Page 1

‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪1‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫بسم اهلل الرمحن الرحيم‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية‬ ‫ تقدم ‪-‬‬‫الدرس الثاني عشر‬

‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية‬ ‫الد ِ‬ ‫عوة َعلَى ال َقبائِ ِل وم َق َّدم ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫ض َّ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫ات‬ ‫َ‬ ‫ُم َو َ‬ ‫َ َُ َ‬ ‫للشيخ ‪ /‬أبي سعد العاملي (حفظو اهلل)‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪2‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫الحمد هلل رب العالمين رب المستضعفين وناصرىم وقاصم الجبارين ومذلهم‪ ،‬والصالة والسالم على أشرف المرسلين وعلى‬

‫آلو وصحبو أجمعين‪ ،‬وبعد‬

‫انكفأت الدعوة وانحصرت كثيراً خاصة بعد وفاة أبي طالب الذي كان لو تأثير إيجابي وملموس في جانب الدعوة‪ ،‬فال ننسى‬

‫أنو كان يحمي رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم‪ ،‬ولم يكن باستطاعة كفار قريش أن يسدوا عليو كل أبواب الدعوة كما حدث‬ ‫بعد مماتو‪ ،‬وىذا لحكمة يعلمها اهلل وحده‪ ،‬وإال فإننا موقنون بأن أسباب نجاح الدعوات ال ترتبط باألشخاص وال بالجماعات‬

‫وال بالعصبيات وال بغيرىا من المقاييس الدنيوية التي ترتبط بها النفوس‪ ،‬ولكنها مرتبطة بصاحب األمر والنهي‪ ،‬رب العالمين‬

‫وحده دون سواه‪.‬‬

‫وبعد رحلة الطائف ومحاولة النبي صلى اهلل عليو وسلم أن يبحث عن موضع قدم جديد للدعوة ومركز انطالق لها‪ ،‬والتي لم‬ ‫يقدر اهلل لها النجاح لحكمة يعلمها ىو سبحانو‪ ،‬حيث رأينا تكذيب كبار القوم لو واستهزائهم بدعوتو ثم اعتداء السفهاء‬

‫والغلمان على النبي وصاحبو زيد بن حارثة رضي اهلل عنو حتى أدموىم وخرجوا منها ولم يُسلم على أيدي النبي سوى غالم‬ ‫نصراني واحد وىو عداس‪.‬‬

‫بعدىا رجع النبي إلى مكة ولم يستطع دخولها إال في جوار المطعم بن عدي وىذا يبين مدى الحصار المضروب على النبي‬

‫صلى اهلل عليو وسلم وعلى دعوتو‪.‬‬

‫بعد ذلك واصل رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم دعوتو خارج مكة ألسباب عدة منها‪:‬‬ ‫أوالً‪ :‬محاولة لكسر ىذا الحصار الذي ضربو عليو كفار قريش ليحجموا من تأثير الدعوة على الناس ومحاولة إطفائها في‬ ‫مهدىا‪ ،‬خاصة بعد وفاة أبي طالب‪ ،‬حامي النبي والدعوة حيث وجدوا الفرصة سانحة لذلك‪،‬‬ ‫ثانياً‪ :‬محاولة بيان اإلسالم على حقيقتو وأنو دين ال يختص بأىل مكة فحسب حتى ال يظن الناس أنو دين قومي يعتمد على‬ ‫العشيرة والقبلية‪ ،‬بل ىو دين واسع أنزلو اهلل تعالى للناس جميعاً بل وللثقلين‪.‬‬ ‫ثالثاً‪ :‬ليعلم أصحاب الدعوة أن النصرة غالباً ما تأتي من األبعدين‪ ،‬وقلما تجد تأييداً من األقربين‪ ،‬وىذا أمر ملحوظ في‬ ‫الدعوات السابقة كما الالحقة‪ ،‬ورأينا جلياً في العصر الراىن دور األنصار في تأييد إخوانهم في شتى الجبهات ومدى نصرتهم‬ ‫وتضحياتهم‪ ،‬سواء في بالد خراسان أو البلقان أو القوقاز أو بالد الرافدين وغيرىا من الجبهات القائمة‪.‬‬

‫رابعاً‪ :‬ضرورة االنفتاح على المناطق المجاورة لمهد الدعوة‪ ،‬وكسر الحدود المصطنعة وتخطي السدود العازلة للشعوب‬ ‫المسلمة عن بعضها البعض‪ ،‬وفي ىذا خير عظيم وإحياء ألممية ىذه الدعوة وعالميتها‪.‬‬ ‫{ وإن ىذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}ٔ ‪ { ،‬وما أرسلناك إال رحمة للعالمين}ٕ ‪.‬‬ ‫خامساً‪ :‬التفكير في تنوع القواعد وتعددىا فيو إبقاء للدعوة وانتشار وتوسع لها‪ ،‬وىي ضمان الستمراريتها ومن أجل تكثير‬ ‫سواد المؤمنين‪ ،‬وال تدري في أي منطقة أو جهة يكون الخير والبركة‪.‬‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪3‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫أما كيفية عرض اإلسالم على ىذه القبائل‪ ،‬وكيف كانت ردودىم على ىذا العرض فقد ذكرىا ابن إسحاق‪ ،‬ونلخصها فيما يلي‪:‬‬

‫ٔ ـ بنو كلب‪ :‬أتى النبي صلى اهلل عليو وسلم إلى بطن منهم يقال لهم‪ :‬بنو عبد اهلل ‪ ،‬فدعاىم إلى اهلل وعرض عليهم نفسو‪،‬‬

‫حتى إنو ليقول لهم‪( :‬يا بني عبد اهلل ‪ ،‬إن اهلل قد أحسن اسم أبيكم)‪ ،‬فلم يقبلوا منو ما عرض عليهم‪.‬‬

‫ردا منهم‪.‬‬ ‫ٕ ـ بنو حنيفة‪ :‬أتاىم في منازلهم فدعاىم إلى اهلل ‪ ،‬وعرض عليهم نفسو‪ ،‬فلم يكن أحد من العرب أقبح عليو ً‬ ‫ٖ ـ وأتى إلى بني عامر بن صعصعة‪ :‬فدعاىم إلى اهلل ‪ ،‬وعرض عليهم نفسو‪ ،‬فقال بَـ ْي َح َرة بن فِ َراس [رجل منهم]‪ :‬واهلل ‪ ،‬لو إني‬ ‫أخذت ىذا الفتى من قريش ألكلت بو العرب‪ ،‬ثم قال‪ :‬أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك‪ ،‬ثم أظهرك اهلل على من خالفك‬

‫ف نحورنا للعرب دونك‪ ،‬فإذا أظهرك اهلل‬ ‫أيكون لنا األمر من بعدك؟ قال‪( :‬األمر إلى اهلل ‪ ،‬يضعو حيث يشاء)‪ ،‬فقال لو‪ :‬أفَـتُـ ْه َد ُ‬ ‫كان األمر لغيرنا‪ ،‬ال حاجة لنا بأمرك‪ ،‬فأبوا عليو‪.‬‬

‫ولما رجعت بنو عامر تحدثوا إلى شيخ لهم لم يواف الموسم لكبر سنو‪ ،‬وقالوا لو‪ :‬جاءنا فتى من قريش من بني عبد المطلب‬ ‫يزعم أنو نبى‪ ،‬يدعونا إلى أن نمنعو ونقوم معو‪ ،‬ونخرج بو إلى بالدنا‪ ،‬فوضع الشيخ يديو على رأسو ثم قال‪ :‬يا بني عامر وىل‬

‫لها من تَالَف؟ ىل ل ُذنَابَاىا من َمطْلَب؟ والذي نفس فالن بيده ما تَـ َق َّولَها إسماعيلى قط‪ ،‬وإنها لحق‪ ،‬فأين رأيكم كان عنكم؟‪.‬‬ ‫وقفات دعوية وتربوية‬

‫لم يتوقف النبي صلى اهلل عليو وسلم عن الدعوة حتى في أحلك الظروف وأصعبها‪ ،‬وفي ظل الحصار المضروب عليو من قبل‬

‫كفار قريش وحملة التشويو المتواصلة‪ ،‬ألن الدعوة ال ينبغي أن تتوقف فهي العصب الرئيس والشريان األساس لهذا الدين‪،‬‬

‫ومن توقف عن الدعوة فإنما يحكم على دينو بالجمود‪ ،‬ويترك المجال ألعداء اهلل أن ينشروا كفرىم ويفرضوا شركهم على‬

‫ا لناس ويرسخوا المفاىيم الجاىلية في العقول وتسري العادات القبيحة المخالفة للفطرة والدين في نفوس الخلق‪.‬‬

‫والداعية ال يترك فرصة وال محفالً وال نادياً إال ويعرض فيو دعوتو على الناس‪ ،‬ال يخاف وال ييأس وال يستحيي ألنو يعلم علم‬

‫اليقين أن ما يدعو إليو ىو الحق وأن الم دعوين بحاجة إلى من يأخذ بأيديهم إلى الهداية وينقذه من النار‪ ،‬وىو شعور الرحمة‬

‫والرأفة الذي ينبغي أن يمتلئ بو قلبو اتجاه اآلخرين‪.‬‬

‫ثم البد من تفريغ قلبو بما دون رضا اهلل واحتساب األجر عنده سبحانو لكي يكون ذلك قوة دفع لو في مواصلة الدعوة رغم‬

‫التكذيب والالمباالة التي يالقيها من طرف المدعوين في أغلب األحيان‪.‬‬

‫فالمؤمن ال ينتظر جزاء دنيوياً ومادياً من أحد وإال فسوف يتوقف عن أداء مهمة الدعوة من أول يوم وعند أول محاولة‪ ،‬ألن‬

‫الناس بطبعهم يحتاجون إلى تكرار محاولة الدعوة وتنويع أساليبها إلى درجة اإللحاح الذي يصاب فيو المدعو بالضجر والملل‬

‫من الداعية‪ ،‬ولو كان الداعية قليل الصبر وقصير النفس لما استطاع أن يقوم بواجبو أبداً‪ ،‬ولكن اهلل تعالى يثبتو ويقويو ويبعد‬ ‫عنو وساوس الشيطان وروح اليأس ليبقى ثابتاً مستقيماً في طريق الدعوة وىو يرجو رحمة اهلل وتوفيقو‪.‬‬

‫فأما بنو كلب وبنو حنيفة فقد رفضوا دعوة النبي لهم وىو أمر سيالقيو الداعية والبد أن يعد نفسو لو‪ ،‬وىو الصبر على‬ ‫التكذيب واالستهزاء والتشكيك في صحة الدعوة نفسها‪ ،‬مما يتطلب ثباتاً خاصاً ويقيناً في اهلل عز وجل وفي صحة الطريق‬ ‫الذي يسلكو الداعية بالرغم من تكذيب الناس لو كلهم أجمعين‪.‬‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪4‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫وأما بني عامر بن صعصعة فقد اشترطوا على النبي صلى اهلل عليو وسلم أن يكون األمر إليهم من بعده إن ىم آمنوا بو وأظهره‬ ‫اهلل على أعدائو‪ ،‬فكان جواب رسول اهلل لهم أن األمر هلل يؤتيو من يشاء‪ ،‬وأننا مجرد أجراء عنده وجنود نأتمر بأوامره وننتهي‬

‫عن نواىيو‬

‫لقد كان بإمكان الن بي صلى اهلل عليو وسلم أن يقبل شرطهم ويداىنهم مقابل نصرتهم ألنو في أشد الحاجة إليها في ىذه الفترة‬ ‫العصيبة من عمر الدعوة‪ ،‬ثم إذا ما أظهره اهلل على أعدائو يمكن أن يغير من ىذا الموقف حسب الحاجة أو يبحث عن‬

‫مبررات إللغائو حينما يصل أوان ذلك‪ ،‬لكنو صلى اهلل عليو وسلم لم يفعل وكان واضحاً منذ البداية مع ىؤالء القوم‪ ،‬ألنو نبي‬

‫وداعية يرجو النجاة لهؤالء من عذاب اهلل والبد أن يكون انتماؤىم إلى دين اهلل عز وجل صافياً وخالصاً لوجو اهلل‪ ،‬قبل أن‬ ‫يكون زعيماً سياسياً يغري الناس بالمناصب والمتاع الدنيوي الزائل‪.‬‬

‫بهذا يمكن للداعية أن يقوي دعوتو ويضعها فوق الشبهات‪ ،‬كما يضمن أيضاً االستمرارية لها بانتماء جنود مخلصين يضحون‬ ‫في سبيل ىذه الدعوة ويحمونها من كل المخاطر وليس اتخاذىا مطية لتحقيق مآربهم الصغيرة وغاياتهم المحدودة‪.‬‬

‫وىو درس عظيم لنا جميعاً على ضرورة توضيح الصورة وكشف المخبوء للمنتمين الجدد على أن ىذه الدعوة ستتطلب منكم‬ ‫تضحيات جسيمة وستلقون في سبيلها ابتالءات وسيشن أعداؤنا علينا حروباً طويلة وعنيفة‪ ،‬واألمر في النهاية هلل عز وجل‪ ،‬إن‬ ‫شاء رزقنا النصر والتمكين وإن شاء زاد في ىذا االبتالء حتى يحين وعده الذي ال يتخلف لعباده المخلصين الصادقين‪.‬‬

‫وال يمكن أن تقوم الدعوة على إغراء الناس بما تهواه األنفس من مناصب وغنائم‪ ،‬فهذا غير سبيل المؤمنين‪ ،‬بل تقوم على‬

‫الصفاء والوضوح منذ أول يوم‪ ،‬وتطلب الناس بأن يهبوا أغلى ما يملكون بدءاً من أموالهم وانتهاء بأنفسهم من اجل نصرة‬

‫عقيدتهم وليس عكس ما ذىب ودأب عليو دعاة اإلصالح ممن انتكسوا على أعقابهم من ىؤالء اإلسالميون الجدد‪ ،‬دعاة‬

‫الدموقراطية وعبيدىا‪.‬‬

‫المؤمنون من غير أىل مكة‬ ‫وكما عرض رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم اإلسالم على القبائل والوفود‪ ،‬عرض على األفراد واألشخاص‪ ،‬وحصل من بعضهم‬ ‫على ردود صالحة‪ ،‬وآمن بو عدة رجال بعد ىذا الموسم بقليل‪ ،‬وىاك نبذة عنهم وعن األنشطة التي قاموا بها بعد إسالمهم‪:‬‬

‫ٔ ـ سويد بن الصامت‪:‬‬ ‫معتمرا‪ ،‬فدعاه رسول‬ ‫شاعرا لبيبًا‪ ،‬من سكان يثرب‪ ،‬يسميو قومو (الكامل) لجلده وشعره وشرفو ونسبو‪ ،‬جاء مكة ً‬ ‫حاجا أو ً‬ ‫كان ً‬

‫اهلل صلى اهلل عليو وسلم إلى اإلسالم‪ ،‬فقال‪ :‬لعل الذي معك مثل الذي معي‪ .‬فقال لو رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم‪( :‬وما‬ ‫علي)‪ .‬فعرضها‪ ،‬فقال لو رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم‪( :‬إن ىذا لكالم‬ ‫الذي معك؟) قال‪ :‬حكمة لقمان‪ .‬قال‪( :‬اعرضها َّ‬ ‫علي‪ ،‬ىو ىدى ونور)‪ ،‬فتال عليو رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم‬ ‫حسن‪ ،‬والذي معي أفضل من ىذا؛ قرآن أنزلو اهلل تعالى ّ‬ ‫القرآن‪ ،‬ودعاه إلى اإلسالم‪ ،‬فأسلم‪ ،‬وقال‪ :‬إن ىذا لقول حسن‪ .‬فلما قدم المدينة لم يلبث أن قتل في وقعة بين األوس‬

‫والخزرج قبل يوم بعاث‪ .‬واألغلب أنو أسلم في أوائل السنة الحادية عشرة من النبوة‪.‬‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪5‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫ٕ ـ إياس بن معاذ‪:‬‬ ‫غالما حدثا من سكان يثرب‪ ،‬قدم في وفد من األوس‪ ،‬جاءوا يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج‪ ،‬وذلك‬ ‫كان ً‬ ‫عددا‬ ‫قبيل حـرب بعاث في أوائل سنة ٔٔ من النبوة؛ إذ كانت نيران العداوة متقدة في يثرب بين القبيلتين ـ وكان األوس أقل ً‬

‫من الخزرج ـ فلما علم رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم بمقدمهم جاءىم‪ ،‬فجلس إليهم‪ ،‬وقال لهم‪( :‬ىل لكم في خير مما‬

‫علي‬ ‫جئتم لو؟) فقالوا‪ :‬وما ذاك؟ قال‪( :‬أنا رسول اهلل ‪ ،‬بعثني إلى العباد‪ ،‬أدعوىم إلى أن يعبدوا اهلل وال يشركوا بو شيئًا‪ ،‬وأنزل ّ‬ ‫الكتاب)‪ ،‬ثم ذكر لهم اإلسالم‪ ،‬وتال عليهم القرآن‪ .‬فقال إياس بن معاذ‪ :‬أي قوم‪ ،‬ىذا واهلل خير مما جئتم لو‪ ،‬فأخذ أبو‬ ‫الحيسر أنس بن رافع ـ رجل من الوفد ـ حفنة من تراب البطحاء فرمى بها وجو إياس‪ ،‬وقال‪ :‬دعنا فلعمري لقد جئنا لغير ىذا‪،‬‬

‫فصمت إياس‪ ،‬وقام رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم‪ ،‬وانصرفوا إلى المدينة من غير أن ينجحوا في عقد حلف مع قريش‪.‬‬

‫مسلما‪.‬‬ ‫وبعد رجوعهم إلى يثرب لم يلبث إياس أن ىلك‪ ،‬وكان يهلل ويكبر ويحمد ويسبح عند موتو‪ ،‬فال يشكون أنو مات‬ ‫ً‬ ‫ٖ ـ أبو ذر الغفاري‪:‬‬ ‫وكان من سكان نواحي يثرب‪ ،‬ولعلو لما بلغ إلى يثرب خبر مبعث النبي صلى اهلل عليو وسلم بسويد بن الصامت وإياس بن‬

‫ضا‪ ،‬وصار سببًا إلسالمو‪.‬‬ ‫معاذ‪ ،‬وقع في أذن أبي ذر أي ً‬

‫رجال قد خرج بمكة يزعم أنو نبي‪ ،‬فقلت ألخي‪:‬‬ ‫رجال من غفار‪ ،‬فبلغنا أن ً‬ ‫روى البخاري عن ابن عباس قال‪ :‬قال أبو ذر‪ :‬كنت ً‬

‫رجال يأمر‬ ‫انطلق إلى ىذا الرجل وكلمو‪ ،‬وائتني بخبره‪ ،‬فانطلق فلقيو‪ ،‬ثم رجع‪ ،‬فقلت‪ :‬ما عندك؟ فقال‪ :‬واهلل ‪ ،‬لقد رأيت ً‬ ‫بالخير‪ ،‬وينهي عن الشر‪ ،‬فقلت لو‪ :‬لم تشفني من الخبر‪ ،‬فأخذت جرابًا وعصا‪ ،‬ثم أقبلت إلى مكة‪ ،‬فجعلت ال أعرفو‪ ،‬وأكره‬

‫علي‪ .‬فقال‪ :‬كأن الرجل غريب؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬نعم‪ .‬فقال‪:‬‬ ‫أن أسأل عنو‪ ،‬وأشرب من ماء زمزم وأكون في المسجد‪ .‬قال‪ :‬فمر بي ّ‬

‫فانطلق إلى المنزل‪ ،‬فانطلقت معو ال يسألني عن شيء وال أسألو وال أخبره‪ .‬فلما أصبحت غدوت إلى المسجد ألسأل عنو‪،‬‬

‫علي فقال‪ :‬أما نال للرجل يعرف منزلو بعد؟ قال‪ :‬قلت‪ :‬ال‪ .‬قال‪ :‬فانطلق معي‪،‬‬ ‫وليس أحد يخبرني عنو بشيء‪ .‬قال‪ :‬فمر بي ّ‬

‫علي أخبرتك‪ ،‬قال‪ :‬فإني أفعل‪ ،‬قال‪ :‬قلت لو‪ :‬بلغنا أنو‬ ‫قال‪ :‬فقال‪ :‬ما أمرك؟ وما أقدمك ىذه البلدة؟ قال‪ :‬قلت لو‪:‬إن كتمت ّ‬ ‫قد خرج ىاىنا رجل يزعم أنو نبي اهلل‪ ،‬فأرسلت أخي يكلمو فرجع ولم يشفني من الخبر‪ ،‬فأردت أن ألقاه‪.‬‬

‫فقال لو‪ :‬أما إنك قد رشدت‪ .‬ىذا وجهي إليو‪ ،‬ادخل حيث أدخل فإني إن رأيت أح ًدا أخافو عليك قمت إلى الحائط كإني‬ ‫علي‬ ‫أصلح نعلي‪ ،‬وامض أنت‪ .‬فمضى ومضيت معو حتى دخل‪ ،‬ودخلت معو على النبي صلى اهلل عليو وسلم‪.‬فقلت لو‪:‬اعرض ّ‬

‫اإلسالم‪ .‬فعرضو‪ ،‬فأسلمت مكاني‪ ،‬فقال لي‪( :‬يا أبا ذر‪ ،‬اكتم ىذا األمر‪ ،‬وارجع إلى بلدك‪ ،‬فإذا بلغك ظهورنا فأقبل)‪ .‬فقلت‪:‬‬

‫والذي بعثك بالحق ألصرخن بها بين أظهرىم‪ ،‬فجئت إلى المسجد‪ ،‬وقريش فيو‪ ،‬فقلت‪ :‬يا معشر قريش‪ ،‬إني أشهد أن ال إلو‬

‫علي‪،‬‬ ‫إال اهلل‪ ،‬وأشهد أن محم ًدا عبده ورسولو‪ ،‬فقالوا‪ :‬قوموا إلى ىذا الصابئ‪ .‬فقاموا‪ ،‬فضربت ألموت‪ ،‬فأدركني العباس فأكب ّ‬

‫رجال من غفار؟ ومتجركم وممركم على غفار‪ ،‬فأقلعوا عني‪ .‬فلما أن أصبحت الغد‪،‬‬ ‫ثم أقبل عليهم فقال‪ :‬ويلكم تقتلون ً‬ ‫علي‬ ‫رجعت‪ ،‬فقلت مثل ما قلت باألمس‪ .‬فقالوا‪ :‬قوموا إلى ىذا الصابئ‪ ،‬فصنع بي ما صنع باألمس‪ ،‬فأدركني العباس‪ ،‬فأكب ّ‬

‫وقال مثل مقالتو باألمس‪.‬‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪6‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫َّوسى‪:‬‬ ‫ٗ ـ طَُف ْيل بن عمرو الد ْ‬ ‫شاعرا لبيبًا‪ ،‬رئيس قبيلة دوس‪ ،‬وكانت لقبيلتو إمارة أو شبو إمارة في بعض نواحي اليمن‪ ،‬قدم مكة في عام‬ ‫كان ً‬ ‫رجال شري ًفا‪ً ،‬‬

‫ٔٔ من النبوة‪ ،‬فاستقبلو أىلها قبل وصولو إليها‪ ،‬وبذلوا لو أجل تحية وأكرم تقدير‪ ،‬وقالوا لو‪ :‬يا طفيل‪ ،‬إنك قدمت بالدنا‪،‬‬ ‫وىذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا‪ ،‬وقد فرق جماعتنا‪ ،‬وشتت أمرنا‪ ،‬وإنما قولو كالسحر‪ ،‬يفرق بين الرجل وأبيو‪ ،‬وبين‬

‫الرجل وأخيو ‪ ،‬وبين الرجل وزوجـو‪ ،‬وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا‪ ،‬فال تكلمو وال تسمعن منو شيئًا‪.‬‬

‫يقول طفيل‪ :‬فواهلل ما زالوا بي حتى أجمعت أال أسمع منو شيئًا‪ ،‬وال أكلمو‪ ،‬حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد‬ ‫ُك ْر ُس ًفا؛ فرقًا من أن يبلغني شيء من قولو‪ ،‬قال‪ :‬فغدوت إلى المسجد فإذا ىو قائم يصلى عند الكعبة‪ ،‬فقمت قريبًا منو‪ ،‬فأبي‬

‫علي‬ ‫اهلل إال أن يسمعني بعض قولو‪ ،‬فسمعت ً‬ ‫كالما حسنًا‪ ،‬فقلت في نفسي‪ :‬واثكل أمي‪ ،‬واهلل إني رجل لبيب شاعر؛ ما يخفي ّ‬ ‫قبيحا تركتو‪ ،‬فمكثت حتى‬ ‫الحسن من القبيح‪ ،‬فما يمنعني أن أسمع من ىذا الرجل ما يقول؟ فإن كان حسنًا قبلتو‪ ،‬وإن كان ً‬ ‫انصرف إلى بيتو فاتبعتو‪ ،‬حتى إذا دخل بيتو دخلت عليو‪ ،‬فعرضت عليو قصة مقدمي‪ ،‬وتخويف الناس إياي‪ ،‬وسد األذن‬ ‫قوال‬ ‫علي القرآن‪ .‬فواهلل ما سمعت ً‬ ‫علي اإلسالم‪ ،‬وتال ّ‬ ‫علي أمرك‪ ،‬فعرض ّ‬ ‫بالكرسف‪ ،‬ثم سماع بعض كالمو‪ ،‬وقلت لو‪ :‬اعرض ّ‬ ‫أمرا أعدل منو‪ ،‬فأسلمت وشهدت شهادة الحق‪ ،‬وقلت لو‪ :‬إني مطاع في قومي‪ ،‬وراجع إليهم‪ ،‬وداعيهم‬ ‫قط أحسن منو‪ ،‬وال ً‬

‫إلى اإلسالم‪ ،‬فادع اهلل أن يجعل ل آية‪ ،‬فدعا‪.‬‬

‫نورا في وجهو مثل المصباح‪ ،‬فقال‪ :‬اهلل في غير وجهي‪ .‬أخشى أن يقولوا‪ :‬ىذه مثلة‪،‬‬ ‫وكانت آيتو أنو لما دنا من قومو جعل اهلل ً‬ ‫فتحول النور إلى سوطو‪ ،‬فدعا أباه وزوجتو إلى اإلسالم فأسلما‪ ،‬وأبطأ عليو قومو في اإلسالم‪ ،‬لكن لم يزل بهم حتى ىاجر بعد‬

‫الخندق‪ ،‬ومعو سبعون أو ثمانون بيتًا من قومو‪ ،‬وقد أبلى في اإلسالم بالء حسنًا‪ ،‬وقتل شهي ًدا يوم اليمامة‪.‬‬ ‫٘ـ ِ‬ ‫ض َماد األزدى‪:‬‬

‫كان من أ ْزِد َشنُوءَة من اليمن‪ ،‬وكان يرقى من ىذا الريح‪ ،‬قدم مكة فسمع سفهاءىا يقولون‪ :‬إن محم ًدا مجنون‪ ،‬فقال‪ :‬لو إني‬ ‫أتيت ىذا الرجل لعل اهلل يشفيو على يدي‪ ،‬فلقيو‪ ،‬فقال‪ :‬يا محمد‪ ،‬إني أرقى من ىذا الريح‪ ،‬فهل لك؟ فقال رسول اهلل صلى‬

‫اهلل عليو وسلم‪ ( :‬إن الحمد هلل نحمده ونستعينو‪ ،‬من يهده اهلل فال مضل لو‪ ،‬ومن يضللو فال ىادى لو‪ ،‬وأشهد أن ال إلو إال اهلل‬

‫وحده ال شريك لو‪ ،‬وأشهد أن محم ًدا عبده ورسولو‪ .‬أما بعد)‪.‬‬

‫علي كلماتك ىؤالء‪ ،‬فأعادىن عليو رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم ثالث مرات‪ ،‬فقال‪ :‬لقد سمعت قول الكهنة‪،‬‬ ‫فقال‪ :‬أعد ّ‬ ‫وقول السحرة‪ ،‬وقول الشعراء‪ ،‬فما سمعت مثل كلماتك ىؤالء‪ ،‬ولقد بلغن قاموس البحر‪ ،‬ىات يدك أبايعك على اإلسالم‪،‬‬

‫فبايعو‪.‬‬

‫وقفات وعبر تربوية‬ ‫ىذه االنتماءات الجديدة على المستوى الفردي مهمة جداً حتى وإن بدت للقارئ والمتأمل أنهم مجموعة أفراد متفرقون ال‬

‫يسمنون وال يغنون ىذه الدعوة الجديدة من جوع‪ .‬ولكن حينما نتتبع سيرة ىؤالء الوافدين الجدد‪ ،‬واألعمال التي قدموىا‬ ‫لإلسالم بعدما تركوا دين آبائهم وفارقوا أىليهم وعشائرىم‪ ،‬نجدىا غنية بالعطاءات الكثيرة والفتوحات العظيمة لدين اهلل عز‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪7‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫وجل‪ ،‬فكل واحد منهم يشكل أمة بحد ذاتها‪ ،‬ألن إقبالهم على ىذا الدين كان من أجل العمل والعطاء‪ ،‬ولم يكن مجرد انتماء‬

‫صوري ليقتاتوا على حساب ىذا الدين أو ليتحولوا إلى مجرد أعضاء لالستهالك وملئ الساحات واألماكن كقطعان تنتظر الذبح‬ ‫والسلخ على أيدي الجزار‪.‬‬

‫لم يكن يخطر ببال العربي المسلم في العهد األول أن يُقدم على ىذا الدين وينتمي لتلك الجماعة المؤمنة لمجرد إكثار‬ ‫سوادىا ‪ ،‬خاصة وأنو يعلم أن البيئة من حولو تحارب ىذا الدين الجديد‪ ،‬وأن ىناك تبعات لهذا االنتماء البد أن يتحملها‬ ‫كاملة‪ ،‬على رأسها البدء في ممارسة دعوة غيره والتأثير على محيطو لتقوية الجماعة المؤمنة بقيادة النبي صلى اهلل عليو وسلم‪.‬‬

‫ونالحظ تلك السعادة الكبيرة التي يجدىا الصحابي عند إسالمو ويحس كأنو ُولد من جديد‪ ،‬بل كأنو أُخرج من النار والجحيم‬

‫إلى جنة الهداية والرضوان‪ ،‬فال يستطيع كتمان ىذه الهداية والنعمة الربانية‪ ،‬فتجده يسارع إلى البوح بها وتحدي الجاىلية من‬

‫حولو – كما حصل مع أبي ذر رضي اهلل عنو مثالً ‪ ،-‬وىذا دليل قاطع على تمكن العقيدة من قلبو تمكناً عظيماً ال يستطيع‬

‫معها كتمان أمره والصبر حتى يعود إلى قومو‪ ،‬بل إنو بادر إلى اإلعالن عن إسالمو وسط قريش وعند البيت لكي يعلم القاصي‬ ‫والداني خبر إسالمو‪ ،‬وىاىو يتحمل تبعات ىذا اإلعالن فيصبر على أذى قريش‪ ،‬ويعاود الكرة يومين متتابعين حتى يسخر اهلل‬

‫لو من يوقف عنو أذى المشركين‪ ،‬فيدافع اهلل عن الذين آمنوا حينما يتحقق اإلخالص ويقدم المؤمنون أغلى ما لديهم في سبيل‬

‫نصرة ىذا الدين‪.‬‬

‫ويمكننا إعادة الكالم نفسو على مسلمي اليوم وبخاصة ىؤالء الموحدون الذين رضوا بأن يتميزوا عن غيرىم ويخالفوا القوانين‬

‫الوضعية والكفر بها والسعي إلى فضحها وكشف عوارىا للناس‪ ،‬ونشر دين التوحيد بدالً منها‪ ،‬فهؤالء البد أن ينطلق كل واحد‬

‫منهم على حدة للقيام بهذه المهام وعدم االكتفاء بالقعود وانتظار ما ستسفر عنو المعارك الدائرة بين أىل الحق وأىل الباطل‪،‬‬

‫أو االكتفاء بمجرد الدعاء‪.‬‬

‫إنهم يحسون أنهم جزء وطرف مباشر في ىذه الحرب‪ ،‬وال يمكن أن يقفوا موقفاً آخر بعيداً عن رحى ىذه الحرب مهما كلفهم‬

‫ذلك من تضحيات وتبعات ألنهم علموا أن ىذا جزء من االنتماء لهذا الدين‪ ،‬وال معنى لكونهم مسلمين أن يبقوا على الهامش‬

‫يتابعون مجريات األحداث فحسب حتى لو كانت قلوبهم تتحرق على ما يصيب إخوانهم وأخواتهم من الشعوب المسلمة في‬ ‫كل مكان على أيدي أعدائهم‪ ،‬وما يتعرض لهم دينهم من تحريف وحصار واستهزاء على أيدي سفهاء الكفر والردة‪.‬‬

‫اللبنات األولى لبيعة العقبة األولى‬ ‫بذورا صالحة‪ ،‬سرعان ما تحولت إلى‬ ‫وفي موسم الحج من سنة ٔٔ من النبوة ـ يوليو سنة ٕٓ‪ٙ‬م ـ وجدت الدعوة اإلسالمية ً‬

‫شجرات باسقات‪ ،‬اتقى المسلمون في ظاللها الوارفة لفحات الظلم والعدوان حتى تغير مجرى األحداث وتحول خط التاريخ‪.‬‬

‫وكان من حكمتو صلى اهلل عليو وسلم إزاء ما كان يلقى من أىل مكة من التكذيب والصد عن سبيل اهلل أنو كان يخرج إلى‬

‫القبائل في ظالم الليل‪ ،‬حتى ال يحول بينو وبينهم أحد من أىل مكة المشركين‪.‬‬

‫فخرج ليلة ومعو أبو بكر وعلي‪ ،‬فمر على منازل ذُ ْىل وشيبان بن ثعلبة ‪ ،‬وكلمهم في اإلسالم‪ .‬وقد دارت بين أبي بكر وبين‬ ‫رجل من ذىل أسئلة وردود طريفة‪ ،‬وأجاب بنو شيبان بأرجى األجوبة‪ ،‬غير أنهم توقفوا في قبول اإلسالم‪.‬‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪8‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫ثم مر رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم بعقبة منى‪ ،‬فسمع أصوات رجال يتكلمون فعمدىم حتى لحقهم‪ ،‬وكانوا ستة نفر من‬

‫شباب يثرب كلهم من الخزرج‪ ،‬وىم‪:‬‬ ‫ٔ‪ .‬أسعد بن ُزَرارة [من بني النجار]‪.‬‬

‫ٕ‪ .‬عوف بن الحارث بن رفاعة ابن َع ْفراء [من بني النجار]‪.‬‬ ‫الع ْجالن [من بني ُزَريْق]‪.‬‬ ‫ٖ‪ .‬رافع بن مالك بن َ‬ ‫ٗ‪ .‬قُطْبَة بن عامر بن حديدة [من بني سلمة]‪.‬‬

‫٘‪ُ .‬ع ْقبَة بن عامر بن نابي [من بني َح َرام بن كعب]‪.‬‬ ‫‪ .ٙ‬جابر بن عبد اهلل بن ِرئاب [من بني عبيد بن غَْنم]‪.‬‬ ‫وكان من سعادة أىل يثرب أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة‪ ،‬إذا كان بينهم شيء‪ ،‬أن نبيًا من األنبياء مبعوث‬ ‫في ىذا الزمان سيخرج‪ ،‬فنتبعو‪ ،‬ونقتلكم معو قتل عاد وإرم‪.‬‬

‫فلما لحقهم رسول اهلل صلى اهلل عليو وسلم قال لهم‪( :‬من أنتم؟) قالوا‪ :‬نفر من الخزرج‪ ،‬قال‪( :‬من موالى اليهود؟) أي‬

‫حلفائهم‪ ،‬قالوا‪ :‬نعم‪ .‬قال‪( :‬أفال تجلسون أكلمكم؟) قالوا‪ :‬بلى‪ ،‬فجلسوا معو‪ ،‬فشرح لهم حقيقة اإلسالم ودعوتو‪ ،‬ودعاىم‬ ‫إلى اهلل عز وجل‪ ،‬وتال عليهم القرآن‪ .‬فقال بعضهم لبعض‪ :‬تعلمون واهلل يا قوم‪ ،‬إنو للنبى الذي توعدكم بو يهود‪ ،‬فال تسبقنكم‬

‫إليو‪ ،‬فأسرعوا إلى إجابة دعوتو‪ ،‬وأسلموا‪.‬‬

‫مستعرا‪ ،‬فأملوا أن تكون دعوتو سببًا‬ ‫وكانوا من عقالء يثرب‪ ،‬أنهكتهم الحرب األىلية التي مضت قريبًا‪ ،‬والتي ال يزال لهيبها‬ ‫ً‬ ‫لوضع الحرب‪ ،‬فقالوا‪ :‬إنا قد تركنا قومنا وال قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم‪ ،‬فعسى أن يجمعهم اهلل بك‪ ،‬فسنقدم‬ ‫عليهم‪ ،‬فندعوىم إلى أمرك‪ ،‬ونعرض عليهم الذي أجبناك إليو من ىذا الدين ‪ ،‬فإن يجمعهم اهلل عليك فال رجل أعز منك‪.‬‬

‫ولما رجع ىؤالء إلى المدينة حملوا إليها رسالة اإلسالم‪ ،‬حتى لم تبق دار من دور األنصار إال وفيو ذكر رسول اهلل صلى اهلل‬

‫عليو وسلم‪. ٖ ".‬‬

‫وقفات وعبر تربوية من الحادثة‬ ‫لقد يسر اهلل تعالى أمر ىذا اللقاء بين النبي صلى اهلل عليو وسلم وبين الستة نفر من المدينة‪ ،‬وىو لقاء مثل باقي اللقاءات من‬

‫حيث الغايات واألىداف وىي أن يجد النبي من يؤويو ودعوتَو لينتتقل من مكة ثم يجد من ينصر ىذه الدعوة بعد عشر سنوات‬ ‫من االضطهاد والحصار والتكذيب‪ ،‬فكان ىذا اللقاء التاريخي بينو وبين ىؤالء النفر الذين جاءوا ليحضروا موسم الحج ككل‬

‫سنة مثلهم مثل باقي القبائل العربية على بقايا الطريقة الحنفية اإلبراىيمية‪.‬‬

‫وقد شاء اهلل وقدر أن يتم اللقاء العابر كما تمت اللقاءات العديدة مع القبائل العربية ولم تثمر حتى اآلن عن نتيجة مرضية‬

‫للنبي صلى اهلل عليو وسلم من حيث إيجاد مركز جديد تنتقل إليو الدعوة ويكون مالذاً آمناً للمؤمنين من بطش كفار قريش‬ ‫وتكذيبهم المتواصل ومكائدىم المستمرة لوئد ىذه الدعوة المباركة في مهدىا‪.‬‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪9‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫لقد كان اليهود في المدينة سبباً لنشر الحديث عن النبي الخاتم‪ ،‬حيث كانوا يهددون بو أىل المدينة وأنهم سيظهرون عليهم‬

‫حين مبعثو وسيقتلونهم قتل عاد وإرم‪ ،‬في الوقت الذي نجد فيو أىل المدينة أميون ليس لديهم أي رصيد ديني يواجهون بو‬

‫اليهود ويقفون أمام ىذه التهديدات مبهورين مبهوتين‪.‬‬

‫فالحديث عن النبي المرسل كان منتشراً في المدينة‪ ،‬وكانت النفوس مهيأة الستقبال خبر ظهوره بين يوم وآخر‪ ،‬لذلك ما عن‬

‫انتهى إلى النفر الستة حديث النبي صلى اهلل عليو وسلم عن النبوة والرسالة حتى قالوا‪ " :‬واهلل غنو للنبي الذي توعدكم يهود‬

‫فال يسبقنكم إليو"‪ ،‬فهذا من مكر اهلل لنبيو ولدعوتو‪ ،‬كما نستفيد من ىذا أن على الداعية أن يستغل البيئة الثقافية السائدة في‬ ‫المحيط الذي يدعو فيو حتى تنجح دعوتو وتلقى القبول المنتظر بإذن اهلل عز وجل‪.‬‬

‫ألول مرة يقدِّر اهلل أن تُسلم مجموعة كاملة بعد حديث عابر قصير على يد النبي صلى اهلل وسلم وتتعهد بنشر ىذا الدين‬ ‫الجديد في قومهم‪ " ،‬إنا قد تركنا قومنا وال قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم‪ ،‬فعسى أن يجمعهم اهلل بك‪ ،‬فسنقدم عليهم‪،‬‬ ‫فندعوىم إلى أمرك‪ ،‬ونعرض عليهم الذي أجبناك إليو من ىذا الدين ‪ ،‬فإن يجمعهم اهلل عليك فال رجل أعز منك"‪ .‬وىذه واهلل‬

‫عالمة نصر عظيم وخير كبير ينتظر ىذه الدعوة على أيدي ىذه الزمرة الطيبة‪ ،‬وىي بمثابة بذرة ال تلبث أن تعطي ثمارىا‬

‫المباركة بإذن ربها في الوقت الذي قدَّره اهلل عز وجل دون تقديم أو تأخير { خلق كل شيء فقدره تقديراً}‪.ٗ.‬‬

‫وىذا ما كان بالفعل‪ ،‬فقد قام ىؤالء الستة بجهد عظيم في الدعوة ولم يبق بيت من بيوت األنصار إال وفيو ذكر من رسول اهلل‬

‫صلى اهلل عليو وسلم‪ ،‬وقد كانت ىذه السنة من أجود وأثرى سنوات الدعوة على اإلطالق‪ ،‬كانت أكثر بركة وعطاء وثماراً من‬

‫العشر سنوات التي خلت‪ ،‬كما ان انتشار اإلسالم في المدينة خالل ىذه السنة كان أوسع وأكثر كثافة من انتشاره في مكة‬

‫خالل العشر سنوات المنصرمة‪.‬‬

‫وىنا ينبغي أن نقف على حكمة اهلل تعالى في أموره‪ ،‬فإذا أراد اهلل سبحانو أن يقضي أمراً ىيأ لو أسباباً قد تبدو بسيطة وىينة في‬

‫أعين الناس‪ ،‬بل قد يستهينون بها وال يعيرون لها كبير اىتمام‪ ،‬ولكنها في ميزان اهلل ىي الفاصلة والسبب األساسي في تنفيذ‬ ‫أمره وتحقيق قدره‪ ،‬بينما تبقى الجهود الكبيرة العظيمة التي يبذلها البعض ويتمسكون بها ويظنون أنها ىي التي ستكون السبب‬

‫في تحقيق أمر ما‪ ،‬تبقى على الهامش سلبية وبال تأثير يُذكر‪.‬‬

‫لهذا ينبغي على أصحاب الدعوات دائماً أن يعقدوا أسباب نجاحهم على اهلل وحده وال يتشبثوا بهذه األسباب المادية مهما‬ ‫كانت كبيرة ومهمة في نظرىم‪ ،‬ألن صاحب األمر األول واألخير ىو رب العزة سبحانو‪ ،‬فهو الذي {إنما أمره إذا أراد شيئا أن‬ ‫يقول لو كن فيكون}٘‪.‬‬

‫إن الذي يحقق التمكين لدين اهلل تعالى ليس الحماية الجاىلية – مهما كانت قوية – وإنما تحققها الحماية التي ترتبط‬ ‫بالمبادئ وتستند عليها حتى لو كانت ضعيفة في بدايتها وظاىرىا‪ ،‬لكنها مع مرور الزمن ومع تقديم التضحيات الالزمة‬

‫والمطلوبة يتحقق ىذا التمكين ولو بعد حين‪.‬‬

‫( إن الخط الذي يفرق بين الطريقين خط ضئيل‪ ،‬قد ال يدركو الناظر العجول‪ ،‬فالمرحلة المكية عندما تملك الدعوة الحرية‬ ‫الكاملة فيها في ظل المبادئ الجاىلية‪ ،‬ال تصل إلى مرحلة الحكم بما أنزل اهلل‪ ،‬ومرحلة تطبيق المبادئ‪.‬‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪11‬‬


‫ض الدَّعوةِ َعلَى ال َقبائِ ِل وم َقد ِ‬ ‫اصلَةُ َع ْر ِ‬ ‫الع َقبَ ِة األُولَى‬ ‫َّمات َ‬ ‫دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية (الدرس ٕٔ) ‪ُ .................................‬م َو َ‬ ‫َ َُ َ‬

‫أما إذا كانت الحماية من أبناء الدعوة نفسها‪ ،‬فالطريق مهيأة لتنفيذ شرع اهلل عز وجل‪ ،‬والتمكين في األرض‪ .‬ونصل من ىذه‬ ‫المالحظة إلى أن الهدف البعيد والغاية العظمى وىي إقامة حكم اهلل في األرض لن يتحقق في ظل حكم جاىلي وفي ظل‬

‫حماية جاىلية كما يتصور الكثير بل أغلب الحركات اإلسالمية التي رضيت بأن تشارك في اللعبة السياسية‪ ،‬واعتقدت أن ذلك‬

‫سيوصلها إلى ما تريد‪.ٙ).‬‬

‫ك انت ىذه أىم الخطوات أو لنقل اللبنات األولى والتمهيدية لبيعة العقبة األولى‪ ،‬والتي سيكون موضوع حلقتنا القادمة الرئيسي‬ ‫‪ ،‬وىي التي ستكون بدورىا الجسر األول لعبور المسلمين إلى المدينة كمركز جديد للدعوة ومنطلق إلرساء دعائم دولة‬

‫اإلسالم المباركة بقيادة سيد البشرية وخاتم النبيين محمد بن عبد اهلل وصحبو الكرام البررة‪.‬‬

‫وصلى اهلل وسلم وبارك على ىذا النبي الكريم وعلى آلو وصحبو أجمعين‪ ،‬والحمد هلل رب العالمين‪.‬‬

‫===================‬ ‫===========‬

‫مع تحيات إخوانكم في‬

‫مؤسسة المأسدة اإلعالمية‬ ‫(صوت شبكة شموخ اإلسالم)‬ ‫[األنبياء‪]39:‬‬ ‫‪[ 9‬األنبياء‪] 01:‬‬ ‫السرية النبوية البن هشام ص‪ 10:‬و ‪1‬‬ ‫الفرقان‪9:‬‬ ‫يس‪29 :‬‬ ‫املنهج احلركي للسرية النبوية – منري الغضبان – ص‬

‫مؤسسة املأسدة اإلعالمية (صوت شبكة مشوخ اإلسالم)‬

‫‪11‬‬

دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية  

دروس وعبر تربوية من سيرة خير البرية

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you