيار قومي ليربايل‬

‫العاملية الثانية خرجت الدول الر�أ�سمالية‬ ‫الغربية والواليات املتحدة على اخل�صو�ص‬ ‫ولها اليد الطوىل على امل�سرح العاملي‪.‬‬ ‫وح�صل عدد من الأقطار العربية على‬ ‫اال�ستقالل ال�سيا�سي ولكن بحدود جديدة‬ ‫م�صطنعة مثلت قنبلة موقوتة فيما بعد‪ ،‬وات�سعت رقعة ونفوذ‬ ‫املع�سكر اال�شرتاكي‪ ،‬وخا�صة بعد تبني ال�صني للنظام اال�شرتاكي‪،‬‬ ‫و�صدر قرار تق�سيم فل�سطني بني العرب وال�صهاينة يف التا�سع‬ ‫والع�شرين من نوفمرب ‪ 1947‬وت�صويت االحتاد ال�سوفييتي �إىل‬ ‫جانب هذا القرار‪ ،‬وبالتايل قبول معظم الأحزاب ال�شيوعية‬ ‫العربية بهذا القرار‪ ،‬الأمر الذي �أدى �إىل انق�سام حركة التحرر‬ ‫الوطني العربية حول الق�ضية الفل�سطينية‪.‬‬ ‫ترت���ب عل���ى ه���ذه املعطي���ات اجلدي���دة ب���روز دور اجلي�ش على‬ ‫امل�سرح ال�سيا�س���ي‪ ،‬ب�سبب ال�صراع العربي ‪ -‬الإ�سرائيلي من جهة‪،‬‬ ‫ولك���ون �شريحة ال�ضباط تعترب فئة اجتماعي���ة متطورة‪ ،‬قيا�س ًا �إىل‬ ‫الفئ���ات االجتماعي���ة الأخرى‪ ،‬ذلك �أنها فئ���ة متعلمة‪ ،‬وعلى عالقة‬ ‫بالتقنية احلديثة املرتبطة بتكنولوجي���ا ال�سالح‪ ،‬ا�ضافة �إىل كونها‬ ‫فئة مرتابطة ومن�ضبطة وظيفي ًا‪� .‬إ�ضافة لذلك جاء معظم ال�ضباط‬ ‫واجلن���ود الع���رب من الري���ف‪ ،‬امل�سح���وق �سابق���ا‪ ،‬حامل�ي�ن معهم‬ ‫�إدراك م�سب���ق ب����أن برجوازية املدين���ة‪ ،‬احلاكمة �سابق��� ًا واملتعاونة‬ ‫م���ع العثماني�ي�ن ومن ث���م اال�ستعم���ار والت���ي مثلت ن���واة برجوازية‬ ‫�صناعية وجتارية ومل متنح فر�صة النمو لتكري�س ليربالية �سيا�سية‬ ‫واقت�صادي���ة‪ ،‬هذه الربجوازية مت حتميلها امل�سئولية يف حتالفها مع‬ ‫امل�ستعمر عن التخلف والب�ؤ�س العربيني‪.‬‬

‫لذا مت اجتث���اث هذه الربجوازية الوطني���ة وم�صادرة ر�أ�سمالها‬ ‫وم�صانعه���ا ل�صالح الفئات املهم�شة خطابا‪ ،‬ول�صالح القطاع العام‬ ‫فعال‪ ،‬والذي �سرعان ما نخره الف�ساد و�أ�صبح عبئ ًا حيث كان يرجى‬ ‫من���ه �أن يكون راف���د ًا لالقت�صاد الوطني على خط���ى �شعار «تعظيم‬ ‫الإنت���اج وعدالة التوزيع» فال ت�أتى هذا وال حت�صل ذاك‪ .‬وترافق مع‬ ‫ذلك تزايد الوعي املعادي لال�ستعمار واالمربيالية وبروز ظاهرتان‬ ‫جديدت���ان هم���ا‪ :‬ظاه���رة ال�شع���ب الفل�سطين���ي امل�ش���رد‪ ،‬وظاهرة‬ ‫ال���دول النفطي���ة‪ ،‬واللت�ي�ن �سيكون لهم���ا الأثر الكب�ي�ر والبارز على‬ ‫عملية التط���ور والتغري االجتماعي الالحقة يف املنطقة‪ .‬وقد تنامى‬ ‫الوعي ال�شعبي بتحميل �ضياع فل�سطني وهزمية ‪ 1948‬على الأنظمة‬ ‫العربية املتولدة عن التق�سيمات اجلديدة لال�ستعمار‪ ،‬مما �أدى �إىل‬ ‫�سقوط عدد من الأنظمة امللكية والتقليدية العربية‪ ،‬ل�صالح �أنظمة‬ ‫جمهوري���ة جدي���دة‪ ،‬وذلك على يد اجلي�ش والق���وات امل�سلحة‪ ،‬ثورة‬ ‫‪ 23‬يولي���و ‪ 1952‬يف م�ص���ر‪ ،‬ثورة ‪ 14‬متوز ‪ 1958‬يف العراق‪ ،‬وثورة ‪26‬‬ ‫�سبتمرب ‪ 1962‬يف اليمن‪.‬‬ ‫كان����ت ر�أ�سمالي����ة الربجوازية الوطني����ة (على �ضعفه����ا وبدايات‬ ‫ن�شوئها)‪ ،‬وممالئة قوى اال�ستعمار‪ ،‬والتهاون يف ق�ضية فل�سطني‪� ،‬أهم‬ ‫م��ب�ررات – واقع ًا �أو وهم���� ًا ‪ -‬التيارات الفكري����ة القومية واحلركات‬ ‫الوطني����ة لنق�ض �شرعية الأنظمة ال�سابقة‪ ،‬لذا ما كان لهذة التيارات‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪83 2009‬‬


‫املحـــور‬

‫فـي ب�ؤرة االهتمام‬

‫واحل����ركات �إال �أن تتبن����ى �شرعية مناق�ضة تقوم عل����ى �أقانيم ثالثة‪:‬‬ ‫حماربة اال�ستعمار (التحرر)‪ ،‬والعدالة االجتماعية (اال�شرتاكية)‪،‬‬ ‫وا�ستع����ادة فل�سطني (على طري����ق الوحدة العربية)‪ .‬ه����ذة الأقانيم‬ ‫الثالث����ة وج����دت رافعاتها الث��ل�اث يف التحرر الوطن����ي واال�شرتاكية‬ ‫والوحدة‪.‬‬ ‫وارتكب����ت ح����ركات التحرر الوطن����ي العربية (با�ستثن����اء اجلبهة‬ ‫القومي����ة يف جن����وب اليمن) خطيئة زج اجلي�����ش يف ال�سيا�سة كحامل‬ ‫مل�شاريعه����ا ب�إعتب����اره امل�ؤ�س�س����ة الوحي����دة املحتك����رة لو�سائ����ل العنف‬ ‫امل�شروع����ة‪ ،‬الأم����ر الذي جع����ل اجلي�ش بع����د و�صوله لل�سلط����ة �إما �أن‬ ‫ُي�سخ����ر اخلط����اب ال�سيا�س����ي حل����ركات التح����رر الوطني����ة ل�صاحلة‬ ‫وبالتايل ُي�سخر احلركات نف�سها لتربير حكم اجلي�ش‪� ،‬أو �أن يبعدها‬ ‫ع����ن ال�سلط����ة ويط����ارد رموزها بحج����ة خيانتها مل�صال����ح اجلماهري‬ ‫امل�سحوقة‪ .‬لذا تراجع التيار القومي الليربايل والتيار الديني ل�صالح‬ ‫تيار الفكر القومي ذي امليول الي�سارية وامل�سيطر عليه من اجلي�ش‪.‬‬ ‫وتكر�س النهج الي�ساري اال�شرتاكي للقومية العربية بعدة عوامل‪.‬‬ ‫الأول؛ حال����ة ال�ص����راع بني �أجنح����ة متناف�سة داخ����ل حركة القوميني‬ ‫العرب وذلك كانعكا�س لرتكيبها االجتماعي والطبقي والإيديولوجي‬ ‫تبع ًا لتباين الأقطار العربية وتفاوتها قلي ًال �أو كثري ًا‪ ،‬يف �سلم التطور‬ ‫االجتماع����ي واالقت�ص����ادي والثق����ايف وال�سيا�سي‪ ،‬و�أي�ض���� ًا يف احلجم‬ ‫ال�س����كاين وامل�ساح����ة اجلغرافي����ة‪ ،‬والأك��ث�ر �أهمية تفاوته����ا جغرافي ًا‬ ‫و�سيا�سي ًا و�أيديولوجي ًا وقومي ًا قرب ًا �أو بعد ًا من الق�ضية الفل�سطينية‪.‬‬ ‫العام����ل الث����اين؛ تباي����ن الأقط����ار العربي����ة من حيث ال��ث�روة‪ ،‬وال‬ ‫�سيم����ا بني الدول النفطية (اخلليجية خا�ص����ة) والدول الأخرى غري‬ ‫النفطي����ة‪ ،‬وتعميم اخلط����اب ال�سيا�سي القائل ب�أن ه����ذه ثروة عربية‬ ‫ويج����ب �أن ُت ّ‬ ‫�سخر للمعرك����ة العربية مقابل اتهام����ات ب�أنها ت�سخر يف‬ ‫اجتاه معاك�س‪.‬‬ ‫العام���ل الثالث؛ متث���ل يف العدوان الثالثي عل���ى م�صر يف ‪1956‬‬ ‫وان�سحاب �أمريكا من متويل بناء ال�سد العايل وعقد �صفقة الأ�سلحة‬ ‫الت�شيكي���ة مل�صر‪ ،‬مما زاد من عداء �أم�ي�ركا والغرب لنا�صر الأمر‬ ‫ال���ذي دفعه �أكرث باجتاه املع�سك���ر اال�شرتاكي‪ ،‬و�صبغ بالتايل حركة‬ ‫القومية العربية بلون �أكرث ي�سارية‪.‬‬ ‫العام���ل الرابع؛ متثل يف احل���رب العربية الب���اردة بني املع�سكر‬ ‫التقدم���ي واملع�سك���ر الرجعي (وفق��� ًا مل�صطلحات تل���ك احلقبة)‪،‬‬ ‫وت�صاعد هذا ال�صراع �إىل ال�صدام الع�سكري بني م�صر وال�سعودية‬ ‫يف اليمن بني ‪ .1967-1962‬العامل اخلام�س؛ كان هزمية النظامني‬ ‫امل�صري وال�سوري �أمام ا�سرائيل يف حرب يونيو ‪ ،1967‬التي �شكلت‬ ‫نقط���ة �إنعط���اف حا�سمة‪ ،‬يف تاري���خ الفكر العرب���ي املعا�صر‪ ،‬ذلك‬ ‫�أنه���ا �أ�سقط���ت القناع عن نق���اط ال�ضعف يف مكونات ه���ذا الفكر‪،‬‬ ‫‪84‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫وال�سيما الفكر ال�سلط���وي ب�إ�سم القومية العربية‪ ،‬الأمر الذي ق�سم‬ ‫حركة القوميني الع���رب وجعلها تبتعد عن نا�صر وتتبنى نهج ًا �أكرث‬ ‫ي�سارية‪.‬‬ ‫هذه العوامل جميعا ت�ضافرت لأن تكون احلركة القومية العربية‬ ‫ي�سارية ا�شرتاكية ولي�ست �شيئ ًا �آخر‪.‬‬

‫ق�ضيــــة العـــدد‬

‫ا�س��تمرار الإخف��اق‬ ‫م���ع �أن تراج���ع القومي���ة العربية‬ ‫كحرك���ة دافع���ة لل�سيا�س���ة يف احلي���اة العربية‪ ،‬ب���د�أ بهزمية ‪،1967‬‬ ‫�إال �أن ه���ذا الرتاجع و�صل ذروته بغزو الع���راق للكويت ‪ .1990‬وبذا‬ ‫خل���ت ال�ساحة من���ذ �أربعينيات وخم�سينيات الق���رن املا�ضي لليرباليني‬ ‫الدميقراطيني الع���رب مدفوعني بت�شجيع �إدارة كلينتون ووعودها بدعم‬ ‫التوجه���ات الدميقراطية‪ ،‬ومع ذلك مل ينجح الأم���ر يف بروز تيار قومي‬ ‫ليربايل‪.‬‬ ‫�أح���د الأ�سباب له���ذا الف�ش���ل يع���ود لرتاج���ع الإدارة الأمريكية‬ ‫وتف�ضيله���ا اال�ستق���رار عل���ى الدميقراطي���ة يف دول املنطق���ة؛ �أو ًال‬ ‫لأن جت���ارب الإنفت���اح الدميقراطي �أفرزت الق���وى الإ�سالمية غري‬ ‫املرغ���وب يف بع�ضها �أمريكي ًا‪ ،‬جتلى ذلك بو�ضوح يف اليمن والأردن‬ ‫وم�ص���ر والكويت والبحري���ن‪ ،‬وثاني َا جاءت �أح���داث احلادي ع�شر‬ ‫من �أيلول‪�/‬سبتم�ب�ر ‪ 2001‬وبدء �إدارة بو�ش االبن عقيدة احلرب‬ ‫عل���ى الإره���اب لت�ؤكد تغري �أولويات �أم�ي�ركا يف املنطقة‪ .‬ومع ذلك‪،‬‬ ‫يع���ود �أهم �أ�سباب ف�شل بروز تيار قومي ليربايل �إىل ه�شا�شة البنى‬ ‫االقت�صادي���ة امل�ستقلة ع���ن الدولة والت���ي تفرز طبيعي��� ًا برجوازية‬ ‫وطني���ة حاملة للمد اللي�ب�رايل‪ ،‬ذلك �أن القط���اع اخلا�ص يف �أغلبه‬ ‫يف معظ���م الدول العربية يظ���ل جتاري ًا ولي�س �صناعي��� ًا‪ ،‬ومنى هذا‬ ‫القط���اع اخلا����ص‪ ،‬وال ي���زال‪ ،‬يف ظل القط���اع الع���ام م�ستفيد ًا من‬ ‫العقود التف�ضيلي���ة واحل�صول على تراخي����ص اال�سترياد والإعفاء‬ ‫وعل���ى احل�صول عل���ى املعلومات وجتاوز القان���ون؛ كل ذلك يف ظل‬ ‫قط���اع الدولة‪ ،‬ل���ذا مل يكن من م�صلحته حتري���ر االقت�صاد يف ظل‬ ‫مناف�س���ة كامل���ة‪ ،‬وال يزال القط���اع اخلا�ص يحق���ق �أرباح ًا �أكرب يف‬ ‫ظ���ل الأو�ضاع الرمادية ما بني الت�أميم والتحرير �أكرث مما لو حترر‬ ‫االقت�صاد متام ًا‪.‬‬ ‫�إذ ًا تراج���ع املد القومي العربي وال �أمل ُيرى قريب ًا لتيار ليربايل‬ ‫ق���وي‪ ،‬وبد�أ تراجع م���د الإ�سالم ال�سيا�سي بعد خم���ود فورة الت�أييد‬ ‫ل���ه الت���ي �شهده���ا العقد الأخ�ي�ر من الق���رن املا�ض���ي‪ ،‬ورمبا يكون‬ ‫الرتاجع الكبري الذي �شه���ده التيار الإ�سالمي يف انتخابات الكويت‬ ‫الربملانية يف �شه���ر �أيار‪/‬مايو ‪ 2009‬بداية ل�سل�سلة من تراجعات‬ ‫تي���ار الإ�سالم ال�سيا�سي �ست�شهدها الدول العربية قريب ًا‪ .‬هذا ي�ضع‬ ‫ت�س���ا�ؤالت �أكرث م���ن تلك التي بد�أنا بها ه���ذا املو�ضوع‪ ،‬فمن �سيملأ‬ ‫الفراغ يف ظل تراجع التيارات ال�سيا�سية والفكرية الرئي�سية؟‬

‫�صراع الأدوار فـي‬ ‫املنطقة العربية‬ ‫حممد �سيف حيدر‬ ‫عمرو حمزاوي‬ ‫غ�سان العزي‬ ‫�سامح را�شد‬ ‫علي ح�سني باكري‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ا�سرتاتيجية‬

‫العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪85 2009‬‬


‫املحور‬

‫�صراع الأدوار «واملحاور» يف النظام العربي‬

‫ك�شف ح�ساب مت� ّأخر!‬

‫حممد �سيف حيدر‬ ‫ال يخفى على ُمتابعي و�ضع املنطقة العربية وحال نظامها الإقليمي‬ ‫�أن �ص���راع الأدوار و�سيا�س���ة املحاور التي تُلقي الي���وم بظاللها الثقيلة‬ ‫عل���ى امل�شه���د ال�سيا�سي العرب���ي‪ ،‬ال تخرج عما هو م�أل���وف ومعتاد يف‬ ‫�س�ي�رورة هذا النظام‪ ،‬الذي اقرتن ظهوره تاريخي ًا مع ظهور اجلامعة‬ ‫العربي���ة‪ ،‬وزوال اال�ستعمار وحت���رر الدول العربية تباع��� ًا من قب�ضته‬ ‫الع�سكرية العاتية‪ ،‬وتوجهها �إىل بناء ذاتها كدول حديثة ومقتدرة على‬ ‫مواجهة التحديات على اختالفه���ا‪� ،‬سيا�سي ًا واقت�صادي ًا واجتماعي ًا‪..‬‬ ‫ال���خ‪ .‬وقد ع���رف النظ���ام الإقليمي منذ حلظ���ة ن�ش�ؤه ه���ذا النوع من‬ ‫ال�ص���راع والتناف�س الإقليميني‪ ،‬واالنق�س���ام والتكتل يف حماور عبرّ ت‬ ‫ع���ن نف�سها من خ�ل�ال انق�سام العرب‪ ،‬خ�ل�ال خم�سينيات و�ستينيات‬ ‫الق���رن املا�ضي‪ ،‬ب�ي�ن قوى “تقدمي���ة” و�أخرى “حما ِفظ���ة”‪ .‬وكانت‬ ‫ال�سم���ة الأب���رز لهذا اال�ستقط���اب تكمن يف دخول هذه ال���دول �أو تلك‬ ‫�ضمن دائ���رة اال�ستقطاب الأيديولوجي الذي م ّيز النظام الدويل بني‬ ‫�أمريكا والغرب واالحتاد ال�سوفيتي واملنظومة اال�شرتاكية الدائرة يف‬ ‫ا�ستقطاب �أف���رز حرب ًا عاملية بارد ًة طويل���ة ا�ستمرت نحو‬ ‫فلك���ه‪ ،‬وهو‬ ‫ٌ‬ ‫ن�صف قرن من الزمان‪.‬‬ ‫�إن �سيا�س���ة املح���اور‪ ،‬كم���ا �ص���راع الأدوار ب�ي�ن كب���ار الالعب�ي�ن‬ ‫الإقليميني‪ ،‬ال تختلف اليوم كثري ًا عن �سابقاتها بل هي امتداد طبيعي‬ ‫له���ا‪ ،‬وهي جت ٍّ‬ ‫���ل جوهري ومتوا�ص���ل لل�صراع العرب���ي ‪ -‬العربي حول‬ ‫�أجندة تبدو يف الظاهر عربية خال�صة‪ ،‬لكنها يف واقع الأمر مل (ولن)‬ ‫تخدم �سوى �إ�سرتاتيجيات القوى الإقليمية والدولية وتوجهاتها ب�شكل‬ ‫�أ�سا�س���ي‪ .‬واملده�ش يف الأمر �أن تو�صيف الت�صدّع العربي الراهن كما‬

‫‪86‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ه���و احلال مع الت�صدع���ات واالنق�سامات ال�سابق���ة‪ ،‬وفرز العرب بني‬ ‫ق���وى “اعت���دال” يف مقابل ق���وى “ممانعة” �أو “متطرف���ة”‪ ،‬قد �أتى‬ ‫م���ن خارج املنطقة باعتباره فرز ًا بني �أ�صدقاء �أمريكا – القوة الأوىل‬ ‫يف الع���امل ‪ -‬وبقية دول الغرب وبني خ�صومه���ا‪ ،‬وكما يف املا�ضي فقد‬ ‫�ساهم���ت �إ�سرائيل يف بلورة هذا التو�صيف‪ ،‬والنفخ فيه وترويجه بقوة‬ ‫على ال�صعيد العامل���ي‪ .‬وبالفعل فقد مت ّكن الأمريكيون والإ�سرائيليون‬ ‫م���ن ت�شيي���د �سيا�سة حم���اور وحتالف���ات �إقليمي���ة ترتب���ط ب�أجندتهم‬ ‫اجليو�سرتاتيجية �أو ًال و�أخري ًا‪.‬‬ ‫ولعل حرب غزة مطلع العام اجلاري كانت قد عك�ست ذلك النجاح‬ ‫بو�ض���وح‪ .‬فعلى �سبي���ل املثال‪� ،‬أ�ش���ارت وزيرة اخلارجي���ة الإ�سرائيلية‬ ‫ال�سابق���ة ت�سيبي ليفني‪ ،‬يف ت�صريح لها �إ ّبان احلرب‪� ،‬إىل �أن ال�صراع‬ ‫الدائر يف منطقة ال�شرق الأو�سط “لي�س �صراع ًا بني العرب و�إ�سرائيل‪،‬‬ ‫ب���ل هو �صراع بني قوى االعتدال وقوى التطرف” فيها‪ .‬وبالطبع‪ ،‬ف�إن‬ ‫�إ�سرائي���ل تق���ف �إىل جانب قوى “االعتدال” العربي���ة‪ ،‬كما �أن �أمريكا‬ ‫ودول الغرب ت�ش ّد على �أيدي هذه الدول كذلك‪.‬‬ ‫املحاجة الإ�سرائيلية‪ ،‬املدعومة �أمريكي ًا و�أوروبي ًا‪،‬‬ ‫واحلال �أن هذه‬ ‫ّ‬ ‫ق���د لقيت �أ�ص���دا ًء وا�سعة النط���اق‪� ،‬ضمنية حين ًا و�ساف���رة يف �أحيان‬ ‫�أخ���رى‪ ،‬ت�ؤي���د م�ضمونها وت�ؤكد علي���ه‪ .‬وهكذا �أ�صب���ح الفرز حا� ً‬ ‫صال‪،‬‬ ‫و�أ�ضح���ت �سيا�سة املحاور الطابع الغالب على �سيا�سات املنطقة‪ .‬ففي‬ ‫مع�سك���ر “املمانع���ة”‪ ،‬وبت�أييد مطلق من �إي���ران الإ�سالمية‪ ،‬تقف ك ٌّل‬ ‫م���ن �سورية وزوائد ال���دول ال�شاهرة لل�سالح (ح���زب اهلل واحلركات‬ ‫الفل�سطيني���ة املقاتل���ة)‪ .‬وله���ذه الق���وى جميع��� ًا مواق���ف وا�ضحة من‬ ‫حممد �سيف حيدر مدير حترير جملة مدارات ا�سرتاتيجية‪ ،‬وباحث يف مركز �سب�أ‬ ‫للدرا�سات الإ�سرتاتيجية‪.‬‬

‫ال�سيا�سة الأمريكية يف املنطقة‪ ،‬وهي ترف�ض عملية ال�سالم يف �شكلها والطموح���ات الغاب���رة‪ ،‬العاب���رة للح���دود‪ ،‬للع���ب دور جيوبوليتيكي‬ ‫احلايل ب�ي�ن �إ�سرائي���ل والفل�سطيني�ي�ن‪ ،‬وت�ؤيد �إ�سرتاتيجي���ة املقاومة حم���وري يف املنطقة (تركيا و�إي���ران)‪ .‬وبالت�أكيد‪ ،‬ف�إن هذا لن يكون‬ ‫امل�سلحة لـ “حترير الأر�ض من االحتالل”‪� .‬أما مع�سكر “االعتدال” �إال على ح�ساب ال���دول العربية ذاتها‪ ،‬مهما حاولت املقاومة �أو حتى‬ ‫ِّ‬ ‫الت�شظي القائم على‬ ‫العربي فيقف على قمة هرمه دول كم�صر وال�سعودية والأردن وتون�س‪� ،‬إب���داء عدم اهتمامها مبا يحدث‪ .‬كم���ا �أن هذا‬ ‫وتنطوي �سيا�ساتها على “تف ّه ٍم” للتوجهات الأمريكية يف املنطقة و�إن م�ست���وى �سيا�سات الدول انعك�س ‪ -‬ب�ص���ورة �أو ب�أخرى‪ -‬على مواقف‬ ‫�شع���وب املنطقة والنخ���ب املثقفة‪ ،‬والعالق���ات الطائفي���ة ال�سائدة‪،‬‬ ‫كانت ال تتفق معها متام ًا‪.‬‬ ‫وم���ا ب�ي�ن كال املع�سكرين تتذبذب �سيا�س���ات ومواقف لدول �أخرى وتع ّمقت على �إثره امل�شاعر القومية ال�شوفينية ال�ضيقة‪ ،‬التي مل تكن‬ ‫احل ّدة‪ ،‬يف �صفوف قطاعات غري قليلة من‬ ‫كقط���ر والإمارات وال�سودان واملغرب واجلزائر واليمن وغريها‪ ،‬وهي موجودة يف املا�ضي بهذه ِ‬ ‫مواق���ف لي�ست وليدة قناع���ة �سيا�سية حمددة ت�ؤي���د ر�ؤية هذا املحور اجلماهري العربية‪.‬‬ ‫لك���ن كيف �سيخرج الع���رب من هذا النفق؟ يظل ه���ذا هو �س�ؤال‬ ‫حلاجات ذاتية وبرجماتية تفر�ضها‬ ‫�أو ذاك‪ ،‬بل هي انعكا����س مبا�شر‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫�أجندة ال�سيا�سة املحلية وهاج����س ال�شرعية امل�ستدام‪ ،‬وتعزيز املكانة ال�ساع���ة‪ ،‬والإجابة عليه لي�ست جاهزة للأ�س���ف‪ ،‬وت�شوب املحاوالت‬ ‫يف ظ���ل التناف����س الإقليم���ي‪ ،‬بالإ�ضاف���ة �إىل متطلب���ات الدبلوما�سية الكث�ي�رة الت���ي حت���اول �صوغه���ا ت�ضارب���ات وتناق�ض���ات �صارخة يف‬ ‫التحليل وت�شو�ش كبري يف الر�ؤية‪ ،‬لكن اخلطوة الأوىل والأكرث �أهمية‬ ‫العامة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ويف ظل هذا التنافر يبدو النظام الإقليمي العربي يف حالة فو�ضى حاليا ‪ -‬كما تبدو يل‪ -‬تكمن يف مل �شعث التنافر احلايل ب�ش�أن ق�ضية‬ ‫العرب املركزية وجتاوز النظرة اخلالفية حولها‪،‬‬ ‫�شامل���ة‪ ،‬رمب���ا �أكرث من �أي وق���ت م�ضى‪ ،‬ال�سيما‬ ‫ولع���ل التوافق على �ص���وغ مقارب���ة عربية موحدة‬ ‫و�أن العرب قد انق�سم���وا يف نظرتهم ملا اعتربوه‬ ‫ً‬ ‫ومن�سجم���ة �إزاء الق�ضي���ة الفل�سطيني���ة العتي���دة‬ ‫طوي�ل�ا “ق�ضيته���م املركزي���ة” �أي ق�ضية‬ ‫زمن��� ًا‬ ‫يبدو النظام الإقليمي‬ ‫قد ُي�سه���م بقوة يف التخفيف م���ن حالة االحتقان‬ ‫فل�سط�ي�ن‪ ،‬واملوقف م���ن �إ�سرائيل الت���ي ما تزال‬ ‫العربي يف حالة فو�ضى‬ ‫الراه���ن‪ ،‬ال�سيما و�أن هن���اك �إقرار عربي‪ ،‬ر�سمي‬ ‫أرا����ض عربية وته���دد الكيانية العربية يف‬ ‫حتتل � ٍ‬ ‫�شاملة‪ ،‬رمب��ا �أك�ثر من‬ ‫���د �سواء‪ ،‬ب�أهمية و�ض���رورة �إعادة‬ ‫ال�صمي���م بامتالكه���ا تر�سان���ة ع�سكري���ة هائلة‬ ‫و�شعب���ي على ح ٍّ‬ ‫�أي وقت م�ضى‪ ،‬ال�سيما‬ ‫الأمور �إىل ن�صابها يف هذا املو�ضوع حتديدا‪ً.‬‬ ‫تت�ضمن املئات من القنابل النووية‪.‬‬ ‫انق�سموا‬ ‫قد‬ ‫العرب‬ ‫أن‬ ‫�‬ ‫و‬ ‫ب�سطا‪ً،‬‬ ‫ً‬ ‫والثاب���ت �أن هذا التنافر‪ ،‬وتلك الفو�ضى‪ ،‬قد‬ ‫�صحيح �أن هذا احلل يبدو جزئيا ورمبا ُم ّ‬ ‫اعتربوه‬ ‫ملا‬ ‫نظرتهم‬ ‫يف‬ ‫لكن���ه يمُ هِّ���د بالفع���ل للخ���روج من عن���ق زجاجة‬ ‫تعززا خالل الأعوام الثالث���ة الأخرية‪ ،‬وانعك�سا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫“ق�ضيتهم‬ ‫ال‬ ‫طوي‬ ‫ا‬ ‫زمن‬ ‫�سيا�سة املحاور التي ت�أخذ وهجها من دبلوما�سية‬ ‫�سيا�سي��� ًا على الو�ضع العرب���ي برمته وعلى نحو‬ ‫«الكي���د والكيد الآخر»‪ ،‬واالرمتاء يف ح�ضن القوى‬ ‫���ول توفيقية‬ ‫املركزية” �أي ق�ضية‬ ‫�سلب���ي متام��� ًا متظهر يف �ش���كل حل ٍ‬ ‫هم لها ‪ -‬وهذا‬ ‫ت�سويات‬ ‫قابلة للنكو����ص تارةً‪ ،‬وتار ًة يف �ص���ورة‬ ‫ٍ‬ ‫الإقليمية والدولية املتوثبة والتي ال ّ‬ ‫فل�سطني‪ ،‬واملوقف من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫لي�س �إثما �أو عيبا ‪� -‬سوى احلفاظ على م�صاحلها‬ ‫غري �سو ّية وغري ُمر�ضية‪ ،‬كما تبدت تارة �أخرى‬ ‫�إ�سرائيل التي ما تزال‬ ‫الوطنية وتلبية طموحاته���ا القومية‪ ،‬بغ�ض النظر‬ ‫يف �صورة نك�سات اقت�صادية ونزاعات �سيا�سية‬ ‫أرا�����ض عربية‬ ‫حتتل � ٍ‬ ‫عن موقف العرب‪ ،‬اتفقوا �أم اختلفوا‪.‬‬ ‫م���ا انفك���ت تتفاقم‪ ،‬واه�ت�راء فك���رة الت�ضامن‬ ‫وت����ه����دد ال��ك��ي��ان��ي��ة‬ ‫ويف املرحلة التالية‪� ،‬سيكون من املهم ‪ -‬بالن�سبة‬ ‫ل�صالح فكرة ال�صراع والتناف�س على اال�ستفراد‬ ‫ال�صميم‬ ‫يف‬ ‫العربية‬ ‫ل�ص ّن���اع القرار الع���رب ‪� -‬أن يعملوا على مراجعة‬ ‫مبقود قيادة القاطرة العربية‪ ،‬بل وجتاوز الأمر‬ ‫ُ‬ ‫وتق���ومي �سيا�ساتهم الراهنة‪ ،‬وعلى ر�أ�سها �سيا�سة‬ ‫جم���رد التناف�س على القيادة؛ لأن التناف�س يتم‬ ‫قيم‬ ‫وفق قواعد مقبولة بالتبادل من �أطراف النظام‬ ‫املح���اور الإقليمي���ة‪ ،‬والنظر ‪ -‬من ث ّ‬ ‫���م ‪� -‬إىل ٍ‬ ‫ً‬ ‫كالت�ش���دد واالعتدال لي�س بو�صفه���ا قيما �سيا�سية‬ ‫العرب���ي‪ ،‬وال يت�ضم���ن ني���ة الإ�ض���رار بالآخ���ر‪،‬‬ ‫جدي���رة باالحتفاء والتب ّن���ي‪ ،‬ب���ل باعتبارها قيماً‬ ‫فيما تنط���وي العالق���ات العربية‪-‬العربية الآن‬ ‫ً‬ ‫و�أحكام���ا �أخالقية حد ّية وتكاد تكون �أيديولوجية‪،‬‬ ‫عل���ى ممار�سات غري م�ألوف���ة مل تتعارف عليها‬ ‫ً‬ ‫�أطرافه���ا كاف���ة‪ ،‬بالإ�ضاف���ة �إىل الإعالن ال�صريح ع���ن نوايا �إف�ساد وعنده���ا �ستت�ضح لهم مثالبها اجل ّمة‪ ،‬و�أنها ال تقدم حلوال بل تقولب‬ ‫احلال���ة العربية �أكرث وتزيده���ا ت�أزم ًا وا�ستع�ص���ا ًء‪ .‬ناهيك عن �أنها‬ ‫م�ساعي الآخرين واالعتزاز بالنجاح يف حتقيق ذلك‪.‬‬ ‫توج���ه يق�ضي ب���ـ «رفع تك�ش���ف الدول العربية جميعها‪� ،‬سواء �أكان���ت «معتدلة» �أو»ممانعة»‪،‬‬ ‫والأخط���ر م���ن ذل���ك كل���ه‪ ،‬تبلور م�ؤخ���ر ًا ّ‬ ‫اليدي���ن» ع���ن التدخل ب�ش���كل �إيجاب���ي وب ّناء يف ق�ضاي���ا عربية عدة �أم���ام خماطر وحتدي���ات متعاظمة ال ِق َبل له���ا مبواجهتها �أو التك ّيف‬ ‫ُم ِل ّح���ة وجوهرية‪ ،‬وترك ال�ساحة لالعبني �آخرين من ذوي التطلعات معها دون دفع �أثمان باهظة ال تُطاق!‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪87 2009‬‬


‫املحور‬

‫زمن‬

‫�أوباما‬

‫حدود التغيري فـي ال�سيا�سة‬ ‫الأمريكية جتاه ال�شرق الأو�سط‬ ‫عمرو حمزاوي‬

‫�أجاد الرئي�س الأمريكي باراك �أوباما يف توظيف الأ�شهر الأوىل لواليته‬ ‫ل�صناعة �صورة لدور و�سيا�سة القوة العظمى جتاه ال�شرق الأو�سط مغايرة‬ ‫عن تلك التي خلفتها �سنوات بو�ش بحروبها اال�ستباقية ومغامراتها‬ ‫الع�سكرية وا�ستهزائها ال�شديد بقواعد القانون الدويل وحقوق الإن�سان‪.‬‬ ‫‪88‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫عمرو حمزاوي باحث �أول مبركز كارنيجي لل�شرق الأو�سط ‪ -‬بريوت‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪89 2009‬‬


‫املحور‬

‫فقد �أ�صدر �أوباما �أوامر ًا تنفيذي ًة مبعاملة معتقلي جوانتانامو التخل�ص من ال�صور النمطي���ة ال�سلبية لدى اجلانبني وت�ستعيد‬ ‫وفق ًا للمواثيق الدولية (معاهدات جنيف) وبتعليق حماكماتهم القراءة الأمريكية الإيجابي���ة للإ�سالم كدين‪ ،‬وتذكر امل�سلمني‬ ‫ُراجع خالله���ا �أ�سالي���ب التقا�ضي بت�سامح املجتمع الأمريكي الذي يحت�ضن اليوم ما يقرب من ‪7‬‬ ‫اال�ستثنائي���ة لأ�شه���ر �أرب���ع ت َ‬ ‫املتبع���ة �إزائه���م �ضمان��� ًا الح�ت�رام حك���م القان���ون‪ ،‬وبالإغالق مليون مواطن م�سلم‪ .‬وللتدليل يف هذا ال�سياق‪ ،‬ا�ستدعى �ساكن‬ ‫النهائ���ي للمعتق���ل بداي���ة ع���ام ‪ ،2010‬وكذلك ب�إل���زام وكاالت البيت الأبي�ض خربته الذاتي���ة واخللفية الإ�سالمية لأ�سرة �أبيه‬ ‫اال�ستخب���ارات الأمريكي���ة ب�إغ�ل�اق ال�سج���ون ال�سري���ة ملعتقلي يف ه���ذا ال�سياق‪ ،‬و�أ�شار �أك�ث�ر من مرة �إىل اللحظ���ات امل�ضيئة‬ ‫احل���رب على الإرهاب خارج الواليات املتحدة وباحرتام مبادئ يف تاري���خ التعاون ب�ي�ن الواليات املتحدة وامل�سلم�ي�ن‪ ،‬وا�ست�شهد‬ ‫وج���ه �أوباما �أي�ض ًا القي���ادة الع�سكرية للجي�ش ب�آيات القر�آن الكرمي ليعطي خلطابه روحية خمتلفة بجالء عن‬ ‫حق���وق الإن�سان‪ّ .‬‬ ‫الأمريك���ي يف العراق باعتماد خطط لالن�سح���اب ال�سريع وفق ًا توجهات �سلفه‪.‬‬ ‫لوع���ده االنتخابي القا�ضي ب�إجناز ان�سح���اب الوحدات املقاتلة‬ ‫تن���اول �أوباما يف ال�شق الثاين من خطاب���ه الق�ضايا املحددة‬ ‫خالل العام املقبل‪ ،‬كما ع�ّي�نّ ال�سيناتور ال�سابق جورج ميت�شيل الت���ي ت�شكل‪ ،‬كما ق���ال‪ ،‬م�ص���ادر التوتر يف العالق���ة الأمريكية‬ ‫مبعوث ًا رئا�سي ًا لق�ضاي���ا ال�سالم يف ال�شرق الأو�سط‪ ،‬و�أر�سله يف م���ع الع���رب وامل�سلمني‪ ،‬مو�ضح��� ًا املبادئ واخلط���وط العري�ضة‬ ‫ج���والت متتالية للمنطقة لإحياء امل�س���ار التفاو�ضي الفل�سطيني ل�سيا�سات���ه يف املرحلة القادمة‪ ،‬وم�صارح ًا جمهوره الوا�سع ب�أن‬ ‫الإ�سرائيل���ي والنظر يف �إمكانية التفاو�ض بني �إ�سرائيل وكل من هدف���ه يظل هو حماي���ة امل�صالح الأمريكية‪ .‬ت�ص���درت القائمة‬ ‫�سورية ولبنان‪.‬‬ ‫هن���ا الرتكة الثقيل���ة التي ورثها �أوباما عن بو����ش يف �أفغان�ستان‬ ‫وتواكب م���ع هذه الفاعلية التنفيذية دبلوما�سية عامة ن�شطة والع���راق وال�ص���راع مع تنظي���م القاعدة‪ ،‬وكان الفت��� ًا ا�ستبدال‬ ‫وجذابة ل�ل��إدارة اجلديدة قلبها خطاب���ات وت�صريحات �أوباما �أوبام���ا الدقيق لكلم���ة الإرهاب ولعبارة احل���رب على الإرهاب‬ ‫املتتالية حول �أهمية تطوير عالقة �إيجابية بني وا�شنطن والعامل بكلم���ات كالعنف والتط���رف والراديكالية وبعب���ارات كمواجهة‬ ‫العربي‪-‬الإ�سالم���ي ت�ستن���د �إىل االح�ت�رام املتب���ادل وامل�صالح التنظيم���ات العنفية وحتمية ال�شراك���ة العاملية لالنت�صار عليها‬ ‫امل�شرتك���ة‪ .‬وال �شك �أن خطاب القاهرة يف الرابع من حزيران‪( /‬وه���و م���ا ينتق���د عليه �أوبام���ا الي���وم ب�شدة من جان���ب اليمني‬ ‫يوني���و املا�ض���ي كان هو الأب���رز جلهة عر�ض خط���وط ال�سيا�سة الأمريك���ي)‪ .‬وتواكب مع ا�ستبدال املف���ردات �سيئة ال�سمعة بني‬ ‫اخلارجي���ة الأمريكية يف ال�شرق الأو�سط‪ .‬واحلقيقة �أن الرئي�س الع���رب وامل�سلمني والوعد بالرجوع ع���ن االنفرادية الأمريكية‪،‬‬ ‫�أوبام���ا �أج���اد توظي���ف خطاب���ه لإظه���ار م�ساح���ات االختالف الت�أكي���د على عزم الوالي���ات املتحدة �إنه���اء وجودها الع�سكري‬ ‫يف العراق وفق ًا للج���دول الذي �سبق �إعالنه‬ ‫والتماي���زات النوعي���ة ب�ي�ن مقارب���ة �إدارته‬ ‫(الق���وات املقاتل���ة يف �صي���ف ‪ 2010‬وجمي���ع‬ ‫للعامل الإ�سالمي وممار�سات �إدارة بو�ش يف‬ ‫�شدد �أوباما على �أولوية‬ ‫الق���وات يف ‪ )2012‬ودون احتف���اظ بقواع���د‬ ‫الفرتة ‪� .2008-2000‬أفرد �أوباما ال�شق الأول‬ ‫من خطاب���ه للت�أكي���د على رغبت���ه يف طوي الت�أ�سي�س لبداية جديدة ع�سكري���ة هن���اك‪ ،‬وكذلك نزوعه���ا للخروج‬ ‫من �أفغان�ستان ما �أن ت�ستقر �أو�ضاعها‪� .‬أ�شار‬ ‫�صفح���ة احلرب عل���ى الإرهاب وم���ا رتبته‬ ‫بني الواليات املتحدة‬ ‫ً‬ ‫�أوبام���ا �أي�ض���ا �إىل �شمولية مواجه���ة �إدارته‬ ‫م���ن توتر يف العالقة ب�ي�ن الواليات املتحدة‬ ‫والعامل الإ�سالمي تعمل‬ ‫للتنظيمات العنفية التي تهدد الأمن القومي‬ ‫وامل�سلم�ي�ن والت�أ�سي�س لبداي���ة مغايرة تعول على التخل�ص من ال�صور‬ ‫الأمريك���ي وجتاوزها اعتم���اد بو�ش الأحادي‬ ‫على ال�سالم واالح�ت�رام املتبادل وامل�صالح‬ ‫النمطية ال�سلبية لدى‬ ‫عل���ى الأدوات الع�سكرية لتدم���ج بينها وبني‬ ‫امل�شرتك���ة‪ .‬فف���ي مقاب���ل مغام���رات بو����ش‬ ‫اجلانبني‬ ‫البح���ث ع���ن حل���ول �سيا�سي���ة‪ ،‬وال�سعي �إىل‬ ‫الع�سكري���ة يف �أفغان�ست���ان والع���راق‪ ،‬والتي‬ ‫تنمي���ة املجتمعات واملناطق التي تن�شط فيها‬ ‫و ّلدت انطباع ًا غالب ًا بني امل�سلمني ب�أن القوة‬ ‫العظم���ى ت�ش���نّ حرب ًا عليهم‪ ،‬وبع���د �صياغات الرئي����س ال�سابق القاعدة وغريها‪.‬‬ ‫�أم���ا فيما خ����ص الق�ضي���ة الفل�سطينية وال�ص���راع العربي‪-‬‬ ‫املتك���ررة الت���ي خلطت ب�ي�ن الإره���اب والإ�س�ل�ام كالفا�ش�ستية‬ ‫الإ�سالمي���ة وغريها‪� ،‬شدد �أوباما على �أولوي���ة الت�أ�سي�س لبداية الإ�سرائيلي وم�ستقبل الت�سوية ال�سلمية‪ ،‬فتوافق �أوباما يف التزامه‬ ‫جدي���دة ب�ي�ن الواليات املتح���دة والع���امل الإ�سالم���ي تعمل على بحل الدولتني وحديثه عن حق �إ�سرائيل امل�شروع يف الوجود وحق‬ ‫‪90‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫الإ�صغاء �إىل �أوباما‪ :‬حاول الرئي�س الأمريكي توظيف خطاب القاهرة لإظهار �أنه يختلف كثري ًا عن �سلفه‬

‫ال�شع���ب الفل�سطين���ي يف ت�أ�سي�س دولته مع اخلط���وط العري�ضة‬ ‫ملوقف �إدارة بو�ش املعلن‪ .‬ويف حني عجز بو�ش عن حتويل موقفه‬ ‫�إىل �سيا�س���ة فعال���ة النحيازه غ�ي�ر امل�سبوق لإ�سرائي���ل ورف�ضه‬ ‫ال�ضغط عليها‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال عن ت�أخر اهتمامه بالق�ضية الفل�سطينية‬ ‫�إىل العام�ي�ن الأخريي���ن من عمر �إدارته الثاني���ة‪ ،‬بدا �أوباما يف‬ ‫القاه���رة ‪ -‬وعلى الرغم من عمومية مالحظاته يف هذا املجال‬ ‫ مبظه���ر الراغب يف ال�ضغط عل���ى حكومة اليمني الإ�سرائيلية‬‫لإلزامها بحل الدولتني وتعهدات خارطة الطريق‪ ،‬ويف مقدمتها‬ ‫وق���ف اال�ستيطان يف ال�ضف���ة الغربية‪ .‬امل�ساح���ة الهامة الثانية‬ ‫للتغي�ي�ر يف ال�سيا�سة الأمريكية جت���اه الق�ضية الفل�سطينية التي‬ ‫ت�ضمنه���ا اخلطاب هي تلك املتعلقة بحما����س التي امتنع �أوباما‬ ‫عن و�صفها بالإرهابية كد�أب �سلفه‪ ،‬بل و�أعرتف عملي ًا ب�شرعية‬ ‫وجودها ودورها كحركة ي�ؤيده���ا قطاع وا�سع من الفل�سطينيني‬ ‫قب���ل �أن يطالبه���ا باحرتام خارطة الطري���ق‪ .‬وال �شك عندي يف‬ ‫�أن تق���دمي االعرتاف ب�شرعية الوجود والدور على املطالب �إمنا‬ ‫يع�ب�ر عن انفتاح ول���و حمدود من جان���ب الإدارة اجلديدة على‬ ‫حما�س وا�ستعداد على الأقل جزئي للدخول معها يف حوار‪.‬‬

‫ثم تط���رق �أوباما �إىل امل�س�ألة النووي���ة ويف موقع القلب منها‬ ‫الربنامج النووي الإيراين ليعمم ويخ�ص�ص‪ ،‬فعمم بجعل هدف‬ ‫عامل خال من الأ�سلحة النووية عنوان ًا عري�ض ًا وعاملي ًا لل�سيا�سة‬ ‫وخ�ص����ص بالق���ول ب�أن لإي���ران ولغريه���ا من دول‬ ‫الأمريكي���ة‪ّ ،‬‬ ‫ال�شرق الأو�س���ط احلق يف امتالك التكنولوجيا النووية ال�سلمية‬ ‫يف �إط���ار املواثيق الدولية (معاهدة احلد من االنت�شار النووي)‬ ‫وعليه���ا االمتناع ع���ن تطوير برام���ج للت�سلح الن���ووي‪ .‬جمدد ًا‪،‬‬ ‫اختلف���ت مقاربة �أوباما هن���ا عن �سلفه الذي عم���د للتعامل مع‬ ‫الربنام���ج الن���ووي الإي���راين كم�ص���در تهدي���د ينبغ���ي حتييده‬ ‫بال�ضغط على اجلمهوري���ة الإ�سالمية من خالل عقوبات دولية‬ ‫وغربي���ة وتلويح ب�إمكانية ا�ستخ���دام الأداة الع�سكرية‪ .‬مثل هذه‬ ‫املفردات ت���وارت تدريجي ًا م���ع الإدارة اجلدي���دة وح ّلت حم ّلها‬ ‫مف���ردات مغاي���رة �صاغها �أوباما يف خط���اب القاهرة جوهرها‬ ‫االنفت���اح الدبلوما�سي عل���ى �إيران بعر�ض حل���وار مبا�شر حول‬ ‫النووي وغريه من الق�ضايا العالقة بني الدولتني‪ ،‬وكذلك حتويل‬ ‫االنت�شار الن���ووي يف ال�شرق الأو�سط �إىل م�شكلة ال تقت�صر على‬ ‫برنام���ج �إيراين يتطور اليوم بل متتد �إىل دول �أخرى‪ ،‬يف �إ�شارة‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪91 2009‬‬


‫املحور‬

‫«راعي ال�سالم»‪� :‬أظهر �أوباما خالل الأ�شهر الأوىل من واليته اهتمام ًا وا�ضح ًا لتحقيق ت�سوية لق�ضية ال�شرق الأو�سط‬

‫جريئة �إىل ال�سالح النووي الإ�سرائيلي‪.‬‬ ‫م ّثلت ملف���ات الدميقراطية واحلرية الديني���ة وحقوق املر�أة‬ ‫والتنمية االقت�صادية بقية الق�ضايا امل�سببة للتوتر بني الواليات‬ ‫املتحدة والعامل الإ�سالم���ي وفق ًا لأوباما‪ ،‬وجاءت مواقفه حولها‬ ‫م�ستهدف��� ًة �إزال���ة لب�س من جه���ة‪ ،‬وجتاوز اخت���زال العالقة بني‬ ‫الطرف�ي�ن �إىل ال�ش�ؤون ال�سيا�سية فقط م����ن جهة �أخرى‪ .‬والواقع‬ ‫خ�ص‬ ‫�أنه م�س����ار متعرج هذا الذي ت�سري علي����ه �إدارة �أوباما فيما ّ‬ ‫ملف����ات الدميقراطي����ة وحقوق الإن�س����ان يف الع����امل العربي‪ .‬فقد‬ ‫�شه����دت الأ�شه����ر الأوىل م����ن عم����ر الإدارة تقلي�ص����ا حقيقي����ا يف‬ ‫املخ�ص�صات املالية لربامج دعم الدميقراطية‪ ،‬كان �أكرث حاالته‬ ‫و�ضوح����ا طلب البي����ت الأبي�ض من الكوجنر�����س يف موازنة ‪2009-‬‬ ‫‪ 2010‬اعتماد ‪ 20‬مليون دوالر لربامج دعم الدميقراطية واملجتمع‬ ‫امل����دين يف م�ص����ر‪ ،‬عو�ض���� ًا ع����ن ‪ 50‬ملي����ون دوالر طلبته����ا �إدارة‬ ‫بو�ش قب����ل رحيلها يف موازن����ة ‪ .2009-2008‬تراجع كذلك توظيف‬ ‫مف����ردات الدميقراطي����ة واحلري����ة وحقوق الإن�س����ان يف اخلطاب‬ ‫العلن����ي لرم����وز الإدارة ح����ول الع����امل العرب����ي وق�ضاي����ا ال�سيا�سة‬ ‫الدولية ب�صورة عامة‪ ،‬وت����رك من�صب امل�سئول عن الدميقراطية‬ ‫وحقوق الإن�سان يف جمل�س الأمن القومي ومن�صب م�ساعد وزيرة‬ ‫اخلارجية ل�ش�����ؤون الدميقراطية وحقوق الإن�سان والعمل – وهما‬ ‫املعنيان بالتخطيط الإ�سرتاتيجي وبالت�سيري العملي لربامج دعم‬ ‫‪92‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫الدميقراطية ‪� -‬شاغرين دون تعيني �إىل اليوم‪.‬‬ ‫بي����د �أن �أوباما‪ ،‬وعلى خالف التو ّقعات الغالبة داخل الواليات‬ ‫املتح����دة وخارجه����ا‪ ،‬ع����اد وتطرق يف خطاب����ه للع����امل الإ�سالمي‬ ‫م����ن القاه����رة �إىل دع����م الدميقراطية ب�صياغ����ات مركبة دللت‪،‬‬ ‫م����ن جهة‪ ،‬عل����ى كونها ما زالت ت�ش����كل �إحدى �أولوي����ات وا�شنطن‬ ‫الرئي�سي����ة‪ ،‬ومن جهة �أخ����رى‪ ،‬على تبلور ق����راءة نقدية يف �أروقة‬ ‫الإدارة احلالي����ة ملمار�سات �سابقتها يف ه����ذا املجال‪ .‬عرب �إ�شارة‬ ‫�سالبة �صريحة �إىل احلرب على العراق‪� ،‬سعى �أوباما �إىل التطهر‬ ‫م����ن خطيئة اخللط بني الدميقراطية وتغيري نظم احلكم املناوئة‬ ‫للوالي����ات املتحدة با�ستخ����دام القوة امل�سلحة الت����ي ارتكبها �سلفه‬ ‫وول����دت بني العرب وامل�سلمني العديد من ال�شكوك حول الأهداف‬ ‫الأمريكي����ة احلقيقية من وراء رفع �شع����ار دعم الدميقراطية‪ .‬ثم‬ ‫�أتبع ذلك‪ ،‬وعرب �إ�ش����ارة �سالبة ثانية و�إن مبطنة لرف�ض الواليات‬ ‫املتحدة االعرتاف بنتائ����ج االنتخابات الت�شريعية الفل�سطينية يف‬ ‫‪ 2006‬التي جاءت بحركة حما�س �إىل مقاعد ال�سلطة وما رتبه من‬ ‫نقا�ش وا�سع حول ازدواجية معايري �إدارة بو�ش ونزوعها �إىل قبول‬ ‫املمار�س����ة الدميقراطية فقط حال ر�ضائها عن نتائجها‪ ،‬بت�شديد‬ ‫عل����ى حتمي����ة اح��ت�رام حق ال�شع����وب يف اختي����ار حكامه����ا بحرية‬ ‫دون تدخ����ل خارج����ي وعل����ى �أن وا�شنطن �ستقب����ل كل احلكومات‬ ‫املنتخبة دميقراطي���� ًا حتى و�إن اختلفت معه����ا‪� ،‬شريطة التزامها‬

‫�سلمي����ة احلياة ال�سيا�سية بالتخلي ع����ن القمع وتطبيقها مفردات وافقت على طلب القاهرة االلتزام بق�صر تقدمي الدعم حلركات‬ ‫الدميقراطي����ة الرئي�سية املتمثلة يف حكم القانون وتداول ال�سلطة املجتم����ع امل����دين ومنظمات حق����وق الإن�سان على تل����ك احلركات‬ ‫و�ضم����ان حريات املواطن��ي�ن وامل�ساواة بينهم عل����ى تنوع هوياتهم واملنظمات التي حتظى بقبول ال�سلطات امل�صرية‪.‬‬ ‫�أم���ام �إدارة �أوباما �أي�ض ًا حتديان �إ�ضافيان حتم ًا �سيعوقان‬ ‫الدينية واملذهبية والعرقية‪.‬‬ ‫عل����ى هات��ي�ن الإ�شارت��ي�ن ال�سالبتني‪ ،‬ع���� ّول �أوبام����ا يف خطاب جهوده���ا لتطوي���ر مقاربة واقعي���ة من ق�ضاي���ا الدميقراطية‬ ‫القاه����رة لإع����ادة الدميقراطي����ة �إىل �ساح����ة فعله����ا الواقعي����ة يف وحقوق الإن�سان يف الع���امل العربي‪� ،‬أولهما يتمثل يف ا�ستعادة‬ ‫ال�سيا�س����ة اخلارجي����ة الأمريكي����ة كم����ا ر�سمته����ا �إدارات احلزب الوالي���ات املتح���دة للبع����ض املحدود م���ن امل�صداقي���ة الذي‬ ‫الدميقراطي منذ نهاي����ة ال�سبعينيات (كارتر وكلينتون) ونظرت راكمت���ه يف هذا املج���ال منذ نهاية ال�سبعيني���ات وفقدته على‬ ‫م����ن خاللها وا�شنطن �إىل مفردات حكم القانون وتداول ال�سلطة وق���ع انته���اكات وجت���اوزات احل���رب عل���ى الإره���اب‪ ،‬وبفعل‬ ‫واحلري����ة وامل�س����اواة بني املواطن��ي�ن كحقوق �إن�س����ان عاملية تدافع التعام���ل مزدوج املعايري مع نتائج االنتخابات الفل�سطينية يف‬ ‫عنها وتدع����م التطور نحوها بالو�سائ����ل ال�سلمية حني ال يتعار�ض ‪ ،2006‬وكالهم���ا خ ّل���ف مرارة خا�صة بني الع���رب وامل�سلمني‪.‬‬ ‫�أم���ا التحدي الإ�ض���ايف الثاين فيتعل���ق‪ ،‬وبالرغم م���ن ت�أكيد‬ ‫ذلك مع حماية م�صاحلها الإ�سرتاتيجية الكربى‪.‬‬ ‫مل يكن تطرق �أوباما �إىل دعم الدميقراطية يف خطاب القاهرة �أوبام���ا يف خطاب القاهرة على رغب���ة �إدارته قبول احلكومات‬ ‫مبج����رد التنازل االعتذاري ملنتقديه داخ����ل الواليات املتحدة ويف املنتخب���ة دميقراطي��� ًا �شريطة التزامها �سلمية احلي���اة ال�سيا�سية‬ ‫العامل العربي الذين الم����وا عليه عدم التوجه �إىل عا�صمة �أخرى حتى و�إن اختلفت م���ع وا�شنطن‪ ،‬بال�صعوبات اجل ّمة التي تعرت�ض‬ ‫ذات �سج����ل �أف�ض����ل يف جم����ال الدميقراطية‬ ‫ترجم���ة ه���ذه اللغة املبدئي���ة �إىل �سيا�سات يف‬ ‫وحقوق الإن�سان‪ ،‬بل تعبري عن مقاربة واقعية‬ ‫ف�ضاء �إقليمي به م���ن امل�صالح الإ�سرتاتيجية‬ ‫الأمريكية وما يرد عليها من تهديدات ال�شيء‬ ‫جديدة تعمل �إدارته على تطويرها يف ف�ضاء‬ ‫حاول �أوباما يف‬ ‫الكث�ي�ر‪ .‬و�إن حالت نتائج االنتخابات اللبنانية‬ ‫�إقليم����ي متل�����ؤه جيو‪�-‬إ�سرتاتيجي���� ًا و�سيا�سي ًا خطاب القاهرة �إعادة‬ ‫الأخرية التي جرت يف حزيران‪ /‬يونيو املا�ضي‬ ‫التحديات والقيود املو�ضوعية قبل املحفزات‪.‬‬ ‫الدميقراطية �إىل‬ ‫مب���ا �أف�ض���ت �إليه م���ن انت�صار وا�ض���ح للقوى‬ ‫فاحلكوم����ات العربي����ة ال�صديق����ة لوا�شنطن‬ ‫�ساحة فعلها الواقعية‬ ‫القريبة من الوالي���ات املتحدة دون فر�ض �أول‬ ‫تنف�ست ال�صع����داء بعد رحي����ل بو�ش وترغب يف ال�سيا�سة اخلارجية‬ ‫اختبار جدي على �إدارة �أوباما يف هذا ال�سياق‬ ‫يف تكثي����ف تعاونه����ا معها جله����ة التعاطي مع الأمريكية كما ر�سمتها‬ ‫كانت �ستواجهه �إن جنح حزب اهلل وحلفائه يف‬ ‫امللف����ات الإقليمية التي �أهمله����ا بو�ش طوي ًال‬ ‫�إدارات احلزب‬ ‫احل�صول على �أغلبية برملانية‪� ،‬إال �أن تطورات‬ ‫كالق�ضية الفل�سطيني����ة‪� ،‬أو �أخفق يف �إدارتها‬ ‫الدميقراطي منذ‬ ‫امل�شه���د الإيراين بع���د االنتخاب���ات الرئا�سية‬ ‫كتداعيات احلرب على العراق وما �صاحبها‬ ‫نهاية ال�سبعينيات‬ ‫متتحن اليوم بدق���ة ويف مو�ضع �إقليمي قريب‬ ‫من تهدي����د لرتتيب����ات �أمنية ب����دت م�ستقرة‬ ‫من الع���رب وم�ؤث���ر يف �ش�ؤونه���م قدرتها على‬ ‫قبل ‪ ،2003‬ومتدد يف النفوذ الإقليمي لإيران‬ ‫�أ�ضح����ى ي�شكل خط����ر ًا على امل�صال����ح الأمريكي����ة والعربية‪ .‬هذه التمو�ض���ع بحيادي���ة �إزاء امل�ص�ي�ر ال�سيا�س���ي لفريق�ي�ن‪� ،‬أحدهما‬ ‫احلكوم����ات �سئم����ت خ��ل�ال الأع����وام املا�ضية خط����اب بو�ش حول ينا�صبها �صريح العداء بينما يبدو الآخر راغب ًا يف االنفتاح عليها‪.‬‬ ‫الدميقراطي����ة و�صنفت املمار�سات املرتبط����ة به كتدخل مرفو�ض لن متك���ن التحدي���ات والقي���ود املو�ضوعي���ة النابعة م���ن الف�ضاء‬ ‫يف �ش�ؤونه����ا الداخلي����ة‪ ،‬وه����ي الي����وم �أبعد ما تكون ع����ن الرتحيب الإقليم���ي �أوبام���ا م���ن جتاوز م�س���ار �إدارت���ه املتعرج ب�ش����أن دعم‬ ‫بامل�ساعي الأمريكية لتجديد �سيا�سة دعم الدميقراطية حتى و�إن الدميقراطية وحقوق الإن�سان‪ ،‬بل الأرجح �أن تفر�ض عليه‪ ،‬خا�صة‬ ‫اختلفت الوجهة وامل�ضامني مع الإدارة احلالية عن �سابقتها‪.‬‬ ‫مع ازدحام الأجن���دة العربية باالنتخاب���ات الرئا�سية والت�شريعية‬ ‫ً‬ ‫الأمر الالف����ت هنا هو �أن بع�ض احلكوم����ات العربية‪ ،‬مدفوعا الهامة يف العامني القادمني‪ ،‬املزيد من تعرج الأفعال واملمار�سات‬ ‫بقناع����ة لها م����ا يربرها تق�ض����ي باحتي����اج الوالي����ات املتحدة لها وتراجع تدريجي الحق للغة املبدئية خلطاب القاهرة‪.‬‬ ‫حلماي����ة م�صاحله����ا الإ�سرتاتيجية يف عاملن����ا‪� ،‬شرعت بنجاح يف‬ ‫ه���ذه‪ ،‬دون مبالغ���ات ت�شا�ؤمي���ة �أو توقع���ات مرتفع���ة ال�سقف‪،‬‬ ‫الت�أ�سي�����س مل�شروطي����ة عك�سية ته����دف ل�ضبط احلوار م����ع �أوباما م�ساحات االختالف والتمايزات النوعية بني �إدارة �أوباما والإدارة‬ ‫ح����ول الدميقراطية وفق���� ًا لإيقاعاتها هي ولي�����س بال�ضرورة لتلك ال�سابقة‪ ،‬ت�شكل جمتمعة تر�شيد ًا �إيجابي ًا لل�سيا�سة الأمريكية جتاه‬ ‫ال�صادرة عن وا�شنطن‪ .‬على �سبيل املثال‪� ،‬أ�شارت �صحيفة ‪ Wall‬العرب وامل�سلمني‪ ،‬وبحث ًا عن ت���وازن غاب خالل الأعوام املا�ضية‬ ‫‪ Street Journal‬يف تقري����ر �أخري له����ا �إىل �أن اخلارجية الأمريكية وتطرح علينا فر�ص ًا ينبغي توظيفها بوعي‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪93 2009‬‬


‫املحور‬

‫الدور الأوروبي‬

‫ّ‬ ‫املعطل‬ ‫فـي ال�شرق الأو�سط‬ ‫غ�سان العزي‬

‫ال ت�ستطي���ع �أوروبا جتاه���ل منطقة ال�ش���رق الأو�سط‪،‬‬ ‫وذل���ك لي����س فق���ط لأ�سب���اب تاريخي���ة وجغرافي���ة‬ ‫و�سيا�سية واقت�صادية ولكن �أي�ض ًا لأنها م�سئولة معنوي ًا‬ ‫ع���ن �صراعات هذه املنطق���ة (الكولونيالية الأوروبية‪,‬‬ ‫اتفاقي���ة �سايك����س ‪ -‬بيك���و‪ ,‬وع���د بلف���ور‪ ,‬االنتداب���ان‬ ‫الفرن�سي والإنكليزي‪ ..‬الخ)‪.‬‬ ‫وق����د ت�شكلت املجموع����ة االقت�صادية الأوروبي����ة يف العام ‪ 1957‬من‬ ‫�ست دول كانت منحازة للدولة العربية النا�شئة قبل �أن ت�صوغ فرن�سا‪,‬‬ ‫بزعامة اجلرنال �شارل ديغول‪� ,‬سيا�سة عربية متميزة جنحت يف دفع‬ ‫الأوروبي��ي�ن نحو �سيا�س����ات �أكرث اقرتاب ًا من احلق����وق العربية‪� .‬ساعد‬ ‫يف ه����ذا التغ��ي�ر القرار العرب����ي‪ ,‬غداة ح����رب ت�شري����ن الأول‪�/‬أكتوبر‬ ‫‪ ,1973‬بحظر ت�صدير النفط �إىل ال����دول املنحازة لإ�سرائيل‪ .‬وبعدها‬ ‫بعام��ي�ن انطل����ق احلوار العرب����ي ‪ -‬الأوروب����ي لكن م����ن دون �أن يحقق‬ ‫نتائ����ج تُذ َكر خارج البيان����ات الأوروبية امل�ؤيدة للحق����وق الفل�سطينية‪,‬‬ ‫والت����ي‪ ,‬على �أهميتها‪ ,‬مل تتحول �إىل �أفعال ووقائع‪� .‬أهم هذه البيانات‬ ‫�إع��ل�ان البندقي����ة يف حزيران‪/‬يوني����و ‪ 1980‬ال����ذي طال����ب ب�إ�ش����راك‬ ‫منظمة التحرير الفل�سطينية يف مفاو�ضات الت�سوية‪ ،‬واعتبار امل�شكلة‬ ‫‪94‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫غ�سان العزي �أ�ستاذ العلوم ال�سيا�سية يف اجلامعة اللبنانية‪ ،‬بريوت‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪95 2009‬‬


‫املحور‬ ‫الفل�سطينية لي�ست جمرد م�شكلة الجئني �إن�سانية بل م�شكلة �سيا�سية‬ ‫ت�ؤثر يف اال�ستقرار الدويل‪ ,‬ويطالب بان�سحاب �إ�سرائيل من الأرا�ضي‬ ‫العربي����ة التي احتلتها يف العام ‪ 1967‬ويعترب امل�ستوطنات غري �شرعية‬ ‫وعقبة يف وجه ال�سالم‪ .‬هذا الإعالن “التاريخي” الذي ذهب �أبعد‬ ‫م����ن معاه����دة كام����ب ديفيد الت����ي �أيده����ا الأوروبيون‪� ،‬ساه����م وقتها‬ ‫يف تعك��ي�ر �صفو عالقته����م بالأمريكيني والإ�سرائيلي��ي�ن الذين راحوا‬ ‫يرف�ضون كل مقرتحات ال�سالم الأوروبية من قبيل عقد م�ؤمتر دويل‬ ‫لل�سالم على �سبيل املثال‪.‬‬ ‫بعد ذلك‪ ،‬ومببادرة من فرن�سا يف ظل الرئي�س فران�سوا ميرتان‪،‬‬ ‫انفتح����ت �أوروبا على منظمة التحري����ر الفل�سطينية‪ ،‬وراحت ت�ستقبل‬ ‫ممثليه����ا يف وق����ت كان الرئي�����س الأمريك����ي رونال����د ريغ����ان ي�صفها‬ ‫ب�أنه����ا ع�صابة قتلة �أطفال‪ .‬يف ال�سبعيني����ات والثمانينيات من القرن‬ ‫الع�شري����ن ح�صل����ت متغ��ي�رات عدي����دة يف الع����امل وال�ش����رق الأو�سط‬ ‫(ال�س��ل�ام امل�صري ‪ -‬الإ�سرائيلي‪ ,‬الثورة الإيرانية‪ ,‬احلرب العراقية‬ ‫ الإيرانية‪ ,‬االجتي����اح ال�سوفييتي لأفغان�ستان‪ ,‬االجتياح الإ�سرائيلي‬‫للبنان ‪...‬ال����خ) اتخذت املجموعة االقت�صادي����ة الأوروبية‪ ,‬يف ُج ّلها‪,‬‬ ‫مواق����ف متماي����زة �إىل حد كبري ع����ن حليفها الأمريك����ي لكن دون �أن‬ ‫يكون لها ت�أثري فاعل يف تطور الأحداث‪.‬‬ ‫م����ع انهي����ار املع�سك����ر ال�شرق����ي وانتهاء احل����رب الب����اردة‪� ،‬سارع‬ ‫الأوربي����ون �إىل التك ّيف مع النظام ال����دويل اجلديد فتم التوقيع على‬ ‫معاه����دة االحت����اد الأوروبي يف ما�سرتيخ����ت يف �شباط‪/‬فرباير ‪1992‬‬ ‫التي حتمل طموحات احتادية يف كافة املجاالت ال�سيا�سية والدفاعية‬ ‫واالقت�صادي����ة وغريه����ا‪� .‬أيد الأوروبي����ون اتفاقات �أو�سل����و يف �أيلول‪/‬‬ ‫�سبتم��ب�ر ‪ 1993‬ثم اتف����اق وادي عربة بعدها بعام واح����د‪ ،‬رغم �أنهم‬ ‫غ ّيب����وا متام ًا عن م�ؤمتر مدري����د يف ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر ‪ 1991‬بدفع‬ ‫من �إ�سرائيل التي اتهمتهم باالنحياز للعرب‪.‬‬ ‫ويف العام ‪ 1996‬كان لفرن�سا دور كبري يف ا�ستيالد تفاهم ني�سان‪/‬‬ ‫�أبري����ل عقب الع����دوان الإ�سرائيل����ي الوا�سع على لبن����ان‪ .‬ويف خريف‬ ‫الع����ام ‪ 1995‬كان التوقيع على �إعالن بر�شلون����ة وال�شراكة الأورو‪-‬‬ ‫ف�سره����ا البع�����ض ب�أنها رد عل����ى م�ش����روع “ال�شرق‬ ‫متو�سطي����ة الت����ي ّ‬ ‫الأو�سط اجلديد” الأمريكي‪ .‬هذا‬

‫مع �أن االحتاد الأوروبي‬ ‫ميتلك الكثري من مقومات‬ ‫القوة لكنه يبدو عاجز ًا‬ ‫عن الفعل والتغيري يف‬ ‫ال�ساحة الدولية‪ ،‬ومن‬ ‫�ضمنها ال�شرق الأو�سط‪.‬‬ ‫وال�سبب �أنه ي�شكو من‬ ‫عنا�صر طاردة للفعالية‬ ‫‪96‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫الإعالن ط����رح قاعدة للتعاون ال�شامل بني ال����دول الـ ‪ 27‬املوقعة (‪15‬‬

‫دولة �أوروبية و‪ 8‬دول عربية‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل تركيا و�إ�سرائيل ومالطا)‪،‬‬ ‫وعك�����س ر�ؤية االحتاد الأوروبي ملا ينبغ����ي �أن تكون عليه عالقته بدول‬ ‫حو�ض املتو�سط‪ ،‬وذلك من خالل م�أ�س�ستها وحتديدها وحتويلها من‬ ‫تع����اون �إىل �شراكة وت�ضمينها ال�سيا�س����ة والأمن والثقافة واالجتماع‪،‬‬ ‫�إىل جانب الأمور التقنية والفنية بدل �أن تبقى كما كانت عليه جمرد‬ ‫عالقة اقت�صادية فنية‪.‬‬ ‫وعل����ى الرغ����م م����ن �أن االحت����اد الأوروب����ي عق����د اتفاقي����ة تعاون‬ ‫جتاري����ة مع �إ�سرائيل تتي����ح له ممار�سة بع�ض و�سائ����ل ال�ضغط (مثل‬ ‫وقف ال�صادرات م����ن امل�ستوطنات الإ�سرائيلي����ة)‪� ،‬إال �أنه افتقد �إىل‬ ‫الإرادة ال�سيا�سي����ة ملمار�س����ة مثل ه����ذا ال�ضغط بذريع����ة �أن الفل�سفة‬ ‫العام����ة التي يتبناها تقول ب�أن ممار�س����ة ال�ضغوط ب�شكل عام‪ ,‬وعلى‬ ‫�إ�سرائيل ب�شكل خا�ص‪ ,‬ت�ؤدي �إىل نتائج عك�سية‪ ،‬وبالتايل فهو يف�ضل‬ ‫اللجوء �إىل “اجلزرة” لأنها �أكرث �إفادة من “الع�صا”‪ .‬يف املقابل‪،‬‬ ‫ف�إن امل�ساع����دات املالية والقانونية وال�سيا�سي����ة التي يقدمها االحتاد‬ ‫الأوروبي‪ ,‬املم����ول الأول لل�سلطة الفل�سطيني����ة‪ ,‬جنحت يف الت�أثري يف‬ ‫ه����ذه الأخ��ي�رة ودفعه����ا �إىل التوقيع عل����ى اتفاقيات عدي����دة وت�أجيل‬ ‫�إعالن الدولة الفل�سطينية من طرف واحد‪.‬‬ ‫ويف املح�صل����ة‪ ،‬رغ����م انعق����اد م�ؤمترات عدي����دة يف �إط����ار م�سار‬ ‫بر�شلون����ة و�سيا�سة اجلوار الأوروبي����ة املكملة له‪ ،‬ورغم �صدور بيانات‬ ‫مهم����ة عدي����دة خالل����ه �إال �أن بر�شلون����ة مل تُ�سفِ����ر عن نتائ����ج ح�س ّية‬ ‫�شجع����ة‪ ،‬وبالت����ايل بقيت امل�ش����كالت املتو�سطية قائم����ة �أكرث من �أي‬ ‫ُم ِّ‬ ‫وق����ت م�ضى مع م����ا يرتتب عنها من �أزمات وم�شاع����ر �إحباط‪ .‬ولهذا‬ ‫ال�سبب �أراد الرئي�س �ساركوزي �إن�شاء “االحتاد من اجل املتو�سط”‪،‬‬ ‫والذي ما يزال من املبكر احلكم عليه وهو ما يزال يف طور البناء‪.‬‬ ‫بعد تفج��ي�رات ‪� 11‬أيلول‪�/‬سبتمرب ‪ 2001‬ان�ض����م االحتاد الأوروبي‬ ‫�إىل الوالي����ات املتحدة يف حربها على الإرهاب‪ .‬لكن بعد احلرب على‬ ‫�أفغان�ست����ان بدا امل�شهد خمتلف ًا حينما ق����ررت وا�شنطن �شنّ احلرب‬ ‫عل����ى العراق‪ ,‬كذل����ك عندما حاول رئي�س ال����وزراء الإ�سرائيلي �أرييل‬ ‫�شارون اال�ستفادة من الأجواء الدولية يف حماولة لت�صفية ما ي�سميه‬ ‫“الإرهاب الفل�سطيني”‪ .‬لقد عار�ضه االحتاد الأوروبي الذي طالب‬ ‫ب�إج����راء حتقيق دويل ح����ول جمزرة جنني‪ ،‬وعق����د م�ؤمتر دويل حلل‬ ‫امل�شكل����ة الفل�سطيني����ة‪ ،‬و�إر�سال مراقبني دولي��ي�ن �إىل فل�سطني وغري‬ ‫ذلك من املقرتحات التي مل جتد �سبي ًال �إىل التنفيذ ب�سبب املعار�ضة‬ ‫الإ�سرائيلي����ة املدعومة م����ن الأمريكيني‪ .‬رغم ذلك �أي����دت �أوروبا كل‬ ‫امل�شاري����ع الت����ي تقدمت به����ا الإدارة الأمريكية و�أ�س����دت الن�صح �إىل‬ ‫ال�سلطة الفل�سطينية بالتعامل معها ب�إيجابية وواقعية‪ .‬هذا ما ح�صل‬ ‫خلط����ط ميت�شِ ل وزيني وتينيت وخلارط����ة الطريق التي �شكل االحتاد‬ ‫الأوروب����ي �أحد �أقطابها الأربع (م����ع الواليات املتحدة ورو�سيا والأمم‬ ‫املتح����دة)‪ ،‬والتي �أتت �إثر تغري ا�سرتاتيجي كبري يف املنطقة ناجت عن‬ ‫االحتالل الأمريكي للعراق‪ ،‬وبعد املبادرة التي �أعلنها العرب يف قمة‬ ‫ب��ي�روت يف العام ‪ ،2002‬ور�ؤية جورج بو�ش املتعلقة بدولتني فل�سطينية‬ ‫و�إ�سرائيلية تعي�شان جنب ًا �إىل جنب ب�سالم‪.‬‬

‫حملك �سِ ر‪ :‬الدور الأوروبي يف املنطقة يعطله تعنت �إ�سرائيلي مدعوم من انحياز �أمريكي وعجز عربي‬

‫مل��اذا يبقى الدور الأوروبي معط ً‬ ‫ال؟ يف احلقيقة‬ ‫رغم امتالك االحتاد الأوروبي للكثري من مقومات القوة يبدو عاجز ًا‬ ‫عن الفعل والتغيري يف ال�ساحة الدولية‪ ،‬ومن �ضمنها ال�شرق الأو�سط‪.‬‬ ‫وال�سب����ب �أنه ي�شكو من عنا�صر ط����اردة للفعالية‪ ,‬فهو ما يزال يفتقر‬ ‫�إىل �سيا�سة خارجية و�أمنية م�شرتكة و�إىل �شريك يعتمد عليه‪:‬‬ ‫ فحليف����ه الأمريك����ي منح����از متام���� ًا �إىل الط����رف الإ�سرائيل����ي‬‫وميار�����س هيمنة دبلوما�سية وا�ضحة على م�سار الت�سوية يف ال�صراع‬ ‫العربي ‪ -‬الإ�سرائيلي‪ ،‬وعلى م�سار املفاو�ضات املتعلقة بامللف النووي‬ ‫الإيراين‪ ،‬وال يلج�أ �إىل الأوروبيني �إال لتقدمي خدمات ظرفية والتوقيع‬ ‫على �شي����كات امل�ساعدة للفل�سطينيني وال�ضغ����ط عليهم‪ .‬وقد مار�س‬ ‫“املحافظ����ون اجلدد” يف عهد الرئي�س ال�سابق بو�ش انحياز ًا غري‬ ‫م�سب����وق لإ�سرائيل‪ ،‬ودعموها يف كل اعتداءاته����ا على الفل�سطينيني‬ ‫(جم����ازر جن��ي�ن يف الع����ام ‪ ،2002‬والهج����وم عل����ى ال�ضف����ة الغربية‪،‬‬ ‫وح�ص����ار عرفات و�صو ًال �إىل قتله‪ ,‬واحلرب على غزة يف نهاية العام‬ ‫الفائ����ت والتي ا�ستخدمت فيه����ا القنابل الفو�سفوري����ة �ضد الأطفال‬ ‫واملدنيني‪ ،‬والتي اعتربها تقرير غولد�ستون ترقى �إىل جرمية حرب‬ ‫وجرمية �ضد الإن�سانية‪... ,‬الخ)‪ ،‬وعلى لبنان يف �صيف العام ‪2006‬‬ ‫وال����ذي اعتربته كوندوليزا راي�س خما�ض���� ًا �سوف ينبثق عنه “�شرق‬ ‫�أو�سط جديد”‪ ،‬راف�ضة �أي وقف لإطالق النار قبل حتقيق الأهداف‬ ‫الإ�سرائيلية من احلرب رغم وقوع عدد كبري من ال�ضحايا املدنيني‪.‬‬ ‫الأوروبيون عموم ًا ان�ضموا �إىل املوقف الأمريكي رغم نداءات فرن�سا‬

‫املتكررة بالوقف الفوري لإطالق النار‪ ،‬والتي بقيت دون جدوى‪.‬‬ ‫ والع����امل العربي يتخب����ط يف مع�ضالت جتعل منه عبئ ًا على من‬‫ي�شارك����ه ولي�س ذخ����ر ًا �أو عون ًا‪ .‬وقد برهن الع����رب عن عجز فا�ضح‬ ‫حي����ال كل ال�سيا�سات العدواني����ة الإ�سرائيلية‪ ،‬وعن عجز عن فر�ض‬ ‫م�شروعهم لل�سالم رغم �أنه يقدم تطبيع ًا كام ًال ناجز ًا لإ�سرائيل يف‬ ‫مقابل ان�سحابها من الأرا�ضي التي احتلتها يف العام ‪ 1967‬واخل�ضوع‬ ‫للقانون ال����دويل ولل�شرعية الدولية املتمثلة بقرارات الأمم املتحدة‪.‬‬ ‫وب�سب����ب الفراغ يف ر�أ�س النظام الإقليمي العربي‪ ،‬ف�إن دو ًال كثرية يف‬ ‫ال�ش����رق الأو�سط وم����ن خارجه ت�سعى مللء هذه الف����راغ‪ ،‬الأمر الذي‬ ‫يزيد من االنق�سام وال�ضعف العربيني‪.‬‬ ‫ يف املقاب����ل‪ ،‬ميتل����ك الإ�سرائيلي����ون و�أن�صاره����م يف الغرب��ي�ن‬‫الأوروبي والأمريكي من النفوذ ما يعيق �أي عمل دويل جدي لفر�ض‬ ‫ح����ل دائم ومقب����ول من �أطراف الن����زاع‪ .‬وقد متتع����ت �إ�سرائيل على‬ ‫الدوام بر�ؤ�س����اء �أمريكيني منحازين لها ت ّوجهم الرئي�س بو�ش االبن‬ ‫بانحي����از �أثار ارتي����اب عدد من �أع�ضاء اللوب����ي ال�صهيوين نف�سه يف‬ ‫وا�شنط����ن وعدد من اجل��ن�راالت الأمريكيني الذي����ن‪ ,‬رغم ت�أييدهم‬ ‫لإ�سرائيل‪ ,‬ت�ساءلوا يف ت�صريحات معلنة عن امل�صلحة الأمريكية يف‬ ‫احتالل بلد مثل العراق �إكرام ًا لعني �إ�سرائيل!‪ .‬واليوم يقوم الرئي�س‬ ‫باراك �أوباما بجهود فائقة م����ن �أجل تنفيذ وعوده املتعلقة بالت�سوية‬ ‫العربي����ة – الإ�سرائيلي����ة‪ ،‬لكن����ه ي�صط����دم بتعن����ت رئي�����س ال����وزراء‬ ‫الإ�سرائيلي بنيامني نتنياهو‪ .‬وما عجز �إدارة �أوباما عن‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪97 2009‬‬


‫املحور‬

‫�صدر حديث ًا �ضمن‬ ‫�سل�سلة �أوراق بحثية‬

‫تو�سع االحتاد الأوروبي‬ ‫على الرغم من ّ‬ ‫لي�ضم �سبع وع�شرين دولة اليوم ّ‬ ‫وقعت يف ما‬ ‫بينها معاهدات عديدة ترافق هذا التو�سع‪،‬‬ ‫مل يح�سم الأوروبيون بعد �أمرهم حيال‬ ‫هوية احتادهم؛ هل هو جمرد ف�ضاء ثقايف‬ ‫اقت�صادي جتاري �أم �أنه قوة دولية عظمى‬ ‫ب�صدد التبلور‬

‫�إقناع احلكوم����ة الإ�سرائيلية مبجرد الإعالن عن قبولها بتجميد‬ ‫اال�ستيط����ان �إال دلي ً‬ ‫��ل�ا ُي�ض����اف �إىل دالئ����ل كثرية عن النف����وذ الذي‬ ‫ميار�سه الإ�سرائيليون على ال�سيا�سات الأمريكية يف ال�شرق الأو�سط‪.‬‬ ‫وال ي�ستطيع الأوروبيون حي����ال ذلك �شيئ ًا ال�سيما �أنهم �أي�ض ًا واقعون‬ ‫حتت ت�أثري مثل هذا النفوذ‪ .‬ذلك �أنه هناك ابتزاز �إ�سرائيلي م�ستمر‬ ‫للأوروبيني ب�سبب ما�ضي العذابات التي تعر�ض لها اليهود يف �أوروبا‬ ‫ال�سيما يف احلقبة النازية‪ ،‬والتي ا�شرتك يف جرائمها �أو تواط�أ معها‬ ‫كث��ي�رون يف دول هذه الق����ارة‪ .‬وتنتهج دول �أوروبي����ة كثرية �سيا�سات‬ ‫م�ؤي����دة لإ�سرائيل على الدوام بفعل هذا االبتزاز الذي يرافقه �شعور‬ ‫ع����ام بالذن����ب وت�أني����ب ال�ضمري‪ .‬وم����ا ت����زال �أملانيا �إىل الي����وم تدفع‬ ‫تعوي�ض����ات لإ�سرائي����ل �شكلت يف بع�ض الأوقات م����ا ن�سبته �أربعني يف‬ ‫املائة من حجم التدفقات املالية لإ�سرائيل‪ ،‬وت�سببت بت�أزمي العالقة‬ ‫م����ع العرب‪ .‬ه����ذا دون ن�سيان �صفقات ال�س��ل�اح ال�سرية والعلنية (ال‬ ‫نن�س����ى �أن فرن�س����ا ه����ي التي بنت مفاع����ل دميونا‪ ،‬وال�س��ل�اح النووي‬ ‫الإ�سرائيل����ي �أ�صول����ه فرن�سي����ة)‪ ،‬و�آخرها تقدمي غوا�ص����ات من نوع‬ ‫دلف��ي�ن من �ش�أنها �أن ت�ؤمن ردع ًا نووي ًا نهائي ًا لإ�سرائيل‪ ،‬على الرغم‬ ‫م����ن �أن ال����دول العربية ال متل����ك ال�سالح الن����ووي وال جمرد التفكري‬ ‫يف �صناعت����ه‪ .‬وت�شرتك �أوروب����ا يف كل ال�ضغوط على �إيران ملنعها من‬ ‫الو�صول �إىل العتبة النووية‪.‬‬ ‫م����ن ناحية �أخرى‪ ،‬تنف����ق �أوروبا جمتمعة ‪ 280‬ملي����ار دوالر (بعد‬ ‫‪98‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫التو�سيع الأخري) �أي ح����وايل ن�صف ما تنفقه الواليات املتحدة على‬ ‫الدفاع (حوايل ‪ 450‬مليار دوالر)‪ ،‬رغم �أن الناجت القومي الإجمايل‬ ‫مت�س����او بني االثنتني‪ .‬وق����د ا�ستفادت كثري ًا من الق����درات الع�سكرية‬ ‫وال�سيا�سي����ة واالقت�صادية الأمريكية من����ذ نهاية احلرب العاملية �إىل‬ ‫الي����وم‪ .‬يكفي القول �أن �أزمات حل����ت بقلب �أوروبا نف�سها مل تتخل�ص‬ ‫منه����ا ه����ذه الأخرية �إال بف�ض����ل التدخل الأمريك����ي (اتفاقية دايتون‬ ‫‪� ,1995‬إنه����اء الن����زاع االيرلندي يف العام ‪� ,1997‬أزم����ة كو�سوفو منذ‬ ‫العام ‪...1999‬الخ)‪ ،‬دون �أن نن�سى �أن حلف الأطل�سي تقوده الواليات‬ ‫املتحدة عملي ًا‪ ،‬وي�شكل عتادها وجنودها وقيادتها عموده الفقري‪.‬‬ ‫تو�سع االحتاد الأوروبي لي�ض����م �سبع وع�شرين‬ ‫وعل����ى الرغم م����ن ّ‬ ‫دول����ة اليوم و ّقعت يف ما بينها معاهدات عديدة ترافق هذا التو�سع‪،‬‬ ‫مل يح�س����م الأوروبي����ون بع����د �أمرهم حي����ال هوية احتاده����م؛ هل هو‬ ‫جم����رد ف�ضاء ثق����ايف اقت�ص����ادي جت����اري �أم �أنه ق����وة دولية عظمى‬ ‫ب�ص����دد التبل����ور‪ .‬ومن الطبيعي‪ ،‬واحل����ال هذه‪� ،‬أن يخفق����وا يف بناء‬ ‫دفاع م�شرتك و�سيا�سة خارجية م�شرتكة تتوج االجنازات الهائلة يف‬ ‫املجاالت املالية واالقت�صادية والق�ضائية واالجتماعية وغريها‪.‬‬ ‫ه����ذا الإخفاق ال ي�ساه����م �أبد ًا يف جتاوز العقب����ات التي تنت�صب‬ ‫يف وج����ه ال����دور الأوروبي‪ ،‬وال����ذي ُي ّ‬ ‫عطل����ه تعنّت �إ�سرائيل����ي مدعوم‬ ‫م����ن انحياز �أمريكي �سافر له ومن عجز عرب����ي عن املبادرة والفعل‬ ‫الدوليني‪.‬‬

‫�آليـات تفعيـل ا�ستفـادة اليمن‬ ‫من القرو�ض اخلارجية‬ ‫حممد �صالح قرعة‬ ‫�أروى �أحمد البعداين‬

‫تعبئة املوارد يف ال�سيا�سة‬ ‫اخلارجية اليمنية‬ ‫جالل �إبراهيم فقرية‬

‫البقاء للأ�صغر‪:‬‬ ‫الدور اجلديد للدول‬ ‫ال�صغرية يف النظام العاملي‬ ‫حممد �سيف حيدر‬

‫رفـ ـ ــد ال�سيا�سـ ـ ــة باملعرفـ ــة‬

‫‪Relating Policy to Knowledge‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪99 2009‬‬


‫املحور‬

‫دروب �إ�سرائيل ال�شائكة يف ال�شرق الأو�سط‬

‫تطبيع «الكيان»‬ ‫ت�ستحق دولة الكيان الإ�سرائيلي بعد �ستة عقود من قيامها‪� ،‬إمعان ًا �أكرث ودرا�سة �أعمق يف ما يحفل به وجودها‬ ‫و�سيا�ساته���ا وا�سرتاتيجيتها كم���ا فل�سفتها اخلا�صة والفريدة احلا�ضنة لهذا كل���ه‪ .‬ولعل احلافز الأهم لهذا‬ ‫اال�ستحق���اق يف اعتقادن���ا‪ ،‬قدرة هذا «الكيان» امللفتة عل���ى جتاوز الكم الهائل م���ن التناق�ضات الذي �أنتجه‬ ‫وعاي�شه (وما يزال)‪ ،‬بل واللعب على �أوتار هذه التناق�ضات جميع ًا يف �سبيل خدمة الدولة ال�صهيونية‪ ،‬كيان ًا‬ ‫وم�شروع ًا‪ ،‬وتكري�س وجودها – كحقيقة ماثلة‪ -‬يف املنطقة والعامل‪.‬‬

‫حممد �سيف حيدر‬

‫والواقع �أن ثمة حقيقة �أ�سا�سية ترتبط بهذه القدرة‪ ،‬وت ِّ‬ ‫ُ�شكل دافعها‬ ‫وحمركها النف�سي وال�سيا�س����ي الأبرز‪ ،‬تكمن يف البحث الدءوب عن‬ ‫امل�شروعية التي تع����اين يف جوهرها من �إ�شكالٍ تاريخي مزمن ميتد‬ ‫حميط‬ ‫�إىل حلظة �إن�شاء دولة �إ�سرائيل على الأر�ض الفل�سطينية ويف‬ ‫ٍ‬ ‫جيو�سيا�س����ي يرف�ض وجودها ناهيك عن االعرتاف بها‪ ،‬الأمر الذي‬ ‫خلق لإ�سرائيل – ولف��ت�رة طويلة ن�سبي ًا‪ -‬م�صاعب وم�شاكل خطرية‬ ‫يف عالقتها مع املجتمع الدويل على ُ�ص ُعدٍ �شتى‪.‬‬ ‫�إن��ه «ح��ق الوج��ود» ي��ا ‪ !...‬على نح���� ٍو دراماتيكي‬ ‫ملح����وظ‪ ،‬وب�ش����كل خا�����ص بع����د التوقي����ع عل����ى اتفاقي����ات �أو�سلو مع‬ ‫منظم����ة التحري����ر الفل�سطينية يف مطلع ت�سعيني����ات القرن املا�ضي‪،‬‬ ‫وقبلها من خالل اتفاقي����ة كامب ديفيد مع م�صر ال�سادات يف نهاية‬ ‫ال�سبعيني����ات‪ ،‬مت ّكن����ت �إ�سرائي����ل م����ن جت����اوز العزلة الدولي����ة التي‬ ‫عاي�شته����ا خالل الن�صف الثاين من القرن الع�شرين‪ ،‬وتعززت ثقتها‬ ‫بنف�سها وبقدرتها على تق����دمي ذاتها كدولة “دميقراطية ع�صرية”‬ ‫غايته����ا الق�صوى وه ّمه����ا الرئي�س يتمثل – ب����كل ب�ساطة‪ -‬يف �إقرار‬ ‫ثم‪ ،‬وعلى نح ٍو طبيعي وبنّاء‪،‬‬ ‫“حقها” يف الوجود‪ ،‬واالنخراط من ّ‬ ‫يف املنظومة العاملية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وت�أكيد ًا له����ذا التغيرّ وقيمته‪ ،‬وا�ست�شع����ارا ملحوريته يف ال�سيا�سة‬ ‫الإ�سرائيلية على املدى املنظور‪� ،‬شدد �إ�سحاق رابني يف خطابه �أمام‬ ‫الكني�ست الإ�سرائيلي يف م�سته����ل رئا�سته حلكومة حزب العمل عام‬ ‫‪ ،1992‬على �أنه “البد �أن نتغلب على ال�شعور بالعزلة الذي كنا‬ ‫�أ�سرى له ملدة ن�صف قرن‪ ،‬والبد �أن نوقف التفكري ب�أن العامل ب�أ�سره‬

‫حم�صلةٍ عملية تعك�س مدى جن����اح الدولة العربية يف‬ ‫�ضدن����ا”‪ .‬ويف ّ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫جتاوز حواجز العزلة التي �أطبقت عليها‪ ،‬واالندماج تاليا يف الأ�سرة‬ ‫الدولية‪ ،‬ارتفع اخلط البياين للعالقات الدبلوما�سية الإ�سرائيلية مع‬ ‫دول الع����امل‪ ،‬ليبلغ عدد الدول التي تقيم عالقات مع �إ�سرائيل حالي ًا‬ ‫‪ 162‬دول����ة منها ‪ 63‬دولة لها ممثلي����ات دبلوما�سية يف �إ�سرائيل‪ ،‬علم ًا‬ ‫�أن عددها عام ‪ 1949‬مل يتجاوز ‪ 23‬دولة فقط‪.‬‬ ‫بيد �أن النجاح الإ�سرائيلي هذا‪ ،‬على �أهميته وفوائده اال�سرتاتيجية‬ ‫يوم من‬ ‫اجل ّم����ة‪ ،‬مل يك����ن مطلق ًا وحا�سم���� ًا‪ ،‬وهو لن يكون كذل����ك يف ٍ‬ ‫الأيام‪ .‬وال�شاهد �أن جدوى �إ�سرائيل والأ�سئلة الكربى ب�ش�أن وجودها‬ ‫ذات����ه والإ�شكالي����ات والق�ضايا التي ترتبت علي����ه ما تزال مطروحة‪،‬‬ ‫يف الداخ����ل واخلارج على حدٍ �سواء‪ .‬نتلم�س ذلك‪ ،‬على �سبيل املثال‪،‬‬ ‫يف النقا�ش����ات العا�صف����ة التي م����ا فتئت ُتث����ار بني الفين����ة والأخرى‬ ‫ح����ول موا�ضيع من قبيل “ما بع����د ال�صهيونية” وظاهرة “امل�ؤرخني‬ ‫الإ�سرائيلي��ي�ن اجل����دد”‪ ،‬كما ن����راه �أي�ض ًا يف اجل����دل الدائم املتعلق‬ ‫بالطاب����ع “اخلا�����ص” للدولة العربي����ة واملع�ض��ل�ات املت�ضاربة التي‬ ‫ُيثريها تعريف �إ�سرائيل لنف�سه����ا كدولة يهودية و”دولة دميقراطية‬ ‫قائمة على امل�ساواة” يف الوقت ذاته‪ ...‬الخ هذه امل�سائل‪.‬‬ ‫واحل����ال �أن هذا اجلدل املنطوي عل����ى مفارقة وا�ضحة‪� ،‬أ ّثر‪ ،‬بال‬ ‫وبدرجات خمتلفة‪ ،‬يف ال�صورة التي ظلت �إ�سرائيل ت�س ّوقها عن‬ ‫�شك‬ ‫ٍ‬ ‫نف�سه����ا عاملي ًا‪ ،‬ونال����ت ب�سببها تعاطف ًا دولي ًا �أث��ي�ر ًا‪ ،‬ال�سيما و�أن �أفق‬ ‫حل الق�ضية الفل�سطينية يبق����ى م�شو�ش ًا ومعتم ًا وحتوطه التعقيدات‬ ‫من كل جانب‪ .‬ورغم حتقيق �إ�سرائيل اخرتاقات مهمة على �صعيد‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪101 2009‬‬


‫املحور‬ ‫عالقاته����ا الدولية‪ ،‬وعلى نح ٍو �أ�صبحت معه ت����ل �أبيب �أكرث قبو ًال‬ ‫عل����ى امل�ست����وى العامل����ي‪� ،‬إال �أنه����ا‪ ،‬يف النتيجة‪ ،‬مل تتخل�����ص بعد من‬ ‫هاج�س امل�شروعية الذي ما انفك ُيلقي بظالله الثقيلة على �سيا�ستها‬ ‫اخلارجية منذ الوهلة الأوىل‪ ،‬ومل يزل ي�ؤرقها حتى اليوم‪.‬‬

‫ٌ‬ ‫حتالفات وتناق�ضات‪ ،‬والهدف واحد واملعروف‪،‬‬ ‫يف ه����ذا الإطار‪� ،‬أن القائمني عل����ى امل�شروع ال�صهيوين �أولو اهتمام ًا‬ ‫فائق���� ًا‪ ،‬من����ذ بدايات����ه الأوىل‪ ،‬باتخاذ توجهات �سيا�سي����ة ذات طابع‬ ‫ا�سرتاتيج����ي‪ ،‬تقوم على �إن�ش����اء عالقات وطيدة م����ع الدول الكربى‬ ‫خ�صو�ص���� ًا وم����ع �سواه����ا ب�ص����ورة عامة‪ ،‬وج����رى الرب����ط بني هدف‬ ‫ال�صهيوني����ة بت�أ�سي�����س دول����ة اليه����ود يف فل�سط��ي�ن واحل�ص����ول على‬ ‫االع��ت�راف العامل����ي به����ا‪ .‬وخ��ل�ال مرحل����ة “الدول����ة القادم����ة على‬ ‫الطري����ق” �أوىل الن�شاط ال�صهيوين‪� ،‬أهمية ك��ب�رى لتحويل الهجرة‬ ‫أفواج جماعي����ة تهاجر �إىل فل�سطني‬ ‫اليهودي����ة من حاالت ت�سلل �إىل � ٍ‬ ‫مبوافقة ودعم دوليني (ومتهي����د ًا لذلك جرى ا�ست�صدار وعد بلفور‬ ‫من بريطانيا العظمى يف العام ‪.)1917‬‬ ‫وبع����د �إن�شاء الدولة عام ‪ ،1948‬رك����زت الدبلوما�سية الإ�سرائيلية‬ ‫عل����ى ت�أمني العنا�ص����ر الدولية الالزمة ل�ضمان الوج����ود الإ�سرائيلي‬ ‫ثم �سعت �إ�سرائيل �إىل‬ ‫كدول����ةٍ ذات �سيادة على �أر�ض فل�سطني‪ ،‬ومن ّ‬ ‫�شم����ول عالقاته����ا الدبلوما�سية واالقت�صادية �أك��ب�ر عدد ممكن من‬ ‫�أع�ضاء الأ�سرة الدولية‪ ،‬ب�شكلٍ يدفع معه جريانها العرب للقبول بها‬ ‫ككيان قومي يف املنطقة‪ .‬عل����ى �أن م�ؤ�س�سي الدولة ال�صهيونية‪ ،‬وكل‬ ‫من تاله����م يف مراكز �صنع القرار الإ�سرائيل����ي‪ ،‬مل يكتفوا ب�سيا�سة‬ ‫احل�صول على االعرتاف الدويل ب�إ�سرائيل‪� ،‬إذ ُعززت هذه اخلطوة‪،‬‬ ‫يف خمتلف املراح����ل‪ ،‬مببد�أ رئي�س يقوم على “االعتماد على حليف‬ ‫ق����وي �أو جمموعة من احللفاء الأقوياء”‪ ،‬والدمج تالي ًا بني �إمكانات‬ ‫�إ�سرائي����ل الذاتية والدع����م اخلارجي لها‪ ،‬لتكري�����س منط معني من‬ ‫القوة هو “منط القوة التحالفي”‪ .‬وقد ت�ضمن الهدف املركزي لهذا‬ ‫الربنامج �شقني �أ�سا�سيني‪� ،‬أولهما بناء امل�شروع ال�صهيوين وتزويده‬ ‫ب�ضمان����ات البقاء‪ .‬وين�صرف ال�شق الث����اين �إىل الت�صدي للتحديات‬ ‫اخلارجية لإ�سرائيل‪ ،‬ويف �صدارتها الرف�ض العربي لهذا امل�شروع‪.‬‬ ‫وحر�ص���� ًا منه����ا على �إعط����اء هذا املب����د�أ �أبع����اد ًا جيو�سرتاتيجية‬ ‫عملت الدولة العربية‬ ‫على اال�ستفادة با�ستمرار‬ ‫من ادعائها ب�أنها تُ�ش ِكّل‬ ‫«الدميقراطية الوحيدة‬ ‫يف ال�شرق الأو�سط»‬ ‫لت�سويغ بقائها كدولة ذات‬ ‫�سيادة‪ ،‬بل وتر�سيخ قدمها‬ ‫كقوة مهيمنة يف املنطقة‬ ‫‪102‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫تُر�ض����ي حلفاءها الكب����ار‪ ،‬قدم����ت �إ�سرائيل نف�سه����ا باعتبارها �أداة‬ ‫مثالي����ة ور�أ�س حربة متقدمة للنف����وذ الأجنبي الذي ي�سعى لل�سيطرة‬ ‫على املنطقة العربية‪ .‬ولكنها �شددت‪ ،‬يف نف�س الوقت‪ ،‬على �أنه لي�س‬ ‫مبقدورها وحدها القيام ب�أعباء وجودها ودورها الوظيفي هذا‪ ،‬دون‬ ‫�شراك����ة ا�سرتاتيجية م����ع الغرب ت�ضع م�س�أل����ة “تقا�سم الأدوار” يف‬ ‫ومقت�ضى هذه ال�شراكة وعمادها الرئي�س ت�أمني التحالف‬ ‫االعتب����ار‪ُ .‬‬ ‫مع قوة‪ /‬قوى عظمى لال�ستفادة من مكانتها وثقلها يف العامل‪ ،‬وعلى‬ ‫نح���� ٍو يتيح لها �إمكانية احلركة والعم����ل امل�ستمرين دون �أن تت�ضارب‬ ‫م�صال����ح �إ�سرائيل مع م�صاحلها‪ ،‬بل على العك�س‪� ،‬أُنيطت بها مهمة‬ ‫خ����ط الدف����اع الأول عن احل�ص����ن الإ�سرائيل����ي الذي ي�ش����كل موقع ًا‬ ‫متقدم ًا لتلك القوى‪.‬‬ ‫وكتج����لٍ عملي لهذه ال�سيا�س����ة‪� ،‬أتاح البيان الثالث����ي ال�صادر يف‬ ‫لندن (‪� 25‬أيل����ول‪� /‬سبتمرب ‪ )1950‬لإ�سرائي����ل االن�ضواء متام ًا حتت‬ ‫مظلة احلماية الغربي����ة‪� ،‬إذ اتفق ممثلو فرن�سا وبريطانيا والواليات‬ ‫املتحدة الأمريكية على فكرة �إيجاد توازن قوى بني �إ�سرائيل والدول‬ ‫العربي����ة جمتمعة‪ ،‬وب�شكلٍ يحول دون حتقيق تفوق عربي على الدولة‬ ‫ال�صهيوني����ة‪ .‬ان�سجام ًا مع روح هذه الفكرة‪� ،‬أ�صبحت فرن�سا �شريك ًا‬ ‫يف املحافظ����ة عل����ى �أم����ن �إ�سرائيل وم�ص����در ًا ل�سالحه����ا (التقليدي‬ ‫����دم التحالف مع بريطانيا خدمة كربى‬ ‫�أو ًال والن����ووي فيما بعد)‪ .‬وق ّ‬ ‫لإ�سرائيل عرب توا�صل الدعم االقت�صادي وال�سيا�سي والع�سكري لها‪،‬‬ ‫و�س����ار التحالف مع �أملانيا الغربي����ة يف اجتاهات ثالثة‪ ،‬هي‪ :‬االتفاق‬ ‫على التعوي�ضات املالية والأملانية على “ا�ضطهاد اليهود” �إبان عهد‬ ‫الرايخ الثالث‪ ،‬وتوطيد العالق����ات ال�سيا�سية واالقت�صادية‪ ،‬وتزويد‬ ‫اجلي�ش الإ�سرائيلي بالأ�سلحة املتطورة‪ّ .‬‬ ‫ود�شن التحالف مع الواليات‬ ‫املتح����دة مرحل����ة نوعية‪ ،‬بتعزي����زه اعتبار ًا من �أواخ����ر اخلم�سينيات‬ ‫وحتويله �إىل «عالقة ع�ضوية خا�صة»(‪ )6‬تزداد وثوقية كل يوم وعلى‬ ‫نح ٍو ُي�صعب تف�سريه‪.‬‬ ‫����ق �إ�سرائيل با ًال‬ ‫ويف �سي����اق بحثه����ا املحموم ع����ن ال�شرعية‪ ،‬مل ُتل ِ‬ ‫�إىل �أحدى �أه����م �سمات ومفارقات �سيا�سته����ا اخلارجية واملتج�سدة‬ ‫يف ك��ث�رة التح����ول من مب����د�أ �إىل نقي�ض����ه؛ فالدولة العربي����ة �أُن�شئت‬ ‫وه����ي تُعل����ن عن كونها دولة “غ��ي�ر منحازة”‪ ،‬وم����ا �أن انق�ضت عدة‬ ‫�سن����وات حتى �أ�ضحت �أداة النفوذ اال�ستعم����اري الغربي يف املنطقة‪.‬‬ ‫و�إ�سرائي����ل التي بد�أت معتم����دة على وارداته����ا الت�سليحية والنفطية‬ ‫من االحت����اد ال�سوفييتي والعديد من دول �أوروبا ال�شرقية حتولت يف‬ ‫نهاي����ة ال�ستينيات �إىل منا�صبة مو�سك����و �أ�شد العداء‪ .‬و�إ�سرائيل التي‬ ‫كان����ت من �أوائل الدول الت����ي اعرتفت بجمهورية ال�صني ال�شعبية يف‬ ‫بداية اخلم�سينيات �سرعان ما دخلت يف حالة �صدام مك�شوف معها‬ ‫خالل ال�ستينيات‪ ،‬ثم ا�ستقام الأمر ل�صاحلها يف �أواخر ال�سبعينيات‬ ‫لتتحول �إىل �أكرب مز ِّود لل�صني بال�سالح والتكنولوجيا املتقدمة على‬ ‫الإطالق مع نهاي����ة الثمانينيات‪ .‬و�إ�سرائيل التي كانت ترف�ض ب�شدة‬ ‫يف بداية ن�ش�أتها اعتبارها دولة �شرق �أو�سطية‪� ،‬أخذت تطرح نف�سها‬ ‫فيما بعد‪ ،‬وبقوة‪ ،‬دولة �أ�سا�سية يف منطقة ال�شرق الأو�سط؛ ال تنتمي‬ ‫�إليه����ا فح�سب بل وتدافع يف كل املنا�سبات عن هذا االنتماء‪ُ ،‬مب�شر ًة‬

‫بـ”�ش����رق �أو�سط جدي����د” ت�ش����كل الن����واة الأ�سا�سية فيه‬ ‫والفل����ك الذي تدور حوله باقي دول املنطقة املغلوبة على‬ ‫�أمرها‪.‬‬

‫الأم��ن‪� ..‬أو ً‬ ‫ال و�أخ�ير ًا‬ ‫ولأن هاج�����س‬ ‫ٌ‬ ‫مرتبط‪ ،‬قطع ًا‪ ،‬بهدف مت�ص����ل ووثيق يتج�سد‬ ‫ال�شرعي����ة‬ ‫يف ت�أم��ي�ن “الكي����ان” و�ض����رورة و�أولوي����ة الت�أكي����د عل����ى‬ ‫“�ضمان الوجود” يف حد ذاته كمطلب حيوي �أويل ومبا‬ ‫ي�ساع����د على التخل�����ص من عق����دة الكلو�سرتوفوبيا (�أي‬ ‫اخلوف م����ن الأماكن املغلق����ة) والتي ارتبط����ت تاريخي ًا‬ ‫بواق����ع اجليتو ثم امل�شروع اال�ستيط����اين ال�صهيوين‪ ،‬ف�إن‬ ‫ال�سيا�س����ة الإ�سرائيلية رك����زت‪ ،‬ب�ص����ورة م�ستمرة‪ ،‬على‬ ‫�إعط����اء مفهوم الأم����ن الإ�سرائيلي �أولوي����ة ُمطلقة يف كل‬ ‫توجه����ات �إ�سرائي����ل‪ ،‬مبا يف ذلك توجهه����ا نحو ال�سالم‪.‬‬ ‫تو�سع هذا املفهوم ومطاطيته وخ�ضوعه‬ ‫وعلى الرغم من ُّ‬ ‫حلركة التط����ور امل�ستم����ر ا�ستجابة للظ����روف ال�سيا�سية‬ ‫واملتغريات الدولية ف�إنه‪ ،‬يف جوهره احلقيقي‪ ،‬يقوم على‬ ‫الرغبة يف حتقي����ق ال�سيادة الكلية على املنطقة العربية‪،‬‬ ‫وفر�ض �إرادة �إ�سرائيل املطلقة على دولها‪.‬‬ ‫واملث��ي�ر لالهتم����ام هن����ا‪� ،‬أن الدول����ة العربي����ة عملت‬ ‫عل����ى اال�ستف����ادة با�ستم����رار من ادعائه����ا ب�أنه����ا ت ِّ‬ ‫ُ�شكل‬ ‫“الدميقراطي����ة الوحيدة يف ال�ش����رق الأو�سط” لت�سويغ‬ ‫بقائه����ا كدول����ة ذات �سي����ادة‪ ،‬ب����ل وتر�سي����خ قدمها كقوة‬ ‫مهيمنة يف املنطقة‪ .‬ونظر ًا �إىل �أن جريانها العرب (حالي ًا‬ ‫�إيران) كانوا يهددونها عن قرب ويتطلعون �إىل تدمريها‪،‬‬ ‫ف�إنه����ا ظ ّل����ت ت�ستن����د يف تربي����ر وجوده����ا �إىل املمار�سة‬ ‫الدميقراطي����ة ونظامها التعددي احل���� ّر والذي يفرت�ض‬ ‫�أن ُيث��ي�ر ل����دى مواطنيها بل ويف اخل����ارج �أي�ض ًا‪ ،‬خا�ص����ة يف الغرب‪،‬‬ ‫اهتمام���� ًا �أكرث ببقائها‪ .‬وكان على الغرب الذي يرى نف�سه ممُ َّث ًال يف‬ ‫�إ�سرائي����ل‪ ،‬قرينه املحل����ي‪� ،‬أن ي�ضطلع بواجبات����ه “الأخالقية” التي‬ ‫“تفر�ض” عليه القيام بحماية الدولة الإ�سرائيلية من التجاوزات‬ ‫العنيفة جلريانها “ال�سلطويني”‪.‬‬ ‫ويف ال�سي����اق ذاته‪ ،‬عم����دت تل �أبيب �إىل انته����اج �سيا�سات �أخرى‬ ‫عدي����دة يف �إدارة عالقاتها مع الدول املعادية لها يف املنطقة‪ ،‬هدفت‬ ‫يف جممله����ا خدمة �أم����ن الدولة ال�صهيونية و�ضم����ان وجودها‪ .‬فمن‬ ‫ناحي����ة‪ ،‬جعلت �إ�سرائيل من مبد�أ “�شد الأطراف” �أو “ا�سرتاتيجية‬ ‫االلتفاف” حجر الزاوية يف �سيا�ستها الرامية �إىل اخلروج من �أ�سر‬ ‫الط����وق املفرو�ض عليها من قب����ل العرب‪ ،‬وال�سعي لإنهائه عن طريق‬ ‫بن����اء طوق معادٍ له�ؤالء ي�شمل ب�ش����كل �أ�سا�سي دول اجلوار اجلغرايف‬ ‫مثل تركيا العلمانية (قبل �أن تتغري خيارتها حالي ًا يف ظل حكم حزب‬ ‫العدالة والتنمية) و�إيران يف عهد ال�شاه و�أثيوبيا‪ ،‬حتى يتحقق عامل‬ ‫الأمن عرب متتني روابط التعاون مع هذه الدول‪ .‬وبالتوازي مع هذا‪،‬‬ ‫ويف �إطار اال�سرتاتيجية ذاته����ا‪ ،‬حاولت تل �أبيب‪ ،‬با�ستمرار‪ ،‬النفاذ‬

‫�إىل الأقلي����ات غري العربي����ة (كالأكراد) وغ��ي�ر امل�سلمة (كم�سيحيي‬ ‫جنوب ال�س����ودان) ودعمها ب�شكلٍ ي�����ؤدي �إىل ا�ستخدامها وتوظيفها‬ ‫كورق����ة ح�سا�سة‪ ،‬وق����ت احلاجة‪ ،‬م����ن �أجل �شغل وت�شتي����ت القدرات‬ ‫الذاتية العربية بعيد ًا عن ميدان ال�صراع الرئي�س مع �إ�سرائيل‪.‬‬ ‫وم����ن ناحية ثاني����ة‪ ،‬عمل����ت �إ�سرائيل عل����ى توفري �أ�سب����اب القوة‬ ‫الع�سكرية لكيانه����ا “املهدد”‪ ،‬وتعزيز قدرته على الردع يف مواجهة‬ ‫�أعدائ����ه الكثريين واحلف����اظ على الت����وازن اال�سرتاتيجي يف ال�شرق‬ ‫الأو�س����ط خمت ًال ل�صاحلها دوم ًا‪ ،‬وق����د �شكل ال�سالح النووي �ضمانة‬ ‫�أ�سا�سي����ة لتحقيق تلك القدرة وذلك اله����دف‪ .‬هكذا يلخ�ص �شلومو‬ ‫�أهارون�س����ون‪� ،‬أ�ست����اذ العلوم ال�سيا�سية باجلامع����ة العربية‪ ،‬امل�س�ألة‪:‬‬ ‫“منذ عهد دافيد بن جوريون‪ ،‬الأب امل�ؤ�س�س لدميونا (املفاعل النووي‬ ‫الإ�سرائيل����ي)‪ ،‬كان موقف �إ�سرائي����ل (‪ )...‬وا�ضح ًا مبا فيه الكفاية‪.‬‬ ‫فدميونا هي ال�ضمان الأ�سا�سي لوجودنا‪ ،‬دون التلويح بذلك عالنية‪.‬‬ ‫ففي عالقات القوى القائمة حالي ًا بيننا والعامل العربي – �أي خم�سة‬ ‫مالي��ي�ن يهودي �أم����ام ‪ 320‬ملي����ون عربي‪ ،‬غري �إي����ران ‪ -‬لي�س هناك‬ ‫داف����ع �سيا�سي �أو ا�سرتاتيجي لدى العرب يجعلهم يتقبلون �إ�سرائيل‪.‬‬ ‫والأكرث من هذا �أنه ال توجد حالة مماثلة يف العامل‪،‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪103 2009‬‬


‫املحور‬ ‫على نطاق وا�سع‪.‬‬ ‫جع����ل الوظيف����ة الدبلوما�سية والتع����اون الدبلوما�سي ينطلقان من‬ ‫املفهوم الكفاحي‪.‬‬

‫يتعه����د فيها جريان �إح����دى الدول بعدم تدمريه����ا‪ .‬ومن هنا‪ ،‬ال‬ ‫توج����د عالق����ات عادية بني الدول‪ ،‬مب����ا يف ذلك العالق����ات الذرية‪.‬‬ ‫وحتى لو ح����اول اجلريان تدم��ي�ر �إ�سرائيل‪� ،‬س����وا ًء بال�سالح العادي‬ ‫�أو ال����ذري‪ ،‬ف�سوف يدفعون ثمن���� ًا خميف ًا لن يغامروا به‪ .‬هذا املنطق‬ ‫فر�����ض قيود ًا كثرية على م�ص����ر و�سوريا �أثناء ح����رب عيد الغفران‪.‬‬ ‫وعندم����ا ح����ان وقت �إع����ادة بع�ض املناط����ق‪ ،‬لعب هذا املنط����ق دور ًا‬ ‫حا�سم���� ًا يف اتفاق ال�سالم مع م�صر‪ ،‬كما لعب دور ًا حا�سم ًا �أي�ض ًا يف‬ ‫كب����ح جماح �صدام ح�س��ي�ن �أثناء حرب اخلليج الثاني����ة‪ .‬وحالي ًا كبح‬ ‫جماح �سوريا و�إيران”‪.‬‬ ‫ومن ناحية ثالثة‪ ،‬انتهجت �إ�سرائيل �سيا�سة �إقليمية حمورها يدور‬ ‫حول االحتالل التو�سعي‪ ،‬الذي يتيح لها ا�ستيعاب الوجود العربي يف‬ ‫فل�سط��ي�ن عام ‪ 1948‬وم����ن ثم ا�ستئ�صال كل م����ا كان ينتمي �إىل تلك‬ ‫الأر�ض ب�شري ًا وح�ضاري ًا‪ ،‬واحل�صول على االعرتاف الإقليمي العربي‬ ‫بها م����ن خالل اتفاق����ات الهدنة ع����ام ‪ 1949‬والقب����ول العربي بقرار‬ ‫جمل�����س الأمن رقم ‪ 242‬عام ‪ .1967‬كما �سمح لها تو�سعها االحتاليل‬ ‫الإقليم����ي يف عام ‪ 1967‬با�ستكمال احتاللها لكل الأر�ض الفل�سطينية‬ ‫أرا�ض من ثالث دول عربية ب�صياغة ت�صورها ملبد�أ ال�سالم‪ ،‬ومن‬ ‫ول ٍ‬ ‫ثم التحول نحو االنتماء �إىل “ال�شرق الأو�سط اجلديد” الذي ت�شكل‬ ‫ّ‬ ‫عماده الرئي�س‪.‬‬ ‫وم����ن ناحية رابعة‪ ،‬وعلى الرغم م����ن حر�ص الدولة العربية على‬ ‫البح����ث عن ن�ص��ي�ر خارجي لها‪� ،‬إال �أنها كانت تعتق����د دائم ًا وت�شدد‬ ‫على �ضرورة اعتماد اليهود عل����ى �أنف�سهم وعدم االكتفاء باالعتماد‬ ‫عل����ى احللي����ف اخلارجي فيم����ا يتعل����ق بحماي����ة “الأم����ن القومي”‬ ‫لإ�سرائيل‪ ،‬و�أن احللفاء احلقيقيني الذين ميكن االعتماد عليهم هم‬ ‫‪104‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫“املجموعات �أو اجلاليات اليهودية” املنت�شرة يف العديد من دول‬ ‫العامل‪.‬‬ ‫وفى ه����ذا ال�سياق‪ ،‬ج����اءت نظري����ة “املع�سكري����ن” للإ�سرائيلي‬ ‫مايكل بري�شر‪ ،‬والتي ت�ستند �إىل فكرة تق�سيم العامل �إىل مع�سكرين‪:‬‬ ‫مع�سكر يهودي و�آخر غ��ي�ر يهودي‪ ،‬واعتبار الأخري مع�سكر ًا معادي ًا‪.‬‬ ‫�إن وجه����ة النظ����ر الإ�سرائيلية ت�ستن����د �إىل قاع����دة �أ�سا�سية وهي �أن‬ ‫م�صادقة �أو عداء العامل اخلارجي �أو الدول الأخرى مرهون ب�أفعال‬ ‫و�سلوكي����ات هذه ال����دول جتاه اجلماع����ات اليهودية‪ .‬م����ن هنا‪ ،‬جاء‬ ‫تق�سي����م احلركة ال�صهيوني����ة للقادة الربيطاني��ي�ن �إىل جمموعتني‪:‬‬ ‫جمموع����ة موالية لل�صهاينة‪ ،‬وجمموعة �أخرى موالية للعرب‪� .‬أي�ض ًا‪،‬‬ ‫كان من ال�صعب عل����ى الإ�سرائيليني تف ّهم �سلوك الرئي�س الأمريكي‬ ‫ال�ساب����ق‪ ،‬ريت�ش����ارد نيك�س����ون‪ ،‬ال����ذي كان ُيقدم م�ساع����دات �ضخمة‬ ‫لإ�سرائيل بالرغم من عدائه ال�شديد لليهود‪.‬‬ ‫عل����ى �أن هذه ال�سيا�سات الإ�سرائيلي����ة مل تكن لتلقَ جناح ًا كام ًال‬ ‫دول انته����اج �سيا�سة االنت�ش����ار ال ّن�شِ ط يف �إطار التعامل الدويل؛ تلك‬ ‫ال�سيا�س����ة الت����ي قام����ت على خم�سة مب����ادئ �أ�سا�سية غ��ي�ر منف�صلة‬ ‫ال ُعرى‪:‬‬ ‫تتحرك �إ�سرائي����ل يف الإطار الدويل وتعلن �أنها قادرة على تقدمي‬ ‫خدماتها لكل النظم ال�سيا�سية الراغبة يف ذلك‪.‬‬ ‫توثي����ق ُعرى التحالف مع جميع القوى الكربى �إن �أمكن ذلك‪ ،‬ولو‬ ‫بدرجات متفاوتة‪.‬‬ ‫التحك����م يف التوازن الإقليمي و�صو ًال �إىل الت�أثري بدرجة �أو ب�أخرى‬ ‫يف التوازن الدويل‪.‬‬ ‫اعتماد مب����د�أ «توزيع الأدوار»‪ ،‬وقد طبقت����ه ال�سيا�سة الإ�سرائيلية‬

‫ت�سويق الذات‪� :‬إ�سرائيل «كنموذج» ُيحتذى! مل‬ ‫تكتف �إ�سرائيل‪ ،‬وقد �شعرت �أنها “�ضمنت” وجودها و�أمنها ب�صورة‬ ‫ِ‬ ‫«حا�سم����ة»‪ ،‬برت�سيخ نف�سها قوة �إقليمي����ة رئي�سة يف املنطقة‪ ،‬بل �إنها‪،‬‬ ‫كنموذج ناجح ميكن – ملن يرغب ‪-‬‬ ‫فوق ذلك‪� ،‬أخذت تطرح نف�سها‬ ‫ٍ‬ ‫االحتذاء به وتكراره‪ ،‬وذلك يف �صورة الدولة ال�صغرية التي ا�ستطاعت‬ ‫�أن تتحول �إىل قوة متقدمة �سيا�سي ًا واقت�صادي ًا وعلمي ًا‪ ،‬وكذلك كبلدٍ‬ ‫دميقراط����ي علماين غري ديني يف حميط جغرايف متخلف اقت�صادي ًا‬ ‫ومتعثرّ �سيا�سي���� ًا وم�شحون مب�شاعر دينية مت�أجج����ة‪� ،‬سمته البارزة‪:‬‬ ‫دكتاتورية النظم وه�شا�شة ال�شعوب‪ ،‬وهدر الإمكانات والطاقات‪.‬‬ ‫واملالح����ظ‪ ،‬يف ه����ذا الإط����ار‪� ،‬أن �إ�سرائي����ل �أخ����ذت تُخ�ص�����ص‬ ‫للم�ضمون االقت�صادي لعالقاتها مع دول العامل مكان ًة مركزية‪ .‬ومن‬ ‫����م �شرعت يف حتويل نف�سه����ا �إىل مركز حت ُّكم القت�ص����اد العوملة يف‬ ‫ث ّ‬ ‫ال�شرق الأو�سط‪ ،‬وذلك يف �ضوء اعتقاد �أخذ يف الر�سوخ لديها مفاده‬ ‫�أن الو�ض����ع العاملي اجلديد يركز على املناف�سة االقت�صادية الإقليمية‬ ‫مع ت�ضا�ؤل املو�ضوعات ال�سيا�سية‪ ،‬و�أن �أهمية العامل االقت�صادي يف‬ ‫العالقات الدولية ت�ستدعي فتح �أ�سواق جديدة �أمام �إ�سرائيل؛ ال�سيما‬ ‫يف جمال �صناعاتها املتط����ورة التي ي�شكل مردودها نحو ‪ 33%‬من‬ ‫�إجمايل الناجت املحلي الإ�سرائيلي‪.‬‬ ‫ويب����دو �أن خمط����ط الإ�سرائيليني اال�سرتاتيجي الخ��ت�راق ال�سوق‬ ‫العاملي����ة (خ�صو�ص ًا يف �أمريكا الالتينية وو�سط وجنوب �شرق القارة‬ ‫الآ�سيوية) و�إجناز �أداء اقت�صادي رفيع امل�ستوى فيها ُيكر�س �صورتها‬ ‫كنموذج ُيحتذى يف املنطقة ويف �سواها‪ ،‬ي�ستند‪ ،‬من الناحية النظرية‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫�إىل �أطروح����ة �أ�سا�سي����ة‪ ،‬متت هند�سته����ا يف املركز ال����دويل للتعاون‬ ‫التاب����ع لوزارة اخلارجية الإ�سرائيلية (ما�شاف)‪ ،‬تتمحور حول فكرة‬ ‫�أن �إ�سرائيل دولة �صغ��ي�رة قيا�س ًا على اال�صطالحات الفيزيقية‪ ،‬بيد‬ ‫�أنه����ا دولة “�ضخم����ة” ب�إمكانها �أن تغدو “قوة عظم����ى” مبا متتلكه‬ ‫من “قدرات عقلية وتقنية وثقافية”‪ .‬ومبوجب ا�صطالحات القيا�س‬ ‫االقت�ص����ادي‪ ،‬ف�إن �إ�سرائيل دولة عادي����ة‪ ،‬ولكن يجب �أال تكون كذلك‬ ‫لأنها تمُ ِّثل “ب�شر ًا غري عاديني”‪ ،‬ويجب �أال تنظر �إ�سرائيل �إىل نف�سها‬ ‫كدولة قوامها من خم�سة �إىل �ستة ماليني �أو حتى �سبعة ماليني ن�سمة‬ ‫م�ستقب ً‬ ‫��ل�ا‪ ،‬ب����ل الأحرى �أن تنظ����ر �إىل نف�سها كجزء م����ن �أمة يهودية‬ ‫وا�سعة االنت�شار‪ .‬ولذا‪ ،‬يجب جتذير نظرية “تفرد االقت�صاد النوعي‬ ‫الإ�سرائيلي عاملي ًا ولي�س االقت�صاد الك ّمي”‪� ،‬أي ينبغي �أن يكون املنتج‬ ‫الرئي�س يف �إ�سرائي����ل لي�س “الب�ضاعة الت�صديري����ة” بل “الب�ضاعة‬ ‫الفكرية”‪.‬‬ ‫وثمة معطيات ي�ستند �إليها �أ�صحاب هذه النظرية‪� ،‬إذ �أن �إ�سرائيل‬ ‫أر�ض �شا�سعة ومي����اه وعمالة‬ ‫ال متتل����ك �أدوات الإنت����اج ال�ضخم م����ن � ٍ‬ ‫وم����وارد طبيعية وم�صادر طاقة‪ ...‬الخ‪ .‬وبذا‪ ،‬ف�إن ما متلكه �إ�سرائيل‬ ‫فع ً‬ ‫��ل�ا هو “القدرة الفكري����ة”‪ .‬وبناء على هذا املنط����ق االقت�صادي‪،‬‬

‫�أخذت �إ�سرائيل تطرح‬ ‫كنموذج ناجح ميكن‬ ‫نف�سها‬ ‫ٍ‬ ‫ ملن يرغب ‪ -‬االحتذاء‬‫به وتكراره‪ ،‬وذلك يف‬ ‫�صورة الدولة ال�صغرية‬ ‫التي ا�ستطاعت �أن تتحول‬ ‫�إىل قوة متقدمة �سيا�سي ًا‬ ‫واقت�صادي ًا وعلمي ًا‬ ‫يجب على اال�سرتاتيجي����ة الإ�سرائيلية‪ ،‬كي ت�ضمن النجاح عاملي ًا‪� ،‬أال‬ ‫ت�ضع العراقيل �أمام تنمية وت�صدير العلم واخلربة والتقنيات‪.‬‬ ‫ونتيج���� ًة لتعزز مكانة الدول����ة العربية يف املنظوم����ة االقت�صادية‬ ‫العاملي����ة‪ُ ،‬فتحت �أم����ام رجال الأعم����ال الإ�سرائيلي��ي�ن �أ�سواق ًا كبرية‬ ‫يف مقدمته����ا ال�س����وق ال�صينية والهندية والرو�سي����ة‪ ،‬التي يقدر عدد‬ ‫امل�ستهلك��ي�ن فيه����ا بنح����و ‪ 2.3‬ملي����ار ن�سم����ة (هم عدد �س����كان هذه‬ ‫الدول الثالث الذين ي�شكلون ما ن�سبته ‪ 38.3%‬من جمموع �سكان‬ ‫العامل)‪ .‬و�أ�صبحت �إ�سرائيل‪ ،‬كما يقول رئي�س احتاد �أرباب ال�صناعة‬ ‫يف �إ�سرائي����ل دان بروف����ر‪“ ،‬تثري االهتمام وت�ستح����وذ على الإعجاب‬ ‫من الناحيتني ال�سيا�سي����ة واالقت�صادية‪ ،‬و�أدرك عامل رجال الأعمال‬ ‫الدوليني �أنها متتلك طاقات ميكن ا�ستثمارها”‪.‬‬ ‫لك����ن‪ ،‬وعلى الرغم من هذا كل����ه‪ ،‬يبقى هاج�س امل�شروعية قائماً‬ ‫وحا�ضر ًا بقوة يف كل �سيا�سات �إ�سرائيل ودوائر حركتها العاملية‪ ،‬ويظل‬ ‫احتاللها للأرا�ض����ي العربية واغت�صابها حلقوق ال�شعب الفل�سطيني‬ ‫امل�شروع����ة‪ ،‬كعب �أخيل عالقتها مع املجتمع الدويل وعامل توتر دائم‬ ‫يف عالقاته����ا الإقليمي����ة‪ ،‬بالأم�س والي����وم ويف امل�ستقب����ل‪ .‬و�إذا كانت‬ ‫املفارقة الكربى التي ر�صدناها هنا تكمن يف قدرة �إ�سرائيل‪ ،‬الباعثة‬ ‫عل����ى الت�أمل‪ ،‬عل����ى التعاي�ش مع هاج�����س امل�شروعي����ة‪ ،‬و�إدارة دورها‬ ‫الإقليم����ي كم����ا معظ����م عالقاتها الدولي����ة ب�أ�سالي����ب و�سيا�سات عدة‬ ‫لحة لتجاوز هذا‬ ‫ت�ستم����د �إيقاعها وحيويتها من احلاجة الدائم����ة واملُ ّ‬ ‫ً‬ ‫الهاج�س الذي �أثق����ل كاهل الإ�سرائيليني جميع ًا‪ ،‬حكاما وحمكومني‪،‬‬ ‫بي����د �أن املفارق����ة الأك��ث�ر �أهمي����ة تظل كامن����ة بني ظهرانين����ا (نحن‬ ‫العرب)؛ فقد �أ�س�أنا �إدارة مواردن����ا و�إمكانياتنا وعالقاتنا الإقليمية‬ ‫والدولي����ة و�أ�ضعنا حقوقن����ا ومطالبنا العادلة ب�س����وء قراءتنا للتاريخ‬ ‫ور�ؤيتن����ا القا�صرة لواقعنا املعا�صر ال����ذي مافتئت �أحداثه ومتغرياته‬ ‫الك��ب�رى‪ ،‬يف كل م����رة‪ ،‬تبع����ث وتعيد �إنت����اج ال�س�ؤال املح��ي�ر والع�صي‬ ‫عل����ى الإدراك؛ لي�س ع����ن م�شروعية دولة االحت��ل�ال الإ�سرائيلي‪ ،‬بل‬ ‫وم�ض ّيعي‬ ‫ع����ن م�شروعية وجودنا نحن مع�شر ال�ضعف����اء واملتخبطني ُ‬ ‫دارويني النزعة ال‬ ‫�أك��ث�ر الق�ضايا عدالة على مر الع�ص����ور‪ ،‬يف عا ٍمل‬ ‫ّ‬ ‫مكان فيه لل�ضعفاء واملتخاذلني بل يت�سع فقط للأقوياء واملقتدرين‪،‬‬ ‫�أفراد ًا و�شعوب ًا ودو ًال!‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪105 2009‬‬


‫املحور‬

‫ال�سعودية و�إيران‬ ‫�سيا�سات اال�ستقطاب الإقليمي وعواقبه‬ ‫�إقلي���م الأقطاب والأحالف‪ ،‬ذلك ه���و الو�ضع يف ال�شرق الأو�سط حالي��� ًا‪ ..‬و�ضع يت�سم بقطبية‬ ‫م�شابه���ة لتل���ك التي �سادت النظام العامل���ي يف �ستينيات و�سبعينيات الق���رن املا�ضي‪ ،‬فالو�ضع‬ ‫الراه���ن يف ال�ش���رق الأو�س���ط يحف���ل بدرجة عالية م���ن اال�ستقطاب ب�ي�ن تياري���ن �أو توجهني‬ ‫�أ�سا�سي�ي�ن‪ .‬كما �أنه ي�ضم �أحالف ًا وحماور بع�ضها ي�ستن���د �إىل القطبية احلا�صلة‪ ،‬بينما ينطلق‬ ‫بع�ضه���ا الآخر م���ن اعتبارات وح�سابات مغايرة لالنق�سام العام‪ ،‬فداخل كل تيار �أو مع�سكر يف‬ ‫املنطق���ة هناك حتالف���ات �صغرية وجزئية‪ ،‬وبع�ضها منفتح على ق���وى و�أطراف داخل املع�سكر‬ ‫الآخر‪ ،‬لكن تظل الرابطة الأ�سا�سية هي احلاكمة للتوجهات واملواقف‪.‬‬ ‫�سامــح را�شــد‬ ‫يف م�شهد �إقليمي «ا�ستقطابي» كهذا ال ي�صعب التعرف على موقع‬ ‫ك ًال م����ن اململكة العربية ال�سعودية و�إيران؛ فالأخرية تقف على ر�أ�س‬ ‫حتال����ف �إقليمي ي�ضمها م����ع �سوريا وبع�ض اجلماع����ات والتنظيمات‬ ‫(ح����زب اهلل‪ ،‬حما�����س‪ ،‬اجله����اد الإ�سالم����ي) وهو التحال����ف الذي‬ ‫يتبن����ى ‪ -‬عل����ى الأقل علن ًا ‪ -‬منهج احللول اجلذري����ة‪ ،‬وعدم التهاون‬ ‫�أو املواءمة يف �أي من الق�ضايا املتعلقة باحلقوق وامل�صالح الأ�سا�سية‬ ‫لأطرافه‪ .‬وهو ذلك التحال����ف الذي يعترب �أع�ضا�ؤه �أنهم حاملو لواء‬ ‫“املمانع����ة” �ضد التنازل واال�ست�سالم واخل�ضوع لإ�سرائيل والدول‬ ‫الك��ب�رى يف الع����امل‪ ،‬بينم����ا يعترب خ�صوم����ه �أنه حتال����ف ي�ضم قوى‬ ‫“التطرف” يف املنطقة‪.‬‬ ‫على ال�ضفة الأخ����رى من نهر التفاعالت الإقليمية‪ ،‬تقف اململكة‬ ‫ال�سعودية �ضمن غالبي����ة دول املنطقة املت�آزرة مع ًا للبحث عن حلول‬ ‫وت�سوي����ات لق�ضاي����ا املنطق����ة دون �صدامات م�سلح����ة �أو ا�ضطرابات‬ ‫ته����ز ا�ستقراره����ا‪ .‬فيما يطلق علي����ه من داخله حم����ور االعتدال‪� ،‬أو‬ ‫املهادن����ة ح�سبم����ا يراه �أ�صح����اب التي����ار الأول‪ .‬وحتت����ل الريا�ض يف‬ ‫ه����ذا املح����ور موقع ًا متمي����ز ًا‪ ،‬يجعله����ا مبثابة قطب رئي�����س م�شارك‬ ‫يف قي����ادة ه����ذا التيار‪ ،‬و�أي�ض���� ًا يف حتمل ن�صيب معت��ب�ر من �أعبائه‪.‬‬ ‫‪106‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫وال بد من االلتفات �إىل الدالالت التي يحملها موقع كل من الدولتني‬ ‫الكبريت��ي�ن يف املنطق����ة داخ����ل كل مع�سك����ر؛ مل����ا ي�ستتبع����ه ذلك من‬ ‫انعكا�س����ات ومردود على ال����دور الإقليمي لكل منهم����ا مبا يعنيه من‬ ‫ارت����داد عك�سي يف �شكل �أعباء ومنافع ت�صب يف ر�صيد كل منهما يف‬ ‫�سياق التفاع��ل�ات الإقليمية اجلارية ككل‪ .‬فزعام����ة �إيران لتحالف‬ ‫ال�ص����د والتمنّع جتعلها دائم ًا يف �ص����دارة الأطراف امل�ستهدفة‬ ‫ق����وى‬ ‫ّ‬ ‫بغر�����ض ك�سر ه����ذا التحالف وتقوي�����ض �أركانه‪ ،‬خا�ص����ة �أنه حتالف‬ ‫حم����دود العدد والعدة‪ .‬ف�أطرافه هم ح�صري ًا الذين �سبقت الإ�شارة‬ ‫�إليه����م (�إي����ران‪� ،‬سوري����ا‪ ،‬ن�ص����ف لبن����ان بقيادة ح����زب اهلل‪ ،‬حركة‬ ‫حما�����س‪ ،‬ف�صائ����ل فل�سطينية �صغرية ن�سبي ًا)‪ .‬وم����ن املفارقات التي‬ ‫ينبغ����ي االلتف����ات �إليه����ا �أن ه����ذا املوقع القي����ادي ق ّي�ض لإي����ران ُجل‬ ‫املكا�س����ب التي حققه����ا هذا التحال����ف يف الأعوام الأخ��ي�رة‪ ،‬بحكم‬ ‫�أنه����ا الراعي الرئي�س ل����ه �سيا�سي ًا ومالي ًا ولوج�ستي���� ًا‪ ،‬والقائد الذي‬ ‫مي�س����ك الأوراق ويح����رك اخلي����وط‪ ،‬بينما كانت الأعب����اء واخل�سائر‬ ‫الت����ي تكبدها هذا التيار م����ن ن�صيب بقية �أطرافه‪ ،‬ما ميكن قراءته‬ ‫يف التحوالت الدراماتيكي����ة التي طر�أت على �سلوك ومواقف كل من‬ ‫حما�س و�سوريا وحزب اهلل بالرتتيب‪ ،‬كل ح�سب قربه من �إيران‪.‬‬ ‫�سامح را�شد كاتب وباحث مب�ؤ�س�سة الأهرام‪ ،‬م�صر‪.‬‬

‫يف املقاب����ل‪ ،‬ال تقف ال�سعودية يف موق����ع القائد �أو املح ّر�ض للتيار‬ ‫املقاب����ل‪ ،‬و�إمن����ا ت�شاركه����ا م�ص����ر والأردن وال�سلط����ة الفل�سطيني����ة‪،‬‬ ‫مدعومني جميع ًا مبوقف خارجي تقوده الواليات املتحدة‪ ،‬لذلك ف�إن‬ ‫الريا�ض لي�ست الطرف الأكرث حتم ًال ملهام و�أعباء هذا التيار‪ ،‬وهي‬ ‫�أي�ض ًا لي�ست الأكرث ا�ستفادة من تنامي �سطوة هذا التيار يف املنطقة‬ ‫�أو جناحه يف فر�ض ت�صوراته وتوجهاته على امل�شهد الإقليمي‪.‬‬ ‫املذهبي��ة بني التحري�ض والتحيي��د مفارقة �أخرى‬ ‫تزي����د امل�شهد الإقليمي �إثارة وعمق���� ًا يف �آن واحد؛ وهي تلك املت�صلة‬ ‫بالبع����د املذهبي يف ذل����ك اال�ستقطاب الإقليمي‪ ،‬م����ن خالل موقعي‬ ‫�إيران وال�سعودية ودورهما فيه‪ .‬فبينما تتحرك �إيران �إقليمي ًا لغايات‬ ‫و�أهداف ودواعي �سيا�سية براجماتية‪ ،‬وتُلب�سها ثوب ًا طائفي ًا مذهبي ًا‬ ‫م�ستغل����ة �أذرع ًا �شيعية مزروعة يف ال����دول العربية‪ ،‬مل تلج�أ الريا�ض‬ ‫�إىل الو�سيلة ذاتها؛ �إذ تتعامل مع الأذرع الإيرانية املذهبية مبنطق رد‬ ‫الفعل وب�أدوات �سيا�سية واقت�صادية‪ ،‬على الرغم من اخلطر البادي‬ ‫جلي ًا من التوظيف الإيراين للبعد املذهبي على اال�ستقرار ال�سيا�سي‬ ‫والتجان�س الداخلي (الديني واملذهبي على الأقل) يف العراق ولبنان‬ ‫واليمن والبحرين واملغرب‪ ،‬ويف بع�ض املناطق ال�شيعية يف ال�سعودية‬ ‫ذاته����ا‪ .‬يف ح��ي�ن مل حت����اول الريا�ض ا�ستغ��ل�ال م�س�أل����ة الأقليات يف‬ ‫�إي����ران‪ ،‬عل����ى الرغم من وج����ود �أقلية �سنية له����ا م�شاكلها ومطالبها‬ ‫خ�صو�ص ًا �أهل منطقة عرب�ستان (الأهواز)‪.‬‬

‫كما �أن التناطح الإيراين ال�سعودي غري املبا�شر الذي يجري من‬ ‫ح��ي�ن �إىل �آخ����ر يف لبنان‪ ،‬يرج����ع بالأ�سا�س �إىل طبيع����ة وخ�صو�صية‬ ‫احلالة اللبنانية القائمة على توازن دقيق يحكم خمتلف الف�صائل من‬ ‫جهة‪ ،‬وارتباط كل منها طوع ًا �أو كره ًا ب�أطراف خارجية‪ ،‬بالإ�ضافة‬ ‫�إىل وج����ود عالقة وثيقة وممتدة بني العائلة احلاكمة يف اململكة و�آل‬ ‫احلريري رم����ز �أو ر�أ�س حربة ُ�سنّة لبنان‪ .‬كما ي�أتي الو�ضع امل�ستجد‬ ‫يف �شمال اليمن لي�ؤكد تلك الفوارق يف مدى وكيفية توظيف �أو حتييد‬ ‫العامل املذهبي لدى كل من ال�سعودية و�إيران؛ فال�سيا�سة ال�سعودية‬ ‫جت����اه اليم����ن ات�سمت دائم���� ًا باحلر�ص عل����ى اال�ستق����رار والتما�سك‬ ‫الداخل����ي‪ ،‬برغم متركز �أغلبي����ة �شيعة اليم����ن الزيديني يف املناطق‬ ‫ال�شمالية املال�صقة للحدود ال�سعودية‪ .‬وكان التعامل ال�سعودي دائم ًا‬ ‫مبا�شر ًا وح�صري ًا مع ال�سلطات الر�سمية اليمنية ويف اجتاه واحد هو‬ ‫احلفاظ على ا�ستقرار ووحدة اليمن‪ .‬يف املقابل‪ ،‬ك�شفت م�ستجدات‬ ‫التم����رد امل�سلح م����ن جانب جماع����ة احلوثيني يف حمافظ����ة �صعدة‪،‬‬ ‫�أن ثمة �أطراف���� ًا �إيرانية تدعم تلك اجلماع����ة ب�أ�شكال متنوعة‪ ،‬كان‬ ‫�أحدثه����ا يف الأ�سبوع الأخري من �شهر ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر ‪2009‬‬ ‫عندما �ضبط����ت ال�سلطات اليمنية �سفينة يقوده����ا �إيرانيون حمملة‬ ‫ب�أ�سلح����ة كانت يف طريقها �إىل احلوثيني‪ .‬و�س����واء �أكان ذلك الدعم‬ ‫ر�سمي���� ًا �أم غري ذل����ك‪ ،‬ف�إنه ُيح�سب يف مي����زان التفاعالت الإقليمية‬ ‫عل����ى الدول����ة الإيرانية وال ميكن ف�صل م����ردوده ودالالته عن النمط‬ ‫العام لتعاطي �إيران مع بيئتها الإقليمية‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪107 2009‬‬


‫املحور‬

‫ال�صد والتمنّع جتعلها دائم ًا‬ ‫زعامة �إيران لتحالف قوى‬ ‫ّ‬ ‫يف �صدارة الأطراف امل�ستهدفة بغر�ض ك�سر هذا التحالف‬ ‫وتقوي�ض �أركانه‪ ،‬خا�صة �أنه حتالف حمدود العدد والعدة‬ ‫وبرب����ط م�س�ألة حوثيي اليمن مع دور �إي����ران املت�ضخم يف العراق‬ ‫ووجود حزب اهلل وكي ًال لها يف لبنان ومواقفها من �أو�ضاع وحتركات‬ ‫ال�شيعة يف دول �أخ����رى مثل البحرين واملغرب‪ ،‬ف�إن التحليل النهائي‬ ‫يف�ضي �إىل وجود “مظلة �إيرانية” لأي طيف �شيعي يف املنطقة ككل‪.‬‬ ‫وتت�سع هذه املظلة �أو ت�ضيق ح�سب تطورات وم�ستجدات كل حالة‪.‬‬ ‫يف املقابل‪ ،‬ال تتخذ ال�سعودية من العامل املذهبي ُمتكئ ًا �أو مدخالً‬ ‫ل����دور �إقليم����ي‪ ،‬كم����ا ال تعتربه بذات����ه هدف ًا �أو غاي����ة توظف حتركها‬ ‫الإقليمي خلدمته‪ .‬بيد �أن هذا ال يعني ا�ستبعاد العامل املذهبي ب�شكل‬ ‫كامل ومطلق من ح�سابات الريا�ض وهي ب�صدد النظر والتعامل مع‬ ‫بيئته����ا الإقليمية؛ فال �شك يف �أن ال�سيا�س����ة ال�سعودية تعترب اململكة‬ ‫مبثابة رم����ز للإ�سالم ال�سني يف الع����امل‪ ،‬وت�ست�شعر م�سئولية خا�صة‬ ‫يف ه����ذا االجت����اه‪ ،‬بيد �أن ه����ذا الوعي بامل�سئولي����ة مق�صور يف حدود‬ ‫الرمزي����ة‪ ،‬وخ�صو�ص ًا املظاهر ال�شعائري����ة املرتبطة بوقوع الأرا�ضي‬ ‫املقد�سة حتت الرعاية ال�سعودية‪.‬‬ ‫والأم����ر بال����غ الداللة يف ه����ذا ال�سي����اق‪� ،‬أن تل����ك امل�س�ؤولية �سواء‬ ‫عل����ى م�ستوى الإدراك �أو يف جتلياته����ا ال�سلوكية‪ ،‬ال تخرج عن نطاق‬ ‫الع����امل العربي ب�ش����كل �أ�سا�سي‪ ،‬وبع�ض ال����دول الإ�سالمية بطبيعتها‬ ‫خا�صة تل����ك التي ا�ستقلت بعد انهيار االحت����اد ال�سوفيتي‪ .‬فال ميتد‬ ‫االهتمام �أو االنخ����راط ال�سعودي يف �ش�ؤون “ال�سنة” خارج اململكة‪،‬‬ ‫�إىل ال����دول الأجنبية ذات الأقليات امل�سلمة‪� ،‬أو حتى الإ�سالمية ذات‬ ‫الأقلي����ة ال�سنية‪� .‬أما يف الدول العربي����ة �أو الإ�سالمية الأخرى املُ�شار‬ ‫�إليه����ا‪ ،‬ف�إن �أي ًا م����ن �أ�شكال الدعم �أو امل�ساندة تت����م بالتوجه املبا�شر‬ ‫�إىل ال�سلط����ات الر�سمية وبالتن�سيق معه����ا‪ .‬ويف كافة الأحوال‪ ،‬تن�أى‬ ‫الريا�ض ب�سيا�ستها وحتركاته����ا يف هذا ال�سياق عن �أي بعد �سيا�سي‬ ‫�أو داللة غري دينية‪.‬‬

‫حمددات ودوافع‬ ‫ات�سمت العالقات العربية ‪ -‬الإيرانية‬ ‫يف العق����ود الثالثة املا�ضية م����ن تاريخ املنطقة بفتور و�صل يف معظم‬ ‫تل����ك الفرتة �إىل التوت����ر بل و�أحيان���� ًا املواجهة غري املبا�ش����رة‪ ،‬بدء ًا‬ ‫م����ن اندالع الثورة الإ�سالمية ع����ام ‪ 1979‬ثم ن�شوب احلرب العراقية‬ ‫الإيراني����ة بعده����ا بعام واح����د‪ ،‬وامل�ساع����ي الإيراني����ة املعلنة يف تلك‬ ‫الف��ت�رة ث����م املمار�س����ات الإيرانية امل�ستف����زة لدول جمل�����س التعاون‬ ‫اخلليجي خ�صو�ص ًا �أثن����اء مو�سم احلج‪ .‬ثم ت�صعيد املوقف مع دولة‬ ‫الإمارات العربية املتحدة عام ‪ 1992‬ب�ضم جزيرة �أبو مو�سى وفر�ض‬ ‫‪108‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫�أمر واقع جديد فيها‪.‬‬ ‫بي����د �أن النقل����ة النوعية التي �شهدها ال����دور والتحرك الإيراين يف‬ ‫املنطق����ة ككل بع����د احتالل العراق ع����ام ‪ ،2003‬والذي جتلى بو�ضوح‬ ‫ودون مواربة يف النفوذ املبا�شر وا�سع النطاق يف كافة �أرجاء العراق‬ ‫وخمتل����ف م�سال����ك �إدارة �ش�ؤون����ه الداخلي����ة طوال ال�سن����وات ال�ست‬ ‫الت����ي مرت عل����ى احتالله‪ .‬ث����م تال ذل����ك مبا�شرة وب�سرع����ة تكثيف‬ ‫ورف����ع م�ستوى الدعم املبا�شر متع����دد الأ�شكال حلزب اهلل يف جنوب‬ ‫لبنان‪ ،‬ثم حلركتي حما�س واجلهاد يف فل�سطني‪ ،‬ثم لبع�ض الأن�شطة‬ ‫ذات النف�����س ال�شيعي يف غري دولة عربي����ة (مثل املغرب التي قطعت‬ ‫عالقاته����ا مع طهران م�ؤخر ًا له����ذا ال�سبب)‪ ،‬و�أخ��ي�ر ًا بالدعم غري‬ ‫املعلن (ورمبا غري الر�سمي) جلماعة احلوثيني يف �شمال اليمن‪.‬‬ ‫وق����د انعك�ست تلك التط����ورات املرتاكمة منذ ثالث����ة عقود‪ ،‬على‬ ‫العالق����ة بني الريا�ض وطهران‪� ،‬س����واء يف م�سارها الثنائي املبا�شر‪،‬‬ ‫�أو يف �سياقها الإقليمي عرب ملفات وق�ضايا املنطقة‪ ،‬فو�سمتها بندية‬ ‫وتناظ����ر �أقرب �إىل التناطح منه �إىل التناف�س‪ ،‬وطغت فيها عالمات‬ ‫الت�ص����ارع على �إ�شارات التعاون‪ .‬ثم كان م����ن �ش�أن امل�ستجدات التي‬ ‫�أ�ضيفت �إليها م�ؤخر ًا ‪ -‬بعد احتالل العراق ‪� -‬أن كر�ست حالة تنافر‬ ‫وا�ستنفار �سيا�سي‪ /‬مذهبي بني الريا�ض وطهران‪.‬‬ ‫م����ن امله����م‪ ،‬يف ه����ذا الإط����ار‪ ،‬االنتب����اه �إىل �أن تل����ك احلالة التي‬ ‫�سمح����ت بها التطورات‪ ،‬مل تكن لتوجد لوال تلك الروح “الهجومية”‬ ‫باملعنى ال�سيا�سي يف التح����ركات الإيرانية‪ .‬ففي الأمثلة امل�شار �إليها‬ ‫وغريه����ا من م�ستج����دات املد الإي����راين يف املنطقة‪ ،‬كان����ت املبادرة‬ ‫واملب����اد�أة �إيراني����ة‪ ،‬بينم����ا كانت الريا�����ض تقف دائم���� ًا يف موقع رد‬ ‫الفع����ل �أو الطرف امل�ضطر �إىل التعام����ل مع �أو�ضاع وظروف فر�ضت‬ ‫علي����ه التح����رك والت�ص����رف ب�شكل حم����دد‪� .‬إذ مل يح����دث �أن قامت‬ ‫الريا�����ض (وال �أي م����ن دول جمل�����س التعاون اخلليج����ي �أو حتى بقية‬ ‫ال����دول العربي����ة) بتحرك من����اوئ للم�صالح الإيراني����ة ال�سيا�سية �أو‬ ‫االقت�صادي����ة �أو غريها‪� ،‬أو �شرعت يف م�سع����ى ينتق�ص من �سيادتها‬ ‫�أو �سل����وك مي�س �أو�ضاعها الداخلية �سواء ب�ش����كل عام �أو يف اجلانب‬ ‫املذهبي ب�صفة خا�صة‪ .‬بل ميكن القول �إن ردة الفعل ال�سعودية على‬ ‫تنام����ي الدور الإيراين الإقليم����ي كثري ًا ما ت�أخ����رت وا�ستغرقت وقت ًا‬ ‫�أكرث من املطل����وب لتقدير املوقف وح�س����اب التداعيات واحلذر قبل‬ ‫التح����رك‪ ،‬واملثال الأبرز على ذلك الفج����وة ال�شا�سعة يف العراق بني‬

‫قطبان لدودان‪:‬‬ ‫امللك عبداهلل‬ ‫و�أحمدي جناد‬

‫ال����دور الإيراين يف جانب‪ ،‬وكل الأدوار العربية مبا فيها ال�سعودي يف‬ ‫اجلان����ب املقابل‪ .‬وينطبق الأمر ذاته بدرج����ات متفاوتة على امللفني‬ ‫اللبناين والفل�سطيني‪ ،‬مع بع�ض االختالف‪.‬‬ ‫ويدف����ع هذا �إىل الت�أمل قلي ًال يف حمددات وحدود الدور الإقليمي‬ ‫ل����كل من اململكة العربية ال�سعودية و�إي����ران‪ .‬و�أول ما ينبغي ذكره يف‬ ‫ه����ذا ال�صدد‪ ،‬العام����ل اخلارجي وت�أثريه يف توجه����ات و�أدوار ومنط‬ ‫التناف�سي����ة �أو التعاوني����ة التي متيز التفاعالت ب��ي�ن القوى الإقليمية‬ ‫الرئي�س����ة يف املنطقة وم����ن بينها ال�سعودية و�إي����ران‪ .‬وعند احلديث‬ ‫ع����ن العامل اخلارج����ي‪ ،‬ف�إن املق�ص����ود حتديد ًا وب�صف����ة رئي�سة هو‬ ‫ال����دور الأمريكي‪ .‬وال �ش����ك يف �أن وا�شنطن متثل طرف���� ًا ثالث ًا يف كل‬ ‫التفاع��ل�ات اجلاري����ة يف املنطق����ة‪ ،‬خا�صة بني قطب��ي�ن كبريين مثل‬ ‫ال�سعودي����ة و�إي����ران‪ .‬وعلى الرغم م����ن عدم دخ����ول وا�شنطن ب�شكل‬ ‫مبا�ش����ر على خط العالق����ات ال�سعودية‪ -‬الإيراني����ة‪� ،‬إال �أن احل�ضور‬ ‫الأمريكي الطاغي يف كل ملفات املنطقة يجعلها رقم ًا جوهري ًا يف كل‬ ‫املعادالت الإقليمية �سواء الثنائية �أو متعددة الأطراف‪.‬‬ ‫وبعي����د ًا ع����ن تفا�صيل العالق����ات الثنائي����ة بني كل م����ن الريا�ض‬ ‫وطه����ران مع وا�شنطن‪ ،‬ميكن الق����ول �إن ت�أثري العامل الأمريكي كان‬ ‫دائم���� ًا يف اجتاه غري �إيجابي جلهة العالقات ال�سعودية – الإيرانية‪،‬‬ ‫�س����واء الثنائي����ة �أو يف �سياق ميزان القوى الإقليمي����ة‪ .‬وذلك كنتيجة‬ ‫مبا�ش����رة العتبارات متع����ددة �أبرزها ر�ؤى وتوجه����ات وا�شنطن نحو‬ ‫املنطق����ة ككل‪ ،‬وتاري����خ عالقاته����ا م����ع الدولت��ي�ن‪ ،‬وم����دى تواف����ق �أو‬ ‫اختالف مواقفهما و�سيا�ساتهما جتاه ق�ضايا املنطقة مع احل�سابات‬ ‫الأمريكية‪.‬‬ ‫ومن املهم‪ ،‬يف هذا اخل�صو�ص‪ ،‬لفت االنتباه �إىل �أنه حتى عندما‬ ‫كانت العالق����ات الأمريكية مع الدولت��ي�ن �إيجابية يف وقت واحد‪ ،‬مل‬

‫يكن ذلك ينعك�س �إيجاب ًا على العالقات بينهما‪ ،‬وبعبارة �أدق مل تكن‬ ‫وا�شنطن تعمل على توظيف عالقتها الطيبة معهما من �أجل حت�سني‬ ‫عالقاتهم����ا الثنائي����ة‪� ،‬إال �إذا كان ذل����ك مطلوب���� ًا �أمريكي���� ًا �أو يخدم‬ ‫م�صال����ح و�أهداف �أمريكية خال�صة‪ .‬واملثال الوا�ضح على ذلك فرتة‬ ‫�سبعيني����ات القرن املا�ضي عندما كانت �إي����ران يف عهد ال�شاه حليف ًا‬ ‫�أمريكي���� ًا رئي�س ًا وتلعب دور ال�شرطي الإقليمي يف املنطقة‪ ،‬مع تنامي‬ ‫عالق����ات �أمريكية ‪� -‬سعودية جيدة وقوية‪� .‬إذ كان التوتر هو ال�سائد‬ ‫يف تلك الفرتة بني الريا�ض وطهران‪ .‬من هنا ف�إن هذا العامل ينبغي‬ ‫�أن يخ�ضع لنظرة حمايدة وا�ست�شراف دقيق عند البحث يف م�ستقبل‬ ‫املنطقة ب�شكل ع����ام‪ ،‬والو�ضع التناف�سي بني ال�سعودية و�إيران ب�شكل‬ ‫خا�ص‪.‬‬ ‫وبالإ�ضافة �إىل ما هو معروف من وجود عوامل داخلية وخارجية‬ ‫تُلقي بظاللها على حركة ومدى ت�أثري كل دولة يف حميطها الإقليمي‪،‬‬ ‫هن����اك �أي�ض ًا اعتبارات “�إرادية” ت�أخذها الدولة يف ح�سبانها‪ ،‬فيما‬ ‫ميك����ن جماز ًا و�صفه بقيود ذاتية تفر�ضها بع�ض الدول على �سلوكها‬ ‫اخلارج����ي �إعم����ا ًال و�إعال ًء ملب����ادئ �أو قيم �أو قواع����د تنطلق منها يف‬ ‫�سيا�ساتها وقراراتها‪.‬‬ ‫ويف احلالت��ي�ن ال�سعودي����ة والإيرانية‪ ،‬تتجلى مفارق����ة �أخرى بني‬ ‫حدود وم�ضم����ون الدور ومدى واجتاه حركة كل منهما‪ .‬فمعروف �أن‬ ‫الريا�����ض ومعظم الدول العربية تطب����ق ب�صرامة مبد�أ عدم التدخل‬ ‫يف ال�ش�����ؤون الداخلية لل����دول الأخرى‪� ،‬سواء �أكان����ت �صديقة �أو غري‬ ‫ذلك‪ .‬وهو ما ال ينطبق على ال�سلوك الإيراين اخلارجي ب�شكل ن�سبي‬ ‫�أحيان ًا‪ ،‬وعلى نطاق وا�سع �أحيان ًا �أخرى‪ .‬وال بد من الإقرار ب�أن ذلك‬ ‫التحفظ ال�سعودي ع����ن اقتحام امللفات الداخلية لبع�ض الدول حتى‬ ‫يف احلاالت ذات االنعكا�س الإقليمي‪ ،‬ي�ؤدي بال�ضرورة �إىل احلد من‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪109 2009‬‬


‫املحور‬ ‫خ�ضوع منظومة ال�سيا�سة اخلارجية ال�سعودية العتبارات‬ ‫ومرتك��زات قيمي��ة ومبدئي��ة‪ ،‬يحرمها من مناف��ع وطنية‬ ‫ومكا�س��ب �إقليمي��ة تتح�ص��ل عليه��ا دول �أخ��رى م��ن بينها‬ ‫�إيران عرب �سيا�سات براجماتية خال�صة وحتركات تنطلق‬ ‫من منظور واحد فقط هو منظور امل�صلحة الوطنية‬ ‫املكا�سب الإقليمية للريا�ض �س����واء ب�شكل مبا�شر عرب ت�ضييق فر�ص‬ ‫الت�أثري يف املحيط الإقليمي‪� ،‬أو ب�صورة غري مبا�شرة عرب ت�أثر الوزن‬ ‫الن�سب����ي لها يف مي����زان القوى الإقليمية مقارنة م����ع دول �أخرى مثل‬ ‫�إيران‪.‬‬ ‫بعب����ارة موجزة‪ ،‬خ�ضوع منظومة ال�سيا�س����ة اخلارجية ال�سعودية‬ ‫العتب����ارات ومرتكزات قيمي����ة ومبدئية‪ ،‬يحرمها م����ن منافع وطنية‬ ‫ومكا�س����ب �إقليمي����ة تتح�صل عليها دول �أخرى م����ن بينها �إيران عرب‬ ‫�سيا�س����ات براجماتية خال�ص����ة وحتركات تنطلق م����ن منظور واحد‬ ‫فقط هو منظور امل�صلح����ة الوطنية يف �صورته املجردة ال�ضيقة‪ ،‬مع‬ ‫مالحظ����ة �أن مفهوم “امل�صلحة الوطنية” يف �إيران ال ينف�صل بحال‬ ‫ع����ن الر�ؤية الأممي����ة للدولة الإ�سالمية كما يج����ب �أن تكون‪ ،‬كما �أن‬ ‫م�صلح����ة املواط����ن الإيراين ه����ي �أي�ض ًا م�صلحت����ه كم�سلم �شيعي يف‬ ‫املقام الأول‪.‬‬

‫املوق����ف وحتول����ه �إىل مواجهة م�سلحة‪ .‬ويف الع����راق تُبا�شر وا�شنطن‬ ‫عملية خف�ض تدريج����ي لقواتها هناك‪ ،‬بينما ينتق����ل العراقيون �إىل‬ ‫مرحل����ة تويل �ش�ؤونهم ب�أنف�سهم مبا�شرة وب�شكل �شبه منفرد (بغ�ض‬ ‫النظ����ر ع����ن مدى �أهليته����م لال�ضط��ل�اع بتلك املهم����ة)‪ .‬ويف �سوريا‬ ‫ولبن����ان تتج����ه الأمور �إىل االنف����راج‪� ،‬سواء يف العالق����ة بينهما �أو يف‬ ‫الداخل اللبناين على وقع االنفراج الأمريكي ‪ -‬ال�سوري‪ ،‬وال�سعودي‬ ‫ ال�سوري‪.‬‬‫املث��ي�ر للقلق يف هذه التطورات الإيجابي����ة‪� ،‬أنها جميع ًا ت�صب يف‬ ‫اجت����اه تق����ارب �أمريكي ‪� -‬إيراين‪ ،‬م����ا يعني �أن التح����ركات والأدوار‬ ‫الإيراني����ة الإقليمي����ة الت����ي كانت مثار قل����ق وتوج�����س �إقليمي وعاملي‬ ‫(�أمريك����ي) �ستخرج من نطاق الرف�ض الأمريكي‪ .‬وحتى و�إن تزامن‬ ‫ذل����ك مع انح�سار �أو تعديل يف تلك املواقف والتوجهات الإيرانية‪� ،‬إال‬ ‫�أنها لن تتبدل متام ًا �أو تتناق�ض فج�أة �إر�ضاء لوا�شنطن‪.‬‬

‫هواج���س م�س��تقبلية‬ ‫ال ميكن ف�ص����ل ال�صورة العامة‬ ‫للم�شهد الإقليمي امل�ستقبلي عن املالمح اجلزئية لتفا�صيله ومكوناته‬ ‫ال�صغ��ي�رة‪ .‬والقا�س����م امل�شرتك بني تل����ك التفا�صي����ل واملكونات‪ ،‬هو‬ ‫االنخ����راط الأمريكي يف �إدارة امللفات الإقليمية بالتعاون املبا�شر مع‬ ‫�أطرافه����ا الرئي�سية‪ .‬ورغم �أن العامل الأمريكي موجود وقائم دائم ًا‬ ‫ومن����ذ عق����ود‪� ،‬إال �أنه يف العقد الأخري حتديد ًا �أ�صب����ح العب ًا �أ�سا�سي ًا‬ ‫�صريح ًا يف ال�ساحة الإقليمية‪ ،‬ما يعني �أن �أي تطلع �إىل امل�ستقبل ينبغي‬ ‫�أن ينطلق من ا�ست�شراف م�ستقبل ومدى ا�ستمرارية الدور الأمريكي‬ ‫على حموريته ومبا�شرته يف تفاعالت املنطقة وكذلك احتمالية تغيرّ‬ ‫توجهاته �أو �سيا�ساته‪ ،‬وبالتايل انعكا�س ذلك على طبيعة التفاعالت‬ ‫وم�سار العالقات التناف�سية �أو التعاونية بني دول املنطقة‪ .‬‬ ‫احلا�ص����ل حالي ًا‪ ،‬حال����ة انف����راج يف ال�سيا�سة اخلارجي����ة الأمريكية‬ ‫ب�شكل عام ت�شمل خمتلف الأطراف التي دخلت �إدارة بو�ش يف عداء‬ ‫م�ستحكم معها‪ ،‬مبا فيها رو�سي����ا وال�صني و�إيران و�سوريا‪ .‬وتتزامن‬ ‫تل����ك االنفراجة الأمريكية يف عالقاته����ا اخلارجية‪ ،‬مع ن�ضج وتبلور‬ ‫املعطي����ات الداخلي����ة يف ملف����ات وق�ضايا املنطقة‪ ،‬مب����ا يجعلها �أكرث‬ ‫قابلي����ة للت�سوي����ة �أو التهدئة‪ .‬وينطبق ذلك بو�ض����وح يف امللف النووي‬ ‫الإي����راين الذي ي�شهد مفاو�ضات وب����وادر توافق �إيراين غربي للمرة‬ ‫الأوىل‪ ،‬يف �إ�ش����ارة وا�ضح����ة �إىل ع����دم �أو على الأق����ل ت�أجيل انفجار‬

‫و�إذا كان املتوق����ع تخفيف ح����دة اال�ستقط����اب الإقليمي احلا�صل‬ ‫حالي ًا عل����ى خلفية االنفت����اح الأمريكي على �إي����ران‪ ،‬وبالتايل تهدئة‬ ‫ملف����ات وق�ضايا املنطقة‪ ،‬ف�إن ثم����ة خطر ًا كامن ًا يف ذلك وهو انتقال‬ ‫�إي����ران م����ن موقع الدول����ة القط����ب املن����اوئ للم�صال����ح وال�سيا�سات‬ ‫الأمريكية �إىل قطب �إقليمي ين�سق ويت�سق يف توجهاته مع وا�شنطن‪،‬‬ ‫دون مراع����اة �أو التف����ات �إىل م�صالح وتوجه����ات الأطراف الإقليمية‬ ‫الأخرى‪� .‬إذ �سي�ؤدي ذلك �إىل ا�ستمرار اال�ستقطاب الإقليمي لكن مع‬ ‫تغيرّ موقع وا�شنطن كطرف خارجي م�ؤثر فيه‪ ،‬وبالتايل تغري �أوزان‬ ‫وثقل كل من التيارين الرئي�سيني يف املنطقة‪.‬‬ ‫ومل����ا كانت ال�سعودي����ة �أقرب دائم���� ًا �إىل �سيا�س����ة رد الفعل وعدم‬ ‫املب����اد�أة يف التعاط����ي مع التح����والت الإقليمي����ة ويف �إدارة العالقات‬ ‫التناف�سية مع �إيران‪ ،‬ف�إن املتوقع بناء على ذلك وبا�ستقراء �إ�شارات‬ ‫امل�ستج����دات اجلاري����ة يف املنطق����ة‪� ،‬أن تكون نهاية الت�����أزم الإقليمي‬ ‫احل����ايل بانتقال �إيران �إىل م�ستوى الهيمن����ة الن�سبية �أو رمبا العودة‬ ‫�إىل دور الوكيل الإقليمي عن القوى الكربى‪� .‬إنها م�س�ألة تدعو لكثري‬ ‫من الت�أم����ل والتفكري العميق‪� ،‬أن تنفك حال����ة اال�ستقطاب الإقليمي‬ ‫بفع����ل انفراج فوقي ق����ادم من اخلارج‪ ،‬و�أن يكون ج����زاء التحركات‬ ‫الإقليمي����ة الإيراني����ة و�سيا�ساته����ا “اجل�شع����ة” �سيا�سي���� ًا ومذهبي ًا‪،‬‬ ‫انت�صار ًا ال انك�سار ًا‪.‬‬

‫‪110‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫�صدر حديث ًا �ضمن‬ ‫�سل�سلة درا�سات جامعية‬

‫�سيا�سة اليمن اخلارجية‬ ‫جتاه دول القرن الإفريقي‬ ‫حممد علي عمر احل�ضرمي‬ ‫رفـ ـ ــد ال�سيا�سـ ـ ــة باملعرفـ ــة‬

‫‪Relating Policy to Knowledge‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪111 2009‬‬


‫املحور‬

‫تركيا‬ ‫اجلديدة‬ ‫ال�صعود الإقليمي و�صراع الأجندات‬ ‫علي ح�سني باكري‬

‫يع����د العام ‪ 2002‬عالمة فارقة يف تاريخ تركي����ا احلديث‪� ،‬إذ �شهد ذلك العام فوز حزب العدالة‬ ‫والتنمي����ة (‪ )AKP‬يف االنتخابات العامة يف البالد لي�ش ّكل هذا احلدث بدوره مق ّدمة ل�سل�سة من‬ ‫التفاع��ل�ات الداخل ّية نتج عنه����ا انقالب يف عدد من ال�سيا�سات التقليدي����ة للجمهورية الرتك ّية‬ ‫ومنه����ا ال�سيا�سة اخلارج ّية للبالد‪ ،‬مما م ّهد لدور �أك��ب�ر لأنقرة على امل�ستوى الدويل والإقليمي‬ ‫ال�سيما يف املنطقة العربية‪.‬‬ ‫وي�ش���� ّكل عامل «حتقي����ق اال�ستقرار الإقليمي» القا�سم امل�شرتك بني جمي����ع التوجهات ال�سيا�سية‬ ‫واالجتماعي����ة واالقت�صادية لالرتقاء الرتكي يف املنطقة‪ ،‬فهو العن�صر الأكرث �أهمية يف �سيا�سة‬ ‫تركيا اخلارجية احلالية التي ي�سعى حزب العدالة والتنمية من خاللها �إىل جعل تركيا منوذج ًا‬ ‫ُيحتذى به يف املنطقة اعتماد ًا على �سحر وجاذبية هذا النموذج‪� ،‬إ�ضافة �إىل القوة الناعمة ‪Soft‬‬ ‫‪ Power‬التي ميتلكها‪ ،‬والتي تعمل على تعزيزها نظريات ومفاهيم جديدة يف ال�سيا�سة الرتك ّية‬ ‫اخلارجية مثل «العمق اال�سرتاتيجي» (‪ ،)Strategic Depth‬و«دبلوما�سية ت�صفري النزاعات» ب�شكل‬ ‫يجعل من تركيا املحور املركزي (‪ )Central Axis‬الذي تدور حوله باقي الدول يف املنطقة‪.‬‬

‫‪112‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫علي ح�سني باكري باحث �أردين يف العالقات الدولية‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪113 2009‬‬


‫املحور‬

‫لعبت طبيعة ال�سيا�سة اخلارجية الرتكية واعتماد الديبلوما�سية وامل�صالح‬ ‫امل�شرتكة دور ًا كبري ًا يف تعزيز �صورتها االيجابية لدى دول املنطقة‬ ‫و�شعوبها‪ ،‬وقاعدة لالنطالق ب�صعودها ال�سلمي‬ ‫املنطلق��ات الداخلية ل�سيا�س��ة تركي��ا اخلارجية‬ ‫يحتل عن�صرا الإ�صالح والتنمية مكانة �أ�سا�سية‬ ‫اجلدي��دة‬

‫يف م�ش����روع حزب العدالة والتنمية من����ذ و�صوله �إىل احلكم‪ .‬وي�ش ّكل‬ ‫التق����دم املح����رز يف الإ�ص��ل�اح والتنمي����ة معيار ًا لقيا�����س مدى جناح‬ ‫�سيا�س����ة احل����زب وبرناجمه‪ ،‬ال�سيم����ا يف ظل ف�ش����ل و�سقوط معظم‬ ‫القوى والأحزاب ال�سيا�سي����ة الرتك ّية‪ ،‬التي �سبق لها و�أن و�صلت �إىل‬ ‫احلكم‪ ،‬يف حتقيق �أي جناح يذكر على هذا ال�صعيد‪.‬‬ ‫ومن املعروف �أنّ �أي م�شروع تنمية اقت�صادية يحتاج �إىل ا�ستقرار‬ ‫�سيا�سي واجتماعي داخلي �إ�ضافة �إىل بيئة �إقليمية م�ستقرة ون�شطة‪.‬‬ ‫وم����ع حتقيق ال�شط����ر الأول من ه����ذه املعادلة‪� ،‬سع����ت �سيا�سة تركيا‬ ‫احلديث����ة عرب برنام����ج حزب العدال����ة والتنمي����ة �إىل حتقيق اجلزء‬ ‫الث����اين منها باالعتماد عل����ى نظرية وزير اخلارجي����ة الرتكي داوود‬ ‫�أوغل����و‪ ،‬والتي ميكن �أن نطلق عليها ا�سم نظرية «ت�صفري النزاعات»‬ ‫�أي حل امل�شاكل الإقليمية وتخفي�ضها �إىل م�ستوى ال�صفر‪� ،‬إىل جانب‬ ‫نظرية «العمق اال�سرتاتيج����ي» التي تتعامل مع تركيا كدولة حمورية‬ ‫قوي����ة‪ ،‬وهي نظريات كانت و�ضع����ت مو�ضع التنفيذ منذ العام ‪،2002‬‬ ‫و ّ‬ ‫مت ا�ستكماله����ا بفاعلي����ة مع تبوء �أوغلو من�ص����ب وزير اخلارجية يف‬ ‫العام ‪.2009‬‬ ‫به����ذا املعنى‪ ،‬ت�سعى �سيا�سة �أنق����رة �إىل �أن تتح ّول تركيا من دولة‬ ‫يق��ت�رن ا�سمه����ا بالأزمات �إىل دول����ة ذات ر�ؤية وه����دف وا�ضحني يف‬ ‫جمي����ع الق�ضاي����ا يف املنطقة‪ .‬فرتكي����ا الآن‪ ،‬وكما يق����ول داوود �أوغلو‬ ‫نف�س����ه‪ ،‬دولة تنظ����م وترتب �أو�ض����اع املنطقة املحيطة به����ا وت�ؤثر يف‬ ‫�سري تطوراتها ال�سيا�سية‪ .‬بهذا املعنى‪ ،‬ن�ستطيع �أن تقول �أنّ عنا�صر‬ ‫االقت�ص����اد والأمن والديبلوما�سية حتم����ل �أهم ّية كربى‪ ،‬وهي مبثابة‬

‫‪114‬‬ ‫‪14‬‬

‫اا��سرتاتسرتايتيججيةية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫الرافع����ة لدور تركيا الإقليمي‪ ،‬والذي يحتاج �إىل عامل ا�ستقرار بني‬ ‫ال����دول املجاورة واملحيطة تعم����ل �أنقرة على حتقيق����ه حالي ًا لتو�سيع‬ ‫دائرة نفوذها �إىل املحيط الإقليمي ثم �إىل امل�ستوى الدويل‪.‬‬

‫م��ا وراء �ص��عود تركي��ا الإقليم��ي‬ ‫ال �ش����ك �أن‬ ‫النظري����ات الرتك ّية ما كانت لتلقى ترجم����ة عملية لوال وجود عوامل‬ ‫مه ّيئ����ة وم�ساع����دة على حتقيق ه����ذه الر�ؤية امل�ستج����دة يف ال�سيا�سة‬ ‫اخلارج ّية الرتك ّية وهذا الدور احلديث يف املنطقة‪ ،‬فاجلهد الذاتي‬ ‫ال يكف����ي لوحده‪ .‬ومن العوام����ل التي �أتاحت لأنقرة لعب و�ضع ر�ؤيتها‬ ‫مو�ضع التنفيذ‪:‬‬ ‫�أو ًال‪ :‬تزام����ن الطرح الرتك����ي اجلديد مع معطي����ات جيو�سيا�سية‬ ‫�إقليمية مهمة خلقتها حروب الواليات املتّحدة منذ العام ‪ ،2001‬والتي‬ ‫ترافق����ت مع تغيري الواق����ع الإقليمي للمنطقة يف ظ����ل خطة «ال�شرق‬ ‫الأو�س����ط اجلدي����د» ويف ظالل احل����رب على «الإره����اب»‪ ،‬م�صحوبة‬ ‫ب�إع����ادة توزيع لقوى وملراكز الق ّوة وال�سلطة والقرار يف املنطقة التي‬ ‫ت�ش ّكل ال�ساحة العربية جزء ًا كبري ًا منها‪.‬‬ ‫ثاني���� ًا‪ :‬وجود ف����راغ �إقليمي وخل����ل يف ميزان الق����وى �إثر احتالل‬ ‫الوالي����ات املتّحدة لأفغان�ستان والإطاحة بنظام طالبان العام ‪،2001‬‬ ‫�صدام يف العام ‪ ،2003‬الأمر‬ ‫ثم احتالل العراق و�إ�سقاط نظام ّ‬ ‫ومن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال����ذي �شكل القاع����دة الأ ّولية للمدى احليوي ال����ذي ميكن لرتكيا �أن‬ ‫تبا�ش����ر دوره����ا اجلديد في����ه‪ ،‬يف ظل عمق عرقي ترك����ي �إىل ال�شرق‬ ‫(البل����دان الناطقة بالرتكية) �أو «الع����امل الرتكي» كما يو�صف (‪The‬‬ ‫‪ ،)Turkish World‬وعم����ق دين����ي �إىل اجلن����وب (امل�سلم����ون ال�سنّة)‪.‬‬ ‫مبعنى �آخر‪ ،‬وجدت تركيا �أن حدود الإمرباطورية العثمانية ال�سابقة‬ ‫�أ�صبحت �شاغرة لإمكانية القيام بدور يواكب ال�سيا�سة امل�ستجدة‪.‬‬

‫دخل �أنقرة رغم ًا عنها‬ ‫طبيعة الدور املميز لرتكيا يف املنطقة العربية قد ُي ِ‬ ‫يف مناف�سة ال تطلبها وال تريدها‪ ،‬خا�صة مع �إ�سرائيل و�إيران حيث من‬ ‫املمكن �أن يتحول التناف�س اىل �صدام‬ ‫ثالث���� ًا‪ :‬تل ّك�����ؤ االحت����اد الأوروب����ي يف قب����ول ع�ضوي����ة تركي����ا رغم‬ ‫الإ�صالح����ات الكبرية الت����ي نفذها حزب العدال����ة والتنمية‪ ،‬وهو ما‬ ‫جدي ًا عن ف�ض����اء م�صال ح ( ‪nSphere of I‬‬ ‫ا�ضط����ر �أنقرة �إىل البحث ّ‬ ‫ً‬ ‫‪� )terest‬آخ����ر تلع����ب في����ه دور ًا ريادي����ا‪ ،‬يربهن عن م����دى �أهمية دور‬ ‫تركي����ا كج�س����ر يربط احل�ض����ارات والأدي����ان والقومي����ات وامل�صالح‬ ‫االقت�صادية ب��ي�ن ال�شرق والغرب‪ ،‬ويكون بدي ً‬ ‫��ل�ا حمتم ًال حال ف�شل‬ ‫االن�ضم����ام �إىل االحت����اد الأوروبي‪ .‬ولذلك كان م����ن البديهي لأنقرة‬ ‫التوجه نحو ال�ش����رق الأو�سط واملنطقة العربية حتديد ًا حيث الفراغ‬ ‫الذي فر�ضته املعطيات �أعاله‪.‬‬ ‫رابع���� ًا‪ :‬وجود ر�ؤية تركية وا�ضح����ة وهدف حمدد وبرنامج واقعي‬ ‫قاب����ل للتطبي����ق‪ ،‬ال�سيم����ا يف ظ����ل نظري����ات ومفاهي����م تتنا�سب مع‬ ‫متطلبات ال�صعود مثل «العمق اال�سرتاتيجي» و»ديبلوما�سية ت�صفري‬ ‫النزاعات» اجلاري العمل عليها من قبل القيادة الرتك ّية‪.‬‬ ‫خام�س���� ًا‪ :‬وجود بيئ����ة خ�صبة لتق ّبل الأف����كار وال�سيا�سات الرتك ّية‬ ‫اجلدي����دة‪ ،‬ال�سيم����ا يف املنطقة العربي����ة التي ت�شكل ف�ض����ا ًء �صاحل ًا‬ ‫لدائ����رة نفوذ تركي����ا (‪� ،)Sphere Of Influence‬إ�ضاف����ة �إىل املعطيات‬ ‫اجلغرافية والتاريخية التي ت�ش ّكل عام ًال دافع ًا وم�ساعد ًا على و�ضع‬ ‫ال�سيا�س����ة الرتكية مو�ضع التنفيذ‪ ،‬وهو ما ح�صل من العام ‪2002‬‬ ‫وحتى اليوم ومن املنتظر �أن ي�ستمر �أي�ض ًا‪.‬‬

‫املنطقة العربية كمجال حيوي لل�ص��عود الرتكي‬

‫ه ّي�����أت العوامل املذك����ورة �أعاله للدور الرتك����ي اجلديد يف املنطقة‪،‬‬ ‫و�ش ّكل����ت العديد م����ن العنا�ص����ر التاريخي����ة كالإرث امل�شرتك عامال‬ ‫م�سه��ل�ا ومرحبا بهذا الدور‪ ،‬كما لعبت طبيع����ة ال�سيا�سة اخلارجية‬ ‫ّ‬

‫الرتكي����ة واعتم����اد الديبلوما�سي����ة وامل�صال����ح امل�شرتك����ة دور ًا كبري ًا‬ ‫يف تعزي����ز �صورتها االيجابي����ة لدى دول املنطق����ة و�شعوبها‪ ،‬وقاعدة‬ ‫لالنط��ل�اق ب�صعودها ال�سلم����ي‪ ،‬ونالت ر�ضا حكوم����ات املنطقة لأنّ‬ ‫جهودها جاءت م����ن بوابة ال�شرع ّية العربية �إذا جاز التعبري‪� ،‬أو من‬ ‫بوابة الأنظمة العربية ب�شكل �أدق‪.‬‬ ‫ولت�أكيد توجهه ال�سلمي‪ ،‬قام اجلانب الرتكي بالعديد من اجلوالت‬ ‫امل ّكوك ّي����ة الطالع دول املنطقة على م�شروعه عند فوزه باالنتخابات‪،‬‬ ‫ثم عمل على تعزيز عامل ال�شراكة مع هذه الدول عرب توقيع العديد‬ ‫م����ن االتفاقي����ات الإ�سرتاتيجي����ة االقت�صادي����ة وحت����ى ال�سيا�سية مع‬ ‫�سوريا والعراق ودول اخلليج العربي لتكون ذات طابع ربحي متبادل‬ ‫(‪ .)Win-Win Situation‬ومت توقيع العديد من االتفاقيات مع اجلانب‬ ‫جدة ال�سعودية يف الثالث‬ ‫اخلليجي بداية عرب مذ ّكرة تفاهم مبدينة ّ‬ ‫ً‬ ‫من �أيلول‪�/‬سبتمرب ‪� 2008‬ش ّكل����ت حدث ًا تاريخيا لأنها مت ّهد لعالقات‬ ‫�إ�سرتاتيجي����ة خليجي����ة ‪ -‬تركي����ة عل����ى كاف����ة الأ�صع����دة ال�سيا�سي����ة‬ ‫واالقت�صادية والثقافية وحتى الأمني����ة والع�سكرية‪ ،‬كذلك مت �إن�شاء‬ ‫جمل�����س التعاون اال�سرتاتيجي الرتك����ي ‪ -‬العراقي‪ ،‬وجمل�س التعاون‬ ‫اال�سرتاتيج����ي الرتكي ‪ -‬ال�سوري الذي عقد �أوىل جل�ساته م�ؤخرا يف‬ ‫‪ 13‬ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر ‪. 2009‬‬ ‫وبانفتاحه����ا على جمي����ع الالعبني العرب وغ��ي�ر العرب‪ ،‬ترف�ض‬ ‫ال�سيا�س����ة الرتكي����ة �أن تكون جزءا م����ن حماور �إقليمي����ة‪ ،‬ولكننا �إذا‬ ‫م����ا راقبنا م�شروعه����ا الإقليمي‪� ،‬سرنى �أنه ي�ص����ب ب�شكل مبا�شر يف‬ ‫�صال����ح الدول العربية لأنه الأقرب اليها والأكرث تعبري ًا عن تطلعاتها‬ ‫والأك��ث�ر ان�سجام ًا مع رغباته����ا والأكرث �ضمان����ة مل�صاحلها‪ ،‬واالهم‬ ‫لأنه يتعار�ض مع امل�شروع الإ�سرائيلي �أو الإيراين من وجهة نظرنا‪.‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪115‬‬ ‫‪15 2009‬‬


‫املحور‬ ‫ويع����رف اجلان����ب الرتك����ي �أهميته يف‬ ‫هذا الإط����ار‪ ،‬ولذلك يحاول ت�أكيد موقعه‬ ‫ب�ش����كل �أ�سا�س����ي ورئي�س����ي كالعب ميتلك‬ ‫خط����وط االت�ص����ال والتوا�صل م����ع جميع‬ ‫الفاعل��ي�ن امل�ؤثري����ن يف املنطق����ة (العرب‬ ‫و�إي����ران و�إ�سرائي����ل والوالي����ات امل ّتح����دة‬ ‫و�أوروب����ا ورو�سيا)‪ ،‬ويطم����ح �إىل تر�سيخ مكانته املمي����زة يف املنطقة‬ ‫ا�ستنادا �إىل ثقله الذاتي من جهة‪ ،‬و�إىل حاجة الآخرين �إىل التوا�صل‬ ‫و�إيج����اد احللول واملخرجات يف ظل الأزم����ات ال�سيا�سية والع�سكرية‬ ‫واالقت�صادية التي تع�صف باملنطقة ككل من جهة �أخرى‪.‬‬

‫موقع الدور الرتكي يف ال�صراع على املنطقة‬

‫م����ن املهم جد ًا فهم طبيع����ة موقع ودور تركيا اجلديد يف املنطقة‬ ‫العربي����ة م����ن بواب����ة املعطي����ات �أع��ل�اه ولي�س م����ن خ��ل�ال ت�ص ّورات‬ ‫م�سبقة‪ .‬فاملنطقة التي دخلت تركيا عليها (املنطقة العربية) ت�شهد‬ ‫تناف�س���� ًا حا ّد ًا �إقليمي ًا (�إ�سرائي����ل و�إيران) ودولي ًا (الواليات املتحدة‬ ‫الأمريكية والدول الكربى)‪ .‬وال تريد تركيا يف هذا الإطار �أن حتجز‬ ‫دور �أو مكان �أي طرف من الأطراف املناف�سة من جهة‪ ،‬كما ال تريد‬ ‫�أي�ض���� ًا �أن تدخل املنطق����ة العربية من البوابة غ��ي�ر ال�شرعية‪ ،‬و�إمنا‬ ‫ت�سع����ى للع����ب دور متميز غري حمجوز من قب����ل الالعبني الإقليميني‬ ‫�أو الدوليني‪.‬‬ ‫وت�أت����ي ال�سيا�س����ة اخلارجية الرتكية يف هذا املج����ال لتعك�س هذه‬ ‫الر�ؤي����ا التي ت�سعى �أنق����رة �إىل حتقيقها‪ .‬وميكن تلخي�ص معامل هذا‬ ‫ال����دور يف �أن جتع����ل تركيا من نف�سها حم����ور ًا متّ� ً‬ ‫صال مع جميع هذه‬ ‫ت�صب عنده كل امل�ساعي‬ ‫املحاور من جه����ة‪ ،‬و�شبكة �أو ج�سر ًا (‪ّ )Hub‬‬ ‫الت����ي ت�ؤدي �إىل حتقيق هدفها الرئي�سي وهو بيئة م�ستقرة و�آمنة مبا‬ ‫يخدم م�صاحلها‪.‬‬ ‫ومن البديهي القول �أنّ طبيعة هذا الدور املميز لرتكيا يف املنطقة‬ ‫العربية قد ُيدخِ ل �أنقرة رغم ًا عنها يف مناف�سة ال تطلبها وال تريدها‪،‬‬ ‫خا�صة مع �إ�سرائيل و�إيران حيث من املمكن �أن يتحول التناف�س اىل‬ ‫�ص����دام‪ .‬لكنّ جم ّرد دخولها الدائ����رة العربية يعني بحد ذاته دخول‬ ‫بواب����ة ال�صراع يف املنطقة العربية‪ ،‬وميك����ن �أن نعزو ذلك �إىل �سبب‬ ‫ب�سيط يتم ّثل يف تناق�����ض الأجندات والأدوات امل�ستخدمة يف حتقيق‬ ‫هذه الأجندات �أي�ض ًا بني كل من �أنقرة وطهران وتل �أبيب‪ .‬ف�سيا�سة‬ ‫�إ�سرائي����ل وطهران تعم����د �إىل �إ�شعال احلرائ����ق الإقليمية كي ت�ش ّكل‬ ‫حزام ًا حامي ًا للنظامني من جهة‪ ،‬وال�ستعرا�ض قوة النفوذ والهيمنة‬ ‫اخلا�ص����ة بهم����ا من جهة �أخ����رى‪ ،‬وغالب ًا ما تكون ه����ذه احلرائق يف‬ ‫املنطقة العربية وعلى ح�سابها‪ ،‬كما يلي‪:‬‬ ‫�أو ًال‪ :‬بالن�سب����ة لإ�سرائيل‪ ،‬من املع����روف �أ ّنها لطاملا اعتمدت على‬ ‫عامل��ي�ن �أ�سا�سني يف تعاملها مع العرب‪ .‬العامل الأول يتم ّثل ب�سيا�سة‬ ‫التجزئ����ة ورف�����ض اعتبار الع����رب كتل����ة متما�سكة مرتا�ص����ة �أو ذات‬ ‫م�صال����ح م�شرتكة‪ ،‬وبالتايل اال�ستفراد بكل دولة على حده والتعامل‬ ‫م����ع الدولة نف�سه����ا مبنط����ق تق�سيمي �أي�ض���� ًا طائف����ي �أو قومي‪ ،‬وقد‬ ‫‪116‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫حاولت حتقي����ق العديد م����ن النماذج يف‬ ‫الوطن العربي‪� .‬أ ّما العامل الثاين‪ ،‬فتم ّثل‬ ‫ب�سيا�سة التحالف م����ع الأقليات املحيطة‬ ‫بدائرة املحي����ط العربي (‪)Arabs Sphere‬‬ ‫ك����دول مثل تركيا و�إي����ران و�أثيوبيا‪..‬الخ‪،‬‬ ‫و�أي�ض ًا التحالف �أو التوا�صل مع الأقليات‬ ‫القوم ّي����ة �أو املذهبية �أو داخل الدول العربية (كالأكراد �أو الدروز �أو‬ ‫ال�شيعة)‪.‬‬ ‫ثاني���� ًا‪� :‬أ ّم����ا بالن�سب����ة لإي����ران‪ ،‬فقد اعتم����دت يف دخوله����ا العمق‬ ‫العربي عل����ى عاملني �أ�سا�س ّيني �أي�ض����ا‪ .‬الأول يتم ّثل بالبعد الطائفي‬ ‫م����ن جهة‪ ،‬ف�ش ّكلت بع�����ض التج ّمعات ال�شيعي����ة يف العديد من الدول‬ ‫العربي����ة ر�أ�����س حرب����ة مل�شروعها الإقليم����ي (عن ق�ص����د �أو عن دون‬ ‫ق�صد)‪ ،‬كما ا�ستعانت �إيران كذلك بالق�ضية الفل�سطينية «كح�صان‬ ‫ط����روادة» لت�ش���� ّكل بالت����ايل عن�صرها الث����اين يف ت�س ّهي����ل االخرتاق‬ ‫لل�ساحة العربية‪.‬‬ ‫وق����د �أحدثت حت ّركات الطرف��ي�ن الإ�سرائيلي والإيراين زالز ًال يف‬ ‫املنطق����ة العربي����ة �أ ّدت – وت�ؤدي ‪� -‬إىل انق�سام����ات على ال�صعيدين‬ ‫ال�سيا�س����ي واالجتماع����ي‪ ،‬و�إىل �إ�ضع����اف ال����دول العربي����ة والأنظمة‬ ‫املركز ّي����ة واىل تقوي�����ض �شرعي����ة احلكوم����ات‪ ،‬وجتزئ����ة املجتمعات‬ ‫�إىل طوائ����ف واثنيات وقوميات‪ .‬و�أحدث����ت �أي�ض ًا �شروخ ًا عميقة على‬ ‫�أك��ث�ر من �صعيد (�سني‪� -‬شيعي‪ ،‬عربي‪ -‬غ��ي�ر عربي‪ ،‬مع املقاومة‪-‬‬ ‫مع الدولة‪ ،‬مع النظام‪� -‬ض����د النظام)‪ ،‬وا�ستفاد الطرفان من هذه‬ ‫العملي����ة يف �إ�ضعاف الو�ضع العربي والتالعب به وبالتايل اال�ستفادة‬ ‫منه يف تو�سيع رقعة النفوذ وال�سيطرة �أو ا�ستعرا�ض �أوراق القوة‪.‬‬ ‫لك����نّ الو�ضع بالن�سبة لرتكيا خمتلف ج����د ًا‪ ،‬فهي تُبدي ح�سا�سية‬ ‫�شديدة جت����اه هذه التفاعالت لأنه����ا ت�ؤ ّثر فيها �سلب���� ًا‪ ،‬ولذلك تبقى‬ ‫�أنق����رة الأك��ث�ر ت�أثر ًا بع����د العرب به����ذه احلرائق املرتبط����ة ب�أجندة‬ ‫الطرف��ي�ن ال�سابق��ي�ن‪ .‬ومنب����ع احل�سا�سي����ة تكمن يف اخل����وف من �أن‬ ‫تنعك�����س احلروب القومي����ة والطائفية على الداخ����ل الرتكي‪ ،‬في�ؤدي‬ ‫بالت����ايل �إىل تق�سيمه����ا كذلك‪ .‬كما تخ�شى تركيا م����ن �أن ي�ؤدي عدم‬ ‫اال�ستقرار الإقليم����ي �إىل ف�شل م�شروعه����ا الإ�صالحي واالقت�صادي‬ ‫ال����ذي يرتب����ط ب�شكل وثيق ب����كل من الع����راق و�سوري����ا ودول اخلليج‬ ‫العربي‪ ،‬ولهذا ت�شكل املنطقة العربية املكان الأكرث مواءمة ملمار�سة‬ ‫نظري����ة «ت�صفري النزاع����ات» الرتكي����ة وحتقيق الأم����ن واال�ستقرار‬ ‫للجميع‪.‬‬ ‫ولي�س من امل�ستغرب �أن تثري التحركات الرتك ّية �ضمن هذا الإطار‬ ‫ع����دد ًا من الإ�شكاليات مع �إي����ران �أو �إ�سرائي����ل �أو الواليات املتّحدة‪،‬‬ ‫الت����ي دخلت معها يف نزاع �إ ّبان بو�ش االبن �إثر منع تركيا‪ ،‬الع�ضو يف‬ ‫حل����ف �شمال الأطل�سي‪ ،‬وا�شنطن من ا�ستخدام �أرا�ضيها يف احتالل‬ ‫العراق‪ ،‬كما برزت �إ�شكالية مماثلة مع �إ�سرائيل ب�شكل وا�ضح وجلي‬ ‫يف الع����دوان الإ�سرائيل����ي على غ����زّة نهاية الع����ام ‪ 2008‬ومطلع العام‬ ‫‪ ،2009‬وال �ش����ك �أنّ �أنقرة �ستدخل يف �إ�شكال م����ع طهران �أي�ض ًا حال‬ ‫بقاء التناق�ض م�ستقب ًال‪.‬‬

‫مدار الأفكار‬ ‫املائدة امل�ستديرة‬

‫�سجال‬

‫ب�صراحة‬

‫الأزمة فـي جنوب اليمن ‪� ..‬إىل �أين؟‬ ‫علي دهم�س‪ ،‬وعلي العمراين‪ ،‬و�أحمد ال�صويف‪ ،‬وزايد جابر‬

‫تقييم قوة تنظيم القاعدة فـي اليمن‬ ‫عبدالإله �شائع * عاي�ش عوا�س‬

‫جدلية الديني وال�سيا�سي فـي امل�شهد اليمني الراهن‬ ‫�أحمــد الدغ�شــي‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ا�سرتاتيجية‬

‫العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪117 2009‬‬


‫مدار الأفكار‬

‫املائدة امل�ستديرة‬

‫ب�صراحة‬

‫�سجال‬

‫املائدة‬

‫مدارات �إ�سرتاتيجية‪ :‬ما هي جذور وخلفيات الأزمة‬ ‫يف اجلنوب اليمني؟‬

‫امل�ستديرة‬

‫املائدة‬

‫امل�ستديرة‬

‫الأزمة فـي جنوب اليمن‬

‫�إىل �أين؟‬

‫منذ ثالثة �أعوام تقريب ًا وحمافظات اليمن اجلنوبية ت�شهد حركة احتجاج مت�صاعدة‪ ،‬و�صلت يف الآونة‬ ‫الأخ�يرة حد اال�ش��تباك امل�س��لح ب�ين املحتجني وق��وى الأمن راح �ض��حيتها عدد من القتل��ى واجلرحى من‬ ‫الطرف�ين؛ وفيم��ا يرجع البع�ض االحتقان ال�سيا�س��ي يف اجلنوب �إىل حالة التذ ّمر التي و�ص��ل �إليها �أبناء‬ ‫مناطق اجلنوب جراء ما ي�س��مونه “الإق�صاء والتهمي�ش” اللذين يتعر�ضون له من قبل ال�سلطة املركزية‬ ‫يف �ص��نعاء وبع���ض النافذين املح�س��وبني عليها‪ ،‬تقول احلكومة اليمنية �أن �أزم��ة اجلنوب مفتعلة من قبل‬ ‫قوى و�أطراف انف�ص��الية خ�س��رت مواقعها ال�سيا�سية وم�ص��احلها بعد حرب �صيف ‪ ،1994‬وهي ت�سعى اليوم‬ ‫�إىل متزيق الوطن والعودة به �إىل املا�ضي الت�شطريي‪.‬‬ ‫ولأهمية املو�ض��وع ولكي نلم ب�أطراف امل�س���ألة‪ ،‬توجهت “مدارات �إ�س�تراتيجية” ب�أربعة �أ�س��ئلة مركزية‬ ‫�إىل نخب��ة م��ن ال�سيا�س��يني والباحث�ين املهتم�ين بالأزم��ة يف اجلن��وب وجذوره��ا وتداعياته��ا املختلفة‪،‬‬ ‫وه��م‪ :‬عل��ي دهم�س ع�ض��و اللجنة املركزية يف احلزب اال�ش�تراكي اليمني‪ ،‬وعلي العمراين ع�ض��و اللجنة‬ ‫الدائم��ة يف امل�ؤمتر ال�ش��عبي العام‪ ،‬و�أحمد ال�ص��ويف �أمني عام املعهد اليمني لتنمي��ة الدميقراطية‪ ،‬وزايد‬ ‫جابر الباحث واملحلل ال�سيا�سي‪ .‬وبح�صيلة �إجاباتهم الرثية‪ ،‬خرجنا مبائدة “مدارات اال�سرتاتيجية”‬ ‫امل�ستديرة لهذا العدد‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫�أحمد ال�صويف‪� :‬أرى �أن خلفيات الأزمة وجذورها تكمن يف �أن‬ ‫حتقيق الوحدة اليمنية مل تكن ق�ضية مدرو�سة بل فر�ضت الوحدة‬ ‫نف�سه���ا على القوى ال�سيا�سية التي مل تكن قد ت�أهلت لإجناز هذه‬ ‫املهمة‪� .‬أما �أبعادها فتمتد لت�شمل تناق�ضات نظامني اقت�صاديني‬ ‫جع���ل من حتقيق الوحدة �سماء قط���اع عري�ض من املجتمع خارج‬ ‫املظل���ة احلمائية �صحي ًا واقت�صادي ًا وتعليمي ًا ون�شاط ًا وظيفي ًا‪� ،‬أي‬ ‫�أن اجلن���وب ع�شية حتقيق الوحدة كان بال اقت�صاد جنوبي متام ًا‬ ‫مثل م���ن قاد عملي���ة التوحيد‪ ،‬ومل يك���ن لديهم برنام���ج لتجاوز‬ ‫مرحل���ة الإعالن ع���ن الوح���دة �إىل تكري�سها يف الواق���ع‪ ،‬ثم �أتت‬ ‫ح���رب �صي���ف ‪ 1994‬لتزيد الطني بلة وتخرج م���ن م�سرح التاريخ‬ ‫ال�سيا�س���ي وجوه ًا وم�ؤ�س�سات �أمنية وع�سكرية‪� ،‬إال �أن هذه الوجوه‬ ‫التي �أعلنت زوال دولة هي اليوم من تريد ا�ستعادتها‪.‬‬ ‫عل��ي دهم���س‪ :‬ميك���ن الق���ول �أن ج���ذور الأزم���ة ب���د�أت يف‬ ‫ال�سن���وات الأوىل لتحقيق الوحدة اليمنية‪ ،‬حني ر�أى ال�شريك من‬ ‫اجلن���وب �أن الوحدة �ستك���ون عامل رخاء و�سع���ادة وتنمية لليمن‬ ‫وطريق��� ًا لبناء دول���ة مينية ق���ادرة ترتكز على النظ���ام والقانون‬ ‫والع���دل واملواطنة املت�ساوية‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال ع���ن �أنها �ست�ضع حد ًا ملعاناة‬ ‫اليمنيني من الت�شطري واحل���روب‪ .‬غري �أن �صنعاء ‪ -‬يف احلقيقة‬ ‫ك�ضم و�إحلاق وزي���ادة رقعة نفوذ احلاكم‬ ‫ تعامل���ت م���ع الوحدة ّ‬‫وزي���ادة ثروته وهيمنته‪ ،‬باخت�ص���ار �شديد ر�أت يف الوحدة «عودة‬ ‫للفرع �إىل الأ�صل»‪.‬‬ ‫لكن بع���د حرب ‪ 1994‬الكارثية جتلت رغب���ة املنت�صر و�أف�صح‬ ‫عن نواياه‪ ،‬فا�ستباح اجلنوب وجعل من �أموال اجلنوب وممتلكاته‬ ‫���ف املنت�صر‬ ‫وثروات���ه غنيمة ل���ه وحلا�شيت���ه واملتنفذين‪ .‬ومل يكت ِ‬ ‫بت�سريح موظفي اجلن���وب يف امل�ؤ�س�سات املدني���ة والع�سكرية‪ ،‬بل‬ ‫مار�س كل �أ�ساليب النهب وال�سلب مل�ؤ�س�سات اجلنوب االقت�صادية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬ونهب الأرا�ضي العامة و�صادر م�ؤ�س�سات اقت�صادية‬ ‫كان���ت قائمة ل�صاحل���ه واملح�سوبني عليه‪ .‬كما عم���ل على طم�س‬ ‫املعامل احل�ضارية والتاريخية والثقافية واالجتماعية املعروفة يف‬ ‫املحافظ���ات اجلنوب‪ ،‬وعلى الأخ�ص مدينة عدن‪ ،‬وحتى ال�شوارع‬ ‫عم���د �إىل تغي�ي�ر �أ�سمائها من �شه���داء ثورة ‪� 14‬أكتوب���ر‪ ،‬وانتهك‬ ‫حرم���ات الأ�ضرحة واملقابر اخلا�صة ب�شه���داء الثورة يف اجلنوب‬ ‫ورموزها حتى مت نهب و�إتالف كل الوثائق وال�سجالت والأر�شيف‬ ‫وما يت�صل بتاريخ الثورة ومراحلها ورموزها‪.‬‬ ‫ه���ذه الت�صرفات وال�سلوكيات الت���ي مار�سها احلاكم املنت�صر‬ ‫ت���دل على �أنه ميار����س رغبة الث����أر واالنتقام وت�صفي���ة ح�سابات‬ ‫قدمية مع اجلنوب و�شعبه وثورته ورموزها‪ ،‬و�إال ماذا ن�سمي هذه‬ ‫الأعم���ال من النهب وال�سطو والطم�س لكل ما هو موروث يف دولة‬ ‫اجلنوب‪ .‬وقد و ّلدت هذه الأعم���ال وال�سلوكيات الهوجاء احتقان ًا‬

‫�سيا�سي��� ًا واجتماعي ًا ونف�سي ًا يف اجلن���وب انعك�س يف ذلك ال�شرخ‬ ‫العميق يف اجل�سم اليمني‪� ،‬إذ و ّلد الكراهية بني املواطن اجلنوبي‬ ‫و�أخي���ه ال�شمايل‪ ،‬وهذا فع ًال �سل���وك د�أب عليه املنت�صر يف �إيقاع‬ ‫الف�ت�ن وال�ضغائ���ن بني �أبناء الوطن الواحد ك���ي ي�ستمر يف حكمه‬ ‫�إىل ما ال نهاية‪.‬‬ ‫اجلن���وب ي�شهد اليوم �أزمة حقيق���ة هي الق�ضية اجلنوبية بكل‬ ‫عناوينها‪ ،‬وهي �أزمة وطنية ت�ضع الوطن على كف عفريت وتُ�سيرّ ه‬ ‫نح���و م�ص�ي�ر جمهول‪ ،‬يف ح�ي�ن يبقى احلاك���م مت�شبث��� ًا بن�صره‪،‬‬ ‫وراف�ض ًا كل املبادرات الوطنية ملعاجلة الأزمة امل�ستحكمة و�آخرها‬ ‫وثيق���ة «الإنق���اذ الوطني» التي تقدمت بها جلن���ة احلوار الوطني‬ ‫و�أحزاب امل�شرتك‪.‬‬ ‫عل��ي العمراين‪ :‬بعد حرب ‪ 1994‬عانت اليمن من تداعيات‬ ‫احل���رب ولأ�سب���اب متع���ددة‪ ،‬منه���ا ما يرج���ع �إىل ن���درة املوارد‬ ‫املالي���ة �أو م���ا يرجع �إىل �س���وء الإدارة والف�س���اد‪ ،‬ومنها ما يرجع‬ ‫�إىل ق�ص���ر النظ���ر ال�سيا�سي‪ ،‬فلم تتمكن الدول���ة �أن تتبنى حلو ًال‬ ‫ناجحة لتداعيات احل���رب و�آثارها‪ ،‬ومن ذلك ق�ضية الع�سكريني‬ ‫الذين تقاعدوا اختياري ًا ب�سبب احلرب �أو �إجباري ًا لأ�سباب لي�ست‬ ‫وا�ضحة يل حت���ى الآن‪� ،‬إذ �أن ق�ضية املتقاعدين هي البداية التي‬ ‫تفاقمت بعدها الأحداث والتداعيات �إىل حد املطالبة باالنف�صال‬ ‫من قبل البع�ض‪ ،‬مع �أن الأخ الرئي�س علي عبداهلل �صالح قد بذل‬ ‫جه���د ًا مقدر ًا ملعاجل���ة ق�ضية املتقاعدين‪ ،‬و�صرف���ت مبالغ هائلة‬ ‫لكن يبدو �أن الوقت كان مت�أخر ًا‪.‬‬ ‫�أ�ضف �إىل ذلك‪� ،‬أن ال�سلطة ظنت �أنه مبجرد �إ�شراك جنوبيني‬ ‫يف احلكم‪ ،‬وح�صول بع�ضهم على امتيازات مالية وثروات ب�سبب‬ ‫كاف للإح�سا�س ب����أن اجلن���وب ممث ًال‪ ،‬وال‬ ‫الف�س���اد‪ ،‬ف����إن ه���ذا ٍ‬ ‫داع���ي لاللتفات �إىل الآخرين و�إىل ال�شركاء ال�سابقني يف حتقيق‬ ‫الوح���دة وخ�صوم ح���رب ‪ 1994‬لإجراء م�صاحل���ة نهائية حتفظ‬ ‫كرامة اجلميع ومت ّكنهم من العودة �إىل الوطن‪.‬‬ ‫وبغ����ض النظ���ر ع���ن نتيج���ة احل���رب‪ ،‬كان يج���ب �أن حت�صل‬ ‫م�صاحل���ة �شاملة حتف���ظ للجميع الكرامة واملكان���ة الالئقة على‬ ‫�أ�سا����س ت�سامح غ�ي�ر ممنون‪ ،‬وعفو غري منقو����ص‪ ،‬وكانت هناك‬ ‫�ض���روة لإجراء م�صاحلة بعد ح���رب ‪ 1994‬مبا�شرة‪ ،‬وهذا هو ما‬ ‫يطرحه الرئي�س علي نا�صر حممد‪ ،‬وهو حمق يف ذلك‪.‬‬ ‫زايد جابر‪ :‬هناك ما ي�شبه الإجماع على �أن جذور وخلفيات‬ ‫الأزمة يف اجلن���وب تعود �إىل �آثار حرب �صيف ‪ 1994‬وتداعياتها‪،‬‬ ‫والت���ي ترك���ت ‪ -‬ك�أي حرب �أهلية ‪ -‬يف �أي بل���د جروح ًا اجتماعية‬ ‫و�سيا�سية عميقة مل تعاجلها الدولة �أو ًال ب�أول‪ ،‬و�إمنا تركتها ترتاكم‬ ‫وغ ّذتها �سيا�سات خاطئة وممار�سات غري م�سئولة‪ .‬وعندما بد�أت‬ ‫حرك���ة املتقاعدين الع�سكريني يف اجلنوب ع���ام ‪ ،2007‬وطرحت‬ ‫مطال���ب حقوقية مت جتاهله���ا و�إدانتها يف ح�ي�ن مل تتفاعل معها‬ ‫�أحزاب اللقاء امل�شرتك بال�شكل املطلوب بل �إنها‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪119 2009‬‬


‫مدار الأفكار‬

‫املائدة امل�ستديرة‬

‫امل�ستديرة‬

‫املائدة‬

‫املائدة‬

‫اجلنوب ي�شهد اليوم‬ ‫ق�صرت‪،‬‬ ‫عل��ي العمراين‪� :‬إذا كانت الدولة قد ّ‬ ‫�أزمة حقيقة هي الق�ضية‬ ‫كم���ا �سب���ق و�أن ذك���رت‪ ،‬يف معاجل���ة �آث���ار ح���رب‬ ‫اجلنوبية بكل عناوينها‪،‬‬ ‫�صي���ف ‪ 1994‬وتداعياته���ا‪ ،‬مما �ساه���م يف مفاقمة‬ ‫وهي �أزمة وطنية ت�ضع‬ ‫الو�ض���ع يف املحافظ���ات اجلنوبية‪ ،‬لك���ن املعار�ضة‪،‬‬ ‫الوطن على كف عفريت‬ ‫بدوره���ا‪� ،‬ساع���دت كث�ي�ر ًا عل���ى ت�أجي���ج الو�ضع يف‬ ‫و ُت�سيرّ ه نحو م�صري‬ ‫اجلن���وب وا�ستغل���ت التذم���ر املوجود هن���اك‪ ،‬وكان‬ ‫جمهول‬ ‫دهم�س‬ ‫منت�سبو املعار�ضة موجودين بقوة يف داخل احلراك‬ ‫خ�صو�ص ًا يف البداية‪ ،‬وكان �إعالم املعار�ضة م�ؤازر ًا‬ ‫ح�سب قوله‪ .‬لقد تراجع البعد املطلبي واحلقوقي الذي كان الغالب للح���راك بق���وة‪ .‬وكان موق���ف املعار�ض���ة ‪ -‬وال ي���زال ‪ -‬ينبع من‬ ‫على �أطروحات معاجلة �آثار ح���رب ‪ 1994‬قبل و�أثناء االنتخابات نكايتها بال�سلطة‪.‬‬ ‫وبالرتكيز عل���ى موقف التجم���ع اليمني للإ�ص�ل�اح‪ ،‬باعتباره‬ ‫الرئا�سية الأخرية‪ ،‬ل�صالح البعد ال�سيا�سي الذي تطور هو الآخر‬ ‫م���ن املطالبة بت�صحيح م�سار الوح���دة واحلوار بني طرفيها وفق ًا حلي���ف امل�ؤمتر يف ح�سم حرب ‪ ،1994‬ف�إن���ه مل يعرف عنه �أنه قد‬ ‫لق���رارات جمل�س الأم���ن �أثناء احلرب وتعه���دات احلكومة بعد ‪ 7‬ط���رح حلو ًال ج���ادة ت�ستهدف معاجلة �آثار تل���ك احلرب يف وقت‬ ‫متوز‪/‬يوليو ‪� 1994‬إىل املطالبة ب���ـ «فك االرتباط» وا�ستعادة دولة مبك���ر‪ .‬ولعل كثري ًا من املواقف التي �ص���ار الإ�صالح يتبناها منذ‬ ‫ف�ت�رة �إزاء اجلنوب‪� ،‬أتت ب�إحلاح من احل���زب اال�شرتاكي الع�ضو‬ ‫اجلنوب‪.‬‬ ‫يف جتمع امل�شرتك‪.‬‬ ‫مدارات ا�سرتاتيجية‪ :‬كيف تق ّيمون موقف ال�سلطة‬ ‫زاي��د جاب��ر‪ :‬تتحمل ال�سلط���ة واملعار�ض���ة – و�إن بدرجات‬ ‫واملعار�ضة من الأزمة يف اجلنوب؟‬ ‫متفاوتة – امل�سئولية الرئي�سية يف ظهور الأزمة اجلنوبية وتطورها‬ ‫علي دهم���س‪ :‬موقف املعار�ضة (اللق���اء امل�شرتك) وا�ضح‪ ،‬اخلط�ي�ر‪ ،‬وحتى �أو�ضح هذا الأم���ر كما يجب �س�أ�ضطر للإ�سهاب‬ ‫�إذ ي�ست�شع���ر م�سئوليات���ه الوطنية جتاه الوطن فق���دم املبادرة تلو بع����ض ال�شيء يف تناول هذه النقطة‪ .‬لق���د ظلت ال�سلطة تتجاهل‬ ‫املبادرة لكن احلاكم يدير ظهره لها‪ .‬احلزب اال�شرتاكي اليمني �أ�سباب الأزمة املتمثلة بتداعيات حرب �صيف ‪ 1994‬وال تعرتف بها‬ ‫ط���رح العديد من املعاجل���ات منذ �أن ّ‬ ‫حطت احل���رب �أوزارها يف يف ح�ي�ن �أن �أحزاب املعار�ضة (اللقاء امل�شرتك)‪ ،‬و�إن ظلت ت�ؤكد‬ ‫�إطار معاجلة �آث���ار احلرب و�إ�صالح م�سار الوحدة‪ ،‬وهي الأخرى عل���ى �ضرورة معاجلة �آث���ار احلرب‪� ،‬إال �أنه���ا مل توليها االهتمام‬ ‫‪120‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫امل�ستديرة‬

‫ذهب���ت لالتفاق مع حزب امل�ؤمتر احلاك���م ب�ش�أن الإ�صالحات‬ ‫االنتخابي���ة دون �أن تتبن���ى املطالب احلقوقي���ة للحراك اجلنوبي‬ ‫ال���ذي كان يف بدايته‪ ،‬با�ستثناء ا�ش�ت�راط �إطالق �سراح املعتقلني‬ ‫عل���ى ذمة مظاهرات احلراك يف تلك الفرتة‪ .‬وقد ذهب الدكتور‬ ‫حمم���د حي���درة م�سدو����س‪ ،‬وهو �أحد �أب���رز قيادات تي���ار �إ�صالح‬ ‫م�سار الوحدة ومنظري الق�ضي���ة اجلنوبية منذ العام ‪� ،1995‬إىل‬ ‫�أن توقي���ع امل�شرتك على وثيقة اتف���اق مبادئ حول االنتخابات مع‬ ‫ال�سلطة وجتاه���ل الق�ضية اجلنوبية �أو اعتباره���ا ق�ضية حقوقية‬ ‫فح�س���ب‪ ،‬كان �أح���د �أ�سب���اب انفجار احلراك اجلنوب���ي ب�صورته‬ ‫احلالي���ة‪ ،‬حيث ف�صل���ت الوثيقة متام��� ًا بني امل�ش�ت�رك واجلنوب‬

‫مل تلقَ �أي جتاوب من احلاكم‪.‬‬ ‫والي���وم الأزمة م�ستفحلة والبالد ت�سري نحو الهاوية؛ فالق�ضية‬ ‫اجلنوبية ت�شكل عمق هذه الأزمة‪ ،‬وق�ضية �صعدة هي الأخرى قد‬ ‫تت�س���ع رقعتها و�أطرافه���ا‪ ،‬وهناك م�شاكل وح���روب �أهلية داخلية‬ ‫يف العدي���د من املناطق اليمنية م���ا خفي منها وما علن؛ كل ذلك‬ ‫يعط���ي م�ؤ�ش���ر ًا خطري ًا ب����أن الب�ل�اد ت�سري نحو م�ص�ي�ر جمهول‬ ‫وخمي���ف‪ .‬و�إذا مل تذع���ن كل القوى الوطني���ة‪ ،‬ويف مقدمتها قوى‬ ‫احلاكم‪ ،‬للجوء �إىل حوار �شامل ال ي�ستثني �أحد ًا‪ ،‬حوار مبني على‬ ‫ال�صدق واالع�ت�راف بوجود هذه الأزمة‪ ،‬ف����إن الوطن ُمقب ٌل على‬ ‫كارث���ة حقيق���ة من ال�صعب التنب����ؤ بنتائجها‪ ،‬ول���ن يكون �أحد يف‬ ‫من�أى منها‪.‬‬

‫بالق�ضي���ة اجلنوبي���ة وطابعه���ا ال�سيا�س���ي الذي يتبن���اه امل�شرتك‬ ‫م�ؤخر ًا يختلف عما كان يتبناه تيار �إ�صالح م�سار الوحدة‪� ،‬إذ كان‬ ‫الأخ�ي�ر يرى �أن ذلك يتطلب حوار ًا عل���ى �أ�سا�س �شطري (�شما ًال‬ ‫���م عن �ضمانات د�ستوري���ة ل�شراكة �أبناء‬ ‫وجنوب��� ًا) والبحث من ث ّ‬ ‫اجلن���وب يف ال�سلط���ة والرثوة‪ ،‬وهو م���ا يتطلب �إع���ادة النظر يف‬ ‫اتفاقي���ة الوحدة نف�سه���ا ولي�س يف م�سار الوح���دة بعد احلرب يف‬ ‫‪ ،1994‬وه���و ما مل تتفق مكونات امل�شرتك عليه حتى اليوم‪ .‬فرغم‬ ‫احلدي���ث عن الفدرالية داخل امل�شرتك ويف جلنة احلوار الوطني‬ ‫�إال �أنه���ا ال ت���زال حمل خ�ل�اف‪ ،‬الأمر ال���ذي جعل مع���دي وثيقة‬ ‫الإنقاذ الوطني يرتكوا احل�سم ب�ش�أنها للحوار الوطني املقبل‪.‬‬

‫الكايف مقارنة بق�ضية الإ�صالح ال�سيا�سي الذي حتول �إىل �إ�صالح‬ ‫العملية االنتخابية باعتباره مدخل الإ�صالح ال�سيا�سي ‪.‬‬ ‫وبع���د بروز احلراك اجلنوبي وتط���وره ال�سريع – كما وكيف ًا‪-‬‬ ‫تغيرّ ت مواق���ف ال�سلط���ة واملعار�ضة‪ ،‬ولكن ك���ردود �أفعال لتطور‬ ‫احل���راك وجماراته‪ .‬لقد انتقل تيار �إ�ص�ل�اح م�سار الوحدة الذي‬ ‫ظل���ت �أح���زاب امل�ش�ت�رك ترف�ض مطالب���ه باالع�ت�راف بالق�ضية‬ ‫اجلنوبية وطابعه���ا ال�سيا�سي املتمثل ب�إلغ���اء ال�شراكة بني طريف‬ ‫الوح���دة (ال�شم���ال واجلنوب) �إىل مربع احل���راك املطالب بفك‬ ‫االرتب���اط‪ ،‬الأم���ر الذي دفع امل�ش���رك للتقدم خط���وة �إىل الأمام‬ ‫�أي �إىل املرب���ع ال���ذي كان ي�شغل���ه تي���ار �إ�ص�ل�اح م�س���ار الوحدة‪،‬‬ ‫حيث اع�ت�رف امل�شرتك بالق�ضية اجلنوبية‪ ،‬مطالب ًا‬ ‫ال�سلط���ة – كم���ا كان تي���ار �إ�صالح م�س���ار الوحدة‬ ‫املعار�ضة حتاول �أن ت�ستقوي‬ ‫يطالبه���ا – باالعرتاف بالق�ضية اجلنوبية وطابعها‬ ‫بق�ضية اجلنوب لتتغلب على‬ ‫ال�سيا�س���ي �إىل جان���ب البع���د احلقوق���ي واملطلبي‪ ،‬ال�سلطة وال�سلطة تريد �أن توظف‬ ‫الأزمة يف اجلنوب لتحد من‬ ‫و�إع���ادة ال�شراك���ة للجنوب الت���ي �أطاحت بها حرب‬ ‫م�شروعية مطالب املعار�ضة‪،‬‬ ‫�صيف ‪.1994‬‬ ‫لكنهما يتفقان على �أن الق�ضية‬ ‫اجلنوبية ما زالت يف دائرة‬ ‫لق���د �أ�صبح موق���ف امل�شرتك ال�ساب���ق الذي كان‬ ‫احلل الوطني‬ ‫ال�صوفـي‬ ‫يح�ص���ر الق�ضي���ة باجلانب احلقوق���ي الذي يتطلب‬ ‫معاجلات ولكن دون احلاجة �إىل االعرتاف مب�سمى‬ ‫الق�ضي���ة اجلنوبي���ة �أو طابعه���ا ال�سيا�س���ي‪ ،‬لأنه���ا ق�ضي���ة وطنية‬ ‫وباملث���ل‪ ،‬ف����إن الإ�ص�ل�اح ال�سيا�س���ي والتعدي�ل�ات الد�ستورية‬ ‫وطابعه���ا ال�سيا�سي املتمثل بالإ�صالح ال�سيا�سي والوطني ال�شامل لتو�سي���ع امل�شارك���ة ال�سيا�سي���ة وال�شعبي���ة‪ ،‬والت���ي كان يتبناه���ا‬ ‫مهم���ة الق���وى والأحزاب ال�سيا�سي���ة يف ال�ساحة �شاغ���ر ًا‪ ،‬بعد �أن امل�شرتك �سابق ًا ‪ -‬وتب ّناها امل�ؤمتر م�ؤخر ًا كجزء من ت�صوره حلل‬ ‫انتقل امل�شرتك �إىل مربع تيار �إ�صالح م�سار الوحدة وتبنى ر�ؤيته‪ .‬الأزم���ة ‪ -‬تختلف يف م�ضمونها عن الإ�صالحات التي كان يطالب‬ ‫هنا وجدت ال�سلطة نف�سها م�ضطرة للتقدم خطوة �إىل الأمام �إىل به���ا امل�شرتك‪� ،‬أو لعل ذلك �أح���د �أ�سباب تعرث احلوار بني امل�ؤمتر‬ ‫مرب���ع امل�شرتك (�سابق ًا) فتب ّنت مطالبه التي كانت ترف�ضها �إىل وامل�شرتك وفق ًا التفاقية �شباط‪/‬فرباير ‪ ،2009‬والتي مبوجبها مت‬ ‫ماقب���ل احلراك‪ .‬لقد اعرتفت ال�سلطة بوجود �أخطاء فاقمت من ت�أجيل االنتخاب���ات الربملانية ملدة عامني ‪� -‬إىل جانب اخلالفات‬ ‫تداعيات حرب �صي���ف ‪ ،1994‬ووعدت بحلها بل و�شرعت يف هذه ح���ول الأزمات الأخرى طبع ًا ‪ -‬هو ما دفع امل�ؤمتر للتلويح بامل�ضي‬ ‫احللول (�إع���ادة املبعدين واملتقاعدين �إىل �إعمالهم)‪ ،‬والبدء يف به���ذه الإ�صالحات منفرد ًا بح�سب ر�ؤيت���ه‪ ،‬وهذا بالت�أكيد �سيزيد‬ ‫ح���ل بع�ض م�شكالت الأرا�ضي‪..‬الخ‪ ،‬كما طرحت ق�ضية الإ�صالح من تعقي���د الأزمة الوطنية‪ ،‬ولن ميثل ح ًال للأزمة اجلنوبية التي‬ ‫ال�سيا�سي و�أهميته و�ضرورته‪.‬‬ ‫مل يعد امل�ؤمتر وامل�شرتك هم املعنيان الرئي�سيان بها‪� ،‬إذ ال ميكن‬ ‫لكن مواق���ف ال�سلطة واملعار�ضة هذه مل ت�ش���كل ح ًال للأزمة‪ ،‬جتاهل احل���راك وقيادات املعار�ضة اجلنوبي���ة يف اخلارج يف �أي‬ ‫بق���در ما �أ�صبحت مثار �أزم���ة جديدة لي�س فقط ب�سبب جتاوز كل حل حقيقي للأزمة‪.‬‬ ‫ط���رف ملطالبه ال�سابقة الت���ي �أ�صبحت مطال���ب الطرف الآخر‪،‬‬ ‫و�إمنا الختالف م�ضامني هذه املطالب يف املواقف اجلديدة لهذه‬ ‫�أحم��د ال�ص��ويف‪ :‬وا�ض���ح �أن املعار�ضة حت���اول �أن ت�ستقوي‬ ‫الأط���راف عن م�ضامينها عند �أ�صحابه���ا الأ�صليني‪ .‬فاالعرتاف بق�ضية اجلنوب لتتغلب على ال�سلطة وال�سلطة تريد �أن توظف‬

‫(‬

‫)‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪121 2009‬‬


‫املائدة‬

‫املائدة‬

‫الأزم���ة يف اجلن���وب لتحد م���ن م�شروعية مطال���ب املعار�ضة‪،‬‬ ‫لكنهم���ا يتفق���ان ‪� -‬أي ال�سلط���ة واملعار�ض���ة ‪ -‬عل���ى �أن الق�ضي���ة‬ ‫اجلنوبي���ة ما زال���ت يف دائرة احلل الوطني ولك���ن جر�أة التفكري‬ ‫ونق����ص اخلربة يجعالن املناورات �أهم م���ا مييز موقفي ال�سلطة‬ ‫واملعار�ضة من الق�ضية اجلنوبية‪.‬‬

‫غري وطنية‪.‬‬ ‫ومع مرور الوقت‪ ،‬ات�ض���ح �أن الطرفني (احلراك واحلوثيني)‬ ‫يتعاطفان مع بع�ضهما‪ ،‬ويتبادالن الر�سائل واملواقف‪ ،‬والناظم يف‬ ‫ذل���ك هو معاداة النظام والعمل عل���ى �إ�ضعافه وتقوي�ضه‪ .‬وي�شعر‬ ‫كل طرف �أن دور الطرف الآخر حمف ٌز له وم�ساعد وم�شجع‪ .‬ويبدو‬ ‫�أن هن���اك حتالف ًا غ�ي�ر مكتوب بني الفريقني‪ ،‬لكن���ه لي�س حتالف ًا‬ ‫ا�سرتاتيجي��� ًا �سيدوم لو ق���در لأي من الفريق�ي�ن النجاح وحتقيق‬ ‫م�آرب���ه مثل االنف�صال ال �سم���ح اهلل‪ .‬ومن غري �شك‪ ،‬ف�إن ال�سلطة‬ ‫ت�شعر �أن تعاظم قوة وخطر �أي من الفريقني هو قوة للآخر‪.‬‬

‫امل�شروع الوطني منذ الثورة وان�شغالهم ببع�ضهم البع�ض‪ ،‬و�أمكن‬ ‫للحوثي���ة �أن تبن���ي م�شروع��� ًا «�صغ�ي�ر ًا» �أخذ يك�ب�ر ويت�سع مبرور‬ ‫الزم���ن‪ ،‬طاملا وال���كل ‪ -‬بدورهم ‪ -‬من�شغل�ي�ن يف م�شاريع �صغرية‬

‫زاي��د جابر‪� :‬إن ح���رب �صعدة و�أزمة اجلن���وب وغريها من‬ ‫الأزمات التي ي�شهدها الوطن‪ ،‬هي مظاهر خمتلفة لأزمة امل�شروع‬ ‫الوطني الدميقراطي الذي تعر�ض ل�ضربة موجعة يف حرب �صيف‬

‫مدارات ا�س�تراتيجية‪ :‬ما عالقة الأزمة يف اجلنوب‬ ‫والأحداث يف �صعدة؟‬

‫�أحم��د ال�ص��ويف‪ :‬يف ت�ص���وري �أن العالق���ة ب�ي�ن الأزمة يف‬ ‫علي دهم�س‪ :‬من الطبيعي �أن يكون هناك رابط بني ما يحدث‬ ‫يف اجلن���وب وم���ا يح���دث يف �صعدة‪ .‬فف���ي اجلنوب‬ ‫ا�ستمرار الأزمة يف اجلنوب يفتح حراك ون�ضال �سلمي و�شعب يخرج ب�شكل يومي �إىل‬ ‫�أبواب التدخل اخلارجي‬ ‫ويجعل امليادين ي�شكو العامل ق�ضيتة وعدالتها‪ ،‬وما يتعر�ض‬ ‫�إمكانية التدويل �أمراً ممكناً‬ ‫ومتوقعاً‪� ،‬إذ لي�س من م�صلحة له من نهب حلقوقه ال�سيا�سية واملدنية وتاريخ دولته‬ ‫اخلارج �أن ت�صبح املحافظات‬ ‫وثورت���ه وح ّقه ك�شريك يف الوح���دة ال�سلمية غدر به‬ ‫اجلنوبية التي تطل على البحر ال�شريك املنت�صر و�صادر كل حقوقه‪ ،‬وترك ال�شعب‬ ‫العربي واملحيط الهندي‬ ‫وباب مي���وت ويت�ضرع جوع ًا ومع ذل���ك ي�ستكرث عليه حتى‬ ‫املندب‪ ،‬منطقة غري �آمنة‬ ‫جابر‬ ‫�أن يقوم باملظاه���رات واالجتماعات ال�سلمية‪ ،‬حيث‬ ‫يواجهه���ا بالقم���ع والتنكيل وي�ستخ���دم كل الأ�سلحة‬ ‫اجلنوب وال�ص���دام امل�سلح يف �صعدة تكم���ن يف �أن كليهما ينتمي‬ ‫مل�ش���روع �صغ�ي�ر ذي طبيع���ة تفتيتية لليم���ن‪ ،‬كما �أنهم���ا يجرتّان �ض���د النا����س امل�سامل�ي�ن ال ُع���زّل من ال�س�ل�اح‪ ،‬ويعتق���ل ويختطف‬ ‫م�شاري���ع �صغ�ي�رة �أفل���ت و�أكل الدهر عليه���ا و�شرب‪ ،‬كم���ا �أنهما النا�شطني ويحاكم الآخرين يف حماكمات �صورية‪.‬‬ ‫ويف �صعدة هناك حرب �ضرو�س �ضد جزء من الوطن و�أبناءه‪،‬‬ ‫يرتبط���ان بقوى �إقليمي���ة ترى من م�صلحته���ا ا�ستنزاف م�صالح‬ ‫ه���ذه البلد‪ ،‬ولكن الطري���ف يف الت�شابه بينهم���ا �أن احلوثي يريد ال يعرف النا�س �أ�سباب ودوافع هذه احلرب الطاحنة التي ت�شهد‬ ‫الإمام���ة من خارج بيت حميد الدين والبي����ض يريد مين ًا جنوبي ًا حربه���ا ال�ساد�سة‪ .‬هذه احلرب حت�صد الب�شر دون متييز‪ ،‬فكلهم‬ ‫ُزج الق���وات امل�سلحة اليمنية �ضد �أبناء‬ ‫دميقراطي��� ًا عار م���ن النزع���ة اال�شرتاكي���ة وم�شبع ب���كل دواعي �أبن���اء الوطن والوحدة‪ ،‬وت ّ‬ ‫اليمن‪� .‬إنها حرب ظاملة بكل املقايي�س‪.‬‬ ‫التفجري ال�سالطيني لكيان اجلنوب‪.‬‬ ‫�إن م���ا يح���دث يف اجلن���وب ويف �صع���دة ي�ش���كل عم���ق الأزمة‬ ‫علي العمراين‪ :‬يف ر�أيي �أن هناك عالقة مبا�شرة بني الأزمة‬ ‫يف اجلن���وب والأح���داث يف �صعدة‪ ،‬ويب���دو �أن التخلخل ال�سيا�سي اليمني���ة التي ي�شهدها الوطن‪ ،‬وهما بالتايل ا�ستحقاقان وطنيان‬ ‫الذي �أحدثته �أزمة وحرب الت�سعينيات‪ ،‬وعوامل ال�ضعف والتفرق الب���د من معاجلتهما �سريع ًا دون اللج���وء �إىل املكابرة وال�شطط‪،‬‬ ‫التي جنمت عنه���ا‪ ،‬قد �أوجدت مناخ ًا مالئم��� ًا لن�شاط احلوثية‪ ،‬فلي����س هناك من هو منت�ص���ر ومن هو مهزوم‪ .‬ه���ذه هي طبيعة‬ ‫وحاول���ت الأخ�ي�رة �أن ت�ستفيد من خالف الأط���راف التي حملت الرابط بينهما‪.‬‬

‫‪122‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫امل�ستديرة‬

‫امل�ستديرة‬

‫مدار الأفكار‬

‫املائدة امل�ستديرة‬

‫‪ ،1994‬ث���م ما لبث املنت�صرون يف احلرب �أن تركوا جراحه تنزف‪،‬‬ ‫الأمر الذي �أدى �إىل تعرث هذا امل�شروع وت�س ّرب الي�أ�س �إىل �صفوف‬ ‫اجلماه�ي�ر رغ���م الوجود ال�شكل���ي ملقت�ضيات هذا امل�ش���روع (بناء‬ ‫الأح���زاب ال�سيا�سية وا�ستمرار �إجراء االنتخابات الدميقراطية)‪،‬‬ ‫حي���ث �أ�صبحت ه���ذه املظاه���ر �أداة لتكري�س الواق���ع و�سلبياته مع‬ ‫تفاقم امل�ش���كالت االقت�صادية واالجتماعية‪..‬الخ‪ ،‬الأمر الذي �أدى‬ ‫�إىل انبعاث امل�شاريع ال�صغرية املذهبية واملناطقية والقبلية‪ ،‬بدعم‬ ‫ومتوي���ل من ال�سلط���ة وجتاهل من املعار�ضة حت���ى كربت وتطورت‬ ‫ه���ذه امل�شاري���ع وباتت ته���دده وجود ال�سلط���ة واملعار�ض���ة مع ًا‪ ،‬بل‬ ‫وامل�شروع الوطني ب�أكمله‪.‬‬ ‫وما من �شك �أن الأزمة اجلنوبية وحرب �صعدة هما‬ ‫من �أبرز جتليات الأزمة الوطنية‪ ،‬وقد �أثارت حتركات‬ ‫احلكم املحلي وا�سع ال�صالحيات‬ ‫ومواقف وت�صريحات قادة احلوثيني واحلراك �أثناء‬ ‫�أو كامل ال�صالحيات وحتى‬ ‫احل���رب الأخرية ت�سا�ؤالت عدي���دة حول العالقة بني‬ ‫الفدرالية‪ ،‬لن حتل امل�شاكل بل‬ ‫قد تزيدها يف املدى املنظور‪،‬‬ ‫الق�ضيت�ي�ن‪ ،‬و�أ�سرار حت���رك �إحداهما عندما تخفت‬ ‫لكن امل�شاركة والعدل والنزاهة‬ ‫الأخرى‪ ،‬و�إب���داء قادة الطرف�ي�ن التعاطف املتبادل‪،‬‬ ‫و�إط�ل�اق احلوثي �أ�سرى اجلي����ش اجلنوبيني «�إكرام ًا واالن�ضباط هي التي يعول عليها‬ ‫وحدها حلل م�شاكل اليمن‬ ‫ كم���ا قال ‪ -‬لقادة احل���راك‪ ،‬وخا�صة لل�شيخ طارق‬‫العمراين‬ ‫الف�ضلي»‪ ،‬والذين �شكروا له هذه اخلطوة‪.‬‬ ‫�إن ال���ذي يت�أمل يف ه���ذه املواقف �سيجد �أنه���ا طبيعية ومتوقعة ال�شخ�صية �أكرث من �أي �شي �آخر‪.‬‬ ‫ولو من باب «عدو ع���دوي �صديقي»‪ ،‬فما بالك وم�صالح كل طرف‬ ‫�أما �آف���اق احلل فهي متوفرة ولكنها مل تع���د ب�سيطة �أو �سهلة‪،‬‬ ‫تقت�ض���ي دعم الآخر ولو �إعالمي ًا‪� .‬إذ يرى احلوثيون �أن م�صلحتهم واحلل���ول واملعاجل���ات التي كان���ت ممكنة يف الأم����س �أو اليوم قد‬ ‫يف ا�شتعال اجلبهة اجلنوبية‪ ،‬بل يتمنون �أن تتطور �إىل �صراع م�سلح ال تك���ون ممكن���ة ومقبولة يف الغ���د‪ .‬ووا�ض���ح �أن امل�شكلة �أ�ضحت‬ ‫لتخفي���ف ال�ضغط الع�سكري عليهم‪ ،‬وي�صبح احلوار ولي�س احل�سم مركب���ة‪� ،‬إذ �صارت �سيا�سية �أكرث من كونها ق�ضية مطالب‪ .‬وعلى‬ ‫الع�سك���ري هو احلل ال���ذي �ست�ضطر له ال�سلط���ة‪ .‬كما �أن احلراك الرغم من اجلهود الت���ي ُب ِذلت يف حل ق�ضية املتقاعدين و�إجراء‬ ‫اجلنوب���ي ال يرغب يف ح�س���م ال�صراع يف �صعدة لأن من �ش�أن ذلك انتخابات املحافظني‪ ،‬وهي خطوة مهمة مهما اكتنفها من ق�صور‪،‬‬ ‫�أن يعزز من قوة ال�سلطة يف مواجهته ورف�ض احلوار معه م�ستقب ًال‪� ،‬إال �أن كل ذلك مل مينع الأزمة من اال�ستمرار والتفاقم‪.‬‬ ‫وم���ن هنا ميكن فه���م العالقة بني احلراك واحلوثي�ي�ن باعتبارها‬ ‫وم���ن امل�ؤك���د �أن احلكم املحلي وا�س���ع ال�صالحي���ات �أو كامل‬ ‫عالقة م�صالح وح�سابات �سيا�سية‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال عن مواجهتهما خل�صم ال�صالحيات وحتى الفدرالية‪ ،‬لن حتل امل�شاكل بل قد تزيدها يف‬ ‫واحد هو ال�سلطة احلالية‪.‬‬ ‫املدى املنظ���ور‪ ،‬لكن امل�شاركة والع���دل والنزاهة واالن�ضباط هي‬ ‫الت���ي يعول عليها وحدها حلل م�شاكل اليمن‪ .‬ومن املهم بحث كل‬ ‫مدارات ا�س�تراتيجية‪ :‬ه��ل هناك �إمكاني��ة لتدويل البدائ���ل‪ ،‬ولكن تغي�ي�ر ثقافة و�أ�ساليب احلكم ه���ي ما يهم �أكرث‪،‬‬ ‫و�أق�صد بتغي�ي�ر ثقافة احلكم و�أ�ساليبه التحول من التغا�ضي عن‬ ‫الأزمة يف اجلنوب‪ ،‬وكيف تنظرون �إىل �آفاق احلل؟‬ ‫مناح �شتّ���ى �إىل تر�سيخ العدل‪ ،‬ومن تف�شي‬ ‫الظل���م وممار�سته يف ٍ‬ ‫عل��ي العمراين‪ُ :‬تب���دي معظم الق���وى الإقليمي���ة والدولية الف�ساد والتعاطي معه �إىل اعتماد مبد�أ نزاهة احلاكمني ليكونوا‬ ‫ت�أييده���ا للوحدة اليمنية‪ ،‬وهذا يعني الوق���وف �إىل جانب الدولة‬ ‫اليمني���ة يف مواجهتها للحوثي�ي�ن واالنف�صالي�ي�ن‪ ،‬ولذلك ال يلوح‬ ‫يف الأف���ق �إمكاني���ة للتدوي���ل يف امل���دى القريب عل���ى الأقل‪ ،‬لكن‬ ‫الأزمة �إذا طال���ت وا�ستطالت ف�إن التدويل وارد؛ ولعلنا نتذكر �أن‬ ‫املواق���ف منذ عام ‪ 1994‬قد تغريت بحيث �أ�صبح كل الذين دعموا‬ ‫االنف�ص���ال ي�ؤيدون الوح���دة اليوم‪ ،‬وبع�ض الذي���ن كانوا م�ؤيدين‬ ‫للوح���دة بقوة تغريت مواقفهم اليوم‪ ،‬وينظر �إليها �أنها على الأقل‬ ‫مواق���ف غري ودية و�سلبية يف �أح�سن الأحوال (لن�أخذ مث ًال حالتي‬ ‫قطر وال�سعودية)‪ .‬والواقع �أنه ال ي�ستبعد تبدل املواقف من جديد‪،‬‬ ‫خا�ص���ة يف عاملنا العربي الذي ت�ؤثر في���ه تقلبات املزاج والأحقاد‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪123 2009‬‬


‫مدار الأفكار‬

‫املائدة امل�ستديرة‬

‫قدوة ح�سنة للآخرين‪ ،‬ومن الفو�ضى واالرجتال �إىل االن�ضباط‬ ‫�أو ما �أ�سم���اه «يل كوان يو»‪ ،‬رئي�س �سنغافورة ال�سابق‪Military“ ،‬‬ ‫‪ .”Discipline‬وال بد من تر�سيخ امل�ؤ�س�سية وحكم القانون و�شموله‬ ‫مقابل الفردانية واال�ستثن���اءات عن حكم القانون‪ ،‬ومبعنى �آخر‬ ‫ال بد من �إعم���ال مبد�أ قوة القانون ولي�س قانون القوة كما يقال‪.‬‬ ‫ويظل دائم ًا و�أبد ًا‪ :‬العدل هو احلل!‬ ‫�أحم��د ال�ص��ويف‪� :‬أعتق���د �أن اجلنوب كق�ضي���ة ما زالت يف‬ ‫دائ���رة الإمكان لإيجاد خمارج وطنية �أو ت�سوية �سيا�سية داخلية‪،‬‬ ‫فاالحتي���اج لتدويل الأزمة يف اجلنوب حت���ى الآن معدومة ب�سبب‬ ‫�أن ال���دول العربية ب�صورة �أ�سا�سية ق���د جعلت من احلفاظ على‬ ‫الوح���دة خط ًا �أحم���ر و�أر�ضية و�ساطة‪ ،‬وبالت���ايل ف�إن غياب هذا‬ ‫احلاف���ز يجعل م���ن طموحات بع����ض القوى خللق من���اخ �إقليمي‬ ‫كاحل���ادث يف ال�سودان يبدو �شطح���ة �سيا�سية تفتق���ر للواقعية‪،‬‬ ‫فجنوب ال�سودان احتاج �إىل خم�س�ي�ن عام ًا حتى ُع ِر َف كق�ضية‪.‬‬ ‫�أم���ا �آفاق احلل فتكمن يف �إيجاد م�شروع للوحدة اليمنية؛ فالذي‬ ‫يح���دث الآن �أن هن���اك وح���دة ينق�صه���ا م�شروع وح���دوي لهذا‬ ‫يب���دو على الوح���دة االعتالل‪ ،‬وعافيتها ب�إعطائه���ا هذا امل�شروع‬ ‫التاريخي‪.‬‬ ‫عل��ي دهم���س‪� :‬أ�صبح اليمن الي���وم منطق���ة تتجمع حولها‬ ‫امل�صال���ح الإقليمي���ة والدولي���ة مل���ا لها م���ن �أهمي���ة �إ�سرتاتيجية‬ ‫ملوقعه���ا املطل عل���ى البحر الأحم���ر وخليج ع���دن اال�سرتاتيجي‬ ‫كمم���ر دويل‪ ،‬فالو�ضع غ�ي�ر امل�ستقر الذي ي�شه���ده الوطن وتلك‬ ‫الأزمات وامل�شاكل الأكرث خطورة كاحلرب يف �صعدة والو�ضع يف‬ ‫اجلنوب ي�شكالن خطورة على املنطقة‪ ،‬لذلك ف�إن القوى الدولية‬ ‫والإقليمية التي لديها م�صالح يف اليمن �أو تلك التي ال زالت لديها‬ ‫م�شاريع ا�سرتاتيجية قادمة‪ ،‬ل���ن ت�سمح على الإطالق با�ستمرار‬ ‫هذا الو�ضع وهذا القلق‪ ،‬لذا ف�إنها البد �أن تتدخل بذريعة حماية‬ ‫م�صاحلها وحماي���ة املنطقة وت�أمينها‪ ،‬وهناك م�ؤ�شرات وا�ضحة‬ ‫لهذا التدخل‪.‬‬ ‫لك���ن يبقى ال�س����ؤال واملخاوف من طبيعة ه���ذا التدخل‪ .‬ف�إذا‬ ‫ح�ص���ل تدخ���ل غ�ي�ر مبا�شر م���ن خ�ل�ال الن�صيح���ة لليمنيني يف‬ ‫احلك���م واملعار�ض���ة نحو �إ�صالح���ات وطنية و�سيا�سي���ة ت�سهم يف‬ ‫معاجل���ة الأزمة‪ ،‬ف�إن هذا هو املطلوب م���ن الأ�شقاء والأ�صدقاء‪،‬‬ ‫لكن اخلط���ورة �أن يكون التدخل من نوع �آخر‪ ،‬لأن كل هذه القوى‬ ‫الإقليمي���ة والدولي���ة ل���كل منه���ا ح�ساباتها و�أطماعه���ا اخلا�صة‪.‬‬ ‫واخل���وف �أن ُيف�ضي هذا التدخل �إىل انق�سامات داخلية و�شرذمة‬ ‫الوط���ن‪ ،‬و�إذا ما ح�صل ذلك ف�إن ذل���ك يتحمله من ميتلك زمام‬ ‫املب���ادرة وت�أخ���ذه الع���زة بالإث���م‪ ،‬و�إن �أو�ص���ل الب�ل�اد �إىل ذل���ك‬ ‫‪124‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ف�ستالحقه لعنة �شعبنا يف ح ّله وترحاله‪.‬‬ ‫زاي��د جاب��ر‪ :‬ما من �ش����ك �أن ا�ستمرار وتط����ور الأزمة يف‬ ‫اجلن����وب يفتح �أبواب التدخل اخلارج����ي ويجعل �إمكانية تدويل‬ ‫الأزمة اجلنوبي����ة‪� ،‬أمر ًا ممكن ًا ومتوقع���� ًا‪� ،‬إذ لي�س من م�صلحة‬ ‫اخل����ارج �أن ت�صبح املحافظ����ات اجلنوبية التي تطل على البحر‬ ‫العربي واملحيط الهندي وباب املندب‪ ،‬منطقة غري �آمنة ت�ضاف‬ ‫�إىل مناط����ق التوت����ر يف اجلانب املقاب����ل من الق����ارة الأفريقية‬ ‫(ال�صوم����ال)‪ ،‬ولع����ل حتركات م�ص����ر والأمني الع����ام للجامعة‬ ‫العربي����ة م�ؤخ����ر ًا واحلدي����ث ع����ن حوار وطن����ى �شام����ل برعاية‬ ‫اجلامعة العربية ي�صب يف هذا االجتاه‪.‬‬ ‫�أما عن �آفاق احلل‪ ،‬ف�إن �أي �أزمة يتطلب ح ّلها �أو ًال االعرتاف‬ ‫بوجودها‪ ،‬ثم ت�شخي�ص الأزمة ومعرفة �أبعادها ومظاهرها‪ ،‬ثم‬ ‫ت�أت����ي مرحلة و�ضع احللول واملعاجلات‪ .‬و�أعتقد �أنه من املكابرة‬ ‫عدم االع��ت�راف بالأزمة الت����ي ت�شهدها املحافظ����ات اجلنوبية‬ ‫وال�شرقي����ة منذ �أكرث م����ن عامني‪ ،‬والتي تتط����ور وتتو�سع – كم ًا‬ ‫وكيف���� ًا – كل يوم‪� .‬إن �إنكار وج����ود الأزمة والتقليل من �شانها ال‬ ‫ينفيها من الواقع وال ي�ساهم يف حلها‪ ،‬و�إذا انتقلنا من االعرتاف‬ ‫بالأزم����ة �إىل حماول����ة ت�شخي�صها‪ ،‬ف�سنج����د �أن هناك ما ي�شبه‬ ‫الإجماع على �أن هذه الأزمة ذات طابعني‪ :‬الأول حقوقي مطلبي‬ ‫يتعلق ب�آثار ح���رب �صيف ‪( ،94‬نهب الأرا�ض���ي‪� ،‬إبعاد املوظفني‪،‬‬ ‫م�شكل���ة املتقاعدين‪ ..،‬ال���خ)‪ ،‬والثاين �سيا�سي يتعل���ق بال�شراكة‬ ‫الوطني���ة بني طريف الوحدة (ال�شمال واجلنوب) كما كان يطرح‬ ‫تيار �إ�صالح م�سار الوحدة وبع�ض مكونات احلراك اليوم‪� ،‬أو بني‬ ‫الأح���زاب ال�سيا�سية كما هو مطلب الأح���زاب املعار�ضة من قبل‬ ‫وحتى اليوم‪.‬‬ ‫و�أعتق���د �أن ال�سلطة هي املعني���ة بالق�ضية الأوىل دون غريها‪،‬‬ ‫فم���ن واجبه���ا �أن تقوم بح���ل الق�ضايا املطلبي���ة واحلقوقية دون‬ ‫ت�سويف �أو مماطلة �أو انتقا�ص‪ ،‬و�إن كان ذلك يتطلب منها حوار ًا‬ ‫م���ع �أ�صحاب ه���ذه املطالب‪ ،‬والذي���ن �أ�صبح معظمه���م ين�ضوي‬ ‫يف �إط���ار مكونات احل���راك اجلنوبي‪ ،‬وهذا احل���وار هو ال�سبيل‬ ‫الوحي���د ملناق�ش���ة اجلانب ال�سيا�سي يف الق�ضي���ة اجلنوبية‪ ،‬ولأن‬ ‫ه���ذا اجلانب ال يخ����ص ال�سلطة وحدها وال احل���راك وحده ف�إن‬ ‫احلوار الوطني ال�شامل خ�صو�ص ًا بني ال�سلطة وامل�شرتك وقيادات‬ ‫احلراك اجلنوب���ي يف الداخل واخلارج‪ ،‬هو املدخل ملعاجلة هذه‬ ‫الق�ضي���ة‪ .‬و�أعتق���د �أن �إعاقة �أو ت�أخري مثل ه���ذا احلوار‪� ،‬سيع ِّقد‬ ‫الأزمة �أكرث‪ ،‬و�سيجعل احللول املمكنة اليوم التي ميكن �أن يخرج‬ ‫به���ا احلوار غ�ي�ر ممكنة يف امل�ستقب���ل‪ ،‬وهذا لي����س يف م�صلحة‬ ‫وحدة اليمن و�أمنه وا�ستقراره‪.‬‬

‫�صدر حديث ًا �ضمن‬ ‫�سل�سلة درا�سات اجتماعية‬

‫ظاهرة التطرف بني ال�شباب يف املجتمع اليمني‪:‬‬ ‫الأ�سباب واملعاجلات‬ ‫�سهري علي عاطف‬ ‫رفـ ـ ــد ال�سيا�سـ ـ ــة باملعرفـ ــة‬

‫‪Relating Policy to Knowledge‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪125 2009‬‬


‫مدار الأفكار‬

‫املائدة امل�ستديرة‬

‫ب�صراحــة‬

‫�سج ــال‬

‫تقييم قوة القــــــــــــاعدة فـي اليمن‬ ‫‪1‬‬

‫�إنه يزداد قوة!‬ ‫م��ن يق��ر�أ مل��ف تنظيم «القاع��دة يف جزي��رة العرب»‪ ،‬وال��ذي يتخذ من اليم��ن مقر ًا للقي��ادة الإقليمية وبد�أ بت�ص��دير‬ ‫عملياته يف �إطار املنطقة اجلغرافية‪ ،‬يكت�ش��ف �أن معظم عملياته غري كاملة على رغم قلتها (ال تزيد عن �س��ت عمليات‬ ‫يف ث�لاث �س��نوات‪ ،‬ثالث��ة اغتياالت وثالث عمليات هجومية)‪ .‬فمن �أ�ص��ل �س��ت عمليات نفذتها القاعدة نقر�أ �أن خم�س�� ًا‬ ‫منها حملية‪ ،‬وواحدة �إقليمية عابرة للحدود‪ ،‬ون�سبة النجاح الكامل ‪ %50‬من �إجمايل العمليات‪ ،‬ثالث فقط و�صلت �إىل‬ ‫�أهدافه��ا و�أجن��زت مهامها (عمليتي االغتي��ال التي طالت قيادات �أمنية حملية (حمود ق�ص��يلة‪ ،‬وحممد ربي�ش)‪ ,‬وقتل‬ ‫�سياح كوريني يف ح�ضرموت)‪ ،‬بينما العمليات الأخرى جنحت يف خطوات ما قبل الهدف (الر�صد‪ ،‬واالعداد‪ ،‬واالخرتاق‪،‬‬ ‫والتنفيذ)؛ لكنها مل حتقق النتيجة النهائية‪.‬‬

‫عبد الإله حيدر �شائع‬

‫فف���ي عملي���ة ال�سف���ارة الأمريكية جنح���ت يف تقم�ص ال���دور الأمني‬ ‫واخرتق���ت احلواجز الأمنية و�أدارت معرك���ة عند باب ال�سفارة واملدخل‬ ‫الأمامي‪ ،‬لكنها مل تتمكن من احتجاز رهائن �أو البلوغ �إىل الدبلوما�سيني‬ ‫الأمريكي�ي�ن‪ ،‬ويف عملي���ة املحقق�ي�ن الكوري�ي�ن جنح���ت يف االخ�ت�راق‬ ‫واحل�صول على معلومات ميدانية دقيقة لتحرك الوفد الأمني ومواعيده‬ ‫ونوع عرباته‪� ،‬إال �أنها مل تقتل �أحد ًا �سوى منفذ العملية‪.‬‬ ‫و�إىل جان���ب العمليات غ�ي�ر املكتملة هناك عملي���ات مت �إحباطها يف‬ ‫خط���وات ما قبل التنفي���ذ؛ �أبرزها عملية مطار �صنع���اء منت�صف كانون‬ ‫الثاين‪/‬يناي���ر املا�ض���ي ‪ ،2009‬وعملي���ة ج���ازان التي �أعلن���ت ال�سلطات‬ ‫الأمني���ة ال�سعودية �أنها قتل���ت اثنني من قائمة املطلوب�ي�ن ال�سعوديني الـ‬ ‫‪ 85‬منت�ص���ف ت�شري���ن الأول‪�/‬أكتوب���ر املا�ضي (يو�سف ال�شه���ري‪ ،‬ورائد‬ ‫احلربي) يف اال�شتباكات‪ ،‬بعد جناحهم يف الت�سلل �إىل داخل اململكة‪.‬‬ ‫لكن القلق الغربي املتنامي جتاه القاعدة‬ ‫القوة وال�ض��عف‬ ‫وم���ا ي�شكله من تهدي���د م�صاحلها على م�ستوى املنطق���ة والعامل‪ ،‬عك�س‬ ‫نف�سه على واقع القاع���دة �إقليمي ًا وحملي ًا حيث بدت يف الإعالم ب�صورة‬ ‫لي����س بال�ض���رورة �أن تك���ون كم���ا هي عل���ى الواق���ع‪ .‬بينما معي���ار القوة‬ ‫وال�ضعف يت�أرجح اطراد ًا وفق عوامل �أخرى ال عالقة لها بالت�صريحات‬ ‫الإعالمي���ة‪ ،‬التي قد تدخل �ضمن توف�ي�ر تربيرات لتدخالت خارجية �أو‬ ‫�ضمن مكايدات وجدل �سيا�سي داخلي‪.‬‬ ‫فالقاعدة تكت�سب قوتها من عدة عوامل ذاتية �أ�سا�سية فيها‪ ،‬وعوامل‬ ‫م�ساع���دة من املحيط ال���ذي تت�شكل فيه؛ فالعوام���ل الأ�سا�سية تتمثل يف‬ ‫‪126‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ق���وة خطابه���ا وب�ساط���ة مفرداتها التي حتم���ل «هموم الأم���ة» وتذ ّكرها‬ ‫بجراحاته���ا نتيجة القمع الدويل مل�سلمني يف مناطق خمتلفة من العامل؛‬ ‫كفل�سطني والعراق و�أفغان�ستان وترك�ستان ال�شرقية وغريها من البلدان‬ ‫الواقعة حتت ظروف القهر واال�ضطهاد‪.‬‬ ‫وعل���ى امل�ست���وى املحلي‪ ،‬تنج���ح القاع���دة يف لفت االنتب���اه بقوة �إىل‬ ‫ال�شع���ور بالإذالل نتيج���ة القمع املحلي واملمار�س���ات الداخلية للأنظمة‪،‬‬ ‫وتغيي���ب حقيق���ة الناجت القومي لل�ث�روات وطرق ت�صريفه���ا‪ ،‬مما يجعل‬ ‫خطاب املعار�ضة يتوافق يف هذه النقطة مع خطاب القاعدة مركزة على‬ ‫«الف�ساد ال�سيا�سي واالقت�صادي»‪.‬‬ ‫ومم���ا يزي���د القاعدة ق���وة �أنها «حرك���ة جهادية عاملي���ة» مما مينح‬ ‫ت�شكيلته���ا �ألوان الطيف بتعدد اجلن�سيات‪ ،‬ويدفع بحركتها �إىل نطاقات‬ ‫وا�سع���ة للتن�سي���ق والتدريب‪ ،‬و�إك�سابها تعاطف ًا عام��� ًا يف مناطق خمتلفة‬ ‫م���ن العامل يك���ون بناء على حركته���ا العاملية وجناحات ق���د حتققها يف‬ ‫مناطق �أخرى ك�أفغان�ستان وال�صومال‪.‬‬ ‫وم���ن العوام���ل امل�ساع���دة اخلارجي���ة‪ ،‬االخت�ل�االت املوج���ودة دخل‬ ‫الرتكيبة البنيوية للنظام والتناق�ضات بني �أطرافه ‪ -‬ال�سلطة واملعار�ضة‬ ‫‪ ،‬وع���دم جناح اخلطاب الع���ام للنظام‪ ،‬بطرفيه ال�سلط���ة واملعار�ضة‪،‬‬‫يف توحي���د مفردات���ه وتبني �أجن���دة موحدة حمددة‪ ،‬مم���ا ي�ؤكد �إخفاقه‬ ‫املوحدة يف خطابها‬ ‫يف �إي�ص���ال ر�سالة وا�ضحة للنا�س‪ ،‬بعك����س القاعدة ّ‬ ‫واملحددة �أهدافها بدقة‪.‬‬ ‫وي�ساع���د القاع���دة �ضبابي���ة ال���ر�ؤى واختالفه���ا ح���ول حقيقته���ا‬ ‫وا�ستخدامها كورقة مكايدات بني الأطراف ال�سيا�سية املتخالفة؛ فهناك‬ ‫عبد الإله حيدر �شائع �صحفي ميني متخ�ص�ص يف �ش�ؤون الإرهاب‪.‬‬

‫م���ن يعتربها «�صنيع���ة النظام و�أداة م���ن �أداوته»‪ ،‬بينم���ا تتهم ال�سلطة‬ ‫�أطراف ًا يف املعار�ضة بانتهاج «الإرهاب»‪.‬‬ ‫وت�سع���ى �أطراف �إقليمي���ة ‪ -‬وحلقتها �أطراف حملي���ة ر�سمية م�ؤخر ًا‬ ‫ �إىل رب���ط القاعدة باحلركة ال�شيعي���ة امل�سلحة (احلوثية) دون تقدمي‬‫�أدل���ة مادي���ة �أو االعتبار للتباي���ن الإيديولوجي وال�ص���راع التاريخي بني‬ ‫ال�سلفي���ة ب���كل �أطرافه���ا خ�صو�ص��� ًا الوهابي���ة واجلهادية منه���ا‪ ،‬ودون‬ ‫االعتب���ار للمواجه���ات امل�سلح���ة والرت ّب�ص امليداين ب�ي�ن ال�شيعة وحركة‬ ‫اجله���اد العاملي���ة يف مناطق �أخرى من الع���امل �آخرها م���ا �شهده العامل‬ ‫من جن���اح جمموعة �سنية �إيرانية على �صل���ة بالقاعدة (جند اهلل) من‬ ‫اغتيال عدد كبري من قيادات احلر�س الثوري الإيراين بينهم نائب قائد‬ ‫الق���وات الربي���ة الإيرانية علي نور �شو�شتن���ي‪ ،‬و� ِآمر ل���واء �أمري امل�ؤمنني‬ ‫وقائ���د احلر�س الثوري لإقليم بلو�ش�ست���ان رجب حممد علي زاده‪ ،‬وعدد‬ ‫م���ن قيادات الع�شائر املوالية للنظام الإي���راين يف ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر‬ ‫املا�ض���ي؛ مما يجعل حماوالت الربط ب�ي�ن املت�ضادين املتحاربني تندرج‬ ‫حتت �إطار «الدعاية الإعالمية امل�ضادة»‪.‬‬ ‫وتقوم ذات الأطراف الإقليمية املحلية الر�سمية تارة �أخرى مبحاولة‬ ‫ربط القاع���دة باحلركة االنف�صالية يف اجلن���وب (احلراك اجلنوبي)‪،‬‬ ‫والقاع���دة ت�ستفي���د من تناق�ض���ات الر�ؤى جت���اه حقيقته���ا الديناميكية‬ ‫وحركته���ا امليداني���ة‪ ،‬يف تنفي���ذ �ضرب���ات واخرتاق���ات موجع���ة تفاجئ‬ ‫خ�صومها بني احلني والآخر‪.‬‬

‫؟‬

‫«م�صدر قوة القاعدة‬ ‫الأ�سا�سي هو قوة خطابها‬ ‫وب�ساطة مفرداتها التي‬ ‫حتمل «هموم الأمة»‬ ‫وتذ ّكرها بجراحاتها نتيجة‬ ‫القمع الدويل مل�سلمني يف‬ ‫مناطق خمتلفة من العامل»‬ ‫عبد الإله �شائع‬

‫قلق دويل ي�سبب عدم التفريق بني القاعدة كتنظيم والقاعدة‬ ‫كمنظوم���ة فكرية �إ�شكا ًال وا�سع ًا لفه���م الظاهرة‪ ،‬فالتفريق بني الأمرين‬ ‫م���ن �أهم املداخ���ل لإدارك القاع���دة وحقيقتها‪ ،‬وبن���اء على ذلك ميكن‬ ‫قيا�س القوة وال�ضعف‪ ،‬واحلقيقة والوهم فيها‪.‬‬ ‫فاملنظوم���ة الفكرية للقاع���دة قائمة عل���ى رف�ض املنظوم���ة الدولية‬ ‫وت�شريعاتها وقوانينها‪ ،‬وحماولة فر�ض نظريات �أخرى تقوم على �أ�سا�س‬ ‫الت�شريع���ات الإلهي���ة و�إلغ���اء احلق الب�ش���ري يف الت�شري���ع‪ ،‬ولذلك ي�أتي‬ ‫«تقرير جولد�ستون» عن جرمية �إ�سرائيل يف غزة حماولة لتح�سني �صورة‬ ‫املنظوم���ة الدولي���ة‪ ،‬و�إعادة االعتبار له���ا لقبولها مرجعي���ة للتفاو�ضات‬ ‫القادم���ة‪ ،‬وتقدميها لل�شريحة اال�سالمي���ة الوا�سعة ب�صورة متعاطفة مع‬ ‫�أبرز ق�ضاياهم‪ ،‬وحلحة االعتقاد ال�سائد عن مكانه يف ال�صورة الذهنية؛‬ ‫�أنها جمرد غطاء للجرائم �ضد كل ماهو �إ�سالمي‪.‬‬ ‫وترك���ز احلركة اجلهادية العاملية اليوم بزعامة القاعدة يف �أدبياتها‬ ‫وم�س���ار عملياتها على ال�س�ي�ر نحو «ال�سيادة العاملي���ة وا�ستعادة الهيمنة‬ ‫املفقودة للم�سلمني» امل�سماة �أيديولوجي ًا «خالفة الأر�ض»‪ ،‬وهذا ما تتفق‬ ‫عليه �أر�ضية وا�سعة م���ن امل�سلمني ولي�س بال�ضرورة انتمائها ع�ضوي ًا �إىل‬ ‫القاعدة‪.‬‬ ‫وتقوم املنظومة الفكرية ال�سلوكية عند القاعدة على �أ�سا�س النه�ضة‬ ‫العلمية الدينية‪ ،‬والتقانة الإعالمية الع�سكرية والأمنية جنب ًا �إىل جنب‪،‬‬ ‫فه���و ال يرف�ض تطوي���ر �أ�ساليبه و�أدواته و�آليات���ه‪ .‬بينما التنظيم يتحرك‬ ‫يف �إطار هذه املنظومة والأر�ضي���ة الب�شرية واجلغرافية التي حتمل هذه‬ ‫القناع���ات بني جمه���ور امل�سلمني الوا�سع يف الع���امل‪ ،‬وهذا مما ي�ؤخذ يف‬ ‫نف�سر ملاذا بعد ثمان �سنوات من حرب االرهاب‪ ،‬مازالت‬ ‫االعتب���ار حني ّ‬ ‫نف�س القوى تعلن حرب الإرهاب يف نف�س اجلبهات‪ ،‬بل وتو�سعت وتطورت‬ ‫جغرافي ًا‪ ،‬وتقني ًا‪.‬‬ ‫وكان التكني���ك امل�ستخدم يف حماولة اغتيال م�ساعد وزير الداخلية‬ ‫ال�سع���ودي‪ ،‬الأم�ي�ر حممد ب���ن نائف‪ ،‬دالل���ة �أكيدة على تف���وق التنظيم‬ ‫عل���ى جبهة حرب الإرهاب بقيادة �أمريكا وحل���ف الناتو يف هذه التقنية‬ ‫املبتك���رة اجلدي���دة‪ ،‬وق���د‬ ‫عك�سه���ا الإرباك احلا�صل‬ ‫اليوم على م�ست���وى الأمن‬ ‫العامل���ي خ�صو�ص��� ًا �أم���ن‬ ‫املط���ارات والطائ���رات‪.‬‬ ‫واملث�ي�ر لالنتب���اه‪ ،‬يف هذا‬ ‫ال�سياق‪� ،‬أن القاعدة‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪127 2009‬‬


‫مدار الأفكار‬

‫�سجال‬

‫تقييم قوة القــــــــــــاعدة فـي اليمن‬

‫املتح���دة يف حرب الإرهاب جت���اه �إمكانية حت ّول‬ ‫اليمن �إىل مرك���ز تدريب وانطالق؛ جعلها ت�ؤكد‬ ‫�أن احل���رب الدائرة يف �شمال اليمن ‪ -‬حمافظة‬ ‫�صع���دة (‪ 240‬كل���م �شمال العا�صم���ة �صنعاء) ‪-‬‬ ‫امل�ستفي���د الرئي�سي منها تنظي���م القاعدة‪ ،‬مما‬ ‫دفع بال���دول الغربي���ة والأمريكي���ة �إىل التنادي‬ ‫والتوجه حلل امل�شكلة‬ ‫ب�ضرورة �إيق���اف احلرب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بح���وار �سيا�س���ي تدخ���ل في���ه جمي���ع الأطراف‬ ‫ال�سيا�سي���ة‪ ،‬والرتكي���ز عل���ى �إدارة احل���رب مع‬ ‫القاعدة يف مناطق خمتلفة من اليمن‪.‬‬ ‫ورغم ال�ضغوط الدولية املتزايدة والزيارات‬ ‫املتكررة مل�سئولني �أمريكي�ي�ن وغربيني يف حرب‬ ‫الإرهاب لإيقاف احلرب يف اليمن �ضد احلركة‬ ‫ال�شيعي���ة امل�سلحة‪ ،‬ف����إن اليمن ال ي���رى خطورة‬ ‫كربى م���ن القاعدة‪ ،‬ويعزو ذل���ك �إىل معلوماته‬ ‫ح���ول خاليا القاع���دة و�أنه���ا مط���اردة‪ ،‬وتفقد‬ ‫املعرفة عن ُقرب‪ :‬كاتب املقال مع زعيم تنظيم القاعدة يف جزيرة العرب نا�صر الوحي�شي‬ ‫املالذ الآمن على الدوام‪ ،‬وال تتمركز يف منطقة‬ ‫جغرافي���ة‪ ،‬بينم���ا حرك���ة احلوثي�ي�ن ال�شيعي���ة‬ ‫تتح���دى الع���امل ب�أن يك�ش���ف «�سر العب���وة املتفج���رة (امل�ستخدمة يف‬ ‫حماولة االغتيال) وطريقة تفجريها»‪ ،‬واعرتاف العديد من اخلرباء‪ ،‬يف امل�سلحة يف �شمال اليمن هي الأخطر من حيث قوتها امل�سلحة‪ ،‬وانت�شارها‬ ‫املقابل‪ ،‬ب�أنها مبتكرة ومرعبة وت�شكل تهديد ًا للعامل يف ال�سنوات املقبلة‪ ،‬اجلغ���رايف‪ ،‬و�سيطرته���ا على مناط���ق وا�سعة حتكمه���ا يف �أق�صى �شمال‬ ‫اليمن على احلدود مع ال�سعودية‪ ،‬وامتالكها غطا ًء حملي ًا من املعار�ضة‪،‬‬ ‫لأنها جتاوزت جميع �أجهزة الك�شف الآلية املتوفرة‪.‬‬ ‫وتعطين���ا العملي���ة الأخ�ي�رة دالل���ة وم�ؤ�ش���ر ًا عل���ى م�ست���وى وحقيقة ودعم ًا �إقليمي ًا من �إيران‪ ،‬واحت�ضان ًا دولي ًا يف �أملانيا االحتادية‪ ،‬وتعاطفاً‬ ‫القاع���دة‪ ،‬و�أي���ن بلغ���ت؟ فقد م ّثلت حماول���ة االغتيال الت���ي مت تنفيذها �أممي ًا من املنظمات الإن�سانية‪.‬‬ ‫وحتر����ص ال���دول الغربي���ة ‪ -‬عرب حل���ف النات���و واالحت���اد الأوروبي‬ ‫يف الأ�سب���وع الأخري من �شهر �آب‪�/‬أغ�سط����س املا�ضي يف ق�صر الأمري يف‬ ‫مدينة جدة ال�سعودية؛ نقل���ة �إ�سرتاتيجية من الناحية الأمنية والتكنيك و�أم�ي�ركا ‪ -‬عل���ى �إظه���ار القلق من القاع���دة‪ ،‬والرتكيز عل���ى �أنها متثل‬ ‫الع�سك���ري عل���ى م�ستوى الع���امل من حي���ث االخرتاق الأمن���ي حل�صون تهدي���د ًا خط�ي�ر ًا على امل�صالح الغربي���ة يف املنطقة خ�صو�ص��� ًا البحرية‬ ‫منها‪ ،‬لتحقيق �أهداف لها �صلة ب�أجندة الهيمنة العاملية و�أطماع �شركات‬ ‫اخل�صم‪ ،‬والتكنيك اجلديد‪.‬‬ ‫ورغ���م ت�أكي���د م�سئولني دولي�ي�ن يف حرب الإرهاب عل���ى �أن القاعدة �إقليمي���ة ودولي���ة وتناف�سها على ث���روات اليمن من الطاق���ة و�إمداداتها‬ ‫تعاين يف الآونة الأخرية من نق�ص حاد يف التمويل‪ ،‬و�أن احلملة املتوا�صلة وطريقها ال�ساحلي املمتد عرب ثالثة ممرات مائية دولية؛ البحر الأحمر‪،‬‬ ‫عليه���ا «�أ�ضعفتها» ب�ش���كل وا�ضح‪ ،‬لكن ذات امل�سئول�ي�ن ال ُيخفون قلقهم وخلي���ج عدن‪ ،‬والبحر العربي‪ ،‬وه���ي ذات املناطق التي يعزز الناتو فيها‬ ‫م���ن �إمكانية حت ّول اليمن منطلق��� ًا لهجمات على م�صاحلهم يف املنطقة من وجوده قبالة ال�سواحل اليمنية‪.‬‬ ‫ولذل���ك تعلن هذه القوى الدولية عل���ى الدوام �أن اليمن دولة �ضعيفة‬ ‫والع���امل‪ ،‬وحت��� ّول اليمن �إىل قاع���د تدريب وجتني���د وتخطيط لهجمات‬ ‫تو�ش���ك �أن تتح���ول �إىل «فا�شلة» �أو �أفغان�ستان �أخ���رى‪ ،‬والدولة ال�ضعيفة‬ ‫حملية و�إقليمية وعاملية‪.‬‬ ‫يت���م جتهيزها وتدريبه���ا ملالحقة القاعدة‪ ،‬بينما يتي���ح ت�صنيف الدولة‬ ‫�أجندة عاملية القلق الآتي من حلف الناتو بقيادة الواليات‬ ‫الفا�شلة لهذه الدول التدخل املبا�شر كحالتي ال�صومال و�أفغان�ستان‪.‬‬ ‫‪128‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪2‬‬

‫«القاعدة» �أ�ضعف بكثري مما نظن!‬ ‫يف مطلع العام اجلاري ‪� ,2009‬أعلن ف�ص��يال تنظيم القاعدة اليمني وال�س��عودي اندماجهما يف كيان واحد حتت م�س��مى‬ ‫“تنظي��م قاع��دة اجلهاد يف جزيرة العرب” بزعامة نا�ص��ر الوحي�ش��ي ومق��ره الإقليمي الرئي�س��ي اليمن‪ ،‬ومنذ ذلك‬ ‫احلني تزايدت م�شاعر القلق من تنامي قوة القاعدة وح�ضورها يف هذا البلد‪ ,‬خ�صو�ص ًا لدى الأطراف اخلارجية‪ ,‬فما‬ ‫حقيقة الأمر‪ ،‬وهل مير التنظيم اليوم ب�أف�ض��ل مراحله‪ ،‬وهل تعترب قوته يف تنامي وازدياد‪ ,‬بحيث ي�ص��عب مواجهته‬ ‫وك�سر �شوكته‪� ،‬أم �أ�صابه ال�ضعف والوهن‪ ،‬و�صار �أقل فعالية وقدرة مما كان عليه من قبل؟!‬

‫عاي�ش علي عوا�س‬ ‫بداية ال بد من االعرتاف ب�صعوبة الو�صول �إىل �إجابة مقنعه ونهائية‬ ‫و�شح���ة املعلومات‬ ‫ملث���ل ه���ذه الت�س���ا�ؤالت‪ ,‬لي�س بحك���م طبيعة املو�ض���وع ّ‬ ‫املتوافرة بهذا اخل�صو�ص وح�سب‪ ،‬و�إمنا �أي�ض ًا لغياب املقاربات املنهجية‬ ‫التي ميك���ن القيا�س عليها‪ ,‬غري �أن بالإمكان الق���ول �أن هناك م�ؤ�شرات‬ ‫عدي���دة توح���ي برتاجع قوة تنظي���م القاعدة وح�ض���وره يف اليمن‪ .‬فعلى‬ ‫امل�ست���وى املي���داين والعمليات���ي‪ ,‬انخف�ض عدد الهجمات م���ن ‪ 9‬عمليات‬ ‫يف الع���ام ‪� 2008‬إىل عمليت�ي�ن فقط يف العام اجل���اري ‪ .2009‬كما يتبدى‬ ‫�ضع���ف التنظيم من تراجع ن�شاطه على م�ستوى النطاق اجلغرايف‪ ,‬ففي‬ ‫ح�ي�ن كان ن�شاط التنظيم ميت���د لي�شمل الرب والبح���ر اليمنيني ومناطق‬ ‫الو�س���ط والأطراف‪ ,‬نالح���ظ اليوم �أن ن�شاط التنظي���م يعاين من حالة‬ ‫انكما�ش تدريجي‪ ,‬فمنذ حادثة تفجري ناقلة النفط الفرن�سية (ليمربج)‬ ‫يف �ساح���ل حمافظة ح�ضرموت عام ‪ 2002‬مل تقع �أي هجمات مماثلة يف‬ ‫املوان���ئ واملياه الإقليمية اليمنية على مدى ال�سنوات ال�سبع املا�ضية على‬ ‫الإط�ل�اق‪ ,‬وباملثل فقد تراجع التنظيم م���ن التجمعات ال�سكانية الكربى‬ ‫يف الو�س���ط وانزاح �إىل الأطراف (م�أرب‪ ،‬اجل���وف‪ ،‬ح�ضرموت) ب�شكل‬ ‫الفت‪ ,‬وبات معظم ن�شاطه وعملياته تدور يف املحافظات النائية‪.‬‬ ‫كذل���ك نلح���ظ ت�ص ّدع��� ًا ظاه���ر ًا يف بناء القاع���دة التنظيم���ي‪ ,‬فلم‬ ‫تك���د مت�ضي �س���وى ب�ضعة �أ�سابيع عل���ى �إعالن تنظي���م “قاعدة اجلهاد‬ ‫يف جزي���رة الع���رب”‪ ,‬حتى ق���ام القائ���د الع�سك���ري يف التنظيم حممد‬ ‫الع���ويف بت�سليم نف�س���ه لل�سلطات ال�سعودية‪ .‬وبغ����ض النظر عما �إذا كان‬ ‫ق���د �س ّلم نف�سه �أو �أن���ه مت اعتقاله‪ ,‬ف�إن النتيج���ة يف كال احلالتني ت�شكل‬ ‫عاي�ش علي عوا�س باحث يف مركز �سب�أ للدرا�سات اال�سرتاتيجية‪.‬‬

‫�ضرب���ة موجعة للتنظيم ورمبا خلق���ت حالة من االرتباك داخل �صفوفه‪,‬‬ ‫تو�س���ع م�ساحة ال�شك بني جيل القاع���دة اجلديد واجليل‬ ‫مب���ا ي�ؤدي �إىل ّ‬ ‫القدمي‪ ,‬وبالأخ�ص املفرج عنهم مبوجب برامج �إعادة الت�أهيل‪.‬‬ ‫ناهي���ك عن احت���واء وت�صفية معظم قيادات اجلي���ل الأول‪ ,‬فمن بني‬ ‫ال���ـ ‪ 23‬الذي���ن متكنوا من اله���روب من �سجن الأم���ن ال�سيا�سي ب�صنعاء‬ ‫يف ع���ام ‪ 2006‬قتل منهم ‪� 6‬أثن���اء املواجهات مع قوات الأمن‪ ,‬و‪� 10‬سلموا‬ ‫�أنف�سهم طواعية للحكومة‪ ,‬و�أعلنوا تخليهم عن ممار�سة �أعمال العنف‪,‬‬ ‫واملتبق���ي منهم يف �صفوف التنظيم حتى حلظ���ة كتابة هذا املقال ثالثة‬ ‫فق���ط‪ ,‬وهم نا�صر الوحي�شي وقا�سم الرميي وحممد العمدة‪ .‬ومعلوم �أن‬ ‫فق���دان قيادات بهذا الوزن الثقيل �سوا ًء ع���ن طريق القتل �أو عن طريق‬ ‫االحت���واء‪ ,‬ي�سلب التنظي���م ‪ -‬وال �شك ‪ -‬جزء ًا هام ًا م���ن م�صادر قوته‪,‬‬ ‫ورمب���ا ي�ؤدى يف امل�ستقبل �إىل ترهّ ل التنظي���م‪ ,‬وانقطاع �صالته بالقيادة‬ ‫املركزي���ة‪ ,‬وخا�صة يف حال غياب القيادات املتبقية‪ .‬فه�ؤالء الثالثة رمبا‬ ‫ي�شكلون اليوم �أهم ال�ضمانات ال�ستمرار متا�سك التنظيم بحكم الرمزية‬ ‫واملكانة التي يحظون بها لدى عنا�صره‪ ,‬بفعل �صالتهم القدمية ب�أ�سامة‬ ‫ب���ن الدن‪ ,‬ويف ح���ال غيابهم ال ي�ستبعد حدوث نوع م���ن الفراغ القيادي‪,‬‬ ‫بحيث ي�صعب على �أفراد التنظيم االلتفاف حول قيادة موحدة‪.‬‬ ‫وبالت���وازي مع ذلك‪ ,‬تراجع حجم الت�أييد والدعم الذي كانت حتظى‬ ‫ب���ه القاعدة ل���دى الر�أي الع���ام املحلى‪ ,‬وفق���دت الكثري م���ن جاذبيتها‬ ‫وقدرتها على الإقناع وح�شد الأن�صار واملتعاطفني‪ ,‬وبالأخ�ص يف الفرتة‬ ‫الأخرية‪ ,‬بعد �أن ح ّولت جزء ًا من ن�شاطها �إن مل يكن معظمه‪ ,‬ل�ضرب‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪129 2009‬‬


‫مدار الأفكار‬

‫�سجال‬

‫تقييم قوة القــــــــــــاعدة فـي اليمن‬

‫�أه���داف وم�صال���ح حملية بخ�ل�اف م���ا كان عليه الأم���ر يف املرحلة‬ ‫املا�ضية‪ ،‬وهو ما �سحب الب�ساط من القاعدة‪ ,‬وزاد من �أعداد منتقديها‬ ‫�إىل درجة �أن الر�أي العام اليوم مل يعد ينظر �إىل القاعدة كقوة مناه�ضة‬ ‫للهيمن���ة الأمريكي���ة والغربية ومدافعة عن امل�سلم�ي�ن وق�ضاياهم‪ ,‬و�إمنا‬ ‫�ص���ار ينظر �إليها من قب���ل الغالبية كم�صدر من م�ص���ادر تهديد الأمن‬ ‫واال�ستق���رار الداخل���ي وال�سيما بع���د الت�صريحات الت���ي �أطلقها حممد‬ ‫الع���ويف للتلفزيون ال�سع���ودي‪ ,‬والتي ذك���ر فيها وجود عالق���ة ارتباطية‬ ‫ب�ي�ن القاع���دة واحلوثيني‪ ,‬ثم زاد الطني بلة يف ف�ت�رة تالية �إعالن زعيم‬ ‫التنظي���م نا�صر الوحي�شي منت�صف هذا الع���ام ‪ 2009‬دعمه ووقوفه �إىل‬ ‫جانب القوى املطالب���ة بفك االرتباط بني جنوب اليمن و�شماله‪ ,‬وهو ما‬ ‫مل يكن يتوقعه خ�صوم القاعدة ناهيك عن م�ؤيديها‪.‬‬ ‫هن���اك �أي�ض ًا تراج���ع على م�ست���وى الفكرة‪ ,‬حيث الق���ت �إيديولوجيا‬ ‫القاع���دة نقد ًا جذري��� ًا يف ال�سنوات الأخ�ي�رة‪ ,‬مما �أفقده���ا الكثري من‬ ‫اجلاذبية‪ .‬فقد تزايدت موجة الرف�ض لأطروحاتها‪ ,‬لي�س من امل�ؤ�س�سات‬ ‫الدينية الر�سمي���ة وح�سب‪ ,‬بل ومن معظم التي���ارات الإ�سالمية وعلماء‬ ‫الدين امل�ؤثرين داخل ال�ساحة اليمنية وخارجها‪ ،‬ونلم�س ذلك من تراكم‬ ‫الكتاب���ات النقدي���ة لفكر القاع���دة‪ ,‬وتعايل الأ�صوات املن���ددة بن�شاطها‬ ‫بع���د �أن كان الكث�ي�ر من العلماء والتي���ارات الديني���ة يف ال�سابق يكتفون‬ ‫بال�صمت‪.‬‬

‫؟‬

‫«تراجع قوة تنظيم القاعدة‬ ‫يف ال�سعودية‪ ,‬والتي ظلت‬ ‫ل�سنوات مركزاً رئي�سياً‬ ‫للعمليات والتجنيد والتعبئة‬ ‫والتمويل‪� ,‬سي�ؤثر �سلباً يف‬ ‫قوة التنظيم يف اليمن»‬ ‫عاي�ش عوا�س‬ ‫‪130‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫�أيديولوجيا يف انح�س��ار‬ ‫وكان لربنامج احلوار الذي‬ ‫اتبعته احلكومة اليمنية مع عنا�صر تنظيم القاعدة دور م�ؤثر يف تفكيك‬ ‫ونق����ض الأ�س�س ال�شرعية التي متثل �إلهام��� ًا لعنا�صر التنظيم وقياداته‪,‬‬ ‫وخا�ص���ة ما يت�صل منها باجلهاد يف بل���دان امل�سلمني وطاعة وىل الأمر‪.‬‬ ‫�صحيح �أن نتائج الربنامج مل تكن م�ضمونة بن�سبة مائة يف املائة‪ ,‬لكنها‬ ‫يف املجمل كانت �أكرث من �إيجابية‪ ,‬فمن بني حوايل ثالثمائة �شخ�ص مت‬ ‫�إط�ل�اق �سراحهم مبوجب هذا الربنامج‪ ،‬مل يع���د منهم ملمار�سة ن�شاط‬ ‫القاع���دة �سوى �سبعة يف املائة‪ ,‬وهو �أمر معقول بالنظر �إىل النتائج التي‬ ‫�أ�سفرت عنها برامج مماثلة يف بلدان �أخرى‪ .‬و�أح�سب جازم ًا �أن ظاهرة‬ ‫املراجعات اجلهادية التي بد�أتها اجلماعة الإ�سالمية يف م�صر‪ ,‬ثم تالي ًا‬ ‫يف ال�سعودي���ة عرب م�شروع املنا�صحة الذي يج���رى تنفيذه منذ �سنوات‪,‬‬ ‫�سيكون لها �صدى وا�سع ًا داخل اليمن‪.‬‬ ‫ي�ضاف �إىل ذلك �أن البيئية الفكرية واملجتمعية يف اليمن غري مواتية‬ ‫النت�ش���ار فك���ر القاع���دة و�أطروحاته���ا‪ .‬فاملجتمع اليمن���ي معروف عرب‬ ‫التاريخ بالت�سامح واالنفتاح على الغري بدليل انت�شار الرعايا اليمنيني يف‬ ‫خمتلف �أ�صقاع الأر�ض‪ ,‬وخفوت حدة التناق�ضات املذهبية والدينية بني‬ ‫مكوناته‪ ,‬وقبول املجتمع اليمني بالتعاي�ش مع طوائف لها ديانات مغايرة‬ ‫ملعتقدات���ه منذ مئات ال�سنني‪ ,‬ويف املقدمة منه���ا الطائفة اليهودية التي‬ ‫توج���د يف اليمن من قبل ظه���ور الإ�سالم وحتى يومنا هذا‪ ،‬وبالتايل ف�إن‬ ‫جمتمع��� ًا منفتح ًا �إىل هذه الدرجة ال ميكن �أن ينزع �إىل معاداة الأجانب‬ ‫لأن���ه‪� ،‬إن فعل ذلك‪� ،‬سيكون �أول املت�ضرري���ن بحكم �أن الكثري من �أبنائه‬ ‫يقيمون يف دول �أجنبية‪.‬‬ ‫وخال�ص���ة م���ا ميك���ن قوله يف ه���ذا اجلانب‪ ,‬ه���و �أن الفك���ر املنغلق‬ ‫واملت�ش���دد يعترب بالن�سب���ة لليمن �أمر ًا طارئ ًا‪ ,‬ولي����س له جذور عميقة يف‬ ‫املجتمع اليمني‪ ,‬بحيث ي�صع���ب اجتثاثه والق�ضاء عليه‪ ,‬بل على العك�س‬ ‫م���ن ذلك‪ ,‬ميك���ن ا�ستغالل امل���وروث التاريخ���ي يف ن�شر قي���م الت�سامح‬ ‫والو�سطية‪ ,‬ونبذ ثقافة العنف والكراهية‪.‬‬ ‫دومين��و ال�ض��عف‬ ‫و�إذا كان البع����ض ينظ���ر �إىل اندماج‬ ‫تنظيمي القاع���دة ال�سعودي واليمني يف كيان واح���د كداللة على تزايد‬ ‫قوة التنظيم وح�ضوره يف اليمن‪� ,‬إال �أن ذلك يحمل ‪ -‬بر�أيي ال�شخ�صي ‪-‬‬ ‫داللة مغايرة‪ ,‬فا�ستناد ًا �إىل جتربة الفرتة املا�ضية‪ ,‬جند �أن قوة ح�ضور‬ ‫القاع���دة يف الأرا�ضي اليمنية‪ ,‬وزيادة قوتها �أو نق�صانها ارتبطت دائم ًا‬ ‫بعوامل وظ���روف خارجية بدرجة رئي�سية‪ .‬وعليه ف�إن تراجع قوة تنظيم‬

‫القاع���دة يف ال�سعودي���ة‪ ,‬والت���ي ظلت ل�سن���وات كما ي���رى بع�ض املحللني‬ ‫مرك���ز ًا رئي�سي��� ًا للعملي���ات والتجنيد والتعبئ���ة والتمويل‪� ,‬سي�ؤث���ر �سلب ًا‬ ‫يف ق���وة التنظيم يف اليمن‪ ,‬ب���ل وم�ضاعفة حجم العوائ���ق �أمام حركته‬ ‫ون�شاط���ه‪ ,‬وال�سيما بالنظ���ر �إىل نتائج التحقيق���ات يف الفرتة املا�ضية‪,‬‬ ‫والت���ي �أو�ضحت �أن متويل عملي���ات القاعدة ي�أتي من م�صادر خارجية‪،‬‬ ‫و�أن معظ���م منفذي الهجم���ات العنيفة التي �شهدته���ا اليمن وبالأخ�ص‬ ‫يف �أواخ���ر عقد الت�سعينات من القرن املا�ض���ي‪ ,‬وبداية العقد الأول من‬ ‫الق���رن اجلاري كانوا غري مينيني‪� ,‬أو ميني�ي�ن مت جتنيدهم يف اخلارج‪,‬‬ ‫وعلي���ه ف�إن جناح احلكومة ال�سعودية يف ت�ضيي���ق اخلناق على التنظيم‬ ‫داخل �أرا�ضيها �سي�ؤدي �إىل �إ�ضعاف القاعدة يف اليمن‪.‬‬ ‫وباملثل‪ ،‬ف�إن تراجع قوة القاعدة يف العراق �إىل �أدناها بعد ت�صاعد‬ ‫موجة عداء الع�شائر العراقية لعنا�صر التنظيم يف الفرتة الأخرية‪ ،‬من‬ ‫�ش�أن���ه �أن يح ّد م���ن فاعلية القاعدة ون�شاطها يف اليم���ن‪ ,‬خ�صو�ص ًا �إذا‬ ‫علمن���ا �أن منفذي الهجمات العنيفة التي �شهدتها اليمن منذ عام ‪2006‬‬ ‫كان معظمهم من العائدين من العراق‪.‬‬ ‫و�إذا كان البع����ض ينظر �إىل حماول���ة اغتيال م�ساعد وزير الداخلية‬ ‫حمم���د بن ناي���ف باعتباره���ا م�ؤ�شر ًا يوح���ي بتنامي ق���وة القاعدة‪� ,‬إال‬ ‫�أن���ه ال ميك���ن الت�سليم بر�أي كهذا على وجه الإط�ل�اق‪ ,‬فبقدر ما تعك�س‬ ‫احلادث���ة ق���درة التنظيم عل���ى تطوير �أ�ساليب���ه وجتدي���د تكتيكاته مبا‬ ‫يتنا�سب وظروف املرحلة‪ ,‬وهو �أمر متوقع‬ ‫بالن�سبة للتنظيمات العنيفة‪ ،‬والتي دائم ًا‬ ‫م���ا تفكر خ���ارج امل�أل���وف وغ�ي�ر املتوقع؛‬ ‫بق���در م���ا �ستك���ون دافع��� ًا قوي��� ًا وحافز ًا‬ ‫�إ�ضافي��� ًا لت�شديد الإجراءات الأمنية �ضد‬ ‫القاع���دة يف ال�سعودي���ة واليم���ن على حد‬ ‫�سواء‪� .‬صحي���ح �أن جهود البلدين يف هذا‬ ‫املجال ما�ضية من���ذ �سنوات لكن الهجوم‬ ‫يعد الأول من نوعه الذي ي�ستهدف ع�ضو ًا‬ ‫يف الأ�سرة احلاكمة ال�سعودية‪ ,‬ومن ّثم ال‬ ‫ي�ستبعد �أن يك���ون رد الفعل خالل الفرتة‬ ‫القادم���ة خارج ًا عن امل�أل���وف �أي�ض ًا ومبا‬ ‫يقلب املعادلة ر�أ�س ًا على عقب‪.‬‬ ‫�إ�ضاف ًة �إىل ذلك‪ ,‬ف�إن البيئة املحيطة‬

‫عل���ى امل�ست���وى الإقليم���ي وال���دويل ال ميك���ن �أن ت�سمح �أو تقب���ل بتنامي‬ ‫ح�ض���ور القاعدة وقوته���ا يف اليمن؛ ملا ي�شكله ذلك م���ن تهديد مل�صالح‬ ‫الدول الك�ب�رى والقوى الفاعلة يف املنطقة و�أمنه���ا‪ ,‬ولعلها املرة الأوىل‬ ‫يتوح���د فيه���ا املجتمع ال���دويل �ضد ع���دو م�شرتك‪ ,‬وه���و يف هذه‬ ‫الت���ي ّ‬ ‫احلال���ة تنظي���م القاعدة يف �سابق���ة ال مثيل لها عرب التاري���خ الإن�ساين‬ ‫الطوي���ل‪ ،‬وي�ستحي���ل بالتايل جن���اح التنظي���م يف اليم���ن �أو غريها من‬ ‫البل���دان الأخ���رى‪ ,‬وهو يواج���ه هذا الع���دد الهائل من الأع���داء‪ ,‬ما مل‬ ‫حت���دث حتوالت جذرية ي�صعب على العق���ل الب�شري تخ ّيلها يف اللحظة‬ ‫ً‬ ‫ف�ض�ل�ا ع���ن ذلك‪ ,‬فق���د تغريت الظ���روف املحلي���ة‪ ,‬ومل يعد‬ ‫الراهن���ة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ب�إمكان القاعدة ممار�سة ن�شاطه���ا بي�سر و�سهولة‪ ,‬وخ�صو�صا يف �ضوء‬ ‫التغريات الت���ي �شهدتها امل�ؤ�س�سة الأمنية يف الف�ت�رة الأخرية‪ ,‬واملتمثلة‬ ‫يف �إن�ش���اء �أجه���زة جديدة متخ�ص�ص���ة يف مكافحة الإره���اب‪ ,‬وتو�سيع‬ ‫االنت�ش���ار الأمني‪ ,‬وت�شديد الرقابة الأمني���ة يف املنافذ الربية والبحرية‬ ‫وغريه���ا من الإجراءات الأخرى‪ ,‬وال �ش���ك �أن خطوات من هذا القبيل‬ ‫ت�ش���كل قيود ًا �إ�ضافية عل���ى ن�شاط تنظيم القاع���دة وحتركاته‪ .‬لكن ما‬ ‫�سب���ق ال يعني �أن التنظيم بات عل���ى �شفا جرف هار‪� ،‬أو �أن نهايته باتت‬ ‫و�شيكة‪ ,‬و�إمن���ا ما نق�صده حتديد ًا �أن قدرته �ص���ارت �أقل فاعلية بكثري‬ ‫مما كانت عليه من قبل‪.‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪131 2009‬‬


‫مدار الأفكار‬

‫املائدة امل�ستديرة‬

‫ب�صراحة‬

‫�سجال‬

‫ب�صراحة مع الدكتور �أحمد الدغ�شي‬

‫جدلية الديني‬ ‫وال�سيا�سي يف امل�شهد اليمني‬

‫مدارات ا�س�تراتيجية‪ :‬يف كتابك الأخري حول «الظاهرة‬ ‫احلوثي��ة‪ :‬درا�س��ة منهجي��ة �ش��املة»‪ ،‬ذك��رت �أن احلوثي�ين‬ ‫ه��م امت��داد للمذه��ب الزي��دي ب�ش��قه اجل��ارودي‪ ،‬و�أنه��م ال‬ ‫ميتّون ب�ص��لة �إىل الت�شيع االثني ع�ش��ري اجلعفري‪ .‬من �أين‬ ‫ا�ستنتجت مثل هذه اخلال�صة؟‬ ‫الدغ�ش��ي‪ :‬و�صل���ت �إىل ه���ذه النتيجة م���ن خالل وثيق���ة علمية ‪-‬‬ ‫�سج���ل للأ�ستاذ ح�سني بدر‬ ‫�إن �ص���ح التعبري ‪ -‬وهي عب���ارة عن در�س ُم ّ‬ ‫الدين احلوث���ي عنوانه «الإمامية والزيدية»‪ ،‬يتن���اول فيه �أوجه االتفاق‬ ‫واالخت�ل�اف بني الزيدي���ة والإمامية‪ .‬ويبد�أ بتقري���ر حقيقة موجودة �أو‬ ‫مثبت���ة لدى جملة املذاهب الإ�سالمية ال�سني���ة وال�شيعية وهي �أن هناك‬ ‫�إمام ًا منتظر ًا‪ ،‬ولكنه يختلف مع االثني ع�شرية يف هذه النقطة بتقريره‬ ‫�أن الإمام املهدي املنتظر لي�س هو الإمام الثاين ع�شر الذي تدع ّيه االثنا‬ ‫ع�شري���ة‪ ،‬ويو�سعها ت�سخيف ًا و�سخري ًة ويت�ساءل‪« :‬ملاذا ال يخرج �أو يظهر‬ ‫ه���ذا الإمام حتى لعلمائنا؟»‪ ،‬فهو ي�ستهجن هذه الفكرة جد ًا‪ ،‬ويعتربها‬ ‫خرافي���ة بامتي���از‪ .‬ثم ينتق���ل بعد ذل���ك �إىل الآراء الفقهي���ة مثل املتعة‬ ‫وا ُ‬ ‫خلم����س‪ ،‬و�أي�ض��� ًا ُي�ش ِّنع كثري ًا عليها ويحذر م���ن �أن يتقبلها اليمنيون‪،‬‬ ‫«ول���ن يتقبلوها ل�شهامتهم ودينه���م ومذهبهم» كما يق���ول‪ ،‬وبالتايل ال‬ ‫ميك���ن قبول املتعة وال ا ُ‬ ‫خلم�س‪ ،‬ويحذر متام ًا من �إحالل املذهب االثني‬ ‫ع�ش���ري يف اليم���ن‪ ،‬و�إن كان يقول �إنه يدرك ب�أن الو�ضع املادي ال�صعب‬ ‫يف اليمن هو من يقف وراء �إحالل املذهب االثني ع�شري يف هذا البلد‪،‬‬

‫‪132‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫(‬

‫(‬

‫ابت ��داءاً م ��ن كتابه الأخري «الظاهرة احلوثي ��ة‪ :‬درا�سة منهجية �شاملة»‪ ،‬مروراً بق�ضاي ��ا �ساخنة على ال�ساحة اليمنية‪،‬‬ ‫كاحل ��رب يف �صع ��دة و�أبعادها املحلية والإقليمية‪ ،‬ومدى تداخل الديني وال�سيا�سي يف هذه احلرب‪ ،‬و�صو ًال �إىل موقع‬ ‫ودور اجلماعات الدينية وطبيعة حتالفاتها �ضمن اخلارطة ال�سيا�سية اليمنية‪ ،‬وحقيقة التحالف بني تنظيم القاعدة‬ ‫واملتمردي ��ن احلوثي�ي�ن‪ ،‬بالإ�ضاف ��ة �إىل العالقة بني الأحزاب ال�سيا�سية ومدى االتف ��اق واالختالف فيما بينها حول‬ ‫�أحداث �صعدة؛ كل ذلك وق�ضايا �أخرى مهمة وخمتلفة ناق�شها الكاتب والباحث يف �ش�ؤون احلركات الإ�سالمية نبيل‬ ‫البك�ي�ري يف ح ��وار �صريح وجريء م ��ع الدكتور �أحمد الدغ�ش ��ي‪ ،‬الباحث املتخ�ص�ص يف فل�سف ��ة الرتبية الإ�سالمية‪،‬‬ ‫و�أحد املفكرين املهتمني واملتابعني لن�ش�أة وتطور وم�سار احلركات الإ�سالمية يف املنطقة‪ ،‬خطاباً وم�ساراً حركياً‪.‬‬

‫و�أن الذين يذهبون �إىل احلوزات يف ُقم وغريها ف�إنهم يذهبون «للرت ّزق‬ ‫وطلبة اهلل» على حد تعبريه‪.‬‬ ‫هذه الوثيقة غيرّ ت يف نظرتي �إىل الرجل؛ ف�أنا كنت �أعتقد‪ ،‬وخا�صة‬ ‫بع���د �أن ق���ر�أت ن�ص ًا لعلي الك���وراين يف موقعه يورد رواي���ات ت�شري �إىل‬ ‫�أن التمهي���د للإمام املنتظ���ر �سي�أتي من اليمن م���ن منطقة بني خوالن‬ ‫و�صع���دة والرجل ال���ذي �سيقود الأمر ا�سمه ح�س���ن �أو ح�سني‪ ،‬فقلت �أن‬ ‫ه���ذا حت�ضري �إيراين لل�سيطرة على املنطق���ة بخلفية دينية‪ ،‬لكن ما �إن‬ ‫ا�ستمع���ت ّ‬ ‫واطلعت بالأحرى عل���ى هذا ال�شريط حت���ى �أدركت �أنه لي�س‬ ‫هناك عالقة وال تنا�سب بني احلوثي واالثني ع�شرية ‪.‬‬ ‫وباملنا�سب���ة فق���د كان ح�س�ي�ن احلوث���ي جارودي ًا‪ ،‬لك���ن ال يعني هذا‬ ‫بال�ض���رورة �أنه ملتزم باجلارودية التزام ًا كلي��� ًا‪ ،‬فهو انتقائي �أكرث منه‬ ‫ملتزم ًا مبذهب‪ ،‬وهو انتقائي �أكرث منه تقليدي‪ ،‬لذلك ال جتده يتفق مع‬ ‫�أحد‪ .‬فه���و ال يتفق مع االثني ع�شرية وال م���ع الزيدية بفرقها املختلفة‪،‬‬ ‫كم���ا ال يتف���ق مع كث�ي�ر ممن ُيح�سب���ون علي���ه‪ ،‬فتج���ده ذا روح متمردة‬ ‫خارجة عن امل�ألوف‪ .‬وهذا قد يكون جانب ًا �إيجابي ًا يف تكوين �شخ�صيته‬ ‫لك���ن رف�ضه هذا �أف�ضى �إىل العنف‪ ،‬حت���ى يف تكوين ال�شخ�صية ذاتها‪،‬‬ ‫�إذ جتده اق�صائي ًا للمخالف القريب قبل البعيد‪ ،‬فلديه نوع من الغلو يف‬ ‫اخلالف لي�س مع الآخر القريب الن�سبي مثل االثني ع�شرية‪ ،‬ناهيك عن‬ ‫ال�سنة بل يف �إطار الزيدية اخلال�صة كذلك‪ ،‬كاجلارودية والهادوية‪.‬‬ ‫ُّ‬

‫(‬

‫)‬

‫هناك من يقول �أن «الظاهرة احلوثية» يف ن�سختها الأخرية‬ ‫الت��ي يقوده��ا عبداملل��ك احلوثي تق�ترب كثري ًا يف �ش��عاراتها‬ ‫و�سيا�س��تها و�إيديولوجيته��ا م��ن جتربة ح��زب اهلل اللبناين‪،‬‬ ‫مم��ا يعطي انطباع ًا ما ب���أن هناك طرف ًا �آخ��ر يف الأمر ممث ًال‬ ‫ب�إي��ران التي �أنتجت وتبنّت حزب اهلل يف لبنان‪� .‬إىل �أي مدى‬ ‫ميكن �أن ي�صدق مثل هذا القول؟‬ ‫�إن الت�أكي���د على احلقيقة ال�سابقة‪ ،‬وه���ي �أنه لي�س هناك عالقة بني‬ ‫املذه���ب االثني ع�شري وفكر ح�سني احلوثي حتديد ًا‪ ،‬ال يعنى بال�ضرورة‬ ‫�أن���ه لي����س هناك عملي���ة ت�أثر ببع����ض ال�شخ�صي���ات يف مقدمتها الإمام‬ ‫اخلمين���ي �أو ال�سي���د ح�سن ن�ص���ر اهلل‪ ،‬فهو ُي ِقر وي�ؤك���د هذا بني احلني‬ ‫والآخ���ر حتى يف �شريطه ع���ن «الإمامية والزيدية»‪ .‬لكن���ه ي�ؤكد �أن هذا‬ ‫الإعجاب هو �إعجاب بالروح الثورية املتمردة التي يحملها ه�ؤالء القادة‪،‬‬ ‫ويقول �إن اخلميني لو ظل ملتزم ًا باملذهب االثني ع�شري ملا كان اخلميني‬ ‫ال���ذي عرفناه‪ ,‬وكذلك ال�سيد ح�س���ن ن�صر اهلل‪� .‬إن هذين الأخريين قد‬ ‫جت���اوزا مذهبهما على حد تعبريه‪� ,‬أي �أنه بب�ساطة يتخذهم كنماذج يف‬ ‫التغي�ي�ر ولي����س كمنظومة علمية �أو فقهية �أو فكري���ة ميكن الإقتداء بها‪،‬‬ ‫هذا �أمر‪.‬‬ ‫الأمر الث���اين‪ ،‬ال �شك �أن ر�أي ح�سني احلوثي هذا ال يعني بال�ضرورة‬ ‫�أن لي����س هناك من �أتباع���ه �أو من ان�ضوى حتت عباءته من يحمل الفكر‬ ‫االثن���ا ع�شري‪ ,‬وم���ا كان له �أن ُي ِّ‬ ‫حذر يف ال�شريط ال���ذي �أ�شرت �إليه من‬ ‫حماول���ة �إحالل املذهب االثن���ي ع�شري لو كانت ه���ذه املحاوالت لي�ست‬ ‫ذات ت�أث�ي�ر‪ .‬وك���وين �أ�ؤكد �أن ح�س�ي�ن احلوثي لي�س اثن���ا ع�شري ًا ال ينفى‬ ‫�أن���ه لي�س هناك حتت عباءته من لي����س اثنا ع�شري ًا �أو من املتحولني �إىل‬ ‫االثني ع�شرية‪ ،‬وكونه ُيح ّذر ي�ؤكد ذلك‪ .‬ثم �أنه عندما قامت املواجهات‪،‬‬ ‫بدا يل �أن هناك تدخ ًال خارجي ًا �إيراني ًا من خالل قرائن كثرية‪� ،‬أهمها‬ ‫الدع���م الإعالمي‪ ،‬و�إن كان هذا يف الواقع لي�س دلي ًال يرقى �إىل م�ستوى‬ ‫الدليل املادي لكن يظل قرينة‪.‬‬ ‫�أم���ا القرين���ة الأكرب والتي قد ترق���ى �إىل م�ستوى الدلي���ل وت�ؤكد �أن‬ ‫هن���اك ارتباط ًا م���ا‪ ،‬فهي عملية الت�أث���ر بال�شعار الإي���راين اللبناين عن‬ ‫طري���ق ح���زب اهلل («اهلل �أكرب‪ ،‬املوت لأمريكا‪ ،‬امل���وت لإ�سرائيل‪ ،‬اللعنة‬ ‫عل���ى اليهود»)‪ .‬ف� ً‬ ‫ضال عن ذلك‪ ،‬االحتف���ال مبا يعرف بيوم الغدير على‬ ‫ً‬ ‫ه���ذا النحو الذي مل يكن معروفا يف اليمن به���ذه الطقو�س‪� .‬إن هذا كله‬ ‫ي�ؤك���د �أن هناك ت�أث���ر ًا‪ ،‬لكن هذا الت�أثر ما ي���زال ‪ -‬يف ظني ‪ -‬يف �إطاره‬ ‫ال�سيا�س���ي �أك�ث�ر منه الفكري‪ ،‬وي�ؤك���د هذا فكر الرج���ل امل�ؤ�س�س ح�سني‬ ‫احلوثي‪ ،‬لكن هذا ال ينفى �أن هناك �أتباع ًا يحملون هذا الفكر ويزعمون‬ ‫�أنهم حوثيون‪.‬‬ ‫لكن هل �صحيح ما يقال عن وجود جهات يف النظام �أ�سهمت‪،‬‬ ‫ب�ش��كل �أو ب�آخر‪ ،‬يف �إنتاج مثل هذا اجلو املذهبي امل�ؤدلج الذي‬ ‫قادن��ا �إىل هذه الدوامة التي ح ّولت اليمن �إىل م�س��رح للقوى‬ ‫والأطراف الإقليمية والدولية لت�صفي ح�ساباتها على تراب‬ ‫البلد؟‬ ‫للإجاب���ة عل���ى هذا ال�س����ؤال ينبغي �أن نبحث يف ن�ش����أة الظاهرة من‬ ‫�أ�سا�سه���ا‪ ،‬والت���ي �ساهم���ت فيه���ا �أط���راف حم�سوبة عل���ى خ�صوم هذه‬ ‫الظاهرة اليوم‪� .‬إننا �إذا عدنا �إىل ن�ش�أتها احلديثة �سنجد �أنها ن�ش�أت‬

‫�أحمد حممد ح�سني الدغ�شي‬ ‫باحث متخ�ص�ص يف فل�سفة الرتبية الإ�سالمية‪.‬‬ ‫م���ن موالي���د ‪� 12‬أيلول‪�/‬سبتم�ب�ر ‪ ،1966‬قري���ة (بي���ت الدغ�ش���ي)‪ ،‬احليم���ة‬ ‫اخلارجية ‪ -‬حمافظة �صنعاء‪.‬‬ ‫حا�صل عل���ى بكالوريو�س تربية‪ ،‬ق�سم الدرا�س���ات الإ�سالمية‪ ،‬كلية الرتبية ‪-‬‬ ‫جامعة �صنعاء‪.1990 ،‬‬ ‫حجة – جامعة �صنعاء منذ عام ‪.1991‬‬ ‫ُعينّ معيد ًا يف كلية الرتبية‪ّ ،‬‬ ‫حا�ص���ل على املاج�ست�ي�ر يف �أ�صول الرتبي���ة الإ�سالمية م���ن جامعة الريموك‬ ‫الأردني���ة‪� ،‬سن���ة ‪( 1995‬عن���وان الر�سال���ة‪ :‬الأ�سا����س الفط���ري يف الرتبي���ة‬ ‫الإ�سالمية)‪.‬‬ ‫حا�صل على دكتوراه الفل�سفة يف الرتبية من جامعة اخلرطوم – ال�سودان �سنة‬ ‫‪( 1998‬عنوان الأطروحة ‪ :‬نظرية املعرفة يف القر�آن وت�ضميناتها الرتبوية)‪.‬‬ ‫ُع�ّي�نّ عمي���د ًا لكلي���ة الآداب والرتبية يف جامع���ة الأندل�س الأهلي���ة ابتدا ًء من‬ ‫ت�شرين الأول‪�/‬أكتوبر ‪.2005‬‬ ‫انتق���ل �إىل كلي���ة الرتبي���ة بجامع���ة �صنعاء‪� ،‬أ�ست ً‬ ‫���اذا م�ش���ارك ًا يف ق�سم �أ�صول‬ ‫الرتبية يف �شهر كانون الأول‪/‬دي�سمرب ‪.2005‬‬ ‫ع�ضو احتاد الرتبويني العرب‪.‬‬ ‫م�ست�شار تربوي و�شرعي ملوقع الإ�سالم اليوم‪ ،‬مكتب �صنعاء‪.‬‬ ‫�أ�شرف على كثري من ر�سائل املاج�ستري‪ ,‬كما �أنه قد ناق�ش عدد ًا من الر�سائل‬ ‫يف جامعات خمتلفة‪.‬‬ ‫من م�ؤلفاته املن�شورة‪:‬‬ ‫ نظري���ة املعرف���ة يف الق���ر�آن وت�ضميناته���ا الرتبوي���ة‪ ,‬املعه���د العامل���ي للفكر‬‫الإ�سالمي‪ :‬الواليات املتحدة الأمريكية‪ ,‬هريندن – فريجينيا‪.2002 ,‬‬ ‫ مواق���ف الإ�سالمي�ي�ن م���ن �أزمة اخللي���ج‪ :‬درا�س���ة نقدية �إ�صالحي���ة‪ ،‬مكتبة‬‫الإر�شاد ب�صنعاء‪.1992 ،‬‬ ‫ مقدم���ات �أرب���ع �أولي���ة يف فق���ه امل���ر�أة املعا�صرة‪ ،‬املنت���دى اجلامع���ي للن�شر‬‫ب�صنعاء‪.2002 ،‬‬ ‫ �أه���ل ال�سن���ة واجلماع���ة‪� :‬إ�ش���كال يف الفه���م �أم يف املفهوم؟‪ ،‬مرك���ز عبادي‬‫للدرا�سات والن�شر ب�صنعاء‪.2003 ،‬‬ ‫ التقري���ب ب�ي�ن ال�سنة وال�شيعة واخل�ل�اف ال�سلفي – ال�سلف���ي يف اليمن‪ :‬فقه‬‫الع�ب�رة وحتمية املراجعة (ر�سالتان يف كت���اب)‪ ،‬مركز عبادي للن�شر ب�صنعاء‪،‬‬ ‫‪.2004‬‬ ‫ �ص���ورة الآخر يف فل�سفة الرتبية الإ�سالمية‪� ،‬ص���در عن جملة املعرفة التابعة‬‫لوزارة الرتبية والتعليم يف اململكة العربية ال�سعودية ‪ -‬الريا�ض‪.2004 ،‬‬ ‫ الأ�سا����س الفطري يف الرتبية الإ�سالمي���ة‪ ،‬دار الوفاء بالإ�سكندرية ‪ -‬م�صر‪،‬‬‫‪.2006‬‬ ‫ ق���راءة ح�ضاري���ة يف �إ�شكاالت فكري���ة معا�صرة‪ :‬من مي ِّث���ل الإ�سالم؟‪ ،‬مركز‬‫الناقد الثقايف بدم�شق‪.2008 ،‬‬ ‫ الظاهرة احلوثية‪ :‬درا�سة منهجية �شاملة‪ ،‬مكتبة خالد بن الوليد ودار الكتب‬‫اليمنية ب�صنعاء‪.2010 ،‬‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪133 2009‬‬


‫ر�سمي��� ًا بع���د قي���ام الوحدة اليمني���ة يف عام ‪ ،1990‬كم���ا �أعلن ذلك لبنان �إىل غزة و�أخريا ‪ -‬ولي�س �آخر ًا ‪ -‬اليمن‪ ،‬فما هي مالمح‬ ‫الأم�ي�ن العام الأ�سبق ملا عرف بال�شباب امل�ؤم���ن‪ ،‬الأ�ستاذ حممد �سامل امل�شروع ال�سعودي يف خ�ضم هذه الأحداث؟‬ ‫ع���زان‪ ،‬لكنها مل تن�ش�أ وحدها بعوام���ل ذاتية بل بدعم من ال�سلطة كما‬ ‫�أعتق���د �أن هناك م�شروع��� ًا �سعودي ًا‪ .‬نعم‪ ،‬قد يختل���ف عن امل�شروع‬ ‫�ص���رح بذلك الرئي�س على عبد اهلل �صال���ح‪ ،‬و�أكد ذلك الأ�ستاذ حممد‬ ‫الإي���راين رمبا يف �أهداف���ه ويف طبيعته ويف امتدادات���ه‪ ،‬لكنه يحمل يف‬ ‫ع���زان ال���ذي ذكر �أنه كان يتلق���ى دعم ًا �شهري ًا مق���داره ‪ 400.000‬ريال‬ ‫داخله كاي م�شروع التطلع �إىل مد النفوذ �إىل �أكرث من مكان‪ .‬لقد امتد‬ ‫ميني‪ ،‬والرئي�س اعرتف به���ذا وقال �أنه قام به لدعم االعتدال‪ ،‬و�أنه ال‬ ‫امل�ش���روع ال�سعودي �إىل الغرب يف املراكز الإ�سالمية هناك‪ ،‬و�أعتقد �أن‬ ‫يريد �أحد ًا �أن ميد يده للخارج �إذا مل يجد من مل يعينه من الداخل‪ .‬وال‬ ‫امل�شكلة الكربى �أن الأقليات امل�سلمة يف الواليات املتحدة ويف الغرب لها‬ ‫�شك يف �أن هذا قد �أ�سهم يف تعزيز وجود الظاهرة احلوثية و�إ�شهارها‪،‬‬ ‫ارتباطات بالأنظمة ويف مقدمتها النظام ال�سعودي‪ ،‬والذين يعي�شون يف‬ ‫ً‬ ‫لأنه���ا وجدت دعما من ال�سلط���ة والدولة‪ ،‬وهذا ما �أكده بع�ض الباحثني الغرب ي�شكون كثري ًا من ّ‬ ‫تدخل ال�سلطات ال�سعودية يف العمل الإ�سالمي‬ ‫واملراقب�ي�ن ب�أن امل�س�ألة م�شك���وك فيها من حيث �أن���ه كان يرجى بذلك‬ ‫هناك‪.‬‬ ‫دعم االعتدال و�إمنا كان لغر�ض �سحب الب�ساط من حتت �أقدام جهات‬ ‫�إذا كان امل�شروع الإيراين يف ظاهره م�شروع ثوري تو�سعي‪،‬‬ ‫�أخ���رى كالإ�صالح‪ ،‬وه���ذه م�شكلة يف النهاية �أف�ض���ت �إىل هذه الكارثة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫والواق���ع �أن �سيا�سة الدعم هذه ل�ضرب هذا �أو للتقليل من �ش�أنه �أف�ضت وترتك��ز �سيا�س��اته �أحيان��ا عل��ى مقارب��ات ول��و ب�س��يطة يف‬ ‫املذاهب‪ ،‬لكن امل�شروع ال�سعودي على �أي �أ�سا�س يرتكز؟‬ ‫�إىل هذه الكارثة‪ ،‬ولذا ينبغي �أن نكف عن مثل هذه ال�سيا�سة مطلق ًا‪.‬‬ ‫يبدو �أن الذاكرة عندنا �ضعيف���ة جد ًا‪ ،‬فال�سعودية متوغلة يف اليمن‬ ‫م��اذا عن بع���ض الت�ص��ريحات والتلميحات التي ت�ص��درها‬ ‫ب�ين فرتة و�أخ��رى جهات يف احلكومة وتذه��ب �إىل �أن هناك �إىل اللحظة عرب م�شايخ ورموز‪.‬‬ ‫تدخ�ل ًا خارجي ًا يف الأمر ويق�ص��دون بذلك حتدي��د ًا �إيران‪،‬‬ ‫قد يكون هذا �سيا�سي ًا �صحيح‪ ،‬ولكن فكري ًا كيف؟‬ ‫هل ت��رى فع�ل ًا �أن هناك تدخ�ل ًا �إيراني ًا‬ ‫حتى �إيران لي�ست نافذة فكري ًا‪ ،‬ف�إيران لي�س‬ ‫يف الأمر من قبيل الدعم والت�أييد املادي‬ ‫�إيران تت�صرف بربجماتية‬ ‫له���ا عالقة باملذهب و�إال م���ا عالقتها بحركة‬ ‫واملعنوي لهذا التمرد؟‬ ‫وا�ضحة‪ ،‬و�إذا وجد من يناف�سها‬ ‫حما�س مث ًال‪ ،‬وما عالقتها باجلهاد الإ�سالمي‬ ‫�أو ًال‪ ،‬ينبغي �أن ندرك �أن �إيران ذات م�شروع‬ ‫�أو ينازعها ف�إنها ت�سعى �إىل‬ ‫والت���ي حتت�ضنه���ا �إيران وتدعمه���ا لأكرث من‬ ‫ال يخف���ى عل���ى �أحد‪ ،‬و�أب���رز مناذجه���ا ‪ -‬وهو‬ ‫حتييده كما هو احلال يف اليمن؛‬ ‫عقدين من الزمن‪ ،‬ومل ت�ؤثر �إيران فيها �شيئا‬ ‫من���وذج �سيء بامتياز ‪ -‬هو متددها احلايل يف‬ ‫فوجود ال�سعودية على اخلط‬ ‫يذكر‪ ،‬وعالقتها جيدة باجلهاد وحما�س مع ًا‪.‬‬ ‫العراق‪ ،‬ولكنها ت�سعى �إىل �أن جتد لها امتدادات‬ ‫دفعها �إىل تفويت الفر�صة على‬ ‫�إن ه���ذا يعني �أن الورق���ة املذهبية قد ت�ستغل‬ ‫وح�ض���ور يف �أكرث من م���كان بعيد ًا عن املذهب‬ ‫الوجود ال�سعودي‬ ‫�أحيان ًا لتغطي���ة امل�شروع ال�سيا�س���ي ال �أكرث وال‬ ‫ال�سن���ي وال�شيع���ي‪ .‬واحلقيق���ة �أن لل�سيا�سي�ي�ن‬ ‫�أقل‪� .‬إنها طائفية �أو مذهبية �سيا�سية ال ترتبط‬ ‫ح�ساباته���م‪ .‬فعندما تدعم �إيران حركة حما�س‬ ‫باملذهبية الفقهية �أو الدينية ب�أي �صلة اللهم �إال‬ ‫ً‬ ‫�إىل اللحظة‪ ،‬ف�إن هذا ال عالقة له باملذهب‪ ،‬وعندما وقفت �إيران يوما التوظيف ال�سيا�سي‪ .‬فال�سعودية مث ًال قد ت�ستغل املذهب الوهابي لت�صل‬ ‫م���ع البو�سنة تلك الوقفة امل�شرفة‪ ،‬ف�إن هذا �أي�ض ًا ال عالقة له باملذهب؛ �إىل �أهدافه���ا �إن �صح التعبري‪ ،‬لكن ال عالق���ة لها باملذهب الوهابي وال‬ ‫فالبو�سنيون – كما املنتمني حلركة حما�س ‪�ُ -‬س ّنيون‪.‬‬ ‫عالق���ة لها باملذهب ال�سني ابتدا ًء من حيث االلتزام والعقيدة‪ ،‬ويعرف‬ ‫�إن �إي���ران تت�صرف بربجماتية وا�ضحة ومبا يخدم م�شروعها‪ ،‬و�إذا النا����س جميع ًا �أن عالقة �أم�ي�ركا بال�سعودية من �أق���وى العالقات‪ ،‬و�إن‬ ‫وج���د من يناف�سه���ا �أو ينازعها ف�إنها ت�سع���ى �إىل حتييده كما هو احلال تتخللها بع�ض الأحيان هزات‪.‬‬ ‫يف اليم���ن؛ فوج���ود ال�سعودية عل���ى اخلط‪ ،‬دفعه���ا �إىل تفويت الفر�صة‬ ‫يف ظ��ل الأزمة اخلانقة التي تعي�ش��ها الب�لاد حالي ًا‪ ،‬يرى‬ ‫على الوجود ال�سع���ودي‪ ،‬فالنزاع بينهما وا�ضح‪� .‬إننا ال نقول �أنها حرب بع���ض املراقب�ين �أن ح��زب التجم��ع اليمن��ي للإ�ص�لاح مي��ر‬ ‫بالوكال���ة‪ ،‬ولكن وجود ه���ذا العامل ‪ -‬عامل النزاع من قبل ال�سعودية ‪ -‬ب�أ�ص��عب �أيام��ه‪� ،‬سيا�س��ي ًا‪ ،‬لدرج��ة �أن البع�ض يق��ول �أنه فقد‬ ‫جعل �إيران ت�سعى للتمدد �أكرث‪ ،‬و�إبداء احلر�ص على �أن يكون لها وجود بو�ص��لة توجهاته و�سيا�س��اته‪ .‬ف�إىل �أي مدى‪ ،‬بح�سب ر�أيكم‪،‬‬ ‫�أكرب‪ .‬فال عالقة للأمر هنا باملذهب؛ فاملذهب قد يختلف كما يف حالة ي�صدق مثل هذا التكهن؟‬ ‫احلوث���ي الذي �شدد على ه���ذا التباين‪ ،‬ف� ً‬ ‫ضال عن �أن ال�شواهد الأخرى‬ ‫يف اعتق���ادي �أن ه���ذا الر�أي �صحيح‪ ،‬وهو يذكرن���ا �أو يجب علينا �أن‬ ‫ت�ؤك���د �أن ال عالقة للمذهب‪ ،‬لكن امل�شروع ال�سيا�سي الإيراين بوجه عام‬ ‫نتذكر �أن هن���اك اختالف ًا حقيقي ًا بني الفكر الذي ينتمي �إليه الإ�صالح‬ ‫يريد �أن يكون له ح�ضور وامتداد يف �أي مكان ي�صل �إليه‪.‬‬ ‫ال�سن���ي والفكر الذي ينتمي �إليه احلوثيون وهو الفكر ال�شيعي مبدر�سته‬ ‫هل ن�ستطيع القول ‪ -‬يف املقابل ‪� -‬أن هناك م�شروع ًا �سعودي ًا املعروفة‪ .‬والطرفان مل يكونا عل���ى وفاق طيلة العقود املا�ضية‪� ،‬صحيح‬ ‫يف هذا الإطار‪ ،‬ال�س��يما و�أن امل�شروع الإيراين بد�أ يربز بقوة �أن ه���ذا التباين مل ي�ص���ل �إىل م�ستوى املواجهة لكن لي�س هناك اتفاق‪.‬‬ ‫يف �أكرث من مكان وق�ضية يف املنطقة العربية‪ ،‬من العراق �إىل واجلدي���د يف الأم���ر �أن هن���اك �صيغة «اللق���اء امل�ش�ت�رك» التي جمعت‬ ‫‪134‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫(‬

‫(‬

‫الطرفني مع ًا بوجه من الوجوه من خالل حزب احلق‪.‬‬ ‫و�ض���ع هذه امل�ؤ�س�سات لتلمي���ع �أو جتميل �أو �شرعن���ة ممار�ساتها‪ .‬وهذا‬ ‫ه��ل ه��ذا يعني كما ي�ش��اع م��ن �أن احلوثي�ين مبثابة جناح يقودن���ا �إىل نتيجة مفادها �أن اخلطاب الدين���ي الر�سمي �أ�سهم بق�سط‬ ‫وافر يف الت�أزمي الذي ن�شاهده اليوم‪.‬‬ ‫ع�سكري حلزبي احلق واحتاد القوى ال�شعبية؟‬ ‫يف ح��وار �س��ابق قل��ت �إن التدي��ن احلرك��ي �أخ��ذ يرتاجع‬ ‫وا�ضح �أن هناك اهتمام ًا وتعاطف ًا‪ ،‬فحزب احلق هو حزبهم الأ�صلي‬ ‫(ح���زب ح�سني وح���زب �أبيه و�آل احلوث���ي)‪ ،‬ووج���ود الطرفني يف هذا كثري ًا حل�س��اب التدين التقليدي املتمثل باجلماعات ال�سلفية‬ ‫الإط���ار على نح���و �أو �آخر هو اجلديد يف الأمر‪ .‬ولذلك ف�إن الإ�صالح ‪� -‬أو ال�ص��وفية‪ ،‬مم��ا يعني �أن هناك تراجع�� ًا يف العمل احلركي‬ ‫�إن �صح التعبري – خمنوق‪ ،‬رمبا لأنه يريد �أن يقول الكثري لكنه خمنوق املنظ��م كم��ا ه��و ح��ال ح��زب الإ�ص�لاح‪� .‬إىل �أي م��دى ممكن‬ ‫ب�صيغ���ة «امل�ش�ت�رك» فيلج����أ �إىل م�ساي���رة الأطراف القائم���ة‪ ،‬وال�شك الوثوق مبثل هذا اال�ستنتاج؟‬ ‫�أن بع�ضه���ا �أق���رب �إىل احلوثيني من البع�ض‪ ،‬ف�أن���ت مث ًال جتد احلزب‬ ‫�أعتق���د �أن ه���ذا الأم���ر �صحي���ح على امل�ست���وى الع���ام‪� ،‬إذ �أن هناك‬ ‫اال�شرتاك���ي �أكرث تفهم ًا ملطال���ب احلوثيني بخالف املكونات الأخرى يف انح�سار ًا يف االلتزام التنظيمي واحلركي ل�صالح االنتقال �أو االجنذاب‬ ‫اللقاء امل�شرتك‪.‬‬ ‫ل�صالح اخلطاب ال�صويف وال�سلفي‪ .‬و�أنا �أت�صور �أنه لو �أردنا �أن ُن�س ِقط‬ ‫وم���ن هنا جند �أن الإ�ص�ل�اح يف و�ضع حمرج ج���د ًا‪ ،‬فهو مل ي�ستطع ه���ذا عل���ى اليمن‪ ،‬ف�إنن���ي لن �أ�ستطي���ع �أن �أح���دد بال�ضب���ط �إذا كانت‬ ‫ال���ذود عن نف�سه حيال ما �أ�صابه من ظلم �أحيان ًا يف بع�ض املناطق مثل ال�صوفي���ة يف توجهها وامتدادها �أكرب م���ن ال�سلفية �أو �أن ال�سلفية �أكرب‬ ‫اجل���وف‪ ،‬كما �أنه �أي�ض ًا �شايع الظاهرة احلوثية‪ ،‬وتبنى موقف املكونات م���ن احلركية‪ ،‬لكن ال �ش���ك يف �أنها تتو�سع من ي���وم �إىل �آخر‪ ،‬وهو �أمر‬ ‫ي�أت���ي بال�ضرورة على ح�س���اب احلركيني �س���واء كانوا �إخوان��� ًا �أو كانوا‬ ‫الأخرى مثل اال�شرتاكي؛ فهو فع ًال بني املطرقة وال�سندان‪.‬‬ ‫�سلفيني �أو حتت �أي �إطار �آخر‪.‬‬ ‫�إن كالم��ك هذا يعد مبثابة تنب�ؤ بانف�ص��ام ع��رى «اللقاء‬ ‫وم���ع �أنني �أمي���ل �إىل �أن هناك جماعة �سلفية‬ ‫امل�ش�ترك» يف القري��ب العاج��ل‪ ،‬يف ظل‬ ‫منظمة وهي يف احلقيقة توافق على بع�ض الأمور‬ ‫ا�شتداد الأزمة وعتامة امل�شهد ال�سيا�سي‬ ‫لكنه���ا لي�س���ت ّ‬ ‫منظم���ة عل���ى غ���رار املنظمات‬ ‫الإ�صالح يف و�ضع حمرج جداً‪،‬‬ ‫بوجه عام؟‬ ‫احلركي���ة الإخوانية‪ ،‬وبرغم ذل���ك ف�إنني �أظن‬ ‫فهو مل ي�ستطع الذود عن نف�سه‬ ‫كل �ش���يء يف ع���امل ال�سيا�س���ة وارد‪ ،‬و�إن‬ ‫�أن ثمة تراجع ًا حركي ًا تنظيم ًا ل�صالح اخلطاب‬ ‫حيال ما �أ�صابه من ظلم �أحياناً‪،‬‬ ‫كن���ت �شخ�صي��� ًا �أرى �أن ه���ذا م�ستبع���د يف‬ ‫التقلي���دي ال�ص���ويف وال�سلف���ي و�إن كان هذا ال‬ ‫كما �أنه �أي�ضاً �شايع الظاهرة‬ ‫امل���دى القري���ب‪ ،‬لكن ال �ش���ك يف �أن املوقف‬ ‫يعني �أن ه����ؤالء �ص���اروا �أغلبية وه����ؤالء �أقلية‪.‬‬ ‫احلوثية‪ ،‬وتبنى موقف الآخرين‬ ‫م���ن ق�ضي���ة احلوثي�ي�ن �إذا مل يك���ن عام ًال‬ ‫و�إذا قارن���ت الو�ض���ع احلايل ب�سن���وات ما قبل‬ ‫مثل اال�شرتاكي؛ فهو فع ً‬ ‫ال بني‬ ‫من عوامل التف���كك‪ ،‬ف�إنه قد ُي�ضيف م�شكلة‬ ‫الوحدة‪� ،‬ستالحظ �أن الأمر يختلف‪.‬‬ ‫املطرقة وال�سندان‬ ‫�أخ���رى �إىل الروا�س���ب املوجودة‪ ،‬وم���ن ّثم قد‬ ‫يف �ضوء هذا كله‪ ،‬هل تعتقد �أن النظام‬ ‫ميثل م�شكلة على املدى املتو�سط‪.‬‬ ‫ال�سيا�سي اليمني ‪ -‬بعد فك حتالفه الإ�سرتاتيجي مع جماعة‬ ‫ح�س��ن ًا‪� ،‬أي��ن اخلطاب الديني الر�س��مي من كل ما يح�ص��ل‪ ،‬الإخوان ‪� -‬شعر مبثل هذه النتيجة فبد�أ بالبحث عن حليف‬ ‫وهل تعتقد �أن هذا اخلطاب قد �س��اهم يف بلورة خيوط هذه �آخ��ر وم��ن نف���س الن�س��ق الأيدلوج��ي الديني كال�س��لفيني �أو‬ ‫الأزم��ة التي تع�ص��ف بالبالد م��ن خالل الع��ودة نحو البحث ال�ص��وفيني مث ًال؟ وهل هناك من هذه اجلماعات من ت�ستطيع‬ ‫ع��ن الهوية الديني��ة واملذهبية التي كانت قد �أو�ش��كت على �أن تقوم بنف�س الدور ال�سيا�س��ي الذي قام به الإخوان‪ ،‬وهل‬ ‫االنتهاء بعد ‪ 47‬عام ًا من قيام الثورة‪ ،‬لنعود بذلك �إىل نقطة هناك �أمل يف �أن يعود النظام �إىل التحالف مع الأخوان مرة‬ ‫البداية الأوىل؟‬ ‫�أخرى؟‬ ‫اخلطاب الديني الر�سم���ي يعاين بالفعل من م�شكلة حقيقية‪ ،‬فبد ًال‬ ‫ندرك جيد ًا �أن التهديدات الداخلية واخلارجية للنظام تقريب ًا كلها‬ ‫م���ن �أن ّ‬ ‫يوجه ال�سا�سة‪ ،‬وب���د ًال من �أن يكون مرجعي���ة للنظام الر�سمي‪ ،‬انتهت‪ ،‬فالنظام يف تلك الفرتة كانت عالقته بال�سعودية متوترة و�أحيان ًا‬ ‫غ���دا تابع ًا متغري ًا يتحرك بتوجيه ال�سا�س���ة ولي�س العك�س‪ .‬ولذلك ف�إنه كث�ي�رة كانت ت�صل �إىل درجة املواجه���ة‪� ،‬أما الآن فالنزاع احلدودي مع‬ ‫�ساه���م يف ت�أكي���د الواقع االجتماع���ي والديني ال�سائ���د‪ ،‬ومل يكن عامل ه����ؤالء اجلريان انتهى الي���وم‪ ،‬مع ال�سعودية ومع عم���ان و�إريرتيا �أي�ض ًا‬ ‫�إ�ص�ل�اح �أو عامل توجي���ه �أو �إر�شاد‪� .‬إنه ‪ -‬كما نقول نحن ‪ -‬موظف عند انتهى‪.‬‬ ‫ه���ذه ال�سلطة‪� ،‬أو ‪ -‬كما يقول البع�ض – �أ�صبح هناك وعاظ لل�سالطني‬ ‫عل���ى امل�ستوى الداخلي‪ ،‬بعد حرب ‪� 1994‬سيطر النظام على مقاليد‬ ‫�أو علم���اء لل�سالط�ي�ن‪ ،‬وهذا هو م�آل اخلطاب الدين���ي الر�سمي‪ .‬ائتني‬ ‫مبوق���ف جيد واح���د للم�ؤ�س�سة الدينية يف اليم���ن �أو يف غري اليمن فيما الأم���ور مبحاوره���ا املختلفة‪ ،‬ومل يعد هناك خوف م���ن غائلة �أو فاجعة‬ ‫يتعلق بالتوجيه والإ�صالح والوقوف ال�صلب �أمام �سقطة �أو خط�أ النظام عل���ى امل�ستوى الداخلي واخلارج���ي‪ .‬يف هذه اللحظة بد�أ التفكري اجلاد‬ ‫ال�سيا�س���ي‪ .‬ولأن الأم���ر كذلك‪ ،‬ف�إن الأنظمة ال�سيا�سي���ة تلج�أ عاد ًة �إىل من قبل النظام ب�أن االتكاء على الإ�سالميني مل يعد وارد ًا بال�ضرورة؛‬

‫)‬

‫(‬

‫(‬

‫(‬

‫مدار الأفكار‬

‫ب�صراحة‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪135 2009‬‬


‫ف����إذا طالب الإ�سالميون ب�أي مطال���ب �أو �أن يكون لهم دور �أو مواقع م�ؤمترهم الذي عقدوه يف �أيار‪/‬مايو املا�ضي؟‬ ‫ف�إن هذا الكالم انتهى �أوانه‪ ،‬ولي�س �أدل على ذلك من �أنه يف عام ‪2001‬‬ ‫بالن�سب���ة لل�سلفي�ي�ن ف�إنه���م يبدون م���ن ال�ضعف والت�ش���رذم حد ًا ال‬ ‫وبالذات عندما جاءت �أحداث احلادي ع�شر من �أيلول‪�/‬سبتمرب وكانت‬ ‫ميكن���ه – �أي النظام ‪ -‬م���ن االعتماد عليهم‪ .‬فالوا�ض���ح الآن �أنهم لن‬ ‫هن���اك مطالب نذكره���ا جيد ًا من ع���ام ‪ 1990‬عندما اتف���ق كل فرقاء‬ ‫ميثل���وا بدي ًال لأحد‪ ،‬رغم �أن موقفهم الإجم���ايل تقريب ًا يختلف بح�سب‬ ‫ال�سيا�س���ة حينه���ا على �أن تدم���ج م�ؤ�س�س���ات املعاهد العلمي���ة يف �إطار‬ ‫الق���رب والبعد م���ن اجلانب الر�سمي ‪ ،‬لكنه���م متفقون على �أن خطر‬ ‫التعلي���م العام‪ ،‬و�صدر القرار ع���ام ‪ 1992‬ومل يطبق لأن النظام كان ما احلوثي���ة‪ ،‬ومن ي�سمونهم بالراف�ضة‪� ،‬أكرب من �أي خطر �آخر‪ .‬ومع ذلك‬ ‫زال يحتاج �إىل حلفائه يف الإ�صالح‪.‬‬ ‫فهم لن ي�سدوا الفراغ‪.‬‬ ‫ولك���ن بعد �أن �أطم�أن النظام �أنه مل يع���د يحتاج �إليهم على امل�ستوى‬ ‫ما تف�س�يرك لت�صريحات عبد امللك احلوثي الأخرية التي‬ ‫الداخلي واخلارجي‪ ،‬وجاءت �أحداث احلادي ع�شر من �أيلول‪�/‬سبتمرب‪ ،‬تق��ول ب�أن��ه يقب��ل باحلوار م��ع الدول��ة على قاع��دة وثيقة‬ ‫مت تطبي���ق القرار والقان���ون يف ذلك احلني‪ ،‬وحينما ج���اءت انتخابات الإنق��اذ الوطن��ي‪ ،‬الت��ي متث��ل ر�ؤية �أح��زب اللقاء امل�ش�ترك‬ ‫‪2006‬‬ ‫�ص��� ّرح الرئي����س علي عب���داهلل �صالح مبقولته ال�شه�ي�رة «�أنهم ‪ -‬ال�سيا�سية للأزمة يف اليمن؟‬ ‫�أي الإ�ص�ل�اح ‪ -‬جمرد كرت احرتق»‪ .‬مبعن���ى �أن كل املعطيات �أكدت له‬ ‫هذه م�س�ألة فل�سفية باملنا�سبة‪.‬‬ ‫يف الف�ت�رة ال�سابق���ة ب�أنه مل يعد حمتاج لأحد‪ ،‬غ�ي�ر �أن الأزمة احلالية‬ ‫ذكرت���ه باحلاج���ة �إليهم‪ ،‬ولعلنا نذكر يف ع���ام ‪� 2004‬أنه كان هناك نوع‬ ‫كيف ذلك؟‬ ‫م���ن املغازلة للإ�ص�ل�اح‪ ،‬عندما ق���ال �أن موقفهم كان م�شرف��� ًا‪ ،‬مع �أن‬ ‫ُخ���ذ مث ًال رم���وز وثيقة الإنق���اذ الوطني‪ .‬عل���ى �سبيل املث���ال حميد‬ ‫موق���ف الإ�ص�ل�اح يف ذلك احل�ي�ن مل يختلف عن موقفه���م ال�سابق من‬ ‫الأحم���ر‪ ،‬جتد �أن موقفه �ص���ارخ ووا�ضح جد ًا من احلوثيني‪ ،‬والأطراف‬ ‫حيث �إعالمهم ومواقفهم الر�سمية يف �إطار امل�شرتك‪.‬‬ ‫الأخ���رى �أي�ض ًا متثل تبع ًا حلمي���د الأحمر‪ .‬هك���ذا امل�س�ألة يف احلقيقة‪،‬‬ ‫لك���ن كان ثمة حماولة جلع���ل الإ�صالح يعود‬ ‫فيجب �أن ال نخدع �أنف�سنا‪ ،‬وهذا ما قاله حميد‬ ‫لأن الرئي�س كان بحاجة �إليه‪ ،‬بحكم �أن الإ�صالح‬ ‫الأحم���ر عرب قن���اة اجلزيرة‪ .‬وك���ون احلوثيني‬ ‫ً‬ ‫ال‬ ‫بد‬ ‫الر�سمي‬ ‫الديني‬ ‫اخلطاب‬ ‫كان حمكوم��� ًا بنظ���ام �أو ن�س���ق امل�ش�ت�رك الذي‬ ‫يقولون �أنه���م موافقون عل���ى الوثيقة ‪ ،‬ف�إن‬ ‫من �أن يكون مرجعية للنظام‬ ‫مل يتغ�ي�ر �أب���د ًا وظل التوتر قائم��� ًا‪ ،‬والآن �أظن‬ ‫هذا ي�ؤكد �أن و�ضعهم امليداين والع�سكري ِج ّد‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الر�سمي‪ ،‬غدا تابعا متغريا‬ ‫�أن النظ���ام يبحث له عن حلي���ف �إ�سرتاتيجي‪،‬‬ ‫�صع���ب‪ ،‬و�أنهم يبحثون ع���ن خمرج ب�أي ثمن؛‬ ‫ولذلك‬ ‫بتوجيهاته‪.‬‬ ‫يتحرك‬ ‫وحتديد ًا يبحث عن الإ�صالح‪.‬‬ ‫فالوثيقة ‪ -‬مهما تكن ‪ -‬ف�إن الذي �صاغها هو‬ ‫ف�إنه �ساهم يف ت�أكيد الواقع‬ ‫خ�صم له���م‪� ،‬أي �أن حميد الأحمر هو الرجل‬ ‫بالن�سبة للإ�صالح‪ ،‬يبدو �أنه قد اتخذ قراره‬ ‫االجتماعي والديني ال�سائد‪،‬‬ ‫الأول يف املو�ض���وع‪� .‬صحي���ح �أن���ه لي�س هو من‬ ‫يف �إطار امل�شرتك‪ ،‬وامل�ستقبل ال ميكن لأحد �أن‬ ‫إ�صالح‬ ‫�‬ ‫عامل‬ ‫يكن‬ ‫ومل‬ ‫�صاغه���ا بالكامل‪ ،‬لكن ال �ش���ك �أن ر�ؤيته متثل‬ ‫يدع���ي علمه �أو يجزم ب���ه‪ .‬ففي املدى املنظور ال‬ ‫ُج ّل ما تدور حوله الوثيقة‪.‬‬ ‫ميكن �أن يتحالف مع ال�سلطة‪ ،‬وال ميكن �أن يعود‬ ‫مل���ا كان عليه من قبل‪� .‬أنا �أ�ؤك���د على �أن هذا يف املدى املنظور‪ ،‬ومن ّثم‬ ‫فل���و كانت امل�س�ألة فع ًال مبدئية �أو �سيا�سية �أو مطالب معقولة لكانت‬ ‫توجد‬ ‫فال�سلط���ة تبح���ث لها عن حلي���ف ديني قوي وت�سع���ى الآن �إىل �أن‬ ‫مطالبه���م موجهة لبع�ض الأطراف التي ميكن �أن تكون ذات حياد ذات‬ ‫بع����ض الأفراد املح�سوبني عل���ى الإ�صالح �أو على ال�سلفي���ة لت�سعى بهم مرجعية كاجلامعة العربية منظمة امل�ؤمتر الإ�سالمي �أو الأمم املتحدة‪,‬‬ ‫�إىل اجلبه���ة حتت �شعار التوعية والتثقي���ف والتعليم‪ ،‬ومن ّثم امل�شاركة لكنه���م تلقفوا وثيقة الإنقاذ ه���ذه وك�أنها جاءت معجزة من ال�سماء‪ .‬ال‬ ‫يف القتال‪.‬‬ ‫تن�س���ى �أي�ض��� ًا �أنهم بعد �أن كان���وا يتحدثون عن �أن النق���اط ال�ست التي‬ ‫هل تعتقد �أن النظام جل�أ �إىل اجلماعات ال�صوفية ليع ّو�ض م ّثل هذا و�ضعته���ا احلكومة تمُ ِّثل انتحار ًا‪ ،‬وعلى ح���د تعبري يحيى احلوثي‪ ،‬ف�إنه‬ ‫التحالف املنفرط؟ وم���ا موقف هذه اجلماعات ال�صوفية‪ ،‬التي تعد يف يقب���ل ب�أن تتحول اليمن �إىل بحرية م���ن الدماء دون �أن يقبل بال�شروط‬ ‫ال�ستة‪.‬‬ ‫هذه اللحظة حليف ًا رئي�سي ًا للنظام‪ ،‬مما يجري يف �صعدة؟‬ ‫م��اذا عما بات يع��رف بتنظيم القاع��دة يف اليمن‪� ،‬أين هو‬ ‫لقد حر�ص النظام ال�سيا�سي يف اليمن على �أن تكون هذه اجلماعات‬ ‫ال�صوفي���ة بدي ًال للإخ���وان لكنه���م مل ي�ستطيعوا �أن يثبت���وا �أنهم بديل الآن؟ وه��ل �ص��حيح �أنه �أ�ص��بح العب ًا رئي�س��ي ًا على ال�س��احة‬ ‫منا�س���ب‪ .‬وعل���ى �أية ح���ال‪ ،‬ف�إن ه����ؤالء لي����س لهم موق���ف ر�سمي مما اليمنية؟‬ ‫ي���دور اليوم يف �صع���دة على عك�س موقفهم الدائ���م من عمليات تنظيم‬ ‫الأم���ر حمري جد ًا‪� ،‬أين القاعدة الآن؟ يف الظروف الراهنة يفرت�ض‬ ‫القاعدة‪.‬‬ ‫�أنه���ا م���ن �أ�سن���ح الفر�ص له���ا لتنق�ض عل���ى النظام خ�صمه���ا اللدود‪.‬‬ ‫وم��اذا عن بوادر التحالف الأخري مع اجلماعات ال�س��لفية �صحي���ح �أن اخل�صومة التي بني التنظيم وال�شيعة كما يقال كبرية‪ ،‬لكن‬ ‫التي تعد اجلماعة الدينية الوحيدة التي وقفت �إىل جانب �إذا عدنا �إىل الأبعاد الإقليمية واخلارجية‪� ،‬سنجد �أن هناك كالم يكاد‬ ‫النظام �سيا�س��ي ًا �ض��د ما يتهدده من قبل احلوثيني من خالل يكون متواتر ًا ب�أن ثمة عالقة بني القاعدة يف العراق والدعم الإيراين‪،‬‬

‫(‬

‫‪136‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫(‬

‫(‬

‫)‬

‫(‬

‫)‬

‫وي�ست�شه���د بع�ض املحللني كعبداهلل النفي�سي و�آخرون ب�أن احتجاز ‪ -‬بل يناظره���ا يف اجلن���وب حينها م���ن مدار�س الب���دو الرح���ل واملعاهد ذات‬ ‫بق���اء ‪� -‬سيف الع���دل امل�صري و�سعد الدين ب���ن الدن يف �إيران ‪ ،‬يدل ال�صبغ���ة اال�شرتاكية املارك�سية‪ ،‬لتجاوزنا الكثري من امل�شاكل التي جندها‬ ‫عل���ى �أن ه����ؤالء لي�س���وا معتقلني يف احلقيق���ة‪ ،‬و�أنهم موج���ودون هناك �أمامنا اليوم‪.‬‬ ‫باعتب���ار �أن ذلك املكان �أح�سن من �أي م���كان �آخر‪ ،‬وهذا يجعلهم ورقة‬ ‫وباخت�ص���ار �شدي���د‪� ،‬أعتق���د �أنه ال ب���د‪� ،‬أو ًال‪� ،‬أن نع�ت�رف �أن ه�ؤالء هم‬ ‫من الأوراق‪.‬‬ ‫مينيون و�أنهم جزء من املكون املذهبي لهذا ال�شعب كغريهم من الأقليات‬ ‫و�إذا كانت اخل�صومة بني الطرفني موجودة وحقيقية‪ ،‬ملاذا ال ت�ستغل الأخرى كالبهرة ونحوهم‪ ،‬وه�ؤالء كلهم مكون من مكونات الن�سيج الوطني‬ ‫ّ‬ ‫عنا�صر التنظي���م الفر�صة‬ ‫وتنق�ض على خ�صومها ال�شيعة �أو الرواف�ض بجان���ب �أكرثي���ة املذه���ب ال�شافع���ي‪ .‬مبعنى �أن مب���د�أ امل�ص���ادرة والإلغاء‬ ‫كم���ا ي�صمونهم‪� .‬إن ع���امل ال�سيا�سة عامل عميق‪ ،‬و�أن���ا باملنا�سبة �أزعم مذم���وم ومرفو�ض‪ ،‬ه���ذا �أمر‪ .‬الأمر الثاين من ال�ض���روري �أن يتم ت�شكيل‬ ‫منذ وقت �أن القاعدة يف اليمن لي�ست بالوجود الذي ي�صورونه �أحيان ًا؛ جلن���ة حقيق���ة ولي�ست �شكلي���ة من خ�ب�راء وتربويني وذوي �صل���ة بالرتبية‬ ‫�أي �أن وجودها يظل �أقرب �إىل الظاهرة الهالمية‪ ،‬و�أقرب �إىل االنتقام الإ�سالمي���ة ب�شكل �أو ب�آخر من خمتلف املكونات املذهبية املوجودة‪ ،‬بحيث‬ ‫م���ن اخل�صوم ال�سيا�سيني �أو من ال�سلط���ات الأخرى‪� ،‬أكرث منها تنظيم تنظر يف املناهج احلالية �سواء يف التعليم احلكومي الر�سمي على م�ستوى‬ ‫معق���د ويتكون من خاليا و�شبكات وله جانب عملياتي ُم ّ‬ ‫نظم‪ .‬قد يوجد التعليم الأ�سا�سي والثانوي �أو العايل من جهة �أخرى‪ ،‬وكذلك ما هو موجود‬ ‫تنظيم للقاعدة‪ ،‬لكنها لي�ست بهذا التهويل والت�ضخيم الذي يقال‪ ،‬و�إال الآن يف التعلي���م الأهل���ي واخلا�ص على م�ست���وى التعليم الع���ام �أو الثانوي‬ ‫ف����إين �أت�صور �أن هذا الظ���رف يعد �أ�سنح الفر�ص له���م‪ .‬ففي الأو�ضاع �أو الع���ادي �أي�ض��� ًا‪ ،‬وكذل���ك ال بد �أن ي���درج �إىل جانب هذا م���ا يعرف الآن‬ ‫الأخ���رى جتد خطابهم ي�صور �أن هذه ال�سلط���ة هي عدوهم احلقيقي‪ ،‬باملراك���ز العلمية‪ .‬وباملنا�سبة املراكز هذه‪� ،‬سواء كانت حتت رداء ال�سلفية‬ ‫و�أن الق�ض���اء عليه���ا مقدم على �أي �شيء �آخ���ر‪ ،‬وعليه �أظن �أن هذه هي �أم الزيدية �أو ال�صوفية �أو غريها‪ ،‬ال بد �أن تخ�ضع جميعها لقانون التعليم‬ ‫فر�صتهم الذهبية‪ .‬وهذا التناق�ض والغمو�ض وا�ضحان منذ عام ‪ ،2004‬الأهلي واخلا�ص‪.‬‬ ‫�إذ كلما دخلت ال�سلطة يف �صراع مع احلوثيني‬ ‫ه��ل م��ن املمكن �أن تك��ون فك��رة العلمنة‬ ‫ي�سكت���ون‪� ،‬صعب �أن نقول �أن هذا توزيع �أدوار‪،‬‬ ‫التعليمي��ة ‪ -‬عل��ى الأق��ل ‪ -‬خمرج�� ًا وح ًال‬ ‫يظل‬ ‫اليمن‬ ‫يف‬ ‫القاعدة‬ ‫وجود‬ ‫لك���ن يب���دو يل �أن الإعالم �أحيان��� ًا ي�صنع لهم‬ ‫للتع��دد املذهب��ي والطائفي الذي ُي�ض�� ِعف‬ ‫�أقرب �إىل الظاهرة الهالمية‪،‬‬ ‫هالة �أكرب من حجمهم احلقيقي‪.‬‬ ‫احل�س الوطني لدى الفرد ويح�ص��ر والءه‬ ‫اخل�صوم‬ ‫من‬ ‫االنتقام‬ ‫إىل‬ ‫�‬ ‫أقرب‬ ‫�‬ ‫و‬ ‫م��ا املخ��رج �إذن بر�أي��ك حللحل��ة‬ ‫يف �إطار مذهبي طائفي �ضيق؟‬ ‫ال�سلطات‪،‬‬ ‫من‬ ‫أو‬ ‫�‬ ‫ال�سيا�سيني‬ ‫الأزم��ة القائم��ة يف ظ��ل كل ه��ذا‬ ‫ال‪� ،‬إن ه���ذه �ستكون جرمية ترتكب بحق الأمة‬ ‫�أكرث منه تنظيماً معقداً‬ ‫ويتكون‬ ‫التعقي��د والتداخ��ل والت�ش��ابك ب�ين‬ ‫كله���ا‪ .‬فال�شع���ب اليمن���ي �شع���ب م�سل���م‪ ،‬و�شعب‬ ‫من خاليا و�شبكات وله جانب‬ ‫الديني وال�سيا�س��ي‪ ،‬واملدن�س باملقد�س‬ ‫متدي���ن‪ ،‬وباتخ���اذ نه���ج العلمن���ة التعليمي���ة ف�إننا‬ ‫عملياتي ُم ّ‬ ‫م‬ ‫نظ‬ ‫�إن �صح التعبري؟‬ ‫�سن�صادر حق اجلميع‪ ،‬وهذا ال يجوز‪.‬‬ ‫�أن���ا قدم���ت ت�ص���ورات يف درا�ست���ي ع���ن‬ ‫لك��ن العلمن��ة التعليمي��ة ا�س��تطاعت‬ ‫املو�ض���وع‪� .‬أو ًال ال ب���د من �أن يكون احلوار قاع���دة �أ�سا�سية بغ�ض النظر �أن ّ‬ ‫حت��ل م�ش��كلة االختالف االثن��ي والدين��ي يف ماليزيا‪ ،‬رغم‬ ‫عن الأط���راف؛ فال يقال هذا كبري وهذا �صغ�ي�ر‪ ،‬وال يقال هذا متمرد �أن��ه �أكرث تعقي��د ًا مقارنة بب�س��اطة االخت�لاف املذهبي هنا يف‬ ‫وه���ذا �شرعي‪ .‬يف النهاية ه����ؤالء النا�س عندهم مطالب‪ ،‬قد تكون غري اليمن؟‬ ‫مقبولة من حيث الأ�سا�س‪� ،‬أو يف بع�ضها تعجيز لكن �أنا �أعتقد �أنه يجب‬ ‫عندنا االختالف �ش���يء حمدود وهينّ ‪ ،‬وال بد �أن نذكر ب�أنه من �أح�سن‬ ‫�أن تو�ض���ع البندقي���ة جانب��� ًا‪ ،‬و�أن ن�سل���م بوجود دول���ة ذات �سيادة‪ ،‬و�أن و�أعظ���م ما �أوجدته الث���ورة اليمنية �أنها ق�ضت عل���ى امل�شكلة املذهبية مبا‬ ‫نحتك���م �إىل د�ستوره���ا وقوانينها جميع ًا‪ ،‬وعلى الدول���ة �أن ترتك اللعبة يكاد يكون ح�سنة ينبغي �أن ي�ستند �إليها الآخرون‪ .‬فمن �أهم ما ا�ستطاعت‬ ‫التي كان يلعبها بع�ض رموزها يف تفريخ اجلماعات و�ضرب هذا بذاك‪� ،‬أن حتققه هذه الثورة هو �أنها ق ّربت الفجوة بني التعليم املذهبي مبختلف‬ ‫فكما يقال “قد ينقلب ال�سحر على ال�ساحر”‪ .‬وينبغي �أن نحتكم جميع ًا مكوناته‪ ،‬بحيث �أنه �أنا و�أنت مل نعرف هذا التنازع‪ ،‬فقد در�سنا على �أ�سا�س‬ ‫�أنن���ا م�سلمني وكفى‪ ،‬فلم يظهر مثل هذا التن���ازع �إال بعد عام ‪ 1990‬حني‬ ‫�إىل الد�ستور و�إىل القوانني النافذة‪.‬‬ ‫فف���ي تقدي���ري �أن �أك�ب�ر و�أخط���ر م���ا تطرح���ه اجلماع���ة احلوثية ج���اءت التعددية‪ ،‬وقبل ذلك كان هناك �صيغ���ة جيدة �سواء يف املعاهد‬ ‫العلمية �أو يف التعليم العام‪ .‬فقد در�سوا فقط الر�أي الراجح الذي قالت‬ ‫ً‬ ‫يتمث���ل يف البع���د الفكري ذي ال�صل���ة التعليمية والرتبوي���ة؛ مثال ق�صة ب���ه جلنة املناهج يف الرتبي���ة الإ�سالمية ومل تكن ه���ذه امل�شكلة قائمة‪،‬‬ ‫اجلامعة الزيدي���ة واملدار�س واملعاهد الزيدية‪ ...‬الخ‪ ،‬هذه املطالب قد وعلي���ه ف�إن طرح العلمانية بدي ًال يعد طرح ًا كارثي��� ًا‪ ،‬وبد ًال من �أننا قد‬ ‫تب���دو غريبة‪ ،‬لكنها لي�س���ت �أي�ض ًا تعجيزية‪ .‬ف�أنا �أعتق���د �أننا لو نحتكم نظلم فئة من النا�س‪ ،‬كثرُ ت �أم ق ّلت‪ ،‬ف�إننا مبثل هذه اخلطوة �سنظلم‬ ‫�إىل قان���ون ‪ 45‬ل�سن���ة ‪ 1992‬ال���ذي يتحدث عن نظ���ام التعليم يف اليمن املجتم���ع كله لأنه جمتمع متدين‪ .‬وباملنا�سبة م�شكلة التعليم يف اليمن ال‬ ‫وال�سيا�سي���ة التعليمية‪ ،‬ويتحدث ب�إ�سهاب عن التعليم الأهلي واخلا�ص‪ ،‬متث���ل م�شكلة حقيقة يف ظل النوايا ال�صادقة‪ ،‬و�أنا زعيم بتقدمي ت�صور‬ ‫خا�ص���ة و�أنه قد �صي���غ يف فرتة حرجة هي فرتة املعاه���د العلمية وما كان نظري ميكن �أن ُينا َق�ش‪.‬‬

‫(‬

‫(‬

‫)‬

‫(‬

‫مدار الأفكار‬

‫ب�صراحة‬

‫(‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫)‬

‫‪137 2009‬‬


‫الفهر�ست‬ ‫مراجعات للكتب وعرو�ض موجزة‬

‫�صدر حديث ًا �ضمن‬ ‫�سل�سلة درا�سات اقت�صادية‬

‫�أثر تقلبات الأ�سعار العاملية للقمح يف االقت�صاد اليمني‬ ‫درا�سة قيا�سية‬ ‫�أروى �أحمد البعداين‬

‫املتفردة �أمارتيا �صن‪/‬حممد عبداهلل حممد‬ ‫العنف ووهم الهوية‬ ‫ّ‬ ‫ديريك هيرت‪/‬حممد �سيف حيدر‬ ‫معنى �أن تكون مواطن ًا‬ ‫بالإ�ضافة �إىل عرو�ض موجزة‬

‫رفـ ـ ــد ال�سيا�سـ ـ ــة باملعرفـ ــة‬

‫‪Relating Policy to Knowledge‬‬ ‫‪138‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫ا�سرتاتيجية‬

‫العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫‪139 2009‬‬


‫الفهر�ست‬

‫مراجعات‬

‫عرو�ض م�ؤجزة‬

‫العنف‬ ‫املتفردة‬ ‫ووهم الهوية‬ ‫ّ‬ ‫�أمارتيــا �صــن‬

‫م���ن الكتب املهمة التي �ص���درت م�ؤخر ًا (حتدي���د ًا يف العام‬ ‫‪ 2006‬يف �أ�صل���ه الإجنليزي‪ ،‬والعام ‪ 2008‬يف ترجمته العربية)‪،‬‬ ‫كت���اب الفيل�سوف واالقت�صادي الهن���دي �أمارتيا �صن‪ ،‬املو�سوم‬ ‫«الهوي���ة والعن���ف‪ :‬وه���م امل�ص�ي�ر احلتم���ي»‪ .‬وهو عم��� ٌل ي�ؤكد‬ ‫في���ه م�ؤلفه عل���ى مقولة �أن الهوي���ة الإن�سانية «متع���ددة الأبعاد‬ ‫ومع ّق���دة»‪ ،‬وبالتايل يرف�ض اختزاله���ا �إىل البعد العقائدي كما‬ ‫فعل املفك���ر الأمريكي �صاموي���ل هنتنجت���ون يف كتابه املعروف‬ ‫ع���ن «�صدام احل�ضارات»‪ .‬وبهذا املعنى يرد �صن على �أطروحة‬ ‫هنتنجتون‪ ،‬وي���رى �أنها تقدم مقارب���ة «ذات بعد واحد» ملفهوم‬ ‫الهوي���ة‪� ،‬أي تق�سي���م الع���امل �إىل «طوائف»‪ ،‬وبالت���ايل �إىل قوى‬ ‫«متنازع���ة» بالطبيع���ة‪ ،‬ذل���ك �أنها تعرب عن «كت���ل ذات هويات‬ ‫حمددة ومتنا�سقة فيما بينها»‪.‬‬ ‫ويج���ادل �ص���ن ب����أن املقاربة الديني���ة للعالقات ب�ي�ن الب�شر‬ ‫يرتت���ب عليها ت�صني���ف �أحادي‪ ،‬ي�ض���ع كل كتل���ة ب�شرية تنتمي‬ ‫لدي���ن مع�ي�ن‪ ،‬وربطه���ا بح�ضارة معين���ة‪ ،‬يف �صن���دوق مغلق يف‬ ‫مواجه���ة ال�صنادي���ق الديني���ة‪ /‬احل�ضاري���ة الأخ���رى‪ ،‬وهو ما‬ ‫�سم���اه «التق�سي���م ال�صندوقي اجلامد» للأف���راد‪ /‬اجلماعات‪،‬‬ ‫وه���ذا النوع من التق�سيم ي�ستبع���د �أي تنوعات داخل ال�صندوق‬ ‫احل�ض���اري الواحد‪ .‬وخط���ورة طرح هنتنجتون �أن���ه ينتج فه ًما‬ ‫�شديد الت�ضليل لل�شعوب عرب العامل وللعالقات متعددة الأ�شكال‬ ‫والتن���وع بينهم‪ ،‬كما �أنه ي�ؤدي �إيل ت�ضخي���م فارق واحد بعينه‪،‬‬ ‫بني كل كتلة و�أخري مت ت�صنيفها وفق الدين فقط‪.‬‬ ‫وكم���ا هي عادته يف �سائر كتبه وم�ؤلفاته‪ ،‬يكتب �أمارتيا �صن‬ ‫باختزال و�أكادميية لي�س فيها �إطناب وح�شو‪ ,‬وينجح يف ت�سهيل‬ ‫امل���ادة املعقدة التي ي�شرحها للقارئ عن طريق جعل اال�ستدالل‬ ‫حول مع���اين التعابري املتخ�ص�صة ممكن ًا م���ن خالل امل�ضمون‬ ‫العام للكتاب‪ ,‬ويعمد �أحيان ًا �إىل تو�ضيح هذه التعابري على نحو‬ ‫‪140‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫خمت�ص���ر وحمدد‪ .‬ومما ال �ش���ك فيه �أن الكت���اب يحمل �صبغة‬ ‫ً‬ ‫وجم�ل�ا مت�شابكة‬ ‫�أكادميي���ة ظاهرة ت�شم���ل تعابري متخ�ص�صة‬ ‫حتم���ل فهم��� ًا مركب ًا‪ .‬لك���ن املحاجج���ات التي يقدمه���ا ويدافع‬ ‫عنه���ا تقود �إىل نتيجة نهائية‪ ,‬بعي���دة عن ال�شعاراتية �أو اجلمل‬ ‫الطنانة‪.‬‬ ‫ب���د�أت فك���رة الكت���اب ‪ -‬كم���ا يذك���ر امل�ؤل���ف يف مقدمته ‪-‬‬ ‫مبحا�ض���رات �ألقاها يف جامع���ة بو�سطن يف عامي ‪ 2001‬و‪2002‬‬ ‫عن «م�ستقبل الهوية»‪� ،‬إ�ضافة �إىل حما�ضرات �ألقاها يف جامعة‬ ‫كامربدج عن دور العقل والتفكري يف اختيار الهوية حتت عنوان‬ ‫«العق���ل قبل الهوي���ة»‪ .‬وينطل���ق �أمارتيا �ص���ن يف حتليالته من‬ ‫ح���ادث حمدد كان قد عا�ش���ه هو نف�سه عندم���ا كان يف حوايل‬ ‫العا�شرة من عم���ره يف بلدة دا ّكا حيث كان يعي�ش مع �أهله عام‬ ‫‪ .1944‬ف���ذات يوم وجد رج ًال م�ض ّرج ًا بدم���ه عند باب حديقة‬ ‫املن���زل‪ .‬كان مطعون ًا بعدة �ضربات من �آل���ة حادة‪ ،‬وكانت تلك‬ ‫ه���ي امل���رة الأوىل التي ي�شاه���د فيها الطفل مث���ل ذلك العنف‪.‬‬ ‫لكن امل�شهد مل يبارحه طيلة حياته‪ .‬ومنذ ذلك اليوم طرح على‬ ‫نف�سه �س�ؤال كبري‪ :‬ملاذا حاولوا قتل ذلك الرجل؟‬ ‫وكان���ت الإجاب���ة الوحيدة التي تو�صل �إليه���ا هي �أنه قد فقد‬ ‫حياته ل�سبب واحد هو �أنه كان م�سلم ًا‪ ،‬و�أن �سوء حظه قد دفعه‬ ‫�إىل �أن يك���ون يف «املكان ال�سي���ئ» ويف «اللحظة ال�سيئة»‪ ،‬بحيث‬ ‫ت�ضاف���رت ال�ش���روط الرتكاب اجلرمي���ة وخا�صة توف���ر خلفية‬ ‫احلقد وع���دم الت�سامح حي���ال «الآخر» لكون �أن���ه «الآخر» دون‬ ‫���م �أمارتيا �صن �أن ذلك الرجل ‪ -‬ال�ضحية‬ ‫�أن يختار ذلك‪ .‬و َفهِ َ‬ ‫كان ق���د تل ّقى من زوجت���ه يف �صباح ذلك اليوم الن�صيحة بعدم‬ ‫اخل���روج من املن���زل‪ ،‬لكن عدم اخل���روج كان يعني عدم توفري‬ ‫الطعام لأ�سرته‪ ،‬وبالت���ايل (مل يكن ح ّر ًا) يف اتخاذ قرار عدم‬ ‫اخلروج‪ .‬وه���ذا يعني �أن ال�شروط االقت�صادية ميكنها �أن تكبح‬

‫يلغ���ي واقع �أنه هن���دي الأ�صل ومتعلق جد ًا بهويت���ه «البنغالية»‪.‬‬ ‫و�ضم���ن هذا النهج من التحليل يدين امل�ؤلف‪ ،‬ب�أ�شكال خمتلفة‪،‬‬ ‫كل تل���ك التيارات التي حت���اول «�سجن» الإن�س���ان داخل �أ�سوار‬ ‫«هوي���ة مغلقة» و«منغلقة على ذاتها»‪ ،‬مما يفتح �آفاق النزاعات‬ ‫واحلروب عل���ى م�صراعيها ومتنع الإن�س���ان نف�سه من «حتقيق‬ ‫�إن�سانيته ذات الأبعاد العديدة»‪.‬‬ ‫ويف �إطار حتليله لق�ضية الهوية ُيبدع �صن يف طرحه املنطقي‬ ‫واع ‪-‬‬ ‫واع �أو غري ٍ‬ ‫واملقن���ع القائل ب�أن الأفراد يتمتع���ون ‪ -‬ب�شكل ٍ‬ ‫بحري���ة االختيار يف جمال حتدي���د هوياتهم االجتماعية‪ .‬ويرى‬ ‫�أن �أح���د الأدوار املهم���ة للهوي���ة االجتماعية ه���و «التو�صيف» ‪-‬‬ ‫تخ�صي����ص اجلماعات املختلفة بهوي���ات خا�صة بها ‪ -‬وهو �أمر‬ ‫ي�سم���ح – بالطب���ع ‪ -‬باالختي���ار وبحاجة الف���رد �إىل ا�ستخدام‬ ‫العقل‪ ,‬حيث ميكن لل�شخ�ص �أن ميتلك هويات م�شرتكة مع �أكرث‬ ‫م���ن واحدة من تل���ك اجلماعات املو�صفة‪ ,‬ويك���ون عليه �أحيان ًا‬ ‫�أن يخت���ار من بني جمموعة من الهوي���ات البديلة �أو املتناحرة‪.‬‬ ‫وبالتايل‪ ،‬ف�إن �صن ‪ -‬القادم من الهند والربيطاين اجلن�سية‪-‬‬

‫ممار�سة احلرية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫هكذا خ���رج امل�ؤلف انطالقا من تلك احلادثة بقناعة كبرية‬ ‫تقول بوجود «ارتباط كبري بني االقت�صاد واحلرية»‪ .‬و�شرح مثل‬ ‫ه���ذه العالق���ة الوثيقة يجده���ا القارئ يف جمي���ع �أعمال حامل‬ ‫جائ���زة نوبل لالقت�صاد مبا فيها هذا الكتاب «الهوية والعنف»‪.‬‬ ‫لذل���ك يخرج امل�ؤلف من احلادثة نف�سها ب���ـ «در�س �آخر» هو �أن‬ ‫العن���ف الإن�ساين‪ ،‬ومهما بلغت درج���ة �شرا�سته‪ ،‬ال ي�ستطيع �أن‬ ‫ينه���ي كل بعد �إن�ساين ل���دى الب�شر‪ .‬هكذا ي���روي كيف �أن �أباه‪،‬‬ ‫غري امل�سلم‪ ،‬مل يرتدد حلظة واحدة يف نقل ذلك الرجل اجلريح‬ ‫ب�سيارته �إىل امل�ست�شفى �أم ًال ب�إنقاذ حياته‪ ،‬لكن الفر�صة كانت‬ ‫ق���د فاتت‪ .‬وما ي�ؤك���ده امل�ؤلف هو �أن فهم تل���ك احلادثة يتطلب‬ ‫الذه���اب �إىل م���ا هو �أبعد م���ن اعتبارها «ق�ضي���ة هندية ونزاع‬ ‫عقائ���دي‪ ،‬ديني» فق���ط‪ .‬و�إمنا البح���ث عن خلفياته���ا العميقة‬ ‫يف «املفاهي���م املح���دودة واجلام���دة للهوية»‪ .‬ويعت�ب�ر �أن جميع‬ ‫التعريف���ات القائمة عل���ى �أ�سا�س االنتم���اء �إىل جمموعة معينة‬ ‫�أو طائف���ة معينة �إمنا تقوم بعملية «اختزال»‪ ،‬و«ق�صر» الإن�سان‬ ‫على بعد واحد‪ ،‬بينما �أنه جت�سيد لـ«هويات متعددة»‪ ،‬و�أن هذه‬ ‫«التعددية» هي م�صدر ثراء كبري له‪.‬‬ ‫بيانات الكتاب‬ ‫ي�ؤك���د امل�ؤل���ف عل���ى تعقيد مفه���وم الهوي���ة وتنوعه‪،‬‬ ‫الهوي���ة والعنف‪ :‬وهم‬ ‫وي�ض���رب حالت���ه ال�شخ�صي���ة كمث���ال عل���ى الهوية ذات‬ ‫امل�صري احلتمي‬ ‫الأبع���اد املتنوعة‪ .‬فهو م���ن مواليد الهن���د ويعي�ش حالي ًا‬ ‫�أمارتيا �صن‬ ‫يف الوالي���ات املتحدة‪ ،‬حيث يق���وم بالتدري�س يف جامعة‬ ‫ترجمة‪� :‬سحر توفيق‬ ‫�سل�سلة ع���امل املعرفة‬ ‫هارف���ارد‪ ،‬وبريطاني���ا والهن���د‪ .‬وي�ؤك���د �أن���ه معج���ب بـ‬ ‫الكويتية؛ ‪352‬‬ ‫«املطبخ االنكليزي» و�أطباقه ال�شهية‪ ،‬وي�ستمع كثري ًا �إىل‬ ‫حزيران‪ /‬يونيو ‪2008‬‬ ‫مو�سيقى اجلاز وال���راب ولكن �أي�ض ًا املو�سيقى الهندية‪.‬‬ ‫‪� 215‬صفحة‪.‬‬ ‫ويخ���رج بنتيجة مفادها �أنه ال يح�س �أبد ًا �أن ذلك التنوع‬

‫غالف الطبعة العربية‬

‫غالف الطبعة الإجنليزية‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪141 2009‬‬


‫الفهر�ست‬

‫مراجعات‬

‫حا�ضر يف �أرقى جامعات العامل‬ ‫املن�شغل بهموم عاملثالثي���ة‪ ,‬واملُ ِ‬ ‫الأول‪ ,‬واملتع���دد الهوي���ات‪ ,‬يبح���ث ع���ن �صيغ���ة تت�صال���ح فيها‬ ‫الهويات التي تبدو متناق�ضة‪.‬‬ ‫غري �أن �إِ�شكال الهوي���ة‪ ,‬واختيارها‪ ,‬كما الإ�شكاالت الأخرى‬ ‫ذات ال���وزن الثقي���ل ال تقع يف دائ���رة القرار الف���ردي فح�سب‪,‬‬ ‫وال�س�ؤال الذي يطرح���ه ويتناوله �صن �إزاء هذه النقطة هو‪� :‬أال‬ ‫ي�ش���كل املجتمع ككل م�ؤث���ر ًا كبري ًا على تفكري الف���رد‪ ,‬و�أال يح ّد‬ ‫ه���ذا من قدرة الف���رد على االختي���ار؟ ولتن���اول الإجابة يرجع‬ ‫�إىل «الوظيف���ة الإدراكي���ة» للهوية االجتماعي���ة‪ ،‬وهي الطريقة‬ ‫التي ميكن لأفراد اجلماعة بوا�سطتها �إدراك العامل‪ ,‬والتو�صل‬ ‫اىل �أحكام عقالني���ة‪ ,‬والت�أثري على بع�ضهم البع�ض‪ .‬ويف نهاية‬ ‫املطاف ميكن لعقل الفرد �أن يت�أثر بالأفكار االجتماعية اخلا�صة‬ ‫باجلماع���ة‪ ,‬لك���ن ه���ذا ال يقي���د امل���رء بالتفكري «فق���ط �ضمن‬ ‫ع���رف ح�ضاري حم���دد‪ ,‬ذي هوية حم���ددة»‪ .‬فالأفراد قادرون‬ ‫عل���ى ممار�سة طرق �أخ���رى من التفكري خارج ح���دود املواقف‬ ‫احل�ضارية الأ�سا�سية املتجذرة يف اجلماعة التي ينتمون �إليها‪،‬‬ ‫ب���ل حتى �ضمن املنظومة احل�ضارية الواحدة يوجد عادة طيف‬ ‫وا�سع من املواقف واملعتقدات‪ ,‬ي�سمح باالختيار ويتداخل �أحيان ًا‬ ‫مع مواقف ومعتقدات الآخرين‪.‬‬ ‫وم����ن هن����ا‪ ,‬تظ����ل االختي����ارات قائمة رغ����م وج����ود امل�ؤثرات‬ ‫احل�ضارية‪ ,‬وهو �أمر ي�ؤكد عليه �صن تارك ًا ك ّوة من الأمل والباب‬ ‫املفتوح لنظرية الهويات املت�صاحلة واالختيارية‪ .‬بناء على ذلك‪,‬‬ ‫يرف�ض �صن ال����ر�أي القائل بـ «اكت�ش����اف» الهويات االجتماعية‪,‬‬ ‫وه����و الر�أي الذي ي�ؤكد �أن الأفراد ال يختارون هوياتهم اخلا�صة‬ ‫�إمن����ا يكت�شفونها فقط كجانب من جوانب حتقيق الذات‪ .‬ويعزز‬ ‫امل�ؤل����ف وجهة نظره باحلقيقة الت����ي تفيد ب�أن االختيار ميكن �أن‬ ‫يقع ‪ -‬وهو يقع بالفعل ‪ -‬حتى بعد ح�صول «االكت�شاف»‪ .‬ومي�ضي‬ ‫قدم ًا ل ُيجا ِدل ب�أن �إنكار االختيار عندما يكون االختيار موجود ًا‪,‬‬ ‫ورف�����ض ممار�س����ة التفك��ي�ر ميك����ن �أن يق����ود �إىل الت�سلي����م غري‬ ‫امل�شروط بالظلم والإجحاف و�سلوك القطيع‪ .‬فلو كان اخل�ضوع‬ ‫للأع����راف ه����و القان����ون ال�ساري عل����ى ال�سلوك مل����ا ظهرت �إىل‬ ‫يومنا ه����ذا حقوق املر�أة ‪ -‬على �سبيل املثال ال احل�صر‪ -‬كتعبري‬ ‫ناهي����ك عنها كحقيقة ماثلة‪ .‬و ُيح ِّ‬ ‫����ذر �صن من العواقب املظلمة‬ ‫ل�سل����وك القطيع كما �شاهدها بنف�سه عندما كان �صبي ًا يف الهند‬ ‫يف �أربعيني����ات القرن املا�ضي‪ ,‬عندما اندلع العنف الطائفي بني‬ ‫امل�سلمني والهندو�س يف �أعقاب نزاعات �سيا�سية‪.‬‬ ‫واحلال �أن قدرة املرء على التفكري خارج منظومته احل�ضارية‬

‫مواطناً‬ ‫معنى �أن تكون ِ‬ ‫التاريخ الطويل ّ‬ ‫وال�شاق للمواطن ّية‪ ،‬فكر ًة وممار�سة‬

‫يرف�ض �صن الر�أي القائل بـ «اكت�شاف» الهويات‬ ‫االجتماعية‪ ,‬وهو الر�أي الذي ي�ؤكد �أن الأفراد‬ ‫ال يختارون هوياتهم اخلا�ص��ة �إمنا يكت�شفونها‬ ‫فقط كجانب من جوانب حتقيق الذات‪ .‬ويعزز‬ ‫امل�ؤل��ف وجهة نظره باحلقيق��ة التي تفيد ب�أن‬ ‫االختي��ار ميك��ن �أن يق��ع ‪ -‬وه��و يق��ع بالفعل ‪-‬‬ ‫حتى بعد ح�صول «االكت�شاف»‪.‬‬ ‫وحريته يف القيام بذل����ك‪� ,‬إىل جانب قدرته على اال�ستفادة من‬ ‫التنوع املتاح داخل ذلك النظ����ام‪ُ ,‬ت�شكل مو�ضوع ًا مركزي ًا يعود‬ ‫ل����ه �صن يف نهاي����ة الكتاب‪ .‬ولذا يطرح �س�ؤال����ه عن الكيفية التي‬ ‫ينبغ����ي بها الأخذ بنظر االعتبار الهويات امل�شرتكة عرب احلدود‬ ‫الوطني����ة للدول؛ هويات مثل الطبقة‪� ,‬أو اجلنو�سة‪� ,‬أو املعتقدات‬ ‫ال�سيا�سي����ة واالجتماعي����ة‪ .‬وميك����ن اعتبار هذا ال�س�����ؤال النقطة‬ ‫احليوي����ة يف اجل����دل املعا�صر ح����ول حقوق الإن�س����ان‪ :‬هل هناك‬ ‫�شيء ا�سمه القيم الكونية? ويبدو هنا �أن �صن يعتقد �أن اجلواب‬ ‫ه����و نعم‪ .‬ف�إذا كان بو�سع املرء �أن يتقب����ل وجود جمال لالختيار‬ ‫وحرية يف التفكري عند تقري����ر املرء لهويته‪ ,‬ف�إن جميع احلدود‬ ‫عنده����ا ‪ -‬جغرافي����ة كان����ت �أم ح�ضارية ‪ -‬تكف ع����ن لعب ذلك‬ ‫ف�سده‪.‬‬ ‫الدور امل�صريي الذي غالب ًا ما ُيعمي اجلن�س الب�شري و ُي ِ‬ ‫حممد عبداهلل حممد‬ ‫كاتب من اليمن‪.‬‬

‫‪142‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫عل���ى الرغ���م م���ن �أن فك���رة املواطني���ة‪ /‬املواطنة بات���ت ملمح ًا‬ ‫�أ�سا�سي��� ًا م���ن مالم���ح ع�صرن���ا؛ بالنظ���ر �إىل �أن مفه���وم املواطنية‬ ‫ال���ذي ت�ستمد منه هيئة املواطن�ي�ن يف �أي جمتمع قوتها ووجودها هو‬ ‫الركي���زة الأوىل واملبد�أ الأ�سا�سي لأي نظام يعترب نف�سه دميقراطي ًا‪،‬‬ ‫ومن دون���ه ال تتحق���ق الدميقراطية مبفهومها احلقيق���ي‪ .‬لكن هذا‬ ‫وال�سج���ال حولها؛ فاملواطنية‪� ،‬ش�أنها �ش�أن‬ ‫مل مينع ا�ستمرار اجلدل ّ‬ ‫مو�ضوع���ات ومفاهي���م عدة مثل احلري���ة وامل�س���اواة والدميقراطية‬ ‫واحلري���ات الفردي���ة والعدالة‪ ،‬مل تزل ت�شكل م���ادة بحث هامة لدى‬ ‫دوائ���ر �أكادميية متنوعة وبخا�ص���ة حني جتري معاجلتها يف �إطار‬ ‫جمتم���ع متعدد باملعن���ى امل�ضطرد للكلم���ة‪� ،‬أي املواطنية‬ ‫يف جمتمع���ات حتت�ض���ن ثقاف���ات وحت��� ّدرات �إثني���ة‬ ‫وذاكرة تاريخي���ة ومنظومة قيم وعادات وم�سالك‬ ‫ُ‬ ‫التناظر ب�ي�ن علماء االجتماع‬ ‫متنوع���ة‪ .‬ويتنامى‬ ‫وال�سيا�سة حول �إمكانية حتقق املواطنية الكاملة‬ ‫يف جمتمع���ات متع���ددة‪ ،‬ناظري���ن �إىل �سياق���ات‬ ‫تاريخي���ة حم���ددة كان فيه���ا امل�سع���ى احلثي���ث‬ ‫م���ن قب���ل دول عديدة جله���ة و�ضع ح���د �أو تقلي�ص‬ ‫للفوا�ص���ل واالختالف ب�ي�ن جمتمعات ُي���راد اي�صالها‬ ‫�إىل درجة متقدمة من الوحدة الداخلية واالن�سجام تعزيز ًا‬ ‫لقواعد اال�ستقرار وحتديد ًا ال�سيا�سي منها‪.‬‬ ‫واحل���ال �أن املواطنية ُمت ّثل �شك ًال تتحدد عربه الهوية االجتماعية‬ ‫وال�سيا�سي���ة للأف���راد‪ ،‬وهي ق�ضية معق���دة للغاي���ة ومت�شابكة‪ ،‬ميتد‬ ‫تاريخه���ا �إىل ما يقارب ثمانية وع�شرين قرن��� ًا‪ .‬وعلى الرغم من �أن‬ ‫املواطني���ة‪ ،‬بو�صفها فكرة ومبد�أً دميقراطي ًا �أ�صي ًال‪ ،‬غدت ‪ -‬ال�سيما‬ ‫يف ال�سن���وات الع�شرين الأخرية ‪ -‬عنوان ًا مثري ًا لالهتمام البالغ على‬ ‫م�ست���وى العامل يف ثالث���ة ميادين‪ :‬املي���دان ال�سيا�س���ي‪ -‬االجتماعي‬ ‫والأكادميي والتعليمي‪ ،‬وهو االهتمام الذي نتج عنه كتاباتٌ وم�ؤلفات‬ ‫�ضخم���ة‪ .‬لكن‪ ،‬ومع ه���ذا‪ ،‬مل ي�صدر كتاب واح���د ي�ستعر�ض التاريخ‬ ‫الكام���ل للمب���ادئ واملمار�س���ات اخلا�صة باملواطنية خ�ل�ال م�سارها‬ ‫التاريخ���ي الكامل‪ .‬ومن هنا ت�أت���ي �أهمية كتاب ديريك هيرت املعنون‬

‫للمواطن ّي���ة”؛ �إذ يت�ضمن م�سح��� ًا �شام ًال وممتع ًا‬ ‫موج��� ٌز‬ ‫ِ‬ ‫ب� �ـ “تاري ٌخ َ‬ ‫وا�ستعرا�ض��� ًا ممتاز ًا ومك ّثف��� ًا للمواطنية‪ ،‬ورغم �إيج���ازه ف�إنه يتّ�سم‬ ‫بالعم���ق واملتان���ة اللذين نفتقدهما يف كتابات �أخ���رى‪ ،‬يقدمه باحث‬ ‫متخ�ص�ص له باع طويل يف هذا املو�ضوع‪ ،‬تعك�سه من�شوراته العديدة‬ ‫الت���ي ت�شمل‪ :‬ما هي املواطني���ة؟ (‪ ،)1999‬املواطنية العاملية‪ :‬التفكري‬ ‫الع���ايل ومناه�ض���وه (‪ ،)2002‬تاري���خ الإع���داد الرتب���وي للمواطني���ة‬ ‫(‪ ،)2003‬املواطني���ة‪ :‬املُ ُث���ل املدني���ة يف التاري���خ العامل���ي‪ ،‬ال�سيا�س���ة‬ ‫والرتبية (‪.)2004‬‬ ‫مبني على (وي�ستمد‬ ‫وكتاب “تاريخ موجز للمواطنية” ٌّ‬ ‫�شرعيت���ه و�أهميت���ه م���ن) الت�سليم ب����أن الأو�ضاع‬ ‫الراهن���ة والنقا�شات ب�ش�أن املواطنية ال ميكن‬ ‫فهمه���ا دون معرفة اخللفي���ات التاريخية‪.‬‬ ‫ومن ه���ذا املنطلق‪ ،‬ي�سع���ى م�ؤلفه ديريك‬ ‫هيرت �إىل ت�أمني املادة التاريخية الأ�سا�س‪،‬‬ ‫من خالل ال�سرد التحليلي بدء ًا من زمن‬ ‫ا�سبارطة وروما م���رور ًا بالقرون الو�سطي‬ ‫وع�صر الث���ورات يف �أوروب���ا و�أمريكا وحتى‬ ‫الوق���ت احلا�ض���ر‪� ،‬أي ما ب�ي�ن ‪ 700‬قبل امليالد‬ ‫حت���ى ‪ 2000‬بعد امليالد‪� ،‬شام ًال �شواهد اقتب�ست من‬ ‫الن�صو�ص الأ�صلية ذات الأهمية يف هذا املجال‪.‬‬ ‫ومن���ذ البداي���ة ُي�ش ّدد امل�ؤلف عل���ى �أن املواطني���ة ال حتدد عالقة‬ ‫���رد �آخر مثلما هو احلال بالن�سب���ة �إىل الأنظمة الإقطاعية‬ ‫الفرد بف ٍ‬ ‫وامللكي���ة واال�ستبدادية وال مبجموع ٍة مثلم���ا يف القومية ولكن بفكرة‬ ‫الدولة ب�شكل �أ�سا�سي التي يكون فيها الأ�شخا�ص م�ستقلني ومت�ساوين‬ ‫يف �أو�ضاعه���م ال�شرعي���ة‪ ،‬وهو م���ا يو ِّلد فيهم االح�سا����س بامل�سئولية‬ ‫و ُيك ّر����س �إنتماءهم اىل الوطن؛ لهذا حت�ض���ر الدولة كالعب رئي�سي‬ ‫يف الكت���اب‪ ،‬وحت�ضر نظرته���ا �إىل رعاياها باعتباره���م مواطنني �أو‬ ‫�أق���ل من ذلك‪� ،‬س���واء يف �أثين���ا �أو ا�سبارطة حت���ى املجتمع احلديث‬ ‫ومتييزه �ضد فئات بعينها مثل املر�أة �أو ال�سود �أو العبيد‪.‬‬ ‫ويف هذا الإطار‪ ،‬يمُ ّيز هيرت بني خم�سة �أ�شكال رئي�سة من الهوية‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪143 2009‬‬


‫الفهر�ست‬

‫مراجعات‬

‫ال�سل���وك املدين ال�صالح وال�شكل اجلمه���وري للدولة هما �أ�سا�سيان‪،‬‬ ‫له���ذا ال�سب���ب ج���اء تعبري “اجلمه���وري امل���دين”‪� .‬إن وجود جمتمع‬ ‫من املواطنني الأحرار م�ستحي���ل حتت اال�ستبداد والطغيان‪ ،‬كما �أن‬ ‫“اجلمهورية” كانت م�ستحيلة من دون الدعم الف ّعال من املواطنني‬ ‫وم�شاركته���م‪� .‬أما النظرة الليربالي���ة البديلة فتذهب يف حجتها �إىل‬ ‫�أن الدول���ة موجودة ملنفعة مواطنيها وهي ملتزم���ة فع ًال ب�أن ت�ضمن‬ ‫لهم حقوق ًا يتمتعون بها‪.‬‬ ‫ويف �أواخ���ر الق���رن الع�شري���ن ع���اد اجل���دل ح���ول املواطنية من‬ ‫جدي���د ولكن ب�صي ٍ���غ وم�ضامني �أخ���رى �أكرث تعقي���د ًا‪ ،‬وكان الهدف‬ ‫من �إع���ادة �إحي���اء املواطنية يف النظري���ة والتطبي���ق‪ ،‬تعزيز الوعي‬ ‫لقيم���ة الدميوقراطية وتب ّنيه���ا كنمط للحكم من قب���ل عدد متزايد‬ ‫م���ن البلدان يف �أورب���ا و�إفريقيا و�أمريكا الالتيني���ة‪ .‬وكان من نتائج‬ ‫ذل���ك وعي الأف���راد “لهوياته���م املتع���ددة” ب�شكل متزاي���د‪ ،‬بحيث‬ ‫دخل���ت �أهمي���ة الدول���ة واملواطني���ة فيها‪ ،‬يف ط���ور االنح�س���ار‪ :‬ف�إذا‬ ‫كان���ت العائالت واعية بعم���ق ملعتقداتها الديني���ة وتقاليدها الإثنية‬ ‫املن�سلخة ع���ن التيار الثقايف لبلد �إقامته���ا‪ ،‬و�إذا عمل النا�س يف ج ٍّو‬ ‫من ال�شب���كات العاملية للأعمال واالت�ص���االت املحرتفة‪ ،‬و�إذا �أرادت‬ ‫الن�س���اء �أن ُي�ش ِّكلن حياته���ن والتزاماتهن بطرق �أنثوي���ة معينة؛ �إذا‬ ‫ا�ستم���رت التطورات م���ن هذا الن���وع يف النمو‪ ،‬ف����إن املواطنية التي‬ ‫ت ّدع���ي وظيفة احلفاظ عل���ى التما�س���ك ينبغي �إم���ا �أن تتقل�ص �إىل‬ ‫�شكل �أ�ضعف من الوالء املتناف�س مع غريه‪� ،‬أو تتو�سع لت�شملها جميع ًا‬ ‫وبذل���ك تفقد متا�سكها‪� .‬إ�ضافة �إىل ذلك‪ ،‬ف����إن قوى العوملة والدمج‬ ‫الق���اري يف �أورب���ا‪ ،‬واملناطقية‪ ،‬تُق ِّو�ض �سلطة الدول���ة لكن املواطنية‬ ‫تطورت تدريجي ًا يف اجلوهر‪ ،‬ن�سبة �إىل املواطنية البلدية يف القرون‬ ‫الو�سط���ى‪ ،‬كعالقة الفرد بالدولة‪ ،‬و�إذا �ضعفت الدولة فمن البديهي‬ ‫�أن ت�ضعف املواطنية نتيجة لذلك‪.‬‬ ‫وبح�سب امل�ؤلف‪ ،‬تُقدم هذه االعتبارات قائمة �شاقة من امل�شكالت‬ ‫الت���ي حتت���اج �إىل ٍّ‬ ‫حل‪ ،‬وبالإم���كان ح ّله���ا م�ستقب ًال ‪ -‬كم���ا يو�ضِّ ح ‪-‬‬

‫يتعاط���ى معه���ا الب�ش���ر يف وظيفته���م كحيوان���ات اجتماعي���ة ‪-‬‬ ‫�سيا�سي���ة‪ ،‬جت�س���دت يف الأنظم���ة االقطاعية وامللكي���ة واال�ستبدادية‬ ‫والقومي���ة و�أن�س���اق املواطني���ة‪ .‬يرتب���ط كل �شكل منه���ا ب�أ�صل معني‬ ‫وحتيط كله���ا بالفرد وجتعل له مكانة و�شعور ًا يحددان �ش�أن العالقة‬ ‫و�أهلية الت�صرف والطريقة املنا�سبة يف هذا ال�سياق‪.‬‬ ‫ثم يطوف بنا امل�ؤلف تدريج ّي��� ًا بني خمتلف الع�صور التي عرفها‬ ‫الإن�س���ان‪ .‬فيتط ّرق يف الف�ص���ل الأول �إىل بالد الإغري���ق (اليونان)‬ ‫وحتدي���د ًا �إىل بع����ض امل���دن الت���ي بنيت �سن���ة ‪ 700‬قب���ل امليالد مثل‬ ‫مدين���ة ا�سبارط���ة وهي عبارة ع���ن �أربع قرى �إغريقي���ة �صغرية تقع‬ ‫�إىل اجلن���وب م���ن �شب���ه جزي���رة بيلوبوني���ز‪ ،‬ويتح���دث‪ ،‬م���ن وجهة‬ ‫نظر فل�سفي���ة‪ ،‬عن �أوجه املواطنية عند �أفالط���ون و�أر�سطو‪ .‬يناق�ش‬ ‫امل�ؤل���ف �أ�صول املواطني���ة يف روما ويرى �أنها خمتلف���ة يف الكثري من‬ ‫خ�صائ�صه���ا عن اليونانية‪ ،‬فقد �أ�صبحت حالة املواطنية‪ ،‬من خالل‬ ‫التطور التدريجي‪� ،‬أكرث مرونة ب�أ�شواط من احلالة اليونانية‪� ،‬إذ �أقام‬ ‫الرومان مواطنية على درجات متنوعة و�أتاحوا الفر�صة �أمام العبيد‬ ‫للتن ُّع���م بكرامة املواطن‪ .‬من هنا‪ ،‬ميكن الق���ول �أن �أ�صول املواطنية‬ ‫الروماني���ة هي �أكرث �ضبابية من اليوناني���ة‪ ،‬فال يوجد ُم�ش ِّرع عظيم‬ ‫مث���ل �صولون وال حت���ى �شخ�صية ن�صف �أ�سطورية مث���ل ليكورغو�س‪،‬‬ ‫كم���ا �أن املواطنية كان���ت موجودة ب�شكل �أو �آخ���ر يف ال�سنوات الأوىل‬ ‫للجمهورية‪.‬‬ ‫كان���ت املواطني���ة يف الع���امل اليوناين ‪ -‬الروماين‪ ،‬ط���وال خم�سة‬ ‫ق���رون‪ ،‬ميزة جوهري���ة ل�شكل احلك���م وحتى لنمط احلي���اة‪� .‬أما يف‬ ‫�أوروب���ا فكانت للمواطن ّي���ة‪ ،‬خالل القرون الو�سط���ى‪� ،‬أهمية جانبية‬ ‫ن�سبي��� ًا با�ستثناء املدن‪ -‬ال���دول الإيطالية‪ .‬غري �أن ه���ذا الو�ضع بد�أ‬ ‫يتغ�ي�ر مع قدوم الق���رن ال�سابع ع�شر؛ �إذ برزت �آن���ذاك ‪ -‬خ�صو�ص ًا‬ ‫يف �إنكل�ت�را ويف م�ستعمراته���ا الأمريكية ‪ -‬وجهة نظ���ر جديدة جتاه‬ ‫املبد�أ الذي ننطلق منه اليوم يف تعريف املواطنية‪ .‬كانت لغة احلقوق‬ ‫هي ما يج���ري التحدث بها حينذاك‪ .‬على �سبي���ل املثال‪ ،‬بينما كتب‬ ‫ماكيافيلل���ي عن الواجبات حتدث الكولونيل رينبورو عن احلقوق‪.‬‬ ‫منذ ذلك الوقت‪ ،‬خا�صة يف القرنني التا�سع ع�شر والع�شرين‪،‬‬ ‫بيانات الكتاب‬ ‫برز منط���ان من التفك�ي�ر ح���ول املواطنية‪ ،‬يتناف�س���ان فيما‬ ‫بينهم���ا م���ن �أجل �إح���راز الت�أثري وم���ن �أج���ل ال�سيطرة هما‬ ‫للمواطن ّية‬ ‫وج ٌز‬ ‫ِ‬ ‫تاري ٌخ ُم َ‬ ‫ديريك هيرت‬ ‫اجلمه���وري واللي�ب�رايل‪ .‬يذهب التفكري اجلمه���وري املدين‬ ‫ترجم���ة‪� :‬آ�ص���ف نا�صر‬ ‫يف ر�أي���ه حول املواطني���ة �إىل القول ب�أن �أف�ض���ل �شكل للدولة‬ ‫ومكرم خليل‬ ‫يق���وم عل���ى دعامت�ي�ن‪ ،‬هم���ا مواطني���ة �أ�شخا����ص يتمتع���ون‬ ‫دار ال�ساقي(ب�ي�روت)‬ ‫باال�ش�ت�راك م���ع مركز‬ ‫بالف�ضيل���ة ال�سيا�سية ومن���ط عادل للحكم‪ .‬ينبغ���ي �أن تكون‬ ‫البابطني للرتجمة‬ ‫الدول���ة “جمهوري���ة” مبعنى �أنه���ا دولة حمكوم���ة بالد�ستور‬ ‫‪2007‬‬ ‫ولي�س���ت حمكومة كيفي ًا وال ا�ستبدادي��� ًا‪� .‬إن كال العن�صرين‪،‬‬ ‫‪� 224‬صفحة‪.‬‬ ‫‪144‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫غالف الطبعة العربية‬

‫غالف الطبعة الإجنليزية‬

‫من خ�ل�ال ثالث طرق لها �سواب���ق تاريخية مث�ي�رة لالهتمام‪� :‬أو ًال‪،‬‬ ‫توف�ي�ر م�ؤ�س�سات ف ّعال���ة لتُم ّكن املواطنني وت�شجعه���م على امل�شاركة‬ ‫يف مظاهره���م املواطني���ة املتع���ددة‪ .‬ثاني��� ًا‪� ،‬أن يك���ون هن���اك قبول‬ ‫ب����أن املواطنة‪ ،‬مهم���ا كانت مرونة تعريفها‪ ،‬لي�س���ت كل ما يُهِ م هوية‬ ‫ال�شخ����ص االجتماعية‪ .‬ثالث ًا‪� ،‬إر�شاد الأف���راد �إىل هوياتهم املتعددة‬ ‫وكيفية التعامل معها ب�شكل توافقي‪.‬‬ ‫لقد تبينّ للم�ؤلف‪ ،‬من خالل متابعته خلطط بع�ض البلدان‪ ،‬التي‬ ‫حاول���ت ا�ستنباط �أ�شكال منا�سبة م���ن الرتبية املواطنية‪� ،‬أن العملية‬ ‫ي�س���رة؛ ففي ظ���ل عدم االتف���اق �أو االلتزام ب�ي�ن الرتبويني‬ ‫لي�س���ت ُم ّ‬ ‫املخت�ص�ي�ن �أو يف غي���اب الإرادة ال�سيا�سي���ة ل���دى احلكوم���ات‪ ،‬ف�إن‬ ‫اجله���ود الكبرية املطلوبة للتغل���ب على ال�صعوب���ات ت�ضافرت ولكن‬ ‫ب�ش���كل جزئي وبط���يء‪ .‬ولكن ال�س����ؤال الذي يطرح نف�س���ه هو‪ :‬كيف‬ ‫ميك���ن لوعي طبيع���ة املواطنية يف املا�ض���ي‪ ،‬م���ع كل ت�شويهاتها عرب‬ ‫الع�صور‪� ،‬أن ي�ضيء على حالتها الآن؟‬ ‫و�إذا كان بيرت رايز نبريغ‪ ،‬يف كتابه “املواطنية يف العرف الغربي‬ ‫من �أفالطون �إىل رو�سو”‪ ،‬قد �ص ّور تاريخ املواطنية على �أنه يك�شف‬ ‫اخلط���وط امل�ضيئة ل�سل�سلة من “اللحظ���ات الكاملة”‪ ،‬غري �أن هيرت‬ ‫ي���رى �أنه حتى بداية القرن احل���ادي والع�شرين‪ ،‬مل ي�صل العامل �إىل‬ ‫حلظ���ة الكمال ب���ل‪ ،‬عو�ض ًا عن ذلك‪ ،‬و�صل �إىل زم���ن امل�أزق‪ ،‬بحيث‬ ‫يواجه الآن �أربع مع�ضالت‪:‬‬ ‫املع�ضل���ة الأوىل‪ ،‬هي كيفية �إقامة توازن بني الواجبات واحلقوق‪.‬‬ ‫لقد بدا للعديد من املراقبني يف القرن الع�شرين �أن التقدم يف �شكل‬ ‫املواطني���ة الليربالية‪ ،‬بت�شديدها على احلق���وق‪ ،‬قد ذهب �أبعد مما‬ ‫يج���ب‪ .‬فق���د ُح ِجب الرتكي���ز الأ�صلي عل���ى الواجب���ات وامل�س�ؤوليات‬ ‫وااللتزام���ات‪ .‬لك���ن �إلغاء م���ا تراكم من حقوق لي����س وارد ًا بالطبع‪.‬‬ ‫�أما املع�ضلة فكانت‪ ،‬يف كيفية حياكة اخليوط لنمط �شمويل لنظرية‬ ‫املواطنية وممار�ستها‪ .‬من الوا�ضح �أنه‪ ،‬يف �سبيل حتقيق ذلك‪ ،‬يجب‬ ‫تقوي���ة املُ ُثل العلي���ا اجلمهورية للمجتمع والف�ضيل���ة بطريقة ال ت�ؤدي‬ ‫�إىل تقوي�ض حقوق الفرد‪ .‬وق���د ُا�ستخدمت تعابري مثل “التبادلية”‬ ‫و“التفاع���ل امل�شرتك” لو�ضع ت�ص��� ّور حلقوق الآخرين فيما يتمتعون‬ ‫بحقوقه���م اخلا�ص���ة‪ ،‬كما يق��� ّرون‪� ،‬أي�ض ًا‪ ،‬ب�أن احلق���وق ال ميكن �أن‬ ‫توج���د �إال يف ال�سي���اق املجتمع���ي‪� .‬إال �أن التطبي���ق العمل���ي ملثل هذا‬ ‫الت�ص ّور‪ ،‬كما يقرر هيرت‪ ،‬لي�س باملهمة ال�سهلة‪.‬‬ ‫املع�ضل���ة الثانية‪� :‬إن ال�صراع املوروث عل���ى الأولوية ‪� -‬أو التوازن‬ ‫املن�شود‪ -‬ب�ي�ن الواجبات واحلق���وق مرتبط‪ ،‬ب�شكل وثي���ق‪ ،‬بالكيفية‬ ‫الت���ي ميكن م���ن خاللها حتقي���ق التجان�س ما ب�ي�ن املواطنية املدنية‬ ‫وال�سيا�سي���ة من ناحي���ة واملواطني���ة االجتماعية من ناحي���ة �أخرى‪.‬‬ ‫لتاريخ �أط���ول و�أكرث تنوع��� ًا بني ه���ذه املكونات يطرح‬ ‫ولك���ن الوع���ي ٍ‬ ‫�أ�سئلة اخرى‪ ،‬من قبيل‪ :‬هل متنح احلقوق االجتماعية كم�ستحقات‪،‬‬

‫االهتمام مبو�ض��وع املواطني��ة ومكانتها‬ ‫ه��و الآن �أعظم مما كان عليه منذ مئتي‬ ‫�س��نة �أو �أك�ثر؛ لكنه��ا يف الوق��ت عين��ه‬ ‫تب��دو وك�أنه��ا �أخ��ذت تتفت��ت يف القرن‬ ‫احل��ادي والع�ش��رين‪ ،‬م��ن حي��ث كونه��ا‬ ‫مفهوم ًا متما�سك ًا‬ ‫�أو كتنازالت‪� ،‬أو كنتيجة ل�سيا�سة حكيمة؟ وما هو الرابط ال�سببي بني‬ ‫املواطنية املدنية‪ /‬ال�سيا�سية واالجتماعية‪.‬‬ ‫وتتعل���ق املع�ضل���ة الثالثة باالخت�ل�اط الأكرث فائدة ب�ي�ن امل�شاركة‬ ‫يف ال�ش����ؤون العام���ة واالمتن���اع عنها‪ .‬فف���ي نهاية الق���رن الع�شرين‪،‬‬ ‫ُ�س ِّجلت عدة �شكاوى حول ال�شع���ور بخيبة الأمل حول ال�ش�ؤون العامة‬ ‫والالمب���االة جتاهه���ا‪ .‬ومما جرى مناق�شت���ه �أن املواطني���ة الفاعلة‬ ‫�ضرورية لدولة �سليمة ومحُ كمة التنظيم‪ .‬لذلك ف�إن املواقف ال�سلبية‬ ‫خطرة‪ .‬ويف الطرف الآخر‬ ‫الوا�سع���ة االنت�شار غري �صح ّية‪ ،‬حتى �أنها ِ‬ ‫للطي���ف املقاب���ل لالمب���االة الباردة هن���اك احلما�سة احل���ارة‪ .‬فقد‬ ‫ا�شتك���ى �سانت جو�س���ت – وهو �أحد رجاالت الث���ورة الفرن�سية ‪� -‬أن‬ ‫“الث���ورة ُمتج ّمدة”‪ ،‬و�أن مواطني فرن�س���ا يجب دفعهم من خالل‬ ‫ح���رارة حكم الإرهاب كي ي�ستعيدوا حم ّي ًا ال�سري ب�سرعة يف خطوات‬ ‫نح��� ّرك مواطنني‬ ‫التغي�ي�ر‪ .‬وهكذا‪ ،‬ي�ب�رز ال�س�ؤال م���رة ثانية‪ ،‬كيف ُ‬ ‫م�ست�سلم�ي�ن دون �إثارة انفعاله���م الذي ال ميكن �ضبطه؟ وهذا‪ ،‬بحد‬ ‫ع�ضلة للم ُن ِّظر حتى ولو ب���دا �أن ممار�سة التع�صب املدين يف‬ ‫ذات���ه ُم ِ‬ ‫الع���امل احلديث‪ ،‬يف حقب���ة النازية واحلر�س الأحم���ر ال�صيني‪ ،‬قد‬ ‫باتت بعيدة عن الع�صور املا�ضية‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫تناق�ض ُي�صيب قلب املواطنية‪.‬‬ ‫�أما املع�ضلة الرابعة والأخرية فهي‬ ‫فاالهتم���ام مبو�ض���وع املواطنية ومكانته���ا هو الآن �أعظ���م مما كان‬ ‫علي���ه من���ذ مئتي �سن���ة �أو �أكرث؛ لكنه���ا يف الوقت عينه تب���دو وك�أنها‬ ‫�أخ���ذت تتفتت يف القرن احلادي والع�شرين‪ ،‬من حيث كونها مفهوم ًا‬ ‫متما�سك ًا ‪ ..‬ولهذه املع�ضل���ة الأخرية بالتحديد تعقيداتٌ و�إ�شكاليات‬ ‫�ست�ستثريها �سجاالت �صاخبة ال تهد�أ‪ ،‬وبالت�أكيد ف�إن لها ق�صة �أخرى‬ ‫وكتاب �آخ���ر ُندرِك معه نح���ن احليارى من‬ ‫زمن الح���ق ٍ‬ ‫�س�ت�روى يف ٍ‬ ‫جدي���د‪ ،‬وكالع���ادة‪ّ � ،‬أي �شيءٍ �صعب ومعقد هو ذل���ك الكائن امل�سكني‬ ‫“مواطن ًا”!‬ ‫بجل ‪ -‬ليل نهار‪-‬‬ ‫ِ‬ ‫الذي ُيطلق عليه �إعالمنا املُ ّ‬ ‫حممد �سيف حيدر‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪145 2009‬‬


‫الفهر�ست‬

‫عرو�ض موجزة‬

‫عرو�ض موجزة‬ ‫الظاهرة احلوثية‪ ..‬درا�سة منهجية �شاملة‬ ‫�أحمد حممد الدغ�شي‬ ‫مكتبة خالد بن الوليد ودار الكتب اليمنية‬ ‫(�صنعاء)‪2010 ،‬‬ ‫‪� 135‬صفحة‬ ‫ج���اء كت���اب «الظاه���رة احلوثي���ة ‪ ..‬درا�سة‬ ‫منهجي���ة �شاملة» للأكادمي���ي اليمني �أحمد‬ ‫الدغ�ش���ي يف وقت تلقى فيه ه���ذه الظاهرة‬ ‫ً‬ ‫هائ�ل�ا م���ن االهتم���ام الإعالم���ي‪،‬‬ ‫حي���ز ًا‬ ‫وم�ساح���ة وا�سع���ة م���ن اجل���دل ال�سيا�س���ي‬ ‫والثقايف والفكري على ال�صعيدين الداخلي‬ ‫واخلارجي‪ ،‬خ�صو�ص ًا مع اندالع املعارك يف‬ ‫جولته���ا ال�ساد�س���ة بني احلوثي�ي�ن واجلي�ش‬ ‫اليمني‪ .‬وتنبع �أهمية الكتاب من كونه غطى‬ ‫معظم جوانب و�أبع���اد الظاهرة احلوثية من‬ ‫حيث طبيعة الن�ش�أة والتكوين‪ ،‬وعوامل الظهور‪ ،‬وجدل العالقة باخلارج‪،‬‬ ‫وك���ذا حاول امل�ؤل���ف ا�ست�ش���راف م�ستقبل الظاهرة احلوثي���ة وتداعياتها‬ ‫املختلفة‪.‬‬ ‫ويف تعريف���ه للظاهرة احلوثية‪ ،‬يقول الدغ�ش���ي «�إن احلركة احلوثية‪� ،‬أو‬ ‫ذلك التنظي���م الفكري ال�سيا�سي امل�سلح ال���ذي �أعلن عن نف�سه يف العام‬ ‫‪ ،1990‬با�س���م تنظيم �أو جماع���ة �أو منتدى «ال�شب���اب امل�ؤمن»‪ ،‬ك�إطار‬ ‫ترب���وي وثقايف و�سيا�س���ي (�ضمن ًا)‪ ،‬بحيث اقت�ص���ر اهتمامه على ت�أهيل‬ ‫ال�شب���اب بدرا�سة بع�ض علوم ال�شريعة مع الأن�شطة امل�صاحبة‪ ،‬وفق ر�ؤية‬ ‫مذهبي���ة زيدية غالب���ة‪ ،‬قبل �أن يتح���ول �إىل تنظيم ع�سك���ري م�سلح بعد‬ ‫ذل���ك»‪ .‬ومن بني �أه���م النتائج التي تو�صل �إليه���ا امل�ؤلف يف نهاية الكتاب‬ ‫�أن هناك عاملني رئي�سيني‪ :‬داخلي وخارجي‪ ،‬يعزى �إليهما ظهور احلوثية‬ ‫به���ذا ال�شكل يف اليمن‪ .‬وميكن �إيجاز عوامل الظهور الداخلية يف‪ :‬جذور‬ ‫الت�شي���ع ال�سيا�سي التي حت�صر حق احلكم يف �سالل���ة بعينها‪ ،‬كما تعزى‬ ‫�إىل التكوين العلمي والفك���ري والأيديولوجي للم�ؤ�س�س ح�سني بدر الدين‬ ‫احلوث���ي‪ ،‬و�إىل اخلالفات الداخلية بني م�ؤ�س����س تنظيم ال�شباب امل�ؤمن‪،‬‬ ‫ويف مقدمته���م ح�سني بدر الدي���ن احلوثي من طرف وحممد �سامل عزان‬ ‫من الط���رف الآخر‪� .‬أما العام���ل اخلارجي‪ ،‬فيع���زوه الدغ�شي �إىل فكرة‬ ‫ت�صدي���ر الثورة التي تبنتها الثورة الإ�سالمي���ة يف �إيران عقب انت�صارها‬ ‫عام ‪.1979‬‬

‫‪146‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫دارفور‪ ..‬من �أزمة دولة �إىل �صراع القوى العظمى‬ ‫عبده خمتار مو�سى‬ ‫ال��دار العربية للعل��وم (ب�يروت) ومركز اجلزيرة للدرا�س��ات‬ ‫(الدوحة)‪2009 ،‬‬ ‫‪� 390‬صفحة‬ ‫يف كتابه الذي �صدر م�ؤخر ًا “دارفور‪ ..‬من‬ ‫�أزم���ة دولة �إىل �ص���راع الق���وى العظمى”‪،‬‬ ‫حاول م�ؤلف الكت���اب الدكتور عبده خمتار‬ ‫مو�س���ى الغو����ص يف خفاي���ا وتفا�صيل �أزمة‬ ‫دارف���ور‪ ،‬وحقيقة ال�ص���راع الدائر هناك‪.‬‬ ‫فامل�شكل���ة يف �إقلي���م دارفور ال�س���وداين قد‬ ‫ي�ص���دق القول عليه ‪ -‬كما ي���رى امل�ؤلف –‬ ‫�أنها كانت حتمية‪ ،‬و�أن انفجارها كان ينتظر‬ ‫اللحظة التاريخي���ة املنا�سبة‪ .‬فقد توافرت‬ ‫كل املعطيات وكل الظروف املو�ضوعية التي‬ ‫جتعل منها �أمر ًا حتمي ًا لي�س بح�ساب ال�صراع التقليدي الداخلي فح�سب‬ ‫بل وفق معطيات التفاعالت الإقليمية والتغريات الدولية �أي�ض ًا‪ .‬وقد كان‬ ‫وا�ضح��� ًا يف ثنايا الكتاب �سعي امل�ؤل���ف لو�ضع امل�شكل ال�سوداين الأ�سا�سي‬ ‫يف �أبعاده الكاملة‪ ،‬والرتكيز على فهم طبيعة املجتمع ال�سوداين وتركيبته‪،‬‬ ‫وهي���كل الق���وى وعالقاته���ا بالرتكيبة االجتماعي���ة‪ .‬كما تط���رق الكاتب‬ ‫ل���دور النخبة ال�سيا�سية‪ ،‬وكيف �أ�سهمت يف تعقي���د امل�شكالت املوروثة يف‬ ‫من���ط الدولة ال�سوداني���ة العاملثالثية‪ ،‬فزادتها تعقي���د ًا‪ .‬ومع مرور الوقت‬ ‫تول���دت �أزمات لولبية ك�شف���ت ه�شا�شة بنية الدول���ة يف ال�سودان‪ ،‬وبد�أت‬ ‫تهدد متا�سكها ووجودها‪ .‬ولعل ما زاد من �أهمية الكتاب هو عدم اكتفاء‬ ‫امل�ؤل���ف بعر�ض �أزم���ة دارفور يف �إطاره���ا املحلي‪ ،‬بل بح���ث يف خلفياتها‬ ‫والتط���ورات اجلاري���ة يف الإقلي���م‪ ،‬وعالقة تط���ور امل�شكل���ة بالديناميات‬ ‫القومية والإقليمية والدولية‪.‬‬

‫النجم ال�صاعد‪ ،‬ال�صني‪ :‬ديبلوما�سية �أمنية جديدة‬ ‫بايت�س غيل‬ ‫ترجمة‪ :‬دالل �أبو حيدر‬ ‫دار الكتاب العربي (بريوت)‪2009 ،‬‬ ‫‪� 373‬صفحة‬ ‫م���ع تربعم �أهمية ال�ص�ي�ن يف امل�سرح الدويل‪ ،‬اقت�صادي��� ًا و�سيا�سيا‪ً،‬‬

‫ثم����ة توق �شدي����د عرب الع����امل �إىل فهم �أف�ضل‬ ‫لهذه الق����وة الآ�سيوية ال�صاعدة‪ ،‬و�إمكاناتها‪،‬‬ ‫وت�أثري �صعودها يف ال�ش�ؤون الدولية والإقليمية‬ ‫والوطني����ة‪ ،‬ويف امل�صالح امل�شرتك����ة مع القوة‬ ‫الدولي����ة الك��ب�رى‪ ،‬ويف حياتن����ا اخلا�ص����ة‪.‬‬ ‫ويف ه����ذا الإط����ار‪ ،‬ج����اء ه����ذا الكت����اب الذي‬ ‫و�ضع خ�صي�ص���� ًا لأ�صحاب امله����ن‪ ،‬واملحللني‬ ‫ال�سيا�سيني‪ ،‬والطالب‪ ،‬و�آخرين من املراقبني‬ ‫املطلعني الذين ي�سعون �إىل التع ّمق يف حوافز‬ ‫ومنج����زات ومدل����والت ال�سيا�س����ة اخلارجي����ة والأمنية لل�ص��ي�ن التي تزداد‬ ‫ديناميكي����ة وفعالي����ة‪ .‬ويحاول م�ؤلف الكت����اب تقدمي نظرة �أك��ث�ر تف�صي ًال‪،‬‬ ‫وذات بعد �سيا�سي �أكرب‪ ،‬ع����ن ت�أثري ومعنى ال�سيا�سات الأمنية لل�صني على‬ ‫ال�صعد الإقليمية والدولية‪.‬‬ ‫يقدم الكت����اب �أو ًال �إطار ًا موجز ًا لفهم �أه����داف «الديبلوما�سية الأمنية‬ ‫اجلدي����دة» لبيجينغ‪ .‬وانطالق ًا من ذلك‪ ،‬ي�صف وي�ش����رح �سعي ال�صني �إىل‬ ‫حتقي����ق ه����ذه الأهداف عرب �سيا�س����ات عملية ت�شم����ل جمموعة حمددة من‬ ‫الق�ضايا ذات ال�صلة بالأمن‪ :‬الآليات الأمنية و�إجراءات بناء الثقة الإقليمية‬ ‫والدولي����ة؛ «�ش����راكات» ثنائي����ة؛ عالق����ات ع�سكري����ة؛ ر�ؤى �إزاء التحالفات؛‬ ‫�إج����راءات من����ع انت�شار الأ�سلح����ة النووية؛ واحلد من الت�سل����ح على ال�صعد‬ ‫املتع����ددة الأطراف والثنائي����ة واملحلية؛ تب����دل الآراء يف ال�سيادة والتدخل؛‬ ‫املقاربات لق�ضايا خمتلفة كمحاربة الإرهاب وحفظ ال�سالم يف العامل‪.‬‬ ‫ويق���� ّر الكتاب على م����دى �صفحاته ب�أن الديبلوما�سي����ة الأمنية اجلديدة‬ ‫لل�ص��ي�ن تو ّل����د حتديات كب��ي�رة بقدر م����ا تولد فر�ص���� ًا لالعب��ي�ن �آخرين يف‬ ‫النظام العاملي‪ .‬وهو لذلك يخ�ص�ص ف�صوله الأخرية ملاهية هذه التحديات‬ ‫والفر�ص‪ ،‬وملا ميكن �أن يكون عليه ر ّد املجتمع الدويل‪ ،‬ويف املقدمة الواليات‬ ‫املتحدة‪.‬‬ ‫ما بعد النفط‪ :‬منظور ًا �إليه من ذروة هابرت‬ ‫كينيث �س‪ .‬ديفي�س‬ ‫ترجمة‪� :‬صباح �صدّ يق الدملوجي‬ ‫املنظمة العربية للرتجمة (بريوت)‪2009 ،‬‬ ‫‪� 336‬صفحة‬ ‫يح���ذر م�ؤل���ف كت���اب «ما بع���د النفط»‪ ،‬كيني���ث ديفي����س‪ ،‬العامل من‬ ‫مواجه���ة مع�ضلة مل ي�سبق له���ا مثيل‪ ،‬فقد توقف النم���و يف �إنتاج النفط‬ ‫يف الع���امل و�سيبد�أ االنخفا�ض يف الإنت���اج قريب ًا‪ ،‬و�سوف لن يلبي الإنتاج‬

‫اجليولوجي ملورد حيوي املتطلبات وذلك‬ ‫للم���رة الأوىل من���ذ الث���ورة ال�صناعي���ة‪.‬‬ ‫وي�ض���ع امل�ؤلف �أ�سئلة ت����ؤرق �ص ّناع القرار‬ ‫االقت�ص���ادي وال�صناع���ي وال�سيا�س���ي يف‬ ‫خمتل���ف �أقطار العامل‪ ،‬وت�ؤثر يف حياة كل‬ ‫ف���رد �سواء �أكان يف ناطحات ال�سحاب يف‬ ‫مانهاتن �أم يف واحات ال�صحراء الكربى‬ ‫�أم يف �أدغال الكونغو‪.‬‬ ‫كم���ا يرك���ز ديفي����س‪ ،‬وه���و خب�ي�ر‬ ‫جيولوج���ي نفطي‪ ،‬عل���ى امل�صادر الأخ���رى للطاقة التي ميك���ن �أن توفرّ‬ ‫البدي���ل‪ ،‬وذلك عل���ى الرغم من ر�أيه يف �أن البحث ع���ن اجلدوى الفنية‬ ‫واالقت�صادي���ة ال�ستغ�ل�ال ه���ذه امل�صادر كان يج���ب �أن يب���د�أ قبل ع�شر‬ ‫�سن���وات �ضاعت من دون �إجناز �ش���يء يذكر‪ .‬ويخل�ص امل�ؤلف �إىل القول‬ ‫ب�أن ا�ستمرارية عامل الأعمال على املنوال الذي كان عليه لي�س م�ضمون ًا‪،‬‬ ‫والتخ ّب���ط امل�شو�ش لي�س بالدواء ال�شايف‪ .‬و�سواء �أحببنا ذلك �أم مل نحبه‬ ‫ف�ستك���ون هن���اك �إعادة تنظيم ك�ب�رى يف اقت�صاديات الع���امل‪ ،‬و�سيكون‬ ‫التنظي���م اجلديد �أكرث منهجية فيما لو �أنتجن���ا ت�صميم ًا ملجتمع تكبحه‬ ‫ن���درة امل���وارد‪ .‬و�سنكون عند ذل���ك بحاجة �إىل م�سلك ال تعت���وره امل�آ�سي‬ ‫ليو�صلن���ا م���ن مو�ضعنا احلايل �إىل املو�ضع ال���ذي مت ت�صميمه‪ .‬ومرحب ًا‬ ‫بعامل ما بعد هابرت‪� ،‬أو عامل ما بعد النفط‪.‬‬ ‫احلرب والتغيري يف ال�سيا�سة العاملية‬ ‫روبرت غيلنب‬ ‫ترجمة‪ :‬عمر �سعيد الأيوبي‬ ‫دار الكتاب العربي (بريوت)‪2009 ،‬‬ ‫‪� 307‬صفحات‬ ‫يق���دم كت���اب «احل���رب والتغي�ي�ر يف‬ ‫ال�سيا�س���ة العاملي���ة» للق���ارئ‪ ،‬الع���ادي‬ ‫واملتخ�ص�ص‪ ،‬نظرية جديدة مهمة عن تغيرّ‬ ‫ال�سيا�س���ة الدولية‪ ،‬و�إط���ار ًا فكري ًا ميكن �أن‬ ‫يح ّول طريقة تفكرينا يف العالقات الدولية‪.‬‬ ‫�إذ ي���رى م�ؤل���ف الكت���اب‪ ،‬الدكت���ور روبرت‬ ‫غيل�ب�ن �أ�ستاذ العالق���ات الدولية يف جامعة‬ ‫برن�ستون الأمريكية‪� ،‬أن الطبيعة الأ�سا�سية‬ ‫للعالقات الدولية مل تتغري على م ّر �آالف‬ ‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪147 2009‬‬


‫الفهر�ست‬

‫عرو�ض موجزة‬

‫ال�سن�ي�ن‪ .‬وهو ي�ستخدم التاريخ وعلم االجتماع والنظرية االقت�صادية‬ ‫تحُ���دث التغيري يف النظام العامل���ي‪ .‬ويركز يف بحثه‬ ‫لتحدي���د القوى التي ِ‬ ‫عل���ى النمو التفا�ضلي للقوة يف النظام الدويل‪ ،‬وعلى نتيجة عدم التكاف�ؤ‬ ‫هذا‪.‬‬ ‫�إن حدوث تغيرّ يف ميزان القوى – االقت�صادية والع�سكرية – ُي�ض ِعف‬ ‫�أ�س�س النظام القائم لأن من يكت�سب القوة يرى تراجع ًا يف تكاليف تغيري‬ ‫النظ���ام وتزاي���د ًا يف منافع ذلك‪ .‬ونتيجة ذلك‪ ،‬كم���ا ي�ؤكد غيلنب‪ ،‬ت�سعى‬ ‫اجلهات الفاعلة �إىل �إحداث تغيري يف النظام من خالل التّو�سع الإقليمي‬ ‫�أو ال�سيا�سي �أو االقت�صادي حتى تفوق التكاليف احلدية ال�ستمرار التغيري‬ ‫املنافع احلدي���ة الناجتة عنه‪ .‬وعندما تكت�سب ال���دول القدرة على تغيري‬ ‫النظام وفق ًا مل�صاحلها‪ ،‬ف�إنها ت�سعى �إىل حتقيق ذلك �إما بزيادة الكفاءة‬ ‫االقت�صادية وتعظيم املكا�سب املتبادلة‪ ،‬و�إما ب�إعادة توزيع الرثوة والقوة‬ ‫وفق ًا مل�صلحتها‪.‬‬ ‫االقت�صاد العاملي‪ :‬ن�ش�أته‪ ،‬وتطوره‪ ،‬وم�ستقبله‬ ‫غريغوري كالرك‬ ‫ترجمة‪� :‬أمني الأيوبي‬ ‫م�ؤ�س�س��ة حمم��د بن را�ش��د �آل مكت��وم (دبي) وال��دار العربية‬ ‫للعلوم نا�شرون (بريوت)‪2009 ،‬‬ ‫‪� 533‬صفحة‬ ‫مل���اذا جن���د �أن بع����ض املناط���ق يف الع���امل‬ ‫وا�سعة ال�ث�راء وبع�ضها الآخر �شديدة الفقر؟‬ ‫مل���اذا حدث���ت الث���ورة ال�صناعي���ة – والنم���و‬ ‫االقت�صادي غ�ي�ر امل�سبوق الذي واكبها – يف‬ ‫�إجنل�ت�را يف الق���رن الثامن ع�ش���ر‪ ،‬ولي�س يف‬ ‫م���كان �آخ���ر‪� ،‬أو يف زم���ان �آخر؟ مل���اذا مل ي�ؤ ِّد‬ ‫الت�صني���ع �إىل �إث���راء العامل ب�أجمع���ه‪ ،‬وملاذا‬ ‫جعل مناطق وا�سعة م���ن العامل �أفقر من ذي‬ ‫قب���ل؟ يعالج غريغ���وري كالرك‪ ،‬وه���و رئي�س‬ ‫ق�سم العلوم االقت�صادية يف جامعة كاليفورنيا‬ ‫الأمريكي���ة‪ ،‬يف كتاب���ه «االقت�صاد العاملي» ه���ذه الأ�سئلة العميقة ويقرتح‬ ‫تف�سر مبوجبها الثقاف���ة – ولي�س اال�ستغالل‪� ،‬أو‬ ‫طريق���ة جديدة ومثرية ِّ‬ ‫اجلغرافيا �أو املوارد – ثراء الأمم وفقرها‪.‬‬ ‫يف رد عل���ى النظري���ة ال�سائ���دة الت���ي تقول ب����أن الث���ورة ال�صناعية‬ ‫انطلق���ت نتيج���ة لتط���ور مفاج���ئ يف امل�ؤ�س�س���ات ال�سيا�سي���ة والقانونية‬ ‫واالقت�صادي���ة امل�ستقرة يف �أوروبا يف الق���رن ال�سابع ع�شر‪ .‬يبني كالرك‬ ‫�أن ه���ذه امل�ؤ�س�سات وجدت قبل زمن طويل من ظهور ال�صناعة‪ .‬ويجادل‬ ‫باملقاب���ل ب�أن ه���ذه امل�ؤ�س�سات �أدت بالتدريج �إىل تغ�ي�رات ثقافية عميقة‬ ‫ع�ب�ر ت�شجيع النا�س على التخلي ع���ن غرائز املجتمعات التي تعي�ش على‬ ‫ال�صيد وعلى جمع احلبوب (العن���ف‪ ،‬وقلة ال�صرب‪ ،‬واقت�صاد اجلهد)‪،‬‬ ‫وعلى تبني عادات اقت�صادية (العمل الدءوب‪ ،‬والعقالنية والتعليم)‪.‬‬ ‫امل�شكل���ة‪ ،‬كم���ا يقول كالرك‪ ،‬ه���ي �أنها وحدها املجتمع���ات التي كان‬ ‫لديه���ا تواريخ طويل���ة باال�ستقرار والأمن ا�ستطاع���ت تطوير خ�صائ�ص‬ ‫ثقافي���ة وف���رق عم���ل فاعل���ة م ّكن���ت من حتقي���ق من���و اقت�ص���ادي‪� .‬أما‬ ‫املجتمع���ات التي مل تنعم بفرتات طويل���ة من اال�ستقرار‪ ،‬فلم حت ّل عليها‬ ‫‪148‬‬

‫ا�سرتاتيجية العدد الأول‪ ،‬نوفمرب‪/‬دي�سمرب‬

‫‪2009‬‬

‫نعم���ة ال�صناع���ة‪ .‬كما يحل���ل كالرك الفك���رة التي دافع عنه���ا جريارد‬ ‫داميون���د يف كتابه «�أ�سلح���ة‪ ،‬وجراثيم‪ ،‬وفوالذ»‪ ،‬والتي تق���ول ب�أن منح ًا‬ ‫طبيعي���ة مثل اجلغرافيا هي امل�سئولة ع���ن االختالفات يف ثروات الأمم‪.‬‬ ‫�إن ه���ذا الكتاب حتدي ذكي ور�صني للفكرة التي تقول ب�أنه ميكن تطوير‬ ‫املجتمعات الفقرية عرب التدخل اخلارجي‪ ،‬ورمبا يغيرّ كتاب «االقت�صاد‬ ‫العاملي» طريقة فهم التاريخ االقت�صادي العاملي‪.‬‬ ‫االقت�صاد العاملي‪ :‬املرحلة التالية؟ حتديات وفر�ص يف عامل‬ ‫بال حدود‬ ‫كيني�شي �أوهمي‬ ‫ترجمة‪ :‬مركز التعريب والربجمة‬ ‫الدار العربية للعلوم نا�شرون (بريوت)‪2006 ،‬‬ ‫‪� 336‬صفحة‬ ‫يق���ول كيني�ش���ي �أوهم���ي «�أن هن���اك قوتان‬ ‫�ساهمت���ا يف ت�شكي���ل كتاب���ي ه���ذا‪� ،‬أولهما‬ ‫ال�شه���ادة عل���ى تغ�ي�ر الظ���روف‪� .‬إذ تغ�ي�ر‬ ‫الع���امل بق���وة خ�ل�ال العقدي���ن املا�ضيني‪،‬‬ ‫كما �أن القواع���د االقت�صادي���ة وال�سيا�سية‬ ‫واالجتماعي���ة امل�شرتك���ة وال�شخ�صية التي‬ ‫تط ّب���ق الي���وم حتم���ل يف طياته���ا عالق���ة‬ ‫�شحيح���ة ُطبق���ت عل���ى قواع���د العقدي���ن‬ ‫ن�ص ًا‬ ‫املا�ضي�ي�ن‪ .‬فالأوقات املختلفة تتطلب ّ‬ ‫جدي���د ًا‪� .‬أما القوة الثانية التي ح���ددت امل�سرح العاملي التايل فهي �أنني‪،‬‬ ‫على مدى الع�شرين �سنة املا�ضية‪� ،‬شهدت على بروز بع�ض رواد االقت�صاد‬ ‫العامل