Page 1

‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫طاهر شمسان‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫إىل شهداء وجرحى الحراك السلمي‬ ‫والثورة الشبابية الشعبية السلمية‬ ‫الذين قضوا من أجل أن نعيش بكرامة‬

‫‪3‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫يف معنى الوحدة‪.‬‬ ‫الوحدة مشرتك إنساين يقوم عىل كثري من القواسم التي تكونت من خالل التعايشات‬ ‫التلقائية بني أفراد الشعب الواحد عرب تاريخهم الطويل املوغل يف القدم‪..‬وهي بهذا املعنى‬ ‫ظاهرة وجدانية عاطفية تنشأ عفويا يف تركيبة املجتمع يف سياق تفاعل أفراده مع بعضهم البعض‬ ‫وتفاعلهم مجتمعني مع بيئتهم ومع التحديات الحقيقية أو املتوهمة التي تهدد وجودهم يف‬ ‫هذه البيئة‪..‬ويف سياق هذا التفاعل تتولد املصالح املتبادلة ويستأنس األفراد والجامعات بعضهم‬ ‫ببعض‪..‬ومع الزمن يفيض هذا االستئناس إىل وجود مشرتكات ثقافية ومعرفية وأيديولوجية‬ ‫ونفسية‪...‬الخ متجد هذه التعايشات وترسخها وتعمل عىل استمرارها عرب األجيال‪..‬ويف مرحلة‬ ‫متأخرة من هذه الصريورة يأيت دور النخب التي تصوغ املفاهيم وتضع االصطالح االجتامعي‬ ‫لكثري من تلك التعايشات‪..‬وعن هذا العمل النخبوي ينتج «الشعار» الذي يحول ظاهرة الوحدة‬ ‫من حالة «إستئناس» إىل «راية» سياسية تجتمع تحتها كثري من األهداف واملبادئ التي تأخذ‬ ‫طابعا تعبويا وعمليا بالرضورة‪..‬وهذا ما قامت به الحركة الوطنية اليمنية‪ ،‬انطالقا من مدينة‬ ‫عدن التي لعبت دور الحاضنة لتعايشات اليمنيني املعارصين من الجنوب ومن الشامل‪..‬فمنذ‬ ‫ثالثينيات القرن املايض وحتى مطلع ستينياته أخذ رواد الحركة الوطنية اليمنية األوائل ينظرون‬ ‫لقضية الوحدة ويضعون شعاراتها بالتزامن مع املد القومي العرويب املناهض لإلستعامر وتأثري‬ ‫هذا املد عىل اليمن‪..‬ويف عملية التنظري هذه جرى استدعاء الوحدة من إرشيف املايض البعيد‬ ‫بصورة مثالية بعد تنقيته ذهنيا من محطاته الرصاعية وحروبه وانقساماته وتغلباته إلسناد‬ ‫تعايشات الحارض الوئامي الحي يف مستعمرة عدن وكأن هذه التعايشات امتداد تصاعدي‬ ‫طبيعي لتعايشات وئامية جرت أيضا يف املايض‪.‬‬ ‫بهذه الطريقة املثالية أيقظت الحركة الوطنية اليمنية الوحدة يف وعي الناس كحلم تغيريي‬ ‫بدت معه التجزئة القامئة وكأنها حالة شاذة يف التاريخ اليمني صنعها املستعمر األجنبي وال‬ ‫بد إذن من إخراج هذا املستعمر وإعادة االعتبار لهذا التاريخ من خالل الوحدة‪..‬والحقيقة أن‬ ‫املستعمر احتل عدن عام ‪ 1839‬والجنوب قد اعتاد التجزئة وألف العيش الطويل يف فسيفساء من‬ ‫السلطنات واإلمارات واملشيخات‪ ،‬بينام كان الشامل يعيش حالة فوىض ناجمة عن تعدد اإلمامات‬ ‫املتصارعة‪..‬وعام ‪ 1849‬عادت الخالفة العثامنية إىل اليمن ولكن إىل شامل البالد هذه املرة‪..‬وإذا‬ ‫كان االستعامر الربيطاين قد تعامل مع واقع التجزئة يف الجنوب كام هو وأبرم اتفاقيات حامية‬ ‫مع السلطنات واملشيخات واإلمارات فإن العثامنيني سعوا إىل فرض حكم مركزي عىل الشامل‬ ‫‪4‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫ساعد عىل بقائه موحدا بعد رحيلهم عنه وقيام مملكة اإلمام يحي يف أعقاب الحرب العاملية‬ ‫األوىل‪ :‬ومن املفارقات امللفتة لإلنتباه أن مركزية العثامنيني واجهت دامئا مقاومات مسلحة يف‬ ‫الشامل بالرغم من الرشاكة يف املعتقد الديني بينام مالت دويالت الجنوب يف األعم الغالب إىل‬ ‫االستقرار والتكيف مع واقع الحامية والوصاية األجنبية رغم اختالف املعتقد‪..‬فاملامثلة يف الدين‬ ‫مل تحبب دولة الخالفة اإلسالمية عند زعامات الشامل التقليدية الطامحة يف الحكم‪..‬ويف املقابل مل‬ ‫ير سالطني الجنوب يف املغايرة الدينية مع املستعمر ما يوجب كراهيته مادام مل يهدد حكمهم‪..‬‬ ‫ثم أن الشامل مل يكن يعيش فراغا دينيا حتى ميأله العثامنيون‪..‬ويف املقابل مل يأت االستعامر‬ ‫الربيطاين إىل الجنوب إلفراغه من الدين‪..‬لهذا السبب مل تر زعامات الشامل التقليدية أي تناقض‬ ‫بني الدين وبني مقاومتها للحكم العثامين يف اليمن‪..‬وباملثل مل يجد سالطني الجنوب يف الدين من‬ ‫حرج مينعهم من التعاطي مع واقع االستعامر الذي مل يهدد نفوذهم الفعيل عىل األرض وساكنيها‪.‬‬ ‫تأسيسا عىل ما تقدم يالحظ أن الرابطة الدينية مل تشفع للعثامنيني يف الشامل‪..‬وقد‬ ‫غادروا البالد إثر هزميتهم يف الحرب العاملية األوىل‪..‬أما الجنوب فقد احتاج إىل رابطة وطنية‬ ‫رصيحة ضامنة للتعبئة والحشد ومن ثم تحريك املقاومة من أجل التحرير والتوحيد‪..‬ومن غري‬ ‫هذه الرابطة ما كان مبقدور الجنوب أن يجمع بني تحرير األرض وتوحيدها يف دولة واحدة‪..‬‬ ‫وقد احتاج الجمع بني التحرير والتوحيد إىل خوض معركة مزدوجة‪..‬فهي ضد االستعامر من‬ ‫أجل التحرير‪..‬وهي يف الوقت نفسه ضد السالطني واملستوزرين من أجل تثبيت الهوية اليمنية‬ ‫للجنوب والتعبري عنها يف دولة واحدة قامت عىل أنقاض ‪ 22‬سلطنة ومشيخة وإمارة‪..‬ومثلام كان‬ ‫التحرير هدفا وطنيا مقدسا كان التوحيد أيضا هدفا وطنيا عىل املستوى نفسه من القداسة‪..‬لهذا‬ ‫السبب وضعت الجبهة القومية االستعامر والسالطني واملستوزرين يف خانة واحدة‪..‬ومن غري هذا‬ ‫الفعل امللحمي الذي بدأ يف أكتوبر ‪ 1963‬ما كان مبقدور اليمنيني أن يصلوا إىل ‪ 22‬مايو ‪..1990‬‬ ‫وما مل ندرك هذه الحقيقة سيتعذر علينا فهم الطبيعة الكارثية لحرب ‪ 1994‬وقياس حجم الرضر‬ ‫الذي ألحقته بالتاريخ الوطني للجنوب وبالوحدة اليمنية كقضية وطنية‪.‬‬ ‫لقد فتحت حرب ‪ – 1994‬مبقدماتها ونتائجها ‪ -‬األبواب عىل مصارعها لتسفيه التاريخ‬ ‫الوطني للجنوب الواقع بني اكتوبر ‪ 1963‬و‪ 22‬مايو ‪ 1990‬وأيقظت النزعات الثأرية من هذا‬ ‫التاريخ ببعديه التحريري والتوحيدي وخلقت يف الجنوب نزعات معادية لوحدة ‪ 30‬نوفمرب‬ ‫‪ 1967‬تعرب عن نفسها حاليا من خالل العداء لوحدة ‪ 22‬مايو ‪.1990‬‬ ‫ففي البعد األول –التحريري‪ -‬أعادت حرب ‪ 1994‬االعتبار لالستعامر الربيطاين الذي جعل‬ ‫من عدن مدينة املدائن ونقل ساكنيها من العصور الوسطى إىل العرص الحديث بينام ذهب أمراء‬ ‫‪5‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫حرب ‪ 1994‬ميارسون التدمري املمنهج للقيم املدنية والحداثية التي راكمتها املدينة لعقود طويلة‬ ‫وتعاملوا مع متنفساتها وجبالها وشواطئها ومعاملها ومنشآتها كام يتعامل الغزاة البدائيون مع‬ ‫الغنائم واعتدوا حتى عىل أسامء مدارسها وشوارعها‪..‬وخالل ‪ 129‬عاما من االستعامر مل يسمع‬ ‫الجنوبيون كلمة واحدة جارحة بينام تعرضوا خالل العرشين عاما األخرية لرتسانة إعالمية ضخمة‬ ‫مل تتوقف يوما واحدا عن مخاطبتهم كمهزومني عليهم أن يستسلموا لواقع التهميش واإلقصاء‬ ‫والترسيح الجامعي من الجيش واألمن والوظيفة العامة‪..‬ومن املفارقات املؤملة أن املناسبات‬ ‫الوطنية للجنوب تحولت هي األخرى إىل مناسبات لتسفيه تاريخه الوطني وتحولت القاعات‬ ‫التي غنى فيها الحزب االشرتايك للوحدة قبل قيامها إىل مقاصل أيديولوجية إلعدامه بعد قيامها‪..‬‬ ‫ومل يسلم قادة الدولة والحزب يف الجنوب من التشهري املنظم وكأن تاريخ الجنوب مل يبدأ إال مع‬ ‫«الفاتحني» يف ‪ 7‬يوليو ‪.1994‬‬ ‫ويف البعد الثاين‪ -‬التوحيدي‪ -‬إستدعى أمراء حرب ‪ 1994‬كل األحقاد والعداوات القدمية‬ ‫ضد الجبهة القومية والحزب االشرتايك الناجمة عن معركة توحيد الجنوب وأعادوا االعتبار لزعامء‬ ‫السلطنات واملشيخات واإلمارات وأعطوهم الضوء األخرض لإلنتقام من ثورة ‪ 14‬اكتوبر ‪1963‬‬ ‫وما حققته من مكاسب مادية ومعنوية للفالحني والفقراء واملهمشني واملرأة‪..‬وبالتواطؤ مع‬ ‫بعض زعامات الجنوب التقليدية القدمية تحايل أمراء حرب ‪ 1994‬عىل أرايض الدولة يف الجنوب‬ ‫واستولوا عىل مساحات مهولة وبوثائق مزورة وأصبح من املتعذر عىل أبناء الجنوب يف بعض‬ ‫املناطق أن يعرثوا عىل قطعة من األرض لبناء مدرسة‪.‬‬ ‫من حق السالطني أن يعودوا إىل وطنهم وأن يستأنفوا حياتهم كمواطنني لهم حقوق‬ ‫وعليهم واجبات يكفلها وينظمها الدستور‪..‬وحق العودة ميتد ليشمل أيضا بيت حميد الدين يف‬ ‫الشامل‪..‬وهذا كله ممكن يف إطار مصالحة وطنية تاريخية ليس فيها شبهة االنتقاص ال من ثورة‬ ‫سبتمرب وال من ثورة أكتوبر‪..‬لكن سلطة حرب ‪ 1994‬تعاملت مع هذه القضية تعامال إنتقائيا غري‬ ‫معلن‪..‬فالطرف الذي أطاحت به ثورة سبتمرب اليعود وليس من حق أي من أفراد بيت حميد‬ ‫الدين أن يوارى الرثى يف وطنه إذا مات‪..‬أما أولئك الذين أطاحت بهم ثورة اكتوبر فمن حقهم‬ ‫ومن واجبهم أن يعودوا بل وأن ينتقموا ممن أطاح بهم‪..‬إننا هنا أمام مفارقة تكشف عن عداء‬ ‫دفني لثورة ‪ 14‬أكتوبر‪..‬فأمراء حرب ‪ 1994‬ال تربطهم بهذه الثورة أية عالقة وجدانية وعاطفية‬ ‫عىل اإلطالق والجنوب بالنسبة لهم ليس وطنا له أمجاد وله تاريخ وله شعب وذاكرة وطنية بقدر‬ ‫ما هو جغرافيا وغنائم وفيد وهيمنة ونفوذ‪.‬‬ ‫لقد عمل أمراء الحرب عىل ترشيد وإقصاء وإضعاف القوة التوحيدية يف الجنوب‬ ‫‪6‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫ممثلة بالحزب االشرتايك اليمني وأقاموا تحالفات مع القوى التفكيكية التي ترضرت من ثورة ‪14‬‬ ‫أكتوبر‪..‬وليس معني هذا أن النية كانت معقودة من أجل تفكيك الجنوب‪..‬ما نقصده أن سلطة‬ ‫الحرب اعتمدت األساليب العسكرية واألمنية إلحكام قبضتها عىل جغرافية الجنوب والسطو‬ ‫عىل مقدراته بينام ذهبت تستدعي جراحات املايض لتفكيك متاسكه االجتامعي والسيايس‪..‬ويف‬ ‫إطار هذا النهج دخلت يف تعاقدات إنتقائية مع من تريد لضامن التمثيل الشكيل للجنوب يف‬ ‫مؤسسات الدولة املركزية والتغطية عىل واقع الضم واإللحاق القرسي‪..‬لكن هذا الواقع قوبل‬ ‫بالرفض الذي بدأ همسا ليتحول إىل حراك سيايس اجتامعي منذ العام ‪.2007‬‬ ‫واملالحظ أن الحراك الجنويب مل يبدأ إال بعد نحو ثالثة عرش عاما من حرب ‪..1994‬وخالل‬ ‫هذه السنوات عاشت اليمن أجواء التمجيد الرسمي اليومي للحرب ونتائجها‪..‬وكان أهل الجنوب‬ ‫يرون أغلب أهل الشامل يجارون هذا التمجيد ويرفعون نتائج الحرب إىل مستوى « فتح مكة «‬ ‫األمر الذي خلق حالة إحباط عند أهل الجنوب افتقروا معه إىل الشعور بالتضامن والتعاطف من‬ ‫قبل أهلهم يف الشامل‪ .‬وضاعف من هذا اإلحباط أن معظم الكتابات والتنظريات التي تصدت‬ ‫لتفسري أسباب الحرب ونتائجها وانعكاساتها عىل حياة السكان يف الجنوب كانت تنافق املنترص‬ ‫وتربر سياساته وترصفاته يف املحافظات الجنوبية ويف أحسن األحوال تسميها مجرد « أخطاء « –‬ ‫مع أنها نهج مقصود ومخطط له ‪ -‬وتستكرث عىل الجنوبيني التعبري عن أوجاعهم بحجة أن املعاناة‬ ‫واحدة والظلم الواقع عىل املحافظات الجنوبية هو نفسه الواقع عىل املحافظات الشاملية‪ .‬وكأن‬ ‫الوحدة ال تستقيم إال إذا متاثل السكان يف الشامل والجنوب مثلام يتامثل املوىت يف املقابر!!! ونيس‬ ‫هؤالء أو تناسوا أن الجنوب جزء من اليمن وليس جزءا من الشامل وأنه كان دولة محمية بقوة‬ ‫القانون الدويل وأن مقارنته بتهامة أو أي من محافظات الشامل غري جائز من الناحيتني املنطقية‬ ‫واملنهجية‪.‬‬ ‫إن غياب تعاطف أهل الشامل مع أهل الجنوب أو ضعفه يف أحسن األحوال وتواطؤ معظم‬ ‫نخب الشامل مع املنترص خلق مع الوقت حالة انسداد عند بعض تجنحات الحراك الجنويب تجىل‬ ‫من خالل التمحور حول الذات الجنوبية والحديث عن جنوب عريب وعن فك االرتباط‪ ..‬وهذا رد‬ ‫فعل طبيعي ألن العصبية التي تحتكر املشرتك الوطني تنتج عصبيات مضادة متمردة عىل هذا‬ ‫املشرتك‪.‬‬ ‫ويف مواجهة شعار «فك االرتباط» جرى االستنجاد بشعار «الوحدة فريضة إسالمية» ما‬ ‫يعني أن الرابطة الوطنية قد أصيبت يف مقتل بسبب الحرب ونتائجها‪..‬وبدال من العمل عىل‬ ‫إعادة بناء هذه الرابطة جرى ويجري قمعها بشعارات اختلطت فيها السياسة بالدين وغري قادرة‬ ‫‪7‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫عىل الصمود أمام أي نقد‪..‬فاليمنيون مل يتوحدوا ألنهم مسلمون وإمنا ألنهم مينيون‪..‬توحدوا ألنهم‬ ‫جامعة وطنية واحدة بغض النظر عن معتقدها الديني‪..‬والتفكري بإعادة بناء الوحدة ال يستقيم‬ ‫منطقيا ومنهجيا ما مل ينطلق من هذه الحقيقة‪.‬‬ ‫كنا قد أسلفنا بأن الوحدة يف مبتداها تعايشات عفوية تنشأ تحت السطح‪ .‬والنخب‬ ‫هي التي تبلورها وتؤطرها نظريا ومعرفيا وتلفت نظر املجتمع إليها من خالل «الشعار» الذي‬ ‫يوقظها يف وعي الناس وينقلها من مستوى التجسيد إىل مستوى التجريد‪.‬من الواقع العياين‬ ‫امللموس إىل التنظري املجرد‪..‬ومن هنا تبدأ املسميات واملفاهيم واالصطالحات التي يجري صكها‬ ‫لتعزيز حالة االستئناس وتعميق املشرتكات وإثرائها‪..‬غري أن املفاهيم واملصطلحات والشعارات‬ ‫التي من قبيل «الوحدة» ال تصك داخل مختربات علمية وإمنا يف فضاءات مجتمعية ال يندر أن‬ ‫تتباين فيها مصالح الجامعات والطبقات والفئات بغض النظر عن إدراك منتسبيها لهذا الرصاع‬ ‫ووعيهم بهذا التباين‪..‬ولهذا السبب ال تكون املصطلحات واملفاهيم والشعارات دامئا معربة‬ ‫بدقة وإخالص عن أصولها وجذورها املادية التي انبثقت منها‪..‬فأحيانا تتدخل األهواء واملصالح‬ ‫والرغبات لتحميل املفاهيم املجردة مبعان مضافة تنحرف بالوحدة عن أصلها مبعنى «االستئناس»‬ ‫املتولد عن معايشات تلقائية عرب التاريخ إىل معان ليست لها عالقة بهذا األصل‪..‬وشعار «الوحدة‬ ‫فريضة دينية» واحد من األمثلة التي ميكن التدليل بها عىل هذا اإلنحراف‪..‬فهذا الشعار مل يكن له‬ ‫وجود يف اليمن قبل حرب ‪.1994‬وإمنا جرى صكه يف مناخ رصاعي لتسويغ الهروب من املعالجة‬ ‫السياسية السلمية ألزمة الوحدة إىل الحرب‪..‬وكام هو معروف أجهزت الحرب عىل رشاكة الجنوب‬ ‫يف اتفاقية الوحدة وفرضت عليه واقعا جديدا يسميه املنترص «وحدة معمدة بالدم» بينام تقول‬ ‫قوى الحراك الجنويب جهارا نهارا بأنه إحتالل‪..‬ونحن ال نطلب من القارئ أن يتمرتس وراء هذا‬ ‫التوصيف أو ذاك لكن عليه أن يالحظ أن الواقع الراهن يف الجنوب ال عالقة له بالوحدة مبعنى‬ ‫«االستئناس» الناجم عن التعايشات اإلنسانية التلقائية لليمنيني‪..‬كام أنه ال يعرب عن الوحدة‬ ‫كرشاكة وطنية حقيقية بني الشامل والجنوب‪.‬‬ ‫ومن نافلة القول أن تعايشات اليمنيني تعمدت فعال بالدم ولكن ليس يف حرب مينية‪-‬‬ ‫مينية ال ميكن تربيرها وطنيا وإنسانيا وأخالقيا وإمنا يف حرب التحرير ضد االستعامر الربيطاين‪..‬‬ ‫وهي حرب أفضت ال إىل الكراهية واملفاصلة يف النفوس وإمنا إىل الحب الذي رفع التعايشات‬ ‫التلقائية من أس االستئناس إىل أس اإلنصهار الوطني الذي أنتج دولة مستقلة يف الجنوب ال تفرق‬ ‫بني شاميل وجنويب‪..‬فعدن التي كانت زمن االستعامر مالذا آمنا لكل الشامليني ال تفرق بني هارب‬ ‫من شظف العيش وبني باحث عن نسمة حرية عزت عليه يف الشامل اإلمامي هي نفسها عدن‬ ‫التي رأست عبد الفتاح إسامعيل الشاميل الذي ذهب إليها حافيا ال عىل ظهر دبابة‪..‬وهذا ما مل‬ ‫‪8‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫يحدث يف صنعاء التي عجزت عن أن تكون عاصمة لكل اليمنيني منذ أن قتل نافذوها ورشدوا‬ ‫أجمل أسامء عهدها الجمهوري‪ :‬محمد صالح فرحان وعبد الرقيب عبد الوهاب وعيل مثنى‬ ‫جربان وحمود ناجي سعيد وعبد الرقيب الحريب ومحمد مهيوب الوحش والشيخ العوايض‪...‬‬ ‫الخ‪ .‬وأضافت إىل هؤالء الرئيس إبراهيم محمد الحمدي الذي دفع مثن وحدويته وتقاربه مع‬ ‫الجنوب وذبح عىل نحو مناف لكل القيم واألخالق بتهمة الخيانة العظمى لدستورها العصبوي‬ ‫غري املعلن‪.‬‬ ‫لقد قام شعار «الوحدة فريضة دينية» بعملية مناقلة من بند املقدس الديني ممثال يف‬ ‫اإلميان بالله واألخوة يف الدين إىل بند املقدس الوطني ممثال يف اإلميان بالوحدة واألخوة يف الوطن‬ ‫ليشحن هذا األخري مبعان دينية ليست من أصل املفهوم‪..‬وعن طريق هذه املناقلة يقوم الحامل‬ ‫السيايس لهذا الشعار بعملية إزاحة وإحالل‪..‬فهو أوال يزيح الرابطة الوطنية ليحل محلها الرابطة‬ ‫الدينية‪..‬وهو ثانيا يزيح مفهوم املواطن ليحل محله مفهوم املؤمن‪..‬وهو ثالثا يزيح الحامل‬ ‫السيايس الوطني لقضية الوحدة ليحل محله وكأنه هو حامل هذه القضية‪ ،‬مع أنها مطروحة عىل‬ ‫جدول أعامل الحركة الوطنية لعقود سابقة قبل ظهور اإلسالم السيايس‪.‬‬ ‫وإذا كانت «الوحدة فريضة دينية» كام يقال اليوم فلامذا تشدد البعض يف تكفري من أحيا‬ ‫هذه الفريضة وظل يتعبد بها زمن التشطري؟‪..‬ملاذا قيل عن دستور دولة الوحدة بأنه «يساوي‬ ‫بني من كان مؤمنا وبني من كان كافرا»؟‪..‬كيف نفرس استعداء الرأي العام ضد دستور ‪ 1990‬الذي‬ ‫من غري التوافق عليه ما كان مبقدور اليمنيني أن يؤدوا «فريضة» الوحدة؟‪..‬تؤكد هذه التساؤالت‬ ‫أننا أمام شعار اختلطت فيه السياسة بالدين‪..‬أو قل هو شعار سيايس بقناع ديني‪..‬وهذا الشعار‬ ‫ال يصنع وحدة وطنية وإمنا يتطفل عىل وحدة وطنية مصنوعة‪..‬إنه ال يحقق الوحدة الوطنية‬ ‫وإمنا يحاول استثامرها لصالحه بعد أن تحققت‪..‬إنه شعار متأخر عينه عىل دولة الوحدة ال عىل‬ ‫الوحدة‪..‬شعار يريد أن يخطف دولة الوحدة باسم الوحدة‪..‬وهو بهذا املعنى شعار إقصايئ متسرت‬ ‫بالدين‪.‬‬ ‫إن الرابطة الوطنية تقوم عىل األخوة يف املواطنة بينام تقوم الرابطة الدينية عىل األخوة‬ ‫يف اإلميان بالله‪..‬والرابطة الوطنية ال تنتقص من الرابطة الدينية وال تطمح إىل الحلول محلها بل‬ ‫تتعزز بها إذا كان املجتمع يدين بعقيدة واحدة ومبذهب واحد‪..‬وباملقابل تتمكن الروابط الدينية‬ ‫واملذهبية من التعايش بسالم يف ظل رابطة وطنية واحدة لشعب متعدد األديان أو املذاهب‪..‬‬ ‫وإذا كانت الرابطة الدينية تقوم عىل فرضية أن األصل يف املجتمع هو اإلجامع بني «املؤمنني» فإن‬ ‫الرابطة الوطنية تقوم عىل فرضية أن األصل يف املجتمع هو االختالف بني «املواطنني» حتى وإن‬ ‫‪9‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫كان املجتمع يدين بعقيدة واحدة‪..‬ومن البديهي والحال كذلك أن تنرصف الرابطة الدينية إىل‬ ‫تعزيز إجامع املؤمنني بينام تنرصف الرابطة الوطنية إىل تنظيم اختالف املواطنني‪..‬لذلك تحتاج‬ ‫الرابطة الوطنية إىل الدميقراطية لتنظيم االختالف بينام تحتاج الرابطة الدينية إىل الوعظ واإلرشاد‬ ‫لتعزيز اإلجامع‪..‬فالرابطة الوطنية تنتمي إىل املجال السيايس بينام تنتمي الرابطة الدينية إىل‬ ‫املجال األخالقي‪..‬واملجاالن ال يتداخالن إال عندما تتعرث الرابطة الوطنية يف تنظيم االختالف‪..‬ومن‬ ‫عرثات الرابطة الوطنية تنفذ الرابطة الدينية وتتمدد من مجالها األخالقي إىل املجال السيايس‬ ‫فتتضاعف عرثات الرابطة الوطنية‪..‬ويتجىل ذلك من خالل بروز خطاب سيايس وطني مرتبك‪..‬‬ ‫فهو إما أن ينافق الرابطة الدينية ويتحول إىل خطاب وعظي‪ ،‬وإما أن يصادمها ويخلق لنفسه‬ ‫عداوات هو يف غنى عنها‪..‬ويف الحالتني ال يكون خطابا ناضجا ومستقال بذاته وال يكون مؤهال‬ ‫للتعبري الدقيق والسليم عن الرابطة الوطنية‪..‬أي أنه يفشل يف أن يكون خطابا جامعا‪.‬‬ ‫والفشل يكون أيضا من نصيب الخطاب الديني املسيس أو قل الخطاب السيايس املقنع‬ ‫بالدين‪..‬فهو أيضا يعجز عن تحويل االختالف يف املجتمع إىل إجامع‪..‬يفشل يف تحويل املواطنني‬ ‫إىل كتيبة متجانسة من املؤمنني الذين يصدقون كل ما يقال لهم ويترصفون كأتباع ومريدين‪..‬‬ ‫ومنتج هذا الخطاب ال يستطيع أن يجد تفسريا لفشله يف تحقيق اإلجامع املثايل الذي يريد‪..‬‬ ‫لذلك يستسهل تكفري اآلخر املغاير له‪..‬وعندما يقع هذا تكون الرابطة الوطنية يف أزمة حقيقية‪..‬‬ ‫أزمة تظافر يف إنتاجها الخطاب السيايس الوطني املنافق للدين أو املصادم له والخطاب الديني‬ ‫املسيس‪.‬‬ ‫لهذا السبب نرى املشهد السيايس اليمني معقدا‪..‬ومن الصعب أن نفك تعقيداته ما‬ ‫مل نعد بناء الرابطة الوطنية املؤهلة لتنظيم االختالف بواسطة الدميقراطية بعد تخليصها من‬ ‫الزيف الذي طالها بسبب حرب ‪ 1994‬ونتائجها‪..‬من الصعب أن نفك تعقيدات هذا املشهد‬ ‫إذا تعلقنا بأوهام اإلجامع الذي لن يأيت‪..‬ف»الروافض والنواصب» مل ولن توحدهم املواعظ‬ ‫والخطب وإمنا الرابطة الوطنية التي تحولهم إىل مواطنني متساوين يف الحقوق والواجبات‪..‬‬ ‫واألمر نفسه يرسي عىل «الوحدويني واإلنفصاليني»‪..‬فاإلنفصايل مل يظهر إال عندما دمرت الرابطة‬ ‫الوطنية بفعل الحرب ونتائجها‪..‬فال يوجد إنفصاليون وإمنا توجد سياسات تصنع إنفصاليني‪..‬وهذه‬ ‫حقيقة ال يراها البعض بسبب وجود وحدويني يف الجنوب‪..‬وكأن عىل الجنوب كله أن يجمع عىل‬ ‫اإلنفصال يك نعرتف بجرمية الحرب وفضاعة نتائجها‪..‬ومثل هذا اإلجامع مستحيل ألن األصل يف‬ ‫املجتمع هو االختالف كام أسلفنا‪..‬والقول بأن «الوحدة فريضة دينية» ال يساعدنا عىل تفسري‬ ‫وجود وحدويني وإنفصاليني يف الجنوب‪..‬ألن مثل هذا القول يضع اإلنفصاليني تلقائيا يف مربع‬ ‫الكفر ويضع الوحدويني يف مربع اإلميان‪..‬ونحن ال نعتقد إطالقا أن األمر كذلك عندما يتعلق األمر‬ ‫‪10‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫بشعب‪..‬فهناك إنفصاليون ملتزمون دينيا ومستقيمون أخالقيا لكن الوطن بالنسبة لهم تقلص‬ ‫وانحرص يف الجنوب‪..‬ونتائج الحرب هي التي أنتجت هذا الشعور‪..‬وهناك وحدويون غري ملتزمني‬ ‫دينيا وال هم مستقيمون من الناحية األخالقية لكنهم استفادوا من الحرب وفسادها‪.‬‬ ‫وشعار «الوحدة أو املوت» ينتمي أيضا إىل هذا النوع من التحريف الذي يولد وعيا زائفا‬ ‫بالوحدة مبا هي «استئناس» يكرس مبشرتكات ثقافية ونفسية‪..‬فوحدة الحرب وحدة متولدة عن‬ ‫القوة والغلبة‪..‬واملتغلب عادة ال يأيت إال يف مرحلة متأخرة جدا بعد أن تكون التعايشات التلقائية‬ ‫قد وحدت األفراد والجامعات نفسيا وثقافيا عىل نحو يسمح مبخاطبتهم سياسيا ككتلة شعبية‬ ‫واحدة‪..‬ويف هذه اللحظة املتأخرة يعمد املتغلب إىل قيادة الكتلة طوعا أو كرها إىل حيث يريد‬ ‫ومن أجل ما يريد يف لحظة عابرة مرتدة عن املسار التصاعدي للتاريخ تقدم عىل أنها هي التاريخ‬ ‫بعد أن وضع يف مساره الصحيح‪..‬ويقدم رموز هذا االرتداد عىل أنهم صناع التاريخ‪..‬وحرب ‪1994‬‬ ‫هي لحظة مرتدة عن املسار التصاعدي لتاريخ الوحدة اليمنية وصناع هذه اللحظة هم قوى‬ ‫اإلرتداد‪.‬‬ ‫إن الوحدة مبعنى االستئناس هي وسيلة النهوض املادي والروحي لطرفيها‪..‬أما وحدة‬ ‫الحرب فليست سوى غاية املتغلب الذي يريد أن يبني لنفسه أمجادا عىل حساب هذا النهوض‪..‬‬ ‫وشعار « الوحدة أو املوت « تعبري متوحش عن هذا املعنى‪..‬وتعميمه يف كتب املطالعة املدرسية‬ ‫ينم عن انحطاط النخبة التي صكته وإرصارها عىل تصدير انحطاطها إىل املجتمع وتحويله إىل‬ ‫عقيدة مجتمعية‪.‬‬ ‫إن الوحدة وسيلة للنهوض بطرفيها وليست غاية مطلوبة لذاتها‪..‬والوحدة مرتبطة مبصلحة‬ ‫طرفيها وجودا وعدما وهام هنا الشعب اليمني يف الشامل والجنوب‪..‬أما الوحدة التي يجري‬ ‫تأسيسها عىل مقولة «إذا مل نتوحد سنظل نتحارب» فهي وحدة ال تنهي الحروب وإمنا تغري‬ ‫رشوطها فقط‪..‬لذا يالحظ أن الحرب الساخنة املتقطعة بني دولتي الشطرين قبل الوحدة تحولت‬ ‫إىل حرب باردة ودامئة يف ظل الوحدة‪..‬وإذا كان للحرب بني دولتي الجنوب والشامل محركاتها‬ ‫ومثرياتها يف زمن الحرب الباردة فام هي محركات ومثريات املواجهة القامئة بني السلطة املركزية‬ ‫يف صنعاء والشعب اليمني يف الجنوب؟‪..‬أال يدل هذا عىل أن الوحدة تحولت إىل ملصق إعالين‬ ‫للتغطية عىل واقع ليس من جنس الوحدة؟‪..‬أال يدل هذا عىل أننا إزاء مشكلة يجب البحث عن‬ ‫جذورها يف الشامل ال يف الجنوب؟‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫حماولة لتقييم جتربة الوحدة اليمنية (‪)1994 – 1990‬‬ ‫ال ميكن لنا أن نتحرك صوب املستقبل‪ ،‬ما مل نعمل عىل تصحيح ماضينا‪ ،‬بتحريره من أرس‬ ‫القراءات املتحيزة التي تسعى لتوظيفه يف رصاعات الحارض‪..‬ونحن هنا ال نشري إىل املايض البعيد‬ ‫املمتد إىل الفتنة الكربى وحروب عيل ومعاوية‪ ،‬وإمنا إىل املايض القريب جدا الذي مازال حارضا‬ ‫بشخوصه وعاشه معظم اليمنيني األحياء الذين شهدوا يومي ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬و‪ 7‬يوليه ‪ ،1994‬ومل‬ ‫يستوعبوا بعد ما جرى خالل الفرتة الزمنية الواقعة بني هذين اليومني‪ ،‬وما بعدها بسبب غلبة‬ ‫الرواية عىل الدراية‪..‬فالرواية كانت ومازالت صاحبة الصوت املرفوع الذي أشاع يف الناس أن يوم‬ ‫‪ 7‬يوليه هو يوم النرص العظيم وأنه يوم مشهود من أيام الوطن ال من أيام العصبيات املدمرة‬ ‫لألوطان‪.‬‬ ‫واليمنيون اليوم عىل أعتاب مؤمتر للحوار الوطني الذي يفرتض أن يكرس للبحث يف مسألة‬ ‫بناء الدولة‪..‬والقضية الجنوبية هي القضية الكربى بني القضايا املطروحة عىل جدول أعامل هذا‬ ‫املؤمتر من حيث أن حلها حال عادال هو – وليس غريه – بوابة الولوج إىل الدولة‪..‬والخوف كل‬ ‫الخوف أن يجري التعامل معها إنطالقا من ثنائية الوحدة واإلنفصال التي كرستها الرواية للتسرت‬ ‫عىل الدوافع الحقيقية لحرب ‪ 1994‬باعتبارها حربا حركتها عصبيات مامنعة لبناء دولة لكل‬ ‫اليمنيني‪..‬ويف هذه القراءة سنبدأ بتصحيح بعض املفاهيم املمهدة لعرض تجربة الوحدة وبيان‬ ‫معنى القضية الجنوبية‪.‬‬ ‫إن ما حدث يوم ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬هو اإلعالن عن تأسيس جديد لوحدة بني مينني سياسيني‬ ‫تفصل بينهام قرون من التشظي‪ ،‬وليس إعادة تحقيق وحدة مين سيايس واحد‪ ،‬انشطر يف لحظة‬ ‫زمنية منظورة إىل شطرين أحدهام أصل متبوع واآلخر فرع تابع‪..‬و»اإلعالن عن التأسيس» هو‬ ‫لحظة التدشني يف عملية التوحيد التي تحتاج بالرضورة إىل وقت وإىل رعاية وتفاهم وتوافق من‬ ‫كل األطراف‪..‬أما «إعادة التحقيق» فهو تعبري مخادع يوحي بأن ما حدث يف ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬هو‬ ‫لحظة التتويج يف عملية توحيدية بدأت يف وقت ما وانتهت يف هذا اليوم‪.‬‬ ‫الوحدة مل تكن بني حزبني وال بني سلطتني وإمنا كانت بني دولتني لصالح دولة ثالثة‬ ‫بحقائق عسكرية وأمنية وسياسية وإدارية مختلفة الهي حقائق دولة الشامل والهي حقائق‬ ‫دولة الجنوب‪..‬وهذه الدولة الثالثة ذات نظام سيايس دميقراطي يتضمن إدانة رصيحة للنظامني‬ ‫السياسيني السابقني‪ ،‬ويعطيها وحدها دون أي من الدولتني السابقتني حق التمدد ومامرسة‬ ‫السيادة عىل كامل جغرافية اليمن الحضاري الثقايف الواحد‪..‬ومن غري هذه الدولة الثالثة ذات‬ ‫‪12‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الحقائق املختلفة والنظام السيايس الدميقراطي املغاير تكون الوحدة باطلة وغري مؤهلة للبقاء‬ ‫واإلستمرار‪.‬‬ ‫ويف مفهوم الوحدة منيز ‪ -‬منطقيا ومنهجيا‪ -‬بني سياقني‪..‬األول‪ :‬هو الوحدة كحالة عاطفية‬ ‫وجدانية إستدعتها الحركة الوطنية اليمنية من أرشيف التاريخ بصورة مثالية بعد تنقيته ذهنيا‬ ‫من حروبه ورصاعاته وتغلباته وانقساماته وأيقظتها يف نفوس وعقول الجامهري كحلم تغيريي‬ ‫منذ ثالثينيات القرن املايض إنطالقا من مدينة عدن‪..‬والثاين‪ :‬هو الوحدة كمرشوع سيايس وطني‬ ‫نخبوي معيار نجاحه الوحيد أن يتجسد يف دولة – ثالثة – ذات نظام سيايس دميقراطي حقيقي‬ ‫يضمن أن تكون الدولة لكل مواطنيها ال دولة يغتصبها حزب أو مراكز قوى متكئة عىل عصبيات‪.‬‬ ‫وعىل أساس هذا التمييز بني الوحدة كحالة عاطقية شعبوية والوحدة كمرشوع سيايس‬ ‫نخبوي نرى أن الذين وقفوا ضد مرشوع دستور دولة الوحدة وقاطعوا االستفتاء عليه مل يكونوا‬ ‫ضد الوحدة باملعنى األول لكنهم كانوا ضدها باملعنى الثاين‪..‬أي أنهم كانوا ضد «الدولة الثالثة»‬ ‫دفاعا عن دولة الشامل‪..‬ضد الجمهورية اليمنية دفاعا عن الجمهورية العربية اليمنية‪..‬واألرجح‬ ‫أن يوم ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬كان سيتأخر كثريا لو أن حملة تكفري مرشوع دستور دولة الوحدة كانت‬ ‫سابقة عليه وليست الحقة له‪..‬لذا نالحظ أن تأجيل االستفتاء عىل مرشوع الدستور إىل ما بعد‬ ‫‪ 22‬مايو ‪ 1990‬تحول من الناحية العملية إىل تبكري بالحرب‪.‬‬ ‫أما التحالف الذي أشعل حرب ‪ 1994‬فقد استثمر الوحدة كحالة عاطفية شعبوية لتدمريها‬ ‫كمرشوع سيايس وطني نخبوي‪..‬فبدال من تجييش عاطفة الوحدة لدى الجامهري لصالح بناء‬ ‫«الدولة الثالثة» جرى تجييشها لصالح حرب ‪...1994‬وبالحرب تحولت عاطفة الوحدة إىل دماء‬ ‫وجراح أشاعت الكراهية ونقلت براميل التشطري من الجغرافيا إىل النفوس‪..‬وهنا بالتحديد يكمن‬ ‫جذر القضية الجنوبية باعتبارها قضية وطنية نجمت عن انقالب عسكري عصبوي موجه ضد‬ ‫مرشوع دولة الوحدة‪..‬واألنكأ من كل ذلك أن اإلنقالبيني ظلوا يستخدمون عاطفة الوحدة لرشعنة‬ ‫نهب واستباحة الجنوب األمر الذي دمر هذه العاطفة عند سكان املحافظات الجنوبية وأشاع‬ ‫الخوف عليها عند سكان محافظات الشامل‪..‬وبهذا انقسم اليمنيون جغرافيا بني كاره للوحدة‬ ‫جنوبا وخائف عليها شامال‪..‬ومع أن سبب الكراهية والخوف يف الحالتني واحد وهو حرب ‪1994‬‬ ‫التي دمرت الوحدة كمرشوع سيايس وطني إال أن نخبا يف الجهتني تتهرب من االعرتاف بهذه‬ ‫الحقيقة‪..‬فالتي يف الجنوب تعمق الكراهية وتعطيها بعدا جهويا رصيحا‪..‬والتي يف الشامل توسع‬ ‫مساحة الخوف وتحرضه بشعارات وطنية ودينية للتسرت عىل جهويتها وعصبويتها الضيقة‪..‬األوىل‬ ‫تستشهد بنتائج الحرب لرشعنة فك اإلرتباط وتستعدي الكارهني ضد الخائفني‪..‬والثانية تتمسك‬ ‫‪13‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫بالضم واإللحاق تحت شعار الوحدة لرشعنة ما تقدر عىل رشعنته من نتائج الحرب وتستعدي‬ ‫الخائفني ضد الكارهني‪..‬والحقيقة متوارية يف املسافة الواقعة بني هذين القطبني‪.‬‬ ‫والحرب التي أنتجت القضية الجنوبية مل تكن بني جهتني يف الجغرافيا وإمنا بني اتجاهني يف‬ ‫السياسة‪..‬فالذين كسبوا الحرب وجنوا مثارها هم من الشامل والجنوب‪..‬والذين خرسوها هم‬ ‫أيضا من الشامل والجنوب‪..‬أما املهزوم األول واألكرب فيها فهو الشعب اليمني بشقيه الكاره‬ ‫والخائف‪.‬‬ ‫والحرب يف شكلها املبارش والرصيح كانت ضد الحزب االشرتايك اليمني يف الشامل والجنوب‬ ‫ومل تكن ضد الجنوب جغرافية وشعبا‪..‬والخالف الذي أدى إىل الحرب مل يكن بسبب هروب‬ ‫قيادة الحزب االشرتايك من الوحدة وإمنا بسبب هروب قيادة املؤمتر الشعبي العام وحلفائها من‬ ‫استحقاقات بناء دولة الوحدة‪..‬وهذه حقيقة يدركها دعاة فك االرتباط مثلام يدركها أمراء الحرب‬ ‫ورموزها‪..‬لهذا نالحظ أن الجنوبيني الذين قاتلوا إىل جانب عيل صالح مقبولون من الطرفني‬ ‫ألنهم قاتلوا ضد الحزب االشرتايك وأن الشامليني الذين أدانوا الحرب مرفوضون من الجهتني ألنهم‬ ‫إشرتاكيون أو قريبون من االشرتايك‪.‬‬ ‫وإذا كانت الحرب قد طالت يف الشامل جيش الجنوب املحارص بعيدا عن خطوط إمداده‬ ‫فإنها طالت أيضا مقار الحزب االشرتايك يف كل املحافظات مع أنها ليست أهدافا عسكرية‪..‬كام‬ ‫طالت اآلالف من أعضائه وكوادره الذين تعرضوا لإلقصاء والتهميش والحرب النفسية املعلنة‬ ‫وغري املعلنة حتى أصبح االشرتايك القابض عىل قناعاته كالقابض عىل الجمر‪.‬‬ ‫أما يف الجنوب فقد طالت الحرب كل يشء من األرض وما عليها إىل اإلنسان العادي وما‬ ‫ألفه واعتاد عليه وتعلق به من تاريخ ورمزيات ومن حضور حقيقي للدولة والنظام والقانون‪..‬‬ ‫وتفسري ذلك أن النظام الذي حرك الحرب ليس نظام دولة وإمنا نظام عصبيات مغتصبة للدولة‪..‬‬ ‫والعصبيات حينام تنترص عسكريا ال تكتفي بهزمية الخصم وإمنا تذهب بعيدا يف استباحة مناطق‬ ‫حضوره التاريخي وتأديبها لتكون عربة ملن يريد أن يعترب‪..‬وهذه ظاهرة تكررت كثريا يف التاريخ‬ ‫اليمني حيث كان الطرف املنترص يستبيح معقل الطرف املهزوم عىل نحو همجي مثلام فعل‬ ‫اإلمام الهادي مع قبائل يام عندما قطع نخيلها وردم آبارها‪ ،‬ومثلام فعل اإلمام أحمد عندما‬ ‫استباح مدينة صنعاء عام ‪..1948‬يضاف إىل ذلك أن اتساع حجم الطبقة الفاسدة داخل نظام‬ ‫العصبيات جعل عيل صالح يعتمد عىل العطاءات واملكافآت يف اسرتضاء مراكز النفوذ ويف كسب‬ ‫الوالءات ورشاء الذمم‪..‬وهذا ما كان قد حصل مع تهامة التي استبيحت أراضيها بالكيلومرتات‬ ‫‪14‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫وتحول أبناؤها إىل عامل يومية يف مزارع املتنفذين ولصوص األرايض‪..‬مع مالحظة أن املقارنة بني‬ ‫تهامة واملحافظات الجنوبية غري جائزة منطقيا ومنهجيا‪..‬فتهامة جزء من الشامل أما الجنوب‬ ‫فجزء من اليمن‪..‬وتهامة مل تكن دولة وال مرشوعا سياسيا بينام الجنوب كان حتى األمس القريب‬ ‫دولة ذات سيادة ومرشوعا سياسيا منظورا عىل املستويات املحلية واإلقليمية والدولية‪.‬‬ ‫أما استباحة منازل وبيوت قادة ومسئويل دولة الجنوب فتندرج يف إطار اإلمعان يف‬ ‫اإلهانة ومامرسة اإلذالل‪..‬وهذه ثقافة متأصلة يف ذاكرة أمراء الحرب‪..‬وقد سبقهم إىل ذلك بيت‬ ‫حميد الدين عندما أعدمت كبار آل الوزير عام ‪ 1948‬ثم ذهبت إىل بني حشيش تهدم منازلهم‬ ‫وتنقل حجارتها إىل صنعاء لتبني بها قرصا للعباس‪..‬ومثلام كانت بيت حميد الدين قادرة عىل‬ ‫بناء عرشات القصور دون أن متد يدها إىل حق الغري فقد كان مبقدور أمراء حرب ‪ 1994‬أن يبنوا‬ ‫ألنفسهم قصورا فارهة يف مدينة عدن دون أن يقتحموا بيوتا يعلمون أنها ليست لهم‪..‬لكننا يف‬ ‫الحالتني أمام ترصفات ال يوجد لها تفسري آخر غري الذي ذهبنا إليه‪.‬‬ ‫ويف القضية الجنوبية منيز منطقيا ومنهجيا بني االعرتاف بطابعها الحقوقي واالعرتاف‬ ‫بطابعها السيايس‪..‬األول يتوقف عند النتائج ويتجنب اإلشارة إىل السبب‪..‬يتحدث يف أحسن‬ ‫األحوال عن سوء إدارة نتائج الحرب مع اإلقرار الضمني برشعية دوافعها ومحركاتها‪..‬أما الثاين‬ ‫فيتجه إىل السبب مشريا إىل طبيعة املصالح املتكئة عىل عصبيات نافذة ما قبل وطنية تعجز عن‬ ‫تربير نفسها وإدارة شئونها بوسائل أخرى غري الوسائل العسكرية‪..‬والتعتيم عىل الطابع السيايس‬ ‫للقضية الجنوبية يخلق العقبات أمام أية مقرتحات ورؤى وطنية لحلها حال عادال يقتلع أسباب‬ ‫الحروب الداخلية ويشكل مدخال لبناء دولة ضامنة ملصالح كل اليمنيني يف الشامل ويف الجنوب‪..‬‬ ‫ومن بديهيات األشياء أن تكون هذه الدولة متحررة متاما من أي نفوذ عصبوي‪..‬لهذا السبب نرى‬ ‫االنتصار للقضية الجنوبية انتصارا لليمن برمته‪.‬‬ ‫واليمنيون إزاء القضية الجنوبية أمام خيارين ال ثالث لهام‪ :‬إما حلها حال عادال يف ظل‬ ‫وحدة قامئة عىل الندية والرشاكة الحقيقية بني اليمن السيايس الشاميل واليمن السيايس الجنويب‬ ‫عىل النحو الذي يحقق مصلحة املواطن العادي يف الشامل والجنوب ويخلق رشوطا موضوعية‬ ‫لإلندماج الوطني الكامل والطوعي يف ظل مين سيايس واحد وجديد وإما تفكك اليمن جنوبا‬ ‫وشامال إىل عدة مينات سياسية قد ينكر بعضها مينيته‪..‬ومعنى ذلك أن الحديث عن بعد وطني‬ ‫للقضية الجنوبية حديث غري مستقيم‪..‬فهي يف شكلها ومضمونها قضية وطنية بامتياز‪..‬بل هي‬ ‫القضية الوطنية األكرث إلحاحا اليوم وال يجوز مساواتها بالقضايا الطافية عىل السطح كقضية‬ ‫صعدة‪ ،‬مثال‪.‬‬ ‫‪15‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫والحل العادل للقضية الجنوبية لن يكون ممكنا إذا ظلت النخب النافذة يف الشامل‬ ‫متمرتسة حول خطابها السيايس الذي رشع لحرب صيف ‪ 1994‬وبقي يربرها إىل اليوم‪..‬وإذا كانت‬ ‫الثورة الشبابية الشعبية قد خلعت عيل صالح وأسقطت رشعية نظامه املنتج للحروب واألزمات‬ ‫فإن كل من يدافع عن حرب ‪ 1994‬كليا أو جزئيا بعد كل الذي صار يثبت أن يده مازالت عىل‬ ‫الزناد وأنه مخلص لنظام الحرب وإن من غري عيل صالح‪..‬واإلخالص لهذا النظام يضع أصحابه‬ ‫خارج مدخالت الحل العادل للقضية الجنوبية‪..‬فهم جزء من املشكلة باعتبارهم من مدخالت‬ ‫النظام الذي أنتجها‪..‬وال ميكن أن يكونوا جزءا من الحل إال إذا تخلوا عن منط تفكريهم السيايس‬ ‫القديم وقبلوا بتقويض النظام السيايس القائم لصالح نظام سيايس جديد مؤهل لبقاء الوحدة‬ ‫وازدهارها‪..‬والتخيل عن منط التفكري القديم يبدأ من اإلدانة الدامغة لحرب ‪ 1994‬ونتائجها‬ ‫وينتهي ببناء دولة ذات نظام سيايس قادر عىل عزل وتحييد الجوانب السلبية للعصبيات املنتجة‬ ‫للحروب الداخلية واملعيقة لتطور وتنمية البالد‪.‬‬

‫‪16‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الوحدة اليمنية قبل عام ‪: 1990‬‬ ‫عندما حصل الجنوب عىل االستقالل يف ‪ 30‬نوفمرب ‪ 1967‬كان الشامل يعيش حربا أهلية‬ ‫حقيقية بني امللكيني والجمهوريني ومل تكن الوحدة ممكنة من الناحية العملية يف تلك الظروف‪.‬‬ ‫يف أغسطس عام ‪ 1968‬شهدت صنعاء أحداثا دامية أصبح بعدها النظام السيايس يف‬ ‫الجنوب من غري رشكاء وحدويني يف الشامل الرسمي‪ ..‬يف العام ‪ 1970‬حصل املنترصون يف أحداث‬ ‫أغسطس عىل جائزة املصالحة مع امللكيني التي أعادت اللحمة للقوى القبلية والتقليدية عىل‬ ‫حساب اللحمة الوطنية للشامل‪..‬ومبوجب هذه املصالحة أصبح امللكيون ممثلني يف املجلس‬ ‫الجمهوري والحكومة ومجلس الشورى واإلدارة املحلية والقضاء والسلك الدبلومايس‪.‬‬ ‫غري أن املصالحة مع امللكيني مل تجلب االستقرار والسالم لليمن الشاميل ألنها قبل أن تبدأ‬ ‫كانت مرشوطة بالعداء للجبهة القومية يف الجنوب وترشيد رشكائها الوحدويني يف الشامل الذين‬ ‫أعادوا ترتيب أوضاعهم فيام بعد يف إطار الجبهة الوطنية الدميقراطية‪.‬‬ ‫إذن نحن عىل مستوى الشامل أمام نظام سيايس صاغته نتائج أحداث أغسطس ‪1968‬‬ ‫واملصالحة مع امللكيني عام ‪..1970‬ومل تكن الوحدة اليمنية من بني أهداف وأجندة هذا النظام‪.‬‬ ‫ومبا أن الوحدة كانت القضية األكرث جاذبية عىل املستوى الشعبي فقد كان من املتعذر عىل‬ ‫النخبة الحاكمة يف الشامل أن تتجاهل هذه الحقيقة‪..‬لهذا رفعت شعار الوحدة وزايدت به عىل‬ ‫أصحابه الحقيقيني وكأنه شعارها‪..‬لكنها مل تستطع أن تتصور الوحدة مع الجنوب خارج النموذج‬ ‫الذي تريده هي وهو نظام الجمهورية العربية اليمنية كام صاغته نتائج أحداث أغسطس ‪1968‬‬ ‫واملصالحة مع امللكيني‪.‬‬ ‫وباملقابل مل تكن النخبة الحاكمة يف الجنوب تقبل بوحدة خارج منوذجها الذي جسدته‬ ‫جمهورية اليمن الدميقراطية الشعبية باعتبارها دولة العامل والفالحني واملثقفني الثوريني وسائر‬ ‫فئات الشعب الكادحة‪..‬واملالحظ هنا أن منوذج الشامل متحيز جهويا وعصبويا‪..‬بينام منوذج‬ ‫الجنوب متحيز أيديولوجيا‪..‬األول قبيل عصبوي‪..‬والثاين ميني شعبوي‪.‬‬ ‫إن متسك كل طرف بنموذجه الذي أراده لدولة الوحدة جعل تحقيقها أمرا مستحيال إال‬ ‫إذا أطاح أحد النظامني بالنظام اآلخر وفرض منوذجه بالقوة وهو مامل يكن ممكنا يف ظل النظام‬ ‫‪17‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الدويل القائم عىل مبدأ سيادة الدول وسالمة أراضيها واحرتام حدودها‪..‬لهذا تحول شعار الوحدة‬ ‫إىل وسيلة لتدخل كل نظام يف الشئون الداخلية للنظام اآلخر‪..‬وكان من نتائج ذلك أن العالقة بني‬ ‫عدن وصنعاء ظلت تراوح بني الرصاع املسلح والتعايش السلمي‪.‬‬ ‫يف يونيو ‪ 1974‬جاء إبراهيم الحمدي إىل السلطة يف صنعاء‪..‬وحاول أن يعيد تأهيل النظام‬ ‫السيايس يف الشامل وطنيا ووحدويا‪..‬لكن الرجل ذبح عىل النحو الذي نعرفه‪..‬أما أحمد حسني‬ ‫الغشمي فقد كان رئيسا عابرا ريثام يعاد ترتيب أوراق النظام يف الشامل عىل النحو الذي ال‬ ‫يسمح بتكرار ظاهرة الحمدي‪..‬وقبل أن يقع االنفجار الكبري يف مبنى القيادة العامة كانت األمور‬ ‫قد رست عىل عيل عبد الله صالح الذي حرص منذ أيامه األوىل يف الحكم أن يثبت ملن جاء به‬ ‫أنه مل ولن يكون إبراهيم الحمدي‪.‬‬ ‫وظل األمر عىل هذا لنحو إىل أن انتهت الحرب الباردة وتراجعت املؤثرات اإلقليمية‬ ‫والدولية عىل العالقات املتبادلة بني شطري اليمن وحينها تهيأت الظروف لتأسيس الوحدة سلميا‬ ‫عىل النحو الذي بدأ يف ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬وسط تأييد شعبي واسع النطاق‪..‬واملتغري الداخيل الحاسم‬ ‫الذي ساعد عىل ذلك هو تخيل القيادة السياسية يف عدن عن النموذج الذي أرادته للوحدة‪،‬‬ ‫مقابل أن تتخيل القيادة السياسية يف صنعاء عن منوذجها‪..‬لكن تبني فيام بعد أن نخبة الحكم‬ ‫يف صنعاء دخلت الوحدة وهي تضمر فرض منوذجها عىل اليمن كله‪ ،‬ومل تكن خطوة ‪ 22‬مايو‬ ‫السلمية بالنسبة لها سوى إجراء تكتييك لتغيري رشوط الحرب القدمية بني الشطرين من حرب بني‬ ‫دولتني إىل حرب داخلية بني «رشعية» و»متمردين عىل الرشعية»‪.‬‬ ‫بهذه الطريقة فرضت نخبة الحكم يف صنعاء منوذجها عىل الوحدة وعممت نظام‬ ‫الجمهورية العربية اليمنية عىل اليمن كله‪..‬وبدال عن وحدة ‪ 22‬مايو الطوعية السلمية أقامت‬ ‫وحدة ‪ 7‬يوليو «املعمدة بالدم» معتقدة أن نظام الجمهورية العربية اليمنية هو النموذج الذي‬ ‫انترص عىل صعيد عاملي يف الحرب الباردة ويجب أن ينترص عىل صعيد محيل وأن نظام جمهورية‬ ‫اليمن الدميقراطية الشعبية هو النموذج الذي خرس الحرب الباردة عامليا ويجب أن يخرسها‬ ‫محليا وكأن دولة الشامل هي أملانيا الغربية ودولة الجنوب هي املانيا الرشقية‪..‬علام بأن املقارنة‬ ‫بني الحالة اليمنية والحالة األملانية غري جائزة ال منطقيا وال منهجيا فالرشوط يف الحالتني مختلفة‬ ‫من األلف إىل الياء‪.‬‬ ‫إن حرب ‪ 1994‬هي انقالب عىل الوحدة كمرشوع سيايس وطني نخبوي باسم الوحدة‬ ‫كحالة عاطفية شعبوية‪..‬والوحدة باملعنى األول بدأت عمليا يف ‪ 22‬مايو ‪..1990‬بينام هي باملعنى‬ ‫‪18‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الثاين مفتوحة عىل الزمن‪..‬لكن نتائج الحرب أفضت إىل تدمري الوحدة باملعنى الثاين أيضا عىل‬ ‫األقل يف املحافظات الجنوبية التي هي أحد طريف الوحدة باملعنى األول‪..‬وإذا جاز ملشعيل‬ ‫حرب ‪ 1994‬أن ينقلبوا عىل وحدة ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬السلمية كمرشوع سيايس وطني مستخدمني‬ ‫الشعارات الشعبوية املدغدغة لعاطفة جامهري الشامل املحبة للوحدة فإنه من الجائز – وفقا‬ ‫لهذه القاعدة – لدعاة فك االرتباط أن يرفضوا وحدة ‪ 7‬يوليه املعمدة بالدم كمرشوع سيايس‬ ‫عصبوي غري وطني مستخدمني الشعارات الشعبوية املدغدغة لعاطفة جامهري الجنوب الكارهة‬ ‫للوحدة‪..‬وعىل الذين يشككون بوجود هذه الكراهية أن يذهبوا إىل مغامرة االستفتاء‪.‬‬ ‫إننا هنا ال ننظر لدعوات فك االرتباط ولكننا نفضح املنطق الواهي للوحدة املعمدة‬ ‫بالدم ونبني أن الدم ليس من جنس الوحدة التي حلم بها الشعب اليمني‪..‬ويف سياق هذا التبيني‬ ‫نذهب إىل حد القول بأن دعاة فك االرتباط أكرث أخالقية مقارنة مبن يدافعون عن الوحدة‬ ‫املعمدة بالدم‪..‬فدعاة فك االرتباط ليسوا إنقالبيني وال هم يرفضون الوحدة املتوافق عليها يف ‪22‬‬ ‫مايو ‪ 1990‬كمرشوع سيايس وطني‪..‬إنهم يقاومون الوحدة املفروضة عليهم بالقوة العسكرية‬ ‫كمرشوع عسكري عصبوي غري وطني ويسمونها جهارا نهارا «إحتالل»‪..‬وهم يف مقاومتهم يتبعون‬ ‫نهجا سلميا غري عنفي‪..‬يضاف إىل ذلك أنهم الطرف املظلوم الواقف عىل الجمر الذي يرى ثروات‬ ‫ومقدرات الجنوب عرضة للهدر والنهب املمنهج‪.‬‬ ‫إن اختالفنا مع دعاة فك االرتباط يكمن يف أنهم ال يقاومون الوحدة املعمدة بالدم‬ ‫كمرشوع عسكري عصبوي إلحاقي لصالح الوحدة كمرشوع سيايس وطني‪..‬ولكن حتى يف هذه ال‬ ‫نستطيع أن نذهب بعيدا يف الوقوف ضدهم ما دامت األطراف التي ضغطت عىل الزناد وصنعت‬ ‫املشكلة تتهرب هي األخرى من الوحدة كمرشوع سيايس وطني ومل تقدم حتى اآلن عىل أي‬ ‫خطوة عملية تثبت أن املشكلة كلها يف عيل عبد الله صالح وليس يف العصبية التي أنتجت نظامه‪.‬‬

‫تجربة الوحدة (‪) 1994 – 1990‬‬ ‫عام ‪ 1990‬وضعت الحرب الباردة أوزارها‪..‬وكان هذا متغريا عامليا فتح الطريق إلعادة‬ ‫هيكلة العالقات الدولية وهيأ لليمنني الجنويب والشاميل فرصة تاريخية يك يؤسسا وحدتهام عىل‬ ‫أساس الربط بينها وبني الدميقراطية‪..‬فالدولة الدميقراطية إرتبطت بالوحدة‪..‬والوحدة غري قابلة‬ ‫لإلستمرار من غري دولة دميقراطية‪..‬وهذا هو جوهر وحدة ‪ 22‬مايو ‪.1990‬‬ ‫‪19‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫غري أنه عندما أطل عام ‪ 1990‬مل يكن النظام السيايس يف صنعاء مؤهال ألي مستوى من‬ ‫مستويات الدميقراطية ال يف إطار دولة بسيطة وال يف إطار دولة مركبة‪..‬فالنخب النافذة يف هذا‬ ‫النظام مل تكن مؤمنة بالوحدة كقضية وطنية بقدر ما اعتربتها توسيعا ملساحة األرض ليس إال‪.‬‬ ‫ويف املقابل كانت عدن تعاين من آثار أحداث يناير ‪ 1986‬املأساوية التي أحدثت رشخا كبريا‬ ‫يف الوحدة الوطنية للجنوب‪..‬وكان أمام نخبته خياران كالهام غري ممكن بدون الدميقراطية‪..‬األول‬ ‫خيار املصالحة الجنوبية‪ -‬الجنوبية قبل الرشوع يف مصالحة مينية‪ -‬مينية‪..‬والثاين خيار املصالحة‬ ‫اليمنية‪-‬اليمنية دون املرور مبصالحة جنوبية‪ -‬جنوبية‪..‬ومبا أن الحزب اإلشرتايك أسس نظامه‬ ‫السيايس منذ البداية عىل إسرتاتيجية الوحدة اليمنية وعىل النظرة الدونية للتشطري فإن الجنوب‬ ‫الرسمي والشعبي كان واقعا بفعل هذه اإلسرتاتيجية تحت ضغط املخزون املعنوي الهائل‬ ‫لعاطفة الوحدة‪ ،‬األمر الذي جعل أمني عام الحزب االشرتايك عيل سامل البيض يستسهل الذهاب‬ ‫إىل مصالحة مينية‪ -‬مينية غري مدروسة إعتقد أنها تعفيه عن الرشوع يف مصالحة جنوبية‪-‬جنوبية‬ ‫كانت تبدو حينها صعبة وغري ممكنة بسبب اتساع مساحة الجروح التي خلفتها األحداث ونزوح‬ ‫الطرف املهزوم باآلالف إىل الشامل يف انتظار أية فرصة ممكنة لألخذ بالثأر‪..‬وكأنه تحتم عىل فرقاء‬ ‫‪ 13‬يناير أن ميدوا أيديهم لرجل مثل عيل عبد الله صالح ليكتشفوا متأخرين أنه كان عليهم أن‬ ‫ميدوا أيديهم لبعضهم البعض أوال‪.‬‬ ‫عربت املصالحة اليمنية ‪ -‬اليمنية عن نفسها من خالل الوحدة‪..‬وكان عيل سامل البيض‬ ‫املحارص بركام أحداث يناير جاهزا نفسيا ومعنويا لهذه املصالحة‪..‬واألرجح أنه هو الذي وضع‬ ‫مفرداتها التأسيسية وقبل بها عيل صالح يف صفقة بنيت عىل تفاهم رسي غري موثق بني الرجلني‪،‬‬ ‫أدى إىل تقديم موعد إعالن الوحدة ستة أشهر عن املوعد املحدد يف اتفاقية ‪ 30‬نوفمرب ‪1989‬‬ ‫وترحيل االستفتاء عىل الدستور إىل ما بعد إعالن ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬ليتم بأثر رجعي جعل بعض‬ ‫األطراف السياسية تعارضه دون أن تخىش إتهامها بإعاقة إعالن تأسيس الوحدة‪..‬‬ ‫ويبدو أن التحريك املتبادل لوحدات أساسية من الجيش من الجنوب إىل الشامل والعكس‬ ‫قبل دمجه جاء يف إطار التفاهم الرسي بني البيض وعيل صالح‪..‬واملالحظ أن الوحدات الجنوبية‬ ‫متوضعت شامال يف مناطق غري ذات قيمة عسكرية وبعيدة عن مناطق إمدادها وجاورتها‬ ‫وحدات شاملية يف أماكن متوضعها‪..‬بينام متوضعت الوحدات الشاملية جنوبا يف مناطق ذات‬ ‫قيمة عسكرية تضمن لها تلقي الدعم واإلسناد خالل ساعات‪..‬وهذا ما أثبته مسار الحرب فيام‬ ‫بعد‪.‬‬ ‫‪20‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫أما املفردات التأسيسية التي قام عليها التفاهم الرسي فهي‪« :‬الرشاكة» و»الدميقراطية»‬ ‫و»اإلصالح» و»التحالف» وقد وردت بكثافة يف كل خطابات البيض منذ ‪ 30‬نوفمرب ‪ 1989‬مبا يف‬ ‫ذلك خطاب فك اإلرتباط يف ‪ 21‬مايو ‪.. 1994‬وفيام يتعلق بالتفاهم الرسي نفسه كواقعة حدثت‬ ‫بالفعل فقد ذكره عيل صالح يف سياق حديث طويل نرشه نجيب رياض الريس عام ‪ 1999‬يف‬ ‫كتابه «رياح الجنوب»‪.‬‬ ‫والقبض عىل مفردات التفاهم الرسي هو مدخلنا لتقييم تجربة وحدة ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬التي‬ ‫قامت عىل أساس الدولة البسيطة‪..‬ما يعني أن استخدام كلمة «إندماجية» يف وصف وحدة ‪22‬‬ ‫مايو ‪ 1990‬هو استخدام غري موفق يوحي بأن الدولة املركبة ال تحقق اإلندماج الوطني‪..‬وهذا ما‬ ‫ال تقره تجارب الشعوب والدول يف معظم الخارطة السياسية للعامل‪.‬‬ ‫‪ – 1‬الرشاكة‪ :‬األصل يف وحدة ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬هو الرشاكة وليس الدميقراطية‪..‬وقد تأسست فكرة‬ ‫الرشاكة موضوعيا عىل حقيقة تاريخية وجغرافية مؤداها أن الجنوب جزء من اليمن الحضاري‬ ‫الثقايف وليس جزءا من اليمن الشاميل السيايس‪..‬مثلام أن الشامل جزء من اليمن الحضاري الثقايف‬ ‫وليس جزءا من اليمن الجنويب السيايس‪..‬وعليه فدولة الشامل ودولة الجنوب متكافئتان أمام‬ ‫اليمننة ويجب أن تكونا متكافئتني أمام الوحدة نظريا وعمليا‪..‬نظريا‪ :‬يف التوافق عىل مرشوع‬ ‫دولة الوحدة وعقدها االجتامعي‪ ..‬وعمليا‪ :‬يف تطبيقه‪..‬ومبا أن دولة الوحدة مل تقم عىل أساس‬ ‫فيدرايل يعرب عن هذه الحقيقة املوضوعية يف العالقة املتكافئة بني الشامل والجنوب فإن التعبري‬ ‫عنها تم من خالل الوضع اإلستثنايئ الذي منحه التفاهم الرسي للنائب عيل سامل البيض يف عالقته‬ ‫الوظيفية بالرئيس عيل صالح خالل الفرتة اإلنتقالية الالزمة لإلنتهاء من تطبيق مخطط الوحدة‬ ‫والطالق النهايئ مع املايض التشطريي‪..‬وهي فرتة ال تقاس بالزمن وإمنا بنوع وحجم اإلنجاز‬ ‫املتحقق عىل صعيد بناء دولة الوحدة وترسيخ نظامها السيايس الدميقراطي‪..‬وهنا يجب أن نفرق‬ ‫بني هذه الفرتة والفرتة اإلنتقالية املحددة يف اتفاقية الوحدة بسنتني ونصف‪..‬فهذه األخرية لها‬ ‫بعد قانوين يغلب بنودا يف اإلتفاقية عىل مواد يف الدستور وال عالقة لها بالتطبيق النهايئ ملخطط‬ ‫الوحدة وقيام دولة دميقراطية ناجزة وناضجة‪..‬وهي تنتهي بإجراء أول إنتخابات نيابية بعد‬ ‫إعالن الوحدة‪..‬بينام ال تنتهي الفرتة االنتقالية باملعنى األول إال يف ظروف إشتغال دميقراطي‬ ‫طبيعي لكل مؤسسات الدولة واملجتمع املدين عىل النحو الذي يسمح ألي حزب إذا خرج من‬ ‫السلطة بآلية الدميقراطية أن يعود إليها باآللية نفسها‪..‬وعىل هذا األساس مل يكن خروج البيض‬ ‫من السلطة أمرا واردا ما مل ينته اليمنيون من بناء هذه الدولة‪..‬كام أن طبيعة دوره ووزنه النوعي‬ ‫ال يتوقف خالل هذه الفرتة عىل عدد مقاعد حزبه يف الربملان وإمنا عىل التكافؤ بني الجنوب‬ ‫والشامل يف تأسيس الوحدة وبناء دولتها‪..‬وهذا يعني أننا إزاء نائب رئيس إستثنايئ إلنجاز برنامج‬ ‫‪21‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫إستثنايئ‪..‬إنه نائب رئيس مل يخرته ومل يعينه الرئيس وإمنا إختارته وعينته اللحظة التاريخية التي‬ ‫ناضل هو والجنوب كله من أجلها‪..‬وهو ال يستمد مكانته من قرار جمهوري صادر عن الرئيس‬ ‫وإمنا من موقعه السابق يف دولة الجنوب الذي تنازل عنه لصالح الوحدة‪..‬وهو أيضا ليس نائب‬ ‫رئيس يف دولة ناجزة ليقوم مبهام اعتيادية وإمنا نائب رئيس يف مرشوع دولة مل تنجز بعد ويقوم‬ ‫مبهام استثنائية‪..‬فهو مثل الرئيس معني ببناء هذه الدولة عىل قاعدة الرشاكة والندية معه‪..‬‬ ‫وعالقته بالرئيس هي من الناحية العملية تجسيد للعالقة املتكافئة التي أقامها مخطط الوحدة‬ ‫بني اليمن الشاميل واليمن الجنويب‪.‬‬ ‫واملالحظ هنا أن الوحدة التي يفرتض أنها قامت موضوعيا عىل أساس الدولة البسيطة‬ ‫مل تكن كذلك عىل مستوى العالقة الوظيفية بني الرئيس والنائب‪..‬فكل منهام إختزل الكيان‬ ‫االعتباري للدولة التي كان ميثلها يف شخصه حتى بدت العالقة بينهام كام لوكانت تعبريا عن‬ ‫وحدة كونفدرالية‪..‬وتفسري ذلك أن النموذج املتوافق عليه لدولة الوحدة مازال يف حالة جنينية‬ ‫ويحتاج إىل وقت وإىل ثقة متبادلة يك يشتد عوده وينضج‪..‬ولضامن عملية نضوجه اقتىض األمر‬ ‫أن يكون نائب الرئيس بصالحيات الرئيس وأن تكون العالقة بينهام تكاملية ال تفاضلية وال‬ ‫تنافسية‪..‬وهذه حالة إنتقالية مؤقتة تنتهي بانتهاء عملية التوحيد ونضوج منوذج دولة الوحدة‬ ‫ورسوخ نظامها السيايس الدميقراطي‪.‬‬ ‫ومبا أن الوحدة مل تكن بالنسبة للرئيس مرشوعا وطنيا فقد تعامل مع هذه املسألة تعامال‬ ‫تكتيكيا وفتح لنفسه ثغرات يف جدار الوحدة الغض نفذ منها لتجريد نائبه من أي ندية معه بحجة‬ ‫عدم جواز أن يكون هناك سيفان يف غمد واحد وأن الدولة ال ميكن أن تدار برأسني‪..‬ويف املقابل مل‬ ‫يكن النائب يحوز عىل ضامنات موثقة تحد من قدرة الرئيس عىل تحجيم دوره والتالعب مبصري‬ ‫دولة الوحدة‪..‬وقد حصل البيض عىل هذه الضامنات بأثر رجعي ولكن يف الوقت الضائع‪..‬فبعد‬ ‫‪ 22‬مايو ‪ 1990‬اكتشف البيض أن املرياث التاريخي للرصاع بني الشطرين ميأل العاصمة صنعاء‪..‬‬ ‫فدستور دولة الوحدة «يفتح الباب أمام رشكاء لله يف الحكم‪..‬ويساوي بني من كان مؤمنا ومن‬ ‫كان كافرا»‪..‬والرشاكة « تقاسم غري عادل»‪..‬والحزب اإلشرتايك «ملحد وقاتل العلامء»‪..‬والقيادة‬ ‫الجنوبية «هربت إىل الوحدة ال حبا فيها ولكن يك تتجنب مصري تشاوشيسكو رومانيا»‪ ..‬والجنوب‬ ‫«جائع جاء يتطفل عىل خزائن الشامل بجيش جرار من املوظفني ومديونية عالية للخارج»‪..‬وهذه‬ ‫كلها شعارات تم ترويجها آنذاك متهيدا لإلنقضاض عىل الحزب اإلشرتايك فيام بعد‪..‬ومع كل طلقة‬ ‫رصاص يسكب فيها الدم كان يقال‪»:‬اإلشرتاكيون يثأرون من اإلشرتاكيني»‪..‬هكذا من غري حاجة إىل‬ ‫دليل‪..‬فالعاصمة تقرر كل يشء وتفرض إرادة املهيمنني فيها عىل القادمني إليها‪..‬ويف هذا املناخ‬ ‫املأزوم إختار الرئيس صالح مؤقتا أن يأكل الثوم بأفواه فقهاء التجمع اليمني لإلصالح ليبقى هو‬ ‫‪22‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫يرتبص متدثرا بقميص الوسطية واإلعتدال‪.‬‬ ‫ارتاب البيض من «اعتدال ووسطية» الرئيس ومارس «إعتكافني» صامتني يف معاشيق‪..‬وأثناء‬ ‫اإلعتكاف الثاين كان موعد اإلنتخابات النيابية يطرق األبواب والشامل يحتوي عىل ‪ %80‬من دوائر‬ ‫الجمهورية‪..‬وهذه نسبة عالية وواعدة تستوجب أن يذهب الرئيس شخصيا إىل معاشيق يسرتيض‬ ‫نائبه‪..‬ويبدو أن النائب قال له‪ :‬لن تكون هناك إنتخابات حتى نوثق ما تعاهدنا عليه يف تفاهمنا‬ ‫الرسي‪..‬ومن رحم هذا اللقاء اإلسرتضايئ خرجت «وثيقة التنسيق والتحالف عىل طريق التوحيد‬ ‫بني الحزب االشرتايك واملؤمتر الشعبي العام» التي أنهت اإلعتكاف الثاين وهيأت املناخ السيايس‬ ‫إلجراء انتخابات أبريل ‪ 1993‬النيابية‪.‬‬ ‫نصت الوثيقة عىل إدخال تعديالت جوهرية يف الدستور بعد اإلنتخابات تتضمن إلغاء‬ ‫مجلس الرئاسة واستبداله برئيس ونائب ينتخبان من الشعب يف قامئة واحدة‪ ،‬وتشكيل مجلس‬ ‫شورى متثل فيه املحافظات بالتساوي ويشكل مع مجلس النواب جمعية وطنية يرأسها نائب‬ ‫الرئيس‪..‬ونصت أيضا عىل أن تتمتع املحافظات وما دونها بحكم محيل كامل الصالحيات وأن‬ ‫يجري انتخاب املجالس املحلية فور استكامل التقسيم اإلداري للبالد‪.‬‬ ‫عند النظر إىل مضامني هذه الوثيقة نالحظ أن الرئيس والنائب اللذين كانا ينتخبان من‬ ‫مجلس الرئاسة سينتخبان من الشعب يف قامئة واحدة‪..‬ومن الوهلة األوىل يبدو أن هذا مخالف‬ ‫لقواعد الدميقراطية والتنافس بني حزب الرئيس وحزب النائب‪..‬وهذا صحيح لو أننا إزاء دولة‬ ‫دميقراطية ناجزة‪..‬لكنه من مرتكزات الرشاكة يف تأسيس دولة غري ناجزة‪..‬فالحديث هنا يدور‬ ‫حول تأسيس الدولة وليس حول التنافس الدميقراطي عىل السلطة‪..‬ويف عملية التأسيس يكون‬ ‫الرئيس ممثال لدولة الشامل وليس للمؤمتر الشعبي العام ويكون النائب ممثال لدولة الجنوب‬ ‫وليس للحزب االشرتايك اليمني‪.‬‬ ‫يالحظ أيضا أن رئاسة الدولة للشامل وأن نائب الرئيس ورئاسة الجمعية الوطنية للجنوب‪..‬‬ ‫وكان منتظرا من التعديالت الدستورية املتفق عليها حينها أن تحقق قدرا كبريا من التوازن بني‬ ‫رئاسة الدولة والجمعية الوطنية‪..‬أما ما يتعلق بالحكم املحيل كامل الصالحيات فكان يتوخى نقل‬ ‫السلطة الفعلية إىل املحافظات وما دونها وإنتاج رشوط موضوعية لرشاكة حقيقية بني اليمنيني‬ ‫يف السلطة والرثوة‪.‬‬ ‫وبعد اإلنتخابات تشكلت حكومة إئتالفية من الثالثة األحزاب التي حازت عىل معظم‬ ‫مقاعد الربملان‪..‬وقام الربملان املنتخب بالتمديد ملجلس الرئاسة ملدة خمسة أشهر يتاح خاللها‬ ‫‪23‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الوقت الكايف إلجرا التعديالت الدستورية املتفق عليها بني الرئيس والنائب يف «وثيقة التنسيق‬ ‫والتحالف»‪..‬ويف هذه األثناء سافر البيض يف رحلة عالجية إىل الواليات املتحدة األمريكية‪..‬وأثناء‬ ‫غيابه استثمر الرئيس صالح تحالفه القوي مع التجمع اليمني لإلصالح ووجه األغلبية الشاملية يف‬ ‫الربملان بالتصويت عىل مسودة تعديالت دستورية تجاوزت كل ما أتفق عليه يف الوثيقة املشار‬ ‫إليها أعاله‪..‬فال صالحيات دستورية للنائب‪..‬وال إنتخاب للنائب مع الرئيس يف قامئة واحدة‪..‬وال‬ ‫جمعية وطنية يرأسها النائب‪..‬ويف هذه اللحظة بالذات اكتشف البيض أن انقالبا أبيضا قد تم‬ ‫وأنه مل يقد الجنوب إىل الوحدة والرشاكة والدميقراطية واإلصالح وإمنا إىل بيت الطاعة‪..‬وعليه‬ ‫اآلن أن يسلم برشوط أرباب البيت ممثال للجنوب مقابل تعيينه نائبا يدعو الله أن يحفظ الرئيس‬ ‫وميثله يف احتفاالت الكشافة واملرشدات وإال «فالصميل خلق من الجنة»‪.‬‬ ‫مل يقبل البيض بهذا اإلنقالب وعاد من واشنطن إىل عدن ليكشف عن وجود أزمة داخل‬ ‫اإلئتالف الثاليث الحاكم أساسها عدم قدرة أطرافه عىل التوصل إىل تفاهم وتوافق حول بناء دولة‬ ‫الوحدة‪..‬وكان الربملان املؤسسة املنتخبة الوحيدة التي ميكن أن يعول عليها يف حل هذه األزمة‬ ‫بإرغام الرئيس ونائبه عىل الخضوع املتساوي للمصلحة الوطنية العليا‪..‬لكن ذلك الربملان كان‬ ‫محكوما بأغلبية عددية شاملية ناجمة عن التفاوت الكبري يف عدد السكان وناتجة عن إنتخابات‬ ‫جرت يف بلد مازال يعاين من آثار التشطري ويفتقر إىل االندماج الوطني الحقيقي‪..‬ومعظم هذه‬ ‫األغلبية تشكل من شيوخ القبائل وخطباء املساجد والعسكريني فكان جزءا من املشكلة ومل يكن‬ ‫جزءا من الحل‪..‬ثم أن القضايا الخالفية حول بناء الدولة ال ميكن تسويتها بعد األصوات داخل‬ ‫برملان يتلقى التعليامت من خارجه وإمنا بروح التفاهم والتوافق الوطني عىل النحو الذي يحقق‬ ‫املصلحة العليا للشعب اليمني بعيدا عن مفهوم األغلبية واألقلية وحسابات الربح والخسارة‪..‬‬ ‫لهذه األسباب رفض البيض االحتكام إىل برملان مشطور ومتحيز‪.‬‬ ‫وبينام كانت األزمة تتفاقم أوشكت الخمسة األشهر التي مددها الربملان ملجلس الرئاسة‬ ‫عىل اإلنتهاء‪.‬وحتى ال تدخل البالد يف فراغ دستوري أعيد إنتخاب مجلس الرئاسة عىل أساس‬ ‫‪ 1-2-2‬حيث حل الشيخ عبد املجيد الزنداين عن التجمع اليمني لإلصالح محل املؤمتري القايض‬ ‫عبد الكريم العريش‪..‬وظل نصيب الشامل يف عضوية مجلس الرئاسة ثالثة مقاعد مقابل مقعدين‬ ‫للجنوب‪..‬لكن وسائل اإلعالم يف صنعاء كانت توزع هذه املقاعد بني األحزاب الثالثة وليس بني‬ ‫الجنوب والشامل‪ ،‬وتتحدث عن نصيب للحزب االشرتايك أكرب من حجمه يف الربملان وليس عن‬ ‫نصيب للجنوب أقل من حجمه يف عملية توحيد البالد‪..‬وهذه قضية مازالت األطراف املعنية يف‬ ‫اليمن تتغافل عنها إىل اليوم وهي تفكر يف حل أزمات البالد‪.‬‬ ‫‪24‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫وبانتخاب مجلس الرئاسة عىل هذا النحو ملعت يف األفق بارقة أمل‪..‬لكنها رسعان ما تالشت‬ ‫عندما أذاعت وسائل اإلعالم الرسمية أن مجلس الرئاسة إنتخب عيل عبد الله صالح رئيسا وأن‬ ‫الرئيس عني عيل سامل البيض نائبا له‪..‬وهذا مخالف إلتفاق قىض بإخراج موقع نائب الرئيس عىل‬ ‫النحوالتايل‪« :‬إجتمع مجلس الرئاسة بأعضائه الخمسة وانتخب عيل عبد الله صالح رئيسا وعيل‬ ‫سامل البيض نائبا للرئيس»‪..‬وقد ترتب عىل مخالفة هذا اإلتفاق أن اعتذر البيض عن الحضور إىل‬ ‫صنعاء ألداء اليمني الدستورية يوم ‪ 16‬اكتوبر ‪. 1993‬‬ ‫وألن الربملان مل يكن مؤهال للوقوف عىل مسافة واحدة من الرئيس ونائبه خرجت‬ ‫األزمة من أقبية اإلئتالف الثاليث إىل فضاء الحوار الوطني املوسع‪..‬ونتج عن ذلك تشكيل لجنة‬ ‫حوار القوى السياسية التي شخصت الطابع الوطني العام لألزمة وصاغت الحل يف وثيقة العهد‬ ‫واإلتفاق املوقع عليها بشكل نهايئ يف العاصمة األردنية بتاريخ ‪ 20‬فرباير ‪..1994‬لكن ميزان القوى‬ ‫يف البالد وقتها مل يكن لصالح بناء الدولة من خالل تطبيق الوثيقة األمر الذي يفرس االندفاع‬ ‫الرسيع نحو الحرب‪.‬‬ ‫‪ – 2‬الدميقراطية‪ :‬معروف أن الرشاكة بدأت عمليا بقسمة السلطة عىل إثنني‪..‬أي بني الحزب‬ ‫اإلشرتايك اليمني واملؤمتر الشعبي العام‪..‬ومل يكن هناك حزب ثالث يستطيع أن يقول أنا حارض‬ ‫ويجب أن أدخل طرفا يف القسمة‪..‬لكن مخطط الوحدة إعتمد الدميقراطية كآلية لإلنتقال‬ ‫التدريجي واملتواصل بالرشاكة من مستوى القسمة عىل إثنني إىل مستوى القسمة عىل جميع‬ ‫اليمنيني بواسطة إنتخابات دورية يفرتض أن يؤدي تعاقبها املنتظم واآلمن والنزيه إىل إثبات‬ ‫وثبات نقاء مبادئ الدولة الجديدة ومصداقية الخيار الدميقراطي لنظامها السيايس‪..‬وقد أثبت‬ ‫مرتكز الدميقراطية مصداقيته يف أول إنتخابات نيابية جرت بعد الوحدة عندما نقل الرشاكة من‬ ‫مستوى القسمة عىل إثنني إىل مستوى القسمة عىل ثالثة وجاء بحزب التجمع اليمني لإلصالح‬ ‫إىل السلطة كرشيك يف الربملان والحكومة ومجلس الرئاسة‪..‬فضال عن رشكاء آخرين أقل وزنا يف‬ ‫الربملان كالبعث واألحزاب النارصية وحزب الحق وعدد كبري من املستقلني‪.‬‬ ‫لكن مبا أن هذا الفهم للدميقراطية مل يكن موثقا فقد كان من السهل اإللتفاف عليه واعتبار‬ ‫نتائج انتخابات أبريل ‪ 1993‬النيابية الكلمة النهائية يف تقرير مصري دولة الوحدة‪..‬وحينها تحركت‬ ‫اآللة اإلعالمية يف صنعاء لتفسري نتائج االنتخابات للرأي العام بالطريقة التي تخدم مخطط‬ ‫التخلص من الرشاكة الفعلية بني الشامل والجنوب حيث صنف الحزب االشرتايك اليمني عىل‬ ‫أنه حزب األقلية وأن صناديق االقرتاع هي التي حددت الحجم الذي يستحقه ونقلته من رشيك‬ ‫باملناصفة إىل رشيك يف املرتبة الثالثة بعد املؤمتر الشعبي العام والتجمع اليمني لإلصالح وعليه‬ ‫‪25‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫أن يقبل برتاجع وزنه ودوره يف تقرير مصري دولة الوحدة وصياغة نظامها السيايس وإال سوف‬ ‫يواجه بتهمة الخروج عىل الرشعية‪.‬‬ ‫صحيح أن انتخابات أبريل ‪ 1993‬كانت نزيهة نسبيا‪..‬لكن هذه النزاهة مل تكن كافية‬ ‫للحكم لصالح وجود دميقراطية حقيقية يف البالد‪..‬فالواقع املوضوعي حينها مل يكن متوافرا عىل‬ ‫رشوط حقيقية للدميقراطية‪..‬مل يكن الوعي الدميقراطي قامئا عىل استقاللية الفرد وعدم تزوير‬ ‫إرادته‪..‬وحرية االختيار الفردي كانت مندغمة يف املجموع العصبوي القبيل واملناطقي ومتأثرة‬ ‫إىل حد كبري بالتحريض األيديولوجي الديني ومحموالت الرتاث التاريخي للرصاع بني الشطرين‪..‬‬ ‫لذلك غلبت الكرثة العددية عىل نتائج االنتخابات وأفرزت برملانا عصبويا غري دميقراطي وغري‬ ‫وطني أيضا‪..‬ومبا أن ‪ % 80‬من الدوائر االنتخابية يقع يف الشامل الذي هو يف الوقت نفسه املعقل‬ ‫التاريخي لخصوم الحزب االشرتايك فمن الطبيعي أن يكون هؤالء هم أصحاب األغلبية العددية‬ ‫الشاملية يف الربملان وأن يكون الحزب االشرتايك صاحب األقلية العددية الجنوبية‪..‬غري أن األغلبية‬ ‫العددية الناجمة عن التفاوت يف عدد السكان ترصفت كام لو كانت أغلبية دميقراطية معربة‬ ‫عن وجود إندماج وطني حقيقي يف ظروف طبيعية زالت معها كل آثار التشطري‪..‬وعىل قيادة‬ ‫االشرتايك أن تقبل بحسم كل القضايا الخالفية من خالل رفع األيدي داخل الربملان املمثل إلرادة‬ ‫الشعب‪..‬وهذا ما مل يقبل به عيل سامل البيض ملا فيه من خلط بني قضايا بناء الدولة التي ال تحل‬ ‫إال من خالل التوافق السيايس بني كل األطراف وقضايا التنافس الحزيب االعتيادي التي تحسم بعد‬ ‫األصوات داخل الربملان‪.‬‬ ‫‪ – 3‬اإلصالح‪ :‬ينرصف هذا املرتكز يف مخطط الوحدة إىل تحقيق مبدأ الدمج وبناء املؤسسات‬ ‫الذي مل يكن قد تحقق عمليا عند إعالن الوحدة‪ ..‬فالوحدة بدأت إما بالجمع امليكانييك أو‬ ‫باملجاورة بني حقائق دولتني عىل أن يتم دمجها خالل الفرتة اإلنتقالية املقدرة يف إتفاقية الوحدة‬ ‫بسنتني ونصف بحيث تفيض عملية الدمج إىل حقائق جديدة نوعيا هي حقائق دولة الوحدة ال‬ ‫حقائق دولة الشامل وال حقائق دولة الجنوب‪..‬ما يعني أن الوحدة قامت أيضا عىل مبدأ اإلدانة‬ ‫الضمنية لدولتي الشامل والجنوب والتخيل عن حقائقهام وعن نظاميهام السياسيني لصالح دولة‬ ‫جديدة ذات حقائق مغايرة ونظام سيايس مختلف قائم عىل التعددية الحزبية والتداول السلمي‬ ‫للسلطة‪.‬‬ ‫وألن الوحدة مل تقم إبتداء عىل الدمج وإمنا عىل الجمع امليكانييك أو املجاورة بني حقائق‬ ‫دولتني فقد بقي الريال مجاورا للدينار وطريان اليمدا مجاورا لطريان اليمنية وتلفزيون عدن‬ ‫مجاورا لتلفزيون صنعاء وصحيفة ‪ 14‬اكتوبر مجاورة لصحيفة الثورة‪ ،‬وقس بقية الحقائق عىل‬ ‫‪26‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫هذا املنوال مبا يف ذلك الربملان والحكومة اللذين مل يدمجا وإمنا جمعا ميكانيكيا‪.‬‬ ‫وبسبب املجاورة والجمع امليكانييك احتفظت حقائق كل دولة بتبعيتها البنيوية للنظام‬ ‫الذي أنتجها‪..‬وكان مجلس الرئاسة يدير حقائق دولتني يتوقف نوع العالقة بينها عىل نوع العالقة‬ ‫بني الرئيس صالح ونائبه عيل سامل البيض‪..‬لذلك قيل إن الوحدة مل تتحقق عمليا إال من خالل‬ ‫العلم والنشيد الوطني‪..‬لكن الخطورة الكبرية يف هذا اإلجراء مثلتها وحدات الجيش التي تجاورت‬ ‫من غري دمج ثم انزلقت بسهولة نحو الحرب متأثرة مبناخ األزمة السياسية ألتي أعقبت إنتخابات‬ ‫أبريل ‪ 1993‬النيبابية‪.‬‬ ‫هنا نالحظ أن دولة الوحدة املفرتضة كانت عمليا دولة منقسمة‪..‬وهذا االنقسام بني بناء‪..‬‬ ‫وكأننا إزاء اتحاد كونفدرايل‪..‬وألن نظام الشامل مل يكن مؤمنا بقضية الوحدة كمرشوع سيايس‬ ‫وطني فقد أعاق عملية دمج حقائق الدولتني يف إطار مخطط مدروس لتصفية الكيان االعتباري‬ ‫لدولة الجنوب مبختلف مكوناته وشخوصه من خالل التطويق اإلداري وعدم التمكني من مامرسة‬ ‫الصالحيات والتحريض األيديولوجي بشقيه السيايس والديني ثم االغتياالت التي طالت العرشات‬ ‫من كوادر االشرتايك‪..‬ثم جاء حرب ‪ 1994‬لتقيض عىل دولة الجنوب وتكرس دولة الشامل وتقيض‬ ‫عىل وحدة ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬وتفرض عىل الجنوب وحدة ‪ 7‬يوليه ‪ 1994‬التي يرفضها كل الجنوبيني‬ ‫تقريبا‪.‬‬ ‫‪ - 4‬التحالف‪ :‬مبا أن الوحدة قامت عىل الدور املحوري لكل من املؤمتر الشعبي العام والحزب‬ ‫اإلشرتايك اليمني فمن البديهي أن يتوقف مستقبلها عىل نوع العالقة ألتي ستنشأ بينهام‪..‬لذلك‬ ‫جاء مرتكز «التحالف» يف مخطط الوحدة ليعالج هذه اإلشكالية‪..‬واملقصود به إبتداء التحالف بني‬ ‫الحزب اإلشرتايك اليمني واملؤمتر الشعبي العام كنواة لتحالف وطني واسع ميارس دور الربان الذي‬ ‫يجب أن يقود سفينة الوحدة إىل بر األمان‪..‬أي أن ميكن مرتكزات «الرشاكة» و»الدميقراطية»‬ ‫و»اإلصالح» من التحقق الفعيل والطالق النهايئ مع أزمنة التشطري عىل كل األصعدة‪.‬‬ ‫يضاف إىل ذلك أن التحالف سيؤدي بالرضورة إىل تراجع الحساسيات األيديولوجية‬ ‫القدمية بني األحزاب السياسية إىل حدودها الدنيا وسيعزز عوامل الثقة فيام بينها‪..‬وهذا من أهم‬ ‫متطلبات الدميقراطية يف أي بلد‪..‬فالدميقراطية غري ممكنة‪ ،‬داخل‪ /‬وبني األحزاب ما مل تقم العالقة‬ ‫بينها عىل قدر كبري من الثقة املتبادلة‪.‬‬ ‫وفيام يتعلق بالتحالف تبني أن قيادة املؤمتر الشعبي العام كانت تسري وفقا لنهج‬ ‫مختلف متاما قائم عىل استثامر الحساسيات األيديولوجية القدمية واملوروث التاريخي للرصاع‬ ‫‪27‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫بني الشطرين من أجل تأزيم الحياة السياسية ودفع البالد بقوة نحو الحرب‪..‬وهذا ما كشفت‬ ‫عنه مذكرات الشيخ عبد الله بن حسني األحمر (ص)‪ ..‬فضال عام صدر عن عيل صالح نفسه من‬ ‫ترصيحات فيام بعد أكد فيها أنه خالل الفرتة االنتقالية كان يستخدم التجمع اليمني لإلصالح‬ ‫ورقة يف الرصاع السيايس‪.‬‬ ‫يضاف إىل ذلك أن قيادة املؤمتر الشعبي العام ذهبت تلتف عىل الرشاكة بني الشامل‬ ‫والجنوب من خالل شعار «ال رشاكة إال بالدمج»‪..‬وفحوى هذا الشعار أن الرشاكة ليست بني‬ ‫دولتي الشامل والجنوب اللتني يجب أن تدمجا يف دولة ثالثة ال هي دولة الشامل وال هي دولة‬ ‫الجنوب وإمنا بني الحزب االشرتايك واملؤمتر الشعبي العام اللذين يجب أن يدمجا يف حزب واحد‪..‬‬ ‫وهذا ما رفضته اللجنة املركزية للحزب االشرتايك جملة وتفصيال معتربة دمج هذين الحزبني‬ ‫إنقالبا عىل الدميقراطية وعىل الرشاكة بني الشامل والجنوب‪..‬ويف «وثيقة التنسيق والتحالف»‬ ‫التي أرشنا إليها أعاله جرى الحديث عن تنسيق وتحالف عىل طريق التوحيد بني الحزب االشرتايك‬ ‫واملؤمتر الشعبي العام اقرتحه عيل سامل البيض يك يقبل عيل صالح مبا تبقى من بنود الوثيقة‪.‬‬ ‫واآلن إذا قدر لنا أن نتخيل مخطط الوحدة وقد تحقق بنجاح فإن صورة املشهد السيايس‬ ‫يف اليمن ستكون مختلفة متاما عن املشهد الراهن الذي رسمته نتائج حرب صيف ‪..1994‬لكن‬ ‫حرب ‪ 1994‬قضت عىل حقائق دولة الجنوب وفرضت حقائق دولة الشامل عىل اليمن كله‪..‬‬ ‫وبذلك حكمت عىل مخطط الوحدة بالفشل وكرست النظام السيايس للجمهورية العربية اليمنية‬ ‫مع اإلبقاء عىل بعض مكتسبات الوحدة كالتعددية السياسية واإلنتخابات الدورية لإليحاء بأن‬ ‫الوحدة القامئة هي وحدة ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬السلمية املقرتنة بالدميقراطية وبأن حرب ‪ 1994‬كانت‬ ‫إضطرارية للقضاء عىل خطر اإلنفصال وليس إلفشال مخطط الوحدة وابتالع الجنوب‪.‬‬ ‫وعند النظر إىل مخطط الوحدة املشار إليه يف ضوء نتائج حرب صيف ‪ 1994‬يبدو أنه عىل‬ ‫قدر كبري من املثالية ورمبا السذاجة السياسية‪..‬فاليمنيون أحزابا ونخبا ومجتمعا مل يكونوا عام‬ ‫‪ 1990‬مؤهلني للدميقراطية‪..‬وهذا صحيح مبدئيا‪..‬ولكن يف املقابل مل يكن من املمكن أن تتحقق‬ ‫الوحدة وأن تبنى هياكل دولتها ومؤسساتها بآليات الدميقراطية إبتداء ألن هذا يقتيض أن تكون‬ ‫نخبتا الحكم يف الشامل والجنوب جاهزتني لتقديم تنازالت كبرية قد تصل إىل حد تخليهام عن‬ ‫السلطة لصالح حكومة تكنوقراط مستقلة تنجز برنامج التوحيد الدميقراطي للدولتني خالل فرتة‬ ‫إنتقالية تفيض إىل قيام دولة مؤهلة للوقوف عىل مسافة واحدة من كل األحزاب‪..‬وعند نهاية‬ ‫هذه الفرتة يدخل املؤمتر الشعبي العام والحزب اإلشرتايك اإلستحقاق اإلنتخايب األول إنطالقا من‬ ‫خط سباق واحد يساوي بني كل األحزاب أمام مؤسسات الدولة‪..‬ومبا أن عيل صالح وعيل البيض‬ ‫‪28‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫ليسا رجلني من طراز غاندي أو مانديال فإن بناء دولة الوحدة بآليات الدميقراطية إبتداء مل يكن‬ ‫ممكنا ال نظريا وال عمليا‪..‬ومن ثم ال بأس أن تكون الوحدة قد تحققت وفقا للمخطط املشار‬ ‫إليه‪.‬‬ ‫لكن نجاح هذا املخطط كان بحاجة إىل قيادة إستثنائية مقتنعة به وراعية له حتى يعرب‬ ‫مرحلة الخطر‪..‬كان بحاجة إىل قيادة متناغمة وجامعة مؤهلة للتوفيق بني كل األطراف وتعزيز‬ ‫عوامل الثقة فيام بينها‪..‬وإذا كان البيض هو صاحب مفردات مخطط الوحدة فإن عيل صالح مل‬ ‫يعرتض عليه بل تظاهر بالحامس لهذا املخطط وتعهد للبيض بأنه سيسري معه يدا بيد من أجل‬ ‫تنفيذه وأنهام شيشكالن ثنائيا متناغام ومتكامال من أجل إنجاز هذا املرشوع وسيدخالن التاريخ‬ ‫معا من أوسع أبوابه‪..‬بينام كان يف قرارة نفسه يضمر اإلنقالب عىل املخطط وعىل الرجل وعىل‬ ‫حزبه وعىل الجنوب برمته‪..‬واملهم بالنسبة له أن تذوب الشخصية الدولية للدولتني يف دولة‬ ‫واحدة لتصبح الحرب القادمة املحتملة بينهام شأنا داخليا‪..‬وأن يكون هو رئيسا لدولة الوحدة‬ ‫ليضع البيض يف خانة الخروج عىل رئيسه‪..‬وأن تكون صنعاء وليس عدن هي العاصمة‪..‬فالعاصمة‬ ‫هي مركز الرشعية وهي التي تفرض رشوطها ونهجها ومنط حياتها ولها سياجاتها األمنية املمتدة‬ ‫من الجيش واألمن إىل قبائل الحواز‪..‬واملوروث التاريخي للرصاع بني الشطرين مازال حيا يف‬ ‫الذاكرة تغذيه الحساسيات األيديولوجية القابلة لإلستخدام ضدا عىل مبدأ‪« :‬الوحدة تجب ما‬ ‫قبلها»‪.‬‬ ‫لقد كان عيل صالح مخلصا لنظامه الشطري القديم بتحالفاته القامئة حينها ومل يكن يف‬ ‫أعامقه يقبل مبخطط الوحدة الذي بني عىل اإلدانة الضمنية للنظامني الشطريني واستوجب‬ ‫زوالهام الطوعي يف النظام السيايس الدميقراطي املفرتض لدولة الوحدة‪..‬وكان لديه مخطط آخر‬ ‫بني عىل تصنيف نظام الشامل يف املعسكر الدويل الذي انترص يف الحرب الباردة وتصنيف نظام‬ ‫الجنوب يف املعسكر املهزوم‪..‬مايعني أن املنترص يجب أن يستميت من أجل إنتصاره وعىل‬ ‫املهزوم أن يستسلم لقدره‪..‬لهذا إعترب صالح ذهاب البيض إىل الوحدة ترحيال لهزمية حتمية يجب‬ ‫أن تلحق به وبحزبه بأثر رجعي‪..‬ومل يكن يف قرارة نفسه يعرتف للجنوب بأي دور يف تحقيق‬ ‫الوحدة‪ .‬ونظر إليه عىل أنه الولد الضال الذي هرب من ضياعه أو الفرع‬ ‫الذي عاد إىل األصل‪..‬وعليه أن يذوب يف أصله طوعا أو كرها وأن يتخلص من اآلثار التي تركتها‬ ‫عليه سنوات الضياع‪..‬عليه أن ينىس أنه كان دولة وأن يترصف كام لو كان محافظة من محافظات‬ ‫الشامل‪..‬وكانت رموز نظامه وتحالفاته تقاسمه هذه النظرة إىل الجنوب‪.‬‬ ‫‪29‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫إن عدم أهلية نظام عيل صالح للوحدة مع الجنوب عام ‪ 1990‬ال تنسحب فقط عىل‬ ‫الدولة البسيطة وإمنا أيضا عىل الدولة املركبة‪..‬فلو أن دولة الوحدة قامت عىل أساس فدرايل من‬ ‫إقليمني فقط‪ -‬شامل وجنوب‪ -‬فإنها ال محالة ستتحول إىل ساحة حرب‪..‬فالحرب كانت مضمرة‬ ‫يف حالة الدولة البسيطة أو يف حالة الدولة املركبة‪..‬ورمبا جرى تحميل الشكل الفيدرايل للدولة‬ ‫مسئولية إشتعال فتيل الحرب لتربير خيار اإلنتقال إىل الدولة البسيطة كام صاغتها حرب ‪..1994‬‬ ‫أما الدولة الفدرالية متعددة األقاليم‪ -‬وهو الخيار اآلمن للوحدة وقتها‪ -‬فقد كانت من محرمات‬ ‫النظام السيايس يف الجمهورية العربية اليمنية ألنها لن تقوم إال عىل أنقاض املصالح املستقرة‬ ‫لتحالفات ذلك النظام‪..‬ومن املفارقات امللفتة لإلنتباه أن البعض يف الحراك الجنويب اليوم يرفض‬ ‫فكرة الدولة الفيدرالية متعددة األقاليم مع أنه الخيار األفضل للشامل وللجنوب ولليمن كله‪ ،‬ألنه‬ ‫الخيار القادر عىل تحييد املؤثرات السلبية للعصبيات املعيقة لبناء الدولة وللتنمية‪ ،‬سواء كانت‬ ‫هذه العصبيات يف الشامل أو يف الجنوب‪.‬‬

‫‪30‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الخالصة‪:‬‬ ‫من العرض السابق يالحظ أن نظام الشامل دخل الوحدة وهو يضمر الحرب‪..‬وقد بنى‬ ‫مخططه عىل استدراج نظام الجنوب إىل الشامل واستخدام العصبيات والكرثة العددية وعامل‬ ‫الجغرافيا لإلجهاز عليه‪..‬بينام كان نظام الجنوب أعزال من العصبيات باعتباره تجسيدا لدولة‬ ‫قامت عىل أساس القانون‪..‬وكان أعزال من جغرافيا الشامل التي ال ميلك سلطانا عليها‪..‬وكان أيضا‬ ‫أعزال من الكرثة العددية‪..‬ولو أن روح الوحدة كانت متوفرة لتم دمج الجيش مبكرا وسيكون قرار‬ ‫الحرب منعدما‪.‬‬ ‫من وجهة نظر القانون الدويل كانت حرب ‪ 1994‬حربا داخلية‪..‬ومن الناحية الفعلية جرت‬ ‫الحرب بني حقائق دولتني تعذر دمجها‪..‬وقد انقسمت مؤسسات الدولة عىل أساس شطري إبتداء‬ ‫من مجلس الرئاسة والحكومة مرورا بالربملان وانتهاء بالجيش واإلعالم‪..‬ففي كل هذه املستويات‬ ‫كانت الحرب بني حقائق دولتني‪..‬وعىل الساسة يف الشامل أن يعرتفوا بهذه الحقيقة ويغلبوا‬ ‫حقائق الواقع وأن يكفوا عن االستقواء بالوثائق املودعة يف الجامعة العربية واألمم املتحدة‪..‬‬ ‫فمثل هذه الوثائق تكون ذات قيمة حاسمة عندما يتعلق األمر بنزاع مع آخرين خارج حدود‬ ‫الوطن‪..‬أما يف الداخل الوطني فالحلول الحقيقية ال تكون ممكنة إال منذ اللحظة التي تبنى فيها‬ ‫السياسة عىل االعرتاف مبصالح كل أبناء الوطن ومنافعهم‪.‬‬ ‫أدار الجانب الذي فيه الرئيس الحرب باسم الرشعية الدستورية ضد متمردين عليها‪..‬‬ ‫والحقيقة أن طريف الحرب كليهام كان جزءا من الرشعية التي أنتجتها انتخابات أبريل ‪1993‬‬ ‫النيابية والفارق بينهام هو يف الكم الناجم عن الفارق الكبري يف عدد السكان بني الشطرين‪..‬وهذا‬ ‫يعني أن الجنوب دفع مثن كونه أقلية سكانية مع أنه األكرب يف املساحة واألوفر يف الرثوة عىل‬ ‫املدى النظور‪..‬يضاف إىل ذلك أن الواليات املتحدة األمريكية وإىل حد كبري فرنسا كانتا مع اإلجهاز‬ ‫عىل قوات الحزب االشرتايك وتقليم أظافره العسكرية‪..‬وقد شاركتا يف اللجنة العسكرية الرباعية‬ ‫إىل جانب األردن وعامن من أجل منع االحتكاك بني قوات الطرفني‪..‬واألرجح أنهام من خالل هذه‬ ‫املشاركة كانتا تدرسان خارطة توزيع القوى وتتأكدان من سالمة حسابات الرئيس صالح وقدرته‬ ‫عىل حسم املعركة برسعة‪.‬‬ ‫إن الحزب االشرتايك كان مغيبا عن اتفاق الوحدة مثلام كان مغيبا عن قرار فك االرتباط الذي‬ ‫أعلنه البيض عام ‪ 1994‬يف ظروف الحرب التي رفض الطرف اآلخر إيقافها والعودة إىل طاولة‬ ‫‪31‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫املفاوضات قائال إنه لن يقبل بأقل من أن يسلم البيض نفسه ألقرب قسم رشطة‪..‬ومثلام ذهب‬ ‫البيض إىل الوحدة تعارضه أقلية يف قيادة االشرتايك فقد ذهب إىل إعالن فك االرتباط تدعمه أقلية‬ ‫أيضا‪..‬واالشرتايك الذي تحمس للوحدة مل يتحمس للحرب ومل يكن مهيئا لها كحزب رغم أنها كانت‬ ‫حربا عليه‪..‬ولو أن الحزب االشرتاك أجمع عىل الحرب وتهيأ لها وخاضها لكانت أخذت مسارا‬ ‫مختلفا ومعقدا جدا‪.‬‬ ‫خالفا للحروب التي شهدها اليمن يف القرن العرشين نتجت القضية الجنوبية عن حرب‬ ‫اندلعت يف توقيت مختلف يتسم باالنفتاح وزوال الحدود‪ ،‬األمر الذي يرس من ذيوعها وشيوعها‬ ‫وأكسبها بعدا إعالميا عىل املستويني اإلقليمي والدويل مل تستطع معه سلطة الحرب أن تنفرد‬ ‫يف صياغة أسبابها ونتائجها إعالميا كام تريد‪..‬لقد التفت العامل كله إىل حرب ‪..1994‬وإذا كانت‬ ‫القيادات التي رشدتها الحرب قد عملت عىل تدويل القضية إعالميا عىل األقل فإن تلك التي‬ ‫أشعلتها كشفت عن مامرسات إقصائية وإلغائية عمقت من جروح الحرب عىل املستوى الشعبي‬ ‫وخلقت نزعات معادية للوحدة وأيقظت هويات املايض السالطيني التي ترفع اآلن راية الجنوب‬ ‫العريب يف مواجهة الهوية اليمنية للجنوب التي انترصت لها ثورة ‪ 14‬أكتوبر ‪.1963‬‬ ‫إن الوحدة ال تكون إال بني متحابني تواقني إىل العيش املشرتك ومستعدين لحل مشاكلها‬ ‫أوال بأول عىل قاعدة التكافؤ والندية‪..‬أما الوحدة التي يجري تسويغها عىل مبدأ ‪»:‬إذا مل نتوحد‬ ‫سنظل نتحارب» هي وحدة ال تنهي الحرب وإمنا تغري رشوطها‪..‬وهذا ما فعلته وحدة ‪ 22‬مايو‬ ‫‪ 1990‬عندما نقلت السيادة عىل الجنوب من عدن إىل صنعاء وحولت الحرب الباردة ‪ -‬الساخنة‬ ‫أحيانا ‪ -‬بني النظامني الشطريني من حرب دولية إىل حرب داخلية استمرت باردة خالل الفرتة‬ ‫االنتقالية لتتحول إىل ساخنة صيف ‪..1994‬ثم عادت حربا باردة مرشحة ألن تصبح ساخنة‪..‬ولهذا‬ ‫يلزم أن نتأمل يف الحقائق التالية‪:‬‬ ‫‪ - 1‬قبل ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬كان يبدو لنا أن طرف هذه الحرب من الناحية الجنوبية هو دولة‬ ‫جمهورية اليمن الدميقراطية الشعبية كنظام سيايس وحزب حاكم‪..‬وقبل حرب صيف ‪1994‬‬ ‫وأثناءها بدا هذا الطرف عىل أنه الحزب االشرتايك‪..‬أما اليوم فالجنوب األعزل كله يكاد أن يكون‬ ‫طرفا يف هذه الحرب بإستثناء املنتفعني من النظام‬ ‫‪ - 2‬قبل ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬كان يقال للناس يف صنعاء إن الحزب االشرتايك يتهرب من الوحدة حتى‬ ‫يظل متحكام برقاب أبناء الشعب اليمني يف الجنوب وإن الوحدة هي طريق خالصهم الوحيد‬ ‫من هذا الكابوس‪..‬واليوم هناك فئات واسعة يف الجنوب تطالب بفك اإلرتباط ومستاءة من‬ ‫‪32‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الحزب اإلشرتايك الذي قاد الجنوب إىل «كابوس الوحدة»!!!‬ ‫‪ - 3‬خالل حرب صيف ‪ 1994‬قيل إن الحزب االشرتايك يريد أن يفرض اإلنفصال بالقوة ضدا عىل‬ ‫إرادة أبناء الشعب اليمني يف الجنوب‪..‬واليوم يتحدث الجنوب عن «إحتالل» فرض عليه بوضاعة‬ ‫الحرب ال عن وحدة جاءته برشف الدميقراطية!!!‬ ‫‪ – 4‬يف ‪ 21‬مايو ‪ 1994‬ويف ظروف صعبة أصبحت فيها عدن تحت وطأة راجامت الصواريخ وبال‬ ‫ماء وكهرباء استنجد البيض بقشة فك االرتباط وقرأ إعالنا سياسيا أبقى عىل قضية الوحدة كهدف‬ ‫مستقبيل قابل للتحقيق عندما تتوفر رشوطه املوضوعية السليمة‪..‬واعترب دستور الجمهورية‬ ‫اليمنية هو دستور دولة جمهورية اليمن الدميقراطية‪..‬كام اعترب وثيقة العهد واالتفاق أساسا‬ ‫لبناء نظامها السيايس واالقتصادي‪..‬واليوم يتحدث طارق الفضيل – الذي خاض تلك الحرب تحت‬ ‫راية عيل صالح وباسم الوحدة – عن مؤامرة ليمننة الجنوب العريب عمرها أكرث من ألف عام‬ ‫ويطالب برحيل االحتالل!!!‬ ‫‪ – 5‬خرجت أزمة الوحدة إىل العلن يف أغسطس ‪ 1993‬واعتقد كثريون أنها انتهت بحرب ‪..1994‬‬ ‫غري أن الحرب مل تنه األزمة وإمنا عمقتها وأفرزت العبني سياسيني جددا وبدلت متوضعات فاعلني‬ ‫قدامى‪ ،‬فبدت اآلن أكرث تعقيدا حيث أصبح جزء كبري من أبناء الجنوب يجاهر يف زمن الوحدة‬ ‫مبا مل يهمس به أحد يف زمن التشطري‪..‬وهذا دليل قاطع مانع عىل أن حرب ‪ 1994‬أصابت الوحدة‬ ‫اليمنية بجروح لن تندمل إال بتغيري النظام املنتج للحروب وإعادة صياغة الوحدة اليمنية عىل‬ ‫النحو الذي يضمن رشاكة حقيقية للجنوب يف السلطة والرثوة غري مهددة بالتفاوت الكبري يف‬ ‫تعداد السكان‪.‬‬ ‫‪ – 6‬نتائج حرب ‪ 1994‬تؤكد أن دولة الوحدة وليس الوحدة هي موضوع الخالف الذي كان‪..‬‬ ‫ومعنى ذلك أن ميزان القوى عند إعالن الوحدة كان مامنعا لبناء الدولة‪..‬وإذا كان الشامل حينها‬ ‫هو الطرف األقوى يف معادلة القوة فاملامنعة كانت شاملية ومن قبل أطراف ومراكز نفوذ لها‬ ‫مصلحة يف أن ال تكون هناك دولة تساوي بني كل اليمنيني‪..‬أما عيل صالح فهو ابتداء نتيجة لهذه‬ ‫املامنعة املبكرة التي صادرت الثورة والجمهورية يف الشامل‪ ،‬وهو انتهاء من جنى مثار هذه‬ ‫املامنعة لصالح مرشوعه العائيل الخاص ثم أدار ظهره للجميع‪.‬‬ ‫‪ – 7‬مافعله عيل البيض قبل حرب ‪ 1994‬فعلته أحزاب اللقاء املشرتك قبل ثورة ‪ 11‬فرباير ‪..2011‬‬ ‫وقد بنينا هذا الحكم يف ضوء املقارنات التالية‪:‬‬ ‫‪33‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ – 1‬بعد انتخابات أبريل ‪ 1993‬أعلن البيض عن وجود أزمة سياسية داخل االئتالف الثاليث‬ ‫الحاكم سارع الطرف اآلخر إىل إنكارها وقال إن البيض افتعلها لتحقيق مكاسب أكرب من حجمه‬ ‫يف الربملان‪..‬وبعد االنتخابات الرئاسية لعام ‪ 2006‬رفعت أحزاب اللقاء املشرتك صوتها يف الحديث‬ ‫عن وجود أزمة أنكرها الطرف اآلخر أيضا وقال إنها غري موجودة إال يف رؤوس قادة املشرتك الذين‬ ‫يخشون املنازلة الدميقراطية أمام صناديق االقرتاع‪.‬‬ ‫‪ – 2‬يف األزمة األوىل رفض البيض االستقواء باألكرثية العددية يف الربملان‪..‬وكانت أكرثية شطرية‬ ‫والؤها لتحالف املؤمتر واإلصالح‪..‬ويف األزمة الثانية رفضت أحزاب املشرتك االستقواء باألكرثية‬ ‫املريحة اململوكة لشخص الحاكم رغم أنها مل تعد أكرثية جهوية‪.‬‬ ‫‪ – 3‬أثناء األزمة األوىل دعا البيض إىل حوار وطني موسع للتوافق عىل دولة بنظام سيايس يحل‬ ‫أزمات البالد فكانت لجنة حوار القوى السياسية التي أن أنتجت وثيقة العهد واالتفاق‪..‬وأثناء‬ ‫األزمة الثانية تبنت أحزاب املشرتك الدعوة إىل مؤمتر حوار وطني يشمل كل األطراف ويناقش‬ ‫كل القضايا ويستمد رشعيته من إجامع وطني ملزم‪..‬واليمنيون اليوم ذاهبون إىل هذا الحوار‪.‬‬ ‫‪ – 4‬يف األزمة األوىل طالب البيض برعاية إقليمية ودولية للحوار ضامنة لتطبيق نتائجه‪..‬وحينها‬ ‫اتهم بالسعي لتدويل األزمة وإخراجها عن إطارها الوطني‪..‬ويف األزمة الثانية طالبت أحزاب‬ ‫املشرتك بضامنات من هذا القبيل‪..‬واليوم هناك تسوية سياسية برعاية إقليمية ودولية‪.‬‬ ‫‪ – 5‬يف األزمة األوىل اختلف صالح والبيض يف تفسري معنى التوقيع عىل وثيقة العهد واالتفاق يف‬ ‫العاصمة األردنية عامن‪..‬ويف األزمة الثانية اختلفت قيادات املشرتك مع قيادة حزب املؤمتر حول‬ ‫تفسري ديباجة اتفاق فرباير ‪.2009‬‬ ‫‪ – 6‬يف األزمة األوىل وصف الرئيس صالح وثيقة العهد واالتفاق بأنها وثيقة الخيانة وذهب إىل‬ ‫الحرب‪..‬ويف األزمة الثانية وصف اتفاق فرباير ‪ 2009‬بأنه خطأ ال يجب أن يتكرر وذهب يحرض‬ ‫النتخابات نيابية إنفرادية بعد أن أصدرت قيادة حزبه بيانا سياسيا يف ‪ 30‬اكتوبر ‪ 2010‬وجهت‬ ‫من خالله لقيادات أحزب املشرتك تهام كلها تستوجب عقوبة االعدام‪..‬ولو أن أحزاب املشرتك‬ ‫متتلك جيشا نظاميا عىل غرار ما كان لدى االشرتايك لكانت الحرب مؤكدة‪.‬‬ ‫هذه املقارنات وغريها تثبت أن املشكلة ليست يف الجنوب وال عند الحزب االشرتايك اليمني‬ ‫وال عند مكونات الحراك وإمنا يف النظام السيايس للجمهورية العربية اليمنية كام صاغته ثالثة‬ ‫أحداث هي إنقالب ‪ 5‬نوفمرب ‪ 1967‬ضد الرئيس السالل وأحداث أغسطس ‪ 1968‬واملصالحة مع‬ ‫‪34‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫امللكيني عام ‪ 1970‬التي أعادت اللحمة للقوى التقليدية عىل حساب الوحدة الوطنية للشامل‬ ‫وجعلت من نظامه السيايس نظاما عصبويا منتجا لألزمات والحروب ومعيقا لبناء دولة وطنية‬ ‫لكل اليمنيني‪.‬‬ ‫بعد كل هذا العرض أمام القوى السياسية يف الشامل رأيان عىل األخذ بأي منهام تتوقف‬ ‫طبيعة معالجات وحلول القضية الجنوبية‪:‬‬ ‫األول‪ :‬هو الرأي القائل بأن حرب ‪ 1994‬كانت بسبب خالف حول الوحدة‪..‬وبالتايل كانت الحرب‬ ‫دفاعا عن الوحدة‪..‬أما النتائج التي أفرزتها فسببها سوء إدارة قيادة املؤمتر الشعبي العام للبالد‬ ‫بعد الحرب‪..‬ويف هذه الحالة من الصعب أن نلوم قوى الحراك الجنويب ومعارضة الخارج عندما‬ ‫يشككان يف مصداقية بعض القوى التي نارصت الثورة الشبابية الشعبية ضد عيل صالح أو‬ ‫شاركت يف اإلطاحة به‪.‬‬

‫الثاين‪ :‬هو الرأي القائل بأن حرب ‪ 1994‬كانت بسبب خالف حول دولة الوحدة‪..‬وبالتايل كان‬ ‫من املمكن تجنبها بتقديم تنازالت لصالح الوطن ووحدته وأمنه واستقراره‪..‬ويف هذه الحالة‬ ‫عىل القوى الحية يف الشامل أن تتوجه بإدانة دامغة لحرب ‪ 1994‬كخطوة البد منها للسري عىل‬ ‫طريق املصالحة الوطنية الحقيقية مع الجنوب وقواه السياسية وعىل النحو الذي ال يدع مجاال‬ ‫يف الجنوب للحديث عن هوية شاملية للحرب وال يدع مجاال يف الشامل للحديث عن هوية‬ ‫جنوبية للحراك ويهيء بالتايل لتفاهم وطني عريض يضع اليمن عىل عتبة التغيري الحقيقي من‬ ‫خالل الرشوع يف إعادة بناء دولة الوحدة املنقلب عليها عىل قاعدة الندية والتكافؤ بني الشامل‬ ‫والجنوب‪.‬‬

‫‪35‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫القضية اجلنوبية‪..‬خلفية تارخيية‬ ‫القضية الجنوبية هي نتاج فشل النخب السياسية اليمنية يف تحويل وحدة ‪ 22‬مايو ‪1990‬‬ ‫السلمية الطوعية من حالة عاطفية شعبوية إىل مرشوع سيايس نخبوي مجسد يف دولة لكل‬ ‫مواطنيها‪..‬ومعنى ذلك أن العالقة بينها وبني بناء الدولة عالقة ارتباط ورضورة‪..‬فالقضية الجنوبية‬ ‫هي قضية بناء الدولة‪..‬وهي من هذه الزاوية القضية اليمنية املركزية األكرث إلحاحا رغم اإليحاء‬ ‫الجهوي للتسمية‪ ..‬وحلها يبدأ من البحث الجاد واملوضوعي يف أسباب ومظاهر فشل بناء هذه‬ ‫الدولة وينتهي ببنائها فعليا عىل أرض الواقع‪..‬وهذا مستحيل عىل املدى املنظور مامل يشارك فيه‬ ‫الجنوب عىل قاعدة الندية الكاملة مع الشامل‪..‬واملشاركة تقتيض أن ميثل بنسبة ‪ %50‬يف مؤمتر‬ ‫الحوار الوطني القادم كحق تاريخي له وليس اسرتضاء أو منة من أحد‪..‬وعىل مختلف مكونات‬ ‫مؤمتر الحوار الوطني أن تستوعب هذه املسألة وأن توزع أنصبتها مناصفة بني الجنوب والشامل‬ ‫وإال فمصري هذا املؤمتر أن يكون يف مدخالته شامليا‪..‬ويف هذه الحالة ستكون مخرجاته منقوصة‬ ‫املرشوعية يف الجنوب حتى وإن كانت وطنية مينية وعىل قدر كاف من اإلنصاف‪.‬‬ ‫وفيام ييل سنحاول تسليط الضوء عىل القضية الجنوبية باعتبارها إتجاها يف السياسة‬ ‫يستقطب التأييد شامال وجنوبا وليس جهة يف الجغرافيا تهم ساكنيها فقط‪..‬كام وسنحاول إيضاح‬ ‫بعض الجوانب يف هذه القضية نرى أنها غري مفهومة مبا فيه الكفاية أو أن البعض يتعسف‬ ‫تفسريها عىل نحو يخرجها عن سياقها الوطني العام إىل سياقات إلحاقية شامال أو إنفصالية‬ ‫جنوبا‪.‬‬ ‫لفهم القضية الجنوبية علينا أن منيز تحت مسمى اليمن بني اليمن الحضاري الثقايف واليمن‬ ‫السيايس‪..‬األول هو نتاج تفاعل الجغرافيا والتاريخ يف هذه املنطقة من العامل املعروفة باليمن‬ ‫وتشمل أرايض الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الدميقراطية الشعبية واملخالف‬ ‫السليامين‪..‬وهناك من يضيف إليها ظفار عامن‪..‬هذا التفاعل بدأ يف لحظة ما من التاريخ واستمر‬ ‫حقبا زمنية طويلة ونتج عنه بروز جامعة برشية إسمها الشعب اليمني‪..‬ولهذا الشعب هوية‬ ‫جامعة متعددة األبعاد برموزها املستقرة يف الذاكرة الجمعية لليمنيني‪..‬ومن غري الجائز إختزال‬ ‫هذه الهوية يف بعد واحد ديني أو مذهبي أو جهوي‪..‬واليمن الحضاري الثقايف واحد ال يقبل‬ ‫التجزئة وال يعرتف بأي حدود سياسية داخل الجغرافيا اليمنية وليس مبقدور األفراد وال الجامعات‬ ‫وال حتى الدول أن ترسم له حدودا نهائية من هذا القبيل‪..‬وإذا وجدت مثل هذه الحدود‬ ‫‪36‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫سيقاومها من جهتيها وليس من جهة واحدة عاجال يف املدى املنظور أم آجال يف املدى البعيد‪..‬‬ ‫وهذه املقاومة هي وظيفته غري القابلة للتعطيل‪..‬وأي محاولة لتعطيلها هي الحكم عىل اليمن‬ ‫بعدم االستقرار‪..‬واليمن الحضاري الثقايف يندرج يف إطار الالمختار ألن اليمنيني ليسوا أحرارا يف‬ ‫قبوله أو عدم قبوله‪..‬إنه قدرهم الذي ال فكاك منه‪..‬ومثلام ال يختار املرء أمه وأباه فالشعوب ال‬ ‫تختار إنتامءاتها الحضارية الثقافية‪.‬‬ ‫لكن علينا أن نستدرك بأن اليمن الحضاري الثقايف ال ميارس وظيفته املقاومة للتجزئة‬ ‫تلقائيا إال إذا ظل يف حالة يقظة دامئة أو إذا وجد من يوقظه عندما يدخل يف حالة سبات طويل‪..‬‬ ‫ودليلنا عىل ذلك أن املخالف السليامين الذي يضم جيزان وعسري ونجران أصبح تحت السيادة‬ ‫السعودية مع أنه جزء من اليمن الحضاري الثقايف‪..‬وعىل اليمنيني – وخاصة يف الشامل ‪ -‬أن‬ ‫يتعمقوا يف دراسة األسباب التي أدت إىل ضياعه وتضييعه‪ ،‬ال من أجل أن يستعيدوه‪ ،‬ولكن عىل‬ ‫األقل من أجل أن يستوعبوا األسباب التي أيقظت يف الجنوب هويته يف إطار اليمن الحضاري‬ ‫الثقايف وحالت دون ضياعها‪..‬وأيضا من أجل أن يتفهموا املوقع الذي يجب أن يشغله الجنوب يف‬ ‫التسوية السياسية الراهنة باعتباره مرشوعا سياسيا وطنيا وليس فضاء جغرافيا كبريا واعدا قليل‬ ‫السكان ميكن ضمه وإلحاقه‪..‬وسنبني يف هذا السياق أن صنعاء العصبيات التي ضيعت املخالف‬ ‫السليامين هي نفسها صنعاء العصبيات التي التي انقلبت عىل الوحدة الطوعية السلمية مع‬ ‫الجنوب ورفعت يف وجهه شعار «الوحدة أو املوت» وحاولت أن تحوله من رشيك بإرادته إىل‬ ‫ملحق منزوع اإلرادة دون أن تكون لها يد يف محافظتة عىل هويته اليمنية‪..‬وكأن عىل الجنوب‬ ‫أن يخرس نفسه بسبب متسكه بهويته أو أن يدفع دفعا إىل إنكارها ويبحث له عن مصري آخر‬ ‫خارج انتامئه اليمني‪.‬‬ ‫هذا عن اليمن الحضاري الثقايف‪..‬أما اليمن السيايس فهو التعبري السيايس املجسد‬ ‫يف دولة‪..‬وعىل هذا األساس يكون اليمن الحضاري الثقايف هو األصل وتعبرياته السياسية هي‬ ‫الفرع‪..‬واألصل كان واحدا دامئا بينام تراوحت تعبرياته السياسية بني الوحدة والتعدد يف كل‬ ‫مراحل التاريخ القديم والوسيط والحديث‪..‬وهذه املراوحة كانت دامئا نتاجا لرصاع العصبيات‬ ‫عىل السلطة والرثوة والنفوذ يف بلد ذي جغرافية صعبة مل تكن حينها قادرة عىل إسناد التاريخ‬ ‫بقدر كاف من الفاعلية التي تحول دون تعدد التعبريات السياسية‪..‬فعندما يكون مستوى التساند‬ ‫بني الجغرافيا والتاريخ قويا يكون هناك يف الغالب األعم تعبري سيايس واحد عن الكيان الحضاري‬ ‫الثقايف الواحد بغض النظر عام إذا كان هذا التعبري متوافقا مع الكيان أو مهيمنا عليه‪..‬وأقرب‬ ‫مثال عىل ذلك مرص التي حكمت دامئا بدولة مركزية واحدة وأدى التساند القوي بني تاريخها‬ ‫وجغرافيتها إىل نشوء شعب متجانس نسبيا يعيش يف منطقة مستوية عىل امتداد النيل‪..‬وبسبب‬ ‫‪37‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫هذا التجانس غدا من الصعب الحديث يف مرص املعارصة عن هيمنة ذات طابع عصبوي‪..‬‬ ‫أما يف اليمن مل يكن التساند بني الجغرافيا والتاريخ قويا عىل النحو الذي كانته مرص‪..‬ولهذا‬ ‫تعددت يف كثري من األحيان التعبريات السياسية داخل الكيان الحضاري الثقايف الواحد‪..‬وعوضا‬ ‫عن نشوء شعب متجانس نسبيا نشأ شعب تنازعته وحدة كيانه الحضاري الثقايف وتعددية‬ ‫تعبرياته السياسية‪..‬ومن هنا جاءت الوحدة يف إطار التعدد والتعدد يف إطار الوحدة‪..‬فاليمنيون‬ ‫شعب واحد تنتظمه ثقافة واحدة جامعة مع وجود ثقافات فرعية‪..‬والتعدد هو مصدر غنى‬ ‫وإثراء مادي ومعنوي للمجتمع‪..‬لكن ميكن أيضا أن يكون عامل إفقار‪..‬وهذا يتوقف عىل طبيعة‬ ‫التعبري السيايس املهيكل يف دولة واحدة‪..‬فحني تكون هذه الدولة متوافقة ومتسقة ومنسجمة مع‬ ‫تعددية اليمن الحضاري الثقايف يكون الرثاء والغنى‪..‬أما إذا قامت عىل الغلبة والهيمنة وتهميش‬ ‫التعدد لصالح مكون عصبوي وأحد أو أكرث فإن الجغرافيا تكف عن مساندة التاريخ وتعود‬ ‫لتشتغل ضدا عليه‪..‬ويتجىل هذا االشتغال من خالل تضخم الثقافات الفرعية وتحولها إىل آلية‬ ‫حامئية ضد الغلبة والهيمنة والتهميش‪..‬وكلام تطرف املركز يف مامرسة الغلبة والهيمنة والتهميش‬ ‫واإلقصاء كلام تضخمت الثقافات الفرعية وتطرفت يف املقاومة‪..‬ويف حاالت اليأس تحاول الثقافات‬ ‫الفرعية إعادة تعريف نفسها بطريقة تعسفية كام لو كانت ثقافة مختلفة نوعيا يف مواجهة‬ ‫الثقافة الجامعة سواء أدركت ذلك أم مل تدرك‪..‬وألن إعادة التعريف غري ممكنة ثقافيا بسبب‬ ‫عدم القدرة عىل الفكاك من واحدية اليمن الحضاري الثقايف فإن ما يتم عمليا هو االستنجاد‬ ‫باليمن السيايس واستدعاء تعدديته للتخلص من التهميش واإلقصاء املتدثر بالوحدة‪..‬لهذا يالحظ‬ ‫عىل الخطاب املقاوم للتهميش واإلقصاء أنه سيايس دامئا وليس ثقافيا‪..‬وهذا يعني أنه ال يستطيع‬ ‫أن ينترص يف فضاء الثقافة فيحاول أن ينترص يف فضاء السياسة ولكن من خالل التنقيب عن‬ ‫اختالفات يف الثقافة‪..‬وألن هذه االختالفات فرعية تنتمي إىل الدرجة ال إىل النوع فإن الخطاب‬ ‫السيايس الذي يتكئ عليها ال يكون متسقا وال يكون مقنعا‪..‬ويف حاالت معينة يكون صداميا‬ ‫وانفعاليا مثله مثل الخطاب املضاد الذي يرشعن لإلقصاء والتهميش‪..‬إنه إذن خطاب إقصايئ‬ ‫مظلوم يف مواجهة خطاب إقصايئ ظامل‪..‬األول يستدعي اليمن السيايس لتربير اإلنفصال‪..‬والثاين‬ ‫يتدثر باليمن الحضاري الثقايف لتسويغ الهيمنة واإلقصاء والتهميش‪..‬وكالهام ماضوي ال يلتفت‬ ‫إىل حاجات الحارض‪.‬‬ ‫والحراك الجنويب هو عبارة عن تكوينات اجتامعية سياسية يوحدها اإلحساس بأوجاع وآالم‬ ‫التهميش واإلقصاء ويفرقها االختالف يف وعي املشكلة وتعقلها‪..‬فاإلحساس باألمل يشء وتعقله يشء‬ ‫آخر‪..‬لهذا أمكن التمييز داخل الحراك بني مواقف عقالنية وآخرى إنفعالية‪..‬ومنتسبو تكوينات‬ ‫الحراك عموما ال ينتمون إىل ثقافة فرعية واحدة وإمنا إىل ثقافات فرعية يف جزء من جغرافية‬ ‫‪38‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫اليمن الحضاري الثقايف كان حتى عام ‪ 1990‬يسمى جمهورية اليمن الدميقراطية الشعبية‪..‬‬ ‫والتكوينات االنفعالية داخل الحراك تحاول أن تشتغل عىل معطى الثقافات الفرعية ومعطى‬ ‫الجغرافيا ومعطى الدولة التي كانت وتعمل عىل دمج هذه املعطيات ذهنيا ولكن بعد أن أعادت‬ ‫تعريفها وتأويلها عىل النحو الذي يربر لها املطالبة بفك االرتباط ال القضاء عىل أسباب ونتائج‬ ‫حرب ‪ 1994‬بشقيها الحقوقي والسيايس وحل القضية الجنوبية حال عادال يف ظل الوحدة اليمنية‬ ‫ومتكني الجنوب من مامرسة فاعليته كرشيك حقيقي يف املعادلة السياسية‪..‬وعىل هذا األساس‬ ‫أصبحت الثقافات الفرعية يف نظر هذه املكونات ثقافة واحدة جامعة لشعب الجنوب وهي‬ ‫يف أساس هويته املغايرة لهوية شعب الشامل!! أما الجغرافيا فلم تعد جزءا من جغرافية اليمن‬ ‫الطبيعية وإمنا هي جغرافية الجنوب العريب!! وعندما أعادت هذه املكونات تعريف معطى‬ ‫الدولة إحتاجت إىل تجريدها من مينيتها ومن الحزب االشرتايك الذي أدارها‪..‬فالحزب االشرتايك هو‬ ‫حزب صاغته مؤثرات شاملية يف نظر هؤالء جعلته يتعلق «إرادويا» بالوحدة اليمنية املسئولة عن‬ ‫ضياع هوية الجنوب‪..‬أما الدولة فيجري التعبري عنها بجملة خفيفة‪« :‬نحن كنا دولة»!! ويتناسون‬ ‫أن الدولة التي كانوها هي جمهورية اليمن الدميقراطية الشعبية التي أسست رشعيتها عىل‬ ‫اإلخالص لليمن الحضاري الثقايف الواحد ودفعت مثن انتصارها له يف رصاعها مع الدولة الشطرية‬ ‫األخرى التي ظل نظامها السيايس خالل سنوات الحرب الباردة يتكسب من كبح هذا اإلنتصار‪.‬‬ ‫ما نريد أن نقوله إن الحراكيني اإلنفعاليني يخوضون معركة غري مربرة مع اليمن الحضاري‬ ‫الثقايف‪..‬وهم يف هذا يلتقون مع سلطة الحرب والضم واإللحاق التي تعاملت مع الجنوب ال كجزء‬ ‫من اليمن الحضاري الثقايف وإمنا كفرع من اليمن السيايس الشاميل عاد إىل أصله أو كإبن ضال‬ ‫عاد إىل رشده ومل تدخر وسيلة إال واستخدمتها لإلعتداء عىل تاريخه الوحدوي املتسق مع اليمن‬ ‫الحضاري الثقايف‪..‬وتاريخ الجنوب املعتدى عليه من الطرفني يقع داخل الفرتة الزمنية املمتدة من‬ ‫‪ 14‬اكتوبر ‪ 1963‬حتى ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬وهي الفرتة التي أعادت لليمن الحضاري الثقايف عافيته‪..‬‬ ‫فبينام تنظر سلطة الحرب والضم واإللحاق إىل هذه الفرتة عىل أنها فرتة ضياع اإلبن الضال‬ ‫ومترد الفرع عىل األصل تنظر مكونات الحراك اإلنفعالية إليها عىل أنها فرتة تزوير ممنهج لتاريخ‬ ‫الجنوب وفرض هوية غريبة عليه لتربير إحتالله من قبل الشامل‪..‬ومعنى ذلك أن سلطة الحرب‬ ‫أنتجت يف الجنوب أشباها لها يغايرونها يف املظهر ويجانسونها يف الجوهر‪..‬فهم مثلها ال يرون‬ ‫إال ما يريدون‪..‬هي تقرأ تاريخ الجنوب بعيون الضم واإللحاق وأشباهها يقرؤنه بعيون مصابة‬ ‫برمد االنفصال‪..‬وما تسميه سلطة الحرب ب» فرتة «الضياع والضالل» هو يف الواقع فرتة صحوة‬ ‫ويقظة‪..‬وما تزعم أنه «عودة الفرع إىل األصل» هو يف الحقيقة عودة متساوية للشامل والجنوب‬ ‫السياسيني إىل اليمن الحضاري الثقايف الواحد‪..‬وحرب ‪ 1994‬ليست إال خيانة همجية لهذه العودة‬ ‫‪39‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫ومحاولة ملصادرة مجد وتاريخ الجنوب والحركة الوطنية اليمنية التي أوصلت اليمنيني إىل ‪22‬‬ ‫مايو ‪..1990‬أما «التزوير املمنهج لتاريخ الجنوب» كام يراه الحراكيون اإلنفعاليون هو يف الحقيقة‬ ‫تصحيح ممنهج لهذا التاريخ كان من أبرز نتائجه نفض غبار أزمنة التشظي عن الهوية اليمنية‬ ‫للجنوب ومتكينها من استئناف مامرسة فاعليتها يف إعادة صياغة اليمن السيايس املتشظي عىل‬ ‫النحو الذي يتوافق مع اليمن الحضاري الثقايف الواحد‪..‬وهذا ما يؤكده السياق التاريخي العام‬ ‫لليمن‪.‬‬ ‫ففي األزمنة القدمية نشأت الدولة اليمنية عن اتحاد تجمعات قبلية عصبوية‪..‬وعندما‬ ‫اختلف أصحاب النفوذ فيها تفككت الدولة وتعددت التعبريات السياسية املتصارعة داخل اليمن‬ ‫الحضاري الثقايف الواحد‪..‬وبسبب هذا الرصاع غاب األمن واالستقرار وتراجع االقتصاد واضمحلت‬ ‫الحضارة‪..‬وعندما انترص اإلسالم يف جزيرة العرب مل يكن اليمنيون مستقرين يف ظل تعبري سيايس‬ ‫واحد مجسد يف دولة واحدة‪..‬وعندما أسلموا كان قاسمهم املشرتك األعظم هو اليمن الحضاري‬ ‫الثقايف الواحد وليس اليمن السيايس املتشظي‪..‬فهم أهل اليمن رغم تعدد مسمياتهم وعصبياتهم‬ ‫القبلية من كندة إىل مذحج إىل همدان وغريها‪..‬ما يعني أن اإلسالم هو قيمة مضافة لليمن‬ ‫الحضاري الثقايف الواحد عربت عن نفسها من خالل تنامي مشاعر األخوة يف الله والتوحد يف‬ ‫الطقوس الدينية‪..‬وعندما نقول « قيمة مضافة « فإننا نؤكد أنه ليس « قيمة منتجة»‪..‬فاليمن‬ ‫الحضاري الثقايف موجود قبل ظهور اإلسالم وليس من الجائز أبدا إختزاله يف البعد الديني وتغييب‬ ‫الرابطة الوطنية باسم الرابطة الدينية املمتدة خارج الوطن اليمني إىل عرشات األوطان واألمم‬ ‫والثقافات‪..‬فاإلسالم طارئ عىل اليمن الحضاري الثقايف ومضاف إليه وليس مؤسسا له‪..‬واليمنيون‬ ‫مل يتوحدوا يف ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬ألنهم مسلمون وإمنا ألنهم مينيون بغض النظر عن معتقدهم‬ ‫الديني‪..‬وشعار «الوحدة فريضة إسالمية» ليس من شعارات الهوية وإمنا من شعارات السياسة‪..‬‬ ‫وهو بهذا املعنى ليس شعارا توحيديا وإمنا شعار متزيقي حركته عصبيات جهوية توظف الدين‬ ‫سياسيا للتسرت عىل واقع الضم واإللحاق الذي طال الجنوب بسبب حرب ‪..1994‬أو قل هو من‬ ‫شعارات الرصاع بني الهوية واملصلحة الضيقة حيث تعمد هذه األخرية إىل اختزال الهوية يف بعد‬ ‫واحد يحقق لها التطابق مع األوىل بعد أن اختزلت‪.‬‬ ‫يف زمن الخالفة الراشدة كان اليمن عبارة عن مخاليف عىل رأس كل منها «عامل» معني من‬ ‫قبل أمري املؤمنني يف املدينة املنورة‪..‬وكان دور «عامل» املخاليف معنويا تربويا ومل يكن جبائيا‬ ‫تسلطيا‪..‬وقد استمر الحال عىل ما هو عليه تقريبا زمن األمويني مع تراجع الدور املعنوي‬ ‫والرتبوي لعامل دمشق لصالح الدور الجبايئ‪..‬ويف زمن العباسيني شكلت جغرافية اليمن الصعبة‬ ‫عامل إغراء للطامحني يف الخروج عىل مركز الخالفة يف بغداد‪..‬وحينها عاش اليمن عرصه الوسيط‬ ‫‪40‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫املعروف بعرص الدويالت التي حكمت متعاقبة أحيانا ومتزامنة متصارعة أحيانا أخرى‪..‬ويف هذا‬ ‫العرص ظهرت تعبريات سياسية جديرة مبسمى الدولة سواء من حيث االمتداد الجغرايف والزمني‬ ‫أو من حيث االنجازات املتحققة عىل األرض‪..‬وإىل هذه التعبريات تنتمي دولة الرسوليني ودولة‬ ‫الصليحيني والدولة الزيدية يف بعض فرتاتها والدولة الطاهرية مع بعض التفاوت يف مساحة‬ ‫النفوذ والسيطرة واالمتداد الزمني‪.‬‬ ‫غري أن أهم ملمح ميز العرص الوسيط هو الرصاع بني الدويالت‪..‬وهنا يجب أن نالحظ أن‬ ‫القوة وليست الجغرافيا هي التي كانت ترسم حدود هذه الدويالت وأن الوحدة واالنفصال مل‬ ‫تكن من بني الشعارات التي حركت رصاعاتها وحروبها‪..‬لهذا السبب كانت حدود اليمن السيايس‬ ‫املتعدد متغرية ومتنقلة داخل فضاء اليمن الحضاري الثقايف الواحد‪..‬وكان الشعب اليمني الواحد‬ ‫موزعا كسكان‪ -‬وليس كشعوب ‪ -‬عىل الدويالت التي رسمت القوة حدودها‪..‬لكن هذه الحدود‬ ‫مل تكن صارمة أو مغلقة أمام حركة السكان وهجراتهم الداخلية وتعايشاتهم املشرتكة ومل تكن‬ ‫تهدد انتامءهم العفوي إىل اليمن الحضاري الثقايف‪..‬وكان السكان يف ظل كل دويلة ينظرون‬ ‫إليها بعيون اليمن السيايس املنقسم وليس بعيون اليمن الحضاري الثقايف الواحد ويحاكمونها‬ ‫من خالل مقولتي العدل والظلم وليس من خالل مقولتي الوحدة واإلنفصال‪..‬بينام نتعامل نحن‬ ‫اليمنيني املعارصين مع دول تاريخنا القديم والوسيط كامض ال عالقة له بالرصاع عىل السلطة‬ ‫والرثوة يف حارضنا‪..‬وهذا يجعلنا‪ -‬من حيث ندري أو ال ندري‪ -‬نقف عىل مسافة واحدة منها‬ ‫ناظرين إليها بعيون اليمن الحضاري الثقايف الواحد وحاكمني عليها من خالل مقولتي الوحدة‬ ‫والتجزئة‪..‬فهي دول عظيمة تستحق أن نفرد لها مساحات كبرية يف كتب املطالعة املدرسية‬ ‫إذا قدر لها أن تتمدد داخل كامل فضائنا الحضاري الثقايف مبا هو تفاعل كامل الجغرافيا مع‬ ‫كامل التاريخ‪..‬وهي مجرد دويالت إذا مل تسعفها قوتها عىل التمدد‪..‬أما إذا ذهبنا نفاضل بني‬ ‫دول ماضينا الوسيط التي قدر لها أن تتمدد داخل كامل فضائنا الحضاري الثقايف منطلقني من‬ ‫مقوالت العدل والظلم واإلنجاز فسوف يكون من الصعب علينا أن نتفق عىل رأي واحد خاصة‬ ‫إذا كان لتحيزاتها املذهبية حضور يف حياتنا الراهنة‪..‬وهذا يعني أن اليمن السيايس هو قطب‬ ‫التعدد الذي قد يؤدي إىل الفرقة بينام اليمن الحضاري الثقايف هو قطب الواحدية الذي ال ينفي‬ ‫التعدد‪..‬واليمن السيايس ال يؤدي إىل الفرقة والتفكك إال عندما يتمدد داخل الفضاء الحضاري‬ ‫الثقايف الواحد بالقوة الغاشمة ويفرض نفسه ككيان عصبوي متغلب ومهيمن عىل ما يف هذا‬ ‫الفضاء من تعدد‪..‬وهذا ما يفرس تفكك وترشذم الدول اليمنية يف التاريخ القديم والوسيط‬ ‫حيث كان التعدد املهمش يتكئ عىل ضعف التساند بني الجغرافيا والتاريخ ويعمل عىل تفكيك‬ ‫واحدية الدولة أو تالشيها لتأيت عىل أنقاضها دويالت أو دولة أخرى قوية كانت هي أحد عوامل‬ ‫‪41‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫ضعف واضمحالل األوىل‪..‬وهذه قاعدة شذت عنها الدولة الزيدية التي كانت تتوسع عىل حساب‬ ‫غريها وعندما يظهر منافس قوي تنكمش ويرتاجع حاملها االجتامعي السيايس إىل جبال شامل‬ ‫الشامل حيث يجد موطئ قدم دائم يرتبص داخله وعندما تأيت فرصة مواتية ينقض ويتمدد‪..‬‬ ‫لهذا تعددت نسخ الدولة الزيدية بتعدد األرس الهاشمية التي حكمت اليمن‪..‬وقد تراوحت بني‬ ‫الضمور والظهور حتى ‪..1962‬ومن هذه الزاوية أيضا نستطيع أن نقرأ حركة الحويث املسلحة‬ ‫وقضية صعدة‪..‬فهي رد فعل عصبوي عىل فشل اليمنيني يف بناء الدولة وبروز مرشوع التوريث‬ ‫بعد حرب ‪ 1994‬وفقدان النظام الجمهوري ملصداقيته يف ظل نظام سيايس عصبوي إقصايئ منتج‬ ‫للحروب واألزمات‪..‬غري أن حركة الحويث ال تستطيع أن تتمدد كمليشيات مسلحة أو أن تتحول‬ ‫إىل دويلة حتى يف إطار صعدة نفسها ألنها تفتقر إىل عوامل نجاح كثرية جدا داخلية وخارجية‬ ‫كانت متوفرة ألسالف الحويث من أمئة الدولة الزيدية وغري متوفرة اليوم‪..‬نكتفي هنا فقط بذكر‬ ‫التساند بني الجغرافيا والتاريخ الذي مل يعد ضعيفا كام كان عليه يف املايض بالنظر إىل تطور‬ ‫وسائل االتصال واملواصالت التي جعلت الحكومات املركزية املعارصة قادرة عىل الوصول برسعة‬ ‫إىل حيث تريد داخل بلدانها وفرض سيادة الدولة عىل األرض وعىل السكان‪..‬لكن من غري الجائز‬ ‫منطقيا ومنهجيا قياس الجنوب عىل صعدة‪..‬فالجنوب مرشوع سيايس وطني كبري بحجم اليمن‬ ‫جرى االلتفاف عليه مبشاريع عصبوية صغرية مامنعة لبناء الدولة‪..‬وليس أمام هذا املرشوع إال‬ ‫أن يحول هزميته العسكرية عام ‪ 1994‬إىل إنتصار سيايس لكل اليمن متكئا عىل الحراك السلمي‬ ‫وعىل نتائج الثورة الشبابية الشعبية‪..‬فالحراك والثورة الشبابية الشعبية أسقطا كل شعارات حرب‬ ‫‪ 1994‬وأثبتا للداخل والخارج أنها حرب غري مربرة بكل مقاييس السياسة والوطنية والدين‬ ‫واألخالق‪..‬والذين يقولون إنهم سيضحون بثورة الشباب من أجل الوحدة هم إما من رموز تلك‬ ‫الحرب أو ممن استفاد من نتائجها عىل أقل تقدير‪..‬وألن ثورة الشباب تنادي بحل عادل للقضية‬ ‫الجنوبية فهم يفضلون التضحية بها عىل هذا الحل ولكن باسم الوحدة التي يقدسها الشباب‪.‬‬ ‫آخر تعبري سيايس إستطاع أن يتمدد داخل كامل جغرافية اليمن هو الدولة الزيدية يف‬ ‫عهد املتوكل عىل الله إسامعيل ولكن ملدة ‪ 42‬عاما فقط (‪..)1686 -1644‬وبعدها تفكك اليمن‬ ‫إىل مشيخات وإمارات وسلطنات يف الجنوب وإمامات متصارعة يف شامل الشامل بينام مالت‬ ‫مناطق الوسط إىل االستقرار النسبي يف ظل األعراف التي مكنت الوجهاء املحليني من مامرسة‬ ‫السلطة االجتامعية يف مناطقهم ومل يشذ عن ذلك سوى البيضاء التي أسس فيها آل الرصاص إمارة‬ ‫لهم كان ظهورها أول خروج عىل دولة املتوكل يف عهد خلفه قبل أن تخرج عليه أي من مشيخات‬ ‫وإمارات وسلطنات الجنوب‪.‬‬ ‫وقد استمر اليمن متشظيا عىل هذا النحو ألكرث من قرن ونصف قبل أن تحتل بريطانيا‬ ‫‪42‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫عدن عام ‪..1839‬وعىل إثرها عادت الخالفة العثامنية إىل اليمن يف العام ‪ 1849‬ولكن فقط إىل‬ ‫شامل البالد هذه املرة إبتداء من املناطق الساحلية والسهلية‪..‬وهنا يجب أن نالحظ أن العثامنيني‬ ‫استخدموا القوة لفرض حكم مركزي عىل كامل الشامل مل تخرج عليه إال املناطق الزيدية مبوجب‬ ‫صلح دعان عام ‪ 1911‬الذي منح اإلمام يحي سلطة دينية كانت نوعا من الحكم الذايت ملناطق‬ ‫شامل الشامل‪..‬لكن قادة الجيش العثامين مل يرتكوا الشامل بعد الحرب العاملية األوىل إال وقد‬ ‫ساعدوه عىل البقاء موحدا تحت سلطة اإلمام يحي‪.‬‬ ‫أبقى اإلمام يحي عىل التقسيم اإلداري الذي وضعه العثامنيون لكنه مل مينح املناطق‬ ‫الشافعية ولو حدا أدىن من اإلدارة الذاتية التي كان قد قاتل العثامنيني من أجلها‪..‬واألنكأ من‬ ‫كل ذلك أنه أذلها بحروب «الفتوحات» التي مل يكن لها ما يربرها سوى تحويل هذه املناطق‬ ‫إىل مناطق خراجية أسلمت بحد السيف بعد أن أصبح سكانها كفار تأويل حسب فتاوى تلك‬ ‫الحروب‪..‬وهي امتداد لفتاوى املتوكل عىل الله إسامعيل الذي قال إن الله لن يحاسبه عىل ما‬ ‫أخذه من أموال الشوافع وإمنا عىل ما أبقى لهم‪..‬وفتاوى حرب ‪ 1994‬ال تختلف عن هذه إال يف‬ ‫املذهب‪..‬فاألوىل متوكلية متمسحة باإلمام زيد والثانية وهابية‪.‬‬ ‫قسم اإلمام يحي سكان مملكته إىل عدنانيني حاكمني وقحطانيني محكومني‪..‬وصنف‬ ‫العدنانيني إىل درجات حسب حظ أرسهم من السلطة والنفوذ يف املايض ومن الرثوة والوجاهة‬ ‫يف الحارض‪..‬لذلك وجدت القاعدة الكبرية من العدنانيني نفسها تقف ضد بيت حميد إىل جانب‬ ‫ثورة سبتمرب ‪..1962‬أما القحطانيون فقد جرى تصنيفهم إىل زيود محاربني وشوافع مزارعني‪..‬‬ ‫وللمحاربني تراتبية هرمية تبدأ بالشيخ ثم القايض وبعده يأيت الفقيه وتنتهي بالقبييل‪..‬وتحت‬ ‫هؤالء فئة واسعة من املهمشني الذين يعيشون عىل خدمتهم‪..‬وقد مثلت ثورة سبتمرب ‪1962‬‬ ‫إنقالبا عىل هذا الركود القروسطي وأحدثت حراكا مجتمعيا كبريا‪..‬غري أن عوامل داخلية وخارجية‬ ‫كثرية تظافرت وكبحت املسار التصاعدي للثورة وحالت بينها وبني تحقيق كامل أهدافها وانتهى‬ ‫األمر بنظام سيايس عصبوي دخل طرفا يف معادلة الوحدة اليمنية سلميا عام ‪ 1990‬وانقلب عليها‬ ‫عسكريا عام ‪ 1994‬يف حرب ال تختلف يف أهدافها وشعاراتها وفتاواها عن «فتوحات» اإلمام يحي‬ ‫يف املناطق الشافعية ململكته‪..‬والفارق الجوهري الوحيد أن هذه املناطق مل تكن مرشوعا سياسيا‬ ‫له تاريخ وله دولة وتطلعات مستقبلية بحجم اليمن كام هو الحال بالنسبة للجنوب‪..‬لذلك‬ ‫استسلمت للواقع املفروض عليها كمناطق خراجية بينام متخض الجنوب عن حراك اجتامعي‬ ‫سيايس واسع رافض ملبدأ الحرب وشعاراتها وفتاواها ونتائجها‪.‬‬ ‫خالفا للعثامنيني يف الشامل فضلت بريطانيا يف الجنوب أن تتجنب املزيد من أعامل‬ ‫‪43‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫املقاومة واكتفت بعدن وأقامت إتفاقيات حامية مع مشيخات وإمارات وسلطنات الجنوب الذي‬ ‫مل يصبح دولة واحدة إال يف ‪ 30‬نوفمرب ‪ 1967‬أي بعد نحو ‪ 286‬عاما من تفكك دولة املتوكل عىل‬ ‫الله إسامعيل‪..‬وعىل هذا األساس أصبحت جمهورية اليمن الدميقراطية الشعبية والجمهورية‬ ‫العربية اليمنية هام آخر تعبريين سياسيني يتزامنان داخل اليمن الحضاري الثقايف‪ ..‬مع مالحظة‬ ‫أن الجغرافيا وليست القوة هي التي رسمت الحدود بينهام ألول مرة يف تاريخ اليمن‪..‬وهذا فعل‬ ‫سيايس غري ميني وإمنا عثامين بريطاين كرسه النظام الدويل املعارص القائم عىل مبدأ سيادة الدول‬ ‫وأضفى عليه طابعا قانونيا أصبحت معه الوحدة اليمنية مستحيلة بواسطة القوة وإمنا عىل أساس‬ ‫طوعي وباإلرادة الحرة لكل من الدولتني وعىل قاعدة الندية والرشاكة بينهام‪..‬وإذا كانت دولة‬ ‫الشامل قد عاشت منذ ما بعد أغسطس ‪ 1968‬عىل كبح قيام مين سيايس واحد داخل اليمن‬ ‫الحضاري الثقايف الواحد – باستثناء فرتة الرئيس الحمدي ‪ -‬فإن دولة الجنوب هي التي تحملت‬ ‫أعباء اإلخالص لوحدة هذا اليمن وهي التي أوصلت اليمنيني إىل ‪ 22‬مايو ‪..1990‬والوصول إىل‬ ‫هذا اليوم سبقته إنجازات ملحمية ال يعي معظم اليمنيني يف الشامل حجمها ونوعها وأثرها‬ ‫اإليجايب الكبري عىل حارض ومستقبل اليمن‪..‬ولو أن هذه الحقيقة كانت مستقرة ومستوعبة يف‬ ‫عقولهم وضامئرهم ملا كان مبقدور مراكز القوى العصبوية أن تزيف وعيهم بالشعارات الوطنية‬ ‫والدينية وأن تجر البالد إىل حرب ‪ 1994‬تحت شعار الدفاع عن الوحدة‪..‬وسيسجل التاريخ أن تلك‬ ‫الحرب كانت يف مقاصدها ويف نتائجها خيانة عظمى لليمن الحضاري الثقايف ولإلنجازات امللحمية‬ ‫التي اجرتحها شعب الجنوب والحركة الوطنية اليمنية عموما للوصول إىل ‪ 22‬مايو ‪..1990‬وفيام‬ ‫ييل إشارة إىل أهم هذه اإلنجازات امللحمية التي لوالها لكان يف صنعاء أربع سفارات جنوبية‬ ‫عىل أقل تقدير‪:‬‬ ‫‪ – 1‬إستدعاء الهوية اليمنية للجنوب من إرشيف التاريخ وتخليصها من غبار أزمنة التشظي‪:‬‬ ‫فمع تطاول أزمنة التشظي أصبح اليمنيون يف الجنوب يعرفون أنفسهم من خالل‬ ‫إنتامءاتهم إىل فسيفساء الكيانات السياسية التي مثلتها املشيخات واإلمارات والسلطنات ونام‬ ‫عندهم اإلحساس باإلنتامء لليمن الحضاري الثقايف لصالح االنتامء لهذه التعبريات السياسية‬ ‫املتناثرة داخل خارطة الجنوب‪..‬وأصبح اليمني هناك إما عبدليا أو فضليا أو حوشبيا أو عولقيا أو‬ ‫عوذليا أو واحديا أو كثرييا أو قعيطيا‪...‬الخ‪..‬وكان عىل الحركة الوطنية اليمنية أن توقظ اإلنتامء‬ ‫لليمن يف وعي سكان املشيخات والسلطنات واإلمارات‪..‬وهذا عمل ملحمي بدأ يف عدن يف‬ ‫ثالثينيات القرن املايض وامتد خالل األربعينيات والخمسينيات‪..‬وما كان مبقدور الكفاح املسلح‬ ‫ضد االستعامر الربيطاين مطلع الستينيات أن يستقطب التأييد الشعبي الواسع يف كل أنحاء‬ ‫الجنوب من غري هذا العمل امللحمي الذي ظل يستدعي الهوية اليمنية من إرشيف التاريخ‪..‬‬ ‫‪44‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫ولهذا العمل رموزه الثقافية والسياسية والنقابية‪..‬وليس صحيحا أن مينية الجنوب قضية حمل‬ ‫لواءها منذ البدء الحزب االشرتايك اليمني‪..‬فالحزب االشرتايك ليس رائدا يف التنظري لقضية الوحدة‬ ‫ولكنه الحزب الذي أخلص نظريا وعمليا ملا بدأه الرواد حتى تحققت الوحدة سلام وطواعية يف‬ ‫‪ 22‬مايو ‪..1990‬ومن غري مدينة عدن ما كان لهذا العمل امللحمي أن يتم‪..‬فعدن هي الحارضة‬ ‫الحقيقية لليمن املعارص وهي صانعة الوحدة اليمنية‪..‬ولو أن املخالف السليامين احتوى عىل‬ ‫مدينة مناظرة لعدن ملا كان مبقدور صنعاء العصبيات أن تضيعه لتضمن استقرار هيمنتها عىل‬ ‫الشامل‪.‬‬ ‫‪ - 2‬إسقاط مرشوع إتحاد الجنوب العريب وتوحيد الجنوب وتثبيت هويته اليمنية‪:‬‬ ‫يف السنوات التي أعقبت الحرب الكونية الثانية أصبح حق تقرير املصري الشعار األكرث‬ ‫رواجا يف العامل ويف أروقة األمم املتحدة‪..‬وقد اعرتفت بريطانيا بهذا الحق لجنوب اليمن ولكن‬ ‫بعد أن أعادت تعريف جزء منه تحت مسمى « الجنوب العريب «‪..‬وهذه تسمية أرادت بها‬ ‫بريطانيا أن ترسخ خارطة اليمن السيايس املتشظي عىل النحو الذي يقتل ومييت فاعلية اليمن‬ ‫الحضاري الثقايف الواحد‪..‬وبالفعل رشعت يف تنفيذ هذا املخطط وحددت موعدا إلنسحابها سلميا‬ ‫وتسليم السلطة إىل حكومة إتحاد فيدرايل يضم عدن واملحميات الغربية فقط بينام اختارت‬ ‫حرضموت الكثريية وحرضموت القعيطية ومعهام املهرة البقاء كدول بسيطة قامئة بذاتها‪..‬وكان‬ ‫مقررا أن تغادر بريطانيا الجنوب تاركة وراءها أربع دول مستقلة لكل منها حدود معلومة‬ ‫وسيادة محمية بقوة القانون الدويل‪..‬وإلسقاط هذا املخطط نشأت فكرة الكفاح املسلح ضد‬ ‫االستعامر الربيطاين‪..‬فالغرض من هذا الكفاح ليس تحرير الجنوب فقط وإمنا – وهو األهم –‬ ‫توحيده والدفاع عن هويته اليمنية وتثبيتها يف إطار دولة واحدة كخطوة البد منها عىل طريق‬ ‫االنتصار لليمن الحضاري الثقايف الواحد‪..‬وهذا ما فعلته الجبهة القومية من خالل ثورة ‪ 14‬اكتوبر‬ ‫‪.1963‬‬ ‫وباستثناء قطاع الفدائيني يف مدينة عدن الذي ضم مينيني من الشامل والجنوب تشكلت‬ ‫خاليا وتنظيامت الجبهة القومية يف كل مشيخة وإمارة وسلطنة من أبنائها وتم إسقاطها بأيادي‬ ‫أبنائها‪..‬كام امتد نشاط الجبهة القومية إىل وحدات الجيش االتحادي واستطاعت أن تضمن والء‬ ‫معظم ضباطه وقادته لصالح الثورة‪..‬وعندما ذهبت تفاوض بريطانيا عىل االستقالل والرحيل‬ ‫من عدن كانت عمليا قد أسقطت كل الكيانات السياسية يف الجنوب ووحدتها تحت سلطتها مبا‬ ‫يف ذلك حرضموت واملهرة وفرضت نفسها كقوة وحيدة مؤهلة النتزاع االستقالل عن بريطانيا‪..‬‬ ‫والقول بأن وثيقة االستقالل نصت عىل «جنوب عريب» قول ال ننكره لكنه من عمل االستعامر‬ ‫‪45‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫وليس من حقائق التاريخ‪..‬والذين فاوضوا االستعامر يف جنيف فاوضوه باعتبارهم قادة الجبهة‬ ‫القومية لتحرير جنوب اليمن املحتل وليسوا قادة الجنوب العريب‪..‬أما القول بأن بريطانيا سلمت‬ ‫السلطة للجبهة القومية يف إطار مؤامرة فمصدره العصبية املهيمنة يف صنعاء التي توجست خيفة‬ ‫من املرشوع السيايس الوطني املبكر للجنوب واخرتعت حكاية «املؤامرة» للدفاع عن إنعزاليتها‬ ‫كام اخرتعت حكاية «الفرع واألصل» لتجعل من نفسها قيمة مركزية يف املشهد السيايس لليمن‬ ‫الحضاري الثقايف دون سند ال من التاريخ وال من الجغرافيا وال من اإلقتصاد وال من الثقافة‪..‬وهي‬ ‫إىل جانب ذلك تنكر التاريخ الوطني البطويل للجنوب‪..‬وحينام تضطر لإلعرتاف به فمن قبيل املن‬ ‫عىل ثورة اكتوبر والتغني بالدعم واإلسناد الذي لقيته من ثورة الشامل وكأن هذه العصبيات‬ ‫هي مصدر هذا اإلسناد‪..‬وهذا مام يسهل دحضه‪..‬فليس بني رموز حرب ‪ 1994‬وأمرائها من شيوخ‬ ‫القبائل ورجال الدين وجرناالت الجيش من يستطيع أن يثبت أنه قدم لثورة اكتوبر مسدسا أو‬ ‫حتى رصاصة واحدة‪.‬‬ ‫إن الدعم واإلسناد الذي تلقته ثورة الجنوب من ثورة الشامل هو عمليا دعم وإسناد‬ ‫الحركة الوطنية يف الشامل للحركة الوطنية يف الجنوب‪..‬والذي وقف وراء هذا الدعم بدرجة‬ ‫أساسية هي حركة القوميني العرب التي كان لها حضور قوي يف الجيش اثناء الحرب األهلية‬ ‫بني امللكيني والجمهوريني‪..‬وغالبا ما اتخذ الدعم طابعا رسيا ألنه مل يكن محل إجامع بني القوى‬ ‫املحسوبة عىل ثورة سبتمرب‪..‬واألطراف التي أشعلت حرب ‪ 1994‬ومارست أعامل النهب املنظم‬ ‫يف الجنوب هي نفسها األطراف التي وقفت ضد إمداد الجبهة القومية بالسالح خالل معظم‬ ‫فرتة الكفاح املسلح ضد االستعامر الربيطاين‪..‬وهي نفسها التي أغرقت صنعاء بالقبائل املسلحة‬ ‫للتنكيل بحركة القوميني العرب يف أحداث أغسطس الدامية عام ‪ 1968‬وأعادت بناء الجيش‬ ‫عىل أسس قبلية إىل اليوم‪..‬واملعروف أن حركة القوميني العرب تأسست منذ البدء كتنظيم واحد‬ ‫لعموم اليمن وله قيادة واحدة موحدة ضمت جنوبيني وشامليني أبرزهم املؤسس فيصل عبد‬ ‫اللطيف الشعبي‪..‬والحركة هي التي أسست الجبهة القومية وشكلت عمودها الفقري عىل‬ ‫املستوى القيادي والقاعدي‪..‬وأحداث أغسطس ‪ 1968‬كانت أول مواجهة مع الوحدة اليمنية‬ ‫حيث أصبح الجنوب بعدها بدون رشكاء وحدويني يف الشامل الرسمي‪.‬‬ ‫‪ - 3‬بناء دولة االستقالل عىل اسرتاتيجية الوحدة اليمنية والنظرة الدونية للتشطري‪:‬‬ ‫امللحمة الثالثة هي بناء دولة االستقالل عىل اسرتاتيجية الوحدة اليمنية والنظرة‬ ‫الدونية للتشطري‪..‬وهذه قضية معروفة لكل اليمنيني يف الشامل والجنوب‪..‬فدستور جمهورية‬ ‫اليمن الدميقرطية الشعبية نص عىل واحدية الجنسية اليمنية‪..‬ونظامها السيايس مل يفرق بني‬ ‫‪46‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫شامليني وجنوبيني يف كل حقوق املواطنة رغم أنه مل يكن نظاما دميقراطيا‪..‬وحزبها الحاكم كان‬ ‫عابرا للعصبيات القبلية وللحدود الشطرية‪..‬وشعاره املركزي « لنناضل من أجل الدفاع عن الثورة‬ ‫اليمنية وتنفيذ الخطة الخمسية وتحقيق الوحدة اليمنية»‪..‬وإذاعة عدن كانت دون أدىن مبالغة‬ ‫إذاعة الوحدة اليمنية مبا ظلت تبثه من برامج وأغان وأناشيد‪..‬أما عدن نفسها فقد كانت ورشة‬ ‫عمل يومية مشتغلة عىل قضية الوحدة‪..‬وعموما النظام السيايس يف الجنوب وليس نظام الشامل‬ ‫هو الذي جعل اليمنيني يتعلقون بحلم الوحدة ويرونها آتية ال ريب فيها‪..‬أما يف صنعاء فقد كان‬ ‫الحديث عن الوحدة من مؤرشات االنتامء للحركة الوطنية اليمنية وموجبا العتقال صاحبه بتهمة‬ ‫العاملة للجنوب‪..‬ومل يكن مسموحا التحدث عن الوحدة إال يف األطر الرسمية ويف سياق سيايس‬ ‫جوهره ليس الوحدة وإمنا التحريض عىل النظام السيايس يف الجنوب‪.‬‬ ‫وبسبب إخالصه لليمن الحضاري الثقايف قوبل النظام السيايس يف الجنوب بالكراهية والعداء‬ ‫املبكر حتى قبل أن يعلن عن توجهه األيديوجي ذي البعد االشرتايك‪..‬فعندما استقل الجنوب يف‬ ‫‪ 30‬نوفمرب ‪ 1967‬كان الشامل يعيش حربا أهلية بني الجمهوريني وامللكيني وكانت صنعاء محارصة‬ ‫من كل الجهات‪..‬ومع ذلك رفضت العصبيات القبلية االعرتاف بدولة االستقالل بذريعة أنه ليس‬ ‫من حق الجبهة القومية أن تعلن دولة مستقلة يف الجنوب وعىل قحطان الشعبي أن يأيت إىل تعز‬ ‫أو الحديدة ويسلم مفاتيح الجنوب لشيوخ القبائل‪..‬وهذا هو املنطق نفسه الذي واجه به اإلمام‬ ‫يحي مساعي عبد العزيز الثعالبي حني حاول أن يقنعه مبقرتحات سلطان لحج من أجل الوحدة‪..‬‬ ‫وللتاريخ كان السلطان صاحب أول برنامج لتحقيق الوحدة لكنه اصطدم بإمام مل يكن يقبل بأقل‬ ‫من أن يكون سالطني الجنوب رعايا يف دولته املتوكلية‪..‬واملالحظ هنا أنه ال فرق بني عقلية بيت‬ ‫حميد الدين وعقلية من يعتربون أنفسهم ورثتها الرشعيني يف حكم الشامل‪..‬أما اعرتاف دولة‬ ‫الشامل بدولة االستقالل يف الجنوب فقد حسمه رئيس املجلس الجمهوري القايض عبد الرحمن‬ ‫اإلرياين العتقاده حينها أن صنعاء مرشحة للسقوط يف أيدي امللكيني وأن الجنوب سيكون قاعدة‬ ‫اإلنطالق ملواصلة الحرب ضدهم وال يجوز إستعداءه‪..‬وكان اإلرياين يعلم علم اليقني أن اعرتاض‬ ‫شيوخ القبائل عىل وجود دولة مستقلة يف الجنوب ليس بسبب الفائض الوحدوي عندهم وإمنا‬ ‫ألن حركة القوميني العرب املكروهة سعوديا هي التي أعلنت هذه الدولة وليس املستوزرون‬ ‫وسالطني املحميات‪..‬ولو أن االستقالل حصل تحت راية الجنوب العريب الذي تأسست فكرته عىل‬ ‫استبعاد الهوية اليمنية للجنوب لكان االعرتاف به جاهزا من غري قيد أو رشط‪..‬والسبب أن زعامء‬ ‫العصبيات القبلية يفضلون جنوبا متنصال من مينيته عىل جنوب ميني يتطلع إىل وحدة تليق به‬ ‫كمرشوع سيايس وطني يهدد بالنتيجة ما يعتربونه «حقهم التاريخي» يف الحكم والهيمنة عىل‬ ‫كامل الشامل‪..‬فالوحدة ليست عملية جمع بسيطة وإمنا حدث تاريخي إستثنايئ له تفاعالته‬ ‫‪47‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫التي ستعمل بالرضورة عىل إعادة توزيع القوة والنفوذ والرثوة وستخلق توازنات جديدة بني‬ ‫مناطق البالد ومكونات املجتمع‪..‬والنتيجة املنطقية والحتمية لهذه التفاعالت هي سقوط «الحق‬ ‫التاريخي» املزعوم يف الحكم‪..‬وهذا أمر يدركه زعامء العصبيات القبلية متام اإلدراك ومنذ وقت‬ ‫مبكر‪..‬لذلك وجدوا أنفسهم إزاء الجنوب أمام ثالثة خيارات نبسطها كام ييل‪:‬‬ ‫‪- 1‬رفض مبدأ الوحدة اليمنية رصاحة‪ :‬واعتبارها اخرتاعا شيطانيا وعمال من أعامل العدوان‬ ‫ضد الجمهورية العربية اليمنية وأمنها واستقرارها‪..‬وهذا خيار خارس ألن الحركة الوطنية اليمنية‬ ‫كانت قد أفلحت منذ وقت مبكر يف استدعاء الوحدة من أرشيف التاريخ وأيقظتها يف نفوس‬ ‫الجامهري وحولتها إىل حالة عاطفية شعبوية جارفة يف الشامل والجنوب‪..‬وأي سياسة تصادم هذه‬ ‫الحالة العاطفية محكوم عليها بالسقوط سلفا‪..‬لذلك مل يكن أمام زعامء العصبيات سوى متلق‬ ‫هذه العاطفة واملزايدة عىل الجنوب بشعار الوحدة‪.‬‬

‫‪- 2‬التخيل عن «الحق التاريخي» املزعوم يف الحكم لصالح اليمن ووحدته وأمنه‬ ‫واستقراره‪ :‬وهذا ما مل يتم‪..‬ولن يتم طواعية‪..‬لكن الثورة الشبابية الشعبية أوجدت مناخا‬ ‫جديدا جعلت هذا األمر ممكنا من خالل مؤمتر الحوار الوطني القادم‪..‬مع مالحظة أن املمكن‬ ‫ال يتحول إىل واقع من تلقاء نفسه ما مل تكن هناك قوى اجتامعية وسياسية تعمل بجدية واعية‬ ‫عىل تحويله‪.‬‬

‫‪ - 3‬القضاء عىل الجنوب كمرشوع سيايس وطني يهدد «حقها التاريخي» املزعوم يف‬ ‫الحكم‪ :‬وذلك من خالل متزيقه لصالح املايض السالطيني أو احتالله بالقوة العسكرية وضمه‬ ‫إىل نظام الشامل‪..‬وهذا هو الخيار الذي استقرت عليه وحكم كل تفاصيل عالقاتها بالجنوب رغم‬ ‫صعوبته بالنظر إىل النظام الدويل الذي يجرم مثل هذا الفعل‪..‬لكن هذا الخيار العصبوي تقاطع‬ ‫مع إرادة إقليمية قوية ظلت تغذيه ومتوله طوال سنوات الحرب الباردة األمر الذي دفع الجنوب‬ ‫إىل مضاعفة االهتامم بجاهزيته العسكرية واألمنية‪..‬وهذا الخيار الثالث هو طرف الخيط الذي‬ ‫إذا أمسكنا به نستطيع أن نتعرف عىل جوهر القضية الجنوبية‪.‬‬

‫أول محاولة الحتالل الجنوب كانت حرب ‪ 1972‬التي عارضها القايض اإلرياين يف رسالة‬ ‫خطية غري معلنة إىل كبار قادة الجيش نرشها مؤخرا محمد عبد الله اإلرياين يف مذكراته‪..‬الرسالة‬ ‫فضحت طبيعة تلك الحرب وأهدافها واألجندة التي حركتها‪..‬وقد عارض القايض اإلرياين حرب‬ ‫‪ 1972‬رغم عدائه للنظام السيايس يف الجنوب‪..‬لكنه عداء السيايس املثقف الذي ال ميارس عداواته‬ ‫عىل نحو أرعن‪..‬وقد ظل اإلرياين يدفع مثن ذلك املوقف إىل أن أطاح به شيوخ القبائل يف يونيو‬ ‫‪48‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ 1974‬بتهمة الرتاخي يف مكافحة الشيوعية‪..‬لكنهم صدموا عندما اكتشفوا أن خلفه إبراهيم‬ ‫الحمدي اختار لنفسه نهجا وطنيا يضع اليمن شامله وجنوبه فوق العصبيات‪..‬لذلك تآمروا عليه‬ ‫إىل أن قتل بالطريقة التي أصبحت مكشوفة لكل اليمنيني‪..‬وقد دفع أحمد حسني الغشمي مثن‬ ‫ترتيبه ملرسح الجرمية وتوفري رشوط نجاحها والتغطية عليها بفرتة رئاسية مل يدر بخلده أنها‬ ‫ستكون قصرية‪..‬وعندما وقع اإلنفجار الكبري يف مبنى القيادة العامة كان القرار اإلقليمي قد رسا‬ ‫عىل الرائد عيل عبد الله صالح الذي حرص منذ أول أيامه أن يثبت ملن جاء به ولشيوخ القبائل‬ ‫أنه الرجل املؤهل لطي ملف الحمدي ومحوه من ذاكرة الناس‪..‬ومعنى ذلك أن صالح جاء إىل‬ ‫السلطة لتكريس حالة الالدولة وإدارة البالد بعقلية رئيس عصابة‪..‬والنتيجة املنطقية إلدارة من‬ ‫هذا النوع هي حادثة جامع النهدين التي طالت آخر وأقوى مربعاته األمنية دون أن ميلك دليال‬ ‫مقنعا واحدا عىل من يتهمهم بتدبري الحادثة‪.‬‬ ‫إستهل عيل صالح عهده بقرع طبول الحرب مع الجنوب‪..‬لكن ما أن دوت أصوات املدافع‬ ‫حتى أعلنت الرياض حالة االستنفار واستدعت االحتياطي العام ومثل هذا تقريبا حدث يف عراق‬ ‫صدام ومرص السادات‪..‬الكل أعلن أنه مع صنعاء يف عدم جواز فرض الوحدة عليها بالقوة‪..‬‬ ‫واتخذت الجامعة العربية حزمة عقوبات ضد دولة جمهورية اليمن الدميقراطية الشعبية التي‬ ‫توغل جيشها خالل ساعات يف مساحات واسعة من أرايض الشامل ووصل إىل مشارف ذمار‪..‬‬ ‫واملعروف أن حرب ‪ 1979‬آلت إىل إبرام إتفاقية الكويت وتشكيل لجنة مشرتكة لصياغة مرشوع‬ ‫دستور لدولة الوحدة‪..‬عىل أن يوقع عليه رئيسا الشطرين كام هو دون تعديل فور انتهاء اللجنة‬ ‫من صياغته‪..‬واعتربت االتفاقية توقيعهام عليه إعالنا للوحدة ملزما للدخول مبارشة يف ترتيباتها‬ ‫التنفيذية‪.‬‬ ‫إنتهت اللجنة من صياغة مرشوع الدستور عام ‪ 1981‬لكن التوقيع عليه مل يتم إال يف‬ ‫‪ 30‬نوفمرب ‪..1989‬وبني هذين العامني فاصل زمني كبري مل نجد تفسريا موثقا له إال يف حديث‬ ‫مطول أدىل به عيل عبد الله صالح لنجيب رياض الريس ونرش يف كتاب «رياح الجنوب» الصادر‬ ‫عام ‪ 1998‬أي بعد حرب ‪ 1994‬بأربع سنوات كان صالح خاللها مهووسا بنشوة النرص معتقدا‬ ‫أنه الصقر السبئي الذي أوقع الجنوب يف فخ الوحدة وحوله من رشيك بإرادته إىل ملحق بغري‬ ‫إرادته‪..‬قال صالح لرياض الريس ما معناه‪»:‬إن قيادة الجنوب جاءت إىل الكويت وهي منتشية‬ ‫بنرصها العسكري وتريد أن تحقق الوحدة معنا من موقع القوي لكن اإلخوة يف القيادة نصحوين‬ ‫أن ال أترسع يف الذهاب إىل الوحدة حتى نرتب أوضاعنا»‪.‬‬ ‫ال يحتاج املرء إىل ذكاء خاص يك يفهم أن الوحدة بالنسبة للنظام العصبوي يف الشامل هي‬ ‫املعنى املرادف للحرب وأن تفوق نظام الشامل عىل نظام الجنوب يجب أن يتمثل يف الجيش‬ ‫‪49‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫وليس يف مرشوع سيايس وطني من أجل الوحدة‪..‬فاألوضاع املراد ترتيبها هي األوضاع العسكرية‬ ‫أوال ولها بعد ذلك ما يليها يف األهمية‪..‬وتحت مربر إعادة بناء الجيش متكن صالح من سنحنته‬ ‫برسعة قياسية وحوله إىل إقطاعيات كبرية تستنزف معظم الدخل القومي للبالد وتراكم ثروات‬ ‫مهولة بطرق غري مرشوعة وجاهزة للوقوف ضد أية إصالحات متس مصالحها‪..‬وقد شكل قادة‬ ‫الجيش املنتمون إىل ثالث أو أربع قرى يف سنحان مجلس الحكم الفعيل يف الجمهورية العربية‬ ‫اليمنية الذي يتخذ القرارات الهامة قبل إخراجها عرب األقنية الرسمية الشكلية‪..‬وكان العداء‬ ‫للجنوب كمرشوع سيايس مغاير يوحد هذا املجلس مع بقية األطراف التي شكلت تحالفات‬ ‫النظام ويف املقدمة كبار شيوخ القبائل وكبار رجال الدين وكبار ممثيل البريوقراطية يف الجهاز‬ ‫املدين للدولة‪.‬‬ ‫باستثناء الخالف عىل مناطق تنقيب النفط بني مأرب وشبوة بدت العالقة بني عيل نارص‬ ‫وعيل صالح جيدة وعىل نحو خاص بعد قمة تعز عام ‪..1982‬فبعد هذا التاريخ انسحبت الجبهة‬ ‫الوطنية الدميقراطية من املناطق الوسطى ومتكن جهاز األمن السيايس من توجيه ظربات موجعة‬ ‫ملنظامت الحزب االشرتايك «الوحدة الشعبية» يف صنعاء واملدن الرئيسية واألرياف وزج باملئات‬ ‫من كوادره إىل املعتقالت حيث تعرضوا لشتى صنوف التعذيب الجسدي والنفيس ولقي بعضهم‬ ‫حتفه يف غياهب السجون وشاعت أجواء الخوف والرعب يف البالد‪..‬ويف املقابل شاعت حالة من‬ ‫الزهو واإلنتشاء داخل نظام عيل صالح وأسهب إعالمه يف الحديث عن انتصارات « قائد املسرية‬ ‫«‪..‬ومل يدر بخلد أحد حينها أن عدن كانت عىل موعد مع أحداث يناير ‪ 1986‬التي أحدثت رشخا‬ ‫كبريا يف الوحدة الوطنية للجنوب‪.‬‬ ‫كانت أحداث يناير عيد األعياد بالنسبة ألطراف تحالف نظام عيل صالح العصبوي‪..‬وكانوا‬ ‫يتوقعونها قبل أن تقع‪..‬بل وينتظرون لحظة االنفجار باليوم والساعة ويتأهبون لدخول عدن‪..‬‬ ‫ويؤكد الشيخ عبدالله بن حسني األحمر يف مذكراته (ص ‪ ) 242‬أن التدخل أثناء أحداث يناير كان‬ ‫فرصة فوتها تذبذب موقف عيل نارص محمد الذي « كان يطلب منا عدم القيام بأي تدخل أو‬ ‫تحرك وعدم اإلفصاح عن أي حوار بيننا وبينه «‪.‬‬ ‫ال أحد يستطيع أن يؤكد أو ينفي ما ورد يف مذكرات الشيخ بشأن عيل نارص سوى عيل‬ ‫نارص نفسه‪..‬لكن املذكرات تكشف بجالء عن ذهنية سياسية عصبوية إزاء الجنوب أرادت أن مترر‬ ‫نفسها تحت شعار الوحدة واإلنقاذ‪..‬فهي – املذكرات ‪ -‬توحي للقارئ بأنه كان متفقا مع عىل‬ ‫عيل نارص أن يعلن من موقعه كرئيس رشعي للجنوب الوحدة مع الشامل مبجرد انفجار املوقف‬ ‫داخل عدن ويطلب تدخله فورا إلنقاذ املدينة من الدمار وسكانها من املوت‪..‬وبحسب الشيخ‬ ‫‪50‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫فإن التدخل تحت راية الوحدة املعلنة رسميا من عدن كان سريبك السوفييت ولن ميكنهم من‬ ‫االعرتاض عليه‪..‬والسؤال الذي يطرح نفسه يف هذا السياق‪ :‬هل يوجد إنسان عاقل عىل كوكب‬ ‫األرض يقبل بهذا النهج املغامر لتحقيق وحدة بني دولتني تفصل بينهام قرون من التشظي؟ ثم‬ ‫ما هي الوحدة التي أريد لها أن تتحقق بهذه الطريقة؟‬ ‫من رواية الشيخ عبد الله التي ال نستطيع أن نؤكدها أو ننفيها يبدو أن عيل نارص كان‬ ‫يجاري رغبات عيل صالح إىل حدود معينة ويحاول أن يستفيد منه دون أن يثق به من الناحية‬ ‫العملية لعلمه أن الوحدة ال تتحقق بتدخل عسكري يف غامر أحداث دامية وأن ما يريده عيل‬ ‫صالح هو ابتالع الجنوب عسكريا وضمه إىل الشامل بغطاء رشعي يقدمه عيل نارص ليصبح هو‬ ‫نفسه أول ضحاياه بعد هزمية خصومه‪..‬يضاف إىل ذلك أن عيل نارص مل يكن يتوقع أنه سيخرس‬ ‫تلك املواجهات‪..‬وعىل افرتاض أنه كسبها فمن املستبعد متاما أن يذهب إىل الوحدة مع أناس‬ ‫خربهم جيدا ويعلم أن الوحدة هي آخر يشء ميكن أن يفكروا به ويخلصوا له وأن ما يريدونه‬ ‫هو ابتالع الجنوب وهظمه‪..‬ثم أن رجال يفعل ما فعله يف يناير من أجل السلطة ال ميكن أن يثق‬ ‫مبن يعلم يقينا أنهم يعتربون السلطة حقا تاريحيا لهم‪..‬لهذا السبب أدرجوا عيل نارص يف القامئة‬ ‫السوداء مبكرا واستحسنوا فكرة خروجه من اليمن عشية إعالن الوحدة عام ‪ 1990‬لكنهم جعلوا‬ ‫عيل سامل البيض يأكل الثوم نيابة عنهم‪..‬ومل يفصحوا عن موقفهم الكاره لعيل نارص إال عندما رأوا‬ ‫فرقاء يناير يتصالحون يف جمعية ردفان‪..‬هنا بدأ اإلحساس بالخطر وبدأت عملية نبش املقابر‬ ‫ونكأ الجراح خوفا من جنوب بدأ يتخلص من صدمة حرب ‪.1994‬‬ ‫كانت أحداث يناير مبثابة الزلزال الذي تصدعت بسببه الوحدة الوطنية للجنوب‪..‬ثم أن‬ ‫ميزان القوى العسكري مال بعد تلك األحداث لصالح الشامل الذي استقبل نصف جيش الجنوب‬ ‫تقريبا‪..‬وبعد األحداث عاش نظاما الشطرين حالة قطيعة رشع النظام السيايس يف الجنوب خاللها‬ ‫يف إجراء مراجعة لتجربته عربت عن نفسها من خالل برنامج اإلصالح االقتصادي والسيايس الشامل‬ ‫الذي ألقى بالالمئة كلها عىل الواحدية الحزبية وغياب الدميقراطية‪..‬وحينها بدأ الجنوب الخارج‬ ‫من ركام أحداث يناير يهيء نفسه لإلصالح وما سريتبه من تعددية حزبية وتداول سلمي للسلطة‬ ‫فضال عن تعددية اقتصادية موازية يتعايش فيها القطاع العام مع القطاعني املختلط والخاص‪.‬‬ ‫يف هذا الوقت كان الخطاب السيايس واإلعالمي يف الشامل يتحدث عن دورات عنف رضورية‬ ‫يف الجنوب وعن قبائل ماركسية غري مؤهلة للحكم والتعايش من غري رصاعات ومواجهات‪..‬وكأن‬ ‫العنف ثقافة متيز الشعب اليمني يف الجنوب عن الشعب اليمني يف الشامل‪..‬ويرتتب عىل هذا‬ ‫قول آخر مؤداه أن الجنوب غري مؤهل ألن يستمر كدولة بنظام سيايس مستقر وعليه يك ينجو‬ ‫‪51‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫من رصاعاته «الحتمية» أن يذهب إىل الوحدة كام يريدها أصحاب الحق التاريخي يف الحكم‪..‬‬ ‫وهذا قول ال يصمد أمام كثري من حقائق الرصاعات العنيفة التي شهدها الشامل‪..‬والفارق أن‬ ‫مآالت الرصاع يف الشامل أفضت إىل استحواذ عصبية واحدة عىل الدولة والسلطة واحتكارها‬ ‫للجيش واألمن دون غريها من مكونات مجتمع الشامل وعصبياته بينام قام النظام السيايس يف‬ ‫الجنوب عىل الحضور املتكافئ للمكونات والعصبيات يف الجيش واألمن ويف الحزب الحاكم ويف‬ ‫مختلف أجهزة الدولة‪..‬غري أن هذا التكافؤ تم يف ظل نظام سيايس وطني غري دميقراطي غابت‬ ‫عنه اآلليات السلمية لحل الخالفات التي ال يخلو منها بلد يف العامل‪..‬وهذا استنتاج توصلت إليه‬ ‫قيادة الحزب والدولة يف الجنوب بعد أحداث يناير ‪..1986‬ومن هذا االستنتاج جاء الربط بني‬ ‫الدميقراطية والوحدة فيام بعد‪..‬فالجنوب هو الذي حمل الدميقراطية إىل الوحدة‪..‬ومعنى ذلك‬ ‫أنه إذا حرض الجنوب يف الوحدة حرضت الدميقراطية وإذا غاب غابت‪..‬وهذا ما تؤكده خربة‬ ‫السنوات التي أعقبت حرب ‪.1994‬‬ ‫نظر النظام السيايس يف الشامل إىل اإلصالح املنشود يف الجنوب بحذر شديد ولكن غري‬ ‫معلن‪..‬ورست اسرتاتيجيته عىل تعطيل هذا اإلصالح بعصا الوحدة قبل أن يسرتد الجنوب أنفاسه‬ ‫ويستقيم عىل قدميه‪..‬ومبا أن الوحدة هي قضية مركزية يف الجنوب فإن ذهابه إليها غري مشكوك‬ ‫فيه يف حال أبدى نظام الشامل الجدية واملصداقية يف التعاطي مع هذه القضية‪.‬‬ ‫يف ‪ 30‬نوفمرب ‪ 1989‬تم االتفاق يف عدن بني عيل صالح وعيل البيض عىل إعالن دولة الوحدة‬ ‫يف ‪ 30‬نوفمرب ‪ 1990‬وفقا ملرشوع الدستور املنجز عام ‪..1981‬وكان مقررا عرضه لإلستفتاء الشعبي‬ ‫خالل الستة األشهر التالية التفاق ‪ 30‬نوفمرب ‪..1989‬ومبا أن التفاهم بني عيل البيض وعيل صالح‬ ‫كان لحظتها يف أعىل مستوياته فقد استجاب األول لرغبة الثاين بتقديم موعد إعالن الوحدة إىل‬ ‫‪ 22‬مايو ‪ 1990‬وترحيل االستفتاء عىل مرشوع الدستور إىل ما بعد هذا التاريخ‪..‬واليوم أصبح هذا‬ ‫الرتحيل مدخال للطعن برشعية إعالن الوحدة من قبل بعض مكونات الحراك الجنويب‪.‬‬ ‫كان واضحا بعد ‪ 30‬نوفمرب ‪ 1989‬أن الشعب اليمني يف الشامل والجنوب سيصوت‬ ‫ب»نعم» للدستور قبل الذهاب إىل الوحدة‪..‬لكن ال أحد يعلم ما إذا كان إعالن الوحدة سيتم أم‬ ‫ال‪..‬واألرجح من وجهة نظرنا أنه كان سيتعرث بسبب اعرتاض اإلسالميني عىل مرشوع الدستور‪..‬فقد‬ ‫كان من شأن هذا االعرتاض أن يكشف للقيادة يف الجنوب عدم أهلية النظام السيايس يف الشامل‬ ‫للوحدة السلمية ويكبح إندفاعها الوحدوي‪..‬ورمبا جرى التخلص من عيل سامل البيض بتهمة‬ ‫املغامرة مبستقبل الجنوب يف وحدة غري مدروسة مع شامل مازال جزء كبري ومؤثر من نخبه يكفر‬ ‫الدستور املتوافق عليه ويرفض ألف باء الدميقراطية‪..‬ومن غري املستبعد أن يتكرر الحدث نفسه‬ ‫‪52‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫يف الشامل لصالح عيل صالح أو ضده‪.‬‬ ‫وللهروب من هذا املأزق تفاهم العليان عىل فرض األمر الواقع والتبكري مبوعد إعالن‬ ‫دولة الوحدة وترحيل االستفتاء إىل ما بعد ‪ 22‬مايو ‪..1990‬ويف هذا التبكري كان عيل البيض رجال‬ ‫رومانسيا بسذاجة وضع بيضه كلها يف سلة عيل صالح معلقا اآلمال عىل تفاهامته الشخصية مع‬ ‫هذا الرجل‪..‬ويف املقابل كان عيل صالح إنتهازيا أراد بالذهاب املبكر أن يتجنب املواجهة مع‬ ‫اإلسالميني وأن يحافظ عىل تحالفه الوثيق معهم وأراد يف الوقت نفسه أن يتهرب من عملية‬ ‫دمج الجيش التي كان مقررا أن تتم قبل إعالن دولة الوحدة‪..‬فالرجل تعامل مع الوحدة كوسيلة‬ ‫لإليقاع بالطرف اآلخر وليس كمرشوع وطني‪.‬‬ ‫يف ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬وقع البيض لعيل صالح عىل ورقة بيضاء‪..‬ومن الصعب عىل القارئ اللبيب‬ ‫أن يتقبل هذه الحقيقة إال إذا علم أن اتفاقية الوحدة األملانية تألفت من ‪ 1200‬صفحة مقابل‬ ‫صفحة ونصف التفاقية إعالن قيام الوحدة اليمنية‪..‬وبينام كان اليمنيون يطلقون زغاريد أفراح‬ ‫إعالن قيام دولة الوحدة كان عيل صالح يضع حجر األساس لحرب ‪..1994‬تؤكد هذا رواية الشيخ‬ ‫عبد الله بن حسني األحمر يف مذكراته(ص‪ )248‬حيث يقول‪ »:‬طلب الرئيس منا بالذات مجموعة‬ ‫االتجاه اإلسالمي وأنا معهم أن نكون حزبا يكون رديفا للمؤمتر ونحن وإياكم لن نفرتق وسنكون‬ ‫كتلة واحدة ولن نختلف عليكم وسندعمكم مثلام املؤمتر‪.‬إضافة إىل أنه قال‪ :‬إن االتفاقية التي‬ ‫متت بيني وبني الحزب االشرتايك وهم ميثلون الحزب االشرتايك والدولة التي كانت يف الجنوب وأنا‬ ‫أمثل املؤمتر الشعبي والدولة التي يف الشامل وبيننا إتفاقيات ال أستطيع أمتلمل منها ويف ظل‬ ‫وجودكم كتنظيم قوي سوف ننسق معكم بحيث تتبنون مواقف معارضة ضد بعض النقاط أو‬ ‫األمور التي اتفقنا عليها مع الحزب االشرتايك وهي غري صائبة ونعرقل تنفيذها‪.‬وعىل هذا األساس‬ ‫أنشأنا التجمع اليمني لإلصالح «‪.‬‬ ‫من الخطأ جدا االعتقاد بأن التجمع اليمني لإلصالح تأسس عىل هذه الخلفية التآمرية‬ ‫الواردة يف رواية الشيخ عبد الله األحمر‪..‬فالتعددية الحزبية التي جاءت مع إعالن قيام دولة‬ ‫الوحدة كانت ستجرب اإلسالميني وبالذات اإلخوان عىل تأسيس حزب خاص بهم سواء طلب‬ ‫منهم عيل صالح ذلك أم مل يطلب‪..‬لكن رواية الشيخ عبد الله تؤكد أن التجمع اليمني لإلصالح‬ ‫عند تأسيسه يف سبتمرب عام ‪ 1990‬كان ينفذ أجندة مؤسسيه من شيوخ القبائل ورجال الدين‬ ‫املتحالفني مع عيل صالح وعىل رأسهم الشيخ عبد الله األحمر والشيخ عبد املجيد الزنداين ومل‬ ‫يكن حينها يعمل عىل تحقيق تطلعات قواعده وأنصاره التواقني إىل حياة كرمية ومستقرة وآمنة‬ ‫وإىل سالم اجتامعي دائم يف ظل الوحدة‪.‬‬ ‫‪53‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫مل يكن الشيخ عبد الله األحمر يقبل بالوحدة عىل النحو الذي سارت عليه منذ ‪30‬‬ ‫نوفمرب ‪ 1989‬وحتى ‪ 22‬مايو ‪..1990‬ففي (ص ‪ )244‬من مذكراته يقول إنه عندما عاد عيل صالح‬ ‫والوفد املرافق له من عدن بعد التوقيع عىل اتفاق ‪ 30‬نوفمرب « قلنا لهم‪ :‬ما داهاكم؟ قالوا نحن‬ ‫وضعناهم أمام أمر واقع فاملبادرة جاءت من الرئيس فوضعهم يف ورطة‪.‬إذا قالوا‪:‬ال فالجامهري‬ ‫محتشدة واملظاهرات ستندلع وسينتهون ويحرقون ونحن أوقعناهم‪.‬قلنا‪ :‬إنهم يبحثون عن‬ ‫مخرج وأنتم أنقذمتوهم!! أما الوحدة وهي مطلبنا جميعا فكانت ستأيت لكن عىل أنقاضهم‬ ‫ولصالح الشعب وليس لصالحهم!»‪..‬واملالحظ من هذا املقطع الحواري أن الوحدة التي أرادها‬ ‫الرئيس هي وحدة «التوريط واإليقاع» بالطرف اآلخر وأن الوحدة التي أرادها الشيخ هي وحدة‬ ‫«عىل أنقاض الطرف اآلخر»‪..‬ويف الحالتني الهدف واحد والوسيلة مختلفة‪.‬‬ ‫إن الشيخ الذي يلوم عيل نارص عىل عدم إعالن الوحدة يف غامر أحداث يناير الدامية هو‬ ‫نفسه الشيخ الذي يرفض اتفاق ‪ 30‬نوفمرب ‪..1989‬وال غرابة يف هذا التناقض الصارخ‪..‬فالشيخ‬ ‫يف الحالتني يترصف بوحي من حقه التاريخي املزعوم يف الحكم وليس بدافع الرغبة يف أن‬ ‫تأيت الوحدة لصالح الشعب يف الجنوب وعىل أنقاض الحزب االشرتايك‪..‬فالشيخ هنا ال ينطلق يف‬ ‫كراهيته لالشرتايك من موقف أيديولوجي أصيل وإمنا من موقف جهوي عصبوي متسرت بقشور‬ ‫األيديولوجيا‪..‬فبعد حرب ‪ 1994‬اعرتف لعيل صالح بأنه كان عىل حق وأنه كان ذكيا عندما‬ ‫حقق الوحدة مع الجنوب عىل النحو الذي تحققت به عام ‪..1990‬لقد تبني له يف ضوء النتائج‬ ‫الفعلية للحرب أنه كان أسريا ألماين إنهيار االشرتايك بينام ذهب عيل صالح مذهبا عمليا فاستدرج‬ ‫االشرتايك إىل الوحدة ثم انقلب عليه وحقق حلم املركز العصبوي يف ضم الجنوب وإلحاقه عىل‬ ‫غرار محافظات الشامل‪.‬‬ ‫أما الشيخ الزنداين ومن معه من رجال الدين فليس مبقدورهم – وهم أحياء – أن ينكروا‬ ‫بأنهم كانوا أصحاب العطاء األكرب يف استثامر الرتاث الرتاخي للرصاع بني الشطرين‪..‬لقد رفعوا‬ ‫شعار « نريد الوحدة وال نفرط باإلسالم‪ :‬نعم للوحدة ال للدستور « واعتربوا قبول الدستور تفريطا‬ ‫باإلسالم وأن املعركة بني كفر وإميان وحق وباطل‪..‬بل قالوا يف بيان وقع عليه أكرث من ‪ 400‬من‬ ‫رجال الدين إن مرشوع الدستور اشتمل عىل ما ييل‪:‬‬ ‫‪ – 1‬أغفل هوية اليمن العربية اإلسالمية‪.‬‬ ‫‪ – 2‬اإلرشاك بالله يف الحكم‪.‬‬ ‫‪ – 3‬إلغاء الدفاع عن الدين والوطن‪.‬‬ ‫‪54‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ – 4‬إلغاء فريضة الزكاة‪.‬‬ ‫‪ – 5‬إلغاء القصاص‪.‬‬ ‫‪ – 6‬إلغاء الفوارق الرشعية بني املسلم والكافر والرجل واملرأة‪.‬‬ ‫‪ – 7‬إلغاء رشوط اإلسالم فيمن يتوىل والية عامة‪.‬‬ ‫‪ – 8‬إلغاء مقومات األرسة‪.‬‬ ‫‪ – 9‬إلغاء الضامنات بحفظ األموال والدماء واألعراض‪.‬‬ ‫وقالوا‪ :‬إن املادة (‪ )33‬ترد جميع النصوص القطعية الواردة يف الكتاب والسنة؛ وتسخر من‬ ‫الحدود والقصاص عندما تصفها بالبشاعة؛ فهي تتهم رشع الله وتطعن مبارشة يف ذات الله عز‬ ‫وجل‪..‬واملعروف أن املادة (‪ )33‬كانت تنص عىل‪ »:‬ال يجوز استعامل وسائل بشعة غري إنسانية يف‬ ‫تنفيذ العقوبات وال يجوز سن قوانني تبيح ذلك»‪.‬‬ ‫ويف تلك الفرتة كان رجال الدين يرفضون رفضا قاطعا الربط بني الوحدة والدستور‪..‬‬ ‫فرفض الدستور يف نظرهم ليس رفضا للوحدة‪..‬والحقيقة أنهم مل يكونوا يرفضون الوحدة باملعنى‬ ‫العاطفي الشعبوي‪..‬لكنهم كانوا ‪ -‬وما زالوا ‪ -‬يرفضونها كمرشوع سيايس نخبوي مجسد يف دولة‬ ‫لكل مواطنيها‪..‬وهذا هو الجانب الجوهري يف القضية الجنوبية كام عرفناها يف مستهل هذه‬ ‫الورقة‪..‬واملعروف أن الزنداين ومن معه من رجال الدين كانوا األكرث حامسا لحرب ‪ 1994‬التي‬ ‫أوصلت اليمنيني إىل ما هم عليه اليوم من إنقسام بني كاره للوحدة جنوبا وخائف عليها شامال‪..‬‬ ‫وال يوجد سيايس ناضج ميكن أن يقبل بتحميل عيل عبد الله صالح وحده كامل املسئولية‪..‬فكل‬ ‫األطراف التي هيأت لحرب ‪ 1994‬وتحمست لها وبررتها ملزمة تاريخيا ووطنيا وأخالقيا باالعتذار‬ ‫عن تلك الحرب كخطوة رضورية للرشوع يف إعادة بناء الدولة والنظام السيايس عىل النحو الذي‬ ‫يجتث أسباب الحروب الداخلية ويضمن لكل اليمنيني الرشاكة يف السلطة والعدالة يف توزيع‬ ‫الرثوة‪.‬‬ ‫ويف حكمنا عىل حرب ‪ 1994‬يجب أن نلتفت إىل النتائج التي أفرزتها‪ ،‬ال إىل املقدمات التي‬ ‫بررتها‪..‬واليمنيون اختلفوا فيام يتعلق باملقدمات لكن ال يوجد بينهم اليوم من يجرؤ عىل رفع‬ ‫صوته دفاعا عن النتائج‪..‬إمنا يوجد من يلقي بالالمئة كلها عىل الطريقة التي أدار بها عيل عبد الله‬ ‫صالح البالد بعد الحرب‪..‬فاملشكلة عند هؤالء ليست يف الحرب وإمنا يف طريقة إدارة البالد بعد‬ ‫‪55‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الحرب‪..‬وهذا رأي من الصعب عىل العقل أن يتقبله إال إذا استطاع أصحابه أن يثبتوا أن طريقة‬ ‫إدارة عيل صالح للبالد قبل الحرب تختلف عن طريقة إدارته لها بعد الحرب‪..‬أما نحن فلدينا من‬ ‫الوقائع ما يكفي إلثبات أن حرب ‪ 1994‬مل تكن دفاعا عن الوحدة وإمنا دفاعا عن هذه الطريقة‬ ‫يف إدارة البالد‪..‬الطريقة التي قامت عىل اختزال الدولة يف شخص الرئيس‪..‬ومبقدور أي باحث يك‬ ‫يتأكد من ذلك أن يعود إىل املصادر التالية‪:‬‬ ‫‪ -1‬إىل موضوعات الخالف بني طريف الوحدة خالل الفرتة االنتقالية وحتى إندالع األزمة بينهام‬ ‫علنا يف أغسطس ‪.1993‬‬ ‫‪ -2‬إىل مبادرة الحزب االشرتايك يف النقاط ال(‪ )18‬التي تقدم بها ملعالجة تلك األزمة‪..‬‬ ‫‪ -3‬إىل مضامني وثيقة العهد واالتفاق‪.‬‬ ‫‪ -4‬إىل بيان فك االرتباط الذي قرأه عيل سامل البيض يف ‪ 21‬مايو ‪..1994‬‬ ‫واملعروف أن النقاط ال(‪ )18‬هي األساس الذي اعتمدت عليه لجنة حوار القوى السياسية‬ ‫يف صياغة وثيقة العهد واالتفاق التي عرفت حينها بوثيقة االجامع الوطني والتي جاءت وكأنها‬ ‫إتفاق جديد للوحدة‪..‬وللهروب من تطبيقها كان البد من إعالن البيض متمردا عىل الرشعية‬ ‫وخوض الحرب تحت شعار الوحدة‪..‬والنتيجة أن اليمنيني ضيعوا وقتا طويال امتد من عام ‪1994‬‬ ‫إىل اليوم ليكتشفوا أنهم بحاجة إىل اتفاق آخر جديد للوحدة‪..‬وهذه هي املهمة املنتصبة أمام‬ ‫مؤمتر الحوار الوطني الذي أصبح عىل األبواب‪..‬فهل سيذهبون إىل هذا املؤمتر وقد استوعبوا‬ ‫دروس املايض؟‪.‬‬ ‫كان هذا السئوال الحافز األهم الذي دفعنا إىل البحث يف الخلفية التاريخية للقضية‬ ‫الجنوبية‪..‬وعندما عدنا إىل «رؤية اإلنقاذ الوطني» التي صاغتها اللجنة التحضريية ملؤمتر التشاور‬ ‫الوطني يف سبتمرب ‪ 2009‬وجدنا أن أطراف هذا املؤمتر قد توافقت عىل رضورة املعالجة الشاملة‬ ‫والنهائية ملشاكل البالد ويف مقدمتها القضية الجنوبية بشقيها الحقوقي والسيايس‪ ،‬وأكدت عىل‬ ‫الالمركزية كقاعدة ينطلق منها لتطوير شكل الدولة ونظامها السيايس وقدمت ثالثة خيارات‬ ‫حوارية هي ‪ –1‬خيار الحكم املحيل كام ورد يف وثيقة العهد واالتفاق‪ –2 .‬خيار الفدرالية‪.‬‬ ‫‪ –3‬خيار الحكم املحيل كامل الصالحيات‪.‬‬ ‫واألرجح أن اليمنيني سريسون عىل الخيار الثاين ألن الجنوبيني لن يقبلوا بأقل من ذلك بسبب‬ ‫‪56‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫مرارات حرب ‪ 1994‬ونتائجها املأساوية‪..‬لكن اليمنيني ليسوا عىل كلمة واحدة فيام يتعلق بهذا‬ ‫الخيار حتى اآلن‪..‬فهم يف الشامل منقسمون بني قابل للفدرالية ورافض لها‪..‬القابلون يريدونها‬ ‫للتخلص من املركزية العصبوية التي استأثرت بالسلطة وصادرت الدولة وهمشتهم‪ ..‬والرافضون‬ ‫نوعان‪ :‬أقلية صغرية من أصحاب النفوذ والتأثري تنظر إىل الفيدرالية بحسابات الربح والخسارة‬ ‫وتخشاها من هذا املنطلق‪..‬وأغلبية ال نعرف حجمها تخشاها عن سوء فهم ملاهية الفدرالية‬ ‫وجوهرها‪..‬أما دعاة الفيدرالية فهم عىل مستوى اليمن منقسمون بني نخب جنوبية تريدها‬ ‫فدرالية من إقليمني وأخرى شاملية تريدها من عدة أقاليم‪..‬ويف اعتقادنا أن خيار الفدرالية من‬ ‫إقليمني لن يقدم حلوال حقيقية للمشكلة ال يف الجنوب وال يف الشامل‪..‬ولنا عدة مالحظات عليه‪:‬‬ ‫‪ – 1‬لو أن دولة الوحدة قامت عام ‪ 1990‬عىل أساس فيدرالية من إقليمني ملا كان مبقدورها‬ ‫أن تجنب اليمن حرب ‪..1994‬فالحرب كانت مبيتة ورمبا جرى تحميل الشكل الفيدرايل للدولة‬ ‫مسئولية إندالعها‪.‬‬ ‫‪ – 2‬يتحدث أصحاب هذا الخيار عىل أنه خيار إنتقايل عىل طريق فك االرتباط بواسطة استفتاء‬ ‫شعبي بعد خمس سنوات من االنتقال إىل الفيدرالية وأن الجنوب بعد ذلك سيصبح دولة‬ ‫فيدرالية من عدة أقاليم‪..‬وهنا يربز سؤال جوهري‪ :‬ملاذا يقبل هؤالء بتقسيم الجنوب إىل أقاليم‬ ‫يف إطار فيدرالية خاصة به ويرفضون ذلك يف إطار فيدرالية لكل اليمن؟ هل هم واثقون أنه ال‬ ‫يوجد يف الجنوب اليوم من يقول‪:‬أنا ميني؟‪.‬أم ألنهم مدركون سلفا أن بقاء الشامل إقليام واحدا‬ ‫سيوفر لهم عرشات الحجج لصالح النتيجة التي يريدونها من االستفتاء؟‪.‬‬ ‫‪ – 3‬ينطلق أصحاب هذا الخيار من القول بأن حرب ‪ 1994‬كانت بني الشامل والجنوب‪..‬وهذا‬ ‫قول ال ميكن اعتامده كحجة لصالح هذا الخيار‪..‬فحرب ‪ 1994‬كانت بني اتجاهني يف السياسة‬ ‫وليس بني جهتني يف الجغرافيا‪..‬والذين كسبوا الحرب واستفادوا منها هم من الشامل والجنوب‬ ‫والذين اكتووا بنارها هم أيضا من الشامل والجنوب‪..‬وبدون وزير دفاع الحرب الجنويب عبد ربه‬ ‫منصور هادي واملعسكرات الجنوبية التي معه ماكان مبقدور عيل عبد الله صالح أن يتجاوز‬ ‫الرشيجة أو عقبة مكرياس‪..‬ثم أن صوت وزير خارجية الحرب الجنويب محمد سامل باسندوة كان‬ ‫أعىل إعالميا من صوت الشاميل عبد الكريم اإلرياين‪..‬ومل يكن الجنويب طارق الفضيل أقل حامسا‬ ‫للحرب من الشاميل عبد املجيد الزنداين‪.‬‬ ‫‪ – 4‬يتحدث أصحاب هذا الخيار عن جنوب عريب وعن هوية لشعب الجنوب العريب مغايرة‬ ‫لهوية الشعب اليمني يف الشامل‪..‬لكنهم يعجزون عن صياغة خطاب ثقايف يؤكد ما يذهبون إليه‪..‬‬ ‫‪57‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫وهم يتحدثون عن الهوية املغايرة بخطاب سيايس إنفعايل شعارايت‪..‬ثم أن الجنوب العريب الذي‬ ‫يتحدثون عنه ال يشمل كل الجنوب فحرضموت واملهرة ليستا جزءا منه‪.‬‬ ‫‪ – 5‬إذا صنفنا مكونات مجتمع الشامل والجنوب باالعتامد عىل املعيار الثقايف سنجد أن أبني‬ ‫وشبوة أقرب إىل مأرب والجوف من لحج‪..‬وأن هذه األخرية أقرب إىل تعز وإب من حرضوت‪..‬‬ ‫وأن عدن حارضة مينية وليست جنوبية فقط‪.‬‬ ‫‪ – 6‬يتحدث أصحاب هذا الخيار عن تزوير لتاريخ الجنوب بدأ يف ‪ 30‬نوفمرب ‪ 1967‬من خالل‬ ‫اليمننة‪..‬وهذا زعم ليس له سند من التاريخ القديم والوسيط والحديث‪..‬فالجنوب قبل االستقالل‬ ‫كان عبارة عن فسيفساء من الكيانات السياسية‪..‬والجبهة القومية التي أسقطتها ووحدتها فعلت‬ ‫هذا بأفق ميني معلن منذ انطالق الثورة يف ‪ 14‬اكتوبر ‪ 1963‬ومل يظهر يف الجنوب حينها من‬ ‫يعرتض عىل ذلك مبا يف ذلك السالطني أنفسهم الذين لزموا الصمت وتواروا دون أن نسمع‬ ‫عنهم شيئا‪..‬واليوم بدأ بعضهم يجاهر بحقه يف استعادة السلطنة ومتزيق الجنوب إىل أشالء‪..‬‬ ‫وهم بطبيعة الحال ميتلكون املال ومبقدورهم أن يوظفوه إلحياء العصبيات القدمية من أجل‬ ‫مشاريعهم السياسية‪.‬‬ ‫‪ – 7‬إن أصحاب هذا الخيار استثمروا النتائج املخزية لحرب ‪ 1994‬ووظفوها لصناعة مزاج‬ ‫شعبوي عام يف الجنوب كاره للوحدة وينظر إىل البائع املتجول يف شوارع عدن عىل أنه محتل‬ ‫ملجرد أنه شاميل‪..‬لكن هذا املزاج عابر ومؤقت وميكن أن يتحول ‪ 180‬درجة لصالح الوحدة يف‬ ‫حال أقدم الرئيس هادي عىل اتخاذ سلسلة من القرارات التي تزيل آثار الحرب وترفع مظاملها‬ ‫عن الشعب يف الجنوب‪..‬ونحن هنا ال نجايف الحقيقة إذا قلنا بأن دعاة فك االرتباط يتمنون أن‬ ‫ال يقدم الرئيس هادي عىل إجراءات من هذا القبيل ألنهم ال يستطيعون أن يكونوا زعامء إال إذا‬ ‫ظل اإلنسان اليمني يف الجنوب مهانا بنتائج حرب ‪.1994‬‬ ‫‪ – 8‬إن فك االرتباط هو مرشوع ثأري يف مواجهة وحدة تحولت إىل مرشوع قهري‪..‬ومثلام ال‬ ‫يوجد مستقبل لوحدة قامئة عىل القهر ال يوجد أيضا مستقبل لفك ارتباط عىل قاعدة الثأر‪..‬‬ ‫فمصري حياة الشعوب ال يقرر بهذه الطريقة والكراهية ال تؤسس ملستقبل‪..‬واأليادي التي امتدت‬ ‫قذرة إىل الجنوب يف حرب ‪ 1994‬وما بعدها مل تكن يف يوم من األيام أياد نظيفة يف الشامل‪..‬ويف‬ ‫املقابل ال ميكن ملن يكرهون أهل الشامل أن يكونوا محبني ألهل الجنوب ومفيدين لهم‪ ،‬فاألخالق‬ ‫الرفيعة والقيم النبيلة ال تتجزأ‪.‬‬ ‫‪ – 9‬إن الشامليني متمسكون بالوحدة عىل املستوى العاطفي لكنهم غري مؤهلني لها عىل املستوى‬ ‫‪58‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫السيايس‪..‬وعىل افرتاض أن كل الجنوبيني يكرهون الوحدة عىل املستوى العاطفي فاملؤكد أنهم‬ ‫غري مؤهلني لفك االرتباط عىل املستوى السيايس‪..‬وعدم أهلية الشامليني للوحدة تعرب عن نفسها‬ ‫من خالل قبولهم بشعار «الوحدة أو املوت» وشعار «الوحدة فريضة إسالمية»‪..‬ويف املقابل تعرب‬ ‫عدم أهلية الجنوبيني لفك االرتباط عن نفسها من خالل إنكار مينية الجنوب وكأنه ليس من حقه‬ ‫أن يفك ارتباطه بدولة الوحدة املشوهة إال إذا تنصل من مينيته‪..‬وهذا ظرب من الجنون ال عالقة‬ ‫له بالسياسة‪.‬‬ ‫‪ – 10‬يف ‪ 21‬مايو ‪ 1994‬أعلن عيل سامل البيض فك االرتباط يف ظروف صعبة جدا ويف ظل‬ ‫تصلب الطرف اآلخر ورفضه لكل املساعي املبذولة لوقف الحرب والعودة إىل طاولة الحوار‪..‬‬ ‫ومع كل ذلك فالدولة يف بيان فك االرتباط مينية ودستورها هو دستور الجمهورية اليمنية ووثيقة‬ ‫العهد واالتفاق هي أساس بنائها والوحدة اليمنية بقيت مفتوحة للمستقبل عندما تتوفر رشوط‬ ‫موضوعية مالمئة لتحقيقها‪..‬ومعنى ذلك أن البيض مل يعلن عن فك االرتباط باليمن وبالوحدة‬ ‫وإمنا بنظام عيل صالح املدمر للوحدة‪..‬لكن إعالن البيض مل يكتب له النجاح‪..‬وقد توارى الرجل‬ ‫عن األنظار لخمسة عرش عاما مل تصدر عنه كلمة واحدة‪..‬وعندما رأى مزاجا كارها للوحدة‬ ‫قد تشكل يف الجنوب خرج إىل العلن لريكب املوجة‪..‬ونحن هنا أمام منوذج مكشوف للسيايس‬ ‫االنتهازي الذي يريد أن يجاري مزاجا عاما يعلم أن كراهيته للوحدة ليست أصيلة وإمنا هي‬ ‫كراهية مصنوعة تغذيها نخب تبحث عن مستقبل سيايس بأي مثن‪.‬‬ ‫‪ – 11‬عىل افرتاض ان اليمنيني ذهبوا إىل فدرالية من إقليمني‪ ،‬وأن مصري الجنوب سيتقرر من‬ ‫خالل االستفتاء بعد خمس سنوات‪ ،‬من يضمن أن أصحاب هذا الخيار سيقبلون بتطبيع الحياة يف‬ ‫الجنوب عىل النحو الذي ميكن الشعب هناك من الذهاب إىل االستفتاء يف ظروف طبيعية متكنه‬ ‫من املفاضلة العقالنية بني الوحدة واالنفصال؟‬ ‫‪ – 12‬ليس مبقدور الجنوب أن يذهب إىل فك االرتباط إال من بوابة الوحدة باعتباره صانعها‬ ‫ودافع ظريبتها‪..‬ومعنى ذلك أن الشعار الذي يجب عىل الجنوب أن يرفعه اآلن هو شعار‪»:‬‬ ‫الدولة مقابل الوحدة»‪..‬وعىل الشامل إن هو يريد الوحد أن يثبت مصداقيته من خالل القبول‬ ‫بالدولة‪..‬ويف هذه الحالة عىل الجنوب أن يقدم مرشوع الدولة لينتقل به من موقع الدفاع إىل‬ ‫موقع الهجوم‪..‬ومن هذا املوقع إما أن يقود الشامل إىل الدولة وإما أن يذهب إىل فك إرتباط‬ ‫آمن وسط احرتام إقليمي ودويل يعرتف له بالنضج السيايس واألهلية للعيش يف ظل دولة لكل‬ ‫مواطنيها‪.‬‬ ‫‪59‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ – 13‬إذا تشدد الجنوبيون يف الذهاب إىل فدرالية من إقليمني فسوف يتشدد الشامليون يف رفض‬ ‫االستفتاء عىل النحو الذي يريده دعاة فك االرتباط‪..‬واالستفتاء الذي ميكن القبول به بعد فرتة‬ ‫معقولة من الزمن‪ :‬هل نبقى دولة فدرالية من إقليمني أم نعيد النظر يف هذا اتقسيم؟‪.‬‬ ‫‪ – 14‬إن الشعب اليمني يف الجنوب ال يحتاج إىل فك ارتباط بعد االنتقال إىل الفدرالية‪..‬وما يحتاج‬ ‫إليه هو إمتيازات لفرتة زمنية ال تقل عن عرشين عاما تتاح للجنوبيني خاللها أن يتخلصوا من‬ ‫آثار حرب ‪ 1994‬ونتائجها وأن يحسنوا أوضاعهم املعيشية والحياتية‪..‬ويف هذا ميكن االستفادة من‬ ‫التجربة األملانية حيث أصدرت الدولة هناك قانونا مينع سكان القسم الغريب من الرشاء واملضاربة‬ ‫يف القسم الرشقي ملدة عرشين عاما يتاح خاللها للرشقيني أن ينتقلوا من امللكية االشرتاكية العامة‬ ‫إىل امللكية الخاصة وأن يكون هذا االنتقال لصالحهم دون منافسة من سكان القسم الغريب‪.‬‬ ‫‪ – 15‬ستكون مأساة اليمنيني كبرية إذا ظلوا يناقشون الوحدة واالنفصال وعيونهم عىل البرتول‪..‬‬ ‫فال الشامل سيموت جوعا إذا حصل االنفصال وال الجنوب سيصبح ماليزيا ثانية‪..‬فالرثوة الحقيقية‬ ‫هي اإلنسان إذا وجدت الدولة التي تحسن تنظيمه‪..‬ثم أن الشامل ال يخلو من الرثوات ومصادر‬ ‫الدخل املتنوعة‪..‬ومين موحد ومتنوع يف مناخه وتضاريسه ويحوز عىل طاقة برشية كافية هو‬ ‫أفضل للجنوب وللشامل من مين مجزأ‪.‬‬

‫‪60‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫يف عدم أهلية النظام السياسي يف الشمال للوحدة مع اجلنوب عام ‪1990‬‬ ‫فرضت ثورة ‪ 26‬سبتمرب ‪1962‬م عىل اليمن الشاميل حارضا جمهوريا غري مستقر بسبب‬ ‫االنقسام املجتمعي الكبري حول مرشوعية الثورة ضد نظام اإلمامة‪..‬وقد كان هذا االنقسام يف‬ ‫أساس الحرب األهلية بني الجمهوريني وامللكيني‪..‬ويف تلك الظروف كانت تلك الحرب يف جزء‬ ‫كبري منها حربا إقليمية بالوكالة بسبب الفرز الحاصل داخل مكونات النظام اإلقليمي العريب إىل‬ ‫أنظمة قومية راديكالية مناهضة لالستعامر وأخرى قطرية محافظة تدين يف نشأتها وبقائها لهذا‬ ‫االستعامر‪.‬‬ ‫وبينام كان امللكيون يشكلون كتلة ميينية واحدة كان الجمهوريون منقسمني إىل يسار‬ ‫وميني‪..‬وكانت القواسم املشرتكة بني امللكيني واليمني الجمهوري أكرث من تلك التي بني هذا األخري‬ ‫واليسار الجمهوري‪..‬لذلك كانت هناك معركة مؤجلة بني اليمني واليسار يف املعسكر الجمهوري‪..‬‬ ‫والذي أجلها هو الوجود املرصي يف اليمن من ناحية والدعم املايل والعسكري السعودي للملكيني‬ ‫من ناحية أخرى‪..‬ومن أجل الترسيع بهذه املعركة وضع اليمني الجمهوري خطة مبكرة جعل‬ ‫مفاتيح نجاحها بيد مملكة آل سعود وفتح معها قنوات اتصال مبارشة خارج األقنية الرسمية‬ ‫وبنى منطقه اإلقناعي عىل النحو التايل‪:‬‬ ‫‪ – 1‬الوجود املرصي يف اليمن يهدد أمن اململكة‪ ،‬وهو أيضا يهدد مستقبلنا السيايس يف وراثة بيت‬ ‫حميد الدين‪..‬إذن لنا مصلحة مشرتكة مع اململكة يف خروج القوات املرصية من اليمن‪.‬‬ ‫‪ – 2‬كلام طال أمد الوجود املرصي يف اليمن كلام تضاعفت قوة اليسار الجمهوري ويف صدارته‬ ‫حركة القوميني العرب ذات الروابط الفكرية والسياسية والتنظيمية مع الجبهة القومية يف‬ ‫الجنوب‪..‬ومن شأن هذا أن يرجح ميزان القوى يف صنعاء لصالح اليسار وميكنه من االستحواذ‬ ‫عىل السلطة بشكل نهايئ بعد رحيل املرصيني‪..‬وهذا ليس يف صالح اململكة التي ستجد نفسها‬ ‫مهددة بيمن موحد يحكمه القوميون ومحالف ملرص عبد النارص‪..‬إذن لنا مصلحة مشرتكة مع‬ ‫اململكة يف التخلص من القوميني وحسم مسألة السلطة يف صنعاء لصالحنا‪.‬‬ ‫‪ – 3‬الجيش املرصي لن يغادر اليمن إال إذا انتهت الحرب األهلية التي تهدد النظام الجمهوري‪..‬‬ ‫والحرب لن تنتهي إال إذا أوقفت اململكة الدعم املايل والعسكري للملكيني وسعت إىل مصالحة‬ ‫وطنية بيننا وبينهم‪..‬واملصالحة إذا متت سرتجح ميزان القوى لصالحنا يف حسم معركة االستحواذ‬ ‫‪61‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫عىل السلطة‪.‬‬ ‫‪ – 4‬اليسار يرفض فكرة املصالحة مع امللكيني بحجة الخوف عىل النظام الجمهوري‪..‬ونحن نسقط‬ ‫هذه الحجة عندما نشرتط أن تكون املصالحة مع امللكيني تحت مظلة الجمهورية والتخيل عن‬ ‫بيت حميد الدين‪.‬‬ ‫‪ – 5‬رهان اململكة عىل عودة بيت حميد الدين واإلمامة إىل اليمن هو رهان عىل جواد خارس‪..‬‬ ‫ومن مصلحة اململكة أن تشيد جسور التعاون معنا لتضمن جارا جنوبيا محالفا لها حريصا عىل‬ ‫أمنها واستقرارها‪..‬ثم أنه لن يكون مبقدورنا أن نسري دفة األمور يف البالد بدون عون اململكة الذي‬ ‫يجب أن يغنينا عن الحاجة إىل غريها من األنظمة غري مأمونة الجانب‪.‬‬ ‫بهذه الطريقة بدت مملكة آل سعود كمن كان يبحث عن سمكة صغريه فساق الله‬ ‫إليه حوتا كبريا من حيث ال يحتسب‪..‬وباملقابل أصبح لليمني الجمهوري حليفا إقليميا يعتمد‬ ‫عليه‪..‬ثم جاءت هزمية العرب أمام إرسائيل يف يونيو حزيران ‪ 1967‬لصالح هذا التحالف‪ ،‬حيث‬ ‫رشع الجيش املرصي يف اإلنسحاب من اليمن‪..‬ويف ‪ 5‬نوفمرب ‪ 1967‬نفذ اليمني الجمهوري إنقالبا‬ ‫ضد الرئيس عبدالله السالل وشكل مجلسا جمهوريا برئاسة القايض عبد الرحمن اإلرياين‪..‬لكن‬ ‫رغم هذا اإلنقالب ظل اليسار الجمهوري صاحب الحضور األقوى يف وحدات الجيش واملقاومة‬ ‫الشعبية‪..‬لذلك كان البد من حصار صنعاء‪.‬‬ ‫حارص امللكيون صنعاء من كل الجهات‪..‬وخالل سبعني يوما من الصمود واملقاومة سقط‬ ‫الحصار‪..‬لكن هل كان هدف الحصار أن تعود بيت حميد الدين لحكم اليمن؟‪.‬هذا هو االعتقاد‬ ‫السائد إىل اليوم يف كل ما كتب وما يكتب عن ملحمة السبعني يوما‪..‬أما نحن فلنا رأي مغاير‪..‬يف‬ ‫اعتقادنا أن حصار صنعاء كان من أجل إستنزاف وإنهاك اليسار الجمهوري الذي تحمل العبء‬ ‫األكرب يف الدفاع عن العاصمة وفك حصارها‪..‬وكان أيضا من أجل اختبار أهلية اليمني الجمهوري‬ ‫وجاهزيته ملنازلة اليسار‪..‬وليس من قبيل املصادفة حصول بعض املواجهات املسلحة بينهام أثناء‬ ‫الحصار وهي مواجهات غري مربرة بني طرفني يفرتض أنهام يخوضان معركة واحدة ضد عدو‬ ‫مشرتك مدعوم إقليميا(إنظر مذكرات الشيخ عبد الله األحمر ص ‪.)169‬‬ ‫إنتهى حصار صنعاء يف فرباير ‪..1968‬ويف أغسطس من العام نفسه شهدت صنعاء‬ ‫أحداثا دامية إنتهت بهزمية اليسار وترسيحه من الجيش وترشيده‪..‬وجراء هذه األحداث أصبح‬ ‫الجنوب الرسمي من غري رشيك وحدوي يف صنعاء‪..‬وأصبح التعلق بالوحدة يف صنعاء قرينة عىل‬ ‫شبهة االنتامء إىل اليسار الذي أعاد تنظيم نفسه فيام بعد يف إطار الجبهة الوطنية الدميقراطية‬ ‫‪62‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫املدعومة من عدن‪..‬ومقابل هزمية اليسار يف أغسطس ‪ 1968‬حصل اليمني الجمهوري عىل جائزة‬ ‫املصالحة التدريجية مع امللكيني الذين أصبحوا منذ العام ‪ 1970‬حارضين يف املجلس الجمهوري‬ ‫ومجلس الشورى والحكومة والسلطة املحلية والقضاء والسلك الدبلومايس‪.‬‬ ‫معروف أنه عندما حصل الجنوب عىل االستقالل يف ‪ 30‬نوفمرب ‪ 1967‬كان الشامل يعيش‬ ‫حربا أهلية حقيقية بني الجمهوريني وامللكيني وكانت صنعاء محارصة من كل الجهات‪..‬ومع‬ ‫ذلك كان االعرتاف بدولة مستقلة يف الجنوب محل معارضة شديدة من قبل بعض رموز اليمني‬ ‫الجمهوري الذي أنكر عىل الجبهة القومية هذا الحق‪..‬غري أن القايض اإلرياين كان صاحب رأي‬ ‫مغاير رجح أفضلية االعرتاف‪..‬وما هو جدير باإلشارة هنا أن اعرتاض رموز اليمني الجمهوري عىل‬ ‫االعرتاف بدولة مستقلة يف الجنوب مل يكن بسبب الفائض الوحدوي عندهم وإمنا ألن سلطة‬ ‫الدولة املستقلة آلت إىل الجبهة القومية غري املرغوبة سعوديا ال إىل السالطني واملستوزرين‬ ‫أصحاب إتحاد الجنوب العريب‪..‬وموقف اليمني الجمهوري املناوئ للجبهة القومية يعود إىل فرتة‬ ‫الكفاح املسلح ضد االستعامر الربيطاين‪..‬فاليمني كان يعارض دعمها بالسالح األمر الذي جعل‬ ‫هذا الدعم يأخذ طابعا رسيا وتحديدا بعد اختالف الجبهة القومية مع قيادة الجيش املرصي يف‬ ‫اليمن‪..‬والحديث بإطالق عن الدعم الذي قدمته ثورة ‪ 26‬سبتمرب لثورة ‪ 14‬أكتوبر يتسرت عىل‬ ‫هذه الحقيقة‪..‬والرموز التي وقفت ضد الدعم بالسالح واعرتضت عىل االعرتاف هي نفسها التي‬ ‫أشعلت حرب سبتمرب ‪ 1972‬بني شطري البالد رغم معارضة القايض اإلرياين للحرب‪..‬وإذا كانت‬ ‫تلك الحرب قد آلت إىل توقيع اتفاقية الوحدة بالقاهرة يف أكتوبر ‪ 1972‬فإن محسن العيني دفع‬ ‫برسعة مثن التوقيع عىل تلك االتفاقية مع عيل نارص محمد وفيام بعد دفع القايض اإلرياين مثن‬ ‫الدفاع عنها (مذكرات الشيخ عبد الله األحمر ص ‪.)206 - 205‬‬ ‫لقد فقد النظام السيايس يف الشامل أهليته الكاملة للوحدة مع الجنوب منذ أحداث‬ ‫أغسطس ‪..1968‬فعقب تلك األحداث أصبحت النخبة السياسية الحاكمة يف الجنوب بدون رشكاء‬ ‫وحدويني يف الشامل الرسمي‪..‬ومع إبراهيم الحمدي بدأ الشامل الرسمي يعيد تأهيل نفسه‬ ‫وحدويا عىل كل املستويات‪..‬ويف عهده تلقى تالميذ املدارس يف الشامل والجنوب دروسا موحدة‬ ‫يف التاريخ والرتبية الوطنية‪..‬لكن الحمدي دفع مثن هذا التوجه وذبح بطريقة باتت معروفة‬ ‫ملعظم اليمنيني‪..‬أما أحمد حسني الغشمي فقد كان رئيسا عابرا ريثام يعاد ترتيب أوراق النظام‬ ‫عىل النحو الذي ال يسمح بتكرار ظاهرة الحمدي‪..‬وعندما جاء عيل عبد الله صالح إىل السلطة‬ ‫يف يوليو ‪ 1978‬حرص منذ أيامه األوىل يف الحكم أن يثبت ملن جاء به أنه مل ولن يكون إبراهيم‬ ‫الحمدي‪..‬ومبا أن الوحدة تحققت يف عهد الرئيس صالح فسوف نتناول هذا العهد بقدر أكرب من‬ ‫التفصيل‪.‬‬ ‫‪63‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫جاء عيل صالح إىل السلطة من فراغ سيايس شبه مطلق‪..‬فقبل ‪ 17‬يوليو ‪ 1978‬مل يكن‬ ‫هذا الرجل يتمتع بأية شعبية‪ -‬ال داخل النظام وال خارجه‪ -‬تجعل منه صاحب حضور حتى من‬ ‫الدرجة العارشة‪..‬وعىل مدى ثالثة وثالثني عاما مضت مل يستطع الخطاب السيايس واإلعالمي‬ ‫الرسمي أن يقدم تفسريا مقنعا للطريق الذي سلكه هذ الرجل من أجل الوصول إىل السلطة‪..‬‬ ‫غري أن مالبسات هذا الحدث خرجت بالتدريج إىل دائرة الضوء وتبني أنه وصل إىل رئاسة البالد‬ ‫بإرادة سعودية قوية لها نفوذ كبري يف اليمن الشاميل الذي كان حينها يعيش حالة إنكشاف أمني‬ ‫وعسكري وسيايس تام عىل الرياض (مذكرات الشيخ عبد الله ص ‪..)227 - 226‬وقد اتكأ عيل‬ ‫صالح عىل هذه اإلرادة يف فرض نفسه عىل مراكز القوى والتأثري‪ ،‬التي مل تكن هي األخرى متحررة‬ ‫من النفوذ السعودي‪ ،‬أو عىل األقل يستحيل عليها أن تضمن إستقرار النظام ورمبا بقاءه‪ ،‬من غري‬ ‫دعم الرياض‪..‬ولهذا تعاملت مع رئاسة عيل عبد الله صالح كأمر واقع وتركت للزمن أن يحدد‬ ‫نوع عالقاتها املستقبلية معه‪.‬‬ ‫ومن جانبه مل يكن عيل صالح حينها يحوز عىل الخربة واملعرفة التي تؤهله إلدارة شئون‬ ‫الدولة‪..‬كام مل يكن صاحب مرشوع يربر وصوله إىل السلطة ويؤسس عليه رشعية إنجاز تضفي‬ ‫املقبولية الشعبية عىل نظامه‪..‬فالسلطة بالنسبة له كانت طموحا شخصيا‪ ،‬وغاية مطلوبة لذلتها‪..‬‬ ‫وكان تفكريه منذ البداية منصبا عىل تأمني بقائه من غري تهديد‪..‬وهاتان نقطتا ضعف مفصليتان‬ ‫حتمتا عليه منذ بداية عهده بالحكم أن يسرتيض مراكز القوى وأهل النفوذ والتأثري ومجموعات‬ ‫الحكم عموما‪ ،‬فأرىس العالقة بينه وبني هؤالء عىل مبدأ توافقي مضمر – ورمبا رصيح ‪ -‬قائم عىل‬ ‫اعتبار الدولة «غنيمة مشرتكة ملراكز القوى يف النظام»‪.‬‬ ‫والجدير باملالحظة هنا أن مجيئ عيل صالح املفاجئ إىل السلطة مل يكن إنقالبا عىل‬ ‫النظام السيايس وإمنا كان للمحافظة عليه بأركانه وشخوصه وتوجهاته السياسية واأليديولوجية‬ ‫وتحالفاته اإلقليمية والدولية‪..‬فهو جاء ليكون رشيكا آلخرين مؤمتنا من الدولة الراعية ال كبديل‬ ‫لغريه‪..‬ولهذا مل يأت بطاقم خاص به‪ ،‬وإمنا إعتمد يف إدارة البالد عىل الطبقة السياسية نفسها التي‬ ‫سبقته يف الحضور السيايس والجامهريي وتحقيق املكانة‪..‬فهو طارئ عليها وبحاجة إىل خرباتها‬ ‫وإىل شعبيتها‪ ،‬ومل يكن واردا من الناحية املوضوعية حينها أن يدخل مع أي من مراكز القوى يف‬ ‫خالفات ال يستطيع أن يربرها يف ضوء توجهات النظام و»ثوابته»‪..‬ومن بديهيات األشياء أن يقدم‬ ‫نفسه لها كرشيك حقيقي‪..‬وقد عرب عن رشاكته مع الجميع من خالل القبول مبا يريدون‪ -‬يف إطار‬ ‫التوجه العام للنظام داخليا وخارجيا‪ -‬ليقبل الجميع أيضا مبا يريد الرئيس يف إطار التوجه نفسه‪..‬‬ ‫وعىل قاعدة هذا التفاهم أصبحت الدولة غنيمة ألطراف ورشكاء النظام السيايس‪ ،‬وجميعهم‬ ‫معني بدوامها والحفاظ عليها كمصلحة مشرتكة أسست لتحالف وثيق فيام بينهم‪..‬وأصبح عيل‬ ‫‪64‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫صالح قطب الرحى يف هذا التحالف وقاسمه املشرتك‪..‬فهو يقبل القسمة عىل الجميع‪ ،‬والجميع ال‬ ‫يقبل القسمة إال عليه‪..‬وقد تشكل هذا التحالف من خمس دوائر هي‪ :‬دائرة كبار قادة الجيش‪،‬‬ ‫ودائرة كبار شيوخ القبائل‪ ،‬ودائرة كبار رجال الدين‪ ،‬ودائرة كبار ممثيل البريوقراطية يف الجهاز‬ ‫املدين للدولة‪ ،‬ثم دائرة بعض كبار رجال املال واألعامل‪ ،‬وبخاصة أولئك الذين راكموا ثروات‬ ‫بطرق غري مرشوعة‪.‬‬ ‫وبينام كان الكل داخل النظام يفعل ما يريد يف حدود الدور املوكل إليه إنرصف عيل صالح‬ ‫لبناء املتاريس اإلستخباراتية واألمنية والعسكرية‪ ،‬لتحصني مؤسسة الرئاسة وتعزيز دورها يف إطار‬ ‫النظام السيايس‪..‬وقد بنى تلك املتاريس إبتداء عىل قاعدة الرشاكة بني نخب النظام العسكرية‬ ‫والقبلية‪..‬ومل يكن الرئيس حينها سوى رمز هذه الرشاكة وراعيها املؤمتن املقبول من أركان النظام‬ ‫يف الداخل ومن الدولة الراعية يف اإلقليم‪.‬‬ ‫وقد ترتب عىل هذا النوع من الرشاكة املغلقة عىل أطراف النظام‪ ،‬وألول مرة‪ ،‬أن أصبح‬ ‫للفساد دولة يف اليمن‪ ،‬وتحول نافذوها إىل فاسدين يتمتعون بسلطات مادية ومعنوية واسعة ال‬ ‫رقيب عليها‪ ،‬تهمش‪ ،‬وتقيص‪ ،‬وتقمع‪ ،‬كل من ال يرىض عنها‪ ،‬أو يعارضها بأي شكل من األشكال‪..‬‬ ‫وكانت املزاوجة والخلط بني السلطة والرثوة من أبرز مظاهر دولة الفساد حيث ميزت طبقات‬ ‫الحكم نفسها بنمط حياة إستهاليك تريف يفتقر إىل الحد األدىن من العقالنية‪..‬ويف سياق املواجهة‬ ‫األيديولوجية بني صنعاء وعدن جرى تسويق هذا النمط وتربيره عىل أنه من سامت وأفضليات‬ ‫النظام الرأساميل يف مواجهة النظام اإلشرتايك‪..‬وبذلك تم تحصني الفساد‪ ،‬أيديولوجيا وسياسيا‪ ،‬ضد‬ ‫أي نقد‪ ،‬من داخل أو من خارج النظام‪ ،‬فتحول إىل ثقافة جرى تعميمها عىل مختلف مستويات‬ ‫الجهاز اإلداري للدولة‪ ،‬فشاعت فيه ظاهرة املحسوبية والرشوة واملداخيل غري املرشوعة التي‬ ‫دمرت منظومة قيم املجتمع‪..‬وأصبح املحذور الوحيد الذي يخشاه املوظف الرسمي ويرتعد منه‬ ‫هو اإلفصاح عن أي رأي سيايس مغاير قد يضعه تحت مجهر شبكة األجهزة األمنية التي أحكمت‬ ‫قبضتها عىل الخدمة املدنية والقضاء والسلك الدبلومايس‪ ،‬وتحكمت مبصائر الناس‪ ،‬وأشاعت‬ ‫ثقافة الخوف والرعب داخل أجهزة الدولة العسكرية واملدنية ويف املجتمع‪.‬‬ ‫وبسبب ثقافة الخوف هذه تأسست رشوط موضوعية للنفاق السيايس‪ ،‬فتكاثر املنافقون‬ ‫الذين وجدوا يف متلق رئيس الدولة والتغني ب»مواهبه» و»مناقبه» أقرص الطرق وأسهلها‬ ‫لإلندماج يف النظام وتحقيق مكاسب مادية ومعنوية كل حسب حجم ونوع الخدمة التي يقدمها‬ ‫للرئيس ونظامه‪..‬وكانت التنمية هي الخارس األكرب جراء النهج الذي سار عليه عيل صالح يف إدارة‬ ‫البالد‪ ..‬فمعظم املوارد ذهبت لصالح تحصني النظام ورفاه نخبه وإثرائها عىل حساب التوسع‬ ‫‪65‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الكمي والنوعي يف البنى التحتية الالزمة إلحداث تنمية حقيقية وشاملة‪.‬‬ ‫وعندما أطل عام ‪ 1990‬كان نظام عيل صالح قد أنتج شبكة مصالح واسعة وتحالفات‬ ‫متداخلة جعلت النظام السيايس يف الشامل غري مؤهل‪ ،‬ال لوحدة إندماجية‪ ،‬وال لوحدة فيدرالية‪،‬‬ ‫وال ألي مستوى من مستويات الدميقراطية‪..‬وقد شكلت تلك املصالح والتحالفات بسياجاتها‬ ‫األمنية والعسكرية والسياسية واأليديولوجية واإلدارية والقبلية حقل ألغام حقيقي تفجر برسعة‬ ‫يف طريق وحدة ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬السلمية ودميقراطيتها وقاد البالد إىل حرب صيف ‪..1994‬وبسبب‬ ‫تلك الحرب ونتائجها نشأت القضية الجنوبية كأحد مكونات املشهد السيايس املعقد يف اليمن‬ ‫اليوم‪.‬‬ ‫هذه إذن فرتة حكم عيل صالح زمن الجمهورية العربية اليمنية‪..‬الزمن الذي تأسس عىل‬ ‫تحالف خمس دوائر كل منها كان جزءا من بنية النظام السيايس لدولة الشامل‪..‬وكانت سلطة‬ ‫هذا التحالف مستحوذة عىل كل هياكل وفضاءات الدولة إبتداء من الجيش واألمن والقضاء‬ ‫والسلك الدبلومايس‪ ،‬مرورا بالخدمة املدنية والجهاز اإلداري‪ ،‬وانتهاء باإلعالم والتعليم املدريس‬ ‫والجامعي وحتى دور العبادة‪..‬مايعني أن الدولة الوطنية املفرتضة ممثلة بالجمهورية العربية‬ ‫اليمنية كانت نظاما سياسيا ألطراف هذا التحالف‪ ،‬ومل تكن دولة لكل أبناء الشامل‪..‬وألن عيل‬ ‫صالح كان شديد اإلخالص لنظام الجمهورية العربية اليمنية بتحالفاته املذكورة فقد اعتربنا الفرتة‬ ‫املمتدة من يوليو ‪ 1978‬وحتى مايو ‪ 1990‬فرتة شهر العسل بالنسبة ألطراف هذا التحالف‬ ‫وأطلقنا عليها إسم «الصيغة األفقية» لنظام عيل صالح يف مقابل «الصيغة العمودية» التي بدأت‬ ‫بعد حرب ‪..1994‬ومن أجل اكتامل صورة هذا النظام يف ذهن القارئ سنتحدث أيضا عن صيغته‬ ‫الثانية التي بدونها ال نستطيع أن نفرس أسباب تصدعه أثناء الثورة الشبابية الشعبية‪.‬‬ ‫يف ‪ 22‬مايو ‪ 1990‬توحدت دولة الشامل (الجمهورية العربية اليمنية) ودولة الجنوب‬ ‫(جمهورية اليمن الدميقراطية الشعبية) سلميا يف إطار الجمهورية اليمنية‪..‬وكانت الدميقراطية‬ ‫لصيقة بالوحدة ومرادفة لها‪..‬فالدميقراطية مل تكن ممكنة بدون الوحدة‪..‬والوحدة ال تستطيع أن‬ ‫تصمد يف حال التخيل عن الدميقراطية‪..‬وأية تشوهات تصيب الدميقراطية‪ ،‬تلقي بظاللها الكثيفة‬ ‫عىل الوحدة‪..‬ومع الوحدة أصبح عيل صالح رئيسا ملجلس رئاسة الدولة الجديدة‪..‬وكرشيك يف‬ ‫توحيد شطري اليمن إكتسب عيل صالح شعبية كبرية يف أوساط الجامهري‪..‬وعىل املستوى الرسمي‬ ‫مل يكن هناك ما يهدد بقاءه يف السلطة‪..‬فقد كان مقبوال من قبل رشكائه القدامى يف دولة الشامل‪،‬‬ ‫ومن الرشيك الجديد القادم من عدن‪..‬وكان هذا يؤهله ألن يكون شخصية جامعة توفق بني كل‬ ‫األطراف وتعزز عوامل الثقة فيام بينها لصالح الوحدة والدميقراطية‪..‬لكن الرجل مل يقرأ اللحظة‬ ‫‪66‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫التاريخية التي شكلتها الوحدة عىل هذا النحو‪..‬فقد رأى يف الدميقراطية خطرا عليه وتعامل معها‬ ‫تعامال تكتيكيا‪ ،‬وأخذ منها فقط ما يعزز مركزه ويقوي تحالفاته القدمية يف إطار الصيغة األفقية‪،‬‬ ‫لإلجهاز عىل رشيك الوحدة القادم من عدن‪..‬ومل يكن يف هذه اللحظة قد أدرك أن الدميقراطية‬ ‫ستحرره من الحاجة إىل التحالفات القدمية وستعفيه من منة أطرافها عليه‪.‬‬ ‫وبعد إنتخابات أبريل النيابية عام ‪ 1993‬بدا له أن الدميقراطية كانت عليه أكرث مام‬ ‫كانت له‪..‬فالحزب اإلشرتايك الذي قاسمه مجد الوحدة أصبح يقاسمه مجد الدميقراطية‪..‬بل إن‬ ‫النجاح اإلنتخايب الذي حققه اإلشرتايك كان مفاجئا لعيل صالح‪..‬فقد كان نجاحا متميزا من حيث‬ ‫النوع وناجام عن إختيار جمهور يعي ما يريد‪..‬وعىل املستوى الجغرايف مل يقترص هذا النجاح‬ ‫عىل الجنوب وإمنا إمتد إىل الشامل‪..‬بينام اقترص نجاح حزب عيل صالح عىل الشامل ووقفت‬ ‫وراءه عصبيات قبلية ومناطقية وتفوق كبري يف املال السيايس‪ ،‬فضال عن الفارق املهول يف عدد‬ ‫السكان‪ ،‬حيث ينتمي ‪ %80‬منهم إىل مناطق النفوذ التاريخي لنظام الشامل‪..‬وكان دور رشكاء‬ ‫الصيغة األفقية أيضا كبريا يف تحقيق ذلك النجاح‪ ،‬وبالذات حزب التجمع اليمني لإلصالح الذي‬ ‫عاضد املؤمتر الشعبي العام يف إنتخابات ‪ 1994‬النيابية‪..‬ومع كل ذلك مل يحصد حزب الرئيس‬ ‫صالح سوى ‪ %49‬من مقاعد املحافظات الشاملية أي مايعادل ‪ %41‬من إجاميل مقاعد الجمهورية‬ ‫اليمنية‪..‬بينام ذهبت بقية مقاعد الشامل لصالح التجمع اليمني لإلصالح والحزب اإلشرتايك‬ ‫وحزب البعث واألحزاب النارصية وحزب الحق واملستقلني‪..‬فالنجاح االنتخايب الذي حققته هذه‬ ‫األحزاب يف املحافظات الشاملية جاء خصام من رصيد املؤمتر الشعبي العام باعتبار املحافظات‬ ‫الشاملية معقله التاريخي‪..‬بينام حصد الحزب االشرتايك كل مقاعد املحافظات الجنوبية تقريبا‪..‬‬ ‫وعىل مستوى األصوات بدا املؤمتر الشعبي العام حزبا شامليا‪ ،‬إذ مل يكن نصيبه من أصوات‬ ‫املحافظات الجنوبية سوى ‪ %9‬من إجاميل أصواته يف عموم الجمهورية‪..‬ويف املقابل جاءت ‪%49‬‬ ‫من أصوات الحزب االشرتايك من املحافظات الشاملية مقابل ‪ %51‬من املحافظات الجنوبية‪..‬ومن‬ ‫خالل هذه األرقام تجلت بوضوح مينية الحزب االشرتايك مقابل شاملية املؤمتر الشعبي العام‪..‬‬ ‫يضاف إىل كل ذلك أن الذين صوتوا ملرشحي الحزب االشرتايك يف املحافظات الشاملية كانوا عمليا‬ ‫يصوتون للحزب بينام الذين صوتوا للمؤمتر الشعبي العام كانوا عمليا يصوتون ملرشحني من أهل‬ ‫املال والوجاهة والنفوذ بغض النظر عن الحزب الذي ترشحوا تحت يافطته‪..‬ويف معظم الحاالت‬ ‫التي خرس فيها االشرتايك دوائر املحافظات الشاملية خرسها بفارق بسيط يف عدد األصوات‪..‬‬ ‫والخسارة يف املجمل مل تكن بسبب ضعف قاعدته الجامهريية وإمنا بسبب التنسيق والتحالف‬ ‫بني املؤمتر الشعبي العام والتجمع اليمني لإلصالح‪.‬‬ ‫إن الحزب اإلشرتايك الذي قاسم عيل صالح مجد تحقيق الوحدة ومجد الدميقراطية سيقاسمه‬ ‫‪67‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫أيضا مجد التنمية والنهوض باليمن يف ظل إستقرار مفرتض بفضل الوحدة والدميقراطية‪..‬وهذا‬ ‫يعني أن هذا الحزب سيتمكن من تصحيح الصورة الذهنية التي ألصقها خصومه به يف سنوات‬ ‫الرصاع بني شطري البالد وسيستأنف حياة جديدة يف ظل الوحدة والدميقراطية ‪..‬وبدا لعيل صالح‬ ‫أن كل ذلك سيكون عىل حسابه وخصام من رصيده الشخيص‪..‬لذلك بنى سياسته تجاه الحزب‬ ‫اإلشرتايك منذ األيام األوىل للوحدة عىل إستدعاء املوروث التاريخي للرصاع بني الشطرين‪ ،‬وذهب‬ ‫يغذي الحساسيات األيديولوجية القدمية ويخلط األوراق‪ ،‬ويحدث الوقيعة بني كل األطراف‪..‬‬ ‫وترتب عىل كل ذلك أزمة سياسية مل تخل من أعامل عنف طالت العرشات من كوادر الحزب‬ ‫اإلشرتايك‪..‬وبعد إنتخابات أبريل ‪ 1993‬النيابية دفع عيل صالح البالد برسعة قياسية نحو حرب‬ ‫صيف ‪ 1994‬التي خاضها تحت شعار الدفاع عن الوحدة‪.‬‬ ‫وألن العربة يف السياسة هي يف النتائج وليس يف املقدمات‪ ،‬فقد تبني فيام بعد أن أهداف‬ ‫عيل صالح من وراء حرب ‪ 1994‬كانت شخصية‪ ،‬وأن اإلنتصار العسكري الذي تحقق تحول إىل‬ ‫هزمية سياسية لكل اليمنيني يف الشامل ويف الجنوب‪ .‬فالتشطري إنتقل من الجغرافيا إىل النفوس‪..‬‬ ‫بينام أصيبت الدميقراطية الجنينية بالشلل التام‪ ،‬وأصبح التداول السلمي للسلطة مجرد شعار ال‬ ‫أساس له يف الواقع‪.‬‬ ‫بعد حرب ‪ 1994‬إنفتح أمام عيل صالح فضاء دميغرايف جديد يف الجنوب أكسبه مصادر‬ ‫قوة جديدة أتاحت له اإلستقاللية عن حلفائه التقليديني يف إطار الصيغة األفقية للزمن األول‬ ‫والتحول إىل صيغة عمودية خالصة له ولعائلته ومسنودة بتحالفات بديلة من إبتكاره تدين له‬ ‫بالوالء مقابل إدماجها يف النظام وما يحققه لها ذلك من إمتيازات مادية ومعنوية‪..‬وشيئا فشيئا‬ ‫بدأ يحس أنه بتحالفاته الجديدة يستطيع أن يضعف أو يهمش أو يقيص أو يتخلص من رشكاء‬ ‫األمس الذين نارصوه منذ بداية عهده‪..‬وبالتوازي مع هذا النهج الجديد تجاه رشكاء األمس بدأ‬ ‫يكشف عن تطلعاته الشخصية لتوريث الحكم عرب الدميقراطية التي اختزلها يف صندوق اإلقرتاع‬ ‫بعد أن إعتقله ووضعه تحت اإلقامة الجربية‪.‬‬ ‫وبواسطة صندوق اإلقرتاع املعتقل حقق عيل صالح أغلبية برملانية مريحة عام ‪،1997‬‬ ‫وأعاد إنتاجها عام ‪..2003‬وأصبح الصندوق شعارا يحايك شعار «الوحدة أو املوت»‪..‬وبواسطة‬ ‫هذين الشعارين قدم عيل صالح نفسه عىل أنه صاحب الريادة يف الوحدة والدميقراطية‪ ،‬وكأنهام‬ ‫منة منه عىل الشعب اليمني‪..‬وبعد أن نجح يف اختزال الدميقراطية يف الصندوق‪ ،‬ذهب يرسخ‬ ‫قناعة لدى الرأي العام بأن هذا الصندوق هو الحكم يف تقرير من يحكم اليمن‪ ،‬وأن نجله أحمد‬ ‫مواطن ميني ومن حقه أن يصبح رئيسا لليمن إذا اختاره الشعب عرب الصندوق‪..‬مع أن عيل صالح‬ ‫‪68‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫يدرك أكرث من غريه أن صندوق اإلقرتاع ليس إال قميص عثامن الذي من خالله يكتسب الرشعية‬ ‫الشكلية ثم يكسبها ملن يشاء من األقارب واألعوان واألزالم الذين يحققون له مرشوعه الشخيص‪.‬‬ ‫إن إستمرار عيل صالح يف السلطة خالل الفرتة املمتدة من عام ‪ 1990‬وحتى يوم تنحيته‬ ‫يعود الفضل فيه إىل الصيغة األفقية لنظامه التي استوعبت بأشكال مختلفة كل القوى واألطراف‬ ‫التي تحالفت معه يف حرب ‪ 1994‬وأخرجت الحزب اإلشرتايك اليمني من معادلة القوة التي‬ ‫تأست عليها دولة الوحدة‪..‬لكن عيل صالح إستثمر نتائج الحرب والتف عىل الصيغة األفقية‬ ‫لصالح صيغة عمودية مغايرة خالصة له ولعائلته‪.‬‬ ‫لقد إنقلب عيل صالح أوال عىل الحزب اإلشرتايك وأخرجه بواسطة الحرب من الرشاكة يف‬ ‫دولة الوحدة وحوله إىل حزب محظور من الناحية العملية‪..‬ثم استثمر نتائج الحرب لإلنقالب‬ ‫عىل رشكاء الصيغة األفقية لصالح صيغة عمودية معدلة‪..‬ومارس إنقالبه هذا بشكل تدريجي‬ ‫كعملية قامت عىل التصفية الجسدية لبعض رموز التحالف القديم عىل ذمة حوادث مؤسفة‪،‬‬ ‫وعىل تشويه صورة البعض اآلخر داخليا وخارجيا وتحميله وحده كل أوزار نظامه السيايس‬ ‫ليتقمص هو دور الحاكم الذي كان فيام مىض مغلوبا عىل أمره‪..‬وقد أدرك حزب التجمع اليمني‬ ‫لإلصالح أبعاد هذا اإلنقالب مبكرا وانسحب من الرشاكة يف السلطة عىل نحو هادئ وعقالين‬ ‫وأصبح أكرب حزب معارض يف إطار تحالف اللقاء املشرتك‪..‬ومن باب اإلنصاف كان إنسحاب هذا‬ ‫الحزب من السلطة مساحة ضوء يف ليل حالك الظالم‪.‬‬ ‫لقد انقلب عيل صالح إذن عىل أطراف التحالف القديم – أي عىل رشكائه يف الجمهورية‬ ‫العربية اليمنية‪ -‬ال من أجل مرشوع وطني كبري‪ ،‬وإمنا من أجل مرشوع عائيل صغري‪..‬إنقلب‬ ‫عىل الصيغة األفقية‪ ،‬ال لصالح صيغة أفقية أو سع‪ ،‬وإمنا لصالح صيغة عمودية ال تتسع إال‬ ‫له ولعائلته‪..‬ومن نافلة القول إن الفرقة األوىل مدرع واىل حد ما األمن العام واألمن السيايس‬ ‫هي املتاريس العسكرية واألمنية للصيغة األفقية‪..‬بينام ذهبت الصيغة العمودية املعدلة بعد‬ ‫حرب ‪ 1994‬تؤسس لنفسها متاريس عسكرية وأمنية بديلة ممثلة بالحرس الجمهوري والحرس‬ ‫الخاص والقوات الخاصة واألمن املركزي واألمن القومي‪..‬ما يعني أن عيل صالح أقام هياكل دولته‬ ‫العائلية داخل ما كان مفرتضا أنه الدولة الوطنية التي يرأسها منذ عام ‪ ،1978‬منقلبا بذلك عىل‬ ‫هذه الدولة وعىل تحالفاتها‪..‬لقد أسس دولة عائلية خاصة داخل دولة الرشاكة القدمية وعىل‬ ‫حسابها‪..‬ونفذ إنقالبه تحت يافطة الجمهورية اليمنية التي كان قد انقلب عليها بحرب صيف‬ ‫عام ‪.1994‬‬ ‫‪69‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫وعندما رشع عيل صالح يف إقامة هياكل دولته العائلية كان من الناحية العملية يؤسس‪-‬‬ ‫ويعلم أنه يؤسس‪ -‬لرشوط أزمة عميقة يف البالد‪..‬فأطراف التحالف القديم لن تقبل أبدا بدولة‬ ‫عائلية وستقاوم هذا املرشوع‪..‬وتحسبا ألي مقاومة أو مامنعة أخذ صالح ينفق موارد البالد‬ ‫لرفع جاهزيته السياسية والعسكرية‪..‬وشيئا فشيئا تضاعفت ثقته بالقدرة عىل هزمية خصوم‬ ‫دولة العائلة يف مربع السياسة أو يف مربعات الحرب إذا احتاجت السياسة إىل مساندة البنادق‬ ‫واملدافع‪..‬وكان بحاجة فقط إىل إنتخابات برملانية يجريها برشوطه لتجديد رشعية أغلبيته املريحة‬ ‫التي ستعدل الدستور وفقا لرغباته وستقلع «عداد الرئاسة» ليفعل هو بعد ذلك ما يريد‪.‬‬ ‫كانت أحزاب املعارضة يف إطار اللقاء املشرتك مدركة ملضامني هذا املخطط‪..‬ومن أجل‬ ‫املشاركة يف اإلنتخابات إشرتطت أوال إصالح النظام السيايس وإصالح املنظومة اإلنتخابية عرب‬ ‫حوار وطني يشمل كل األطراف الفاعلة‪ -‬مبا يف ذلك الحراك الجنويب ومعارضة الخارج والحوثيني‪-‬‬ ‫ويناقش كل القضايا وعىل رأسها القضية الجنوبية وقضية صعدة‪..‬وبعد أن فشل صالح يف اختزال‬ ‫أطراف الحوار باألحزاب املمثلة يف مجلس النواب وقع مع أحزاب املشرتك عىل اتفاق فرباير ‪2009‬‬ ‫الذي مدد للربملان سنتني إضافيتني تتاح خاللهام الفرصة إلجراء الحوار الوطني الشامل والتوافق‬ ‫عىل اإلصالحات املطلوبة‪.‬‬ ‫أمىض عيل صالح هاتني السنتني يف املناورات القاتلة للوقت‪..‬ويف النهاية رمى بإتفاق فرباير‬ ‫عرض الحائط وذهب يحرض لإلنتخابات الربملانية برشوطه ليفرض عىل أحزاب املشرتك سياسة‬ ‫األمر الواقع بحجة أن اإلنتخابات إستحقاق دستوري للشعب اليمني ويجب أن تجري يف موعدها‬ ‫وأنه لن يضيع الوقت يف حوار الطرشان كام قال‪..‬وأشاع يف كل مكان أن أحزاب املشرتك ضعيفة‬ ‫وتخىش اإلحتكام إىل الشعب أمام صناديق اإلقرتع‪.‬‬ ‫قررت أحزاب املشرتك أن تقاطع اإلنتخابات وذهبت إىل جامهريها يف كل مكان ترشح‬ ‫األسباب وتكشف عن مخطط التمديد والتأبيد والتوريث الذي يريد عيل صالح أن ميرره عىل‬ ‫الشعب اليمني بواسطة إنتخابات إنفرادية ينافس فيها حزبه حزبه‪..‬وأوضحت أن عيل صالح ال‬ ‫يريد إنتخابات نزيهة وشفافة ومتكافئة تحل مشاكل البالد‪..‬وكل ما يريده هو إنتخابات متنحه‬ ‫رشعية شكلية لتمرير مرشوع التوريث‪.‬‬ ‫أعلن عيل صالح أن مقاطعة االنتخابات إنتحار سيايس محتوم ألحزاب املشرتك وتحديدا‬ ‫للتجمع اليمني لإلصالح باعتباره الحزب األقوى يف اإلئتالف املعارض‪..‬وكان هذا تهديدا مبطنا‬ ‫بأن اإلخوان املسلمني سيلقون املصري نفسه الذي لقيه اإلشرتاكيون والنارصيون من قبل‪..‬ويف هذا‬ ‫‪70‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫التهديد كان عيل صالح يعول عىل املسافة الطويلة التي قطعها قطار دولته العائلية عسكريا‬ ‫وأمنيا معتقدا أن اإلخوان املسلمني هم العقبة األخرية التي يجب اإلجهاز عليها يك يتمكن القطار‬ ‫من مواصلة السري فوق قضبان آمنة‪..‬أما ما تبقى من الهياكل العسكرية للصيغة األفقية فليس‬ ‫أمامها إال أن ترفع الراية البيضاء أو أن تسحق تحت طائلة اإلنشقاق والتمرد عىل الرشعية‪.‬‬ ‫هكذا خطط عيل صالح‪..‬غري أن متغري الثورة الشبابية الشعبية السلمية فاجأه من حيث‬ ‫ال يحتسب وأربك كل حساباته األمنية والعسكرية فألفى نفسه أمام شعب أعزل قرر أن يطرد‬ ‫صانع األزمات سلميا وأن يسقط نظامه من غري عنف‪..‬وهذه لعبة جديدة مل يتوقعها‪ ،‬وبقواعد‬ ‫جديدة مل تكن واردة يف حساباته املتكيفة عىل اللعب يف مربعات الحرب‪.‬‬ ‫لقد وضعت الثورة الشبابية الشعبية عيل صالح أمام خيارين كالهام أمر من العلقم‪ :‬إما‬ ‫أن يقبل بالسقوط السيايس ويرحل‪ ،‬وإما أن يجر البالد إىل مربع العنف ويسقط إنسانيا وأخالقيا‬ ‫ويتحول إىل مجرم حرب مالحق من قبل القضاء الدويل‪..‬وخالل أشهر الثورة استخدم عيل صالح‬ ‫كل ما تبقى لديه من أوراق وأولها ورقة العنف‪ ،‬وورقة العقاب الجامعي للشعب اليمني من‬ ‫خالل افتعال أزمة الوقود والكهرباء‪..‬لكنه مل يستطع أن يتجنب السقوط السيايس الذي بدأ‬ ‫بتجريده من كل صالحياته ونقلها إىل نائبه وفقا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية‪.‬‬ ‫والنجاح الذي إستطاع عيل صالح أن يحققه متثل يف اختزال الثورة الشبابية الشعبية إىل أزمة‬ ‫سياسية بني الصيغتني األفقية والعمودية‪..‬وهذا واضح من خالل التسوية التي اقرتحتها املبادرة‬ ‫الخليجية وآليتها التنفيذية التي دخلت قيد التطبيق يف ‪ 23‬نوفمرب من العام املايض بتوقيع عيل‬ ‫صالح عىل املبادرة الخليجية بعد أن ألفى نفسه محارصا بإرادة إقليمية ودولية تلح عىل توقيعه‬ ‫ومغادرته للحياة السياسية باعتباره أصل املشكلة وسبب رئيس يف عدم اإلستقرار‪.‬‬ ‫وهنا يجب أن نالحظ أن الصيغة العمودية التي دخلت طرفا يف التسوية قد أصبحت من‬ ‫غري عيل صالح صيغة أفقية ‪ -‬إىل حد ما‪ -‬يف مقابل صيغة أفقية أخرى‪..‬وهذا من بني أهم رشوط‬ ‫نجاح التسوية‪..‬غري أن هذه الصيغة ستظل تعاين من آثار طابعها العمودي مادام عيل صالح مرصا‬ ‫عىل الظهور يف املرسح السيايس‪ ،‬ومادام الجيش الذي بناه محتفظا بهيكليته القدمية‪.‬‬

‫‪71‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫حرب صيف ‪1994‬‬ ‫اجلهود املبذولة لوقفها‪..‬إدارتها سياسيا وإعالميا‪..‬نتائجها السياسية‪.‬‬ ‫مل تكن حرب ‪ 1994‬بني جهتني يف الجغرافيا عىل أساس شامل وجنوب‪ ،‬وإمنا كانت‬ ‫بني اتجاهني يف السياسة‪..‬ومحور الخالف بني طريف الحرب مل يكن الوحدة وإمنا دولة الوحدة‪..‬‬ ‫فالوحدة كانت قد أعلنت طوعا وسلام يف ‪ 22‬مايو ‪..1990‬أما تأسيس دولة الوحدة فهو عملية‬ ‫يفرتض أنها دشنت يوم ‪ 22‬مايو ‪ ،1990‬لكنها مل تستمر بسبب حرب ‪ 1994‬التي فرضت دولة‬ ‫الشامل ونظامها السيايس عىل اليمن كله خالفا التفاقية الوحدة التي قضت بأن ال تكون دولة‬ ‫الوحدة هي دولة الشامل أو دولة الجنوب وإمنا دولة ثالثة ذات نظام سيايس دميقراطي مغاير‬ ‫للنظامني اللذين كانا قامئني قبل الوحدة‪..‬وهي الدولة التي يبحث عنها اليمنيون حتى هذه‬ ‫الحظة‪..‬وعىل هذا األساس سنستخدم تعابري مثل «القوات الشاملية والقوات الجنوبية» «القيادة‬ ‫الشاملية والقيادة الجنوبية» و»صنعاء وعدن» عىل سبيل التجاوز ليس إال‪.‬‬ ‫أوال‪ :‬حرب صيف ‪:1994‬‬ ‫بدأت الحرب الشاملة يف ‪ 4‬مايو ‪1994‬م واستغرقت ‪ 70‬يوما‪ ،‬غري أن مؤرشات البداية‬ ‫الفعلية تعود إىل ‪ 27‬فرباير من العام نفسه عندما « قامت قوات شاملية بتدمري اللواء الخامس‬ ‫مشاة الجنويب الذي غادر الجنوب إثر هزمية الرئيس الجنويب السابق عىل نارص محمد يف أحداث‬ ‫يناير ‪1986‬م «(‪ ) 1‬ورابط منذ ذلك الوقت يف منطقة حرف سفيان ( ‪100‬كم شاميل صنعاء)‪.‬‬ ‫ويف ‪ 27‬أبريل ‪1994‬م جرى تدمري اللواء الثالث مدرع الجنويب ولواء من الفرقة األوىل‬ ‫املدرعة الشاملية يف معركة دارت بينهام عىل مساحة من األرض تعد باألمتار املربعة تعايش‬ ‫عليها أفرادهام بسالم ملدة أربع سنوات‪..‬وبحسب األرقام التي أوردتها جريدة الرشق األوسط‬ ‫عدد ( ‪ 28‬و‪ 29‬أبريل ‪ )1994‬أسفرت هذه املعركة عن تدمري(‪ )150‬دبابة و(‪ )22‬عربة مدرعة‬ ‫وحوايل (‪ )200‬قتيل و( ‪ )300‬جريح فضال عن إلحاق أرضار بحوايل ( ‪ )159‬منزال يف مدينة عمران‬ ‫‪ -1‬بشري البكر‪ ،‬حرب اليمن‪ :‬القبيلة تنترص عىل الوطن (بريوت‪:‬املؤسسة العربية للدراسات والنرش‪،‬‬ ‫‪ ،)1995‬ص ‪36‬‬

‫‪72‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫( ‪ 50‬كم شاميل صنعاء) املجاورة للوائني ‪ ..‬ورغم أن مكربات الصوت بثت نداءات بصويت الرئيس‬ ‫صالح ونائبه البيض تناشد الطرفني التوقف عن سفك الدماء‪ ،‬إال أن املعركة مل تتوقف وجرى‬ ‫إسناد اللواء الشاميل بكتائب من األمن املركزي والحرس الجمهوري أرسلت من صنعاء‪.‬‬ ‫وامللفت لالنتباه أن تلك املعركة بدأت يف وقت كانت فيه لجنة عسكرية مشرتكة مكلفة‬ ‫مبنع االحتكاك بني معسكرات الطرفني تزور هذين اللواءين وتظم يف عضويتها ضباطا أردنيني‬ ‫وعامنيني باإلضافة إىل امللحقني العسكريني األمرييك والفرنيس‪..‬ومل تستطع هذه اللجنة كام قيل‬ ‫أن تحدد بدقة من الذي أشعل فتيل املعركة‪..‬غري أنه من الصعب األخذ برواية الجانب الشاميل‬ ‫مهام بدت محكمة اإلخراج ألن اللواء الجنويب ال ميكن أن يكون البادئ يف معركة يعلم مسبقا‬ ‫أنها مذبحة محققة بالنسبة له بالنظر إىل استحالة حصوله عىل أي إمداد فضال عن أنها متت يف‬ ‫وقت كانت فيه الحرب الشاملة يف أسوأ األحوال مجرد احتامل ميكن تجنبه عىل األقل من وجهة‬ ‫نظر الجنوبيني‪.‬‬ ‫ومن بني املعسكرات الجنوبية التي انتقلت إىل الشامل بداية الوحدة كان هناك لواءان‬ ‫مشاة أحدهام يف خوالن واآلخر يف أرحب تطوقهام قوة شاملية مشابهة‪ ،‬ومثلام هو الحال مع‬ ‫اللواء املدرع الجنويب الثالث يف عمران مل يكن لتموضع هذين اللواءين يف هاتني املنطقتني أي‬ ‫قيمة عسكرية‪ ،‬ولهذا قبال أن يكونا يف حامية قبائل بكيل رشيطة عدم اشرتاكهام يف الحرب وبهذا‬ ‫القبول ضمنا ألفرادهام السالمة‪.‬‬ ‫ويف مساء ‪ 4‬مايو ‪1994‬م تفجر املوقف يف منطقة ذمار الشاملية ( ‪10‬كم جنويب صنعاء)‬ ‫ ‬ ‫حيث يعسكر لواء باصهيب املدرع الجنويب الذي تم تطويقه بقوات تفوقه عددا وعدة‪..‬ويف‬ ‫هذه اللحظة بالذات بدأت ساعة الصفر بالنسبة للقوات الجنوبية التي فقدت‪ -‬بعد تدمري لواء‬ ‫باصهيب‪ -‬كل قواتها يف الشامل‪..‬وأصبح عليها أن تفعل يف وقت متأخر ما فعلته القوات الشاملية‬ ‫يف وقت مبكر‪ ،‬أي أن تصفي القوات الشاملية يف الجنوب ثم تنقل املعركة إىل الحدود الشطرية‬ ‫السابقة يف مجهود دفاعي مينع تقدم قوات الطرف اآلخر ويرغمه عىل التسليم باستحالة الحسم‬ ‫العسكري ومن ثم العودة إىل الحلول السياسية لألزمة ‪.‬‬ ‫وباستثناء مدينة عدن مل تفلح القوات الجنوبية طيلة مراحل القتال يف تحقيق هذا‬ ‫‪73‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الهدف وخاصة يف أبني( ‪ 50‬كم رشقي عدن) رغم رضاوة املعارك التي دارت هناك بني خمسة‬ ‫ألوية جنوبية ومعسكر العاملقة الشاميل ( ‪ 4‬ألوية)‪..‬ويبدو أن هذه النتيجة ارتبطت بحقيقة‬ ‫أن» خارطة متركز القوات الشاملية يف املحافظات الجنوبية أخذت يف االعتبار منذ البداية إمكانية‬ ‫حدوث مواجهات عسكرية‪ ،‬واستعدت لها مبكرا بإقامة تحصينات دفاعية هائلة يف أماكن‬ ‫متركزها» التي أختريت بعناية يسهل معها – يف حال صمودها – أن تتلقى اإلمدادات‪..‬وهذا ما‬ ‫حصل بالفعل حيث اندفعت القوات الشاملية برسعة من الجبال نحو السهول لتحقيق االلتحام‬ ‫مع قواتها يف الجنوب وقطع الطريق عىل إمكانية نقل املعارك إىل الحدود الشطرية وبالتايل‬ ‫منازلة القوات الجنوبية داخل أراضيها‪.‬‬ ‫وقد تشكلت ساحة القتال من جبهتني األوىل يف الغرب وهدفها عدن مرورا مبحافظتي‬ ‫ ‬ ‫أبني ولحج الجنوبيتني‪..‬والثانية يف الرشق وهدفها محافظة شبوة ومنها إىل محافظتي حرضموت‬ ‫واملهرة‪..‬ويف الجبهة الغربية سارت القوات الشاملية عىل أربعة محاور أحدهام باتجاه أبني والبقية‬ ‫باتجاه عدن‪.‬أما يف الجبهة الرشقية فقد سارت عىل محور واحد إىل شبوة ومنها تفرع إىل ثالثة‬ ‫محاور باتجاه حرضموت‪..‬وبينام ساعد تعدد املحاور عىل تشتت القوات الجنوبية قليلة العدد‬ ‫استثمرت القوات الشاملية تفوقها البرشي ودفعت بأعداد هائلة من أفراد الجيش واإلسالميني‬ ‫والجهاديني واألفغان العرب ومجاميع قبلية باحثة عن غنائم‪.‬‬ ‫ومنذ بداية الحرب الشاملة شاركت القوات الجوية للطرفني يف قصف األعامق املعادية‬ ‫يف عدن وصنعاء وتعز والحديدة مستهدفة يف املقام األول املطارات‪ ،‬واستفادت القوات الجنوبية‬ ‫من تفوقها النسبي يف هذا املجال ومن تفوقها الكامل يف القوات البحرية واستطاعت توظيف‬ ‫هذه القدرات خالل املرحلة األوىل من الحرب الشاملة يف قصف القوات الشاملية املوجودة يف‬ ‫الجنوب عن طريق الجو فضال عن استخدام القوات البحرية يف كافة العمليات العسكرية القريبة‬ ‫من السواحل‪.‬‬ ‫ورغم أن القوات الشاملية احتاجت إىل حوايل أسبوعني ليك تبدأ يف تحقيق أوىل‬ ‫ ‬ ‫انتصاراتها عىل الجبهة الغربية إال أنها أشاعت منذ األيام األوىل للحرب أنها استولت عىل قاعدة‬ ‫العند االسرتاتيجية (‪ 50‬كم شاميل عدن) وأنها أصبحت عىل مشارف عدن وذلك يف محاولة للفت‬ ‫األنظار عن املعارك الضارية التي تدور يف أبني ولإليهام بأن الزحف مستمر نحو عدن التي بدت‬ ‫‪74‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫هدفا اسرتاتيجيا للقوات الشاملية‪.‬‬ ‫وإذا أمكن تقسيم الحرب إىل مراحل فيمكن القول إن املرحلة األوىل هي مرحلة تصفية‬ ‫ ‬ ‫الجيوب الداخلية وفيها أخذ الشامل زمام املبادأة ودمر القوات الجنوبية املرابطة يف الشامل‪..‬أما‬ ‫املرحلة الثانية فهي مرحلة الزحف نحو الجنوب من الرشق ومن الغرب عىل عدة محاور‪ ،‬ويف‬ ‫هذه املرحلة دارت املعارك عىل األرايض الجنوبية‪ ،‬وأخذت فيها القوات الجنوبية وضعا دفاعيا‬ ‫قويا‪ ،‬ويبدو أن القوات الشاملية تكبدت معظم خسائرها البرشية واملادية يف هذه املرحلة‬ ‫وخاصة يف املناطق املكشوفة للطريان الجنويب يف أبني وعىل الرشيط الساحيل املمتد من باب‬ ‫املندب مرورا بخرز باتجاه عدن‪..‬وقد استمرت هذه املرحلة من القتال حتى سقوط قاعدة العند‬ ‫يف ‪ 19‬مايو ‪ 1994‬لتبدأ بعد ذلك املرحلة الثالثة وهي مرحلة الزحف الفعيل نحو عدن من أربعة‬ ‫محاور واجهت القوات الشاملية مقاومة قوية يف بعضها ومحدودة يف البعض اآلخر إىل أن متكنت‬ ‫من حصار عدن التي أصبحت يف مرمى صواريخها وستتعرض فيام بعد النقطاع املاء والكهرباء‪..‬‬ ‫وقد استمرت هذه املرحلة حوايل ‪ 46‬يوما لتنتهي بسقوط عدن واملكال دون مقاومة يف ‪ 7‬يوليو‬ ‫‪1994‬م وسط دهشة معظم املراقبني واملحللني الذين استبعدوا منذ البداية إمكانية الحسم‬ ‫العسكري لألزمة ‪ .‬‬ ‫ثانيا‪ :‬الجهود التي بذلت إليقاف الحرب‪:‬‬ ‫بعد نحو عرشة أيام من بدء الحرب الشاملة قدم عيل سامل البيض مبادرة من مثاين نقاط‬ ‫نرشتها جريدة الرشق األوسط يف عدد (‪ 14‬مايو ‪ )1994‬وتضمنت ما ييل ‪:‬‬ ‫‪ - 1‬وقف الحرب فورا ‪.‬‬ ‫‪ - 2‬تشكيل حكومة إنقاذ وطني تزيل آثار الحرب‪.‬‬ ‫‪ - 3‬عدم الرتاجع عن الخيار الدميوقراطي‪.‬‬ ‫‪ - 4‬عدم الرتاجع عن تنفيذ وثيقة العهد واالتفاق‪.‬‬ ‫‪ - 5‬تخويل حكومة اإلنقاذ الوطني سلطة التحقيق مع املتسببني يف الحرب‪.‬‬ ‫‪75‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫غري أن الطرف اآلخر مل يكن يقبل بأقل من أن « يسلم البيض نفسه للعدالة « أو ألقرب‬ ‫قسم رشطة‪..‬علام بأن كل أقسام الرشطة يف الجنوب كانت مع البيض ويف الشامل كلها مع عيل‬ ‫صالح والحرب دائرة بني دولتني مل تندمجا إال عىل مستوى العلم والنشيد الوطني فقط‪.‬‬ ‫ومبا أن املجهود العسكري الشاميل مل يكن حاسام ورسيعا كام أعلن عن ذلك يف بداية‬ ‫الحرب‪ ،‬فقد استمرت املناشدات الخارجية الداعية لوقف الحرب وتحكيم العقل وعدم تعريض‬ ‫مكتسبات الشعب اليمني للدمار‪..‬غري أن هذه املناشدات مل تستطع عىل مدى شهر كامل من‬ ‫املعارك الضارية أن تفعل أكرث من ذلك‪ ،‬باستثناء املبادرة التي قامت بها مرص ودول مجلس‬ ‫التعاون الخليجي وأسفرت عن صدور قرار مجلس األمن رقم ( ‪ )924‬بتاريخ ‪ 1994 / 6/1‬الذي‬ ‫نص عىل وقف إطالق النار وحرض توريد السالح للطرفني وحثهام عىل الدخول فورا يف مفاوضات‬ ‫سياسية لحل األزمة‪ ،‬وطلب من األمني العام لألمم املتحدة إرسال بعثة تقيص حقائق إىل اليمن‪.‬‬ ‫إال أن تجاوب طريف القتال مع قرار مجلس األمن اختلف تبعا للحالة القامئة عىل‬ ‫األرض والتي كانت تشهد تدهورا مستمرا للدفاعات الجنوبية‪ ،‬ولهذا تعاملت صنعاء مع القرار‬ ‫تعامال مزدوجا‪ ،‬فهي من ناحية تعلن التزامها بالقرار‪ ،‬ومن ناحية تواصل تقدمها عىل األرض‬ ‫عىل مختلف محاور القتال يف سباق مع الزمن لفرض األمر الواقع قبل أن تبدأ مهمة مبعوث‬ ‫األمم املتحدة لتقيص الحقائق‪..‬وقد أثار تعامل صنعاء مع قرار األمم املتحدة عىل ذلك النحو‬ ‫دول مجلس التعاون الخليجي‪ -‬باستثناء قطر‪ -‬فلوحت يف بيان صادر عن الدورة (‪ )51‬للمجلس‬ ‫الوزاري الذي عقد يف مدينة « أبها» السعودية يوم الخامس من يونيو ‪1994‬م باتخاذ إجراءات‬ ‫ضد الطرف الذي مل يلتزم بقرار مجلس األمن يف إشارة واضحة إىل صنعاء‪ ،‬والنظر إىل األمر من‬ ‫زاوية أنه يتضمن واقعا انفصاليا‪ ،‬وأنه إزاء هذا األمر ال ميكن للطرفني الذين اتفقا عىل الوحدة‬ ‫التعامل يف إطارها إال بالطرق السلمية‪)2(.‬‬ ‫وعندما بدأ األخرض اإلبراهيمي مهمته يف ‪ 9‬يونيه‪ ،‬أي بعد عرشة أيام من صدور قرار‬ ‫مجلس األمن‪ ،‬كان الواقع يشهد تفوقا كبريا لقوات صنعاء مقابل تدهور شديد لدفاعات الطرف‬ ‫‪ -2‬عيل عبد القوي الغفاري ‪ ,‬الوحدة اليمنية‪ :‬الواقع واملستقبل‪( ،‬صنعاء‪:‬كتاب الثوابت‪،)1997،‬ص ‪.281‬‬

‫‪76‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫اآلخر‪..‬ويف أوضاع كهذه كان من البديهي أن متيض صنعاء يف مخططها حتى النهاية‪ ،‬ولهذا رفضت‬ ‫األفكار الداعية لوضع مراقبني‪ ،‬كام رفضت الحوار مع سامل البيض‪ ،‬وتعاملت مع مطالب إقامة‬ ‫هدنة باستخفاف شديد‪ ،‬واستمرت يف تحركاتها العسكرية ناحية حرضموت بعد اشتداد الحصار‬ ‫عىل عدن‪ ،‬وطرحت عددا من املبادرات مستحيلة التنفيذ مثل الدعوة إىل حوار مع عنارص‬ ‫غري انفصالية ملدة خمسة أيام متتالية يف صنعاء‪..‬وقد ساهم كل ذلك يف إفشال مهمة األخرض‬ ‫اإلبراهيمي الذي مل يستطع أن يحقق الحد األدىن مام تضمنه القرار الدويل‪.‬‬ ‫يف ظل هذه التطورات صدر قرار مجلس األمن رقم ( ‪ )93‬بتاريخ ‪1‬يوليو ‪ 1994‬متضمنا‬ ‫تسع فقرات شملت‪ :‬إعادة املطالبة بوقف إطالق النار فورا وبآلية مقبولة من الجانبني ؛ التعبري‬ ‫عن األمل من جراء اإلصابات التي تقع بني املدنيني يف عدن ؛ دعوة األمني العام ومبعوثه الخاص إىل‬ ‫مواصلة املحادثات تحت رعايتهام ؛ وأن الخالفات السياسية ال تحسم بالسالح ؛ وأن يقدم األمني‬ ‫العام تقريرا مرحليا عن تنفيذ القرار بأرسع ما ميكن ؛ وأن تبقى املسألة قيد النظر‪.‬‬ ‫وللمرة الثانية جاء قرار مجلس األمن خاليا من أية صيغة إلزامية‪ ،‬خاصة يف الجزئية‬ ‫الخاصة بتشكيل آلية لوقف إطالق النار‪..‬ويف اليوم التايل من صدور القرار استطاعت القوات‬ ‫الشاملية الدخول إىل عدن والسيطرة عىل نصفها يف الوقت الذي كثفت فيه من هجومها عىل‬ ‫حرضموت‪..‬وعىل هذا األساس تشكل عىل األرض واقع جديد أصبح فيه التعامل عىل أساس وجود‬ ‫طرفني متقابلني غري ذي بال‪..‬وبعد ستة أيام من صدور ذلك القرار كان قادة الجنوب قد تركوا‬ ‫عدن واملكال إىل املنايف اإلجبارية وأصبحوا هدفا يوميا لحرب معنوية طويلة عرب وسائل اإلعالم مل‬ ‫ينقذهم منها إال الحراك السلمي يف املحافظات الجنوبية الذي عرى حقيقة حرب ‪ 1994‬وكشف‬ ‫عن طبيعتها املعادية لوحدة الشعب اليمني واملنافية ألخالقه وقيمه‪.‬‬ ‫ثالثا‪ :‬اإلدارة السياسية واإلعالمية للحرب‪:‬‬ ‫مثلام أخذ التحالف الشاميل زمام املبادرة يف الجانب العسكري وتفوق يف الحرب‪،‬‬ ‫تفوق أيضا يف التخطيط والجاهزية إلدارتها سياسيا وإعالميا‪..‬فالبيض الذي رفض «ثوابت» نظام‬ ‫الجمهورية العربية اليمنية وطريقة عيل عبد الله صالح يف إدارة البالد ظهر يف الخطاب السيايس‬ ‫واإلعالمي للحرب متمردا عىل «الرشعية الدستورية» التي احتاج إسقاطها فيام بعد إىل ساحات‬ ‫للحرية والتغيري تحول معها عيل صالح من «بطل» إىل منبوذ حتى من أقرب حلفائه يف الحرب‪،‬‬ ‫‪77‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫وهذا ما مل يستوعبه عيل سامل البيض حتى اليوم‪.‬‬ ‫ومن خالل تتبع الخطاب السيايس واإلعالمي الذي اعتمده التحالف الشاميل أثناء‬ ‫الحرب الحظنا أنه ارتكز عىل مجموعة من األفكار املحورية التي مل تختلف كثريا قبل إعالن فك‬ ‫اإلرتباطفي ‪ 21‬مايو ‪ 1994‬وبعده‪..‬وهذه األفكار لخصها وزير خارجية الحرب «الجنويب» محمد‬ ‫سامل باسندوة يف عدد (‪ 17‬مايو ‪ )1994‬من جريدة الرشق األوسط كام كام ييل‪:‬‬ ‫‪ - 1‬اإلعالن برسعة وبعد ساعات من انفجار الوضع العسكري أن قوات «الرشعية» باتت عىل‬ ‫أبواب عدن وأن سقوط هذه املدينة أصبح وشيكا‪.‬‬ ‫‪ - 2‬اإلرساع إىل اإلعالن عن رفض أية وساطة عربية أو دولية‪ ،‬واعتبار األمر « مسألة داخلية»‪.‬‬ ‫‪ - 3‬رفض أية حلول سلمية وربط وقف إطالق النار بتسليم « القيادة االنفصالية» نفسها لتحاكم‬ ‫محاكمة « عادلة» أو الخروج من البالد بعد أن تلقي أسلحتها‪.‬‬ ‫‪ - 4‬رفض أي توصيف للحرب عىل أنها بني شامليني وجنوبيني والقول بأنها حرب بني « قوات‬ ‫الرشعية» وقوات «متمردة « عىل الرشعية‪.‬‬ ‫‪ - 5‬القول بأن « االنفصاليني» افتعلوا األزمة السياسية لتحقيق االنفصال سلميا‪ ،‬وعندما تعذر‬ ‫عليهم ذلك لجأوا إىل استخدام الورقة العسكرية عىل أمل حصول تدخل خارجي يطلب من كل‬ ‫جانب العودة ملواقعه قبل الوحدة‪.‬‬ ‫‪ - 6‬التأكيد عىل أن « قوات الرشعية» هي قوات كل اليمن وأنها تضم شامليني وجنوبيني وأن‬ ‫وزير الدفاع عبد ربه منصور هادي هو من محافظة أبني الجنوبية‪.‬‬ ‫وبعد إعالن فك االرتباط بيومني أصدر الرئيس صالح «عفوا عاما» ودخلت عىل الخطاب‬ ‫ ‬ ‫السابق بعض التعديالت واإلضافات وعرب عنها وزير الخارجية محمد سامل باسندوة يف ترصيح‬ ‫لجريدة الرشق األوسط (عدد ‪ 1‬يونيه ‪ )1994‬تضمن ما ييل‪:‬‬ ‫‪ - 1‬نستجيب لوقف إطالق النار فور إلغاء إعالن االنفصال‪ ،‬وإعالن» العنارص الوحدوية» يف قيادة‬ ‫‪78‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫االشرتايك االلتزام بالرشعية الدستورية‪.‬‬ ‫‪ - 2‬ال نريد فرض الوحدة بالقوة ألنها قامئة طوعا منذ أربع سنوات‪ ،‬والطرف اآلخر يريد فرض‬ ‫االنفصال بالقوة‪.‬‬ ‫‪ - 3‬نحاول فرض النظام والقانون يف أرضنا وداخل حدودنا‪.‬‬ ‫‪ - 4‬لن نتعامل إال مع العنارص غري الضالعة يف املخطط االنفصايل‪.‬‬ ‫‪ - 5‬البيض والعطاس يريدان االنفراد مبنطقة حرضموت إلقامة دولة انفصالية هناك‪.‬‬ ‫‪ - 6‬الحرب طالت ألننا مل نكن نعلم أن مجموعة الردة واالنفصال لديها من األسلحة ما اكتشفناه‬ ‫حاليا‪ ،‬ومل نكن نعلم أنها متلك من القوة العسكرية الهامة التي أطالت أمد القتال‪ ،‬وكانت تدخر‬ ‫ذلك رمبا لفرض هيمنتها عىل كامل املنطقة وليس لتهديد معارضيها يف اليمن فقط‪.‬‬ ‫‪ - 7‬نعارض بحث مجلس األمن ما يجري يف اليمن باعتباره شأنا داخليا‪ ،‬لكننا ال نستطيع منع‬ ‫مجلس األمن بحكم الوضع العاملي الجديد‪.‬‬ ‫‪ - 8‬رشحنا موقفنا لعدد من دول مجلس األمن‪..‬ثم أننا أخذنا بالدميوقراطية كام نصحنا البعض‪،‬‬ ‫فكيف ميكن أن يأتوا اآلن ليصدروا قرارا دوليا يتجاهلون فيه احرتام الرشعية الدستورية‪.‬‬ ‫وبينام اتسم خطاب القيادة الشاملية بطابع هجومي جاء خطاب القيادة الجنوبية دفاعيا‬ ‫وكأنه يعكس األوضاع التي فرضتها الحرب عىل األرض‪ ،‬لكنه رغم ذلك احتفظ بحجيته إىل اليوم‬ ‫وأصبح قاب قوسني أو أدىن من تحقيق انتصار سيايس‪ ،‬بينام مل يكن خطاب الطرف اآلخر ذا‬ ‫حجية عىل اإلطالق وإمنا كان غوغائيا يستمد قوته ال من ذاته وإمنا من قوة املجهود العسكري‪..‬‬ ‫وقبل إعالن فك االرتباط تضمن خطاب القيادة الجنوبية األفكار التالية‪ ،‬كام لخصها عضو مجلس‬ ‫الرئاسة سامل صالح محمد يف عدد (‪ 13‬مايو ‪ )1994‬من جريدة الرشق األوسط‪:‬‬ ‫‪ - 1‬نحن جزء من الرشعية ومل نأت من خارج الدولة أو السلطة‪.‬‬ ‫‪ - 2‬االنفصال مل يطرح يف يوم من األيام‪ ،‬وكل ما طرحناه هو تصحيح الخلل القائم واألزمة‬ ‫التاريخية التي تؤثر عىل مسار الوحدة اليمنية‪ ،‬فاملنظومة واآللية القامئة يف نظام الجمهورية‬ ‫‪79‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫اليمنية متخلفة وبحاجة إىل تغيري‪.‬‬ ‫‪ - 3‬مل نستطع خالل الفرتة االنتقالية توحيد املؤسسات‪ ،‬فبقي هناك نظامان وجيشان‪ ،‬ومن أجل‬ ‫إنهاء هذا الوضع البد من وجود اعرتاف متبادل‪ ،‬وهذا ما يرفضه الطرف اآلخر‪.‬‬ ‫‪ - 4‬شعرنا أن هناك التفافا عىل كل ما جاء يف اتفاقية الوحدة‪.‬‬ ‫‪ - 5‬الرصاع قائم بني عقليتني إحداهام تريد التحديث واألخرى تريد اإلبقاء عىل هيمنة وسائل‬ ‫مل تعد صالحة‪.‬‬ ‫‪ - 6‬إن من يقف موقف الدفاع ال يستطيع أن يهاجم عسكريا‪.‬‬ ‫‪ - 7‬حاولنا بقدر اإلمكان تغيري مواقع القوات بهدف إنهاء الوضع املتفجر‪ ،‬وطرحت ذلك أطراف‬ ‫عربية وأجنبية‪ ،‬ولكن الطرف اآلخر أرص عىل تنفيذ خطته التي بدأت بتدمري لواء شالل يف حرف‬ ‫سفيان يف فرباير ‪1994‬م‪.‬‬ ‫‪ - 8‬من الذي فجر منازلنا – يف صنعاء‪ -‬واغتال وزراءنا وقام بعمليات تصفية جسدية لكوادرنا؟‪.‬‬ ‫وبعد إعالن فك االرتباط يف ‪ 21‬مايو ‪ 1994‬مل يتغري خطاب القيادة الجنوبية كثريا إال من‬ ‫حيث تربير ذلك القرار‪ ،‬وقد متحورت أهم أفكاره فيام ييل‪ ،‬كام لخصها حديث عيل سامل البيض‬ ‫إىل جريدة الرشق األوسط عدد (‪ 9‬يونيه ‪:)1994‬‬ ‫‪ - 1‬الوحدة متت بقرار سيايس وانتهت بقرار الحرب ضد الجنوب‪ ،‬واملطلوب وقف القتال وخلق‬ ‫ظروف طبيعية أوال‪ ،‬ثم إجراء املفاوضات بني طرفني متساويني يف الحقوق والواجبات‪.‬‬ ‫‪ - 2‬صالح أعلن حالة الطوارئ وألغى العمل بالدستور من طرف واحد وقام بالحرب‪.‬‬ ‫‪ - 3‬الجنوب يدافع وال يهاجم‪ ،‬وما يحصل هو غزو يهدف إىل تدمري املؤسسات العسكرية واملدنية‬ ‫للجنوب ثم احتالله وفرض نظام عسكري عىل اليمن بشطريه‪.‬‬ ‫‪ - 4‬التمسك بأية جهود عربية أو دولية من شأنها وقف الحرب باملفاوضات أو بإرسال مراقبني‬ ‫أو قوات لحفظ السالم‪.‬‬ ‫‪ - 5‬رفض الضم واإللحاق الذي يتعامل مع الجنوب عىل أنه فرع التحق باألصل‪.‬‬ ‫‪80‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫رابعاً ‪ :‬النتائج السياسية التي أسفرت عنها الحرب ‪:‬‬ ‫تزامنا مع آخر طلقة يف الحرب وتحديدا يوم ‪ 7‬يوليو ‪ 1994‬بعثت حكومة الجمهورية‬ ‫اليمنية رسالة إىل األمني العام لألمم املتحدة أكدت فيها « التزامها الثابت بالنهج الدميوقراطي‪،‬‬ ‫والتعددية السياسية واحرتام حقوق اإلنسان‪ ،‬واعتزامها مواصلة الحوار الوطني يف ظل الرشعية‬ ‫الدستورية‪ ،‬والتزامها مبا جاء يف وثيقة العهد واالتفاق كأساس لبناء الدولة اليمنية الحديثة‬ ‫«‪..‬وتزامنا مع تلك الرسالة أخذ الخطاب السيايس واإلعالمي الرسمي املوجه إىل الداخل ينعت‬ ‫« وثيقة العهد واالتفاق « بأنها «وثيقة الخيانة» األمر الذي حول االنتصار العسكري إىل هزمية‬ ‫أخالقية وكشف عن افتقار املنترصين إىل أي مرشوع سيايس حقيقي يربر التضحيات الجسام التي‬ ‫تكبدتها البالد يف الحرب‪.‬‬ ‫وفيام يخص « مواصلة الحوار الوطني « الذي أشارت إلية الرسالة املذكورة ‪ ،‬مل تسجل‬ ‫ ‬ ‫سنوات ما بعد الحرب أن مثل هذا الحوار قد تم‪ ،‬وعىل العكس من ذلك ظلت قيادة املؤمتر‬ ‫الشعبي العام تترصف كمنترص وتستعرض بطوالتها العسكرية عرب التلفاز وكأنها قاتلت إرسائيل‬ ‫وحررت فلسطني‪..‬ويدل إرتفاع حاالت إيقاف الصحف املعارضة يف سنوات ما بعد الحرب عىل أن‬ ‫هذه القيادة كانت تبدي ضيقا شديدا من أي رأي مغاير ‪.‬‬ ‫أما ما يتعلق ب»الرشعية الدستورية» فقد جرى تكريسها يف املامرسة العملية عىل أنها‬ ‫ ‬ ‫رشعية «القوة» و»الغلبة» و»القهر» و»اإلذل» و»النهب»‪..‬غري أن أبرز نتائج الحرب هو تعميم‬ ‫نظام الجمهورية العربية اليمنية عىل اليمن بأكمله مع اإلبقاء عىل الوجود الشكيل ملؤسسات‬ ‫الدميوقراطية كالتعددية الحزبية والصحفية واالنتخابات‪ ،‬ولكن بعد إفراغها من محتوياتها‬ ‫الحقيقية بحيث غدت نوعا من الدميوقراطية املقيدة التي تضمن لحزب الحاكم أغلبية « مريحة‬ ‫« و «دامئة» يف الربملان‪ ،‬وتضمن للحاكم مترير مرشوع التوريث الذي أسقطته ثورة فرباير ‪2011‬‬ ‫الشبابية الشعبية‪.‬‬

‫‪81‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫القضية الجنوبية يف صحيفة األهرام القاهرية‬ ‫رؤى مبكرة‬ ‫كانت الوحدة اليمنية واألزمة السياسية التي أعقبتها وحرب ‪ 1994‬من بني أهم القضايا‬ ‫العربية التي انشغلت بها صحيفة األهرام القاهرية‪..‬وألهمية األفكار املبكرة التي وردت يف‬ ‫افتتاحيات هذه الصحيفة وأعمدة كتابها ومقاالتهم رأينا أن نضمنها هذا الكتاب‪..‬فقيمتها اليوم‬ ‫تبدو جلية عىل نحو مل يكن كذلك وقت نرشها‪ ،‬عندما كانت شعارات الحرب تصم اآلذان‪..‬‬ ‫وسوف يالحظ القارئ أن «األهرام» تنبأت بالحراك السلمي يف املحافظات الجنوبية قبل أن‬ ‫يظهر بوقت طويل‪ ،‬دون أن تطلق عليه هذه التسمية‪ ،‬وأكدت أن الجنوبيني لن يقبلوا بنتائج‬ ‫الحرب وسيقاومونها عاجال أم آجال‪ ..‬وهذا ما مل تتنبأ به عرشات الرسائل الجامعية التي ناقشها‬ ‫باحثون مينيون يف أكرث من جامعة عربية‪..‬والسبب أن بعض هؤالء الباحثني تأثر كثريا بخطاب‬ ‫الحرب ومل يكن يحوز عىل الخربة البحثية الكافية للتمييز بني الزعم والحقيقة‪..‬والبعض اآلخر‬ ‫وقع تحت إغراءات لحظة اإلنتصار العسكري فبدا له أن الكتابة عن حرب ‪ 1994‬فرصة ذهبية‬ ‫لإلستثامر السيايس وكسب ود نظام الحرب‪..‬ويف الحالتني قدمت حرب ‪ 1994‬عىل أنها نهاية‬ ‫التاريخ وملحمة وطنية تستحق التمجيد والتخليد‪..‬لكن سنوات ما بعد الحرب أثبتت أنها مل تكن‬ ‫سوى وصمة عار يف تاريخ اليمن‪.‬‬ ‫إقترص عرضنا ملا نرشته «األهرام» عىل مواد الرأى فقط ممثلة ىف اإلفتتاحيات واألعمدة الصحفية‬ ‫واملقاالت وذلك بغرض الكشف عن اآلراء واألفكار التى تكررت أكرث من غريها‪..‬ومن أجل تحقيق‬ ‫هذه الغاية قمنا بقراءة متأنية لكل مواد الرأى التى نرشتها الصحيفة داخل حيز القضايا اليمنية‬ ‫خالل كامل عقد التسعينيات (‪ 22‬مايو ‪ 22 – 1990‬مايو ‪..)2000‬وعملنا عىل حرص مختلف‬ ‫األفكار واآلراء كام وردت بصياغات منتجيها دون أن نتدخل يف التعليق عليها أو إبداء الرأي‪.‬‬ ‫وقد الحظنا أن مضامني بعض مواد الرأى تدور حول فكرة واحدة يرددها منتجها بصياغات‬ ‫مختلفة وكأنه محكوم باملساحة املخصصة له عىل صفحات الجريدة‪..‬وىف الوقت نفسه هناك‬ ‫مواد دارت مضامينها حول أكرث من فكرة داخل اإلطار العام للقضية التى يتعرض لها منتج املادة‬ ‫‪82‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪..‬وإزاء ذلك استقرينا عىل اعتامد الفكرة – وليس املوضوع ‪ -‬أساساً للتصنيف ووحدة للقياس‪.‬‬ ‫وعىل هذا االساس فإن مادة الرأى (إفتتاحية‪ ،‬عمود‪ ،‬مقال) التى بنيت عىل فكرة واحدة‬ ‫أحتسبت مرة واحدة من خالل الجملة أو الفقرة التى رأينا أنها أقدر من غريها عىل التعبري عن‬ ‫مضمون املادة‪..‬أما مادة الرأى التى بنيت عىل أكرث من فكرة فقد احتسبناها بعدد ما فيها من‬ ‫أفكار ومن ثم ظهرت ىف التحليل الكيفى ممثلة بأكرث من جملة أو فقرة‪..‬ومن شأن ذلك أن يجعل‬ ‫عدد تكرارات األفكار ىف التحليل الكيفى غري مطابق كميا لعدد مواد الرأى التي بلغت (‪)187‬‬ ‫مادة‪..‬وهذا أمر طبيعى بالنظر إىل اختالف وحدات القياس ىف الحالتني الكيفية والكمية‪.‬‬ ‫أما بالنسبة للفئات التى تم عىل أساسها جمع املعلومات وتصنيفها وتبويبها‪ ،‬فقد فرضت‬ ‫نفسها علينا ىف سياق قراءتنا ملواد الرأى‪ ،‬عىل اعتبار أن كل بحث ينحت فئاته الخاصة به‪..‬‬ ‫وعموماً كشف هذا البحث عن فئات أساسية وأخرى فرعية ظهرت ىف صحيفة األهرام القاهرية‬ ‫عىل النحو التايل ‪:‬‬ ‫الفئة األوىل‪:‬اإلشادة بالوحدة اليمنية‪)*()3(:‬‬ ‫عندما قامت الوحدة اليمنية أشادت بها «األهرام» كام ييل‪:‬‬ ‫‪ -1‬سارت أوراق الوحدة بني الجانبني سرياً هيناً كرمياً عرب مباحثات استغرقت فرتة طويلة‪) 3(.‬‬ ‫‪ -2‬استكملت الجمهورية الجديدة مؤسساتها الرئاسية والتنفيذية ونظمها الدستورية والقانونية‬ ‫واإلنتخابية وأدمج الجيشان ورفع العلم الواحد عىل سفارات الخارج‪ ..‬واستقامت البالد عىل‬ ‫طريق استحداث كل ما يهيئ للجمهورية الجديدة مقومات حياتها ىف عرص الوحدة واإلندماج‪.‬‬ ‫(‪) 4‬‬ ‫‪ -3‬كانت الوحدة اليمنية أسبق من الوحدة األملانية ومتت بهدوء وبالعقل والصدق‪ ،‬وهى قادرة‬ ‫عىل حسم مشاكلها الكثرية‪) 5 (.‬‬ ‫(*) يشري مثل هذا الرقم إىل عدد تكرارات الفكرة يف الفئة الرئيسية أو الفرعية‪.‬‬ ‫‪ -3‬رأي األهرام ‪1990/5/26 ,‬‬ ‫‪ -4‬املصدر السابق‬ ‫‪ -5‬أنيس منصور ‪ ,‬مواقف ‪1990/5/28 ,‬‬

‫‪83‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الفئة الثانية‪ :‬تفسري األزمة السياسية التي أدت إىل حرب صيف ‪)97 (:1994‬‬ ‫وعندما احتدمت األزمة السياسية بني أطراف اإلئتالف الحاكم ذهبت «األهرام» تقول‪»:‬‬ ‫بعد أقل من ثالث سنوات نرى الوحدة مهددة بشكل مل يتوقعه أحد إىل درجة أن الشعور العام‬ ‫هو أن اليمن ال يزال دولتني متصارعتني بشكل مل يكن قامئاً من قبل أن يوقع إتفاق الوحدة بينهام‬ ‫«‪) 6 (.‬‬ ‫ومن أجل تفسري األزمة ساقت «األهرام» مجموعة كبرية من األسباب أمكن تصنيفها إىل‬ ‫احدى وعرشين مجموعة (فئات فرعية) عىل النحو التايل‪:‬‬ ‫املجموعة األوىل‪ :‬القول بأن الوحدة مل تقم عىل أسس سليمة‪)14( :‬‬ ‫‪ -1‬ان الوحدة مل تنب عىل أساس واقعي متني يقوم عىل التدرج واالنتقال الطبيعي السليم‪)7(.‬‬ ‫‪ - 2‬جزء كبري من األزمة يعد نتيجة طبيعية للطريقة التي متت بها الوحدة والتي مل تراع يف جانب‬ ‫كبري منها خصوصيات كل شطر‪)8(.‬‬ ‫‪ - 3‬إن الترسع يف إعالن الوحدة دون إعداد كاف ودون وضع خطة عملية تدريجية سوف يكون‬ ‫هو السبب يف فشلها لتضاف بدورها إىل مشاريع الوحدة العربية السابقة التي سقطت يف زوايا‬ ‫التاريخ‪)9(.‬‬ ‫‪ - 4‬إن البدايات الخاطئة ال تفيض إال إىل نهايات أمعن يف الخطأ والضالل (‪)10‬‬ ‫وقد تعاقبت األفكار نفسها أيضاَ يف ظل الحرب‪:‬‬ ‫‪ - 6‬أحمد نافع ‪ :‬أزمة اليمن ورصاع الهوية ‪1993/12/17 ,‬‬ ‫‪ -7‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬اليمن والفرصة األخرية ‪1994 /1/22 ,‬‬ ‫‪ -8‬حسن أبو طالب ‪ :‬مالمح فرز سيايس جديد يف اليمن ‪1994/2/9 ,‬‬ ‫‪ -9‬سالمة أحمد سالمة‪:‬حتى ال منوت بالشعارات ‪1994/4/7 ,‬‬ ‫‪ - 10‬سالمة أحمد سالمة ‪ ,‬وحدة وبأي مثن ؟ ‪1994/2/1‬‬

‫‪84‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ - 5‬عند التحضري لتنفيذ هذا املرشوع القومي اليمنى‪ ،‬مل يراع القامئون عىل إنجاز مراحله أن‬ ‫قواعده مهتزة ‪ ،‬وأن ركائزه مخلخلة ومن ثم وضعوه يف إطار «املقامرة» عىل مصري هذه التجربة‪.‬‬ ‫(‪)11‬‬ ‫‪ - 6‬من الواضح أن العرب مل يتعلموا الكثري من الدروس القاسية التي مرت عليهم طوال تاريخهم‬ ‫الحديث وها هم يقيمون الوحدة بني أبناء الشعب الواحد يف اليمن منذ سنوات ولكنهم يعودون‬ ‫عنها‪)12(.‬‬ ‫‪ -7‬لقد تعجل الجنوبيون الوحدة وذهبوا إىل اختيار أعمق أشكالها دفعه واحدة ودون إعداد‬ ‫حقيقي جاد لها ‪ :‬وهو شكل الوحدة االندماجية‪) 13(.‬‬ ‫‪ -8‬لو كانت الوحدة قد متت بأسلوب تدريجي متصاعد‪ ،‬لكان من املمكن مواجهة الخالفات عن‬ ‫طريق إجراء بعض التعديالت يف النظم أو األساليب املتبعة يف البلدين للتقريب بني األوضاع يف‬ ‫الشطرين‪) 14(.‬‬ ‫‪ -9‬مل تنجح وحدة عربية واحدة ألنها كانت بقرارات رؤساء وليست بإرادة شعوب‪..‬مل تنجح‬ ‫وحدة عربية واحدة ألن كل الوحدات كانت تقوم عىل فكرة «اإللتهام» وليس «اإلندماج»(‪) 15‬‬ ‫‪ -10‬الوحدة جاءت شكلية مظهرية عاطفية تحكمها الشعارات الرباقة‪ ،‬أكرث مام تحكمها‬ ‫السياسات العملية والواقعية وتتحكم فيها األطامع الشخصية ‪-‬عند القمة‪ -‬لإلنفراد بالحكم يف‬ ‫دولة متسعة ذات موقع اسرتاتيجي وعمق تاريخي ومستقبل واعد أكرث مام تتحكم فيها السياسة‬ ‫الصادقة يف بناء دولة راسخة راكزة قوية ‪)16 (.‬‬

‫‪ - 11‬زكريا نيل ‪ :‬اىل أي مستقبل مجهول يتجه الشعب اليمني ‪1994/7/7 ,‬‬ ‫‪ - 12‬رأي األهرام ‪ :‬درس اليمن القايس ‪1994/5/7 ,‬‬ ‫‪ - 13‬محمد السيد سعيد ‪ :‬مفتاح الحل السيايس املمكن يف اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ - 14‬ابراهيم نافع ‪ :‬التدخل العسكري العريب مستحيل يف اليمن ‪ .‬ملاذا؟ ‪1994/5/14‬‬ ‫‪ -15‬حسن املستكاوي ‪ :‬أي وثيقة وأي عهد واتفاق ‪1994/5/17 ,‬‬ ‫‪ -16‬صالح الدين حافظ ‪ :‬دراما الهزمية يف حرب األشقاء األعداء ‪1994/5/8 ,‬‬

‫‪85‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -11‬كان املفروض يف توقيع اتفاق الوحدة بني اليمن الشاميل والجنويب أن يدخل االثنان يف‬ ‫عملية دمج حقيقة إىل جانب املوضوعات املظهرية مثل تشكيل الوزارة إال أن االثنني عمدا إىل‬ ‫«التظاهر» بتحقيق الوحدة ولكن دون سعى حقيقي‪)17 (.‬‬ ‫‪ -12‬القيادة اليمنية يف كىل الشطرين مدانة ومسئولة حني الذت بالوحدة هرباً من مشكالت‬ ‫سياسية واقتصادية وخارجية ضاغطة دون إعداد كاف لها ثم مبنتهى البساطة احتكمت إىل‬ ‫السالح إلصالح ما تكشف من خالفات وثغرات وعيوب‪) 18(.‬‬ ‫‪ -13‬الوحدة مل تنب منذ يومها األول عىل أساس صلب فبقيت مؤسسات الدولتني يف حقيقة األمر‬ ‫منفصلة يجمع بينها رابط شكيل‪ ،‬وأخطر هذه املؤسسات الجيش‪) 19(.‬‬ ‫‪-14‬حسبنا أن نشري إىل ما عقب به بعض املعلقني عىل «وثيقة العهد واالتفاق» بأنها جاءت‬ ‫وكأنها اتفاق جديد للوحدة‪)20 (.‬‬ ‫املجموعة الثانية‪ :‬القول بأن األزمة والحرب التي تلتها هام نتاج رصاع سيايس بني دعاة التحديث‬ ‫وبني من يريدون اإلبقاء عىل األوضاع القدمية كام هي‪)8( :‬‬ ‫ ‬

‫ففي ظل األزمة السياسية وقبل الحرب بأكرث من ستة أشهر كتبت «األهرام» ما ييل‪:‬‬

‫‪ -1‬ميثل هذا الغياب (غياب البيض عن صنعاء) الذي بات يعرف مييناً باالعتكاف السيايس نوعاً‬ ‫من اإلرصار الشخيص والحزيب إىل حد ما عىل أن الوضع اليمنى مل يعد يقبل الدخول يف مساومات‬ ‫عىل حساب الحد األدىن من املطالب أل (‪ •)18‬التي يتمسك بها الحزب االشرتايك ومتثل رؤية لدفع‬ ‫التنمية وتحسني األوضاع يف البالد وخلق مين موحد يتسم بالحداثة والدميقراطية‪) 21(.‬‬ ‫‪ -17‬صالح منترص ‪ :‬كل يف طريق ‪1994/5/25 ,‬‬ ‫‪ - 18‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬فريوس حرب الخليج ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -19‬أحمد نافع ‪ :‬املمكن واملستحيل يف أزمة اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬ ‫‪ - 20‬صالح الدين عامر‪ :‬القانون الويل وخصوصية الوضع اليمني الراهن ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫• املقصود بها النقاط ال (‪ )18‬التي تقدم بها الحزب االشرتايك للخروج من األزمة السياسية التي‬ ‫سبقت حرب ‪94‬‬ ‫‪ -21‬حسن أبو طالب ‪ :‬الوحدة أو الصوملة ‪1993/10/20 ,‬‬

‫‪86‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -2‬االستقطاب قائم بني دعاة الدميقراطية والتحرر من رواسب املايض‪ ،‬وبني من يريدون اإلبقاء‬ ‫عىل األوضاع القدمية كام هي( ‪.)22‬‬ ‫‪ -3‬وثيقة العهد واالتفاق احتوت فع ًال عىل تصور شامل إلقامة دولة مركزية حديثة ودميقراطية‬ ‫ولكنها ليست الحل السحري الذي سيعيد الوفاق بني طريف األزمة‪)23 (.‬‬ ‫‪ -4‬وثيقة العهد واالتفاق عكست روح النقاط أل(‪ )18‬التي تقدم بها الحزب االشرتايك للخروج من‬ ‫األزمة وبناء اليمن وفق أسس حديثة عرصية‪..‬وهي تحمل هموم القوي السياسية األخرى(‪) 24‬‬ ‫‪ -5‬إن العملية الجديدة تفرز بني اتجاهني عريضني بغض النظر عن املوقع الجغرايف أو االنتامء‬ ‫الحزيب‪ ،‬أولهام االتجاه املؤيد لبناء دولة اليمن املوحد الحديثة والناهضة وذات املؤسسات‬ ‫السياسية الفعالة والقامئة عىل نظام حكم محىل واسع االختصاصات فض ًال عن صيغة تعدد‬ ‫دميقراطية غري قابلة لالحتواء‪ ،‬واالتجاه الثاين الرافض ملضمون الوثيقة أو عىل األقل القانع بوضع‬ ‫البالد الحايل إن مل يكن يدفع به إيل املزيد من التدهور والتخلف‪)25 (.‬‬ ‫‪ -6‬القضايا املطروحة من الطرفني ال تتعلق باملوقف من الوحدة بل بكيفية بناء هذه الوحدة‪..‬‬ ‫وعىل حد قول عىل سامل البيض فإنه ليس بينة وبني الرئيس عىل عبدالله صالح أية مشكلة‬ ‫شخصية بل إن املشكلة تكمن يف أن «هناك من يريد إقامة دولة عرصية‪ ،‬دولة مؤسسات ميكن‬ ‫الدخول بها أبواب القرن أل ‪ 21‬يف حني أن هناك من يرص عىل إبقاء الوضع الحايل بكل مساوئه‬ ‫وعيوبه‪) 26(.‬‬ ‫وعندما اندلعت الحرب تعاقبت األفكار نفسها عىل النحوالتايل‪:‬‬ ‫‪ -7‬كان عنرص الصدام األسايس الحقيقي هو أسس بناء الدولة املوحدة الدميقراطية‪ ،‬وهل تبنى‬ ‫عىل النمط الحديث أم تؤسس عىل ذلك النمط القديم الذي بات ال مكان له إال يف متحف‬ ‫التاريخ اإلنساين؟ هل تقوم الدولة عىل قاعدة مؤسسية واضحة املهام والحدود واملسئوليات أم‬

‫‪ -22‬عبد العاطي محمد ‪ :‬شبح التقسيم ‪1994/1/11 ,‬‬ ‫‪ -23‬عبد العاطي محمد ‪ :‬أزمة ثقة ‪1994/1/25 ,‬‬ ‫‪ -24‬حسن أبو طالب ‪1994/1/26 :‬‬ ‫‪ -25‬حسن أبو طالب ‪:‬مالمح فرز سيايس جديد يف اليمن ‪1994/2/9 ,‬‬ ‫‪ -26‬احسان بكر ‪ :‬حتى ال تنهار دولة الوحدة ‪1994/3/13 ,‬‬

‫‪87‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫تستمر القبائل مصدراً للنفوذ والسلطة االجتامعية وبالتايل السلطة السياسية يف البالد‪)27(.‬‬ ‫وقد لوحظ هذا النسق من األفكار حتى بعد أربع سنوات من انتهاء الحرب‪ ،‬وبعد تحسن‬ ‫العالقات بني مرص واليمن‪ ،‬ما يعني أن هذا االتجاه يف املعالجة الصحفية ليس حالة ظرفية‬ ‫مرتبطة مبوقف سيايس معني فقط‪ ،‬ولكن له عالقة ما باالتجاهات الفكرية والثقافية للكتاب عىل‬ ‫النحو الذي تكشف عنه الفكرة التالية‪:‬‬ ‫‪ -8‬التاريخ لن ينىس أبداً أن البيض والعطاس هام صانعا الوحدة اليمنية الحديثة بعد عدة آالف‬ ‫من السنني والترشذم واالنقسام والضياع‪ ،‬ومن عجائب اليمن أن يحكم عليهام باإلعدام ألنهام‬ ‫دافعا عن بناء الدولة الحديثة‪) 28(.‬‬ ‫املجموعة الثالثة‪ :‬القول بأن ما يجرى هو رصاع شخيص عىل السلطة ‪)7( :‬‬ ‫ ‬

‫يف ظل األزمة السياسية تعاقبت عىل صفحات «األهرام» األفكار التالية ‪:‬‬

‫‪ -1‬مبعرفة طبيعة الرصاع يتأكد أنه ال يستهدف الرجوع إىل املايض‪ ،‬فاالنفصال ال يريده أحد وال‬ ‫يسعى إليه‪ ،‬وإمنا الذي يريده املتصارعون هو السلطة والسيطرة عىل مقدرات األمور‪) 29(.‬‬ ‫‪ -2‬هي مشكلة عدم القدرة عىل التعايش بني هويتني كل منهام تسعى ألن تكون لها مناطق نفوذ‬ ‫وتابعون‪..‬وهى مشكلة طموح وتطلع إىل اإلنفراد بأحادية السلطة‪)30 (.‬‬ ‫وعندما كان سالمة أحمد سالمة يدفع بالفكرة التالية اىل الطبع كان االنهيار الذي توقعه‬ ‫ ‬ ‫قد حصل بالفعل‪ ،‬ألن الحرب الشاملة بدأت يف ‪ 4‬مايو ‪: 1994‬‬ ‫‪ -3‬تزداد احتامالت اإلنهيار الوشيك بسبب استمرار الرصاع عىل السلطة بني عيل عبد الله صالح‬ ‫وعيل سامل البيض‪ ،‬أى بني اليمن الشاميل واليمن الجنويب‪)31(.‬‬

‫‪ -27‬أمينة شفيق ‪ :‬أزمة مرشوع اليمن الدميوقراطي املوحد ‪1994/5/8 ,‬‬ ‫‪ -28‬حسن أبو طالب ‪ :‬عجائب مينية ‪1998/4/3 ,‬‬ ‫‪ -29‬أحمد نافع ‪ :‬أزمة اليمن ورصاع الهوية ‪1993/12/17 ,‬‬ ‫‪ -30‬زكريا نيل ‪ :‬مشكلة اليمن ال تحل اال عىل أرض اليمن ‪1994/3/9 ,‬‬ ‫‪ -31‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬حتى ال منوت بالشعارات ‪1994/4/5 ,‬‬

‫‪88‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -4‬تبدو اليمن مقبلة عىل حرب رضوس يف مواجهة أعداء ال خيار سوى إبادتهم‪ ،‬واملثري للحزن‬ ‫أن هذه األجواء تتم بني أبناء بلد واحد يدفع به للدخول يف معركة من أجل إبادة نفسه ألغراض‬ ‫ضيقة وشخصية إىل حد كبري‪) 32(.‬‬ ‫‪ -5‬من املؤسف أن الرصاع الحايل هو يف صميمه رصاع شخيص عىل السلطة تسانده نزعات قبلية‬ ‫عشائرية ويجرى فيه استغالل القوات املسلحة واملؤسسات واألحزاب والقبائل ويدفع الشعب‬ ‫اليمنى الثمن‪) 33(.‬‬ ‫‪ -6‬اليمن يقاتل اليمن بال سبب منطقي اللهم إال الرصاع القبيل والشخيص عىل السلطة‪) 34(.‬‬ ‫‪ -7‬رمبا كانت املسألة كلها يف البداية توزيع الغنائم الوحدوية‪ ،‬وحينام اختلفت األنصبة تنازع‬ ‫القادة وقرر كل طرف أن مبقدوره بالسالح الظفر بالغنيمة وحده‪..‬أمل تنشب حرب البسوس كلها‬ ‫من أجل جمل‪) 35(.‬‬ ‫املجموعة الرابعة‪ :‬القول بأن ما يجرى هو بسبب غياب الدميقراطية‪)6( :‬‬ ‫‪ -1‬حاولت كل قيادة أن تحتفظ لنفسها بالسلطة وأن تتآمر يف قرارة نفسها عىل إقصاء الطرف‬ ‫اآلخر‪..‬وظلت الدميقراطية مجرد لعبة للتغطية عىل النوايا الحقيقية وخداع اآلخرين‪ ،‬حتى إنهار‬ ‫املعبد عىل رؤوس الجميع‪)36 (.‬‬ ‫‪ -2‬املذهل أن عقدة األزمة يف بساطة حلها‪ ،‬ذلك لو أنهم جربوا عن طواعية واختيار أن يرتكوا‬ ‫لشعبهم أن يختار ويقرر‪..‬لكن القبول بذلك أحياناً هو لب املشكلة‪)37 (.‬‬

‫‪ -32‬حسن أبو طالب ‪:‬لكل اختيار مثن ‪1994/5/4 ,‬‬ ‫‪ -33‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬مرض عريب غامض ‪1994/5/9 ,‬‬ ‫‪ -34‬صالح الدين حافظ ‪ :‬دراما الهزمية يف حرب األشقاء األعداء ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -35‬عبد املنعم سعيد ‪ :‬عىل من يطلق الرصاص ؟ ‪1994/5/19 ,‬‬ ‫‪ -36‬سالمة أحمد سالمة‪..‬مانديال‪..‬درس للعرب‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -37‬عاطف الغمري ‪ :‬حرب اليمن ضد اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬

‫‪89‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -3‬إن املنطق السائد يف مجال السياسة بدول العامل الثالث ال يعرف إال تقاليد اإلنفراد بالسلطة‬ ‫وأن من حق من يجلس عىل كريس الحكم أن يستخدم كل الوسائل ودون قيد أو رشط ليك يوطد‬ ‫أركان سلطانه‪...‬صحيح أن هذا يؤدي إىل مآس مفجعة ولكن يجب أن نعرتف بالواقع املر‪ ،‬طاملا‬ ‫ظلت عملية صناعة القرار السيايس خالية من أي دميقراطية حقيقية‪)38 (.‬‬ ‫‪ -4‬الثابت أن قيادة اليمن مل يكن لديها أي تصور واضح إلنجاز عملية التحول يف إتجاه الدميقراطية‬ ‫والوحدة وأن مفهوم الدميقراطية ظل ملتبساً بالفهم القبيل وبالعصبيات الدينية والسياسية‬ ‫القامئة يف اليمن‪)39(.‬‬ ‫‪ -5‬ما الذي يجعل األوضاع الداخلية تنفجر يف بلد مثل اليمن بالصورة الراهنة هناك‪ ،‬بينام تظل‬ ‫األوضاع متامسكة يف بلد مثل الهند؟ إنها دميقراطية الحكم وحرية النشاط السيايس وحرية‬ ‫الصحافة‪)40 (.‬‬ ‫‪ - 6‬عندما جاءت الوحدة جاءت بقرار فوقي تم إحاطة الشعبني به يك تخرج مظاهرات الفرح‪،‬‬ ‫وهي يف الحقيقة مظاهرات نفاق‪ ،‬وعندما ساءت العالقة بني القيادتني تم إعالن أحدهام‬ ‫لالنفصال ويف كال الحالتني مل يكن الشعب مشاركاً وال صاحب قرار‪)41 (.‬‬ ‫املجموعة الخامسة‪ :‬القول بأن األزمة نشأت بسبب الفوارق بني الشطرين‪.)4( :‬‬

‫‪ -38‬حازم عبد الرحمن ‪ :‬سلطة بال تقاليد ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -39‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬الرسب يف اليمن ‪1994/5/19 ,‬‬ ‫‪ -40‬محمد عبد الاله ‪ :‬اليمن والهند ‪1994/5/19 ,‬‬ ‫‪ -41‬صالح منترص ‪ :‬املأزق واملأساة ‪1994/5/26 ,‬‬

‫‪90‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ – 1‬يف الجنوب كانت قد أقيمت بالفعل املؤسسات الجديدة التي نظمت آليات عمل الدولة‬ ‫والتي أثرت بالفعل عىل قدرة ونفوذ التقسيمه القبيلة القدمية وهو ما مل يحدث يف الشامل‪...‬‬ ‫ويف الجنوب تواجدت كوادر فنية وإدارية تستطيع أن تكون األساس اإلداري واملهني يف البالد كام‬ ‫تستطيع املساهمة يف إعداد البناء العام القومي الذي يراعى مصالح الوطن ككل دون إعطاء‬ ‫الرعاية والعناية الكاملني للتقسيمه القبلية الضيقة األفق‪..‬يف الجنوب كان البرش قد تعودوا عىل‬ ‫فكرة وعمل وانضباط الحياة الحزبية القامئة عىل املواطنة وليس عىل التكتالت القبلية‪..‬هذا‬ ‫التفوق يف التطور وازن التفوق العددي يف الشامل‪) 42(.‬‬ ‫‪ -2‬تبدو الخالفات يف أن التجربة الحزبية يف الجنوب استطاعت احتواء التقاليد القبلية وتطويقها‬ ‫وهو أمر مناقض متاماً للتجربة القبلية والحزبية يف الشامل‪..‬ولقد استطاع الحزب االشرتايك‪ ،‬ومن‬ ‫قبل الجبهة القومية‪ ،‬السيطرة مث ًال عىل عادة حمل السالح ومضغ القات يومياً‪ ،‬وكان الحزب‬ ‫مهيمنا متاماً عىل الحياة السياسية وهي تجربة تختلف متاماً عن تجربة املحافظات الشاملية‬ ‫حيث تسود القبلية بكل قيمها التقليدية‪..‬فمنذ االنقالب القبيل الذي قاده االرياىن يف نوفمرب‬ ‫‪ 1967‬استطاعت القبلية أن تسود كل مؤسسات الدولة وتفرغها من مضامني التحديث والتطور‬ ‫واالنضباط اإلداري‪)43 (.‬‬ ‫‪ -3‬اصطدام الحزب االشرتايك باإلرث القبيل التاريخي الذي متت إذابته يف املحافظات الجنوبية‬ ‫أثناء الحكم الشمويل‪ ،‬بينام ظل عىل حاله متاماً يف املحافظات الشاملية‪) 44(.‬‬ ‫‪ -4‬التناقضات يف اليمن كثرية والخصومات أكرث والقواسم املشرتكة قليلة إن مل تكن غري موجودة‬ ‫أص ًال بني الشامل والجنوب‪) 45(.‬‬ ‫املجموعة السادسة‪ :‬القول بأن األزمة تعود يف جزء منها إىل ظهور النفط ورغبة كل طرف يف‬

‫‪ -42‬أمينة شفيق ‪ :‬أزمة مرشوع اليمن املوحد الدميوقراطي ‪1994/5/8 ,‬‬ ‫‪ -43‬حسن أبو طالب ‪ :‬رصاع املبادئ واملصالح يف اليمن ‪1994/5/8 ,‬‬ ‫‪ -44‬أحمد نافع ‪ :‬املمكن واملستحيل يف أزمة اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬ ‫‪ -45‬احسان بكر ‪ :‬هل تنجح الوساطة ؟ ‪1994/6/19 ,‬‬

‫‪91‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫االستئثار به‪)6( :‬‬ ‫‪ -1‬أثناء الحوارات السياسية قبل تدهور األمور طالب قياديون من املؤمتر الشعبي بتخصيص جزء‬ ‫من موارد النفط يف حدود ‪ %10‬بحيث تكون خارج املوازنة العامة للدولة وتخصص ملصاريف‬ ‫الرئيس‪..‬وهو ما كان مح ًال للرفض من كل القوى السياسية األخرى‪)46 (.‬‬ ‫‪ -2‬ال يبدو النفط بعيداً عن تفسري قرار الحرب حتى يف حالة اليمن‪...‬وهنا تصدق التكهنات‬ ‫التي أكدت أن الرئيس الشاميل قد يستخدم الهجوم الحايل عىل الشطر الجنويب لالستيالء عىل‬ ‫املناطق النفطية يف الجنوب والقريبة من الحدود السابقة فيام لو عجز عن الدفاع عن الوحدة‬ ‫بأي مثن‪) 47(.‬‬ ‫‪ -3‬يبدو أن إحساس الجنوبيني بوفرة النفط يف أراضيهم قد شجعهم عىل الرتاجع عن الوحدة مع‬ ‫الشامليني‪ ،‬مثلام شجع الشامليني عىل رضورة التمسك بالوحدة – أعنى التمسك بالنفط‪ -‬حتى‬ ‫بقوة السالح عىل الطريقة البسامركية‪)48 (.‬‬ ‫‪ -4‬ظهر النفظ مبثابة جائزة كربى تغري كل طرف مبحاولة حشد التأييد له والتمسك بسلطاته أم ًال‬ ‫يف الحصول عىل خريات النفط ومرساته‪) 49(.‬‬ ‫‪ -5‬وهكذا ظهر أن القضية مل تكن األمن الشخيص لقادة الحزب االشرتايك يف عاصمة الوحدة وإمنا‬ ‫القضية هي بضع آبار للبرتول قرر الحزب االشرتايك االستئثار بها يف رقعة أضيق من اليمن‪) 50(.‬‬ ‫‪ - 6‬بالنسبة لعيل صالح كان برتول الجنوب ميثل هدفاً كبرياً للسيطرة عىل هذا الكنز األسود‬ ‫املكتشف حديثاً‪)51(.‬‬ ‫املجموعة السابعة‪ :‬القول بأن سبب األزمة هو اختالف طرفيها يف فهم وتفسري نتائج االنتخابات‬ ‫‪ -46‬حسن أبو طالب ‪ :‬رصاع املبادئ واملصالح يف اليمن ‪1994/5/8 ,‬‬ ‫‪ -47‬محمد السيد سعيد ‪ :‬مفتاح الحل السيايس املمكن يف اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -48‬صالح الدين حافظ ‪ :‬دراما الهزمية يف حرب األشقاء األعداء ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -49‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬الرساب يف اليمن ‪1994/5/19 ,‬‬ ‫‪ -50‬عبد املنعم سعيد ‪ :‬حالة اليمن‪..‬عىل من يطلق الرصاص؟ ‪1994/5/19 ,‬‬ ‫‪ -51‬صالح منترص ‪ :‬البداية من الوحدة ‪1994/5/24 ,‬‬

‫‪92‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫النيابية (‪)6‬‬ ‫ ‬

‫بعد ظهور نتائج االنتخابات النيابية يف مايو ‪ 1993‬نرشت األهرام ما ييل‪:‬‬

‫‪ -1‬مل يحقق املؤمتر الشعبي كل أهدافه يف االنتخابات فهو مل يحصل عىل األغلبية ومل يستطع‬ ‫إبعاد الحزب االشرتايك أو تحجيمه متاماً رغم كل الجهود والضغوط التي بذلها طوال عام ونصف‬ ‫العام ومن بينها ضغوط أمنية وعمليات استقطاب لبعض القيادات‪ ،‬وحمالت إعالمية عنيفة‪،‬‬ ‫وطرح أفكار الدمج الفوري وهى أمور كان لها دورها بالفعل يف تفتيت جهود الحزب االشرتايك‬ ‫ورصفها بعيداً عن الرتكيز املطلوب ملواجهة متطلبات الحملة االنتخابية‪)52 (.‬‬ ‫‪ -2‬ألول مرة يشهد اليمن انتخابات نيابية نزيهة عىل أساس التعدد الحزيب‪ ،‬مل يحقق فيها حزب‬ ‫مبفرده األغلبية املطلقة‪) 53(.‬‬ ‫‪ -3‬املالحظ أن الحزب االشرتايك يطالب بتمثيل قوي يف الحكومة بحجة أن استمرار مسرية الوحدة‬ ‫تتطلب ذلك بعد أن فاز الحزب بـ ‪ %90‬من الدوائر االنتخابية يف املحافظات الجنوبية والرشقية‪،‬‬ ‫مام يعني أن رواسب التشطري مل تنته بعد‪) 54(.‬‬ ‫ ‬

‫ويف ظل الحرب تواصلت نفس األفكار كام ييل‪:‬‬

‫‪ -4‬املؤمتر الشعبي يؤمن بأن النتائج تكرس اعتباره الحزب األول واألقوى وتسمح له بإقامة نظام‬ ‫رئايس قوى خاصة بعد تحالفه مع «التجمع اليمنى لإلصالح» بينام الحزب االشرتايك وقد سيطر‬ ‫عىل املحافظات الجنوبية والرشقية فإنه يكون بذلك الرشيك األسايس يف الحكم‪)55(.‬‬ ‫‪ -5‬نتائج االنتخابات مل تعط عيل صالح القوة التي كان يريدها للسيطرة‪ ،‬ويف الوقت نفسه‬ ‫وضعت البيض يف موقف أضعف مام كان يبدو عليه قبل االنتخابات‪)56(.‬‬ ‫‪ -6‬شعر الحزب االشرتايك بخيبة أمل إثر إجراء االنتخابات فقد كان يتطلع لعدد أكرب من املقاعد‬ ‫‪ -52‬حسن أبو طالب ‪ :‬مهام الربملان الجديد ‪1993/5/5 ,‬‬ ‫‪ -53‬محمد مصطفى شحاته ‪ :‬اليمن واملسرية نحو الدميوقراطية ‪1993/5/14 ,‬‬ ‫‪ -54‬املصدر السابق‬ ‫‪ -55‬احسان بكر ‪ :‬الذين هزموا أنفسهم ‪1994/5/15 ,‬‬ ‫‪ -56‬صالح منترص ‪ :‬البداية من الوحدة ‪1994/5/24 ,‬‬

‫‪93‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫يف الربملان التي تؤهله ملركز الرشيك الحقيقي الذي يستطيع «مترير» سياسات تحديث الدولة‬ ‫وفرض سيادة القانون وهو ما تفتقده بالفعل املحافظات الشاملية التي ال ترقى سيادة الدولة‬ ‫فيها إال يف حدود املدن الكربى‪)57 (.‬‬ ‫املجموعة الثامنة‪ :‬القول بأن الحزب االشرتايك اليمنى مل يكن صادقاً يف توجهه نحو الوحدة‬ ‫اليمنية‪)5(.‬‬ ‫‪ -1‬لوال انقطاع املعونات املالية والتسليحية عن النظام يف الجنوب بعد انكامش االتحاد السوفيتي‬ ‫ثم سقوطه‪ ،‬ملا كان يف تقديري قد اندمج مع الشامل تحت علم دولة واحدة‪) 58(.‬‬ ‫‪ -2‬كان قرار الذين يحكمون الجنوب بالوحدة مدفوعاً بالرغبة يف إنقاذ الحزب الوحيد الحاكم من‬ ‫رياح تهب يف اتجاهه بقوة‪ ،‬من مركز الدائرة التي يدور يف نطاقها‪ ،‬مل تكن الوحدة هي القضية‬ ‫ولكن إنقاذ الذين يحكمون هو القصد واملبتغى‪) 59(.‬‬ ‫‪ -3‬رمبا كانت الحقيقة أن الوحدة كانت غطاء ألزمة دولة ماركسية بعد سقوط االتحاد السوفيتي‬ ‫وبعد زاول األزمة تحت غطاء الوحدة مل يعد هناك مربر الستمرارها‪) 60(.‬‬ ‫‪-4‬كان هدف القيادة السياسية يف اليمن الجنويب من تحقيق الوحدة هو الخروج من العزلة التي‬ ‫وجدت نفسها فيها بعد تغري األوضاع يف موسكو‪)61 (.‬‬ ‫‪-5‬الحزب االشرتايك هرب إىل الوحدة من مأزق «التصفية» التي كانت ستلحقه ال محالة نتيجة‬ ‫املتغريات التي حدثت يف الثامنينيات لكل األنظمة الشمولية وكان الحزب االشرتايك إحدى قواها‬ ‫الفاعلة عىل املستوى العاملي‪)62(.‬‬ ‫املجموعة التاسعة‪:‬القول بأن سبب األزمة هو تردي األوضاع األمنية عىل النحو الذي أقلق‬ ‫‪ -57‬أحمد نافع ‪ :‬املمكن واملستحيل يف أزمة اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬ ‫‪ -58‬زكريا نيل ‪ :‬أزمة الثقة بني الرشكاء ونقاط الخالف يف مسرية دولة الوحدة ‪1994/11/7 ,‬‬ ‫‪ -59‬عاطف الغمري ‪ :‬حرب اليمن ضد اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -60‬عبد املنعم سعيد ‪ :‬حالة اليمن ‪..‬عىل من يطلق الرصاص؟ ‪1994/5/19 ,‬‬ ‫‪ -61‬صالح منترص ‪ :‬البداية من الوحدة ‪1994/5/24 ,‬‬ ‫‪ -62‬أحمد نافع ‪ :‬املمكن واملستحيل يف أزمة اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬

‫‪94‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الجنوبيني (‪)5‬‬ ‫‪ -1‬تردي األوضاع األمنية وكرثة محاوالت االغتياالت‪..‬وتعرض مقار الحزب االشرتايك يف صنعاء‬ ‫وخمر وعمران ملحاوالت اعتداء‪)63 (.‬‬ ‫‪-2‬إن عدم ضبط أجهزة األمن وإعادة تنظيمها يف وعاء أمني يثري القلق عند الجنوبيني الذين‬ ‫يرون يف أخطارها تهديداً للوحدة والتنمية واالستقرار بصورة عامة‪)64(.‬‬ ‫‪ -3‬من بني أبرز أسباب الخالف زيادة حوادث ومحاوالت االغتيال للسياسيني اليمنيني وعجز‬ ‫األجهزة األمنية عن مالحقة جناتها‪) 65(.‬‬ ‫‪ -4‬ثم إن لب األزمة كلها لخصتها كلمة قالها نائب الرئيس إىل العاهل األردين وتداولتها املصادر‬ ‫الصحفية‪« :‬إن املشكلة تكمن يف أنه ال يستطيع هو ورفاقه من قادة الحزب االشرتايك اإلقامة يف‬ ‫صنعاء حتى لو لليلة واحدة إذا مل يسبق ذلك تنفيذ كل البنود األمنية الواردة يف وثيقة العهد‬ ‫واالتفاق»‪)66 (.‬‬ ‫‪« -5‬وثيقة العهد واالتفاق «تعرتف بأن هناك قتلة فارين يف عمليات اغتياالت واسعة‪ ،‬وأن هناك‬ ‫قتلة غريهم مقبوضاً عليهم‪ ،‬ولكن مل تستطع أن تطولهم يد العدالة‪..‬وأن الفارين منهم يف حامية‬ ‫قوى داخلية لها صالت قرابة ببعض رموز السلطة‪)67 (.‬‬ ‫املجموعة العارشة‪ :‬القول بأن األزمة نتاج مؤامرة خارجية تستهدف الوحدة والدميوقراطية‪)5( .‬‬ ‫‪-1‬هناك أيدي تتحرك لرضب ونسف هذه الوحدة‪ .‬األطامع واملخططون جاهزون لتفجري الساحة‪..‬‬ ‫واملوقف كله بيد قيادات اليمن ‪..‬إذا مل يساعدوا أنفسهم فلن يساعدهم أحد‪)68(.‬‬

‫‪ -63‬حسن أبو طالب ‪ :‬الوحدة يف اختبار حاسم ‪1992/3/4 ,‬‬ ‫‪ -64‬زكريا نيل ‪ :‬أزمة الثقة بني الرشكاء ونقاط الخالف يف مسرية دولة الوحدة ‪19992/11/7 ,‬‬ ‫‪ -65‬حسن أبو طالب ‪ :‬جدل حول رشعية الحكم ‪1992/11/11 ,‬‬ ‫‪ -66‬احسان بكر ‪ :‬حتى ال تنهار دولة الوحدة ‪1994/3/13 ,‬‬ ‫‪ -67‬زكريا نيل ‪ :‬اىل أي مستقبل مجهول يتجه الشعب اليمني ‪1994/5/7 ,‬‬ ‫‪ -68‬احسان بكر ‪ :‬اليمن واالحتامالت الصعبة ‪1994/4/17 ,‬‬

‫‪95‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -2‬إجراء االنتخابات وإعالن دستور ‪ ،‬وقيام برملان عرب تصويت دميقراطي أو حتى شبه دميقراطي‬ ‫يف اليمن تحديداً‪ ،‬أقلق كثريين‪ ،‬خافوا من عدوى هذا الوباء‪ ،‬فعملوا عىل اغتياله بأيدي أصحابه‬ ‫أنفسهم حتى ال تتهم جهات خارجية باغتياله‪)69 (.‬‬ ‫‪ -3‬لقد ابتلع الطرفان الشاميل والجنويب الطعم الذي ابتلعه بعث العراق‪ ،‬ومل يكن أحد منهام‬ ‫يدري أن الهدف هو رضب تجربة التعددية الحزبية ونسف الدميقراطية الوليدة يف اليمن‬ ‫واإلجهاز عىل دولة الوحدة التي كانت تخطو بثقة لألمام‪) 70(.‬‬ ‫‪ -4‬إن ما يجرى يف اليمن هو مشهد جديد مكرر ملأساة الخليج‪ ،‬وإن الفرقاء يف حرب الخليج‬ ‫متداخلون بشكل أو بآخر الستكامل تصفية الحسابات‪ ،‬ويبقى التساؤل مرشوعاً‪ :‬هل هي حرب‬ ‫باإلنابة فع ًال ؟(‪) 71‬‬ ‫‪ -5‬لكل جانب حججه وأسبابه ومؤيدوه الرسيون والعلنيون من الدول العربية‪) 72(.‬‬ ‫املجموعة الحادية عرشة‪:‬القول بأن سبب األزمة هو عدم كفاية الفرتة االنتقالية (‪)4‬‬ ‫‪-1‬جدل سيايس عقيم حول الفرتة االنتقالية وقابلية متديها‪)73 (.‬‬ ‫‪ -2‬إنه من أجل أن تنهض دولة موحدة متامسكة ومرتابطة‪ ،‬عليها أوالً أن تهيئ األرضية الصالحة‬ ‫التي تبدأ منها مشوارها الطويل وتتحرك عليها جامهريها يف ثبات وثقة‪ ،‬دون أن ترتك عىل ترابها‬ ‫رواسب األحقاد والخالفات‪..‬وتتحسب خطاها خطوة خطوة حتى لو قطعت يف سبيل سالمتها‬ ‫عرشات العقود‪)74 (.‬‬ ‫‪ -3‬تحددت فرتة انتقالية قصرية مل ينجح فيها الطرفان يف تحقيق الدمج‪)75(.‬‬ ‫‪ -69‬صالح الدين حافظ ‪ :‬دراما الهزمية يف حرب األشقاء األعداء ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -70‬احسان بكر ‪ :‬الذين اغتالوا اليمن ‪1994/5/22 ,‬‬ ‫‪ -71‬عبد العاطي محمد ‪ :‬حرب باالنابة ‪1994/5/24 :‬‬ ‫‪ -72‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬فريوس حرب الخليج ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -73‬حسن أبو طالب ‪ :‬الوحدة أمام اختبار حاسم ‪1992 /3/4 ,‬‬ ‫‪ -74‬زكريا نيل‪ :‬أزمة الثقة بني الرشكاء ونقاط الخالف يف مسرية دولة الوحدة ‪1992/11/7 ,‬‬ ‫‪ -75‬أحمد نافع ‪ :‬املمكن واملستحيل يف أزمة اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬

‫‪96‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -4‬مثة من الشواهد ما يشري إىل أن السنوات األربع التي انرصفت منذ الوحدة مل تكن كافية‬ ‫لتحقيق جميع مقومات الدولة املوحدة‪) 76(.‬‬ ‫املجموعة الثانية عرشة‪:‬القول بأن سبب األزمة هو عدم دمج الجيش (‪)4‬‬ ‫‪-1‬الجنوبيون يتمسكون بإعادة بناء الجيش وتنظيمه ودمجه وتوحيده مبا يؤدى إىل تعزيز‬ ‫الوحدة الوطنية‪ ،‬ويرون أنه ال رضورة لتمركزه يف كل من صنعاء وعدن‪ ،‬وأن نقله إىل خارج‬ ‫املدينتني وتحديد الحجم املناسب له يؤدى إىل إشاعة االطمئنان‪)77 (.‬‬ ‫‪-2‬عند قيام الوحدة بني اليمنني منذ أربع سنوات مل يتم دمج القوات املسلحة لهام مع‪ ،‬وقد‬ ‫دفعت الوحدات من كال الشطرين إىل اآلخر كاملة كنوع من أنواع مظاهر الوحدة يف حني أن ك ًال‬ ‫منهام مىض إىل اآلخر يحمل معه عقائده العسكرية وتوجهاته التي تختلف طبعاً عن اآلخر‪) 78(.‬‬ ‫‪ -3‬منذ إعالن الوحدة مل تجر أي محاولة لدمج القوات املسلحة فكل قوة لها قياداتها وعقائدها‬ ‫ونظم تسليحها وطرق تدريبها وإعاشتها ووسائل مواصالتها التي تحتاج لدمجها إىل تخطيط‬ ‫معقد وبرامج زمنية تحتاج إىل وقت طويل لهظم كل مرحلة يف التوقيت املحدد لها‪)79 (.‬‬ ‫‪-4‬هناك جيشان مستقالن عن بعضهام البعض مام سهل إنزالقهام الرسيع نحو الحرب برغم‬ ‫انتشار وحدات من كل منهام يف الشطر األخر‪) 80(.‬‬ ‫املجموعة الثالثة عرشة‪:‬القول بأن سبب األزمة هو عدم تحديد صالحيات نائب الرئيس (‪)3‬‬ ‫‪ -1‬من الناحية الظاهرية البحتة هناك االختالف حول مسألة التعديالت الدستورية التي تشمل‬ ‫شكل مؤسسة الرئاسة وصالحيات نائب الرئيس إىل جانب املواد الخاصة مبصدر الترشيع وقضية‬ ‫الحكم املحيل ذي الصالحيات الواسعة‪)81(.‬‬ ‫‪ -76‬صالح الدين عامر ‪ :‬القانون الدويل وخصوصية الوضع اليمني الراهن ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -77‬زكريا نيل ‪ :‬أزمة الثقة بني الرشكاء ونقاط الخالف يف مسرية دولة الوحدة ‪1992/11/7 ,‬‬ ‫‪ -78‬كامل شديد ‪ :‬الحرب اليمنية الدائرة وتغيري املسارات االسرتاتيجية لألزمة ‪1994/5/10 ,‬‬ ‫‪ -79‬أمني هويدي ‪ :‬مالذي يجري يف اليمن ؟ ‪1994/5/ 18 ,‬‬ ‫‪ -80‬محمد السيد سعيد ‪ :‬مفتاح الحل السيايس املمكن يف اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -81‬حسن أبو طالب ‪ :‬تعديل الدستور أم تعديل االئتالف ‪1993/9/22 ,‬‬

‫‪97‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪-2‬عيل سامل البيض مل يؤد القسم القانونية حتى اآلن وهو يطالب بتحديد صالحياته وما هو دوره‬ ‫يف ظل وجود الرئيس وما هو دوره يف حالة ما إذا حدث شئ للرئيس‪)82 (.‬‬ ‫‪ -3‬كان الحزب االشرتايك أكرث إرصار عىل تحديد اختصاصات الرئيس ونائبه يف وثيقة العهد‬ ‫واالتفاق‪..‬وبالفعل هناك فقرات مطوله حول هذه االختصاصات لكل منهام‪) 83(.‬‬ ‫املجموعة الرابعة عرشة ‪ :‬القول بوجود مراكز قوى تعطل أي حل لألزمة (‪)3‬‬ ‫‪ -1‬القوى النافذة التي تستفيد من غياب هيبة القانون وفساد املؤسسات ستعمل بكل قوة من‬ ‫أجل تعطيل تنفيذ وثيقة العهد أو عىل إفراغها من مضمونها التحديثي‪ ،‬ويربز هنا بعض قادة‬ ‫الوحدات العسكرية الشاملية سابقا والذين يرون أن األرض التي تقام عليها معسكراتهم هي‬ ‫ملك شخيص لهم ويترصفون بها لحسابهم الخاص‪)84 (.‬‬ ‫‪ -2‬قام مسئولون محسوبون عىل حزيب املؤمتر الشعبي العام والتجمع اليمني لإلصالح بتعطيل•‬ ‫إصدار بيان مشرتك عن لقاء صاللة بني الرئيس ونائبه‪ ،‬وهذا يثري أسئلة صعبة عن حقيقة وجود‬ ‫مجموعة من السياسيني والعسكريني من هنا أو هناك هدفهم األول االلتفاف عىل أي جهد بناء‬ ‫الحتواء األزمة‪) 85(.‬‬ ‫‪ -3‬ال نريد من أحد طريف الرصاع يف صنعاء وعدن أن ينتهي موقفة عند متجيد دور مبارك زايد‬ ‫‪،‬ثم تبقى األمور معلقة بإرادة من يوصفون بأنهم رموز الحكومات الخفية الذين يف يدهم خيوط‬ ‫حل العقدة اليمنية وال يريدون أن يصل أحد إىل أماكنهم املوغلة يف التضليل‪)86(.‬‬

‫‪ -82‬أحمد نافع ‪ :‬أزمة اليمن ورصاع الهوية ‪1993/12/17 ,‬‬ ‫‪ -83‬حسن أبو طالب ‪ :‬رصاع املبادئ واملصالح يف اليمن ‪1994/5/8,‬‬ ‫‪ -84‬حسن أبو طالب ‪1994/1/26 :‬‬ ‫سببا‬ ‫ساعةالرشف‬ ‫ألف ويل‬ ‫اليمنية ‪:‬قائال‪( :‬‬ ‫لقاء صاللة‬ ‫افشال‬ ‫أسهم يف‬ ‫بأنه فعال‬ ‫الدكتور عبد‬ ‫رصح‬ ‫كنتط ‪( 3‬‬ ‫حرب ‪,‬أننيج‪, 2‬‬ ‫الوحدة‬ ‫ملحمة‬ ‫الشمريي ‪:‬‬ ‫االرياينالويل‬ ‫)صعبد‬ ‫الكريم‪,‬‬ ‫انظر‬ ‫•يف ‪-‬افشال‬ ‫‪74‬‬ ‫اللقاء )‪1995.‬‬ ‫ذلكاليرس ‪,‬‬ ‫صنعاء‪:‬مكتبة‬ ‫‪ -85‬حسن أبو طالب ‪ :‬عقبات أمام املبادرات العربية ‪1994/4/13 ,‬‬ ‫‪ -86‬زكريا نيل ‪ :‬يف يد من خيوط العقدة يف حل األزمة اليمنية ‪1994/4/16 ,‬‬

‫‪98‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫املجموعة الخامسة عرشة‪ :‬السكوت والتعمية عىل عوامل الضعف‪)2( .‬‬ ‫‪ -1‬قطب الثنائية يف إدارة شئون الحكم يف دولة الوحدة انسحب إىل الجنوب منذ أكرث من ثالثة‬ ‫أشهر وأعتكف‪ ،‬ثم امتنع عن الكالم واعتزل الناس‪ ،‬ومؤخراً ظهر يف عدن يلتقى بالفرقاء من رفاق‬ ‫الحزب االشرتايك ويتلقى االنتقادات والتذمر من تدهور األحوال‪ .‬بينام قطب الثنائية األول يف‬ ‫صنعاء يقول ‪ :‬كل شئ هادئ عىل الجبهة‪)87 (.‬‬ ‫‪ -2‬قد ال تكون املشكلة كبرية إذا وجدت عوامل الضعف يف مجتمع ما ولكن املشكلة الحقيقية‬ ‫هي ىف السكوت عىل هذه العوامل إنطالقاً من الحرص عىل مصالح ضيفة‪ .‬واملشكلة الحقيقية‬ ‫تتمثل يف التعمية عىل عوامل الضعف والفرقة ىف املجتمع‪ ،‬والحديث الدائم عن قوة البالد‬ ‫وتقدمها املطرد يف مختلف امليادين دون أن يكون هناك ظل كبري يف الحقيقة ملا يقال‪)88 (.‬‬ ‫املجموعة السادسة عرشة‪ :‬ميل حزب املؤمتر الشعبي العام إىل تحجيم الحزب االشرتايك أو إلغائه‪.‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫‪ -1‬يكاد يلمح املراقب لألوضاع اليمنية استمرار نربة غري توحيدية يف الخطاب السيايس للمؤمتر‬ ‫الشعبي حتى بعد مرور ‪ 32‬شهراً عىل قيام الوحدة‪ ،‬واستمرار كونه أسرياً لرغبة دفينة يف تحميل‬ ‫رشيكه الحزب االشرتايك خاصة الوزراء الذين ينتمون إليه‪ ،‬مسئولية كل أسباب التدهور‪ ،‬وكأنه‬ ‫غري مشارك يف املسئولية يف تردى األوضاع يوماً بعد يوم‪)89 (.‬‬ ‫‪ -2‬توحيد أو دمج حزيب املؤمتر واالشرتايك هو يف األصل رغبة وقرار قيادة املؤمتر الشعبي العام‪،‬‬ ‫طرحته كخيار وحيد ليس عىل الحزب االشرتايك سوى القبول به‪ .‬وقد توالت الضغوط عىل الحزب‬ ‫االشرتايك خاصة ذات الطابع االمني‪ ،‬وبدا املؤمتر الشعبي أقرب إىل التضحية باستقرار البالد يف‬ ‫سبيل تحقيق هدفه بإجبار الحزب االشرتايك عىل قبول خيار الدمج الذي يتضمن عدة معان‪:‬‬

‫‪ -87‬زكريا نيل أزمة الثقة بني الرشكاء ونقاط الخالف يف مرسة دولة الوحدة ‪1992/11/7 ,‬‬ ‫‪ -88‬رأي األهرام ‪ :‬بني القوة والضعف ‪1994/5/10 ,‬‬ ‫‪ -89‬حسن أبو طالب ‪ :‬اللعب بالنار ‪1992/12/23 ,‬‬

‫‪99‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫*احتواء الحزب االشرتايك يف وقت استطاع فيه هذا الحزب أن يطرح نفسه كقوة تحديث وتغيري‬ ‫مام ساهم‪ ،‬يف اتساع شعبيته‪.‬‬ ‫*التغطية عىل فشل املؤمتر الشعبي العام‪ ،‬وعدم قدرته عىل تطوير نفسه مبا يتناسب مع الواقع‬ ‫التعددي‪.‬‬ ‫*رضب أحد أساسني قامت عليهام وحدة اليمن‪ ،‬وهو الدميقراطية والتعددية السياسية‪)90 (.‬‬ ‫املجموعة السابعة عرشة‪ :‬لألزمة أبعاد قبلية وخصوصية عشائرية (‪)2‬‬ ‫‪ -1‬العديد من املحللني لعنارص األزمة اليمنية يرون فيها خصوصية عشائرية‪ ،‬ومن ثم فإن أي‬ ‫تسوية لها ليست محكومة بالوصول إىل قرار بوقف القتال أو الدخول يف حوار بني الجانبني‬ ‫فحسب‪..‬ولكن بسبب هذه الخصوصية العشائرية سيظل ملف األزمة مفتوحاً‪ ،‬ما دامت الكيانات‬ ‫القبلية الشمولية والضاربة يف أعامق املجتمع اليمنى اصبحت متثل «املرجعية» ألي نظام قبيل‬ ‫والذي البد وأن يأخذ منها الضوء األخرض لتحركه وخاصة يف حالة التحوالت املصريية أو التوجهات‬ ‫السياسية الكربي‪)91 (.‬‬ ‫‪ -2‬الخالف بني الشامل والجنوب خالف قبىل‪) 92(.‬‬ ‫املجموعة الثامنة عرشة‪ :‬القول بوجود أبعاد اقتصادية لألزمة (‪)2‬‬ ‫‪ -1‬ال ميكن فهم ما يجرى يف اليمن بدون الحديث عن األزمة االقتصادية فقد اندلعت انتفاضة‬ ‫الخبز وتظاهر آالف املواطنني يف شوارع العاصمة صنعاء وتعز واملدن األخرى بعد أسبوع من‬ ‫مترد لواء املظالت احتجاجاً عىل ارتفاع األسعار وتأخر رواتب املواطنني والجنود وارتفاع معدل‬ ‫البطالة ال سيام بعد عودة أكرث من مليون ميني من دول الخليج إثر موقف اليمن املؤيد للغزو‬ ‫العراقي للكويت‪ ،‬مام حرم البالد من نحو ‪ 1.5‬مليار دوالر سنوياً هي جملة تحويالت اليمنيني‬ ‫من العملة الصعبة‪)93 (.‬‬ ‫‪ -90‬حسن أبو طالب ‪ :‬تراجع عن التعددية ‪ ,‬مارس ‪1993‬‬ ‫‪ -91‬زكريا نيل ‪ :‬اآلمثون واملحرضون والغائبون يف محنة الشعب اليمني ‪1994/6/4,‬‬ ‫‪ -92‬أنيس منصور ‪ :‬مواقف ‪1994/ 7/3 ,‬‬ ‫‪ -93‬محمد مصطفى شحاته ‪ :‬مع بداية ‪..1993‬أعراض صومالية يف اليمن ‪1993/1/1 ,‬‬

‫‪100‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -2‬كان متوقعاً وطبيعياً أن تتخذ الدول الخليجية الست موقفاً مضاداً لليمن بقدر ما اتخذت‬ ‫اليمن موقفاً مضاداً من القضية الكويتية الخليجية األمر الذي متت ترجمته عرب سياسات ومواقف‬ ‫عديدة من وقف املعونات واملساعدات إىل نزوح اليمنيني من هذه الدول وصوالً إىل القطيعه‬ ‫والخصومة حتى اليوم‪) 94(.‬‬ ‫املجموعة التاسعة عرشة‪ :‬املركزية الشديدة وعدم األخذ بأفضليات النظامني السابقني للوحدة‬ ‫(‪)3‬‬ ‫‪ -1‬يزيد من الخوف عىل مستقبل الوحدة ذلك األحساس يف الجنوب بأن هناك من يريد اإلخالل‬ ‫باالتفاق الذي تم بأال يطغى نظام عىل آخر تدعي ًام للوحدة‪) 95(.‬‬ ‫‪ -2‬هناك تباين شديد يف عمل اإلدارة يف املحافظات الشاملية عنها يف محافظات الجنوب ‪ ..‬ويبدو‬ ‫ذلك يف سطوة األسلوب املركزي الشديد والدور الكبري للعاصمة صنعاء يف كل شئون املناطق‬ ‫واملدن اليمنية األخرى‪ ،‬وهو أمر يختلف متاماً عن عمل اإلدارة يف املناطق الجنوبية ‪ ،‬والذي يعود‬ ‫إىل أسباب تاريخية‪ ،‬بحيث تبدو أكرث إعتامداً عىل ذاتها يف إدارة شئونها املبارشة‪ ...‬وقد أدى مد‬ ‫أسلوب املركزية الشديدة من الشامل إىل الجنوب إىل بروز العديد من املشكالت الحياتية اليومية‬ ‫للمواطنني‪ ،‬وهو ما أثار قدراً من النقمة الشعبية عىل الوحدة‪) 96(.‬‬ ‫‪ -3‬الجنوبيون جميعاً لديهم تحفظاتهم القوية عىل مركزية املامرسة السياسية يف دولة الوحدة‬ ‫وعىل الجوانب القبلية والشخصية ىف هذه املامرسة‪) 97(.‬‬ ‫املجموعة العرشون ‪ :‬بروز حزب تجمع اإلصالح كقوة متطلعة للسطلة (‪)2‬‬ ‫‪ -1‬إن االستقطاب القبيل واملذهبي والدينى املتمثل يف «تجمع اإلصالح» يلعب دوراً رئيسياً يف‬ ‫إذكاء رصاع األشقاء األعداء الراهن بهدف أن يصفي هؤالء أنفسهم يف حرب املهزومني ليبقى هو‬ ‫يف النهاية القوة املؤهلة الوحيدة لتسلم السلطة بعد تدمري دولة الوحدة‪ ،‬ورمبا بعد ارتداد اليمن‬ ‫إىل سلطة القبيلة بدالً من سلطة الدولة‪) 98(.‬‬ ‫‪ -94‬صالح الدين حافظ ‪ :‬دراما الهزمية يف حرب األشقاء األعداء ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -95‬أحمد نافع ‪ :‬أزمة اليمن ورصاع الهوية ‪1993/12/17 ,‬‬ ‫‪ -96‬حسن أبو طالب ‪ :‬رصاع املبادئ واملصالح يف اليمن ‪1994/5/8 ,‬‬ ‫‪ -97‬عبد العظيم حامد ‪ :‬ال غالب وال مغلوب ‪1994/5/9 ,‬‬ ‫‪ -98‬صالح الدين حافظ ‪ :‬دراما الهزمية يف حرب األشقاء األعداء ‪1994/5/18 ,‬‬

‫‪101‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -2‬حني أعلنت دولة الوحدة بني شطري اليمن وقفت القوى السلفية‪ ،‬القبلية منها والدينية‪،‬‬ ‫ضد الوحدة ألنها تتم مع الكفار واملالحدة الشيوعيني الحاكمني يف عدن‪..‬وحني وقع الخالف‬ ‫داخل دولة الوحدة إنحازت القوى السلفية بكل اجنحتها لدولة الشامل وحاربت معها بالرجال‬ ‫والسالح ضد قوات وكوادر الحزب االشرتايك يف الجنوب بل أصدرت الفتوى الشهرية بأنهم كفار‬ ‫يجب إهدار دمهم‪) 99(.‬‬ ‫املجموعة الواحدة والعرشون ‪ :‬أسباب أخرى (‪)4‬‬ ‫‪-1‬االختالف يف النشأة السياسية والسامت الشخصية للرئيس ونائبه‪:‬‬ ‫بالنسبة للرئيس هناك الخلفية العسكرية التي استندت فيام بعد إىل تنظيم سيايس شمويل‬ ‫مل يكن سوى مظلة لتيارات سياسية متناقضة فيام بينها‪ ،‬لكنها منعت من العمل السيايس العلني‪.‬‬ ‫وقد إنعكس هذان العامالن عىل طريقة إدارة الدولة التي اعتمدت عىل دور الرئيس ورغبته‬ ‫الفردية‪ .‬وبالنسبة للنائب فقد تدرج يف الكفاح املسلح ضد الوجود الربيطاين‪ ،‬ثم تدرج يف العمل‬ ‫الحزيب تحت مظلة الجبهة القومية ثم الحزب االشرتايك‪..‬وقد أدت هذه النشأة‪ ،‬إىل جانب سامت‬ ‫العمل داخل األحزاب االشرتاكية كالقيادة الجامعية التي تتحدد خاللها اختصاصات املسئولني‬ ‫وأدوارهم السياسية والتنفيذية إىل وجود تباينات كبرية بني الرئيس ونائبه كان لها دور يف إدارة‬ ‫األزمة وتصعيدها إىل حد االقتتال املسلح‪)100 (.‬‬ ‫‪-2‬محاولة الجنوبيني إصالح مسار الوحدة بأثر رجعي‪:‬‬ ‫عندما صار من الواضح للجنوبيني أن الحصيلة الحقيقية لتجربة الوحدة ظاملة لهم‪ ،‬مل يجدوا‬ ‫وسيلة ملراجعتها وتصحيحها سوى بإجبار الساسة والعسكر وشيوخ القبائل يف الشامل عىل تغيري‬ ‫كامل نهجهم يف إدارة الدولة والسياسة العامة بل وذهنياتهم‪ ،‬ناهيك عن إجبارهم عىل التخيل‬ ‫عن مصالحهم الذاتية‪ ،‬وهو ما كان مستحي ًال بأي مقياس‪) 101(.‬‬

‫‪ -99‬صالح الدين حافظ ‪ :‬يف جنة املخطوفني واملتطرفني ‪1999/1/27 ,‬‬ ‫‪ -100‬حسن أبو طالب ‪ :‬رصاع املبادئ واملصالح يف اليمن ‪1994/5/8 ,‬‬ ‫‪ -101‬محمد السيد سعيد ‪ :‬مفتاح الحل السيايس املمكن يف اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬

‫‪102‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪-3‬إنعدام الثقة بني القيادات ‪:‬‬ ‫من الواضح أن أزمة انعدام الثقة بني القيادات واألحزاب هي العقبة الرئيسية يف إنهاء‬ ‫األزمة اليمنية‪) 102(.‬‬ ‫‪-4‬الحراك السيايس الذي ولدته الوحدة يف الشامل‪:‬‬ ‫تتداخل أبعاد األزمة مع عملية اجتامعية ذات طابع تاريخي‪ ،‬حيث تتبلور رشائح اجتامعية‬ ‫جديدة يف طول البالد وعرضها‪ ،‬وخاصة يف املناطق الوسطى وأبرزها «تعز» األكرث سكاناً واألكرث‬ ‫تعلي ًام ودفعاً للرضائب‪ ،‬والتي يرتكز فيها أغلب النشاط االنتاجي والصناعي يف البالد‪ ،‬وهم يف‬ ‫نفس الوقت محرومون من أي حضور سيايس يف أجهزة السلطة‪ ،‬األمر الذي يزيد من نقمتهم عىل‬ ‫األوضاع‪ ...‬وقد وجد هؤالء يف الوحدة ما يعزز مطالبهم يف الحكم املحيل وتأكيد مبدأ املواطنة‬ ‫واملساواة بني املناطق‪ ...‬ورمبا كان الوجود العسكري املكثف من قوات الحرس الجمهوري حول‬ ‫مدينة تعز مرتبطاً بقمع مثل هذه املطالب املرشوعة‪)103 (.‬‬ ‫الفئة الثالثة‪ :‬اقرتاح صيغ بديلة للوحدة االندماجية (‪)5‬‬ ‫‪ -1‬عىل الحزب االشرتايك يف حال تبنيه لخيار الفدرالية أن يعمق طرحه بصورة تعكس التزامه‬ ‫بالوحدة وعدم الرتاجع عنها‪...‬وعىل املؤمتر الشعبي أن يناقش خيار الفدارلية بدرجة أكرب من‬ ‫العقالنية والهدوء خاصة وأن هناك العديد من تجارب الفدرالية الناجحة‪ ،‬والتي مل تعرب ابدا عن‬ ‫أي منحي انفصايل وميكن االقتداء بها عند الحاجة‪) 104(.‬‬ ‫‪ -2‬إذا مل يكن بد من التخىل عن الوحدة يف هذه املرحلة فمن السهل أن يتم االتفاق عىل فدرالية‬ ‫تجمع بني الدولتني اليمنيتني‪)105 (.‬‬

‫‪ -102‬عبد العاطي محمد ‪ :‬أزمة ثقة ‪1994/1/25 ,‬‬ ‫‪ -103‬حسن أبو طالب ‪ :‬رصاع املبادئ واملصالح يف اليمن ‪1994/5/8,‬‬ ‫‪ -104‬حسن أبو طالب ‪ :‬طرح جديد ‪1993/12/1 ,‬‬ ‫‪ -105‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬حتى ال منوت بالشعارات ‪1994/4/5 ,‬‬

‫‪103‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -3‬هل يكون الخيار هو الدعوة إىل إقامة اتحاد بني الدولتني بدي ًال عن دولة الوحدة؟ وعندئذ‬ ‫يكون لكىل الطرفني الشامل والجنوب كيانه املستقل‪ ،‬وهو األمر الذي يحقق ذاتية كل منهام‬ ‫باالنفرد بالسلطة داخل بلده؟ هذا الخيار كان مطروحاً بصورة جادة من جانب الزعيمني العربيني‬ ‫حسنى مبارك وزايد بن سلطان الحتواء األزمة يف بدايتها وتفادي حدوث مضاعفات قد تؤدي إىل‬ ‫صدام مسلح‪)106 (.‬‬ ‫‪ -4‬إن الوحدة الفدارلية هي أفضل وأنسب األشكال الدستورية للوحدة حيث تدمج األساس‬ ‫(الدفاع – السياسة الخارجية – التعليم والثقافة) وتحافظ عىل الشخصية الوطنية الخاصة لكل‬ ‫طرف من أطراف الوحدة وذلك للتوفيق بني فعالية نوع من املركزية وواقعية ترعى معطيات‬ ‫تاريخ األمة وجغرافيتها ووضعها االجتامعي‪)107(.‬‬ ‫‪ -5‬هناك خيارات متاحة بني الوحدة بصيغتها االندماجية التى أخفقت وبني االنفصال أو التشطري‪،‬‬ ‫وطاملا ثبت أن الحرب ال تحمل ح ًال فمن الواجب البحث عن حل يف إحدى هذه الخيارات‪(.‬‬ ‫‪)108‬‬ ‫الفئة الرابعة‪ :‬مناهضة الحرب‪)86( :‬‬ ‫عندما كانت حرب صيف ‪1994‬م يف اليمن مجرد احتامل كانت «األهرام» تحذر من‬ ‫إمكانية تحولها إىل واقع‪..‬وعندما أصبحت واقعاً ناهضتها «األهرام» بشدة ودعت إىل إيقافها‪،‬‬ ‫وقد أمكن تصنيف األفكار التي ناهضت الحرب إىل أربع عرشة فئة فرعية عىل النحو التايل‪:‬‬ ‫املجموعة األوىل‪ :‬القول بأن الحرب ليست من جنس الوحدة وإن الوحدة ال تفرض بالحرب(‪)13‬‬ ‫‪ -1‬يف التاريخ القريب والبعيد مل نسمع عن وحدة كتب لها االستمرار والدوام تم فرضها بقوة‬ ‫السالح‪)109 (.‬‬ ‫‪ -2‬ال يفرتض ثبات وحدة من خالل القوة العسكرية سواء كان ذلك عىل املستوى املنظور أو‬ ‫املتوسط أو البعيد‪)110(.‬‬ ‫‪ -106‬زكريا نيل ‪ :‬املقامرة أن تستمر صنعاء يف فرض الوحدة بالقوة ‪1994/5/14 ,‬‬ ‫‪ -107‬أحمد يوسف القرعي ‪ :‬املأزق اليمني من منظور قومي ‪1994/6/21 ,‬‬ ‫‪ -108‬وحيد عبد املجيد ‪ :‬الخيار الثالث ‪1994/6/22 ,‬‬ ‫‪ -109‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬مرض عريب غامض ‪1994/5/9 ,‬‬ ‫‪ -110‬كامل شديد ‪ :‬الحرب اليمنية الدائرة وتغيري املسارات االسرتاتيجية لألزمة ‪1994/5/10 ,‬‬

‫‪104‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -3‬القضايا الكربى مثل قضية الوحدة الوطنية ال ميكن يف أي بلد أن تفرض بقوة الحديد والنار‪،‬‬ ‫وإن أمكن ذلك بعض الوقت فإنه لن يكون ممكناً طوال الوقت‪)111 (.‬‬ ‫‪ -4‬من األخطاء املدمرة يف تداعيات األزمة اليمنية أن تقدم صنعاء عىل فعل ما تراجع عنه عبد‬ ‫النارص يف معالجة كارثة انفصال الوحدة السورية املرصية‪ ،‬وترتكب مغامرة قاتلة يف محاولتها‬ ‫فرض الوحدة بقوة السالح‪)112 (.‬‬ ‫‪ -5‬وضع الرئيس عبد النارص قاعدة قومية يصعب إنكارها‪ ،‬قاعدة أن الوحدة ال تفرض بالقوة‬ ‫وإمنا بالرضا بني الشعوب والعمل املشرتك ملواجهة العقبات‪..‬ولعل قادة اليمن هم يف حاجة ماسة‬ ‫إىل تذكر تلك القاعدة والعمل بها‪)113 (.‬‬ ‫‪ -6‬ان رجل الشارع العادي ضد االنفصال وهو يف نفس الوقت ضد الوحدة التي تتم بالقوة‪ ،‬ألن‬ ‫الوحدة تقوم أساساً عىل التفاهم واملصالح املشرتكة فإذا قامت عىل القهر تحولت إىل احتالل‬ ‫عسكري وهو احتالل يؤدي بالرضورة إىل خلق مقاومة ضده‪..‬وهكذا تستمر السلسلة الخبثية‬ ‫يف العمل وتزهق أنفس اآلالف واملاليني ليك يستمتع الطاغية بوضع مؤخرته عىل كريس الحكم‪.‬‬ ‫( ‪)114‬‬ ‫‪ -7‬خيار فرض الوحدة بالقوة سيزيد من عوامل التمزق الداخىل يف الشامل والجنوب عىل السواء‬ ‫ويفتح الباب عىل مرصاعيه أمام املزيد من عوامل التدخل الخارجى‪.)115 (.‬‬ ‫‪ -8‬إن استخدام القوة للمحافظة عىل الوحدة هو أمر خاطئ ألن دخول القوة العسكرية القهرية‬ ‫يف هذا املجال يحول الوحدة إىل احتالل ويثري نزعات املقاومة التي لن تجلب عىل الشعب اليمني‬ ‫يف الشامل والجنوب سوى الخسارة والدمار وتبدد املوارد يف حرب أهلية ال تبقى وال تذر‪) 116(.‬‬ ‫‪ -9‬حتى لو كانت األزمة تتضمن مترداً سياسياً جنوبياً‪ ،‬فإن الحق يف التطور السلمي املتكامل يعلو‬ ‫يف مرشوعيته عن الحق يف فرض الوحدة بالوسائل الدموية‪)117(.‬‬ ‫‪ -111‬رأي األهرام ‪ :‬وما زال أمام العقالء متسع ‪1994/5/14 ,‬‬ ‫‪ -112‬زكريا نيل ‪ :‬املقامرة أن تستمر صنعاء يف فرض الوحدة بالقوة ‪1994/5/14 ,‬‬ ‫‪ -113‬ابراهني نافع ‪ :‬وحدة اليمن بني الحوار والقوة العسكرية ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -114‬أحمد بهجت ‪ :‬مرسح العبث ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -115‬أحمد نافع ‪ :‬املمكن واملسحيل يف األزمة اليمنية ‪1994/5/27 ,‬‬ ‫‪ -116‬رأي األهرام ‪ :‬الخطوة األوىل النقاذ اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬ ‫‪ -117‬محمد السيد سعيد ‪ :‬رشعية السلم ال رشعية الحرب ‪1994/6/1 ,‬‬

‫‪105‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -10‬اعرتفت الحكومة اليمنية يف صنعاء بالخسائر الكبرية واألعداد الضخمة من القتىل والجرحى‬ ‫واملرشدين نتيجة استخدام القوة العسكرية يف فرض الوحدة اليمنية‪) 118(.‬‬ ‫‪ -11‬إن أحداً ال يقف مع االنفصال‪ ،‬ولكن أحداً يف نفس الوقت ال يقف مع الوحدة التي تؤسسها‬ ‫الدبابات واملدفعية‪) 119(.‬‬ ‫‪ -12‬إن أسلوب الوحدة البد أن يتكافأ رشفاً مع غاياتها‪ ،‬ومن ثم فإن القرس بأية وسيلة عمل‬ ‫مضاد للوحدة فض ًال عن كونه عم ًال غري أخالقي وخطراً عىل الوحدة الوطنية داخل كل شعب من‬ ‫شعوب أطراف الوحدة‪) 120(.‬‬ ‫‪ -13‬يف الوقت الذي يطالب الجميع بوقف القتال مل يعرتف أحد باالنفصال‪..‬وعرب مسئول أمرييك‬ ‫عن هذا املعنى بقوله إن الوحدة ال ميكن فرضها بالقوة مثلام أن قرار االنفصال ال ميكن اتخاذه‬ ‫وسط الحرب‪) 121(.‬‬ ‫املجموعة الثانية‪ :‬القول بأن الوحدة ال تربر القتل (‪)4‬‬ ‫‪ -1‬قد يبدو من الرضورى أن يعرتف الجميع بأن شعار الوحدة ينبغى أن ال يكون سبباً يف دفع‬ ‫البالد إىل حرب أهلية‪) 122(.‬‬ ‫‪ -2‬أي وحدة هذه التي تؤدي إىل سقوط عرشة آالف قتيل يف أسبوع واحد‪) 123(.‬‬ ‫‪ -3‬املحزن حقاً أن تنتهى تجربة ما للوحدة سواء يف اليمن أو غري اليمن‪ ،‬غري أن من األفضل ألف‬

‫‪ -118‬زكريا نيل ‪:‬اآلمثون واملحرضون والغائبون يف محنة الشعب اليمني ‪1994/6/4 ,‬‬ ‫‪ -119‬احمد بهجت ‪ :‬اليمن السعيد ‪1994/6/6,‬‬ ‫‪ -120‬أحمد يوسف القرعي ‪ :‬املأزق اليمني من منظور قومي ‪1994/6/21 ,‬‬ ‫‪ -121‬وحيد عبد املجيد الخيار الثالث ‪1994/6/22,‬‬ ‫‪ -122‬سالمة أحمد سالمة حتى ال منوت بالشعارات ‪1994/4/5 ,‬‬ ‫‪ -123‬صالح منترص ‪ :‬أي مين نؤيد ‪1994/5/11 ,‬‬

‫‪106‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫مرة أن نضمن «االنفصال باحسان عن أن ميوت آالف البرش بسبب عبارة «شعار الوحدة» يف‬ ‫ظروف تجعل الحرب األهلية انفجارأً دورياً‪)124(.‬‬ ‫‪ -4‬لقد تطورت االنسانية أخالقياً وقانونياً بحيث مل يعد من املمكن القبول بشعار الشأن الداخيل‬ ‫عندما يتصل األمر بأرواح آالف البرش‪ ...‬فيحاة اإلنسان يف كل مكان وبقاؤه املادي واملعنوي وحقه‬ ‫يف الحياة ليس شأناً داخلياً محضاً وإمنا شأن عاملي‪)125 (.‬‬ ‫املجموعة الثالثة‪ :‬القول بأن األسلوب الوحيد للدفاع عن الوحدة هو الحوار والتفاوض (‪)6‬‬ ‫‪ -1‬سيكون أخطر شئ يلجأ إليه أي من األطراف هو تحكيم السالح‪ ،‬فاألزمة ال يوجد لها حل‬ ‫عسكري والسبيل إىل إنهائها هو الحوار املتصل بعيداً عن غرور القوة‪) 126(.‬‬ ‫‪ -2‬ان درس لبنان ليس بعيداً‪...‬فبعد ‪ 14‬عاماً من الحرب املهلكة عاد الجميع راضخني إىل صيغة‬ ‫ال غالب وال مغلوب التي ينبغي أن تحل عىل أساسها أزمة اليمن‪) 127(.‬‬ ‫‪ -3‬يف قضايا الوحدة الوطنية ال ميكن اعتبار الحوار السلمي والبناء تنازالً أو رضوخا أو تهاوناً بل‬ ‫عني العقل‪ ،‬والقادة العظام يف كل مكان وأوان هم القادرون عىل جعل الوحدة يف أوطانهم نسيجاً‬ ‫ملموساً ومحسوساً دون شجار أو قتال‪) 128(.‬‬ ‫‪ -4‬الوحدة الحقة هي التي تحمي نفسها بالحوار وبرضا الجميع ومشاركتهم يف بنائها والحفاظ‬ ‫عليها‪) 129(.‬‬ ‫‪ -5‬كان األسلوب الوحيد للدفاع عن الوحدة هو التفاوض الجاد لوضع أسس حقيقة لتحديث‬ ‫إدارة الدولة واملجتمع وبعث عوامل الوحدة والرتابط الحي بني خالياه وأقسامه من خالل توازن‬ ‫وتكامل املصالح‪)130 (.‬‬ ‫‪ -6‬ان الحرب مل تكن أبداً وسيلة لحسم األزمات السياسية الداخلية وأن الحوار السيايس املبارش‬ ‫يظل هو املخرج العميل الوحيد‪ ،‬مع عدم استبعاد أي طرف‪)131(.‬‬ ‫‪ -124‬محمد السيد سعيد ‪ :‬مفتاح الحل السيايس املمكن يف اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -125‬محمد السيد سعيد ‪ :‬رشعية السلم ال رشعية الحرب ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -126‬أحمد نافع ‪ :‬أزمة اليمن ورصاع الهوية ‪1993/12/17 ,‬‬ ‫‪ -127‬عبد العظيم حامد ‪ :‬ال غالب وال مغلوب ‪1994/5/9 ,‬‬ ‫‪ -128‬رأي األهرام ‪ :‬وما زال أمام العقالء متسع ‪1994/5/14 ,‬‬ ‫‪ -129‬ابراهيم نافع ‪ :‬وحدة اليمن بني الحوار والقوة العسكرية ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -130‬محمد السيد سعيد ‪ :‬رشعية السلم ال رشعية الحرب ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -131‬حسن أبو طالب ‪ :‬مفاوضات نيويورك والطريق اىل تكريس االنفصال ‪1994/7/6 ,‬‬

‫‪107‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫املجموعة الرابعة‪ :‬القول بأن الحرب عبثية وليس لها مربر مقبول (‪)12‬‬ ‫‪ -1‬انه لشيئ صعب وثقيل عىل النفس أن يرى العرىب هذا الدم املسفوك يف اليمن الخوة يف‬ ‫الوطن الواحد‪ ،‬بل أنه لشئ مر أن يقتتل االشقاء وأن يتبادلو تدمري ما ميلكه الشعب الواحد يف‬ ‫شامل اليمن وجنوبه‪)132 (.‬‬ ‫‪ -2‬هي حرب بال غالب‪ ،‬فليس هناك شعب ضد شعب آخر‪ ،‬بل هو الشعب يحارب نفسه متاماً‬ ‫كام أن اليد اليمنى تفقأ العني اليرسى لنفس الشخص‪) 133(.‬‬ ‫‪ -3‬هذا الذي يحدث يف اليمن حوار باملدافع والصواريخ وغارات الطائرات يتباهى خالله حكام‬ ‫اليمن يف الجنوب ويف الشامل بأن هذا أسقط لذاك طائرات ودمر له منشآت‪ ،‬وأنزل به الخسارة‬ ‫لهو مشهد درامى يتخطى تراجيديا األغريق‪) 134(.‬‬ ‫‪ -4‬ما يجرى يف اليمن حرب خارسة النها تدور بني أشقاء وأبناء بلد وحد‪ ،‬ومن ثم فإنها لن تنتهي‬ ‫أبداً مبنترص ففي مثل هذه الحروب املجنونة نخرس فيها جميعاً بجدارة ‪)135 (.‬‬ ‫‪ -5‬اليمن اليوم يخوض حرباً أهلية عبثية ضد مصالح الشعب اليمني واليمنيون وحدهم يدفعون‬ ‫الثمن من دمائهم وأقواتهم ووحدتهم واحتامالت تقدمهم وانفتاحهم‪) 136(.‬‬ ‫‪ -6‬لن يستطيع أحد يف العامل العريب وخارجه أن يعرف املنترص من املهزوم يف الحرب التي يحصل‬ ‫فيها املنترص عىل جثة هامدة‪) 137(.‬‬ ‫‪ -7‬ال الشامل انترص وال الرشعية التي ارتدوها كقميص عثامن حققت سيطرتها‪ ،‬فكلهم جميعاً‬ ‫مهزومون‪)138(.‬‬ ‫‪ -132‬األهرام ‪ :‬درس اليمن القايس ‪1994/5/7 ,‬‬ ‫‪ -133‬صالح منترص ‪ :‬أي مين نؤيد ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -134‬عاطف الغمري ‪ :‬حرب اليمن ضد اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -135‬رأي األهرام ‪1994/5/13 :‬‬ ‫‪ -136‬صالح الدين حافظ ‪ :‬دراما الهزمية يف حرب األشقاء األعداء ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -137‬عبد املنعم سعيد ‪ ,‬حالة اليمن ‪..‬عىل من يطلق الرصاص ‪1994/5/19 ,‬‬ ‫‪ -138‬احسان بكر ‪ :‬الذين اغتالوا اليمن ‪1994/5/22 ,‬‬

‫‪108‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -8‬ال أعرف من هو الذي أطلق عبارة «اليمن السعيد»‪ ،‬فتاريخ اليمن ال يعكس هذه السعادة‬ ‫البالغة يف اسمه‪ ،‬إال إذا كان القصد هو اعتبار التخلف عن معايشة العرص بتطوراته وأفكاره‬ ‫واخرتاعاته هو قمة السعادة‪)139 (.‬‬ ‫‪ -9‬مل تكن هناك مشكالت مصريية يصعب حلها‪ ،‬وال رصاع عىل األرض أو السيادة أو الرثوات‬ ‫الطبيعية بني دولينت متنازعتني ميكن تربيره‪ ،‬وال عدوان خارجي من قوى معادية يستدعي اللجوء‬ ‫إىل السالح لصدها‪..‬ومع ذلك سمعنا ترصيحات ونداءات من شخصيات مينية ترفض الجنوح إىل‬ ‫السلم وتتعهد مبواصلة القتال ولو امتد مئة عام!!( ‪)140‬‬ ‫‪ -10‬ترص القيادة السياسية يف صنعاء عىل رفض وقف العمليات العسكرية مزهوة بانتصارات‬ ‫حققتها يف املعركة دون التفات إيل مصلحة اليمن املاثلة يف أن استمرار الحرب سيؤدي إىل مزيد‬ ‫من الدمار الذي تكتوي به البالد‪ ،‬وهذا ما تحسه القيادات الشعبية يف الجانبني حيث تعلن‬ ‫رصاحة «بأن املنترص يف هذه الحرب مهزوم»(‪) 141‬‬ ‫‪ -11‬اليد اليمني تطعن الصدر األيرس‪ ،‬واليد اليرسى تطعن الصدر األمين‪ ،‬وكانت الصورة ىف نهاية‬ ‫األمر صورة رجل يطعن نفسه بنفسه وميزق جسده بيديه‪) 142(.‬‬ ‫‪ -12‬ال تقع مثل هذه الحروب األهلية والرصاع عىل السلطة إال يف الدول التي توقف منوها‬ ‫السيايس والحضاري عند القرون الوسطي‪ ...‬واألمثلة من حولنا كثرية‪)143 (.‬‬ ‫املجموعة الخامسة‪ :‬القول بأن أي حل يجب أن يبدأ من نقطة وقف القتال (‪)9‬‬ ‫‪ -1‬الحل الذهبى من وجهة نظري ملعالجة األزمة اليمنية الحالية هو تكثيف الجهود العربية‬ ‫والدولية اليقاف النريان أوالً‪ ،‬وفصل القوات املتحاربة عن بعضها ‪ ،‬ومن ثم الجلوس إىل مائدة‬ ‫املفاوضات برصف النظر عن أن الطرفني ميثالن دولة واحدة من الناحية القانونية‪)144(.‬‬ ‫‪ -139‬صالح منترص ‪ :‬حكاية اليمن السعيد ‪1994/5/22 ,‬‬ ‫‪ -140‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬هدنة الستئناف القتال ‪1994/5/23 ,‬‬ ‫‪ -141‬أحمد نافع ‪ :‬املمكن واملستحيل يف أزمة اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬ ‫‪ -142‬أحمد بهجت ‪ :‬اليمن السعيد ‪1994/6/6 ,‬‬ ‫‪ -143‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬عواقب حروب األشقاء ‪1994/7/9 ,‬‬ ‫‪ -144‬كامل شديد ‪ :‬الحرب اليمنة الدائرة وتغيري املسار االسرتاتيجي لألزمة ‪1994/5/10 ,‬‬

‫‪109‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -2‬نقطة البداية الحقيقية لوقف هذه املأساة تكمن يف مدى قدرة األطراف اليمنية عىل‬ ‫األستجابة للنصيحة التى وجهها الرئيس مبارك لكليهام واملتمثلة يف رضورة وقف القتال حتى‬ ‫ميكن إعطاء الفرصة الكافية لصوت العقل والضمري الذي ينترص للمصلحة اليمنية‪)145 (.‬‬ ‫‪ -3‬نقطة البدء هى إيقاف القتال فوراً والفصل بني القوات املتحاربة وعودة جميع الوحدات‬ ‫املتحاربة إىل قواعدها‪) 146(.‬‬ ‫‪ -4‬أي حل يبدأ من نقطة وقف القتال ال من نقطة غريها حتى لو كانت سقوط عدن – الذي‬ ‫يبدو قريبا‪ -‬يف أيدي الشامل‪) 147(.‬‬ ‫‪ -5‬ليس رساً أن البعض وضع رشوطاً تعجيزية للتجاوب مع املبادرة املرصية بوقف القتال أيام‬ ‫عيد األضحى املبارك منها عىل سبيل املثال رضورة أستسالم الجنوب مع حتمية تسليم القيادة‬ ‫الجنوبية نفسها للقيادة الرشعية ملحاكمتهم‪)148 (.‬‬ ‫‪ -6‬الحل يبدأ بوقف القتال والفصل بني القوات وعقد مؤمتر وطنى النقاذ البالد‪)149 (.‬‬ ‫‪ -7‬ان وقف إطالق النار يف اليمن يعد رشطاً أولياً ال غنى عنه لتسوية الجوانب األخرى لألزمة‬ ‫والقضاء عىل مسببات اشتعالها‪...‬وال يزال مطلباً عربياً ودولياً جامعياً‪)150 (.‬‬ ‫‪ -8‬الحرب لن تجدى وال بديل سوى الحوار فقد طال أمد الحرب دون انجازات حاسمة من‬ ‫الناحية العسكرية‪) 151(.‬‬ ‫‪ -9‬عىل األطراف اليمنية أن تثبت أنها مسئولة ولو عىل مستوى وقف إطالق النار فقط‪)152(.‬‬ ‫املجموعة السادسة‪ :‬القول بأن الحرب أجهضت الوحدة وقضت عليها (‪)10‬‬ ‫‪ -145‬رأي األهرام ‪1994/5/13 ,‬‬ ‫‪ -146‬احسان بكر ‪ ,‬الذين هزموا أنفسهم ‪1994/5/ 15 ,‬‬ ‫‪ -147‬رأي األهرام ‪ :‬الحل ال يزال ممكنا ‪1994/5/24 ,‬‬ ‫‪ -148‬ابراهيم نافع ‪ :‬وحدة اليمن بني الحوار والقوة العسكرية ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -149‬أحمد نافع ‪ :‬املمكن واملستحيل يف أزمة اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬ ‫‪ -150‬رأي األهرام ‪ :‬الفرصة األخرية ‪1994/6/20 ,‬‬ ‫‪ -151‬عبد العاطي محمد ‪ :‬املهمة الصعبة ‪1994/6/21 ,‬‬ ‫‪ -152‬رأي األهرام ‪ :‬حرب ال تريد أن تتوقف ‪1994/6/23 ,‬‬

‫‪110‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫قبل الحرب حذرت «األهرام» من عسكرة األزمة وكتبت‪.‬‬ ‫‪ -1‬أي تدخل بالقوة لحسم األزمة عسكرياً سيكون مغامرة ال يعرف حجم نتائجها‪ ،‬وهى أيضاً‬ ‫متثل رضبة قاضية ألي أمل يف قيام وحدة بعد ذلك ‪ ،‬إال بعد عدة أجيال‪) 153(.‬‬ ‫‪ -2‬من املؤكد أنه لن يكون من السهل العودة ببساطة من حالة «الحرب األهلية» إىل «الوحدة‬ ‫االندماجية» من جديد‪) 154(.‬‬ ‫‪ -3‬كل املؤرشات تؤكد أن الحفاظ عىل الوحدة االندماجية الكاملة أصبح أمراً صعباً للغاية‪) 155(.‬‬ ‫‪ -4‬يف اللحظة التى تحركت فيها قوات من الشامل وقوات من الجنوب من اليمن املوحد لتواجه‬ ‫بعضها بعضاً أدرك العامل العرىب أن قضية الوحدة العربية – وهى ال تزال أعز وأغىل أماين العرب‬ ‫قاطبة – قد تراجعت إىل الوراء لسنوات طوال‪) 156(.‬‬ ‫‪ -5‬يتأسف املواطن العرىب عىل الخسائر التي لحقت بالطرفني وعىل السالح العرىب الذي يقتل‬ ‫العرىب‪ ..‬مثلام يتأسف عىل حلم الوحدة املستحيل وعىل الحرب الذى مل يجف يف وثيقة العهد‬ ‫واالتفاق‪)157 (.‬‬ ‫‪ -6‬أخريا وقع املحظور‪ ...‬أنفصل اليمن الجنويب عن دولة الوحدة‪) 158(.‬‬ ‫‪ -7‬ان الوحدة الحقيقية ما زالت أمامها الكثري من العقبات والصعاب ويجئ استخدام الحل‬ ‫العسكرى كام هو جار عرب األسابيع الثالثة املاضية ليضيف إليها ابعاداً مأساوية جديدة ‪ ،‬وليس‬ ‫كام يقول البعض ليفرض ح ًال نهائياً نراه بعيداً متاماً إن مل يكن مستحي ًال‪) 159(.‬‬ ‫‪ -8‬استمرار القتال معناه وأد الوحدة وتقطيع أوصال اليمن‪)160 (.‬‬ ‫‪ -153‬زكريا نيل ‪ :‬مشكلة اليمن ال تحل اال عىل أرض اليمن ‪1994/3/19 ,‬‬ ‫‪ -154‬محمد السيد سعيد ‪ :‬مفتاح الحل السيايس املمكن يف اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -155‬ابراهيم نافع ‪ :‬التدخل العسكري العريب مستحيل يف اليمن ‪,‬ملاذا ‪1994/5/14 ,‬‬ ‫‪ -156‬احسان بكر ‪ :‬الذين هزموا أنفسهم ‪1994/5/15 ,‬‬ ‫‪-157‬حسن املستكاوي ‪ :‬أي وثيقة وأي عهد واتفاق ‪1994/5/13 ,‬‬ ‫‪ -158‬احسان بكر ‪ :‬الذين اغتالوا اليمن ‪1994/5/22 ,‬‬ ‫‪ -159‬ابراهيم نافع ‪ :‬وحدة اليمن بني الحوار والقوة العسكرية ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -160‬احسان بكر ‪ :‬بعد صدور القرار الدويل ‪1994/6/5 ,‬‬

‫‪111‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -9‬استمرار القتال ال ميكن معه الحفاظ عىل الوحدة‪ ،‬وكلام استمر اطالق النار تآكلت فرص‬ ‫الوحدة‪) 161(.‬‬ ‫‪ -10‬وصلت الوحدة اليمنية إىل نقطة الالعودة بعد أن سال الدم غزيراً عىل رىب اليمن وجباله‬ ‫ووديانه دون سبب مقنع أو عذر مقبول من الطرفني سوى املصلحة الشخصية للنخب الحاكمة‪.‬‬ ‫(‪) 162‬‬ ‫املجموعة السابعة‪ :‬القول بأن النرص العسكرى إذا تحقق لن يحل املشكلة (‪)4‬‬ ‫‪ -1‬إذا حدث ودخل الشامليون عدن ‪ ،‬فسوف يضاف سبب جديد للمرارة بني الجانبني‪..‬‬ ‫فالجنوبيون لن يسعدوا أن يبقوا مغلوبني ‪ ،‬والشامليون سوف يترصفون ترصف الغالبني‪) 163(.‬‬ ‫‪ -2‬اذا نجح الشامليون يف هزمية قوات الجنوب وأسقطوا الحزب االشرتايك فلن تعدو النتيجة‬ ‫انتصاراً عسكرياً يف جولة ‪ ،‬وإذا ذاك سوف يلجأ الجنوبيون املتمرسون يف حرب العصابات منذ‬ ‫حرب التحرير إىل هذا النوع من الحرب ‪ ..‬وهناك من هم مستعدون للتمويل والتسليح‪)164 (.‬‬ ‫‪ -3‬معنى االنتصار يف هذه الحرب هو تحقيق الغرض السيايس من قيامها وهو تثبيت دعائم‬ ‫الوحدة والعودة إىل املوقف الدستوري والرشعية القامئة وهو ما ال ميكن تحقيقه بعد استخدام‬ ‫القوة الذى أدى إىل تعميق عدم الرضا للشعب ىف الجنوب الذى سوف يعترب وجود قوات الشامل‬ ‫لديهم عملية غزو واحتالل البد من مقاومتها‪)165 (.‬‬ ‫‪ -4‬ان الحسم العسكرى بحد ذاته صعب للغاية‪ ،‬وأن السيطرة بعد الحسم العسكرى‪ -‬حتى‬ ‫بافرتاض حدوثه – لن تكون ممكنة وسيؤدى ذلك إىل مزيد من التمزق‪)166(.‬‬

‫‪ -161‬رأي األهرام ‪ :‬الفرصة األخرية ‪1994/6/20 ,‬‬ ‫‪ -162‬أحمد يوسف القرعي ‪ :‬املأزق اليمني من منظور قومي ‪1994/6/21 ,‬‬ ‫‪ -163‬عبد العظيم حامد ‪ :‬ال غالب وال مغلوب ‪1994/5/9 ,‬‬ ‫‪ -164‬املصدر السابق‬ ‫‪ -165‬أمني هويدي ‪ :‬ما الذي يجري يف اليمن ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -166‬رأي األهرام ‪ :‬حرب ال تريد أن تتوقف ‪1994/6/23 ,‬‬

‫‪112‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫املجموعة الثامنة‪ :‬تقييم املوقف العسكرى عىل األرض وترجيح تحول املعارك إىل حرب استنزاف‬ ‫طويلة لقدرات الجانبني عىل حساب الشعب اليمني الذي سيدفع الثمن‪)10( .‬‬ ‫‪ -1‬املوقف العسكرى الحايل يشري إىل بداية حرب استنزاف كبرية – لكنها لن تستمر طوي ًال ألن‬ ‫طبيعة األرض الجبلية وإنحدارها نحو الغرب والرشق والجنوب تفرض الغلبة ملن يتقدم من‬ ‫األراىض املرتفعة تجاه األراىض املنخفضة سيام يف حالة وجود تفوق أو حتى توازن عسكرى بني‬ ‫الطرفني‪) 167(.‬‬ ‫‪ -2‬مسار هذه الحرب أعطى مؤرشات قوية وواضحة تستند إىل توازن القوى العسكرية بني‬ ‫الشامل والجنوب وعدم قدرة أي طرف عىل حسم الحرب املأساوية لصالحه ‪ ،‬وهو األمر الذي‬ ‫يهدد بأن تتحول إىل حرب استنزاف طويلة‪)168 (.‬‬ ‫‪ -3‬انه من غري املتوقع أن يتمكن أحد الطرفني من حسم املوقف عسكريا بصورة تجعل الطرف‬ ‫اآلخر يرضخ ملوقفه رضوخاً كام ًال ويكف عن الحرب ‪ ...‬وكل ما هنالك أن املعارك الدائرة حالياً‬ ‫سوف يرتتب عليها إضعاف الطرفني سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ومالياً ‪ ..‬فض ًال عام تولده من‬ ‫نوازع الثأر واالنتقام لدى الجانبني‪) 169(.‬‬ ‫‪ -4‬يقول الخرباء إن الحرب طويلة ألن الشامل ال ميلك قوة االنتصار وألن الجنوب ال ميلك القدرة‬ ‫عىل الرد‪ ،‬وإن كان قادراً عىل الصمود والتصدى‪) 170(.‬‬ ‫‪ -5‬نحن إذن بإزاء حرب استنزاف طويلة األمد لن يوقفها غري معجزة شعبية مينية تنحي عن‬ ‫قياداتها كل العنارص املسئولة عن هذه النكسة السياسية‪)171 (.‬‬ ‫‪ -6‬يجمع الخرباء العسكريون عىل أن القتال الناشب لن يحسم لصالح أحد الطرفني‪)172(.‬‬ ‫‪ -167‬كامل شديد ‪ :‬الحرب اليمنية الدائرة وتغيري املسار االسرتاتيجي لألزمة ‪1994/5/10 ,‬‬ ‫‪ -168‬رأي األهرام ‪1994/5/13 ,‬‬ ‫‪ -169‬ابراهيم نافع ‪ :‬التدخل العسكري العريب مستحيل يف اليمن ‪ ,‬ملاذا ‪1994/5/14 ,‬‬ ‫‪ -170‬حسن املستكاوي ‪1994/5/17 ,‬‬ ‫‪ -171‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬الرساب يف اليمن ‪1994/5/19 ,‬‬ ‫‪ -172‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬هدنة الستئناف القتال ‪1994/5/23 ,‬‬

‫‪113‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -7‬كان تصور عيل صالح منذ بداية القتال أن األمر لن يتجاوز بضع ساعات ثم قيل بضعة أيام‬ ‫وتسقط عدن يف أيدي عيل صالح‪ ،‬ولكن األيام طالت وليس هناك ما يشري إىل قرب انتهاء املعركة‬ ‫بانتصار رسيع يحققه الشامل‪) 173(.‬‬ ‫‪ -8‬الواقع أن عدم دقة بيانات الحرب الدائرة يف اليمن وكذا عدم توفر بيانات حديثة عنها البد‬ ‫أن يؤدى إىل تحليالت عسكرية غري صحيحة ومن ثم يلحق بها توقعات سياسية ىف نفس االتجاه‪.‬‬ ‫ولكن استمرار املعارك حتي األن بدون حسم يعنى أن الجنوبيني يقاتلون بالفعل ويشكلون‬ ‫مقاومة عالية ويستفيدون من ميزة تحقيق أهدافهم العسكرية من خالل الدفاع ومن ثم‬ ‫استنزاف الطرف اآلخر‪) 174(.‬‬ ‫‪ -9‬التوازن النسبي يف القدرات العسكرية لألطراف املتصارعة حال دون نجاح الجانب الشاميل يف‬ ‫تحقيق الحسم الكامل للرصاع لصالحه‪)175 (.‬‬ ‫‪ -10‬تحاول بعض القوى يف اليمن حسم قضاياها بالقتال وهم ال يدركون أنهم قد يعرفون موعد‬ ‫الطلقة األوىل لكن يصعب عليهم أو يستحيل معرفة موعد الطلقة األخرية وإعالن إنهاء الحرب‪.‬‬ ‫(‪) 176‬‬ ‫املجموعة التاسعة‪ :‬القول بأن الحرب خيار شاميل مدروس ومفكر فيه مسبقاً (‪)7‬‬ ‫رفض الرئيس عيل عبد الله صالح لقاء وفد الجامعة العربية الذي توجه إيل صنعاء‬ ‫‪ -1‬‬ ‫كام رفض املناشدة التى وجهها األمني العام للجامعة العربية بوقف القتال والعودة إىل مائدة‬ ‫املفاوضات‪ ..‬ورفض كذلك مبادرة من مثاىن نقاط قدمها الحزب االشرتايك تتضمن الوقف الفوري‬ ‫للقتال والعودة إىل املفاوضات لتنفيذ وثيفة العهد واالتفاق والحفاظ عىل ما تبقى من القوات‬ ‫املسلحة وتشكيل حكومة وحدة وطنية ومحاكمة املتسببني عن إندالع القتال‪)177(.‬‬

‫‪ -173‬صالح منترص ‪ :‬موضوع داخيل ‪1994/5/23 ,‬‬ ‫‪ -174‬كامل شديد ‪ :‬بيانات الحرب اليمنية وأدوات التحليل العسكري ‪1994/5/25 ,‬‬ ‫‪ -175‬رأي األهرام ‪ :‬حرب اليمن بني الجمود والتصعيد ‪1994/5/31 ,‬‬ ‫‪ -176‬احسان بكر ‪ :‬بعد صدور القرار الدويل ‪1994/6/5 ,‬‬ ‫‪ -177‬حسن أبو طالب ‪ :‬االحتفال يف ظل املدافع ‪1994/5/18 ,‬‬

‫‪114‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -2‬يسجل لعيل عبد الله صالح أنه بدهائه استطاع أن «يضحك» عىل البيض عندما أقنعه بتبادل‬ ‫تحريك القوات املسلحة من الشامل والجنوب كمظهر من مظاهر تحقيق الوحدة ولكن مع‬ ‫بقاء كل وحدة تابعة لقيادتها‪ ...‬ونتيجة لذلك قام عيل صالح بتحريك قوات من الشامل أرسلها‬ ‫إىل الجنوب‪ ،‬ومل تكن مصادفة بالطبع أن تكون هذه القوات هي أقوى قوات الشامل مثل‬ ‫قوات العاملقة التي متثل القوة املدرعة األويل ىف الشامل‪ ...‬قام عيل صالح بنقل هذه القوات‬ ‫إىل محافظة أبني القريبة من عدن‪..‬ويف الوقت نفسه تم نقل قوات من الجنوب إىل الشامل تم‬ ‫مراعاة وضعها يف أماكن يسهل عند اللزوم محارصتها وعزلها‪ .‬وهكذا استخدم عيل صالح الفرتة‬ ‫االنتقالية بعد توقيع الوحدة يف توزيع القوات املسلحة بطريقة تضمن له عند اللزوم موقفاً‬ ‫عسكرياً متفوقاً‪)178 (.‬‬ ‫‪ -3‬السلطة الرشعية يف اليمن املوحد ليست فقط للرئيس وإمنا ملجلس رئاسة مل يدع التخاذ هذا‬ ‫القرار (قرار الحرب)‪) 179(.‬‬ ‫‪ -4‬تقوم اسرتاتيجية صنعاء عىل شقني‪ :‬األول سيايس إعالمي يعلن االلتزام الشفهي بقرار االمم‬ ‫املتحدة ‪ ،‬وهو شق موجه أص ًال ملواجهة الضغوط السياسية الرمزية التى ميارسها املجتمع الدويل‪،‬‬ ‫والتي أثبتت عجزها عن حامية أهل عدن وعن إلزام صنعاء بوقف كامل إلطالق النار‪ ...‬والثاىن‬ ‫عسكرى واقعي قوامه االستمرار ىف الزحف وتوظيف التفوق البرشى العسكرى واالستعداد‬ ‫املسبق للحرب ومواصلة حصار عدن وتدمري بنيتها التحتية وأخرياً االجهاز املتدرج عىل مواطنيها‬ ‫عرب التحكم يف مصادر املياه النقية ومنع تدفقها إىل مرافق املدينة‪) 180(.‬‬ ‫‪ -5‬ان الرئيس صالح كان أكرث املستفدين من دروس أزمة الكويت‪ ،‬وأهم الشواهد عىل ذلك هو‬ ‫قبوله العلني لقرارات مجلس األمن حتى ولو مل يكن ينوي تنفيذ القرارات‪)181(.‬‬ ‫‪ -6‬لن ينيس التاريخ أن عيل عبد الله صالح وهو الرجل الثاىن يف صنع الوحدة هو نفسه صاحب‬ ‫قرار بدء الحرب كام أعلنها بنفسه يوم ‪ 27‬أبريل ‪ 1994‬وصاحب سياسة الحسم العسكري ملشكلة‬ ‫سياسية معقدة تحتاج أوالً وأخرياً إىل الحوار الوطني وإىل االنفتاح عىل كل القوى السياسية وإىل‬ ‫‪ -178‬صالح منترص ‪ :‬كل يف طريق ‪1994/5/25 ,‬‬ ‫‪ -179‬محمد السيد سعيد ‪ :‬رشعية السلم ال رشعية الحرب ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -180‬حسن أبو طالب ‪ :‬مفاوضات نيويورك والطريق اىل تكريس االنفصال ‪1994/7/6 ,‬‬ ‫‪ -181‬عبد العظيم حامد ‪ :‬اليمن ليست الكويت ‪1994/7/11 ,‬‬

‫‪115‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫تحكيم العقل‪) 182(.‬‬ ‫‪ -6‬ان كثرياً من الدالئل يشري إىل وجود مسئولية مبارشة لصنعاء يف بدء الحرب كمخرج أخري إلنهاء‬ ‫دور الحزب االشرتايك وإعادة صياغة الوضع اليمني وفقاً ألهداف بعيدة املدى‪) 183(.‬‬ ‫‪ -7‬املجموعة العارشة‪ :‬القول بأن الحرب مل تكن رضورية وال حتمية ‪ ،‬وإمنا هي فرض حل عسكري‬ ‫ألزمة سياسية وليس لردع انفصال (‪)7‬‬ ‫‪ -1‬تقارير دولية موضوعية تؤكد أن القوات الشاملية هي التي بادرت بإطالق النار يف إطار خطة‬ ‫شاملة ومدبرة عمداً وعن سابق إرصار وترصد لفرض «حل عسكري» نهايئ لألزمة اليمنية‪) 184(.‬‬ ‫‪ -2‬انه من أغرب ما سمعناه عرب إذاعة خارجية عىل لسان مسئول ميني شاميل (عبد السالم‬ ‫العنيس) «أن الجهود العربية جاءت متأخرة وبعد أن تطور املوقف عسكرياً» ‪)185 (.‬‬ ‫‪ -3‬ان آمال صنعاء تقوم عىل أساس تحقيق السيطرة عىل عدن عسكرياً قبل حلول الذكرى الرابعة‬ ‫للوحدة اليمنية يف ‪ 22‬مايو الحايل‪ ،‬وتأكيد رشعيتها يف حكم الجنوب ليس من خالل الرتايض العام‬ ‫وإمنا بالدبابات والصواريخ‪)186 (.‬‬ ‫‪ -4‬بدأت قوات الشامل القتال يف ‪ 94/4/27‬بالهجوم عىل قوات الجنوب يف عمران ‪50‬كم شاميل‬ ‫صنعاء‪) 187(.‬‬ ‫‪ -5‬كانت هناك فرصة حقيقية قبل اإلقدام عىل قرار الحل العسكرى إلعادة بناء مؤسسات اليمن‬ ‫املوحد وفق «وثيقة العهد واالتفاق»‪)188(.‬‬

‫‪ -182‬حسن أبو طالب ‪ :‬صفحات امللف ما زالت مفتوحة ‪1994/7/13 ,‬‬ ‫‪ -183‬حسن أبو طالب ‪ :‬اعادة فتح امللف ‪1994/5/13 ,‬‬ ‫‪ -184‬محمد السيد سعيد ‪ :‬مفتاح الحل السيايس املمكن يف اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -185‬زكريا نيل ‪ :‬املقامرة أن تستمر صنعاء يف فرض الوحدة بالقوة ‪1994/5/14 ,‬‬ ‫‪ -186‬حسن أبو طالب ‪ :‬االحتفال يف ظل املدافع ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -187‬أمني هويدي ‪ :‬ما الذي يجري يف اليمن ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -188‬ابراهيم نافع ‪ :‬وحدة اليمن بني الحوار والقوة العسكرية ‪1994/5/26 ,‬‬

‫‪116‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -6‬صحيح أن الوحدة يف اليمن قد تحققت عن طريق استفتاء شعبي عام ودستور دميقراطي‬ ‫مقبول من عموم اليمنيني إال أن اإلخالل الجسيم بالتوازن السيايس واالقتصادى قد ادى إىل أزمة‬ ‫سياسية أوقفت البناء الدستوري والقانوين كله عن العمل وكان من الواجب إعادة تشغيل هذا‬ ‫البناء باتفاق سيايس وليس بغزو عسكرى‪)189 (.‬‬ ‫‪ -7‬الحرب التي يشنها الرئيس صالح ليست ضد غزو عسكرى يقوم به اتجاه سيايس‪ ...‬مل يكن‬ ‫هناك غزو عسكرى وإمنا احتجاج سيايس‪..‬وإعالن االنفصال جاء تالياً وليس سابقاً للحرب ضد‬ ‫الجنوب‪)190 (.‬‬ ‫املجموعة الحادية عرشة‪ :‬مناشدة العرب أن يعملوا أي شئ من أجل وقف الحرب (‪)6‬‬ ‫‪-1‬لن ينفع البكاء اليوم عىل اللنب املسكوب وإمنا ما ينفع الناس هو التدخل بحسم وبشدة وبكل‬ ‫اإلمكانيات والطاقات من جانب العرب اجمعني حتى يتوقف نزيف الدماء والخراب‪) 191(.‬‬ ‫‪ -2‬ال ميكن ألي عرىب أن يرى هذا الدم املسفوح يف اليمن وهذا الخراب الكبري يف بلد عرىب شقيق‬ ‫ثم ينام قرير العني هادئ البال‪ ،‬وال ميكن فيام نظن أن أي حكومة عربية تستطيع أن تغض‬ ‫الطرف عن املجازر التي تروع أبناء الشعب الواحد وتقول أن ما يحدث ىف اليمن شأن داخيل‪.‬‬ ‫( ‪)192‬‬ ‫‪ -3‬وحتى مع التسليم بصحة ما يقول به البعض بأن هذه الكارثة تعد شأناً داخلياً ‪ ،‬فإننا يف نفس‬ ‫الوقت ال نستطيع أن نتجاهل أنها شأن عريب اسالمى عام‪)193 (.‬‬ ‫‪ -4‬مأساة كبرية أال يستطيع العرب عمل شئ وأن يبدوا جميعاً متفرجني عىل مباراة بالدم‬ ‫والقنابل واملدافع والصواريخ‪)194(.‬‬

‫‪ -189‬محمد السيد سعيد ‪ :‬رشعية السلم ال رشعية الحرب ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -190‬محمد السيد سعيد ‪ :‬رشعية السلم ال رشعية الحرب ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -191‬رأي األهرام ‪ :‬درس اليمن القايس ‪1994/5/7 ,‬‬ ‫‪ -192‬محمد عبد الاله ‪ :‬الشأن الداخيل ‪1994/5/12 ,‬‬ ‫‪ -193‬رأي األهرام ‪1994/5/13 :‬‬ ‫‪ -194‬صالح منترص ‪ :‬أي مين نؤيد ‪1994/5/11 ,‬‬

‫‪117‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -5‬ان الكارثة أكرب من رشعية الشامل أو حق املقاومة للجنوب ‪ ...‬والنار املشتعلة يف جبال‬ ‫وهضاب اليمن ينبغى اإلرساع بإطفائها قبل أن ميتد الرشر منها ‪ ،‬وقبل أن تضيع إمكانات الحل‬ ‫اليمني الذايت وقبل أن تتبدد فرصة العمل العريب للتدخل واالنقاذ‪) 195(.‬‬ ‫‪ -6‬انه عار عىل اليمن أن يستمر القتال‪ ..‬وعار عىل األمة العربية كلها أن تعجز عن وقف الحرب‪..‬‬ ‫وال يبقى أمامنا سوى أن يفيق عقالء األمة يك يضعوا حداً لنزيف الدم‪) 196(.‬‬ ‫املجموعة الثانية عرشة‪ :‬القول بأن تداعيات الحرب ستؤدي إىل التدويل (‪)2‬‬ ‫‪ -1‬البد أن يتنبه القادة اليمنيون إىل احتامل وقوع تدخل دويل بسبب حساسية وأهمية املوقع‬ ‫االسرتاتيجي لليمن وقرب مرسح الحرب من منابع البرتول يف دول الجوار‪)197 (.‬‬ ‫‪ -2‬التدويل قادم لألزمة اليمنية ‪ ..‬نراه رأي العني – ونرجو أن نكون مخطئني‪ -‬ونعتقد أن تداعي‬ ‫األحداث سيؤدى حت ًام إليه ال محالة ‪ ..‬وما زلنا نقول إنه باإلمكان حقن الدماء حتى ال يتكرر‬ ‫الخطأ للمرة الثانية ويف املنطقة العربية وخالل أربع سنوات وتتحمل األجيال القادمة أوزار‬ ‫مامرسات قادة تصارعوا عىل السلطة وأهملوا مصالح الشعب العليا‪)198 (.‬‬ ‫املجموعة الثالثة عرشة‪ :‬اإلشارة إىل ضعف النظام العرىب وتربير اللجوء إىل مجلس األمن(‪)3‬‬ ‫‪ -1‬جاءت األزمة اليمنية بينام العامل العرىب مير بأسوأ ظروف ممكنة‪ ،‬فدول الخليج يف حالة شقاق‬ ‫عصيبة مع العراق‪ ،‬وباقي دول املرشق العريب مشغولة إىل حد أقيص بعملية السالم مع إرسائيل‪،‬‬ ‫والجزائر يعاين من محنة داخلية تلقي بظاللها عىل الجزء الغريب من العامل العريب‪ ،‬والسودان يعاين‬ ‫من ويالت التمرد يف الجنوب ‪ ....‬وبالتايل فإن من يتحدثون عن دور للجامعة العربية ال يتحدثون‬ ‫وهم عىل بصرية كافية‪ ،‬فقوة الجامعة العربية هي محصلة قوة الدول العربية مجتمعة‪ ..‬وها‬ ‫نحن نرى رأي العني كم هي القوة العربية منهكة‪)199(.‬‬ ‫‪ -195‬مريس عطا الله ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -196‬احسان بكر ‪ :‬هل تنجح الوساطة ‪1994/6/19 ,‬‬ ‫‪ -197‬رأي األهرام ‪1994/5/13 ,‬‬ ‫‪ -198‬احسان بكر ‪ :‬بعد صدور القرار الدويل ‪1994/6/5 ,‬‬ ‫‪ -199‬رأي األهرام ‪ :‬يف أسوأ الظروف ‪1994/5/11 ,‬‬

‫‪118‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -2‬واضح متاماً منذ بداية األزمة أنه كانت هناك خطوط اتصال غري مرئية بني صنعاء وبني بعض‬ ‫دول التعاطف مع مغامرة غزو الكويت الجهاض أي دور تقوم به الجامعة العربية يف احتواء‬ ‫األزمة‪..‬ومل يكن هناك من خيار أمام الدول العربية الحريصة عيل احتواء األزمة وتطويق املعارك‬ ‫بني الجانبني سوى اللجوء إىل مجلس األمن‪) 200(.‬‬ ‫‪ -3‬تعقيدات املوقف يف اليمن تقتىض من القوى الدولية مامرسة املزيد من الضغوط عىل‬ ‫األطراف املتصارعة مبا يساعد عىل تبديد أوهام القوة والتفوق والسيطرة عىل سلوكها الفعيل‪،‬‬ ‫وأيضاً للمساعدة يف دفع هذه األطراف إىل الوصول إىل تسوية مقبولة من كال الجانبني‪)201 (.‬‬ ‫املجموعة الرابعة عرشة‪ :‬القول بأن الحرب دائرة بني دولتني (‪)3‬‬ ‫‪ - 1‬إن األساس القانوين والدستوري يستبعد تشخيص الحرب الدائرة اآلن يف اليمن باعتبارها‬ ‫أعامالً حربية تقوم بها دولة ضد دولة أخرى ذات سيادة ‪ ،‬غري أن ذلك يبدو صحيحاً إىل حد‬ ‫بعيد من الناحية القانونية ‪ ...‬أما من الناحية الفعلية فهناك استقالل سيايس فعيل برز رسيعاً يف‬ ‫سياق األزمة السياسية والدستورية التى نشبت مع اعتكاف نائب الرئيس ورفضه القيام بسلطاته‬ ‫الدستورية من عاصمة الوحدة يف الشامل‪) 202(.‬‬ ‫‪ -2‬قد يقول قائل إن الوضع اليمني له خصوصية‪ ،‬وهو قابل الستخدام القوة بكل معانيها لفرص‬ ‫الوحدة وتثبيتها يف مواجهة مجموعة من االنفصاليني املتمردين عىل الرشعية الدستورية‪..‬ومثل‬ ‫هذه املقوالت تبدو غري قابلة للجدل يف ظل أوضاع طبيعية ويف دول موحدة قومياً وإقليمياً ‪ ...‬أما‬ ‫يف حالة اليمن فإن الوضع مل يصل بعد إىل مرحلة األوضاع الطبيعية رغم مرور أربعة أعوام عىل‬ ‫قيام الوحدة‪ ،‬واليمنيون أنفسهم وقبل غريهم يتحدثون عن واقع اجتامعى واقتصادى مل يتوحد‬ ‫بعد‪ ،‬وعن نفوذ لرشائح اجتامعية وقبلية معينة يف األجزاء الشاملية يقابله نفوذ آخر لرشائح‬ ‫اجتامعية ذات سامت مختلفة متاماً يف املناطق الجنوبية‪)203(.‬‬

‫‪ -200‬زكريا نيل ‪ :‬اآلمثون واملحرضون والغائبون يف محنة الشعب اليمني ‪1994/6/4 ,‬‬ ‫‪ -201‬رأي األهرام ‪ :‬حرب اليمن اىل أين ‪1994/6/5 ,‬‬ ‫‪ -202‬محمد السيد سعيد ‪ :‬مفتاح الحل السيايس املمكن يف اليمن ‪1994/5/11 ,‬‬ ‫‪ -203‬ابراهيم نافع ‪ :‬وحدة اليمن بني الحوار والقوة العسكرية ‪1994/5/26 ,‬‬

‫‪119‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -3‬لو أن األمر تعلق بتمرد صغري أو قيام مجموعة من األفراد يف وجه السلطه الحاكمة يف صنعاء‬ ‫لجاز قبول القول بأن الدولة تعمل عىل حفظ النظام يف إطار الرشعية الدستورية الدولية ‪...‬‬ ‫ولكن عندما يبلغ االقتتال هذا الحد الذي بلغه بني قوات الشامل وقوات الجنوب – وكالهام ما‬ ‫زال يحتفظ برتكيبته وتكوينه قبل الوحدة – فإن األمر ال ميكن أن ينظر إليه إال ىف ضوء املبادئ‬ ‫القانونية السابقة (يقصد الدولية)‪) 204(.‬‬ ‫الفئة الخامسة‪ :‬تأييد جانب الرئيس صالح‪)4( :‬‬ ‫‪-1‬إن اإلرادة الجلية لشعب اليمن املوحد قد ارتضت الرئيس عيل عبدالله صالح رئيساً رشعياً‬ ‫لكل البالد والعباد يف الشامل والجنوب ‪ ....‬والرجل من موقعه هذا عىل رأس الدولة يكون ملزماً‬ ‫باتخاذ كل اإلجراءات واألفعال الالزمة‪ ،‬مبا فيها استعامل القوة املسلحة من أجل حامية الوطن‬ ‫اليمني واالبقاء عىل وحدته ‪ ...‬ففعل القوة يف اليمن ال يستهدف صنع الوحدة وإمنا يستهدف‬ ‫حاميتها‪)205 (.‬‬ ‫‪ -2‬ال نتوقع من مرص إال أن تكون مع الرشعية طاملا وأن األساليب السياسية قد استنفذت أغراضها‬ ‫وتجاوزتها األحداث‪) 206(.‬‬ ‫‪ -3‬إن الحديث يجب أن يجرى اآلن عن مين واحد فقط وليس عن مينني ألن موروث التجزئة قد‬ ‫انتهى منذ أربع سنوات‪)207 (.‬‬ ‫‪ -4‬عيل سامل البيض‪ -‬وإن كان قد وقع وثائق الوحدة مع الرئيس صالح – إال أنه ال ميلك حق‬ ‫أو سلطان إعالن االنفصال إذا ما ضاقت عليه سبل التعامل مع الرئيس الرشعي للبالد‪ ،‬وإذا ما‬ ‫أفلست أرصدة املناورة السياسية التي ينكفئ عليها بكل ثقل األيديولوجيا الفظة الذي يهوى‬ ‫دوماً إىل القاع‪)208(.‬‬ ‫الفئة السادسة‪ :‬اعتبار االنفصال نتيجة منطقية وطبيعية لقرار الحرب (‪)12‬‬ ‫‪ -204‬صالح الدين عامر ‪ :‬القانون الدويل وخصوصية الوضع اليمني الراهن ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -205‬محمد رضا محرم ‪ :‬الرشعية تستخدم القوة للدفاع عن الوحدة ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -206‬محمد رضا محرم ‪ ,‬املصدر السابق‬ ‫‪ -207‬املصدر السابق‬ ‫‪ -208‬نفس املصدر‬

‫‪120‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -1‬من الالفت للنظر تلك التأكيدات من قبل بعض قادة الحزب االشرتايك مؤخراً والقائلة بأن‬ ‫البحث هو يف حامية الوحدة وليس ىف النكوص عنها‪ ...‬وتبدو أهمية هذه التأكيدات يف الرد عىل‬ ‫املقوالت التي أشاعتها بعض األطراف األخرى حول أن موقف الحزب األشرتايك بات يقوم عىل‬ ‫طرح خيار الفدرالية كحل لألزمة‪ ،‬وهي مقوالت زعمت أن الحزب االشرتايك يتجه للتخيل عن‬ ‫الوحدة اليمنية بصيغتها االندماجية القامئة بالفعل منذ مايو ‪)209(.1990‬‬ ‫‪ -2‬يؤسس الرئيس عيل صالح مواقفة يف سياق رؤية ذات شقني ‪ :‬األول منها أنه ميثل القيادة‬ ‫الرشعية املستندة إىل الدستور وأن قادة الحزب االشرتايك «هم املتمردين عىل الرشعية» وأنه‬ ‫يحق له بالتايل معاقبتهم إما بالقتل من خالل الحرب أو املحاكمة التي يصفها بالعادلة أو عىل‬ ‫األقل بالسامح لهم مبغادرة البالد‪ ....‬والشق الثاين ‪ ،‬فهو أنه يخوض القتال «دفاعاً عن الوحدة ضد‬ ‫محاوالت االنفصاليني من الحزب االشرتايك الذين غرروا بالقوات املسلحة»‪ ،‬وكىل الشقني يتجاهل‬ ‫مسألة حيوية وهى مسألة البدء بالقتال وإهدار كل هذه املوارد املادية والبرشية وإدخال اليمن‬ ‫يف دوامة ال يعلم سوى الله متى وكيف تكون خامتتها‪)210(.‬‬ ‫‪ -3‬كان من املفروض أن يتم وقف إطالق النار يف اليمن دون رشوط استجابة للنداء الذي وجهه‬ ‫الرئيس مبارك ‪ ..‬لكن األستجابة الرسيعة من الرئيس صالح إقرتنت برشوط أجهزت عىل الهدف‬ ‫منها‪ ...‬حيث أعطى مهلة محددة بثالث أيام تتوقف خاللها العمليات العسكرية برشط أن يسلم‬ ‫املتمردون أنفسهم للمثول أمام القضاء‪ ،‬وكان معنى ذلك أن يسلم عيل سامل البيض نائب الرئيس‬ ‫نفسه ومعه سبعة آخرون من كبار املسئولني يف اليمن الجنوىب بينهم رئيس الوزراء ‪ ....‬وقد كان‬ ‫من الطبيعي أن يأىت رد الزعامء الجنوبيني عىل موقف صنعاء املتشدد بإعالن االنفصال والنكوص‬ ‫عن الوحدة وأن ترفض صنعاء موقف عدن ويستأنف القتال بعد أن استبعد الرئيس صالح الحوار‬ ‫واعترب الهدنة مثناً ليك يسلم البيض ورفاقه أنفسهم‪)211(.‬‬ ‫‪ -4‬بالرغم من إعالن جنوب اليمن انفصاله فقد لوحظ أن ظالل الوحدة ال تزال تخيم عىل التفكري‬ ‫اليمني يف الجنوب من خالل اإلعالن عن أن الوحدة ستظل هدفاً للجنوبيني‪ ..‬ولوحظ أيضاً أن‬ ‫الجنوبيني يتحدثون عن الدستور الذي سيحكم جمهورية اليمن الدميقراطية هو نفس دستور‬ ‫‪ -209‬حسن أبو طالب ‪ :‬مبادرات شخصية ‪1993/11/10 ,‬‬ ‫‪ -210‬حسن أبو طالب ‪ :‬االحتفال يف ظل املدافع ‪1994/5/18 ,‬‬ ‫‪ -211‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬هدنة الستئناف القتال ‪1994/5/23 ,‬‬

‫‪121‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫اليمن املوحد‪ ...‬إذن من الواضح أن الخالفات السياسية داخل قيادة اليمن املوحد هى السبب‬ ‫املبارش يف الحرب التي أندلعت قبل إعالن االنفصال الجنويب بحوايل ثالثة أسابيع‪)212 (.‬‬ ‫‪ -5‬ال أحد يف اليمن ميثل رشعية الوحدة ‪ ،‬فالذين رفضوا يف صنعاء تنفيذ «وثيقة العهعد واالتفاق»‬ ‫وفضلوا الخيار العسكرى وفرض حالة الطوارئ وإقالة املسئولني الجنوبيني دون سند سوى الروح‬ ‫الشطرية واعتقال السياسيني والصحفيني املخالفني يف الرأي‪ ،‬ويضعون نصب أعينهم تدمري عدن‬ ‫وما تحمله من رموز مضيئة يف التاريخ العريب ككل‪ ،‬وما زالوا يرفضون نداءات القادة العرب‬ ‫بوقف القتال واالحتكام إىل العقل والحكمة‪ ،‬ويضعون رشوطاً ذات طابع مرسحي كأن يسلم قادة‬ ‫الحزب االشرتايك أنفسهم إىل أقرب قسم رشطة ويرصون عىل دفع اآلالف من أبناء الشعب اليمنى‬ ‫يف أتون املعارك دون تدريب كاف ودون قضية سوى البقاء يف السلطة ‪ ،‬هؤالء هم يف رأيي الذين‬ ‫انقلبوا عىل الوحدة وانتهكوا رشعيتها وهم املسئولون الحقيقيون عن االنفصال‪)213 (.‬‬ ‫‪ -6‬إن مظاهر االحتفال التي أبداها أبناء عدن ومناطق جنوبية أخرى بحدث االنفصال يكشف‬ ‫عن حجم التأييد الشعبي لهذه الخطوة وقدر من الرتابط العضوي بني أبناء تلك املناطق والحزب‬ ‫االشرتايك‪)214(.‬‬ ‫‪ -7‬إن االنفصال جعل للعسكريني الجنوبيني هدفاً واضحاً يدافعون عنه بعد أن كان هدفاً غامضاً‪.‬‬ ‫(‪) 215‬‬ ‫‪ -8‬أخطأ البيض ألنه ترسع يف قرار الوحدة عام ‪ 1990‬وأبطأ يف قرار االنفصال عام ‪..1994‬وأخطأ‬ ‫عيل صالح ألنه يرص عىل تحويل القضية إىل موقف شخيص ضد البيض برصف النظر عن الضحايا‪.‬‬ ‫( ‪)216‬‬ ‫‪ -9‬إن املسئولية القومية تدعونا إىل تكرار املطالبة واإللحاح عىل رضورة وقف القتال وأن نرتك‬ ‫مهمة الوحدة ألجيال قادمة تستطيع أن تحقق حلم الوحدة بعد أن تزول رائحة البارود الذى‬ ‫مهد لخطوة االنفصال‪)217(.‬‬ ‫‪ -212‬رأي األهرام ‪:‬الحل ال يزال ممكنا ‪1994/5/24 ,‬‬ ‫‪ -213‬حسن أبو طالب ‪ :‬اليمن املوحد ‪..‬وداعا ‪1994/5/25 ,‬‬ ‫‪ -214‬املصدرنفسه‬ ‫‪ -215‬املصدر نفسه‬ ‫‪ -216‬صالح منترص ‪ :‬املأزق واملأساة ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -217‬رأي األهرام ‪ :‬الخطوة األوىل النقاذ اليمن ‪1994/5/27 ,‬‬

‫‪122‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -10‬مل يكن املوقف السياسيى يف اليمن قبل إشعال الحرب عمداً هو إعالن انفصال تحتم دفعه‬ ‫بالوسائل العسكرية‪ ،‬وإمنا كانت هناك أزمة سياسية كشفت عن خالفات حقيقية حول أسلوب‬ ‫إدارة الدولة املوحدة‪) 218(.‬‬ ‫‪ -11‬الحوار الدائر يف نيويورك (بني العطاس واالرياين) هو نكسه بكل املعاين لفكرة اليمن املوحد‬ ‫القوي والقادر كام أنه نكسة لدعاة الحرب وتحقيق انتصار عسكري حاسم وفرض منوذج حكم‬ ‫يقوم عىل التسلط السيايس‪ ،‬والهيمنة العسكرية عىل كل األنشطة املدنية‪) 219(.‬‬ ‫‪-12‬قدمت السلطات اليمنية طلباً لالنرتبول الدويل ملالحقة أربع شخصيات مينية جنوبية وهم‪:‬‬ ‫البيض والعطاس والسييل والجفري‪ ،‬وذلك بتهم تتعلق بإثارة الفوىض وخرق الدستور واإلعداد‬ ‫لجرمية االنفصال وافتعال االختالالت األمنية ‪ ...‬ويفتح هذا الطلب الباب مرة أخرى ملناقشة‬ ‫قضية أساسية وهى طبيعة ما قام به هؤالء املعارضون للحكم يف صنعاء وهل هى قضية سياسية‬ ‫أم أنها قضية جنائية تستحق املالحقة القضائية ‪ ...‬وترتبط بهذا مسألة نحجت صنعاء يف التعتيم‬ ‫عليها وهى من بدأ الحرب وما عالقتها بخطوة االنفصال وبالتاىل من يتحمل مسئوليتها أمام‬ ‫الشعب‪)220(.‬‬ ‫الفئة السابعة‪ :‬القول بصعوبة االعرتاف باالنفصال (‪)4‬‬ ‫‪-1‬لن يكون سه ًال أن تتفق الدول العربية عىل االعرتاف بالدولة الجديدة ما مل يكن ذلك عىل‬ ‫الطريق إىل إنهاء القتال‪)221(.‬‬ ‫‪ -3‬من الصعب أن يحدد العامل موقفاً واضحاً من التطورات األخرية يف األزمة اليمنية قبل أن يحدد‬ ‫العرب أنفسهم موقفاً واضحاً من هذه التطورات وخاصة إعالن انفصال جنوب اليمن‪)222(.‬‬ ‫‪ -4‬تدل بعض املؤرشات عىل أن العامل العرىب مقبل عىل وضع شبيه ملا حدث أثناء غزو العراق‬ ‫للكويت قبل أربعة أعوام ‪ ،‬فهناك من سيؤيد صنعاء ىف أطروحاتها‪ ،‬وهناك من سيقف مؤيداً‬ ‫للدولة اليمنية الجديدة‪)223(.‬‬ ‫‪ -218‬محمد السيد سعيد ‪ :‬رشعية السلم ال رشعية الحرب ‪1994/6/1 ,‬‬ ‫‪ -219‬حسن أبو طالب ‪ :‬مفاوضات نيو يورك والطريق اىل تكريس االنفصال ‪1994/7/6 ,‬‬ ‫‪ -220‬حسن أبو طالب ‪ :‬اعادة فتح امللف‬ ‫‪ -221‬رأي األهرام ‪ :‬قدر مشئوم ‪1994/5/23 ,‬‬ ‫‪ -222‬املصدر السابق‬ ‫‪ -223‬حسن أبو طالب ‪ :‬اليمن املوحد ‪..‬وداعا ‪1994/5/25 ,‬‬

‫‪123‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -4‬تشري الدالئل إىل أن املشكلة اليمنية يف طريقها لتصبح كارثة عربية بكل ما تعنيه هذه الكلمة‬ ‫من انشقاقات يف العامل العريب نحن يف غني عنها‪)224(.‬‬ ‫الفئة الثامنة‪ :‬التأكيد عىل حياد مرص يف أزمة اليمن (‪)4‬‬ ‫‪-1‬ال يوجد خالف عىل أن إلحاح الرئيس مبارك يف مطالبة قادة اليمن بوقف القتال والعودة إىل‬ ‫الحوار إمنا ينبع عن موقف مرصي غري منحاز ألي من جانبى الرصاع وعن رغبة مخلصة يف تجنيب‬ ‫الشعب اليمني مغبة االنقسام والتمزق والحرب األهلية‪)225(.‬‬ ‫‪-2‬عندما تدخلت مرص ملحاولة وقف نزيف الدم كان تصور عيل صالح عن خطأ تم تصحيحه‬ ‫أن مرص تسعى إىل وقيعه لتحقيق االنفصال ‪...‬لكن مرص نبهته إىل أن مساحات كبرية من أرض‬ ‫اليمن روتها دماء مرصية ذهبت قبل أن يوجد عيل صالح بهدف تحرير اليمن ووحدته‪)226(.‬‬ ‫‪ -3‬إن ما تلح عليه مرص هو أن تبقى القوات املسلحة بعيداً‪ ،‬ألنه إذا اقتتل الجيشان فسوف‬ ‫يؤدي هذا إىل االنفصال‪ ،‬وإذا انفصال فسوف يؤدي هذا إىل االقتتال‪)227(.‬‬ ‫‪ -4‬إذا أيدت (مرص) عيل صالح كان معنى ذلك أنها تؤيد سفك الدماء العربية‪ ،‬وإذا أيدت عيل‬ ‫سامل كانت ترجمة ذلك أنها مع االنفصال‪..‬وهذا يعني أن بلداً مثل مرص يف مأزق تجاه املأساة‪.‬‬ ‫(‪)228‬‬ ‫الفئة التاسعة‪ :‬القول بأن القيادة الجنوبية خاضت معركتها الخارسة قياساً عىل معركة الكويت‬ ‫الرابحة‪)1( :‬‬ ‫*إن الكويت مل تكن جزءا من دولة واحدة مع العراق مثل اليمن الجنويب‪.‬‬ ‫*ال توجد يف اليمن الجنويب مصالح حيوية ألحد يتهددها الحرب للقضاء عىل االنفصال‪.‬‬ ‫*استبقاء الوحدة بالقوة ال يخل بالتوازن االقليمي‪.‬‬ ‫* الحرب للقضاء عىل االنفصال يف جنوب اليمن ال يهدد حقيقة األوضاع يف الدول املجاورة‪)229(.‬‬

‫‪ -224‬ابراهيم نافع ‪ :‬وحدة اليمن بني الحوار والقوة العسكرية ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -225‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬هدنة الستئناف القتال ‪1994/5/23 ,‬‬ ‫‪ -226‬صالح منترص ‪ :‬موضوع داخيل ‪1994/5/23 ,‬‬ ‫‪ -227‬املصدر السابق‬ ‫‪ -228‬صالح منترص ‪ :‬املأزق واملأساة ‪1994/5/26 ,‬‬ ‫‪ -229‬عبد العظيم حامد ‪ :‬اليمن ليست الكويت ‪1994/7/11 ,‬‬

‫‪124‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫الفئة العارش‪ :‬الدعوة إىل مصالحة وطنية إلنهاء آثار الحرب (‪)13‬‬ ‫عندما سقطت عدن بأيدى القوات املوالية للرئيس صالح كتبت األهرام‪:‬‬ ‫‪ -1‬لن تكون املسألة هنا كام كانت يف زمن الرسول صىل الله عليه وسلم «اذهبوا فأنتم الطلقاء»‬ ‫وإمنا ستتحول إىل تصفية للحسابات ضحاياها األتباع والجنود واألنصار‪ ..‬أما الزعامء فلهم مالجئهم‬ ‫وحساباتهم يف الخارج‪)230(.‬‬ ‫ ‬

‫ويف اليوم التايل عاد الكاتب نفسه وكتب‪:‬‬

‫‪ -2‬ال يحق للزعامء السياسيني الذين فروا من القتال يف جنوب اليمن وتركوا شعبهم وراءهم أن‬ ‫يزعموا أن الحرب مل تنته‪ ...‬وال يحق لحكومة صنعاء بعد أن فرضت سلطانها بالقوة العسكرية‬ ‫تحت شعار الوحدة عىل الجنوب أن تلجأ إىل أية إجراءات انتقامية ضد قواته املستسلمة أو ضد‬ ‫أعضاء الحزب االشرتايك وإمنا عليها أن تسلك سبيل الرشعية طبقاً للمواثيق الدولية وأن تسعى إىل‬ ‫انتهاج سياسة حكيمة تقوم عىل املصالحة والعفو وحل املشكالت التي تسببت يف نشوب الحرب‬ ‫بالحوار والتفاهم»‪)231(.‬‬ ‫ وىف السياق نفسه كتبت «األهرام» ‪:‬‬ ‫‪ -3‬يقتىض الجهاد األكرب من القيادة اليمنية أن تنترص عىل انتصارها العسكرى وتسعى ألن تكون‬ ‫بحق قيادة لكل اليمنيني شامالً وجنوباً ومؤيدين ومعارضني ‪ ،‬ولن يتحقق ذلك إذا أحس املواطن‬ ‫يف جنوب اليمن أنه يعامل كمغلوب ‪ ...‬وأول الخطوات نحو تحقيق هذه الخطوة هو العفو‬ ‫العام‪ ،‬ثم السعي بكل الوسائل لتوحيد صفوف الشعب اليمني بكل فئاته وتياراته السياسية يف‬ ‫عملية مصالحة وطنية ويف إطار نظام دميقراطي تعددى‪)232(.‬‬ ‫وحول صعوبات إجراء مصالحة وطنية كتبت «األهرام» ما يىل‪:‬‬

‫‪ -230‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬عواقب حروب األشقاء ‪1994/7/9 ,‬‬ ‫‪ -231‬سالمة أحمد سالمة ‪ :‬عدم التدخل يف اليمن ‪1994/7/10 ,‬‬ ‫‪ -232‬رأي األهرام ‪ :‬وقت للسالح ووقت للسياسة ‪1994/7/11 ,‬‬

‫‪125‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫‪ -4‬ان تجاوز آثار الحرب يف اليمن (املصالحة) يحتاج إىل طريقة تفكري جديدة تختلف عن تلك‬ ‫الطريقة التي حكمت نخبة صنعاء يف الفرتة االنتقالية وتجسدت خري تجسيد طوال الشهرين‬ ‫املاضيني‪ ،‬وقامت عىل استبعاد قوى وتيارات سياسية بكاملها من معادلة الحكم يف اليمن‪)233(.‬‬ ‫واستمرت «األهرام» تلح عىل املصالحة الوطنية كام يىل‪:‬‬ ‫‪ -5‬كلهم يف اليمن مهزمون – وجميعهم اآلن مطالبون بفتح صفحة جديدة لعالج الجراح وإزالة‬ ‫األحقاد‪ ...‬والخطوة األوىل واألساسية هي تحقيق مصالحة وطنية حقيقية تقوم عىل ركائز متينة‬ ‫آخذة يف األعتبار القوى السياسية العديدة داخل البالد‪)234(.‬‬ ‫ومن بني العقبات التى تقف أمام املصالحة الوطنية أشارت «األهرام» إىل حزب اإلصالح‪:‬‬ ‫‪ -6‬إن التوجهات التي يحملها حزب اإلصالح إزاء مستقبل اليمن باتت تستبعد متاماً الحزب‬ ‫االشرتايك بجميع فصائله من العملية السياسية والعمل عىل قرص السلطة عىل الطرفني‬ ‫«املنترصين» يف محنة اليمن ونكبتها‪)235(.‬‬ ‫ ‬

‫وبعد شهر من انتهاء الحرب كتبت «األهرام» ‪:‬‬

‫‪ -7‬إذا كانت مثة فائدة ما بقيت من وراء التجربة األليمة التي شهدها اليمن‪ ،‬فهي تتمثل فقط‬ ‫يف استمرار الوحدة‪ ،‬ولكن الوحدة ما زالت يف حاجة إىل املزيد من االستتباب واالستقرار عرب‬ ‫إجراءات حقيقية لتحقيق التوازن بني شطري البالد الستكامل مسرية التطور الدميقراطي‪)236(.‬‬ ‫وعندما صدرت أحكام قضائية باعدام القادة الذين أعلنوا االنفصال أثناء الحرب «كتبت»‬ ‫األهرام‪:‬‬ ‫‪ -8‬املنطق يقول أن السيايس يتم احتواءه بالسياسة لكن األمر مختلف يف هذا البلد‪ ،‬فبدالً من‬ ‫أن يتم إحتواء األزمة الطاحنة عرب تفعيل نداء أو إقرار املصالحة السياسية الشاملة فإذا باألمر‬ ‫‪ -233‬حسن أبو طالب ‪ :‬صفحات امللف ما زالت مفتوحة ‪1994/7/13 ,‬‬ ‫‪ -234‬احسان بكر ‪ :‬امللف مل يغلق بعد ‪1994/7/17 ,‬‬ ‫‪ -235‬حسن أبو طالب ‪ :‬عقبات أمام الوفاق ‪ ,‬؟‪/‬؟‪1994/‬‬ ‫‪ -236‬رأي األهرام ‪ :‬اليمن واحتواء تداعيات الحرب ‪1994/8/7 ,‬‬

‫‪126‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫ينتهي بزيادة حدة األزمة ومداها عرب قرارات «قضائية» شملت اعداماً أو سجناً ملدد متفاوته‪...‬‬ ‫أين الحكمة اليمنية؟(‪)237‬‬ ‫ويف السياق نفسه نظرت «األهرام» إىل التعديالت الدستورية والتشكيلة الحكومية التي متت‬ ‫بعد الحرب عىل أنها من قبيل اقتسام الغنيمة وأن املصالحة الوطنية ليست واردة‪:‬‬ ‫‪ - 9‬من الناحية اإلجاملية فإن التعديالت الدستورية وتشكيل الحكومة اليمنية القادمة عىل هذا‬ ‫النحو هي انعكاس حقيقى للدوافع الكامنة التي قادت إىل الحرب بالصورة التي حدثت عليها‪.‬‬ ‫(‪)238‬‬ ‫وعندما انتخب الربملان الرئيس صالح عىل أثر التعديالت الدستورية التي الغت مجلس‬ ‫الرئاسة الجامعي كتبت «األهرام» ‪:‬‬ ‫‪ - 10‬إن انتخاب الرئيس صالح جاء بصورة تزكية‪ ،‬إذ مل يرشح النواب أحداً غريه‪ ،‬ويأىت األمران –‬ ‫التعديالت الدستورية وانتخابات الرئيس – كجزء من إعادة ترتيب األوضاع السياسية الداخلية‬ ‫بعد الحرب‪)239(.‬‬ ‫وقبيل إجراء االنتخابات النيابية للعام ‪97‬م كتبت «األهرام» ‪:‬‬ ‫‪ - 11‬يتضح من مجمل عنارص املشهد السيايس اليمني أن االنتخابات القادمة ال تخرج عن كونها‬ ‫سيناريو معداً سلفاً لتأكيد نتائج ومرياث الحرب األهلية صيف ‪94‬م ‪ ،‬ومن ثم فلن تكون حلقة‬ ‫ىف مسرية التعدد الحزيب‪ ،‬أو حتى تجميد الوضع الراهن عىل ما هو عليه ‪ ،‬وإمنا ستكون خطوة‬ ‫للوراء شأنها شأن كل الرتتيبات املناهضة لحق الشعوب ىف التطور والحرية‪)240(.‬‬

‫‪ -237‬حسن أبو طالب ‪ :‬عجائب مينية ‪1998/4/3 ,‬‬ ‫‪ -238‬حسن أبو طالب ‪ :‬اقتسام املغانم ‪1994/8/31 ,‬‬ ‫‪ -239‬حسن أبو طالب ‪ :‬سباق ترتيب األوضاع ‪1994/10/5 ,‬‬ ‫‪ -240‬حسن أبو طالب ‪ :‬االنتخابات اليمنية سابقة التجهيز ‪1997/4/18 ,‬‬

‫‪127‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫وعندما ظهرت نتائج االنتخابات النيابية وحصل املؤمتر الشعبي العام فيها عىل أغلبية‬ ‫مريحه وكاسحة كتبت «األهرام» ‪:‬‬ ‫‪ - 12‬كرست االنتخابات اليمنية حقائق جديدة سوف تؤثر عىل توجهات اليمن الداخلية‬ ‫والخارجية عىل السواء ‪ ...‬واألكرث من هذا أعطت لنا مث ًال بارزاً عىل أن السلطة ىف عاملنا العرىب‬ ‫ميكنها أن توظف أكرث اآلليات الدميقراطية ليس فقط إليجاد حقائق جديدة‪ ،‬وإمنا لتوفري معطيات‬ ‫لالستمرار واإلنفراد بالحكم عىل نحو غري مسبوق‪) (.‬‬ ‫وعندما امتنع الربملان عن تزكية مرشح املعارضة النتخابات الرئاسة يك ينافس الرئيس صالح‬ ‫‪ ،‬كتبت «األهرام»‪:‬‬ ‫‪ - 13‬صيغة التعددية التي تجرى بها االنتخابات اليمنية تعكس يف الواقع‪ ،‬استمرار محدودية‬ ‫عملية التوجه الدميقراطي‪ ،‬حيث أن هذه التعددية تبدو ذات طابع شكيل محض‪ ،‬بل إنها قد‬ ‫تكون من قبيل الشئ لزوم الشئ‪ ،‬فمنافس الرئيس صالح هو أحد األعضاء البارزين يف حزب‬ ‫املؤمتر الشعبي (حزب الرئيس)‪)242(.‬‬

‫‪ -241‬حسن أبو طالب ‪ :‬االنتخابات اليمنية تكرس حقائق جديدة ‪1997/5/9 ,‬‬ ‫‪ -242‬أحمد منييس ‪ :‬االنتخابات اليمنية وحدود التحول الدميوقراطي ‪1999/9/17 ,‬‬

‫‪128‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫احملتويات‬

‫املوضوع‬ ‫ ‬ ‫يف معنى الوحدة‬ ‫ ‬ ‫محاولة لتقييم تجربة الوحدة‬ ‫ ‬ ‫القضية الجنوبية ‪ :‬خلفية تاريخية‬ ‫ ‬ ‫يف عدم أهلية النظام السيايس يف الشامل للوحدة مع الجنوب عام ‪1990‬‬ ‫ ‬ ‫حرب صيف ‪94‬‬ ‫ ‬ ‫القضية الجنوبية يف صحيفة األهرام القاهرية‬

‫‪129‬‬

‫الصفحة‬ ‫‪4‬‬ ‫‪12‬‬ ‫‪36‬‬ ‫‪61‬‬ ‫‪72‬‬ ‫‪82‬‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬


‫القضية اجلنوبية بني الرواية والدراية‬

‫طاهر شمسان‬

القضية الجنوبية بين الرواية والدراية  

من لم يقرأ هذا الكتاب لا يعرف شيئا عن جوهر القضية الجنوبية