Page 21

‫ب�سم اهلل الرحمن الرحيم‬ ‫�إن احلمد هلل �أحمده و�أ�ستعينه و�أ�ستغفره‪ ،‬و�أ�صلي و�أ�سلم على حممد‪ ،‬الذي �أر�سله اهلل رحمة وحجة على النا�س‬ ‫�أجمعني‪ ،‬وختم به النبيني‪ ،‬و�أنزل عليه الكتاب نوراً وهدى للنا�س �أجمعني‪ ،‬اللهم �صلي و�سلم وبارك عليه وعلى �آله‬ ‫و�صحبه ومن تبعهم ب�إح�سان �إىل يوم الدين ‪ ..‬وبعد‪..‬‬

‫فلقد اهتم الإ�سالم بالإن�سان‪ ،‬وو�ضع له �ضوابط حلمايته وتر�شيد �سلوكه‪ ،‬ومن ذلك اهتمامه ب�سلوكيات‬ ‫امل�ستهلك‪ ،‬ليوجهه �إىل �أف�ضل �إ�شباع ممكن حلاجياته‪ ،‬فبني له الطيبات و�أحلها له‪ ،‬و�أمره بالإنفاق فيها‪،‬‬ ‫و�أر�شده �إىل الأولويات التي يجب مراعاتها عند الإنفاق‪ ،‬حيث يقوم ب�إ�شباع �ضرورياته ثم حاجياته‪ ،‬ثم‬

‫الكماليات‪ ،‬و�أمره مع ذلك كله بالتزام االعتدال والو�سطية‪ ،‬فنهاه عن الإ�سراف والتبذير والرتف والبذخ‪،‬‬ ‫ونهاه عن الوقوع يف املحرمات واخلبائث‪ ،‬و�أر�شده �إىل عدم التقليد الأعمى لكل ما يخالف �شرع اهلل‪ ،‬فيقول‬ ‫تعاىل }والذين �إذا �أنفقوا مل ي�سرفوا ومل يقرتوا وكان بني ذلك قواما{ (�سورة الفرقان الآية ‪ .)67‬كما يقول جل‬ ‫�ش�أنه }وال جتعل يدك مغلولة �إىل عنقك وال تب�سطها كل الب�سط فتقعد ملوم ًا حم�سوراً{ (�سورة الإ�سراء الآية ‪.)29‬‬

‫واإلسالم إذ يرشد اإلنسان إلى التوازن في استهالكه وإنفاقه‪ ،‬فإن هذا يعني‬ ‫أن الذي بيد اإلنسان له في اإلسالم شأن عظيم‪ ،‬فهو المال الذي استخلفه اهلل‬ ‫فيه‪ ،‬وهو الذي يشكل عماد االقتصاد في كل المجتمعات اإلنسانية‪ ،‬فاإلسالم‬ ‫يبغي من وراء ترشيد اإلنفاق زيادة حجم المال المدخر ليكون منتجًا‪ ،‬فيساهم‬ ‫في زيادة معدالت التنمية‪ ،‬وبذلك فإنه يحافظ على موارد المجتمع المسلم‪،‬‬ ‫فتكون النتيجة هي زيادة اإلنتاج التي تعتبر مبتغى كل مجتمع‪ ،‬هذه النتيجة التي‬ ‫تتحقق وال ريب من خالل ذلك التوازن بين السكب واإلنفاق‪ ،‬لذا فإننا في السطور‬ ‫القادمة سنلقي الضوء على التوازن بين الكسب واإلنفاق في اإلسالم ‪..‬‬

‫مفهوم التوازن‪:‬‬ ‫التوازن رديف االعتدال وقرينه‪ ،‬ويق�صد به التعامل بني‬ ‫طرفني متقابلني بحيث ال يطغى �أحدهما على الآخر‪.‬‬ ‫ولقد �أمرنا اهلل �سبحانه وتعاىل بالتوازن يف �سائر ما يتعلق‬ ‫بحياتنا‪ ،‬ويدخل يف نطاقه التوازن بني الك�سب والإنفاق‬ ‫على م�ستوى البيت وعلى م�ستوى الدولة‪ ،‬فال يجب �أن‬ ‫يكلف الفرد نف�سه فوق طاقتها‪ ،‬ولعل �أ�صل ذلك ي�ستمد‬ ‫من قوله تعاىل‪} :‬ال يكلف اهلل نف�سا �إال و�سعها لها ما‬

‫ك�سبت وعليها ما اكت�سبت{ ‪�( .‬سورة البقرة الآية ‪. )286‬‬

‫فامل�سلم ينفق ويو�سع علي نف�سه وعلى �أوالده مبا رزقه‬ ‫اهلل دون �أن يدخل دائرة اال�ستهالك املحرم ‪ -‬الإ�سراف �أو‬ ‫التبذير ‪ -‬على �أن تكون نفقته وا�ستهالكه حمدد بحدود‬ ‫دخله ‪ ،‬فال يتجاوزه‪ ،‬حتى ال ي�ستدين‪.‬‬ ‫فعن عبد اهلل بن عمرو ‪ -‬ر�ضي اهلل عنهما‪� -‬أن ر�سول اهلل‬ ‫�صلى اهلل عليه و�سلم‪ -‬قال‪« :‬لقد �أفلح من �أ�سلم‪ ،‬وكان‬‫رزقه كفافاً‪ ،‬وقنعه اهلل مبا �آتاه» ‪(.‬رواه م�سلم)‬

‫‪19‬‬

مجلة المعهد العدد 2  

مجلة معهد دبي القضائي العدد 2

مجلة المعهد العدد 2  

مجلة معهد دبي القضائي العدد 2