Page 1

‫الواقعة الليبية في هذه االيام‬ ‫أظهرت تداعيات قضية ناقلة النفط الكورية الشمالية وإقالة رئيس الوزراء على زيدان‪ ،‬إلى أي مدى تواجه الدولة‬ ‫الليبية تحديات أمنية وسياسية‪DW .‬عربية حاورت خبراء حول سيناريوهات مستقبل ليبيا بعد ثالث سنوات من ثورتها‪.‬‬ ‫يرى خبراء أن حادثة ناقلة النفط الكورية‪ ،‬التي كانت محملة بالنفط بطريقة غير شرعية من مرفأ بمدينة برقة شرق‬ ‫ليبيا‪ ،‬جاءت لتقسم ظهر حكومة على زيدان التي تكن يوما مستقرة منذ تعيينها في أكتوبر ‪ .2102‬ولتكشف عن أبعاد‬ ‫متعددة للتحديات التي تواجهها ليبيا بعد ثالث سنوات من ثورتها التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي‪ ،‬أولها‬ ‫عدم السيطرة على الحدود البالد البحرية والبرية المترامية جغرافيًا‪ ،‬وثانيًا صعوبة الحفاظ على النفط وهو المورد‬ ‫األساسي القتصاد البالد‪ ،‬وثالثًا خروج الجماعات المسلحة والميليشيات عن سيطرة الجيش واألجهزة األمنية‪ ،‬وراب ًعا‬ ‫تنامي نزعات االستقاللية عند األقاليم مقابل ضعف مؤسسات الدولة المركزية‪ .‬فإلى أين تتجه ليبيا في ظل تعثر عملية‬ ‫االنتقال الديمقراطي وتصاعد أعمال العنف في البالد‪ :‬هل هي أقرب للحالة المصرية التي آلت فيها السيطرة للجيش؟ أم‬ ‫للحالة التونسية التي احتكمت للتوافق السياسي؟ أم ربما تكون البالد مرشحة لمزيد من التدهور األمني وحتى التفكك؟‬ ‫بالنسبة للخبيرة الليبية الدكتورة آمال العبيدي أستاذة العلوم السياسية بجامعة بنغازي (شرق ليبيا) فإنه رغم نجاح ليبيا‬ ‫في تنظيم انتخابات حرة وديمقراطية في ‪ 10‬يوليو ‪ ،2102‬انبثق عنها المؤتمر الوطني وكان ينتظر أن تسفر عن بناء‬ ‫مؤسسات دستورية ديمقراطية‪ ،‬لكن االضطرابات األمنية تساهم في تعثر عملية االنتقال الديمقراطي‪ .‬وتوضح الخبيرة‬ ‫الليبية في حوار مع ‪DW‬عربية أن محاولة إعادة بناء الجيش الليبي واألجهزة األمنية انطالقًا من إقصاء المؤسسات‬ ‫التقليدية وتصفية بعض رموزها بدعوى أنها موالية للنظام السابق‪ ،‬جعل المجموعات المسلحة التي ساهمت في الثورة‬ ‫تسيطر على األوضاع األمنية على حساب بناء مؤسسة وطنية للجيش واألمن‪ .‬لكن الدكتور عبد اللطيف الحناشي أستاذ‬ ‫الفكر السياسي بجامعة منوبة في تونس يرى أن "خطورة األوضاع في ليبيا تكمن في غياب مؤسسات قوية بإمكانها أن‬ ‫تحسم الموقف"‪ .‬في حواره مع ‪DW‬عربية يشير الخبير التونسي إلى عامل إضافي يمكن أن يساهم ايجاب ًيا أو سلب ًيا في‬ ‫تطور أوضاع ليبيا‪ ،‬وهو "العامل الخارجي‪ ،‬أي القوى الدولية المؤثرة في أوضاع هذا البلد"‪ ،‬مشي ًرا إلى أوربا‬ ‫والواليات المتحدة األميركية على وجه الخصوص‪.‬‬ ‫وحول ما إذا كانت ليبيا أقرب للتأثر بالنموذج التونسي أم المصري‪ ،‬أم أن تطور األوضاع فيها مفتوح على سيناريوهات‬ ‫أخرى‪ ،‬ويشكل دور الجيش والقوى المسلحة الموازية والمليشيات عنص ًرا مه ًما في بلورة مآل ليبيا وأوضاعها‪ ،‬يقول‬ ‫الحناشي‪" :‬في مصر يلعب الجيش دو ًرا رئيسيًا في الحياة السياسية منذ أكثر من قرن‪ ،‬بل ترتبط نشأة الدولة الحديثة في‬ ‫ً‬ ‫وصوال إلى المرحلة الحالية سواء تعلق األمر بدوره المباشر في الحكم‬ ‫مصر بالجيش‪ ،‬وذلك منذ عهد محمد على باشا‬ ‫أو عبر سيطرته على نحو ‪ 84‬في المائة من الناتج الداخلي الخام"‪ .‬ويتوقع الحناشي أن يزداد دور الجيش "خطورة‬ ‫على عملية االنتقال الديمقراطي في مصر بترشح وزير الدفاع الماريشال عبد الفتاح السياسي للرئاسة"‪ ،‬بينما "الجيش‬ ‫في ليبيا بعد اإلطاحة بنظام القذافي‪ ،‬بات شبه مفكك‪ ،‬ومن يتحكم في األمور هو جماعات مسلحة"‪ .‬وتختلف الحالة‬ ‫أيضا‪ ،‬إذ يلعب الجيش "دو ًرا ناع ًما في السياسة" عبر حمايته للثورة وتوفير ظروف االستقرار‬ ‫الليبية عن تونس‬ ‫ً‬ ‫األمني لعملية االنتقال الديمقراطي‪ ،‬كما يقول الخبير التونسي‪.‬‬ ‫وتبدو عملية إعادة بناء الجيش الليبي صعبة المنال‪ ،‬ومن أبرز التحديات التي تواجهها‪ ،‬الصراع المفتوح بين من يطلق‬ ‫عليه بالقوى التقليدية الموروثة من الجيش التي تركها العقيد الراحل القذافي‪ ،‬والمجموعات المسلحة التي ساهمت في‬ ‫الثورة‪ .‬وفي هذا السياق تالحظ الخبيرة الليبية آمال العبيدي أن جهود إعادة تنظيم الجيش وبنائه تصطدم بصعوبات‬ ‫ضا في غياب مفهوم مشترك للمصلحة‬ ‫كبيرة وهي "ليست فقط ميدانية تتعلق بالعنف والصراعات المسلحة‪ ،‬بل أي ً‬ ‫الوطنية لدى القوى السياسية وعدد من التكتالت داخل المؤتمر الوطني (البرلمان)"‪ ،‬ما يجعل قرارات "المؤتمر‬ ‫الوطني" محاطة بكثير من االرتباك واالضطرابات‪ ،‬وهو ما يقود بالتالي إلى تعثر عملية االنتقال الديمقراطي‪ .‬وتعتقد‬ ‫الخبيرة الليبية أن سيطرة الجيش في مصر على الحكم‪ ،‬ضاعف من المخاوف لدى عدد من القوى السياسية في ليبيا من‬ ‫"استيالء الجيش على السلطة وإجهاض الثورة وعملية االنتقال الديمقراطي"‪ ،‬ما يفسر التردد لدى البعض في دعم‬ ‫عملية إعادة بناء الجيش وتقويته‪ .‬لكن "الحل يكمن في تأهيل الثوار وإدماجهم في المؤسسة األمنية والجيش‪ ،‬بدل‬ ‫استمرار حالة ضعفها الذي تستفيد منها الميليشيات المسلحة"‪ ،‬كما تقول آمال العبيدي‪.‬‬ ‫مطالب الفيدرالية والمخاوف من التفكك‬ ‫وبعد انتخاب لجنة صياغة الدستور (‪ 21‬فبراير ‪ )2108‬يتطلع الليبيون اآلن إلى وضع دستور جديد للبالد‪ ،‬لكن يصعب‬ ‫التكهن حسب الخبراء بمدى فعاليته في حل معضالت كبيرة تهدد كيان الدولة الليبية الناشئة‪ ،‬ومن أهمها تنامي نزعات‬


‫االستقاللية لدى بعض األقاليم‪ ،‬والتي ظهرت بشكل حاد في إقليم برقة شرق البالد الذي أعلن دخوله بشكل أحادي في‬ ‫تطبيق نظام فيدرالي‪ .‬وتعتقد الخبيرة آمال العبيدي أن وضع دستور جديد "سيمكن البالد من إطار كفيل باحتواء الكثير‬ ‫من المشاكل القائمة وضمنها إشكالية الفيدرالية‪ ،‬أو على األقل يضعها في طريق الحل"‪ .‬بيد أن مشكلة الفيدرالية ليست‬ ‫وحدها ما يثير التنازع في ليبيا‪ ،‬فهنالك مشكالت أخرى على غرار قضايا الهوية اللغوية ومسألة العالقة بين الدين‬ ‫ً‬ ‫شامال يفضي‬ ‫والدولة وإشكالية الشريعة اإلسالمية‪ .‬هذه قضايا شائكة ترى آمال العبيدي أن حسمها يتطلب حوا ًرا وطنيًا‬ ‫إلى "توافق سياسي ووطني"‪ ،‬ينعكس في نص الدستور‪.‬‬ ‫ومن جهته يعتقد الخبير عبد اللطيف الحناشي أن نجاح عملية االنتقال الديمقراطي في ليبيا يحتاج مساعدة إقليمية‬ ‫ودولية‪ ،‬وهو يرى أن ذلك "ممكنًا إذا ما وحدت القوى الغربية رؤيتها للوضع في ليبيا وساعدت هذا البلد على الخروج‬ ‫من األزمة الحالية"‪ ،‬لكنه يخشى في الوقت ذاته من أن تهيمن ما يراه "حسابات ومصالح ضيقة"‪ .‬إذ يرى خبراء أن‬ ‫ضا نزعات‬ ‫موارد ليبيا الضخمة من البترول واتساع المساحة الجغرافية للبلد‪ ،‬تجعله محط أطماع ليس فقط خارجية بل أي ً‬ ‫داخلية في االستئثار بالثروة النفطية‪ .‬ويشيرون في ذلك إلى محاولة إقليم برقة تصدير النفط لحسابه‪ ،‬وهي مؤشرات‬ ‫تنطوي على مخاطر تفكك لكيان الدولة الليبية الناشئة‪ .‬وما يعزز هذه المخاوف تقاطع نشاط عدد من الجماعات المسلحة‬ ‫المتشددة داخل ليبيا مع جماعات إرهابية ضمنها تنظيم "القاعدة في بالد المغرب اإلسالمي"‪ ،‬التي تنشط في منطقة‬ ‫جنوب الصحراء‪.‬‬ ‫حراك مدني شعبي‬ ‫ولم تمنع سطوة الميليشيات والجماعات المسلحة في البالد‪ ،‬من تنامي الحراك المدني والشعبي في األشهر القليلة‬ ‫الماضية‪ ،‬سواء في اتجاه المطالبة ببناء جيش وطني ومؤسسات أمنية شرعية وإزالة مظاهر التسلح في الشوارع‬ ‫والميليشيات‪ ،‬أو في التأكيد على ضرورة اإلسراع بوضع دستور جديد وبناء مؤسسات ديمقراطية‪ .‬وبرأي الخبيرة آمال‬ ‫العبيدي فإن "إصرار الحراك الشعبي المدني وتمسكه بالخيار المدني والديمقراطي يشكل أفقًا لخروج البالد من المأزق‬ ‫وفتح المجال لنجاح عملية االنتقال الديمقراطي"‪ .‬ويتفق الحناشي مع العبيدي في ترجيح اتجاه القوى السياسية الليبية‬ ‫نحو التوافق على الدستور وبناء مؤسسات‪ ،‬لكن المهمة "ستكون صعبة"‪ ،‬كما يرى الخبيران‪ ،‬إذ تختلف ليبيا عن‬ ‫تونس التي تحقق فيها توافق سياسي حول الدستور وعملية االنتقال الديمقراطي‪ .‬ففي تونس تم التوافق بفضل الدور‬ ‫القوى الذي لعبته قوى المجتمع المدني العريقة وقدرتها على إحداث توازن في مواجهة حزب النهضة اإلسالمي الحاكم‪،‬‬ ‫بينما ورث الليبيون بعد ثورتهم فرا ًغا سياسيًا ومدنيًا ألن نمط حكم القذافي كان فرديًا ويعتمد على تحالفات قبلية ومحلية‬

الواقعة الليبية في هذه الايام  
Advertisement