Page 1

1


2


3


‫‪3/5‬‬ ‫نيسان ‪2018‬‬ ‫رئيس التحرير‬ ‫بسام يوسف‬ ‫مدير التحرير‬ ‫حسين برو‬ ‫هيئة التحرير‬ ‫نور عبداهلل‬ ‫لؤي حاج بكري‬ ‫علي األعرج‬ ‫وائل قيس‬

‫الهيئة االستشارية‬ ‫عبد السالم حلوم‬ ‫الياس قيسو‬ ‫تميم بدره‬ ‫مصطفى حمو‬

‫الموقع االلكتروني آالء عثمان‬ ‫اإلخراج الفني ‪Copia Graphic‬‬ ‫‪4‬‬

‫مجلة سورية ثقافية‪ ،‬فكرية‪ ،‬مطبوعة‪،‬‬ ‫تصدربشكل شهري‪ ،‬تأسست كصحيفة‬ ‫نصف شهرية في شهر شباط (فبراير)‬ ‫من عام ‪ 2014‬في مدينة غازي عينتاب‬ ‫التركية على يد مجموعة من الشباب‬ ‫السوريين من مختلف مكونات الشعب‬ ‫السوري‪ ،‬تهتم بالشأن السوري‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وتحاول أن تكون‬ ‫فضاء إعالميا مفتوحا‬ ‫لكل السوريين‪ ،‬وساحة لتبادل الرأي‬ ‫والحوار‪.‬‬ ‫تسعى «كلنا سوريون» أن تكون حيادية‬ ‫في نقل املعلومة‪ ،‬وتلتزم بمعياري‬ ‫املوضوعية واملصداقية‪ ،‬ولكنها تعلن‬ ‫أنها منحازة نحو مشروع التحول‬ ‫الديمقراطي في سوريا‪ .‬في وجه كل بنى‬ ‫االستبداد والطغيان التي تعرقل هذا‬ ‫املشروع‪.‬‬ ‫وهي عضو مؤسس للشبكة السورية‬ ‫لإلعالم املطبوع ‪ (SNP).‬إليمانها بالعمل‬ ‫التشاركي الجماعي‪ ،‬وهي عضو مشارك‬ ‫في ميثاق "شرف" لإلعالميين‬ ‫السوريين‪.‬‬


‫أوديب والكرت ا‬ ‫الفطرة اليت أنهتها مشولية القيم‬

‫علي األعرج‬

‫‪11‬‬

‫عن الوطن واملؤامرة‪...‬‬ ‫بسام يوسف‪5 /‬‬ ‫أحباث ودراسات‬ ‫أوديب والكترا الفطرة التي أنهتها شمولية القيم‬ ‫علي األعرج‪11 /‬‬ ‫رأي‬ ‫من يردم الخنادق املحفورة في دمائنا‬ ‫عبد الحميد سليمان‪21 /‬‬ ‫مهمة األدب توثيق صورتنا النفسية الحقيقية‪.‬‬ ‫أحمد إبراهيم املحمد‪25 /‬‬

‫مهمة األدب‬

‫توثيق صورتنا النفسية احلقيقية‬

‫أمحد إبراهيم احملمد‬

‫‪25‬‬

‫ملف العدد‬

‫العنف الديني رؤية في النشوء‬

‫علي األعرج‪33 /‬‬ ‫التطرف واإلرهاب اإلسالمي و اقع أم فوبيا مختلقة‬ ‫زهرة محمد‪41/‬‬ ‫العنف في التفكيرالعربي اإلسالمي‬ ‫عبدو نبي‪53/‬‬ ‫شخصية العدد‬

‫زكريا تامرالحداد الدمشقي‬

‫خالد علوش‪67 /‬‬ ‫‪5‬‬

‫التطرف واإلرهاب اإلسالمي‬ ‫واقع أم فوبيا خمتلقة شاقة‬

‫زهرة حممد‬

‫‪41‬‬


‫ما أمجل احلياة‬ ‫ممدوح شوكت أساندال‬ ‫ت‪ :‬نور عبداهلل‬

‫‪89‬‬ ‫قضايا املرأة واجملتمع‬ ‫رابطة املعتقالت السوريات‬ ‫زهرة محمد‪75 /‬‬ ‫أول على آخر… مكان املرأة في البيت!‬ ‫ماجدة عبد القادر‪81 /‬‬ ‫ما أجمل الحياة‬

‫أدب اآلخر‬

‫ممدوح شوكت أساندال‬ ‫ترجمة نور عبد هللا‪89 /‬‬ ‫ً‬ ‫شعراء من العالم يكتبون الحيوان شعرا‬ ‫ترجمة‪ :‬عمارعكاش‪95 /‬‬

‫أمحد رائد‬ ‫يف رحلة البحث عن اجلمال‬ ‫حسني برو‬

‫‪111‬‬

‫آداب وفنون‬ ‫ً‬ ‫نزار قباني املرأة حين تتجلى شعرا‬ ‫ريم فاضل‪103 /‬‬ ‫في البحث عن مسرح جديد‬ ‫بشارفستق‪107 /‬‬ ‫أحمد رائد في رحلة البحث عن الجمال‬ ‫حسين برو‪111 /‬‬ ‫ً‬ ‫عاشقا ّ‬ ‫للريح‬ ‫كن‬ ‫علي محمد شريف‪121/‬‬ ‫ملن نكتب اليوم؟‬ ‫مصطفى أحمد‪125/‬‬ ‫بوح‬ ‫‪6‬‬

‫كن عاشقاً للرّيح‬ ‫علي حممد شريف‬

‫‪121‬‬


‫عن الوطن واملؤامرة‪...‬‬ ‫بسام يوسف‬ ‫لماذا تفقد كل كلماتنا الكبرى ‪ -‬والتي نتهجاها كما لو أننا‬ ‫نقبض على مفاتيح المعرفة ‪ -‬معناها‪ ،‬وتذهب إلى معان‬ ‫معقدة ال تشي بمعناها الحقيقي‪ ،‬فال الوطن وطن‪ ،‬وال‬ ‫الدولة دولة‪ ،‬وال الجامعة جامعة‪ ،‬وال الصمود صمود‪ ،‬وال‬ ‫الحق حق‪ ،‬وال اهلل هو اهلل‪ ،‬وال الصالة عبادة‪.‬‬

‫أوصلنا "جهابذة "املقاومة والصمود والتصدي‪ ،‬وكل تلك املفردات املجعجعة بال طحن‪ ،‬إلى أن نشهد‬ ‫الزمن الذي أصبحت فيه اسرائيل الرقم األول في هذه املنطقة‪ ،‬ليس هذا فحسب‪ ،‬بل والرقم الذي‬ ‫يفصل ّ‬ ‫ّ‬ ‫وينفذ ما يريد‪ ،‬ويتسابق الجميع وفي مقدمتهم هؤالء الجهابذة إلى طلب ودها‪.‬‬ ‫‪7‬‬


‫ال يمكن ملفردة في كل لغات‬ ‫األرض أن تتردد يوميا ولعقود‬ ‫طويلة طويلة‪ ،‬وفي كل‬ ‫الجلسات‪ ،‬ونشرات األخبار‪،‬‬ ‫وأحاديث املثقفين‪ ،‬وربما في‬ ‫أغاني األطفال مثل كلمة‬ ‫"املؤامرة"‪ ،‬لقد رددها العرب‬ ‫مئات ماليين املرات‪ ،‬حتى‬ ‫أنها لكثرة ما ترددت فقدت‬ ‫معناها الحقيقي‪ ،‬وأصبحت‬ ‫تحتل فضاء واسعا من‬ ‫املعاني والدالالت ‪ ...‬بدء من‬ ‫الخبز وحليب األطفال‬ ‫ومقاعد الدراسة‪ ،‬وصوال إلى‬ ‫املطر والرعد والجفاف‪.‬‬ ‫هنا في السويد‪ ..‬جاري الذي‬ ‫لم ينجح في امتحان قيادة‬ ‫السيارة يتنهد قائال إنها مؤامرة‪ ،‬وابني الذي لم‬ ‫يتفوق هو أو أي من رفاقه القادمين من خارج‬ ‫السويد يفسرون األمر على أنه مؤامرة‪،‬‬ ‫وجارتنا التي أمضت ثالث سنوات في مدرسة‬ ‫تعلم اللغة السويدية وخرجت منها بثالث‬ ‫عبارات فقط‪ ،‬اعتبرت عدم قبولها في املكان‬ ‫الذي تقدمت للعمل به هو مؤامرة‪ ،‬رغم أن‬ ‫املكان هو روضة أطفال‪ ،‬ويحتاج للتواصل‬ ‫معهم بلغة سويدية سليمة‪.‬‬

‫نس ي السوريون هنا ما يحدث في سوريا‪،‬‬ ‫فمعركتهم اليوم تتمحور حول ضرورة‬ ‫الحصول على موافقة لبناء مسجد‪،‬‬ ‫اجتماعات واتصاالت نقاشات واحساس‬ ‫بالرض ى والعظمة فهم يخوضون أم املعارك‪..‬‬ ‫معركة اإليمان في أرض الكفر‪!!.‬‬ ‫وهناك في سوريا حيث العالم كله يشترك في‬ ‫املؤامرة الكونية‪ ،‬تصبح هذه املفردة العجيبة‬ ‫أكثر قوة وبهاء وبالغة‪ ،‬فهي تقطع الكهرباء‪،‬‬ ‫‪8‬‬


‫وترسل القرش ليقرض كبل بحري‪ ،‬وتقتل‬ ‫مليون سوري بأيد سورية‪ ،‬وتعمر عشرات‬ ‫السجون‪...‬و‪..‬و‪....‬‬

‫فاملشكلة هي في مكان آخر‪ ،‬واإلجابة على‬ ‫سؤال هل هي فعال مواقع سورية‪ ،‬أهم بكثير‬ ‫من احساسه بالحزن أو عدمه‪ ،‬فما بالك‬ ‫عندما تكون هذه املواقع مصدرا ملوته ولهدر‬ ‫كرامته وتهجيره؟؟‪!!.‬‬

‫ملاذا تفقد كل كلماتنا الكبرى ‪ -‬والتي نتهجاها‬ ‫كما لو أننا نقبض على مفاتيح املعرفة ‪-‬‬ ‫معناها‪ ،‬وتذهب إلى معان معقدة ال تش ي‬ ‫بمعناها الحقيقي‪ ،‬فال الوطن وطن‪ ،‬وال‬ ‫الدولة دولة‪ ،‬وال الجامعة جامعة‪ ،‬وال‬ ‫الصمود صمود‪ ،‬وال الحق حق‪ ،‬وال هللا هو‬ ‫هللا‪ ،‬وال الصالة عبادة‪ ،‬وال‪ ..‬وال‪....‬‬

‫يعوم السوريون اليوم في عالم بال حدود‪ ...‬لم‬ ‫يعودوا يؤمنون بش يء‪ ،‬لقد تحطم كل ما‬ ‫حولهم من هللا وحتى رشفة املاء‪ ،‬ال أرض‬ ‫صلبة يقفون عليها‪ ،‬وال جهة ييممون وجوهم‬ ‫اليها فكل البالد أصبحت موتا لهم وكل‬ ‫الجهات مخادعة‪.‬‬

‫يسألني "رمادي" يقف في مساحة األمنيات‬ ‫والدعوات الخجولة املتسامحة مستنكرا‪ :‬أال‬ ‫يحزنك قصف اسرائيل ملواقع سورية؟؟‪.‬‬

‫عندما يحاصرك املوت من ست جهات‬ ‫األرض‪ ،‬يصبح السؤال عن معنى الوطن تافها‬ ‫وبال أي معنى‪ ،‬وحده البقاء على قيد الحياة‬ ‫هو وطن الهاربين من املوت‪.‬‬

‫ليس األمر بالغة في اللغة‪ ،‬وال هو اصطفاف‬ ‫غوغائي خلف مفردات فقدت معناها‪ ،‬عندما‬ ‫ال يشعر السوري أن هذه املواقع تهمه في ش يء‬

‫بسام يوسف‬ ‫كاتب وصحفي سوري‪ ،‬يقيم يف السويد‪ ،‬رئيس حترير جملة كلنا سوريون‬

‫‪9‬‬


10


‫أبحاث ودراسات‬ ‫‪11‬‬


12


‫أوديب والكرتا‬ ‫علي األعرج‬ ‫إن اإلنسان يولد بوعي جنسي صوتي ويجابه أول يوم‬ ‫في الحياة باضطراب أبدي ال ينتهي‪ .‬فأوديب والكترا ليستا‬ ‫أسطورتين‪ ،‬وليستا مزيجاً خيالياً مريضاً‪ .‬إنهما واقع‬ ‫يتالشى تحت ضربات شمولية القيم‪.‬‬

‫في العصر الحالي‪ ،‬قد يتفق البعض وقد يختلف حول سير العلوم وما وصلت إليه من تطور‪ .‬لكن ال‬ ‫يمكن ألحد‪ ،‬مهما كانت إيديولوجيته‪ ،‬أن ُينكر أنه في فترة زمنية‪ ،‬استطاع بعض العلماء والفالسفة‬ ‫تغيير وجه العالم القديم‪ ،‬وتقديم نظريات ساهمت بالتطور البشري‪ .‬وإن أصبحت هذه النظريات‬ ‫اآلن‪ ،‬قديمة نسبيا وخضعت عبر قرن كامل من تطورات فكرية متسارعة لعلماء وفالسفة الحقين‪،‬‬ ‫إال أن الجـذر لهـذه النظريـات هـو أمـر واقـع‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫ونتـ ّ‬ ‫حدث هن ـا عن ثالث نظريات‬ ‫قلبـت موازي ـن الفـكر‪ ،‬وهي نظرية‬ ‫الطبيعة لتشارلز داروين‪ ،‬ونظرية‬ ‫االقتصاد لكارل ماركس‪ ،‬ونظرية‬ ‫علم النفس لسيغموند فرويد‪.‬‬ ‫وبرغم التطورات التي خضعت‬ ‫لها تلك النظريات‪ّ ،‬‬ ‫وحولها هذا‬ ‫التطور إلى نظريات كالسيكية‪ ،‬إال‬ ‫أن إحدى هذه النظريات‬ ‫وصاحبها مازاال يمارسان دور‬ ‫املشاكس في العلم الحالي‪،‬‬ ‫ونقصد بالضبط سيغموند‬ ‫فرويد ونظريته النفسية‪.‬‬ ‫خضعت نظرية علم النفس‬ ‫الحديث لكثير من الدراسات‬ ‫والتأويالت وانشقت عنها مدارس ضخمة‬ ‫وعلماء وفالسفة‪ ،‬وتحولت مع الزمن‪ ،‬مثل‬ ‫النظريتين األخريين‪ ،‬إلى نوع من الكالسيكية‬ ‫العلمية‪ .‬وهنا نريد التوقف قليال للحديث عن‬ ‫جزء من هذه النظرية‪ ،‬ليس بمعناها‬ ‫التجريبي والطبي‪ ،‬بل محاولة للتأمل الفلسفي‬ ‫فيها‪ ،‬وهو ما أطلقه فرويد يوما حول جزء من‬ ‫نظريته الجنسية (عقدة أوديب‪ ،‬وأوديب‬ ‫األنثوية‪ ،‬التي أطلق عليها يونغ فيما بعد اسم‬ ‫عقدة الكترا)‪.‬‬

‫تناول فرويد هذه التسمية من أسطورة‬ ‫أوديب اليونانية‪ ،‬التي ُبنيت على نبوءة‬ ‫العرافة دلفي‪ ،‬أن طفال سيولد ويقتل أباه‬ ‫اليوس ويتزوج أمه يوكاسته‪ ،‬وحرصا من‬ ‫الوالدين على عدم تحقيق النبوءة يقرران‬ ‫التخلص من الطفل‪ ،‬فيعطيانه لراعي كي‬ ‫يتركه للوحوش على جبل كيثايرون‪ ،‬لكن‬ ‫الراعي يشفق على الطفل ويعتني به حتى يكبر‪.‬‬ ‫وتتحقق النبوءة ويصبح أوديب ملكا على‬ ‫طيبة بعد قتل أبيه اليوس ويتزوج أمه‬ ‫يوكاسته دون أن يعلم أنها والدته‪.‬‬

‫‪14‬‬


‫ّ‬ ‫تجسدت‬ ‫مجمل األخطاء الفرويدية التي‬ ‫ببعض النقاط‪ ،‬وأهمها‪:‬‬

‫بنى فرويد نظريته على تلك األسطورة‪ ،‬وهي‬ ‫رغبة الطفل الجنسية بأمه‪ ،‬وبنى نظريته‬ ‫املضادة وهي أوديب األنثوية التي ُسميت‬ ‫بالكترا‪ ،‬على نفس املبدأ األوديبي وهي تعلق‬ ‫الفتاة بوالدها‪ ،‬بأسطورة يونانية مماثلة وهي‬ ‫أسطورة انتقام الكترا من والدتها بعد مقتل‬ ‫أغمامنون األب‪.‬‬ ‫بعيدا عن األسطورة‪ ،‬ما يهمنا هو الشكل‬ ‫الجنس ي الذي طرحه فرويد‪ ،‬والقى معارضة‬ ‫تاريخية من الناس والعلماء‪ ،‬وهو سؤال قديم‬ ‫قدم النظرية نفسها‪ ،‬هل فعليا ما ّ‬ ‫قدمه‬ ‫ِ‬ ‫فرويد حول التعلق الجنس ي يمكن إثباته؟‬ ‫لست هنا ألجد‬ ‫تبريرا حول هذا‬ ‫السؤال‪ ،‬لكن‬ ‫هناك حالة‬ ‫ُ‬ ‫يمكن أن تدلنا‬ ‫على أهمية‬ ‫هذه الفكرة‪.‬‬ ‫بالطبع ليس‬ ‫الهدف هو‬ ‫الدفاع عن‬ ‫فرويد ونظريته‪ ،‬بقدر ما هي مناقشة سؤال‬ ‫خاص في هذا الجانب‪.‬‬ ‫مع موت فرويد وتطور املدارس النفسية‬ ‫ونظرياتها العاملية‪ ،‬اتفق الجميع تقريبا على‬ ‫‪15‬‬

‫‪-‬‬

‫أن فرويد اعتمد غالبية نتائجه‬ ‫ُ‬ ‫على املالحظات املتعلقة أساسا‬ ‫ًّ‬ ‫عاطفيا‪ ،‬وهو‬ ‫بأشخاص مضطربين‬ ‫ما يعتبره ُمعارضوه أمرا غير دقيق‪،‬‬ ‫فمن وجهة نظرهم ُهناك‬ ‫شخصيات سليمة‪ ،‬وهو ما‬ ‫يدحض تعميمات فرويد‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫النقطة الثانية‪ ،‬هي أن الوقت الذي‬ ‫ظهر فيه فرويد كان الحديث عن‬ ‫الجنس عموما محظورا ًّ‬ ‫جدا‪،‬‬ ‫لذلك وجدت نظريته بيئة خصبة‪،‬‬ ‫حيث ُمعظم املرض ى ُيعانون من‬ ‫مشاكل جنسية‪ ،‬ويالحظ ُمعارضوه‬ ‫اآلن أنه وبرغم مشاكل الجنس التي‬ ‫تقل مع الوقت‪ ،‬إال أن املرض‬ ‫الذهني ما يزال موجودا‪ ،‬بل حتى‬ ‫أنه يتطور‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫والنقطة الثالثة‪ ،‬هي وضع فرويد‬ ‫فرضيات عامة لم ُيفسرها‪ ،‬وهو ما‬ ‫جعلها غامضة حتى على تالميذه؛‬ ‫مثال ما هو السلوك الذي يشير إلى‬ ‫أن الطفل في مراحله األولى‪ ،‬كما‬ ‫يقول فرويد‪ ،‬يحدث له تطور‬ ‫نفس ي جنس ي؟‬


‫ُ‬ ‫هذه النقاط الثالثة التي تعتبر‬ ‫انشقاقات في النظرية الفرويدية‪ ،‬تم‬ ‫تطوير نظريات الحقة عليها‪ .‬لكن‬ ‫بالوقوف عند هذه النقاط وباألخص‬ ‫النقطة الثالثة فيما تم نقده‪ ،‬يلوح لنا‬ ‫سؤال‪ ،‬وهو أن فرويد ّ‬ ‫تحدث عن‬ ‫التطور النفس ي الجنس ي للطفل في‬ ‫مراحل نشأته األولى‪ ،‬بعد والدته‬ ‫واختالطه باملجتمع‪ .‬بالطبع هذه النقطة‬ ‫تعاني بعض الضعف‪ ،‬لكن ليس ألن‬ ‫العلماء بعد فرويد أخضعوا املعيار‬ ‫الجنس ي للسلوك واالكتساب والثقافة‬ ‫املجتمعية‪ ،‬بل ألن فرويد لم يملك أدوات‬ ‫ّ‬ ‫إثبات فكرة الجنس املتشكل قبل الوالدة‪،‬‬ ‫ليس بمعناه الجيني‪ ،‬بل بمعنى الثقافة‬ ‫الصوتية األولى التي تتركز في الوعي األول‪.‬‬

‫والدين والفلكلور وتأثيراتها على البشر كما‬ ‫عالجها يونغ يوما‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫كتسب‪ ،‬لكن‬ ‫بالتأكيد اإلنسان هو عنصر م ِ‬ ‫تختلف زمنية االكتساب وأشكالها‪ .‬بمعنى أن‬ ‫األقرب لصيغة االكتساب هي فطريته‪ ،‬ثقافة‬ ‫الجنس‪ ،‬االنطباعات األولى بحسب‬ ‫السلوكيين الذين يبنون اإلنسان بطريقة‬ ‫إمكانيته تلقي كل الثقافات املحتملة‪ ،‬لكن‬ ‫السؤال ما هي أولى الثقافات التي تتشكل في‬ ‫الجزء املظلم من الدماغ؟‬

‫الجنس ثقافة صوتية‪:‬‬ ‫من منطق علم النفس الوجودي‪ ،‬فإن‬ ‫اإلنسان يشارك في تشكيل العالم‪ ،‬وفي ذات‬ ‫الوقت يخضع الضطرابات هذا التشكيل‪ ،‬من‬ ‫قلق واكتئاب وبحث عن معنى للوجود‬ ‫البشري‪ُ ،‬مسقطين أي نوع من أنواع الفطرة‬ ‫البشرية في تأثيراتها على اإلنسان‪ ،‬إن كان‬ ‫بمعناها التحليلي الفرويدي (صورة الجنس)‬ ‫أو حتى التأثيرات الجماعية ملبدأ األسطورة‬

‫ال أحد يختلف من علماء النفس ـ بمن فيهم‬ ‫فرويد ـ أن اإلنسان ُيبنى سلوكه بتأثيرات‬ ‫املجتمع‪ ،‬لكن كل الخالف الذي طرحه فرويد‬ ‫هو حول أولى االنطباعات‪ ،‬والتي أعادها إلى‬ ‫‪16‬‬


‫باإلضافة إلى آخر خمسة عشرة عاما‪ ،‬قامت‬ ‫كثير من الجامعات بدراسات مشابهة‪ ،‬حتى في‬ ‫املجال الديني وتأثير الصوت على األجنة‪،‬‬ ‫بقراءة القرآن والتراتيل اإلنجيلية‪ ،‬انتشرت في‬ ‫السنوات األخيرة‪ ،‬ومالحظة الفروقات بعد‬ ‫الوالدة عند األطفال من الهدوء والذكاء‬ ‫والتأقلم واالنفعال‪.‬‬

‫صورة الجنس‪ .‬وهذا ما نريد التوقف عنده‬ ‫قليال‪ .‬قلنا إن رؤية فرويد للجنس النفس ي‬ ‫الطفولي تعاني ضعفا بسبب عدم قدرته على‬ ‫إثبات فكرة الجنس املتشكل قبل الوالدة‪،‬‬ ‫وقد يبدو هذا االفتراض متطرفا قليال‬ ‫بالنسبة للعلم‪ ،‬لكن دعونا نأخذ هذا‬ ‫االفتراض ضمن سياقات البحوث العلمية‬ ‫نفسها‪.‬‬

‫هذه الدراسات أثبتت تأثيرات الصوت‬ ‫الخارجي على األجنة‪ ،‬وقدرتها على حضور‬ ‫مميز وفاعل‪ ،‬وال يملك أحد أي مشكلة مع‬ ‫هذه الثقافة األولى التي تتركز في وعي الجنين‬ ‫قبل والدته‪ .‬إنها ثقافة تأثير الصوت البدائي‬ ‫على اإلنسان‪ ،‬والخطوة األولى لتستقبله‬ ‫الحياة بوعي مختلف‪.‬‬

‫قامت جامعة هلسينكي الفنلندية‪ ،‬بإجراء‬ ‫ًّ‬ ‫دراسة على ‪ّ 12‬أما حامال‪ ،‬من خالل منحنهن‬ ‫أسطوانة مدمجة سجل عليها أغنيات‬ ‫لألطفال‪ ،‬لعرضها على الجنين في األشهر‬ ‫الثالثة األخيرة من الحمل ملدة ‪ 5‬مرات يوميا‪،‬‬ ‫والتخلص من األسطوانة بعد الوالدة نهائيا‬ ‫لضمان عدم االستماع مرة أخرى لتلك‬ ‫األغنيات‪.‬‬

‫لكن أليس بنفس‬ ‫املنطق يحق لنا‬ ‫التساؤل‪ ،‬أن أي‬ ‫صوت له ذات‬ ‫التأثير‪ ،‬ونقصد‬ ‫هنا بالضبط‬ ‫الفعل الجنس ي‪،‬‬ ‫األكثر تأثيرا على الجنين من األصوات‬ ‫الخارجية كاملوسيقى والقراءة‪ ،‬فعل تأوه وتأثر‬ ‫ّ‬ ‫الشبقية‬ ‫األم الحامل أو الزوج باملعطيات‬ ‫املباشرة أثناء املضاجعة‪ ،‬وهي باملعنى الصوتي‬ ‫أكثر تأثيرا من األفعال الصوتية الخارجية‪،‬‬

‫وبعد إعادة االستماع لألغاني مرة أخرى بعد‬ ‫الوالدة بـ ‪ 4‬أشهر‪ ،‬ومقارنة النتائج على أطفال‬ ‫لم يستمعوا لتلك املوسيقى أثناء فترة الحمل‪،‬‬ ‫لوحظ أن املجموعة األولى من األطفال هللوا‬ ‫وتفاعلوا مع األغنية التي استمعوا إليها أثناء‬ ‫فترة الحمل‪ ،‬وأن إشارات املخ أشارت إلى أن‬ ‫األغنية مألوفة لديهم‪ ،‬بينما املجموعة الثانية‬ ‫التي لم تستمع إلى املوسيقى لم تسجل لديهم‬ ‫نفس ردود األفعال واإلشارات العصبية‪.‬‬

‫‪17‬‬


‫ألنها تنبع من الصلة الحميمية‬ ‫والتأثيرية املادية لفعل‬ ‫الجنس‪.‬‬ ‫إن كان الجميع مقتنع بتأثير‬ ‫الصوت الخارجي على الجنين‪،‬‬ ‫أليس بنفس السياق يجب أن‬ ‫يكونوا مقتنعين بأن األجنة‬ ‫يتأثرون بالفعل الصوتي‬ ‫الجنس ي‪ ،‬بل حتى تأثير‬ ‫مضاعف ملباشريته في الجسد‬ ‫األمومي‪ ،‬وقدرة زرع الصوت‬ ‫الشبقي في الوعي األول‬ ‫للجنين‪ .‬وأكثر من ذلك‪ ،‬يمكن‬ ‫للجنين أال يسمع أي أصوات‬ ‫خارجية كاملوسيقى أو تراتيل‬ ‫وقراءات نصوصية دينية‪،‬‬ ‫لكن ال يمكن له إال أن يتلقى‬ ‫كل مفرزات الصوت الجنس ي‬ ‫األول‪ ،‬وعليه فإن الطفل يولد بوعي جنس ي‬ ‫بدائي‪ ،‬إنها أولى االنطباعات الثقافية قبل أن‬ ‫يكون في الحياة‪ .‬وهذا يضعنا أمام جميع‬ ‫الرؤى البحثية النفسية حول مفهوم‬ ‫االكتساب ومعنى الوجود‪ ،‬أن جميع ما‬ ‫نكتسبه من املجتمع والثقافات ليست سوى‬ ‫انطباعات الحقة على االنطباع األول وهو‬ ‫الجنس كثقافة صوت لها بناءات خاصة‬ ‫وتأثيرات ال تمحى في الجزء املظلم من الوعي‪.‬‬

‫بهذا املعنى ال يمكن لنا سوى التسليم بصحة‬ ‫الوعي الجنس ي األول قبل الوالدة‪ ،‬وعليه تكون‬ ‫نتائج االضطرابات الذهانية التي تم معارضة‬ ‫فرويد فيها ناتجة عن تعقيدات الحياة‬ ‫الالحقة التي تطمر وعي الجنس البدائي‪.‬‬ ‫الواقع اضطراب جنس ي‪:‬‬ ‫إن اإلنسان في ّ‬ ‫تلقيه الجنس كصوت في‬ ‫املرحلة األولى‪ ،‬ينشأ وينمو في البيئة الثقافية‬ ‫‪18‬‬


‫ُ ّ‬ ‫التي تفترض مسارات توعوية‪ ،‬التي تشكل‬ ‫البذرة األولى الضطرابات اإلنسان مع الواقع‪،‬‬ ‫فلحظة الوالدة والنشوء هي لحظة االضطراب‬ ‫ُ‬ ‫الذهاني التي تلغي فعل التعلق الصوتي‬ ‫الجنس ي بالوالدين‪ ،‬ضمن مجموعة القوانين‬ ‫املجتمعية‪ ،‬وعليه فإن السلوك يأخذ‬ ‫مسارات أخرى تاركا الرغبة األولى في الجزء‬ ‫املظلم من العقل‪ ،‬لكن كل التطورات‬ ‫السلوكية ال تمحي تلك الرغبة وهي التي تحدث‬ ‫عنها فرويد بعقدة أوديب‪.‬‬

‫إن البشر بأكملهم ذهانيون‪ ،‬يعانون‬ ‫اضطراب مع الواقع‪ُ ،‬ويعيدون هذا‬ ‫االضطراب إلى تعقيدات نظام الحياة‪ ،‬وإن‬ ‫كان هذا األمر نسبيا على ش يء من صحة‪،‬‬ ‫لكنه ليس الجانب الوحيد‪ .‬إننا نولد‬ ‫مضطربين‪ ،‬وعملية مناقشة أسئلة املعنى‬ ‫الوجودي الكبرى ناتجة فعليا عن السؤال‬ ‫االول الذي يتجلى بكثير من الصيغ التي تدور‬ ‫حول املعنى الجنس ي (ملاذا أنا موجود؟ ما‬ ‫الفائدة من الوجود؟ وكيف سأستمر في‬ ‫الوجود؟ وملاذا استمر؟ وإلى أين سأنتهي؟‬ ‫وملاذا انتهي؟) كل هذه األسئلة ترتبط بصورة‬ ‫الجنس الذي هو معطى أول للوعي الثقافي‬ ‫والسؤال الجوهري‪ ..‬ما هو االنطباع األول‬ ‫الذي تلقيته وفقدته؟‪ ..‬أليس هو الجنس‬ ‫كصوت!‪.‬‬

‫إن لحظة قدوم اإلنسان إلى الحياة‪ ،‬تخلق‬ ‫منه شخصا مضطربا الزدواجية القوانين‬ ‫ُ‬ ‫االجتماعية التي تلغي صورة الجنس الصوتي‪،‬‬ ‫ويتعامل اإلنسان ضمن املعطيات أن ذلك‬ ‫االنفصال عن وعيه الجنس ي األول‪ ،‬هو حالة‬ ‫طبيعية‪ ،‬لذلك ال يرى بنفسه االضطراب‬ ‫الذهني‪ ،‬وربما كان أكبر دليل على هذا‬ ‫االضطراب هو االنسالخ الجنس ي‪ ،‬في صورته‬ ‫التمردية على نظام العائلة‪ ،‬فما ال يمكن‬ ‫الحصول عليه يحتاج إلى إفناء لحماية‬ ‫الشخصية من السقوط‪ ،‬وهذا ما يتم‬ ‫تسميته بعالقات العاطفة مع الشركاء‪ ،‬لكنه‬ ‫ليس سوى رفض سقوط الشخصية‬ ‫االضطرابية أمام القوانين املجتمعية والرغبة‬ ‫األولى‪.‬‬

‫يأتي‬ ‫هكذا‬ ‫اإلنسان إلى‬ ‫الحياة بجاهزية‬ ‫لالنفصال‬ ‫واالضطراب مع‬ ‫في‬ ‫الواقع‬ ‫منظومة‬ ‫القوانين‪ ،‬فعملية اضطرابات العقل مع تطور‬ ‫الحياة نابعة من تعقيدات الجنس رغم‬ ‫اتساعه وحريته في العصر الحالي‪،‬‬ ‫فاضطرابات الواقع هي جنسية في األصل‪.‬‬ ‫‪19‬‬


‫على هذا البناء الذي قد يراه البعض‬ ‫متداع لكنه ريبي وخاضع للمناقشة‪،‬‬ ‫نتوصل إلى فكرة االرتباط الجنس ي‬ ‫األول‪ ،‬وهو الحقد على ما ال نحصل‬ ‫عليه‪ ،‬والذي نتمرد اتجاهه‪ ،‬ونعيش‬ ‫الوهم املجتمعي السوي جنسيا‪ ،‬دون‬ ‫القدرة على الوصول إلى إجابة ما الذي‬ ‫فقدناه بعد أن اكتسبناه!‬ ‫وهذا ما يبرر الشعور النفس ي بالعجز‬ ‫واإلحباط‪ ،‬رغم التمرد‪ ،‬على وفاة‬ ‫الوالدين‪ .‬فلحظة فقدانهما هي أشبه‬ ‫بمجابهة العالم وحيدا رغم االستقالل‬ ‫الكامل في تفاصيل الحياة‪ُ .‬يعيد‬ ‫البعض هذا الشعور النفس ي إلى‬ ‫املستوى األخالقي والديني‪ ،‬وهو‬ ‫بطبيعة الحال أمر مهم كي يستطيع‬ ‫اإلنسان مجابهة الكارثة الجنسية التي‬ ‫ُ‬ ‫ف ِقدت لألبد‪.‬‬

‫فأوديب والكترا ليستا أسطورتين‪ ،‬وليستا‬ ‫مزيجا خياليا مريضا‪ .‬إنهما واقع يتالش ى تحت‬ ‫ضربات شمولية القيم‪.‬‬

‫إن اإلنسان يولد بوعي جنس ي صوتي ويجابه‬ ‫أول يوم في الحياة باضطراب أبدي ال ينتهي‪.‬‬

‫علي األعرج‬ ‫روائي وصحفي سوري‪ ،‬عضو هيئة حترير جملة كلنا سوريون‬

‫‪20‬‬


‫رأي‬ ‫‪21‬‬


22


‫احلرب السورية‬ ‫عبد احلميد سليمان‬ ‫وهذا ما يجعل الخروج من الخندق والغناء سينمائياً في‬ ‫لحظة نشوة‪ ،‬أمر صعب‪ ،‬فالخندق هنا مليء برائحة‬ ‫العقيدة والمشهدية الدينية التاريخية مما يجعل من‬ ‫الصعب إيجاد مكان للموسيقى‪ ،‬وللنوافذ المشرعة‬ ‫لخالص السوريين‪.‬‬

‫بعي ـ ــدا ع ـ ــن األزم ـ ــات السياس ـ ــية املتراكم ـ ــة ف ـ ــوق دم ـ ــار م ـ ــدننا الت ـ ــي بات ـ ــت تتك ـ ــور خراب ـ ــا ف ـ ــي حيرته ـ ــا؛‬ ‫يأتي سؤال الخالص؟ الخالص الذي يبتعد شيئا فشيئا عن سماواتنا‪.‬‬ ‫‪23‬‬


‫منـ ـ ـ ــذ أيـ ـ ـ ـام وبعيـ ـ ـ ــدا عـ ـ ـ ــن املقارنـ ـ ـ ــة‬ ‫ذكرن ـ ـ ـ ـي أح ـ ـ ـ ــد األفـ ـ ـ ــالم الفرنس ـ ـ ـ ــية‬ ‫املنتجـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة عـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــام ‪ 2005‬والـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــذي‬ ‫يتن ـ ـ ـ ـاول قص ـ ـ ــة حقيق ـ ـ ــة ج ـ ـ ــرت ف ـ ـ ــي‬ ‫الح ـ ــرب العاملي ـ ــة األول ـ ــى ف ـ ــي واح ـ ــدة‬ ‫م ـ ـ ـ ــن الجبه ـ ـ ـ ــات املش ـ ـ ـ ــتعلة ش ـ ـ ـ ــمال‬ ‫فرنس ـ ـ ـ ــا‪ ،‬م ـ ـ ـ ــا ب ـ ـ ـ ــين اس ـ ـ ـ ــكتدلنديين‬ ‫وأملـ ـ ـ ـ ــان وفرنسـ ـ ـ ـ ــيين‪ ،‬حيـ ـ ـ ـ ــث كـ ـ ـ ـ ــان‬ ‫س ـ ـ ـ ـ ــعير الح ـ ـ ـ ـ ــرب يل ـ ـ ـ ـ ــتهم أجس ـ ـ ـ ـ ــاد‬ ‫الجن ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــود املق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــاتلين ف ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــي قع ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــر‬ ‫الخن ـ ــادق‪ ،‬والت ـ ــي نس ـ ــجت ال ـ ــدم ف ـ ــي‬ ‫أوص ـ ــار املـ ـ ـدن املتص ـ ــارعة م ـ ــا ب ـ ــين‬ ‫التحرير‪ ،‬واالحتالل‪ ،‬والدفاع‪.‬‬ ‫الف ـ ـ ــيلم الفرنس ـ ـ ـ ي "م ـ ـ ــيالد مجي ـ ـ ــد"‬ ‫أو "ج ـ ـ ـ ـ ـ ــوي نوي ـ ـ ـ ـ ـ ــل" (بالفرنس ـ ـ ـ ـ ـ ــية‪:‬‬ ‫‪ )Joyeux Noël‬يحك ــي ع ــن هدن ــة‬ ‫ليل ـ ـ ــة امل ـ ـ ــيالد الت ـ ـ ــي ح ـ ـ ــدثت خ ـ ـ ــالل‬ ‫الحـ ـ ــرب العامليـ ـ ــة األولـ ـ ــى فـ ـ ــي ديسـ ـ ــمبر ‪.1914‬‬ ‫يصـ ـ ـ ـ ئـور علـ ـ ـ ــى نحـ ـ ـ ــو كئيـ ـ ـ ــب ومأسـ ـ ـ ــاوي األرق‬ ‫واإلره ـ ـ ــاق والتعـ ـ ـ ــب ال ـ ـ ــذي تعـ ـ ـ ــاني من ـ ـ ــه كـ ـ ـ ــل‬ ‫فئـ ـ ـ ــة مـ ـ ـ ــن فئـ ـ ـ ــات الص ـ ـ ـ ـراع نتيجـ ـ ـ ــة السـ ـ ـ ــهر‬ ‫املتواصـ ـ ــل والت ـ ــربص فـ ـ ــي الخنـ ـ ــادق املتقابلـ ـ ــة‪.‬‬ ‫يبلـ ـ ـ ــغ ذلـ ـ ـ ــك أوجـ ـ ـ ـ ُـه مـ ـ ـ ــع اقت ـ ـ ـ ـراب احتفـ ـ ـ ــاالت‬ ‫الع ـ ــالم بعي ـ ــد امل ـ ــيالد املجي ـ ــد ف ـ ــي ش ـ ــتاء ع ـ ــام‬ ‫‪ .1914‬حينم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا ت ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــأتي مغني ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة أوب ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـرا‬ ‫دانماركي ـ ــة األصـ ـ ــل لقضـ ـ ــاء ليل ـ ــة املـ ـ ــيالد مـ ـ ــع‬ ‫ُ‬ ‫عشـ ـ ــيقها مغنـ ـ ــي األوب ـ ـ ـرا األملـ ـ ــاني الـ ـ ــذي ألـ ـ ــزم‬

‫خ ـ ــوض املع ـ ــارك م ـ ــع بقي ـ ــة الجن ـ ــود ويغني ـ ــان‬ ‫للجنـ ـ ـ ــود القـ ـ ـ ــابعين فـ ـ ـ ــي خنـ ـ ـ ــادق مصـ ـ ـ ــائرهم‪.‬‬ ‫م ـ ــع ب ـ ــدء احتف ـ ــاالت ليل ـ ــة عي ـ ــد امل ـ ــيالد يظه ـ ــر‬ ‫م ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن ب ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــين الخن ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــادق االس ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــكتلندية ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ‬ ‫البريطاني ـ ـ ــة أص ـ ـ ــوات تص ـ ـ ــدح بالغن ـ ـ ــاء قب ـ ـ ــل‬ ‫أن ت ـ ــرد عليه ـ ــا الخن ـ ــادق األملاني ـ ــة الت ـ ــي تك ـ ــون‬ ‫قـ ـ ـ ـ ــد ازدانـ ـ ـ ـ ــت بمجـ ـ ـ ـ ــاميع الهـ ـ ـ ـ ــدايا املرسـ ـ ـ ـ ــلة‬ ‫للجنـ ـ ــود‪ .‬تأخـ ـ ــذ أصـ ـ ــوات الغنـ ـ ــاء بالتص ـ ـ ــاعد‬ ‫التـ ـ ـ ــدريري وكـ ـ ـ ــل طـ ـ ـ ــرف يـ ـ ـ ــرد علـ ـ ـ ــى الطـ ـ ـ ــرف‬ ‫املقابـ ـ ـ ــل قبـ ـ ـ ــل أن تتجـ ـ ـ ــاوب معهـ ـ ـ ــم أصـ ـ ـ ــوات‬

‫‪24‬‬


‫باس ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــتمناء بع ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــض الجن ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــود النظ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــاميين‬ ‫البس ـ ـ ـ ـ ـ ــطاء‪ ،‬وبع ـ ـ ـ ـ ـ ــض األش ـ ـ ـ ـ ـ ــخاص ال ـ ـ ـ ـ ـ ــذين‬ ‫اض ـ ـ ـ ـ ـ ـطروا لحمـ ـ ـ ـ ـ ــل السـ ـ ـ ـ ـ ــالح دفاعـ ـ ـ ـ ـ ــا عـ ـ ـ ـ ـ ــن‬ ‫أنفس ـ ــهم وأعراض ـ ــهم‪ ،‬فيم ـ ــا تبق ـ ــى وباملجم ـ ــل‬ ‫نجـ ـ ـ ــد أن حمـ ـ ـ ــل السـ ـ ـ ــالح كـ ـ ـ ــان خيـ ـ ـ ــارا لـ ـ ـ ــدى‬ ‫املقـ ـ ـ ــاتلين‪ .‬وهـ ـ ـ ــذا مـ ـ ـ ــا يجعـ ـ ـ ــل الخـ ـ ـ ــروج مـ ـ ـ ــن‬ ‫الخن ـ ـ ـ ـ ــدق والغن ـ ـ ـ ـ ــاء س ـ ـ ـ ـ ــينمائيا ف ـ ـ ـ ـ ــي لحظ ـ ـ ـ ـ ــة‬ ‫نشـ ـ ــوة‪ ،‬أمـ ـ ــر صـ ـ ــعب‪ ،‬فالخنـ ـ ــدق هنـ ـ ــا ملـ ـ ــيء‬ ‫برائح ـ ـ ـ ـ ـ ــة العقي ـ ـ ـ ـ ـ ــدة واملش ـ ـ ـ ـ ـ ــهدية الدينيـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة‬ ‫التاريخي ـ ــة مم ـ ــا يجع ـ ــل م ـ ــن الص ـ ــعب إيج ـ ــاد‬ ‫مكـ ـ ـ ـ ـ ــان للموسـ ـ ـ ـ ـ ــيقى‪ ،‬وللنوافـ ـ ـ ـ ـ ــذ املشـ ـ ـ ـ ـ ــرعة‬ ‫لخالص السوريين‪.‬‬ ‫ال شـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ يء إذا يوقـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــف الرصـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــاص بعـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــد‬ ‫سـ ـ ـ ــنوات عـ ـ ـ ــدة مـ ـ ـ ــن التراكمـ ـ ـ ــات االنتقاميـ ـ ـ ــة‬ ‫الحاص ـ ـ ــلة فيم ـ ـ ــا ب ـ ـ ــين أطـ ـ ـ ـراف الصـ ـ ـ ـراع‪ .‬أي‬ ‫أداة إنس ـ ـ ــانية ق ـ ـ ــادرة أن توق ـ ـ ــف القت ـ ـ ــال ف ـ ـ ــي‬ ‫الجبهـ ـ ـ ـ ـ ـ ــات علـ ـ ـ ـ ـ ـ ــى األرض السـ ـ ـ ـ ـ ـ ــورية ليـ ـ ـ ـ ـ ـ ــوم‬ ‫واحـ ـ ـ ــد‪ ،‬لتبـ ـ ـ ــدأ صـ ـ ـ ــيغ مـ ـ ـ ــن التواصـ ـ ـ ــل بلغـ ـ ـ ــة‬ ‫مش ـ ـ ـ ـ ـ ــتركة‪ .‬ربم ـ ـ ـ ـ ـ ــا العدي ـ ـ ـ ـ ـ ــد م ـ ـ ـ ـ ـ ــن األس ـ ـ ـ ـ ـ ــئلة‬ ‫س ـ ـ ـ ـ ــتتراكم ف ـ ـ ـ ـ ــي مخيل ـ ـ ـ ـ ــة أي ق ـ ـ ـ ـ ــار ومت ـ ـ ـ ـ ــابع‬ ‫لحركة الصراع في الداخل السوري‪.‬‬ ‫أي داعشـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ي باس ـ ـ ـ ـ ـ ــتطاعته ّ‬ ‫تقب ـ ـ ـ ـ ـ ــل اآلخ ـ ـ ـ ـ ـ ــر‬ ‫بعي ـ ـ ـ ـ ـ ــدا ع ـ ـ ـ ـ ـ ــن فك ـ ـ ـ ـ ـ ــرة الث ـ ـ ـ ـ ـ ــورة االس ـ ـ ـ ـ ـ ــالمية‬ ‫والخالفـ ـ ـ ــة؟ فالداعش ـ ـ ـ ـ ي يقاتـ ـ ـ ــل نيابـ ـ ـ ــة عـ ـ ـ ــن‬ ‫هللا وي ـ ـ ــذبح نياب ـ ـ ــة ع ـ ـ ــن هللا وي ـ ـ ــوزع ص ـ ـ ــكوك‬ ‫الغفـ ـ ـ ـ ـران والتوبـ ـ ـ ـ ــة نيابـ ـ ـ ـ ــة عـ ـ ـ ـ ــن هللا ويفـ ـ ـ ـ ـرز‬ ‫املقتـ ـ ـ ــولين إلـ ـ ـ ــى جنـ ـ ـ ــة ونـ ـ ـ ــار نيابـ ـ ـ ــة عـ ـ ـ ــن هللا‪.‬‬

‫جمي ـ ـ ـ ـ ــع الفرق ـ ـ ـ ـ ــاء بالغن ـ ـ ـ ـ ــاء م ـ ـ ـ ـ ــن الخن ـ ـ ـ ـ ــادق‬ ‫املتقابل ـ ـ ــة ويص ـ ـ ــل األم ـ ـ ــر ب ـ ـ ــالبعض م ـ ـ ــنهم أن‬ ‫يخ ـ ــرج م ـ ــن مت ـ ــاريس الجبه ـ ــة بج ـ ـرأة ن ـ ــادرة ف ـ ــي‬ ‫محاولـ ـ ـ ــة لـ ـ ـ ــزرع شـ ـ ـ ــجرة املـ ـ ـ ــيالد غيـ ـ ـ ــر آبهـ ـ ـ ــين‬ ‫ب ـ ــإطالق الن ـ ــار عل ـ ــيهم م ـ ــن الخص ـ ــم املقابـ ـ ــل‪.‬‬ ‫ش ـ ــيئا فش ـ ــيئا يغ ـ ــامر الجمي ـ ــع ب ـ ــالخروج م ـ ــن‬ ‫الخن ـ ـ ـ ـ ــادق ويق ـ ـ ـ ـ ــدمون التهنئ ـ ـ ـ ـ ــة كأش ـ ـ ـ ـ ــخاص‬ ‫طبيعي ـ ـ ــين ال كخص ـ ـ ــوم ويتص ـ ـ ــافحون بب ـ ـ ـراءة‬ ‫وسعادة‪.‬‬ ‫حادث ـ ــة غريب ـ ــة وربم ـ ــا غي ـ ــر طبيعي ـ ــة بالنس ـ ــبة‬ ‫لوقائع االحداث‪.‬‬ ‫تمنيـ ـ ـ ـ ــت وأنـ ـ ـ ـ ــا أشـ ـ ـ ـ ــاهد أحـ ـ ـ ـ ــداث القصـ ـ ـ ـ ــة‬ ‫الفـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــيلم‪ ،‬بهـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــذه النمـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــاذج اإلنسـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــانية‪،‬‬ ‫وطريقـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة إنص ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــاتهم للغنـ ـ ـ ـ ـ ـ ــاء والتراتيـ ـ ـ ـ ـ ـ ــل‪،‬‬ ‫تواصـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــلهم‪ ،‬مبـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــادلتهم األحـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــالم‬ ‫والذكريات‪ ....‬إلخ‪.‬‬ ‫تمنيـ ـ ـ ـ ــت لـ ـ ـ ـ ــو أن جبهـ ـ ـ ـ ــة مـ ـ ـ ـ ــا مـ ـ ـ ـ ــن الجبهـ ـ ـ ـ ــات‬ ‫املش ـ ــتعلة ف ـ ــي س ـ ــوريا م ـ ـ ّـر عليه ـ ــا واح ـ ــدة م ـ ــن‬ ‫ه ـ ــذه النم ـ ــاذج الت ـ ــي ق ـ ــد ال تك ـ ــون مس ـ ــتحيلة‬ ‫كأنس ـ ــنة نمـ ـ ــاذج مقاتلـ ـ ــة فـ ـ ــي سـ ـ ــبيل أحالمهـ ـ ــا‬ ‫ومرادهـ ـ ـ ــا‪ ،‬ربمـ ـ ـ ــا علينـ ـ ـ ــا البحـ ـ ـ ــث عميقـ ـ ـ ــا فـ ـ ـ ــي‬ ‫شـ ـ ـ ــكل الص ـ ـ ـ ـراع ضـ ـ ـ ــمن الحالـ ـ ـ ــة السـ ـ ـ ــورية‪،‬‬ ‫ففـ ـ ـ ـ ــي سـ ـ ـ ـ ــوريا املتقـ ـ ـ ـ ــاتلون ليسـ ـ ـ ـ ــوا جنـ ـ ـ ـ ــودا‬ ‫ُ‬ ‫فرض ـ ـ ـ ــت الح ـ ـ ـ ــرب عل ـ ـ ـ ــيهم فرض ـ ـ ـ ــا إنم ـ ـ ـ ــا ه ـ ـ ـ ــي‬ ‫خي ـ ـ ــار وتط ـ ـ ــوع‪ .‬املقات ـ ـ ــل ف ـ ـ ــي س ـ ـ ــوريا م ـ ـ ــد ّ‬ ‫بث ـ ـ ـ ـ ــأر شخ ـ ـ ـ ـ ـ ي أو جمع ـ ـ ـ ـ ــي‪ ،‬ل ـ ـ ـ ـ ــم تجب ـ ـ ـ ـ ــرهم‬ ‫منظوم ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــة عسـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــكرية لالنض ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــمام إليهـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــا‬

‫‪25‬‬


‫وجنـ ـ ـ ا‬ ‫ـدي سـ ـ ــوري تائـ ـ ــه يقاتـ ـ ــل سـ ـ ــوريا مـ ـ ــدنيا‬ ‫ّلق ـ ــب نفس ـ ــه ب ـ ــالحر تج ـ ــاه نظ ـ ــام قات ـ ــل وغي ـ ــر‬ ‫شـ ـ ــرعي وأط ـ ـ ـراف أخـ ـ ــرى متهافتـ ـ ــة يومـ ـ ــا بعـ ـ ــد‬ ‫يوم‪.‬‬ ‫مـ ـ ــا ال يقـ ـ ــارن فـ ـ ــي القصـ ـ ــتين‪ ،‬املـ ـ ــادة الفلميـ ـ ــة‬ ‫والحال ـ ـ ـ ـ ـ ــة الس ـ ـ ـ ـ ـ ــورية ه ـ ـ ـ ـ ـ ــي فك ـ ـ ـ ـ ـ ــرة الع ـ ـ ـ ـ ـ ــدو‬ ‫واالحـ ـ ـ ـ ــتالل والت ـ ـ ـ ـ ـراكم العقائـ ـ ـ ـ ــدي والـ ـ ـ ـ ــذهني‬ ‫عن ـ ـ ـ ـ ـ ــد األخي ـ ـ ـ ـ ـ ــر قص ـ ـ ـ ـ ـ ــة الخ ـ ـ ـ ـ ـ ــالف التبع ـ ـ ـ ـ ـ ــي‬ ‫والتيـ ـ ــارات الدينيـ ـ ــة التـ ـ ــي لهـ ـ ــا إر هـ ـ ــا التـ ـ ــاري ي‬ ‫في العملية االنتقامية‪.‬‬

‫م ــا مـ ــن قواس ــم مش ــتركة ب ــين ح ــرب ف ــي فـ ــيلم‬ ‫ي ـ ــتمكن عاش ـ ــق م ـ ــن إيق ـ ــاف البن ـ ــادق بس ـ ــيل‬ ‫م ـ ــن املوس ـ ــيقى والقب ـ ــل‪ ،‬وب ـ ــين ح ـ ــرب س ـ ــورية‬ ‫دائـ ـ ـ ـ ـ ـ ــرة فـ ـ ـ ـ ـ ـ ــي سـ ـ ـ ـ ـ ـ ــبيل مصـ ـ ـ ـ ـ ـ ــالح ومشـ ـ ـ ـ ـ ـ ــاريع‬ ‫متنوعـ ـ ــة‪ ،‬وحـ ـ ــده الشـ ـ ــعب السـ ـ ــوري الغـ ـ ــارق‬ ‫فـ ـ ـ ـ ــي العجـ ـ ـ ـ ــز‪ ،‬والـ ـ ـ ـ ــذي ربمـ ـ ـ ـ ــا هـ ـ ـ ـ ــو الطـ ـ ـ ـ ــرف‬ ‫الوحيـ ـ ـ ـ ـ ـ ــد املق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ي عـ ـ ـ ـ ـ ـ ــن ق ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـرار حسـ ـ ـ ـ ـ ـ ــم‬ ‫الص ـ ـ ـ ـ ـراع‪ ،‬هـ ـ ـ ـ ــو الطـ ـ ـ ـ ــرف الوحيـ ـ ـ ـ ــد املتمنـ ـ ـ ـ ــي‬ ‫انتهاء الحرب في بالده بالقبل واملوسيقى‪.‬‬

‫عبد احلميد سليمان‬ ‫صحفي ومسرحي سوري‪ ،‬يقيم يف أملانيا‬

‫‪26‬‬


‫مهمة األدب‬ ‫أمحد إبراهيم احملمد‬ ‫إن كانت مهمة األدب هي تحديد الهوية‪ ،‬فيجب أن تبقى‬ ‫في حيز تحديد الهوية بعيدة كل البعد عن أي صراع‬ ‫إيديولوجي‪ ،‬وهذا ما ال يحصل في تجربة أدب الحرب التي‬

‫عايشناها‪.‬‬

‫منذ أن ّ‬ ‫تحولت الثورة السورية إلى حرب بمعناها الواقعي‪ ،‬وبقيت الثورة حبيسة ذهنية حاملة‪ ،‬جرى‬ ‫التطور فيها مثل ما يجري في التطور الطبيعي والتاري ي للحروب‪ ،‬وهو الرفض لصورة االنتهاك‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وتجسدت أهم أشكالها بعيدا عن السياسية‪ ،‬في النسق الفني‪ ،‬وبالذات في األفعال األدبية‪ ،‬الشعرية‬

‫‪27‬‬


‫والقصصية والنثرية والروائية‪،‬‬ ‫وأصبح من الحري بنا أن نطلق على‬ ‫هذه الصورة األدبية‪ ،‬مجازا‪ ،‬اسم‬ ‫أدب الحرب‪ .‬لكن في هذه الصورة‬ ‫يلوح ش يء غامض‪ ،‬غير ُم ّ‬ ‫حدد‬ ‫املعالم‪ ،‬وهو طبيعة هذه الكتابة‬ ‫التي تخضع في الدرجة األولى لنسق‬ ‫عاطفي ورثائي‪ ،‬بدور في حلقة من‬ ‫اجترار النوستالجيا‪ ،‬ويخضع في‬ ‫الدرجة الثانية ُ‬ ‫للعصاب السياس ي‬ ‫الذي يدور في فلك النقد (مباشر‬ ‫وغير مباشر) لتشريح البنية‬ ‫السياسية التي يعيشها الفرد‬ ‫تاريخيا‪ .‬ضمن هذين الشكلين‬ ‫تراوحت معظم النصوص التي‬ ‫ُ‬ ‫كتبت في زمن الحرب السورية‪.‬‬ ‫قد يكون من الطبيعي أن مثل هذه‬ ‫النصوص جائزة الحضور في لحظة‬ ‫عدم استيعاب اإلنسان لصدمة الثورة‬ ‫والحرب‪ ،‬التي قد تستغرق عامين أو ثالثة‬ ‫للخروج منها‪ ،‬لكن البقاء في ذات الفلك‬ ‫ُ‬ ‫العصابي" لسبع سنوات‬ ‫"النوستالري‬ ‫متواصلة‪ ،‬دون القدرة على تطوير هذه‬ ‫الذهنية‪ ،‬يضعنا أمام سؤال‪ ،‬ملاذا يستمر‬ ‫األدب في هذا الشكل وأين يكمن الخطأ؟ مع‬ ‫األخذ بعين االعتبار أن مهمة األدب ليست‬

‫التغيير‪ .‬وكي يكون املعنى واضح دعونا نبحث‬ ‫في إحدى التجارب األكثر حضورا في العالم‪.‬‬ ‫قد يكون من املبالغة الشديدة ومن الحماقة‬ ‫أيضا‪ ،‬إن نظرنا إلى تاريخية الفعل األدبي‪،‬‬ ‫وحتى هذه اللحظة املعاصرة‪ ،‬أنه فعل تأثيري‬ ‫في البنية السياسية‪ ،‬أو حتى في البنية‬ ‫ّ‬ ‫املجتمعية‪ .‬إن الفعل األدبي بعيد كل البعد‬ ‫عن التأثير في أي بناء للمجتمع‪ .‬وبالطبع ليس‬ ‫الحديث هنا عن عدم أهمية هذا الفعل بقدر‬

‫‪28‬‬


‫فكيف يتجلى ذلك االرتباط واالنسالخ بآن‬ ‫معا!‬

‫ما هو تحديد طبيعته الذهنية وفهم مهمته‪.‬‬ ‫فالفعل األدبي يملك أهمية بالغة‪ ،‬لكن ليس‬ ‫بمعناها التأثيري املباشر‪.‬‬ ‫ّإن أشد املؤمنين بأهمية األدب في التغيير‬

‫إن الصورة األكثر افتضاحا في معنى التناقض‬ ‫ّ‬ ‫هذا‪ ،‬تجلت في أوروبا بعد الحرب العاملية‬ ‫الثانية‪ ،‬عند انتهاء الحرب اجتاح الصورة‬ ‫األدبية ما يمكن لنا تسميته بـ "اجتياح‬ ‫الالمعنى" النظرة العدمية للفعل البشري‪،‬‬ ‫من غريب كامو إلى غثيان سارتر إلى خراتيت‬ ‫يونسكو إلى انتظار بيكيت إلى نثريات سيوران‪.‬‬ ‫لكن في ذات الوقت‪ ،‬كان هذا الفعل "لالمعنى"‬ ‫ّ‬ ‫وانتشاره وتجذره عميقا في إيديولوجيا األدب‬ ‫األوروبية‪ ،‬قد اقتصر بشكل حقيقي في تكوين‬ ‫الصورة النفسية والتاريخية لتوثيق معنى‬ ‫االنهيار البشري فقط‪ ،‬إنما على األرض‪ ،‬كانت‬ ‫تجتاح أوروبا نظرة جديدة للعالم‪ ،‬أهمها‬ ‫فكرة التوحيد األوروبي‪ ،‬لقد خرجت أوروبا‬ ‫من عنق الزجاجة‪ .‬في لحظة التعبير األشمل‬ ‫عن االنهيار والتدمير الذي صنعه اإلنسان‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫كانت أوروبا تبنى من جديد بطريقة متسارعة‬ ‫وأكثر سلمية‪ .‬لم تتوقف أوروبا بالتعاطي مع‬ ‫الواقع بنظرة رثائية أو بكائية رومانسية‪ ،‬بل‬ ‫تجاوزت املعنى االنتهاكي والتدميري لإلنسان‬ ‫لتحديد هويته الجديدة‪ .‬وبقي الفعل األدبي‬ ‫الجتياح "الالمعنى" منحصرا في بنية‬ ‫إيديولوجية خاصة‪ ،‬لم تتعاطى مع‬ ‫اإليديولوجيات األخرى وأهمها االقتصاد‬ ‫السياس ي‪ ،‬الذي كان يعيد تشكيل أوروبا من‬

‫االجتماعي ‪ -‬من مجموع ّ‬ ‫القراء عامة وجزء من‬ ‫ُ‬ ‫املثقفين وبعض الك ّتاب االعتباطيين‪ ،‬الذين‬ ‫يدورون في فلك الوهم ّأن نصوصهم يجب أن‬ ‫تتحول إلى نصوص مقدسة لتغيير العالم ‪-‬‬ ‫يتشابهون قطعا مع مجموع الناس املؤمنين في‬ ‫ّ‬ ‫الخفية التي ستنقذهم‬ ‫لحظات اليأس بالقوة‬ ‫من مستنقعات الوحل الحياتي‪ ،‬أو بالزعيم‬ ‫الكاريزماتي الذي ّ‬ ‫يتحمل مسؤولية انعتاقهم‬ ‫من البؤس الذي يعيشونه‪ .‬فمؤمنو التأثير‬ ‫األدبي ونمطيته في التغيير‪ ،‬يمارسون العالقة‬ ‫الوهمية مع األدب ويعتبرونها جزء مهما في‬ ‫ّ‬ ‫تغيير العالم‪ ،‬دون فهم على ماذا يتشكل‬ ‫الفعل األدبي أو على ماذا يقتصر‪.‬‬ ‫إن أحد عناصر املأساة في فهم الفعل األدبي‪،‬‬ ‫هو عدم إدراك طبيعته االزدواجية‪ ،‬ارتباطه‬ ‫الخفي مع الواقع وانسالخه عنه بذات الوقت‪.‬‬ ‫هذه الصيغة التناقضية لألدب هي ما تجعله‬ ‫غير قادر على التأثير املجتمعي‪ ،‬رغم ما يوحي‬ ‫به النص األدبي من عالقة أثيرية مع الواقع‪.‬‬ ‫فاألدب يقتصر تأثيره فعليا في تحديد الهوية‬ ‫النفسية لتاريخ املجتمع‪ ،‬كصورة توثيقية في‬ ‫أحد جوانبها‪ ،‬وليس في تغييره لنمط املجتمع‪.‬‬

‫‪29‬‬


‫لو كنا سننظر لذلك الفعل‬ ‫العدمي األدبي األوروبي بعين‬ ‫االستمرار‪ ،‬كان األحرى بأوروبا‬ ‫اليوم أن تتخلى عن الحياة‪ ،‬ولو‬ ‫كان لذلك الفعل األدبي "الالمعنى"‬ ‫من تأثير حقيقي ومباشر في تغيير‬ ‫نمطيات املجتمع‪ ،‬لكانت أوروبا‬ ‫اآلن غارقة بالجهل وعدم‬ ‫االكتراث‪ ،‬ملا يحمله ذلك االنتشار‬ ‫األدبي من اكتشاف جديد ومهم‬ ‫لعدم جدوى األشياء‪ .‬تلك التجربة‬ ‫األدبية األوروبية توضح لنا بشكل‬ ‫جلي‪ ،‬أن الفعل األدبي هو فعل‬ ‫مقتصر على عدم التأثير في تغيير‬ ‫البنية املجتمعية‪ .‬إنه ال يغير املجتمع لكنه‬ ‫يوثق الصورة النفسية والتاريخية إلعطائه‬ ‫هويته الجديدة‪.‬‬

‫جديد‪ .‬كان "اجتياح الالمعنى" صورة انعزالية‬ ‫ال شأن للصراعات اإليديولوجية أي دور فيها‪،‬‬ ‫إنها انعزال قائم على طبيعة األدب نفسه‪ ،‬ملا‬ ‫يحمله األدب في جوهره من طبيعة ّ‬ ‫نصية‬ ‫تخيلية أوال‪ ،‬وراديكالية متطرفة في الدرجة‬ ‫الثانية بأحد أهم دعائمه التكوينية وهي‬ ‫ّ‬ ‫املنوعة في‬ ‫شخوصه‪ ،‬وبنتيه الالعقالنية‬ ‫ُ‬ ‫تحميل اللغة أكثر من طاقة املراد قوله نتيجة‬ ‫طبيعة اللغة املطاطية‪ .‬هذه العناصر الثالثة‬ ‫التي تحدد مفهوم األدب وبنيته‪ ،‬تجعل منه‬ ‫صيغة انعزالية كمنحى إيديولوجي خاص بها‪،‬‬ ‫وهو ما يجعلها فعليا غير تأثيرية في التغيير‬ ‫االجتماعي والسياس ي‪.‬‬

‫بهذا املعنى نستطيع تحديد طبيعة األدب‬ ‫االزدواجية ومهمته بعالقته مع الواقع‬ ‫وانسالخه عنه بذات الوقت‪ ،‬ويصبح من‬ ‫الحري بنا أن نفهم املهمة األدبية كصورة‬ ‫لتحديد تاريخية البناء النفس ي للمجتمع‬ ‫وتحديد هويته وليس التغيير‪ .‬فضمن معنى‬ ‫إعطاء الهوية‪ ،‬تتجسد أهمية الفعل األدبي‪،‬‬ ‫لكن كيف؟‪.‬‬

‫‪30‬‬


‫سبع سنوات؟ ونحن فعليا غارقون في متاهة‬ ‫الصراع السلطوي التاري ي اإلثني؟‪.‬‬

‫لقد كانت الحرب العاملية بمثابة تالش ي‬ ‫الهوية‪ ،‬ليست القومية فقط‪ ،‬بل الهوية‬ ‫اإلنسانية‪ ،‬وكان ال ُب ّد من عودة للتاريخ‬ ‫األوروبي كي يستطيع اإلنسان واألدب تحديد‬ ‫املعنى الجديد‪ ،‬وذلك ما جرى‪ .‬بعد الحرب‪،‬‬ ‫استقدمت أوروبا النسق الفلسفي التاري ي‬ ‫لتبني عليه صورة اجتياح الالمعنى‪،‬‬ ‫التشاؤمية‪ ،‬عدم جدوى األشياء‪ ،‬والتي كان‬ ‫حاملها األساس ي األب الروحي للعدمية‬ ‫التاريخية "آثر شوبنهاور" وبمساعديه‬ ‫"فريدريك نيتشه وسيغموند فرويد" اللذان‬ ‫أطاحا العالم بنظرية الحيونة البشرية‪،‬‬ ‫ورسخا بنظرياتهم املعنى لهامشية اإلنسان‬ ‫وصغر حجمه في هذا العالم بشكل علمي‬ ‫ممنه وعقلي صريح‪ .‬ذلك االستقدام كان‬ ‫العجلة التي أعادت تدوير الفلسفة والتفكير‬ ‫وتجلى بأبهى صورة أدبية‪ ،‬عملت على توثيق‬ ‫تاريخية أوروبا النفسية املجتمعية‪ ،‬وساهمت‬ ‫بخروجها من عنق الزجاجة فعليا‪.‬‬

‫إن كانت مهمة األدب هي تحديد الهوية‪،‬‬ ‫فيجب أن تبقى في حيز تحديد الهوية بعيدة‬ ‫كل البعد عن أي صراع إيديولوجي‪ ،‬وهذا ما‬ ‫ال يحصل في تجربة أدب الحرب التي‬ ‫عايشناها‪.‬‬ ‫ما زلنا نكتب عن‬ ‫نقد السلطة‪ ،‬عن‬ ‫املوت بالطريقة‬ ‫ابتذاال‬ ‫األكثر‬ ‫ومدعاة للسخرية‬ ‫والشفقة‪ ،‬ما زلنا‬ ‫نتعامل مع الواقع‬ ‫والفكر برؤية الخوف من كشف الذات‬ ‫وتعريتها‪ ،‬ليست التعرية باملعنى السياس ي‬ ‫السلطوي‪ ،‬بل باملعنى االجتماعي والنفس ي‬ ‫لتفاهة تاريخنا وطرق تفكيرنا وتجميلنا ألكثر‬ ‫األسباب التي جعلتنا على ما نحن عليه‪.‬‬ ‫التعرية املباشرة لذواتنا بمعناها العقلي‪،‬‬ ‫وعدم االختفاء وراء مفهوم األصالة بينما‬ ‫نمارس النقد العصابي‪.‬‬ ‫إن كان تاريخنا ال يحمل ُ‬ ‫البعد الفلسفي إال‬

‫لكن ما الذي يجب علينا أن نستقدمه نحن‬ ‫لنخرج من عمق الرثاء والبكاء الذي هو‬ ‫مصدر تشري عي لتراثنا العربي‪ ،‬ما هو الحامل‬ ‫الثقافي التاري ي الذي يمكن االستناد عليه‬ ‫لنتخلص من رومانسية ونوستالجيا الفكر‬ ‫ونحدد املعنى العميق لهويتنا الجديدة بدل‬ ‫الهوية القديمة التي تالشت في حرب خالل‬

‫بارتباطه مع البنية السياسية‪ ،‬فيصبح من‬ ‫الضروري أن ينعزل األدب عن العصاب‬ ‫والنوستالجيا‪ ،‬ويحدد قيمته الفلسفية‬

‫‪31‬‬


‫الذاتية دون ارتباطها بأي‬ ‫بنية أخرى في املقام‬ ‫األول‪ ،‬كي يساهم فيما‬ ‫بعد ليحدد نوع الهوية‬ ‫التي سيكون األدب مهمته‬ ‫املثلى فيها‪ .‬إننا غير‬ ‫قادرون على تحديد‬ ‫هويتنا الجديدة ألن‬ ‫الفعل األدبي في تاريخنا‬ ‫وحاضرنا مرتبط بصيغة‬ ‫التاري ي‬ ‫الصراع‬ ‫ومتشرب بكائيات التراث‪.‬‬ ‫ما نحن بحاجة إليه ليس‬ ‫مجموعة من أدب الرثاء‬ ‫أو النقد السلطوي‬ ‫السياس ي‪ ،‬بل تأسيس‬ ‫الرؤى الفلسفية الذاتية‬ ‫العميقة اتجاه الحياة ومكوناتها‪ ،‬اتجاه الفكر‬ ‫واملعنى‪ .‬إنها الخطوة األولى لتحديد هويتنا‬

‫املقبلة والتي ستساهم في توثيق صورتنا‬ ‫النفسية الحقيقية‪.‬‬

‫‪.‬‬

‫أمحد إبراهيم احملمد‬ ‫كاتب سوري‪ ،‬يقيم يف حلب‪.‬‬

‫‪32‬‬


‫ملف العدد‬ ‫العنف والنص المقدس‬ ‫‪33‬‬


34


‫العنف الديين‬ ‫علي األعرج‬ ‫إن ما نعانيه على األرض‪ ،‬لم تعد المسألة فيه مسألة‬ ‫اختالف تأويلي وفقهي فقط‪ ،‬بل تمتد إلى نشوء أصيل‬ ‫للعنف في صورته اإللهية‪ .‬تتجلى صورة العنف األولى في‬ ‫الجذر األلوهي‪ ،‬قبل وجود اإلنسان‪ ،‬ضمن ميثيولوجيا‬ ‫الدين‪.‬‬

‫ُ‬ ‫إن أهم الدفاعات التي تستخدم في النماذج اإلصالحية الدينية الحديثة‪ ،‬لتبرئة صورة األديان من‬ ‫جوهرها العنفي وأصوليتها التدميرية‪ ،‬هي أن القطيعة التي مارستها االقتصاديات الناشئة في أوروبا‪،‬‬ ‫قبل ثالثة قرون‪ ،‬مع تصاعد شعار إيديولوجيا الدولة القومية العلمانية‪ ،‬اتجاه صورة العالم‬ ‫القديم (الديني)‪ ،‬كانت السبب األساس ي في إحالل العنف الحديث‪ ،‬من خالل املشاريع القومية‬

‫‪35‬‬


‫الديني‪،‬‬ ‫النص‬ ‫(الذي هو بطبيعته‬ ‫يقوم في جزء منه‬ ‫على العنف) بل‬ ‫التركيز على شكل‬ ‫الخلق‪ ،‬الذي ُوِلد‬ ‫كصورة عنفية‬ ‫أصيلة‪ ،‬وما ترتب‬ ‫عنه بعد ذلك من‬ ‫ّ‬ ‫نصية‬ ‫أشكال‬ ‫ّ‬ ‫مجدت العنف إلى‬ ‫أق ى حد‪ ،‬بعيدا‬ ‫عن املوقف الفردي‬ ‫من مسألة األلوهة‪،‬‬ ‫إن كان الشخص‬ ‫مؤمنا أم ال‪ .‬فالوعي‬ ‫املجتمعي يفترض‬ ‫على الجميع مناقشة أصولية الخلق (ضمن‬ ‫ُ‬ ‫الشكل الذي طرح في سياقاته التاريخية‬ ‫ّ‬ ‫النصية) كي نستطيع تفصيل وفهم دفاعات‬ ‫العقالنيين املحدثين‪ ،‬وكي ّ‬ ‫نقدم مفهوما‬ ‫منطقيا‪ ،‬ألحد أكثر اإلشكاليات التي ما زلنا‬ ‫نعاني منها كبشر‪ ،‬وهو سؤال‪ ،‬هل األديان التي‬ ‫أتت بها الرسل‪ ،‬كأشكال اجتماعية‪ ،‬هي حقا‬ ‫ّ‬ ‫العنفية؟‬ ‫بريئة من أصوليتها‬

‫االستعمارية‪ ،‬التي لم‬ ‫تكتفي بنهب ثروات‬ ‫العالم واستعباد‬ ‫البشر فقط‪ ،‬بل‬ ‫قامت بتفكيك وحل‬ ‫الجذور املجتمعية‬ ‫الثقافية والدينية‪،‬‬ ‫وتركتها فيما بعد‬ ‫تشوهات‬ ‫لتعاني‬ ‫بنيوية‪ ،‬لم يعد من‬ ‫السهل إزالتها‪ ،‬فقد‬ ‫استعصت وتمركزت‬ ‫في الوعي‪ ،‬في مرحلة‬ ‫الدولة الوطنية بعد‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫تلك الدفاعات التي‬ ‫دعاة‬ ‫يتبناها‬ ‫الوسطية الدينية‪ ،‬الذين يصفون أنفسهم‬ ‫بالعقالنيين املحدثين‪ ،‬هي أشبه بمحاولة‬ ‫إخفاء املعنى الحقيقي لجوهر الدين‪ ،‬ورمي‬ ‫مشكلة تاريخية‪ ،‬على جزء وحيد من طبيعة‬ ‫مفهوم الحضارة وجدليته‪ ،‬القائمة أصال على‬ ‫ُ‬ ‫ديناميكية الصراع التي تفض ي بشكل تلقائي‬ ‫إلى الجديد‪.‬‬ ‫يتجاهل الدينيون دائما بنية العنف في الخلق‬ ‫األول‪ ،‬ونحن هنا ال نتحدث عن التحليل لبنية‬

‫إن ما نعانيه على األرض‪ ،‬لم تعد املسألة فيه‬ ‫مسألة اختالف تأويلي وفقهي فقط‪ ،‬بل تمتد‬

‫‪36‬‬


‫وجود نسبية تمايزية تحدد القيمة املطلقة‬ ‫لوجوده نفسه‪ ،‬فاملعنى الحقيقي للوجود‬ ‫املطلق ال يتحدد إال بالكشف عن املعنى‬ ‫النسبي لتمايزية الصورة املطلقة وهي هللا‪،‬‬ ‫بمعنى ال يمكن فهم املطلق وتحديده كمطلق‬ ‫دون وجود النسبي‪ .‬إذا فاهلل بحاجة إلى ثيمة‬ ‫تعريفية تمايزية‬ ‫ونسبية ليتحدد‬ ‫مطلقه‪ ،‬وهو نسبية‬ ‫والشر‪،‬‬ ‫الخير‬ ‫بمعنى أن اإلله خلق‬ ‫اإلنسان من أجل‬ ‫ُ‬ ‫تحديد طبيعته املطلقة في الوعي اإلنساني‪،‬‬ ‫فإن لم يوجد اإلنسان فال معنى لتمايز الخير‬ ‫والشر‪ ،‬وبالتالي سيبقى املطلق مطلقا تعبديا‬ ‫وخيرا دون وجود نسبية التمايز الذي هو‬ ‫بحاجة إليها لتتحدد طبيعته املطلقة‪.‬‬

‫إلى نشوء أصيل للعنف في صورته اإللهية‪.‬‬ ‫تتجلى صورة العنف األولى في الجذر األلوهي‪،‬‬ ‫قبل وجود اإلنسان‪ ،‬ضمن ميميولوجيا‬ ‫الدين‪ .‬إنها تتجلى قبل خلق آدم‪ ،‬وبالضبط في‬ ‫لحظة خلق ّ‬ ‫الجنة والنار‪{ ،‬والجان خلقناه من‬ ‫قبل نار السموم} الحجر‪.27‬‬ ‫إذا فاهلل خلق الجنة وجهنم قبل أي عصيان‪،‬‬ ‫وهنا ينبع سؤال إشكالي‪ ،‬ما السبب لخلق‬ ‫العنصرين الخالدين إن لم يكن هللا يعلم‬ ‫بالعصيان اآلدمي مسبقا!‪ .‬إن صورة خلقهما‬ ‫دليل قطعي على معرفته بالعصيان‬ ‫ومحاكمته لإلنسان‪ ،‬وهنا ينبع أيضا سؤال‪،‬‬ ‫إن كان هللا يعلم بالعصيان فلماذا خلق آدم‬ ‫في الجنة ثم أنزله األرض! أهو بحاجة ليبرر‬ ‫للبشر سبب وجودهم على األرض؟‬ ‫بالطبع لن نناقش الرغبة اإللهية أو تناقضية‬ ‫املعنى لهذه اإلشكالية الفلسفية‪ ،‬لكن‬ ‫السؤال الذي يتبادر للذهن‪ ،‬ما هو السبب‬ ‫الذي دعا هللا كي يخلق جهنم التي وردت في‬ ‫جميع األديان السماوية قبل خلق اإلنسان؟‪.‬‬

‫من هذا املبدأ الفلسفي الواضح لرغبة اإلله‬ ‫في صناعة هذا التمايز وخلق اإلنسان‪،‬‬ ‫يتوضح جليا معنى خلق جهنم‪ ،‬التي خلقها‬ ‫قبل وجود اإلنسان‪ ،‬وصنع منها أهم مالئكته‬ ‫وهو إبليس الذي من خالله أيضا سيتحدد‬ ‫املحور الذي يصنع مفهوم التمايز ونسبية‬ ‫الخير والشر‪ُ ،‬ويعطي لإلله صفته املطلقة في‬ ‫الوعي اإلنساني الالحق‪ ،‬من خالل الدور‬ ‫اإلشكالي الذي سيلعبه إبليس‪.‬‬

‫وكي نصل إلى الجواب دعونا ندخل إلى تعريف‬ ‫العملية للمعنى الوجودي اإللهي‪.‬‬ ‫إن هللا ضمن صورته السرمدية‪ ،‬هو موجود‬ ‫ومطلق‪ ،‬وهناك املالئكة التي ّ‬ ‫تسبح بحمده‪،‬‬ ‫لكن في هذه الصورة هناك ش يء ناقص‪ ،‬وهو‬ ‫التمايز‪ .‬فاملطلق هو مطلق تعبديا وخيرا دون‬

‫‪37‬‬


‫املالئكة ملا سيجري على‬ ‫األرض مستقبال من قتل‪،‬‬ ‫وهذه املعرفة تستند بدورها‬ ‫على تجربة سابقة كان‬ ‫املالئكة شاهدين عليها‪ ،‬وهي‬ ‫أن قبل آدم كان هناك كائنات‬ ‫خلقهم هللا من النار ويسمون‬ ‫(الحن) وهم قوم من الجن‪،‬‬ ‫(وهنا تأكيد على وجود جهنم‬ ‫قبل الجن أيضا ألنهم ُ‬ ‫ص ِنعوا‬ ‫من نار)‪ .‬خلق هللا الحن‬ ‫وأسكنهم األرض‪ ،‬ويقول‬ ‫املفسرون بحديث عن ابن‬ ‫عباس‪ ،‬والطبري بسند عن الربيع بن أنس‪،‬‬ ‫(أن هللا خلق املالئكة يوم األربعاء‪ ،‬وخلق‬ ‫الجن يوم الخميس‪ ،‬وخلق آدم يوم الجمعة‪،‬‬ ‫فكفر قوم من الجن‪ ،‬فكانت املالئكة تهبط‬ ‫إليهم في األرض فتقاتلهم‪ ،‬فكانت الدماء‪ ،‬وكان‬ ‫الفساد في األرض)‪.‬‬

‫اآلن نحن أمام ُمعطى عنفي أصيل ومبرر‪،‬‬ ‫وهو جهنم‪ ،‬صورة العنف األول‪ .‬لكن قبل‬ ‫ّ‬ ‫التبحر في هذه الصورة التي هي هدف هذه‬ ‫الدراسة‪ ،‬ال ّبد من الوقوف قليال عند أمر‬ ‫واإلشارة إليه‪ ،‬وهي الحياة قبل آدم‪.‬‬ ‫بالطبع ال يوجد دليل واحد في الكتاب والسنة‬ ‫يشير إلى وجود حياة وكائنات قبل آدم على‬ ‫األرض‪ ،‬لكن بعض املفسرين والصحابة‬ ‫والفقهاء‪ ،‬أشاروا لوجود تلك الحياة‪ ،‬وكان‬ ‫دليلهم قول هللا {وإذ قال ربك للمالئكة إني‬ ‫جاعل في األرض خليفة‪ ،‬قالوا أتجعل فيها من‬ ‫يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك‬ ‫ونقدس لك‪ ،‬قال إني أعلم ما ال تعلمون} البقرة‬ ‫‪ .30‬استند املفسرون في هذه اآلية على معرفة‬

‫إذا اعتبرنا أن ما دعا إليه املفسرون من صحة‬ ‫هذه النظرية‪ ،‬فهي دليل قطعي على ما سردناه‬ ‫سابقا من مفهوم التمايز والنسبية‪ ،‬أن في‬ ‫األرض لم يكن هناك معنى لنسبية الخير‬ ‫والشر في الكائن ذاته‪ ،‬بل كانت صراعا بين‬ ‫السماء (املالئكة األخيار) واألرض (الجن‬ ‫األشرار)‪ ،‬بمعنى أن املطلق لم يكن لتتحدد‬ ‫نسبيته‪ ،‬ألن الخير السماوي املطلق ال يوجد‬

‫‪38‬‬


‫لإلنسان‪ ،‬وعليه يجب أن يكون راديكالي‬ ‫ومتجذر ومتطرف إلى أق ى حد‪ ،‬لذا كانت‬ ‫جهنم ضرورية كمخيال عنفي ونفس ي مؤثر‬ ‫تماما كما الجنة‪ ،‬وبرغم ديمقراطية املشروع‬ ‫اإللهي في اختيار اإلنسان ملصيره‪ ،‬لكننا ال‬ ‫نستطيع أن نفهم نسبية الجنة كمصير إال‬ ‫بوضع جهنم كمصير مقارن‪ ،‬وبالتالي ضرورة‬ ‫االختيار للخير واملصير اإليجابي هي إجبارية‪،‬‬ ‫كي ال يسقط اإلنسان في مشروع جهنم‪ ،‬من‬ ‫خالل التصوير الذي جاءت به الكتب‬ ‫والرسل‪.‬‬ ‫ما جاء من تصورات ّ‬ ‫نصية لجهنم (باعتبار‬

‫تنازع عقلي حوله لدى الشر املطلق في األرض‪،‬‬ ‫فكان هللا بحاجة لكائن جديد يحتمل جانب‬ ‫التمايز بين (الخير والشر في الذات الواحدة)‬ ‫لتتحدد مفهوميته املطلقة‪ .‬وإذا اعتبرنا أن‬ ‫النظرية بدعة فقهية‪ ،‬فما سردناه لن‬ ‫يتعارض مع صحة التحليل الذي قلناه آنفا‪.‬‬ ‫لكن في كل هذا‪ ،‬هناك جانب واضح وجلي‪،‬‬ ‫وهو أن جهنم ُو ِجدت قبل كل ش يء‪.‬‬ ‫رغم أن جهنم‬ ‫قبل‬ ‫خلقت‬ ‫اإلنسان‪ ،‬لكنها لم‬ ‫معناها‬ ‫تأخذ‬ ‫الفلسفي العنفي‬ ‫والتدميري إال بعد‬ ‫العصيان األول‬ ‫(ألنها بحاجة إلى وعي نسبي وليس ألنها غير‬ ‫ّ‬ ‫عنفية)‪ ،‬مع اإلدراك الكلي للجميع بأن هللا‬ ‫أراد‪ ،‬قبل خلق آدم‪ ،‬هذه الصيرورة لتحقيق‬ ‫نسبية التمايز (الخير والشر في الذات‬ ‫الواحدة)‪ .‬لكن هذه الذات الصلصالية‬ ‫النسبية لتدرك املطلق‪ ،‬يجب عليها إدراك‬ ‫املصير الذي ستختاره الحقا (إما الجنة‬ ‫النورانية وإما جهنم النارية)‪ ،‬وهنا تكمن‬ ‫املعضلة األساسية في املشروع اإللهي‪ ،‬فكي‬ ‫ندرك املصير‪ ،‬يجب أن يكون هذا املصير‬ ‫متفوقا بخياالته على الوعي البشري‪ ،‬بمعنى‬ ‫يجب أن يكون فوق اإلدراك الطبيعي‬

‫أنه ال يمكن إدراكها إال من خالل النصوص)‪،‬‬ ‫يحيلنا إلى فهم مشهدية العنف غير الطبيعي‬ ‫الذي أراده هللا‪ ،‬تكسير‪ ،‬تمزيق‪ ،‬تهشيم‪،‬‬ ‫سلخ‪ ،‬ش ي‪ ،‬حمم‪ ،‬صديد‪ ،‬قيح‪ ،‬الخ‪ .‬هذا‬ ‫التكوين السابق لإلنسان ووجوده‪ ،‬ال يمكن‬ ‫أن يكون له سوى معنى وحيد‪ ،‬وهو انتزاع‬ ‫الوعي الالحق لدى اإلنسان (الذي سيأتي)‬ ‫باتجاه أبدية العنف في املشروع اإللهي بحجة‬ ‫ردعه‪ ،‬بمعنى تصوير العنف األزلي‪ ،‬لم يوقف‬ ‫العنف األرض ي‪ ،‬بل لعب الدور العكس ي‪،‬‬ ‫فالعنف األرض ي بدأ يأخذ مشروعيته من‬ ‫صورة العنف األزلي‪ ،‬إن كان بمستواها‬ ‫التخيلي النفس ي في الدين اإلسالمي‪ ،‬وإن كان‬ ‫بمستواها السلوكي املمارس في اليهودية‬ ‫واملسيحية‪.‬‬

‫‪39‬‬


‫فمن يؤمن أنه ُ‬ ‫صلب وقام‪ ،‬يفهم العنف‬ ‫كمعنى خالص ي لحقيقة اإلنسان الذي يشعر‬ ‫ّ‬ ‫جسدا‪ ،‬ومن يؤمن أنه شبه لهم ُورفع‪ ،‬يفهم‬ ‫العنف كصورة إنقاذية ذاتية للمقدس‪،‬‬ ‫فليس املهم إن ُ‬ ‫صلب غيره‪ ،‬لكن املهم أن‬ ‫املسيح كذات لم ُيصلب‪ ،‬وهذا ُيحيلنا إلى فهم‬ ‫بنية العنف في كل دين‪ ،‬لكنه قطعا ال يمكن‬ ‫أن يخرج من دائرة العنف اإللهي‪ ،‬من خالل‬ ‫أن مشهد صلب املسيح ال تكمن استمراريته‬ ‫للوقت الحاضر فقط من معناه املقدس‬ ‫والن ي‪ ،‬بل تنبع في الدرجة األولى من املعنى‬ ‫العنفي كصورة خالدة لتفاهة القيمة‬ ‫البشرية أمام مفهوم القوة‪ ،‬وهي ذات الصورة‬ ‫التي تصورها جهنم‪ ،‬وهي تفاهة القيمة‬

‫وهنا يمكن أن نتوقف عند أهم مشهديات‬ ‫ُ‬ ‫العنف البشري املستقى واملشروع من‬ ‫مشهدية العنف األزلي كجهنم‪ ،‬باعتبار أن‬ ‫جهنم تتفوق تخيليا على اإلدراك البشري‪،‬‬ ‫فيصبح من الطبيعي واملنطقي أن أي صورة‬ ‫عنفية بشرية هي قطعا جزء من الصورة‬ ‫العنفية األزلية في جهنم حتى وإن لم ترد‬ ‫كصورة تعذيبية في النصوص‪.‬‬ ‫من أهم مشهديات العنف في التاريخ اإلنساني‬ ‫هو مشهد صلب املسيح في اليهودية‪ .‬على‬ ‫خالف كل دين وطريقة تفسيره لعملية‬ ‫ُ‬ ‫الصلب‪ ،‬إن ُ‬ ‫صلب أم ش ّبه لهم‪ ،‬فنحن أمام‬ ‫حقيقة مثبتة لجسد مصلوب‪ ،‬وهذه بحد‬ ‫ذاتها تدلل على فهم كل دين ملعنى العنف‪،‬‬

‫‪40‬‬


‫بالطبع ال يمكن إحصاء ماليين األفعال‬ ‫العنفية في التاريخ الديني‪ ،‬لكن ما أوردناه‬ ‫ليس سوى توضيح صورة االقتباس الدنيوي‬ ‫ملعنى العنف األول األزلي‪ ،‬رغم اعتراض جميع‬ ‫املفسرين واملفكرين الدينين على هذا الطرح‪،‬‬ ‫من أن هذه السلوكيات هي أمور فردية وال‬ ‫تمت لحقيقة األديان بصلة‪ ،‬وهذا الرفض‬ ‫طبيعي ضمن منطق الدفاع‪ ،‬ألن مجرد‬ ‫االعتراف بجوهريته الدينية هو اعتراف قطعي‬ ‫بأصوليته األزلية الجهنمية‪.‬‬ ‫وبالتأكيد املسألة ال تتوقف عند‬ ‫اليهودية واملسيحية‪ ،‬بل تتعداها‬ ‫بمعناها التخيلي النفس ي لدى‬ ‫اإلسالم لتكون صورة مذهلة وغير‬ ‫قابلة للتصديق‪ ،‬ومنها ما استقاه‬ ‫املعتضد من مفهوم خروج الروح‬ ‫عند اإلنسان‪ ،‬فيذكر املسعودي في‬ ‫مروج الذهب‪ ،‬أن املعتضد كان يقتل بطريقة‬ ‫حفر حفرة ليوضع النصف العلوي فيها ثم‬ ‫ُ‬ ‫يردم التراب فوقه لتسد جميع املنافذ كالفم‬ ‫واألنف واألذان ملنع الروح من الخروج‪،‬‬ ‫وإجبارها للخروج من املنفذ الوحيد وهو‬ ‫الدبر‪ .‬هذه اآللية النفسية التخيلية مستقاة‬ ‫تماما من العنف الجحيمي‪ ،‬ليس بمعنى املوت‬ ‫فقط‪ ،‬بل اإلهانة البشرية أمام منطق القوة‬ ‫بأقذر صورة متاحة‪.‬‬

‫البشرية أمام القوة املطلقة‪ ،‬هذا التشابه بين‬ ‫ُ‬ ‫الصورة الكبرى واملصغرة يضعنا أمام‬ ‫تفسيرات عقلية للمعنى اإلنساني في العنف‬ ‫األزلي ومحاكمته‪ .‬ويطبع أيضا معناه البشري‬ ‫بوصمة عار لشكل الدين الذي يفسره‬ ‫املحدثون العقالنيون في تبرئة األديان من‬ ‫سلوكياتها املنحرفة والخاطئة بلحظات‬ ‫تاريخية‪.‬‬ ‫وأيضا من أشنع مشاهد العنف التاري ي‪ ،‬هي‬ ‫محاكم التفتيش اإلسبانية‬ ‫التي صدرت بحق مسلمي‬ ‫األندلس ومالحقتهم‪ ،‬وإبادة‬ ‫حتى املوريسكين (املسلمين‬ ‫املتنصرين) الحقا‪ .‬وهذه‬ ‫الصورة إضافة لصور أخرى‬ ‫(كالصلب) تجعلنا نصل لتلك‬ ‫ّ‬ ‫تطرف‬ ‫البديهية أنه كلما‬ ‫وتجذر العنف‪ ،‬كانت القوة أكبر‪ ،‬بمعنى كلما‬ ‫ّ‬ ‫العنفية‪،‬‬ ‫تحولت إلى مطلق اشتدت النزعة‬ ‫وهذا يتوافق مع استنتاج فكرة جهنم (العنف‬ ‫األزلي)‪.‬‬ ‫ما فعله مسيحيو إسبانيا باملسلمين ينطبق‬ ‫تماما مع جميع التصويرات العنفية في‬ ‫الجحيم‪ ،‬من سلخ األحياء وحرقهم وصلبهم‬ ‫والتمثيل بجثثهم‪.‬‬

‫‪41‬‬


‫إن ّ‬ ‫تنوع العنف البشري ليس سوى‬ ‫صورة مأخوذة بشكل كلي عن العنف‬ ‫الذي ابتكره هللا قبل إيجاد اإلنسان‪،‬‬ ‫وهو بهذا املعنى ليس سوى شكل ممنه‬ ‫في النصوص‪ .‬إن املشروع اإللهي كي‬ ‫يتحدد كمطلق قام أصال على صورة‬ ‫ّ‬ ‫عنفية وسابقة لإلنسان‪ ،‬وكل النصوص‬ ‫السماوية ترتبت على هذه الرغبة في‬ ‫تحديد املطلق اإللهي‪ ،‬املبني على صورة‬ ‫ترهيبية أزلية‪ ،‬وبالتالي أي نص ديني‬ ‫يستمد حضوره اليومي من صورة الجذر‬ ‫العنفي لألزل وهي جهنم‪.‬‬ ‫ومثيولوجي العنف هذا لم يرتبط فقط‬ ‫بالديانات السماوية‪ ،‬بل أيضا في مشاريع‬ ‫تعدد اآللهة الوثنية والديانات األرضية‪،‬‬ ‫وهو ما يوصلنا إلى حقيقة مؤملة‪ ،‬أن فكرة‬ ‫األلوهة ال يمكن لها أن تقوم سوى على صورة‬ ‫ترهيبية تتجسد نصا‪ .‬وعليه لم تعد مسألة‬ ‫العنف اليومي ومحاولة تجميل األديان‬ ‫كنصوص ناشئة عن األلوهة هي أزمة فقهية‬

‫أو تأويلية فردية لشخصيات‪ ،‬بل امتدت إلى‬ ‫الجذر األساس ي الذي ناقشناه هنا‪ ،‬القاعدة‬ ‫السماوية التي فتحت أبواب تمكين الشر‬ ‫البشري‪.‬‬

‫املراجع‬ ‫‪-‬‬

‫حقول الدم‪ ،‬الدين وتاريخ العنف‪ .‬كارين آرمسترونغ‪ .‬الشبكة العربية لألبحاث‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫تاريخ جهنم‪ .‬جورج بنوا‪ .‬منشورات عويدات‪.‬‬ ‫من تاريخ التعذيب في اإلسالم‪ .‬هادي العلوي‪ .‬داراملدى‪.‬‬

‫‪-‬‬

‫‪42‬‬


‫التطرف واإلرهاب اإلسالمي‬ ‫زهرة حممد‬ ‫ال يرى المتطرفون إال ما يريدون من القرآن ويعاني أغلبهم‬ ‫من قلة االطالع والتعمق بأمور الدين وفهمه وفهم المراد‬ ‫منه‪ ،‬فعلى األرجح هم يرددون بعض األحاديث النبوية‬ ‫واألحاديث القرآنية‪ ،‬ويجهلون أسباب وأهداف نزول اآلية‬ ‫والمراد منها‪.‬‬

‫يأخذ التطرف أشكاال كثيرة ويبدأ بفكر متشدد ينتهي بآخر املطاف لنزعة تبغض كل اختالف‪ ،‬وكل‬ ‫رأي حتى رفض النقاش بأي وجهة نظر تكون ضد ما يراه املتطرف‪ ،‬وأطلق العلماء قديما كلمة‬ ‫التطرف الديني على القائل املخالف للشرع‪ .‬فهو فهم النصوص الشرعية فهما بعيدا عن مقصود‬ ‫الشارع وروح اإلسالم وهو االبتعاد عن صلب املعنى والفهم الصحيح واملتطرف في الدين هو املتجاوز‬ ‫حدوده‪ ،‬واملغال في دينه‪.‬‬

‫‪43‬‬


‫التطرف اإلسالمي والذي يطلق عليه البعض‬ ‫مرض العصر الحالي‪ ،‬حيث بات هاجسا‬ ‫ووسواسا يستحوذ على فكر الجميع وخاصة‬ ‫في املجتمع الغربي والذي يعتبر أن التطرف‬ ‫اإلسالمي يهدده ويهدد وجوده‪ ،‬وهناك تخوف‬ ‫عاملي من الجماعات اإلرهابية التي باتت‬ ‫شبكة منظمة ولها أتباع في بعض الدول‪،‬‬

‫عمليات في ‪2015‬منها حادثة الهجوم على مقر‬ ‫مجلة شارل إيبدو وقتل عدد من محرري‬ ‫الجريدة والتي كانت تنشر صورا لالستهزاء‬ ‫بالدين اإلسالمي‪ ،‬وتفجير مسرح في باريس‬ ‫والذي قتل فيه ‪ 128‬شخصا وأصيب‬ ‫‪180‬وهذا حصل ضمن سلسلة هجمات‬ ‫اعتبرت األعنف منذ عام ‪..2004‬‬

‫ومنذ أحداث الحادي عشر من أيلول في‬ ‫أمريكا الذي كان نقطة لتحول التاريخ‬ ‫والسياسة الغربية في التعاطي مع األحداث و‬ ‫أول عمل تفجيري يثير الرأي الغربي تجاه‬ ‫التطرف وبداية الحرب على اإلرهاب بدأت‬ ‫نظرة العالم بأسره تأخذ منحى سلبيا‬ ‫للمسلمين بشكل عام‪ ،‬وأخذت الدول‬ ‫بتصعيد جاهزيتها للحيلولة دون وقوع أي‬ ‫عمل متطرف‪ ،‬و شهدت دول اوروبا عمليات‬ ‫تفجيرية فقد شهدت فرنسا وحدها عدة‬

‫وبات الكثيرون يعتقدون في العالم الغربي أن‬ ‫اإلسالم هو دين التطرف وأنه مصدر لإلرهاب‬ ‫وأن اإلسالم واملسلمين هم جماعات تريد قتل‬ ‫كل مختلف‪ ،‬حتى بات هاجس الخوف من‬ ‫املسلمين مرضا يحيط بأكثرية الشعوب‬ ‫الغربية و تنامت مؤخرا الحركات اليمينية التي‬ ‫تدعو لنبذ املسلمين والتحريض عليهم في‬ ‫معظم دول أوروبا ولعل أكبر مثال على تنامي‬ ‫هذا الظاهرة هو مرشح الرئاس ي األمريكية‬ ‫(دونالد ترامب) والذي جعل حملته هي مروجا‬

‫‪44‬‬


‫املرجعية التي يستقي منها املتطرف كل ما‬ ‫يصبو لتعلمه‪ ،‬وتأتي الفتاوى التي تبالغ ّ‬ ‫وتحرم‬ ‫ّ‬ ‫وتنفر من كل ش يء حسب ما يريدون و هكذا‬ ‫فإن األمور تجري نحو تطرفا أكثر وتشددا‬ ‫أكثر‪.‬‬

‫لنبذ املسلمين وتوعدهم في كل أنحاء أمريكا‬ ‫ووصل به األمر أن صرح بأنه يجب طرد كل‬ ‫مسلم حتى لو كان يحمل الجنسية األمريكية‪،‬‬ ‫وكل ذلك تولد كنتيجة عكسية ملا يدعيه أو‬ ‫تدعيه بعض الجماعات املتطرفة والتي ال‬ ‫تطبق الدين أبدا‪ ،‬وال تفقه منه شيئا على‬ ‫األغلب وإن أكثر الجماعات هذه تطبق بعض‬ ‫آيات محفوظة دون فهم أو وعي بحسب‬ ‫املفكرين في الدين اإلسالمي‪.‬‬

‫وبحسب الباحث واملفكر في علوم القرآن‬ ‫"إبراهيم ّ‬ ‫جمال"‪" :‬إن املتطرف يأخذ اآلية دون‬ ‫فهم النزول والسياق فال يقرأ ما قبلها وما‬ ‫بعدها من آيات وال يتفكر فيها ئ‬ ‫ئ‬ ‫وبالغيا‪،‬‬ ‫لغويا‬ ‫فيحفظها ويطبقها وينشرها دون فهم"‪ ..‬ومن‬ ‫أكثر اآليات التي يتم حفظها بشكل أعمى كما‬ ‫ّ‬ ‫الجمال‪" :‬هي قوله تعالى‬ ‫يقول الباحث‬ ‫{اقتلوهم حيث ثقفتموهم} وهذه اآلية تعني‬ ‫اقتلوهم حين تجدوهم وهنا يقع الخلط‬ ‫والخطأ فهم يقتطعون نصفا ويجهلون نصفه‬ ‫فمثال ال يجوز أن نقرأ أية {ويل للمصلين}‬ ‫ونصمت بل تجب قراءتها كاملة {ويل للمصلين‬ ‫الذين هم عن صالتهم ساهون} وهنا يتضح‬ ‫لنا فهم اآلية أو ملاذا وجدت‪ ،‬فالقرآن الكريم‬ ‫ُ‬ ‫ٌّ‬ ‫ا‬ ‫يجوز أن نأخذ ما يعجبنا‬ ‫متكامل ال‬ ‫نص‬ ‫ونهمل تتمة النص وإال فلن نفهم الغاية‬ ‫والرسالة من اآلية"‪ .‬وضيف الجمال‪" :‬وقوله‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تعالى‪{ :‬وأخر ُج ُ‬ ‫وهم ِّمن حيث أخر ُجوكم}‬ ‫ِ‬ ‫يذكرنا بمنطق مشابه في آية أخرى في قوله‬ ‫تعالى‪{ :‬و ِإن عاقب ُتم فع ِاق ُبوا ِب ِمث ِل ما ُعو ِقب ُتم‬ ‫ا ّ ئ‬ ‫ُ ُ‬ ‫لصابرين}‪[ ..‬النحل‪:‬‬ ‫ِب ِه ول ِئن صبرتم لهو خير ِل ِ‬ ‫‪ .]126‬إذا ال نقتل البريء وال نعتدي على‬

‫املتطرفون ال يعرفون الدين اإلسالمي وحيفظون‬ ‫بعض اآليات بشكل أعمى!!‬

‫ال يرى املتطرفون إال ما يريدون من القرآن‬ ‫ويعاني أغلبهم من قلة االطالع والتعمق بأمور‬ ‫الدين وفهمه وفهم املراد منهم‪ ،‬فعلى األر ح‬ ‫هم يرددون بعض األحاديث النبوية‬ ‫واألحاديث القرآنية ويحفظون بعض األمور‬ ‫املنقوصة بشكل كبير‪ ،‬ويجهلون أسباب‬ ‫وأهداف نزول اآلية واملراد منها‪ ،‬ويكون عقلهم‬ ‫أشبه بمرآة ال ترى إال رأيهم وتعكس فقط‬ ‫توجهاتهم وانفرادهم باألمر دون غيرهم‪،‬‬ ‫وتكفير كل من يخالفهم الرأي والتفسير‬ ‫لدرجة أنهم قد يكفرون شيخا أو عاملا ملجرد‬ ‫أن تفسيره ال يأتي على أهوائهم أو منطقهم‬ ‫بفهم الدين‪ ،‬ولعل الخطاب الديني املتعنت‬ ‫للكثير من الشيوخ وتكفير معظم الناس هو‬

‫‪45‬‬


‫ّ‬ ‫الجمال أنه "ال‬ ‫املظلوم" ويضيف السيد‬ ‫يمكن للمتطرف أن ُيقنع أحدا من املفكرين‬ ‫بما لديه ألنه ال علم لديه بالبالغة العربية‬ ‫وحيميات علوم الدين"‪ ،‬ويضيف أيضا ‪" ...‬من‬ ‫اآليات التي يستدل بها املتطرفون هي آية دعاء‬ ‫نوح على الكافرين {وقال ُن ا‬ ‫وح ئر ِ ّب ال تذر على‬ ‫ض ِمن الك ِاف ِرين د ئيارا‪ِ ،‬إ ئنك ِإن تذر ُهم‬ ‫األر ِ‬ ‫ُ ئ‬ ‫ُّ‬ ‫ئ‬ ‫ُي ِضلوا ِعبادك وال ي ِلدوا ِإال ف ِاجرا كفارا} وفي‬ ‫هذا اآلية يتضح لنا أن نوحا يدعو هللا‬ ‫للخالص من الكافرين‪ ..‬وهنا نسأل املتطرفين‬ ‫بقولنا من هو الكافر وكيف ئ‬ ‫عرف ُه القر ُآن‬ ‫الكريم؟؟ الكافرون في القرآن هم الظاملون‬ ‫املفسدون القاتلون الذين يقتلون املؤمنين‬ ‫ُويحاربونهم ألنهم مؤمنين ويمنعون الناس من‬ ‫ممارسة ُح ّرياتهم ومعتقداتهم فالكافر ليس‬ ‫فقط من ال يؤمن بوجود خالق بل هو مع‬ ‫عدم إيمانه ال يسمح ألحد أن يمارس حريته‬

‫واعتقاده‪ ...‬فالكافر بالقرآن هو من يهدد أمن‬ ‫ُ‬ ‫تقصد‬ ‫كل الناس‪ ،‬ويعتدي عليهم فاآليات‬ ‫ُ‬ ‫أناسا رفعوا السالح بوجه من آمن واعتقد‬ ‫باإلسالم دينا واآليات تتحدث عن الكافرين‬ ‫بمكة الذين قتلوا من املسلمين الضعفاء‬ ‫واألبرياء ما قتلوا‪ ،‬إذا هم ُأ ا‬ ‫ناس في رقابهم دماء‬ ‫ُ‬ ‫وإن ت ِركوا سيقتلون املزيد من األبرياء {ولكم‬ ‫ا ُ‬ ‫صاص حياة يا أولي األلباب} هذا تفسير‬ ‫الق‬ ‫في ِ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫اآلية التي تفهم من ِقب ِل املتطرفين بشكل‬ ‫خاطئ مختلف ئ‬ ‫كل االختالف‪ ،‬وهناك أيضا‬ ‫ُّ‬ ‫يستدل بها املتطرفون في سورة الح قوله‬ ‫آية‬ ‫تعالى ‪ُ { :‬أذن ل ئلذين ُيقات ُلون بأ ئن ُهم ُظل ُموا ۚ وإنئ‬ ‫ِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫َّللا عل ٰى نص ِر ِهم لق ِد اير} وهنا يلعب‬ ‫املتطرفون لعبتهم الجاهلة على معنى اآلية‬ ‫ُوي ِهم ُلون اآلية التي ت ِليها ُّ‬ ‫وتدل على املعنى بشكل‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫املفسد والظالم والذي‬ ‫قتال‬ ‫حقيقي وهو‬ ‫ِ‬ ‫مارس القتل ّ‬ ‫الضعفاء من الناس قال‬ ‫بحق‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫‪46‬‬


‫ُ‬ ‫ئ‬ ‫تعالى في اآلية التي بعدها {ال ِذين أخ ِر ُجوا ِمن‬ ‫ديارهم بغير ح ّق إ ئال أن ي ُق ُولوا رُّبنا ئ ُ‬ ‫َّللا ۗ ولوال‬ ‫ِ ِِ ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫ُ ئ‬ ‫ّ‬ ‫ئ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َّللا الناس بعضهم ِببعض له ِدمت‬ ‫دفع ِ‬ ‫صوام ُع وبي اع وصلو ا‬ ‫ات ومس ِاج ُد ُيذك ُر ِفيها‬ ‫ِ ِ‬ ‫نص ُر ُه ۗ إنئ‬ ‫نصر ئن ئ ُ‬ ‫َّللا من ي ُ‬ ‫اس ُم ئَّللا كثيرا ۗ ولي ُ‬ ‫ِ ِ‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫ا‬ ‫َّللا لق ِو ٌّي ع ِزيز} إذا هنالك ظلم وقع عليهم‬ ‫لذلك أذن ُ‬ ‫هللا ُلهم الدفاع ومقاومة الظلم‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫والظاملين وهذا القتال يباح لكل من يعتدى‬ ‫عليه وهذا موجود في كل الشرائع عبر كل‬ ‫العصور وفي الدول املتحضرة التي توجب‬ ‫التأهب والدفاع عن نفسها في الحروب‪.‬‬

‫اإلصرار على القتال‪ .‬وأشار التقرير أن‬ ‫الدراسة كشفت ّأن ‪ %61‬من املتطوعين هم‬ ‫من غير املتزوجين‪ ،‬و‪ %9‬امتنعوا عن شرح‬ ‫حالتهم االجتماعية‪.‬‬ ‫ربما من أهم األسباب والتي ساهمت في تطرف‬ ‫الشباب هي األزمات السياسية األخيرة في‬ ‫البلدان العربية‪ ،‬والكثير من الظلم الذي‬ ‫حاق بهم كفئة كبرى باالنخراط في هذا‬ ‫االتجاه‪ ،‬فالبطالة والتهميش‪ ،‬والتربية‬ ‫الشديدة أحيانا قد تدفع بالشاب للدفاع عن‬ ‫فكر وتبني قضية تخصه وتمنحه بعض من‬ ‫نشوة االنتصار الذي يعطيه بعدا مختلفا‬ ‫عمن حوله‪ ،‬أيضا فهم الدين اإلسالمي بشكل‬ ‫مغاير عن الواقع تماما‪ ،‬وتسميم األفكار التي‬ ‫تعطى للناش ئ والطالب‪ ،‬و لألسف فامللقن‬ ‫واملعلم في غالبية األحيان ال يفقه من الدين‬ ‫إال إنكار وتكفير الطرف اآلخر والدين‬ ‫املختلف‪.‬‬

‫من األكثر اخنراطا يف اجلماعات املتطرفة وملاذا‬ ‫يتجه بعض الشباب املسلم حنو التطرف أو اإلرهاب‬ ‫الديين؟‬

‫رغم أن املتطرف ليس له بيئة معينة أو عمرا‬ ‫محدد‪ ،‬إال أن غالبية املنخرطين في هذه اآلفة‬ ‫الفكرية إن صح التعبير‪ ،‬هم الشباب الذين‬ ‫يكونون في غمرة الغضب من كل ما حولهم من‬ ‫ظروف تأتي ضدهم‪ ،‬أسباب تتراكم لتصنع‬ ‫وحشا قد يكون في منزل كل عائلة مسلمة‪،‬‬ ‫وقد ذكرت دراسة أعدها مركز أبحاث تابع‬ ‫لألكاديمية العسكرية األميركية في نيويورك‬ ‫أهم صفات الشباب املنضمين إلى تنظيم‬ ‫داعش‪ ،‬بأن أعمارهم ال تتعدى الـ ‪ 26‬عاما‪،‬‬ ‫ويفضل أن يكون أعزبا ولديه الرغبة في‬

‫ويقول املفكر و الباحث اإلسالمي موفق زريق‬ ‫متحدثا عن أهم األسباب "إن أسباب التطرف‬ ‫معقدة ومتراكمة ومتشابكة‪ ،‬ولعل أهم‬ ‫األسباب‪ ،‬هي انسداد أفق املستقبل في اآلونة‬ ‫األخيرة على وجه الخصوص‪ ،‬والحنين الردة‬ ‫إلى املاض ي‪ ،‬وعنف السلطة الحاكمة في‬ ‫املجتمعات الشرقية‪ ،‬والجهل الشديد بأصول‬ ‫الدين وحقيقته‪ ،‬أيضا املوروث الديني‬

‫‪47‬‬


‫الخالفة»‪ ،‬أن حوالي‬ ‫‪ 16‬في املائة من‬ ‫مغاربة «داعش»‬ ‫عمليات‬ ‫نفذوا‬ ‫انتحارية‪.‬‬ ‫وعال خبراء املركز‬ ‫استمارات ‪4173‬‬ ‫مقاتال أجنبيا في‬ ‫«الدولة‬ ‫صفوف‬ ‫اإلسالمية»‪ ،‬ومن بين ‪ 260‬مغربيا‪ ،‬كان هنالك‬ ‫‪ 41‬انتحاريا أو من يستعدون لتنفيذ عمليات‬ ‫انتحارية‪ ،‬أي ما نسبته ‪ 15.8‬في املائة‪ .‬وحل‬ ‫االنتحاريون املغاربة في الرتبة الثالثة بعد‬ ‫السعوديين والتونسيين‪ ،‬ويليهم في املرتبة‬ ‫الرابعة الليبيون‪ .‬وكتب ‪ 240‬مغربيا في‬ ‫استمارة الولوج إلى منطقة نفوذ تنظيم‬ ‫«داعش» أنهم مغاربة بالجنسية‪ .‬ورغم أن‬ ‫الدين هو الذريعة التي يعلق عليها املتطرف‬ ‫ّردات فعله العنيفة‪ ،‬إال أن الكثير من األمور‬ ‫يراها املفكرون تلعب دورا في تغيير النه‬ ‫والفكر لديهم‪ ،‬ويرى املفكرون أيضا أن‬ ‫التطرف ليس إسالميا بحتا فهناك الكثير من‬ ‫التراكمات عبر أالف السنين أدت للعنف بكل‬ ‫األشكال وحسب سياسات القوي الذي يحكم‬ ‫ويتبعه من ورائه إتباعا أعمى‪.‬‬

‫التكفيري الذي ينشأ عليه البعض‪ ،‬وألن‬ ‫الدكتاتوريات الحاكمة في سوريا وليبيا‬ ‫واليمن ساعدت في انتعاش التطرف فلكل‬ ‫تطرف هناك تطرف يعاكسه فضال عن أن‬ ‫ضعف السلطة في الصراع الراهن يشكل‬ ‫فرصة للقوى املتشددة دينيا مللء الفراغ"‪.‬‬ ‫اتجه الشباب العربي املسلم نحو الجماعات‬ ‫املتطرفة نظرا ملا يحيط بهم من ظروف‬ ‫جعلتهم في موقف الهجوم الشرس‪ ،‬من‬ ‫املمكن أن تكون برأيهم هي وجهة نظر لفرض‬ ‫كل ما يرونه وذلك ألن دولهم لم تعكس ولم‬ ‫تمنحهم الفرص بشكل إيجابي‪ ،‬وبحسب‬ ‫تقارير فإن الشباب العربي يعيش في محيط‬ ‫مفصول عنه‪ ،‬ورؤى ال تعكس توجهاته‬ ‫وأحالمه وطموحاته وأشارت الدراسة التي قام‬ ‫بها مركز مكافحة اإلرهاب‪ ،‬التابع لألكاديمية‬ ‫العسكرية للواليات املتحدة األمريكية‪ ،‬والذي‬ ‫يحمل عنوان‪« :‬القوة العاملة لدولة‬

‫‪48‬‬


‫ويرى األستاذ محمد بوفراحي باحث وأستاذ‬ ‫جامعي مغربي أن "التطرف ظاهرة طبيعية‬ ‫وأزلية وجدت مع اإلنسان‪ ،‬ويؤكد أن هذه‬ ‫الظاهرة ليست حصرا على املجتمع اإلسالمي‪،‬‬ ‫كما يجب التأكيد على أنها تهم بعض‬ ‫األشخاص‪ ،‬هي فقط أقلية التي تجنح الي‬ ‫التطرف الدموي‪ ،‬وهي نتيجة التعصب ألفكار‬ ‫أو اعتقاد ديني أو إيديولوجي يظهر في رفض‬ ‫أفكار اآلخرين والتغيرات السياسية بالتأكيد‬ ‫ليست سببا مباشرا في توجه الشباب للتطرف‬ ‫فال ش يء تغير بشكل جذري في العالم العربي‪،‬‬ ‫االستبداد قائم و خطب املساجد لم تغير‬ ‫خطابها الذي يمجد الحاكم و يهلل للكراهية‬ ‫وأن من أهم ما يدفع للتطرف هو النشأة و‬ ‫الفقر الذي يؤدي إلى الجهل و اإلنسان الفقير‬ ‫الجاهل يجنح بسهولة إلى الجريمة بشكل‬ ‫عام"‪.‬‬

‫وعادي إلى شخص متطرف بحسب الضغوط‬ ‫وممارسة العنف من حولهم‪ ،‬ويرى الدكتور‬ ‫النفس ي محمد دندل "أن اإلحباط‬ ‫واضطرابات القلق وتعرض الشخص‬ ‫لالعتقال مثال أو عنف يمارس عليه أو على‬ ‫املحيطين حوله من أهله قد تدفعه رغبة‬ ‫انتقامية أو ثأرية لهذا السلوك فيما بعد‪،‬‬ ‫ولكن ليس كل مرض نفس ي يؤدي للتطرف‪،‬‬ ‫أما بالنسبة لبعض األشخاص املضطربين أو‬ ‫ما يسمى بالشخصية (الزورانية) وهؤالء‬ ‫لديهم نزعة لالنخراط بكل التنظيمات‬ ‫اإلجرامية و للعنف وحتى االنخراط في‬ ‫منظمات كاملافيا مثال‪ ،‬ولديهم عداء للسلطة‬ ‫والحكم‪ ،‬وتكون حالته شكاكة حقودة وال تثق‬ ‫باآلخرين ووجوده ضمن هذه التنظيمات‬ ‫املتطرفة تعطيه فرصة للتحكم بدل أن يكون‬ ‫هو من يتحكم به فيكون هو السلطة ويتاح له‬ ‫التعبير عن رأيه املنحرف‪".‬‬

‫تراكمات نفسية أيضا ودور األهل هو األهم!!‬

‫ويضيف الدكتور محمد دندل أن "لألهل‬ ‫الدور األكبر في تنامي التطرف أو الشعور‬ ‫املتطرف لدى أبنائهم‪ ،‬فالتربية هي البذرة‬ ‫األولى والتي تكبر مع الطفل حتى يصبح له‬ ‫شخصية مستقلة"‪ ،‬ويضيف أن "أفكار أألهل‬ ‫دائما ما تنتقل إلى االبن بشكل كبير ويجب‬ ‫توخي الحذر عند ظهور أي انطباع شاذ يأخذه‬ ‫االبن للعداء تجاه املحيط واآلخرين"‪ ،‬ويشير‬ ‫أن "األسرة واملدرسة والبيئة التي ينشأ بها‬

‫صراعات كثيرة يمر بها الشباب املسلم ويعاني‬ ‫من انكسارات كبيرة نفسية وخاصة في مرحلة‬ ‫املراهقة أو بعدها بقليل ويشهد هذا العمر‬ ‫تحوالت جسدية ونفسية وعقلية كبيرة‬ ‫وبدورها تجعله ما هو عليه بعد ذلك وفي‬ ‫مراحل عمرية أخرى وتنحت شكل شخصيته‪،‬‬ ‫ومن املمكن جدا أن يتحول من شخص هاد‬

‫‪49‬‬


‫مجريات األحداث رغم أن رسالة اإلعالم هي‬ ‫الوقوف على الحياد والتحليل والتعمق‬ ‫وإيجاد وسيلة ناجعة للتوعية‪.‬‬

‫الطفل واملراهق هي مؤثر رئيس ي في انطباعاته‬ ‫وتكوين فكره تجاه اآلخرين وخاصة املختلفين‬ ‫عنه"‪.‬‬

‫لقد ساعد اإلعالم بتطوير وتحفيز الرؤية‬ ‫املتطرفة للمجتمعات‪ ،‬وابتداء من الصحافة‬ ‫املكتوبة‪ ،‬وليس انتهاء بالتلفزيون‪ ،‬ووصوال‬ ‫لوسائل التواصل االجتماعي‪ ،‬في صفحات‬ ‫الفيس بوك ومقاطع الفيديو نرى التحريض‬ ‫الواضح على القتل برسائل واضحة تماما عبر‬ ‫اإلعالم‪ ،‬فتظهر مقاطع قطع األعناق‪،‬‬ ‫والتقطيع والسلخ‪ ،‬وتبرز املشكلة في تنامي‬ ‫هذه الصورة وكثرة املتابعين لها والتأييد‬ ‫األعمى أحيانا للقاتل باعتباره الحاكم بأمر‬ ‫الدين واملتصرف ضد الظلم بما براه مناسبا‪.‬‬

‫دور اإلعالم وهل له يد يف التضخيم والرتويج‬ ‫للتطرف واإلرهاب؟؟‬

‫إن من أبرز الالعبين على الخط الساخن‬ ‫للتطرف هو اإلعالم‪ ،‬فلإلعالم أكبر سلطة‬ ‫محركة في عصرنا الحالي بل وأحيانا قد تدخل‬ ‫في صناعة القرار بشكل كبير‪ ،‬ورغم أنه يجب‬ ‫على اإلعالم املساعدة على التثقيف‪ ،‬فقد‬ ‫يحدث العكس أحيانا في وسائل اإلعالم‬ ‫الغربية والعربية بشكل أكبر‪ ،‬فقد نشهد‬ ‫دعوة للعنف بشكل علني وسافر وتدخال في‬

‫‪50‬‬


‫اإلسالم بريء من هؤالء‪ ،‬ويكون ذلك‬ ‫باستضافة رجال دين يتحدثون عن سماحة‬ ‫اإلسالم وأن ما فعله التنظيم املتطرف جريمة‬ ‫بكل معنى الكلمة"‪.. .‬‬

‫ويرى الصحفي السوري أسامة سعد الدين‬ ‫مدير جريدة العرب وصحفي في جريدة تشرين‬ ‫السورية سابقا أن "اإلعالم بات يهتم بالسبق‬ ‫الصحفي والضربة اإلعالمية القوية والتي‬ ‫تشد املشاهد بعيدا عن التحليل والتعمق‬ ‫والذي هو دورها األول كوسيلة إعالم للناس"‬ ‫مضيفا "لقد أصبح هدفا تعتبره هذه‬ ‫الفضائية وتلك الوسيلة اإلعالمية انفرادا‬ ‫يحقق لها الشهرة املأمولة‪ ،‬متناسين دور‬ ‫اإلعالم في نقل الخبر واملعلومة بموضوعية‬ ‫أقرب إلى الحياد‪ ،‬فعندما يظهر قائد تنظيم‬ ‫محسوب على القاعدة‪ ،‬ويبث فكره وعقيدته‬ ‫وتطرفه عبر شاشة فضائية ما‪ ،‬نراها تعيد‬ ‫الحديث لغير مره ألم تكن هذه الفضائية‬ ‫تساهم في نشر ظاهرة “التطرف ” الديني؟ إن‬ ‫الخطأ الذي وقعت به وسائل اإلعالم‪ ،‬ليس في‬ ‫استضافة أصحاب الفكر املتطرف‪ ،‬ولكن‬ ‫بعدم إشباع هذا الفكر للدراسة والبحث‬ ‫والتقويم من قبل أصحاب االختصاص‪،‬‬ ‫وحتى في تناول األخبار أو األحداث‪ ،‬سيما ما‬ ‫يتعلق بالتنظيمات “اإلرهابية” كتنظيم‬ ‫الدولة أو ما يعرف بـ”داعش” فعندما تقوم‬ ‫هذه الفضائية أو تلك ببث خبر قيام التنظيم‬ ‫بإعدام صحفي أجنبي‪ ،‬وقطع رأسه أو نحره‬ ‫أمام الكاميرات‪ ،‬وذكر بيان التنظيم حول‬ ‫الحادثة والتي تمت باسم “اإلسالم” او على أيد‬ ‫”إسالميين” يفترض بالفضائية أن تبين لنا أن‬

‫وهكذا؟ باختصار يجب أال يقتصر على دور‬ ‫وسائل اإلعالم في نقل أخبار التطرف‬ ‫واإلرهاب فقط بل يجب أن تتعداه إلى توعية‬ ‫الناس بمخاطر الفكر املتطرف الذي يسهم في‬ ‫هدم املجتمعات وتدمير العقول واألفكار‬ ‫االيجابية‪.‬‬ ‫في الواقع لم تقف بعض وسائل األعالم على‬ ‫تهميش دورها أو االكتفاء بنقل الخبر دون‬ ‫تحليل‪ ،‬ولكن بعض وسائل اإلعالم ترى بهذا‬ ‫الطرح املتطرف بيئة مناسبة لتضخيم‬ ‫التطرف واتهام الدين اإلسالمي باإلرهاب‬ ‫وذلك لخدمة مصالح سياسية كبرى تستخدم‬ ‫هذا الخط لتوجيه الرأي العاملي ضد‬ ‫املسلمين والدين اإلسالمي‪ ،‬واللعب في الصيد‬ ‫باملاء العكر كي تخدم أجندات كبيرة وقوى‬ ‫متحكمة بالخطاب اإلعالمي القوي يؤثر‬ ‫بشكل كبير في تسيير األمور لصالحه‪.‬‬ ‫الصحفي السوري ومعلق البرامج في قناة‬ ‫الجزيرة فاروق القاسم يرى أن "هناك مؤامرة‬ ‫سياسية موجهة ومنظمة‪ ،‬وهدفها تشويه‬ ‫الدين اإلسالمي"‪ ،‬وبحسب رأيه أن هذا‬ ‫مخطط كبير جدا حيث يقول "يمكن أن يكون‬

‫‪51‬‬


‫اإلعالم قد ساهم في نشر اإلرهاب أحيانا وفي‬ ‫بعض وسائل اإلعالم‪ ،‬إال أنه بشكل عام ليس‬ ‫عمدا أو لربما غباء في بعض األحيان‪ ،‬أو ربما‬ ‫أن اإلرهابيين استغلوا اإلعالم‪ ،‬يجب أن نعلم‬ ‫أن مهمة اإلعالم هي نشر الحقيقة والواقع‬ ‫وأن نعلم أن الغرب املتمثل بأمريكا وأوروبا‪،‬‬ ‫هو الذي دعم اإلرهاب في‬ ‫وذلك‬ ‫بالدنا‪،‬‬ ‫على‬ ‫لالنقضاض‬ ‫العظيم‬ ‫ديننا‬ ‫وتشويه‬ ‫معتقدنا‪،‬‬ ‫ولجعلنا حقل‬ ‫تجارب لسالحه وسوقا‬ ‫لتصريفه من دمائنا‪ ،‬وأحب أن‬ ‫أضيف أن اإلرهاب‪ ،‬ما هو إال نتيجة طبيعية‬ ‫ملا خلفته أنظمة االستبداد املدعومة غربيا‬ ‫منذ نهاية االستعمار القديم‪".‬‬

‫املسلم يف مناطق النزاع بني فكي كماشة لنظرة‬ ‫الغرب وهل له دور يف التوضيح ونبذ التطرف‬

‫قد يكون الوضع املسيطر لدى غالبية‬ ‫الشعوب العربية في مناطق النزاع‪ ،‬وفي‬ ‫الظروف الراهنة هي حالة القلق وعدم‬ ‫املوازنة للمعادلة الصعبة واملسيطرة عليهم‬ ‫بشكل عام‪ ،‬من أمرين األولى أن يتهموا‬ ‫بالتكفير من املنظمات التي تسعى‬ ‫للتمدد والسيطرة بأسلوب القتل‬ ‫والتدمير أينما حلوا‬ ‫سيما في الدول التي‬ ‫يسود فيها النزاع‬ ‫كسوريا وليبيا واليمن‪،‬‬ ‫والثانية أن يتهم املسلمين‬ ‫منهم باإلرهاب من قبل‬ ‫املجتمعات الغربية‪ ،‬وقد حصل‬ ‫ذلك كثيرا في اآلونة األخيرة‪ ،‬ويمكن للكثير أن‬ ‫يتهموا بهذه التهمة ملجرد أنهم مسلمون!‬

‫ويضيف املفكر موفق زريق موضحا كيف‬ ‫تساعد على ذلك قائال‪" :‬اإلعالم هو األخطر‬ ‫طبعا الذي يتضافر مع جهل ديني وسياس ي‬ ‫مدقع وخصوصا القنوات الدينية املتطرفة‪،‬‬ ‫هناك فعال تطرف في العالم اإلسالمي لكن‬ ‫هناك تضخيم إعالمي متعمد ألسباب‬ ‫سياسية ومصالح كبرى فضال عن العداء‬ ‫التاري ي بين الغرب املسيحي والعالم‬ ‫اإلسالمي‪".‬‬

‫خاصة من الهاربين من الحروب وبشكل‬ ‫خاص الالجئين السوريين‪ ،‬واللذين كانوا في‬ ‫حالة اتهام دائم وردة فعل دفاعية مسبقة‪،‬‬ ‫كي يستطيعوا الخالص من لعنة تطاردهم‪.‬‬ ‫وقد واجه الكثير من املسلمين مؤخرا تهما‬ ‫لكونهم متواجدين في أوروبا وقد أتوا أو لجأوا‬ ‫من بالد تعاني من تواجد حركات إرهابية‬ ‫متطرفة‪ ،‬كاتهامهم بأحداث اعتداءات‬

‫‪52‬‬


‫والظروف الراهنة تضع املسلم في مواجهة‬ ‫دائمة وفي موقف مدافع‪ ،‬يجعله مسؤوال عن‬ ‫كل تصرف أو كلمة يلقيها‪ ،‬ويمكن أن يعكس‬ ‫كل فرد منا في املجتمعات املسلمة‪ ،‬وجهة نظر‬ ‫مخالفة للنظرة السائدة‪ ،‬واالندماج في‬ ‫املجتمعات األخرى‪ ،‬بشكل إيجابي يوصل‬ ‫رسالة سلسة غايتها القول أن الدين‬ ‫اإلسالمي دين مسامحة ومحبة‪،‬‬ ‫وأن التطرف هو حالة‬ ‫ينبذها املسلم قبل كل احد‬ ‫آخر‪ ،‬في العالم‪ ،‬ويمكن أن‬ ‫نقول انه ومن أهم األسس‬ ‫التي تجعل األجيال املقبلة‬ ‫تنبذ التطرف في كل ما يشهده‬ ‫العالم العربي من تحوالت‪ ،‬هو‬ ‫التوليفة السحرية هي في أسلوب التربية‬ ‫والتعليم في طرح أسلوب مغاير للنمطية‬ ‫السائدة في شروحات الدين‪ ،‬واالنفتاح بشكل‬ ‫أكثر على العالم‪ ،‬ألخذ اإليجابي والتعلم منه‪،‬‬ ‫وعدم الذوبان في السلبي‪ ،‬وإعطاء االبن أو‬ ‫االبنة أسس في التعامل الديني القويم مع‬ ‫األديان األخرى‪ ،‬وفي النهاية ديننا اسمه‬ ‫اإلسالم‪ ،‬ومعناه السالم‪..‬‬

‫كولونيا في أملانيا في مطلع العام الحالي بشكل‬ ‫متسرع قبل أي تبين للتحقيقات بعالقتهم‬ ‫باألمر‪ ،‬أيضا أحداث باريس واتهام بعض‬ ‫الالجئين السوريين أيضا قبل أن يتم نفي أي‬ ‫من االفتراضات وتحليلها بشكل حقيقي‬ ‫وشامل‪ ،‬وقد تعرضت فرنسا النتقاد شديد‬ ‫واتهمت حينها بالتحريف!!‬ ‫في الحقيقة هناك رسالة‬ ‫إسالمية يتوجب على‬ ‫املسلم تبينها وهو أن‬ ‫الدين اإلسالمي جاء‬ ‫برسالة سالم للعالم‬ ‫أجمع وتحريم وتجريم‬ ‫القتل لكل الناس‪.‬‬ ‫ويوضح الباحث إبراهيم ّ‬ ‫جمال هذه‬ ‫الغاية في اآلية القرآنية وأنها تعكس نه حرما‬ ‫نية القتل ألي نفس دون ذكر ما هي هل كان‬ ‫مسلمة أو غير مسلمة وقدسية الروح للدين‬ ‫اإلسالمي والذي بعث لنشر املحبة وإعالء‬ ‫الشأن اإلنساني {ومن قتل نفسا ِبغي ِر نفس أو‬ ‫فساد في األرض فكأ ئنما قتل ئ‬ ‫الناس ج ِميعا ومن‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ئ‬ ‫ئ‬ ‫أحياها فكأنما أحيا الناس ج ِميعا}‬

‫زهرة حممد‬ ‫صحافية سوريةـ حتضر للماجستري يف اإلعالم‪ ،‬تقيم يف اململكة املغربية‪.‬‬

‫‪53‬‬


54


‫العنف يف التفكري العربي اإلسالمي‬ ‫عبدو نيب‬ ‫قامت الثقافة التي أنجبت التطرف السلفي‪ ،‬بعملية بحث‬ ‫في كل التاريخ اإلسالمي سعياً وراء فكر يتالءم‬ ‫وتوجهاتها‪ ،‬وهكذا إلى أن وجدت ابن تيمية‪ ،‬وفتاويه‪ ،‬أي‬ ‫أنها نجحت بالتالي من إيجاد ثوب إسالمي يناسب‬ ‫مقاسات واقعها (القبائلي‪ /‬الصحراوي)‪.‬‬

‫مقاربة يف نشأة املفهوم‬

‫قراءة بسيطة ملا تشهده منطقتنا من الصعود القوي والسريع للتيارات السلفية الجهادية التكفيرية‬ ‫اإلسالمية كالقاعدة والدولة اإلسالمية في العراق والشام املعروفة اختصارا بداعش‪ ،‬تدفع إلى‬ ‫البحث والتساؤل عن البنية العميقة التي ترتكز عليها منطلقات هذه الجماعات وعقيدتها‬ ‫وإيديولوجيتها العامة التي تنطلق منها‪.‬‬

‫‪55‬‬


‫واإلسالمية والتي ساهمت في خلق‬ ‫الشخصية الحالية‪.‬‬

‫ال يخفى على أي قار أن الثقافة الشمولية‬ ‫التي تطبع املجتمعات اإلسالمية عامة‬ ‫والعربية خاصة‪ ،‬تقوم على العنف وإلغاء‬ ‫اآلخر‪ ،‬وبذلك ال تدع وجودا لآلخر للتحاور‬ ‫معه‪ ،‬هذه الثقافة املختلفة هي نتاج‬ ‫ّ‬ ‫ترسبات تاريخية تراكمت في عقل اإلنسان‬ ‫العربي واملسلم خالل حقبة طويلة من‬ ‫الزمن‪ ،‬والتي أنتجت ذاك النمط من الثقافة‬ ‫العربية املتزمتة والشخصية العدوانية التي‬ ‫نراها اليوم‪ ،‬واملبنية على الكراهية والعنف‬ ‫واإلرهاب وروح الثأر واالنتقام واإلقصاء‬ ‫واإللغاء‪ ،‬لذلك عند الحديث عن موضوع‬ ‫الثقافة العربية هذه‪ ،‬يجب البحث عن‬ ‫العوامل التي أوجدت تلك الثقافة‪ ،‬والبيئة‬ ‫التي ترعرعت فيها املجتمعات العربية‬

‫بعد ظهور الدعوة اإلسالمية في شبه الجزيرة‬ ‫العربية بين مجموعة من القبائل العربية‬ ‫البدوية‪ ،‬قام هؤالء العرب البدو بنشر‬ ‫الدين اإلسالمي‪ ،‬بإشهار سيوفهم بوجوه‬ ‫الشعوب األخرى وغزو بلدانها ونهبها وفرض‬ ‫الدين الجديد على شعوب تلك الدول أو‬ ‫فرض الجزية عليها وسبي نسائها ملن يرفض‬ ‫الدخول في الدين الجديد‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬العامل الرئيس واألساس لفقدان لغة‬ ‫الحوار واملناقشة في املجتمعات العربية‬ ‫واإلسالمية وطغيان روح اإلرهاب والعنف‬ ‫والقتل والكراهية واإلقصاء واإللغاء في هذه‬ ‫املجتمعات‪ ،‬هو سيادة الثقافة البدوية على‬

‫‪56‬‬


‫التعسف‪ ،‬الذي تمليه الثقافة وربما البيئة‬ ‫أو الظرف السياس ي أو االقتصادي‪.‬‬

‫هذه املجتمعات التي اكتسبت هذه الثقافة‬ ‫نتيجة استمرار وقوعها تحت هيمنتها لفترة‬ ‫تمتد أكثر من أربعة عشر قرنا‪.‬‬

‫لقد قامت الثقافة التي أنجبت التطرف‬ ‫السلفي‪ ،‬بعملية بحث في كل التاريخ‬ ‫اإلسالمي سعيا وراء فكر يتالءم وتوجهاتها‪،‬‬ ‫وهكذا إلى أن وجدت ابن تيمية‪ ،‬وفتاويه‪ ،‬أي‬ ‫أنها نجحت بالتالي من إيجاد ثوب إسالمي‬ ‫يناسب مقاسات واقعها (القبائلي‬ ‫الصحراوي)‪.‬‬

‫البيئة كذلك (االجتماعية والطبيعية) أيضا‬ ‫بكل مؤثراتها‪ ،‬ابتداء بجفاف الصحراء وما‬ ‫تنتجه من جفاف في األرواح وانتهاء بكل‬ ‫مظاهر التخلف والجهل الذي تسبح به‬ ‫ّ‬ ‫فعاليات التعليم أو التنشئة االجتماعية أو‬ ‫ما إلى ذلك‪ ،‬كلها عوامل ساهمت ببقاء ذاك‬ ‫الجانب العنيف وطغيانه على بقية املظاهر‬ ‫التي رافقت عملية احتكاك هؤالء الغزاة‬ ‫والفاتحين بغيرهم من الشعوب‬ ‫والحضارات‪.‬‬

‫وقد أشار وائل حالق الباحث الكندي (من‬ ‫أصل فلسطيني) في دراسة مهمة حول جذور‬ ‫العنف الديني في اإلسالم إلى أن أحد‬ ‫األسباب الرئيسية لإلرهاب اإلسالمي »هو‬ ‫انحسار دور الفقيه التقليدي واملنظومة‬ ‫الفقهية الكالسيكية التي كانت توفر العدة‬ ‫التأويلية للجماعة املسلمة‪ ،‬مما ولد حالة‬ ‫اغتراب حادة عمقتها املحاوالت التجديدية‬ ‫املؤدلجة العقيمة والضعيفة علميا‪ ،‬بهذا‬ ‫املعنى تكون التجديدية املذكورة من‬ ‫الشرايين املغذية للتطرف الديني بدال من أن‬ ‫تكون من وسائل محاربته‪.‬‬

‫باملقابل الدين اإلسالمي فاعل مهم‪ ،‬بكل‬ ‫ّ‬ ‫التطرف ويستدعى‬ ‫تراثه الذي يملي‬ ‫الفردانية ويسبغ بالتالي القدسية‪ ،‬على كل‬ ‫األفعال التي من نشأنها نشر هذا الدين‪،‬‬ ‫والتاريخ اإلسالمي بغزواته وفتوحاته فيه من‬ ‫القصص التي توضح آلية التبرير لذاك‬ ‫النمط من التفكير العنيف في عملية الغزو‬ ‫للشعوب األخرى‪.‬‬

‫فأصبح الفرد يعيش متناقضات القيم التي‬ ‫تربيها شريعته ومنجزات الحداثة املادية وما‬ ‫تتيحه له‪ّ .‬إن هذا املزيج من الحداثة والقيم‬ ‫ّ‬ ‫يشوش على الفرد واملجتمع بشكل عام‬ ‫لدرجة تغيب فيها القدرة على التحليل‬

‫ففي الدين مجموعتان من النصوص‬ ‫املتعارضة‪ ،‬نصوص تدعوا للغلظة‬ ‫والخشونة‪ ،‬وأخرى تدعوا للرأفة واإلحسان‪،‬‬ ‫واملجتمع وهو يختار‪ ،‬يمارس نوع من أنواع‬

‫‪57‬‬


‫واالستيعاب من أجل االختيار‪،‬‬ ‫اختيار سلطة اإلله وقيم الشريعة‪،‬‬ ‫أو اختيار سلطة الدولة الحديثة‬ ‫ومنجزاتها التي ّ‬ ‫تسر الناظرين‪ّ .‬إن‬ ‫قرنان من الزمن أنتجا فردا يمكن‬ ‫أن نسميه شبه مسلم‪ ،‬ألنه لم‬ ‫ّ‬ ‫يحدد بعد املسار الذي يريده‪ .‬وما‬ ‫التطرف اإلسالمي وفشل اإلسالم‬ ‫ّ‬ ‫يسمى‬ ‫السياس ي قبل وخالل ما‬ ‫ّ‬ ‫بالربيع العربي إلى ّ‬ ‫حد اآلن إال‬ ‫ّ‬ ‫والتردد‬ ‫نموذج لهذا االضطراب‬ ‫الداخلي بين عاملين وبين سلطتين؛‬ ‫سلطة اإلله‪ ،‬وسلطة الدولة‪.‬‬ ‫العنف ظاهرة عاملية عرفتها‬ ‫املجتمعات البشرية منذ فجر‬ ‫التأريخ‪ ،‬لكنه ظل منطقا مستحكما‬ ‫داخل املجتمعات غير املتحضرة أي‬ ‫املجتمعات التي ترفض االحتكام إلى القانون‬ ‫ومنطق العقل‪ ،‬وترتكز على القوة في تحقيق‬ ‫أهدافها وأغراضها املشبوهة‪ ،‬وانتزاع‬ ‫حقوقها وتسوية خالفاتها القائمة‪ ،‬واستمر‬ ‫العنف دهورا ِطوال‪ ،‬حتى أصبح صفة‬ ‫مالزمة لكثير من الشعوب رغم اختالف‬ ‫الظروف وتطور الحضارات‪ ،‬وتوغل مفهوم‬ ‫العنف داخل العمق الجغرافي ألغلب بلدان‬ ‫العالم املعاصر‪.‬‬

‫منابع وأسباب العنف‬ ‫وقد تعددت منابع وأسباب العنف تبعا‬ ‫لطبيعة املجتمع دينيا وثقافيا وسياسيا‬ ‫واقتصاديا‪ ..‬ولكن ثمة منابع تعد األهم‬ ‫واملؤثر الرئيس ي في بلورة التعصب الديني أو‬ ‫القومي أو السياس ي‪ ،..‬أعطت الضوء‬ ‫األخضر لبعض الحركات اإلسالمية‬ ‫املعاصرة من انتهاج العنف واإلرهاب بحجة‬ ‫ُ‬ ‫الحسبة‪ ،‬أو اإلصالح والتغيير)‬ ‫(الجهاد‪ ،‬أو‬ ‫وجعلته شعارا براقا ملسيرتها السياسية‬

‫‪58‬‬


‫ومنهم من ذهب إلى أن األصل في القرآن‬ ‫الكريم هو مبدأ الحرب والقتال‪ ،‬والسلم‬ ‫حالة استمناء ال غير! وهذا ما قرره زعيم‬ ‫تنظيم الجهاد اإلسالمي في مصر الشيخ‬ ‫محمد عبد السالم فرج في كتابه التكفيري‬ ‫(الجهاد‪ .‬الفريضة الغائبة في زمن الردة) إذ‬ ‫يقول صراحة "والذي الشك فيه أن القرآن‬ ‫الكريم دعانا إلى إزالة طواغيت األرض‪ ،‬ولن‬ ‫تزول إال بقوة السيف قال تعالى‪{ :‬وقاتلوا‬ ‫أئمة الكفر} التوبة‪ /‬اآلية ‪ . 9‬ويجدر بنا في هذا‬ ‫الصدد الرد على من قال إن الجهاد في‬ ‫اإلسالم للدفاع فحسب‪ ،‬وإن اإلسالم لم‬ ‫ينتشر بالسيف (وهذا قول باطل) ُ‬ ‫رده عدد‬ ‫كبير من رجال الدعوة اإلسالمية‪{ .‬قاتلوا‬ ‫الذين ال يؤمنون باهلل واليوم اآلخر وال‬ ‫يحرمون ما حرم هللا ورسوله وال يدينون دين‬ ‫الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا‬ ‫الجزية عن يد وهم صاغرون} التوبة‪ /‬اآلية ‪.29‬‬

‫والفكرية‪ ،‬وظهر واضحا في خطاباتها التي‬ ‫اتسمت بالعنف واللجوء إلى القوة‪ ،‬نتيجة‬ ‫الرتكازها على القراءات األحادية واملجتزئة‬ ‫للنصوص القرآنية واألحاديث النبوية‪ ،‬والتي‬ ‫أفضت إلى تصورات ظالمية وال إنسانية‬ ‫ّ‬ ‫شكلت خطرا كبيرا على مستقبل الرسالة‬ ‫املحمدية‪ ،‬وال بد من التنويه إلى أن التركيز‬ ‫على نقطة محددة في هذا البحث ال يعني‬ ‫إطالق أحكام عامة أبدا على املنظومة‬ ‫الدينية اإلسالمية أو غيرها‪ ،‬بل هو مجرد‬ ‫إشارة للجانب املسكوت عنه تاريخيا‪ ،‬والذي‬ ‫تظهر أثاره في الواقع الراهن بأبهى تجلياته‪،‬‬ ‫ولتوضيح هذه املسألة الخطيرة بمثل حي‬ ‫واقعي لهذه التنظيمات املتطرفة‪ ،‬جاء في‬ ‫مجلة صوت الجهاد في إحدى افتتاحياتها‪،‬‬ ‫وهي ناطقة باسم تنظيم طالئع القتال في‬ ‫سوريا " ئإن ِمن ِنع ِم هللا على أهل هذا البلد‬ ‫أن أكرم ُ‬ ‫أهله بالجهاد املبارك الذي ئ‬ ‫قل ما‬ ‫يكرم به الناس‪ ....‬وهلل الحمد على هذه‬ ‫النعمة التي شاء هللا أن يحييها في أرض األمة‬ ‫اإلسالمية ليجدد لها دينها الذي ارتضاه‪،‬‬ ‫ومن سنن هللا تعالى في الجهاد أن جعل من‬ ‫سياسته القتل فقال تعالى {وقاتلوا في سبيل‬ ‫هللا الذين يقاتلونكم} البقرة ‪ /‬اآلية ‪ . 190‬وهو إلى‬ ‫يوم الدين ماض‪ ،‬ونحن إذ نهجنا نه القرآن‬ ‫فال يسعنا إال أن ننتظر إحدى ُ‬ ‫الحسنيين‪،‬‬ ‫الشهادة أو النصر "‪.‬‬

‫تعتبر الحركات اإلسالمية األصولية أن‬ ‫الجهاد هو الغاية من الوجود‪ ،‬وأنه سنة‬ ‫ئ‬ ‫ربانية ال تكتمل الحياة إال ِب ِه وهو ممارسة‬ ‫وتطبيق في سبيل هللا ملن عاند وأبى قبول‬ ‫دعوة اإلسالم‪ ،‬قال تعالى {فاقتلوا املشركين‬ ‫حيث وجدتموهم} التوبة‪ /‬اآلية ‪.5‬‬ ‫وقال بهذا الرأي الشيخ األلباني السلفي‬ ‫وغيره‪ ،‬ومنهم من يرى الجهاد في اإلسالم‬

‫‪59‬‬


‫اآلن قول أسامة بن الدن‪ ،‬إن‬ ‫الجهاد في اإلسالم ليس ّ‬ ‫لرد‬ ‫العدوان بل هو جهاد‬ ‫هجومي مباح يسمونه‬ ‫(جهاد الطلب) واستدل‬ ‫القرآنية‬ ‫باآليات‬ ‫واألحاديث النبوية على‬ ‫رأيه‪ ،‬إذ يقول "إن من أنكر‬ ‫جهاد الطلب‪ ،‬كالذين يقولون‬ ‫إن اإلسالم ال يقاتل إال للدفاع‬ ‫وصد العدوان‪ ،‬فهو مكذب باآليات‬ ‫واألحاديث‪ ،‬ومن تعسف في تأويل ما وقع‬ ‫لسلفنا الصالح من جهاد الطلب‪ ،‬وقال إنه‬ ‫ّ‬ ‫لرد العدوان فقد ضل ضالال بعيدا‪...،‬‬ ‫وجهاد الطلب‪ :‬هو أن تطلب العدو وتغزوه في‬ ‫عقر داره‪ ،‬ودليله قول هللا تعالى {فاقتلوا‬ ‫املشركين حيث وجدتموهم وخذوهم‬ ‫وٱحصروهم وٱقعدوا لهم ُك ئل مرصد} التوبة‪/‬‬ ‫اآلية ‪ . 5‬وقال تعالى {قاتلوا الذين ال يؤمنون‬ ‫باهلل واليوم اآلخر وال يحرمون ما حرم هللا‬ ‫ورسوله وال يدينون دين الحق من الذين‬ ‫أوتوا الكتاب} التوبة ‪ /‬اآلية ‪ . 29‬فأمر الحق ّ‬ ‫جل‬ ‫وعال بالخروج لقتالهم أينما كانوا وترصدهم‬ ‫ومحاصرتهم‪ ،‬وهذه اآليات محكمات من‬ ‫أواخر ما نزل من القرآن‪ ،‬وال ناسخ لها‪،‬‬ ‫وعليها سار النبي (ص) والصحابة معه‪ ،‬ومن‬ ‫بعدهم حتى فتح هللا تعالى عليهم مشارق‬

‫هجومي ودفاعي معا يقول أبو‬ ‫املودودي‬ ‫األعلى‬ ‫ُ‬ ‫الباكستاني رأيه في‬ ‫الجهاد " ّ‬ ‫فإن الجهاد‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬إذا أردت‬ ‫الحقيقة‪ ،‬هجومي‬ ‫دفاعي معا‪ ،‬هجومي؛‬ ‫أل ئن االتجاه اإلسالمي‬ ‫ُيضاد ويحارب ويعارض‬ ‫املمالك القائمة على املباد‬ ‫املناقضة للقرآن والسنة‪ ،‬ويريد قطع‬ ‫دابرها‪ ،‬وال يتحرج في استخدام القوة‬ ‫ّ‬ ‫والعنف في إدارة الحرب؛ أل ئن ُه جهاد مشروع‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫فألنه ُمضطر إلى تشييد‬ ‫وأما كونه دفاعيا‬ ‫بنيان دولة إسالمية‪ ،‬كاملة البنيان‪ ،‬حتى‬ ‫يتسنى له العمل وفق برنامجه وخطته‬ ‫املرسومة‪ ،‬فليس هناك جهاد هجومي وآخر‬ ‫دفاعي وإنما هو جهاد طلب ودفع"‪ .‬وهو نفس‬ ‫ما ُ‬ ‫قرره سيد قطب‪ ،‬إذ يقول بهذا الصدد‬ ‫"واملهزومون روحيا وعقليا ممن يكتبون عن‬ ‫الجهاد في اإلسالم ليدفعوا عنه هذا االتهام‪،‬‬ ‫بأنه ليس هجومي‪ ،‬فإنهم يخلطون بين منه‬ ‫هذا الدين في النص على استنكار اإلكراه‬ ‫على العقيدة‪ ،‬وبين منهجه في تحطيم القوى‬ ‫السياسية"‪.‬‬ ‫وهناك رأي ثالث تزعمه ُمنظر السلفية‬ ‫الجهادية وكل الحركات السلفية القتالية‬

‫‪60‬‬


‫االخر وال يحرمون ما حرم هللا ورسوله وال‬ ‫يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب‬ ‫حتى يعطوا الجزيه عن يد وهم صاغرون}‬ ‫التوبه ‪29‬‬

‫األرض ومغاربها‪ ...‬وهذه نصوص واضحة‬ ‫صريحة في وجوب الخروج لقتال العدو‬ ‫وقصده في داره‪ ،‬وهذا هو جهاد الطلب"‪.‬‬ ‫وكذلك أقوال ابن كثير‬ ‫الدمشقي‪ ،‬إذ يقول‬ ‫بجواز الهجوم على‬ ‫الكفار وإن كانوا‬ ‫آمنين‪" :‬فإن‬ ‫بعض حروب‬ ‫الرسول (ص)‬ ‫تلبية‬ ‫كانت‬ ‫للقيام بفريضة‬ ‫الجهاد من اجل نشر‬ ‫اإلسالم بغض النظر عن‬ ‫وجود اعتداء من الكفار أم ال‪ ،‬بل غزاهم في‬ ‫عقر ديارهم"‪.‬‬

‫{وأنزل الذين ظاهروهم‬ ‫من أهل الكتاب من‬ ‫صياصيهم وقذف‬ ‫في قلوبهم الرعب‬ ‫تقتلون‬ ‫فريقا‬ ‫وتأسرون فريقا‬ ‫وأورثكم أرضهم‬ ‫وديارهم وأموالهم}‬ ‫(سورة األحزاب ‪)36:37‬‬

‫وبعد كل هذا التشدد في الدين‬ ‫لدى تلك الحركات املتطرفة أخذ مفهوم‬ ‫الجهاد عندهم يسري على الكل‪ ،‬بل أخذ بهم‬ ‫الغلو إلى وجوب محاربة املسلمين املرتدين‬ ‫وتقديم قتالهم على الكفار األصليين‪.‬‬

‫ومن هنا ليس غريبا أن نجد هذه الحالة‬ ‫العنفية املتشظية عند جماعات القاعدة‬ ‫والسلفية التكفيرية‪ ،‬بحيث أنها تأكل‬ ‫األخضر واليابس في سبيل ممارسة قناعتها‬ ‫وفرض إيديولوجيتها القمعية اإلرهابية على‬ ‫كل من يخالفها‪.‬‬

‫أما اآلية الثانية التي هي من أقوى ما استدلت‬ ‫به الحركات اإلسالمية املتطرفة في تبرير‬ ‫العنف واإلرهاب مع القريب والبعيد‪ ،‬وهي‬ ‫{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط‬ ‫الخيل ترهبون به عدو هللا وعدوكم وآخرين‬ ‫من دونهم ال تعلمونهم هللا يعلمهم} األنفال‪60 /‬‬

‫حيث لم يقتصر القرآن على التحريض على‬ ‫قتل الكافرين فقط بل تعداه التحريض على‬ ‫قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى‪،‬‬ ‫{قاتلوا الذين ال يؤمنون باهلل وال باليوم‬

‫‪61‬‬


‫الجهاد؛ ألنه ع ئد الجهاد فقط بالنوع القتالي‬ ‫والهجومي‪ ،‬وهذا ما ُ‬ ‫أكده رسول هللا بزعمه!‬

‫جذور العنف يف بنية النص الديين اإلسالمي‬

‫انطلقت الجماعات اإلسالمية األصولية إلى‬ ‫كتب الحديث النبوي الشريف كي تستدل‬ ‫على أعمالها القتالية من السنة النبوية دون‬ ‫النظر إلى صحة الحديث من عدمه‪ ،‬أو‬ ‫تفسير الحديث تفسيرا خاطئا معوجا‬ ‫يناسب أفكارها‪ ،‬ويعضد أفعالها‪ ،‬وبالذات‬ ‫التركيز على أحاديث الغزوات النبوية دون‬ ‫غيرها‪ ،‬وجعلها شعارا براقا في مقاتلة الحكام‬ ‫املسلمين والفتك بحياة املؤمنين‪ ،‬واالعتداء‬ ‫على الناس اآلمنين‪ ،‬بحجة الجهاد وإقامة‬ ‫شعار اإلسالم‪ ،‬أو األمر باملعروف والنهي عن‬ ‫املنكر ورفع راية القرآن!‬

‫أما أقوى األدلة التي استندت عليها تلك‬ ‫الحركات في تبرير الهجوم والعدوان من‬ ‫السنة النبوية املطهرة هو ما ورد في‬ ‫األحاديث النبوية املبينة كاآلتي‪:‬‬ ‫قال رسول هللا (ص)‪( :‬لوال أن اشق على أمتي‬ ‫ما قعدت خلف سرية‪ ،‬ولوددت أن أقتل في‬ ‫سبيل هللا ثم أحيا‪ ،‬ثم أقتل ثم أحيا‪ ،‬ثم‬ ‫أقتل) رواه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫وقد روى اإلمام جعفر الصادق أن رسول‬ ‫هللا قال‪( :‬الخير ُ‬ ‫كله في السيف‪ ،‬وتحت ظل‬ ‫ّ‬ ‫السيف‪ ،‬وال يقيم الناس إال السيف‪،‬‬ ‫والسيوف مقاليد الجنة والنار) رواه العاملي‬ ‫في وسائل الشيعة‪.‬‬

‫فنجد كتاب (العمدة في إعداد العدة) للشيخ‬ ‫عبد القادر بن عبد العزيز السلفي‪ ،‬وهو من‬ ‫أهم كتب ومراجع تنظيم القاعدة‪ ،‬ويعتبر‬ ‫املحرك الفكري ألسامة بن الدن‪ ،‬فهذا‬ ‫الكتاب من أوله إلى آخره مملوء باألحاديث‬ ‫النبوية التي تبرر االغتيال واعتباره عمال‬ ‫شرعيا ثابتا في السنة النبوية‪ ،‬وأكد علة‬ ‫وجوب مقاتلة العدو القريب قبل العدو‬ ‫البعيد‪ ،‬ورد بهجوم عنيف على كل من قال‬ ‫بتعطيل الجهاد اآلن ولو مؤقتا‪ ،‬أو من قال‬ ‫بوجوب تعلم العلم أوال‪ ،‬وترسيخ اإليمان‬ ‫واألخالق‪ ،‬وتربية النفس فهي إحدى صور‬

‫(من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو‬ ‫مات ميتة جاهلية) رواه الحاكم في‬ ‫مستدركه‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫) ُ‬ ‫أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ال‬ ‫اله إال هللا ئ‬ ‫وأن محمد رسول هللا ويقيموا‬ ‫الصالة ويؤتوا الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا ذلك‬ ‫ئ‬ ‫ُعصموا مني دمائهم وأموالهم إال بحق‬ ‫اإلسالم وحسابهم على هللا تعالى) رواه مسلم‬ ‫في صحيحه‬ ‫باعتقادي أن هذه اآليات القرآنية واألحاديث‬ ‫النبوية كافية ووافية لالستدالل على النه‬

‫‪62‬‬


‫نفسية املؤمنين بالدين الجديد‪{ ،‬ما كان‬ ‫لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في األرض}‬ ‫األنفال آية ‪ ،67‬ومعنى يثخن في اللغة العربية‪:‬‬ ‫يطعن باألسلحة ويبالغ في القتل‪.‬‬

‫العنيف الذي كان يدعو إليه الدين‬ ‫اإلسالمي مقارنة بما يقابلها من اآليات‬ ‫واألحاديث التي تحث على السلم والسكينة‪.‬‬ ‫وقد يكون من مجافاة الحقيقة أن نشير إلى‬ ‫دور البيئة االجتماعية التي انطلق منها عرب‬ ‫شبه الجزيرة (باعتبارهم كانوا نواة انطالق‬ ‫الغزوات والفتوحات الجهادية اإلسالمية)‬ ‫وثقافتها البدوية القائمة أساسا على فكرة‬ ‫الغزو والسبي بحيث لم يستطع اإلسالم‬ ‫التخفيف من آثارها في صفوف أتباعه‪ ،‬ومن‬ ‫هنا جاءت اآليات القرآنية محملة أحيانا‬ ‫بذاك الجانب العنفي الذي يتماش ى مع‬

‫طبعا يميل بعض الباحثين ومنهم الدكتور‬ ‫يوسف زيدان في كتابه (الالهوت العربي‬ ‫وأصول العنف الديني) إلى إرجاع الجانب‬ ‫العنفي في الدين اإلسالمي إلى تصرفات‬ ‫السلطة السياسية أو الرغبة في تعزيز‬ ‫سلطة الدين أمام سلطة السياسة‪...‬؟ وإن‬ ‫كنا ال نميل الى هذا الرأي‪ ،‬كون أغلب‬ ‫النصوص الداعية الى العنف والقتل‬

‫‪63‬‬


‫ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم اال بحق‬ ‫اإلسالم وحسابهم على هللا) رواه البخاري‬

‫والقتال كانت في مرحلة ما قبل نشوء ما‬ ‫يسمى بالدولة االسالمية وتبلور مشروع‬ ‫السلطة السياسية‪.‬‬

‫في الختام‪:‬‬ ‫ئإن مفهوم العنف لدى الحركات السياسية‬

‫ختاما‪ ،‬إليكم هذا الحديث املشهور والذي‬ ‫بموجبه أن اإلنسان مهما ارتكب من الكبائر‬ ‫فإن مأواه الجنة وجزاءه الكثير من‬ ‫الحوريات‪ ،‬مما يعني أن كل الضربات‬ ‫مشروعة‪ ،‬وكل الكبائر تغتفر مع وجود ذرة‬ ‫إيمان في قلب مرتكبها‪ ،‬للترمذي وحسنه عن‬ ‫أنس رض ي هللا عنه أنه قال‪ :‬قال رسول هللا‬ ‫صلى هللا عليه وسلم‪ ،‬ان هللا تعالى قال‪( :‬يا‬ ‫بن آدم‪ ،‬لو أتيتني بقراب األرض خطايا‪ ،‬ثم‬ ‫لقيتني ال تشرك بي شيئا ألتيتك بمثل قرابها‬ ‫مغفرة)‪.‬‬

‫اإلسالمية املعاصرة له جذور شائكة وقديمة‬ ‫وما أشبه اليوم باألمس؛ ّ‬ ‫ألن الذين يمارسون‬ ‫العنف باسم الدين اإلسالمي ويستبيحون‬ ‫به دماء املسلمين‪ ،‬وينتهكون أرواح الناس‬ ‫اآلمنين‪ ،‬لهم حظ ونصيب من سنة األولين‬ ‫القائمة على (اإلرهاب والتكفير‪ ،‬والعنف‬ ‫والتهجير‪.‬‬ ‫الحركات األصولية اإلسالمية أصبحت واقعا‬ ‫ال يمكن تهميشه أو إلغاءه‪ ،‬وأنها ظهرت‬ ‫بسبب عوامل موضوعية كان ال بد أن تظهر‬ ‫بتوافرها‪ ،‬وان اختالف أساليب عملها‬ ‫وتعددها يعود بالدرجة األولى إلى اختالفها في‬ ‫تفسير النصوص الدينية ومسألة األولويات‬ ‫عند كل منها‪ ،‬وساعد في ذلك اعتبار القرآن‬ ‫وسنة الرسول الدستور الذي يجب أن تسير‬ ‫عليه األمة اإلسالمية وإتباعها لألبد‪ ،‬بحيث‬ ‫تسقط حج الرافضين للحديث عن هذا‬ ‫الجانب العنفي بالقول اننا نأخذ اآليات‬ ‫القرآنية واألحاديث النبوية من خالل‬ ‫إخراجها عن سياقها الزماني واملكاني‪ ،‬وهو‬ ‫قول يحمل التناقض في داخله‪ ،‬اذ انه يؤدي‬ ‫إلى االعتراف الواضح والصريح بوجود هذه‬

‫وهل هناك أوضح من هكذا نص ينمي البنية‬ ‫العنفية لدى املسلم ويصعدها‪ ..‬بل يصبح‬ ‫السؤال هنا عن جدوى ما يسمى بيوم‬ ‫الحساب وعن جدوى الجنة والنار طاملا لدى‬ ‫املسلم ومهما فعل صكوك غفران محمدية‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ونختم بفتوى ابن تيمية القائلة‪( :‬كل طائفة‬ ‫خرجت عن شريعة من شرائع اإلسالم‬ ‫الظاهرة املتواترة‪ ،‬فانه يجب ُمقاتلتها وان‬ ‫نطقت بالشهادتين؛ أل ئن رسول هللا (ص)‬ ‫يقول‪( :‬أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا‬ ‫أن ال إله إال هللا وأ ئن محمدا رسول هللا‪،‬‬ ‫ويقيموا الصالة ويؤتوا الزكاة‪ ،‬فإذا فعلوا‬

‫‪64‬‬


‫الحالة العنفية وتجذرها في تاريخ الدين‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬والتزال مستمرة الى يومنا هذا‬ ‫ضمن سياق تاري ي غير منقطع التسلسل‪،‬‬ ‫وما الحركات الجهادية التكفيرية وممارستها‬ ‫اليوم اال انعكاس تاري ي واقعي لحالة كانت‬ ‫موجودة منذ انطالق الدعوة اإلسالمية‬ ‫وانتشارها بقوة السيف غالبا والترهيب‬ ‫والترغيب أحيانا واالختالفات بين تلك‬ ‫الجماعات التي تؤمن بالعنف والجهاد‬ ‫كتنظيم القاعدة وغيرها من الجماعات‬ ‫اإلسالمية ليس اختالف تضاد وتناقض‬ ‫ولهذا فإننا نجد أكثرية األعضاء املنتمين إلى‬ ‫الحركات اإلسالمية املتطرفة والتي تؤمن‬ ‫بالعنف حتى اليوم كانوا في الغالب منتمين‬ ‫إلى جماعة من الجماعات اإلسالمية‬ ‫املعروفة باعتدالها ‪.‬‬ ‫إن سائر الجماعات اإلسالمية لم تهمل‬ ‫قضية الجهاد ولم تلغه من برامجها ولم تنكر‬ ‫أنه من وسائلها لكن الفرق أن الحركات‬ ‫اإلسالمية املتطرفة جعلت الجهاد وسيلتها‬ ‫األولى واألخيرة‪ ،‬فالتغيير للوصول إلى دولة‬

‫الخالفة اإلسالمية يتم عن طريق القتال‬ ‫واملواجهات وسحق الخصوم وإبادة األعداء‬ ‫هو األسلوب األوحد‪.‬‬

‫عبدو نيب‬ ‫باحث سوري‪ ،‬بكالوريوس يف الفلسفة‪ ،‬مقيم يف أملانيا‬ ‫(املادة من أرشيف صحيفة كلنا سوريون)‬

‫‪65‬‬


66


‫شخصية العدد‬ ‫‪67‬‬


‫زكريا تامر‬ ‫خالد علوش‬ ‫خلق خصوصية قصصية سورية كانت ثورة حداثية في‬ ‫ذلك الزمن‪ ،‬فمن أهم تلك األفكار هي قدرتها على تقديم‬ ‫شخوص وأحداث بسيطة وقاسية لدرجة تجعل القارئ‬ ‫يقف متحيراً عن حقيقة العالم الذي يعيشه‪ ،‬أو هي أول‬ ‫مرة يخرج إنسان ليقول لنا ما نعرفه ونخفيه‪.‬‬

‫عندما ال تجد في كتاب جملة مستقلة بذاتها‪ ،‬تنفع لتكون معلومة تتداول‪ ،‬وال تستطيع إيجاد‬ ‫اقتباسات كثيرة من نصوص ما‪ ،‬وال تستطيع الفهم إال كبنية متكاملة‪ ،‬إذا فأنت أمام إبداع فذ‪ .‬هذا‬ ‫بالضبط ما هو عليه أحد أهم رواد القصة في سوريا والوطن العربي‪ ،‬زكريا تامر‪.‬‬

‫‪69‬‬


‫محببة إلى قلبه دائما وكان‬ ‫يعود إليها باستمرار هي‬ ‫الحدادة‪.‬‬

‫في نصوص زكريا القاص‪،‬‬ ‫حكايات من مختلف‬ ‫األجناس واألحداث‬ ‫والشخوص‪،‬‬ ‫تتداخل‬ ‫بطريقة‬ ‫سلسة‬ ‫وجميلة‬ ‫ّ‬ ‫لتكون عاملا‬ ‫خاصا في‬ ‫كل منها‪،‬‬ ‫ويصيبك أحد‬ ‫نوعين‪ ،‬إما‬ ‫االبتسام بشعور‬ ‫بالضحك‬ ‫داخلي‬ ‫املجلجل دون الخروج‬ ‫للعلن‪ ،‬وإما شفتين مطبقتين أملا‬ ‫بشعور حزين ومبكي دون إطالق نواح إلى‬ ‫الخارج‪ .‬من يتعامل مع نصوص زكريا تامر‬ ‫يصاب بحالة من الرغبة بالبصاق على ش يء‬ ‫نعلمه لكن في لحظة القراءة يكون ضبابيا‪.‬‬

‫نشأ زكريا في بيئة‬ ‫تقليدية‪،‬‬ ‫فكان وعيه‬ ‫مرتبطا مثل‬ ‫أي إنسان‬ ‫طبيعي‬ ‫باملكان الذي‬ ‫فيه‪ ،‬يحمل‬ ‫النوستالجيا‬ ‫بشكل تلقائي‪،‬‬ ‫حيث تتركز في‬ ‫الذاكرة‪ ،‬وبلسانه نفسه‬ ‫الذي يكرر دائما "أنا ابن‬ ‫الحارات الشعبية"‪ .‬هذا الوعي الذي نشأ مع‬ ‫تامر واستمر حتى اليوم وواضح في جميع‬ ‫نصوصه‪ ،‬لم ُيخرج زكريا ونصه من دائرة‬ ‫البحث عن معنى هذا اإلحساس‪ ،‬فأتت‬ ‫نصوصه دائما تحمل هذا القلق والتساؤل‬ ‫الوجودي للمعنى بحبكات قصصية وأحداث‬ ‫بسيطة‪.‬‬

‫ولد زكريا تامر ألسرة دمشقية بسيطة عام‬ ‫‪ 1931‬في حي البحصة‪ ،‬وتلقى تعليمه األساس ي‬ ‫في مدارسها دون أن يكمل إلحساسه الدائم‬ ‫بالفاقة والعوز‪ ،‬فترك الدراسة بسن الثالثة‬ ‫عشر‪ ،‬وانخرط مباشرة في العمل الحياتي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وبدل الكثير من املهن‪ ،‬لكن املهنة التي بقيت‬

‫منذ شبابه خاض تامر تجربة السجن‬ ‫واالعتقال واملالحقة‪ ،‬نتيجة األوضاع التي‬ ‫كانت عليها سوريا‪ ،‬تراوده األحالم في قدرته‬

‫‪70‬‬


‫ّأن‪ ،‬كيف يمكن لحداد أن يخترق عالم الفن‬ ‫والحداثة والقصة‪ ،‬وهذه التساؤالت خلقت‬ ‫باملقابل ردود أفعال لدى زكريا‪ ،‬واستمرت‬ ‫هذه اآلراء التصارعية دون توقف‪.‬‬

‫على التغيير‪ ،‬وهي ذات الرؤى التي تراود جميع‬ ‫الشباب في ذلك العصر‪ ،‬لكن اليأس كان‬ ‫باملرصاد نتيجة قوة الحياة الطاحنة‪ ،‬وخالل‬ ‫ربع قرن كامل لم يجد زكريا ضالته‪ ،‬عاش‬ ‫متنقال بين السياسة والعمل اليدوي والقراءة‬ ‫الفردية‪ ،‬وانضم إلى الحزب الشيوعي السوري‬ ‫بطبيعة الوضع العملي لزكريا‪ ،‬لكن تلك‬ ‫ُ‬ ‫التجربة السياسية لم تدم طويال‪ ،‬وطرد من‬ ‫الحزب عام ‪ 1956‬ألسباب شرحها تامر في‬ ‫وقت الحق‪ ،‬وهي إشكالية عالقاته مع املثقفين‬ ‫والتي كان الحزب الشيوعي يحوي منهم الكثير‪،‬‬ ‫حيث يقول‪( :‬أشتاق إلى مهنة الحدادة كثيرا‬ ‫وأحن إليها أكثر‪ ،‬والسبب أن إنسان املعمل له‬ ‫وجه واحد‪ ،‬الصديق صديق‪ ،‬والعدو عدو‪،‬‬ ‫ولكن اضطراري إلى االختالط بأوساط‬ ‫املثقفين‪ ،‬جعلني أكتشف أن الشخص الذي‬ ‫يمكن أن ُيعتبر تش ي غيفارا في هذه األوساط‪،‬‬ ‫له مئة وجه على األقل‪ .‬وأحار بين الوجوه‬ ‫وتصعب علي كيفية االختيار‪ ،‬ففي مجتمع‬ ‫املثقفين ال صداقات وال عداوات‪ .‬من هنا‬ ‫أقول‪ :‬إن حياة املعمل تمنح اإلنسان ثقة‬ ‫أكثر‪ ،‬بينما العيش مع املثقفين يزعزع هذه‬ ‫الثقة باإلنسان‪ ،‬فإذا أردنا تصنيف شعبنا‬ ‫على أنه من املثقفين فحتما سيكون رأيي فيه‬ ‫أكثر من سلبي)‪ .‬هذا الرأي الذي بقي مالزما‬ ‫لزكريا تامر طوال حياته‪ ،‬قد فتح أمامه‬ ‫صراعات هائلة‪ ،‬وأهمها ما كان ُيقال في حقه‪،‬‬

‫بعد طرده من الحزب بعام‪ ،‬بدأ بكتابة أول‬ ‫قصة وهو في سن السادسة والعشرين‪،‬‬ ‫وتوالت الكتابات حتى شاءت األقدار أن يصل‬ ‫اسم زكريا إلى بيروت‪ ،‬وبالذات إلى أصحاب‬ ‫مجلة شعر برئيسها يوسف الخال‪ ،‬وبرغم‬ ‫قسوة نصوص زكريا إال أن يوسف الخال‬ ‫بشاعريته ورقته كان يشعر بأهمية وعبقرية‬ ‫هذا الحداد الدمشقي‪ ،‬وبأن العنف الذي‬ ‫ّ‬ ‫ولدته الظروف الحياتية‪ ،‬ليس إال شكال‬ ‫حداثيا في فن القصة‪ ،‬وهكذا تم تبني زكريا‬ ‫تحت جناح مؤسس ي مجلة شعر‪ ،‬وبدعم‬ ‫كامل منهم صدرت أول مجموعات زكريا‬ ‫"صهيل الجواد األبيض" والتي وضعته في‬ ‫مكان بارز داخل الشارع األدبي والثقافي‪.‬‬ ‫مع ارتفاع اسم تامر في الوسط الثقافي داخل‬ ‫بيروت والوطن العربي‪ ،‬اتخذت حياته مسارا‬ ‫عمليا‪ ،‬فانغمس في أعمال عديدة دون‬ ‫التوقف عن كتابة القصة‪ ،‬وكانت له‬ ‫مساهمات كبيرة في الثقافة السورية بالذات‪،‬‬ ‫فعمل في وزارة الثقافة مديرية التأليف‬ ‫والنشر‪ ،‬ورئيس تحرير جريدة املوقف‬ ‫العربي‪ ،‬ووزارة اإلعالم‪ ،‬وساهم بتأسيس‬

‫‪71‬‬


‫يحمل اسم تامر‪ ،‬والعواطف أيضا‪ ،‬لست في‬ ‫حاجة إليها‪ .‬أبدا‪ ،‬هذه ليست أنانية‪،‬‬ ‫واملوضوع ليس طرحه سهال‪ ،‬بل له جوانب‬ ‫عدة متشابكة بعضها ببعض)‪.‬‬

‫اتحاد الكتاب وأصبح عضوا فيه‪ ،‬وعمل في‬ ‫مؤسسة السينما كرئيس لجنة‬ ‫السيناريوهات‪ ،‬ومدير تحرير مجلة الدستور‬ ‫بلندن‪ ،‬ومحرر ثقافي في مجلة التضامن لندن‪،‬‬ ‫ومدير تحرير مجلة الناقد‪ ،‬ومحرر ثقافي لدى‬ ‫شركة رياض الريس للنشر ‪ ..‬وغيرها الكثير‪.‬‬

‫هذا الرأي الذي قد يراه البعض أنانيا‪ ،‬ليس‬ ‫سوى نزعة مفرطة للحرية والحياة بطريقة‬ ‫خاصة‪ ،‬وعمل الش يء الذي يحبه‪ .‬وبرغم أن‬ ‫الكثير من نصوص زكريا تحمل ذلك الطابع‬ ‫اإلنساني العميق واملحزن في عالقات مشابهة‪،‬‬ ‫إال أنها تدلل بعمق عن رفضه النسبي ملسألة‬ ‫االرتباط‪ ،‬وربما ّ‬ ‫مرد ذلك لطبيعة حياته‬ ‫القديمة والطفولية‪.‬‬

‫تزوج فيما بعد دون أن يكون له شغف بفكرة‬ ‫االرتباط‪ ،‬حيث يقول عن ذلك‪( :‬لم أحلم في‬ ‫يوم من األيام‪ ،‬أن يكون لي ولد‪ ،‬وأن تكون لي‬ ‫زوجة وبيت‪ .‬أحب األطفال لغيري‪ ،‬وحتى بعد‬ ‫زواجي لم تخطر لي أني سأنجب أطفاال وأصبح‬ ‫أبا‪ .‬كانت هناك اعتبارات جعلتني سلبيا في‬ ‫هذا اإلطار‪ .‬ألن هناك أسبابا معينة تدفع‬ ‫اإلنسان إلى الزواج‪ ،‬وهذه األسباب لم أكن‬ ‫أعانيها؛ مثال‪ :‬اإلنسان يحب االستقرار‪ ،‬وأنا ال‬ ‫أحب ذلك‪ .‬وهو يحب أن ينجب ذرية تحمل‬ ‫اسمه‪ ،‬وهذا موضوع لم يكن واردا بالنسبة‬ ‫إلي‪ ،‬بل العكس‪ ،‬رغبتي أن أكون آخر شخص‬

‫بعد الشهرة التي تلقاها في حياته‪ ،‬انتقل عام‬ ‫‪ 1980‬إلى لندن‪ ،‬حيث ما يزال إلى اآلن هناك‪،‬‬ ‫وعمل في مجلة الدستور األسبوعية‪ ،‬وانقطع‬ ‫عن إصدار املجموعات القصصية حوالي ‪16‬‬ ‫عام إلى منتصف تسعينيات القرن املاض ي‪.‬‬

‫‪72‬‬


‫إنسان ليقول لنا ما نعرفه ونخفيه‪ .‬لعب زكريا‬ ‫ّ‬ ‫دور‬ ‫املوضح لنا أزمة اإلنسان البسيط‬ ‫وهواجسه وقوة السلطة املتحكمة فيه بشكل‬ ‫غير مباشر‪ ،‬وهذه كانت ميزته األساسية‪ ،‬مع‬ ‫بناءات القصة الجديدة التي تقوم على مزج‬ ‫املنطقي والالمنطقي وتوتر الشخصيات بين‬ ‫الواقعي واألسطوري‪ ،‬فهو بحق أول‬ ‫من أسطر الواقع‪ ،‬هذه املفارقة‬ ‫الخيالي‬ ‫بن‬ ‫املترعة‬ ‫والالمنطقي هي التي‬ ‫صنعت هذا األدب املميز‬ ‫وجعلت زكريا أحد أهم‬ ‫رواد القصة السورية‪.‬‬ ‫باإلضافة إلى ميزته بجعل‬ ‫ّ‬ ‫الراوي يطلع على كل ش يء‪،‬‬ ‫ويعرف أدق خفايا شخوصه‬ ‫ويتدخل بها بطريقة غامضة غير‬ ‫مباشرة ليمزج نصه بساللة تصل إلى أبسط‬ ‫العقول البشرية‪.‬‬

‫نال تامر بعض الجوائز كالعويس للقصة‪،‬‬ ‫ووسام االستحقاق السوري‪ ،‬وجائزة‬ ‫ميتروبوليس‪ ،‬وجائزة القاهرة‪ ،‬وجمعت‬ ‫قصصه في ‪ 10‬كتب (صهيل الجواد األبيض‪،‬‬ ‫ربيع في الرماد‪ ،‬الرعد‪ ،‬دمشق الحرائق‪،‬‬ ‫النمور في اليوم العاشر‪ ،‬نداء نوح‪،‬‬ ‫سنضحك‪ ،‬الحصرم‪ ،‬تكسير‬ ‫القنفذ‪.‬‬ ‫ركب‪،‬‬ ‫ملاذا‬ ‫ولألطفال‪،‬‬ ‫سكت النهر‪ ،‬قالت‬ ‫الوردة للسنونو‪،‬‬ ‫‪ 37‬قصة)‪.‬‬ ‫ما يميز أدب زكريا‪،‬‬ ‫الحالة‬ ‫هو‬ ‫التجديدية في عصر‬ ‫كانت فيه القصة تعاني‬ ‫نماذج اإلتباع والتقليد في مكون‬ ‫أساس ي منها‪ ،‬إال أن زكريا خلق خصوصية‬ ‫قصصية سورية كانت ثورة حداثية في ذلك‬ ‫الزمن‪ ،‬فمن أهم تلك األفكار هي قدرتها على‬ ‫تقديم شخوص وأحداث بسيطة وقاسية‬ ‫لدرجة تجعل القار يقف متحيرا عن حقيقة‬ ‫العالم الذي يعيشه‪ ،‬أو هي أول مرة يخرج‬

‫ولقب شيخ القصاصين هو أقل ما يمكن قوله‬ ‫عن ذلك الحداد الدمشقي الذي أنشأ بقدرة‬ ‫فذة عالم القصة السورية الحديث‪.‬‬

‫خالد علوش‬ ‫ناشط إعالمي سوري‪ ،‬يقيم يف تركيا‪.‬‬

‫‪73‬‬


74


‫قضايا المرأة والمجتمع‬ ‫‪75‬‬


76


‫رابطة املعتقالت السوريات‬ ‫زهرة حممد‬ ‫وإن كنت ال أرى ضرورة لعملها‪ ،‬إال أن ظروف الحياة‬ ‫وعوائقها االقتصادية تضطر بعض الرجال إلى التنازل عن‬ ‫مبدأ أن مكان المرأة هو البيت‪ ،‬فيضطر بذلك أيضاً‬ ‫للمساهمة بشكل أكبر في شؤون البيت‪.‬‬

‫من رحم املعاناة واملجتمع الذي ال يرحم‪ ،‬من قلب ثورة جعلت السوريين منقسمين بين مؤيد‬ ‫معتقل ومعتقل‪ ،‬يبدأ البحث في عالم مليء بالتناقضات من حولك‬ ‫ومعارض وبين قاتل ومقتول‪ ،‬بين ِ‬ ‫كسوري‪ ،‬إال أن مأساة املعتقلين قد تكون هي األكبر بين كل ما نتج عن الثورة‪ ،‬ولعل املعتقل هو‬ ‫األقدر على أن يوصل لك تلك الصورة التي عاشها بين أربع جدران باردة رطبة‪ ،‬ال تحتوي أمله وال‬ ‫تسكن جروحه‪.‬‬

‫‪77‬‬


‫االغتصاب والقتل في سجون األسد والذين‬ ‫قد يبقى طي التعتيم والكتمان‪.‬‬

‫لكن لم تتوقف الحكاية هنا‪ ،‬فالسوريات‬ ‫املعتقالت كن أكثر (أهل‬ ‫الثورة) كرما تجاه‬ ‫فلم‬ ‫الثورة‬ ‫يقدمن الروح‬ ‫بل قدمن‬ ‫ما هو‬ ‫أغلى‬ ‫بكثير‪،‬‬ ‫وكن‬ ‫ينتظرن أن‬ ‫يبادلهن الناس‬ ‫نظرة الرفعة ال‬ ‫الشفقة بعد خروجهن‪.‬‬

‫ولعل هذه األرقام قد‬ ‫توحي لك كقار‬ ‫بحجم املأساة‬ ‫التي عانت منه‬ ‫وأخت‬ ‫أم‬ ‫وابنة ولربما‬ ‫تكون أنت!‬ ‫وهذا ما شكل‬ ‫حافزا لبعض‬ ‫النساء السوريات في‬ ‫تشكيل رابطة املعتقالت‬ ‫السوريات في خطوة منهم لكسر‬ ‫حاجز الصمت والخوف‪ ،‬خاصة بعد‬ ‫خروجهن والصدمة الكبيرة ألغلبهن من‬ ‫مجتمع شكل عائقا آخر أمامهن‪ ،‬منى بركة‬ ‫مديرة الرابطة تقول إن الرابطة جاءت‬ ‫لتعكس روح املعتقالت الثوريات ونابعة من‬ ‫معاناة كل واحدة تنضم للرابطة‪ ،‬وحتى‬ ‫القابعة في السجون إلى اآلن‪ ،‬ويتواجد مقر‬ ‫الرابطة في الريحانية في هاتاي في تركيا والذي‬ ‫بدأ بنشاطات متعددة‪" .‬انبثقت الرابطة من‬ ‫ألم كل واحدة منا‪ ،‬وحكايتها في املعتقل‬ ‫واملجتمع الذي لم يرحمها أحيانا‪ ،‬رغم أن‬ ‫املتعلقة قدمت الكثير‪ ،‬وتشكل الرابطة نقلة‬

‫ولكن ما حدث ملؤسسات رابطة املعتقالت‬ ‫السوريات كان مختلفا تماما‪ ،‬وهنا بدأت‬ ‫رحلة التحدي بين مجتمع ال يرحم وطريق‬ ‫محفوف بالصعوبات إلثبات الذات‪.‬‬ ‫كيف انطلقت الفكرة الرابطة وما هدفها؟‬ ‫وفق معطيات الشبكة السورية لحقوق‬ ‫اإلنسان‪ ،‬فإن‪ 8633‬سيدة على األقل معتقلة‬ ‫في السجون في سورية‪ ،‬منهن ‪ 7009‬على األقل‬ ‫في سجون تابعة لنظام األسد‪.‬‬ ‫واإلحصائيات ليست دقيقة ألن هناك أعداد‬ ‫أكبر منها لم يصرح عنها عدا عن ضحايا‬

‫‪78‬‬


‫نوعية في مسيرة املعتقالت‪ ،‬حيث ستكون‬ ‫منبرا يتكلم باسمهن"‪.‬‬

‫وتحقيق قدراتها الكبيرة والتي واجهت الكثير‬ ‫من العوائق والظروف املحيطة والتي حاول‬ ‫طمس هويتها وروحها‪.‬‬

‫وتردف بركة أن الرابطة تهدف إلعادة هيكلة‬ ‫النظرة النمطية عن املعتقلة وتقديم‬ ‫الخدمات لها‪ ،‬ومساعدتها على تخطي محنتها‬ ‫نفسيا وجسديا‪.‬‬

‫صعوبات عاشتها نساء الرابطة قبل تأسيسها‬ ‫بعد االعتقال!‬ ‫"إن أكبر التحديات التي تواجهها املعتقالت هي‬ ‫التأقلم مع املحيط الخارجي بعد الخروج من‬ ‫سجون املعتقل والتي القت فيها أشد أنواع‬ ‫العذاب" هذا ما تقوله هنادي عتمة من‬ ‫مدينة درعا من مؤسسات الرابطة األوائل‪،‬‬ ‫والتي وجدت أن الرابطة هي النافذة الوحيدة‬ ‫للمعتقالت كي يخرجن إلى العالم بقوة وثقة‬ ‫بعد أن لفظهن املجتمع وتجاهلهم الجميع‬ ‫بشكل كبير‪ ،‬تروي لنا حكايتها‪ ،‬كانت تعمل‬ ‫كممرضة‪ ،‬استشهد زوجها قبل اعتقالها‬ ‫بسنة واحدة‪ ،‬تم اعتقالها في ‪ 2014‬وهي‬ ‫متوجهة ملكان عملها في أحد مشافي درعا‬ ‫البلد‪ ،‬وقد ُح ِولت ألكثر من فرع أمني منها فرع‬ ‫فلسطين‪ ،‬وتم حبسها بشكل انفرادي ملدة‬ ‫شهر ونصف قبل أن تبدأ عذابات السجون‬ ‫والتعذيب والضرب واإلهانة بشتى الطرق‬ ‫والوسائل التي أتيحت ملعتقليها ممارستها‪،‬‬ ‫ُو ِ ّجه لها عدد من التهم‪ ،‬منها عمل دورات‬ ‫تمريضية ملا يسمى (باإلرهابيين) التمويل‬ ‫الخارجي والداخلي‪ ،‬وإنشاء جمعيات غير‬ ‫حكومية لأليتام واملعتقلين!‪ ،‬استمر اعتقال‬

‫وتتحدث بركة‪ ،‬أن الرابطة تحاول جاهدة‬ ‫تأمين العديد من الخدمات‪ ،‬منها التأهيل‬ ‫النفس ي والجسدي في التواصل مع أطباء‬ ‫نفسيين ومختصين لتخطي املرحلة الصعبة‬ ‫وهي التأقلم من املجتمع بعد الخروج من‬ ‫املعتقل‪ ،‬أيضا تأمين العمل للمعتقالت الالئي‬ ‫يجدن صعوبات في إيجاد العمل وسط‬ ‫الظروف املعيشية الصعبة في املناطق‬ ‫املحررة وغيرها من الدول املجاورة التي لجأن‬ ‫إليها‪ ،‬والتي يعاني منها الالجئ السوري بشكل‬ ‫عام واملعتقالت بشكل خاص من حيث‬ ‫التضييق والتهميش وقلة الفرص في حياة‬ ‫كريمة وعمل الئق يناسب التطلعات‪.‬‬ ‫ويضم فريق الرابطة فريقا صغيرا مؤلفا من‬ ‫مديرة الفريق ومسؤولة العالقات العامة‪،‬‬ ‫ومديرة املكتب في درعا‪ ،‬وأيضا نساء مكلفات‬ ‫عن املكتب في إدلب ومنسق عام في أوربا‬ ‫ومساعد مالي داخل مقر الرابطة في تركيا‪.‬‬ ‫وتضيف بركة أن هدف الرابطة األساس ي هو‬ ‫تمكين املعتقلة السورية من إثبات نفسها‬

‫‪79‬‬


‫هنادي ثالث سنوات‪،‬‬ ‫ولكن املرحلة التي‬ ‫تلت اعتقالها وبعد‬ ‫اإلفراج عنها‪ ،‬كانت‬ ‫ليست أقل صعوبة‪،‬‬ ‫وشكلت لها عذابا من‬ ‫نوع آخر‪ ،‬ولعله يكون‬ ‫أكبر على الصعيد‬ ‫النفس ي "اعتقالي ّ‬ ‫غير‬ ‫حياتي تاركة ورائي‬ ‫أربع أطفال أكبرهم في عمر ‪ 14‬عاما‪ ،‬وعندما‬ ‫خرجت كان عمره ‪ 17‬عاما وأصغرهم بات‬ ‫عمره ثمان سنوات‪ ،‬لقد كانت هذه املرحلة‬ ‫كفيلة بأن تكون شرخا كبيرا بيني وبين أطفالي‬ ‫الذين كبروا بعيدا عني ولربما تعودوا عدم‬ ‫وجودي لتربيتهم‪".‬‬

‫مشفى تقبل توظيفي وكانت املنظمات‬ ‫الداعمة تقابل تقدمي بالرفض دائما مع‬ ‫حجة أن العدد كاف وال يلزمهم ممرضات‬ ‫جدد‪"!!،‬‬ ‫واستمرت بعد قصف منزلها بالكفاح وتربية‬ ‫أبناءها بقوة رجل‪ ،‬حتى وجدت عمال تسد به‬ ‫رمق العيش‪ ،‬رغم أنه ال يكاد يغطي ربع‬ ‫مصاريفها مع عائلتها‪ ،‬ولعل أكثر ما أحزن‬ ‫هنادي هو ذلك السؤال الذي يلوح على‬ ‫الشفاه والجباه ملجتمع كثير التساؤالت‬ ‫وهمهم الكبير واألول (هل اغتصبت) تعلق‬ ‫هنادي بأسف كبير "الغريب أنهم يسألونك‬ ‫عن االغتصاب ولكن ال يسألوك عن‬ ‫إحساسك عن شعورك وما تريد كي تتخطى‬ ‫هذه املرحلة السوداء من حياتك‪ ،‬كان‬ ‫سؤالهم يشكل خنجرا آخر وحبسا ولكن دون‬ ‫قضبان"!!‬

‫وتكمل هنادي حكايتها مع املجتمع الذي لم‬ ‫يكن عونا‪ ،‬بل شكل عائقا كبيرا في وجهها‬ ‫لتكمل تحديات كبيرة واجهتها وحدها دون‬ ‫عون إال باليسير والقليل "عندما خرجت‬ ‫أحسست بتغيير كبير بي وبمن حولي‪ ،‬لقد‬ ‫كانت رحلة االعتقال مفصال وحدثا غير معالم‬ ‫روحي ونفس ي‪ ،‬املرأة املعتقلة حملت هم األمن‬ ‫واملجتمع بعد خروجها‪ ،‬ونظرتها لنفسها‬ ‫ونظرة ذويها إليها‪ ،‬كان ذلك موجعا خرجت‬ ‫وأنا محرومة من كل حقوقي املدنية وحتى‬ ‫السفر‪ ،‬ولدى بحثي عن عمل لم أجد أي‬

‫‪80‬‬


‫توقفت بشكل كبير عن عملي نظرا ألثر‬ ‫االعتقال في نفس ي لدرجة أني لم أعد أطيق‬ ‫التواصل بشكل كبير‪ ،‬كنت‬ ‫عندما أريد البحث عن‬ ‫عمل أو الحديث مع‬ ‫أي أحد يتم تنبيهي‬ ‫بأن ال أبوح بقصة‬ ‫اعتقالي وكأن اعتقالي‬ ‫وصمة عار!"‬

‫بعد سنة من البحث والتعب وجدت هنادي‬ ‫أن فكرة الرابطة هي حق يجب البحث عنه‬ ‫والدفاع ألجله حيث يكون‬ ‫للمعتقلة مكان يتحدث‬ ‫باسمها وبفكر بأملها‬ ‫ويجده لها حلوال‬ ‫تساعدها‪.‬‬ ‫لدى صفاء مدرسة‬ ‫اللغة االنكليزية في‬ ‫دمشق‪ ،‬قصة قد ال‬ ‫تكون مختلفة في الشكل ولكنها‬ ‫مختلفة في تفاصيل كثيرة‪ ،‬اعتقلت صفاء في‬ ‫‪ 2014‬واستمر اعتقالها لسنتين ونصف‪،‬‬ ‫بعيدا عن أهلها وذويها دون أي اتصال‪ ،‬ودون‬ ‫أن تعرف ما يدور حولها إال ممن يدخل إلى‬ ‫املعتقل حديثا‪" ،‬اعتقالي كان حكاية مؤملة‬ ‫جدا‪ ،‬فقد عشت في املعتقل أسوأ أيام حياتي‬ ‫إال أني بعد خروجي وجدت أن آثار ذلك لم‬ ‫تمح بسهولة أبدا رغم أني قوية ومكافحة وال‬ ‫أضعف بسهولة"‬

‫في لبنان واملعروفة بأنها‬ ‫أصبحت عبئا على السوري‪،‬‬ ‫واملالحقات األمنية عانت صفاء من خوفها من‬ ‫الحواجز األمنية وكان لديها هوسا بأنه سيتم‬ ‫توقيفها ومساءلتها‪ ،‬وعرفت أنها لم ترتح‬ ‫بشكل نهائي من تبعات النظام املخابراتي‬ ‫الذي كانت تعيشه في سوريا حتى بعد اإلفراج‬ ‫عنها‪.‬‬ ‫وتقول صفاء أن كل املعتقالت اللواتي عرفتهن‬ ‫وتواصلت معهن‪ ،‬عانين من نفس املشكلة‬ ‫سواء في الداخل السوري أو في الدول‬ ‫املجاورة‪ ،‬كالتهميش وعدم املباالة بمشاكلهن‪،‬‬ ‫واملشكالت النفسية التي تتعرضن لها‪ ،‬عدا‬ ‫عن سوء الظروف املعيشية والفقر واللجوء‬ ‫ألغلب املعتقالت‪.‬‬

‫كان أهل صفاء سندا وعونا‪ ،‬ولكن نظرة‬ ‫املجتمع النمطية والسلبية كانت هي معاناة‬ ‫كبيرة وظلما من نوع آخر‪" ،‬عند خروجك من‬ ‫املعتقل تبدأ مشاكلك بالدوران حولك‬ ‫ككابوس‪ ،‬وعند سفري إلى لبنان شعرت بأني‬ ‫مكبلة ومقيدة‪ ،‬وال أستطيع العمل وقد‬

‫ومن املشاكل التي قد تعترض املعتقلة عند‬ ‫خروجها هو عدم وجود طريقة للعيش الكريم‬

‫‪81‬‬


‫خاصة إن لفظها‬ ‫واألهل‬ ‫املجتمع‬ ‫والزوج‪ ،‬وقد يحصل‬ ‫هذا لبعض املعتقالت‬ ‫فتلجأن إلى طرق كثيرة‬ ‫لـتأمين قوت يومهن‪ ،‬أو‬ ‫البحث بأساليب غير‬ ‫الئقة‪ ،‬كأن تبحث‬ ‫إحداهن عن عمل ويتم‬ ‫استغاللها وعدم منحها‬ ‫حقها ألنها بحاجة‬ ‫شديدة للعمل‪ ،‬بعد أن‬ ‫أغلقت كل األبواب في‬ ‫وجهها‪.‬‬ ‫وتعمل الرابطة على مساعدة املعتقالت‬ ‫بشكل جدي والفت وليس فقط بـ (املواساة)‬ ‫بل قامت بعمل خطوات جدية تجاههن‪،‬‬ ‫ودعت مديرة الرابطة منى بركة الجهات‬ ‫املعنية واملنصات اإلنسانية والحقوقية‬ ‫بالوقوف بجانب الرابطة ودعمها جيدا كي يتم‬ ‫تفعيل عملها بشكل كبير وعلى صعيد دولي‬ ‫وليس محلي فقط‪.‬‬

‫تطلعات رابطة املعتقالت السوريات‬ ‫تتطلع الرابطة لالهتمام بكل املعتقالت‬ ‫السوريات سواء داخل السجون أو خارجها‪،‬‬ ‫والتواصل مع محامين ومنظمات تدافع عن‬ ‫حقوقهن‪ ،‬واحتواء آمالهن على الصعيد‬ ‫املادي والنفس ي‪ ،‬وتخطي املعتقلة للمراحل‬ ‫الصعبة بعد خروجها من املعتقل سواء مع‬ ‫أسرتها أو بمفردها‪ ،‬وعمل خطة موحدة بين‬ ‫كل أعضاء الرابطة في الدول املتواجدات فيها‪.‬‬

‫‪82‬‬


‫أول على آخر …‬ ‫!‬

‫ماجدة عبد القادر‬ ‫وإن كنت ال أرى ضرورة لعملها‪ ،‬إال أن ظروف الحياة‬ ‫وعوائقها االقتصادية تضطر بعض الرجال إلى التنازل عن‬ ‫مبدأ أن مكان المرأة هو البيت‪ ،‬فيضطر بذلك أيضاً‬ ‫للمساهمة بشكل أكبر في شؤون البيت‪.‬‬

‫أظهرت دراسة استقصائية أجريت في منطقة الشرق األوسط وشمال أفريقيا غلبة النظرة‬ ‫الذكورية‪ ،‬حيث أن آراء الرجال في موضوع املساواة بين الجنسين تتعارض وطموحات الشابات في‬ ‫الوقت الحاضر‪.‬‬

‫‪83‬‬


‫وأظهر استبيان لآلراء أجري في كل‬ ‫من مصر ولبنان واملغرب‬ ‫وفلسطين‪ ،‬تحيزا جنسيا في‬ ‫مواقف الذكور تجاه دور املرأة في‬ ‫مكان العمل وفي املنزل‪ ،‬وحيال‬ ‫مشاركتهن في الحياة العامة‪.‬‬ ‫مواقف تقليدية‬ ‫شارك‪ ،‬في االستبيان‪ ،‬قرابة‬ ‫‪ 10،000‬شخصا‪ ،‬تتراوح أعمارهم‬ ‫بين ‪ 18‬و ‪59‬عاما‪ ،‬وتبين تأييد‬ ‫غالبية الرجال ملجموعة من‬ ‫املواقف التقليدية‪ ،‬وغير املنصفة‬ ‫تجاه املرأة‪ ،‬بما في ذلك االعتقاد‬ ‫بأنها ليست مناسبة لتولي مناصب‬ ‫قيادية‪ ،‬وال ينبغي أن تعمل خارج‬ ‫املنزل‪ ،‬وأنه من األھمیة بمكان‬ ‫مفاضلة تعلیم البنين على البنات‪.‬‬ ‫وتحدثت الدراسة‪ ،‬التي أجراها‬ ‫مركز الدراسة االستقصائية‬ ‫ُ‬ ‫الدولية‪ ،‬عن مشروع أطلق عليه‬ ‫اسم “ايميجس”‪ ،‬نشر دراسات‬ ‫أسرية مستفيضة حول مواقف‬ ‫تتعلق بقضايا الجندر في جميع أنحاء العالم‪،‬‬ ‫أظهرت بأن شابات شاركن في الدراسة عبرن‬ ‫عن رغبة ثابتة في تحقيق قدر أكبر من‬ ‫املساواة بين الجنسين‪.‬‬

‫الكلمة النهائية‬ ‫وردا على معظم األسئلة‪ ،‬أبدى الرجال‬ ‫مواقف أقل تقدمية بخصوص املساواة مع‬ ‫النساء‪ .‬ففي مصر‪ ،‬اتفق أكثر من ‪ ٪90‬من‬

‫‪84‬‬


‫الرجال على القول بأن‪“ :‬الرجل يجب أن تكون‬ ‫له الكلمة النهائية في املنزل”‪ .‬بينما كانت نسبة‬ ‫موافقة أغلبية املشاركات من النساء في‬ ‫الدراسة على ذلك املوقف ‪. ٪58.5‬‬

‫أكثر إنصافاً‬ ‫وفي لبنان‪ ،‬كانت آراء الرجال األصغر سنا‬ ‫بشأن نوع الجنس أكثر إنصافا من آراء‬ ‫الرجال األكبر سنا‪ .‬بيد أن مجموعة الرجال‬ ‫األصغر سنا‪ ،‬واألكثر تقدمية في لبنان‪،‬‬ ‫والذين تتراوح أعمارهم بين ‪ 18‬و ‪ 24‬عاما‪ ،‬لم‬ ‫يحصلوا سوى على درجة أفضل بقليل على‬ ‫مقياس جيم (‪ )1.74‬من املجموعة األكبر‬ ‫سنا‪ ،‬واألقل تقدمية من النساء اللواتي‬ ‫شملتهن الدراسة االستقصائية في البلد –‬ ‫والالئي تتراوح أعمارهن بين ‪ – 59-50‬والذي‬ ‫سجل ‪.1.73‬‬

‫ووافق أكثر من نصف الرجال املصريين‬ ‫الذين شملتهم الدراسة االستقصائية على أن‬ ‫“هناك أوقات تستحق فيها املرأة الضرب”‪،‬‬ ‫مقارنة بأقل من ثلث النساء‪ .‬وفي حين أن ‪٪75‬‬ ‫من النساء املصريات يعتقدن أن املتزوجات‬ ‫يجب أن يتمتعن بنفس الحقوق في العمل‬ ‫خارج املنزل كأزواجهن‪ ،‬فإن ‪ ٪31‬فقط من‬ ‫الرجال املصريين أيدوا هذا األمر‪.‬‬ ‫أقل وأعلى مستوى‬

‫طريق طويل‬

‫وفي الدراسة االستقصائية ملقياس(جيم)‬ ‫بشأن رأي الرجال حيال املساواة بين‬ ‫الجنسين‪ ،‬والذي يتراوح بين صفر (أقل‬ ‫وجهات النظر إنصافا) إلى ‪( 3‬األكثر إنصافا)‬ ‫أعطي املشاركون من مصر أدنى الدرجات في‬ ‫الجدول‪ ،‬بينما أعطي املشاركون من لبنان‬ ‫أعلى مستوى‪.‬‬

‫وقال غاري باركر‪ ،‬مشارك في وضع الدراسة‬ ‫ورئيس حملة املساواة ( بروموندو)‪“ :‬هناك‬ ‫طريق طويل أمام الرجال لقبول ودعم‬ ‫املساواة الكاملة للمرأة في املنطقة العربية‪،‬‬ ‫كما هو الحال في مناطق عدة من العالم‪”.‬‬ ‫وأضاف باركر‪“ :‬في جميع البلدان األربعة‪ ،‬نرى‬ ‫أن واحدا من أكبر املعوقات التي تقف حائال‬ ‫أمام املساواة بين الجنسين‪ ،‬هو عندما يقوم‬ ‫الرجال بعدد من األعمال املنزلية التي تعتبر‬ ‫تقليديا من مهام النساء‪”.‬‬

‫أما بالنسبة للنساء‪ ،‬فقد لعب عامل العمر‬ ‫دورا في مدى سعة آفاقهن‪ ،‬حيث عبرت‬ ‫النساء األصغر سنا عن آراء تقدمية تختلف‬ ‫عن آراء املتقدمات في السن‪ ،‬بينما‪ ،‬لم‬ ‫تختلف املواقف كثيرا بين الرجال من أعمار‬ ‫مختلفة األعمار في املغرب وفلسطين ومصر‪.‬‬

‫ووجدت الدراسة أن أهم العوامل في كيفية‬ ‫نظرة الناس إلى املساواة هي مقدار ثروتهم‪،‬‬

‫‪85‬‬


‫ومستوى‬ ‫تعليمهم‪،‬‬ ‫واملثل والقيم التي زرعها‬ ‫آباؤهم في نفوسهم‪ .‬وكان‬ ‫من املقدر للرجال‬ ‫والنساء أن يكونوا أكثر‬ ‫قابلية إلبداء آراء‬ ‫متكافئة بشأن نوع‬ ‫الجنس لو كانت أمهاتهم‬ ‫قد حزن على قسط أوفر‬ ‫من التعليم‪ ،‬ولو مارس‬ ‫اآلباء دورا أكبر في‬ ‫األعمال املنزلية‪.‬‬ ‫وتطرقت الدراسة أيضا ملخاوف الرجال‬ ‫وصحتهم العقلية‪ ،‬وأظهرت تعرضهم لضغوط‬ ‫كبيرة‪ ،‬تتجلى في التحدي املتمثل في الحصول‬ ‫على وظيفة مدفوعة األجر في خضم هذا‬ ‫الوضع االقتصادي املضطرب‪ ،‬وال سيما في‬ ‫البلدان املتأثرة بصراعات وحروب أهلية‪.‬‬

‫ضد ومع‬ ‫يرى بعض الخبراء بوجوب التفاهم حول عمل‬ ‫املرأة قبل الزواج‪ ،‬وخاصة قبل تسجيل عقد‬ ‫الزواج‪ .‬هذا ما أكد عليه شاب مغربي (مناف‬ ‫‪ 30‬عاما) وهو صحفي عازب‪ .‬يقول مناف‪:‬‬ ‫“وإن كنت ال أرى ضرورة لعملها‪ ،‬إال أن‬ ‫ظروف الحياة وعوائقها االقتصادية تضطر‬ ‫بعض الرجال إلى التنازل عن مبدأ أن مكان‬ ‫املرأة هو البيت‪ ،‬فيضطر بذلك أيضا‬ ‫للمساهمة بشكل أكبر في شؤون البيت‪،‬‬ ‫والسبب هو انشغال املرأة بالعمل لساعات‬ ‫طويلة خارج املنزل‪ ،‬فهي ال تستطيع التوفيق‬ ‫بين البيت والوظيفة‪ .‬وذلك ليس بسبب‬ ‫تقصيرها‪ ،‬لكن عندما تعود إلى البيت وتجد‬

‫وكثيرا ما يشار إلى آثار النزاع والبطالة‬ ‫كعاملين مسببين لالكتئاب بين الرجال‪ .‬وقد‬ ‫أفاد نصف الرجال تقريبا بأنهم يخجلون من‬ ‫مواجهة أسرهم نتيجة نقص العمل أو‬ ‫املدخول‪.‬‬ ‫ونستعرض في السطور التالية بعض التجارب‬ ‫ووجهات النظر في موضوع مشاركة املرأة‬ ‫الرجل في ميدان العمل‪.‬‬

‫‪86‬‬


‫الكتفاء ذاتي مادي تضمن به ضروريات‬ ‫حياتها دون بقائها تحت رحمة املجتمع‪”.‬‬

‫زوجها يعاني من األعراض نفسها‪ ،‬فمن‬ ‫سيلقي برأسه في حضن اآلخر ليفرغ شحنة‬ ‫العمل السلبية؟ على أحدهما أن يكون جاهزا‬ ‫نفسيا وبدنيا لرعاية اآلخر‪ ،‬ومع أنني ضد‬ ‫عملها إال أنني ضد جلوسها في البيت أيضا‪”.‬‬

‫مواكبة اجملتمع‬ ‫وقد عبر عن الرأي نفسه ماهر (مصر‪26 ،‬‬ ‫عاما‪ ،‬أعزب)‪ ،‬وقال‪“ :‬املرأة بحاجة ملواكبة‬ ‫تطور املجتمع وأسلوب الحياة‪ .‬كما يمكنها‬ ‫التطلع لتطوير ذاتها بمتابعة دراستها‪،‬‬ ‫وشعورها بالذات واالستقاللية فيما لو‬ ‫حدث ووجدت نفسها مطلقة أو غير متزوجة‬ ‫أو أرملة‪ .‬وعندها تستطيع تحمل مسئولية‬ ‫أطفالها‪ .‬كما تشعر باالستقاللية والزهو‬ ‫لتمكنها من شراء احتياجاتها من دخلها‪،‬‬ ‫باإلضافة لشعورها بالسعادة لتمكنها من‬ ‫مساعدة زوجها ن خالل عملها لتحقق بذلك‬ ‫استقرارا اجتماعيا أو ماديا قادرا على تحمل‬ ‫أعباء الحياة‪”.‬‬

‫شرط تعاون الرجل‬ ‫وبدوره أكد عالء (لبنان‪ 41 ،‬عاما‪ ،‬أعزب) أن‪:‬‬ ‫“التفاهم حول موضوع العمل ضروري‪،‬‬ ‫واملرأة تستطيع تبوء كل املناصب وعدم‬ ‫االكتفاء بالتعلم والزواج‪ ،‬والرضا بأداء دور‬ ‫هامش ي في الحياة”‪ .‬كما يرى عالء بأن‪“ :‬عمل‬ ‫املرأة أصبح ضرورة من أجل تغطية التكاليف‬ ‫املادية التي باتت عالية‪ ،‬ال يوجد أمان‬ ‫وطمأنينة مع الرجل الشرقي الذكوري‪ ،‬ويمكن‬ ‫أن يتخلى عنها وعن أطفالها‪ ،‬فهي بحاجة‬

‫خاص “شبكة املرأة السورية”‬

‫‪87‬‬


88


‫أدب اآلخر‬ ‫‪89‬‬


90


‫ما أمجل احلياة‬ ‫ممدوح شوكت أساندال‬

‫فتاةٌ صغيرة تحمل باقة من البقدونس مرَّت وهي‬ ‫تطقطق بقبقابها‪ .‬ابن الجّار غفّار‪ ،‬يجاهد إلدخال سلّتي‬ ‫ظهرٍ كبيرتين من باب البستان‪ .‬امرأتان تسيران بسرعة‬ ‫إلى البيت‪ ،‬من الواضح أنهما كانتا في مكان ما وتأخّرتا‪،‬‬ ‫صوتُ طقطقة قبقاب أمّه آتٍ من المطبخ‪ ،‬فكّر نوري‪ :‬ما‬ ‫أجمل الحياة‪ ،‬ال يلزم اإلنسان إلّا عمراً ليعيشها‪.‬‬

‫ّ‬ ‫الظهيرة‪ ،‬صوت امرأة من بيت الجيران‪ ،‬ال ُيعرف سبب صراخها‪ّ ،‬ربما كانت ّ‬ ‫توبخ ابنها‪،‬‬ ‫ّتموز‪ ،‬ساعة‬ ‫ا‬ ‫ّ‬ ‫ّا‬ ‫املؤذن إلى منشر الغسيل‪ ،‬على مسافة ّ‬ ‫عدة بيوت هناك دجاجة تقاقي‬ ‫قفزت قطة من حائط بيت‬ ‫ّ‬ ‫ا ّ‬ ‫وكأنه يساعدها‪ّ ،‬‬ ‫ويردد خلفها‪.‬‬ ‫بصوت متقطع‪ ،‬وبقربها ديك‬

‫‪91‬‬


‫ّأمه تجلس تحت مع‬ ‫ا‬ ‫جارتيها‪ ،‬منرفزة لسبب‬ ‫ّ‬ ‫ما‪ ،‬تتكلم بعجالة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الظاهر ّأن ئ‬ ‫هن يمارسن‬ ‫النميمة القط املبرقع‬ ‫ّ‬ ‫يتمطمط‬ ‫متمد اد‬ ‫بأرجله األربعة وهو‬ ‫نائم على الوسادة فوق‬ ‫الكومودينو املكسورة‪،‬‬ ‫الفوانيس‬ ‫تحت‬ ‫املكسورة وزوج من‬ ‫ّ‬ ‫الكؤوس الحلزونية وذات النجوم الباقية من‬ ‫جهاز ُعرس ّأمه‪ ،‬كتاب “حيلة السعادة” في‬ ‫الزاوية تحت الغطاء األسود‪ ،‬كل ش يء في‬ ‫مكانه‪ ،‬والحياة كما كانت في كل وقت‪.‬‬ ‫أخذ الحافظ نوري أفندي شمسيته من‬ ‫خلف الباب‪ ،‬وخرج إلى الشارع ّ‬ ‫بتمهل‪ ،‬ملاذا!؟‬ ‫هل كان لديه عمل في الخارج!؟ هل كان‬ ‫سيقابل أحدا!؟ ليس لديه ّ‬ ‫أي ش يء‪ ،‬كان‬ ‫يمكن ّأال يخرج‪ّ ،‬‬ ‫لكنه خرج‪.‬‬ ‫قادته رجاله إلى مفرق الطرق األربعة‪ ،‬على‬ ‫جانبه ّ‬ ‫البقال وعلى جانبه اآلخر حائط مقبرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الت ّ‬ ‫كية‪ ،‬ظهرت له سكة الحديد في فسحة‬ ‫األرض الخاوية ّ‬ ‫املرئية من بين البيتين مقابله‪،‬‬ ‫ا‬ ‫ا‬ ‫هناك أرجوحة مقلوبة على األرض في هذه‬ ‫ا ّ‬ ‫وبيت جلسوا ظهره املحني‬ ‫الفسحة الخاوية‪،‬‬ ‫بثالثة أعمدة طويلة‪ّ ،‬‬ ‫مرت عربة ترامواي‬

‫مصنوعة من التنك األصفر ّ‬ ‫مهتزة مرتجفة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫واتجهت صوب “يدي قوال”‪ .‬الشوارع خالية‪،‬‬ ‫رجل معلو ال بمياب درويش ُّ‬ ‫مر ا‬ ‫ئ‬ ‫يهز إحدى يديه‬ ‫أمامه‪ُّ ،‬‬ ‫ويجر إحدى رجليه‪ .‬عاد الشارع خاويا‬ ‫من جديد‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫فجأة ُس ِمع صوت ضجيج عال‪ ،‬القطار آت‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫قطار أحمال آت من “آدرنة” ئ‬ ‫مر بسرعة مرورا‬ ‫باهرا جعل األرض والبيوت تهتز‪ ،‬مرور‬ ‫العربات يرى من بين البيتين‪ّ ،‬‬ ‫مرت الواحدة‬ ‫تلو األخرى‪ ،‬وانتهت‪ ،‬أوووه‪.‬‬ ‫كان نوري أفندي منزعجا‪ ،‬الترامواي قادم من‬ ‫أدرنة وقد وصل إلى اسطنبول‪ ،‬لم يبق ليصل‬ ‫“سيركه جي” ّإال ّ‬ ‫عدة خطوات‪ ،‬لم ال يسير‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بتمهل‪ ،‬وكمال!؟ مثل املجنون‪ ،‬وكأنه هارب‪.‬‬ ‫كان الحافظ نوري أفندي واقفا في زاوية‬ ‫الشارع‪ ،‬فجأة ئ‬ ‫أحس بأحد بجانبه‪ّ ،‬إنه شكري‬

‫‪92‬‬


‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجو حار‪ ،‬معطفه الطويل معلق على كتفيه‪،‬‬ ‫طربوشه يكاد يلصق برأسه من العرق‪ّ ،‬‬ ‫لكنه‬ ‫غير مهتم‪ ،‬يمش ي‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫مع أن الوقت كان باكرا إال أن حمامات‬ ‫السباحة في “قوم قابي” كانت مزدحمة‪ ،‬بائعتا‬ ‫أغطية الرأس نشرتا األغطية على الصخور‬ ‫لتجف‪ ،‬مش ى نوري أفندي‪ ،‬وعبر املمش ى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ودار خلف املحطة من طريق داخل الحارة‪،‬‬ ‫ّ ّ‬ ‫السكة‬ ‫وبينما هو يجتاز الطريق إلى‬ ‫ّ‬ ‫الحديدية‪ ،‬صادف بائع الفحم خليل‪:‬‬ ‫خير يا نوري أفندي‪ ،‬إلى أين؟‬‫ا‬ ‫ذاهب هكذا‪ ...‬كما ترى‪...‬‬ ‫وهللا ال أعرف‪،‬‬‫ألقى نظرة خلفه واستدرك‪:‬‬ ‫كان شكري آت ورائي‪.‬‬‫ ّ‬‫أي شكري؟‬ ‫شكري ّ‬‫القواف!‬ ‫هل أنتم ذاهبون إلى مكان ما؟‬‫ال‪ ،‬هكذا‪ ...‬كان قد قال لي لنذهب‪ ،‬لكنه لم‬‫يلحقني‪.‬‬ ‫بحبل شكري!‬ ‫دعك منه! وهل تنزل البئر‬‫ِ‬ ‫وحده هللا يعلم أين هو اآلن‪ ،‬ومع من! أنا عائدا‬ ‫الحي اآلن‪ ،‬تعال لنعد ّ‬ ‫إلى ّ‬ ‫سوية‪.‬‬ ‫طأطأ نوري رأسه‪:‬‬ ‫حسنا‪ُ ،‬‬‫لنعد‬ ‫ّ ّ‬ ‫امش‬ ‫هيا هيا‪ِ ،‬‬‫سارا‪ ،‬وبدأ خليل يحكي لنوري أفندي كيف‬ ‫أنه جاء لشراء الفحم‪ ،‬لكنه لم ّيتفق على‬

‫القواف‪ ،‬هل جاء من الشارع الخلفي؟ ّ‬ ‫ّ‬ ‫توجه‬ ‫إلى نوري أفندي‪:‬‬ ‫هل تنتظر أحدا ؟‬‫الاا‪..‬‬‫ُّ‬ ‫ستظل واقفا إذا؟‬ ‫هل‬‫ّ‬ ‫ال أعرف‪ ،‬إني واقف اآلن‪.‬‬‫إذن فلديك ا‬‫عمل خاص‪.‬‬ ‫ال‪ُّ ،‬‬‫أي عمل‬ ‫هكذا هي الحياة‪ ،‬لم ال!‬‫لم ي ُر ّد نوري أفندي‪ ،‬وبعد صمت قصير عاد‬ ‫وسأل‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ستظل واقفا هكذا؟‬ ‫–هل‬ ‫ّ‬ ‫ال أعرف إني واقف اآلن‪.‬‬‫تعال معي إن أردت‪ ،‬نذهب إلى “كوم كابي”‬‫طأطأ نوري أفندي رأسه‪:‬‬ ‫آتي إن أردت‬‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫ ّ‬‫هيا‪ ،‬تكون قد تجولت قليال‪.‬‬ ‫سارا‪ ،‬وعبرا الشارع إلى الرصيف املقابل‪،‬‬ ‫دخلوا الزقاق على اليمين‪ ،‬ووصلوا إلى ّ‬ ‫السكة‬ ‫ّ‬ ‫الحديدية‪ ،‬فقال شكري‪:‬‬ ‫أكمل مسيرك أنت وأنا سألحق بك‪.‬‬‫ودخل مخزنا للحطب‪ ،‬سار نوري أفندي‬ ‫مستندا على شمسيته‪ّ ،‬‬ ‫متفرجا على بساتين‬ ‫الخس والخيار على جانبي الطريق‪ ،‬يستدير‬ ‫ويقف عندما يسمع صوت القطار‪ ،‬ثم يعاود‬ ‫سيره وهو ّ‬ ‫يهز شمسيته‪.‬‬

‫‪93‬‬


‫–نوري أفندي‪ ،‬اآلن‬ ‫ننه هذه اللعبة‬ ‫عندما ِ‬ ‫سألعب معك‪.‬‬ ‫أخرج الحافظ نوري‬ ‫عصا‬ ‫أفندي‬ ‫الشمسية من فمه‪:‬‬ ‫أنا ال أعرف لعب‬‫الطاولة!‬ ‫ال تعرف لعب‬‫الطاولة!‬ ‫ال أعرف‪...‬‬‫ما دمت ال تعرف اللعبة‪ ،‬ملاذا كنت تشاهدنا‬‫نلعب؟!‬ ‫رفع نوري أفندي كتفيه‪:‬‬ ‫هكذا‪ ،‬كنت أشاهدكم‪.‬‬‫رتب ّ‬ ‫الرابح في اللعبة أحجاره وأخذ الزهر‬ ‫بيده‪:‬‬ ‫غريب! أنت ترتاد املقهى منذ أن كنت في‬‫ّ‬ ‫الخامسة عشرة‪ ،‬كيف لم تتعلم لعبة‬ ‫الطاولة؟‬ ‫بدأ اللعب من جديد‪ ،‬وخسر الالعب نفسه‬ ‫من جديد‪ ،‬فلم يتمالك نفسه‪:‬‬ ‫–نوري أفندي وهللا جئت ونحست زهري‪،‬‬ ‫اذهب واجلس بعيدا قليال من هنا‪ ،‬انزع‬ ‫نوري أفندي من هذا‪ ،‬وكان سيقول‪:‬‬ ‫يضرك جلوس ي هنا؟! ّ‬ ‫وبماذا ّ‬‫لكنه لم يقل‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وقف ّ‬ ‫وتوجه إلى باب املقهى‪ ،‬وفكر‪ :‬هل أعود‬

‫ّ‬ ‫السعر‪ ،‬لم يكونا قد سارا أكثر من خمسة‬ ‫عشر خطوة‪ ،‬عندما نده صاحب مخزن‬ ‫الفحم لخليل‪ ،‬فهم خليل ئأن هذه الصفقة‬ ‫سوف تتم‪ ،‬وقال لنوري أفندي‪:‬‬ ‫تابع أنت املسير وأنا سوف ألحق بك‪.‬‬‫سار نوري أفندي وسلك الطريق الذي جاء‬ ‫منه لوحده‪ ،‬ووصل إلى باب مقهى الحي‪.‬‬ ‫رجالن جالسان قبالة بعضهما على كرسيين‬ ‫ّ‬ ‫واطئين من الحصير‪ ،‬يلعبون الطاولة‪ ،‬اقترب‬ ‫وجلس على الكرس ي الثالث الفارغ‪ ،‬وأسند‬ ‫كوعيه على ركبتيه‪ ،‬وعصا الشمسية على‬ ‫فمه‪ ،‬وبدأ يشاهد لعب الطاولة‪.‬‬ ‫أحد الالعبين خسر اللعبة ّ‬ ‫مرة‪ ،‬عاد وخسر‬ ‫اللعبة ّ‬ ‫مرة أخرى‪ ،‬فغضب وألقى خسارته على‬ ‫ّ‬ ‫النحس الذي جلبه نوري أفندي‪ ،‬وفكر بأنه”‬ ‫جاء ونحس له زهره” لكنه لم يقلها صراحة‪،‬‬

‫‪94‬‬


‫ا‬ ‫فتاة صغيرة تحمل باقة من البقدونس ئ‬ ‫مرت‬ ‫الجار ّ‬ ‫وهي تطقطق بقبقابها‪ .‬ابن ّ‬ ‫غفار‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يجاهد إلدخال سلتي ظهر كبيرتين من باب‬ ‫البستان‪ .‬امرأتان تسيران بسرعة إلى البيت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫من الواضح أنهما كانتا في مكان ما وتأخرتا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫صوت طقطقة قبقاب ّأمه آت من املطبخ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فكر نوري‪ :‬ما أجمل الحياة‪ ،‬ال يلزم اإلنسان‬ ‫ّ‬ ‫إال عمرا ليعيشها‪.‬‬

‫إلى البيت‪ ،‬الوقت بعد الظهيرة‪ ،‬وقد اقترب‬ ‫املساء‪ ،‬اشترى خبزا من ّ‬ ‫البقال أثناء مروره من‬ ‫أمامه‪ ،‬وذهب إلى البيت‪ ،‬فتحت ّأمه الباب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫كان البيت مشبعا برائحة الطبيخ‪ ،‬صعد إلى‬ ‫ّ‬ ‫الش ّ‬ ‫امية‪ ،‬وجلس أمام‬ ‫غرفته‪ ،‬ولبس سترته‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫النافذة‪ ،‬ئ‬ ‫مر البائعون املتجولون‪ ،‬وهبط لون‬ ‫املساء على الحي‪ ،‬صاح ا‬ ‫ولد في زاوية الحي‪:‬‬ ‫‪-‬خيري‪ ،‬تعااال‪ّ ،‬أمي تريدك‪،‬‬

‫*ممدوح شوكت أساندال (‪(Memduh Şevket Esendal‬‬

‫ولد في اسطنبول‪ ،‬لم يستطع الدراسة ألسباب ّ‬ ‫عائلية‪ ،‬دخل حزب االتحاد والترقي‬ ‫عام ‪ ،1906‬وعمل بالزراعة بعدها‪ ،‬شغل بين عامي ‪ 1950-1920‬منصب عضو‬ ‫سمية‪ّ ،‬‬ ‫الر ّ‬ ‫في البرملان‪ ،‬وسفير‪ ،‬نشر كتبه بتوقيع‪ :‬م ‪.‬ش‪ .‬أ‪ .‬بسبب مهامه ّ‬ ‫يعد‬ ‫مؤسس ي القصة الحديثة في ت ّ‬ ‫ركيا‪ ،‬له العديد من القصص والرو ايات‪ :‬من‬ ‫ّ‬ ‫مجموعاته القصصية‪ :‬الحكايات‪ :‬الكتاب األول ‪ -1946‬الحكايات‪ :‬الكتاب الثاني‬ ‫‪ -1946‬فيصل جاويش ‪ -1984‬زهرة صغيرة ‪ -1984‬ثمن الهواء ‪ّ -1984‬‬ ‫النجار‬ ‫العجوز ‪ -1984‬نسيبة ‪ -1985‬القلب يالحق الهارب ‪.1993‬‬

‫نور عبداهلل‬ ‫صحفية ومرتمجة سورية‪ ،‬تقيم يف تركيا‪ ،‬عضو هيئة حترير جملة كلنا سوريون‬

‫‪95‬‬


96


‫شعراء من العامل‬ ‫الرتمجة عن اإلنكليزية‪ :‬عمار عكاش‬

‫( الببغاوات )‬ ‫للشاعر املكسيكي ألبريتو بالنكو‬ ‫ّ‬ ‫ال تكف عن الكالم طيلة النهار‬ ‫وحين يزحف الظالم‬ ‫تخفض أصواتها‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫كي تتحدث إلى ظاللها‬ ‫وإلى الصمت‬ ‫*****‬

‫‪97‬‬


‫مثلها مثل ّ‬ ‫كل الكائنات‬ ‫تثرثر طيلة النهار‬ ‫وفي الليل تحلم أحالما سيئة‬ ‫*****‬ ‫بحلقاتها الذهبية التي تغطي‬ ‫وجوهها الذكية‪،‬‬ ‫بريشاتها املتألقة‬ ‫وبقلب ال يهدأ‬ ‫من صخب الكالم‪،‬‬ ‫هذه الببغاوات‬ ‫الكائنات‬ ‫مثل كل‬ ‫ِ‬ ‫أكثرها براعة في الكالم‬ ‫يحظى بقفص منفصل عن الباقين‬

‫من ديوان‪ :‬من فجر األحاسيس‬ ‫‪ Alberto Blanco‬واحد من أهم شعراء املكسيك املعاصرين‪ ،‬عمل إلى جانب الشعر في حقل الترجمة والفن‬ ‫البصري‪ .‬ولد عام ‪ 1951‬في مدينة نيو مكسيكو‪ ،‬درس الفلسفة والكيمياء والدراسات الشرقية‪ ،‬له أكثر من ‪30‬‬ ‫ً‬ ‫مؤلفا في الشعر‪.‬‬ ‫املصدر‪:‬‬ ‫‪https://www.poets.org/poetsorg/poem/parakeets‬‬

‫‪98‬‬


‫( التمساح )‬ ‫قصيدة للشاعر االنكليزي لويس كارول‬

‫واعجباه كيف ّ‬ ‫يجمل التمساح الصغير‬ ‫ذيله الالمع‬ ‫ويسكب ماء النيل‬ ‫على ّ‬ ‫كل حرشفة من حراشفه الذهبية‬ ‫*****‬ ‫كم يبدو مبتهجا‬ ‫وهو يبتسم ملء شدقيه‬ ‫لكم ّ‬ ‫يمد مخالبه بأناقة‬ ‫ُمر ِ ّحبا بسمكة صغيرة‬ ‫ّ‬ ‫بفكين مبتسمين بلطف‬

‫ً‬ ‫‪ Lewis Carroll, 1832 – 1898‬ولد في ديرزبيري في جيشرفي انكلترا‪ ،‬اسمه الحقيقي شارلز َد ْج َسن‪ ،‬كان محاضرا‬ ‫في الرياضيات‪ ،‬أشهرمؤلفاته في أدب األطفال‪ :‬أليس في بالد العجائب‪.‬‬ ‫املصدر‬ ‫‪https://www.poets.org/poetsorg/poem/crocodile‬‬

‫‪99‬‬


‫حين أشيخ وينال مني التعب والحنين‬ ‫السوداو ُّي‬ ‫سأبني ضريحا أخضر األوراق قريبا من‬ ‫هذا املكان‬ ‫‪ ،‬هنا وسط هذا الرذاذ البهيج‬ ‫وأموت حاملة بالعصور‬ ‫*****‬ ‫ُ‬ ‫يقولون إن الديدان تبعث من جديد‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تخفق ترفرف‬ ‫بأجنحة بيضاء‬ ‫لكنني ال أكترث لهذا الكالم‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫أكنت مجنحة ّأم كنت أغط في‬ ‫فسواء‬ ‫نوم عميق‬ ‫في كلتا الحالتين أنا لن أنال ما أستحقّ‬ ‫*****‬ ‫تحت أنشوطة شجرة العسلية هذه‬ ‫ا‬ ‫مكسو بالشعر ا‬ ‫ا‬ ‫جائع‬ ‫يسروع‬ ‫أزحف على كرس ّ ِي العالي املتأر ح‬ ‫وآكل‪ ،‬ثم آكل‪ ،‬ثم آكل ألنه ينبغي على‬ ‫املرء أن يأكل‬

‫(اليسروع)‬ ‫قصيدة للشاعر األمريكي لروبرت غريفز‬ ‫ّ‬ ‫العسلية‬ ‫تحت أنشوطة شجرة‬ ‫ُ‬ ‫ا‬ ‫يسروع ّ‬ ‫ملو ان‬ ‫يزحف‬ ‫وأنا ألتهم رذاذ الزعرور البر ّي األخضر‬ ‫الطازج‬ ‫أقضمه ورقة ورقة حتى النهاية‬ ‫*****‬ ‫في األسفل تنمو الهندباءات‬ ‫واألقاحي‪ ،‬ومرايا عجوز‬ ‫ا‬ ‫وغربان ترفرف ناعبة‬ ‫في درب تشق الحقول‬ ‫آكل وأبتلع‪ ،‬وآكل مرة أخرى‬ ‫*****‬ ‫هنا تريء قطرات املطر على عجل‬ ‫تمضغ وتقضم صاخبة دونما اكتراث‬ ‫ا‬ ‫وأوراق الزعرور البري ٌّ‬ ‫غض وصلبة‬ ‫سوف ألتفت لشؤوني الخاصة‪ ،‬فأنا دودة‬ ‫طيبة‬

‫ً‬ ‫‪, 1895 - 1985 Robert Graves‬غالبا ما أثارالشاعراألمريكي روبرت غريفزالجدل في محاوالته الشعرية‬ ‫وكتاباته الرو ائية وكتاباته النقدية‪ ،‬وترجماته‪ .‬لم يكترث بما هو سائد من مدارس شعرية‪ ،‬فاستحق‬ ‫ّ‬ ‫الخصوصية واللمسة الكالسيكية‪.‬‬ ‫شهرته بسبب فرادة أسلوبه وجمعه بين‬ ‫املصدر‪:‬‬ ‫‪https://www.poets.org/poetsorg/poem/caterpillar‬‬

‫‪100‬‬


‫تقول أن شعر الكالب يتساقط‬ ‫ودائما ما تسمح للغرباء بالدخول‬ ‫ال و بل تنبح في وجه األصدقاء بدال عنهم (‬ ‫أي الغرباء)‬ ‫وتقوم بأفعال فاضحة على السجادات‬ ‫ّ‬ ‫األرضية‬ ‫وتخلف في سيرها طينا على‬ ‫ّ‬ ‫وتحط فجأة على سريرك ليال‬ ‫ّ‬ ‫الكلبي‬ ‫وتشخر شخيرها‬ ‫******‬

‫( أمي ال تريد كلب ًا )‬ ‫للشاعرة األمريكية جوديث فيورست‬ ‫أمي ال تريد كلبا‪،‬‬ ‫تقول إن رائحة الكالب كريهة‬ ‫وإنها ال تجلس حين تقول لها اجلس ي‬ ‫حتى لو صرخت في وجهها‬ ‫*****‬ ‫وحين ترجع إلى البيت متأخرا في الليل‬ ‫والدنيا ثل ا ا‬ ‫وبرد‬ ‫ّ‬ ‫سيتوجب عليك الخروج مرة أخرى‬ ‫ألن الكالب ّ‬ ‫ّ‬ ‫املغفلة ترغب في الخروج‬ ‫*****‬ ‫أمي ال تريد كلبا‬

‫أمي ال تريد كلبا‬ ‫إنها ترتكب خطا‬ ‫ألنني ال أعتقد أنها ترغب في هذه األفعى‬ ‫أكثر من الكلب‬

‫‪ Judith Viorst‬شاعرة وروائية أمريكية ولدت عام ‪ ،1931‬وباحثة في مجال التحليل النفس ي‪ ،‬كتبت في أجناس‬ ‫فنية ّ‬ ‫متنوعة‪ ،‬وهي كاتبة ذائعة الصيت في أدب األطفال‪ ،‬أشهر كتبها في هذا املجال " ألكسندر واليوم الرهيب‪،‬‬ ‫ً‬ ‫جدا" وبيعت منه مليونا نسخة كما ّ‬ ‫حولت إلى فلم رو ائي طويل عام ‪.2014‬‬ ‫الفظيع‪ ،‬غيرالجيد‪ ،‬الس يء‬ ‫املصدر‪:‬‬ ‫‪https://www.poets.org/poetsorg/poem/mother-doesnt-want-dog‬‬ ‫عمار عكاش‬ ‫كاتب ومرتجم سوري‪ ،‬يقيم يف تركيا‬

‫‪101‬‬


102


‫آداب وفنون‬ ‫‪103‬‬


104


‫نزار قباني‬ ‫ريم فاضل‬ ‫نزار قباني كان من القلة الذين أدركوا أن الكبت االجتماعي‬ ‫للنساء سيولد عالقات يصفها المجتمع بالشذوذ‪ ،‬لذلك‬ ‫لم يتناول القباني الشذوذ الجنسي النسوي من حيث‬ ‫الرغبة التي تعود إلى طبيعة فيزيولوجية في تكوين‬ ‫جسد المرأة‪.‬‬

‫لطاملا كانت الوشائج التاريخية تنس ترابطا بين بداية كسر التابهوات االجتماعية في الوسط‬ ‫السوري األدبي وبين جرأة أشعار نزار قباني‪ ،‬إذ تفاوتت األحكام في حقه األدبي وفقا لذلك‪ .‬وقد يظن‬ ‫البعض أن تلك الجرأة تتجلى في آلية طرحه شعريا لتفاصيل الجسد األنثوي واختراق خصوصيته‬ ‫الحميمية بشفافية العشق الذي ال يبالي بأعراف املجتمع الشرقي وتقاليده‪.‬‬

‫‪105‬‬


‫ملاذا؟‬ ‫منحت لقلبي الهواء‬ ‫فلما أضاء‬ ‫بحب كعرض السماء‬ ‫ذهبت بركب املساء‬ ‫وخلفت هذي الصديقة‬ ‫هنا‪ ..‬عند سور الحديقة‬ ‫على مقعد من بكاء‬ ‫ملاذا؟‬

‫غير أن جرأة نزار قباني‬ ‫الشعرية ال تقف عند تمثله لألنثى والنطق‬ ‫بلسان حالها‪ ،‬بل يمكن القول إنه تفوق على‬ ‫األنثى وتجاوزها في البوح عن مكنوناتها‪،‬‬ ‫والسيما في مجتمعنا الشرقي حيث تتخذ املرأة‬ ‫من ستار الصمت حجابا يقيها من أحكام هذا‬ ‫املجتمع وقسوته فيما يخص شؤونها‬ ‫الحميمية‪ ،‬فتنطوي على ذاتها‪ ،‬لتبقى عاجزة‬ ‫عن حماية ماهية أنوثتها وقيمتها اإلنسانية من‬ ‫مقاصد تجار الجسد وتجار القلوب على‬ ‫السواء‪ .‬وال يختلف الحديث عن الفترة‬ ‫الزمنية التي عاصرها نزار قباني عن أيام‬ ‫عصرنا هذا‪ ،‬فما زلنا نعاني من ذلك التقوقع‬ ‫االجتماعي الذي يسهم في تردي حال املرأة‬ ‫العربية واضطهادها‪ ،‬ومازالت تقول‪:‬‬

‫غير أن تأطير تلك الجرأة الشعرية بهذه الرؤية‬ ‫فيه من اإل حاف الكثير‪ ،‬ملا لها من منحى‬ ‫آخر يتبدى بمدى تماهي الشاعر مع األنثى‬ ‫ُ‬ ‫خرج املنطوق الشعري من‬ ‫بجزئيات دقيقة ت ِ‬ ‫تجليات العالقة ما بين الذكر واألنثى لتنهض‬ ‫به على تخوم ما يمكن أن نصفه دخائل‬ ‫الرجل األنثوي‪ .‬فلقب شاعر املرأة الذي يسم‬ ‫نزار قباني‪ ،‬ال يش ي بدفاعه عن املرأة وال حتى‬ ‫عشقه للمرأة أو غير ذلك من املواضيع التي‬ ‫تع باإلبداعات األدبية‪ ،‬إن ذلك اللقب‬ ‫ا‬ ‫مستمد من مقدرة نزار قباني على تقديم‬ ‫خطاب أنثوي بصوت املرأة ال الرجل‪ ،‬عبر‬ ‫لوحات شعرية ينثال منها مونولوج أنثوي‪ ،‬وفي‬ ‫حضرتها لن يكون بوسع املتلقي إال أن ينصت‬ ‫إلى تلك املرأة‪ ،‬وهي تتجلى أمامه عارية الروح‬ ‫من كل أدلجة ذكورية لقضاياها‪ ،‬فيعجز عن‬ ‫التقاط صوت الرجل الشاعر بين ثنايا البوح‬ ‫الشعري‪ ،‬فال ش يء سوى صرخة أنثوية‪:‬‬

‫معذرة يا َّ‬ ‫سيدي‬ ‫ُ‬ ‫إذا تطاولت على مملكة الرجال‬ ‫ً‬ ‫طبعا‪ُ -‬‬ ‫أدب الرجال‬ ‫فاألدب الكبير‪-‬‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫والحب كان دائما‪ ...‬من حصة الرجال‪..‬‬

‫‪106‬‬


‫ً‬ ‫ُ‬ ‫والجنس كان دائما‬ ‫ً‬ ‫مخدرا ُيباع للرجال‬ ‫ٌ ُّ‬ ‫حرية النساء في بالدنا‬ ‫خر افة‬

‫وما يزال‪ ،‬لذا نراه يتقمص تلك األنثى بكل‬ ‫تفاصيل إشكاليتها وبما يجتاحها من الجفاف‬ ‫الروحي في صحراء مجتمع ال يرحم فتقول‬ ‫لصديقتها‪:‬‬

‫فليس من ّ‬ ‫الرجال‪..‬‬ ‫حرية أخرى سوى حرية‬ ‫ِ‬ ‫ولعل نزار قباني كان من القلة الذين أدركوا‬ ‫أن الكبت االجتماعي للنساء سيولد عالقات‬ ‫يصفها املجتمع بالشذوذ‪ ،‬لذلك لم يتناول‬ ‫القباني الشذوذ الجنس ي النسوي من حيث‬ ‫الرغبة التي تعود إلى طبيعة فيزيولوجية في‬ ‫تكوين جسد املرأة‪ ،‬بل سلط الضوء على‬ ‫الشذوذ الناتج عن الحرمان النفس ي‬ ‫ُ‬ ‫والجسدي والكبت االجتماعي في مدن تلقب‬ ‫اإلناث اللواتي تجاوزن الثالثين من العمر‬ ‫بالعانسات‪ ،‬وتعاملهن كسلع منتهية‬ ‫الصالحية‪ ،‬متناسين أن الروح والجسد ال‬ ‫انفصال بينهما‪ ،‬وأن هذا الكبت سيولد‬ ‫انفجارا‪ ،‬وأن األعراف االجتماعية التي تحط‬ ‫من شأن النساء الناضجات‪ ،‬هي ذاتها‬ ‫األعراف التي قللت فرص أن يحظين بحياة‬ ‫طبيعية ال يقيدها تقاليد املجتمع وشروطه‬ ‫املادية والوظيفية واالجتماعية التي تعرقل‬ ‫سبل االرتباط بين الذكر واألنثى‪ ،‬وتزيد من‬ ‫نسبة ما يصفونه بلقب العنوسة‪ ،‬مما يؤدي‬ ‫إلى ما ال يوافق عليه املجتمع في الخفاء‪ ،‬وربما‬ ‫كانت قصيدة نزار قباني املعنونة "القصيدة‬ ‫الشريرة" من أكثر القصائد جرأة في عصره بما‬ ‫تنطوي عليه من موضوع كان شائكا اجتماعيا‬

‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ُ ُ‬ ‫أتراني ك ّونت امرأة‬ ‫كي تمضغ نهدي األشباح‬ ‫أشذوذ‪ ،‬أختاه‪ ،‬إذا ما‬ ‫َ ّ َ ّ‬ ‫التف ُ‬ ‫اح‬ ‫لثم التفاح‬ ‫نحن امرأتان‪ ..‬لنا قممٌ‬ ‫ُ‬ ‫ولنا ُ‬ ‫ورياح‬ ‫أنواء‬

‫وملا كانت قضية املرأة قد أخذت اليوم ّ‬ ‫جل‬ ‫أصداء االهتمام في مجتمعاتنا‪ ،‬وأصبحت‬ ‫حريتها وكرامتها موضوعا أدبيا بامتياز‪ ،‬كان‬ ‫من الطبيعي أن يبرز ما يصطلح عليه اليوم‬ ‫باألدب النسوي الذي اتخذ من كسر‬ ‫التابهوات االجتماعية ركيزة إلبداعه‪ ،‬وحين‬ ‫نمعن النظر اليوم سنجد أن املبدعات‬ ‫السوريات هن اللواتي يشكلن نواة هذا األدب‬ ‫في الوطن العربي‪ ،‬غير أنه ال شك أن نزار‬ ‫قباني قد أسس أولى إرهاصات هذا األدب في‬ ‫بنية املجتمع السوري‪ ،‬وهنا تكمن املفارقة إذ‬ ‫حفز الكثيرات على البوح اإلبداعي للنهوض‬ ‫باملرأة السورية‪ ،‬فتألم بأجسادهن‪ ،‬ونطق‬ ‫بقلوبهن‪ ،‬من خالل معايشته لجزئيات األنوثة‬ ‫الكامنة في كل رجل‪ ،‬تلك الجزئيات التي‬ ‫يصعب على الرجال إيقاظها في مجتمعات‬

‫‪107‬‬


‫تقيد الرجل بالصالبة‪ ،‬فيصبح بكاؤه عارا‪،‬‬ ‫ويغدو تعاطفه مع األنثى وهنا‪،‬‬

‫متى َتفـ ْ‬ ‫ـهم؟‬ ‫متى يا س ــيدي تفـ ْ‬ ‫ـهم؟‬ ‫ً‬ ‫بأنـي لسـت واحدة‪..‬‬ ‫ك ــغيري‪ ،‬من صديقاتـ ْـك‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وال فتحا نسائــيا‪..‬‬ ‫يضــاف إلى فتوحاتك‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫وال رقمــا من األرق ــام يعب ُرفي ســجالتك‪..‬‬ ‫متى تفـ ْ‬ ‫ـهم؟‬

‫وأهم ما ُيقال هنا في هذا املقام أن نزار قباني‬ ‫يمتط ركاب املدافعين عن األنثى من‬ ‫لم‬ ‫ِ‬ ‫منظور ذكوري‪ ،‬كحال الكثيرين في األمس‬ ‫واليوم‪ ،‬ولم يسع إلى حريتها الشكلية الهشة‬ ‫وحسب‪ ،‬بل ّ‬ ‫عبر عن مطالبتها بحرية كرامتها‬ ‫األنثوية‪ ،‬تلك الحرية التي تأمل أن تتخلص‬ ‫من تشييىء الرجل لألنثى وامتهانها باستبدالها‬ ‫بامرأة أخرى كلما أصابه الضجر العاطفي‬ ‫فيتألم بصوتها‪:‬‬

‫وأهنتني‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫من بعد ما كنت الضياء بناظريك‬

‫يبقى نزار قباني بتلك الجرأة اإلبداعية من‬ ‫أكثر الشعراء املثيرين للجدل‪ ،‬غير أن‬ ‫الحقيقة التي ال جدال فيها أن القباني حين‬ ‫أحب املرأة تماهى بكينونتها‪ ،‬فلما تجلى الشعر‬ ‫كان هي وكانت هو‪..‬‬

‫يا من وقفت دمي عليك‬ ‫وذللتني‬ ‫ونفضتني‬ ‫كذبابة عن عارضيك‬ ‫ودعوة سيدة إليك‬

‫ريم فاضل‬ ‫كاتبة سورية‪ ،‬حتمل ماجستري يف اللغة العربية‪ ،‬تقيم يف فرنسا‬

‫‪108‬‬


‫يف البحث عن مسرح جديد‬ ‫بشّار فستق‬ ‫يمكن أن نستفيد من كلّ التجارب‪ ،‬من مسرح خيال الظلّ‬ ‫ومن مسرح العبث والملحميّ والشوك و‪ ،...‬ولكنّ مسرح‬ ‫الغد هذا‪ ،‬سيكون مختلفاً تماماً عن كلّ ما سبقه‪ ،‬فالمزيج‬ ‫سيخلق مسرحاً جديداً‪.‬‬

‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وتأثر األدباء ّ‬ ‫ّ‬ ‫والفنانون‬ ‫العاملية الثانية (‪)1945 – 1939‬‬ ‫طال الدمار أوروبا كلها في أعقاب الحرب‬ ‫بنتائجها فظهر مسرح العبث ومثاله الشهير "في انتظار غودو" عام ‪ 1953‬لصموئيل بيكيت‪ّ ،‬‬ ‫وتطور‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجدلي‪،‬‬ ‫املحصلة باملسرح‬ ‫األملاني برتولد بريشت أسماه في‬ ‫مسرح هائل األثر للشاعر ورجل املسرح‬

‫‪109‬‬


‫ّ‬ ‫ولكن ذروة نتائج‬ ‫ّ‬ ‫التغيرات كانت في‬ ‫ّ‬ ‫ثورة الطالب ‪1968‬‬ ‫التي بدأت في فرنسا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وامتد ّ‬ ‫التغير الثق ّ‬ ‫افي‬ ‫ّ ّ‬ ‫الذي ولدته إلى جميع‬ ‫ّ‬ ‫وخاصة‬ ‫املجاالت‬ ‫الثقافية باعتبار أنّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الجامعي في‬ ‫املسرح‬ ‫باريس كان شعلة‬ ‫لتلك الثورة‪ ،‬وال‬ ‫يمكن إهمال تأثير ّ‬ ‫كل ذلك في العالم بشكل‬ ‫مباشر‪ ،‬من اليابان – طبعا ‪ّ -‬‬ ‫وحتى الواليات‬ ‫ّ‬ ‫املتحدة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وفي الدول‬ ‫العربية‪ ،‬التي نال أكثرها خالل تلك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫االجتماعية‬ ‫التحوالت‬ ‫الفترة استقالله‪ ،‬بدأت‬ ‫ّ‬ ‫تموج في قلبها‪ ،‬حتى ُ‬ ‫صدمت شعوبها ‪ -‬وخاصة‬ ‫في محيط فلسطين ‪ -‬بالهزيمة التي كشفت عن‬ ‫أكاذيب األنظمة وحجم املأساة‪ّ ،‬‬ ‫مما ّ‬ ‫حرك‬ ‫ّ‬ ‫الفكر وجعل سعد هللا ونوس يطرح من جهته‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫السياسية "حفلة سمر من أجل‬ ‫مسرحيته‬ ‫خمسة حزيران" ُبعيد النكسة‪ّ ،‬‬ ‫ولكن املسرح‬ ‫ّ‬ ‫وظلت في ّ‬ ‫ّ‬ ‫حيز النخبة؛ في‬ ‫الرسمي احتواها‬ ‫ّ‬ ‫التجارية بعيدة‬ ‫الوقت الذي بقيت املسارح‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عن ساحة الفكر عموما‪ ،‬فهذه ظلت تقدم‬ ‫مفرداتها من األلفاظ والحركات املضحكة أو‬

‫الجنسية فتجلب إلى ّ‬ ‫ّ‬ ‫شباكها من‬ ‫التلميحات‬ ‫يدفع مقابل ذلك‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫السوري‪،‬‬ ‫في توصيف تلك الفترة من املسرح‬ ‫قال ّ‬ ‫الفنان عمر ّ‬ ‫حجو في حوار معه نشر في‬ ‫ّ‬ ‫اإللكتروني‪ :‬في‬ ‫‪ 2010-6-5‬على موقع "نوح"‬ ‫عام ‪ّ 1961‬‬ ‫ّ‬ ‫تأسس املسرح القومي بدمشق‬ ‫وبدأ ّ‬ ‫ّ‬ ‫مسرحيات مترجمة للقليل من‬ ‫يقدم‬ ‫جمهور النخبة ّ‬ ‫املثقفة؛ وكان هنالك مسرح‬ ‫ّ‬ ‫فك ُ‬ ‫ّ‬ ‫تجار ّي‬ ‫رت أن أعمل‬ ‫شعبي بدون مضمون‪.‬‬ ‫بين االثنين‪ ،‬كيف؟ أن ّ‬ ‫أقدم اختصارا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫املكونة من بداية وعرض‬ ‫للمسرحية‬ ‫ّ‬ ‫وحل‪ّ ،‬‬ ‫الشخصيات وحبكة وعقدة ّ‬ ‫كل ذلك‬ ‫ّ‬ ‫مسرحية)‪ ،‬وفعال‬ ‫أختصره إلى (صندويشة‬ ‫قد ُ‬ ‫ّ‬ ‫مت في عام ‪ 1969‬تجربة أولى على مسرح‬ ‫ّ‬ ‫السوفياتي في نصف ساعة‬ ‫املركز الثقافي‬ ‫نموذج ّ‬ ‫مكون من ‪ 7‬لوحات‪ّ ،‬‬ ‫ثم في عام ‪1970‬‬

‫‪110‬‬


‫ولكن‪ ،‬ما لم يذكره ّ‬ ‫الفنان‬ ‫ّ‬ ‫حجو هو ّأن دريد‬ ‫ّ‬ ‫لحام استولى على‬ ‫هذا املسرح‬ ‫الناش ئ وبدأ‬ ‫ّ‬ ‫يوجهه إلى‬ ‫انتقاد‬ ‫املواطن‪،‬‬ ‫بدل فضح‬ ‫السلطة‬ ‫التي ُهزمت‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫حتى وصل إلى‬ ‫ّ‬ ‫مسرحية "ضيعة‬ ‫وامتدح‬ ‫تشرين"‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫"االنتصارات" ونال بندقية كهدية من‬ ‫رفعت األسد على خشبة املسرح‪ُ ،‬منهيا بذلك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫جوهرية حول‬ ‫أي أثر ملسرح يطرح أسئلة‬ ‫واقعه‪ ،‬فما بالك بمستقبله!‬ ‫وصحيح ّأن مسرح الشوك ينتمي إلى املسرح‬ ‫السياس ّي من ناحية املضمون‪ّ ،‬‬ ‫لكن محاولة‬ ‫الدكتور رياض عصمت تصنيفه بما يشبه‬ ‫نماذج ّ‬ ‫غربية مثل مسرح (الشانسونيه) أو‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الوثائقي‪،‬‬ ‫كالتسجيلي‬ ‫غير من التصنيفات‬ ‫كانت غريبة‪ ،‬بل وغير دقيقة؛ في الحقيقة لو‬ ‫شاهدت بعضا من لوحات مسرح الشوك‬ ‫ُ(متاح على اليوتيوب) فستجد ّ‬ ‫بأنها ال تشبه ما‬ ‫ذكره الناقد عصمت أو غيره‪ .‬فإن كانت بعض‬

‫ّ‬ ‫قدمناه ضمن مهرجان‬ ‫ّ‬ ‫املسرحي‬ ‫دمشق‬ ‫ّ‬ ‫األول عرضا‬ ‫باسم مسرح‬ ‫الشوك‪،‬‬ ‫وقيل بعد‬ ‫تقديمه‬ ‫ّ‬ ‫"إنه نقلة‬ ‫ّ‬ ‫نوعية في‬ ‫املسرح" في‬ ‫الحقيقة‬ ‫"الحاجة أمّ‬ ‫ّ‬ ‫كنا‬ ‫االختراع"‬ ‫بحاجة لهكذا مسرح‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫بمقولة الضرورة أنهى حجو رأيه عن‬ ‫ّ‬ ‫قصة تأسيسه ملسرح الشوك‪ّ ،‬‬ ‫وممن عمل‬ ‫أيضا في مسرح الشوك‪ :‬نهاد قلعي ‪ -‬رفيق‬ ‫السبيعي ‪ -‬أحمد ّأيوب ‪ -‬أحمد قنوع ‪ -‬عمر‬ ‫قنوع ‪ -‬ياسين ّبقوش ‪ -‬عدنان بركات ‪ -‬أحمد‬ ‫قبالوى ‪ -‬إنعام الصالح ‪ -‬طلحت حمدي ‪ -‬ناجي‬ ‫جبر ‪ -‬مظهر الحكيم ‪ -‬زياد مولوي ‪ -‬هدى‬ ‫شعراوي‪ ،‬وغيرهم‪ .‬وبالفعل ّ‬ ‫تحول مسرح‬ ‫الشوك في عروضه‪ ،‬ومنها "مرايا وجيرك" و‬ ‫"براويظ" إلى مدرسة ّ‬ ‫فن ّية جديدة في نهاية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الست ّ‬ ‫السبعينيات من مسيرة‬ ‫ينيات وبداية‬ ‫املسرح في سورية‪.‬‬

‫‪111‬‬


‫يعترف به النظام‪ ،‬الذي ّرد بالقتل ّ‬ ‫ثم القتل؛‬ ‫فأين من هذا ما كان ُيعرض على املسرح؟!‬ ‫لقد أصبحت الفرجة على ما ُي ّ‬ ‫صور من‬ ‫ّ‬ ‫جم ّ‬ ‫ّ‬ ‫السلمية أو على‬ ‫اليات التظاهرات‬ ‫بشاعات ما يقوم به النظام من إبادة للشعب‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الرسمي مسخرة أمام صدق صور‬ ‫وبدا اإلعالم‬ ‫ّ‬ ‫السوريين عن أنفسهم‬ ‫الثوار‪ ،‬وال ينفي دفاع‬ ‫ّ‬ ‫ضد النظام فيما بعد بالسالح حقيقة سلميةّ‬ ‫خروجهم طلبا ّ‬ ‫لحريتهم وكرامتهم؛ فكيف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫سيتناول‬ ‫خاصة املسرح – هذه‬ ‫الفن –‬ ‫الثورة؟‬ ‫يمكن أن نستفيد من ّ‬ ‫كل التجارب‪ ،‬من مسرح‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫وامللحمي‬ ‫الظل ومن مسرح العبث‬ ‫خيال‬ ‫ّ‬ ‫والشوك و‪ ،...‬ولكن مسرح الغد هذا‪ ،‬سيكون‬ ‫مختلفا تماما عن ّ‬ ‫كل ما سبقه‪ ،‬فاملزيج‬ ‫سيخلق مسرحا جديدا‪.‬‬

‫اللوحات ذات مضمون سياس ّي مباشر مثل‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫الصيادين‪ ،‬حيث يطلب من العرب أن‬ ‫لوحة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يوحدوا اتجاه بنادقهم إلصابة العدو (الضبع‬ ‫أو الوحش) فال يفعلون‪ .‬ولكن في لوحة أخرى‬ ‫ُيدين املواطن (لوحة حجز التذاكر) الذي ال‬ ‫ينتظم في الدور وال ّ‬ ‫يتقيد باألوامر فيبدو ّأن‬ ‫املواطن هو سبب املشاكل! وهذا ال يشبه ّ‬ ‫حتى‬ ‫مسرح (الكباريه) السياس ّي‪.‬‬ ‫في إحدى آخر محاوالت ّ‬ ‫الفنان ّ‬ ‫حجو إلعادة‬ ‫إحياء مسرح الشوك بداية عام ‪ّ ،2011‬‬ ‫شجع‬ ‫مجموعة من الهواة على إعادة تقديم تلك‬ ‫ّ ّ‬ ‫حتى أنه جلب أشرطة (فيديو)‬ ‫اللوحات‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ليطلعوا عليها‪ ،‬ثم دعا دريد لحام ليحضر‬ ‫ّ‬ ‫ويقدم مبلغا من املال إليهم! وكان العرض‬ ‫يشبه علكة مستعملة فقدت ّ‬ ‫كل ش يء وبقي‬ ‫منها القرف‪.‬‬ ‫عندها‪ ،‬كانت مظاهرات الثورة تنتشر في كلّ‬ ‫مكان من سورية صانعة ّ‬ ‫ّ‬ ‫اجتماعيا لم‬ ‫تحوال‬

‫بشار فستق‬ ‫خمرج مسرحي سوري يقيم يف أملانيا‬

‫‪112‬‬


‫أمحد رائد‬

‫حسين برو‬ ‫وتمثل تجربة الفنان أحمد رائد واحدة من هذه التجارب‬ ‫التي تعتمد اإلنسان والوجه بشكل خاص مادة ومختبراً‬ ‫وبؤرة لصنع لوحة معاصرة‪ .‬والوجه في تجربة الفنان‬ ‫أحمد رائد يخضع إلضاءة نفسية تتأتى من خطوط‬ ‫بسيطة على خلفية لونية تحتفي بتشكله وحضوره‬ ‫الرمزي والتعبيري‪.‬‬

‫يقول هنري ماتيس‪" :‬كثير من الهموم تنغص علينا حياتنا فال تحتاج اللوحة ألن تزيدنا غما‪ ،‬ناهيك‬ ‫أن هناك فرحا مبتذال عاهرا‪ ،‬وهناك غبطة ذوقية رهيفة تبعث على االطمئنان وهو البديل عن‬ ‫الحرب‪ .‬إذا اللوحة شاهد على املأساة وبديل عنها"‪.‬‬

‫‪113‬‬


‫كانت حصة الرسم‪ ،‬تشبه الحصة التي بدون‬ ‫مدرس‪ ،‬حيث أن العادة درجت على تكليف‬ ‫املدير أو املوجهة أو أمين السر أو مسؤول‬ ‫الوحدة الطالئعية أو الشبيبية بهذه‬ ‫الحصص الدرسية‪ ،‬مثلها مثل حصة‬ ‫الرياضة أو املوسيقا‪ ..‬وحتى هو ذاته ال يدعي‬ ‫أن عالقته مع التشكيل واللون كانت فطرية‪،‬‬ ‫فلم يجد نفسه فجأة يبدع بتشكيل أشكال‬ ‫مختلفة عما يبدعه أبناء جيله‪ ،‬لم يولد‬ ‫وموهبة الرسم عنصرا أصيال في جيناته!‬

‫هذا هو حال الفنان السوري أحمد رائد الذي‬ ‫يحاول رغم مساحة القهر الكبيرة التي‬ ‫تحاصره في منفاه أن يرسم ويرسم ويرسم كي‬ ‫يقول لنفسه ولآلخرين أن الحياة مستمرة‬ ‫وأنه علينا أن نقدم لها ما يليق بها من جمال‪.‬‬ ‫لم تالحظ عائلته اهتمامه باللون وبتشكيل‬ ‫البياض ليغدو شيئا مختلفا‪ ،‬وال حتى‬ ‫معلمات الرسم في املرحلتين اإلعدادية‬ ‫واالبتدائية‪ ،‬لم يشدهن ما يخربش به على‬ ‫دفتر الرسم‪ ،‬إذ أنهن جعلن األطفال يكرهون‬ ‫البيت الريفي مع الجبل والنهر من كثرة ما‬ ‫أجبروهم على رسم ذات املنظر الطبيعي‪،‬‬ ‫ليتفرغن للحياكة أو احتساء القهوة‪ ،‬فلطاملا‬

‫كانت تستوقفه لوحات اآلخرين وهي معروضة‬ ‫على حيطان املدرسة‪ ،‬أو في فاترينات املحالت‬ ‫املخصصة لبيع اللوحات الفنية‪ ،‬طاملا كانت‬

‫‪114‬‬


‫ربما كان حظه جيدا‪ ،‬ربما كما تقول جداتنا‪:‬‬ ‫(كانت أمه راضية عنه) ليكون أستاذه في مادة‬ ‫اإلعالن الفنان ألبير كندورة‪ ،‬الذي نشأت‬ ‫خالل مرحلة التزامه باملعهد عالقة فنية من‬ ‫نوع مختلف بينهما‪ ،‬فجر األستاذ بطالبه‬ ‫مكامن اإلبداع‪ ،‬وتلقف الطالب من معلمه‬ ‫الوصفة السحرية لخلق الجمال عبر اللوحة‪،‬‬ ‫جمال ال يمكن أن يتشكل دون وعي بأهمية‬ ‫الجمال‪ ،‬ووعي بالتعامل مع الخيال بحرية‪،‬‬ ‫دون قيود مدرسية‪ ،‬ودون تقاليد صارمة‪،‬‬ ‫ودون االنسياق مع الحالة القطيعية‪ .‬وهنا‬ ‫اكتشف أحمد كيف يمكن أن يستفيد من‬ ‫اآلخر وبذات الوقت يبدع ما ينتجه هو‪..‬‬

‫تسحره األلوان وهي تتشكل فضاء جديدا من‬ ‫لون ورسم‪ ،‬ولطاملا حلم أن يرسم على الفراغ‬ ‫ما يخطر بباله من أحالم ورؤى وتصورات‪..‬‬ ‫هنا بدأت لعبة األلوان والفراغ تستهويه‪ ،‬وبدأ‬ ‫بالبحث عن سبيل ما يجعله يبدع جمال‬ ‫خياله الخاص بعدما ّ‬ ‫شدته لعبة الجمال‬ ‫ليدخل ميدانها دون تخطيط مسبق‪ ،‬وال نوايا‬ ‫أنوية‪ ،‬ذاتوية‪ ،‬تتلخص بحب البروز والشهرة‪،‬‬ ‫كان ّ‬ ‫جل ما يبحث عنه البحث عن طريقة لفك‬ ‫سحر الجمال الذي ركبه وما استطاع عنه‬ ‫فكاكا‪.‬‬ ‫كان مركز فتحي محمد للفنون التشكيلية‬ ‫فرصة ألحمد كي يبحث عن فضاء يستطيع‬ ‫من خالله أن يتعامل مع تميمة الجمال التي‬ ‫هيمنت عليه‪ ،‬مبلغ مالي بسيط يستطيع‬ ‫تأمين ه بأي طريقة كانت‪ ،‬ومساحة مفتوحة‬ ‫ليمارس من خاللها لعبته املفضلة بتشكيل‬ ‫البياض بعلب األلوان ليخلق شكال جديدا‬ ‫ومختلفا‪ ،‬رغم علمه أن هذا املكان محكوم‬ ‫بعقلية مؤسسات الدولة التي تهتم أكثر ما‬ ‫تهتم بخلق أصناف من الفنانين تمجد القائد‬ ‫الفرد أكثر مما تسمح لفضاء الجمال أن ينمو‬ ‫حرا كطير باشق يشق الفضاء‪ ،‬ومع ذلك كان‬ ‫ال بد أن يبدأ تجربته من هنا‪ ،‬وأن يبحث‬ ‫لنفسه عن درب مختلفة يكون فيها هو‪،‬‬ ‫ويكون فيها لريشته بصمة خاصة‪ ،‬تحكمها‬ ‫قيم الحرية والجمال التي يعشق‪.‬‬

‫حينما تسمعه يتحدث عن أستاذه ألبير‬ ‫كندورة وكأنك في حضرة صوفي ينشد أشعاره‬ ‫وهو يصعد درجات التماهي مع الجمال‬ ‫املطلق‪ ...‬يذكر أنه كان كثيرا ما يزوره في‬ ‫مرسمه األنيق‪ ،‬وكيف كانا معا يجربان كثيرا‪،‬‬ ‫ويرسمان كثيرا‪ ،‬ويحاوالن عمل مشاريع‬ ‫جديدة‪ ،‬ما كان هدفهما التحضير ملعرض ما‪،‬‬ ‫وال تجهيز لوحات قابلة للبيع‪ ،‬كان الهدف‬ ‫أمامهما هو كسر كل التقاليد القواعدية لفن‬ ‫الرسم وخلق فضاءات جديدة تستطيع‬ ‫اللوحة من خاللها أن تتنفس حرية الفنان‪.‬‬ ‫لم يكمل أحمد مرحلته الدراسية الكاملة في‬ ‫مركز فتحي محمد‪ ،‬إذ أنه شعر أن ما يرغب‬

‫‪115‬‬


‫أن يكتشفه‪ ،‬قد اكتشفه‪ ،‬وأن ما‬ ‫تبقى من تعليم وتطوير لألدوات‪،‬‬ ‫مسؤول عنه هو لوحده بتعامله مع‬ ‫العالم من جهة‪ ،‬ومع ذاته كفنان في‬ ‫تحد حقيقي لخلق الجمال‪،‬‬ ‫وتشكيل البياض لوحة تقول ما‬ ‫تريد روحه التواقة للجمال أن‬ ‫تقوله‪.‬‬ ‫في عام ‪ 2003‬وحين حاول مجموعة‬ ‫من طالب جامعة حلب أن يبدعوا‬ ‫شكال جديدا في رسم االحتجاجات‬ ‫املدنية السلمية‪ ،‬فدعوا‪ ،‬ونفذوا‬ ‫اعتصاما مفتوحا في ساحة جامعة‬ ‫حلب‪ ،‬أمام مدرج كلية الطب‬ ‫الكبير‪ ،‬والذي استمر ملدة خمسة‬ ‫عشر يوما متتالية دون توقف ال‬ ‫نهارا وال ليال‪ ،‬أذكر أنه في اليوم‬ ‫الرابع أو الخامس جاء على‬ ‫االعتصام شاب نحيف أسمر‪ ،‬يلبس نظارات‬ ‫طبية‪ ،‬يحمل "سيبة" للرسم‪ ،‬وحقيبة فيها‬ ‫"ماسورات" األلوان‪ ،‬وقال بخجل‪ ،‬ولكن بثقة‬ ‫كبيرة‪ ،‬هل يمكنني املشاركة في هذا االعتصام‬ ‫عبر الرسم‪ ،‬كانت فرحة املعتصمين كبيرة أن‬ ‫يبدأ اآلخرون ودون دعوة بمشاركة هذا‬ ‫الفعل االحتجاجي‪..‬‬

‫نصب أحمد "السيبة" وأخذ بصمت رافقه‬ ‫طيلة أيام مشاركته‪ ،‬يرسم‪ ،‬ويخلق من بياض‬ ‫اللوحة عمال فنيا يض بالحياة‪ ،‬كان فقط‬ ‫يتبادل القليل من الكالم مع زميل فنان‬ ‫تشكيلي كان يلعب معه لعبة خلق الجمال‪ ،‬أو‬ ‫مع بعض الجمهور واملدهوش بهذا الفعل‬ ‫املدني املعجون بالحرية ولغة الجمال‪ ..‬وفي‬ ‫اليوم الذي هجمت فيه قطعان الشبيحة من‬ ‫بعثيي جامعة حلب‪ ،‬ودمرت كالجراد كل ما‬

‫‪116‬‬


‫أنتجه املعتصمون من رسم وكاريكاتير‬ ‫وكتابات على كرتون معلق على الجدران‪،‬‬ ‫بهمجية ال يستطيع تخيلها أحد‪ ،‬كانوا وكأنهم‬ ‫يخافون من الجمال‪ ،‬ومن تفاصيل الحرية‬ ‫البسيطة التي بدأ يتنفسها البشر في محيط‬ ‫كانت تهيمن عليه قيم الفرد املستبد الذي ال‬ ‫ّ‬ ‫يمكن أن يتصور شيئا ما يتشكل خارج دائرة‬ ‫طغيانه‪ .‬يومها التهم الجراد البعثي لوحات‬ ‫أحمد وزميله‪ ،‬وكسروا "سيبة" الرسم‪ ،‬والتي‬ ‫عرفنا فيما بعد أن أحمد قد استعارها من‬ ‫أحد الباعة في حلب على أن يعيدها له بعد‬ ‫حين‪ ،‬وأنه اضطر فيما بعد ليدفع ثمنها من‬ ‫جيبه الخاص وبالتقسيط ودون أن يطالب‬ ‫املعتصمين بأي تعويض عن الضرر الحاصل‪.‬‬

‫لذا شارك في مجموعة من املعارض الجماعية‬ ‫كمعرض شتاء حلب في صالة الخانري بحلب‬ ‫في عام ‪ ،2005‬واملعرض املقام بحلب في العام‬ ‫‪ 2007‬بمناسبة اعتماد حلب كعاصمة‬ ‫للثقافة اإلسالمية في ذلك العام‪ ،‬ومشاركته‬ ‫في ورشة العمل مع الفنانة السويسرية كلير‬ ‫دومبل في العام ‪ 2007‬أيضا‪ ،‬ليقدم لجمهوره‬ ‫ومتابعيه معرضه الفردي الثالث في العام‬ ‫‪ 2008‬والذي أقامه في صالة عشتار في‬ ‫دمشق‪ .‬ليأت بعده معرضه الفردي الرابع‬ ‫واألخير‪ ،‬والذي يعتبره حالة مفصلية مهمة في‬ ‫تجربته الفنية‪ ،‬والذي كان في كان في صالة‬ ‫كارما بحلب برعاية من القنصلية الفرنسية‬ ‫فيها‪ ،‬وذلك في العام ‪.2010‬‬

‫في عام ‪ 2004‬وفي صالة الخانري بحلب أقام‬ ‫أحمد معرضه الفردي األول‪ ،‬حمل املعرض‬ ‫كل هواجسه‪ ،‬كل قلقه‪ ،‬كل دأبه في بحثه عن‬ ‫لحظة اقتناص الجمال عبر التشكيل‪ ،‬ال‬ ‫شك‪ ،‬وكأي فنان فرح أحمد بأعماله وهي‬ ‫ُ‬ ‫تعرض لآلخرين‪ ،‬فرح بإعجاب اآلخرين‪ ،‬وفرح‬ ‫أكثر بانتقاداتهم‪ ،‬وتجلى قلقه بلغة فنية‬ ‫جديدة قدمها عبر لوحاته في معرضه الفردي‬ ‫الثاني عام ‪ 2005‬في صالة سرمد بحلب‬ ‫أيضا‪ ،‬بعدها توقف قليال عن تقديم نفسه في‬ ‫معارض فردية‪ ،‬كان يشعر أن كل معرض‬ ‫فردي يجب أن يقول جديدا‪ ،‬ويجب أن يشكل‬ ‫نقلة جديدة وأدوات جديدة في خلق الجمال‪،‬‬

‫ال يدعي أحمد أنه يملك مشروعا فنيا‬ ‫متكامال‪ ،‬بل‪ ،‬ربما هو يرفض أن يعتبر نفسه‬ ‫مرهونا ملشروع واحد محدد‪ ،‬وال يقبل كثيرا‬ ‫أن يكون ابن مدرسة فنية بعينها‪ ،‬يقول أن‬ ‫طموحه الفني‪ ،‬وبحثه الدائم عن قول ما يريد‬ ‫عبر اللوحة هو ما يهيمن عليه‪ ،‬وهو ما يقوده‬ ‫نحو الرسم من جديد‪ ،‬يحاول أحيانا أن‬ ‫يستفيد من الهندسة‪ ،‬من تناظر األشياء‪،‬‬ ‫وأحيانا أخرى يبحث عن املدى املفتوح في‬ ‫تشكيل اللوحة‪ ،‬إلى الحد الذي تشعر فيه‬ ‫وكأن األلوان تتماهى مع بعضها بانسيابية‬ ‫تجعل املشاهد يقرأ اللوحة بأكثر من طريقة‬ ‫وطريقة‪ ،‬ربما العالقات الحية والداخلية‬

‫‪117‬‬


‫ما تشعر به في هذا العالم رغم صمتها‬ ‫الظاهري‪.‬‬

‫لألشياء واألشكال مندمجة مع القلق الروحي‬ ‫والهاجس الفني‪ ،‬وتداخل عالقة هذه األمور‬ ‫مع بعضها‪ ،‬هو ما يشكل العمل الفني عند‬ ‫أحمد‪ ،‬هي حالة معقدة‪ ،‬ال تستوي ضمن‬ ‫نمطية ما‪.‬‬

‫اهتم كثيرا برسم الوجوه‪ ،‬يقول إنه أحب‬ ‫الوجوه ورسمها عندما شاهد لوحات الفنان‬ ‫السوري مروان قصاب باش ي‪ ،‬وازداد هذا‬ ‫الحب عنده عندما تعرف على املدرسة‬ ‫األمريكية الحديثة في رسم الوجوه‪ ،‬واشتغل‬ ‫كثيرا على هذا الجانب‪ ،‬يقول عنه الفنان‬ ‫عصام درويش‪" :‬سجل االهتمام بالبورتريه‬ ‫مكانة خاصة بالفن السوري الحديث‪ .‬ويمكن‬ ‫القول إن الوجه اإلنساني كقيمة تعبيرية‬ ‫عالية كان وما يزال هاجس الكثيرين من فناني‬

‫تعامل أحمد مع عالم الطبيعة الصامتة في‬ ‫بداياته‪ ،‬لكنه لم يتجه لرسم الطبيعة‬ ‫الصامتة بشكلها التقليدي‪ ،‬بل اندفع ليرسم‬ ‫األشياء بكل صخب العالم الذي يحيط بها‪،‬‬ ‫حتى ليمكننا القول إن صمت األشياء في‬ ‫لوحته يتجلى لعين املتلقي صخبا هادرا‪ ،‬تقول‬

‫‪118‬‬


‫ويرسم دون كلل وال ملل‪ ..‬ال يمكن أن يتصور‬ ‫نفسه دون اللوحة واأللوان‪ ،‬يقول‪ :‬خريف‬ ‫آخر‪ .‬ش يء ما يشبهنا لعله ذاك القابع على‬ ‫سطح القماش‪ .‬مؤلم أن تعيش بدون رائحة‬ ‫التربنتين‪ .‬أن تكون بدون حلب"‪..‬‬

‫سورية‪ ،‬وتمثل تجربة الفنان أحمد رائد‬ ‫الشابة واحدة من هذه التجارب التي تعتمد‬ ‫اإلنسان والوجه بشكل خاص مادة ومختبرا‬ ‫وبؤرة لصنع لوحة معاصرة‪ .‬والوجه في تجربة‬ ‫الفنان أحمد رائد يخضع إلضاءة نفسية تتأتى‬ ‫من خطوط بسيطة على خلفية لونية تحتفي‬ ‫بتشكله وحضوره الرمزي والتعبيري‪ ،‬وتمثل‬ ‫هذه البساطة نفسها في حضور الخطوط‬ ‫واأللوان متمما الختبارات أعمق في صياغة‬ ‫الشكل‪ ،‬والسعي نحو خلق خلطات تلمح‬ ‫تاريخ وجودها في تلك الطبقات فوق بعضها‪،‬‬ ‫والتي تمثل تاريخا لخلق اللوحة‪ .‬وأيضا تعزيزا‬ ‫لحضور املعنى الذي يكمن وراء كل هذه‬ ‫الجماليات على السطح"‪.‬‬

‫املمر في منزل أحمد الصغير القابع في أحد‬ ‫األحياء الشعبية في مدينة إسطنبول محجوز‬ ‫لكثير من اللوحات املنجزة والتي ال تجد من‬ ‫يمنحها الفرصة لترى الضوء وتحاكي عين‬ ‫املشاهد‪ ،‬وكأن يقول مع عبقري السينما‬ ‫أندريه تاركوفسكي‪" :‬املرء ال يحتاج إلى الكثير‬ ‫ليكون قادرا على العيش‪ .‬الش يء الجوهري هو‬ ‫أن تكون حرا في عملك‪ .‬طبعا من املهم أن‬ ‫تطبع كتابك أو تعرض لوحاتك‪ ،‬لكن إذا لم‬ ‫يكن ذلك ممكنا‪ ،‬فإن لديك أهم ش يء‪ :‬القدرة‬ ‫على العمل دون أن تطلب إذنا من أحد"‪.‬‬

‫اليوم يعيش أحمد في إسطنبول التركية‪،‬‬ ‫ويعمل في ورشات التطريز ليحصل ما يمكنه‬ ‫أن يكفي به قوت عائلته‪ ،‬وما زال يرسم‬

‫أحمد رائد‪ ،‬فنان تشكيلي من مدينة حلب‪ ،‬تولد العام ‪ .1977‬درس في‬ ‫مركز فتحي محمد للفنون التشكيلية بحلب‪ ،‬تفرغ منذ العام ‪2003‬‬ ‫للعمل الفني‪ .‬يعيش حاليا في مدينة إسطنبول التركية‪.‬‬

‫‪119‬‬


120


121


122


‫كن عاشق ًا للرّيح‬ ‫علي حممد شريف‬

‫كن مشرقًا وقت الغياب‬ ‫كن شاهدًا حيًّا على دمع القرنفل‬ ‫واحتطب خوف اإلياب‬ ‫احمل مظلتك األنيقة‬ ‫واتّئد‬ ‫في موتك الموقوت‬ ‫أمطر حيث شئت‬ ‫يكون عشبك ملهمًا للماء والموتى‬ ‫وأرباب التراب‬

‫‪123‬‬


‫كن عاشقًا‬ ‫كي ترتقي درج الحقيقة‬ ‫دونما ضجرٍ‬ ‫ودون قذيفة مشفوعةٍ ببذاءة الجنديّ‬ ‫تحتاج ابتسامتها ومرفقها‬ ‫لتعبر برزخًا ما بين موتين‬ ‫وبابًا الحتمال الورد‬ ‫تحرسه الذئاب‬

‫كن موقنًا بالبحر‬ ‫ال تأمن لغيمٍ عابرٍ‬ ‫أو تنتظر‬ ‫مطرًا مزاجيًّا يقرّره السحاب‬ ‫كن عاشقًا للريح‬ ‫فاألسماء تأفُلُ والنجوم البيض‪،‬‬ ‫واألحالم تأفلُ‬ ‫والخطايا والبالد‬ ‫فمن سيشعل قرب نعشك شمعة‬ ‫الميالد‬ ‫من سيقول للنوتيّ مهالا‬ ‫كي تمرّ قوارب الدّفلى‬ ‫ومن سيدسّ أزهار البنفسج بين‬ ‫طيّات الكفن‬ ‫ويعيد لك‬ ‫ما كان يحمل أوّلك‬

‫كن عاشقًا‬ ‫فالريح ذاكرة المرافئ‬ ‫قبلة العاصي‪ .‬وسادة متعبٍ من موته‬ ‫البخس‪.‬‬ ‫انتماء‪.‬‬ ‫تحتاج رقّتها لتغدو مترفًا بالماء‬ ‫والحلوى‬ ‫فكن ظالًّ لقلبك حين يُشرق بالنداء‬ ‫وحين يهدل باسمها‬ ‫والريح أنثى تستردّ الحزن‬

‫‪124‬‬


‫من نايٍ تكسّر‬ ‫وحدها من تستعيد‬ ‫الليل لألرض اليباب‬ ‫كن واضحًا كالليل‬ ‫أنت اآلن أوسع‬ ‫من مداك‬ ‫هذا قرارك أن‬ ‫تموت‬ ‫وأن أترجم رغبة‬ ‫األحياء في لغةٍ‬ ‫تحيد عن المجاز‪،‬‬ ‫وقل كالمًا ال يغادر متنهُ‬

‫ال شأن للعادي‬ ‫في نصٍّ يجاوز ضفتيه ويُغرق المعنى‬ ‫بزهر االرتياب‬

‫علي حممد شريف‬ ‫شاعر وحمام سوري له أكثر ممن جمموعة شعرية‪ ،‬يهتم بقضايا حقوق اإلنسان‪.‬‬ ‫مقيم يف تركيا‪.‬‬

‫‪125‬‬


126


‫ملن نكتب اليوم؟‬ ‫مصطفى أمحد‬

‫إلى أي سر تحب أن يمض ي عمرك يا‬ ‫محمود؟‬ ‫وإلى أي حالة مطر غامض تمض ي؟‬ ‫وكم تستطيع‪ ،‬اآلن‪ ،‬أن تصمد أمام‬ ‫مفردات لغتك؟ وإلى أي مدى؟؟؟‬ ‫وماذا ستفعل؟ والعمر ّ‬ ‫يساقط منك‬ ‫ّ‬ ‫كالشعر‪ ،‬ومطر الشتاء يتواطأ مع آخر‬ ‫العمر يا محمود!‬ ‫ماذا جرى ملحمود؟ ذاك الذي صرخ يوما‪:‬‬ ‫يا أيها البطل انكسر فينا؛ لكي ال ننكسر‬ ‫وماذا جرى لي أيضا؟‬ ‫وما هذا التعب الذي انتابني كلما نظرت‬ ‫إليك؟ وما هذا الوجع‪...‬؟‬ ‫كم فعلت بنا في املاض ي القريب؟ وكم‬

‫‪127‬‬


‫ال يزال هناك من يستطيع إجهاض الخوف‬ ‫في أعماقه ولكن‪ ،‬أما زالت هي املهمة‬ ‫املستحيلة نفسها تلك التي تراودك حتى‬ ‫اآلن؟؟‬ ‫تنهال علينا كاملطر‪ ،‬كلمات كأنها تخرج من‬ ‫عمق األرض‪ ،‬فتصيبنا الدهشة والذهول‬ ‫ونفيق عاجزين أمام اللغة والصمت‪،‬‬ ‫ونعجز عن الهتاف‪ ،‬ونعجز عن البوح‪،‬‬ ‫ونبقى عاجزين‬ ‫ونعود إلى منازلنا كالفئران‪ ،‬نفترش أرض‬ ‫زوجاتنا‪ ،‬ونهرب وراء أوالدنا؛ لنحتس ي‬ ‫القبل؛ فيكون ذهابنا الدائم إلى قيلولتنا‬ ‫اململة املضجرة‪...‬‬ ‫ألن نكتب اليوم؟‬ ‫ملن نكتب اليوم؟‬

‫تفعل اآلن؟؟‬ ‫فضحك كتابك األخير‪ ،‬وفضحنا معك‪ .‬لم‬ ‫أقترب مثلك كثيرا من حواف العمر‪ ،‬لكني‬ ‫أنظر إليه اآلن‬ ‫ال تزال تتقن لعبة الحب‪ ،‬ومازالت رائحة‬ ‫الكستناء والقطن وطعم الزنجبيل تفوح‬ ‫في هواك؛ فانتبه‪ ...‬يا صديقي! ‪ ...‬وانتبه‪:‬‬ ‫فما برحت تعصر القلب؛ فينجب حليبا‬ ‫طازجا وياسمين‬ ‫ابحث عن الحب واألمل معنا‪ .‬هناك ظالم‬ ‫عاثر‪ ،‬وهناك خراب في النفوس‪ .‬ينتابنا‬ ‫الكره من أنفسنا‪ ،‬ونكره الناس‪ ،‬وهم‬ ‫يسرعون إلى حافالتهم‪ ،‬أو إلى منازلهم‪،‬‬ ‫قانعين‪ ،‬مستسلمين ألبسط األشياء‪،‬‬ ‫ونسأل ملن نكتب اليوم؟؟‬

‫مصطفى أمحد‬ ‫قاص سوري‪ ،‬رحل قبل أن يطبع جمموعته القصصية األوىل‪.‬‬

‫‪128‬‬


‫هل للكذب عيد؟‬ ‫هيئة التحرير‬

‫ال نعرف بالحقيقة ما هو الجذر األساس‪ ،‬أو املناسبة التي على إثرها تم اعتماد يوم األول من‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫نيسان‪ ،‬عيدا للكذب‪ ،‬ولكنها فعال قصة تثيرالكثيرمن التساؤالت‪ ،‬هل كان الكذب سائدا وكثيرا‬ ‫حتى تم اعتماد يوم واحد في السنة كي يتبارى الناس في اختراع الكذب؟ أم هل كان الكذب‬ ‫ً‬ ‫ممنوعا وغير متاح لذا تم منح رخصة لإلنسان كي يمارس ما هو ممنوع عليه في يوم محدد من‬ ‫ً‬ ‫السنة؟ هل الحقيقة متعبة دائما فتم ترخيص يوم لنمارس فيه كل ما نرغب من أكاذيب‬ ‫ومقالب؟‬ ‫ولكن ما يثير التساؤل اليوم‪ ،‬هل ما زال من الضروري أن يكون للكذب يوم وعيد‪ ،‬وهل من‬ ‫الضروري أن ننتظراألول من نيسان في كل عام لنكذب على راحتنا؟ ونحن نرى ونتابع أن الكذب‬ ‫بات سيد املوقف‪ ،‬فالكل يكذب على الكل عالنية ودون أن يرف له جفن‪ ،‬الحكومات تكذب على‬ ‫الشعب‪ ،‬والشعب يكذب على الحكومات‪ ،‬الرجل يكذب على زوجته‪ ،‬واألم تكذب على ابنتها‪،‬‬ ‫واألوالد يكذبون على املعلمة‪ ،‬واملعلم يكذب على التالميذ‪ ،‬دائرة ال متناهية من األكاذيب التي‬ ‫نعيشها كل يوم‪.‬‬ ‫رئيس األمم املتحدة يكذب حتى في قلقه‪ ،‬الدول الكبرى تكذب حتى في قيمها الدستورية العليا‪،‬‬ ‫الشيخ يكذب وهو ّ‬ ‫يروج للسلطان ولي األمرفي خطبته ووعظه‪ ،‬والخوري يكذب وهويلهج بالدعاء‬ ‫للحاكم الفاجروينفخ فيه روح القدس‪ ،‬الكل يكذب‪..‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫القاتل يصبح بطال‪ ،‬واملحتل يصبح صديقا‪ ،‬والطائفي البغيض مقاوما وممانعا‪ ،‬واللص‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫املحترف ثائرا وبطال‪ ،‬والتاجرمناضال مدنيا‪ ،‬وكاتب التقاريرشاعرا وروائيا!!!‬ ‫عالم قائم على الكذب‪...‬‬ ‫ومع هذا للكذب في هذا العالم عيد ويوم!!؟‬

‫‪129‬‬


‫من أعمال الفنان كيتو سينو‬ ‫‪130‬‬


131


132

3__  
3__  
Advertisement