Issuu on Google+

‫تحوالتت‬

‫تحوالت الدولة والمجتمع بعد الربيع العربي‬

‫الثورة تستحضر الهوية‬ ‫حتى تنتصر‬ ‫د‪ .‬رفيق حبيب‬

‫يونيو ‪1024‬‬ ‫‪1‬‬


‫يونيو ‪1014‬‬

‫الثورة تستحضر الهوية‪ ..‬حتى تنتصر‬

‫هناك العديد من األسباب التي تجعل مسألة الهوية‪ ،‬هي محور مشكلة الثورة‪ ،‬وليست مجرد مسألة‬ ‫ثقافية منفصلة‪ .‬فالهوية ليست عنوانا فقط‪ ،‬بل هي المضمون والمعنى ألي اجتماع بشري‪ ،‬وهي األساس‬ ‫الذي يبنى عليه المستقبل‪.‬‬ ‫الهوية‪ ،‬هي المضمون الثقافي والحضاري‪ ،‬الذي تشكل على أساسه المجتمع‪ ،‬وتشكل من خالله‬ ‫الماضي‪ ،‬وال يمكن بناء مستقبل جديد بعيدا عن الهوية التي يحملها المجتمع‪ .‬وكل مجتمع يعاني من حالة‬ ‫تردي وتأخر‪ ،‬ويتعرض لحكم مستبد واستعمار خارجي‪ ،‬يعاني من غياب دور الهوية أيضا‪.‬‬ ‫عندما تغييب الهوية‪ ،‬يدخل المجتمع في حالة تردي ثقافي وحضاري‪ ،‬وكل مجتمع يعاني من‬ ‫التردي‪ ،‬تصبح لديه القابلية لالستسالم للحكم المستبد‪ ،‬والحكم العسكري‪ .‬وكل حكم مستبد‪ ،‬غيب الهوية‬ ‫الفاعلة‪ ،‬حتى يفكك المجتمع ويفرض استبداده‪.‬‬ ‫وكل ثورة‪ ،‬تحتاج أن تكون صحوة أيضا‪ ،‬فكل ثورة تحتاج لصحوة حضارية شاملة‪ ،‬تجعل الثورة‬ ‫تمثل تغييرا حقيقيا في حالة المجتمع‪ ،‬وتجعل الثورة سببا في صناعة مستقبل جديد‪ .‬فالثورة ليست فقط‬ ‫تخلص من حكم مستبد‪ ،‬بل هي بداية لصناعة مستقبل جديد‪.‬‬ ‫وكل ثورة تحتاج لمضمون ثقافي وأساس اجتماعي حتى تكتمل أركانها‪ ،‬التي تجعل من الثورة بداية‬ ‫تاريخية جديدة‪ .‬وكل ثورة ال يمكن أن تتبعها نهضة‪ ،‬إال إذا كان للثورة مضمون ثقافي وحضاري‪ ،‬مما‬ ‫يجعل للثورة هوية‪ ،‬فتصبح الثورة بداية للنهضة‪.‬‬ ‫والمجتمع يثور على الحكم المستبد‪ ،‬ألنه يقف ضد الظلم والفساد واالستغالل‪ ،‬فالثورة هي حراك‬ ‫ضد كل القيم السلبية التي تحكم في ظل االستبداد‪ .‬مما يجعل الثورة‪ ،‬هي عملية تغيير واسعة‪ ،‬تنحي القيم‬ ‫السلبية‪ ،‬وتستعيد القيم اإليجابية‪.‬‬ ‫وإذا كانت الثورة هي عملية تحرر شاملة‪ ،‬فإن أي مجتمع يحصل على حريته‪ ،‬يحتاج أن يكتشف‬ ‫قيمه ومبادئه وأخالقه‪ ،‬حتى يجعل لتحرره مضمونا وأهدافا وغايات‪ .‬فالتحرر شرط للنهضة‪ ،‬ولكن عندما‬ ‫يكون التحرر سببا في استعادة قيم المجتمع‪ ،‬التي يبني عليها مستقبله الجديد‪.‬‬ ‫تلك هي متالزمة الثورة‪ ،‬فهي ثورة ونضال‪ ،‬وهي استعادة للهوية‪ ،‬وهي أيضا استعادة للمضمون‬ ‫الثقافي والحضاري الحي في المجتمع‪ ،‬والذي يجعل الثورة بداية للنهضة‪ .‬فالثورة تحرر المجتمع‪ ،‬ليس فقط‬ ‫من االستبداد‪ ،‬بل من كل القيم السلبية التي أنتجها االستبداد‪ ،‬وتستعيد قيمه اإليجابية مرة أخرى‪.‬‬ ‫ليست حقيقة الثورة‪ ،‬إال جزءا مهما من مشكلة ثورة يناير‪ ،‬فقد كانت ثورة يناير ترفع مطلب الحرية‪،‬‬ ‫ولكنها لم تكن استعادة للقيم الحضارية اإليجابية‪ .‬وقد أعقب ثورة يناير حالة من الصحوة السلوكية لعدة أيام‬ ‫أو أسابيع‪ ،‬ولكن تلك الحالة غابت سريعا‪ ،‬وعادة القيم السلبية مرة أخرى‪ ،‬فضاعت الثورة‪.‬‬ ‫الثورة انكسرت مرحليا‪ ،‬ألنه لم يعقبها استعادة للهوية‪ ،‬ولم تتوفر لها صحوة حضارية تحمي الثورة‬ ‫بالقيم الثقافية والحضارية اإليجابية‪ .‬فالثورة تعرضت لالنكسار‪ ،‬ألن المجتمع مازال هشا‪ ،‬ومازالت القيم‬ ‫السلبية تتفشى في المجتمع‪.‬‬ ‫لم يستند االنقالب العسكري‪ ،‬إال على القيم السلبية التي زرعها النظام المستبد في المجتمع‪ ،‬فأصبحت‬ ‫سلبيات المجتمع‪ ،‬هي األساس الذي استند عليه االنقالب العسكري‪ ،‬حتى يعيد الحكم العسكري مرة أخرى‪.‬‬ ‫فالقيم السلبية التي نشرها االستبداد‪ ،‬هي التي مكنت الثورة المضادة من االنقالب على الثورة‪.‬‬ ‫‪1‬‬


‫يونيو ‪1014‬‬

‫الثورة تستحضر الهوية‪ ..‬حتى تنتصر‬

‫فالثورة المضادة لم تكن فقط بسالح الجيش‪ ،‬بل كانت أيضا بالمظاهر السلبية التي انتشرت في‬ ‫المجتمع‪ ،‬ومكنت الثورة المضادة من تضليل قطاع من المجتمع‪ ،‬حتى يشارك في تضييع الثورة والحرية‪،‬‬ ‫ويسلم الحكم مرة أخرى لمنظومة الحكم المستبد العسكري‪.‬‬ ‫ظلت الثورة المضادة تضلل عامة الناس من خالل آلة اإلعالم وبث الشائعات طيلة الفترة بعد سقوط‬ ‫رأس النظام وحتى االنقالب العسكري‪ .‬فقد ظلت عملية التضليل هي أداة الثورة المضادة الرئيسة‪ ،‬حتى‬ ‫يتوفر لها دعم شعبي‪ ،‬يكون غطا ًء النقالب الثورة المضادة‪ ،‬وهو ما حدث في النهاية‪.‬‬ ‫ال يمكن تضليل قطاع واسع من المجتمع كل الوقت‪ ،‬أو لفترة زمنية طويلة‪ ،‬إال إذا كان الوعي العام‬ ‫ضعيفا وهشا‪ ،‬وال يمكن تضليل قطاع من المجتمع حتى يتنازل عن حريته ومستقبله بنفسه‪ ،‬دون تفشي‬ ‫الثقافة السلبية التي أنتجها االستبداد والفساد‪ ،‬وعقود من حكم االستعمار المحلي لصالح القوى الخارجية‪.‬‬ ‫فالحكم العسكري عاد مستندا على الخلل الثقافي الذي تأسس في عهود الحكم العسكري‪ ،‬وأصبحت‬ ‫القاعدة التي يستند لها الحكم العسكري‪ ،‬هي الثقافة السلبية والمظاهر السلبية‪ ،‬التي قوضت قيم المجتمع‬ ‫اإليجابية وأفقدته هويته الحقيقية‪.‬‬ ‫وكل مرة يعود فيها الحكم العسكري‪ ،‬نجده يفتح النار على الهوية الموروثة‪ ،‬ألن تلك الهوية هي‬ ‫التي تعيد للمجتمع حيوي ته من جديد‪ ،‬وألن هوية المجتمع هي التي تعيد القيم اإليجابية مرة أخرى‪ ،‬وألن‬ ‫هوية المجتمع هي مصدر تحرره الحقيقي‪.‬‬ ‫وكلما عاد الحكم العسكري‪ ،‬وحاول تأسيس سلطته من جديد‪ ،‬نجده يستهدف كل الحركات التي‬ ‫تحمل الهوية الموروثة‪ ،‬خاصة تلك الحركات ذات القواعد الشعبية‪ .‬لذا لم يكن من الممكن لحكم عسكري‬ ‫أن يتأسس‪ ،‬دون أن يدخل في حرب مفتوحة مع جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬بوصفها الحركة الرئيس داخل‬ ‫تيار الهوية الموروثة‪.‬‬ ‫تلك هي أزمة الحكم العسكري مع الهوية اإلسالمية‪ ،‬أنها الهوية الموروثة التي تحمل القيم الثقافية‬ ‫والحضارية اإليجابية‪ ،‬والتي تمثل مصدرا لقوة المجتمع‪ ،‬وتعد أداة تحرره األساسية‪ ،‬ومصدر نهوضه‪ .‬فال‬ ‫يمكن للمجتمع أن يثور ويتحرر‪ ،‬وأن يتقدم وينهض‪ ،‬بدون أن يستند للهوية الحية الموروثة‪.‬‬ ‫وإذا كانت الهوية الحية الموروثة للمجتمع المصري‪ ،‬هي الهوية اإلسالمية‪ ،‬أصبحت استعادة الهوية‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬وجها مهما من وجوه الثورة والتحرر‪ ،‬وأصبحت كل الحركات التي تستعيد تلك الهوية‪ ،‬عمودا‬ ‫فقريا لحركة الثورة والنهضة‪ ،‬وهو ما يجعل جماعة اإلخوان المسلمين‪ ،‬جزءا من العمود الفقري للثورة‬ ‫والتحرر الحقيقي‪.‬‬ ‫لم تغب عن أي حكم مستبد العالقة بين الهوية والتحرر‪ ،‬والعالقة بين استالب الهوية وضياعها‬ ‫واالستسالم للحكم العسكري المستبد‪ .‬فكل حاكم مستبد‪ ،‬عمل على تقويض الهوية الموروثة‪ ،‬حتى يمنع‬ ‫المجتمع من التحرر ومن الثورة‪.‬‬ ‫وكل استعمار محلي‪ ،‬أي حكم مستبد بالوكالة عن قوى خارجية‪ ،‬أقام نظاما تابعا‪ ،‬عمل على تقويض‬ ‫هوية المجتمع‪ ،‬ألن الهوية الحية‪ ،‬هي التي تقوض التبعية‪ ،‬وتبني الدولة الحرة المستقلة‪ ،‬مما جعل الهوية‬ ‫الحية‪ ،‬هي الخصم الحقيقي في وجه كل محاوالت االستعمار واالستعباد‪.‬‬

‫‪3‬‬


‫يونيو ‪1014‬‬

‫الثورة تستحضر الهوية‪ ..‬حتى تنتصر‬

‫وال توجد هيمنة خارجية تستهدف منطقة بعينها‪ ،‬دون أن تستهدف قيمها الثقافية والحضارية‪ ،‬أي‬ ‫تستهدف هويتها الموروثة‪ .‬فال يمكن الهيمنة على مجتمع يتمسك بهويته الحية‪ ،‬وال يمكن إخضاع مجتمع‬ ‫للتبعية‪ ،‬دون تنحية هويته الحية‪ ،‬حتى ال يكون لها دور عام‪.‬‬ ‫وال يمكن إخضاع دولة للتبعية‪ ،‬دون إخضاع المجتمع للتبعية أيضا‪ .‬فالمجتمع الحر‪ ،‬ينتج دولة‬ ‫حرة‪ ،‬والدولة التابعة تشكل مجتمعا تابعا‪ .‬والمجتمع الذي يتحرر‪ ،‬يبني دولة مستقلة‪ ،‬ولكن الدولة التي تسقط‬ ‫في التبعية‪ ،‬تهدم المجتمع الحر‪ ،‬وتشكل مجتمعا تابعا‪.‬‬ ‫وكل مجتمع أخضع للهيمنة الخارجية‪ ،‬تم تنحية الهوية الموروثة من حياته‪ ،‬حتى يستسلم للتبعية‬ ‫الخارجية‪ .‬وألن مجتمعات المنطقة العربية واإلسالمية تعرضت لالستبداد المحلي والهيمنة الخارجية معا‪،‬‬ ‫لذا تم تنحية الهوية الحية في هذه المجتمعات‪ ،‬حتى ال تتحرر من التبعية واالستبداد‪.‬‬ ‫الثورة والهوية‬ ‫بسبب ضربات الثورة المضادة‪ ،‬أصبح التفاعل بين قضية الثورة والهوية‪ ،‬يشكل مسارا جديدا‪،‬‬ ‫يجعل اإلجابة على سؤال الثورة‪ ،‬إجابة على سؤال الهوية أيضا‪ .‬فال يمكن للثورة أن تنجح‪ ،‬إال إذا كانت‬ ‫عملية تحرر شاملة‪ ،‬تمكن المجتمع من بناء مستقبل جديد‪.‬‬ ‫وال يمكن لمجتمع أي يبني مستقبال جديدا‪ ،‬بدون استدعاء القيم اإليجابية الموروثة‪ ،‬والتي تمثل‬ ‫مصدر قوته الثقافية والحضارية‪ .‬فكل ثورة تحتاج لقيم البناء‪ ،‬حتى تتحول من فعل إسقاط السلطة المستبدة‪،‬‬ ‫إلى فعل بناء المستقبل الجديد‪.‬‬ ‫وبناء مستقبل يعني النهوض‪ ،‬وهو ما يحتاج الستعادة القيم اإليجابية‪ ،‬قيم العمل واألمانة واإلخالص‬ ‫والتفاني وغيرها‪ .‬وكل بناء يحتاج لقيم االلتزام‪ ،‬التي تجعل لدى عامة الناس التزام بالنظام العام‪ ،‬والتزام‬ ‫بالقيم والقواعد العامة المرعية‪.‬‬ ‫وال يمكن لمجتمع أن يثور ويتحرر ويبني مستقبله‪ ،‬إال إذا كان لديه وعي بالمصلحة العامة التي‬ ‫تمثل ما يجمع كل المجتمع معا‪ ،‬أي التي تمثل التوجه العام لعامة الناس‪ ،‬أي السواد األعظم‪ .‬وال يوجد مجتمع‬ ‫عرف مصلحته العامة‪ ،‬دون أن يعرف هويته‪.‬‬ ‫والهوية هي التي تحدد خيارات المجتمع الداخلية والخارجية‪ ،‬فهي التي ترسم له مساره الرئيس‪،‬‬ ‫والذي يتفرع بعد ذلك لعدة تيارات تعبر عن التعددية الداخلية‪ .‬وال يمكن بناء مستقبل جديد بعد ثورة‪ ،‬إال من‬ ‫خالل تحديد المصلحة العامة التي تمثل المشترك المتفق عليه من المجتمع‪ ،‬أو من السواد األعظم‪.‬‬ ‫وفي كل الحاالت‪ ،‬ال توجد ثورة تحرر مجتمع‪ ،‬إال إذا كانت أساسا ثورة في االنتماء‪ ،‬أي ثورة تعيد‬ ‫االنتماء الحي الحقيقي للمجتمع‪ ،‬أي ثورة تتجاوز مرحلة االنتماء الشكلي‪ ،‬وتعيد االنتماء الفاعل‪ ،‬ألن تحرير‬ ‫المجتمع‪ ،‬هو فعل ينتج عن االنتماء الحي الفعال لعامة الناس‪ ،‬أي السواد األعظم منهم‪.‬‬ ‫وكل حكم عسكري بنى انتما ًء أجوف‪ ،‬مفرغ من أي مضمون ثقافي أو حضاري‪ .‬فكل حكم عسكري‬ ‫بنى هوية شكلة‪ ،‬ال تمثل بعدا ثقافيا أو حضاريا‪ ،‬وال تمثل امتدادا للموروث الثقافي والحضاري‪ .‬فاالنتماء‬ ‫لهوية جوفاء‪ ،‬كانت وسيلة الحكم العسكري لتفريغ المجتمع من االنتماء الحقيقي‪.‬‬ ‫فأي انتماء حقيقي للمجتمع والمصلحة العامة‪ ،‬لن ينتج عنه إال تيارا ينادي بالتحرر والنهوض‪ ،‬فكل‬ ‫انتماء حي وفاعل‪ ،‬هو عمل ثوري بامتياز‪ .‬وكل انتماء سلبي مفرغ من أي فعل إيجابي‪ ،‬لن يكون إال‬ ‫استسالما لحكم االستبداد والفساد‪.‬‬ ‫‪4‬‬


‫يونيو ‪1014‬‬

‫الثورة تستحضر الهوية‪ ..‬حتى تنتصر‬

‫فالثورة هي إعادة تفعيل االنتماء العام‪ ،‬مما يجعله محركا يفعل حركة المجتمع‪ ،‬بصورة تمكن‬ ‫المجتمع من الثورة والتحرر‪ ،‬وتمكنه أيضا من بناء مستقبله ونهوضه‪ .‬وال يمكن أن يتحول المجتمع من‬ ‫مرحلة التأخر إلى مرحلة التقدم‪ ،‬بدون وجود انتماء حي وفاعل‪ ،‬وليس مجرد انتماء شكلي‪.‬‬ ‫لذا فالهوية هي مصدر النهضة‪ ،‬وهي لهذا أساس التحرر‪ ،‬مما يجعلها محرك الثورة‪ .‬وال يمكن أن‬ ‫يستكمل مسار الثورة‪ ،‬بدون التحرر وإحياء الهوية‪ ،‬التي يصبح إحياؤها مصدرا لبناء المستقبل الجديد‪،‬‬ ‫وتحديد خيارات المصلحة العامة‪.‬‬ ‫تغيير مسار الثورة‬ ‫في بداية الثورة‪ ،‬ومع سقوط رأس النظام‪ ،‬بدأت المعركة مع الثورة المضادة‪ ،‬وفي نفس الوقت‬ ‫بدأت معركة البناء الشاقة‪ .‬ففي كل المراحل‪ ،‬كانت هناك حاجة ملحة لبناء قاعدة ثقافية وحضارية للثورة‪،‬‬ ‫حتى يستكمل البناء‪ ،‬ويتشكل لدى المجتمع تصور عن المستقبل الجديد المنشود‪.‬‬ ‫وفي كل مراحل المعركة بين الثورة والثورة المضادة‪ ،‬كانت مسألة الهوية حاضرة‪ ،‬فلم تكن‬ ‫المعركة ضد الثورة فقط‪ ،‬بل كانت ضد الهوية أيضا‪ ،‬حتى باتت المعركة ضد الثورة والتحرر‪ ،‬توحد بين‬ ‫الثورة والهوية‪ ،‬ألنها كانت تستهدف الهوية أيضا‪.‬‬ ‫وفي كل مراحل المعركة بين القوى السياسية‪ ،‬كانت مسألة الهوية حاضرة أيضا‪ ،‬مما جعل االنقسام‬ ‫السياسي انقساما حول الهوية‪ ،‬فأصبح االستقطاب السياسي حول الهوية أيضا‪ ،‬وظل الخالف حول الهوية‪،‬‬ ‫يمثل مركزا مهما للصراع السياسي‪.‬‬ ‫لم يكن غريبا أن كل القوى التي تعادي الهوية اإلسالمية‪ ،‬أصبحت جزءا من االنقالب العسكري‪،‬‬ ‫كما لم يكن غريبا أن كل الجهات اإلسالمية التي تكيفت مع زمن االستبداد والحكم المستبد‪ ،‬وروجت لهوية‬ ‫غير فاعلة‪ ،‬أصبحت جزءا من االنقالب العسكري‪.‬‬ ‫ومنذ اليوم األول لالنقالب العسكري‪ ،‬بل قبل أن يحدث فعليا‪ ،‬وهو يشعل حرب كراهية ضد الهوية‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬ويحاول تفريغ هوية المجتمع من أي مضمون‪ ،‬وكأنه أدرك أن إحياء الهوية يقوي الثورة‪ ،‬وأن‬ ‫استمرار الثورة‪ ،‬يعضد الهوية‪.‬‬ ‫بات مسار الثورة بعد االنقالب مختلفا‪ ،‬فقد أصبح الحراك الثوري في حاجة لقوة وحيوية الهوية‪،‬‬ ‫حتى يتحول إلى حراك ثوري قوي وقادر على مواجهة آلة القمع العسكري‪ ،‬وآلة الفساد والتضليل اإلعالمي‪.‬‬ ‫وكأن الثورة بدأت أوال‪ ،‬وكانت الهوية تلحق بها‪ ،‬فإذا بمسار الثورة والهوية يتالزمان بعد االنقالب‪.‬‬ ‫أصبح الحراك الثوري يطرح سؤال القيم الثقافية والحضارية في كل مرحلة من مراحل نضاله ضد‬ ‫االنقالب العسكري‪ ،‬وأصبح سؤال الهوية الثقافية والحضارية‪ ،‬يطرح نفسه بقوة على كل مكون من مكونات‬ ‫الحراك الثوري‪ ،‬حتى بات الحراك الثوري‪ ،‬وكأنه نضال من أجل البحث عن الهوية‪.‬‬ ‫لم تعد هناك مسافة فاصلة بين مسار الحراك الثوري ومسار اإلحياء الحضاري‪ ،‬فقد أصبح اإلحياء‬ ‫الحضاري عمال نضاليا ثوريا‪ ،‬كما أن الحراك الثوري ضد الحكم العسكري‪ ،‬هو عمل نضالي ثوري‪.‬‬ ‫فالمسألة أصبحت حراكا ضد كل منظومة االستبداد‪ ،‬من أجل الحرية والهوية‪.‬‬ ‫لم يعد مسار الثورة مجرد لحظة فوران ضد االستبداد والفساد‪ ،‬أو لحظة رفض شعبي عارم لحالة‬ ‫االستبداد والظلم‪ ،‬بل أصبح مسار الثورة هو رحلة نضال من أجل استعادة المجتمع وقيمه مرة أخرى‪،‬‬ ‫ورحلة مواجهة مع كل القيم التي أدت إلى تفشي االستبداد والفساد عبر العقود‪.‬‬ ‫‪5‬‬


‫يونيو ‪1014‬‬

‫الثورة تستحضر الهوية‪ ..‬حتى تنتصر‬

‫كل مجتمع يثور‪ ،‬يحتاج أن يكون مجتمعا مؤهال للثورة‪ ،‬وفي ثورة يناير لم يكن المجتمع مؤهال‬ ‫للثورة‪ ،‬ولكنه أندفع للثورة بعد أن وصل لحالة كبت شديدة‪ ،‬فأنفجر يعبر عنها‪ ،‬ولكن المجتمع لم يكن مؤهال‬ ‫الستكمال مسار الثورة‪ .‬فقد عرف من ثار‪ ،‬ما يثور ضده‪ ،‬ولكنه لم يعرف ماذا يريد بعد ذلك‪.‬‬ ‫فقد ضربت الثورة أساسا من داخل المجتمع‪ ،‬وحتى من داخل قطاعات شاركت في الثورة‪ ،‬بجانب‬ ‫قطاعات لم تشارك في الثورة أصال‪ .‬وضربت الثورة من خالل استعادة القيم السلبية‪ ،‬التي تدفع المجتمع‬ ‫للتكيف مع الحكم العسكري‪ ،‬وضربت الثورة من خالل دفع بعض الناس ليستعيدوا الحكم العسكري بأنفسهم‪.‬‬ ‫وأصبح مشهد ما بعد االنقالب‪ ،‬وكأنه مشهد مواجهة بين القيم السلبية التي رافقت التخلف والتأخر‬ ‫واالستبداد‪ ،‬وبين القيم اإليجابية التي تستعيد الثورة والهوية‪ ،‬بل وأصبحت المقابلة بين نموذج قيم الحراك‬ ‫الثوري‪ ،‬ونموذج قيم القاعدة المؤيدة لالنقالب‪ ،‬تمثل لحظة كاشفة لألزمة الثقافية‪ ،‬التي كشفها االنقالب‬ ‫العسكري‪.‬‬ ‫فأصبح االنقالب العسكري‪ ،‬هو اللحظة التي جعلت معركة الثورة‪ ،‬ليست معركة سياسية فقط‪ ،‬بل‬ ‫معركة اجتماعية وثقافية أيضا‪ ،‬مما جعل حسم المعركة الثقافية‪ ،‬جزءا من حسم معركة الثورة والثورة‬ ‫المضادة‪ ،‬وكأن كل المشكلة الثقافية الممتدة عبر عقود وربما قرون‪ ،‬أصبحت حاضرة في مشهد معركة‬ ‫الثورة‪.‬‬ ‫الخالصة‬ ‫هي معركة قيم في جوهرها‪ ،‬معركة بين القيم السلبية التي كرست االستبداد والحكم العسكري‪،‬‬ ‫وحمت الدولة االستعمارية المستوردة‪ ،‬وكرست منظومة التبعية للغرب‪ ،‬وبين القيم اإليجابية التي ال تكون‬ ‫الثورة إال بها‪ ،‬وال يبنى مستقبل جديد إال بها‪.‬‬ ‫وكل معارك التأخر والتخلف تدور أساسا حول القيم السائدة في المجتمع‪ ،‬فالمجتمعات تتأخر عندما‬ ‫تنهار القيم اإليجابية وتحل محلها قيم سلبية‪ ،‬وكل القيم السلبية التي تكرس لالستسالم لالستبداد والفساد‪ ،‬هي‬ ‫التي تحمي منظومة الحكم العسكري‪ ،‬وتمنع سقوطه‪.‬‬ ‫وكل القيم السلبية التي تدعوا للتكيف واالستسالم للواقع‪ ،‬والبحث عن المصلحة الخاصة‪ ،‬وتفريغ‬ ‫االنتماء العام من أي مضمون‪ ،‬هي قيم تحمي منظومة االستبداد والفساد‪ ،‬وتمنع الثورة ضد الحكم العسكري‪.‬‬ ‫فالثورة هي انبعاث جديد للقيم األصلية الحية التي تعيد إحياء المجتمع وتفجر طاقاته‪.‬‬ ‫المشكلة إذن لم تكن فقط في إسقاط النظام المستبد كله‪ ،‬ولكن أيضا في تغيير البيئة االجتماعية‬ ‫والثقافية التي نمى فيها النظام المستبد وشكلها حتى تحمي وجوده‪ .‬فاالستبداد يعيد بناء نفسه من خالل التربة‬ ‫المناسبة له‪ ،‬والتي شكلها عبر العقود‪.‬‬ ‫ال يمكن التخلص من الحكم المستبد‪ ،‬إال من خالل ثورة إحيائية‪ ،‬تتخلص من البيئة التي حمت‬ ‫االستبداد‪ ،‬وشكلت مناخا يتقبل االستبداد والفساد‪ ،‬حتى تعاد القيم اإليجابية الحضارية‪ ،‬التي تمكن المجتمع‬ ‫من بناء مستقبل جديد ناهض‪.‬‬ ‫لهذا‪ ،‬فالحراك الثوري بعد االنقالب‪ ،‬أصبح حراكا مجتمعيا‪ ،‬يبني مجتمع الثورة‪ ،‬المجتمع القادر‬ ‫على تحقيق النصر للثورة‪ ،‬وقادر على حماية مسارها‪ ،‬وقادر أيضا على بناء مستقبل جديد ناهض‪ .‬فالثورة‬ ‫تحتاج للمجتمع الحر‪ ،‬الحامل للقيم اإليجابية الموروثة‪ ،‬حتى تنتصر‪.‬‬ ‫‪6‬‬


الثورة تستحضر الهوية حتى تنتصر رفيق حبيب