Page 1

‫النظام اإلنساني حديث في العمق‬ ‫رحلة في أعماق الذات‬ ‫وجاء الليل الذي اصبح كئيبا ال انقشاع لعتمته وال شروق لشمسه‪.‬‬ ‫جلس في غرفته حزينا وحيدا يبحث في هجعة الليل عن صوت يسمعه‬ ‫و يؤنسه و يناقش معه قراراته‪ ...‬لم ير امامه سوى طفله الصغير الذي‬ ‫يبكي مرارا فقد امه‪...‬‬ ‫ثالثة اشهر مضت على فقد (حسن) لزوجته اال ان شعلة الحزن و‬ ‫االسى في كل يوم تزداد تأججا في صدره وكانت هذه االحداث سببا‬ ‫لرحلة بحث عن حلمه المنشود الذي طالما انتظره ليحقق به ذاته غير‬ ‫ان االحداث التي عصفت بحياته و عبثت بقلبه كان وقعها قويا مما‬ ‫ألهب في نفسه التماس الحذر في كل خطوة يخطوها لعله يتدارك ما‬ ‫وقع فيه سابقا‪.‬‬ ‫وشاءت حكمة هللا تعالى ان يمثل امامه ذلك الحلم بكل ما فيه من عذوبة‬ ‫و انوثة اال ان ذلك لم يرضي نفسه فليس ذلك فقط ما يحتاجه او يصبوا‬ ‫اليه انما هو يبحث عن قلب من ذهب به يحقق حلمه و يفك قيده و‬ ‫يهديء من ثورته و يبعث السكينة في نفسه بعد طول صبر و عناء‬ ‫ويرى من خالله تقديرا لذاته‪.‬‬ ‫واعلن حينها قرارا مصيريا بأن يبقى مستعدا للحظة التي يأذن هللا‬ ‫تعالى له فيها ان يلتقي بذلك الحلم الذي طالما شغل باله و تفكيره‪.‬‬


‫االنسان اشرف المخلوقات على وجه األرض فهو بحق خلق اعجازي‬ ‫ميزه هللا تعالى على بقية المخلوقات بقابليته لالكتساب من المحيط‬ ‫الخارجي الذي ينتمي اليه و يتعايش معه‪.‬‬ ‫وشاءت حكمة هللا تعالى ان يكون لهذا المخلوق االعجازي نظامين‬ ‫يتكامالن معا ليكونان شخصية االنسان التي تميزه عن غيره‪.‬‬ ‫النظام األول‪ :‬النظام الذاتي‬ ‫وهو نظام تكويني اودعه هللا تعالى بحكمته في االنسان حين اولج في‬ ‫جسمه الروح فيولد االنسان بنظامه الذاتي الذي اختاره هللا تعالى له‪.‬‬ ‫النظام الثاني‪ :‬النظام المكتسب‬ ‫وهو نظام يكتسبه االنسان بما منحه هللا تعالى من قدرة على االكتساب‬ ‫واهم مصادر االكتساب ثالثة‪:‬‬ ‫‪ -1‬االبوان او المحيط االسري الكبير فقد تنتقل بعض المكتسبات‬ ‫لإلنسان من خالل االسرة التي ينشأ فيها فتتجذر هذه المكتسبات‬ ‫في نفوس األطفال ليكبروا عليها وتكون في المستقبل جزء من‬ ‫شخصياتهم‪.‬‬ ‫‪ -2‬أسلوب الحياة الذي يعيشه االنسان في البيئة المحيطة به يخلق‬ ‫لديه تصورا عن الحياة و بالتالي فان حياته في المستقبل قد تكون‬ ‫انعاكسا لذلك األسلوب الذي عاش فيه‪.‬‬ ‫‪ -3‬اكتشافات االنسان الذاتية عن األشياء الجديدة في مراحل عمره‬ ‫المختلفة تخلق شخصيته الخاصة به وهي طريق اخر لالكتسابات‬ ‫االنسان في حياته‪.‬‬


‫و المطلوب منك ان تفهم بعمق كال النظامين و العناصر المتعددة التي‬ ‫تشكل كال منهما ثم تعمل فكرك ووعيك و تتأمل في ذاتك لتكتشف نظامك‬ ‫الذاتي و تتعرف على نظامك المكتسب ثم تتعامل بوعي مع ذاتك و‬ ‫المحيط من حولك وفق ما توصلت اليه من اكتشاف و معرفة عن ذاتك‪.‬‬ ‫و الصفحات التالية تسلط الضوء على كال النظامين بشيء من التفصيل‪.‬‬


‫النظام الذاتي‬ ‫خلق هللا تعالى االنسان وخلق معه نظاما ذاتيا يبدأ عمله و نشاطه منذ‬ ‫اللحظات األولى لوالدته‪ .‬ذلك النظام هو الذي يميز بين شخص و اخر‬ ‫وهو الذي يرسم شخصية االنسان بل انه يحكم أسلوبه في ارسال و‬ ‫استقبال ومعالجة المعلومات و االحداث الخارجية وكذلك الطريقة التي‬ ‫يتواصل بها مع االخرين من حوله‪.‬‬ ‫واذا وجدت شخصين متناغمين في عالقتهما فتأكد انهما متوافقان في‬ ‫نظامهما الذاتي ذلك انه يحقق التناغم التلقائي لإلنسان مع من يتوافق‬ ‫معهم حتى وان لم يقصد االنسان ذلك التناغم او يعمد اليه‪.‬‬ ‫ولذا فان اكتشاف االنسان لنظامه الذاتي يأتي في المرتبة األولى حين‬ ‫يسعى لالرتقاء بمستوى وعيه بذاته و بالمحيط من حوله‪.‬‬ ‫و النظام الذاتي هو عبارة عن تفاعل متناغم بين عناصر متعددة تشكل‬ ‫بمجملها شخصية االنسان وهي في األساس ذاتية غير مكتسبة ومن‬ ‫اهم تلك العناصر األنظمة التمثيلية‪ ،‬البرامج العقلية العليا‪ ،‬و األنماط‬ ‫الشخصية‪.‬‬ ‫أوال‪ :‬األنظمة التمثيلية‪.‬‬ ‫وهي تمثيل المعلومات باستخدام الحواس فاهلل سبحانه حين خلقنا انعم‬ ‫علينا بحواس االدراك التي تؤدي هذا الدور األساس في تواصلنا مع‬ ‫االخرين يقول تعالى ‪ ( :‬وهللا اخرجكم من بطون امهاتكم ال تعلمون‬ ‫شيئا وجعل لكم السمع و االبصار و االفئدة لعلكم تشكرون)‪.‬‬


‫و األنظمة التمثيلية األساسية ثالثة وهي‪:‬‬ ‫األول‪ :‬النظام السمعي‪ :‬وهو االدراك الناتج عن السماع سواء السمع‬ ‫الحقيقي المباشر او المتذكر او المتخيل‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬النظام البصري‪ :‬وهو االدراك الناتج عن الرؤية سواء كانت‬ ‫صورمشاهدة او متذكرة او متخيلة‪.‬‬ ‫الثالث‪ :‬النظام الحسي‪ :‬وهو االدراك الناتج عن اإلحساس سواء‬ ‫اإلحساس الحقيقي او المتذكر او المتخيل‪.‬‬ ‫و يمتلك االنسان ثالثة أنماط من األنظمة التمثيلية‪:‬‬ ‫‪ -1‬النظام المفضل‪ :‬ومن خالله يتواصل االنسان مع االخرين فيستقبل‬ ‫منهم و يرسل لهم مستخدما مفردات لغوية تعكس ذلك النظام وبه‬ ‫يخزن المعلومات في عقله و ذاكرته و بتأملنا في العبارات اللغوية‬ ‫التلقائية نستطيع ان تستشف النظام التمثيلي المفضل لنا و‬ ‫لالخرين‪.‬‬ ‫‪ -2‬النظام المقارن‪ :‬وهو نظام يستخدمه االنسان للحكم على‬ ‫األشخاص و األشياء من حوله‪.‬‬ ‫‪ -3‬النظام القائد‪ :‬وهو نظام يستخدمه االنسان الستدعاء المعلومات‬ ‫من نظام التخزين وبه يتخذ القرارات المرتبطة بذاته و باالخرين‪.‬‬ ‫وباكتشافك للنظام المفضل تستطيع ان تصنف نفسك من خالله فتقول انا‬ ‫سمعي او بصري او حسي اال ان هذه الصفة قد تتغير بحسب المواقف‬ ‫و السياقات التي يعيشها االنسان‪ .‬و الضابط لذلك هو الوعي و االدراك‬ ‫فحين يكون وعيك في سمعك تكون سمعيا وحين يكون وعيك في بصرك‬ ‫تكون بصريا واذا كان وعيك في مشاعرك و احاسيسك و جسدك تكون‬ ‫حسيا‪ .‬و المحصلة من ذلك انك في اتجاه وجهت وعيك ستكون هناك‬ ‫حالة احساسية تتناسب وذلك التوجيه‪.‬‬


‫ومع ذلك كله فان هناك نظاما يكون هو األبرز في شخصيتك و تعاملك‬ ‫مع المحيط من حولك و بتأملك في ذاتك اكثر يمكنك اكتشافه‪.‬‬ ‫و الموقف التالي يوضح الفكرة‪:‬‬ ‫ذات مساء قرروا اللقاء في موقع من ابرز المواقع و أهمها في المنطقة‬ ‫و عندما اقتربوا من الساحل عبر كل واحد منهم عما في نفسه بطريقته‬ ‫الخاصة‪:‬‬ ‫فقال سعد‪ :‬ما اهدا هذا المكان وسط زقزقة العصافير الموسيقية‬ ‫وقال عماد‪ :‬ما اجمل هذا المنظر الخالب الذي يسحر العيون‪.‬‬ ‫وقال نبيل‪ :‬ما الطف هذه األجواء التي تضفي على النفس إحساسا‬ ‫شاعريا حالما‪.‬‬ ‫و بتأملنا للمفردات اللغوية لكل منهم نجد ان سعدا في هذا الموقف كان‬ ‫سمعيا و عمادا بصريا و نبيال حسيا ومما سبق نستنتج انه يمكن‬ ‫لإلنسان ان يمثل المعلومات بأكثر من نظام اال انه يبقى هناك نظاما‬ ‫مفضال له‪ .‬وذلك النظام التمثيلي يكون هو األبرز في الكثير من مواقفه‬ ‫و يكون هذا النظام هو األكثر تأثيرا عليه‪ .‬من هنا فالنظام التمثيلي احد‬ ‫اهم العوامل المؤثرة بشكل كبير في استجابة االنسان للمثيرات‬ ‫الخارجية‪.‬‬ ‫وعلى الزوجين ان يضعا هذه القاعدة نصب اعينهما فالسمعي اذا سمع‬ ‫فانه يرى و يشعر و يحس و البصري اذا رأى فانه يسمع و يشعر و‬ ‫يحس و الحسي اذا شعر احس فانه يسمع و يرى‪.‬‬

‫يتبع‬


‫ثانيا‪ :‬البرامج العقليه العليا‪.‬‬ ‫وهي كما يعرفها ريتشارد باندلر‪ :‬البرامج التي تقف (خلف‪ ،‬امام‪،‬فوق)‬ ‫وعينا والتي تفسر كيف نفرز و نحلل ونعالج المعلومات‪ .‬ومن اهم ما‬ ‫يميزها انها تتنوع بحسب السياق فقد يكون االنسان في بيته ضمن‬ ‫برنامج عقلي ما اال انه في العمل ضمن برنامج عقلي اخر‪.‬‬ ‫والبرامج العقليه العليا ذاتيه في شخصية االنسان بمعنى انه يولد بها‬ ‫وكل برنامج عقلي يتضمن اتجاهين وحين تتأمل ذاتك تجد نفسك تميل‬ ‫الحد االتجاهين في تعاطيك العام مع المحيط من حولك وقد يتغير اتجاه‬ ‫ميالنك بحسب السياق الذي انت فيه اال ان الطابع العام لشخصيتك يتجه‬ ‫بأحد االتجاهين‪.‬‬ ‫وحين يتعهد االنسان ذاته بالملكات والقيم العليا فأن بأمكانه ان يصل‬ ‫لمستوى االتزان بحيث ال يميل الي اتجاه و انما طبيعة الموقف و‬ ‫السياق هي التي تحدد ضمن أي اتجاه يميل‪....‬‬ ‫واليك بعضا من البرامج العقليه العليا‪:‬‬ ‫‪ -1‬برنامج التحفيز‪:‬‬ ‫االقتراب‪ :‬ويعني ان يكون التحرك و التحفيز نحو األمور المرغوب‬ ‫فيها و التي تحقق التطلعات‪.‬‬ ‫االبتعاد‪ :‬ويعني ان يكون التحرك و التحفيز لتجنب األمور التي تمثل‬ ‫عائقا او خطرا او تهدد المصالح‪.‬‬


‫‪ -2‬برنامج العمل‬ ‫اإلمكان‪ :‬ويعني ان يكون التحرك الداء المهام و المسؤوليات في ظل‬ ‫وجود فسحه من الوقت و البدائل و السعي البتكار طرقا جديدة و‬ ‫خيارات بديلة للتطوير و التجديد‪.‬‬ ‫الضرورة‪ :‬وتعني ان يكون التحرك الداء المهام و المسؤوليات تحت‬ ‫الضغط و ضيق الوقت و الميل لما هو معروف ومأمون و التخوف‬ ‫مما لم يجرب من قبل‪.‬‬ ‫‪ -3‬برنامج الخيارات‬ ‫الخيارات المفتوحه‪ :‬وتعني ان يكون انجاز المهام و المسؤوليات‬ ‫باتباع خيارات متعددة و توليد خيارات جديدة‪.‬‬ ‫الخيارات المحددة‪ :‬وتعني ان يكون انجاز المهام و المسؤوليات‬ ‫باتباع طرق محددة و الجمود عليها وعدم القدرة على توليد الطرق‬ ‫الجديدة‪.‬‬ ‫‪ -4‬برنامج العائد‪:‬‬ ‫العائد الداخلي‪ :‬ويعني ان يكون محور االهتمام الذات فتكون النظرة‬ ‫للحياة من خالل المصلحة الشخصية دون ان يكون الشخص بذلك‬ ‫انانيا‪.‬‬ ‫العائد الخارجي‪ :‬ويعني ان يكون محور االهتمام االخر فتكون النظرة‬ ‫للحياة من خالل استجابات االخرين و تفاعالتهم فاألفضلية تكون‬ ‫لالخرين‪.‬‬


‫‪ -5‬برنامج المرجعية‪:‬‬ ‫المرجعية الداخلية‪ :‬وتعني ان يكون االعتماد في اتخاذ القرارات و‬ ‫المواقف على قيم الشخص نفسه و معاييره و احكامه و قناعاته‬ ‫الداخليه دون الرجوع لالخرين في ذلك‪.‬‬ ‫المرجعية الخارجيه‪ :‬وتعني ان يكون االعتماد في اتخاذ القرارات و‬ ‫المواقف على قيم ومعايير و احكام و قناعات االخرين و ردود‬ ‫افعالهم‪.‬‬ ‫‪ -6‬برنامج العالقات‬ ‫التشابه‪ :‬ويعني ان يكون االهتمام و التركيز على المتشابهات فيما‬ ‫ينظر اليه االنسان او يسمعه او يشعر به‪.‬‬ ‫الفروق‪ :‬و يعني ان يكون االهتمام و التركيز على الفروق فيما ينظر‬ ‫اليه االنسان او يسمعه او يشعر به‪.‬‬ ‫‪ -7‬برنامج المعلومات‬ ‫االجمال‪ :‬ويعني ان يكون التركيز على االتجاه العام عند نقل او‬ ‫استقبال المعلومات و االحداث الخارجية دون الدخول في التفاصيل‬ ‫فاالهتمام هنا باالفكار و المفاهيم‪.‬‬ ‫التفصيل‪ :‬ويعني ان يكون التركيز على الخطوات التفصيلية و الدقيقة‬ ‫عند نقل او استقبال المعلومات و االحداث الخارجية و األهداف تكون‬ ‫ضمن زحام التفاصيل‪.‬‬ ‫يتبع ‪1‬‬

1النظام الإنساني حديث في العمق  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you