Page 1

‫مــن‬

‫كــل‬

‫مكـان‬

‫منوع ـ ــات‪..‬‬

‫األستاذ محمود أبو غزالة‬ ‫القــدس‬

‫عندما تتضارب اآلراء وتتشابك األفكار وتتغير‬ ‫املواقف‪ ،‬وتتبدل الثوابت‪ ،‬وتختلط األوراق‪..‬‬ ‫يصبح من الصعب على املرء التمييز بني الغث‬ ‫والسمني‪ ،‬والصالح والطالح‪ ،‬واخلطأ والصواب‪،‬‬ ‫وتطفو على السطح اإلنتهازية واألنانية‪ ،‬وتكثر‬ ‫الرويبضات بأفكارها املزاجية وطروحاتها‬ ‫الذاتية‪ ..‬وتصبح األلوان كلها رمادية تلفها‬ ‫الضبابية‪ ..‬فكثيرا ً ما نسمع كلمة خط أحمر‪ ..‬فما‬ ‫هو هذا اخلط األحمر؟ وهل بقي اللون األحمر كما‬ ‫هو‪..‬؟ أم تغير اللون وكلح‪ ،‬فأصبح زهريا ً باهتا ً أم‬ ‫انعدم‪..‬؟ قد يسأل سائل‪ :‬ما هو اخلط األحمر؟؟‬ ‫اخلط األحمر تعبير مجازي عن اخلطر الذي ميكن‬ ‫أن يقع وال تعرف عواقبه إن مت جتاوزه سواء على‬ ‫صعيد األفراد أو املؤسسات أو الوطن‪..‬‬ ‫وعادة يرتبط هذا اخلط بالسلوك اإلجتماعي‬ ‫والنهج الفردي أو النظام والقانون والدستور‪.‬‬ ‫ويتطلب األمر التفكير طويالً قبل اجتياز هذا‬ ‫اخلط الذي حدد كنقطة مركزية في التصرف‬ ‫والسلوك ومعرفة التداعيات والعواقب‪.‬‬ ‫لعل اإلشارة الضوئية احلمراء وهي عيّنة حقيقية‬ ‫وليست مجازا ً تعطينا الفهم والقصد من وراء‬ ‫ذلك‪ ..‬فاإلشارات الضوئية احلمراء تلزم السيارات‬ ‫واملركبات واملارة اإللتزام بها‪ ،‬والتوقف عندها‪.‬‬ ‫وفي حال جتاوزها يقع احملظور‪ ،‬ويقع اخلطر إما‬ ‫باملركبات ومن فيها أو باملارة‪.‬‬ ‫ورغم وقوع الضرر فقد جند املبررات واألعذار‬ ‫الواهية للسلوك اخلاطىء والتصرف غير‬ ‫املسؤول‪ ،‬أو السقوط املرفوض‪ .‬فتلك املبررات ال‬ ‫تكون بحجم الضرر الذي قد ينتج عن ذلك‪.‬‬ ‫قد يقول قائل‪ :‬إياك وهذا الزعيم أو القائد أو‬

‫املسؤول‪ ..‬إياك أن تتطاول عليه أو تشتمه‪ ،‬فهو‬ ‫خط أحمر‪ ..‬وقد يقول قائل‪ :‬هذه سيدة واصلة‪..‬‬ ‫إياك التحرش بها أو احلديث معها أو عنها‪..‬‬ ‫هذه خط أحمر‪ ،‬إن فعلت ذلك جتد نفسك وراء‬ ‫الشمس‪..‬‬ ‫إذا ما قارنا بني األمس واليوم‪ ..‬بني املاضي‬ ‫العريق واحلاضر املؤلم‪ ،‬جند الفرق الشاسع‪ ،‬وال‬ ‫مجال للمقارنة‪..‬‬ ‫رأس املنافقني في املدينة املنورة عبد الله بن أبي‬ ‫سلول قال كما ورد في القرآن الكرمي {يقولون‬ ‫لئن رجعنا الى املدينة ليخرجن األعز منها‬ ‫األذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنني ولكن‬ ‫املنافقني ال يعلمون} سورة املنافقون ـ ـ آية ‪،8‬‬ ‫توعد بإخراج الرسول & من املدينة ووصل‬ ‫األمر الى النبي & وأصحابه‪ ،‬وكان هناك أيضا ً‬ ‫ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول الذي قال‬ ‫للرسول &‪ :‬يا رسول الله‪ ،‬إن أردت قتله فمرني‬ ‫بذلك‪ ،‬فأنا والله أحمل إليك رأسه‪ .‬فنهاه الرسول‬ ‫وقال‪( :‬ال يتحدث الناس أن محمدا ً يقتل أصحابه)‪.‬‬ ‫ووقف الصحابي عبد الله عند باب املدينة حتى‬ ‫جاء أبوه فمنعه من دخول املدينة وقال له‪ :‬والله‬ ‫ال تنقلب الى املدينة حتى تقول أنك أنت الذليل‬ ‫ورسول الله & ـ ـ العزيز ـ ـ ففعل‪.‬‬ ‫لم يكن هناك خطوط حمراء‪ ،‬وال زرقاء‪ .‬كان هناك‬ ‫إميان منقطع النظر‪ ،‬ثبات على احلق ال يتزعزع‪.‬‬ ‫حب لرسول الله & ال يقاس وال يقدر بثمن‪.‬‬ ‫اليوم هناك من تطاول على سيد اخللق أجمعني‬ ‫برسوم كاريكاتورية مسيئة‪ ..‬فماذا حصل؟ قلة‬ ‫هم الذين حركهم حب رسول الله &‪ ،‬والغالبية‬

‫سيما من احلكام وعلماء السالطني سارعوا الى‬ ‫عقد املؤمترات حول التسامح الديني وحوار‬ ‫األديان ونبذ اإلرهاب‪!!..‬‬ ‫اليوم‪ ..‬هناك من هدد بحرق القرآن الكرمي‪،‬‬ ‫كتاب الله العزيز‪ ..‬هل حترك الزعماء؟؟ بل كانت‬ ‫تبريراتهم سخيفة‪ ..‬كالم القس جونز زوبعة في‬ ‫فنجان‪ ..‬لكن املذكور متكن من حتقيق مراده بعدم‬ ‫بناء املركز اإلسالمي مكان مبنى التجارة العاملي‬ ‫الذي دمر بأحداث احلادي عشر من أيلول‪..‬‬ ‫باألمس‪ ،‬كانت أعراض املسلمني مصانة‬ ‫ومقدسة‪ ..‬الويل ملن يعتدي عليهم‪ ..‬جنود رومان‬ ‫أهانوا امرأة هاشمية إبان حكم املعتصم بالله‪،‬‬ ‫فصرخت وامعتصماه‪ ..‬فحرك اجليوش واحتل‬ ‫معقلهم في عمورية عام ‪835‬م‪.‬‬ ‫لم يكن هناك خطوط حمراء‪ ،‬كان هناك غيرة‬ ‫املسلمني على أعراضهم‪ ،‬كان هناك إميان وكبرياء‬ ‫وعزة وشرف‪ ..‬اليوم تنتهك األعراض واحلرمات‬ ‫وتسبى نساء املسلمني‪ ..‬ورغم نداءات اإلستغاثة‬ ‫فال حياة ملن تنادي‪..‬‬ ‫باألمس كانت مقارعة األعداء والنضال لتحرير‬ ‫األوطان واجب مقدس‪ ..‬كانت املقاومة مشروعة‬ ‫ضد احملتلني في فرنسا وبريطانيا ضد النازيني‬ ‫والفاشيني‪ ..‬أما اليوم فإن النضال أصبح أمرا ً‬ ‫مرفوضا ً بحكم العوملة واإلنفتاح والشرق‬ ‫األوسط اجلديد‪ ..‬هكذا اختلطت األمور وانقلبت‬ ‫املوازين‪ ،‬قد يصاب املرء بعمى األلوان وضعف‬ ‫النظر لكبر السن وتقدمه في العمر أو ملرض‬ ‫أصابه وهذا قدر الله‪ ...‬أما أن تصاب بصيرة املرء‬ ‫بالعمى فتلك الطامة الكبرى ومبا اكتسبت أيدي‬ ‫الناس‪.‬‬ ‫مشوار ‪19‬‬

page19  

‫القــدس‬ 19 ‫مشوار‬

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you