Page 1

‫رئي�س جمل�س االدارة رئي�س التحرير‬ ‫فخري كرمي‬ ‫ملحق ثقافـي ا�سبوعي ي�صدر عن جريدة املدى‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬


‫‪2‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫كوتزي فـي رواية "سيد بطرسبورغ"‬ ‫يعيد شخصية دوستويفسكي‬

‫جنوى ف�ؤاد علي‬

‫�إن �ضراوة احل�س الفاجع بالعزلة الإن�سانية ميزت م�ؤلفات الكاتب من جنوب �أفريقيا ج‪.‬م‪ .‬كوتزي‪ ،‬ويف كل رواية من‬ ‫رواياته �صنع �شخ�صيات تقف �شديدة الو�ضوح �إزاء م�شهد طبيعي �شا�سع جاف ونظام عن�صري قا�س على حدّ �سواء‪،‬‬ ‫وهمه الرئي�س هو البقاء‪ ،‬الروحي واجل�سدي‪ ،‬والبحث‬ ‫وجرداها من �إن�سانيتها‪،‬‬ ‫وكالهما ا�ستخفا بتلك ال�شخ�صيات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫عن املعنى و�ضرورات احلياة من �أكرث البيئات عداء‪.‬وال ميكن للمرء �أن يح�صل على عزاء من هذه التجربة لأن‬ ‫�شخ�صيات ال�سيد «كوتزي» يجب �أن تعاين لكي تكون واعية‪.‬‬

‫وتلك هي ثيمة دو�ستويف�سكية‪ ،‬ويف روايته‬ ‫ال�سابعة القوية الغريبة «�سيد بطر�سبورغ»‬ ‫ق��ام ال�سيد «ك��وت��زي» بالذهاب مبا�شرة �إىل‬ ‫امل�صدر‪ ،‬وت�صور �أن «دو�ستويف�سكي» رجع‬ ‫�إىل «��س��ان��ت ب�ط��ر��س�ب��ورغ» ب�ع��د م��وت ابن‬ ‫زوجته «بافل»‪� ،‬إنها رواي��ة ال�سيد «كوتزي»‬ ‫الأك�ث�ر جتهم ًا حتى الآن‪ ،‬وت��وح��ي بدرجة‬ ‫جديدة من الظالم يف منظور ال جتد فيه كثري ًا‬ ‫من البهجة يف احلالة الإن�سانية‪�.‬إن اخللفية‬ ‫التي تلقي بظلها القلق على ال�شخ�صيات هي‬ ‫بال �شك رو�سيا‪ ،‬ومثل جنوب �أفريقيا التي‬ ‫�أت��اح��ت �إط ��ار ًا ملعظم رواي��ات��ه ف ��إن ه��ذه هي‬ ‫رو�سيا وهي ترتنح على حافة الثورة‪.‬مبعنى‬ ‫�آخر �أن ال�سيد «كوتزي» كتب عن رو�سيا من‬ ‫قبل‪.‬‬ ‫ورواي ��ة «يف ان�ت�ظ��ار ال�براب��رة» املن�شورة‬ ‫ع ��ام ‪ 1980‬ي �ك��ون �إط� ��ار �أح��داث �ه��ا مدينة‬ ‫حم�صنة على ح��دود �إم�براط��وري��ة جمهولة‬ ‫الإ�سم تهددها ظاهري ًا الغارات الرببرية من‬ ‫ال�شمال‪.‬وجوها العام يبعث فينا �إح�سا�س ًا‬ ‫حم��دود ًا ب�أنها يف �آ�سيا الو�سطى مع �إيحاء‬ ‫مميز باجلحافل املغولية التي حتت�شد لل�سلب‬ ‫والنهب‪ ،‬والعالقة وا�ضحة بني هذا الرتميز‬ ‫ال�سيا�سي لع�صر الأبارتيد يف جنوب �أفريقيا‬ ‫واال�ستجابة امل�سعورة املتزايدة لنظام قدر‬ ‫له الهالك ملا يعتربه ع��دو ًا على �أبوابه‪ ،‬لكن‬ ‫ما مينح الق�صة عامليتها هي الب�ساطة امللهمة‬ ‫لل�صورة املركزية‪ ،‬املتعلقة مبنطقة حدودية‬ ‫ب�ين امل�ع�ل��وم وامل �ج �ه��ول‪ ،‬وامل �ي��ل الإن�ساين‬ ‫املرافق لإخ�ضاع كل ما ال نعلمه �إىل ال�شيطان‬ ‫ثم نحمل على ال�شياطني‪.‬‬ ‫�إن رواية «�سيد بطر�سبورغ» غام�ضة �إذا ما‬ ‫قورنت بالروايات ال�سابقة للكاتب‪ ،‬فحبكتها‬ ‫متاهة ونغمتها �شديدة ال�ك��آب��ة‪ ،‬ويعزو‬ ‫االختالف �إىل الأبطال‪ ،‬كان الراوي يف‬ ‫رواي��ة «يف انتظار الربابرة» هو حاكم‬ ‫مقاطعة‪ ،‬رجل رحيم مييل نحو الت�سامح‬ ‫الذاتي‪ ،‬ويتمايل كفلينة يف بحر م�شاكله‬ ‫ويعطي للكتاب عنفوانه ونكهته‪ ،‬ومل‬ ‫ي�ك�ت��ب ال���س�ي��د ك��وت��زي �أي���ة �شخ�صية‬ ‫�أخرى مثل «احلاكم» وهذا �شيء ي�ؤ�سف‬ ‫له‪ ،‬واحلاكم حني يروي تعتربه بالت�أكيد‬ ‫رف�ي�ق� ًا ل��ك �أف���ض��ل م��ن «دو�ستويف�سكي»‬ ‫الكئيب ال��ذي يت�سكع عاب�س ًا عرب �صفحات‬ ‫رواية "�سيد بطر�سبورغ"‪.‬‬ ‫يحب احل��اك��م احل �ي��اة البهيجة وه��و رجل‬ ‫�سمني يتمتع بالأكالت واخلمرة واجلن�س‪،‬‬ ‫وبالن�سبة ل��ه ف� ��إن م��ا ي��دع��ى ب��ال�براب��رة ال‬ ‫ي�شكلون �أي تهديد لأنه يفهم �أن التهديد وهم‪،‬‬ ‫ويتحمل التعذيب وال ��ذل ب�صالبة ب�سبب‬ ‫عواطفه املرتدة‪.‬‬ ‫�إن مكانة دو�ستويف�سكي عند ال�سيد كوتزي‬ ‫عند املقابلة هي �إح��دى التعقيدات امللتوية‪،‬‬ ‫لقد اجنرف مع التيارات ال�سيا�سية اخلطرة‬ ‫يف مدينة بطر�سبورغ يف العهد القي�صري‬ ‫املت�أخر‪ ،‬وكان م�شبوه ًا يف عيون ال�سلطات‬ ‫ب�سبب �أن ابن زوجته كان ع�ضو ًا يف ع�صبة‬ ‫ث��وري��ة ت �ق��وده��ا �شخ�صية � �ش��ري��رة تدعى‬ ‫«ن�ي�ج��اي�ي��ف» (ك ��ان ��س�يرج��ي نيجاييف يف‬

‫الواقع ثوري ًا وافتنت به دو�ستويف�سكي‪ ،‬ومن‬ ‫املالحظ �أن نيجاتييف كان اال�سم الأول لأم‬ ‫دو�ستويف�سكي) وب�سبب هذه العالقة واجه‬ ‫ال�ك��ات��ب ال�ك�ب�ير م�شاكل م�ع�ق��دة م��ع حمقق‬ ‫ال�شرطة املدعو «ماك�سيموف» وهو نف�سه من‬ ‫ا�ش ّد ال�شخ�صيات دو�ستويف�سكية‪ ،‬ويخربه‬ ‫ماك�سيموف �أنه وجد بني �أوراق ابن زوجته‬ ‫قائمة ب�أ�سماء النا�س الذين يجب اغتيالهم‬ ‫كمقدمة للتمرد ال�ع��ام امل� ��ؤدي �إىل الإطاحة‬ ‫بالدولة‪.‬‬ ‫�إن دو��س�ت��وي�ف���س�ك��ي امل �� �س��نّ وامل ��ره ��ق يف‬ ‫ه��ذه ال�صفحات له �شهية قليلة للعنف‬ ‫الثوري‪ ،‬مقارنة مبا كان‬ ‫يفعله يف الواقع‪.‬‬ ‫هذه الالمباالة‬ ‫ا ل�سيا �سية‬ ‫ت�ستحق‬ ‫ازدراء‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫«نيجاييف» نف�سه ال��ذي �سرعان ما يح�ضر‬ ‫ومعه �شركاء «بافل» ال�سابقون‪.‬‬ ‫يف هذه امل�شاهد يربز بقوة البعد ال�سيا�سي‬ ‫ل�ك�ف��اح الأج� �ي ��ال‪ ،‬يف ال��وق��ت ال ��ذي ي�سخر‬ ‫ف �ي��ه ال �� �ش �ب��اب ذوو احل �م��ا� �س��ة ال �ث��وري��ة‬ ‫ال�ع�ن�ي�ف��ة م��ن احل� ��ذر والنزعة ا ملحا فظة‬

‫دوس����ت����وي����ف����س����ك����ي‪..‬‬

‫عندم��ا يمتلك بطل الرواية بعدًا رابعًا‬

‫ترجمة‪ :‬جناح اجلبيلي‬

‫ال �ن��ا� �ض �ج��ة‪ ،‬وي �ب��دو �أن� ��ه ب��ال�ن���س�ب��ة لل�سيد‬ ‫«ك��وت��زي» ف ��إن كل �شيء الب � ّد من �أن يع ّرف‬ ‫من جديد يف املجتمع اال�ستبدادي الواقف‬ ‫على حافة االنحالل‪� .‬إن ال�صدوع التي تف�صل‬ ‫القوي عن ال�ضعيف جتعل كل االرتباطات‬ ‫الإن���س��ان�ي��ة م�ت��وت��رة و�صعبة وخ�صو�ص ًا‬ ‫العالقات بني الوالد والطفل‪.‬‬ ‫ه��ذه ه��ي الفكرة ال�ت��ي حت��راه��ا م��ن قبل يف‬ ‫روايته «حياة وزم��ان مايكل ك» التي فازت‬ ‫بجائزة بوكر الربيطانية عام ‪ ،1983‬وفيها‬ ‫حماولة «مايكل ك» لأخ��ذ �أم��ه املري�ضة �إىل‬ ‫البيت لكي متوت ما جعله يدخل يف نزاع‬ ‫مع الدولة البولي�سية‪ ،‬على �أنه خالف ًا‬ ‫للحاكم �أو دو�ستويف�سكي ف�إن «مايكل‬ ‫ك» ال ميلك �شيئ ًا لكي ي�صارع القوى‬ ‫التي ا�صطفت ��ض��ده‪ ،‬لهذا ين�سحب متام ًا‬ ‫من املجتمع ويح�صل على لقمة العي�ش من‬ ‫قطعة �أر�ض يف حقل مهجور‪.‬‬ ‫ثم يف رواية «ع�صر احلديد» املن�شورة‬ ‫عام ‪ ،1990‬جتد امر�أة بي�ضاء كبرية‬ ‫ال���س��ن مت��وت ب�سبب ال���س��رط��ان يف‬ ‫�ضاحية مريحة من «كيب تاون» حيث‬ ‫جتد �أن عواطفها الأمومية يثريها ابن‬ ‫مديرة منزلها الأ�سود حني ترى ال�شرطة‬ ‫تعامله بوح�شية‪ ،‬وتفتح الأمومة البديلة‬ ‫بالتدريج عينيها على احلقائق ال�شريرة‬ ‫لدولة الأبارتيد‪.‬‬ ‫وم��ن ال�سخرية �أن�ه��ا �أخ ��ذت ت�صب كل‬ ‫�أفكارها كتابة �إىل ابنتها التي هربت‬ ‫�إىل �أمريكا منذ وقت طويل‪ ،‬و�شرعت‬ ‫ترى �أن �أطفالها احلقيقيني هم ال�شباب‬ ‫ال�سود الذين تقتلهم قوى الأمن �أمام‬ ‫عينيها‪� ،‬إن ال�شخ�صي وال�سيا�سي‬ ‫ي �ن��دجم��ان ب���ش�ك��ل رائ� ��ع يف هذه‬ ‫الرواية‪،‬‬ ‫لكن بالن�سبة �إىل دو�ستويف�سكي‬ ‫امل�سكني‪ ،‬املنهمك مبحاولة يائ�سة‬ ‫للت�صالح مع ابن زوجته‪� ،‬أو �شبح‬ ‫ابن زوجته‪ ،‬لي�س هناك �شيء ميكن‬ ‫�أن يكون دائم ًا ب�سيط ًا ج��د ًا‪ ،‬يبقى‬ ‫يف الغرفة التي �أجرها «بافل» من‬ ‫�أرملة تدعى «�آن��ا �سرجييفنا» التي‬ ‫تعي�ش يف البيت املجاور مع ابنتها‬ ‫ال�شابة‪ ،‬ت�أتي «�آن��ا» �إليه يف الليل‬ ‫و�سوية يفعالن «العمل اخلطر‬ ‫امللتهب» والطفل نائم يف الغرفة‬ ‫الأخ� ��رى‪ ،‬غ�ير �أن ��ه ح�ين ي�أتي‬ ‫«نيجاييف» املحتال الهارب‬ ‫م��ن ال�شرطة وامل��رت��دي زي‬ ‫ام��ر�أة ليتجنب ك�شفه‪� ،‬إىل‬ ‫ال���ش�ق��ة وي�ط�ل��ب امل���ال من‬ ‫اب�ن��ة «�آن� ��ا» وع�ل��ى الرغم‬ ‫م� ��ن �أن اع�ت�را�� �ض ��ات‬ ‫«دو�ستويف�سكي» تلقى‬ ‫ت ��أن �ي �ب � ًا‪ ،‬ف�ي�ظ�ه��ر �أن كل‬ ‫��ش�خ����ص وك ��ل � �ش��يء يف‬ ‫عامل الكاتب ين�سج م�ؤامرة‬ ‫�ضده‪ ،‬ي�أخذه «نيجاييف» �إىل‬ ‫قبو وهناك‪ ،‬بعد ج��دل طويل‪،‬‬

‫‪3‬‬

‫جت�سد جوهر فل�سفته يف احلياة‪ .‬وكان مق�صده ان �شعور االن�سان‬ ‫�أطلق الكاتب الرو�سي الكبري فيودور دو�ستويف�سكي عبارته اجلريئة " اجلمال ينقذ العامل" التي‬ ‫ّ‬ ‫�صوره امل�ؤلف يف‬ ‫الذي‬ ‫اجلمال‬ ‫هذا‬ ‫قيمة‬ ‫يدرك‬ ‫الذي‬ ‫االن�سان‬ ‫هو‬ ‫روحا‬ ‫باجلمال واالن�سجام ينعك�س يف جميع �أفعاله وتعامله مع النا�س ومع الطبيعة‪ ،‬ولعل �أنقى النا�س‬ ‫ّ‬ ‫�شخ�صية "ايليو�شا"والنا�سك زو�سيما يف رواية " االخوة كارامازوف" ويف الفتى القوقازي علي يف كتابه" يوميات بيت املوتى" ويف االمري مي�شكني ال�ساذج كالطفل يف رواية "‬ ‫االبله"‪ .‬ويقول النا�سك زو�سيما‪ ":‬نحن ال ندرك ان احلياة هي جنة‪ ،‬ويكفي فقط ان نرغب يف ان نفهم هذا لكي تربز امامنا بكل ما فيها من جمال وبهاء‪."..‬‬

‫ي��ري��ه �آل ��ة ال�ط�ب��اع��ة وي�ط�ل��ب م�ن��ه �أن يكتب‬ ‫ل�صالح الثوريني‪ .‬وي�شعر «دو�ستويف�سكي»‬ ‫�أنه وقع يف �شرك‪« ،‬كان موت بافل جمرد طعم‬ ‫�أغراه بالرحيل من در�سدن �إىل بطر�سبورغ‪.‬‬ ‫لقد كان فري�سة دائم ًا»‪.‬‬ ‫ً‬ ‫وعند هذه النقطة يبدو �أننا بلغنا نوعا من‬ ‫ال�سرد املت�شعب لأن ّ‬ ‫كل عنا�صر الق�صة جمعت‬ ‫�سوية يف هذا الك�شف الدرامي‪ ،‬ونكت�شف �أول‬ ‫مرة �شكل احلبكة مبعنيي الكلمة‪� :‬إنها احلبكة‬ ‫ال�ت��ي ت ��دور ح��ول ه��وي��ة «دو�ستويف�سكي»‬ ‫ككاتب‪� ،‬إن ال�سيد «كوتزي»‪ ،‬بروف�سور الأدب‬ ‫يف جامعة كيب تاون وم�ؤلف نقد �أدبي وا�سع‬ ‫ب�ضمنه كتاب من املقاالت بعنوان «الكتابة‬ ‫البي�ضاء» يرجع با�ستمرار يف رواياته �إىل‬ ‫ارتباط اللغة بال�سلطة و�إىل فكرة �أن �أولئك‬ ‫الذين ال �صوت لهم ال فائدة منهم‪ ،‬جماز ًا �أم‬ ‫حقيقة‪ .‬وتعبريه الأ�شد و�ضوح ًا عن الثيمة‬ ‫ه��و يف رواي ��ة «ف��و» امل�ن���ش��ورة ع��ام ‪1987‬‬ ‫حيث يت�صور �إعادة كتابة رواية «روبن�سون‬ ‫ك��رو��س��و» ويف اث�ن��اء العملية يخلق ام��ر�أة‬ ‫جتلب الق�صة �إىل «دان�ي��ال ديفو» وبالتايل‬ ‫يكون ه��و «كاتبها احلقيقي»‪ ،‬وه��ي لي�ست‬ ‫الوحيدة من بني �شخ�صيات ال�سيد «كوتزي»‬ ‫ال �ت��ي ت�ف�ق��د ��ص��وت�ه��ا يف ال �ت��اري��خ وم ��ن ثم‬ ‫هويتها‪.‬‬ ‫�إن فعل الكتابة وال�ع�م��ل امل�ك�ت��وب ب�صيغة‬ ‫يوميات وق�ص�ص ي ��ؤدي دور ًا مركزي ًا يف‬ ‫رواي��ة «�سيد بطر�سبورغ»‪ ،‬غري �أن الكتابة‬ ‫بالن�سبة ل��دو��س�ت��وي�ف���س�ك��ي (ب �ط��ل ال�سيد‬ ‫كوتزي) لي�ست جم ّرد �أداة لل�سلطة‪ ،‬بل هي‬ ‫�أداة للتقم�ص مع اب��ن زوجته امليت‪ ،‬وهذا‬ ‫التقم�ص ه��و بالنتيجة و��س�ي�ل��ة خلال�صه‬ ‫اخلا�ص‪ ،‬وهذه ال�سل�سلة املعقدة من الأفكار‬ ‫هي التي يالحقها ال�سيد كوتزي يف الف�صول‬ ‫الأخرية من الكتاب م ّغري ًا اجتاهه بحدة عن‬ ‫�شرك «نيجاييف» املع ّقد‪ ،‬ومن ثم من �أي ّ‬ ‫حل‬ ‫��س��ردي وا��ض��ح‪ ،‬ول�ه��ذا ف ��إن ت�سارع الكتاب‬ ‫يعتمد يف النهاية على فكرة �أكرث من اعتماده‬ ‫على حدث‪ ،‬مع �أهمية الأحداث املحتملة على‬ ‫�شرط �أن يفهم القارئ ب�إحكام الإط��ار املعقد‬ ‫ملعتقدات دو�ستويف�سكي‪.‬‬ ‫كل ذلك يجعل من رواية «�سيد بطر�سبورغ»‬ ‫مركزة �صعبة‪ ،‬رواي��ة حمبطة يف كل دور‪،‬‬ ‫ل�ك��ن ع�ل��ى ال��رغ��م م��ن ه ��ذه ال���ص�ع��وب��ة ف ��إن‬ ‫ال�شخ�صية التي ت�برز من ه��ذه ال�صفحات‪،‬‬ ‫ال�سيد نف�سه‪ ،‬يف تعا�سته املعذبة وخوفه من‬ ‫نوبة ال�صرع الالحقة و�شبقه ال��ذي ال يهد�أ‬ ‫ومقامرته اليائ�سة مع الإل��ه‪� ،‬سوف مت�سك‬ ‫بكل خيال قابل للت�أثر بالعواطف املعقدة‬ ‫للروح ال�سالفية‪� ،‬سوف يظهر نف�سه كرجل‬ ‫عميق يف خما�ض ��ص��راع �صاخب النتزاع‬ ‫املعنى والإ�صالح من موت ابن‪.‬‬ ‫* ج‪.‬م‪ .‬كوتزي‪ :‬كاتب من جنوب �أفريقيا‬ ‫من �أ�صل �أبي�ض له ثماين روايات‪ ،‬وهو‬ ‫�أول كاتب يح�صل على جائزة بوكر‬ ‫مرتني‪ ،‬يف عام ‪ 1984‬عن روايته «حياة‬ ‫و�أزمان مايكل ك»‪ ،‬ويف عام ‪ 1999‬عن‬ ‫روايته " العار"‪.‬‬ ‫* عن الغارديان‬

‫بينما يعرب عن فكرة دو�ستويف�سكي هذه االمري مي�شكني‬ ‫بقوله‪ ":‬هناك �أفكار‪� ،‬أفكار رفيعة‪ ،‬ينبغي علي �أال �أحتدث‬ ‫عنها‪ ،‬لأنني �س�أثري عندئذ �سخرية اجلميع حتما‪ ..‬فال‬ ‫ت��وج��د ل��ديّ �إمي���اءة الئ �ق��ة‪ ،‬وال الإح���س��ا���س باالعتدال‪،‬‬ ‫وكلماتي خمتلفة و�أفكاري غري منا�سبة‪ ،‬وهذا كله ميثل‬ ‫�إهانة لأفكاري"‪.‬‬ ‫لقد حقق االدب الرو�سي ب�شخ�ص دو�ستويف�سكي ذروة‬ ‫تطوره يف القرن التا�سع ع�شر‪ .‬وه��و يعترب من �أعظم‬ ‫الروائيني يف العامل حتى يومنا هذا الذي �صور دخائل‬ ‫النف�س االن�سانية بكل ره��اف��ة مم��ا جعل رواي��ات��ه مادة‬ ‫خ�صبة للباحثني النف�سانيني‪ .‬وما زال النقاد يوا�صلون‬ ‫درا�سة افكاره و�شخو�صه التي غالبا ما تت�سم ب�أبعاد قد‬ ‫يغلب فيها ال�شر على اخلري‪ ،‬لكن دو�ستويف�سكي �آمن‪ -‬يف‬ ‫ الواقع بالإن�سان وليد جمتمعه بكل ما فيه من �شرور‬‫و�أفعال خري‪.‬‬ ‫ولد فيودور دو�ستويف�سكي يف �سانكت – بطر�سبورغ يف‬ ‫‪ 30‬ت�شرين الأول عام ‪ 1821‬يف عائلة انتلجن�سيا تعود‬ ‫�أ�صولها �إىل ليتوانيا على �ساحل بحر البلطيق ومن ثم‬ ‫انتقل احد افرادها للإقامة برو�سيا واعتنق االرثوذك�سية‬ ‫وك��ان ذل��ك يف ال�ق��رن ال�سابع ع�شر‪ .‬وك��ان �أب��وه طبيب ًا‬ ‫ع�سكري ًا �صعب املزاج‪� ،‬أما �أمه ماريا نيت�شايفا فكانت امر�أة‬ ‫طيبة ابنة احد التجار‪ .‬وقد رزق الزوجان ب�أربعة ذكور‬ ‫وث�لاث �إن��اث وك��ان ترتيب فيودور الثاين بني الذكور‪.‬‬ ‫وبعد وفاة الزوجة املفاجئ انتقل االب من مكان العمل يف‬ ‫م�ست�شفى مبو�سكو اىل �ضيعة �صغرية ب�ضواحي مدينة‬ ‫توال‪ .‬وقد �أ�ساء االب ميخائيل معاملة فالحيه الذين قتلوه‬ ‫يف عام ‪ .1838‬وك��ان فيودور قد انتقل يف عام ‪1837‬‬ ‫اىل �سانكت – بطر�سبورغ للدرا�سة يف كلية الهند�سة‬ ‫الع�سكرية تلبية لرغبة �أب �ي��ه‪ .‬وخ�ل�ال الأع���وام ال�ستة‬ ‫التي ق�ضاها يف الكلية مل يظهر فيودور رغبة كبرية يف‬ ‫التعلم كما انعزل عن اقرانه وانكب على املطالعة بنهم‪.‬‬ ‫ويف ع��ام ‪ 1844‬منح لقب �ضابط‪ -‬مهند�س‪ .‬ومل يهتم‬ ‫كثريا بعمله‪ ،‬بل وا�صل اهتماماته االدبية بقراءة اعمال‬ ‫بو�شكني وجوجول و�شك�سبري وديكنز و�شيللر وهوفمان‬ ‫وبلزاك وج��ورج �صاند وغريهم‪ .‬وب��د�أ مبحاوالت عدة‬ ‫للكتابة‪ .‬ويف ع��ام ‪ 1845‬كتب دو�ستويف�سكي اوىل‬ ‫رواياته " امل�ساكني" التي جلبت له ال�شهرة بعد ان قر�أها‬ ‫ال�شاعر والنا�شر نيكرا�سوف مع رفيق لدو�ستويف�سكي‬ ‫طوال الليل ثم جاءا اليه يف �شقته عند ال�ساعة الرابعة‬ ‫فجرا ليبلغاه ب�أنه موهبة كبرية‪ .‬ون�شرت الرواية يف‬ ‫عام ‪ 1846‬وحتول فيودور دو�ستويف�سكي من مهند�س‬ ‫حربي اىل كاتب م��رم��وق‪ ،‬لكن النقاد ا�ستقبلوا بربود‬ ‫روايته الثانية " البديل"‪ ،‬وبد�أت فرتة �صعبة من حياته‬ ‫حيث �أ�صبح من دون عمل وم��ن دون م��ورد رزق‪ .‬ويف‬ ‫عام ‪ 1849‬اعتقل بتهمة امل�شاركة يف حلقة �سرية معادية‬ ‫للقي�صرية برئا�سة برتي�شيف�سكي‪ .‬وحدث ذلك يف فرتة‬ ‫حكم القي�صر ن�ق��والي االول ال��ذي م��ار���س �سيا�سة قمع‬ ‫قا�سية �ضد ك��ل ن�شاط �سيا�سي معار�ض رغبة منه يف‬ ‫حماية نظام احلكم من ت�أثري �أفكار الثورة الفرن�سية التي‬ ‫ت�سللت اىل رو�سيا بعد احلرب �ضد نابليون‪ .‬لكن االن�سان‬ ‫حري�ص على ما منع‪ ،‬وكان املثقفون الرو�س يتلقفون هذه‬ ‫الأف�ك��ار ويناق�شونها يف جل�ساتهم‪ .‬و�صدر احلكم على‬ ‫دو�ستويف�سكي ورفاقه بالإعدام‪ .‬ويف ‪ 22‬كانون االول‬ ‫‪ 1849‬جلب دو�ستويف�سكي ورف��اق��ه اىل مكان تنفيذ‬ ‫الإعدام لكن �ألغي احلكم فج�أة وا�ستبدل باال�شغال ال�شاقة‬ ‫يف �سيربيا ملدة اربعة اع��وام‪ .‬وبعد انتهاء فرتة احلكم‬ ‫التحق الكاتب جندي ًا يف �إح��دى ال��وح��دات الع�سكرية‬ ‫يف �سيبرييا‪ .‬و�شيئا ف�شيئا ا�ستعاد و�ضعه االجتماعي‬ ‫ومنح رتبة �ضابط وتزوج من �أرملة وح�صل على رخ�صة‬

‫ال�ع��ودة اىل �أوا��س��ط رو�سيا‪ .‬فا�ستعاد �سمعته الأدبية‬ ‫و�صار ميار�س العمل ال�صحفي و�أ�س�س مع اخيه جملة‬ ‫" فرمييا" التي حققت جناحا كبريا ون�شر فيها روايته‬ ‫" يوميات من بيت املوتى"‪� .‬إنها الرواية التي و�صف‬ ‫فيها ايام النفي يف �سيبرييا وما لقيه هناك من �شخو�ص‬ ‫متباينة يف الأخالق والعادات طبقا للإنتماء االجتماعي‬ ‫وال �ق��وم��ي فبينهم ال �ف�لاح��ون ال�ب���س�ط��اء والل�صو�ص‬ ‫املحرتفون والثوار البولنديون وابناء القوقاز‪ .‬وبد�أت‬ ‫االو�ساط الأدبية تتحدث عن دو�ستويف�سكي ب�صفته من‬ ‫ال ّكتاب ال��رو���س ذوي امل�ستقبل ال��واع��د‪ ،‬لكن ال�سلطات‬ ‫منعت فج�أة يف عام ‪� 1863‬صدور جملة " فرمييا " بعد‬ ‫ن�شر مقالة اعتربت ذات �أفكار هدامة بالن�سبة للنظام‪.‬‬ ‫فا�ضطر الأخ��وان بعد جهد جهيد لإ��ص��دار جملة �أخرى‬ ‫بت�سمية " الع�صر" التي �سرعان ما �أفل�ست وتوقفت عن‬ ‫ال�صدور‪ .‬وعانى دو�ستويف�سكي م�صائب عدة منها‪ :‬وفاة‬ ‫�شقيقه ميخائيل وم��ن ثم زوجته ماريا‪ ،‬ووج��د الكاتب‬ ‫نف�سه غارقا يف الديون من اجل الإنفاق على عائلة �شقيقه‪،‬‬

‫ومل يكن امامه من خمرج �سوى الكتابة بغزارة من اجل‬ ‫احل�صول على النقود‪ .‬وبعد ذلك ا�ضطر اىل الهرب من‬ ‫الدائنني بال�سفر اىل اخلارج يف عام ‪ 1865‬وبقي هناك‬ ‫حتى ع��ام ‪ .1871‬ويف ه��ذه ال�ف�ترة كتب خ�يرة �أعماله‬ ‫الروائية" اجلرمية والعقاب"(‪ )1866‬و"الأبله"(‪)1868‬‬ ‫و" املم�سو�سون"( ‪ )1870‬و" اليافع"(‪ .)1871‬ويف‬ ‫عام ‪ 1867‬ت��زوج دو�ستويف�سكي للمرة الثانية من �آنا‬ ‫�سنيتكينا ال�شابة الذكية التي �ساعدته كثريا يف تدبري‬ ‫ام��وره املالية واملعي�شية وا�ستن�ساخ رواي��ات��ه‪ .‬و ُرزق‬ ‫الزوجان �أربعة �أطفال (تويف اثنان منهم منذ ال�صغر)‪.‬‬ ‫وكان الكاتب قد بلغ ذروة ال�شهرة واجتاز مرحلة العوز‬ ‫والفقر‪ ،‬وبد�أ منذ عام ‪ 1873‬ب�إ�صدار " يوميات الكاتب"‬ ‫التي �ضمنها افكاره الفل�سفية وال�سيا�سية حول م�ستقبل‬ ‫رو�سيا‪ ،‬بيد ان روايته الأخ�يرة " الإخ��وة كارامازوف‬ ‫" تعترب من خرية ما �أبدعه قلم دو�ستوف�سكي‪ ،‬ون�شرت‬ ‫يف فرتة ‪ 1880 – 1876‬واعتربها النقاد جت�سيد ًا لنهج‬ ‫دو�ستويف�سكي يف احلياة‪ ،‬وينعك�س فيها ميل الكاتب �إىل‬

‫الأفكار الدينية التي الزمته حتى �آخر �أيام حياته‪.‬‬ ‫ويعترب خطابه لدى افتتاح ن�صب بو�شكني مبو�سكو يف‬ ‫عام ‪ 1880‬اي قبل وفاة الكاتب ب�ستة �أ�شهر مبثابة و�صية‬ ‫ور�سالة تتنب�أ مب�ستقبل رو�سيا‪ .‬ويف ‪ 28‬يناير‪ /‬كانون‬ ‫الثاين عام ‪ 1881‬انتقل اىل جوار ربه‪.‬‬ ‫وي�شري الباحثون اىل ان جميع �أعمال دو�ستويف�سكي‬ ‫تقريب ًا ت�صور مراحل معينة من حياته‪ .‬ومب��ا ان فرتة‬ ‫�شبابه كانت �صعبة للغاية ب�سبب النفي وال�سعي لك�سب‬ ‫الرزق ف�إن �أعماله الأدبية يف تلك الفرتة ت�صور الدراما‬ ‫االبدية للروح االن�سانية‪� ،‬أي عندما يجد الإن�سان نف�سه‬ ‫حما�صر ًا من جميع اجلهات كما لو مل يوجد مف ّر من الآالم‬ ‫�سوى االنتحار‪ ،‬لكنه يجد يف نهاية املطاف املخرج الذي‬ ‫يليق بكرامته‪ -‬ح�سب اعتقاده ‪ -‬حتى لو كان ب�إرتكاب‬ ‫جرمية القتل كما يفعل ذلك را�سكولنيكوف يف " اجلرمية‬ ‫والعقاب" او اجلندي يف " يوميات بيت املوتى"‪.‬‬ ‫ل�ق��د ُك��ر���س دو�ستويف�سكي ح�ي��ات��ه كلها حل��ل مع�ضلة‬ ‫وحيدة هي من هو الإن�سان؟ ولهذا �أثرت رواياته كثريا‬ ‫يف علم النف�س احلديث وعلم االجتماع‪ .‬وميكن القول‬ ‫جم��از ًا كما ي�صف ذلك نقوالي زيرنوف احد دار�سيه ان‬ ‫دو�ستويف�سكي يبدو كما لو عرث يف بيت يعرفه جيدا‬ ‫الكثري م��ن احل�ج��رات وامل �م��رات والأق�ب�ي��ة التي مل يكن‬ ‫ي�ع��رف ��ص��اح��ب ال�ب�ي��ت ب��وج��وده��ا او ح�ت��ى مل ت ��راوده‬ ‫ال�شكوك ب�ش�أنها �أ�ص ًال‪ ،‬وقد ا�ستطاع الكاتب ان يلج �أعمق‬ ‫الزوايا اخلفية للنف�س االن�سانية‪ ،‬التي مل ي�صل اليها من‬ ‫قبله اي كاتب �أو باحث‪.‬‬ ‫وي�ب��دو �أن بطل دو�ستويف�سكي ميتلك ب�خ�لاف �أبطال‬ ‫م�ؤلفات الك ّتاب الآخرين بُعد ًا رابع ًا‪� ،‬إذ ينق�صه التفكري‬ ‫الر�شيد و�صعوبة التنب�ؤ ب�أفعاله بقدر اكرب مما لدى �أبطال‬ ‫الروايات يف الع�صور ال�سابقة‪ .‬وال تنطبق على �أبطاله‬ ‫معايري " الإيجابي" �أو " ال�سلبي"‪ .‬وال ميكن و�صف بطله‬ ‫ب�أنه ذكي �أو غبي �أو ب�أنه رفيع الأخالق او عدمي الأخالق‬ ‫وحتى بالإن�سان الطيب او ال�شرير‪ .‬وبو�سعه القيام‬ ‫ب�أفعال بطولية والت�ضحية بالذات‪ ،‬ويف الوقت نف�سه قد‬ ‫يرتكب فعلة دنيئة وقا�سية‪� ،‬إنه يرتنح على �شفري الإثم‬ ‫واجلرمية لكنه ي�صبو اىل احلق واخلري‪.‬‬ ‫�إن حياة �أبطاله كلها تت�ألف من ال�صراع والتمزق بني‬ ‫اخل��وف والأم ��ل‪ .‬وت�ت�ن��ازع يف نفو�سهم م�شاعر احلب‬ ‫واحلقد واال�ستعداد لإغاثة الآخرين والرغبة يف �إيالمهم‪،‬‬ ‫وال ي�ستطيع اح��د التنب�ؤ مبا �سيفعلون الحقا‪ .‬وتبدو‬ ‫�شخ�صيات دو�ستويف�سكي لأول وهلة كاريكاتورية‪ ،‬ومن‬ ‫ال�صعب و�صفها بالطبيعية والعادية‪ ،‬لكن لدى الت�أمل يف‬ ‫الأم��ر بعمق جند ان ما يعذبهم من م�شاكل هي م�شاكل‬ ‫متيز الب�شر كافة‪.‬وان الإح�سا�س ب�أنها غري واقعية لدى‬ ‫ق��راءة �أعمال دو�ستويف�سكي ناجم عن الرتكيز ال�شديد‬ ‫لل�صراع النف�سي ال��ذي يعانيه البطل خالل فرتة زمنية‬ ‫حم��ددة‪ ،‬بينما يتوا�صل ه��ذا ال���ص��راع ل��دى النا�س يف‬ ‫احلياة العادية على مدى �سنوات طوال‪.‬‬ ‫�إن رواي��ات دو�ستويف�سكي تع ّري النف�س الب�شرية بكل‬ ‫تعقيداتها وتناق�ضاتها‪ ،‬وتك�شف فيها قوى اخلري وال�شر‬ ‫التي ن��ادر ًا ما يعرتف بها النا�س‪ ،‬كما �أنها تعترب نقطة‬ ‫انعطاف يف ت ��أري��خ احل���ض��ارة الإن�سانية حيث ق�ضى‬ ‫امل�ؤلف على تفا�ؤل �أ�صحاب النزعة الإن�سانية يف �أيامنا‬ ‫الذين يغم�ضون �أعينهم عن وجود جوانب قامتة وهدامة‬ ‫يف الطبيعة الب�شرية وي�صفون الإن�سان ب�أنه كائن ر�شيد‬ ‫�ال من التناق�ضات وميكن ان يبلغ ذرى التقدم لدى‬ ‫وخ� ٍ‬ ‫تربيته ب�صورة �سلمية وتهيئة ال�ظ��روف االجتماعية‬ ‫واالقت�صادية املنا�سبة له‪.‬‬ ‫* عن جملة نزوى ‪2005‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪4‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫‪5‬‬

‫الوجودية بين األدب والفلسفة‬ ‫د‪ .‬بُرهان �شاوي‬ ‫‪-1‬‬‫يف ع ��ام ‪� � 1909‬ص��در يف م��و��س�ك��و ك �ت��اب بعنوان‬ ‫(د�ستويف�سكي ونيت�شة) للمفكر الرو�سي والباحث‬ ‫الأدبي (�شي�ستوف) الذي اطلق فيه‪ ،‬ولأول مرة‪� ،‬صفة‬ ‫(الوجودية) على د�ستويف�سكي‪ ،‬م�ؤكدا ب��أن فل�سفة‬ ‫د�ستويف�سكي هي الرف�ض املطلق للعامل وعدم الثقة‬ ‫بامل�ستقبل‪ ،‬مثلما هي فل�سفة امل�أ�ساة والق�سوة‪ ،‬كما �أكد‬ ‫نظرته �إىل ( د�ستويف�سكي) باعتباره (وجوديا) يف‬ ‫كتابه الثاين الذي �صدر بعنوان( ت�أمل و�إلهام)‪،‬‬ ‫فهل كان د�ستويف�سكي (وجوديا) حقا؟‬ ‫‪-2‬‬‫يف مقالة (الفل�سفة وال�شعر) للفيل�سوف‬ ‫الأملاين (هانز‪.‬ج‪.‬غادامر) هناك مالحظتان‬ ‫متميزتا الأهمية‪� ،‬أولهما‪� :‬إن الفل�سفة القت‬ ‫حتديات متعددة خ�لال م�سريتها‪ ،‬ال�سيما‬ ‫م��ن قبل بع�ض الفال�سفة العظام �أمثال‪:‬‬ ‫ك�يرك�ي�ج��ورد ون�ي�ت���ش��ة‪ ،‬وغ�يره �م��ا‪ ،‬ممن‬ ‫مت��ردوا على ال��روح الأك��ادمي�ي��ة للفل�سفة‬ ‫ال �ت��ي ت��اه��ت ع�ن��دم��ا ت��وغ�ل��ت يف جم��االت‬ ‫البحث التاريخي‪ ،‬ويف �أروق��ة امل�شكالت‬ ‫املعرفية‪ ،‬ف�أغرتبت عن ذاتها‪ ،‬على الرغم‬ ‫م��ن �أن ال �ت �ح��دي الأك�ب��ر واج �ه �ه��ا حينما‬ ‫�سطعت جن��وم ج��دي��دة وك �ب�يرة يف �سماء‬ ‫الفكر فحجبت �أ�ضواء الفل�سفة‪ ،‬وكانت هذه‬ ‫النجوم ق��د �سطعت يف �سماء الأدب‪ ،‬ومن‬ ‫مدار الرواية بالتحديد‪ ،‬وهذه النجوم هي‪:‬‬ ‫�ستندال‪ ،‬بلزاك‪ ،‬زوال‪ ،‬غوغول‪ ،‬د�ستويف�سكي‬ ‫وتول�ستوي‪.‬‬ ‫وتعقيبا على هذه املالحظة ت�أتي املالحظة املهمة‬ ‫الثانية التي ت�ؤكد ب�أن الفل�سفة مل ت�سرتد عافيتها‬ ‫وم�صداقيتها �إال حينما اق�ترب فال�سفة (الوجود)‬ ‫�أم�ث��ال‪ :‬هايدجر‪،‬نيت�شة‪ ،‬كريكغورد‪ ،‬مريلوبونتي‪،‬‬ ‫يا�سربز‪ ،‬بجر�أة من حدود اللغة ال�شعرية‪.‬‬ ‫هاتان املالحظتان املهمتان ت�ؤكدان على �أن (جنوم‬ ‫الرواية) حجبوا �أ�ضواء الفال�سفة‪ ،‬ومن بني هاتيك‬ ‫النجوم جند (د�ستويف�سكي)‪ ،‬الذي نتوقف عنده يف‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫هذا املقال �إىل جانب ت�أكيد عودة العافية �إىل الفل�سفة‬ ‫حينما اقرتبت من اللغة ال�شعرية‪ ،‬بحيث تداخلت‬ ‫الفل�سفة واللغة ال�شعرية ف�صار الن�ص حمّال �أوجه‪،‬‬ ‫فمرة هو ن�ص فل�سفي‪ ،‬ومرة هو ن�ص �أدبي‪ .‬ولنا يف‬ ‫( هكذا تكلم زراد�شت) لنيت�شه املثال الأب��رز‪� ،‬إال �أننا‬ ‫�أردنا هنا‪ ،‬من خالل هاتني املالحظتني‪� ،‬أن ندخل �إىل‬ ‫�إ�شكالية الفل�سفة ( الوجودية) وحدودها بني ( الأدب)‬ ‫و(الفل�سفة)‪.‬‬ ‫‪-3‬‬‫حينما يتم تقومي (�سارتر) �أدبيا‪ ،‬مثال‪ ،‬فان الفل�سفة‬ ‫(الوجودية) هي الفنار والدليل ومفتاح احلل لفهمه‬ ‫وف�ه��م ع��امل��ه الأدب���ي‪ ،‬م��ن حيث �أن �سارتر فيل�سوف‬ ‫وج���ودي‪ ،‬باملعنى الأك��ادمي��ي والإ��ص�ط�لاح��ي لهذه‬ ‫ج�سد فهمه للوجود من خالل ن�صو�صه‬ ‫الكلمة‪ .‬وقد ّ‬ ‫الفل�سفية ال�صريحة‪ ،‬ويف مقدمتها ( الوجود والعدم)‪،‬‬ ‫�أما �أعماله الأدبية‪ ،‬م�سرحياته ورواياته وق�ص�صه‪،‬‬ ‫فهي ترجيعات و�أطياف ونب�ضات لتلك الفل�سفة التي‬ ‫كان ي�ؤمن بها‪.‬‬ ‫وكذا الأمر مع (كامو)‪ ،‬فال ميكن التعامل مع روايات‬ ‫(الغريب) و(الطاعون) و(املوت ال�سعيد) �أو م�سرحياته‬ ‫(كاليجوال) و( العادلون) من دون االعتماد على كتاب‬ ‫(�أ��س�ط��ورة �سيزيف)‪ ،‬ال��ذي هو ن�ص فل�سفي اقرتب‬ ‫�إىل ح��دود التماهي من اللغة ال�شعرية واملو�ضوع‬ ‫ال�شعري‪ ،‬وبالتايل لي�س غريبا �أن يتم التعامل مع‬ ‫(�سارتر) و(كامو) كفيل�سوفني (وجوديني)‪ ،‬لكن كيف‬ ‫الت�صقت �صفة ( الوجودية) بد�ستويف�سكي وهو مل‬ ‫يكتب �أي ن�ص فل�سفي مبا�شر‪ ،‬ومل يب�شر بالفل�سفة‬ ‫الوجودية؟!‬ ‫‪-4‬‬‫ت�سللت (الوجودية) �إىل الثقافة العربية املعا�صرة كـ‬ ‫(فل�سفة) من بوابة (الأدب) �أي�ضا‪ ،‬عرب ترجمات �أعمال‬ ‫(�سارتر) و(كامو) و(جربيل مار�سيل) و(ميرتلنك)‪،‬‬ ‫وغريهم‪ ،‬بل حتى (هكذا تكلم زراد�شت) لنيت�شه مت‬ ‫التعامل معه كن�ص �أدب��ي وج��ودي فائق ال�شاعرية‬ ‫�أكرث مما مت تفح�صه كن�ص فل�سفي‪ ،‬ومل يتم التعامل‬ ‫املبا�شر مع الفل�سفة (الوجودية) من خالل ن�صو�ص‬ ‫كبار فال�سفتها‪ ،‬فحتى الكتب التي ترجمت �إىل العربية‬ ‫كانت تبحث يف �شرح ت�ي��ارات الفل�سفة الوجودية‬

‫ول�ي����س ت��رج�م��ة ن�صو�صها م �ب��ا� �ش��رة‪ ،‬ن��اه�ي��ك �أننا‬ ‫تعرفنا على (الوجودية) من خالل النقد( املارك�سي)‬ ‫الدوغمائي الراف�ض لها باعتبارها تعبريا عن �أزمة‬ ‫ال�ف�ك��ر ال �ب��ورج��وازي ال �غ��رب��ي‪ ،‬وب��اع�ت�ب��اره��ا حركة‬ ‫م�شبوهة �أنتجتها دوائر الإ�ستخبارات الغربية حلرف‬ ‫ال�شبيبة عن خط الن�ضال ال�سيا�سي �ضد الر�أ�سمالية!‬ ‫فحتى الآن مل ترتجم �إىل العربية الن�صو�ص الفل�سفية‬ ‫(الأ�سا�سية) لكريكيغورد‪ ،‬هايدجر‪ ،‬يا�سربز‪ ،‬هو�سرل‪،‬‬ ‫وغ�يره��م‪ ،‬وم��ن هنا ف��ان (وج��ودي�ت�ن��ا) ه��ي وجودية‬ ‫(�أدبية)‪� ،‬أي �أنها تعتمد على ر�ؤى �أدبية‪ ،‬ولي�س لها‬ ‫�أ�سا�س فل�سفي نظري �صلد‪ ،‬ورمبا يكون( عبد الرحمن‬ ‫بدوي) �إ�ستثناءً‪ ،‬فقد تع ّرف على امل�صادر الأ�سا�سية‬ ‫لهذه الفل�سفة بلغاتها الأ�صلية! علما �أن الرتاث العربي‬ ‫تع ّرف على الوجودية بهذا املفهوم الأدب��ي من خالل‬ ‫بع�ض �أبيات معلقة (طرفة بن العبد) وخطبة (قي�س بن‬ ‫�ساعدة) و�أ�شعار املتنبي واحلالج!‬ ‫‪-5‬‬‫�إن مفهوم ( ال��وج��ودي��ة) يف ع�ل��وم الأدب ل��ه عالقة‬ ‫ب��امل�لام��ح ال�شعرية‪ ،‬وال�ع��زل��ة‪ ،‬وال �ن�برة امل�أ�ساوية‪،‬‬ ‫والتوحد بالوجود‪ ،‬واالغرتاب‪ ،‬ومن هنا فهي مفهوم‬ ‫ف�ضفا�ض‪ ،‬بينما (الوجودية) فل�سفة نظرية م�ؤ�س�سة‪،‬‬ ‫وت��وج��ه‪ ،‬و�أ��س�ئ�ل��ة‪ ،‬وم��و��ض��وع��ات حتت�ضن جوهر‬ ‫ال��وج��ود‪ ،‬بالرغم من �أن الباحث (ب��اول تيلخ) ي�ؤكد‬ ‫على �أن (الإح�سا�س الوجودي) بالعامل �سبق (الثورة‬ ‫الوجودية) التي (ب��د�أت) يف الأدب والفن من خالل‬ ‫التمرد على ثنائية الذات واملو�ضوع‪ ،‬وكرد فعل على‬ ‫احلتمية التاريخية‪� ،‬أي من خالل املواجهة بني القلق‬ ‫الوجودي والنظريات الباردة‪.‬‬ ‫�إن القا�سم امل�شرتك بني (ال��وج��ودي��ة) الفل�سفية هو‬ ‫مفهوم (الإن�سان)‪ ،‬حيث تطرح الفل�سفة(الوجودية)‬ ‫م�صري الإن�سان الفرد‪ ،‬بل ومعنى الوجود الب�شري‬ ‫ككل‪ ،‬كق�ضية مركزية وحمورية‪ .‬ومن هنا كان التقارب‬ ‫بني (د�ستويف�سكي) و(ال��وج��ودي��ة)‪ ،‬بل �إن احلديث‬ ‫عن (وجودية) د�ستويف�سكي يُق�صد به تناوله مل�س�ألة‬ ‫�أزمة الوجود الب�شري‪ ،‬ومن هنا يرى الباحث (فالرت‬ ‫كوفمان)‪ ،‬وهو من املفكرين املتخ�ص�صني بالفل�سفة‬ ‫الوجودية يف كتابه (الوجودية من د�ستويف�سكي �إىل‬ ‫�سارتر) ب�أن �أعمال د�ستويف�سكي هي مدخل �إىل الفل�سفة‬

‫ال��وج��ودي��ة‪ ،‬وبالتحديد تيار (ال��وج��ودي��ة امل�ؤمنة)‪،‬‬ ‫وي�ضعه �إىل جانب جربيل ملر�سيل وبرغ�سون‪.‬‬ ‫‪-6‬‬‫بع�ض املتخ�ص�صني بالفل�سفة الوجودية يرف�ض اعتبار‬ ‫د�ستويف�سكي (وج��ودي��ا)‪ ،‬والكثري منهم ال يرف�ض‬ ‫لكن يرتدد يف القبول‪ ،‬ومن بني الراف�ضني العتباره‬ ‫(وجوديا) هي الباحثة الأدبية الرو�سية (�آ‪ .‬التينيا)‬ ‫التي ت��رى ب ��أن ك��ل ق�ضية ل��دى د�ستويف�سكي ميكن‬ ‫ب�سهولة �إيجاد نقي�ض لها‪ ،‬وعند د�ستويف�سكي نف�سه‪.‬‬ ‫فبطل (اجلرمية والعقاب) املدعو (را�سكولنيكوف)‪،‬‬ ‫املتطرف �إىل �أق�صى حدود احلرية‪ ،‬واملتمرد بعنف‪،‬‬ ‫وامل�شحون بالقلق الوجودي‪ ،‬لي�س بطال (وجوديا)‪،‬‬ ‫فهو لي�س مثل (مري�سو) بطل رواية (الغريب) لكامو‪،‬‬ ‫فهو يت�أمل ويتعذب‪ ،‬ال من ظلم املجتمع‪ ،‬و�إمنا لأنه عُزل‬ ‫روحيا عن الإن�سانية‪ ،‬كما �أن��ه ال ي�شعر بالالمباالة‬ ‫التي يت�سم بها �أب�ط��ال �سارتر وك��ام��و‪� ،‬إذ �أن �أبطال‬ ‫د�ستويف�سكي (م�أ�ساويون) لأنهم يعون �أن متردهم‬ ‫ال جدوى منه‪ ،‬فامل�صري معد �سلفا‪ ،‬ك�أبطال الرتاجيديا‬ ‫اليونانية‪.‬‬ ‫ه��ذه امل�لاح�ظ��ة �أك��ده��ا ال�ب��اح��ث الأدب���ي (غ��و���س) يف‬ ‫كتابه املهم (د�ستويف�سكي وتول�ستوي)‪ ،‬فهو يرى‬ ‫ب�أن تول�ستوي كاتب (ملحمي) يذكرنا بهومريو�س‪،‬‬ ‫بينما د�ستويف�سكي كاتب (تراجيدي) يذكرنا بكتاب‬ ‫الرتاجيديا اليونانية �أمثال �سوفكلي�س و�إ�سخيلو�س‬ ‫ويوربيد�س‪� ،‬إذ �أن �أبطاله يتمردون على م�صريهم‬ ‫الذي ال ي�ستطيعون �أن يغريوه‪ ،‬لأنه �أُعد لهم �سلف ًا من‬ ‫قبل قوى الغيب‪.‬‬ ‫‪-7‬‬‫ه �ن��اك م�لاح�ظ��ة م�ه�م��ة للمفكر ال��رو� �س��ي (نيقوالي‬ ‫بردياييف) ي�ؤكد فيها ب��أن الفكر الفل�سفي الرو�سي‬ ‫ب�شكل عام‪ ،‬واملعرفة الفل�سفية ب�شكل خا�ص‪ ،‬هما فكر‬ ‫ومعرفة روحية يتحد فيهما العقل والإرادة والعاطفة‪،‬‬ ‫وتخلو من التمزق العقالين‪ ،‬و�أن د�ستويف�سكي هو‬ ‫�أعظم من ج�سد هذه املعرفة الروحية‪ ،‬ومن هنا فقد‬ ‫كان يعتربه �أعظم ميتافيزيقي رو�سي‪ ،‬و�أكرب وجودي‪،‬‬ ‫بل �إنه ي�ؤكد ب�أنه مع د�ستويف�سكي يبد�أ ع�صر جديد‬ ‫يف تاريخ �إكت�شاف �أعماق الإن�سان‪ ،‬فلم يعد تاريخ‬ ‫الأعماق الإن�سانية كما كان قبل د�ستويف�سكي‪ ،‬و�أن‬

‫(نيت�شه) و(ك�يرك�غ��ورد) وحدهما ميكن �أن ي�شاركا‬ ‫د�ستويف�سكي جمد ريادة هذا الع�صر اجلديد‪.‬‬ ‫جوهر اكت�شاف د�ستويف�سكي كما يرى (بردياييف)‬ ‫ه��و �أن الإن���س��ان كائن متناق�ض‪ ،‬م��أ��س��اوي‪ ،‬تعي�س‬ ‫و�شقي‪ ،‬وه��و لي�س معذبا وح�سب‪ ،‬و�إمن��ا هو يحب‬ ‫الأمل وامل�ع��ان��اة �أي���ض��ا‪ ،‬ب��رغ��م �أن ار�سطو يف كتابه‬ ‫(ف��ن ال�شعرية) تو�صل �إىل ه��ذه الق�ضية قبل انتباه‬ ‫(ب��ردي��اي �ي��ف) ل �ت �ن��اول د�ستويف�سكي ل �ه��ا‪ ،‬ال�سيما‬ ‫حينما نتوقف عند عملية (التطهري) حلظة م�شاهدة‬ ‫(الرتاجيديا)‪.‬‬ ‫‪-8‬‬‫املفكر والباحث (�شي�ستوف) كان يرى ب�أن الف�ضيلة‬ ‫الكربى للفل�سفة (الوجودية) هي �أنها و�ضعت الإن�سان‬ ‫يف مركز الفل�سفة‪ ،‬وطرحت ق�ضية امل�صري الب�شري‬ ‫ال �ف��ردي ب�صراحة مرعبة وي ��أ���س ك�ب�ير‪ ،‬كما �أعطت‬ ‫اجل��واب عن هذه الق�ضية يف �أن موقف الإن�سان من‬ ‫العامل هو موقف عبثي‪ ،‬وال خمرج من م�أ�ساة الوجود‪،‬‬ ‫كما �أن التطور االجتماعي والتكنولوجي ال يحل هذه‬ ‫الإ�شكالية‪ ،‬و�إمنا يواجه الإن�سان مع هذه امل�أ�ساة �أكرث‪،‬‬ ‫و�أن الأخ�لاق عاجزة عن حل هذه الإ�شكالية �أي�ضا‪،‬‬ ‫برغم �أن (�شي�ستوف) ينتبه �إىل ق�ضية مهمة عند‬ ‫(د�ستويف�سكي)‪� ،‬أال وهي انهيار النزعة الأخالقية‪،‬‬ ‫وما موقف ( �إيفان كارومازوف) املتج�سد يف التمرد‬ ‫على الأديان والنب�ؤات امل�سيحية بقيام مملكة امل�سيح‬ ‫على الأر�ض‪ ،‬ورف�ض النظريات الطوباوية يف التقدم‬ ‫الإج�ت�م��اع��ي والإن �� �س��اين‪� ،‬إال مواجهة ب�ين الأخ�ل�اق‬ ‫امل�سيحية املتجلية يف �شخ�صية الأخ الأ�صغر (اليو�شا)‬ ‫وبني عجز الأخ�لاق عن موا�ساة الإن�سان‪ ،‬مما دفعه‬ ‫لتفجري م�شاعر الق�سوة والكراهية �ضد الإن�سان الفرد‪،‬‬ ‫�أو الب�شرية جمعاء‪.‬‬ ‫الباحثة (التينيا) ت��رد على ط��روح��ات (�شي�ستوف)‬ ‫م�ؤكدة على �أن د�ستويف�سكي قدّم نقدا للعقل وللوجود‬ ‫الإن�ساين‪ ،‬لكنه مل يجد احلل يف العبث الوجودي وال‬ ‫يف االنتحار‪� .‬صحيح �أن بع�ض �أبطاله ينتحرون هربا‬ ‫من الظلمات الباردة يف الأعماق‪ ،‬ومن الي�أ�س‪ ،‬فاحلياة‬ ‫بالن�سبة �إىل ه�ؤالء هي �أمل وخوف‪ ،‬لكن د�ستويف�سكي‬ ‫كان يحت�ضن هذا الأمل املدمر لدى �أبطاله بكل حنان‬ ‫وتعاطف و�شفقة و�سمو �إن�ساين‪.‬‬

‫‪-9‬‬‫يف الأدب العربي ميكن التوقف ب�إمعان عند بع�ض‬ ‫ال �ت �ج��ارب الإب��داع �ي��ة ال���ش�ع��ري��ة امل���ش�ح��ون��ة بالقلق‬ ‫الوجودي مثل جتارب حممود الربيكان‪� ،‬صالح عبد‬ ‫ال�صبور‪ ،‬خليل حاوي‪� ،‬إيليا ابو ما�ضي‪ ،‬وقبلهم‬ ‫كما �أ�سلفت يف ال�ت�راث‪ :‬ط��رف��ة ب��ن العبد‪ ،‬املتنبي‪،‬‬ ‫احل�ل�اج‪ ،‬واب ��ن ع��رب��ي‪ ،‬وال �ن �ف��ري‪ ،‬واب ��ن الفار�ض‪،‬‬ ‫وغريهم‪ ،‬التي ت�ضعنا �أمام خط التما�س بني ( الفل�سفة‬ ‫الوجودية) وبني (اللغة ال�شعرية) التي حتدث عنها‬ ‫(هانز غادامر) يف مقالته ( ال�شعر والفل�سفة)‪ ،‬ورمبا‬ ‫جن��د ح�شدا م��ن (الأب �ط��ال ال��وج��ودي�ين) يف الرواية‬ ‫العربية �أي���ض��ا‪ ،‬ال�سيما عند جنيب حم�ف��وظ‪ ،‬ف�ؤاد‬ ‫التكريل‪ ،‬وغريهم‪.‬‬ ‫و�إذا م��ا كانت (جن��وم ال��رواي��ة) ق��د حجبت �أ�ضواء‬ ‫ال�ف�لا��س�ف��ة يف ال�ث�ق��اف��ة ال�غ��رب�ي��ة‪ ،‬ح�سب طروحات‬ ‫(غ��ادام��ر)‪ ،‬ف ��إن جن��وم ال��رواي��ة العربية مل يحجبوا‬ ‫ال �ن��ور ع��ن �أي فيل�سوف يف ط��ول ال �ب�لاد العربية‬ ‫وعر�ضها لأنهم غري موجودين �أ�صال!‬ ‫و�إذا ما كانت عظمة (ال��رواي��ة الأورب�ي��ة) قد �أت��ت من‬ ‫خالل الأ�سئلة التي طرحتها حول امل�صري الإن�ساين‪،‬‬ ‫ومعنى الوجود‪ ،‬ودور الفرد يف التاريخ‪ ،‬فمهدت بذلك‬ ‫الطريق �أمام الفكر الفل�سفي الالحق‪ ،‬و�أمام الفل�سفة‬ ‫ال��وج��ودي��ة خ�صو�صا‪ ،‬ف ��أن ال��رواي��ة العربية ب�شكل‬ ‫عام مل ت�صل �إىل هذه املرحلة بعد �أو ب�شكل �أدق‪ ،‬مل‬ ‫متهد بعد لظهور فل�سفة �أو فال�سفة �أو حتى لأية حركة‬ ‫فكرية‪ ،‬بل وال حتى لأية حركة نقدية �أدبية متجذرة‬ ‫ووا�ضحة املعامل‪ ،‬وك�أمنا املجتمعات العربية والثقافة‬ ‫العربية قد قدت من حجر‪ ،‬فالنقد الأدب��ي يف الثقافة‬ ‫العربية يراوح �ضمن مدار التجارب النقدية والفكرية‬ ‫الفردية‪ ،‬ورمب��ا تكمن (العلة) يف م�ستوى الرواية‬ ‫العربية وعمقها‪� ،‬أو يف (�سكونية) الفكر العربي‬ ‫املعا�صر‪ ،‬ويف (تخلف) البنى الإجتماعية وال�سيا�سية‬ ‫واالقت�صادية للمجتمعات العربية‪ ،‬ول�سطوة الرتاث‪،‬‬ ‫وهيمنة الدين‪� ،‬أو رمبا مل يحن الوقت لذلك بعد‪.‬‬

‫* �سبق لهذا البحث ان ن�شر على‬ ‫موقع ايالف العام املا�ضي‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪6‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫دوس���������ت���������وي���������ف���������س���������ك���������ي‬ ‫وم�����������ه�����������م�����������ة ال�������ب�������ح�������ث‬ ‫ع������ن اإلن�������س�������ان ف������ي اإلن�����س�����ان‬ ‫عن دار جامعة برن�ستون الأمريكية �صدر كتاب ميلك الطموح املو�سوعي و�أظنها املرة الأوىل التي جتري فيها حماولة طرح كامل �أفكار وجتارب وكتابات‬ ‫فيدور دو�ستويف�سكي �أمام القارئ الغربي خا�صة‪ .‬ومعروفة هنا الكمائن التي يقع فيها م�ؤرخو الأدب عادة‪� ،‬إال �أن هذا الكتاب لي�س بت�أريخ للأدب بل كما قال‬ ‫عنه النقاد هنا وهناك ب�أنه رواية ‪ -‬موزائيك �صنعت من قطع �صغرية ملونة ذات قيم متفاوتة‪ .‬فنحن نلقى‪ ،‬على ال�سواء‪ ،‬تف�سريات لأعمال دو�ستويف�سكي‬ ‫مقربة خ�صو�صية و حتليال لل�سرد الروائي و ق�ضايا الالهوت الأرثوذك�سي‪ ،‬كذلك �شغلت حيزا لي�س‬ ‫وبورتريهات ب�سيكولوجية خلليالته وبيوغرافيا �أدبية و�أخرى ّ‬ ‫بال�صغريالأجوبة على تلك ( الأ�سئلة اللعينة ) التي �صارعها الرو�سي طوال حياته‪.‬‬

‫عدنان املبارك‬ ‫كاتب عراقي مقيم يف الدمنارك‬

‫واجل ��زء الأول م��ن ال�ك�ت��اب ب�ع�ن��وان ( بذور‬ ‫التمرد ) كر�سه امل�ؤلف جوزيف فرانك لفرتة‬ ‫م��ن حياة دو�ستويف�سكي ب�ين �أع ��وام ‪1821‬‬ ‫و‪ 1849‬التي �شملت بداياته الكتابية حني كان‬ ‫يحلم بالت�أليف للم�سرح ( كتب حينها م�سرحية‬ ‫"اليهودي يانكيل" املفقودة ) ويقلد الكثريين‬ ‫من الك ّتاب واليعرف �أيّ واحد منهم �سيقتفي‬ ‫خ �ط��وات��ه‪ :‬غ��وغ��ول‪ ،‬ه��وف �م��ان‪� ،‬شيللر‪ ،‬بو‪،‬‬ ‫را�سني‪ ،‬هوغو‪ ،‬يوجني �سو‪...‬‬ ‫وي�ق��ف امل ��ؤل��ف عند ك�ت��اب��ات دو�ستويف�سكي‬ ‫ككاتب تعليقات ق�صرية ك�شفت ع��ن موهبة‬ ‫الباروديا واملحاكاة ال�ساخرة اال �أنها كانت‬ ‫حمرومة من احل�س الفل�سفي‪ .‬فر�سائله من تلك‬ ‫الفرتة تك�شف عن �أن الدين وامليتافيزيقا لي�سا‬ ‫بالأمور التي ت�شغل باله‪ .‬ويكتب حينها اىل‬ ‫�شقيقه ميخائيل‪ ( :‬هل قر�أت كتب �شاتوبريان‬ ‫( عبقرية امل�سيحية ) ؟ �أرج ��وك �أن تلخ�ص‬ ‫يل الفكرة الرئي�سة وعلى �أي �شيء تعتمد )‪.‬‬ ‫ويف ال�سنوات التالية كانت املفاهيم الفل�سفية‬ ‫وال�لاه��وت�ي��ة ( ملخ�صة ) على ي��د الآخرين‪،‬‬ ‫حينها كانت تظهر رواي��ات��ه ب�أ�شكال غريبة‬ ‫وغروت�سكية �ضاع فيها مي�سم الكاتب بالفعل‪.‬‬ ‫ويبني فرانك �أن ر�سائل دو�ستويف�سكي الأوىل‬

‫هي فو�ضى للمفاهيم والأح�لام وال�شخو�ص‬ ‫الأدبية واملطامح واملطالعات التي مل تعرف‬ ‫ال�ت�ن���س�ي��ق يف ذه ��ن ال �ك��ات��ب ال �� �ش��اب‪ .‬ويف‬ ‫ع��ام ‪ 1838‬يكتب اىل �شقيقه معلنا‪ (:‬لديّ‬ ‫خطة معينة يف احل �ي��اة‪�� :‬س��أك��ون جمنونا‪،‬‬ ‫ولي�ضعوين يف امل�ست�شفى وليفح�صوين‬ ‫وي �ع��اجل��وين‪ .‬ول�نر �إذا ك��ان��وا ق��ادري��ن على‬ ‫�إ�شفائي)‪ .‬واخلطط ذاتها كانت تع�شع�ش يف‬ ‫ر�أ���س الراوية من ( حمقرون ومهانون ) ذلك‬ ‫الأدي��ب الفا�شل ال��ذي يحلم ب�إنبعاثه روائيا‬ ‫عظيما يف دار امل �ج��ان�ين‪ .‬ول��وح���ص��ل وكان‬ ‫يف تلك الأربعينات نزيال يف مثل تلك الدار‬ ‫لأف��اد الت�شخي�ص الطبي مبعاناة من ت�ضخم‬ ‫رومان�سي بالغ وطموح مهوو�س يف الو�صول‬ ‫اىل �إح��دى ذرى الأدب‪ .‬ويكتب اىل �شقيقه‪:‬‬ ‫( لقد و�صلت اىل نتيجة هي �أن هومريو�س‬ ‫الأ��س�ط��وري �شبيه للغاية بامل�سيح‪� ،‬إن��ه ربّ‬ ‫جم�سّ د �أر�سل لتحرير الب�شرية‪� .‬إذن ال ينبغي‬ ‫مقارنة هومريو�س بغيته‪ ،‬بل بامل�سيح)‪ .‬وبذات‬ ‫اللهجة يتكلم عن �شخ�صية �شك�سبري ( الإلهية )‪.‬‬ ‫بالطبع ال �صلة لهذه ( الإ�ستنتاجات ) بالهوت‬ ‫الكني�سة الأرثوذك�سية التي بحثت الأكرثية‬ ‫فيه عن املفتاح لفك �أ��س��رار دو�ستويف�سكي‪.‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫وي ��رى امل���ؤل��ف الأم��ري �ك��ي �أن الربوف�سور‬ ‫الإنكليزي �سريغي هاكيل على �صواب حني‬ ‫كتب عن �إمي��ان دو�ستويف�سكي غري املح ّد د‪،‬‬ ‫فهل كان �أورثوذك�سيا �أم �آخر؟ ويف الواقع كان‬ ‫دو�ستويف�سكي ال�شاب مغرما ب�شك�سبري من‬ ‫جهة‪ ،‬ومن جهة �أخ��رى بالفودفيل وكوميديا‬ ‫ديالرته و( تلك العائلة اخلبيثة ملهرجي م�سرح‬ ‫" باواغان ‪ -‬الفو�ضى " الرو�سي )‪ .‬وكان قد‬ ‫ع��رف حينها مبيله ال �ق��وي اىل امليلودراما‬ ‫التي تدور �أحداثها يف خمادع الأم��راء‪ .‬ومن‬ ‫ناحية �أخ��رى كانت جتذبه كامل�أخوذ عرو�ض‬ ‫املهرجني واحل��واة وامل�صارعني وغريهم من‬ ‫فناين ال�شارع‪� .‬إن ق�ص�صه املبكرة التي �صاغها‬ ‫يف رواية ( زوجة �آخر وزوج حتت الفرا�ش )‬ ‫ال تتكلم‪ ،‬بالت�أكيد‪ ،‬عن غيبيات الأرثوذك�سية‪،‬‬ ‫فالإهتمام من�صب على ( ريربتوار) عرو�ض‬ ‫ال�ف��ودف�ي��ل البطر�سبورغية ال�ت��ي نعرث فيها‬ ‫على ع�ن��اوي��ن م�شابهة‪ ( :‬ال ��زوج والزوجة‬ ‫وال�صديق ) �أو ( الزوج يف املدخنة والزوجة‬ ‫يف زي��ارة )‪ .‬وثمة �إحتمال �ضعيف ب�أن يقوم‬ ‫�أح ��د‪ ،‬ع��دا املتخ�ص�صني‪ ،‬مبطالعة رواي ��ات‬ ‫دو�ستويف�سكي من تلك ال�ف�ترة‪ .‬فبعد قراءة‬ ‫( الأب �ل��ه ) و ( الأبال�سة ) مثال يخيل للمرء‬

‫�أن��ه م��ن غ�ير املعقول �أن كاتبها ه��و م��ؤل��ف (‬ ‫الل�ص ال�شريف ) و( ال�سيد بروخارت�شني )‬ ‫و( بوزونكوف )‪� ،‬إال �أن الفرتة ذاتها جاءت‬ ‫ب�أعمال مثل ( الليايل البي�ض) وتلك الق�صة‬ ‫الطويلة الغروت�سكية (ال�شبيه) التي‬ ‫�أ��س�م��اه��ا ب��اخ�ت�ين باملحاولة‬ ‫الأوىل مل�سرحة الذات‪.‬‬ ‫وم� � �ع�� ��روف�� ��ة ك �ل �م��ة‬ ‫د و �ستو يف�سكي‬ ‫ع�� ��ن ( ال��ب��ح��ث‬ ‫ع� ��ن الإن� ��� �س ��ان‬ ‫يف الإن �� �س��ان )‬ ‫كهدف للتجربة‬ ‫الأدب�� � � � �ي� � � � ��ة‪.‬‬ ‫ويف ال ��واق ��ع‬ ‫ت �ع��ر� �ض��ت هذه‬ ‫الكلمة‪ ،‬عرب عقود‬ ‫ط ��وال‪ ،‬اىل �سوء‬ ‫ف �ه��م ( ويف �أح �ي��ان‬ ‫ع��دة اىل ال�ت�ح��ري��ف )‪.‬‬ ‫�إذ عوملت كم�ؤ�شر وبيان‬ ‫ل�ل�ك��ات��ب ال��رو� �س��ي عن‬ ‫�إن �� �س �ي �ت��ه و�إمي ��ان ��ه‬

‫بالإن�سان ال��ذي ال يفقد حتى �إذا كان يف قعر‬ ‫الهاوية‪ ،‬وجهه الإن�ساين‪..‬وبر�أيي يبدو �أكرث‬ ‫�إقناعا ما قاله باختني عن �شعرية منهج التعامل‬ ‫الدرامي ل�شخو�ص( ال�شبيهني ) املتخفية وراء‬ ‫الأنا العليا لذات دو�ستويف�سكي‪.‬‬ ‫ويكتب دو�ستويف�سكي املعلق ورا�صد اخبار‬ ‫مدينة بطر�سبورغ الذي يتقدم للقارئ كمراقب‬ ‫�ساخر وحامل غارق بامليالنخوليا‪ ( :‬الثنائية‪،‬‬ ‫القناع‪� .‬إنها لعبة ت�ستحق الإدان��ة‪ ،‬لكن الرب‬ ‫�شاهد �أيها ال�سادة ب��أن حالنا �ستكون �أ�سو�أ‬ ‫ب�ك�ث�ير �إذا ك���ش��ف ك��ل واح ��د م�ن��ا ع��ن وجهه‬ ‫احلقيقي )‪ .‬ولي�س ب�صدفة �أن �سمى كاتب هذه‬ ‫التعليقات نف�سه بـ( املت�سكع ) �أي ذلك الإن�سان‬ ‫ال�ه��ائ��م على وج�ه��ه يف �ضباب ا�صفر ملدينة‬ ‫�شبحية‪� ..‬إ ن قناع هذا ( املت�سكع ) هو �أول‬ ‫قناع من بني �أقنعة الرو�سي العديدة‪ .‬وكانت‬ ‫هناك خطته يف �إ��ص��دار �سل�سلة من ق�ص�صه‬ ‫املبكرة حتت عنوان متميز ( مالحظات رجل‬ ‫غريب )‪ ،‬وبطلها راوية جمهول الهوية وكل ما‬ ‫نعرفه عنه �أنه واحد من مت�شردي بطر�سبورغ‬ ‫ي�سرتق ال�سمع لق�ص�ص الآخرين‪� .‬أما ق�صته‬ ‫فتبقى جمهولة الأم��ر ال��ذي يذكرنا بعدد من‬ ‫�شخ�صيات دو�ستويف�سكي امل �ت ��أخ��رة التي‬ ‫متثل الإن�سان احلامل‪ .‬و�ش�أن كل مت�سكع يكون‬ ‫هذا كائنا غام�ضا معلقا يف الأث�ير ال يخ�ضع‬ ‫لقاعدة البداية والنهاية‪ ،‬بعبارة �أخ��رى هو‬ ‫�إن�سان من دون خ�صي�صة وبيوغرافيا حتى �أن‬ ‫دو�ستويف�سكي يحرمه من اجلن�س‪ .‬ويقول يف‬ ‫تعليق له �إن احلامل هو ( من جن�س غري م�ؤنث‬ ‫وال مذكر‪ ،‬كما �أنه ال ينتمي‪ ،‬يف احلقيقة‪ ،‬اىل‬ ‫اجلن�س الب�شري )‪ .‬ويجد امل�ؤلف الأمريكي �أن‬ ‫�شخو�صا مثل احلامل و( املت�سكع ) هي �إ�سقاط‬ ‫ب�صورة م��ا‪ ،‬وم��ن ن��وع ( ال�سخرية الذاتية )‬ ‫لد�ستويف�سكي ال���ش��اب‪ ،‬ي�سمح لنا بتوجيه‬ ‫ال�س�ؤال الذي كرره ملرات كثرية بنف�سه‪ :‬ب�أي‬ ‫�شيء يحلم هذا احل��امل ؟ �أكيد �أن م��ادة احللم‬ ‫هي ذلك الإح�سا�س ال��ذي �أ�سماه بودلري مرة‬ ‫ب��ال �� �س��وداوي��ة‪ ،‬وامل�ي�لان�خ��ول�ي��ا‪ .‬ك��ذل��ك هناك‬ ‫الوعي ب�إنهيار الأح�لام‪� ،‬أح�لام الو�صول اىل‬ ‫القمة الأدب�ي��ة‪ .‬وكل هذا �أول��د �أحالما جديدة‬ ‫يف نف�س الكاتب ال�شاب ميكن ت�سميتها ب�أحالم‬ ‫اخلروج من الوجود الالفعلي لذلك الكويتب‬ ‫م��ن �صحف ب�ط��ر��س�ب��ورغ و م��ن ث��م مواجهة‬ ‫الواقع العاري‪ .‬ويف احلقيقة �سيتحقق هذا‬ ‫احللم يف القريب‪ ،‬لكن لي�س يف دار املجانني‪،‬‬ ‫بل يف �أ�صقاع �سيبرييا‪ ...‬ويت�ساءل فرانك‪� :‬أمل‬ ‫يكن الإ�شرتاك يف تلك امل�ؤامرة هو اخلطوة‬ ‫الأوىل يف البحث عن الق�صة الذاتية والنداء‬ ‫املطالب ببيوغرافيا ؟‬ ‫وال�س�ؤال ال�ت��ايل‪ :‬هل ك��ان النفي ال�سيبريي‬ ‫امل�ك��ان ال�ث��اين ل��والدة الكاتب ؟ وه��ل �أ�صبح‬ ‫( بيت املوتى ) كما يقول امل�ؤلف الأمريكي‪،‬‬ ‫جتربة النار‪ ،‬نار الواقع وحتوّ ل ذلك ( املت�سكع‬ ‫) اىل معذب املنفى ال�سيبريي �أي ذلك الكاتب‬ ‫ذي الطموحات امليتافيزيقية واملتعامل مع‬ ‫التجاوزي؟ ويف احلقيقة ثمة بون كبري للغاية‬ ‫بني املنفي دو�ستويف�سكي ذلك النبي القومي‬ ‫احلائز على اجلوائز التقديرية‬ ‫و( ندمي ال�سلطان ) الذي‬ ‫ي �� �س �ج��ل ح �� �ض��وره‬ ‫اليومي يف بالط‬ ‫ال��ق��ي�����ص��ر‪ ،‬و‬ ‫بني ال�صديق‬ ‫احل�م�ي��م لـ(‬ ‫امل� �ف� �ت� �� ��ش‬ ‫ال� �ك� �ب�ي�ر )‬ ‫ا حلقيقي‬ ‫ال ��ذي كان‬ ‫امل� � ��دع� � ��ي‬ ‫ال � � � � �ع� � � � ��ام‬ ‫ال � ��ره� � �ي � ��ب‬ ‫لل�سنو د �س‬ ‫امل� � � �ق � � ��د� � � ��س‬ ‫كو ن�ستا نتني‬

‫بوبيدونو�شيف‪� ،‬إال �أن دو�ستويف�سكي مل يكف‬ ‫عن التباهي بنفيه ال�سيبريي ( غالبا كان يرى‬ ‫الآخرين �آثار ال�سال�سل يف قدميه )‪ .‬ومعلوم‬ ‫�أن �أ� �س �ط��ورة امل ��وت ال�سيبريي والإنبعاث‬ ‫اجلديد يعرفها جيدا ت�أريخ الأدب الرو�سي‪.‬‬ ‫وع ��ن ه ��ذا ال �ت �ح��وّ ل �أم � ��ام ج� ��دار امل� ��وت لن‬ ‫نعرف �شيئا اىل الأبد‪ ،‬ولكن ما نعرفه هو �أن‬ ‫دو�ستويف�سكي مل يكف عن الكتابة يف زنزانة‬ ‫قلعة بييرتوبافلوف‪ ،‬وك��ان عذابه احلقيقي‬ ‫مبعثه حظر الكتابة والقراءة عليه يف �سجن‬ ‫( �أوم�سك)‪ .‬ومثل هذا ال�صمت الإرغامي �إمتد‬ ‫خلم�س �سنوات‪.‬‬ ‫وكما يقول امل�ؤلف الأمريكي كان طوق النجاة‬ ‫هناك تلك ( الكتابة الداخلية ) وتدريب الذاكرة‬ ‫واملخيلة على ف��ن الت�شييد وخلق �شخو�ص‬ ‫وهمية و عقد بالغة ال�صعوبة‪ .‬و�صارت ذاكرة‬ ‫دو�ستويف�سكي‪ -‬الكاتب اخلارقة‪ ،‬فيما بعد‪،‬‬ ‫م�ضرب الأمثال‪� ،‬إال �أنها �إلتهمت ذاكرة الأمور‬ ‫اليومية و‪ ...‬ن�سيان الديون امل�ستحقة �أو �إ�سم‬ ‫الزوجة �أو عدم التعرف على وجوه �أ�صدقاء‬ ‫قدماء‪.‬‬ ‫ل �ق��د �أ� �ص �ب �ح��ت امل �� �ش��اه��د امل �� �س��رح �ي��ة وتلك‬ ‫التعليقات ال�صحفية ال�ساخرة مدر�سة �أدبية‬ ‫لدو�ستويف�سكي املبكر‪ ،‬ومثلما كان ت�أريخ الأدب‬ ‫يعامل الفرتة التي �سبقت الإعتقال والتحقيق‬ ‫وم�سرحية الإع��دام والعفو كاملدر�سة الأوىل‬ ‫للكاتب‪ .‬ويف ال��واق��ع كانت حياة املنفى قد‬ ‫�أيقظت‪ ،‬لأكرب درجة‪ ،‬خميلة الكاتب الدرامية‪،‬‬ ‫حينها ظهرت ر�ؤيا امل�سرح التلقائي الذي نلقى‬ ‫�إ�شارات له يف امل�شهد ال�صامت للموت والبعث‬ ‫يف متثيل ال�سجناء الهواة والتي جاء ذكرها‬ ‫يف ( بيت املوتى )‪ .‬وخطط دو�ستويف�سكي‬ ‫حول ت�أليف الكوميديات والرتاجيديات التي‬ ‫و�ضعها فور عودته من املنفى مل تتحقق ابدا‪.‬‬ ‫وكما الح��ظ �ألبري كامي حني ق�دّم ( الأبال�سة‬ ‫) يف امل�سرح الباري�سي‪ ،‬ف�إن ح�ضور و�سائل‬ ‫التعبري امل�سرحية مينح رواية دو�ستويف�سكي‬ ‫ط��اب�ع��ا ف��ري��دا ل �ـ ( امل���س��رح�ي��ات الفل�سفية )‪.‬‬ ‫وي �ت �ن��اول اجل���زء ال �ث��ال��ث م��ن مونوغرافيا‬ ‫فرانك ( قلق التحرير ‪ ) 1865- 1860‬عودة‬ ‫دو�ستويف�سكي اىل الت�أليف الأدب��ي وقيامه‬ ‫ب�أداء دور بطل غوغول ( املفت�ش العام ) على‬ ‫امل�سرح‪ .‬وبعدها بع�شر �سنوات ونيف يكتب‬ ‫خم��رج تلك امل�سرحية بيوتر فينربغ‪ ( :‬يف‬ ‫دو�ستويف�سكي ك��ان��ت تكمن موهبة املمثل‬ ‫الكوميدي‪ .‬كان قادرا على �أن يثري عا�صفة من‬ ‫ال�ضحك الغوغويل )‪ .‬و ذات املالحظة نلقاها‬ ‫يف ذك��ري��ات �سكرتريته وزوج�ت��ه التي كانت‬ ‫تده�شها مقدرته على تقليد �أ��ص��وات �أبطاله‬ ‫الوهميني‪ .‬وخالفا لل�سيد غوليادكني من ق�صة‬ ‫( ال�شبيه ) الذي قال ب�أن املرء يرتدي القناع يف‬ ‫�أثناء الكرنفال فقط‪ ،‬جند �أن دو�ستويف�سكي‬ ‫ك��ان يقلد الآخ��ري��ن وم��ن دون �أن يك�شف عن‬ ‫وجهه‪ .‬وق��ارئ بيوغرافيات دو�ستويف�سكي‬ ‫يجد �أن وجه الكاتب مل يره �أحد‪ .‬و�أكرب عيوب‬ ‫ه��ذه التفا�سري ه��و ذل��ك ال��رب��ط ب��ل املطابقة‬ ‫املق�صودة‪ ،‬وال�سطحية �أي���ض��ا‪ ،‬ب�ين الكاتب‬ ‫وروات��ه الوهميني و �أبطاله‪ .‬و�أ�صبح بع�ض‬ ‫كتاب �سرية دو�ستويف�سكي �شبيها باملتحري‬ ‫البولي�سي‪ .‬وك��ان هناك �شرلوك هوملز وجد‬ ‫�أن ذن��وب �ستافروغني م��ن ( الأبال�سة ) هي‬ ‫جت�سّ د ملغامرات دو�ستويف�سكي الأيرو�سية!‬ ‫�أو �أن هناك من �إ�ستخدم املفتاح الفرويدي‪،‬‬ ‫�أي امليثولوجيا لفلك اللغز الدو�ستويف�سكي‪،‬‬ ‫�أو �أن نزعة الكاتب ال�سادية ‪ -‬املازوكية يعود‬ ‫�أ�صلها اىل تلك الأ�سطورة عن ( ق�سوة الأب )‬ ‫�أو التجلي الديني يف �أثناء نوبات ال�صرع �أو‬ ‫مواجهة املوت يف م�سرحية الإعدام تلك‪.‬‬ ‫وك ��ان ��ت �أدوار ال �ب �ط��ول��ة ال� �ت ��ي ق� ��ام بها‬ ‫دو�ستويف�سكي يف هذه الروايات البيوغرافية‬ ‫الزائفة كثرية‪ :‬نبي الدين الكوين على طريقة‬ ‫الراهب زو�سيما‪ ،‬املتمرد �إيفان كارامازوف‪،‬‬ ‫املفت�ش الكبري بنزعته الكلبية‪ ،‬الغيبي امل�صاب‬ ‫بال�صرع يف ( الأبله )‪ ،‬املقامر الأبدي‪ ،‬امل�ؤمن‬ ‫بـ ( الرب الرو�سي ) و الأورثوذك�سية القومية‬ ‫على طريقة �شاتوف يف ( الأبال�سة )‪ .‬ب�إخت�صار‬

‫ت��ذك��رن��ا �إع�ت�ب��اط�ي��ة ال�ت�ف��ا��س�ير البيوغرافية‬ ‫بالروليت �أو كما قال دو�ستويف�سكي نف�سه بـ‬ ‫( الفودفيل ال�شيطاين ) لتج�سدات ال تنتهي‪.‬‬ ‫وهكذا يكر�س امل��ؤل��ف الأمريكي حيزا لي�س‬ ‫بال�صغري يف كتابه ال�ضخم لـ ( متاهات ) تف�سري‬ ‫دو�ستويف�سكي‪ .‬ويف الواقع تتكلم التفا�سري‬ ‫ع��ن املف�سرين و�أك�ث�ر م��ن كالمها ع��ن الكاتب‬ ‫الرو�سي‪ .‬ويبدو امل�ؤلف ك�أنه مدرك ب�أن احلرب‬ ‫التي �أعلنها ال�شكالنيون الرو�س �ضد مف�سّ ري‬ ‫ال�سري قد خ�سروها‪ .‬وهويلحق هنا بالبحث‬ ‫م ��ادة ب��ال�غ��ة ال�ك�بر حم�ت��واه��ا ت�ل��ك اخلالفات‬ ‫الأدب�ي��ة والأيدولوجية من تلك ال�سنني‪ ،‬كما‬ ‫جن��ده ي�ستعر�ض‪ ،‬ببالغ احل��ر���ص‪ ،‬ذكريات‬ ‫م�ع��ا��ص��ري دو�ستويف�سكي‪ ،‬وب�ع��ده��ا ت�أتي‬ ‫جمادلته يف ( �إحل��اق ) نتاج الكاتب الرو�سي‬ ‫بال�سياق الت�أريخي لع�صره‪ .‬بالطبع يرافق‬ ‫ذلك‪ ،‬الإميان الرا�سخ ب�أن يف مكنتنا الو�صول‬ ‫اىل احل�ق�ي�ق��ة ع��ن دو��س�ت��وي�ف���س�ك��ي‪ .‬وه��ذه‬ ‫العني الأ نكلو�ساك�سونية ال�صاحية ت�صوب‬ ‫نظرتها الواثقة من �أنها �ستجلو كل غمو�ض‬ ‫و�أل �غ��از وم�ه��ام وتناق�ضات دو�ستويف�سكي‪.‬‬ ‫وق��د يتفق الكثريون ب��أن ه��ذا احل�س ال�سليم‬ ‫الأنكلو�ساك�سوين واملعرفة بالع�صر و الأخذ‬ ‫مبنهج الت�أريخانية ال ت�ساعد كلها يف دخول‬ ‫عامل دو�ستويف�سكي‪ ،‬كما �أن��ه ال تفيد هنا �أي‬ ‫كلمة ��س� ّر م��ن ن��وع ( �إف�ت��ح يا�سم�سم! )‪ .‬من‬ ‫ناحية اخ��رى متلك البيوغرافيا احلري�صة‬ ‫�أكادمييا والتناول الو�صفي للت�أريخ منطقهما‬ ‫اخل��ا���ص اال �أن ��ه م��ن ال�صعب تطابقهما مع‬ ‫التف�سري العميق للأثر الأدب ��ي‪ .‬ولعل املثال‬ ‫على ذلك اجلزء التايل من الكتاب‪ ( :‬ال�سنوات‬

‫الرائعة ‪.)1871 – 1865‬‬ ‫ك ��ان امل ��ؤل��ف ق��د ذك ��ر يف م�ق��دم��ة ك�ت��اب��ه ب ��أن‬ ‫م���س�ع��اه ه��و ( ت��ن��اول دو��س�ت��وي�ف���س�ك��ي يف‬ ‫ال�سياق الإجتماعي ‪ -‬الثقايف للع�صر )‪ ،‬ولذلك‬ ‫ي�صعب فهم الأ�سباب التي دفعت امل�ؤلف اىل‬ ‫�أن يخ�ص�ص هذا العدد الكبري من ال�صفحات‬ ‫للحكايات عن غراميات دو�ستويف�سكي وق�صة‬ ‫زواجه وجتربته امل�ؤملة مع القمار والروليت‪.‬‬ ‫وال�س�ؤال الذي يتبادر اىل الذهن تلقائيا‪ :‬كيف‬ ‫ميكن اجلمع بني هذا كله وبني ذلك التحليل‬ ‫املف�صل ل �ـ ( اجل��رمي��ة وال�ع�ق��اب ) و( الأبله‬ ‫) و( الأبال�سة ) ؟ �أك�ي��د �أن الغر�ض م��ن مثل‬ ‫هذا ال�س�ؤال لي�س ال�شطب على البيوغرافيا‬ ‫والعودة اىل ال�شكالنية وما اعلنت البنيوية‬ ‫عن �إكت�شافه‪ ،‬لكن بيوغرافيا الكاتب ينبغي‬ ‫�أن تعامل كحقيقة �أدب �ي��ة ولي�س �أمبريية‪.‬‬ ‫ويف حالة دو�ستويف�سكي تختلط التفاهات‬ ‫احلياتية وعادية العي�ش بالوهم الأدبي وفق‬ ‫مناذج غريبة تذكرنا باملتاهة الهرمية ولي�س‬ ‫ال ��درب امل�ستقيم ال��ذي ي�ب��د�أ بالعلة وينتهي‬ ‫بالنتيجة‪ .‬والظاهر �أن فرانك عرث على مثل‬ ‫هذا الدرب لكنه مل ينتبه اىل وهميته‪.‬‬ ‫وقد يكون �إ�ستقرا ًء قا�سيا �إعتبار هذا الكتاب‬ ‫ب�ي��وغ��راف�ي��ا غ�ير �أدب� �ي ��ة‪ ،‬ب��ل جمعا مبا�شرا‬ ‫للوقائع التاريخية بالأدب‪ .‬وللإن�صاف ينبغي‬ ‫القول ب ��أن امل��ؤل��ف مل يرتكب �أخ�ط��ا ًء تك�شف‬ ‫عن جهل �أدبي �أو تاريخي او غريه لكن الأمر‬ ‫متعلق بواقع �آخر قال عنه مرة ذلك الإن�سان (‬ ‫من حتت الأر���ض ) ب�أنه �أمر لطيف يف بع�ض‬ ‫الأحيان �أن ت�ساوي �إثنني زائد �إثنني خم�سة‪.‬‬ ‫�إن املنهج املف�ضل يف هذا الكتاب هو البحث عن‬

‫‪7‬‬

‫مناذج لأبطال دو�ستيف�سكي بني معا�صريه‪ ،‬اال‬ ‫�أن مثل هذا التحري ال ميلك فر�ص النجاح‪.‬‬ ‫ف� ��الأدوار الأدب �ي��ة ال�ت��ي ت�ق��وم بها �شخو�ص‬ ‫دو�ستويف�سكي ه��ي م�ت�ع��ددة امل �ع��اين‪ ،‬وكل‬ ‫�شخ�ص هنا ميلك الكثري من النماذج التي يكون‬ ‫التفتي�ش عنها وتعقب تاريخها �أمرين عقيمني‬ ‫وفاقدين للمعنى‪ .‬ويذكرنا دو�ستويف�سكي هنا‬ ‫باملجرم الذي يرتك وراءه‪ ،‬عن عمد‪ ،‬الكثري من‬ ‫الآث��ار لدرجة �أن ال�شك يخامر �شرلوك هوملز‬ ‫نف�سه بنجاعة �أ�ساليبه!‬ ‫�إن ( ق�ضية ) دو�ستويف�سكي بحاجة اىل حمقق‬ ‫من طينة �أخ��رى‪ ،‬ولهذا ال��دور ي�صلح �أ�ستاذ‬ ‫تقنية التحقيق ( ب��ورف�يري ) من ( اجلرمية‬ ‫والعقاب )‪ ..‬وكما نعرف كانت تقنيته قائمة‬ ‫على عن�صر املخاتلة والتعذيب بالأمل الكاذب‪،‬‬ ‫والأ�سئلة املباغتة والك�شف عن التناق�ضات‬ ‫وتقوي�ض التكتيك الدفاعي عند املتهم‪� .‬أما‬ ‫�أ��س�ئ�ل��ة امل ��ؤل��ف امل��ري�ك��ي ف�ت�ط��رح بال�صورة‬ ‫املبا�شرة وبذلك يقع يف ال�شرك ال��ذي ن�صبه‬ ‫دو�ستويف�سكي‪� .‬إن��ه يوجه الأ�سئلة ويجيب‬ ‫عليها �أي�ضا‪ :‬ملاذا قتل را�سكولنكوف املرابية‬ ‫العجوز؟ وجواب امل�ؤلف هو �أن العثور على‬ ‫حل لغز را�سكولنكوف نلقاه يف تلك الأفكار‬ ‫النهل�ستية للإنتلجن�سيا الرو�سية من القرن‬ ‫التا�سع ع�شر‪ .‬وكما يبدو ن�سي امل�ؤلف �أمرا‬ ‫مهما للغاية وهو �أن لعبة دو�ستويف�سكي مع‬ ‫ال�ق��ارئ هي �أك�ثر تعقيدا وم�ك��را‪ .‬والفر�ضية‬ ‫القائلة بالمعقولية دواف��ع را�سكولنكوف قد‬ ‫تعترب الأ�صوب من غريها‪ .‬ومعلوم �أن هذه‬ ‫ال��رواي��ة ( ت�ع��اين ) م��ن غ ��زارة التف�سريات‬ ‫التي تبد�أ مبقارنتها بالرتاجيديا اليونانية‬

‫�أو ( �أ�صل الأخ�ل�اق ) ل��دى نيت�شه ثم فل�سفة‬ ‫ال�ت��أري��خ الهيغلية‪ ،‬ويف ال�سنوات الأخ�يرة‬ ‫�سُ لطت على الرواية �أ�ضواء ك�شافة جديدة‪:‬‬ ‫الهوت الأورثوذك�سية عامة‪ ..‬ويوحي امل�ؤلف‬ ‫الأمريكي لنا ب�أنها رواي��ة ‪ -‬تراجيديا‪ ،‬وهو‬ ‫تف�سري �سبق �أن ط��رح��ه ال��رم��زي��ون الرو�س‬ ‫يف ب��داي��ة ال�ق��رن الع�شرين‪ ،‬وك��ان ه���ؤالء قد‬ ‫ق��ر�أوا نيت�شه وعلى �أعينهم نظارة الغيبيات‬ ‫الرو�سية‪ .‬وك��ان ميخائيل باختني قد �إختلف‬ ‫معهم‪ .‬وكما يبدو مل ي�ستمع امل�ؤلف اىل حجج‬ ‫الباحث ال��رو��س��ي‪ .‬ويف ال��واق��ع تذكرنا تلك‬ ‫التجارب امليتافيزيقية القا�سية التي مير بها‬ ‫�أبطال دو�ستويف�سكي وك�أنهم �أران��ب املخترب‬ ‫العلمي‪ ،‬مب�سرح العبث ولي�س الرتاجيديا‬ ‫اليونانية‪ .‬وتعود ( خطة ) را�سكولنكوف اىل‬ ‫مثل هذه التجارب العبثية‪ .‬ففي قتل املرابية‬ ‫العجوز يتم تغيري منطق ت�أريخ العامل‪� .‬ألي�س‬ ‫ه��ذا الطالب يف ق�سم القانون واحل��امل بدور‬ ‫( نابليون اجلرمية ) و�إرتكاب جرمية قتل (‬ ‫تبلغ الكمال مثل الريا�ضيات) هو �شخ�صية‬ ‫غروت�سكية و�أكرث منها تراجيدية ؟ �أال يذكرنا‬ ‫هذا الطالب بـ ( بروف�سور الإنتحار) كرييلوف‬ ‫يف ( الأبال�سة ) الذي �أوقف �ساعته لكي يوقف‬ ‫الزمن ؟‬ ‫ي�ق��ارن امل ��ؤل��ف يف مو�ضع �آخ��ر ب�ين ر�سائل‬ ‫دو��س�ت��وي�ف���س�ك��ي ال �ت��ي � �ص��اغ ف�ي�ه��ا منطلقه‬ ‫امل�سيحي وبني ر�سائل �سوبوفيوف الفيل�سوف‬ ‫القريب منه ولكن فكريا ح�سب‪ .‬فد�ستويف�سكي‬ ‫املنفي الذي �أنهكته �أفكار ومفاهيم غريبة عليه‬ ‫حينها‪ ،‬كان النقي�ض لذلك الأر�ستقراطي الذي‬ ‫عرف بح�س التفكه و�أناقة ال�صياغات والإطالع‬ ‫الوا�سع على الفكر الأوروب ��ي‪ .‬ويف الأخري‬ ‫ك��ان دو�ستويف�سكي قد اع�ترف بق�صوره يف‬ ‫م��ا يخ�ص التفكري الفل�سفي‪ .‬وك ��ان حد�س‬ ‫معا�صريه من هذه الناحية �صائبا‪ .‬فهناك ناقد‬ ‫قارن ( �أفكار) دو�ستويف�سكي الفل�سفية بورق‬ ‫ال�سكاكر امللون اللماع امللقى بني املهمالت!‬ ‫كما ذكره مبت�شرد عرث على هذه الورق و�أخذ‬ ‫يريه للجميع كمعجزة خارقة‪ .‬وقام بهذا الأمر‬ ‫ب���ص��ورة موحية �أراد منها �إق �ن��اع الآخرين‬ ‫بقيمة ال��ورق الكبرية‪ .‬بعدها ي�أخذ اجلميع‬ ‫وكلهم �إعجاب‪ ،‬بالنظر اىل هذه ( املعجزة )‪.‬‬ ‫ويف الواقع تتما�شى هذه ( اللقطة) البالغية‬ ‫مع الإعتقاد املعروف لدى دو�ستويف�سكي ب�أنه‬ ‫يف مزبلة الوجود‪� ،‬أي يف قعره‪ ،‬ميكن �إعادة‬ ‫ت�شييد القيم الإن�سانية‪.‬‬ ‫وهناك الأ�سئلة الأخرى لدى امل�ؤلف الأمريكي‬ ‫مثل‪ :‬هل لنداء الراهب زو�سيما حول تقبيل‬ ‫الأر���ض معنى �صويف وديني بالفعل؟ وهل‬ ‫هناك �أي مغزى يف الإ�شارة اىل ذكريات هذا‬ ‫ال��راه��ب لكي نحب ولي�س اخل�ط��اة وحدهم‪،‬‬ ‫ب��ل خطاياهم �أي���ض��ا ؟ وه��ل الليلة الأخ�ي�رة‬ ‫التي ق�ضاها بطل ( الأبله ) بني القاتل وجثة‬ ‫�ضحيته ال تعني‪ ،‬ف�ع�لا‪ ،‬ن��وع��ا م��ن املحاكاة‬ ‫الهازئة للم�سيح؟ كذلك م��اذا ك��ان مب�ستطاع‬ ‫الفيل�سوف �أن يقوله عن ( جتربة ) كرييلوف‬ ‫ح��ول دح��ر اخل��وف وغنم احل��ري��ة ع��ن طريق‬ ‫الإنتحار طاملا �أن هذا وذاك من البيوغرافيني‬ ‫و�أ�ساتذة الأدب وت�أريخه يقولون ب�أن روايات‬ ‫دو�ستويف�سكي تتكلم بلغة امل�سيحية احلقيقية‬ ‫ف�ل�م��اذا يلعب ال�ق��ات��ل يف خ��امت��ة ( اجلرمية‬ ‫والعقاب ) دور من يقلد امل�سيح؟ �إن العالمة‬ ‫ال�ف��ارق��ة لرا�سكولنكوف ه��ي ال�ف��أ���س ولي�س‬ ‫ال�صليب‪ ،‬والأكرث من ذلك ال امل�ؤلف وال القارئ‬ ‫مييالن اىل التعاطف مع ال�ضحية تلك املرابية‬ ‫( الآف��ة امل�ضرة وم�صا�صة ال��دم‪ ،‬والقملة )‪،‬‬ ‫يكفي ال��رج��وع هنا اىل اخل��امت��ة لكي نقتنع‬ ‫ب�أنه ال كالم هناك عن الندامة وت�صويب فكرة‬ ‫القتل‪ .‬ويف ال��واق��ع هناك �إمكانية مل�ضاعفة‬ ‫الأ�سئلة وخا�صة ما يتعلق منها بتف�سري امل�ؤلف‬ ‫الأمريكي للروايات الأخرى‪.‬‬

‫‪Joseph Frank: The Seeds‬‬ ‫‪of Revolt 1821-1849‬‬ ‫‪Princeton University‬‬ ‫‪,Press, 1986‬‬ ‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪8‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫ايمان دستويفسكي‬ ‫‪ .‬ن ول�سون‬ ‫ترجمة‪ :‬خ�ضري الالمي‬

‫لي�س م��ن ال�سهل ان ي�ت�ن��اول ال�ن��اق��د ادب‬ ‫د�ستوبف�سكي‪ ،‬وقد كتب الكثري من النقاد عن‬ ‫د�ستويف�سكي ورواياته ؛ بيد انهم اي النقاد‬ ‫مل يحيطوا بد�ستويف�سكي اح��اط��ة تامة‬ ‫بحيث يحق لنا ان نقول كنقاد ومتلقني‪:‬‬ ‫ان د�ستويف�سكي ا�صبح ت��راث��ا او تاريخا‬ ‫او كاتبا وروائيا عا�ش ع�صره وكتب عنه‬ ‫ويجب ان ن�ضعه على ال��رف‪ ،‬الن��ه ال يقدم‬ ‫لع�صرنا �شيئا يف جمال الرواية والفل�سفة‬ ‫والنقد‪ .‬وها هو الناقد روان وليامز يخرج‬ ‫علينا بكتاب جديد ا�سمه‪ :‬اللغة‪ ،‬واالميان‪،‬‬

‫وال��رواي��ة‪ .‬وق��د ت�ن��اول ه��ذا الكتاب الناقد‬ ‫�أ‪ .‬ن ول���س��ون يف مقالة ا�سماها “ البابا‬ ‫د�ستويف�سكي “ي�شرح فيها وج �ه��ة نظر‬ ‫د�ستويف�سكي يف الدين‪.‬‬ ‫وبالطبع‪ ،‬يعد ول�سون اح��د عمالقة النقد‬ ‫االمريكي ولي�س من ال�سهولة مبكان ان ننقل‬ ‫عن ول�سون وهو �صاحب اال�سلوب املعقد يف‬ ‫تناوله لالعمال الروائية ف�ضال عن متيزه يف‬ ‫الكتابة عن د�ستويف�سكي‪ ،‬فكيف واحلال بنا‬ ‫وهو يكتب عن واحد من عمالقة االدب يف‬ ‫القرن الع�شرين �أال وهود�ستويف�سكي‪ ..‬من‬ ‫جانبي ازعم لنف�سي انني ا�ستطعت ان اقرب‬ ‫للمتلقي يف هذه املقالة‪ ،‬مع االحتفاظ بروح‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫الن�ص وعمق اال�سلوب اللذين عرب فيهما‬ ‫ول�سون عن وجهة نظره عن د�ستويف�سكي‪..‬‬ ‫( املرتجم)‪.‬‬ ‫�إن وجهات نظر فيودور د�ستويف�سكي غري‬ ‫املحمودة يف الدين هي من ال�صعوبة مبكان‬ ‫ان نثبتها بكل و�ضوح‪ .‬وعلى العك�س من‬ ‫ذلك ؛ فانت �إن جمعت النقد الذي كر�س عن‬ ‫تول�ستوي‪ ،‬فلن جتد ادنى ريب يف اميانه‬ ‫الديني‪ ،‬و يف اي مرحلة من مراحل حياته‪ .‬مع‬ ‫ذلك‪ ،‬فاننا جند يف تاريخ نقد د�ستويف�سكي‬ ‫على �سبيل املثال‪ ،‬و يف قراءات هرني ميللر‬ ‫له‪ ،‬فانه يعد ثوريا اجتماعيا بامتياز‪ ،‬يف‬ ‫حني ي��راه البع�ض الآخ��ر حمافظا متطرفا‪.‬‬

‫ويف كتابه االخري يقتب�س روان وليامز و‬ ‫ي��رد بـ "البيُنة" على وليام هاملتون الذي‬ ‫كان يبحث لي�صف د�ستويف�سكي بانه مب�شر‬ ‫مبوت امليثولوجيا االلهية‪.‬ويذهب جورجز‬ ‫فلورلف�سكي اىل و�صف د�ستويف�سكي بانه‬ ‫من��وذج للآرثوذوك�سي ال��رو��س��ي‪ .‬ويربط‬ ‫مالكومل جونز افكار د�ستويف�سكي بـ "ما‬ ‫ب�ع��د العلمانية" يف رو� �س �ي��ا املعا�صرة‪.‬‬ ‫ويتهمه بالعمل يف التقليل من �ش�أن الدين‪،‬‬ ‫�إن جميع هذه القراءات املتناق�ضة ال ميكن‬ ‫ان نعدها دقيقة؟‬ ‫وهنا‪ ،‬اننا بحاجة اىل توحيد مواهب ناقد‬ ‫ادبي وثيولوجي متمر�س‪ ،‬لي�ستنبط لنا كيف‬

‫ان روايات د�ستويف�سكي ت�ستخدم كو�سائل‬ ‫تعبري يف الك�شف عن ه��ذه التو�ضيحات‪.‬‬ ‫وان �ن��ا ب�ح��اج��ة اي �� �ض��ا‪ ،‬اىل م � ��ؤرخ يكون‬ ‫مت�ضلعا جدا‪ ،‬يف الرتاث الروحي واملزاجي‬ ‫للكني�سة الآرثودوك�سية الرو�سية لندرك‬ ‫هوية د�ستويف�سكي وع��ذاب��ات �شخ�صياته‬ ‫القلقة من خالل اطار تاريخي وا�ضح‪.‬ومن‬ ‫ح�سن احلظ‪،‬ان بابا كنرتبريي جمع كل هذه‬ ‫اخلا�صيات‪ ،‬ورمبا اكرث‪.‬‬ ‫فثمة كثري من ال��ر�ؤى يف ه��ذا املجال لدى‬ ‫د�ستويف�سكي‪ ،‬اللغة واالمي ��ان والرواية‬ ‫التي تلقي ال�ضوء على موا�ضيع رواياته‬ ‫وال �ت��ي مي�ك��ن ان ت �ت ��أت��ى م��ن ه��ذ التحليل‬

‫ح�سب‪ .‬مثل درا��س��ة وليام ل��رواي��ة “الأبله‬ ‫“اوال�سمات البارزة للوحة هولبني "امل�سيح‬ ‫يف القرب" (‪ )1521‬مثاالن تو�ضيحيان كي‬ ‫نفهم بطل الرواية الرئي�سي‪ .‬و” �شهادة “‬ ‫هولبني تعر�ض (برغم ان هذا لي�س وا�ضحا‬ ‫يف الرواية ) م�شهدا جانبيا من جثة ‪ -‬لي�س‬ ‫ج�سدا ميتا م�سجى ح�سب‪،‬يف حلظة املا�ضي‬ ‫(اذ ثمة ر�سوم ارثوذوك�سية جل�سد امل�سيح‬ ‫م�سجى ) ولكن ج�سدا م�سجى على �شكل‬ ‫�صورة جانبية‪ ،‬هو �إنكار م�ضاعف للتقاليد‬ ‫االيقونية ‪ ،iconography‬وباح�سا�س‬ ‫م��و��ض��وع��ي‪ ،‬وا� �ض��ح‪،‬ت �ع��د ه ��ذه االيقونة‬ ‫�صورة “ �شيطانية “ اذ ثمة ق��راء قليلون‬ ‫ال ي��ؤم�ن��ون بالكني�سة الآرث��ودوك �� �س �ي��ة و‬ ‫يدركون احلقيقة‪ ،‬يقدمهم لنا هنا وليامز‪.‬و‬ ‫يف تراث االيقونات‪،‬جند �شخ�صيات وحيدة‬ ‫تظهرعادة على �شكل وجوه‪،‬هم ال�شياطني‬ ‫او ي �ه��وذا اال��س�خ��ري��وط��ي‪ ،‬وه ��ذه ا�ضافة‬ ‫خمت�صرة ذات �صلة مب��و��ض��وع تراكمات‬ ‫وليامز يف قراءاته لرواية �شخ�صية “ االبله‬ ‫“ بعيدا عن ر�ؤية م�شكني الذي ي�شبه �صورة‬ ‫امل�سيح‪.‬ووليامز ينبهنا اىل �ضعف م�شكني‬ ‫“ املميت “بو�صفه �شخ�صا بريئا وعاطفيا‪،‬‬ ‫وكذلك ينبهنا اىل انه قوة غري متعمدة يف‬ ‫اخل ��راب‪ ،‬فهو ي�ضرب ال�ه��دف بهذا القرار‬ ‫املتناق�ض بدقة متناهية‪ .‬فم�شكني الرجل‬ ‫الطيب ال ميكنه تفادي االذى‪ .‬ويف ختام‬ ‫كتابه يطلق وليامز زعما الفتا للنظر‪،‬هو‬ ‫ان االن��دم��اج املتنافر يف كثري م��ن اعمال‬ ‫د�ستويف�سكي يخلق �شيئا قابال للمقارنة يف‬ ‫تراث لوحة االيقونة‪.‬‬ ‫ان ه��ذا االن��دم��اج او االن�صهار ا�ست�سالم‬ ‫ملزاعم حقيقة م�ستقلة وا�ست�سالم ملجازفات‬ ‫فعلية‪،‬و�شكوك وعدم توكيدات هذه احلقيقة‬ ‫ب��ال�ك�ل�م��ة وال �ف �ع��ل‪ ،‬ي�خ�ل��ق ح �ي��اة روحية‬ ‫(وب�شكل خا�ص احلياة الروحية امل�سيحية )‬ ‫وهي احد امل�ؤ�شرات ال كل امل�ؤ�شرات‪ ،‬ونقد‬ ‫للذات غري املتفح�صة‪ ،‬وما هو متميزجدا يف‬ ‫فن ال�سرد الد�ستويف�سكي‪ ،‬هو انه ال يعطينا‬ ‫م�سرودات يف هذا االندماج ال�صعب ح�سب‪،‬‬ ‫لكنه يج�سده بطريقة �سردية و ممار�سة مهمة‬ ‫يف كتابته ومتطلبات طموحه‪ .‬وتعد كتابة‬ ‫العمل الروائي لديه نوعا من الأيقونة‪.‬‬ ‫حينما نقر�أ نقا�ش وليامز‪ ،‬ننغمر لي�س يف‬ ‫متعة ق��راءة رواي��ات د�ستويف�سكي ح�سب‪،‬‬ ‫ب��ل‪ ،‬ننغمر اي���ض��ا‪ ،‬يف ق��راءات��ه الوا�سعة‬ ‫لالدب الكن�سي‪ ،‬و تراث الكني�سة ال�شرقية‪.‬‬ ‫متنحنا هذه القراءات مفاتيح لفهم الغمو�ض‬ ‫وال �ت �ن��اق �� �ض��ات ال �ت��ي ت �ب��دو م ��روع ��ة جدا‬ ‫و”معا�صرة “ يف �صفحات د�ستويف�سكي‬ ‫والتي دائما ما تكون موادا تراثية يف ثيمة‬ ‫الثيولوجيا‪ .‬وال�ك�ت��اب ب��ذل��ك ي�ضم اع��ادة‬ ‫قراءة د�ستويف�سكي يف حماولة منه ملواجهة‬ ‫لي�س غيوم عا�صفة ال�ق��رن التا�سع ع�شر‪،‬‬

‫وكما دعاها را�سكني املع�ضلة الثيولوجية‬ ‫لالميان‪ ،‬بل هي ظاهرتنا املعا�صرة اي�ضا‬ ‫يف احياء الداروينية التي تعتقد بنف�سها‬ ‫انها جتيب او تكرر تدمري مزاعم العقالنية‪.‬‬ ‫وع�ل��ى ه��ذا‪ ،‬ي�ب��د�أ ال�ك�ت��اب‪ ،‬وي��وح��ي ب�شك‬ ‫املتلقي‪ ،‬كما لو ان د�ستويوف�سكي نف�سه‪،‬‬ ‫يريد ان يطبع كتابه يف عام ‪ - 2008‬ليكون‬ ‫معنا ويراقب احلياة املعا�صرة‪ .‬ويبد�أ لي�س‬ ‫مع االدب الرو�سي العظيم‪ ،‬ال��ذي هو مادة‬ ‫رواياته‪ ،‬ولكن‪ ،‬مع االندفاع الراهن للكتب‬ ‫املعادية لالميان الديني‪ ،‬التي تتعامل معه‪،‬‬ ‫يف الغالب بو�صفه االن�ح��راف الوحيد يف‬ ‫جم��ال العقالنية االن���س��ان�ي��ة‪.‬وان��ه عبارة‬ ‫ع��ن جم�م��وع��ة م��ن ال �ق �ن��اع��ات غ�ير امل�ب�ررة‬ ‫عن م�سائل هاجعة و ‪ -‬يف ا�ضعف االميان‬ ‫ خ��اط �ئ��ة‪ ،‬وج��دل �ه��ا ال ي �ق��ف ع �ل��ى ار���ض‬‫�صلبة‪ .‬وبالنقي�ض من ه�ؤالء الكتاب الذين‬ ‫يكون عملهم‪ .‬كما يقال‪ (،‬برغم ان امل�ؤلف‬ ‫مل يقل ذل��ك ) متوقعا يف كتابات املرحوم‬ ‫د�ستويف�سكي‪.‬ويو�ضحة وليامز بطريقة ال‬ ‫لب�س فيها‪.‬الطريقة الفعلية التي يعمل فيها‬ ‫الدين يف احلياة االن�سانية الفردية‪.‬وهذه‬ ‫م�س�ألة ا�سا�سية يف عمل د�ستوف�سكي بو�صفه‬ ‫روائيا‪ .‬وكتاب وليامز هو عمل نقدي‪ ،‬بيد‬ ‫انه يبد�أ‪ ،‬على هذا اال�سا�س كما لو انه دفاع‬ ‫م�سيحي ثيولوجي‪ .‬ف��اذا ك��ان ذل��ك‪ ،‬ي�سبب‬ ‫م�شاكل منهجية‪ ،‬كما يعرب عنها وليامز‪ ،‬فانها‬ ‫بالتاكيد تعد م�شاكل‪ ،‬اال ان د�ستويف�سكي‬ ‫ك��ان ي�ست�سيغ ه��ذا ال��ر�أي‪.‬وخ��ارج اعراف‬ ‫الكني�سة الكاثولوكية ال��روم��ان�ي��ة‪ ،‬كانت‬ ‫متثلها ك َتابات فرانك مورياك‪François،‬‬ ‫‪ Mauriac‬او ايفلني ووف ‪Evelelyn‬‬ ‫‪Waugh‬وكالهما يجد يف د�ستويوف�سكي‬ ‫ب�ك��ل رع�ب��ه “من االل ��ه ال��روم��اين ال�شرير‬ ‫“ املتمرد االخالقي وال�سلوكي‪.‬وينزع‬ ‫اف�ضل الروائيني الغربيني اىل حماربة‬ ‫الثيولوجيا بكل و�ضوح‪.‬ورمبا اعمالهم‬ ‫حتتوي على عنا�صر دينية ولكنها لي�ست‬ ‫و�سائل تعبريية كروايات د�ستويف�سكي‬ ‫العظيمة من اجل تقدمي جدل ميتافيزيقي‬ ‫عقيم‪.‬ولي�س من الب�ساطة مبكان ان نقر�أ‬ ‫االخ ��وة ك��رام��ازوف م��ن دون ان نطرح‬ ‫ت���س��ا�ؤالت ع��ن االل ��ه‪ .‬ه��ل االل��ه موجود‬ ‫؟ ف��ان ك��ان م��وج��ودا حقا‪ ،‬فلماذا يعاين‬ ‫الطفل الربيء من العذابات ؟ وهل ثمة‬ ‫بديل ع��ن ال�غ��واي��ة‪ ،‬باال�ضافة اىل االغراء‬ ‫بالتجديف �ضد اخلالق االعلى للدين الذي‬ ‫يعر�ض الغمو�ض وال�سلطة‪ .‬فحينما نقلب‬ ‫�صفحات رواية “ االخوة كرامازوف “ تلك‬ ‫الرواية ال�صرح عن اجلرمية‪،‬نت�ساءل عن‬ ‫م��ن قتل االخ��وة‪،‬ع�ن��دم��ا يتحول االب‬ ‫اىل رابطة ال خال�ص منها يف امل�سائل‬ ‫الثيولوجية ؟ فهل ان الرواية التي‬ ‫تعد اعظم عمل روائي م�سيحي قد ظهر‬

‫حتى االن! اوهي اكرب اتهام وادانة للعقيدة‬ ‫الدينية ؟ لي�س ثمة حتليل واقعي لالميان‬ ‫الديني ميكن ان ن�ستقرئه؟ الي�س كذلك ؟ وهل‬ ‫ميكن القارئ من ال�صراع مع هذه‬ ‫هو كتاب ٌ‬ ‫الت�سا�ؤالت‪ ،‬ويحرره من القيود واالغالل‪،‬‬ ‫اما بالطاعة للنظام الديني املتزمت او عن‬ ‫طريق امل�ساواة بعبادة العلم الذي انت�صب‬ ‫يف القرن التا�سع ع�شر كحالة تعوي�ضبة‪..‬‬ ‫وامل �ع �ل �ق��ون ع�ل��ى ك �ت��اب ال��دك �ت��ور وليامز‬ ‫بو�صفه قيادي كنائ�سي‪ ،‬يالحظون احيانا‬ ‫مقدرته الوا�ضحة واملتزامنة يف االم�ساك‬ ‫بعقيدتني متماهيتني كلية‪ ،‬وال يحتاج هذا‬ ‫اجلدل الهتمامنا هنا‪ ،‬ما مل جنده اهتماما‬ ‫ال يقاوم يف العبور اىل الت�أمل يف وجهات‬ ‫نظر د�ستويوف�سكي عن االنثى‪ -‬دعه يتمتع‬ ‫لوحده ‪ -‬و�سيكون الكهنة جميعهم قادرين‬ ‫على التخيل بو�ضوح‪،‬ان كان ثمة فائدة ام‬ ‫ال‪ ،‬يف التفكري‬

‫‪9‬‬

‫امل��زدوج عندما ي���ؤدون دور البابا املعذب‬ ‫يف ال �ت��وف �ي��ق ب�ي�ن ال �ف �ك��ر امل��ري ����ض خ��ارج‬ ‫مواقف الليرباليني االمريكيني واملحافظني‬ ‫االف��ارق��ة‪ ،‬واملقدرة على االم�ساك بوجهات‬ ‫نظراملعار�ضة للق�ضايا الدينية‪ .‬وهذا متاما‬ ‫ما تظهره �شخ�صيات د�ستويف�سكي مرة بعد‬ ‫اخ��رى‪ .‬ومعرفة وليامز من بداية مدينيته‬ ‫اىل اعظم فيل�سوف ناقد رو�سي هو ميخائيل‬ ‫باختني الذي ي�شكل كتابه “ م�شاكل �شاعرية‬ ‫د�ستويف�سكي “ قراءة �ضرورية منذ ان طبع‬ ‫اول م��رة يف �سنة ‪ 1929‬وال��ذي ل��ه ت�أثري‬ ‫كبري على النظرية االدبية‪.‬‬ ‫وتطور باختني مبا اطلق عليه بـ "احلوارية‬ ‫" ‪dialogism‬رمبا تعك�س مواقفه غري‬ ‫املعلنة ال���ض��روري��ة �إزاء االرثوذوك�سية‪،‬‬ ‫وث�م��ة م��ن ي�ضطهده ب�شدة الن��ه ي�شك‪ ،‬يف‬ ‫قراءاته لد�ستويف�سكي‪.‬ويراه خمربا دينيا‪.‬‬ ‫وبقدر ما اعرف‪ ،‬فان موقف باختني الديني‬ ‫يبقى غام�ضا اىل هذا‬

‫ال�ت��اري��خ م��ن ع�شرينيات ال�ق��رن الع�شرين‬ ‫لرو�سيا‪ ،‬وه��ذا لي�س زمنا �سهال يحمل بني‬ ‫طياته نقاءهذه الق�ضايا‪ .‬وه��ذه احلقيقة‬ ‫التاريخية القا�سية رمب��ا تو�ضح بع�ض‬ ‫خفايا ت��أم�لات باختني يف ال��دي��ن واالدب‪.‬‬ ‫وبرغم ذل��ك‪ ،‬ان باختني هو ال��ذي علمنا ‪-‬‬ ‫وع��زز وليامز ر�سالته ب��اج��زاء �صغرية ال‬ ‫تعد ق��راءة دقيقة ومفيدة للن�صو�ص ‪ -‬ان‬ ‫د�ستويف�سكي هو روائي متعدد اال�صوات‪،‬‬ ‫وبهذا ف��ان مثل ه��ذه ال�ق��راءة ل�ل��رواي��ات ال‬ ‫تعك�س عقال ازدواجيا‪ ،‬او م�شككا بال�صراع‬ ‫ال��وج��ودي‪.‬ان �ه��ا ذات �ه��ا ب��راه�ين ع�ل��ى هذه‬ ‫املواقع التي يجب ان تكت�شف ان كان املرء‬ ‫ي �ت �ج��ر�أ ع�ل��ى ط ��رح م�ث��ل ه ��ذه الت�سا�ؤالت‬ ‫العظيمة ع��ن الثيولوجيا الفل�سفية‪.‬فاذا‬ ‫كانت تعاليم التج�سيد االلهية حقيقة على‬ ‫�سبيل املثال‪،‬فان العلم ال يقدر على حلها‪،‬‬ ‫وان املحللني امل�سيحيني مل يتبعوا تعاليم‬ ‫اللوجو�س “ امل�ب��د�أ العقالين ‪ -‬املرتجم “‬ ‫كما فعل االفالطونيون‪ ،‬بيد ان التج�سيد‬ ‫امل�سيحي احل��ي ه��و جت�سد �صليبي على‬ ‫طريق �إثم االن�سانية‪.‬‬ ‫ود�ستويف�سكي ال يقدم لنا جمموعة من‬ ‫املحاججات غ�بر احلا�سمة ع��ن وجود‬ ‫“ االل��ه “ ل�صاحله او �ضده‪ .‬بيد ان‬ ‫ال�صورة الروائية عن االميان واحلاجة‬ ‫اليه �ست�شبه احلالة يف العامل االجتماعي‬ ‫وال�سيا�سي يف ع�صره‪ .‬وهو افرتا�ض‬ ‫بينّ او�ضحه باختني ‪ -‬وكذلك هو احد‬ ‫الت�شبيهات لأغلب املناق�شات الفل�سفية‬ ‫املمتعة ع��ن د�ستويف�سكي يف ع�صره‬ ‫لالجيال احلالية‪ .‬وه��ذا موقف جذاب‬ ‫يجب ان نتبعه‪ ،‬ومن امل�ؤكد انه يجنبنا‬ ‫ال�سقوط يف فخ ��س��اذج‪ ،‬يف االعتقاد ان‬ ‫الروايات االخرية‪،‬هي بب�ساطة وجهات‬ ‫ن �ظ��ر � �س�لاف �ي��ة وم���س�ي�ح�ي��ة‪ ،‬ول �ك��ن ثمة‬ ‫�صعوبة تتخللها‪ ،‬وتربز هذه ال�صعوبة عن‬ ‫طريق ال�صوت الغريب لد�ستويف�سكي ذاته‪.‬‬ ‫لي�س يف الكتب ح�سب‪ ،‬ولكن يف ال�صحافة‬ ‫اي�ضا ‪ -‬فاذا كان ثمة حاجة اىل كتاب وليامز‬ ‫الرث ‪ -‬ف�سيكون بالتاكيد ممتعا‪ ،‬لعدد وا�سع‬ ‫م��ن ال�ق��راء وحم�ف��زا لهم على اع��ادة قراءة‬ ‫رواي��ات د�ستويف�سكي‪ .‬وهذا ال يعني هنا‪،‬‬ ‫ان ثمة هنات يف �صحافة د�ستويف�سكي (‬ ‫اذ ثمة عدد كبري من اال�شارات النا�ضجة‬ ‫يف “يوميات الكاتب “) ولكن ال نواجه‬ ‫امل�شكلة التي تقدمها ال�صحافة لقراءات‬ ‫م �ت �ع��ددة اال�� �ص���وات يف ال� ��رواي� ��ات‪ ،‬الن‬ ‫الروايات يف اال�صل هي متعددة اال�صوات‪،‬‬ ‫ومن امل�ستحيل االم�ساك بها ما مل تقر�أ ب�صرب‬ ‫وت���أن وتركيز على تفا�صيل ك��رر وليامز‬ ‫عر�ضها‪ .‬بيد ان د�ستويف�سكي نف�سه او�ضح‬

‫◄‬ ‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪10‬‬

‫‪11‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫ّ‬ ‫�شكل �صدور الرتجمة العربية لكتاب باختني "ق�ضايا الإبداع الفني عند دو�ستويف�سكي"(*)‪ )Problems of Dostoevsky›s Poetics( ،‬يف بغداد عام ‪ ،1986‬حدث ًا ثقافي ًا مهم ًا‪،‬‬ ‫كون الكتاب هو املرجع الأ�سا�سي الذي انبثق منه العديد من الق�ضايا والظواهر التي �شغلت النقد احلديث‪ ،‬و�صاغت بع�ض اجتاهاته‪ ،‬مثل‪ :‬التنا�ص‪ ،‬تعدد الأ�صوات‪ ،‬النقد احلواري‪،‬‬ ‫املنظورات‪� ،‬أو وجهات النظر‪ ،‬وتنوع الب�ؤر ال�سردية‪ .‬بعد قراءتي للكتاب ا�ستوقفتني ظاهرة تعدد الأ�صوات (�أو البوليفونية)‪ ،‬بو�صفها اخلا�صية البنيوية املركزية لعامل‬ ‫دو�ستويف�سكي الروائي‪� ،‬أكرث من غريها‪ ،‬فحاولت �أن �أ�ستق�صي عنا�صرها يف حقل الدراما امل�سرحية‪ ،‬على نحو خا�ص‪ ،‬والفن امل�سرحي على نحو عام‪ ،‬لكنني ا�صطدمت بنفي باختني‬ ‫ً‬ ‫�صراحة‪�« ،‬أن الدراما‪ ،‬بحكم طبيعتها‪ ،‬غريبة على تعددية الأ�صوات‪ ...‬وال ت�ستطيع �أن تكون متعددة العوامل‪ ،‬فهي ت�سمح‪،‬‬ ‫�إمكانية وجود تعددية �صوتية يف امل�سرح حينما قرر‪،‬‬ ‫فقط‪ ،‬بنظام واحد للإدراك‪ ،‬ال بعدد من النظم "‪ .‬وجاء نفيه هذا رداً على الناقد لوناجار�سكي‪ ،‬الذي �أكد على �أن ثمة �أ�سالف ًا لدو�ستويف�سكي يف جمال تعدد الأ�صوات يراهم‬ ‫متمثلني بكل من �شك�سبري وبلزاك‪.‬‬

‫يف ( ال�شياطني ) على �سبيل املثال‪ ،‬ما يعتقد‬ ‫من تاثري له على ليرباليي اربعينيات القرن‬ ‫التا�سع ع�شر‪.‬وتراكم ال�سخرية منهم يف‬ ‫ر�أ�س العجوز فريخوفين�سكي او كرامازوف‬ ‫( تورغنيف )‪ .‬وبدقة من النوع الذي نتوقعه‬ ‫م��ن ��ص�ح��ايف م�ث��ل د�ستويف�سكي ؛ وهذا‬ ‫ال�صحايف يف احلقيقة‪ ،‬من امل�ستحيل ان‬ ‫يتوارى كونه روائيا‪،‬امنا العك�س ؛ �سيبقى‬ ‫الروائي يتلب�سه وهو يف ذروته‪ ،‬ف�ضال عن‬ ‫ح�ضوره الدائم‪ ،‬كما لو انه يدرك اجلانب‬ ‫اجل�م��ايل ناهيك ع��ن اجل��ان��ب الفل�سفي يف‬ ‫الرواية‪ .‬وهنا‪ ،‬تكمن ال�صعوبة‪� ،‬إذ يخلق‬ ‫د�ستويف�سكي �ساردين حمليني وبخا�صة‬ ‫يف رواي �ت��ي “ ال�شياطني “ و “االخوة‬ ‫ك��رام��ازوف “ واللتني ت�شريان اىل احداث‬ ‫غ��ري�ب��ة‪ ،‬ك�م��ا ل��و ان�ه�م��ا ق��ادم �ت��ان ال�ي�ن��ا من‬ ‫م�ضان ا�سرار يف املدينة‪ .‬وحتى يف حالة‬ ‫ا�ستخدام ه�ؤالء ال�ساردين‪ ،‬فانه ال ي�ضللنا‬ ‫يف ح�ضور الآخ���ر‪ .‬اع �ن��ي‪ ،‬د�ستويف�سكي‬ ‫ال �� �ص �ح��ايف امل �� �س��رف ال �ع �ن �ي��ف والهجاء‬ ‫املتغطر�س الوطني املنمق واملتنبي والذي‬ ‫ينحدر من الال�سامية‪ ،‬الذي كتب كثريا يف‬ ‫ال�صحافة‪ .‬و ي�شعر امل��رء ان��ه ما زال قادرا‬ ‫على اال�ستمرار يف كتابة الروايات العظيمة‬ ‫ ومل يكن د�ستويف�سكي كاتبا ال ي�ستخدم‬‫اال�ستعارات امللتونية ( ن�سبة اىل ال�شاعر‬ ‫ملتون ‪ -‬املرتجم )‪ ،‬فانه يكتب الروايات‬ ‫يف اجلانب االمين وال�صحافة يف اجلانب‬ ‫االي�سر‪ ،‬فال�صحايف ال�صاخب هو هناك يف‬ ‫عمق ن�صو�ص الروايات‪.‬‬ ‫وثمة روائيون انكليز عملوا ردحا من الزمن‬ ‫يف �شبابهم يف ال�صحافة ب�شكل او ب�آخر‪ ،‬ويف‬ ‫كل االحوال‪ ،‬ان كان يتبادر يف ذهنك اريان‬ ‫يفان�س الذي عمل يف وي�ستمن�سرت ريفيو‪،‬‬ ‫‪ Westminster Review‬او غرام‬ ‫غرين الذي عمل حمررا ثانويا يف التاميز‬ ‫‪،The Times‬او حتى مارتن امي�س‪،‬او‬ ‫االن هونغور�ست يف امللحق االدبي لتاميز‬ ‫‪ .TLS‬فان هذه احلرفة تظهر لنا كا�سلوب‬ ‫ل�صقل كتاباتهم قبل ان تكون لهم اجنحة كي‬ ‫يحلقوا بها كمبدعني‪ .‬فحياة د�ستويف�سكي‬ ‫‪1881-1821‬غري منفتحة بطريقة خمتلفة‪.‬‬ ‫فهوي�ستخدم يف حياته االدب �ي��ة دوري��ات‬ ‫االدب ال��رو��س��ي‪ .‬ولكنه ي�ن��أى بنف�سه عن‬ ‫الزخرفة املذلة والعمل املبتذل‪ .‬وق��د كتب‬ ‫يف جم�ل��ة �سنت بطر�سبريغ غ��ازي��ت‪St ،‬‬ ‫‪ Petersburg Gazette‬يف �شبابه بعد‬ ‫طبع روايته ( امل�ساكني ) ‪،1846‬والروايات‬ ‫بعد كل ذلك‪ ،‬قد هوجمت مبثل هذه التامالت‬ ‫للحالة الراهنة يف العامل‪ .‬كما يف التقاليد‬ ‫االنكليزية وم��ن الطبيعي‪ ،‬ان جن��د كثريا‬ ‫من هذه املقاالت ال�صحافية او يف دوريات‬ ‫ادبية �أُخر‪ .‬ففي رواية ( ذكريات يف بيوت‬ ‫املوتى ) التي تت�ضمن �سنواته االرب��ع يف‬ ‫�سيربيا من ‪ 1849‬فما ف��وق‪ .‬هي �صحافة‬ ‫م��ن ال��درج��ة االوىل‪ ،‬و�سكيجات رحالته‬ ‫املده�شة و(مالحظات ال�شتاء عن انطباعات‬ ‫ال�صيف (‪ )186‬تبعث على االحتقار بامتياز‬ ‫و��ص��ورة دقيقة ع��ن اورب��ا املعا�صرة ويف‬ ‫جوالته يف اورب��ا ب�صحبة زوجته الثانية‬ ‫ال�شابة ا َنا كتب رواية (االبله‪ ).‬وبعد اكماله‬ ‫رواي��ة ( ال�شياطني ) عاد د�ستويف�سكي من‬ ‫جوالته االوروب �ي��ة لي�شغل رئا�سة حترير‬ ‫�صحيفة املواطن‪ .‬واملادة التي كتبها بنف�سه‬ ‫لهذه الطبعة ات�خ��ذت‪ ،‬وال�ت��ي جت��اوزت الـ‬

‫‪�1000‬صفحة وا�ستقامت كتابا حتت عنوان‬ ‫( مذكرات كاتب )وال بد ان رواياته العظيمة‬ ‫قد قرئت يف احلقبة االخرية‪.‬‬ ‫واالح�ت�ج��اج��ات امل�ت�ك��ررة �ضد الف�ساد يف‬ ‫اوروب���ا‪ ،‬وال��دف��اع ع��ن احل��رب وال�سيا�سة‬ ‫الع�سكرية االج�ن�ب�ي��ة ��ض��د امل��ان�ي��ا وتركيا‬ ‫وفوق كل ذلك‪ ،‬رتابة االمي��ان الديني الذي‬ ‫حمله ال��رو���س ع�بر التاريخ ه��ي موا�ضيع‬ ‫�سالفية م�ألوفة لأي ان�سان اطلع على ادب‬ ‫�سبعينيات القرن التا�سع ع�شر‪ .‬وهكذا‪ ،‬فان‬ ‫من يجادل انني اجهل معرفة النا�س‪ ،‬فانني‬ ‫�س�أرد عليه انني ا�سرب �أغوارهم‪ ،‬وب�سببهم‬ ‫انفتحت روحي ت�ستقبل امل�سيح يف داخلي‬ ‫ال��ذي بقي يظهر يف بيت وال� ��ديَ ‪ ،‬اىل ان‬ ‫ف�ق��دت��ه‪ ،‬وحت��ول��ت بعد ذل��ك اىل “ ليربايل‬ ‫اوروب��ي “ وثمة ال نهاية ملثل هذه املرحلة‬ ‫يف ه��ذه ال�صحافة‪ .‬حينما وجدنا انف�سنا‬ ‫نذ ُكرب�شخ�صيات م�سرحية يف رواي ��ات‬ ‫د�ستويف�سكي‪ .‬ولي�س ثمة من ي�ستطيع ان‬ ‫ي�صنف د�ستويف�سكي �صحفيا‪،‬كما �صنفوه‬ ‫روائ�ي��ا‪ .‬وو�صل ذروت��ه عندما ك��ان ع�ضوا‬ ‫يف مدر�سة “ موت االله “ ولي�س هناك‪ ،‬من‬ ‫ي�شك باميانه باحلد االدن��ى ملرحلة ما بعد‬ ‫العلمانية‪ ،‬ومهما يكون ذلك‪ ،‬ومبوازاة ذلك‪،‬‬ ‫فان القارئ الذي تعوزه احل�سا�سية هوالذي‬ ‫يخفق يف ق��راءات رواي��ات د�ستويف�سكي‬ ‫بو�صفها عمال �سرديا‪ ،‬النها حتمل افكارا‬ ‫منفرة ؛ متنح د�ستويف�سكي حرية يتنف�س‬ ‫من خاللها ال�صعداء‪ .‬ويف احلقيقة‪ ،‬يناق�ش‬ ‫ول �ي��ام��ز يف اح ��د اج �م��ل ف���ص��ول��ه‪ ،‬وال ��ذي‬ ‫يعد واح��دا من االه��داف املركزية لدرا�سة‬ ‫د�ستويف�سكي‪ ،‬بو�صفه ك��ات�ب��ا ومفكرا‬ ‫دينيا‪ .‬ود�ستويف�سكي وليامز ه��و من‬ ‫ال��وا� �ض��ح‪ ،‬ب�ن��اء ب�لاغ��ي ع��ن احلرية‪.‬‬ ‫واكت�شاف لغة متكننا من الهروب من‬ ‫التقريرية‪ .‬ووا�ضحة ككتاب البابا‪.‬‬ ‫وع�ل��ى ك��ل ح��ال لي�س ول �ي��ام��ز‪ ،‬وال‬ ‫غ�يره يف نهاية االم��ر‪،‬ق��ادر ان يحل‬ ‫االحجية التي هي احد اال�سباب التي‬ ‫دع��ت د�ستويف�سكي يف ان يبقى كاتبا‬ ‫مهما طال به الزمن‪.‬‬ ‫هل كان د�ستويف�سكي يعتقد ان االن�سان‬ ‫�سيتوقف عن االميان بخلوده او باالله‪.‬‬ ‫وبالتايل‪ ،‬فان كل �شيء �سيكون‬ ‫م �ب��اح��ا؟ او ان ك ��ان ايفان‬ ‫ك� ��ارام� ��ازوف ق ��د �صفى‬ ‫اخ� � ��اه غ�ي�ر ال�شقيق‬ ‫�سمريدياكوف بذريعة‬ ‫واهية‪ ،‬لقتله والده ؟‬ ‫ه��ل د�ستويف�سكي‬ ‫ه� � � � � ��وذات� � � � � ��ه ام‬ ‫هوال�شيطان ؟ او‬ ‫ايفان كارامازوف‬ ‫ب�صورة ال�شيطان‬ ‫ال� ��ذي ي �ق��ول‪ ،‬انه‬ ‫�سيتخلى اىل حد‬ ‫م��ا‪ ،‬عن كل �شيء‪،‬‬ ‫وي� � �ت� � �ح � ��ول اىل‬ ‫�شموع نذر م�شتعلة‬ ‫ل��زوج��ة ال �ت��اج��ر ؟‬ ‫ان ��ه م��ن امل� ��ؤك ��د‪ ،‬ان‬ ‫د�ستويف�سكي‪ ،‬كتب‬ ‫اىل نتاليا فونفيزنيا‪،‬‬ ‫ب �ع��د ف�ت�رة ق �� �ص�يرة من‬ ‫اط�ل�اق ��س��راح��ه م��ن ال�سجن‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫‪ :1854‬ان ك ��ان ث�م��ة اح ��د ي�بره��ن يل ان‬ ‫امل�سيح هو لي�س حقيقة‪ ،‬وان كانت ق�ضيته‬ ‫متثل احلقيقة‪ ،‬ففي ه��ذه احل��ال��ة ا�ستطيع‬ ‫ان اخ �ت��ار ان اك ��ون م��ع امل�سيح اك�ث�ر من‬ ‫اختياري احلقيقة‪ ،‬كيف ي�ستطيع االن�سان‬ ‫ان يعلل االن�ف�ج��ار ال��درام��ات�ي�ك��ي الذاتي‬ ‫لــــدى ال�صحــــايف د�ستويف�ســـــــكي باملقارنــة‬ ‫مع االخرين‪ ..‬احيانا اجلميع‪ ،‬با�ســــتثناء‬ ‫قــــرارات مماثلة‪� ،‬صنعتها �شخ�صيات يف‬ ‫الرواية‪ ،‬هي على �شفا حفرة من االنهيار؟‬ ‫واف�ضل مثال ي�شرحه لنا وليامز هو�شخ�صية‬ ‫م��اري��ا تيموفيفنا ل�ي�ب�ي��ادك�ي�ن��ا ال�شقيقة‬ ‫ال�صغرى املقعدة وال�ساخرة للكابنت ال�سكري‬ ‫يف رواي� ��ة ال���ش�ي��اط�ين‪ .‬وه ��ي اح ��دى اهم‬ ‫ال�شخ�صيات الديكنزية ( ن�سبة اىل الروائي‬ ‫�شارل ديكنز ‪ -‬املرتجم ) يف االعمال الكاملة‬ ‫لد�ستويف�سكي‪ “ .‬ان �شق اللوزتني بطريقة‬ ‫عر�ضية هو بالتاكيد اح��دى اهم احلوادث‬ ‫التي ال تطاق يف الرواية “ ومن خالل م�شهد‬ ‫يبد�أ يف �شبه م�سرحية عندما انفجرت ماريا‬ ‫تيموفيفنا ليبيادكينا يف غرفة ا�ستقبال‬ ‫ارم �ل��ة اجل�ن�رال امل �ح�ترم ب�ع��د ال �ع��ودة من‬ ‫الكني�سة‪ ،‬والقت كلمة �شهرية عن ا�ست�سقاء‬ ‫االر���ض بالدموع التي جلبت اخل�ير‪ .‬حذر‬ ‫وليامز من ان‪ :‬تلك العبارات كانت تت�ضمن‬ ‫عجالة يف تعبري د�ستويف�سكي الروحي‪”.‬‬ ‫واو���ض��ح ول �ي��ام��ز “ ان ب��دع��ة م��اري��ا هي‬ ‫الن االل� ��ه‬ ‫لي�ست هرطقة‬

‫والطبيعة كالهما �شيء واحد” قالت ماريا‬ ‫و�ضربت مثال عن مرمي العذراء “انها امل‬ ‫ال�ساللة االن�سانية‪ ،‬واالم املقد�سة‪ ،‬وهي‬ ‫مبعنى ما‪ ،‬ح�ضور نبوي “و يعلق وليامز‪:‬‬ ‫ولكننا يجب ان نحذر من قراءة كلماتها ان‬ ‫ا�ضطراباتها الثيولوجية هي كثرية على‬ ‫العموم “‪ ،‬وا�ضاف‪ ” :‬و اولئك االخرون‬ ‫اداروا ظهورهم عن الواقع الب�شري‪ ،‬مبا‬ ‫يف ذل��ك ال�ث��وري��ون ال��ذي��ن ت�سببوا يف كل‬ ‫الكوارث ال�شيطانية يف الرواية “‪.‬‬ ‫ان حم��اوالت��ه ه��ذه‪ ،‬هي خلق اح�سا�س يف‬ ‫هذه الر�سالة للقارئ‪ .‬رمبا يريد وليامز ان‬ ‫يظهرحماولة لي�شرح من خاللها م�ضمون‬ ‫الروايات‪ .‬اوال‪ ،‬يبدو يف الغالب كما لو انه‬ ‫كاهن حمرتف ي�سم امل�سكينة ماريا فري�سة‬ ‫لثيولوجيتها النهائية‪ .‬وثانيا‪ ،‬كما لو ان‬ ‫وعيا ب��دا يقرتب هو وع��ي غري مالئم‪ ،‬بيد‬ ‫ان وليامز قد يغري تر�سه‪ :‬ت�أتي قراءة النقد‬ ‫االدبي‪ -‬للقطعة يف وقت ان ماريا كانت يف‬ ‫زمن فنطازي و�ضعت فيه طفال غط�سته يف‬ ‫بركة م��اء‪ ،‬مما جعل وليامز يحاجج رمبا‬ ‫منطقيا يف حد�س قتل �شاتوف الذي ن�سجت‬ ‫ماريا حوله احلكاية‪ .‬وان ج�سده يف �آخر‬ ‫االمر يكون عبارة عن نفاية ترمى يف بركة‪.‬‬ ‫وهي اي�ضا �صدى حكاية يف االجنيل اجنيل‬ ‫متنح الكتاب ع�ن��وان��ه‪� - .‬سقوط غادرين‬ ‫اخل �ن��زي��ر يف ال �ب �ح��ر‪ .‬ب �ي��د ان �ه��ا �صححت‬ ‫ثيولوجيتها كما لو انها عفريت يقود عنان‬ ‫خنزير اىل البحر‪ ،‬بعد ذل��ك حت��ول وليامز‬ ‫اىل االجتاه الآخر‪ .‬عندما طلب �شاتوف من‬ ‫ال�ساحرة �ستافروغني ال�شريرة التوبة وان‬ ‫ت�سقي االر�ض بدموعه‪ .‬انها عالمة العادة‬ ‫ت�صحيح حقيقة �ستافروغني الهاربة من‬ ‫االرت��ب��اط‪ .‬مب��ا ه��و خ ��ارج تفكريه او‬ ‫�ضد رغبته‪ .....‬وكانت ماريا م�صيبة‬ ‫لتو�سع التوافق مع االله والطبيعة‬ ‫كل على حدة‪ ..‬اللعنة ؟‬ ‫ويف م��و� �ض��وع م�ث��ل ه���ذا‪ ،‬ي�شعر‬ ‫امل ��رء ان امل�ع�ل��ق ي �ح��اول ان يقدم‬ ‫د� �س �ت��وي �ف �� �س �ك��ي اك �ث��ر مت��ا� �س �ك��ا‪،‬‬ ‫وباح�سا�س فنان كبري اك�ثر مما كان‬ ‫يف ال��واق��ع‪ ،‬وي���ش�ع��رامل��رء ك�م��ا ل��و انه‬ ‫مثقف غربي مهذب‪ .‬يقدم �صديقه الرو�سي‬ ‫ال�ع�ظ�ي��م ل �ن��ا‪،‬يف امل �ق��اب��ل‪ ،‬ي�صرخ‬ ‫د�ستويف�سكي كما لوانه على‬ ‫و�شك حالة من ال�صرع‪ .‬او‬ ‫انه بحاجة اىل نقود من‬ ‫على منا�ضد القمار‪،‬‬ ‫او ي�صرخ ب�شتيمة‬ ‫� �ض��د ال�لا� �س��ام �ي��ة‪.‬‬ ‫ون� � �ت� � ��� � �ص � ��ور ان‬ ‫ول � �ي� ��ام� ��ز ي � � ��ؤدي‬ ‫ت �ع �ل �ي �ق��ات��ه كتتمة‬ ‫ف �ق��رة ذك �ي��ة يف “‬ ‫‪Dean and‬‬ ‫‪”C h a p t e r‬‬ ‫و يف حل � �ظ� ��ات‬ ‫ن��ادرة اطلق وليامز‬ ‫ن�غ�م��ات�ه��ا يف اغلب‬ ‫��ص�ف�ح��ات ال ��رواي ��ة‪.‬‬ ‫فاننا ن�شعر يف داخلنا‬ ‫ثمة ��ش��يء خ��ارق يف‬ ‫الروايات‪ ،‬و يف العقل‬ ‫الذي انتجها‪ .‬وثمة �شحنة‬ ‫كهربائية تتخلل ف�صول وليامز‬

‫يف تعامل د�ستويف�سكي م��ع ال�شيطان‪.‬‬ ‫ويف ت��و� �ض �ي �ح��ه ل �ل �ت �ج��دي��ف وع� ��ن عمق‬ ‫جت�سيد ال�شخ�صية الرو�سية وب�صورة‬ ‫ادق ك��ان د�ستويف�سكي ي�ح��اول الوقوف‬ ‫بوجه حتمية القرن التا�سع ع�شر ليحرر‬ ‫�شخ�صياته وق ّراءه من موت االنظمة‪ .‬وقد‬ ‫اتخذ خماطرة التفكيك‪.‬ولذلك ال�سبب‪ ،‬فان‬ ‫حم��اول��ة ا�ستخال�ص االح�سا�س منه هي‬ ‫مهمة تبعث على ال�شهية‪.‬‬ ‫ويف نهاية كتابه‪ ،‬يقتطف وليامز ق�صة‬ ‫رائ �ع��ة‪ ،‬ي�خ�برن��ا فيها د�ستويف�سكي يف‬ ‫كتابه‪ ،‬م��ذك��رات كاتب‪ “ 1873 ،‬املواطن‬ ‫رقم ‪ “ 4‬بطلها فالح �شاب يغامر بجر�أة‪.‬‬ ‫لي�ستلم ح�صته من الع�شاء الرباين‪ ،‬ولكنه‬ ‫ال يتناوله‪ ،‬وب��دال من ان يحقق مغامرته‪،‬‬ ‫ي��أخ��ذ رغيف اخلبز املقد�س‪ ،‬ي�ضعه على‬ ‫ع�صا‪ ،‬ويطلق عليه النار‪ .‬وبينما هو يفعل‬ ‫ذلك‪ ،‬يرى ج�سدا م�صلوبا يخرج من مكان‬ ‫ك�سرة اخلبز‪ ،‬فيغمى عليه‪.‬‬ ‫ي���س�ت�خ��دم ول �ي��ام��ز ه���ذه ال �ق �� �ص��ة ليقدم‬ ‫ل�ن��ا حتليال ر��ش�ي�ق��ا‪ ،‬ع��ن ط��ري�ق��ة االفعال‬ ‫التجديفية املقارنة يف ال��رواي��ات( ي�ضع‬ ‫فيديكا ج ��رذا يف اي�ق��ون��ة زجاجية‪،‬على‬ ‫�سبيل املثال يف رواية ال�شيطان ) ويحذرنا‬ ‫من ال�سلوك الذي ميكن ان تكون احلقيقة‬ ‫الدينية فيه متخيلة‪ .‬مثل ن�سيج ق�ص�ص‬ ‫زو�سيما‪ ،‬وم��ارك�ي��ل‪ ،‬واليو�شا‪ ،‬وميتيا‪.‬‬ ‫وه� ��ي م��ق��االت��ه ال �ن��ا� �ض �ج��ة يف تخييل‬ ‫املقد�س ‪ -‬ولي�س بب�ساطة يف �أال يتناول‬ ‫�شخ�صية واح��دة “ منجزة “ بالرغم من‬ ‫االهمية املحورية لزو�سيما‪ ،‬ولكن‪ ،‬على‬ ‫وج��ه الدقة‪ ،‬يتناول التفاعل واالنعكا�س‬ ‫النا�ضجني يف ح�ي��اةه��ذه ال�شخ�صيات‪.‬‬ ‫“ وك��ان املو�ضوع رائعا‪ ،‬ولكن‪� ،‬صدمة‬ ‫ق�صة اطالق الفالح النارعلى لقمة الع�شاء‬ ‫الرباين‪ ،‬كما ي�صر د�ستويف�سكي عليها‪ ،‬هي‬ ‫ا�ستثنائية رو�سية‪ .‬فان الفالح الذي يحمل‬ ‫بندقية‪ ،‬وبتحديه‪ ،‬وبندمه امل ��روع‪ ،‬هو‬ ‫رجل ي�ؤمن باحلقيقة النهائية للم�سيح‪،‬يف‬ ‫القربان املقد�س‪ ،‬الذي ارتكب فعل اطالق‬ ‫النار‪ .‬رمبا‪ ،‬ان واحدة من اعمق غمو�ضات‬ ‫ع�صورنا‪ ،‬هي لي�ست علمانيات الداروينية‪،‬‬ ‫ال �ت��ي ت��وىل ال��دك �ت��ور وليامزمهمتها يف‬ ‫م��ق��دم��ات ك �ت �ب��ه‪ ،‬وب� � ��رزت يف حت��دي��ات‬ ‫التقاليد الدينية يف عهد م��ا بعد احلركة‬ ‫التنويرية يف انكلرتا لتهز�أ من �سذاجة‬ ‫العقل االمريكي يف اال�سلوب التب�شريي‪.‬‬ ‫ان االميان االرثوذوك�سي الرو�سي‪ ،‬الذي‬ ‫ك ��ان ف �ي��ه د�ستويف�سكي م�صيبا يف ان‬ ‫ي��رى �شيئا ما خمتلفا‪،‬يف النوع‪،‬عن دين‬ ‫ال�شعوب االخرى‪ ..‬فقد جايل قرنا تقريبا‪،‬‬ ‫ع���ص��ر ال�ع�ل�م��ان�ي��ة امل��ارك �� �س �ي��ة‪ ،‬واحل ��رب‬ ‫االهلية‪ ،‬والكوارث‪،‬واملجاعة‪ ،‬وحماولة‬ ‫الق�سوة الجتثاث ال ��روح ال��رو��س�ي��ة‪ ،‬عن‬ ‫طريق اال�ضطهاد وبرامج نظريات الرتبية‬ ‫املادية‪�،‬سواء كانت الثقافية الغربية ت�ؤمن‬ ‫بها ام ال‪ .‬ومل يكن االحت ��اد ال�سوفييتي‬ ‫يف عجالة م��ن ام��ر ان�ف�ج��اره او معاودة‬ ‫الظهور ب��ر�ؤي��ة كاملة‪ .‬ويبدو ان كني�سة‬ ‫زو�سيما والبابا تكهون قد تعززت بوا�سطة‬ ‫تعذيباتها ‪ -‬مت��ام��ا‪ ،‬كما ه��و احل ��ال‪ ،‬يف‬ ‫رواي��ات د�ستويف�سكي التي تعج بالقتلة‪،‬‬ ‫وال�سكارى‪ ،‬واالنتحارات‪ ،‬والتجديفات‪،‬‬ ‫ويف احلقيقة �سارعت يف تر�سيخ اميان‬ ‫من ال�صعوبة مبكان ازالته‪.‬‬

‫�إ ّال �أنني وج��دت نف�سي �أميل �إىل موقف‬ ‫ل��ون��اج��ار� �س �ك��ي‪ ،‬و�أخ �ت �ل��ف م��ع فر�ضية‬ ‫ب��اخ�ت�ين‪ ،‬خ��ا��ص� ًة ب�ع��د م��راج�ع�ت��ي للكثري‬ ‫م ��ن ال �ن �� �ص��و���ص امل �� �س��رح �ي��ة ال �ع��امل �ي��ة‪،‬‬ ‫القدمية واحلديثة‪ ،‬بحث ًا عن مناذج تنزع‬ ‫�إىل ال�ت�ع��ددي��ة ال�صوتية‪� ،‬أو ت�ق��وم على‬ ‫امل �ب��د�أ احل ��واري يف مكوناتها البنيوية‬ ‫والأ�سلوبية‪ .‬ووجدت قول ًة لروالن بارت‪،‬‬ ‫تدعم فر�ضيتي‪ ،‬وردت يف �سياق �إحدى‬ ‫مقاالته مفادها «�أن امل�سرح ي�ش ّكل مو�ضوع ًا‬ ‫�سميائي ًا متميز ًا‪� ،‬إذ �أن نظامه يبدو يف‬ ‫ال�ظ��اه��ر �أ��ص�ي� ً‬ ‫لا ( �أي متعدد الأ� �ص��وات)‬ ‫م�ق��ارن� ًة بنظام اللغة الأف �ق��ي الأح� ��ادي»‪.‬‬ ‫ور�أيت �أن بارت ي�شري يف قولته �إىل الكثافة‬ ‫العالمية‪ ،‬وكرثة مراكز الإر�سال‪ ،‬وتنوع‬ ‫ال�شفرات وال �ب ��ؤر ال��درام�ي��ة يف اخلطاب‬ ‫امل�سرحي (املكتوب �أو امل�ؤدى)‪ ،‬وت�ساءلت‪:‬‬ ‫�أي ��ن جن��د م�ث��ل ال�شخ�صيات امل�سرحية‬ ‫امل �ت �ب��اي �ن��ة يف م��واق �ف �ه��ا‪ ،‬وتوجهاتها‪،‬‬ ‫ورغباتها‪ ،‬وم�ستوياتها الذهنية‪ ،‬وت�ضارب‬ ‫�إرادات �ه��ا وم�صاحلها‪ ،‬واخ�ت�لاف وجهات‬ ‫نظرها‪ ،‬وتعدد ر�ؤاه��ا للعامل؟ �إن امل�سرح‬ ‫ف�ضاء جمايل‪ -‬داليل لتمظهرات خطابية‬ ‫مفرطة يف الالجتان�س‪ ،‬تتنافر وتتعاي�ش‪،‬‬ ‫وتدخل يف عالقة حوارية تف�ضي دائم ًا �إىل‬ ‫نتيجة ما مغلقة �أو مفتوحة‪ ،‬وجت�سد هذه‬ ‫التمظهرات �أمناط ًا متعدد ًة من التناق�ضات‬ ‫االجتماعية والأي��دي��ول��وج�ي��ة التي مت ّثل‬ ‫منظورات غريية‪ .‬وهو‪� ،‬أي امل�سرح‪� ،‬ش�أنه‬ ‫� �ش ��أن ال��رواي��ة‪ ،‬ميكنه �أن يجمع لهجات‬ ‫عدة‪ ،‬ولغات لأجنا�س خمتلفة‪ ،‬ويحت�ضن‬ ‫�أجنة التعدد الأ�سلوبي (ر�سمي‪ ،‬مبا�شر‪،‬‬ ‫�إيحائي‪� ،‬ساخر‪� ،‬شعري‪ ،‬ف�ض‪ ،‬طنان‪...‬‬ ‫�إل��خ)‪ ،‬ويت�ضمن‪ ،‬وراء م�ستواه الأمل�س‬ ‫الأح� � ��ادي ال �ل �غ��ة‪ ،‬ن �ث�ر ًا ذا �أب� �ع ��اد �شتى‬ ‫مر�صعة بجمل‪ ،‬وكلمات‪ ،‬وعبارات كبرية‬ ‫و� �ص �غ�يرة‪ ،‬وت �ع��ري �ف��ات‪ ،‬ون �ع��وت مفعمة‬ ‫بنوايا غريية‪ ،‬بحيث يبدو خطاب الكاتب‬ ‫املبا�شر واخلال�ص �أ�شبه بجزيرة �صغرية‪-‬‬ ‫ح�سب تعبري باختني نف�سه‪ -‬مغمورة من‬ ‫كل �أطرافها ب�أمواج التعدد ال�صوتي‪.‬‬ ‫�أف�ضت مراجعتي للن�صو�ص امل�سرحية التي‬ ‫حتتويها مكتبتي �إىل اكت�شاف مناذج كثرية‬ ‫تتخللها‪� ،‬أو تندرج �ضمنها �أجنا�س تعبريية‬ ‫(ق�صائد‪ ،‬حكايات‪� ،‬أ�ساطري‪ ،‬حكم‪� ،‬أغان‪،‬‬ ‫�أق ��وال م ��أث��ورة‪� ،‬أمثلة �شعبية‪ ،‬مذكرات‪،‬‬ ‫اع�ت�راف��ات‪ ،‬ر� �س��ائ��ل‪ ،‬ن�صو�ص دينية‪...‬‬ ‫�إلخ) تعاك�س مركزيتها اخلطابية‪ ،‬وتك�سر‬ ‫انغالقها املونولوجي‪ ،‬كما وجدت يف بع�ض‬ ‫الن�صو�ص ا�ستح�ضار ًا ل�شخ�صيات تنتمي‬ ‫�إىل ع�صور وثقافات خمتلفة‪ ،‬وخطابات‬ ‫�أدب�ي��ة وغ�ير �أدب�ي��ة‪ ،‬و�أ� �ص��وات ت�شري �إىل‬ ‫�أن��واع املهن وال�صنائع « ُينظر اليها‪ ،‬قبل‬ ‫كل �شيء‪ ،‬على �أنها وجهات نظر م� ِ ّؤولة‪،‬‬ ‫ومنتجة ملفهومات لفظية بو�صفها خطابات‬ ‫م�أهولة م�سبق ًا بنوايا الآخ��ري��ن‪ ،‬يرغمها‬ ‫الكاتب على خدمة نواياه اجلديدة‪ ،‬لكنني‬ ‫لأ�سباب �إجرائية انتخبت منوذجني فقط‬ ‫هما‪« :‬ال�ك�ترا» ل�سوفوكلي�س‪ ،‬من الدراما‬ ‫القدمية‪ ،‬و"نحن والواليات املتحدة" لبيرت‬ ‫بروك‪ ،‬من الدراما احلديثة‪ .‬وحاولت‪ ،‬من‬ ‫خالل هذين النموذجني‪ ،‬ت�أكيد فر�ضيتي يف‬ ‫درا�سة حتليلية �أ�سميتها «تعدد الأ�صوات‬ ‫يف اخل�ط��اب امل�سرحي‪ :‬فر�ضية مغايرة‬ ‫لباختني» كتبتها عام ‪ ،1993‬و ُن�شرت يف‬

‫شعرية "دوستويفسكي"‬ ‫وبوليفونية المسـرح‬ ‫* عواد علي‬

‫كاتب عراقي مقيم يف كندا‬ ‫العدد اليتيم من دورية «الدراما» الأردنية‬ ‫عام ‪ ،1996‬ثم يف كتابي «غواية املتخ ّيل‬ ‫امل���س��رح��ي» ال �� �ص��ادر ع��ن امل��رك��ز الثقايف‬ ‫العربي عام ‪.1997‬‬ ‫قادتني قراءتي للن�ص الأول �إىل حتديد‬ ‫جم�م��وع��ة م��ن عنا�صر ال�ت�ع��دد ال�صوتي‬ ‫خال�صتها‪ :‬ا�ستح�ضار �صوت «�أبولون» يف‬

‫ح��وار «�أور�ست�س»‪ ،‬بو�صفه �صوت ًا مي ّثل‬ ‫ذات � ًا غريي ًة فاعل ًة متتلك منظور ًا خا�ص ًا‬ ‫خ ��ارج ك�ي��ان �شخ�صية «�أور� �س �ت ����س»‪� ،‬أو‬ ‫وعيه‪ ،‬وا�ستح�ضار �صوت «كلوتيمن�سرتا»‬ ‫يف ح��وار «ال �ك�ترا» م��ع اجل��وق��ة‪ ،‬بو�صفه‬ ‫� �ص��وت � ًا �آخ � ��ر‪ ،‬واخ� �ت�ل�اف وج �ه �ت��ي نظر‬ ‫«الكرتا» و�أختها «كرو�سوتيمي�س»‪ ،‬وتباين‬

‫موقفيهما من خيانة �أمهما‪ ،‬و�إدراج ق�صة‬ ‫ر�ؤية «كلوتيمن�سرتا» لزوجها «�أجاممنون»‬ ‫يف ح� ��وار «ك��رو� �س��وت �ي �م �ي ����س» ن �ق� ً‬ ‫لا عن‬ ‫�أن��ا���س �سمعوها ت�ن�ب��أ ب�ه��ا �إل ��ه ال�شم�س‬ ‫«اليو�س»‪ ،‬وت�ضمني �أ�سطورة قدمية يف‬ ‫ح ��وار اجل��وق��ة ح��ول ج��د «�أج��امم �ن��ون»‪،‬‬ ‫و�إدراج ق�صة عن «�أجاممنون» يف حوار‬

‫«ال�ك�ترا» �سمعتها من «�أرتيم�س» ترويها‬ ‫لأم �ه��ا‪ ،‬و�إ� �ش��ارة اجل��وق��ة �إىل ق�صة امللك‬ ‫«�أنفارو�س»‪ ،‬وت�ضمني مفرت�ض لأ�صوات‬ ‫بع�ض النا�س يف حوارات «الكرتا» تف�صح‬ ‫ع��ن وج �ه��ات ن�ظ��ر م�ستقلة جت��اه موقف‬ ‫ال�شقيقني «بولينيك�س» و»�أتيوكلي�س»‬ ‫م��ن مقتل �أبيهما‪ ،‬وخيانة �أم�ه�م��ا‪ ،‬ف�ض ًال‬ ‫عن كونها �إ��ش��ارة �إىل ذوات غريية فاعلة‬ ‫حتظى بوجود مو�ضوعي‪ ،‬وقيمة داللية‬ ‫كاملة خارج وعي ال�شخ�صية املتكلمة‪.‬‬ ‫�أم��ا يف ن�ص «نحن وال��والي��ات املتحدة»‪،‬‬ ‫ال ��ذي �شغلت ق��راءت��ه اجل ��زء الأك �ب�ر من‬ ‫ال��درا� �س��ة‪ ،‬فقد �صنفت امل�ظ��اه��ر املتعددة‬ ‫وامل�ت�ن��وع��ة للم�ستوى ال�ب��ول�ي�ف��وين فيه‬ ‫�إىل‪� :‬أجنا�س تعبريية (�أغ��اين‪� ،‬أ�ساطري‪،‬‬ ‫حكايات‪ ،‬ق�صائد‪� ،‬أمثلة �شعبية تتداخل‬ ‫�ضمن ت�أليف �سيمفوين درام��ي متكامل‪،‬‬ ‫وتندمج يف وح��دة تركيبية متما�سكة مع‬ ‫املظاهر احلوارية الأخرى‪ .‬ويج�سد بع�ض‬ ‫هذه الأجنا�س التعبريية املنظور الأمريكي‬ ‫يف ال�صراع‪ ،‬يف حني يج�سد بع�ضها الآخر‬ ‫املنظور الفيتنامي)‪ ،‬وخطابات غري �أدبية‬ ‫تت�ألف من‪�( :‬أرق��ام‪� ،‬إح�صاءات جغرافية‪،‬‬ ‫وث��ائ��ق ت��اري�خ�ي��ة و��س�ي��ا��س�ي��ة‪ ،‬برقيات‪،‬‬ ‫وتقارير �صحفية تهدف �إىل �إظهار خلفيات‬ ‫ال�صراع واحلرب)‪ ،‬وتعدد ل�ساين و�إجنا�سي‬ ‫(يت�ضمن الن�ص حوارات باللغة الفيتنامية‪،‬‬ ‫�إ�ضافة �إىل االنكليزية)‪ ،‬وتباين يف وجهات‬ ‫النظر (يحمل الن�ص وجهات نظر متباينة‬ ‫تف�صح عنها‪� ،‬أو توحي بها ال�شخ�صيات‬ ‫يف ر�ؤاه� ��ا ل�ل���ص��راع ال��دائ��ر ب�ين �أط ��راف‬ ‫النزاع‪� ،‬أو للقوى امل�ساهمة فيه‪ ،‬و�أهدافه)‪،‬‬ ‫وا�ستح�ضار �شخ�صيات وملفوظات غريية‬ ‫(ال�شخ�صيات الدائمة احل�ضور يف الن�ص‬ ‫ال متثل نف�سها بو�صفها �شخ�صيات درامية‬ ‫ثابتة‪ ،‬ب��ل بو�صفها �شخ�صيات متحولة‬ ‫(�أقنعة) تعر�ض علينا �شخ�صيات غريية‬ ‫ع�بر لعبة م�سرحية م�ستمرة ت�ق��وم على‬ ‫تبادل الأدوار‪ ،‬او ا�ستح�ضار �شخ�صيات‬ ‫تنتمي �إىل �أزم �ن��ة و�أم �ك �ن��ة خمتلفة‪� ،‬أو‬ ‫ترديد خطاباتها و�ألفاظها‪ ،‬ن�ص ًا‪ ،‬توكيد ًا‬ ‫ال�ستقاللية �أ�صواتها)‪.‬‬ ‫لقد ا�ستقبلت الدرا�سة‪ ،‬يف حينها‪ ،‬مبواقف‬ ‫و�آراء مت�ضاربة‪ ،‬فعدّها بع�ض الأ�صدقاء‬ ‫م��ن ال�ن�ق��اد وامل���س��رح�ي�ين حم��اول � ًة نقدي ًة‬ ‫جريئ ًة وناجح ًة لإثبات التعددية ال�صوتية‬ ‫يف اخلطاب امل�سرحي‪ ،‬بينما عدّها بع�ضهم‬ ‫الآخ ��ر حم��اول��ة لإب���راز «ع���ض�لات نقدية»‬ ‫هدفها االخ�ت�لاف م��ع موقف ناقد ومنظر‬ ‫كبري ه��و باختني لي�س �إ ّال‪ .‬وم��ن �أغ��رب‬ ‫الآراء التي قر�أتها يف مقال لكاتب مل �أ�سمع‬ ‫با�سمه من قبل ن�شره يف احدى ال�صحف‬ ‫العربية‪ ،‬بعد �صدور كتابي‪ ،‬ر�أي مفاده‬ ‫�أنني ناقد «ق�صري القامة» �أتطاول على ناقد‬ ‫«عمالق»‪ ،‬ملأ الدنيا و�شغل النا�س بنظريته‬ ‫حول تعدد الأ�صوات يف الرواية‪ ،‬وغيابه‬ ‫عن امل�سرح‪ ،‬ولو كانت فر�ضيتي �صحيحة‪،‬‬ ‫وهي قطع ًا غري �صحيحة‪ ،‬ح�سب تعبريه‪،‬‬ ‫ل�سبقني يف �إب�ط��ال فر�ضية باختني نقاد‬ ‫غربيون �أكرث دراي ًة مني!‬ ‫* حملت طبعة «دار توبقال‬ ‫للن�شر» من الكتاب يف العام‬ ‫نف�سه عنوان «�شعرية‬ ‫دو�ستويف�سكي‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪12‬‬

‫‪13‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫نــذير جعفــر‬ ‫ا�صغ � ّ‬ ‫علي‪ ،‬ف�أنا كتاب‪،‬‬ ‫إيل قليال �أيها ال�صديق‪� ،‬أرجوك اقر�أين‪ ،‬حاول �أن تفهمني ومتلأ الفراغات ما بني ال�سطور‪..‬ال‬ ‫ّ‬ ‫تت�سرع يف احلكم ّ‬ ‫مير يف حياتك مرورا عابرا‪ ،‬ومنها ما يرتك و�شما عميقا ال‬ ‫جمرد كتاب مل تنته بعد من قراءته! ما �أ�شبه الكتب بالأ�صدقاء‪ ،‬منها ما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ميحى مع الزمن‪ ،‬وبني هذا وذاك تقر�أ كثريا وتعا�شر كثريا وتظل تراهن على الأجمل الذي قد ي�أتي �أو ال ي�أتي!‬ ‫ّ‬ ‫لدي؟ كتاب �أ�شتاقه و�أ�ستظل به و�أعود �إليه بني وقت و�آخر؟‬ ‫هل ثمة كتاب واحد‬ ‫مف�ضل ّ‬ ‫نعم‪ ،‬وال‪ ،‬يف الوقت نف�سه! فثمة كتب عدة �أ�شتاقها و�أعود �إليها‪ ،‬كتب ال �أ�ستطيع التخلي عنها مثل الأ�صدقاء القدامى برغم ّ‬ ‫تنكري لهم‬ ‫�أو ّ‬ ‫اخلفي واملعلن على مدى �سنوات طوال‪.‬‬ ‫تنكرهم يل‪ ،‬كتب �أدمنتها و�أدمنتني ال بحكم العادة بل بحكم التوا�صل‬ ‫ّ‬

‫بين كوميديا دانتي‬ ‫وكرامازوف ودستويفسكي‬

‫بع�ض تلك الكتب ارتبط بالطفولة فكان‬ ‫�أولها و�آخرها "القر�آن الكرمي"‪ .‬وبع�ضها‬ ‫ارتبط ب�أيام ال�شباب الثمل من دون نبيذ‬ ‫على ح � ّد تعبري (غ��وت��ه)‪ ،‬ي��وم ك ّنا نغرق‬ ‫يف ح��وارات ال تنتهي عن تغيري العامل‪،‬‬ ‫فرنت�شف الكلمات والأف �ك��ار م��ع فناجني‬ ‫القهوة‪ ،‬ونتبارى يف قراءة غوركي وبلزاك‬ ‫وجاك لندن وحتى تروت�سكي‪ ،‬وما مل نكن‬ ‫نتمكن من �شرائه ك ّنا ن�سطو عليه بطريقة‬ ‫ما‪ ،‬ن�ستعريه �أو ن�سرقه يف غفلة من البائع‬ ‫عرب حقائب �صديقاتنا الرائعات يف ذلك‬ ‫الزمن الرومان�سي اجلميل‪� ،‬أو نكتبه بخط‬ ‫اليد كما فعل �صديقنا ح�سني ال�شيخ الذي‬ ‫النواب و�سليم بركات‬ ‫دون �أعمال مظ ّفر ّ‬ ‫ّ‬ ‫كلها ّ‬ ‫بخطه اجلميل ثم �أه��داين �إياها يف‬ ‫حلظة ت�ألق ومودّة عارمة! وبع�ضها ارتبط‬ ‫ب��ال�ك�ه��ول��ة امل �ب � ّك��رة‪ ،‬ح�ي��ث ب ��د�أ االختيار‬ ‫الدقيق لكل كتاب ي�أخذ ح ّيزا من التفكري‬ ‫والت�أ ّمل‪ ،‬وما بني ال�شباب والكهولة كم من‬ ‫كتاب ارتبط بذكرى قبلة ووردة‪� ،‬أو �صفعة‬ ‫ون�صل بارد يف القلب! ومن �أين للمرء �أن‬ ‫يع ّد القبل وال�صفعات؟ ولكن ال ب�أ�س يف‬ ‫النهاية م��ن و��ض��ع ح � ّد ل�ه��ذا اال�سرت�سال‬ ‫النو�ستالوجي واالع�ت�راف �أوال و�أخريا‬ ‫ب��أن د�ستويف�سكي يف رواي�ت��ه‪" :‬ذكريات‬ ‫عيني‬ ‫من بيت املوتى"كان �أول من فتح‬ ‫ّ‬ ‫على احلياة يف ق�سوتها ونبلها‪ ،‬و�أن دانتي‬ ‫يف "الكوميديا الإلهية" كان �أول من و�ضع‬ ‫ح �دّا لت�صوري ال�ساذج عن ح��دود اجلنة‬ ‫وال �ن��ار‪ .‬وم��ا ب�ين د�ستويف�سكي ودانتي‬ ‫م� � ّرت م�ي��اه ك�ث�يرة م��ن حت��ت اجل���س��ر‪ ،‬مل‬ ‫يكن �أولها �سرفانت�س يف "دون كيخوته"‪،‬‬ ‫�أو �شيللر يف "الل�صو�ص"‪ ،‬وال �آخرها‬ ‫ميخائيل نعيمة يف "�سبعون"‪� ،‬أوجنيب‬ ‫حمفوظ يف "قلب الليل" �أوعبد الرحمن‬ ‫املتو�سط"‪.‬‬ ‫منيف يف"�شرق‬ ‫ّ‬ ‫يف ذك ��ري ��ات م��ن ب �ي��ت امل��وت��ى �أدخلني‬ ‫د�ستويف�سكي م�ستعمرة العقاب الرهيبة‬ ‫يف �أوم�سك ال�سيبريية‪ ،‬تلك امل�ستعمرة‬ ‫ال�ت��ي يحتمل فيها الإن �� �س��ان م��ن العذاب‬ ‫الت�صور! ولعل هذا ما دفعه‬ ‫املهني ما يفوق‬ ‫ّ‬ ‫�إىل ال�ق��ول‪�« :‬إن الإن�سان ليذل حتى �أنه‬ ‫يعتاد كل �شيء»! بلى‪� ،‬إنه يعتاد كل �شيء‪،‬‬ ‫الأمل وال��ذل واجل��وع وال�ك��ذب واخليانة‬ ‫والتعذيب �إىل �أب�ع��د احل ��دود! ول�ك��ن يف‬ ‫حلظة ما يقف فوق جراحه ويث�أر لكرامته‬ ‫امل� �ه ��دورة ب�ط��ري�ق��ة م ��ا‪ ،‬ويف ذل ��ك تكمن‬ ‫عظمته‪.‬‬ ‫ما يده�ش يف "ذكريات من بيت املوتى"‬ ‫لي�س م�شاهد التعذيب اجل�سدي والنف�سي‬ ‫ل�سجناء ال � ��ر�أي ال��رادي �ك��ال �ي�ين �أوع �ت��اة‬ ‫امل �ج��رم�ين يف ذل ��ك اجل �ح �ي��م‪ ،‬وال �صور‬ ‫الإذالل اليومي‪ ،‬وال م�شاهد الإع��دام رميا‬

‫بالر�صا�ص‪ ،‬وال ال �ق��درة على االحتمال‬ ‫فح�سب‪� .‬إن ما يده�ش هو ذل��ك الإ�صرار‬ ‫على احلياة‪ ،‬الإ�صرار على البقاء‪ ،‬الإ�صرار‬ ‫على احللم يف نفق معتم ال بداية �أو نهاية‬ ‫له!‬ ‫عندما ق ��ر�أ اب��ن الإم�ب�راط ��ور الرو�سي‬ ‫رواية د�ستويف�سكي تلك �أعلن غ�ضبه على‬ ‫ما يجري‪ ،‬و�أبلغ وال��ده ب�ضرورة و�ضع‬ ‫ح��د ل�ه��ذا االم�ت�ه��ان ل�ك��رام��ة الب�شر‪ ،‬ومن‬ ‫يومها �أوق��ف الإم�براط��ور العمل بقانون‬ ‫(القنانة)‪ ،‬و�أو� �ص��ى بوقف التعذيب يف‬ ‫ال�سجون حتت �أية ذريعة كانت!‬ ‫ال يحاول د�ستويف�سكي �أن يقدّم رواية عرب‬ ‫حبكة تقوم على عقدة وحل‪ ،‬كما ال ين�صب‬ ‫�شباك الت�شويق ال�صطياد ُقرائه‪� ،‬إنه ي�سرد‬ ‫ما ي�شبه املذ ّكرات القا�سية وامل ّرة من دون‬ ‫رتو�ش‪ ،‬مذ ّكرات تتوغل يف عمق الإن�سان‬ ‫وت�ستبطن ن��وازع��ه ال�شر ّيرة واخل�ّي�ررّ ة‪،‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫وت��ر� �س��م من� ��اذج ب �� �ش��ري��ة ب �ح � ّد ال�سكني‬ ‫امل��ره��ف‪ ،‬لتقدّمها عارية و�صادمة يف �آن‬ ‫م�ع��ا‪ ،‬من��اذج ي��رى فيها امل��وه�ب��ة والذكاء‬ ‫والتف ّرد الذي ّ‬ ‫�ضل الطريق‪� ،‬أو وجد نف�سه‬ ‫فج�أة ره��ن االعتقال والأح�ك��ام اجلائرة‪.‬‬ ‫ولذا فقد ت�ساءلت غري مرة و�أنا �أقر�أ‪� :‬أين‬ ‫ه��و ال��واق��ع و�أي��ن ه��و اخل �ي��ال؟ �ألي�س ما‬ ‫ير�صده الكاتب من تفا�صيل �صغرية يف‬ ‫حياة ه ��ؤالء ال�سجناء يفوق ما ميكن �أن‬ ‫نتخ ّيله؟ ثم �ألي�س ال�صدق الف ّني والعاطفي‬ ‫واملعرفة العميقة بالإن�سان واحلياة وراء‬ ‫ذلك الت�ألق ال�سردي الذي ي�أ�سرنا دائما عند‬ ‫د�ستويف�سكي؟‬ ‫تبدو هذه الرواية ل�صيقة بحياة امل�ؤلف‬ ‫ال��ذي ُ حكم عليه ب��الإع��دام ب�سبب �أفكاره‬ ‫الثورية‪ ،‬وجنا يف اللحظة الأخ�يرة التي‬ ‫�سبقت �إط�ل�اق الر�صا�ص عليه! ث��م ُنفي‬ ‫بعد ذلك �إىل �سيبرييا مل�دّة �أربعة �أعوام‪،‬‬

‫ودون فيها م�شاهداته وت�أمالته ومذكراته‬ ‫ّ‬ ‫التي �أثمرت فيما بعد هذا ال�سفر الإبداعي‬ ‫املمتع والرهيب‪.‬‬ ‫الآن‪ ،‬وبعدما �أ�ضعت �أو ف ّرطت مبكتبتي‬ ‫للم ّرة الثالثة‪� ،‬أع��ود لأكت�شف �أن من بني‬ ‫ت�ل��ك ال�ك�ت��ب ال�ق��دمي��ة ال�ت��ي ح��ر��ص��ت على‬ ‫االح �ت �ف��اظ ب�ه��ا بق�صد �أو م��ن غ�ير ق�صد‬ ‫رواي� ��ة دو��س�ت��وي�ف���س�ك��ي‪" :‬ذكريات من‬ ‫بيت املوتى"‪ ،‬ولك�أنها قاومت كل اله ّزات‬ ‫العنيفة التي اعرت�ضت حياتي من ت�ش ّرد‬ ‫و�سفر وتن ّقل دائم بني بيت و�آخر‪ ،‬و�صمدت‬ ‫لتقول يل‪ :‬ما زلت وفية لك �أيها ال�صديق‪،‬‬ ‫يا من احت�ضنني و�أحبني وب ّلل �صفحاتي‬ ‫َ‬ ‫يتخل ع ّني يوما ما!‬ ‫بدموعه ومل‬ ‫مع دانتي لي�س ثمة م ّت�سع للدموع‪ ،‬فهو‬ ‫يدعوك �إىل ال�ت��أ ّم��ل‪ ،‬ورمب��ا ّ‬ ‫يلف �أعماقك‬ ‫ب�سحابة م��ن احل ��زن ال�شفيف‪ ،‬ويح ّثك‬ ‫على الت�سا�ؤل املعريف والوجودي املثري‪:‬‬

‫«وبعد‪»..‬؟ نعم‪ ،‬هناك اجلنة �أو الفردو�س‪،‬‬ ‫وهناك اجلحيم �أو النار �أي�ضا‪ ،‬ولكل منهما‬ ‫م��ري��دوه��ا ع��ن علم �أو ع��ن جهل‪ ،‬وللجنة‬ ‫ع�شاقها وللنار وق��وده��ا‪ ،‬ف�أين �أن��ت �أيها‬ ‫القارئ من االثنتني؟‬ ‫دانتي‪ ،‬هذا ال�شاعر النبيل �إىل ح ّد البكاء‪،‬‬ ‫يبدع ن�سق ًا �أو ف�ضا ًء رحيم ًا‪ ،‬ال عالقة له‬ ‫باجلنة وال بالنار‪ ،‬فقد حت�دّث عنهما كما‬ ‫وف�صل يف ذلك‪،‬‬ ‫حت�دّث �أب��و العالء‪ ،‬وزاد ّ‬ ‫لكن �إبداعه يتجلى يف هذا الن�سق‪ /‬الف�ضاء‬ ‫الذي ت�س ّلل �إليه من الديانات الوثنية �أو‬ ‫من قدماء امل�صريني‪ ،‬وهو "املطهر"‪.‬‬ ‫يف"املطهر" لي�س ثمة م�ؤمنون وكافرون‪،‬‬ ‫بل هناك �أرواح تائهة ومع ّذبة‪� ،‬أرواح مل‬ ‫تلتزم طقو�س العبادة‪ ،‬لكنها يف الوقت‬ ‫نف�سه مل ت�ؤذِ �أحدا‪ .‬فهل ي�ضعها دانتي يف‬ ‫النار �أم يف اجل ّنة؟ لقد ابتدع ف�ضا ًء جديدا‬ ‫�س ّماه "املطهر"‪ ،‬لتظل فيه تلك الأرواح‬ ‫التائهة هائمة ال ت�ستقر على ح��ال! فهي‬ ‫يف منزلة بني املنزلتني‪ ،‬ال يق ّر لها قرار‬ ‫�إىل �أن تنتقل بعدما تتطهر من �آثامها �إىل‬ ‫الفردو�س املنتظر!‬ ‫ف �ك��رة "املطهر" ا��س�ت�ح��وذت ع�ل��ى فكري‬ ‫وت��أم�لات��ي‪ ،‬ووج��دت فيها جوابا لأ�سئلة‬ ‫كانت تقلقني‪ ،‬فهي �شكل من �أ�شكال التم ّرد‬ ‫ع�ل��ى ث�ن��ائ�ي��ة اخل�ي�ر وال �� �ش � ّر‪ ،‬والإمي� ��ان‬ ‫والكفر‪� ،‬شكل من �أ�شكال الرحمة �أو قل‬ ‫ت �ع �دّد الأط �ي��اف والأل�� ��وان‪ ،‬ال ثنائيتها‪،‬‬ ‫و�شكل م��ن �أ��ش�ك��ال ال��وع��ي "الغاليلئي"‬ ‫ل �ل �ك��ون وال� ��وج� ��ود ال ال ��وع ��ي املثنوي‬ ‫�أو"ال�ستاتيكي" الذي يح�صر احلياة كلها‬ ‫بالنور والظالم‪� ،‬أو بـ «نعم» و«ال»‪ ،‬و«مع»‬ ‫و«�ضد»‪ ،‬ويف ذاك " املطهر" الذي ابتدعه‬ ‫دانتي وجدت نف�سي منذ قر�أت "الكوميديا‬ ‫الإلهية" وما زلت حتى كتابة هذه الأ�سطر‪،‬‬ ‫وم��ن هنا ي�أتي تعلقي بهذا الكتاب الذي‬ ‫يتجاوز حدود ما فيه من معارف فل�سفية‬ ‫والهوتية وطبيعية و�أدب�ي��ة و�شروحات‬ ‫م�ستفي�ضة‪ ،‬ليجيب على �س�ؤال وجودي‬ ‫عميق ما زال ي ��ؤ ّرق الب�شر‪� ،‬س�ؤال املوت‬ ‫وما بعده‪.‬‬ ‫مع دانتي رمبا اكت�شفت نف�سي‪ ،‬ولكن مع‬ ‫د�ستويف�سكي رمب��ا اكت�شفت الآخ��ر‪ ،‬وما‬ ‫ّ‬ ‫وحتل‬ ‫بني الأن��ا والآخ��ر تكتمل ال��دائ��رة‪،‬‬ ‫ال�سكينة‪ ،‬ويف ال�سكينة �أوىل عتبات‬ ‫الر�ضى وال�سعادة‪.‬‬ ‫�أيتها الكتب‪� ،‬أيها الأ�صدقاء‪ ،‬لي�س ما قلته‬ ‫مفا�ضلة‪� ،‬أو حم��اول��ة لإر� �ض��اء �أح��د‪ ،‬فكم‬ ‫�أنا مدين لكم يف حياتي التي �صنعتموها‬ ‫� �س��واء ذك��رت�ك��م �أو ن�سيتكم‪ ،‬ورمب��ا كان‬ ‫لبع�ضكم �أثر �أعمق مما تركه االثنان‪ ،‬لكنها‬ ‫حلظة بوح‪ ،‬ويف البوح ما �أكرث ما ن�صيب‪،‬‬ ‫وما �أكرث ما نخطئ!‬

‫ماركس ودستويفسكي‬ ‫يجب ال�سعي �إىل حتقيقه يف هذا العامل‪ ،‬لأنه هدف‬ ‫ممكن‪ .‬وبعبارة �أخرى‪� ،‬إن ال�شر لي�س حقيقة مت�أ�صلة‬ ‫يف قلب كل �إن�سان! و�أ ًّي��ا كان االف�تراق بني مارك�س‬ ‫ب�سبل حتقيق هذه‬ ‫ود�ستويف�سكي يف م��ا يتعلق ُ‬ ‫"الأخوة احلقيقية" بني الب�شر‪ ،‬ف�إن ك ًّال من الرجلني‬ ‫مل يتنكر لهدف حتقيقها يف هذا العامل‪.‬‬

‫ب�شري ال�سباعي‬ ‫كاتب ومرتجم م�صري‬ ‫على الرغم من �أننا لن نعرث لدى مارك�س على‬ ‫�إ�شارة واحدة �إىل د�ستويف�سكي وعلى الرغم من‬ ‫احتمال �أال جند عند الأخري �إ�شارة واحدة �إىل‬ ‫الأول‪ ،‬ف�إن من الطبيعي �أن نتوقع م�ساحة ما‪ ،‬بل‬ ‫م�ساحات عديدة‪ ،‬يتحركان عليها‪ٌ ،‬‬ ‫كل بال�شكل‬ ‫الذي يراه منا�س ًبا‪ .‬وامل�ساحة التي يتحدث عنها‬ ‫�ألربتو مورافيا يف مقالته "املبارزة بني مارك�س‬ ‫ود�ستويف�سكي" ("�إبداع"‪ ،‬دي�سمرب‪ /‬كانون‬ ‫االول ‪ )1919‬هي م�ساحة "الأخالق" من حيث‬ ‫�شاغل فل�سفي حموري‪� .‬أما حركة كل من مارك�س‬ ‫ود�ستويف�سكي على هذه امل�ساحة فهي‪ ،‬يف ر�أي‬ ‫مورافيا‪ ،‬حركة متنافرة‪ .‬فاالجتاه الذي ي�سري‬ ‫فيه مارك�س هو عك�س االجتاه الذي ي�سري فيه‬ ‫د�ستويف�سكي‪ .‬وما ذلك لأن نقطة انطالق الأول‬ ‫لي�ست نقطة انطالق الأخري‪.‬‬

‫كيف؟‬ ‫نحن ن�ع��رف �أن مارك�س ي��رد الأخ�ل�اق �إىل �شروط‬ ‫�إن�سانية تاريخية ملمو�سة‪ ،‬وه��و‪ ،‬بهذا املعنى‪ ،‬ال‬ ‫ميكن �أن يكون م�سيح ًّيا‪ ،‬خال ًفا لد�ستويف�سكي‪ ،‬الذي‬ ‫يعترب الأوام� ��ر الأخ�لاق�ي��ة �سرمدية ومنف�صلة عن‬ ‫ال�شروط التاريخية للحياة الإن�سانية‪ ،‬فهي �أوامر‬ ‫�إلزامية �أ ًّي��ا كانت ه��ذه ال�شروط‪� .‬إن د�ستويف�سكي‬ ‫ميكن يف ‪ -‬جمال الأخالق – �أن يكون كانط ًّيا‪ ،‬وهو‬ ‫ما ال ميكن �أن يكونه مارك�س‪.‬‬ ‫و�إذا انتقلنا من م�ستوى الأخالق الفل�سفي العام �إىل‬ ‫م�ستوى خا�ص حمدد كم�ستوى "ال�شر"‪ ،‬ف�سوف جند‬ ‫أ�سا�سا‪� ،‬إىل ال�شروط الإن�سانية‬ ‫�أن مارك�س يرد ال�شر‪ً � ،‬‬ ‫التي يحيا فيها الب�شر و�أن التخل�ص من ال�شر يتوقف‬ ‫أ�سا�سا على التخل�ص من تلك ال�شروط‪ ،‬فهل يرى‬ ‫� ً‬ ‫امل�سيحي د�ستويف�سكي ر�أيًا �آخر؟‬ ‫يزعم مورافيا �أن د�ستويف�سكي كان يعترب ال�شر حقيقة‬ ‫مت�أ�صلة يف قلب كل �إن�سان‪ ،‬ومن ثم ف�إن من امل�ستحيل‬ ‫التخل�ص من ال�شر يف هذا العامل‪ .‬فالتخل�ص من ال�شر‬ ‫ال ميكن �أن يتحقق �إال بو�صول اخلال�ص امل�سيحي‬ ‫أخوة‬ ‫�إىل غايته‪� ،‬أي بعد �أن نفارق هذا العامل‪� :‬إن " ال َّ‬ ‫احلقيقية" م�ستحيلة يف هذا العامل‪.‬‬ ‫هنا بالتحديد يتمثل افرتاء مورافيا على د�ستويف�سكي‪.‬‬ ‫فالأديب الرو�سي الكبري ال��ذي كتب رواي��ة "الأبله"‬ ‫ك��ان ي��رى �أن "الأخوة احلقيقية" بني الب�شر هدف‬

‫وبعد االفرتاء على د�ستويف�سكي يجيء االفرتاء على‬ ‫مارك�س‪ .‬ف��أخ�لاق مارك�س – وف��ق مورافيا – هي‬ ‫الأخالق عينها التي قادت را�سكولنيكوف (ال�شخ�صية‬ ‫ال��رئ �ي �� �س��ة يف رواي � ��ة د��س�ت��وي�ف���س�ك��ي‪" :‬اجلرمية‬ ‫والعقاب") �إىل ارتكاب جرميته‪.‬‬ ‫ومن دون �أن نتوقف عند مقارنات مورافيا ال�سخيفة‬ ‫بني دعوة مارك�س �إىل م�صادرة البورجوازية وقتل‬ ‫را�سكولنيكوف للمرابية ال�ع�ج��وز‪ ،‬نتوقف �أم��ام‬ ‫ال�س�ؤال التايل‪:‬‬ ‫م ��ا الأخ� �ل��اق ال �ت��ي ق� ��ادت �إىل ت �ل��ك اجل ��رمي ��ة؟ لن‬ ‫جن��د �صعوبة يف �إدراك كنهها �إذا م��ا تتبعنا ر�ؤى‬ ‫را�سكولنيكوف عن "الإن�سان غري العادي" و"النا�س‬ ‫العاديني"‪ ،‬وباملنا�سبة‪ ،‬ف�إن هذه ال��ر�ؤى قد ت�شكلت‬ ‫حتت ت�أثري كتاب نابليون الثالث (‪)1873 – 1808‬‬ ‫"تاريخ يوليو�س قي�صر" (‪ )1865‬الذي �أثار ً‬ ‫نقا�شا‬ ‫ح ��ادًّا ب�ين �صفوف املثقفني ال��رو���س ف��ور �صدوره‪.‬‬ ‫ولي�س من امل�صادفات �أن �أحداث "اجلرمية والعقاب"‬ ‫تدور يف عام ‪ ،1865‬كما ذكر ذلك د�ستويف�سكي‪ ،‬وهو‬ ‫العام نف�سه الذي �صدر فيه كتاب �إمرباطور فرن�سا‪.‬‬ ‫�إن �أخ�لاق را�سكولنيكوف ه��ي‪ ،‬باخت�صار‪� ،‬أخالق‬ ‫ت�أكيد ال�صوت اخلا�ص "غري العادي" على ح�ساب‬ ‫�أ� �ص��وات الآخ��ري��ن "العاديني"‪ ،‬ب��ل وع�ل��ى ح�ساب‬ ‫�أرواحهم‪.‬‬ ‫ويقدم را�سكولنيكوف نف�سه لنا منوذجً ا لهذا ال�صوت‬ ‫"غري العادي"‪ ،‬هو �صوت نابليون بونابرت (‪1769‬‬ ‫– ‪ ،)1821‬فهذا الأخ�ير "يدمر طولون ويرتكب‬ ‫م��ذب�ح��ة يف ب��اري����س وين�سى اجل�ي����ش يف م�صر"‪.‬‬ ‫وهذه الأحداث كلها‪ ،‬كما نعرف‪ ،‬لي�ست على م�ستوى‬ ‫�أخالقي واح��د من الزاوية التاريخية‪ ،‬وال حتى من‬ ‫زاوي��ة وع��ي بونابرت نف�سه‪ ،‬خ�لال كل ح��دث منها‪،‬‬ ‫بدالالتها‪ .‬فالهجوم على طولون يف ليل ‪ 17‬دي�سمرب‪/‬‬ ‫كانون االول ‪ 1793‬الذي تكلل باالنت�صار يف م�ساء‬ ‫اليوم التايل‪ ،‬كان م�أثرة ثورية انتهت بتمريغ علم‬ ‫البوربون امللكي يف الوحل و�إنقاذ الثورة من تهديد‬ ‫ج�سيم‪� .‬أم��ا املذبحة ال�ت��ي ارتكبت يف باري�س يف‬ ‫‪� 13‬أكتوبر‪ /‬ت�شرين االول ‪ ،1795‬فهي �إن كانت قد‬ ‫�أدت �إىل الإجهاز على ع�صيان امللكيني‪ ،‬الذي �شجع‬ ‫عليه التحول �إىل اليمني بعد انقالب ‪ 9‬ثريميدور‬ ‫على اليعاقبة‪� ،‬إال �أنها �أف�سحت ال�سبيل �أمام ت�شجيع‬

‫امليول البونابرتية‪ .‬و�أ ّما ن�سيان اجلي�ش يف م�صر يف‬ ‫عام ‪ 1799‬فهو مل يكن �إال بهدف احتكار ال�سطة يف‬ ‫باري�س‪.‬‬ ‫�إن م��ا يعجب را�سكولنيكوف يف ب��ون��اب��رت لي�س‬ ‫�أي� ًا من هذه الأدوار املختلفة التي لعبها الأخ�ير‪ ،‬بل‬ ‫بالتحديد‪ ،‬عزم بونابرت على ت�أكيد ال�صوت اخلا�ص‬ ‫"غري العادي" على ح�ساب الأ� �ص��وات الأخ ��رى‪.‬‬ ‫ويتذكر را�سكولنيكوف �أن بونابرت مل ين�س اجلي�ش‬ ‫يف م�صر وح�سب‪ ،‬بل �أنه بدد �أرواح مئات الآالف من‬ ‫النا�س يف احلملة على مو�سكو!‬ ‫فما الذي يجمع بني هذه الأخالق والأخالق املارك�سية؟‬ ‫ال�شيء‪ ،‬ال�شيء البتة!‬ ‫�إننا ل�سنا بحاجة للت�شديد �أك�ثر من ال�لازم على ما‬ ‫يعرفه كل مثقف نزيه‪� :‬إن الأخالق املارك�سية ال تعرتف‬ ‫ب�إهدار �أ�صوات الآخرين "العاديني" حل�ساب ال�صوت‬ ‫الفريد "غري العادي"‪ .‬ومن ال�سخف �أن يت�صور املرء‬ ‫�أن مارك�س قد تثقف على يدي الإمرباطور الذي كتب‬ ‫�سرية يوليو�س قي�صر!‬ ‫و�إذا كان مارك�س لي�س تلمي ًذا للوي�س بونابرت‪ ،‬فمن‬ ‫ال�سخف باملثل اعتباره �أ�ستاذ ليو�سف �ستالني الذي‬ ‫هو باملنا�سبة‪ ،‬بونابرت �آخر!‬ ‫يزعم مورافيا �أن ال�شر الذي اندفع كال�سيل من باب‬ ‫ال�ستالينية قد دخل �أو ًال من نافذة املارك�سية‪ :‬نحن‬ ‫�إذ ًا �أم��ام تعبري جديد ع��ن زع��م عتيق‪ :‬لقد انبثقت‬ ‫ال�ستالينية من املارك�سية!‬ ‫�أي ��ن ال��دل �ي��ل؟ م��ا م��ن دل �ي��ل‪ ،‬ال�ل�ه��م �إ َّال �إذا اعتربنا‬ ‫الثريميدور ال�ستاليني �إجنا ًزا ملُثِل ثورة �أكتوبر!‬ ‫لكن الثريميدور ال�ستاليني هو‪ ،‬بحكم التعريف‪ ،‬حافر‬ ‫قرب تلك الثورة‪� :‬إن "انبثاق" ال�ستالينية من املارك�سية‬ ‫هو انبثاق النفي ال الإث�ب��ات‪ ،‬وبهذا املعنى‪ ،‬ي�صبح‬ ‫كبت �ستالني لإب��داع د�ستويف�سكي �أم� ًرا مفهومًا‪� :‬إنه‬ ‫جزر من كبت املارك�سية والثورة‪ ،‬على الرغم من �أن‬ ‫�إبداع د�ستويف�سكي واملارك�سية والثورة لي�ست �شيئ ًا‬ ‫واحد ًا‪.‬‬ ‫والأمر كذلك لأن كبت �إبداع دي�ستويف�سكي لي�س �أكرث‬ ‫من تكري�س للفقر الروحي‪ .‬ف�إثراء الروح يحتاج �إىل‬ ‫هذا الإبداع‪ .‬وعلى الأقل‪ ،‬كان هذا هو ر�أي تروت�سكي‬ ‫– املارك�سي الذي �أُغتيل على يد عميل �ستاليني‪.‬‬ ‫"�إن ما �سوف ينهله العامل م��ن‪ ...‬د�ستويف�سكي‬ ‫� �س��وف ي �ك��ون ف �ك��رة �أك�ث�ر ت��رك�ي� ًب��ا ع��ن ال�شخ�صية‬ ‫الإن�سانية‪ ،‬ع��ن عواطفها وم�شاعرها‪ ،‬فهماُ �أعمق‬ ‫و�أبعد غو ًرا لقواها النف�سية ولدور الوعي الباطن‪،‬‬ ‫�إلخ‪ .‬يف التحليل الأخري‪� ،‬سوف ي�صبح العامل �أكرث‬ ‫ثراءً"‪.‬‬ ‫جملة "الثقافة اجلديدة"‪ ،‬القاهرة‪ ،‬مار�س‪� /‬آذار‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪14‬‬

‫‪15‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2311‬ال�سنة التا�سعة ‪ -‬االربعاء (‪ )23‬ت�شرين الثاين ‪2011‬‬

‫دستويفسكي‬

‫بين دستويفسكي و بورخيس‬ ‫‪ :‬ناديجدا مورافيوفا‪..‬‬ ‫ترجمة‪:‬د‪ .‬فالح احلمراين‬ ‫عا�ش د�ستويف�سكي (‪ 1821‬ـ ‪ )1881‬يف‬ ‫القرن التا�سع ع�شر‪ ،‬بينما عا�صرنا بورخي�س‬ ‫(‪ )1986 - 1899‬لفرتة طويلة‪ .‬اتذكر كيف‬ ‫ناق�ش اجلميع نب�أ موته يف ‪ ،1986‬واتذكر‬ ‫ان كلمة " االدي� ��ب العظيم" ت� ��رددت على‬ ‫ال�شفاه حينها برنة جنائزية وجليلة للغاية‪.‬‬ ‫عا�ش د�ستويف�سكي يف ذلك الزمن ال�سحيق‬ ‫بتوتر حم�م��وم‪،‬ان�ت�م��ا�ؤه للحلقة الثورية‬ ‫واالعمال ال�شاقة‪ ،‬وانفعاالت �سجن االعمال‬ ‫ال�شاقة وال�صرع‪ ،‬وعموما كل ما نعرفه عنه‬ ‫بدقة‪.‬‬ ‫وعلى ك��ل ح��ال ف��ان ادب�ن��ا املعا�صر برمته‪،‬‬ ‫ك�م��ا ارى‪ ،‬ت��وق��ف ب��ال��ذات ب�ين بورخي�س‬ ‫ود�ستويف�سكي‪ ،‬نظرا الن احدهما قريب من‬ ‫الفنتازيا اجلافة‪ ،‬اللعب بالكريات الزجاجية‬ ‫واالدب‪ ،‬اللعب مع القراء والبحاثة‪ ،‬النظر من‬

‫اجلنب ومن بعيد‪ ،‬والثاين " البطل الهادئ"‪.‬‬ ‫او بالذات " الدافئ" ـ ليكن النذل واملهرج‪،‬‬ ‫�سفيدريجايلوف‪ ،‬ال��ذي ي�غ��ري الفتيات "‬ ‫بحرارة الدعاية"‪ ،‬ليكن االب كارامازوف او‬ ‫ايجاالي يبانت�شينا* ـ ليكن! انهم ب�شر‪ ،‬وما‬ ‫عدا ذلك غري ذي بال‪ ،‬انهم ي�شبهوننا‪.‬‬ ‫ان غرابة مدر�سة د�ستويف�سكي ت�أتي من ان‬ ‫ري�شتها ت�صف النا�س الب�سطاء‪ ،‬واملعذبني‬ ‫وال�ضعفاء‪ ،‬تر�سمهم ب�شفقة وحتى برقة‪.‬ان‬ ‫مدر�سة د�ستويف�سكي ال ميكن ان تعلن موت‬ ‫الق�صة الق�صرية او ال��رواي��ة ك�شكل ادبي‪.‬‬ ‫وعموما فانها تب�صق على ال�شكل الفني‪،‬‬ ‫النها تكتب " عن احلياة"‪ .‬ان ه�ؤالء االبطال‬ ‫(ال�شخو�ص) ينامون‪ ،‬ويتناولون الطعام‬ ‫وت�ع��ط رائحتهم‪ ،‬ومي��ر��ض��ون‪ .‬ان ال�شفقة‬ ‫عليهم ت�ستيقظ دائما‪� ،‬سونيا مريميالدوف‬ ‫تبعث على الأ�سى‪ ،‬ورا�سكولنيكوف يبعث‬ ‫على الأ��س��ى‪ ،‬انهم " تع�ساء"‪ .‬ان االن�سان‬ ‫ال ��رو�� �س ��ي وال � �ق� ��راء ي �ح �ب��ون التع�ساء‪،‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫وي�صفون ال�سجني " بالتعي�س" بغ�ض النظر‬ ‫عما ارتكبه ـ املهم انه الآن يعاين‪ ،‬انه االن‬ ‫تع�س‪ .‬بيد ان االمر مع بورخي�س ومدر�سته‬ ‫يبدو بهيجا اىل ابعد حد‪ .‬ان خورخه لوي�س‬ ‫�سطحي للغاية‪ .‬فهو مل ي�شعر باالبطال ومل‬ ‫يتعاطف معهم‪ .‬انه ي�صفهم مثل دمى مثرية‪.‬‬ ‫وكان يقول‪ ":‬االخرون يفتخرون بكل عمل‬ ‫يكتبونه ام��ا ان��ا بكل عمل �أقر�أه"‪.‬ولي�س‬ ‫يف ه��ذا م��ا يثري اال��س�ت�غ��راب‪ :‬بب�ساطة ان‬ ‫خورخية لوي�س كوّ ن مكتبة بذهنه‪.‬ان هذه‬ ‫�صورته الرئي�سية واملحببة وعند مناق�شته‬ ‫لالحالم يقول‪ :‬احالم كيفبدو تذكر باعمال‬ ‫ان�سان مل ير االح�لام ابدا"‪ ...‬ويجوز لنا‬ ‫القول باعادة �صياغة هذا القول‪ ،‬ان اعمال‬ ‫بورخ�س ـ هي اي�ضا مبثابة احالم ان�سان‪ ،‬مل‬ ‫ير االحالم عن نف�سه وعن الب�شر الآخرين‪.‬‬ ‫ابطاله غري متما�سكني‪ ،‬والن�صو�ص ذاتها‬ ‫مكتوبة بجفاء‪ ،‬حقا بلغة حاملة جافة‪ .‬وهناك‬ ‫خ �ي��ال (ف �ن �ت��ازي��ا) م��ن دون ن �ه��اي��ة‪ ،‬ولكن‪،‬‬

‫يف احلقيقة لي�س ثمة ابطال ـ انهم اقنعة‪،‬‬ ‫متنكرون‪ ،‬ت�شبه امتالء بال روح‪ .‬وي�صفهم‬ ‫الكاتب بطريقة يتدفق بها اخليال مثل طري‬ ‫ا�سطوري‪ ،‬ونحن ال�ق��راء نعرف بدقة هذه‬ ‫املرة اجلواب‪ :‬ان الكاتب اختلق هذا الطائر‬ ‫الكاتب ومرة اخرى الكاتب‪.‬‬ ‫وال ميكن حمل اية م�شاعر جتاه ال�شخو�ص‬ ‫ال��ورق�ي��ة املختلقة‪ ،‬فكيف ميكن مو�ساتهم‬ ‫اذا مل يكونوا ب�شرا؟ انهم ال يعي�شون يف‬ ‫�شقة جم ��اورة او يف ط��اب��ق اع�ل��ى‪ ،‬ان�ه��م ال‬ ‫يغرقونك ب��امل��اء‪ ،‬وال يتناولون معك كا�س‬ ‫برية يف �صباح يوم �أحد عند املخزن‪ ،‬انهم‬ ‫ورقيون‪ ،‬ويجوز ان تعمل معهم اي �شيء‪،‬‬ ‫ولكن ال ت�أ�سف م��ن اجلهم‪ .‬ومثلهم اي�ضا‬ ‫اب �ط��ال رواي � ��ات � �س��اروك��ن واب��ط��ال روي��ا‬ ‫بيليفني املت�أخرة*‪ .‬وهذا اىل حد كبري عامل‬ ‫اومبريتو ايكو‪.‬‬ ‫ان هذين طريقان خمتلفان متاما‪ ،‬وي�سريون‬ ‫بال�شر يف اجتاهات خمتلفة‪ .‬بيد ان اخليار‪:‬‬

‫عند الكاتب‪ ،‬دائما موجود يف هذه احلالة‪.‬‬ ‫اما القارئ فانه مي�ضي خلف من �إن َت َخب اىل‬ ‫حيث يقوده‪ .‬اللعب او اال�سى‪ .‬واما الرقابة‬ ‫او امل�شاركة‪� ،‬أوال�شفقة‪.‬‬ ‫* نادجيدا مورافيوفا ـ كاتبة متخ�ص�صة‬ ‫بالثقافة اال��س�ب��ان�ي��ة‪ ،‬ت��رج�م��ت ال�ع��دي��د من‬ ‫�شعراء ا�سبانيا وامريكا الالتينية للرو�سية‪.‬‬ ‫حم��ررة يف امللحق الثقايف" اك�سليرب�س"‬ ‫ل�صحيفة نيزافي�سيمايا غازيتا‪�.‬صدرت يف‬ ‫العام اول رواية لها بعنوان (مايا) ‪.‬‬ ‫*عن ملحق �صحيفة نيزافي�سيمايا‬ ‫غازيتا الثقايف اال�سبوعي "‬ ‫اك�سليرب�س" ال�صادر بتاريخ‬ ‫‪.1980/3/20‬‬ ‫*�شخو�ص روايات د�ستويف�سكي‪.‬‬ ‫* فالدميري �ساروكني وفيكتور‬ ‫بيلفني من كتاب رواية ما بعد‬ ‫احلداثة الرو�س‪.‬‬

‫جوهر الروح اإلنسانية‬ ‫لكن الفكرة املركزية التي �سيطرت على د�ستويف�سكي كانت‬ ‫الله والذي تبحث عنه �شخ�صياته دائما من خالل الأخطاء‬ ‫امل�ؤملة والإذالل‪.‬‬ ‫يقول د�ستويف�سكي على ل�سان الأمري فالكوف�سكي يف رواية‬ ‫مذلون مهانون (‪ ....‬لكنك �شاعر ‪,‬و�أن��ا �إن�سان فانا ب�سيط‪,‬‬ ‫ول��ذل��ك �س�أقول ل��ك يجب على امل��رء �أن ينظر �إىل الأ�شياء‬ ‫ب�سهولة اكرب ومن وجهة النظر العملية‪ ,‬ف�أنا كفرد قد حررت‬ ‫نف�سي منذ زمن طويل من كل القيود وحتى االلتزامات ‪ ,‬ف�أنا‬ ‫اعرف االلتزامات فقط حني �أرى �أن لدي �شيئا ما �أ�ستطيع‬ ‫احل�صول عليه بها‪.‬‬ ‫�أنت ‪ ,‬بالطبع ال ت�ستطيع ر�ؤية الأ�شياء بهذا ال�شكل ف�أقدامك‬ ‫مقيدة وطعم الأ�شياء عندك �سقيم �أنت تتوق للمثال ‪ ,‬للف�ضيلة‬ ‫‪ ,‬لكن يا �صديقي العزيز �أنا م�ستعد ملعرفة �أي �شيء تخربين‬

‫ب��ه‪ ,‬لكن م��اذا �س�أفعل �إذا كنت �أع��رف حقا (�أن يف ج��ذر كل‬ ‫الف�ضائل الإن�سانية تقطن الأنانية الأكرث حدة)‪ .‬ولد فيدور‬ ‫د�ستويف�سكي عام ‪ 1821‬يف �أ�سرة مطبب مب�ست�شفى الفقراء‬ ‫يف مو�سكو حيث تلقى تعليمه يف البيت ويف مدر�سة خا�صة‬ ‫وبعد ف�ترة ق�صرية على وف��اة �أم��ه ع��ام ‪� 1837‬أر��س��ل �إىل‬ ‫�سان بطر�سربغ حيث دخل الكلية الهند�سية الع�سكرية‪ .‬يف‬ ‫عام ‪ 1839‬تويف ميخائيل اندريفت�ش وال��د د�ستويف�سكي‬ ‫بال�سكتة الدماغية وقيل �أنه قتل على يدي بع�ض اتباعه‪.‬‬ ‫تخرج د�ستويف�سكي من الكلية الهند�سية الع�سكرية حيث‬ ‫ا�ستقال يف عام ‪ 1844‬لتكري�س نف�سه للكتابة ‪ .‬يف الرابعة‬ ‫والع�شرين من عمره �أجنز روايته الأوىل (امل�ساكني) والتي‬ ‫جنحت جناحا كبريا حيث �أ�شاد بها النقاد كثريا وخ�صو�صا‬ ‫الناقد الرو�سي الكبري بلين�سكي‬

‫ال��ذي رحب به كـ(غوغول جديد) حيث ق��ال د�ستويف�سكي‬ ‫كلمته ال�شهرية‪ ( :‬كلنا قد خرجنا من معطف غوغول) ‪.‬‬ ‫يف عام ‪ 1846‬ان�ضم د�ستويف�سكي �إىل جمموعة (اال�شرتاكيني‬ ‫الطوباويني) الذين جتمعوا يف بيت ميخائيل برتا�شف�سكي‬ ‫‪ .‬كان برتا�شف�سكي ا�شرتاكيا غريب الأط��وار ‪ ,‬حيث ذهب‬ ‫مرة �إىل الكني�سة بثياب امر�أة وقد و�ضعت ال�شرطة ال�سرية‬ ‫وكيال لها يف املجموعة ويف ني�سان من عام ‪ 1849‬اعتقل‬ ‫د�ستويف�سكي خالل ق��راءة ر�سالة راديكالية للناقد ال�شهري‬ ‫بلين�سكي (وهي جمموعة من القطع الأدبية كتبت من املحرر‬ ‫�إىل �صديق) وحكم عليه باملوت‪.‬‬ ‫هذا الإع��دام الالمعقول �صدم الكاتب كليا ‪ ,‬وقد خفف عليه‬ ‫احلكم من الإع��دام �إىل ال�سجن يف �سيبرييا حيث �أم�ضى‬ ‫د�ستويف�سكي �أربعة �أع��وام حمكوما بالأ�شغال ال�شاقة كان‬ ‫فيها يلب�س القيود مع الكثري من امل��دان�ين الآخ��ري��ن الذين‬ ‫ارتكبوا جرائم قتل‪.‬‬ ‫يف عام ‪� 1854‬أطلق �سراحه حيث ا�ستخدم كجندي عادي‬ ‫يف (�سيمبالتن�سك) ‪ .‬كونت هذه التجارب مو�ضوعا لأعماله‬ ‫امل�ستقبلية حيث عك�س �أبطاله وبطالته قيما �أخالقية كانت‬ ‫مهمة ب�شكل حيوي مل�ؤلفها ‪ ,‬لقد كانوا رجاال ون�ساء عمليني‬ ‫انعك�ست �أفكارهم على ال�شباب يف رو�سيا‪.‬‬ ‫خ�لال �سنواته يف �سيبرييا ا�صبح د�ستويف�سكي ن�صريا‬ ‫للملكية وتابعا م�ؤمنا للكني�سة الأرثدوك�سية الرو�سية‪.‬‬ ‫ع��اد د�ستويف�سكي �إىل �سان بطر�سربغ ع��ام ‪ 1859‬ككاتب‬ ‫ذي ر�سالة دينية حيث ن�شر ثالث رواي��ات �أخ��ذت مبختلف‬ ‫الطرق خربته يف �سيبرييا وهي ( ذكريات من بيت املوتى)‬ ‫‪( 1862– 1861‬مذلون مهانون) ‪ ( , 1861‬ذكريات �شتاء يف‬ ‫م�شاعر �صيف) ‪. 1863‬‬ ‫يف تلك الفرتة كان قد تزوج من ماريا ال�ساييف وهي �أرملة‬ ‫بعمر ‪� 29‬سنة ‪ .‬بني عامي ‪ 1861‬و‪ 1863‬عمل كمحرر ملجلة‬ ‫دورية �شهرية �أغلقت فيما بعد ب�سبب مقالة عن االنتفا�ضة‬ ‫البولندية ‪ .‬يف عام ‪� 1862‬سافر د�ستويف�سكي للمرة الأوىل‬ ‫�إىل فرن�سا و�إنكلرتا ثم �سافر مرة �أخ��رى �إىل �أوروب��ا عام‬ ‫‪ 1863‬وع��ام ‪ 1865‬حيث توفت زوج�ت��ه و�أخ ��وه‪ ,‬عندها‬ ‫�أ�صيب بهو�س القمار وت��راك��م ال��دي��ون و�أع��را���ض ال�صرع‬ ‫املتكرر‪.‬‬ ‫ويف ا�ضطراب �أعوام ال�ستينيات ظهر كتابه (مالحظات من‬ ‫حتت الأر�ض) وهو درا�سة نف�سية لالغرتاب حيث مثل هذا‬ ‫الكتاب حدا فا�صال يف تطور د�ستويف�سكي الفني‪.‬‬ ‫يف عام ‪ 1866‬كتب روايته العظيمة (اجلرمية والعقاب) ويف‬ ‫عام ‪ 1872‬كتب روايته ال�شهرية (املم�سو�سون) التي �صور‬ ‫فيها �شخ�صية ال�سيد امل�سيح ب�صورة الأمري مي�شيكني حيث‬ ‫ك�شف من خالله عن الإفال�س الروحي لرو�سيا وا�ستك�شافه‬ ‫لفل�سفة العدم‪.‬‬ ‫يف عام ‪ 1867‬كان قد تزوج ثانية من �آنا جريجورفينا كاتبة‬ ‫االختزال عنده وهي بعمر ‪� 22‬سنة التي تبدو �أنها فهمت‬ ‫هو�س زوجها واهتياجه لتفادي دائنيه‪ .‬غادر د�ستويف�سكي‬ ‫رو�سيا معها حيث ق�ضيا �أغلب الأوق��ات يف �أملانيا‪�,‬إيطاليا‬ ‫و�سوي�سرا يف فقر مدقع ‪.‬‬ ‫ك��ان يف �أغ�ل��ب الأوق ��ات مهوو�سا بالقمار لكن �شهرته يف‬ ‫رو�سيا ب��د�أت تنمو وحينما �أح��رزت روايته(املم�سو�سون)‬ ‫النجاح عاد �إىل رو�سيا وا�شرتى منزال‪.‬‬ ‫من عام ‪� 1873‬إىل عام ‪� 1874‬أ�صبح د�ستويف�سكي حمررا‬ ‫ملجلة (امل��واط��ن املحافظ) الأ�سبوعية ويف ع��ام (‪– 1879‬‬ ‫‪� )1880‬صدرت رائعته ال�شهرية (الأخوة كرامازوف) حيث‬ ‫عرف يف بالده ك�أحد كتابها العظام و�صوت ال�شعب الأ�صيل‬ ‫يف فرتة الأزمة التي حلت ببالده‪.‬‬ ‫توجت رواي��ة د�ستويف�سكي الأخ�يرة (الأخ��وة كرامازوف)‬ ‫هو�سه الدائم بجرمية قتل الأب ‪ ,‬االفرتا�ض بان �أباه قد قتل‬ ‫ترك يف نف�سه �آثارا عميقة ‪.‬‬ ‫رواي��ة الأخ��وة ك��رام��ازوف حول حبكة ب�سيطة هي اغتيال‬ ‫الأب يف ع��ائ�ل��ة ك ��رام ��ازوف‪� ,‬أح ��د الأب �ن��اء وه��و دميرتي‬ ‫يعتقل‪ .‬ميثل الأخوة ثالث �سمات من وجود الإن�سان ‪ ,‬العقل‬ ‫(ايفان)‪ ,‬العاطفة(دميرتي) ‪,‬الأميان (اليو�شا) هذا املو�ضوع‬ ‫يتحول �إىل بحث روح��ي و�أخ�لاق��ي عن املجتمع املعا�صر‪.‬‬ ‫عانى د�ستويف�سكي من ال�صرع طوال حياته �إىل �أن تويف يف‬ ‫التا�سع من �شباط عام ‪ 1881‬يف �سان بطر�سربغ ودفن يف‬ ‫دير الك�ساندر نيف�سكي ‪� .‬آنا جريجورفينا كر�ست بقية حياتها‬ ‫حلفظ الرتاث الأدبي لزوجها ‪.‬‬ ‫�أره�صت رواي��ات د�ستويف�سكي بالكثري من �أف�ك��ار نيت�شه‬ ‫وف��روي��د وق��د ت�أثر د�ستويف�سكي بقوة بالكثري من �أفكار‬ ‫الك�ساندر هرتزن وبلين�سكي ‪ ,‬لقد ر�أى �أن الفن العظيم يجب‬ ‫ان تكون له حرية التطور ب�شروطه اخلا�صة لكي يتعامل مع‬ ‫امل�شاكل االجتماعية الرئي�سة‪.‬‬

‫ترجمة املدى‬ ‫عن‪Books and writers amazon‬‬

‫رئي�س جمل�س الإدارة‬ ‫رئي�س التحرير‬

‫نائب رئي�س التحرير‬ ‫‪----------------‬‬‫عدنان ح�سني‬

‫مدير التحرير‬ ‫‪----------------‬‬‫علي ح�سني‬ ‫االخراج الفني‬ ‫‪----------------‬‬‫م�صطفى التميمي‬ ‫الت�صحيح اللغوي‬ ‫‪----------------‬‬‫حممد حنون‬

‫طبعت مبطابع م�ؤ�س�سة‬ ‫لالعالم والثقافة والفنون‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫العالم يحتفل بميالد صاحب (الجريمة والعقاب)‬

‫احتفلت الأو� �س��اط الثقافية يف ال�ع��امل بالذكرى‬ ‫الت�سعني بعد املئة مليالد الكاتب الرو�سي فيودور‬ ‫ميخائيلوفت�ش دو�ستويف�سكي (‪)1881-1821‬‬ ‫�أح��د �أع�ظ��م ال��روائ�ي�ين يف ال�ع��امل وال��ذي ترجمت‬ ‫�أعماله �إىل العديد من اللغات و�أ�صبحت م�صدر‬ ‫�إلهام للفكر والأدب املعا�صر‪.‬‬ ‫وحتظى هذه املنا�سبة باهتمام الأو�ساط الثقافية‬ ‫يف رو�سيا حيث افتتح قبل �أيام يف مدينة فيليكي‬ ‫ن��وف �غ��ورود ال��رو��س�ي��ة‪ ،‬ال�ت��ي ق�ضى ال�ك��ات��ب فيها‬ ‫جزءا كبريا من حياته‪ ،‬املهرجان الدويل امل�سرحي‬ ‫اخلام�س ع�شر‪ ،‬الذي ينظم �سنويا يف ذكرى ميالد‬ ‫الكاتب امل�صادفة اليوم وذلك منذ عام ‪.1992‬‬ ‫وحتت �شعار "دو�ستويف�سكي والثقافة العاملية"‬ ‫انطلقت فعاليات امل�ن�ت��دى العلمي مبدينة �سان‬ ‫بطر�سربغ مب�شاركة جمع من الأدباء واملفكرين من‬ ‫خمتلف �أنحاء العامل‪.‬‬ ‫ويهدف املنتدى ملناق�شة امل�سائل الأ�سا�سية املتعلقة‬ ‫بت�صور دو�ستويف�سكي للعامل املعا�صر‪ ،‬وت�أثري‬ ‫تراثه الروحي والفكري على الفنانني واملفكرين‬

‫وال�شخ�صيات ال�سيا�سية والدينية من القرن التا�سع‬ ‫ع�شر وحتى القرن احلادي والع�شرين‪.‬‬ ‫وعلى هام�ش املنا�سبة يقيم "متحف دو�ستويف�سكي"‬ ‫ب�سان بطر�سربغ معر�ضا فنيا تقدم فيه �أك�ثر من‬ ‫ت�سعمئة لوحة تعر�ض لأول م��رة م�ستوحاة من‬ ‫�أعمال الكاتب الأدبية‪.‬‬ ‫عرف دو�ستويف�سكي بتوجهه الإن�ساين ونزعته‬ ‫الفل�سفية التي ب��دت وا�ضحة يف �أعماله الأدبية‬ ‫حيث يتجلى يف رواياته املزج بني ال�صنعة الفنية‬ ‫والبعد الفكري ال��ذي ي�ضفي على �أعماله ملمحا‬ ‫ر�ساليا‪.‬‬ ‫وي� ��رى ن �ق��اد �أدب� �ي���ون �أن دو��س�ت��وي�ف���س�ك��ي من‬ ‫الكتاب القالئل الذين ا�ستطاعوا ر�سم اخلطوط‬ ‫ال�سيكولوجية ملفهوم العاطفة يف التعبري الروائي‬ ‫�إذ �أخرجها من القوالب اجلمالية والرومان�سية‬ ‫التي غ��رق فيها كتاب القرن التا�سع ع�شر وجعل‬ ‫منها تعبريا واقعيا عن مكنونات �إن�سانية بحتة يف‬ ‫قالب اجتماعي ي�شرتك فيها الأمل مع اللذة واخلري‬ ‫مع ال�شر حتى لُقب بعبقري الرواية النف�سية‪.‬‬

‫وم ��ن �أق ��وال ��ه اخل ��ال ��دة "ي�شبهونني بالأطباء‬ ‫النف�سيني ولكن هذا الأمر لي�س حقيقيا‪ ،‬ف�أنا واقعي‬ ‫بكل ما حتمله الكلمة من معنى ولهذا �أعك�س �أعمق‬ ‫ما حتمله النف�س الب�شرية من حقائق"‪.‬‬ ‫وي��رى الكاتب دانييل غرانني �أن �صعوبة قراءة‬ ‫رواياته تكمن يف �أنها جتربنا على اكت�شاف ما يف‬ ‫�أنف�سنا من �سوء خوفا من �أن نعرث فيها على تلك‬ ‫الأه��واء التي تع�صف ب�أبطاله‪ ،‬وي�شعرنا بت�أنيب‬ ‫ال�ضمري والق�ضاء على جميع حم��اوالت التهرب‬ ‫وتربير ال�شر والف�ساد الأخالقي‪.‬‬ ‫من جانبه ق��ال الأدي��ب واملرتجم �أب��و بكر يو�سف‬ ‫(�أحد مرتجمي �أعمال دو�ستويف�سكي �إىل العربية)‬ ‫�إن الكاتب كان يحمل ر�سالة تغيري العامل من خالل‬ ‫فل�سفة تقرتب من فل�سفة تول�ستوي باختيار طريق‬ ‫املقاومة ال�سلمية ونبذ العنف يف تغيري املجتمع‪،‬‬ ‫لكنه مل يكن فيل�سوفا بقدر ما كان فنانا ذا ب�صرية‬ ‫نافذة �إىل �أعماق احلقائق‪.‬‬ ‫و�أ� �ش��ار �إىل �أن دو�ستويف�سكي تنب�أ مب�ستقبل‬ ‫م�ضطرب لرو�سيا عندما بحث النظر يف ق�ضية‬

‫"الإرهاب" يف ذلك الوقت‪.‬‬ ‫و�أ�ضاف يو�سف �أن الكاتب حاول من خالل م�ؤلفاته‬ ‫�أن يقدم النموذج ال�سلمي البديل القائم على حب‬ ‫الب�شرية وتغيري الإن�سان باملعرفة واحلقيقة‪.‬‬ ‫و�أو�ضح �أن دو�ستويف�سكي كان ي�شكل عاملا متوتر‬ ‫الأرجاء‪ ،‬ي�ضطرم ب�شتى �أنواع الفكر وال�صراعات‪،‬‬ ‫تقلب ب�ين ن��ار امل�ث��ال الديني ال��ذي مل يتحقق يف‬ ‫الواقع ون��ار الواقع املر�سوم حوله �آن��ذاك‪ ،‬فكان‬ ‫"�إيفان" �أحد �أبطال روايته "الأخوة كارامازوف"‬ ‫يقول لأخيه "�إنني ال �أرف�ض الله ولكني �أرف�ض‬ ‫عامله"‪ .‬وعلى الرغم من مرور ‪ 130‬عاما على وفاته‬ ‫ف�إن �أفكاره ومبادئه ال تزال متثل �أفكار جيل على‬ ‫قيد احلياة‪ .‬واكت�سبت �أعماله الأدبية طابعا ع�صريا‬ ‫يبدو �أحيانا �أ�شبه بالنبوءة مبعزل عن �أبعادها‬ ‫الزمانية واملكانية‪.‬‬ ‫ويرى كثريون �أن رواياته التي تف�ضح �سائر �أ�شكال‬ ‫العنف واال��ض�ط�ه��اد ال ميكن �أن مت��وت م��ا دامت‬ ‫الأنظمة القمعية قائمة بكل قبحها وب�شاعتها‪.‬‬

‫منارات‬

Fjodor Dostojevski  

23/10/2011

Fjodor Dostojevski  

23/10/2011

Advertisement