Page 1

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة‬ ‫السنة الثالثة | ‪ 15‬أذار ‪2016‬‬

‫العدد‬

‫‪127‬‬

‫مبن نحتفل �أيّها ال�شاعر؟‬ ‫‪www.facebook.com/ZaitonMagazine | zaiton.mag@gmail.com | www.zaitonmag.com‬‬

‫يف الذكرى اخلام�سة للثورة‬ ‫املظاهرات تعود ل�سريتها الأوىل‬

‫بوتني يف �سوريا‪ ..‬اىل‬ ‫الوراء در‬

‫‪3‬‬

‫ما م�صري اجليل الأول يف‬ ‫خام�سة الثورة؟‬

‫‪4‬‬

‫معاوية �صيا�صنة‪..‬حروف‬ ‫على اجلدار فجرت الثورة‬

‫‪6‬‬


‫رأي‬

‫بوتني يف �سوريا‪� ..‬إىل الوراء د ّر‬ ‫تحرير زيتون‬ ‫تقاطع��ت التحلي�لات وتعقدت‬ ‫اآلراء ف��ي محاولة إضفاء ش��يء‬ ‫م��ن التوضي��ح عل��ى الخط��وة‬ ‫الروس��ية باالنس��حاب الغال��ب‬ ‫من س��وريا‪ ،‬التي ج��اءت مفاجأة‬ ‫للجميع وفق ما ظه��ر‪ ،‬بما فيهم‬ ‫األمريكيون أنفسهم‪ ،‬في الوقت‬ ‫ال��ذي ب��دا في��ه «المق��روء» في‬ ‫سياس��ة الكرملين الجديدة أكثر‬ ‫م��ن «الغام��ض» ه��ذه الم��رة‪،‬‬ ‫ال س��يما ف��ي المرحل��ة الحالي��ة‬ ‫الحساس��ة على مس��توى الملف‬ ‫السوري ككل‪.‬‬ ‫فقد ذهبت بعض التكهنات إلى‬ ‫أن أم��ور أخ��رى تخبأها موس��كو‬ ‫خلف الخط��وة التي وصفت بأنها‬ ‫«صاعق��ة» للنظ��ام الس��وري‬ ‫ب��كل المقاييس‪ ،‬وه��و ما تبدى‬ ‫بوض��وح م��ن خ�لال رص��د ردة‬ ‫فع��ل إعالمه الرس��مي على خبر‬ ‫االنس��حاب‪ ،‬الذي ب��دا فيه أنه لم‬ ‫يك��ن ‪ -‬تمام��ًا ‪ -‬بالتنس��يق م��ع‬ ‫بشار األس��د كما أعلنت موسكو‪،‬‬ ‫ف��ي تصريح وص��ف بأن��ه أقرب‬ ‫لـ»الدبلوماسي» ومن باب «حفظ‬ ‫م��اء الوجه» لألس��د ال أكثر‪ ،‬فيما‬ ‫م��ن المعروف عن إع�لام النظام‬

‫‪2‬‬

‫ترويجه ألي ح��دث قبل حصوله‪،‬‬ ‫ال سيما على مس��توى الخسارات‬ ‫الميدانية أو السياس��ية المتتالية‬ ‫في قاموسه‪.‬‬ ‫ففي حين رأت مصادر روس��ية‬ ‫أن قواعد اللعبة في العالم تتغير؛‬ ‫وأن العب الشطرنج الروسي لن‬ ‫يترك مواقعه مكش��وفة للخصم‬ ‫في أوض��اع جيوسياس��ية مثقلة‬ ‫بشتى االحتماالت‪ ،‬تبدو القراءات‬ ‫الواضحة لسلس��لة االصطدامات‬ ‫الدبلوماس��ية التي ظه��رت بين‬ ‫كب��ار مس��ؤولي روس��يا وأزالم‬ ‫النظام كمؤش��رات على الورطة‬ ‫الروس��ية الت��ي أحس به��ا الدب‬ ‫متأخ��راً‪ ،‬بع��د أن أيقن مس��ؤولو‬ ‫الكرملي��ن بأن اللعب بالنار كثيراً‬ ‫أمر ال ولن يخدم مصالح موسكو‬ ‫االستراتيجية طويلة األمد‪ ،‬وهي‬ ‫الش��غل الش��اغل لل��روس أكث��ر‬ ‫م��ن أي ش��يء أخ��ر‪ ،‬باعترافهم‬ ‫أنفسهم‪.‬‬ ‫سلس��لة االصطدامات المش��ار‬ ‫إليه��ا‪ ،‬والت��ي ب��دت كن��وع م��ن‬ ‫الطع��ن بالخل��ف من قب��ل االبن‬ ‫المدلل لموس��كو‪ ،‬بش��ار األسد‪،‬‬ ‫ومن خلفه الثل��ة الحاكمة‪ ،‬تأتي‬

‫بع��د أق��ل م��ن ‪ 48‬س��اعة على‬ ‫تصري��ح «كارث��ي» بالمفه��وم‬ ‫الدبلوماس��ي م��ن جان��ب وزي��ر‬ ‫خارجي��ة األس��د ولي��د المعل��م‪،‬‬ ‫مس��اء الس��بت الماض��ي‪ ،‬وق��ال‬ ‫فيه إن بش��ار األسد «خط أحمر»‬ ‫ومل��ك لمن وصف��ه بـ»الش��عب‬ ‫السوري»‪ ،‬مضيف ًا أنه ال انتخابات‬ ‫رئاس��ية وبرلمانية دون إش��راف‬ ‫نظامه‪ .‬كما أتت الخطوة الروسية‬ ‫بالتزامن مع تصريحات «مقززة»‬ ‫للكرملي��ن عل��ى لس��ان رئي��س‬ ‫وف��د األس��د لجني��ف وممثله في‬ ‫األمم المتحدة‪ ،‬بش��ار الجعفري‪،‬‬ ‫الذي قال فيها إنه ال يوجد ش��يء‬ ‫اس��مه «مرحلة حك��م انتقالي»‪،‬‬ ‫ولذلك لن يتم التفاوض بشأنها‪،‬‬ ‫فيم��ا اعتب��رت واش��نطن ه��ذه‬ ‫التصريحات اجهاض ًا للمفاوضات‪،‬‬ ‫وخرقا لتفاهماتها مع موسكو‪.‬‬ ‫بالتوازي م��ع ذلك‪ ،‬فالتفاهمات‬ ‫الروس��ية ‪ -‬األمريكي��ة ح��ول‬ ‫أوكراني��ا‪ ،‬وس��عي الكرملين درء‬ ‫هب��وب رياح حرب ب��اردة جديدة؛‬ ‫تمث��ل ل��دى غالبي��ة المراقبي��ن‬ ‫القاع��دة النظري��ة المتحرك��ة‬ ‫لقراءة الخطوات الروس��ية‪ ،‬التي‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 127‬أذار ‪2016‬‬

‫ال تف��ك االرتب��اط بي��ن المل��ف‬ ‫الس��وري والمل��ف األوكران��ي‬ ‫نفس��ه‪ ،‬حي��ث أن الن��د المقاب��ل‬ ‫واحد‪ ،‬وهو واشنطن‪ ،‬فيما تمثل‬ ‫ه��ذه الخطوة طعن��ة مماثلة من‬ ‫الخلف‪ ،‬ال ب��ل صفعة األب لالبن‬ ‫الي تمادى ف��ي دالله‪ ،‬في الوقت‬ ‫الذي راح فيه إعالم األس��د يروج‬ ‫لك��ون الخط��وة الروس��ية أت��ت‬ ‫بالتنس��يق م��ع رأس النظ��ام‪،‬‬ ‫في حي��ن أن األهمي��ة الكبرى ال‬ ‫تتب��دى بـ»التنس��يق» عملياتي��اً‪،‬‬ ‫بل بـ»س��حب» القوات والطيران‬ ‫المفاجئ‪.‬‬ ‫ربما هي سياسة الروس الذكية‬ ‫حالي��اً في الخ��روج م��ن العرس‬ ‫بالقلي��ل م��ن الحل��وى‪ ،‬كخطوة‬ ‫أفضل من الخروج بخفي حنين‪،‬‬ ‫فيما األس��د حاليا وجيشه المهترأ‬ ‫وحيدي��ن في الميدان‪ ،‬حيث بدأت‬ ‫أس��راب طائ��رات الـ»س��وخوي»‬ ‫ذات الثق��ل األق��وى‪ ،‬والت��ي‬ ‫أدت قب��ل غيره��ا خالل األش��هر‬ ‫القليلة الماضي��ة لتغيير موازين‬ ‫القوى لصال��ح النظ��ام بمغادرة‬ ‫«حميميم» في الالذقية إلى غير‬ ‫رجعة‪.‬‬


‫تقارير‬

‫يف خام�سة الثورة‪ ..‬ما م�صري اجليل الأول؟‬ ‫محمد فواز‬ ‫ل��م يكن يظ��ن أولئك الش��باب‬ ‫الذي��ن خرج��وا ف��ي أول��ى‬ ‫المظاهرات السلمية عام ‪،2011‬‬ ‫أن التظاه��رات س��تغير مس��يرة‬ ‫حياته��م بالكام��ل‪ ،‬فه��م خرجوا‬ ‫للمطالبة بإس��قاط النظام‪ ،‬على‬ ‫غرار إخوانهم في تونس ومصر‪،‬‬ ‫وبع��د دخ��ول الث��ورة الس��ورية‬ ‫عامها الس��ادس‪ ،‬تفرقت السبل‬ ‫بهؤالء الش��باب ليعيش كل منه‬ ‫ظروفُا مختلفة‪.‬‬ ‫كان الطلب األمني للمتظاهرين‬ ‫هو السبب الرئيس في تخفيهم‬ ‫مما اضطرهم لت��رك جامعاتهم‬ ‫ومدارس��هم وأعماله��م ليتخفوا‬ ‫م��ن ق��وات النظ��ام‪ ،‬وم��ع مرور‬ ‫األي��ام اختلف��ت طرقهم‪ ،‬فمنهم‬ ‫م��ن انض��م للعم��ل العس��كري‬ ‫ومنهم استمر بالعمل كإعالمي‪،‬‬ ‫والبع��ض اختار المجال الطبي أو‬ ‫اإلغاثي‪ ،‬ومنهم من قصد أوروبا‬ ‫بعد اضطرته ظروفه المعيش��ية‬ ‫لذلك‪.‬‬ ‫وف��ي ذك��رى الثورة الخامس��ة‬ ‫رص��دت زيت��ون قص��ص بعض‬ ‫من هؤالء الش��باب الذين تحدثوا‬ ‫ع��ن تجربته��م خ�لال الس��نوات‬ ‫الخم��س‪ ،‬وعن نقط��ة البدء في‬ ‫تغير حياتهم بالكامل‪.‬‬ ‫عب��د اهلل الحم��وي ال��ذي ب��دأ‬ ‫كمتظاهر س��لمي يرفع شعارات‬ ‫إس��قاط النظ��ام‪ ،‬يعم��ل اآلن‬ ‫كإعالمي مستقل في ريف حماة‬ ‫ي��روي لزيتون حكايت��ه «خرجت‬ ‫في أول��ى المظاهرات في مدينة‬ ‫حم��اة‪ ،‬ورغ��م اس��تهداف ق��وات‬ ‫األمن لنا بالرصاص الحي‪ ،‬بقيت‬ ‫مس��تمراُ بالتظاهر‪ ،‬وبعد دخول‬ ‫جي��ش النظ��ام للمدين��ة صارت‬ ‫المظاه��رات تخ��رج ف��ي األحياء‬ ‫خوف��ُا م��ن ق��وات األم��ن‪ ،‬عملت‬ ‫ف��ي تصوي��ر المظاه��رات ومن‬ ‫ثم رفعه��ا عل��ى االنترنت‪ ،‬وفي‬ ‫أح��د أي��ام الجمع��ة بع��د عودتي‬ ‫م��ن المظاه��رة الت��ي كانت في‬ ‫الحي المجاور للحي الذي أس��كن‬ ‫فيه‪ ،‬أوقفن��ي عناصر األمن وتم‬ ‫اعتقال��ي‪ ،‬بقي��ت معتق�ل ُ‬ ‫ا ف��ي‬ ‫فرع األمن العس��كري لمدة س��ت‬

‫ش��هور‪ ،‬رأيت فيها الموت بعيني‪،‬‬ ‫وبع��د خروج��ي م��ن المعتق��ل‬ ‫ل��م تزدن��ي ه��ذه الفترة س��وى‬ ‫تصميم��ُا عل��ى إس��قاط النظام‪،‬‬ ‫ولكن مع الضغط األمني الشديد‬ ‫ف��ي المدينة اضط��ررت للخروج‬ ‫منه��ا إلى ريف حماة المحرر‪ ،‬كي‬ ‫أس��تطيع االس��تمرار بعملي في‬ ‫الثورة‪ ،‬ومازلت أعمل في توثيق‬ ‫جرائم النظ��ام وإنجازات الجيش‬ ‫الحر‪ ،‬وعلى الرغ��م من األخطار‬ ‫اليومية التي نتعرض لها بس��بب‬ ‫قصف النظ��ام‪ ،‬وس��وء الظروف‬ ‫المعيش��ية‪ ،‬إال أن��ي سأس��تمر‬ ‫بالعم��ل في الثورة ولو بكميرتي‬ ‫التي أحملها ألوثق مايجري‪ ،‬كان‬ ‫عمري ف��ي بداية الثورة تس��عة‬ ‫عش��ر عامُا واآلن أنا ف��ي الثالثة‬ ‫والعشرون‪ ،‬لم أتعلم صنعة ما أو‬ ‫عم ُ‬ ‫ال ألعيش منه في المستقبل‬ ‫لكني س��عيد أن��ي قضيت خمس‬ ‫س��نوات م��ن عم��ري في س��بيل‬ ‫إظهار الحق»‪.‬‬ ‫أم��ا أب��و واص��ل كما يح��ب أن‬ ‫يس��مي نفس��ه ألنه االسم الذي‬ ‫عم��ل ب��ه ف��ي الث��ورة‪ ،‬يق��ول‬ ‫لزيتون‪ »:‬كنت طالبُا في الس��نة‬ ‫الخامس��ة ف��ي كلي��ة الط��ب‬ ‫البيط��ري عن��د بداي��ة الث��ورة‪،‬‬ ‫ورغ��م محاوالت أهلي الش��ديدة‬ ‫لمنع��ي من التظاه��ر خوفُا علي‬ ‫من القتل أو االعتقال‪ ،‬إال أني لم‬ ‫أستطع منع نفسي من التظاهر‪،‬‬ ‫فالفس��اد والظلم الذي كنت أراه‬ ‫كل ي��وم كان دافع��ي للتظاه��ر‬ ‫يصع��ب كبح��ه‪ ،‬عمل��ت بجد في‬ ‫تنظي��م المظاه��رات وكتاب��ة‬ ‫الالفت��ات وكن��ت عض��واُ في أحد‬ ‫التنسيقيات باإلضافة إلى العمل‬ ‫ف��ي المج��ال الطبي واإلس��عاف‪،‬‬ ‫أنق��ل األخب��ار وأرف��ع المقاط��ع‬ ‫على االنترن��ت وأرصد كل أفعال‬ ‫النظام المجرم في مدينة حماة‪،‬‬ ‫لم أعد أستطيع الذهاب للجامعة‬ ‫بس��بب الطلب األمني حيث كنت‬ ‫من أهم المطلوبين في المدينة‪،‬‬ ‫ومع ازدي��اد الضغ��ط األمني لم‬ ‫يع��د هن��اك الكثي��ر ألقدمه في‬ ‫الث��ورة‪ ،‬تركت جامعت��ي وأهلي‬ ‫وكل ش��يء ورائ��ي وذهب��ت إلى‬

‫ريف إدلب حيث أس��تطيع العيش‬ ‫بحري��ة دون س��يطرة النظ��ام‪،‬‬ ‫ومع أني لس��ت ضد حمل السالح‬ ‫لمقاوم��ة النظ��ام إال أني لم أجد‬ ‫نفس��ي ف��ي المجال العس��كري‪،‬‬ ‫ل��ذا تطوعت في الدف��اع المدني‬ ‫وص��رت أعمل كمس��عف‪ ،‬حرمت‬ ‫رؤي��ة أهل��ي الذين اش��تاق لهم‬ ‫بش��دة وترك��ت جامعت��ي إال أني‬ ‫أش��عر بالرضى عن نفسي ألني‬ ‫لم أتراجع ول��م أتخاذل كما فعل‬ ‫الكثير ممن أعرفهم»‪.‬‬ ‫وي��رى أب��و المج��د ال��ذي ب��دأ‬ ‫كمتظاهر س��لمي أن هذا النظام‬ ‫لن يفيد معه إال الس�لاح والقتال‬ ‫وبغي��ر ذل��ك لن يرح��ل ويضيف‬ ‫لزيت��ون‪« :‬بع��د عام م��ن العمل‬ ‫السلمي في حمص عرفت أن هذا‬ ‫النظ��ام قاتل ومجرم‪ ،‬وكنت أرى‬ ‫في كل يوم شبابنا يقتل بنيران‬ ‫ق��وات األم��ن ف��ي المظاه��رات‬ ‫والباق��ي يق��وم باعتقال��ه‪ ،‬ل��ذا‬ ‫ق��ررت أن العمل العس��كري هو‬ ‫الح��ل‪ ،‬حمل��ت الس�لاح وعمل��ت‬ ‫دورات ف��ي القن��ص‪ ،‬كن��ت في‬ ‫باب��ا عم��رو وقاومن��ا حت��ى آخر‬ ‫لحظة‪ ،‬وكنت ف��ي الخالدية التي‬ ‫أصبح��ت أس��طورة للمقاوم��ة‪،‬‬ ‫لك��ن لآلس��ف الخ��ذالن اضطرنا‬ ‫للخ��روج‪ ،‬أصبحت اآلن قياديُا في‬ ‫أح��د الفصائل العس��كرية ‪ ،‬وأنا‬ ‫مستمر بالمقاومة فإما النصر أو‬ ‫الشهادة»‪.‬‬

‫أم��ا زاه��ر ال��ذي انته��ى ب��ه‬ ‫المط��اف ف��ي ألمانيا‪ ،‬فيتحس��ر‬ ‫على تلك األيام األولى في الثورة‬ ‫التي كان فيها من المتظاهرين‪،‬‬ ‫قائ�ل ً‬ ‫ا‪« :‬مازال��ت تل��ك الذكريات‬ ‫هي آنيس��ي الوحيد في غربتي‪،‬‬ ‫فعل��ى الرغم م��ن الخط��ر الذي‬ ‫كنا نعيش��ه‪ ،‬إال أني كنت أش��عر‬ ‫أني أقدم شيئُا لنفسي ولوطني‪،‬‬ ‫في البداية خرج��ت بالمظاهرات‬ ‫ث��م عملت متخفي��ُا ف��ي المجال‬ ‫اإلغائي‪ ،‬كم كنت أشعر بالسعادة‬ ‫عندم��ا أرى النس��اء واألطف��ال‬ ‫يفرح��ون بما نعطيه��م‪ ،‬اعتقلت‬ ‫بسبب عملي هذا في عام ‪2013‬‬ ‫لم��دة خمس ش��هور واس��تطعت‬ ‫الخروج بعد أن دف��ع أهلي مبالغ‬ ‫مالي��ة طائل��ة‪ ،‬بعده��ا أجبرن��ي‬ ‫األهل على الس��فر خارج سوريا‪،‬‬ ‫ألني ابنهم الوحي��د معتبرين أن‬ ‫م��ا قدمت��ه يكفي‪ ،‬هاج��رت إلى‬ ‫ألمانيا إرضاء ألهل��ي ولكن تلك‬ ‫األيام الت��ي قضيتها ف��ي خدمة‬ ‫الثورة كانت أسعد أيام حياتي»‪.‬‬ ‫ما ت��م عرضه من نم��اذج هي‬ ‫قص��ص لبع��ض الش��باب الذين‬ ‫خرج��وا في أول الث��ورة‪ ،‬والكثير‬ ‫منه��م ل��م تع��رف قصصه��م ‪،‬‬ ‫فبعضهم في ظلم��ة المعتقالت‬ ‫‪،‬وكثي��ر منه��م أصبح��وا تح��ت‬ ‫الت��راب بعد أن ضح��وا بأرواحهم‬ ‫في سبيل حرية وطنهم‪.‬‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 125‬أذار ‪2016‬‬

‫‪3‬‬


‫ميدانيات‬

‫�أحوال احللبيني يف الذكرى اخلام�سة للثورة‬ ‫محمد عالء‬ ‫وأنت تمر في طريق الكاستيلو‬ ‫مح��او ً‬ ‫ال الوص��ول لمدين��ة حلب‪،‬‬ ‫تش��عر بالخ��وف وبقرب��ك م��ن‬ ‫الم��وت‪ ،‬فهن��اك طائ��رة ف��ي‬ ‫الس��ماء‪ ،‬تحلق لتتصي��د المارين‬ ‫في الطريق‪ ،‬وعل��ى جانب اآلخر‬ ‫قن��اص يترب��ص ب��ك لينه��ي‬ ‫حيات��ك‪ ،‬ف��ي أحد أخط��ر الطرق‬ ‫في سوريا وربما في العالم‪.‬‬ ‫وما أن يكتب ل��ك العمر وتصل‬ ‫للمدينة‪ ،‬سترى أحيائها الشرقية‬ ‫الت��ي أنهكته��ا الح��رب‪ ،‬ودمرها‬ ‫القص��ف الجوي المكث��ف‪ ،‬والذي‬ ‫اجب��ر س��كانها عل��ى الخ��روج‬ ‫منها مكرهي��ن‪ ،‬لب�لاد الجوار أو‬ ‫لمناط��ق أخ��رى أكثر أمن��ا قرب‬ ‫الحدود‪ ،‬ال تحاول أن تتخيل كمية‬ ‫اإلجرام الذي حول هذه المناطق‬ ‫المأهول��ة والت��ي كان��ت ال تنام‪،‬‬ ‫الى مدين��ة أش��باح مخيفة‪ ،‬فلن‬ ‫تستطيع‪.‬‬ ‫بع��د انقط��اع طري��ق حل��ب‬ ‫إع��زاز‪ ،‬ب��ات لزاماً عل��ى قاصدي‬ ‫مدين��ة حلب‪ ،‬الذه��اب بعيداً الى‬ ‫ريفه��ا الغربي‪ ،‬ومن��ه الى ادلب‪،‬‬

‫‪4‬‬

‫للوصول ال��ى تركيا‪ ،‬والتي يأتي‬ ‫منها الغذاء وال��دواء وتنقل إليها‬ ‫اإلصاب��ات الخط��رة‪ ،‬ع��دة عق��د‬ ‫تعت��رض عاب��ري ه��ذا الطريق‬ ‫أخطره��ا عل��ى اإلط�لاق وه��و‬ ‫منطق��ة الكاس��تيلو‪ ،‬الت��ي تدور‬ ‫فيه��ا اش��تباكات عنيف��ة‪ ،‬بي��ن‬ ‫الجي��ش الحر‪ ،‬والق��وات الكردية‬ ‫التي بات��ت تح��اول الوصول الى‬ ‫الطري��ق وقطع��ه‪ ،‬إضافة لرصد‬ ‫قناصاته��ا المدنيي��ن الذي��ن‬ ‫يس��تخدمون هذا الطري��ق‪ ،‬أخر‬ ‫الحوادث كان القيادي في الجيش‬ ‫الحر عمر س��ندة‪ ،‬الذي نالت منه‬ ‫إح��دى رصاص��ات القناصة وهو‬ ‫يمر من الطريق‪ ،‬وانعكس تأزم‬ ‫أحوال الطريق س��لبًا على أحوال‬ ‫الن��اس ف��ي المدين��ة‪ ،‬ناهي��ك‬ ‫ع��ن ضع��ف اإلم��داد للفصائ��ل‬ ‫العسكرية واألمنية والطبية‪.‬‬ ‫الو�ضع ال�صحي بتدهور م�ستمر‬ ‫الدكت��ور محم��د أب��و محمدين‬ ‫من مكت��ب العالق��ات العامة في‬ ‫المجل��س الطب��ي لمدين��ة حلب‬ ‫‪ « »ACMC‬تح��دث لزيت��ون ع��ن‬ ‫الوضع الصحي والصعوبات قائ ً‬ ‫ال‪:‬‬ ‫«تقوم بتقدي��م الرعاية الطبية‬

‫في حل��ب المحررة ث�لاث هيئات‬ ‫طبية إضافة لمديرية صحة حلب‬ ‫الحرة‪ ،‬المشافي في حلب تقسم‬ ‫ال��ى جراحي��ة تس��تقبل ح��االت‬ ‫الط��وارئ الجراحي��ة كاألمراض‬ ‫جراحية أو الرضوض من حوادث‬ ‫السير والس��قوط أو الناجمة عن‬ ‫القص��ف وهناك مش��اف للرعاية‬ ‫األولية تعال��ج األمراض الداخلية‬ ‫واألطف��ال والنس��ائية و التوليد‪،‬‬ ‫باإلضاف��ة لمس��توصفات تعمل‬ ‫كعي��ادات متعددة ونق��اط طبية‬ ‫تقدم اإلسعافات األولية‪.‬‬ ‫وأض��اف أب��و محمدي��ن‪« :‬لدينا‬ ‫في ح��االت الطوارئ ‪ 3‬منظومات‬ ‫إس��عافية باإلضاف��ة للدف��اع‬ ‫المدن��ي‪ ،‬تق��وم بمهمته��ا بنقل‬ ‫اإلصاب��ات م��ن أماك��ن القص��ف‬ ‫للمش��افي الجراحي��ة أو نق��ل‬ ‫الح��اﻻت الت��ي تتطل��ب بع��ض‬ ‫االختصاصات النادرة خارج حلب‪،‬‬ ‫وكل مشفى أو هيئة تتلقى دعم ًا‬ ‫م��ن منظمة طبية أو أكثر منه ما‬ ‫هو كامل ومنه ما هو جزئي»‪.‬‬ ‫وأك��د ان��ه خ�لال الظ��روف‬ ‫االقتصادية واالجتماعية الصعبة‬ ‫التي تعيش��ها المناطق المحررة‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 127‬أذار ‪2016‬‬

‫وما حدث بع��د قطع طريق إعزاز‬ ‫حلب دفع بعض الك��وادر للنزوح‬ ‫باتجاه الح��دود‪ ،‬منهم من أرهق‬ ‫مادي��ًا جراء نق��ل بيت��ه وعائلته‬ ‫واس��تئجار بيت إليواء من يعيل‪،‬‬ ‫والسيما أن صرف رواتب الكوادر‬ ‫تأخر من بع��ض المنظمات ربما‬ ‫ألكثر من ش��هرين‪ ،‬ه��ذا التأخير‬ ‫دفع بقس��م من الك��وادر للنزوح‬ ‫خ��ارج المحافظ��ة أو حت��ى خارج‬ ‫سورية‪.‬‬ ‫وقال أبو محمدي��ن «أهم أزمة‬ ‫يعانيها القطاع الطبي هو الخوف‬ ‫الدائ��م من االس��تهداف الممنهج‬ ‫والمتكرر لكافة المنشآت الطبية‪،‬‬ ‫ولو كانت مجرد سيارة إسعاف أو‬ ‫مش��فى أطفال أو نسائية‪ ،‬وهذا‬ ‫يعتب��ر خرق��ا لكاف��ة القوانين و‬ ‫المواثيق الدولية و اتفاقية جنيف‬ ‫حول حماية المدنيي��ن و الكوادر‬ ‫الطبي��ة و المنش��آت الطبي��ة‬ ‫زمن الح��رب‪ ،‬لكن م��ا جرى في‬ ‫س��ورية وما زال يجري يعتبر من‬ ‫جرائم الحرب الت��ي عجزت كافة‬ ‫المنظم��ات الدولي��ة اإلنس��انية‬ ‫واألمم المتح��دة و مجلس اﻷمن‬ ‫من اتخ��اذ أي إجراء فعال لحماية‬


‫ميدانيات‬ ‫الك��وادر الطبي��ة في س��ورية أو‬ ‫دعمه��ا لتثبيتها وتش��جيعها كي‬ ‫ال تت��رك المواطني��ن دون خدمة‬ ‫ورعاية طبية‪.‬‬ ‫ووثقت هيئات حقوق اإلنس��ان‬ ‫اس��تهداف الك��وادر والمنش��آت‬ ‫الطبي��ة بس�لاح الج��و الروس��ي‬ ‫والس��وري وال��ذي يعتب��ر أح��د‬ ‫وسائل الحرب ضد المدنيين بعد‬ ‫استخدامه في سورية دون رادع‪.‬‬ ‫ونوه أبو محمدين أن الخوف من‬ ‫االعتق��ال أو اإلي��ذاء أو التصفية‬ ‫واالس��تهداف دف��ع الكثي��ر م��ن‬ ‫الكوادر الطبية لمغادرة س��ورية‬ ‫بحث��اً عن المالذ اآلمن وربما دفع‬ ‫البعض للمغامرة ولركوب البحر‬ ‫وقد فقد بعض األطباء أرواحهم‬ ‫ومن معه للعيش في مكان بعيد‬ ‫عن الحرب‪.‬‬ ‫وختم أبو محمدي��ن قائ ً‬ ‫ال ‪»:‬إن‬ ‫نقص الكوادر الطبية هو الرقم‬ ‫الصع��ب في العم��ل الطبي حيث‬ ‫تقل��ص ع��دد الجراحي��ن ع��ن‬ ‫بداية الث��ورة للثلث تقريبًا وذلك‬ ‫بع��د ع��ام البرامي��ل المتفج��رة‬ ‫اليومي��ة ف��ي ‪ 2014‬مضيفًا انه‬ ‫نتيج��ة الحاج��ة الملح��ة لنقص‬ ‫الكوادر الطبية تم إنشاء مدرسة‬ ‫التمري��ض لتأهيل ك��وادر طبية‬ ‫مس��اعدة وبديل��ة عم��ن هاج��ر‬ ‫لتعوي��ض النق��ص الحاصل في‬ ‫الفنيين الطبيين والتمريض‪.‬‬ ‫وكان إلغالق الحدود أثر سلبي‬ ‫بنق��ص األطب��اء المتطوعي��ن‬ ‫م��ن المغتربي��ن الذي��ن كان��وا‬ ‫يقضون إجازاته��م بخدمة أهلنا‬ ‫ف��ي الداخ��ل‪ ،‬باإلضافة النقطاع‬ ‫طرق اإلم��داد واإلس��عاف باتجاه‬ ‫إعزاز حي��ث كان المعب��ر األقرب‬ ‫لحل��ب‪ ،‬تأتي غالبية المس��اعدات‬ ‫الطبية م��ن معبر باب الس�لامة‬ ‫وكذل��ك عمليات اإلس��عاف تنقل‬ ‫م��ن خالل��ه‪ ،‬وإغ�لاق الطري��ق‬ ‫بوج��ه الك��وادر الطبي��ة الت��ي‬ ‫يس��مح لها بقض��اء عطلتهم مع‬ ‫عائالته��م بتركيا من العبور عبر‬ ‫باب الس�لامية‪ ،‬جع��ل الكثيرين‬ ‫يفكرون البق��اء في تركيا‪ .‬ريثما‬ ‫يت��م نق��ل أس��مائهم لمعبر باب‬ ‫الهوى‪.‬‬ ‫قط��ع الطري��ق أثر أيض��اً على‬ ‫توفر م��ادة الم��ازوت التي تعتبر‬ ‫المادة األهم للطاقة الكهربائية‪،‬‬ ‫ولحركة سيارات اإلسعاف‪.‬‬

‫ينه��ي أب��و محمدي��ن حديث��ه‬ ‫بالق��ول‪« :‬أصب��ح العب��ور م��ن‬ ‫مدخ��ل حل��ب الوحي��د المرصود‬ ‫من القناصة أح��د عوامل الرعب‬ ‫اإلضافية»‪.‬‬ ‫ارتفاع �أ�سعار املحروقات ب�سبب انقطاع‬ ‫الطريق‬ ‫بعدم��ا كان��ت حل��ب تس��تورد‬ ‫المحروق��ات القادمة من مناطق‬ ‫داعش‪ ،‬الى باقي مناطق ش��مال‬ ‫س��وريا‪ ،‬أصبح��ت األن تس��تورد‬ ‫محروقاته��ا من محافظ��ة ادلب‪،‬‬ ‫هكذا ب��دأ ناق��ل المحروقات أبو‬ ‫احم��د حديث��ه لزيت��ون وأض��اف‬ ‫قائال‪:‬‬ ‫«ب��ات علين��ا األن أن نذه��ب‬ ‫إلدلب‪ ،‬ومنها ال��ى عفرين‪ ،‬ومن‬ ‫عفري��ن الى إع��زاز‪ ،‬ومنه��ا الى‬ ‫مناط��ق داع��ش‪ ،‬وه��ي ط��رق‬ ‫ليس��ت مفتوح��ة دوم��ًا‪ ،‬ومغلقة‬ ‫معظم األوقات‪ ،‬كما أن استهداف‬ ‫الطيران الروس��ي لسيارات نقل‬ ‫المحروقات بحجة محاربة داعش‪،‬‬ ‫كان له اثر س��لبي كبي��ر‪ ،‬وامتنع‬ ‫الكثي��ر م��ن ناقل��ي المحروقات‬ ‫الم��رور به��ذه الطرق��ات‪ ،‬وباتوا‬ ‫يحضرون المحروقات التي تصل‬ ‫الى ادلب»‪.‬‬ ‫وق��ال أب��و احم��د‪« :‬ارتفع��ت‬ ‫أس��عار المحروق��ات بنس��بة‬ ‫‪ 100%‬من��ذ إغ�لاق طريق إعزاز‬

‫حلب‪ ،‬وال��ذي كان طريق ًا قصيراً‬ ‫لجل��ب المحروق��ات لحل��ب‪ ،‬كم��ا‬ ‫أن المس��افة الكبي��رة للجبه��ات‬ ‫بين داعش والح��ر‪ ،‬كانت تجعل‬ ‫م��ن طريقن��ا أمن بعي��داً عن أي‬ ‫اش��تباكات‪ ،‬لك��ن بع��د س��يطرة‬ ‫النظام والقوات الكردية لمناطق‬ ‫كان��ت للجي��ش الح��ر‪ ،‬جعل من‬ ‫ه��ذه الجبه��ات ضيق��ة نعبره��ا‬ ‫دائما بخ��وف كبير وكل ذلك أدى‬ ‫الرتفاع األسعار‪ ،‬على المدنيين‪،‬‬ ‫ألنن��ا ال نس��تطيع أن ننق��ل دون‬ ‫رب��ح‪ ،‬وال يؤثر الغ�لاء ألني ارفع‬ ‫م��ن أج��رة النق��ل كلم��ا ارتف��ع‬ ‫السعر‪ ،‬بل يتحمل المدني لوحدة‬ ‫عبئ ارتف��اع أس��عار المحروقات‬ ‫وما يترتب عليه»‪.‬‬ ‫املدين هو اخلا�سر الأكرب‬ ‫وتحدث أبو حس��ن وهو صاحب‬ ‫مح��ل خض��روات ع��ن ارتف��اع‬ ‫األس��عار الجنون��ي ال��ذي حصل‬ ‫بع��د انقطاع طريق حل��ب إعزاز‬ ‫وق��ال لزيتون‪ :‬بع��د فصل إعزاز‬ ‫وم��ارع وريفهما ع��ن ريف حلب‬ ‫الشمالي‪ ،‬وقطع الطريق الفاصل‬ ‫بينهما من قب��ل القوات الكردية‬ ‫ف��ي عفري��ن‪ ،‬ارتفع��ت أس��عار‬ ‫الخض��روات والمواد الغذائية الى‬ ‫أضع��اف ما كان��ت علي��ه‪ ،‬والتي‬ ‫كانت مرتفعة أص ً‬ ‫ال‪ ،‬وكلما سألنا‬ ‫التجار عن س��بب االرتفاع‪ ،‬يكون‬

‫الج��واب ه��و خط��ورة الطري��ق‬ ‫وبع��ده‪ ،‬وارتف��اع أج��ور النق��ل‪،‬‬ ‫وق��د قال لي اح��د التجار أن أجرة‬ ‫الش��احنة لنق��ل م��واد م��ن باب‬ ‫الهوى ال��ى حل��ب ‪ 400‬ألف ليرة‬ ‫س��ورية وال يوج��د م��ن يقب��ل‪،‬‬ ‫بعدما كانت ‪ 100‬ألف»‪.‬‬ ‫وأض��اف أب��و حس��ن «ه��ذا‬ ‫االرتفاع هذا ال يدفعه التاجر من‬ ‫جيبه‪ ،‬بل يدفعه المستهلك‪ ،‬ألن‬ ‫التاجر يجنب نفس��ه أي خس��ارة‬ ‫ممكن��ة‪ ،‬دون رحم��ة للناس في‬ ‫ظل الحرب‪ ،‬كما أثرت تأخر وقلة‬ ‫توزي��ع اإلغاث��ة بحل��ب بارتف��اع‬ ‫األسعار كذلك األمر‪ ،‬وكله يوضع‬ ‫عل��ى كاهل المواطن المس��كين‬ ‫الذي ال حول له وال قوة»‪.‬‬ ‫وكان��ت قوات النظام في ش��هر‬ ‫ش��باط ‪ ،2016‬قطع��ت طري��ق‬ ‫حل��ب ‪ -‬إع��زاز‪ ،‬وأصبح��ت عل��ى‬ ‫وش��ك حصار مدينة حل��ب‪ ،‬التي‬ ‫لم يبقى لها منفذ س��وى طريق‬ ‫حل��ب ‪ -‬كف��ر حم��رة‪ ،‬ومن��ه إلى‬ ‫الري��ف الغرب��ي وباق��ي بل��دات‬ ‫ري��ف حل��ب ومحافظ��ة ادل��ب‪،‬‬ ‫الت��ي أصبح��ت ه��ي المتنف��س‬ ‫االقتص��ادي والتج��اري واالغاثي‬ ‫لمدين��ة حلب بع��د محاصرة باب‬ ‫السالم الحدودي من عدة جهات‪.‬‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 125‬أذار ‪2016‬‬

‫‪5‬‬


‫ملف العدد‬

‫حروفه على اجلدار فجّ رت‬ ‫الثورة “معاوية �صيا�صنة”‪،‬‬ ‫حامل بالطريان يكره‬ ‫الط ّيارين‬ ‫أسامة عيسى‬ ‫اقتادوني إلى مخفر الشرطة في‬ ‫درع��ا البل��د‪ ،‬كان هن��اك ضابط‬ ‫اسمه المالزم جهاد من دير الزور‪.‬‬ ‫بقينا هناك أس��بوعاً‪ ،‬كنّا تس��عة‬ ‫أطف��ال‪ ،‬ع ّذبون��ا يوميّ��ًا صعق��ًا‬ ‫بالكهرباء وبالشَبْحْ‪ .‬من المخفر‬ ‫أخذون��ا إل��ى األم��ن السياس��يّ‪،‬‬ ‫بقينا هناك ثالثة أيّام‪ ،‬تعرّضنا‬ ‫لتعذي��ب أش��دّ… كان التعذي��ب‬ ‫قاس��ياً ج��دّاً‪ ،‬حض��ر العمي��د‬ ‫عاطف نجي��ب (رئيس فرع األمن‬ ‫السياس��يّ بدرع��ا آن��ذاك واب��ن‬ ‫خالة بشّ��ار األسد) وأمر عناصره‬ ‫بتعليقن��ا على الج��دران وضربنا‬ ‫بش��دّة‪ ،‬كان هو يضربنا ويسألنا‬ ‫بعصبيّ��ة‪ :‬من يقف خلفكم ومن‬ ‫بعث بك��م لتكتبوا على الجدران؟‬ ‫وقال إنّن��ا (خونة!) لم أكن أعرف‬ ‫ما معنى هذه الكلمة وقتها‪ .‬بقينا‬ ‫هناك خمسة أيّام‪ ،‬نقلونا بعدها‬ ‫إلى ف��رع األم��ن الجنائ��يّ وفيه‬ ‫بقين��ا أربعة أيّام‪ ،‬أيض��ًا أهانونا‬ ‫كثي��راً‪ ،‬كان العقي��د أب��و جعف��ر‬ ‫المس��ؤول هن��اك‪ .‬نُقلن��ا بعدها‬ ‫إلى الش��رطة العس��كريّة‪ ،‬وفيها‬ ‫كنّ��ا نضرب ّ‬ ‫كل س��اعة‪ .‬من ثمّ‬ ‫إلى س��جن غرز‪ ،‬ث��مّ إلى جمرك‬ ‫درعا قبل أن يفرجوا عنّا”‪.‬‬ ‫جرمية كونيّة‬ ‫رجف��ة غريبة بدت على جس��د‬ ‫وصوت معاوي��ة الصياصنة وهو‬ ‫يس��تنهض ذكريات��ه كطفل في‬ ‫‪ 24‬ش��باط ‪ ،2011‬حي��ن ألق��ي‬ ‫القبض عليه بتهمة تدوين عبارة‬ ‫(جايي��ك الدور يا دكتور) على أحد‬ ‫الج��دران‪ ،‬ليك��ون أح��د مفجّري‬ ‫الثورة السوريّة‪ .‬يصمت معاوية‬ ‫ث��مّ ينظر في هاتف��ه الخليويّ‪،‬‬ ‫قب��ل أن يتاب��ع الحدي��ث ويس��رد‬

‫‪6‬‬

‫ليال س��وداء‪ ،‬أش��عر‬ ‫بألم‪“ :‬كانت ٍ‬ ‫ّ‬ ‫بخ��وف كبي��ر عندم��ا أتذكره��ا‪.‬‬ ‫جماع��ة المخاب��رات ّ‬ ‫عذبون��ي‪،‬‬ ‫وكأنّي ارتكبت جريمة كونيّة!”‪.‬‬ ‫ول��د معاوية صياصن��ة في ‪23‬‬ ‫آب م��ن الع��ام ‪ 1994‬ف��ي درع��ا‬ ‫البلد‪ ،‬إحدى مناطق مدينة درعا‪،‬‬ ‫على الحدود السورية – األردنية‪،‬‬ ‫وق��رب معبر ما يس��مى الجمرك‬ ‫القدي��م جنوب س��ورية‪ ،‬وهاهو‬ ‫يبتس��م الي��وم م��ع اقت��راب م��ا‬ ‫يسمّيه بـ “العيد” أي ذكرى الثورة‬ ‫ف��ي منتص��ف آذار‪ ،‬حي��ن ُقرعت‬ ‫أجراسها قبل س��تّة أعوام خلت‪،‬‬ ‫كان قبلها يحلم بأن يكون طيّاراً‬ ‫ويح��دّث أهله أصدق��اء طفولته‬ ‫عن ذلك‪ ،‬لكنّ معاوية يستدرك‪:‬‬ ‫“ي��ا ليتني ل��م أحلم به��ذا‪ ..‬كنت‬ ‫أتمنّى أن أكون طيّاراً في بلدي‪،‬‬ ‫كنت أح��بّ ذل��ك بالفع��ل‪ ،‬لكن‬ ‫لم أع��د أرغب به��ذا اآلن؛ ألنّني‬ ‫رأي��ت كيف يقوم الطيّ��ار بإلقاء‬ ‫البراميل المتفجّ��رة والصواريخ‬ ‫على المدنيّي��ن‪ ،‬أنا ال أطمح ألن‬ ‫أفعل ذلك‪ ..‬كلاّ ‪ ..‬كان مجرّد حلم‬

‫طفوليّ وتراجعت عنه‪ ..‬أنا أكره‬ ‫ّ‬ ‫كل الطيّارين اآلن!”‪.‬‬ ‫يلخّص معاوية ش��عوره‪ ،‬وهو‬ ‫يعيش اليوم في منطقة ساخنة‬ ‫تصنّ��ف كمنكوب��ة ف��ي جن��وب‬ ‫س��ورية‪ ،‬وف��ي عيونه عش��رات‬ ‫نق��اط الغم��وض كان��ت مبعث�� ًا‬ ‫ألس��ئلة أكب��ر م��ن عم��ره الذي‬ ‫قضى منه خمس س��نوات طف ً‬ ‫ال‬ ‫ب�لا طفول��ة حتّى غ��دا ش��ابّاً‪،‬‬ ‫فيق��ول‪“ :‬كان��ت تجرب��ة مرعبة‬ ‫جدّاً”‪.‬‬ ‫طفولة اغت�صبتها احلرب‬ ‫أمض��ى معاوي��ة الطف��ل وهو‬ ‫اب��ن الـ ‪15‬عامًا ف��ي أقبية أجهزة‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 127‬أذار ‪2016‬‬

‫النظ��ام الس��وريّ برفقة أطفال‬ ‫آخرين م��ن درع��ا ‪ 21‬يوماً تحت‬ ‫مقصل��ة الس��لطة‪ ،‬خاللها قامت‬ ‫الث��ورة‪ ،‬واآلن عندم��ا يع��ود إلى‬ ‫ذكري��ات م��ا قب��ل االعتق��ال‪،‬‬ ‫مس��ترجعاً ش��ريط الطفول��ة‪،‬‬ ‫تبدو عل��ى وجهه فص��ول الفرح‬ ‫الممزوج باألمنيات المس��تحيلة‪،‬‬ ‫ويقول بحرق��ة‪“ :‬أتمنّى أن يأتي‬ ‫أب��ي ليأخذن��ي ويش��تري ل��ي‪..‬‬ ‫يالعبني‪ ..‬كما ّ‬ ‫كل األوالد”‪ .‬يحكي‬ ‫معاوي��ة ع��ن وال��ده وكأنّ��ه لم‬ ‫يستشهد في العام ‪ 2013‬نتيجة‬ ‫قص��ف طيران النظام الس��وريّ‬ ‫لبيت��ه‪ .‬تقاع��د ع��ن العم��ل في‬


‫ملف العدد‬ ‫الع��ام ‪2012‬م فق��د كان موظفًا‬ ‫ف��ي دائ��رة المي��اه ل��دى الدولة‪،‬‬ ‫وها ه��و معاوية اآلن يعيش في‬ ‫ذلك المنزل مع والدته وأش��قائه‬ ‫الثالث��ة‪ ،‬وش��قيقته الوحيدة في‬ ‫غرفتي��ن ج��رى ترميمهم��ا على‬ ‫عجل من بيته المدمّر‪ ،‬وال يشعر‬ ‫في��ه باألم��ان‪ ،‬فف��ي ّ‬ ‫كل لحظة‬ ‫التفاتة‪ ،‬ميمنة‪ ،‬ميس��رة‪ ،‬وأيضًا‬ ‫إلى األعلى‪ ،‬إلى الس��ماء‪ ،‬مترقّبًا‬ ‫ص��وت الطي��ران‪ .‬يع��ود ويحكي‬ ‫ّ‬ ‫المتعطش عن مدرس��ته‪،‬‬ ‫بلهفة‬ ‫فه��و لم يره��ا منذ ع��ام ‪،2011‬‬ ‫لقد خس��رها تمامًا‪ .‬ق��ال وكأنّه‬ ‫يجل��د نفس��ه‪“ :‬كن��ت طالب��ًا في‬ ‫المدرس��ة عندما اعتُقلت‪ ،‬وعند‬ ‫اإلفراج عنّي لم أعد إليها‪ ،‬ألنّها‬ ‫دُمّرت… صعب جدّاً عليّ حين‬ ‫أتخيّل نفس��ي بال تعليم‪ .‬اآلن ال‬ ‫توجد مدارس‪ّ ،‬‬ ‫كل ش��يء أصبح‬ ‫خطيراً‪ّ ،‬‬ ‫كل ش��يء اختلف‪ ،‬تغيّر‪،‬‬ ‫الحياة‪ ،‬الدمار يم�لأ البلد‪ ،‬الناس‬ ‫الت��ي تم��وت‪ ،‬الطفول��ة‪ ،‬وأنا لم‬ ‫أُسّس شيئ ًا لنفسي حتّى اليوم‪.‬‬ ‫مستقبلي رحل بال رجعة”‪.‬‬ ‫الثورة حاضرة بمراحلها‬ ‫أمّا عن الوق��ت الراهن فيقول‬ ‫معاوية بأنّه يمرّ حاليًّا بمرحلة‬ ‫هامّ��ة من حياته‪“ ،‬إنّها المعارك‬ ‫المس�� ّلحة مع الجي��ش الحرّ لردّ‬ ‫النظ��ام الس��وريّ ع��ن الدخول‬ ‫لمناطقنا‪ ،‬إنّه قتال دام وعنيف”‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫لكنّه ف��ي الوقت نفس��ه بنظره‬ ‫“واج��ب”‪ ،‬ويتحدّث هنا بواقعيّة‪:‬‬ ‫“أن��ا مقاتل‪ ،‬لم أعد طف ً‬ ‫ال‪ .‬ونحن‬ ‫اآلن هن��ا إمّ��ا أن نعي��ش وإمّ��ا‬ ‫أن نم��وت‪ .‬الوض��ع أصبح صعب‬ ‫جدّاً‪.”..‬‬ ‫بين الطفولة المُغتالة وجحيم‬

‫الح��رب‪ ،‬ينمو الص��راعُ بحثًا عن‬ ‫حي��اة جدي��دة‪ ،‬فالحري��ة ك ّلفت��ه‬ ‫ثمن��ًا باهظًا‪ ،‬خس��ر حلمه ووالده‬ ‫ورفاق��ه‪ ،‬منهم من م��ات ومنهم‬ ‫م��ن أضح��ى معاق��ًا‪ ،‬ومنهم من‬ ‫كل هذا ب��دا جزءاً‬ ‫ف��رّ مهاج��راً‪ّ .‬‬ ‫من عوال��م معاوية‪ ،‬ال��ذي يتوق‬ ‫لالحتف��ال بالذك��رى السادس��ة‬ ‫أن “ما حصل كان‬ ‫للثورة‪ ،‬معتبراً ّ‬ ‫الزمًا أن يحص��ل منذ زمن بعيد‪،‬‬ ‫إنّ��ه َق��دَر الس��وريّين ليقضوا‬ ‫على الظلم الذي دام عقوداً”‪.‬‬ ‫ال يس��هب ف��ي س��رد معانات��ه‬ ‫الخاصّ��ة‪ ،‬فبي��ن جمل��ة وأخ��رى‬ ‫يع��رض معاوية ص��وراً لضحايا‬ ‫يعرفه��م‪ ،‬األم��ر ال��ذي خ ّلف في‬ ‫نفسه – كما يقول – كرهاً كبيراً‬ ‫لرأس النظام‪ ،‬ويقول عنه‪:‬‬ ‫“هذا ليس رئيسًا‪ ،‬إنّه مجنون‪،‬‬ ‫أهب��ل‪ ،‬فلت��ان‪ ،‬يقت��ل ف��ي ّ‬ ‫كل‬ ‫م��كان! يق��ول عنّ��ا إرهابيّي��ن!‬ ‫اإلرهاب��يّ هو القات��ل‪ ،‬وهو من‬ ‫ال يف��رج ع��ن المعتقلي��ن‪ ،‬ه��و‬ ‫الذي يحاصر النساء واألطفال!”‪.‬‬ ‫أن ال��ردّ عل��ى ذل��ك هو‬ ‫وي��رى ّ‬ ‫بالثورة‪ ،‬التي يتغنّى بها معاوية‬ ‫ويعتبره��ا أمّ��ه‪ ،‬وتراه��ا غائرة‬ ‫في أعماقه‪ ،‬لتبرز معها مش��اعر‬ ‫الطف��ل الثوريّ‪ ،‬فه��ي‪“ :‬كرامة‪،‬‬ ‫حرّيّة‪ ،‬هي ّ‬ ‫كل ش��يء‪ ،”..‬لكنّه‬ ‫أن‬ ‫بالمقابل يك��ره الدماء‪ ،‬ويرى ّ‬ ‫“الناس أُجبرت على حمل السالح‬ ‫لتداف��ع ع��ن نفس��ها‪ ،‬والح��راك‬ ‫الش��عبيّ مرّ بمراحل كان أوّلها‬ ‫سلميّاً‪ ،‬ما زلنا نتغنّى به”‪.‬‬ ‫ال م�سكوت عنه‬ ‫يأت��ي معاوي��ة إل��ى المرحل��ة‬ ‫الحاليّ��ة‪ ،‬وق��د أضح��ت فيه��ا‬ ‫“الحرّيّة” التي طالب بها بجسده‬

‫الغضّ شبحًا مطارَداً في البالد‪،‬‬ ‫فيما يع��رّج بأل��م عل��ى النتائج‬ ‫الدموي��ة للص��راع‪ ،‬إذ ال تهدأ آلة‬ ‫القتل والدمار‪ ،‬ثمّ يتنهّد ببراءة‬ ‫الطف��ل ويحدّق في الجوال مرّة‬ ‫أخ��رى مخاطب��ًا نفس��ه‪“ :‬هن��اك‬ ‫قصف‪ ..‬اش��تباكات‪ ..‬عدّة شهداء‬ ‫وجرحى‪.”..‬‬ ‫عل��ى بعد أيّام ذك��رى انطالق‬ ‫الث��ورة‪ .‬ومعاوي��ة م��ا زال ف��ي‬ ‫الس��احات األول��ى للث��ورة‪ ،‬إنّ��ه‬ ‫يع��دّ الع��دّة حاليّاً لذل��ك اليوم‬ ‫“التاريخ��يّ” كما يصف��ه‪ ،‬لكنّه‬ ‫أن االحتف��ال يك��ون ّ‬ ‫كل‬ ‫ي��رى ّ‬ ‫عام بش��كل أفج��ع ممّا س��بقه‪،‬‬ ‫إنّ��ه نزيف ال��دم المتواصل دون‬ ‫هوادة‪ .‬هي الحرب المجنونة في‬ ‫الب�لاد‪ ،‬لكنّ��ه يتهرّب م��ن األلم‬ ‫بس��رعة‪ ،‬ويطرح س��ؤا ً‬ ‫ال يؤرّقه‬ ‫شخصيًّا‪“ :‬الش��عوب التي طالبت‬ ‫بالحرّيّ��ة ل��م تُ��رم بالبرامي��ل‬ ‫المتفجّ��رة والصواري��خ‪ ،‬لم��اذا‬ ‫حصل هذا معنا فق��ط؟”‪ ،‬ويتابع‬ ‫مس��تنكراً “العال��م ضدّن��ا‪..‬‬ ‫الحرّيّ��ة ح�لال عليه��م وح��رام‬ ‫علينا؟!”‪.‬‬ ‫وبين تراكمات األيّ��ام القاتمة‬ ‫الت��ي القاه��ا ّ‬ ‫مبك��راً‪ ،‬طفول��ة‬ ‫أُزهقت ورُدم��ت‪ ،‬لم يعش منها‬ ‫س��وى لحظ��ات مليئ��ة بالخ��وف‬ ‫المم��زوج بحرقة وداع أناس جدد‬ ‫يوميّ��ًا‪ ،‬قبل الث��ورة كانوا أعزّاء‬ ‫عل��ى قلب��ه س��يبقى يذكره��م‪:‬‬ ‫عمّار الرش��يدات‪ ،‬أحم��د العاقل‬ ‫أبازيد‪ ،‬ومحمّ��د الفيصل أبازيد‪،‬‬ ‫كان��وا مع��ه من��ذ الصغ��ر‪ ،‬ه��م‬ ‫أصدق��اؤه؛ لكنّ عمّار قضى في‬ ‫الثورة وأحم��د أصبح الجئاً‪ ،‬بينما‬ ‫محمّ��د ال زال قريباً نس��بيّاً من‬ ‫مكان معاوية‪ ،‬إلاّ أنّه ال يستطيع‬

‫الحرك��ة بع��د تعرّض��ه إلصابة‬ ‫جرّاء قصف النظام السوريّ‪.‬‬ ‫وألن “فات��ورة الث��ورة ال��دم”‬ ‫ّ‬ ‫كما يق��ول معاوية‪ ،‬فالمس��كوت‬ ‫عن��ه ممن��وع ف��ي قاموس��ه‪ ،‬إذ‬ ‫ّ‬ ‫المبكر‬ ‫تتج ّل��ى مظاه��ر النض��ج‬ ‫فيه وه��و يروي كيف يس��تيقظ‬ ‫صباح ًا ليمتش��ق سالحه ويذهب‬ ‫لجبه��ات القت��ال‪ ،‬ويبق��ى هناك‬ ‫حتّى المس��اء حيث يعود مرهقًا‪.‬‬ ‫بعدها يش��حن هاتف��ه بطريقة‬ ‫المحاصري��ن ف��ي س��ورية‪:‬‬ ‫“ع��ن طري��ق بطاري��ة س��يّارة‪،‬‬ ‫أيض��اً نس��تعملها لإلض��اءة‪ ،‬فال‬ ‫تأتين��ا الكهرب��اء إلاّ س��اعتين‬ ‫ف��ي اليوم فق��ط‪ ،‬أتاب��ع األخبار‬ ‫عب��ر األنترنت‪ ..‬ثمّ أن��ام‪ ..‬بس‬ ‫هيك!!”‪.‬‬ ‫�سنعود لنكتب‬ ‫ال ش��يء س��لبيّ ف��ي الث��ورة‬ ‫الت��ي س��اهم بتفجيره��ا يمكن‬ ‫ّ‬ ‫ويؤكد‬ ‫أن يم��رّ دون أن ينتق��ده‪،‬‬ ‫أنّه��ا “ث��ورة ّ‬ ‫كل الس��وريّين‪،‬‬ ‫نري��د حرّيّ��ة وكرام��ة وعدالة‪..‬‬ ‫لذلك الثورة ليست بالتطرّف وال‬ ‫بالقت��ل‪ .‬نحن ندافع عن أنفس��نا‬ ‫فق��ط‪ ،‬وإلاّ س��نموت! ال يوج��د‬ ‫احتمال آخر‪ ..‬هذه هي القصّة”‪.‬‬ ‫تبقى حس��رة في نفس��ه على‬ ‫من لن يع��ود‪ ،‬مترقّب�� ًا المجهول‬ ‫ف��ي ق��ادم األيّ��ام‪ ،‬مح��اور بارع‬ ‫بس��يط مقن��ع بأنّ��ه صاح��ب‬ ‫قضيّة‪ ،‬يتنبّ��أ بـ “النصر القادم‬ ‫ال محالة‪ ،‬نصر السوريّين‪ ،‬نصر‬ ‫ال يتوقّف على أح��د ما بالتأكيد‪..‬‬ ‫لغاية اليوم سوريا بدّها حرّية‪،‬‬ ‫وسأرجع أنا أو أحد الشبّان لنكتب‬ ‫عل��ى ج��دران مدينتنا‪ ..‬س��ورية‬ ‫التي طالبت بالحرية‪ ..‬نالتها”‪.‬‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 125‬أذار ‪2016‬‬

‫‪7‬‬


‫محليات‬

‫خم�س �سنني واملظاهرات تعود ل�سريتها الأوىل‬ ‫أحمد فرج‬ ‫كان ي��وم جمعة عادي‪ ،‬لكن ش��يئًا‬ ‫م��ن التوت��ر والقلق بدا عل��ى وجوه‬ ‫الشبان في البلدة التي تعتبر نفسها‬ ‫معنية بأي حراك سياسي‪ ،‬وال يعرف‬ ‫الس��بب لمثل هذا الشعور المتنامي‬ ‫لدى الش��بان الذين لم يعايش��وا أية‬ ‫هزات سياس��ية في عمرهم س��وى‬ ‫م��ا س��معوه م��ن جي��ل أبائه��م من‬ ‫اضطرابات سياسية سابقة‪.‬‬ ‫األحادي��ث الت��ي كان��ت تحكى في‬ ‫الجلسات الخاصة عن إمكانية خروج‬ ‫مظاهرات في س��وريا أسوة بغيرها‬ ‫من دول الربيع العربي هي الس��بب‬ ‫وراء الترقب والحذر الذي يش��عر به‬ ‫الن��اس رغ��م بعد التوقع��ات عن أي‬ ‫ح��راك قري��ب‪ ،‬وإن حدث ف�لا بد أن‬ ‫يجري في العاصمة أو المدن الكبرى‬ ‫وم��ن المس��تبعد أن تش��هد البلدات‬ ‫الصغيرة كهذه البلدة هكذا تمرد‪.‬‬ ‫وكع��ادة الري��ف ب��دأ الن��اس بأخذ‬ ‫مواق��ف متناقضة وحادة من الحراك‬ ‫المتوق��ع من قبل أن يب��دأ حتى‪ .‬أبو‬ ‫محم��د وهو رجل عاط��ل عن العمل‬ ‫قال في وس��ط الس��وق انه سيكون‬ ‫«أول القامعين بالحذاء ألي مظاهرة‬ ‫يراها»‪.‬‬ ‫أبو حسن موظف حكومي قال أنه‬ ‫مس��تعد ألن يش��ارك بالمظاه��رات‬ ‫ش��رط أن تكون في دمشق وبأعداد‬ ‫غفي��رة‪ ،‬آخ��رون رأوا أن الح��راك‬ ‫مس��تحيل ولن يحدث نظ��راً لقبضة‬ ‫النظ��ام األمني��ة الت��ي س��تقمعها‬ ‫بش��دة‪ ،‬لك��ن البع��ض ظ��ل صامتًا‬ ‫باهتمام وترقب‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫كل تل��ك األحاديث كان��ت محاولة‬ ‫لجس نبض الن��اس لبعضهم‪ ،‬ولم‬ ‫يتعدى األمر مجرد اس��تطالع للرأي‬ ‫فلي��س م��ن داع ألخ��ذ مواق��ف ضد‬ ‫بعضهم ألمر قد ال يحدث أبداً‪.‬‬ ‫املظاهرة الأوىل ‪:2011/3/25‬‬ ‫ف��ي ظهي��رة تل��ك الجمع��ة م��ر‬ ‫إبراهيم الش��اب المحب��وب والكادح‬ ‫ليخب��ر الجالس��ين (الذي��ن اعت��ادوا‬ ‫شرب القهوة في دكاكينهم في وقت‬ ‫الصالة تجنبا ألي إحراج) أن مظاهرة‬ ‫تجري األن عن��د جامع الزاوية‪ ،‬قالها‬ ‫ب��دون اهتم��ام أو ش��عور بالخط��ر‬ ‫وكأنه يخبر عن حادث عابر‪.‬‬ ‫لم ي��دم الصمت طوي�لا حتى أخذ‬ ‫كل م��ن الحاضرين ق��راره‪ ،‬قلة من‬ ‫ذهب��وا لي��روا المظاه��رة ف��ي حين‬ ‫أن أغل��ب الحض��ور إلتح��ق بالوجبة‬ ‫الدسمة المعتادة في مثل هذا اليوم‬ ‫لدى العائالت‪.‬‬ ‫عشرون ش��خصا أو يزيدون كانوا‬ ‫يقطع��ون الش��ارع ذهاب��ًا وإياب��اً‪،‬‬ ‫ارتب��اك واض��ح يب��دوا عل��ى الجميع‬ ‫س��واء المش��اركين أو المتفرجي��ن‪،‬‬ ‫المش��اركون خلي��ط م��ن األعم��ار‬ ‫واالهتمام��ات والش��رائح‪ ،‬فال رابط‬ ‫سياس��ي أو اجتماع��ي يجمع بينهم‪،‬‬ ‫ً‬ ‫صدفة وحدها جمعت بينهم‪.‬‬ ‫وكأن‬ ‫س��يارات األمن لم تتأخر لكنها لم‬ ‫تتدخ��ل‪ ،‬ف��ي حين وق��ف المخبرون‬ ‫يتفحص��ون وج��وه الن��اس‪ ،‬فوضى‬ ‫عارمة تجتاح المكان‪ ،‬لم يعد يعرف‬ ‫من هو المشارك ومن هو المتفرج‪،‬‬ ‫حال��ة م��ن ع��دم التصدي��ق والفرح‬ ‫واالرتجال تعم الناس‪ ،‬لم تطل تلك‬

‫المظاه��رة أكثر من س��اعة‪ ،‬لينتهي‬ ‫ذل��ك الي��وم بالصالة على الش��هداء‬ ‫الغائبي��ن ف��ي درع��ا وليمض��ي كل‬ ‫مشارك الى مراجعة مسؤولياته‪.‬‬ ‫ق��ال لي صاحبي وه��و يتذكر بعد‬ ‫خمس س��نين ذلك اليوم‪« :‬لم يكن‬ ‫مخططا لها لألمانة‪ ،‬ما جرى أن أحد‬ ‫الش��باب طلب من اإلم��ام في صالة‬ ‫الجمعة الدعاء لشهداء درعا‪ ،‬ليقوم‬ ‫مخب��ر للنظ��ام بضربه بالح��ذاء‪ ،‬ما‬ ‫أش��عل المس��جد‪ ،‬وأصر عش��رة من‬ ‫الش��بان عل��ى قراءتها خارج��ًا ومن‬ ‫ث��م لينطل��ق هت��اف ش��اب قلة من‬ ‫كانوا يعرفونه لصغر س��نه ودماثة‬ ‫أخالق��ه‪ ،‬بال��روح بال��دم نفدي��ك يا‬ ‫درعا‪ ،‬بالروح بالدم نفديك يا شهيد‪،‬‬ ‫اهلل سوريا حرية وبس»‪.‬‬ ‫ذل��ك الش��اب ه��و «ح��اف» ال��ذي‬ ‫س��يكون ل��ه دور كبي��ر ف��ي أعطاء‬ ‫روح النبل والفروس��ية للمظاهرات‬ ‫وللسالح فيما بعد‪.‬‬ ‫تناقل الناس أن قس��مًا كبيراً ممن‬ ‫أدوا الص�لاة لم يكونوا على وضوء‪،‬‬ ‫كما اتهم بع��ض المتفرجين هؤالء‬ ‫المصلي��ن بمجموع��ة م��ن األوالد‬ ‫والجهل��ة بم��ا ينتظره��م‪ ،‬وعب��ر‬ ‫الكثي��رون ع��ن ع��دم اس��تعدادهم‬ ‫للتظاه��ر م��ع هك��ذا أش��خاص‪،‬‬ ‫ف��ي إش��ارة لتفوقه��م االجتماع��ي‬ ‫والطبقي»‪.‬‬ ‫«حم��ل ثقي��ل انزاح ع��ن صدري‪،‬‬ ‫ش��عرت ب��أن تل��ك الصرخ��ات التي‬ ‫أطلقتها كان يجب أن اصرخ بها منذ‬ ‫زمن‪ ،‬فرح هائل وس��عادة لم أحس‬ ‫بها م��ن قبل‪ ،‬كل عم��ري وأنا أخاف‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 127‬أذار ‪2016‬‬

‫من المخابرات لكن في تلك اللحظة‬ ‫لم أش��عر بأي خ��وف» هذا م��ا قاله‬ ‫معن أحد المشاركين‪.‬‬ ‫املظاهرة الثانية ‪2011/4/8‬‬ ‫كتبت الالفت��ات بليل‪ ،‬وخبأت تحت‬ ‫الثي��اب ومع خ��روج الن��اس من باب‬ ‫المسجد‪ ،‬بدأ انتظار الجميع للصرخة‬ ‫األول��ى‪ ،‬يتباط��أ الن��اس بالمغادرة‪،‬‬ ‫بعي��ون ح��ذرة يبحثون ع��ن البداية‬ ‫يج��رون أحادي��ث يقنعون أنفس��هم‬ ‫بأنها حجة للبق��اء‪ ،‬فالبقاء بحد ذاته‬ ‫مش��اركة تحس��ب عليهم‪ ،‬ثوان من‬ ‫االنتظ��ار ث��م ينب��ري ش��بان صغار‬ ‫بصرخات الوالدة‪.‬‬ ‫جم��ع غفير ودم��وع فرح وش��عور‬ ‫بالخالص القريب تس��ير المظاهرة‬ ‫كس��يل ج��ارف ال يمك��ن لش��يء أن‬ ‫يوقف��ه أو يمنعه‪ ،‬الرع��ب والمتعة‪،‬‬ ‫الخوف واللذة‪ ،‬الوالدة واأللم‪.‬‬ ‫مازالت المظاهرة تن��ادي بالحرية‬ ‫وباإلصالح بال إسقاط للنظام‪ ،‬الخط‬ ‫األحم��ر الذي تمس��ك ب��ه األمن لم‬ ‫يدم طوي ً‬ ‫ال‪ ،‬حلق��ات النقاش ازدادت‬ ‫ح��د ًة وعدداً‪ ،‬التجمع��ات صارت تأخذ‬ ‫صف��ات سياس��ية‪ ،‬كل المتظاهرين‬ ‫أخ��وة‪ ،‬ول��م يع��د لألخ��وة أي معنى‬ ‫م��وال‪« ،‬األخ��وة‬ ‫إن كان أحده��م‬ ‫ٍ‬ ‫األعداء» ظاهرة انتش��رت بس��رعة‬ ‫ف��ي المجتمع الذي تعرض لش��روخ‬ ‫عميقة أصابت العائالت‪ ،‬حتى الزواج‬ ‫ً‬ ‫هش��ة أم��ام هذا‬ ‫كمؤسس��ة ب��دت‬ ‫الطوفان القادم‪.‬‬ ‫قل��ة ه��م المؤمنين ب��روح الثورة‬ ‫وه��م الذي��ن كان��وا الضم��ان لعدم‬


‫محليات‬ ‫انحرافه��ا بش��كل مبك��ر‪ ،‬وهم من‬ ‫ناضل��وا لك��ي تبق��ى ث��ورة نظيفة‬ ‫وللجمي��ع‪ ،‬لك��ن لم يمتلك��وا القدرة‬ ‫عل��ى تحصين ثورته��م ال من حيث‬ ‫التنظيم واإلدارة وال من حيث الرؤية‬ ‫في حماية أهدافها‪.‬‬ ‫روح التف��اؤل الت��ي س��رت ف��ي‬ ‫س��وريا ش��جعت الناس على حضور‬ ‫المظاه��رة الثاني��ة الت��ي تأجل��ت‬ ‫أس��بوعًا‪ ،‬وق��د أعط��ت ه��ذه الفترة‬ ‫الفرص��ة لم��ن تأس��ف عل��ى ع��دم‬ ‫حض��وره المظاه��رة األول��ى أو لمن‬ ‫أراد أن يأخ��ذ وقته في التفكير قرار‬ ‫المشاركة‪.‬‬ ‫ازدي��اد ع��دد المتظاهرين يعطي‬ ‫إحساساً باألمان والقوة للمشاركين‪،‬‬ ‫كم��ا يؤك��د صوابية موقفه��م‪ ،‬وان‬ ‫الخوف الذي منع الناس من التظاهر‬ ‫سابقًا انكس��ر األن‪ ،‬وصار استطالع‬ ‫حجم الحضور والسؤال عن الغائبين‬ ‫والترحي��ب ب��كل جديد‪ ،‬م��ن روتين‬ ‫كل مظاهرة‪ ،‬ما خلق رابطة س��رية‬ ‫نش��أت المتظاهري��ن‪ ،‬أخ��وّة وثقة‪،‬‬ ‫ورفقة تمرد‪.‬‬ ‫يف فرع الأمن الع�سكري‬ ‫مذك��رات الحض��ور الت��ي وصل��ت‬ ‫للمش��اركين بس��رعة م��ن أف��رع‬ ‫األمن ل��م تقلل من اإلحس��اس بأن‬ ‫أم��راً هائ ً‬ ‫ال وحدث جل��ل يفوق حجم‬ ‫األم��ن والمخاب��رات قد ح��دث‪ ،‬ولم‬ ‫يع��رف أح��داً ما س��يؤول إليه مصير‬ ‫المتمردين المغامرين‪.‬‬ ‫«لق��د وعد الس��يد الرئي��س وهو‬

‫ص��ادق حي��ن يع��د بأن��ه س��يجري‬ ‫إصالح��ات قريب��ة‪ ،‬لكن ل��ن تصبح‬ ‫س��وريا مث��ل ليبيا أو تون��س إياكم‬ ‫أن تتظاه��روا م��رة أخ��رى»‪ ،‬قاله��ا‬ ‫العمي��د نوف��ل رئي��س ف��رع األمن‬ ‫العس��كري ف��ي محافظ��ة ادلب بعد‬ ‫أن ض��رب بيده عل��ى الطاولة بقوة‪،‬‬ ‫كان ذلك ف��ي مكتبه في فرع األمن‬ ‫حي��ن اجتمع مع كل م��ن تظاهر في‬ ‫البلدة‪ ،‬وصافحهم واحداً واحداً بوجه‬ ‫مبتسم وبشوش حتى كاد أن يطلب‬ ‫لهم الشاي إال أن العدد الكبير أعجزه‬ ‫عن تقديم الضيافة‪.‬‬ ‫موظفون ال موالون‬ ‫ق��درة النظ��ام عل��ى رب��ط رزق‬ ‫الناس ووظائفهم بوالئهم له‪ ،‬كانت‬ ‫إحدى أكبر العقد المحيرة في عقول‬ ‫الناس التي بدأت تصنف وتؤطر من‬ ‫حولها‪ ،‬الموظف��ون بما يملكون من‬ ‫وعي إداري ووظيفي كانوا يدركون‬ ‫فساد النظام‪ ،‬لكنهم كانوا عاجزين‬ ‫عن االلتح��اق بالتظاه��ر والمغامرة‬ ‫بق��وت أبنائهم‪ ،‬ظلت ح��االت التمرد‬ ‫قليلة من الموظفين في حين تحمل‬ ‫معظمه��م س��خط الجمه��ور الثائ��ر‬ ‫وال��ذي كان يراوح مابي��ن تخوينهم‬ ‫وتقدير موقفهم أحيانًا‪.‬‬ ‫يواج��ه مصعب وه��و مهندس لم‬ ‫يتخ��ل ع��ن وظيفت��ه رفاق��ه الذين‬ ‫استنكروا عليه حد الغضب والقطيعة‬ ‫خروج��ه بإحدى المس��يرات المؤيدة‬ ‫في المحافظة‪« :‬ماذا س��أفعل‪ ..‬لقد‬ ‫س��اقونا من الدائرة غصبًا لنقف في‬ ‫إحدى الس��احات مرغمين ب»مسيرة‬

‫عفوية»‪ ،‬ولو كان ل��ي عمل أخر لما‬ ‫التحقت بوظفيت��ي لكن لدي أطفال‬ ‫وعائلة وعلي أن أطعمهم»‬ ‫تش��ييع الش��هيد «غس��ان العبدو»‬ ‫أول جندي ش��هيد رفض إطالق النار‬ ‫على المتظاهرين ‪2011/4/26‬‬ ‫من أب��رز األح��داث التي س��اهمت‬ ‫بحس��م خي��ار األهال��ي استش��هاد‬ ‫الش��اب غس��ان العبدو‪ ،‬الذي رفض‬ ‫إط�لاق النار عل��ى المتظاهرين في‬ ‫درع��ا‪ ،‬القصص الت��ي كانت تحكي‬ ‫عن إعدام كل جندي يرفض إطالق‬ ‫الن��ار عل��ى المتظاهرين ل��م تترك‬ ‫مجا ًال لمش��كك في س��بب استشهاد‬ ‫غس��ان‪ ،‬ث��ار أهال��ي البل��دة غضباً‪،‬‬ ‫وانض��م الكثي��رون للحش��د ال��ذي‬ ‫انتظ��ر الجثمان عند بيت��ه‪ ،‬ليفاجأوا‬ ‫بمنظ��ر فاقع م��ن التناقض‪ ،‬ضباط‬ ‫الجي��ش ومراس��م عس��كرية كانوا‬ ‫يتقدم��ون الموكب مع باقات الورود‪،‬‬ ‫مش��هد يختصر كل الك��ذب والخداع‬ ‫الت��ي ب��رع به��ا النظ��ام وحفظه��ا‬ ‫الن��اس‪ ،‬ترافقهم كمي��را التلفزيون‬ ‫الس��وري‪ ،‬طرده��م المتظاه��رون‬ ‫بس��رعة وهتفوا بأل��م «كاذب كاذب‬ ‫كاذب اإلعالم السوري كاذب»‪.‬‬ ‫أن��ور خط��اب أح��د الموالي��ن قبل‬ ‫الحادثة والذي استش��هد بعد شهور‬ ‫قليل��ة وه��و يجاب��ه جي��ش النظام‬ ‫أثن��اء اقتحام��ه للبل��دة ق��ال‪« :‬نعم‬ ‫كنت موالي��اً لكن بعد ه��ذه الحادثة‬ ‫لن أوالي أحدا إال المظاهرة‪ ،‬لم أكن‬ ‫أتوقع أن يأمر أبنائنا بقتلنا ويقتلهم‬ ‫إن لم يرضخوا»‬ ‫زوار اللي��ل يقتحم��ون البل��دة يف �ساع��ة‬ ‫مت�أخرة من الليل‬ ‫بعد منتصف ليلة ‪2011/4/30‬‬ ‫ف��ي الس��اعة الثانية لي�ل ً‬ ‫ا داهمت‬ ‫مجموعة من س��يارات األمن البلدة‪،‬‬ ‫قادم��ة من ادلب واعتقل��ت أكثر من‬ ‫‪ 30‬ش��خصاً‪ ،‬باألدب المعروف عنهم‬ ‫اقتحموا بي��وت المطلوبين وأرهبوا‬ ‫النس��اء واألطفال وتسلقوا األسطح‬ ‫وكسروا األبواب‪ ،‬في مشهد يؤكد أن‬ ‫ال أمل بحل س��لمي مع ه��ذا النظام‬ ‫األمني‪.‬‬ ‫انتش��رت س��يارات األم��ن في كل‬ ‫أحياء البلدة كذئاب جائعة‪ ،‬حمى من‬ ‫االتص��االت بي��ن المتظاهرين بأخر‬ ‫الليل تحذر م��ن المداهمات وهروب‬ ‫قس��م كبير الى خارج البلدة وس��ط‬ ‫خوف األهالي ورعبهم الذين سمعوا‬ ‫أص��وات أبنائه��م وصراخه��م جراء‬ ‫الض��رب‪ ،‬في ج��و من الرع��ب الذي‬

‫أع��اد لألذه��ان أحداث حماه وجس��ر‬ ‫الش��غور لينقل��وا المعتقلين بعدها‬ ‫الى أفرع األمن بادلب‪.‬‬ ‫خرج معظم المعتقلين بعد اسبوع‬ ‫لتبق��ى تلك الحادثة عالقة باألذهان‬ ‫وبان الش��يء تغير بأس��اليب النظام‬ ‫وكان عل��ى المتظاهري��ن أن يأخذوا‬ ‫حذره��م واحتياطاته��م م��ن تل��ك‬ ‫االقتحامات‪ ،‬وبدأوا بالنوم في أماكن‬ ‫مخفية لتبدأ مرحلة جديدة في حياة‬ ‫المتظاهرين الذين حرموا من النوم‬ ‫في بيوته��م وليس��تبدلوها بإمكان‬ ‫تتغير كل فترة‪.‬‬ ‫اجلي���ش ال�سوري يقتحم البل��دة لأول مرة‬ ‫بحثا عن م�سلحني ‪2011/8/11‬‬ ‫رت��ل طويل من الدباب��ات والجنود‬ ‫وس��يارات الش��بيحة واألمن يقفون‬ ‫ف��ي س��اعة مبك��رة عل��ى مش��ارف‬ ‫البلدة يتهيئون القتحامها‪ ،‬يرافقهم‬ ‫عناص��ر أم��ن وش��بيحة‪ ،‬ف��ي جولة‬ ‫كانوا قد قاموا به��ا على عدة بلدات‬ ‫أخرى‪ ،‬لم يكن الخوف كبيراً‪ ،‬إذ كانت‬ ‫بقايا من ثقة ما ت��زال لدى األهالي‬ ‫بأن الجيش ال يمكن أن يؤذي النساء‬ ‫والذين لم يش��اركوا بالحراك‪ ،‬هرب‬ ‫المتظاه��رون جميعه��م م��ن البلدة‬ ‫منكس��رين م��ن تركه��م لعائالتهم‬ ‫للمجه��ول‪ ،‬لم تح��دث أي��ة مقاومة‬ ‫فل��م يك��ن هنال��ك أي س�لاح‪ ،‬فتح‬ ‫الجي��ش نيران أس��لحته الثقيلة في‬ ‫الش��وارع‪ ،‬واقتحموا البيوت بحثا عن‬ ‫المسلحين األش��باح‪ ،‬وانسحبوا بعد‬ ‫أن اعتقل��وا مئات األش��خاص الذين‬ ‫لي��س لهم ذنب س��وى أنه��م وثقوا‬ ‫به��ذا الجيش وبق��وا ف��ي بيوتهم‪،‬‬ ‫دام اعتق��ال أغلبهم لثالثة ش��هور‪،‬‬ ‫تعرض��وا خالله��ا لمختل��ف أن��واع‬ ‫التعذيب‪.‬‬ ‫ً‬ ‫�صبوا م��اءً مغليا عل��ى ر�أ�س��ه وقتلوه حتت‬ ‫التعذيب‪� ..‬أحمد �صالح قدور وثورة بلدة‬ ‫‪2011/9/4‬‬ ‫اعتقلوه على حاجز القبان‪ ،‬انزلوه‬ ‫من السيارة ونقلوه الى حاجز معمل‬ ‫الزيت ليس��وموه أنواع العذاب‪ ،‬قيل‬ ‫أن الضاب��ط كان يس��كب علي��ه ماء‬ ‫المتة المغل��ي أثناء ش��ربها‪ ،‬ورموه‬ ‫في المشفى الوطني‪ ،‬واضطر أهله‬ ‫للتوقيع على وثيقة تفيد بأن س��بب‬ ‫الوفاة هو العصابات المس��لحة لكي‬ ‫يحصل��وا عل��ى جثته كما ح��دث مع‬ ‫أهل الشهيد غسان العبدو‪.‬‬ ‫ل��م تش��هد البل��دة حش��دا مثل ما‬ ‫حدث في ذلك اليوم‪ ،‬نهر من البش��ر‬ ‫الناقمي��ن انتش��ر من وس��ط البلدة‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 125‬أذار ‪2016‬‬

‫‪9‬‬


‫مجتمع‬ ‫حت��ى ضواحيها‪ ،‬غضب ش��عبي‬ ‫عارم‪ ،‬واروه ف��ي مقبرة بجانب‬ ‫بيت��ه وطري��ق حل��ب دمش��ق‪،‬‬ ‫الذي ش��هد على مدار الس��نوات‬ ‫القادم��ة كل تط��ورات الث��ورة‬ ‫م��ن عجرها وبجره��ا‪ ،‬من نبلها‬ ‫وس��قطاتها‪ ،‬وليظل قب��ر أحمد‬ ‫يش��حذ في نفوس الشباب روح‬ ‫المقاومة التي انطلقت ببواريد‬ ‫صي��د بس��يطة لتجاب��ه ه��ذا‬ ‫اإلجرام الطاغي‪.‬‬ ‫وتدور األيام لتظهر في نهاية‬ ‫‪ 2011‬جماع��ة حس��م األم��ر‬ ‫الغامضة والمبهمة التي امتازت‬ ‫بس��رية حركاته��ا وبامتالكه��ا‬ ‫لس�لاح حدي��ث‪ ،‬ث��م ليقتح��م‬ ‫الجيش س��راقب للم��رة الثانية‬ ‫ويق��ع عدد كبي��ر من الش��هداء‬ ‫وهم يدافعون ع��ن بلدهم في‬ ‫‪ ،2012/3/24‬لتدخ��ل البل��دة‬ ‫مجبرة على المش��هد العسكري‬ ‫والدموي الذي ل��م ينته بتحرير‬ ‫معمل الزيت والحواجز المحيطة‬ ‫بها في ‪.2012/11/29‬‬ ‫ال يمك��ن لن��ص أن يختص��ر‬ ‫تجربة بلد في الثورة‪ ،‬ففي كل‬ ‫تفصي��ل صغي��ر أالف الحكايات‬ ‫واآلالم وف��ي كل صرخة حيوات‬ ‫تتب��دل‪ ،‬ال يمك��ن لن��ص أن‬ ‫يق��ول ما فكر ب��ه المتظاهرون‬ ‫والش��هداء‬ ‫والمعتقل��ون‬ ‫والمش��ردون‪ ،‬ال يمكن للحروف‬ ‫أن توصل خوف األمهات وانتظار‬ ‫الزوج��ات وش��وق الالجئين‪ ..‬ال‬ ‫تطلب��وا اإلنصاف م��ن الكلمات‬ ‫ف��ي مواجهة الثورة‪ ،‬هي عاجزة‬ ‫أم��ام بلد وش��عب ث��ار لكرامته‬ ‫وحريت��ه فلم يجد س��وى الموت‬ ‫جواب‪.‬‬ ‫وكم��ا ب��دأت الحكاي��ة‪ ،‬ع��ادت‬ ‫المظاهرات بعد خمس س��نوات‬ ‫ال��ى س��يرتها األول��ى‪ ..‬ضعيفة‬ ‫ومرتبك��ة وخائف��ة‪ ،‬لكنه��ا في‬ ‫المقاب��ل ترك��ت األس��د ش��بحًا‬ ‫ال يمل��ك ق��راراً عل��ى حراس��ه‪،‬‬ ‫وحولت��ه ال��ى موظ��ف ينف��ذ‬ ‫ق��رارات اإليرانيي��ن وال��روس‬ ‫الذين س��معت قرار انس��حابهم‬ ‫األن من سوريا‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫“هدنة” �سوريا يف عيون �أبنائها‪ :‬بارقة‬ ‫�أمل‪ ..‬نريد �أن نعود!!‬ ‫تحرير زيتون‬ ‫هدأت رحى المعارك في س��وريا‬ ‫بشكل كبير وانطفأت نار الجبهات‬ ‫الس��اخنة‪ ،‬وبقيت أخرى مش��تعلة‬ ‫بنس��بة قليل��ة‪ ،‬مع دخ��ول الهدنة‬ ‫الس��ورية األس��بوع الثال��ث من��ذ‬ ‫بدء س��ريانها ف��ي تمام الس��اعة‬ ‫‪ 12:00‬من ليل الجمعة ‪ 26‬شباط‬ ‫‪2016‬م‪ ،‬م��ا انعكس على الداخل‬ ‫الس��وري وصو ً‬ ‫ال إل��ى دول اللجوء‬ ‫في الجوار‪.‬‬ ‫المص��ادر الميداني��ة لـ»زيتون»‬ ‫أف��ادت ب��أن اتفاق الهدنة اس��تمر‬ ‫ف��ي الس��ريان ف��ي نس��بة غالبة‬ ‫م��ن األراض��ي الس��ورية‪ ،‬عل��ى‬ ‫جانبيها الخاضع لس��يطرة النظام‬ ‫وميليش��ياته واألخ��رى الخاضع��ة‬ ‫لس��يطرة الفصائ��ل المعارض��ة‪،‬‬ ‫مع تس��جيل نس��بة من الخروقات‬ ‫التي عطلت تطبيق��ه في مناطق‬ ‫عدة ش��مالية وجنوبية ووس��طى‬ ‫وغربي��ة‪ ،‬لكنه��ا ل��م تخل��ع ع��ن‬ ‫“الهدنة” س��مة اله��دوء الميداني‪،‬‬ ‫م��ا بدا واضح��ًا في ارتف��اع حركة‬ ‫التج��ارة والزراع��ة ومع��دالت‬ ‫الع��رض والطل��ب ف��ي األس��واق‬ ‫بنسبة جيدة عن سابقتها‪.‬‬ ‫أبو سامح حريري‪ ،‬مقيم بمخيم‬ ‫للنازحي��ن غ��رب درع��ا‪ ،‬يق��ول‬ ‫لـ”زيتون”‪“ :‬إن استمر الهدوء على‬ ‫هذه الحالة فإن األمور س��تحل إن‬ ‫ش��اء اهلل‪ ،‬الهدنة اآلن بارقة أمل‪،‬‬ ‫نح��ن يهمن��ا أن نلتق��ط أنفاس��نا‬ ‫كمدنيين‪ ،‬وال يهمنا أي ش��يء آخر‬ ‫بع��د اآلن ولن نقبل أية حس��ابات‬ ‫أخ��رى‪ ..‬أخ��ي نري��د أن نعي��ش!‬ ‫ألي��س من حقن��ا ذلك؟ وم��ع هذا‬ ‫فنح��ن ال نقب��ل المس��اومة على‬ ‫الثورة‪ ،‬لكن الهدنة ضرورية لكي‬ ‫تهدأ النفوس‪ ،‬وهي مكس��ب كبير‬ ‫للسوريين في المناطق”‪ ،‬على حد‬ ‫تعبيره‪.‬‬ ‫ويضي��ف “أنا أعمل ف��ي التجارة‬ ‫الح��رة‪ ،‬من��ذ الي��وم األول التفاق‬ ‫الهدنة ارتفع في درعا والقنيطرة‬ ‫وريفهما مستوى العرض والطلب‬ ‫على البضاعة وبدت األس��واق في‬ ‫حركة أنش��ط في مناطق النظام‬

‫والمح��ررة أيض�� ًا‪ ،‬كذل��ك خ��رج‬ ‫الن��اس إلى مزارعهم ألنه لم يبق‬ ‫لديهم قوت يومهم‪ ،‬أختلط كثيرا‬ ‫بالن��اس كل ي��وم وأنا كش��خص‬ ‫أق��ول لك م��ع أنني أب لش��هيدين‬ ‫نريد وق��ف هذا الصراع‪ ،‬نريد حل‬ ‫يرغم األسد على الرحيل‪ ،‬ال نريد‬ ‫مش��اريع أخ��رى تمر على حس��اب‬ ‫ثورتنا”‪.‬‬ ‫وتق��ول مي��ادة م‪ .‬وه��ي الجئة‬ ‫مقيمة في مدين��ة كلس التركية‬ ‫إنها كانت س��تعود مع أطفالها إلى‬ ‫ريف إدلب لو شملها اتفاق الهدنة‪،‬‬ ‫لكنه��ا علم��ت أنها غير مش��مولة‬ ‫بس��بب وجود جبهة النصرة فيها‪،‬‬ ‫وتضي��ف‪“ :‬ال أفه��م ل��م ال توافق‬ ‫الجبهة على الهدنة‪ ،‬لماذا ال تكون‬ ‫مث��ل باقي الجي��ش الحر‪ ،‬ألم تأت‬ ‫لمناص��رة الس��وريين؟ كنت أنوي‬ ‫الع��ودة مع أطفال��ي‪ ،‬هناك يقيم‬ ‫قس��م م��ن أهل��ي‪ ،‬لك��ن اآلن ال‬ ‫يمكنني المجازفة بهم‪.”..‬‬ ‫م��ن جانبه‪ ،‬يش��دد عب��د الرزاق‬ ‫خوال��دة‪ ،‬وهو مقات��ل في الجيش‬ ‫الحر شمال حمص على أنهم قبلوا‬ ‫بالهدن��ة ووقعوا عليه��ا لـ”حماية‬ ‫المدنيين وحقن الدماء السورية”‪،‬‬ ‫ويضي��ف‪“ :‬نح��ن اآلن نرابط على‬ ‫الجبه��ات فق��ط‪ ،‬ال نقات��ل وال‬ ‫نق��وم بعملي��ات هج��وم‪ ،‬الوضع‬ ‫جيد بالعم��وم‪ ،‬هناك خروقات من‬ ‫النظام لكنها قليلة هنا‪ ،‬نحن لسنا‬ ‫ض��د الهدن��ة أو تمديدها ألننا في‬ ‫النهاية سوريين وأبناء البلد ونريد‬ ‫ما يريده السوريون جميع ًا‪.”..‬‬ ‫وم��ع دخ��ول الهدن��ة المي��دان‬ ‫السوري‪ ،‬ال يبدو االرتياح في الرقة‬ ‫ودير ال��زور على مدنييه��ا‪ ،‬الذين‬ ‫دقّ فيها رقابهم لس��نوات الثورة‬ ‫الماضي��ة نظ��ام األس��د وتنظيم‬ ‫داعش معًا‪ ،‬فيم��ا “رعبٌ حقيقي‬ ‫هوليودي في المدن واألرياف وما‬ ‫بعدها وصو ً‬ ‫ال إلى أرياف الحسكة”‬ ‫كما تقول سماهر من الرقة‪.‬‬ ‫وتضي��ف “هنا الن��اس كمن يبلع‬ ‫الم��وس على الحدي��ن‪ ،‬ال هي قد‬ ‫نج��ت من بط��ش النظ��ام وال من‬ ‫جرائ��م داع��ش وال م��ن قص��ف‬ ‫التحال��ف وال روس��يا وال النظ��ام‪،‬‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 127‬أذار ‪2016‬‬

‫الكل يقصف الكل يضرب بش��دة‪،‬‬ ‫المدنيي��ن ضحاي��ا الجمي��ع‪ ،‬ال‬ ‫ذنب لن��ا أننا كنا حي��ث كانت هذه‬ ‫الخفافي��ش‪ ،‬اآلن نح��ن نحس��د‬ ‫السوريين على ما هم فيه‪ ،‬صرنا‬ ‫نحل��م بي��وم نفيق في��ه من دون‬ ‫صوت طي��ران‪ ..‬كل��ه مجهول في‬ ‫الجو ال نعلم لمن يعود‪ ،‬لكن نعلم‬ ‫أن��ه س��يقصف ويقتل من��ا أناس‬ ‫أبرياء وليس من داعش في غالب‬ ‫الحاالت‪.”!!..‬‬ ‫وف��ي النهاية‪ ،‬يرى س��عيد وهو‬ ‫مقات��ل ف��ي جبهة ث��وار س��وريا‬ ‫الجنوبي��ة‪ ،‬أن “الجي��ش الح��ر لن‬ ‫يخ��ذل الس��وريين‪ ،‬س��واء رغبوا‬ ‫في اس��تمرار الهدنة أو انتهائها”‪،‬‬ ‫ويؤكد “جبهات القتال ليست باردة‬ ‫كم��ا يق��ال حاليًا بل ت��م تبريدها‬ ‫بمفع��ول االتف��اق ال��ذي وقع��ت‬ ‫علي��ه عش��رات الفصائ��ل التابعة‬ ‫للجي��ش الح��ر ونحن منه��م‪ ،‬لذا‬ ‫نحن ملتزمون ولي��س من عادتنا‬ ‫اإلخ�لال باالتفاقات التي نعقدها‪،‬‬ ‫ال س��يما م��ا يتعلق منها بس�لامة‬ ‫األهال��ي ومصلح��ة الس��وريين‬ ‫جميع ًا وفي إيجاد حل سريع يحقن‬ ‫الدماء”‪.‬‬ ‫وبي��ن تأكي��دات المص��ادر‬ ‫العسكرية في الجيش الحر‪ ،‬التي‬ ‫أبلغ��ت “زيت��ون” أن الهدن��ة ف��ي‬ ‫طريقه��ا للس��ريان لوق��ت أطول‪،‬‬ ‫وارتي��اح األهال��ي ف��ي الداخ��ل‬ ‫للهدن��ة كفكرة تحق��ن الدماء من‬ ‫جهة‪ ،‬وبين أمل طالت حدوده لدى‬ ‫الالجئي��ن المهجرين م��ن بيوتهم‬ ‫ف��ي الع��ودة إليه��ا‪ ،‬يبق��ى الوقت‬ ‫القادم الس��يد الفص��ل بين وهج‬ ‫اآلمال وبي��ن إفرازات الواقع مع ما‬ ‫ستحمله تلك األيام للسوريين‪.‬‬


‫مجتمع‬

‫عمالة الأطفال “رائجة” يف الزعرتي‬ ‫على مر�أى املنظمات الدولية‬ ‫تحرير زيتون‬ ‫“ب��دي أص��رف عل��ى أم��ي‬ ‫وإخواتي‪ ..‬حق خبز ما معنا ‪ ..‬الزم‬ ‫أش��تغل وإال بيقتلنا الجوع‪.. ”!!..‬‬ ‫بعفوية خرج��ت الكلمات المريرة‬ ‫ممزوجة بخجل الطفولة من فم‬ ‫الطف��ل الس��وري محم��ود البالغ‬ ‫م��ن العمر ‪ 11‬عام‪ ،‬وهو يمس��ح‬ ‫بي��ده جبينه المغب��ر‪ ،‬حيث يعمل‬ ‫في استخراج الحصى من أرضية‬ ‫مخي��م الزعت��ري ش��مال ش��رق‬ ‫األردن “م��ن الس��اعة السادس��ة‬ ‫صباح ًا حتى الثانية عش��ر ظهرا‪،‬‬ ‫ثم م��ن الس��اعة الثالث��ة عصراً‬ ‫حتى الس��ابعة مساء‪ ،‬وأحيانًا في‬ ‫الليل!!” كما يقول‪.‬‬ ‫قصة الطفل السوري “محمود”‬ ‫ه��ي واح��دة طبعاً م��ن قصص‬ ‫عشرات األطفال السوريين ممن‬ ‫ذاقوا مرارة اللج��وء واتجهوا إلى‬ ‫س��وق العمل ب��دل آبائهم‪ ،‬حيث‬ ‫قس��م منهم غدا بال آب��اء نتيجة‬ ‫الح��رب‪ ،‬وأخ��رون ب��ات أبائه��م‬ ‫يواجه��ون عراقي��ل وصعوب��ات‬ ‫كثي��رة ف��ي العمل داخ��ل وخارج‬ ‫المخيم‪.‬‬ ‫ويب��رز عم��ل األطف��ال بي��ن‬ ‫الالجئي��ن ف��ي مخي��م الزعتري‬ ‫كأح��د المس��ائل الباعث��ة عل��ى‬ ‫القل��ق‪ .‬فبالرغ��م م��ن تس��ليط‬ ‫الض��وء على ه��ذه الظاهرة قبل‬ ‫ذلك‪ ،‬إال أن الخصوصية واألهمية‬ ‫المنظ��ورة لهذه الموضوع تتبدى‬ ‫م��ن كونه��ا عمال��ة تت��م عل��ى‬ ‫م��رأى م��ن منظم��ات ذات صل��ة‬ ‫بحق��وق الطفل وأخ��رى بحقوق‬

‫اإلنس��ان ككل ف��ي المخي��م‪،‬‬ ‫كم��ا المفوضي��ة العليا لش��ؤون‬ ‫الالجئي��ن “‪ ،”UNHCR‬ومنظمة‬ ‫الطفول��ة العالمي��ة “‪،”UNICEF‬‬ ‫ومنظمة إنق��اذ الطفولة “‪Save‬‬ ‫‪ ”the children‬وغيرها‪.‬‬ ‫مصادر من داخل المخيم تفيد‬ ‫لـ”زيت��ون ” بتزايد أعداد األطفال‬ ‫الس��وريين الالجئين في س��وق‬ ‫العمال��ة‪ ،‬واألث��ر الس��لبي الكبير‬ ‫له��ذه الظاه��رة عليه��م تعليميًا‬ ‫وصحيًا واجتماعيًا‪.‬‬ ‫محم��د م‪ .‬وه��و م��درس يعمل‬ ‫في مخي��م الزعت��ري‪ ،‬يحذر من‬ ‫ظاه��رة عمال��ة األطف��ال الت��ي‬ ‫يق��ول إنه��ا بات��ت مستش��رية‬ ‫في صف��وف األطف��ال الالجئين‬ ‫ف��ي المخي��م‪ ،‬ويق��ول‪“ :‬معروف‬ ‫للجميع م��ا هو الك��م الهائل من‬ ‫االنته��اكات الخطي��رة الت��ي ق��د‬ ‫يتع��رض له��ا الطف��ل ف��ي مثل‬ ‫األعمال التي يق��وم بها األطفال‬ ‫ف��ي الزعتري‪ ،‬فإلى جانب اإليذاء‬ ‫الجس��دي والنفس��ي غالب��ًا م��ا‬ ‫يتع��رض الطفل أيض��اً لالعتداء‬ ‫أو التح��رّش‪ ،‬فض�ل ً‬ ‫ا عن تركهم‬ ‫مقاع��د الدراس��ة ونح��ن األن‬ ‫نسجل عش��رات حاالت التسرب‪..‬‬ ‫هذه معضلة حقيقة!!”‪.‬‬ ‫“خال��د” عم��ره ‪ 7‬أع��وام‪ ،‬طفل‬ ‫س��وري الجئ يجوب كل يوم من‬ ‫فترة الصباح وحتى حلول الظالم‬ ‫بائع��ًا للحل��وى ش��وارع مخي��م‬ ‫الزعت��رى‪ ،‬يق��ول إنه يح��اول أن‬ ‫يحصّ��ل ما قيمته أرب��ع دوالرات‬ ‫عل��ى أقص��ى ح��د وأحيان��اً أقل‬ ‫م��ن ذلك بكثي��ر‪ ،‬تس��اعده على‬

‫العي��ش بكرامة مع أم��ه وإخوته‬ ‫الصغار بع��د أن فق��دوا والدهم‬ ‫جراء قصف النظام الس��وري أحد‬ ‫مناطق حمص‪ ،‬وسط البالد‪.‬‬ ‫أيض��اً‪ ،‬عل��ى الب��اب الرئيس��ي‬ ‫لمخي��م الزعت��ري يرص��د الزائر‬ ‫العشرات من األطفال السوريين‬ ‫الالجئي��ن داخل المخي��م والذين‬ ‫هم جميعًا في سن الدراسة خارج‬ ‫األماك��ن المخصص��ة لتعليمهم‬ ‫وتنمي��ة مهاراته��م‪ ،‬يج��رّ كل‬ ‫منه��م عرب��ة لنق��ل األمتعة في‬ ‫أج��واء غبارية وطق��س بارد جداً‬ ‫ش��تاء وحار جداً صيف��ًا‪ ،‬واألخطر‬ ‫من ذلك كله أنهم كانوا يتجولون‬ ‫خارج الح��دود الجغرافية للمخيم‬ ‫عل��ى الش��ارع الرئيس��ي ضم��ن‬ ‫بلدة “الزعتري” األردنية‪.‬‬ ‫س��امي‪ ،‬طف��ل م��ن القنيطرة‬ ‫يبل��غ م��ن العمر ‪ 12‬ع��ام‪ ،‬يعمل‬ ‫ف��ي تج��ارة خط��وط الرصي��د‬ ‫للج��واالت (التعبئة)‪ ،‬يق��ول‪“ :‬أنا‬ ‫أعمل ألنني يجب أن أتي بالنقود‬ ‫ألهل��ي‪ ،‬نحن لي��س عندنا مورد‬ ‫آخر‪ .‬عائلت��ي مكونة من ‪ 9‬أفراد‬ ‫‪ .‬أختي أيضاً وأبنائها تسكن معنا‬ ‫بذات (القرفانة)‪ ..‬زوجها مات‪ ..‬أنا‬ ‫المسؤول اآلن عنهم جميع ًا‪.”..‬‬ ‫وأن��ت تقت��رب م��ن أح��د محال‬ ‫الزعتري في وسط ما يعرف بين‬ ‫الالجئين بش��ارع “الشانزيليزيه”‬ ‫من باب الس��خرية‪ ،‬وهو الشارع‬ ‫الرئيس��ي ف��ي المخيم‪ ،‬تس��مع‬ ‫ص��وت إط�لاق ن��ار ش��ديد ‪!..‬‬ ‫ويتض��ح أنه “األت��اري”‪ .‬األطفال‬ ‫الس��وريين الذي��ن هرب��وا م��ن‬ ‫إطالق النار‪ ،‬الكثير منهم يلعبون‬

‫ألعاب إطالق النار في العديد من‬ ‫المح�لات المنتش��رة ف��ي أرج��اء‬ ‫المخيم‪.‬‬ ‫داخل إحدى المحال المخصصة‬ ‫أللعاب إط�لاق الن��ار‪ ،‬وفي وقت‬ ‫مخصص للدوام المدرس��ي تجد‬ ‫عشرات األطفال السوريين خارج‬ ‫المدارس‪!!..‬‬ ‫يضيف محم��د م‪ .‬المدرس في‬ ‫مخي��م الزعت��ري “يت��رك العمل‬ ‫القاس��ي على األطف��ال هنا في‬ ‫المخيم أثار س��لبية للغاية‪ ،‬منها‬ ‫أم��راض القلب والص��در وكذلك‬ ‫األم��راض الجلدي��ة وأم��راض‬ ‫الجه��از الهضم��ي والعصب��ي‬ ‫والتنفس��ي وأم��راض الغ��دد‬ ‫ونقص التغذي��ة وفقر الدم‪ ،‬إلى‬ ‫جانب المصاعب النفس��ية والتي‬ ‫يس��ببها الطق��س الصح��راوي‬ ‫المع��روف هنا‪ ،‬حيث يس��تمرون‬ ‫بالعم��ل لس��اعات طويل��ة ف��ي‬ ‫أعم��ال قس��م منها خط��رة على‬ ‫صحتهم”‪.‬‬ ‫وفي س��ؤال لـ”حسين”‪ ،‬الطفل‬ ‫الس��وري ابن الـ‪ 11‬عام‪ ،‬العامل‬ ‫في تجارة البح��ص في الزعتري‬ ‫ح��ول ترك��ه كطف��ل مقاع��د‬ ‫الدراس��ة للعمل مبكراً أجاب‪“ :‬أنا‬ ‫لس��ت طف ً‬ ‫ال‪ ..‬أن��ا (كبي��ر)‪ ،‬ليس‬ ‫المهم مس��تقبلي في المدرسة‪،‬‬ ‫بل األه��م منه ه��و أن نأكل وال‬ ‫نم��د أيدين��ا للن��اس‪ ..‬أختي أكبر‬ ‫مني س��ن ًا وأمي هنا أيضًا لكنني‬ ‫ال أرضى أن تعم��ل أمي أو أختي‬ ‫بوجودي‪ ..‬أنا الرجل في األس��رة‬ ‫اآلن‪.“ !!..‬‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 125‬أذار ‪2016‬‬

‫‪11‬‬


‫تقارير‬

‫مع�سكر زيزون‪ ..‬حيث الوجع‬ ‫له �شكل �آخر‬ ‫أسامة عيسى‬ ‫أف��رزت المواجه��ات المس��لحة‬ ‫وتطوراتها واقعًا إنسانياً مأساويًا‬ ‫ومزري ًا في محافظة درعا‪ ،‬جنوب‬ ‫سوريا‪ ،‬نتيجة األعداد الكبيرة من‬ ‫النازحين الذين فروا من القصف‪،‬‬ ‫س��واء ف��ي المناطق المس��يطر‬ ‫عليه��ا من جانب فصائ��ل الثوار‪،‬‬ ‫أو الخاضعة لس��يطرة النظام‪ ،‬ما‬ ‫أفرز بالمقابل تجمعات عشوائية‬ ‫للمهجرين في ع��دد من مناطق‬ ‫المحافظ��ة‪ ،‬لع��ل أهمه��ا مخيم‬ ‫«زيزون» غرب درعا‪.‬‬ ‫تبعد قرية «زيزون» عن مركز‬ ‫مدينة درعا قراب��ة ‪ 20‬كيلومتراً‬ ‫وتق��ع إل��ى الغ��رب منه��ا‪ ،‬وهي‬ ‫تجم��ع س��كاني يتب��ع لمنطق��ة‬ ‫المزيري��ب‪ .‬ويوج��د ف��ي البل��دة‬ ‫معس��كر لم��ا يس��مى «طالئ��ع‬ ‫البع��ث» أنش��ئ من��ذ حوالي ‪20‬‬ ‫عام�� ًا أو أكث��ر‪ ،‬ليتحول‪ ،‬ال س��يما‬ ‫مع مطلع العام ‪2013‬م إلى أهم‬ ‫نقطة تجم��ع للمدنيين النازحين‬ ‫م��ن المحافظ��ة وغيره��ا‪ ،‬بينها‬ ‫القنيطرة وريف دمشق وحمص‪،‬‬ ‫حي��ث س��كن الواف��دون إليه في‬ ‫غرف مسبقة الصنع متواجدة في‬ ‫المخيم أساسًا‪.‬‬ ‫مئ��ات المدنيي��ن يتواج��دون‬ ‫اآلن ف��ي ما يعرف بي��ن األهالي‬ ‫والنازحين بـ»معس��كر زيزون»‪،‬‬ ‫حي��ث ل��م يك��ن ل��دى ه��ؤالء‬ ‫خياراً آخراَ‪ ،‬س��يما بع��د أن قامت‬ ‫الس��لطات األردني��ة بإغ�لاق‬ ‫المعاب��ر الحدودي��ة م��ع س��وريا‬ ‫ووق��ف تدف��ق الالجئي��ن إليه��ا‪،‬‬ ‫وعلى رأس��ها معبر «تل شهاب»‬ ‫القريب ومعبر «نصيب» و»كويا»‬ ‫و»القصير ‪ -‬حيط»‪.‬‬ ‫أم رواد حري��ري‪ ،‬نازح��ة ف��ي‬ ‫مخي��م «زي��زون» مع س��بعة من‬ ‫أطفالها من��ذ الع��ام ‪2013‬م وال‬ ‫زالت تقي��م فيه‪ ،‬بعد استش��هاد‬ ‫زوجه��ا برصاص ق��وات النظام‪،‬‬ ‫تق��ول لـ»زيتون»‪« :‬ح��ال الناس‬ ‫هنا تبكي البشر والحجر‪ ،‬ال توجد‬ ‫خدمات نظافة وال صحة‪ ،‬الطعام‬ ‫والشراب بالحسرة علينا‪ ،‬ما يأتي‬

‫‪12‬‬

‫لبع��ض الفصائل توزع��ه علينا‪،‬‬ ‫وكل فت��رة يأتون إلين��ا بكرتونة‬ ‫صغي��رة ال تطعم األوالد خمس��ة‬ ‫أيام»‪.‬‬ ‫وتضي��ف «نحن نطل��ب وطلبنا‬ ‫أل��ف م��رة أن تأتي ما يس��مونها‬ ‫الحكومة المؤقت��ة أو االئتالف أو‬ ‫األم��م المتح��دة لزيارتنا هنا في‬ ‫المعس��كر‪ ،‬عندم��ا يأتوا س��يروا‬ ‫حالتن��ا ب��أم أعينهم‪ .‬وتتس��ائل‪:‬‬ ‫«ألي��س هن��اك مخصص��ات‬ ‫للنازحين؟ ألسنا نحن من تشردنا‬ ‫بسبب الحرب؟ أين نذهب بحالنا؟‬ ‫كل الح��دود مغلق��ة أمامنا؟ أقيم‬ ‫هن��ا م��ع أوالدي ف��ي غرق��ة ال‬ ‫تتسع لثالثة أشخاص‪ ،‬شتاء مثل‬ ‫العلقم مر علينا ال يعلم بحالنا إال‬ ‫اهلل وحده»‪.‬‬ ‫ويقول مزيد نواوي‪ ،‬وهو أيضًا‬ ‫نازح ف��ي المخيم من ريف درعا‪،‬‬ ‫إنه��م طلبوا لقاء مس��ؤولين في‬ ‫االئت�لاف الوطن��ي والحكوم��ة‬ ‫المؤقت��ة أو االتصال بهم لش��رح‬ ‫واق��ع الح��ال‪ ،‬لك��ن ذل��ك ل��م‬ ‫يحص��ل «ألن الحكومة واالئتالف‬ ‫منش��غلين بأم��ور أخ��رى» كم��ا‬ ‫يق��ول متهكماً‪ ،‬ويضي��ف «أقيم‬ ‫هن��ا م��ع ثماني��ة أوالد‪ ،‬بينه��م‬ ‫شبان في غرفة مساحتها تسعة‬ ‫أمتار‪ ،‬نضع كي نستر حالنا ساتر‬ ‫قماش��ي أم��ام الغ��رف كمطب��خ‬ ‫ومكان للغس��يل ونس��تخدم أحد‬

‫الغ��رف كحم��ام‪ ،‬ألن الحم��ام‬ ‫جماع��ي هن��ا‪ .‬التنظي��م ي��كاد‬ ‫يك��ون معدوم ل��وال جهود بعض‬ ‫الخيرين والمتطوعين‪ ،‬ومع ذلك‬ ‫فالوض��ع مأس��اوي ج��داً وال حال‬ ‫أردأ م��ن ال��ذي نعيش ب��ه اآلن‪،‬‬ ‫حياتنا مريرة‪ ،‬هؤالء المسؤولين‬ ‫في المعارضة ل��و كان لهم أوالد‬ ‫مشردين لحسّوا بنا!!»‪.‬‬ ‫يفتق��ر مخي��م زي��زون غ��رب‬ ‫درع��ا لوجود نق��اط طبية تخدم‬ ‫النازحي��ن المتواجدي��ن في��ه‪،‬‬ ‫القادمي��ن م��ن مناط��ق ريف��ي‬ ‫درعا الغربي والش��مالي الغربي‬ ‫والش��رقي والمدين��ة‪ ،‬وبع��ض‬ ‫منه��م م��ن نازح��ي القنيط��رة‬ ‫المج��اورة لدرع��ا غرب�� ًا‪ ،‬وقل��ة‬ ‫م��ن ريف��ي دمش��ق وحم��ص‪،‬‬ ‫مم��ن قدم��وا للخ��روج ل�لأردن‬ ‫وبقوا ف��ي المنطق��ة بعد إغالق‬ ‫الح��دود م��ن الجان��ب األردن��ي‪،‬‬ ‫وتش��ير المعلومات إلى أن أعداد‬ ‫القاطني��ن ف��ي المخي��م ال زالت‬ ‫بازدي��اد‪ ،‬ال س��يما م��ن األطفال‬ ‫والنساء وكبار السن‪.‬‬ ‫تق��ول سوس��ن‪ ،‬وه��ي الجئ��ة‬ ‫تقي��م مع والدتها الكبيرة الس��ن‬ ‫ف��ي المخيم‪« :‬الح��ال أصعب من‬ ‫أن يش��رح بالكالم‪ ،‬ال نظافة وال‬ ‫طع��ام وال م��اء وال كهرب��اء‪ ،‬عن‬ ‫أي ش��يء يتح��دث اإلنس��ان‪ .‬لقد‬ ‫أصبحنا س��لعة يتاج��ر بنا الجميع‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 127‬أذار ‪2016‬‬

‫ليجمع��وا الثروات عل��ى ظهورنا‪،‬‬ ‫المعارضة والنظام والدول كلها‪،‬‬ ‫نح��ن هن��ا نعي��ش بحماي��ة اهلل‬ ‫فقط وال نريد شيء من أحد ألننا‬ ‫طلبنا كثيراً ولم نحصل على أي‬ ‫حق‪.»..‬‬ ‫خدم��ات النظاف��ة ومعايي��ر‬ ‫الصحة العامة شبه معدومة في‬ ‫المخي��م الح��دودي م��ع األراضي‬ ‫األردني��ة‪ ،‬ما يش��كل خطراً على‬ ‫النازحي��ن داخل��ه بش��كل ع��ام‪،‬‬ ‫ال س��يما بفئ��ة األطف��ال‪ .‬كذلك‬ ‫الم��دارس منعدم��ة وخدم��ات‬ ‫التعليم والدع��م الغذائي غائبة‪.‬‬ ‫وال وج��ود لمس��توصفات صحية‬ ‫ف��ي المعس��كر‪ ،‬فيم��ا يق��دم‬ ‫مستوصف تل شهاب الذي يبعد ‪7‬‬ ‫كيلومترات عن المخيم الخدمات‬ ‫الطبية األولية للنازحين‪.‬‬ ‫س��الم خ‪ .‬نازح آخر في المخيم‬ ‫يق��ول‪« :‬أتيا بأوالدنا لهذا المكان‬ ‫كونه آم��ن نس��بيًا فق��ط‪ ،‬أردنا‬ ‫أن نك��ون بمن��أى ع��ن القص��ف‬ ‫وضربات الطي��ران‪ ،‬فوجدنا موت‬ ‫من نوع آخر هنا‪ .‬إذالل للحصول‬ ‫عل��ى مس��تحقاتك الغذائي��ة إن‬ ‫وجدت‪ ،‬ومعاناة ف��ي تأمين قوت‬ ‫يومك أن��ت وأطفالك ف��ي غالب‬ ‫األحي��ان‪ ،‬العم��ل غي��ر متوف��ر‪،‬‬ ‫واألطفال ال ترحم»‪.‬‬


‫ملف العدد‬

‫جريدة زيتون تتذكر "نهفات" النظام ال�سوري‬ ‫يف بدايات الثورة‬ ‫حازم حسون‬ ‫الكثير من «الغباء» في سياسة‬ ‫النظ��ام وبالتحدي��د عناصر أمنه‬ ‫ومخابرات��ه‪ ،‬تع��ود إل��ى تاريخ «‬ ‫التخلف» الذي رسّخه النظام في‬ ‫سوريا‪ ،‬عندما جعل عنصر األمن‬ ‫أهم م��ن طبيب مخض��رم‪ ،‬لكن‬ ‫م��ع بداية الث��ورة الس��ورية‪ ،‬بدأ‬ ‫يظه��ر للعل��ن بعد ان كان س��راً‪،‬‬ ‫معن��ى الغب��اء األمن��ي‪ ،‬وتحولت‬ ‫الكثي��ر من المواق��ف التي تجري‬ ‫بي��ن مواطنين س��وريين ورجال‬ ‫االمن إلى «نهفات» نقلوها الحقًا‬ ‫وأغنت سهراتهم بـ»الضحك»‪.‬‬ ‫وين الفي�سبوك يا حيوان؟؟‬ ‫سجل التاريخ طالب جامعة حلب‬ ‫كأول م��ن خ��رج ف��ي مظاهرات‬ ‫مناهض��ة للنظام ف��ي المدينة‪،‬‬ ‫وبأش��كال كثي��رة منه��ا م��ا ه��و‬ ‫علني وفي وسط الجامعة‪ ،‬إال ان‬ ‫المظاه��رات كما هو معروف في‬ ‫س��وريا لم تكن تنته��ي بصورة‬ ‫«سلمية»‪.‬‬ ‫مجموع��ة م��ن عناص��ر األم��ن‬ ‫« الهائجي��ن» بالمعن��ى الحرفي‬ ‫للكلم��ة‪ ،‬توجه��وا بع��د أح��د‬ ‫المظاه��رات إل��ى غرف الس��كن‬ ‫الجامع��ي‪ ،‬وقام��وا بتفتي��ش‬ ‫الغ��رف كله��ا‪ ،‬لك��ن م��ا أث��ار‬ ‫استغراب الطالب هو بحثهم عن‬ ‫«الفيسبوك»‪.‬‬ ‫في أحد الغرف سأل عنصر أمن‬ ‫م��ن الس��احل الس��وري الطالب‬ ‫المتواجدين «وين الفيس��بوك يا‬ ‫حي��وان»‪ ،‬اضطرب الط�لاب ولم‬ ‫يعرف��وا كي��ف س��يجيبون عل��ى‬ ‫السؤال مع اس��تمرار تصريحهم‬ ‫بع��دم معرف��ة أي��ن يك��ون‬ ‫الفيسبوك باإلضافة إلى استمرار‬ ‫عناصر األمن بالتفتيش‪.‬‬ ‫وج��د أخي��راً عناص��ر األم��ن‬ ‫الفيس��بوك «ال��ذي يريدون��ه»‬ ‫وه��و «البت��وب» ألح��د الطالب‪،‬‬ ‫رف��ع عنص��ر األم��ن «الالبتوب»‬ ‫وقال «عم تخبو عنا الفيس��بوك‪،‬‬ ‫وهاد ش��و عم يش��تغل‪ ،‬هاد مو‬

‫فيس��بوك‪ ،‬إي وهلل لنفرجيك��ن‬ ‫نجوم الضهر»‪.‬‬ ‫هيّئ هالفال�شة لقلك‬ ‫عل��ى أحد الحواج��ز‪ ،‬وقف عمار‬ ‫ينتظر دوره بالمرور‪ ،‬وبعد مرور‬ ‫ربع س��اعة وصل دوره‪ ،‬حيث قام‬ ‫عناصر الحاجز بتفتيش��ه‪ ،‬ووجد‬ ‫مع��ه أح��د العناص��ر «فالش��ة»‬ ‫لتخزين المعلومات‪.‬‬ ‫وبنظ��رة المكتش��ف لجريم��ة‬ ‫ش��نيعة قال عنص��ر األمن لعمار‬ ‫«معك فالشة‪ ،‬فالشة يا جحش»‬ ‫وتوجه فوراً إلى الضابط المناوب‬ ‫وأعط��اه «الفالش��ة» وأمس��ك‬ ‫بعمار بطريق��ة «المحكوم عليه‬ ‫باإلع��دام»‪ ،‬نظ��ر الضاب��ط إلى‬ ‫الش��اب ووض��ع الفالش��ة ف��ي‬ ‫«الالبت��و» كم��ا يس��ميه‪ ،‬ولكنه‬ ‫ل��م يعرف كي��ف يفتحه��ا فطلب‬ ‫بع��د مجموعة من الش��تائم من‬ ‫عمار التق��دم لفتحها ومعرفة ما‬ ‫بداخلها‪.‬‬ ‫وم��ن دون أي تفكي��ر قال عمار‬ ‫للضابط « سيدي مافيني افتحها‬ ‫هي��ك‪ ،‬هي بدها تهيئ��ة»‪ ،‬أجابه‬ ‫الضاب��ط «طي��ب ش��و منتظر يا‬ ‫غب��ي‪ ،‬هيئه��ا»‪ .‬وبالفع��ل ق��ام‬ ‫عمار بتهيئة «الفالشة» وفتحها‪،‬‬ ‫ث��م توج��ه للضاب��ط وق��ال ل��ه‬ ‫«س��يدي ه��ي الفالش��ة‪ ،‬فاضية‬ ‫وهلل مافيه��ا ش��ي» رد الضاب��ط‬ ‫علي��ه «أفيها ش��ي؟؟!! تعال كول‬ ‫كف بس ألنو معك فالشة‪ ،‬وروح‬ ‫انقلع لعنة اهلل عليك»‪.‬‬ ‫ما بتعرف تكتب �إمييلك بالعربي!!؟؟‬ ‫بعد تحقيق لس��اعات مع متهم‬ ‫بـ»الخ��روج ف��ي مظاه��رات»‬ ‫باإلضاف��ة طبع��اً إل��ى ض��رب‬ ‫وتعذي��ب‪ ،‬طل��ب الضاب��ط‬ ‫احض��ار المته��م ليتفاه��م معه‬ ‫بـ»الحسنى»‪.‬‬ ‫ق��ال الضاب��ط للش��اب المتهم‬ ‫«قع��ود ي��ا ابن��ي‪ ،‬يعن��ي انت��و‬ ‫حيوان��ات‪ ،‬لي��ش لتطلع��وا ض��د‬ ‫الرئيس مع انو كتير الزلمة أكابر‬ ‫ومنفتح» ل��م يرد علي��ه المتهم‬

‫بكلمة واحدة‪.‬‬ ‫أردف الضاب��ط « طي��ب يا ابني‬ ‫تع��ال فتحلي إيميل��ك ع هاالبتو‬ ‫لش��وف»‪ .‬بخ��وف أو رع��ب تقدم‬ ‫المته��م خط��وات وفت��ح صفحة‬ ‫موق��ع «‪ »Hotmail‬وب��دأ يكت��ب‬ ‫عنوان بريده االلكتروني‪.‬‬ ‫قاطع��ه الضاب��ط «هل��ق أبقا‬ ‫تعرف��و تكتب��وا بالعرب��ي‪ ،‬ليش‬ ‫مانك ما تكت��ب إيميلك بالعربي‬ ‫يعني‪ ،‬فيني افهم‪ .‬هي منش��ان‬ ‫تعرفو انه��ا مؤامرة م��ن أمريكا‬ ‫وبريطانيا‪ ،‬على كلن بسيطة انا‬ ‫بفرجي��ك‪ ،‬رح خليك ترجع تكتب‬ ‫العربي متل ما اهلل خلقك»‪.‬‬ ‫قدي�ش دفعتي حق هالإمييل؟‬ ‫أح��د ضباط األمن وبعد تحقيق‬ ‫مع فتاة جامعية بدمش��ق‪ ،‬توجه‬ ‫لها بسؤال لم تفهمه كثيراً حيث‬ ‫ق��ال له��ا « قدي��ش دفعتي حتى‬ ‫عملت��ي هاإليمي��ل ه��ا‪ ،‬قديش‬ ‫كلفك فيني افهم»‪.‬‬ ‫ل��م تع��رف بالضب��ط كي��ف‬ ‫ستكون اإلجابة على هذا السؤال‬ ‫‪ ،‬لكن��ه تاب��ع حديث��ه مباش��رة «‬ ‫بن��در مايدفعلك��ن ح��ق اإليميل‬ ‫م��و هيكي‪ ،‬بس��يطة ي��ا خاينين‬ ‫للوطن‪ ،‬بسيطة»‪.‬‬ ‫من�شان ميتني لرية بتخ�سر وطنك‬

‫ف��ي أح��د المظاه��رات بمدينة‬ ‫حم��اه تمك��ن عناص��ر األمن من‬ ‫القبص على ‪ 5‬شبان بينما كانوا‬ ‫يحاول��ون مس��اعدة فت��اة عل��ى‬ ‫الهروب من بين أيديهم‪.‬‬ ‫جم��ع ضاب��ط األم��ن الش��بان‪،‬‬ ‫وقال لهم جميعاً «منشان ميتين‬ ‫ليرة يا كرارة بتخس��رو وطنكن‪،‬‬ ‫منش��ان ميتين ليرة من بندر بن‬ ‫سلطان بتخسرو هالبلد يلي عم‬ ‫يطعميكن خبز ب‪ 15‬ورقة»‪.‬‬ ‫وتاب��ع الضاب��ط «وهلل لخليكن‬ ‫تحلم��وا بالخب��ز ي��ا ‪ »....‬وطل��ب‬ ‫م��ن عنصر األم��ن أخذه��م إلى‬ ‫س��جن يحتوي ‪ 100‬ش��خص في‬ ‫مس��احة ال تتس��ع لـ‪ 10‬أشخاص‬ ‫والس��بب كم��ا يروي��ه الش��بان «‬ ‫بندر والميتين ليرة»‪.‬‬ ‫قصص كثيرة يرويها سوريون‬ ‫اس��تطاعوا الخروج س��المين من‬ ‫بي��ن أي��ادي المحققي��ن وضباط‬ ‫األم��ن‪ ،‬ول��م يعرف��وا وقته��ا إن‬ ‫كان��وا س��يبكوا أم س��يضحكوا‬ ‫عليه��ا‪ ،‬لكنه��م الحق��ًا تناقلوها‬ ‫بين بعضه��م لتذكرهم ببعض‬ ‫ما يمتلك��ه النظام وعناصره من‬ ‫«غباء» يفوق حدود الخيال‪.‬‬ ‫“كان��ت الرابع��ة فج��راً عندم��ا‬ ‫اعتقلوني‪ ،‬كنت نائماً في البيت‪،‬‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 125‬أذار ‪2016‬‬

‫‪13‬‬


‫عطر زيتون‬

‫مبن نحتفل‬ ‫�أيّها ال�شاعر؟‬ ‫�شك�سبري‬ ‫يهزم امللكة‬ ‫بشار فستق‬ ‫ف��ي المئويّ��ة الرابع��ة عل��ى‬ ‫وفات��ه‪ ،‬س��تقام للش��اعر‬ ‫والمس��رحيّ «وليم شكس��بير»‬ ‫فعّاليّ��ات عدي��دة‪ ،‬تعي��د إل��ى‬ ‫األذه��ان عبقريّ��ة ه��ذا المبدع‪،‬‬ ‫وتس�� ّلط المزيد من الضوء على‬ ‫حيات��ه وأعماله وأثره في الثقافة‬ ‫العالميّة‪.‬‬ ‫رغم ّ‬ ‫كل اإلشكاليّات المختلفة‬ ‫الت��ي حامت ح��ول «شكس��بير»‪،‬‬ ‫ب��دءاً من وصف أعماله بالبش��عة‬ ‫والمليئ��ة بالجث��ث‪ ،‬واتّهام��ه‬ ‫ّ‬ ‫المنحطة‬ ‫باالبتذال إرضا ًء للذائقة‬ ‫للعامّ��ة‪ ،‬إل��ى كش��ف المص��ادر‬ ‫الت��ي كان ينقل أعماله منها دون‬ ‫تغيي��ر يُذكر أحيان��ًا‪ ،‬وصو ً‬ ‫ال إلى‬ ‫التش��كيك بوجود ش��خص اسمه‬ ‫«وليم شكسبير» أص ً‬ ‫ال!‪ .‬رغم ّ‬ ‫كل‬ ‫ذل��ك‪ ،‬تحتفي بريطاني��ا ويتبعها‬ ‫العال��م ف��ي االهتم��ام المتزاي��د‬ ‫به؛ فتُح��وّل الدول��ة البيت الذي‬ ‫ولد فيه إل��ى متحف‪ ،‬وتُخصّص‬ ‫األم��وال الطائل��ة لالحتف��اء ب��ه‬ ‫وبأعماله‪ ،‬وباألعمال التي تتناول‬ ‫ّ‬ ‫كل ما يخصّه‪.‬‬ ‫عل��ى النقي��ض‪ ،‬تق��وم الطغم‬ ‫االس��تبداديّة بطم��س ذك��رى‬ ‫ّ‬ ‫يتحكمون‬ ‫مبدع��ي الب�لاد الت��ي‬ ‫به��ا‪ ،‬فل��ن تج��د نظام��ًا عربيّ��اً‬ ‫ّ‬ ‫يتذك��ر مناس��بة تخ��صّ مبدعاً‪،‬‬ ‫إلاّ إذا ت��مّ ذكر «قائد المس��يرة»‬ ‫أو «س��يّد الوط��ن» أو «القائ��د‬ ‫الرمز» وتمجيد أقواله «العبقريّة‬ ‫ّ‬ ‫الفذة» و «عطاءات��ه ومكرماته»‬ ‫وألصقت صوره ف��ي وجه الناس‬ ‫ّ‬ ‫لتغطي مظاهر الحياة الطبيعيّة‪.‬‬ ‫أن مناس��بة‬ ‫إلى درجة تخال فيها ّ‬ ‫تخ��صّ تكري��م المب��دع غي��ر‬

‫‪14‬‬

‫موج��ودة ف��ي خض��مّ تقدي��س‬ ‫الديكتاتور‪.‬‬ ‫ال يمك��ن أن نحص��ي مبدعينا‪،‬‬ ‫ويمك��ن – بس��هولة ‪ -‬أن نج��د‬ ‫ل��كل ي��وم ف��ي الس��نة ش��اعراً‬ ‫ّ‬ ‫هامّ��ًا عندن��ا نحتفي ب��ه‪ ،‬ربّما‬ ‫يفوق شكس��بير موهب��ة وحتّى‬ ‫إش��كاليّة‪ .‬أبو تمّ��ام‪ ،‬البحتريّ‪،‬‬ ‫أبو الع�لاء‪ ،‬القبّاني الذي تقترب‬ ‫ذك��رى مول��ده (‪ 21‬آذار) وذك��رى‬ ‫وفات��ه (‪ 30‬نيس��ان)‪ ،‬الماغ��وط‬ ‫(وفاته في ‪3‬نيس��ان)‪ ..‬حقيقة‪ ،‬ال‬ ‫يمكن أن نحصيهم‪.‬‬ ‫باألم��س (الخمي��س ‪ 10‬آذار‬ ‫‪ )2016‬ق��ام تنظي��م «داع��ش»‬ ‫الذي يقوم بدور مساعد المستبدّ‬ ‫القات��ل‪ ،‬بقت��ل الش��اعر «بش��ير‬ ‫العاني» في دير الزور‪ ،‬وكان من‬ ‫آخر ما قاله‪:‬‬ ‫‪ ...‬أراق��بُ األجس��ادَ المع ّلقات‬ ‫عل��ى األع��واد بانتظ��ار ش��فاعة‬ ‫األمّه��ات كيم��ا تترجّ��ل‪ ..‬ه��ذا‬ ‫إن بقي��ت لألمّه��ات ه��ذه األيّام‬ ‫ْ‬ ‫شفاعة لدى أمراء الحرب‪..‬‬ ‫وبالذع��ر البش��ريّ ال��ذي‬ ‫تس��تطيعه روحي ّ‬ ‫أفك��ر بالجثث‬ ‫المرميّ��ة ف��ي الم��دن والم��زارع‬ ‫والبل��دات‪ ..‬جث��ث ب��رؤوس وب�لا‬ ‫رؤوس‪ ..‬م��ن س��يأبه به��ا أكث��ر‬ ‫من القط��ط والكالب الش��اردة‪..‬‬ ‫و(الحقَّ أقول لكم‪ ..‬ال حقّ لحيّ‬ ‫إن ضاع��ت ف��ي األرض حق��وق‬ ‫ْ‬

‫األموات‪...)..‬‬ ‫قت��ل التنظيم مع الش��اعر ابنه‬ ‫وكأن القتل��ة يكملون‬ ‫«إي��اس»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫م��ا يفعل��ه النظ��ام المس��تبدّ‬ ‫ال��ذي ال ي��زال يعتق��ل الفنّ��ان‬ ‫ّ‬ ‫الظل‬ ‫المس��رحيّ ووري��ث خي��ال‬ ‫«زك��ي كوردي ّلو» وابن��ه الفنّان‬ ‫المس��رحيّ أيض��ًا «مهي��ار»‪ ،‬وال‬ ‫نع��رف عنهما ش��يئاً (من��ذ ‪ 11‬آب‬ ‫‪.)2012‬‬ ‫بينم��ا احتُف��ل أوائ��ل الع��ام‬ ‫الحال��يّ ‪ 2016‬ف��ي أكث��ر م��ن‬ ‫مدين��ة فرنس��يّة بالش��اعرة‬ ‫والممثل��ة الس��وريّة «ف��دوى‬ ‫س��ليمان» التي لجأت إلى فرنسا‬ ‫منذ العام ‪ 2012‬هرب ًا من النظام‬ ‫القات��ل ف��ي س��ورية‪ ،‬بس��بب‬ ‫تنظيمها لمظاهرات ضدّ النظام‬ ‫في حم��ص‪ ،‬في «ث��ورة بيضاء‪،‬‬ ‫ث��ورة العقل» كما تق��ول فدوى‪،‬‬ ‫ولتحمل‪ :‬صوت الش��عب السوريّ‬ ‫والجئي العالم‪.‬‬ ‫لق��د ص��ار ديوانه��ا «ك ّلم��ا بلغ‬ ‫القمر» جزءاً من برنامج المدارس‬ ‫ف��ي فرنس��ا‪ ،‬ضمن إط��ار جائزة‬ ‫«ديكوفرور» المختصّة بالشعر‪،‬‬ ‫التي يمنحه��ا الطلاّ ب للش��عراء‪،‬‬ ‫فاحتفى بها الطلبة الفرنس��يّون‬ ‫م��ن خ�لال «بي��ت الش��عر» ف��ي‬ ‫مشروع يسمح للطلاّ ب‪ ،‬بالتعرّف‬ ‫عل��ى الش��عراء المعاصري��ن‬ ‫ّ‬ ‫واالطالع على شعرهم والتماهي‬ ‫مع��ه‪ .‬فاكتش��فوا ديوانها األوّل‪،‬‬

‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 127‬أذار ‪2016‬‬

‫الذي ُكتب بالعربيّة في س��ورية‬ ‫ث��مّ أكملت��ه فدوى في فرنس��ا‪،‬‬ ‫وتُرجم إلى الفرنسيّة‪.‬‬ ‫أمّ��ا الش��ابّ ال��ذي أ ّل��ف أغنية‬ ‫ص��دح بها نح��و ملي��ون متظاهر‬ ‫ف��ي حم��اة ف��ي «جمع��ة ارحل»‬ ‫والتي تق��ول كلماتها‪« :‬يا بش��ار‬ ‫ومان��ك منّا‪ ..‬خ��ود ماهر وارحل‬ ‫عنّ��ا‪ ..‬ش��رعيتك س��قطت عنّ��ا‬ ‫ويال ارحل يا بش��ار‪ ..‬يا بشار ويا‬ ‫ك ّذاب‪ ..‬وتضرب أنت وهالخطاب‪..‬‬ ‫الحريّ��ة ص��ارت عالب��اب‪ ..‬وي�لا‬ ‫ارح��ل ي��ا بش��ار»‪ .‬ه��و إبراهيم‬ ‫قاش��وش من لم يحمل الس�لاح‪،‬‬ ‫ب��ل كان��ت حنجرت��ه م��ا أغضب‬ ‫عصاب��ة النظ��ام‪ ،‬فاختطفت��ه‬ ‫ق��وّات األم��ن وذبحت��ه وأخرجت‬ ‫حنجرت��ه م��ن رقبت��ه ورمته في‬ ‫نهر العاصي‪.‬‬ ‫في ألمانيا‪ ،‬مهرج��ان القصيدة‬ ‫الس��وريّة األوّل ف��ي مدين��ة‬ ‫كولوني��ا‪ ،‬يوم��ي ‪ 19‬و‪ 20‬آذار‬ ‫الحال��يّ‪ ،‬بمش��اركة عش��رين‬ ‫ش��اعراً س��وريّاً يجمعه��م منفى‬ ‫«ألن القصي��دة ممكن��ة‬ ‫واح��د‬ ‫ّ‬ ‫فالحياة ممكنة»‪.‬‬ ‫أظه��ر اس��تطالع لل��رأي أج��راه‬ ‫المجل��س الثقاف��يّ البريطانيّ‬ ‫أن‬ ‫ف��ي دول متفرّقة م��ن العالم ّ‬ ‫«شكس��بير» ه��و أه��مّ الرم��وز‬ ‫الثقافيّ��ة في بريطاني��ا‪ ،‬وجاءت‬ ‫بع��ده ملك��ة الب�لاد إليزابيث في‬ ‫المرتبة الثانية‪.‬‬


‫عمل‪ :‬سومر كنجو الذكرى الخامسة للثورة‬ ‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة | العدد ‪ 15 | 125‬أذار ‪2016‬‬

‫‪15‬‬


‫تغريبة اخلا�سر‬ ‫بشير العاني‬ ‫قصدية للشاعر بشير عاني الذي أعدمه تنظيم داعش منذ أيام مع ابنه‪.‬‬

‫((لهكذا حزن أسرجتني أمي))‬ ‫بشير عاني‬ ‫يا عكازَ وقتي الكفيف‪..‬‬ ‫التع��ب‬ ‫وي��ا مقاع��دي عل��ى أرصف��ةِ‬ ‫ِ‬ ‫الطويل‪..‬‬ ‫هـاأنـا‪..‬‬ ‫أنا العاثرُ بجماجم اتزاني‪..‬‬ ‫الشاغرُ إ ّ‬ ‫ال منكِ‪..‬‬ ‫أبحث عن ص��رّةٍ لملم��تِ فيها أوجهي‬ ‫التي أنسربت‪..‬‬ ‫لملمتِ فيها براءتي‪..‬‬ ‫خسائري‪..‬‬ ‫أنا الذي قايض الطمأنينة بالهزائم‪..‬‬ ‫ويا وجعي الفسيح‪..‬‬ ‫يا سبعينَ أرضًا يجوبها النشيجُ‪..‬‬ ‫ها أنا‪ ..‬ب��كل الصهيل ال��ذي ال يُطيقُ‬ ‫ُ‬ ‫تحيط به أذرعُ القبور‪..‬‬ ‫حمله الترابُ‪ ..‬وال‬ ‫أفتح كو َة البكاء للبُّحة الغريبة‪..‬‬ ‫أزرعُ أعش��اب حزني على صوتي الذي‬ ‫يسيل إلى مستقر لكِ‪..‬‬ ‫ً‬ ‫فزَّاع��ة لطي��ور الظلمة‬ ‫وأزرعُ روح��ي‬ ‫والوحشةِ‪..‬‬ ‫ً‬ ‫س��نديانة‬ ‫وأزرع��كِ ب��أرض كالم��ي‪..‬‬ ‫لظهيرات المراثي‪..‬‬ ‫والحزن برِّيتي‬ ‫ُ‬ ‫حصان أيامكِ الخاسر‪..‬‬ ‫وأنا‬ ‫ُ‬ ‫أَجري‪..‬وأجري‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫الكهل الذي خسر الحدا َء والهدهدات‪..‬‬ ‫أنا‬ ‫َ‬ ‫الرحي��ل‪ ..‬وال ُّ‬ ‫ظل إال‬ ‫فمن يق��ي أيامَه‬ ‫ظلكِ‪..‬‬ ‫ٌُ‬ ‫حلم��ة‬ ‫وم��ن يُلقم��ه الس��لوى‪ ..‬وال‬ ‫للسكينةِ‪ ..‬ال ضرعُ لراحة البال‪..‬؟‬ ‫***‬ ‫وقرب دمعك الذي يب ّل ُل الفجرَ وسجاد َة‬ ‫الصالةِ ‪..‬‬ ‫َ‬ ‫ويسقي نخيل األدعية‪..‬‬ ‫عند ُله��اثِ أيامكِ التي طاردتها بنادقُ‬ ‫التعب‪..‬‬ ‫الشحوب‪..‬‬ ‫على أعتاب‬ ‫ِ‬ ‫أقفُ على رؤوس حيرتي‪..‬‬ ‫ألهتفَ ‪ :‬يا أمي‪..‬‬ ‫زيتون عضو الشبكة السورية لإلعالم المطبوع‬ ‫ُ‬ ‫تِهتُ في شعابهِ‪..‬‬ ‫الذي‪2016‬‬ ‫الصراط ‪ 1‬أذار‬ ‫أنتِالعدد ‪| 126‬‬ ‫محلية اجتماعية ثقافية نصف شهرية مستقلة | السنة الثالثة |‬ ‫‪16‬‬ ‫الفتح التي يعجُّ بها دمي‪..‬‬ ‫سير ُة‬ ‫ِ‬

‫َ‬ ‫وفقهُ خالياي‪..‬‬ ‫أنتِ الوحيُ الذي أنطقَ قلبي بالهوى‪..‬‬ ‫وكعبتي التي ِّ‬ ‫أنقلها في جهات الروح‪..‬‬ ‫وبلدي‪ ..‬بلدي االمين‪..‬‬ ‫وأنتِ التي أقفُ بين يديها على رؤؤس‬ ‫دهشتي ألهتفَ ‪:‬‬ ‫يا أمـــــــي ‪:‬‬ ‫لماذا ِّ‬ ‫يُحلي شفتيَّ ُّ‬ ‫كفكِ الكريم‪..‬‬ ‫لم��اذا تعجزُ روحي ع��ن تالوتهِ‪ ..‬وعن‬ ‫تأويله‪..‬؟‬ ‫***‬ ‫وال إثمَ لي‪..‬‬ ‫غير أني نذرتُ قطيعاً من القصائدِ‪..‬‬ ‫وهَدْيًَا من الرِّضا أسوقُ إليكِ‪..‬‬ ‫َ‬ ‫سكين البكا ِء‪..‬‬ ‫ومال نحريَ نحو‬ ‫فملتُ‬ ‫ِ‬ ‫وال إثمَ لي‪..‬‬ ‫غير أني سهوتُ قلي ً‬ ‫ال‪..‬‬ ‫فتاهت في الدياجي نياقُ الهدايةِ‪..‬‬ ‫َّ‬ ‫هلل حتى رشَش��تِ‬ ‫ل��م أد ِر م��ا‬ ‫سُ��كرُ ا ِ‬ ‫الحم��دَ والرحم��نَ ف��وق أرغف��ةِ الرؤى‬ ‫ً‬ ‫رار الرّضا‪..‬‬ ‫وأذبتِ سبعينَ‬ ‫قطعة في ِج ِ‬ ‫وقلتِ اِشربْ‪:‬‬ ‫وما أنا بشارب‪..‬‬ ‫روح��ي تث ّلمه��ا الش��كوكُ وحَنجرت��ي‬ ‫ٌ‬ ‫دريئة لالسئلة‪..‬‬ ‫لحبر اآلخرين‪ ..‬وأبجديتُنا‬ ‫أيامُنا بياضٌ ِ‬ ‫خراب‪..‬‬ ‫خطان��ا يُفصله��ا العاب��رون علين��ا‪..‬‬ ‫والعابرون إلينا‪..‬‬ ‫وقلت اِشربْ ‪..‬‬ ‫وما أنا بشارب‪..‬‬ ‫وهل يروي الرضا عطشي ‪..‬‬ ‫َ‬ ‫السَّ��كينة الذي دمَّل‬ ‫هل يُمضم��ضُ‬ ‫َ‬ ‫حلقه اليقينُ‪ ..‬؟‬ ‫اتق يوما ستُرجعُ فيه‪..‬‬ ‫وقلتِ ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وهل يُعيدُ اهلل الصلصال بال مائهِ‪..‬؟‬ ‫هل يُعيدُ إليه الطينَ الخوَّارَ‪..‬؟‬ ‫وال إثمَ لي‪..‬‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫خِرقة‪..‬‬ ‫الطفولة‬ ‫غير أن‬ ‫ٌ‬ ‫بصمة‪..‬‬ ‫وان الموتَ‬ ‫مقبض في مديةِ العويل‪.‬‬ ‫وما من‬ ‫ٍ‬

Profile for zaitn

127  

127  

Profile for maamoun
Advertisement