Issuu on Google+


‫معمر مطماطي‬

‫جهل العلماء‬ ‫مع عمر بن الخطاب الخليفة الثاني لإلسالم كمثال‬

‫ترجمة ‪ :‬هشام القروي‬

‫‪1‬‬


‫عن ابن عباس أن العباس قال ‪ :‬سألت هللا حوال بعدما مات عمر أن يرينيه في المنام‪ .‬فرأيته بعد حول‬ ‫و هو يسلت العرق عن جبينه فقلت ‪ :‬بأبي أنت و أمي يا أمير المؤمنين ما شأنك ؟‬ ‫‪1‬‬ ‫فقال ‪ :‬هذا أوان فرغت و إن كاد عرش عمر ليهد لوال أني لقيت رؤوفا رحيما!"( )‬ ‫أخرج ابن سعد عن سالم بن عبد هللا بن عمر قال ‪ :‬سمعت رجال من األنصار يقول ‪ :‬دعوت هللا أن‬ ‫يريني عمر في المنام فرأيته بعد عشر سنين و هو يمسح العرق عن جبينه فقلت ‪ :‬يا أمير المؤمنين‬ ‫ما فعلت ؟‬ ‫‪2‬‬ ‫قال ‪ :‬اآلن فرغت و لوال رحمة ربي لهلكت!"( )‬

‫‪ 1‬السيوطي ‪ :‬تاريخ الخلفاء‪.‬‬ ‫‪ 2‬السيوطي‪ :‬تاريخ الخلفاء‪.‬‬

‫‪2‬‬


‫مقدمة‬

‫العديد من قرائي وقارئاتي ‪ ،‬على إثر مطالعتهم كتابي "الصالة المبتدعة"‪ ،‬تساءلوا بكل شرعية‪:‬‬ ‫"كيف أمكن لعمر بن الخطاب‪ ،‬العالم الفاضل‪ ،‬الخليفة الثاني في اإلسالم‪" ،‬النبي‬ ‫الثاني"(‪ ،)3‬أن ينقض تعاليم الرسول ‪ ،‬عليه الصالة والسالم‪ ،‬ويستحدث في موضوع‬ ‫الصالة المدعوة تراويح؟" ومع ذلك‪ ،‬وبالرغم من الحجج الدامغة التي أتينا بها في الكتاب‬ ‫المذكور(‪ ،)4‬ال يزال عدد من الناس – ولعلهم الغالبية الغالبة – يصرون على رفض أن يكون عمر (رضي‬ ‫هللا عنه) قد أحدث بدعة ‪ ،‬تناقض مناقضة تامة تعاليم الرسول ‪ ،‬عليه الصالة والسالم‪.‬‬ ‫ذلك أن عالما‪ ،‬ال سيما وهو شيخ كبير كعمر‪ ،‬ال يمكن مبدئيا أن يستحدث وينشئ بدعة! والخالصة‬ ‫أننا ‪ ،‬وكما سنرى ذلك بالتفاصيل‪ ،‬نقف بوضوح إزاء حالة من حاالت عبادة الشخصية‪.‬‬ ‫فعال‪ ،‬أقول إن مجموع األحاديث التي أوردها البخاري في الصحيح‪ ،‬وكذلك محدثون ثقات غيره‪ ،‬مثل‬ ‫أحمد بن حنبل ‪ ،‬وأبي داوود‪ ،‬الخ‪ ...‬واضحة ‪ ،‬ومنسجمة‪ ،‬خالية من أي مفارقة أو تناقض‪ .‬ما تقوله‬ ‫هذه النصوص بجالء ليس أن النبي (ص)صلى مع أصحابه‪ ،‬وإنما أن هؤالء األخيرين صلوا معه‪ ،‬دون‬ ‫علم منه‪ .‬ولهذا يسعنا أن نقرأ في نفس هذه النصوص ‪،‬أن الرسول (ص) عندما علم بحضور بعض‬ ‫أصحابه‪ ،‬بقي جالسا‪ ،‬أو أنه قال ‪" :‬قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم(‪ ،)5‬فصلوا أيها الناس في‬ ‫بيوتكم‪ .‬فإن أفضل الصالة صالة المرء في بيته‪ ،‬إال المكتوبة‪ "...‬والحال أنه إذا كان النبي (ص) كما يؤكد‬ ‫البعض‪ ،‬صلى مع أصحابه‪ ،‬فإنه من المستبعد أن يبقى جالسا مكانه حين أدرك أن بعضهم كان يقلده‪،‬‬ ‫ومن المستبعد أيضا أن يقول لهم ‪ " :‬قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم‪ !!! "..‬فحين يصلي‬ ‫اإلنسان مع بعض األشخاص‪ ،‬ال يقول لهم ‪ " :‬قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم‪ !"...‬هذا على‬ ‫األقل ما أعتقده! نالحظ بالتالي أن هذين الموقفين للرسول (ص)‪ ،‬المتمثلين في بقائه جالسا وفي‬ ‫قوله ‪ " :‬قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم‪ "..‬يبينان بجالء أن النبي (ص) خالفا لما يريدوننا أن‬ ‫نعتقد‪ ،‬لم يصل مع أصحابه‪ ،‬بل وأكثر من ذلك‪ ،‬نراه يعترض بشدة على هذه المحاولة إلنشاء صالة‬ ‫جديدة‪.‬‬ ‫‪6‬‬ ‫لألسف ‪ ،‬فإن اعتراضه لم يؤد إلى حسم المسألة! ذلك أن تلك الصالة أصبحت مع "أهل السنّة"( )‬ ‫فرضا! وهذا ما يوحي بأن "سنّة" عمر تفوقت على سنّة الرسول (ص)‪ .‬ولألسف أيضا‪ ،‬كما سنرى‬ ‫ذلك من خالل مقتطف من كتاب عالم سني‪ ،‬هو السيوطي‪ ،‬لم يتوقف ذلك عند موضوع التراويح !‬

‫‪3‬‬ ‫‪4‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪6‬‬

‫يبدو ان الرسول عليه الصالة والسالم قال‪" :‬لو كان بعدي نبي لكان عمر"‪ ,‬عن احمد بن حنبل‪.‬‬ ‫إلى هذا اليوم‪ ،‬لم يقدم لي أحد حججا علمية دينية مقنعة ليبين أنني على خطأ‪.‬‬ ‫انظر ‪ :‬الصالة المبتدعة‪.‬‬ ‫ينبغي أن نميز جيدا بين السنّي الحقيقي والسنّي الجديد‪ ،‬مثلما ينبغي التمييز بين المسلم واإلسالم‪ ،‬أو بين الشيعي بالمعنى األصلي والشيعي الجديد‪.‬‬

‫‪3‬‬


‫وال تتوقف القصة عند هذا الحد أيضا‪ .‬فمن المؤسف أن نجد الرسول (ص) يقول بعد ذلك‪" :‬فصلوا أيها‬ ‫الناس في بيوتكم‪ ،‬فإن أفضل الصالة صالة المرء في بيته‪...‬إال المكتوبة"‪ .7‬أو كذلك‪":‬‬ ‫فعليكم بالصالة في بيوتكم‪ ،‬فإن خير صالة المرء في بيته إال الصالة المكتوبة‪ 8"...‬ويعلم‬ ‫الناس جميعا أن التراويح ليست صالة مكتوبة! وتنتهي القصة بهذه الطريقة‪ ":‬فرفعوا أصواتهم وحصبوا‬ ‫الباب‪ ،‬فخرج إليهم مغضبا‪ ،‬فقال لهم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ :‬مازال بكم صنيعكم حتى‬ ‫ظننت أنه سيكتب عليكم‪ ،‬فعليكم بالصالة في بيوتكم‪ ،‬فإن خير صالة المرء في بيته‪ ،‬إال‬ ‫‪9‬‬ ‫الصالة المكتوبة‪".‬‬ ‫أعتقد أن الرسول (ص) كان واضحا كل الوضوح!‬ ‫ولكن في النهاية‪ ،‬كيف يمكن "ألبطال السنّة الحقيقية"‪ ،‬أولئك الذين نسمعهم كل يوم يقولون ‪ :‬قرآن‬ ‫– سنّة مائة بالمائة‪ ،‬أن يفسروا لنا هذا الخرق الواضح لألمر الواضح الذي لم يكن مصدره "النبي‬ ‫الثاني"‪ ،‬وإنما النبي محمد عليه الصالة والسالم! وإنه لمن المدهش أنه بالرغم من اعتراف عمر‬ ‫نفسه ‪ ،‬وقوله بالحرف الواحد‪":‬نعم البدعة هذه!"‪ ،10‬يستمر الناس على إصرارهم في عدم اإلعتراف‬ ‫بالخطأ!!! فماذا نقول عن هذا الوضع إذن؟ كيف يمكن مناقضة الرسول (ص) واإلدعاء مع ذلك أننا نتبع‬ ‫السنّة مائة بالمائة‪ ،‬في حين أن هذه السنّة نفسها تعلمنا العكس؟ وإلى ذلك‪ ،‬فإننا نعلم جميعا أن‬ ‫مخالفة النبي (ص) تعني مخالفة هللا جل وتعالى‪.‬‬ ‫وبما أن علم الدين ال يوفر اإلجابة‪ ،‬فباإلمكان استغالل منهج آخر يبدو في أصل هذا الجنون ‪ ،‬وهذا‬ ‫الوضع الغريب‪ .‬وهو كالتالي‪ :‬إن الكتب التي ألفها بعض العلماء أو من هم أقل علما‪ ،‬ترسم لنا صورة‬ ‫لعمر "كأب" للعلم‪ ،‬و"نبي ثان"‪ ،‬أي بصفته "العالم"‪ .‬وال مفر بالتالي من أن تقودنا تلك الصورة بطريقة‬ ‫منطقية تماما إلى االرتياب في القصص التي يمكن أن نطالعها هنا وهناك‪ ،‬بما أن رواتها أشخاص غير‬ ‫معروفين‪ ،‬ومن ثم ة"غير علماء"‪ .‬وهي إجماال قصص تضع تساؤالت مهمة حول مواقف عمر أو غيره‬ ‫من الصحابة‪ ،‬إزاء أية قضية تمس شعائر الدين‪.‬‬ ‫ويبدو هذا كله ك"نظام" مقفل‪ .‬فكل إنسان يقول أشياء تخالف السائد‪ ،‬أي ما ينشره العلماء عموما‪،‬‬ ‫وعلماء المملكة السعودية بشكل خاص‪ ،‬سوف يوصف على الفور بأنه ضال‪ ،‬دون أن يأخذ أحد الوقت‬ ‫لإلطالع على ما يقوله فعال! وهذا يشكل في الحقيقة النقيض األعلى ألخالقية اإلسالم وشريعته! بل‬ ‫لعل التفكير كان أكثر حيوية حتى في المرحلة التي سبقت اإلسالم! فكيف يمكننا اإلدعاء بأننا‬ ‫مسلمون عندما نكون مشحونين بهذا القدر من األفكار المسبقة؟‬ ‫يبدو غير مشكوك فيه أن تفكير العرب األحادي أصاب بالعدوى ذلك اإلسالم الرائع الذي خلفه الرسول‬ ‫(ص)!ويتضح بالفعل أن النبي (ص) كان أكثر الناس تسامحا‪ .‬فميراثه احتوى من بين العديد من‬ ‫األشياء‪ ،‬القرآن‪ ،‬واإلخالص‪ ،‬والتسامح‪ ،‬الصدق‪،‬والحب‪...‬الخ‪ .‬أي النقيض التام لما نراه أمامنا اليوم‪.‬‬ ‫إن الذين خلفوه لم يكونوا دائما عند مستوى الرسالة اإلسالمية في أفضل الحاالت‪ .‬وأما في أسوئها‪،‬‬ ‫فقد شوهوا تماما صورة اإلسالم وأتلفوا رأسماله من المصداقية‪ ،‬وكان أولهم في نظري هو الملك‬ ‫معاوية بن أبي سفيان‪ .‬فهو حسب ما يبدو(‪ ، )11‬من أمر بقتل الحسن بن علي وحفيد النبي (ص)‪،‬‬ ‫كما قتل كذلك عبد الرحمان بن خالد بن الوليد‪ ،‬كالهما بالسم‪.‬‬ ‫لقد انتصر العرق على الدين!‬ ‫وضمن هذا النظام‪ ،‬فهم ال يترددون في توجيه تهمة الضالل والزندقة أولئك الذين ال يحبون كثيرا هذا‬ ‫أو ذاك الصحابي‪ ،‬وخاصة – وهذا أخطر‪ -‬أولئك الذين ال يقبلون مثال النسق السائد المفروض من طرف‬ ‫‪ 7‬صحيح البخاري‪.‬‬ ‫‪ 8‬صحيح البخاري‪.‬‬ ‫‪ 9‬صحيح البخاري‪.‬‬ ‫‪ 10‬صحيح البخاري‪.‬‬ ‫‪ 11‬أقول "حسب ما يبدو" ‪ ،‬ألنه حسب ابن كثير وغيره من العلماء‪ ،‬ليس معاوية هو الذي قتل الحسن وابن خالد بن الوليد! ولكن حسب الطبري وآخرين أيضا‪،‬‬ ‫فمعاوية هو الذي أمر بدس السم لهما! والسؤال هو‪ :‬على أي نص يقيم ابن كثير حجته‪ ،‬ليخالف بها – وهو ابن القرن الثامن للهجرة – الطبري الذي عاش في‬ ‫القرن الثالث؟ فمن غير معاوية كانت له مصلحة أكيدة في قتل الحسن ‪ ،‬ولماذا سر معاوية بموته؟‬

‫‪4‬‬


‫"أهل السنة والجماعة"‪ ،‬وهو يتمثل في ما يلي‪ " :‬أفضل الصحابة أبو بكر‪ ،‬ثم عمر‪ ،‬ثم عثمان‪،‬‬ ‫وأخيرا علي "(رضي هللا عنهم)‪ .‬فهذا أمر مالزم لمذهبهم العقيدي(‪!)12‬في حين أن هذا الترتيب‬ ‫يحتاج إلى دليل‪ .‬فإذا كان أبو بكر وعمر وعثمان أفضل من علي‪ ،‬فلماذا رفض النبي (ص) تزويج ابنته‬ ‫فاطمة عندما طلب يدها هؤالء الثالثة وقبل طلب علي؟ إنه ألمر غريب ! فنحن نعلم أن أي أب‪ ،‬وال‬ ‫سيما أنه عربي‪ ،‬وفوق ذلك نبي‪ ،‬يفترض ان يقبل تزويج ابنته من الرجل الذي يجله أكثر من غيره!‬ ‫وإن لم يكن األمر هكذا‪ ،‬فبودي أن يتفضل أحدهم بتفسيره لي! واألخطر من هذا هو ان نفهم كيف‬ ‫أمكن إدخال قضية ليس لها سند ال في القرآن وال في السنة‪ ،‬في مذهب أهل السنة والجماعة‪،‬‬ ‫وهي المتمثلة في فرض احترام الترتيب الذي قرروه ‪ ،‬ودون ذلك ‪ ،‬فسيعرض المرء نفسه لتهم‬ ‫الضالل والزندقة! ولكن األخطر من ذلك هو معرفة كيف أمكن لمسألة ليس لها أساس ال في القرآن‬ ‫وال في السنة‪ ،‬أن تتحول إلى عقيدة أساسية في مذهب أهل السنة والجماعة‪ .‬أي أنه يتوجب مهما‬ ‫كانت التكاليف احترام الترتيب الذي أقروه‪ ،‬ودون ذلك يعرض المرء نفسه لتهمة الضالل!‬ ‫ولكن ما هو مرجعهم في القرآن أو في الحديث؟ إضافة إلى ذلك‪ ،‬فإن هذا المزعم يخالف ما نقرأه في‬ ‫نصوص البخاري وسواه‪ .‬أوال‪ ،‬وضع علي في المرتبة الرابعة‪ ،‬يخالف جذريا كل األخبار التي رويت في‬ ‫الكتب المرجعية‪ .‬فضال عن دالئل مثل قبول النبي (ص) تزويجه من ابنته المفضلة‪ ،‬وما ورد في العديد‬ ‫من األحاديث النبوية‪ ،‬إضافة الى الدور الذي لعبه علي في تاريخ اإلسالم‪ .‬إن جميع هذه العناصر‬ ‫تذهب في اإلتجاه المعاكس تماما لوضع علي في المرتبة الرابعة‪ .‬هذا بالنسبة للتناقض األول‪ .‬وأما‬ ‫التناقض الثاني‪ ،‬فهو التالي‪:‬‬ ‫نقرأ في كتاب البخاري ما يلي‪" :‬عن ابن عمر رضي هللا عنهما قال ‪:‬‬ ‫كنا في زمن النبي صلى هللا عليه وسلم ال نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان ثم‬ ‫نترك أصحاب النبي صلى هللا عليه وسلم ال نفاضل بينهم‪ )13(".‬وهذا ما يعني بوضوح أنه‬ ‫خالفا لما يدعيه أهل السنة والجماعة‪ ،‬ليست المسألة أن عليا أقل أهمية من الخلفاء الثالثة األوائل‪،‬‬ ‫بل إنه لم يكن مرتبا أصال بوصفه الرجل الرابع‪ .‬نفهم ذلك من قوله‪ ":‬ثم نترك أصحاب النبي صلى‬ ‫هللا عليه وسلم ال نفاضل بينهم"‪ .‬فقد كانت المرتبة الرابعة بالتالي خالية‪ .‬وكان بإمكان أي كان‬ ‫ان يضع فيها من يريد‪ .‬مثال‪ - :‬أنا سأضع في هذه المرتبة أبو سفيان‪ ،‬وأنت؟ ‪ -‬أنا سأضع فيها جاري‪،‬‬ ‫فهو يبدو لي لطيفا بشاشيته الصغيرة! وبعكس ذلك‪ ،‬لم تكن المراتب الثالث األولى شاغرة‪ .‬وكان‬ ‫ممنوعا بالتالي المس بها‪ ،‬إذا لم يكن المرء يريد أن يتهم بأنه شيعي أو ربما أن يدمغ حتى بالكفر‪.‬‬ ‫ففي هذا الميدان‪ ،‬االختصارات سريعة عاجلة!‬ ‫إنه لنكران جميل تجاه سيدنا علي!‬ ‫إن السؤال المطروح اآلن يتعلق بمعرفة ما إذا كان يجوز وضع علي في المرتبة الرابعة حسب اعتقاد‬ ‫أهل السنة والجماعة‪ ،‬أو في المرتبة الصفر حسب هذا الخبر الذي رواه البخاري عن ابن عباس! فهل‬ ‫هي الرتبة الرابعة أو الرتبة الصفر؟ كيف يمكن ألهل السنة والجماعة أن يخالفوا البخاري في حين‬ ‫أنهم يرون أن كل ما رواه الرجل صحيح مائة بالمائة؟‬ ‫لنعد إلى أولئك الذين يكتبون في االتجاه المعاكس للتاريخ الرسمي‪ .‬فحتى إذا كانت هذه األخبار‬ ‫واضحة ومسندة بإحكام‪ ،‬سوف يقع رفضها‪ .‬ذلك أن عمر وصف مرارا وتكرارا بأنه " شيخ العلماء"‪،‬‬ ‫والنبي الثاني‪ ،‬فال يمكنه بالتالي أن يقع في الخطأ‪ ،‬وإن فعل ‪ ،‬فنادرا جدا‪ ،‬ذلك أن ال أحد معصوم‪ .‬إن‬ ‫المبالغات التي أضفيت على عمر (في حين أنه لم يطلب شيئا!)‪ ،‬بواسطة أخبار عديدة رواها علماء‬ ‫كما رواها من يقلون عنهم علما‪ ،‬أدت بالعالم السني اإلسالمي إلى عدد من المواقف العبثية‪ ،‬من‬ ‫حيث أنها تنقض مناقضة تامة تعاليم الرسول (ص) والقرآن والكتب المرجعية‪ ،‬كما رأينا ذلك فيما يخص‬ ‫الصالة المسماة "التراويح"‪ ،‬وكما سنرى ذلك مجددا‪.‬‬ ‫فيما يخصني‪ ،‬ال يعسر علي أن أقبل فكرة أن عمر كان غاية في العلم‪ ،‬أي كما يصفونه في الكتيبات‬ ‫الصغيرة التي تباع في األسواق بثالث يورو‪ .‬ولكن كيف يمكن أن نفسر أن النبي الثاني‪ ،‬والمرجع‪،‬‬ ‫‪" 12‬عقيدة أهل السنة والجماعة"‪ ،‬الشيخ محمد صالح العثيمين‪ .‬منشورات أوريجينال و انس‪.‬‬ ‫‪ 13‬صحيح البخاري‪ ،‬المناقب ‪ :‬مناقب عثمان بن عفان‪ ،‬رقم ‪.3421‬‬

‫‪5‬‬


‫يمكن أن ينقض إلى هذا الحد السنّة التي اتبعها النبي الحق‪ ،‬والمرجع الحق‪ ،‬والعالم الحق‪ ،‬ال من‬ ‫يزعمونهم كذلك؟‬ ‫وكيف يمكن إذا أن نفسر كل األخطاء‪ ،‬وهي ليست صغيرة‪ ،‬التي ارتكبها شيخ العلماء؟ كيف يمكن أن‬ ‫نفسر العديد من األخبار الصادمة‪ ،‬التي تبرز عمر بمظهر ال نعرفه‪ ،‬إذ أنه لم يكشف ولم يروج؟ والحال‬ ‫أن هذه األخبار تضمنتها كتبنا ذاتها‪ ،‬ال أي كتب‪ ،‬وأعني تلك الكتب التي تمثل المصدر األساسي‬ ‫لتعليم السنة النبوية الشريفة‪ .‬إنني أشير إلى أولئك الرجال المحترمين أمثال البخاري‪ ،‬ومسلم‪ ،‬وابن‬ ‫أبي شيبة‪ ،‬وأحمد بن حنبل‪ ،‬وسواهم‪.‬‬ ‫وبما أننا نواجه تناقضا مهما‪ ،‬حيث من ناحية ترسم لنا لوحة لعمر بصفته النبي الثاني‪ ،‬وشيخ العلماء‪.‬‬ ‫ومن ناحية أخرى‪ ،‬لدينا وقائع تاريخية محققة‪ ،‬ال يمكن إال أن تفضي بنا منطقيا إلى التفكير أن عمر لم‬ ‫يكن على ذلك القدر من العلم الذي يزعمونه‪ .‬وال بد بالتالي من اختيار موقعنا ضمن أحد‬ ‫"المعسكرين"! فإما أن نقف إلى جانب أولئك الذين رسموا صورة خيالية لعمر – وهو أقل ما يقال – بما‬ ‫أنها في تناقض تام مع األخبار البينة التي أتى بها "آباء" المذهب السني‪ ،‬أولئك العلماء األجالء‬ ‫والشرفاء‪ .‬وإما أن نقف إلى جانب هؤالء األخيرين‪ ،‬حيث أنهم يبينون لنا دون أدنى شك ‪ ،‬أن عمر‬ ‫الحقيقي مختلف جدا عن ذلك الذي يقدمونه لنا في العديد من المناسبات و يروجون له صورة عالم‬ ‫كبير!‬ ‫وفي النهاية‪ ،‬فإن سؤالي هو التالي‪ :‬هل ينبغي لنا أن نصدق البخاري ومسلم‪ ،‬أم الشيخ كذا؟‬ ‫أرى من الضروري أن أقول إنني اخترت "معسكري"‪ ،‬وأنني لم أفعل ذلك عن عدائية تجاه عمر‪ ،‬ذلك‬ ‫أنه ليس لدي أي سبب شخصي إطالقا للتحامل عليه‪ ،‬وإن كان سلوكه تجاه عائلة النبي (ص)‬ ‫أحزنني بشدة‪ .‬ولم أبن موقفي كذلك عن طريق إجراء قرعة‪ ،‬وإنما اتخذته لسبب واحد فقط‪ :‬وهو أنه‬ ‫الموقف الذي يمليه العلم‪.‬‬ ‫لدينا من جهة‪ ،‬نصوص المصادر التي تعود إلى القرنين الثاني والثالث للهجرة‪ ،‬والتي دونها "آباء"‬ ‫المذهب السني‪ ،‬الذين يغرف معارفهم جميع العلماء والطالب في العالم قاطبة كما يفترض‪ .‬ولدينا‬ ‫من جهة أخرى‪ ،‬كتابات علماء معاصرين أو أسبق قليال‪ ،‬يدافعون أحيانا عن أطروحات تتعارض التعارض‬ ‫التام مع النصوص التي أوردتها مصادر السنّة‪ .‬وحتى إذا كان بعض هؤالء العلماء ال يناقضون حرفيا عددا‬ ‫من النصوص التاريخية‪ ،‬فهم يفعلون ذلك بطريقة غير مباشرة‪ ،‬أي بالتهوين من أهمية بعض المعطيات‬ ‫التاريخية – عن قصد أو غير قصد – أو بالتهرب منها ببساطة‪ ،‬كقضية يوم الخميس مثال‪ ،‬التي ال‬ ‫يقدمون لها أي تفسير جدير بعلماء الدين‪ )14(.‬وسأعود إلى هذه المسألة في اإلبان‪ ،‬مستشهدا‬ ‫بتفسير ابن تيمية‪ ،‬وسأعلق عليه‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬فمن نتبع؟ بالنسبة لي‪ ،‬فإن هذا السؤال ال يطرح ولو حتى لثانية واحدة!‬ ‫ذلك أنني أفضل أن أخطئ في الوقت الذي أكون فيه اخترت لنفسي مبدأ بحث منتظم وصحيح‪ ،‬على‬ ‫أن أقلب مواقع و أوضاع دالئلنا الدينية‪.‬‬ ‫اليوم‪ ،‬يمنع المسلمون من التفكير‪ ،‬تحت وطأة التهديد بالتكفير واإلقصاء‪ ،‬تماما كما يمنع المؤرخون‬ ‫من فحص تاريخ المحرقة تحت تهديد السجن! والفرق الوحيد هو أننا لو كنا في مجتمع "إسالمي"‪،‬‬ ‫فإن العقوبة لن تكون السجن‪ ،‬وإنما قطع الرأس بالنسبة ألولئك الذين يجرؤون على التفكير المخالف‪،‬‬ ‫ونقض التاريخ الرسمي‪ ،‬والتاريخ األكاديمي‪ ،‬حتى إذا لم تكن وجدت أية أكاديمية في اإلسالم إطالقا!‬ ‫حاليا‪ ،‬فإنني سأقدم الجواب – وليس أي جواب – عن السؤال التالي‪ " :‬كيف يمكن لعمر‪ ،‬شيخ‬ ‫العلماء‪ ،‬أن يقدم على بدعة تتناقض تماما مع تعاليم الرسول (ص)؟"‬ ‫لقد نجحوا في إقناع مجموع العالم السنّي بأن كل األخبار التي رواها البخاري ومسلم‪ ،‬بعد قرنين من‬ ‫وفاة الرسول (ص) صحيحة (‪ .)15‬وهذا ما يثبت أنه باإلمكان أيضا جعل الناس تصدق أشياء أخرى!‬ ‫‪ 14‬على سبيل المثال‪ ،‬يمكنكم اإلطالع على مراجعتي لكتاب حميد هللا المعنون"مشكلة دستورية في أول عهد اإلسالم"‪ ،‬المنشورة على موقع "الالنترن"‬ ‫(الفانوس)‪ ،‬تحت عنوان‪ :‬مراجعات على الخط‪.‬‬ ‫‪ 15‬عندما أراد انس بن مالك أن يصف الرسول (ص)‪ ،‬قال‪ :‬كان ربعة من القوم ‪ ،‬وليس بالطويل وال بالقصير ‪ ،‬أزهر اللون ‪ ،‬ليس بأبيض أمهق وال آدم ‪ ،‬ليس‬ ‫بجعد قطط وال سبط رج ٍل أنزل عليه وهو ابن أربعين ‪ ،‬فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه ‪ ،‬وبالمدينة عشر سنين وقبض وليس في رأسه ولحيته إال عشرون‬

‫‪6‬‬


‫والحال أن المزاعم حول صحة جميع األحاديث النبوية التي أوردها البخاري ومسلم‪ ،‬تبدو اليوم أقل‬ ‫ة ! فحسب خبراء الحديث‪ ،‬يقال لنا إن حوالي ‪ 98‬أو ‪ 97‬بالمائة فقط من تلك‬ ‫ثبوتا وقابلة للمراجع ّ‬ ‫األحاديث التي أوردها البخاري يمكن أن تكون صحيحة‪ ،‬و بالنسبة لمسلم ‪ ،‬فإن النسبة تتراوح ما بين‬ ‫‪ 90‬إلى ‪ 92‬بالمائة فقط ! وغدا‪ ،‬ماذا سيقال لنا؟‬ ‫فلندخل اآلن في صلب الموضوع‪ ،‬متتبعين األسطورة‪ ،‬هذه األسطورة العظيمة التي تسربت إلى‬ ‫جميع القصص التي تركت أثرها على اإلنسانية‪.‬‬ ‫ينبغي أن تعلموا أن كل النصوص التي سترد فيما يلي ال تتحمل تناقضا وال خالفا‪ .‬فقد أوردها أغلبية‬ ‫المحدثين ‪ ،‬ومن بينهم‪ ،‬البخاري ومسلم‪ .‬ويمكننا اآلن أن نشرع في تحليلنا‪.‬‬

‫شعرة بيضاء‪ ".‬وعن ابن عباس رضي هللا عنهما قال‪ " :‬أنزل على رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وهو ابن أربعين‪ ،‬فمكث بمكة ثالث عشرة سنة‪ ،‬ثم أمر‬ ‫بالهجرة‪ ،‬فهاجر إلى المدينة‪ ،‬فمكث بها عشر سنين‪ ،‬ثم توفي صلى هللا عليه وسلم‪ ".‬نالحظ في الحديث الذي أورده مسلم ان النبي (ص) مكث ‪ 10‬سنوات في‬ ‫مكة‪ ،‬في حين انه في حديث البخاري مكث فيها ‪ 13‬سنة‪ .‬وقد مات حسب مسلم وعمره ‪ 60‬سنة‪ ،‬حيث كان في األربعين حين تلقى الوحي‪ .‬أضف الى هذا ‪10‬‬ ‫سنوات قضاها في مكة‪ ،‬وفترة مماثلة في المدينة‪ ،‬بحيث نصل إلى ‪ 60=10+10+40 :‬سنة‪ .‬ولكن بالنسبة للبخاري‪ ،‬فقد مات وعمره ‪ 63‬عاما‪ .‬وتلقى الوحي‬ ‫وهو في األربعين‪ ،‬وبقي ‪ 13‬سنة في مكة وعاش ‪ 10‬سنوات في المدينة‪ ،‬وهو ما يوصلنا إلى ‪ 63=10+13+40 :‬سنة‪ .‬وبالطبع ال يمكن للنبي (ص) أن‬ ‫يموت في الستين وفي الثالث والستين‪ ،‬والنتيجة هي أن إحدى الروايتين مغلوطة‪ .‬اقرأ‪.corrections et interrogations hors série :‬‬

‫‪7‬‬


‫الفصل ‪ :1‬الزكاة‬ ‫أن أبا هريرة رضي هللا عنه قال‪:‬‬ ‫لما توفي رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وكان أبو بكر رضي هللا عنه‪ ،‬وكفر من كفر من‬ ‫العرب‪ ،‬فقال عمر رضي هللا عنه‪ :‬كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول هللا صلى هللا عليه‬ ‫وسلم‪ ( :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ال إله إال هللا‪ ،‬فمن قالها فقد عصم مني ماله‬ ‫ونفسه إال بحقه‪ ،‬وحسابه على هللا)‪ .‬فقال‪ :‬وهللا ألقاتلن من فرق بين الصالة والزكاة‪ ،‬فإن‬ ‫الزكاة حق المال‪ ،‬وهللا لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول هللا صلى هللا عليه‬ ‫وسلم لقاتلتهم على منعها‪.)16( .‬‬ ‫فقال عمر رضي هللا عنه ‪ :‬كيف تقاتل الناس وقد قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم)‪:‬أمرت‬ ‫أن أقاتل الناس حتى يقولوا ال إله إال هللا‪ ،‬فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إال‬ ‫بحقه‪ ،‬وحسابه على هللا؟ (‪)17‬‬ ‫وجاءت الوفود من العرب لتطلب من أبي بكر أن يعفيهم من الزكاة‪ ،‬ورفض أبو بكر ولم يولهم‬ ‫عناية‪.‬فذهبوا الى عمروقالوا له ‪ :‬كلم صاحبك ليرفعها عنا سنة او سنتين ‪ ،‬وعندما تعود العرب الى‬ ‫الدين ويغيب مدعو النبوة‪ ،‬اطلبوها مرة أخرى ‪.‬فذهب عمر ليكلم أبا بكر في ذلك ‪.‬فلم يجبه أبو‬ ‫بكر ‪.‬فقال عمر رضي هللا عنه ‪:‬كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول هللا صلى هللا عليه‬ ‫وسلم) ‪ :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ال إله إال هللا‪ ،‬فمن قالها فقد عصم مني ماله‬ ‫ونفسه إال بحقه‪ ،‬وحسابه على هللا ‪(.‬فقال ‪:‬وهللا ألقاتلن من فرق بين الصالة والزكاة‪ ،‬فإن الزكاة‬ ‫حق المال‪ ،‬وهللا لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم لقاتلتهم على‬ ‫منعها‪)18( ".‬‬ ‫لقد وردت هذه األخبار العديد من المرات في صحيح البخاري وصحيح مسلم وسواهما‪.‬‬

‫‪ 16‬البخاري‪.‬‬ ‫‪ 17‬البخاري‪.‬‬ ‫‪ 18‬البخاري ‪ ،‬ج‪ 1.‬ص ‪ ،454‬والطبري‪.‬‬

‫‪8‬‬


‫تحليل النص ‪:‬‬ ‫ماذا يمكن أن نقول بصدد هذه النصوص؟ إن ما نعلمه على إثر قراءتها هو أنه ما أن توفي النبي‬ ‫(ص)‪ ،‬حتى أراد العدي د من البدو أن يبدلوا القواعد التي أرساها‪ ،‬وهذا ما يشكل نوعا من أنواع الكفر‪.‬‬ ‫فقد ذهبوا لالتصال بعمر وطلبوا منه أن يدعم مطلبهم لدى أبي بكر‪ .‬وبدوره‪ ،‬ذهب عمر ليقترح على‬ ‫أبي بكر هذا االقتراح الغريب‪ .‬وعلى الفور أجابه أبو بكر‪ ،‬قائال‪" :‬وهللا ألقاتلن من فرق بين الصالة‬ ‫والزكاة‪ ،‬فإن الزكاة حق المال"‪ .‬فقال له عمر‪ " :‬كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول هللا صلى‬ ‫هللا عليه وسلم‪ ( :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ال إله إال هللا‪ ،‬فمن قالها فقد عصم‬ ‫مني ماله ونفسه إال بحقه‪ ،‬وحسابه على هللا)"!‬ ‫ويمكننا بالتالي أن نطرح السؤال التالي‪ :‬من كان على حق؟ أهو أبو بكر أم عمر؟ ال ننسى أن هذا‬ ‫األخير يستند أيضا إلى حديث نبوي كحجة على صحة موقفه‪ .‬في الواقع‪ ،‬من السهل جدا إثبات أن أبا‬ ‫بكر هو الذي كان محقا‪ .‬بالفعل‪ ،‬ال يحتاج المرء إلى علم كبير ليذكر قوله جل وتعالى‪" :‬فإذا انسلخ‬ ‫األشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن‬ ‫تابوا وأقاموا الصالة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن هللا غفور رحيم"‪" .)19( .‬فإن تابوا وأقاموا‬ ‫الصالة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل اآليات لقوم يعلمون"‪.)20(.‬‬ ‫إن هاتين اآليتين تدعمان بوضوح الحديث النبوي التالي‪:‬‬ ‫" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ال إله إال هللا وأن محمدا رسول هللا‪ ،‬ويقيموا الصالة‪ ،‬ويؤتوا‬ ‫الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إال بحق اإلسالم‪ ،‬وحسابهم على هللا‪.)21( ".‬‬ ‫إن هذا الحديث النبوي يشبه بال شك ذاك الذي ذكره عمر للمحاجة أمام أبي بكر‪ ،‬إال أن حديث عمر‬ ‫كان مبتورا‪ .‬بالفعل‪ ،‬فقد كانت تنقصه األلفاظ التالية‪ " :‬ويقيموا الصالة‪ ،‬ويؤتوا الزكاة"‪ .‬وهو ما‬ ‫يوافق اآليتين المذكورتين أعاله‪.‬‬ ‫والنتيجة أن حياة المسلم وأمالكه لن تكون معصومة فقط بمجرد تلفظه بالشهادتين‪ ،‬كما اعتقد عمر‪،‬‬ ‫وإنما يتوجب عليه أيضا أن يقوم بالصالة ويؤدي الزكاة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فإن استكمال هذه الشروط الثالثة ‪-‬‬ ‫أي التلفظ بالشهادتين‪،‬والصالة ‪ ،‬والزكاة ‪ -‬ضروري لصيانة حياة وأمالك المسلم‪ .‬وهذا كما قلت وأكرر‪،‬‬ ‫طبقا لآليتين الكريمتين‪" :‬فإذا انسلخ األشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم‬ ‫واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصالة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن هللا‬ ‫غفور رحيم"‪" ....‬فإن تابوا وأقاموا الصالة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل اآليات لقوم‬ ‫يعلمون"‪.‬‬ ‫وهو أيضا ما يطابق قول الرسول عليه الصالة والسالم‪:‬‬ ‫"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ال إله إال هللا وأن محمدا رسول هللا‪ ،‬ويقيموا الصالة‪ ،‬ويؤتوا‬ ‫الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إال بحق اإلسالم‪ ،‬وحسابهم على هللا‪.)22( ".‬‬ ‫غير أن عمر كان يجهل هذا‪ .‬كان يجهل أن ما قاله النبي (ص) حقا ليس ذلك الحديث الذي استشهد‬ ‫به للمحاجة ضد موقف أبي بكر‪ ،‬وإنما هو ذاك الذي يفرض كشرط أولي الصالة والزكاة‪ ،‬حتى تؤمن‬ ‫حياة المسلم وامالكه‪ .‬وهذا ما يطابق القرآن كما رأينا‪ .‬وقد أخطأ عمر إذن‪ .‬وهذا طبعا ما يمكن أن‬ ‫يحدث ألي إنسان‪ ،‬فاهلل وحده معصوم عن الخطأ‪ .‬ولم يكن خطأ عمر فقط أنه استشهد بحديث نبوي‬ ‫مبتور‪ ،‬بل إنه كان يجهل حتى ما ورد في القرآن بصريح اللفظ‪ ،‬ولوال ذلك لما وقع في الخطأ المؤسف‪.‬‬ ‫إن المسألة ال تكمن في ترصد أخطاء الصحابة‪ ،‬وإنما في فهم وإفهام واقع أن عمر إنسان ككل البشر‪،‬‬ ‫‪19‬‬ ‫‪20‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪22‬‬

‫سورة التوبة ‪ ،‬اآلية ‪.5‬‬ ‫سورة التوبة‪ ،‬اآلية ‪.11‬‬ ‫البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫البخاري ومسلم‪.‬‬

‫‪9‬‬


‫وأنه يمكن أن يخطئ أيضا‪ .‬وهذا ما يتعارض كثيرا مع الصورة التي يروجها عنه العديد من أصحاب‬ ‫المذاهب‪.‬‬ ‫وبالمناسبة‪ ،‬فقد اعترف عمر بنفسه بخطئه‪ ،‬حين قال متحدثا عن أبي بكر‪" :‬فعرفت أنه‬ ‫الحق" (‪.)23‬‬ ‫‪24‬‬ ‫"فوهللا ما هو إال أن قد شرح هللا صدر أبي بكر رضي هللا عنه‪ ،‬فعرفت أنه الحق"‪) ( .‬‬ ‫وفي النهاية‪ ،‬فمن حقنا أن نطرح األسئلة التالية‪:‬‬ ‫‪ )1‬كيف أمكن لشيخ العلماء‪ ،‬و"النبي الثاني" أن يخطئ إلى حد أنه غفل عما هو بين صريح في‬ ‫القرآن ؟‬ ‫‪ )2‬هل يمكن لشيخ الشيوخ‪ ،‬ومرجع علماء السنّة ال أن يجهل فقط ما قاله النبي (ص) وإنما كذلك ما‬ ‫ورد في القرآن صريحا ومتكررا؟ إن هذا األمر لشبيه بقولك إن سائق تاكسي باريسي ال يعرف أين‬ ‫يقع قوس النصر أو برج إيفل!‬ ‫لنسجل ما سبق‪ ،‬حيث أنه سيقودنا إلى توضيح عدة نقاط غامضة أخرى‪ ،‬أغفلها عمر تماما كما غفل‬ ‫عن اآليتين الكريمتين اللتين تقوالن ‪:‬‬ ‫" فإذا انسلخ األشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل‬ ‫مرصد فإن تابوا وأقاموا الصالة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن هللا غفور رحيم"‪" ....‬فإن تابوا‬ ‫وأقاموا الصالة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل اآليات لقوم يعلمون"‪.‬‬ ‫أو كما غفل أيضا عن قول الرسول (ص)‪:‬‬ ‫" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ال إله إال هللا وأن محمدا رسول هللا‪ ،‬ويقيموا‬ ‫الصالة‪ ،‬ويؤتوا الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إال بحق اإلسالم‪،‬‬ ‫وحسابهم على هللا‪ ".‬أورده كما أشرت البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫وهذا ما يمكن أن يشير كذلك إلى أن عمر قد يكون غفل عن األحاديث النبوية التالية‪:‬‬ ‫"فعليكم بالصالة في بيوتكم‪ ،‬فإن خير صالة المرء في بيته إال الصالة المكتوبة"‪.‬‬ ‫"قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم‪ ،‬فصلوا أيها الناس في بيوتكم‪ .‬فإن أفضل الصالة صالة‬ ‫المرء في بيته‪ ،‬إال المكتوبة"‪.‬‬ ‫" مازال بكم صنيعكم حتى ظننت انه سيكتب عليكم‪ ،‬فعليكم بالصالة في بيوتكم‪ ،‬فإن خير‬ ‫صالة المرء في بيته إال الصالة المكتوبة‪".‬‬ ‫وفي هذا إجابة عن السؤال التالي‪" :‬كيف يمكن لعمر بن الخطاب‪ ،‬شيخ العلماء‪ ،‬والخليفة‬ ‫الثاني في اإلسالم‪ ،‬والنبي الثاني‪ ،‬أن يقدم على بدعة تتناقض كليا مع تعليمات الرسول‬ ‫(ص)تخص الصالة المسماة التراويح؟" وفي هذه الحالة‪ ،‬لم يكن أبو بكر حاضرا لتصويبه!‬ ‫وفي الختام‪ ،‬اسمحوا لي بإبداء الفرضية التالية‪ :‬تصوروا أن أبا بكر لم يكن بين األحياء عندما طرأت تلك‬ ‫األوضاع‪ ،‬وأن عمر بالتالي استجاب لمطلب أولئك المسلمين الغريب‪ ،‬فماذا تكون نتائج هذا الخطأ‬ ‫على المدى القصير والمدى البعيد؟ مأساوية ! بقدر ما هي مأساوية بدعة التراويح‪ .‬ولكن نحمد هللا‬ ‫على أن أبا بكر‪ ،‬رجل العلم كان هناك لتصويب خطأ "شيخ العلماء" ‪ ،‬و"النبي الثاني"‪.‬‬ ‫ومن ثم‪ ،‬فقد أمكن تجنب الكارثة‪ ،‬بفضل هللا وأبي بكر‪.‬‬ ‫وإذا كان عمر الذي رأى وسمع وعاش حوالي عقدين مع النبي (ص)‪ ،‬وهو الخليفة الثاني‪ ،‬يجهل هذا‬ ‫‪ 23‬البخاري‪.‬‬ ‫‪ 24‬البخاري‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫العلم الذي كان في مطال الجميع بما هو وارد في القرآن‪ ،‬فضال عن جهله أشياء أخرى كما سيأتي‬ ‫ذكر ذلك‪ ،‬فماذا نقول إذا عن علماء القرن الحادي والعشرين؟‬ ‫لكي أنتهي‪ ،‬أود أن أضيف أن هذا الحدث استغله الشيعة الذين أكدوا أن أبا بكر أراد قتل مسلمين‬ ‫أبرياء‪ ،‬أي أولئك البدو‪ ،‬ولم يكن ذلك من أجل فرض القانون‪ ،‬والزكاة‪ ،‬وإنما من اجل السلطة‪ .‬وصوال‬ ‫إلى هذه النتيجة ‪ " :‬استعمل أبو بكر ذريعة الزكاة لتقتيل مسلمين أبرياء رفضوا تأدية‬ ‫الزكاة‪ ،‬ألنهم في الحقيقة لم يعترفوا بسلطته‪ .‬وفعل ذلك في تناقض تام مع شريعة‬ ‫اإلسالم التي تحرم قتل مسلم‪ ،‬بما أن النبي يقول‪" :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ال‬ ‫إله إال هللا وأن محمدا رسول هللا‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إال بحق اإلسالم‪،‬‬ ‫وحسابهم على هللا"‪)25( .‬‬ ‫وهذا بطبيعة الحال‪ ،‬كالم مغلوط تماما! فالكاتب اختار إراديا أن يستشهد بالحديث المبتور‪ ،‬في حين‬ ‫كان يعلم طبعا أنه مبتور! فالحديث النبوي الكامل قد ورد في نفس الكتاب‪ ،‬وفي نفس الباب‪ ،‬ولعله‬ ‫في نفس الصفحة أيضا‪ .‬فكيف كان بإمكانه أن يجهله إذن؟ لقد كان هدفه بدون شك وبقطع النظر عن‬ ‫كل إنصاف‪ ،‬إذا أن يجعل أبا بكر مذنبا‪.‬‬ ‫إن إبداء اعتراضات من وجهة نظر العلوم الدينية‪ ،‬هذا ما يسمح به اإلسالم‪ ،‬وأما توجيه ضربات قذرة‪،‬‬ ‫فهذا ما يحرمه اإلسالم‪.‬‬ ‫إنها اتهامات لئيمة‪ ،‬ذلك أن أبا بكر لم يفعل شيئا سوى احترام قانون اإلسالم حرفيا‪ .‬لقد كان في‬ ‫رأيي صاحب علم واجتهاد‪ ،‬ورجال ورعا‪ ،‬وصحابيا محترما‪.‬‬ ‫ومن واجب كل مسلم جدير بهذه الصفة أن يكرمه‪ ،‬بالرغم من أن مسألة تعيينه خليفة أساءت إلى‬ ‫سمعته ومازالت تثير إلى اآلن الكثير من الجدل‪ ،‬حتى داخل صفوف السنة أنفسهم‪.‬‬ ‫وسأعود إلى هذه المسألة بعون هللا‪ ،‬تاليا‪ ،‬وسنرى أن عمر هنا أيضا لعب دورا سيئا‪.‬‬ ‫ولنتابع‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫كيف اهتديت ‪ .‬التيجاني‪ .‬انظر المراجعات على موقع "الالنترن"‪ .‬الفانوس‪.‬‬

‫‪11‬‬


‫لن وجه عنايتنا اآلن إلى الفصل الثاني‪ ،‬الذي يحتوي الخطأ الثاني الذي ارتكبه عمر بن الخطاب‪ ،‬أو‬ ‫على األقل كما يفترض‪ .‬أقول كما يفترض‪ ،‬ألنني ال اعتقد أنه من حقي أن أحسم بمفردي في هذه‬ ‫القضية‪ ،‬حتى إذا كنت موقنا أنها قائمة على أساس صلب‪.‬‬ ‫لقد كان من شأن الخطأ األول‪ ،‬في حالة لو لم يكن أبو بكر حاضرا لمراجعة عمر وتصويبه‪ ،‬أن يقود إلى‬ ‫نتيجة مفادها تحويل الزكاة في أفضل األحوال إلى أداء يحتمل اإللغاء‪ ،‬وفي أسوئها إلى أداء نافل أو‬ ‫اختياري‪ .‬ذلك أنه حسب اعتقاد عمر‪ ،‬كان باإلمكان االحتفاظ بوضعية المسلم شرعا‪ ،‬مع اإلذن بعدم‬ ‫أداء الزكاة مؤقتا عند الرغبة في ذلك‪ .‬والحمد هلل أن أبا بكر كان حاضرا وأنه صوب الخطأ‪ ،‬ونحن مدينون‬ ‫له بذلك‪.‬‬ ‫ولو وقع إدخال هذه البدعة على اإلسالم‪ ،‬لجاز لكل "مسلم" االمتناع عن دفع الزكاة‪ ،‬أو أن يؤديها‬ ‫فقط عندما يكون راغبا في ذلك! وهنا أيضا‪ ،‬كان السؤال الذي سيثار‪ ،‬والشبيه بما أثير حول التراويح‪،‬‬ ‫هو‪" :‬كيف أمكن لعمر بن الخطاب‪ ،‬شيخ الخلفاء‪ ،‬والخليفة الثاني لإلسالم‪ ،‬و"النبي‬ ‫الثاني" ( ‪ )26‬أن يقدم على بدعة تناقض مناقضة تامة تعاليم الرسول (ص)؟"‬ ‫وليس هناك في هذه الحالة أيضا من سيلقي باللوم على عمر‪ ،‬بما أنه أعلم العلماء الذي ال يمكن أن‬ ‫يخطئ‪ ،‬وإنما سيالم من يعترض عليه أو يوجه له النقد! هذا في حين أن عمر نفسه انتهى باإلعتراف‬ ‫بخطئه‪ ،‬تماما كما اعترف أنه هو الذي أنشأ الصالة المدعوة بالتراويح‪ .‬غير أن أولئك الذين لم يفهموا‬ ‫شيئا في اإلسالم‪ ،‬أولئك الذين ال يعتنقون اإلسالم ‪ ،‬وإنما يعتنقون تيارا فكريا فيه‪ ،‬يحاولون فسخ كل‬ ‫اخطائه ! وأحيانا‪ ،‬يكون الثمن مرتفعا جدا‪ ،‬بما أن هؤالء العميان المنبرين للدفاع‪ ،‬يقترفون جريمة‬ ‫القذف حين يشتمون المسلمين اآلخرين الذين ال يفكرون مثلهم‪ ،‬من اجل الدفاع عن تيارهم الفكري‪.‬‬ ‫وليس لدينا مع ذلك خيار آخر سوى االستسالم‪ ،‬بما أن هذا ما تنبأ به الرسول (ص)!‬ ‫إن الخطأ الذي سنتحدث عنه اآلن جر كذلك نتائج سيئة جدا بال شك‪ .‬فهنا أيضا‪ ،‬طبق المسلمون‬ ‫السنّيون كما يلقبون‪ ،‬هذه "السنّة" معتقدين بإخالص أن مصدرها النبي (ص)‪ .‬وهو ما يمكن أن يدوم‬ ‫إلى قيام الساعة‪ .‬وسنكون بالتالي انزلقنا شيئا فشيئا بشكل ثابت نحو الهرطقة‪ ،‬مما سيؤدي بنا ال‬ ‫إلى اتباع سنّة الرسول (ص)‪ ،‬وإنما بدع عمر المتعارضة أحيانا تعارضا تماما مع تعاليم النبي (ص)!‬ ‫‪ 26‬فعال‪ ،‬يبدو أن الرسول عليه الصالة والسالم قال‪ :‬لو كان نبي بعدي لكان عمر‪ ،‬عن أحمد بن حنبل‪.‬‬

‫‪12‬‬


‫وهذا ما وقع تبيينه بوضوح بخصوص التراويح واآلن بخصوص الزكاة‪.‬‬ ‫لقد قلت سابقا‪ ،‬وأعيد التأكيد على ذلك‪ ،‬أن المسألة تتعلق بعبادة الشخصية‪ .‬ذلك أنك ما أن تفتح‬ ‫فمك لتقول‪ :‬ولكن عمر ‪ ...‬حتى يقاطعك االخرون وينظرون إليك باستنكار! تماما كما لو أنك تتحدث‬ ‫عن هللا ذاته‪ ،‬أو عن رسوله!‬ ‫ولكن هللا فوق األنبياء‪ ،‬واألنبياء فوق العباد‪ ،‬وليس هناك شخص يصح وضعه فوق شخص آخر‪.‬‬ ‫وبالتالي‪ ،‬فال أحد معصوم عن الخطأ أو الحرام‪.‬‬ ‫ولنعد اآلن إلى خطأ عمر الثاني‪.‬‬ ‫أترككم تكتشفون هذه النصوص‪.‬‬

‫الفصل الثاني‪ :‬البكاء‬

‫كان عمر رضي هللا عنه يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي بالتراب‪)27( .‬‬ ‫وقد أخرج عمر أخت أبي بكر حين ناحت (‪.)28‬‬ ‫ان اول من ضرب عمر بالدرة ام فروة بنت ابي قحافة حين مات أبو بكر‪)29( .‬‬ ‫من خالل هذه األخبار يتبين أن عمر لم يكن يتردد في تعنيف وضرب كل شخص يبكي على ميت‪.‬‬ ‫وفي اعتقاده أن هذا السلوك مطابق لتعاليم الرسول (ص)‪ .‬ولكن هنا أيضا كان العال ّمة مخطئا تماما‪.‬‬ ‫وانظروا لماذا‪:‬‬ ‫"عن أنس رضي هللا عنه قال‪:‬‬ ‫شهدنا بنت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ورسول هللا صلى هللا عليه وسلم جالس على‬ ‫‪ 27‬صحيح البخاري‪ ،‬الجنائز‪ ،‬البكاء عند المريض‪.1221:‬‬ ‫‪ 28‬صحيح البخاري ‪ 160 : 3‬باب إخراج أهل المعاصي والخصوم‪.‬‬ ‫‪ 29‬صحيح البخاري‪.‬‬

‫‪13‬‬


‫القبر فرأيت عينيه تدمعان "‪.)30( .‬‬ ‫عن أنس بن مالك رضي هللا عنه قال‪:‬‬ ‫دخلنا مع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم على أبي سيف القين‪ ،‬وكان ظئرا إلبراهيم عليه السالم‪،‬‬ ‫فأخذ رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه‪ ،‬ثم دخلنا عليه بعد ذلك‪ ،‬وإبراهيم يجود‬ ‫بنفسه‪ ،‬فجعلت عينا رسول هللا صلى هللا عليه وسلم تذرفان‪ ،‬فقال له عبد الرحمن بن عوف‬ ‫رضي هللا عنه‪ :‬وأنت يا رسول هللا؟ فقال‪( :‬يا ابن عوف‪ ،‬إنها رحمة)‪ .‬ثم أتبعها بأخرى‪ ،‬فقال صلى هللا‬ ‫عليه وسلم‪ ( :‬إن العين تدمع والقلب يحزن‪ ،‬وال نقول إال ما يرضي ربنا‪ ،‬وإنا بفراقك يا‬ ‫إبراهيم لمحزنون) (‪.)31‬‬ ‫عن عبد هللا بن عمر رضي هللا عنهما قال‪:‬‬ ‫"اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي صلى هللا عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن‬ ‫عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد هللا بن مسعود رضي هللا عنهم فلما دخل عليه فوجده في‬ ‫غاشية أهله فقال قد قضى قالوا ال يا رسول هللا فبكى النبي صلى هللا عليه وسلم فلما رأى‬ ‫القوم بكاء النبي صلى هللا عليه وسلم بكوا فقال أال تسمعون إن هللا ال يعذب بدمع العين وال‬ ‫بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه"‪.)32( .‬‬ ‫من خالل هذه األخبار يتبين لنا بوضوح أن النبي (ص)بكى وفاة ابنه إبراهيم وابنته أم كلثوم‪ .‬فإذا نحن‬ ‫اتبعنا "علم" عمر وأولئك الذين يذهبون مذهبه ويفكرون مثله‪ ،‬فسيكون الرسول (ص) في وضع‬ ‫مخالف لتعاليم سنته ذاتها‪ .‬فقد كان والحال هذه يستحق إذا أن يعامل نفس المعاملة القاسية التي‬ ‫عومل بها اآلخرون‪ ،‬وحتى أن يضرب!!! حيث أن بعض إخوتنا من أصحاب هذا اإلتجاه يريدون إقناعنا أن‬ ‫عمر ال يمكن أن يأتي بدعة‪ ،‬وال أن يخطئ‪ .‬وها هو الدليل قائما على العكس!‬ ‫األمر يبدو عبثيا‪ ،‬طبعا ! ولكن من الواضح مع ذلك أن عمر ظل على خطئه إلى أن توفاه األجل‪ .‬ولنقرأ‬ ‫ما يلي‪:‬‬ ‫قال ابن عباس رضي هللا عنهما‪ ":‬فلما أصيب عمر‪ ،‬دخل صهيب يبكي‪ ،‬يقول‪ :‬وا أخاه‪ ،‬وا صاحباه‪،‬‬ ‫فقال عمر رضي هللا عنه‪ :‬يا صهيب‪ ،‬أتبكي علي‪ ،‬وقد قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪( :‬إن‬ ‫الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)‪.‬‬ ‫قال ابن عباس رضي هللا عنهما‪ :‬فلما مات عمر رضي هللا عنه‪ ،‬ذكرت ذلك لعائشة رضي هللا عنها‪،‬‬ ‫فقالت‪ :‬رحم هللا عمر‪ ،‬وهللا ما حدث رسول هللا صلى هللا عليه وسلم إن هللا ليعذب‬ ‫المؤمن ببكاء أهله عليه‪ ،‬ولكن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال‪( :‬إن هللا ليزيد الكافر‬ ‫عذابا ببكاء أهله عليه)‪ .‬وقالت حسبكم القرآن‪{ :‬وال تزر وازرة وزر أخرى}‪.‬‬ ‫قال ابن عباس رضي هللا عنهما عند ذلك‪ :‬وهللا هو أضحك وأبكى‪.)33( ".‬‬ ‫بال شك أنه ال يمكن اعتبار ميت مسؤوال عن انتحاب أهله أو عن أي شيء آخر يقوم به األحياء! خالفا‬ ‫لما اعتقده عمر حين قال‪":‬إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"‪ )34(.‬كيف يمكن بالفعل أن نعتبر‬ ‫الميت مسؤوال عما يفعله األحياء‪ ،‬بالرغم من أن جميعنا يعلم أنه عندما يموت اإلنسان فإن سجل‬ ‫أعماله الحسنة والسيئة يقفل‪.‬‬

‫النتيجة‪:‬‬ ‫البرهان قائم إذا على أن عمر كان مخطئا بشأن مسألة البكاء‪ .‬هذا ما يشهد عليه بكاء النبي (ص)‬ ‫‪30‬‬ ‫‪31‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪33‬‬

‫صحيح البخاري‪ ،‬الجنائز‪ ،‬من يدخل قبر المرأة‪.1256 ،‬‬ ‫صحيح البخاري‪ ،‬باب قول النبي (ص) إنا لك لمحزونون‪.1241 ،‬‬ ‫صحيح البخاري‪ ،‬الجنائز‪ ،‬البكاء عند المريض‪.1221:‬‬ ‫صحيح البخاري‪ :‬باب قول النبي (ص) يعذب الميت ببعض بكاء اهله عليه‪.1226:‬‬ ‫‪ 34‬صحيح البخاري‪.‬‬

‫‪14‬‬


‫نفسه أوال‪ ،‬وال أعتقد أنه كان يحتاج إلى أي درس في هذا المجال من أي شخص مهما كان‪ ،‬بما في‬ ‫ذلك عمر! إن هذا القول موجه خاصة إلى أولئك الذين يعتقدون ‪ ،‬حسب ما لقنوهم‪ ،‬أنه كانت لعمر‬ ‫سلطة عظيمة في مراجعة وتصحيح النبي نفسه! وتبدو المسألة أوضح أيضا لدى قراءة النص الذي‬ ‫نرى فيه عائشة (رضي هللا عنها)تصحح خطأ عمر‪ ،‬حتى وإن لم تكن هناك حاجة إلى هذا التصحيح‪،‬‬ ‫باعتبار أن الرسول ‪ ،‬عليه الصالة والسالم‪ ،‬كما نعلم كان بكى موت ابنه ابراهيم وابنته أم كلثوم‪،‬‬ ‫زوجة عثمان‪ .‬لكن يبدو أن عمر كان يجهل هذا كله‪ ،‬مثلما كان يجهل ما يتعلق بمسألة الزكاة‪ ،‬ويجهل‬ ‫أحاديث الرسول (ص) بشأن الصالة المسماة تراويح‪ ،‬ويجهل الكثير غير ذلك‪.‬‬ ‫ونحن هنا‪ ،‬دون أدنى شك‪ ،‬نواجه خطأ آخر ارتكبه عمر‪ ،‬وأقل عواقبه أن يضرب الناس من غير‬ ‫ذنب(‪ .)35‬وهنا طبعا‪ ،‬ال مفر من أن نطرح على أنفسنا األسئلة التالية‪:‬‬ ‫هل يجوز لعالم ‪ ،‬يعتبر من طرف أهل السنة شيخ الشيوخ وعالمة زمانه‪ ،‬أن يقع في الخطأ‬ ‫‬‫إلى هذا الحد؟‬ ‫أليس من الخطورة بمكان اعتبار عمر بمثابة "النبي الثاني" إذا كانت أخطاء هذا "النبي‬ ‫‬‫الثاني" بهذه الكثرة؟ ذلك أنه إذا كان ال بد من المقارنة‪ ،‬فإن عليا على سبيل المثال يبدو في موقع‬ ‫أفضل للباس حلة "النبي الثاني"‪ ،‬وهناك آخرون أيضا‪ ،‬كأبي بكر!‬ ‫إن جهل عمر بحديث النبي (ص) الذي يقول فيه ‪" :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ال‬ ‫إله إال هللا وأن محمدا رسول هللا‪ ،‬ويقيموا الصالة‪ ،‬ويؤتوا الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك عصموا مني‬ ‫دماءهم وأموالهم إال بحق اإلسالم‪ ،‬وحسابهم على هللا" (‪ ،)36‬وكذلك جهله بأن الرسول‪ ،‬كما أسلفنا‪،‬‬ ‫بكى ابنه إبراهيم وابنته أم كلثوم‪ ،‬هو بالذات ما يفسر جهله لألحاديث األخرى‪ .‬وهذا الجهل هو‬ ‫بالمناسبة ما يفسر على األرجح كيف أقدم عمر على إنشاء صالة جديدة ‪ ،‬أي التراويح‪ ،‬في تناقض‬ ‫تام مع األحاديث النبوية الشريفة‪" :‬فعليكم بالصالة في بيوتكم‪ ،‬فإن خير صالة المرء في بيته‬ ‫إال الصالة المكتوبة"‪ )37( .‬أو ‪" :‬قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم‪ ،‬فصلوا أيها الناس في‬ ‫بيوتكم‪ ،‬فإن أفضل الصالة صالة المرء في بيته إال المكتوبة‪ )38(".‬أو أيضا‪" :‬عليكم بالصالة‬ ‫في بيوتكم‪ .‬فإن خير صالة المرء في بيته‪ .‬إال الصالة المكتوبة "‪ )39(.‬وهي جميعا أحاديث لم‬ ‫يكن لعمر أي علم بها‪ ،‬وكذلك هو شأنه بالنسبة للعديد من األحاديث األخرى‪.‬‬ ‫وكل هذا كان ال مفر من أن يؤدي إلى ما نرى!‬ ‫إذن‪ ،‬فبالنسبة ألولئك الذين ما زالوا يتساءلون ‪":‬ولكن كيف يمكن لعمربن الخطاب‪ ،‬وهو‬ ‫على ما هو من العلم‪ ،‬فضال عن أنه الخليفة الثاني في اإلسالم‪ ،‬و"النبي الثاني"(‪)40‬أن‬ ‫يقدم على البدع ويناقض صراحة ما أتى في أحاديث الرسول (ص) وتعاليمه حول الصالة المسماة‬ ‫تراويح؟" فإن اإلجابة تبدو أكثر من واضحة على إثر قراءة الفصلين األول والثاني ! وأما بالنسبة‬ ‫ألصحاب الريبة الكبرى الذي يتشككون في كل كبيرة وصغيرة‪ ،‬فلهم أن يقرأوا هذا النص الذي يقول‬ ‫علي هذا من أمر النبي صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ألهاني الصفق‬ ‫فيه عمر حرفيا‪" :‬خفي‬ ‫َّ‬ ‫باألسواق‪)41(".‬‬ ‫فبالنسبة للذين يتبعون عمر أكثر من اتباعهم النبي (ص)‪ ،‬أقول‪ :‬استمروا في تأدية التراويح‪،‬‬ ‫واستمروا في إجازة عدم دفع الزكاة ألي إنسان ال يرغب في ذلك‪ ،‬وفي ضرب أي إنسان تدمع عيناه !‬ ‫‪ 35‬ضرب بالدرة أم فروة أخت أبي بكر ألنها بكت اخاها‪.‬‬ ‫‪ 36‬حديث ورد في الصحيحين‪.‬‬ ‫‪ 37‬صحيح البخاري‪.‬‬ ‫‪ 38‬صحيح البخاري‪.‬‬ ‫‪ 39‬صحيح البخاري‪.‬‬ ‫‪ 40‬بالفعل يبدو أن النبي (ص)قال ‪ :‬لوكان بعدي نبي لكان عمر‪ .‬عن أحمد بن حنبل‪.‬‬ ‫‪ 41‬البخاري ‪ /‬ج‪ 3 :‬ص‪.19 :‬‬

‫‪15‬‬


‫وأود قبل أن أغلق هذا الفصل أن أقول لكم إنه يوجد حول هذا الموضوع وحول موضوع الصالة‬ ‫جدل كبير غريب‪ .‬وقد كنت أود لو خضناه هنا‪ ،‬إال أنه الختالف الموضوع وأهميته كذلك‪ ،‬أفضل أن نعود‬ ‫إليه في موقع آخر‪ ،‬بشكل مستقل‪.‬‬ ‫ولنواصل‪.‬‬

‫الفصل الثالث ‪ :‬الدم‬ ‫أفسح لكم المجال حتى تكتشفوا هذه النصوص أوال‪ ،‬ثم سأعود بعد ذلك للتعليق عليها‪.‬‬ ‫عن علي رضي هللا عنه قال‪ :‬بعثني الرسول هللا صلى هللا عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير بن‬ ‫العوام‪ ،‬وكلنا فارس‪ ،‬قال‪( :‬انطلقوا حتى تأتو روضة خاخ‪ ،‬فإن بها امرأة من المشركين‪ ،‬معها كتاب من‬ ‫حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين)‪ .‬فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول هللا صلى هللا‬ ‫عليه وسلم‪ ،‬فقلنا‪ :‬الكتاب‪ ،‬فقالت‪ :‬ما معنا كتاب‪ ،‬فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا‪ ،‬فقلنا‪ :‬ما كذب‬ ‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬لتخرجن الكتاب أو لنجردنك‪ ،‬فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها‪،‬‬ ‫وهي محتجزة بكساء‪ ،‬فأخرجته‪ ،‬فانطلقنا بها إلى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فقال عمر‪ :‬يا‬ ‫رسول هللا‪ ،‬قد خان هللا ورسوله والمؤمنين‪ ،‬فدعني فألضرب عنقه‪ .‬فقال النبي صلى هللا عليه‬ ‫وسلم‪( :‬ما حملك على ما صنعت)‪ .‬قال حاطب‪ :‬وهللا ما بي أن ال أكون مؤمنا باهلل ورسوله صلى هللا‬ ‫‪16‬‬


‫عليه وسلم‪ ،‬أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع هللا بها عن أهلي ومالي‪ ،‬وليس أحد من أصحابك‬ ‫إال له هناك من عشيرته من يدفع هللا به عن أهله وماله‪ .‬فقال النبي صلى هللا عليه وسلم‪( :‬صدق‪،‬‬ ‫وال تقولوا له إال خيرا)‪ .‬فقال عمر إنه قد خان هللا ورسوله والمؤمنين‪ ،‬فدعني فألضرب عنقه‪.‬‬ ‫فقال‪( :‬أليس من أهل بدر؟ فقال‪ :‬لعل هللا اطلع إلى أهل بدر فقال‪ :‬اعملوا ما شئتم‪ ،‬فقد‬ ‫وجبت لكم الجنة‪ ،‬أو فقد غفرت لكم)‪)42( .‬‬ ‫ حدثنا سفيان‪ :‬قال عمرو‪ :‬سمعت جابر بن عبد هللا رضي هللا عنهما قال‪:‬‬‫كنا في غزاة ‪ -‬قال سفيان مرة‪ :‬في جيش ‪ -‬فكسع رجل من المهاجرين رجال من األنصار‪ ،‬فقال‬ ‫األنصاري‪ :‬يا لألنصار‪ ،‬وقال المهاجري‪ :‬يا للمهاجرين‪ ،‬فسمع ذاك رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬ ‫فقال‪( :‬ما بال دعوى جاهلية)‪ .‬قالوا‪ :‬يا رسول هللا‪ ،‬كسع رجل من المهاجرين رجال من األنصار‪ ،‬فقال‪:‬‬ ‫(دعوها فإنها منتنة)‪ .‬فسمع بذلك عبد هللا بن أبي فقال‪ :‬فعلوها‪ ،‬أما وهللا لئن رجعنا إلى المدينة‬ ‫ليخرجن األعز منها األذل‪ ،‬فبلغ النبي صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فقام عمر فقال‪ :‬يا رسول هللا‪ ،‬دعني‬ ‫أضرب عنق هذا المنافق‪ ،‬فقال النبي صلى هللا عليه وسلم‪( :‬دعه‪ ،‬ال يتحدث الناس أن محمدا‬ ‫يقتل أصحابه)‪)43(.‬‬ ‫ عن أبي سعيد الخدري رضي هللا عنه قال‪:‬‬‫بينما نحن عند رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وهو يقسم قسما‪ ،‬أتاه ذو الخويصرة‪ ،‬وهو رجل من‬ ‫بني تميم‪ ،‬فقال‪ :‬يا رسول هللا اعدل‪ ،‬فقال‪ ( :‬ويلك‪ ،‬ومن يعدل إذا لم أعدل‪ ،‬قد خبت وخسرت إن لم‬ ‫أكن أعدل)‪ .‬فقال عمر‪ :‬يا رسول هللا‪ ،‬ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال‪( :‬دعه‪ ،‬فإن له أصحابا‬ ‫يحقر أحدكم صال ته مع صالتهم‪ ،‬وصيامه مع صيامهم‪ ،‬يقرؤون القرآن ال يجاوز تراقيهم‪ ،‬يمرقون من‬ ‫الدين كما يمرق السهم من الرمية‪ ،‬ينظر إلى نصله فال يوجد فيه شيء‪ ،‬ثم ينظر إلى رصافه فما‬ ‫يوجد فيه شيء‪ ،‬ثم ينظر إلى نضيه ‪ -‬وهو قدحه ‪ -‬فال يوجد فيه شيء‪ ،‬ثم ينظر إلى قذذه فال يوجد‬ ‫فيه شيء‪ ،‬قد سبق الفرث والدم)‪)44(.‬‬ ‫ عن ابن عمر رضي هللا عنهما ‪ ،‬قال‪:‬‬‫أن عمر انطلق مع النبي صلى هللا عليه وسلم في رهط قبل ابن صياد‪ ،‬حتى وجدوه يلعب مع‬ ‫الصبيان‪ ،‬عند أطم بني مغالة‪ ،‬وقد قارب ابن الصياد الحلم‪ ،‬فلم يشعر حتى ضرب النبي صلى هللا‬ ‫عليه وسلم بيده‪ ،‬ثم قال البن الصياد‪( :‬تشهد أني رسول هللا)‪ .‬فنظر إليه ابن صياد فقال‪ :‬أشهد أنك‬ ‫رسول األميين‪ .‬فقال ابن صياد للنبي صلى هللا عليه وسلم‪ :‬أتشهد أني رسول هللا؟ فرفضه وقال‪:‬‬ ‫(آمنت باهلل وبرسله)‪ .‬فقال له‪( :‬ماذا ترى)‪ .‬قال ابن صياد‪ :‬يأتيني صادق وكاذب‪ .‬فقال النبي صلى هللا‬ ‫عليه وسلم‪( :‬خلط عليك األمر)‪ .‬ثم قال له النبي صلى هللا عليه وسلم‪( :‬إني قد خبأت لك خبيئا)‪.‬‬ ‫فقال ابن صياد‪ :‬هو الدخ‪ .‬فقال‪( :‬اخسأ‪ ،‬فلن تعدو قدرك)‪ .‬فقال عمر رضي هللا عنه‪ :‬دعني يا رسول‬ ‫هللا أضرب عنقه‪ .‬فقال النبي صلى هللا عليه وسلم‪( :‬إن يكنه فلن تسلط عليه‪ ،‬وإن لم يكنه فال خير‬ ‫لك في قتله)‪.‬‬ ‫التحليل‪:‬‬ ‫ماالنتيجة التي يمكننا استخالصها من هذه النصوص؟‬ ‫إنها تخبرنا أن عمر كاد يضرب أعناق أربعة أبرياء‪ .‬أقول "أبرياء" باعتبار أن الرسول (عليه الصالة‬ ‫والسالم) رفض إعدامهم‪ .‬أي أنه لم ير أن الحكم الذي أصدره عمر بخصوصهم هو الحكم المناسب‪،‬‬ ‫بل أنه لم ير أنهم يستلزمون استصدار أي حكم أصال‪ .‬ففي كل مرة‪ ،‬كان على النبي (ص) أن يقنعه‬ ‫بنفسه بالتخلي عن رأيه‪ ،‬وهذا ما يبين أيضا مدى اإلختالف في الرأي والحكم بين الرسول (ص) وبين‬ ‫الرجل الذي سيحتل يوما مركز الخليفة‪.‬‬ ‫‪ 42‬صحيح البخاري ‪ :‬باب فضل من شهد بدرا‪.3762 ،‬‬ ‫‪ 43‬صحيح البخاري‪ :‬باب‪ :‬قوله‪{ :‬سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر هللا لهم إن هللا ال يهدي القوم الفاسقين} ‪ ./6/‬رقم ‪.4622 :‬‬ ‫‪ 44‬صحيح البخاري‪ :‬باب عالمات النبوة في اإلسالم‪ ،‬الحديث رقم‪.3414 :‬‬

‫‪17‬‬


‫ويمكننا أن نتساءل كذلك‪ ،‬عالم كان عمر يستند في سعيه إلى قتل أولئك األشخاص األربعة‪ ،‬الذين‬ ‫من الواضح أن ال أحد منهم كان يستحق حكم اإلعدام ! و شك أنه لم يكن يستند إلى القرآن وال إلى‬ ‫السنة‪ ،‬بما أن النبي (ص) نفسه منعه من قتلهم‪ .‬بيد أن كل واحد منهم في نظر عمر‪ ،‬كان قد ارتكب‬ ‫جريمة هي من العظم بحيث استوجبت حكم اإلعدام! ولم يكن هذا هو ما قدره النبي (ص) إطالقا‪،‬‬ ‫حيث لم يكن يرى أن أحدا منهم فعل ما يستحق القتل من أجله‪ ،‬وال ما يستحق أي حكم آخر‬ ‫بالمناسبة! واألمر الغريب هو أن عمر‪ ،‬بالرغم مما لقيه من صد ورفض لدى النبي (ص) في المرة‬ ‫األولى‪ ،‬واصل مع ذلك اتخاذ نفس المواقف‪ ،‬في مكان وزمان آخرين‪ ،‬مع شخص مختلف‪ ،‬ثم شخص‬ ‫ثالث ورابع‪ ،‬وهكذا دواليك! وفي كل مرة كان النبي (ص) يقول له ‪" :‬ال"‪.‬‬ ‫ولنعترف أن التعرض للصد أربع مرات متوالية من طرف النبي (ص)‪ ،‬هو أمر كثير ‪ ،‬ال سيما بالنسبة‬ ‫لعالم كبير !‬ ‫ونحن نرى أن عمر كان يبدو حقيقة وكأنه راغب في قتل شخص ‪ ،‬أيا كانت التكاليف‪ ،‬ولقد كان األمر‬ ‫يتعلق دائما بأشخاص أبرياء! والحمد هلل أن الرسول (ص) كان حاضرا إليقافه عند حده‪ ،‬مثلما أوقفه‬ ‫عند حده أبو بكر في مسألة الزكاة (راجع الفصل األول)‪ ،‬ومثلما صححت عائشة موقفه في مسألة‬ ‫البكاء (راجع الفصل الثاني)‪.‬‬ ‫وإلى ذلك‪ ،‬فلكم يرغب اإلنسان في رؤية عمر يطبق هذا "الحماس" الفائض عن الحاجة "للعدالة"‬ ‫على شخصه أوال وبالذات! إال أننا حين نفاجأ بما سيحدث فيما بعد‪ ،‬نتساءل‪ :‬أين يا ترى ذهب ذلك‬ ‫الحماس؟ وبالفعل‪ ،‬فإن عمر رغب في قطع رؤوس أولئك األشخاص بسبب عدم احترامهم للنبي‬ ‫(ص)‪ ،‬وهذا مفهوم‪ .‬ولكن في هذه الحالة‪ ،‬وتبعا لنفس المنطق‪ ،‬كيف يسمح عمر لنفسه بأن‬ ‫يتجاوزهم بأفعاله‪ ،‬وأنا أزن جيدا كلماتي‪ ،‬أي أن يفعل ما هو أسوأ ؟‬ ‫ثم إن المرء ليود أن يعرف كيف سيشرح لنا أولئك الذين يرون عمر كأعلم العلماء‪ ،‬وكمرجع في كل ما‬ ‫يهم العدالة والورع‪ ،‬على مستوى العلوم الدينية‪ ،‬ال ما تعرضنا له وحسب ‪ ،‬وإنما أيضا ما سنذكره في‬ ‫فصل "عدم اعتبار عائلة النبي وإهانتها"‪ ،‬مع البقاء في انسجام مع أحاديث الرسول (ص)‪ ،‬والقرآن‪،‬‬ ‫وإضفاء نفس االنسجام على سلوكه مع أشخاص آخرين!‬ ‫فمن خالل هذا الفصل‪ ،‬وكذلك من خالل فصول أخرى غيره‪ ،‬ال يمكننا لألسف سوى استنتاج أن عمر‬ ‫ال يتردد في يكون قاسيا جدا وأحيانا غير منصف إزاء اآلخرين‪ ،‬إذا لم يتجرأ على ما هو أسوأ!‬ ‫وأما السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح اآلن ‪ ،‬فهو التالي‪ :‬هل يجوز لعالم‪ ،‬عالم حقيقي‪ ،‬مرجع علمي‪،‬‬ ‫أن يحصل على استنكار بهذا المقدار؟‬ ‫وأواصل‪.‬‬

‫الفصل الرابع ‪ :‬الكيل بمكيالين !‬ ‫هنا أيضا‪ ،‬من األفضل أن نبدأ بإلقاء نظرة على النصوص‪ .‬وسنأتي بعد ذلك إلى التعليق عليها‪:‬‬ ‫عن السائب بن يزيد قال‪" :‬كنت قائما في المسجد‪ ،‬فحصبني رجل‪ ،‬فنظرت فإذا عمر بن الخطاب‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬اذهب فأتني بهذين‪ ،‬فجئته بهما‪ ،‬قال‪ :‬من أنتما‪ ،‬أو من أين أنتما؟ قاال‪ :‬من أهل الطائف‪،‬‬ ‫قال‪ :‬لو كنتما من أهل البلد ألوجعتكما‪ ،‬ترفعان أصواتكما في مسجد رسول هللا صلى هللا‬ ‫عليه وسلم‪)45( ".‬‬ ‫‪ 45‬صحيح البخاري‪ :‬باب رفع الصوت في المساجد‪ ،‬حديث رقم‪.458 :‬‬

‫‪18‬‬


‫عن حديث المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري‪ :‬أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول‪:‬‬ ‫سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪،‬‬ ‫فاستمعت لقراءته‪ ،‬فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة‪ ،‬لم يقرئنيها رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪،‬‬ ‫فكدت أساوره في الصالة‪ ،‬فانتظرته حتى سلم فلببته‪ ،‬فقلت‪ :‬من أقرأك هذه السورة‬ ‫التي سمعتك تقرأ؟ قال‪ :‬أقرأنيها رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬فقلت له‪ :‬كذبت‪ ،‬فوهللا‬ ‫إن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك‪ ،‬فانطلقت به إلى رسول‬ ‫هللا صلى هللا عليه وسلم أقوده‪ ،‬فقلت‪ :‬يا رسول هللا‪ ،‬إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على‬ ‫حروف لم تقرئنيها‪ ،‬وإنك أقرأتني سورة الفرقان‪ ،‬فقال لي‪( :‬أرسله)‪ .‬ثم قال له ‪( :‬يا هشام أقرأها)‪.‬‬ ‫فقرأها القراءة التي سمعته‪ ،‬فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪( :‬هكذا أنزلت)‪ .‬ثم قال‪( :‬اقرأ يا‬ ‫عمر)‪ .‬فقرأتها التي أقرأنيها‪ ،‬فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪( :‬هكذا أنزلت)‪ .‬ثم قال رسول هللا‬ ‫صلى هللا عليه وسلم‪( :‬إن القرآن أنزل على سبعة حروف‪ ،‬فاقرؤوا ما تيسر منه)‪)46(.‬‬ ‫إن هذين النصين ال يمكنهما سوى اإلفضاء بنا إلى اإلشادة بتدخالت عمر "شديدة التقوى"! إال أننا‬ ‫في الواقع‪ ،‬وبعد دراسة أكثر عمقا‪ ،‬نجد أنه ال مفر من طرح بعض التساؤالت‪.‬‬ ‫بالفعل‪ ،‬فيما يتعلق بنص الحديث الثاني المذكور أعاله‪ ،‬ندرك أنه ال يكفي أن يكون عمر مخطئا مرة‬ ‫أخرى‪ ،‬وإنما نراه إلى ذلك ال يتردد في معاملة هشان بن حكيم بخشونة واتهامه بالكذب‪ ،‬حيث قال‬ ‫له‪ " :‬كذبت‪ ،‬فوهللا إن رسول هللا صلى هللا عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي‬ ‫سمعتك"‪ .‬وعندما بلغا النبي (ص)‪ ،‬كان أول ما طلبه هذا األخير هو أن يترك عمر الرجل ‪ " ، :‬فقال‬ ‫لي‪( :‬أرسله)‪ .‬ثم قال له ‪( :‬يا هشام أقرأها)‪ .‬فقرأها القراءة التي سمعته‪ ،‬فقال رسول هللا صلى هللا‬ ‫عليه وسلم‪( :‬هكذا أنزلت)"‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬ال يكفي أن يسقط عمر في الخطأ مرة أخرى‪ ،‬حيث خالفا لما اعتقد‪ ،‬قرأ هشام القرآن قراءة‬ ‫صحيحة‪ ،‬ولكننا نراه ال يتردد في معاملة مسلم بغلظة دون أي مبرر‪ ،‬كما أنه ال يتورع عن اتهام أخ‬ ‫بالكذب‪ ،‬في حين أنه كان من يسير على الطريق الخاطئة ‪ ،‬ال سواه!‬ ‫إن المثالين المذكورين آنفا‪ ،‬كان يمكن أن يدال على ورع عمر وعدله‪ ،‬لوال وجود نصوص إضافية‬ ‫سنذكرها فيما يلي تحمل دالالت أخرى‪ .‬ففي النص األول‪ ،‬هدد عمر بأن يوجع ( أي أن يسوط) رجلين‬ ‫ال لشيء إال ألنهما رفع صوتهما في مسجد النبي (ص)‪ .‬وفي النص الثاني‪ ،‬غضب العتقاده أن‬ ‫مسلما لم يقرأ القرآن بالطريقة الصحيحة‪ .‬ولكن ماذا يا ترى سيكون موقف عمر من رجل يسلك على‬ ‫النحو التالي‪:‬‬ ‫عن ابن عباس رضي هللا عنهما قال‪:‬‬ ‫ض َر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وفي البيت رجال‪ ،‬فيهم عمر بن الخطاب‪ ،‬قال النبي صلى‬ ‫ح ِ‬ ‫لما ُ‬ ‫م أكتب لكم كتاباً ال تضلوا بعده)‪ .‬فقال عمر‪ :‬إن النبي صلى هللا عليه وسلم‬ ‫ل‬ ‫ُ‬ ‫ه‬ ‫(‬ ‫‪:‬‬ ‫وسلم‬ ‫عليه‬ ‫هللا‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫قد غلب عليه الوجع‪ ،‬وعندكم القرآن‪ ،‬حسبنا كتاب هللا‪ .‬فاختلف أهل البيت فاختصموا‪ ،‬منهم‬ ‫قرّبوا يكتب لكم النبي صلى هللا عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده‪ ،‬ومنهم من يقول ما قال‬ ‫من يقول‪ِ :‬‬ ‫عمر‪ ،‬فلما أكثروا اللغو واالختالف عند النبي صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬قال رسول هللا صلى هللا عليه‬ ‫وسلم‪( :‬قوموا‪).‬‬ ‫قال عبيد هللا‪ :‬فكان ابن عباس يقول‪ :‬إن ال َّرزيَّة كل ال َّرزيَّة ما حال بين رسول هللا صلى هللا‬ ‫عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب‪ ،‬من اختالفهم ولغطهم‪)47(.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬فقد هدد عمر بمعاقبة رجلين بالضرب ألنهما رفعا صوتهما في مسجد النبي (ص)‪ .‬أما هو‪،‬‬ ‫فنراه يعارض صراحة وبشكل حاسم النبي (ص) و يعصي أمره! فأين ذهب ورع عمر وعدله‪ ،‬وهو الذي‬ ‫هدد الرجلين اآلنفي الذكر‪ ،‬و أغلظ لهشام المسكين ناعتا إياه بالكذاب‪ ،‬وهو اتهام جارح بالنسبة‬ ‫لمسلم!‬ ‫‪ 46‬صحيح البخاري‪ :‬باب من ال يرى بأسا من أن يقول‪ :‬سورة البقرة وسورة كذا وكذا‪ .‬الحديث رقم‪.4754 :‬‬ ‫‪ 47‬صحيح البخاري‪ :‬باب ‪ :‬قول المريض‪ :‬قوموا عني‪ .‬حديث رقم‪.5345. :‬‬

‫‪19‬‬


‫وباإلضافة إلى ما تقدم‪ ،‬ومما يزيد في خطورة المسألة‪ ،‬أن عمر تعرض في السابق إلى تنبيه من هللا‬ ‫مباشرة‪:‬‬ ‫عن ابن أبي ملكية قال‪:‬‬ ‫" كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي هللا عنهما‪ ،‬رفعا أصواتهما عند النبي صلى هللا عليه وسلم‬ ‫حين قدم عليه ركب بني تميم‪ ،‬فأشار أحدهما باألقرع بن حابس أخي بني مجاشع‪ ،‬وأشار اآلخر‬ ‫برجل آخر‪ ،‬قال نافع‪ :‬ال أحفظ اسمه‪ ،‬فقال‪ :‬أبو بكر لعمر‪ :‬ما أردت إال خالفي‪ ،‬قال‪ :‬ما أردت خالفك‪،‬‬ ‫فارتفعت أصواتهما في ذلك‪ ،‬فأنزل هللا‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا الترفعوا أصواتكم}‪ .‬اآلية‪ .‬قال ابن الزبير‪:‬‬ ‫فما كان عمر يسمع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم بعد هذه اآلية حتى يستفهمه‪)48( ".‬‬ ‫على أن األمر يبدو مخالفا لذلك في الواقع! حيث نرى عمر يعيد الكرة بطريقة أكثر خطورة‪ ،‬يوم كان‬ ‫النبي (ص)يحتضر‪ ،‬حيث قال ال ‪ " :‬وعندكم القرآن‪ ،‬حسبنا كتاب هللا"! وهذا ما أغاظ الرسول (ص)‬ ‫بشدة‪ ،‬فطلب من الجميع الخروج من الحجرة‪.‬‬ ‫وهذا ما يؤدي بنا إلى طرح السؤال التالي‪ :‬عن أي عدل وورع يحدثوننا؟ أليس الناس سواسية‬ ‫يعاملون جميعا بنفس الطريقة‪ ،‬دون استثناء؟ إن األمر ليبدو على خالف ذلك!‬ ‫ما كاد رجالن يرفعان صوتهما في مسجد النبي (ص) حتى وقع تهديدهما بالضرب الموجع‪ ،‬في حين‬ ‫ال يوجد أي قانون يجيز ذلك‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬هاهو عمر يسمح لنفسه بعصيان النبي (ص)صراحة ‪،‬‬ ‫بالرغم من أنه تعرض سابقا إلى تحذير شديد من هللا‪ ،‬بأن ال يرفع صوته أمام الرسول (ص)‪ .‬غير أنه‬ ‫أقدم على ما هو أسوأ‪ ،‬حيث لم يرفع صوته بحضوره وحسب ‪ ،‬وإنما عصاه علنا كذلك! فأين يا ترى‬ ‫عدالة عمر؟! وأين يا ترى ورع عمر؟!‬ ‫فكما رأينا‪ ،‬عومل هشام بغلظة واتهم بالكذب ‪ ،‬في حين أنه لم يكذب ولم يرتكب أي إثم‪ ،‬خالفا لما‬ ‫ظنه عمر! ومع ذلك‪ ،‬فلقد تعرض هشام المسكين لتلك المعاملة الخشنة باسم "تقوى" عمر‬ ‫و"عدله" الفائض‪ .‬لكن في هذه الحالة‪ ،‬وحسب نفس هذه "التقوى" وهذا "العدل"‪ ،‬لماذا يجيز عمر‬ ‫لنفسه عصيان النبي (ص) صراحة يوم الخميس‪ ،‬بالرغم من التحذير الذي تلقاه من هللا سابقا‪ ،‬بعدم‬ ‫رفع صوته بحضوره‪ ،‬إذا لم يكن يريد أن تحبط أعماله؟‬ ‫فهل بمجرد أن يكون اسم المرء عمر‪ ،‬يجعله فوق المآخذ والنقد؟‬ ‫وهل هذه هي العدالة العزيزة على اإلسالم؟!‬ ‫هل هذه هي أخالق اإلسالم؟!‬ ‫هل هذا هو ميراث النبي (ص)؟!‬ ‫لم يكن كافيا أن يكرر عمر صنيعه‪ ،‬بل لم يكتف أيضا يرفع صوته بحضور النبي (ص)‪ ،‬حيث قال‪" : :‬إن‬ ‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قد غلب عليه الوجع‪ ،‬وعندكم القرآن‪ ،‬حسبنا كتاب هللا‪".‬‬ ‫وبالتالي‪ :‬فال تعطوا شيئا للنبي (ص)‪ .‬ليحتفظ بكتابه لنفسه‪ .‬فنحن لدينا القرآن‪ ،‬وال نحتاج ألي شيء‬ ‫آخر! وأيا كان األمر‪ ،‬فأنا عمر‪ ،‬أدرى من النبي (ص) بما يحتاجه المسلمون!!! واألسوأ من ذلك أنه‬ ‫قربوا يكتب لكم النبي صلى هللا عليه وسلم‬ ‫وجد أتباعا يقولون قوله!!! حيث رأينا ما يلي‪" :‬‬ ‫ِّ‬ ‫‪49‬‬ ‫كتاباً لن تضلوا بعده‪ ،‬ومنهم من يقول ما قال عمر "‪) (.‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬فال يسعنا إال أن نستنتج أن عدالة عمر وتقواه األسطوريتين ‪ ،‬مشكوك فيهما! سواء أعجب‬ ‫هذا الكالم أم لم يعجب أنواع الفرق التي ال يقوم علمها على شيء ‪ ،‬وأية حال ليس على أساس ما‬ ‫ورد في أمهات الكتب والمراجع‪ ،‬مثل صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما!‬ ‫وألواصل‪.‬‬ ‫‪ 48‬صحيح البخاري ‪ :‬باب (ال ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)‪ .‬حديث رقم‪.4564 :‬‬ ‫‪ 49‬صحيح البخاري‪.‬‬

‫‪21‬‬


‫الفصل الخامس‪ :‬يوم الخميس‬

‫‪21‬‬


‫عن ابن عباس قال‪:‬‬ ‫لما اشتد بالنبي صلى هللا عليه وسلم وجعه قال‪( :‬اتئوني بكتاب أكتب لكم كتابا ال تضلوا من بعده)‪.‬‬ ‫قال عمر‪ :‬إن النبي صلى هللا عليه وسلم غلبه الوجع‪ ،‬وعندنا كتاب هللا حسبنا‪ .‬فاختلفوا وكثر‬ ‫اللغط‪ ،‬قال‪( :‬قوموا عني‪ ،‬وال ينبغي عندي التنازع)‪ .‬فخرج ابن عباس يقول‪ :‬إن الرزية كل الرزية ما‬ ‫حال بين رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وبين كتابه‪)50(.‬‬ ‫عن ابن عباس رضي هللا عنهما قال‪ :‬لما حضر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وفي البيت رجال‪،‬‬ ‫فقال النبي صلى هللا عليه وسلم‪( :‬هلموا أكتب لكم كتابا ال تضلون بعده )‪ .‬فقال عمر‪ :‬إن رسول‬ ‫هللا صلى هللا عليه وسلم قد غلبه الوجع‪ ،‬وعندكم القرآن‪ ،‬حسبنا كتاب هللا‪ .‬فاختلف أهل‬ ‫البيت واختصموا‪ ،‬فمنهم من يقول‪ :‬قربوا يكتب لكم كتابا ال تضلون بعده‪ ،‬ومنهم من يقول غير ذلك‪،‬‬ ‫فلما أكثروا اللغو واالختالف‪ ،‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪( :‬قوموا)‪.‬‬ ‫قال عبيد هللا‪ :‬فكان ابن عباس‪ :‬إن الرزية كل الرزية‪ ،‬ما حال بين رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬ ‫وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب‪ ،‬الختالفهم ولغطه‪)51(.‬‬ ‫عن ابن عباس رضي هللا عنهما قال‪:‬‬ ‫ض َر رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وفي البيت رجال‪ ،‬فيهم عمر بن الخطاب‪ ،‬قال النبي صلى‬ ‫ح ِ‬ ‫لما ُ‬ ‫م أكتب لكم كتاباً ال تضلوا بعده)‪ .‬فقال عمر‪ :‬إن النبي صلى هللا عليه وسلم‬ ‫ل‬ ‫ُ‬ ‫ه‬ ‫(‬ ‫‪:‬‬ ‫وسلم‬ ‫عليه‬ ‫هللا‬ ‫َ َّ‬ ‫قد غلب عليه الوجع‪ ،‬وعندكم القرآن‪ ،‬حسبنا كتاب هللا‪ .‬فاختلف أهل البيت فاختصموا‪ ،‬منهم‬ ‫قرّبوا يكتب لكم النبي صلى هللا عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده‪ ،‬ومنهم من يقول ما قال‬ ‫من يقول‪ِ :‬‬ ‫عمر‪ ،‬فلما أكثروا اللغو واالختالف عند النبي صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬قال رسول هللا صلى هللا عليه‬ ‫وسلم(‪ :‬قوموا‪).‬‬ ‫قال عبيد هللا‪ :‬فكان ابن عباس يقول‪ :‬إن ال َّرزيَّة كل ال َّرزيَّة ما حال بين رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬ ‫وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب‪ ،‬من اختالفهم ولغطهم‪)52(.‬‬ ‫هذه القصة أوردها رواد الحديث جميعا‪ ،‬من البخاري ومسلم إلى أحمد بن حنبل‪.‬‬ ‫فماذا تفيدنا؟‬ ‫نرى أن عمر أظهر عصيانه علنا للنبي و"دعا" أشخاصا آخرين التباعه بقوله‪" :‬إن النبي صلى هللا‬ ‫عليه وسلم قد غلب عليه الوجع‪ ،‬وعندكم القرآن‪ ،‬حسبنا كتاب هللا"! وقد نجح في مسعاه‪،‬‬ ‫حيث يفيدنا الحديث أن " منهم من يقول ما قال عمر"‪ .‬فقد كان هناك من ناحية من يعتقد أنه من‬ ‫قربوا يكتب لكم النبي‬ ‫الضروري طاعة النبي (ص)‪ ،‬سواء كان يحتضر أم ال‪ ،‬وكان هؤالء يقولون‪ِّ " :‬‬ ‫صلى هللا عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده"‪ .‬وكان هناك من ناحية أخرى أتباع عمر‪ ":‬ومنهم من‬ ‫يقول ما قال عمر"‪.‬‬ ‫إنه لوضع مذهل فعال!!! نرى فيه عمر يعارض النبي (ص) جهارا‪ ،‬ويتبعه في هذا العصيان عدد من‬ ‫الصحابة اآلخرين‪ ،‬كما لو أن عمر كان هو أيضا نبيا‪ ،‬أي نبي فوق النبي محمد عليه الصالة والسالم‪،‬‬ ‫القدوة األعلى كما خلقته مشيئة هللا سبحانه في كل عظمتها! ولهذا فليس من الغريب أن نرى‬ ‫أناسا في أيامنا يتبعون عمر أكثر من اتباعهم الرسول (ص)‪ .‬فعال‪ ،‬فعندما نذكر لهم هذا الحديث أو‬ ‫ذاك من أحاديث الرسول (ص)‪ ،‬يقولون إنه إذا كان عمر فعل عكس ذلك تماما‪ ،‬فبال شك أن له أسبابا‬ ‫قوية دفعته إلى ذلك‪ .‬إنهم شبيهون تماما بهؤالء‪ " :‬منهم من يقول ما قال عمر"‪ .‬إنه ألمر‬ ‫مأسوي!!! وهذه أيضا هي الحالة بالضبط مع صالة التراويح‪ .‬فمن العبث أن تقول لهم في كل اللغات‬ ‫إن النبي (ص) قال كذا وكذا‪ ،‬ألنهم سيجيبونك نفس الجواب‪ :‬نعم‪ ،‬ولكن عمر قال‪ ،‬وعمر فعل‪ ...‬وهذا‬ ‫ما يوحي بأنه لو كان هؤالء الناس حاضرين يوم الخميس‪ ،‬فاألرجح أنهم سيتبعون عمر!‬ ‫‪ 50‬صحيح البخاري‪ :‬باب‪ :‬كتابة العلم‪ .‬حديث رقم‪.114:‬‬ ‫‪ 51‬صحيح البخاري‪ :‬باب ‪ :‬مرض النبي صلى هللا عليه وسلم ووفاته‪ .‬حديث رقم‪.4169 :‬‬ ‫‪ 52‬صحيح البخاري ‪ :‬باب‪ :‬قول المريض قوموا عني‪ :‬حديث رقم‪.5345 :‬‬

‫‪22‬‬


‫قربوا يكتب لكم النبي صلى هللا‬ ‫من ناحيتي‪ ،‬أدعوكم إلى أن تكونوا كهؤالء‪" :‬منهم من يقول‪ِّ :‬‬ ‫عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده‪ "،‬وليس كهؤالء‪" :‬ومنهم من يقول ما قال عمر"‪.‬‬ ‫ولنعد اآلن إلى موضوع عصيان عمر‪ .‬كيف يمكن لعالم تقي‪ ،‬وصحابي جليل‪ ،‬أن يعصي الرسول (ص)؟‬ ‫إنني أود حقا أن أصدق أن عمر كان مثاال للعدالة والورع‪ ،‬غير أنني أود أيضا أن تشرح لي كل هذه‬ ‫التناقضات والمواقف الغريبة التي نجدها تالزمه ما أن نتعمق في البحث حول شخصية عمر!‬ ‫من الواضح أن هذا العصيان من طرف عمر‪ ،‬والذي اتبعه فيه عدد من الصحابة‪ ،‬خلف صراعا كان من‬ ‫شأنه أن يتحول إلى عراك حقيقي‪ ،‬في الوقت الذي كان فيه النبي يحتضر أمام أعينهم! ومن المرجح‬ ‫أن هذا هو السبب الذي جعل النبي (ص) يقول لهم‪" :‬قوموا عني"! فقد فارق النبي (ص) الحياة في‬ ‫ظروف أقل ما يقال إنها لم تكن رائقة! بالرغم من أنه كان يستحق الحصول على جو من الصفاء‬ ‫والوئام‪ ،‬قبل بضع أيام من مغادرته لنا‪.‬‬ ‫ولكن أين ذهب االحترام الذي ينبغي إظهاره للنبي (ص)؟ واالحترام الذي ينبغي إظهاره للقرآن ؟ وأين‬ ‫ذهبت التقوى ومخافة هللا؟!‬ ‫" يا أيها الذين آمنوا ‪ ،‬أطيعوا هللا وأطيعوا الرسول وال تبطلوا أعمالكم"‪.‬‬ ‫" يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬ال تقدموا بين يدي هللا ورسوله‪ ،‬واتقوا هللا إن هللا سميع عليم"‪.‬‬ ‫يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬ال ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي وال تجهروا له بالقول كجهر بعضكم‬ ‫لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم ال تشعرون"‪.‬‬ ‫" إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول هللا أولئك الذين امتحن هللا قلوبهم للتقوى لهم‬ ‫مغفرة وأجر عظيم"‪.‬‬ ‫فأين هو احترام هذه اآليات؟‬ ‫وإلى ذلك‪ ،‬ال ننسى أن المسألة تغدو أكثر خطورة‪ ،‬حين نتذكر أن عمر كان تلقى في السابق تحذيرا‬ ‫من هللا‪:‬‬ ‫عن ابن أبي ملكية قال‪:‬‬ ‫" كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي هللا عنهما‪ ،‬رفعا أصواتهما عند النبي صلى هللا عليه وسلم‬ ‫حين قدم عليه ركب بني تميم‪ ،‬فأشار أحدهما باألقرع بن حابس أخي بني مجاشع‪ ،‬وأشار اآلخر‬ ‫برجل آخر‪ ،‬قال نافع‪ :‬ال أحفظ اسمه‪ ،‬فقال‪ :‬أبو بكر لعمر‪ :‬ما أردت إال خالفي‪ ،‬قال‪ :‬ما أردت خالفك‪،‬‬ ‫فارتفعت أصواتهما في ذلك‪ ،‬فأنزل هللا‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا الترفعوا أصواتكم}‪ .‬اآلية‪ .‬قال ابن الزبير‪:‬‬ ‫فما كان عمر يسمع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم بعد هذه اآلية حتى يستفهمه‪)53( ".‬‬

‫والحال أن عمر لم يستفد من الدرس! حيث أنه لم يهتم بهذا التحذير من هللا‪ ،‬وأعاد الكرة بطريقة‬ ‫أشد سوءا!‬ ‫إن قصة وقائع يوم الخميس صحيحة تماما‪ .‬والحقيقة أن ال احد من بين علماء أهل السنة وضعهما‬ ‫موضع سؤال‪ ،‬بما فيهم ابن تيمية‪ .‬وال أحد منهم كذلك تشكك في أن عمر ‪ ،‬ال سواه‪ ،‬هو الذي تدخل‬ ‫قائال ال‪ " :‬عندكم القرآن‪ ،‬حسبنا كتاب هللا"!‬ ‫وفي النهاية‪ ،‬فإنه من حقنا أن نسعى لفهم السبب الذي جعل عمر ‪ ،‬الذي نعتبره كعالم ورع‬ ‫‪ 53‬صحيح البخاري ‪ :‬باب (ال ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)‪ .‬حديث رقم‪.4564 :‬‬

‫‪23‬‬


‫وصحابي جليل‪ ،‬يتجرأ على عصيان الرسول (س) وجعله حزينا قبيل أيام معدودة من وفاته! لهذا‪ ،‬فمن‬ ‫لديه من بين أخواتنا وإخواننا جواب‪ ،‬فليتفضل بتقديمه دون تردد!‬ ‫كيف يمكن لعالم تقي وصحابي جليل أن يعارض النبي (ص) مرة أخرى!‬ ‫وأواصل‪.‬‬

‫‪24‬‬


‫الفصل السادس‪ :‬صلح الحديبية‬ ‫الحديبية‪ :‬بلدة متوسطة الحجم تقع خارج الحرم على مسافة ‪ 22‬كيال غرب مكة‪ .‬البلدة ومسجد‬ ‫الشجرة ( وهو على األرجح الموقع الذي وقعت فيه البيعة التي سنتحدث عنها فيما بعد) لم يكونا‬ ‫معروفين في حياة الفاسي (‪ .)832/1429‬وتؤكد بعض المراجع أن التسمية عائدة إلى وجود شجرة‬ ‫بشكل قبة أو حدبة‪ .‬ولكن ليس هذا سوى تخمين‪.‬‬ ‫أعطت البلدة اسمها إلى غزوة إسالمية هامة‪ ،‬انطلقت من المدينة وقادها محمد (ص) في ذي‬ ‫القعدة‪ 6/‬مارس سنة ‪ .628‬وقد رأى في منامه (انظر القرآن‪ :‬سورة الفتح‪ ،‬اآلية ‪ )27‬أنه يؤدي شعائر‬ ‫العمرة في مكة‪ ،‬وقرر آنذاك أن يغزوها بدافع من الحلم الذي رآه ‪ ،‬على ما يبدو‪ ،‬بالرغم من أنه كان‬ ‫ينوي أن يظهر للمشركين في مكة أن اإلسالم دين عربي ال يحمل أي ضرر لسمعة الكعبة المشرفة‪.‬‬ ‫كان لمحمد (ص) أمل بأن تلحق بصفوفه القبائل البدوية التي تعيش في جوار المدينة‪ ،‬غير أن هذه‬ ‫األخيرة لم تر في الغزوة سوى القليل من الغنائم الممكنة ‪ ،‬فضال عن تخوفها من أن تنتهي الغزوة‬ ‫إلى هزيمة نكراء‪ .‬وهكذا‪ ،‬بدأ السير على رأس ‪ 1400‬من أتباعه‪ ،‬أكثرهم من المدينة‪ ،‬واخذوا معهم‬ ‫ما أمكن من الهدي‪ .‬وأما أهل مكة‪ ،‬فقد أدركوا بعد إخفاقهم في حصار المدينة‪ ،‬أنهم سيوسمون‬ ‫بالضعف إذا تركوا محمدا (ص) يدخل مكة ‪ ،‬حتى وإن كان ذلك من أجل القيام بشعائر العمرة‪ .‬لذلك‬ ‫أرسلوا مائتي فارس لصده ومنعه من التقدم‪ .‬فما كان من محمد (ص) إال أن يتجنبهم سالكا طريقا‬ ‫أخرى غير المعتادة‪ ،‬وهكذا وصل إلى الحديبية‪ ،‬التي ال تبعد كثيرا عن الحرم‪ .‬هناك‪ ،‬قرر أن يتوقف‬ ‫وأن يشرع في التفاوض‪ .‬وبدأت الرسل تذهب وتجيء بينه وبين المكيين‪ .‬وفي النهاية‪ ،‬اتفقوا على‬ ‫توقيع معاهدة مدتها عشرة أعوام‪ ،‬وأهم بنودها كما يلي‪ :‬أنَّ الرسول (ص) يرجع عن مكة ذلك‬ ‫مد وأصحابه فيقيمون‬ ‫العام‪ ،‬وإذا كان العام التالي يخرج المكيون عن بلدهم ويدخلها مح َّ‬ ‫فيها ثالثة أيام ألداء العمرة‪ .‬وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف‬ ‫بعضهم عن بعض‪ .‬وأن َّه من أتى عمداً من قريش إلى محمد بغير إذن وليه (من المرجح أن‬ ‫مد لـم ترده‬ ‫هذا البند يعني النساء والقاصرين)رده عليهم‪ ،‬ومن جاء قريشاً ممن مع مح َّ‬ ‫مد وعهده دخل فيه‪ ،‬ومن أحب أن يدخل في‬ ‫عليه‪ ،‬وأن َّه من أحب أن يدخل في عقد مح َّ‬ ‫عقد قريش وعهدهم دخل فيه‪ .‬وبعد توقيع المعاهدة‪ ،‬قام محمد وأصحابه بنحر ما لديهم من‬ ‫الدواب‪ ،‬وساروا عائدين إلى المدينة‪ .‬وقد شعر العديدون منهم بالخيبة‪ ،‬واعتبر بعضهم أن سياسة‬ ‫النبي كانت غير سليمة‪ .‬وكان من شأن غزوة خيبر التي وقعت بعد ذلك بستة أسابيع أن تواسيهم‬ ‫وتعوضهم عن تلك الخيبة‪ .‬وبعد عام واحد من هذه األحداث‪ ،‬أدى محمد شعائر العمرة مع مجموعة‬ ‫مؤلفة من ‪ 2000‬من األتباع‪ .‬ولم تبق الهدنة سارية المفعول سوى عشرة شهور‪ ،‬ذلك أن خالفا نشب‬ ‫بين موقعي المعاهدة نتج عنه غزو محمد (ص) مكة ‪ ،‬ودخولها فاتحا (‪ 8‬رمضان‪/‬جانفي ‪.)630‬‬ ‫عندما كان المسلمون بصدد التفاوض في الحديبية‪ ،‬تبادى لهم أن بعض رسلهم ‪ ،‬وهو عثمان بن‬ ‫عفان‪ ،‬لقي حتفه‪ .‬ودعاهم محمد آنذاك إلى مبايعته ‪ ،‬وهو الحدث المعروف ببيعة الرضوان‪ ،‬أو بيعة‬ ‫الشجرة‪ .‬ويقال عادة إن المسألة كانت تتعلق بتأدية اليمين التزاما بعدم الفرار‪ ،‬ولكن األرجح ‪ ،‬كما‬ ‫يؤكد الواقدي‪ ،‬أن المسألة تخص اإللتزام بطاعة محمد واتباع قراراته أيا كانت‪ .‬وإذا نحن قبلنا هذه‬ ‫الفرضية األخيرة‪ ،‬فإن ذلك يعني أن البيعة تزيد في توسيع سلطات محمد الدستورية‪ .‬وقد استعملت‬ ‫كلمة "رضوان" إشارة إلى ما ينص عليه القرآن (سورة الفتح‪ ،‬اآلية ‪ )18‬بقوله تعالى‪" :‬لقد رضي هللا‬

‫‪25‬‬


‫عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة"‪)54( .‬‬ ‫هذا بالنسبة للرواية التاريخية العامة‪ .‬واآلن‪ ،‬علينا أن نذكر بحدث خطير جدا وقع خالل هذه الهدنة‪:‬‬ ‫* جاء عمر فقال‪ :‬ألسنا على الحق وهم على الباطل‪ ،‬أليس قتالنا في الجنة‪ ،‬وقتالهم في النار؟‬ ‫قال‪( :‬ص) بلى‪ .‬قال‪ :‬ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع‪ ،‬ولما يحكم هللا بيننا؟ فقال‪ :‬يا ابن الخطاب‪،‬‬ ‫إني رسول هللا‪ ،‬ولن يضيعني هللا أبدا‪ .‬فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬ألسنا‬ ‫على الحق وهم على الباطل‪ ،‬قال‪ :‬يا ابن الخطاب‪ ،‬إنه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ولن يضيعه‬ ‫هللا أبدا‪ ،‬فنزلت سورة الفتح‪)55(.‬‬ ‫* فقال عمر بن الخطاب‪ :‬فأتيت نبي هللا صلى هللا عليه وسلم فقلت‪ :‬ألست نبي هللا حقا؟ قال‪:‬‬ ‫بلى‪ .‬قلت‪ :‬ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال‪ :‬بلى‪ .‬قلت‪ :‬فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟‬ ‫قال‪ :‬إني رسول هللا‪ ،‬ولست أعصيه‪ ،‬وهو ناصري‪ .‬قلت‪ :‬أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف‬ ‫به؟ قال‪ :‬بلى‪ ،‬فأخبرتك أنا نأتيه العام‪ .‬قال‪ :‬قلت‪ :‬ال‪ ،‬قال‪ :‬فإنك آتيه ومطوف به‪ .‬قال‪ :‬فأتيت أبا بكر‬ ‫فقلت‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬أليس هذا نبي هللا حقا‪ ،‬قال بلى‪ ،‬قلت‪ :‬ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟‬ ‫قال‪ :‬بلى‪ ،‬قلت‪ :‬فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال‪ :‬أيها الرجل‪ ،‬إنه لرسول هللا صلى هللا عليه‬ ‫وسلم‪ ،‬وليس يعصي ربه‪ ،‬وهو ناصره‪ ،‬فاستمسك بغرزه‪ ،‬فوهللا إنه على الحق؟ قلت‪ :‬أليس كان‬ ‫يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به‪ ،‬قال‪ :‬بلى‪ ،‬أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت‪ :‬ال‪ ،‬قال‪ :‬فإنك آتيه‬ ‫ومطوف به‪)56(.‬‬ ‫من خالل هذه الحدث التاريخي الذي أورده البخاري‪ ،‬من بين عدد من الرواة‪ ،‬نفهم أن عمر لم يكن‬ ‫راضيا بموقف النبي (ص) وال مقتنعا بالقرار الذي اتخذه‪ .‬لهذا‪ ،‬نراه بعد االستماع إلى شرح الرسول‬ ‫(ص) لمبرراته ‪ ،‬التي من الواضح كذلك أنه لم يقتنع بها‪ ،‬يتجه إلى أبي بكر ليشكو له موقف النبي‬ ‫(ص)! هذا بالرغم من أن النبي (ص) قال له حرفيا‪" :‬يا ابن الخطاب‪ ،‬إني رسول هللا‪ ،‬ولن‬ ‫يضيعني هللا أبدا‪ ".‬غير أن هذا الكالم لم يبد له مقنعا كفاية‪ ،‬فاتجه إلى أبي بكر‪ ،‬الذي قال له‬ ‫بدوره‪" :‬يا ابن الخطاب‪ ،‬إنه رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ولن يضيعه هللا أبدا‪ ".‬وكما‬ ‫قلنا‪ ،‬فإن هذا النص قد ورد في صحيح البخاري‪ ،‬من بين عدد آخر من المصادر‪ .‬ويمكننا بالتالي أن‬ ‫نتوسع في هذا الموضوع‪.‬‬ ‫إن السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي‪ :‬كيف أمكن لعالم كبير‪ ،‬ورجل صالح‪ ،‬وصحابي أن يبدي إلى‬ ‫هذا الحد اعتراضه على موقف النبي (ص)‪ ،‬مخالفا في نفس الوقت مرة أخرى بصراحة الخيار الذي‬ ‫حدده رسول هللا (ص)‪ ،‬متجها إلى أبي بكر بأمل أن يسمع منه شيئا مختلفا عما قاله له النبي (ص)!‬ ‫أي بغاية أن يسمع مثال شيئا كهذا‪" :‬نعم‪ ،‬معك حق يا عمر! كيف يمكن أن نكون مسلمين‬ ‫ونرضى بالمهانة؟ إن األمر مشبوه فعال!" وأترككم تتصورون ما سيحدث بعد ذلك‪ ...‬حيث سينفتح‬ ‫باب الفتنة على مصراعيه! ولكن الحمد هلل أن الشك لم يساور أبا بكر أبدا‪ ،‬الذي أسرع إلى توكيد ما‬ ‫قاله الرسول (ص)‪ .‬وهذا ما جعل عمر معزوال‪ .‬على أن ذلك ‪ ،‬كما سنرى‪ ،‬لم يعد الهدوء والسكينة‬ ‫‪ 54‬مقتطف من "موسوعة اإلسالم‪ ".‬تعريف الحديبية‪.‬‬ ‫‪Encyclopédie de l’Islam, Nouvelle édition ; Tome III (H-IRAM) ; (Leiden E.J Brill ; éditions Paris G-P‬‬ ‫‪Maisonneuve & Larose Sa).P.557. De la définition du mot : « El-Hodeybiyya ».‬‬ ‫‪ 55‬صحيح البخاري‪ :‬باب‪ :‬إذ يبايعونك تحت الشجرة‪ .‬الحديث رقم‪.4563 :‬‬ ‫‪ 56‬صحيح البخاري ‪ :‬باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط‪ .‬الحديث رقم‪ .2581/2582 :‬وهناك أيضا هذا الحديث ‪" :‬قال‬ ‫الزهري‪ :‬قال عمر‪ :‬فعملت لذلك أعماال‪ ،‬قال‪ :‬فلما فرغ من قضية الكتاب‪ ،‬قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ألصحابه‪( :‬قوموا فانحروا ثم احلقوا)‪ .‬قال‪:‬‬ ‫فوهللا ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثالث مرات‪ ،‬فلما لم يقم منهم أحد د خل على أم سلمة‪ ،‬فذكر لها ما لقي من الناس‪ ،‬فقالت أم سلمة‪ :‬يانبي هللا‪ ،‬أتحب ذلك‪،‬‬ ‫اخرج ال تكلم أحدا منهم كلمة‪ ،‬حتى تنحر بدنك‪ ،‬وتدعو حالقك فيلحقك‪ .‬فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك‪ ،‬نحر بدنه‪ ،‬ودعا حالقه فحلقه‪ ،‬فلما رأوا ذلك‬ ‫قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا‪ ،‬حتى كاد بعضهم يقتل غما‪ ".‬صحيح البخاري‪ :‬باب الشروط في الجه��د‪ ،‬والمصالحة مع أهل الحرب‪ ،‬وكتابة‬ ‫الشروط‪ .‬حديث رقم‪2581/2582:‬‬

‫‪26‬‬


‫إليه! وقد كان باإلمكان طبعا أن تحدث األمور بطريقة أخرى‪ ،‬أي أنه كان باإلمكان مثال أن يجد عمر‬ ‫سندا لدى أبي بكر‪ ،‬وهو ما كان سيؤدي إلى اتفاق‪ ،‬ثم إلى تحالف يقوم على أساس موقف عمر‪،‬‬ ‫وهو ما سيفضي بدوره إلى انضمام عدد آخر من الناس إلى نفس هذا الموقف‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فإن الفتنة‬ ‫ستنشأ‪ ،‬ولربما تبعها انقسام‪ ،‬فتمرد ضد النبي (ص)‪ ،‬وحتى ربما ضد نبوته!‬ ‫وإذا بقي األمر عند ذلك الحد‪ ،‬فالسبب هو أن عمر لم يجد أي سند قوي لموقفه‪ .‬لقد كان وحيدا!‬ ‫فعندما يكون للمرء عقيدة راسخة وقناعة تامة‪ ،‬فإنه ال يعارض ما اختاره النبي (ص) بالذهاب مثال‬ ‫للبحث عم إذا لم يكن هناك دعم لموقف يخالف تماما موقف الرسول (ص)! فمن خالل هذا السلوك‪،‬‬ ‫يبدي عمر صراحة رفضه االنصياع لخيارات النبي (ص)‪ ،‬موجها شكواه إلى أبي بكر‪ .‬بيد أن هذا األخير‪،‬‬ ‫وهو الرجل المقتنع‪ ،‬يكتفي بتذكيره بالكلمات التي قالها النبي (ص)‪" :‬يا ابن الخطاب‪ ،‬إنه رسول‬ ‫هللا صلى هللا عليه وسلم ولن يضيعه هللا أبدا‪ ".‬إن المسألة ليست متمثلة في البحث عن‬ ‫الهفوات الصغرى‪،‬ولكنني في الواقع أستغرب أن عالما وصحابيا جليال يجوز له معارضة النبي (ص)‬ ‫بهذا الشكل! وإلى ذلك‪ ،‬أفترض أن هذا السلوك قد يكون سبب إزعاجا للنبي (ص) مرة أخرى‪ .‬وإنني‬ ‫أشعر أن ما يسيء إلى النبي يسيء إلي شخصيا‪ .‬أقول هذا صراحة! ذلك أن تصوري لما ينبغي أن‬ ‫يكون عليه المسلم الجيد‪ ،‬والصحابي الجيد‪ ،‬والعالم الجيد ‪ ،‬هو – وأطلب تصويبي إذا كنت مخطئا –‬ ‫على النحو التالي‪ :‬ما أن يتلفظ النبي (ص) بشيء‪ ،‬أو يعطي أمرا‪ ،‬فإنه ال بد من تنفيذه على الفور‪،‬‬ ‫ودون أي تردد! ولنعترف أن هذا ليس هو الوضع في الحالة التي نفحصها!‬ ‫غير أنه بعد المعطيات التي أمكنني جمعها عن شخصية عمر‪ ،‬فإنني ال أستغرب منه كثيرا هذا‬ ‫السلوك !‬

‫" يا أيها الذين آمنوا ‪ ،‬أطيعوا هللا وأطيعوا الرسول وال تبطلوا أعمالكم"‪.‬‬ ‫" يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬ال تقدموا بين يدي هللا ورسوله‪ ،‬واتقوا هللا إن هللا سميع عليم"‪.‬‬ ‫يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬ال ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي وال تجهروا له بالقول كجهر بعضكم‬ ‫لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم ال تشعرون"‪.‬‬ ‫" إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول هللا أولئك الذين امتحن هللا قلوبهم للتقوى لهم‬ ‫مغفرة وأجر عظيم"‪.‬‬ ‫فأين هو احترام هذه اآليات؟‬ ‫ولألسف أن التاريخ ال يتوقف عند هذا الحد‪ ،‬حيث ال نعرف كيف انتهى عمر إلى التسليم واالنقياد!‬ ‫وأقترح اآلن أن نتجه إلى عالم آخر‪ ،‬وهو الواقدي‪ ،‬الذي عاش في القرن الثاني للهجرة‪ ،‬أي أنه سبق‬ ‫البخاري ومسلم‪ .‬فالواقدي يروي نفس الخبر الذي عرضناه أعاله‪ ،‬مضيفا إليه خبرا آخر لم يرد في‬ ‫كتاب البخاري‪ .‬إن بداية الخبر الذي يرويه الواقدي(‪ )57‬تشبه ما أورده البخاري‪ ،‬وأما البقية فمختلفة‪:‬‬ ‫"قالوا‪ :‬فلما اصطلحوا فلم يبق إال الكتاب‪ ،‬وثب عمر إلى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فقال‪ :‬يا‬ ‫رسول هللا‪ ،‬ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ :‬بلى! قال‪ :‬فعالم نعطي‬ ‫الدنية في ديننا؟ فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ :‬أنا عبد هللا ورسوله‪ ،‬ولن أخالف أمره‪ ،‬ولن‬ ‫يضيعني‪ .‬فذهب عمر إلى أبي بكر رضي هللا عنه فقال‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬ألسنا بالمسلمين؟ فقال‪ :‬بلى!‬ ‫فقال عمر‪ :‬فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر‪ :‬الزم غرزه ! فإني أشهد أنه رسول هللا‪ ،‬وأن‬ ‫الحق ما أمر به‪ ،‬ولن نخالف أمر هللا ولن يضيعه هللا! ولقي عمر من القضية أمراً كبيراً‪ ،‬وجعل يرد على‬ ‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الكالم ويقول‪ :‬عالم نعطي الدنية في ديننا؟ فجعل رسول هللا‬ ‫‪ 57‬نظر ترجمته آخر هذا الكتاب‪.‬‬

‫‪27‬‬


‫صلى هللا عليه وسلم يقول‪ :‬أنا رسول هللا ولن يضيعني قال‪ :‬فجعل يرد على النبي صلى هللا عليه‬ ‫وسلم الكالم‪ .‬قال‪ :‬يقول أبو عبيدة بن الجراح‪ :‬أال تسمع يا ابن الخطاب رسول هللا يقول ما‬ ‫يقول؟ تعوذ باهلل من الشيطان واتهم رأيك! قال عمر رضي هللا عنه‪ :‬فجعلت أتعوذ باهلل من‬ ‫الشيطان الرجيم حيا ًء‪".‬‬ ‫هذا فيما يخص الجزء األول من الخبر‪ ،‬وهو كما ترون مهم جدا‪ .‬ثم يقول عمر بعد ذلك ما يلي‪:‬‬ ‫" فما أصابني قط شي ٌء مثل ذلك اليوم‪ ،‬ما زلت أصوم وأتصدق من الذي صنعت مخافة كالمي الذي‬ ‫تكلمت يومئذ‪ .‬فكان ابن عباس رضي هللا عنه يقول‪ :‬قال لي عمر في خالفته‪ ،‬وذكر القضية‪ :‬ارتبت‬ ‫ارتياباً لم أرتبه منذ أسلمت إال يومئذ‪ ،‬ولو وجدت ذلك اليوم شيع ًة تخرج عنهم رغب ًة عن القضية‬ ‫لخرجت‪ .‬ثم جعل هللا تبارك وتعالى عاقبتها خيراً ورشداً‪ ،‬وكان رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‬ ‫أعلم‪)58(".‬‬ ‫فمن يسعه أن ينكر وقع هذا الخبر؟ وما النتيجة التي نستخلصها منه؟ أوال‪ ،‬ال بد أن نتساءل ‪ :‬هل‬ ‫هذا الخبر صحيح محقق؟ وعن هذا السؤال‪ ،‬أجيب بأن الخبر الذي رواه البخاري نفسه ال يقل خطورة‬ ‫في وقعه على النفوس‪ ،‬حيث رأينا أن عمر لم يقتنع بالجواب الذي قدمه له رسول هللا (ص)‪ .‬ولكن‪،‬‬ ‫فلنعد إلى الخبر الذي رواه الواقدي والذي طرحنا بشأنه السؤال أعاله‪ .‬برأيي أنه خبر صحيح محقق‪،‬‬ ‫ذلك أنه ال يناقض بقية األخبار التي وصلتنا بشأن عمر‪ ،‬وأنا أتحدث هنا خاصة عن مصيبة يوم‬ ‫الخميس‪ .‬وال يمكن بالتالي أن نستغرب كثيرا سلوك عمر خالل صلح الحديبية! وإلى ذلك‪ ،‬كيف‬ ‫يمكننا أن نرتاب في رواية الواقدي‪ ،‬في حين أنه من أقدم اإلخباريين‪ ،‬حيث توفي في ‪ 130‬للهجرة‪،‬‬ ‫فضال عن انه كان شيخ ابن سعد‪ ،‬الذي يعتبر من بين أكثر علماء السنة أهال للثقة؟‬ ‫كيف كان بوسع عمر‪ ،‬وهو الذي شهد نزول الوحي على النبي (ص) طوال سنوات‪ ،‬كما شهد عددا‬ ‫من المعجزات‪ ،‬من بينها انشقاق القمر‪ ،‬أن يقول‪:‬‬ ‫ة تخرج عنهم رغب ً‬ ‫"ارتبت ارتياباً لم أرتبه منذ أسلمت إال يومئذ‪ ،‬ولو وجدت ذلك اليوم شيع ً‬ ‫ة‬ ‫عن القضية لخرجت"؟(‪)59‬‬ ‫" وهللا لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي‪ :‬لو كنا مائة رجل على مثل‬ ‫رأيي ما دخلنا فيه أبداً!"(‪)60‬‬ ‫أين ذهب إذا ذلك اإليمان الراسخ وتلك التقوى المثالية‪ ،‬اللذان دفعا عمر إلى معاملة هشام بخشونة‬ ‫عندما ظن أنه لم يقرأ القرآن القراءة الصحيحة؟ وأين ذهب ذلك اإليمان الراسخ وتلك التقوى المثالية‪،‬‬ ‫اللذان دفعاه إلى التهديد بجلد رجلين ال لشيء إال ألنهما رفعا صوتهما في مسجد النبي (ص)؟‬ ‫ينبغي التذكير بأن هدنة الحديبية تعود إلى القرن الخامس الهجري‪ ،‬وال يمكن بالتالي التذرع بخطأ‬ ‫وشكوك المسلم الحديث العهد!‬ ‫وعلى رغم كل شيء‪ ،‬فحتى في أيامنا هذه‪ ،‬هناك من شباب المسلمين من ال يمكن أن يتجرأ أبدا‬ ‫على أن يسلك سلوك عمر إزاء النبي (ص)‪ ،‬ونحن نحييهم على ذلك! ورغم أن هؤالء الشباب لم يروا‬ ‫النبي (ص) أو يسمعوه‪ ،‬وبرغم أنهم ال يتكلمون العربية وال يقرأونها وال يكتبونها‪ ،‬إال أنهم يحبون النبي‬ ‫(ص) حبا يمنعهم من معارضته أو التشكيك في كالمه إطالقا‪.‬‬ ‫واعرف أن عددا من الناس‪ ،‬خاصة أولئك الذين يدافعون باستماتة عن عمر‪ ،‬ويتبعونه ‪ ،‬كما فعل بعض‬ ‫الصحابة يوم الخميس‪ ،‬الذين التزموا بموقفه وقالوا قوله‪ ،‬لن يجدوا ما يدافعون به عن عمر ‪ ،‬أو قل عن‬ ‫‪ 58‬الواقدي ‪ :‬نفس المصدر‪.‬‬ ‫‪ 59‬الواقدي‪ :‬المصدر نفسه‪.‬‬ ‫‪ 60‬الواقدي ‪ :‬المغازي‪ ،‬ص ‪.244‬‬

‫‪28‬‬


‫مذهبهم واتجاههم‪ ،‬سوى أن يقولوا‪ :‬ربما يكون الخبر الذي رواه الواقدي غير صحيح ! وأجيبهم ربما!‬ ‫لكن إذا كان هناك شك في الخبر الذي رواه الواقدي‪ ،‬فهل من شك في الحديث الذي أورده البخاري؟‬ ‫والواقع أن هذا الحديث األخير يسلط الضوء على سلوك غير الئق سلكه عمر! وبأية حال‪ ،‬فهو سلوك‬ ‫ال يتماشى جيدا مع كل ما يقال لنا عنه في كل مكان‪ ،‬وخاصة ما يقوله أهل السنة والجماعة‪،‬‬ ‫والسلفيون الذين يزعمون اتباع نهج السلف الصالح! واسمحوا لي بالشك في أن يكون سلوك عمر‬ ‫يوم الحديبية ويوم الخميس‪ ،‬مثاال يستحق اإلتباع!‬ ‫وبالطبع‪ ،‬سوف يصرخ البعض هنا كالحيوانات الجريحة ليتهموننا بالتشيع وما ال اعلمه من االتهامات‬ ‫األخرى‪ .‬لكن ال احد يمكنه أن يغتر لهذا الصراخ الحانق إال من كان لديه استعداد لتصديق أي شيء!‬ ‫إن هذا الصراخ لن يخدع سوى أولئك الذين يتقلبون حسب الظرف‪ ،‬وال يمكن أن يخدع المسلمين‬ ‫الراسخين‪ ،‬أولئك الذين بين أخواتنا وإخواننا‪ ،‬يستندون على المتون الصحاح والمصادر المرجعية‪ ،‬دون‬ ‫اكتراث بما يفكره بقية الناس!‬ ‫فال يعقل أن نطرح جانبا مراجعنا التاريخية لكي نتبع هذا العالم او ذاك‪ ،‬ممن يناقضون تلك المصادر‪،‬‬ ‫دون أن يهتموا حتى بأن يشرحوا لنا لماذا!‬ ‫"فلما اصطلحوا فلم يبق إال الكتاب‪ ،‬وثب عمر إلى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فقال‪ :‬يا رسول‬ ‫هللا‪ ،‬ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ :‬بلى! قال‪ :‬فعالم نعطي الدنية‬ ‫في ديننا؟ فقال رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ :‬أنا عبد هللا ورسوله‪ ،‬ولن أخالف أمره‪ ،‬ولن‬ ‫يضيعني‪ .‬فذهب عمر إلى أبي بكر رضي هللا عنه فقال‪ :‬يا أبا بكر‪ ،‬ألسنا بالمسلمين؟ فقال‪ :‬بلى!‬ ‫فقال عمر‪ :‬فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر‪ :‬الزم غرزه ! فإني أشهد أنه رسول هللا‪ ،‬وأن‬ ‫الحق ما أمر به‪ ،‬ولن نخالف أمر هللا ولن يضيعه هللا! ولقي عمر من القضية أمراً كبيراً‪ ،‬وجعل يرد على‬ ‫رسول هللا صلى هللا عليه وسلم الكالم ويقول‪ :‬عالم نعطي الدنية في ديننا؟ فجعل رسول هللا‬ ‫صلى هللا عليه وسلم يقول‪ :‬أنا رسول هللا ولن يضيعني ‪ .‬قال‪ :‬فجعل يرد على النبي صلى هللا‬ ‫عليه وسلم الكالم‪ .‬قال‪ :‬يقول أبو عبيدة بن الجراح‪ :‬أال تسمع يا ابن الخطاب رسول هللا يقول ما‬ ‫يقول؟ تعوذ باهلل من الشيطان واتهم رأيك! قال عمر رضي هللا عنه‪ :‬فجعلت أتعوذ باهلل من‬ ‫الشيطان الرجيم حيا ًء‪ ،‬فما أصابني قط شي ٌء مثل ذلك اليوم‪ ،‬ما زلت أصوم وأتصدق من الذي صنعت‬ ‫مخافة كالمي الذي تكلمت يومئذ‪ .‬فكان ابن عباس رضي هللا عنه يقول‪ :‬قال لي عمر في خالفته‪،‬‬ ‫وذكر القضية‪ :‬ارتبت ارتياباً لم أرتبه منذ أسلمت إال يومئذ‪ ،‬ولو وجدت ذلك اليوم شيع ًة تخرج عنهم‬ ‫رغب ًة عن القضية لخرجت‪ .‬ثم جعل هللا تبارك وتعالى عاقبتها خيراً ورشداً‪ ،‬وكان رسول هللا صلى هللا‬ ‫عليه وسلم أعلم‪.‬‬ ‫قال أبو سعيد الخدري‪ :‬جلست عند عمر بن الخطاب رضي هللا عنه يوماً‪ ،‬فذكر القضية فقال‪ :‬لقد‬ ‫دخلني يومئذ من الشك‪ ،‬وراجعت النبي صلىاهلل عليه وسلم يومئذ مراجع ًة ما رجعته مثلها قط‪ ،‬ولقد��� ‫عتقت فيما دخلني يومئذ رقاباً‪ ،‬وصمت دهراً‪ ،‬وإني ألذكر ما صنعت خالياً فيكون أكبر همي‪ ،‬ثم جعل‬ ‫هللا عاقبة القضية خيراً‪ ،‬فينبغي للعباد أن يتموا الرأي؛ وهللا لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت‬ ‫في نفسي‪ :‬لو كنا مائة رجل على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبداً!" (‪)61‬‬ ‫ولنواصل‪.‬‬

‫‪ 61‬الواقدي ‪ :‬المصدر السابق‪.‬‬

‫‪29‬‬


‫الفصل السابع‪ :‬صالة العصر والصبح‬ ‫"عن عائشة؛ أنها قالت‪:‬‬ ‫وهم عمر‪ .‬إنما نهى رسول هللا صلى هللا عليه وسلم أن يتحرى طلوع الشمس‬ ‫وغروبها‪)62(".‬‬ ‫نرى عائشة هنا أيضا تصحح خطأ عمر! فقد هذا األخير يعتقد أنه ال يمكنه تأدية الصالة بعيد العصر‬ ‫وبعيد الصبح‪ ،‬في حين ان النبي (ص) كما تؤكد لنا عائشة نهى فقط عن تحري طلوع الشمس‬ ‫وغروبها‪.‬‬ ‫"عن عائشة؛ قالت‪:‬‬ ‫صالتان ما تركهما رسول هللا صلى هللا عليه وسلم في بيتي قط‪ ،‬سرا وال عالنية‪ .‬ركعتين قبل‬ ‫الفجر‪ .‬وركعتين بعد العصر‪)63(".‬‬ ‫وفي هذا ما يشير إلى وقوع عمر في الخطأ مرة أخرى‪ ،‬وقد قامت عائشة مرة أخرى كذلك بتصحيحه‪،‬‬ ‫تماما كما فعلت بالنسبة لمسألة البكاء!‬ ‫ولكن كم مرة أخطأ عمر دون أن يكون هناك ما يبادر إلى تدارك خطئه وتصحيحه؟!‬ ‫"عن أبي هريرة‪ .‬قال‪:‬‬ ‫بينما الحبشة يلعبون عند رسول هللا صلى هللا عليه وسلم بحرابهم‪ .‬إذ دخل عمر بن الخطاب‪ .‬فأهوى‬ ‫إلى الحصباء يحصبهم بها‪ .‬فقال له رسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪" :‬دعهم‪ .‬يا عمر!"‪)64(.‬‬ ‫"عن السائب بن يزيد قال‪:‬‬ ‫كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وإمرة أبي بكر وصدراً من خالفة عمر‪،‬‬ ‫فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا‪ ،‬حت ى كان آخر إمرة عمر‪ ،‬فجلد أربعين‪ ،‬حتى إذا عتوا وفسقوا جلد‬ ‫ثمانين‪)65( ".‬‬ ‫"عن أنس بن مالك‪:‬‬ ‫‪62‬‬ ‫‪63‬‬ ‫‪64‬‬ ‫‪65‬‬

‫صحيح مسلم‪ :‬باب ال تتحروا بصالتكم طلوع الشمس وال غروبها‪ .‬الحديث ‪.)833( - 296‬‬ ‫صحيح مسلم‪ :‬باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي صلى هللا عليه وسلم بعد العصر‪ .‬الحديث ‪.)835(300‬‬ ‫صحيح مسلم ‪ :‬باب الرخصة في اللعب‪ ،‬الذي المعصية فيه‪ ،‬في أيام العيد‪ .‬الحديث ‪.)893( - 22 :‬‬ ‫صحيح البخاري‪ :‬باب‪ :‬الضرب بالجريد والنعال‪ ،‬الحديث‪.6397 :‬‬

‫‪31‬‬


‫أن نبي هللا صلى هللا عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال‪ .‬ثم جلد أبو بكر أربعين‪ .‬فلما كان‬ ‫عمر‪ ،‬ودنا الناس من الريف والقرى‪ ،‬قال‪ :‬ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبدالرحمن بن عوف‪ :‬أرى أن‬ ‫تجعلها كأخف الحدود‪ .‬قال‪ :‬فجلد عمر ثمانين‪)66(".‬‬ ‫"عن أبي بردة األنصاري‪:‬‬ ‫أنه سمع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يقول (ال يجلد أحد فوق عشرة أسواط‪ .‬إال في حد‬ ‫من حدود هللا)‪)67(".‬‬ ‫"حدثنا أبو إسحاق قال‪ :‬سمعت البراء بن عازب رضي هللا عنهما يحدث قال‪:‬‬ ‫جعل النبي صلى هللا عليه وسلم على الرجالة يوم أحد ‪ -‬وكانوا خمسين رجال ‪ -‬عبد هللا بن جبير‬ ‫فقال‪ ( :‬إن رأيتمونا تخطفنا الطير فال تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم‪ ،‬وإن رأيتمونا هزمنا القوم‬ ‫وأوطأناهم‪ ،‬فال تبرحوا حتى أرسل إليكم)‪ .‬فهزموهم‪ ،‬قال‪ :‬فأنا وهللا رأيت النساء يشتددن‪ ،‬قد بدت‬ ‫خالخلهن وأسوقهن‪ ،‬رافعات ثيابهن‪ .‬فقال أصحاب عبد هللا بن جبير‪ :‬الغنيمة أي قوم الغنيمة‪ ،‬ظهر‬ ‫أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد هللا ابن جبير‪ :‬أنسيتم ما قال لكم رسول هللا صلى هللا عليه وسلم؟‬ ‫قالوا‪ :‬وهللا لنأتين الناس فل نصيبن من الغنيمة‪ ،‬فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين‪ ،‬فذاك إذ‬ ‫يدعوهم الرسول في أخراهم‪ ،‬فلم يبق مع النبي صلى هللا عليه وسلم غير اثني عشر رجال‪ ،‬فأصابوا‬ ‫منا سبعين‪ ،‬وكان النبي صلى هللا عليه وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة‪،‬‬ ‫سبعين أسيرا وسبعين قتيال‪.‬‬ ‫فقال أبو سفيان‪ :‬أفي القوم محمد‪ ،‬ثالث مرات‪ ،‬فنهاهم النبي صلى هللا عليه وسلم أن‬ ‫يجيبوه‪ ،‬ثم قال‪ :‬أفي القوم ابن أبي قحافة‪ ،‬ثالث مرات‪ ،‬ثم قال‪ :‬أفي القوم ابن الخطاب‪ ،‬ثالث مرات‪،‬‬ ‫ثم رجع إلى أصحابه فقال‪ :‬أما هؤالء فقد قتلوا‪ ،‬فما ملك عمر نفسه‪ ،‬فقال‪ :‬كذبت وهللا يا عدو‬ ‫هللا‪)68(".‬‬ ‫"كان أناس من الناس يقولون لنا‪ ،‬يعني ألهل السفينة‪ :‬سبقناكم بالهجرة‪ .‬ودخلت أسماء بنت‬ ‫عميس‪ ،‬وهي ممن قدم معنا‪ ،‬على حفصة زوج النبي صلى هللا عليه وسلم زائرة‪ ،‬وقد كانت هاجرت‬ ‫إلى النجاشي فيمن هاجر‪ ،‬فدخل عمر على حفصة‪ ،‬وأسماء عندها‪ ،‬فقال عمر حين رأى‬ ‫أسماء‪ :‬من هذه؟ قالت‪ :‬أسماء بنت عميس‪ ،‬قال عمر‪ :‬آلحبشية هذه‪ ،‬آلبحرية هذه؟ قالت‬ ‫أسماء‪ :‬نعم‪ ،‬قال‪ :‬سبقانكم بالهجرة‪ ،‬فنحن أحق برسول هللا منكم‪ ،‬فغضبت وقالت‪ :‬كال وهللا‪،‬‬ ‫كنتم مع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يطعم جائعكم‪ ،‬ويعظ جاهلكم‪ ،‬وكنا في دار ‪ -‬أو في أرض ‪-‬‬ ‫البعداء البغضاء بالحبشة‪ ،‬وذلك في هللا ورسوله صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬وايم هللا ال أطعم طعاما وال‬ ‫أشرب شرابا‪ ،‬حتى أذكر ما قلت لرسول هللا صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ونحن كنا نؤذى ونخاف‪ ،‬وسأذكر‬ ‫ذلك لنبي صلى هللا عليه وسلم وأسأله‪ ،‬وهللا وال أكذب وال أزيغ وال أزيد عليه‪ .‬فلما جاء النبي صلى‬ ‫هللا عليه وسلم قالت‪ :‬يا نبي هللا إن عمر قال كذا وكذا‪ .‬قال‪( :‬فما قلت له؟)‪ .‬قالت‪ :‬قلت له كذا‬ ‫وكذا‪ ،‬قال‪( :‬ليس بأحق بي منكم‪ ،‬وله وألصحابه هجرة واحدة‪ ،‬ولكم أنتم ‪ -‬أهل السفينة ‪-‬‬ ‫هجرتان)‪ .‬قالت‪ :‬فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرساال‪ ،‬يسألونني عن هذا‬ ‫الحديث‪ ،‬ما من الدنيا شيء هم به أفرح وال أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى هللا عليه‬ ‫وسلم‪)69(".‬‬ ‫والخ‪...‬الخ‪...‬الخ‪...‬‬ ‫‪ 66‬صحيح مسلم‪ :‬باب حد الخمر‪ ،‬الحديث‪.)1706( - 36 :‬‬ ‫‪ 67‬صحيح مسلم‪ :‬باب قدر أسواط التعزيز‪ ،‬الحديث‪.)1708(40 :‬‬ ‫صحيح البخاري‪ :‬باب‪ :‬ما يكره من التنازع واالختالف في الحرب‪ ،‬وعقوبة من عصى إمامه‪ .‬الحديث‪.2874 :‬‬ ‫‪68‬‬ ‫صحيح البخاري‪ :‬باب‪ :‬غزوة خيبر‪ .‬الحديث ‪.3990/3992 :‬‬ ‫‪69‬‬

‫‪31‬‬


‫ولنواصل‪.‬‬

‫الفصل الثامن‪ :‬تحقير عائلة النبي (ص)‬ ‫وإهانتها‬ ‫لقد رأينا كيف تجرأ عمر على عصيان النبي (ص) يوم الخميس‪ ،‬وهذا في رأيي ما يصدم أي إنسان‬ ‫صادق وواع‪ .‬لكن من المؤسف أن رجة الخالف ال تتوقف عند هذا الحد‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬فتلك بداية‬ ‫وحسب ! فما نعلمه هو أنه لم تكد تمر فترة وجيزة من الزمن على وفاة النبي (ص)‪ -‬بضعة أيام على‬ ‫األرجح – حتى راح عمر يهدد لفظيا عائلة الرسول (ص)‪ ،‬بغاية إجبار علي وآخرين على المبايعة‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فمن الذي يجهل أن عائلة الرسول (ص) توجب اإلحترام؟ ال أحد! ومن الذي يجهل وصايا‬ ‫النبي (ص) بشأن عائلته؟ ال أحد! ومن له الحق "باسم اإلسالم" أن يهدد و يغلظ في معاملة أهل‬ ‫بيت النبي؟ ال أحد! فكيف أمكن لعمر إذا أن يتعامل بهذه الطريقة مع أسرة النبي (ص) بعد وفاته؟ ألم‬ ‫يكن ألم الفراق كافيا بحد ذاته لعلي ‪ ،‬وفاطمة‪ ،‬وأوالدهما‪ ،‬حتى يأتي من يضيف الغضب إلى وجع‬ ‫الحداد العظيم؟ وهذا ما يفسر جزئيا بأية حال‪ ،‬كيف أن فاطمة لم تستطع أن تعيش أكثر من ستة‬ ‫شهور بعد موت والدها! فلعل هللا أسعفها برحمته الواسعة‪ ،‬وأوجز ألما كان سيمتد طويال‪ ،‬فأسرع‬ ‫بإلحاقها بأبيها‪.‬‬ ‫تخيلوا لحظة واحدة الوضع التالي‪:‬‬ ‫فقدت فاطمة أباها في أعقاب ما سمعته عن أحداث نزاع يوم الخميس‪ .‬بعد ذلك‪ ،‬هاهم يهددون‬ ‫زوجها‪ ،‬ويهددون بإضرام النار في بيتها‪ .‬وها هي تراهم يهجمون على البيت مباشرة‪ .‬وها هو زوجها‬ ‫يتوفى‪ .‬وها هي تسمع أن ابنها الحسن مات مسموما‪ .‬ثم ها هي تشهد قتل ابنها الثاني الحسين‬ ‫يوم عاشوراء في كربالء‪ ،‬مع أبنائه الصغار! أليس في كل هذه األحداث ما يدفع إلى الجنون؟!‬ ‫ولكن دعونا نعود إلى عمر‪ .‬أين هو احترام كالم الرسول (ص) حين أوصى خيرا بعائلته؟‬ ‫إن الوقائع المزعجة تتوالى‪ .‬ففي يوم الخميس‪ ،‬تظهر الجرأة على عصيان الرسول (ص)‪ .‬وبعد وقت‬ ‫وجيز من موته‪ ،‬يتواصل هذا السلوك ‪ ،‬لغاية في نفس يعقوب‪ ،‬كما أعتقد! فحين يقول (عمر) ‪ :‬كال !‬ ‫ال تعطوا النبي شيئا للكتابة! فلدينا كتاب هللا‪ ،‬وهذا حسبنا‪ ،‬فيما سبق وان تلقى تحذيرا‬ ‫شديدا بعدم رفع صوته بحضور النبي (ص) ‪ ،‬فإذا هو يتناسى ذلك التحذير‪ ،‬وال يكتفي برفع صوته‬ ‫‪32‬‬


‫بحضور النبي (ص) وإنما ايضا ليعلو فوق صوته‪ ،‬فإن في األمر ما يدعو للذهول ! فلو أن شخصا آخر‬ ‫سوى عمر أقدم على هذا السلوك‪ ،‬لقطع رأسه! ولنتذكر أن عمر نفسه أراد قطع رؤوس أربعة‬ ‫أشخاص ألقل من هذا بكثير! (انظر الفصل الرابع)‪ .‬ولنتذكر أنه أراد جلد أناس ألقل من هذا أيضا‬ ‫(الفصل الرابع) وأنه عامل هشام بفظاظة‪ ،‬ألقل أقل من هذا بكثير (الفصل الرابع)‪.‬‬ ‫"عن ابن أبي ملكية قال‪:‬‬ ‫كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي هللا عنهما‪ ،‬رفعا أصواتهما عند النبي صلى هللا عليه وسلم‬ ‫حين قدم عليه ركب بني تميم‪ ،‬فأشار أحدهما باألقرع بن حابس أخي بني مجاشع‪ ،‬وأشار اآلخر‬ ‫برجل آخر‪ ،‬قال نافع‪ :‬ال أحفظ اسمه‪ ،‬فقال‪ :‬أبو بكر لعمر‪ :‬ما أردت إال خالفي‪ ،‬قال‪ :‬ما أردت خالفك‪،‬‬ ‫فارتفعت أصواتهما في ذلك‪ ،‬فأنزل هللا‪{ :‬يا أيها الذين آمنوا الترفعوا أصواتكم}‪ .‬اآلية‪ .‬قال ابن الزبير‪ :‬فما‬ ‫كان عمر يسمع رسول هللا صلى هللا عليه وسلم بعد هذه اآلية حتى يستفهمه‪)70( ".‬‬ ‫ولكنه في الواقع خالف ذلك‪ ،‬حيث نراه يقول ‪ ":‬إن النبي صلى هللا عليه وسلم غلبه الوجع‪،‬‬ ‫وعندنا كتاب هللا حسبنا"! فلدينا بالفعل ما يدفعنا إلى طرح تساؤالت عديدة بخصوص سلوك عمر!‬ ‫أليس النبي (ص) على علم بما يصلح للمسلمين؟ ألم يقل هللا تعالى‪:‬‬ ‫" يا أيها الذين آمنوا ‪ ،‬أطيعوا هللا وأطيعوا الرسول وال تبطلوا أعمالكم"‪.‬‬ ‫" يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬ال تقدموا بين يدي هللا ورسوله‪ ،‬واتقوا هللا إن هللا سميع عليم"‪.‬‬ ‫يا أيها الذين آمنوا‪ ،‬ال ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي وال تجهروا له بالقول كجهر بعضكم‬ ‫لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم ال تشعرون"‪.‬‬ ‫" إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول هللا أولئك الذين امتحن هللا قلوبهم للتقوى لهم‬ ‫مغفرة وأجر عظيم"‪...‬؟‬ ‫فكيف نستغرب بقية األمر إذن؟ أي ‪ :‬تهديد عائلة الرسول (ص)‪ ،‬بعد عصيانه ومخالفته‪ ،‬قبل موته بأيام‬ ‫قليلة‪.‬‬ ‫"كان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة‪ ،‬فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس‪ ،‬فالتمس مصالحة أبي‬ ‫بكر ومبايعته‪ ،‬ولم يكن يبايع تلك األشهر‪ ،‬فأرسل إلى أبي بكر‪ :‬أن ائتنا وال يأتنا أحد معك‪ ،‬كراهية‬ ‫لمحضر عمر‪ ،‬فقال عمر‪ :‬ال وهللا ال تدخل عليهم وحدك‪ ،‬فقال أبو بكر‪ :‬وما عسيتهم أن يفعلوا بي‪،‬‬ ‫وهللا آلتيهم‪)71(".‬‬

‫فكيف جرؤ عمر على قول ‪" :‬ال وهللا ال تدخل عليهم وحدك" ؟ أتراه يتحدث عن علي أم عن أحقر‬ ‫المجرمين؟!!‬

‫والحال أن ذلك البيت هو بيت النبي (ص) وابنته فاطمة!!! وفجأة‪ ،‬أصبح علي شخصا ينبغي تجنبه‪،‬‬ ‫وخاصة عدم الدخول إلى بيته‪ ،‬إن لم يكن المرء حامال درعا واقيا!!! ففي أقل من ‪ 24‬ساعة‪ ،‬انتقل‬ ‫علي من وضعية "هارون" إلى وضعية يهوذا!‬ ‫يا له من تحقير! فمن ناحية‪ ،‬نجد النبي (ص) يتحدث عن علي ويعتبره كما علمنا‪ .‬ومن ناحية أخرى ‪،‬‬ ‫نجد خالف ذلك تماما! التحقير والبغض !‬ ‫"المدائني‪ ،‬عن مسلمة بن محارب‪ ،‬عن سليمان التيمي‪ ،‬وعن ابن عون‪.‬‬ ‫‪ 70‬صحيح البخاري‪ :‬باب‪{ :‬ال ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} اآلية ‪./2/‬الحديث ‪.4564 :‬‬ ‫‪ 71‬صحيح البخاري‪ :‬باب‪ :‬غزوة خيبر‪ .‬الحديث ‪.3998 :‬‬

‫‪33‬‬


‫فاطمة على الباب‪،‬‬ ‫ي يريد البيعة‪ ،‬فلم يبايع‪ .‬فجاء عمر‪ ،‬ومعه قبس فتلقته‬ ‫ُ‬ ‫أن أبا بكر أرسل إلى عل ّ‬ ‫ً‬ ‫فقالت فاطمة‪ :‬يا بن الخطاب‪ ،‬أتراك محرّقا علي بابي؟ قال‪ :‬نعم‪ ،‬وذلك أقوى فيما جاء به أبوك‪.‬‬ ‫عزمت أن ال أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن‪)72(".‬‬ ‫كنت‬ ‫وجاء علي‪ ،‬فبايع وقال‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫"حدثنا محمد بن بشر عن عبيد هللا بن عمر‪:‬‬ ‫أنه حين بويع ألبي بكر بعد رسول هللا ( ص ) كان علي والزبير يدخالن على فاطمة بنت رسول هللا (‬ ‫ص ) فيشاورانها ويرتجعان في أمرهما‪ ،‬فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة‬ ‫فقال ‪ :‬يا بنت رسول هللا ( ص ) ! وهللا ما من أحد أحب إلينا من أبيك ‪ ،‬وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك‬ ‫منك ‪ ،‬وأيم هللا ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤالء النفر عندك ‪ ،‬إن أمرتهم أن يحرق عليهم‬ ‫البيت ‪ ،‬قال ‪ :‬فلما خرج عمر جاءوها فقالت ‪ :‬تعلمون أن عمر قد جاءني وقد حلف باهلل لئن عدتم‬ ‫ليحرقن عليكم البيت وأيم هللا ليمضين لما حلف عليه ‪ ،‬فانصرفوا راشدين ‪ ،‬فروا رأيكم وال ترجعوا إلي‬ ‫‪ ،‬فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا ألبي بكر‪)73(".‬‬ ‫"بلغ أبا بكر وعمر أ ن جماعة من المهاجرين واألنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل‬ ‫فاطمة بنت رسول هللا‪ ،‬فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار‪ ،‬وخرج علي ومعه السيف‪ ،‬فلقيه عمر‪،‬‬ ‫فصارعه عمر فصرعه‪ ،‬وكسر سيفه‪ ،‬ودخلوا الدار فخرجت فاطمة فقالت‪ :‬وهللا لتخرجن أو ألكشفن‬ ‫شعري وألعجن إلى هللا!"(‪)74‬‬ ‫"وغضب علي والزبير ‪ ،‬ودخال بيت فاطمة ‪ ،‬وتخلفا عن البيعة ‪ ،‬فجاءهم عمر في عصابة فيهم أسد بن‬ ‫حصين ‪ ،‬وسلمة بن أسلم بن جريش األشهلي ‪ ،‬فصاح عمر ‪ :‬أخرجوا ‪ ،‬أو لنحرقنها عليكم ‪ .‬فأبوا‬ ‫أن يخرجوا ‪ ،‬فصاحت بهم فاطمة وناشدتهم هللا ‪)75(".‬‬ ‫إن هذا الخبر ورد كما ترون حسب روايات متنوعة‪ ،‬و لعل "أشدها" هي التي أوردها البالذري‪ ،‬حيث‬ ‫نرى عمر يقول‪" :‬نعم‪ ،‬وذلك أقوى فيما جاء به أبوك"‪ .‬ولعل "ألطفها" هي التي أوردها ابن أبي‬ ‫شيبة‪ ،‬حيث يقول عمر خاصة لفاطمة‪ ،‬إننا نحبك‪ ،‬ولكن هذا لن يمنعنا من إحراق بيتك ‪" :‬وهللا‬ ‫ما من أحد أحب إلينا من أبيك ‪ ،‬وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك ‪ ،‬وأيم هللا ما ذاك بمانعي إن‬ ‫اجتمع هؤالء النفر عندك ‪ ،‬إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت‪".‬‬ ‫وبالنتيجة‪ ،‬يتضح أنه بدءا من يوم الخميس ‪ ،‬ووصوال إلى قصة إحراق البيت ‪ ،‬مرورا بيوم السقيفة‬ ‫حيث وقعت مبايعة أبي بكر على عجل‪ ،‬هناك ما يدفع إلى الكثير من التساؤل! ومن يمكنه اآلن أن‬ ‫يقنعنا أن ال شيء حدث‪ ،‬وأن الشيعة والضالين وحدهم الذين يواصلون الكذب حول هذه المواضيع‬ ‫من‬ ‫التي ذكرنا هنا؟! واسألوا خبراء الحديث عن رأيهم! اسألوا العلماء السلفيين وسواهم‪ ،‬اسألوهم ع ّ‬ ‫يكون ابن أبي شيبة‪ ،‬والبالذري‪ ،‬واليعقوبي‪ ،‬والطبري‪ ...‬هل هم ضالون‪ ،‬وشيعة‪ ،‬أم هم علماء‬ ‫سنيون أتقياء و نزهاء؟ !!‬ ‫إنني لست ممن يريدون تقليب السكين في الجرح الذي لم يندمل بعد‪ .‬وفي نفس الوقت‪ ،‬فأنا لست‬ ‫ممن يبقون مكتوفي اليدين ‪ ،‬حين يسعى البعض إلى إقناعنا بأن ال شيء حدث إطالقا‪ ،‬وأنه إضافة‬ ‫إلى ذلك‪ ،‬فقد كان علي هو من سبّب معركتي الجمل وص ّفين(‪ ،)76‬وأن عائشة ومعاوية كانت‬ ‫نواياهما طيبة بأية حال‪ ،‬وإذا اخطآ‪ ،‬فقد غفر هللا لهما!(‪)77‬‬

‫‪72‬‬ ‫‪73‬‬ ‫‪74‬‬ ‫‪75‬‬ ‫‪76‬‬ ‫‪77‬‬

‫البالذري ‪ :‬أنساب األشراف‪ .‬ص‪.252.‬‬ ‫مصنف ابن أبي شيبة ‪ ،‬ج‪،7‬ص ‪ ،477‬عدد ‪.37034‬‬ ‫تاريخ اليعقوبي‪ :‬ص ‪.155‬‬ ‫تاريخ الطبري‪.‬‬ ‫هذا ما يبدو واضحا لدى قراءة العديد من النصوص الصادرة عن "أهل السنة والجماعة"‪ ،‬مثال ذلك‪ " :‬عقيدة أهل السنة والجماعة"‪ ،‬على موقع "الالنترن"‬ ‫(الفانوس)‪ ،‬ركن مراجعات الكتب‪.‬‬ ‫المصدر السابق‪.‬‬

‫‪34‬‬


‫فلنتوقف عن شتم ذاكرة علي والدوس على حقه‪ ،‬متظاهرين بعدم معرفة وضعيته وحقوقه الشرعية!‬ ‫وليس هذا ما يسمى بالتشيع‪ ،‬وإنما هو ببساطة‪ :‬اإلسالم‪.‬‬ ‫"عن ابن عمر عن أبي بكر رضي هللا عنهم قال ‪ :‬ارقبوا محمدا صلى هللا عليه وسلم في‬ ‫أهل بيته‪)78(".‬‬ ‫" حدثني يزيد بن حيان قال انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن‬ ‫أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا ‪ .‬رأيت رسول هللا صلى هللا عليه‬ ‫وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا حدثنا يا زيد ما‬ ‫سمعت من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم قال يا ابن أخي وهللا لقد كبرت سني وقدم عهدي‬ ‫ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوا وما ال فال‬ ‫تكلفونيه ثم قال قام رسول هللا صلى هللا عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما‬ ‫بين مكة والمدينة فحمد هللا وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال أما بعد أال أيها الناس فإنما أنا بشر‬ ‫يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب هللا فيه الهدى والنور فخذوا‬ ‫بكتاب هللا واستمسكوا به فحث على كتاب هللا ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم هللا في‬ ‫أهل بيتي أذكركم هللا في أهل بيتي أذكركم هللا في أهل بيتي‪)79(".‬‬ ‫" أيها الناس هللا موال ي وأنا موالكم ‪ ،‬فمن كنت مواله فعلي مواله ‪ ،‬اللهم وال من وااله‬ ‫وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله"‪.‬‬ ‫" فأنما هي (فاطمة) بضعة مني‪ ،‬يريبني ما أرابها‪ ،‬ويؤذيني ما أذاها"‪)80(.‬‬ ‫" قال النبي صلى هللا عليه وسلم لعلي‪( :‬أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من‬ ‫موسى؟)‪)81(".‬‬ ‫" إني وإياك وهذا الراقد‪ ،‬يعني عليا‪ ،‬والحسن يوم القيامة لفي مكان واحد‪." .‬‬ ‫" من آذاني في أهلي فقد آذى هللا‪".‬‬ ‫" أنا وفاطمة والحسن والحسين مجتمعون ومن أحبنا يوم القيامة نأكل ونشرب حتى‬ ‫يفرق بين العباد‪".‬‬ ‫" ال يبغضنا أحد وال يحسدنا أحد إال ذيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من نار‪".‬‬ ‫" ثالث ٌ‬ ‫ب أهل بيتي ‪ ،‬ومن قال ‪:‬‬ ‫ة من كن فيه ‪ ،‬فليس مني وال أنا منه ‪ُ :‬بغض علي ‪ ، ،‬ونص ُ‬ ‫اإليمان كالم‪".‬‬

‫فأين االحترام الواجب لهذه األحاديث النبوية؟‬ ‫فال نستطيع هنا إذا أن نفهم سلوك عمر! من جهة‪ ،‬نراه ينوي جلد رجلين ألنهما رفعا صوتيهما في‬ ‫المسجد النبوي‪ ،‬ونراه يغلظ معاملة هشام العتقاده أنه قرأ القرآن خطأ‪ .‬ومن جهة أخرى‪ ،‬نراه يعصي‬ ‫النبي (ص) صراحة‪ ،‬ويهدد عائلته ويعاملها بفظاظة‪ ،‬مخالفا ما قاله هللا ورسوله (ص) !‬ ‫فسواء أحببنا ذلك أم ال‪ ،‬فإن تهديدات عمر وفظاظته تجاه عائلة الرسول (ص) يمثالن تجاوزا كامال‬

‫‪78‬‬ ‫‪79‬‬ ‫‪80‬‬ ‫‪81‬‬

‫صحيح البخاري ‪ :‬مناقب قرابة رسول هللا صلى هللا عليه وسلم ومنقبة ‪ .‬الحديث‪.3436 :‬‬ ‫صحيح مسلم‪ ،‬باب فضائل الصحابة ‪ ،‬من فضائل علي بن أبي طالب رضي هللا عنه‪ ،‬الحديث‪.4425 :‬‬ ‫صحيح البخاري ‪ :‬باب‪ :‬ذب الرجل على ابنته في الغيرة واإلنصاف‪ .‬الحديث‪.4932 :‬‬ ‫حديث ورد في مسند أحمد بن حنبل‪ ،‬وصحيح البخاري‪ ،‬وصحيح مسلم‪ ،‬وسنن أبي داوود‪ ،‬وصحيح الترمذي‪ ،‬وسنن ابن ماجة‪ ،‬وتاريخ الطبري‪ ،‬ومصنف ابن‬ ‫أبي شيبة‪ ،‬وغيرهم‪.‬‬

‫‪35‬‬


‫لعدد من اآليات واألحاديث النبوية! فالبعض ال يترددون في انتقاد مسلم ألنه استمع إلى الموسيقى‪،‬‬ ‫أو لقصر لحيته‪ ،‬في الوقت الذي ينحنون فيه لتمجيد آخرين كان لهم سلوك خالفوا به ما شاءه هللا‬ ‫ورسوله (ص)‪ ،‬ال لشيء إال لكونه يحمل صفة صحابي من صحابة النبي (ص)‪ ،‬واسمه عمر بن‬ ‫الخطاب!‬ ‫ومن خالل األخبار التي أوردتها هنا‪ ،‬والتي قد ال تكون سوى جزءا صغيرا جدا من الحقيقة‪ ،‬يمكننا أن‬ ‫ندرك لماذا توفيت فاطمة وهي على تلك الحال من المرارة واأللم‪.‬‬ ‫" ودخل إليها في مرضها نساء رسول هللا صلى هللا عليه وسلم وغيرهن من نساء قريش فقلن‪ :‬كيف‬ ‫أنت؟ قالت‪ :‬أجدني وهللا كارهة لدنياكم‪ ،‬مسرورة لفراقكم‪ ،‬ألقى هللا ورسوله بحسرات‬ ‫منكن‪ ،‬فما حفظ لي الحق‪ ،‬وال رعيت مني الذمة‪ ،‬وال قبلت الوصية‪ ،‬وال عرفت الحرمة‪،‬‬ ‫وكان سنها ثالثاً وعشرين سنة‪)82(".‬‬

‫هللا أكبر!‬ ‫ال إله إال هللا محمد رسول هللا!‬

‫أيا فاطمة! نحبك وال ننساك !‬ ‫وما يسوؤك يسوؤنا‪.‬‬ ‫نقاسمك األلم ونبكي ذكراك‪.‬‬ ‫فإنك ما زلت جليلة‪ ،‬بجالل والدك‪ ،‬وزوجك‪ ،‬وأوالدك‪ ،‬والمهدي المنتظر‪ ،‬وهو القادم كما تعلمين‬ ‫من ساللتك‪ .‬فأبوك قال " المهدي من ولد فاطمة"‪)83(.‬‬ ‫سيبقى اسمك محفورا في قلوبنا‪.‬‬ ‫قصيرة كانت حياتك‪ ،‬وحزينة وفاتك‪ ،‬ولكن ما أعظم أثرك يا فاطمة‬ ‫سيبقى اسمك محفورا في ذاكرة األجيال اآلتية‬ ‫إن األلم كبير وعميق جدا‪ ،‬واأليام لم تسمح بتقليصه‪ ،‬أختاه‬ ‫ولم تسمح بكفكفة هذه الدموع‪ ،‬أختاه‪ ،‬ولكننا إلى هللا نتجه بقلوبنا ودموعنا‬ ‫ففيه هو تكمن كل آمالنا‪.‬‬ ‫وسالم عليك يوم ولدت‪ ،‬ويوم مت‪ ،‬ويوم تبعثين‪.‬‬ ‫(مم)‪.‬‬

‫‪ 82‬تاريخ اليعقوبي‪ :‬الوفاة‪ .‬ص ‪.151‬‬ ‫‪ 83‬من بين مصادر أخرى‪ ،‬البخاري‪ :‬التاريخ الكبير‪.‬ص‪.658‬‬

‫‪36‬‬


‫الفصل التاسع‪ :‬بعض البدع بسرعة‬ ‫"قال العسكري‪:‬‬ ‫ أول من سن قيام شهر رمضان‪.‬‬‫ وأول من حرم المتعة‪.‬‬‫ وأول من جمع الناس في صالة الجنائز على أربع تكبيرات‪.‬‬‫ وأول من أحتبس صدقة في اإلسالم‪.‬‬‫ وأول من أعال الفرائض‪.‬‬‫‪ -‬وأول من أخذ زكاة الخيل‪)84(".‬‬

‫ماذا نقول بشأن هذه البدع؟‬ ‫‪ 84‬السيوطي‪ :‬تاريخ الخلفاء‪ ،‬فصل في أولويات عمر رضي هللا عنه‪ .‬ص‪.55‬‬

‫‪37‬‬


‫باعتبار كل األخطاء التي ارتكبها عمر‪ ،‬من حقنا أن نطرح السؤال التالي‪ :‬هل هذه بدع حسنة أم‬ ‫سيئة؟‬

‫الفصل العاشر‪ :‬الندم‬ ‫ومرت األيام بعمر‪ ،‬وحانت ساعة لقاء ربه‪.‬‬ ‫"عن المسور بن مخرمة‪ ،‬قال‪ :‬لما طعن عمر جعل يألم‪ ،‬فقال له ابن عباس ـ وكأنه يجزعه ـ يا أمير‬ ‫المؤمنين‪ ،‬ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول هللا صلى هللا عليه وسلم فأحسنت صحبته‪ ،‬ثم فارقته‬ ‫وهو عنك راض‪ ،‬ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته‪ ،‬ثم فارقته وهو عنك راض‪ ،‬ثم صحبت صحبتهم‬ ‫فأحسنت صحبتهم‪ ،‬ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون‪ .‬قال أما ما ذكرت من صحبة رسول هللا‬ ‫صلى هللا عليه وسلم ورضاه‪ ،‬فإنما ذاك من من هللا تعالى من به على‪ ،‬وأما ما ذكرت من صحبة أبي‬ ‫بكر ورضاه‪ ،‬فإنما ذاك من من هللا جل ذكره من به على‪ ،‬وأما ما ترى من جزعي‪ ،‬فهو من أجلك‬ ‫وأجل أصحابك‪ ،‬وهللا لو أن لي طالع األرض ذهبا الفتديت به من عذاب هللا عز وجل قبل أن‬ ‫أراه‪)85(".‬‬ ‫إالم كان عمر يشير بقوله‪ ،" :‬وأما ما ترى من جزعي‪ ،‬فهو من أجلك وأجل أصحابك‪ ،‬وهللا لو‬ ‫‪ 85‬صحيح البخاري‪ :‬باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضى هللا عنه‪ ،‬الحديث‪.7373 :‬‬

‫‪38‬‬


‫أن لي طالع األرض ذهبا الفتديت به من عذاب هللا عز وجل قبل أن أراه"؟‬ ‫بإمكانن ا االستنتاج دون أن نخاطر بارتكاب خطأ‪ ،‬أنه إنما كان يشير إلى سلوكه الخاص إزاء عائلة‬ ‫الرسول (ص)‪ .‬كل الناس يعلمون أن ابن عباس هو ابن عم النبي (ص) وابن عم علي‪ ،‬وان أصحاب‬ ‫ابن عباس هم أقرباؤه‪ ،‬بما أن عمر يقول له ‪" :‬أصحابك"‪ ،‬والمقصود هنا هم األقارب ‪ ،‬أي عائلة النبي‬ ‫(ص)‪ ،‬وليس بالقطع جميع صحابة الرسول (ص)‪ .‬وإال‪ ،‬ما كان عمر ليقول له‪" :‬أصحابك"‪ .‬وهذا ما‬ ‫يؤكد خاصة ما ورد في النصوص المذكورة آنفا‪ ،‬والتي نرى فيها عمر يعامل بغلظة أسرة النبي (ص)‪،‬‬ ‫بل واألمر األسوأ أنه يهددها‪ .‬وكما رأينا أيضا‪ ،‬فقد قام عدد من الصحابة يترأسهم عمر بالهجوم على‬ ‫بيت فاطمة وإجبار الحاضرين على أداء البيعة ‪ .‬وأذكر مرة أخرى بأن هذه األخبار التي تتحدث عن‬ ‫الهجوم على البيت والتهديد بإضرام النار فيه وصلت إلينا من مصادر مؤلفين من أهل السنّة‪ ،‬من‬ ‫بينهم ابن أبي شيبة(‪ ،)86‬الذي كان الشيخ الذي تتلمذ عليه البخاري ومسلم وابن ماجة وآخرون‪ .‬و‬ ‫ال يمكن بالتالي الحديث عن شيعة أو تشيع هنا! وقد ذكر خبر التهديد بإضرام النار و‪ /‬أو الهجوم على‬ ‫بيت فاطمة‪ ،‬اليعقوبي(‪ )87‬والطبري (‪ )88‬والبالذري (‪ )89‬وعدد آخر من المؤلفين على األرجح‪ ،‬حسب‬ ‫روايات مختلفة‪ ،‬هذا ما ينبغي التأكيد عليه‪ .‬ولم يكن هؤالء الكتاب جهلة وال كانوا زنادقة‪ ،‬ومن ثم ‪،‬‬ ‫فحيث أنهم ذكروا هذه األخبار عن الهجوم والتهديد بالنار‪ ،‬فال شك أنهم فعلوا ذلك القتناعهم بصحتها!‬ ‫وهكذا‪ ،‬فقد اعترف عمر نفسه بأنه تصرف بشكل غير سليم‪ ،‬حيث قال‪ ":‬وهللا لو أن لي طالع‬ ‫األرض ذهبا الفتديت به من عذاب هللا عز وجل قبل أن أراه"‪ .‬فلو لم يكن لدى عمر أي سبب‬ ‫للتأنيب‪ ،‬كما يدعي السنيون الجدد‪ ،‬وأن كل ما يقال عنه سببه أكاذيب الشيعة وغيرهم من الضالين‬ ‫‪ ،‬فلماذا نراه يتحدث بهذه الطريقة إذا يا ترى؟ فلماذا يخاف عذاب هللا إذا لم يكن لديه ما يأخذه على‬ ‫نفسه؟ فإلى أن يأتي ما يبرهن على العكس‪ ،‬فإن هللا هو اكتمال العدل‪ .‬إذن‪ ،‬لماذا نخشاه حين‬ ‫نكون مقتنعين بأننا لم نفعل شيئا يقتضي الخوف‪ ،‬أو حين نكون متأكدين من أننا تصرفنا التصرف‬ ‫السليم مع صفاء النية؟! فال يمكن أن يتحدث بتلك الطريقة سوى أولئك الذين لديهم الكثير مما يمكن‬ ‫أن يؤاخذوا عليه ! وفي هذا ما يدل داللة ال يرقى إليها الشك بأن السنّيين الجدد يخطئون تماما عندما‬ ‫يسعون جهدهم إلى تخليص عمر من الشوائب‪ ،‬في حين أن عمر نفسه يعترف باألخطاء والمحرمات‬ ‫التي ارتكبها! حيث نراه يتمنى افتداء نفسه تجنبا للعقاب اإللهي ‪ " :‬وأما ما ترى من جزعي‪ ،‬فهو‬ ‫من أجلك وأجل أصحابك‪ ،‬وهللا لو أن لي طالع األرض ذهبا الفتديت به من عذاب هللا عز‬ ‫وجل قبل أن أراه"‪)90(.‬‬ ‫إن أقوال عمر تناقض بالتالي موقف السنّيّين الجدد‪ ،‬الذين ما فتئوا يتبعون هذا أو ذاك من العلماء‬ ‫المزعومين الذين ال يسندون أقوالهم إلى أي دراسة عميقة ‪ ،‬واألخطر من ذلك أنهم يخالفون مجموع‬ ‫النصوص الواردة في أمهات المصادر! إن هؤالء العلماء يكتفون أحيانا بقراءة واحدة بسيطة لتلك الكتب‬ ‫المرجعية‪ ،‬مع الصمت‪ ،‬كما هو واضح‪ ،‬على جزء مما تذكره نفس تلك الكتب! بحيث أنهم ال يشيرون‬ ‫أبدا إلى تلك النصوص! فلعلهم يقولون ألنفسهم ‪ :‬من األفضل عدم تقليب السكين في الجرح! وأنا‬ ‫أوافقهم تماما‪ ،‬ولكن مع ذلك‪ ،‬فمن حقنا‪ ،‬نحن المسلمين‪ ،‬أن نعلم ونطالب بالحقيقة كاملة عن‬ ‫اإلسالم وتاريخه! فعدم قول الحقيقة ال مفر من أن يؤدي إلى تغذية اإللتباسات والنزاعات األخوية‪ .‬فأنا‬ ‫ال أتفق مع الذين يقولون ‪ :‬إذا كان اإلعتراف بصواب أقوال الشيعة في ما يخص قضية ما سيفضي‬ ‫بالبعض إلى اعتناق المذهب الشيعي‪ ،‬فمن األفضل إذا عدم قول أي شيء! ال أتفق مع هذا الكالم!‬ ‫وأشك كثيرا في أننا سنكون في وضع أفضل من أسالفنا من الرواد حين نسكت عما نقلوه إلينا! وإلى‬ ‫‪86‬‬ ‫‪87‬‬ ‫‪88‬‬ ‫‪89‬‬

‫مصنف ابن أبي شيبة‪ .‬مصدر مذكور سابقا‪.‬‬ ‫تاريخ اليعقوبي‪ .‬مصدر مذكور آنفا‪.‬‬ ‫تاريخ الطبري‪ .‬مصدر مذكور آنفا‪.‬‬ ‫أنساب األشراف‪ .‬مصدر مذكور سابقا‪.‬‬ ‫‪ 90‬البخاري ‪ ،‬مصدر مذكور‪.‬‬

‫‪39‬‬


‫ذلك‪ ،‬فإن ما يعاب الشيعة عليه ال عالقة له بمسائل مضبوطة تاريخيا‪ ،‬وإنما هم يؤاخذون في الواقع‬ ‫فقط عن طريقتهم في استغالل تلك المعطيات التاريخية والتصرف بها حسب ميلهم! وهذا ما ال يمكن‬ ‫أن يقبله أو يشرعه أحد‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فمم نخاف نحن الذين نسمي أنفسنا أهل السنّة؟ ألسنا نعتبر‬ ‫أنفسنا على حق؟ فال يعقل والحال هذه أن نخشى النقاش‪ .‬فإذا كان هناك أخ شيعي راغب في‬ ‫المناظرة‪ ،‬فلنناظره! وإذا كان هناك كافر يود المناقشة‪ ،‬فلنناقشه ! ناقشوهم! فاهلل ينصركم إن كنتم‬ ‫نزهاء صادقين‪ .‬وأشك كثيرا في أن ينصركم هللا إذا كانت إجابتكم العلمية تتمثل في التزام الصمت ‪،‬‬ ‫إن لم تكن متمثلة في الشتائم والقذف!‬ ‫و لعل ما يصر عليه هؤالء العلماء‪ ،‬هو عدم التسليم للشيعة ولو تعلق األمر بشبر واحد من الميدان‪.‬‬ ‫فهذا هو منطقهم على األرجح‪ .‬واألمر المذهل هو نجاحهم في إقناع الناس بأن الذين يتحدثون هذا‬ ‫النوع من الحديث هم أناس ضالون‪ ،‬في حين أنهم في الحقيقة "آباء المذهب السنّي"‪ .‬فهم أول من‬ ‫أشار إلى تلك األخبار! وإنني ألفهم جيدا أن بعضهم يعتبروننا جهلة‪ ،‬بما أن العلم كما يبدو ‪ ،‬أصبح‬ ‫حكرا على علماء المملكة السعودية بشكل استثنائي‪ .‬ولكن أن يذهب بهم األمر إلى حد اعتبارنا‬ ‫حمقى أيضا‪ ،‬فهذا كثير جدا كما اعتقد! فحين يكون أمام عيوننا مجموعة من الكتب التي تعود إلى‬ ‫القرن الثالث الهجري‪ ،‬ومؤلفوها يعتبرون أشخاصا نزهاء وموثوقين تماما من طرف أولئك "العلماء"‬ ‫أنفسهم‪ ،‬وحين نقرأ في تلك الكتب أشياء مشهودا لها بالصحة‪ ،‬ثم يأتي بعد ذلك من يقول لك‪" :‬‬ ‫هذا الكالم غير صحيح‪ .‬الشيعة هم الذين يدعون ذلك‪ "...‬فإلى أين يقودنا هذا؟ ثم إن البخاري‪،‬‬ ‫ومسلم‪ ،‬وابن أبي شيبة‪ ،‬وابن ماجة‪ ،‬والطبري‪ ،‬واليعقوبي‪ ،‬والبالذري‪ ،‬وغيرهم‪ ،‬لم يكونوا من‬ ‫الشيعة‪ ،‬فيما أحسب ! ولم يكونوا كذلك من الزنادقة وال من الجهلة !‬ ‫لهذا‪ ،‬ال بد من التمييز جيدا بين‪ :‬من جهة‪ ،‬رجال السنّة الصحاح ‪ ،‬كما هو الحال مع أسالفنا الذين لم‬ ‫يغشوا‪ ،‬وإنما نقلوا إلينا نصوصا‪ ،‬ينبغي اإلعتراف بأنها محرجة‪ ،‬كتلك التي تتحدث عن كارثة يوم‬ ‫الخميس أو الهجوم على البيت ‪ ،‬وأولئك الذين يتبعون نهجهم‪ .‬ومن جهة ثانية‪ ،‬أدعياء المذهب‬ ‫السنّي‪ ،‬أو السنيّين الجدد‪ ،‬الذين ال "يتبعون" نهجا غير نهج "العلماء"‪ ،‬فيخالفون بذلك "آباء المذهب‬ ‫السنّي" الحقيقيين‪ ،‬بالرغم من أنهم يشدون فوق كل السطوح زاعمين أنهم ال يستندون إال إلى‬ ‫الكتب المرجعية‪ ،‬وإليها وحدها! بالنسبة لي‪ ،‬فإنني أعتبر نفسي من أتباع الصنف األول‪ .‬فما يعتقده‬ ‫ويكتبه عالم ولد منذ أقل من قرن‪ ،‬ال يمكن بأية حال أن يتفوق على ما أتى به علماء ورواد عاشوا منذ‬ ‫أكثر من عشرة قرون‪ ،‬ال سيما وقد كانوا أشخاصا أتقياء حقا‪ ،‬يستحق عملهم كل تقدير!‬ ‫وإلى أن يثبت ما يخالف ذلك‪ ،‬فإن دور العالم ال يتمثل في مخالفة القرآن أو السنّة‪ ،‬وإن فعل ذلك‪،‬‬ ‫يتوجب عليه على األقل أن يشرح لنا أسبابه ودوافعه‪ .‬إذن‪ ،‬فماذا ينتظر أولئك العلماء ليشرحوا لنا‬ ‫أخبار مصيبة يوم الخميس أو الهجوم على البيت؟! من ناحيتي‪ ،‬أتشكك كثيرا في أن يستطيعوا تقديم‬ ‫تفسير ال يتناقض مع شريعة اإلسالم وأخالقه‪ .‬ومن ثم‪ ،‬فإن صمتهم بحد ذاته يتضمن ما يتضمن من‬ ‫المعاني! والحل الوحيد الذي بقي لديهم‪ ،‬هو أن يصرخوا محذرين من الشيعة ‪ ،‬مثلما يصرخ المرء‬ ‫محذرا من الذئاب ! فليس هناك مجال للنقاش مع الشيطان ! وشيطنة اآلخرين هي ما يسمح لهم‬ ‫بتجنب المناقشة‪ .‬ولكن إلى متى؟‬ ‫ومن األفضل والحال هذه للمدافعين بحمية وعمى عن عمر وعن السنّة الجديدة والمجددة ‪ ،‬أن يجدوا‬ ‫شيئا آخر سوى الصياح والزعيق ضد الشيعة كما لو أنهم الذئاب‪ ،‬لدعم أطروحاتهم المهلهلة !‬ ‫واآلن فإن هللا وحده هو الذي سيحسم هذا األمر‪ ،‬وسيكون على عمر أن يقدم كشفا بالحساب هلل‬ ‫ورسوله (ص)‪ ،‬وليس لي أو لكم ! فعمر‪ ،‬كعدد من الرجال‪ ،‬ينتمي اآلن إلى األجيال السابقة‪.‬‬ ‫فلنتركهم يرتاحون بسالم !‬ ‫ولنتوقف عن السعي إلى إقناع الناس بأن عمر كان مثاال للتقوى والعدالة‪ ،‬وأنه كان أكبر العلماء‬ ‫قاطبة‪ ،‬وأن ال شيء حدث إطالقا بينه وبين أهل بيت الرسول (ص)! ذلك أن هذه الرواية ال تلبث أن‬ ‫‪41‬‬


‫تنهار كما ينهار قصر من الرمل يحمله الموج‪ ،‬على إثر التعمق في دراسة النصوص بدل المرور عليها‬ ‫مرور الكرام!‬ ‫ولنتوقف عن اتهام الشيعة في كل مرة نجد فيها نصا معينا يتجه اتجاها مناقضا لرؤيتنا حول موضوع‬ ‫ما! فهذا ما يدعمهم في الواقع‪ .‬وبدل من التهرب من النقاش‪ ،‬ينبغي أن نواجهه بنزاهة‪ .‬والحقيقة أن‬ ‫ما يمكن ويجب مؤاخذة الشيعة عليه‪ ،‬ليس هو إثارتهم لما حدث يوم الخميس مثال أو قصة الهجوم‬ ‫على البيت‪ ،‬ولكن ما فعلوه باسم التشيع األصلي! وبالفعل‪ ،‬فليست خطورة حدث ما هي ما يمكن‬ ‫أن يشرع لنا توجيه الشتائم لصحابة النبي (ص) أو اإلقدام على البدع! وال يمكن لنا أن نخلط األمور‬ ‫بعضها ببعض‪ .‬فأفع ال عمر وبدعه ال يمكنها بأي حال من األحوال أن تشرح أو تبرر ما يفعله الشيعة‬ ‫اليوم!‬ ‫وال شك أ�� الشيعة أتوا بدعا خطيرة‪ .‬وال شك أن الشيعة ارتكبوا عددا من األخطاء‪ .‬وال شك أن‬ ‫الشيعة‪ ...‬ولكن ال يمكننا أيضا أن نضع كل شيء على عاتقهم!‬ ‫فليس الشيعة هم الذين اخترعوا كل النصوص التي ذكرتها‪ ،‬حيث أنها جميعا واردة في مصادر سنّية‪،‬‬ ‫وعلى رأسها البخاري ‪" ،‬أبو" المذهب السني !‬ ‫في الحالة الحاضرة‪ ،‬كما رأينا‪ ،‬نجد جميع المراجع المذكورة سنية‪ ،‬ومن بين األكثر وثوقا‪ .‬وال بد‬ ‫بالتالي من توخي سياسة أوضح‪ .‬فإما االعتراف بالبخاري كمصدر موثوق‪ .‬وفي هذه الحالة‪ ،‬قبول ما‬ ‫ورد في كتاباته‪.‬وإما عدم االعتراف بالبخاري كمصدر موثوق‪ ،‬وفي هذه الحالة‪ ،‬رفض ما أتى به! ولكن‬ ‫ال يمكن االعتراف فقط بما يتناسب مع هوانا!‬ ‫وفي الختام‪ ،‬فعندما يقول عمر حسب الرواية ‪ ،‬إنه كلما مات حمل صغير لشاة مشردة قرب‬ ‫الفرات‪ ،‬يشعر هو بالمسؤولية عن ذلك‪ ،‬وأن هللا سيحاسبه وقد يعاقبه لذلك‪ ،‬فإنني ال‬ ‫أطلب شيئا آخر سوى تصديقه‪ .‬ولكن في هذه الحالة‪ ،‬فلماذا يا ترى تصرف بتلك الطريقة التي رأينا؟‬ ‫أعتقد أن هناك الكثير من التجاوزات التي ال يمكن أن تحدث لوال سذاجة الناس وجهلهم !‬

‫الخاتمة‬

‫من خالل دراسة النصوص التي أوردناها هنا وغيرها مما لم نذكر‪ ،‬يبدو واضحا أن عمر لم يكن يشبه‬ ‫كثيرا الصورة التي يقع ترويجها عنه باستمرار‪.‬‬ ‫وليدرك السنّيون الجدد جيدا أن النصوص التي استشهدنا بها‪ ،‬ليست آتية من كتب شيعية أو من‬ ‫علماء مزعومين‪ ،‬وإنما نقلها إلينا بعض أفضل وأوثق المحدثين واإلخباريين ‪ ،‬مثل البخاري‪ .‬فال تحاولوا‬ ‫إذا أن تصرخوا محذرين من الشيعة‪ ،‬وإال‪ ،‬قولوا بصراحة إن البخاري كان شيعيا !‬ ‫إن الهدف من هذا الكتاب ‪ ،‬وهللا شاهد على ذلك‪ ،‬لم يكن أبدا في نيتي النيل من عمر‪ ،‬بما أنني‬ ‫دافعت عنه في كل مرة اعتقدت فيها أن االتهامات الموجهة إليه ال أساس لها من الصحة‪ .‬وما عليكم‬ ‫سوى قراءة كتابي "رسالة مفتوحة إلى اإلخوة الشيعة" لتقتنعوا‪ .‬وعليه‪ ،‬فإني أطلب من إخوتي‬ ‫‪41‬‬


‫وأخواتي أن ال ينجروا إلى التلفيق والقذف كما فعل بعض الناس‪ ،‬فتلك هي أقصر الطرق إلى جهنم !‬ ‫وما على الذين يرغبون بصدق في التعرف علي بشكل أفضل سوى أن يطالعوا كتبي‪ ،‬وسيدركون‬ ‫آنذاك بأنفسهم ما هي الحقيقة‪.‬‬ ‫إنني أعتقد أن التجاوزات تفاقمت بسبب جهل المسلمين واستعدادهم لتصديق أي شيء !‬ ‫وأن يقبل البعض أو يرفضوا كتاباتي‪ ،‬فليس هذا بالمهم كثيرا في نظري‪ ،‬العتقادي أنني برهنت بكل‬ ‫وضوح على أن صورة عمر المروج لها‪ ،‬ليست سوى أسطورة‪ ،‬أسطورة أخرى ! وحدهم الصادقون‬ ‫واألتقياء سيقبلون كتاباتي‪ .‬وحدهم السنّيون الحقيقيون سيقبلونها‪ .‬ولذلك‪ ،‬فإنني أدع السنّة الجدد‬ ‫لسنّتهم المحرّفة!‬ ‫وأما إذا قرر السنّيون الجدد أن يطرحوا جانبا المراجع السنية الكبرى بذريعة أنها مخالفة لما يقوله‬ ‫علماؤهم‪ ،‬فهذا ما ال ناقة لي فيه وال ذراع!‬ ‫إن الدرس األساسي الذي يتعين استخالصه من هذا الكتاب‪ ،‬ليس هو أخطاء عمر‪ ،‬وإنما أنه يتوجب‬ ‫على كل منا أن يفكر مليّا في الجملة التالية‪ :‬إذا كان عمر قد اخطأ إلى هذا الحد‪ ،‬وهو الذي‬ ‫عاش‪ ،‬ورأى وسمع وتكلم وأكل وشرب وحارب مع النبي (ص)‪ ،‬فما بالك إذا بعلماء اليوم‬ ‫الذين ال يستندون إال على كتب ‪ ،‬العديد منها يحتوي قدرا من األخطاء والزيف؟!‬ ‫لنفكر في ذلك مليا!‬

‫ترجمة الواقدي‬ ‫هو محمد بن عمر بن واقد ‪ ،‬وهو مؤرخ من أصيلي المدينة‪ ،‬له أيضا تخصص فقهي‪ ،‬وله نفوذ معترف‬ ‫له به كمؤرخ من بدايات العصر اإلسالمي (السيرة‪ ،‬المغازي‪ ،‬الردة‪ ،‬الفتوح)‪ .‬ولد سنة ‪ 130‬للهجرة‪/‬‬ ‫‪ 747‬م‪ ،‬وتوفي في ‪ 12‬من ذي الحجة‪ ،‬سنة ‪ 207‬للهجرة‪ 28/‬أفريل ‪ .822‬وهو كاتب مهم جدا في كل‬ ‫ما يختص ببدايات التأريخ العربي‪ ،‬باعتبار كمية وقيمة المعلومات التي نقلها إلى هذا النوع من‬ ‫الكتابة‪ ،‬فضال عن منهجيته‪.‬‬ ‫لقد تحدث عن الخطوط العامة لحياته تلميذه وكاتبه ابن سعد ‪ .‬والواقدي مولى لسهم‪ ،‬وهي بطن من‬

‫‪42‬‬


‫بطون أسلم‪ .‬ويذكر عبد هللا بن بريدة األسلمي‪ ،‬قاضي مرو (توفي في ‪115‬هج‪733/‬م) بصفته مولى‬ ‫د الواقدي‪ .‬ويبدو أن أمه كانت حفيدة فارسي كان يعمل بالتجارة والغناء في‬ ‫رجل هو على األرجح ج ّ‬ ‫المدينة (حسب كتاب األغاني‪،‬ج‪ .)8.‬في عام ‪ ،7-180/796‬استقر الواقدي في بغداد‪ ،‬حيث عين فيما‬ ‫بعد قاضي عسكر المهدي (أي بالرصافة)‪ ،‬شرقي المدينة‪ .‬حسب ما يرويه ابن سعد‪ ،‬فإن الخليفة‬ ‫المأمون عينه في هذا المنصب لدى عودته من خراسان‪ .‬وبما أن عودة المأمون إلى بغداد وقعت في‬ ‫‪ ،204/819‬فإن تسمية الواقدي سبقت وفاته بثالث سنوات‪ .‬ويذكر ابن النديم (الفهرست ) عن ياقوت‬ ‫(اإلرشاد) أن هارون الرشيد هو الذي كان سماه قاضيا‪ .‬وأما التعيين من قبل المأمون‪ ،‬فال يمكن‬ ‫بالتالي أن يكون أمرا جديدا طرأ بعد انقطاع دام سنوات‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬نجد وكيع (مؤلف أخبار القضاة)‪ ،‬ال‬ ‫يذكر بهذا الخصوص سوى وظيفته في خدمة المأمون وحسب‪.‬‬ ‫عرف الواقدي بكرمه الطائي‪ .‬وهذا الطبع ‪ ،‬إلى جانب محاولة مخفقة في المتاجرة بالحبوب (انظر بهذا‬ ‫الصدد الخطيب البغدادي)‪ ،‬كان لهما كبير التأثير على حياته‪ .‬وبالفعل‪ ،‬فقد كان مكبال بالديون‪ ،‬وقد ترك‬ ‫منها لدى وفاته ما جعل المأمون يأخذ على عاتقه تأديتها عنه‪ .‬وهناك خبر يسند إلى الواقدي نفسه‬ ‫(حسب ابن سعد) يتحدث عن استفادته من تزكية يحي بن خالد البرمكي الذي كان وراء تسميته من‬ ‫طرف الخليفة هارون الرشيد‪ ،‬وفيما بعد من طرف ابنه عبد هللا المأمون‪ :‬عندما قدم هارون إلى‬ ‫المدينة حاجا ‪ ،‬يصحبه يحي بن خالد‪ ،‬استخدما الواقدي كدليل‪ .‬ثم مضى بعد ذلك إلى بغداد‪ ،‬ومنها‬ ‫إلى الرقة مقر إقامة هارون الرشيد في ذلك الوقت (إلى ‪ .)192/808‬وهناك‪ ،‬وبعد تجاوز العديد من‬ ‫العقبات‪ ،‬استطاع أخيرا أن يتصل بيحي الذي تلقاه بإكرام وتوسط له لدى الخليفة‪ ،‬مما يدل على ما‬ ‫كان يكنه للواقدي من احترام وتبجيل‪.‬‬ ‫على إثر هذه التزكية‪ ،‬يمكن القول إن مؤلفات الواقدي تجاوزت كتابات المحدثين من الدرجة الوسطى‪،‬‬ ‫باعتبار ما وقع في مطال يديه من إمكانات واسعة ومواد فكرية‪ .‬ويشير ابن سعد خاصة إلى تخصصه‬ ‫في تأريخ بدايات اإلسالم‪ ،‬و استيعابه لمختلف النظريات المهتمة بالحديث والفقه‪ ،‬وإلمامه باآلراء‬ ‫السائدة إلى ذلك الوقت‪ " ،‬حيث كان يشرح ذلك في الكتب التي يجمع فيها ما استخرجه ‪ ،‬ويودع‬ ‫فيها ما يحدث به"‪ .‬ولقد كانت هاتان الميزتان‪ ،‬أي اجتهاده في تقييم المعلومات التي بلغته‪،‬‬ ‫واستعانته الواسعة بالكتب ونقله العلم‪ ،‬تعبران عن طريقته في العمل‪ .‬ولقد كان الكم الهائل من‬ ‫المواد المكتوبة (الكتب) المتوفرة لديه أمرا آخذا باأللباب‪ .‬ويقال إنه خلف ستمائة صندوق مألى‬ ‫بالكتب‪ ،‬كل صندوق منها يزن ثقل رجلين (الفهرست‪ ،‬وتاريخ بغداد)‪ .‬وال تحتاج أهمية وحجم هذه‬ ‫المواد إلى توكيد‪ ،‬فابن النديم يقول كان الواقدي يستخدم عبدين للكتابة ليال ونهارا‪ .‬وأما عدد وأصناف‬ ‫ما دونه من مؤلفات‪ ،‬فذلك ايضا ما ال يحتاج إلى تعريف‪ .‬وبالرغم من أن احمد بن حنبل كان ال‬ ‫يستشهد بالواقدي ‪ ،‬لتحفظه على مصداقيته‪ ،‬فإنه كان مع ذلك يولي أهمية بالغة لمؤلفاته‪ ،‬ويقرأها‬ ‫ويعلق عليها (تاريخ بغداد)‪.‬‬ ‫ولقد ساد التحفظ على مصداقية الواقدي بين أهل الخبرة في الحديث في القرن الثالث الهجري‪/‬‬ ‫التاسع ميالدي‪ .‬وقد اعتبر الذهبي ( سير اعالم النبالء) أن ذلك التحفظ ال مبرر له‪ .‬وكان أكبر‬ ‫التشكيكات تأثيرا هو ذلك الذي أتى على يدي يحي بن معين (توفي في ‪ ،)233/847‬الذي اكتشف‬ ‫في بعض نصوص الواقدي إسنادا خاطئا (ابن أبي حاتم الرازي‪ ،‬الجرح والتعديل‪ .)21 ،6.1 ،‬وقد انتقد‬ ‫ابن حنبل الواقدي أيضا لكونه جمع بين عدة أخبار ليجعل منها خبرا واحدا‪ ،‬بإسناد وحيد‪ ،‬عوض‬ ‫است عراض كل تلك األخبار بشكل منفصل ‪ ،‬كل منها باإلسناد الذي جاء معه‪ ،‬رغم وجود هذا المنهج‬ ‫معموال به‪ .‬على أن أهل الخبرة بالحديث أنكروا تمكن الواقدي من هذا العلم ‪ ،‬وبالرغم من األمثلة‬ ‫العديدة والمعروفة عن دقة ذاكرته و قوتها وسعتها‪ ،‬فقد سادت الريبة‪ .‬ويجدر التنويه إلى أن هذا‬ ‫الموقف ال يميز سوى طبقات المحدثين في القرن الثالث الهجري‪ /‬التاسع ميالدي‪ .‬وأما الحقا‪ ،‬حين‬ ‫أصبح الواقدي يحتل مكانة ال تمارى كمؤرخ‪ ،‬فإن إنكاره لم يعد أمرا ممكنا‪ .‬ويعتبر ابن سيد الناس مثال‬ ‫(توفي في ‪ )734/1334‬أن وصول الواقدي إلى هذه المرتبة المتفوقة التي تتحدى منتقديه‪ ،‬عائد إلى‬ ‫‪43‬‬


‫كونه نقل حجما من األخبار هو من الضخامة بحيث ال مفر من تسلل بعض المعلومات المشبوهة إليه‬ ‫(عيون اآلثار)‪ .‬وما يشير إليه ابن النديم من ميل الواقدي إلى التشيع المعتدل ‪ ،‬ال يوجد ما يؤكده في‬ ‫كتاباته‪ ،‬بالرغم مما يالحظ من تدوينه عدة أخبار تقول إن النبي (ص) كان يضع رأسه على ركبتي‬ ‫علي لدى احتضاره‪.‬‬ ‫ولم يبق من كتب الواقدي التي تركها سوى كتابه "المغازي" (نشر مارسدن جونز‪ ،‬لندن‪، )1966 ،‬‬ ‫وينسب إليه كتاب الردة (نشر حميد هللا‪ ،‬باريس ‪ ،1989‬ويحي الجبوري ‪ ،‬بيروت ‪ ،)1990‬كما هناك‬ ‫عدد كبير أيضا من االستشهادات بأقواله عبر كتابات المؤرخين‪ .‬إن المخطوط الذي استخدم كأساس‬ ‫لنشر "المغازي"‪ ،‬هو كما يؤكد بروكلمان ‪ ،‬نسخة الستقصاء قام به محمد بن عباس بن حيويه‬ ‫(المتوفي في ‪ .)382.992‬ففي هذا النص ‪ ،‬يقع االستشهاد بالواقدي بشكل مستمر (قال)‪ ،‬وأحيانا‬ ‫(مثال‪ )74،690 ،‬يستشهد ابن حيويه بعبد الوهاب بن أبي حي‪ ،‬وراق الجاحظ (توفي في ‪،319/931‬‬ ‫تاريخ بغداد‪ ،)9-28 ،9 ،‬الذي سمح له بنقل هذا النص‪ .‬ويمثل كتاب المغازي بعض تلك الخصائص التي‬ ‫ميزت عمل الواقدي كمؤرخ‪ .‬وكما الحظ ذلك كايتاني‪ ،‬فإن األخبار التي يوردها الواقدي‪ ،‬تمثل – مقارنة‬ ‫بغيرها – روايات ذات تسلسل منطقي‪ ،‬له مصداقية وعقالنية تاريخية(‪ . )91‬فهو أكثر من أي عالم آخر‬ ‫قبله ‪ ،‬حاول جهده أن يضع تسلسال زمنيا للحمالت العسكرية(‪ .)92‬وخالل متابعته هذا الهدف‪ ،‬وجد‬ ‫نفسه أحيانا في موضع حرج تتنازعه التناقضات ( مارسدن جونز‪ ،‬مدخل بالعربية إلى المغازي‪.)3-23 ،‬‬ ‫فبعد تفصيل كيفية حدوث واقعة ما‪ ،‬نجده يضيف بصفة عامة مالحظات موجزة‪ ،‬شارحا تفضيله الخاص‬ ‫لرواية معينة اختارها من بين عدة روايات‪ ،‬بصفتها "األكثر رجاحة" (نفس المصدر‪ .)34 ،‬ويشير إلى‬ ‫طريقته الخاصة في التحقيق عبر روايات مختلفة‪ .‬ويؤكد أنه اعتاد أن يسأل األبناء الذين خلفهم من‬ ‫شاركوا في الغزوات زمن الرسول (ص) لمعرفتهم بالوقائع وباألمكنة‪ .‬ويقال إنه كان من عادته أن يزور‬ ‫تلك األمكنة (التي دارت فيها األحداث) بنفسه ‪ ،‬حتى تتكون لديه فكرة شخصية عن طوبوغرافيتها‬ ‫(تاريخ بغداد‪ .)6 ،3 ،‬وهذا هو السياق الذي ينبغي أن تفهم فيه مالحظة الواقدي ‪ ،‬أن ذاكرته كانت‬ ‫أفضل حفظا للمعلومات من كتبه‪ .‬وفي هذا إشارة ال إلى قوة ذاكرته وحسب‪ ،‬وإنما كذلك إلى‬ ‫المعلومات التي حصل عليها مباشرة من خالل قدراته الشخصية في التحقيق واالستطالع‪.‬‬ ‫وتتمثل خاصية أخرى تميز عمله في استخدام مجموعات مركبة من النصوص المنقولة‪ .‬وقد ذهب‬ ‫البعض إلى أن الواقدي يعرض نصوصا جديدة باعتبار أنه ال يوجد ما يشبهها من حيث الشكل في‬ ‫مصادر أكثر قدما‪ ،‬وإن كان باإلمكان إعادة التركيب‪)93( .‬‬ ‫من ناحية أخرى‪ ،‬فإن إدماج عدة روايات في رواية واحدة يمكن أن يكون لها وقع مباشر على المحتوى‬ ‫األصلي للنصوص المنقولة‪ ،‬من حيث أن عدة أحداث قد تتحول إلى حدث واحد ( الندو تاسيرون‪ ،‬نفس‬ ‫المصدر‪ .)3-262 ،‬وهذا ما يمكن أن يبرز حتى عندما ال يشير الواقدي إلى التركيب الذي قام‬ ‫به‪)94(.‬ويقدم الواقدي ايضا موادا تشي بنقلها عن ابن اسحق دون أن يذكره‪ .‬وبخصوص اتهامه‬ ‫بالسرقة‪ ،‬فقد لوحظ أن المصادر التي استقى منها الكاتبان كانت واحدة (‪ .)95‬وقد برهنت األدلة‬ ‫‪ 91‬الحوليات ‪.Annali, II, 1545,VI, [indices], 198-9 :‬‬ ‫‪ 92‬ايال الندو تاسيرون ‪ :‬مسألة زيارة وفد بني تميم للرسول محمد (ص) ‪:‬‬ ‫‪Ella Landu-Tasseron, Process of refaction : The case of the Tamamite delegation to the Prophet Muhammad, in :‬‬ ‫‪BSOAS, XLIX [1986], 253-70, 269.‬‬ ‫‪ 93‬ليكر ‪ :‬رواية الواقدي عن وضع اليهود في مكة‪:‬‬ ‫‪M. Lecker , Wakidi’s account of the statut of the Jews in Mecca, dans JNES, LIV, [1955], 27-8‬‬ ‫‪ 94‬ج‪ .‬شولر‪:‬‬ ‫‪G. Schoeler, Charakter und Authentie der muslimischen Überlieferung über das Leben Mohammeds, Berlin-New‬‬ ‫‪York, 1996, 137-40.‬‬ ‫‪ 95‬مارسدن جونز ‪ ،‬وموقف مناقض لشولر‪ ،‬مصدر مذكور‪:‬‬ ‫‪Marsden Jones, Maghazi literature, dans Camb. Hist.of Ar. Lit., To the end of Umeyyad period, 349 ; contre cette‬‬ ‫‪approche , Schoeler, op.Cit.‬‬

‫‪44‬‬


‫المستخرجة من فحص مقارن للنصوص التاريخية أنه كانت تتوفر للواقدي مصادر ذات تنوع كبير‪)96(.‬‬ ‫وكما شرح ذلك ابن النديم‪ ،‬فقد ألف ابن سعد كتبه انطالقا من تصنيفات منظمة للواقدي‪ ،‬ويمكن أن‬ ‫نتصور نفس الشيء بالنسبة للطبقات‪ .‬فقد استعمل ابن سعد باألساس مواد كتاب للواقدي يحمل‬ ‫نفس العنوان‪ .‬ويبدو أن كتابا يحمل عنوان "الطبقات" من تأليف الواقدي ‪ ،‬استخدم من طرف خليفة بن‬ ‫خياط (الطبقات‪ ،‬نشر العمري‪ ،‬مقدمة‪ )28 ،‬وابن عبد البر يستشهد به كمصدر له‪ .‬ويستشهد بكتاب‬ ‫الردة للواقدي‪ ،‬ابن حجر العسقالني في "اإلصابة"‪ ،‬على أن كتاب الردة الذي وصلنا (انظر ما تقدم) ال‬ ‫يحتوي فقط موادا من إنتاج الواقدي‪ ،‬بل يذكر كذلك ابن اسحق‪ .‬ويضاف إلى آثاره التي رصدها جونز‬ ‫وسيزجين استشهادات من الفتوح‪ ،‬والكامل‪ ،‬والمبايعات‪ ،‬للواقدي في ‪":‬االصابة" البن حجر‪.‬ويبدو أن‬ ‫كتابا يحمل عنوان "التاريخ" للواقدي ‪ ،‬ذا محتوى يصعب التعرف عليه بشكل دقيق‪ ،‬قد يكون وقع بين‬ ‫يدي ابن أبي الحديد الذي يستشهد بالواقدي عديد المرات (قال‪ ،‬ذكر‪ ،‬روى)‪ ،‬حول مواضيع متنوعة ‪،‬‬ ‫ويذكر مرة تاريخه (‪ .)279 ،16‬وقد نقل ابنه محمد هذا الكتاب عن أبيه حسب ما يقول السمعاني (‬ ‫أنساب‪ ،‬بيروت ‪.)5،567 ،1988 ،‬‬ ‫إن بعض الروايات األسطورية حول الغزوات اإلسالمية األولى ‪ ،‬منسوبة إلى الواقدي‪ ،‬مثل "فتوح‬ ‫الشام" (‪ ،)97‬استعملها كمصدر سيمون أوكليه في كتابه "تاريخ المسلمين" (لندن ‪ ،)1718‬وكذلك‬ ‫"فتوح ديار ربيعة وديار بكر" (‪ ،)98‬تعود إلى فترة الحقة‪ ،‬بحيث أنه من الخطأ أن تنسب إلى‬ ‫الواقدي‪ )99(.‬وفيما يخص عناوين ومخطوطات نصوص أنتجتها أدبيات الفتوح األسطورية‪ ،‬يراجع‬ ‫بروكلمان (‪ )I,141-2, SI, 207-8‬وسيجزين(‪.)I,294-7‬‬

‫[مقتطف من دائرة المعارف اإلسالمية‪ ،‬ج‪ .11.‬مقال ‪ :‬الواقدي‪ ،‬ص‪.113-111.‬‬ ‫& ‪Encyclopédie de l’islam- Tome XI (V-Z) Leiden E.J. Brill, Editions Paris G-P Maisonneuve‬‬ ‫‪].Larose Sa. Def : Wakidi‬‬

‫ترجمة الطبري‬ ‫‪96‬‬ ‫‪97‬‬ ‫‪98‬‬ ‫‪99‬‬

‫ليكر‪ ،‬موت أبي النبي محمد‪ :‬هل اخترع الواقدي بعض البراهين؟‬ ‫‪Lecker, the death of Prophet Mohammad’s father : did Wakidi invent some of the evidence ? ZDMG [1195], 9-27.‬‬ ‫نشر ناسو ليس‪ 3 ،‬أجزاء‪ ،‬كالكوتا‪.62-1854 ،‬‬ ‫المعروف أيضا ب‪ :‬فتوح الجزيرة والخبر وديار بكر والعراق‪ ،‬نشر حرفش‪ ،‬دمشق ‪ ،1996 ،‬وكذلك ‪ :‬فتوح مصر واالسكندرية‪ ،‬نشر هاماكير‪ .‬ليد ‪.1825‬‬ ‫ةقد ترجمه ايضا المستشرق نيبوهر‪ .‬منشورات مورتدمان ‪ ،‬هامبورغ ‪.1847 ،‬‬ ‫انظر ‪ :‬روزنتال‪ ،‬تاريخ كتابة التاريخ االسالمي‪ ،‬ليد‪.93-186 ،1968 ،‬‬

‫‪45‬‬


‫أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري‪.‬‬ ‫ذهن موسوعي عالمي تشمل كفاءاته الس ّنة والشريعة ‪ ،‬وقد اشتهر خاصة بكونه مثال للمؤرخ‬ ‫العالمي والمفسر للقرآن في القرون الثالثة أو األربعة األولى من اإلسالم‪ .‬ولد في شتاء ‪5/839-224‬‬ ‫في آمل‪ ،‬وتوفي في بغداد في ‪.310/923‬‬ ‫حياته‪:‬‬ ‫ينبغي أن نالحظ أوال أن ما وصلنا من آثار الطبري ال يوفر سور القليل جدا من المعلومات عن حياته‪،‬‬ ‫بالرغم مما تحويه تلك اآلثار من إشارات إلى أساتذته و األشخاص الذين كان لهم تأثير أو نفوذ‪ ،‬مما‬ ‫يساعد على تقييم شخصيته ومواقفه في الميدان العلمي‪ .‬إن العديد ممن عرفوه شخصيا كتبوا عنه‬ ‫وعن مؤلفاته مبكرا‪ ،‬ولكن لم يصلنا أي من هذه الكتابات كامال ‪ ،‬فضال عن أنها لم تعرف إال من خالل‬ ‫مقتطفات نقلها كتاب الحقون‪ .‬هكذا‪ ،‬فقد كان القاضي أبو بكر أحمد بن كامل (توفي في ‪)350/961‬‬ ‫قريبا من الطبري‪ ،‬وكان من أوائل من انضموا إلى مذهبه‪ :‬الجريرية (سيأتي الحديث عنه)‪ .‬وأما أبو‬ ‫محمد عبد هللا الفرغاني (توفي في ‪ )3-362/972‬فقد عرف الطبري عندما كان طالبا‪ ،‬وأعد نسخة من‬ ‫تاريخه للنشر‪ ،‬وكتب صلة أو ملحقا له يحتوي نعيا مطوال له‪ .‬وضمن المؤرخ المصري أبو سعيد بن‬ ‫يونس الصدفي (توفي في ‪ )347/958‬فصال عن الطبري في كتابه "الغرباء"‪ ،‬لكونه زار مصر في طلب‬ ‫العلم‪.‬ولكن يبدو أن انقطاعا ما وقع فيما بعد‪ ،‬إلى أن كتب القفطي (توفي في ‪ )646/1248‬ترجمة‬ ‫شيقة في تصنيفه المعنون "التحرير ألخبار محمد بن جرير"‪ .‬وللتعرف على تلك الكتب المفقودة‪،‬‬ ‫نستند على العناصر التي نقلها إلينا الكتاب المذكورون في مصنفات عامة للتراجم ‪ ،‬أمثال الخطيب‬ ‫البغدادي‪ ،‬وتاريخ بغداد‪ ،‬وابن عساكر‪ ،‬وتاريخ دمشق (حيث أن الطبري ذهب لطلب العلم ايضا في‬ ‫العاصمة السورية) (‪ ،)100‬وبالخصوص على مصنف تراجم ياقوت ‪ :‬إرشاد األريب‪.‬‬ ‫الطبري أصيل آمل في طبرستان‪ ،‬حيث يبدو أن أباه جرير كان مزارعا له أراض تجعله يعيش في‬ ‫بحبوحة نسبية‪ .‬وقد وفر البنه عائدات مستقرة طوال الطور األول من حياته‪ ،‬مما جعله يتنقل من‬ ‫طبرستان إلى بغداد مع القافلة السنوية التي تنقل الحجاج القادمين من خراسان‪ .‬وعندما توفي‬ ‫(التاريخ مجهول)‪ ،‬ورث الطبري جزءا من أمالكه‪ .‬وال نعرف هل كانت عائلته أصيلة طبرستان أم سليلة‬ ‫الفاتحين العرب‪ .‬أيا كان األمر‪ ،‬فإن تلك المساعدة العائلية المادية المتواضعة مكنته من السفر كطالب‬ ‫علم‪ ،‬ثم حين أصبح عالما معترفا به‪ ،‬تمكن أيضا من الحفاظ على استقالله تجاه مختلف الضغوط‬ ‫والتأثيرات الخارجية‪ ،‬وعدم السقوط في ما يسقط فيه عادة العلماء الفقراء المجبرون على البحث عن‬ ‫صاحب جاه يمولهم‪.‬‬ ‫لقد كان الطبري طالبا مجتهدا والمعا‪ ،‬وكما يقول هو نفسه ‪ ،‬فقد حفظ القرآن في السابعة من عمره‪،‬‬ ‫وأصبح إماما في الثامنة‪ ،‬وأكب على دراسة الحديث والسنّة النبوية في التاسعة‪ .‬ويبدو أنه غادر بيت‬ ‫األسرة في سن الثانية عشرة‪ ،‬في طلب العلم‪ ،‬وأنه تلقى خالل خمس سنوات من اإلقامة في‬ ‫الري‪ ،‬عاصمة شمالي فارس‪ ،‬تكوينا فكريا وضع األسس الصلبة لحياته المهنية القادمة‪ .‬وكان أستاذه‬ ‫األهم هو عبد هللا بن حميد الرازي (توفي في ‪ ،)248/862‬الذي كثيرا ما نعثر على سند يسميه ابن‬ ‫حميد في تاريخ الطبري‪ ،‬خاصة ما يتعلق بمعلومات مصدرها ابن اسحق‪ ،‬حيث أن ابن حميد عرف‬ ‫كناقل لكتاب المغازي البن اسحق بواسطة سالمة ابن الفضل (توفي في ‪ .)7-190/856‬ومن الري‪،‬‬ ‫اتجه الطبري وهو في سن السابعة عشرة تقريبا‪ ،‬إلى بغداد بوصفها المركز الفكري للعالم‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬بغاية االستماع الى دروس أحمد بن حنبل‪ ،‬حسب بعض الروايات‪(.‬ولم يتحقق له هذا‬ ‫الهدف حيث أن ابن حنبل توفي في ذلك الوقت)‪ .‬وبعد أن قضى عاما في بغداد‪ ،‬يبدو انه ذهب إلى‬ ‫جنوب العراق (حوالي ‪ )7-242/856‬من اجل الدراسة على أيدي علماء كبار في واسط‪ ،‬والبصرة‪،‬‬ ‫‪100‬‬

‫الحوليات ‪ ،‬المقدمة ‪ ،‬ص‪.Annales, Introduction , p.LXIX sqq :‬‬

‫‪46‬‬


‫والكوفة‪ .‬وهم أولئك العلماء الذين استشهد بهم فيما بعد في كتاباته‪ ،‬أمثال محمد بن عبد األعلى‬ ‫الصنعاني (توفي في ‪ ،)255/869‬ومحمد بن بشار الملقب بندارا (توفي في ‪ )101()252/866‬في‬ ‫البصرة‪ ،‬وأبا كريب محمد بن العالء‪( ،‬توفي في ‪ 247‬أو ‪ )2-248/861‬بالكوفة‪ .‬ومن المرجح أنه عاد إلى‬ ‫بغداد بعد أقل من عامين‪ ،‬وقضى فيها عدة سنوات ‪ ،‬منها الفترة التي كان فيها يدرس أحد أبناء وزير‬ ‫الخليفة المتوكل‪ ،‬عبيد هللا بن يحي بن خاقان ‪ ،‬بين ‪ 244/858‬و ‪.248/862‬‬ ‫***‬ ‫يقول عنه اإلمام ابن خزيمة‪ " :‬وما أعلم على أديم األرض أعلم من محمد بن جرير"‪.‬‬ ‫ويقول ابن كثير‪ :‬هو بين األئمة الذين يتبعون بأحسن ما يكون القرآن وسنة الرسول صلى‬ ‫هللا عليه وسلم‪.‬‬ ‫ويقول ابن حجر‪:‬كان من أكبر أئمة الدين الذين يمكن أن نسمع منهم تعليما أصيال‪.‬‬ ‫ويقول الخطيب البغدادي‪ " :‬كان أحد أئمة العلماء ‪ُ ،‬يحكم بقوله ‪ ،‬و ُيرجع إلى رأيه لمعرفته‬ ‫وفضله ‪ ،‬وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره"‪.‬‬

‫‪101‬‬

‫انظر سجزين ‪.14-113 ،1 ،‬‬

‫‪47‬‬


‫ترجمة اليعقوبي‬ ‫أبو العباس أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن واضح ‪ ،‬ولد في بغداد في القرن الثالث‬ ‫الهجري‪.‬‬ ‫هو من أوائل المؤرخين والجغرافيين العرب‪.‬‬ ‫حياته‪ :‬بعد أن تلقى تعليما ليصبح كاتبا‪ ،‬انتقل في شبابه إلى أرمينيا‪ ،‬ثم دخل في خدمة الطاهريين‬ ‫بخراسان‪.‬وبعد سقوط حكمهم في المنطقة (‪ ،)3-259/872‬انتقل لإلستقرار في مصر حيث توفي في‬ ‫بداية القرن الرابع الهجري‪ /‬العاشر ميالدي‪...‬وعلى األرجح ليس قبل ‪.292/905‬‬ ‫آثاره‪ :‬بلغنا من كتابات اليعقوبي ثالثة كتب‪ .‬أهمها كتاب التاريخ‪ ،‬الذي هو كما يصفه "مختصر" البتداء‬ ‫الكون وتاريخه‪ ،‬وقد نشر في جزأين‪ .‬ويبدأ القسم األول بآدم وأبنائه (فقد القسم الذي يتحدث فيه عن‬ ‫خلق الكون) ويحتوي روايات تتحدث خاصة عن بني إسرائيل‪ ،‬واآلشوريين‪ ،‬والبابليين والهنود‬ ‫واليونان‪،‬والرومان‪ ،‬والفرس‪ ،‬والصينيين‪ ،‬والمصريين‪ ،‬واليمنيين‪ ،‬والسوريين‪ .‬وكثيرا ما يستشهد بالتوراة‬ ‫العبرية التي ال شك أنه اطلع عليها باللغة العربية‪ ،‬عبر ترجمات عن اليونانية أو السريانية (آدانج ‪120‬‬ ‫)‪ .‬ويروي أحداثا وقعت ليسوع بالعودة إلى العهد الجديد‪ .‬ففي كتابة اليعقوبي‪ ،‬نجد ما أخذه عن‬ ‫النصوص التوراتية يختلط أحيانا دون تمييز بنصوص التلمود أو النصوص المقدسة غير المحققة ‪ ،‬مما‬ ‫يعكس على األرجح الطريقة التي بلغته بها تلك الكتابات مثلما بلغت المؤرخين المسلمين اآلخرين‬ ‫في العصر الوسيط(آدانج ‪29-117‬وآخرون )‪.‬‬ ‫وال بد من مالحظة حرصه على إضاءة الجوانب المتقدمة في ثقافة كل شعب من الشعوب التي‬ ‫وصفها‪ .‬وبنفس هذه الطريقة‪ ،‬ينتهي الجزء األول بوصف للحياة الدينية والثقافية للعرب قبل اإلسالم‪.‬‬ ‫إن قسما مهما من الجزء الثاني مخصص لسيرة النبي محمد (ص)‪ ،‬يتبع ذلك استعراض لتاريخ‬ ‫اإلسالم حسب عهود الخلفاء المتوالين‪ .‬هذا النهج في تقديم العصور هو احد اعرق المناهج في‬ ‫الكتابة التأريخية(نوث‪ .)46 ،‬لقد تحدث بشكل متتابع عن أيام أبي بكر‪ ،‬وعمر‪ ،‬وعثمان‪ ،‬قبل أن يتحدث‬ ‫عن "خالفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب"‪ ،‬وابنه الحسن‪ .‬وتتتابع األخبار مع أيام معاوية بن أبي‬ ‫سفيان ومن خلفه من األمويين‪ ،‬ثم من تبعهم من العباسيين ‪ ،‬وآخر خلفائهم المذكورين هو المعتمد‬ ‫(توفي في ‪ .)279/892‬وقد أولى اليعقوبي كذلك عناية كبيرة لإلماميين وآثار أئمتهم‪ ،‬مما دفع‬ ‫الباحثين إلى مناقشة مسألة ما إذا لم يكن اليعقوبي قد تشيع وأي تشيع كان عليه (دون الوصول‬ ‫إلى نتيجة حاسمة)‪ .‬يذهب بيترسون (علي ومعاوية‪ )173 ،‬إلى أن اليعقوبي كان يجتهد "ليجد منزلة‬ ‫وسطى بين اآلراء المتباعدة"‪ ،‬خالل الفتنة األولى‪ ،‬غير أن ما رواه عن أيام عثمان بن عفان من‬ ‫سلبيات ال يترك مجاال كبيرا للوقوف في منزلة وسطى‪ .‬وبالرغم من كرهه الظاهر لألمويين وميله إلى‬ ‫علي‪ ،‬فإن مذهب اليعقوبي الديني ال يمكن تحديده بدقة‪ .‬وعلى العموم‪ ،‬يبدو أنه كان يميل إلى‬ ‫العباسيين بالرغم من بعض المواقف المناقضة‪ .‬ومثال ذلك أن وصفه للنظام العباسي ك"أيام" بدال من‬ ‫"خالفة" قد يوحي بموقف مزدوج من هذه العائلة‪ .‬وروايته لموت موسى الكاظم‪ ،‬المعروف بوصفه‬ ‫اإلمام السابع من طرف اإلثني عشرية‪ ،‬في حين كان في حراسة هارون الرشيد‪ ،‬ليس فيها ما‬ ‫يوحي بموقف إيجابي تجاه العباسيين‪ ،‬حتى وإن لم يشر إلى الخليفة بصفته المسؤول عن جريمة‬ ‫القتل‪ .‬وبالرغم من أن اليعقوبي ال يذكر األسانيد التي نقلت إليه تلك األخبار‪ ،‬فإن جزءا من معلوماته‬ ‫مصدره العائلة العباسية (التي كان هو نفسه أحد مواليها)‪ .‬وفي نفس الوقت ‪ ،‬فإن تلك المعلومات‬ ‫بلغته أيضا من مصادر علوية (خاصة عبر جعفر الصادق‪ ،‬اإلمام السادس)(انظر الدوري ‪.)67 ،‬‬ ‫وال شك أن تكوينه ككاتب وكذلك اهتمامه بإضفاء شيء من التزويق على رواياته‪ ،‬دفعاه إلى أن‬ ‫يستعرض عددا ال بأس به من الرسائل التي كتبها‪ ،‬حسب قوله‪ ،‬بعض الشخصيات المهمة التي‬ ‫يذكرها‪ .‬كما نراه يولي عناية كبيرة إلى األوائل‪ .‬ونجد أنواعا بالغية أخرى مستعملة في كتاباته‪،‬‬ ‫كالخطب‪ ،‬وقوائم األسماء‪ ،‬خاصة علماء الفقه ‪ ،‬في خاتمة عصر كل خليفة‪ .‬وتوحي تلك القوائم بأن‬ ‫العلماء كانوا يميلون منذ القدم – أي منذ عصر الخلفاء الراشدين – إلى االنتماء إلى مجموعة معينة‪،‬‬ ‫وأن األجيال الالحقة سارت على هذا المنوال أيضا‪ .‬ومن الغريب أن نالحظ في هذا السياق غياب‬ ‫القائمة الخاصة بعصر المأمون‪ ،‬وهو الذي في عهده قاسى عدد من العلماء من محنة كبرى‪ ،‬وكذا‬ ‫‪48‬‬


‫الحال بالنسبة لمن خلفه‪ .‬وهذا المثال قد ال يدل على شيء آخر سوى الشكل االنتقائي ‪ ،‬القريب‬ ‫من "المختارات"‪ ،‬الذي توخاه اليعقوبي في عمله‪ ،‬مما يقربه كثيرا من النوع األدبي‪.‬‬ ‫وأما األثر الثاني البالغ األهمية الذي خلفه اليعقوبي فهو كتاب البلدان‪ ،‬الذي أكمله في مصر في‬ ‫‪ .278/891‬وهو جغرافية إدارية لألقاليم اإلسالمية وكذلك أراضي األتراك والنوبيين‪ .‬وقد فقدت من هذا‬ ‫الكتاب الفصول التي تتحدث عن بيزنطة‪ ،‬والهند‪ ،‬والصين‪ .‬ويعتمد اليعقوبي في هذا التأليف على‬ ‫تجربته الخاصة خالل أسفاره إلى أرمينيا‪ ،‬وأذربيجان‪ ،‬والهند‪ ،‬وإفريقيا الشمالية‪ ،‬كما يعتمد على‬ ‫تجربته كموظف في إدارة الخليفة‪ ،‬ليقدم في هذا الكتاب معلومات تاريخية وجغرافية وإحصائية حول‬ ‫المناطق التي يصفها‪ .‬وكما هو كتاب التاريخ‪ ،‬فإن "بلدان" اليعقوبي هو أثر من النوع األدبي‪ .‬فمن‬ ‫خالل االهتمام بتأثير المناخ على حياة الناس وثقافتهم‪ -،‬وهو موضوع سبق للجاحظ الخوض فيه ‪، -‬‬ ‫ومن خالل تقديم بغداد بصفتها تمثل مكانا فريدا ومباركا تلتقي فيه شعوب العالم وثقافاته(البلدان‬ ‫‪ 233‬ومبا بعدها‪ ،‬وميكيل‪ ،).225 ،4 ،‬وبصفة عامة من خالل العناية بتقديم مختصر لكل المعارف التي‬ ‫"ال يمكن إلنسان أن يجهلها"‪ ،‬يتميز الكتابات (التاريخ والبلدان) بخصائص يشترك فيها العديد من‬ ‫مؤلفات ذلك العصر‪.‬‬ ‫وقد كتب اليعقوبي أيضا رسالة قصيرة تحمل عنوان "مشاكلة الناس لزمانهم"‪ ،‬بين فيها بطريقة‬ ‫تعميمية وانطباع ية‪ ،‬كيف يسعى الناس إلى اتباع الخليفة في كل ما يتعلق بحياتهم وأذواقهم‬ ‫ناسجين على منواله‪ .‬وهو يقدم الخلفاء بطريقة زمنية متسلسلة من أبي بكر إلى المعتمد العباسي‬ ‫(‪ .)289.902‬ومن خالل اإلهتمام بالبدايات المفترضة لهذا السلوك‪ ،‬وبمن يكون أسسه‪ ،‬كما يالحظ‬ ‫ميلوارد‪ ،‬فإن هذا األثر يعتبر من األوائل في هذا النوع‪ .‬واألهم من ذلك هو الشهادة التي يقدمها هذا‬ ‫األثر على البحث الذي بذله اليعقوبي عن نماذج تاريخية‪ ،‬وهو هم نجده مالزما له أيضا في التاريخ‬ ‫وفي البلدان(انظر الخالدي‪ ،‬الفكر التاريخي العربي‪ ،‬ص‪ 124‬وما بعدها)‪.‬‬ ‫وعلى العموم‪ ،‬فإن مساهمة أعمال اليعقوبي التاريخية األساسية لها ثالثة وجوه‪ .‬فهي من أوائل‬ ‫النماذج التي وصلتنا في اإلسالم المهتمة ب"التاريخ الكوني"‪ ،‬ال سيما من ناحية العناية التي أوالها‬ ‫إلى الخصائص الثقافية وإلى تنوع الشعوب القديمة والثقافات التي سبقت اإلسالم‪ .‬والملفت لإلنتباه‬ ‫أيضا في هذه المقاربة هو استعماله المكثف للمصادر غير اإلسالمية‪ ،‬من مواد استقاها من العهد‬ ‫القديم والعهد الجديد‪ ،‬والتلمود‪ ،‬والنصوص المقدسة غير المحققة‪ ،‬من أجل التوصل إلى وصف‬ ‫تفصيلي لعقائد وممارسات الشعوب التي يذكرها(دانج‪ 38،71 ،‬وما بعدها‪ 117 .‬وما بعدها)‪ .‬والى‬ ‫ذلك بالرغم من ان الميول الشيعية لليعقوبي ال تزال غير مؤكدة‪ ،‬وان جميع المؤلفات التاريخية‬ ‫الكالسيكية تقريبا سجلت تقاليد ذات ميول متنوعة(انظر نوث‪ 10-9 ،‬وآخرين)‪ ،‬فإن التاريخ – وكذلك هو‬ ‫كتاب المسعودي – يوفر العديد من المالحظات والمعلومات عن المواقف الشيعية القديمة‪ .‬فهو يمثل‬ ‫إذا إضافة مفيدة لألعمال التي تتوخى وجهة نظر سنية واضحة‪ ،‬مما يسمح بإدراك أفضل لتكوين‬ ‫الهويات الدينية في القرون الخمس األولى لإلسالم‪ .‬اخيرا‪ ،‬يعتبر عمل اليعقوبي إسهاما مهما في‬ ‫تطور الكتابة التأريخية في أباد‪ ،‬وهو تيار قوي جدا‪ ،‬لم يتجاوزه حتى تاريخ الطبري المؤسس على‬ ‫منهج علماء الحديث‪.‬‬

‫‪49‬‬


‫ترجمة البالذري‬ ‫أحمد بن يحي بن جابر بن داود البالذري‪.‬‬ ‫إنه أحد أكبر المؤرخين العرب في القرن الثالث الهجري‪ /‬التاسع الميالدي‪ .‬يعرف النزر القليل عن‬ ‫حياته‪ .‬فال تاريخ ميالده وال تاريخ وفاته معروفان بدقة‪ .‬وبحسب تواريخ وفاة أساتذته‪ ،‬من الواضح أن‬ ‫ميالده ال يمكن أن يتأخر على مطلع العشرية األولى من القرن الثالث الهجري‪ /‬الثانية من القرن‬ ‫التاسع الميالدي‪.‬أما فيما يخص تاريخ موته ‪ ،‬فإن بعض الكتاب المسلمين يقترحون ‪ 305/892‬بوصفها‬ ‫السنة األكثر تأخرا واحتماال‪ .‬وبما أنه كان يترجم من اللغة الفارسية‪ ،‬فقد نسب إليه أصل فارسي‪،‬‬ ‫في حين أن جده كان كاتبا في خدمة الخصيب صاحب مصر (الجهشياري‪ .)162 ،‬ومن المرجح أنه ولد‬ ‫وعاش الجزء األكبر من حياته في بغداد ومحيطها‪ .‬وقد قاده طلب العلم إلى دمشق وحمص وأنطاكية‪.‬‬ ‫وفي العراق‪ ،‬درس خاصة على أيدي مؤرخين مشهورين كالمدائني‪ ،‬وابن سعد‪ ،‬ومصعب الزبيري‪ .‬وقد‬ ‫كان نديما للمتوكل‪ ،‬ويبدو أن تأثيره في البالط تواصل في عهد المستعين‪ ،‬غير أن الحظ لم يسعفه‬ ‫في عهد المعتمد‪ .‬إن ما يقال عن كونه كان يدرس الشاعر ابن المعتز عائد إلى خلط بينه وبين ثعلب‬ ‫النحوي‪ .‬وأما القصة التي تزعم أنه مات مجنونا إلكثاره من شرب ثمر البالذر‪ ،‬وهي مادة كانت تعتبر‬ ‫جيدة لتقوية الذهن والذاكرة‪ ،‬فهي ال تخصه هو وإنما جده‪ .‬ولكن حتى في هذه الحالة‪ ،‬فقد أشكل‬ ‫األمر إلى حد أن المصادر ال تقدم أي شرح مقنع له‪.‬إن األثرين التاريخيين الكبيرين اللذين وصالنا‪ ،‬أحرزا‬ ‫الرضا العام لنزاهة البالذري‪ ،‬وحسه النقدي‪.‬‬ ‫إن كتابه "فتوح البلدان" هو النسخة الموجزة لكتاب أطول عن نفس الموضوع‪ .‬ويبدأ الكتاب بالحروب‬ ‫التي قادها محمد (ص)‪ ،‬يتبع ذلك رواية وقائع الردة‪ ،‬وفتوح سوريا‪ ،‬والجزيرة‪ ،‬وأرمينيا‪ ،‬ومصر‪ ،‬والمغرب‪،‬‬ ‫وأخيرا غزو العراق وبالد الفرس‪.‬إن مالحظات مهمة بالنسبة لتاريخ الحياة الثقافية واإلجتماعية تمتزج‬ ‫بالسرد التاريخي‪ .‬مثال ذلك‪ ،‬ان البالذري يناقش مسألة تعويض اليونانية والفارسية بالعربية كلغة‬ ‫رسمية في المصالح الحكومية‪ ،‬ويتحدث عن الخصومة مع بيزنطة حول استخدام عبارات دينية‬ ‫إسالمية في ر أس الرسائل القادمة من مصر‪ ،‬ويتحدث عن الضرائب‪ ،‬واستعمال الخاتم‪ ،‬وصك النقود‪،‬‬ ‫وكذلك عن تاريخ الكتابة العربية‪ .‬إن هذا األثر‪ ،‬وهو أحد أهم المراجع في تاريخ الفتوحات العربية‪ ،‬نشر‬ ‫من طرف م‪.‬ج‪ .‬دي جوجه‪ .‬في ليد ‪ ،66-1863‬وأعيد طبعه عديد المرات‪.‬وهناك ترجمة إنجليزية لهذا‬ ‫الكتاب قام بها فيليب ك‪ .‬حتي وف‪ .‬س‪ .‬مورجوتن‪ ،‬بعنوان‪ :‬أصول الدولة اإلسالمية‪ ،‬نشر بنيويورك‬ ‫‪1916‬و‪ ،1924‬إضافة إلى ترجمة ألمانية (حتى الصفحة ‪ 239‬من نسخة دي جوجه) قام بها أو‪ .‬ريشر‪،‬‬ ‫في ليبزيغ‪.23-1917 ،‬‬ ‫وأما "أنساب األشراف"‪ ،‬وهو كتاب موسوعي لم يكتمل ابدا‪ ،‬فقد رتبه حسب الساللة‪ ،‬مبتدئا بسيرة‬ ‫النبي (ص) وترجمتي والديه‪ .‬ويتبع العباسيون العلويين‪.‬ويتبع بنو عبد شمس‪ ،‬الذين يحتل األمويون‬ ‫ضمنهم مجاال متجاوز الضخامة‪ ،‬بني هاشم‪ .‬ثم يأتي الحديث ��ن بقية القرشييين واألقسام األخرى‬ ‫من المضريين‪ .‬ويحتل القيسيون – وخاصة بنو ثقيف – القسم األخير من الكتاب‪ .‬ونجد آخر ترجمة ذات‬ ‫اهمية هي تلك التي تتعلق بالحجاج‪ .‬وبالرغم من أنه قدم بطريقة تستعرض السالالت‪ ،‬فإن "انساب‬ ‫األشراف" هو في الواقع كتاب طبقات شبيه بما ألفه ابن سعد‪ ،‬إال أنه مرتب ترتيبا سالليا‪ .‬وهو ال يتبع‬ ‫هذه الطريقة في الترتيب بشكل جامد‪ ،‬حيث نجد الوقائع األكثر أهمية خالل عهود حكام معينين‪،‬‬ ‫مرتبطة دائما بفصول ذات صلة‪ .‬ويعتبر "انساب األشراف" أحد أفضل المصادر للتعرف على تاريخ‬ ‫الخوارج‪ .‬وقد اكتشف جزء من هذا الكتاب كمخطوط مجهول ‪ ،‬ووقع بعد ذلك تحقيقه من طرف ‪:‬‬ ‫و‪.‬أهلواردت‪ :‬مدونة عربية مجهولة‪ ،‬ب د ‪ ،11‬اليبزيغ ‪ .1883‬وقد اكتشف سه بيكر في اسطنبول‬ ‫مخطوطا كامال للكتاب ‪ :‬عشير أفندي ‪( 8-597‬كتب الفهرست م‪ .‬حميد هللا‪ ،‬في منشور الدراسات‬ ‫الشرقية‪ ،14 ،‬دمشق ‪ .)211-1954،197‬وقد نشر الجزء الرابع ب (منشورات م‪.‬شلوزينجر ‪)40-1938‬‬ ‫‪51‬‬


‫والجزء الخامس(منشورات س د جويتين ‪ ،1936‬مع مقدمة مهمة) من النسخة التي أعدتها للنشر‬ ‫الجامعة العبرية بالقدس‪.‬وقام أو‪ .‬بينتو وج‪ .‬ليفي ديال فيدا بترجمة "الخليفة معاوية عن كتاب "انساب‬ ‫األشراف" في روما سنة ‪ .1938‬ويراجع كذلك ف‪ .‬غابرييلي ‪:‬‬ ‫‪La Rivolta dei Muhallabiti nel 'Iraq e il nuovo Baladuri, dans Rendiconti, R. Accad. Dei‬‬ ‫‪Lincei, CI, sc, mor., stor.e filol., VI, 14, 1938, 199-236‬‬ ‫وبرغم من كل ما يستحقه البالذري من إشادة‪ ،‬فإن قيمته كمرجع تاريخي وقعت المغاالة فيها أحيانا‬ ‫بالنظر إلى بعض النواحي‪ .‬فليس من الدقة القول إنه يقدم دائما النصوص األصلية التي اعتنى كتاب‬ ‫الحقون بتطويرها وتجميلها‪ .‬يمكننا أن نفترض بدقة أكثر‪ ،‬باالستناد إلى مدى التطابق الموجود بين‬ ‫األجزاء األساسية في آثاره الخاصة وبين كتب أكثر تفصيال ظهرت في زمن الحق‪ ،‬أن البالذري اختصر‬ ‫في العديد من الحاالت المواد التي في حوزته‪ ،‬مع الوفاء لمصادره‪.‬‬ ‫إن أسلوب البالذري يهدف إلى اإلختصار احيانا على حساب التأثير الفني‪ .‬فمن النادر أن نجد عنده‬ ‫أخبارا طويلة نسبيا‪ ،‬بالرغم من ان هذا يحدث أيضا‪ .‬نجد البالذري في "الفتوح" يواصل المنهج القديم‬ ‫المتمثل في تفصيل الحديث عن حدث تاريخي وتقديمه مجزءا‪ .‬أما في "األنساب" ‪ ،‬فهو يجتهد في‬ ‫التأليف بين مواد مستخرجة من كتب الطبقات (ابن سعد) ومدونات اكثر قدما (ابن اسحق‪ ،‬أبو مخنف‪،‬‬ ‫المدائني)‪ ،‬مدمجا ذلك كله في أسلوب األدب الساللي (ابن الكلبي)‪.‬‬ ‫بيبليوغرافيا‪ :‬المصدر البيبليوغرافي األقدم هو مؤرخ بغداد عبيد هللا بن عبد هللا بن أبي طاهر‬ ‫الطيفور(لم تصلنا كتبه)‪ .‬نجد عبيد هللا والمراجع العربية القديمة األخرى مذكورة لدى ياقوت‪ :‬اإلرشاد‪،‬‬ ‫‪ .32-2،127‬بعض المراجع األخرى يمكن أن نجدها في آخر تدوين نشر ضمن مدخل نسخة الفتوح‬ ‫التي كتبها دي جوجه‪ .‬يراجع بروكلمان‪ ،147 ،1 ،‬س ‪( ,126 ،1‬سه بيكر – ف روزنتال)‪.‬‬

‫‪51‬‬


‫ترجمة ابن أبي شيبة‬ ‫هو أبو بكر عبد هللا بن محمد بن إبراهيم (أبي شيبة) بن عثمان العبسي الكوفي‪ ،‬المحدث والمؤرخ‬ ‫العراقي (‪ ،)849-233/775-159‬ينتسب إلى عائلة من علماء الدين‪ .‬كان جده أبو شيبة قاضيا بواسط‪،‬‬ ‫إال أنه وصف بنعت "ضعيف" (ابن حجر‪ ،‬لسان الميزان‪ .)395 ،6 ،‬درس أبو بكر في الرصافة ‪ ،‬وسافر‬ ‫لطلب العلم‪ ،‬وتوفي بالكوفة بعد إقامة في بغداد‪ .‬كان له العديد من التالميذ‪ ،‬نذكر من بينهم ابن‬ ‫ماجة‪ .‬وله مؤلفات عديدة وردت قائمتها في الفهرست‪ :‬كتاب التاريخ‪ ،‬كتاب الفتن‪ ،‬كتاب صفين‪ ،‬كتاب‬ ‫الجمل‪ ،‬كتاب الفتوح‪ ،‬في ميدان التاريخ‪ .‬وكتاب السنن في الفقه‪ ،‬وكتاب التفسير‪ ،‬وكتاب المسند‪.‬‬ ‫وهذا األخير عرف تحت عنوان "المصنف"‪ ،‬وقد حفظ في عدة مخطوطات (يراجع بروكلمان‪ ،‬س ‪،215 ،1‬‬ ‫وفي س ‪ ،260 ،1‬نجد إشارة إلى الرد على أبي حنيفة ‪ ،‬طبع في دلهي ‪ ،1933‬مع ترجمة لألوردو)‪.‬‬ ‫وقد طبعت أجزاؤه الخمسة في ملتان‪ .‬وقد أحرز هذا األثر نجاحا خاصة في المغرب وإسبانيا‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬حيث فسره بقي بن مخلد بنفسه لدى عودته من المشرق‪ ،‬مثيرا غضب مفتي قرطبة‬ ‫أصبغ بن خليل (يراجع ليفي بروفنسال‪ ،‬تاريخ اسبانيا اإلسالمية‪ .)477/8 ،3 ،‬وبقي الكتاب مستعمال‬ ‫للتدريس من طرف العلماء (يراجع اين خير اإلشبيلي‪ ،‬فهرس‪ ،3-131 ،‬الرعيني‪ ،‬برنامج ‪.)44‬‬

‫‪52‬‬


53



L'ignorance des savants (arabe)