Page 1

‫حرية كرامة مواطنة‬

‫العدد ‪52‬‬ ‫‪2015 / 7 / 17‬‬

‫الزبداني‪،‬وثورتهاالعظيمة‬

‫الثورة السورية إذ تدخل عامها الخامس‬ ‫طريق العسكر إلى القدس‬ ‫المقاومة حزنًا !‬ ‫والعلمانيين‬ ‫اإلسالميين‬ ‫الموقف من الغرب‪ ..‬بين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الصفقة النووية‪ :‬سياقها ودالالتها‬ ‫عن (فارس) بائع الورد ومانح الحب‬


‫مد وجزر‬

‫‪2‬‬

‫افتتاحية‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫افتتاحية العدد‬

‫مرة أخرى تعود طلعنا عالحرية لإلصدار املطبوع‬ ‫بعد توقف دام ستة أشهر متواصلة‪ ،‬ومرة أخرى‬ ‫نعود لنعتذر من قرائنا ومتابعينا وكتابنا األعزاء‬ ‫عن هذا الغياب املتكرر للمرة الثالثة‪ .‬نحاول‬ ‫إيجاد األعذار بالحديث عن املعوقات واملصاعب‬ ‫وهي كثرية‪ ..‬بينام نغبط جرائد أخرى زميلة‬ ‫عىل استمراريتها الدامئة ومثابرتها العجيبة يف‬ ‫صدورها املنتظم طوال سنوات الحرب املاضية‪.‬‬ ‫ولنكن رصيحني‪ ،‬فلسنا خرباء يف استجالب‬ ‫الدعم الالزم لتغطية نفقات هذا االستمرار‪ ..‬وال‬ ‫نحن بارعون يف االتصال باملؤسسات الداعمة‬ ‫وتزويدها مبا ال ينتهي من أوراق وقوائم‪،‬‬ ‫ناهيك عن اآللية التي يتم اتباعها من قبل هذه‬ ‫الجهات بتعاطيها الحذر مع الجدية والكفاءة‬ ‫وإهاملهام‪ ،‬بالتزامن مع مترير أجندات قد ال‬ ‫تتالءم مع استقاللية طلعنا عالحرية ورغبتها يف‬ ‫البقاء خارج الخطاب النزاعي املنترش‪.‬‬ ‫مل نتمكن يوماً من توظيف شخص خبري بهذا‬ ‫املجال نظراً لعجزنا املايل الدائم أو ألن كثري‬ ‫من النشطاء ال يتعاملون مع منتجات الثورة‬ ‫بالجدية واالحرتافية الالزمتني‪ ..‬أو رمبا لسوء‬ ‫إدارتنا واستمرارنا باالعتامد عىل نخوة أصدقاء‬ ‫لنا من هنا وهناك‪ ..‬وعىل سرية األصدقاء فإنهم‬ ‫يتبدلون موسمياً؛ فيقرتب بعض بينام يبتعد‬ ‫آخرون‪ ،‬وتبقى املجلة تعاين تبعات هذا املد‬ ‫والجزر‪ ،‬كام الواقع السوري متاماً‪.‬‬ ‫ولنتحدث أيضاً عن عقبة أخرى تقف يف وجهنا‪..‬‬ ‫هبوطاً وصعوداً‪ ..‬املزاجية‪ ..‬نعم املزاجية‪ ،‬لكنها‬ ‫ليست تلك املزاجية املرتفة أو املتعالية فوق‬ ‫الواقع‪ ،‬بل هي املزاجية املنغمسة بالهم والدم‬ ‫والجوع‪ ..‬باليأس وأنات األطفال والخوف الجاثم‬ ‫من قادم أكرث فظاعة‪.‬‬ ‫مل أقو يوماً عىل الحزم أمام تكاسل أسامة‬ ‫وهو الذي مل يغادر تلك البقعة املحارصة منذ‬ ‫سنوات‪ ..‬وال زال يكتب عن السالم واملقاومة‬ ‫بالفرح (بالحزن هذه املرة!)‪ ..‬كام أعجب‬ ‫أحياناً من تفاؤل أوس املنغمس يف عمله الطبي‬ ‫ضمن أصعب الظروف‪ ..‬وأمتلمل أمام تعقل أبو‬ ‫القاسم وإرصاره عىل دولة املواطنة‪ ..‬وأستوعب‬

‫بقلم ليلى الصفدي‬

‫مراراً وتكراراً مريال ووعوده التي ال تأيت‬ ‫أمام لباقته ودماثته وانشغاله مبا هو‬ ‫مفيد يف مكان آخر‪ ...‬ولن أنىس هاين‬ ‫وسمري واستجابتهام الدامئة بإبداعهام‬ ‫الذي ال ينضب رمبا ألن العامل غدا أكرث‬ ‫كاريكاتوريا‪ ...‬وكتابنا األعزاء الذين‬ ‫أحييهم فرداً فرداً‪ ،‬وحدهم مصممو‬ ‫الغرافيك نجحوا دامئاً يف إثارة حنقي‪‎.‬‬ ‫وعن نفيس فلن أزايد عىل آالمكم‬ ‫بالحديث عن الالجدوى‪ ..‬عن يأيس‬ ‫وعجزي‪ ،‬عن مدّي وجزري ومحاولتي‬ ‫إشغال نفيس مبا هو مفيد أو غري مفيد‬

‫يك أتجنب اإلحساس باملوت‪.‬‬ ‫ما أعرفه متاماً أننا جميعاً نحاول العمل‬ ‫وحس عنيد باالنتامء‪ ،‬نبحث عن‬ ‫بصدق ّ‬ ‫األمل بني ركام الواقع‪ ..‬مل نزين البشاعة‬ ‫يوماً‪ ..‬ال نخدع الناس بوعود كاذبة‪ ..‬وال‬ ‫نحول البحر إىل طحينة‪.‬‬ ‫ال زلنا نحب سوريا ونتأمل خرياً بشعبها‬ ‫املظلوم‪ ..‬وسنبقى بحدود قدرتنا نعمل‬ ‫من أجل أن نحمي بقايا اإلنسان فينا‪..‬‬ ‫هي محض مصادفة أن نستأنف اإلصدار‬ ‫يف يوم العيد‪ ،‬فكل عام وأنتم بخري‪..‬‬ ‫ولنحتفل قلي ًال من أجل أن تنترص الحياة‪.‬‬


‫الثورة السورية إذ تدخل عامها الخامس‬ ‫د‪ .‬محمد العمار‬

‫‪3‬‬

‫العدد ‪- 52 -‬‬

‫عىل النظام يف استخدام كل وسائل‬ ‫املوت والتدمري ما تجنب الكياموي‪،‬‬ ‫وحتى عندما دقت ساعة الحقيقة‬ ‫واستعمل النظام السالح الكياموي تبني‬ ‫أن هذا الخط األحمر خط أحمر زائف‬ ‫وأنه ميكن تجاوزه دون مخاطر‪ ،‬ولذلك‬ ‫أصبح السالح الكياموي سالحا تقليديا‬ ‫يف حرب النظام ضد شعبه عىل مرأى‬ ‫العامل وسمعه‪.‬‬ ‫كل هذا العنف‪ ،‬إضافة للموروث‬ ‫الثقايف حول عسكرة الثورة إىل نزعة‬ ‫عسكرية تسيطر عىل التفكري وتتصدر‬ ‫قامئة الخيارات يف العمل اليومي‬ ‫ملسلحي املعارضة‪ ،‬عزز ذلك سيطرة‬ ‫العقلية السلفية األحادية التي تعتقد‬ ‫بإمكان امتالك الحقيقة ووحدتها‪ ،‬وهي‬ ‫ال تعرف التعدد وال تؤمن باآلخر‪ ،‬يف‬ ‫الوقت الذي هجرت فيه كل النخب‬ ‫املثقفة السورية املناطق املحررة التي‬

‫للنشر أو مراسلة فريق التحرير‬

‫هيئة تحرير‬ ‫طلعنا عالحرية‬

‫‪www.freedomraise.net‬‬ ‫‪facebook.com/freeraise‬‬

‫مجلة نصف شهرية تعنى بشؤون الثورة‬ ‫تطبع وتوزع داخل املدن والقرى السورية‬ ‫ويف بعض مخيامت اللجوء‬ ‫رئيس التحرير ‪ :‬ليىل الصفدي‬ ‫نصار‬ ‫معاون رئيس التحرير ‪ :‬أسامة ّ‬

‫تفاعل معنا عبر صفحاتنا على اإلنترنت‬

‫‪twitter.com/freedomraise‬‬

‫محررون‬ ‫أوس املبارك ‪ -‬أبو القاسم السوري‬

‫محرر القسم الكوردي‬ ‫مريال بريوردا‬

‫زمالء مختطفون يف الغوطة الرشقية‬ ‫رزان زيتونة ‪ -‬ناظم حامدي‬

‫مقاالت‬

‫‪freedomraise@gmail.com‬‬

‫تتعرض للقصف باملدفعية والصواريخ‬ ‫والرباميل املتفجرة هربا من املوت أو‬ ‫اإلعاقة‪ ،‬وصمتت كل النخب التي تعيش‬ ‫يف مناطق سيطرة النظام خشية التنكيل‬ ‫والبطش‪ ،‬هذه املناخات تنذر بتكرار‬ ‫سيناريو الصوملة واألفغنة يف سوريا‪،‬‬ ‫وسيطيل معاناة السوريني لوقت طويل‪،‬‬ ‫لكن هذا املسار الذي فرضته املنظومة‬ ‫الدولية واإلقليمية كعمل انتقامي من‬ ‫ثورة السوريني وتوقهم للحرية‪ ،‬لن‬ ‫يكون مقربة ألمال السوريني الطامحني‬ ‫يف الحرية والعدالة والكرامة‪ ،‬ولن‬ ‫يكون املجتمع الدويل الذي يخون قيمه‬ ‫مبنجاة من آثاره املدمرة ألن االخالق‬ ‫ال تتجزأ والقيم اإلنسانية والحضارية‬ ‫ال ميكن احتكارها‪ ،‬فلم يعد العامل كبريا‬ ‫بحيث تسمح أبعاده باشعال الحرائق يف‬ ‫ممتلكات اآلخرين بينام تستمتع أنت‬ ‫بالتأمل يف لهيبها‪.‬‬

‫‪2015 / 7 /17‬‬

‫يف مستهل العام الخامس للثورة السورية‪ ،‬يتلون مشهد‬ ‫العنف الضارب يف سوريا بألوان جديدة‪ ،‬وتضيع البوصلة‬ ‫لدى العديد من الفصائل‪ ،‬فتتغري الوجهة وتتعدد الجبهات‪،‬‬ ‫وتسيطر عىل املشهد النزاعات الفصائلية البينية‪ ،‬وتكون‬ ‫أشدها رضاوة تلك التي تدور بني الفصائل التي تتقارب يف‬ ‫منابتها االيدلوجية‪ ،‬لكن الذي يعرف الجذور الثقافية ملعظم‬ ‫الفصائل يعرف أن املرض سيصيب الجميع‪ ،‬ألن الفصائل‬ ‫جميعا تنحدر من جذور ثقافية مشرتكة‪ ،‬فالثقافة العربية‬ ‫ككل الثقافات اإلنسانية هي ثقافة مشبعة بالعنف‪ ،‬مل تتح‬ ‫لها فرصة الدراسة النقدية التي تتيح لها التعرض لضوء‬ ‫املعارف املعارصة‪ ،‬ومل تعطها املناخات السياسية العاملية‬ ‫واإلقليمية الفرصة للتنفس الطبيعي وااللتفات إىل الذات‬ ‫للتفكر واملراجعة‪ ،‬بل ما زالت املنطقة منذ مطلع عرص‬ ‫النهضة ضحية للعنف الناتج عن االستعامر بأنواعه‪ ،‬وهذا‬ ‫العنف بنجاحاته وإخفاقاته يعزز املوروث الثقايف الذي‬ ‫يجعل السيف أصدق أنباء من الكتب‪.‬‬ ‫وكانت إخفاقات محاوالت التغيري العنيف يف العامل العريب‬ ‫خلقت حالة من اليأس من إمكان التغيري عرب العنف املسلح‪،‬‬ ‫ثم كانت النجاحات األوىل للربيع العريب يف تونس ومرص‬ ‫التي عززت األمل بإمكان التغيري غري العنيف لنظم الحكم‬ ‫املسيطرة منذ عقود‪.‬‬ ‫لكن هذه الصورة الواعدة مل تكتمل فرسعان ما دخل عامل‬ ‫القوة العنيفة عىل الخط‪ ،‬عند انطالق الثورة الليبية‪ ،‬وكان‬ ‫املغري هو تدخل الغرب املضلل‪ ،‬والذي كانت غايته الحفاظ‬ ‫عىل امدادات النفط الليبي القريب للشواطئ األوربية‪ ،‬لكنه‬ ‫قرئ وتم تسويقه كتدخل لنرصة حرية الشعوب وحقها يف‬ ‫الدميقراطية‪ ،‬وانطلقت الثورة السورية ضد نظام هو بالنسبة‬ ‫للغرب نظام وظائفي قدم خدمات ال تقدر بثمن‪ ،‬وإن مل‬ ‫يكف عن املناكفة يوما لكنه يعرف قواعد اللعبة فال يكرسها‪،‬‬ ‫ويعرف الخطوط الحمر فال يقربها‪ ،‬فقرر الغرب أن يدعم‬ ‫الثورة بلسانه يف الوقت الذي يعطي النظام الفرصة للقضاء‬ ‫عىل الثورة بالسبل املمكنة‪ ،‬وكان من الواضح أن تحديد‬ ‫الرئيس األمرييك أن السالح الكياموي خط أحمر‪ ،‬أن ال حرج‬


‫طريق العسكر إلى القدس‬ ‫‪4‬‬

‫ماهر مسعود‬

‫العدد ‪- 52 -‬‬ ‫‪2015 / 7 / 17‬‬

‫مقاالت‬

‫مل تكن نكبة فلسطني نكب ًة لفلسطني‬ ‫وللفلسطينيني وحدهم‪ ،‬بل نكبة لشعوب‬ ‫املنطقة العربية برمتها‪ ،‬وليس ذلك ألن‬ ‫النكبة كانت إعالناً لقيام دولة إرسائيل‬ ‫وتهجري الشعب الفلسطيني فحسب‪ ،‬بل‬ ‫ألنها كانت بداية لسقوط دول املنطقة‬ ‫تحت حكم العسكر‪ ،‬وبالتايل سقوطاً ملعنى‬ ‫االستقالل‪ ،‬وملفهوم الدولة ذاته‪ ،‬الذي كان‬ ‫ُيؤمل أن يساهم االستقالل يف تحولها إىل‬ ‫دولة‪/‬أمة‪ ،‬وكياناً عقالنياً مؤسساتياً حديثاً‪،‬‬ ‫فجاء العسكر‪ ،‬بداللة تحرير فلسطني‪،‬‬ ‫ليجعلوا من الدولة كياناً استبدادياً العقالنياً‬ ‫مختزالً يف السلطة وحدها‪.‬‬ ‫لقد ع ّبدت النكبة طريق العسكر إىل السلطة‪،‬‬ ‫وإزاحة النخب السياسية املدنية عن واجهة‬ ‫الحياة السياسية التي تشكلت قبل‪ /‬وخالل‬ ‫مراحل االستقالل األوىل‪ ،‬وقد دعم تقدم‬ ‫العسكر نحو السلطة ثقافة شعبية رأت فيهم‬ ‫مخلصني‪ ،‬ووعي زائف بالقوة املفرتضة لهم‪،‬‬ ‫تعوض االحساس العارم بهدر الكرامة الناتج‬ ‫عن فقدان فلسطني‪ .‬لكن تقدم العسكر نحو‬ ‫واجهة الحياة السياسية يف غياب فاعلية‬ ‫“الشعب” ومفاهيم املواطنة‪ ،‬وعدم ُّ‬ ‫تشكل‬ ‫دولة‪/‬أمة‪ ،‬جعلهم يتجهون؛ بوعي منهم‬ ‫أو دون وعي‪ ،‬نحو الوالءات العشائرية‬ ‫واملناطقية والطائفية‪ ،‬حتى لو كانت‬ ‫شعاراتهم وأحياناً “آمالهم الصادقة” متجهة‬ ‫نحو بناء الدولة القوية وتحرير فلسطني‪.‬‬ ‫فالطبيعة العسكرية املضادة للدمقرطة‪،‬‬ ‫ولالعرتاف باالختالف‪ ،‬واملحكومة بفرض‬ ‫الطاعة عن طريق القوة العارية والوالء‬ ‫املطلق‪ ،‬مل يكن لها أن تحقق مثل ذلك الوالء؛‬ ‫يف ظل غياب “الدولة األمة”‪ ،‬دون االعتامد‬ ‫عىل القرابات األهلية والعشائرية والطائفية‬ ‫واملناطقية‪.‬‬ ‫ويف املحصلة نقل العسكر معهم‪ ،‬أصولهم‬ ‫األهلية وعقائدهم وطرائق تفكريهم الريفية‬ ‫والتقليدية‪ ،‬إىل الدولة ا ُمل َ‬ ‫سيطر عليها من قبل‬ ‫السلطة السياسية‪/‬العسكرية املحض‪ ،‬والتي‬ ‫باتوا هم قادتها‪ .‬فأصبحت الدولة عبارة عن‬ ‫نظام سيايس عشائري يف املضمون‪ ،‬لكنه قائم‬ ‫فوق مؤسسات دولة يف الشكل‪.‬‬ ‫النظام العسكري الذي دشنته االنقالبات‪،‬‬ ‫ثم استقر مع عبد النارص‪ ،‬متأسس وأصبح‬

‫منوذجاً إرشادياً عند كل من معمر القذايف‬ ‫وحافظ األسد وعيل عبدالله صالح وصدام‬ ‫حسني‪ .‬وقد حكم جميع من سبق ذكرهم‬ ‫بداللة الطريق الطويل إىل القدس‪ ،‬لكن دوالً‬ ‫كربى كمرص والعراق وسوريا‪ ،‬كان ال ميكن‬ ‫ضبط شعوبها عسكرياً دون صناعة جيوش‬ ‫جرارة‪ ،‬مهمتها املعلنة هي تحرير األرايض‬ ‫املحتلة‪ ،‬بينام مهمتها املضمرة والحقيقية‬ ‫هي إخضاع املجتمعات وعسكرتها لتسهيل‬ ‫ضبطها‪ ،‬والسيطرة عىل مقدراتها البرشية‬ ‫والطبيعية والحيوية‪ ،‬لصالح بقائها يف السلطة‬ ‫ثم توريثها‪.‬‬ ‫بعد استقرار األنظمة العسكرية التي مل تتلق‬ ‫إال الهزائم من ارسائيل‪ ،‬ثم عقد اتفاق “كامب‬ ‫ديفيد” مع مرص‪ ،‬وانشغال العراق بحربها‬ ‫االيرانية الطويلة‪ ،‬مل يبق إال سوريا التي‬ ‫استقرت “كعشيق مرذول” إلرسائيل‪ ،‬بجبهة‬ ‫آمنة وصامتة صمت القبور املوحشة‪.‬‬ ‫الدولة الوحيدة يف محيط ارسائيل‪ ،‬التي مل‬ ‫تتحول إىل سلطة مركزية مسيطراً عليها من‬ ‫قبل العسكر كانت هي لبنان‪ ،‬وهذه بقيت‬ ‫كمجموعة “دول” يف “الال دولة”‪ .‬ولذلك‬ ‫كان لبنان هو املجال الحيوي الوحيد؛ إىل‬ ‫جانب فلسطني ذاتها‪ ،‬الذي حوى مقاومة‪ ،‬بل‬ ‫مقاومات‪ ،‬متعددة‪ ،‬فلسطينية ولبنانية‪ ،‬ومن‬ ‫أحزاب وتيارات متعددة‪ ،‬حزبية وشعبية‪.‬‬ ‫وهذا الوضع اللبناين بقي عىل حاله مزعجاً‬ ‫إلرسائيل ولألنظمة العسكرية معاً‪ ،‬حتى‬

‫الدخول السوري إىل لبنان واالقامة فيه‪ ،‬ثم‬ ‫السيطرة التدريجية عىل جميع مكوناته بعد‬ ‫ترحيل منظمة التحرير عن أراضيه باتجاه‬ ‫أراض تونس البعيدة‪ .‬واستبدال املقاومة‬ ‫الشعبية غري املسيطر عليها من دولة بعينها‪،‬‬ ‫بـ “مقاومة” تابعة‪ ،‬و ُمسيطر عليها من دولتني‬ ‫حليفتني هام سوريا وإيران‪.‬‬ ‫املقاومة التابعة والطائفية‪ ،‬ممثلة مبيليشيا‬ ‫حزب الله‪ ،‬سارت عىل خطا األنظمة العسكرية‬ ‫التابعة لها متاماً‪ ،‬بل األداة الضاربة لتلك‬ ‫األنظمة يف لبنان‪ .‬وأصبحت مبثابة السلطة‬ ‫املرعبة للشعب اللبناين (سلطة الخراب)‪ ،‬وأداة‬ ‫البتزازه سياسياً واملزاودة عليه‪ ،‬متكئ ًة عىل‬ ‫مشجب التحرير ذاته الذي اعتمدته األنظمة‬ ‫منذ النكبة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫رمبا كان مفيدا يف تجربة العسكر وتجربة‬ ‫املقاومة املنبثقة عنها‪ ،‬أن تعي شعوب املنطقة‬ ‫أنها مل تكن إال مطية لألنظمة ومقاوماتها يف‬ ‫مشاريع سلطوية استعبادية ليس لها عالقة‬ ‫بالتحرير وال بالقدس‪ ،‬وأن مقاومة مدنية‬ ‫كانتفاضة أطفال الحجارة يف فسلطني‪ ،‬كانت‬ ‫أهم وأنجح من كل االنتصارات اإللهية لحزب‬ ‫الله وحامس‪ ،‬واالنتصارات الخ َّلبية لألنظمة‬ ‫العسكرية العربية منذ النكبة‪ ،‬وأن الطريق‬ ‫الوحيد لتحرير القدس هو تحرير الشعوب‬ ‫العربية من أنظمتها الطغموية الحاكمة‪ ،‬وبناء‬ ‫الدول املدنية الدميقراطية عىل أسس املواطنة‬ ‫والحرية‪.‬‬


‫المقاومة حزنًا !‬ ‫أسامة نصّار‬

‫قبل مدّة انترش أكرث من مقطع يرصد وحشية‬ ‫جنود نظام األسد‪ ،‬منها واحد ملجموعة من‬ ‫الجنود والشبيحة يقومون بإعدام مجموعة‬ ‫من البغال أو الحمري رمياً بالرصاص بال سبب‪.‬‬ ‫ومقابلها صور كثرية ملقاتل ثائر يطعم قطة‬ ‫صغرية مث ًال أو لناشط يحنو عىل حيوان ضعيف‪.‬‬ ‫وقبل الثورة حىك يل صديق كان معتق ًال يف سجن‬ ‫صيدنايا العسكري كيف كان السجانون يتس ّلون‬ ‫إذا فرغوا من التنكيل باملعتقلني‪ -‬بتعذيب‬‫القطط سيئة الحظ التي تصل إىل السجن‪.‬‬ ‫يقتلونها شنقاً أو شبحاً أو حرقاً بعد إغراقها‬ ‫بالكاز! رمبا ليشحذوا فائض السادية الذي تر ّبوا‬ ‫عليه‪.‬‬ ‫لهذه الصور داللة ليست عبثية؛ فالتفوق‬ ‫األخالقي للثورة هو وقود لها وضامن ملستقبلها‪.‬‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫لولو قط صغري كان يشاركنا سكننا ومكان عملنا‬ ‫وحصارنا‪ .‬تجاوز معنا موجات الصقيع والثلج‪،‬‬ ‫وتع ّلم مثلنا أن يأكل أي يشء يقيم صلبه ولو‬ ‫عافته ذائقته‪ .‬أصيب أكرث من مرة بشظايا‬ ‫القصف الذي ال يو ّفر حجراً وال برشاً‪ ..‬وال حيواناً!‬ ‫نتفقده بعد كل غارة للطريان أو صلية لقذائف‬ ‫املدفعية‪ ،‬ويخرج غري مرة من تحت األنقاض‬ ‫مع ّفراً ورشيقاً كام شأن القطط‪.‬‬ ‫وفجأة مات!‬ ‫هكذا ببساطة‪ .‬وجدناه مغمضاً آلخر مرة عىل‬ ‫باب املكتب‪ ،‬دون أن نحيص إن كان استنفد‬ ‫أرواحه السبعة‪ ..‬أو التسعة!‬ ‫أمام جثة (زميل السكن) املتخشبة‪ ،‬اختنقت‬ ‫الغصة يف صدري‪ ،‬وتخللني صقيع سام‪ ..‬الزمه‬ ‫ّ‬ ‫شعور آخر بالذنب ألين حزنت؛ خجلت من‬ ‫استغراقي يف الكآبة عىل قطة (بهيمة) فيام تنعي‬ ‫البلد آالف األطفال واآلباء واألمهات والشباب‪،‬‬ ‫يرتقون شهداء بالجملة واملفرق‪.‬‬ ‫تنازعتني خواطر متناقضة؛ من شعور باألىس‬ ‫عىل ما (بل عىل من) كان ميثله لنا هذا القط‬ ‫املشاكس الذي غاب إىل األبد‪ .‬أو محاولة إخفاء‬ ‫األمل ملجاملة من فقد عزيزاً‪ ..‬من البرش‪.‬‬ ‫استغربت من تقبل ابنتي الصغرية للمسألة‬ ‫وكأنها تفهم ما ال أفهمه‪( :‬لولو مات)! وانتبهت‬

‫أن الطفلة ذات الثالث سنني تعرفت عىل املوت‬ ‫من خالل والد صديقتها وأصدقاء والديها‪ ..‬قبل‬ ‫أن نجد الوقت ملقاربة الفكرة لها من خالل‬ ‫األشياء أو الحيوانات‪.‬‬ ‫كنت قد تع ّلمت أنه ال ينبغي كبت املشاعر وال‬ ‫محاكمتها‪ .‬فليس هناك مشاعر خاطئة‪ .‬فعدت‬ ‫لتبني حزين عىل القط؛ نعم أنا زعالن ومن أجل‬ ‫لولو (الحيوان)‪.‬‬

‫صحيح أنه ال يوجد سوري واحد مل ير بعينه‬ ‫جثث أشخاص يحبهم أو يعرفهم‪ ،‬أو أشالءهم أو‬ ‫صوراً (مرسبة) من معتقالت النظام ملا تبقى من‬ ‫هياكلهم بعد قتلهم تجويعاً أو تعذيباً… وأكرث‬ ‫من ذلك!‬ ‫ّ‬ ‫هل علينا أن نكف عن اإلحساس؟ هل ترتفع عتبة‬ ‫اإلحساس عند التعرض الشديد أو املتكرر لألمل؟‬ ‫الجواب (الطبي) هو نعم‪ ،‬لكن ذلك ال يعني أن‬ ‫ّ‬ ‫ونكف عن اإلحساس باآلالم األقل‪،‬‬ ‫نتامىش معه‬ ‫ُ‬ ‫خاصة ما يتعلق بوجداننا‪ .‬فاإلحسان ك ِتب عىل‬ ‫كل يشء‪ ..‬ولو توهّ م كثريون أن الرفق بالحيوان‬ ‫هو مرحلة متقدمة وكاملية من إحقاق العدالة‬ ‫وحقوق اإلنسان‪ ،‬وقالوا بأن اإلحسان لغري البرش‬ ‫ترف زائد ال مكان له أمام مزيد من املجازر‬ ‫والبالوي التي تطال الناس األبرياء يف هذا العامل‬ ‫غري الربيء‪.‬‬ ‫ال يريد الطغاة إلحاق األمل باملستضعفني‬ ‫لغاية األمل نفسه‪ ،‬بل يرمون ملا بعد ذلك من‬ ‫تب ّلد يصيب املتأ ّلمني فيك ّفون عن اإلحساس‬ ‫و(يتحيونون) فيسهل أكرث التحكم بهم كقطيع‬ ‫مدجن‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫لذلك تصري مقاومة هذا التبلد جزءا مهام من‬ ‫املعركة يف مقاومة الطغاة والطغيان‪..‬‬ ‫املقاومة ‪-‬هذه املرة‪ -‬حزناً!‬

‫‪5‬‬

‫مقاالت‬


‫الزبداني‪ ،‬وثورتها العظيمة‬ ‫أنور عباس‬

‫‪6‬‬ ‫البداية‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫تقارير‬

‫حظيت الفتات الزبداين بشهرة واسعة بوصفها‬ ‫منوذجا للنضال الثوري املمعن يف السلمية‬ ‫والوطنية‪ .‬سلطت الضوء عىل قيم الثورة‬ ‫ومطالب السوريني املحقة بالعدالة والكرامة‬ ‫وحكم القانون‪ ,‬وأبرزت متسك ثوار الزبداين‬ ‫بوطنيتهم السورية‪ ,‬ومحاربتهم للفكر اإلقصايئ‬ ‫والطائفي‪ ,‬وألهبت حامسة ثوار الزبداين وثوار‬ ‫املدن األخرى‪ ,‬وبعد أن أصبح من املستحيل‪ ,‬يف‬ ‫ظل الواقع املرير الذي آلت إليه املدينة يف ظل‬ ‫الحصار والقصف اليومي ونزوح معظم أهلها‬ ‫عنها‪ ,‬رفعها يف مظاهرات الحرية‪ ,‬أو خطها عىل‬ ‫جدران املدينة‪ ,‬أصبحت اإلنرتنت هي املكان‬ ‫الوحيد الذي ترفع فيه‪ ,‬لكن قيمتها وشهرتها‬ ‫وجاملها مل ينقصوا أبدا‪.‬‬ ‫تقول محدثتنا‪ ,‬ممثلة لجان التنسيق املحلية‬ ‫يف الزبداين‪ ,‬بأن مدينتها انربت للمشاركة يف‬ ‫العمل الثوري السلمي منذ اليوم األول للثورة‪,‬‬ ‫حني خرج سبعة عرشة من أبناءها يف مظاهرة‬ ‫الكرامة األوىل أمام الجامع األموي يوم الخامس‬ ‫عرش من آذار ‪ ,2014‬ليعيدوا الكرة يف اليوم‬ ‫التايل أمام وزارة الداخلية حيث واجه بعضهم‬ ‫االعتقال‪ .‬مل ترتدد الزبداين‪ ,‬املدينة الجميلة‬ ‫القابعة عىل سفح جبلني متقابلني يف سلسلة‬ ‫جبال لبنان الرشقية‪ ,‬بالخروج يوم الخامس‬ ‫والعرشين من آذار يف أول مظاهرة شهدتها‬ ‫املدينة تضامناً مع درعا التي خرجت منها أوىل‬ ‫مظاهرات الثورة العارمة يوم الثامن عرش من‬ ‫آذار‪ .‬تجمع األهايل خارج مسجد الجرس بعد‬ ‫صالة الجمعة‪ ,‬وأطلق الشهيد وسام برهان أوىل‬ ‫صيحات الحرية يف الزبداين‪ ,‬والتي ترددت كثريا‬ ‫بعدها‪ ,‬لتكون املدينة مصدر إلهام لكثريين يف‬ ‫أرجاء الوطن السوري الرحب‪ ,‬وزار الزبداين‬ ‫ناشطون من طرطوس والسويداء وسلمية ومدن‬ ‫وبلدات سورية أخرى وشاركوا يف مظاهراتها‬ ‫وملسوا حرص أهلها عىل الوحدة الوطنية وقيم‬ ‫الثورة النبيلة قوالً وعم ًال‪.‬‬

‫تحريرها‪ ,‬تم تأسيس املجلس املحيل يف الزبداين‪,‬‬ ‫والذي أوكلت إليه أعامل حامية املمتلكات‬ ‫العامة‪ ,‬وإدارة األعامل الخدمية‪ ,‬والعمل اإلغايث‬ ‫والطبي وغريها من املهام‪.‬‬ ‫تقول محدثتنا‪ :‬رسعان ما انخرط معظم األهايل‬ ‫يف املظاهرات‪ ,‬وأصبحت أيام الجمعة يف البداية‬ ‫ومعها أيام االثنني الحقا أياما للمظاهرات‬ ‫األسبوعية التي استمرت أشهراً طويلة‪ ,‬ورفعت‬ ‫فيها شعارات ثورة الكرامة والحرية‪ ,‬وأعالم‬ ‫الثورة‪ ,‬وأطلقت األهازيج‪ ,‬وأصبحت هذه‬ ‫املظاهرات احتفاالت جميلة‪ ,‬تشارك فيها نساء‬ ‫املدينة وفتياتها إىل جانب رجالها عىل قدم‬ ‫املساواة‪ ,‬فمن العمل اإلعالمي‪ ,‬إىل الكتابة‬ ‫وخياطة الالفتات واإلعالم والعمل اإلغايث‬ ‫والطبي‪ ,‬لعبت بنت الزبداين دورا بارزاً يف‬ ‫العمل الثوري املدين‪.‬‬ ‫كانت مظاهراتنا‪ ,‬تقول محدثتنا‪ ,‬تجوب شوارع‬ ‫املدينة انطالقاً من ساحة الجرس‪ ,‬وكانت تعج‬ ‫بالحياة والطموح إىل الحرية‪ .‬أصبحت املدينة‬ ‫خلية عمل ثوري‪ ,‬فمن طباعة مجلة طلعنا‬ ‫عالحرية‪ ,‬إىل التصوير والتوثيق‪ ,‬والبث وإرسال‬ ‫التقارير اإلخبارية‪ ,‬كانت الثورة عىل قدم وساق‪.‬‬

‫تطور العمل الثوري‬ ‫تطور العمل املدين يف الزبداين برسعة‪ ,‬وتم الفتات الزبداين‬ ‫تأسيس لجان التنسيق املحلية فيها‪ ,‬وبعد ظهرت الفتات الزبداين منذ األيام األوىل للثورة‪.‬‬

‫يقول خالد خيطو‪ ,‬الذي أبدع مع مجموعته‬ ‫هذه الالفتات‪ ,‬والزال يخطها حتى اليوم‪:‬‬ ‫“كتبنا الالفتات لنبني مطالبنا الحقيقية واملحقة‬ ‫من مظاهراتنا يف الحرية والكرامة واملواطنة‬ ‫والرد عىل كل ما يقال يف تشويه ثورتنا واول الفتة‬ ‫ُرفعت يف الزبداين تقول “ ال سلفية وال إخوان‬ ‫انا طائفتي الحرية” رداً عىل بثينة شعبان عندما‬ ‫ظهرت يف مؤمتر صحفي تصف املتظاهرين‬ ‫بالعصابات االرهابية والنتقاد مواقف الدول‬ ‫املعادية لثورتنا وشكر من يساعدنا‪ .‬كانت‬ ‫الفتات الزبداين صوت الثوار إىل العامل‪.‬‬ ‫شارك الكثري من الثوار واألصدقاء صياغة أفكار‬ ‫هذه الالفتات‪ ,‬وكنا نتتاقش ونتفق عىل الجمل‬ ‫األنسب من حيث املعنى واملبنى‪ .‬يف البداية كنا‬ ‫نكتب الالفتة األقوى واألكرث متاشيا مع الحدث‬ ‫الراهن عىل القامش لرتفع يف مقدمة املظاهرة‪,‬‬ ‫و نكتب أيضاً عىل ألواح الكرتون لرتفع يف قلب‬ ‫املظاهرة‪ ،‬ومن ثم كتبنا الفتات مشرتكة بني‬ ‫املدن السورية‪ ,‬وكنا نشارك يف األفكار والكتابة‬ ‫حيث نكتب من كل مدينة كلمة يرفعها ثائر‬ ‫من املدينة ونكتب اسم املدينة عليها ونجمعها‬ ‫يف الفتة واحدة باستخدام فوتوشوب لتظهر‬ ‫كالفتة واحدة يرفعها عدة أشخاص من مختلف‬ ‫املدن‪ ,‬لنبني للعامل وحدة الشعب السوري‪,‬‬ ‫وكتبنا الفتات موحدة من خالل لجان التنسيق‬


‫الزبداني‪ ،‬وثورتها العظيمة‬

‫الزبداين تحت النار‬

‫شن النظام حمالت اعتقال يف الزبداين‬ ‫استهدفت الكثري من الناشطني والثائرين‪,‬‬ ‫وفرض عليها حصارا خانقا‪ ,‬وأصبح يستخدم‬ ‫قذائف الهاون الستهداف املظاهرات‪ ,‬ولجأ‬ ‫عدد من أبناءها إىل السالح للدفاع عنها وأعلنوا‬ ‫تحريرها يف كانون الثاين ‪ .2012‬ثم شهدت‬ ‫املدينة االقتحام العسكري األول‪ ,‬وبعدها‬ ‫خضعت لحصار خانق وتعرضت عىل مدى‬ ‫األعوام التالية إىل القصف يوميا ونال الدمار‬ ‫من بيوتها وشوارعها‪ ,‬ونزح الكثريون من أهلها‬ ‫إىل لبنان وإىل القرى املجاورة‪ ,‬وعانت األمرين‬ ‫من غياب الغذاء والدواء واملحروقات‪ ,‬لكن‬ ‫ثوراها بقوا صامدين يدافعون عنها‪.‬‬ ‫عن الوضع امليداين تقول محدثتنا بأن صمود‬ ‫أبناء الزبداين يف الدفاع عنها يف وجه الهجمة‬ ‫العتية الحالية يعد أسطوريا‪ .‬فاملدينة محارصة‬ ‫من جميع الجهات وتستهدف يوميا بعرشات‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫املحلية حيث ترفع نفس الجملة بكافة‬ ‫املدن السورية‪ ,‬وبذات الوقت‪ ,‬وعندما بدأ‬ ‫استهداف املظاهرات بقذائف الهاون بعد‬ ‫اقتحام شباط ‪ 2012‬وتحول الثورة إىل العمل‬ ‫العسكري‪ ,‬صممت عىل االستمرار بالعمل‬ ‫السلمي وبدأت بالكتابة عىل جدران املدينة‬ ‫بأحجار الفحم متعمداً اوالً التذكري املستمر‬ ‫لثوارنا بأهداف ثورتنا‪ ,‬وثانيا تصويرها ونرشها‬ ‫عرب صفحة تنسيقية الزبداين لرياها العامل‬ ‫أجمع‪ ,‬وكانت تصف حال املدنية من حصار‬ ‫واستهداف بالقذائف والرباميل‪.‬‬ ‫ومن ثم بدأنا تشكيل لوحات متثيلية مع‬ ‫مجموعة من الشباب املحارص داخل املدينة‬ ‫تتضمن السخرية واالنتقاد ووصف الحال‪.‬‬ ‫وكتبنا اسامء غالبية شهدائنا يف الزبداين‪,‬‬ ‫ووصفاً الستشهادهم وبطوالتهم‪ ,‬ومازلنا‬ ‫نكتب حتى اللحظة ولكن عىل كرتون فقط‬ ‫وللنرش عرب االنرتنت‪ .‬ترددت اصداء الفتات‬ ‫مدينتي ألنها محقة وصادقة ونابعة من شعب‬ ‫طيب كان يصبو لحريته وكرامته فوقف ضده‬

‫العامل بأجمعه‪”.‬‬

‫الرباميل والصواريخ والقذائف‪ ,‬والزال أبناؤها‬ ‫يصدون املحاولة تلو املحاولة القتحامها ومل‬ ‫يتمكن الجيش األسدي وميليشات حزب‬ ‫الله واملليشيات العراقية وما يسمى الدفاع‬ ‫الوطني بالتقدم شربا واحدا عىل أي من محاور‬ ‫القتال‪ .‬وتضيف بأن من يدافع عن الزبداين‬ ‫هم عدد من أبناءها األبطال وسوريون أخرون‬ ‫انشقوا يف الفرتات السابقة عن جيش األسد‬ ‫من الحواجز املحيطة باملدينة ولجأوا إليها‬ ‫وانخرطوا يف صفوف ثوراها‪ ,‬وال وجود ملقاتلني‬ ‫أجانب يف املدينة أبدا‪.‬‬ ‫ً‬ ‫تبقى الزبداين فص ًال نقيا يف كتاب الثورة‬ ‫السورية رغم غبار املعارك‪ ,‬ومعنى جميال‬ ‫يف حياة أهلها ومرتاديها الذين يبحثون عن‬ ‫الظل واملاء أو عن معاين الحرية الجميلة‪,‬‬ ‫وهي املدينة التي ترسد كل تفاصيل الحكاية‬ ‫السورية‪ ,‬وتشهد عىل صدق هذه الثورة وما‬ ‫لحق بها جراء إمعان النظام يف إجرامه بحقها‪.‬‬ ‫وتبقى الزبداين نبضة يف قلب كل سوري حامل‬ ‫بالكرامة‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫تقارير‬


‫‪8‬‬

‫د‪ .‬عمار العبار‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫مقاالت‬

‫تغلب الثنائ ّيات الحد ّية عىل مجمل املشهد الثقايف‬ ‫يف عاملنا العريب واإلسالمي؛ فنادراً ما تجد موقفاً‬ ‫معتدالً تجاه قض ّية من القضايا‪ ،‬ال س ّيام القضايا‬ ‫الحساسة التي تتداخل مع الهو ّية الثقاف ّية‬ ‫املصري ّية ّ‬ ‫يجسد املوقف من حضارة الغرب‬ ‫ألحد األطراف‪ّ .‬‬ ‫مثاالً منوذجياً يرشح حالة التنافرات الفكرية التي‬ ‫نحن بصددها‪ .‬وال غرابة أن يحتل الغرب ح ّيزاً‬ ‫كبرياً يف املناكفات الفكرية املعارصة كونه الفاعل‬ ‫الحضاري املنتج واملؤ ّثر يف عامل اليوم‪ ،‬ولكوننا‬ ‫شعوباً مسته ِلكة مصابة بالعجز الحضاري‪.‬‬ ‫ال ّ‬ ‫شك ّ‬ ‫وأن الغرب ال يش ّكل كتلة واحدة‪ ،‬فاملقصود‬ ‫بالحديث عن الغرب سياسته العا ّمة الخارج ّية‬ ‫تحديداً تجاه الشعوب األضعف‪ ،‬فاملجتمعات‬ ‫محصنة من داخلها لكون النهضة‬ ‫األوروب ّية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫األوروبية قامت عىل جهود فالسفة ومفكرين‬ ‫وحقوق ّيني عملوا عىل تعزيز قيم الحر ّية واملساواة‬ ‫ضمن املجتمع الواحد‪ .‬األمر الذي ساهم مع الوقت‬ ‫يف بناء نهضة أوروب ّية حقيق ّية‪ .‬ولكن‪ ،‬عىل الرغم‬ ‫من ّأن هذه املجتمعات التي قد تبدو اليوم وكأ ّنها‬ ‫مثالية عىل مستوى الحقوق واملساواة‪ ،‬قد تتزعزع‬ ‫صورتها إن أردنا أن نرى املشهد بصورة أشمل‪ ،‬فهذه‬ ‫ميض عىل استقرارها الفع ّ‬ ‫يل أكرث من‬ ‫املجتمعات مل ِ‬ ‫سبعني عاماً بعد حربني عامل ّيتني قىض فيهام ما يزيد‬ ‫عن ‪ 70‬مليون إنسان!‬ ‫املواقف املضادّة للحضارة الغربية مواقف متشنّجة‬ ‫بطبيعتها‪ ،‬تصدر غالب ّيتها عن إسالميني ال يتمتّعون‬ ‫بالقدر الكايف من االنفتاح عىل العرص‪ ،‬ذواتهم‬ ‫مهزوزة متشنّجة من اآلخر‪ ،‬وال يستطيعون الحفاظ‬ ‫عىل مساحة مناسبة للعيش املشرتك‪ ،‬مع توضيح‬ ‫املسؤول ّيات واملطالبة بالحقوق دون ابتكار أصناف‬ ‫مختلفة من العداء‪ ،‬أو دون تجنّب األحكام الخاطئة‬ ‫التي تش ّوش عىل القضايا العادلة‪ ..‬أصحاب هذه‬ ‫املواقف ال يقدّمون أنفسهم كأنصار لحقوق‬ ‫اإلنسان واملساواة بني البرش‪ ،‬وال يس ّوقون ألنفسهم‬ ‫كدعاة للدميقراط ّية والحر ّيات‪ .‬هؤالء يقدمون‬ ‫أنفسهم للعامل بدون مساحيق تجميل‪ ،‬وإن كان‬ ‫لديهم ما يفرض احرتامه فهي هذه املصداق ّية‬ ‫واالنسجام مع الذات‪ ،‬وإن كان انسجاماً مع فكر‬ ‫التط ّرف واإللغاء‪ ..‬فاالنسجام والرصاحة أصبحا‬ ‫عملتني نادرتني يف يومنا هذا!‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يف الجانب املقابل‪ ،‬نجد موقفا منصهرا بحضارة‬ ‫الغرب‪ ،‬ويصدر عن تيارات علامن ّية متغربنة‬ ‫باملطلق من حيث االنتامء الثقايف والجذور الفكر ّية‪.‬‬ ‫وهي تظهر رغبة يف تحديث املجتمعات اإلسالم ّية‪،‬‬ ‫ولكنّها تسعى يف العمق إىل تغيري هو ّيـتها بحيث‬ ‫تصبح نسخة عن املجتمع الحلم‪ .‬تبطن هذه‬ ‫التيارات مشاعر عدائ ّية للمجتمعات ذات التكوين‬

‫الموقف من الغرب‪ ..‬بين‬ ‫والعلمانيين‬ ‫اإلسالميين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬معتنقة بذلك أكرث األفكار العداونية‬ ‫تط ّرفاً يف الغرب تجاه اإلسالم وثقافته‪..‬‬ ‫يتامهى مع التيار السابق ت ّيار إسالمي معتدل‪،‬‬ ‫يعيب عىل بق ّية اإلسالميني عادة ضيق األفق‬ ‫ومحدود ّية التفكري‪ ،‬واالنغالق عىل التجربة‬ ‫التاريخ ّية لإلسالم دون االنفتاح عىل تجارب اآلخرين‬ ‫وقراءتها باعتبارها جزءاً من آيات اآلفاق واألنفس‪..‬‬ ‫ال يخفي التيار العلامين انحيازه املطلق لحضارة‬ ‫الغرب‪ ،‬وهو لن يرى لها عيوباً مهام كانت الحقائق‬ ‫دامغة‪ ،‬فاآللية العقلية التي يحاكم بها هذا الت ّيار‬ ‫األمور تخضع من جهة إىل الهيمنة الغرب ّية التي‬ ‫فعلت بإعالمها الكثري عىل مستوى الشعوب‬ ‫املغلوبة‪ ،‬وتنطلق من جهة ثانية من تجربة شخص ّية‬ ‫(أو جمع ّية) س ّيئة يف مجتمعات تعاين من أزمات‬ ‫وعقد مر ّكبة‪ ،‬حيث تأخذ بعض العقول منحى‬ ‫الحقد عىل البيئة االجتامعية وشيطنتها والعمل‬ ‫عىل قلبها رأساً عىل عقب‪ ،‬عوضاً عن العمل عىل‬ ‫تحقيق نهضة حقيق ّية‪..‬‬ ‫وباملقابل‪ ،‬يوحي ت ّيار “االعتدال” اإلسالمي إىل‬ ‫خصومه بامتالكه الحقيقة املطلقة يف تقييم الواقع‪،‬‬ ‫لكونه يس ّوق نفسه‪ ،‬دوناً عن غريه من التيا ّرات‬ ‫اإلسالمية‪ ،‬قارئاً آليات اآلفاق واألنفس‪ ،‬ومتت ّبعاً‬ ‫ملجريات التاريخ بحسب التوجيه القرآين‪ .‬لكن‪،‬‬ ‫ُيظهر هذا الت ّيار اجتزاءاً غريباً للحقيقة التاريخية‬ ‫والواقعية‪ ،‬وانتقائ ّية يف قراءة النص القرآين أيضاً‪.‬‬ ‫ال نأيت بجديد إن قلنا ّإن الرفاه ّية والتقدّم‬ ‫األوروبيني قاما بنسبة كبرية عىل استعباد الشعوب‬ ‫واستغالل ثرواتها‪ ..‬هذا ما يعرتف به بعض أصحاب‬ ‫الفكر الح ّر يف الغرب بطبيعة الحال‪ ،‬وهذا ليس‬ ‫من أحاديث التاريخ أو من أساطري األ ّولني التي‬ ‫مضت وميكن ط ّيها بحيث ميكننا القول ّ‬ ‫بأن تلك‬ ‫أ ّمة قد خلت‪ ،‬بل هو حالة معارصة مستم ّرة ال‬ ‫ميكن فصلها عن طبيعة الحضارة املاد ّية التي‬ ‫تعمل عىل استغالل ّ‬ ‫كل يشء حتّى آخر رمق‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬عىل ما يبدو‪ ،‬فإن اآللية الفكرية عند هذا‬ ‫الت ّيار تقوم بشكل كبري عىل تهميش هذا الجانب‬ ‫لصالح الرتكيز عىل عيوبنا الذات ّية‪ ،‬عم ًال بالتوجيه‬ ‫يغيوا ما بأنفسهم)‪ .‬وهذه االنتقائ ّية‬ ‫اإللهي (حتّى ّ‬ ‫يف اختيار التوجيهات اإلله ّية تعكس خل ًال كبرياً‬ ‫يف هذا التفكري‪ .‬ففي املجتمع ّ‬ ‫املك‪ ،‬وحني كان‬ ‫تعداد الجامعة املسلمة ال يزيد كثرياً عن أصابع‬ ‫اليد الواحدة‪ ،‬كانت هذه الجامعة تواجه مجتمع‬ ‫االستكبار بدون مهادنة‪ ،‬وكان الخطاب القرآين‬ ‫يوصف حالة املرتفني واملرسفني والطغاة بأوضح‬ ‫ّ‬ ‫العبارات‪ ،‬يف الوقت الذي يدعو املسلمني إىل‬ ‫االنشغال بالعمل عىل بناء الذات‪ ..‬ال يستوي‬ ‫االدّعاء بامتالك القراءة السليمة للتاريخ مع تجاهل‬

‫عىل درجة عالية من األهم ّية‪ :‬فالتاريخ األورويب‬ ‫ال يقترص عىل تف ّوق حضاري‪ ،‬وإنتاج صناعي‪،‬‬ ‫وحر ّيات عا ّمة‪ ،‬واتحاد أورويب‪ ،‬وإلغاء العبود ّية‪..‬‬ ‫إىل آخر اإلنجازات التي ال يستطيع أحد نكرانها‪.‬‬ ‫فكل ما سبق مي ّثل نصف حقيقة‪ ،‬بينام ّ‬ ‫يتلخص‬ ‫نصفها اآلخر يف ّأن هذا التف ّوق مل يكن ليصبح عىل‬ ‫ما هو عليه لوال ّأن هذه الحضارة قامت (وما تزال)‬ ‫عىل االستيطان واالستعامر‪ ،‬وعىل رسقة الشعوب‬ ‫وثرواتها‪ ،‬واستهالك ظاهر األرض وباطنها‪ ،‬وعىل‬ ‫التأسيس لعبود ّية جديدة تفوق العبودية القدمية‬ ‫ثم جعلت اإلعالن العاملي لحقوق‬ ‫وحش ّية ومهانة‪ّ ،‬‬ ‫ً‬ ‫خاصا باإلنسان األورويب وبرعايا‬ ‫اإلنسان إعالناً ّ‬ ‫الدول الغربية داخل حدودها‪..‬‬ ‫عىل مستوى الفهم القرآين‪ُ ،‬يظهر هذا الت ّيار انتقائية‬ ‫تشابه انتقائ ّيته يف قراءة التاريخ‪ ،‬وهو يوحي‬ ‫لخصومه‪ ،‬من جديد‪ ،‬امتالكه للحقيقة املطلقة يف‬ ‫فهمه للقرآن‪ .‬عىل الرغم من أ ّنه ينتقي منه (فقط)‬ ‫ما ينسجم مع أفكار الغرب‪ ،‬معترباً اآليات املنتقاة‬ ‫(والتي تتمحور حول حر ّية املعتقد واالنشغال‬ ‫آيات مت ّثل‪ ،‬دوناً عن غريها‪ ،‬عصب‬ ‫بإصالح الذات) ٍ‬ ‫املنهج القرآين‪ ..‬يتحاىش ت ّيار االعتدال التط ّرق إىل‬ ‫نصوص كثرية جداً تتعارض مع الجوهر املاديّ‬ ‫وتوصف بعبارات صارمة الكثري من‬ ‫لهذه الحضارة‪ّ ،‬‬ ‫“الفواحش” التي رشعنتها حضارة الغرب‪ ،‬ولكنّه‪،‬‬ ‫مع ذلك‪ ،‬يريد أن يقنع خصومه (من املتط ّرفني) ّ‬ ‫بأن‬ ‫فهمه للخطاب القرآين هو الفهم األقرب للصواب!‬ ‫مع ّأن مجاله الفكريّ ال يتعدّى الـ ‪ 50‬باملئة من‬ ‫الفضاء القرآ ّين! وهو بذلك ال يختلف عن خصومه‬ ‫يف االجتزاء‪ ،‬واالنتقاء‪ ،‬ويف سوء الفهم والتقدير يف‬ ‫كثري من األحيان‪..‬‬ ‫مي ّثل فهم دور الغرب جزءاً ها ّماً من فهم الواقع‬ ‫وفهم دورنا فيه‪ .‬يريد بعضهم أن يقول لنا‪ ،‬بشكل‬ ‫أو بآخر‪ّ ،‬‬ ‫بأن دور هذه األ ّمة قد انتهى‪ ..‬هكذا‬ ‫ّ‬ ‫وبكل بساطة! وإن أقىص ما ميكنها فعله هو‬ ‫اللحاق األعمى بالغرب‪ ..‬يسعى غالب ّية العلامن ّيني‪،‬‬ ‫تحت ستار التحديث والتجديد‪ ،‬للرتويج لفكرة‬ ‫ذهاب العرص القرآين إىل غري رجعة لصالح صعود‬ ‫عرص ماديّ يتم تسويقه عىل أ ّنه إنسا ّين‪ .‬ويتامهى‬ ‫معهم تيار االعتدال يف انتقاء النصوص املوافقة‬ ‫للم ّد الجديد‪ ،‬عام ًال عىل إخفاء بق ّية النصوص‬ ‫التي ّ‬ ‫توحش الشهوات‬ ‫توضح املوقف القرآين من ّ‬ ‫واملاد ّية‪..‬‬ ‫ويبقى نجاة األ ّمة مرهوناً بظهور جيل قادر عىل‬ ‫فهم عوامل تط ّور الغرب واالستفادة منه‪ ..‬جيل ال‬ ‫يخجل من إظهار هو ّيته الثقاف ّية وذاته الحضار ّية‪..‬‬ ‫ويؤمن ّ‬ ‫بأن التبع ّية ليست قدراً محتوماً عىل هذه‬ ‫األ ّمة‪..‬‬


‫من أجل سوريا موحدة‬ ‫‪9‬‬

‫علي العبداهلل‬

‫العدد ‪- 52 -‬‬ ‫‪2015 / 7 / 17‬‬

‫وسعت إرسائيل الفكرة لتشمل معظم الدول‬ ‫ّ‬ ‫العربية‪ .‬ففي دراسة كتبها “يديد ينون” تحت‬ ‫عنوان “إسرتاتيجية إلرسائيل يف الثامنينيات”‪ ،‬اعترب‬ ‫فيها سلطات األمر الواقع التي أفرزتها الحرب‬ ‫األهلية يف لبنان خريطة للبنان الجديد املكون من‬ ‫خمسة كانتونات‪ ،‬ورأى فيها منوذجا لتفتيت دول‬ ‫املرشق العريب إىل أقاليم ذات طابع قومي وديني‪،‬‬ ‫وعليه سوف تظهر يف سوريا دويلة علوية عىل‬ ‫الساحل‪ ،‬ودويلة سنية يف دمشق‪ ،‬ودويلة سنية‬ ‫ثانية يف حلب‪ ،‬معادية لدويلة دمشق‪ ،‬ودويلة‬ ‫للدروز يف الجوالن وحوران‪.‬‬ ‫انطلق الكاتب من “إن جميع الدول العربية‬ ‫املوجودة إىل الرشق من إرسائيل مقسمة ومفككة‬ ‫من الداخل”‪ ،‬و”إن سوريا ال تختلف اختالفا‬ ‫جوهريا عن دولة لبنان الطائفية باستثناء النظام‬ ‫العسكري القوي الذي يحكمها‪ ،‬ولكن الحرب‬ ‫الداخلية اليوم (يشري إىل الرصاع الذي انفجر يف‬ ‫الثامنينات بني النظام وجامعة اإلخوان املسلمني)‬ ‫بني األغلبية السن ّية واألقلية الحاكمة من الشيعة‬ ‫العلويني‪ ،‬الذين يشكلون ‪ 12‬يف املائة من عدد‬ ‫السكان‪ ،‬تدل عىل مدى خطورة املشكلة الداخلية”‪.‬‬ ‫واضح أن دعاة التقسيم يستندون إىل ما تعرفه‬ ‫املعادلة الوطنية من تفكك داخيل ويعتمدون عىل‬ ‫الحرب األهلية كبيئة لوالدة التقسيم‪ .‬فالتفكك‬ ‫الداخيل الذي ترتب عىل فشل األنظمة الوطنية‬ ‫وعجزها عن التعاطي مع العرص ورشوطه ومتطلباته‬ ‫من جهة وعىل لعب األنظمة التسلطية عىل هذا‬ ‫التعدد والتباين إلضعاف املجتمع والسيطرة عليه‬ ‫بتكريس الفرقة والهشاشة الوطنية من جهة ثانية‪.‬‬ ‫فقد بقيت األنظمة الوطنية التي تسلمت السلطة‬

‫مقاالت‬

‫يف كتاب “من االنتداب إىل االنقالب” عرضت‬ ‫األستاذة سعاد جروس ملعركة خاضتها الحركة‬ ‫الوطنية السورية‪ ،‬ممثلة بالكتلة الوطنية‪ ،‬من أجل‬ ‫ضامن وحدة سوريا أرضا وشعبا‪ ،‬ضد االنتداب‬ ‫قسم سوريا إىل خمس دويالت‪،‬‬ ‫الفرنيس‪ ،‬الذي ّ‬ ‫وضد قوى سورية تبنت هذا التقسيم وسعت إىل‬ ‫تكريسه عرب املطالبة بكيانات خاصة العتبارات‬ ‫مذهبية وقومية( تيار علوي يف الساحل وآخر‬ ‫درزي يف السويداء وثالث رسياين‪ -‬كردي يف الجزيرة‬ ‫السورية)‪.‬‬ ‫وقد نجحت الكتلة الوطنية يف تغليب االتجاه‬ ‫الوحدوي عرب العمل عىل األرض مع القوى املؤيدة‬ ‫لسوريا واحدة يف املحافظات الثالثة وتعزيز‬ ‫صفوفهم والتأثري عىل أصحاب الرأي اآلخر‪ ،‬ما‬ ‫اضطر املندوب السامي الفرنيس إىل العودة عن‬ ‫قرار التقسيم وإعادة توحيد سوريا يف دولة واحدة‬ ‫ونظام سيايس واحد‪.‬‬ ‫غري أن مشاريع تقسيم املنطقة‪ ،‬مبا فيها سوريا‪،‬‬ ‫مل تتوقف‪ ،‬وقد سعت إرسائيل إىل تقسيم الدول‬ ‫العربية إىل دول دينية ومذهبية يك تضعف‬ ‫أعداءها من جهة وتربر طبيعتها الدينية من جهة‬ ‫ثانية وطرحت لذلك مرشوعا أعده بن غوريون‬ ‫قائم عىل افتعال حرب أهلية ممولة إرسائيليا‬ ‫وخلق اضطرابات بني طوائفه واستغالل املآيس‬ ‫والقطيعة النفسية يف تقسيم البلد‪ ،‬وناقشه اجتامع‬ ‫وزاري عقد يوم ‪ 27/2/1954‬ضم كال من موشية‬ ‫شاريت وبن غوريون‪ ،‬واسحاق الفون‪ .‬عارض‬ ‫شاريت‪ ،‬كان رئيسا للوزارة حينها‪ ،‬الفكرة الن‬ ‫املوارنة ليسوا أغلبية‪ ،‬وألن إعالن دولة مارونية‬ ‫سيؤدي إىل اندماج املسلمني مع أراضيهم الشاسعة‬ ‫جدا بسوريا‪ ،‬وبذلك تصبح الدولة املارونية محاطة‬ ‫بدولة إسالمية ضخمة‪ ،‬وعدم وجود ضامنات مادية‬ ‫ومعنوية كافية دوليا وإقليميا للمرشوع‪ .‬وقد جرى‬ ‫عرض املرشوع عىل اللبنانيني يوم ‪ 12/2/1955‬يف‬ ‫لقاء عقد بني الياهو ساسون‪ ،‬السفري اإلرسائييل‬ ‫يف روما‪ ،‬ونجيب صغري‪ ،‬ممثال عن كميل شمعون‪،‬‬ ‫ومتت مناقشة رشوط التنفيذ‪ ،‬و ُبعث بعد حرب الـ‬ ‫‪ 67‬عند وصول دايان إىل وزارة الدفاع حيث بدأ‬ ‫البحث عن ضابط ماروين مستعد إلعالن دولة‬ ‫منقذة للموارنة وعن ذريعة(عمليات فدائية‬ ‫تنطلق من لبنان)‪ .‬ميكن اعتبار دولة لبنان الجنويب‬ ‫التي أعلنها سعد حداد تجسيدا عمليا للمرشوع‪.‬‬

‫بعد االستقالل أسرية تصوراتها ومفاهيمها التقليدية‬ ‫والخلط بني الدولة املستندة إىل الجامعة الدينية‬ ‫والدولة املستندة إىل الجامعة الوطنية ما جعلها‬ ‫اقرب إىل سلطة سن ّية منها إىل سلطة وطنية جامعة‪،‬‬ ‫يف حني غذت األنظمة التسلطية االنقسامات‬ ‫ووظفتها لالستئثار بالسلطة ولجم تطلعات املجتمع‬ ‫إىل الحرية والكرامة واملشاركة يف صياغة القرار‬ ‫الوطني‪ ،‬عرب تعزيز مخاوف األقليات‪ ،‬وإدارة الحياة‬ ‫الوطنية بالرتويج لخطر األغلبية وتشكيل تحالف‬ ‫األقليات‪.‬‬ ‫أطل مرشوع التقسيم برأسه مجددا يف ضوء‬ ‫االنقسام الطائفي والهواجس واملخاوف بني أبناء‬ ‫املجتمع وبخاصة أبناء األديان واملذاهب اإلسالمية‬ ‫الصغرية بسبب انخراط إيران يف الرصاع إىل جانب‬ ‫السنة والشيعة بزجها‬ ‫النظام وتعميقها الرشخ بني ّ‬ ‫امليليشيات الشيعية يف الرصاع إىل جانب النظام‪،‬‬ ‫وبروز الحركات السلفية ومرشوعها إلقامة خالفة‬ ‫إسالمية وتطبيق ما تعتربه رشع الله وسلوكها‬ ‫الهمجي ضد أبناء األديان واملذاهب األخرى‪ ،‬وتبني‬ ‫روسيا سياسة حامية األقليات لتربير الدور الذي‬ ‫تلعبه يف الرصاع يف سوريا وعليها حيث وقفت منذ‬ ‫انطالق الثورة إىل جانب النظام ودعمته سياسيا‬ ‫وعسكريا وماليا‪.‬‬ ‫لن ترتاجع الهواجس واملخاوف ويتجه املجتمع إىل‬ ‫التعايف واالندماج تحت سقف وطن واحد ونحافظ‬ ‫عىل الدولة السورية ما مل يتحرر املجتمع من ذهنية‬ ‫عزل املختلف ورفضه من جهة وذهنية الحصار‬ ‫والتقوقع الذي يعيشه أبناء األديان واملذاهب‬ ‫اإلسالمية الصغرية من جهة ثانية‪ ،‬وهذا لن يتحقق‬ ‫دون صياغة النظام السيايس وفق اعتبارات وطنية‬ ‫بعيدا عن منطق األكرثية واألقلية الدينية أو‬ ‫املذهبية أو العرقية‪ ،‬وإقامة دولة وطنية حديثة‬ ‫ترتكز إىل الجامعة الوطنية‪ ،‬كأساس موضوعي‬ ‫لالندماج الوطني‪ ،‬وما مل يصغ عقد اجتامعي أساسه‬ ‫املواطنة واملساواة يف الحقوق والواجبات والحريات‬ ‫العامة والخاصة يجسد وحدة املجتمع وكيانه‬ ‫الوطني الجامع‪ .‬وهذا يستدعي من قوى الثورة‪،‬‬ ‫السياسية والعسكرية‪ ،‬االقتداء بأسالفهم يف الكتلة‬ ‫الوطنية الذين أعادوا إىل سوريا وحدتها عرب الحوار‬ ‫الوطني مع أبناء األديان والقوميات واملذاهب‬ ‫الصغرية‪ ،‬والتحرك لرأب الصدع عرب الترصف العميل‬ ‫بداللة سوريا الواحدة املوحدة أرضا وشعبا‪.‬‬


‫الصفقة النووية‪ :‬سياقها ودالالتها‬ ‫‪10‬‬

‫إبراهيم األصيل‪ -‬باحث سوري‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫مقاالت‬

‫تنجرف النقاشات السياسية كثرياً نحو ما نتمنّى أن يحصل‪ ،‬بدالً من‬ ‫أن تر ّكز حول تفسري ما يحصل وما ميكن أن يحصل‪ .‬بالنسبة للصفقة‬ ‫النووية مع إيران‪ ،‬فمن املفيد أن نستعرض سياق األحداث بشكل‬ ‫رسيع ومخترص‪.‬‬ ‫بدأت األزمة بني إيران واملجتمع الدويل منذ الثورة اإلسالمية سنة‬ ‫‪ ،1979‬واتبعت إيران نهجاً عدوانياً يف عالقاتها الخارجية‪ّ ،‬‬ ‫مم أدى‬ ‫لفرض طبقات مختلفة من العقوبات االقتصادية عليها‪ ،‬جزء هام‬ ‫منها مرتبط بربنامجها النووي‪ .‬وباختصار‪ ،‬فإن إيران سعت المتالك‬ ‫سالح نووي‪ ،‬وقطعت شوطاً نحو إحراز هذا الهدف واستم ّرت يف‬ ‫العمل عىل ذلك‪ ،‬وكانت الحلول املقرتحة سابقاً إليقافها هي إما حل‬ ‫عسكري‪ ،‬أو حل سيايس‪ ،‬أو مزيج بني الح ّلني‪.‬‬ ‫الحل العسكري يعني تنفيذ رضبات جوية يقوم بها سالح الجو‬ ‫اإلرسائييل‪ ،‬كام فعل سابقاً يف العراق وسوريا‪ ،‬أو الطريان األمرييك‪.‬‬ ‫تشري التقديرات العسكرية إىل أن الطريان اإلرسائييل قادر عىل إلحاق‬ ‫أرضار باملنشآت النووية اإليرانية وتأخري برنامجها لسنتني‪ ،‬ولكنه لن‬ ‫يكون قادراً عىل إلحاق أذى جدّي مبنشأة فوردو ألنها مبنية تحت‬ ‫الصخر‪ .‬أما اذا قام الطريان األمرييك بالرضبات فسيتم إلحاق أرضار‬ ‫جسيمة باملنشآت النووية ومن ضمنها فوردو‪ ،‬وسيتم تأخري الربنامج‬ ‫أربع سنوات‪ .‬إنهاء الربنامج النووي يتطلب تدخ ًال برياً‪ ،‬وسيكون‬ ‫لذلك تكاليف مادية وبرشية هائلة‪ ،‬وهو غري مضمون النتائج بأي‬ ‫شكل من األشكال‪.‬‬ ‫إذاً‪ ،‬الحل العسكري ال يستطيع إنهاء الربنامج النووي‪ ،‬وهناك خطر‬ ‫أن يؤدي لحرب أوسع إذا ما قامت إيران بالرد مام قد يؤدي ملواجهة‬ ‫شاملة يف املنطقة‪ ،‬أو حتى إذا ما ردت إيران بطرق غري متناظرة‬ ‫عن طريق عمليات انتقامية وتفجريات ض ّد مصالح الواليات املتحدة‬ ‫ورشكائها‪ .‬كام أن الرضبة العسكرية ستؤدي إىل سيطرة املتشددين‬ ‫يف النظام اإليراين وتوسع نفوذهم عىل حساب الشخصيات األقرب‬ ‫لالعتدال‪ ،‬وبذلك يتضاءل احتامل الدفع نحو حل سيايس‪ ،‬وغالباً ما‬ ‫ستستمر إيران بتطوير قدراتها النووية بعدها وسيصبح سلوكها يف‬ ‫املنطقة أكرث رشاسة‪.‬‬ ‫بنا ًء عىل ما سبق‪ ،‬تابعت الدول الست (أعضاء مجلس األمن الدامئني‬ ‫باإلضافة ألملانيا) بقيادة الواليات املتحدة مفاوضاتها مع إيران‪ .‬يدافع‬ ‫منارصو الصفقة عن املفاوضات مع إيران عىل أنها الحل الوحيد‪،‬‬ ‫ويق ّرون بأن املفاوضات لن تزيل الربنامج النووي اإليراين‪ ،‬ولكنها‬ ‫قادرة عىل تأخريه عدد من السنوات أكرث من الحل العسكري‪ ،‬مع‬ ‫فتح الباب للمزيد من املفاوضات مستقب ًال حول ملفات أخرى‪.‬‬ ‫تم الوصول للصفقة النهائية يف ‪ 14‬متوز (يوليو) ‪ .2015‬وملخص‬ ‫الصفقة أن تقوم إيران بسحب ثلثي أجهزة الطرد املركزي وتزيل‬ ‫‪ 95%‬من اليورانيوم املخصب‪ ،‬ويتم قطع الطريق عىل احتامل‬ ‫استخدام البلوتونيوم‪ ،‬وأن تزداد عمليات التفتيش‪ ،‬مقابل رفع‬ ‫العقوبات االقتصادية عن إيران (املرتبطة بالربنامج النووي)‪ ،‬عل ًام‬ ‫أن القيود عىل تخصيب اليورانيوم ستكون لخمسة عرشة سنة فقط‪.‬‬ ‫والتحدي هو ما الذي سيحصل بعد هذه املدة؟ يراهن البعض عىل‬ ‫تغيري سلوك النظام اإليراين حتى ذلك الوقت‪ ،‬بينام يرى آخرون أن‬ ‫املشكلة ستعود لنقطة الصفر حينها‪ ،‬ورمبا أسوأ‪.‬‬ ‫ولهذه الصفقة معارضون كرث وبوجهات نظر منطقية ومخاوف‬ ‫مرشوعة‪ ،‬سوا ًء يف الرشق األوسط أو الواليات املتحدة‪ .‬يرى املعارضون‬ ‫للصفقة أن التفاوض مع إيران أعطى النظام اإليراين رشعية دولية‪،‬‬

‫وسيستغل النظام اإليراين رفع العقوبات االقتصادية يف متويل عملياته اإلرهابية وعمالئه‬ ‫يف املنطقة من الخليج حتى العراق وسوريا ولبنان‪ ،‬وسريفع مقدار دعمه لألسد ليزيد من‬ ‫إجرامه‪ ،‬وسيتابع تدخله يف شؤون دول املنطقة سوا ًء بشكل سيايس أو عسكري‪.‬‬ ‫ويف إيران هناك معارضون للصفقة أيضاً من املتشددين‪ ،‬فهم يرون أن أي صفقة مع‬ ‫الواليات املتحدة ترض بأهداف الثورة اإلسالمية يف إيران وتتعارض معها‪ ،‬وحاول أعضاء‬ ‫يف املجلس (الربملان اإليراين) تعطيل املفاوضات والتهديد برفضها حتى وإن تم التوقيع‬ ‫عليها‪.‬‬ ‫ارتكبت الواليات املتحدة خطأ اسرتاتيجياً يف املفاوضات‪ ،‬فكانت فزعة من إفساد‬ ‫املفاوضات مع إيران بشكل مبالغ فيه‪ ،‬ولذلك تحاشت مواجهة إيران يف أي من امللفات‬ ‫األخرى‪ ،‬كامللف السوري‪ ،‬بينام كانت إيران تفاوض عىل امللف النووي‪ ،‬وتترصف بعدوانية‬ ‫يف امللفات األخرى دون أن تخىش إفساد املفاوضات‪ ،‬وأدى ذلك ألن تتوسع إيران أمام‬ ‫عطالة يف سياسة الواليات املتحدة‪ .‬كان يتوجب عىل الواليات املتحدة أن تترصف ببقية‬ ‫امللفات مبعزل عن املفاوضات النووية‪ ،‬متاماً كام فعلت إيران‪ ،‬تفاوض كأنها ال تواجه يف‬ ‫ملفات أخرى‪ ،‬وتواجه يف امللفات األخرى كأنها ال تفاوض يف امللف النووي‪.‬‬ ‫واليوم‪ ،‬سوا ًء كنّا من أنصار أو معاريض الصفقة‪ ،‬فالصفقة تم توقيعها‪ ،‬واألسئلة هي عن‬ ‫آثارها‪ ،‬وما ميكن فعله‪ ،‬وهنا بعض النقط حول ذلك‪:‬‬


‫تتمة المقال عن‬ ‫الصفقة النووية‬

‫شوكت غرز الدين‬

‫البقية في ضفحة ‪...13‬‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫أراد الشعب السوريّ الحر ّية‪ ،‬ووضعها يف أعىل سلم أولوياته برسم‬ ‫التحقيق‪ .‬وكان ال ميلك حينها إ ّال “إرادة الحر ّية”‪ ،‬غري آبه بـ “إرادة‬ ‫الق ّوة” املتجسدة مبوازين القوى ومفاعيل الزمن واملصالح التي ميتلكها‬ ‫النظام السوريّ وحلفاؤه العضويني‪ .‬فيخرج الشعب السوريّ بهذا عىل‬ ‫طبيعته املحددة سلفاً يف العلوم واألديان ألنه يخرج من الحسابات‬ ‫الضيقة إىل حسابات املجد‪.‬‬ ‫فعىل الرغم من معرفة الشعب السوريّ لـ “إرادة الق ّوة” وما متثله من‬ ‫تهديد ألمنه واستقراره وحتى مصريه‪ ،‬بسط الشعب السوريّ “إرادة‬ ‫الحر ّية”‪ ،‬وقدِّم لها التضحيات األسطور ّية من أرواح وأمالك؛ لتحقيق‬ ‫دولته الوطن ّية ذات النظام الدميقراطي‪ .‬وهي التي من املفرتض ْأن‬ ‫تكون عام ًال أساسياً يف إلغاء “واجب العبودية” امللقى عىل كاهله‪،‬‬ ‫وتؤسس ألمن واستقرار منطقة رشق املتوسط‪ ،‬وتساهم يف تراجع‬ ‫اإلرهاب لعدم تعدّيها الحدود الوطن ّية الجيوسياس ّية‪.‬‬ ‫ولكن‪ ،‬مع تصدّي “إرادة الق ّوة” عند النظام “السوبرمان” وحلفائه‬ ‫العضويني لـ “إرادة الحر ّية” عند الشعب السوريّ ‪ ،‬تشظى الشعب‬ ‫السوريّ ‪-‬بوصفه حام ًال إلرادة الحر ّية وباسطاً لها يف التاريخ‪-‬‬ ‫وكأنه تعرض النفجار نووي إىل ما النهاية له من الذرات املتحاجزة‬ ‫واملتكاونة‪ .‬اليشء الذي أدى إىل ظهور اإلرهاب بحلته الداعش ّية‬ ‫الجديدة القدمية يف آن‪ .‬وقد هدفت “إرادة الق ّوة” من تصديها بالق ّوة‬ ‫املتنوعة إلرادة الحر ّية إىل خلق اإلرهاب وتوظيفه لصالح بقائها من‬ ‫جهة‪ ،‬وإىل املحافظة عىل “واجب العبود ّية” العزيز عىل قلبها من‬ ‫جهة ثانية‪ .‬فاالثنان‪ :‬اإلرهاب وواجب العبودية‪ ،‬هام االبنان الرشعيان‬ ‫لـ “إرادة الق ّوة” عرب التاريخ‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬اشتد الرصاع يف سور ّيا بني اإلرادتني‪“ :‬إرادة الحر ّية” ضد‬ ‫“إرادة الق ّوة”‪ .‬البطل يف إرادة الحر ّية هو الشعب السوريّ ‪ ،‬أما يف‬ ‫إرادة الق ّوة فهو “السوبرمان”‪ .‬الشعب السوريّ بوصفه مصدراً للقوة‬ ‫والحقيقة والرثوة الكامنني بفاعليته‪ ،‬والسوبرمان بوصفه فرداً تكونت‬ ‫قوته بعتاده الحريب وحقيقته مستمدة من خارجه وثروته يف املواد‬ ‫الخاصة‪.‬‬ ‫األولية والفساد‪ .‬وهو مغرور يرى نفسه مبرآة أوهامه‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ُي ِّثل الشعب السوريّ إرادة الحر ّية؛ التخاذه من الحر ّية هدفا أعىل‬ ‫يف سلم أولوياته نقيضاً لالستبداد واإلخضاع بالق ّوة واحتكار الق ّوة‬ ‫والرثوة والحقيقة من جهة‪ ،‬ولتقدّميه الغايل والنفيس من أجل تحقيق‬ ‫الحر ّية وبسطها وإمنائها من جهة ثانية‪ .‬أ ّما إرادة الق ّوة ف ُيم ِّثلها‬ ‫“سوبرمان” ما؛ فم ّرة يكون سوبرماناً سورياً كاألسد‪ ،‬الجعفري‪ ،‬املعلم‪،‬‬ ‫النمر‪ ،‬الجوالين‪ ،‬علوش‪ .‬وم ّرة ثانية يكون إقليمياً كالخامنئي‪ ،‬نرصالله‪،‬‬ ‫البغدادي‪ .‬وأخرى يكون دولياً كبوتني‪ ،‬الفروف‪ .‬ويستخدم مثل هذا‬ ‫“السوبرمان” الق ّوة مبختلف تنوعاتها لكرس “إرادة الحر ّية” واملحافظة‬ ‫عىل احتكار “إرادة الق ّوة”‪.‬‬ ‫وعىل الرغم من محاوالت “إرادة الق ّوة” املرتاكمة سابقاً لبعرثة‬ ‫وتشتيت “إرادة الحر ّية”‪ ،‬واستخدامها اسرتاتيجيات متنوعة وطويلة‬ ‫األمد‪ ،‬إال أن “إرادة الحرية” ظهرت كطائر الفينيق من الرماد ‪ ...‬لتل ِهم‬ ‫آمال األحرار يف العامل‪ .‬ولذلك خافت “إرادة الق ّوة” من “إرادة الحر ّية”‬ ‫فولدّت اإلرهاب‪ ،‬كام خافت مرة يف أملانيا فولدّت النازية‪ .‬يجب ْأن ال‬ ‫ننىس َّأن “إرادة الق ّوة الهتلرية” هي البنت الرشعية ألفكار “نيتشه”‪،‬‬ ‫الفيلسوف الذي أسسها‪ ،‬وحتى َّأن الفيلسوف “هيدغر” هلل لها‪.‬‬

‫‪11‬‬

‫مقاالت‬

‫‪ - 1‬ال شك بأن طائفية النظام اإليراين وطموحاته التوسعية ال تقل خطورة‬ ‫عن إمكانياته النووية املحتملة‪ .‬وسياساته يف املنطقة لزعزعة االستقرار من‬ ‫أكرب الهواجس األمنية إقليمياً ودولياً‪ .‬والوصول لصفقة مع النظام اإليراين ال‬ ‫يعني أبداً أنه سيغري من توجهاته العدوانية‪.‬‬ ‫‪ - 2‬ال عالقة مبارشة بني نتائج الصفقة وحجم املساعدات لنظام األسد‪،‬‬ ‫بالنسبة لطبيعة النظام اإليراين وتاريخه فسياسته الخارجية ليست مرتبطة‬ ‫بقدرته االقتصادية بقدر ما هي مبنية عىل إرادته السياسية‪ ،‬ومل يكن عىل‬ ‫مدى العقود املاضية أي ارتباط بني وضع االقتصاد اإليراين وسياسات النظام‬ ‫الخارجية‪ .‬والحروب التي تخوضها إيران ليست مكلفة نسبياً ألنها تتبع‬ ‫وسائل غري متناظرة وال تقوم بها عىل أرضها (ال تستخدم جيوشاً تقليدية‪،‬‬ ‫ورواتب امليليشيات يف العراق وسوريا تستنزف نسبة ضئيلة من اإلمكانيات‬ ‫اإليرانية‪ ،‬والكثري من املساعدات اقترص عىل تقديم النفط الذي مل تستطع‬ ‫بيعه أص ًال يف األسواق العاملية‪ ،‬وجميعها ال تتخطى اثنني باملئة من الناتج‬ ‫اإليراين)‪ .‬الوضع االقتصادي اإليراين سيكون أفضل‪ ،‬ولكن ال يعني بالرضورة‬ ‫زيادة اإلنفاق عىل حروب الوكالة‪ .‬فهذا‪ ،‬وإن كان محتم ًال‪ ،‬مرتبط بعوامل‬ ‫سياسية أخرى‪.‬‬ ‫سيتحسن بال شك‪ ،‬ولكن نسبة التحسن ليست مرتبطة‬ ‫‪ - 3‬االقتصاد اإليراين‬ ‫ّ‬ ‫فقط برفع العقوبات‪ ،‬وإمنا بقدرة النظام اإليراين عىل إعادة هيكلة االقتصاد‬ ‫ومكافحة الفساد‪ ،‬وهذه املشاكل ال تقل خطورة عىل االقتصاد اإليراين من‬ ‫العقوبات‪ ،‬وإال ستعود الفائدة عىل دائرة النظام الضيقة والحرس الثوري‬ ‫وشبكاته االقتصادية فقط‪ ،‬وهذا يعني استمرار االحتقان يف إيران من الطبقة‬ ‫الوسطى تجاه النظام‪.‬‬ ‫‪ - 4‬سوريا مل تكن جزءاً من املفاوضات‪ ،‬ورفض اإليرانيون إدخال امللفات‬ ‫اإلقليمية األخرى يف املحادثات‪ ،‬وأشارت األطراف املتفاوضة إىل إمكانية‬ ‫االنتقال لبحث ملفات أخرى بعد االنتهاء من امللف النووي‪.‬‬ ‫‪ - 5‬من املستبعد أن يحصل تح ّول كبري يف العالقات اإليرانية‪-‬األمريكية‬ ‫عىل املدى القصري واملتوسط‪ ،‬فإيران ما زالت نظاماً متط ّرفاً توسعياً يناصب‬ ‫الواليات املتحدة العداء منذ حوايل ‪ 36‬سنة‪ ،‬وأمريكا ما زالت “الشيطان‬ ‫األكرب” يف إيران‪ ،‬والنظام اإليراين مبني عىل هذه الرؤية للواليات املتحدة‬ ‫والغرب‪ ،‬وتغيريه لها يعني انتحاره‪ .‬ولكن بال شك هناك احتامل أن يبدأ‬ ‫انزياح يف الرأي العام األمرييك تجاه إيران عىل حساب دول الخليج العريب‪.‬‬ ‫وبالنسبة لدول الخليج‪ ،‬فالتنسيق والعمل عىل تأسيس منظومة أمن ودفاع‬ ‫مشرتك حاجة ملحة اليوم أكرث من أي يوم مىض‪.‬‬ ‫للصفقة آثار عميقة عىل الرشق األوسط بشكل خاص‪ ،‬وهي تؤسس لنمط‬ ‫جديد من العالقات دولياً‪ ،‬كام أنها ليست نهاية التبدالت السياسية يف‬ ‫املنطقة‪ ،‬وإمنا بداية ملرحلة أخرى‪ ،‬وما يزال هناك الكثري من املتغريات‪،‬‬ ‫وما يقوم به كل طرف يف الفرتة القادمة ال يقل أهمية عن الصفقة‪ ،‬ألن‬ ‫هذه التحركات ستشارك يف رسم معامل املنطقة والرصاعات فيها‪ .‬سيتحرك‬ ‫الالعبون سعياً وراء مصالحهم ضمن املعطيات الجديدة‪ ،‬وخصوصاً الدول‬ ‫السنية ويف مقدمتها السعودية وتركيا‪ ،‬وستبحث هذه الدول عن قواسم‬ ‫مشرتكة فيام بينها الحتواء التمدد اإليراين‪ .‬أما فيام يتعلق بسوريا فيتوجب‬ ‫الضغط عىل الواليات املتحدة لتضغط عىل النظام اإليراين الستخدام روافعه‬ ‫ليدفع األسد إليقاف استخدام الطريان يف رضب املدن وإلقاء الرباميل والعمل‬ ‫عىل رفع الحصار عن املدنيني‪ ،‬وإذا كانت حجتها سابقاً بأنها ال تريد إفساد‬ ‫املفاوضات‪ ،‬فاملفاوضات انتهت‪ ،‬واملسؤولية السياسية واألخالقية ترتب عىل‬ ‫الواليات املتحدة واملجتمع الدويل أن يتحركوا بخصوص األزمة يف سوريا‪ ،‬وإال‬ ‫فلن تؤدي الصفقة إال للمزيد من العنف واالقتتال يف املنطقة‪ ،‬وارتفاع حدة‬ ‫الرصاع الطائفي‪ ،‬والرابح األكرب سيكون امليليشيات والتنظيامت املتطرفة‪،‬‬ ‫وعىل رأسها “داعش”‬

‫الحرية‬ ‫إرادة‬ ‫ّ‬


‫نحن هم حاملو لواء مشروع التقسيم‬ ‫‪12‬‬

‫أبو القاسم السوري‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫مقاالت‬

‫إن واقع الرصاع يف سورية يؤرش مبا ال يدع‬ ‫مجاالً للشك أن املعادلة العامة للرصاع ما زالت‬ ‫ثابتة بني أطراف هذا الرصاع منذ اليوم األول‬ ‫إىل اآلن‪ ،‬وهي معادلة من الطبيعة الصفرية‬ ‫التي ينظر فيها كل طرف إىل فناء الطرف اآلخر‬ ‫كحل وحيد لبقائه والحفاظ عىل وجوده‪ .‬ولعل‬ ‫هذا األمر ميكن أن يفرس مستويات العنف‬ ‫التي وصل إليها الرصاع كام يفرس أيضاً العجز‬ ‫عن الوصول إىل أي حل سيايس لهذا الرصاع‪.‬‬ ‫ومع تفاقم اآلفات الناتجة عن امتداد‬ ‫الرصاع يف سورية‪ ،‬وما رافق هذا االمتداد من‬ ‫انعكاسات مدمرة سواء بالداخل السوري أو‬ ‫عىل املستوى اإلقليمي والدويل أصبح طرح‬ ‫البحث عن حل لهذا الرصاع ركناً أساسياً‬ ‫من أي اجتامع يتعلق باملنطقة‪ .‬ورغم تعدد‬ ‫الطروحات إال أنه مل يستطع أي أحد طرح أي‬ ‫مبادرة أو خارطة سياسية للحل قابلة أن تنجز‬ ‫أو تتحقق‪ ،‬وخاصة مع تعدد األطراف الفاعلة‬ ‫يف الرصاع واختالف أجنداتها‪ ،‬مام دفع العديد‬ ‫من املطابخ السياسية عىل مستوى العامل‬ ‫لطرح فكرة التقسيم كحل ميكن له أن يطبق‬ ‫ألنه ال ميكن إيجاد حل ضمن نطاق جغرايف‬ ‫جامع لكل هذه األطراف‪ .‬وأنا اعتقد أن هذا‬ ‫الطرح هو يف نفس السياق الذي حاول دي‬ ‫مستورا تسويقه ضمن فكرة تجميد الرصاع‬ ‫والقامئة عىل فكرة تخفيض مستوى الرصاع‬ ‫من خالل فرض هدن وتهدئة عىل األطراف‪،‬‬ ‫ولكن دي مستورا اصطدم بحائط عدم الثقة‬ ‫رسخه أساساً‬ ‫املوجود بني األطراف والذي ّ‬ ‫غدر النظام وإجرامه الذي فاق كل الحدود‪.‬‬ ‫وعليه فاعتقد أن مراكز صناعة القرار اإلقليمية‬ ‫والدولية رأت رضورة فرض هذا األمر كأمر‬ ‫واقع ضمن اسرتاتيجية تقوم عىل أساس فرز‬ ‫مناطق جغرافية صافية اللون سياسياً سواء‬ ‫لجهة قوى املعارضة أو لجهة قوى النظام‪.‬‬ ‫ولعل عملية تحرير إدلب وما يحدث يف‬ ‫درعا وحلب يندرج يف هذا السياق‪ .‬وعليه‬ ‫ميكن القول إن التطورات العسكرية األخرية‬ ‫الناتجة عن التحالف اإلقليمي الرتيك السعودي‬

‫القطري هي بهدف تغيري قواعد الرصاع‪ ،‬وليس‬ ‫بهدف حسم الرصاع‪ ،‬ولعل العنوان الرئييس‬ ‫للمرحلة القادمة سيكون (مناطق حكم غري‬ ‫مركزية) أي ال ترتبط ضمن الدولة السورية‪.‬‬ ‫وما يزيد الطني بلة أن املناطق التي تخرج عن‬ ‫سيطرة النظام يتشكل فيها مناذج متعارضة مع‬ ‫بعضها واألخطر أنها تتعارض مع أهداف الثورة‬ ‫ومبادئها‪ ،‬وهذا أمر رضره بعيد املدى عىل‬

‫السياسية هي ما يحدث يف الواقع وليس ما‬ ‫يقال يف العلن؟ لكن كيف يحدث ذلك؟‬ ‫إن رفض مرشوع التقسيم يكون من خالل تبني‬ ‫فكرة الدولة الوطنية الجامعة املحددة اإلقليم‬ ‫والشعب واملتفق ولو جزئياً عىل شكل سلطتها‬ ‫املستقبلية‪ ،‬ولكن واقع الحال السوري ليس‬ ‫كذلك؛ فمقومات الدولة الرئيسية هي محل‬ ‫اختالف بني قوى املعارضة‪ ،‬فكل جهة تريد‬

‫املستوى االسرتاتيجي‪ ،‬ولعل خطورة تشكيل‬ ‫مناطق حكم منفصلة مناطقياً قد تكون‬ ‫خطوة أوىل نحو مرشوع التقسيم‪ ،‬وخاصة أن‬ ‫العديد من املراكز السياسة اإلقليمية والعاملية‬ ‫تطرح بقوة مرشوع التقسيم كحل وحيد قابل‬ ‫للتطبيق يف الجغرافية السورية نتيجة قراءتها‬ ‫للوضع السوري‪.‬‬ ‫وال يختلف اثنان عىل أن فكرة التقسيم تخالف‬ ‫املبادئ السامية التي قامت عليها الثورة‬ ‫السورية ولعلها من املحرمات ضمن الوعي‬ ‫السوري الوطني الجمعي وما يتأىت عن هذا‬ ‫الوعي من هوية وطنية سورية ترسخت خالل‬ ‫القرن العرشين‪ .‬ولعل هذا األمر ميكن أن يفرس‬ ‫مدى الرفض الذي تبديه أغلب قوى املعارضة‬ ‫بكل أطيافها لهذا الطرح ولكن السؤال الرئييس‬ ‫هو‪ :‬هل يكفي أن أرفض مرشوع التقسيم‬ ‫باألقوال وأنا أرسخه باألفعال حقيقية؟ أليست‬

‫بناء دولتها الخاصة عىل أنقاض سورية وعليه‬ ‫فإن رفضنا ملرشوع التقسيم يكون بانتقالنا‬ ‫نحو اتفاق عىل مقومات الدولة السورية‬ ‫ومؤسساتها وخاصة املؤسسة العسكرية أي‬ ‫من خالل بناء جيش وطني جامع‪ ،‬ولكن طاملا‬ ‫كل فصيل عسكري‪ ،‬ما زال يتمسك بفصيله‬ ‫ويراه السبيل للوصول إىل دولته املزعومة‬ ‫التي يطمح لها‪ ،‬فإننا حينها نكون نحن من‬ ‫نرسخ التقسيم فعلياً وحينها علينا أن ّ‬ ‫نكف‬ ‫عن لوم الخارج بأنه من يريد فرض مرشوع‬ ‫التقسيم علينا‪ ،‬ألننا نحن أهل مكة ونحن‬ ‫أدرى بشعابها‪ .‬وإذا كان مرشوع التقسيم ال‬ ‫يتناسب مع ثورتنا وفكرنا كام ندعي‪ ،‬فعلينا‬ ‫أن نتبنى مرشوعاً سياسياً واضح املعامل مضاداً‬ ‫له قامئاً عىل أساس تحرير سوريا من النظام‬ ‫الغاشم وبناء الدولة السورية الوطنية الجديدة‬ ‫بكل مقومات الدولة الحديثة‪.‬‬


‫عن (فارس) بائع الورد ومانح الحب‬ ‫‪13‬‬

‫رامي العاشق*‬

‫العدد ‪- 52 -‬‬

‫الطفل فارس استشهد بقصف طريان التحالف يف احلسكة‪ ،‬الصورة بعدسة شادي أبو كرم‬

‫سورية مل تخطئ هدفها وقتلت غريه؟ من أغلق الحدود يف وجه هروبه الثاين؟ من قتل‬ ‫فارس؟‬ ‫ إنها الحرب!‬‫ ال ليست الحرب‪ ،‬فارس ليس ضح ّية حرب‪ ،‬ال ضحايا للحرب‪ ،‬الحرب ضح ّيتنا نحن‪،‬‬‫الحرب ٌ‬ ‫ذات مسلوبة اإلرادة‪ ،‬ال بندق ّية تطلق لوحدها‪ ،‬ال سجن يبنى من تلقاء نفسه‪،‬‬ ‫وال متطر السامء قنابل وبراميل!‬ ‫رحل فارس‪ ،‬من سيضحك اآلن يف وجه السامء العابسة‪ ،‬السامء التي ترجمت عبوسها‬ ‫الحب كثريون اعداؤه‪ ،‬من‬ ‫الحب وأبنائه‪ ،‬قليلون هم أبناء ّ‬ ‫قنابل‪ ،‬التي تنتقم من مانحي ّ‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫فارس‬ ‫سريفع إصبعه يف وجه املوت‬ ‫مبتسم؟ من لهؤالء العشاق الثكاىل يف ثكلهم؟ مل يكن َ‬ ‫األب الذي‬ ‫“أحالمهن”ّ لكنّه كان فارس “يقظتهم” وخالق “ضحكتهم” من العدم‪ ،‬فارس ُ‬ ‫يخفي دموعه عن أبنائه‪ ،‬الراقص يف وجه القذيفة التي مل تصبه والتي أصابته‪ ،‬الضاحك‬ ‫الحب‬ ‫يف وجه صب ّية خانها الحنني ليقول لها‪“ :‬هَ ي الوردة إلِك يا حل ِوة”‪ ،‬ال ورد يف مدينة ّ‬ ‫كل املوسيقا ضحكته‪ّ ،‬‬ ‫كل املطر دمعه‪ّ ،‬‬ ‫كل الورد األحمر دمه‪ّ ،‬‬ ‫بعد اآلن‪ّ ،‬‬ ‫كل الرقص فارس‪.‬‬

‫‪ ...‬تتمة من ضفحة ‪11‬‬

‫*شاعر وكاتب صحايف فلسطيني سوري‪.‬‬

‫إرادتنا بالحر ّية‪ ،‬وإما القضاء عىل أنفسنا‪ .‬ولكن‪ ،‬بالرغم من هذا التناقض‬ ‫الفج علينا االنتباه إىل َّأن إرادة الحر ّية هي الكفيلة بالقضاء عىل اإلرهاب‬ ‫ّ‬ ‫وأن إرادة الق ّوة هي الكفيلة بنمو اإلرهاب‪ .‬وبالتايل َّ‬ ‫َّ‬ ‫فإن محاربة اإلرهاب‬ ‫ال تكون البتة بإرادة الق ّوة وإمنا بإرادة الحر ّية‪ .‬فلهذا يجب ْأن ال تضيع‬ ‫“إرادة الحر ّية” يف دهاليز “إرادة الق ّوة”‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬يقع عىل عاتق “إرادة الحر ّية” االستمرار يف التصدي لـ “إرادة‬ ‫الق ّوة” وما يتفرع عنها من “واجب العبود ّية” ومن “واجب محاربة‬ ‫اإلرهاب”‪ .‬والتصدي كذلك ملن يريد أن يعيدها إىل طبيعتها التي تسامت‬ ‫عليها‪ ،‬وملن يرجئها وينتظر الفرج مقايضاً أمنه بحر ّيته‪ ،‬وملن يقف يف‬ ‫“منزلة بني املنزلتني” فال هو منارصاً لـ “إرادة الحر ّية” وال لـ “إرادة الق ّوة”؛‬ ‫إ َّنه بال إرادة‪ .‬ويقع عىل عاتق األحرار توحيد الشعب السوري املتشظي‪.‬‬

‫مقاالت‬

‫وبدأت املحاوالت الدول ّية املحمومة املمثلة أيضاً لـ “إرادة” الق ّوة”‬ ‫بالسعي لتغيري أولوية األولويات السور ّية وتحويلها من “إرادة الحر ّية”‬ ‫ّ‬ ‫الداعيش”‪ .‬هنا بات الشعب السوريّ إزاء‬ ‫إىل “واجب محاربة اإلرهاب‬ ‫ّ‬ ‫رصاع ملتبس كالتباس الحقّ مع ابن عمه‪ .‬فهذا السعي ما هو إال دعم لـ‬ ‫“السوبرمان” وانتصار لـ “إرادة الق ّوة” عىل “إرادة الحر ّية”‪ .‬وما الدعوة‬ ‫لتحالف إقليمي يكون “معجزة” بني النظام السوريّ وترك ّيا والسعود ّية‬ ‫واألردن إ ّال خري دليل عىل هذا الدعم بعد فشل “إرادة الق ّوة” لدى‬ ‫التحالف الدو ّيل السابق‪.‬‬ ‫نعم‪ ،‬لقد وقع التناقض بني “إرادة الحر ّية” التي نريدها وبني “إرادة‬ ‫الق ّوة” التي نعايشها‪ .‬وال يبقى أمامنا سوى أمرين اثنني؛ إما القضاء عىل‬

‫‪2015 / 7 / 17‬‬

‫الفقدُ‪ :‬أن َ‬ ‫َ‬ ‫أخرست‬ ‫تلوك قطعة من كبدك ثم تبصقها‪ ،‬فال أنت‬ ‫َ‬ ‫اس عىل حدود مظلوم ّيتك!‬ ‫جوعك‪ ،‬وال‬ ‫أوقفت فطرة االفرت ِ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫الفقدُ ضئيل هزيل يف ميزان العدالة مهام ثقلت فجيعتُه‬ ‫ُ‬ ‫وعظم نحي ُبه‪ٌ ،‬‬ ‫خاص ومحدودٌ مبن يفتقد الغائب‪/‬‬ ‫هزيل أل ّنه ٌّ‬ ‫املغ َّيب‪ٌ ،‬‬ ‫ضئيل أمام شمول ّية الغياب وعدله‪ ،‬ال أحد أقوى من‬ ‫الغياب‪ ،‬وإ ّننا ال نعرف الغياب‪ ،‬وحدهم الغائبون يعرفونه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫غابوا‪/‬غ ّيبوا‪ ،‬فمن يفقد‬ ‫نحن نعرف أثره‪ ،‬ونفقد‪/‬نفتقد من‬ ‫(فارس) اليوم؟ ومن يفتقده؟‬ ‫(فارس) الهارب من املوت والعائد إليه‪ ،‬الهارب ألسباب‬ ‫نعرفها والعائد ألسباب ال نعرفها‪ ،‬كان ابن ّ‬ ‫سنوات‬ ‫ست‬ ‫ٍ‬ ‫حني ق ّرر أن مينح الجميالت وردًا يف شارع الحمرا‪ ،‬الجميالت‬ ‫لن يطلب منهنّ مثن الوردة‪ ،‬سيهديها إليهنّ بدون مقابل‪،‬‬ ‫وسيفتح نافذة الفرح عىل سجون الناس‪ ،‬األمر أعمق من‬ ‫“عاملة األطفال”‪ ،‬هل ميكننا اعتبار “منح الحب” للناس‬ ‫عمل؟ ُ‬ ‫ً‬ ‫فليكن إذن!‬ ‫فارس الهارب من رشق سوريا (الحسكة) إىل مدينة الجامل‬ ‫(بريوت) من الحرب إىل الحب‪ ،‬يرقص برباع ٍة ّ‬ ‫للعشاق يف‬ ‫الحب عىل جميع‬ ‫الشارع‪ ،‬يق ّلد (مايكل جاكسون) ويو ّزع ّ‬ ‫الناس‪ ،‬ومينح ح ًّبا مضاع ًفا ألولئك الذين يشبهونه ويكربونه‬ ‫بأجيال من السوريني الهاربني من املوت‪ .‬كان يخفي حزنه‬ ‫الحب املتن ّقل‪ ،‬وإذا‬ ‫وخذالنه يك يحافظ عىل صورة مانح‬ ‫ّ‬ ‫خابت تجارته ومل يبع وروده ك ّلها كان يأوي إىل األزقةّ‬ ‫البريوت ّية الخلف ّية حيث ال يراه الناس‪ ..‬ويبيك! مل يقبل أن‬ ‫يذهب مع شادي(‪ )1‬إىل املخ ّيم ليلتحق مبدارس أطفال‬ ‫الالجئني السوريني‪ ،‬كان يريد مدرسة دامئة ال تنقطع!‬ ‫من يوقف هذا الغياب الذي يبتلع الجامل؟ من يكرس‬ ‫ّ‬ ‫ويحطم أسطورته؟ من يرفع سؤاله عال ًيا يف وجهه؟‬ ‫أصنامه‬ ‫من يقف يف وجه طائرة حرب ّية أمريك ّية أخطأت هدفها‬ ‫كالعادة وأصابت فارس؟ من يقف يف وجه طائرة حرب ّية‬


‫الكرد من مقصلة االستبداد إلى جلد الثورة‬

‫‪14‬‬

‫سردار مال درويش ‪-‬صحفي كردي سوري‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫مقاالت‬

‫مل يشفع دفاع الكرد عن سوريا ضد االحتاللني‬ ‫العثامين والفرنيس‪ ،‬ومشاركتهم يف بناء سوريا‬ ‫ما بعد االستقالل‪ ،‬بأن ينالوا حقوقهم من‬ ‫الحكومات السورية املتتابعة‪ ،‬بل أفرزت‬ ‫مراحل رصاع مع األنظمة الحاكمة‪ ،‬القوا‬ ‫خاللها شتى أنواع الظلم والقهر والسياسات‬ ‫التعسفية‪ ،‬خالل عهد الوحدة السورية‬ ‫املرصية‪ ،‬ومن ثم استالم البعث زمام الحكم‬‫يف سوريا وغريهام‪.‬‬ ‫كان للكرد يف العرشينيات والثالثينيات من‬ ‫القرن املايض منتديات وجمعيات‪ ،‬يناضلون‬ ‫عربها من أجل حقوقهم والتعريف بقضيتهم‪،‬‬ ‫فيام كان بالطرف اآلخر أي يف باقي أجزاء‬ ‫كردستان يف العراق وتركيا وإيران‪ ،‬نضاالً شهد‬ ‫ثورات مسلحة‪ ،‬بينام يف سوريا اقترص األمر‬ ‫عىل اإلميان بالنضال السلمي‪ ،‬تكلل يف الرابع‬ ‫عرش من حزيران عام ‪ 1957‬بتشكيل أول‬ ‫حزب سيايس كردي باسم “الحزب الدميقراطي‬ ‫الكردي يف سوريا‪-‬الباريت”‪.‬‬ ‫ً‬ ‫نتج عن نضال الكرد يف سوريا محاربة من‬ ‫األنظمة املتسلطة‪ ،‬وزج السياسيني الكرد‬ ‫املطالبني بحقوق أبناء جلدتهم يف السجون‪،‬‬ ‫وهم يقفون يف وجه السياسيات العنرصية‬ ‫املتبعة بحق الكرد‪ ،‬أبرزها كان بيان السياسيني‬ ‫لوقف مرشوع “الحزام العريب” الذي تم‬ ‫تنفيذه يف عام ‪ ،1974‬وعىل إثره اعتقل قاد ٌة‬ ‫كرد ألكرث من مثان سنوات‪ .‬املرشوع ذاك تال‬ ‫مرشوع عنرصي أخر ُنفذ عام ‪ ،1962‬جرد فيه‬ ‫ٍ‬ ‫عرشات آالف الكرد من جنسيتهم السورية‬ ‫وحقوقهم املدنية‪.‬‬ ‫اعتمد الكرد دامئاً يف قراراتهم عىل مرجعيتهم‬ ‫السياسية املتمثلة باألحزاب الكردية يف سوريا‪،‬‬ ‫والتي بغالبيتها آمنت بالنضال السلمي‪ ،‬ومل‬ ‫متارس يوماً النضال املسلح‪ ،‬حتى أنها رفعت‬ ‫يف مطبوعاتها (التي كانت ُتطبع وتوزع بشكل‬ ‫رسي) شعار النضال السلمي‪ ،‬واملطالبة بإزالة‬ ‫االضطهاد القومي وإلغاء املشاريع العنرصية‬ ‫والقوانني االستثنائية بحق الشعب الكردي‪،‬‬ ‫والعمل عىل متتني أوارص األخوة العربية‪-‬‬ ‫الكردية‪ ،‬وتأمني الحقوق السياسية والثقافية‬ ‫واالجتامعية للشعب الكردي يف “سوريا”‪،‬‬ ‫واملطالبة بالدميقراطية للبالد‪ .‬أي أن الكرد مل‬ ‫يكونوا دعاة للعمل املسلح والعنف من أجل‬ ‫خالص البالد من الديكتاتوريات‪ ،‬وهو ما اثبتته‬

‫االنتفاضة الكردية يف آذار من عام ‪،2004‬‬ ‫حيث خرج املتظاهرون الكرد يف جميع املدن‬ ‫الكردية‪ ،‬واسقطوا التامثيل التي متثل رموز‬ ‫حمل للسالح‪،‬‬ ‫عمل عنفي أو ٍ‬ ‫النظام‪ ،‬دون أي ٍ‬ ‫رغم محاولة النظام شيطنة الكرد واتهامهم‬ ‫باالنفصاليني‪ ،‬حتى باتت هذه النظرة سائدة‬ ‫منذ أعوام ‪ 2004‬إن مل نقل قبلها أيضاً‪ ،‬ورمبا‬ ‫حتى اآلن‪ ،‬يف نظر الكثري من السوريني‪.‬‬ ‫مع انطالقة الربيع العريب‪ ،‬انتظر الكرد بشغف‬ ‫اندالع الثورة يف سوريا‪ ،‬وهم األكرث ترضراً من‬ ‫النظام القائم املستمر يف سياساته العنرصية‬ ‫تجاههم‪ ،‬لذا مل يتوان الكرد منذ األسابيع األوىل‬ ‫عن االنخراط يف الثورة السورية مبناطقهم‪،‬‬ ‫والخروج يف تظاهرات عارمة‪ ،‬متمسكني بنهج‬ ‫السلمية والتغيري الدميقراطي‪ ،‬رافعني أعالم‬ ‫الثورة واألعالم الكردية‪ ،‬التي هوجم الكرد‬ ‫بسببها من قبل السوريني عام ًة‪ ،‬ملاذا الكرد‬ ‫يحملون أعالماً كردية! كام رأى آخرون أنها‬ ‫تيش باالنفصال‪ ،‬كل ذلك حقيقة لعدم وجود‬ ‫قراءة سورية عامة عن الكرد‪ ،‬أو معرفة وإدراك‬ ‫بنضالهم ورمزية وقدسية العلم بالنسبة لهم‪.‬‬ ‫يدرك معظم أهايل محافظة الحسكة بأن‬ ‫الحراك الثوري فيها كان بغالبية كردية‬ ‫ومشاركة قليلة من باقي مكونات املنطقة‪،‬‬ ‫حتى أن وسائل اإلعالم كانت شاهدة أيام‬ ‫الجمعة بنقل التظاهرات من املناطق الكردية‬ ‫“رأس العني (رسي كانيه) والدرباسية وعامودا‬ ‫والقامشيل (قامشلو) واملالكية (ديريك)”‪،‬‬ ‫وغريها من املدن‪ ،‬ورغم أن تلك املظاهرات‬ ‫كانت تحمل طابعاً جمعياً يطبعه الوجود‬ ‫الشبايب إال أن األحزاب الكردية بقياداتها كانت‬ ‫مشاركة ومتواجدة أيضاً‪ ،‬و كانت املظاهرات‬ ‫تهتف للمدن السورية األخرى‪ ،‬وتحلم بإنهاء‬ ‫النظام القائم‪ ،‬لكن النظام السوري تعامل مع‬ ‫املنطقة كباقي املناطق التي يقطنها األقليات‪،‬‬ ‫ل ُيبني أن الثورة تحمل طابعاً مذهبياً سنياً‪ ،‬مع‬ ‫يقظة تجاه محريك التظاهرات من الشباب‬ ‫الكرد يف مناطقهم‪.‬‬ ‫مع بداية عسكرة الثورة‪ ،‬كان الكرد قد شكلوا‬ ‫مجالس سياسية متثلهم كاملجلس الوطني‬ ‫الكردي ومجلس شعب غريب كردستان‪ ،‬واللذان‬ ‫ضام األحزاب الكردية والتنظيامت الشبابية‬ ‫واملستقلني‪ ،‬وتشكيل مجالس محلية للحفاظ‬ ‫عىل املنطقة من الفوىض‪ ،‬رافضني فكرة عسكرة‬

‫املنطقة‪ ،‬أو حمل السالح‪ ،‬أو دخول كتائب‬ ‫مسلحة للمنطقة‪ ،‬لكن هذا مل يدم طوي ًال ففي‬ ‫أواخر عام ‪ ،2012‬دخلت مجموعات مسلحة‬ ‫بايديولجية معينة غري كردية إىل مدينة “رأس‬ ‫العني‪ -‬رسي كانيه” التي تعترب بوابة منطقة‬ ‫الجزيرة “ذات الغالبية الكردي”‪ ،‬يف ظل‬ ‫استنكار شعبي أدى لهروب غالبية الكرد من‬ ‫املنطقة‪ ،‬برفض تام لوجود هؤالء‪ ،‬لتتحول‬ ‫املنطقة بعد تبيان حقيقة أن القوى العسكرية‬ ‫التي دخلت ال تعمل لصالح الثورة‪ ،‬إىل ساحة‬ ‫رصاع عسكري‪ ،‬تخللها ظهور قوة عسكرية‬ ‫كردية وقفت يف وجه تلك الكتائب‪.‬‬ ‫إجبار الكرد عىل املقاومة املسلحة والدفاع‬ ‫عن املنطقة عرب “وحدات حامية الشعب”‬ ‫مل يكن إال خياراً إجبارياً للكرد‪ ،‬فإما الرضوخ‬ ‫لتلك القوى التي مع دخولها رشدت األهايل‬ ‫وهجرتهم‪ ،‬وأهانت العلم الكردي‪ ،‬أو اعتبار‬ ‫أن القوى العسكرية الكردية‪ ،‬هي الجهة التي‬ ‫تستطيع الدفاع عن املناطق‪ ،‬ليكون الخيار‬ ‫الثاين أسلم ألهايل املنطقة!‬ ‫من مرحلة اتهام النظام للكرد باالنفصال‪،‬‬ ‫وترسيخ الفكرة من قبل الثوار السوريون‪،‬‬ ‫ودخول الكتائب‪ ،‬تغري مشهد الثورة يف املنطقة‪،‬‬ ‫وبدأ ظهور منطية رصاع من نوع أخر‪ ،‬تم‬ ‫التأجيج له مؤخراً باتهامات حول تهجري الكرد‬ ‫للعرب من املنطقة‪ ،‬ومحاولة الكرد تشكيل‬ ‫كيان مستقل‪ ،‬شارك فيه غالبية السوريني‪ ،‬دون‬ ‫رؤية هؤالء لتاريخ الكرد ونضالهم يف سوريا‪،‬‬ ‫وحتى نضالهم يف الثورة‪ ،‬أو قراءة جغرافية‬ ‫املنطقة التي ال تسمح باالنفصال‪ ،‬رافعني‬ ‫شعارات تم زرعها مسبقاً يف رؤوسهم‪ ،‬غري‬ ‫آبهني أن هذا الرصاع سيوصل الطرفني لرصاع ال‬ ‫يفيد البالد‪ .‬حتى أن العقالء مل يحاولوا إيقاف‬ ‫التشنج منه إىل ضبط النفس‪ ،‬أو محاولة كسب‬ ‫الكرد كمكون أسايس يف سوريا‪.‬‬ ‫واقع الحال يقول‪ ،‬إن العودة لقراءة تاريخ‬ ‫الكرد بات أمراً رضورياً‪ ،‬وفهم وإدراك إميانهم‬ ‫بالتغيري السلمي‪ ،‬والنظر إىل مشاركتهم‬ ‫الفاعلة يف الثورة وتأثريها ومخاوف النظام من‬ ‫تحركهم‪ ،‬باإلضافة ملحاولة إبطال االفرتاءات‬ ‫عىل األقل من قبل السوريني املؤمنني بسلمية‬ ‫الثورة والتغيري السلمي‪ ،‬بعد أن بات األمل‬ ‫مفقوداً من الغالبية‪.‬‬


‫غياب اإلعالم الدولي‬ ‫وتغيرات المشهد السوري‬ ‫باسل مطر ‪ -‬مشروع سالمتك‬

‫األورينت نموذجًا‬

‫‪15‬‬

‫فادي محمد‬

‫العدد ‪2015 / 7 / 17 - 52 -‬‬

‫كرثت االبحاث حول مفهوم االيديولوجيا‪ ،‬كمنظومة افكار‬ ‫مرتابطة تعطي الذهن راحة عدم االسئلة‪ ،‬وتعترب نفسها بدي ًال‬ ‫عن الواقع مدعية انها الواقع‪.‬‬ ‫لسنا هنا بصدد تقييم صالح هذه االيديولوجيا او تلك‪ ،‬بل‬ ‫بالضبط نتمسك بالتوصيف السابق ونزيد عليه‪ ،‬انها ذات‬ ‫جزأين أحدهام يحايك الحقيقة واآلخر يعمي عنها‪ ،‬االول يدفعها‬ ‫ويرشعها يف وعي الناس‪ ،‬والثاين يضلل وعيهم‪ ،‬ولألسف فقد‬ ‫اقترص دور بعض وسائل االعالم املصنفة ثوريا كقناة أورينت عىل‬ ‫محاكاة كل منظومة ايديولوجية مطروحة مرتضية لنفسها ان‬ ‫تكون كاريكاتريا مشوها عنها‪.‬‬ ‫فمن منظومة ايديولوجية بدأت بالتكون عام ‪ ،2011‬قوامها‬ ‫احالم مرشوعة وعظيمة تحدثت عن شعب سوري واحد موحد‪،‬‬ ‫يهدف اىل اقامة دولة مدنية دميقراطية‪ ،‬ال مكان للطائفية او‬ ‫االثنية او اية تقسيامت اخرى يف حارضه ومستقبله‪ ،‬منظومة‬ ‫طهرانية مالئكية قطعت مع املوجود واالرث الخطري القابع يف‬ ‫وعينا وواقعنا‪ ،‬قطعت دفعة واحدة‪ ،‬دون مراجعة او تدقيق‪،‬‬ ‫رفضت ان ترى ذات الواقع‪ ،‬ورفضت ان تتعرض للنقد‪ ،‬ألنها مل تر‬ ‫اال ذاتها الطهرانية املستقبلية مقصية تعب املايض والحارض‪ ،‬اىل‬ ‫منظومة عام ‪ ،2015‬املاضوية نقيضة االوىل التي مل تعد تتحدث‬ ‫عن مستقبل حلمت به االوىل‪ ،‬واستغنت كذلك بقطع مفاجئ‬ ‫ودفعة واحدة عن سابقتها لتطرح صيغة مذاهب وطوائف‬ ‫واقليات واكرثية وتكوينات قومية واثنية مستقلة عن بعضها‬ ‫البعض‪ ،‬ضاربة بعرض الحائط مقولة املنظومة االوىل (الشعب‬ ‫السوري واحد)‪.‬‬ ‫وبالرغم من التباين والتناقض ما بني املنظومتني‪ ،‬اال انهام تشابهتا‬ ‫بالتضليل‪ ،‬ليس هذا التضليل مقصودا‪ ،‬بل هي طبيعة االيديولوجيا‬ ‫املدعومة حتى النهاية بإعالم ينسخها ويعيد انتاجها‪ ،‬اعالم انتقل‬ ‫بسالسة بني املتناقضات كاشفا سطحيته وضحالة القيمني عليه‪.‬‬ ‫ما تم تضليله بالدرجة األوىل كان معرفة أنفسنا‪ .‬الطهرانية األوىل‬ ‫الرافضة للنقد‪ ،‬قالت بطائفتني (عبيد واحرار) متجاوزة ومختزلة‬ ‫واقعاً بالغ التعقيد وإرثاً تاريخياً معانداً ألن نكون كتلة واحدة قد‬ ‫تسمى مجتمعا‪ ،‬وتعاملت مع الواقع مبقولة ابدا ليست صحيحة‬ ‫اننا شعب واحد موحد‪.‬‬ ‫وصفت الواقع بأكرثية سنية ثائرة‬ ‫أما املنظومة املاضوية فقد ّ‬ ‫تقاتل ميلشيات اطلقت عليها الصفة الطائفية (ميلشيات شيعية‬ ‫او درزية‪ ..‬الخ) متجاهلة ان تلك امليليشيات ال متثل ابدا االقليات‬ ‫الواقفة مبعظمها عىل الحياد (السويداء لها مث ًال موقف عام‬ ‫يتبناه اآلالف من شبانها ضد التجنيد والخدمة يف جيش النظام)‪،‬‬ ‫ومتجاهلة ايضاً ان من اهم دعائم النظام رشائح واسعة من‬ ‫السنة‪.‬‬ ‫مل تقدم لنا املنظومتان اال خلطا وتعمية‪ ،‬والعازف االكرب‬ ‫للمنظومتني دون ان يشعر بنفاقه‪ ،‬هو اعالم مغذي لغرقنا‬ ‫وتخبطنا‪ ،‬مانع لوعينا من معرفة ذاتنا‪ ،‬هذه املعرفة املقدمة‪،‬‬ ‫لخالصنا‪.‬‬

‫مقاالت‬

‫لعب الناشطون اإلعالميون واملواطنون الصحفيون يف سوريا دوراً عظيام يف نقل‬ ‫األحداث للعامل يف عام ‪ 2011‬حني كانت الثورة يف مرحلتها السلمية وحني كانت‬ ‫السلطات السورية متنع الصحفيني األجانب من القدوم إىل سوريا لتغطية األحداث‬ ‫هناك‪ .‬ومع تصاعد العنف والعنف املقابل وتحول الثورة إىل كفاح مس ّلح‪ ,‬خرجت‬ ‫مناطق يف الشامل السوري عن سيطرة النظام ووقعت يف أيدي املعارضة‪ ,‬وغدا‬ ‫ممكناً لوسائل اإلعالم الدولية الدخول إىل سوريا‪ ,‬حيث جرت تغطية األزمة بكل‬ ‫مناحيها تقريبا‪ ,‬مع الرتكيز عىل األوضاع اإلنسانية ونقل صورة عن املأساة التي‬ ‫حلت بهذا البلد‪.‬‬ ‫وبني العامني ‪ 2012‬و‪ 2013‬ومع تراجع نفوذ النظام يف كثري من املناطق تدفق‬ ‫عدد كبري من الصحفيني األجانب إىل سوريا‪ ,‬ومتكن الناشطون والكتائب املقاتلة‬ ‫يف الجيش الحر ومجموعات أخرى معتدلة من حاميتهم وتأمينهم داخل املناطق‬ ‫التي يغطون األحداث فيها‪ ,‬مبا ذلك املناطق التي مل تخرج كليا عن سيطرة النظام‬ ‫مثل حمص وريف دمشق وجبال الالذقية ودرعا‪ .‬ومع تصاعد العنف‪ ,‬وتزايد نفوذ‬ ‫“الدولة اإلسالمية” أصبح من املتعذر عىل هؤالء الصحفيني العمل يف سوريا‪ ,‬سيام‬ ‫بعد أن أصبحوا هدفاً للتنظيم‪ ,‬وأصبح األخري يوثق قتلهم من خالل أفالم ذات‬ ‫صبغة درامية تهدف إىل إرهاب اإلعالم الذي يحاول تحدي التنظيم والحديث عنه‬ ‫مبا ال يحب‪ .‬مل يبتدع التنظيم اإلرهايب هذا األسلوب دون شك‪ ,‬فقد سبقه إليه‬ ‫عصابات املخدرات يف املسكيك‪ ,‬وتنظيم القاعدة‪ ,‬والده الرشعي‪ ,‬والخمري الحمر‪,‬‬ ‫لكنه أضفى عليه صبغة درامية مروعة وجديدة‪.‬‬ ‫كان لذلك التغري يف املشهد السوري عقبات خطرية عىل مصداقية األخبار الواردة‬ ‫منه‪ ,‬والتي عاد لينقلها ناشطون إعالميون ومواطنون صحفيون ال ميتلكون الخربة‬ ‫واملهنية التي متتع بها الصحفيون األجانب الذين مل يعد بإمكانهم القيام بعملهم‬ ‫هناك رغم امتالكهم لحس املغامرة واالجتهاد واالخالص ملا يقومون به‪ ,‬ومل تخلو‬ ‫املعلومات واألخبار الواردة بطبيعة الحال من انحياز وغياب للموضوعية‪ ,‬مام‬ ‫جعل نقل الحقائق أكرث صعوبة‪ ,‬وجعل عمل املؤسسات اإلعالمية الدولية أكرث‬ ‫صعوبة يف ظل هذه التطورات‪.‬‬ ‫يتشعب املشهدي اإلعالمي الثوري كثريا‪ ,‬فهناك املئات من املجموعات اإلعالمية‬ ‫الصغرية والكبرية التي تسعى لنقل الحدث‪ ,‬لكن العامل اليوم أصبح منشغ ًال بقضايا‬ ‫أخرى بعد أن أصابه اإلعياء من املحنة السورية‪ ,‬وبعد أن أصبحت األخبار الواردة‬ ‫من هناك رتيبة ومتكررة رغم فداحتها‪ ,‬لكن سوريا فقدت فعال اهتامم وقدرة‬ ‫اإلعالم الدويل عىل متابعة أخبارها بشكل مهني وموضوعي إىل حد بعيد‪.‬‬ ‫مل يقترص استهداف اإلعالميني األجانب عىل داعش‪ ,‬فقد قامت مجموعات أخرى‬ ‫باختطاف صحفيني أجانب بهدف الحصول عىل فدية مالية‪ ,‬لكن هذا مل يردع‬ ‫اآلخرين يف الحقيقة من التوجه إىل سوريا رغم هذه األخطار‪ ,‬فالعمل الصحفي‬ ‫يف ميادين الحروب والنزاعات ال يخلو من هذه املخاطر‪ ,‬وهو أمر يعيه من يقدم‬ ‫عليه بطبيعة الحال‪.‬‬ ‫تجد الثورة السورية اليوم نفسها رهينة الخربة والتمويل املحدودين لإلعالم املحيل‬ ‫البديل‪ ,‬وغياب تغطية اإلعالم املهني الدويل‪ ,‬واإلعياء الذي حل بالعامل جراء‬ ‫استمرار هذه املحرقة‪ ,‬وإعالم النظام وحلفائه الذي يعتمد عىل الربوباغندا التي‬ ‫تخاطب القطيع‪ ,‬ويعج باإلكاذيب‪ ,‬وبني تحول اهتامم كوكب األرض عن تغطية‬ ‫مأساة القرن لصالح الحديث املؤدلج عن داعش واإلرهاب اإلسالمي‪.‬‬

‫اإلعالم المضلل‬


طلعنا عالحرية / العدد 52  

مجلة نصف شهرية، تعنى بشؤون الثورة السورية، تطبع وتوزع داخل سوريا وفي بعض مخيمات اللجوء.

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you