a product message image
{' '} {' '}
Limited time offer
SAVE % on your upgrade

Page 1


‫الكلمة الأخرية‬

‫تجمعت األيام‪ ،‬كخرزات مسبحة‪ ،‬حتى مرت على العراق الجديد إحدى عشرة سنة‪ ،‬منذ االجتياح فالسقوط‪،‬‬ ‫وها نحن نعدها بأربعة آالف وخمسة عشر يوما‪ ،‬بنهاراتها ولياليها‪ .‬بل هناك من عدها بساعاتها ودقائقها‬ ‫وثوانيها‪ ،‬وهو يواجه املوت في كل لحظة‪ .‬يومها‪ ،‬تعاقب عند الحدود السابقون والالحقون‪ ،‬أولئك خرجوا وهؤالء‬ ‫دخلوا‪ ،‬وكان حينها األمل قويا في عراق خال من الديكتاتورية واالضطهاد‪.‬‬ ‫إن نسينا ال ننس ذلك الشاب الذي وارته أمه في حفرة تحت أرضية الدار‪ ،‬وظل حبيسا فيها لعشرين سنة‪ ،‬وال‬ ‫يعرف بخبره سوى األم‪ ،‬خرج يومها وتحدث عن قبره‪ ،‬وقد رأيناه شبح إنسان‪ .‬غير أن املبكي املضحك أنه خرج‬ ‫من حفرة إلى القتل على الهوية‪ ،‬وانقطعت أخباره عنا‪ ،‬والذين عادوا باحثني عن تحقيق أحالمهم الضائعة‪ ،‬في‬ ‫ظل أيام البطش والحصار والحرب‪ ،‬أسقطوها من ذاكرتهم‪ ،‬فما حصل ال في العلم وال في الحلم‪.‬‬ ‫كنت كتبت عن ذلك اليوم‪ ،‬ونشر في يوم سقوط التمثال (‪ 9‬أبريل «نيسان» ‪ )2003‬تحت عنوان‪« :‬صبح األصباح»‬ ‫(«الشرق األوسط»)‪ ،‬وكلما مرت الذكرى أتذكر املقال‪ ،‬وأعود لقراءته‪ ،‬أضحك في داخلي ضحكة الحزين‪ ،‬وال‬ ‫تستغربوا الضحك مع الحزن‪ ،‬فهو نوع من الشرود‪ ،‬وقد يصنف بضرب من ضروب الجنون‪.‬‬ ‫مرت سنة وسنتان وثالث ونحن ننفخ في رماد‪ ،‬عبر مقاالت ولقاءات‪ ،‬ندافع عن النظام الجديد‪ ،‬نقنع أنفسنا‬ ‫بشيء قد يحدث‪ ،‬وسيتوقف املوت املجاني‪ ،‬لكن الزمن طال‪ ،‬وها هي السنة الحادية عشرة تمر‪ ،‬وقد فرغ الصبر‬ ‫واشتقنا للمعارضة من جديد‪ ،‬وها نحن عدنا نعتصم ونتظاهر أمام السفارات‪ ،‬ليس ضد حاكم‪ ،‬مثلما كنا‬ ‫سابقا‪ ،‬إنما ضد حاكمني‪ ،‬ضد قوانني تريد دفع العراق إلى ما قبل التاريخ‪ ،‬وأخذنا نرغبهم في القرن الرابع‬ ‫الهجري والعاشر امليالدي‪ ،‬أو قبل مائة عام‪ ،‬كي يرتدعوا ويكفوا عن أخذ البالد إلى املجهول!‬

‫بقلم‪ :‬ر�شيد اخل ُّيون‬

‫كنا موحدين ضد نظام طغى‪ ،‬وليس لبشر سوي أن ينفي أو يلغي ذلك الطغيان‪ ،‬مع أننا نعذر غير الذائقني‬ ‫عذاباته‪ ،‬لكن ما حصل‪ ،‬خالل هذه اإلحدى عشرة سنة‪ ،‬جعل حجتنا تضعف وتحول صراخنا إلى همس‪.‬‬ ‫ليس ألننا لم نكن على حق في دعوانا‪ ،‬إنما اإلنسان ابن لحظته‪ ،‬فعندما ينظر إلى األيام الخوالي ال يراها إال بما‬ ‫ينتقي ويقابل بها الحاضر‪ .‬أقرب الصورة أكثر‪ ،‬إذا كنت ترى سفح جبل من على بعد فال ترى إال لونه‪ ،‬بأشواكه‬ ‫ووروده‪ ،‬حتى املاء عن بعد يختلط بالصخور وتراهما واحدا‪ ،‬لكن عندما تقترب منه تعزل األشياء بعضها عن‬ ‫بعض‪ ،‬فاملاضي صار بعيدا والحاضر ما نحن فيه‪.‬‬

‫العراق‪ ..‬بعد أحد عشر حوال‬

‫عندما ننتقد رئيس الوزراء يقولون لنا‪ ،‬وهم معارضة األمس وكنا معهم‪ ،‬صدام‬ ‫حسني (أعدم ‪ )2006‬أفضل؟ إنهم يتصورون بهذا السؤال أنهم يحبسون كلماتنا‪،‬‬ ‫وتناسوا أننا كنا معهم‪ ،‬بل أكثر منهم في تلك املواجهة‪ .‬أخذوا يمنون علينا أن‬ ‫الصحافة تكتب والفضائيات تقول ما تريد‪ ،‬أال يكفي هذا؟ لكن مئات الصحافيني‬ ‫واإلعالميني قتلوا بكاتم صوت وانفجار؟! نعم‪ ،‬لم يصل املنع إلى ممنوعات النظام‬ ‫السابق‪ ،‬والسبب ليس ألنهم ديمقراطيون‪ ،‬بل ألنهم ليسوا أقوياء كفاية كي يمنعوا باملطلق‪ .‬فترى مواجهتنا‬ ‫ضدهم ملنعهم من الوصول إلى ذلك املستوى‪ ،‬مع أنهم يقطعون خطوات في ذلك االتجاه‪.‬‬

‫إن إحدى عشرة سنة تعني جنينا يتكون في رحم أمه ويولد وينهي املدرسة االبتدائية‪ ،‬بل ضمن القانون‬ ‫الجعفري لألحوال الشخصية‪ ،‬الذي أقره مجلس الوزراء العراقي‪ ،‬في الشهر املاضي‪ ،‬يعني ذلك الرقم أن طفلة‬ ‫ولدت فتزوجت ومر على زواجها سنتان‪ ،‬ألن القانون أقر رسميا الزواج للبنت تسعة أعوام! فتخيل العراق إلى‬ ‫أي ماض يتجه‪.‬‬ ‫خالل هذه السنوات‪ ،‬تصاعد إنتاج النفط‪ ،‬وسمنت امليزانية العامة وسمنت رقابهم أكثر منها‪ ،‬واملعركة مستمرة‬ ‫في كل عام حولها‪ ،‬ووصلت هذا العام إلى مائة وخمسني مليار دوالر‪ ،‬وهي تكفي ألربع دول‪ ،‬خالل هذه األعوام‬ ‫صعد اسم العراق في الفساد املالي إلى أعلى املستويات الدولية‪ .‬صعد الحس الطائفي إلى درجة مخيفة‪ ،‬كنا نأمل‬ ‫حكومة تحل املشكالت وإذا بها أكبر مشكل!‬ ‫إذا قلت لو أن األميركان لم يتقدموا إلسقاط النظام‪ ،‬ليس ألني أقول إنه كان أفضل‪ ،‬وال كنت ضد الحرب مائة‬ ‫في املائة‪ ،‬فهو لم يترك لنا خيارا‪ ،‬لكني تمنيت ذلك‪ ،‬بعدما حصل‪ ،‬لفقدان الحلم‪ ،‬كنا في ظل النظام السابق نحلم‬ ‫بعراق ليس مثاليا‪ ،‬بل نكتفي بحقن دمائنا وتبذير ثرواتنا‪ ،‬ويحتضننا بدل الشتات‪ ،‬نبدأ بالعمل من أجل ذلك‬ ‫الحلم‪ .‬ال أريد لكلمتي أن تكون عاطفية أكثر منها واقعية‪ ،‬لكن الكاتب كالشاعر والرسام توجهه العاطفة أيضا‪،‬‬ ‫وأراها مطابقة للواقع ليس فيها شرود أو إغواء‪.‬‬ ‫لهذا‪ ،‬عندما يسألني غير العراقي‪ :‬ما وضع العراق؟ تخونني الكلمات وأعجز عن الجواب‪ ،‬أراهم يسترون حقيقة‬ ‫النزاع باختالف املذاهب‪ ،‬ولصالح الجعفري كاشف الغطاء (ت ‪« :)1979‬أكل يوم ضجيج ‪ -‬يقوم حول املناصب ‪-‬‬ ‫وأعجب الكل ينمي ‪ -‬إلى اختالف املذاهب»(شعراء الغري)‪ .‬ليس االعتراض على أن الرئاسة بيد فالن من املذهب‬ ‫الفالني‪ ،‬إنما االعتراض عليه فكرا وتطبيقا‪ .‬لكن للمذهب عذر ينفعه!‬

‫‪66‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬

‫العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬

‫اشرتك اآلن‬ ‫واحصل على‬ ‫نسختك الورقية‬

‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫د‪� .‬سالح ال�سعيبي‪ :‬دور حوكمة ال�سركات يف مواجهة التحديات بال�سعودية‬ ‫ريت�سارد كرامير ومايا اأوتارا�سفيلي‪ :‬الآثار اجليو�سيا�سية لأزمة اأوكرانيا‬ ‫�سالم الكواكبي‪ :‬بعد دخول الأزمة ال�سورية عامها الرابع‪ ..‬روؤية نقدية‬

‫‪‬‬

‫للحصول على العدد‬ ‫اسـتخـدم هاتفــك‬ ‫ال ــذكي لـمــسح‬ ‫هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم‬ ‫‪04‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪Issue 1594 - April 2014‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬


‫كتب‬

‫وأمثال تثير اإلعجاب‪ ،‬تحكي عن تجربته وخبرته في صروف الحياة‪ ،‬وما‬ ‫زال الناس يضربونها مثال ويروونها حكمة‪ .‬وال يدرون أن قائلها سكن‬ ‫القلوب قبل العقول‪ ،‬ورقص الفكرة على (حس الطار)»‪.‬‬

‫الخنساء وموضي البرازية‬

‫‪,,‬‬

‫االحتكاك‬ ‫بالشعوب‬ ‫والتجوال‬ ‫بني الحواضر‬ ‫والجلوس مع‬ ‫امللوك واألمراء‬ ‫أعطى لألعشى‬ ‫زخما معرفيا‬ ‫وثقافة غزيرة‬ ‫ولذلك جاء‬ ‫شعره مليئًا‬ ‫باملفردات‬ ‫األعجمية‬

‫‪,,‬‬

‫‪64‬‬

‫عنوان الضفيرة السادسة «ديك الخنساء وحمامة موضي البرازية»‬ ‫من يقرأ منت ه��ذا النص‪ ،‬سيلحظ أن عنوانه امل��وج��ود في الكتاب «ديك‬ ‫الخنساء وموضي البرازية» وقع فيه سقط طباعي‪ ،‬لذلك أعدت ملوضي‬ ‫حمامتها؛ فموضي فيما كتبه عنها املؤلف‪ ،‬لم تصاحب ديكا كما الخنساء‪.‬‬ ‫نظم املؤلف الخنساء وموضي البرازية في لؤلؤة واحدة‪ ،‬لصفة مادية ‪ -‬أوال‬ ‫ تجمع بينهما أال وهي الجمال وطول القامة‪ .‬وقد عيرهما بعض الرجال‬‫ملا زهدتا فيهم بطول قامتيهما‪ ،‬فشنعتا عليهم بقصر قاماتهم‪ ،‬وتغنيا‬ ‫بمزايا القوام الطويل‪.‬‬ ‫وثانيا‪ ،‬ثمة سمة مشتركة في شخصيتهما‪ ،‬فكالهما كانتا ذواتي بأس‬ ‫شديد‪ ،‬ومجبولتني على روح التحدي‪ ،‬فنافستا الرجال وغالبتاهم‪ ،‬فتفوقتا‬ ‫عليهم‪ .‬وثالثا‪ ،‬كالهما جوبهت بموقف شعري ذكوري‪ ،‬أسخط الشعراء‬ ‫والنقاد والدارسني أن تكونا في شعرهما صنوا لفحول الشعراء‪ ،‬وفي‬ ‫شخصيتهما ندا للطراز املميز من الرجال‪.‬‬ ‫كان أول الخيط في هذه اللؤلؤة املنظومة ديك الخنساء الذي اتخذت منه ‪-‬‬ ‫كما يقول املؤلف ‪ -‬خليال تبدي له من أحزانها شجنا صباحيا‪ ،‬ونواحا‬ ‫ليليا‪ .‬وحمامة سمعتها موضي تغرد على جريد نخل حني كانت تتلوى‬ ‫من األلم بعد أن ألهب العبد سالمة جسدها بالسوط‪ ،‬بجريرة أنها صدحت‬ ‫بشعرها غ�ن��اء ف��ي أن��دي��ة ال�ق��وم! فموضي ح�ين سمعت الحمامة تغني‬ ‫أسرعت تحبو على ركبتها إلى النخلة‪ ،‬ورفعت رأسها إلى جريد النخل‪،‬‬ ‫مناجية الحمامة شعرا‪ ،‬مشفقة فيه عليها‪ ،‬بما مضمونه‪:‬‬ ‫«وي�ل��ي! إن سمعك س�لام��ة‪ ،‬ع��اد ليسومك س��وء ال�ع��ذاب‪ ،‬فيبكيك مثلي‪،‬‬ ‫وينتف ريشك‪ ،‬ويخنق غناءك السماوي»‪ ،‬مختتمة هذه املناجاة بتوجيه‬ ‫النصح لها بـ«أن ترحل إلى بالد أخرى‪ ،‬تحفظ فيها الكرامة‪ ،‬ويحترم الفن‪،‬‬ ‫فديارها أهلها فيها غرباء‪ ،‬عمائمهم منكسة‪ ،‬وحقوقهم مبخوسة‪ ،‬ديار‬ ‫صار العبد فيها سيدا‪ .‬والسيد طريدا ومشردا»‪.‬‬ ‫قد ال يخفى على البعض أن التركيب أو املزج أو التأليف أو النظم يكون‬ ‫عاديا حني يتم بني شيئني أو كيانني أو كينونتني هما‪ ،‬أصال‪ ،‬متماثالن‬ ‫في الصفات والسمات واللون وامل��زاج أو الطبيعة‪ ،‬فاألمر في هذه الحالة‬ ‫ال يحتاج إال لشيء من اللحم أو الرتق أو السبك أو الجبر أو التنسيق أو‬ ‫الوصل البسيط‪.‬‬ ‫أم��ا ف��ي حالة أخ��رى‪ ،‬وه��و أن العمل ال��ذي أش��رن��ا إليه بأسمائه املختلفة‬ ‫(التركيب‪ ،‬املزج‪ ،)...‬يتضمن عنصري اختالف جذري‪ ،‬فإن ذلك يكسبه‬ ‫ملعانا ويمنحه بريقا‪.‬‬ ‫واللؤلؤة التي نصفها الخنساء ونصفها اآلخ��ر موضي البرازية‪ ،‬جاء‬ ‫مل�ع��ان�ه��ا وب��ري�ق�ه��ا م��ن ك��ون�ه�م��ا م��ن م��زاج�ي�ن م�ت�ض��ادي��ن وم ��ن مذهبني‬ ‫متناقضني‪ ،‬فالجدة الخنساء كانت باكية نائحة ومتشائمة وسوداوية‬ ‫وعاشقة للموت‪ ،‬ومنها ‪ -‬كما يرى املؤلف ‪ -‬استمد املعري عشق املوت‪.‬‬ ‫بينما الحفيدة موضي البرازية كانت ضاحكة ومرحة وطروبا ومتهكمة‬ ‫ومغرمة بحب الحياة‪.‬‬ ‫يبحث املؤلف في تاريخ موضي فيقول‪« :‬في زمن الرواية الشفهية تختلط‬ ‫األزمنة‪ ،‬ويصعب تحديد التاريخ‪ ،‬ويضيع عام الوالدة ترجيحا‪ ،‬وتصبح‬ ‫سني الوفاة حتى ال زمنيا وطنا تاريخيا»‪.‬‬ ‫لذا اختلف الباحثون حول الفترة الزمنية التي عاشت فيها موضي‪.‬‬ ‫أهي عاصرت الدولة السعودية األولى (‪1233 - 1157‬هـ) أم الدولة الثانية‬ ‫(‪1308 - 1240‬ه�ـ) أم تراها لحقت على بدايات الدولة الثالثة (‪1319‬ه�ـ)؟‬ ‫والبعض يؤكد بعد املقارنات الشعرية للحدث الزمني أنها عاشت في فترة‬ ‫الدولة السعودية الثانية‪.‬‬ ‫يعرف املؤلف بموضي‪ ،‬فيقول‪« :‬هي موضي بنت أبو حنايا البرازي من‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫قبيلة مطير‪ .‬شاعرة من أشهر شاعرات العامية‪ ،‬جاءت تمردا على قوانني‬ ‫املكان وأعراف البادية وتقاليد السلطة‪ .‬شعرها يمتاز باملتانة وقوة املعاني‬ ‫وجزالتها‪ ،‬وجرأة العبارة‪ ،‬والتغني بالبطوالت والحث على بلوغ محامد‬ ‫األم��ور‪ ،‬وكذلك بنقد الذع يتساوى فيه الكل‪ ،‬قبيلتها والقبائل األخرى‪،‬‬ ‫الحلفاء واألعداء‪ ،‬عقيد القوم وحقيرهم‪.‬‬ ‫دخلت في نقد املجتمع الذي تحكمه عادات وتقاليد ومحافظة دينية مذهبية‬ ‫شديدة الصرامة‪ ،‬رافضة بعض عاداته متمردة على قسوة أعرافه مناكفة‬ ‫متدينة‪ ،‬فكان لها السبق ف��ي ه��ذا امل�ي��دان ال��ذي ل��م تمخره ام��رأة قبلها‪،‬‬ ‫وأضحت رمزا لنساء الجزيرة‪ .‬فكشفن الصمت وقارعن العقوق بغالب‬ ‫الحقوق»‪.‬‬ ‫قد يشد بعض القراء فضول إلى معرفة أي نوع من األزواج تفضل امرأة‬ ‫جبارة وفذة كموضي‪ .‬وقد أطلعنا املؤلف على هذا الجانب من حياتها‬ ‫الذي سجلته شعرا‪ ،‬فيقول‪« :‬تزوجت موضي (حجول) أحد فرسان القبيلة‬ ‫وشجعانها‪ ،‬ذو الفراسة والقيافة‪ ،‬كان مضرب مثل بفروسيته ومعرفته‬ ‫بمتاهات الصحراء وأفالك املتاهات‪.‬‬ ‫لم يطب ملوضي املقام معه‪ ،‬مع أنها الشاعرة التي تتفاخر بأمجاد القبيلة‪،‬‬ ‫وتشيد بشجعانها‪ ،‬وتقدر فروسية‪ ،‬املعارك وإباء الرجال‪.‬‬ ‫فالزوج أولى أن يكون فارس فراش ال فارس طعان‪ ،‬وهذا الشيء لم تره في‬ ‫حجول‪ ،‬فيوم عندها وباقي األشهر في ميادين الغزو والغارات والثأر‪ ،‬ال‬ ‫تراه إال مثار نقع فوق رأسها‪ ،‬كانت تطلب منه الطالق فيرفض حتى بلغ‬ ‫الصبر منه حدا‪ ،‬هجته فيه‪ ،‬فطلقها‪.‬‬ ‫اختارت زوجا على هواها‪ ،‬ابن حالل ليس له في العير وال في النفير‪ ،‬من‬ ‫أبناء عمومتها يمتهن الرعي ويجيد الحب‪ ،‬عاشت معه في دفء ومودة لم‬ ‫يؤذها يوما حتى وال بـ(ال) جوابا للسائل املتحكم‪ ،‬مطالبها أوامر يتبعها‬ ‫(سمي)‪ ،‬وتناديه دوما‪ :‬يا شوق‪.‬‬ ‫ه��ي العارفة بمعادن ال��رج��ال‪ ،‬فراستها تفترسهم ف� ْ�رس��ا‪ ،‬فلكل مجال‬ ‫وناحية رجال‪ ،‬وهي الرحالة الخبيرة بثعالب الصحراء‪ ،‬اختارت ولخيارها‬ ‫أسباب ترد بها على أختها (بنا) التي تفاخرت عليها بزوجها‪ ،‬وبغلبة‬ ‫معالية على زوج موضي منقصة من قدر (شوق) موضي‪.‬‬ ‫أجابتها‪ :‬وهل يخفى علي مناعيرك (شجعانك) فأنا بهم أخبر‪ ،‬وأريدهم‬ ‫مثلك‪ ،‬لكن للطعان فرسان وللعناق فرسان‪ ،‬إنما أبعدني عنهم صلف‬ ‫طبعهم وخشونة معشرهم‪ ،‬وشوقي أريده بجنبي يفيقني صبحه ويدفيه‬ ‫ليلي‪ ،‬يناديني بعذب ال�غ��زل‪ ،‬غايته خدمتي وطاعتي‪ .‬ال كمثل فارسك‬ ‫تنتظرينه شهورا فيعود إليك جراحا أو كفنا‪ ،‬وإن عاد صحيحا فحديثه‬ ‫جلمود صخر‪ ،‬ووقته يقضيه بني أضيافه‪ ،‬أو رفقة سمره‪.‬‬ ‫ما هو بخافيني رجال الشجاعة‬ ‫وديهم بس املناعير صلفني‬ ‫أريد مندس بوسط الجماعة‬ ‫يرعى غنمهم والبهم والبعارين‬ ‫إذا نزرته راح قلبه رعاعة‬ ‫يقول ياها في الحشا وش تبغني»‪.‬‬ ‫يقارن املؤلف ديك الخنساء بحمامة موضي‪ ،‬فيقول‪« :‬ديك الخنساء ليس له‬ ‫من الحمام غير الريش‪ ،‬ال يذكر بحبيب‪ ،‬وال يعزي بفقيد‪ ،‬وال يعرف أصول‬ ‫الغزل‪ ،‬بصوته يزعج النيام مبددا سكرة املنام‪ ،‬متباهيا بصياحه‪ ،‬معلنا‬ ‫ذكورية الصباح‪ .‬موقظا شجى وأح��زان الخنساء مؤذنا ببدء نواحها‪،‬‬ ‫وبسيل دمعها الذي ال يوقفه إال نومة املحزون مع خشوع الليل»‪.‬‬ ‫ه��ذا ال��دي��ك ال��ذي ات�خ��ذت��ه الخنساء خليال ت�ب��دي ل��ه م��ن أح��زان�ه��ا شجنا‬ ‫صباحيا‪ ،‬ونواحا ليليا‪ ،‬يؤكد املؤلف أمرا عجيبا يفعله‪ ،‬وهو أنه يصغي‬ ‫«إليها غير نافش ريشه كبرياء ‪ -‬كعادته ‪ -‬فهو بحضرة الخنساء‪ ،‬قطب‬ ‫نحابة الصحراء»!‬ ‫إنه يسعنا وصف الكتاب من حيث الشكل وهو أنه كتاب يتقاسمه شجن‬ ‫حزين وإيقاع راقص‪ .‬أما من حيث املضمون ففيه جدة وطرافة‪ ،‬والجاذب‬ ‫فيه أنه جمع بني البحث التاريخي واإلبداع اللغوي في إهاب واحد‪ ،‬ولنا أن‬ ‫نقول عنه إنه أول كتاب كرس في جزء منه لقضية التناص بني الشعر‬ ‫العامي والشعر الفصيح <‬


‫األعشى وابن لعبون‬ ‫عنوان الضفيرة الخامسة «األعشى وابن لعبون‪ ..‬سيرة الكأس وأحاديث‬ ‫الطرب»‬ ‫يستقبل املؤلف في مفتتح هذا النص األعشى‪ ،‬ويلقي بني يديه كلمة متدفقة‬ ‫في شعريتها ومنسابة في غنائيتها‪:‬‬ ‫«ه��و ال�ك��اس ينساب أعشائيا يماميا‪ ،‬يتمايل مترنحا ح��ام�لا أه��ازي��ج‬ ‫املسافات وحكايات األماكن‪.‬‬ ‫من قرية (منفوحة) يلتحف (السباسب) إلى بالط كسرى وقصور روما‪،‬‬ ‫شوقا لكعبة نجران‪ ،‬ومعاصر اليمن‪ ،‬موقظا بـ(صنجة) أفيال النجاشي‬ ‫غربا‪ ،‬وشرقا مراقصا جواري كابل والترك الشغاميم‪.‬‬ ‫األعشى ترحال االتجاهات‪ ،‬سيرة الكأس بنشوة وحياة‪ ،‬عصر الشعر‬ ‫أعنابا منتبذة وخمورا معتقة‪ .‬دقت نواقيس كنائس اليمامة إيذانا بميالد‬ ‫إمام الخمر‪ ،‬وسيد املجون والخالعة وعراف التهتك‪ ،‬أبي الشعر املغنى‪،‬‬ ‫صناجة العرب‪ :‬أعشى قيس‪.‬‬ ‫من بساتني النخيل وأغ�ص��ان السدر املتدلية على ج��دران بيته الطيني‬ ‫املتهدم‪ ،‬غنته (منفوحة)‪ ،‬ورثته جوارح الطير وأليفها بني ضفتي وادي‬ ‫حنيفة إلى واد العقيق‪ ،‬زحفت الرياض خانقة قبره عابثة برطوبته‪ ،‬فجف‬ ‫واختفى‪ ،‬تحت أطنان الحديد وجبروت الخرسانة‪.‬‬ ‫هم الشعراء يعمرون املدن والقرى‪ ،‬كحمامة الدوح يبنون القصور أبياتا‬ ‫شعرية‪ ،‬وينسجون ال�ص�ح��ارى خياما على ع�م��ود الشعر‪ .‬ت��رك ال��زرع‬ ‫والضرع وأسرج الريح تطوافا للخمر حبا وفداء عند أبواب الحانات‪ ،‬وصال‬ ‫وجال بني املدائن والقرى والبوادي فارسا مدججا بالصهباء والشمول‬ ‫و(ال��زق) و(ال��دن) والشالشيل وأشاوس الندماء‪ ،‬فاتحا حوانيت الشهوة‬ ‫والنغم‪ ،‬رافعا كؤوس الوجود بني الصدور‪ ،‬حاميا خباء اللذة من الفناء‬ ‫ومشرعه للعبث والجود‪ ،‬محررا كل معتقة من أسر الدن وجور الحداد‪.‬‬ ‫‪ ...‬عقر النسيب في خمارة بني ساقيات وقينات‪ .‬ما تلك الالتي تغزل بهن‬ ‫إال قينات يطربنه عزفا وجواري يسقينه ماء الحياة‪ ،‬ويزلن العشى عن‬ ‫عينيه بتلمس أعناقهن‪ ،‬وغرس أنفه بني ترائبهن‪ .‬وذلك الردف الذي على‬ ‫اهتزازه يقرع الطبل‪ .‬وتلك الخصور التي من هول أمواجها تصدح أوتار‬ ‫العود‪ ،‬جعلت األعشى في عتمة الليل بصيرا‪ .‬األطالل رسم يزول ويهجر‪،‬‬ ‫والحانة تبقى وتعمر‪ ،‬دار معاد ال يهجر‪.‬‬ ‫هو العشق إذن للمكان بما يحويه‪ ،‬هو املجد الذي ابتغاه سائال مستنذال‬ ‫من أجله‪ ،‬ملهبا ظهور (العيس) سياطا ال يستريح حتى تناخ (عتريسته)‬ ‫أمام حانة (هريرة)‪ ،‬وخباء (األزيرق)‪.‬‬ ‫أقام للخمر معبدا شعريا جاعال إياه غرضا أساسيا‪ ،‬فأصبح األخطل‬ ‫مريدا والنواسي تابعا»‪.‬‬

‫يقدم املؤلف في هذا النص بعض اللمحات عن تاريخ اليمامة‪ ،‬بحكم أنها‬ ‫موطن األعشى ومعلومات عن أصناف الخمور التي ذاقها األعشى في‬ ‫موطنه وفي العراق وفي بالد فارس والشام وأفغانستان واليمن والحبشة‪،‬‬ ‫وعن الغناء والرقص في تلك البلدان‪ .‬ويقدم ملحة عن الزبير التي عاش ابن‬ ‫لعبون فيها وعن الصراع السياسي بني األسر الحاكمة في هذه املدينة‬ ‫الذي كان فيه ابن لعبون فيه منحازا إلى آل زهير‪.‬‬ ‫يرى املؤلف أن االحتكاك بالشعوب والتجوال بني الحواضر‪ ،‬والجلوس مع‬ ‫امللوك واألمراء والسادة من العجم والعرب‪ ،‬أعطى لألعشى زخما معرفيا‬ ‫وثقافة غزيرة وأفقا رحبا‪ ،‬يتعدى سماء الجزيرة‪ ،‬وبسبب هذا «جاء شعره‬ ‫مليئا باملفردات األعجمية والطقوس الدينية واملعرفة باألديان والقصص‬ ‫والحكايات األسطورية»‪.‬‬ ‫وفي أثناء حديثه عن محمد بن لعبون املولود في قرية ثادق سنة ‪1790‬م‬ ‫واملتوفى في الكويت سنة ‪1831‬م‪ ،‬يقدم إضاءات حول تاريخ أسرته وبلدة‬ ‫حرمة الواقعة في إقليم سدير التي عمرها جده الثاني‪ ،‬والزبير التي عاش‬ ‫فيها‪ ،‬ويبسط القول في أصول الغناء الخليجي وأنواعه الرتباطه بشعر‬ ‫ابن لعبون‪.‬‬ ‫يقول املؤلف‪« :‬عند ظهور دع��وة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رفضت‬ ‫معظم القرى والبلدات الدخول فيها‪ ،‬ال رفضا للتوحيد ونقائه‪ ،‬فالقوم‬ ‫جلهم حنابلة‪ ،‬ولكن رفضا للتوحد في ظل إمام واحد وأسرة واحدة‪ ،‬فكل‬ ‫منهم يريد أن يكون أميرا وحاكما على بقعته الصغيرة‪ .‬هذا هو العامل‬ ‫الرئيس‪ ،‬أما العوامل األخ��رى‪ ،‬تتعلق بمسلك الدعوة في فرض السلوك‬ ‫القويم بالقوة ال بالحسنى‪ ،‬وخالفات أخرى هامشية مع مفهوم التوحيد‬ ‫كما يراه الشيخ محمد بن عبد الوهاب‪ .‬وكانت الخالفات أمرا يذكى‪ ،‬كي‬ ‫ال يتم توحيد البالد تحت راية واحدة‪ .‬ودليل ذلك أن أهل تلك البلدات من‬ ‫إقليم سدير عندما نزحوا إلى بلدة الزبير حملوا معهم نجدا بعاداتها‬ ‫وأعرافها ومذهبها الحنبلي وصراع أسرها على إماراتها»‪.‬‬ ‫ويورد ملحوظة بخصوص الزبير‪ ،‬التي يقول عنها إنها بوابة نجد على‬ ‫العراق وبوابة ابن لعبون على الحب‪ ،‬مفادها أن الزبير «كانت حنبلية لكنها‬ ‫متسامحة‪ ،‬املذاهب فيها متآلفة واالختالف لم يكن مطروقا ومطروحا‪،‬‬ ‫فاملدينة التجارية ‪ -‬والزبير كانت هذه املدينة ‪ -‬خليط من األفكار واألجناس‪،‬‬ ‫دكاكينها مسرح للوئام‪ ،‬وبضاعتها االندماج والتصالح»‪.‬‬ ‫و«ف ��ي ال��زب�ي��ر ن�ب��غ محمد وذاع ص�ي�ت��ه‪ ،‬خ��ال��ط أن��اس��ا ج ��اءوا م��ن جميع‬ ‫االتجاهات‪ ،‬وكانوا مختلفي التوجهات واللغات واللهجات‪ ،‬فازداد ثقافة‬ ‫على ثقافته التقليدية‪ ،‬وص��ار أكثر انفتاحا ووعيا بالبيئة التي اختار‬ ‫العيش فيها»‪.‬‬ ‫ويشير إلى أنه متأثر بالشعر العربي القديم‪ .‬وهذا التأثر ‪ -‬كما يقول ‪ -‬بمن‬ ‫سبقه جلي من خالل تضميناته الشعرية‪.‬‬ ‫ويحدد نسبه في الشعر العامي بأنه «ينحدر من مدرسة محسن الهزاني‪.‬‬ ‫فهو متأثر بإيقاعاته الشعرية وغ��زل��ه الفاضح ال��ذي يتناول مغامراته‬ ‫النسائية وتفاصيلها الحميمة‪ .‬فمعظم قصائده تأتي على (املربوع) الذي‬ ‫برع فيه الهزاني‪ ،‬وأخذ كذلك عنه لحن السامري‪ ،‬فطوره وزاد عليه‪ ،‬ناقال‬ ‫إياه من الصوت والدف والتصفيق إلى طور العود واملرواس والكمنجة»‪.‬‬ ‫يصف املؤلف دهر ابن لعبون بأنه «غزل وتشبيب ونسيب‪ ،‬يرق له العاذل‬ ‫والحبيب‪ ،‬ومع اعتداده بنفسه‪ ،‬وكماله املظنون‪ ،‬فإن خطو قدمي امرأة‬ ‫وصوت خلخال فتاة من بعيد‪ ،‬يفز قلبه وترتعد حواسه منه‪ .‬يفزه قافال‬ ‫من مجالس الرجال إليه من دون حياء‪ ،‬وال استئذان‪.‬‬ ‫سار في دروب اللهو يتصيد أماكن الطرب‪ ،‬ويرسم قصائده على أوزان‬ ‫الوتر‪ ،‬أجاد العزف على الربابة‪ ،‬وبنى أوزانه الشعرية على وترها‪ ،‬وكان‬ ‫يضرب على العود ويجيد الغناء‪ ،‬أعطى لربابته اس��م (فريجة) نادمها‬ ‫وشكا لها أشجانه‪ .‬كان صريح الغزل‪ ،‬كاشف ستر الغواني‪ ،‬ذواقا مجاهرا‬ ‫بغزواته وسكره يأتي من صافي أرياقهن‪ .‬تجد في شعره بعضا من‬ ‫املفردات التركية والفارسية والهندية»‪.‬‬ ‫ويقول عنه‪« :‬هذا الشاعر العاشق للحياة الثمل بالطرب‪ ،‬الواهب للحسان‪،‬‬ ‫غيث القصائد‪ ،‬العازب من أجلهن حتى راح العمر‪ ،‬الساكب في فناجينهن‪،‬‬ ‫أماني من عبث ووعود من سراب‪ ،‬ال تخلو قصائده من حكم تدير الرأس‪،‬‬

‫‪,,‬‬

‫كان محسن‬ ‫الهزاني ذا‬ ‫نزعة تجديدية‬ ‫فأدخل الجناس‬ ‫على الشعر‬ ‫العامي وطور‬ ‫بحر املسحوب‬ ‫وأشهره حتى‬ ‫اعتمده الشعراء‬ ‫في نظمهم‬ ‫وشعرهم‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪63‬‬


‫كتب‬

‫‪,,‬‬

‫تعد موضي‬ ‫البرازية‬ ‫شاعرة من‬ ‫أشهر شاعرات‬ ‫العامية‬ ‫جاءت تمردا‬ ‫على قوانني‬ ‫املكان وأعراف‬ ‫البادية‬ ‫وتقاليد‬ ‫السلطة‬

‫‪,,‬‬

‫‪62‬‬

‫ثم يضيف شارحا‪« :‬الحج عند عمر بن أبي ربيعة ليس موسما للعبادة‬ ‫وحسب‪ ،‬بل أيام وأعراس للجميالت الالتي تقاطرن من كل فج عميق‪ ،‬حفلة‬ ‫يعرف فيها للجمال ويترك للعني فيها حرية التجوال بني أزهار حدائق‬ ‫الرحمن‪ ،‬ويسمح للسان بهتك سر األسرار‪ ،‬بوحا بما يحتمل داخل النفس‬ ‫والوجدان‪ .‬يصفهن من مفرق الشعر إلى أذيال الثياب‪ ،‬فيجسد أمام أعيننا‬ ‫لوحة رسمت بريش الكالم إط��اره��ا ال�ك��ون‪ ،‬وتاريخها ال يحده الزمان‪.‬‬ ‫صورة تسلب عقول الشباب‪ ،‬وتعيد للعجائز وهج الصبا والتصابي»‪.‬‬ ‫عمر بن أبي ربيعة‪ ،‬كما يقول املؤلف‪ ،‬شاعر املرأة والغناء‪ ،‬دخل إلى حيث‬ ‫تريده املرأة أن يدخل‪ .‬تغزل فيها ووصف جسدها فانتشت طربا‪ ،‬واهتزت‬ ‫أردافها فخرا‪ .‬ربط بني الشعر والغناء بعقد من العشق للطبيعة واملرأة‪،‬‬ ‫فصنع شعره ال ينشد محفليا‪ ،‬بل ليغني طربا صاغه على أنغام العود‬ ‫ونبض أوتاره وزفير املزامير‪ ،‬ورقص أصابع عازف على عيون الناي‪ .‬ال‬ ‫شيطان شعر زاره‪ ،‬وال أناخ يوما بوادي عبقر ركابه‪ .‬كان مع نعم الطبيعة‬ ‫وصدى الوتر‪.‬‬ ‫‪ ...‬هو مرحلة تحول في الشعر العربي‪ .‬هجر األط�لال لم يقف بها‪ ،‬ولم‬ ‫يصف الخمر ومجالسها‪ ،‬ولم يجن من العشق‪ .‬كان يعشق بعقله ال بقلبه‪،‬‬ ‫بشهوته ال بمشاعره‪ ،‬وهذا الفرق بينه وبني العذريني‪ .‬أعطى للشعر غرضا‬ ‫واحدا‪ ،‬هو الغزل وبنى القصيدة‪ ،‬امرأة مشتهاة‪.‬‬ ‫يقدم املؤلف تعريفا بالهزاني هو كاآلتي‪« :‬أما محسن بن عثمان الهزاني‪،‬‬ ‫شاعر من كبار شعراء العامية‪ .‬ولد في النصف األخير من القرن الثاني‬ ‫عشر الهجري‪ ،‬وتوفي سنة ‪ .1805‬تقريبا في (الحريق)‪ .‬وهي قرية من‬ ‫قرى نجد»‪.‬‬ ‫أما إنه «ولد من بيت شرف ونسب‪ ،‬أمير ابن أمير‪ ،‬ذو مال وجاه وجمال‪،‬‬ ‫نام على النعيم من صرخته األولى إلى شهقته األخيرة‪ .‬كان فاتكا يخشاه‬ ‫الرجال‪ ،‬وجميال تهواه النساء‪ .‬ترك اإلمارة وهوى السلطة‪ ،‬من أجل هوى‬ ‫حسان الوجوه‪ ،‬وولعا بوتر ونغم ربابة فوق كومة رمل في ليلة بدرية‬ ‫ضوءها سهر ونسيمها طرب‪ ،‬يتناغم العود مع صوت الطبيعة‪ ،‬مكونا‬ ‫لحنا أبديا تصغي له النجوم‪ ،‬وتتجه نحو قطعان السحاب‪.‬‬ ‫يدخل الصوت شجيا أذن الجسد‪ ،‬فيطير الجسد مع ارتفاعه (جوابا)‬ ‫ويهبط مع انخفاضه (ق��رارا) منفصال عن الزمن‪ .‬يصبح زهرة عوسج‬ ‫تالعب ظالها‪ .‬وريشة في األعالي تغازل بازا‪ .‬يجول الصوت في الصحراء‪،‬‬ ‫تهديه الريح لألشجار فينتقل بني شجيرات الصمود واملواعيد‪ ،‬حامال‬ ‫حفيفها وحكايتها‪ ،‬مكونا لحنا آخر يدخل مع اإلنشاد الذي يقفز على‬ ‫األغصان‪ ،‬ويطير مع مناقير قمري الحمام من قرية إلى قرية إلى ما وراء‬ ‫حدود األنهار‪.‬‬ ‫اشتهر بالغزل‪ ،‬فصار مثاال ملنتهى الغزل‪ ،‬فقيل ملن نظم غزال‪( :‬لو كنت‬ ‫محسن)‪ .‬واشتهر بالغرام‪ ،‬فصار كلما رزق رجل فتاة جميلة وبشر بها‪،‬‬ ‫صرخ قائال‪( :‬ويلي من محسن)‪.‬‬ ‫إن في شعره ثراء لغوي ومعرفي‪ ،‬تسمع فيه امرأ القيس وجميل بثينة‬ ‫واملتنبي‪ .‬شعر فصيح لكنه بلسان عامي»‪.‬‬ ‫يزيدنا تعريفا بقيمة الهزاني وأهمية شعره في الشعر العامي‪ ،‬فيقول‪:‬‬ ‫«ك��ان الهزاني ذا نزعة تجديدية‪ ،‬ف��أدخ��ل الجناس على الشعر العامي‪،‬‬ ‫وطور بحر املسحوب وأشهره حتى اعتمده الشعراء في نظمهم وشعرهم‪،‬‬ ‫فاستبد بحر املسحوب بأكثر الشعر العامي‪ .‬وكانوا من قبل ينظمون‬ ‫على بحر الهاللي‪.‬‬ ‫وأدخل نظم (املربوع) على الشعر العامي‪ ،‬مظهرا براعته جناسا وطباقا‪.‬‬ ‫ملونا الشعر العامي بلون زاه بهيج‪ ،‬متالعبا بألفاظه بديعا ومعاني‬ ‫وزخرفة ورونقا‪ ،‬وبدأت أوزان وموسيقى الشعر العامي مرحلة جديدة‬ ‫من التطور‪ ،‬ألفاظه خفيفة رشيقة‪ ،‬سهلة القراءة‪ ،‬صيغت على وتر الربابة‬ ‫وإيقاعات السامري‪.‬‬ ‫إن لديه روحا قصصية نجدها في الحوار بينه وبني فتياته‪ ،‬أو في حديثهن‬ ‫عند الغدير عنه أو في نصح عجوز لفتاة همست باسمه‪ ،‬فحذرتها من‬ ‫الوقوع في سحر كالمه‪ ،‬وفتنة بهائه»‪.‬‬ ‫يقول املؤلف‪« :‬إذا ك��ان عمر بن أب��ي ربيعة يذهب في جميع االتجاهات‬ ‫وينطلق من مكة إلى (الكريد) يتلقى الشاميات وإلى (ذات عرق) ينتظر‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫سار الشاعر ابن لعبون في دروب اللهو يتصيد أماكن الطرب ويرسم قصائده‬ ‫على أوزان الوتر أجاد العزف على الربابة وبنى أوزانه الشعرية على وترها‬

‫ال�ع��راق�ي��ات‪ ،‬وإل��ى (م��ر) يستقبل امل��دن�ي��ات‪ ،‬وإل��ى (ق��رن امل �ن��ازل) يلتقي‬ ‫النجديات‪ ،‬سهم حب يفتح القلوب وال يغلقها يلوح لهن بيديه وبعودي‬ ‫صاحبيه العريض وابن سريج‪ ،‬يلبي معهن حتى يصلن مكة‪ ،‬فإن محسن‬ ‫لم يعن نفسه وعثاء السفر‪ ،‬وجهد القفز على ظهر فرس والتعلق بحبال‬ ‫هودج‪ ،‬وتسلق قمم الجبال متعلقا بأكتاف األصحاب‪ .‬بل كان يقعد عند‬ ‫باب بيته هنيئا‪ .‬عني على فنجان قهوة وعني ترقب قوافل الراحلني إلى‬ ‫مكة‪ ،‬وما إن تغيب رؤوس الجمال وتلج القافلة في السراب‪ ،‬حتى تناديه‬ ‫األي��ادي‪ :‬هيا أقبل نعانق‪ ،‬ونفرش النمارق‪ ،‬وترقص األرج��ل املخدنجة‬ ‫املحجلة‪ ،‬ويرفع محسن صوته ملبيا‪ ،‬فقد بدأت مشاعر حجه في بيوت‬ ‫موردات الخدود‪ ،‬وفي مضارب نجل العيون»‪.‬‬ ‫جاء اجتماع عمر بن أبي ربيعة بمحسن الهزاني‪ - ،‬كما يروي املؤلف ‪-‬‬ ‫على النحو اآلتي‪:‬‬ ‫«في ليلة غاب قمرها ونامت نجومها‪ ،‬كان محسن متوسدا سرجه في‬ ‫قرن املنازل‪ ،‬وقد هجعت عينه‪ ،‬وعندما أفاق‪ ،‬رأى فرسا نجباء مخضبة‬ ‫بالحناء‪ ،‬عليها قطوع وديباج‪ ،‬وفارسها حسن املظهر‪ ،‬قد أسبل ملته واقفا‬ ‫عند قدميه‪ .‬قال محسن‪ :‬من أنت؟‬ ‫ فقال‪ :‬أشعل نارا ألراك‪.‬‬‫ فأشعل محسن نارا عمرها بالرمث والغضى‪.‬‬‫ قال الفارس‪ :‬أنا عمر بن أبي ربيعة‪ .‬ومن أنت؟‬‫ أنا محسن الهزاني‪.‬‬‫ كأني أرى فيك نفسي أيها املرودن البهي‪ ،‬لوال أن ثنيتك ليس فيها سواد‪.‬‬‫ يد (قويتتي) أحن على خدي‪ ،‬من يد ثرياك على خدك‪.‬‬‫ كانت صفعتها لي قبالت‪.‬‬‫ قبالت أحرقت سويداء القلب‪.‬‬‫ أين أهلك يا فتى‪.‬‬‫ أهلي في نجد‪.‬‬‫ آه كانت لي هنا مع جداتك صوالت وجوالت‪.‬‬‫ وكانت لي هناك مع حفيداتك حكايات وغزوات‪.‬‬‫ أضعت ثريتي من سمائي‪.‬‬‫ وفقد قويتتي من بني يدي»‪.‬‬‫ثم يتحاوران شعرا‪ ،‬ويختم املؤلف نصه بهذا النعي‪:‬‬ ‫«مات عمر ومات محسن‪ ،‬فانقطع الوتر األول واألخير من عود الحياة‪ ،‬وبني‬ ‫هذين الوترين ضاعت النغمة التي تبنت للحب قصورا‪ ،‬وأقامت للحسان‬ ‫أفراحا‪ .‬وإذا كانت األرض وارت جسديهما‪ ،‬فروحاهما نجمتان في السماء‬ ‫تهديان املحبني لدروب الحب والهوى‪ ،‬تلمعان كلما بلغت عذراء‪ ،‬وبان خد‬ ‫خريدة وسط الظالم»‪.‬‬


‫زوجة نمر بن عدوان التي كانت أجمل من تفتح الزهور‪ ،‬وأرق من رذاذ‬ ‫املطر طيبة املعشر كاملة الخصال‪.‬‬ ‫هذا الحزن ال يستمر على وتيرة واحدة إلى آخر العمر‪ ،‬بل يتصاعد مع‬ ‫تساقط السنني‪ ،‬إال إذا كان هناك أمر أكثر مرارة وأملا‪ ،‬نعم ماتت الحبية‬ ‫على يده‪ ،‬وبفعل يديه‪ ،‬عاجلها برصاصة ظانا أنها ابن ليل آت ليسرق‬ ‫فرسه املحبوبة‪ ،‬لم يدرك أن الحبيبة هي التي كانت عند املحبوبة»‪.‬‬ ‫يقول عنه‪« :‬صنع منه الحزن شاعرا كبيرا‪ ،‬حوله من شاعر يطوي البيداء‬ ‫مسابقا فرسه‪ ،‬متغنيا بسيفه ورمحه إلى شاعر رقيق عذب‪ ،‬رفيق حزن‬ ‫وآهات يخاف على الورد من قطر الندى‪.‬‬ ‫نسي أمير البلقاء أم��ور الرياسة واإلم ��ارة‪ ،‬وانشغل عنها‪ ،‬وق��وف��ا عند‬ ‫رسوم ديار الحبيبة‪ ،‬التي رحلت قبل أن يغادر الزغب صدغي طفلتيهما‬ ‫وقبل أن تنسكب خصلة بيضاء فوق حاجبيها‪ .‬ندية اليد‪ ،‬كأن األغصان‬ ‫أخذت منها ليونتها‪.‬‬ ‫بكاها حتى آخر العمر‪ ،‬بكي سنوات الهناء القليلة التي ظنها ستطول‬ ‫معها‪ .‬تمنى أن تمتد إليه يدها‪ ،‬لتهديه وتحميه من عثرات الشيخوخة»‪.‬‬ ‫يقص املؤلف كيف التقى متمم بنمر عبر هذه الحكاية‪:‬‬ ‫كان نمر «عند القبور ينفث دخان غليونه‪ ،‬ويناجي زوجته‪ ،‬يتصل معها‬ ‫بلمس الرمل والحصى‪ ،‬باستنشاق أقاحي الصحراء‪ .‬فذاك الرحيق تطاير‬ ‫من قبرها‪.‬‬ ‫انحنى نمر ليلتقط حجرا‪ ،‬فسمع صيحة حزينة‪ ،‬اقترب منه الصوت‪ ،‬فرأى‬ ‫رجال قوي البنية‪ ،‬أعور العني‪ .‬فقال نمر‪:‬‬ ‫ماذا تريد؟‬ ‫رد عليه وهو ينظر إلى الحجر‪.‬‬ ‫ دع مالك!‬‫ لقد تدحرج من قبر وضحى‪.‬‬‫ إذن ضعه على القبر حتى ال يشعر بالوحشة‪.‬‬‫ أنت متمم‪ ،‬سيد الحزن وراثي العاملني‪.‬‬‫ نعم يا سيد الندم‪ ،‬تهديك وضحى السالم‪ ،‬وتخبرك أنها صفحت عنك‪.‬‬‫ويروي لنا شعرهما الذي تناجيا به عند قبر مالك وقبر وضحى‪.‬‬ ‫تهيج عند املؤلف ذكرى مالك مرة أخرى‪ ،‬فيقول‪« :‬كم هي مأساوية تلك‬ ‫اللحظات األخيرة من حياة مالك‪ .‬كم هي مؤملة تلك األسئلة التي أدارت‬ ‫رؤوس املحاربني‪ ،‬وهزت قلوبهم‪ ،‬فأغمضوا العني عن وهج الحق‪ ،‬وأخفوا‬ ‫دموعهم خوفا من قائدهم‪.‬‬ ‫ومتمم هو الوحيد ال��ذي إذا رأوه أفجعتهم الذكرى‪ ،‬ونزفت ضمائرهم‪،‬‬ ‫وهاجهم ما هاجهم من االستعبار والندم‪ ...‬طارت معظم أعناق القبيلة‪ ،‬لم‬ ‫تشفع لها كلمات الشيوخ‪ ،‬وشهقات األمهات‪ ،‬وبكاء الزوجات‪ ،‬وهمهمات‬ ‫الصغار‪.‬‬ ‫وجاء دور مالك‪ ،‬فوقف صلبا جلدا‪ ،‬فهو سيد في قومه‪ ،‬فارس تعرف‬ ‫الخيول وثبه‪ ،‬وتعرف املعارك جسارته وبأسه‪.‬‬ ‫لم يكن يخاف املوت‪ ،‬فمن خاض الطعان‪ ،‬يدرك أن األجل أقرب من ظله»‪.‬‬ ‫يجمع املؤلف مالكا بخالد بن الوليد‪ ،‬فيسأل مالك خالدا‪:‬‬ ‫ أتقتلني وأنا مسلم أصلي القبلة؟‬‫ أنا مثلك تنهال دموعي في اليوم خمس م��رات‪ ،‬وأستحيي من الله أن‬‫أفعل معصية‪ .‬ويلتفت مالك ‪ -‬ويا ليته ما التفت ‪ -‬فينظر إلى امرأته التي‬ ‫فيها من الجمال ش��ارات وملسات‪ .‬ويقول‪ :‬يا خالد‪ ،‬بهذا تقتلني‪ .‬مالك!‬ ‫بالله كم من (عمر) أبكيت»‪.‬‬ ‫وفي خاتمة النص يحدثنا أنه «صفت في السماء غيوم سوداء‪ ،‬ونعقت‬ ‫الغربان‪ ،‬وناحت حمامات البطاح وتحول الحائط إلى فدفد‪ .‬رحل مالك‪.‬‬ ‫وأي فتى كمالك‪.‬‬ ‫أطلق متمم ونمر صرخة الشجا‪ ،‬فتطاير غبار القبور‪ ،‬ردد صيحتهما‬ ‫متالع وسلمى‪ .‬وانحنت أعشاب القبور ترحيبا بألحان القلوب‪ ،‬وانتفض‬ ‫املوتى وط��ارت أرواحهم مرفرفة فوق رأسي شاعرينا‪ .‬فقد أطربها هذا‬ ‫املديح وهذا الثناء»‪.‬‬

‫عمر بن أبي ربيعة ومحسن الهزاني‬ ‫الضفيرة الرابعة عنوانها «عمر بن أبي ربيعة ومحسن الهزاني‪ ..‬شهوة‬ ‫الكالم ولذة النظر في قرى الحب ووديان الغرام»‪.‬‬ ‫يفتتح املؤلف هذا النص بهذه الكلمات الجذلى الراقصة‪« :‬عندما يذكر اسم‬ ‫عمر بن أبي ربيعة تشدو الحناجر‪ ،‬وتفرقع األصابع وتهتز الرؤوس‪ .‬وتبدأ‬ ‫النشوة تحرك األكتاف‪ ،‬والخطوة تتبع الخطوة‪ ،‬واأليادي تتراقص كأجنحة‬ ‫النعام في مبارزات الحب والزواج‪.‬‬ ‫لم تكن بداية الغناء مع (ال�ج��رادات��ان) ومضر بن ن��زار‪ ،‬وليست (وإي��داه‬ ‫وإي ��داه) أول موسيقي حلقية ت�خ��رج م��ن ال�ص�ح��راء‪ .‬لقد ب��دأ ال�غ�ن��اء مع‬ ‫أنني الرياح‪ ،‬وصرير العواصف‪ ،‬بمرور الهواء بني األشجار‪ ،‬واصطدامه‬ ‫بالجبال‪ ،‬وعبوره من شقوق الجدران واألبواب‪ ،‬في ذلك التجاذب والتناغم‬ ‫بني الورقة والغصن‪ ،‬بني الصوت والحجر بني القمر واملاء‪.‬‬ ‫بدأ الغناء مع أزيز الرعد‪ ،‬وحني تمر سحابة فوق كثبان الرمل‪ ،‬فيوقفها‬ ‫جمال الطبيعة وصفاء الصحراء‪ ،‬فتمتد لها يد البرق سالما وإعجابا‪.‬‬ ‫إن الغناء ليس فقط عالقة بني كلمة ووتر‪ ،‬يربطهما ببعض حنجرة صادح‬ ‫وص��وت مترنم‪ .‬الغناء تسريب املحسوس‪ ،‬وفيض الالمحسوس‪ .‬حالة‬ ‫من اإليغال في املاضي‪ ،‬تعيده لك صورا تنقلك من مكان إلى مكان‪ ،‬نظرة‬ ‫حاضرة تستشرف الحياة نعمة‪ ،‬وحالة من اشتهاء ما ال يأتي‪ ،‬تغمسك‬ ‫في عوالم خلقتها املخيلة وتوهمتها العني»‪.‬‬ ‫يصيح املؤلف بالصوت عاليا‪ ،‬فيقول‪« :‬ج��ودي يا ري��اح الحج على عمر‬ ‫بالسحر واإلل �ه��ام‪ ،‬فقد لسانه منذ غ��ادر ح�س�ن��اوات ال�ع��رب م�ك��ة‪ ،‬منذ‬ ‫ودعنه عند أستار الكعبة‪ .‬حمل شعره وجد املسير يتبعه رفيقه ومغنيه‬ ‫(العريض)‪ ،‬يباري قوافل الحجاج اآلفلني إلى ديارهم وعيناه ‪ -‬أبدا ‪ -‬ال‬ ‫تفارق خصور نسائهم‪ .‬والعريض يسمعهم لحن الشوق والحب لالئي‬ ‫من أجلهن تنثر ورود األلحان‪ ،‬وعلى ترائبهن تتدلى هبات اإلله‪ ،‬ومن بني‬ ‫أعطافهن تتوالد القصائد‪ .‬يشير عمر بيده مودعا بعدما أخذ منهن مواثيق‬ ‫ال�ع��ودة في املوسم ال�ق��ادم‪ ،‬وشفتاه تتمتمان بآيات ال��رج��اء واألم��ل‪ ،‬بأن‬ ‫يحنن عليه‪ ،‬وينظرن إليه نظرة لقاء‪ ،‬حتى ال تترمل عيناه‪ ،‬ويشكل لسانه‪.‬‬ ‫ابتعد ال��رك��ب وال�ه��وادج تتمايل م��ودع��ة عاشقها‪ ،‬فينوح ع��ود العريض‪،‬‬ ‫كنواح األرض عندما تتفصد عروقها من فقد املطر‪ ،‬ويشيخ وجهها في‬ ‫مواسم الجفاف»‪.‬‬

‫يرى املؤلف أن حميدان الشويعر هو‬ ‫امتداد لسلفه وجده الحطيئة فهما‬ ‫في الفقر سواء وللجوع أوفياء‪ ..‬وفي‬ ‫الصورة مجموعة من أهل البادية‬ ‫يتناول الطعام من إناء واحد‬

‫‪,,‬‬

‫عندما يذكر‬ ‫اسم عمر بن‬ ‫أبي ربيعة‬ ‫تشدو الحناجر‬ ‫وتفرقع‬ ‫األصابع وتهتز‬ ‫الرؤوس وتبدأ‬ ‫النشوة تحرك‬ ‫األكتاف‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪61‬‬


‫كتب‬

‫املمثل ياسر املصري‬ ‫يجسد شخصية نمر بن عدوان‬

‫‪,,‬‬

‫حميدان‬ ‫الشويعر هو‬ ‫أحد املبدعني‬ ‫املجددين في‬ ‫الشعر العامي‬ ‫فقد طعمه بجو‬ ‫من الفكاهة‬ ‫والظرف‬ ‫والسخرية‬ ‫الناقدة‬

‫‪,,‬‬

‫‪60‬‬

‫وأثرت في أخالقيات القرية‪ ،‬وغيرت في طباع النفوس‪ ،‬فنت تستعر وحروب‬ ‫ال تدع وال تذر فنادى ناصحا‪ ،‬وناقدا‪ ،‬وشاهدا‪ ،‬وأزجاهم نهرا من حكم‬ ‫الفاهم العارف‪ ،‬وأمطرهم سهام الفضح واللوم من مثقل بهمومهم‪ ،‬وآسف‬ ‫على مصائبهم‪ ..‬لقد أعطي حميدان قدرة على التحليل‪ ،‬وكشف التضليل‬ ‫ومعرفة ببصائر األم��ور‪ ،‬وكان أكثر ما يثير سخريته أولئك الطامعون‬ ‫بالثراء‪ ،‬وجمع األم��وال وه��م جالسون عند زوجاتهم‪ ،‬ال يغادروهن إال‬ ‫لقضاء الحاجة‪ ،‬وأولئك الشجعان الذين يتابعون األحداث من على سطوح‬ ‫البيوت‪ ،‬ومن وراء ثقوب األبواب!!»‪.‬‬ ‫يسرد لنا املؤلف واقعة لقاء حميدان بجده الحطيئة‪ ،‬فيقول‪« :‬يرى حميدان‬ ‫شبحا نائما تحت شجرة السدر في وادي ذات عرق‪ ،‬يرى ثيابا رثة‪ ،‬ووجها‬ ‫أكله البؤس‪ ،‬فيغبطه على ما فيه من عز وشرف‪:‬‬ ‫ قم أيها املستظل بظله قل لي من أنت؟‬‫فيقوم وقد أعياه الزمان‪ ،‬وآنسه املكان‪:‬‬ ‫ ابن الفقر‪.‬‬‫ إذن نسبنا واحد‪.‬‬‫ أمعك تمرة؟‬‫ جائع يرجو من هالك عظمة‪.‬‬‫ أأنت الحبر الفهيم؟‬‫ نعم أنا التائه بال زاد‪.‬‬‫ حدثني عن (مانع)؟‬‫ أخذته بنت املدينة مني‪ .‬وماذا عن مليكة؟‬‫ جميلة‪ .‬كلما نظرت إليها كسا جمالها قبحي‪.»...‬‬‫ثم يبدءان باملحاورة شعرا وعندما ينتهيان من املحاورة‪ ،‬يلخص املؤلف‬ ‫قصتهما بعبارات مكثفة هي‪« :‬لقد ارتضيا الفقر والجوع‪ ،‬فأضحى الفقر‬ ‫اَّ‬ ‫مسكنا والجوع ملبسا‪ ،‬تغنيا به‪ ،‬وأشادا بأمجاده‪ ،‬وسل الكلمات سيوفا‬ ‫في مواجهة عدويهما األزل�ي�ين (الغنى والبخل)‪ ،‬فأصبح لهما مريدون‬ ‫وسالكون في دروب العوصاء‪ ،‬يحطون ويبطون‪ ،‬يأخذون حقوقهم من‬ ‫جيوب األغنياء‪ ،‬ومن براثن البخالء‪.‬‬ ‫ك��ان الشعر ب��اب رزقهما‪ ،‬وسبيل عيشهما‪ ،‬ال يريان في أخ��ذ العطايا‬ ‫منة أو عيبا‪ ،‬بل حق طالبا به فاستحقاه‪ ،‬وتفضال منهما على صاحب‬ ‫العطاء بقبول عطائه والرضى به‪ .‬كان بإمكانهما أن يصبحا من األغنياء‬ ‫والوجهاء‪ ،‬تمتلئ جيوبهما بالدنانير والبارات بعدد حروف قصائدهما»‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫يحدد لنا مكانته في الشعر العامي في الجزيرة العربية بـ«أنه أحد املبدعني‬ ‫املجددين في الشعر العامي‪ ،‬فقد طعمه بجو من الفكاهة والظرف والسخرية‬ ‫الناقدة‪ .‬كانت بعض قصائده مسرحا يضفي بعض األنس والسرور على‬ ‫تلك النفوس املتعبة‪ ،‬من سعير الحر ولهيب الحروب»‪.‬‬ ‫ويضيف موضحا ميزته وتميزه في هذا الشعر‪ ،‬فيقول‪« :‬أبرز ما يلفت‬ ‫النظر في شعره‪ ،‬قدرته على تحويل اللهجة املحكية اليومية إلى لغة شعرية‪،‬‬ ‫وفكاهته املكحلة بمجون العبارة مع تدينه‪ ،‬والنقد الديني واالجتماعي‬ ‫وال�س�ي��اس��ي ال ��ذي يفتح ن��اف��ذة ل��دراس��ة األح ��وال االج�ت�م��اع�ي��ة واألح ��داث‬ ‫السياسية في تلك املرحلة الزمنية من منظور آخر»‪.‬‬ ‫يقف املؤلف على قبري الحطيئة وحميدان ويناشد التراب الذي ضمهما‬ ‫بالكلمات التالية‪« :‬أيها التراب‪ ،‬يا سيد الطبيعة يا رحم اإلنسانية‪ ،‬لقد عادا‬ ‫إليك‪ ،‬عادا إلى الرحم األول‪ ،‬فكن بهما رحيما رفيقا‪ ،‬وآنسهما كما آنساك‬ ‫أيام الترحال بني جبالك وكثبانك‪ ،‬ال تنس خطاهما الخفيفة عليك‪ ،‬ويديهما‬ ‫النديتني على خدك الخشن‪ ،‬ال تنس غرس الشجر‪ ،‬ومسح الحجر‪ ،‬والجباه‬ ‫التي ترويك بعرقهما خمس مرات‪ ،‬أشبع بطنيهما فجوعهما ال يطفئه إال‬ ‫الشوق‪ .‬الشوق إلى ندى األيام اآلتية»‪.‬‬ ‫ويضيف قائال‪« :‬زفرة زفرة‪ ،‬وينهض الحطيئة‪ :‬قم يا حميدان‪ ،‬فالكريم‬ ‫ال يموت على فراشه‪ ،‬يركب كل منهما على أتانه‪ ،‬ويبدأ نشيجهما الذي‬ ‫ال ينتهي‪ ،‬حتى اآلن نسمعه كلما مررنا ب��وادي ذي مرخ أو أطلينا على‬ ‫القصب‪ ،‬تشيعهما الضواري‪ ،‬وسحب الجفاف ذات الظل الشفاف‪ ،‬وأعشاب‬ ‫الصحراء اليابسة‪ ،‬ويلوح األثل لهما من بعيد مودعا‪ ،‬ويئن الجوع من فراق‬ ‫آخر فرسانه‪ .‬عال نشيدهما الذي ما فتئ الشاعران يرددانه منذ أمد طويل‪،‬‬ ‫حتى رددته معهما أطناب الخيام وجدران الطني»‪.‬‬

‫متمم بن نويرة ونمر بن عدوان‬ ‫عنوان الضفيرة الثالثة «متمم بن نويرة ونمر بن ع��دوان‪ ..‬القتل خطأ‬ ‫والقتل صبرا»‬ ‫يكلمنا املؤلف في هذا العنوان عن مأساة متمم بن نويرة‪ ،‬فيقول‪« :‬كم‬ ‫تكون املأساة والحزن أكثر حرقة عندما يكون املفارق أخا حبيبا‪ ،‬لك معه‬ ‫ذكريات في الظهر وفي الرحم‪ ،‬وفي اإلناء وفي الخباء‪ ،‬أي ذكريات أقرب‬ ‫من رؤيتك عضده يقوى وجسمه يفرز وهو متكئ عليك‪ :‬يا ابن أبي وأمي‬ ‫كنت أفضلك علي‪ ،‬فأقدم لك الثدي األيمن وأخ��ذ األيسر‪ ،‬وإذا لم تكتف‬ ‫أزحت فمي وتركته لك وانضويت عند قدم أبي لترتوي‪ .‬أهديتك عيني ترى‬ ‫بها‪ ،‬فرأيت العالم من خاللك‪.‬‬ ‫قتل مالك بن نويرة الفارس اإلنسان ظلما‪ ،‬غادر دنياه تاركا وراءه أفراخا‬ ‫أنعم من الزبد‪ ،‬بكاءهم يفجع الذئاب‪ ،‬ويصدع الحجر‪ ،‬تلك مأساة متمم‬ ‫بن نويرة‪.‬‬ ‫إن الظلم الذي وقع على أخيه‪ ،‬والطريقة التي قتل بها‪ ،‬جعلت الحزن يتغلغل‬ ‫في جسده ويسري مع دمه‪ ،‬ال الزمان ينسيه وال املكان يسليه‪ ،‬وال املرأة‬ ‫التي زوجوها إياه حملت عنه بعض الهم‪ ،‬بل زاده لومها له انفجاعا‪.‬‬ ‫وأصدق الشعر ما كان رثاء‪ ،‬ألنه ينبع من الداخل من عمق املشاعر‪ ،‬ونبض‬ ‫القلب وأحاسيس النفس‪ ،‬فيفضي كاملطر‪ ،‬ال يعصي انسيابا‪ .‬رثاء املحب‬ ‫تغيب عنه الزلفى‪ ،‬وال يرجى منه عطاء أو ثناء‪ .‬يموت الحبيب‪ ،‬فتنفجر‬ ‫أحاسيس كونية أولها صدق‪ ،‬وآخرها حق‪ .‬الرثاء ليس كالهجاء يشوبه‬ ‫الحق والضغناء‪ ،‬وال الفخر يعتريه االعتداد واالفتخار‪ ،‬وال كالغزل تطاله‬ ‫املبالغة والذاتية والشهوة‪.‬‬ ‫الرثاء حديث النفس للروح‪ ،‬فيه تتجه بالكلية إلى عزيز لم يعطك الفرصة‬ ‫لتبوح له ما في قلبك من عواطف تجاهه‪ ،‬وما في نفسك من عتب عليه‪.‬‬ ‫فما أنقى وأصدق هذا الحديث»‪.‬‬ ‫يعادل املؤلف مأساة متمم بمأساة نمر بن عدوان‪ .‬مأساة متمم كانت في‬ ‫أخيه مالك‪ ،‬ومأساة نمر بن عدوان كانت في زوجته وضحاء‪.‬‬ ‫«أن تموت الزوجة في ريعان شبابها‪ ،‬ذلك منتهى األل��م واألس��ى للزوج‪،‬‬ ‫وخاصة إذا كانت جميلة‪ ،‬ومحبوبة وأما لوردتني‪ .‬فكيف إذا كانت تلك‬


‫محمد‪ :‬من هواها شغفا نحن توحدنا جسدان في روح أوحدا»‪.‬‬ ‫ثم انتقل الحوار بينهما إلى حوار شعري بدأه قيس‪ ،‬واستمر حوارهما‬ ‫الشعري بما مجموعه سبعة وعشرين بيتا‪ .‬كان املعنى والصور والكلمات‬ ‫فيها متقاربة‪.‬‬ ‫يخبرنا إبراهيم أنهما ‪ -‬وهما ينشدان شعرهما ‪« -‬طربا وأطربا‪ ،‬وتجمعت‬ ‫أسراب القطا وحمائم اليمامة حول صدى الهوى‪ ،‬مرددات نشيد الذكرى‪،‬‬ ‫ونزل من سهيل الفرقدان والثريا‪ ،‬دموع تساقطت على (الجرعاء)‪ ،‬فأنبتت‬ ‫العرار والرند‪ ،‬والخزامى والنفل‪ ،‬واهتز جبل (البتيل) فتدحرج من أعاله‬ ‫حجر سقط على (ال�ل��وى) فأدمى رمله‪ ،‬وع��وت ال��ذئ��اب فأصغت الظباء‬ ‫لزغاريد ملوك الصحراء وأحنت رؤوسها خجال من عشاقها‪ ،‬وتطاير‬ ‫الجن في الفلوات وتصايحوا‪ ،‬فهم اآلخرون أفناهم وأخفاهم العشق»‪.‬‬

‫الحطيئة وحميدان الشويعر‬ ‫الضفيرة الثانية عنوانها «الحطيئة وحميدان الشويعر‪ ..‬رحلة بني أطناب‬ ‫الخيام وجدران الطني»‪ ،‬وفي هذه الضفيرة يخاطب الحطيئة بقوله‪« :‬إيه يا‬ ‫حطيئة‪ .‬لك مع الفقر فكرة‪ ،‬ومع الجوع صحبة‪ ،‬كلما غادرته بهبة من أمير‪،‬‬ ‫ورضا من غني‪ ،‬عدت إليه مهروال متلهفا‪ ،‬وهذا هو حال الفقير املخلص‬ ‫لفقره يرى الغنى ترفا وعجزا وقعودا عن السعي‪ ،‬ومواجهة الحياة»‪.‬‬ ‫إن الحطيئة «شاعر يتقاطر رقة‪ ،‬ورحمة‪ ،‬ولوال الزوج والولد‪ ،‬ألصبح سيدا‬ ‫وأميرا للشعراء املخضرمني‪ .‬ولكن هذا الحصار األسري جعله يركز طاقته‬ ‫وموهبته في مجال املدح والذم حتى يطعم األفواه الجائعة‪ ،‬التي تطالبه كلما‬ ‫حل الظالم برائحة التمر وطعم اللنب‪ .‬وما أدل على رقته وعطفه وصراعه‬ ‫مع دنياه من أجل أبنائه‪ ،‬من تلك األبيات االعتذارية التي رققت قلب القاسي‬ ‫اللني ‪ -‬رضوان الله عليه ‪ -‬وأبكت عينيه‪ ،‬ومنحت الحطيئة حريته‪:‬‬ ‫ماذا نقول ألفراخ بذي مرخ‬ ‫زغب الحواصل ال ماء وال شجر‬ ‫ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة‬ ‫فاغفر عليك سالم الله يا عمر‬ ‫ومن ذلك الحوار الشعري القصير جزل املعنى بينه وبني زوجته‪ :‬حمل‬ ‫متاعه وزاده القليل على حماره‪ ،‬فقد حان رحيل الجائع إلى ديار الشبع‪،‬‬ ‫فالفقير محكوم عليه أال يبقى في بيته إال أياما‪ ،‬ويغادر شهورا‪ ،‬وسنني‪،‬‬ ‫سألته زوجته سؤال املترجي‪ :‬متى ترجع؟‬ ‫فقال‪:‬‬ ‫عدى السنني لغيبتني وتصبري‬ ‫ودعي الشهور فإنهن قصار‬

‫فأجابته‪:‬‬ ‫واذكر تحننا إليك وشوقنا‬ ‫واذكر بناتك إنهن صغار‬ ‫فحط رحله بعدما تبدى له من الشوق ما تبدى‪ ،‬وحنينا إلى صبح مليكة‬ ‫ومسائها»‪.‬‬ ‫ثم يلتفت املؤلف إلى مليكة ويخاطبها بقوله‪« :‬لله درك أيتها العربية‪ ،‬التي‬ ‫إذا نطقت غنت‪ ،‬وإذا سكتت تكلمت عيناها فأبكت‪ .‬أي ع��ذاب تحملت؟‬ ‫وأي صبر تصبرت؟ أقسوة الصحراء أم قسوة الناس أم قسوة الزوج؟‬ ‫أنت الوحيدة التي تعرف زوجها حق املعرفة‪ ،‬يعود إليك بعد النهار منهكا‪،‬‬ ‫ال يكاد يحمل لسانه‪ ،‬فقد حارب وبارز به أعداءه‪ ،‬تهنئينه بالنصر‪ ،‬وال‬ ‫تأبهني أجميل وجهه أم قبيح‪ ،‬فقد رأي��ت وجهه الداخلي ال��ذي أجمل من‬ ‫خد القمر‪ ،‬وأصفى من عني الديك‪ ،‬فتضمينه إلى صدرك ملجئه الذي هو‬ ‫دنياه‪ ،‬وتسمعينه صوت بنياته فيزداد تمسكا بالحياة‪ .‬لو كان بيدي من‬ ‫األمر شيء لكتبت اسمك بماء الذهب على بوابة الزلفي‪ ،‬وظللته بسعف‬ ‫النخيل الخالدي الذي يشهد انتظارك للحطيئة كل نهار»‪.‬‬ ‫يرى املؤلف أن حميدان الشويعر‪ ،‬الحبر الفهيم املتهم بالعيارة (السخرية‬ ‫الثقيلة) امتداد لسلفه وجده الحطيئة‪ ،‬فهما في الفقر سواء وللجوع أوفياء‪.‬‬ ‫كونهما املكان سهاما من كلمات‪ ،‬لغة تظللها السماء الصحراوية‪ .‬يذكر‬ ‫أنه ولد في قرية القصب الواقعة شمال غربي الرياض‪ .‬عاش في القرن‬ ‫الثامن عشر امليالدي‪ ،‬وقيل إنه توفي عام ‪1773‬م‪.‬‬ ‫يقول عنه‪« :‬تشققت يدا حميدان وأعياه صراخ ْ‬ ‫(مسحاته) من لطم األرض‬ ‫لها‪ ،‬أدمى األرض‪ ،‬وأدمته ولم يأخذ منها إال األلم والتجهم والضيم‪:‬‬ ‫أجير أنا ال أملك بيتا‪ ،‬وال أرضا‪ ،‬وملكي الوحيد حقول القوافي‪ ،‬وبساتني‬ ‫الحروف‪ ،‬وإذا نصحت قومي‪ ،‬أشاحوا وجوههم عني‪ ،‬وقالوا‪ :‬دميم الخلفة‪،‬‬ ‫شيخ بذيء»‪.‬‬ ‫تلك معاناة حميدان ‪ -‬كما يقول املؤلف ‪ -‬الشاعر القروي‪ ،‬ومثقف املشافهة‬ ‫الذي نهشته دنياه‪ ،‬حتى أصبح نحيال فقيرا‪ ،‬يوزع حكمته‪ ،‬وشعره على‬ ‫قرى أشغلها جمع التمر‪ ،‬وصراع اإلمارة‪ ،‬يكويهم بنقده الالذع‪ ،‬ويعريهم‬ ‫بصريح العبارة‪.‬‬ ‫يقول املؤلف‪:‬‬ ‫«هجا حميدان نفسه واألهل واألقارب والعشيرة‪ ،‬وقريته والقرى املجاورة‬ ‫لها‪ ،‬ذم فيه بعدهم عن الخير والفضيلة‪ ،‬وتهافتهم على املال تهافت الجياع‬ ‫على القصعة‪.‬‬ ‫ناح نوح البرق على الرعد‪ ،‬من هموم أثقلته‪ ،‬وأعباء أضنته‪ ،‬فلم يكن الفقر‬ ‫وشح املوارد هي أمله وحزنه الوحيد؛ فهناك آالم وأحزان أخر‪.‬‬ ‫تلك التحوالت الدينية واالجتماعية والسياسية في عصره التي ملزت تدينهم‬

‫من آثار الدرعية التاريخية‬ ‫عاصمة الدولة السعودية األولى‬

‫‪,,‬‬

‫إبراهيم‬ ‫العميم كرس‬ ‫جهده في‬ ‫كتابه لكشف‬ ‫التناص بني‬ ‫الشعر العامي‬ ‫والشعر‬ ‫الفصيح‬

‫‪,,‬‬

‫املؤلف‪ :‬إبراهيم العميم‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪59‬‬


‫كتب‬

‫صدر أخيرا عن «دار جداول» كتاب عنوانه «هؤالء‪ ..‬وشعرية املكان» إلبراهيم العميم‪ .‬املؤلف في كتابه هذا جدل بني‬ ‫شاعر فصيح متقدم وشاعر عامي متأخر في ضفيرة واحدة‪ :‬األول من الشعراء املخضرمني الذين عاشوا بني عصرين‪:‬‬ ‫الجاهلية واإلسالم‪ ،‬كاألعشى والحطيئة والخنساء‪ ،‬ومتمم بن نويرة‪ ،‬فيما عدا شاعر واحد هو قيس بن امللوح الذي‬ ‫عاش ما بني فترة صدر اإلسالم ومطلع العصر األموي‪ ،‬واآلخر من شعراء العامية من وسط الجزيرة العربية وشمالها‬ ‫وشرقها‪ ،‬كحميدان الشويعر ومحمد بن عمار ومحسن الهزاني ونمر بن عدوان وموضي البرازية ومحمد بن لعبون‪.‬‬

‫في نثر فني يتقاسمه شجن وإيقاع راقص‬

‫العميم يجدل شعراء فصحى‬ ‫وشعراء عامية يف ضفائر ست‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫املحرر الثقافي‬

‫‪,,‬‬

‫الكتاب فيه‬ ‫جدة وطرافة‬ ‫تميز بالبحث‬ ‫التاريخي‬ ‫واإلبداع اللغوي‬

‫‪,,‬‬

‫غالف الكتاب‬

‫‪58‬‬

‫قيس ومحمد بن عمار‬ ‫الضفيرة األول��ى عنوانها «قيس بن امللوح ومحمد بن عمار‪..‬‬ ‫أوهام القبيلة وغار الجنون»‪.‬‬ ‫يوجز لنا إبراهيم حكاية ابن عمار بقوله‪« :‬هام ابن عمار بحب فتاة‪ ،‬وتعلق‬ ‫فيها حد الجنون‪ ،‬حاول بجميع وسائله‪ ،‬لكن حال بينه وبني ذاك حساد‬ ‫وأعراف‪ ،‬وعادات اجتماعية ال يحاد عنها في تلك الفترة الزمنية‪ ،‬فمن قائل‬ ‫إنها من قبائل الظاعنني حول القرى‪ ،‬وهؤالء لهم ناموسهم و(سلومهم)‬ ‫في الزواج والنسب‪ ،‬وراو آخر يقول‪ :‬إنها من جماعة (الصلب) الذين ينزلون‬ ‫على البلدات وال�ق��رى يخدمون في البيوت ويحترفون األع�م��ال اليدوية‪،‬‬ ‫راحلني إلى قرى وبلدات بعد إتمام عملهم‪ ،‬وهؤالء للناس معهم في الزواج‬ ‫والنسب عرف مقدس‪ ،‬من خالفه أصبح مذموما مطرودا‪.‬‬ ‫ارتحلت الحبيبة في ليلة ال قمر فيها‪ ،‬فصحا وقد أخفت الرياح خطى‬ ‫ات�ج��اه��ات ال�ح��ب‪ ،‬ف�ه��ام ح��زن��ا‪ ،‬واع �ت��زل ال�ن��اس جنونا بها ف��ي غ��ار على‬ ‫مشارف القرية‪ ،‬وعندما غادر ذلك الغار وجدوا ألفيته مكتوبة بدمه على‬ ‫جدران غاره»‪.‬‬ ‫عندما نصل إلى موضع هذه الحكاية التي أوجزها نفهم داللة الكلمات‬ ‫الرثائية الحزينة التي بدأ بها نص ذلك العنوان‪:‬‬ ‫«الزمان مختلف واملكان واحد‪ ،‬وهذا الغار (العماري) ال يغادره الحمام ينوح‬ ‫على صاحبه‪ ،‬يحيي ذكراه في مواسم التزاوج والتوالد‪ ،‬وهذه الصخور‬ ‫التي حكت وخدش وجهها‪ ،‬بأشعار كتبت بدم شاعرنا‪ .‬هي األخرى تنوح‬ ‫على ذكرى أنيسها وجليسها أيام الحزن والفراق‪.‬‬ ‫كلما أطل وجه ثادقي (نسبة لقرية الشاعر ثادق)‪ ،‬ناشدته وتوسلت إليه‬ ‫أن يدلها على ابن عمار»‪.‬‬ ‫يعرف بالشاعر‪ ،‬فيقول‪« :‬ولد محمد بن راشد بن عمار في سنة ‪1856‬‬ ‫تقريبا وقيل ‪ 1863‬في قرية ثادق التي تقع شمال غربي الرياض‪ ،‬وتوفي‬ ‫سنة ‪ .»1932‬يقول عن شعره‪« :‬لم يدون له في كتب دواوين الشعر العامي‬ ‫إال ألفيته التي عرفت بألفية ابن عمار التي طار بها الركبان مغردة في‬ ‫آفاق الجزيرة وخارجها‪ ،‬حتى نسجت حولها حكايات وأساطير‪ ،‬ملا فيها‬ ‫من أساليب جديدة وتعابير ووص��ف دقيق‪ ،‬لحال العاطفة في فورانها‬ ‫وسكونها‪ ،‬المست شغاف قلوب املحبني‪ ،‬وكذلك ملا في رواية حبه من ألم‬ ‫الصبابة وغموض القصة»‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫ثم يشرح معنى «األلفيات» ويفصل فيه‪ ،‬بعد أن يذكر أنه فن وأسلوب‬ ‫تميز به الشعر العامي عن الشعر الفصيح‪ .‬وأن ابن عمار فاق الشعراء في‬ ‫هذا الفن‪ ،‬وهذا األسلوب‪ ،‬وصار تحديا للشعراء فلم يأتوا بمثل «ألفيته»‬ ‫إلى زماننا الحاضر‪.‬‬ ‫ويقرر في ختام الشرح أنه أصبح حرفا في ألفيته ولغزا بني بيتني‪.‬‬ ‫ابن عمار عند إبراهيم امتداد للحب العذري العذب‪ ،‬الذي يرى الحبيبة أقرب‬ ‫من البؤبؤ‪ ،‬وأبعد من رمش العني‪ ،‬وأقدس من العادات والتقاليد‪ ،‬وأعظم‬ ‫من نجوم الليل وغيوم النهار حبا‪ ،‬بتجاوز الجسد ويرسي في مراكب‬ ‫الروح‪ ،‬مطيحا بكل النظريات الغريزية والعقلية التي صاغها أرباب املدن‬ ‫وأهل الجسد من بني البشر‪.‬‬ ‫وألن اب��ن ع�م��ار ع�ن��ده ه��و ام �ت��داد ل�ه��ذا ال�ح��ب‪ ،‬فقد جعله يلتقي صدفة‬ ‫بالعامري‪.‬‬ ‫يعني لنا مكان اللقاء ويصفه ويسمي شهوده‪ ،‬ويروي ما جرى بينهما من‬ ‫حوار ابتدأه العامري في األول مع نفسه‪ ،‬فيقول‪« :‬التقى التائهان في مفازات‬ ‫الهيام في واد ال زرع فيه وال شجر‪ ،‬يسكنه من الجن عشاق وأحباب‪،‬‬ ‫يلمح العامري طيف ابن عمار من بعيد‪ ،‬ويقترب منه‪ ،‬فيرى شعرا طويال‬ ‫ووجها قمحيا‪ ،‬وقامة مديدة‪.‬‬ ‫أنفسي أرى أم طيفا أرى أم أن ليلى في حبها تتشابه الوجوه؟!‬ ‫قيس‪ :‬بربك هل رأيت ليلى؟‬ ‫محمد‪ :‬أراها في عينيك وعيني‪ ،‬مع حفيف الخيام وهديل الحمام‪.‬‬ ‫قيس‪:‬‬ ‫بربك هل ضممت إليك ليلى‬ ‫قبيل الصبح أو قبلت فاها؟‬ ‫وهل رفت عليك قرون ليلى‬ ‫رفيف األقحوانة في نداها؟‬ ‫محمد‪ :‬لو كنت قبلتها ملا همت في نجد مثل (خشف) يبحث عن أمه أو‬ ‫(خلوج) أضناها فراق وليدها قبل الهناء‪.‬‬ ‫قيس‪ :‬تشبثت بها فغيبوها عني‪.‬‬ ‫محمد‪ :‬حال بيني وبينها أوهام القبيلة‪.‬‬ ‫قيس‪ :‬رحلت الظباء عن نجد‪ ،‬وأصبح املطر أمال‪.‬‬ ‫محمد‪ :‬بعدها لم يتبق لنا سوى الذكرى والبكاء‪.‬‬ ‫قيس‪ :‬أأنت أنا أم أنا أنت؟‬


‫ص��ورت��ه واألح ��داث التي تقف خلفها ف��ي نهاية املسلسل‪ ،‬وأمثلة كثيرة قد‬ ‫يستحضرها القارئ أثناء قراءة هذا الكالم‪.‬‬

‫النكسة االقتصادية‬ ‫النكسة االقتصادية في عام ‪1989‬م‪ ،‬والتي كانت الحلقة األخيرة ملا أطلق عليه‬ ‫«اقتصاد الفقاعة» التي اكتشف الشعب الياباني أن كل ما كان بداخلها كان‬ ‫مجرد هواء‪ ،‬فهوس «اإلنتاجيزم» وجنون التنمية االقتصادية‪ ،‬الذي بدا وكأنه‬ ‫سيقفز باليابان فوق العالم‪ ،‬لكنه انحسر كاشفا عن كثير من األخطاء التي‬ ‫تسببت بها العجلة في املقام األول‪ ،‬كذلك أزمة النفط في عام ‪1973‬م التي سبقت‬ ‫النكسة االقتصادية الكبرى‪ ،‬كانت ضمن النكسات االقتصادية التي حررت‬ ‫الكثير من اليابانيني من الوهم‪ ،‬وجعلتهم مستوعبني بشكل أكبر ملدى هشاشة‬ ‫الحياة البشرية اليوم في ظل التحالفات االقتصادية الضخمة وسيطرة العوملة‬ ‫واالعتماد املطلق على النفط‪ ،‬ورغ��م أن��ه يحلق باإلنسان في مراحل لم يكن‬ ‫يتوقعها من الرفاهية‪ ،‬لكنه يمكن أن يسقطه إلى األرض التي لم يعد معتادا على‬ ‫العيش عليها‪ ،‬فضال عن التعايش معها‪ ،‬كل ذلك من مجرد اختالل بسيط قد‬ ‫يكون سببا في تعطل هذه العجلة الضخمة‪ ،‬ليكون السقوط رد فعل مساويا‬ ‫في املقدار ومعاكسا في االتجاه للصعود‪.‬‬ ‫قد ينظر البعض إلى أثر النكسة االقتصادية‪ ،‬على أنه عارض ال يمكن أن يؤثر‬ ‫كثيرا في العمق الفكري أو الثقافي لصناعة «األنمي»‪ ،‬لكنه رأي يتراجع أمام‬ ‫النسيج املتشابك لالقتصاد الياباني الذي يؤثر بال شك ليس في اليابان فقط‬ ‫بل في كل الدول الصناعية ذات االقتصاد القوي‪ ،‬إذ يؤثر اقتصاد الصناعات‬ ‫على بعضها تكامليا بالسلب أو اإليجاب‪ ،‬وفي اليابان االقتصادية‪ ،‬وتحديدا‬ ‫في صناعة «األنمي»‪ ،‬فإن األثر ظهر بشكل واضح لدرجة ظهور بعض األعمال‬ ‫في آخر الثمانينات بعد أزمة النفط وقبل انفجار الفقاعة كما يقال‪ ،‬تحمل اسم‬ ‫األزمة مثل مسلسل الفيديو املنزلي «كارثة الفقاعة» الذي نزلت أفالمه الثمانية‬ ‫تباعا منذ ع��ام ‪1987‬م وحتى ع��ام ‪1991‬م م��ن إخ��راج كاتسوهيتو أكياما‪،‬‬ ‫وحققت سمعة قوية في الغرب‪ ،‬كما فعلت في اليابان‪ ،‬وتلتها أعمال أخرى‬ ‫تحمل العنوان مع بعض املتغيرات لكنها تعتمد على فكرة الكساد االقتصادي‬ ‫وآثارها على املجتمع في ظهور جرائم من نوع مختلف يحتاج إلى معالجة من‬ ‫نوع مختلف‪ ،‬إذ تبني القصة حبكتها على ظهور جيل املنقذات في نوع معني‬ ‫من بذل امليكا مثل الكاندام‪.‬‬ ‫الطبيعة الجغرافية لتضاريس األراضي اليابانية‪ ،‬واملناخ املتقلب الذي يحتشد‬ ‫بتاريخ كبير لألعاصير واملدود البحرية‪ ،‬هناك الزالزل والبراكني‪ ،‬التي تقف‬ ‫خلف الكثير من الدمار الذي عرفته اليابان في كثير من حقبها‪ ،‬أشهرها زلزال‬ ‫(كانتو العظيم) كما يسميه اليابانيون‪ ،‬الذي دمر طوكيو عام ‪1923‬م‪ ،‬وآخرها‬ ‫كان الزلزال الكبير هانشني الذي دمر مدينة كوبي عام ‪1995‬م وحصد أرواح‬ ‫ستة آالف وخمسمائة نسمة وخلف ثالثمائة ألف شخص دون منزل‪ ،‬مضافا‬ ‫إلى ذلك الحرائق والنيران متكررة الحدوث في العصر األول من الحداثة مثل‬

‫حريق مياريكي الهائل الذي دمر نحو ‪ ٪70‬من مدينة إدو (طوكيو الحالية)‬ ‫في عام ‪1657‬م‪ ،‬كل ذلك خلق من وقت مبكر تصورا أخرويا عن مدى هشاشة‬ ‫الحضارة اإلنسانية املتمثلة في البناء واإلعمار‪ ،‬وهو ما نجد ظالله في حمى‬ ‫البناء العشوائية اليوم في طوكيو كرمز للمدينة اليابانية املثالية‪ ،‬حيث يمكن‬ ‫أن تتغير بعض مالمح األحياء في حال غيابك عنها مدة قصيرة‪ ،‬فثبات البناء‬ ‫لم يعد يثير في الياباني حسا باألمان‪ ،‬فالحوادث الطبيعية متوقعة باستمرار‪.‬‬ ‫االنفجار السكاني هو اآلخر‪ ،‬ظاهرة مقلقة‪ ،‬وهو املسؤول األبرز عن إحدى‬ ‫أشهر ظواهر األخروية‪ ،‬أعني بها املستعمرات الفضائية‪ ،‬إذ نشاهد في عدد من‬ ‫األعمال‪ ،‬عيش بعض األرضيني في مستعمرات فضائية على كواكب أخرى‪،‬‬ ‫نرى مثال نموذجا بارزا في أعمال مثل سلسلة «الكاندام»‪« ،‬تراي جن»‪« ،‬قطار‬ ‫املجرة ‪« ،»999‬دالوس»‪.‬‬ ‫في الوقت الذي تناقش فيه الكثير من األفالم واملسلسالت الرسومية ظاهرة‬ ‫األخ��روي��ة‪ ،‬ف��إن الغالب منها ينتهي بمشاهد تعبيرية عن سنة االستخالف‬ ‫التي تحمل هي األخ��رى مظاهر متعددة‪ ،‬حيث الطبيعة تجدد نفسها‪ ،‬بذور‬ ‫األمل تتبرعم في األرجاء‪ ،‬املياه تنساب في مجاريها‪ ،‬وأحيانا تتطرف بعض‬ ‫األعمال‪ ،‬في تصوير تحول تنويري لبعض األرواح الشريرة‪ ،‬التي كانت سببا‬ ‫في حلول النهاية‪ ،‬التي يختلف شكلها الخارجي من عمل آلخر‪ ،‬لكنها تحمل‬ ‫جميعا مضمون االنهيار والتبدد نفسه‪.‬‬ ‫في األعمال األخرى تبدو النهاية أبدية فليس من حلول ملا بعد‪ ،‬كل شيء ينتهي‬ ‫بسبب عوامل األخروية كما يبدو‪ ،‬لكن هذه األعمال ذات الجرعة شديدة التأثير‬ ‫ليست كثيرة كما يتوقع البعض بسبب عوامل كثيرة ومهمة أبرزها سوق النشر‬ ‫والتوزيع‪ ،‬إذ تظهر معدالت البيع والتسويق رغبات الجمهور ومتطلباتهم‪ ،‬لذا‬ ‫فإن هذه األعمال في عدد ال بأس به منها‪ ،‬تميل لالنضمام إلى النوع األول من‬ ‫األعمال األخروية ذات النظرة التفاؤلية‪ ،‬ولكن بتلميحات رمزية بشكل مقصود‪.‬‬ ‫في بعض األحيان يطرح هذا املفهوم عكسيا في األعمال التي تتناول إنقاذ‬ ‫العالم من الدمار‪ ،‬أحد أبرز مالمح التصور األخ��روي في «األنمي»‪ ،‬فنجد أنه‬ ‫بعد استقرار األمور‪ ،‬تبقى بذرة هنا أو هناك‪ ،‬تهدد هذا االستقرار بعدم الدوام‪،‬‬ ‫يمكننا تذكر كثير من األعمال التي انتهت بمشهد يوحي بأن سبب الدمار ال‬ ‫يزال هناك على الرغم من أنه يختتم أحداثه بما يوحي بالنهايات سواء كانت‬ ‫نهاية سعيدة أو غير ذلك‪.‬‬ ‫باعتقادي أن النمط األخروي ال يتوقف عند الهيئة التي يتخذها‪ ،‬التي وإن تغير‬ ‫شكلها فإن مضامينها العامة تبقى موحدة املفهوم في الغالب إال فيما ندر‬ ‫من بعض األعمال املميزة‪ ،‬فكثير من أعمال «األنمي» تجنح للتصور األخروي‬ ‫لقدرته على إثراء العمل باألفكار التخيلية التي برع في طرحها اليابانيون في‬ ‫كثير من أفالم ومسلسالت «األنمي»‪ ،‬لكن األمر أكبر من هيئة نمطية يمكن‬ ‫إدراك�ه��ا بسهولة‪ ،‬فالكثير من األعمال األخ��رى التي يتابعها الجمهور على‬ ‫اعتقاد أنها ليست ذات عالقة بالتصور األخروي‪ ،‬تكون مليئة بهذا التصور‬ ‫باطنيا‪ ،‬وناهيك عن االستشهاد ببعض األعمال التي يمكنني بها تدعيم هذه‬ ‫الفكرة‪ ،‬فلك أن تقف عند الكثير م��ن األع�م��ال التي ال تحتوي على عناصر‬ ‫يمكن م��ن خاللها‪ ،‬تصنيفها ضمن ه��ذا امل��وض��وع بسهولة‪ ،‬لكن مسلسال‬ ‫مثل «ب�ي��رس��رك»‪ ،‬ال��ذي يبدو أن��ه يسير في خط ال يمت إل��ى إح��دى مواضيع‬ ‫«األن�م��ي» الكبرى الثالثة التي من أجلها تمت كتابة ه��ذا الفصل‪ ،‬ناهيك عن‬ ‫أن بيئة املسلسل تتخذ من أوروب��ا العصور الوسطى مسرحا لألحداث‪ ،‬إال‬ ‫أن الدهشة تصيبك في الربع األخير من أح��داث املسلسل بمقطع تظهر فيه‬ ‫شخصية جامبينو قائد جاتسو‪ ،‬ولكن في ط��ور تحول شيطاني‪ ،‬وتنتهي‬ ‫الحلقة ونحن نسمع جامبينو الشيطاني يقول «لقد اقترب موعد الكسوف‬ ‫خال من هذا الهاجس ذي‬ ‫العظيم»‪ ،‬إنها إشارة أخروية‪ ،‬في عمل بدا لنا وكأنه ٍ‬ ‫األذرع األخطبوطية املسيطرة‪.‬‬ ‫على الرغم مما سبق ذكره‪ ،‬عن فعالية املفهوم األخروية وتأثيره في صياغة‬ ‫الثقافة التي تقف خلف األفالم الرسومية في اليابان‪ ،‬فإن هناك عددا ال بأس به‬ ‫من األعمال التي تحاول التسلق على املفهوم في تسويق نفسها على الرغم من‬ ‫رداءة العمل ككل أو على األقل عاديته املفرطة‪ ،‬هذه النماذج الرديئة من األعمال‬ ‫ليست نادرة في صناعة «األنمي»‪ ،‬لكن وعي الجمهور يجعلها نادرة الوجود‬ ‫في قوائم األفضل وتوصيات األوتاكو والنقاد<‬

‫‪,,‬‬

‫ظهرت‬ ‫القنبلة الذرية‬ ‫بشكل بارز‬ ‫في الرسوم‬ ‫اليابانية‬ ‫باعتبارها‬ ‫لحظة فاصلة‬ ‫ومشهدا أخيرا‬ ‫للعالم‬

‫‪,,‬‬

‫املخرج الياباني أكيرا كوراساوا‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪57‬‬


‫ثقافة‬

‫الشنتوية األقرب للمذهب األخالقي منها للمذهب النحلي أو الديني‪ .‬رغم ذلك‬ ‫وكأن األمر أشبه بنكاية ما‪ ،‬فإن كال طرفي الثقافة اليابانية العليا والدنيا مغمور‬ ‫بشكل الفت بالرؤى األخروية الكتابية‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫االنفجار‬ ‫السكاني هو‬ ‫اآلخر ظاهرة‬ ‫مقلقة وهو‬ ‫املسؤول‬ ‫األبرز عن‬ ‫إحدى أشهر‬ ‫ظواهر‬ ‫األخروية‬

‫‪,,‬‬

‫هاياو مايزاكي مخرج مسلسل «كونان فتى‬ ‫املستقبل ‪ -‬مغامرات عدنان ولينا»‬

‫‪56‬‬

‫في رواية «مياه الطوفان فاضت على روحي» للروائي الكبير «كنزابورو أو»‪،‬‬ ‫هناك كثافة غير عادية لفضيان الرؤية األخروية‪ ،‬والهولوكوست النووي‪.‬‬ ‫الروائي املعاصر «هاروكي موراكامي» كتب عددا من الروايات التي تحتقن‬ ‫بالرؤى األخروية منذ بداياته في «بالد العجائب الفائرة بعنف ونهاية العالم»‬ ‫عام ‪1985‬م‪ ،‬حتى أعماله األخيرة مثل «كافكا على الشاطئ» عام ‪2005‬م‪ ،‬نظرة‬ ‫مونولوجية من طراز (األنا) عن نهاية العالم من منظور شخصية واحدة منفردة‬ ‫في «الغابة النرويجية‪ ،‬تتعدد لثالثة في «كافكا على الشاطئ»‪.‬‬ ‫موراكامي كتب بعد «بالد العجائب الفائرة» بما يقارب السنوات العشر‪ ،‬كتابه‬ ‫الشهير «تحت سطح األرض» الذي نشر في عام ‪1997‬م‪ ،‬تأمالت واقعية غير‬ ‫متخيلة عن الناجني من الهجوم بغاز السارين في مترو طوكيو عام ‪1995‬م‪،‬‬ ‫من قبل الطائفة الدينية املتطرفة «آوم شينيركيو»‪.‬‬ ‫عبر الوعي األخ��روي لدى طوائف مثل اآلوم شينيركيو‪ ،‬يمكننا اإلدراك بأن‬ ‫الثقافة اليابانية ليست الوحيدة التي يحدوها ه��وس غريب للرؤى األخ��رى‪،‬‬ ‫األمر في الحقيقة معتقد عميق اإليمان يشترك فيه املجتمع الياباني بمشاهده‬ ‫املختلفة‪ .‬هناك الكثير من طوائف األخروية الشبيهة بطوائف األلفية في الغرب‪،‬‬ ‫تلك التي نشطت وازدهرت منذ بداية القرن التاسع عشر‪ ،‬ولم تلبث أن انتكست‬ ‫واضمحلت مع ذهاب أوهامها‪ ،‬أو ما بدت أوهاما في وقت الحق بشأن األلفية‬ ‫الجديدة‪ ،‬مثلما حدث مع طائفة «آوم شينيركيو» نفسها‪ ،‬التي بدأ فيها تناقص‬ ‫حاد ألعداد املؤمنني واألتباع الذين بدأوا يحسون بفساد املعتقد‪ ،‬األمر الذي تم‬ ‫مالحظته في عام ‪1999‬م‪.‬‬ ‫في تقارير مختلفة تم إعدادها عن الطائفة بعد العملية التي نفذها األتباع في‬ ‫نظام األنفاق الياباني بطوكيو‪ ،‬كانت هناك أطروحة مشتركة‪ ،‬بأن أتباع الطائفة‪،‬‬ ‫وعلى رأسهم الزعيم الروحي «شوكو أساهارا»‪ ،‬كانوا من املهتمني باملانجا‬ ‫واألنمي ذي املواضيع األخروية‪ ،‬كما أن أساهارا كان يبدي تقديرا بالغا ملانجا‬ ‫«ناويشكا وادي الريح»‪.‬‬ ‫وبدل البحث عن سبب ظهور الطوائف ذات التصورات األخروية‪ ،‬وتطرفها في‬ ‫ممارسة معتقداتها التي تعدت إلى الغير‪ ،‬كما في حادث مترو األنفاق‪ ،‬اختار‬ ‫تلق ملثل هذه األفكار‪ ،‬بينما التصورات‬ ‫السياسيون‪« ،‬املانجا» و«األنمي» كمنابع ٍ‬ ‫األخروية التي اعتنقتها تلك الطوائف‪ ،‬اعتنقها «األنمي» كذلك‪ ،‬حاله في ذلك‪،‬‬ ‫حال كل أشكال الفنون واآلداب‪ ،‬مثل بعض الروايات التي ذكرناها سابقا‪ ،‬أو‬ ‫األعمال السينمائية‪.‬‬ ‫املخرج الشهير أكيرا كوراساوا حقق فيلمني يحمالن تصورات أخروية مختلفة‬ ‫«سجل كائن حي» ‪1952‬م‪ ،‬و«أحالم» ‪1990‬م‪ ،‬وقد توحي املسافة الزمنية بني‬ ‫العملني‪ ،‬أن كوراساوا كغيره من أبناء قومه لم يستطع أن يتخلص من الوعي‬ ‫األخروي والتعبير عنه‪ .‬في استقراء آخر لفيلم «ألعاب نارية» للمخرج املعاصر‬ ‫«تاكيشي كيتانو» عام ‪1998‬م‪ ،‬يمكن مالحظة سيطرة التصور األخروي عن‬ ‫النهاية‪ ،‬على تفكير أحد أبرز مخرجي السينما اليابانية الحديثة‪ ،‬وفي اعتقادي‬ ‫أن الكلفة اإلنتاجية للسينما الحية‪ ،‬سبب رئيس في كثافة التصور األخروي‬ ‫في «األنمي» دون السينما‪.‬‬ ‫أعتقد أنه من املهم إدراك أن الوحي الكتابي ومرويات الديانة البوذية فقط‪ ،‬ال تبدو‬ ‫مسؤولة بشكل مطلق عن الوعي األخروي شديد التأثير في منظومة املجتمع‬ ‫الياباني‪ ،‬ففي كثير من األحيان أشعر بأن االستفادة من تلك املرويات واآلثار‬ ‫ال تتجاوز التشكيل الظاهري لعملية النهاية‪ ،‬ألنها تبدو معقدة ومتعددة الصور‬ ‫ومليئة بتفصيالت متخيلة‪ ،‬ليس مسؤوال عنها الوحي الكتابي أو امليراث املروي‬ ‫سوى في استثارة كيفيتها‪.‬‬

‫ثبات البناء لم يعد يثير في الياباني حسًا باألمان‬ ‫فالحوادث الطبيعية متوقعة باستمرار‪ ..‬وفي الصورة‬ ‫أحد أبرز الشوارع التجارية في العاصمة طوكيو‬

‫مدينتي هيروشيما ون��اج��ازاك��ي‪ ،‬حاصدا أرواح املدنيني الذين بلغ تعدادهم‬ ‫ما يزيد على مائة وأربعني ألف إنسان في هيروشيما وحدها وثمانني ألفا‬ ‫في ناجازاكي‪ ،‬ومسببا أمراضا جينية مفجعة ألجيال عدة الحقة من نسل‬ ‫الهيباكوشا (الذين تلقوا القنبلة الذرية ونجوا منها)‪ .‬وحتى اليوم فإن اليابان‬ ‫هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعرضت للقنبلة الذرية‪ ،‬وال تزال تعاني من‬ ‫آثارها حتى اللحظة‪.‬‬ ‫هذا التجلي املأساوي للنهاية التي لم تستغرق دقائق معدودة‪ ،‬كان له أثره العميق‬ ‫على نفوس كل اليابانيني حتى اليوم‪ ،‬ال يريدون نسيانه لدرجة االحتفال كل‬ ‫عام‪ ،‬بذكرى ضحايا هيروشيما وناجازاكي‪ ،‬مما يعيد املأساة لألذهان‪ ،‬مذكرا‬ ‫إياها بأن النهاية ليست مفاجأة كما قد يعتقد أحد‪ ،‬وهو ما يجعل مفهوما مثل‬ ‫«العيش في الكابوس»‪ ،‬هو من أدق ما يمكن به التعبير عن أحد أسباب الوعي‬ ‫والتصور األخ��روي‪ ،‬الكثيف الحضور في األجناس األدبية والطرائق الفنية‬ ‫املختلفة في اليابان‪ ،‬ولعل أبرز من قدم مفهوم العيش في الكابوس‪ ،‬املخرج‬ ‫الياباني الكبير أكيرا كوروساوا في فيلمه «أنا أعيش في خوف» عام ‪1955‬م‪.‬‬ ‫ظهور القنبلة الذرية في األجناس األدبية والفنية‪ ،‬ليس متعمدا على اإلطالق‬ ‫كما ت��رى األس�ت��اذة «س��وزان نابير» الباحثة في دراساتها عن «األن�م��ي»‪ ،‬بل‬ ‫إنه يتسلل خالل مقدار الفت للنظر‪ ،‬وبدرجات أكثر عمقا مما يبدو ظاهرا‬ ‫على السطح‪ ،‬لكل أجناس األدب والفنون والثقافة لحقبة ما بعد الحرب العاملية‬ ‫الثانية‪ .‬وفي «األنمي» فإن حضور القنبلة الذرية يأخذ صورا مختلفة‪ ،‬ال ترتبط‬ ‫باملفهوم العام لقنبلة فطر عش الغراب الشهيرة‪ ،‬بل صورا متنوعة عن انفجار‬ ‫غالبا ما يحصد األخضر واليابس‪ ،‬مثل االنفجارات التي تخلقها آلهة الحرب‬ ‫«كيوجيشي» في «ناويشكا وادي الريح»‪ ،‬كل هذا الغلو في استحضار النهاية‬ ‫عبر االنفجارات الحربية املدمرة‪ ،‬أصبح مع الوقت سمة جمالية لألنمي‪ ،‬أعرف‬ ‫أنه من الطريف الوصول إلى استنتاج كهذا‪ ،‬لكن يمكن إدراك مثل هذا الكالم‪،‬‬ ‫عند رؤية النجاح الجماهيري والشعبية الصاخبة التي يحققها فيلم يسيطر‬ ‫عليه التصور األخروي متمثال في االنفجارات التي لم تعد غريبة عن الوعي‬ ‫الياباني منذ ع��ام ‪1945‬م‪ ،‬وبالتحديد في اللحظة التي سقطت فيها قنبلتا‬ ‫هيروشيما وناجازاكي‪.‬‬

‫جدير بالذكر في مقطع القنبلة الذرية أنها ال تتوقف عند حدود الدمار بل تتعدى‬ ‫إلى آثارها الناتجة على سقوطها‪ ،‬حيث الوحوش املمسوخة والطفرات الجينية‬ ‫التي تسببت في امتساخها‪ ،‬والتي تبقى على األرض من أجل حصاد معاناة‬ ‫مزدوجة على ذاتها وعلى غيرها من البشر األصحاء‪ ،‬وغودزيال لشهرته مثال‬ ‫نموذجي على ما نقصده بهذا الكالم‪.‬‬ ‫لهذا السبب ليس مفاجئا على اإلط�لاق أن نعلم أن األيقونة األكثر حضورا‬ ‫وشعبية‪ ،‬أي األخروية‪ ،‬مغمورة بصور االنفجارات املفجعة‪ ،‬ويتذكر الكثيرون‬ ‫القنبلة الذرية‬ ‫منا‪ ،‬ممن حظي بمشاهدة فيلم «أكيرا» الذي يبتدئ بمشهد القنبلة النووية‬ ‫في ع��ام ‪1945‬م‪ ،‬ق��ام الطيران الجوي األميركي بإلقاء قنبلتني ذريتني على املدمرة‪ ،‬أو مسلسل «تراي جن» الذي كان يعيد مشهد االنفجار مقطعا لتكتمل‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫السطحية من تربة البوذية الشديدة الخصوبة لتعدد التفسيرات ‪ ، -‬في املدن‬ ‫والقرى اليابانية‪ ،‬وبات من الطبيعي سماع أصوات ترانيم االجتماعات الدينية‬ ‫لألتباع‪ ،‬وهم يؤدون صالة «الننبوتسو» في بحث شديد االهتياج عن الخالص‪.‬‬ ‫أيا كان التشابه بني الطريقتني في الخالص‪ ،‬إال أن تعليم املابو تعليم يوتوبي‬ ‫فاضل‪ ،‬هيئة أكثر سلمية للخالص‪ ،‬ال تعتمد ص��ورة املنقذ ذات��ه‪ ،‬أو مملكة‬ ‫السماء في الوحي الكتابي‪ ،‬أو العالم املطهر في السوترا البوذية املتأخرة‪.‬‬ ‫في القرون الوسطى أيضا‪ ،‬ظهر مفهوم أثر في اآلداب والفنون بشكل واضح‪،‬‬ ‫لكنه استمر حتى غمر الحياة اليابانية كلها‪ ،‬كان ذلك مفهوم «مونو نو آواري»‪،‬‬ ‫الذي يعني بالعربية «كآبة األشياء»‪ ،‬وهو فلسفة جمالية تؤكد طبيعة الحزن‬ ‫للحياة‪ ،‬وأن هذا الحزن جزء ال يتجزأ من السعادة التي تحققها أشياء هذه‬ ‫الحياة‪ ،‬وه��و سبب يقف خلف النظرة اليابانية املعاصرة للعالم وإمكاناته‪،‬‬ ‫والتوجس الدائم لنهاية األشياء كطبيعة أصلية فيها‪ ،‬وهو نوع يمكن إضافته‬ ‫إلى تكون الوعي األخروي في الثقافة اليابانية الحديثة‪.‬‬ ‫الشهير‬ ‫يقال إن أول من خرج بمصطلح «مونو نو آواري» هو الناقد الياباني‬ ‫َ‬ ‫«موتوري نوريناجا»‪ ،‬الذي عاش بني عامي ‪1730‬م و‪1801‬م‪ ،‬إذ أصبح ُيطلق‬ ‫هذا األسلوب على كثير من أعمال املدرسة الرومانسية األدبية‪ ،‬ثم تجاوز ذلك‬ ‫حتى أصبح اليوم يطلق على بعض األعمال األكثر حداثة في اليابان مثل رواية‬ ‫«الغابة النرويجية» للروائي الكبير «هاروكي موراكامي»‪ ،‬كما أن هذا املصطلح‬ ‫توسع من أن يكون حكرا على عالم السرد‪ ،‬ليصبح تعبيرا ضمن تعابير أخرى‬ ‫مؤثرة في السينما اليابانية‪ ،‬مثل أعمال املخرج البارز «ياسوجيرو أوزو»‪ ،‬أو‬ ‫«املانجا» عند هيتوشي أشينانو‪ ،‬كاورو موري‪ ،‬وكوزوي أمانو‪.‬‬

‫ما وراء األخروية!‬ ‫موضوع األخروية هو موضوع متأصل في الهوية اليابانية الوطنية املعاصرة‪،‬‬ ‫هذا الجزم بتأصله في الهوية‪ ،‬يأتي على صورتني شكليتني‪ ،‬فهو إما طبيعي‬ ‫أو مفاجئ‪ ،‬تقول األستاذة سوزان ج‪ .‬نابير في كتابها «األنمي من أكيرا وحتى‬ ‫األميرة مونونوكي»‪:‬‬ ‫«ل��و أن ال�ت�ص��ور األخ ��روي وم��واض�ي�ع��ه ل��م ت��وج��ه بسبب ال��زي��ادة ف��ي التغير‬ ‫االجتماعي واتساعه غير املتوقع‪ ،‬فإن اليابان اليوم ما زالت تظللها ذكريات‬ ‫القنبلة الذرية‪ ،‬واإلخفاقات االقتصادية التي تقفل بني كل عقد وآخر‪ ،‬بعد حقبة‬ ‫من االنفجار االقتصادي‪ ،‬ال��ذي يبدو غالبا املرشح ال��واض��ح الظهور‪ ،‬لبروز‬ ‫ال��رؤى املتعددة للنهاية‪ ،‬ومن هنا يمكن تفهم هذا الشعور وسبب احتضان‬ ‫الجمهور له»‪.‬‬

‫لكن ك�لام األس�ت��اذة نابير‪ ،‬يمكن سحبه وبشكل كامل ما ع��دا في جزئيته‬ ‫الخاصة بالقنبلة الذرية‪ ،‬على الكثير من الحضارات والثقافات املعاصرة‪ ،‬فالقرن‬ ‫العشرون مع موروثه االجتماعي‪ ،‬ومعتركاته السياسية املتعددة‪ ،‬واملعدل الهائل‬ ‫واملتالحق بشكل فادح السرعة للتغيرات التقنية التكنولوجية‪ ،‬تبدو هي املتهم‬ ‫الرئيس خلف هذا الكم الضخم من الرؤى األخروية‪ ،‬التي تظهر في العالم اليوم‪،‬‬ ‫ما يجعل البعض يرى في الغاية القصوى ملنتجات العصر الحديث‪ ،‬وبالذات‬ ‫في مجال الرفاهية اإلنسانية‪ ،‬دالئل على نهاية السعي الحثيث لكل ما يمكن‬ ‫أن يتفتق عنه العقل البشري‪.‬‬ ‫الوعي األخ��روي حاضر في الفنون واألشكال األدبية املختلفة‪ ،‬لكن حضور‬ ‫هذا الوعي‪ ،‬يبدو واضحا بإيقاع أكثر وضوحا وكثافة في الواليات املتحدة‬ ‫األميركية‪ ،‬إذ ولدت طوائف وملل يوم القيامة من «الشاكرز» في القرن التاسع‬ ‫عشر‪ ،‬إلى أتباع ديفيد كورش وجيم جونز في القرن العشرين‪ ،‬مما يجعل‬ ‫استحضار عبارة الكاتب األميركي «جون و‪ .‬نيلسون» مناسبة لالستشهاد‪،‬‬ ‫حيث يقول‪« :‬األخروية أميركية مثلما هي النقانق»‪.‬‬ ‫يقول جوناثان كيرتش‪« :‬يحظى سفر الرؤيا في أيامنا هذه بجمهور واسع‬ ‫من القراء في األوساط األصولية املسيحية‪ ،‬إال أن الحبكة والشخصيات تبدو‬ ‫مألوفة حتى بالنسبة ملن لم يسبق له أن اطلع على آخر أسفار العهد الجديد‪.‬‬ ‫وفكرة أن العالم سينتهي قريبا‪ ،‬بكل ما تتضمنه من صور بصرية وهمية‬ ‫وكلمات وأرقام وألوان وصور وأحداث كما يصورها سفر الرؤيا‪ ،‬تعد جزءا‬ ‫من نسيج الحضارة الغربية‪ ،‬سواء في الثقافة العليا أو في الثقافة الشعبية‪،‬‬ ‫ب��دأت ف��ي العهود التوراتية السحيقة‪ ،‬واستمرت إل��ى عصرنا ه��ذا‪ .‬فمعركة‬ ‫أرمجدون‪ ،‬فرسان الرؤيا األربعة‪ ،‬الختم السابع‪ ،‬عاهرة بابل العظيمة‪ ،‬املسيح‬ ‫الدجال‪ ،‬حاصد األرواح الشرس‪ ،‬عناقيد الغضب‪ ،‬غادرت مكانها على سفر‬ ‫الرؤيا‪ ،‬ووجدت طريقها إلى أرفع األعمال األدبية والفنية واملوسيقية‪ ،‬وصفحات‬ ‫الرياضة‪ ،‬في الصحف وشاشات السينما‪ ،‬وأفضل الكتب مبيعا في الغرب»‪.‬‬ ‫إن األمر الذي يجعل أوروبا وأميركا بمعزل عن اليابان في التصورات األخروية‬ ‫هو اشتراكهما في الوحي السماوي الذي يحدد النهاية في معركة فاصلة بني‬ ‫ق��وى الخير وب�ين ق��وى الشر الشيطانية‪ ،‬وتنتهي األح��داث ب��أن يحيق الشر‬ ‫بالشيطان وحزبه‪ ،‬ويرسلون إلى الجحيم‪ ،‬بينما يرفل أهل الخير في السعادة‬ ‫إذ يدخلون الجنة مملكة السماء‪ ،‬التصور نفسه بشكل عام‪ ،‬هو ما نعتقده‬ ‫نحن املسلمني‪ ،‬عبر آيات القرآن ومرويات السنة النبوية‪.‬‬ ‫الثقافة التقليدية اليابانية لم تشارك قط في تصور هذه الرؤية بسبب منابع‬ ‫التلقي‪ ،‬فاملرويات البوذية لم ي��رد فيها ذك��ر ملثل ه��ذه املعركة الفاصلة على‬ ‫اإلط�ل�اق‪ ،‬وفكرة النعيم أو الجحيم ليس هناك أي تصور عنها في املفاهيم‬

‫الثقافة اليابانية التقليدية والتراثية تؤثر‬ ‫في تركيبة املجتمع الياباني وفي الصورة‬ ‫نموذج للطراز املعماري الياباني‬

‫‪,,‬‬

‫«األنمي» أثر‬ ‫بشكل كبير‬ ‫على فهم‬ ‫اليابانيني‬ ‫املعاصرين‬ ‫لألخروية‬ ‫وقدم رؤى‬ ‫واتجاهات‬ ‫جديدة‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪55‬‬


‫ثقافة‬

‫املفهوم األخروي ليس حكرا على دراما الرسوم اليابانية املتحركة «األنمي»‪ ،‬فهو سمة تجد لها حضورا‬ ‫بارزا في أكثر أشكال األدب تعبيرا‪ ،‬النخبوي منها وحتى الشعبي‪ ،‬بل يمكننا أن نتوسع في الفكرة لنقول‪،‬‬ ‫إن مفهوم نهاية العالم واألخروية‪ ،‬هو هاجس يتملك أكثر املجتمعات الحضارية وثقافاتها املختلفة‪ .‬لكنه‬ ‫في «األنمي» يبدو أكثر كثافة وأشد حضورا‪ ،‬حتى ليبدو في كثير من األحيان أنه ليس من موضوع يشكل‬ ‫هاجسا مسيطرا على الرسوم املتحركة اليابانية‪ ،‬غير نهاية العالم أو انتظارها‪.‬‬

‫صراع الخير والشر‪ ..‬كيف ينتهي العالم في الرسوم اليابانية املتحركة؟‬

‫مشهد االنفجار األخري‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫طارق الخواجي‬

‫‪,,‬‬

‫قضية نهاية‬ ‫العالم ونهاية‬ ‫صراع الخير‬ ‫بالشر تشكل‬ ‫هاجسا‬ ‫كبيرا يسيطر‬ ‫على الرسوم‬ ‫املتحركة‬ ‫اليابانية‬

‫‪,,‬‬

‫«اندلعت الحرب العاملية الثالثة عام ‪2008‬م‪ ،‬استخدمت فيها الشعوب‬ ‫املتحاربة‪ ،‬أسلحة مغناطيسية تفوق في خطورتها األسلحة التقليدية‪،‬‬ ‫ونتيجة لذلك حل الدمار في البر والبحر‪ ،‬وباتت الكرة األرضية تعيش‬ ‫كارثة مؤملة‪ .‬قضت الحرب على معظم أج��زاء هذه األرض‪ ..‬ولكن اآلن أخذت‬ ‫األشجار والحشائش تنمو من جديد‪ ،‬وأخذت األسماك تمأل مياه البحر‪ ،‬لقد‬ ‫انتعشت األرض وامتألت بالحياة من جديد»‪.‬‬ ‫هذا املقطع الشهير من مسلسل «كونان فتى املستقبل ‪ -‬مغامرات عدنان ولينا»‬ ‫عام ‪1978‬م‪ ،‬الذي أخرج أجزاء عدة منه «هاياو مايزاكي»‪ ،‬لم يكن فريدا من نوعه‪،‬‬ ‫سواء من الناحية الزمانية‪ ،‬إذ سبق ظهور مثل هذا املقطع‪ ،‬بشكل أو بآخر في‬ ‫عدد من األعمال الرسومية اليابانية السابقة والالحقة‪ ،‬كما أنه لم يكن فريدا‬ ‫من نوعه من ناحية املضمون واملوضوع‪ ،‬فقد درجت أعمال «األنمي»‪ ،‬على طرح‬ ‫مثل هذه النظرة للمستقبل‪ ،‬في عدد ال يحصى منها‪.‬‬ ‫املفهوم األخروي ليس حكرا على «األنمي»‪ ،‬فهو سمة تجد لها حضورا بارزا‬ ‫في أكثر أشكال األدب تعبيرا‪ ،‬النخبوي منها وحتى الشعبي‪ ،‬بل يمكننا أن‬ ‫نتوسع في الفكرة لنقول‪ ،‬إن مفهوم نهاية العالم واألخروية‪ ،‬هو هاجس يتملك‬ ‫أكثر املجتمعات الحضارية وثقافاتها املختلفة‪ ،‬ويمكن ألي منا إدراك ذلك‪ ،‬في‬ ‫حال أعطى لنفسه الوقت في سبر القشرة الخارجية املجردة‪ ،‬لبعض الروايات‬ ‫والقصص أو األعمال السينمائية ألي ثقافة فاعلة في العالم اليوم‪ ،‬لكنه في‬ ‫«األنمي» وهو ما يهمنا بشكل أكبر في هذه الدراسة‪ ،‬يبدو أكثر كثافة وأشد‬ ‫حضورا‪ ،‬حتى ليبدو في كثير من األحيان وعبر األعمال األكثر تميزا في‬ ‫الصناعة‪ ،‬أنه ليس من موضوع يشكل هاجسا مسيطرا على الرسوم املتحركة‬ ‫اليابانية‪ ،‬غير نهاية العالم أو انتظارها‪.‬‬ ‫هذا ال يمنعنا من القول‪ ،‬إن هناك حاالت اندماج واسعة في الكثير من أعمال‬ ‫«األن�م��ي»‪ ،‬بني ه��ذا املوضوع وغيره من املواضيع املسيطرة عليه مثل الرثاء‬ ‫واالحتفال‪ ،‬لكن الالفت للنظر أن هذا االندماج غالبا ما يجري في وجود املظهر‬ ‫األخروي‪ ،‬وفي الغالب ما يكون هو املظهر األبرز‪ ،‬الذي يمكن التقاطه في العمل‬ ‫بسهولة‪ ،‬وفي بواكير املسلسل أو الفيلم أحيانا‪.‬‬

‫في استقراء املفهوم‬ ‫مفهوم األخروية املترجم عن املفردة اإلنجليزية «أبوكاليبس»‪ ،‬يفسر في معظم‬ ‫األوقات على أنه التسلسل املتتابع للدمار الكوني‪ ،‬لكن املعنى األساسي املستند‬ ‫على الشروح الدينية والتفاسير الكتابية‪ ،‬يأخذ باملعنى منحى روحيا‪ ،‬يمكن‬ ‫اختزاله في عبارة «كسر جوهري لطبيعة األشياء»‪ ،‬وهو ما يمكن حمله على‬ ‫األخروية الشخصية‪ ،‬املتمثلة في نهاية حياة الفرد بحلول أجله‪.‬‬

‫‪54‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫الكلمة اليونانية «أبوكاليسس» يجري تفسيرها على أنها النزاع التدميري‬ ‫األخير بني الخير والشر‪.‬‬ ‫في الكثير من أعمال «األنمي»‪ ،‬ال يكثر السرد املتواتر عن «انتظار نهاية العالم»‪،‬‬ ‫بل من الوحي لـ«ملاذا وكيف ينتهي العالم؟»‪.‬‬ ‫بإعطاء املسافة بني املرويات الدينية اليابانية‪ ،‬ومقابلها في املسيحية‪ ،‬يبدو‬ ‫فاتنا للغاية وساحرا للعني‪ ،‬كيف أن النظريات اليابانية الحاضرة اليوم‪ ،‬التي‬ ‫تروي نهاية العالم‪ ،‬تأخذ صداها من الوحي الكتابي‪.‬‬ ‫الثقافة اليابانية التقليدية والتراثية‪ ،‬مظهر أساسي يؤثر في تركيبة املجتمع‬ ‫الياباني املعاصر‪ ،‬وعلى فهمه للتصور األخروي‪ ،‬لكن وعلى مرحلة ما‪ ،‬فإنه‬ ‫يمكن القول إن «األنمي» أثر وبشكل كبير‪ ،‬على فهم اليابانيني املعاصرين‬ ‫لألخروية‪.‬‬ ‫ملزيد إي�ض��اح‪ ،‬يجب أن نعود الستقراء التاريخ أوال‪ ،‬لنفهم التأثير الجمعي‬ ‫للثقافة اليابانية التقليدية والتراثية‪ ،‬وكيف أثرت في التصور األخ��روي عند‬ ‫اليابانيني‪ ،‬ال��ذي نجد آث��اره اليوم في كثير من اآلداب والفنون وم��ن ضمنها‬ ‫«األنمي»‪ .‬إنها تغذية راجعة بشكل ما‪.‬‬ ‫كتب البوذية وشروحاتها املتعددة القراءات‪ ،‬ال تأتي على ذكر أي رؤى‪ ،‬للمعركة‬ ‫الفاصلة بني طائفتي الخير والشر في نهاية العالم‪ .‬هناك نهاية ولكن ليس‬ ‫بحسب مرويات الوحي الكتابي‪ .‬قد يكون تعليم «املابو» البوذي أو ما يطلق‬ ‫عليه «األيام األخيرة للقانون»‪ ،‬وفي تفسير آخر «العهود الحديثة من الناموس»‪،‬‬ ‫هو ما يمكننا الوقوف عليه كمفهوم يعطي تصورا واضحا عما يظنه البوذيون‬ ‫عن النهاية أو السقوط بمعنى أصح‪.‬‬ ‫تعليم «املابو» يتحدث عن مرور آالف السنني بعد موت بوذا املعلم األول‪ ،‬يبدأ‬ ‫العالم في االنحطاط والتفسخ ويعتريه الفساد بشكل أبلغ مما كان يتوقع‪ ،‬إذ‬ ‫فقدت تعاليم ب��وذا قوتها وتأثيرها على األتباع ال��ذي أغراهم العالم بزخرف‬ ‫الرفاهية وامل�ت��ع ال��زائ�ل��ة‪ ،‬إال أن العالم يجري إن�ق��اذه على ي��د «مايتريا ب��وذا»‪،‬‬ ‫الذي سيظهر في هذه الساعة الحرجة من الحاجة‪ ،‬ليكون دليال لعهد جديد‬ ‫من التنوير البوذي‪ .‬يستغرق املايتريا بوذا سبعة أيام‪ ،‬إلنجاز ما تطلق عليه‬ ‫السوترا البوذية «اليقظة» أو «التنوير»‪ ،‬ويسبق ظهور املايتريا ب��وذا‪ ،‬بعض‬ ‫التغييرات الطبيعة في املناخ وحتى التضاريس‪ ،‬مثل انحسار مياه املحيطات‬ ‫لكي يتمكن من الوصول إلى األرض بسالم‪.‬‬ ‫مؤثرا في كلتا الثقافتني العليا والدنيا في القرون الوسطى من التاريخ الياباني‪،‬‬ ‫فإن عقيدة ومذهب «املابو»‪ ،‬أصبحت واسعة االنتشار بشكل أكثر في القرن‬ ‫وبتواز تاريخي مع عودة مفهوم «األلفية» في الغرب‪ ،‬حيث ينتظر‬ ‫الحادي عشر‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫النصارى مخلصهم بعد األلفية األولى للسيد املسيح عليه ُالسالم‪ ،‬انتشرت‬ ‫في اليابان حركة إحياء للتعاليم البوذية األصلية‪ - ،‬التي طمست بالتعاليم‬


Distinguish yourself

Kingâ&#x20AC;&#x2122;s is ranked in the top 30 universities worldwide* and based in the heart of London. With nine Schools and six Medical Research Council centres, Kingâ&#x20AC;&#x2122;s offers world-class teaching and research. Our extensive range of subjects includes humanities, law, medicine, psychiatry, dentistry, nursing, mathematics; natural, biomedical, social and management sciences. For further information, please contact Ghazi Lashab at ghazi.lashab@kcl.ac.uk *QS World University Rankings, 2011

www.kcl.ac.uk


‫ثقافة‬

‫الغير قرونا وراء قرون؟! أإلى هذه الدرجة يؤثر املصدر غير القابل‬ ‫للتنقيح على التفكير املنهجي!‬

‫ّ‬ ‫الشك!‬ ‫ديكارت والغزالي وبطولة‬

‫‪,,‬‬

‫اطالع العقاد‬ ‫على مجمل‬ ‫مصنفات‬ ‫املصنفني‬ ‫املعنية‬ ‫بالتاريخ‬ ‫والتراجم‬ ‫والعلوم تركت‬ ‫أثرا باذخا على‬ ‫نصه الغني‬ ‫باملصادر‬ ‫واملفتوح على‬ ‫املعارف‬

‫‪,,‬‬

‫«إمام الفلسفة األوروبية الحديثة»‪ ،‬هو اللقب الذي أطلقه العقاد على‬ ‫الفيلسوف ديكارت‪ .‬وهو رغم إشادته به والتذكير بموقعه في تاريخ‬ ‫الفلسفة األوروبية‪ ،‬فإن العقاد‪ ،‬وانطالقا من تثبيت الهوية‪ ،‬ال يتوقف‬ ‫كثيرا عند نظام ديكارت املعرفي‪ ،‬وينتقل فورا إلى استنتاج مفاده أن‬ ‫اإلمام الغزالي سبق إمام الفلسفة األوروبية الحديثة‪ ،‬بثالث قضايا‪،‬‬ ‫حددها تباعا وهي «ف��إن الغزالي يقول إن الشك أول مراتب اليقني‪،‬‬ ‫والشك هو مقدمة الفلسفة الديكارتية إلى البراهني اليقينية»‪ .‬إلى آخر‬ ‫املطابقات‪ .‬وهنا‪ ،‬سنتذكر ذلك الفارق‪ ،‬ما بني معالجتني مختلفتني‪ ،‬في‬ ‫نموذج ديكارتي واحد‪ ،‬وهي معالجة طه حسني ومعالجة العقاد‪ .‬األولى‬ ‫أثمرت نظاما معرفيا يعتمد املقارنات ّالتاريخية وفحص الوثائق‬ ‫وسياقها التاريخي واللغوي‪ .‬والثانية‪ ،‬العقادية‪ ،‬أثمرت تثبيتا للهوية‬ ‫عبر مصادرة الفحص للوثيقة‪ ،‬واستخدام مبدأ اإلظهار واإلخفاء‬ ‫إلمرار نظرية أو فكرة‪ ،‬دون حتى أن تترك أثرا في قاموس املصطلحات‪.‬‬

‫ماركس في عيادة العقاد‪..‬‬ ‫من املعروف أن املاركسية‪ ،‬وتحديدا في زم��ن العقاد‪ ،‬كانت على‬ ‫أشدها‪ ،‬إعالميا‪ ،‬وسياسيا‪ ،‬وعسكريا‪ ،‬وتنظيرا‪ .‬وك��ان الصراع‬ ‫حول املاركسية ال يمكن أن يخاض دون أن يتسلح الطرفان‪ ،‬بأدوات‬ ‫معرفية م �ح��ددة تنقل ح�ج��م ال �ف��ارق م��ا ب�ين التفكير الشيوعي‪،‬‬ ‫والتفكير الرأسمالي‪ ،‬سواء في الفلسفة أو في االقتصاد أو في العلوم‬ ‫الطبيعية‪ .‬إال أن العقاد لم يتحكم بمدى إف��راط كراهيته ملاركس‪،‬‬ ‫فكتب عن الرجل بطريقة التجريح واإلهانة‪ .‬فأصبح مؤلف رأس‬ ‫ٌ‬ ‫املال «شهوة تخريب وعدوان»‪ .‬وصراع الطبقات‪ ،‬املاركسي‪ ،‬مرادف‬ ‫لـ«شهوة التخريب والعدوان»‪ .‬ولهذا يصر العقاد على أولوية دراسة‬ ‫شخص ماركس على دراسة املاركسية نفسها‪ .‬كونه‪ ،‬أي ماركس‪،‬‬ ‫هو «نبي السوء في زمانه» وصورته هي «مفتاح مذهبه ومذهب‬ ‫الحقد والسوء في نفوس أمثاله»! ويفيد من كتاب «كارل ماركس‬ ‫حياته وعمله» لينقل عنه أن ماركس «يعاني من اعتالل روحي وكان‬ ‫دائما حقودا ومتقلبا ويخضع لتأثير سوء الهضم واالنتفاخ وهياج‬ ‫الصفراء» وأنه كان «موسوسا يعتمد في الطعام على االستعانة‬ ‫بالتوابل واملخلالت وبيض السمك اململح»! وبعد أن يستثمر كل‬ ‫ما ورد في الكتاب‪ ،‬ينطلق إل��ى ال�ق��ول‪« :‬على ه��ذه ال�ص��ورة يتمثل‬ ‫كارل ماركس كاتب يدين باملادية الثنائية وبالتفسير االقتصادي‬ ‫للتاريخ»‪ .‬وأن هذه النشأة الجسدية «تضاف إلى نشأته النفسية‬ ‫واألخالقية فال تنم عن فطرة سوية وال تهيئ الناشئ للخير والفالح‬ ‫في حياته الخاصة أو العامة»‪ .‬كذلك فإنه كان «قذرا يهمل االغتسال‬ ‫والنظافة وكان منظر القروح والثآليل التي تمأل وجهه وعينيه وما‬ ‫ظهر من جلده يزيده ق��ذارة على ق��ذارة»‪ .‬لينتهي إلى أن هذه «هي‬ ‫صورة إمام االشتراكية والعلمية واالشتراكية املادية»‪ .‬ولقد كان‬ ‫العقاد من الذكاء أنه عندما بدأ بشرح املادية واملاركسية‪ ،‬كان قد‬ ‫ضمن وج��ود ه��ذه الصورة املقززة ملاركس في ذه��ن ال�ق��ارئ‪ ،‬فلم‬ ‫يقلق من تأثر القارئ بالشيوعية‪ ،‬فهي جاءت‪ ،‬بعد كل هذه الصورة‬ ‫القبيحة ملؤلفها املريض والذي كان غاية في القذارة!‬

‫أبو نواس واألمراض الجنسية!‬ ‫إن كان التناول الشخصي لكارل ماركس‪ ،‬من قبل العقاد‪ ،‬مفهوما‬ ‫‪52‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫بصفته نشاطا ضد املاركسية نفسها‪ ،‬عبر التركيز على الصفات‬ ‫الشخصية والجسدية والصحية ملؤلفها‪ ،‬فكيف يمكن فهم األمر إن‬ ‫كان الهدف‪ ،‬هذه املرة‪ ،‬شاعرا؟ ومن الطبقة األولى لشعراء العربية‪،‬‬ ‫وهو الحسن بن هانئ‪ ،‬املعروف بأبي نواس!‬ ‫في تراجم وسير الشعراء التي اشتهرت عن العقاد‪ ،‬سنجد ترجمة‬ ‫جديدة له‪ ،‬هذه امل��رة‪ .‬خصوصا أن العقاد كان يسم بعض الرواة‬ ‫الذين يتناولون أخبار أبي نواس بأنهم ّ‬ ‫«أميون» كونهم يتناولون‬ ‫«أخبارا مزعومة»‪ .‬فسنجد أن العقاد لم يهمل رواي��ات ال��رواة وال‬ ‫أخبار اإلخباريني الذين حذر منهم‪ ،‬بل سيتجه إليهم بكل ما يحمله‬ ‫من معرفة موسوعية ال مثيل لها في تاريخ العرب الحديث‪ ،‬وربما‬ ‫القديم‪ ،‬بل إن الظن بأن العقاد هو األغزر معرفة‪ ،‬في تاريخ العرب‬ ‫ّ‬ ‫كله‪ ،‬قد يكون في مكانه‪ ،‬خصوصا إذا ما قورن باملصنفني ومؤلفي‬ ‫املوسوعات‪ .‬ذلك أنه يزيد عليهم بأنه لم يقتصر على فئة معينة دون‬ ‫غيرها‪ ،‬بل في كل الفئات‪ .‬لهذا السبب فإن العقاد هو األغزر معرفة‬ ‫واطالعا مع كل من حمل القلم أو قرأ الكتاب أو ّ‬ ‫دون على ورقة‪.‬‬ ‫من ماركس‪ ،‬إلى أبي نواس‪ ،‬سنجد الشخصي يتفوق على النقدي‪،‬‬ ‫لدى العقاد‪ ،‬ويركز العقاد على أن الشاعر كان «ألثغ الصوت نحيفا‬ ‫م�ض�ط��رب األع �ص��اب»‪ .‬وي�ق��ارن��ه ب��أوس�ك��ار واي �ل��د لجهة «امل�لام��ح‬ ‫األنثوية وخصل الشعر املرسلة والصوت الذي تمازجه الرخامة»‪.‬‬ ‫منتقال إلى الحديث عن الغدد ودورها في االضطراب السلوكي (مع‬ ‫أن العقاد‪ ،‬قطعا‪ ،‬لم يتسن له إخضاع أبي نواس لتحليل الغدة!)‬ ‫وكذلك يخصص بابا للحديث عن التفاصيل التشريحية ألعضاء‬ ‫الجسم (!) ومن ثم دور الغدة الرخامية‪ ،‬كذا‪ ،‬والدرقية‪ ،‬ومن ثم الغدة‬ ‫الكظرية‪ ،‬كذا!‪ ،‬ثم الغدة الصنوبرية (على أال ينسى القارئ أن الكتاب‬ ‫ينتمي إل��ى النقد األدب��ي أو التراجم في حد أدن��ى!)‪ .‬وبعد تمهيد‬ ‫طويل عن الشذوذ الجنسي وأعراض األمراض الجنسية‪ ،‬يدخل إلى‬ ‫التكوين الجسدي ألبي نواس‪ .‬فيقول‪« :‬كان حسن الوجه رقيق اللون‬ ‫أبيض حلو الشمائل ناعم الجسم وكان ألثغ بالراء يجعلها غينا‬ ‫وفي حلقه بحة ال تفارقه»!! ثم إن أبا نواس كان جسمه يخلو من‬ ‫ّ‬ ‫الشعر‪ ..‬وباقي الروايات املتواترة عن أبي نواس في كتب التراجم‪.‬‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العقاد فرويدي متخف ‪..‬‬ ‫كان العقاد‪ ،‬وال شك‪ ،‬من أشهر املثقفني العرب املتأثرين بالفرويدية‪.‬‬ ‫ف�لا تخلو ل��دي��ه ف�ك��رة م��ن إش ��ارة أو اس �ت��دارة إل��ى منهج التحليل‬ ‫النفسي‪ ،‬وهي ال تحصى في مؤلفاته‪ ،‬وفي كل مصادرها‪ .‬فإن‬ ‫عدنا إل��ى تصعيده الشخصي على النقدي‪ ،‬في تناوله أصحاب‬ ‫األفكار أكثر من األفكار نفسها‪ ،‬أو إص��راره على الجمع ما بني‬ ‫الصفات الجسدية والفكرة‪ ،‬كأولوية لفهمها‪ ،‬تؤكد تأثره الطاغي‬ ‫بالفرويدية‪ .‬العقاد كان فرويديا بالكامل‪ ،‬إال أن ما أخفى هذا التأثر‬ ‫لديه هو غزارة معلوماته التي قد تحرف االنتباه عن تلك النقطة‪ .‬بل‬ ‫إن الفرويدية هي سبب تشتته النسبي الذي نلحظه هنا أو هناك‪ ،‬في‬ ‫االستطراد الذي يلجأ إليه لتأسيس خلفية إكلينيكية ملوضوعه‪ ،‬كما‬ ‫فعل مع أبي نواس حيث أسهب في الحديث عن الغدد بكل أنواعها‪،‬‬ ‫وأيضا شروحاته التفصيلية عن النرجسية والشذوذ الجنسي وكل‬ ‫األمراض النفسية ذات الصلة‪.‬‬ ‫إن لم نخرج من عند العقاد‪ ،‬بمنهجية واضحة‪ ،‬تتعلق بنظام التفكير‪،‬‬ ‫أو األثر البعيد الذي يمكن أن يخلفه في كتاب املصطلحات التي هي‬ ‫الشيء الوحيد الذي يخلد األفكار‪ .‬فإننا نخرج باإلعجاب الذي ال‬ ‫يحد بهذا القدر الذي حصله هذا الرجل من املعرفة املوسوعية‪ .‬كما‬ ‫ّ‬ ‫يضيع دقيقة واح��دة من حياته إال وهو يقرأ‪ .‬كما لو أن‬ ‫لو أنه لم‬ ‫العقاد موسوعة تمشي على قدمني‪..‬‬ ‫رحم الله هذه املوسوعة‪ .‬في الذكرى الخمسني لرحيلها<‬ ‫* كاتب وناقد سوري‬


‫إلى االقتباس من كتاب «إخوان الصفا» حول تقسيم األيام والليالي‬ ‫وساعات اليوم‪ .‬في الوقت الذي ال يشكل فيه «إخوان الصفا» مرجعا‬ ‫قاطعا لجهة املصدر الذي يسعى العقاد إلى تمجيده بصفته األصل‬ ‫العربي للعلوم الوقتية والساعات الذي أخذه األوروبيون عن العرب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مصنف ّ‬ ‫مجهل املصدر على‬ ‫هذا فضال‪ ،‬عن أن «إخوان الصفا» هو‬ ‫طريقة «ألف ليلة وليلة»‪ ،‬ال بل إن مادة إخ��وان الصفا‪ ،‬تنسف ما‬ ‫سيذهب إليه العقاد في تمجيد األصل العربي لهذا العلم أو ذاك‪،‬‬ ‫بسبب أن إخوان الصفا‪ ،‬بزمن رواجه ومضمونه وسياقه األندلسي‪،‬‬ ‫يجعل منه كتابا غنوصيا باطنيا في كثير من جوانبه‪ ،‬كما أنه‬ ‫يعتمد املصادر اآلسيوية والفارسية والهندية في شكل حاسم‪،‬‬ ‫فكيف يمكن االعتماد عليه إلثبات األصل العربي لعلم األيام؟!‬ ‫ّ‬ ‫تتظهر نزعة تثبيت الهوية‪ ،‬ل��دى العقاد‪ ،‬آخ��ذة ف��ي الظهور أكثر‬ ‫ف��أك�ث��ر وه��و ف��ي م �ع��رض ال�ك�ش��ف ع��ن األص ��ل ال�ع��رب��ي للفلسفة‬ ‫األوروب�ي��ة‪ .‬وهنا‪ ،‬يستخدم الرواقية نموذجا‪ ،‬ب��دءا من مؤسسها‬ ‫زينون الرواقي‪ ،‬وانتهاء بتالمذتها أو أثرها في الحضارات القديمة‪.‬‬ ‫فيقفز إلى استنتاج سريع‪ ،‬ومن دون أي معطى تاريخي قطعي‪،‬‬ ‫إلى أن الرواقية «فلسفة عربية قديمة»‪ .‬في الوقت ال��ذي يتصارع‬ ‫األوروب�ي��ون‪ ،‬والقوميون املشرقيون‪ ،‬على نسب هذا الفيلسوف‪،‬‬ ‫الذي في النهاية بقي في حدوده اإلغريقية‪ .‬مع أنه هو نفسه يتحدث‬ ‫عن مولده في «الشاطئ الشرقي من جزيرة قبرص»‪ .‬وآخر األمر‪،‬‬ ‫أن زينون الرواقي إيلي األصل‪ ،‬كما ينظر إليه املثقفون الغربيون‪،‬‬ ‫وك�م��ا أورد الشاعر الفرنسي ب��ول فاليري ف��ي قصيدته املقبرة‬ ‫البحرية إذ يقول‪« :‬يا زينون القاسي‪ ،‬يا زينون اإليلي‪ ،‬أنفذت في‬ ‫قلبي ذلك السهم»‪.‬‬ ‫وللتعبير‪ ،‬أك�ث��ر‪ ،‬ع��ن ن��زع��ة تثبيت ال�ه��وي��ة‪ ،‬وامل �ص��در غير القابل‬ ‫للتنقيح‪ ،‬كونه يأتي من جهة مكتملة‪ ،‬يقينية البنية‪ ،‬ف��إن العقاد‬ ‫يعاود املصادرة التي ستخدمه في املناورة الدفاعية التي يجيدها‬ ‫بمهارة منقطعة النظير‪ ،‬فيقول‪« :‬وق��د كان طابع الذهن السامي‪،‬‬ ‫ون�ك��اد ن�ق��ول ط��اب��ع ال�ج��زي��رة العربية‪ ،‬ملحوظا ف��ي ك��ل م��ا علمته‬ ‫املدرسة الرواقية في باب الغيبيات أو باب العلم الطبيعي أو باب‬ ‫األخالق»‪ .‬مع أن منشأ الرواقية يعود إلى نحو القرن الرابع والخامس‬ ‫قبل امليالد‪ ،‬فكيف كشف العقاد عن «التربيطات» التي استنتجها‪،‬‬ ‫إيمانا واع�ت�ق��ادا‪ ،‬أك�ث��ر منها منهجا‪ ،‬ف��ي م�ن��اورة دفاعية ميزته‬ ‫عن قرينه طه حسني‪ ،‬الذي كان على عكسه‪ ،‬يتعامل مع مصدر‬ ‫قابل للتنقيح‪ ،‬غير مكتمل‪ ،‬ويمكن طرح األسئلة عليه‪ .‬هذا األمر‬ ‫ّ‬ ‫سهل على العقاد أن ينتقل من بديهية إلى أخرى‪ ،‬مختتما بالقول‪:‬‬ ‫«خالصة ما تقدم أن األوروبيني تتلمذوا على أبناء الجزيرة العربية‬ ‫في مسائل الحضارة واملعيشة اليومية»‪.‬‬ ‫هذا دون أن ّ‬ ‫يمر على السومريني إال بصفتهم «من شعوب العنصر‬ ‫اآلري»‪ ،‬وبذلك منح الفرس واإليرانيني أرض العراق وبالد ما بني‬ ‫النهرين! وال نعلم كيف فاته التمييز ما بني آري�ين قاطنني أرض‬ ‫الفرس‪ ،‬وسومريني‪ ،‬هم أهل العراق وشامة الهالل الخصيب‪ ،‬وكما‬ ‫كان يسميهم البغدادي في كتابه العظيم «تاريخ بغداد»‪« :‬جمجمة‬ ‫العرب»‪ ..‬ولربما غض العقاد الطرف عن تفاصيل كهذه‪ ،‬هو يعرفها‬ ‫أكثر من غيره‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬لسبب واحد فقط‪ ،‬الستكمال التعامل‬ ‫مع املصدر غير القابل للتنقيح‪ .‬فكون أرض سومر من الشعوب‬ ‫اآلرية‪ ،‬ستنقذ العقاد من بديهيته القابلة للنقض عند أول فحص‪.‬‬ ‫ذلك أن السومريني والبابليني‪ ،‬يشكلون «إشكالية» في علم التاريخ‪،‬‬ ‫كونهم ينقضون نظرية «األصل البؤري» للحضارة‪ ،‬أي كلما سعى‬ ‫املؤرخ للتعامل مع التاريخ من نقطة محددة متعارف عليها‪ ،‬يأتيك‬ ‫السومريون والبابليون وينقضون البؤرة‪ ،‬ذلك أن الحضارة هناك‬ ‫مغرقة ف��ي ال�ق��دم‪ ،‬ومتعددة امل�ج��االت‪ .‬وليس البحث ع��ن الخلود‪،‬‬

‫املتمثل بأثر جلجامش الشهير‪ ،‬إال جزءا من عمق األثر السومري‬ ‫في الحضارة البشرية‪.‬‬ ‫سنالحظ هذا األمر يتجلى بكل قوة‪ ،‬عندما اصطدم العقاد بحقيقة‬ ‫امتياز اإلغريق بالفلسفة‪ .‬فهذه الحقيقة ستنقض تثبيت الهوية‬ ‫وامل�ص��در غير القابل للتنقيح‪ .‬وعندما ل��م يكن ه�ن��اك م��ن مبرر‬ ‫يمكن أن يخدمه في قناعته اإليمانية أكثر منها منهجية‪ ،‬سنراه‬ ‫يكتشف سببا المتياز اإلغريق بالفلسفة‪ ،‬أال وهو «ألن بالدهم‬ ‫نشأت وتطورت دون أن ينشأ فيها ملك قوي وكهانة قوية‪ .‬ولو‬ ‫قامت عندهم ال��دول القوية والكهانة القوية كما قامت في مصر‬ ‫وبابل لكان شأنهم في أسرار الدين واملسائل اإللهية كشأن البابليني‬ ‫واملصريني»‪ .‬وكذلك استبق القول بامتياز اإلغريق بالفلسفة إنه‬ ‫بسبب «أن هذه البحوث كانت مباحة عندهم حيث كانت تمتنع على‬ ‫غيرهم من أبناء الدول الشرقية العريقة»‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ولربما يتساءل سائل‪ ،‬كيف ملوسوعي بحجم العقاد‪ ،‬أن يتجنب‬ ‫ّ‬ ‫الحقيقي املؤكد‪ ،‬ويلجأ للوهمي املركب؟ ال لسبب في نقص اطالعه‪،‬‬ ‫فهو األكثر اطالعا من غيره‪ .‬إنما لسبب وحيد سيرافقه في كل‬ ‫تدويناته‪ ،‬وهي نزعة تثبيت الهوية‪ ،‬والتحرك من جغرافيا النقاء‬ ‫وال�ن�م��وذج امل�ث��ال��ي‪ .‬ل�ه��ذا السبب تجاهل وج��ود «دول ��ة ق��وي��ة» عند‬ ‫اإلغريق‪ ،‬وهو العارف أن بعض حكامهم كانوا يطلبون التعامل‬ ‫معهم بصفتهم آلهة ال ب�ش��را‪ ..‬ومنهم اإلسكندر املقدوني الذي‬ ‫طلبها علنا حتى من الفالسفة‪ .‬فكيف لم تكن هناك دول��ة قوية‬ ‫وهي تلك الدولة التي اشتهرت بتأسيس الجيوش واحتالل أرض‬

‫عباس محمود العقاد‬

‫‪,,‬‬

‫ليس من السهل‬ ‫اآلن إعادة‬ ‫قراءة العقاد‬ ‫فقد تغيرت‬ ‫اللغة ومناهج‬ ‫التأليف وكذلك‬ ‫تغير املزاج العام‬ ‫للقارئ‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪51‬‬


‫ثقافة‬

‫مرت قبل أيام‪ ،‬الذكرى الخمسون لرحيل األديب والناثر الكبير عباس محمود العقاد الذي توفي في ‪12‬‬ ‫مارس(آذار) ‪ .1964‬اسم هذا الرجل‪ ،‬يكاد يطغى على أي محاولة أو ّنية تسعى ملقارنته بأي أحد آخر‪ ،‬أو أن تنال‬ ‫بعض الشيء من هذا البحر الذي لن ينقصه ْ‬ ‫غارف أو شرب شارب‪ .‬إال أن زمنا طويال وعميقا قد مر‪،‬‬ ‫غرف‬ ‫ٍ‬ ‫ما بني قلم العقاد ونثره‪ ،‬وزمننا هذا‪ .‬تغيرت مفاهيم وسقطت نظريات‪ ،‬وتشكلت أخرى‪ .‬ال‪ ،‬بل إن بعضا من‬ ‫الذين عاصروه‪ ،‬كانوا قد نحوا في شكل مختلف وجذري عما نحاه ذلك القلم القارئ املعروف بالعقاد‪ ،‬ونعني‬ ‫طه حسني‪ ،‬الذي حمل من التفكير وأدوات املنهج‪ ،‬ما لم يقم به العقاد‪ ،‬الذي كان في األصل‪ ،‬يريد اقتحام نموذج‬ ‫املثقف املوسوعي التاسع عشري‪.‬‬

‫في الذكرى الخمسني لرحيله‪ :‬ماذا بقي من عباس محمود العقاد؟‬

‫املثقف املوسوعي‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫عهد فاضل *‬

‫غالف كتاب‬ ‫(مجموعة العبقريات اإلسالمية)‬ ‫لعباس محمودالعقاد‬

‫‪50‬‬

‫حقا‪ ،‬ظفر العقاد بنموذج املثقف املوسوعي‪ ،‬الكاتب عن‬ ‫كل شيء‪ ،‬والقارئ عن كل شيء‪ .‬لكن‪ ،‬إن ترك طه حسني‬ ‫نتوءا في العقل العربي‪ ،‬يتجلى بالقدرة على طرح األسئلة‬ ‫والتشكك بالصورة املثالية للماضي‪ ،‬عبر آليات ممنهجة ونظام‬ ‫تفكير‪ ،‬فما الذي‪ ،‬في املقابل‪ ،‬تركه العقاد‪ ،‬وهو املقتحم للنموذج‬ ‫املوسوعي‪ ،‬وال��ذي يليق به في شكل ال ينطبق على س��واه؟! هل‬ ‫ترك العقاد شيئا يتعلق بنظام التفكير‪ ،‬أم ترك لنا نموذج املثقف‬ ‫املوسوعي‪ ،‬فقط‪ ،‬وال��ذي ال يعنى كثيرا ب ��األدوات واملنهج ونظام‬ ‫التفكير‪ ،‬بقدر ما يعنيه املوسوعية‪ ،‬واالطالع‪ ،‬والتبحر‪ ،‬والتعرف‬ ‫على كل شيء؟!‬

‫النفسي بصفة عامة‪ .‬وال غرابة في األم��ر‪ ،‬ولسبب يتعلق أصال‬ ‫بتقنيات الكتابة‪ ،‬وهي أن لغة التحليل النفسي‪ ،‬عميقا‪ ،‬هي لغة كتابة‬ ‫ّ‬ ‫وتأليف‪ ،‬وال يتقن التحليل النفسي من ال يتقن االستخدام الخالق‬ ‫للكتابة والتعبير‪ .‬وهنا ال بد أن نذكر‪ ،‬أن فرويد نفسه‪ ،‬سبق وفاز‬ ‫بجائزة في الكتابة!‬

‫وبالعودة إلى موسوعية الرجل األشهر فيها‪ ،‬فستظهر شوائبها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫حيث غزارة املصادر واملعلومات لم تمكن نظام التفكير من أدوات‬ ‫جديدة‪ .‬بل عملت املوسوعية على التفتح واالتساع بكل اتجاه‪ .‬وهي‬ ‫على غزارتها وأهميتها‪ ،‬فقد خدمت صاحبها‪ ،‬ولم تخدم تاريخ‬ ‫األفكار‪ ،‬لجهة نظام التفكير‪ ،‬الذي هو ّ‬ ‫مقدم على أي نتائج معرفية‬ ‫ممكنة‪ .‬على غير ما أف��اد منه معاصره طه حسني‪ ،‬ال��ذي سيطر‬ ‫املوسوعية أم نظام التفكير!‬ ‫على لذة املوسوعية في مقابل الظفر بمنهج وأدوات‪ .‬مع اإلشارة‬ ‫ل�ي��س م��ن ال�س�ه��ل‪ ،‬اآلن‪ ،‬إع� ��ادة ق� ��راءة ال �ع �ق��اد‪ .‬ف�ق��د ت�غ�ي��رت اللغة إلى غزارة مصادر حسني‪ ،‬في كل األحوال‪ .‬لقد كان التناقض بني‬ ‫ومناهج التأليف‪ ،‬وكذلك تغير امل��زاج العام للقارئ‪ .‬وأي�ض��ا‪ ،‬فإن حسني والعقاد هاما وعميقا وحاسما‪ :‬املوسوعية تنسحب أمام‬ ‫إعادة قراءة العقاد‪ ،‬لن تساهم في حل عقد ثقافية ماثلة اآلن‪ ،‬في املنهج‪ ،‬ونظام التفكير ُيقصي املصادر‪.‬‬ ‫نظرية املعرفة‪ ،‬أو مستقبل التفكير الفلسفي‪ .‬فالعقاد‪ ،‬في األصل‪،‬‬ ‫املاضي‬ ‫ج��اء م��ن أس��اس دف��اع��ي عامل على تثبيت الهوية ومنح‬ ‫أثر العرب في الحضارة األوروبية‬ ‫امل��زي��د م��ن الوثوقية والتمجيد‪ .‬وه��ذه امل�ن��اورة الدفاعية انعكست‬ ‫على لغته وقناعاته ومجمل أفكاره التي طرحها وشرحها بأكثر ال شك فإن اطالع العقاد على مجمل مصنفات املصنفني املعنية‬ ‫من طريقة وأكثر من مكان‪ .‬فأفاد من اطالعه الثري على التاريخ بالتاريخ وال�ت��راج��م وال�ع�ل��وم‪ ،‬تركت أث��را ب��اذخ��ا على نصه الغني‬ ‫العربي‪ ،‬الديني منه والدنيوي‪ ،‬واإلفادة ذاتها مع التاريخ األوروبي‪ .‬باملصادر واملفتوح على املعارف‪ .‬ولم يكن عرض املعلومات عرضا‬ ‫ومثلها مختلف العلوم والتفريعات التي لم تفته ولم يتشاغل عنها‪ ،‬أو تباهيا‪ ،‬بل في القدر الذي يتطلبه السياق‪ ،‬ويزيد عليه أحيانا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫فتجرأ على استعمالها‪ ،‬على نحو غير مسبوق‪ ،‬مثلما تحدث وقراءتنا لدراسته املعروفة بأثر العرب في الحضارة األوروب�ي��ة‪،‬‬ ‫عن الحسن بن هانئ‪ ،‬واملعروف بأبي ن��واس‪ ،‬واستخدم معرفته ستختصر غنى القلم ال��ذي خطها وب��راع�ت��ه ف��ي دم��ج كثير من‬ ‫بالتشريح ليستخدم علم الغدد في إطار شرحه لحالة أبي نواس املعارف في هدف داللي واحد‪ ،‬وهي ميزة النثر الفني التي يتقنها‬ ‫الجنسية والنفسية والشخصية! ه��ذا مع العلم أن النقد األدب��ي‪ ،‬العقاد كما ل��م يتقنها أي أح��د آخ��ر‪ ،‬اللهم إال زك��ي م�ب��ارك‪ ،‬ال��ذي‬ ‫ال يمكن له بحال من األح��وال أن ّ‬ ‫يطور أدوات��ه وتقنياته عبر هذه كان طوفانا أسلوبيا ومعرفيا في آن واحد معا‪ .‬وسيظهر لنا في‬ ‫العلوم التشريحية‪ .‬وكان يمكن االكتفاء باألدوات النقدية املتاحة‪« ،‬األثر‪ .».‬نزعة تثبيت الهوية التي تحكمت بوعي العقاد في التاريخ‬ ‫أو الجمالية السائدة‪ .‬وإن كانت محاولة من العقاد‪ ،‬إلعادة تأريخ والنقد األدبي‪ ،‬وكذلك املصدر غير القابل للتنقيح الذي يستلهم منه‬ ‫ّ‬ ‫التراجم‪ ،‬فهو لم يزد شيئا ّ‬ ‫عما تناوله املصنفون األوائل‪ ،‬في هذا العقاد نموذج املاضي‪ ،‬النقي واملثالي‪.‬‬ ‫ال�ب��اب‪ ،‬خاصة‪ ،‬واملتعلق بأبي ن��واس‪ .‬إال أن ما يتكشف في أدب في معرض إشارته إلى تلقي األوروبيني «عقائدهم عن األسبوع‬ ‫العقاد‪ ،‬واملوغل في الشخصية‪ ،‬أحيانا‪ ،‬إلى درجة الكتابة العيادية‪ ،‬وأرب��اب األي��ام وسلطانها على األح�ي��اء أو على األح��داث وال��زروع‬ ‫سيكون سببه تأثر العقاد أيما تأثير‪ ،‬بفرويد‪ ،‬أو مذهب التحليل والضروع» وأن األوروبيني تلقوها عن العرب‪ ،‬سنجده ينتقل فورا‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫باتت عملية احتواء تدفق الالجئني السوريني أكثر أهمية من أي وقت مضى‬ ‫في األردن‪ ،‬أحد حلفاء واشنطن األكثر ثباتا في الشرق األوسط وشريك مهم‬ ‫في سياسة الواليات املتحدة بالشرق االوسط‪ .‬يصل عدد الالجئني السوريني‬ ‫في األردن إلى ‪ 600‬ألف الجئ تقريبا‪ ،‬يمثلون نحو عشرة في املائة من سكان‬ ‫األردن‪ .‬وبنهاية هذا العام‪ ،‬من املتوقع أن يصل عدد الالجئني إلى ‪ 800‬ألف‪.‬‬ ‫تشكل محنة هؤالء السوريني بالفعل مصدر قلق إنساني خطير‪ ،‬كما جاء في‬ ‫العديد من التقارير املفصلة التي تناولت شأن الالجئني في مخيم الزعتري‪،‬‬ ‫وهو املخيم الرئيس الذي تديره األمم املتحدة لالجئني السوريني في األردن‪.‬‬

‫كارثة تلوح في األفق‬ ‫لكن تمثل أزمة الالجئني أيضا كارثة تلوح في األفق أمام الحكومة األردنية‬ ‫ألن ‪ 80‬في املائة تقريبا من الالجئني السوريني في األردن يعيشون خارج‬ ‫مخيمات املفوضية العليا لشؤون الالجئني التابعة لألمم املتحدة‪ ،‬فقد اختاروا‬ ‫بدال منها أن يعيشوا بني األردنيني‪ ،‬خاصة في املدن الفقيرة القريبة من الحدود‬ ‫مع سوريا‪ .‬في الواقع‪ ،‬تضاعف عدد سكان املحافظة الشمالية في األردن منذ‬ ‫اندالع القتال في سوريا‪ ،‬حيث يفوق عدد السوريني هناك جيرانهم األردنيني‪.‬‬ ‫تكافح الحكومة األردنية بالفعل من أجل تحقيق مطالب الالجئني‪.‬‬ ‫وخالل زيارتي األخيرة للمفرق‪ ،‬وهي مدينة صغيرة وفقيرة تقع على بعد‬ ‫عشرة أم�ي��ال جنوب ال�ح��دود ال�س��وري��ة‪ ،‬وج� ُ‬ ‫�دت أك��وام القمامة متراكمة في‬ ‫تقاطع الطرق وتسربت مياه الصرف الصحي إلى ممرات السير‪ ،‬في عالمات‬ ‫على عدم استطاعة أنظمة الخدمات العامة في املدينة تحمل األعباء الثقيلة‪.‬‬ ‫وأصبحت املدارس العامة املحلية مزدحمة جدا لدرجة أن الدراسة تجري فيها‬ ‫على فترتني؛ فترة صباحية مخصصة لنصف عدد التالميذ وفترة مسائية‬ ‫للنصف اآلخر‪.‬‬

‫مخيم األردنيني النازحني!‬ ‫يعنى استمرار عملية تدفق الالجئني تزايد الطلب على املساكن؛ وعندما يقترن‬ ‫هذا الطلب مع تأثير إعانات اإليجار التي تقدمها جمعيات ال تستهدف الربح‬ ‫إلى الجئني سوريني‪ ،‬يؤدي إلى وصول قيمة اإليجار إلى الضعف وفي بعض‬ ‫ثالثة أضعاف‪.‬‬ ‫األوقات إلى‬ ‫ُ‬ ‫ونتيجة ل��ذل��ك‪ ،‬ط��رد بعض األردن �ي�ين م��ن منازلهم‪ ،‬لعدم قدرتهم على دفع‬ ‫اإليجارات الزائدة‪ .‬وفي مارس (آذار) عام ‪ ،2013‬أقامت مجموعة من السكان‬ ‫املحليني مدينة من الخيام الصغيرة احتجاجا على هذه األوضاع‪ ،‬واضعني‬ ‫الفتة على خيام املفوضية العليا لشؤون الالجئني التابعة لألمم املتحدة التي‬ ‫ج��رى ش��راؤه��ا م��ن ال�س��وق ال �س��وداء لالجئني ال�س��وري�ين تشير إل��ى «مخيم‬ ‫األردنيني النازحني»‪.‬‬ ‫كذلك شهد املستشفى القريب‪ ،‬الذي يقدم خدمات مجانية لالجئني السوريني‪،‬‬ ‫ضغطا مماثال‪ ،‬حيث ُيشكل السوريون ما بني ‪ 10‬إلى ‪ 18‬في املائة من نسبة‬ ‫املرضى‪ ،‬مما تسبب في وجود نقص في الدواء وامتالء سعة بعض املرافق‬ ‫الطبية‪.‬‬ ‫أدت أزم��ة الالجئني إل��ى تفاقم مشكالت ع��دي��دة كانت م��وج��ودة ف��ي األردن‬ ‫قبل ذلك‪ .‬كان نظام الرعاية االجتماعية في األردن يعاني حتى قبل وصول‬ ‫السوريني‪ .‬وفي الواقع‪ - ،‬بعد االزمة السورية‪ -‬وصل إحباط الشعب بسبب‬ ‫سوء الخدمات في مجاالت الصحة والتعليم والصرف الصحي‪،‬وكما أخبرني‬ ‫أحد املراقبني املحليني في عمان بأن «كل شيء كان ينهار بالفعل عندما ظهر‬ ‫السوريون»‪.‬‬ ‫يشكو األردنيون باستمرار من أن حكومتهم ‪ -‬واملجتمع الدولي ‪ -‬تساعد‬ ‫الالجئني السوريني على حساب مواطنيها املكافحني‪ .‬لم يتسبب هذا اإلحباط‬ ‫املنتشر في اندالع أحداث عنف حتى اآلن‪ ،‬ولكن ربما ُينذر عدد من األحداث‬

‫الثانوية ‪ -‬مثل وضع حواجز من اإلطارات املشتعلة على الطريق املؤدي ملخيم‬ ‫الزعتري ورشق الشاحنات التي تقدم املساعدات لالجئني بالحجارة ‪ -‬بمشكلة‬ ‫وشيكة‪ .‬قال لي أحد األردنيني‪ ،‬إن األردنيني يعتقدون أن «السوريني يأخذون‬ ‫فرصهم» وإن الحكومة األردنية تساعد على ذلك‪.‬‬

‫مساعدات تنموية‬ ‫تحتاج الواليات املتحدة إلى املساعدة على حل هذه املشكلة في وقت قريب‪.‬‬ ‫ينبغي على واشنطن البدء بالنظر في طلب تقدمت به عمان في يناير (كانون‬ ‫الثاني) من املجتمع الدولي للحصول على ‪ 4.1‬مليار دوالر كمساعدات تنموية‬ ‫لدعم الخدمات الصحية والتعليمية والصرف الصحي وخدمات عامة أخرى‬ ‫تعاني من كثرة الضغط‪ ،‬وأصبح من الضروري دعم الخدمات االجتماعية‬ ‫لألردنيني وكذلك السوريني‪.‬‬ ‫يجب على ال��والي��ات املتحدة أي�ض��ا أن ت��وس��ع ن�ط��اق مساعداتها اإلنسانية‬ ‫امل�ب��اش��رة‪ .‬لكن عليها أن تفعل ذل��ك بطريقة تدعم ف��ي ال��وق��ت ذات��ه األه��داف‬ ‫التنموية طويلة األجل وتتجنب إغضاب املجتمع األردني املضيف‪ .‬على سبيل‬ ‫املثال‪ ،‬يجب على املنظمات أن تقسم مساعداتها – سواء في شكل مساعدات‬ ‫نقدية أو عينية أو تدريب مهني أو برامج دعم عالجي – بني الالجئني السوريني‬ ‫واألردنيني املحتاجني‪.‬‬ ‫ي �ن �ب �غ ��ي ع� �ل ��ى ال � � ��والي � � ��ات امل� �ت� �ح ��دة‬ ‫أيضا مساعدة املجتمع ال��دول��ي في‬ ‫تطوير مزيد من البرامج التي تلبي‬ ‫احتياجات األردنيني والسوريني معا‬ ‫وتشجع على التعاون بينهم‪ .‬يدفع‬ ‫أح��د ال�ب��رام��ج امل��وج��ودة‪ ،‬ال��ذي تموله‬ ‫الواليات املتحدة مع حلفاء أوروبيني‪،‬‬ ‫ألص �ح��اب امل �ن��ازل األردن� �ي�ي�ن أم ��واال‬ ‫مقابل إضافة مساحات إلى منازلهم‬ ‫ُ‬ ‫لكي ت��ؤج��ر لالجئني لفترة محددة‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وبعدها تستخدم املساحة بأي طريقة يفضلها املالك‪ .‬تعود مثل هذه املشاريع‬ ‫بالنفع املباشر على كلتا املجموعتني وه�ك��ذا تكون أفضل طريقة لتهدئة‬ ‫التوترات بينهما‪.‬‬

‫ي�صل عدد الالجئني ال�سوريني‬ ‫يف الأردن �إىل ‪� 600‬ألف الجئ‬ ‫تقريبا ميثلون نحو ع�شرة يف‬ ‫املائة من �سكان الأردن‬

‫مشكلة التأقلم‬ ‫َُ‬ ‫في النهاية‪ ،‬يجب على واشنطن أن تذكر األردنيني والسوريني أن كل هذا مجرد‬ ‫حل مؤقت‪ .‬نعم‪ ،‬سوف يتخذ مئات اآلالف من السوريني األردن موطنا لهم‬ ‫لعدة سنوات مقبلة‪ .‬ولكن األردن مجرد مالذ مؤقت‪ .‬في الوقت الذي يقيم فيه‬ ‫الالجئون السوريون في األردن‪ ،‬يحتاجون إلى الحصول على فرص لشحذ‬ ‫املهارات التي قد يحتاجونها في املستقبل‪ ،‬في سوريا‪.‬‬ ‫ويشمل هذا دمجهم بشكل أفضل في االقتصاد املحلي وتوسعة نطاق فرص‬ ‫التعليم للطالب األكبر سنا ‪ -‬وليس بغرض جعل السوريني سكانا على املدى‬ ‫الطويل‪ ،‬بل إلعدادهم للعودة إلى وطنهم إلعادة بنائه في أقرب وقت ممكن‪.‬‬ ‫غالبا ما تكون عملية دعم الالجئني عالية التكلفة‪ ،‬من الناحية املادية وغيرها‪.‬‬ ‫ويعاني األردن بالفعل من مشكلة التأقلم‪ .‬لذا يجب على الواليات املتحدة والدول‬ ‫الشريكة الرئيسة مواصلة دعم أعداد الالجئني السوريني التي ما زالت تتزايد‬ ‫هناك مع العمل على تخفيف آثار وجود الالجئني على األردنيني املحليني‪.‬‬ ‫يتطلب ذلك مزيجا من املساعدات اإلنسانية واملساعدات التنموية‪ ،‬مع معرفة‬ ‫أن مساعدة السوريني النازحني تتطلب مساعدة األردنيني النازحني أيضا‪.‬‬ ‫وإذا لم يحدث هذا‪ ،‬يعرض تدفق الالجئني السوريني استقرار األردن لخطورة‬ ‫أكبر مما هي عليه بالفعل‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أبريل ‪ /‬نيسان ‪49 - 2014‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫األردن يعاني تحت ضغوط استضافة الالجئني السوريني‬

‫مالذ مؤقت‬

‫جندي أردني يحمل أحد األطفال املصابني في رحلة شاقة مع مجموعة من الالجئني السوريني وهم في طريقهم ملخيم الزعتري ‪ 5 -‬ديسمبر ‪2013‬‬

‫كتبت‪ :‬ماريسا بورغيس *‬

‫مر على اندالع الحرب األهلية في سوريا ثالث سنوات‪ ،‬وتظل الواليات املتحدة غير قادرة على وضع حد لهذا االقتتال‪.‬‬ ‫لكن حقيقة أن الواليات املتحدة ال تستطيع وقف الصراع‪ ،‬ال تعفيها من مسؤولية معالجة آثاره‪ .‬أوال وقبل كل شيء‪،‬‬ ‫أزمة اللجوء املتفاقمة التي تهدد اآلن استقرار الدول املجاورة لسوريا واملنطقة بأكملها‪.‬‬ ‫* زميلة باحثني في مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أبريل ‪ /‬نيسان ‪48 - 2014‬‬


‫انتقد تاج الدين لتأييده قرار محكمة محلية منع تقديم ترجمة جديدة للقرآن‬ ‫وهو الحكم الذي أغضب املسلمني املدافعني عن الحقوق املدنية‪ .‬ويهدد احتفاء‬ ‫بوتني بتاج الدين واعتباره الصوت الرسمي لإلسالم في روسيا باإلساءة إلى‬ ‫موقف تاج الدين في عيون أتباعه‪ ،‬كما أنه يعرض العالقة الطيبة بني الكرملني‬ ‫وهيئة جينودين للخطر كما أن��ه يمكن أن يعزز موقف املعارضني املسلمني‬ ‫الذين يرون أن املالحقات ضدهم تتزايد‪ .‬فبتبنيه لتاج الدين‪ ،‬ربما يراهن بوتني‬ ‫على الحصان الخاسر‪.‬‬ ‫وتسود تلك النزاعات على السلطة أنحاء روسيا حاليا؛ حيث يتنازع زعماء‬ ‫املساجد مع بعضهم البعض على الهيمنة‪ ،‬ويتبادلون التهم بالتطرف والهرطقة‬ ‫ويستدعون الدولة والشرطة للتدخل‪ .‬فعلى سبيل املثال قام اإلمام سيد جعفر‬ ‫لطفولني‪ ،‬إمام مسجد بتتارستان والذي نظم حملة ملقاطعة حفل إلتون جون في‬ ‫عاصمة الجمهورية خالل العام املاضي‪ ،‬بالتحذير من قيام اثنني من خصومه‬ ‫بنشر اآلراء املتطرفة املرتبطة بحزب التحرير‪ ،‬وهو ما ترتب عليه إدانتهما على‬ ‫الفور وسجنهما‪.‬‬

‫وعلى الرغم من أن النساء املسلمات في تتارستان كانوا يمارسون أنواعا‬ ‫مختلفة من ارتداء أغطية الشعر منذ بداية التسعينات فإن سبعة في املائة فقط‬ ‫منهن يرتدين الحجاب‪.‬‬ ‫وإذا ما افترضنا أن النشاطات املسلحة تولد في رح��م مناطق الحروب مثل‬ ‫القوقاز‪ ،‬فإن تتارستان ليس لديها ما تقلق بشأنه‪ .‬فنظرا لوجود صناعة بترولية‬ ‫مربحة‪ ،‬وأرض زراعية خصبة وقطاع صناعي قوي‪ ،‬حصلت تتارستان على‬ ‫التصنيف الرابع في املناطق الروسية نظرا الرتفاع مستوى املعيشة وذلك في‬ ‫استطالع حديث حيث جاءت بعد موسكو وسان بطرسبرغ ومنطقة موسكو‬ ‫الكبرى‪ .‬وك��ان أكثر املجيبني على االستطالع تدينا ليسوا الرجال الغاضبني‬ ‫الذين يميل الصحافيون الروس والغربيون لتصويرهم على نحو كاريكاتيري؛‬ ‫بل كانوا متقاعدين نساء يعيشون في الريف‪ .‬وال يمكن أن يكون هناك تناقض‬ ‫أكثر وضوحا من املقارنة مع الجمهوريات التي تمزقها الحروب مثل جمهورية‬ ‫الشيشان وإنغوشيا واللتني باإلضافة إلى حاالت العنف املستمرة‪ ،‬فهناك ثلث‬ ‫السكان يعاني من البطالة واليأس والتوتر‪.‬‬

‫وتخفي تلك النعوت املثيرة للجدل نزاعات أكثر عمقا وتجذرا ح��ول ما الذي تناقضات الكرملني‬

‫يعنيه كونك مسلما في روسيا اليوم‪ .‬فخالل العقدين املاضيني‪ ،‬أدى البحث‬ ‫عن جوهر اإلس�لام في عالم ما بعد االتحاد السوفياتي إلى إجابات متعددة‬ ‫وخ�لاف��ات عميقة‪ .‬فعلى سبيل امل�ث��ال‪ ،‬احتفى العديد من التتار بالرؤية التي‬ ‫تفيد بأنهم يمارسون اإلسالم كجزء من اإلرث اإلثني‪ ،‬وهي الرؤية التي عززها‬ ‫رجال دين يستمدون سلطتهم من الحكومة‪ ،‬ويجدون أن ذلك التفسير وثيق‬ ‫الصلة بهويتهم التتارية املستقلة‪ .‬وسرعان ما نعتت تلك املدرسة في التفكير‬ ‫من ينتقدون رؤاها بأنهم متطرفون‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬كان املثقفون التتار األكثر علمانية يتطلعون إلى الغرب مؤكدين‬ ‫أن اإلسالم يدعو لإلصالح بما يتوافق مع ذلك النوع من اإلصالحات الذي جرت‬ ‫ممارسته في أوروبا‪ ،‬ويقولون إن اإلسالم يجب أن يكون متوافقا مع املفاهيم‬ ‫املعاصرة للتقدم وحقوق املرأة‪ .‬ووفقا لرؤيتهم‪ ،‬يجب أن يتمتع املسلمون باملرونة‬ ‫عندما يقررون ماهية التقاليد القانونية اإلسالمية املناسبة لعصرهم‪.‬‬ ‫وتقف كل من املفاهيم العرقية للتتار التي تتحكم فيها الحكومة‪ ،‬وكذلك الرؤية‬ ‫األكثر علمانية‪ ،‬في مواجهة سلفيي روسيا الذين يرفضون مثل تلك التفسيرات‪.‬‬ ‫فمن جهتهم‪ ،‬يمثل السلفيون مجموعة مسيسة ومنتشرة ف��ي مجموعات‬ ‫صغيرة في جميع أنحاء البالد تعد من أكثر الجماعات اإلسالمية تفردا ليس‬ ‫فقط من خالل اللحى واملالبس ولكن نظرا ألنهم يمثلون تحديا ثقافيا واضحا‬ ‫للوضع الراهن‪.‬‬

‫في بخارستان‪ ،‬وتتارستان‪ ،‬وموسكو‪ ،‬وسان بطرسبرغ وغيرها من األماكن‬ ‫في روسيا‪ ،‬تمتزج كافة أنواع الجماعات السنية والشيعية بطرق جديدة خاصة‬ ‫عبر الهجرة من جمهوريات االتحاد السوفياتي سابقا إلى الجنوب‪ .‬فعلى سبيل‬ ‫املثال‪ ،‬وعلى الرغم من أن السلفيني يرفضون الصوفية (التي تتبنى توجها أكثر‬ ‫روحانية لإلسالم وتقدس األضرحة ورجال الدين)‪ ،‬يلتقي أفراد كال الجماعتني‬ ‫خالل العمل في بناء املواقع وفي األسواق وفي مساجد موسكو املتعددة‪ .‬كما‬ ‫يصلي كالهما إلى جانب متملقي التراتبيات اإلسالمية التي تدعمها الدولة ومن‬ ‫يدعون إلى أن يعمل املجتمع املدني بدال من الدولة على إدارة الشؤون اإلسالمية‪.‬‬ ‫وبالنسبة للتعددية الناشئة واملعارضة واكتشاف اإلسالم في روسيا سيكون‬ ‫من الخطأ أن تبالغ في مستوى ه��ذا اإلحياء الديني أو مساواته بالتنظيمات‬ ‫املسلحة‪ .‬وقد وجد استطالع رأي أجراه في عام ‪ 2010‬مركز أبحاث الرأي العام‬ ‫الروسي أن املسلمني أقل حماسة تجاه اإلجازات الدينية واألدب والطقوس مما‬ ‫كانت عليه الكنيسة األرثوذكسية‪ .‬وفي تتارستان‪ ،‬أظهر مسح جرى إجراؤه‬ ‫في عام ‪ 2012‬أن ستة في املائة من املسلمني ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم‬ ‫«متدينني للغاية»‪ ،‬فيما يقر نحو ‪ 17‬في املائة آخرين بأن «لديهم شكوكا» بشأن‬ ‫ما إذا كانوا ما زالوا مسلمني من األساس‪.‬‬

‫وبمزيج من جذب حلفاء متدينني وقمع آخرين وتخليد صورة االضطرابات‬ ‫اإلسالمية النابعة من القوقاز‪ ،‬يعاني اتجاه الكرملني من التناقض‪ .‬وتعمل‬ ‫ال �ح �ك��وم��ة ج ��اه ��دة إلب� � ��راز رغ�ب�ت�ه��ا‬ ‫املميزة في التسامح ولكن باصطدامها‬ ‫ب��ال��وس �ط��اء ال ��ذي ��ن اخ �ت��ارت �ه��م ف��إن�ه��ا‬ ‫تخاطر بصنع أع��داء جدد‪ .‬ويزعم أن‬ ‫اإلس�لام هو إحدى الديانات الروسية‬ ‫التقليدية الذي تدافع عنه الدولة ولكنها‬ ‫تثير ال��ذع��ر ب�ين غير املسلمني تجاه‬ ‫ت��رج �م��ات م� �ح ��ددة ل�ل�إس�ل�ام وت�ن�ع��ت‬ ‫مناطق بأسرها بالتسلح اإلسالمي‪.‬‬

‫يتحدى م�سلمو رو�سيا الت�صنيف‬ ‫ال�سهل فحتى تكوينهم الدميوغرايف‬ ‫يعد مو�ضوعا للجداالت العنيفة‬ ‫فحاليا تقدر احلكومة وال�صحافيون‬ ‫ومنظمات احلقوق املدنية �إجمايل‬ ‫عدد امل�سلمني بنحو ‪ 20‬مليونا‬

‫وتتعامل موسكو مع كافة الجماعات‬ ‫ال ��دي �ن �ي ��ة ف� ��ي روس � �ي� ��ا ب �م ��ا ف� ��ي ذل ��ك‬ ‫املسيحيون األرث��وذك��س وع�ل��ى نحو‬ ‫مشابه‪ :‬من خالل محاولة احتوائهم‪.‬‬ ‫وال يحتاج األمر إال إلى صوت واحد تدعمه الدولة لكي يجعل الزعم باالبتعاد‬ ‫عن األرثوذكسية الدينية جريمة سواء كانت تلك السلطة تنبع من القساوسة‬ ‫األرثوذكس أو رجال الدين املسلمني املوالني للكرملني والذي ساعد على نشأتهم‪.‬‬ ‫وربما يدفع دعم الدولة لتفسير واحد ألحد األديان إلى مالحقة من يعتنقون‬ ‫تفسيرا آخر‪.‬‬ ‫ولكن ترويج الحكومة االنتقائي لإلسالم يتوافق مع أهداف السياسة الخارجية‬ ‫لبوتني‪ .‬وقد شكل تأكيد بوتني على العالقات التاريخية بني اإلسالم وروسيا‬ ‫باإلضافة إلى تصريح الرئيس ديمتري ميدفيديف في عام ‪ 2009‬بالقاهرة‬ ‫(وال ��ذي ك��رره بوتني ف��ي أوف��ا) ب��أن روس�ي��ا كانت «ج��زءا أساسيا» م��ن العالم‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬وهو ما شكل مسلك موسكو الستعادة نفوذها في آسيا والشرق‬ ‫األوسط‪ .‬وتمثل مثل تلك التصريحات أيضا إجابة وإن كانت صامتة لألصوات‬ ‫املحلية املتنامية املتعلقة بكراهية األجانب واالنتقادات العنصرية التي يديرها‬ ‫السياسيون الشعبيون والتنظيمات اليمينية ضد مهاجري روسيا‪.‬‬ ‫خ��اض��ت ح�ك��وم��ة ب��وت�ين ال�ت��ي ك��ان��ت ال تستريح للتعددية وت �ن��وع امل�م��ارس��ات‬ ‫اإلسالمية في روسيا رهانا باختيارها للمفسرين املصيبني لإلسالم‪ .‬ولكن‬ ‫بقيامها بذلك فإنها خسرت هؤالء املسلمني الذين يجدون تحالفات بني السلطات‬ ‫املسلمة والحكومة القمعية‪ .‬وإل��ى ح��د كبير‪ ،‬س��وف يقرر املسلمون ال��روس‬ ‫أنفسهم من لديه السلطة لكي يتحدث بأسمائهم بغض النظر عن محاوالت‬ ‫بوتني لكي يقرروا العالقات الدينية مع الدولة‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أبريل ‪ /‬نيسان ‪47 - 2014‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫فمن جهتها‪ ،‬كانت املؤسسات األمنية الروسية دائما ما تختلق وجود مسلحني نموذج كاثرين الثانية‬ ‫في مناطق ال يوجد بها أي منهم وتتهم املسلمني املحليني باالتصال باملتطرفني‬ ‫دون وجود دليل بخالف تربية أحدهم للحية أو ارتدائه مالبس معينة‪ .‬وعادة‬ ‫ما كان املسؤولون يلقون باللوم ‪ -‬بمساعدة رجال الدين املسلمني املقربني من‬ ‫الدولة ‪ -‬في أحداث العنف‪ ،‬على عاتق جماعات التبليغ‪،‬والتي لديها وجود سري‬ ‫في العديد من املدن الروسية اليوم و«حزب التحرير» وهو تنظيم إسالمي يسعى‬ ‫إلنشاء خالفة عابرة للقوميات‪.‬‬

‫وفي بعض األوقات‪ ،‬كانت الوكاالت األمنية تساهم في التهديد األمني بأساليب‬ ‫أكثر مباشرة‪ .‬حيث قام كل من بوتني خالل واليته األولى كرئيس‪ ،‬وسلفه بوريس‬ ‫يلتسني‪ ،‬باستغالل الحرب التي اندلعت في الشيشان في أواخ��ر التسعينات‬ ‫لتعزيز شبعيتيهما وتبرير سلسلة من اإلجراءات األمنية القمعية‪ .‬وكنتاج لذلك‬ ‫التالعب‪ ،‬أصبح العديد من ال��روس‪ ،‬ولديهم أسباب وجيهة لذلك‪ ،‬يشكون بأن‬ ‫هيئة األمن الفيدرالية الروسية متورطة في عدد من الهجمات اإلرهابية الكبرى‬ ‫التي رجت أرجاء روسيا قبل عقد بما في ذلك سلسلة من تفجيرات املباني في‬ ‫جميع أنحاء البالد في عام ‪ 1999‬وكارثة مسرح دوبروفكا في عام ‪( 2002‬والتي‬ ‫راح ضحيتها نحو ‪ 40‬مسلحا شيشانيا و‪ 130‬رهينة)‪.‬‬

‫وكان نموذج اإلسالم‪ ،‬الذي تجده الدولة موائما‪ ،‬حاضرا في املشهد في أكتوبر‬ ‫(تشرين األول) املاضي‪ ،‬عندما أحيا املسؤولون الروس ورجال الدين اإلسالميون‬ ‫في «أوفا» عاصمة جمهورية بخارستان الذكرى ‪ 225‬لإلدارة الدينية املركزية‬ ‫ملسلمي روسيا وهي مؤسسة أنشئت في عهد كاثرين الثانية لوضع اإلسالم‬ ‫تحت إشراف الدولة‪ .‬وخالل عهد كاثرين (‪ )96-1762‬حصل مسلمو روسيا‬ ‫على إقرار رسمي بمساجدهم ورجال الدين الخاصني بهم‪ ،‬بل إن حكومتها‬ ‫قبلت تطبيقهم للشريعة اإلسالمية فيما يتعلق بالزواج واألسرة واألخالق العامة‪.‬‬ ‫كما كان املاللي واألفراد املترددون على املساجد دائما ما يلجأون إلى الشرطة‬ ‫القيصرية للوشاية بجيرانهم الذين يرتكبون الزنا أو ال يواظبون على حضور‬ ‫الصلوات‪ .‬وأصبح اإلسالم أحد أعمدة النظام اإلمبراطوري املحافظ‪.‬‬

‫وفي املقابل‪ ،‬كان من املتوقع أن تقوم السلطات اإلسالمية بتعليم أتباعها أن‬ ‫كونهم مسلمني صالحني يعني بالضرورة الوالء للدولة‪ .‬ومن ثم‪ ،‬وكما هو الحال‬ ‫اآلن‪ ،‬كان تسامح السلطة يأتي مشروطا بعدة عوامل‪ .‬وباملثل‪ ،‬كان العديد من‬ ‫رجال املسلمني ما زالوا يتحدثون في خطبهم ضد املظالم االجتماعية ويركز‬ ‫عدد منهم على السياسة الخارجية ليعكسوا رؤية الكرملني تجاه التحالف بني‬ ‫وترغب موسكو أن تصور العنف في شمال القوقاز باعتباره عنفا مرتبطا البلدان املسلمة ورؤيته لروسيا كمعادل لنفوذ الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫بالتمرد اإلس�لام��ي خ��ارج روس�ي��ا‪ .‬فبعدما ش��ن الكرملني ال�ح��رب الثانية في‬ ‫إمارة‬ ‫الشيشان في عام ‪ ،1999‬دشن بعض املقاتلني املسلمني حملة إلنشاء‬ ‫وأث �ن��اء االح�ت�ف��ال�ي��ة ب� �ـ«أوف ��ا»‪ ،‬أع�ل��ن ب��وت�ين اإلس�ل�ام «ك�م�ك��ون أس��اس��ي للثقافة‬ ‫�ة‪.‬‬ ‫�‬ ‫ي‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫�رو‬ ‫إس�لام�ي��ة ع�ل��ى األراض� ��ي ال�‬ ‫الروسية وج��زء عضوي وأساسي في التاريخ ال��روس��ي» واحتفى باملؤسسة‬ ‫لديهم‬ ‫�ن‬ ‫�‬ ‫ولكن ه��ؤالء املتآمرين ال��ذي‬ ‫ألنها ساعدت على أن تجعل املسلمني «وطنيني حقا ومنتمني لوطنهم»‪ .‬ولكنه‬ ‫مسؤولني‬ ‫أه��داف طوباوية لم يكونوا‬ ‫حذر من أن «قوى سياسية محددة» تسعى «الستغالل اإلسالم أو على نحو‬ ‫االضطرابات‬ ‫سوى عن قدر محدود من‬ ‫أكثر دقة تيارات راديكالية» إلضعاف الدولة‪ .‬وأضاف بوتني أن «مسلمي روسيا‬ ‫أنشطة‬ ‫كانت‬ ‫في املنطقة‪ .‬فبشكل عام‬ ‫كانوا دائما متحدين في خدمة املجتمع ودولتهم وال��دف��اع عنها ضد األع��داء‬ ‫�از‬ ‫�‬ ‫ق‬ ‫�و‬ ‫�‬ ‫ق‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫�ي‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫امل �ج �م��وع��ات امل �س �ل �ح��ة‬ ‫الخارجيني ومظاهر التطرف»‪ .‬كما دعا رجال الدين الحضور «لرفع أصواتهم»‬ ‫على‬ ‫املحلية‬ ‫الصراعات‬ ‫تقتصر على‬ ‫في الدفاع عن الوحدة والتجانس داخل روسيا وفي العالم اإلسالمي بشكل عام‬ ‫�د‬ ‫�‬ ‫ح‬ ‫أ‬ ‫�وى‬ ‫�‬ ‫س‬ ‫�ن‬ ‫�‬ ‫ي‬ ‫�د‬ ‫�‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫�ن‬ ‫�‬ ‫ك‬ ‫�‬ ‫ي‬ ‫ال�س�ل�ط��ة ول ��م‬ ‫واملساعدة على دمج العمال املهاجرين وتعزيز املؤسسات اإلسالمية التي تتبنى‬ ‫املقاتلون‬ ‫�ان‬ ‫�‬ ‫ك‬ ‫و‬ ‫لها‪.‬‬ ‫املحركة‬ ‫العوامل‬ ‫الرؤية اإلسالمية الروسية املميزة لتهميش «القيادات غير الرسمية» التي تهدد‬ ‫بتحقيق‬ ‫�ا‬ ‫�‬ ‫م‬ ‫�ا‬ ‫�‬ ‫م‬ ‫�‬ ‫ت‬ ‫�‬ ‫ه‬ ‫ا‬ ‫�ر‬ ‫�‬ ‫ث‬ ‫�‬ ‫ك‬ ‫أ‬ ‫�ون‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫امل �ت �ط��ر‬ ‫بتعاليمها الزائفة الدولة‪.‬‬ ‫مكاسب م��ن نشاطاتهم الجنائية أو‬ ‫االنتقام من وحشية الحكومة أكثر من وأبرزت مالحظات بوتني كيف كان املسؤولون املسلمون والروس دائما يشاركون‬ ‫القضايا اإلسالمية‪.‬‬ ‫في الحوار حول كيف يمكن ضبط اإلسالم وهو الحوار الذي كان دائما للدولة‬ ‫اليد العليا فيه‪ .‬وبالطبع استجاب طلعت تاج الدين‪ ،‬رئيس اإلدارة الدينية املركزية‬ ‫والحقيقة هي أن��ه على الرغم من دعاية الحكومة ومالحقاتها‪ ،‬ما زال معظم ملسلمي روسيا والبالغ من العمر ‪ 65‬عاما بحماسة لتوجيهات بوتني‪ .‬وتعزيزا‬ ‫املسلمني الروس مرتبطني بقوة ببلدهم ومؤسساتها‪ .‬وعلى الرغم من تنامي إلشارة بوتني إلى الجهود التاريخية للمسلمني في الدفاع عن الدولة‪ ،‬أشار املفتي‬ ‫جاذبية اإلسالم العابر للقوميات ‪ -‬أصبح بإمكان املسلمني الروس اآلن التسوق إلى أن مؤسسته كانت تقوم بكل ما في وسعها للحفاظ على «اإلسالم التقليدي»‬ ‫للحصول على أحدث صيحات املوضة اإلسالمية في املحال املخصصة وحضور ومنع «دعاية الفصائل الطغيانية والتيارات الراديكالية في مجتمعاتنا»‪.‬‬ ‫معرض «ال�ح�لال» السنوي ال��ذي ينعقد بموسكو ‪ -‬ف��إن ذل��ك ال يعكس تحوال‬ ‫أصوليا للوالءات أو التوجهات‪.‬‬

‫ال يبدي معظم امل�سلمني الرو�س‬ ‫اهتماما بدعوات الدعاة الأجانب‬ ‫فعلى غرار املجتمعات الأخرى يف‬ ‫رو�سيا ا�ستغل امل�سلمون احلريات التي‬ ‫ح�صلوا عليها منذ �سقوط ال�شيوعية‬ ‫والإحلاد لإعادة اكت�شاف دينهم‬

‫فمن جهة‪ ،‬ال يبدي معظم املسلمني الروس اهتماما بدعوات الدعاة األجانب‪ .‬فعلى‬ ‫غرار املجتمعات األخرى في روسيا‪ ،‬استغل املسلمون الحريات التي حصلوا‬ ‫عليها منذ سقوط الشيوعية واإللحاد إلع��ادة اكتشاف دينهم‪ .‬ولكنهم كانوا‬ ‫في معظم األحيان يرفضون العروض التي يقدمها الدعويون األتراك والحكومة‬ ‫السعودية أو غيرهم من األجانب الستبدال الحزب الشيوعي ال��ذي يعود إلى‬ ‫العصر السوفياتي برجال دين جدد يأتون من الخارج‪ .‬وباستثناء جمهورية‬ ‫داغستان‪ ،‬بشمال القوقاز‪ ،‬التي لديها عالقات وثيقة باملؤسسات التعليمية‬ ‫العربية‪ ،‬ركز املسلمون الروس على تأسيس مدارسهم الدينية الخاصة‪ .‬وفي‬ ‫إطار تلك الجهود‪ ،‬تمتع املسلمون بتأييد قوي من الدولة التي منحت اإلسالم‬ ‫وض��ع «أح��د األدي��ان التقليدية في روسيا» وعلى الرغم من أنها رسميا دولة‬ ‫علمانية‪ ،‬تميل روسيا إلى الكنيسة األرثوذكسية كما تعهد املسؤولون بحماية‬ ‫اإلسالم والبوذية بل وحتى اليهودية من املؤثرات األجنبية‪ .‬وعمليا يعني ذلك‬ ‫تأييد السلطات الدينية املستعدة للعمل مع الدولة لتعزيز الوطنية بني املتدينني‪.‬‬

‫رهان بوتني‬

‫على الرغم من أن ذلك الخطاب يمثل محاولة من بوتني للحفاظ على سيطرة الدولة‪،‬‬ ‫فإنه يعكس أيضا املعضلة التي يواجها‪ ،‬نظرا ألن مسلمي روسيا ال يتحدثون‬ ‫بصوت واحد‪ .‬فعلى الرغم من أن تاج الدين أكد تعاونه‪ ،‬فإن لديهم خصما شرسا‪،‬‬ ‫وهو رافاييل جينودين (‪ 54‬سنة) رئيس مجلس املفتني الروسي‪ ،‬وهي الهيئة‬ ‫التي تتكون من رجال الدين وتتنافس مع اإلدارة الدينية املركزية ملسلمي روسيا‬ ‫على العمل كممثل رسمي لإلسالم في روسيا‪ .‬وبالطبع لم يكن جينودين سعيدا‬ ‫بظهور تاج الدين مع بوتني ومن ثم كان ظهوره مقتضبا خالل تلك االحتفالية‬ ‫بأوفا‪ ،‬فقد كان الرجالن يتنازعان لسنوات طويلة حول السيطرة على املؤسسات‬ ‫اإلسالمية بروسيا بما في ذلك العديد من الهيئات واملدارس الدينية في صراع‬ ‫يستهدف الفوز باملكانة االجتماعية واملوارد املالية وكذلك دعم الدولة‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬رأى تاج الدين االحتفال السنوي كاحتفاء بدعوته لتوحيد نحو‬ ‫‪ 80‬تنظيما إسالميا إقليميا في البالد تحت سلطته‪ ،‬ولكن جينودين‪ ،‬من جانبه‪،‬‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أبريل ‪ /‬نيسان ‪46 - 2014‬‬


‫على نحو دائم‪ ،‬كان املسلحون اإلسالميون في شمال القوقاز يناشدون بقية‬ ‫مسلمي روسيا لينتفضوا وينضموا إليهم‪ .‬ففي الصيف املاضي‪ ،‬دعا دوكو‬ ‫عمروف؛ أحد القيادات املتمردة الذي يزعم هيمنته على ما يعتبره إمارة القوقاز؛‬ ‫املجاهدين في تتارستان وباشكورتوستان (جمهوريتان مستقلتان تقعان‬ ‫على مبعدة ‪ 400‬و‪ 700‬ميل من شرق موسكو على التوالي) «إلفساد» خطط‬ ‫الرئيس الروسي فالديمير بوتني إلقامة األوملبياد في سوتشي على آثار سلفهم‪.‬‬ ‫ولكن محاوالت عمروف لحث املسلمني على االنتفاضة في كافة أنحاء روسيا‬ ‫ضد حكومة بوتني لم تحقق نجاحا يذكر‪ .‬فال ت��زال القوقاز منطقة منعزلة‬ ‫بني املناطق الروسية ذات األغلبية املسلمة‪ ،‬والتي باإلضافة إلى كونها معقال‬ ‫راديكاليا‪ ،‬فإنها تتمتع باالستقرار والتماسك كما أنها مزدهرة إلى حد ما‪ .‬كما‬ ‫لم يبد أغلبية املسلمني في معظم أنحاء الفيدرالية الروسية تعاطفا مع إخوتهم‬ ‫في منطقة شمال القوقاز املضطربة بل كانوا‪ ،‬تاريخيا‪ ،‬يظهرون اهتماما أكبر‬ ‫بالتعايش مع الدولة وليس مقاومتها‪.‬‬ ‫على أية حال‪ ،‬يظل السؤال الرئيس اليوم هو كيف سيستمر الكرملني في التعامل‬ ‫مع الجالية املسلمة املتنوعة وما إذا كان يستطيع الحفاظ على والءات مثل تلك‬ ‫املجموعات املتنوعة‪ .‬فمن جهتها‪ ،‬بذلت حكومة بوتني جهودا حثيثة الستقطاب‬ ‫املسلمني ألهدافها السياسية الخاصة‪ ،‬سواء املحلية أو األجنبية‪ .‬وكان دائما‬ ‫إيجاد حل للحرب ال��دائ��رة في شمال القوقاز مجرد ج��زء من األحجية‪ .‬ففي‬ ‫املناطق األخرى‪ ،‬يعتمد االستقرار إلى حد بعيد على ما إذا كانت موسكو سوف‬ ‫تستمر في محاولة السيطرة على كيفية تفسير املواطنني املسلمني بروسيا‬ ‫للشريعة اإلسالمية من خالل تحديد أي السلطات واملمارسات الدينية يعد وطنيا‬ ‫بما يكفي ومتوافقا مع الدولة‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬كان مسلمو روسيا دائما يميلون إلى تبني توجهات دينية‬ ‫مختلفة ومتنافسة‪ .‬ويزيد تدخل الحكومة في الجدال الدائر داخ��ل الجاليات‬ ‫املسلمة املتنوعة من خطر عزل الذين يتبنون اتجاها إسالميا سلميا ولكنه‬ ‫يتعارض مع الرؤية املعتمدة رسميا لإلسالم‪ .‬باإلضافة إل��ى أن وض��ع قيود‬ ‫على التفسير اإلسالمي حتى وإن كان ذلك بمساعدة أحد معسكرات السلطات‬ ‫اإلسالمية ضد األخرى لن يقلل من حدة التحديات السياسية الكثيرة املتعلقة‬ ‫باإلسالم والتي تواجهها روسيا‪ ،‬بل على العكس‪ ،‬سيكون على الكرملني احتواء‬ ‫قدر أكبر من التعددية في مشهد إسالمي دائم التغير‪.‬‬

‫أكبر جالية مسلمة في أوروبا‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬يتحدى مسلمو روسيا التصنيف السهل‪ .‬فحتى تكوينهم‬ ‫الديموغرافي يعد موضوعا للجداالت العنيفة‪ ،‬فحاليا تقدر الحكومة والصحافيون‬ ‫ومنظمات الحقوق املدنية إجمالي عدد املسلمني بنحو ‪ 20‬مليونا أو ‪ 14‬في املائة‬ ‫من إجمالي سكان روسيا الذين يصل عددهم إلى ‪ 143‬مليون نسمة‪ .‬وال يجعل‬ ‫ذلك الرقم مسلمي روسيا ثاني أكبر الجاليات املسلمة في البالد فقط ولكنه‬ ‫يجعلها أيضا أكبر جالية مسلمة في أوروبا بأسرها‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬فإن آخر تعداد‬ ‫للسكان والذي أجري في ‪ 2010‬والذي كان يسأل عن الجنسية وكذلك االنتماء‬ ‫الديني أفاد بأن البالد لديها ما يقارب ‪ 13‬مليون نسمة من املسلمني أو ما يعادل‬ ‫تقريبا تسعة في املائة من السكان‪.‬‬

‫الستخدام التقديرات األكبر والتي تصل إلى نحو ‪ 20‬مليونا‪ ،‬وذلك في إطار‬ ‫جهودهم للتأكيد على مزاعم روسيا بكونها جزءا من العالم اإلسالمي وجعل‬ ‫تلك املزاعم تبدو أكثر مصداقية لكي يضمنوا التأييد االنتخابي للمسلمني‪.‬‬ ‫ويعزز النظام الفيدرالي لروسيا‪ ،‬والذي ورثته روسيا عن االتحاد السوفياتي‪،‬‬ ‫تلك الحالة من الغموض من خالل منحه امتيازا للعرقيات املحلية في مقابل‬ ‫زيادة أعدادها‪ .‬ولنأخذ تتارستان كمثال‪ ،‬ففي بداية املرحلة السوفياتية أنشأ‬ ‫لينني وستالني (اللذان ينتميان لإلثنية الجورجية) تلك الجمهورية باإلضافة إلى‬ ‫عدد آخر من الجمهوريات إق��رارا بالقومية اإلثنية وتأكيدا على رفض هيمنة‬ ‫اإلثنية الروسية‪.‬‬ ‫واليوم‪ ،‬تتمسك النخب هناك وفي غيرها من املناطق بالسلطة من خالل الزعم‬ ‫بأنها تمثل مصالح ما يزعمون أنها أممهم‪ .‬ولكن في تتارستان وغيرها من‬ ‫الجمهوريات‪ ،‬كان من الصعب دائما الحفاظ على أغلبيات كاسحة أخ��ذا في‬ ‫االعتبار العدد الكبير للسكان في روسيا والهجرات املستمرة‪ ،‬ومن ثم فقد‬ ‫أصبح التتار يشكلون رسميا نحو ‪ 53‬في املائة فقط من السكان الذين يبلغ‬ ‫عددهم ‪ 3.8‬مليون نسمة‪ .‬وكان النشطاء املسلمون وكذلك النخب املحلية دائما‬ ‫ما يتعرضون لالتهامات بأنهم يمارسون ضغوطا على املقترعني للتالعب‬ ‫بنتائج التعداد وزيادة عدد الجماعات املسلمة‪.‬‬ ‫وهناك معضلة مشابهة في موسكو‪ ،‬والتي تعد رسميا موطنا لنحو ‪ 300‬ألف‬ ‫مسلم من إثنيات مختلفة من إجمالي عدد سكان يتراوح بني ‪ 12‬و‪ 17‬مليون‬ ‫نسمة‪ .‬ولكن ال�ت�ع��داد ال يكشف س��وى ع��ن ج��زء م�ح��دود م��ن القصة‪ .‬فهناك‬ ‫نحو مليوني مسلم آخرين يعيشون‬ ‫هناك دون أوراق تسجيل ويزعم بعض‬ ‫املراقبني بأن مليونني من املهاجرين‬ ‫املسلمني يعملون في املدينة‪ .‬وقد أتى‬ ‫معظم ه��ؤالء املسلمني إل��ى موسكو‬ ‫ل �ل �ه��رب م ��ن األوض � � ��اع االق �ت �ص��ادي��ة‬ ‫السيئة ف��ي ب�ل��دان�ه��م م�ث��ل أذرب�ي�ج��ان‬ ‫وطاجيكستان وأوزب�ك�س�ت��ان‪ .‬ولكن‬ ‫وضعهم املؤقت ال��ذي ع��ادة ما يفتقر‬ ‫للتسجيل يجعلهم معرضني ملالحقات‬ ‫الشرطة واالس�ت�غ�لال والعنف اإلثني‬ ‫وك��اف��ة ال�ع��وام��ل التي تعرقل مساعي‬ ‫الحكومة ألن تظهر بمظهر التسامح‪.‬‬ ‫وقد ساعد التضارب في أرق��ام التعداد واعتداءات الشرطة والتعصب األعمى‬ ‫على جمع املسلمني الروس معا في مجموعة واحدة حتى وإن كانوا في الحقيقة‬ ‫مجموعة متنوعة ومنتشرة في جميع أنحاء البالد‪ .‬ففي أماكن مثل تتارستان‪،‬‬ ‫يشكل املسلمون النخب ولكن في موسكو يحتل معظمهم أدنى مراتب القوى‬ ‫العاملة‪ .‬وعلى الرغم من أن النظام الفيدرالي الروسي يمنح املسلمني الروس‬ ‫ن�ف��وذا سياسيا معقوال‪ ،‬ف��إن سياسات الحكومة بما ف��ي ذل��ك ح��االت موثقة‬ ‫من التحرش األمني وال�غ��ارات على املنازل وامل�ش��روع��ات‪ ،‬تعمل على تهميش‬ ‫املهاجرين املسلمني الذين يغيبون عن أعني القائمني على إجراء التعداد ولكنهم‬ ‫واضحون وضوح الشمس لسكان موسكو القلقني تجاه هجرات املسلمني‪.‬‬

‫يظل ال�س�ؤال الرئي�س اليوم هو‬ ‫كيف �سي�ستمر الكرملني يف‬ ‫التعامل مع اجلالية امل�سلمة‬ ‫املتنوعة وما �إذا كان ي�ستطيع‬ ‫احلفاظ على والءات مثل تلك‬ ‫املجموعات املتنوعة‬

‫ويعد ه��ذا ال��رق��م األص�غ��ر نتاجا لالقتصار على إح�ص��اء أع�ض��اء الجماعات ما بعد الشيشان‬

‫العرقية التي كانت ترتبط تاريخيا باإلسالم مثل األذريني وبشكير والشيشان‬ ‫وال�ك��ازاخ والتتار وتصنيفهم جميعا باعتبارهم مسلمني‪ .‬وتزعم العديد من‬ ‫القيادات اإلسالمية بأن ذلك الرقم األقل يأتي في إطار الجهود التي تستهدف‬ ‫التقليل من شأن كتلتهم السياسية مؤكدين أنه فشل في أن يعكس االنتماءات‬ ‫الدينية الحقيقية للروس‪.‬‬ ‫وع�ل��ى ال��رغ��م م��ن ص��دور تلك األرق ��ام الرسمية للتعداد‪ ،‬ع��ادة م��ا يميل حتى‬ ‫السياسيون ال ��روس امل�ق��رب��ون م��ن ب��وت�ين وغيرهم م��ن الجمهوريات العرقية‬

‫يعزز ه��ذا القلق مواجهات موسكو الدائمة م��ع االنفصاليني الشيشان وهو‬ ‫النزاع ال��ذي انتشر عبر شمال القوقاز باعتباره حركة تمرد واسعة يقودها‬ ‫اإلسالميون‪ ،‬والذي أدى إلى الخلط بني الراديكالية واإلسالم في عقول الجماهير‬ ‫الروسية‪ .‬وكما أظهرت تفجيرات فوغوغراد التي وقعت في ديسمبر (كانون‬ ‫األول) املاضي‪ ،‬نقل املسلحون من شمال القوقاز معركتهم ضد الحكومة إلى‬ ‫األراض ��ي الروسية وبعيدا ع��ن موطنهم األص�ل��ي‪ ،‬وه��ي امل�خ��اوف التي عملت‬ ‫الحكومة على استثمارها‪.‬‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أبريل ‪ /‬نيسان ‪45 - 2014‬‬


‫صحافة عالمية‬

‫إلى متى سيستمر بوتني في احتواء التيارات الدينية في روسيا؟‬

‫موسكو واجلماعات املسلمة‬

‫أطفال يتحدثون بعد االنتهاء من الصالة في مسجد (الجمال) في منطقة القوقاز الروسية في داغستان‬

‫بقلم‪ :‬روبرت دي كروز *‬

‫ال يبدو مستغربا أن يحبس الروس أنفاسهم أثناء االستعدادات لألوملبياد الشتوية ‪ 2014‬فهناك سبب وجيه وراء‬ ‫ذلك؛ فمدينة سوتشي التي استضافت الدورة‪ ،‬وتقع على البحر األسود والتي كان رجال الكرملني دائما ما يذهبون‬ ‫إليها كمنتجع‪ ،‬تحتل موقعا خطرا على الجبهة الجنوبية الروسية؛ حيث تقع على مبعدة ‪ 50‬ميال فقط من منطقة‬ ‫شمال القوقاز الفيدرالية التي تعج بالنزاعات العرقية والحركات القومية االنفصالية وتتعرض لقمع الدولة منذ انهيار‬ ‫االتحاد السوفياتي‪ .‬ففي العامني املاضيني فقط‪ ،‬أسفرت أعمال العنف في تلك املنطقة الجبلية الشاسعة والتي تضمنت‬ ‫السيارات املفخخة واالغتياالت والصدامات بني املقاتلني املسلمني وقوات األمن الروسية عن مقتل أو جرح أكثر من‬ ‫‪ 1500‬شخص‪.‬‬ ‫* مدير برنامج الدراسات اإلسالمية صهيب وسارة عباسي وأستاذ التاريخ بجامعة ستانفورد‪ .‬وهو مؤلف كتاب «من أجل النبي والقيصر‪ ..‬اإلسالم واإلمبراطورية في روسيا وآسيا الوسطى»‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أبريل ‪ /‬نيسان ‪44 - 2014‬‬


‫إلى متى سيستمر بوتني في احتواء التيارات الدينية في روسيا؟‬

‫موسكو واجلماعات املسلمة‬ ‫بقلم‪ :‬روبرت دي كروز‬

‫األردن يعاني تحت ضغوط استضافة الالجئني السوريني‬

‫مالذ مؤقت‬ ‫كتبت‪ :‬ماريسا بورغيس‬

‫فورن أفيرز‪ /‬أبريل ‪ /‬نيسان ‪43 - 2014‬‬


twitter

facebook google+

The Arab world has a rich history of scientific breakthroughs. Ensure youâ&#x20AC;&#x2122;re part of the scientific and medical community gaining access to the latest research in the region. From the latest news, in-depth features, expert commentaries and research highlights to regional jobs, event listings and alerts direct to your inbox â&#x20AC;&#x201C; Nature Middle East is your free comprehensive portal keeping you at the centre of science in the Arabic speaking Middle East.

nature.com/nmiddleeast Sponsored by

Get the free mobile app at

Download the free app for your / gettag.mobi phone athttp:/ http://gettag.mobi


‫‪,,‬‬

‫الحرب الداخلية شديدة‬

‫مخجلة‪ .‬وبذلت ه��ذه الجماعات كل ما في استطاعتها إللهاب‬ ‫العواطف‪ ،‬وتستخدم اإلشاعات كسالح قوي في «الحرب الداخلية»‬ ‫املصرية‪ .‬والحكومة غير قادرة ‪ -‬بعد استفاقتها لتوها من سبات‬ ‫نزعة «التحرر» ‪ -‬علی مواجهة أعدائها في هذه الحرب التي تبدو‬ ‫كأنها حرب حتى النهاية‪.‬‬

‫يعتمد عليها ال�ن�ظ��ام أو إل��ی كسب ت��أي�ي��ده��ا‪ ٬‬وه��ذه ال�ق��وی هي‬ ‫الجيش والشرطة وأجهزة األم��ن املختلفة التي تغلغلت الحركة‬ ‫في صفوفها كلها‪.‬‬ ‫وتدعی الحكومة أن هذه الجماعات كانت لديها خطط الغتيال‬ ‫ع��دد كبير من ضباط الجيش‪ ٬‬ولكن الذين درس��وا نشاط هذه‬ ‫الجماعات يصفون ادعاءات الحكومة في هذا الصدد بأنها مجرد‬ ‫«دع��اب��ة»‪ .‬فقد كانت ه��ذه الجماعات تهدف إل��ی السيطرة علی وال يمكن للحكومة املصرية أن تكسب ه��ذه ال�ح��رب بأسلوب‬ ‫الجيش من داخله‪ ٬‬ثم «التحرك به لالنضمام إلی الجماهير» في القمع‪ ٬‬بل يجب عليها أن تعمل لتغيير املزاج السائد الذي يغذي‬ ‫ه��ذه امل��وج��ة املتطرفة‪ ،‬وال يمكن القضاء علی امل��زاج والنزعات‬ ‫اللحظة املناسبة‪.‬‬ ‫السائدة بوضعها في السجون أو إطالق النار عليها‪ ٬‬ولكن يمكن‬ ‫مواجهتها سياسيا‪.‬‬ ‫شلل البالد‬ ‫وف ��ي امل��رح �ل��ة ال��راب �ع��ة‪ ،‬ك ��ان م��ن امل �ف ��روض أن ي�ت��م ش��ل ال�ب�لاد‬ ‫ب��اإلض��راب��ات واملسيرات واالغ�ت�ي��االت علی مستوی ع��ال‪ ٬‬وبعد‬ ‫ذلك تظهر «قيادة إسالمية» قادرة علی توحيد صفوف الجيش‬ ‫والشعب وإن�ه��اء حالة الفوضى واالض �ط��راب‪ .‬وف��ي ه��ذا الوقت‪،‬‬ ‫سيظهر ن�ظ��ام ال�ح�ك��م ف��ي ص ��ورة «ال�ق�ن��اع ال ��ذي تختفي وراءه‬ ‫إس��رائ�ي��ل وأم �ي��رك��ا»‪ .‬وه��ذا ه��و ال�ش�ع��ار ال�س��ائ��د ف��ي امل�ن�ش��ورات‬ ‫السرية‪.‬‬ ‫وبينما يقال إن بعض املنشورات مكتوب بأسلوب الجدل املقبول‪٬‬‬ ‫فإن من الواضح أن أعضاء املجتمعات الدينية في مصر يؤمنون‬ ‫باستعمال كل وسيلة لديهم لتبرير غاياتهم‪ .‬وبث هؤالء أخبارا‬ ‫ومعلومات ضد السادات‪ ٬‬وأفراد أسرته وأصدقائه واملقربني إليه‪.‬‬ ‫ويبدو أن فرص التصديق تزداد كلما ازدادت بشاعة التهمة‪.‬‬ ‫وروجت املنشورات الغتيال السادات بوصفه «واجبا مقدسا»‪٬‬‬ ‫كما وزع ��وا م��ا ق��ال��وا إن�ه��ا «م�س�ت�ن��دات» تثبت «ال�خ�ي��ان��ات» التي‬ ‫ارتكبها نظام الحكم‪ .‬وهناك أيضا ص��ور فوتوغرافية أجريت‬ ‫عليها عمليات «مونتاج» إلظهار عدد من املسؤولني في أوضاع‬

‫إن االستخدام العشوائي لوسائل العنف واإلره��اب ال يمكن أن‬ ‫يؤدي إال إلی زيادة تدهور املوقف‪ ٬‬واملتطرفون يستخدمون فعال‬ ‫ك��ل األساليب إلس�ك��ات معارضيهم ولكسب تأييد املترددين‪،‬‬ ‫ويتطلب «االختالف في الرأي» في بعض الكليات الجامعية قدرا‬ ‫كبيرا من الشجاعة‪ ٬‬وفي بعض الوحدات الصناعية يتعرض العمال‬ ‫الذين يرفضون سلوك سبيل املتطرفني للضرب أو للمقاطعة‪ ٬‬كما‬ ‫يتعرض األشخاص الذين يعلنون تحفظاتهم تجاه هذه املوجة إلی‬ ‫حرق سياراتهم أو متاجرهم‪ .‬وإلی جانب ذلك‪ ،‬تعرض رجال الدين‬ ‫املؤيدون للحكومة لخطف أبنائهم ولتعرض آبائهم لطعنات في‬ ‫مناسبات كثيرة‪ ٬‬وربما هذه املوجة جعلت فتيات كثيرات يرتدين‬ ‫الحجاب في الجامعة‪ ٬‬وانتشرت شائعات تقول إن الفتيات الالتي‬ ‫ال يرتدين الحجاب يمكن أن يتعرضن للهجوم‪.‬‬

‫هناك «مزاج‬ ‫إسالمي» يسود‬ ‫مصر والتحدي‬ ‫الحقيقي‬ ‫لنظام الحكم‬ ‫يتمثل في هذا‬ ‫املزاج وليس‬ ‫في املنظمات‬ ‫الدينية التي‬ ‫تبدي استعدادا‬ ‫ملمارسة أعمال‬ ‫العنف ضد‬ ‫نظام الحكم‬

‫‪,,‬‬

‫وحتى إذا خ��رج حكام مصر في الغد يقسمون أغلظ األيمان بأنهم‬ ‫«متدينون» سيستمر خصومهم في محاولة اإلطاحة بهم‪ ٬‬ولن تؤدي‬ ‫تنازالت في هذا النطاق إلی تغيير موقفهم‪ .‬إن مصر تعيش اليوم حربا‬ ‫شديدة علی الجبهة الداخلية‪ ٬‬وكلما أسرع قادة البالد في إدراك هذه‬ ‫الحقيقة‪ ٬‬كان ذلك أفضل لهم وللشعب املصري <‬ ‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪41‬‬


‫أرشيف‬

‫‪,,‬‬

‫من املؤكد أن‬ ‫جماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني‬ ‫نفسها‬ ‫منقسمة إلی‬ ‫عدد كبير من‬ ‫الجماعات‬ ‫الفرعية وأنها‬ ‫تعاني خالفات‬ ‫داخلية ال‬ ‫نهاية لها‬ ‫بشأن املبادئ‬ ‫والتطبيق‬

‫‪,,‬‬

‫قوات االمن املصرية تعتقل احد قادة التنظيمات الدينية السرية‬

‫وعنوانه «اقتصادنا»‪ ،‬كما تنتشر في مصر حاليا مصطلحات‬ ‫خمينية مثل «املستضعفني» و«املستكبرين»‪ ،‬وهي مصطلحات‬ ‫لم تكن معروفة في العالم العربي ‪ -‬باستثناء لبنان ‪-‬ـ قبل الثورة‬ ‫اإلي��ران��ي��ة‪ .‬وتنتشر ف��ي مصر أي��ض��ا م��ن��ش��ورات أخ���ری بتوقيع‬ ‫مستعار مثل «معلم» أو «موحد»‪.‬‬ ‫ويقول البحاثة‪ ٬‬الذين كان لهم اتصال مباشر بالزعماء الدينيني‬ ‫املسجونني حاليا‪ ٬‬إن هذه الجماعات في معظمها يديرها شبان‪،‬‬ ‫مستوی ذكائهم أعلی م��ن املستوی ال��ع��ادي‪ .‬وتجتذب جماعة‬ ‫اإلخوان املسلمني أصحاب املتاجر وصغار املوظفني الحكوميني‪٬‬‬ ‫أما الجماعات الدينية الجديدة فتجتذب طلبة الجامعات والعمال‬ ‫املهرة‪.‬‬ ‫وقد تأكد في القاهرة أن أعضاء الجماعات الدينية تغلغلوا في‬ ‫صفوف عمال مجاالت حساسة مثل املياه‪ ٬‬والكهرباء‪ ٬‬وصناعات‬ ‫األسلحة‪ ٬‬والنفط‪ ٬‬واملطابع‪ ٬‬كما أن لهم وجودا في صفوف عمال‬ ‫النقل‪ ٬‬ويعتقد الكثيرون أيضا أنهم ممثلون في صفوف الكوادر‬ ‫الفنية بالقوات املسلحة‪ .‬وتحظى الجماعات الجديدة بشعبية في‬ ‫األوساط العلمية والتقنية‪ ٬‬علی عكس جماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫التي اجتذبت في أغلب األحيان أشخاصا من أوساط غير مثقفة‪.‬‬ ‫وه��ذه الفئة الثانية هي التي تسعی بصفة عامة إلی االستيالء‬ ‫علی السلطة في مصر‪ .‬وقد أعدت بالفعل مسودة دستور جديد‪.‬‬ ‫ضبطت السلطات املصرية نسخا منها‪.‬‬

‫خطط االستيالء علی السلطة‬

‫وي��ب��دو واض��ح��ا أن ه��ذه الخطط السرية تتضمن أرب���ع م��راح��ل‪:‬‬ ‫في املرحلة األولی تثبت الحركة «عدم شرعية» نظام الحكم عن‬ ‫طريق إقناع غالبية الشعب بأن «الحكام» يعملون «ضد اإلسالم‬ ‫ومصالح املسلمني»‪ .‬ويمكن لجماعة اإلخوان املسلمني أن تلعب‬ ‫دورا حاسما في هذه املرحلة بفضل شبكتها املستقرة واملنتشرة‬ ‫في أنحاء البالد‪ .‬ويبدو أن الذين وضعوا الخطة اعتقدوا أيضا أنه‬ ‫يمكن تنفيذ هذه املرحلة قبل نهاية ‪.1981‬‬ ‫وقبل حملة االعتقاالت التي شنها السادات‪ ٬‬كان الوعاظ ورجال‬ ‫الدين يوجهون حملة منظمة ضد نظام الحكم يركزون فيها علی‬ ‫«عدم شرعيته»‪ ٬‬ويقولون إن نظام الحكم يجب أن يسقط ألنه «ال‬ ‫يتبع الشريعة اإلسالمية»‪ .‬وكان من املقرر أن تركز املرحلة الثانية‬ ‫علی إنشاء سلطات موازية للحكومة وتتمتع بصالحياتها‪ .‬وفي‬ ‫هذا اإلطار‪ ،‬نفذت جماعة التكفير والهجرة جزءا كبيرا من األعمال‬ ‫النظرية والعملية املطلوبة‪ ٬‬وكان من املفروض أن «تخرج الجماهير‬ ‫من تحت سيطرة النظام» عن طريق مقاطعة «الفساد املتمثل في‬ ‫املكاتب الحكومية واملحاكم والبنوك‪ ..‬إلخ»‪.‬‬ ‫وكان من املفروض أيضا أن يتم تشكيل «لجنة إسالمية» غير‬ ‫معلنة في كل مؤسسة أو مصلحة حكومية ملمارسة السلطة إلی‬ ‫جانب الرؤساء املعينني لهذه املؤسسة أو املصلحة‪ .‬ومن املؤكد‬ ‫تقريبا أنه كانت هناك خطط الغتيال عشرات من القيادات املحلية‪٬‬‬ ‫بهدف تصفية املسؤولني الحكوميني وقادة الحزب الحاكم‪ .‬وكانت‬ ‫هناك بني الحني واآلخر إشارات تدل علی النية في «إعدام» كبار‬ ‫الزعماء‪ .‬ولكن‪ ،‬يبدو من املؤكد أن اغتيال السادات كان عمال قام‬ ‫به «متطرفون متسرعون»‪ ٬‬فقد كانت الجماعات اإلسالمية تهدف‬ ‫إلی أن تصبح السلطة الحقيقية في البالد‪ ٬‬من وراء الستار قبل‬ ‫أن تضرب «كبار الخونة»‪.‬‬

‫وقد حرصنا علی جمع األفكار املتفرقة التي ضمتها املنشورات‬ ‫وامل��ق��االت وأش��رط��ة الكاسيت ال��ت��ي ت��وزع��ه��ا الجماعات السرية‬ ‫الدينية لتحديد االستراتيجية والخطط التي وضعتها لالستيالء‬ ‫وفي املرحلة الثالثة‪ ،‬كانت الحركة تهدف إلی تحييد القوی التي‬ ‫علی السلطة في مصر‪.‬‬ ‫‪40‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫غير شقيق» علی األق��ل‪ .‬وكان السادات نفسه «في منزلة األخ» يعرضون دروسا مجانية علی أوالد الفقراء‪.‬‬ ‫وقد تغلغل «املتطرفون» في صفوف كل واحدة من هذه الجماعات‬ ‫لعدد من السنوات‪.‬‬ ‫تقريبا سعيا وراء السلطة وتحت شعار إنشاء «الدولة اإلسالمية‬ ‫والفئة الثانية‪ ٬‬ف��ي إط��ار الشعور اإلس�لام��ي السائد ف��ي مصر النموذجية»‪.‬‬ ‫حاليا‪ ٬‬هي التي تشكل الخطر األكبر علی نظام الحكم‪ ٬‬رغم قلة‬ ‫عدد أعضائها وبعدها عن األضواء حتى اآلن‪ ٬‬وتشمل هذه الفئة وم��ن األم ��ور ال�لاف�ت��ة ل�لان�ت�ب��اه‪ ،‬أن تغلغل «امل�ت�ط��رف�ين» إل��ی هذه‬ ‫ع��ددا كبيرا م��ن الجماعات ال�ت��ي تلتف ع��ادة ح��ول ن�ش��رة شبه الجماعات تم بتشجيع الحكومة ومساندتها عندما أراد السادات‬ ‫سرية‪ ٬‬أو علی وجه الخصوص حول زعيم محلي يتمتع بقوة خلق «قلعة دينية» ض��د الشيوعية‪ .‬وف��ي ال��وق��ت الحالي‪ ،‬شابه‬ ‫الشخصية‪ .‬ومن هذه الجماعات؛ جماعة التكفير والهجرة‪ ٬‬التي «املتطرفون» في مصر السمك في املاء‪ ٬‬فهم يستطيعون االختباء‬ ‫قد تكون كبرى هذه الجماعات‪ ٬‬وقد تكون منقسمة أيضا إلی ببساطة حتى تهدأ العاصفة‪ ٬‬ثم يعودون إلی الظهور عندما تهدأ‬ ‫األمور‪ .‬وليس من املعروف إذا كان بينهم ماركسيون يبدون في‬ ‫عدة جماعات فرعية‪.‬‬ ‫صورة املسلمني املخلصني الكتساب ثقة الجماهير املتدينة‪ .‬ولكن‬ ‫وه�ن��اك أي�ض��ا ج�م��اع��ات ال��دع��وة‪ ٬‬وال �ه��دف‪ ٬‬وج�ن��د ال�ل��ه‪ ٬‬وال�ق��دس‪ ٬‬من الغريب حقا أن الجامعات املصرية التي كانت في وقت من‬ ‫والجهاد‪ .‬وفي معظم األحيان‪ ،‬يطلق علی الجماعات الفعالة اسم األوقات قلعة لليسار العربي‪ ٬‬قد أصبحت فجأة مركزا للنشاط‬ ‫بسيط ه��و «ج�م��اع��ات تحفيظ وتفسير ال�ق��رآن ال�ك��ري��م»‪ ٬‬ومثل اإلسالمي تستبعد من صفوفه أي اتجاهات أخری‪.‬‬ ‫هذه الجماعات موجودة في كل حارة من حواري القاهرة واملدن‬ ‫املصرية الكبيرة األخرى‪.‬‬ ‫وألن السائد في مصر اآلن شعور ومزاج وليس تنظيما مركزيا‪،‬‬ ‫فإن من الصعب معرفة املدرسة املحددة‪ ٬‬من بني املدارس الكثيرة‬ ‫وه�ن��اك أيضا تنظيمات لتقديم امل�س��اع��دات املتبادلة وجماعات للفكر اإلسالمي املنتشرة في مصر‪ ٬‬التي تعكس أفكار محمد‬ ‫لتقديم «قروض من دون فوائد»‪ .‬وهناك جماعات لرعاية األرامل باقر الصدر رجل الدين العراقي الذي تم إعدامه قبل عامني‪.‬‬ ‫واليتامى‪ ٬‬ولإلنفاق علی تعليم األذكياء من أوالد الفقراء‪ .‬وهناك‬ ‫أيضا جماعات للتأهيل اإلسالمي‪ ٬‬وجماعات من الطلبة الذين وتنتشر في مؤلفاته‪ ،‬وخصوصا كتابه عن االقتصاد اإلسالمي‬

‫اغتيال السادات جزء من خطة‬ ‫االستيالء على الحكم‬ ‫في مصر أم ماذا؟‬

‫غالف املجلة العدد (‪)92‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪39‬‬


‫أرشيف‬

‫هذه الحلقة من سلسلة التحقيقات التي أعدها أمير طاهري لـ«املجلة» تتناول الوضع الراهن في مصر من‬ ‫جوانبه املختلفة‪ .‬وقد أمضی أمير طاهري عدة أسابيع في مصر اجتمع خاللها عشرات األشخاص‪ ،‬من‬ ‫مسؤولني ودبلوماسيني وسياسيني بارزين‪ .‬اكتسب طاهري شهرة عاملية‪ ،‬إذ يكتب حاليا في صحيفة‬ ‫«الصنداي تايمز» اللندنية األسبوعية وصحيفة «الهيرالد تريبيون» األميركية الصادرة في أوروبا‪ ،‬إضافة‬ ‫إلی بعض الصحف األميركية‪ ،‬كما يكتب لـ«املجلة»‪ .‬وفي هذه الحلقة‪ ،‬يتحدث طاهري عن نفوذ الجماعات‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬ويكشف خططهم السرية‪.‬‬

‫«اجمللة» تكشف خطط اجلماعات الدينية‬ ‫السرية لالستيالء علی احلكم يف مصر!‬ ‫املجلة‬ ‫العدد (‪)92‬‬ ‫‪1981/10/14‬‬ ‫تحقيق من القاهرة‬ ‫بقلم أمير طاهري‬

‫‪38‬‬

‫«ال دي ��ن م��ع ال �س �ي��اس��ة‪ ،‬وال س �ي��اس��ة م��ع ال ��دي ��ن»‪ .‬ه��ذا أو الشعور السائد ف��ي مصر حاليا‪ ٬‬وتتمثل الفئة األول ��ی في‬ ‫هو الشعار ال��ذي ال ي��زال يصرخ بصمت من الالفتات جماعة اإلخوان املسلمني التي يمكن وصفها بأنها الفئة املمثلة‬ ‫ال�ح�ك��وم�ي��ة امل�ع�ل�ق��ة ع�ل��ی ج� ��دران ال �ق��اه��رة‪ .‬وت �ب��دو ه��ذه التجاه اليمني‪.‬‬ ‫الالفتات رثة مهلهلة كأنها تنتمي إلی عصر آخر تم نسيانه منذ‬ ‫زمن بعيد‪ .‬ومع ذلك‪ ،‬صدرت األوامر بتعليق هذه الالفتات قبل ومن املؤكد أن جماعة اإلخوان املسلمني نفسها منقسمة إلی عدد‬ ‫أشهر قليلة فقط‪ ٬‬وكان الرئيس السادات ال يزال علی قيد الحياة كبير من الجماعات الفرعية‪ ٬‬وأنها تعاني خالفات داخلية ال نهاية‬ ‫لها بشأن املبادئ والتطبيق‪ .‬مع ذل��ك‪ ،‬لم تفكر جماعة اإلخ��وان‬ ‫ويأمل تحقيق «فصل بني الدين والدولة»‪.‬‬ ‫املسلمني ع�ل��ی وج��ه ال�ع�م��وم ف��ي أي أس �ل��وب م�ح��دد لالستيالء‬ ‫ولم يعد هناك اليوم من يردد هذا القول‪ :‬فالسياسة والدين تشكالن علی السلطة وتشكيل حكومة خاصة بها‪ .‬وبدال من ذلك‪ ،‬يری‬ ‫كيانا غير قابل لالنقسام في مصر ذات التاريخ التليد‪ ٬‬إن كل البارزون من مفكري اإلخوان املسلمني ‪ -‬مثل عمر التلمساني ‪ -‬أن‬ ‫من يشترك في الصراع من أجل السلطة في مصر يدرك جيدا أن الجماعة يجب أن تكون بمثابة رقيب يضمن عدم خروج «الحكام»‬ ‫املشاعر الدينية وحدها هي التي يمكن تحريكها بفعالية كوسيلة علی «أحكام كتاب الله ومبادئ السنة السمحة»‪.‬‬ ‫لتعبئة «الجماهير الصامتة» في محاولة للوصول إلی السلطة‪.‬‬ ‫ولهذا السبب‪ ،‬ال تسعی الجماعة إلی ممارسة السلطة بنفسها‪ ٬‬بل‬ ‫قبل أعوام‪ ٬‬في الفترة التي تلت حرب أكتوبر (تشرين األول)‪ ٬‬كان تفضل إمالء إرادتها علی الحكومة‪ ٬‬وبتعبير آخر تسعی الجماعة‬ ‫أي شخص يحتل مكانة مرموقة في مصر «مصريا مخلصا»‪ ،‬إلی السلطة من دون املسؤولية‪ .‬وتری الجماعة أن عالج «الحكام‬ ‫أما اآلن فقد أصبح الجميع «مسلمني متدينني»‪ ،‬وهذا يجعل من الذين يرتكبون املعاصي» يتمثل في طريقة االغتيال التقليدية‪٬‬‬ ‫الصعب معرفة من يعني ذلك حقيقة ومن يقتصر تدينه علی وربما أيضا في أعمال العنف والشغب‪ ،‬إذا اقتضی األمر ذلك‪.‬‬ ‫املظاهر وحدها‪ ٬‬وقد أصبح من الصعب حاليا التمييز بني الغث‬ ‫والسمني‪ ٬‬بعد أن أصبحت األحزاب والجماعات السياسية املصرية وال تخطط الجماعة للسيطرة علی جهاز الدولة بأكمله‪ ٬‬وإنما‬ ‫كلها حريصة علی أن يكون لها «لون» إسالمي‪ ٬‬بنسب متفاوتة‪ .‬تكتفي بفرض الرقابة علی أولئك الذين «يخرجون علی تعاليم‬ ‫اإلس�ل�ام» وقتلهم‪ ٬‬وحتى الشيخ عبد الحميد كشك‪ ٬‬املسجون‬ ‫ويمكن القول بصفة عامة‪ ،‬إن هناك «م��زاج��ا إسالميا» يسود حاليا بعدما وصفه السادات بأنه «خائن لإلسالم»‪ ،‬لم يدع في أي‬ ‫مصر في الوقت الحالي‪ ٬‬والتحدي الحقيقي لنظام الحكم يتمثل وقت من األوقات إلی حكم مباشر من قبل رجال الدين‪.‬‬ ‫في هذا املزاج‪ ٬‬وليس في املنظمات السرية الدينية التي يبلغ عددها‬ ‫ضد‬ ‫نحو عشر‪ ٬‬والتي تبدي استعدادا ملمارسة أعمال العنف‬ ‫اجلماعات السرية‬ ‫نظام الحكم‪ .‬وال يمكن للشرطة السرية أن تتغلغل في «أوساط‬ ‫هذا املزاج»‪ ٬‬كما ال يمكن تحطيمه عن طريق قوات األمن والنظام‪ .‬قال لنا أستاذ في جامعة القاهرة‪« :‬إن جماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫مثل محطة للسكك الحديدية ‪ -‬إذا جاز التشبيه ‪ -‬يدخلها كثيرون‬ ‫وت �ض �ط��ر ال �س �ل �ط��ات‪ ٬‬ف��ي س�ع�ي�ه��ا ل�ت�ح�ط�ي��م تنظيم للذهاب إلی شتی االتجاهات»‪.‬‬ ‫صغير‪ ٬‬إلی ضرب عدد كبير من األشخاص الذين ورغم ما يقوله أعضاء جماعة اإلخوان املسلمني‪ ٬‬لم تتقدم الجماعة‬ ‫ليست لهم عالقة بالسياسة‪ ٬‬وهذا هو ما يجعل التحدي علی م��دی تاريخها ال��ذي يبلغ خمسني ع��ام��ا ببرنامج شامل‬ ‫«لحكومتها املثالية»‪ .‬وه��ذا ه��و السبب ف��ي أن أي شخص كان‬ ‫اإلسالمي قوة لها شأنها في مصر اليوم‪.‬‬ ‫ونستطيع التمييز بني فئتني متميزتني في إطار هذا املزاج يستطيع في وقت من األوقات أن يصف نفسه بأنه «أخ» أو «أخ‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫م��ن ال�س��وق‪ ،‬ه��ذا التفاعل م��ن املستثمرين أدى إل��ى سلوك سلبي في املال بإجراء تجارب مسوحية على عدد من الشركات وإدراج املؤشر‬ ‫مرحلتني؛ األول��ى منها االستفادة من الطرح األول «ع�لاوات اإلص��دار» في اللوائح التنفيذية لبرامج الحوكمة‪.‬‬ ‫وبيع األسهم في سوق الظل‪ ،‬والثانية تظهر عند رغبة أحد األطراف في‬ ‫تسييل مساهمته والخروج من الشركة‪.‬‬ ‫استشراف أداء الشركات‬ ‫ولقد استفاد من هذه املرحلة الكثير من أصحاب رؤوس األم��وال من‬ ‫امل��ؤس�س�ين‪ ،‬حيث اس�ت�ف��ادوا م��ن غياب ل��وائ��ح تنظيم الحوكمة وغياب‬ ‫املسؤولية مما أثر على السوق املالية في مرحلتني؛ األولى حركة انهيار‬ ‫السوق في عام ‪2006‬م‪ ،‬والثانية في عام ‪2008‬م‪ ،‬ويستطيع القارئ من‬ ‫خ�لال مراجعة بيانات السوق االط�لاع على حركة االنتقال بني املالك‬ ‫الرئيسني للشركات املدرجة ليجد أن التغيير الكثير في املالك سارع في‬ ‫تفاعل هيئة سوق املال باستصدار لوائح الحوكمة‪ ،‬وعلى الرغم من منح‬ ‫فرص لتفعيل وتنفيذ مواد الالئحة حتى بداية عام ‪2011‬م‪ ،‬وإن أهمية‬ ‫الحوكمة في إدارة األنشطة التجارية‪ ،‬وكذلك اإلدارات التنفيذية الحكومية‪،‬‬ ‫ت��أت��ي ف��ي األول��وي��ة واأله�م�ي��ة للمساهمة ف��ي استقطاب االس�ت�ث�م��ارات؛‬ ‫سواء الوطنية أو الوافدة‪ ،‬حيث إن فعالية الحوكمة تؤدي إلى االستقرار‬ ‫االقتصادي‪ ،‬مما يساعد على استقطاب االستثمارات الوطنية أو الوافدة‪.‬‬ ‫إن القناعة في أهمية الحوكمة تفاعلت معها الهيئة العامة لالستثمار‪،‬‬ ‫وف��ي تنمية ال�ق��درات التنافسية للشركات السعودية أطلقت مؤشر‬ ‫حوكمة الشركات في إطار إعطاء قرائن ورؤية لكيفية تقييم الشركات‬ ‫امل��درج��ة ف��ي ه�ي�ئ��ة س ��وق امل� ��ال‪ ،‬وي�ع�ت�ب��ر م��ؤش��ر ح��وك�م��ة ال�ش��رك��ات‬ ‫السعودي الذي يهدف إلى قياس مدى كفاءة وفعالية ومهنية مجالس‬ ‫إدارة الشركات‪ ،‬ولقد ش��ارك في تطوير ه��ذا املؤشر كل من جامعة‬ ‫الفيصل‪ ،‬وكذلك معهد أعضاء مجلس اإلدارة في دول مجلس التعاون‬ ‫الخليجي‪ ،‬وي��أت��ي دور الجامعة ف��ي إط��ار توثيق فعالية امل��ؤش��ر في‬ ‫توثيق وترجمة النتائج‪ ،‬وعلى الرغم من أهمية هذا املؤشر الذي قد ال‬ ‫يلقى قبوال واسعا من قبل الشركات واملؤسسات الرتباطه بعدد من‬ ‫العناصر التي تؤثر سلبا على نتائج الشركات ما لم تقم هيئة سوق‬

‫إن أهمية ت��واف��ر آل�ي��ات وم��ؤش��رات الس�ت�ط�لاع األن�ش�ط��ة االقتصادية‬ ‫الستشراف أداء الشركات املدرجة في السوق يعطي االستثمارات الوافدة‬ ‫قدرة على قراءة نمط البيئة االقتصادية وعمق الحركة االستثمارية‪،‬‬ ‫التي تمثل مدى التفاعل بني قدرة الفرد «املواطن» االستثمارية وحجم‬ ‫االستثمار‪ ،‬والقراءة األولية للوائح الحوكمة تجد أنها ترجمة واقعية‬ ‫أعطت أهمية لألعراف االجتماعية‪ ،‬ولم تغفل ضرورة توفر االنضباط‬ ‫والشفافية ف��ي ال��دور الرقابي لسوق امل��ال‪ ،‬كما أن استقطاب الهيئة‬ ‫للمؤشر الذي جرى تطويره من قبل الهيئة العامة لالستثمار قد يؤدي‬ ‫إل��ى ثقافة اقتصادية ونوعية‪ ،‬س��واء للمستثمر أو للمتعامل العادي‬ ‫في السوق املالية السعودية‪ ،‬وبنظرة سريعة عما تحمله آليات تطبيق‬ ‫الحوكمة من تأثيرات على النمط االستثماري نجد أن اللوائح بحد ذاتها‬ ‫ال تؤثر على مسيرة االستثمارات بشكل مباشر‪ ،‬سواء تلك املحلية‬ ‫أو الخارجية‪ ،‬وهي تتعلق بالسوق السعودية‪ ،‬التي اكتسبت خاصية‬ ‫ج��ذب قوية لتجنبه ظ��واه��ر ال�ح��رك��ات االجتماعية‪ ،‬أو م��ا ُيطلق عليه‬ ‫«الربيع العربي»‪ ،‬إن صح التعبير‪ ،‬التي أثرت بشكل الفت على الدول‬ ‫العربية‪ ،‬ذل��ك أن االقتصاد السعودي يستند إل��ى ق��وة السوق املالية‪،‬‬ ‫والتنوع االقتصادي املتميز‪ ،‬باإلضافة إلى املنظور السياحي كناتج‬ ‫محلي جديد سيسهم في تنامي الحركة االقتصادية من خالل دعم‬ ‫حركة السياحة الدينية إن جاز التعبير‪ ،‬التي تعادل أكبر االقتصادات‬ ‫العربية‪ ،‬واملتصفح ألداء االقتصاد السعودي يلحظ أن الحوكمة‪ ،‬وكذلك‬ ‫أنظمة التصحيح لسوق امل��ال‪ ،‬ساهمت في املرونة اإلداري��ة والتفاعل‬ ‫االج�ت�م��اع��ي م��ع امل�ت�غ�ي��رات املحيطة باملنطقة‪ ،‬ال�ت��ي جعلت م��ن البيئة‬ ‫االقتصادية عنصر ج��ذب فعاال ساهم في تحسني استقرار القدرة‬ ‫التنافسية لالقتصاد السعودي <‬

‫جانب من أحد األسواق‬ ‫املالية في الخليج‬

‫‪,,‬‬

‫الحوكمة‬ ‫تشريعيا هي‬ ‫اآللية التي‬ ‫تتفاعل فيها‬ ‫مركبات الهيكل‬ ‫التنظيمي‬ ‫للمؤسسات‬ ‫العامة‬ ‫واملنظمات‬ ‫والشركات‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪37‬‬


‫اقتصاد‬

‫ظهر في الحقبة الزمنية املاضية مصطلح لغوي جديد على الثقافة االقتصادية‪ ،‬يطلق على اآلليات‬ ‫واملناهج العملية في ممارسة اإلدارة الفاعلة للمنظمات والشركات تحت مسمى «الحوكمة»‪ ،‬واملعنى‬ ‫اللغوي لهذا املصطلح هو الحكم والعدل‪ ،‬ويذهب البعض إلى أن استخدامه ظهر مجازا في كتابات‬ ‫الفيلسوف اليوناني أفالطون‪ ،‬حيث استند إلى عنصر املثاليات مقتبسا ذلك من دراسة املنطق العلمي‬ ‫لعالم الرياضيات فيثاغورث‪.‬‬

‫دورها في مواجهة التحديات االجتماعية واالقتصادية في السعودية‬

‫حوكمة الشركات‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫د‪ .‬صالح بن‬ ‫محمد الشعيبي‬

‫‪,,‬‬

‫على الرغم من‬ ‫التطور الكبير‬ ‫وامللحوظ على‬ ‫األنظمة املالية‬ ‫واالقتصادية‬ ‫فإن مفهوم‬ ‫«الحوكمة»‬ ‫يأتي في‬ ‫تضارب مع‬ ‫التركيبة‬ ‫االجتماعية‬ ‫في السعودية‬

‫‪,,‬‬

‫‪36‬‬

‫الحوكمة تشريعيا هي اآللية التي تتفاعل فيها مركبات الهيكل‬ ‫التنظيمي للمؤسسات العامة واملنظمات والشركات‪ ،‬وتشتمل‬ ‫على عنصرين أساسيني هما‪:‬‬ ‫أ ‪ -‬عنصر موثق يستند إلى األنظمة واملعايير التي تربط بني التنظيم‬ ‫اإلداري «ال�ج�ه��از ال�ت�ن�ف�ي��ذي» وامل�ج�ت�م��ع امل��رت�ب��ط ب��امل�ن��اف��ع امل�ت�ب��ادل��ة بني‬ ‫املستفيدين من خدمات تلك املؤسسات العامة واملنظمات والشركات‪.‬‬ ‫ب ‪ -‬يأتي العنصر الثاني في إط��ار البوصلة ملجموعة من االعتقادات‬ ‫املكتسبة «م�ي�ت��ا ال�ع�ق��ائ��دي��ة»‪ ،‬ال�ت��ي تنظر إل��ى اإلدراك ال�ح�س��ي للخطأ‬ ‫والصحيح في التفاعالت التي تتحكم في تصرفاتنا سواء تجاه الذات‬ ‫أو تجاه الغير‪.‬‬ ‫ولقد دخل مفهوم الحوكمة في األعمال االقتصادية في إدارة األنشطة‬ ‫الحكومية واأله�ل�ي��ة س��واء ك��ان��ت ش��رك��ات مساهمة أو ذات مسؤولية‬ ‫محدودة من خالل إيجاد منظومة من البنود التي يتم من خاللها زراعة‬ ‫مفهوم االنضباط والتحكم في سير العمل بما يحقق مصلحة الشركة‬ ‫بوصفها كيانا طبيعيا‪ ،‬وتحقيق املنفعة العامة للمساهمني بمنظور‬ ‫عملي‪ ،‬وتعبر «الحوكمة» وأنظمتها على أنها األسس التي تنبني عليها‬ ‫إدارة املنظمة في إطار مفاهيم تستند على قوة الرقابة العملية الذاتية‪،‬‬ ‫وال��وع��ي الحسي ل�لأف��راد وال�ع��ام�ل�ين داخ��ل املنظمة‪ ،‬ول��م يكن املجتمع‬ ‫السعودي يعطي أهمية للحوكمة لتغلب املفهوم العقائدي‪.‬‬

‫مفهوم «الحوكمة»‬ ‫وج��اءت الحاجة لتفعيل وتطبيق مفهوم «الحوكمة» على املؤسسات‬ ‫والشركات الوطنية والوافدة من خالل تحسني البيئة االقتصادية‪ ،‬تجنبا‬ ‫إلحداث األزمة املالية التي حدثت خالل عامي ‪ 2008‬و‪2009‬م‪« ،‬والحوكمة»‬ ‫في إط��ار مجتمع مثل اململكة العربية السعودية‪ ،‬التي على الرغم من‬ ‫التطور الكبير وامللحوظ على األنظمة املالية واالقتصادية‪ ،‬فإن مفهوم‬ ‫«الحوكمة» يأتي في تضارب مع التركيبة االجتماعية‪ ،‬التي مازالت تلعب‬ ‫دورا مهما في ممرات الشركات السعودية املعلنة والواردة في هيئة سوق‬ ‫املال‪ ،‬والشركات ذات املسؤولية املحدودة‪ ،‬والعائلية‪ ،‬ذلك أن املجتمع ال يزال‬ ‫يلقي بظالله على اإلدارة الداخلية‪ ،‬وتسيير أمور الشركات بما يؤثر على‬ ‫مسيرة الشركات‪ ،‬وجاء التوجه العام سواء لتبني نظم «الحوكمة» كدافع‬ ‫مهم لتجنب األزمات‪ ،‬وخلق منظور ومنهج تطبيقي لحوكمة الشركات‬ ‫في البحث عن وسيلة استقطاب واملحافظة على االستثمارات وحقوق‬ ‫املواطنني املساهمني‪ ،‬والحد من الحس االجتماعي «القبلي» املتعمق في‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫إدارات الشركات املساهمة ومجالس اإلدارات‪ ،‬الذي أحدث ربكة ال تزال‬ ‫كثير من الشركات تتعافى من تخييم العرف االجتماعي‪.‬‬ ‫واملراجعة األولية ألداء الشركات املدرجة في هيئة سوق املال‪ ،‬وباستثناء‬ ‫البنوك واملصارف‪ ،‬نجد أن مالمح التأثير االجتماعي يغلب على األجهزة‬ ‫التنفيذية أو مجالس اإلدارة لدى بعض الشركات‪ ،‬واستمرار هذا النهج‬ ‫قد يؤدي إلى خسائر يضطر بعدها املساهمون للتدخل من أجل إنقاذ‬ ‫الشركة من خ�لال عمليات رف��ع رؤوس األم��وال أو الخروج من السوق‬ ‫تحت تأثير سوء اإلدارة‪ ،‬األمر الذي يعطي مؤشرا ألهمية تفعيل دور‬ ‫«الحوكمة»‪ ،‬وفي هذا اإلطار جاءت خطوات جيده في مهمة االستحواذ‬ ‫وتنظيم التوجهات املرتبطة بآلية تنفيذ برامج «الحوكمة» في اململكة‬ ‫العربية السعودية‪ ،‬ومن أهمها تطوير مؤشرات التطبيق‪ ،‬وباستشراف‬ ‫من هيئة سوق املال السعودية صدرت الئحة الحوكمة في عام ‪2006‬م‪،‬‬ ‫التي ألزمت الشركات‪ ،‬ووضعت شروطا ونصوصا ساعدت في تهيئة‬ ‫البيئة التنظيمية للحوكمة داخل الشركات املدرجة في هيئة سوق املال‪،‬‬ ‫وم��ن أه��م البنود والحيثيات لتطبيق الالئحة؛ تفعيل ع��دد م��ن اآلليات‬ ‫إلح��داث نقلة نوعية ف��ي إدارة ال�ش��رك��ات وتطوير مفاهيم أك��دت على‬ ‫مصلحة املساهمني‪ ،‬ولقد اشتملت الالئحة على ع��دد م��ن امل��واد التي‬ ‫أكدت أهمية سياسات اإلفصاح‪ ،‬والشفافية‪ ،‬وتوثيق اإلجراءات التنفيذية‪،‬‬ ‫والوظائف األساسية للجهاز التنفيذي‪ ،‬ومجالس اإلدارة‪ ،‬وذلك للتأكيد‬ ‫على أنظمة الحوكمة‪ ،‬وضوابط الرقابة الداخلية في منهجية جعلت الرؤية‬ ‫واضحة من خ�لال الفصل بني امللكية واإلدارة‪ ،‬كما وضعت خطوات‬ ‫تطبيقية إلدارة املجالس والرقابة املالية‪ُ ،‬ويتوقع أن نتائج التزام الشركات‬ ‫بالئحة الحوكمة ستؤدي إلى تنامي القدرات اإلدارية للشركات‪.‬‬

‫سوق املال السعودي‬ ‫وقد أدرجت نظام التصويت ملجلس اإلدارة بجواز التجزئة لحق التصويت‬ ‫التراكمي بعدد األسهم من دون تكرار وذلك ملنع االحتكار‪ ،‬وإن كان بعض‬ ‫املالك قد يستطيعون التأثير على تشكيل املجالس من خالل التكتالت‪،‬‬ ‫التي تكون في إطار «سوق الظل» خالل حركة تداول األسهم‪ ،‬وتتميز‬ ‫الحوكمة في أنظمة سوق املال السعودي بصالحيات قوية لهيئة سوق‬ ‫املال السعودي‪ ،‬التي ّ‬ ‫تعد حديثة عهد في إطار الحركات التجارية مما‬ ‫يجعلها أقل خبرة ودراية في ممارسة الحق العام في تطبيق أنظمة ولوائح‬ ‫الحوكمة التي تجعل رؤوس األم��وال االستثمارية تتعامل في تفاعلها‬ ‫مع السوق بمنهج لسعة النحل‪ ،‬أي أن الكثير منها يأتي من خالل قراءة‬ ‫سريعة للسوق بالدخول وانتظار مرحلة جني األرباح ومن ثم الخروج‬


‫اإلخوان لم يحدثوا قطيعة معرفية معها‪ ،‬وأن من جاءوا من خلفيات‬ ‫أخرى منهم لم يحافظوا على القطيعة املعرفية التي كانت تفصلهم‬ ‫عنها قبل تحولهم إلى الفكر اإلسالمي‪ .‬فلم يختلف فكرهم عن‬ ‫توجهات جماعة اإلخوان واإلسالم السياسي عموما في جوهرها‪،‬‬ ‫ُبل قدم بعضهم رؤى بدت أكثر تشددا في صيغتها الفكرية التي‬ ‫طرحت بها مقارنة بالتوجهات السياسية املعادلة لها في خطاب‬ ‫اإلخوان وغيرهم من قوى اإلسالم السياسي‪.‬‬ ‫خ��ذ مثال امل��وق��ف م��ن «اآلخ ��ر»‪ .‬فقد ظ��ل ك��ل م��ن البشري وعمارة‬ ‫يعتبران فكر العلمانيني املصريني واف��دا من الغرب وغريبا على‬ ‫الشرق‪ ،‬بل تعدى األمر الفكر إلى من يؤمنون به حيث اعتبروهم‬ ‫غرباء‪ .‬وأذكر أننا كنا في ندوة نظمتها صحيفة «الحياة» في مكتبها‬ ‫بالقاهرة عام ‪ 1994‬حني فاجأنا دكتور محمد عمارة بترديد القول‬ ‫املأثور شعبيا «البيت بيت أبونا‪ ..‬والغرب بيطردونا»‪ ،‬قاصدا أن‬ ‫«العلمانيني» الغرباء يسعون إلى إقصاء اإلسالميني األصالء‪ .‬وقد‬ ‫شرحت له يومها أن الدار (الوطن) للجميع وليست ألحد‪ ،‬ولم يرثها‬ ‫أي طرف عن أبيه وليس فيها غرباء ألن من يعيشون فيها كلهم‬ ‫شعب واحد‪.‬‬ ‫وي�ك�ش��ف ك�ت��اب دك �ت��ور ع �م��ارة «م�ع��رك��ة املصطلحات ب�ين ال�غ��رب‬ ‫واإلسالم» الصادر عام ‪ 1996‬رفضا دفينا لكل ما تعبر عنه مفاهيم‬ ‫التنوير والديمقراطية وحقوق اإلنسان والعقالنية واإلبداع‪ ،‬وليس‬ ‫تاريخ جماعة اإلخوان ومراجعة ما كتبه عن هذا التاريخ باعتباره فقط مفهوم العلمانية‪ ،‬ونفورا شديدا من املضمون التحرري لهذه‬ ‫مؤرخا‪ .‬فقد تضمن أحد كتبه التأريخية (الحركة السياسية في املفاهيم‪ .‬فالتنوير مثال هو محض اتجاه مادي ال ديني‪.‬‬ ‫مصر ‪ )1952-1945‬في طبعته األول��ى الصادرة عام ‪ 1972‬رؤية‬ ‫نقدية ص��ارم��ة لتوجهات جماعة اإلخ ��وان وممارساتها ف��ي تلك وق��ل مثل ذل��ك عن بعض أفكار املستشار ط��ارق البشري الذي‬ ‫الفترة‪ .‬فقد انتقد مصادرتها الدين ملصلحتها وسعيها للسيطرة ينظر إلى العلمانية باعتبارها «واف��دا غريبا اقتحم حياة مصر‬ ‫على اإلسالم وعدم احترام أعضائها إال أهداف جماعتهم كتنظيم‪ ،‬وشعبها في القرن التاسع عشر»‪ .‬ويعتبر كتابه «الحوار اإلسالمي‬ ‫والغموض الذي اكتنف نظرتها لطبيعة الدعوة‪ ،‬وهل هي سياسية أم العلماني» الصادر عام ‪ 1996‬مثاال للغلو في هذا املجال‪ .‬فقد ربط‬ ‫دينية‪ .‬واعتبر البشري هذا الغموض مقصودا لتسهيل النمو تحت بني ما سماه وفود الفكر العلماني وحضور االستعمار‪ ،‬ورأى أن‬ ‫ستار الدعوة الدينية وج��ذب كثير من الناس بعيدا عن صراعات البحث عن أمر الفكر الوافد في مجمله (أي كل األفكار اإلنسانية‬ ‫السياسة املباشرة ومراوغة الحكومة واألح��زاب وال��رأي العام رغم امل��دن�ي��ة) ال يتيسر إال باستحضار قصة امل��واج�ه��ة السياسية‬ ‫أنها كانت – في نظره حينئذ – ليست إال تنظيما سياسيا يسعى والعسكرية املستمرة مع الغرب على مدى القرنني األخيرين‪ ،‬في‬ ‫للسلطة‪ .‬كما انتقد عدم اهتمامها باملسألة الوطنية‪ ،‬معتبرا أنها إطار ما يسميه «عصر مقاومة االستعمار»‪.‬‬ ‫رغم ما كان يصدر عن قادتها من تعريض باالستعمار أحيانا أو‬ ‫هجوم عليه كانت أقل التنظيمات تعرضا للمسألة الوطنية وتحديدا ويعني ذل��ك أن الكثير من املفاهيم األساسية التي تقوم عليها‬ ‫للموقف إزاءها في وقت كانت هذه املسألة هي بؤرة االهتمام العام‪ .‬الدولة الوطنية في هذا العصر ليست إال فكرا وافدا ارتبط بالغزوة‬ ‫وليس هذا إال غيض من فيض االنتقادات التي وجهها البشري إلى االس�ت�ع�م��اري��ة‪ ،‬وأن م�ق��اوم��ة ه��ذه ال �غ��زوة ت��رت�ب��ط ب��ال�ت��ال��ي (وه��ذا‬ ‫اإلخوان في الطبعة األولى من الكتاب‪.‬‬ ‫استنتاجنا وليس قوله الصريح) بمواجهة تلك املفاهيم التي ال‬ ‫يستقيم بناء ال��دول واملجتمعات في العصر الراهن في غيابها‪.‬‬ ‫غير أنه لم يلبث أن ّ راجع نظرته هذه إلى اإلخوان مراجعة جذرية ولعله ينسى أن من بني هذه املفاهيم ما كان سالحا في مواجهة‬ ‫تقريبا‪ .‬ولذلك ص��در الطبعة الثانية للكتاب الصادرة عام ‪ 1983‬االستعمار مثل السيادة الوطنية وتقرير املصير فضال عن مفهوم‬ ‫بمقدمة طويلة في ‪ 68‬صفحة أفصح فيها عن تغيير نظرته إلى الديمقراطية الذي يرتبط بالضرورة باستقالل الوطن ألنه يقوم‬ ‫جماعة اإلخ��وان‪ .‬وأوضح في هذه املقدمة‪ ،‬التي لم تكن من حيث على مبدأ السيادة للشعب ال��ذي تنفر منه بعض ق��وى اإلس�لام‬ ‫حجمها ووظيفتها مجرد مقدمة بل فصال جديدا‪ ،‬أن فكره تغير‪ .‬السياسي صراحة وبعضها اآلخر ضمنا أو ثورية‪.‬‬ ‫وقال‪« :‬دار فكري دورة كبيرة» فيما يتعلق بفهم طبيعة جماعة‬ ‫اإلخوان ودورها‪ ،‬موضحا أنه أدرك أن من ينظر إليها من خارج وك�ث�ي��رة ه��ي ف��ي ال��واق��ع األم�ث�ل��ة ال��دال��ة على أن ال�ت��وج�ه��ات الفكرية‬ ‫ّ‬ ‫إطارها الفكري والعقيدي والحضاري «ال يستطيع أن يستصحب للمثقفني وال�ك��ت��اب ال��ذي��ن اش�ت�ه��روا بأنهم وس�ط�ي��ون‪ ،‬ب��ل بكونهم‬ ‫منطقها»‪ ،‬وال يعي الفرق «بني املنهج اإلسالمي كما يراه اإلخوان النماذج األبرز للوسطية‪ ،‬ليست إال تعبيرا عن التوجهات السياسية‬ ‫واملنهج العلماني الذي انطبع به فكر الكثيرين من أبناء املؤسسات لجماعات اإلسالم السياسي بما فيها جماعة اإلخوان‪.‬‬ ‫الحديثة في بلدنا»‪ .‬ومضى بعد ذلك «يصحح» ما أخطأ فيه عندما فالوسطية اإلسالمية‪ ،‬التي تقوم على فكرة عامة بسيطة مؤداها‬ ‫لم يستصحب منطق اإلخ��وان‪ ،‬ويراجع ما ورد عنهم في الطبعة أن��ه ال إف ��راط وال ت�ف��ري��ط‪ ،‬ه��ي ن�م��ط ح�ي��اة يعيشه م�ئ��ات امل�لاي�ين‬ ‫األولى «بهذا النظر» الجديد‪ ،‬ويوضح أنه صار يفهم ما غفل عنه من املسلمني بشكل طبيعي وليست توجها فكريا أو سياسيا‪.‬‬ ‫من قبل‪.‬‬ ‫فاإلنسان املسلم وسطي بفطرته إال إذا تعرض ملا يفسد هذه‬ ‫ويعني ذل��ك أن املثقفني «ال��وس�ط�ي�ين» ال��ذي��ن انشقوا على جماعة الفطرة التي فطره الله عليها <‬

‫‪,,‬‬

‫تحدث محمد‬ ‫عمارة في‬ ‫كتاباته‬ ‫وتصريحاته‬ ‫كثيرا عما‬ ‫سماه الوسطية‬ ‫الجامعة دون أن‬ ‫يوضح ما الذي‬ ‫تجمعه على‬ ‫وجه التحديد‬

‫‪,,‬‬

‫فهمي‬ ‫هويدي‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪35‬‬


‫قضايا‬

‫عند املؤسسني أن الدولة لن تنهض إال بالعدل والحرية معا‪ ،‬وليس‬ ‫بأحدهما دون األخرى‪ .‬والوسطية في مصر مثال تعني أيضا أن‬ ‫طريق البناء الذاتي يؤسس على الثقة في الذات الوطنية والحضارية‬ ‫التعددية وينبع من قيم الحضارة العربية اإلسالمية ذات الطابع‬ ‫املصري املميز بخصوصيتها الثقافية املستمدة من املرجعيات التي‬ ‫ارتضاها املجتمع ونص عليها الدستور»‪ .‬كما ربط هذا البرنامج‬ ‫ضمنيا بني الوسطية اإلسالمية واإلسالم الحضاري الذي ال يقل‬ ‫التباسا ومراوغة‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫انتمى‬ ‫القرضاوي‬ ‫والعوا‬ ‫للجماعة قبل‬ ‫أن يستقيال‬ ‫منها ألسباب‬ ‫سياسية‬ ‫وتنظيمية‬ ‫وليس لدوافع‬ ‫فكرية‬

‫‪,,‬‬

‫سليم‬ ‫العوا‬

‫‪34‬‬

‫واملالحظ أن عالم االجتماع املسيحي اإلنجيلي دكتور رفيق حبيب‬ ‫الذي شارك في تأسيس حزب الوسط‪ ،‬كتب عن هذه الوسطية من‬ ‫منظور مختلف تماما عما ورد ف��ي برنامج ال�ح��زب ال��ذي ساهم‬ ‫أصولية‬ ‫في كتابته‪ .‬فقد ربط ‪ -‬في كتابه «حضارة الوسط – نحو َّ‬ ‫جديدة» الصادر عام ‪ - 2011‬الوسطية باملوقع الجغرافي حيث قسم‬ ‫الحضارات الكبرى في التاريخ إلى ثالث؛ شرقية (آسيا) ووسطية‬ ‫(العاملان العربي واإلسالمي) وغربية‪ .‬ورأى أن الحضارة العربية –‬ ‫اإلسالمية تمثل ما سماه الوسط الحضاري في التاريخ البشري‪.‬‬ ‫وكما هو الحال في برنامج حزب الوسط الذي افتقد مفهوم الوسطية‬ ‫فيه إلى التحديد والوضوح‪ ،‬جاء طرح حبيب للمفهوم نفسه ما بني‬ ‫عام مبالغ في العمومية وغائم يفتقد الوضوح‪ .‬فالحضارة العربية‬ ‫– اإلسالمية عنده تمثل وسطا نوعيا بني الحضارات اآلسيوية‬ ‫والغربية‪ .‬ويحاول تفسير ذل��ك بالعودة إل��ى ثنائية امل��ادة واملعنى‬ ‫التي تجاوزها الفكر اإلنساني منذ فترة طويلة‪« :‬أصبح الوسط‬ ‫الحضاري ممثال ملوضع وسط في التفاعل بني املادة واملعنى‪ ،‬وبهذا‬ ‫يكون تكوينه مركبا من القيمة الثنائية والتي يظهر كل قطب منها‬ ‫في حضارات مختلفة»!‬ ‫ومما يثير االنتباه اآلن‪ ،‬ولم يكن منتبها إليه قبل أن تنكشف قوى‬ ‫اإلسالم السياسي بعد فشلها في االختبار املصري‪ ،‬أن جانبا من‬ ‫الرهان على اعتدال جماعة اإلخ��وان ارتبط باعتقاد لم يركز على‬ ‫وسطيتها فكريا وفقهيا بقدر ما اهتم بما بدا أنه جيل وسط في‬ ‫هذه الجماعة يمكن التعويل عليه‪.‬‬

‫أنصار اإلخوان والرئيس السابق محمد مرسي‬ ‫يشتبكون مع الشرطة املصرية خالل مظاهرة في شوارع‬ ‫حي الزيتون بالقرب من قصر القبة (ديسمبر ‪)2013‬‬

‫العام غير املحدد أيضا‪ .‬فقد تحدث كثيرا عما سماه وسطية جامعة‬ ‫دون أن يوضح ما الذي تجمعه على وجه التحديد‪ .‬فقد ربط هذه‬ ‫الوسطية الجامعة ب��إح��دى أه��م خصائص األم��ة اإلس�لام�ي��ة وفقا‬ ‫للقرآن الكريم الذي اعتبرها أمة وسطا (وكذلك جعلناكم أمة وسطا‬ ‫لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)‪.‬‬ ‫وال يختلف هذا الكالم الشديد العمومية عما يمكن أن تسمعه على‬ ‫منابر بعض املساجد في خطب وعظية‪ ،‬أو في أحاديث بعض قادة‬ ‫اإلخوان وغيرهم من أطياف اإلسالم السياسي‪ .‬فلم يقدم املثقفون‬ ‫ّ‬ ‫والكتاب الذين استمدوا «شرعيتهم» من اعتبارهم وسطيني جديدا‬ ‫في تحديد معنى الوسطية وبلورة مفهومها وتحريره من السيولة‬ ‫التي يتسم بها‪.‬‬ ‫ومع ذلك فقد نجح هؤالء املثقفون‪ ،‬الذين قدموا إسهامات فكرية‬ ‫ّ‬ ‫مقدرة في بعض القضايا األخ��رى بغض النظر عن االختالف أو‬ ‫االتفاق معها‪ ،‬في تدعيم الرهان على الوسطية اإلسالمية وربطها‬ ‫ب�ق��وى اإلس�ل�ام السياسي ال�ت��ي ل��م ت�م��ارس العنف وف��ي مقدمتها‬ ‫جماعة اإلخ� ��وان‪ .‬فلم يختلف االت �ج��اه ال��رئ�ي��س ف��ي فكر املثقفني‬ ‫«الوسطيني» عن التوجهات األساسية لهذه الجماعة وتلك القوى‪،‬‬ ‫سواء من جاءوا من خلفية «إخوانية» أو يسارية‪ .‬فقد انتمى بعضهم‬ ‫إلى تنظيم اإلخوان في مرحلة مبكرة من حياته مثل دكتور يوسف‬ ‫القرضاوي ودكتور محمد سليم العوا قبل أن يستقيال منها ألسباب‬ ‫سياسية وتنظيمية وليس لدوافع فكرية وفقهية‪ .‬وهذا الفرق في‬ ‫سبب االستقالة بالغ األهمية‪ ،‬ألن الخالف السياسي والتنظيمي‬ ‫يتعلق عادة بأمور عارضة‪ ،‬في حني أن الخالف الفكري والفقهي‬ ‫يرتبط بقضايا أساسية وجوهرية‪.‬‬

‫وق��د استمر ال��ره��ان على ه��ذا الجيل حتى بعد أن عزفت أغلبيته‬ ‫الساحقة عن االستجابة لدعوة من انشقوا على الجماعة وسعوا‬ ‫إلى تأسيس حزب الوسط‪ .‬ففي دراسة د‪ .‬عمرو الشوبكي «تحديات‬ ‫بناء تيار إسالمي ديمقراطي» املنشورة عام ‪ ،2004‬رأى أن «جيل‬ ‫الوسط في جماعة اإلخوان أكثر ليبرالية إجماال من الجيل القديم»‪.‬‬ ‫وفسر عدم انشقاق هذا الجيل‪ ،‬بخالف ما فعله أقرانه في تركيا‬ ‫مثال عند تأسيس حزب العدالة والتنمية‪ ،‬بأن «الحالة السياسية‬ ‫املصرية ال تسمح حاليا بأي فرصة لقبول حزب سياسي إسالمي‬ ‫ديمقراطي» بخالف حالة تركيا التي سمحت لرجب طيب إردوغان‬ ‫و«إخوانه» بتأسيس حزب العدالة والتنمية‪.‬‬ ‫والحال أن املرء ال يجد معنى واضحا محددا للوسطية‪ ،‬مثلها مثل‬ ‫االعتدال‪ ،‬لدى تيارات اإلسالم السياسي واملثقفني الذين ارتبطوا به‬ ‫في العقود الثالثة األخيرة مهما بذل من جهد‪ .‬وربما يرهقك البحث‬ ‫عن هذا املعنى‪ ،‬فال تجد إال إعادة إنتاج لفكرة األمة الوسطية التي‬ ‫تفتقد بدورها املضمون وتحتاج إلى تحديد واضح للمقصود بها‪ .‬ورغ��م أن دك�ت��ور محمد ع�م��ارة وامل�س�ت�ش��ار ط��ارق ال�ب�ش��ري كانا‬ ‫ي �س��اري�ين‪ ،‬ق�ب��ل أن ي�ت�ح��وال إل��ى ال�ف�ك��ر اإلس�ل�ام��ي‪ ،‬ف�ق��د جمعهما‬ ‫والقرضاوي وال�ع��وا وه��وي��دي وغيرهم قواسم مشتركة اعتبرها‬ ‫مثقفون وسطيون‬ ‫كثيرون تعبيرا عن الوسطية اإلسالمية رغم أنها تمثل الوجه الفكري‬ ‫ّ‬ ‫وحتى املثقفون والكتاب الذين اشتهروا بأنهم وسطيون ال تجد لتوجهات اإلسالم السياسي‪.‬‬ ‫ل��دي�ه��م م��ا ت�ب�ح��ث ع �ن��ه‪ .‬ف �ك��ان دك �ت��ور م�ح�م��د ع �م��ارة ه��و أك�ث��ره��م وثمة مالحظة بالغة الداللة في هذا السياق‪ ،‬وهي أن تحول البشري‬ ‫استخداما ملفهوم الوسطية في كتاباته وأحاديثه‪ ،‬ولكن في اإلطار من الفكر اليساري إلى الفكر اإلسالمي اقترن بتغيير نظرته إلى‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫بابا أوسع للرهان على إدم��اج هذه الجماعة في الحياة السياسية‬ ‫على أساس أن التفاعل الذي سيترتب على هذا اإلدماج سيؤدي إلى‬ ‫التزامها تدريجيا بالديمقراطية بما يتيح في النهاية تبديد املخاوف‬ ‫من وصولها إلى السلطة عبر انتخابات تكون هي األخيرة في غياب‬ ‫ما يضمن إجراء االنتخابات التالية في موعدها في ظل هيمنة هذه‬ ‫الجماعة على السلطة‪.‬‬ ‫وفي الوقت الذي شهدت العالقة بني اإلخوان وقوى املعارضة املصرية‬ ‫مزيجا من الصراع والتعاون‪ ،‬كان هناك ميل واضح لدى غير قليل‬ ‫من الباحثني املهمومني بقضايا الوطن إلى دمج اإلسالم السياسي‬ ‫املعتدل في الحياة السياسية و«التنظير» ألهمية هذا الدمج وضرورته‬ ‫إليجاد األرضية التي ال غنى عنها لتطور ديمقراطي تطلعوا إليه‪.‬‬ ‫وك��ان كاتب السطور أحد ه��ؤالء الذين راهنوا على تيار إسالمي‬ ‫سياسي معتدل‪ ،‬وظنوا أن جماعة اإلخوان قابلة للتطور باعتباره‬ ‫سنة الحياة قبل أن يثبت خطأ هذا الرهان بشكل قاطع عقب تولي‬ ‫الرئيس املنتمي إليها محمد مرسي السلطة في منتصف عام ‪.2012‬‬ ‫وك��ان كتابي «األزم ��ة املصرية – مخاطر االستقطاب اإلس�لام��ي‬ ‫العلماني» الصادر عام ‪ 1993‬مثاال لهذا التنظير في قضية دمج‬ ‫اإلسالميني املعتدلني في الحيز السياسي العام وإتاحة الفرصة لهم‬ ‫للتفاعل واالحتكاك بما يؤديان إليه من تطور فكري وتنظيمي في‬ ‫صفوفهم‪ ،‬سعيا إلى محاصرة العنف الديني الذي كان قد تصاعد‬ ‫في مصر في ذلك الوقت‪.‬‬

‫ثالثة افتراضات‬ ‫فقد انطلقت الرؤية املتضمنة في هذا الكتاب‪ ،‬كما جاء في مقدمته‪،‬‬ ‫من ثالثة افتراضات‪ .‬أولها أن «ظاهرة العنف هي جزء من معضلة‬ ‫أوس��ع ترتبط بمحدودية التطور الديمقراطي وع��دم توفر تقاليد‬ ‫ُ‬ ‫ال�ح��وار بني املختلفني فكريا وسياسيا‪ .‬فعندما تغلق أو تضيق‬ ‫أبواب العمل السياسي املشروع‪ ،‬ويتبدد األمل في التغيير السلمي‪،‬‬ ‫تنفتح في املقابل أبواب العنف»‪ .‬وكان االفتراض الثاني أن «ازدياد‬ ‫ح��دة االستقطاب اإلس�لام��ي – العلماني يهدد باختفاء تدريجي‬ ‫للقوى والعناصر املعتدلة أو القريبة من االعتدال في كل منهما‪،‬‬ ‫والتي يتوقف عليها مد الجسور بينهما‪ .‬ويترتب على ذلك ازدياد‬ ‫صعوبات التطور الديمقراطي الذي يفترض انفتاح مختلف التيارات‬ ‫على بعضها بما يؤدي إليه من اكتسابها فضائل التسامح والحوار‬ ‫ّ‬ ‫والحل الوسط والتفاعل البناء»‪ .‬أما االفتراض الثالث فكان متعلقا‬ ‫بما بدا في ذلك الوقت من «وجود فرصة للتوافق بني القوى املعتدلة‬ ‫ف��ي ال�ت�ي��ارات العلمانية واإلس�لام�ي��ة على إط��ار ع��ام ي�ح��دد م��ا هو‬ ‫مشترك وما هو مختلف عليه»‪.‬‬ ‫وكان هذا االتجاه إلى البحث عن إسالم سياسي معتدل قويا في‬ ‫تلك املرحلة‪ ،‬حيث عبر عنه كثير من الباحثني في الوقت الذي كان‬ ‫جانب من اللقاءات السياسية بني أحزاب وقوى املعارضة الليبرالية‬ ‫واليسارية وجماعة اإلخ ��وان يهدف إل��ى إي�ج��اد أرض�ي��ة مشتركة‬ ‫والعمل املشترك في مواجهة نظام مبارك الذي أغلق املجال السياسي‬ ‫في وجه الجميع‪ ،‬األمر الذي فرض عليهم البحث عن سبل للتعاون‬ ‫من أجل اإلصالح‪ .‬وكثيرة كانت الجهود واللقاءات التي استهدفت‬ ‫ما كان متعارفا عليه تحت عنوان «توافق وطني»‪ .‬وساهمت تلك‬ ‫ال�ج�ه��ود ف��ي تقوية االت �ج��اه البحثي واألك��ادي�م��ي ال��ذي راه��ن على‬ ‫إس�ل�ام سياسي م�ع�ت��دل‪ .‬وم��ن أه��م األع �م��ال البحثية ال�ت��ي عبرت‬ ‫عن ه��ذا االتجاه الكتاب ال��ذي أص��دره مركز ال��دراس��ات السياسية‬ ‫واالستراتيجية ب �ـ «األه��رام» ع��ام ‪ 2004‬تحت ع�ن��وان «إسالميون‬ ‫وديمقراطيون‪ :‬إشكاليات بناء نظام سياسي ديمقراطي» وحرره‬ ‫دكتور عمرو الشوبكي‪.‬‬

‫فقد انطلق هذا الكتاب من افتراضني أساسيني‪ .‬أولهما أن «مسألة‬ ‫إيمان اإلسالميني بالديمقراطية واردة ال تمنعها أسباب هيكلية‬ ‫أو (جينية) تعود إل��ى جوهر الخطاب اإلس�لام��ي‪ ،‬ولكنها ترتبط‬ ‫بتحديات من نوع جديد يتعلق معظمها بمدى جدية نظم الحكم‬ ‫العربية في إطالق مسيرة اإلصالح السياسي والديمقراطي املعطلة‬ ‫والقادرة على فرض احترام قواعد الديمقراطية على مختلف فرقاء‬ ‫الساحة السياسية»‪.‬‬ ‫أما االفتراض الثاني فهو أن «اإلسالميني أصحاب العقيدة الكلية‬ ‫والشاملة سيصبحون أمام تحدي بناء رؤى سياسية قادرة على‬ ‫التعامل مع القضايا الجزئية ولغة األرقام ومهارة التفاعل النقدي‬ ‫مع العالم‪ .‬وقد خاضت بعض فصائل التيار اإلسالمي هذا التحدي‬ ‫بنجاح‪ ،‬وق��دم��ت خبرة ح��زب العدالة والتنمية ف��ي تركيا نموذجا‬ ‫ناجحا اقتصاديا وسياسيا»‪ .‬وق��د اهتم الكتاب املشار إليه هنا‬ ‫بإلقاء ضوء ساطع على تلك الخبرة تحديدا‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬التباس مفهومي االعتدال والوسطية‬ ‫إذا ك��ان مفهوم االع�ت��دال ملتبسا بطابعه ألن��ه يتعلق بموقع غير‬ ‫محدد على متواصل ‪ Continium‬سياسي أو فكري يختلف من‬ ‫وقت آلخر‪ ،‬األمر الذي يصعب معه تحديد مستوى هذا االعتدال أو‬ ‫حتى تعريفه بدقة‪ ،‬فاألمر كذلك أيضا بالنسبة إلى مفهوم الوسطية‬ ‫رغ��م أن��ه ق��د ي�ك��ون ق��اب�لا للتحديد‪ .‬ول�ك��ن الكثير م��ن اإلسالميني‬ ‫استخدموا مفهوم الوسطية دون تحديد أو تعريف متفق عليه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫واس��ت��درج كثير غيرهم إل��ى الحديث عنه وكأنه يشير إل��ى معنى‬ ‫محدد في الوقت الذي ظل مفهوما سائال ومراوغا‪.‬‬ ‫وحتى الحزب الذي انشقت قيادته عن جماعة اإلخوان عام ‪1995‬‬ ‫وحمل اسما مستمدا من الوسطية (حزب الوسط) لم يقدم تعريفا‬ ‫محددا لهذا املفهوم يساعد في تدقيقه‪ .‬فقد تضمن برنامجه فقرة‬ ‫واحدة عن الوسطية جاء فيها كالم إنشائي شديد العمومية يفتقد‬ ‫التحديد والوضوح‪« :‬الوسطية من منظور وطني حضاري تعني‬

‫الرئيس جمال عبد الناصر يزور قبر‬ ‫مؤسس الجماعة حسن البنا سنة‬ ‫‪ 1954‬برفقة عبد الرحمن شقيق البنا‬

‫‪,,‬‬

‫كانت الحاجة‬ ‫إلى إسالم‬ ‫سياسي معتدل‬ ‫ووسطى قائمة‬ ‫أيضا لدى قطاع‬ ‫من الباحثني‬ ‫واألكاديميني‬ ‫وأجنحة في‬ ‫التيارات األخرى‬ ‫الليبرالية‬ ‫والقومية العربية‬ ‫واليسارية‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪33‬‬


‫قضايا‬

‫أحيانا لإلهانة منهم‪ .‬وهذه تصرفات يستحق عليها الشكر وليس‬ ‫االعتقال»‪ .‬كما ورد في مذكراته التي نشرتها صحيفة «الحياة» عام‬ ‫‪ .1995‬واستمر منهج الرهان على اعتدال اإلخوان ووسطيتهم في‬ ‫عهد مبارك الذي شهدت بدايته تعاونا بينهم وبني النظامُ في الحرب‬ ‫التي ترتبت على الغزو السوفياتي ألفغانستان‪ ،‬حيث أتيحت لهم‬ ‫حرية حركة واسعة في الدعوة إلى «الجهاد» في هذه الحرب وجمع‬ ‫تبرعات لدعمها‪ .‬وكان تصاعد موجة العنف‪ ،‬التي كانت قد بدأت في‬ ‫أواخر السبعينات‪ ،‬وتحولها إلى تهديد قوي في أواخر الثمانينات‬ ‫وحتى عام ‪ ،1997‬عامال آخر ساهم في استمرار الرهان على اعتدال‬ ‫تجاههم في الوقت نفسه نظرا لنجاحهم‬ ‫اإلخوان مع ازدياد الحذر‬ ‫ُ‬ ‫في استغالل حرية الحركة التي أتيحت لهم منذ بداية السبعينات‬ ‫للتغلغل في املجتمع وتوسيع نطاق املنتمني إلى الجماعة‪.‬‬

‫املرشد العام السابق محمد بديع‬ ‫يشير بعالمة (رابعة) اثناء‬ ‫محاكمته (فبراير ‪)2014‬‬

‫‪,,‬‬

‫ُيعد الشيخ‬ ‫الباقوري الذي‬ ‫فصله مكتب‬ ‫إرشاد اإلخوان‬ ‫وعبد العزيز‬ ‫كامل والبهي‬ ‫الخولي هم‬ ‫أبرز قادة هذه‬ ‫الجماعة الذين‬ ‫نقلوا والءهم‬ ‫منها إلى‬ ‫الدولة الوطنية‬

‫‪,,‬‬

‫‪32‬‬

‫وت��واص��ل ال�ت��زام ال�ح��ذر‪ ،‬وم��ا اق�ت��رن ب��ه م��ن ممارسة ضغوط على‬ ‫جماعة اإلخوان عبر توجيه ضربات أمنية انتقائية محدودة ضدها‬ ‫من وق��ت إل��ى آخ��ر‪ ،‬بالتوازي مع استمرار تصنيفها ضمن قوى‬ ‫االعتدال في اإلسالم السياسي دون التصريح بذلك‪.‬‬ ‫ولعل هذا يفسر توجه املجلس األعلى للقوات املسلحة الذي استهل‬ ‫إدارته لشؤون البالد‪ ،‬عقب تخلي الرئيس األسبق حسني مبارك‬ ‫من السلطة في ‪ 11‬فبراير ‪ ،2011‬بإعطاء أولوية للتعاون معهم‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫وشمل ذلك املثقفني والكتاب الذين كانوا يعتبرون وسطيني‪ ،‬حيث‬ ‫اختير املستشار طارق البشري لرئاسة اللجنة التي عهد إليها هذا‬ ‫تعبر عن الوسطية واالع�ت��دال‪ .‬غير أن الطريقة التي ُاتبعت سعيا املجلس بتعديل دستور ‪ 1971‬قبل أن يقرر إصدار إعالن دستوري‪.‬‬ ‫إل��ى ه��ذا ال�ه��دف أدت على امل��دى األب�ع��د إل��ى تداعيات سلبية فاقت‬ ‫اآلثار اإليجابية التي حققها على املدى األقصر‪ .‬فقد خلق إلحاق وي��دل اختيار القيادي في جماعة اإلخ��وان صبحي صالح عضوا‬ ‫مؤسسة األزهر بسلطة الدولة وربطها بها عوامل وهن فيها‪ ،‬حيث في تلك اللجنة التي رأسها البشري على االرتباط الذي كان قائما‬ ‫ضعفت مصداقيتها عندما بدا أنها لسان حال هذه السلطة‪ .‬كما في منهج سلطة الدولة في مصر بني هذه الجماعة ومجموعة من‬ ‫أدى توسيعها بال حدود إلى انتشار مئات املعاهد الدينية التي صار املثقفني ظلوا يوصفون بأنهم وسطيون أو معبرون عن الوسطية‬ ‫صعبا‪ ،‬ثم مستحيال‪ ،‬ضبط إيقاعها في اإلطار الوسطي الذي أريد اإلسالمية‪ .‬وسنعود الحقا ملناقشة اتجاهات فكر هؤالء املثقفني‬ ‫لهذه املؤسسة أن تلتزم به‪ .‬ولذلك وجد التطرف الديني طريقه إلى وعالقتهم مع جماعة اإلخوان‪.‬‬ ‫غير قليل من العاملني بها وليس فقط الدارسني فيها‪.‬‬ ‫‪ -2‬رهان باحثني وسياسيني على إسالم سياسي معتدل ووسطي‪:‬‬

‫السياسات االشتراكية الناصرية‬ ‫ورغم أن السادات واصل استخدام مؤسسة األزهر بالطريقة نفسها‪،‬‬ ‫فقد عاد معه الرهان على اعتدال جماعة اإلخوان ووسطيتها مرة‬ ‫أخرى‪ .‬فقد بدأ ‪ -‬اعتبارا من أواخر ‪ - 1971‬في اإلفراج عن املسجونني‬ ‫واملعتقلني من قادتها وأعضائها‪ ،‬والسماح ملن لجأوا إلى الخارج‬ ‫بالعودة‪ ،‬وأت��اح لهم حرية حركة تنامت تدريجيا حيث استأنفوا‬ ‫إصدار إحدى مطبوعاتهم (مجلة الدعوة) عام ‪ .1976‬صحيح أن‬ ‫الهدف األساسي للسادات كان االستفادة من دور اإلخوان في دعم‬ ‫عملية التحول عن السياسات االشتراكية الناصرية وإيجاد توازن‬ ‫مع القوى اليسارية (الناصرية واملاركسية) املؤيدة لهذه السياسات‪.‬‬ ‫غير أنه ما كان متصورا االعتماد على اإلخوان في مثل هذا السياق‬ ‫دون اقتناع بأنهم معتدلون ووسطيون‪ .‬ول��وال ذل��ك‪ ،‬ما لجأ نظام‬ ‫السادات إلى اإلخ��وان للمساعدة في مواجهة التطرف الديني حني‬ ‫أخذت ظاهرة العنف تتفاقم في أواخر السبعينات‪ .‬فقد اعتمد على‬ ‫املرشد العام لإلخوان في ذلك الوقت عمر التلمساني وبعض قادتهم‬ ‫ف��ي محاولة لوقف تنامي جماعات العنف‪ .‬وق��د أك��د ذل��ك النبوي‬ ‫إسماعيل‪ ،‬الذي تولى منصب وزير الداخلية بني عامي ‪ 1977‬و‪1982‬‬ ‫ضمن رواي�ت��ه العتقاالت سبتمبر (أي�ل��ول) ‪ ،1981‬حيث روى أنه‬ ‫اعترض على اعتقال التلمساني‪ .‬وقال للسادات إنه «رجل معتدل‬ ‫كان يذهب للجامعات ويتحدث إلحباط تحركات نظمتها جماعات‬ ‫دينية متطرفة‪ .‬وكان يتحدث ويفند آراءهم لدرجة أنه كان يتعرض‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫راه��ن غير قليل من الباحثني والسياسيني الليبراليني والقوميني‬ ‫واملستقلني سواء في مصر‪ ،‬أو في بالد عربية أخرى‪ ،‬على وجود‬ ‫إس�ل�ام س�ي��اس��ي م�ع�ت��دل ووس �ط��ي‪ .‬وس��اه �م��وا ب��ذل��ك ف��ي إض�ف��اء‬ ‫االعتدال والوسطية على جماعة اإلخوان وجماعات وأحزاب إسالمية‬ ‫ّ‬ ‫سياسية أخ��رى‪ ،‬وترسيخ النظرة اإليجابية إل��ى مثقفني وكتاب‬ ‫يعبرون فكريا ع��ن التوجهات السياسية العامة لهذه الجماعات‬ ‫واألحزاب باعتبارهم معبرين عن الوسطية اإلسالمية‪.‬‬

‫تحالف الوفد مع اإلخوان‬ ‫وكان هذا «االختراع» نتيجة الحاجة املاسة إلى وجود إسالم سياسي‬ ‫يمكن دمجه في بناء ديمقراطي كان هؤالء الباحثون والسياسيون‬ ‫يبشرون به ويتطلعون إليه‪ .‬وقد دشنت قيادة حزب الوفد ذي التاريخ‬ ‫الليبرالي العريق هذا االتجاه الذي سعى إلى إيجاد إسالم سياسي‬ ‫ُمعتدل‪ ،‬عبر اتفاقها مع قيادة جماعة اإلخوان على التعاون – الذي‬ ‫أطلق عليه التحالف – في انتخابات ‪ 1984‬البرملانية في مصر‪ .‬وقام‬ ‫ذلك التعاون على أن تضم قوائم حزب الوفد االنتخابية عددا من‬ ‫املرشحني الذين ينتمون إلى جماعة اإلخوان‪ .‬وكانت هذه هي املرة‬ ‫األول��ى التي يشارك فيها اإلخ��وان في انتخابات عامة‪ ،‬حيث وجد‬ ‫ثمانية منهم الطريق إلى مجلس الشعب ضمن قوائم حزب الوفد‪.‬‬ ‫وفتح ذلك التعاون االنتخابي بني حزب ليبرالي وجماعة اإلخ��وان‬


‫العربية التي راهنت على وجود إسالم سياسي معتدل ووسطي‪،‬‬ ‫وكان بعضها «رائ��دا» في هذا املجال‪ ،‬وأفكار باحثني وأكاديميني‬ ‫ميزوا بني االعتدال والتطرف وبلوروا أفكارا ساهمت في دعم االتجاه‬ ‫ُ‬ ‫إلى الرهان على تيارات إسالمية سياسية اعتبرت معتدلة ووسطية‪.‬‬ ‫‪ -1‬رهان نظم الحكم على إسالم سياسي معتدل ووسطي‪:‬‬

‫السياسية الصادر في ‪ 16‬يناير (كانون الثاني) ‪.1953‬‬ ‫ولكن ه��ذا التقارب ال��ذي فرضته ال�ظ��روف السياسية سرعان ما‬ ‫ت��راج��ع وب ��دأت ع�ن��اص��ر ال�ت��وت��ر ال�ك��ام�ن��ة ب�ين ال�ط��رف�ين ف��ي الظهور‬ ‫تدريجيا إلى أن ب��دأت العالقة في التحول منذ فبراير ‪ 1954‬نحو‬ ‫الصدام الذي بلغ ذروته في أكتوبر من العام نفسه‪.‬‬ ‫غير أن هذه التجربة امل��رة لم تكن كافية إلح��داث قطيعة مع منهج‬ ‫الرهان على إسالم سياسي معتدل‪ ،‬وال حتى على جماعة اإلخوان‬ ‫نفسها؛ حيث استقطب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عددا من‬ ‫ُ‬ ‫قادتها الذين فصلوا منها أو انشقوا عليها خالل فترة الصدام‪،‬‬ ‫واستعان بهم في سعيه إلى مواجهة هذه الجماعة بسالحها وهو‬ ‫استخدام الدين عبر سياسة استهدفت إثبات أن اإلسالم الرسمي‬ ‫أو إسالم الدولة هو الصحيح‪ ،‬وأن اإلخوان منحرفون عن صحيح‬ ‫اإلسالم‪ ،‬قبل أن يعود الرئيس الراحل أنور السادات للرهان عليهم‬ ‫مجددا في مطلع سبعينات القرن املاضي‪.‬‬

‫بدأت إرهاصات هذا الرهان في مصر منذ ثورة يوليو ‪ ،1952‬عبر‬ ‫تعاون قيادتها مع جماعة «اإلخوان» في اإلعداد لهذه الثورة ثم في‬ ‫تثبيت أركانها‪ ،‬قبل أن يبدأ الصدام بني الطرفني بعد شهور على‬ ‫قيامها ويبلغ ذروته في أكتوبر (تشرين األول) ‪.1954‬‬ ‫ف�ف��ي ال�ف�ت��رة ب�ين ‪ 26‬ي��ول�ي��و (ت �م��وز) ‪ 1952‬ح�ين اجتمعت الهيئة‬ ‫التأسيسية (مجلس الشورى بعد ذلك) لجماعة «اإلخوان» وأصدرت‬ ‫بيانا عبر عن فرحتها (لنجاح الحركة املباركة لضباط الجيش)‪،‬‬ ‫و‪ 26‬أكتوبر ‪ 1954‬عندما أطلق محمود عبد اللطيف عضو الجماعة‬ ‫ثماني رصاصات لم يصب أي منها جمال عبد الناصر خالل إلقائه‬ ‫خطابا في ميدان املنشية باإلسكندرية‪ ،‬جرت في نهر العالقة بني‬ ‫ُ‬ ‫وي�ع��د أحمد حسن ال�ب��اق��وري‪ ،‬ال��ذي فصله مكتب إرش��اد جماعة‬ ‫سلطة الثورة واإلخوان مياه كثيرة‪.‬‬ ‫اإلخوان‪ ،‬ودكتور عبد العزيز كامل والبهي الخولي هم أبرز قادة هذه‬ ‫تعامل مجلس قيادة الثورة‪ ،‬ومن قبله قيادة تنظيم الضباط األحرار‪ ،‬الجماعة الذين نقلوا والءهم منها إلى عبد الناصر والدولة الوطنية‪.‬‬ ‫مع الجماعة باعتبارها أب��رز القوى الوطنية التي يمكن االعتماد وكانت بدايات منهج عبد الناصر في مواجهة جماعة اإلخوان بسالح‬ ‫عليها بما ينطوي عليه ذلك من اعتقاد في أنها ليست متطرفة‪ ،‬على الدين ال��ذي تستخدمه‪ ،‬أو محاولته تجريدها من هذا السالح‪ ،‬قد‬ ‫األقل إلى الحد الذي يثير القلق‪ .‬ورغم أن قادة الثورة فوجئوا عقب ظهرت للمرة األولى عندما بدأت مقدمات الصدام معها في فبراير‬ ‫نجاحها بطلب املرشد العام للجماعة حينئذ حسن الهضيبي عرض (شباط) ‪ 1954‬حيث اصطحب معه الباقوري في زي��ارة إلى قبر‬ ‫القرارات التي يتخذونها على مكتب إرشاد هذه الجماعة للنظر فيها مؤسسها حسن البنا في ذكرى اغتياله الخامسة‪ ،‬وألقى كلمة أكد‬ ‫قبل إصدارها‪ ،‬واصلوا التعاون معها رغم رفضهم هذا الطلب‪ .‬فقد فيها إيمانه بمنهج اإلسالم في مختلف مناحي الحياة وأثنى فيها‬ ‫كانوا في حاجة إلى قاعدة يرتكزون عليها إلى أن ّ‬ ‫يثبت العهد الجديد على املرشد األول وأعماله‪.‬‬ ‫ركائزه‪ .‬ولذلك وجهوا إليها رسائل إيجابية بدءا باستبعاد ضباط‬ ‫البوليس السري األكثر عداء لها وإعادة التحقيق في قضية مقتل وفي ظل الصدام مع اإلخوان‪ ،‬اتجه عبد الناصر إلى مؤسسة األزهر‬ ‫زعيمها حسن البنا واستثنائها من قرار حل األحزاب والجماعات لتطويرها من أج��ل أداء دور أراده لها كمؤسسة إسالمية كبرى‬

‫محمد عمارة يتسلم درع تكريم من‬ ‫القرضاوي باعتباره احد رموز الوسطية‬ ‫والتجديد في االحتفاء الذي نظمه مركز‬ ‫اإلعالم العربي بنقابة الصحفيني املصريني‬ ‫بحضور قيادات جماعة اإلخوان وعلى‬ ‫رأسهم املرشد العام محمد بديع ونائبه‬ ‫محمود عزت إضافة إلى صالح عبد املقصود‬ ‫وزير االعالم في حكومة مرسي والقيادي‬ ‫عصام العريان واملستشار طارق البشري‬ ‫والكاتب فهمي هويدي (نوفمبر ‪)2010‬‬

‫‪,,‬‬

‫اقترن مفهوم‬ ‫االعتدال أو شعاره‬ ‫على هذا النحو‬ ‫بفكرة الوسطية‬ ‫اإلسالمية التي‬ ‫أعيد إنتاجها‬ ‫من دون بلورتها‬ ‫وتحديد‬ ‫مضمونها‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪31‬‬


‫قضايا‬

‫ُ‬ ‫كانت الحاجة وستظل‪ ،‬أم االختراع‪ .‬فكم من اختراعات ظهرت أو اخترعت نتيجة وجود حاجة ماسة إليها‪.‬‬ ‫وينطبق ذلك على ما هو مفيد‪ ،‬وما هو ضار‪ ،‬في هذه االختراعات‪ .‬واملقصود باالختراع هنا معنى أوسع‬ ‫بكثير من الكشف العلمي أو االبتكار التكنولوجي‪ .‬فهو يشمل األفكار بأنواعها كافة ومجاالتها جميعا‪.‬‬ ‫ومن هذه األفكار فكرة االعتدال التي ظهرت مع صعود تيارات اإلسالم السياسي منذ أواخر سبعينات القرن‬ ‫املاضي‪ ،‬ومفهوم الوسطية الذي توسع استخدامه في هذا السياق وبات مقترنا باملثقفني والكتاب الذين‬ ‫يعبرون فكريا عن التوجه السياسي العام لهذه التيارات‪.‬‬

‫التباس مفهوم الوسطية في أطروحات اإلسالم السياسي‪ ..‬وفشل الرهان على «اإلخوان»‬

‫زيف االعتدال‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫د‪ .‬وحيد عبد املجيد‬

‫‪,,‬‬

‫الوسطية من‬ ‫منظور وطني‬ ‫حضاري تعني‬ ‫عند املؤسسني‬ ‫أن الدولة لن‬ ‫تنهض إال‬ ‫بالعدل والحرية‬ ‫معا وليس‬ ‫بأحدهما دون‬ ‫األخرى‬

‫‪,,‬‬

‫‪30‬‬

‫الحاجة إلى هاتني الفكرتني ‪ -‬الوسطية واالعتدال ‪ -‬قوية‬ ‫لدى تيارات اإلس�لام السياسي التي اقتضت مصلحتها‬ ‫أن تقدم نفسها في صورة مفادها أنها تجنح إلى العمل‬ ‫السلمي املعتمد على الدعوة واإلقناع واملنبت الصلة بالعنف واإلكراه‬ ‫وتسعى إلى الحوار والشراكة مع غيرها من التيارات وتنأى بنفسها‬ ‫عن الغلو واملغاالة وتنفر من الجموح واملغالبة‪.‬‬ ‫ورغ��م أن ه��ذه التيارات لم تطرح ما يمكن اعتباره نهجا واضحا‬ ‫يمثل قطيعة معرفية مع من يرفعون ل��واء «الجهاد» في مواجهة‬ ‫املسلمني وشركاء الوطن ويلجأون إلى العنف ويمارسون اإلرهاب‪،‬‬ ‫فقد حرصت على تمييز نفسها عنهم باعتبارها ممثلة لالعتدال‬ ‫في مواجهة تطرف من يحملون السالح‪ .‬ولكن مفهوم االعتدال الذي‬ ‫أصبح مقترنا بتيارات اإلسالم السياسي وحركاته‪ ،‬وأهمها جماعة‬ ‫«اإلخ��وان» املنتشرة حول العالم‪ ،‬ظل أقرب إلى شعار عام منه إلى‬ ‫فكرة تقوم على رؤية واضحة ملحدداته وأسسه ومنهجه والخط الذي‬ ‫يفصله معرفيا وفكريا وسياسيا عن العنف الذي لم يخل تاريخ‬ ‫هذه التيارات وخاصة جماعة اإلخوان منه‪.‬‬

‫فكرة الوسطية‬

‫املخاوف التي ظلت تعترض طريق التطور الديمقراطي في عدد من‬ ‫الدول العربية‪ ،‬وهو وصول حركات إسالمية سياسية إلى السلطة‬ ‫عبر هذا الطريق ثم غلقه بضبة ومفتاح‪ .‬ولذلك كان الجدل حول‬ ‫م��ا إذا كانت مرجعيات ت��ي��ارات اإلس�ل�ام السياسي التي ُوصفت‬ ‫باالعتدال وبنياتها التنظيمية املغلقة تسمح بأن تصبح جزءا من‬ ‫عملية ديمقراطية مفتوحة يحدث فيها ت��داول على السلطة عبر‬ ‫االنتخابات إحدى أهم القضايا التي شغلت الحيز العام في عديد‬ ‫من البالد العربية منذ أوائل ثمانينات القرن املاضي‪.‬‬ ‫وكانت مواجهة إرهاب الحركات اإلسالمية التي رفعت لواء «الجهاد»‬ ‫ولجأت إلى العنف سببا ثانيا للحاجة إلى تيارات إسالمية سياسية‬ ‫معتدلة اعتقادا في أن وجود أصوات معتدلة في هذا السياق يساهم‬ ‫في إضعاف نزعات التطرف التي تنتج عنفا وإرهابا‪ ،‬تأسيسا على‬ ‫املنطق البسيط الذي يقضي بأنه إذا زادت مساحة فكرة ما تناقصت‬ ‫بالتالي مساحة نقيضتها‪ .‬وملا كان االعتدال والتطرف نقيضني‪،‬‬ ‫بدا أن ازدياد حضور أحدهما ال بد أن يكون على حساب اآلخر‪.‬‬ ‫وك��ان لدى بعض نظم الحكم العربية مثل هذه الحاجة إلى وجود‬ ‫تيارات إسالمية معتدلة ذات توجهات وسطية اعتقادا في أنه يساهم‬ ‫في محاصرة التطرف والحد من العنف واإلرهاب‪.‬‬ ‫ولذلك فاالفتراض الذي تنطلق منه الرؤية التي نقدمها هنا ملسألة‬ ‫االعتدال والوسطية في اإلس�لام السياسي هو أن وجودهما كان‬ ‫ح��اج��ة موضوعية دف��ع��ت إل��ى التعجل ف��ي اعتبارهما موجودين‬ ‫بالفعل استنادا على خطاب سياسي شديد العمومية تبنته التيارات‬ ‫التي اعتبرت معتدلة ووسطية ولم يتضمن ما يتيح التثبت من جديته‬ ‫أو التيقن من االلتزام به‪ .‬وسنعود في مناقشة هذا االفتراض إلى‬ ‫ما يكون اعتباره منطق من راهنوا على هذا الخطاب‪ ،‬وخاصة من‬ ‫الباحثني واألكاديميني الذين بلوروا ما اتجهت قطاعات من التيارات‬ ‫الليبرالية والقومية العربية واليسارية إلى العمل على أساسه في‬ ‫هذا املجال‪.‬‬ ‫وننتقل في الشق الثاني من هذه الرؤية إلى مناقشة الغموض الذي‬ ‫انتاب فكرة الوسطية في أطروحات اإلسالم السياسي املوصوف‬ ‫باالعتدال وااللتباس الذي أحاط بها‪ ،‬وما زال‪.‬‬

‫واقترن مفهوم االعتدال‪ ،‬أو شعاره‪ ،‬على هذا النحو بفكرة الوسطية‬ ‫اإلسالمية التي أعيد إنتاجها من دون بلورتها وتحديد مضمونها أو‬ ‫حتى معناها في العصر الراهن‪ .‬ولذلك ظلت فكرة الوسطية‪ ،‬مثلها‬ ‫بمجموعة من‬ ‫مثل االعتدال‪ ،‬أقرب إلى شعار عام رغم أنها اقترنت‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫املثقفني والكتاب اإلسالميني الذين قدموا أنفسهم حينا‪ ،‬وقدموا‬ ‫حينا آخر‪ ،‬باعتبارهم ممثلني لها مثل دكتور يوسف القرضاوي‬ ‫ودكتور محمد سليم العوا ودكتور محمد عمارة واملستشار طارق‬ ‫البشري واألستاذ فهمي هويدي وغيرهم‪.‬‬ ‫غير أن م��ا ينبغي االنتباه إليه ه��و أن الحاجة إل��ى وج��ود تيارات‬ ‫معتدلة في ساحة اإلسالم السياسي وأفكار إسالمية وسطية لم‬ ‫تكن مقصورة فقط على التيارات التي ُوصفت باالعتدال واملثقفني‬ ‫ُ‬ ‫الذين اعتبروا وسطيني‪ .‬كانت الحاجة إلى إسالم سياسي معتدل‬ ‫ووسطى قائمة أيضا لدى قطاع من الباحثني واألكاديميني‪ ،‬وأجنحة‬ ‫في التيارات األخرى الليبرالية والقومية العربية واليسارية اعتقادا أوال‪ :‬منطق الرهان على إسالم سياسي معتدل ووسطي‪:‬‬ ‫ف��ي أن وج���وده يساعد ف��ي إزال���ة أو على األق���ل تخفيف أح��د أهم ينبغي التمييز في بحثنا عن هذا املنطق بني توجهات نظم الحكم‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫إيراني أميركي عمدة لبيفرلي هيلز في عام ‪ 2007‬ثم أعيد انتخابه في ‪.2010‬‬ ‫كما تمكن اإليرانيون من ولوج عالم السياسة األميركية أيضا‪ ،‬وكان من أبرزهم‬ ‫سيروس أمير مكري‪ ،‬السكرتير املساعد بوزارة الخزانة األميركية‪.‬‬ ‫أظهرت دراسة أجراها موقع «إدارة األعمال الصغيرة ‪ »SBA‬في عام ‪ 2008‬أن‬ ‫املهاجرين اإليرانيني ضمن أعلى ‪ 15‬جماعة مهاجرة من حيث عدد املشروعات‬ ‫التي يمتلكونها‪ ،‬حيث أشارت الدراسة إلى أن املهاجرين اإليرانيني بينهم نحو‬ ‫‪ 33.570‬من أصحاب املشروعات اإليرانيني الفاعلني‪ ،‬وهو ما يعني أن اإليرانيني‬ ‫ األميركيني يتمتعون بنحو ‪ 21.5‬في املائة من معدل ملكية املشروعات‪ .‬ووفقا‬‫لهذه الدراسة‪ ،‬يعادل صافي إجمالي دخل املشروعات التي يقدمها اإليرانيون‬ ‫األميركيون نحو ‪ 2.560‬بليون دوالر‪.‬‬ ‫وكان ستيوارت كريمي‪ ،‬املعروف باسم بيغان‪ ،‬والذي لديه متجر خاص في‬ ‫بيفرلي هيلز يوصف بأنه أكثر املتاجر ارتفاعا في األسعار على مستوى‬ ‫العالم‪ ،‬من رجال األعمال الرواد والناجحني بها‪ .‬ويلعب التعليم دورا محوريا‬ ‫في اإلسهامات املالية في الدولة املضيفة‪ .‬فبينما تشير اإلحصاءات القومية إلى‬ ‫أن أقل من ‪ 30‬في املائة من األميركيني يحملون درجة البكالوريوس‪ ،‬فإنها تؤكد‬ ‫أن أكثر من ‪ 51‬في املائة من املهاجرين اإليرانيني يحملون درجة البكالوريوس‬ ‫أو أعلى منها حيث يحمل أكثر من ربعهم درجة املاجستير أو الدكتوراه‪.‬‬ ‫جدير بالذكر أن هناك ص��ورة نمطية شائعة ع��ن اإلي��ران�ي�ين تؤكد أن اآلب��اء‬ ‫اإليرانيني يدفعون أبناءهم‪ ،‬خاصة إذا ما كانت لديهم القدرة على املذاكرة‪ ،‬لكي‬ ‫يصبحوا مهندسني وأطباء ومحامني‪ ،‬وأخذا في االعتبار تخرج نحو ‪5000‬‬ ‫إيراني من الكليات الطبية بالواليات املتحدة‪ ،‬يبدو أن هذه الصورة النمطية‬ ‫صحيحة إلى حد كبير‪.‬‬ ‫وتفيد التقارير بأن فانيسا برادفورد كيري‪ ،‬االبنة الصغرى لجون كيري من‬ ‫زوجته األولى‪ ،‬قد تزوجت من طبيب إيراني أميركي‪ .‬وعلى الرغم من أن صورة‬ ‫جون كيري وهو يجلس على طاولة الطعام املزينة بزينات فارسية احتفاال‬ ‫بالسنة اإليرانية الجديدة ربما تصبح صورة سارة للعديد من اإليرانيني داخل كوميديني يسخرون من السياسة األميركية واإليرانية على حد سواء وليس‬ ‫الواليات املتحدة أو في إيران‪ ،‬فإنها تثير بعض االنتقادات والشكوك حول موقف لديهم مثل تلك األجندات السياسية‪.‬‬ ‫كيري من القضية اإليرانية وكذلك القضية السورية‪.‬‬ ‫وم��ن بني أشهر العلماء علي ج��وان‪ ،‬ال��ذي ش��ارك في اختراع أول ض��وء ليزر‬ ‫التيارات الدينية والسياسية‬ ‫مستمر بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام ‪.1960‬‬

‫املطربون واملمثلون أم املقاتلون السياسيون؟‬ ‫تتضمن ل��وس أنجليس أعلى تركز للجالية الفارسية األميركية بالواليات‬ ‫املتحدة‪ .‬فبعد الثورة اإليرانية‪ ،‬تحولت لوس أنجليس إلى مركز جذب للعدد‬ ‫األكبر من املطربني والفنانني الذين هربوا من بالدهم للنجاة بحياتهم‪.‬‬ ‫وقد عملت الجالية اإليرانية في لوس أنجليس‪ ،‬سواء عمدا أم ال‪ ،‬كواحدة من أقوى‬ ‫حركات املعارضة الثقافية لنظام الخميني‪ .‬وانتشرت أعمالهم الفنية‪ ،‬التي كانت‬ ‫تحظرها الدولة اإلسالمية‪ ،‬على مستوى واسع وعرضت سرا سواء بمنازل‬ ‫اإليرانيني أو حفالتهم أو مناسباتهم‪ .‬وسرعان ما بدأ العديد من املطربني غناء‬ ‫األغنيات السياسية التي ع��ادة ما كانت تنتقد القمع ال��ذي تمارسه الحكومة‬ ‫الجديدة ضد النخب والحريات‪.‬‬ ‫وقد دافع العديد من املطربني‪ ،‬دون االنتماء إلى أية أحزاب سياسية‪ ،‬عن اإليرانيني‬ ‫املقموعني‪ .‬وحتى ف��ي أغانيهم امل��رح��ة وغير السياسية‪ ،‬ك��ان��وا يعربون عن‬ ‫معارضتهم للتقاليد اإلسالمية الصارمة التي فرضتها الجمهورية اإلسالمية‪.‬‬ ‫وك��ان التأثير السياسي ‪ -‬الثقافي ملطربي ل��وس أنجليس قويا للغاية حتى‬ ‫أن الدولة اإلسالمية دعمت ظهور مطربني مشابهني لهؤالء املطربني ورفعت‬ ‫رسميا الحظر على مطربي «البوب» الفرس في منتصف التسعينات خوفا من‬ ‫تعرضها «لهجوم ثقافي»‪.‬‬ ‫وقد تعرض املمثل الكوميدي واملعارض‪ ،‬راف��ي خاشاتوريان‪ ،‬ال��ذي ع��ادة ما‬ ‫كان يلعب دور الخميني في األف�لام الدرامية‪ ،‬للمطاردة والضرب في تقاطع‬ ‫ويستوود في عام ‪ 1986‬مما أسفر عن تعرض عينه اليسرى للضرر الدائم‪.‬‬ ‫على أية حال‪ ،‬ال يتبنى جميع املطربني اإليرانيني وجهات نظر سياسية؛ فهناك‬ ‫م��از ج�ب��ران��ي‪ ،‬وم��اك��س أميني‪ ،‬وط�ه��ران س��وب��ارف��از ال��ذي��ن يعملون كممثلني‬

‫سعى العديد من السجناء السياسيني اإليرانيني في الفترة من التسعينات‬ ‫وحتى األلفينات إلى اللجوء إلى الواليات املتحدة‪ .‬وكذلك يقيم أق��ارب الشاه‬ ‫واملتصلون به‪ ،‬بما في ذلك اإلمبراطورة السابقة فرح بهلوي‪ ،‬واألميرة أشرف‬ ‫بهلوي أخت الشاه‪ ،‬ووزير خارجية الشاه أردشير زاهدي‪ ،‬حاليا في الواليات‬ ‫املتحدة‪ .‬ومن أبرز اإلصالحيني الذين هاجروا إلى الواليات املتحدة كان سيد‬ ‫حسني موسوي‪ ،‬الرئيس السابق لفريق املفاوضني النوويني اإليرانيني الذي‬ ‫ه��اج��ر إل��ى ال��والي��ات امل�ت�ح��دة وي�ع�م��ل ح��ال�ي��ا كمحاضر بجامعة برنستون‪،‬‬ ‫بنيوجيرسي‪ .‬وعادة ما يكتب املقاالت في الصحف األميركية مثل «واشنطن‬ ‫بوست» فيما يتعلق بامللف النووي اإليراني‪ .‬وكانت واشنطن هي مأوى أولى‬ ‫حركات املعارضة لنظام الخميني وهي «مؤسسة الحرية اإليرانية» التي أسسها‬ ‫علي أكبر طباطبائي‪ ،‬امللحق اإلعالمي السابق بالسفارة اإليرانية‪ .‬وبعد كشفه‬ ‫عن عدد من العالقات السرية مثل إحياء جهاز السافاك بنفس بنيته الهيكلية‬ ‫تحت إشراف النظام اإلسالمي الجديد‪ ،‬قتل الطباطبائي رميا بالرصاص في‬ ‫منزله بماريالند في يوليو (تموز) ‪ .1980‬ووقعت عملية اغتياله قبل عدة أيام من‬ ‫مظاهرة مزمعة ملعارضة الخميني‪ .‬جدير بالذكر أن معظم اإليرانيني األميركيني‬ ‫ال يؤمنون بدين محدد‪ ،‬حيث إنهم إما متشككون أو ملحدون‪ .‬ووفقا الستطالع‬ ‫رأي أجراه زغبي ‪ -‬تحالف الشؤون العاملة لإليرانيني األميركيني‪ ،‬ما زال نحو‬ ‫‪ 30‬في املائة من اإليرانيني يمارسون شعائر الشريعة اإلسالمية‪ ،‬فيما يأتي‬ ‫نحو ‪ 21‬في املائة منهم من خلفيات بهائية‪ ،‬أو آشورية‪ ،‬أو أرمينية‪ ،‬أو يهودية‪.‬‬ ‫وتنتمي نسبة كبيرة من اإليرانيني األميركيني في بيفرلي هيلز إلى اليهود‬ ‫الفرس الذين هاجروا في أعقاب الثورة‪ ،‬وج��اءوا إلى الواليات املتحدة ضمن‬ ‫أقوى موجات الهجرة التي تشهدها البالد على اإلطالق <‬

‫شارك جون كيري احتفاالت الجالية‬ ‫االيرانية في واشنطن بعيد «النوروز»‬ ‫ويستمع الى شرح عضو مجلس‬ ‫الجالية االيرانية حول تقاليد االحتفال‬ ‫باملناسبة ‪ 20 -‬مارس ‪2014‬‬

‫‪,,‬‬

‫وفقا لبيانات‬ ‫التعداد األميركي‬ ‫التقديرية في‬ ‫عام ‪ 2009‬هناك‬ ‫ما يقدر بنحو‬ ‫مليون إيراني‪-‬‬ ‫أميركي يعيشون‬ ‫في الواليات‬ ‫املتحدة‬

‫‪,,‬‬

‫* باحث وكاتب ايراني مقيم في لوس انجلس‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪29‬‬


‫قصة الغالف‬

‫يعج تاريخ تبني الجماعات والجاليات املهاجرة للثقافة األميركية ونظامها االجتماعي باالضطرابات‪ ،‬إذ كان‬ ‫املزيج من بعض العناصر الطبيعية مثل توقيت الهجرة والتعليم واملرحلة السنية والوضع االقتصادي بل‬ ‫وحتى نوع الهجرة سواء كانت قسرية أم تطوعية يمكنه أن يصنع فارقا هائال في تلقي الدولة املضيفة لتلك‬ ‫الجماعة ونتائج الهجرة بالنسبة لألقلية املهاجرة‪.‬‬

‫تطلق الجالية اإليرانية في أميركا على نفسها اسم «الفرس» لحماية نفسها ضد التوترات‬

‫اإليرانيون األمريكيون‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫بابك فروغي *‬

‫‪,,‬‬

‫تفيد التقارير‬ ‫بأن فانيسا‬ ‫برادفورد كيري‬ ‫االبنة الصغرى‬ ‫لجون كيري من‬ ‫زوجته األولى‬ ‫قد تزوجت من‬ ‫طبيب إيراني‬ ‫أميركي‬

‫‪,,‬‬

‫فانيسا‬ ‫برادفورد‬ ‫كيري‬

‫‪28‬‬

‫على الرغم من أن أميركا كانت تشتهر دائما بالزيادة السريعة لعدد‬ ‫املهاجرين إليها‪ ،‬حيث إن واح��دا من بني كل خمسة أميركيني من‬ ‫املهاجرين‪ ،‬فمن الواضح أن العالقات السياسية السلبية بني إيران‬ ‫والواليات املتحدة أسفرت عن الكثير من الصعوبات بالنسبة للجاليات اإليرانية‬ ‫في ال��والي��ات املتحدة‪ .‬وم��ع ذل��ك‪ ،‬فقد استخدمت الجالية اإليرانية التي تطلق‬ ‫على نفسها اس��م «ال�ف��رس» انتماءها العرقي كوسيلة لحماية نفسها ضد‬ ‫تلك التوترات‪.‬‬ ‫كان اإليرانيون من بني املهاجرين الذين هاجروا إلى الواليات املتحدة‪ ،‬حيث بدأت‬ ‫موجات هجرتهم في الستينات من القرن املاضي عندما كانت العالقات اإليرانية‬ ‫األميركية قوية‪ ،‬ثم تزايدت موجات الهجرة في أعقاب ثورة ‪ 1979‬اإليرانية‪.‬‬ ‫وكما مثلت ث��ورة ‪ 1979‬نهاية عصر الشاه‪ ،‬فإنها كانت بداية ملوجة واسعة‬ ‫من الهجرة من إيران وكان أنصار الشاه وأفراد الجيش السابقني والنشطاء‬ ‫السياسيني ضمن املجموعة األولى من اإليرانيني الذين لم يشعروا باألمان في‬ ‫وطنهم األم وهاجروا للنجاة بحياتهم‪ .‬كما اختار البهائيون أيضا الهجرة من‬ ‫إيران ألن الحكومة الحاكمة الجديدة والتي مأسست القيم اإلسالمية‪ ،‬وجدت‬ ‫أن دينهم ينافي العقائد اإلسالمية‪ .‬كما اختار األشخاص الذين لم يؤيدوا‬ ‫الجمهورية اإلسالمية وآيديولوجيا آية الله الخميني الهجرة حتى وإن كانوا ال‬ ‫يمارسون النشاط السياسي‪.‬‬

‫تداعيات أزمة الرهائن‬ ‫ولكن األمل الذي كان يعقده اإليرانيون على البدء من جديد في الواليات املتحدة‬ ‫ل��م ي��دم ط��وي�لا‪ ،‬وذل��ك حيث هاجم مجموعة م��ن ال�ط�لاب اإلي��ران�ي�ين املسلحني‬ ‫السفارة األميركية في طهران وأخذوا نحو ‪ 52‬من الدبلوماسيني األميركيني‬ ‫واملواطنني كرهائن في نوفمبر (تشرين الثاني) ‪ .1979‬وأدت أزم��ة الرهائن‬ ‫التي امتدت لنحو ‪ 444‬يوما إلى نشأة سلوك عدائي ضد اإليرانيني‪ ،‬كما زادت‬ ‫التقارير اإلعالمية املنحازة األوض��اع س��وءا مع ع��رض بعض اإليرانيني إلى‬ ‫التمييز ملجرد كونهم قادمني من إيران‪ ،‬حتى اضطر بعضهم إلى تغيير اسمه‬ ‫ألسباب اجتماعية‪ ،‬فغير البعض اسمه من علي إلى أالن ومن فريد إلى فرد‬ ‫ومن باتول إلى بيتي‪ ،‬ومن كونه إيرانيا إلى كونه إيطاليا أو إسبانيا على أمل‬ ‫التماهي والتكامل مع ثقافة الدولة املضيفة‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من عدم انتهاء حالة عدم الثقة املتبادلة بني الحكومتني منذ ذلك‬ ‫الوقت‪ ،‬تمكنت الدولتان من أن تبقي املشكالت على الصعيد الحكومي‪ .‬ولكن‬ ‫ذلك ال يعني أن التغيرات االجتماعية السياسية لم تمثل أية ف��ارق في حياة‬ ‫املهاجرين‪ .‬فبعدما جاء اإلصالحي السابق محمد خاتمي إلى السلطة في‬ ‫عام ‪ ،1997‬بدأ زي��ارة البلدان األخ��رى وعقد اجتماعات مع القادة األوروبيني‬ ‫والجمعية العامة لألمم املتحدة‪ .‬وك��ان أول رئيس إيراني يفتح ح��دود البالد‬ ‫أمام الزعماء األجانب ويتحدث عن «الحوار» بدال من «الحوار أحادي الجانب»‬ ‫في أعقاب ‪.1979‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫كما أعادت األخبار املتعلقة بشيرين عبادي‪ ،‬حائزة جائزة نوبل للسالم في‬ ‫‪ ،2003‬إيران تحت أنظار وسائل اإلعالم مرة أخرى‪ ،‬خاصة وأن شيرين عبادي‬ ‫كانت دائما ما تقدم نفسها كامرأة مسلمة ساعدت العديد من الناس على‬ ‫االحتفاء بدينهم بغض النظر عن جنسيتهم‪.‬‬ ‫حدثت موجتان من الهجرة من إيران إلى الواليات املتحدة قبل وبعد ثورة ‪،1979‬‬ ‫حيث بدأت املوجة األولى في أواسط الخمسينات وبداية الستينات من القرن‬ ‫املاضي وتضمنت طالب الجامعة واألسر الثرية التي كانت تبحث عن فرصة‬ ‫أفضل في الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫وكانت إيران تشهد نموا سريعا في تلك الفترة نظرا إلى اقتصادها الذي يعتمد‬ ‫على البترول والتصنيع الذي هيمن على البالد‪ .‬وفي ذلك الوقت كان الطالب‬ ‫اإليرانيون يسافرون إل��ى ال��والي��ات املتحدة إم��ا عن طريق املنح التي تقدمها‬ ‫الحكومة في ذلك الوقت أو على نفقتهم الخاصة‪ .‬وكانت العائالت املوسرة في‬ ‫تلك الفترة تتمتع بصالت وثيقة بأسرة الشاه محمد رضا‪ .‬ويقدر عدد السكان‬ ‫الذين غادروا البالد في تلك املرحلة األولى بنحو ‪ 34‬ألف نسمة‪.‬‬ ‫ومنذ ثورة ‪ ،1979‬وبالتحديد قبل عام من وصول الثورة إلى ذروتها وحتى‬ ‫وقتنا ال��راه��ن‪ ،‬ك��ان��ت ه�ن��اك م��وج��ة ثانية م��ن ال�ه�ج��رة‪ ،‬حيث شكل الالجئون‬ ‫السياسيون وطالبو اللجوء واألشخاص الذين اختاروا النفي الذاتي في ظل‬ ‫االضطرابات التي وقعت في إيران في الثمانينات‪ ،‬املوجة الثانية من الهجرة‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى الشباب الذين كانوا يرغبون في الفرار من الخدمة العسكرية‬ ‫والحرب اإليرانية ‪ -‬العراقية والنساء الشابات والعائالت التي سافرت ألغراض‬ ‫تعليمية وسياسية‪.‬‬

‫سكان الجالية اإليرانية في الواليات املتحدة‬ ‫أظهر تعداد السكان الذي أجري في عام ‪ 2010‬والذي لم يكن يتمحور حول‬ ‫ال�ع��رق ولكنه ك��ان يسأل ع��ن األص ��ول‪ ،‬أن ع��دد م��ن يصفون أنفسهم بأنهم‬ ‫إيرانيون في الواليات املتحدة األميركية يقدر بنحو ‪ 450‬ألف نسمة‪.‬‬ ‫وتشير تقديرات «مجموعة الدراسات اإليرانية»‪ ،‬وهي منظمة أكاديمية مستقلة‬ ‫بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأن عدد اإليرانيني األميركيني تجاوز‬ ‫‪ 691‬ألف نسمة في ‪ – 2004‬وهو أكثر من ضعف العدد ‪ 338‬ألف نسمة املذكور‬ ‫في تعداد الواليات املتحدة لعام ‪.2000‬‬ ‫ووفقا لبيانات التعداد األميركي التقديرية واملسح املستقل الذي قام به إيرانيون‬ ‫ أميركيون في ع��ام ‪ ،2009‬هناك ما يقدر بنحو مليون إي��ران��ي – أميركي‬‫يعيشون في الواليات املتحدة‪ .‬ويتمركز نحو ‪ 520‬ألفا منهم حول لوس أنجليس‬ ‫وهو ما دفع املواطنني اإليرانيني األميركيني باملنطقة في بعض األحيان إلى‬ ‫اإلشارة إلى لوس أنجليس كـ«طهران أنجليس» أو «إيران أنجليس»‪.‬‬ ‫كما تستضيف بيفرلي هيلز وإرف��اي��ن أكبر الجاليات اإلي��ران�ي��ة األميركية‪.‬‬ ‫ويفسر وجود أعداد كبيرة من اإليرانيني بها كيف تمكن اإليرانيون األميركيون‬ ‫من التعايش في بيفرلي هيلز حتى أصبح جيمي «جامشيد» ديلشاد وهو‬


‫روحاني‬

‫رهائن أميركيني‪ .‬في ذلك الوقت وضع تصرف ظريف حكومة أوباما‬ ‫في موقف حرج‪ ،‬نظرا ألنه حدث بينما كان الرئيس األميركي يعمل‬ ‫جاهدا على إقناع الكونغرس املتشكك بأن ظريف والرئيس اإليراني‬ ‫حسن روح��ان��ي يمثالن إي��ران املعتدلة الحريصة على فتح صفحة‬ ‫جديدة مع الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫لذلك شعر البيت األبيض بالحاجة إلى إصدار بيان إدانة‪ .‬ولكن أبرز‬ ‫البيان ال�ف��ارق ب�ين إي��ران ومغنية‪ ،‬متغافال ع��ن حقيقة أن الهجمات‬ ‫اإلرهابية التي ارتكبها كانت تحت وصاية إيران‪ .‬وكان تفجير ثكنات‬ ‫املارينز‪ ،‬الذي نظمه مغنية‪ ،‬بالتنسيق مع زميل ظريف‪ ،‬وزير الدفاع‬ ‫حسني دهقان‪ ،‬ال��ذي كان قائدا لقوات الحرس الجمهوري في لبنان‬ ‫في تلك الفترة‪.‬‬ ‫عندما وضع ظريف إكليل الزهور على قبر مغنية‪ ،‬كان يشير إلى‬ ‫استمرارية هيكل السلطة في إيران وإجماع النظام على سياساتها‬ ‫اإلقليمية‪ .‬وكما قال سميث‪« :‬يعد التطرف الذي تدعمه إيران مؤشرا‬ ‫على ق��وة وتماسك النظام الحاكم ال��ذي يستخدم اإلره ��اب لتحقيق‬ ‫مصالحه»‪ .‬في املقابل‪ ،‬يأتي التطرف السني إما تعبيرا عن ضعف‬ ‫الدول ذات األغلبية السنية أو معارضة لحكوماتها والسعي إلى اإلطاحة‬ ‫بها‪ .‬وهذا تحديدا هو سبب عمل إيران املنتظم مع الجماعات املتطرفة‬ ‫السنية‪ .‬وكانت وزارة الخزانة األميركية قد كشفت مؤخرا عن أن بعضا‬ ‫من هذه الجماعات اإلرهابية التي تعمل في سوريا تحصل في الحقيقة‬ ‫على تمويل من شبكة مقرها في إيران‪.‬‬ ‫ولكن يحتاج أوباما إلى تقديم دليل على خرافة االعتدال اإليراني نظرا‬ ‫ألن��ه جعل الوصول إل��ى اتفاق مع طهران خطة رئيسة في سياسته‬ ‫الخارجية‪ .‬وهكذا سوف يتغاضى عن أي شيء تقوله إيران أو تفعله‬ ‫للتأكيد على أن سياساته لم تخرج عما هو مخطط لها‪ .‬أحدث مثال‬ ‫على ذلك ما وقع في مارس (آذار) املاضي عندما صادرت إسرائيل‬ ‫سفينة كلوس سي‪ ،‬التي كانت تحمل شحنة أسلحة إلى عمالء إيران‬

‫أوباما‬

‫في غزة‪ .‬سعت إسرائيل إلى اإلشارة إلى هذه الخطوة اإليرانية لتذكرة‬ ‫واشنطن بطبيعة ط�ه��ران الحقيقية‪ .‬ولكن ك��ل م��ا وج��دت��ه ك��ان عدم‬ ‫االهتمام من البيت األبيض‪ .‬وعلى أي حال‪ ،‬تندرج هذه األفعال تحت‬ ‫ما يعتبره أوباما «تصرفا سيئا يمكن السيطرة عليه»‪.‬‬ ‫إذا لم تشعر اإلدارة األميركية الحالية بالضيق جراء هذا «التصرف‬ ‫السيئ»‪ ،‬فالسبب هو أن أوباما قصر املسألة على امتالك إيران للسالح‬ ‫ال �ن��ووي‪ .‬وتكشف تصريحاته إل��ى «بلومبيرغ» ع��ن ه��ذا األم��ر‪« :‬إذا‬ ‫كنا نستطيع أن نضمن عدم امتالكهم للسالح النووي‪ ،‬فعلى األقل‬ ‫سيمنعهم ذل��ك من مضايقة دول ال�ج��وار»‪ .‬ولكن ه��ذا مضلل‪ .‬تقوم‬ ‫إيران بـ«مضايقات» تجاه جيرانها‪ ،‬يمكن القول إنها تخريبية عنيفة‪،‬‬ ‫منذ عقود‪ ،‬قبل أن تندفع نحو الحصول على سالح نووي‪ .‬وهذه على‬ ‫وجه التحديد هي مهمة فيلق القدس‪.‬‬ ‫ولكن بدال من مواجهة مخالب فيلق القدس في املنطقة‪ ،‬في حاالت‬ ‫محددة‪ ،‬أقام أوباما شراكة فعالة مع عمالئه «املتطرفني»‪ .‬على سبيل‬ ‫امل�ث��ال ف��ي لبنان‪ ،‬تشاركت ال��والي��ات املتحدة ب�ص��ورة غير مباشرة‬ ‫معلومات استخباراتية مع حزب الله من خالل أصدقاء الجماعة في‬ ‫إدارة االستخبارات ف��ي الجيش اللبناني‪ ،‬وال�ت��ي تعمل ع��ن ق��رب مع‬ ‫امليليشيا الشيعية‪ .‬تقدم ه��ذه الحالة مثاال على كيف وض��ع البيت‬ ‫األب�ي��ض تهديد التطرف السني ف��ي األول��وي��ة‪ ،‬وت�ح��ول إل��ى العمل مع‬ ‫متطرفي إيران‪ ،‬بل واعتبارهم قوات استقرار‪.‬‬ ‫على الرغم من أن أوباما يدعي معارضة املتطرفني من كال الجانبني‪،‬‬ ‫فإن رؤيته للتطرف السني تختلف كثيرا عن رؤيته للتطرف اإليراني‪.‬‬ ‫يعتبر أوباما الثاني ذا فكر «إستراتيجي» وعقالني‪ ،‬ليبرر سياسته‬ ‫في التقارب مع طهران‪ .‬ونتيجة لذلك‪ ،‬أصبح معتدلو إيران املفترضون‬ ‫باإلضافة إلى متطرفيها رابحني في الحالتني <‬ ‫* كاتب وباحث لبناني‪ ،‬متخصص في شؤون الشرق األوسط مقيم في نيويورك‬ ‫وزميل في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ( ‪) FDD‬‬

‫‪,,‬‬

‫لي سمبث‪:‬‬ ‫يعد التطرف‬ ‫الذي تدعمه‬ ‫إيران مؤشرا‬ ‫على قوة‬ ‫وتماسك‬ ‫النظام الحاكم‬ ‫الذي يستخدم‬ ‫اإلرهاب لتحقيق‬ ‫مصالحه‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪27‬‬


‫قصة الغالف‬

‫في لقاءات أجريت معه على مدار العام املاضي‪ ،‬كشف الرئيس أوباما شيئا فشيئا عن رؤيته تجاه‬ ‫الشرق األوسط‪ ،‬ورؤيته لعالقات أميركا في املنطقة‪ ،‬ال سيما فيما يتعلق بالسياسة التي تحمل‬ ‫توقيعه‪ :‬التقارب مع إيران‪.‬‬

‫واشنطن وطهران‪ ..‬تحالفات قائمة وخصومة عنيدة‬

‫احملصلة صفر !‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫طوني بدران *‬

‫‪,,‬‬

‫أوباما‪ :‬يمكن‬ ‫التقارب مع‬ ‫حكام إيران‬ ‫الثوريني‬ ‫وتقديم الحوافز‬ ‫لهم ليتعاونوا‬ ‫مع املجتمع‬ ‫الدولي «حتى‬ ‫وإن استغرق‬ ‫ذلك ‪ 15‬أو ‪20‬‬ ‫عاما»‬

‫‪,,‬‬

‫‪26‬‬

‫في سبيل استيعاب رؤية أوباما لألطراف في الشرق األوسط‪ ،‬ألميركا بالتعاون والتعامل مع دول مثل إي��ران‪ .‬في املقابل‪ ،‬يتسم‬ ‫يجب أن ندرك أوال أنها ال تستند إلى تصنيفات ُمعرفة جيدا‪ .‬السلوك املتطرف اإليراني بالعقالنية والتخطيط اإلستراتيجي‪ ،‬ولذلك‬ ‫في تصور أوباما‪ ،‬ال يوجد وضع راهن تسيطر عليه الواليات ال يعد مشكلة مستعصية‪.‬‬ ‫املتحدة‪ ،‬ويقف فيه املعسكر املوالي ألميركا في املعارضة أمام معسكر‬ ‫متنافس رجعي يسعى إلى عرقلة النظام األميركي وأخيرا ليحل محله‪ .‬يقول لي سميث الخبير في شؤون الشرق األوسط إن «السبب في ذلك‬ ‫باإلضافة إلى االتحاد السوفياتي وحلفائه أثناء الحرب الباردة‪ ،‬منذ هو أن إيران دولة ذات سيادة وحدود ومؤسسات وطنية مثل الجيش‬ ‫ثورة عام ‪ ،1979‬كانت إيران‪ ،‬وما زالت‪ ،‬وسوف تستمر دولة رجعية واالستخبارات وتملك موارد طاقة هائلة تشكل تهديدا إستراتيجيا»‪.‬‬ ‫تقف ضد النظام الذي تقوده أميركا‪ .‬ولكن انتهى اعتقاد أوباما بهذا ف��ي ال��واق��ع‪ ،‬ال ي��وج��د ف��ي أي م�ك��ان ف��ي ال ��دول العربية السنية كيان‬ ‫ُ‬ ‫النموذج‪ .‬بعيدا عن رفضه املتكرر لعقلية «املحصلة صفر» التي سادت يشبه فيلق القدس‪ .‬تشكل هذه القوات‪ ،‬الخاضعة لقيادة ثاني أكثر‬ ‫في فترة الحرب الباردة‪ ،‬أوضح الرئيس األميركي هذه النقطة في حوار املسؤولني نفوذا في إيران‪ ،‬كيانا رسميا تابعا للدولة مكلفا بتأسيس‬ ‫أجرته معه مؤخرا وكالة «بلومبيرغ»‪.‬‬ ‫ودعم الجماعات العسكرية واإلرهابية في الخارج وهدفه الصريح هو‬ ‫ص��رح أوب��ام��ا ق��ائ�لا‪« :‬أعتقد أن��ه ك��ان هناك ارت�ي��اح ف��ي ظ��ل استقرار ممارسة نفوذ مباشر في الدول األخرى‪.‬‬ ‫الواليات املتحدة مع نظام قائم وتحالفات قائمة وخصومة عنيدة مع‬ ‫إي��ران»‪ .‬ولكن انتهى ذلك في الوقت الحالي‪ ،‬حيث أض��اف‪« :‬ما أقوله‬ ‫لشركائنا في املنطقة هو أننا يجب أن نستجيب ونتأقلم على التغيير»‪ .‬نفوذ إيران اإلقليمي‬

‫بني التطرف السني والشيعي‬

‫ولكن أوباما ال ينظر إلى األمر بهذه الطريقة‪ ،‬وال يبدو أنه يشعر بالقلق‬ ‫البالغ من توسع نفوذ إي��ران اإلقليمي‪ .‬ولكن‪ ،‬كما ق��ال‪ ،‬إذا ك��ان من‬ ‫املمكن منع إيران من الحصول على سالح نووي‪ ،‬سيكون «من املمكن‬ ‫السيطرة على أي تصرف سيئ آخر يحدث من جانبها»‪ .‬وهكذا في‬ ‫حني تجب محاربة املتطرفني من السنة‪ ،‬يمكن التقارب مع حكام إيران‬ ‫الثوريني وتقديم الحوافز لهم ليتعاونوا مع املجتمع الدولي‪« ،‬حتى وإن‬ ‫استغرق ذلك ‪ 15‬أو ‪ 20‬عاما»‪ ،‬على حد قول أوباما‪.‬‬

‫ولكن بدال من ذلك يبدو أن إدارة أوباما تتعامل مع املنطقة بتصنيف‬ ‫مختلف‪ .‬يستند منهج اإلدارة‪ ،‬أوال وق�ب��ل ك��ل ش��يء‪ ،‬إل��ى التظاهر‬ ‫بتساوي املسافات تجاه املجموعات التقليدية من األصدقاء واألعداء‪.‬‬ ‫أوضح أوباما في لقاء مع برنامج «تشارلي روز» في يونيو (حزيران)‬ ‫امل��اض��ي‪ ،‬مشيرا إل��ى سياساته ف��ي قضية س��وري��ا‪ ،‬ق��ائ�لا‪« :‬نحن ال‬ ‫نقف مع أي طرف في حرب دينية بني الشيعة والسنة»‪ .‬يعني ذلك أن وهكذا يالقي كل من «املعتدلني» املفترضني و«املتطرفني» في إيران‬ ‫الخط الفاصل الرئيس بالنسبة ألوباما ال يتعلق باألصدقاء واألعداء معاملة تفضيلية‪ُ .‬‬ ‫ويعد «املعتدلون»‪ ،‬من وجهة نظر أوب��ام��ا‪ ،‬دليال‬ ‫على أن اإليرانيني «ق��ادرون على التغيير»‪ .‬ويدفع أوباما بأن االتفاق‬ ‫التقليديني‪ ،‬بل بالتصنيفات املبهمة لـ«املتطرفني» و«املعتدلني»‪.‬‬ ‫ال��ذي يتفاوض بشأنه البيت األبيض مع اإليرانيني سوف يعزز قوة‬ ‫ولكن حتى داخل هذا اإلطار‪ ،‬ال يصمد مبدأ أوباما املفترض بتساوي «تلك التيارات واألصوات داخل إيران»‪ .‬ولكن في الوقت ذاته‪ ،‬يعارض‬ ‫املسافات‪ .‬في الواقع‪ ،‬أعلن البيت األبيض أن الجماعات السنية املتطرفة أوباما الضغط على إيران أو تبني موقف املواجهة معها‪ ،‬ألن من يقال‬ ‫هي املشكلة الحقيقية والتهديد الرئيس أمام الواليات املتحدة‪ .‬فأصبحت عنهم «معتدلني» في طهران سيكون عليهم «االستجابة للمتشددين‬ ‫السياسة األميركية تواجه ظاهرة املتطرفني السنة بمحاربتهم ماليا بينهم»‪ ،‬وهم أصحاب السلطة‪ .‬بمعنى أن إيران مستفيدة في الحالتني‪.‬‬ ‫وعسكريا‪ .‬وفي املقابل‪ ،‬عندما يتعلق األمر بإيران‪ ،‬يجد «املتطرفون» في الحقيقة‪ ،‬يستطيع «املعتدلون» في إيران أن يفخروا بعالقات النظام‬ ‫باإلرهاب وما زال في اإلمكان عدهم أصوات التغيير‪.‬‬ ‫و«املعتدلون» املفترضون بها معاملة مختلفة تماما‪.‬‬ ‫عندما سئل أوب��ام��ا في ح��واره مع «بلومبيرغ» عن التطرف السني‬ ‫وال�ش�ي�ع��ي‪ ،‬ك��ان��ت إج��اب�ت��ه ك��اش�ف��ة‪ ،‬إذ ق ��ال‪« :‬إذا ن�ظ��رت إل��ى السلوك‬ ‫اإلي��ران��ي‪ ،‬ستجد أن��ه إستراتيجي وليس متهورا؛ لديهم رؤي��ة عاملية‬ ‫ويرون مصالحهم ويستجيبون للتكاليف واملنافع»‪ .‬املعنى الواضح‬ ‫هنا هو أن املتطرفني اإلسالميني الذين ال يشكلون دولة‪ ،‬مثل «القاعدة»‪،‬‬ ‫ال يستجيبون لألدوات الدبلوماسية والسياسية مثل تلك التي تسمح‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫في مثال جيد على ذلك‪ ،‬في يناير (كانون الثاني) املاضي‪ ،‬قام وزير‬ ‫الخارجية اإليراني محمد جواد ظريف الذي من املفترض أنه «معتدل»‬ ‫بزيارة إلى لبنان ووضع إكليال من الزهور على قبر قائد حزب الله‬ ‫الراحل عماد مغنية‪ .‬كان مغنية مسؤوال عن مجموعة من الهجمات‬ ‫التي نالت من أهداف أميركية من بينها تفجيرات السفارة األميركية‬ ‫وثكنات املارينز عام ‪ 1983‬في بيروت‪ ،‬باإلضافة إلى اختطاف وقتل‬


‫ّ‬ ‫التي من املمكن للطرف اآلخر اإلقدام عليها حال شعرت أنه جدي وأنه يحضر‬ ‫لشيء ما ّ‬ ‫ضدها‪ .‬وعندما تنجح في مسعاها هذا وتفكك خطوة الخصم‪ ،‬فإنها‬ ‫تعود إلى سلوكها القديم‪ ،‬فإذا عاد‪ ،‬عادت هي بالدعوة إلى التفاوض‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التفاوضية مع الواليات املتحدة بشكل‬ ‫وقد استخدمت إيران هذه التكتيكات‬ ‫مباشر وغير مباشر في ع��دد من املحطات في أفغانستان وال�ع��راق وامللف‬ ‫النووي‪ .‬ويكفي أن املفاوضات في امللف النووي ال تزال تمضي منذ عام ‪،2003‬‬ ‫وخالل هذا الوقت أصبحت إيران قاب قوسني أو أدنى من تحقيق برنامجها‬ ‫النووي بشكل كامل في الوقت الذي لم يحقق فيه الطرف اآلخر أيا من أهدافه‬ ‫الرئيسة في منع إيران من ّ‬ ‫التقدم حتى اآلن‪.‬‬

‫نموذج الردع واملواجهة غير املتكافئة‬ ‫تعاني إيران من نقاط ضعف هائلة من ناحية قدراتها العسكرية التقليدية‪،‬‬ ‫ول��ذل��ك ف�ه��ي تعتمد ع�ل��ى اس�ت��رات�ي�ج�ي��ة ت �ق��وم ع�ل��ى ت�ط��وي��ر ق ��درات امل��واج�ه��ة‬ ‫الالتناظرية‪ .‬ومضمون ه��ذه االستراتيجية هو طاملا أن��ك ال تمتلك امل��وارد أو‬ ‫األدوات الالزمة ملواجهة الخصم بنفس الطريقة واألسلوب وبنفس حجم ونوعية‬ ‫األسلحة التي يهددك بها في لعبته‪ ،‬فاألفضل تغيير قواعد اللعبة برمتها عبر‬ ‫ّ‬ ‫تقليدية ال‬ ‫تحصني الذات من الناحية الدفاعية أوال‪ ،‬ومن ّثم مواجهته بطرق غير‬ ‫ترقى بالتأكيد إلى حجم ونوعية ما يمتلكه الخصم ولكنها قادرة على إيالمه‬ ‫ورفع تكلفة أي انتصار محتمل له لدرجة تدفعه إلى إعادة حساباته طاملا أن‬ ‫نجاحه سيكون مكلفا للغاية هذا إذا نجح به‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ويمكن إعطاء مثال صغير (لتقريب الفكرة وحسب) على هذا التوجه وهو أنك‬ ‫وبدال من أن تستخدم طائرة ملواجهة طائرة طاملا أنك غير قادر على شرائها أو‬ ‫صناعتها أو تطويرها‪ ،‬فإنك تستخدم صاروخا مضادا للطائرات في مواجهة‬ ‫الطائرة‪ ،‬فالصاروخ أقل تكلفة بالتأكيد وأقل حجما وأسهل شراء وتخزينا‬ ‫واستخداما‪ ،‬وهكذا على كافة األصعدة العسكرية‪ّ .‬‬ ‫ه��ذا النوع من االستراتيجية يحتاج إل��ى تخطيط معقد وإل��ى إدارة مجموعة‬ ‫واسعة جدا من األدوات الدفاعية والهجومية إلعطاء النتيجة املأمولة وأن تكون‬ ‫قادرا في نفس الوقت على تحمل الضربة األولى ومن ثم الرد املباشر وغير‬ ‫املباشر وتوسيع دائرة املواجهة واالعتماد على اإلره��اب واالستعداد لتحمل‬ ‫الخسائر البشرية بشكل يزيد على قدرة الخصم على تحمل خسائره البشرية‬ ‫وجعل الخصم في حيرة من أمره حول الطريقة املثلى للتعامل معك انطالقا‬ ‫من عدم يقينه حول حقيقة كونك تتصرف بناء على حسابات عقالنية أو بناء‬ ‫على توجهات غير عقالنية انتحارية‪.‬‬

‫وإن كان بعضهم في مرحلة ما ولسبب ما أو ظرف ما على خالف أو عداء أو‬ ‫صدام مع نظام املاللي‪.‬‬ ‫وق��د س��اع��د ه��ذا املنطق ال�ن�ظ��ام اإلي��ران��ي على تجنيد الكثير م��ن اإلي��ران�ي�ين‬ ‫املعروفني ال��ذي��ن يشغلون م��واق��ع مرموقة ف��ي ال�خ��ارج للعمل لصالحه ولعل‬ ‫أكثرهم جدال في هذا السياق «تريتا بارسي» اإليراني املولد‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من ّأن بارسي كان قد ّألف كتاب «التحالف الغادر‪ :‬التعامالت ّ‬ ‫السرية‬ ‫ّ‬ ‫املتحدة األميركية» وهو أحد الكتب القليلة ّ‬ ‫القيمة‬ ‫بني إسرائيل وإيران والواليات‬ ‫التي تكشف طبيعة العالقات واملصالح املتبادلة بني هذا املثلث‪ ،‬لكن سرعان‬ ‫ما قامت إيران باستغالل املؤلف وتوظيفه لصالحها كما تفيد املعلومات‪،‬‬ ‫وسرعان ما أسس بارسي وترأس «املجلس الوطني اإليراني األميركي» الذي‬ ‫أصبح بمثابة «لوبي إيراني غير رسمي» يعمل لصالح إيران في واشنطن تحت‬ ‫يافطات مختلفة‪ ،‬كما ّأن بارسي عمل مستشارا لعضو الكونغرس األميركي‬ ‫بوب ناي (نياك) عضو املجلس اإليراني األميركي وهو ما أوجد إليران منفذا‬ ‫آخر أيضا للدخول إلى الكونغرس‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى ذلك‪ ،‬أوج��دت طهران نوعني من اللوبيات اإليرانية في الواليات‬ ‫ّ‬ ‫املتحدة األميركية‪:‬‬ ‫‪ )1‬لوبي الوسط اإلعالمي والبحثي واألكاديمي‪ :‬استطاعت طهران الدخول إلى‬ ‫الوسط اإلعالمي والدوائر التي تساعد على التأثير في الرأي العام وصناعة‬ ‫القرار‪ ،‬فأوجدت صحافيني وباحثني وناشطني في الصحافة واإلعالم ووسائل‬ ‫ّ‬ ‫البحثية ف��ي ال��والي��ات امل�ت�ح��دة وي��رك��زون على استهداف‬ ‫ال�ت��واص��ل وامل��راك��ز‬ ‫مستويات متعددة من صناعة القرار األميركي بدءا من الرأي العام ووصوال‬ ‫إلى الكونغرس‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وه��ؤالء األشخاص يشكلون مجموعة لها درج��ات مختلفة من التواصل مع‬ ‫الحكومة اإلي��ران�ي��ة‪ ،‬ويقال إن نائب وزي��ر الخارجية اإلي��ران��ي سابقا صادق‬ ‫خ��رازي ال��ذي عاش لفترة جيدة من الزمن في الواليات املتحدة كان صاحب‬ ‫الفكرة في إنشاء هكذا لوبي وتطويره‪.‬‬

‫وتتضمن هذه االستراتيجية أيضا تعزيز القدرات االستخباراتية ووسائل‬ ‫والقيام بعمليات تضليلية وبحروب بالوكالة واستخدام‬ ‫الحروب غير التقليدية ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الحكومية أو شبه العسكرية (بمعنى أنها‬ ‫اإلرهاب والجماعات املسلحة نصف‬ ‫ليست جماعة إرهابية بسيطة وليست في نفس الوقت جيشا نظاميا كحزب‬ ‫الله في لبنان والحوثيني وبعض الجماعات الشيعية في العراق) ومجموعة‬ ‫واسعة من التشكيالت العسكرية املتخصصة (كالحرس الثوري والباسيج)‪.‬‬ ‫البرية والبحرية ‪ )2‬لوبي التجارة واألع�م��ال واملصالح االقتصادية‪ :‬ويعمل ب�م��وازاة املصالح‬ ‫وهو ما تفعله إيران بالضبط عبر تطوير قدراتها الالتناظرية ّ‬ ‫وال�ت�ج��ارة واألع�م��ال األميركية وخصوصا ف��ي قطاع الطاقة وال�ن�ف��ط‪ .‬ه��ؤالء‬ ‫ورسم خطوط حمراء وسياسة حرب نفسية‪.‬‬ ‫لديهم تواصل مع السوق اإليرانية بطريقة أو بأخرى بشكل مباشر وغير‬ ‫مباشر وعلني وسري وبمستويات متعددة ويرتبطون أيضا باألسواق العاملية‪،‬‬ ‫نموذج عن االختراق والتوظيف‪:‬‬ ‫ويخشون أن تعرض إي��ران ملزيد م��ن الضغوط ق��د يضر بمصالحهم على‬ ‫بناء لوبي إيراني في أميركا‬ ‫املستوى العاملي‪ .‬وبالنسبة إلى ه��ؤالء‪ ،‬فإن املصالح املادية واملكاسب املالية‬ ‫تتجاوز بالنسبة لهم أهمية األمن القومي األميركي وهي نقطة ضعف تستغلها‬ ‫بذلت إيران خالل العقد املاضي جهودا كبيرة لبناء لوبي لها داخل الواليات إيران إلى أبعد الحدود‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املتحدة‬ ‫األميركية انطالقا من حقيقة أن النظامي السياسي في واشنطن يبقى لقد ساعدت كل هذه األدوات على التالعب باملوقف األميركي والتأثير به وتفكيك‬ ‫مفتوحا بطبيعته على التأثير من قبل اللوبيات‪ ،‬وبالتالي فإن محاولة التأثير توجهاته لضرب إيران واختراق قلب واشنطن أيضا في محاولة الستمالتها‬ ‫تحوالت ّ‬ ‫في ظل ّ‬ ‫على صناعة القرار من داخل واشنطن ليست باألمر املستحيل‪.‬‬ ‫دولية وإقليمية جيو ‪ -‬سياسية تفتح الباب واسعا أمام إمكانية‬ ‫ّ‬ ‫وقد استفادت طهران أيض ا من الشعور القومي لإليرانيني في الخارج ليصب حصول تحوالت في املواقف التاريخية بني النظامني‪ ،‬وهو ما سيجري اختباره‬ ‫ّ‬ ‫في مصلحتها‪ ،‬إذ من املعروف أن اإليرانيني ال يتهاونون في الدفاع عن بلدهم عمليا في الفترة الالحقة <‬ ‫ضد أي نوع من أنواع األذى الذي قد يلحقه سواء أكان اقتصاديا أو عسكريا‬ ‫* باحث لبناني في الشؤون الدولية واالستراتيجية‬

‫شعار شركة (أبل) األميركية يطل من‬ ‫نافذة متجر كمبيوتر على طول شارع‬ ‫ولي العصر (طهران ‪ -‬ديسمبر ‪)2013‬‬

‫‪,,‬‬

‫سعت طهران‬ ‫إلى بناء‬ ‫لوبي إعالمي‬ ‫وأكاديمي في‬ ‫أميركا يكون‬ ‫صوتها املؤثر‬ ‫والفاعل في‬ ‫دوائر الصحافة‬ ‫والجامعات‬ ‫ولدى صناع‬ ‫القرار‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪25‬‬


‫قصة الغالف‬

‫ّ‬ ‫السياسة اإليرانية سياسة معقدة ملن ال يفهم طريقة التفكير اإليرانية واألدوات التي يوظفها النظام في سبيل‬ ‫الحفاظ على وجوده‪ ،‬لكنها في نفس الوقت سياسة قابلة للفهم والتفكيك واملواجهة إذا جرى استيعاب‬ ‫ّ‬ ‫يتحرك اإليراني ضمنها‪ .‬لقد ّ‬ ‫ّ‬ ‫طور النظام اإليراني مع الوقت سلسلة من املفاهيم‬ ‫الخلفية االستراتيجية التي‬ ‫واألدوات واملمارسات املستمدة من خلفيته التاريخية والثقافية والطائفية ّ‬ ‫وحولها إلى عقائد إستراتيجية‬ ‫يجري استخدامها وتوظيفها في إطار رؤية سياسية محددة األهداف واملعالم أولويتها حماية النظام وتفكيك‬ ‫وتحييد املخاطر الخارجية عليه‪.‬‬

‫االستراتيجية اإليرانية في التأثير على القرار األميركي‬

‫التالعب باخلصم‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫أصالن الطيب نحاس *‬

‫‪,,‬‬

‫تتالعب إيران‬ ‫في سياستها‬ ‫الخارجية‬ ‫عبر إيهام‬ ‫خصومها بأن‬ ‫لديها جناحني‬ ‫مختلفني األول‬ ‫معتدل واآلخر‬ ‫متشدد‬

‫‪,,‬‬

‫‪24‬‬

‫يخولها فعل ذل��ك‪ّ ،‬‬ ‫رغ��م أن إي��ران ال تملك من القوة املادية ما ّ‬ ‫فإن‬ ‫ه��ذه العقائد االستراتيجية القائمة بشكل أساسي على مفاهيم‬ ‫ّ‬ ‫والتقية والفبركة والتالعب والتمويه والتشتيت‬ ‫كالغموض والخداع‬ ‫والتغطية واإلنكار واالستغالل والتوظيف واالزدواجية واالختراق والترهيب‬ ‫ّ‬ ‫وال��ردع واملواجهة غير املتوازية‪ ،‬نجحت حتى اآلن في أن تشكل توليفة من‬ ‫األدوات التي تسلحت بها سياسيا وعمليا ّ‬ ‫وتحولت جميعها مع مرور الوقت‬ ‫إلى جوهر ما يمكن تسميته بـ«فن البقاء اإليراني» الذي يتمحور حول تأكيد‬ ‫حالة عدم اليقني لدى اآلخر تجاه نوايا ّ‬ ‫وتحركات إيران‪.‬‬

‫املستهدف وتاريخ وطريقة تفكير‬ ‫عندما يكون الخصم على دراية تامة بخلفية‬ ‫ّ‬ ‫وتصرف ورد فعل خصمه‪ ،‬فإنه يكون قادرا على توقع الخطوات التي من املمكن‬ ‫أن يقوم بها‪ ،‬وهو ما يساعده على استهدافه بشكل ّفعال وربما استباقي أيضا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫اليقني إزاء قدراتك أو طريقة تفكيرك أو‬ ‫أما ّإذا كان الخصم في حالة من عدم ّ‬ ‫ّ‬ ‫تصرفك فعندها لن يكون قادرا على توقع تصرفك‪ ،‬وبالتالي لن يكون قادرا‬ ‫على التفكير بشكل صحيح أو اتخاذ القرار الصحيح بشأنك‪ّ ،‬وهو ما يعني‬ ‫أنك استطعت التأثير في سلوكه بما يخدم مصالحك‪ ،‬وربما شله عن الحركة‬ ‫تجاهك‪ ،‬وهو ما فعلته إيران بالضبط تجاه الغرب خالل مراحل متعددة‪.‬‬ ‫لقد استخدمت إيران هذه التكتيكات بشكل منهجي مدروس لحماية نفسها‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وق��د شكلت ال��والي��ات امل��ت�ح��دة كما غيرها م��ن ال��دول مسرحا ملمارسة هذه‬ ‫ّ‬ ‫املفاهيم‪ ،‬إذ رك��زت السياسة اإليرانية على استهداف الجانب األميركي كما‬ ‫غيره من الالعبني اإلقليميني والدوليني من أجل التأثير على قراره السياسي‬ ‫والعسكري خصوصا‪ .‬وألن تناول هذه التكتيكات بشكل مفصل غير ممكن‬ ‫في مقال‪ ،‬فإننا سنتناول بعض النماذج املحدود لإلشارة إلى جوهر السياسة‬ ‫اإليراني في التأثير على السياسة األميركية تجاهها‪ ،‬ومنها‪:‬‬

‫نموذج التالعب‪ :‬سياسة توزيع األدوار‬ ‫(املعتدل في مقابل املتشدد)‬ ‫ّ‬ ‫تؤدي هذه السياسة إلى إعطاء انطباع للخارج بأن هناك شقني داخل إيران‬ ‫مختلفني بشكل ج��ذري عن بعضهما البعض‪ ،‬مع العلم أن اختالفهما ليس‬ ‫جذريا حول طبيعة النظام وإنما داخله‪ .‬ويخلق هذا التقسيم نوعا من التشويش‬ ‫لدى الطرف املراقب أو الذي يتعامل مع إيران من الخارج‪:‬‬ ‫> في ح��ال وج��ود محافظ في السلطة‪ :‬يبقى ل��دى الخارج أم��ل على ال��دوام‬ ‫في إمكانية التوصل إلى حل حال وصول وجه إصالحي معتدل إلى صناعة‬ ‫القرار في إيران‪ .‬وهذا النوع من التفكير يجعله يحجم عن أي ضربة شاملة‬ ‫إليران أو عن أي ضغط كبير مخافة أن يؤدي ذلك إلى ضياع الفرصة (املأمولة)‪،‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫أو أن ّ‬ ‫يتحول الجميع إلى متشددين محافظني‪ ،‬أو أن يؤدي ذلك إلى إضعاف‬ ‫اإلصالحيني‪.‬‬ ‫> في حال وجود إصالحي في السلطة‪ :‬يحاول الخارج االنخراط ّ‬ ‫الفعال مع‬ ‫إيران دون حذر ما يؤدي في النهاية إلى أن يجري خداعه واستغالل جهوده‬ ‫لكسب املزيد من الوقت‪ .‬أما في حال انخراطه الحذر فإنه يصطدم في النهاية‬ ‫بالقرار النهائي الذي يعود للمرشد‪ ،‬ويعود بعدها للمربع األول‪ ،‬صعود محافظ‪،‬‬ ‫وهكذا يدور في هذه الحلقة املفرغة‪ ،‬وفي هذا الوقت تتقدم إيران نحو هدفها‪.‬‬ ‫تخلق هذه الثنائية َوهما لدى الطرف الخارجي باألمل دوما في التوصل إلى‬ ‫حل يعتقد ّأنه حقيقي‪ّ ،‬‬ ‫لكن هذا الوهم يوفر للنظام اإليراني دوما الوقت الالزم‬ ‫للمراوغة السياسية‪ ،‬ولتفكيك أي نوع من التحالف الخارجي الذي قد ينشأ‬ ‫وذلك نتيجة ّ‬ ‫توزع اآلراء بني من يرى أن هناك توجهات متناقضة في الداخل‬ ‫اإليراني يمكن االعتماد على أحدها في إضعاف اآلخر وبني من يعد أن ذلك‬ ‫غير ممكن‪ .‬بمعنى آخر‪ ،‬فإن هذه الثنائية قد تنقل الخالف أيضا حول طريقة‬ ‫التعاطي مع النظام اإليراني إلى داخل دائرة الخصم‪ .‬وقد اختبر الخارج ذلك في‬ ‫مراحل متعددة سواء في عهد خاتمي أو أحمدي نجاد أو اآلن في عهد روحاني‪.‬‬

‫نموذج عن االستغالل والتفكيك‪:‬‬ ‫سياسة التفاوض املفتوحة‬ ‫وهي سياسة تقوم على الدعوة الدائمة إلى التفاوض (بشرط أن يكون وضع‬ ‫إيران أفضل من الطرف اآلخر في الغالب‪ ،‬أو إذا كان وضع الطرف اآلخر سيئا‬ ‫وبحاجة إلى مساعدة طهران وفق الرؤية اإليرانية)‪ .‬والتفاوض في املفهوم‬ ‫ّ‬ ‫العام يعني االستعداد لبحث مسألة ما لتجنب التصعيد‪ .‬وفي الثقافة الغربية‬ ‫ُ‬ ‫الحديثة فإن الرسالة املباشرة التي تفهم من دعوتك إلى التفاوض هي رسالة‬ ‫إيجابية تعني أنك مستعد ألن تبحث املسائل الخالفية وأن تجلس على طاولة‬ ‫املفاوضات في سلوك حضاري للتوصل إلى تفاهم‪ .‬لكن في الثقافة اإليرانية‬ ‫فإن التفاوض هو مجرد أداة ليس الهدف منها الوصول إلى حل بقدر ما هو‪:‬‬ ‫> اإليحاء ّ‬ ‫بأن طهران طرف موثوق وحضاري ويسعى إلى حل‪ ،‬لكنها في‬ ‫حقيقة األمر تكون تسعى إلى املماطلة وكسب الوقت قدر املستطاع‪.‬‬ ‫> التحضير لجولة أخرى من املفاوضات عبر االنسحاب من املفاوضات‪،‬‬ ‫بمعنى أن التفاوض في هذه الحالة هدفه التحضير للتفاوض املقبل وليس‬ ‫للوصول إلى هدف أي حلقة التفاوض املفرغة‪.‬‬ ‫> في حال شعرت ّإيران بوجود فرصة لتحقيق أهدافها‪ ،‬فإن هذه املفاوضات‬ ‫تتحول فورا إلى محطة لتحقيق انتصار موضعي على الخصم عبر الحصول‬ ‫على املكاسب من دون تقديم أي تنازالت‪.‬‬ ‫> املفاوضات أيضا في السلوك اإليراني هي عبارة عن أداة لتفكيك الخطوة‬


AN AMERICAN EDUCATION A BRITISH SETTING A GLOBAL FUTUR E A Since the 1970’s Richmond has been educating leading Middle Eastern families. Richmond’s unique style of personalised higher education ensures that students leave us with a dually accredited degree, that is recognised in the UK, the USA and worldwide.

+44 20 8133 2877 • enroll@richmond.ac.uk Visit www.richmond.ac.uk/al-majalla today to download our catalog and viewbook.


‫قصة الغالف‬

‫ولوبي إسرائيل لديه سيطرة شبه مطلقة في مجلس املمثلني في الكونغرس‪،‬‬ ‫الذي تسيطر عليه غالبية من الحزب الجمهوري‪ ،‬والذي أقر نسخة من قانون‬ ‫العقوبات املطلوب على إي ��ران‪ .‬لكن مجلس الشيوخ يسيطر عليه الحزب‬ ‫الديمقراطي‪ ،‬الذي على الرغم من الصداقة التي تجمعه بلوبي إسرائيل‪ ،‬من‬ ‫غير املمكن له أن يعارض قرارات رئيس البالد الذي ينتمي إلى الحزب نفسه‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬جمع اللوبي اإلسرائيلي ‪ 59‬صوتا من أصل ‪ 60‬مطلوبة لفرض اإلقرار‬ ‫على زعيم الغالبية في املجلس هاري ريد‪ ،‬وعلى أوباما نفسه‪ .‬وبغياب الصوت‬ ‫الوحيد املطلوب‪ ،‬تعثر مجهود فرض أي عقوبات جديدة على إيران في حال‬ ‫انهارت املفاوضات الدولية النووية معها‪ ،‬أو لم تتوصل إلى نتيجة‪.‬‬ ‫لكن اللوبي اإليراني لم يقف متفرجا على أوباما‪ ،‬الذي كان في خضم مواجهة‬ ‫تشريعية مع أصدقاء إسرائيل‪ ،‬بل راح اإليرانيون يحشدون شعبيا لتأييد‬ ‫الرئيس ضد عقوبات جديدة‪ .‬وف��ي خضم نشاطهم‪ ،‬عثر اإليرانيون على‬ ‫حلفاء نجحوا في تجنيدهم لتأييد املفاوضات مع إي��ران‪ ،‬أي مفاوضات‪،‬‬ ‫وبغض النظر عن نتيجتها‪ .‬أما هؤالء الحلفاء‪ ،‬وهم قوة سياسية شرسة‬ ‫ال يستهان بها‪ ،‬فهم مجموعات مناهضة للحرب في العراق وأفغانستان‪.‬‬ ‫طبعا ال تؤدي دفعة جديدة من العقوبات على إي��ران إلى الذهاب إلى حرب‬ ‫معها ح�ك�م��ا‪ ،‬ل�ك��ن اإلي��ران �ي�ين ن�ج�ح��وا ف��ي ت�س��وي��ق ه��ذه ال�ف�ك��رة‪ ،‬ال�ت��ي راح‬ ‫يرددها مسؤولو البيت األبيض وحلفاؤهم في الكونغرس‪ .‬كذلك تبنى فكرة‬ ‫«م�ف��اوض��ات أو ح��رب» التحالف املناهض للحرب‪ ،‬وه��و م��ا ش� ّ�د م��ن عضد‬ ‫أوباما وقدم له دعما شعبيا في مواجهة غالبية الكونغرس في موضوع إيران‪.‬‬

‫تراجع اللوبي اإلسرائيلي‬ ‫تريتا بارسي رئيس املجلس‬ ‫القومي اإليراني ‪ -‬األميركي‬

‫‪,,‬‬

‫تريتا بارسي‬ ‫صديق وزير‬ ‫الخارجية‬ ‫اإليراني جواد‬ ‫ظريف منذ أكثر‬ ‫من عقد عندما‬ ‫كان األخير‬ ‫يعمل مبعوثا‬ ‫دائما لبالده في‬ ‫األمم املتحدة‬ ‫بنيويورك‬

‫‪,,‬‬

‫‪22‬‬

‫م��ع إي��ران‪ ،‬س��را وعلنا‪ .‬وم��ع هيغل‪ ،‬حضر ع��دد م��ن مستشاريه‪ ،‬الحاليني‬ ‫والسابقني‪ ،‬من أمثال أندرو بارازيليتي‪ ،‬وهو مدير موقع «آل مونيتور» حيث‬ ‫تعمل الباحثة في «مجلس األطلسي» باربرا سالفني‪ ،‬التي تزور إيران بانتظام‪،‬‬ ‫وغالبا ما تنظم ندوات‪ ،‬على غرار اصفندياري‪ ،‬تستضيف فيها وجوه لوبي‬ ‫طهران في واشنطن‪ ،‬بمن فيهم بارسي وخاجيهبور‪ ،‬وتؤلف باالشتراك‬ ‫معهم دراسات تزعم أن العقوبات على طهران تؤذي اإليرانيني فقط من دون‬ ‫حكومتهم‪ ،‬مما يوجب حكما رفعها‪.‬‬ ‫وسالفني تكتب علنا أن على واشنطن البحث عن مصالحها الفعلية‪ ،‬وأن‬ ‫ذل��ك يكون عبر االستبدال بتحالفها مع ال��ري��اض تحالفا مع ط�ه��ران‪ ،‬فيما‬ ‫كتب بارازيليتي أن على أميركا تكليف إيران حل األزمة من سوريا‪ ،‬من دون‬ ‫شروط‪ .‬واملوقع يموله األميركي من أصل سوري جمال دانييل‪ ،‬الذي جمع‬ ‫ثروة من عمله في قطاع النفط‪ ،‬وال��ذي يعتقد كثيرون أنه يأمل بأن تكافئه‬ ‫إيران بعقود نفطية في حال جرى رفع العقوبات عنها‪.‬‬ ‫في املنامة‪ ،‬حيث حضر بارازيليتي‪ ،‬اندلعت أزمة كادت تطيح بالقمة الخليجية‪،‬‬ ‫عندما قام أحد الصحافيني بطرح سؤال على وزير الخارجية العماني يوسف‬ ‫بن علوي حول إمكانية قيام اتحاد خليجي‪ ،‬ليرد األخير أن االحتمال غير‬ ‫وارد‪ ،‬وأن عمان ستنسحب من املجلس في حال جرى التصويت عليه في‬ ‫قمة الكويت‪ .‬هنا سارعت الدبلوماسية الكويتية إلنقاذ القمة التي كانت في‬ ‫طريقها الستضافتها‪ ،‬فيما تبني في وقت الحق أن السؤال واإلجابة حصال‬ ‫بتنسيق كان يهدف إلى إحراج اململكة العربية السعودية‪.‬‬ ‫وفي واشنطن‪ ،‬استمرت نشاطات اللوبي اإليراني املتنوعة‪ ،‬التي تدعو جميعها‬ ‫إلسقاط العقوبات بشكل غير مشروط عن إيران وبالتحالف معها‪ ،‬حتى لو‬ ‫اقتضى ذلك التنازل لها في سوريا ولبنان والعراق وعموم املنطقة‪ .‬ونشاطات‬ ‫اللوبي اإليراني تتضمن ندوات‪ ،‬وإصدار دراس��ات‪ ،‬وعقد مؤتمرات‪ ،‬ونشر‬ ‫مقاالت في صحف أميركية متنوعة‪ ،‬وإقامة صداقات مع باحثني وخبراء‬ ‫أميركيني‪ ،‬كذلك مع مسؤولني في الحكومة وفي الكونغرس‪ ،‬ومع مساعديهم‪.‬‬ ‫وفي الوقت الذي حاول فيه اللوبي املوالي إلسرائيل‪ ،‬واملعروف بـ«أيباك»‪ ،‬حض‬ ‫مؤيديه في الكونغرس على تمرير قانون يفرض عقوبات جديدة على إيران‬ ‫بمفعول متأخر‪ ،‬أي بعد سنة على اإلقرار‪ ،‬وفي حال فشل املفاوضات الدولية‬ ‫مع إيران‪ ،‬التي أنتجت اتفاقية مؤقتة في نوفمبر املاضي في جنيف‪ ،‬وضع‬ ‫اللوبي اإليراني خطة محكمة للتصدي ملجهود العقوبات الجديدة‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫«لغالبية األميركيني هموم واهتمامات تمنعهم من متابعة السياسة الخارجية‬ ‫وتفاصيلها‪ ،‬مما يعطي مجموعة صغيرة لكنها مثابرة املقدرة على الهيمنة‬ ‫في هذه املواضيع»‪ ،‬يكتب بارسي فيما يبدو أنه تصوره لكيفية عمل اللوبيات‬ ‫في العاصمة األميركية‪ .‬مقالة بارسي صدرت على موقع «هفنغتون بوست»‬ ‫بعنوان «وهم أن أيباك ال تقهر»‪ ،‬على إثر تراجع اللوبي اإلسرائيلي عن محاولة‬ ‫تمرير عقوبات ج��دي��دة على إي ��ران‪ .‬ويضيف ب��ارس��ي أن «أي �ب��اك» واجهت‬ ‫مجموعة من الهزائم‪ ،‬كان أولها بعدما تبنت توجيه أميركا ضربة عسكرية‬ ‫إلى سوريا في أعقاب الهجوم الكيماوي الذي شنته قوات بشار األسد ضد‬ ‫مدنيني في ضواحي دمشق في أغسطس (آب)‪ .‬أما الهزيمة الثانية فجاءت‬ ‫في املواجهة حول إي��ران‪ .‬في املواجهتني‪ ،‬يعتقد بارسي أن امل��زاج املعارض‬ ‫للحرب هو الذي أثبت فاعليته‪ ،‬وأن في املرة الثانية‪ ،‬استند البيت األبيض لهذا‬ ‫املزاج‪ ،‬الذي ينشط فيه بشدة بارسي واللوبي اإليراني‪ ،‬إلحباط «أيباك» وأي‬ ‫عقوبات جديدة على إيران‪.‬‬ ‫إال أن املواجهة لم تنتهِ‪ ،‬حسب بارسي‪ ،‬الذي يؤكد أن الجولة املقبلة بني طرفني‬ ‫حدد واحد منهما على أنه اللوبي اإلسرائيلي ولم يحدد اآلخر‪ ،‬آتية في غضون‬ ‫أشهر‪ ،‬إذ إن لوبي إسرائيل‪ ،‬حسب الناشط اإليراني‪ ،‬سيفرد اهتمامه لنسف‬ ‫االتفاقية النهائية التي يجري التفاوض عليها بني إيران والعالم‪.‬‬ ‫طبعا ال يذكر بارسي أنه مؤلف كتاب يمتدح فيه إسرائيل‪ ،‬ويقول إنه ال عداء‬ ‫إيرانيا معها‪ ،‬وإن مصلحة أميركا تتمثل في دخول بتحالف مثلث األضالع‪،‬‬ ‫يجمع كل من أميركا وإسرائيل وإيران‪ .‬لكن يبدو أنه بعدما تأكدت طهران من‬ ‫أن إسرائيل لن تسمح لها بحيازة سالح نووي‪ ،‬قررت االنقالب من محاولة‬ ‫مصادقة اإلسرائيليني إلى مواجهتهم‪ ،‬خصوصا في عاصمة القرار العاملي‬ ‫واشنطن‪ .‬وحسب املواجهات القليلة املاضية‪ ،‬يبدو أن بارسي محق في أن‬ ‫لوبي إسرائيل ليس معصوما عن الخسارة‪ ،‬وأن��ه يمكن للوبي فتي ‪ -‬كمثل‬ ‫اللوبي اإليراني الذي أسسه بارسي ويقوده في واشنطن منذ نحو عقد ‪ -‬أن‬ ‫يلحق هزيمة باإلسرائيليني‪ ،‬وذلك بالتحالف مع تيارات داخلية أخرى‪ ،‬وفهم‬ ‫الصورة األميركية بشكل دقيق ومتابعتها‪ ،‬وهو نشاط إيراني يبدو أنه قارب‬ ‫أن يثمر‪ ،‬خصوصا مع ترديد الرئيس األميركي أن التغيير ٍآت‪ ،‬وأن واشنطن‬ ‫في طريق حتمي إلى مصالحة وصداقة مع طهران‪ ،‬وأن على حلفاء أميركا في‬ ‫املنطقة التكيف مع التغيير<‬ ‫* صحافي وكاتب لبناني‪ ،‬مقيم في الواليات املتحدة‬


‫ليتبني أنه كان على اتصال بظريف‪ ،‬وأنه قام بتنسيق لقاءات بني أعضاء في‬ ‫الكونغرس من الحزبني مع املسؤول اإليراني‪.‬‬

‫املحاكم األميركية تثبت ارتباط اللوبي اإليراني بطهران‬ ‫الرسائل اإللكترونية التي جرى الكشف عنها أظهرت أن ظريف وبارسي‬ ‫التقيا للمرة األولى في مارس (آذار) ‪ ،2006‬وأن ظريف مرر إلى بارسي وثيقة‬ ‫«املساومة الكبرى» التي اقترحها اإليرانيون على األميركيني إبان حرب العراق‬ ‫في عام ‪ ،2003‬ورفضتها واشنطن‪.‬‬ ‫وتظهر وثائق املحكمة أن طهران قدمت الوثيقة للسفير السويسري في إيران‪،‬‬ ‫الذي يمثل املصالح األميركية‪ ،‬والذي مررها إلى األميركيني‪.‬‬ ‫وفي وقت الحق‪ ،‬ادعى األميركي فلينت ليفيريت أنه وزوجته تسلما الوثيقة‬ ‫من اإليرانيني أيضا ومرراها إلى اإلدارة األميركية‪ .‬وليفيريت مؤلف كتاب‬ ‫ح��ول حياة الرئيس ال�س��وري بشار األس��د‪ ،‬ويتمتع بعالقة جيدة بدمشق‬ ‫وطهران‪ ،‬ويقول في مقابلة مع الكاتب لي سميث إنه من األميركيني القالئل‬ ‫الذين ي��زورون طهران دوري��ا وم��ن دون فيزا‪ .‬ويعتقد سميث أن ليفيريت‬ ‫يعتقد أنه في حال التوصل إلى اتفاق أميركي ‪ -‬إيراني‪ ،‬فإنه سيكون من أول‬ ‫املستفيدين ماليا من العقود املقبلة إلى حد أطلق سميث على ليفيريت لقب‬ ‫«رجل إيران في واشنطن»‪.‬‬ ‫وفي رسائل بارسي اإللكترونية التي كشفتها املحكمة تنسيق بينه وبني‬ ‫ظريف حول مؤتمر في الكونغرس بالتعاون مع «مؤسسة أميركا الجديدة»‪،‬‬ ‫كجزء من مشروع أطلقه بارسي في عام ‪ ،2006‬بعنوان «مشروع التفاوض‬ ‫مع إي��ران»‪ .‬ويرفق بارسي رسالته اإللكترونية إلى البعثة اإليرانية بتقدير‬ ‫تكاليف ستة أشهر من العمل لهذا امل�ش��روع‪ ،‬ال��ذي يتضمن دع��وة ‪ 10‬إلى‬ ‫‪ 15‬خبيرا في الشأن اإليراني من حول العالم‪ ،‬بتكلفة تبلغ مائة ألف دوالر‪.‬‬ ‫وفي سبتمبر (أيلول) ‪ ،2012‬حكمت املحكمة ضد بارسي‪ ،‬وغرمته مبلغ‬ ‫‪ 185‬ألف جوالر كتعويضات لداعي اإلسالم‪.‬‬ ‫والبعثة اإليرانية الدائمة لدى األمم املتحدة في نيويورك ال تشرف على «اللوبي‬ ‫اإليراني» في واشنطن فحسب‪ ،‬بل كانت تشرف كذلك على عمل ما يعرف‬ ‫بـ«مؤسسة علوي»‪ ،‬حسبما نقلت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»‬ ‫عن محققني فيدراليني أميركيني في نوفمبر (تشرين الثاني) ‪.2009‬‬

‫و«مؤسسة علوي» أنشأها شاه إيران في عام ‪ 1973‬تحت اسم «مؤسسة‬ ‫بهلوي»‪ ،‬وفي عام ‪ ،1979‬تحول اسمها إلى مؤسسة املستضعفني‪ ،‬وفي وقت‬ ‫الحق أصبحت معروفة بـ«مؤسسة علوي»‪ .‬وفي فبراير (شباط) من عام‬ ‫‪ ،2012‬رفعت شرطة نيويورك السرية عن وثائق لها تعود إلى مايو (أيار)‬ ‫‪ ،2006‬وفيها أن «أجهزة االستخبارات اإليرانية تعمل داخل الواليات املتحدة‬ ‫عبر مؤسسات متعددة‪ ،‬منها (مؤسسة علوي)»‪ ،‬وهي تهمة نفتها املؤسسة‬ ‫التي تكرر على موقعها أن مهمتها األساسية هي «شرح الثقافة اإلسالمية‪،‬‬ ‫واللغة الفارسية واألدب والحضارة»‪ .‬وفي صفحات أخرى على موقعها‪ ،‬ترى‬ ‫املؤسسة أن هدفها دعم «الثقافة الشيعية»‪.‬‬ ‫وتملك املؤسسة ناطحة سحاب في قلب مدينة نيويورك تعود عليها بإيجارات‬ ‫ضخمة تستخدمها في تمويل أكثر من ‪ 30‬مؤسسة تعليمية في عموم‬ ‫ال��والي��ات املتحدة‪ .‬ويعتقد خبراء أن طهران تستخدم ه��ذه األم��وال لتكافئ‬ ‫األكاديميني الذين يكتبون ما يرضيها‪ ،‬واملؤسسات التربوية التي تصدر‬ ‫دراسات تخدم مصلحة طهران‪.‬‬ ‫إال أنه على الرغم من نفي «مؤسسة علوي» أي ارتباط مع طهران‪ ،‬كشفت‬ ‫«مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) أن رئيس املؤسسة فرشيد جاهدي‬ ‫قام في عام ‪ 2008‬بإتالف وثائق تثبت أن املؤسسة سددت جزءا من أموالها‬ ‫لبنك ملي في طهران‪ ،‬واململوك من الحكومة اإليرانية‪ ،‬وأن جزءا من األموال‬ ‫قد يكون جرى استخدامه في تمويل البرنامج النووي اإليراني‪.‬‬ ‫وف��ي أب��ري��ل (ن�ي�س��ان) ‪ ،2010‬حكمت محكمة فيدرالية ف��ي ن�ي��وي��ورك على‬ ‫جاهدي بالسجن ثالثة شهور بتهمتي عرقلة التحقيقات وإعاقة العدالة‪،‬‬ ‫وجرى التحفظ على جزء كبير من أموال وممتلكات املؤسسة‪ ،‬التي ما زالت‬ ‫تعمل‪ ،‬وإنما بحذر‪.‬‬

‫نشاطات اللوبي اإليراني في واشنطن تثمر‬ ‫في ديسمبر (كانون األول)‪ ،‬وقبل أيام من انعقاد قمة مجلس التعاون الخليجي‬ ‫في الكويت‪ ،‬عقد خبراء ومسؤولون عرب وأجانب حوارا سنويا في املنامة‬ ‫ّتوجه وزير الدفاع األميركي تشاك هيغل بحضور جدد أثناءه تعهد بالده‬ ‫بأمن الخليج في وجه أي تهديد إيراني‪ ،‬لكن تعهدات الوزير األميركي لم تكن‬ ‫بريئة‪ ،‬بل جاءت بمثابة تطمينات في وقت كانت فيه حكومة بالده تتفاوض‬

‫وزير الخارجية اإليراني جواد ظريف‬

‫‪,,‬‬

‫عملت ايران‬ ‫منذ منتصف‬ ‫التسعينات على‬ ‫تشكيل مجموعة‬ ‫ضغط متعارف‬ ‫على تسميتها‬ ‫«لوبي» داخل‬ ‫العاصمة‬ ‫األميركية‬ ‫وبتمويل من‬ ‫طهران‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪21‬‬


‫قصة الغالف‬

‫على عكس الصورة التي يحاول النظام اإليراني أن يقدمها حول نفسه ومواقفه‪ ،‬ال يتعدى شعار «مرك بار‬ ‫أميركا»‪ ،‬أي املوت ألميركا‪ ،‬كونه كالما لفظيا‪ ،‬فيما في الواقع تبتعد طهران عن العقائدية وتتبع سياسة‬ ‫عمالنية تهدف إلى مصادقة واشنطن والتحالف معها‪ ،‬حتى تنال إيران اعترافا أميركيا بهيمنتها في منطقة‬ ‫الشرق األوسط‪ ،‬وتفويضا إلدارة هذه املنطقة‪ ،‬خصوصا في وقت يسود شعور أميركي شعبي باإلرهاق من‬ ‫السياسة الخارجية‪.‬‬

‫«اللوبي» اإليراني‪ ..‬رجال طهران في واشنطن‬

‫املساومة الكربى‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫حسني عبد الحسني *‬

‫‪,,‬‬

‫أجهزة‬ ‫االستخبارات‬ ‫اإليرانية تعمل‬ ‫داخل امريكا عبر‬ ‫مؤسسات عدة‬ ‫منها «مؤسسة‬ ‫علوي» التي‬ ‫تأسست عام‬ ‫‪ 1973‬والتزال‬ ‫فاعلة حتى اليوم‬

‫‪,,‬‬

‫‪20‬‬

‫ألن طهران ليست عقائدية بل واقعية‪ ،‬فقد عملت منذ منتصف‬ ‫التسعينات على تشكيل مجموعة ضغط‪ ،‬متعارف على تسميتها‬ ‫«لوبي»‪ ،‬داخل العاصمة األميركية‪ ،‬وبتمويل من طهران وإشراف‬ ‫مباشر من البعثة اإليرانية الدائمة لدى األمم املتحدة في نيويورك‪ ،‬نجحت إيران‬ ‫في خلق هذا اللوبي الذي راح مسؤولوه‪ ،‬يتصدرهم إيراني ‪ -‬سويدي على‬ ‫املذهب الزرادشتي يقيم في واشنطن‪ ،‬يتباهون بتحقيقهم النتائج‪ ،‬وبإلحاقهم‬ ‫هزائم بأعتى اللوبيات األميركية‪ ،‬وعلى رأسها ذاك املؤيد إلسرائيل‪.‬‬

‫خبراء أم مؤيدو نظام إيران؟‬ ‫في مكتبي بواشنطن‪ ،‬وصلت ّ‬ ‫إلي دعوة من «مركز وودرو ويلسون» املرموق‬ ‫لحضور ندوة بعنوان «إيران في السنوات الخمس املقبلة‪ :‬تغيير أم املزيد من‬ ‫الشيء نفسه؟» املوضوع اإليراني ساخن‪ ،‬ون��دوات من هذا النوع غالبا ما‬ ‫تستقطب حشدا من املعنيني من مسؤولني أميركيني وخبراء وإعالميني‪.‬‬ ‫فتحت الدعوة‪ ،‬فإذا بي أعرف واحدة من املتحدثني‪ ،‬وهي صحافية أميركية‬ ‫تكتب عن الشرق األوسط بشيء من املوضوعية‪ .‬أما املتحدثون اآلخرون‪ ،‬فلم‬ ‫يكونوا من األميركيني‪ ،‬مما دفعني إلى التحري عنهم‪ .‬واحد إيراني‪ ،‬ويدعى‬ ‫بيجان خاجيهبور‪ ،‬ويدير «شركة استشارات»‪ ،‬يفترض أن ّ‬ ‫مقرها النمسا‪،‬‬ ‫لكني أقرأ اسمه منذ فترة كمحاضر في الندوات املخصصة إليران هنا في‬ ‫العاصمة األميركية‪.‬‬ ‫ثم ببحث سريع‪ ،‬وجدت أن شركة االستشارات املزعومة‪« ،‬آتية إنترناشونال»‪،‬‬ ‫تابعة لـ«مجموعة آتية» في طهران‪ ،‬التي تقدم نفسها‪ ،‬على موقعها على‬ ‫اإلنترنت‪ ،‬كمؤسسة متخصصة في تقديم «املساعدة والنصح للشركات‬ ‫األجنبية للدخول والعمل بنجاح في السوق اإليرانية»‪.‬‬ ‫املتحدث الثاني باحث فرنسي اسمه بيرنارد هوركارد‪ ،‬أفضى بحثي عنه‬ ‫إلى مقابلة أجرتها معه قناة «يورونيوز» في أبريل (نيسان) املاضي‪ ،‬وقال‬ ‫فيها‪« :‬منذ ‪ 34‬عاما‪ ،‬ونحن نقول كل يوم إن الجمهورية اإلسالمية قاربت أن‬ ‫تنهار‪ ،‬ولكنها ما زالت موجودة‪ ،‬وهي أكثر نظام حكومة مستقر في الشرق‬ ‫األوسط‪ ،‬ونحن نرى ذلك‪ ،‬خصوصا بعد الربيع العربي‪ ،‬وهي الدولة التي يمكن‬ ‫أن تتقدم إلى األمام»‪ .‬ثم يدعو هوركارد إلى السماح إليران باالستمرار في‬ ‫تخصيب اليورانيوم‪ ،‬والتوصل إلى اتفاق معها يفضي إلى رفع العقوبات‬ ‫عنها‪ ،‬وتطبيع العالقات مع الغرب‪ ،‬وخصوصا الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫املتحدث الثالث‪ ،‬روب��رت��و توسكانو‪ ،‬إيطالي وسبق أن عمل سفيرا لبالده‬ ‫لدى إيران بني األع��وام ‪ 2003‬و‪ .2008‬في مقالة له في «هفنغتون بوست»‪،‬‬ ‫قلل توسكانو من هتاف اإليرانيني «املوت ألميركا»‪ ،‬وكتب أنه من األفضل‬ ‫للسياسات األميركية أن ال تلتفت إلى خطاب النظام املعادي للواليات املتحدة‪،‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫وأن تمضي قدما في االنفتاح عليه‪ ،‬وإال فإن البديل الوحيد هو الحرب‪ ،‬وعند‬ ‫ذاك‪ ،‬يتوحد اإليرانيون خلف قيادتهم‪ ،‬وتصبح هتافاتهم باملوت ألميركا‬ ‫ذات معنى‪.‬‬ ‫وختم توسكانو أنه عندما «يقول اإليرانيون األميركيون (خصوصا املجلس‬ ‫القومي اإلي��ران��ي األم�ي��رك��ي)‪ :‬ال تضربوا إي ��ران‪ .‬ه��م ال يقولون ذل��ك‪ ،‬ألنهم‬ ‫متساهلون مع النظام‪ ،‬بل ألنهم يعرفون أن أي هجوم سينعش النظام شعبيا‪،‬‬ ‫لذا اسمحوا لي بأن أؤكد أن صورة اإليرانيني ككارهني ألميركا هي صورة‬ ‫خاطئة»‪.‬‬ ‫أما مديرة الندوة‪ ،‬حسبما ورد في الدعوة‪ ،‬فهي اإليرانية ‪ -‬األميركية هالة‬ ‫اصفندياري‪ ،‬وهي مديرة برنامج الشرق األوس��ط في املعهد‪ ،‬وكان النظام‬ ‫اعتقلها في عام ‪ 2007‬ملدة أربعة أشهر في السجن االنفرادي في ايفني‪ ،‬ثم‬ ‫أفرج عنها‪ ،‬ومنذ ذلك اليوم واصفندياري تصر على ضرورة انفتاح أميركا‬ ‫على إي��ران‪ ،‬وعلى رف��ع العقوبات عن ط�ه��ران‪ ،‬والسماح لها باملضي قدما‬ ‫ببرنامجه النووي‪ .‬ولهذا السبب‪ ،‬تقيم اصفندياري ن��دوات في املعهد الذي‬ ‫تديره‪ ،‬وتوقع على عرائض لرفع العقوبات‪.‬‬

‫التغيير املقبل‬ ‫إذن‪ ،‬حتى من دون ذهابي إل��ى الندوة ح��ول إي��ران‪ ،‬ك��ان يمكنني أن أتكهن‬ ‫مسبقا بمجرياتها؛ مجموعة من اإليرانيني‪ ،‬بعضهم ممن اكتسبوا الجنسية‬ ‫األميركية أو األوروبية‪ ،‬وأوروبيون مؤيدون لالنفتاح غير املشروط على إيران‪،‬‬ ‫يتكلمون على مدى ساعتني حول التغيير املقبل مع انتخاب حسن روحاني‬ ‫رئيسا إليران والفرصة السانحة القتناصها‪ ،‬والعوائد املالية لالنفتاح على‬ ‫طهران‪ ،‬ويحذرون من مغبة عرقلة أميركا التوصل إلى اتفاق‪ ،‬حتى لو تعنتت‬ ‫إيران وتمسكت بشروطها النووية‪ ،‬بحجة أنه ال اتفاق يعني حتما الحرب‪،‬‬ ‫وهي كلمة ال يستسيغها األميركيون بعد حربي العراق وأفغانستان‪.‬‬ ‫ويبدو أن توسكانو‪ ،‬الذي يأخذ على عاتقه تجميل صورة إيران‪ ،‬والتحذير‬ ‫من الحرب‪ ،‬والتمجيد باملجلس القومي اإليراني ‪ -‬األميركي‪ ،‬نشر مقالته بدعم‬ ‫من املجلس نفسه‪ ،‬الذي يترأسه اإليراني ‪ -‬السويدي املقيم في واشنطن تريتا‬ ‫بارسي‪ ،‬الذي يكتب دوريا في هذا املوقع‪.‬‬ ‫وبارسي صديق وزير الخارجية اإليراني جواد ظريف منذ أكثر من عقد‪،‬‬ ‫عندما كان األخير يعمل مبعوثا دائما لبالده في األمم املتحدة بنيويورك‪.‬‬ ‫وفي منتصف العقد املاضي‪ ،‬اتهم اإليراني املعارض حسن داعي اإلسالم‬ ‫بارسي بالعمل ملصلحة النظام‪ ،‬فما كان من بارسي إال أن أقام دعوى قدح‬ ‫ّ‬ ‫وذم بحق داعي اإلسالم‪ ،‬فأمرت املحكمة بفتح البريد اإللكتروني لبارسي‪،‬‬


ASHARQ AL - AWSAT The Leading International Newspaper

‫ﺟﺮﻳــﺪة اﻟﻌــﺮب اﻟﺪوﻟﻴــﺔ‬

editorial@asharqalawsat.com

www.aawsat.com

Design: Qussay Al-Issa

‫معك أينما تكون‬

http://www.aawsat.com

‫للحصول على‬ :‫املعلومات املفصلة‬ http://kaywa.me/1clMh


‫شؤون سياسية‬

‫إطارا جيدا لتعزيز نفوذها خارج حدودها‪ .‬وباختصار‪ ،‬تستطيع قطر‬ ‫أن تستغل نفوذ جماعة اإلخوان وأن تحقق أهدافها بالقليل من الجهد‬ ‫وبشروط قطرية وتكلفة محدودة‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬كانت الدوحة واضحة للغاية في إصرارها على أن‬ ‫دعمها لجماعة اإلخوان املسلمني ال يمثل خطرا على األمن الداخلي لدول‬ ‫مجلس التعاون الخليجي‪ .‬فعلى سبيل املثال‪ ،‬وفي أعقاب انسحاب‬ ‫سفراء مجلس التعاون الخليجي الثالثة‪ ،‬أص��درت قطر بيانا أعلنت‬ ‫فيه أنها لن تتخذ رد فعل مقابل وتسحب سفراءها مشيرة إلى أن‬ ‫الخالف يتمركز على «اختالفات في املواقف املتعلقة بقضايا خارج‬ ‫نطاق مجلس التعاون»‪.‬‬

‫التداعيات على السياسة اإلقليمية األميركية‬

‫‪,,‬‬

‫أضرت العديد‬ ‫من التطورات‬ ‫التي وقعت‬ ‫في املنطقة‬ ‫على األقل منذ‬ ‫االنتفاضات‬ ‫العربية‬ ‫بالعالقات‬ ‫بني واشنطن‬ ‫ودول الخليج‬ ‫العربي‬

‫‪,,‬‬

‫‪18‬‬

‫صلة باملوضوع عندما نأخذ في اعتبارنا اآليديولوجيات املتباينة لتلك‬ ‫الشراكة الغريبة‪ .‬فكما يقول دكتور هايكل‪« :‬جماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫هي حركة سياسية مناهضة للغرب تسعى إلى خلع األنظمة القومية‬ ‫العلمانية وال تفضل األنظمة امللكية خاصة تلك التي لديها عالقات‬ ‫اقتصادية وعسكرية وثيقة مع الغرب‪ .‬وال ترتبط قطر فقط بعالقات‬ ‫وثيقة بالواليات املتحدة ولكن التفسير الذي تتبناه لإلسالم أيضا ال‬ ‫يتسامح مع أي نوع من النشاطات السياسية ما لم تكن تخضع لهيمنة‬ ‫الحاكم ورعايته»‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬من الواضح أن تأييد قطر لجماعة اإلخوان املسلمني ال ينبع من‬ ‫وج��ود عقائد دينية أو آيديولوجيات سياسية مشتركة‪ .‬في الواقع‪،‬‬ ‫كانت تسعى لتأسيس استقاللها كدولة صغيرة وثرية للغاية من خالل‬ ‫ترسيخ وضعها أينما أتيحت لها الفرصة‪ .‬وقد عملت قطر بجدية إلى‬ ‫خلق دور لها في املنطقة‪ ،‬وأقامت عالقات وثيقة بحماس وإسرائيل‬ ‫وبالواليات املتحدة وإيران باإلضافة إلى طالبان والغرب‪ .‬وكانت قطر‬ ‫تاريخيا تسارع إلى عقد التحالفات وهو ما تجلى في العالقات التي‬ ‫أقامتها مع االتحاد السوفياتي والصني في الثمانينات وإسرائيل وإيران‬ ‫في التسعينات‪.‬‬ ‫ويحاول ديفيد روبرتس‪ ،‬مدير املعهد امللكي للخدمات املتحدة لدراسات‬ ‫ال��دف��اع واألم��ن بقطر تفسير ذل��ك التوجه ق��ائ�لا‪« :‬لقد كانت سياسة‬ ‫قطر الخارجية – وم��ا زال��ت ‪ -‬تتمحور ح��ول ال �ت��وازن»‪ .‬فمن الناحية‬ ‫االستراتيجية‪ ،‬كانت «إقامة عالقات جديدة مع إي��ران وإسرائيل ثم‬ ‫حزب الله وحماس الحقا‪ ،‬تستهدف تعزيز رغبة قطر في إقامة عالقات‬ ‫مع كافة البلدان بغض النظر عن توجهاتها»‪ .‬وأض��اف روب��رت��س أن‬ ‫تعميق العالقات مع إيران كان يستهدف موازنة التعاون املستمر مع‬ ‫ال��والي��ات املتحدة ال��ذي ك��ان يتضمن االت�ف��اق��ات الدفاعية والترتيبات‬ ‫املتعلقة بالقواعد من ‪ 1992‬وما بعدها‪ .‬وبالنسبة لقطر‪ ،‬كانت هذه هي‬ ‫الطريقة للمنافسة مع الهيمنة اإلمبريالية واإلقليمية‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى أن خطر اضطالع جماعة اإلخوان بنشاطات في قطر يعد‬ ‫خطرا محدودا أو كذلك تعتقد قطر‪ .‬فمنذ حل قطر لجماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني في عام ‪ ،1999‬انحسر خطر تهديد الجماعة لألمن الداخلي‬ ‫القطري ‪ ،‬ووجدت قطر أنه من مصلحتها أن تقيم تحالفات بالخارج مع‬ ‫جماعة اإلخوان ومثيالتها من الجماعات كجزء من تطلعاتها اإلقليمية‬ ‫الواسعة‪ ،‬حيث تجد قطر في جماعة اإلخوان وشبكتها العاملية الراسخة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫أصبح من الواضح أن هناك قلقا قد تشكل داخل دول مجلس التعاون‬ ‫الخليجي إثر دعم الدوحة للحركات اإلسالمية في املنطقة ضمن عدة‬ ‫عوامل أخرى‪ .‬ووفقا لديفيد أندرو وينبرغ‪ ،‬زميل الباحثني بمؤسسة‬ ‫الدفاع عن الديمقراطيات «يمكن أن تتطور األوضاع سريعا أخذا في‬ ‫االعتبار أن القيادات اإلقليمية هددت بابعاد قطر من مجلس التعاون»‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى‪ ،‬أضرت العديد من التطورات التي وقعت في املنطقة‬ ‫على األق��ل منذ االنتفاضات العربية بالعالقات ب�ين واشنطن ودول‬ ‫الخليج العربي‪ .‬ويقع اللوم بشكل أساسي على تباين السياسات تجاه‬ ‫الشرق األوسط دائم التغير باإلضافة إلى الصدع الذي شق صف دول‬ ‫مجلس التعاون والعوامل الدافعة له‪ .‬كما أضاف تغير السياسات تجاه‬ ‫إيران وقضية السالح النووي إلى أسباب الخالف داخل هذا التحالف‪.‬‬ ‫وباملثل‪ ،‬تتنامى مخاوف دول الخليج من أن تتخلى الواليات املتحدة‬ ‫عنها وهو ما يدفع العديد من دول الخليج ألن تتخذ‪ ،‬وفقا ملا يقوله‬ ‫فريدريك ويهري‪ ،‬الباحث بمؤسسة كارنيغي للسالم الدولي «سياسة‬ ‫خارجية أكثر نشاطا وقوة في املنطقة» وهو ما يمكن في بعض الحاالت‬ ‫أن «يعارض أو يعرقل املصالح األميركية»‪.‬وتعد كل من مصر وسوريا‬ ‫نموذجني رئيسني يبرزان تباين أجندات دول مجلس التعاون الخليجي‬ ‫وهو ما يزعج صناعة السياسة األميركية الخارجية‪.‬‬ ‫وفيما يتعلق باألولويات االستراتيجية األميركية في الشرق األوسط‪،‬‬ ‫سوف يكون اختالفات بني اعضاء مجلس التعاون الخليجي ضربة‬ ‫أخرى إلى استراتيجيتها في الشرق األوسط التي تعاني من العثرات‬ ‫ب��ال�ف�ع��ل‪ .‬ف��أخ��ذا ف��ي االع�ت�ب��ار وج ��ود ال�ع��دي��د م��ن ال�ق��واع��د العسكرية‬ ‫األميركية املحورية التي تقع على أراضي دول الخليج والتعاون املستمر‬ ‫منذ أمد طويل ملكافحة اإلرهاب وتحقيق أمن الطاقة‪ ،‬ال يمكن للواليات‬ ‫املتحدة أن تتحمل خسارة عالقاتها ب��أي من ال��دول املشكلة ملجلس‬ ‫التعاون الخليجي‪.‬‬ ‫وعلى الصعيد ذاته‪ ،‬سوف يضر انهيار العالقات الدبلوماسية وعالقات‬ ‫التعاون بني الدول األعضاء في مجلس التعاون إلى حد بعيد باملصالح‬ ‫األميركية السالف ذكرها‪ .‬ومن ثم فإنه من الضروري لواشنطن أن‬ ‫تظل دول مجلس ال�ت�ع��اون م��وح��دة وق��وي��ة‪ ،‬خ��اص��ة إذا م��ا أخ��ذن��ا في‬ ‫االعتبار مهمة م��وازن��ة ذل��ك ال�ع��دد م��ن التهديدات اإلقليمية ب��داي��ة من‬ ‫إيران وصوال إلى اإلرهاب اإلسالمي‪ .‬وربما استغلت واشنطن رحلة‬ ‫الرئيس باراك أوباما إلى السعودية في مارس املاضي كفرصة لتأكيد‬ ‫استمرارية الدعم األميركي والتأكيد على نواياها ألن تظل شريكا فاعال‬ ‫في مواجهة التهديدات اإلقليمية عبر استمرار التعاون األمني‪ .‬وربما‬ ‫تسعى الواليات املتحدة لنهج مقاربة أق��وى لتشجيع وضع نهاية ملا‬ ‫يعد نزاعا عائليا رغم أن ذلك لن يكون باملهمة اليسيرة‪ ،‬حيث أثبتت‬ ‫قطر أنها ترغب في أن تستمر مسرحا مركزيا وأنها لن تتخلي عن‬ ‫األضواء بسهولة <‬


‫ويعد العامل الثاني الذي كان يقف وراء موقف الدول الثالث األعضاء‬ ‫بمجلس التعاون الخليجي هو الجدال الذي دار مؤخرا حول يوسف‬ ‫القرضاوي‪ ،‬وه��و الزعيم الروحي لجماعة اإلخ��وان املسلمني واملقيم‬ ‫بالدوحة وهو الجدال الناجم عن اتهاماته املتكررة وخطاباته التحريضية‬ ‫ض��د ب�ع��ض ال ��دول الخليجية ال سيما االم � ��ارات‪ .‬وق��د أث ��ارت خطبه‬ ‫وتصريحاته غضب قائد ع��ام شرطة دب��ي ضاحي خلفان التميمي‬ ‫وهو ما دفعه إلى إصدار أمر اعتقال للشيخ اإلسالمي‪ .‬فمن وجهة نظر‬ ‫قائد الشرطة‪ ،‬يحض خطاب القرضاوي على العنف داخل دول مجلس‬ ‫التعاون الخليجي ومن ثم يجب وقفه‪.‬‬

‫في املنطقة‪ .‬فعلى سبيل املثال كانت قطر تدعم حركة التجمع اليمني‬ ‫لإلصالح في اليمن وساعدت قوات املعارضة الجهادية املتشددة في‬ ‫سوريا وكانت تدعم الثورة الليبية وتبثها لحظة بلحظة على التلفزيون‪.‬‬ ‫وفي الوقت الراهن‪ ،‬يعد أحد أسباب االستياء الرئيسة للسعودية هو‬ ‫دعم قطر ودفاعها عن جماعة اإلخوان املسلمني‪ .‬فبعد سقوط حسني‬ ‫مبارك وانتخاب مرشح اإلخوان املسلمني محمد مرسي كرئيس ملصر‪،‬‬ ‫تعهدت إيران باملساعدة على حل األزمة املالية التي يواجهها االقتصاد‬ ‫املصري عبر تقديم نحو ‪ 7.5‬مليار دوالر خالل العام الذي حكم فيه‬ ‫مرسي؛ وهي الخطوة التي أقلقت بعض الدول حيث كان سقوط مبارك‬ ‫الحليف وتمكني أق��وى الحركات اإلسالمية باملنطقة‪،‬جرت ترجمته‬ ‫كخطر واضح على امن الشرق االوسط والخليج‪ .‬كما أعرب العديد داخل‬ ‫مصر عن غضبهم من التقارب بني الدوحة وجماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫(والذي نظر إليه باعتباره تدخال في الشؤون الداخلية املصرية ودعما‬ ‫لعوامل االضطرابات) وهو ما تجلى في إعادة الحكومة املصرية لودائع‬ ‫قطرية تبلغ قيمتها ملياري دوالر في سبتمبر ‪.2013‬‬

‫وم��ن جهة أخ ��رى‪ ،‬ل��م تكن فقط تصريحات ال�ق��رض��اوي ه��ي العامل‬ ‫الوحيد خلف غضب ال��دول الثالث بمجلس التعاون الخليجي‪ ،‬حيث‬ ‫كان هناك عامل آخر يتعلق بأن قطر‪ ،‬وكما تقول «واشنطن بوست»‬ ‫قد استخدمت «شبكة الجزيرة العربية كمنصة لخطاب املعارضة ضد‬ ‫الحكومة املصرية مما أث��ار غضب مصر وحلفائها ب��دول الخليج»‪.‬‬ ‫وذه��ب البعض في واشنطن إل��ى حد وص��ف «ال�ج��زي��رة» بأنها لسان‬ ‫حال اإلخوان املسلمني‪.‬‬ ‫وفي إشارة إلى مدى توافق سياسة دول مجلس التعاون بشأن مصر‪،‬‬ ‫تعهدت السعودية والكويت واإلمارات بتزويد مصر بمبلغ يصل إلى ‪12‬‬ ‫مليار دوالر من املنح والقروض منعدمة الفوائد مباشرة بعد اإلطاحة‬ ‫النزاع الخفي‬ ‫بمرسي‪.‬‬ ‫على أي��ة ح��ال‪ ،‬ف��إن ال�خ�لاف اللفظي انتقل إل��ى خ�لاف م��ادي فعلي‪ .‬ومنذ سقوط مرسي‪ ،‬وجدت قطر طرقا أخرى لدعم جماعة اإلخوان‬ ‫فكما يشير برنارد هايكل‪ ،‬األستاذ بجامعة برنستون‪« :‬كانت قطر املصرية‪ ،‬ك��ان أب��رزه��ا استضافتها إل��ى ع��دد متنام م��ن اإلسالميني‬ ‫تقود مساعي خلع األنظمة العربية السلطوية من تونس إلى سوريا امل�ص��ري�ين وال�س�م��اح ل�ه��م ب��االس�ت�م��رار ف��ي ال��دف��اع ع��ن قضيتهم من‬ ‫وكانت فاعلة على العديد من الجبهات حيث كانت تقدم الدعم اإلعالمي األراضي القطرية وعبر وسائلها اإلعالمية‪ .‬ويعود هذا التوجه لسنوات‬ ‫والدعائي وتوفر املساعدات املالية والعسكرية وتتدخل في النزاعات بني سابقة‪ ،‬حيث كان القرضاوي نفسه يثير املشاكل لدول عربية وخليجية‬ ‫ملدة طويلة من األراضي القطرية وعبر قناة «الجزيرة» التي تمولها قطر‪.‬‬ ‫العديد من الجماعات املتمردة»‪.‬‬ ‫ف�ق��د دع �م��ت ق�ط��ر ال�ف�ص��ائ��ل اإلس�لام �ي��ة ال�س�ن�ي��ة ال �ت��ي ت�س�ع��ى إلث��ارة ولم تكن السعودية فقط هي من فاض بها الكيل إثر تلك املمارسات‪ ،‬بل‬ ‫االضطرابات في ال��دول السلطوية‪ .‬كما سهلت األجندة اإليرانية في إن السلطات املصرية نفسها قد بدأت تتخذ إجراءات بنفسها ملواجهة‬ ‫املنطقة من خالل عالقتها القوية بإيران ودعمها لحزب الله وغيره من ما تنظر إليه كتدخل قطري عدائي حيث أغلقت مكاتب «الجزيرة»‬ ‫التنظيمات التابعة إلي��ران‪ .‬وينظر إل��ى ذل��ك السلوك باعتباره سلوكا بالقاهرة واحتجزت عددا من صحافييها‪.‬‬

‫اجتماع لوزراء داخلية دول مجلس‬ ‫التعاون الخليجي الـ ‪ 32‬الذي عقد في‬ ‫البحرين ‪ -‬صورة ارشيفية ‪ 28 -‬مارس‬ ‫(اذار) ‪( - 2013‬واس)‬

‫‪,,‬‬

‫منذ حل قطر‬ ‫جماعة اإلخوان‬ ‫املسلمني في‬ ‫عام ‪1999‬‬ ‫انحسر خطر‬ ‫تهديد الجماعة‬ ‫لألمن الداخلي‬ ‫القطري‬

‫‪,,‬‬

‫يمثل تهديدا خطيرا لألمن الداخلي لبلدان مثل السعودية والبحرين‬

‫واإلمارات وهو ما يرجع في جانب كبير منه إلى االضطرابات الطائفية طريقة العمل‬

‫الداخلية داخل تلك البلدان‪.‬‬ ‫وكان من بني املمارسات القطرية األخرى التي أثارت غضب جيرانها وإن ولكن ملاذا تميل قطر «لالنحياز للفريق اآلخر» من خالل دعمها الواضح‬ ‫كانت تمثل تهديدا أقل خطرا على أمنها هو تأييدها للفصائل املتنازعة لجماعة اإلخوان وغيرها من اإلسالميني في املنطقة؟ يعد هذا السؤال ذا‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪17‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫دائما ما أدى املوقع االستراتيجي لدول الخليج ووفرة موارد الطاقة بها إلى جعلها موقعا للنزاعات العاملية وساحة‬ ‫للعديد من النزاعات اإلقليمية‪ .‬كما أسفرت االنتفاضات العربية عن إثارة العديد من النزاعات األخرى في دول‬ ‫الخليج التي يمكنها أن تصبح حجر عثرة أمام السياسات األميركية والغربية صوب الشرق األوسط بأسره‪ .‬فخالل‬ ‫الشهرين املاضيني‪ ،‬هيمنت الخطوات االستراتيجية والخطوات املضادة التي اتخذها العديد من األطراف في دول‬ ‫الخليج على عناوين األخبار وكان جميعها يؤكد الحقيقة الواضحة‪ :‬وهي أن اختالف وجهات النظر بني أعضاء دول‬ ‫مجلس التعاون الخليجي أصبح يمثل تحديا كبيرا أمام استراتيجيات الواليات املتحدة صوب املنطقة‪.‬‬

‫تأثير الخالف في وجهات النظر بني مجلس التعاون الخليجي على السياسة األميركية باملنطقة‬

‫الرهان على األمن‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫تالي هلفونت‬

‫‪,,‬‬

‫ال يمكن‬ ‫للواليات‬ ‫املتحدة أن‬ ‫تتحمل خسارة‬ ‫عالقاتها بأي‬ ‫من الدول‬ ‫املشكلة ملجلس‬ ‫التعاون‬ ‫الخليجي‬

‫‪,,‬‬

‫‪16‬‬

‫تشعر الواليات املتحدة؛ التي تعتمد إلى حد بعيد على عالقتها‬ ‫االستراتيجية بالبلدان التي تشكل مجلس التعاون الخليجي‬ ‫وتتعاون معهم لضمان أمن الطاقة (وموازنة التهديد اإليراني)‪،‬‬ ‫بالقلق حيال تلك التطورات‪ .‬وتقع دولة قطر التي تحظى بأهمية بالغة‬ ‫رغ��م ص�غ��ر حجمها ف��ي ق�ل��ب ال �ن��زاع ال�ح��ال��ي داخ ��ل مجلس ال�ت�ع��اون‬ ‫الخليجي‪ .‬فقد حافظ األميركيون والقطريون على تحالف وثيق منذ‬ ‫بداية التسعينات من القرن املاضي‪ .‬وبعد القيام بعمليات عسكرية‬ ‫مشتركة خالل عاصفة الصحراء في عام ‪ ،1991‬توصل البلدان إلى‬ ‫اتفاقية تعاون عسكري ما زالت فاعلة حتى يومنا الحالي‪ .‬ويعد مركز‬ ‫العمليات الجوية املشتركة للشرق األوسط الذي يقع في قاعدة «العديد»‬ ‫الجوية وغيرها من املنشآت في قطر من العناصر الحيوية بالنسبة‬ ‫للقيادة املركزية األميركية‪ .‬وكذلك‪ ،‬كان املسؤولون األميركيون دائما‬ ‫ما يصفون التعاون ملكافحة اإلرهاب بني البلدين منذ ‪ 2001‬باعتباره‬ ‫تعاونا حيويا ‪.‬‬ ‫ومن ثم‪ ،‬وجدت واشنطن سلوك قطر خالل السبع أو الثماني سنوات‬ ‫املاضية سلوكا مربكا وع�ل��ى نحو م��ا متناقضا‪ .‬فمن ج�ه��ة‪ ،‬كانت‬ ‫قطر شريكا حقيقيا في العمل على تحقيق االستقرار باملنطقة‪ .‬ومن‬ ‫جهة أخرى‪ ،‬تتهم قطر بدعم وتمويل عناصر في جميع أنحاء املنطقة‬ ‫تعرب صراحة عن عدائها للواليات املتحدة والغرب بصفة عامة‪ .‬وفيما‬ ‫لم يفعل األميركيون شيئا حيال مخاوفهم سوى املناقشات همسا‬ ‫حول كيف يمكنهم دفع قطر مرة أخرى إلى «االتجاه الصحيح»‪ ،‬اتخذ‬ ‫جيرانها العرب إجراءات حقيقية‪.‬‬

‫االستحواذ على عناوين األخبار‬ ‫ففي ‪ 5‬م��ارس (آذار) ‪ ،2014‬أص��درت ك��ل م��ن السعودية والبحرين‬ ‫واإلم ��ارات‪ ،‬وجميعها دول أعضاء بمجلس التعاون الخليجي‪ ،‬بيانا‬ ‫مشتركا يعلن سحب سفرائهم من دولة قطر؛ العضو أيضا بمجلس‬ ‫التعاون الخليجي‪ .‬وفي البيان وصفت الدول الثالث السياسة الخارجية‬ ‫للدوحة في املنطقة بأنها تهدد أمن ال��دول األعضاء بمجلس التعاون‬ ‫الخليجي‪ .‬وبصيغة أوض��ح‪ ،‬يعود سحب السفراء إلى حد كبير إلى‬ ‫دعم قطر لجماعة اإلخوان املسلمني ولسياستها حيال سوريا وعدد‬ ‫من القضايا ذات الصلة‪.‬‬ ‫وبعد يومني فقط‪ ،‬صنفت السعودية رسميا جماعة اإلخوان املسلمني‬ ‫كتنظيم إرهابي‪ ،‬مما يؤكد بوضوح دعمها للحكومة الجديدة في مصر‬ ‫في مواجهة اإلخ��وان املسلمني‪ .‬كما تضمنت تلك الخطوات الحازمة‪،‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫ملواجهة اإلسالميني املتطرفني وقمعهم‪ ،‬تصنيف جبهة النصرة والدولة‬ ‫اإلسالمية في العراق والشام – جماعتان جهاديتان تقاتالن ضد بشار‬ ‫األسد في سوريا ‪ -‬كجماعات إرهابية‪ .‬وجاء ذلك بعد شهر واحد من‬ ‫القرار السعودي القاضي بفرض عقوبة السجن ملدة ‪ 20‬عاما على أي‬ ‫شخص ينتمي لجماعة إرهابية أو يشارك في القتال بالخارج أو يقدم‬ ‫الدعم املادي ملثل تلك التنظيمات‪.‬‬ ‫وتنظر السعودية وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي إلى قطر‬ ‫كعقبة أمام عملية قمع التطرف اإلسالمي‪ .‬باإلضافة إلى أنهم يلقون‬ ‫باللوم على قطر نظرا لتراجعها الصريح عن االتفاقات األمنية التي‬ ‫وقعتها مع جيرانها األعضاء في مجلس التعاون الخليجي‪ .‬وتهدد تلك‬ ‫التطورات بالحد من املساعي التي كانت دول مجلس التعاون الخليجي‬ ‫تبذلها مؤخرا لتعزيز التعاون فيما بينها حول القضايا األمنية‪ .‬فمنذ‬ ‫عام ‪ ،2012‬التقى كبار وزراء دول مجلس التعاون الخليجي ورؤساؤها‬ ‫عدة م��رات ملناقشة وتأسيس إط��ار أمني عام مشترك لذلك املجلس‪.‬‬ ‫ولفترة من الوقت‪ ،‬كان يبدو أن قطر توافق على تلك املبادرات‪ .‬فعلى‬ ‫سبيل املثال‪ ،‬وفي ‪ 23‬نوفمبر (تشرين الثاني) املاضي‪ ،‬حضر األمير‬ ‫القطري قمة في الرياض ووقع اتفاقا «إلنهاء أي سياسات أو عالقات‬ ‫بالوكالة تضر دول مجلس التعاون األخ��رى»‪ .‬وج��رى االحتفاء بذلك‬ ‫االلتزام في الشهر التالي بحضور كافة قيادات مجلس التعاون الخليجي‬ ‫في القمة السنوية بالكويت‪ .‬وأخيرا‪ ،‬وفي قمة عقدت فبراير املاضي‪،‬‬ ‫واف��ق وزراء خارجية دول مجلس التعاون على «تطوير آلية ملراقبة‬ ‫تنفيذ اتفاق الرياض» ‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فإن ممارسات قطر سواء قبل أو أثناء أو بعد توقيعها لتلك‬ ‫االتفاقيات الغائمة كشفت بوضوح عن أن لديها أولويات أخرى‪ .‬فما‬ ‫زالت تؤيد جماعة اإلخوان في مصر وتؤيد بعض فصائل املعارضة‬ ‫املتنازعة في سوريا‪ ،‬وغيرها من املواقف التي ينظر إليها باعتبارها‬ ‫تجاوزات لذلك االتفاق‪ .‬ولكن املوقف تفجر في اجتماع عقد في فبراير‬ ‫(ش�ب��اط) املاضي ف��ي السعودية‪ .‬فبعد اجتماع مغلق استمر ألكثر‬ ‫من تسع ساعات‪ ،‬رفضت قطر املعايير التي طرحها مجلس التعاون‬ ‫الخليجي لضبط اآلليات التي يمكن عبرها مراقبة وقف «أي سياسات‬ ‫أو عالقات بالوكالة تضر بدول مجلس التعاون الخليجي»‪ .‬ولم يسفر‬ ‫ذلك الرفض عن غضب السعودية والبحرين واإلمارات فقط بل إنه أكد‬ ‫للمجلس أن ممارسات الدوحة تستهدف تمكني محاوالت املتطرفني‬ ‫التخريبية ليس فقط في بالد الشام بل في دول الخليج أيضا‪.‬‬


‫مبيعات األس�ل�ح��ة إل��ى م�ص��ر ف��ي أع �ق��اب إط��اح��ة ال�ج�ي��ش بالحكومة‬ ‫اإلسالمية املدنية في يوليو (تموز) ‪ ،2013‬وجدت روسيا فرصة لسد‬ ‫هذا الفراغ‪ .‬تلت زيارة وفد رفيع املستوى إلى القاهرة برئاسة الوزير‬ ‫الف��روف في نوفمبر (تشرين الثاني) املاضي‪ ،‬زي��ارة أخ��رى قام بها‬ ‫مؤخرا وزيرا الدفاع والخارجية املصريان ‪ -‬في أول زيارة رسمية منذ‬ ‫‪ 40‬عاما – من أجل إتمام صفقة سالح تقدر بنحو ثالثة مليارات دوالر‬ ‫ومن املنتظر معرفة ما إذا كان األمر مجرد صفقة أم تحوال أكبر في‬ ‫توجهات مصر‪ .‬ولكنها تشير إلى منهج روسيا االستباقي في إقامة‬ ‫العالقات‪ ،‬كما حدث مع سوريا وإيران‪.‬‬ ‫يأتي األردن مثاال آخ��ر‪ .‬على الرغم من أن درج��ة الشراكة مع اململكة‬ ‫الهاشمية ومصر في عهد عبد الناصر تختلف بدرجة كبيرة (على‬ ‫سبيل املثال‪ ،‬لم يكن هناك ‪ 15‬ألف خبير عسكري روسي متمركز في‬ ‫األردن) ‪ ،‬إال أن العالقات بني عمان وموسكو منفتحة وتشهد صفقات‬ ‫متبادلة منذ منتصف السبعينات‪ ،‬فيما عدا معارضة عمان العلنية‬ ‫لحرب الشيشان في الوقت الحالي‪ ،‬في مواجهة ازدياد احتياجات الطاقة‬ ‫وعدم وجود وسائل فعالة من حيث التكلفة لتلبيتها‪ ،‬أتمت هيئة الطاقة‬ ‫الذرية األردنية الشهر املاضي عدة جوالت من املباحثات تمهد نتائجها‬ ‫الطريق أمام «روساتوم» الروسية إلقامة أول مفاعل نووي في البالد‪.‬‬ ‫قبل عامني‪ ،‬شكلت لجنة حكومية أردنية وروسية عندما كان بوتني‬ ‫في زيارة إلى عمان‪ .‬وفي إطار سعيها إلى معالجة عجزها التجاري‬ ‫املزمن ورغبتها في زي��ادة تدفق السياحة‪ ،‬استمر تفاعل األردن من‬ ‫خالل اللجنة مع نظرائها الروس‪.‬‬ ‫تتشارك جميع الدول املذكورة آنفا معا في خوفها املبرر من التهديدات‬ ‫األمنية للتفسيرات املتطرفة لإلسالم واملنظمات اإلرهابية السنية‪ .‬من‬ ‫شمال القوقاز إل��ى شمال سيناء إل��ى غ��رب ال�ع��راق‪ ،‬تجاهد ك��ل هذه‬ ‫الحكومات الحتواء الجماعات الجهادية والتخلص منها‪ .‬تبلي روسيا‬ ‫ التي تستمر مخاوفها املبررة من تصدير مثل هذه اآليديولوجيا إلى‬‫سكانها من املسلمني الذين يشكلون قطاعا كبيرا ‪ -‬بالء حسنا في‬ ‫دعم تلك الحكومات في املنطقة التي تعمل على منع انتشارها أيضا‪.‬‬ ‫يتنوع ن�ط��اق ت�ع��اون روس�ي��ا م��ع دول ال�ش��رق األوس ��ط م��ن اتفاقيات‬ ‫مشروعة (األردن) إلى مبيعات السالح إلى الحكومات املصرية‪ ،‬إلى‬ ‫تقديم دع��م ثابت متعدد الجوانب إل��ى أنظمة استبدادية مثل (إي��ران‬ ‫وس ��وري ��ا)‪ .‬األم ��ر امل�ش�ت��رك ف��ي ك��ل ه��ذه ال �ح��االت ه��و ت��دخ��ل روس�ي��ا‬ ‫االنتهازي عندما تكون هناك مساحة لتوسعة نطاق نفوذها ووقف‬ ‫أهداف السياسات األميركية في املنطقة‪ ،‬دون أن تضع في اعتبارها‬ ‫معاملة هذه الحكومات ملواطنيها‪.‬‬

‫اعتبارات السياسات األميركية‬ ‫ال تبدو نهاية األزمة األوكرانية قريبة‪ ،‬وسوف تستمر في اختبار فاعلية‬ ‫الدبلوماسية الغربية‪ .‬وفي حني يحدو واضعي السياسات األميركيني‬ ‫اآلمال بأن تثبت العقوبات الراهنة املتاحة نجاحها في إجبار روسيا‬ ‫على االلتزام بمطالب الغرب‪ ،‬فإن هناك إج��راءات أخ��رى محل دراسة‬ ‫مثل املساعدة على بناء الجيش األوك��ران��ي‪ .‬يدخل االتحاد األوروب��ي‬ ‫في مفاوضات جديدة مع الحكومة األوكرانية املؤقتة لإلسراع بتوقيع‬ ‫اتفاقية الشراكة‪ ،‬وتلتزم الحكومة األميركية بإمداد أوكرانيا بقرض‬ ‫قيمته مليار دوالر من أجل مساعدة اقتصاد أوكرانيا املتعثر‪.‬‬ ‫يعتقد عدد قليل نسبيا من الخبراء األميركيني أن بوتني يرتجل في‬ ‫القرم‪ ،‬وأنه يتخذ رد فعل على اتهام حليفه الرئيس األوكراني السابق‬ ‫يانوكوفيتش‪ ،‬ويستغل ف��رص��ة ان�ع��دام االس�ت�ق��رار ف��ي ال�ب�لاد‪ .‬تقدم‬ ‫تصرفات بوتني األخيرة في الخارج القريب‪ ،‬باإلضافة إلى نتائج األزمة‬ ‫في سوريا‪ ،‬قصة لقائد استبدادي لديه استراتيجية كبرى بعيدة األمد‪.‬‬ ‫س��وف تلقي تبعات ع��دم احترام روسيا لسلطة الحكومة في كييف‬

‫ب��درج��ة م��ا ب��آث��ار سلبية على ال�ش��رق األوس ��ط‪ .‬وس��وف ت�ك��ون كلمة‬ ‫موسكو أق��ل مصداقية س��واء في املفاوضات من أج��ل ال��وص��ول إلى‬ ‫حل ممكن للحرب األهلية املأساوية في سوريا أو من أجل التسوية‬ ‫في ق��درات إي��ران النووية‪ .‬يمثل رف��ض بوتني سحب قواته من القرم‬ ‫مجرد قمة جبل الجليد‪ .‬تحد الدولة التي تملك هذا االستعداد املستمر‬ ‫لالستهانة بالقواعد األساسية في النظام العاملي من ثقة أصدقائها‬ ‫وأعدائها على حد سواء‪.‬‬ ‫ليس معنى ذلك عدم وجود بديل على املدى القريب‪ .‬تملك سوريا قليال‬ ‫من الحلفاء الذين يمكنها االختيار بينهم‪ ،‬إن وجدوا؛ ومن املؤكد أنه‬ ‫ال يوجد من يملك مصالح ومخاطر مثل تلك التي تملكها روسيا‪.‬‬ ‫عالوة على ذلك‪ ،‬لن يمنع بوتني األسد من اتخاذ إجراء مستقل في‬ ‫الداخل أو الخارج‪ .‬وكذلك‪ ،‬ال تملك إيران أيضا نصيبها من الداعمني‬ ‫على الساحة العاملية وكذلك لن يكون مرجحا أن تغير موقفها في‬ ‫مواجهة الكرملني؛ ولكن ستقل احتماالت اعتماد الغرب على روسيا‬ ‫ّ‬ ‫في أن تكون ُمحكما أو مشاركا في حل املفاوضات‪ .‬ومع االنتخابات‬ ‫الرئاسية املقبلة في سوريا‪ ،‬يدعو الخبراء واشنطن إلى التركيز على‬ ‫الدولة التي مزقتها الحرب األهلية‪ ،‬حتى ال يستفيد األسد من االهتمام‬ ‫األميركي بأوكرانيا ويقوم بتزوير االنتخابات‪ .‬ربما تحيي الحكومة‬ ‫األميركية مباحثات السالم السورية من أجل وقف إراق��ة مزيد من‬ ‫الدماء‪ ،‬إذا تفوق بوتني في القرم وأعاد توجيه أجندته بتحدي نفوذ‬ ‫الغرب في الشرق األوسط‪.‬‬ ‫في إيجاز‪ ،‬أفضل ما يقوم به واضعو السياسة الخارجية األميركيون‬ ‫هو حماية وتقديم املصالح األميركية‪ ،‬بأن تشمل سياساتهم إثبات‬ ‫روس�ي��ا االستباقي لذاتها ف��ي ال�ج��وار وال �خ��ارج‪ .‬وك�م��ا يشير بعض‬ ‫املحللني‪ ،‬تحتاج ال��والي��ات املتحدة إل��ى تحديد نهاية اللعبة وتطوير‬ ‫استراتيجية عملية لتحقيق هذه النهاية‪ ،‬اعترافا منها بأنه أينما وجدت‬ ‫حاجة أو فراغ‪ ،‬في الشرق األوسط أو غيره من املناطق‪ ،‬سوف ينتهز‬ ‫الكرملني تحت قيادة بوتني الفرصة ليملؤه<‬

‫بشار األسد‬

‫‪,,‬‬

‫سوريا آخر‬ ‫حليف عربي‬ ‫لروسيا جدير‬ ‫بالثقة في عالم‬ ‫ما بعد الحرب‬ ‫الباردة والذي‬ ‫كانت موسكو‬ ‫تأمل من خالله‬ ‫امتالك نفوذ‬ ‫سياسي في‬ ‫الشرق األوسط‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪15‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫تدخل روسيا على املستويني املحلي والدولي‪ .‬من وجهة نظر الكرملني‬ ‫هناك كثير من األش�ي��اء املعرضة للخطر‪ :‬منشأة طرطوس البحرية‬ ‫على ساحل البحر املتوسط ف��ي س��وري��ا؛ ومصنعو ال�س�لاح ال��روس‬ ‫الذين يشكلون نسبة ‪ 48‬في املائة من الواردات السورية أثناء توسعها‬ ‫املطرد في التسليح ما بني عامي ‪ 2006‬و‪2010‬؛ وآخر حليف عربي‬ ‫جدير بالثقة في عالم ما بعد الحرب الباردة‪ ،‬والذي كانت روسيا تأمل‬ ‫من خالله امتالك نفوذ سياسي في الشرق األوسط‪.‬‬ ‫شن بوتني‪ ،‬ال��ذي أزعجته احتماالت إضعاف األس��د عسكريا‪ ،‬حملة‬ ‫دبلوماسية لوقف القصف الوشيك‪ ،‬وسمح لوزير خارجيته بالتمسك‬ ‫بتعبير بالغي صرح به نظيره األميركي‪ .‬منحت عدم رغبة أوباما في‬ ‫اتخاذ إجراء دون موافقة الكونغرس وقتا ومجاال للروس للتوسط في‬ ‫قرار مجلس األمن رقم ‪ ،2118‬توافق بموجبه الحكومة السورية على‬ ‫التخلي عن أسلحتها الكيماوية‪ ،‬مما يلغي مبرر شن رد مسلح على‬ ‫املذبحة التي يرتكبها نظام األسد ضد شعبه‪.‬‬ ‫عدت جميع العواصم الغربية هذا الحل السلمي لألزمة تسوية ناجحة‪،‬‬ ‫وخطوة تجاه إع��ادة ال��روح إلى العالقات‪ ،‬والتي كانت تلفظ أنفاسها‬ ‫بالكاد بسبب الخالفات حول الدرع الصاروخية األميركية في أوروبا‪،‬‬ ‫وال�ح�م��اي��ة ال�ت��ي قدمتها روس�ي��ا للموظف املتعاقد سابقا ف��ي وكالة‬ ‫األمن القومي إدوارد سنودين الذي جرت إدانته؛ والطرق الدبلوماسية‬ ‫املسدودة بشأن الصراع السوري والبرنامج النووي اإليراني‪ .‬ولكن ظهر‬ ‫التردد األميركي في اتخاذ رد فعل أكثر حسما تجاه تجاوز «الخط‬ ‫األحمر» في صورة ضعف العزيمة األميركية‪.‬‬ ‫وزير الخارجية الروسي سيرغي الفروف‬

‫‪,,‬‬

‫يجد الخبراء‬ ‫األميركيون في‬ ‫شؤون الخارج‬ ‫أن التعامل مع‬ ‫طموحات بوتني‬ ‫بإعادة روسيا‬ ‫إلى مجد االتحاد‬ ‫السوفياتي هو‬ ‫التحدي األول في‬ ‫السياسة الخارجية‬ ‫منذ أعوام وحتى اآلن‬

‫‪,,‬‬

‫‪14‬‬

‫في أوكرانيا أنها غير فاعلة‪ .‬بعد االستفتاء‪ ،‬ص��وت مجلس الدوما‬ ‫الروسي لصالح ضم إقليم القرم‪ .‬وفي ‪ 18‬مارس‪ ،‬وقع بوتني ومسؤولو‬ ‫حكومة القرم معاهدة لضم شبه الجزيرة إل��ى روس�ي��ا‪ .‬وس��وف تتم‬ ‫االتفاقية بمجرد أن تقرها املحكمة الدستورية الروسية ويصادق عليها‬ ‫البرملان الروسي‪ .‬ويسبب هذا التطور األخير قلقا بالغا لدى الغرب‪.‬‬ ‫يعني فشل العقوبات حتى اآلن في الضغط على بوتني من أجل االلتزام‬ ‫بمطالب الغرب واحترام حق الشعب األوكراني في تقرير مصيره‪ ،‬أنه‬ ‫يجب النظر في طرق أخرى لحل األزمة‪ .‬في الوقت الحالي‪ ،‬تشمل هذه‬ ‫الطرق استمرار املباحثات األميركية مع حلفائها في االتحاد األوروبي‬ ‫والناتو‪ ،‬ومن بينهم بولندا ودول البلطيق من أجل التأكيد على رغبة‬ ‫أميركا ف��ي دع��م شركائها الدوليني وزي ��ادة التكاليف التي تسددها‬ ‫روسيا جراء تصرفاتها غير املشروعة في إقليم القرم‪.‬‬

‫العودة إلى التدخل في الشرق األدنى‬

‫كذلك كانت الحالة مع طهران‪ ،‬التي لم يقل دعمها لألسد قيد أنملة عندما‬ ‫وردت أنباء وقوع هجوم على غوطة دمشق‪ .‬أدان الرئيس املنتخب حديثا‬ ‫حسن روحاني استخدام غاز األعصاب سارين‪ ،‬ولكنه لم يحدد من‬ ‫املتورط في استخدامه‪ .‬وبعيدا عن هذا االنتقاد‪ ،‬استمر إم��داد إيران‬ ‫للقوات املوالية للحكومة باملقاتلني واألسلحة واملال والدعم اللوجيستي‬ ‫دون توقف‪ .‬وعكس انعدام خوف إيران من الرقابة الدولية بسبب دعمها‬ ‫ُ‬ ‫للنظام الوحشي موقفا متجرئا يثق في أن واشنطن ستبعد القصف‬ ‫اإلسرائيلي وربما تكون مرنة في مفاوضات ‪ 1+5‬التالية‪.‬‬ ‫يرجع جزء من الفضل فيما تحقق من مكاسب إي��ران األخيرة على‬ ‫الجبهة النووية‪ ،‬وتخفيف العقوبات‪ ،‬وما يتعلق بسوريا إلى مصالحها‬ ‫املتماشية مع مصالح موسكو‪ ،‬ويرجع أيضا إلى التخطيط الروسي‪.‬‬ ‫ومنذ عام ‪ ،1995‬ص� ّ�درت روسيا تكنولوجيا نووية إلى إي��ران‪ ،‬على‬ ‫الرغم من احتجاجات الحكومات الغربية‪ .‬يشترك القادة الغربيون في‬ ‫مخاوفهم بشأن مسيرة املرشد األعلى علي خامنئي املزعومة لتسليح‬ ‫برنامج ب�لاده للطاقة النووية‪ .‬تفاقمت هذه املخاوف ج��راء املباحثات‬ ‫الجارية إلقامة مفاعل ثان يمد الحكومة الروسية بالنفط والنفوذ‪.‬‬

‫قبل بداية املواجهة السياسية حول القرم‪ ،‬كان أكبر نموذج على فشل‬ ‫م�ح��اوالت ضبط ال�ع�لاق��ات ه��و عجز ال�ق��وى ع��ن ال��وص��ول إل��ى طريق‬ ‫مشترك ذي نفع متبادل للمساعدة على إنهاء الحرب األهلية الوحشية‬ ‫املندلعة في سوريا‪ .‬وفي ظل توفر تقييم استخباراتي يكشف عن أن‬ ‫عمالء الحكومة السورية استخدموا عن عمد أسلحة كيماوية ضد‬ ‫سكانها املدنيني‪ ،‬بدأ مخططو السياسات األميركيون في صياغة ردود‬ ‫محتملة ملا يمكن أن يمنع شن مزيد من الهجمات من جهة الرئيس‬ ‫السوري؛ كان أحدها شن حملة قصف جوي ملواقع وقواعد عسكرية‪.‬‬ ‫بعيدا عن هذه األحداث املتالحقة‪ ،‬امتد دعم موسكو املستمر للنظام‬ ‫ال�س��وري منذ ع�ق��ود‪ ،‬ب��داي��ة م��ن ع��ام ‪ 1970‬تحت حكم ح��اف��ظ األس��د‬ ‫واستمر م��ع تولي ابنه الرئيس الحالي بشار األس��د الحكم‪ .‬بعد أن‬ ‫تحولت مظاهرات الربيع العربي السلمية في سوريا إلى عنف متزايد يجري تجديد العالقات في مناطق أخرى في العالم العربي‪ ،‬تتضمن‬ ‫مع االعتداءات العنيفة التي تقوم بها الدولة في صيف عام ‪ ،2011‬تزايد مصر الشريك القديم ل��روس�ي��ا‪ .‬وف��ي ظ��ل ق��رار إدارة أوب��ام��ا بتقييد‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫وفيما يتعلق بمجموعة ال��دول ‪ ،1+5‬ق��دم وزي��ر الخارجية ال��روس��ي‬ ‫سيرغي الف��روف دعما راسخا ملساعي طهران لتخفيف العقوبات‬ ‫التي فرضتها الواليات املتحدة وأوروبا‪ ،‬في جزء كبير من حملة روسيا‬ ‫الواسعة لرفع العقوبات كوسيلة للحفاظ على النظام العاملي‪ .‬وعلى‬ ‫صعيد سوريا‪ ،‬يتعلق التعاون الروسي مع إيران بتداخل املصالح بدال‬ ‫من التخطيط للتدخل من الكرملني؛ بيد أن استخدام مبعوث روسيا‬ ‫لدى األمم املتحدة بيدالي تشوركني املستمر لحق الفيتو حقق حماية‬ ‫فعالة للعرب والفرس من أعضاء هذا الثالوث االستبدادي ضد اتخاذ‬ ‫إجراء أكثر حسما ضدهم في الجمعية العامة‪.‬‬


‫ي�ض��ع ال�ك�ي��ان األول ل�ه��ذه امل �ب��ادرة‪ ،‬ب�ق�ي��ادة روس �ي��ا‪ ،‬ات �ح��اد ال�ج�م��ارك‬ ‫األوراس ��ي‪ ،‬روسيا البيضاء وكازاخستان من بني أعضائه( )‪ .‬كما‬ ‫أدرج االتحاد أرمينيا كمرشح للعضوية بعد أن قرر الرئيس سيرج‬ ‫سيركسيان االمتناع عن توقيع اتفاقية الشراكة مع االتحاد األوروبي‬ ‫في سبتمبر (أيلول) عام ‪ .2013‬استغل بوتني بفاعلية الصراع الدائر‬ ‫بني أرمينيا وأذربيجان في ناغورني كاراباخ لتقديم أجندته الخاصة‪.‬‬ ‫بعد أن ملح عالنية الحتمالية تصعيد ال�ص��راع في ه��ذه املنطقة ببيع‬ ‫أسلحة إلى أذربيجان‪ ،‬استطاع إقناع سركسيان بترك املباحثات املطولة‬ ‫من أجل اتفاقية الشراكة مع االتحاد األوروب��ي التي كانت تسبق قمة‬ ‫فيلنيوس في نوفمبر (تشرين الثاني) ‪.2013‬‬ ‫بعد أن استمروا في الصراع من أجل تحقيق االستقالل الكامل عن‬ ‫روسيا‪ ،‬أصبح قادة جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا مقتنعني بأن مصير‬ ‫استقاللهم في يد الغرب‪ .‬ال يمكن ضمان نتيجة ذلك سوى بتحقيق‬ ‫مزيد من التكامل الذي ال يمكن الرجوع فيه مع الغرب؛ وبالتالي‪ ،‬يأتي‬ ‫االنضمام إلى االتحاد األوروبي وحلف الناتو على قمة أجندات حكومات‬ ‫هذه الدول‪.‬‬ ‫بعد االحتالل العسكري الروسي الحالي إلقليم القرم في أوكرانيا‪،‬‬ ‫والتهديد ال��واض��ح ب�غ��زو أج��زاء أخ��رى م��ن ش��رق أوك��ران�ي��ا‪ ،‬أصبحت‬ ‫س�ي��ادة ال��دول��ة معرضة للخطر‪ .‬تشكل أزم��ة أوك��ران�ي��ا تحديا رئيسا‬ ‫للواليات املتحدة حيث إنها أدت إلى تدهور شديد في العالقات الروسية‬ ‫األميركية‪ .‬وقد تحدث نتائج هذه األزمة تغييرا كبيرا في ميزان القوى‬ ‫العاملي الراهن‪ ،‬ويعرقل النفوذ األميركي خارج وسط أوروبا وشرقها‬ ‫أوراسيا‪ .‬منذ عدة أشهر فقط لم يكن مسؤولون أميركيون ليعترفوا‬ ‫ص��راح��ة بفكرة أن هناك م��ا يشبه ال�ح��رب ال �ب��اردة ي��دور اآلن بيد أن‬ ‫املحللني يعترفون اآلن صراحة بـ«لعبة الشطرنج» التي يلعبها بوتني‬ ‫ضد الغرب‪.‬‬ ‫أص��درت واشنطن بيانات صريحة ضد تصرفات بوتني‪ ،‬وفرضت‬

‫عقوبات على بعض الشخصيات من ذوي النفوذ في الحكومة الروسية‬ ‫بتجميد أرصدتهم الخارجية‪ ،‬وفرضت قيودا على سفرهم وسحبت‬ ‫تأشيراتهم‪ .‬ووقفت الواليات املتحدة إلى جانب املجتمع الدولي الكبير‬ ‫في إدان��ة االستفتاء ال��ذي أج��ري في القرم لتقرير ما إذا ك��ان اإلقليم‬ ‫سيظل جزءا من أوكرانيا‪ .‬وعلى الرغم من أن مجلس األمن التابع لألمم‬ ‫املتحدة رفض هذا االستفتاء‪ ،‬فإن حكومة القرم أجرت االستفتاء غير‬ ‫الدستوري في ‪ 16‬مارس (آذار)‪ .‬ووفقا للسلطات املساندة من جهة‬ ‫الروس في القرم‪ ،‬صوت ‪ 94‬في املائة من املشاركني في استفتاء ‪16‬‬ ‫مارس لصالح انفصال القرم عن أوكرانيا وانضمامها إلى روسيا‪ .‬ردا‬ ‫على ذلك‪ ،‬تعهد االتحاد األوروب��ي والواليات املتحدة بزيادة العقوبات‬ ‫التي تستهدف شخصيات روسية أخرى مؤثرة‪ .‬وفي ‪ 17‬مارس‪ ،‬وقع‬ ‫الرئيس أوباما على قرار رئاسي يدرج قائمة بالشخصيات الروسية‬ ‫التي ستفرض عقوبات ضدها‪ .‬تتضمن هذه القائمة املكونة من ‪11‬‬ ‫اسما (تدرج قائمة االتحاد األوروبي ‪ 21‬اسما) سياسيني وبرملانيني‬ ‫روس��ا ومساعدي ومستشاري الرئيس بوتني باإلضافة إل��ى تجار‬ ‫أسلحة روس وداعمني ماليني رئيسني ألف��راد في الحكومة الروسية‪.‬‬ ‫كما تضمنت قائمة الشخصيات التي فرضت عليها عقوبات الرئيس‬ ‫األوك��ران��ي السابق يانوكوفيتش ال��ذي ه��رب إل��ى روسيا بعد توجيه‬ ‫اتهامات ضده‪.‬‬ ‫يسري اعتقاد بني واضعي السياسات الخارجية األميركيني بأنه ما‬ ‫زال من املمكن حل أزمة أوكرانيا عن طريق الدبلوماسية‪ .‬املقصود من‬ ‫هذه العقوبات هو بعث رسالة قوية إلى القادة ال��روس والضغط على‬ ‫الحكومة من أجل التعاون مع املجتمع الدولي‪ .‬ولكن تتسم املساعي‬ ‫إلى إيقاف روسيا املتهورة بأنها رد فعل بدال من أن تكون جزءا من‬ ‫تخطيط استراتيجي‪ ،‬وفي ذلك عجز عن االنتباه إلى أن اعتداء موسكو‬ ‫األخير على دولة أخرى مستقلة يعد جزءا من مبادرة أكبر يقودها‬ ‫بوتني لتعزيز فكرة أن االتحاد الروسي طرف قوي على الساحة العاملية‪.‬‬ ‫حتى اآلن أثبتت جميع العقوبات التي فرضت بسبب سياسات بوتني‬

‫الرئيس الروسي فالديمير بوتني أثناء‬ ‫حضوره الحفل الختامي لدورة االلعاب‬ ‫االوملبية الشتوية ‪ -‬مارس ‪2014‬‬

‫‪,,‬‬

‫تستمر روسيا‬ ‫في دعم حليفتها‬ ‫القديمة سوريا‬ ‫وتقدم غطاء‬ ‫سياسيا َّ‬ ‫فعاال‬ ‫إليران ومساعدة‬ ‫تقنية لبرنامجها‬ ‫النووي‬

‫‪,,‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪13‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫يمكن القول إن العالقات الروسية األميركية وصلت إلى أدنى درجاتها منذ نهاية الحرب الباردة‪ .‬ترك تصرف‬ ‫روسيا الصادم بتجاهل سيادة أوكرانيا وغزو إقليم القرم واضعي السياسات حول العالم في حالة من‬ ‫االرتباك‪ .‬تشهد صور القوات الروسية املحيطة باملنشآت العسكرية واملطارات على انتهاء محاولة «إعادة‬ ‫ضبط» العالقات الروسية األميركية‪ ،‬التي بدأت منذ خمسة أعوام في قمة الدول العشرين التي أقيمت في لندن‪.‬‬ ‫منذ ذلك الحني‪ ،‬وبعيدا عن اتفاقية خفض السالح النووي الجديدة وجوالت التعاون الدبلوماسي بني حني‬ ‫وآخر‪ ،‬ال تشهد العالقات بني الدولتني سوى التدهور‪.‬‬

‫كيف تمثل عودة روسيا «بوتني» إلى إثبات ذاتها تحديا لسياسات الغرب في الشرق األوسط؟‬

‫اآلثار اجليوسياسية ألزمة أوكرانيا‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫ريتشارد كرايمر‬ ‫ومايا أوتاراشفيلي‬

‫‪,,‬‬

‫تسعى موسكو‬ ‫بانتهازية‬ ‫إلى تعميق‬ ‫عالقاتها مع‬ ‫مصر واألردن‬ ‫في املجاالت‬ ‫التي تركتها‬ ‫الواليات‬ ‫املتحدة فارغة‬

‫‪,,‬‬

‫‪12‬‬

‫ليس من الغريب أن تحدث هذه االنتكاسة في ظل حكم الرئيس‬ ‫فالديمير بوتني لروسيا‪ .‬يأتي الغزو الروسي للقرم في فصل‬ ‫آخر جديد من ملحمة ما بعد االتحاد السوفياتي املعروفة‪،‬‬ ‫التي يلجأ فيها الكرملني إل��ى التدخالت العسكرية في دول‬ ‫االتحاد السوفياتي السابق التي أصبحت مستقلة‪ ،‬كوسيلة إلضعاف‬ ‫حكومات هذه الدول املجاورة وتحدي سياسات الواليات املتحدة والقوى‬ ‫الغربية عامة‪ .‬ترمز عدم رغبة موسكو في املساعدة على حل الصراعات‬ ‫املستمرة في مناطق مثل ترانسنستريا‪ ،‬وغزوها العدواني لجورجيا‬ ‫في عام ‪ ،2008‬واعتداؤها األخير على سيادة أوكرانيا باحتالل إقليم‬ ‫القرم‪ ،‬إلى مخططات روسيا إلعادة إثبات هيمنتها على نطاق إقليمي‪.‬‬ ‫عالوة على ذلك‪ ،‬ال تقف هذه املحاوالت إلثبات القوة عند الحدود القريبة‬ ‫من االتحاد الروسي‪ .‬في منطقة الشرق األوسط‪ ،‬تستمر روسيا في دعم‬ ‫حليفتها القديمة سوريا‪ :‬وتقدم غطاء سياسيا َّ‬ ‫فعاال إليران ومساعدة‬ ‫تقنية لبرنامجها النووي؛ وتسعى بانتهازية إلى تعميق عالقاتها مع‬ ‫مصر واألردن في املجاالت التي تركتها الواليات املتحدة فارغة‪ .‬إن ما‬ ‫تملكه املنطقة من مصادر الطاقة وأسواق الصناعة والسالح املحتملة‬ ‫وتصدير الفكر اإلسالمي املتطرف يجعل من الضروري للغاية عدم‬ ‫ترك املنطقة دون اهتمام‪.‬‬ ‫وفي حني كان يجري اإلعداد الستراتيجية بوتني في استعراض القوة‬ ‫منذ عدة أعوام‪ ،‬فإنها أصبحت ذات تأثير في الوقت الحالي‪ .‬تنبع جرأة‬ ‫صناع القرار في السياسة الخارجية الروسية من اعتقادهم بأن اإلدارة‬ ‫األميركية الحالية عاجزة عن القيادة والعزم الضروري لكبح أطماعهم؛‬ ‫ولكن هذا مجرد حدس‪ .‬في الوقت الحالي يضع واضعو السياسات‬ ‫الخارجية األميركيون استراتيجيات بشأن كيفية تحقيق التوازن بني‬ ‫تطلعات روسيا الجيوسياسية التي تمثل تهديدا‪ ،‬وفي الوقت ذاته تقديم‬ ‫ّ‬ ‫حوافز لروسيا للتعاون على نحو بناء مع املجتمع الدولي‪.‬‬

‫التخندق في الخارج القريب‬ ‫يجد واضعو السياسات والخبراء األميركيون في شؤون الخارج القريب‬ ‫من روسيا أن التعامل مع طموحات بوتني بإعادة روسيا إلى مجد يشبه‬ ‫عهد االتحاد السوفياتي هو التحدي األول في السياسة الخارجية منذ‬ ‫أع��وام وحتى اآلن‪ .‬أشار بوتني في عدة مواقف إلى أنه يعتبر سقوط‬ ‫االتحاد السوفياتي أكبر مأساة حلت في القرن العشرين‪ .‬تعيش دول‬ ‫االتحاد السوفياتي املنهار باإلضافة إلى الدول التابعة له في ظل نفوذ‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫روسيا منذ أعوام استقاللها األولى‪ .‬وعلى الرغم من تضاؤل النفوذ‬ ‫الروسي كثيرا في ‪ 11‬دولة بعد عهد الشيوعية والتي أصبحت اليوم‬ ‫أع�ض��اء ف��ي االت�ح��اد األوروب� ��ي‪ ،‬فإنها م��ا زال��ت ذات أهمية ب�ين ال��دول‬ ‫األعضاء في االتحاد السوفياتي سابقا‪ .‬ما زالت بعض من هذه الدول‬ ‫بالفعل داخ��ل نطاق النفوذ ال��روس��ي‪ ،‬ال سيما تلك الواقعة في آسيا‬ ‫الوسطى‪ .‬وفي املقابل‪ ،‬يجاهد بوتني من أجل تعزيز هيمنة بالده على‬ ‫دول جنوب القوقاز (جورجيا وأرمينيا)‪ ،‬باإلضافة إلى الدول التي تقع‬ ‫مباشرة على حدود االتحاد األوروب��ي‪ ،‬مثل مولدوفا وأوكرانيا‪ .‬يظل‬ ‫النفوذ الغربي كبيرا في ه��ذه ال��دول؛ كما تظل هناك آم��ال كبيرة في‬ ‫تحقيق تحول ديمقراطي ورغبة في تكامل أوثق مع االتحاد األوروبي‪.‬‬ ‫أصبحت كل من أرمينيا وجورجيا ومولدوفا وأوك��ران�ي��ا في الوقت‬ ‫الحالي قطع شطرنج في الصراع العنيف الشهير الدائر بني روسيا‬ ‫وال �غ��رب‪ .‬ت �ش��ارك االس�ت�ث�م��ارات األم�ي��رك�ي��ة ف��ي التنمية االق�ت�ص��ادي��ة‬ ‫والتحول الديمقراطي في هذه الدول بنسبة كبيرة‪ .‬وتؤدي هذه الدول‪،‬‬ ‫التي ما زالت في مراحل انتقالية‪ ،‬دورا جيوسياسيا مهما في الربط بني‬ ‫الغرب والشرق‪ ،‬وأوروبا وآسيا‪ ،‬وتعد منطقة عازلة بني روسيا وأوروبا‪.‬‬ ‫تمثل أوكرانيا بمفردها مركزا ذا أهمية قصوى لنقل الطاقة بني أوروبا‬ ‫وآسيا‪ ،‬ولروسيا على وجه التحديد‪.‬‬ ‫من املعروف أن بوتني يملك نفوذا كبيرا في مجال االقتصاد والطاقة‬ ‫والجغرافيا السياسية في الدول املجاورة لروسيا‪ .‬وكان لفرض حظر‬ ‫على منتجات جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا نتائج مدمرة على اقتصاد‬ ‫هذه الدول في املاضي‪ .‬ويظل ارتفاع أسعار الطاقة أو قطع إمدادات الطاقة‬ ‫كلية عن مولدوفا وأوكرانيا أداة أخ��رى شديدة الفاعلية تستخدمها‬ ‫روسيا‪ .‬وكما هو الحال في معظم الدول في املنطقة‪ ،‬تعاني هذه الدول‬ ‫الهشة أيضا من قضايا تتعلق بوحدة أراضيها ويستمر وجود القوات‬ ‫املسلحة الروسية في مناطقها االنفصالية ليمثل مشكلة كبرى‪ .‬منح‬ ‫دور حفظ السالم الذي عينت روسيا ذاتها لتأديته فرصة دخول ال تقدر‬ ‫بثمن عندما اندلع الصراع في إقليم أوسيتيا الجنوبية في جورجيا‬ ‫عام ‪ .2008‬أسفر الصراع عن مقتل وتشريد اآلالف داخل األراضي‬ ‫ذات السيادة الجورجية‪ ،‬خارج مناطق الصراع‪ .‬وأدى ضعف رد الفعل‬ ‫الدولي مع عدم وجود إج��راء من جانب الغرب ملعاقبة روسيا بسبب‬ ‫تدخلها غير املشروع إلى تعزيز اعتقاد بوتني بضعف وعجز الغرب‪.‬‬ ‫في سبيل مواجهة محاوالت االتحاد األوروبي للتوسع شرقا‪ ،‬أسس‬ ‫بوتني اتحاد أوراسيا الذي من املقرر أن يتكون رسميا في عام ‪.2015‬‬


‫بتشارك السلطة مع عالوي بتوليه رئاسة مجلس األمن القومي الذي يمتلك‬ ‫الصالحيات للموافقة على كل التشريعات املهمة بمجرد أن يوافق عليها رئيس‬ ‫ُ‬ ‫الوزراء‪ .‬كان القرار خطة لتعزيز السلطة‪ ،‬لكنه أيضا فرض على املالكي من قبل‬ ‫حلفائه األكراد وبضغط من املسؤولني األميركيني‪.‬‬ ‫وعلى الرغم من هذا الضغط‪ ،‬كانت للمالكي خطط أخرى‪ .‬بدأ في استهداف‬ ‫الجيش واملحاكم والوزارات لجعلها تحت سيطرته‪ .‬واحتفظ بلقب ودور وزيري‬ ‫الدفاع والداخلية لنفسه وأخرج بعض الوحدات األمنية الخاصة من وزارة الدفاع‪،‬‬ ‫ونظم التسلسل الهرمي العسكري وسيطر على جميع التعيينات في الرتب‬ ‫العليا‪ ،‬وبالتالي قوض تسلسل القيادة العسكرية‪ ،‬حتى أصبح الجيش عمليا‬ ‫ال يشكل خطر االنقالب‪.‬‬ ‫جمع بني الجيش والشرطة في منصب واحد تحت قيادة رجل واحد من أجل‬ ‫السيطرة على جميع امل�ه��ام األم�ن�ي��ة‪ ،‬وش��دد سيطرته على األج�ه��زة األمنية‬ ‫واالستخباراتية‪ .‬احتفظت قوات األمن الشيعية املتخفية كميليشيات بالسجون‬ ‫السرية وقامت بعمليات اختطاف وقتل مستهدف مع اإلفالت من العقاب‪ .‬وقام‬ ‫املالكي بخطوات مماثلة بجعل مؤسسات الحكومة تحت سيطرته املباشرة‪ .‬في‬ ‫بداية ‪ ،2010‬وضع املحكمة الفيدرالية العليا والبنك املركزي والعديد من الهيئات‬ ‫املستقلة التي أنشأها األميركيون ملراقبة االنتخابات وحماية حقوق اإلنسان‬ ‫ومحاربة الفساد تحت سيطرته املباشرة‪ .‬وقرر أنه يمكن ملجلس الوزراء فقط‪،‬‬ ‫وليس البرملان‪ ،‬اقتراح التشريعات‪ ،‬وأنهى حق البرملان في استجواب الوزراء‪ .‬في‬ ‫ديسمبر (كانون األول) عام ‪ ،2011‬في اليوم الذي انسحبت فيه القوات األميركية‬ ‫رسميا من العراق‪ ،‬أمر املالكي باعتقال العديد من السياسيني البارزين من‬ ‫العرب السنة العراقيني‪ ،‬بما في ذلك نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي‪،‬‬ ‫بهم والفعليني إلى محاولة تكرار عملية تعزيز القوات الناجحة في عامي ‪2006‬‬ ‫بتهمة التخطيط لالنقالب‪ ،‬وهدد باعتقال املطلك والنجيفي‪.‬‬ ‫ ‪ 2007‬والتي نفذتها القوات العراقية واألميركية‪ .‬يسعى املالكي لإلسراع بتسلم‬‫األسلحة من أميركا وتدريب املخابرات ومكافحة اإلرهاب‪ .‬ويكرر املالكي أيضا‬ ‫الخطأ األكثر خطورة الذي ارتكبه املالكي‬ ‫خطة استخدمتها من قبل كل من حكومة اإلنجليز أثناء االنتداب وصدام‪ :‬من‬ ‫خالل دفع وتسليح امليليشيات القبلية للمحاربة من أجله‪ .‬ووفقا لتقرير نشر‬ ‫ربما يكون الخطأ األكثر خطورة الذي ارتكبه املالكي في ‪ ،2007‬بعدما أحبطت في جريدة «نيويورك تايمز» منتصف يناير (كانون الثاني)‪ ،‬وعد رئيس الوزراء‬ ‫القوات األميركية وميليشيات قبائل السنة العراقية جهود «القاعدة» للسيطرة رجال القبائل بوظائف دائمة‪ ،‬ومعاشات تقاعدية واستحقاقات عند الوفاة‪،‬‬ ‫ع�ل��ى م�ن��اط��ق ش�م��ال غ��رب��ي ال �ع��راق‪ .‬رف��ض امل��ال�ك��ي ال��وف��اء بتعهداته بتعيني وملح بإصدار عفو عن املعتقلني الذين عارضوا الحكومة‪ .‬ولكن ربما ال يشمل‬ ‫ميليشيات الصحوة العاطلني واملحبطني‪ ،‬وكثير منهم م��ن ضباط الجيش ذلك البعثيني السابقني‪ ،‬وهو األمر الذي طالب به بعض السياسيني السنة ولكن‬ ‫واألمن السابقني‪ ،‬في مواقع رسمية ُوإعطاءهم رواتب حكومية‪ .‬وبدال ُ من ذلك‪ ،‬قوبل برفض شديد من الفصائل الكردية والشيعية‪.‬‬ ‫تجاهلهم بل وفي كثير من الحاالت أجبروا على الفرار من البالد أو قتلوا‪.‬‬

‫‪,,‬‬

‫ال يزال هناك انعدام في الثقة بني املالكي والسنة في محافظة األنبار‪ .‬تستفيد‬ ‫ينظر بعض العراقيني إلى أن املالكي في طريقه ألن يكون صداما جديدا‪ .‬أصبح الدولة اإلسالمية في العراق والشام من ضعف الحكومة ومن مخاوف السنة‬ ‫املالكي‪ ،‬مثل صدام‪ ،‬ماهرا في استخدام الخطاب القومي في املواقف املناسبة من مزيد من التهميش وقمع الدولة وفوضى الحرب األهلية في سوريا ملهاجمة‬ ‫والخطاب والتناول الطائفي عندما يتصور أنه أكثر فائدة‪.‬‬ ‫الشيعة في العراق وقوات الحكومة‪.‬‬ ‫يسعى املالكي إل��ى حل أزماته عبر إج��راء التسويات السياسية‪ ،‬مثل اتفاق‬ ‫أرب�ي��ل‪ ،‬الستمالة خصومه‪ ،‬وك��ذل��ك ف��ي استخدام الحجج الدستورية للدفاع وفي املقابل‪ ،‬ال يبدو أن السنة يريدون دولة منفصلة‪ .‬ما يريدونه هو الحصول‬ ‫عن رفضه لتنفيذ تنازالت سياسية سابقة في حني يتحرك لعزل وتخويف على النفوذ إلى جانب املالكي أو من يخلفه كرئيس للوزراء‪ .‬في نهاية يناير‪ ،‬كان‬ ‫واعتقال املعارضني‪ .‬وقد ساعده على ذلك االنقسام الذي وقع في العام املاضي متوقعا أن يزور املنافسون السياسيون للمالكي من السنة – املطلك والنجيفي‪،‬‬ ‫في القائمة العراقية وع��زوف القادة البرملانيني من السنة عن إنهاء العالقات وع�ل�اوي امل��رش��ح للمنصب ب��اس�ت�م��رار وب��ارزان��ي رئ�ي��س إقليم ك��ردس�ت��ان ‪-‬‬ ‫معه علنا‪.‬‬ ‫واشنطن للحصول على قبول من الواليات املتحدة بطموحاتهم السياسية‪،‬‬ ‫من‬ ‫املزيد‬ ‫إنشاء‬ ‫أو‬ ‫السلطة‬ ‫في‬ ‫املشاركة‬ ‫أن‬ ‫من‬ ‫بوضوح‬ ‫�ه‬ ‫�‬ ‫ي‬ ‫رأ‬ ‫املالكي‬ ‫وق��ال‬ ‫وتأكيد الكونغرس على صدق قيمهم الديمقراطية في مكافحة التطرف‪ .‬في‬ ‫ويشاركه‬ ‫الحالية‪.‬‬ ‫العراق‬ ‫مشاكل‬ ‫يحل‬ ‫لن‬ ‫املحافظات‬ ‫في‬ ‫الذاتي‬ ‫الحكم‬ ‫مناطق‬ ‫الوقت نفسه‪ ،‬ينظمون ونظراؤهم الشيعة ائتالفات سياسية تهدف لالستفادة‬ ‫في وجهة نظره كثير من العراقيني‪ .‬ويدافع بأن في الدول الديمقراطية للفائز من القانون االنتخابي الجديد وهزيمة املالكي في أبريل‪.‬‬ ‫الحق في تشكيل الحكومة مع وزراء ومسؤولني يختارهم هو‪ .‬ينطبق ذلك على‬ ‫دولة لها تاريخ من انتخابات حرة ونزيهة وقبول بسلطة القانون ونظام الفصل إذا كان املالكي ق��ادرا على كسر شوكة ميليشيات «داع��ش» – الكسر يعني‬ ‫بني السلطات‪ .‬ولكن العراق ليس هذه الدولة‪ ،‬واملالكي ليس هذا الزعيم‪ ،‬وأصبح هزيمتهم وقتلهم – قبل انتخابات أبريل‪ ،‬سيستطيع ائتالف دولة القانون التابع‬ ‫أمام العراقيني الذي عانوا كثيرا طيلة عقود ماضية من الظلم والديكتاتورية له الفوز بمقاعد كافية إلعادة انتخابه رئيسا للوزراء‪ .‬ولكن إذا تعثرت جهوده‪،‬‬ ‫إما قبول املالكي أو معارضة تصرفاته علنا‪.‬‬ ‫وإذا فشلت الفصائل الشيعية في التوحد خلفه‪ ،‬وإذا ما قررت إيران دعم مرشح‬

‫‪,,‬‬

‫هل ستكون هذه معركة املالكي األخيرة؟‬ ‫قام املالكي بتغيير استراتيجيته من تنفيذ عمليات اعتقال اإلرهابيني املشتبه‬

‫آخر‪ ،‬حينئذ من غير املحتمل أن يفوز املالكي بفترة ثالثة <‬

‫رئيس الوزراء العراقي نوري املالكي يتحدث‬ ‫في مؤتمر صحافي مشترك مع األمني‬ ‫العام لألمم املتحدة بان كي في بغداد حول‬ ‫الوضع في العراق وسوريا في ‪ 13‬يناير‬ ‫‪ 2014‬خالل زيارة بان كي مون إلى العراق‬

‫يواجه املالكي‬ ‫اآلن أخطر وربما‬ ‫آخر معاركه‬ ‫االنتخابية إذا‬ ‫فشل في وضع‬ ‫حد للعنف‬ ‫الذي اندلع في‬ ‫األنبار ونينوى‬ ‫واملوصل‬

‫* أستاذة في معهد دراسات الشرق األوسط في جامعة جورج واشنطن‪.‬‬ ‫وكانت قبل ذلك كبيرة زمالء بارزة في املعهد الوطني للدراسات االستراتيجية‬ ‫في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن العاصمة‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪11‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫لم يتبق سوى أسابيع قليلة على إجراء االنتخابات الوطنية ملجلس النواب العراقي‪ ،‬التي تجرى كل أربع سنوات‪،‬‬ ‫واملقرر إجراؤها في ‪ 30‬أبريل (نيسان) الحالي‪ .‬وكما هو الحال في معظم البلدان بالنسبة النتخابات مفتوحة‬ ‫نسبيا‪ ،‬ينبغي على كل املرشحني والفصائل أن يتنافسوا على كسب مؤيدين‪ ،‬وتدشني حملتهم االنتخابية في‬ ‫انحاء البالد‪ .‬وهذا ما يحدث بالفعل‪ ،‬في العراق‪ ،‬حيث أعلن سياسيون بارزون ترشحهم وحثوا أحزابا وفصائل‬ ‫أخرى على االنضمام إلى قوائمهم أو تحالفاتهم‪.‬‬

‫أزمة األنبار عقبة كبيرة أمام رغبة رئيس الوزراء العراقي في فترة ثالثة‬

‫معركة املالكي األخرية‬ ‫بقلم‪:‬‬ ‫جوديث يافي *‬

‫‪,,‬‬

‫يتسم املالكي‬ ‫بالدهاء في‬ ‫إجراء التسويات‬ ‫السياسية مثل‬ ‫اتفاق أربيل‬ ‫الستمالة‬ ‫خصومه وكذلك‬ ‫في استخدام‬ ‫الحجج‬ ‫الدستورية‬ ‫للدفاع عن رفضه‬ ‫لتنفيذ تنازالت‬ ‫سياسية سابقة‬

‫‪,,‬‬

‫‪10‬‬

‫يبدو أن قانون االنتخابات الجديد في العراق‪ ،‬وال��ذي جرت املوافقة ترى الغالبية أن إجراءات املالكي مقصودة لتعزيز سلطته الشخصية‪ .‬وهذا هو‬ ‫عليه بعد معركة سياسية طويلة العام املاضي‪ ،‬سيكون في صالح وضع العراق ما بعد صدام‪ ،‬حيث تحمل خطوات املالكي تشابها واضحا مع‬ ‫املرشحني الفرديني واالئتالفات الصغيرة على حساب القوائم املحددة الطريقة التي استحوذ بها صدام على السلطة‪.‬‬ ‫سلفا واالئتالفات الكبيرة ذوي الصالت القليلة بالناخبني الفرديني‪ .‬وسيسعى‬ ‫رئيس ال ��وزراء ن��وري املالكي إل��ى إس�ك��ات النقاد املعارضني ل��ه خ�لال سعيه أعطى دستور عام ‪ - 2005‬والذي كان معظم املشاركني في كتابته من العرب‬ ‫الشيعة واألكراد ‪ -‬الحكومة املركزية صالحيات قليلة وسلطة ضعيفة‪ ،‬ومنح‬ ‫لفترة ثالثة‪.‬‬ ‫سلطة أكبر لحكومات املحافظات‪ .‬من املفترض أن ذلك كان يهدف إلى تقاسم‬ ‫لكن يمكن أن يحدد الصراع الذي يدور في شوارع الرمادي والفلوجة وحتى السلطة وفقا للتنوعات الطائفية والعرقية األساسية في العراق من العرب السنة‬ ‫في بغداد‪ ،‬نتائج االنتخابات ومصير املالكي السياسي‪ .‬في عام ‪ ،2010‬كان والعرب الشيعة واألكراد‪ ،‬بهدف منع العودة إلى ديكتاتورية السلطة االستبدادية‬ ‫ائتالف دولة القانون الذي قاده رئيس ال��وزراء ق��ادرا على الفوز باالنتخابات من قبل الزعيم األوحد وتقليل صالحيات الحكومة املركزية بشكل صارم‪.‬‬ ‫بسبب تطورين‪ .‬األول‪ ،‬استطاع املالكي استعادة األمن في مناطق في بغداد وتملك الحكومة الفيدرالية السلطة للدفاع عن الدولة وحماية شعبها وتوزيع‬ ‫والبصرة؛ حيث كانت امليليشيات الشيعية تتقاتل من أج��ل السيطرة على اإليرادات‪ ،‬بينما تخول سلطة اتخاذ القرارات بشأن السيطرة على املوارد وتوزيع‬ ‫طرق التهريب املربحة وعائدات البترول‪ .‬حقق استعداد املالكي للتصدي لهذه ال�ث��روة واملحافظة على األم��ن املحلي إل��ى حكومات املحافظات‪ ،‬بما ف��ي ذلك‬ ‫امليليشيات‪ ،‬خاصة من حركة الصدر واملجلس األعلى اإلسالمي العراقي وحزب الحكومة اإلقليمية الكردستانية‪ ،‬التي تسيطر على الشؤون السياسية املحلية‬ ‫الفضيلة‪ ،‬دعما متزايدا من السنة واألكراد وأيضا الشيعة لفترة وجيزة‪ .‬ثانيا واألج�ه��زة األمنية‪ .‬كما تملك الحكومة الفيدرالية أيضا صالحيات غامضة‬ ‫تمكن املالكي من التغلب على منافسه‪ ،‬القائمة العراقية بقيادة إياد عالوي‪ ،‬تتعلق بتنمية املواد النفطية وتصديرها‪ .‬ويمكن للمحافظات أن تعترض على‬ ‫التي فازت بفارق مقعدين على ائتالف دولة القانون في االنتخابات البرملانية القوانني الوطنية وتقرر تشكيل حكومات إقليمية مماثلة للحكومة اإلقليمية‬ ‫عام ‪ ،2010‬من خالل حصوله على موافقة املحكمة العليا على وجهة نظره بأنه الكردستانية‪ ،‬إذا كان هناك تفكير في القيام بذلك‪ .‬وجرى تأجيل حل القضايا‬ ‫يمكن الئتالف تكون بعد االنتخابات أن يختار رئيس الوزراء ويشكل الحكومة‪ .‬الصعبة واملسببة للشقاق التي كان من املقرر النظر فيها عام ‪ - 2005‬مثل‬ ‫كان هذا انتهاكا غير مباشر للدستور‪ ،‬الذي ينص على أنه بعد االنتخابات حدود املحافظات واألقاليم املتنازع عليها مثل كركوك‪ ،‬والسيطرة على مصادر‬ ‫يحق للحزب أو االئتالف الفائز تشكيل الحكومة‪ ،‬وربما كان ذلك سيجعل النفط العراقي ‪ -‬إلى وقت الحق أكثر مالءمة‪.‬‬ ‫عالوي رئيسا للوزراء‪.‬‬ ‫أصبح املالكي رئيسا للوزراء عام ‪ ،2006‬بعد أن قضى عشرين عاما في املنفى‬ ‫يواجه املالكي اآلن أخطر‪ ،‬وربما آخر‪ ،‬معاركه االنتخابية‪ .‬إذا فشل في وضع حد‬ ‫في طهران ودمشق كمسؤول في حزب الدعوة اإلسالمي املحظور وكمشارك‬ ‫للعنف الذي اندلع في األنبار ونينوى واملوصل‪ ،‬حينئذ سيكون من الصعب فوزه‬ ‫يبدو متحفظا وال يشكل تهديدا في حكومة إبراهيم الجعفري التي استمرت‬ ‫في االنتخاب أو االحتفاظ بدعم من ائتالف الشيعة املعطل اآلن‪ .‬من املحتمل‬ ‫لفترة قصيرة‪ .‬ولكن على الرغم من هذه الصورة‪ ،‬فإن املالكي هو الذي دبر‬ ‫أن يكون ثمن الفشل في األنبار هو فقدانه للدعم الداخلي والخارجي (يعني‬ ‫للتخلص من الجعفري‪ .‬وعندما أصبح رئيسا للوزراء‪ ،‬كانت أولى خطواته ذات‬ ‫اإليرانيني) والذي يساعده على االحتفاظ بالسيطرة على الساحة السياسية‪.‬‬ ‫شعبية‪ .‬أظهرت نتيجة االستطالع الذي أجراه املعهد الديمقراطي الوطني في‬ ‫يونيو (حزيران) عام ‪ 2012‬أن ‪ 53‬في املائة من املشاركني في إجابة األسئلة‬ ‫(بما في ذلك العرب السنة واألكراد) دعموا تحركاته ضد امليليشيات الشيعية‪.‬‬ ‫االستعداد للحرب واالنتخابات‬ ‫وانتقل املالكي بعد ذل��ك إل��ى جلب ع�ق��ود نفط وت��وزي��ع ع��ائ��دات النفط تحت‬ ‫في االنتخابات البرملانية العراقية عام ‪ ،2010‬ظهر املالكي وائتالفه كرئيس السيطرة الفيدرالية‪ .‬في عام ‪ ،2010‬عقب االنتخابات التي فاز فيها ائتالف‬ ‫للحكومة بدال من منافسه عالوي والقائمة العراقية‪ ،‬التي فازت باالنتخابات العراقية التابع لعالوي وخسر الحق في تشكيل حكومة جديدة‪ ،‬قابل املالكي‬ ‫بأغلبية بسيطة بفارق مقعدين‪ .‬ومنذ ذلك الحني‪ ،‬يتابع العراقيون واملراقبون زعماء بارزين من األك��راد وعرب السنة ومعهم عالوي‪ ،‬والزعيمني الكرديني‬ ‫سعي املالكي الحثيث في تعزيز سلطة الحكومة املركزية على حساب البرملان ج�لال طالباني ومسعود برزاني وأعضاء البرملان أسامة النجيفي وصالح‬ ‫وحكومات في املحافظات ونظام الفصل بني السلطات الذي تأسس بعد اإلطاحة املطلك‪ .‬ووافق املالكي على مشاركة السلطة مع السنة والشيعة واألك��راد في‬ ‫ال�ع��راق وتعيني سني وشيعي لتولي وزارت��ي ال��دف��اع والداخلية‪ .‬ووع��د أيضا‬ ‫بنظام صدام حسني عام ‪.2003‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫ُ‬ ‫دولية‪ .‬إنها‪ ،‬إن كانت معارضة‪ ،‬تنظم شعرا أكثر مما تعمل عقال بحديثها عن‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫النشاطات‪ ،‬سياسية كانت أم عسكرية أو إنسانية‪ .‬وتبجل القيم التي تعتقد‬ ‫جازمة بأن كل من انخرط في الثورة يلوذ بها‪ ،‬وهذا يظل‪ ،‬لألسف‪ ،‬أمرا نسبيا‬ ‫إلى حد كبير‪ .‬وهي ترفض أن توصم أيقونة رسمتها بأنبل األلوان على أنها‬ ‫متجاوزة أو متخاذلة‪ُ .‬فيضحي كل من آمن بالثورة فرضا أو عينا‪،‬‬ ‫شاذة أو‬ ‫ُ ّ‬ ‫هو الغيفارا ُاملنتظر‪ّ ،‬‬ ‫في أذهن‬ ‫صورته‬ ‫صفاء‬ ‫ر‬ ‫عك‬ ‫ي‬ ‫أن‬ ‫يمكن‬ ‫ما‬ ‫كل‬ ‫عن‬ ‫ها‬ ‫منز‬ ‫ّ‬ ‫انتظرت هذا اليوم‪ ،‬أي يوم الثورة‪ ،‬منذ عقود عدة‪ ،‬ولم تصدق أنه قد حل‪.‬‬

‫شعور عظيم باإلحباط‬ ‫إننا‪ ،‬وفي بداية العام الرابع من عمر املأساة السورية‪ ،‬نقع جميعا‪ ،‬كسوريني‬ ‫لشعور عظيم باإلحباط والعجز‪.‬‬ ‫وسوريات‪ ،‬وإلى أي مدرسة انتمينا‪ ،‬ضحية‬ ‫ٍ‬ ‫وهذا يمكن أن يودي بمقدراتنا الذهنية والتحليلية إلى الجمود‪ .‬ويدعنا عرضة‬ ‫ّ‬ ‫للتعلق بقشة األمل التي تطير بها الرياح ذات اليمني وذات الشمال‪ .‬نبتعد عن‬ ‫املحاكمة العقلية الواعية‪ .‬نتأثر بما يقوله اآلخرون عنا ولنا‪ ،‬أكثر مما نتأثر بما‬ ‫يكتبونه لهم ولنا‪ .‬ألننا ال نحب أن نقرأ ربما‪ .‬نبحث عن مخارج ُمرضية آنيا‬ ‫دون البحث عن مخارج نهائية الزمة مستدامة‪ .‬نرتطم أينما توجهنا باآلخرين‬ ‫ُ‬ ‫منا ونعاديهم وننتقدهم ونشتمهم ونقصيهم ونبخس من قيمتهم‪ .‬نرفض‬ ‫أن نعترف بتقصيرنا‪ّ ،‬بأخطائنا‪ ،‬بسلبيتنا وسلبياتنا‪ ،‬بعجزنا‪ ،‬بانحرافنا‪،‬‬ ‫بترددنا‪ .‬نبحث عن املخلص اآلتي من الوهم أو من الخيال أو من السماء‪ ،‬وال‬ ‫ُ‬ ‫نسعى لكي نبرزه في ذواتنا وفي إنجازاتنا العملية والفكرية‪.‬‬ ‫إلقاء اللوم املتكرر على تخلي املجتمع الدولي عن قضيتنا لهو سراب أضحى‬ ‫مجتمع دولي فعال أوال؟ وهل‪ ،‬إن وجد‪،‬‬ ‫من الضروري أن ينقشع‪ .‬فهل هناك‬ ‫ّ‬ ‫فهو كان قد ّ‬ ‫تمسك بنا في أي لحظة ليتخلى عنا اآلن؟ هل سبق له أن ّادعى‬ ‫املعقودة عليه وعلى سياساته ومواقفه‬ ‫ذلك إال في أحالمنا؟ وهل آمالنا ّ‬ ‫ّ‬ ‫ما كانت إال هروبا من واجب أن ننظم أنفسنا ونعمل مع بعضنا ونوضح‬ ‫مشاريعنا ونضع خططنا ونبني تصوراتنا لنرى فيما بعد إن توافقت‬ ‫عليها مصالح الفاعلني من إقليميني أو دوليني؟ إن هذا الهروب االستباقي‬ ‫من املسؤولية وإيجاد ّ‬ ‫شماعة املجتمع الدولي املتخاذل أضحى اسطوانة‬ ‫مشروخة‪ .‬فمن قراءة مدرسية مبتدئة للتاريخ‪ ،‬الحديث حتى وليس القديم‪،‬‬ ‫لم يسبق أن قام هذا «املجتمع الدولي» الوهمي الكيان بأي تحركات فعلية‬ ‫قائمة على أخالقيات املواجهة أو على مبادئ الحق والعدالة‪ .‬وه��ذا ليس‬ ‫ّ‬ ‫انتقاصا أو شيطنة ملا هو عليه هذا ّ‬ ‫املتصور‪ ،‬بل هو الواقع الذي‬ ‫املكون‬ ‫ّ‬ ‫يجب أن تقوم عليه سياسات الدول والتي ال تتدخل في وضعها وتنفيذها‬

‫أخالقيات الصوامع أو دور العبادة أو الكتب‪ .‬بل تقودها مفاهيم عالقات‬ ‫دولية متعارف عليها في إطار املصالح املتنوعة من سياسية واقتصادية‬ ‫وثقافية‪ .‬إغماض األبصار عن انحرافات بعضنا عن مسار املطالبة بالحقوق‪،‬‬ ‫وعن تبني بعضنا اآلخر للغة بعيدة عن مفهوم املواطنة والوطن الجامعني‪ ،‬وعن‬ ‫ّ‬ ‫تجاوزات شاذة تدفع الكثيرين ممن آمنوا بشرعية املطالبات إلى أن يستنكفوا‬ ‫عن االستمرار في هذا اإليمان‪ ،‬بدأ يعطي ثماره الفاسدة في املمارسات وفي‬ ‫الطروحات‪ .‬وكأننا نسعى إلى تعزيز الشروخات االجتماعية التي كنا قد اتهمنا‬ ‫سابقا النظام وأدواته بالتأسيس لها وبالتحفيز على إدامتها وتعميقها‪ .‬وإذ بنا‪،‬‬ ‫نقع في الحفرة التي طاملا جرى التنبيه إلى موقعها وإلى مدى عمقها‪ ،‬لنتبنى‬ ‫خطابات مذهبية‪ ،‬عنصرية‪ ،‬ذكورية وندخلها في ّ‬ ‫حيز املمارسة «الثورية» في‬ ‫أسوأ األحوال‪ ،‬أو نتغاضى عنها ونجد لها تبريرات شتى في أحسن األحوال‪.‬‬

‫انفصال النخب عن حقيقة مجتمعها‬ ‫إن انفصال النخب عن حقيقة مجتمعها‪ ،‬والنظرة الفوقية أو العاجية أو الحاملة‬ ‫أو النظرية له‪ ،‬دون معرفة حقيقية وبحثية وعلمية ملكوناته وتقلباته وتحوالته‬ ‫وتريفه ّ‬ ‫التدين فيه ّ‬ ‫ونسبة ّ‬ ‫وتمدنه‪ ،‬هي عوامل ستؤول بنا مجتمعة إلى دفع‬ ‫أثمان باهظة في عملية البناء املادي واملعنوي‪ .‬هذه العملية التي لم نقاربها إال‬ ‫فرادى وبمشاريع ندر التنسيق فيما بينها‪ .‬وحيث يحتفظ بها ويحميها من‬ ‫ّ‬ ‫خطها ليبعدها عن اآلخرين‪ ،‬وكأنها اختراع الذرة أو أنها ستبني له بيتا على‬ ‫القمر دونا عن بقية السوريني‪ .‬التكاتف والتعاضد واالنفتاح واإليمان بقواسم‬ ‫مشتركة واالبتعاد عن مصادر الكره والكراهية‪ ،‬تساعد جزئيا على إيجاد‬ ‫الحلول الواقعية للمأزق القائم‪ .‬هذا املأزق الذي يمنع من نضوج ثمار ساهمت‬ ‫السوريني‪،‬‬ ‫يقوم بهذا العمل أحد سوانا نحن ّ‬ ‫دماء غزيرة في زرع بذورها‪ .‬لن ّ‬ ‫ولن يساعدنا عليه أحد إال فيما قل ون��در‪ .‬وليس في االنتظار والترقب إال‬ ‫املقتلة‪ .‬العزم واألمل اللذان كسرا حاجز الخوف وأخرجا املواطن السوري من‬ ‫غد‬ ‫قوقعة الرهبة والعسف‪ ،‬ما زاال حيني لديه‪ .‬وسعيه إلى حياة أفضل وإلى ٍ‬ ‫مشرق‪ ،‬رغم األلم والدمار والحسرة السائدين اآلن‪ ،‬يجب أن يترافق مع عمل‬ ‫دؤوب على توضيح املفاهيم ونبذ الشوائب الفكرية والعملية‪ .‬إضافة إلى قبول‬ ‫مراجعة ما سبق القيام به على كافة األصعدة وانتقاده للبناء على دروسه‪ .‬لقد‬ ‫تم اقتياد السوريني إلى مواجهات لم يتوقعوها وإلى ممارسات صعبة القبول‬ ‫سوي‪ .‬ولكنهم أثبتوا فعال قدرتهم على اجتراح املعجزات‪ ،‬التي‬ ‫من كل كائن‬ ‫ٍ‬ ‫كان خروجهم السلمي للمطالبة بالحرية أوالها وأجملها<‬

‫شاب سوري يحرس مبنى املحكمة‬ ‫السورية في حلب (مارس ‪)2014‬‬

‫‪,,‬‬

‫بداية العام‬ ‫الرابع من عمر‬ ‫املأساة السورية‬ ‫نقع جميعا‬ ‫كسوريني وإلى‬ ‫أي مدرسة‬ ‫انتمينا ضحية‬ ‫لشعور عظيم‬ ‫ٍ‬ ‫باإلحباط‬ ‫والعجز‬

‫‪,,‬‬

‫* كاتب وباحث أكاديمي سوري مقيم في فرنسا‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪09‬‬


‫شؤون سياسية‬

‫املجتمعي واالنهيار الصحي واالقتصادي والهجرة‬ ‫دخل السوريون عامهم الرابع من املوت والخراب والتشرذم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الداخلية واللجوء الخارجي والعجز الدولي‪ .‬وفي هذا املخاض املتعثر وشبه املميت‪ ،‬تبرز عدة مدارس في‬ ‫الكثيرين‪ ،‬إعالميا وأكاديميا وفيسبوكيا وتويتريا‪ .‬والكل يدلو‬ ‫البحث والتحليل والتعليق واالستنتاج لدى‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫بئر عميقة مليئة بالدماء وبالجماجم عله يخرج منها ترياقا يضع نفسه في مقدمة الصورة امللونة‪،‬‬ ‫بدلوه في ٍ‬ ‫أينما وجدت‪ ،‬مع ابتسامة املنتشي بالنصر الوهمي أو املتوهم‪.‬‬

‫بعد دخول األزمة السورية عامها الرابع‪ ..‬مدارس ودروس‬

‫رؤية نقدية‬

‫بقلم‪:‬‬ ‫سالم الكواكبي *‬

‫‪,,‬‬

‫انفصال النخب‬ ‫عن حقيقة‬ ‫مجتمعها‬ ‫والنظرة الفوقية‬ ‫أو العاجية‬ ‫أو الحاملة أو‬ ‫النظرية له‬ ‫عوامل ستؤول‬ ‫بنا مجتمعة‬ ‫إلى دفع أثمان‬ ‫باهظة‬

‫‪,,‬‬

‫‪08‬‬

‫تبرز أرب��ع م��دارس أساسية الس�ت�ع��راض الحالة ال�س��وري��ة ف��ي هذه‬ ‫الفضاءات مجتمعة‪ .‬ويمكن أن ُيضاف لها أيضا عدد من اإللكترونات‬ ‫الشاردة بمفردها في مساحة واسعة‪ ،‬لدرجة أنها ّ‬ ‫تحرض على دعوة‬ ‫القاصي والداني إلى الخوض في معالجة املسألة السورية‪ .‬ويمكن استعجال‬ ‫ّ‬ ‫البكائية التي ّ‬ ‫تطور خطابا‬ ‫تعريف هذه املدارس األساسية وتبسيطها كالتالي‪:‬‬ ‫لطميا يستند إل��ى ال�ع��واط��ف‪ ،‬ال�ص��ادق��ة حينا أو املصطنعة أح�ي��ان��ا‪ ،‬ملقاربة‬ ‫التطورات السياسية والعسكرية واإلنسانية‪ .‬والثانية هي النقدية التي تسعى‬ ‫إلى معالجة نقدية ملسار السنوات املاضية بعيدا عن املعادلة الصفرية محاولة‬ ‫الخروج من عنق الزجاجة السياسية أو سبطانة املدفع املسلط على حيوات‬ ‫السوريني‪ .‬واملدرسة النقدية تضع تصورات للحلول أو املخارج وسيناريوهات‬ ‫متوقعة‪ ،‬ربما تخيب في مجملها وربما تصيب في جزئها‪ ،‬ولكنها تسعى‬ ‫وتجتهد‪ ،‬باالستناد إل��ى ق��اع��دة إي�م��ان صلبة ب��األه��داف الرئيسة التي خرج‬ ‫السوريون سلميا من أجلها‪ ،‬وهي الحرية والكرامة والعدالة‪ .‬وهناك املدرسة‬ ‫الواثقة أو املتعجرفة‪ ،‬فهي تحجب اآلخر ُوتقصيه‪ ،‬لترى فيما ّ‬ ‫اجترته الذات‬ ‫من تنبؤات أو ما أبدعته األنا من تصورات أو ما أسهبت به من سيناريوهات‬ ‫هو الذي تحقق‪ ،‬وبأن كل ما هو بقائم ليس إال ترجمة حرفية لإلبداع الفكري‬ ‫والسياسي ألدمغتها‪ .‬وأخيرا‪ ،‬تبرز املدرسة الحاملة‪ ،‬أو ّ‬ ‫املتوهمة‪ ،‬أو املثالية‪ ،‬أو‬ ‫حتى الساذجة ربما‪.‬‬

‫عبارات الندم‬ ‫ّ‬ ‫هناك تقاطعات موضوعية بني امل��دارس البكائية والواثقة والحاملة‪ ،‬فيما بني‬ ‫جميع أطراف املشهد من موالني ومعارضني ورماديني وحياديني وتفريعاتهم‬ ‫كافة‪ .‬أما املدرسة النقدية‪ ،‬فيمكن أن يتشارك بها املعارضون والحياديون‪ ،‬هذا‬ ‫محدد لهذه املفاهيم التي يكون االجتهاد واسعا‬ ‫تعريف‬ ‫إذا تم التوافق على‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫في تفسيرها‪.‬‬

‫وتتطور القريحة اللطمية في وسائل التواصل االجتماعي الحديثة‪ ،‬فنكاد نقول‬ ‫إن فيسبوك أضحى حائط املبكى الجديد وغير املرتبط بدين أبناء موسى بل‬ ‫هو حائط املبكى السوري في هذه املرحلة‪ .‬ومن مساوئه الكثيرة‪ ،‬أنه يقسو‬ ‫في عباراته وفي ردود أفعاله‪ ،‬ويمكن أن يلعب دورا كبيرا في إثارة الضغائن‬ ‫والغرائز والنعرات والشتائم عند عدد ال بأس به من مريديه ومن مرتاديه‪.‬‬

‫تضخيم األنا والذات‬ ‫في مدرسة الواثقني‪ ،‬تصبح األمور أكثر شخصنة‪ ،‬ويكون أعضاؤها أصحاب‬ ‫مدرسة «عليا» في تضخيم األنا والذات‪ ،‬ولو كان نرسيس حيا‪ ،‬لبحث له عن دور‬ ‫تلميذ فيها ال أكثر‪ .‬فهم سبق وتوقعوا كل املآالت التي وصلت إليها البالد‪ ،‬ثورة‬ ‫ٍ‬ ‫أو دمارا أو فشال أو نجاحا أو انقسامات أو استقطابات‪ .‬وهم سبق ّ‬ ‫و«نبهوا»‬ ‫إلى كل املخاطر التي تحدق بمصير البالد والعباد‪ ،‬وقد ّبينت األيام صحة ما‬ ‫نبهوا إليه ولم يستمع إليهم أصحاب الحل والعقد‪ .‬وهم سبق وانتقدوا اللجوء‬ ‫إلى الخارج في طلب املساعدة‪ ،‬أو أنهم سبق وانتقدوا عدم اللجوء إلى نفس‬ ‫الخارج طلبا للمساعدة‪ .‬وه��م سبق ّ وفهموا ّكل املخططات التي تحاك ضد‬ ‫الشعب والوطن‪ ،‬وكتبوا في ذلك معلقات ومجلدات‪ .‬وهم سبق وأن انتقدوا‪،‬‬ ‫بل وشتموا‪ ،‬كل التشكيالت املعارضة إن فشلت خاتمتها‪ ،‬أو أنهم امتدحوا‬ ‫وأثنوا عليها وعلى قياداتها إن أفلحت جهودها‪ّ .‬‬ ‫واملميز في ّ هذه املدرسة‪ ،‬أن‬ ‫رواده��ا يقولون الشيء وعكسه‪ ،‬حسب ميول األح��داث وتقلب املسارات‪ ،‬وال‬ ‫يجدون في ذلك أينما حرج‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أ ُم��ا م��درس��ة ال�ن�ق��د‪ ،‬وه��و ال يمكن أن ُينعت ب�ـ«ال�ب��ن��اء» ألن�ه��ا صفة يصبغها‬ ‫املستهدف ب��ه حينما يرضى ع��ن مستواه وينفيها عنه حينما ال يرضى‪،‬‬ ‫فأعضاؤها يسعون من خالل عرضهم لألمور وتحليلهم للمشكالت ووضعهم‬ ‫النقاط على الحروف إل��ى استعراض البدائل أو تقديم املقترحات أو مقاربة‬ ‫التجارب املماثلة أو مقارنة الصيغ املناسبة أو االستفادة من األخطاء لكي ُيبنى‬ ‫على الشيء مقتضاه‪ .‬وهم في نشاطهم‪ ،‬يحاولون أن يضعوا ّ‬ ‫الهم العام في‬ ‫مقدمة الصورة وينأون عن شخصنة أقوالهم أو تجريح من ُينتقد‪ .‬إضافة إلى‬ ‫أنهم يبتعدون عن إبراز شخصهم على الرغم من سعيهم إلى نشر أعمالهم بكل‬ ‫الوسائل املتاحة‪ .‬وهم يعرفون أنه في بعض األحيان‪ ،‬النقد ال ُيجدي‪ ،‬آخذين‬ ‫بعني االعتبار الزمان واملكان‪ .‬فيحتفظون به لعبور املرحلة وليخرجوه الحقا‬ ‫ّ‬ ‫بحلة أكثر شغال وتمحيصا غير متخلني عنه أبدا‪.‬‬

‫ّ‬ ‫قان لتصوغ عبارات‬ ‫أحمر ٍ‬ ‫حبر ٍ‬ ‫في املدرسة البكائية‪ ،‬تبدأ األقالم إذن تنهل من ٍ‬ ‫الندم أو التوبيخ أو التنديد بما «اقترفته» هذه الثورة اليتيمة من «آث� ٍ�ام» وما‬ ‫لم تحققه من انتصارات ومحاسبتها على ما لم تتوقعه من خ��ذالن ال��دول‬ ‫«الصديقة» التي مألت املحيطات وعودا‪ .‬ويطيب للمحللني االستراتيجيني منهم‬ ‫والتكتيكيني‪ ،‬الغوص في نوايا الدول العابرة لألخالق وفحص ما ورائيات علم‬ ‫البحار الجتراع تفسيرات ّ‬ ‫يصح أن ُيقال عنها‪ :‬من كل بستان زه��رة‪ .‬وكما‬ ‫املعارضني‪ ،‬يقوم املوالون بالبكاء على أطالل البلد الذي رضوا بأن يعيشوه‬ ‫خانعا ورضوا بأن يعاقروه خنوعني بما تيسر من العطاءات ّ‬ ‫املوزعة من أولي وأخيرا‪ ،‬تمتاز املدرسة الحاملة أو املثالية‪ ،‬بأنها تضع عناوين شعرية وشاعرية‬ ‫األمر‪ .‬وهم ّ‬ ‫يميزون في بكائهم بني منطقة وأخرى وبني «شعب» سوري وآخر‪ .‬ألح��داث تلوكها السياسات وتعجنها ال��ره��ان��ات محلية كانت أم إقليمية أو‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


‫الكتــاب املســاهمـون يف هـذا العـدد‬ ‫صالح بن محمد الشعيبي‪ :‬عضو مجلس‬ ‫الشورى السعودي تقلد العديد من املناصب‬ ‫الحكومية من جملتها وكيل وزارة التجارة‬ ‫والصناعة‪ ،‬رئيس لجنة االقتصاد والطاقة‪،‬‬ ‫عضو ورئيس العديد من اللجان واملجالس في‬ ‫مجال تخصصه‪ ،‬له مساهمات علمية وأصدر‬ ‫عددا من الكتب واملؤلفات‪ ،‬يحمل درجة الدكتوراه‬ ‫في اقتصاديات التنمية من جامعة بتسبرج في‬ ‫الواليات املتحدة‪.‬‬ ‫تالي هلفونت‪ :‬مديرة برنامج الشرق األوسط‬ ‫بمعهد أبحاث السياسة الخارجية‪ .‬وتركز‬ ‫أبحاثها حاليا حول التوازن اإلقليمي للقوة‬ ‫في منطقة الشرق األوسط والسياسة األميركية‬ ‫املتعلقة بها‪ .‬اعدت دراسة ملعهد أبحاث‬ ‫السياسة الخارجية حول «الجهاد اإلسالمي‬ ‫الفلسطيني «‪.»95-1988‬‬ ‫ريتشارد كرايمر‪ :‬استاذ بالجامعة األميركية‪،‬‬ ‫باحث مساعد في مشروع التحوالت الديمقراطية‬ ‫في معهد أبحاث السياسة الخارجية في‬ ‫فيالدلفيا‪ .‬خبير في القانون الدولي العام‪ ،‬يكتب‬ ‫في عدة صحف أميركية‪ ،‬لديه اهتمام خاص‬ ‫بالجهد املبذول من «القوى الناعمة» والدوافع‬ ‫االقتصادية املساعدة في التحول الديمقراطي‪.‬‬ ‫مايا أوتاراشفيلي‪ :‬باحثة مساعدة في معهد‬ ‫أبحاث السياسة الخارجية ومنسقة برنامج‬ ‫مشروع التحوالت الديمقراطية‪ .‬حاصلة على‬ ‫درجة املاجستير في مجال العوملة والتنمية من‬ ‫جامعة وستمنستر في لندن‪.‬‬ ‫وحيد عبد املجيد‪ :‬رئيس مركز األهرام للترجمة‬ ‫والنشر‪ ،‬ونائب مدير مركز الدراسات السياسية‬ ‫واإلستراتيجية باألهرام‪ .‬قيادي بجبهة اإلنقاذ‬ ‫الوطني له عدة مؤلفات من أهمها «اإلخوان‬ ‫املسلمون بني التاريخ واملستقبل»‪ ،‬و«اإلرهاب‬ ‫وأمريكا واإلسالم‪ ..‬من يطفىء النار»‪!.‬؟ و«حروب‬ ‫أميركا بني بن الدن وصدام حسني»‪ ،‬حاصل على‬ ‫دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية من جامعة‬ ‫القاهرة‪.‬‬ ‫طارق الخواجي‪ :‬كاتب وناقد سينمائي سعودي‪،‬‬ ‫متخصص في دراما الرسوم اليابانية املتحركة‪،‬‬ ‫صدر له عن النادي األدبي بالرياض كتاب (قلعة‬ ‫اإلنمي ‪ ..‬تجربة اقتحام) يتناول األصول الثقافية‬ ‫والتاريخية لإلنمي‪ ،‬قدم له الوزير املفوض‬ ‫للسفارة اليابانية في الرياض فوميو إيواي‪.‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫‪7‬‬


‫المحتوى‬

‫أزمة األنبار عقبة كبيرة أمام‬ ‫رغبة رئيس الوزراء العراقي‬ ‫في فترة ثالثة‬

‫معركة املالكي‬ ‫األخرية‬

‫التباس مفهوم الوسطية في‬ ‫أطروحات اإلسالم السياسي‪..‬‬ ‫وفشل الرهان على «اإلخوان»‬

‫كيف تمثل عودة‬ ‫روسيا «بوتني»‬ ‫إلى إثبات ذاتها‬ ‫تحديا لسياسات‬ ‫القوى الغربية في‬ ‫الشرق األوسط؟‬

‫اآلثار‬ ‫اجليوسياسية‬ ‫ألزمة‬ ‫أوكرانيا‬

‫زيف االعتدال‬

‫األردن يعاني تحت ضغوط‬ ‫استضافة الالجئني السوريني‬

‫مالذ مؤقت‬

‫في نثر فني يتقاسمه‬ ‫شجن وإيقاع راقص‬

‫العميم يجدل شعراء‬ ‫فصحى وشعراء عامية‬ ‫يف ضفائر ست‬ ‫‪6‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫«اللوبي»‬ ‫اإليراني‪..‬‬ ‫رجال طهران‬ ‫في واشنطن‬

‫املساومة‬ ‫الكربى‬


‫مجلة العرب الدولية‬ 1980 ‫تأسست في لندن عام‬

‫شهرية سياسية‬

www.majalla.com 

‫للحصول على‬ :‫املعلومات املفصلة‬




‫االفتتاحية‬

‫رساله المحرر‬ ‫على الرغم من أن إيران تعاني من نقاط ضعف هائلة في اإلعداد العسكري التقليدي‪ ،‬فإنها سعت منذ وقت طويل‬ ‫إلى تعزيز وتعويض هذا النقص‪ ،‬عبر وسائل وأساليب ملتوية تحقق بها أهدافها‪ ،‬وتدير فيه املعركة مع خصومها‬ ‫عن بعد‪ .‬وتتشكل أبرز هذه األساليب عبر تأسيس ميليشيات منتشرة في مناطق الصراع امللتهبة‪ ،‬وخطوط التماس‪،‬‬ ‫تتحرك وفق مصالح وأهداف السياسة اإليرانية التي تعتمد على نقل املواجهة إلى مناطق بعيدة عنها‪.‬‬ ‫في ظل تسارع الحركة الدبلوماسية بني واشنطن وطهران أخيرا‪ ،‬يبرز سؤال ملح حول مالمح االستراتيجية التي‬ ‫اعتمدها النظام اإليراني من أجل التأثير في القرار األميركي‪ ،‬واستمالته لصالحه‪ ،‬ومن أجل ذلك تفتح «املجلة» ملف‬ ‫«اللوبي» اإليراني في الواليات املتحدة الذي ينشط عبر مؤسسات ومراكز سعت بدأب إلى إيصال وجهة النظر‬ ‫اإليرانية‪ ،‬والتأثير على املؤسسات األكاديمية والبحثية واإلعالمية في أميركا‪.‬‬ ‫الباحث اللبناني حسني عبد الحسني‪ ،‬املقيم في واشنطن‪ ،‬تتبع وجود اللوبي اإليراني في أميركا‪ ،‬في مقال بعنوان‬ ‫«املساومة الكبرى» كاشفا عن وثائق سرية‪ ،‬رفع الحظر عنها حديثا‪ ،‬من أن مؤسسات إيرانية داخل نيويورك تعد‬ ‫أذرعا لالستخبارات اإليرانية‪ ،‬ومن أبرزها «مؤسسة علوي» التي تملك ناطحة سحاب في نيويورك ومن دخلها تمول‬ ‫‪ 30‬مؤسسة إيرانية أخرى‪ ،‬وترصد املكافآت لألكاديميني الذي يكتبون ما يرضيها‪ ،‬وتدعم املؤسسات التي تقدم‬ ‫دراسات تحقق مصلحة طهران‪.‬‬ ‫وفي ذات امللف يكتب بابك فروغي‪ ،‬الباحث اإليراني املقيم في لوس أنجليس‪ ،‬عن الجالية اإليرانية في أميركا‪ ،‬وصالتهم‬ ‫بالطبقة السياسية األميركية‪ ،‬وأنماطهم وتأثيرهم‪ ،‬وطبيعة هجرتهم للواليات املتحدة‪ ،‬ومدى اندماجهم مع املجتمع‬ ‫األميركي‪.‬‬ ‫وفي ملف آخر‪ ،‬وتعليقا على تداعيات القضية األوكرانية‪ ،‬كتب ريتشارد كرايمر ومايا أوتاراشفيلي‪ ،‬تقريرا متكامال‬ ‫حول طبيعة املوقف الروسي من أوكرانيا‪ ،‬وآثار األزمة الجيوسياسية‪ ،‬متسائلني‪ :‬كيف تشكل عودة بوتني القوية‬ ‫تهديدا لسياسات القوى الغربية في الشرق األوسط؟‬ ‫وفي موضوع آخر يكتب املفكر والباحث املصري وحيد عبد املجيد عن مفهوم «الوسطية» في فكر حركات اإلسالم‬ ‫السياسي‪ ،‬مؤكدا أن شعار «االعتدال» في ممارسات اإلسالميني هو مجرد زيف ووهم‪ ،‬وأثبت الزمن أن الرهان على‬ ‫جماعة اإلخوان باعتبارهم رمزا للوسطية واالعتدال هو رهان فاشل‪ ،‬مؤكدا أن أغلب الشخصيات اإلسالمية التي‬ ‫انشقت عن اإلخوان وترفع شعار االعتدال واالنفتاح‪ ،‬كان انشقاقها في أصله من أجل خالفات سياسية وليس فكرية‪.‬‬ ‫أما الكاتب السعودي طارق الخواجي فرصد فكرة نهاية العالم‪ ،‬و«مفهوم األخروية» في دراما الرسوم اليابانية‬ ‫املتحركة «اإلنمي»‪ ،‬وأثر ذلك على الثقافة اليابانية التي يشكل تراثها التقليدي أثرا كبيرا في تركيبة املجتمع الياباني‪.‬‬ ‫إضافة إلى ذلك تقدم «املجلة» نخبة من أهم املقاالت السياسية‪ ،‬مترجمة من مجلة «فورن أفيرز» األميركية التي تسلط‬ ‫الضوء على أهم األحداث اإلقليمية والعاملية‪.‬‬ ‫ندعوك عزيزي القارئ إلى قراءة هذه املوضوعات وغيرها الكثير على موقعنا ‪ majalla.com‬ونرحب دائما بآرائك‬ ‫وندعوك للتعليق على املوضوعات أو االتصال بنا إذا رغبت في التواصل معنا‪.‬‬

‫المحرر‬ ‫‪4‬‬

‫المجلة ‪ /‬العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬


ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē +y:a`3x3Na-Mk1fM Acting CEO of NASHR Co.

Omar A. Alshaikh ‫ﻣﺴﺆول ﻣﻜﺘﺐ اﳋﻠﻴﺞ‬

ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē +y:a`3x3Na-Mk1fM

^¤7yG*Ò*^d<

‫اﻟﺘﺤﺮﻳﺮ‬ ĴĽŬĚŠĴĽŤŚťšũŤēźIJżřŭĝŤēĺżĐĴŤē Acting CEO of ‫ﺳﻜﺮﺗﲑ‬ NASHR Co. Omar A. Alshaikh +y:a`3x3Na-Mk1fM

¥E¢6^G*£}H

ǀżȤƾƪƵƴŽ Acting‫سكرتري‬ CEO of-NASHR ‫ م�صطفى الد�سوقي‬.‫ د‬:‫التحرير‬ ‫الر�شيد‬Co. ‫ عبد اهلل‬:‫مسؤول مكتب اخلليج‬

ΔϤϠϛϰϠϋΪϳΰΗϻ΃ΐΠϳΕϻΎϘϤϟ΍ϊϴϤΟΔχϮΤϠϣHGLWRULDO#PDMDOODFRPϲϧϭήΘϜϟϹ΍ΪϳήΒϟ΍ϰϠϋΔϠγ΍ήϤϟ΍ϰΟήϳ˯΍έ΁ϭ΃ΕϻΎϘϣϝΎγέϹ Omar A. Alshaikh

‫للمشاركة‬ ȝƾżȚǍƄŵȚ

‫كلمة‬ 800 ‫ جميع المقاالت يجب أال تزيد على‬:‫ ملحوظة‬editorial@majalla.com ‫إلرسال مقاالت أو آراء يرجى المراسلة على البريد اإللكتروني‬ ZZZLVVXXFRPPDMDOODΔϴϧϭήΘϜϟϻ΍ϲϓϙ΍ήΘηϼϟVXEVFULSWLRQV#PDMDOODFRP˰ΑϝΎμΗϻ΍ϰΟήϳˬΔϴϤϗήϟ΍ΔόΒτϟ΍ϲϓϙ΍ήΘηϼϟ

‫اشتراكات‬ ϡΎψϧϱ΃ϲϓΎϬϨϳΰΨΗϭ΃ΎϬϨϣ˯ΰΟϱ΃ϭ΃ΔϠΠϤϟ΍ΔϋΎΒσΓΩΎϋ·ϝ΍ϮΣϷ΍ϦϣϝΎΣϱ΄ΑίϮΠϳϻϭΓΩϭΪΤϣΔϛήη ΓΪΤΘϤϟ΍ΔϜϠϤϤϟ΍ ϖϳϮδΘϟ΍ϭΙΎΤΑϸϟΔϳΩϮόδϟ΍Δϛήθϟ΍ϦϋέΪμΗϲΘϟ΍ΔϠΠϤϟ΍ΔϠΠϤϟΔχϮϔΤϣήθϨϟ΍ϕϮϘΣ www.issuu.com/majalla :‫ لالشتراك في االلكترونية‬subscriptions@majalla.com :‫ يرجى االتصال بـ‬،‫لالشتراك في الطبعة الرقمية‬ ϲϘϠΘϟ˱ΎϳήϬηΔϠΠϤϟ΍έΪμΗϭ ΓΩϭΪΤϣΔϛήη ϖϳϮδΘϟ΍ϭΙΎΤΑϸϟΔϳΩϮόδϟ΍Δϛήθϟ΍ϦϣϖΒδϣ΢ϳήμΗϰϠϋϝϮμΤϟ΍ϥϭΩϪΑΎηΎϣϭ΃ΎϬϠϴΠδΗϭ΃ΎϫήϳϮμΗϭ΃Δϴϟ΁ϭ΃ΔϴϧϭήΘϜϟ·ΔϠϴγϭϱ΃ϭ΃ΓέϮλϱ΄ΑΎϬϠϘϧϭ΃ϲϋΎΟήΘγ΍ ZZZPDMDOODFRPΓέΎϳίϰΟήϳˬϲϤϗήϟ΍ϙ΍ήΘηϻ΍Ε΍έΎδϔΘγ΍

‫ وال يجوز بأي حال من األحوال إعادة طباعة المجلة أو أي جزء منها أو تخزينها في أي نظام‬.‫ التي تصدر عن الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (المملكة المتحدة) شركة محدودة‬2009 ‫حقوق النشر محفوظة لمجلة المجلة‬ ‫ لتلقي‬.ً‫ وتصدر المجلة شهريا‬.)‫استرجاعي أو نقلها بأي صورة أو أي وسيلة إلكترونية أو آلية أو تصويرها أو تسجيلها أو ما شابه دون الحصول على تصريح مسبق من الشركة السعودية لألبحاث والتسويق (شركة محدودة‬   www.majalla.com ‫ يرجى زيارة‬،‫استفسارات االشتراك الرقمي‬

LVVXH

$XJXVW



Ώ΁βτδϏ΃ΩΪόϟ΍

++6DXGL5HVHDUFKDQG0DUNHWLQJ 8. /WG Issue 1594 - April 2014 $UDE3UHVV+RXVH+LJK+ROERUQ /RQGRQ:&9$3 HH Saudi Research and Marketing (UK) Ltd 7HO)D[ Arab Press House, 184 High Holborn,

London WC1V 7AP Tel: +44 207 831 8181 - Fax: +44 207 831 2310

ϰμμΨΘϟ΍ϊσΎϘΗΔϜϣϖϳήσΕ΍ήϤΗΆϤϟ΍ϲΣνΎϳήϟ΍ΎϬϟκΧήϣ 2014 ‫ نيسان‬- ‫ أبريل‬1594 ‫العدد‬

$0RQWKO\3ROLWLFDO1HZV0DJD]LQH ϥΪϨϟϒΗΎϫνΎϳήϟ΍

ZZZPDMDOODFRPHQJ

‫ تقاطع التخصصى‬- ‫ طريق مكة‬- ‫ حي المؤتمرات‬- ‫الرياض‬

‫مرخص لها‬

A Monthly Political News Magazine +44 207 831 8181 :‫ لندن‬- 4419933 ‫ هاتف‬:‫الرياض‬

www.majalla.com/eng KT#DONKDOHHMLDKFRPϲϧϭήΘϜϟ·ΪϳήΑˬZZZDONKDOHHMLDKFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣ ϝϭΪϟ΍ϒϠΘΨϣϦϣϭˬϥΪϨϟˬβϳέΎΑˬϲΑΩˬΔϜϠϤϤϟ΍ϞΧ΍ΩϦϣ

hq@alkhaleejiah.com :‫ بريد إلكتروني‬،www.alkhaleejiah.com :‫موقع إلكتروني‬ +966 11 441 1444 : ‫ ومن مختلف الدول‬، +44 207 404 6950:‫ لندن‬، +331 537 764 00:‫ باريس‬،+9714 3 914440 :‫ دبي‬،920 000 417 : ‫من داخل المملكة‬

ϲϧϼϋϹ΍ϞϴϛϮϟ΍ ‫الوكيل اإلعالني‬

ϲϧΎΠϣϒΗΎϫˬZZZDUDEPHGLDFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣˬLQIR#DUDEPHGLDFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ΪϳήΑ

ΕΎϛ΍ήΘηϹ΍Ϟϴϛϭ

800-2440076 :‫ هاتف مجاني‬،www.arabmediaco.com :‫ موقع إلكتروني‬، info@arabmediaco.com :‫بريد إلكتروني‬

‫وكيل اإلشتراكات‬

ˬβϛΎϓϒΗΎϫˬνΎϳήϟ΍ΏιΕ΍ήϤΗΆϤϟ΍ϲΣΔϳΩϮόδϟ΍ΔϴΑήόϟ΍ΔϜϠϤϤϟ΍ϲϓϊϳίϮΘϟ΍Ϟϴϛϭ ZZZVDXGLGLVWULEXWLRQFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣ ،+966 11 2121774 :‫ فاكس‬+966 11 4419933 :‫ هاتف‬،11585 ‫ الرياض‬- 62116 ‫ب‬.‫ ص‬- ‫المؤتمرات‬ ‫وكيل التوزيع في المملكة العربية السعودية حي‬ www.saudidistribution.com :‫موقع إلكتروني‬

ZZZKDODSULQWFRFRPϲϧϭήΘϜϟ·ϊϗϮϣˬβϛΎϓˬϒΗΎϫˬνΎϳήϟ΍Ώι

‫�شركات ن�شر‬ ‫شركات نشر‬

ϊϳίϮΘϟ΍Ϟϴϛϭ

‫وكيل التوزيع‬

ΔϋΎΒτϟ΍ΰϛήϣ

ΔϋϮϤΠϤϟ΍ΕΎϛήη www.arabmediaco.com

Saudi Specialized Publishing ‫املتخصص‬ ‫السعودية للنشر‬ ‫ الشركة‬Company www.sspc.com.sa

áeÉ©dG äÉbÓ©dGh ¿ÓYEÓd á«é«∏ÿG www.srpc.com 6DXGL6SHFLDOL]HG3XEOLVKLQJ&RPSDQ\

‫حقوق التوزيع لهذه المطبوعات محفوظة‬

»‫لشركة «تريبيون لخدمات اإلعالم‬

ΔχϮϔΤϣΕΎϋϮΒτϤϟ΍ϩάϬϟϊϳίϮΘϟ΍ϕϮϘΣ

©ϡϼϋϹ΍ΕΎϣΪΨϟϥϮϴΒϳήΗªΔϛήθϟ 8002440014 ‫ يرجى اإلتصال على الهاتف المجاني‬،‫المعلومات‬ ‫للحصول على المزيد من‬

»‫حقوق النشر لهذه المطبوعات باللغة العربية مرخصة «المجلة‬


‫العدد ‪ 1594‬أبريل ‪ -‬نيسان ‪2014‬‬

‫مجلة العرب الدولية‬ ‫شهرية سياسية‬

‫‪‬‬

‫تأسست في لندن عام ‪1980‬‬

‫د‪� .‬صالح ال�شعيبي‪ :‬دور حوكمة ال�شركات يف مواجهة التحديات بال�سعودية‬ ‫ريت�شارد كرامير ومايا �أوتارا�شفيلي‪ :‬الآثار اجليو�سيا�سية لأزمة �أوكرانيا‬ ‫�سالم الكواكبي‪ :‬بعد دخول الأزمة ال�سورية عامها الرابع‪ ..‬ر�ؤية نقدية‬

‫‪‬‬

‫للحصول على العدد‬ ‫اسـتخـدم هاتفــك‬ ‫ال ــذكي لـمــسح‬ ‫هـ ـ ــذا الـ ــرقـ ـ ـ ــم‬ ‫‪04‬‬

‫‪ISSN 1319-0873‬‬

‫‪9 771319 087013‬‬ ‫‪‬‬

‫‪‬‬

‫‪Issue 1594 - April 2014‬‬

‫‪www.majalla.com‬‬

اللوبي الإيراني  

استراتيجية طهران في التأثير على القرار الأميركي رقم العدد 1594 أبريل - نيسان 2014

اللوبي الإيراني  

استراتيجية طهران في التأثير على القرار الأميركي رقم العدد 1594 أبريل - نيسان 2014

Profile for majalla