Page 1

‫الفكرة‬

‫نصف االبتكار‪...‬‬ ‫واالبتكار نصف‪...‬‬ ‫كل شيء‬

‫‪1‬‬


2


‫الفكرة‬

‫نصف االبتكار‪...‬‬ ‫واالبتكار نصف‪...‬‬ ‫كل شيء‬

‫‪3‬‬


4


5


‫االبتكار‪،‬‬ ‫من كلمات السر‬ ‫األساسية في‬ ‫عصرنا الحديث؛‬ ‫حيث اكتسبت هذه‬ ‫الكلمة قيمة‬ ‫مضاعفة ال سيما‬ ‫عند منقلب القرنين‬ ‫العشرين والواحد‬ ‫والعشرين‪.‬‬ ‫‪6‬‬


‫دفع العصر الحديث االبتكار إلى واجهة حياتنا‬ ‫اليومية‪ ،‬حتى طغى مفهومه على مفهوم‬ ‫آخر من أعظم المفاهيم البشرية‪ :‬االختراع‪.‬‬ ‫ذلك أن االبتكار هو الترجمة العملية‬ ‫تحوله من‬ ‫المستفيدة من االختراع‪ ،‬التي‬ ‫ّ‬ ‫فكرة تخطر في بال حالم‪ ،‬إلى سلعة تأخذ‬ ‫ليغيروا نمط‬ ‫فيقبلون عليها‬ ‫ّ‬ ‫بألباب الناس ُ‬ ‫عيشهم أو أسلوب عملهم‪.‬‬ ‫صارت حياتنا سلسلة متالحقة من االبتكارات‪،‬‬ ‫حتى بتنا نلهث وراءها‪.‬‬ ‫أما االقتصاديون‪ ،‬فلم يعد االبتكار عندهم‬ ‫محل سؤال‪ :‬إنه العامل األول في التنمية‬ ‫االقتصادية‪ .‬لم تعد عناصر التفوق األولى‬ ‫هي زيادة رأس المال‪ ،‬أو تجنيد اليد العاملة‪.‬‬ ‫بل االبتكار هو المحرك األساسي‪.‬‬ ‫كيف نفهم االبتكار‪ ،‬وما الذي يجعله‬ ‫المحرك األول في االقتصاد‪ ،‬والجاذب‬ ‫ّ‬ ‫األقوى للمستهلك في يومنا هذا؟‬ ‫‪7‬‬


‫"هذا الهاتف مليء بالنواقص‬ ‫كوسيلة اتصال‪ .‬إنه جهاز ال‬ ‫قيمة له عندنا"‪.‬‬ ‫مشروع تمويل جهاز الهاتف‬ ‫وسترن يونيون‬

‫‪8‬‬


‫أنا أبتكر‪ ،‬إذن أنا موجود!‬ ‫طبعت المبتكرات عصرنا الحاضر‪ ،‬وتعززت مكانتها بوصفها من أهم مصادر‬ ‫الثروة‪ ،‬ويرى البعض أن االبتكار مصدرها المضمون الوحيد‪ .‬وقد أخذت‬ ‫وتيسر‬ ‫الحية تبذل جهوداً كبيرة لتشجيع األفكار الجديدة والجريئة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫الشركات ّ‬

‫المناخ المالئم الذي يضمن لها أسباب النجاح‪ ،‬حتى أصبح األمر شرطاً ال غنى‬ ‫عنه في الصمود أمام المنافسة‪.‬‬

‫ورصدت للجهود االبتكارية‬ ‫وقد صار لالبتكار بند رئيسي في موازنات الشركات‪ُ ،‬‬ ‫المخصصات الالزمة التي تتوزع بين نشر «ثقافة االبتكار» داخل الشركة وتأمين‬

‫المستلزمات الضرورية التي تسمح للمبتكرين بتحقيق أحالمهم‪ .‬وعلى عكس ما‬ ‫تمول أبحاثه‬ ‫كان الحال في الماضي‪ ،‬عندما كان المبتكر يبحث جاهداً عن جهة ّ‬

‫وتوفر له اإلمكانات التي يحتاج إليها‪ ،‬أصبحت اإلمكانات في يومنا هذا هي‬

‫ساع وراءها‪ .‬فقد مضى الزمن الذي ترفض‬ ‫الساعية وراء االبتكار أكثر مما هو‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫شركة تمويل ابتكار لمجرد بعض النواقص فيه‪ .‬وكم سمعنا من نوادر قديمة‬ ‫فيه‬

‫تمويل مبتكِ ر‪ ،‬وندمت الحقاً على ذلك‬ ‫َ‬ ‫في هذا السياق رفضت فيها شركة ما‬ ‫ُم ّر الندم‪ .‬ومنها على سبيل المثال ‪ -‬واألمثلة كثيرة ‪ -‬ما ورد في مذكرة لشركة‬

‫«وسترن يونيون» تعقيباً على مشروع تمويل جهاز الهاتف‪ ،‬وجاء فيها‪:‬‬

‫«هذا الهاتف مليء بالنواقص كوسيلة اتصال‪ .‬إنه جهاز ال قيمة له عندنا»‪.‬‬

‫التحوالت التي شهدها عصرنا أصحاب األفكار‪ ،‬قوة ومكانة لم تكن‬ ‫لقد أعطت‬ ‫ّ‬

‫لهم من قبل‪ .‬فليس في دنيا االبتكار صغير‪ ،‬فرداً كان أم شركة‪ .‬وللشركات‬ ‫الصغيرة التي تنجح في تحقيق أفكار ابتكارية مكانة تحسدها عليها الشركات‬

‫التحول إلى شركة كبرى بسرعة مذهلة‬ ‫الكبيرة أحياناً ‪ .‬فهي تستطيع أن تختار بين‬ ‫ّ‬

‫فعال في حاالت عديدة معروفة‪ ،‬وبين بيع أفكارها ومبتكراتها‬ ‫كما حصل‬ ‫ً‬ ‫للشركات الكبرى‪ ،‬والعيش في رغد المداخيل المريحة ضمن حجمها الصغير‪.‬‬

‫االبتكار ووسائله‬ ‫طغت المبتكرات اإللكترونية على الحياة االقتصادية في العقدين األخيرين‪،‬‬ ‫مذهال‪ ،‬وأهم أسباب ذلك أنها‬ ‫وتسارعت وتيرة ظهور الجديد فيها تسارعاً‬ ‫ً‬

‫تحولت إلى أكثر أدوات إنجاز االبتكار فاعلية… االبتكار في جميع‬ ‫هي نفسها ّ‬

‫المجـاالت األخرى‪.‬‬

‫فالكمبيوتر ابتكار للعصر ولكل ابتكار فيه‪ ،‬وذلك لما يوفره من مساعدة على‬ ‫البحث‪ ،‬وفي تسريع العمليات المطلوبة للوصول إلى النتائج‪ .‬وغدت السرعة في‬ ‫إنجاز االبتكار الشغل الشاغل للشركات المتفوقة في العالم‪ ،‬لما لذلك من دور‬ ‫في السباق التنافسي‪ .‬حتى قيل في هذه األيام‪:‬‬

‫لم يعد الكبير يطغى على الصغير‪ ،‬بل السريع على البطيء!‬ ‫‪9‬‬


‫الشركات األكثر ابتكاراً‬ ‫ولماذا!‬ ‫منتجاتها حققت اختراقاً‬

‫وفرت تجارب فريدة لزبائنها‬

‫ابتكرت أساليب إنتاج جديدة‬

‫المصدر‪ :‬مجموعة بوسطن االستشارية‪:‬‬ ‫المد في التجديد؟»‪ ،‬دراسة ‪ BCG‬لإلدارة العليا‪.‬‬ ‫يتبدل اتجاه‬ ‫ّ‬ ‫«هل ّ‬

‫«لم يقدم االبتكار في أي وقت‬ ‫مضى من تاريخ اإلنسانية هذا‬ ‫القدر لهذا العدد من الناس‪ ،‬وفي‬ ‫ْ‬ ‫هذا الوقت القصير»‪.‬‬ ‫بيل غيتس‬ ‫مؤسس شركة مايكروسوفت‬

‫‪10‬‬


‫االبتكار أو االندثار‬ ‫في مجتمع اقتصادي تشتد فيه المنافسة على األسواق‪ ،‬لم تعد الشركة‪،‬‬

‫أي شركة‪ ،‬تستطيع أن تبقى وتستمر من دون تطوير منتجاتها وخدماتها‪،‬‬ ‫بل وأنماط إدارتها ألعمالها في أي مجال من المجاالت‪ .‬وكلما وجدت شركة‬

‫من الشركات نفسها في وضع تراجع يصبح االبتكار مالذها الوحيد‪ ،‬فهي‬ ‫مخيرة بين االبتكار أو االندثار‪.‬‬ ‫ّ‬

‫قد يكون االبتكار منتَ جاً جديداً ‪ ،‬أو تطويراً في ُصلب المنتَ ج‪ ،‬وقد يأتي التجديد في‬

‫المنْ تَ ج الخارجي فقط‪ ،‬ال يضيف إليه سوى جاذبية الشكل‪ .‬ومن األمثلة‬ ‫مظهر ُ‬ ‫المعروفة على هذا ما قامت به شركة «أبل» حين وجدت أن مبيعاتها تتراجع‪،‬‬

‫تضمر‪ ،‬فجاء إنقاذها من طريق ثورة قادها رئيس جديد‬ ‫وحصتها في السوق‬ ‫ُ‬ ‫فغيره من جهاز رمادي رتيب إلى جهاز عصري‬ ‫للشركة‪ ،‬وطالت تصميم الجهاز‪،‬‬ ‫ّ‬

‫التحول الذي أنقذ‬ ‫جذاب المظهر الفت للنظر في شكله وألوانه‪ .‬فصنع بذلك‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫المنْ تَ ج لم يعد يؤخذ بالخفة نفسها‬ ‫«أبل» من مصير محتوم‪ .‬والحقيقة أن جمال ُ‬

‫تميز النظرة إليه من قبل‪ .‬ذلك أن التجديد أصبح شبه حاجة يتطلبها‬ ‫التي كانت ّ‬ ‫اإلنسان‪ ،‬وسبباً لشحذ الرغبة في االستخدام‪ ،‬أو الحماسة لالستخدام‪ ،‬وقيمة‬ ‫مضافة إلى المنتجات‪ ،‬بما في ذلك أكثرها تخصصاً وتقنية‪.‬‬

‫متعمق لكي يدرك أهمية التجديد واالبتكار في‬ ‫عارف‬ ‫ٍ‬ ‫وال يحتاج الموضوع إلى‬ ‫ّ‬

‫زيادة مبيعات الشركات وأرباحها وتأثيرها في اتجاه األسواق‪ .‬يكفيه أن يتذكر‬

‫تفوقت منتجاتها‪ ،‬كبرامج الكمبيوتر‪ ،‬أو أجهزة‬ ‫ما يقرأه في الصحف عن شركات ّ‬ ‫الهاتف الخليوي أو أصناف األدوية الجديدة أو غيرها‪ ،‬حيث التجديد في المنتَ ج أو‬ ‫إضافة منتَ ج جديد يضاعف مبيعاتها ويضعها في المراتب األولى في األسواق‪.‬‬

‫وال شك في أن الروح االبتكارية هي التي أوصلت شركة مثل «مايكروسوفت»‬ ‫إلى المكانة التي ال ينافسها فيها أحد اليوم‪.‬‬

‫يقول مؤسسها بيل غيتس‪ ،‬الذي غدا رمزاً لنجاح األفكار الجريئة‪:‬‬

‫القدر لهذا العدد‬ ‫«لم يقدم االبتكار في أي وقت مضى من تاريخ اإلنسانية هذا‬ ‫ْ‬ ‫من الناس‪ ،‬وفي هذا الوقت القصير»‪.‬‬

‫ضاعف فيه أرباح الشركات‪ ،‬في‬ ‫وتسهم المبتكرات الجديدة‪ ،‬في الوقت الذي تُ ِ‬

‫إعطاء االقتصاد الوطني نفسه شحنات جديدة من الحيوية والقدرة من خالل‬ ‫تعزيز الشركات الوطنية وقدراتها على التنافس مع شركات من بلدان أخرى‪ .‬وقد‬

‫جاء في دراسة لمجلة «إيكونومست» أن االبتكار يقف وراء نصف حجم النمو في‬

‫تبين هذه الدراسة نفسها أن‬ ‫الدخل القومي بالواليات المتحدة وبريطانيا‪ .‬كذلك ّ‬ ‫الشركات التي تنجح في تحقيق ابتكار ما تجني ضعفي أرباح الشركات األخرى‪،‬‬

‫عال‪ .‬والمتفوقة منها تحقق أربعة أضعاف المردود‬ ‫وتتمتع دوماً بمؤشر نمو ٍ‬

‫للمساهمين‪ .‬باختصار‪ ،‬لقد غدا االبتكار الفرس التي تضع أي شركة في الطليعة‪،‬‬ ‫حيث يقول هارولد ماك ألندون في هذا السياق‪:‬‬

‫«قادة العالم في االبتكار واإلبداع هم قادة العالم في كل شيء آخر»‪.‬‬ ‫‪11‬‬


‫عناصر روح االبتكار‬ ‫حتى تكون لدى المرء روح ابتكارية‪ ،‬فال بد من اجتماع ثالثة عناصر‬ ‫أساسية فيه‪ ،‬هي‪:‬‬

‫ •المقدرة الشخصية‪ ،‬وهي تتضمن الذكاء والمعرفة والمواهب‬ ‫الذاتية‪.‬‬

‫ •الحوافز‪ ،‬وهي تتضمن االلتزام واالندفاع الذاتي واالهتمام‬ ‫الشخصي والمكافآت المنتظرة‪.‬‬

‫ •المهارات‪ :‬ومنها التقنية‪ ،‬ومهارات العمل الجماعي‪ ،‬والقدرة على‬ ‫ابتداع حلول للمشكالت‪.‬‬

‫إذا اجتمعت كل هذه في الشخص‪ ،‬أمكنه أن يكون مبتكراً ناجحاً‪.‬‬

‫«المبتكر مهما صغر حجم‬ ‫ِ‬ ‫والمخترع مهما‬ ‫ابتكاره‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫عظمت مكانة اختراعه‪،‬‬ ‫يتمتعان بالروح االبتكارية‬ ‫نفسها‪ ،‬روح التجديد والبحث‬ ‫واإلصرار على إنجاز الفكرة‬ ‫مهما كلف األمر»‪.‬‬

‫‪12‬‬


‫الحاجة ُأ ّم … االثنين‬ ‫غالباً ما يطلق االبتكار ‪ -‬بمعناه المحدد ‪ -‬على تطوير في المنتَ ج‪ ،‬أو تجديد‬ ‫يتميز عن االختراع الذي يكون‬ ‫في أسلوب الخدمة أو إنجاز األعمال‪ .‬وبذلك‬ ‫ّ‬

‫ثمرة جهد طويل ويكون اكتشافاً محدداً بالمعنى الكامل للكلمة‪ .‬ولكن‬

‫االبتكار‪ ،‬مثل االختراع‪ ،‬ينتج من حاجة في أغلب األحيان‪ .‬ولذا تبقى الحاجة‬

‫أم االختراع واالبتكار معاً ‪ .‬والصورة األدق في وصف االبتكار‬ ‫هي نفسها ّ‬ ‫تقول إنه غالباً ما يخطر في البال خالل السعي إلى التغلب على صعوبة ما‬ ‫في خضم العمل‪ .‬والمبتكر قد يكون أي إنسان تخطر له فكرة ما تجعل أداءه‬ ‫يطوره‬ ‫أكثر فاعلية‪ ،‬أو سرعة‪ ،‬أو سهولة‪ ،‬أو أقل تكلفة‪ ،‬فيبحث عن تفصيل‬ ‫ّ‬

‫المنتَ ج‪ .‬ولكن قد تكون‬ ‫ليحقق هذا الهدف الذي ال يتجاوز مجرد تحسين في ُ‬ ‫لهذا التحسين فوائد كبيرة في االستخدام‪ .‬فليست األفكار االبتكارية كلها‬

‫من النوع الذي يحصل على براءة اختراع أو ما شابه ذلك‪ .‬قد تكون أحياناً‬

‫فكرة عابرة نجحت في تحقيق شيء بسيط بشكل أفضل‪ ،‬لن يتذكرها أحد‬ ‫وال حتى صاحبها‪ .‬لكن هناك أيضاً مبتكرات تقف جنباً إلى جنب مع أعظم‬ ‫المخترعات مكانة وقيمة وفائدة‪.‬‬ ‫َ‬

‫والمخترع مهما عظمت‬ ‫واالثنان في أي حال‪ :‬المبتكِ ر مهما صغر حجم ابتكاره‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫مكانة اختراعه‪ ،‬يتمتعان بالروح االبتكارية نفسها‪ ،‬روح التجديد والبحث واإلصرار‬ ‫على إنجاز الفكرة مهما كلف األمر‪.‬‬

‫والشركة التي تنتشر فيها الروح االبتكارية قد تشهد خالل يوم واحد آالف األفكار‬

‫«المبتكرة» الصغيرة‪ ،‬وذلك من دون أن تسجل براءة اختراع أو شهادة ابتكار‬ ‫واحدة ألي من منتسبيها‪ .‬فالتجديد والتحسين في أساليب العمل يبدآن بأبسط‬

‫وصوال إلى أكبر األهداف‪ .‬إنه مناخ كامل ال تجزئة فيه‪ .‬ونشر الروح‬ ‫التفاصيل‬ ‫ً‬ ‫التجديدية االبتكارية هو الهدف العام من نشر «ثقافة االبتكار» في الشركة‬ ‫إنه ليس إدخال االبتكار في هيكل الشركة بل إدخال الشركة في هيكل االبتكار!‬

‫‪13‬‬


‫اإلبداع والتجديد‬ ‫ميز بعض الباحثين‪ ،‬الذين تناولوا االبتكار وعناصره‪ ،‬بين أمرين‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫ •االبداع‪ ،‬وهو اجتراح فكرة جديدة أو حل لمشكلة أو أسلوب عمل‬ ‫يسهل ما كان صعبا‪.‬‬ ‫مبتكر‬ ‫ّ‬

‫ •التجديد‪ ،‬وهو تحويل اإلبداع من فكرة إلى نتاج ملموس أو وسيلة‬ ‫تطبيق عملية لحل المشكالت أو تسهيل األعمال‪.‬‬

‫الخالقة‪ ،‬من‬ ‫ورأى هؤالء الباحثون‪ ،‬أنك تستطيع أن تكون مبدعاً لألفكار‬ ‫ّ‬ ‫دون أن تصبح مجدداً من الناحية العملية‪ .‬لكنك ال تستطيع أن تكون‬ ‫مجدداً من دون أن تكون مبدعاً‪.‬‬

‫وترى «آي بي إم» أن اإلبداع هو المادة الخام للتجديد‪ ،‬أما التجديد فهو‬ ‫التطبيق العملي لإلبداع‪.‬‬

‫‪14‬‬


‫روح عصرية وشبابية‬ ‫عامال رئيسياً‬ ‫النزوع إلى االبتكار والتجديد الزم جميع الحضارات الحية‪ ،‬وكان‬ ‫ً‬

‫المد االبتكاري‪ ،‬الذي نراه اليوم‪،‬‬ ‫من عوامل نهضتها وعمرانها‪ .‬إال أن هذا‬ ‫ّ‬ ‫له خصوصية معينة تكمن في أنه يعود في بعض مقوماته إلى التيارات‬ ‫الشبابية التي اجتاحت العالم خالل عقود ثالثة‪.‬‬

‫والسبعينيات من القرن العشرين‪ ،‬حركات تمرد شبابية‬ ‫الستينيات‬ ‫فقد شهدت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫تغير كل شيء‪ .‬وال غرابة في أن نجد بدايات الموجة االبتكارية في‬ ‫أرادت أن ّ‬

‫حركات الشباب التغييرية هذه‪ .‬وكان أول مظاهر هذا التغيير في الملبس‬

‫والفنون‪ ،‬ولكن جوهره كان في تلك الدعوات إلى الخروج على التقليد‪ ،‬والتحرر‬ ‫من سطوة األفكار السائدة‪ .‬وعلى الرغم من أن أبعد آثارها المباشرة كان في‬ ‫الثقافة والقيم االجتماعية إال أن ذيولها وصلت إلى دنيا العلوم على أشكالها‪.‬‬ ‫وفي عالم الكمبيوتر بالذات وامتداداته الالحقة في اإلنترنت وألعاب الفيديو‬ ‫وغيرها‪ ،‬يمكننا أن نجد أسماء مبتكرين حققوا منجزاتهم وهم في سن مبكرة‬

‫جداً ‪ ،‬معتمدين على وسائل وأدوات صنعوها بأقل قدر ممكن من اإلمكانات‪.‬‬ ‫ومع انتشار الكمبيوتر الشخصي الذي َيسهل امتالكه‪ ،‬تعزز الدورالشبابي في‬

‫الشبان وسيلة ابتكارية يستخدمونها بمهارة أعطتهم‬ ‫مجال االبتكار وأصبح لدى‬ ‫ّ‬ ‫تفوق كبيراً على»أصحاب الخبرة»‪.‬‬ ‫هامش ّ‬

‫وأصبح مشهد األب الذي يقف إلى جانب ابنه يراقبه يتعامل مع الكمبيوتر‬

‫بهذه المهارة والكفاءة والتحكم‪ ،‬ويصنع من خالله أشياء ال تعد وال تحصى‪،‬‬

‫الشبان المبادرة‪،‬‬ ‫منظراً اجتماعياً مألوفاً ‪ ،‬محزناً ومفرحاً في آن معاً ‪ .‬لقد امتلك‬ ‫ّ‬

‫وطبعوا المبتكرات الحديثة بطابعهم وجعلوها تتجاوب مع رغباتهم وأذواقهم‬

‫وحاجاتهم المعيشية التي اختلفت عن أنماط المجتمع التقليدي المتوارثة‪ .‬وقد‬

‫ففتحت لهم‬ ‫الشبان وقبل راضخاً بحقهم في االختالف‪ُ ،‬‬ ‫جارى العصر المبتكرين‬ ‫ّ‬

‫أبواب التقدم ونَ صبت لهم الشركات أقواس المجد!‬

‫‪15‬‬


‫تبد الفكرة مستهجنة للوهلة األولى‪،‬‬ ‫إذا لم ُ‬

‫ألبرت آينشتاين‬

‫لن يكون لها أي أمل في النجاح»؟‬

‫تبد الفكرة مستهجنة‬ ‫«إذا لم ُ‬ ‫للوهلة األولى‪ ،‬لن يكون لها‬ ‫أي أمل في النجاح»؟‬

‫‪16‬‬


‫الجنون ابتكار‬ ‫إذا استعرضنا مصطلحات النهج االبتكاري الرائج اليوم فإننا نتلمس أوجه‬

‫التشابه بينها وبين الدعوات التي كانت تطرحها الحركات الشبابية بدءاً‬

‫بتجربة أي فكرة قد تخطر بالبال على أساس مبدأ «لِ َم ال؟»‪ ،‬والتفكير خارج‬

‫الصندوق كما يقال‪ ،‬وتأكيد أن «أياً كان» يستطيع أن يبتكر‪ .‬وفي كل هذه‬ ‫نتلمس أسلوب الشباب في الطرح الجريء الذي ال‬ ‫التعابير نستطيع أن‬ ‫ّ‬

‫تحدها حدود‪.‬‬ ‫يرضخ وال يبالي بشيء إال تحقيق أحالم ال ّ‬

‫وال شك في أن هذه الموجة االبتكارية الشبابية كانت على أشدها في‬ ‫الجامعات‪ ،‬وظهرت أولى ثمارها في الجامعات األوروبية واألمريكية‪ .‬وراجت في‬ ‫تلك الفترة صورة الشاب الفذ في أفكاره‪ ،‬بثيابه الرثّ ة وشعره الطويل ونظاراته‬

‫السميكة‪ ،‬يقوم بأبحاث وتجارب مجنونة!‬

‫و«الفكرة المجنونة» هي من التعابير المعروفة في قاموس االبتكار‪ ،‬ألم يقل‬

‫تبد الفكرة مستهجنة للوهلة األولى‪ ،‬لن يكون‬ ‫ألبرت آينشتاين يوماً ‪« :‬إذا لم ُ‬ ‫لها أي أمل في النجاح»؟‪ .‬وكم من فكرة بدت كذلك في البدء ثم تحولت إلى‬

‫ابتكار هائل؟ وأصبح التقاط هؤالء الشباب من الجامعات من أهم ما يشغل بال‬

‫لتضمهم إلى صفوفها وتفتح لهم أبواب االبتكار‬ ‫الشركات الرائدة‪ ،‬فتبحث عنهم‬ ‫ّ‬ ‫واسعة‪ .‬ويتّ صف هذا المناخ بالحيوية وبتوفير فسحة للتفكير الجريء ووجود‬

‫حوافز شخصية مشجعة باإلضافة إلى الوسائل واألجهزة الحديثة التي تساعد‬

‫المبتكر في إنجاز ابتكاره‪.‬‬

‫وفي هذا المناخ‪ ،‬ال يحتاج المبتكر إلى أكثر من إيجاد فكرة ابتكارية ليصبح مبتكِ راً‬

‫بالفعل‪ ،‬خاصة أن هذا الشباب يمتلك علوم الكمبيوتر وفنونه‪ .‬ومن يراجع لوائح‬

‫الشبان‪ .‬ومما يعزز هذا المنحى‪ ،‬من‬ ‫المبتكِ رين يجد أن نسبة عالية منهم هم من‬ ‫ّ‬ ‫دون شك‪ ،‬هو هذا التحدي العام المطروح اليوم أمام الشباب ليثبتوا كفاءتهم‬

‫وجدارتهم في مجال العمل‪.‬‬

‫‪17‬‬


chrishallamworldview.wordpress.com/2014

‫مصنع فولكس فاجن بيتل أو الخنفساء‬ autoconcept-reviews.com/cars_reviews/volkswagen

18


‫أصناف االبتكار‬ ‫الخمسة‬ ‫المنظر االقتصادي النمسوي يوزف شومبيتر‪ ،‬في كتابه‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫صنّ ف‬ ‫الرأسمالية واالشتراكية والديمقراطية‪ ،‬سنة ‪ ،1942‬االبتكار في خمسة‬ ‫أصناف رئيسية‪ ،‬هي‪:‬‬

‫ •ابتكار سلع جديدة‬

‫ •اعتماد أساليب جديدة في اإلنتاج‬ ‫ •فتح أسواق جديدة‬

‫ •استعمال مواد خام جديدة‬

‫ •وضع نظام جديد إلدارة األعمال‬

‫وهذا هو التصنيف المعتمد في وثيقة أوسلو (‪ )2005‬الصادرة عن‬

‫منظمة التعاون والتنمية االقتصادية‪.‬‬

‫النفاث (‪)1954‬‬ ‫من األمثلة على ابتكار سلع جديدة‪ ،‬محرك الطائرات ّ‬ ‫الذي قلب الموازين في الحركة الجوية؛ الهايدروجيت (المحرك المائي‬

‫النفاث) (‪)1960‬؛ الحاوية (للنقل البحري)؛ نظام كابح السيارات ‪ABS،‬‬ ‫ّ‬ ‫‪)(1980‬؛ شاشات اللّ مس «تاتش»؛ الصمام الثنائي المتألق (‪)LED‬؛ سيارة‬ ‫تويوتا الهجينة (العاملة بالكهرباء والبنزين معاً )؛ نظام العصف الثنائي من‬

‫دايسون (‪ ،)Dual Cyclone by Dyson‬وهو يفصل القاذورات عن الهواء‬ ‫في المكانس الكهربائية (‪)1986‬؛ والجنيحات‪ ،‬التي تثبت على أجنحة‬ ‫الطائرات؛ وغيرها‪.‬‬

‫ومن األمثلة على اعتماد أساليب جديدة في اإلنتاج‪ ،‬وهو تبنّ ي نمط‬

‫أصال‪ ،‬شركات السفر الزهيد‬ ‫جديد في االستثمار‪ ،‬بأدوات إنتاج موجودة‬ ‫ً‬ ‫تبديال أساسياً ‪ ،‬لكنها اعتنقت نموذجاً‬ ‫تبدل في الطائرات‬ ‫التكلفة التي لم ّ‬ ‫ً‬

‫جديداً في االستثمار‪ ،‬وهو تقليص النفقات إلى أدنى حد ممكن‪ ،‬لخفض‬

‫‪rngare1.wordpress.com/author/rngare1‬‬

‫أثمان تذاكر السفر (شركات «إيزي جت»‪« ،‬هوب» وغيرهما)‪.‬‬

‫‪19‬‬


‫توماس أديسون‬

‫«إن من يأتي بفكرة ويبدأ‬ ‫بتجربتها وتطويرها يصل إلى‬ ‫مكان يرى فيه أنها مستحيلة‬ ‫التحقيق فيشعر باليأس‪ .‬ولكن‬ ‫هذه هي بالذات المحطة التي ال‬ ‫يجوز فيها للمبتكر أن ييأس»‬ ‫‪20‬‬


‫ابتكر … وأنت حر!‬ ‫وفر‪ .‬تبدأ بمواجهة‬ ‫رحلة االبتكار رحلة شاقة ال تخلو من سجال‪ .‬وفيها كر‬ ‫ّ‬

‫المعضلة أو تمييز الحاجة‪ ،‬ثم تعريفها بشكل محدد‪ ،‬ومن ثم تخطر فكرة حل‬ ‫أو عالج أو بديل‪ ...‬ثم تُ عزَ ل المعضلة ويعاد التأمل فيها من جديد والدرس‬

‫والبحث والمراجعة‪ ،‬ثم يكون االقتراب من الحل ثم الفشل واإلحباط واليأس‬

‫مرة تلو األخرى إلى أن‪ ...‬تظهر أولى بوادر األمل‪،‬‬ ‫ثم العودة إلى المحاولة ّ‬

‫ثم يكون االختراق الفاصل الذي يحقق الوثبة الكبيرة والنتيجة المأمولة‪.‬‬ ‫ويكون االبتكار قد تحقق ولو بقيت فيه بعض الشوائب‪ .‬فتكون هنا‬

‫خطوات أخيرة تشمل التهذيب والتشذيب إلى أن يصل االبتكار إلى شكله‬ ‫النهائي القابل للعرض على المأل‪.‬‬

‫وال تخلو هذه الرحلة من معارك جانبية‪ :‬صبر المديرين وتعاون الزمالء وتوافر‬

‫والمخصصات اإلضافية ثم المراوحة التي ال تتوقف بين‬ ‫والمعدات‬ ‫األدوات‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫اليأس واألمل… وال ينتهي المبتكر من ابتكاره إال وقد شعر كما يشعر الفارس‬

‫الذي خاض معركة وخرج منها مظفراً مرفوع الجبين‪ .‬فليس المبتكر إنساناً حالماً‬

‫فحسب‪ ،‬فالحالم إنسان تخطر له األفكار‪ّ ،‬أما المبتكر فيصنعها‪ .‬المبتكر يحلم‪ ،‬ثم‬

‫يطور إلى أن يصل إلى غايته‪ .‬لقد قال‬ ‫يتأمل‪ ،‬ثم يقاوم الشكوك‪ ،‬ثم يجرب ثم‬ ‫ِّ‬ ‫ّ‬

‫مرة توماس أديسون‪« :‬إن من يأتي بفكرة ويبدأ بتجربتها وتطويرها يصل إلى‬ ‫مكان يرى فيه أنها مستحيلة التحقيق فيشعر باليأس‪ .‬ولكن هذه هي بالذات‬ ‫المحطة التي ال يجوز فيها للمبتكر أن ييأس»‪ .‬فالقدرة على الصبر والمواظبة‬ ‫وتحدي اليأس من صفات المبتكر‪ ،‬وهي الصفات ذاتها التي تعطيه الحق بدور‬ ‫ّ‬

‫أكبر في عمله وفي المجتمع بشكل عام‪.‬‬

‫واالبتكار ُم ْع ٍد‪ .‬إنه كأي شكل آخر من أشكال النجاح‪ ،‬إذا انتقل إلى مكان‪ ،‬أثار في‬

‫والموظف المبتكر يحصل في النهاية‬ ‫ّ‬ ‫الجميع الرغبة في رفع التحدي نفسه‪.‬‬ ‫جدد… ومن‬ ‫جد ّ‬ ‫على ما ال يحصل عليه غيره من المكافآت‪ .‬ولقد قيل بحق‪« :‬من ّ‬

‫جدد وجد!» لكن ما يناله في النهاية يفوق المكافآت‪ :‬إنّ ه ينال درجة رفيعة من‬ ‫ّ‬

‫الثقة تعطيه حرية استثنائية في مجال عمله‪ .‬إنجازه يضعه في مصاف قيادية‬ ‫ليس بسبب مردود االبتكار المالي وحسب‪ ،‬بل بسبب الصفات الشخصية التي‬ ‫أثبت المبتكر امتالكه لها‪.‬‬

‫‪21‬‬


‫من خارج الصندوق إلى‬ ‫خارج األسوار‬ ‫ال تبقى فوائد االبتكار محصورة في الدائرة الصغيرة التي شهدت والدته‪.‬‬ ‫بد له من أن ينتشر لتصل إشعاعاته إلى ما هو أبعد من دائرته األولى‪.‬‬ ‫إذ ال ّ‬

‫يصدر الروح االبتكارية ال ينفع محيطه فقط‪ ،‬بل ان هذه المنفعة‬ ‫ومن‬ ‫ّ‬ ‫سوف تعود عليه أيضاً ‪ .‬ففي عودتها إذكاء للروح االبتكارية لديه‪.‬‬

‫وال شك في أن نشر هذه الروح في الغرب من خالل حاالت النجاح االبتكارية‬ ‫ومن خالل مئات المقاالت والكتب التي كُ تبت حول االبتكار‪ ،‬كان له أعظم مردود‬ ‫في إبقاء جذوة االبتكار على أشدها وتغذيتها باستمرار‪.‬‬

‫إن االبتكار يؤدي إلى التغيير‪ ،‬والتغيير يعود فيصنع مبتكرات جديدة تُ حدث‬ ‫بدورها تغييراً جديداً ‪ .‬هذه هي الدورة التي يعيشها المجتمع البشري اليوم‪ .‬ومن‬

‫يبق خارج الدورة يخسر الموقع تلو الموقع سواء أكان فرداً أم شركة‪ .‬هذا هو‬ ‫َ‬

‫التحول الذي أحدثته العقود األخيرة من العصر الحديث‪ ،‬ولقد تبين من خالل هذا‬ ‫ّ‬

‫التحول نتائج‬ ‫التحول أن القدرة على اإلبداع أثمن ما يمتلكه اإلنسان‪ .‬وكان لهذا‬ ‫ّ‬

‫اقتصادية كبيرة‪ ،‬لكنه في نهاية المطاف سمة لحضارة جديدة‪.‬‬

‫فنحن بحاجة إلى أن نبحث في أنفسنا اليوم عن حلم جديد‪ .‬حلم َينْ ُـف ُـذ عبر العصر‬

‫من اإلعالنات األولى لتلفزيون فيليبس‬ ‫‪vepca.files.wordpress.com/201012//philips-family.jpg‬‬

‫الحاضر‪ ،‬لتحقيق مبتكرات تعيدنا إلى درب المستقبل‪.‬‬

‫‪22‬‬


‫عدم االكتفاء!‬ ‫أحد أهم األمثلة في عصرنا‪ ،‬على ما يمكن أن تفعله روح االبتكار‪،‬‬ ‫التي تتوق إلى تطوير ما لدينا لصنع ما هو أفضل أو أرخص أو أسرع‬ ‫أو أسهل‪ ،‬وعدم االكتفاء بما هو موجود‪ ،‬هو ما حدث من «انفجار‬

‫تاريخي» لألعمال اإللكترونية في «سيليكون فالي» في كاليفورنيا‬

‫األمريكية‪ ،‬انطالقا من «ستانفورد إندستريال بارك» (حديقة‬ ‫ستانفورد الصناعية)‪ .‬ففي سنة ‪ ،1957‬كانت شركة «شوكلي‬

‫سميكوندكتر» (شركة شوكلي ألشباه الموصالت)‪ ،‬وهي شركة‬

‫حامل جائزة نوبل وليام شوكلي‪ ،‬المشارك في اختراع الترانزستور‪،‬‬

‫تعمل في هذا المجال‪ .‬إال أن عدداً من موظفيها غير الراضين‪،‬‬

‫الذين لم يكتفوا بما أتيح لهم في الشركة من مجال للتجديد‪،‬‬ ‫غادروها لتأسيس شركة أخرى مستقلة‪ ،‬هي شركة «فيرتشايلد‬ ‫سميكوندكتر»‪.‬‬

‫طورت هذه الشركة الناشئة لنفسها‬ ‫ولم تمض سنوات قليلة‪ ،‬حتى ّ‬

‫مذهال في قطاع أشباه الموصالت‪ ،‬الذي كان أساس ظهور‬ ‫حضوراً‬ ‫ً‬ ‫الحواسيب وكل صناعة اإللكترون الحديثة‪.‬‬ ‫لقد غادر هؤالء المبتكرون شركتهم األولى‪ ،‬لينشئوا شركاتهم الخاصة‪.‬‬

‫وفي غضون عشرين سنة‪ ،‬أحدثت كرة الثلج هذه انفجاراً حقيقياً بظهور‬

‫كثير من شركات الصناعة اإللكترونية في «سيليكون فالي»‪ ،‬المتخصصة‬ ‫في تكنولوجيا المعلومات‪ .‬ولقد نشأت «سيليكون فالي» على أكتاف‬ ‫‪ 65‬مؤسسة جديدة‪ُ ،‬ولدت بين أيدي ثمانية موظفين غير راضين‪ ،‬كانوا‬ ‫يعملون سابقاً في شركة شوكلي‪.‬‬

‫والمحرض لخوض غمار‬ ‫المحرك‬ ‫وكان عدم اكتفائهم بما بين أيديهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫سيليكون فالي أو وادي السيليكون‬

‫االبتكار‪ ،‬في المغامرة الكبرى التي اسمها‪ :‬تكنولوجيا اإللكترون‪.‬‬

‫‪23‬‬


‫االبتكار والنمو‬ ‫االقتصادي‬ ‫كتب ناتان روزنبرغ‪ ،‬أستاذ (شرف) مادة االقتصاد في جامعة ستانفورد‬

‫قيمة ركزت على تفسير لماذا االبتكار التكنولوجي يعد‬ ‫األمريكية دراسة ّ‬ ‫قوة أساسية دافعة للنمو االقتصادي‪ ،‬وتناولت على الخصوص بعض أبرز‬

‫عناصر االبتكار في دول منظمة التعاون والتنمية االقتصادية (‪ ،)OECD‬مع‬ ‫إلقاء بعض الضوء على تجارب أمريكية‪ .‬وأشارت الدراسة إلى أثر االبتكار‬

‫التكنولوجي في تطوير السياحة‪.‬‬

‫فلقد بات مسلّ ماً به أن المناخ االبتكاري هو العامل األهم في النمو االقتصادي‬

‫على المدى البعيد‪ ،‬حسبما أثبت البروفيسور موزس أبراموفيتش (‪1912-‬‬

‫خمسينيات القرن العشرين‪.‬‬ ‫‪ )2000‬في‬ ‫ّ‬

‫وثمة طريقتان فقط لزيادة اإلنتاج في اقتصاد ما‪ :‬األولى هي زيادة عدد‬

‫المدخالت (رأس المال واليد العاملة) في هذا االقتصاد‪ ،‬أما الثانية‪ ،‬إذا كنت‬ ‫ُ‬ ‫خرجات أكثر باستثمار‬ ‫أذكى‪ ،‬فهي العثور على أساليب جديدة للحصول على ُم َ‬ ‫فسيهمك أن تعرف أي الطريقتين‬ ‫المدخالت نفسها‪ .‬وإذا كنت رجل اقتصاد‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬

‫أهم‪ ،‬وكم هي أهم من الطريقة األخرى‪ .‬لقد عمد أبراموفيتش إلى قياس نمو‬ ‫المدخالت‬ ‫خرجات االقتصاد األمريكي بين عامي ‪ 1870‬و‪ ،1950‬ثم قاس نمو ُ‬ ‫ُم َ‬

‫(من رأس مال ويد عاملة) في السنوات نفسها‪ .‬ثم استخلص خالصة منطقية عن‬ ‫مقدار النمو الذي تُ حدثه وحدة قياس اليد العاملة‪ ،‬ومقدار النمو الذي تُ حدثه‬

‫المدخالت (أي زيادة رأس المال واليد‬ ‫وتبين له أن نمو ُ‬ ‫وحدة قياس رأس المال‪ّ .‬‬

‫العاملة) بين العامين ‪ 1870‬و‪ 1950‬لم ُيحدث نمواً في االقتصاد يزيد على نحو‬

‫خرجات في االقتصاد‪ .‬إذن من أين أتت نسبة النمو الباقية‬ ‫الم َ‬ ‫‪ %15‬من نمو ُ‬ ‫وهي ‪%85‬؟‬

‫خمسينيات القرن‬ ‫قد يستغرب المرء لماذا لم تخطر فكرة هذا القياس قبل‬ ‫ّ‬ ‫العشرين‪ .‬لقد كانت المرحلة هي ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية‪ ،‬وهي‬

‫خرجات‬ ‫المدخالت‬ ‫والم َ‬ ‫ُ‬ ‫المرحلة التي بدأت تظهر فيها اإلحصاءات الدقيقة عن ُ‬ ‫في االقتصاد األمريكي‪ ،‬في مدة زمنية طويلة نسبياً ‪ .‬وقد يثير الشك أن النسبة‬ ‫التي توصل إليها البحث كبيرة جداً (‪ .)%85‬غير أن باحثين آخرين أجروا أبحاثاً موازية‬

‫وستينياته‪،‬‬ ‫خمسينيات القرن العشرين‬ ‫لقياس عناصر اإلنتاج األمريكية‪ ،‬بين‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫باستخدام أساليب مختلفة‪ ،‬وفي حقب زمنية مختلفة‪ ،‬وتوصلوا إلى النتيجة ذاتها‬

‫تقريباً ‪.%85 :‬‬

‫‪24‬‬


‫روبرت سولو‪ ،‬الحائز على جائزة نوبل في االقتصاد‪ ،‬كان أحد هؤالء الباحثين‬

‫المدخالت‪ .‬استخدم سولو منهجية‬ ‫الذين وجدوا نسبة نمو كبيرة ال تفسرها ُ‬

‫مختلفة جداً عن أبراموفيتش‪ ،‬وبحث في حقبة زمنية أخرى فعاود التوصل إلى‬ ‫النسبة ذاتها‪.‬‬

‫منظري العلوم‬ ‫ّ‬ ‫لقد أقنعت هذه النسبة من النمو االقتصادي معظم‬

‫محركاً أساسياً القتصاد‬ ‫االقتصادية‪ ،‬بأن االبتكار التكنولوجي ال بد وأن يكون إذن ّ‬ ‫الدول الصناعية المتطورة‪.‬‬

‫في السنوات المئتين السابقة‪ ،‬كانت دراسات معظم االقتصاديين مبنية على‬ ‫أساس أن مسألة تنمية االقتصاد هي في جوهرها مسألة تتعلق بإضافة‬

‫ُمدخالت في عملية اإلنتاج‪ ،‬وال سيما رأس المال‪ .‬وكانت نسبة النمو الكبيرة‬ ‫المنظرين‬ ‫ّ‬ ‫التي ال يفسرها حجم رأس المال وال تعداد اليد العاملة‪ ،‬سبباً في دفع‬

‫روبرت سولو‬

‫محرك آخر للنمو‪.‬‬ ‫إلى البحث عن ّ‬

‫‪25‬‬


‫عدم اليقين في االبتكار‬ ‫ترتبط فكرة االبتكار وريادة األعمال‪ ،‬بعنصر‪ :‬عدم اليقين‪ ،‬ألن كال األمرين‬

‫ختبر بعد‪ .‬وقد يسهل االستنتاج أن عدم‬ ‫يخوض في ميدان جديد‪ ،‬لم ُي َ‬ ‫اليقين هذا‪ ،‬في الدول المتطورة تكنولوجياً ‪ ،‬حيث تعمل شركات عمالقة‪،‬‬ ‫ليس باألمر المثير لالهتمام أو القلق‪ .‬ففي الواليات المتحدة اليوم أكثر‬ ‫من ‪ 16‬ألف شركة تدير مختبراتها الخاصة لألبحاث الصناعية‪ ،‬ومنها على‬ ‫األقل ‪ 20‬شركة‪ ،‬تزيد موازنة األبحاث والتطوير السنوية فيها على مليار‬ ‫دوالر أمريكي‪ .‬وعند ترتيب الشركات الصناعية حسب قيمة موازنة األبحاث‬ ‫نفق عام ‪ 2000‬بلغ ‪ 54‬مليار دوالر‪.‬‬ ‫والتطوير فيها‪ ،‬نجد أن مجموع ما ُأ َ‬

‫وقد يظن المرء أن هذه الشركات لم تعد تقلق في شأن عدم اليقين‪ ،‬حيال‬ ‫هذا الحجم من اإلنفاق‪ .‬وهذا خطأ‪ ،‬لسببين‪ :‬األول هو أن نفقات البحث‬

‫والتطوير في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة هي نفقات باهظة جداً ‪.‬‬ ‫خرجات هذا اإلنفاق على البحث والتطوير‪ ،‬تتسم بنسبة‬ ‫والثاني هو أن ُم َ‬

‫عالية من المخاطرة المالية غير المحسوبة‪ ،‬لمجموعة من العوامل‪:‬‬

‫‪01‬‬

‫قد يفشل اإلنفاق على البحث العلمي ببساطة‪ ،‬في الوصول إلى معارف‬

‫‪02‬‬

‫حتى لو أنتجت األبحاث معارف علمية جديدة‪ ،‬فقد ال ينجم من هذا نتاج‬

‫علمية جديدة‪ ،‬أو في تحقيق أي فائدة على اإلطالق‪.‬‬

‫جديد قابل للتسويق‪ .‬أو قد تحتاج هذه المعارف الجديدة إلى وقت‬ ‫ترجم إلى نتاج مفيد‪ ،‬فيقرر أصحاب القرار‬ ‫طويل جداً ونفقات كبيرة‪ ،‬لتُ َ‬

‫عدم تطوير اإلنتاج الجديد‪ ،‬ألن األرباح بالنسبة إلى التكاليف لن تكون‬

‫مجزية‪ .‬وحتى لو أدت األبحاث إلى ظهور نتاج جديد‪ ،‬فقد يواجه هذا النتاج‬

‫عقبات أخرى‪.‬‬

‫‪03‬‬

‫كيف سيكون أداء النتاج الجديد‪ ،‬ال تكنولوجياً فقط‪ ،‬بل اقتصادياً أيضا؟‬

‫سيتبين أن التكاليف كانت أعلى من أن يكون اإلنتاج رابحاً في الزمن‬ ‫هل‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫المناسب؟ فعندما أنتجت طائرة «الكونكورد» الفرنسية البريطانية‬

‫المدنية األسرع من الصوت‪ ،‬كان يجب أن يباع منها ‪ 300‬طائرة في مدى‬

‫زمني منظور‪ ،‬ليكون مشروعها رابحاً ‪ .‬لكن بيعت منها ‪ 16‬طائرة فقط‪.‬‬

‫‪04‬‬

‫‪26‬‬

‫سيتحسن أداء النتاج الجديد‪ ،‬وكم من الوقت ستستغرق تكلفة‬ ‫بأي وتيرة‬ ‫ّ‬ ‫اإلنتاج حتى تنخفض؟‬


‫‪05‬‬

‫كم ستكون نسبة استفادة الشركة صاحبة األبحاث‪ ،‬من ابتكارها الجديد‪.‬‬ ‫هذا يعتمد على مدى قدرة هذه الشركة على تسجيل ابتكارها باسمها‪،‬‬

‫حتى ال يستولي آخرون على االبتكار الستثماره من دون اإلنفاق في‬

‫يسجل االبتكار باسمها‪ ،‬فكم سيمضي من‬ ‫األبحاث والتطوير‪ .‬فإذا لم‬ ‫َّ‬

‫الوقت قبل أن يستولي اآلخرون على االبتكار فسيتثمرونه لصالحهم‪.‬‬

‫‪06‬‬

‫قد تؤدي نظم حكومية ما‪ ،‬أو قرارات محاكم‪ ،‬إلى إفساد خطة اإلنتاج‬

‫وتأخير مواعيد التسويق‪ .‬ففي صناعة الدواء األمريكية‪ ،‬تفرض وكالة‬ ‫الغذاء والدواء (‪ )FDA: Food and Drug Administration‬أن يمضي‬

‫وقت قد يمتد سنوات‪ ،‬على تجربة دواء جديد‪ ،‬قبل السماح بتسويقه‪.‬‬

‫وقد تمتد سنوات التجربة إلى عشر في حاالت‪ ،‬مثل حاالت اللقاحات أو‬ ‫حبوب منع الحمل‪ .‬لذا يكلف كل دواء جديد مئات الماليين من الدوالرات‬

‫قبل أن يصل إلى المشتري‪ .‬وهناك الدعاوى التي يرفعها متضررون من‬ ‫نتاج معين‪ ،‬مثل األسبستوس‪ ،‬الذي أدى إلى إصابة مئات الماليين في‬

‫العالم باألمراض‪.‬‬

‫‪07‬‬

‫تتخطاه‬ ‫ّ‬ ‫يتفوق عليه منافس‪ ،‬أو‬ ‫كم سيطول عمر النتاج الجديد‪ ،‬قبل أن‬ ‫ّ‬

‫التكنولوجيا الحديثة‪ ،‬المتطورة بسرعة مدهشة؟ فليس غريباً اليوم إذا‬

‫علمنا أن أحد أهم عوامل عدم اليقين التي يواجهها االبتكار الجديد‪ ،‬هو‬

‫ابتكار أجدد منه‪.‬‬

‫‪08‬‬

‫عامل جديد دخل في الحسبان‪ ،‬ليزيد من آثار عدم اليقين‪ .‬ففي السياحة‪،‬‬ ‫تأثرت الحركة االقتصادية ومشاريع التطوير تأثراً شديداً بظاهرة اإلرهاب‪،‬‬ ‫ال سيما السفر بالطائرات‪ ،‬أو السفر إلى مناطق معينة من العالم حيث‬ ‫يتعاظم الخطر‪ .‬وليس من صناعة أخرى أشد تأثراً باإلرهاب من السياحة‪.‬‬

‫لهذا ال شك في أن االبتكار يواجه مخاطر عدم اليقين‪ ،‬وأهم هذه المخاطر‬

‫هي أن أي نتاج جديد يدخل السوق‪ ،‬ال يضمن ردة فعل المستهلك‪،‬‬

‫ورغباته وميوله وحتى ربما حاجاته‪.‬‬

‫‪27‬‬


‫اقرأ‪:‬‬

‫األسس النفسية‬ ‫لالبتكار‬ ‫هذا الكتاب محاولة جادة لدراسة طبيعة االبتكار من جهة القدرات‬

‫والسمات االجتماعية التي يتميز بها الشخص المبتكِ ر‪،‬‬ ‫العقلية المكونّ ة له‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫والدوافع المختلفة الكامنة خلف الناتج االبتكاري‪ .‬ويساعد هذا الكتاب‬

‫الذي وضعه الدكتور ممدوح عبد المنعم الكناني اآلباء والمعلمين‬

‫تميز‬ ‫على فهم العملية االبتكارية والحاالت النفسية أو االجتماعية التي ّ‬ ‫المبتكِ ر‪ ،‬وقد تكون في بعض األحيان مضطربة ومشتتة‪ ،‬بحيث يصعب‬

‫على البعض التعامل معها‪.‬‬

‫ويشير المؤلف إلى التمايز بين الذكاء واالبتكار والتحصيل العلمي‪ ،‬ويعرض‬

‫لدراسة تناولت سمات األذكياء والمبدعين مقارنة بسمات العاديين‪،‬‬ ‫والمقاييس التي يجب العناية بها عند استكشاف المبدع في المراحل‬

‫العمرية األولى التي تستقطب أنظارالعلماء ومكتشفي الموهوبين‪.‬‬

‫ويتضمن الكتاب الذي يقع في ‪ 341‬صفحة ستة فصول‪ ،‬خصص المؤلف‬

‫فصال للتوسع في دراسة المناخ االبتكاري في األسرة‪ ،‬ومن عناوينه‬ ‫منها‬ ‫ً‬ ‫الفرعية‪ :‬الممارسات واالتجاهات الوالدية التي تشجع روح االبتكار لدى‬

‫األبناء‪ ،‬والمستوى الثقافي واالقتصادي وعالقته بروح األبناء االبتكارية‪.‬‬ ‫كذلك يتوسع الكتاب في دراسة المناخ االبتكاري داخل الفصل المدرسي‪،‬‬

‫ويتطرق إلى جميع جوانبه والمؤثرات فيه مثل المناخ االبتكاري والمناخ‬

‫التسلطي‪ ،‬ومرونة شخصية المدرس ومنح األمان للتالميذ المبدعين‪.‬‬

‫‪28‬‬


‫أمثلة على االبتكار‬ ‫ومصيره المجهول‬ ‫يتبين أنها‬ ‫من المفارقات التاريخية‪ ،‬ما قد يواجهه ابتكار جديد من ردة فعل ّ‬ ‫كانت خاطئة تماماً في تقدير استجابة المستهلكين له‪ .‬في العام ‪،1939‬‬ ‫جاء في صحيفة نيويورك تايمز األمريكية نبأ عن نجاح التجارب العلمية‪،‬‬

‫التي أنبأت بظهور ابتكار جديد مدهش‪ :‬التلفزيون‪ .‬لكن محرري الصحيفة‬ ‫مستقبال زاهراً ‪ ،‬على األقل في الواليات‬ ‫العلميين لم يروا أن لهذا االبتكار‬ ‫ً‬

‫المتحدة‪ .‬وقالت أبرز وأشهر الصحف األمريكية في هذا الشأن‪« :‬لن‬ ‫يكون التلفزيون يوماً منافساً جدياً للراديو‪ ،‬ألنه يجبر الناس على الجلوس‬

‫والشخوص بأبصارهم على الشاشة؛ والعائلة األمريكية المتوسطة ال‬ ‫التوقع أن‬ ‫ّ‬ ‫نفسر هذا الفشل الكامل في‬ ‫تملك الوقت لهذا الغرض»‪ .‬كيف‬ ‫ّ‬

‫التلفزيون سيصبح أكثر األجهزة المنزلية االستهالكية في القرن العشرين‪،‬‬

‫توقع‬ ‫مثال صارخاً على عدم القدرة تماماً على ّ‬ ‫تأثيراً في المجتمع؟ كان هذا‬ ‫ً‬ ‫يتبين فيما بعد‪.‬‬ ‫قبول المستهلك أي ابتكار جديد‪ ،‬مهما كان مهماً ‪ ،‬كما‬ ‫ّ‬

‫فلقد تأكد باإلحصاء أن العائلة األمريكية المتوسطة لم تكن في الواقع‬ ‫تملك كثيراً من الوقت لغير‪ ...‬التلفزيون!‬

‫إذا نظرنا إلى ابتكار أحدث‪ ،‬هو الهاتف المحمول‪ ،‬فماذا نجد؟ في العام‬

‫‪ ،1983‬حين كانت شركة الهاتف العمالقة «إيه تي أند تي» (‪ )AT&T‬منهمكة‬

‫ضدها‪ ،‬الحتفاظها بترددات السلكية في حوزتها‪،‬‬ ‫في مواجهة دعوى احتكار ّ‬ ‫أرادت أن تعرف هل كان األمر يستأهل االحتفاظ بالترددات الضرورية لتشغيل‬

‫الهاتف المحمول الذي كان في طور األبحاث والتطوير لديها‪ ،‬فكلّ فت إحدى‬ ‫أهم الشركات االستشارية األمريكية لدراسة الموضوع‪ .‬فانتهت هذه الشركة‬

‫يتوقع‬ ‫َّ‬ ‫االستشارية إلى أن عدد المشتركين األمريكيين في الهاتف المحمول‪،‬‬ ‫أن يبلغ في العام ‪ ،1999‬نحو مليون مشترك‪ .‬وأما في الواقع‪ ،‬فقد زاد عدد‬

‫‪willmckinley.wordpress.com‬‬

‫المشتركين في العام المذكور على ‪ 70‬مليون مشترك!‬

‫‪29‬‬


‫األخوان رايت‬ ‫«أورفيل وويلبر رايت هما مخترعان أمريكيان ينسب‬

‫إليهما معظم المؤرخون اختراع أول طائرة والقيام بأول‬

‫تجربة طيران ناجحة عن طريق آلة أثقل من الهواء في ‪17‬‬ ‫ديسمبر ‪.1903‬‬

‫وبعد عدة سنوات من طيرانهما الناجح تنبهت الحكومة‬ ‫األمريكية إلى أهمية الطيران وإمكاناته الواسعة‪ .‬كما‬

‫استقبل المخترعان في فرنسا استقبال األبطال‪ .‬وكان‬

‫أطول طيران حققه أورفيل رايت قد استغرق ‪ 75‬دقيقة‬ ‫على ارتفاع قارب المائة»‬

‫‪30‬‬


‫مستقبل االبتكارات‬ ‫يقول الدكتور فرج موسى رئيس االتحاد الدولي لجمعيات‬

‫المخترعين (أفيا)‪« :‬إن براءة االختراع ال تحمي المنتَ ج العلمي إال‬ ‫في البلد الذي أصدر البراءة»‪ .‬وهذا يعني أن تسويق المبتكرات‬

‫يبقى مشكلة فردية‪ ،‬على المنظمات الدولية أن ترعاها وتدعم‬ ‫المخترعين مادياً و معنوياً ‪.‬‬

‫وساعد قيام االتحادات والمنظمات العالمية ونشاطاتها وتبنيها‬ ‫للمعارض العلمية في ظهور جيل مختلف يسعى إلى التطويرالتكنولوجي‪.‬‬ ‫وتعددت المنظمات الفاعلة التي ترعى المبتكَ رات والمبتكرين مثل‬ ‫ّ‬

‫االتحاد الدولي لبراءات االختراع (أفيا) والمنظمة العالمية للملكية‬ ‫الفكرية (الويبو) التي أنشئت عام ‪1970‬م‪ ،‬كما قام المجمع العربي‬

‫للملكية الفكرية عام ‪1987‬م الذي شاركت المملكة العربية السعودية‬ ‫في مجلس إدارته التأسيسي مع عشر دول أخرى‪ ،‬وكلها تسهم مباشرة‬

‫المخترعات وتسهيل منح الرخص‬ ‫في تنمية المجال العلمي وزيادة عدد‬ ‫َ‬ ‫العلمية‪ .‬كذلك انضمت السعودية إلى اتفاقية باريس لحماية الملكية‬

‫الصناعية واتفاقية بيرن لحماية المصنَّ فات األدبية والفنية‪.‬‬

‫وللمملكة جهود واثقة في تشجيع المخترعات وحماية حقوق الملكية‬ ‫الفكرية وتوطيد العالقة بين الموهوبين ومؤسسات الدولة التي تعنى‬ ‫بالرعاية وتنظيم البرامج اإلثرائية‪ .‬تؤكد ذلك جهود مؤسسة الملك‬ ‫عبد العزيز ورجاله لرعاية الموهوبين في نشاطها خالل اللقاء الثالث‬ ‫للمخترعين السعوديين الذي عقد في ‪21/3/1425‬هـ‪ ،‬وهناك نشرة‬

‫براءات االختراع التي تصدرها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية‬ ‫بإشراف اإلدارة العامة لبراءات االختراع‪ .‬وكان أول نظام لبراءات‬ ‫االختراع في المملكة صدر عام ‪1409‬هـ‪ ،‬كما صدر أول نظام لحماية‬

‫حقوق المؤلف عام ‪1410‬هـ‪ ،‬وجرى تعديله عام ‪1424‬هـ‪ ،‬وصدر أول‬

‫نظام للعالمات التجارية عام ‪1358‬هـ‪ .‬وهناك العديد من المشاريع‬ ‫بالمخترعات وإحداث حركة علمية‬ ‫التخطيطية التي تُ درس للنهوض‬ ‫َ‬

‫شأنها االرتقاء بالمستوى العلمي واالبتكاري في المملكة عموماً ‪.‬‬

‫‪31‬‬


‫ّ‬ ‫التوقع‬ ‫أسباب عدم‬ ‫الصحيح‬ ‫كيف يمكن أن يحدث هذا الخطأ في التقدير‪ ،‬وهو خطأ يبدو لنا اليوم‬

‫فترض أنه خبير ُيستشار في أمر يجب‬ ‫فادحاً ‪ ،‬ال سيما وأن من وقع فيه ُي َ‬ ‫أوال‪ ،‬لقد كان في المثلين المذكورين‪ ،‬ثمة عدم تقدير‬ ‫أن يكون ملماً به؟‬ ‫ً‬

‫دقيق للوجوه العديدة التي يمكن فيها لالبتكار الجديد أن يكون مفيداً ‪،‬‬

‫التوقع الخاطئ كان من أسبابه أيضاً‬ ‫ّ‬ ‫وعلى الخصوص الهاتف المحمول‪ .‬لكن‬

‫عدم النظر في عامل آخر في الموضوع‪ ،‬وهو أن معظم المبتكرات الكبرى‬ ‫أوال في صورة بدائية جداً ‪ ،‬وتسير في مسار طويل من التحسين‬ ‫تظهر للمأل ً‬

‫التقني وخفض التكلفة‪ ،‬قبل أن تحظى بالتتويج الذي تستحقه‪.‬‬

‫لقد أقلعت أول طائرة عن األرض‪ ،‬في العام ‪ .1903‬وكان طيرانها األول ال يتجاوز‬

‫طول ملعب كرة قدم‪ .‬ولم تصبح الطائرة ذات فائدة اقتصادية ظاهرة‪ ،‬إال في‬

‫ثالثينيات القرن العشرين‪ .‬لقد احتاجت إلى ثلث قرن كامل‪ ،‬ألنها احتاجت إلى‬ ‫ّ‬

‫المحسنة‪ ،‬قبل أن تصبح مأمونة حتى ينتشر استخدامها على‬ ‫ألوف التصاميم‬ ‫ّ‬

‫نطاق يتسع شيئاً فشيئا‪ .‬والمنطق يقول‪ ،‬إن أي شخص‪ ،‬لو كان في ذلك المكان‬

‫يتخيل رؤية‬ ‫سنة ‪ ،1903‬وشاهد إقالع أول طائرة هناك‪ ،‬ما كان يمكن له أن‬ ‫ّ‬ ‫تعج بماليين المسافرين بانتظام عبر القارات اليوم‪ ،‬وهم‬ ‫خطوط الطيران التي ّ‬ ‫جالسون براحة تامة في مقاعدهم‪.‬‬ ‫كان الحال مع مشروع الهاتف المحمول سنة ‪،1983‬‬

‫شبيهاً بحال أول طائرة‪ .‬كان الهاتف المحمول آنذاك‬ ‫وثقيال وضخما‪ ،‬ولم يكن حتماً يستحق‬ ‫بدائياً جداً ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫«الجوال»‪ .‬كان الصوت رديئاً جداً ‪ ،‬فيما سعره‬ ‫اسم‬ ‫ّ‬

‫آنذاك ‪ 3000‬دوالر أمريكي‪ .‬فلنقارنه بجودة الهواتف‬

‫كان الهاتف المحمول‬ ‫وثقيال‬ ‫آنذاك بدائياً جداً ‪،‬‬ ‫ً‬ ‫وضخما‪ ،‬ولم يكن حتماً‬ ‫«الجوال»‬ ‫يستحق اسم‬ ‫ّ‬

‫‪32‬‬

‫موتوروال داينا تاك موبايل تم‬ ‫تصنيعه سنة ‪.1948‬‬

‫اليوم التي تباع بأقل من ‪ 100‬دوالر‪.‬‬


‫الليزر والكمبيوتر‬ ‫في العا م ‪ ،1960‬كان الليزر (�‪Laser: Light Amplification by Stimu‬‬ ‫المستح ّث»‪،‬‬ ‫‪ )lated Emission of Radiation‬أي «تكثيف الضوء باإلشعاع‬ ‫َ‬ ‫جذابة ال تبدو منها فائدة‪ .‬غير أن الضغوط التنافسية‬ ‫مجرد فكرة علمية ّ‬ ‫ّ‬

‫في األسواق االقتصادية‪ ،‬حفزت على تطوير منتجات ووسائل جديدة‪،‬‬ ‫فكان الليزر أداة علمية لمبتكرات جديدة وعديدة مثيرة‪ .‬فقد صار الليزر أداة‬

‫مفضلة في الجراحة الطبية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫أساسية في األبحاث الكيميائية‪ .‬وهو أداة‬ ‫وفي بريطانيا خمس دوريات متخصصة في نشر المقاالت واألبحاث عن‬

‫الليزر وأوجه استخدامه في الطب (أمراض الجلد‪ ،‬طب العيون‪ ،‬الجراحة‪،‬‬

‫وغيرها)‪ .‬والليزر أساسي في إنتاج أقراص الموسيقى العالية الجودة‪ .‬وفي‬

‫المتاجر الكبرى‪ ،‬حين تسدد الثمن‪ ،‬فإنما تقرأ آلة عند الصندوق سعر السلع‪،‬‬ ‫بالليزر‪ .‬وأحسن طابعات الحواسيب اليوم تستخدم الليزر‪ .‬وقد حدثت ثورة‬ ‫في االتصال الالسلكي في العالم‪ ،‬بفضل الليزر واأللياف البصرية‪ .‬وأخيراً‬

‫أقرت وكالة الغذاء والدواء األمريكية استخدام الليزر في حفر‬ ‫وليس آخراً ‪ّ ،‬‬

‫تسوس األسنان من دون ألم تقريباً ‪.‬‬ ‫ّ‬

‫توقع ألبرت آينشتاين عمل الليزر نظرياً ‪ ،‬بالطبشور على لوح أسود سنة‬ ‫لقد ّ‬

‫‪ .1916‬لكن استغرق العلماء أكثر من ‪ 40‬عاماً حتى يصنعوا حزمة شعاع ليزر‪.‬‬

‫وأخيراً الكمبيوتر‪ .‬كان أول كمبيوتر رقمي إلكتروني‪ ،‬قد ُصنع في جامعة بنسلفانيا‪،‬‬ ‫في كلية الهندسة‪ ،‬عام ‪ ،1945‬وأخذت عدة شركات في تصنيع الكمبيوتر وبيعه‬ ‫في عام ‪ .1950‬لكن في عام ‪ ،1956‬كان هوارد آيكان‪ ،‬وهو أستاذ فيزياء المع‬

‫في جامعة هارفرد وأحد رواد تطوير الكمبيوتر‪ ،‬يرى أن هذا االبتكار ليس سوى‬

‫أداة بحث علمي متطورة جداً ‪ .‬وقد شهد بذلك أمام لجنة في الكونغرس‬

‫األمريكي‪ ،‬فقال إنه سيستغرب جداً إذا أمكن استخدام الكمبيوتر في األعمال‬ ‫الحسابية في متجر‪ ،‬وسيكون هذا أغرب صدفة يصادفها‪ .‬لقد كان آيكان عالماً‬

‫المعاً ‪ ،‬لكنه افتقر إلى أي مفهوم لألثر الممكن الذي سيحدثه االبتكار الذي‬

‫أسهم فيه إسهاماً كبيرا‪.‬‬

‫‪33‬‬


‫‪34‬‬

‫ستيف جوبز‬ ‫يعرض جهاز «اآلي فون» ألول مرة‬


‫قال ستيف جوبز‬ ‫كال من جهاز الماكنتوش ماك بأنواعه وثالثة من األجهزة‬ ‫(أخرج للنور ً‬ ‫المحمولة وهي آيبود وآيفون وآي باد)‪.‬‬ ‫«النظام هو أنه ال يوجد نظام‪ .‬هذا ال يعني أننا ال نملك نهجاً نسير عليه‪ .‬كال‬ ‫فأبل شركة منضبطة للغاية‪ ،‬ولدينا تنظيم رائع‪ .‬ليس هذا المقصد‪ ،‬فال خالف‬ ‫على أن التنظيم يجعلك أكثر فاعلية‪ .‬لكن اإلبداع يأتي من الناس الذين يعقدون‬

‫ليال ألجل طرح فكرة‬ ‫اجتماعاتهم في األروقة أو يتصلون ببعضهم في العاشرة ً‬

‫جديدة‪ ،‬أو ألنهم أدركوا شيئاً بمقدوره تغيير طريقة تفكيرنا في كيفية حل‬

‫مشكلة ما‪ .‬إنها اجتماعات الستة أفراد الذين دعاهم شخص يعتقد أنه اكتشف‬ ‫أجمل وأحدث شيء على اإلطالق ويريد أن يعرف رأي اآلخرين عنه‪ .‬إنه يأتي من‬

‫قول «ال» أللف شيء‪ ،‬كي نتأكد من أننا لم نسلك طريقاً خاطئاً أو أرهقنا أنفسنا‬ ‫بالكثير‪ .‬إننا نفكر دائماً باألسواق الجديدة التي بإمكاننا أن ندخلها‪ ،‬لكن فقط‬

‫بقول «ال» استطعنا التركيز على ما يهم حقاً ‪».‬‬

‫تطوع التقنية طبقاً لها‪،‬‬ ‫«عليك أن تبدأ بدراسة احتياجات المستخدم‪ ،‬ثم‬ ‫ّ‬ ‫وليس العكس‪».‬‬

‫«الحاسوب بالنسبة لي هو أروع أداة قد اخترعناها‪ .‬إنه نظير الدراجة لعقولنا‪».‬‬ ‫«ال تستطيع أن تقوم ببساطة بسؤال المستخدمين «ماذا تريدون؟»‬ ‫ثم تعمل على إعطائه لهم؛ فبحلول الوقت الذي أنهيت فيه بناء طلبهم‬ ‫سيكونون قد أرادوا شيئاً جديداً ‪».‬‬

‫«بيكسار هي أكثر شركة إبداع متقدمة تكنولوجياً ‪ ،‬وأبل هي أكثر شركة تكنولوجيا‬ ‫متقدمة إبداعياً ‪».‬‬

‫فعلت شيئاً جيداً للغاية‪ ،‬فعليك أن تذهب بعدها لتفعل‬ ‫«باعتقادي‪ ،‬أنك إن‬ ‫َ‬ ‫طويال‪ .‬اكتشف ما هو القادم‬ ‫شيئاً آخر رائعاً ‪ ،‬ال أن تركن إلى نجاحك األول‬ ‫ً‬ ‫وحسب‪».‬‬

‫«أريد أن أضع بصمة في الكون‪».‬‬

‫«حين كنت في السابعة عشرة‪ ،‬قرأت مقولة من قبيل‪« :‬إن عشت كل يوم كما‬ ‫لو كان آخر يوم في حياتك‪ ،‬فسيأتي يوم تكون فيه على حق‪ ».‬لقد تركت تلك‬ ‫المقولة أثرها علي‪ ،‬ومنذ ذلك الوقت‪ ،‬وعلى مر ‪ 33‬عاماً ‪ ،‬كنت أنظر إلى المرآة‬

‫كل صباح وأسأل‪« :‬إن كان اليوم هو األخير من حياتي‪ ،‬فهل سأفعل ما أنتوي‬ ‫فعله اليوم؟» ومتى ما كانت اإلجابة «ال» لعدة أيام‪ ،‬كنت أدرك حاجتي لتغيير‬ ‫شيء ما‪».‬‬

‫‪35‬‬


‫آثار االبتكار التكنولوجي‬ ‫في العموم‪ ،‬قد ال تكون آثار االبتكار التكنولوجي وفوائده مقتصرة على‬ ‫عمل المبتكِ ر نفسه‪ ،‬بل ربما أيضاً على روح االبتكار عند المستهلك المحتمل‬ ‫للتكنولوجيا الجديدة‪.‬‬

‫مثال على هذا كهربة تشغيل المصانع‪ .‬فطالما كانت المصانع تعمل بالطاقة‬

‫البخارية‪ ،‬مصدراً أساسياً للتشغيل‪ ،‬كان التنظيم والترتيب ألعمال اإلنتاج يتوقفان‬ ‫على قرب مصدر الطاقة‪ :‬المحرك البخاري‪ .‬وكان العمل يسير عبر تعقيدات‬

‫المطاط‬ ‫ّ‬ ‫ومصاعب في نقل الطاقة‪ ،‬بواسطة أحزمة وأسيار وزنانير من الجلد أو‬ ‫يبدأ تحريكها عند المحرك البخاري‪ .‬وكان اعتماد المحركات الكهربائية فاتحة عصر‬ ‫مستقال بمحرك كهربائي‪ ،‬وأصبح الوضع مرناً‬ ‫صارت فيه كل آلة مرتبطة ارتباطاً‬ ‫ً‬

‫للغاية وازدادت الجدوى اإلنتاجية كثيرا‪ .‬وبدأ ترتيب سلسلة اإلنتاج حسب حاجة‬

‫هذا اإلنتاج‪ ،‬ولم يعد مرهوناً بمكان المحرك البخاري‪ .‬وقد استغرقت كهربة إنتاج‬

‫عشرينيات‬ ‫ثمانينيات القرن التاسع عشر‪ ،‬إلى‬ ‫المصانع األمريكية ‪ 40‬سنة‪ ،‬من‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫التحول‪ ،‬في رفع إنتاجية‬ ‫القرن العشرين‪ ،‬حتى بدأت تظهر بوضوح آثار هذا‬ ‫ّ‬

‫المصانع‪ .‬ولعل المرء يرى أن اعتماد الكمبيوتر سيكون أعمق تأثيراً بكثير‪ ،‬من‬

‫تأثير دخول الكهرباء في وسائل اإلنتاج‪ .‬ففي هذه الحالة أيضاً ‪ ،‬سيكون أثر ابتكار‬ ‫الكمبيوتر متوقفاً أيضاً على مستخدميه‪ ،‬ال على مبتكريه وحدهم‪.‬‬

‫ولم يعد في العالم اليوم من يجادل‪ ،‬في أن مستخدمي الكمبيوتر‪ ،‬حتى لو لم‬

‫تكن لهم يد في ابتكاره‪ ،‬إال أنهم يعززون حركة االبتكار والتجديد في العالم‪،‬‬ ‫بفضل استخدامهم هذا االبتكار العظيم في األبحاث والتطوير‪ .‬وقل كذا في‬ ‫شأن الليزر‪ ،‬والمجال الواسع لالبتكار في استنباط أوجه جديدة الستخدامه‪ ،‬أو‬ ‫في شأن كل المبتكرات اإللكترونية الحديثة‪.‬‬

‫هائال‪ ،‬منذ كان خزانة ضخمة‪،‬‬ ‫تطور تطوراً‬ ‫وال بد من أن نتذكّ ر‪ ،‬أن الكمبيوتر نفسه‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ال يقوى على اقتنائها إال الشركات الكبرى‪ ،‬إلى أن تضاعفت قدرته بما ال يقاس‪،‬‬

‫ويوضع على المكتب‪ ،‬لمختلف‬ ‫َ‬ ‫حمل في حقيبة صغيرة‪،‬‬ ‫ومع ذلك صار جهازاً ُي َ‬ ‫األعمال‪ .‬والنتيجة‪ ...‬انفجار في إمكانات األبحاث والتطوير‪ ،‬تقوم على استخدام‬ ‫مئات الماليين في العالم لهذا الجهاز العجيب‪ ،‬في كل ميادين العلوم واألعمال‪.‬‬ ‫لقد أدى ابتكار الكمبيوتر الشخصي إلى إعادة النظر في أساليب األعمال ونظمها‪،‬‬

‫لالستفادة من المرونة وسرعة التنفيذ في تسيير العمل‪ ،‬اللتين يتيحهما‪.‬‬

‫‪36‬‬


‫التجديد في قطاع‬ ‫السياحة‬ ‫لقد كان اختراع الشبكة الدولية «اإلنترنت»‪ ،‬والبريد اإللكتروني‪ ،‬والكمبيوتر‬

‫الشخصي‪ ،‬والهاتف الذكي‪ ،‬خير ممهد لتستفيد شركات السفر والسياحة في‬

‫العالم‪ ،‬من أجل ابتكار وسائل جديدة لخدمة زبائنها‪ ،‬بطرق أسرع وأسهل وأجدى‪،‬‬

‫المخترعات وما‬ ‫ويتوقع الخبراء أن تواصل هذه‬ ‫ّ‬ ‫وعلى نطاق أوسع بما ال يقاس‪.‬‬ ‫َ‬ ‫يرافقها من ابتكار وسائل عمل جديدة‪ ،‬في تطوير وظيفة وكالء السفر‪ ،‬وتقليص‬ ‫دورهم التقليدي في الوساطة بين الزبون وشركات النقل الجوي‪ .‬وال بد لوكالء‬

‫السفر إذا كانوا يريدون البقاء في السوق‪ ،‬من أن يبتكروا خدمات جديدة يمكن‬ ‫يؤدوها لزبائنهم‪ ،‬استناداً إلى حسن استخدام الوسائل التكنولوجية المتاحة‪.‬‬ ‫أو ّ‬

‫فكل بيت على اتصال باإلنترنت‪ ،‬أي بمحركات البحث األساسية على الشبكة‬ ‫الدولية‪ ،‬يمتلك الوسيلة المباشرة لالطالع على أكبر عدد ممكن من المواقع‬

‫يطور على اإلنترنت‪،‬‬ ‫السياحية على امتاد الكرة األرضية‪ .‬ويمكن لشراء التذاكر أن‬ ‫َّ‬ ‫فيوفر للمسافرين المحتملين أوفى المعلومات عن عروض السفر واألسعار‬ ‫ّ‬ ‫والوجهات الممكنة‪ .‬وبالفعل‪ ،‬جاء في بحث لشركة فورستر األمريكية أن قطاع‬ ‫السفر يحتل اليوم المكانة األولى حجماً بين األعمال التي تجري عبر اإلنترنت‪.‬‬

‫هائال في تطوير قطاع‬ ‫وهذا يعني أن الشبكة الدولية قد أسهمت إسهاماً‬ ‫ً‬ ‫السفر في العالم‪ ،‬بطرق مختلفة‪ ،‬بفضل سهولة االتصاالت والتنافس الشفاف‬ ‫المتزايد بين مختلف الوكاالت والشركات‪ .‬ويبقى أن نعرف كيف ستتطور األمور‬ ‫مر السنين‪.‬‬ ‫في هذا القطاع‪ ،‬مع ظهور مبتكرات تكنولوجية جديدة‪ ،‬على ّ‬

‫‪37‬‬


‫‪38‬‬

‫المصدر‪ :‬مجلة‬


39


40

Innovation book final16الفكرة نصف الابتكار والابتكار نصف كل شيء  
Innovation book final16الفكرة نصف الابتكار والابتكار نصف كل شيء  
Advertisement