Page 1

‫رئي�س جمل�س االدارة رئي�س التحرير‬ ‫فخري كرمي‬ ‫ملحق ثقايف ا�سبوعي ي�صدر عن جريدة املدى‬

‫‪m a n a r a t‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫‪Franz‬‬

‫‪KAFKA‬‬


‫‪2‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫من م�ؤلفاته‬

‫جدير بالذكر �أن كتابات كافكا قد تعر�ضت فيما بعد للحرق‬ ‫على يد هتلر‪ ،‬وتعر�ضت م�ؤلفات كافكا ملوقفني متناق�ضني‬ ‫من الدول ال�شيوعية يف القرن املا�ضي‪ ،‬بد�أت باملنع‬ ‫وامل�صادرة وانتهت بالرتحيب والدعم‪.‬‬

‫فرانز كافكا‬ ‫‪Franz Kafka‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫ولد فرانز كافكا ‪( 3‬يوليو‪ /‬متوز ‪3 - 1883‬‬ ‫يونيو‪ /‬حزيران ‪ )1924‬يف مدينة براغ ‪،‬‬ ‫ويف عام ‪ ،1896‬دخل �إىل اجلامعة لدرا�سة‬ ‫علم الكيمياء‪ ،‬ولكنه �سرعان ما غري مو�ضوع‬ ‫درا�سته لكي ي�صبح علم القانون ويف عام‬ ‫‪ 1902‬التقى بذلك ال�شخ�ص الذي �سي�صبح‬ ‫نا�شر كتبه بعد موته‪ :‬ماك�س برود‪.‬‬ ‫ويف عام ‪� 1906‬أنهى درا�سته يف اجلامعة‬ ‫الأمل��ان �ي��ة مب��دي�ن��ة ب���راغ‪ ،‬و�أ� �ص �ب��ح موظف ًا‬ ‫يف مكتب للمحامني‪ ،‬وق��د تنقل بعدئذ من‬ ‫وظيفة �إىل �أخ��رى يف �شركات الت�أمني‪� ،‬أو‬ ‫ما �شابهها‪ ،‬ويف الوقت ذات��ه ك��ان ميار�س‬ ‫عملية الكتابة‪ ،‬ولكن ب��دون ن�شر‪ ،‬ففي عام‬ ‫‪ 1912‬كتب رواي �ت�ين �شهريتني بعنوان‪:‬‬ ‫«التحوالت‪ ،‬واملحاكمة‪ ،‬ويف عام ‪� ،1922‬أي‬ ‫قبل موته ب�سنتني �ألف كافكا رائعته‪ :‬القلعة‬ ‫(�أو الق�صر) ويف ع��ام ‪ 1924‬م��ات الكاتب‬ ‫الكبري مبر�ض ال�سل‪.‬‬ ‫�أ�صبح كافكا رمز ًا على النزعة الطليعية يف‬ ‫الكتابة الأدبية �أو الروائية‪ ،‬ومبا �أن رواياته‬ ‫ذات طابع غام�ض �أو �سري ف�إنها تعر�ضت‬ ‫للعديد من الت�أويالت والتف�سريات‪ ،‬ولكن‬ ‫معظمها كان خارجي ًا على الن�ص‪ ،‬وال يعك�س‬ ‫احل �ي��اة امل�ع��ا��ش��ة للكاتب ب �ق��در م��ا يعك�س‬ ‫الأيديولوجيات اخلا�صة بالنقاد‪.‬‬ ‫وه��ذا يعني �أن�ه��م �أ�سقطوا عليه همومهم‬ ‫الفكرية والأيديولوجية‪ ،‬وبالتايل فكاكفا‬ ‫الذي تعرفنا عليه من خالل النقاد ال عالقة له‬ ‫بكافكا احلقيقي الذي كتب �أعماله الكربى يف‬ ‫جو من الوحدة وال�صمت املطبق بني عامي‬ ‫‪ 1912‬ـ ‪1924‬م‪ ،‬ومل يكن هدفه �أن ي�صبح‬ ‫م�شهور ًا �أو ينال اجلوائز والت�شريفات‪ ،‬كان‬ ‫يريد فقط �أن يعرب عما يعتمل يف نف�سه من‬ ‫هموم ومب�شاكل نف�سية ت�ؤرقه‪ ،‬كان يريد �أن‬ ‫يعرب عن ع��دم قدرته على احلياة‪� ،‬أو على‬ ‫اال�ستمرارية يف احل�ي��اة‪ .‬ولأن��ه غري قادر‬ ‫على االنغما�س يف احلياة كبقية الب�شر‪ ،‬ف�إنه‬ ‫�أ�صبح كاتب ًا من �أعلى طراز‪.‬‬ ‫وال�شيء الوحيد الذي كان يهمه يف احلياة‬ ‫هو الأدب يف الواقع‪ ،‬كان م�شغو ًال به �إىل‬ ‫حد الهو�س‪ ،‬وك��ان يقول‪ :‬كل ما لي�س �أدب ًا‬ ‫ي�ضجرين مبا فيه احلديث عن الأدب نف�سه‪،‬‬ ‫كان ي�سقط على الأدب كل هلو�ساته‪ ،‬وقلقه‬ ‫وجنونه وخماوفه‪.‬‬ ‫وبالتايل فالأدب كان عبارة عن عالج نف�سي‬ ‫ل�شخ�صية كافكا‪ ،‬كان مبثابة التحليل النف�سي‬ ‫الذي ي�شفيه من مر�ضه و�أوجاعه‪ ،‬ولذلك كان‬ ‫يخلع على �شخ�صياته الروائية كل خماوفه‬ ‫وعذاباته الداخلية وعقده النف�سية‪ ،‬ولو‬

‫◄‬

‫مل ي�صبح كاتب ًا لرمبا‬ ‫ك� ��ان ق ��د ج ��ن مت��ام�� ًا‪،‬‬ ‫وب ��ال� �ت ��ايل فالكتابة‬ ‫�أنقذته من االنهيار‪� ،‬أو‬ ‫ع�صمته من االنتحار‪،‬‬ ‫�إن عامل كافكا اخليايل‬ ‫يبدو لنا �أليفا وحماط ًا‬ ‫ب� �ج� �ن ��ون غ ��ري ��ب يف‬ ‫الوقت ذاته‪.‬‬ ‫لقد رف��ع كافكا الأدب‬ ‫�إىل م���س�ت��وى الدين‬ ‫امل �ط �ل��ق‪ ،‬ل �ق��د �أ�صبح‬ ‫م� �ع� �ب ��وده ودي� ��دن� ��ه‪،‬‬ ‫وك � ��ان ب ��ذل ��ك وري� �ث� � ًا‬ ‫ل� �ك� �ب ��ار ال� �ك� �ت���اب يف‬ ‫القرن التا�سع ع�شر من‬ ‫�أمثال بلزاك‪ ،‬وجريار‪،‬‬ ‫�أون�يرف��ال‪ ،‬وبرو�ست‪ ،‬و�ستندال‪ ،‬وهيغو‪،‬‬ ‫و�سواهم‪.‬‬ ‫فه�ؤالء جميع ًا تعلقوا بالأدب بعد �أن فقدوا‬ ‫�إميانهم بامل�سيحية‪ :‬دين �آبائهم و�أجدادهم‪،‬‬ ‫لقد �أ�صبح الأدب دينهم بعد �أن تراجع الدين‬ ‫يف �أوروب��ا نتيجة انت�صار العلم والع�صر‬ ‫ال�صناعي‪.‬‬ ‫وبالتايل فالفراغ الذي خلفه انح�سار الدين‬ ‫ملأه الأدب ب�شعره ونرثه‪ ،‬ولكن كافكا �أحدث‬ ‫قطيعة كاملة يف ال��وق��ت ذات��ه م��ع ال�تراث‬ ‫الناجت عن الرومانطيقية الأوروب�ي��ة‪ ،‬فهذا‬ ‫ال�تراث على الرغم من �إح�سا�سه بالت�شا�ؤم‬ ‫والعذاب ظل متفائ ًال ب�إمكانية اخلال�ص‪� ،‬أما‬ ‫كافكا فقد و�صل �إىل مرحلة العدمية الكاملة‬ ‫ومل يعد ي�ؤمن ب�إمكانية اخلال�ص على هذه‬ ‫الأر�ض‪.‬‬ ‫يف الواقع �إن كافكا كان يحتقر نف�سه ويزهد‬ ‫بها �إىل �أبعد احل��دود‪ .‬وكان يعاين من عقد‬ ‫نف�سية مزمنة‪ ،‬وه��ذا ما نكت�شفه من قراءة‬ ‫م��ذك��رات��ه ال�ي��وم�ي��ة وم��را� �س�لات��ه ال�ضخمة‬ ‫مع الفتاة التي خطبها مرتني من دون �أن‬ ‫يتزوجها! وك��ان��ت ُت��دع��ى فيلي�سي باوير‪.‬‬ ‫فقد �شرح لها القلق املرعب الذي يجتاحه من‬ ‫الداخل وال يرتكه يرتاح حلظة واحدة‪.‬‬ ‫وقد �ألقى كافكا مب�س�ؤولية عقده النف�سية‬ ‫ع �ل��ى ت��رب �ي �ت��ه اخل��اط��ئ��ة وع� �ل ��ى العالقة‬ ‫ال�صدامية والعنيفة التي كان يتعاطاها مع‬ ‫والده وقد اعترب �أنها �سبب مر�ضه النف�سي‬ ‫الذي ال ي�ستطيع منه �شفاء‪.‬‬ ‫وب��ال �ت��ايل‪ ،‬فكافكا ك��ان ي�ع��اين م��ن �صراع‬ ‫داخلي متوا�صل ومزمن ومل يكن مت�صاحل ًا‬ ‫مع نف�سه‪ .‬وهذا هو ال�سبب الذي دفعه �إىل‬

‫◄‬

‫كتابة ال��رواي��ة و�إىل �أن ي�صبح �أح��د كبار‬ ‫ال �ك � َّت��اب ع�ل��ى م�� ّر ال�ع���ص��ور‪ .‬وم��ن �صفاته‬ ‫النف�سية الثابتة �أنه كان عدو نف�سه الأول‪،‬‬ ‫وكان يع ّذب نف�سه ويتل ّذذ بهذا العذاب‪.‬‬ ‫يُ�ضاف �إىل ذلك �أنه كان يف حالة �صدام مع‬ ‫املجتمع ال�سائد يف ع�صره ويف مدينة براغ‬ ‫حت��دي��د ًا‪ .‬وال��واق��ع �أن ك��ل ��ش��يء يف حياة‬ ‫كافكا يحيلنا �إىل هذه املدينة التي يدعوها‬ ‫الت�شيكيون بـ «الأم ال�صغرية» ولكنها كانت‬ ‫بالن�سبة ل�صاحب رواي��ة «املحاكمة» امر�أة‬ ‫�شر�سة ال ترحم ولي�ست �أم ًا حنون ًا‪.‬‬ ‫وميكن القول �إن �أعماله الأدبية كانت عبارة‬ ‫عن حماولة للهروب من دهاليز هذه املدينة‬ ‫و�شعوذاتها‪ .‬ولهذا ال�سبب ف�إنه ال ي�سميها‬ ‫�أب��د ًا يف رواياته وال ي�صفها على الرغم من‬ ‫�أنها م�سرح كل هذه احلكايات والروايات‪.‬‬ ‫كانت براغ يف زمن كافكا عا�صمة بوهيميا‬ ‫ومقر البالط امللكي‪ .‬وكانت مدينة �صغرية‬ ‫كو�سموبوليتية من جهة و�إقليمية حملية‬ ‫من جهة �أخرى‪ .‬وكانت ت�سكنها �أقلية �أملانية‬ ‫تنتمي عموم ًا �إىل البريوقراطية العليا وال‬ ‫تربطها ب�أملانيا �إال اللغة‪� ،‬أما الأغلبية فكانت‬ ‫م�ؤلفة من ال�شعب الت�شيكي العامل وال�صابر‪.‬‬ ‫هذا بالإ�ضافة �إىل اليهود اخلارجني لتوِّ هم‬ ‫من الغيتو القدمي ال��ذي يعود �إىل القرون‬ ‫الو�سطى‪ ،‬وكانوا ميار�سون عموم ًا املهن‬ ‫ال �ت �ج��اري��ة وال �ل �ي�برال �ي��ة‪ .‬ول�ك�ن�ه��م كانوا‬ ‫يتع ّر�ضون للتمييز الطائفي والعن�صري‬ ‫�أحيان ًا‪.‬‬ ‫ه��ذه هي الفئات الثالث التي كانت ت�سكن‬ ‫ب��راغ يف ب��داي��ة ال�ق��رن الع�شرين‪ .‬وكانت‬ ‫ت�ف���ص��ل ب�ي�ن�ه��م ح � ��دود ال �ل �غ��ة وال� �ع ��ادات‬ ‫والتقاليد واملكانة االجتماعية‪ .‬وكان الأملان‬

‫‪3‬‬ ‫امل�سخ‬ ‫املحاكمة‬ ‫القلعة‬ ‫الغائب‬ ‫ق�ص�ص وف�صول ت�أملية‬ ‫طبيب قروي وق�ص�ص �أخرى‬ ‫و�صف ن�ضال‬ ‫ابحاث عن الكلب‬ ‫فنان اجلوع‬ ‫احلكم‬ ‫يف م�ستوطنة العقاب‬

‫يحتلون قمة الهرم‬ ‫االج � �ت � �م� ��اع� ��ي يف‬ ‫املدينةوالت�شيكيون‬ ‫�أ�سفل الهرم واليهود‬ ‫يف الو�سط‪.‬‬ ‫وعندما ك��ان كافكا‬ ‫ينتقل م��ن ح��ي �إىل‬ ‫�آخ� � ��ر ك� ��ان ي�شعر‬ ‫وك� ��أن ��ه ان �ت �ق��ل من‬ ‫عامل �إىل �آخ��ر‪ ،‬فكل‬ ‫فئة كانت مغلقة على‬ ‫نف�سها ومعزولة عن‬ ‫ال �ف �ئ��ات الأخ � ��رى‪.‬‬ ‫وه � � � � ��ذا ال � � �ع� � ��داء‬ ‫امل� ��� �س� �ت� �ح� �ك ��م بني‬ ‫خمتلف الفئات كان‬ ‫ي�شعر كافكا باخلوف‬ ‫والقلق‪ .‬ويف بع�ض الأحيان كان ي�شعر ب�أنه‬ ‫يعي�ش يف منفى ال يف وط ��ن‪ .‬فالآخرون‬ ‫ينظرون �إل�ي��ه ��ش��زر ًا �إذا م��ا خاطر بنف�سه‬ ‫وذهب �إىل حارتهم‪.‬‬ ‫لقد �ضغط ه��ذا الو�ضع االجتماعي املزعج‬ ‫بكل ثقله على حياة الكاتب الكبري‪ ،‬و�شعر‬ ‫بالتمزق بني انتماءات ولغات عدة‪� .‬صحيح‬ ‫�أنه كان يكتب بالأملانية‪ ،‬ولكن لغة اليدي�ش‬ ‫ال �ي �ه��ودي��ة ك��ان��ت حت��ا� �ص��ره‪ ،‬وك��ذل��ك لغة‬ ‫البوهيميني الت�شيك‪ .‬وب��ال�ت��ايل فلم يكن‬ ‫ي�شعر ب ��أن��ه ميتلك لغة وطنية �أو قومية‬ ‫خا�صة به‪.‬‬ ‫وهذا هو و�ضع ريلكه الذي عا�ش يف الفرتة‬ ‫نف�سها‪ .‬ولكن ريلكه هاجر �إىل �أملانيا وقوّ ى‬ ‫لغته ال�شعرية هناك وتخ ّلى عن براغ نهائي ًا‪.‬‬ ‫�أما كافكا فلم يهاجر �إىل �أي مكان �آخر‪.‬‬ ‫والواقع �أن ال�صعوبات الداخلية واخلارجية‬ ‫د ّم ��رت ح�ي��اة كافكا وجعلته يعي�ش حالة‬ ‫م�ستمرة من احلرب الداخلية‪ .‬ال ريب يف �أنه‬ ‫كان ي�شعر يف �شبابه باالنتماء �إىل الأملان لغة‬ ‫وثقافة وتاريخ ًا‪ ،‬وكان م�شبع ًا بقراءة غوته‬ ‫وكبار الكال�سيكيني الأمل��ان‪ .‬وبالتايل كان‬ ‫يطمح �إىل تقدمي عطائه اخلا�ص �إىل الأدب‬ ‫الأمل���اين ال�ك�ب�ير‪ .‬ول�ك��ن �صعوبات احلياة‬ ‫ال�ي��وم�ي��ة ك��ان��ت ت�ع�تر���ض ط��ري�ق��ه ومتنعه‬ ‫من حتقيق طموحاته‪ .‬فوظيفته التي كان‬ ‫يكرهها جد ًا كانت ت�أكل معظم وقته وال ترتك‬ ‫له �إال القليل من �أجل الأدب‪ .‬كانت يتمنى �أن‬ ‫يك ّر�س كل حياته للكتابة ولكن �ضرورات‬ ‫احلياة كانت متنعه من حتقيق ه��ذا احللم‬ ‫الكبري‪.‬‬ ‫وك��ان م�ضطر ًا ملمار�سة الكتابة ل�ي� ً‬ ‫لا‪� ،‬أي‬

‫بعد عودته من وظيفته‪ .‬وه��ذا ما �أدى �إىل‬ ‫تدمري �صحته و�إ�صابته مبر�ض ال�سل‪ .‬ولكن‬ ‫ال�صراع تفاقم كثري ًا عام ‪ 1912‬وحتوّ ل �إىل‬ ‫خيار وجودي‪ .‬فقد التقى �آنذاك بالفتاة التي‬ ‫�أحبها وخطبها مرتني‪ ،‬ثم تخلى عن الزواج‬ ‫يف �آخر حلظة‪ .‬والواقع �أنه وجد نف�سه �أمام‬ ‫خيار �صعب ج��د ًا‪ :‬ف�إما �أن يتزوج وي�شكل‬ ‫عائلة ويتخلى عن الأدب‪ ،‬و�إم��ا �أن يتخلى‬ ‫عن احلب والزواج والأطفال ويك ّر�س حياته‬ ‫كلها للأدب‪.‬‬ ‫ويف النهاية انت�صر اخليار الثاين‪ .‬ولكن‬ ‫كلفه غالي ًا من الناحية العاطفية والإن�سانية‪.‬‬ ‫لقد دمره هذا ال�صراع الداخلي لأنه تخلى‬ ‫ع��ن امل� ��ر�أة ال�ت��ي �أح�ب�ه��ا يف ن�ه��اي��ة املطاف‬ ‫ّ‬ ‫وف�ضل عليها الكتابة الروائية والأدب‪ .‬لقد‬ ‫�شعر بالذنب �إذ ح�سم خياره يف هذا االجتاه‪.‬‬ ‫ولكن هل كان ب�إمكان �شخ�ص مثل كافكا �أن‬ ‫يعي�ش ب�شكل طبيعي كجميع الب�شر؟ هل كان‬ ‫ب�إمكانه �أن يتخلى عن عبادته املطلقة للأدب؟‬ ‫م�ستحيل‪ .‬ثم يردف امل�ؤلف قائ ًال‪:‬‬ ‫ف��الأدب كان هدفه الأول يف احلياة ومربر‬ ‫وج��وده‪ .‬ولكن التخلي عن امل��ر�أة واحلب‬ ‫وال � ��زواج ك ��ان يعني خ��روج��ه م��ن العامل‬ ‫الب�شري والعي�ش كزاهد ومتق�شف خارج‬ ‫احلياة‪ .‬وهذا �أمر �صعب وال يقدر عليه �إال‬ ‫القليلون‪.‬‬ ‫وميكن القول ب�أن مر�ض ال�سل الذي �أ�صابه‬ ‫عام ‪ 1917‬ح ّرره من هذه املع�ضلة املحرية‪:‬‬ ‫مع�ضلة اخليار بني ال��زواج والأدب‪ .‬فبعد‬ ‫ال�ي��وم مل يعد ال ��زواج وارد ًا وبالتايل فال‬ ‫داعي لل�شعور بالذنب‪ .‬فمن غري املمكن �أن‬ ‫يتزوج فهو مري�ض بداء معد وخطر كمر�ض‬ ‫ال�سل! وخطيبته لن تعتب عليه بعد اليوم‬ ‫لأن��ه مل يتزوجها‪ .‬وهكذا حُ ّلت امل�شكلة من‬ ‫تلقاء ذاتها‪ .‬ومل يعد هناك �أي �شيء يحول‬ ‫بينه وبني الأدب‪.‬‬ ‫هكذا نالحظ �أن هذا الرجل ال��ذي مل يع�ش‬ ‫�أك�ث�ر م��ن واح ��د و�أرب��ع�ي�ن ع��ام � ًا ا�ستطاع‬ ‫�أن يُحدث خرق ًا يف الكتابة الروائية و�أن‬ ‫ي�صبح قدوة لكل من جاءوا بعده‪ .‬فت�أثريه‬ ‫على الرواية الأملانية والأوروبية ب�شكل عام‬ ‫�أ�شهر من �أن يذكر‪ .‬بل وو�صل ت�أثريه �إىل‬ ‫�أمريكا ال�شمالية‪ ،‬و�أمريكا الالتينية‪ ،‬والعامل‬ ‫العربي‪ ،‬وحتى اليابان و�آ�سيا‪.‬‬ ‫وميكن القول �إن كافكا خ�سر احلياة‪ ،‬ولكنه‬ ‫رب��ح الأدب‪ .‬وه ��ذه ه��ي م�شيئة الأق� ��دار‪.‬‬ ‫فاحلياة ال تعطي نف�سها ب�شكل كامل ملخلوق‪.‬‬ ‫ف�إما �أن تنجح يف جمال وتف�شل يف جمال‬ ‫�آخر‪ ،‬و�إما �أن تف�شل يف كل �شيء‪.‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪4‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫‪5‬‬

‫الرمز واألمل ‪. .‬‬ ‫في مؤلفات فرانز‬ ‫كافكا‬ ‫�أحمد �أبو العال يو�سف‬

‫يت�ألف فن فرانز كافكا كله من ق�سر القارئ‬ ‫على �إعادة قراءة الق�صة مرة ثانية من‬ ‫وجهة نظر �أخرى فهنالك �أحيان ًا �إمكانية‬ ‫مزدوجة للتف�سري ‪ ،‬ومن هنا تنبثق احلاجة‬ ‫�إىل قراءتني ‪ ،‬وهذا هو ما كان امل�ؤلف‬ ‫يريده‏‪ ،‬ولكن �سيكون من اخلط�أ حماولة‬ ‫تف�سري كل �شيء عن كافكا بالتف�صيل فالرمز‬ ‫هو دائم ًا عام ‪ ،‬وهو دائم ًا ي�سبق ويفوق‬ ‫من ي�ستخدمه ‪ ،‬ويجعله يقول يف الواقع‬ ‫�أكرث مما هو مدرك لتعبريه عنه ‪ ،‬ويف هذا‬ ‫ال�صدد ف�إن �أف�ضل و�سائل الإم�ساك بالرمز‬ ‫ال تتمثل يف �إثارته ‪.‬‏ ومن العدل بالن�سبة‬ ‫لكافكا على وجه التخ�صي�ص الإتفاق مع‬ ‫�أ�س�سه وقواعده ‪ ،‬وتناول الدراما عرب‬ ‫�سطحها اخلارجي ‪ ،‬والق�صة عرب �شكلها‬ ‫للوهلة الأوىل وبالن�سبة للقارئ الذي‬ ‫مغامرات‬ ‫يتناوله بال�صدفة ‪ ،‬يلوح �أن‬ ‫ٍ‬ ‫مثرية مقلقة تدفع ب�شخ�صيات مزلزلة‬ ‫مالحقة نحو متابعة م�شاكل ال ت�ضعها هي ‪،‬‬ ‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫وال تريد لنف�سها هذا الأمر‏‬ ‫ففي "املحاكمة" جند جوزيف ك ‪ .‬م َتهم ًا‪،‬‬ ‫ولكنه اليعرف مباذا ‪ ،‬وهو بال �شك متلهف‬ ‫للدفاع عن نف�سه‪ ،‬ولكنه ال يعرف ملاذا‪،‬‬ ‫ويجد املحامون ق�ضيته �صعبة‪ ،‬ويف الوقت‬ ‫نف�سه ي�ستمر هو يف العي�ش ‪ ،‬فال يهمل‬ ‫احلب وتناول الطعام وقراءة ال�صحيفة‪،‬‬ ‫قبل �أن يحاكم يف النهاية ويقطع ر�أ�سه على‬ ‫�صخرة ٍ يف �ضاحية بائ�سة‬ ‫وهكذا نرى �أنه من ال�صعب التحدث عن‬ ‫رمز ٍ يف حكاية ‪� ،‬صفتها الأ�شد و�ضوح ًا‬ ‫هي " الطبيعية " ‪ ،‬ولكن هذه الطبيعية‬ ‫نوع �صعب على الفهم ‪....‬‏‬ ‫ومن الوا�ضح �أنه كلما كانت مغامرات‬ ‫ال�شخ�صية ا�ستثنائية ‪ ،‬زادت طبيعية‬ ‫الق�صة ‪ ،‬ويكون ذلك متنا�سب ًا مع التحول‬ ‫الذي ن�شعر به ‪ ،‬بني غرابة حياة �إن�سان‪،‬‬ ‫والب�ساطة التي يقبل بها الإن�سان تلك‬ ‫احلياة ‪...‬‏‬

‫ويلوح وا�ضح ًا �أن هذه الطبيعية هي‬ ‫طبيعة كافكا ‪...‬‏‬ ‫�أما بالن�سبة للـ " القلعة " فهي رمبا تكون‬ ‫الهوت الفعالية ‪ ،‬ولكنها قبل �أي �شيءٍ �آخر‬ ‫التجربة الفردية لروح ٍ تبحث عن عطائها‬ ‫املقد�س ‪ ،‬لرجلٍ يطلب من مو�ضوعات عامله‬ ‫ي حيث يعني "ك"‬ ‫�أن تخربه ب�سرها امللك ‏‬ ‫م�ساح ًا للأرا�ضي للقلعة ‪ ،‬وهو ي�صل �إىل‬ ‫القرية ‪ ،‬ولكن من ال�صعب الإت�صال بني‬ ‫القرية والقلعة ‪ ،‬ويحاول بنية ح�سنة ال‬ ‫مكرتثة �أن يقوم بالأعباء املعهودة �إليه‪،‬‬ ‫واليغ�ضب‏ وكل ف�صلٍ جديد هو خيبة‬ ‫جديدة ‪ ،‬وكذلك بداية جديدة وحني يتلفن‬ ‫"ك" �إىل القلعة‪ ،‬ي�سمع �أ�صوات ًا ممتزجة‬ ‫ودعوات‬ ‫م�ضطربة ‪ ،‬و�ضحكات غام�ضة ‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫بعيدة وهذا يكفي ليطعم �أمله ‪ ،‬كتلك‬ ‫العالمات القليلة التي تظهر يف �سماء‬ ‫�صيف ‪� ،‬أو تلك البوادر امل�سائية التي‬ ‫ت�ؤلف �سبب العي�ش بالن�سبة لنا ‪ ،‬فيذهب‬

‫�إىل القلعة على �أمل كبري هو �أن يجعل‬ ‫القلعة تتبناه ‪ ،‬وهو بذلك يريد �أن ي�ستبعد‬ ‫اللعنة اخلا�صة التي جتعله غريب ًا بالن�سبة‬ ‫للقرية ‪ ،‬ولتتطور الأحداث فيما بعد‪.‬‏‬ ‫فرناه قد تخلى عن الأخالقيات ‪ ،‬و�أ�صبح‬ ‫غري خمل�ص ٍ حتى لنف�سه ‪� ،‬إذا �أم�سى‬ ‫ال يه َمه من احلياة �إال �أن يبقى م�سلح ًا‬ ‫ب�أمله املجنون فقط وهو الإنتماء �إىل‬ ‫القلعة وهذا التحول بدوره ميثل بالت�أكيد‬ ‫الت�صور املرعب لأخالقية الو�ضوح ‪،‬‬ ‫ولكنه�أي�ض ًا نتاج تلك الده�شة التي ال ح َد‬ ‫لها ‪ ،‬والتي ي�شعر بها الإن�سان نحو �إدراكه‬ ‫للوح�ش الذي ي�صريه من دون �أن يبذل يف‬ ‫ذلك جمهود ًا ‏‪ ،‬ويف هذا الغمو�ض اجلذري‬ ‫يكمن �سر كافكا وهذا الرتدد الدائم بني‬ ‫الطبيعي واال�ستثنائي‪ ،‬بني الفردي‬ ‫والكوين‪ ،‬بني امل�أ�ساة والإعتيادية ‪ ،‬والال‬ ‫جدوى واملنطقي‪ ،‬يظهر يف �أعماله ‪ ،‬وهو‬ ‫الذي يهبها نغمتها ومعناها‏ فكلما �إزدادت‬

‫م�أ�ساة الو�ضعية التي ي�صفها كافكا ‪ ،‬زاد‬ ‫ثبات وحتر�ش الأمل‪.‬‏ وكلما ازدادت ال‬ ‫جدوى " املحاكمة " حق ًا ‪ ،‬زادت م�شرعية‬ ‫واحتدام القفزة التي تتجلى يف " القلعة‬ ‫وم�ساح الأرا�ضي (ك)‪،‬‬ ‫" ‪ .‬فجوزيف (ك )‪َ ،‬‬ ‫هما يف احلقيقة قطبان يتجاذبان كافكا‏‬ ‫فــ " املحاكمة " متعن الت�أمل يف م�شكلة‬ ‫ٍ جند �أنَ " القلعة " �إىل حد ما حتلها‪،‬‬ ‫فالأوىل ت�صف طبق ًا لطريقةٍ �شبه علمية‬ ‫وبدون �أن ت�ستنتج ‪ ،‬والثانية �إىل حد‬ ‫ماتف�سر‪.‬‏ ومبعنى �آخر ‪ " :‬املحاكمة "‬ ‫ت�صف الأعرا�ض ‪ ،‬بينما " القلعة " جتد‬ ‫العالج‪ ،‬ولكن الدواء املقرتح هنا الي�شفي ‪،‬‬ ‫�إنه فقط يعيد املر�ض �إىل احلياة الإعتيادية‬ ‫‪� ،‬إنه ي�ساعد على قبوله �إنَ نتاجه قد‬ ‫اليكون جمدي ًا ‪ ،‬ولكن ذلك يجب �أن‬ ‫المينعنا من ر�ؤية نبله وعموميته ‪� .‬إنهما‬ ‫ينبثقان من كونه قد جنح يف ت�صوير‬ ‫املمر اليومي الإعتيادي من الأمل �إىل‬

‫الأ�سى ‪ ،‬ومن احلكمة اليائ�سة �إىل ال�شط‬ ‫العقلي ‪ ،‬فنتاجه عام �إىل احلد الذي ي�صور‬ ‫به وجه الإن�سان املتحرك عاطفي ًا وهو‬ ‫يهرب من الب�شرية ‪ ،‬م�ستمد ًا من تناق�ضاته‬ ‫�أ�سباب ًا للإميان ‪� ،‬أ�سباب ًا للأمل من ي�أ�سه‬ ‫اخل�صب ‪ .‬ومن هنا جند �سر ال�سوداوية‬ ‫امل�ألوفة يف كافكا ‪ ،‬وهذا هو نف�سه الذي‬ ‫جنده يف احلقيقة عند " برو�ست " �أو يف‬ ‫مناظر " بلوتينو�س " ‪ :‬حنني كئيب �إىل‬ ‫فردو�س ٍ مفقود ‪ .‬ف�إذا كانت طبيعة الفن‬ ‫هي �أن يربط بني العام واخلا�ص ‪ ،‬بني‬ ‫الأبدية الق�صرية لقطرةٍ من املاء وانعكا�س‬ ‫�أ�ضوائها ‪ ،‬ف�إنه ليكون �أكرث �صحة �أن نحكم‬ ‫على عظمة الكاتب الال جمدي‪ ،‬بامل�سافة‬ ‫التي ي�ستطيع �أن يقدمها بني هذين‬ ‫العاملني‪ ،‬ف�سره يت�ألف من يف ا�ستطاعته‬ ‫�أن يجد النقطة امل�ضبوطة حيث يتقابالن‬ ‫‏كان معظم �أولئك الذين حتدثوا عن كافكا‬ ‫قد عرفوا �أعماله ب�أنها نداء يائ�س‪ ،‬من‬

‫دون �أن يكون للإن�سان ماميكنه �أن يلج�أ‬ ‫�إليه ‪ ،‬ولكن هذا ي�ستدعي �إعادة النظر ‪،‬‬ ‫هنالك �أمل ‪� ،‬أمل ف�إذا كان فاو�ست ودون‬ ‫كي�شوت من املخلوقات الفنية البارزة ‪،‬‬ ‫ف�إن هذا يرجع �إىل النبل الذي ال حد له‬ ‫‪ ،‬الذي ي�شريان �إليه ب�أيديهما الأر�ضية ‪،‬‬ ‫ومع ذلك ‪ ،‬ت�أتي حلظة دائم ًا ‪ ،‬ينفي فيها‬ ‫الذهن احلقائق التي ت�ستطيع تلك الأيدي‬ ‫�أن تلم�سها ‪ ،‬ت�أتي حلظة ي�ؤخذ فيها اخللق‬ ‫على �أنه م�أ�ساة ‪ ،‬و�إمنا ي�ؤخذ م�أخذ ًا جاد ًا‬ ‫فقط ‪ ،‬ثم يهتم الإن�سان بالأمل ‪ ،‬ولكن هذا‬ ‫لي�س من �ش�ؤونه ‪ ،‬و�إمنا ينح�صر اهتمامه‬ ‫يف النكو�ص عن الزيف والأعذار الكاذبة‬ ‫‪ ،‬ومع ذلك فهذا بال�ضبط هو ما �أجده يف‬ ‫نهاية الإتهامات العنيفة التي يتقدم بها‬ ‫كافكا �ضد الكون كله ‪ ،‬فحجته التي الميكن‬ ‫ت�صديقها تتمثل يف هذا العامل املمقوت‬ ‫املقلق الذي جند فيه الذرات نف�سها جتر�ؤ‬ ‫على الأمل‪.‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪6‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫‪7‬‬

‫عالم فرانز كافكا‬ ‫ومع �أن �سنوات طوال قد مرت على وفاته‬ ‫(تويف عام ‪ )١٩٢٤‬ويف �سريته ما قد ينفر‬ ‫البع�ض منه (يهوديته ورمبا �صهيونته بنظر‬ ‫بع�ض الباحثني يف �أدبه وكذلك احت�ضان‬ ‫الدوائر الإ�سرائيلية له)‪ ،‬ف�إن كافكا يُقر�أ‬ ‫با�ستمرا ويجد على ا لدوام َمن ي�شغف‬ ‫به وب�أدبه‪ ،‬وبخا�صة ب�سريته امللتب�سة‪.‬‬ ‫ولي�س هذا الكتاب ال�صادر يف دم�شق‪،‬‬ ‫والذي نعر�ض لبع�ض �صفحاته يف هذا‬ ‫املقال‪� ،‬سوى دليل على اهتمام املثقفني به‪،‬‬ ‫و�إعادة قراءته من جديد و�إخ�ضاعه للبحث‬ ‫وامل�ساءلة‪ .‬ذلك �أنه �إىل جانب من يتحدث‬ ‫عن �صهيونية ما يف كافكا‪ ،‬هناك الكثريون‬ ‫ممن يت�صدون لهذا الزعم ويربئون كافكا‬ ‫من هذه التهمة اجلائرة‪ ،‬ونف�ضه يده مبكر ًا‬ ‫من م�ساعي اليهود لإن�شاء دولة يهودية‬ ‫فوق �أر�ض فل�سطني‪ .‬فكافكا �إذن لي�س كاتب ًا‬ ‫�صهيوني ًا مفرغ ًا من �صهيونيته‪ .‬و�إمنا هو‬ ‫بالدرجة الأوىل كاتب كبري له عامله اخلا�ص‬ ‫به‪ ،‬وهو عامل مازال يجذب مريدين كثريين‬ ‫يجعلون من كافكا �أحد عمد الأدب البارزين‬ ‫يف عاملنا املعا�صر‪.‬‬ ‫يرى الكاتب الفرن�سي روجيه غارودي �أن‬ ‫�إنتاج كافكا ثمرة عالقة بني �إن�ساين وال‬ ‫�إن�ساين‪ ،‬و�أنه مل يكن عدمي ًا �أو يائ�س ًا‪ ،‬بل‬ ‫�شاهد على ع�صره‪ ،‬و�أنه كان ثوري ًا �أراد �أن‬ ‫يقول احلقيقة‪.‬‬ ‫ولكن �آخرين ومنهم كتاب ت�شيكيون يرون‬ ‫كافكا كاتب ًا فكاهي ًا �أو م�سلي ًا‪ .‬هذا �إىل جانب‬ ‫من ينظر �إليه على �أنه‪ ،‬وهو اليهودي‪،‬‬ ‫جمرد روائي م�سيحي‪ .‬ويرى ي�ساريون‬ ‫وفرويديون �أن كافكا ميثلهم بحق‪ .‬و�إىل‬ ‫جانب من يلح على �أنه كان «كاتب ًا يهودي ًا»‪،‬‬ ‫ت�ؤكد �سريته �أنه مل يكن يعرف كلمة واحدة‬ ‫من اللغة اليديت�شية‪( .‬كان يتقن الت�شيكية‬ ‫والفرن�سية ويعرف الإنكليزية والإيطالية)‪.‬‬ ‫مل يتلق �أي تربية دينية عند �أهله‪ .‬ومل يكن‬ ‫يعرتف بيهوديته �إال م�ضطر ًا‪ .‬وله �أقوال‬ ‫عديدة يف ر�سائله �إىل �صديقته ميلينا تنم‬ ‫عن عدم ا�ستلطافه لليهود‪ .‬فقد ذكر يف �إحدى‬ ‫ر�سائله �إليها‪« :‬ر�أيك باليهود الذين تعرفينهم‬ ‫طيب �أكرث من الالزم‪� .‬أحيان ًا �أمتنى �أن‬ ‫�أح�شرهم جميع ًا (مبن فيهم �أنا) يف الدرج‪،‬‬ ‫و�أنتظر‪ ،‬ثم �أ�سحب الدرج قلي ًال لكي �أرى‬ ‫فيما �إذا كانوا اختنقوا جميع ًا‪ .‬و�إذا مل يكن‬ ‫هذا قد حدث‪ ،‬ف�إنني �أعود و�أغلق الدرج من‬ ‫جديد‪ ،‬و�أعيد العملية �إىل ما ال نهاية»!‬ ‫ويف ر�سالة �أخرى يتحدث كافكا عن �أطباء‬ ‫يهود مي�سدون حلاهم ق�ساة �ضد امل�سيحيني‬ ‫واليهود‪.‬‬ ‫وله جملة م�شهورة تقول‪ :‬مل تر�شدين يُد‬ ‫امل�سيحية يف هذه احلياة كما �أر�شدين‬ ‫كريكيجارد (فيل�سوف وجودي)‪ .‬ويف عام‬ ‫‪� ،١٩٢٢‬أي قبل وفاته ب�سنتني‪ ،‬عُر�ضت‬ ‫عليه رئا�سة حترير جملة يهودية‪ ،‬فرف�ض‬ ‫العر�ض‪.‬‬ ‫وقبل وفاته ب�أ�سابيع كتب �إىل والد �صديقته‬ ‫دورا‪ ،‬التي كانت ترعاه يف امل�ست�شفى‪،‬‬ ‫ر�سالة يرجو فيها منه ال�سماح له بالزواج‬ ‫من ابنته‪ .‬ومع �أن والد دورا كان رجل دين‪،‬‬ ‫فقد ذكر له كافكا ب�صراحة يف ر�سالته �أنه‬ ‫لي�س يهودي ًا م�ؤمن ًا‪.‬‬ ‫ويف جمموع �آثاره الأدبية ال توجد �شخ�صية‬ ‫يهودية واحدة‪.‬‬ ‫ويف عام ‪ ١٩٨٥‬ن�شر الناقد اليهودي هانز‬ ‫ديرتت�شمرمان كتاب ًا بعنوان «ترجمان بابل»‬

‫برغم �أنه من الأقلية اليهودية يف ت�شيكو�سلوفاكيا ويكتب بالأملانية‪ ،‬فقد حقق فرانز كافكا �شيئ ًا من الوحدة‬ ‫الأوروبية يف حياته الق�صرية �إذ مات وله من العمر ‪41‬عام ًا‪ .‬فقد ولد يف ت�شيكو�سلوفاكيا عام ‪ ،١٨٨٣‬وكتب بالأملانية‬ ‫ال باليديت�شية (لغة يهود �أوروبا ال�شرقية) وال بالت�شيكية �أو ال�سلوفاكية‪ ،‬وعا�ش بني النم�سا واملجر (يف تلك الفرتة‬ ‫كانت هناك امرباطورية ت�ضم النم�سا واملجر)‪ .‬وهو ينتمي �إىل �أ�سرة يهودية تعمل بالتجارة‪ .‬لكنه ف�ضل االلتحاق‬ ‫بوظيفة يف �شركة ت�أمني على العمل يف حمال والده مع �أن �أ�سرته كانت ثرية‪.‬‬

‫كتب فيه‪ :‬مل يكن كافكا �صهيوني ًا‪ .‬لي�س‬ ‫هذا وح�سب‪ ،‬بل �إنه كان يرى ال�صهيونية‬ ‫عائق ًا بالن�سبة �إىل �أدبه‪ .‬وقال هذا الناقد �إن‬ ‫كافكا مل يت�أثر باحلركة ال�صهيونية‪ ،‬وحتى‬ ‫اليهودية ال دور لها يف حياته‪.‬‬ ‫�أما خرباء الدعاية ال�صهيونية فقد قاموا‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫ب�أكرب عملية �سطو عليه �إذ ادعوا �أنه‬ ‫كان �صهيوني ًا‪ .‬وكان مرجعهم الوثائقي‬ ‫الأ�سا�سي يف ذلك كتاب لغو�ستاف يانو�شي‬ ‫بعنوان «�أحاديث مع كافكا»‪.‬‬ ‫يف هذا الكتاب يجد القارئ �آراء لكافكا يف‬ ‫ماهية ال�شعر وال�شاعر‪ ،‬و�آراء له يف عدد‬

‫كبري من الكتاب والفنانني والفال�سفة مثل‬ ‫�شك�سبري ود�ستويف�سكي و�أو�سكار وايلد‬ ‫و�أفالطون وبيكا�سو وفان كوخ‪ .‬كذلك نقر�أ‬ ‫تقييمه لعدد كبري من الكتب‪.‬‬ ‫كما يتحدث عن قيمة وال قيمة العقائد‪ ،‬عن‬ ‫النظام الر�أ�سمايل‪ ،‬وعن الثورة البول�شفية‪،‬‬

‫عن احلرب وال�سلم‪ ،‬عن الطبقة العمالية‬ ‫العاملية وعن اجلماهري‪.‬‬ ‫ويطلع القارئ يف هذا الكتاب على خفايا‬ ‫نف�س كافكا‪ ،‬ونظراته يف احلياة‪ ،‬و�أ�سرار‬ ‫مر�ضه‪ ،‬وق�ضاياه العائلية‪ .‬وحتى على ر�أيه‬ ‫بالبغايا‪ .‬ويبوح ملحدثه ب�آرائه يف �أ�صدقائه‬ ‫ويف كتبهم وزوجاتهم!‬ ‫ومن دون تركيز‪ ،‬وب�شكل عار�ض‪ ،‬ترد‬ ‫يف الكتاب جمل قليلة عن اليهودي‬ ‫وال�صهيونية‪ ،‬مثل قوله‪« :‬نحن اليهود ل�سنا‬ ‫ر�سامني و�إمنا رواة»‪.‬‬ ‫يف الكتاب يقول �أحد الباحثني �إن كافكا لي�س‬ ‫كاتب ًا عاديا‪� .‬صاحب «القلعة» و«املحاكمة» له‬ ‫�أثر عميق يف �أدب القرن الع�شرين‪ .‬مل ي�صنع‬ ‫كافكا تالمذته قط‪ .‬ابتكر �أ�سالف ًا �أي�ض ًا‪ .‬من‬ ‫يُنكر �أننا يف اللحظات احلرجة‪ ،‬وعندما‬ ‫ن�شعر ب�أننا دخلنا �إىل نفق طويل ال خال�ص‬ ‫يلوح يف نهايته‪� ،‬أو عندما ن�شعر �أننا‬ ‫تورطنا يف دوامة تلفنا معها‪ ،‬من ال�صعب‬ ‫علينا التخل�ص منها‪ ،‬نردد اجلملة املف�ضلة‪:‬‬ ‫«�إنها حالة كافكاوية»!‬ ‫�إذا كان تكرار كلمة كافكاوية يقت�صر على‬ ‫طبقة مثقفة عندنا‪ ،‬ف�إن هذه ال�صفة لبع�ض‬ ‫املواقف يف الزمان املعا�صر هي �أمر‬ ‫روتيني‪ ،‬وبالأخ�ص على الأل�سن الناطقة‬ ‫باللغة الأملانية تقفز دائم ًا هذه الكلمة لكي‬ ‫ت�صف االلتبا�س احلا�صل‪ ،‬ولكي تزيل كل‬ ‫�سوء فهم ميكن �أن ينتج عنه‪� .‬أ�صبحت هذه‬ ‫الكلمة جزء ًا من اللغة اليومية املتداولة‪.‬‬ ‫ترى من �أين ت�أتي �صالحية هذه العالقة‬ ‫ال�سحرية تقريب ًا‪ ،‬التي مننحها لهذه الكلمة‬ ‫امل�شتقة من ا�سم كافكا؟ من �أين ي�أتي هذا‬ ‫ال�شعور الواثق ب�أننا حني ننطقها‪ ،‬ال نحتاج‬ ‫�إىل �شروحات ا�ضافية تو�ضح مالب�سات‬ ‫الو�ضع الذي نحن فيه؟ �إ�ضافة �إىل ذلك‪ ،‬من‬ ‫�أين لنا �أن نعرف �أننا ال نخطئ عندما ن�ستند‬ ‫يف حديثنا على حمام (�أكرث مما هو داعية)‬ ‫مل ينطق با�سم نا�س ع�صره فقط‪� ،‬إمنا ذهب‬ ‫يف كتاباته �إىل �أبعد من ع�صره ذاته ‪ ،‬كما‬ ‫جنح يف التعبري عن الب�ؤ�س الب�شري‪,‬‬ ‫ب�ؤ�سنا بغ�ض النظر عن اجلغرافيا التي‬ ‫نتواجد فيها‪.‬‬ ‫القلق الوجودي واخلوف من احلياة‪،‬‬ ‫االغرتاب وت�شرد ونفي الإن�سان احلديث‪،‬‬ ‫ظلت املوا�ضيع املركزية التي ت�شكل حمور‬ ‫روايات وق�ص�ص فرانز كافكا‪� ،‬إ�ضافة �إىل‬ ‫حياته‪ .‬خلف كل بطل من �أبطاله يواجهنا‬ ‫كافكا ذاته‪ .‬يف كل �أعماله املكتوبة ب�شكل‬ ‫عبقري و�شيق‪ ،‬تعي�ش �شخ�صيات جتد‬ ‫نف�سها فج�أة خا�ضعة لقوى ال ميكن التحكم‬ ‫بها‪ .‬وعلى امل�ستوى ذاته الذي عا�شت فيه‬ ‫هذه ال�شخ�صيات‪ ،‬يبدو �أننا يف ع�صر‬ ‫االغرتاب العاملي الذي نعي�شه‪ ،‬فقدنا‬ ‫ال�سيطرة على م�سارات الأ�شياء‪ ،‬وعلى‬ ‫اال�ست�سالم للتكرار العبثي لأمور نقرف‬ ‫منها حقيقة‪ ،‬لكننا ال ن�ستطيع �إيقاف �إعادة‬ ‫�إنتاجها‪ .‬وكما يبدو نحن الآخرون �أي�ض ًا‬ ‫نخ�ضع لإرادة‪ ،‬ملزاج الأو�ضاع تلك التي د�أب‬ ‫فرانز كافكا ذاته على و�صفها عند احلديث‬ ‫عن نف�سه يف ر�سائله ويومياته‪.‬‬ ‫كان كافكا ي�شعر ويف �شكل م�ستمر �أنه‬ ‫يعي�ش حتت و�ضع ي�ضغط عليه‪ ،‬ب�أنه‬ ‫حمكوم يعي�ش حياة ممزقة‪ ،‬هي التي‬ ‫تقوده‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أنه يعرف �أنه جمرب على‬ ‫�أداء واجباته كموظف يف «م�ؤ�س�سة الت�أمني‬ ‫على حوادث العمال»‪ ،‬حياة املوظف التي‬

‫مقتها كافكا ومل ي�ستطع الفكاك منها برغم‬ ‫�أنه ظل ي�صارع املحيط من �أجل االعرتاف‬ ‫مبكانته الأدبية‪ .‬وكان �أكرث ما يثري الي�أ�س‬ ‫عنده‪ ،‬هو �شعوره ب�أنه قادر على تغيري هذا‬ ‫الو�ضع املتناق�ض لكن ك�سله وتردده مينعانه‬ ‫من تغيري م�سار حياته‪ .‬هكذا مل يتمكن كافكا‬ ‫من �إبعاد �شعوره بالذنب‪ ،‬وكان �أكرث ما‬ ‫يخافه هو النتائج املرتتبة على ف�شله‪.‬‬ ‫قد يكون متزقه هذا هو الذي �ضخ الدم يف‬ ‫�شرايني كتاباته‪ ،‬لأنه كان على قناعة ب�أن‬ ‫الكتابة فقط هي التي ت�سمح له بانفتاح كامل‬ ‫للحياة والروح‪ .‬وهناك على الورق فقط‬ ‫ال ميكنه �أن يقوم ب�أية تنازالت‪ .‬لي�س من‬ ‫الغريب �إذن �أن ي�شبه كافكا الكتابة بعملية‬ ‫فتح جرح ما‪.‬‬ ‫ورمبا هذا هو الكفاح الطويل الذي يعي�شه‬ ‫الإن�سان دائم ًا‪ ،‬طاملا �أن هناك �شيئ ًا ا�سمه‬ ‫احلياة هو الذي جعل �أعمال كافكا الروائية‬ ‫والق�ص�صية‪ ،‬بل ويومياته ور�سائله‪� ،‬أن‬ ‫تكون بالن�سبة �إلينا حتى اليوم وغد ًا ذات‬ ‫معنى‪ ،‬و�أنها تظل �شابة يف داخلها‪ ،‬لن‬ ‫ت�شيخ لأن كل �إن�سان مهما كان لون جلده‪،‬‬ ‫ومهما كان دينه ول�سانه ومكانه‪ ،‬ي�شعر ب�أن‬ ‫له �صديق ًا علي ًال عا�ش يف مدينة براغ‪ ،‬وكتب‬ ‫�أعماله باللغة الأملانية‪ ،‬مات مبكر ًا جد ًا‪،‬‬

‫ولكن ر�سالته عربت ع�صره �إىل كل الع�صور‬ ‫ا�سمه فرانز كافكا‪.‬‬ ‫كان الأثر الذي تركه كافكا على معا�صريه‬ ‫من الكتاب ومن جاء بعدهم ب�أجيال كبري ًا‬ ‫جد ًا وميكنه تلم�سه ب�سهولة وي�سر‪ .‬لقد كان‬ ‫الكاتب الأطول ظ ًال كما ي�صفه �أحد الكتاب‬ ‫الذي يلمح �إىل ت�أثريه الكبري على عدد من‬ ‫الكتاب املعروفني واملكر�سني يف الدوائر‬ ‫الأدبية والنقدية‪� .‬ألبري كامي كان يكتب مثل‬ ‫كافكا متام ًا وقد �صرح يف �أكرث من مو�ضع‬ ‫باعجابه بكافكا ور�أى �أن هناك �صلة وثيقة‬ ‫وتقارب ًا حميم ًا يربط بينهما‪� .‬صموئيل‬ ‫بيكيت ب�أبطاله املهم�شني ذوي الأ�سماء‬ ‫املخت�صرة �أو الغائبة‪ ،‬وعزلته ككاتب يدين‬ ‫بالكثري كذلك لكافكا‪.‬‬ ‫بالإمكان تلم�س �أثر كافكا كذلك لدى‬ ‫الأمريكيني الالتينيني خورخي لوي�س‬ ‫بورخي�س وغارثيا ماركيز بعواملهما‬ ‫الغريبة وواقعيتهما ال�سحرية‪ ،‬وميالن‬ ‫كونديرا الذي ولد ون�ش�أ يف املدينة نف�سها‬ ‫التي ولد فيها كافكا‪� ،‬أي براغ‪ .‬هناك �أي�ض ًا‬ ‫الروائي الأمريكي فيليب روث الذي كتب‬ ‫رواية ق�صرية بعنوان «الثدي» �سنة ‪،١٩٢٧‬‬ ‫وفيها يتحول بطلها ديفيد كيب�ش �إىل ثدي‬ ‫�أنثوي‪ .‬ويف ذلك كما ال يخفى ت�أثر برواية‬

‫كافكا «امل�سخ»‪ .‬ويف رواية �أخرى لروث‬ ‫بعنوان «بروف�سور الرغبة» يعود كيب�ش‬ ‫مرة �أخرى‪ ،‬وهو هذه املرة �أ�ستاذ يهودي‬ ‫للأدب لي�س على وفاق مع والده وكذلك مع‬ ‫�إرثه اليهودي يدر�س مادة حول كافكا ويجد‬ ‫�صلة ما تربط ما بني الطابع الأيروتيكي‬ ‫الغريب لعامل كافكا‪ ،‬وبني انغما�سه وهو�سه‬ ‫بعامل اجلن�س‪ ،‬الأمر الذي يدفعه �إىل ال�سفر‬ ‫�إىل م�سقط ر�أ�س كافكا وزيارة قربه‪ .‬بول‬ ‫�أو�سرت‪ ،‬الروائي الأمريكي املعروف لي�س‬ ‫بعيد ًا �أي�ض ًا عن �أجواء كافكا خ�صو�ص ًا يف‬ ‫«ثالثية نيويورك» حيث البحث عن الهوية‬ ‫وحماولة العثور عن الذات‪ ،‬وال�سعي‬ ‫للو�صول �إىل املعنى يف زمن �أ�صبح فيه‬ ‫املعنى متعذر ًا ومتفلت ًا ال ميكن القب�ض‬ ‫عليه‪ .‬الفائز بجائزة البوكر عن روايته‬ ‫«بقاء اليوم»‪ ،‬كازو اي�شجورو‪ ،‬الربيطاين‬ ‫ذو الأ�صول اليابانية‪ ،‬و�أحد �أهم الأ�صوات‬ ‫الروائية الربيطانية املعا�صرة هو �أي�ض ًا‬ ‫واحد من �أولئك الذين مل ينجوا من �سحر‬ ‫كافكا‪ ،‬وبخا�صة يف روايته ال�ضخمة‬ ‫«املتوحد» التي تهيمن عليها الأجواء‬ ‫الكابو�سية الكافكاوية بامتياز منقطع‬ ‫النظري‪ .‬هناك �أي�ض ًا الكاتب الإيراين �صادق‬ ‫هدايات �صاحب «البومة العمياء»‪� .‬إن قائمة‬

‫الأ�سماء املدينة لكافكا واملت�أثرة به طويلة‬ ‫وال تقت�صر على ثقافة �أو لغة واحدة‪ .‬فمن‬ ‫البني �أن الأثر الذي تركه كافكا اتخذ طابق ًا‬ ‫كوني ًا �شمل مناطق متباعدة ثقافي ًا ولغوي ًا‬ ‫وجغرافي ًا‪ .‬ويف هذا تف�سري وتربير ملقولة‬ ‫�أن كافكا هو �صاحب الظل الأطول بني كتاب‬ ‫القرن الع�شرين‪ .‬بقيت كلمات حول كافكا‬ ‫احلامل الأبدي والكابو�سي الأبدي الذي‬ ‫ال ي�ستفيق من كابو�سيته و�أحالمه التي‬ ‫تخلقها الفتيات العابرات يف حياته‪ .‬ينتظر‬ ‫�شبح املر�أة وي�ؤجل لقاءه اجل�سدي بها‬ ‫�إىل ما النهاية‪ .‬جعل من املر�أة كائن ًا يح�سه‬ ‫من خالل ر�سائله �إليها‪ .‬مل تكن املر�أة عنده‬ ‫�أكرث من كائن للكتابة‪ ،‬يجد يف عالقته بها‬ ‫امل�سوغ احلقيقي للن�ص الأدبي الروائي‬ ‫والق�ص�صي‪ .‬ف�إذا وُجد �أي ثابت �أ�سا�سي يف‬ ‫طبيعة كافكا‪ ،‬ف�إنه هذا التناق�ض بني احلاجة‬ ‫امل ْي�ؤو�س منها �إىل عالقة‪ ،‬والعجز عن اقامة‬ ‫عالقة‪ .‬هذا العجز الذي يُغلب‪ ،‬والذي يتفاقم‬ ‫�أحيان ًا فيتحول �إىل «رغبة يف وحدة بال‬ ‫وعي»‪� ،‬أو خوف ًا من االت�صال‪ ،‬من االن�سياب‬ ‫�إىل الطرف الآخر‪ ،‬فال �أعود وحيد ًا قط‪.‬‬ ‫من هذا التناق�ض ين�ش�أ �شعور االنف�صام‬ ‫املتوا�صل‪.‬‬ ‫وكان �شديد احل�سا�سية جتاه ج�سمه‪ .‬وقد‬

‫تنبه �إىل هذه احل�سا�سية منذ طفولته‪ ،‬مما‬ ‫جعله مراقب ًا بانتباه جل�سده الذي كان‬ ‫ميزان حياته كلها و�سبب نفوره مما هو‬ ‫خارج هذا اجل�سد‪ .‬فنجده يحر�ص على‬ ‫جتنب ال�ضو�ضاء ويعترب غرفته ملج�أه‬ ‫ال�شخ�صي بل ج�سده اخلارجي‪ ،‬وال يطيق‬ ‫الزوار‪ .‬حتى العي�ش مع �أ�سرته اعتربه‬ ‫م�صدر عذاب له‪ .‬يقول‪�« :‬أكره ب�شكل قاطع‬ ‫كل �أقاربي لأنهم �أ�شخا�ص �أعي�ش بالقرب‬ ‫منهم‪ .‬وقد بلغت مناوراته مع �إحدى‬ ‫الفتيات‪ ،‬لتنفريها منه‪ ،‬حد قوله لها‪« :‬ال‬ ‫ميكنك العي�ش معي يومني‪� .‬أنت فتاة‬ ‫يُفرت�ض �أن تبحث عن رجل ال عن دودة‬ ‫�أر�ض رخوة»!‬ ‫ويرى �أحد املحللني النف�سانيني ل�شخ�صه‪،‬‬ ‫�أن الأدب كان عبارة عن عالج نف�سي‬ ‫ل�شخ�صيته‪� ،‬أو �أنه كان مبثابة التحليل‬ ‫النف�سي الذي ي�شفيه من �أمرا�ضه و�أوجاعه‪.‬‬ ‫لذلك كان كافكا يخلع على �شخ�صياته‬ ‫الروائية والق�ص�صية كل خماوفه وعذاباته‬ ‫الداخلية وعقده النف�سية‪ .‬ولو مل ي�صبح‬ ‫كاتب ًا لرمبا كان م�صريه اجلنون‪ .‬وبالتايل‬ ‫ف�إن الكتابة �أنقذته من االنهيار �أو من‬ ‫االنتحار‪ .‬ومع ذلك ف�إن عامله عامل غرائبي‬ ‫حماط باجلنون على الدوام‪.‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


Gallery


‫‪10‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫ب��������������ي��������������ن‬ ‫ك��������اف��������ك��������ا‬ ‫وب������ورخ������ي������س‬

‫مل يُثـر كاتب حديث ما �أثاره الروائي الت�شيكي فرانز كافكا (‪ )1924 – 1838‬من تعدّ د القراءات واختالف‬ ‫ً‬ ‫الت�أويل‪ّ ،‬‬ ‫أظن �أن �أديب ًا واحداً‬ ‫�سقطة همومه وم�شاغله‪ ،‬وال � ّ‬ ‫فكل قراءة كان ترى يف الروائي �أفكاره مُ‬ ‫اجتمعت املت�ضادّ ات يف و�صفه مثلما اجتمعت يف كافكا‪ ،‬ففيما كان البع�ض ي�صفه ب�أنه واحد من عظام‬ ‫ك ّتاب الواقعية‪ ،‬اعتربه فريق �آخر الإرها�صة الأوىل التي ّ‬ ‫د�شنت العبث الوجودي‪ ،‬وته ّي�أ لآخرين �أنه‬ ‫من و�ضع �أ�س�س الأدب ال�سوريايل‪ ،‬وقد قر�أه ال�سورياليون من خالل احللم والال�شعور والدعاية ال�سوداء‪،‬‬ ‫مرت�سمني خطى ماك�س برود فاعتربوها رموزاً و�أليغورات‬ ‫وف�سر �أ�صحاب الفكر الديني كتاباته‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫و�أمثوالت وحكم ًا‪.‬‬

‫‪Franz Kafka‬‬

‫شاعر المجتمع الصناعي‬ ‫حممد احلجريي‬

‫�أما �أتباع املذهب الوجودي فو�صلوه‬ ‫بكريكغارد وبنظريات العبث‪ ،‬ور ّكز �أن�صار‬ ‫التحليل النف�سي من مارت روبري �إىل‬ ‫جيل دولوز وفيلك�س غاتاري على م�شكلته‬ ‫الأوديبيّة‪ ،‬ور�أى فيه �آخرون ذلك الكا�شف‬ ‫الأملعي عن فظائع القرن املا�ضي‪ ،‬الذي‬ ‫ي�سخر من ّ‬ ‫كل �شيء يف الدنيا‪� ،‬أو ذلك‬ ‫ال�شخ�ص امل�صاب بنزعة مر�ضيّة يف بلوغ‬ ‫الكمال‪...‬‬ ‫وتتابعت ال�شخ�صيات متنافر ًة‪ ،‬فهو‪:‬‬ ‫ا�شرتاكي‪ ،‬ملحد‪ ،‬م�ؤمن‪ ،‬مت�شائم‪� ،‬سوداوي‪،‬‬ ‫يهودي‪� ،‬إن�ساين‪ ،‬عابث‪ ،‬باحث عن احلقيقة‪،‬‬ ‫�شاعر‪ ،‬وفا�شل‪.‬‬ ‫يف املقدّمة التي كتبها الروائي الأمريكي‬ ‫جون �أبدايك لكتاب "فرانز كافكا‪ ،‬الق�ص�ص‬ ‫الكاملة" يقول‪" :‬بعد مرور �أكرث من قرن‬ ‫على ميالده‪ ،‬يبدو فرانز كافكا ك�آخر الك ّتاب‬ ‫املقدّ�سني واملم ّثل الأنبل للم�صري الإن�ساين‬ ‫يف العامل احلديث"‪.‬‬ ‫‪� ...‬إ�ضافة �إىل ذلك ك ّله‪ ،‬كافكا يف نظر بع�ض‬ ‫ال�شعراء �شاعر ق�صيدة نرث (راجعوا ق�ص�صه‬ ‫الق�صرية)‪.‬‬ ‫تكمن �أهمية كافكا �أو ًال يف تلك اجلملة‬ ‫ال�سحرية التي افتتح بها روايته ال�شهرية‬ ‫"امل�سخ" التي تقول‪" :‬عندما ا�ستيقظ‬ ‫غريغور �سام�سا يف ال�صباح وجد نف�سه‬ ‫وقد حتوّ ل ح�شر ًة كبري ًة (�أو هام ًة �أو‬ ‫�صر�صار ًا)"‪ .‬و�سام�سا "كانت له �أرجل كثرية‬ ‫تظهر نحيلة يف �شكل مثري لل�شفقة مقارنة‬ ‫بني اللون وتبلغ قامته‬ ‫ببقيّة ج�سمه"‪ .‬كان ّ‬ ‫من الطول امل�سافة املمتدّة بني م�سكة الباب‬ ‫و�أر�ض الغرفة‪ .‬وهو �أعر�ض من ن�صف‬ ‫الباب‪ .‬ال يتح ّرك فمه بالطريقة التي تتح ّرك‬ ‫بها �أفواهنا‪ .‬وله‪ ،‬مثلنا‪ ،‬حاجبان ورقبة‪...‬‬ ‫هذا الو�صف للح�شرة �أ�شبه بال�صعقة التي‬ ‫ت�صيب القارئ يف ال�صميم؛ يف ال�شعور‬ ‫يتح�س�س نف�سه ك�أنه ح�شرة‪،‬‬ ‫الدفني‪ ،‬جتعله‬ ‫ّ‬ ‫�أو ك�أن االمن�ساخ قد �أ�صابه هو الآخر‪،‬‬ ‫خ�صو�ص ًا �أن الرواية �سيكولوجية‪� ،‬إذ يقر�أها‬

‫املرء وك�أنه يعي�ش بني ثنايا كلماتها‬ ‫و�أحداثها‪ ،‬فقد جعل كافكا من تقنيّة‬ ‫ال�شعور بالذنب ِ�شعر ًا و�شعور ًا‬ ‫� ّأخا َذ ْين‪.‬‬ ‫مل تنبثق الكافكاوية من �شخ�ص‬ ‫كافكا‪ ،‬بل من احلال التي �أبدع يف‬ ‫ر�سمها‪ ،‬فقد كان يتن ّب�أ بامل�صري‬ ‫الب�شري يف ّ‬ ‫ظل مناخات الرعب‬ ‫التي انت�شرت حتت الأنفا�س‬ ‫الثقيلة للأنظمة التوتاليتارية‬ ‫الك ّالنيّة؛ هنا وهناك انفلت الرعب‬ ‫من عِ قاله و�ساد العبث؛ حتوّ ل‬ ‫الكائن الب�شري �إىل ما ي�شبه‬ ‫احل�شرة املذعورة‪.‬‬ ‫على �أن كافكا بح�سب مواطنه‬ ‫الروائي ميالن كونديرا �أي�ض ًا حوّ ل‬ ‫مادّة م�ضادّة لل�شعر على نحو عميق‬ ‫(�أي مادّة املجتمع البريوقراطي)‬ ‫�إىل �شعر عظيم للرواية‪ .‬ويف هذا‬ ‫ال�سياق يقول مارتن بفايفر وجان ‪ -‬ماري‬ ‫�شرتاوب يف درا�سة بعنوان "املفقود يف‬ ‫املجتمع ال�صناعي"‪ُ ،‬ن�شرت �ضمن �أعمال‬ ‫كافكا املرتجمة اىل العربية‪� ،‬إن املده�ش يف‬ ‫كافكا هو �أنه كان ال�شاعر الأوّ ل ‪ -‬وحتى الآن‬ ‫الوحيد على الأرجح ‪ -‬ملا يُ�س َّمى املجتمع‬ ‫ال�صناعي‪ .‬و�إ�ضاء ًة لهذه اجلملة يكتب‬ ‫املرتجم ال�سوري �إبراهيم وطفي ب�أن كلمة‬ ‫"�شاعر" يف هذا الكتاب ُت�ستخدم يف املعنى‬ ‫الأوروبي‪ :‬مبدع �أيّ �أدب رفيع‪ ،‬موزون ًا كان‬ ‫�أم منثور ًا‪ ،‬روائي ًا ق�ص�صي ًا كان �أم م�سرحي ًا‪.‬‬ ‫يف و�سعنا �أن نقول �إن كافكا كان �شاعر ًا‬ ‫باملعنى احلقيقي لل�شعر‪ ،‬ويف �شعره كثافة‬ ‫ال�شعور بالأ�شياء والتحوّ الت وامل�صري‬ ‫الب�شري‪ ،‬وهو املم ّثل الأبرز لروح الع�صر‬ ‫احلديث‪ .‬لقد ح ّقق جناح ًا الفت ًا يف ت�صوير‬ ‫العدمية التي �ألقت بظاللها الداكنة والكاحلة‬ ‫على جمتمع فقد �صلته ب�إله مينح الفرد نوع ًا‬ ‫من الطم�أنينة امليتافيزيقية واال�ستقرار‬ ‫النف�سي‪ ،‬متام ًا كما جنح يف ك�شف (وف�ضح)‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫�آثار العقالنية املفرطة للهيمنة البريوقراطية‬ ‫التي توقع الفرد يف حبائلها العنكبوتية‪.‬‬

‫ّ‬ ‫املوظف‬ ‫كافكا‬

‫على عك�س �صورته املر�سومة من خالل نرثه‬ ‫انطوائي وم�ستغرق يف ت�أمّالت‬ ‫ككاتب‬ ‫ّ‬ ‫ميتافيزيقية وكابو�سية‪ ،‬يُجمع ك ّتاب ِ�سيرَ‬ ‫كافكا و"حمازبوه"‪ ،‬على �أنه كان رج ًال‬ ‫عملي ًا يف حياته املهنية ح�صل على ترقيات‬ ‫عدّة‪ .‬ا�شتغل كافكا ‪� 13‬سنة موظف ًا يف مكتب‬ ‫للت�أمني �ض ّد احلوادث يف مملكة بوهيميا‪.‬‬ ‫هناك كانت مهمّته �أن يكتب التقارير عن‬ ‫احلوادث التي ت�صيب العمّال‪ .‬وقد كان على‬ ‫و�شك �أن ينال ميدالية الدولة "لإ�سهامه يف‬ ‫ت�أ�سي�س م�آوى املتخ ّلفني عقلي ًا وت�شغيلها"‬ ‫حني انهارت �إمرباطورية الهاب�سبورغ عام‬ ‫‪ .1918‬ومار�س كافكا ت�أثري ًا قوي ًا على‬ ‫الكثري من الروائيني وال�شعراء‪ ،‬ف�أكرث‬ ‫ق�ص�صه �إيجاز ًا ُقرئت يف و�صفها ق�صائد‬ ‫نرث‪ ،‬والأمر نف�سه يف يومياته املتناثرة‪،‬‬ ‫وال تنبع احل�سا�سية ال�شعرية يف �أعماله من‬

‫امل�ؤثرات ال�شكلية‪ ،‬بل من الغرابة‬ ‫والغمو�ض والبعد الفانتازي عرب‬ ‫�أحداث غاية يف الكثافة‪ .‬وقد �أتت‬ ‫هذه احل�سا�سية تتويج ًا ملرحلة‬ ‫برزت فيها االجتاهات احلديثة‬ ‫يف الق�صة والرواية‪ ،‬ون�ش�أت‬ ‫ح�سا�سية ف ّنيّة جديدة بد�أت يف‬ ‫ّ‬ ‫ف�ض تقنياتها‪ ،‬ويف اخرتاق‬ ‫�أ�شكال النرث‪ :‬حتطيم ال�سياق‬ ‫الزمني املتعاقب‪ ،‬انتهاك الرتتيب‬ ‫ال�سردي‪ ،‬تفجري اللغة وحتميلها‬ ‫طاقة �شعرية عالية‪ ،‬وبالتايل مل‬ ‫يعد النرث حم�ض و�سيلة لتحقيق‬ ‫غاية وعظيّة‪ ،‬حيث االعتماد‬ ‫على اللغة الإن�شائية املبا�شرة‪،‬‬ ‫واال�ستطراد والإ�سهاب وال�شرح‪.‬‬ ‫بل اك ُت�شفت عنا�صر �شعرية جديدة‬ ‫يف النرث‪ ،‬وتبينّ �أن يف ال�سرد‬ ‫�شحنة �شعرية كثيفة‪ ،‬ويف الإيقاع‬ ‫عال‪ .‬ولهذا اعترب‬ ‫واحلوار �إح�سا�س �شعريّ ٍ‬ ‫النرث �شك ًال من �أ�شكال التعبري ال�شعري‪.‬‬ ‫متيّزت كتابات كافكا يف فرتة ما‪ ،‬بقطع‬ ‫نرثية ق�صرية ترتاوح ما بني ب�ضعة �أ�سطر‬ ‫والثالث �صفحات‪ ،‬قائمة على فظاعة‬ ‫املحتوى‪ ،‬وغالب ًا ما ُن�شرت بعد وفاته‬ ‫�إما كق�ص�ص ق�صرية‪ ،‬و�إما كـ"�أمثوالت"‪.‬‬ ‫ومن بني هذه القطع "ر�سالة الإمرباطور"‬ ‫ُ‬ ‫(�ض َّمت يف ما بعد �إىل الرواية الق�صرية‬ ‫"�سور ال�صني العظيم")‪ ،‬و"�أمام القانون"‬ ‫ُ‬ ‫(�ض َّمت كمدخل لرواية "املحاكمة")‪ ،‬وك�أنهما‬ ‫تلخي�صان مك ّثفان‪� ،‬أو هام�شان ممهّدان‬ ‫لهذين العم َلني الطوي َلني‪.‬‬

‫اقت�صاد جمنون‬

‫يرى بع�ض الن ّقاد �أن ثمة قطع ًا نرثية‬ ‫كافكاوية تكاد تكون �أ�شبه بق�صائد نرث‪،‬‬ ‫بل ذهبت �سوزان برنار �إىل �أن "ر�سالة‬ ‫الإمرباطور" تنطوي على تو ّتر يكاد ال‬ ‫يطاق ّ‬ ‫يلخ�ص احلدث باقت�صاد مك ّثف‬

‫�إىل ح ّد اجلنون‪ ،‬وهذا ال�سرد قد �أ ّثر على‬ ‫بع�ض �شعراء ق�صيدة النرث الفرن�سيني يف‬ ‫ثالثينيات القرن املا�ضي‪.‬‬ ‫كما ي�ستند ه�ؤالء النقاد يف اعتبارهم هذا‪،‬‬ ‫�إىل فكرة مفادها �أن ثمة يف يوميات كافكا‬ ‫ور�سائله ما ّ‬ ‫يدل على �أنه كان ّ‬ ‫مطلع ًا على‬ ‫أخ�ص على الرتجمات‬ ‫الأدب الفرن�سي‪ ،‬وبال ّ‬ ‫الأملانية التي ّ‬ ‫متت لق�صائد بودلري ورامبو‬ ‫النرثية‪ ،‬بح�سب ما يقول ال�شاعر العراقي‬ ‫عبد القادر اجلنابي يف تقدميه لق�صائد‬ ‫كافكا النرثية التي ترجمها �صالح كاظم‪،‬‬ ‫("�إيالف")‪.‬‬ ‫يعرف اجلميع �أن اجلن�س الأدبي الوحيد‬ ‫الذي كان كافكا واعي ًا له هو "الأمثولة"‪،‬‬ ‫نظر ًا �إىل انهمامه‪ ،‬كما ت�ؤ ّكد ع�شرات‬ ‫ال�صفحات يف يومياته‪ ،‬يف معرفة انتمائه‬ ‫اليهودي‪ .‬لذلك تبحّ ر يف تراث يهود �أوروبا‬ ‫الو�سطى‪ ،‬وكتب التلموديّات وتف�سري‬ ‫التوراة املليء بالأمثوالت‪ ،‬فوجد �أن فنّ‬ ‫الأمثولة هو الأقرب �إىل نف�سه‪ .‬عن ذلك‬ ‫يقول اجلنابي �إن الأمثولة تتميّز ب�صفتني‬ ‫هما من ال�صفات الأ�سا�سية لق�صيدة النرث‪:‬‬ ‫الإيجاز وال�سرد‪ .‬على �أن للأمثولة �صف ًة‬ ‫ثالثة هي �أن يكون ثمة حقل دال ّ‬ ‫غر�ضي‬ ‫يل‬ ‫ّ‬ ‫م�شرتك بني قائل الأمثولة ومتل ّقيها‪ .‬فمغزى‬ ‫�أمثولة ما يقوم على مَن قالها‪ ،‬ويف �أي حقبة‬ ‫قيلت‪ ،‬والظرف الذي فر�ضها‪ ،‬و�إىل مَن هي‬ ‫ُوجهة‪ .‬و�إال فمن دون ذلك تعود جم ّرد‬ ‫م َّ‬ ‫حكاية ال َ‬ ‫غر�ض لها‪� ،‬أي ال جمهور معيّن ًا‬ ‫ي�ضطر �صاحب الأمثولة �إىل �إعطائه مفاتيح‬ ‫بني ال�سطور لفهم املغزى املُراد من �أمثولته‪.‬‬ ‫لكن كافكا لي�س �صاحب ر�سالة كامل�سيح‬ ‫�أو ك�إمرباطور �أو �صاحب دعوة له �أتباع‪،‬‬ ‫لذلك ف�إن بع�ض ما كان يكتبه من قطع نرثية‬ ‫على طريقة الأمثولة‪ ،‬يُ�سبِّب‪ ،‬على نحو‬ ‫تلقائي‪ ،‬انزياح ًا؛ عدو ًال عن الأ�صل‪ ،‬منتج ًا‬ ‫املطلب الثالث والأ�سا�سي لق�صيدة النرث‪:‬‬ ‫الالغر�ضية؛ املجانية املطلقة‪.‬‬ ‫«الغاوون»‪ ،‬العدد ‪ 1 ،2‬ني�سان ‪2008‬‬

‫‪11‬‬

‫نعلم �أن الكاتب االرجنتيني الكبري خورخي‬ ‫لوي�س بورخي�س "‪ "1986-1899‬كان‬ ‫على معرفة عميقة ووا�سعة ب�آداب وثقافات‬ ‫العامل يف خمتلف احلقب والع�صور‪.‬‬ ‫وهذا ما تعك�سه �آثاره االبداعية ودرا�ساته‬ ‫النقدية‪.‬وكانت بني هذا الكاتب املو�سوعي‬ ‫الذي كان يتقن لغات متعددة مثل الفرن�سية‬ ‫واالجنليزية واالملانية‪ ،‬وبني العديد من‬ ‫ال�شعراء والكتاب والفال�سفة والعلماء‬ ‫و�شائج و�صالت مل ينقطع عن احلديث‬ ‫والكتابة عنها حتى نهاية حياته‪ .‬وكان‬ ‫فرانز كافكا "‪ "1924-1883‬واحدا من‬ ‫ه�ؤالء‪ .‬ويعتقد بورخي�س �أن �صاحب رائعة‬ ‫املحاكمة قد يكون ت�أثر بزينون االيلي‬ ‫"القرن اخلام�س قبل امليالد" والذي كان من‬ ‫�أ�صول فينيقية غري �أنه كتب باليونانية وكان‬ ‫ار�سطو قد جعل من هذا الفيل�سوف م�ؤ�س�سا‬ ‫للجدل‪ .‬وتعتمد فل�سفته على انكار احلركة‪،‬‬ ‫وتناق�ض النتائج التي تت�ضمنها‪ .‬وقد كتب‬ ‫عنه الفيل�سوف االملاين الكبري هيغل يقول‪:‬‬ ‫"يذكر �أر�سطو �أن زينون نفى احلركة لأنها‬ ‫تت�ضمن تناق�ضا باطنا‪.‬ولكن ال يجوز �أن‬ ‫نفهم من ذلك �أن احلركة ال وجود لها على‬ ‫االطالق‪ .‬كما عندما نقول‪ :‬توجد فيلة وال‬ ‫توجد كراكد‪ .‬ف�إما �أن احلركة موجودة‪ ،‬و�إما‬ ‫�أن لهذه الظاهرة وجودا‪ .‬فلي�س هذا مدار‬ ‫امل�س�ألة‪.‬‬ ‫فاحلركة من معطيات اليقني احل�سي مثلما‬ ‫�أن للفيلة وجودا‪ .‬وبهذا املعنى مل يخطر‬ ‫ببال زينون �أن ينفي احلركة‪ ،‬وامنا امل�س�ألة‬ ‫بالأحرى م�س�ألة حقيقتها‪ ،‬فاحلركة غري‬ ‫حقيقية لأنها تناق�ض"‪.‬وعن العالقة بني‬ ‫زينون االيلي وفرانز كافكا كتب بورخي�س‬ ‫يقول‪" :‬لقد �أخذ كافكا تناق�ض زينون االيلي‬ ‫وجدّده بطريقة حمزنة ومثرية للعواطف‪.‬‬ ‫غري �أن القيام مبثل هذا العمل �أمر �صعب‬ ‫للغاية‪ .‬وحده كافكا فعل ذلك‪ .‬اجلميع‬ ‫قر�أوا زينون االيلي غري �أنه ال �أحد كتب‬ ‫"املحاكمة" �أو "الق�صر" مع ذلك ف�إن طريقة‬ ‫العمل "االوالية" هي نف�سها‪ .‬رمبا لهذا‬ ‫ال�سبب مل يرغب كافكا يف ا�صدار كتبه‪.‬‬ ‫فنحن ن�شعر ونحن نقر�أه �أنه ال نهائي‪..‬‬ ‫ويروي بورخي�س �أنه اكت�شف فرانزكافكا‬ ‫عام ‪ ،1917‬وكان �آنذاك يف الثامنة ع�شرة‬ ‫من عمره وكان قد تعلم االملانية و�أقبل على‬ ‫قراءة �شعراء وكتاب وفال�سفة هذه اللغة‪.‬‬ ‫ويف جملة �أدبية رفيعة امل�ستوى‪ ،‬كانت‬ ‫تن�شر ن�صو�صا للتعبرييني االملان خالل‬ ‫احلرب الكونية الثانية‪.‬ومن خالل تلك‬ ‫املجلة‪� ،‬أدرك بورخي�س �أن �أدبا جديدا بد�أ‬ ‫يولد وينت�شر يف كل من املانيا والنم�سا‪.‬‬ ‫وذات يوم‪ ،‬قر�أ يف تلك املجلة ن�صا لكاتب‬ ‫كان يجهله من قبل‪ ،‬وكان يدعى فرانز كافكا‪.‬‬

‫ح�سونة امل�صباحي‬

‫غري �أن الن�ص مل يعجبه كثريا‪ .‬و�صحيح‬ ‫�أن اللعب بالكلمات‪ ،‬وال�صور ال�شعرية‪،‬‬ ‫وحداثة الأ�سلوب واللغة‪ ،‬وكل هذا فتنه‪،‬‬ ‫غري �أن الن�ص بدا له باهتا وغري ذي قيمة‪.‬‬ ‫لذلك ت�ساءل بعد �أن قر�أه‪" :‬وملاذا ن�شر هذا‬ ‫الكاتب املدعو فرانز كافكا مثل هذا الن�ص؟"‪.‬‬ ‫ويف ما بعد �سوف يجد يف حكاية كانت‬ ‫ترويها له جدته التي من �أ�صول انكليزية‬ ‫ما �ساعده على تبينّ اخلط�أ الذي ارتكبه‬ ‫جتاه ذلك الن�ص‪ ..‬وقد كتب يف ذلك يقول‪:‬‬ ‫"كانت جدتي قد �أقامت ثالث �سنوات يف‬ ‫مدينة كيوم "‪ "CIUM‬التي تقع غرب‬ ‫بيون�س اير�س‪ ،‬عا�صمة االرجنتني‪ .‬وبعد‬ ‫تلك املدينة مب�سافة ق�صرية‪ ،‬تبد�أ ال�سهول‬ ‫املع�شو�شبة التي يعي�ش فيها الهنود والذين‬ ‫كانوا يعي�شون حتت اخليام‪ ،‬ويتنقلون‬ ‫من مكان �إىل �آخر‪ .‬وكان البع�ض من �أولئك‬

‫الهنود يرتدّدون على مدينة كيوم لق�ضاء‬ ‫بع�ض حاجياتهم‪ ،‬وبرغم ب�ساطة تلك‬ ‫املدينة‪ ،‬وخلوها من املظاهر املعروفة التي‬ ‫تتميز بها بقية املدن‪ ،‬فان الهنود كانوا‬ ‫ي�شعرون بالده�شة والذهول وهم ي�سريون‬ ‫يف �شوارعها‪ .‬ومل يكن ذلك بالأمر الغريب‪.‬‬ ‫فقد كان �أولئك الهنود يجدون فيها �أ�شياء‬ ‫يجهلونها متاما مثل املقاهي‪ ،‬والبيوت التي‬ ‫حتتوي على عدة غرف والكرا�سي واال�سرة‬ ‫واملرايا وغري ذلك‪.‬‬ ‫وكل هذه الأ�شياء كانت تبدو لهم غريبة‪.‬‬ ‫مع ذلك ال ت�ستمر ده�شتهم طويال‪ .‬ف�سرعان‬ ‫ما يتعاملون مع تلك الأ�شياء وك�أنها‬ ‫غري موجودة وال تعنيهم �أ�صال"‪ .‬ويرى‬ ‫بورخي�س �أن هناك تف�سريين لذلك‪ ،‬الأول هو‬ ‫�أن الهنود بدائيون غالظ لي�س با�ستطاعتهم‬ ‫�إدراك قيمة مثل تلك الأ�شياء‪� .‬أما التف�سري‬

‫الثاين الذي مييل �إليه بورخي�س هو �أن‬ ‫البيت‪ ،‬والنافذة والباب‪ ،‬وكل ما كانت‬ ‫حتتويه مدينة كيوم يف الثمانينيات من‬ ‫القرن التا�سع ع�شر‪ ،‬كانت �أ�شياء جديدة‬ ‫بالن�سبة للهنود‪ ،‬غري �أنهم مل يكونوا‬ ‫يرونها‪.‬وكانت ال مرئية بالن�سبة �إليهم‪.‬‬ ‫وهذا ما حدث متاما لبورخي�س وهو يقر�أ‬ ‫ن�ص كافكا يف املجلة االملانية �إذ �أنه مل‬ ‫ينتبه �إىل خفاياه‪ ،‬وال �إىل عمقه‪ ،‬النه كان‬ ‫جديدا بالن�سبة �إليه‪ .‬لذا كان البد �أن مير‬ ‫وقت طويل لكي يكت�شفه اكت�شافا حقيقيا‪.‬‬ ‫وكان فرانز كافكا قد ولد يف احلي اليهودي‬ ‫مبدينة براغ‪ .‬وتعك�س ّ‬ ‫جل �أعماله العديد‬ ‫من الت�أثريات اليهودية‪� ،‬سواء كانت دينية‬ ‫�أم غريها‪ .‬ويف الفرتة التي بد�أ فيها يكتب‬ ‫ق�ص�صه ورواياته‪ ،‬كانت حركة التجديد يف‬ ‫الآداب االوروبية ت�شهد تناميا ملحوظا‪.‬‬

‫فقد كان جوي�س منكبا على كتابة عمله‬ ‫الذائع ال�صيت "اولي�سي�س"‪.‬وكان ال�شاعر‬ ‫االيرلندي ويليام بتلريت�س يخو�ض مغامرة‬ ‫جديدة مع اللغة‪ ،‬ومع ال�صور ال�شعرية‪.‬‬ ‫وكانت هناك جتارب جديدة يف جمال الر�سم‬ ‫والفنون تت�شكل ب�صورة مده�شة يف العديد‬ ‫من العوا�صم االوروبية‪ .‬ومن امل�ؤكد ان‬ ‫فرانز كافكا كان قد ت�أثر كثريا مبثل تلك‬ ‫املناخات االدبية والفكرية والفنية اجلديدة‪،‬‬ ‫وبها تغذى‪ .‬وخالل احلرب الكونية الثانية‪،‬‬ ‫عا�ش فرانز كافكا �أوجاع تلك املرحلة‬ ‫الع�صيبة يف تاريخ اوروبا‪ ،‬و�شاهد النا�س‬ ‫يجوعون ويتعذبون ويواجهون املوت‬ ‫يوميا‪ .‬ويرى بورخي�س �أن تلك الأحداث‬ ‫االليمة تركت ب�صماتها يف �أعماله الق�ص�صية‬ ‫والروائية‪ .‬وقد عبرّ عن ذلك من خالل طرق‬ ‫مل تكن معهودة حتى ذلك احلني‪..‬‬ ‫وقد كتب بورخي�س عن ذلك يقول‪" :‬اجماال‪،‬‬ ‫ميكن القول �أنه ال يوجد يف الأدب العجائبي‬ ‫غري �شيء عجيب واحد‪ .‬ففي رواية "الرجل‬ ‫الالمرئي" لوال�س "‪ "WELLS‬نحن‬ ‫جند �أنف�سنا �أمام رجل يومي‪ ،‬غري �أنه ال‬ ‫مرئي‪ .‬ويف "جزيرة الدكتور مورو" هناك‬ ‫حيوانات تتحول �إىل كائنات ب�شرية‪ .‬ويف‬ ‫"الآلة التي تت�سلق الزمن" هناك �آلة بامكانها‬ ‫�أن ت�سافر باجتاه امل�ستقبل �أو باجتاه‬ ‫املا�ضي‪� .‬أما ما تبقى فكله يومي عمدا‪� .‬أما‬ ‫عند كافكا فكل �شيء عجائبي حتى �أنه لي�س‬ ‫با�ستطاعتنا �أن نف�صل بني ما هو حقيقي وما‬ ‫هو عجائبي"‪ .‬وي�ضيف بورخي�س قائال‪:‬‬ ‫"�أنا على يقني من الأمر التايل‪ :‬بعد مائتي‬ ‫�سنة‪ ،‬ميكن لالن�سانية �أن تن�سى الظروف‬ ‫التاريخية التي عا�ش فيها كافكا‪ ،‬والتعبريية‬ ‫التي ت�أثر بها كثريا‪ ،‬والتي �أثرت يف جممل‬ ‫الآداب االوروبية‪ .‬كما ميكن �أن تن�سى‬ ‫االن�سانية احلرب الكونية الأوىل‪ ،‬غري �أنها‬ ‫ميكن �أن تتقبل عامل كافكا‪ .‬ومثلما هو احلال‬ ‫بالن�سبة ل�شك�سبري �أو دانتي‪� ،‬سوف جتد‬ ‫االن�سانية يف ن�صو�صه العجائبية تف�سريا‬ ‫لأو�ضاعها و�أحوالها‪ .‬لذلك �أنا على يقني من‬ ‫�أن �أعمال كافكا �ستظل خالدة �إىل الأبد"‪.‬‬ ‫وعن ت�أثري كافكا عليه‪ ،‬كتب بورخي�س يقول‪:‬‬ ‫"عندما كتبت "مكتبة بابل" و"يا ن�صيب‬ ‫بابل" حاولت جاهدا �أن �أكون كافكا‪ .‬غري‬ ‫�أنني مل �أفلح يف ذلك‪ .‬لذلك خ�ضعت لأمر �أن‬ ‫�أظل بورخي�س‪ .‬لكن �أن �أكون بورخي�س فان‬ ‫هذا يعني �أي�ضا �أن �أكون �إىل حد ما كافكا �إذ‬ ‫�أن كل كاتب يتحدث عن الآخرين‪ .‬وما يفعله‬ ‫مدعيا �أنه جديد متاما‪ ،‬لي�س �صحيحا‪ ،‬كل‬ ‫�شيء كتب‪ ،‬وكل الق�صائد ميكن �أن تكون‬ ‫الق�صائد نف�سها التي كتبت من قبل‪ .‬وما‬ ‫ي�ستطيع الكاتب �أو ال�شاعر �أن يقوم به هو‬ ‫�أن يحدث تنويعات جديدة �أخرى‪.‬‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪12‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫‪13‬‬

‫رسائل فرانز كافكا األخيرة‬ ‫جودت هو�شيار‬ ‫حني تويف فرانز كافكا عام ‪ 1924‬مل يكن‬ ‫قد ن�شر من نتاجاته �سوى ب�ضع جمموعات‬ ‫�صغرية من الق�ص�ص الق�صرية �أما‬ ‫رواياته وق�ص�صه الطوال (وكذلك ق�ص�صه‬ ‫الق�صرية التي مل تن�شر خالل حياته)‬ ‫ويومياته ور�سائله فقد ن�شرت تباعا بعد‬ ‫وفاته وقد ا�ستغرق ن�شر م�ؤلفاته الكاملة‬ ‫قرابة خم�سني عاما ( ‪ )1974 – 1924‬من‬ ‫اجلهد املتوا�صل لعدد كبري من الباحثني‬ ‫والنا�شرين ‪ .‬فقد ن�شرت رواية "املحاكمة "‬ ‫يف عام ‪ 1925‬ورواية "القلعة" يف ‪1926‬‬ ‫ورواية "�أمريكا" يف ‪ .1927‬ثم �صدر‬ ‫جملد ي�ضم جمموعة كبرية من ق�ص�صه‬ ‫الطوال والق�صرية الناجزة ‪� ,‬سواء تلك‬ ‫التي ن�شرت خالل حياة الكاتب �أو بقيت‬ ‫على �شكل خمطوطات �ضمن �أر�شيفه و�أعقب‬ ‫ذلك �صدور جملد ي�ضم م�سودات ق�صته‬ ‫الطويلة " و�صف معركة " اما بعد احلرب‬ ‫العاملية الثانية فقد مت ن�شر ق�صته الطويلة‬ ‫" ا�ستعدادات حلفلة زفاف يف الريف "‬ ‫مع جمموعة من ر�سائله ويومياته ومنها‬ ‫ر�سالته ال�شهرية اىل والده �أما ر�سائله‬ ‫اىل الن�ساء اللواتي لعنب �أدوارا" مهمة يف‬ ‫حياته فقد �صدرت يف جملدات متتابعة‬ ‫وم�ستقلة كل جملد يحتوي على ر�سائله‬

‫املوجهة اىل واحدة منهن ‪.‬‬ ‫فقد �صدر كتاب " ر�سائل �إىل ميلينا‬ ‫ي�سين�سكايا " يف عام ‪ 1952‬وكتاب "‬ ‫ر�سائل �إىل فيليت�س باوار " يف عام ‪1967‬‬ ‫و�أخريا" " ر�سائل �إىل اوتال " يف ‪1974‬‬ ‫ويت�ألف من ( ‪� ) 248‬صفحة ‪ .‬والكتاب‬ ‫الأخري يحتوي على الر�سائل العائلية‬ ‫ومعظمها موجهة �إىل �شقيقته �أوتال ور�سائل‬ ‫عدة اىل زوجته ( دورا ) وال يت�ضمن الكتاب‬ ‫ر�سائل كافكا اىل �شقيقاته الأخريات ويرجح‬ ‫�أنها فقدت وال جند يف الكتاب �أي جواب من‬ ‫�أجوبة اوتال على ر�سائل �أخيها ( �إن كانت‬ ‫ثمة �أ�صال" �أجوبة" ما ) �أي �أنها ر�سائل من‬ ‫جانب واحد و�أ�شبه باملونولوج الداخلي من‬ ‫طرف واحد بدال" من احلوار بني املر�سل‬ ‫واملتلقي ‪ .‬وعلى الرغم من �أن كافكا قد ولد‬ ‫وعا�ش طوال حياته يف العا�صمة اجليكية‬ ‫براغ اال �أن م�ؤلفاته جميعها مدونة باللغة‬ ‫الأملانية والتي كانت اللغة الر�سمية يف‬ ‫البالد قبل احلرب العاملية الأوىل ‪ .‬كان كافكا‬ ‫يتكلم اللغة اجليكية العامية ولكنه كان يف‬ ‫�أعماق نف�سه ي�شعر ب�أن اللغة الأملانية �أغنى‬ ‫و�أرحب و�أنه ي�ستطيع التعبري عن نف�سه‬ ‫باللغة الأملانية على نحو �أعمق و�أدق وعلى‬ ‫الرغم من كونه يهوديا" اال انه مل يكن يتكلم‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫العربية �أو يهتم بها ومل يحاول �أن يتعلمها‬ ‫فقد كانت اللغة عنده و�سيلة تعبري عن‬ ‫النف�س يف املقام الأول ومل ت�ستهويه قط‬ ‫الأفكار الدينية او القومية ال�ضيقة وكان‬ ‫يتجاهل اى م�سعى من هذا القبيل مهما كان‬ ‫م�صدره (على النقي�ض من مزاعم بع�ض‬ ‫النقاد العرب وحماولتهم ال�صاق تهمة‬ ‫ال�صهيونية بكافكا زورا و بهتانا نتيجة‬ ‫للت�أويل اخلاطئ املتعمد لبع�ض ق�ص�صه مما‬ ‫يدل داللة قاطعة على انحيازهم الفا�ضح‬ ‫و مدى �سذاجة افكارهم امل�سبقة وعدم‬ ‫ا�ستيعابهم لأدب كافكا وعجزهم عن فهم‬ ‫عامله الروحي‪ .‬ولكن هذا مو�ضوع ي�ستحق‬ ‫وقفة اطول و رمبا �سنكر�س له مقاال‬ ‫م�ستقال) ‪ .‬ان الر�سائل التى كتبها كافكا‬ ‫فى ايامه الأخرية طافحة بالأمل واحلزن‬ ‫والأ�سى العميق وفيها م�شاهد و �صور‬ ‫ناب�ضة باحلياة و ترتك فى نف�س القارىء‬ ‫انطباعا قويا وتهز وجدانه و م�شاعره لأنها‬ ‫مت�س �شغاف قلب كل ان�سان معذب يدرك‬ ‫م�أ�ساة الوجود الب�شري العابر وق�سوة‬ ‫احلياة وبرغم ان نتاجات كافكا ب�أ�سرها امنا‬ ‫هي م�شاهد و �صور حية تعرب عن احلياة‬ ‫وتعك�س الواقع املعا�ش من خالل ر�ؤيته‬ ‫الفنية اال انها تبدو وك�أنها نتاجات ابداعية‬

‫متكاملة‪ ،‬ذلك لأن حياة �أي �إن�سان – جزء‬ ‫مقتطع من احلياة ولكنه متكامل يف حد‬ ‫ذاته ‪ .‬ثم �أن كافكا ومهما كان املو�ضوع الذي‬ ‫يكتب عنه ف�أنه يف حقيقة الأمر يتحدث اىل‬ ‫نف�سه وعالقته بالواقع الأجتماعي الذي‬ ‫كان يعي�ش فيه وال�شيء الذي مل يكن يعرب‬ ‫عنه حتى النهاية يف رواياته وق�ص�صه‬ ‫جنده يف م�سودات م�ؤلفاته ويف ويومياته‬ ‫ور�سائله ‪ ،‬فقد كان املحور الوحيد الذي‬ ‫تدور حوله �أفكاره و�أحا�سي�سه هو امل�صري‬ ‫امل�أ�ساوي للكاتب نف�سه بكل مافيه من‬ ‫معاناة وتوتر نف�سي وعذاب و�أمل ‪ .‬وهذا‬ ‫امل�صري هو الذي يوحد على نحو متكامل‬ ‫كل ما ي�سرده الكاتب يف مو�ضوع واحد‬ ‫كبري هو اغرتاب الأن�سان يف جمتمع يعج‬ ‫باملتناق�ضات واملفارقات احلياتية ‪ .‬مل‬ ‫يكن �إغرتاب كافكا �إغرتابا طبقيا" ح�سب‬ ‫املفهوم املارك�سي �أي �إغرتاب العامل عن‬ ‫قوى الأنتاج وو�سائله وعالقاته ب�سبب‬ ‫عدم ح�صوله اال على جزء هام�شي من ثمار‬ ‫عمله وجهده ذلك لأن الأغرتاب الكافكوي‬ ‫اغرتاب روحي عميق الغور ال يفارقه اال يف‬ ‫بع�ض اللحظات الق�صرية البهيجة وكانت‬ ‫مثل هذه اللحظات نادرة يف حياة كافكا ‪.‬‬ ‫مل يكن بو�سع كافكا �أن يكون جزءا" من �آلة‬

‫يتحكم فيها زمرة من النفعني والو�صوليني‬ ‫والأنتهازيني الذين هم على ا�ستعداد دائما‬ ‫�أن يفعلوا �أي �شيء من �أجل احل�صول‬ ‫على املال والنفوذ ال�سيا�سي والأجتماعي‬ ‫والت�سلل اىل مواقع ال�سلطة بطرق ملتوية‬ ‫وا�ستغاللها مل�صاحلهم الأنانية ‪ .‬ه�ؤالء‬ ‫الآخرون هم احلجيم – على حد قول كافكا‬ ‫وقد ذهبت كلمات كافكا الدقيقة هذه ‪,‬‬ ‫مذهب املثل ال�سائر �أو القول الأثور‪ --‬مل‬ ‫يكن كافكا فيل�سوفا" وال وجود لكلمة "‬ ‫االغرتاب " يف م�ؤلفاته ويومياته ور�سائله‬ ‫ومل ي�ستعمله قط يف �أحاديثه – كما يقول‬ ‫�أ�صدقا�ؤه املقربون – ومل يحاول �أن يدر�س‬ ‫هذا املفهوم الفل�سفي ولكنه كان ان�سانا"‬ ‫رائعا" وكاتبا" مبدعا" – و�أكاد �أقول‬ ‫عظيما" – يدرك �إن لالغرتاب �صورا"‬ ‫و�أ�شكاال" عديدة ولكنها جميعا" معادية‬ ‫لالن�سان ‪ .‬ولقد ا�ستطاع �أن يج�سد فنيا" هذا‬ ‫املفهوم على نحو �أو�ضح و�أعمق و�أ�شمل‬ ‫من �أي فيل�سوف وهذا التج�سيد �ساخر‬ ‫حينا" وم�أ�ساوي حينا" �آخر ولكنه دقيق‬ ‫دائما" ويك�شف كافكا بب�صريته الثاقبة‬ ‫وجر�أته الفنية املعهودة النقاب عن وجه‬ ‫البريوقراطية احلاكمة ويركز على تلك‬ ‫الظواهر التي كانت تنخر يف ج�سد املجتمع‬ ‫اجليكي والتي تتكرر �أحيانا" كثرية يف �أي‬ ‫جمتمع قائم على ا�ستغالل االن�سان لالن�سان‬ ‫ور�سائله اىل �أخته ت�ضيف مالمح جديدة‬ ‫اىل �صور املجتمع اجليكي واالن�ساين‬ ‫عموما" التي ر�سمها عرب نتاجاته الروائية‬ ‫والق�ص�صية ‪.‬‬ ‫مل ي�ستطع كافكا قط �أن ين�سجم مع جمتمع‬ ‫م�شوه ت�سوده العالقات الال�إن�سانية لأن‬ ‫�سريرته النقية واعتزازه بالقيم الأخالقية‬ ‫والكرامة االن�سانية و�أمور �أخرى كثرية‬ ‫كانت ترغمه على الأبتعاد عن الو�سط‬ ‫الفا�سد الذي كان يحيط به وتخلق نوعا"‬ ‫من الأنف�صام الروحي بينه وبني الآخرين‬ ‫‪ .‬كان البريوقراطيون يقولون عنه ‪� ,‬أنه‬ ‫�إن�سان " غري طبيعي " ولكن كافكا علق‬ ‫على هذا الزعم الباطل ب�سخريته الالذعة‬ ‫قائال"‪� ":‬أن تكون ان�سانا" ( غري طبيعي‬ ‫) لي�س �أ�سو�أ ما يف احلياة لأن النا�س‬ ‫يعتربون احلرب العاملية �أمرا" طبيعيا"‪.‬‬ ‫ولقد ظلت هذه التهمة تالحق الكاتب حتى‬ ‫بعد وفاته ب�سنوات طوال وما يزال البع�ض‬ ‫يعترب كافكا و�أبطال رواياته وق�ص�صه‬ ‫�أنا�سا" غري طبيعيني ‪ .‬ولكن ما هي املعايري‬ ‫الطبيعية للمجتمعات املري�ضة ‪� :‬أنها �ضياع‬ ‫القيم الروحية وعبادة املال والتفنن يف‬ ‫طرق احل�صول عليه مهما كانت ملتوية‬ ‫وو�ضيعة‪ .‬مل يكن بو�سع كافكا �أن يتخلى‬ ‫عن مبادئه وقيمه الأن�سانية النبيلة و�أن‬ ‫يت�سابق مع النا�س " الطبيعيني " الذين ال‬ ‫هم لهم يف احلياة اال املال وما يوفره من‬ ‫قوة ونفوذ و�سلطان ‪.‬‬ ‫كانت( ميلينا ي�سين�سكايا ) تفهم كافكا �أف�ضل‬ ‫من اي ان�سان �آخر وكان كافكا بدوره يفتح‬ ‫لها قلبه وي�صارحها بكل ما يدور يف خلده‬ ‫من �أفكار وم�شاعر ‪ .‬تقول ميلينا ‪ " :‬هذا‬ ‫الذي يعتربه النا�س ( غري طبيعي ) يف‬ ‫�شخ�صية فرانز ‪� ,‬إمنا هو يف الواقع �أح�سن‬ ‫ما يتميز به من ف�ضائل ‪� .‬أنا �أدرك �أنه يقام‪,‬‬

‫لي�س احلياة ذاتها بل فقط‬ ‫هذا الأ�سلوب يف احلياة ‪" .‬‬ ‫وكما يبدو من ر�سائل كافكا‬ ‫اىل �أخته ف�أن والد كافكا‬ ‫مل يفهم ابنه قط ‪ .‬لقد كان‬ ‫– �أي والد كافكا – رجال"‬ ‫م�ستبدا" وعدوانيا" مل‬ ‫يكن �أحد ي�سلم من ل�سانه‬ ‫اجلارح و�سلوكه اخل�شن‬ ‫‪ .‬كان من عائلة فقرية‬ ‫ولكنه ا�ستطاع ب�أ�ستخدام‬ ‫الأ�ساليب (الطبيعية)‬ ‫ملجتمعه �أن يكون ثروة‬ ‫الب�أ�س بها ولكنه كان �أحد‬ ‫�أ�سباب تعا�سة �إبنه فرانز‬ ‫يف احلياة ‪ .‬ويحدثنا‬ ‫الكاتب نف�سه يف هذه‬ ‫الر�سائل ومبرارة و�سخرية‬ ‫الذعتني عن �سلوك والده‬ ‫مع النا�س والقيم الزائفة التي كان ي�ؤمن‬ ‫بها والرياء الذي كان �سائدا" يف الو�سط‬ ‫االجتماعي لعائلته ‪ .‬كان كافكا يحمل �شهادة‬ ‫الدكتوراه يف احلقوق ويعمل موظفا" يف‬ ‫�شركة ت�أمني على حياة العمال من حوادث‬ ‫العمل واالنتاج وتقت�ضي واجباته الوظيفية‬

‫قيامه بتفتي�ش املعامل والت�أكد من تطبيق‬ ‫قواعد ال�سالمة املهنية فيها ‪ .‬كان حري�صا"‬ ‫�أ�شد احلر�ص على �أداء مهام وظيفته بكل‬ ‫جد ودقة واخال�ص لذا مل يكن من امل�ستغرب‬ ‫�أن يرتقي ال�سلم الوظيفي ب�سرعة ويحتل‬ ‫وظيفة مهمة يف ال�شركة التي كان يعمل بها‬

‫على الرغم من كل املعوقات ‪.‬‬ ‫كان والداه يريدان منه �أن ميار�س التجارة‬ ‫يف �أوقات فراغه غري �أنه كان يع�شق‬ ‫الأدب الق�ص�صي ويجد فيه خري و�سيلة‬ ‫للتعبري عن النف�س ومقاومة �شرور الواقع‬ ‫االجتماعي ‪ .‬كان يعود من عمله بعد انتهاء‬

‫الدوام الر�سمي مرهقا" ‪ ,‬ثم ي�أخذ ق�سطا"‬ ‫من الراحة قبل �أن يجل�س �أمام طاولة‬ ‫الكتابة ‪ .‬كان يندمج يف عملية اخللق‬ ‫الفني وين�سى ماحوله ‪ ,‬ويظل يكتب اىل‬ ‫�ساعة مت�أخرة من الليل و�أحيانا" حتى‬ ‫فجر اليوم التايل ونتيجة لهذا االجهاد‬

‫امل�ستمر ‪� ,‬أ�صيب – وهو‬ ‫يف الرابعة والثالثني من‬ ‫عمره – مبر�ض التدرن‬ ‫الرئوي ‪ .‬ونحن نعرف‬ ‫تفا�صيل ذلك من ر�سالته‬ ‫امل�ؤرخة يف ‪1917/8/29‬‬ ‫املوجهة اىل �أوتال ‪ .‬كتب‬ ‫كافكا �إىل �أخته يقول ‪" :‬‬ ‫قبل ثالثة �أ�سابيع �أ�صبت‬ ‫بنزيف رئوي ‪ " .‬ومنذ هذا‬ ‫الت�أريخ بد�أت رحلة كافكا‬ ‫امل�ؤملة مع املر�ض ‪ .‬و�أخذ‬ ‫يتنقل – طلبا" للعالج –‬ ‫من م�صح اىل م�صح ‪ .‬كان‬ ‫بحاجة ما�سة اىل التغذية‬ ‫اجليدة والهواء الطلق‬ ‫والراحة لنف�سية والهدوء‬ ‫التي كان من املفرو�ض �أن‬ ‫توفرها امل�صحات الطبية‬ ‫الواقعة خارج العا�صمة براغ ‪ .‬ومل يكن‬ ‫يف ذلك الزمان عالج ملر�ض ال�سل غري هذا‬ ‫‪ .‬ولكي اليف�صل من وظيفته – م�صدر‬ ‫رزقه الوحيد – كان عليه �أن يح�صل على‬ ‫اجازات مر�ضية طوال ومتكررة مبوافقة‬ ‫مدير ال�شركة التي كان يعمل فيها ‪ .‬وبينما‬ ‫كان كافكا راقدا" يف امل�صح ‪ ,‬ف�أن �أخته‬ ‫�أوتال هي التي كانت ت�سعى للح�صول على‬ ‫الأجازات املطلوبة ‪ .‬كما يت�ضح لنا ذلك من‬ ‫جواب كافكا على احدى ر�سائلها ‪ ,‬كانت‬ ‫اوتال تتذمر من غطر�سة مدير ال�شركة‬ ‫وت�شعر باملذلة واملهانة وهي تقف امامه‬ ‫بينما هو منهمك يف قراءة الطلب اجلد‬ ‫يد الذي تقدمت به للح�صول على اجازة‬ ‫جديدة لأخيها ومل يكلف املديرنف�سه عناء‬ ‫رفع ر�أ�سه ليلقى نظرة على �أوتال الواقفة‬ ‫يف انتظار قراره ‪ .‬كان كافكا خبريا"‬ ‫ب�سايكولوجية البريوقراطيني فكتب اىل‬ ‫�أخته ‪ ,‬ي�شرح لها الأمر ‪� " :‬أما �أن املدير مل‬ ‫يرفع ر�أ�سه للنظر اليك ‪ ,‬فهذا ال يدل على‬ ‫االطالق على اال�ستياء ‪ .‬كان ينبغي يل‬ ‫�أن �أهيئك لهذا املوقف ف�أ�سلوب املدير هو‬ ‫�أ�سلوب ي�ستخدمه بع�ض اخلطباء حني‬ ‫يرف�ض اال�ستمتاع باالنطباع الذي ترتكه‬ ‫كلماته لدى احل�ضور اىل القاعة لأن مثل‬ ‫هذا اخلطيب اجليد – �أو من يعترب نف�سه‬ ‫كذلك – واثق من نف�سه اىل درجة �أنه ال‬ ‫ي�شعر باحلاجة اىل القاء نظرة على القاعة‪,‬‬ ‫�أو اىل مثل هذه ال�شحنة اال�ضافية فهو من‬ ‫دون ذلك ‪ ,‬يدرك متاما" مدى قوته ‪ " .‬هذا‬ ‫امل�شهد الذي ي�صفه كافكا يف احدى ر�سائله‬ ‫�أ�شبه مبادة خام الحدى م�شاهد رواية "‬ ‫(القلعة)‪.‬‬ ‫بعد احلرب العاملية االوىل تغري‬ ‫النظام امللكي يف جيكو�سلوفاكيا ولكن‬ ‫البريوقراطية وطقو�سها املعادية لالن�سان‬ ‫ظلت كما هي ماعدا تغيريا واحدا هو �أن‬ ‫اللغة اجليكية �أ�صبحت اللغة الر�سمية‬ ‫للبالد‪ .‬مل يكن من ال�سهل على كافكا الكتابة‬ ‫باللغة اجليكية التي مل يتلق التعليم‬ ‫املدر�سي بها لذا ف�أن مرا�سالته مع ادارة‬ ‫ال�شركة التي كان يعمل بها ‪ ,‬كانت ت�سلك‬

‫◄‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


‫‪14‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫العدد (‪)2157‬ال�سنة الثامنة ‪ -‬ال�سبت (‪ )11‬حزيران ‪2011‬‬

‫‪15‬‬

‫‪manarat‬‬ ‫رئي�س جمل�س الإدارة‬ ‫رئي�س التحرير‬

‫التحرير‬ ‫‪----------------‬‬‫نزار عبد ال�ستار‬ ‫الت�صحيح اللغوي‬ ‫‪----------------‬‬‫حممد حنون‬ ‫الت�صميم‬ ‫‪----------------‬‬‫م�صطفى جعفر‬

‫طريقا" طويال" ‪ .‬كان يكتب ر�سائله باللغة االملانية ثم‬ ‫ير�سلها اىل �أخته �أوتال يف براغ ليقوم زوجها اجليكي‬ ‫برتجمتها اىل اللغة اجليكية و�إعادته اىل كافكا الراقد‬ ‫يف امل�صح ومن ثم كان كافكا يقوم باعادة كتابة الن�ص‬ ‫اجليكي بخط يده وبعناية �شديدة ولكن مل يكن لدى‬ ‫مدير ال�شركة البريوقراطي وقت للرد على ر�سائل‬ ‫موظف ميوت ببط�أ على فرا�ش املر�ض‪ .‬كان كافكا ي�أمل‬ ‫�أن يتلقى جوابا" على ر�سائله العديدة التي كان يطلب‬ ‫فيها منحه �إجازة طويلة ولكن طال انتظاره من دون‬ ‫جدوى فقرر �أن يكتب بنف�سه ردا" على ر�سائله بدال" من‬ ‫مدير ال�شركة ‪ .‬كان ردا من ن�سج خيال كافكا‪ .‬جاء يف‬ ‫هذه الر�سالة اجلوابية اخليالية ما يلي ‪� " :‬أيها الزميل‬

‫العزيز ! طر�أت يف ذهني ليلة �أم�س فكرة جيدة وهي‬ ‫�إن عليك �أن تق�ضي يف الهواء الطلق �أطول وقت ممكن‬ ‫و�أنا�شدك �أن ت�ستمتع ب�أجازتك الطويلة و�أن ال تكلف‬ ‫نف�سك عناء كتابة اي طلب جديد على الطريقة اجليكية ‪.‬‬ ‫ار�سل يل فقط برقية من كلمة واحدة " نعم " و�ستح�صل‬ ‫على الأجازة ال�سنوية املطلوبة فورا وبذلك لن حتمل‬ ‫اوتال وزوجها م�شقة متابعة طلباتك ‪� .‬أنا ب�أنتظار‬ ‫برقيتك و�أمتنى لك ال�شفاء العاجل و�أ�شكرك من �صميم‬ ‫قلبي ‪ ...‬الخ "‬ ‫مل تكن االجواء يف م�صح ( ماتيلياري ) جيدة ‪ .‬كانت‬ ‫امل�شاكل اليومية ال�صغرية تثري �أع�صاب الكاتب املري�ض‬ ‫‪( :‬ال�ضجيج ‪ ,‬اخلدمة ال�سيئة ‪ ,‬رائحة املطبح القريب‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬

‫من غرفته ) ولكن حتى يف ظل هذه االجواء الكئيبة كان‬ ‫كافكا يبحث عن بهجة احلياة املفقودة وظل كذلك �إىل‬ ‫�آخر يوم يف حياته ‪.‬‬ ‫كانت ر�سائله اىل �أوتال مرحة ي�سرد فيها لأخته �آخر‬ ‫�أخبار امل�صح واحلوادث الطريفة واحلكايات امل�سلية‬ ‫التي ال يخلو منها حتى م�صح للأمرا�ض ال�صدرية ‪ .‬ويف‬ ‫احدى هذه الر�سائل ي�ستدرك كافكا قائال"‪�(( :‬أرجو �أن‬ ‫ال يتبادر �إىل ذهنك �إننا نق�ضي �أوقاتنا هنا يف �ضحك‬ ‫متوا�صل ذلك لأن �أجواء امل�صح �أبعد ما تكون عن‬ ‫املرح)‪.‬‬ ‫كانت وط�أة املر�ض القاتل – الذي مل يكن له عالج يف‬ ‫ذلك الزمن‪ ،‬حيث مل تكن امل�ضادات احليوية قد اكت�شفت‬

‫بعد – ت�شتد عليه يوما" بعد يوم فيتد فق الدم من رئتيه‬ ‫غزيرا" ومبرور الوقت �أ�صبحت ر�سائله جادة ومقت�ضبة‬ ‫�أكرث ف�أكرث ‪ .‬وردت �آخر ر�سالة كتبها كافكا �إىل �أخته من‬ ‫م�صح ( كريليانكي ) الكئيب واحلزين الذي مل يعد منه‬ ‫�إىل بيته �أبدا" ‪.‬‬ ‫عا�ش كافكا حياة االغرتاب الروحي عن جمتمعه‬ ‫ولكن من اخلط�أ �أن نقول �أن كافكا هو البطل الرئي�سي‬ ‫لرواياته وق�ص�صه فهو لي�س ال�سيد (‪ )K‬البطل الرئي�سي‬ ‫لرواية (( القلعة )) وهو غري جوزيف (‪ )K‬يف رواية‬ ‫(املحاكمة) ور�سائله الأخرية اىل �أخته �أوتال خري دليل‬ ‫على ذلك‪ ،‬كما �أن ر�سائله – قبل ذلك – اىل ميلينا ت�ؤكد‬ ‫هذه احلقيقة‪.‬‬

‫كتب كافكا ذات مرة يف يومياته يقول‪� ( :‬إن كل ما كتبته‬ ‫يف حياتي امنا هو نتاج الوحدة)‪ .‬ولكن كافكا مل يكن‬ ‫وحيدا" دائما بل كانت ثمة يف حياته فرتات ق�صرية‬ ‫�سعيدة وم�ضيئة يختفي فيها ذلك اجلدار الذي كان‬ ‫يف�صله عن النا�س الآخرين ( فرتة حبه مليلينا على �سبيل‬ ‫املثال ) ‪ .‬كما انه كان يعتز ب�أخته �أوتال احلنون التي‬ ‫كانت ت�شاركه �آالمه و�أحزانه ‪ .‬ويف كتاب ( ر�سائل اىل‬ ‫اوتال ) بع�ض الر�سائل املوجهة اىل زوجته " دورا " –‬ ‫التي تزوجها على الرغم من معار�ضة والديه – لذا ف�أن‬ ‫كافكا ودورا مل يوثقا هذا الزواج ولكنهما كانا يعتربان‬ ‫نف�سيهما متزوجني حتى �أنها كانت ت�ستخدم لقبه وتوقع‬ ‫حتت هذا اللقب على عادة الن�ساء الأوروبيات اللواتي‬

‫يتخذن من القاب �أزواجهن ‪� ,‬ألقابا" لأنف�سهن ‪.‬‬ ‫التحقت دورا باملقاومة ال�سرية املنا�ضلة �ضد احلكم‬ ‫الهتلري الفا�ش�ستي فى جيكو�سلوفاكيا ثم هاجرت اىل‬ ‫رو�سيا ومنها اىل بريطانيا حيث توفت بعد احلرب‬ ‫العاملية الثانية‪� ،‬أما ميلينا و �أوتال فقد لقيتا حتفهما يف‬ ‫مع�سكرات املوت الهتلرية ‪.‬وكان كافكا قد تنب�أ فى وقت‬ ‫مبكر بظهور الفا�شية وما �ست�سببه من ما�س وويالت‬ ‫للب�شرية‪ .‬ر�سائل كافكا الأخرية تقطر دما" و�أملا" ‪� ,‬أنها‬ ‫تدعونا اىل مقاومة ال�شر والأ�شرار ويف الوقت ذاته‬ ‫ر�سائل تتنف�س حب احلياة النظيفة والنقية بكل جمالها‬ ‫وبهائهاوم�سراتها واحزانها‪.‬‬ ‫ملاذا ميوت املبدعون والعظماء قهرا" وكمدا" وحزنا"‬

‫ويحيا اال�شرار العاطلون عن اي خلق او ف�ضيلة يف‬ ‫بحبوحة وي�سر ؟ ولكن مع ذلك ف�أن املبدعني يف كل‬ ‫جمال من جماالت احلياة هم الرابحون واملنت�صرون‪.‬‬ ‫ال احد يتذكر اليوم لي�س ا�سم مدير �شركة الت�أمني (‬ ‫الذي كان ي�أنف من الرد على طلبات الكاتب املري�ض )‬ ‫ولكن حتى ا�سم رئي�س جمهورية جيكو�سلوفاكيا يف‬ ‫ذلك احلني ولكن ا�سم كافكا كواحد من �أعظم الكتاب‬ ‫يف القرن الع�شرين �سوف يبقى خالدا ولي�س �أدل على‬ ‫ذلك �إن نتاجاته ترجمت اىل الع�شرات من لغات العامل‬ ‫الوا�سعة االنت�شار وما يزال نطاق ت�أثريه و�شهرته يزداد‬ ‫يوما" بعد �آخر ‪.‬‬

‫طبعت مبطابع م�ؤ�س�سة املدى‬ ‫لالعالم والثقافة والفنون‬

‫عن احلوار املتمدن‬

‫‪http://www.almadapaper.com - E-mail: almada@almadapaper.com‬‬


Franz Kafka  

11/6/2011

Franz Kafka  

11/6/2011

Advertisement