Issuu on Google+

‫تركيا‪ 6 :‬لريات • أوروبا‪ 3,5 :‬يورو • أمريكا‪ 5 :‬دوالر‬

‫األلوان ووجه الطفل‬ ‫هكذا كانت أحالم طفولتي‪،‬‬ ‫باأللوان زاهية‪..‬‬ ‫المستحيالت فيها ممكنة‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫ورياض الورد في نسيج خيالي‪،‬‬ ‫(*)‬ ‫تحاكي عهد الورد يا سالي‬ ‫ويهب نسيمي بريئًا مثل براءتي‪..‬‬ ‫ّ‬ ‫***‬

‫(*) عهد الورد هو عصر النبي ‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )29‬‬

‫‪66‬‬


‫ً‬ ‫مجانا‬ ‫مجلة حراء على اآلي فون‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬ ‫ ‬

‫َ‬ ‫يممت‪.‬‬ ‫•حراء اآلن في هاتفك الجوال أينما‬ ‫•بلمسة واحدة تابع كل نشاطات حراء‪.‬‬ ‫•بلمسة واحدة ّ‬ ‫شكل أرشيفك الخاص بـ"حراء"‪.‬‬ ‫•بلمسة واحدة اكتشف المزيد عن عالم حراء‪.‬‬ ‫دائما إلى األفضل‪ ..‬ابقوا معنا‪...‬‬ ‫•حراء‬ ‫ً‬

‫‪www.hiramagazine.com - facebook.com/hiramagazine‬‬

‫‪twitter.com/hiramagazine - youtube.com/hiramagazine‬‬

‫مركز التوزيع فرع القاهرة ‪ 7 :‬ش البرامكة‪ ،‬الحي السابع‪ ،‬مدينة نصر ‪ -‬القاهرة ‪ /‬مصر‬

‫تليفون وفاكس ‪+20222631551 :‬‬

‫الهاتف الجوال ‪+20165523088 :‬‬

‫‪w w w. d a r a l n i l e . c o m‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )29‬‬

‫‪65‬‬


‫التصور العام‬

‫• حراء جملة علمية فكرية ثقافية تعىن بالعلوم الطبيعية واإلنسانية واالجتماعية وحتاور أسرار النفس البشرية‬ ‫وآفاق الكون الشاسعة باملنظور القرآين اإلمياين يف تآلف وتناسب بني العلم واإلميان‪ ،‬والعقل والقلب‪ ،‬والفكر‬ ‫والواقع‪.‬‬ ‫• جتمع بني األصالة واملعاصرة وتعتمد الوسطية يف فهم اإلسالم وفهم الواقع‪ ،‬مع البعد عن اإلفراط والتفريط‪.‬‬ ‫• تؤمن باالنفتاح على اآلخر‪ ،‬واحلوار البناء واهلادئ فيما يصب لصاحل اإلنسانية‪.‬‬ ‫• تسعى إىل املوازنة بني العلمية يف املضمون واجلمالية يف الشكل وأسلوب العرض‪ ،‬ومن مث تدعو إىل معاجلة‬ ‫املواد مبهنية عالية مع التبسيط ومراعاة اجلوانب األدبية واجلمالية يف الكتابة‪.‬‬

‫شروط النشر‬

‫• أن يكون النص املرسل جديدا مل يسبق نشره‪.‬‬ ‫• أال يزيد حجم النص على ‪ 2000‬كلمة كحد أقصى‪ ،‬وللمجلة أن تلخص أو ختتصر النصوص اليت تتجاوز‬ ‫احلد املطلوب‪.‬‬ ‫• يرجى من الكاتب الذي مل يسبق له النشر يف اجمللة إرسال نبذة خمتصرة عن سريته الذاتية‪.‬‬ ‫• ختضع األعمال املعروضة للنشر ملوافقة هيئة التحرير‪ ،‬وهليئة التحرير أن تطلب من الكاتب إجراء أي تعديل‬ ‫على املادة املقدمة قبل إجازهتا للنشر‪.‬‬ ‫• اجمللة غري ملزمة بإعادة النصوص إىل أصحاهبا نشرت أم مل تنشر‪ ،‬وتلتزم بإبالغ أصحاهبا بقبول النشر‪ ،‬وال‬ ‫تلتزم بإبداء أسباب عدم النشر‪.‬‬ ‫• حتتفظ اجمللة حبقها يف نشر النصوص وفق خطة التحرير وحسب التوقيت الذي تراه مناسبا‪.‬‬ ‫تعب بالضرورة عن رأي اجمللة‪.‬‬ ‫تعب عن آراء ُكتَّاهبا‪ ،‬وال رِّ‬ ‫• النصوص اليت تنشر يف اجمللة رِّ‬ ‫مجا إىل أي لغة‬ ‫• للمجلة حق إعادة نشر النص منفصلاً أو ضمن جمموعة من البحوث‪ ،‬بلغته األصلية أو مرت ً‬ ‫أخرى‪ ،‬دون حاجة إىل استئذان صاحب النص‪.‬‬ ‫• جملة حراء ال متانع يف النقل أو االقتباس عنها شريطة ذكر املصدر‪.‬‬ ‫ يرجى إرسال مجيع املشاركات إىل هيئة حترير اجمللة على العنوان اآليت‪:‬‬

‫‪hira@hiramagazine.com‬‬ ‫‪YEMEN‬‬ ‫دار النشر للجامعات‬ ‫الجمهورية اليمنية‪ ،‬صنعاء‪ ،‬الخط الدائري الغربي‪،‬‬ ‫أمام الجامعة القديمة‬ ‫‪Phone: +967 1 440144‬‬ ‫‪GSM: +967 711518611‬‬ ‫‪ALGERIA‬‬ ‫‪Bois des Cars 1 Villa Nº68 Dely Brahim‬‬ ‫‪GSM: +213 770 26 00 27‬‬ ‫‪SUDAN‬‬ ‫مركز دار النيل‪ ،‬مكتب اخلرطوم‬ ‫أركويت مربع ‪ 48‬منـزل رقم ‪ - 31‬اخلرطوم ‪ -‬السودان‬ ‫‪Phone: 0024 999 559 92 26 - 0024 915 522 24 69‬‬ ‫‪hirasudan@hotmail.com‬‬ ‫‪JORDAN‬‬ ‫‪GSM: +962 776 113862‬‬ ‫‪UNITED ARAB EMIRATES‬‬ ‫دار الفقيه للنشر والتوزيع‬ ‫ص‪.‬ب‪ 6677 .‬أبو ظبي‬ ‫‪Phone: +971 266 789920‬‬ ‫‪MAURITANIA‬‬ ‫‪Phone: +2223014264‬‬

‫‪USA‬‬ ‫‪Tughra Books‬‬ ‫‪345 Clifton Ave., Clifton,‬‬ ‫‪NJ, 07011, USA‬‬ ‫‪Phone:+1 732 868 0210‬‬ ‫‪Fax:+1 732 868 0211‬‬ ‫‪SAUDI ARABIA‬‬ ‫الوطنية للتوزيع‬ ‫‪Phone: +966 1 4871414‬‬ ‫املكتب الرئيسي‪ :‬شارع التخصصي مع تقاطع شارع‬ ‫األمري سلطان بن عبد العزيز عمارة فيصل السيار‬ ‫ص‪.‬ب‪ 68761 :‬الرياض‪11537 :‬‬ ‫اجلوال‪00966504358213 :‬‬ ‫‪saudia@hiramagazine.com‬‬ ‫‪abdallahi7@hotmail.com‬‬ ‫‪Phone-Fax: +966 1 2815226‬‬ ‫‪MOROCCO‬‬ ‫الدار البيضاء ‪ 70‬زنقة سجلماسة‬ ‫‪Société Arabo-Africaine de Distribution,‬‬ ‫)‪d'Edition et de Presse (Sapress‬‬ ‫‪70, rue de Sijilmassa, 20300 Casablanca /‬‬ ‫‪Morocco‬‬ ‫‪Phone: ‎+212 22 24 92 00‬‬

‫جملة علمية فكرية ثقافية تصدر كل‬ ‫شهرين عن‪:‬‬ ‫‪Işık Yayıncılık Ticaret A.Ş‬‬ ‫‪İstanbul / Türkiye‬‬

‫صاحب االمتياز ‬

‫مصطفى طلعت قاطريجي أوغلو‬

‫املشرف العام‬ ‫نوزاد صواش‬

‫‪nsavas@hiramagazine.com‬‬

‫رئيس التحرير‬ ‫هانئ رسالن‬

‫‪hraslan@hiramagazine.com‬‬

‫مدير التحرير‬ ‫أجري إشيوك‬

‫‪eisiyok@hiramagazine.com‬‬

‫املخرج الفين‬

‫أنكني جفتجي‬

‫املركز الرئيس‬ ‫‪HIRA MAGAZINE‬‬ ‫‪Kısıklı Mah. Meltem Sok.‬‬ ‫‪No:5 34676‬‬ ‫‪Üsküdar‬‬ ‫‪İstanbul / Turkey‬‬ ‫‪Phone: +902163186011‬‬ ‫‪Fax: +902164224140‬‬ ‫‪hira@hiramagazine.com‬‬

‫مركز التوزيع‬ ‫‪ 7‬ش الربامكة ‪ -‬احلي السابع ‪ -‬م‪.‬نصر‪/‬القاهرة‬ ‫تليفون وفاكس‪+20222631551 :‬‬ ‫اهلاتف اجلوال ‪+20100780831 :‬‬ ‫مجهورية مصر العربية‬

‫نوع النشر‬ ‫جملة دورية دولية‬

‫‪Yayın Türü‬‬ ‫‪Yaygın Süreli‬‬

‫الطباعة‬ ‫رقم اإليداع‬

‫‪1879-1306‬‬

‫لالشرتاك من كل أحناء العامل‬ ‫‪pr@hiramagazine.com‬‬

‫‪SYRIA‬‬ ‫‪GSM: ‎+963 955 411 990‬‬

‫السعودية‪ 12 :‬ريال سعودي • اليمن‪ 350 :‬ريال ميني • املغرب‪ 20 :‬درهم • الجزائر‪ 250 :‬دينار‬ ‫العربية‬ ‫اململكة(‪)29‬‬ ‫السنة السابعة• ‪ -‬العدد‬ ‫‪64 2012‬‬


‫محطات علمية‬

‫فنانة األلوان‬

‫الحرباء‬

‫كائن يمل���ك موهبة يحاكي بها جميع ألوان‬ ‫الطبيع���ة‪ .‬إنها ِ‬ ‫الحرباء الت���ي ُتغير لونها وف ًقا‬ ‫للّون الذي تطأه ببضع دقائق! تكتسي اللون‬ ‫األخض���ر إذا كانت بي���ن األوراق الخضراء‪ ،‬وتكتس���ي اللون‬ ‫الرم���ادي إذا كان���ت بين األحجار الرمادي���ة‪ ...‬ولكن من أين‬ ‫لهذه الحرباء بهذه األلوان؟ وأين تختزن األصباغ يا ترى؟‬ ‫تتمتع الحرباء بجلد شفاف ذات طبقات من الخاليا التي‬ ‫تحت���وي عل���ى م���ادة للتلوي���ن‪ ،‬وإذا تقلصت ه���ذه الخاليا أو‬ ‫تم���ددت َتغير ل���ون جلدها‪ ...‬وكذلك يتغير لون الحرباء عند‬ ‫انفعاله���ا؛ حيث يؤدي خوفها أو غضبها إلى تخفيف الخاليا‬ ‫م���ن األصب���اغ الكائنة في جلدها الذي يحت���وي على األلوان‬ ‫الكاش���فة بالق���رب م���ن س���طحه‪ ،‬وعل���ى األل���وان الداكنة في‬ ‫طبقاته الس���فلى‪ ،‬وهذا الترتيب في الخاليا هو الذي يس���بب‬ ‫تعدد األلوان عند الحرباء‪.‬‬ ‫تمكنت الحرباء من التمويه أو‬ ‫وع���ن طريق هذه األل���وان ّ‬

‫التخف���ي على أحس���ن وج���ه‪ ،‬كونها‬

‫بطيئ���ة الحرك���ة وال تس���تطيع‬ ‫التحرك بسرعة‪ .‬وبالتمويه هذا‪،‬‬

‫استطاعت الحرباء حماية نفسها من‬

‫والتقاط فرائس���ها من الحش���رات والهوام بلس���انها‬ ‫األخطار‪،‬‬ ‫َ‬ ‫اللزج الذي يبلغ طول جسمها‪.‬‬

‫أمر آخر يثير العجب في هذا المخلوق‪ ،‬وهو اس���تقاللية‬

‫عيونه���ا عن بعضه���ا البعض‪ ،‬حي���ث تمتعت الحرب���اء بمدى‬

‫رؤية ‪ 180‬درجة أفقية‪ ،‬و‪ 90‬درجة عمودية‪ ،‬األمر الذي وفر‬ ‫لها رؤية أمامها وخلفها وفوقها وتحتها في آن واحد!‬

‫إن���ه عالم الحي���وان‪ ،‬العالم المعجز الذي يس���تحق التأمل‬

‫والتدبر في كل حين‪ ،‬أليس كذلك؟‪.‬‬ ‫(*) كاتب وباحث تركي‪.‬‬

‫‪63‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫محطات حضارية‬ ‫نور الدين صواش*‬

‫السلطان سليم‬

‫الخادم األمين‬ ‫قبل سفره إلى الشرق زار السلطان سليم األول‬

‫أصحابه���ا أم ال!؟ فذه���ب اآلغا على الفور وش���رع مع أعوانه‬

‫(‪ )1520-1512‬مس���جد الصحاب���ي الجلي���ل‬

‫واح���دا‪ ،‬ثم بتفتيش األش���جار كذلك‬ ‫واحدا‬ ‫بتفتي���ش الجن���ود‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫وجمع ش���مل األمة‪ ...‬وبعد‬ ‫راجيا النصر‬ ‫ركعتي���ن ث���م دعا ربه‬ ‫َ‬ ‫ً‬

‫افتر ثغره عن ابتسامة‪ ،‬رفع يديه إلى السماء‬ ‫الس���لطان باألمر‪ّ ،‬‬

‫أب���ي أي���وب األنصاري في إس���طنبول‪ ...‬صلى‬

‫ذلك ولّى وجهه نحو منطقة أس���كدار لقيادة الجيش‪ ...‬تحرك‬

‫الجي���ش العثماني في ‪ 5‬يونيو‪/‬حزيران ‪ 1516‬من أس���كدار‪...‬‬ ‫كان يم���ر من األراض���ي الغنية بالحدائق والبس���اتين‪ ،‬والزاخرة‬

‫بش���تى أن���واع الفواك���ه والثم���رات‪ ...‬ولما وص���ل الجيش إلى‬ ‫"ك ْبزة" ‪-‬التي تبعد عن إس���طنبول بس���تين (‪ )60‬كيلومتر‬ ‫منطقة َ‬

‫تقريبا‪ -‬وحط رحاله واس���تقر‪ ،‬هجس في قلب السلطان سليم‬ ‫ً‬

‫أمر‪ ...‬فدعا آغا اإلنكش���اريين على الفور‬ ‫َه ٌّ‬ ‫���م ووقع في خلده ٌ‬ ‫وأكي���اس الجنود كاف���ة ليتحقق من‬ ‫خ���روج‬ ‫وأم���ره ب���أن يفتش‬ ‫َ‬ ‫َ‬

‫أم���ر ه���و‪ :‬هل جنى الجن���ود فاكهة من هذه البس���اتين دون إذن‬ ‫ٍ‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪62‬‬

‫واحدة واحدة‪ ...‬ولكنه لم يعثر على شيء قط‪ .‬وعندما أخبر‬ ‫جيش���ا يبتغي‬ ‫وراح يدع���و‬ ‫ً‬ ‫قائ�ل�ا‪" :‬أحمدك الله���م ْ‬ ‫أن وهبتني ً‬ ‫مرضاتك‪ ،‬ال يأكل الحرام وال يغتصب األموال"‪.‬‬

‫ث���م التف���ت إل���ى آغا اإلنكش���اريين وقال‪" :‬يا آغ���ا! لو أني‬ ‫واحدا قام بقطف ثم���رة دون رضى صاحبها‪،‬‬ ‫جنديا‬ ‫وج���دت‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫ًّ‬

‫رت لحظة‬ ‫لما‬ ‫ترددت في العدول عن س���فري هذا‪ ،‬ولما َّ‬ ‫تأخ ُ‬ ‫ُ‬ ‫أتيت"‪.‬‬ ‫واحدة بالعودة إلى حيث ُ‬

‫ثم أردف قائالً‪" :‬يا آغا! إنه من المستحيل أن ُتفتح البالد‬

‫بجيش يأكل الحرام ويغتصب أموال الناس"‪.‬‬


‫أن نسميه "تحويل الفكر إلى فعل"‪ ،‬و"تجسيد العلم بالعمل"‪.‬‬

‫كما ش���اركه التميز كل من األس���تاذ الدكتور "محيط مرت"‬

‫والدكتور "رش���يد هايالماز" في عرضيهما المعنونين بــ"مدرسة‬

‫أصح���اب الصف���ة ودوره���ا ف���ي البن���اء الحض���اري"‪ ،‬و"مكان���ة‬

‫الصديق���ة عائش���ة ف���ي فهم اله���دي النب���وي"‪ ،‬وأب���دى الدكتور‬ ‫ّ‬ ‫الصديقة‬ ‫بالغا في ختام عرض���ه الموضوعي عن‬ ‫تأثرا ً‬ ‫ّ‬ ‫"رش���يد" ً‬ ‫الصديق‪ ،‬ترقرقت معه دموعه بسبب المحاوالت البغيضة‬ ‫بنت‬ ‫ّ‬

‫للتقليل من مكانة أم المؤمنين والغض من شأنها‪.‬‬

‫ثم توالت الجلس���تان الخامس���ة والسادس���ة‪ ،‬طرحت فيهما‬

‫عديد من الموضوعات الهامة أبرزها "س���عادة اإلنس���ان وأمنه‬ ‫وكرامت���ه ف���ي اله���دي النب���وي‪ ،‬ومالم���ح المجتم���ع المثال���ي‬

‫ف���ي المنه���اج النب���وي" الذي عرضه األس���تاذ الدكت���ور "أحمد‬

‫البوكيلي" من خالل نموذج خطبة الوداع‪ .‬باإلضافة إلى توقير‬

‫السلف الصالح وعلماء األمة وأئمة المذاهب وتعظيم الشعائر‬ ‫عرضا‬ ‫اإلس�ل�امية‪ .‬ثم جاءت الجلس���ة الختامية الت���ي عرضت ً‬

‫موجزا ألهم ما ورد في المؤتمر بشكل عام‪.‬‬ ‫سريعا‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫بعض االنطباعات‬

‫وحي � � ��د الدين خان‪ :‬لدي إيمان عميق وقناعة راس���خة وش���عور‬

‫بالتف���اؤل بق���درة الحاضرين والمش���اركين وم���ن بينهم تالمذة‬

‫األستاذ محمد فتح اهلل كولن‪ ،‬على أن يفعلوا شي ًئا ما في تبليغ‬ ‫رسالة اإلسالم بصورته الحضارية‪.‬‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬محمدكورمز‪ :‬يتداعى إلى ذهني عند رؤية هذه الكوكبة‬ ‫المبارك���ة م���ن العلم���اء األجالء‪ ،‬اللق���ب الذي أطلق���ه الرحالة‬ ‫الترك���ي الش���هير "أوليا ش���لبي" عل���ى مدينة "غ���ازي عينتاب"؛‬ ‫"بخ���ارى الصغ���رى"‪ ،‬لكثرة ما كان بها م���ن علماء في عصره‪.‬‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬علي جمعة‪ :‬مجلس علم تحفه المالئكة‪.‬‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬فتح � � ��ي حجازي‪ :‬إن س���يدنا أب���ا أي���وب األنصاري قد‬ ‫اس���تقبل النور الخالد مفخرة اإلنس���انية الحبيب محمد ‪ ‬في‬ ‫بيت���ه في المدين���ة المنورة‪ ،‬وهو اليوم يس���تقبل أحباب الحبيب‬ ‫المصطف���ى علماء األمة وورث���ة األنبياء في تركيا‪ ،‬وذلك فضل‬ ‫اهلل على عباده‪.‬‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬علي كوسة‪ :‬هذا الحشد ذكرني برحلة "مالكوم إكس"‬ ‫إل���ى الح���ج‪ ،‬وكيف غيرت تل���ك الرحلة قناعات���ه الخاطئة عن‬ ‫جنبا‬ ‫الدين اإلسالمي عندما رأى األلوان واألجناس المختلفة ً‬ ‫إلى جنب في هذه الرحلة المباركة دون تمييز أو تفرقة‪.‬‬ ‫الش � � ��يخ خليل النحوي‪ :‬ه���ذه الوجوه القادم���ة من أكثر من‬ ‫ستين دولة‪ ،‬تقدم تعري ًفا آخر لغار حراء‪.‬‬ ‫(*) كاتب وباحث مصري‪.‬‬

‫‪61‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫"جنيد كوكجة" الجلس���ة واليوم األول كله بحديثه عن مش���كلة‬

‫النح���وي"‪ ،‬أن اآلي���ة المدخ���ل في هذا الموض���وع قوله تعالى‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫إليم َ ِ‬ ‫اج َر‬ ‫���م ُي ِح ُّب َ‬ ‫ي���ن َت َب َّو ُءوا َّ‬ ‫﴿وا َّل ِذ َ‬ ‫ون َم ْن َه َ‬ ‫َ‬ ‫ال���د َار َوا ِ َ‬ ‫ان م ْن َق ْبلهِ ْ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ون‬ ‫���م َو َ‬ ‫اج ًة م َّما ُأو ُت���وا َو ُي ْؤث ُر َ‬ ‫���د َ‬ ‫ال َي ِج ُ‬ ‫ون ف���ي ُص ُدورِ ه ْم َح َ‬ ‫ِإ َل ْيهِ ْ‬ ‫اص ٌة﴾(الحشر‪.)9:‬‬ ‫َع َلى َأ ْن ُف ِسهِ ْم َو َل ْو َك َ‬ ‫ان بِهِ ْم َخ َص َ‬ ‫مفتوحا‪،‬‬ ‫فاآلية لم تحدد بم نؤثر ومن نؤثر‪ ،‬وتركت الباب‬ ‫ً‬

‫اإلسالم من خالل القرآن الكريم وهدي النبي ‪ ‬يلح على قضية‬

‫صورا‬ ‫اإليث���ار قيمة مركبة‪ ،‬وهو أعلى مراتب اإليمان‪ .‬ثم عدد‬ ‫ً‬

‫العنصري���ة والتفرق‪ .‬وأش���ار في حديثه عن هذه المش���كلة إلى‬

‫أن الفرقة حس شيطاني واضح‪ ،‬قال تعالى على لسان إبليس‪:‬‬ ‫ين﴾(األعراف‪،)12:‬‬ ‫﴿ َق َ‬ ‫ال َأ َنا َخ ْي ٌر ِم ْن ُه َخ َل ْق َت ِني ِم ْن َنارٍ َو َخ َل ْق َت ُه ِم ْن ِط ٍ‬ ‫تحول أي مجتمع إلى جنة‪ ،‬وأن‬ ‫وأوضح أن الوحدة والتوحد ّ‬ ‫تحول أي مجتمع إلى جهنم‪ ،‬ومن ثم كان‬ ‫الفرقة واالختالف ّ‬

‫وه���ذه إش���ارة عظيم���ة من إش���ارات القرآن‪ .‬كما أش���ار إلى أن‬

‫حفاظا‬ ‫الوح���دة والتوحد ونب���ذ الفرقة والتعص���ب والعنصرية‪،‬‬ ‫ً‬

‫م���ن خل���ق اإليثار ف���ي حياة النب���ي ‪ ‬الذي كان���ت حياته كلها‬

‫على س�ل�امة المجتمع وتماس���كه‪ ،‬وس���عادة أفراده وهناءتهم‪.‬‬

‫وفي عرض متميز أثرى به الجلسة الرابعة بعنوان‪" :‬البشرية‬

‫مقتطفات من اليوم الثاني‬

‫أك���د األس���تاذ الدكت���ور "عب���د الناصر أب���و البصل" ف���ي عرضه‬

‫الشائق المش���فوع بالوس���ائل التكنولوجية الحديثة‪ ،‬أن األخوة‬ ‫الدينية واإليمانية رابطة وثيقة بين المس���لمين أينما كانوا‪ ،‬وبها‬

‫بطل���ت ث�ل�اث عصبي���ات‪ :‬النس���ب‪ ،‬والحلف‪ ،‬والوط���ن‪ .‬وأن‬

‫نم���وذج المؤاخ���اة في العصر النب���وي قد انبنى عل���ى اإليمان‪،‬‬

‫وتآلف القلوب‪ ،‬والعمل الصالح‪ ،‬والتربية النبوية‪ .‬كما ّبين أننا‬ ‫في حاجة ماس���ة إل���ى المؤاخاة في هذا العصر‪ ،‬وأننا نس���تطيع‬ ‫أن نس���تنبط من النموذج النبوي‪ ،‬بم���ا يتواكب مع روح العصر‬

‫ووفق وسائله الحديثة‪ ،‬وضرب أمثلة متعددة لذلك‪.‬‬

‫وحول خلق اإليثار في المنهاج النبوي ذكر الش���يخ "خليل‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫إعالء لهذه القيمة‪.‬‬

‫‪60‬‬

‫الحائ���رة ودور العال���م عل���ى ض���وء الس���راج النبوي"‪ ،‬تس���اءل‬ ‫الدكت���ور "محمد باباعم���ي"‪" :‬هل لدينا الج���رأة أن نتبع العالم‬ ‫المرش���د المربي؟" وبعد أن اس���تعرض مظاهر حيرة البش���رية‪،‬‬

‫وتس���اءل ع���ن المخ���رج لها م���ن تلك الحي���رة‪ ،‬أبان ف���ي ختام‬ ‫عرض���ه عن ال���دور المنوط بالعا ِل���م بقوله‪" :‬ولي���س المطلوب‬ ‫يتحدث‬ ‫العال���م أن يص���ف الدواء‪ ،‬ويكت���ب عن���ه‪ ،‬وال أن‬ ‫م���ن‬ ‫ِ‬ ‫َّ‬

‫النزول‬ ‫آخر ه���و‬ ‫ُ‬ ‫ع���ن الس���راج ويفتخر به‪ ،‬وإنم���ا عليه واجب ُ‬ ‫وحقن المري���ض بالجرعات الالزمة من الدواء‪،‬‬ ‫إل���ى األرض‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وحمل الس���راج إلى المناطق المظلمة؛ من مدرس��� ٍة‪ ،‬وجامع ٍة‪،‬‬ ‫ُ‬

‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وس���وق‪ ...‬وغيره���ا‪ .‬وهذا ما يمكن‬ ‫وبرلم���ان‪ ،‬ومخبرٍ ‪ ،‬وقنا ٍة‪،‬‬


‫الرس���ول األس���وة في تنزيل وتمثل حقيقة الوحي"‪ ،‬أن عالقة الرسول بالوحي‬ ‫عالقة اس���تمداد واس���تمرار‪ ،‬وأن نور النبي المعنوي المنبعث منه والممتد إلى‬ ‫صحابت���ه ث���م إلى ورثته م���ن الدعاة‪ ،‬على بصيرة في كل زم���ان ومكان إلى أن‬

‫يرث اهلل األرض ومن عليها‪ ،‬يش���ي بعظيم منزلته التي أش���ار إليها القرآن‪ .‬وأنه‬

‫‪ ‬م َّثل الوحي بين الناس في جميع مناحي الحياة؛ فكان قرآ ًنا يمشي بينهم‪.‬‬

‫وع���ن دع���وى ش���مولية المنهاج النب���وي وعالميت���ه وربانيته‪ ،‬وج���د فضيلة‬

‫الدكتور "عبدالرزاق قسوم" في هذه الكوكبة‪ ،‬وتلك الفسيفسائية من الحضور‬

‫التي تصنعها وحدة اإلس�ل�ام‪ ،‬بقيادة المصطفى ‪ ‬خير دليل على صدق هذه‬

‫أ‪.‬د‪ .‬علي بارداك أوغلو‪ ،‬رئيس الشؤون الدينية التركية السابق‪.‬‬

‫الدع���وى‪ .‬وأش���ار ف���ي عرضه إل���ى أن القيم الت���ي جاء بها محم���د ‪ ‬هي قيم‬ ‫عالمية‪ ،‬ألنه نبي تنطق اإلنسانية على لسانه‪ ،‬وهو أعظم مصلح‪ ،‬وكل محاولة‬

‫لإلص�ل�اح بدون���ه س���تبوء بالفش���ل‪ .‬وهذا ما أك���د عليه كثير من كت���اب الغرب‬ ‫ومفكريهم المنصفين‪ ،‬من أمثال القسيس السويسري "هانس كونج" في كتابه‬

‫"إل���ى محمد أيتها اإلنس���انية"‪ .‬ومن ثم ولكي نب���دأ بتحقيق المنهاج النبوي في‬

‫ال‪ ،‬وإش���اعة الحب في التعامل بعد‬ ‫التربي���ة‪ ،‬علينا العناية بالقدوة‬ ‫صعودا ونزو ً‬ ‫ً‬ ‫أن نخلّ���ص هذه القيمة العالية من دنس المنفعة والمصلحة‪ ،‬وتحصين الذات‬

‫بالحصانة المحمدية‪ ،‬وخاصة آفة فقد المناعة األخالقية والوطنية‪.‬‬

‫أ‪.‬د‪ .‬محمود السرطاوي‪/‬األردن‪.‬‬

‫وعزا األستاذ الدكتور "عثمان كونر" في الجلسة الثانية‪ ،‬مشكلة الفقر على‬

‫المس���توى الفردي في زماننا إلى أس���باب عديدة من أهمها‪ :‬الكس���ل والتبذير‬

‫والبخل‪ .‬ونفى أن تكون قلة الموارد‪ ،‬أو النقص في بعض النعم التي أنعم اهلل‬

‫ال من عوامل الفقر على المس���توى االجتماعي‪ ،‬وإنما‬ ‫بها على اإلنس���ان‪ ،‬عام ً‬ ‫س���وء توزيع ه���ذه الموارد‪ ،‬والظلم والج���ور في اس���تخدامها‪ ،‬وغياب العدالة‬

‫االجتماعية‪ ،‬هو الس���بب الرئيس���ي في هذا‪ ...‬واستش���هد على ذلك بقوله‪" :‬إن‬

‫م���ا تنفقه بعض الدول على إطعام الحيوان���ات وفي التجميل‪ ،‬يمكن أن يطعم‬ ‫أساس���ا من أس���س الهدي‬ ‫أفريقي���ا كله���ا"‪ .‬ثم بين أن العدالة االجتماعية كانت‬ ‫ً‬ ‫النب���وي‪ ،‬كما أن اإلس�ل�ام ق���د صاغ مجموعة من األوام���ر والنواهي تؤدي في‬

‫مجمله���ا إلى نظام اقتصادي عادل‪ ،‬كتحريم الرب���ا وفرض الزكاة والكفارات‪،‬‬ ‫والنه���ي ع���ن اإلس���راف والتبذي���ر والكس���ل‪ ،‬والحض عل���ى العم���ل واإلنتاج‬ ‫والتدبير‪ ،‬والصدقات والتبرعات‪ .‬وحول مش���كلة الجهل أش���ار الدكتور "عبد‬ ‫الحمي���د أب���و س���ليمان" األمين العام لمعهد الفكر اإلس�ل�امي‪ ،‬إل���ى أن الجهل‬

‫إذا حلت مش���كلته حلت كل المش���اكل‪ ،‬والجهل يقابله العلم الذي يؤدي إلى‬ ‫أيضا‪ .‬كما رأى‬ ‫العم���ل‪ ،‬وأي جه���ل ال يقابله علم يؤدي إلى عمل فه���و جهل ً‬

‫أن أي تغي���ر ال يس���تند إلى عقي���دة صلبة فهو فقاعة‪ ،‬وأن أه���م أنواع االقتصاد‬ ‫ف���ي عصرن���ا هو اقتصاد المعرفة‪ ،‬وذكر بعض تجارب معهد الفكر اإلس�ل�امي‬

‫ف���ي ه���ذا الصدد‪ .‬كما دعا إل���ى وجوب تغيير الخطاب من الش���دة والقهر إلى‬ ‫آم ُنوا َأ َش ُّد ُح ًّبا لهلِ ِ﴾(البقرة‪ ،)165:‬ثم‬ ‫اللين والرحمة عم ً‬ ‫﴿وا َّل ِذ َ‬ ‫ين َ‬ ‫ال بقوله تعالى‪َ :‬‬ ‫خت���م حديث���ه بقوله‪" :‬العلم لألخالق والجهل لقلة األخالق"‪ .‬وختم األس���تاذ‬

‫‪59‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫الشيخ خليل النحوي‪/‬موريتانيا‪.‬‬


‫وردة أحالت الصحراء القاحلة إلى جنان‪ ،‬أشرقي على قلبي بألوانك الساحرة‪...‬‬

‫لتكفكف���ي عيون���ي الدامعة‪ ،‬يا وردة أحال���ت الصحراء القاحلة‬ ‫آن األوان‪َ ،‬‬

‫إلى جنان‪ ...‬والوردة الحمراء في األدبيات الصوفية التركية ترمز إلى الحبيب‬

‫محمد ‪ .‬وقد رحب في مطلع كلمته بالس���ادة الحضور‪ ،‬وأعرب عن أس���فه‬ ‫ال من المجلتين العزيزتين على تنظيم‬ ‫لعدم قدرته على المش���اركة‪ ،‬كما هنأ ك ًّ‬ ‫هذه المؤتمرات العالمية‪ ،‬وتمنى لهما دوام التوفيق والنجاح‪ .‬وفي ثنايا الكلمة‬

‫أ‪.‬د‪ .‬علي جمعة‪ ،‬مفتي الديار المصرية‪.‬‬

‫بين أن مفخرة اإلنس���انية عليه أفضل الصالة والتسليم‪" :‬هو باني اإلنسانية من‬ ‫جديد‪ ،‬وال يزال‪ ،‬وسيبقى بانيا لها في كل آن؛ في ِ‬ ‫أمسها ويو ِمها وغدها‪ .‬وكما‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫وس���لوكيات‬ ‫مفاهيم ضال ًة‪،‬‬ ‫واح���دة‪،‬‬ ‫وبنفخة‬ ‫واحدة‪،‬‬ ‫ب���دل في عصره بحمل���ة‬ ‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫وانحرافات س���و ِء األخالق واألمزجة المغروسة في الطبائع من‬ ‫غير إنس���انية‪،‬‬ ‫آالف السنين‪ ،‬فسي ِ‬ ‫قدها‬ ‫يقينا وح ًّقا‪ -‬للجموع المنفلتة‬‫سمع صو َته‬ ‫ِ‬ ‫المنفرط ِع ُ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫وسيظهر قوة رسالته"‪.‬‬ ‫‪،‬‬ ‫ال‬ ‫آج‬ ‫أو‬ ‫ال‬ ‫عاج‬ ‫إن‬ ‫بضوابطه‬ ‫وسيضبطهم‬ ‫اليوم‪،‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫وف���ي المحاضرة االفتتاحية لفضيلة األس���تاذ الدكت���ور "علي جمعة" مفتي‬

‫الدي���ار المصري���ة‪ ،‬أوض���ح أن آي���ات الق���رآن الكري���م وأحاديث الس���نة النبوية‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬عبد الكريم الحصاونة‪ ،‬مفتي المملكة األردنية الهاشمية‪.‬‬

‫المطهرة‪ ،‬قد اش���تمال على أكثر من ‪ %95‬في األخالق والعقيدة‪ ،‬وأن النس���بة‬ ‫الضئيلة الباقية اشتملت على األحكام الشرعية والفقه مع أهمية الشريعة‪ ،‬وأنه‬

‫الحياة بدونها‪ ،‬مما يبين لنا المنهج الذي ينبغي أن نس���ير عليه‪ ،‬والمتمثل في‬ ‫قول���ه ‪" :‬إنم���ا بعثت ألتمم مكارم األخالق"‪ .‬وأش���ار فضيلته إلى أن تلمس‬

‫المنهج النبوي واس���تنباط الحلول التي يسميها العلماء "أمهات األبواب"‪ ،‬هو‬ ‫الس���بيل القويم في حل المش���كالت االجتماعية‪ ...‬ومن ثم فعلينا التوجه إلى‬

‫ه���ذا المنه���ج النب���وي والبحث ع���ن حلول لمش���كالتنا فيه‪ ...‬ثم أخ���ذ يتناول‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬فتحي حجازي‪/‬مصر‪.‬‬

‫بعض هذه المشكالت وسبل حلولها وفق الهدي النبوي‪ .‬كما أوضح أن كل‬

‫المؤتمرات التي عقدت من أجل البحث عن المشكالت وحلولها‪ ،‬آلت إلى‬ ‫أن المشكلة الكبرى تكمن في التربية والخلل فيها‪ .‬وختم كلمته بالدعوة إلى‬ ‫العمل الصحيح واألمل الفسيح‪ ،‬ألنه باألمل وحده فسوف نتحول إلى ظاهرة‬

‫كثيرا من أرضنا الفكرية كل عام‪.‬‬ ‫صوتية‪ ،‬وسوف نخسر ً‬

‫"في مدينة الثقافة والحضارة والعلم والعرفان‪ ،‬أرحب بكم أعزائي عشاق‬

‫الحبي���ب المصطف���ى ‪ ..."‬بهذا الوصف الحبيب إل���ى نفوس األتراك‪ ،‬وبهذا‬

‫االعت���زاز العلم���ي والعرفاني بمدينة "غازي عينتاب"‪ ،‬رحب األس���تاذ الدكتور‬ ‫د‪ .‬أحمد البوكيلي‪/‬المغرب‪.‬‬

‫"عل���ي ب���ارداك أوغلو" رئي���س هيئة الش���ؤون الدينية الس���ابق‪ ،‬بضيوفه من كل‬ ‫رب���وع األرض‪ ،‬ث���م ذكر ف���ي تقدمته للجلس���ة األول���ى التي عنون���ت بـ"عالمية‬

‫المنهج النبوي وربانيته"‪ ،‬أن المؤمن في حاجة ماسة إلى تنزيل القرآن الكريم‬ ‫وه���دي النبي ‪ ‬ف���ي قلبه‪ ،‬ومن ثم تمثله في حياته وواقعه ومس���تقبله‪ ...‬وأنه‬

‫ال حل لمش���كالتنا الحياتية واالجتماعية بدون هذا التنزل والتمثيل‪ .‬وببالغته‬ ‫المعه���ودة وبيان���ه المؤثر‪ ،‬عبر فضيلة األس���تاذ الدكتور "فتح���ي حجازي" عن‬

‫األج���واء النوراني���ة التي تحف المؤتمر‪ ،‬ثم بين في كلمته التي عنوانها‪" :‬مكانة‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫أ‪.‬د‪ .‬عبد الرزاق قسوم‪/‬الجزائر‪.‬‬

‫‪58‬‬


‫ليناقش���وا أه���م المش���كالت االجتماعي���ة الت���ي تتعرض له���ا اإلنس���انية‪ ،‬وأبرز‬

‫المحاور الحياتية التي تمس حياة المسلم في ضوء الهدي النبوي الشريف‪.‬‬

‫الفعاليات‪:‬‬ ‫مقتطفات من اليوم األول‬

‫الق���ت كلمة األس���تاذ "وحيد الدين خ���ان" العالمة الهن���دي والصوفي الداعية‬ ‫مؤثرا في قلوب السامعين والحاضرين‪،‬‬ ‫الشهير في الجلسة االفتتاحية‪ ،‬صدى ً‬ ‫ال س���يما وأنه في الس���ابعة والتس���عين من عمره‪ ...‬حيث صعد المنصة متوك ًئا‬ ‫على بعض تالمذته‪ ،‬وبلغ الناس كلمته مش���فوعة بدموعه ونبرات صوته التي‬ ‫تخنقه���ا العبرات‪ .‬وقد أع���رب في كلمته عن ضرورة استكش���اف االتجاهات‬ ‫الحديث���ة في الس���نة النبوية‪ ،‬ووجوب االرتكاز على األس���س القرآنية والنبوية‬ ‫عند التصدي لحل مشكالتنا االجتماعية‪ .‬ثم أشاد بدور تركيا ومكانتها الفريدة‬ ‫بين الشرق والغرب‪ ،‬باعتبارها نقطة ارتكاز لتنوع الحضارات والثقافات‪ ،‬مما‬ ‫يجعله���ا األق���در من أي دول���ة أخرى على نقل الرس���الة اإلس�ل�امية بصورتها‬ ‫الحضارية‪ .‬وبين س���نن الزوائد وس���نن الهدى أش���ار األس���تاذ الدكتور "محمد‬ ‫كورمز" رئيس الشؤون الدينية التركية‪ ،‬أنه في الوقت الذي نجح فيه المسلمون‬ ‫في كثير من س���نن الزوائد‪ ،‬فش���لوا في س���نن الهدى‪ ،‬ومن ثم دعا إلى وجوب‬ ‫مراجع���ة المناهج الدراس���ية في الجامعات والم���دارس‪ .‬وأكد على أن الهدي‬ ‫النب���وي لم يفتأ يواجه العلل واألمراض االجتماعية‪ ،‬وذلك بمعالجة أس���بابها‬ ‫م���ن جذورها‪ ،‬والتص���دي آلثارها ونتائجها‪ ،‬ومن أهم تلك المش���كالت التي‬ ‫ج���اء اإلس�ل�ام لحلها مش���كلة العنصرية‪ .‬ثم نح���ى بالالئمة عل���ى من يريدون‬ ‫ال في سنته السنية وهديه‬ ‫فهم اإلس�ل�ام بغير القرآن‪ ،‬أو بغير الرس���ول ‪ ،‬متمث ً‬ ‫ال بين‬ ‫وبي���ن أن مث���ل هذا الصنيع‪ ،‬من ش���أنه أن ينش���ئ‬ ‫ج���دارا فاص ً‬ ‫ً‬ ‫المب���ارك‪ّ .‬‬ ‫القرآن والرسول ‪.‬‬ ‫كما أعرب فضيلة الش���يخ الش���ريف "إبراهيم صالح الحسيني" رئيس هيئة‬ ‫اإلفتاء ورئيس المجلس اإلس�ل�امي بنيجيريا‪ ،‬عن ش���كره وتقديره النعقاد هذا‬ ‫ال كثيرة‪ ،‬فليس لها‬ ‫المؤتمر فهو "مؤتمر قد جاء في وقته‪ ،‬وعليه تعلق األمة آما ً‬ ‫ومظهرا‪ ،‬ألنه‬ ‫س���لوكا‬ ‫من منقذ س���وى ورثة األنبياء‪ ،‬الذين يتمثلون رس���ول اهلل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وك ّمل الرج���ال هم من يصطحبون‬ ‫الس���راج المني���ر‪ ،‬وهو ق���دوة بذاته وأفعاله‪ُ .‬‬ ‫حال���ه معه���م في الليل والنهار"‪ ،‬ث���م عبر عن تقديره للمربي الفاضل األس���تاذ‬ ‫ال م���ن الش���باب تربية نموذجي���ة‪ ،‬لكل من‬ ‫محم���د فت���ح اهلل كول���ن‪ ،‬لتربيت���ه جي ً‬ ‫أراد أن يعمل بقلب خالص‪ ...‬وأش���اد س���ماحة األس���تاذ الدكتور "عبد الكريم‬ ‫الحصاون���ة" مفتي المملكة األردنية الهاش���مية‪ ،‬بتركي���ز المؤتمر على الجانب‬ ‫االجتماعي في الهدي النبوي‪ ،‬ألنه الجانب األساس الذي ركز عليه اإلسالم‬ ‫في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة‪.‬‬ ‫وبه���ذا المقط���ع المترجم من قصيدة بعنوان‪" :‬وردة المدينة"‪ ،‬والتي نظمها‬ ‫فضيلة العالمة األس���تاذ محمد فتح اهلل كولن ختم كلمته‪ ،‬حيث يقول فيها‪ :‬يا‬

‫‪57‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫نوزاد صواش‪ ،‬المشرف العام على مجلة حراء‪/‬تركيا‪.‬‬

‫د‪ .‬أرجون جابان‪ ،‬رئيس تحرير مجلة يني أوميد‪/‬تركيا‪.‬‬

‫وحيد الدين خان‪ ،‬رئيس المركز اإلسالمي بـ"نيو دليهي‪/‬الهند‪.‬‬

‫أ‪.‬د‪ .‬محمد كورمز‪ ،‬رئيس الشؤون الدينية‪/‬تركيا‪.‬‬

‫إبراهيم صالح الحسيني‪ ،‬رئيس المجلس اإلسالمي‪/‬نيجيريا‪.‬‬


‫أنشطة ثقافية‬

‫صابر عبد الفتاح المشرفي*‬

‫مؤتمر‬

‫السراج النبوي ينير درب البشرية الحائرة‬ ‫الزمان‪ 6-5 :‬مايو ‪.2012‬‬

‫وتحديدا‬ ‫المكان‪ :‬في أقصى الجنوب التركي‪،‬‬ ‫ً‬

‫ف���ي مدين���ة "غ���ازي عينت���اب"؛ مس���قط رأس‬

‫العالم���ة المحدث "ب���در الدين العيني" صاح���ب كتاب "عمدة‬

‫الق���اري في ش���رح صحيح البخاري"‪ ،‬ومنش���أ كثي���ر من علماء‬ ‫الدين المشاهير‪.‬‬

‫المضيف‪ :‬الش���قيقتان "حراء" الغراء‪ ،‬و"يني أوميد" (األمل‬

‫الجدي���د)‪ ،‬ف���ي ثان���ي لق���اء يجم���ع بينهما ف���ي ه���دي النبي ‪،‬‬ ‫والرابع على مستوى المؤتمرات بشكل عام‪.‬‬

‫الضي � � ��وف‪ :‬م���ن رب���وع األرض ج���اؤوا‪ ،‬م���ن كل ح���دب‬

‫وص���وب‪ ،‬وم���ن كل ف���ج قري���ب أو عميق‪ ،‬من أكثر من س���تين‬

‫دولة توافدوا كما يتوافد الحجيج ألداء الشعائر المقدسة‪ ،‬هذا‬ ‫عن ضيوف الخارج التركي‪ ،‬وقد بلغ عددهم أكثر من ثالثمائة‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪56‬‬

‫شخصية رسمية ودينية وشعبية معتبرة‪ .‬أما عن ضيوف الداخل‬

‫الترك���ي‪ ،‬فقد تج���اوزوا األلف‪ ،‬ما بين رؤس���اء الهيئات الدينية‬ ‫الكبرى‪ ،‬وأساتذة وعمداء لكليات اإللهيات والعلوم الشرعية‪،‬‬ ‫وأئم���ة ووعاظ وزارة األوقاف والش���ؤون الدينية‪ ،‬وثلة مباركة‬

‫م���ن جهابذة وش���يوخ الم���دارس الش���رقية الديني���ة‪ ،‬إلى جانب‬ ‫شخصيات سياسية متنوعة‪ ،‬وطلبة وطالبات جامعيين‪ ،‬وشعب‬ ‫ال عن طواقم‬ ‫محب عاش���ق متيم بالحبي���ب المصطفى ‪ ،‬فض ً‬ ‫إعالمية محلية ودولية عديدة‪ .‬ومضيف هؤالء وضيفهم األكبر‬

‫الحاضر بروحه الغائب بشخصه فضيلة األستاذ العالمة محمد‬

‫فتح اهلل كولن حفظه اهلل ورعاه‪.‬‬

‫الح � � ��دث‪ :‬مؤتم���ر دول���ي عالم���ي‪ ،‬وس���ط حضور حاش���د‬

‫ومعنويات محلقة بعنوان‪" :‬الس���راج النبوي ينير درب البش���رية‬ ‫الحائ���رة"‪ ،‬اس���تنفر في���ه العلماء األج�ل�اء المدع���وون طاقتهم‪،‬‬


‫مواكب���ة أنجبت الرأس���مالية واالس���تعمار‪ -‬قد ه���دم حضارات‬ ‫أس���مى من حضارات الغ���رب‪ ،‬باعتبار عالقات اإلنس���ان فيها‬ ‫بالطبيعة وبالمجتمع وباإللهي‪ ،‬بدل أن يكون ذروة اإلنسانية"‪.‬‬ ‫ولهذا يدع���و "كارودي" إلى "حوار الحض���ارات"؛ إذ بهذا‬ ‫الحوار وحده‪ ،‬يمكن أن يولد مش���روع كوني يتسق مع اختراع‬ ‫المستقبل‪ ،‬وذلك ابتغاء أن يخترع الجميع مستقبل الجميع‪.‬‬ ‫وقبل "كارودي" قام األلماني "أوزوالد ش���بنكلز"‪ ،‬بالتبشير‬ ‫بانهي���ار الحض���ارة الغربي���ة ف���ي كتابة "انهي���ار الغ���رب"‪ ،‬الذي‬ ‫أصدره عقب الحرب العالمية األولى‪ .‬وأما "ألكسيس كاريل"‪،‬‬ ‫فيتح���دث ع���ن الحضارة الغربية المعاصرة في كتابه "اإلنس���ان‬ ‫ال‪" :‬إن الحضارة العصرية تجد نفس���ها في‬ ‫ذلك المجهول" قائ ً‬ ‫موق���ف صعب‪ ،‬ألنه���ا ال تالئمنا‪ ،‬فقد أنش���ئت دون أي معرفة‬ ‫بطبيعتن���ا الحقيقي���ة‪ ،‬إذ إنه���ا تولدت في خياالت االكتش���افات‬ ‫العلمية‪ ،‬وش���هوات الن���اس وأوهامهم ونظرياته���م ورغباتهم‪،‬‬ ‫وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا‪ ،‬إال أنها غير صالحة‬ ‫بالنسبة لحجمنا وشكلنا"‪.‬‬

‫نظرة المسلمين المعاصرين إلى الحضارة‬

‫وقد اجته���د المس���لمون المعاصرون في االهتم���ام بالحضارة‬ ‫وتقدي���م تعري���ف له���ا ومعالج���ة قضاياها‪ .‬ومن ه���ؤالء "مالك‬ ‫بن نب���ي" الذي عني بالقضايا الحضارية ومش���كالتها‪ ،‬وأصدر‬ ‫ف���ي هذا المجال سلس���لة "مش���كالت الحض���ارة"‪ .‬والحضارة‬ ‫عن���د "مالك بن نبي" تظل مرتبطة بالوحي‪ ،‬يقول في "ش���روط‬ ‫النهض���ة‪" :‬فالحض���ارة ال تظهر في أمة من األمم إال في صورة‬ ‫الوح���ي يهبط من الس���ماء‪ ،‬ويك���ون للناس ش���رعة ومنهاجًا‪...‬‬ ‫فكأنم���ا قدر لإلنس���ان أال تش���رق عليه ش���مس الحض���ارة‪ ،‬إال‬ ‫حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته األرضية"‪.‬‬ ‫منتهيا إلى أن اإلسالم‬ ‫وقد سلك "سيد قطب" هذا المنحى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫هو الحضارة‪ .‬إذ مفهوم الحضارة عنده مرتبط بالتحرر الكامل‬ ‫لق���وى اإلنس���ان وطاقته‪ ،‬وذل���ك أمر ال يتحقق إال باإلس�ل�ام‪.‬‬ ‫يقول "س���يد قط���ب"‪" :‬حين تكون الحاكمي���ة العليا في مجتمع‬ ‫هلل وحده‪ ،‬متمثلة في س���يادة الش���ريعة اإللهي���ة‪ ،‬تكون هذه هي‬ ‫وحقيقيا‬ ‫ال‬ ‫الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البش���ر‬ ‫تحررا كام ً‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫من العبودية للبشر‪ ،‬وتكون هذه هي "الحضارة اإلنسانية"‪ .‬ألن‬ ‫حضارة اإلنس���ان تقتضي قاعدة أساس���ية م���ن التحرر الحقيقي‬ ‫الكام���ل لإلنس���ان وم���ن الكرامة ل���كل فرد ف���ي المجتمع‪ ،‬وال‬ ‫ال ف���ي كل فرد‬ ‫حري���ة ف���ي الحقيق���ة وال كرام���ة لإلنس���ان ‪-‬ممث ً‬

‫م���ن أفراده‪ -‬في مجتمع بعضه أرباب يش���رعون‪ ،‬وبعضه عبيد‬ ‫يطيع���ون"‪ .‬ثم يقول‪" :‬حين تكون إنس���انية اإلنس���ان هي القيمة‬

‫العليا في مجتمع‪ ،‬وتكون الخصائص اإلنسانية فيه هي موضع‬ ‫متحضرا"‪.‬‬ ‫التكريم واالعتبار‪ ،‬يكون هذا المجتمع‬ ‫ً‬

‫وم���ن خ�ل�ال ه���ذه المفاهيم والتص���ورات ع���ن الحضارة‪،‬‬

‫تتضح المعطيات األساس���ية الكامنة وراء هذه التعاريف‪ .‬فكل‬ ‫يس���عى إليجاد الراب���ط الوثيق بين تصوره ع���ن الكون والحياة‬ ‫واإلنس���ان‪ ،‬وبي���ن ما يس���مى "الحقيقة الحضاري���ة"‪ ،‬ليصل إلى‬ ‫مغلبا عليهما‬ ‫نتيج���ة مؤداها تأكي���د حضارية‪ ،‬فكره وممارس���ته ً‬

‫الطابع الذي يريد‪.‬‬

‫اصطالحا‪ ،‬ينبغي كما يقول "محمد علي‬ ‫غير أن الحضارة‬ ‫ً‬

‫ضن���اوي"‪" :‬إن تحدد بمعزل عن األطر الفكرية طالما ارتضينا‬

‫مصطلح���ا‪ ،‬ومن هن���ا ينبغ���ي التفرقة بين‬ ‫أن تك���ون الحض���ارة‬ ‫ً‬ ‫الحضارة والمبادئ‪ .‬إن الحضارة ليس���ت المبادئ والمفاهيم‪،‬‬

‫ولكنه���ا حصيلة تطبي���ق تلك المبادئ والمفاهي���م‪ .‬إن المبادئ‬

‫مس���طورا‪ ،‬وال‬ ‫وكالما‬ ‫والمفاهي���م إذا ل���م تمارس تغ���دو ترا ًثا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يص���ح تس���ميتها "حض���ارة" حت���ى تترج���م إلى أي واق���ع يحياه‬

‫الناس ويسود المجتمع"‪.‬‬

‫ومن هنا في كتابه "مقدمات في فهم الحضارة اإلس�ل�امية"‬

‫ق���دم "محم���د عل���ي ضن���اوي" للحض���ارة التعري���ف التال���ي‪:‬‬

‫"الحضارة هي تفاعل األنشطة اإلنسانية لجماعة ما‪ ،‬في مكان‬

‫أيضا‪ ،‬ضمن مفاهيم خاصة عن الكون‬ ‫معين‪ ،‬وفي زمن معين ً‬

‫والحياة واإلنسان"‪.‬‬

‫اإلنس���ان والزمان والمكان‪ ،‬والعالقات الموحدة بين هذه‬

‫العناص���ر الثالث���ة ه���ي إذن مكون���ات الحضارة‪ .‬وق���د كان هذا‬

‫عرف‬ ‫ه���و المنه���ج الذي اتبعه "أب���و األعلى الم���ودودي" حين ّ‬ ‫الحض���ارة مطل ًق���ا بأنه���ا‪" :‬إنما هي نظام متكامل يش���مل كل ما‬ ‫لإلنس���ان من أعمال وآراء وأعمال وأخالق في حياته الفردية‬

‫أو العائلية أو االجتماعية أو االقتصادرية الساسية"‪.‬‬

‫وع���رف الحض���ارة اإلس�ل�امية تحدي��� ًدا بأن���ه‪" :‬مجموع���ة‬ ‫ّ‬

‫المناه���ج والقواني���ن الت���ي قرره���ا اهلل ‪ ‬ل���كل ه���ذه الش���ؤون‬ ‫والش���عب المختلفة لحياة اإلنس���ان"‪ ،‬وهي المعبر عنها بكلمة‬ ‫َ‬

‫"دين اإلسالم أو الحضارة اإلسالمية""‪.‬‬ ‫(*) رئيس تحرير مجلة "المشكاة" ‪ /‬المغرب‪.‬‬

‫‪55‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫تس���تنهضه للمض���ي في طريق���ه إلى فهم‬

‫"المقدم���ة" بأنه���ا‪" :‬التفن���ن ف���ي الترف‪،‬‬ ‫واس���تجادة أحوال���ه‪ ،‬والكل���ف بالصنائع‬ ‫الحياة وازدهارها‪.‬‬ ‫ح�ض��ارة الإن�س��ان تقت�ض��ي‬ ‫الت���ي تؤن���ق من أصناف���ه وس���ائر فنونه"‪.‬‬ ‫من هن���ا يرفض "ديورانت" التفس���ير‬ ‫قاع��دة �أ�سا�سي��ة م��ن التحرر‬ ‫وفي خضم التطور الذي شهدته كلمة‬ ‫ال���ذي يخرج البدو وقبائ���ل األدغال من‬ ‫إن�س��ان‬ ‫ل‬ ‫ل‬ ‫الكام��ل‬ ‫احلقيق��ي‬ ‫الحضارة‪ ،‬صارت من أشد المصطلحات‬ ‫دائ���رة الحض���ارة‪ ،‬وي���رى أن "الهمجي"‬ ‫وم��ن الكرام��ة ل��كل فرد يف‬ ‫نظ���را لتباي���ن التعاري���ف الت���ي‬ ‫تعقي���دا‪،‬‬ ‫أيضا متمدن بمعن���ى عام من معاني‬ ‫ً‬ ‫ه���و ً‬ ‫ً‬ ‫قدمها العلماء لهذه الكلمة‪ ،‬س���واء أعند‬ ‫المدني���ة‪ ،‬ألنه يعن���ي بنقل ت���راث القبيلة‬ ‫املجتمع‪ ،‬وال حرية يف احلقيقة‬ ‫الع���رب والمس���لمين أم عن���د الغربيين‪.‬‬ ‫إلى أبنائه‪ ،‬وما تراث القبيلة إال مجموعة‬ ‫وال كرام��ة للإن�س��ان ‪-‬ممث� ً‬ ‫لا‬ ‫ال في الغرب لكلمتين‬ ‫ب���ل إننا نجد تداو ً‬ ‫األنظمة والعادات االقتصادية والسياسية‬ ‫يف كل ف��رد من �أف��راده‪ -‬يف‬ ‫تتقاط���ع دالالتهم���ا أحيانً���ا‪ ،‬وهات���ان‬ ‫والعقلي���ة والخلقي���ة الت���ي هذبته���ا أثناء‬ ‫جمتمع بع�ضه �أرباب ي�رشعون‪،‬‬ ‫الكلمت���ان هم���ا "‪،"Civilisation" "Culture‬‬ ‫جهاده���ا‪ ،‬في س���بيل االحتف���اظ بحياتها‬ ‫يطيعون‪.‬‬ ‫عبيد‬ ‫وبع�ضه‬ ‫في حين تشيع عند العرب كلمات ثالث‬ ‫على هذه األرض‪.‬‬ ‫ه���ي "الحضارة" و"المدني���ة" و"الثقافة"‪.‬‬ ‫‪ -3‬وذهب فريق من العقالنيين إلى‬ ‫وق���د كان لعلم���اء األنتروبولوجي���ا‬ ‫أن الحضارة مرادفة للعقل نفسه‪ ،‬إذ هي‬ ‫المعاصري���ن دور ف���ي تداول ه���ذه الكلمة األخي���رة وإعطائها في أحس���ن األحوال ثمرات العقل‪ ،‬في حين قال آخرون‪ :‬إن‬ ‫داللة شمولية‪.‬‬ ‫الحضارة هي االقتصاد‪.‬‬ ‫وتعري���ف الحضارة عند "وليم هاولز"‪ ،‬هي كل ما يس���اعد‬

‫نظرة الغرب إلى الحضارة‬

‫مقياسا لمستوى اإلدراك وعنوا ًنا على‬ ‫وإذا كان مفهوم الحضارة‬ ‫ً‬ ‫معطيات األمم والشعوب‪ ،‬فإننا نجد جملة من التعاريف منها‪:‬‬ ‫‪ -1‬أول���ى التعاري���ف تجع���ل الحض���ارة مرادف���ة لمصطلح‬ ‫المدني���ة؛ فالحض���ارة مدنية‪ ،‬والمدنية حض���ارة‪ .‬ومن هنا‪ ،‬فإن‬ ‫أولئ���ك المتخلفين ع���ن أنماط الحياة المدنية من بدوٍ أو قبائل‬ ‫م���ن األدغ���ال‪ ،‬غير متحضري���ن وإن يكن عندهم مس���توى من‬ ‫فكر أو سلوك‪.‬‬ ‫وأصح���اب ه���ذا ال���رأي ينظ���رون إل���ى االش���تقاق اللغوي‬ ‫لكلم���ة "‪"Civilisation‬؛ فهذه الكلمة مش���تقة من الكلمة الالتينية‬ ‫"‪ ،"Civilis‬أي المدن���ي أو المواط���ن في المدينة‪ ،‬ثم اس���تعملت‬ ‫مجازا لتدل على عملية اكتس���اب الصفات المحمودة‪ ،‬لتتطور‬ ‫ً‬ ‫بع���د ذلك وتصبح معبرة عن حالة الرقي والتقدم لدى األفراد‬ ‫والجماعات‪ .‬والمدنية أو الحضارة بهذا المعنى‪ ،‬هي الخروج‬ ‫من الحالة البدائية إلى حالة التمدن‪.‬‬ ‫‪ -2‬وي���روي "ول ديوران���ت" صاحب "قصة الحضارة"‪ ،‬أن‬ ‫الحضارة نظام اجتماعي يعين اإلنسان على الزيادة في إنتاجه‬ ‫الثقاف���ي‪ ،‬وهي تبدأ حيث ينتهي االضط���راب والقلق‪ ،‬ألنه إذا‬ ‫ما أمن اإلنس���ان من الخوف‪ ،‬تحررت في نفس���ه دوافع التطلع‬ ‫وعوامل اإلبداع واإلنش���اء‪ ،‬وبعدئذ ال تنفك الحوافز الطبيعية‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪54‬‬

‫اإلنسان على تحقيق إنسانيته‪.‬‬

‫‪ -4‬وربط "أرنولد توينبي" الحضارة بالكنيسة الكاثوليكية‪،‬‬

‫مدعي���ا أن الحض���ارة الغربي���ة ه���ي وحده���ا الت���ي تحافظ على‬ ‫ً‬

‫"الشرارة اإللهية الخالقة"‪ ،‬وهي وحدها القادرة على أن تؤول‬ ‫إل���ى ما آلت إليه س���ابقاتها‪ .‬وقد حدد معال���م الحضارة بقوله‪:‬‬

‫"إنها حصيلة عمل اإلنس���ان ف���ي الحقل االجتماعي والثقافي‪،‬‬ ‫وه���ي حركة صاعدة‪ ،‬وليس���ت وقائع ثابتة وجامدة‪ ،‬إنها رحلة‬ ‫حياتية مستمرة ال تقف عند مينائها‪.‬‬

‫ويخالف "رجاء كارودي" ما ذهب إليه "توينبي" عن خلود‬

‫الحض���ارة الغربي���ة المس���يحية ف���ي كتابه "ح���وار الحضارات"‪،‬‬

‫ويؤكد أطروحته تلك ويزيدها بيا ًنا في كتابه "وعود اإلسالم"‪.‬‬ ‫فهو يبدأ بهذه المصادرة = الغرب عرض طارئ‪.‬‬

‫ال‪" :‬وأن���ا أطلق عبارة‬ ‫ويتح���دث عن الحض���ارة الغربية قائ ً‬

‫"الش���ر األبي���ض" على هذا الجانب من الدور المش���ؤوم الذي‬ ‫نهض به اإلنسان األبيض في التاريخ‪.‬‬

‫وإذا تجردن���ا ع���ن الحك���م العرق���ي المس���بق القائ���ل بتميز‬

‫اإلنس���ان األبي���ض‪ ،‬وجدن���ا أن مناب���ع الغ���رب (اإلغريقي���ة‬ ‫والروماني���ة والمس���يحية) إنم���ا ولدت في آس���يا وإفريقية‪ .‬وأن‬

‫عص���ر النهض���ة ‪-‬وهو ليس حرك���ة ثقافية وحس���ب‪ ،‬بل والدة‬


‫ثقافة وفن‬

‫أ‪.‬د‪ .‬حسن األمراني*‬

‫حول مفهوم الحضارة‬ ‫إن كل خطاب ال يحدد مصطلحاته بدقة‪ ،‬رهين‬ ‫بأن يصاب بالتشويش وعدم الدقة في اإلبالغ‪.‬‬

‫وم���ا يقع أحيا ًن���ا من اضطراب ف���ي التواصل‪،‬‬

‫م���رده ف���ي معظم األحي���ان إلى ع���دم الرؤية الموح���دة للداللة‬ ‫ّ‬

‫لزام���ا على كل خط���اب يهدف‬ ‫المصطلحي���ة‪ .‬وم���ن هن���ا صار ً‬

‫إلى الوضوح في اإلبالغ وتح��يق الغاية‪ ،‬أن تتس���م مصطلحاته‬ ‫بتحدي���دات دقيق���ة مصون���ة عن المج���از كما يق���ول المناطقة‪.‬‬

‫والحاضر‪ :‬خالف البادي‪ .‬وفي الحديث‪ :‬ال يبيع حاضر لبادٍ‪،‬‬

‫الحاض���ر‪ :‬المقيم في الم���دن والقرى‪ ،‬والبادي المقيم بالبادية‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫والحضارة بكس���ر الحاء‪ :‬اإلقامة ف���ي الحضر‪ ،‬عن "أبي زيد"‪.‬‬

‫وكان "األصمع���ي" يق���ول‪ :‬الحضارة بالفتح‪ .‬ق���ال "القطامي"‪:‬‬ ‫فمن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا‪.‬‬

‫محص���ورا ف���ي داللت���ه اللغوي���ة‬ ‫ولك���ن اللف���ظ ل���م يب���ق‬ ‫ً‬ ‫األول���ى‪ ،‬ب���ل أص���اب من التط���ور ما جعل���ه ينتقل م���ن الداللة‬

‫وأول م���ا يواجهن���ا ‪-‬ف���ي مقالن���ا ه���ذا‪ -‬م���ن مصطلحات‪،‬‬

‫اللغوي���ة إل���ى الدالل���ة االصطالحي���ة الواس���عة‪ .‬وق���د كان "ابن‬

‫الب���داوة‪ .‬فج���اء ف���ي لس���ان الع���رب‪ :‬الحض���ر‪ :‬خ�ل�اف البدو‪،‬‬

‫حي���ن جع���ل الحض���ارة "غاية للب���داوة"‪ .‬وع���رف الحضارة في‬

‫مصطل���ح الحض���ارة‪ .‬تجعل المعاجم العربي���ة الحضارة مقابل‬

‫خل���دون"‪ ،‬م���ن الذي���ن نقل���وا الكلم���ة م���ن مج���ال إل���ى مجال‬


‫شعر‬

‫صالح الزهراني*‬

‫من تضاريس الجالل‬ ‫منظر‬ ‫ل � � ��م يَ ْح ُل ل � � ��ي من بعد وجه � � ��ك ُ‬ ‫أيام � � ��ه‬ ‫ط � � ��ال الزم � � � ُ‬ ‫�ان‪ ،‬فقص � � ��رت ُ‬ ‫آت � � ��ي إلي � � ��ك يل ّفن � � ��ي حب � � � ُ�ل األس � � ��ى‬ ‫فأط � � � ُ‬ ‫�تحيل قصيد ًة‬ ‫�وف حول � � ��ك‪ ،‬أس � � � ُ‬ ‫قديم� � � � ُه‪ ،‬وجدي� � � � ُد ُه‬ ‫يُط � � ��وى الزم � � � ُ‬ ‫�ان ُ‬ ‫ف � � ��أرى النب � � � َّ�ي جالل� � � �ةً‪ ،‬ومهاب� � � � ًة‬ ‫وب� �ل � ُ‬ ‫�اح نش � � ��ي َد ُه‬ ‫�ال يعل � � � ُ�ن للبط � � � ِ‬ ‫فته � � � ُّ‬ ‫�ش مك� � � � ُة للنش � � ��ي ِد يش � � � ُّ�دها‬ ‫وأظ � � � ُّ�ل أق� � � �رأُ ف � � ��ي ش � � ��موخك لوح� � � � ًة‬ ‫الصبا‬ ‫ش � � ��اخ‬ ‫الزمان‪ ،‬وأنت ف � � ��ي ُح ِ‬ ‫ُ‬ ‫لل ّ‬ ‫نه � � � ُ�ر البي � � ��اض إل � � ��ى يدي � � ��ك مصبُّ� � � � ُه‬ ‫ِ‬ ‫األحباب وهي مش � � ��وق ٌة‬ ‫�ت خطى‬ ‫تعب � � � ْ‬ ‫تغش � � ��اك م � � ��ن ُح َل � � � ِ�ل الس � � ��وا ِد مهاب ٌة‬ ‫ُّ‬ ‫تحتفه � � ��ا‬ ‫فكأنّ � � ��ك العي � � ��ن الت � � ��ي‬ ‫أثواب ال ُهدى‬ ‫ِق َط ُع ُّ‬ ‫الرخامِ‪ ،‬الصب � � � ُ�ح‪ُ ،‬‬ ‫�وت الم � � � ِّ‬ ‫�ؤذ ِن والقنادي � � � ُ�ل الت � � ��ي‬ ‫ص��� ُ‬ ‫م � � ��ن مقلتي � � ��ك يه � � � ُّ�ل ُم� � � � ْز ُن عقي � � ��د ٍة‬ ‫�موخ ِّ‬ ‫محل � � � ٌ�ق‬ ‫وعل � � ��ى مآذن � � ��ك الش � � � ُ‬ ‫س � � � ُّ‬ ‫�تظل ف � � ��ي العيني � � ��ن أبه � � ��ى صورة‬ ‫قصروا‬ ‫�ذر ُ‬ ‫بعض من ق � � ��د ّ‬ ‫ويظ � � � ُّ�ل ُ�ي ْع � � � ُ‬

‫كل ُّ‬ ‫الجوهر‬ ‫ض‪ ،‬وأن � � ��ت‬ ‫الدن � � ��ا َع � � � َ�ر ٌ‬ ‫ُ‬ ‫كل ط � � � ٍ‬ ‫ْص � � � ُ�ر‬ ‫وأم � � ��ام وج ِه � � ��ك ّ‬ ‫�ول يق ُ‬ ‫ومدامع � � ��ي م � � ��ن ُحرقت � � ��ي تتح� � � � ّد ُر‬ ‫ف � � ��ي كل أُ ْف � � � ٍ�ق للروائ� � � � ِع تبح � � � ُ�ر‬ ‫�وح م � � ��ن كل الجه � � � ِ‬ ‫�ات األ ْع ُص ُر‬ ‫فتل � � � ُ‬ ‫وأرى المب � � ��ادئ ُك ّل ي � � ��وم ُ�ت ْن َص � � � ُ�ر‬ ‫اهللُ م � � ��ن كل الخالئ � � � ِ�ق أكب � � � ُ�ر‬ ‫ُط ْه � � � ُ�ر ال � � ��كال ِم ومس � � ��تواه المبه � � � ُ�ر‬ ‫أبعا ُده � � ��ا مث � � � ُ�ل التُّق � � ��ى ال تُ ْح َص � � � ُ�ر‬ ‫تزه � � ��و ف� �ل ��ا تبل � � ��ى‪ ،‬وال تتغيّ � � ��ر‬ ‫بالح� � � �بِّ والش � � ��وق المغ � � � ّ�رر يزخ � � � ُ�ر‬ ‫تف�ت � � � ُ�ر‬ ‫ووقف � � � َ‬ ‫�ب ركبَه � � ��م ال ُ‬ ‫�ت ترق � � � ُ‬ ‫ِ‬ ‫�حر‬ ‫لغ ٌة م � � ��ن النم � � � ِ�ط المحكك تس � � � ُ‬ ‫أهدابُه � � ��ا‪ ،‬وجب � � � ُ‬ ‫�ال مك� � � � َة ِم ْحج � � � ُ�ر‬ ‫ِ‬ ‫�ام‪ ،‬المنب � � � ُ�ر‬ ‫�زم‪ ،‬المق � � � ُ‬ ‫الح ْج � � � ُ�ر‪ ،‬زم � � � ُ‬ ‫خش � � � َ�ع ْت ُّ‬ ‫أك ُف ُه � � � ُ�م إذا م � � ��ا كبَّ � � ��روا‬ ‫طي � � � ُ�ن القل � � � ِ‬ ‫�وب ب � � ��ه ن � � � ٌّ‬ ‫�دي مث ِم � � � ُ�ر‬ ‫والمج� � � � ُد من أط� � � �ر ِ‬ ‫ظفر‬ ‫اف ثوبِ � � ��ك يُ ُ‬ ‫�اء ِ‬ ‫ِق بالضي � � � ِ‬ ‫ف � � ��ي القل� � � � ِ‬ ‫ب ت � � ��ور ُ‬ ‫وتزه ُر‬ ‫بعضن � � ��ا ال ُ�ي ْع� � � � َذ ُر‬ ‫يقص � � � ُ�ر ُ‬ ‫ومت � � ��ى ّ‬ ‫(*) شاعر من المملكة العربية السعودية‪.‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪52‬‬


‫المسجونون إلى أهلهم ويتفرغوا إلعالتهم‪ ،‬وقد سمت الوثيقة‬ ‫هذا الوقف بـ"خالص المسجونين"‪.‬‬

‫الوقف على إفطار الصائمين الفقراء وسحورهم‬

‫الخير إلى مثل هذا"‪.‬‬

‫الوقف على من يقرأ القرآن عن الميت عند قبره‬ ‫فقد وقف أحد الملوك ‪-‬رغبة في الثواب الدائم‪ -‬أوقا ًفا عظيمة‬

‫كان المل���ك "الظاه���ر بيبرس" يرتب ف���ي أول رمضان بـ"مصر"‬ ‫و"القاه���رة" مطاب���خ ألن���واع األطعم���ة‪ ،‬تف���رق عل���ى الفق���راء‬ ‫والمس���اكين‪ .‬ولم���ا مل���ك "األش���رف" (ت ‪635‬هـ) "دمش���ق"‪،‬‬ ‫كان���ت القلعة ال تغلق في ليالي ش���هر رمضان كلها‪ ،‬وصحون‬ ‫الح�ل�اوات خارج���ة منه���ا إل���ى الجام���ع والخوان���ق والرب���ط‬ ‫والصالحية‪ ،‬وإلى الصالحين والفقراء والرؤساء وغيرهم‪.‬‬

‫انتش���ر ه���ذا الوقف في معظم البالد اإلس�ل�امية‪ ،‬وأم المؤمنين‬

‫الوقف على الحج عن الغير‬

‫حفصة (ت ‪45‬هـ) رضي اهلل عنها‪ ،‬هي أول من وقف مثل هذا‬

‫على من يقرؤون س���بع الق���رآن كل يوم عند قبره‪ .‬ووقف أحد‬

‫ذوي اليس���ار وق ًفا على من ال يحفظ ويقرأ من س���ورة الكوثر‬ ‫إلى الخاتمة عند قبره‪.‬‬

‫الوقف على إعارة الحلي‬

‫حليا بعش���رين أل ًفا ووقفته على نس���اء آل‬ ‫الوقف‪ .‬فقد ابتاعت ًّ‬

‫من أمثلة هذا الوقف أن "بدر بن حسنويه" كان يصرف في كل‬ ‫سنة ألف دينار لعشرين نفس‪ ،‬يحجون عن والدته وعن عضد‬ ‫الدولة‪ ،‬ألنه كان السبب في تمليكه‪.‬‬

‫األغنياء الذين ال ينقصهم شيء مما يحتاجه العرس‪.‬‬

‫الوقف على حراسة األماكن المخوفة‬

‫وقف الضيفان‬

‫وه���ذا م���ن فرائ���د األوقاف‪ .‬فق���د رتب "ن���ور الدي���ن محمود"‬ ‫حرص���ا وخو ًفا عل���ى رعيته‪،‬‬ ‫الخف���راء ف���ي األماك���ن المخوف���ة‬ ‫ً‬ ‫وتأمي ًنا لهم على أنفسهم ومتاعهم‪ ،‬بل وزيادة في حرصه على‬ ‫رعيت���ه وس�ل�امتها‪ ،‬جع���ل في تل���ك األماكن المخوف���ة الحمام‬ ‫اله���وادي الت���ي تطلعه على األخبار في أس���رع مدة حتى يكون‬ ‫في موقع األحداث ‪-‬إذا حدث ش���يء‪ -‬بعد وقوعها مباش���رة‪،‬‬ ‫بل إنه ربما أتى ‪-‬أو أتى بعض رجاالته‪ -‬في أثنائها‪.‬‬ ‫س���م ْت مشاعر القوم وأحاسيس���هم ومسؤولياتهم‪،‬‬ ‫وهكذا َ‬ ‫فما أحلى أن نربي مش���اعرنا وأحاسيسنا ومسؤولياتنا‪ ،‬ونسمو‬ ‫بها حتى نسمو نحن اآلخرين فتسمو الدنيا كلها بنا‪.‬‬

‫وقف األواني‬

‫أيضا من ن���وادر األوقاف وفرائده���ا‪ .‬يقول "ابن‬ ‫وه���ذا الوقف ً‬ ‫يوما ببعض أزقة "دمش���ق"‪ ،‬فرأيت‬ ‫بطوطة" في رحلته‪" :‬مررت ً‬ ‫صغي���را ق���د س���قطت من ي���ده صحفة م���ن الفخار‬ ‫ممل���وكا‬ ‫ب���ه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الصين���ي ‪-‬وهم يس���مونها الصح���ن‪ -‬فتكس���رت واجتمع عليه‬ ‫الناس‪ .‬فقال له بعضهم‪ :‬اجمع شقفها واحملها معك لصاحب‬ ‫أوق���اف األواني‪ .‬فجمعها وذهب الرجل مع���ه إليه‪ ،‬فأراه إياها‬ ‫فدف���ع ل���ه ما اش���ترى به مثل ذل���ك الصحن‪ .‬وهذا من أحس���ن‬ ‫األعمال؛ فإن س���يد الغالم البد أن يضربه على كس���ر الصحن‬ ‫أيضا يكس���ر قلبه ويتغير ألجل ذلك‪ ،‬فكان هذا‬ ‫أو ينهره‪ ،‬وهو ً‬ ‫خيرا من تس���امت همته في‬ ‫الوق���ف‬ ‫جب���را للقلوب‪ .‬ج���زى اهلل ً‬ ‫ً‬

‫الخطاب‪ .‬وبهذا الوقف يظهر الفقراء في أعراس���هم في صورة‬

‫دارا‬ ‫يقول "محمد كرد علي" (ت ‪1372‬هـ)‪ :‬إن أول من اتخذ ً‬

‫للضياف���ة "الوليد ب���ن عبد الملك"‪ ،‬ثم انتش���رت بعد ذلك دور‬ ‫الضيافة في أرجاء الدولة اإلسالمية‪ ،‬حتى كانت بعض المدن‬ ‫مألى بدور الضيافة‪ .‬فقد ذكر "ابن كثير" أن الخليفة العباس���ي‬ ‫"المستنصر باهلل" أنشأ بكل محلة من محال "بغداد" دار ضيافة‬ ‫للفقراء‪ ،‬ال سيما في شهر رمضان‪.‬‬ ‫دارا للضياف���ة في "إربل"‪،‬‬ ‫وبن���ى "مظفر الدين كوكب���وري" ً‬

‫وفتح أبوابها لكل وافد إلى "إربل" ولكل عابر سبيل يقيم فيها‬ ‫ما شاء له أن يقيم‪ ،‬يتناول فيها طعامه وشرابه بال مقابل‪ ،‬حتى‬ ‫كان عصره أبهى عصور مدينة "إربل" وأزهاها‪ .‬وألحق "مظفر‬ ‫الدين" بال���دار المطابخ إلعداد األطعمة واألش���ربة للضيوف‪،‬‬ ‫سنويا تنفق لهذا الغرض‪ .‬فكان‬ ‫وخصص للدار مائة ألف دينار‬ ‫ًّ‬

‫كل واف���د يقيم في الدار ما ش���اء ل���ه أن يقيم‪ ،‬فكان يجد األمن‬ ‫والطمأنينة على نفس���ه وماله‪ .‬ول���م يكتف "مظفر الدين" بهذا‪،‬‬ ‫وإنما كان يدفع لكل ضيف فقير يعزم على مغادرة "إربل" نفقة‬ ‫لسفره‪ ،‬كل حسب احتياجاته‪ ،‬وكان ‪-‬رحمه اهلل‪ -‬ينفق كل عام‬ ‫عشرة آالف دينار على السبيل‪.‬‬ ‫(*) محقق تراث ‪ /‬مصر‪.‬‬

‫‪51‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫المحس���ن ه���ذه ال���دار ألولئ���ك النس���وة‪،‬‬ ‫الواق���ف‬ ‫و َق���ف‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫خرج من الحمام يعتق نس���مة‪ .‬والرسول ‪ ‬كانت آخر وصاته‬

‫إلى أن تنصلح الحال وتعود ربة البيت إلى بيتها وزوجها‪ .‬فما‬

‫روى اب���ن ماجة بس���نده عن أنس ب���ن مالك ‪ ‬قال‪ :‬كانت‬

‫ووظ���ف لها نس���اء يقمن فيها عل���ى رعاية النس���وة الغاضبات‪،‬‬

‫ال���ذي ي���دل عليه هذا الوق���ف اللطيف غير "التفن���ن" في رعاية‬ ‫المحرومين والتماس شوارد السعادة لكل الناس‪ ،‬فحتى الزوجة‬

‫ناصرا‪.‬‬ ‫الغاضبة من زوجها وجدت لها في أوقاف المس���لمين‬ ‫ً‬

‫ال وأوفر حرية‬ ‫فأي���ن المرأة الغربية اليوم؟! أهي أس�����عد ح���ا ً‬

‫م���ن المرأة المس���لمة في جو اإلس�ل�ام القدي���م والحديث؟ أال‬ ‫تدل "دار الدقة المراكش���ية" هذه على نصرة المجتمع المس���لم‬

‫للمرأة حتى آخر المدى‪.‬‬

‫الوقف على األرامل الفقيرات وإقامة دور لهن‬

‫الوصاة باإلماء والعبيد‪.‬‬

‫عام���ة وصي���ة رس���ول اهلل ‪ ‬حي���ن حضرته الوفاة وه���و يغرغر‬

‫بنفسه‪" :‬الصالة وما ملكت أيمانكم"‪ .‬فما أوفى العبيد واإلماء‬ ‫حظًّ ا حين تكون الوصاة بهم آخر كالم النبي ‪.‬‬

‫وقف األسبلة‬

‫من المنش���آت االجتماعية التي ازدهرت بازدهار األوقاف إلى‬

‫حد كبير األس���بلة‪ ،‬وكان الغرض من الس���بيل تيس���ير الحصول‬ ‫على ماء الش���رب‪ .‬وقد عني الس�ل�اطين بإنش���اء أس���بلة للناس‬ ‫والحيوان���ات في مختلف المواضع‪" .‬وجرت العادة بأن يلحق‬

‫الي���د العلي���ا في هذا الوقف‪ ،‬حي���ث كان "بدر بن‬ ‫وكان لل���والة ُ‬

‫الس���بيل بالمس���جد‪ ،‬وأن يكون فوقه في الغالب مكتب لتعليم‬

‫على الفقراء واألرامل‪.‬‬

‫من المهام الش���اقة‪ ،‬لذلك أصبح تس���بيل الماء العذب وتسهيل‬

‫حس���نويه" (ت ‪405‬هـ) يصرف كل أسبوع عشرين ألف درهم‬

‫األيتام‪ .‬وفي العصور الماضية كان الحصول على المياه العذبة‬

‫دارا لألرام���ل الفقيرات‪،‬‬ ‫وبن���ى "مظف���ر الدين كوكب���وري" ً‬

‫الحصول عليه من وجوه البر التي يعني بها الواقفون‪ ،‬ويقفون‬

‫أق���ارب‪ ،‬حي���ث أع���د ال���دار ب���كل م���ا يحتج���ن إليه م���ن مأكل‬

‫أيضا أنش���أ الواقف���ون الصهاريج لملئه���ا بالماء المنقول‪.‬‬ ‫ذلك ً‬

‫عما يحتجن إليه‪ ،‬فكان يأمر بتلبية ما ينقصهن واستكماله‪.‬‬

‫من ريع الوقف المذكور فيه في كلفة نقل ماء عذب من النيل‬

‫الالت���ي يتوف���ى عنهن أزواجه���ن‪ ،‬وليس لهن م���ن يعولهن من‬

‫عل���ى اس���تمرار أداء خدماته���ا العقارات المختلف���ة‪ .‬ومن أجل‬

‫ومش���رب وملبس‪ .‬وكان يتعهدهن بنفس���ه‪ ،‬فيزورهن ويسألهن‬

‫فتن���ص وثيقة وقف "األمير صرغتمش" على أن يصرف الناظر‬

‫الوقف على تكفين الموتى‬

‫المب���ارك ف���ي كل ي���وم إل���ى المزملة المذكورة‪ ،‬برس���م ش���رب‬

‫كان "بدر بن حس���نويه" ينفق كل ش���هر عشرين ألف درهم في‬

‫تكفي���ن الموتى‪ .‬وكف���ن الملك العادل "أبو بكر بن أيوب" (ت‬ ‫‪615‬هـ) مائة ألف إنسان من الغرباء والفقراء‪ ،‬وذلك في السنة‬ ‫التالية لس���نة الغ�ل�اء بـ"مصر"‪ .‬ووقف المل���ك "الظاهر بيبرس"‬

‫وق ًفا على تكفين أموات الغرباء بـ"القاهرة" و"مصر"‪ .‬ولما كان‬ ‫الطاعون بـ"بالد الش���ام" س���نة (‪749‬هـ)‪ ،‬كث���رت الموتى‪ ،‬وزاد‬

‫جدا‪ ،‬فتضرر الناس وال س���يما الصعاليك‪ ،‬فإنه‬ ‫ضمان الموتى ًّ‬ ‫جدا‪ ،‬فرسم نائب السلطنة بإبطال‬ ‫يؤخذ على الميت شيء كثير ًّ‬

‫نعوش���ا كثيرة‬ ‫ضمان النعوش والمغس���لين والحمالين‪ ،‬ووقف‬ ‫ً‬ ‫في أرجاء البلد‪.‬‬

‫المقيمين بالمدرسة المذكورة والواردين إليها‪ ،‬من ثمن ِجمال‬

‫ينقلون عليها الماء وأجرة عمالين عليها‪.‬‬

‫وق���د قام بتس���بيل الماء في الس���بيل المزمالتي الذي يؤدي‬

‫عمل���ه ف���ي األوق���ات المح���ددة ف���ي األي���ام العادية وفي ش���هر‬

‫رمض���ان‪ ،‬وكانت بعض األس���بلة ال تفت���ح إال بين صالة الظهر‬ ‫والعصر في وقت الحر الشديد‪ .‬وتمتعت هذه األسبلة بأوقاف‬

‫وكثيرا ما اش���ترط الواقفون في المزمالتي‬ ‫لإلنفاق عليها منها‪،‬‬ ‫ً‬

‫سالما من العاهات‬ ‫شروطً ا جسمية وخلقية خاصة‪ ،‬كأن يكون‬ ‫ً‬ ‫واألم���راض وبخاص���ة الجذام‪ ،‬كما اش���ترطوا أن يس���هل على‬

‫الن���اس ويعاملهم بالحس���نى والرف���ق‪ ،‬ليكون أبل���غ في إدخال‬ ‫الراحة على الواردين صدقة دائمة وحسنة مستمرة‪.‬‬

‫الوقف على عتق الرقاب‬

‫وه���ذا الوقف م���ن األهداف االجتماعي���ة الجليلة لألوقاف؛ إذ‬

‫الوقف على إخراج من حبسه القاضي من المقلين‬

‫ف���ي ظل اإلس�ل�ام‪ ،‬وقد وقفت أموال كثي���رة ألجل ذلك‪ .‬ومن‬

‫السجناء الفقراء من الحبس‪ .‬فقد نصت وثيقة "وقف السلطان‬

‫ال يخف���ى أثره عل���ى المجتمع كله‪ .‬ولقد أعتق كثيرون رقيقهم‬ ‫عجائ���ب ه���ذا األمر أن "روح بن زنب���اع" (ت ‪84‬هـ) كان كلما‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪50‬‬

‫م���ن وجوه البر والقربات التي تناف���س فيها الواقفون‪ ،‬تخليص‬ ‫حس���ن" (ت ‪762‬ه���ـ) عل���ى ه���ذا اله���دف النبيل‪ ،‬حت���ى يرجع‬


‫لألوق���اف أثر كبير في ش���تى مجاالت الحياة‪،‬‬

‫أول م���ن أجرى الماء إلى "جب���ل عرفات" ليلة الوقوف‪ ،‬وغرم‬

‫واألحاس���يس اإلنس���انية‪ .‬ومن آثار األوقاف‪،‬‬

‫الحجاج يتضررون من عدم الماء‪.‬‬

‫وأث���ر كبي���ر ‪-‬كذل���ك‪ -‬ف���ي تنمي���ة المش���اعر‬

‫علي���ه جمل���ة كثي���رة‪ ،‬وعمر بالجب���ل مصانع للم���اء‪ ،‬حيث كان‬

‫ذل���ك األث���ر الجلي���ل الذي ش���مل طبق���ات المجتمع المس���لم‬

‫وقف الدور والخانات على أبناء السبيل والفقراء‬

‫ف���ي تن���وع األش���ياء الموقوف���ة وتنوع أغ���راض واقفيه���ا‪ .‬وفيما‬

‫فيها ما ش���اؤوا أن يقيموا‪ ،‬مع إس���باغ النفقات وإجراء األرزاق‬

‫أفراده الخي���ر لغيرهم‪ ،‬ويحتس���بون ما يقفونه‬ ‫متماس���ك يحب‬ ‫ُ‬

‫وقد انتش���رت دور الضياف���ات والخانات في أرجاء الدولة‬

‫وتقدي���ر للمس���ؤولية الملقاة على عاتقهم تجاه غير المس���تطيع‬

‫بيبرس" بـ"القدس"‪ ،‬ووقف عليه أوقا ًفا للنازلين به من إصالح‬

‫الوقف على رعاية األيتام واللقطاء وكفالتهم‬

‫الوقف على تزويج األيتام والفقراء والجواري‬

‫كله���ا‪ ،‬أال وهو األثر االجتماعي ال���ذي ظهرت صوره الكثيرة‬

‫وذلك تخفي ًفا عليهم من مشقة الطريق ووعثاء السفر‪ ،‬يقيمون‬

‫يأت���ي‪ ،‬م���ا وقفت عليه من تلك الص���ور التي تدل على مجتمع‬

‫عليهم من غذاء وكساء وصالت ما داموا مقيمين بها‪.‬‬

‫عند اهلل س���بحانه‪ ،‬وتدل في الوقت نفسه على إحساس رهيف‬

‫اإلسالمية‪ ،‬ومن هذه الخانات ذلك الخان الذي عمره "الظاهر‬

‫من المجتمع المسلم‪.‬‬

‫نِعالهم وأكلهم وغير ذلك‪ ،‬وبنى به طاحو ًنا وفر ًنا‪.‬‬

‫رتب "الظاهر بيبرس" (ت ‪676‬هـ) أليتام األجناد ما يقوم بهم‬

‫وهذه األوقاف (أوقاف التزويج) كانت ‪-‬كغيرها‪ -‬منتش���رة في‬

‫ملج���أ لألطف���ال األيت���ام ‪-‬بنين وبن���ات‪ -‬الذين فق���دوا آباءهم‬

‫ف���ي رحلته حين نزل "دمش���ق" فقال‪" :‬واألوقاف بـ"دمش���ق" ال‬

‫ومفاس���ده‪ ،‬وزود الملج���أ بكل ما يحتاج���ون إليه من مقومات‬

‫ع���ن الح���ج يعطى لمن يحج ع���ن الرجل منه���م كفايته‪ ،‬ومنها‬

‫رغ���م كثرتهم‪ .‬وأنش���أ "مظفر الدي���ن كوكب���وري" (ت ‪630‬هـ)‬

‫أرجاء الدولة اإلسالمية‪ .‬وقد ذكرها "ابن بطوطة" (ت ‪779‬هـ)‬

‫ومن ال عائل لهم‪ ،‬فحفظهم بذلك من خطر التشرد‬ ‫وأمهاتهم‪َ ،‬‬

‫تحص���ر أنواعها ومصارفه���ا لكثرتها‪ ،‬فمنها أوق���اف للعاجزين‬

‫الحي���اة‪ ،‬كما عين فيه المش���رفات على تربيتهم‪ ،‬وكان يزورهم‬

‫أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن وهن اللواتي ال قدرة‬

‫للقط���اء ملج���أ زوده بالمرضع���ات‪ ،‬فكان كل لقي���ط يعثر عليه‬

‫وكان الخليف���ة العباس���ي "المس���تنصر ب���اهلل" (ت ‪640‬ه���ـ)‬

‫بين الحين والحين‪ ،‬ويزوجهم حين يبلغون سن الزواج‪ .‬وبنى‬

‫ألهلهن على تجهيزهن"‪.‬‬

‫ُيحم���ل إلى هذا الملجأ‪ ،‬فيس���لَّم إلى إحدى المرضعات لتقوم‬

‫يتقص���د الج���واري الالت���ي ق���د بلغ���ن األربعي���ن‪ ،‬فيش���ترين له‬

‫عل���ى إرضاعه وتربيته‪ ...‬وبهذا العمل اإلنس���اني الجليل حفظ‬

‫أرواحا كان مصيرها الهالك والموت‪.‬‬ ‫"مظفر الدين"‬ ‫ً‬

‫الوقف على أهل الحرمين الشريفين‬

‫فيعتقهن ويجهزهن ويزوجهن‪.‬‬

‫وقد يتقدم الفتى أو الفتاة إلى قيم الوقف‪ ،‬يطلبان المعونة‬

‫لزواجهن فيعطيهما ما هما بحاجة إليه‪.‬‬

‫وتمدن���ا المصادر التاريخية بنم���اذج كثيرة من مثل هذا الوقف‬

‫الوقف على إصالح ذات البين‬

‫على سكان الحرمين الشريفين‪ ،‬بل إنه كان يقطع أمراء العرب‬

‫بمدين���ة "مراكش" دار تس���مى "دار الدقة"‪ ،‬وه���ي ملجأ تذهب‬

‫النبيل؛ فقد وقف "نور الدين محمود" (ت ‪569‬هـ) وقو ًفا كثيرة‬

‫وه���ذا الوق���ف من فرائ���د األوقاف النادرة‪ .‬فق���د ذكر أنه كانت‬

‫اإلقطاع���ات حتى يكفوا عن التع���رض للحجيج‪ ،‬ووقف وق ًفا‬

‫إليه النس���اء الالئي يق���ع نفور بينهن وبي���ن أزواجهن‪ ،‬فلهن أن‬

‫على المجاورين بالحرمين‪.‬‬

‫يقمن به آكالت شاربات إلى أن يزول ما بينهن وبين أزواجهن‬

‫ال‬ ‫وكان "مظف���ر الدي���ن كوكبوري" يقيم في كل س���نة س���بي ً‬ ‫للح���اج‪ ،‬ويس���ير مع���ه جميع ما تدع���و حاجة المس���افر إليه في‬

‫وظاه���ر أن ه���ذه ال���دار موقوفة عل���ى النس���اء الغريبات أو‬

‫ينفقها بالحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب‪ ،‬وله بـ"مكة"‬

‫منهن هذه الناحية في زوجته فيظلمها‪ ،‬أو يسيء معاملتها وهو‬

‫الطريق‪ ،‬ويس���ير صحبته أمي ًنا معه خمس���ة أو س���تة آالف دينار‬ ‫حرس���ها اهلل تعال���ى‪ -‬آثار جميلة بعضها ٍ‬‫ب���اق إلى اآلن‪ .‬وهو‬

‫من نفور‪.‬‬

‫الالئ���ي ال أهال���ي له���ن‪ ،‬وذلك خش���ية أن يس���تغل زوج المرأة‬ ‫يعلم أن ال ملجأ لها وال أهل يأخذون بناصرها‪.‬‬

‫‪49‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫ثقافة وفن‬

‫محمد أحمد المعصراني*‬

‫َمنْ تع ّود عىل إفشاء أرسار اآلخرين لك ال تأمنه عىل رسك‪ ،‬ألنه كام فعل بأرسار اآلخرين‬ ‫فإنه سيفعل بأرسارك‪.‬‬ ‫(املوازين)‬ ‫***‬

‫أثر الوقف‬

‫في التكافل االجتماعي‬


‫ه � � ��و ف � � ��ي الس� � � �را ِء نافذتي‬ ‫منجذب‪،‬‬ ‫أنا ف � � ��ي ذك� � � �راه‬ ‫ٌ‬ ‫ش � � ��ارٌد ف � � ��ي أف � � ��ق طلعت � � ��ه‬ ‫عاش � � ��ق ل � � ��م تس � � ��بني أبداً‬ ‫حيرت � � ��ي فيم � � ��ا أراه هن � � ��ا‬ ‫مروع� � � � ٍة‬ ‫وخالف � � ��ات‬ ‫ّ‬ ‫طال في ليل النوى سفري‬

‫وهو ف � � ��ي الضرا ِء معتمدي‬ ‫س � � ��ارح‪ ،‬ال توقظو َخلَدي‬ ‫أتق � � � ّ�رى �� � � ��وره بي � � ��دي‬ ‫مقل� � � � ٌة للفات � � ��ن الغ � � ��رد‬ ‫في وج � � ��وه الناس من ُعقد‬ ‫لم تدع في األرض من أحد‬ ‫وهوى من طول� � � � ِه َجلدي‪.‬‬

‫يا زمان الوص � � ��ل في ٍ‬ ‫وطن‬ ‫تح � � ��ت ع � � ��رش اهلل‪ ،‬يرفده‬ ‫ك � � ��م ش� � � �ربنا م � � ��ن مناهله‬ ‫يتس � � ��اوى ف � � ��ي ش� � � �ريعته‬ ‫م � � ��ا ال � � ��ذي يبق � � ��ى لعالمنا‬ ‫م � � ��ا ال � � ��ذي يبقى ل � � ��ه ولنا‬ ‫إن تخل � � ��ى ع � � ��ن س � � ��كينته‬ ‫ب � � ��ارئ األك � � ��وان مبدعه � � ��ا‬ ‫هو في س � � ��ري وف � � ��ي علني‬ ‫هو ف � � ��ي حل � � ��ي ومرتحلي‬ ‫هو ف � � ��ي خب � � ��زي وفاكهتي‬ ‫ول � � ��ه أس � � ��لمت ناصيت � � ��ي‬

‫س � � ��رمدي الوص � � ��ل واألمد‬ ‫�وت الح � � ��ب بالمدد‬ ‫ملك � � � ُ‬ ‫وارتوى بالن � � ��ور كل صدي‬ ‫�ب الغاب � � ��ات باألس � � ��د‬ ‫أرن � � � ُ‬ ‫م � � ��ن ُمنى‪ ،‬أو ط � � � ٍ‬ ‫�ارف تلد‬ ‫ً‬ ‫مدى بالهول محتش � � ��د‬ ‫في ً‬ ‫الع � � ��دد‬ ‫وتناس � � ��ى واح� � � � َد َ‬ ‫�اذخ َص ِل � � ��د‬ ‫ف � � ��ي بن � � ��ا ٍء ب � � � ٍ‬ ‫هو في نومي وفي َس� � � � َهدي‬ ‫هو في أهل � � ��ي وفي ولدي‬ ‫هو في قوم � � ��ي وفي بلدي‬ ‫وح َد ُه "س � � ��بحانه" سندي‪.‬‬ ‫(*) شاعر يمني‪.‬‬

‫‪47‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫شعر‬

‫أ‪.‬د‪ .‬عبد العزيز المقالح*‬

‫صالة الروح‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫�عرا ما أب � � ��وح به‬ ‫لي � � ��س ش � � � ً‬ ‫تش � � ��تكي من لي � � ��ل غربتها‬ ‫فارَ�ق ْت� � � � ُه وه � � ��ي باكي� � � � ٌة‬ ‫هبطت في الجس � � ��م مرغم ًة‬ ‫ْ‬ ‫مواجعه � � ��ا‬ ‫كلم � � ��ا نام � � ��ت‬ ‫ُ‬ ‫شمس � � ��ا ب� �ل ��ا ٍ‬ ‫لهب‬ ‫تر ْ‬ ‫كت ً‬ ‫كنت طف� �ل � ً�ا عندما هطلت‬ ‫ُ‬ ‫�تضأت بها‬ ‫س � � ��كنتني فاس � � � ُ‬ ‫هي من قبلي على ش � � � ٍ‬ ‫�غف‬ ‫ّأرقتن � � ��ي بالحني � � ��ن إل � � ��ى‬ ‫م��� ٍ‬ ‫�ورق حصب � � ��اؤه درر‬

‫بل أنين الروح في الجسد‬ ‫ع � � ��ن زم � � � ٍ‬ ‫�ان حال� � � � ٍم َرَغ� � � � ِد‬ ‫ٍ‬ ‫مستوحش نكد‬ ‫في ضحى‬ ‫اللح ِد‬ ‫كهبوط الجسم في َ‬ ‫أيقظته � � ��ا صرخ� � � � ُة الكمد‬ ‫�اء غي � � ��ر متق� � � � ِد‬ ‫وضي � � � ً‬ ‫ف � � ��ي أثي� � � � ٍر طاه� � � � ٍر أب � � ��دي‬ ‫وكفتني ش � � ��ر ذي َح َس� � � � ِد‬ ‫وهي من بعدي على رش� � � � ِد‬ ‫ش � � ��اطئ مخضوض � � ��ر الزبد‬ ‫زاهي � � ��ات ضفت � � ��اه‪ ،‬ندي‪.‬‬

‫يا ابنة النور التي س � � ��كنت‬ ‫�نى‬ ‫أنت م � � ��ن نور اإلله س � � � ً‬ ‫وأنا ي � � ��ا روح‪ ،‬أن � � � ِ‬ ‫�ت‪ ،‬فإن‬ ‫في ف � � ��ؤادي ث � � ��ورٌة ودمي‪،‬‬ ‫فأفيض � � ��ي من س � � ��ناك على‬ ‫ق � � ��د ملل � � ��ت العم � � ��ر أذرفه‬ ‫زاه� � � � ٌد ال ش � � ��يء يأس� � � �رني‬

‫أضلعي واستوطنت كبدي‬ ‫يرتوي من فيضه الصمدي‬ ‫تهجريني‪ ،‬صار أمس غدي‬ ‫وهم � � ��ا ل � � ��والك ف � � ��ي بدد‬ ‫فيض � � ��ا م � � ��ن البرد‬ ‫لهب � � ��ي ً‬ ‫ف � � ��ي جحي � � ��م غي � � ��ر مبترد‬ ‫غير ح � � ��ب الواحد األحد‬

‫‪46‬‬


‫به���ا البي���ان‪ ،‬ال تحدث تأثيره���ا وال تحقق مفعوله���ا إال عندما‬

‫الكائن���ات‪ ،‬إذ بفض���ل نعمة البي���ان صار هذا اإلنس���ان مخلو ًقا‬

‫والبن عربي كالم جميل يش���خص في���ه البعد الروحي للكلمة‬

‫وتعال���ى‪ ،‬وبالبي���ان اس���تطاع هذا اإلنس���ان التعبي���ر واإلفصاح‪،‬‬

‫توح���د قبلتها جهة البيان المطلق وتس���خر نفس���ها ف���ي دائرته‪،‬‬ ‫حين يقول‪:‬‬

‫يتوجه إليه الخالق‪ ،‬كما يتوجه هو (أي اإلنسان) إلى اهلل تبارك‬

‫وبتعبيره تمكنت الموجودات هي األخرى أن تبين‪ ،‬وهي التي‬

‫"قال الحق للكلمة‪:‬‬

‫كانت قبل ذلك صامتة‪.‬‬

‫أنت مربوبي وأنا ربك‪.‬‬

‫فقب���ل البي���ان الذي ُعلّمه اإلنس���ان كان���ت الكائنات صماء‬

‫أعطيتك أسمائي وصفاتي‪:‬‬

‫بكم���اء جام���دة وال أح���د يس���تطيع معرف���ة كيفي���ة كان���ت تبين‪،‬‬

‫فمن رآك رآني‪،‬‬

‫لك���ن المعروف هو أن اإلنس���ان قد اس���تطاع بنعم���ة البيان فهم‬

‫ومن أعطاك أعطاني‪،‬‬

‫وتأوي���ل ونق���ل بيان كل الموجودات األخ���رى‪ ،‬فكل كائن في‬

‫ومن جهلك جهلني‪،‬‬

‫ه���ذا الوج���ود نموذج يتكلم‪ ،‬لكن لكل كائن أس���لوب ميزه اهلل‬

‫فغاية من هم دونك‪،‬‬

‫أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك‪.‬‬

‫وغاية معرفتهم بك‪،‬‬

‫العلم بوجودك‪ ،‬ال بكيفيتك‪".‬‬

‫(‪)3‬‬

‫إن الكلم���ة مخلوق من مخلوقات���ه تعالى‪ ،‬بها ترجم قدرته‬

‫المطلق���ة‪ ،‬وبها وصف أس���ماءه التي تجلى به���ا على الوجود‪،‬‬

‫ولذل���ك ف���إن إدراك حقيق���ة الكلم���ة‪ ،‬ه���و إدراك له���ذه القدرة‬

‫المطلق���ة‪ ،‬فلقد ش���اءت إرادت���ه تعالى أن تكون الكلمة وس���يلة‬ ‫إنط���اق المخلوق���ات‪ ،‬بم���ا في ذل���ك الذات الموظف���ة للكلمة‪.‬‬ ‫بعب���ارة أخ���رى‪ ،‬فقد خل���ق اهلل الوج���ود كله بكلم���ة‪ ،‬وبالكلمة‬ ‫تتمكن كل هذه الموجودات من أن تبين بما في ذلك اإلنسان‬

‫ال من‬ ‫ذاته‪ ،‬ولذلك فإن البيان هو روح الكلمة‪ ،‬باعتبارها س���بي ً‬ ‫سبل االعتراف بالربوبية‪.‬‬

‫خل���ق اهلل الوجود بعلمه وخط هندس���ته بكلماته‪ ،‬واختص‬

‫اإلنس���ان دون س���ائر المخلوق���ات بنعمة الكالم ونعم���ة البيان‬

‫واإلفص���اح عم���ا ف���ي داخله وم���ا يري���ده‪ ،‬إذ إن أول م���ا علمه‬

‫اهلل تب���ارك وتعال���ى لهذا اإلنس���ان بعد صنعه ل���ه ونفخه الروح‬ ‫آد َم ا َ‬ ‫���م َاء ُك َّل َها ُث َّم‬ ‫﴿و َع َّل َم َ‬ ‫فيه هو األس���ماء‪ ،‬يق���ول تعالى‪َ :‬‬ ‫أل ْس َ‬ ‫ِ‬ ‫ال ِء إ ِْن ُك ْن ُت ْم‬ ‫���ما ِء َه ُؤ َ‬ ‫ال ِئ َك ِة َف َق َ‬ ‫���م َع َل���ى ا ْل َم َ‬ ‫ال َأ ْنب ُِئوني ِب َأ ْس َ‬ ‫َع َر َض ُه ْ‬ ‫فنف���خ ال���روح يمثل االس���تعداد المعنوي‬ ‫ين﴾(البق���رة‪ْ ،)31:‬‬ ‫َصا ِد ِق َ‬ ‫لتلقي علم األسماء ومعرفتها‪.‬‬ ‫يبين األس���تاذ فتح اهلل كولن‪ ،‬أن اإلنس���ان خليط من تراب‬

‫وم���اء‪ ،‬وأنه مس���تودع العل���م والمؤتم���ن علي���ه‪ ،‬ولكونه يملك‬

‫ب���ه‪ ،‬هو كالمه‪ .‬والكالم وس���يلة تتيح معرف���ة الحقيقة المطلقة‬ ‫التي هي حقيقة الخلق‪ ،‬إذ يصير كل شيء كآلة موسيقية تؤدي‬ ‫س���يمفونية ترفع الس���تار ع���ن حقيقة المخلوق���ات ومهمتها في‬ ‫نظ���ام البيان الكلي‪ ،‬فالبيان هو مفت���اح أقفال كل األبواب التي‬ ‫تؤدي إلى كنوز الفكر والمعرفة‪.‬‬ ‫وإذا كان البي���ان ه���و روح كت���اب الكون ولون���ه ونموذجه‬ ‫المفتوح كما يقول األس���تاذ فتح اهلل كولن‪ ،‬فإن تذوقه وإدراك‬ ‫دقته وعظمة انس���جامه‪ ،‬يحتاج إلى قلوب واس���عة تستطيع فك‬

‫ترمي���زه ب���كل جوارحه���ا‪ ،‬وال َي ُف ُّك رموزه س���وى من تش���ربت‬

‫روحه الش���فرة الداللية والنظام التداولي لمكونات هذا البيان‪.‬‬ ‫وه���ذه القل���وب هي قلوب أه���ل الهم والهمة وفرس���ان القلب‬ ‫والحركية‪ ،‬الذين عش���قوا البيان‪ ،‬والذين يحملون اإلكسير إلى‬ ‫قربا من ربه���ا‪ ،‬ويزداد يقينها‬ ‫كل القل���وب فت���زداد المؤمنة منها ً‬ ‫ب���أن ل���كل مخلوق في الوجود وظيفة يتعي���ن عليه القيام به‪ ،‬ال‬

‫فرق في ذلك بين المخلوق في حد ذاته‪ ،‬وبين ما يوفق اهلل هذا‬ ‫المخلوق إلى إنتاجه أو إبداعه‪.‬‬ ‫(*) جامعة شعيب الدكالي‪ ،‬كلية اآلداب والعلوم اإلنسانية ‪ -‬الجديدة ‪ /‬المغرب‪.‬‬

‫الهوامش‬ ‫(‪ )1‬استلهم هذا المقال من كتاب األستاذ فتح اهلل كولن‪" :‬البيان"‪.‬‬

‫(‪ )2‬ال نقول هنا "البيان"‪ ،‬ألن البيان مصطلح يدل على الخطاب اإللهي المتمثل‬

‫القدرة على البيان‪ ،‬فقد ربي في سلطنته على األرض‪ ،‬أي على‬

‫في القرآن الكريم وفي جميع مظاهر الوجود الذي خلقته القدرة اإللهية‪.‬‬

‫الق���درة على الحديث ليس باس���مه فحس���ب‪ ،‬بل باس���م جميع‬

‫المصرية العامة للكتاب ‪ :1986‬السفر الثاني‪ ،‬ج‪ ،10:‬ص‪.194:‬‬

‫الت���راب الذي خلق من���ه‪ ،‬ولذلك فإن الكائن اإلنس���اني يملك‬

‫(‪ )3‬الفتوح���ات المكي���ة‪ ،‬تح‪ :‬د‪ .‬عثمان يحي���ى ود‪ ،‬إبراهيم مدكور‪ ،‬طبعة الهيئة‬

‫‪45‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫المتمثل���ة ف���ي حس���ن اختي���ار اللف���ظ‬

‫وس���لموا بما نزل عل���ى محمد ‪ .‬وأما‬ ‫إصرار البعض عل���ى إنكار حقيقة البيان‬ ‫ودق���ة التم���اس العبارة المناس���بة للمقام‬ ‫�إذا كان البي��ان ه��و روح‬ ‫الظاه���ر‪ ،‬فلم يك���ن ليغطي على من آمن‬ ‫المناس���ب وترتي���ب اللف���ظ وف���ق حاجة‬ ‫ومنوذجه‬ ‫ولونه‬ ‫الكون‬ ‫كت��اب‬ ‫بمج���رد س���ماع بضع آيات منه أو س���ور‬ ‫الدالل���ة‪ .‬وإذا كان لكل مق���ام مقال كما‬ ‫املفت��وح‪ ،‬ف�إن تذوق��ه و�إدراك‬ ‫منه كما وق���ع مع عمر بن الخطاب ‪،‬‬ ‫يق���ال‪ ،‬فإن البي���ان القرآني ه���و النموذج‬ ‫دقته وعظمة ان�سجامه يحتاج‬ ‫وقص���ة إس�ل�امه مش���هورة تذكرها كتب‬ ‫المثال لهذه الحقيقة التواصلية‪.‬‬ ‫�إىل قلوب وا�سعة ت�ستطيع فك‬ ‫السير والمناقب وكتب النقد‪.‬‬ ‫ونظرا لعظمة البيان القرآني وجالئه‪،‬‬ ‫ً‬ ‫إن رد فع���ل القلوب والعقول الطيبة‬ ‫جميعا تحت لواء التوحيد‬ ‫التف الن���اس‬ ‫ترمي��زه ب��كل جوارحها‪ ،‬وال‬ ‫ً‬ ‫المتوازنة العادلة الصادقة‪ ،‬هو االعتراف‬ ‫أفواج���ا‪ ،‬وعرف‬ ‫ودخل���وا ف���ي اإلس�ل�ام‬ ‫يَ ُف ُّك رموزه �سوى من ت�رشبت‬ ‫ً‬ ‫بأن مص���در البيان القرآني‪ ،‬ال يمكن أن‬ ‫متأم�ل�ا‬ ‫كبي���را فانطل���ق‬ ‫ال‬ ‫الذه���ن تح���و ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫روحه ال�شفرة الداللية والنظام‬ ‫يص���در ع���ن بش���ر وإن كان ه���ذا البش���ر‬ ‫الخط���اب القرآن���ي وبيانه‪ ،‬فاس���تخلص‬ ‫التداويل ملكونات هذا البيان‪.‬‬ ‫يس���تطيع فهم معانيه وإدراك مراميه‪ ،‬لقد‬ ‫علم���ا م���ن أج���ل العل���وم وأقدمه���ا ف���ي‬ ‫ً‬ ‫أدرك هؤالء أنه ليس من محمد ‪.‬‬ ‫تاري���خ حرك���ة اإلبداع اإلس�ل�امي‪ ،‬وهو‬ ‫كان الع���رب قب���ل ن���زول الق���رآن‬ ‫علم اإلعجاز الذي يهتم بالبيان باعتباره‬ ‫(‪)2‬‬ ‫الكري���م يفس���رون اإلب���داع واألدبية‬ ‫ومنهجا يؤدي إلى معرفة أصل البيان‬ ‫ال من سبل المعرفة‪،‬‬ ‫خاص���ا‪ ،‬فربطوا سبي ً‬ ‫تفس���يرا ًّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الس���جع بالكهان���ة ‪-‬والكهنة فئة اجتماعية ادع���ت قدرة خارقة جل وعال‪.‬‬ ‫كمعرف���ة المس���تقبل واالتص���ال بعوالم غائب���ة‪ -‬وقالوا إن لكل‬ ‫سلطة "البيان" وقوته ال حدود لهما‪ ،‬ألن هذا "البيان" يمد‬ ‫ش���اعر شيطان يوحي إليه الش���عر ويعينه على اإلبداع والتفوق الجم���اد بالحياة‪ ،‬ويحرك األحياء ويأس���ر الجموع بقوة تأثيره‪،‬‬ ‫الفني واألدبي‪ ،‬وسموا بعض شياطين الشعر هؤالء‪ ،‬بل ارتبط ويدفعه���م إل���ى أقصى ح���دود طاقتهم كما يقول األس���تاذ فتح‬ ‫أغلب فحول الش���عراء بأس���ماء ش���ياطين بعينهم ذكر "أبو زيد اهلل كول���ن‪ .‬ولن���ا في التاريخ نم���اذج خطابية حرك���ت الجموع‬ ‫بضعا منهم في "جمهرة أشعار العرب"‪ .‬فالتفوق في ودفعته���م إل���ى أقصى حدود طاقته���م‪ ...‬فهذا ط���ارق بن زياد‬ ‫القرشي" ً‬ ‫الق���ول واإلبداع قد ارتبط في ذهن أهل الجزيرة العربية بقوى وق���د عبر من إفريقيا في ش���مال المغرب إل���ى الضفة األخرى‬ ‫جديدا‬ ‫ع���دا‬ ‫ً‬ ‫خارق���ة‪ ،‬لكنها م���ع نزول القرآن الكريم س���تأخذ ُب ً‬ ‫فاتحا‪ ،‬فخطب في َمن معه ‪-‬بعد أن أقدم‬ ‫حيث القارة األوربية ً‬ ‫وه���و االقتن���اع بأن البي���ان الحقيقي هو من اهلل تب���ارك وتعالى‪ ،‬على حرق السفن التي عبرت المضيق‪ -‬خطبة سجلها التاريخ‬ ‫وكل البشر عاجزون عن محاكاة البيان اإللهي واإلتيان بمثله‪ .‬وكتبه���ا النق���د واألدب بمداد الفخ���ر‪ ،‬باعتبارها خطبة حركت‬

‫مدارات البيان في القرآن الكريم‬

‫إن مدار البيان القرآني ال يميل في عمومه عن بس���ط مختلف‬ ‫مقوم���ات العبودية هلل تبارك وتعال���ى‪ ،‬والداللة على مخلوقاته‬ ‫التي هي بوجه من الوجوه بعض عناصر "البيان"‪ ،‬وكأن البيان‬ ‫متفرع إلى مظهرين‪:‬‬ ‫• مظه���ر ش���هودي تقوم في���ه الموجودات وتناس���قها ببيان‬ ‫الوج���ه األخر للبيان الكلي‪ ،‬الذي يعتبر الرس���ل الكرام عليهم‬ ‫الس�ل�ام مرش���دين إليه ودالين عليه‪ ،‬والذي يعتبر الرس���ول ‪‬‬ ‫جميعا وإمامهم فيه‪.‬‬ ‫رائد الرسل‬ ‫ً‬ ‫• ومظه���ر لغوي ت���ؤدي فيه الكلمة مهمة أساس���ية‪ ،‬ويقوم‬ ‫في���ه إحكام النظ���م بدور حي���وي‪ ،‬لتتجلى بذلك معال���م البيان‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪44‬‬

‫القلوب وشحنت الهمم‪.‬‬

‫س���ببا من أس���باب‬ ‫ال ش���ك أن الخطبة وكلماتها قد كانت‬ ‫ً‬

‫زرع التوحي���د ف���ي هذه المناطق م���ن أرض اهلل تبارك وتعالى‪،‬‬

‫���خر البيان ليكون قوة تصنع المستحيل‪ ،‬وتعرف بالبيان‬ ‫فقد ُس ّ‬ ‫ال���ذي بني الوجود كله على أساس���ه‪ ...‬فالذي مكّ ن طارق بن‬ ‫زي���اد وه���داه إلى ما هداه إلي���ه‪ ،‬هو الروح الصادق���ة المتفاعلة‬

‫رت من خالله إلى كل القلوب‪ ...‬وال‬ ‫م���ع البيان الكلي‪ ،‬إذ َع َب ْ‬ ‫ن���دري م���ن كان يخطب‪ ،‬أهو ط���ارق بن زي���اد أم هو صاحب‬

‫وعبر‬ ‫فعبر بالبي���ان عن البي���ان‪َ ،‬‬ ‫البي���ان‪ ،‬أنط���ق ط���ارق بن زي���اد ّ‬ ‫بالبيان إلى القلوب واألرواح؟!‬

‫إن الكلمة باعتبارها الوحدة القياس���ية الصغرى التي يقاس‬


‫موجودة‪ ،‬لكنها إذا لم تجد الفاعلية التي‬ ‫حقيق���ة الخال���ق ومخلوقات���ه‪ .‬وكلم���ة‬ ‫تح���رك كيانها من الجذور‪ ،‬فس���تظل في‬ ‫"اق���رأ" هي أول ما لقنه جبريل ‪ ‬بأمر‬ ‫�إن الكلم��ة خملوق من خملوقاته‬ ‫حال���ة م���ن الكم���ون واالنتظ���ار الطويل‪،‬‬ ‫اهلل تب���ارك وتعال���ى الرس���ول ‪‬؛ ف ِف ْع���ل‬ ‫تعاىل‪ ،‬بها ترجم قدرته املطلقة‪،‬‬ ‫ال يبعث‬ ‫ولذلك اعتب���ر البيان‬ ‫محركا فعا ً‬ ‫الق���راءة "كلمة"‪ ،‬لكنها كلمة ذات امتداد‬ ‫ً‬ ‫وبها و�صف �أ�سماءه التي جتلى‬ ‫األموات وينفخ الحياة وينشر الدفء‪.‬‬ ‫واس���ع في الزمان والمكان وفي الداللة‬ ‫إن‬ ‫�‬ ‫ف‬ ‫ولذلك‬ ‫الوجود‪،‬‬ ‫عل��ى‬ ‫بها‬ ‫ي���درك أه���ل اإلب���داع والبي���ان عل���ى‬ ‫والمدلول‪ .‬فقد قرأ الرسول ‪ ‬بعد هذا‬ ‫ه��و‬ ‫الكلم��ة‪،‬‬ ‫حقيق��ة‬ ‫إدراك‬ ‫�‬ ‫لزوم���ا‪ ،‬بأنه���م مهم���ا وصل���وا‬ ‫الحقيق���ة‬ ‫عد القراءة‬ ‫األمر كل ش���يء‪ ،‬واستوعب ُب َ‬ ‫ً‬ ‫�إدراك له��ذه الق��درة املطلقة‪،‬‬ ‫ومهم���ا ارتق���وا ف���ي دائ���رة البي���ان‪ ،‬فه���م‬ ‫ومفهومه���ا؛ لق���د ق���رأ الوج���ود وأدرك‬ ‫َ‬ ‫فلقد �ش��اءت �إرادت��ه تعاىل �أن‬ ‫مجرد دالين يدلون بوسائلهم المحدودة‬ ‫حقيقته واس���توعب داللته كما استوعب‬ ‫تك��ون الكلمة و�سيل��ة �إنطاق‬ ‫عل���ى البي���ان المطلق ويعبرون بوس���ائله‬ ‫كل األنبي���اء والرس���ل ذل���ك قبل���ه‪ ،‬لكنه‬ ‫املخلوقات‪ ،‬مبا يف ذلك الذات‬ ‫وأدوات���ه علي���ه‪ ،‬فه���م يعرفون���ه لغيره���م‬ ‫حص���ل ‪ ‬كل م���ا اس���توعبوه ووعت���ه‬ ‫َّ‬ ‫ممن ل���م يفتح اهلل عليهم ب���إدراك بعض‬ ‫املوظفة للكلمة‪.‬‬ ‫أرواحه���م الصافي���ة النقي���ة‪ .‬لك���ن صفاء‬ ‫جوانب���ه‪ .‬ولهذا كان أه���ل الفن واألدب‬ ‫روح الرسول ‪ ‬تتقدم بمسافات عليهم‬ ‫وأرب���اب الكلم���ة‪ ،‬ملزمين باالسترش���اد‬ ‫جميعا‪ ،‬ألنها المحضن الذي اختاره اهلل‬ ‫ً‬ ‫تب���ارك وتعلى الس���تقبال بيانه الختامي‪ .‬وس���يرته ‪ ‬أكبر دليل ببي���ان صاحب البي���ان‪ ،‬وملزمين بالداللة عليه واإلرش���اد إليه‪،‬‬ ‫عل���ى أنه اختير اختيارا من أجل تلق���ي هذا البيان‪ ،‬الذي يمثله أما غيرهم فهم الغاوون وال يتبعهم سوى الغاوين‪.‬‬ ‫ً‬ ‫خطابه في القرآن الكريم‪ ،‬وتشهد عليه تفاصيل الوجود كله‪ .‬عجز أرباب البيان‬ ‫قال اهلل تبارك وتعالى "كن" فكان الوجود كله‪ ،‬واكتس���بت‬

‫عظيما يجل���ي عظمة من‬ ‫كل المخلوق���ات بفع���ل "ك���ن" بيا ًن���ا‬ ‫ً‬ ‫���ون﴾‪ .‬ولذلك فهذا الوجود‬ ‫خل���ق وعظم���ة من قال‪ُ :‬‬ ‫﴿ك ْن َف َيكُ ُ‬

‫الجمي���ل الرائ���ع الصنعة الدقي���ق اإلبداع‪ ،‬يعب���ر ببيانه عن كثير‬

‫من أس���ماء اهلل الحس���نى التي تجلى من خاللها على الوجود‪.‬‬ ‫فبي���ان الموجودات ومنطقها‪ ،‬تعبير ع���ن قوة وعظمة المتجلي‬

‫يسيرا من البيان‬ ‫بقدرته على الوجود‪ ،‬بل هو بيان يعكس ً‬ ‫جزءا ً‬ ‫المطلق الذي هو انعكاس أسمائه الحسنى‪.‬‬

‫"البيان" كما يعرفه األس���تاذ فتح اهلل كولن‪ ،‬هو روح كتاب‬

‫الك���ون ومضمون���ه ولونه وأس���لوبه‪ ،‬وهو قان���ون المخلوقات‬ ‫المتفاعل���ة ف���ي الك���ون‪ ،‬وهو كذل���ك ختم الحقيقة اإلس�ل�امية‬

‫وس���لطتها‪ .‬فـ"البي���ان" به���ذا المعن���ى‪ ،‬منهج يدرك به اإلنس���ان‬ ‫‪-‬باعتب���اره أرق���ى مخلوقات اهلل تبارك وتعال���ى‪ -‬عظمة مصدر‬

‫الق���درة المطلقة‪ ،‬ووس���يلة لمعرفة الخالق والس���ير إليه تعالى‪.‬‬ ‫ف���إدراك البي���ان في أصله وحقيقته‪ ،‬ه���و إدراك الوجود في كل‬ ‫تفاصيل���ه الكلي���ة والدقيق���ة‪ ،‬وه���و الوعي بمكان اإلنس���ان في‬ ‫النظام المتوازن الذي صب اهلل فيه الوجود‪.‬‬

‫والبي���ان كذل���ك قوة كبيرة وس���لطة تؤج���ج القلوب وترفع‬

‫مستوى قابليتها وقدرتها على الفعل؛ فقد تكون الهمم حاضرة‬

‫كان الع���رب قبل ن���زول الوحي‪ ،‬أرباب البيان واللغة والش���عر‬ ‫وفنون القول من خطابة وس���جع وغيرها‪ ...‬وكانت لهم قدرة‬ ‫كبيرة على إدراك جمال البيان‪ ،‬وتبيين مكامن دقة التعبير وسمو‬ ‫اللفظ ورشاقة العبارة‪ ...‬ولذلك فإن أول ما بهرهم في القرآن‬ ‫الكريم هو مطلق بيانه‪ ،‬باإلضافة إلى وضوح الحجة وعقالنية‬ ‫الفك���رة ومنطقه���ا‪ ...‬وفي لحظ���ة وجيزة أل ُفوا أنفس���هم ‪-‬وهم‬ ‫أرباب البيان وأهله وأصحاب القول الفصل فيه‪ -‬عاجزين عن‬ ‫منافسته واإلتيان بمثله‪ .‬لقد بهرهم القرآن الكريم ببيانه وتفوق‬ ‫بمس���افات ال تحس���ب على بيانهم‪ ،‬تجاوزهم الق���رآن الكريم‬ ‫وتركه���م خلفه يلهثون‪ ،‬وتج���اوز الصورة المثالي���ة التي ظلت‬ ‫ال منقوش���ة في ذهنهم عل���ى أنها النم���وذج المثالي‬ ‫ده���را طوي ً‬ ‫ً‬ ‫للقول وقوة العبارة‪ ،‬فاقتنعت العقول بأن مصدر البيان القرآني‬ ‫ليس من بشر يساويهم في القدرة الذهنية والبيانية‪ ،‬بل هو من‬ ‫مص���در آخر‪ ،‬وأدرك أه���ل النفوس الطيبة ب���أن صاحب البيان‬ ‫الذي وجدوه في خطاب القرآن الكريم‪ ،‬ذو قدرة خارقة على‬ ‫البي���ان‪ ،‬وأن���ه هو اهلل تبارك وتعال���ى‪ .‬كان الناس على عمومهم‬ ‫يعرف���ون اهلل لكنهم أش���ركوا مع���ه آلهة توهموه���ا‪ ،‬وأبطلوا مع‬ ‫م���رور الزمن ربوبيته‪ ،‬لكن خط���اب القرآن المبين‪ ،‬فتح قلوب‬ ‫العدي���د منه���م فآمن���وا وأعلن���وا عبوديته���م هلل تب���ارك وتعال���ى‬

‫‪43‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫أدب‬

‫د‪ .‬محمد جكيب*‬

‫رسك ثالث ًة‪ ،‬فإنْ َّ‬ ‫دل ذلك‬ ‫رسك مرة ومرتني‪ ،‬أليس من الغباء أن تودعه ّ‬ ‫إذا أفىش أحدهم َّ‬ ‫عىل يشء فإمنا يدل عىل قرص نظرك‪ ،‬وقلة إدراكك‪ ،‬أما َمن أنضجته التجربة فال يلدغ من‬ ‫جحر مرتني‪.‬‬ ‫(املوازين)‬ ‫***‬

‫سلطة الكلمة وقوتها ‪1-‬‬ ‫الكلمة(‪ )1‬سلطة وقوة‪ ...‬الكلمة فعل ومفعول‪،‬‬ ‫أث���ر وتأثي���ر‪ ...‬الكلم���ة مف���رد عل���ى الحقيقية‪،‬‬

‫وتحص���ل ناصيت���ه وانكش���فت ل���ه أس���راره ومس���الك تصريفه‬ ‫وصياغته‪ ،‬فتح القلوب وشد العقول واكتسح األرواح‪.‬‬

‫لكنها جمع على المجاز لداللتها على متعدد‪ ،‬الكلمة مفتاح أسرار الوجود‬

‫إذ م���ن الكلمة يتك���ون الكالم المفيد الدال على معنى‪ ،‬الكلمة‬ ‫فعل واس���م وحرف‪ ...‬فهي حدث وش���يء وسمة هذا الشيء‪،‬‬

‫وه���ي ��ابط وواصل‪ ،‬وبالكلمة نصل ونتواصل‪ ،‬نفهم الماضي‬ ‫ونعي الحاضر ونبني المستقبل‪.‬‬

‫عال���م ال���كالم عالم عجي���ب‪ ،‬مت���ى ُأعطي اإلنس���ان زمامه‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪42‬‬

‫الكلم���ة ق���وة خارقة‪ ،‬بمفعوله���ا خلق اهلل الوج���ود كله‪ ،‬بل هو‬ ‫يعي���د ‪-‬جل وعال‪ -‬الخل���ق في كل وقت وحين‪ ...‬فـ"كن" التي‬ ‫خلق بها اهلل تبارك وتعالى كل ش���يء كانت مرة واحدة‪ ،‬لكنها‬ ‫ما تزال س���ارية المفعول إلى ما ش���اء اهلل‪ ...‬وبالكلمة والكالم‬ ‫ق���در اهلل تعال���ى على اإلنس���ان التفاع���ل مع الوج���ود‪ ،‬ومعانقة‬


‫أدب‬

‫تجليات الصبح‬ ‫تحدث يا صبح واحك‪ ،‬عسى أن توقظ بضوء‬ ‫حديث���ك الن���ور الهاجع في أرواحن���ا فنصحو‪.‬‬

‫علّمنا الرحمة أيها الصبح‪ ،‬علّمنا‪ ،‬من ش���آبيب‬

‫أوليس���ت أنامل شمسك الذهبية قد غزلت‬ ‫الس���حاب‪ ،‬علّمنا‪َ ..‬‬ ‫يسبحن في‬ ‫من أنفاس البحر الالهث إكليل ياس���مينات بيضاء‬ ‫ْ‬ ‫محمالت بإكسير الحياة واألحياء؟‬ ‫الفضاء‪،‬‬ ‫ّ‬

‫طهورا‪،‬‬ ‫دمع���ا‬ ‫فلتس���قِنا ي���ا صب���ح من أجفانه���ا الصادقة ً‬ ‫ً‬ ‫أال ْ‬

‫عس���ى أن نتعلّ���م كيف نس���قي بعضنا البعض! ُبح بأس���رارك يا‬ ‫صب���ح‪ ،‬واص���دح بحناجر من ن���ور فلتصدح‪ ..‬أفم���ا آن األوان‬

‫نزعت‬ ‫صمتِ���ك الصاخب فتفق���ه؟ أال‬ ‫َ‬ ‫أن تس���مع اآلذان بالغ���ة ْ‬ ‫الغشاوة عن أعيننا لنبصر الحكمة في عينك؟ أال أعرتنا بؤبؤك‬ ‫س���ر هذه الس���كينة المرس���ومة عل���ى وجهك؟ أيا‬ ‫ً‬ ‫قلي�ل�ا لندرك ّ‬

‫صبح ّبرد لواعج روحي ولو بقطرة من رحيق أنوارك!‬

‫ولجت اآلن بساتين عذراء وأنا ُمتأبطة بذراع ضيائك‪..‬‬ ‫ها‬ ‫ُ‬

‫الهوينا والعصافير تتهادى‬ ‫أكتافي ملتصقة بأكتافك‪ ..‬معا نمشي‬ ‫ْ‬ ‫ي���م أحالمها البيض���اء‪ .‬اهلل‪ ..‬ما أرحم‬ ‫ف���وق‬ ‫رأس���ينا‪ ،‬تغرق في ّ‬ ‫ْ‬

‫بدي���ع األرض والس���ماء؛ خل���ق العصافير بهج���ة لألحياء‪ ،‬فما‬ ‫تس���بح الروح‬ ‫عس���اها تكون األرض بال موس���يقى أو غناء؟ ها ّ‬

‫يصوب���ون بنادقهم‬ ‫مذهول���ة ألعظ���م ف ّن���ان‪ ..‬وإذا بأربع���ة فتيان ّ‬

‫دمارا ودخا ًنا‪.‬‬ ‫صوب أسراب الجمال‪ ،‬فيخلفو وراءهم ً‬

‫يس���د‬ ‫وا صبح���اه! ما له���م يتكالبون على أكل عصفورة ال‬ ‫ّ‬ ‫لحمه���ا حتى جوع فأرة؟ ب���اهلل عليك يا صبح علّمهم أن التهام‬

‫خي���ر لهم من التهام لحمها‪ ،‬وأن التلذّ ذ برؤية‬ ‫ألوانه���ا وأنغامها‬ ‫ٌ‬ ‫خف���ق جناحيه���ا أعظ���م بكثير من التل���ذذ بعظامه���ا‪ .‬ولتأذن لي‬

‫بعدها يا صبح‪ ،‬أن أحلم بميالد إنسانية رقيقة‪.‬‬

‫ها‬ ‫تدب فوق المنعطفات ببطء‪ ،‬وذا غزالٌ‬ ‫ْ‬ ‫أقبلت س���لحفاة ّ‬

‫قمة الجبل بخفقة واحدة‬ ‫يعدو بس���رعة الريح‪ ،‬والنس���ر قد بلغ ّ‬ ‫من جناحيه‪ .‬طريق الس���لحفاة ال يشبه طريق الغزال وال طريق‬

‫النس���ر‪ ..‬أسلوب الس���لحفاة مختلف عن أسلوب الغزال وكذا‬

‫أسلوب النسر‪ ..‬جميعهم عباد اهلل وإن لم يفقه بعضهم تسبيح‬ ‫بع���ض‪ ،‬لكل منه���م مذهبه ومنهجه وطريقت���ه‪ ،‬لكن أحدهم ال‬

‫يوما صراعات طائفية مجنونة‪.‬‬ ‫يك ّف���ر اآلخر‪ ،‬ال وما تصارع���وا ً‬ ‫فعالم يا ُص ْبح أرى البش���ر يتقاتلون‪ ،‬عاجزين عن التعايش مع‬

‫مرام البار*‬

‫بعضهم البعض؟ ما دامت غايتي من مذهبي هي الوصول إلى‬ ‫أيضا‪ ،‬فما شأني إن‬ ‫اهلل‪ ،‬وما دامت غاية أخي الوصول إلى اهلل ً‬ ‫كنت س���لحفائية الحركة‬ ‫س���لك طري ًقا آخر غير طريقي؟ لربما ُ‬ ‫في حين يملك هو أجنحة قوية‪.‬‬ ‫ناش���دتك اهلل ي���ا صب���ح أن تعلّمن���ا أن صدر الدين أوس���ع‪،‬‬ ‫الرب واحد‪ ،‬واختالف األفهام‪ ،‬وتفاوت األذواق‪ ،‬وتباين‬ ‫وأن ّ‬ ‫الط���رق‪ ،‬ال يس���تدعي الع���داء والتناحر والبغض‪ .‬ث���م لتأذن لي‬ ‫بعدها يا صبح أن أحلم بميالد إنسانية رحيمة‪.‬‬ ‫حشرات وطيور وحيوانات تسرح وتمرح في الغابات‪،‬‬ ‫ها‬ ‫ٌ‬ ‫تطلب الرزق من بقعة لبقعة‪ ..‬تسافر‪ ،‬تهاجر دون أن تحمل جواز‬ ‫سفر وال تأشيرة مرور‪ ،‬ذاك هو دستور الحياة‪ ..‬أما في دستور‬ ‫بني اإلنس���ان فمن أين وإلى أين وكم ومتى وكيف؟ واخجلي‬ ‫أزحت‬ ‫من دستورنا المعقد يا صبح أمام دستور األكوان! أفال‬ ‫َ‬ ‫ع ّنا ظالم الجهل بشمس���ك الس���اطعة؟ أليس���ت األرض وحدة‬ ‫نجزئها بالح���دود والتخوم؟‬ ‫كامل���ة لجمي���ع األحياء؟ فما بالن���ا ّ‬ ‫مما‬ ‫أجبني يا صبح أجب‪ ،‬بثغرك النوراني فل ُت ِجب‪ ..‬علّمنا ّ‬ ‫علّمك اهلل‪ ..‬عس���ى أن تس���تيقظ ش���مس أرواحنا‪ ،‬وتنهض من‬ ‫س���رير س���باتها‪ .‬ثم ائ���ذن لي بعدها ي���ا صبح أن أحل���م بميالد‬ ‫إنسانية حكيمة‪.‬‬ ‫صماء‪ ،‬وفي‬ ‫���ر ٌة من صخور‬ ‫ّ‬ ‫ها ْ‬ ‫الرائي ّ‬ ‫متراصة يحس���بها ّ‬ ‫أس َ‬ ‫جوفه���ا رقصة الحياة‪ ،‬في تماس���كها مالح���م وعظات‪ ،‬تتعانق‬ ‫س���واعدها جماع���ات جماع���ات‪ ،‬تحم���ل بعضها بعض���ا قرو ًنا‬ ‫حب���ذا ي���ا صبح أن‬ ‫طويل���ة دون أن تئ���ن أو تش���كو أو ّ‬ ‫تتذم���را! ّ‬ ‫تزيدن���ا م���ن فقه الحياة حتى نتعظ ونخش���ع أمام عظمة الخالق‬ ‫وجب���روت صنعته‪ ،‬فنتواضع ونخ ّفف من غلوائنا وغطرس���تنا‪.‬‬ ‫ثم لتأذن لي بعدها يا صبح أن أحلم بميالد إنسانية جميلة‪.‬‬ ‫أحراك بآذان ُت ْحسِ ���ن فن‬ ‫أيه���ا النور المنبثق من الظالم‪ ،‬ما ْ‬ ‫اإلصغاء إلى غنائك‪ ،‬ألنت أبدع قصيدة نظمتها السماء‪ ..‬خذنا‬ ‫إل���ى ملكوت عليائ���ك‪ ،‬اهدنا بضيائك‪ ،‬ارتح���ل بنا فوق مطايا‬ ‫الوهاج‪ ،‬من أس���رار تآلف‬ ‫أن���وارك‪ُ ،‬ب ْح لن���ا بكل ما في جبينك ّ‬ ‫الكائنات وإخائها وتعاونها‪ ،‬ثم افرك بش���روق شمس���ك أعيننا‪،‬‬ ‫عسى أن نحظى بميالد إنسانية جديدة‪.‬‬ ‫(*) أديبة إماراتية‪.‬‬

‫‪41‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫يحصل عليها النبات من الشمس‪ ،‬إلى طاقة كيمائية مخزنة في‬

‫نواتج البناء الضوئي‪ ،‬وباليين األطنان من المركبات العضوية‬ ‫الت���ي تتغذى عليها الكائنات التي تعيش على س���طح األرض‪.‬‬

‫أيض���ا‪ ،‬يقوم على تبادل األكس���جين‬ ‫وهن���ا يوجد معم���ل دقيق ً‬ ‫وثاني أكس���يد الكربون‪ ،‬وتتجلى هنا معجزة التشابه الكبير بين‬

‫التركي���ب الكيمائي لكل من صبغ���ة "الهيم" وصبغة اليخضور؛‬

‫فكالهم���ا عب���ارة ع���ن متراك���ب للمرك���ب الحلق���ي المعروف‬ ‫نبات القلقاس الهندي‬

‫جزيئات السكر والفوسفات‪ ،‬أما درجاته فتتكون من مجموعة‬ ‫من القواعد النيتروجينية؛ معنى ذلك أن كل شريط‪ ،‬يتكون من‬ ‫"النكليوتي���دات" (‪ ،)Nucleotides‬التي‬ ‫وح���دات متكررة تس���مى ُ‬ ‫تتك���ون كل منه���ا من جزيء س���كر وجزيء فوس���فات وقاعدة‬

‫نيتروجيني���ة‪ .‬وهن���اك أرب���ع قواع���د نيتروجيني���ة مختلف���ة وهي‬

‫"األدني���ن" و"الثيمين" و"الس���يتوزين" و"الجوانين"‪ ،‬و َتتابع هذه‬ ‫القواعد على "شريط الحمض النووي" (‪ )DNA‬هو الذي ُيحدد‬ ‫التعليمات الوراثية لخلق الكائنات الحية المختلفة‪ )4(.‬وكذلك‬ ‫ف���إن اختالف تتابعه���ا داخل كل نوع‪ ،‬يخل���ق التباين بين أفراد‬

‫النوع الواحد‪.‬‬

‫ولعل من أبرز مناط التشابه بين اإلنسان والنبات‪ ،‬هو تركيب‬

‫اليخض���ور في النبات واليحمور في اإلنس���ان؛ فالهيموجلوبين‬ ‫الموجود في دم اإلنسان والحيوان‪ ،‬واليخضور ‪-‬وهو الصبغة‬ ‫األساس���يه في النبات‪ -‬من أهم المركبات الحيوية التي تغذي‬

‫الحياة على س���طح األرض‪ .‬يتكون الهيموجلوبين من جزأين‪،‬‬ ‫أحدهم���ا يحت���وي عل���ى بروتين خ���اص وبه عنص���ر الكبريت‪،‬‬ ‫متح���دا مع الج���زء اآلخر وهو‬ ‫ويس���مى "جلوبي���ن"‪ ،‬إذ يك���ون‬ ‫ً‬

‫باس���م "بروفي���ن"‪ ،‬وال���ذي يتك���ون من أرب���ع حلق���ات البيرول‬ ‫‪-‬حلق���ة خماس���ية غير متجانس���ة تحتوي عل���ى النيتروجين في‬

‫أح���د أركانه���ا‪ -‬متصلة ببعضها في ش���كل حلقة بواس���طة أربع‬ ‫مجموعات من الميثين‪ ،‬مع بعض الفروق في نوعية المتراكب‬

‫تناسب وظيفة كل منهما‪ .‬فالهيم عبارة عن متراكب حديدوز‪،‬‬ ‫إذ يتمرك���ز أيون الحديد الثنائي وس���ط حلقة البورفين‪ ،‬أما في‬

‫ال من الحديد‪.‬‬ ‫حالة اليخضور فنجد الماغنسيوم بد ً‬

‫(‪)5‬‬

‫والمعجز‪ ،‬هو ما دعا الكثير من‬ ‫ِ‬ ‫ولعل هذا التشابه العجيب‬

‫العلم���اء لالعتقاد أن الكلوروفيل مادة بناء الهيموجلوبين لكل‬

‫األكل���ة من البش���ر والحيوان���ات‪ ،‬حيث ُوج���د أن للكلوروفيل‬ ‫َ‬

‫تأثي���رات بنائي���ة للدم ش���بيهة بتأثيرات الحدي���د‪ ،‬مما يمكنه من‬ ‫عالج األنيميا الحادة‪ .‬ولما كانت عصارة النبات المحتوية على‬

‫الكلوروفيل‪ ،‬تحتوي على أكس���يجين س���ائل‪ ،‬مما يسمح لنقاء‬ ‫الذهن ووضوح التفكير‪ ،‬كما أنه يعمل كمانع طبيعي لألكسدة‪.‬‬

‫وف���ي النهاي���ة‪ ،‬إن اهلل وحده ه���و الخالق الب���ارئ المصور‪،‬‬

‫وإن الكون لم ُيخلق صدفة‪ ،‬بل ُخلق بيد ُمبدعة‪ ،‬والكون يعج‬

‫بالكثير من آيات اهلل‪ ...‬وما علينا إال أن نتأمل ونتفكر في بديع‬ ‫خلق اهلل ‪.‬‬

‫صبغ���ة الهي���م الحمراء‪ ،‬ويوجد الهيموجلوبي���ن في خاليا الدم‬

‫الحم���راء‪ ،‬وعند مروره في الش���عيرات الدموية بالرئة‪ ،‬يحصل‬

‫جدي���دا يس���ري ف���ي ال���دورة‬ ‫مركب���ا‬ ‫عل���ى األكس���جين مكو ًن���ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يمدها باألكسجين‪.‬‬ ‫الدموية‪ ،‬وعندما يصل إلى أنسجة الجسم ُ‬

‫كما يتحد مع ثاني أكسيد الكربون الموجود في هذه األنسجة‬

‫(*) باحث في معهد بحوث تكنولوجيا األغذية‪ ،‬الجيزة ‪ /‬مصر‪.‬‬

‫الهوامش‬ ‫(‪ )1‬في ظالل القرآن‪ ،‬لسيد قطب‪ ،‬ج‪ ،6:‬دار الشروق‪ ،‬مصر‪.‬‬ ‫(‪)2‬‬

‫اهلل والعلم الحديث‪ ،‬لعبد الرزاق نوفل‪ ،‬ط‪ ،3:‬دار الناشر العربي‪.1973 ،‬‬

‫(‪ )3‬همس���ات وأص���وات الخاليا النباتي���ة‪ ،‬لعبد المجيد بلعاب���د‪ ،‬مجلة اإلعجاز‬

‫جديدا يس���ري إلى الرئتين م���رة أخرى‪ ،‬ليخلص‬ ‫مركبا‬ ‫مكو ًن���ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫العلمي‪ ،‬العدد‪.19:‬‬

‫إنه معمل متحرك داخل الجهاز الدوري بقدرة اهلل‪.‬‬

‫سلسلة عالم المعرفة‪ ،‬العدد‪ ،277:‬يناير ‪.2002‬‬

‫الجسم من ثاني أكسيد الكربون في عملية الزفير وهكذا‪ ...‬أي‬ ‫أم���ا اليخضور‪ ،‬فيقوم بوظيفة تحوي���ل الطاقة الضوئية التي‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪40‬‬

‫(‪ )4‬هذا هو علم البيولوجيا‪ ،‬إلرنست ماير‪ ،‬ترجمة‪ :‬د‪ .‬عفيفي محمود عفيفي‪،‬‬ ‫(‪ )5‬أوجه الشبه بين اإلنسان والنبات‪ ،‬مجلة عالم الكيمياء‪ ،‬العدد‪ ،4:‬ص‪.56:‬‬


‫في فتح الثغر وإغالقه حسب حالة الجو وحاجة النبات للماء‪.‬‬

‫ُسجل استقطاب زائد‪ ،‬وكلما انتشرت كمية زائدة أليون النترات‬ ‫ِ‬ ‫قويا‪ ،‬مما ُيؤدي إلى‬ ‫داخل الخلية كلما كان االستقطاب الزائد ًّ‬

‫نب���ات القلقاس الهندي الذي َيدمع ف���ي الليلة الواحدة حوالي‬

‫ذلك الصوت الذي ُيطلقه الحوت في وسطه المائي‪ .‬وكما هو‬

‫وق���د يزي���د النتح ف���ي بعض النبات���ات فيتجمع بخ���ار الماء في‬ ‫واضحا في‬ ‫جليا‬ ‫ً‬ ‫قط���رات ُيخيل للناظر أنها تبك���ي‪ ،‬ويبدو هذا ًّ‬

‫حمل باألمالح واألحماض‬ ‫الم ّ‬ ‫(‪100‬س���م مكعب)‪ ،‬من الم���اء ُ‬ ‫األمينية وغيرها‪ ...‬ويتم هذا في قنوات تش���به القنوات الدمعية‬

‫في اإلنس���ان‪ .‬والنبات يتنفس كاإلنس���ان؛ فيتنفس األكسجين‪،‬‬

‫وينفث ثاني أكسيد الكربون على مدار حياته‪ ،‬ولم ُتعرف هذه‬ ‫َ‬ ‫الحقيقة إال في العام (‪1779‬م)‪.‬‬

‫النبات معمل متحرك‬

‫للنب���ات س���اعته البيولوجي���ة التي تضب���ط إيقاع حيات���ه من نوم‬

‫ويقظ���ة‪ ،‬فتنبهه بموعد ش���روق الش���مس ُليهيئ نفس���ه ويش���مر‬ ‫عن س���اعده‪ ،‬ليقوم بتش���غيل أكبر المصان���ع الحيوية على وجه‬

‫األرض‪ُ ،‬لينت���ج باليين األطنان من الغ���ذاء فيما يعرف بـ"البناء‬

‫س���جل صو ًتا ُيش���به‬ ‫ارتفاع همس���ات الصوت عند الخلية‪ ،‬مما َّ‬ ‫معل���وم أن النت���رات بقدر نفعها للنبات يك���ون ِج ُّد مضر عندما‬ ‫تزيد الكمية المنتش���رة منها بداخل الخاليا‪ ،‬مما يجعل الخاليا‬

‫ف���ي حال���ة مغايرة‪ ،‬ويترتب عنه همس���ات أكبر من س���ابقتها‪،‬‬ ‫ال ُي َس��� ِّب ُح ب َِح ْم ِد ِه‬ ‫وص���دق الحق عندما قال‪﴿ :‬وإِن ِمن ش‬ ‫���ي ٍء ِإ َّ‬ ‫َ ْ ْ َ ْ‬ ‫ِيح ُهم ِإ َّن ُه َك َ ِ‬ ‫ورا﴾(اإلسراء‪.)44:‬‬ ‫َو َل ِك ْن َ‬ ‫ال َت ْف َق ُه َ‬ ‫يما َغ ُف ً‬ ‫ان َحل ً‬ ‫ون َت ْس���ب َ ْ‬ ‫وكما يس���جد اإلنس���ان والنجم وس���ائر المخلوقات هلل‪ ،‬يسجد‬ ‫���ج َد ِ‬ ‫ان﴾(الرحمن‪ ،)6:‬وه���ذا م���ا‬ ‫���م َو َّ‬ ‫﴿و َّ‬ ‫���ج ُر َي ْس ُ‬ ‫الش َ‬ ‫النب���ات‪َ :‬‬ ‫الن ْج ُ‬ ‫أكدته القياس���ات المأخ���وذة على أوراق النباتات واألش���جار؛‬ ‫(‪)3‬‬

‫عينا على مدار اليوم وكأنها تأخذ‬ ‫فلقد ثبت أنها تأخذ‬ ‫اتجاها ُم ً‬ ‫ً‬ ‫وضع السجود‪.‬‬

‫جدا في عملية معجزة التشابه‬ ‫الضوئي" حيث ُتحور بروتين يس���مى "‪ "D1‬مهم ًّ‬ ‫البن���اء الضوئ���ي‪ .‬وإذا اش���تدت الح���رارة‪ُ ،‬تنب���ه النب���ات إلنتاج‬

‫الخلي���ة ه���ي الوح���دة التركيبي���ة والوظيفي���ة األساس���ية للحياة‪،‬‬

‫وق���د َيخلد النبات للنوم‪ ،‬وأهم أجزاء النبات التي يظهر عليها‬

‫بينم���ا ف���ي الكائنات الراقية "عديدة الخالي���ا" فإنه يوجد تجمع‬

‫فالفونويدات التي تعمل كس���رابيل تقي النبات ش���ر هذا الحر‪.‬‬ ‫نهارا‪.‬‬ ‫النوم‪ ،‬هي األزهار التي تستسلم للنوم لي ً‬ ‫ال أو ً‬

‫حيا كامال ً ف���ي الكائنات "وحيدة الخلية"‪،‬‬ ‫وتعتب���ر الخلية كائ ًنا ًّ‬ ‫لع���دد هائل من الخاليا المختلفة‪ ،‬والتي ُتنظم بكل دقة لتكون‬

‫وإن كان الص���وت عن���د اإلنس���ان وس���يلة اتص���ال وتب���ادل‬

‫عض���وا‪ ،‬واألعض���اء تتحد‬ ‫نس���يجا‪ ،‬واألنس���جة تك���ون بدورها‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫وتس���بيحه ليل نهار‪ ...‬ففي تجربة باهرة عالية التقنية تمت في‬

‫وبالرغ���م من تعدد النوات���ج التخصصية والوظيفية للخاليا‬

‫لمناجاة الواحد األحد‬ ‫أفكار‪ ،‬فالصوت عند النبات ما ُخلق إال ُ‬

‫جامع���ة "باري���س ‪ "7‬بمختب���ر كهروفيزيولوجيا األغش���ية‪ ،‬ثبت‬ ‫مك���ن الباحثين من‬ ‫أن وج���ود بع���ض المذابات مث���ل النترات‪ّ ،‬‬

‫مالحظة اس���تقطاب زائد عند الخالي���ا‪ ،‬وخاص ًة عندما تمتص‬

‫الخاليا النباتية أيون النترات أو الكلورور‪ .‬وهذا االس���تقطاب‬ ‫والمتغي���ر بتغي���ر المذاب���ات‪ ،‬يم ّث���ل االس���تقطاب الع���ام‬ ‫الزائ���د ُ‬ ‫للخاليا النباتية‪ ،‬ويمثل الحالة الفس���يولوجية التي تكون عليها‬

‫الخاليا‪ .‬هذا االستقطاب ُيؤكد فرق الجهد بين داخل الخاليا‬

‫مكنت م���ن قياس كمي‬ ‫والوس���ط الخارج���ي‪ .‬هذه العملي���ات ّ‬ ‫وكيفي للوسط الكهربي عند الخاليا والبروتوبالزما‪ ،‬وكان من‬ ‫بمضخم ِج ُّد دقيق‪،‬‬ ‫الضروري ربط ّ‬ ‫كش���اف الذبذب���ات الناتجة ُ‬ ‫لتحوي���ل إش���ارات الذبذبات إل���ى أصوات ُمتزامن���ة مع الجهد‬

‫المقاس بكشاف الذبذبات‪.‬‬ ‫الكهربي ُ‬

‫خالصة القول‪ُ ،‬وجد أنه كلما زاد أيون النترات عند الخلية‬

‫حيا‪ ،‬سواء كان نبا ًتا أو حيوا ًنا أو إنسا ًنا‪.‬‬ ‫لتكون كائ ًنا ًّ‬

‫ف���ي الكائن���ات المختلف���ة‪ ،‬إال أن الخالي���ا متش���ابهة إل���ى ح���د‬

‫كبي���ر ف���ي احتوائها عل���ى عديد م���ن العضيوات الت���ي تتم فيها‬ ‫التفاعالت الكيماوية‪ ،‬كذلك تتش���ابه في "األغش���ية البالزمية"‬

‫و"األحم���اض النووية" (‪ ،)DNA&RNA‬والتي تعمل كمكونات‬ ‫أساس���ية في ميكانيكية نقل المعلومات الوراثية ونقل الصفات‬

‫م���ن جي���ل آلخر في الكائنات‪ ،‬س���واء كان إنس���ا ًنا أو حيوا ًنا أو‬ ‫نبا ًت���ا‪ .‬هذه األحماض النووية جوهرية الوظيفة توجد في جزء‬

‫متناه���ي الصغر‪ ،‬قطره (‪ 10-5‬ميكرون)‪ ،‬منغمس في الس���ائل‬ ‫الخلوي لكل الكائنات يسمى "النواة"‪.‬‬ ‫والمعج���ز أن‬

‫(‪)DNA‬‬

‫أو "الحم���ض الن���ووي الديوكس���ي‬

‫ريبوز"‪ ،‬له تركيب واحد في اإلنسان والكائنات الراقية (‪Higher‬‬

‫‪ )Organisms‬ومنها بالطبع النبات‪ .‬ويتكون (‪ )DNA‬من شريطين‬ ‫الس ّلم‪ ،‬والذي تتكون جوانبه من‬ ‫ملتفين حول بعضهما يش���بها ُ‬

‫‪39‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫العدائي���ة الشرس���ة‪ ،‬مثل اإلنس���ان! فمنها ما يهاجم ش���قيقة من‬

‫ٌ‬ ‫أصل واحد‬

‫مكو ًنا‬ ‫إذا فت���ق الجني���ن الب���ذرة وفس���ق عنها ‪-‬عن���د اإلنب���ات‪ِّ -‬‬

‫متجها‬ ‫معتمدا في غذائه على مدخر أمه البذرة‪،‬‬ ‫صغيرا‬ ‫ذيرا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ُج ً‬ ‫حيث يس���تطيل ويش���تد عوده فيثبت فيها ويتغذى‬ ‫إلى األرض‬ ‫ُ‬

‫منها‪ ،‬ش���أنه في ذلك ش���أن الجنين في اإلنسان والحيوان الذي‬ ‫يتغ���ذى م���ن أمه في بطنها ث���م من لبنها حتى فصاله‪ ...‬وينش���ر‬

‫الجذر ش���عيراته في التربة يبتغي من فضل اهلل من ماء وعناصر‬ ‫غذائي���ة ينتقيها بعناي���ة فائـقة فيما يع���رف بـ"النفاذية االختيارية"‬

‫مقتصدا فيما يرغه في���ه‪ ...‬ثم تأخذ هذه‬ ‫عا ًف���ا عم���ا ال يحتاج���ه‬ ‫ً‬ ‫الم���واد مس���ارها ألعلى لتص���ل إلى كل خالي���ا النبات‪ ،‬ضاربة‬

‫النبات أو يعتدى على بعض الحيوانات أو الحشرات الضعيفة‬ ‫بأس���لحتها الكيماوية؛ فالنبات أول منتِج ومس���تخدِ م لألسلحة‬

‫الكيماوي���ة‪ .‬والغري���ب أن تلك األنواع المفترس���ة تنتج غذاءها‬

‫ذاتي���ا كبني جلدتها‪ ،‬ولك���ن لديها أعضاء تحورت لتمكنها من‬ ‫ًّ‬ ‫اقتناص فرائسها التي تمدها بالنيتروجين الذي تفتقر إليه التربة‬

‫التي تقطنها‪ .‬ويجب أال نترك هذا المقام دون أن نس���وق أمثل ًة‬ ‫لنباتات مفترسة تشترك جميعها في آلية االفتراس‪ ،‬معتمدة في‬

‫جاذبا للضحية برائحته‬ ‫المذاق‪،‬‬ ‫ذلك على إفرازها سائ ً‬ ‫ً‬ ‫ال ُحلو َ‬ ‫الذكي���ة‪ ،‬وما أن تص���ل الضحية إلى الش���رك‪ُ ،‬يقفل عليها الفخ‬

‫وتهوى في بركة من األحماض الكاوية واألنزيمات المحللة‪،‬‬

‫أعظ���م األمثل���ة لعظيم ق���درة اهلل ‪ ،‬وضآلة قدرات اإلنس���ان‬ ‫الذي يعجز عن ُصنع مثل هذا مهما ُأوتي من علم وتقنية‪.‬‬

‫فتتحل���ل الضحية و ُتمتص وتمر في عصارة النبات‪ ،‬هذا برغم‬

‫النباتات المفترسة‬

‫اختالف األشكال واألسماء فمنها "نبات الديونيا" (‪،)Dionaea‬‬

‫ال حياة لإلنس���ان والحيوان ب���دون النبات‪ ،‬فالمملكة الحيوانية‬

‫و"الدروسيرا" (‪ )Drosera‬و"نبات الجرة" (‪.)Nepenthes Ventrata‬‬

‫وإن كان اإلنس���ان ال يخل���و م���ن الطفيلي‪ ،‬فعال���م النبات ُيعج‬

‫يقدر أعدادها بنصف مليون نوع‪ -‬بهذا السمو والنبل والرفعة؟‬

‫الدب���ق ذي األوراق الخض���راء‪ ،‬الت���ي تمكن���ه من ُصن���ع غذائه‬

‫ُجبل���ت على التطفل على النبات‪ ،‬لكن هل كل النباتات ‪-‬التي‬

‫اله���دال" (‪ )Mistletoe‬أو‬ ‫بالمتطفلي���ن وال ُفضوليي���ن‪ ،‬مثل "نبات‬ ‫َّ‬

‫كال‪ ،‬ب���ل إنه���ا تض���م العديد م���ن النبات���ات ذات الممارس���ات‬

‫بنفس���ه‪ ،‬إال أنه يتطفل على النباتات التي يتس���لق عليها‪ُ ،‬فيولج‬ ‫ممصات���ه داخ���ل األنابي���ب حامل���ة الغ���ذاء إلى أج���زاء النبات‪،‬‬

‫فيسلُب منه الماء والغذاء مما ُيلحق به الذبول أو يقضي عليه‪.‬‬ ‫وهن���اك الهالوك المتطفل على نباتات العائلة البقولية الذي إذا‬

‫سبب خسائر فادحة‪.‬‬ ‫تمكن منها‪ّ ،‬‬

‫نبات يَدمع‬

‫النبات كاإلنس���ان ُيولد ويموت ويفرح ويحزن‪ ،‬بل قد ُيصاب‬

‫المس���جلة ب���أدق‬ ‫بصدم���ات عصبي���ة! ه���ذا م���ا أكدت���ه النتائ���ج‬ ‫َّ‬ ‫ٍ‬ ‫نباتات ُوضع���ت في َمركبات الفضاء‪ ،‬حيث‬ ‫األجه���زة على‬ ‫عان���ت من االضطراب والخ���وف‪ ،‬وما لبثت أن هبطت‬ ‫عل���ى األرض حت���ى ع���اد إليه���ا اله���دوء واالطمئنان‬ ‫والس���كينه‪ ،‬وانقش���ع عنها التوت���ر والقلق‪ )2(.‬وعلى‬ ‫النقي���ض م���ن ذل���ك فهي تتماي���ل راقصة منتش���ية‬ ‫فرح���ا بالماء بع���د العطش‪ .‬وكم���ا ُيلطف العرق‬ ‫ً‬ ‫درجة حرارة اإلنس���ان‪ ،‬فالنبات���ات تملك أنظمة‬ ‫تكيي���ف ُتلط���ف م���ن حرارتها بتبخي���ر الماء عن‬

‫طري���ق الورقة فيما ُيعرف بـ"النتح" بتقنية معجزة‪،‬‬

‫حي���ث ُيحاط الثغ���ر بخليتين حارس���تين تتحكمان‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪38‬‬


‫علوم‬

‫د‪ .‬إبراهيم عبد الباقى أبوعيانة*‬

‫اإلنسان والنبات‬

‫س���يظل الق���رآن الكري���م معج���زة اهلل الخالدة‪،‬‬

‫ض َوإ ِْذ َأ ْن ُت���م َأ ِج َّن��� ٌة ِفي ُب ُط ِ‬ ‫���ن ا َ‬ ‫َ‬ ‫ون‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫���م إ ِْذ َأ ْن َش��� َأ ُك ْم ِم َ‬ ‫ْ‬ ‫���م ب ُِك ْ‬ ‫أ ْع َل ُ‬

‫معج���زة العل���م والمعرف���ة‪ .‬وم���ن اإلش���ارات‬ ‫﴿واهللُ َأ ْنب َتكُ ْم م َِن ا َ‬ ‫ض َن َبا ًتا﴾(نوح‪،)17:‬‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫القرآنية قوله تعال���ى‪َ :‬‬ ‫َ‬ ‫وفي ذلك إشارة ُتلمح إلى درجة التشابه بين اإلنسان والنبات‬ ‫وتوحد النشأة ووحدانية الخالق‪.‬‬

‫إشارة تستدعي التأمل‪ ،‬فهي توحي بالوحدة بين أصول الحياة‬

‫تح���اج العق���ل وتتح���داه إل���ى األب���د‪ .‬فالقرآن‬

‫والتعبير عن نش���أة اإلنس���ان م���ن األرض باإلنب���ات‪ ،‬تعبير‬

‫عجيب موح‪ ،‬وهو يكرر في القرآن الكريم بصور شتى كقوله‬ ‫َّ‬ ‫���ه ِبإ ِْذ ِن َر ِّب��� ِه َوا َّل ِذي َخ ُب َث‬ ‫ت‬ ‫ا‬ ‫ب‬ ‫ن‬ ‫ج‬ ‫ر‬ ‫خ‬ ‫ي‬ ‫���ب‬ ‫���د َّ‬ ‫﴿وا ْل َب َل ُ‬ ‫الط ِّي ُ َ ْ ُ ُ َ َ ُ ُ‬ ‫تعال���ى‪َ :‬‬ ‫﴿ه َو‬ ‫َ‬ ‫���ر ُج ِإ َّ‬ ‫ال َن ِك ًدا﴾(األع���راف‪ ،)58:‬وكذل���ك قول���ه تعالى‪ُ :‬‬ ‫ال َي ْخ ُ‬

‫ُأ َّم َها ِت ُك ْم﴾(النجم‪ .)32:‬واإلش���ارة إلى نش���أة الناس كنشأة النبات‬

‫عل���ى وج���ه األرض‪ .‬وإن نش���أة اإلنس���ان من األرض‪ ،‬كنش���أة‬ ‫النب���ات من عناصرها األولي���ة يتكون‪ ،‬وم���ن عناصرها األولية‬ ‫يتغ���ذى وينم���و‪ ،‬فهو نب���ات من نباتها‪ ،‬وهب���ه اهلل هذا اللون من‬ ‫الحياة كما وهب النبات ذلك اللون من الحياة‪ .‬فكالهما نتاج‬ ‫األرض وكالهم���ا يرض���ع من ه���ذه األم‪ ،‬وبعد الموت يعود‬ ‫(‪)1‬‬

‫ترابا‪.‬‬ ‫كالهما إلى األرض ً‬

‫‪37‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫حول "النور الخالد"‪ ،‬ولقد زالت جميع أسماء الخالئق وقتها‪،‬‬

‫و َأ ِ‬ ‫ش���ع ْر قلوبنا بطمأنينة داللتك وهدايتك إلى سواء السبيل‪...‬‬

‫ض‬ ‫���ر ْح ل َ‬ ‫َ���ك َص ْد َركَ ‪َ ‬و َو َض ْع َن���ا َع ْن َك وِ ْز َركَ ‪ ‬الَّ���ذِ ي َأ ْن َق َ‬ ‫َن ْش َ‬ ‫َك ذ ِْك َركَ ﴾(الشرح‪ِ ﴿ ،)4-1:‬إ َّنا َأ ْعطَ ْي َناكَ الْكَ ْو َث َر‬ ‫ظَ ْه َركَ ‪َ ‬و َر َف ْع َنا ل َ‬ ‫���و ا َ‬ ‫أل ْب َت ُر﴾(الكوثر‪.)3-1:‬‬ ‫���ل ل َِر ِّب َ‬ ‫‪َ ‬ف َص ِّ‬ ‫���ك َوا ْن َح ْر ‪ِ ‬إ َّن َش���ا ِن َئ َك ُه َ‬

‫وك���م كن���ا نتمن���ى أال نتطاير أش���تا ًتا م���ع الخري���ف‪ ،‬وأال نكون‬

‫وسيل َة حزن يطرأ عليك‪ ...‬لكن هيهات هيهات"‪.‬‬

‫يقي���ن أن رج���اء األس���تاذ قد تح َّق���ق‪ ،‬وهو ال���ذي يكره‬ ‫وك ِّل���ي‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬

‫(*) مدير معهد المناهج‪ ،‬الجزائر العاصمة ‪ /‬الجزائر‪.‬‬

‫فريد هو اس���م س���يد الثقلين محم���د ‪ .‬ولقد‬ ‫اس���م‬ ‫إال‬ ‫واح���د ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ص���دق اهلل العظي���م القائل وهو يبش���ر نبيه وينذر ش���انئه‪َ ﴿ :‬أل َْم‬

‫وحتى اس���م "فتح اهلل" قد ذاب في بوتقة الحبيب القريب‪.‬‬

‫ويتفنن في "تصفير الذات"‪ ،‬وفي درء‬ ‫األضواء‪ ،‬ويعشق الظل‪،‬‬ ‫َّ‬

‫أي‬ ‫المدح والمحمدة‪ ...‬فيختفي عن األنظار‪ ،‬وينهى عن نسبة ّ‬ ‫رب‪ ،‬ال ُترني ربيع عملي‪،‬‬ ‫عم���ل ل���ه‪ ،‬ويبكي لربه ليل نهار‪" :‬يا ِّ‬ ‫واد ِخر‬ ‫وانفع به غيري‪ ،‬وال تجعل ّ‬ ‫حظي من عملي في دنياي‪َّ ،‬‬

‫األجر ليوم ُلقياك‪ ...‬آمين يا رب العالمين"‪.‬‬ ‫لي‬ ‫َ‬

‫وم���ا أروع المناج���اة الت���ي يتفط���ر عل���ى إثره���ا القل���ب‬

‫المح���ب للمصطفى‪ ،‬وتزول في س���احها الحروف والكلمات‬ ‫ُّ‬ ‫ٍ‬ ‫برهان‪،‬‬ ‫معبر‪ ،‬والش���ده أقوى‬ ‫واألص���وات‪ ،‬لتترك الصمت أبلغ ّ‬ ‫واله���م أص���دق ٍ‬ ‫بيان‪ ...‬إنه���ا لمناجاة عاش���ق وله���ان متيم‪ ،‬لم‬ ‫َّ‬ ‫يوما وال رج���اء له فيها‪ ،‬وإنم���ا لياله "أمته‬ ‫يخط���ب ي���د "ليل���ى" ً‬

‫ودينه"‪ .‬وهو لذلك يناش���د "سلطان القلوب" ‪ ‬بقوله‪" :‬يا أيها‬ ‫روح الروح‬ ‫النب���ي المبارك المحلق ف���ي األعالي ً‬ ‫أبدا‪ ...‬أن���ت ُ‬

‫ورس���التك دواء ألدوائن���ا المزمن���ة‪ ،‬نرج���وك أن تأتينا كرة‬ ‫لن���ا‪،‬‬ ‫ُ‬

‫تدعن���ا بال روح‪ ...‬نرج���وك أن تتكلم مرة أخرى‪،‬‬ ‫أخ���رى‪ ،‬فال ْ‬

‫فال َت َدع عبيدك في مضض الهموم‪ ...‬في طريق مس���يرتنا كثير‬ ‫وعظائ���م من نيران الفتن َتغش���ي‬ ‫م���ن المتربصي���ن بن���ا الداوئر‪،‬‬ ‫ُ‬

‫آفاقن���ا بدخانه���ا‪ ...‬ونحن نكدح في الس���ير مهما كان‪ ،‬نس���عى‬

‫مرة‪ ،‬ونكبو أخرى!‪ ..‬فاجعل معيتك عالمة لنا في طرق سيرنا‪،‬‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪36‬‬

‫وإذا لم تنادنا من فوق قمم القلوب‪ ،‬فلم نسمع نحن ‪-‬بدورنا‪-‬‬ ‫فس���نصفر كاألوراق التي‬ ‫الم ْح َيية‪،‬‬ ‫ِمن آفاق أرواحنا‬ ‫َ‬ ‫أنفاس���ك ُ‬ ‫ُّ‬ ‫سببا لهبوب أنسام الحزن في أفقك‪.‬‬ ‫يلتهمها الخريف‪ ،‬ونصير ً‬ ‫(‪)7‬‬

‫الهوامش‬ ‫(‪ )1‬إش���ارة إلى قصيدة "بدا حاجب األفق"‪ ،‬لألس���تاذ فتح اهلل كولن‪ ،‬مطلعها‪:‬‬ ‫ ‬ ‫أوشك السفر على االنتهاء***وبدا حاجب األ ُفق***ذاك الربيع الذي كان‬ ‫مصفرا‪.‬‬ ‫اليوم‬ ‫مخضرا بكل أشكاله***أصبح‬ ‫َ‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫(‪ )2‬ع���اش أحم���د ش���وقي أحلك أي���ام المس���لمين‪ ،‬وعاي���ن س���قوط الخالفة‪،‬‬ ‫ ‬ ‫ُ���ب االس���تعمار الغربي عل���ى البالد المس���لمة‪ ،‬وضعف المس���لمين‬ ‫وتكال َ‬ ‫وهوانهم وخورهم حينها‪ ،‬وذلك ما بين ‪1932-1868‬م‪.‬‬ ‫(‪ )3‬القضية الكبرى لش���عبنا‪ ،‬لألس���تاذ فتح اهلل كولن‪ ،‬وهو مقال نشر في كتاب‬ ‫ ‬ ‫"ونحن نقيم صرح الروح"‪ ،‬ص‪.105:‬‬ ‫(‪" )4‬النور الخالد"‪ ،‬لألس���تاذ فتح اهلل كولن‪ ،‬وقد طُ بع طبعة راقية بديعة‪ ،‬وبيع‬ ‫ ‬ ‫منه في مولد هذه السنة فقط‪ ،‬باللغة التركية‪ ،‬حوالي مليوني نسخة‪ ،‬إضافة‬ ‫األم‪ ،‬وبش���تى اللغات التي‬ ‫إلى ماليين النس���خ التي بيعت من ُ‬ ‫قبل‪ ،‬باللغة ّ‬ ‫علما ب���أن الهدف هو تبلي���غ صوت الرس���ول ‪ ‬إلى جميع‬ ‫ترج���م إليه���ا‪ً ،‬‬ ‫سكان العالم بجميع لغات البشر‪.‬‬ ‫(‪ )5‬مح���ور "طانجا‪-‬جاكارت���ا" بتعبي���ر مالك بن نبي‪ ،‬ومح���ور "مراكش‪-‬جاوا"‬ ‫ ‬ ‫بتعبير فتح اهلل كولن‪.‬‬ ‫(‪ )6‬دني���ا ف���ي رحم الوالدة‪ ،‬لألس���تاذ فتح اهلل كولن‪ ،‬وهو مقال نش���ر في كتاب‬ ‫ ‬ ‫"ونحن نقيم صرح الروح"‪ ،‬ص‪.12:‬‬ ‫(‪ )7‬وخات���م المنبئي���ن عن الغيب‪ ،‬لألس���تاذ فتح اهلل كولن‪ ،‬وهو مقال نش���ر في‬ ‫ ‬ ‫كتاب "ونحن نبني حضارتنا"‪ ،‬ص‪.144:‬‬


‫وفرجا‪،‬‬ ‫خرجا‬ ‫ً‬ ‫وإتقا ًنا‪ ،‬أغلبها من س���خاء أهل البلد الذين آمنوا بدرب العلم َم ً‬ ‫ورا للطلب���ة وأخرى للطالبات‪ ،‬مفتوح ًة عل���ى العالم مبنى‪ ،‬ومتصلة‬ ‫ث���م زرنا ُد ً‬ ‫ال قوله تعالى‪َ ﴿ :‬ف ْأ ُووا ِإ َلى‬ ‫دعاء وابتها ً‬ ‫بالسماء معنى‪ ،‬يصدق أن ُيتلى عند بابها ً‬ ‫ا ْل َك ْه ِ‬ ‫ف َي ْن ُش ْر َل ُك ْم َر ُّب ُك ْم ِم ْن َر ْح َم ِت ِه َو ُي َه ِّي ْئ َل ُك ْم ِم ْن َأ ْم ِر ُك ْم ِمر َف ًقا﴾(الكهف‪.)16:‬‬ ‫أي مكانة‪ ،‬غير أنها ليست لكنز األموال‬ ‫وإن للتجارة والصناعة هنا لمكانة ُّ‬ ‫الر ْء َيا أو في األثاث‪،‬‬ ‫الطائلة‪ ،‬ثم‬ ‫تبذيرها في المالهي واللوثات‪ ،‬أو إسرافها في ِّ‬ ‫ُ‬ ‫ونفعا للخلق‪ ،‬وهي لإلنفاق في سبيل‬ ‫وإنما هي للسخاء ًّ‬ ‫سحا‪ ،‬استجاب ًة للحق ً‬

‫د‪ .‬علي أونسال‪/‬تركيا‪.‬‬

‫والبر‪ ،‬والبذل في طريق العلم النافع والعمل الصالح‪ ...‬ألم يقل نبينا المكرم‪،‬‬ ‫الخير ِّ‬ ‫َّ‬ ‫المال الصالح للرج���ل الصالح" (رواه البخاري)‪.‬‬ ‫ف���داه ِّأم���ي وأبي‪" :‬يا عمرو‪ ،‬نعم‬ ‫ُ‬

‫ولقد مرت األيام كلمح البصر إلى أن جاء موعد الملتقى‪ ،‬فجمع المئات‬ ‫َّ‬ ‫من المحبِين الـمش���وقين الـمشوفين‪ ،‬كلُّهم جاء ِّ‬ ‫ليشنف أسماعه بذكر الحبيب‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫تس���تمر‬ ‫التي‬ ‫البالد‬ ‫هذه‬ ‫في‬ ‫التس���ليم‪،‬‬ ‫وأزكى‬ ‫الصالة‬ ‫أفض���ل‬ ‫عليه‬ ‫المصطف���ى‬ ‫ُّ‬ ‫وشهورا‪.‬‬ ‫شهورا‬ ‫االحتفاالت فيها بمولد البشير‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كانت البداية بوجب ٍة سخي ٍة مع عشاء طيب المذاق‪ ،‬تح ُّفه المالئكة‪ ،‬حيث‬ ‫يتع���ارف الناس من مختلف األمصار‪ ،‬بوجو ٍه مس���فرة وأخرى ضاحكة وثالثة‬

‫الشاعرة حاج نينو واريسمان‪/‬أندونيسيا‪.‬‬

‫وجها‬ ‫مستبش���رة‪ ...‬وإن���ك لن تصادف ‪-‬في هذا المقام اإليمان���ي المحمدي‪ً -‬‬

‫قمطريرا‪ ،‬وال وجوها عليها غب���رة ترهقها قترة‪ ...‬وإنما هي الرحمات‬ ‫عبوس���ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫تنـزل من رب رحيم ودود كريم‪.‬‬ ‫حين َّ‬

‫طريا‪،‬‬ ‫مجود من أهل البلد ٌ‬ ‫كهل‪ ،‬غير أن صوته ال يزال ًّ‬ ‫َّ‬ ‫غضا ًّ‬ ‫فشنف األسماع ِّ‬

‫وظني أن سيدنا الحبيب المصطفي لو سمعه‪ ،‬لقال له ما قال للصحابي الجليل‬

‫مزمارا من مزامير آل داود"‬ ‫أوتيت‬ ‫أبي موسى األشعري عليه رضوان ربي‪" :‬لقد‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫(رواه مسلم)؛ ولقد اتفق العلماء األفذاذ أن المزمار دالل ٌة على الصوت الحسن‪.‬‬

‫ث���م انب���رت فرق���ة "الن���ور الخال���د" لألناش���يد والمدي���ح بأصواته���ا الناعمة‬ ‫تردد بحنين وأنين‪ ،‬مدائح وأناش���يد‬ ‫الش���جية المليح���ة الصافية النغ���م‪ ،‬فقامت ِّ‬

‫د‪ .‬محمد جكيب‪/‬المغرب‪.‬‬

‫عن المجتبى الحبيب‪ ،‬بلغات أربع‪ ،‬تتراوح بينها في سالس���ة‪ ،‬تنس���يك القيود‬ ‫والحدود‪،‬‬ ‫وتذكرك أن اللغات جميعها آية من آيات اهلل تعالى‪ ،‬قبحها من قبح‬ ‫ِّ‬ ‫محتواها وجمالها من جمال فحواها‪.‬‬

‫واعتصارا‪ِ ،‬لش���اعرة‬ ‫طربا‬ ‫وعل���ى القاع���ة َّ‬ ‫تنزل���ت غمام ٌة‪ ،‬فطارت القل���وب ً‬ ‫ً‬

‫وتذر‬ ‫ُتخاطب رس���ول األنام بلس���ان قومها‪ ،‬فتبكي القلوب الضارعة وتدميها‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫طرقة‪ ،‬وهي تنادي بأعلى صوتها‪" :‬يا رس���ول اهلل‪ ...‬يا‬ ‫األفواه فاغرة واآلذان ُم ِ‬ ‫رسول اهلل‪ ...‬يا رسول اهلل"‪.‬‬ ‫تتنزل‬ ‫كلمات للترحي���ب‪،‬‬ ‫وكان للضي���وف واألعي���ان‬ ‫ٌ‬ ‫ونصائ���ح كالجواهر َّ‬ ‫ُ‬

‫عل���ى الجم���وع وضيئ��� ًة ناصح��� ًة ناصع ًة‪ ...‬وم���ا ذلك إال أنها نبت���ت في أرض‬

‫وسقيت بماء العشق‪ ،‬ونمت تحت سماء الوصل‪ ،‬ثم أثمرت خيرات‬ ‫الشوق‪ُ ،‬‬

‫وضيئا‪.‬‬ ‫نورا‬ ‫وبركات‪ ،‬وغمرت األرواح ظ ًّ‬ ‫ال ظلي ً‬ ‫ً‬ ‫ال‪ ،‬وأح َّلت الوجوه ً‬

‫وأخي���را‪ ،‬جاء بيت القصيد‪َ ،‬عبرات وعب���ارات في محاضرات وانطباعات‬ ‫ً‬

‫‪35‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫مصطفى أوزجان‪ ،‬مستشار مجلة حراء‪/‬تركيا‪.‬‬


‫شئت‬ ‫َنعم‪ ،‬من هنالك‪ ،‬في الطرف الشرقي لمحور "طنجة‪-‬جاكارتا"‪ ،‬أو إن َ‬ ‫لخط "مراكش‪-‬ج���اوا"؛(‪ )5‬من هنال���ك‪ ،‬من جاوا‪ ،‬وجاكارت���ا‪ ،‬وبانودنغ‪،‬‬ ‫فق���ل ِّ‬

‫كرس���ي "األس���تاذ فتح‬ ‫مأجورا‬ ‫تفضل بها‬ ‫وس���ومطرة‪ ...‬ج���اءت دعو ٌة كريم ٌة‪َّ ،‬‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬

‫اهلل كول���ن" ف���ي "الجامع���ة اإلس�ل�امية الوطنية"‪ ،‬فاس���تجاب ث َّل ٌة م���ن المث ّقفين‬ ‫آخر نقطة من جغرافية‬ ‫ال وجهة ِ‬ ‫وأس َر ْوا لي ً‬ ‫والمفكرين‪ ،‬من المغرب والمشرق‪ْ ،‬‬

‫أ‪.‬د‪ .‬عقيل سراج‪ ،‬رئیس نهضة العلماء‪/‬أندونيسيا‪.‬‬

‫فيس���ر اهلل له���م أم���ر الس���فر‪ ،‬ث���م فتح لهم م���ن رحمته‪ ،‬كي���ف ال وقد‬ ‫الش���رق‪َّ .‬‬ ‫اس���تجابوا ألمر ربهم الحكيم‪ُ ﴿ :‬ق ْل ِس���يروا ِفي ا َ‬ ‫ض ُث َّم ا ْن ُظ ُروا﴾(األنعام‪،)11:‬‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫ُ‬ ‫﴿ َف ْام ُشوا ِفي َم َن ِ‬ ‫اكب َِها َو ُك ُلوا ِم ْن رِ ْز ِق ِه﴾(الملك‪.)15:‬‬ ‫اس���تقبل الوفد‬ ‫وهنالك‪ ،‬في جاكارتا‪ ،‬عاصمة الجزر األندونيس���ية‪ ،‬هنالك ُ‬ ‫بحفاوة يعجز اللسان عن وصفها؛ بورو ٍد في المطار‪ ،‬ثم بإقام ٍة في منزل ِ‬ ‫أنعم‬ ‫ب���ه م���ن منزل‪ ،‬وتوال���ت الزيارات إلى الش���خصيات البارزة‪ ،‬والوج���وه الطيبة‪،‬‬

‫والمؤسس���ات البديعة‪ ...‬في هذه البالد العامرة الطاهرة‪،‬‬ ‫الس���خية‪،‬‬ ‫والعائالت‬ ‫َّ‬ ‫َّ‬

‫التي نزل بها "المهاجرون" من ش���باب "الخدمة" أوائل التس���عينيات من القرن‬

‫أ‪.‬د‪ .‬نصر الدين عمر‪ ،‬نائب وزير شؤون األديان‪/‬أندونيسيا‪.‬‬

‫"المحبة" و"التس���امح" ومعنى "أن تعي���ش لآلخرين"‪،‬‬ ‫الماض���ي‪ ،‬فب���ذروا فيه���ا‬ ‫َّ‬ ‫أن "ما ُنبت مما لم‬ ‫ودفنوا ألجل ذلكم "أنانياتهم" في تراب الخمول‪ ،‬مو ِقنين َّ‬ ‫نتاجه"‪.‬‬ ‫يتم ُ‬ ‫ُيد َفن ال ُّ‬ ‫ولقد قال أحد وجوه البلد في كلمة بديعة ُقبيل وجبة عشا ٍء دعانا إليها عن‬ ‫طيب خاطر‪" :‬إن فتح اهلل قد أعاد االعتبار إلى األخالق الحميدة‪ ،‬في منظومة‬

‫جل نصوص الش���ارع‬ ‫األوام���ر والقي���م الش���رعية‪ ،‬هذه‬ ‫ُ‬ ‫األخ�ل�اق التي تش���غل َّ‬

‫الحكيم‪ ،‬ولكنها ‪-‬لألسف‪ -‬تكاد تغيب من واقع المسلمين اليوم"‪ ،‬ثم أردف‬ ‫تذكرنا بأخالق‬ ‫قائ�ل� ً‬ ‫ا‪" :‬ل���م نعرف الخدمة إال من خالل أخالق ش���بابها‪ ،‬التي ِّ‬ ‫د‪ .‬فؤاد البنا‪/‬اليمن (على اليسار)‪.‬‬

‫أن هؤالء هم الصحابة‬ ‫الصحابة‪ ،‬عليهم شآبيب الرحمة‪ ،‬ويليق بنا أن نعترف ّ‬ ‫أحدا"‪.‬‬ ‫الجدد‪ ،‬صحاب ُة هذا العصر‪ ،‬بحول اهلل تعالى‪ ،‬وال ِّ‬ ‫نزكي على اهلل ً‬ ‫ويذكر التاريخ أن "أهل حضرموت‪-‬اليمن" نشروا اإلسالم في هذه الربوع‬ ‫اليافع���ة‪ ،‬وال ي���زال له���م هنا ذكر وأث���ر ومحمدة‪ ،‬بل ِ‬ ‫رق ح���ي نابض‪ ،‬ممن‬ ‫وع ٌ‬

‫فيسجل‬ ‫يمن الحكمة والفخر والبطولة‪َّ ...‬أما اليوم‪،‬‬ ‫أصله من اليمن الس���عيد‪ِ ،‬‬ ‫ِّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫جهورٍ‬ ‫أحيوا لحمة الدين من جديد‪،‬‬ ‫التاريخ‬ ‫صادق‪ّ ،‬‬ ‫بصوت ُ‬ ‫أن "أهل الخدمة" َ‬ ‫وأن‬ ‫وأزالوا هواجس ال ُفرقة‪َّ ،‬‬ ‫أن "اإلس�ل�ام دين أمن وأمان"‪ّ ،‬‬ ‫وذكروا العالمين ّ‬ ‫جميعه في اإلعراض عن���ه‪ .‬ألم يقل‬ ‫وأن الش���ر‬ ‫الخي���ر ك َّل���ه في اإلقب���ال عليه‪ّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬

‫د‪ .‬محمد باباعمي‪/‬الجزائر‪.‬‬

‫قريبا ‪-‬إن لم ننقض عهد‬ ‫الخريت‪" :‬رجاؤنا الوطيد‬ ‫المرشد‬ ‫َ‬ ‫المنتظر أن نشهد ً‬ ‫ّ‬ ‫كرة أخرى‪ ...‬وأن‬ ‫الوفاء مع اهلل تعالى‪ -‬معاني س���ورة النصر بعظمتها وهيبتها ّ‬

‫ظل اإلس�ل�ام‬ ‫ترفرف رايات اإليمان واألمل واألمن فاالطمئنان والحبور‪ ،‬في ّ‬ ‫ٍ‬ ‫جديد‬ ‫نظام عالمي‬ ‫���رة أخرى‪ ...‬وأن تتعرف البش���رية في األرض ك ِّله���ا على ٍ‬ ‫َم ّ‬ ‫تتخيل‪ ،‬وأن يس���تفيد كلُّ إنس���ان‪ ،‬بقدر ما تس���ع فطرته وأفق فكره من‬ ‫فوق ما َّ‬ ‫تلك النسائم المنعشة"‪.‬‬

‫(‪)6‬‬

‫ويقينا‪ -‬مدارس ش���امخة عتي���دة‪ ،‬بلغت الذروة جود ًة‬ ‫ولقد ش���هدنا ‪-‬عيا ًنا‬ ‫ً‬

‫نوزاد صواش‪ ،‬المشرف العام على مجلة حراء‪/‬تركيا‪.‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪34‬‬


‫���ل إِي َو َر ِّبي﴾(يونس‪ِ ﴿ ،)53:‬إ َّن ُه‬ ‫﴿و َي ْس َ���ت ْنب ُِئو َن َك َأ َح ٌّق ُه َو ُق ْ‬ ‫الثغر؛ َ‬ ‫ون﴾(الذاريات‪.)23:‬‬ ‫َل َح ٌّق ِم ْث َل َما َأ َّن ُك ْم َت ْن ِط ُق َ‬ ‫أن ال���ذي جمعن���ا الي���وم ونحن نرفرف في س���ماء‬ ‫ثانيهم���ا ّ‬ ‫جل شا ُنه‪ ،‬و"كتابه الكريم" سما بيا ُنه‪،‬‬ ‫الش���رق‪ ،‬هو "اهلل تعالى" َّ‬ ‫ث���م "رس���وله الحليم" ش���رح اهلل ص���دره‪ ،‬ووض���ع وزره‪ ،‬ورفع‬ ‫ذكره‪ ...‬فلم تجمعنا ‪-‬إذن‪ -‬اللغ ُة‪ ،‬وال النطق‪ ،‬وال اللسان‪ ،‬وال‬ ‫غير المختلف"‬ ‫العرق‪ ...‬إال أن يعني الش���اعر "بالبيان والنطق ِ‬

‫ونذهب‬ ‫وكتاب���ه المتي���ن؛ فهن���ا فقط‪ ،‬نوافق���ه‬ ‫كالم اهلل المبي���ن‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ونردد على إثره‪:‬‬ ‫مذهبه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫مختلف و ُن ْط ُق"‪.‬‬ ‫غير‬ ‫بالد‬ ‫ٌ‬ ‫"ويجمعنا إذا اختلفت ٌ‬ ‫***بيان ُ‬ ‫ال‪:‬‬ ‫سمعت صو ًتا‬ ‫خافتا‪ ،‬من هنالك‪ ،‬يهمس في أذني قائ ً‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫اختصارا‪،‬‬ ‫ال‪ ،‬فأين التفصيل؟ وإن يك‬ ‫ إن يكن هذا إجما ً‬‫ً‬

‫فأين اإلطناب؟ وإن قصدت اإللغاز‪ ،‬فأين مفتاح الشفرة‪ ،‬ورمز‬ ‫األحجية؟‬

‫رويدا ال تس���تعجل وال تختزل‪،‬‬ ‫صدقت‪ ،‬لكن‬ ‫قل���ت‪َ :‬نعم‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫﴿و َما َأ ْع َج َل َك‬ ‫لنبيه موس���ى الكلي���م‪َ :‬‬ ‫واس���مع قول ربنا العظيم ّ‬ ‫ِ‬ ‫وسى﴾(طه‪.)83:‬‬ ‫َع ْن َق ْوم َك َيا ُم َ‬ ‫ِ‬ ‫تنبه إلى جواب الرس���ول‬ ‫ق���ال‬ ‫ُّ‬ ‫الذك���ي الفطن‪ :‬لكن يا هذا‪َّ ،‬‬

‫ربه بكرم���ه ورعاه على عين���ه وع َّلمه من‬ ‫المله���م‪ ،‬وق���د حم���اه ُّ‬ ‫َ‬ ‫علمه؟‬

‫قلت‪ :‬ماذا تعني؟‬

‫نئن تحت كلكل ضعفنا وهواننا‪ ،‬ونرزح تحت نير االستعمار؛‬ ‫ُّ‬ ‫يذبِح أبناءنا‪ ،‬ويس���تحيي نس���اءنا‪َّ ...‬أما اليوم فيصدق أن نقول‪:‬‬ ‫ّ‬ ‫إننا "نرى رفرفة خمائل القضي ِة في كل صوب وناحية منذ اآلن‬

‫بوف���اء كوفاء الفج���ر‪ ،‬وعلى مرغمة كل عائ���ق‪ ،‬وبفضل الذين‬

‫ولونوها‬ ‫ح ّف���زوا الخارط���ة الروحية للوطن بخفق���ات قلوبهم‪ّ ،‬‬ ‫وس���قوها بدموعه���م‪ ...‬ولئ���ن ج���از العدي���د من خ���داع الفجر‬

‫قريبا‬ ‫الكاذب‪َّ ،‬‬ ‫فإن شهادة أصدق الشهود على شروق الشمس ً‬ ‫(‪)3‬‬ ‫تفتح معنى‬ ‫"الهم"‬ ‫هو الفجر الصادق في األفق نفسه"‪ .‬ولذا َّ‬ ‫ِّ‬ ‫على عا َل ٍم أكثر رحابة وإيجابية وسعة‪ ،‬ليعني "التو ُّتر الروحي"‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫األمة"‪ِ ...‬من هنا جاز لنا‬ ‫و"الشده‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫المعنوي"‪ ،‬و"األلم من أجل َّ‬ ‫نعدل في البيت ُمنشدين‪:‬‬ ‫أن ِّ‬ ‫شوق"‬ ‫الهم ُ‬ ‫ُ‬ ‫"نصحت ونحن مختلفون ً‬ ‫دارا***ولكن‪ ،‬كلُّنا في ِّ‬ ‫لش���وق ٍ‬ ‫توق لمس���تقبل باس���م‬ ‫إنه‬ ‫متفتح األكمام‪ ،‬وإنه َل ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫لغد ِّ‬

‫ق���ال‪ :‬ليس���ت كلُّ العجل���ة ندام��� ًة‪ ،‬وإنما العجل���ة إذا كانت‬ ‫ومكرمة‪ .‬ألم تس���مع جواب‬ ‫ابتغاء رضوان اهلل‪ ،‬فهي عنده مبرة‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫﴿و َع ِج ْل ُت ِإ َل ْي َك َر ِّب ل َت ْر َضى﴾(طه‪.)84:‬‬ ‫سيدنا موسى الحكيم‪َ :‬‬ ‫كذلك أنا‪ِ ،‬‬ ‫ال‬ ‫عجلت إلى س���ماع الخبر‪،‬‬ ‫ابتغاء لرضا ربي‪ ،‬وأم ً‬ ‫ً‬ ‫ال على أمتي‪ ،‬وتر ُّق ًبا للفجر الجديد والعهد‬ ‫في فرج يحلُّ عاج ً‬ ‫الوليد! فهل يقنعك هذا يا هذا؟‬

‫أصب���ت‪ ...‬ذل���ك المبتدأ إلي���ك الخبر‪ ،‬وتلك‬ ‫قل���ت‪ :‬نعم‪،‬‬ ‫َ‬ ‫المقدم���ة دون���ك المت���ن‪ ،‬وه���ذا الش���اطئ فلنغ���ص ف���ي البحر‬ ‫ِّ‬ ‫متوكلين على اهلل محتسبين‪:‬‬ ‫ِّ‬

‫أن‬ ‫بي���ان ذل���ك أ َّنا س���معنا من أقصى الش���رق‬ ‫ُ‬ ‫منادي���ا ينادي ْ‬ ‫ً‬ ‫توافدوا إلحياء ذكرى "النور الخالد‪ ،‬مفخرة اإلنس���انية‪ ،‬محمد‬ ‫يس���ر اهلل تعالى على يد‬ ‫علي���ه أفضل الصالة والس�ل�ام"‪ ...‬وقد َّ‬

‫قبل‬ ‫عبده المنيب(‪ )4‬تأليف هذا الس���فر الفريد‪ ،‬ولقد ُترجم من ُ‬ ‫خم���س وثالثين لغ���ة‪ ،‬وها اليوم يفت���ح اهلل تعالى بترجمته‬ ‫إل���ى‬ ‫ٍ‬ ‫وعددا‪.‬‬ ‫مددا‬ ‫ً‬ ‫إلى اللغة األندونيسية‪ ،‬لغ ِة أكثر البالد اإلسالمية ً‬

‫‪33‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫أنشطة ثقافية‬

‫د‪ .‬محمد باباعمي*‬

‫ولكن‪..‬‬

‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫شوق‬ ‫كلنا في الهم‬

‫ه���ي قصي���دة عصم���اء ألمي���ر الش���عراء أحمد‬

‫آن‪ ،‬و ُتحيي القلوب المحبة آ ًنا بعد آن‪.‬‬

‫ال‪،‬‬ ‫َمحزون على حال عالمنا اإلس�ل�امي إجما ً‬

‫ويلهِ ب فينا األشواق‪:‬‬ ‫يحرك َّ‬ ‫منا المواجد‪ُ ،‬‬ ‫الفيحاء‪ ،‬وهو ّ‬

‫اليوم‪ ،‬بقل���ب َمكلوم‬ ‫ش���وقي‪ ،‬لكأنه تر ّنم به���ا‬ ‫َ‬ ‫تخصيص���ا‪ ،‬معانيه���ا ال ت���زال متأللئ��� ًة ال‬ ‫وعل���ى ح���ال دمش���ق‬ ‫ً‬

‫فض فوه‪:‬‬ ‫تبهت‪ ...‬قال في مطلعها ال َّ‬

‫دمشـق‬ ‫كف َكف يا‬ ‫أرق‬ ‫سالم من صبا َ"ب َردى" ُّ‬ ‫***ودمع ال ُي ْ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫والقـوافــــي***جالل الر ْز ِء عن وصف َي ِد ُّق‬ ‫ومعذرة اليــــراع‬ ‫ُ َّ‬ ‫َنعم‪ ،‬يموت الرجل فيخ ُلد المعنى د َّفا ًقا‪ ...‬ويفنى الجس���م‬ ‫فيبقى الروح خ َّفا ًقا‪َّ ...‬أما الكلمة الصادقة التي ُبذرت في تربة‬

‫الح���ق‪ ،‬وأينعت ف���ي عالم الخلق‪َّ ...‬أما ه���ذه الكلمة‪ ،‬فأصدق‬ ‫قول رب البيان‪ ،‬ومع ِّلم القرآن‪ ،‬جل جالله وتعالى‬ ‫وصف لها ُ‬

‫ين بِ���إ ِْذ ِن َر ِّب َها﴾(إبراهي���م‪)25:‬؛ إنها‬ ‫ُحكم���ه‪ُ ﴿ :‬ت ْؤ ِت���ي ُأ ُك َل َه���ا ُك َّل ِح ٍ‬ ‫ِلطيبه���ا تعانق عا َلم المالئكة برفقٍ ‪ ،‬فتس���قي العقول ِ‬ ‫كل‬ ‫الفطنة َّ‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪32‬‬

‫ولق���د أب���دع ش���اعرنا ثاني��� ًة حي���ن ق���ال‪ ،‬ف���ي ذات القصيدة‬

‫شرق‬ ‫الهم‬ ‫دار‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫نصحت ونحن مختلفون ً‬ ‫ا***ولكن‪ ،‬كلُّنا في ّ‬ ‫ٍ‬ ‫مختلـــف و ُن ْط ُـق‬ ‫غيـر‬ ‫بـــالد‬ ‫ويـجمعــنا إذا اختـلفــت‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫***بيـان ُ‬ ‫أت‬ ‫عذرا‪ ،‬إذا‬ ‫غير أني أس���تميح‬ ‫تجر ُ‬ ‫َ‬ ‫فصيح العرب ش���وقي ً‬ ‫َّ‬ ‫علي���ه؛ ال‬ ‫يدعيه على‬ ‫ِّ‬ ‫ألخطئ���ه‪ ،‬فذلك مما ال ينبغي لمثل���ي أن ِّ‬ ‫(‪)1‬‬ ‫حاجبه في األفق؛‬ ‫بدا‬ ‫ألبش���ره ّ‬ ‫مثله‪ ،‬لكن ِّ‬ ‫أن نصر اهلل تعال���ى َ‬ ‫ُ‬ ‫فحورت في‬ ‫إنه قاب قوس���ين أو أدنى‪ ،‬ألجل ذلك‬ ‫تش���ج ُ‬ ‫َّ‬ ‫عت َّ‬ ‫رائعته معنيين‪ ،‬وله الفضل ساب ًقا والح ًقا‪:‬‬ ‫أن داللة‬ ‫وتطورت‪ ،‬فبعد أن كانت‬ ‫"الهم" قد نمت‬ ‫أوالهما ّ‬ ‫َّ‬ ‫ِّ‬ ‫وقتامتها‬ ‫سلبيتها من سلبية الفرد المسلم يومئذ‪،‬‬ ‫س���لبي ًة قاتم ًة‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫كنا أوان نس���ج القصيدة‬ ‫األمة حينئ���ذ؛ ولقد َّ‬ ‫م���ن قتام���ة حال َّ‬

‫(‪)2‬‬


‫محاصرا من قبل حشود هائلة من ماديات‬ ‫لكونه‬ ‫ً‬ ‫األرض‪ ...‬فهو اليوم عائم في بحران من الرعب‬

‫الكابوس���ي ال���ذي يضي���ق عليه الخناق‪ ،‬ويش���ده‬

‫أكثر فأكثر نحو المركز الميداني التعبوي لجنود‬ ‫األرض‪ ،‬الذي���ن ال يزالون يدقون األس���افين بين‬

‫جاد‬ ‫اإلنس���ان ورب���ه‪ ...‬فب���ات يحي���ا دون انتم���اء ّ‬ ‫إل���ى عالمه الذي يعيش���ه‪ ،‬أو العالم اآلخر الذي‬ ‫ُي ْد َف ُع إليه دون رغبة منه‪ .‬فاألعمال التي ينجزها‪،‬‬

‫ينجزها كما تنجز اآللة الخرساء الصماء أعمالها‬ ‫ِ‬ ‫بحرفي���ة مهنية من وراء ذهن متعب كليل وقلب‬ ‫هزي���ل فات���ر‪ ،‬حتى لن���كاد نقط���ع بغي���اب الروح‬

‫الق فيما يأتيه من أفعال‪ ،‬ولو لم يكن ش���يء‬ ‫الخ َّ‬

‫م���ا يعمل عمل الروح في اس���تنهاض ق���واه الفكرية‪ ،‬لعقم ولم‬ ‫ِ‬ ‫يأت بشيء جديد على هذه األرض‪.‬‬ ‫إن إط�ل�اق الكينون���ة البش���رية من قيود مراس���يم النمطيات‬

‫الفكري���ة والنفس���يه المدونة في دفاتر العال���م‪ ،‬باعتبارها الهوية‬ ‫الت���ي ُي ْر َج ُع إليها عندم���ا يراد تعريف اإلنس���ان وكتابة الوصفة‬

‫الدوائي���ة ألمراضه المس���تعصية أق���ول‪ :‬إن إنقاذ ه���ذه الكينونة‬ ‫م���ن النظرة الضيق���ة التي ُينظَ ر إلى اإلنس���ان من خاللها‪ ،‬عمل‬

‫من أجل أعمال الدراس���ات الفكرية االستيعابية واالستقصائية‬

‫ونبهت إلى ضرورة‬ ‫لرس���ائل النور‪ .‬فقد أنذرت هذه الرس���ائل ّ‬ ‫إجراء تغييرات مهمة وجريئة في المفاهيم والمقررات المتعلقة‬ ‫بالخارطة الوجدانية والفكرية لإلنس���ان‪ ،‬وذلك بإعادة التوازن‬

‫الحميم���ي بين عوالم اإلنس���ان ف���ي مختلف لطائف���ه ونزوعاته‬ ‫في الداخل والخارج‪ ،‬وإعادة االهتمام بالكل اإلنساني الكلي‬

‫يعبر النورس���ي‪.‬‬ ‫وع���دم االقتصار على الجزء الجزئي منها كما ّ‬

‫فرس���ائل النور إنما هي قوة من ق���وى الفكر الواعي‪ ،‬وقوة من‬ ‫ق���وى اإلدراك الروح���ي العال���ي‪ ،‬وه���ي نجوم تتألق في س���ماء‬

‫ملك���وت عقل اإلنس���ان وروح���ه‪ ،‬مثيرة بذلك الش���وق والتوق‬

‫إل���ى جمالية الحقائق‪ ،‬وش���اعرية الوجود‪ ،‬وش���فافية األش���ياء‪،‬‬

‫وروحانية المكان والزمان‪ ،‬وعلو اإلنس���ان واستش���رافاته على‬ ‫جالل األزل واألبد‪.‬‬

‫وتلخيصا فهي ‪-‬أي رس���ائل الن���ور‪ -‬طريق‬ ‫إيج���ازا‬ ‫وأكث���ر‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫معب���دة لمن يس���عى إلى مس���ايرة الفكر ف���ي تفجرات���ه الذهنية‪،‬‬ ‫ومس���ايرة "ال���روح" ف���ي وثبات���ه الالنهائية‪ ،‬وهي مرجع واس���ع‬

‫وخص���ب للنف���س اإلنس���انية عندم���ا ينتابه���ا ش���عور بالضي���اع‬

‫واالنكس���ار أمام أعاصير الزمن‪ ،‬وطغيان األحاس���يس وضمور‬ ‫المش���اعر‪ ،‬كما أنها تشعرك بقداسة الصنعة اإللهية في العوالم‬ ‫واألك���وان‪ ،‬وتؤكد على أن اإلنس���ان مخل���وق للبقاء ال للزوال‬ ‫والفن���اء‪ ،‬وأن ال���ذات الفردي���ة وإن كان���ت صغي���رة في رحاب‬ ‫الوج���ود‪ ،‬غي���ر أنه���ا تحت���وي عل���ى عوالم أوس���ع وأرحب من‬ ‫عوالم األرض والسماء تحيط بمشيئاتنا وأفكارنا‪ ،‬وتقودنا إلى‬ ‫شرا فشر‪.‬‬ ‫خيرا فخير‪ْ ،‬‬ ‫وإن ً‬ ‫مصائرنا إن ً‬ ‫إن "الكينون���ة البش���رية" بكاف���ة أبعاده���ا المش���حونة بالفكر‬ ‫الروحان���ي الذي اعتمده "النورس���ي" في تأليفه لرس���ائل النور‪،‬‬ ‫هذا الفكر مرش���ح اليوم أكثر من أي فكر آخر لتأصيل "عقيدة‬ ‫اإليم���ان" والمحافظ���ة على ركائ���زه في بنية النف���س والضمير‪،‬‬ ‫وإمداد الذهن بالثقافة اإليمانية التي هي نتاج تجربة ومشاهدة‬ ‫بلغ���ت درجة اليقي���ن الذي ال يقين بعده كم���ا يقول‪ .‬فهو ‪-‬أي‬ ‫وجرب‪...‬‬ ‫النورس���ي‪ -‬ال يخدعنا‪ ،‬ألنه لم يكتب إال ما ش���اهد ّ‬ ‫فقد قرأ كتاب الكون والحياة بألس���نة األرض‪ ،‬ولمس السماء‪،‬‬ ‫وغ���اص ف���ي فجاج الفك���ر ودخائل الضمير‪ ،‬فأت���ى بالذي أتى‬ ‫عفوا‪ ،‬بال روية وال اصطناع‪.‬‬ ‫ً‬ ‫لقد عاش روح العصر‪ ،‬وأدرك أنه عصر يصدف عن علوم‬ ‫النظ���ر وتأم�ل�ات العزل���ة‪ ،‬بل هو عص���ر يقبل بش���دة على علم‬ ‫المزاول���ة والبن���اء‪ ،‬إن���ه جمع كل ما أمدته ب���ه الحكمة في قلمه‬ ‫وحم���س الروح‪ ،‬وأثار‬ ‫ثم نثرها في رس���ائله‪ ،‬فأش���عل النفس‪،‬‬ ‫َّ‬ ‫ووس���ع آفاق الخيال‪ ،‬ورس���خ معالم العق���ل القدير‪،‬‬ ‫العاطف���ة‪ّ ،‬‬ ‫وأمانة الفكر والتفكير‪.‬‬ ‫(*) كاتب وأديب عراقي‪.‬‬

‫‪31‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫ف���ي الع���ادي نفس���ه‪ ،‬وغي���ر المألوف في‬

‫عين المألوف‪ ...‬ففكره ّنزاع إلى التجرد‬ ‫من خارجية األش���ياء‪ ،‬وإلى انتزاع قشرة‬

‫البداهة عن البداهات‪ ،‬واستكناه الكينونة‬ ‫البش���رية مجردة من الفضوليات العالقة‬

‫بها والدخول إليها من أبوابها المش���رعة‬ ‫الفكرية والوجدانية والحدس���ية‪ ،‬وحتى‬ ‫الخيالي���ة وكل لطائفه���ا األخرى‪ .‬ففكره‬

‫استيعابي اس���تقصائي‪ ،‬يستوعب النفس‬ ‫مشي ًدا‬ ‫البش���رية ويس���تقصي كل جوانبها ّ‬ ‫صروح���ه التخاطبي���ة معه���ا في رس���ائله‬

‫عل���ى أس���س م���ن مصداقي���ة المعرف���ة‬

‫هذه الكينونة من صراعات مأساوية بين‬

‫الكينونة الب�رشية �إذا ما ت�ضا َّمت‬ ‫وجمعت �أجزاءها‬ ‫على نف�سها‪َّ ،‬‬ ‫ووازنت بني متطلبات كل جزء‬ ‫منها‪� ،‬صارت وح��دة واحدة‪،‬‬ ‫لا للتوازن‬ ‫وغدت‬ ‫ج��زءا مماث� ً‬ ‫ً‬ ‫الكامن يف الوجود‪ ،‬ووجدت‬ ‫مكانه��ا يف الإيق��اع ال�رسمدي‬ ‫بني الطاق��ة املنطلق��ة من روح‬ ‫الع��امل‪ ،‬والطاق��ة املنطلق��ة من‬ ‫روح الإن�سان‪.‬‬

‫بحاجات جوانب ه���ذه النفس‪ ،‬وإعطاء‬ ‫كل ذي حاجة منها حاجته التي يريد‪.‬‬

‫القيومية الروحية وغيرها من القيوميات‪.‬‬

‫تضام���ت‬ ‫فالكينون���ة البش���رية إذا م���ا‬ ‫َّ‬

‫وجمعت أجزاءها ووازنت‬ ‫على نفسها‪،‬‬ ‫َّ‬

‫بي���ن متطلب���ات كل ج���زء منه���ا‪ ،‬صارت‬

‫ال‬ ‫وح���دة واح���دة‪ ،‬وغ���دت‬ ‫ج���زءا مماث ً‬ ‫ً‬ ‫للت���وازن الكامن ف���ي الوجود‪ ،‬ووجدت‬ ‫مكانها في اإليقاع الس���رمدي بين الطاقة‬

‫المنطلق���ة م���ن روح العال���م‪ ،‬والطاق���ة‬

‫المنطلق���ة م���ن روح اإلنس���ان‪ ،‬فتتح���ول‬ ‫عندئ���ذ ذات اإلنس���ان إل���ى عالَ���م م���ن‬

‫اإلش���عاع‪ ،‬يض���يء كل جان���ب معتم من‬

‫الفكر والحياة‪.‬‬

‫ففي مقدمة كت���اب "المثنوي العربي‬

‫فرس���ائل الن���ور هي نتاج ه���ذه المعرفة بالكينونة البش���رية‪،‬‬

‫الن���وري" يلم���ح "النورس���ي" إلى أس���س فهمه لعالَم اإلنس���ان‬

‫تش���دها إل���ى األرض‪ ،‬وتحصينها م���ن جواذب‬ ‫األثق���ال الت���ي‬ ‫ّ‬

‫الباع���ث للحياة ف���ي موات األفكار‪ .‬فما من إبداع إنس���اني إال‬

‫حي���ث جعل���ت م���ن أعظ���م أهدافها تحري���ر ه���ذه الكينونة من‬

‫الش���تات في شعاب العالم واستنهاض جميع قواها ولطائفها‪،‬‬ ‫ثم تكريسها لخدمة الهدف األكبر الذي خلق اإلنسان من أجله‬ ‫وه���و العبودي���ة الخالصة هلل تعالى‪ .‬فإذا م���ا مات صاحب هذه‬ ‫خارجا‬ ‫الكينون���ة ماتت كينونت���ه كلها معه ولم يبق منها ش���يء‬ ‫ً‬

‫عنها متعل ًقا بس���بب من أس���باب الدنيا كما ورد في األثر‪ :‬فقد‬ ‫أثن���ى جملة م���ن الصحابة ‪- ‬في حضرة الرس���ول ‪ -‬على‬

‫رجل من الصحابة كان قد مات‪ ،‬فقال عليه الصالة والس�ل�ام‪:‬‬

‫"رح���م اهلل فال ًن���ا فقد مات كله"‪ ،‬فقال الصحابة‪ :‬يا رس���ول اهلل‬ ‫أليس أحدنا إذا مات يموت كله؟! قال عليه الصالة والس�ل�ام‪:‬‬

‫"لي���س كلكم إذا مات يموت كل���ه"‪ .‬أي ‪-‬واهلل أعلم‪ -‬أنه ليس‬ ‫كل أحد يموت بكينونته كلها دون أن يتبقى منها شيء خارج‬

‫مزيجا من العق���ل المفكر والروح‬ ‫الداخل���ي‪ ،‬م���ن حيث كون���ه‬ ‫ً‬

‫وه���و نتاج توافق���ي بين العقل والروح‪ ،‬فال���روح هي محاريب‬ ‫العقول تتطهر فيها وتتص ّفى‪ ،‬ثم تتس���امى إلى جوهر األش���ياء‬

‫وحقائ���ق المعان���ي ولب���اب األف���كار‪ .‬وبهذا الفهم اس���تطاع أن‬ ‫يحيط باألبعاد اإليمانية التي أش���ار إليها القرآن وس���عى لتربية‬ ‫العقول واألفهام بمضامينها‪.‬‬

‫يعرف اإلنسان‬ ‫لقد رأى "النورسي" أن من واجبه الديني أن ِّ‬

‫ال‬ ‫بنفس���ه كما هي‪ ،‬وأال يحج���ب عنه هذه المعرفة ليكون مؤه ً‬ ���لقب���ول حي���اة "ما فوق الح���واس" التي يراد للمؤم���ن أن يتأهل‬ ‫لقبولها‪ .‬وقد سعى جهده لنقله من الحالة الذهنية النمطية إلى‬

‫ذهني���ة منبثقة من رؤى روحية عميقة اإلدراك واس���عة اآلفاق‪،‬‬ ‫تعرف عليها‬ ‫ليجرب أش���كا ً‬ ‫ال جديدة من الوجود لم يس���بق أن َّ‬

‫هذه الكينونة في مكان ما من الدنيا‪ .‬ومصداق ذلك قوله تعالى‬ ‫ال ِتي َو ُنس ِ‬ ‫اي‬ ‫على لس���ان إبراهي���م ‪ُ ﴿ :‬ق ْل إ َِّن َص َ‬ ‫���كي َو َم ْح َي َ‬ ‫ُ‬ ‫ين﴾(األنعام‪.)162:‬‬ ‫َو َم َما ِتي لهلِ ِ َر ِّب ا ْل َعا َل ِم َ‬ ‫فنس���يان الطبيع���ة الروحي���ة للكينون���ة البش���رية عن���د بعض‬

‫المس���لم‪ ،‬وذلك بإنقاذه من االنكس���ارات النفس���ية التي خلفها‬

‫الصحي���ح‪ ،‬فينتابه���م عندئ���ذ ش���عور بحراجة الحياة اإلنس���انية‬

‫الحاف���ل بك���م هائل من اإلنجازات في ش���تى العلوم والفنون‪،‬‬

‫المفكري���ن إنم���ا هو عس���ر عقل���ي يح���ول بينهم وبي���ن التفكير‬ ‫وامتالئه���ا بالمخاط���ر‪ ،‬التي قد ت���ودي ببعضهم إل���ى االنتحار‬

‫العقل���ي قب���ل أن يس���عفهم الح���ظ لي���روا ما يجري ف���ي أعماق‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪30‬‬

‫من قبل‪.‬‬

‫وال نكون مغالين إذا قلنا‪ :‬إن "النورس���ي" أوشك أن يصل‬

‫إل���ى نهاي���ة اإلص�ل�اح في الحي���اة العقلي���ة والروحية لإلنس���ان‬ ‫فيه تضاعف شعوره باالنهزام الحضاري أمام تحديات العصر‬ ‫حتى خش���ي أن يك���ون العالم الي���وم غير قادر على اس���تيعاب‬ ‫متطلبات المس���لم الروحية‪ ،‬واستس���اغة أش���واقه "الماورائية"‪،‬‬


‫قضايا فكرية‬

‫أديب إبراهيم الدباغ*‬

‫االستيعابية الفكرية‬ ‫للكينونة البشرية في رسائل النور‬

‫بي���ن رج���ال الفك���ر الدين���ي المعاص���ر‪ ،‬يبق���ى‬

‫فس���نرى االنتظ���ام حتى في غير المنتظم ‪-‬كم���ا يقول‪ -‬وبعض‬

‫االس���تيعابي واالس���تقصائي للكينونة البش���رية‬

‫وإش���ارات قوة ف���ي جوان���ب كل ضعف وضعي���ف‪ ،‬وبصيص‬

‫ش���دا لالنتب���اه بفكره‬ ‫"النورس���ي" م���ن أكثرهم ًّ‬

‫بأبعاده���ا المختلف���ة‪ ،‬واستش���رافاتها عل���ى العوال���م الورائي���ة‬ ‫و"الماورائية" على حد س���واء‪ .‬فقد بلغ نزوعه االس���تيعابي من‬

‫العمق والسعة‪ ،‬إلى الحد الذي لم يعد يجد معه في التناقضات‬

‫واألض���داد في الفك���ر والحياة‪ ،‬معضلة تواج���ه الفكر اإليماني‬

‫لدى المؤمنين‪ .‬فما من س���لب ‪-‬كما ي���رى‪ -‬إال وينطوي على‬ ‫ش���يء م���ن اإليجاب‪ .‬فإذا م���ا تعودنا النظر بعمق في األش���ياء‪،‬‬

‫الخي���ر في تالفيف كل ش���ر‪ ،‬وبعض الح���ق في ثنايا كل باطل‪،‬‬

‫نور في أطباق الظالم‪ ،‬وحتى تلك المذاهب الدينية المش���تطة‬

‫ف���ي ابتعادها عن س���واء الدين‪ ،‬ال تخل���و هي األخرى من جزء‬ ‫أو أج���زاء م���ن الحق‪ ،‬وبهذا الجزء أو األجزاء يش���يع المذهب‬

‫ويلقى القبول لدى بعض الناس‪.‬‬

‫كثي���را م���ا يلف���ت انتباهن���ا إل���ى المعجز الخ���ارق في‬ ‫وإن���ه‬ ‫ً‬

‫إعجازيت���ه ف���ي البديهي الغ���ارق في بداهته‪ ،‬وإل���ى غير العادي‬

‫‪29‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫صورا‬ ‫والنق���ود‪ ،‬ولم ينس���وا أن يعمل���وا‬ ‫ً‬

‫بالراحة‪ ،‬وهو ما يتفق مع فكرة السكون‬ ‫ولي���س الحركة‪ .‬وهي حالة التوازن التي‬ ‫توضيحي���ة ألن���واع الصناع���ات القائم���ة‬ ‫تتجل��ى هوية الأم��ة من خالل‬ ‫تعب���ر عنه���ا العم���ارة اإلس�ل�امية في كل‬ ‫بمصر وقتئذاك‪.‬‬ ‫وحدة اللغة والثقافة والعقائد‪،‬‬ ‫أش���كالها‪ ،‬بس���بب اتجاهها نحو المركز‬ ‫ونتج عن هذه األبحاث كتاب وصف‬ ‫وتعك�س هويته��ا على العمارة‬ ‫األرض���ي‪ ،‬وه���ذا م���ا يظه���ر ف���ي جام���ع‬ ‫مصر في تس���ع مجلدات‪ ،‬وعشر أخرى‬ ‫والفن��ون وال�تراث‪ .‬وت�ستمر‬ ‫(‪)3‬‬ ‫دمشق بشكل جلي‪.‬‬ ‫للرس���وم والص���ور التوضيحية‪ ،‬وأطلس‬ ‫هوية العم��ارة با�ستمرار هوية‬ ‫وجدي���ر بالذك���ر أن مطال���ع الق���رن‬ ‫للخرائ���ط الجغرافية‪ ،‬وه���ذا الكتاب في‬ ‫الأم��ة‪ ،‬وتتط��ور بتطويره��ا‪،‬‬ ‫التاسع عشر الميالدي‪ ،‬قد شهدت يقظة‬ ‫مجموعه هو القاع���دة الحقيقية والمنبع‬ ‫وتنه�ض بنهو�ضه��ا‪ ،‬وتتفكك‬ ‫األوساط األوربية إلى أهمية اآلثار الفنية‬ ‫الحقيق���ي لمعرف���ة اآلث���ار اإلس�ل�امية‪.‬‬ ‫بتفككها‪ .‬لذلك ف���إن البحث‬ ‫اإلس�ل�امية‪ ،‬وال سيما اآلثار المعمارية‪.‬‬ ‫وف���ي أواس���ط الق���رن التاس���ع عش���ر‬ ‫عن هوية العمارة هو بحث عن‬ ‫وكانت إس���بانيا أول الب�ل�اد التي أثارت‬ ‫المي�ل�ادي‪ ،‬ظه���رت دراس���ات تفصيلية‬ ‫ه���ذه اليقظ���ة‪ ،‬ف���أدى ذل���ك إل���ى إنت���اج‬ ‫هوية الأمة‪.‬‬ ‫ف���ي العمائ���ر والمخلف���ات اإلس�ل�امية‬ ‫مؤلف���ات ضخم���ة في مجل���دات كثيرة‪.‬‬ ‫التي كش���فت عنها جه���ود القوامين على‬ ‫وأول رائد في هذا الميدان "جيمس‬ ‫اآلثار اإلس�ل�امية‪ ،‬وهي دراس���ات قام على معظمها مهندسون‬ ‫كافانا ميرفي" بكتابه الذي عنونه بـ"اآلثار اإلسالمية في إسبانيا"‪،‬‬ ‫ومعماري���ون ورس���امون‪ ،‬مث���ل جهود "باس���كال كوس���ت" في‬ ‫وهو كتاب يتميز حماس���ة لكل ش���يء إس�ل�امي‪ ،‬ال بتصويراته‬ ‫كتابه "الهندس���ة المعمارية اإلس�ل�امية"‪ ،‬وأعقب كوست كتابه‬ ‫الجميلة للمباني اإلس�ل�امية وزخارفها وكتاباتها فحس���ب‪ ،‬بل‬ ‫هذا‪ ،‬بسلس���لة من الدراسات في الهندسة المعمارية اإليرانية‪،‬‬ ‫بـعـنايـتـ���ه بصـفـحـ���ة العـنـوان‪ ،‬حـــيث س���ـجـل المـؤلــف الس���ــنة‬ ‫الهجري���ة (‪1228‬ه���ـ) إل���ى جانب الس���نة الميالدي���ة (‪1813‬م) باالشتراك مع المصور "فالندان"‪.‬‬ ‫ثم امتدت هذه الجهود إلى اآلثار اإلس�ل�امية في مصر في‬ ‫التي تم فيها طبع الكتاب‪ ،‬ثم أتى من بعده كثير من اإلس���بان‪،‬‬ ‫مثل "دوالبورد" و"جي���رو دابرانجي" و"جول جوري" و"أوين مؤلف���ات "بورجوان" (‪ ،)1892-1873‬وكذلك "يريس دافن"‬ ‫جونس" وغيرهم‪ ...‬وحوالي ذلك الوقت‪ ،‬كانت فئة أخرى من (‪ ،)1877‬وه���ي مؤلفات ال تقتصر على العمارة فحس���ب‪ ،‬بل‬ ‫ال عن دراس���ة تفصيلية‬ ‫المؤلفين الذين امتدت بحوثهم إلى اآلثار اإلس�ل�امية بجزيرة تش���مل مختلف الفن���ون الصغرى‪ ،‬فض ً‬ ‫صقلي���ة‪ ،‬وذلك عن طري���ق بحوثهم في اآلث���ار الصقلية عامة‪ .‬دقيقة لألش���كال الهندس���ية ف���ي الزخرفة المعماري���ة‪ .‬وال تزال‬ ‫(‪)4‬‬ ‫السبب الذي أثار هذا الدراسات قائمة تحاول التعمق في فهم آثار العمائر اإلسالمية‬ ‫ويرجع المستشرق "إتنجهاوزن"؛‬ ‫ُ‬ ‫االهتمام الجديد باآلثار اإلس�ل�امية إل���ى الحركة الرومانتيكية وفلس���فة بنائها‪ ،‬سواء من قبل المستش���رقين أو من قبل علماء‬ ‫(أي االبتداعي���ة) بم���ا أثارت���ه من االهتم���ام بمعرف���ة المدنيات وفناني العالم اإلسالمي‪.‬‬ ‫السابقة البعيدة عن زمنها ومحيطها‪.‬‬ ‫(*) رئيس قسم الفلسفة واالجتماع‪ ،‬كلية التربية‪ ،‬جامعة عين شمس ‪ /‬مصر‪.‬‬

‫يقظة أوروبا إلى فنون الشرق‬

‫ثم���ة دافع آخ���ر ليقظة األوس���اط العلمية األوربية إلى دراس���ة‬ ‫الشرق وفنونه وآثاره‪ ،‬وهو دافع التوسع االستعماري والسياسة‬ ‫واضحا في إحضار‬ ‫العسكرية في العصور الحديثة‪ .‬تجلى هذا‬ ‫ً‬ ‫نابلي���ون ‪-‬في حملته على مصر‪ -‬جماع���ة من العلماء‪ ،‬لبحث‬ ‫ال‪ .‬إذ أعد أولئ���ك العلماء‬ ‫ش���ؤون الب�ل�اد المصري���ة بح ًثا ش���ام ً‬ ‫رسومات تخطيطية للمدن والمباني والعمائر األثرية‪ ،‬ورسموا‬ ‫مناظ���ر معماري���ة للش���وارع والح���ارات والمس���اجد والنقوش‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪28‬‬

‫الهوامش‬ ‫ م���ا بع���د الحداث���ة والتراث ف���ي العم���ارة العربية اإلس�ل�امية عال���م الفكر‪،‬‬

‫(‪)1‬‬

‫للدكتور عفيف البهنسي‪ ،‬ج‪ ،27:‬العدد‪ ،2:‬أكتوبر ‪.1998‬‬

‫(‪ )2‬انظ���ر إل���ى الكتاب ال���ذي صدر في لن���دن بعن���وان "‪ ،"Hassan Fathy‬كتبه‬ ‫ ‬ ‫‪.Richards, J. M., Ismail Serageldin, Darl Rastorfer‬‬

‫(‪ )3‬الفن اإلسالمي‪ ،‬لبوركهارت‪.‬‬

‫(‪ )4‬الفنون واآلثار اإلس�ل�امية‪ ،‬لـ"إتنجه���اوزن"‪ ،‬ترجمة محمد مصطفى زيادة‪،‬‬ ‫ ‬ ‫ص‪ ،75-74:‬األنجلو المصرية‪ ،‬عام ‪1953‬م‪.‬‬


‫الخاص���ة‪ ،‬ثم عالج فنونها التجريدية بما يتفق مع تعاليم الدين‬

‫حي���ث يجعل م���ن الكعبة األصل الذي انبن���ت عليه كل تقاليد‬

‫الفن اإلس�ل�امي بقس���ماته عن الفنون التي تأث���ر بها وعن باقي‬

‫النموذج األول للفن اإلس�ل�امي‪ ،‬إذ تعبر عن خميرة هذا الفن‬

‫اإلسالمي وروحه وفلسفته‪ ،‬وطبيعة الرقعة العربية‪ .‬وبهذا تميز‬ ‫الفنون الدينية‪.‬‬

‫العمارة في اإلسالم‪ .‬فالكعبة من حيث الشكل والصفات هي‬ ‫على مس���تويات الرم���ز الداخل���ي والش���عائري والوثيقة الصلة‬

‫معماريا‬ ‫نظاما‬ ‫ًّ‬ ‫إن المسلمين في عصور انتشارهم‪ ،‬استنبطوا ً‬

‫بالش���كل‪ .‬فه���ي حلق���ة االتص���ال بالنس���بة للديانات الس���ماوية‬

‫التي تكون في مجموعها الطراز اإلسالمي الموحد في روحه‬

‫وع���ن طري���ق الكعب���ة ‪-‬بصفته���ا النقط���ة الت���ي يتج���ه إليها‬

‫متكام�ل�ا؛ من التش���كيالت والتراكي���ب المعماري���ة والزخرفية‬ ‫ً‬

‫األخرى‪ ،‬التي تنبثق منها كما تنبثق الفروع من أصل الشجرة‪.‬‬

‫جماليا لدى‬ ‫تعبي���را‬ ‫وطابع���ه‪ .‬فجاءت تلك العمارة اإلس�ل�امية‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬

‫المؤمن���ون في الصالة‪ ،‬والمركز ال���ذي يرمز إلى اتحاد اإلرادة‬

‫وأيضا نحو ارتباطه العضوي بكل‬ ‫والتاريخ‪ ،‬بل واألمة نفسها‪،‬‬ ‫ً‬

‫الربانية‪ -‬يربط المؤلف بأس���تاذية فذة بين كل مساجد اإلسالم‬

‫مستشرقون منصفون‬

‫وكأنه���ا بن���اء واح���د‪ ،‬وإن لم يك���ن إدراك وحدت���ه الكلية على‬

‫اإلنسان من رؤية فريدة ومتميزة تجاه الواقع والمساحة والزمن‬

‫هذه العوامل‪.‬‬

‫من هنا ال نعدم أن نجد مستشر ًقا منص ًفا مثل "جاستون فييت"‬

‫يق���ول‪" :‬إذا كان معي���ار األصالة في أي طراز من طرز المعمار‬

‫هو أس���لوب الف���راغ‪ ،‬فإن تصمي���م الجامع ه���و النموذج الذي‬ ‫ال له‬ ‫يعبر بوضوح عن جوهر عقيدة اإلس�ل�ام‪ ،‬بصفته دي ًنا أصي ً‬

‫شخصيته المتميزة"‪.‬‬

‫وكذل���ك نجد المستش���رق "بوركهارت" ال���ذي يحدثنا عن‬

‫الرمزية في العمارة اإلسالمية في مؤلفه عن "الفن اإلسالمي"‪،‬‬

‫اإلنس���انية والكونية‪ ،‬والقلب الذي يعبر عن الوعي بالوحدانية‬ ‫والكعب���ة‪ ،‬ويجع���ل العم���ارة اإلس�ل�امية ف���ي كل أنح���اء العالم‬

‫مس���توى المنظور فإنها تكون ممكنة على المس���توى الروحي‪،‬‬ ‫أي من منظور التأمل العقالني الصحيح‪.‬‬

‫فالجامع ليس فيه مركز مقدس كالكنيس���ة والمعبد‪ ،‬وذلك‬

‫أن المحراب يقتصر دوره على تحديد اتجاه القبلة‪ ،‬والس���احة‬ ‫ف���ي المس���جد تحي���ط بالحرم المك���ي‪ .‬وهك���ذا تحولت بعض‬

‫عرضا في‬ ‫كنائس الش���ام إلى مس���اجد‪ ،‬جعل امتدادها الطولي ً‬ ‫ش���عورا‬ ‫اتج���اه القبل���ة‪ ،‬وبذلك أصبحت أعمدة األروقة تعطي‬ ‫ً‬

‫‪27‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫السلطة السياسية واالجتماعية والدينية؟‬

‫ويس���هل الجواب على هذا الس���ؤال إذا اعتبرنا العمارة لغة‬

‫مجس���دة تحمل دالالت روحية ومادية‪ ،‬وتقوم بوظيفة إنسانية‬ ‫اجتماعية بأس���اليب مختلفة‪ ،‬ش���أنها في ذلك ش���أن اللغة التي‬

‫تحمل دالالت مماثلة‪ ،‬وتقوم بوظيفة إنسانية حضارية‪.‬‬

‫هوية العمارة هي هوية األمة‬

‫تتجل���ى هوية األمة‪ ،‬من خالل وح���دة اللغة والثقافة والعقائد‪،‬‬

‫وتعكس هويتها على العمارة والفنون والتراث‪ .‬وتستمر هوية‬ ‫العم���ارة باس���تمرار هوي���ة األمة‪ ،‬وتتط���ور بتطويره���ا‪ ،‬وتنهض‬

‫بنهوضه���ا‪ ،‬وتتف���كك بتفككها‪ .‬ولذلك ف���إن البحث عن هوية‬ ‫العم���ارة هو بحث عن هوية األم���ة‪ ،‬وبالمقابل فإن فن العمارة‬ ‫يكشف عن هوية األمة التي أفرزت هذا الفن أو ذاك‪.‬‬

‫وألن هوي���ة األم���ة ال تتمث���ل بفصائ���ل الدم ب���ل بمعطيات‬

‫الحضارة‪ ،‬فإن قراءة تاريخ العمارة يجب أن يبدأ بقراءة تاريخ‬

‫حضارة األمة‪ ،‬ألن بناء العمارة هو جزء من كيان األمة‪ .‬وبهذا‬ ‫المعنى فإن هوية العمارة تعني انتماء هذه العمارة إلى حضارة‬

‫معينة خلفتها أمة معينة‪.‬‬

‫وم���ن هنا يؤكد الباحث عفيف البهنس���ي عل���ى االعتراف؛‬

‫أن قطيع���ة طويل���ة األم���د حدث���ت بي���ن ثقافتن���ا وبي���ن تاريخن���ا‬

‫فرصا‬ ‫الحض���اري‪ ،‬أورثت جهال ً بالت���راث‬ ‫ً‬ ‫ورفضا له‪ ،‬وحققت ً‬ ‫لتس���رب الثقافات الوافدة والدخيلة التي غيرت ش���كل الثقافة‬

‫الحــديث���ة وعبث���ت بجوهرها‪ ،‬وهكذا أصبح���ت عمارتنا غريبة‬ ‫عن���ا‪ ،‬وأصبحن���ا غرب���اء ف���ي مدنن���ا التي تج���ردت ع���ن هويتها‬

‫األصلي���ة‪ ،‬وأصبحن���ا ف���ي بيئة هجين���ة غيرت م���ن عاداتنا ومن‬

‫أذواقنا وثقافتنا‪.‬‬

‫ويتساءل الباحث؛ إذا كان التاريخ صيرورة‪ ،‬وإذا كان البد‬

‫انفتاحا‬ ‫ل���كل قديم حدي���ث‪ ،‬وإذا كان العصر الذي نعيش أكثر‬ ‫ً‬

‫عل���ى ثقافات العال���م‪ ،‬وأصبحت التقنيات الحديثة وأس���اليب‬

‫جزءا من عولمة الثقافة‪ ،‬فكيف نستطيع تحقيق‬ ‫الفن والعمارة ً‬ ‫انتماء حضاري قومي في العمارة الحديثة؟‬

‫الهوية بين األصالة والمعاصرة‬

‫مشتركا بين األصالة والمعاصرة في العمارة خاصة‪ ،‬هو‬ ‫ً‬ ‫إن عامالً‬ ‫المقياس اإلنس���اني‪ .‬فإذا استطاعت المعاصرة ‪-‬كما األصالة‪-‬‬

‫أن تحافظ على هذا المقياس‪ ،‬فإن التآخي بينهما يصبح ممك ًنا‪،‬‬

‫ويتجلى المقياس اإلنس���اني في تمث���ل القيم الروحية والقومية‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪26‬‬

‫انتهاكا‬ ‫والمادي���ة ف���ي العم���ارة المعاص���رة‪ .‬فالمعاصرة ليس���ت‬ ‫ً‬ ‫للهوية‪ ،‬وإال فإن التعددية التي هي طابع اإلبداع‪ ،‬تنسحب من‬ ‫دوليا‬ ‫كي���ان العمارة العالمية لتصبح عمارة واحدة تمثل‬ ‫ً‬ ‫إقليما ًّ‬ ‫واح���دا‪ .‬إذن‪ ،‬بتعدد الهويات المعمارية نس���تطيع الحديث عن‬ ‫ً‬ ‫عم���ارة عالمية‪ ،‬أما فرض هوية مح���ددة على عمارات العالم‪،‬‬ ‫عالميا‪.‬‬ ‫فإن���ه ينفي العالمي���ة ويبقي على عمارة واح���دة مهيمنة‬ ‫ًّ‬ ‫ال‬ ‫إن المس���لمين تمكنوا في فن العم���ارة‪ ،‬الذي غطى مجا ً‬ ‫واس���عا امتد من إس���بانيا (األندلس) إلى بالد البنغال‪،‬‬ ‫جغرافيا‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫تاريخيا بدأ في نهاية القرن السابع للميالد‬ ‫ال‬ ‫مجا‬ ‫غطى‬ ‫والذي‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫حتى أوائل القرن التاسع عشر‪ ،‬أصبح مدرسة عالمية في البناء‬ ‫تتضم���ن م���دارس وطرز فرعية كثيرة يتوفر على دراس���تها كثير‬ ‫من الباحثين في الشرق والغرب على السواء‪.‬‬ ‫وق���د أصبح���ت هناك حق���ب معمارية تاريخي���ة وفنية؛ مثل‬ ‫العمارة األموية‪ ،‬والعمارة العباسية‪ ،‬والعمارة المغربية‪ ،‬والعمارة‬ ‫األندلس���ية‪ ،‬والعم���ارة العثماني���ة‪ ...‬تحم���ل كل منه���ا بصمات‬ ‫خاصة بتلك الحقب التاريخية التي اس���تغرقتها‪ ،‬وتحمل طابع‬ ‫المكان والظروف الجغرافية والثقافية التي س���ادت فيها‪ .‬ومن‬ ‫كثيرا م���ن الطرز لمختلف العمائر‬ ‫هن���ا ال يك���ون ً‬ ‫غريبا أن نجد ً‬ ‫اإلس�ل�امية ‪-‬س���واء كانت مس���اجد أو قالع أو قص���ور أو مدن‬ ‫إس�ل�امية كامل���ة‪ -‬تعبر عن خصائص فني���ة وجمالية وتاريخية‪،‬‬ ‫مثل الطراز األموي‪ ،‬أو العباسي‪ ،‬أو الفاطمي‪ ،‬أو السلجوقي‪،‬‬ ‫أو المملوك���ي‪ ،‬أو المغرب���ي األندلس���ي‪ ،‬أو الترك���ي العثماني‪.‬‬

‫الفن اإلسالمي الموحد في روحه‬

‫هذا االنتشار الواسع لرقعة الفن اإلسالمي في كل بقاع العالم‬ ‫اإلس�ل�امي‪ ،‬وكما تبدى في العمارة اإلس�ل�امية الضخمة ألول‬ ‫وهلة‪ ،‬لأَ كبر دليل على عبقرية اإلنس���ان المس���لم وسمو روحه‬ ‫(العبقرية والسمو اللتان استمدهما من روح اإلسالم)‪ ،‬فسرت‬ ‫في كل إنشاءاته وصبغت كل أعماله‪ .‬كان في أول نشأته يرتكز‬ ‫عل���ى العناص���ر المعماري���ة والزخرفي���ة التي تتف���ق وروحانيته‪،‬‬ ‫بعضا في س���ائر البالد‬ ‫فخرج���ت منجزات���ه تكاد تش���به بعضه���ا ً‬ ‫اإلس�ل�امية‪ ،‬مع ش���يء من التباين اليسير الذي تحمله كل بيئة‪،‬‬ ‫وتخت���ص به مواهب أهلها الموروثة إنش���اء وعم���ارة وزخرفة‬ ‫وخبرة وتقاليد‪.‬‬ ‫وعل���ى الرغم من تأثر ه���ذا الفن بفنون الب�ل�اد التي فتحها‬ ‫المس���لمون وخاصة الساساني منها والبيزنطي‪ ،‬فإنه قد استبعد‬ ‫منه���ا الجوان���ب األس���ـــطورية وفن���ون المح���اكاة الش���كلية أو‬


‫ثقافة وفن‬

‫أ‪.‬د‪ .‬بركات محمد مراد*‬

‫رسك‪ ،‬فاملستهني بالرس كاملستهني‬ ‫كام تغار عىل عرضك كذلك ينبغي أن تغار عىل ِّ‬ ‫بالعرض‪ ،‬وكام للعرض حرمة فللرس حرمة‪ ،‬فإفشاؤك للرس عا ٌر يلحق بك حتى‬ ‫املوت‪ ،‬كالعار الذي يلحق َمبنْ يف ِّرط بعرضه‪.‬‬ ‫(املوازين)‬ ‫***‬

‫ً‬ ‫بحثا عن "العمارة الهوية"‬ ‫ه���ل هوية العمارة اإلس�ل�امية‪ ،‬تب���دو في قوام‬

‫الزخرفية على بناء حديث مستوح من العمارة الحديثة‪.‬‬

‫وانحن���اءات وشراش���يف وأدراج وأعم���دة‪،‬‬

‫إل���ى االتج���اه نح���و العمارة الهوي���ة من حيث ه���ي كتل وفراغ‬

‫العم���ارة بوصفها س���طوح وفراغات وخطوط‬ ‫أم ف���ي الزخ���ارف الالصقة على جدرانه���ا وواجهاتها مما نراه‬ ‫ال‪ -‬في قصور غرناطة؟‬ ‫‪-‬مث ً‬

‫بيد أن المعمار الكبير "حسن فتحي"(‪ )2‬دعا منذ الستينات‪،‬‬

‫بدءا بالعمارة الريفية التي ينشئها الفالحون الفقراء‪ .‬والتصميم‬ ‫ً‬ ‫المعماري ليس هو العمارة الداخلية‪ ،‬ولكن الفعاليتين تتفاوتان‬

‫لق���د اتج���ه أكث���ر المعماريين ‪-‬وه���ذا ما الحظه بح���ق الباحث‬

‫وتتداخ�ل�ان إلنش���اء العمارة‪ ،‬س���واء كانت عم���ارة بورجوازية‬

‫العربي���ة م���ن خالل الزخ���ارف المتمثل���ة بالرقش والفسيفس���اء‬

‫والس���ؤال الثاني يتعلق بمفهوم الهوية المعمارية وعالقتها‬

‫عفي���ف البهنس���ي(‪ -)1‬نح���و الظاه���ر الزخرف���ي‪ ،‬ف���رأوا العمارة‬ ‫جدا هي‬ ‫والمقرنصات واألفاريز والخطوط الجميلة‪ ...‬وكثيرة ًّ‬ ‫المنش���آت الحديث���ة التي ادعت األصالة بإضاف���ة هذه العناصر‬

‫مدنية أو كانت ريفية‪.‬‬

‫باألس���اليب والط���راز؛ فكيف تحافظ الهوية عل���ى وحدتها في‬

‫نطاق أش���كال مختلفة باختالف الم���كان والزمان‪ ،‬وباختالف‬

‫‪25‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫غي���ره يرج���ع كنظي���ره الس���ابق‪ ،‬بغية أن ي���دوم على أه���ل النار‬

‫تذوقه���م للمزي���د م���ن األذى والعذاب اللذي���ن ال يقفان لحظة‬ ‫ّ‬ ‫واحدة وال ينقطعان‪.‬‬

‫ويظهر لدينا اآلن سؤال جديد‪ :‬لماذا قال تعالى‪ِ ﴿ :‬ل َي ُذو ُقوا‬

‫اب﴾؟ وعل���ى م���ن يع���ود الضمي���ر هنا؟ نجي���ب عن ذلك‬ ‫ا ْل َع َ‬ ‫���ذ َ‬ ‫فنق���ول‪ :‬إن اله���دف المقص���ود هنا من عملي���ة التعذيب بالنار‪،‬‬

‫هو تعذيب النفس والبدن وإيالم روح صاحب الجسد‪ ،‬وليس‬ ‫المطل���ب ه���و تعذيب الجلد نفس���ه‪ .‬ولو أري���د تعذيب الجلود‬ ‫ـذقن العذاب"‪ .‬وفي ذلك ورد عن الزمخش���ري‬ ‫ذاته���ا لقيل "ل َِـي َ‬ ‫جلود لم‬ ‫م���كان الجلود‬ ‫ف���ي الكش���اف‪" :‬فإن قيل كيف ُت َـعذب‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬

‫موجه للجملة الحساس���ة وهي التي‬ ‫تع���ص اهلل؟ ُ‬ ‫قلت‪ :‬العذاب ّ‬ ‫َع َص ْت ال الجلد‪ ،‬وهذا يعني أن طاقة العذاب ومطارقه موجهة‬

‫نحو صاحب الجلد ونفسه التي يحملها بين جنباته"‪.‬‬

‫وثمة س���ؤال آخ���ر يثيره هنا أه���ل اللغة‪ :‬لم���اذا جاء النص‬

‫اب﴾ وليس "ليتذوقوا العذاب"؟ وهل من فرق‬ ‫﴿ ِل َي ُذو ُق���وا ا ْل َع َذ َ‬

‫بين الذوق والتذوق؟‬

‫نع���م‪ ،‬هن���اك فرق كبير بي���ن اللفظين‪ ،‬واختي���ار الذوق جاء‬

‫مصورا للحالة التي س���يكون عليها العذاب‬ ‫ف���ي مكانه الدقيق‪،‬‬ ‫ً‬ ‫يفصل أهل اللغ���ة الكالم‪ ،‬فذاق الطعام؛‬ ‫ف���ي النار‪ .‬وعن ذلك ّ‬ ‫أي خبر طعمه‪ ،‬بينما تذوقه تعني شعر بطعمه شي ًئا بعد شيء‪.‬‬

‫وإن أردن���ا قي���اس ذل���ك عل���ى موضوعن���ا ف���ي ظ���ل اآلي���ة‬

‫الكريم���ة‪ ،‬نرى أن أهل النار س���يذوقون عذابها‪ ،‬وهذا يعني أن‬

‫ش���عورهم بمذاق الع���ذاب ال يقف بره���ة وال ينفك‪ ...‬فطعمه‬ ‫إذن دائم مس���تمر متواصل‪ ،‬ولو قيل إنهم سيتذوقون العذاب‪،‬‬ ‫متدرج���ا‪ ،‬وقد تتخلل���ه فترات من‬ ‫ل���كان حينه���ا طع���م العذاب‬ ‫ً‬

‫قاطعا حين‬ ‫نفيا‬ ‫ً‬ ‫الراح���ة و الهدوء‪ ،‬وهذا ما نفت���ه اآلية الكريمة ً‬ ‫اختارت أسلوب ذوق العذاب‪.‬‬

‫ختام���ا‪ ،‬فإن اآليات الت���ي تناقش مثل هذه الحقائق العلمية‬ ‫ً‬

‫أقره القرآن‬ ‫المثبتة كثيرة‪ ،‬ولم يحدث أن أثبت العلم خالف ما ّ‬ ‫الكري���م ف���ي خب���ر من تلكم األخب���ار‪ ،‬بل جاء العل���م الحديث‬ ‫ش���اهدا عل���ى ص���دق الرواي���ة القرآني���ة‪ ،‬ليرش���د كل ذي عق���ل‬ ‫ً‬ ‫وحكمة على أن هذا الكالم إنما هو من عند اهلل‪ ،‬ولو أنه كان‬

‫كثيرا‪.‬‬ ‫من عند غير اهلل لوجدوا فيه اختال ًفا ً‬

‫(*) اختصاصي جراحة التجميل بالمدينة المنورة ‪ /‬المملكة العربية السعودية‪.‬‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪24‬‬

‫ماء الحياة‬ ‫أرواحنا‪،‬‬ ‫َصحارى ُ‬ ‫لهب أكبا ُدنا‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ات قلوبُنا‪...‬‬ ‫جمر ٌ‬ ‫هيا يا رجال!‬ ‫افْتحوا األقفال‪،‬‬ ‫وجودوا بالرواء‪،‬‬ ‫تتفجر‪،‬‬ ‫واجعلوا السدود بالمياه ّ‬ ‫وتطفح وتتدفق‪،‬‬ ‫والصحارى تسقي‪،‬‬ ‫واللهب تطفئ‪،‬‬ ‫والجمرات في القلب تُ ِّبرد‪...‬‬ ‫***‬


‫مرورا بالثانية فالثالثة‪ ...‬وهكذا تستمر عملية الحرق‪،‬‬ ‫األولى‪،‬‬ ‫ً‬ ‫تدريجيا‪ ،‬ويفقد الجلد قوامه‬ ‫وتتخرب خاليا الجلد وأنس���جته‬ ‫ًّ‬ ‫وتماس���كه‪ ،‬ويزول بريقه ولمعانه‪ ،‬وتضيع معالمه التش���ريحية‪،‬‬ ‫إلى أن يصل األمر بالجلد إلى مرحلة الشواء التام والنضج‪...‬‬ ‫وهن���ا يك���ون الجل���د قد تس���اقطت خالي���اه‪ ،‬وأخذت أنس���جته‬ ‫تتآكل تحت التأثير المس���تمر لفعل النار المحرقة‪ ،‬حتى تذوب‬ ‫تماما‪ ،‬ولم يبق في الجلد بعد اآلن رمق من حياة أو إحساس‪.‬‬ ‫ً‬ ‫تباع���ا ويعقب ذل���ك مرحلة‬ ‫ه���ذه‬ ‫قصتن���ا‬ ‫أح���داث‬ ‫تتوال���ى‬ ‫ً‬ ‫جدي���دة‪ ،‬وهي خطوة عجيبة خارقة للطبيعة‪ ،‬تحدث بقدرة اهلل‬ ‫وإرادت���ه الت���ي ال يق���ف أمامها ش���يء‪ ،‬فيأتي األم���ر اإللهي هنا‬ ‫بتبديل جلود أهل النار‪.‬‬ ‫وهنا يتبادر إلى األذهان س���ؤال‪ :‬لم���اذا ورد اللفظ القرآني‬ ‫"بدلناهم"‪ ،‬ولم يق���ل "أبدلناهم"؟ وهل هناك من فارق في‬ ‫هن���ا ّ‬ ‫المعنى والمضمون بين اللفظين؟‬ ‫"بدلناهم"‬ ‫في الحقيقة‪ ،‬إن هناك بو ًنا‬ ‫شاس���عا بين الكلمتين ّ‬ ‫ً‬ ‫و"أبدلناه���م"‪ ،‬وتعلي���ق أه���ل اللغة في ه���ذا الموضوع‪ ،‬يضيف‬ ‫إعجازيا جديدي���ن‪ ...‬فالتبديل‬ ‫وضرب���ا‬ ‫بيانيا‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫إل���ى قائمتنا لو ًن���ا ًّ‬ ‫جعل نفس الش���يء‬ ‫"بدلناهم" الواردة في اآلية‪-‬‬ ‫ُ‬ ‫وهو مصدر ّ‬‫مكان شيء آخر‪ ،‬ومنه تغيير الصورة إلى صورة أخرى مع بقاء‬ ‫الجوهرة بعينها‪.‬‬ ‫أم���ا اإلبدال فه���و مصدر للفع���ل "أبدلناهم"‪ ،‬ول���م يرد في‬ ‫آيتنا تلك‪ ،‬فهو تنحية للجوهر‪ ،‬واستئناف جوهر آخر مختلف‬ ‫تماما مكان شيء آخر‪.‬‬ ‫تماما‪ ،‬أي وضع شيء مختلف ً‬ ‫ً‬ ‫وم���ا يخصن���ا هنا‪ ،‬ه���و العملي���ة العجيبة التي يح���دث فيها‬ ‫أن تتكاث���ر خالي���ا الجلد وأنس���جته من جديد‪ ،‬مم���ا يؤدي إلى‬ ‫ظه���ور جلد آخر غير الذي س���بق له أن احت���رق حتى نضج‪...‬‬ ‫إال أن الجلد الجديد هذا‪ ،‬ش���بيه بسابقه‪ ،‬مكتمل التركيب‪ ،‬تام‬

‫المعال���م والوظيف���ة‪ ،‬يح���وي كل مكونات الجلد الس���ليم‪ ،‬في‬ ‫اهم" تعني اإلتيان بشيء جديد قد يكون مختل ًفا‬ ‫"أب َدل َن ُ‬ ‫حين أن ْ‬ ‫ع���ن الجل���د‪ ،‬واهلل تعال���ى يري���د الجلد نفس���ه بجمي���ع عناصره‬ ‫وخصائص���ه الس���ابقة الت���ي كان الخـل���ق األول عليه���ا‪ .‬وهكذا‬ ‫تستمر هذه العملية من العذاب الدائم الذي ال انقطاع له‪.‬‬ ‫مص���و ًرا ذلك المش���هد‬ ‫ويخت���م اهلل تعال���ى قول���ه الكري���م‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫اب﴾‪ ،‬وهي تعليل لقوله‬ ‫الرهيب بجملة شرطية‪ِ ﴿ :‬ل َي ُذو ُقوا ا ْل َع َذ َ‬ ‫اه ْم﴾‪ .‬وهنا يظهر إعج���از بياني جديد؛ فقد ثبت‬ ‫﴿ب َّد ْل َن ُ‬ ‫تعال���ى َ‬ ‫علمي���ا أن جل���د اإلنس���ان الطبيعي يضم في س���طحه الكثير من‬ ‫ًّ‬ ‫نهايات األعصاب الحس���ية‪ ،‬وهي نق���اط الحس التي يبدأ منها‬ ‫صدور الش���عور‪ ،‬ف ُتترجم ش���عور الجسم باأللم والحرارة‪ ،‬ألن‬ ‫تع���رض هذه األعصاب الجلدية إلى مصدر األلم أو الحرارة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ال‬ ‫يؤدي إلى إرسال إشارات سريعة إلى األلياف العصبية وصو ً‬ ‫إل���ى الدماغ والجهاز العصبي في جس���م اإلنس���ان‪ ،‬وهناك يتم‬ ‫إدراكه���ا واس���تبانة دالئله���ا‪ ،‬مم���ا يعطي ش���عور النف���س باأللم‬ ‫واإلحس���اس به‪ ،‬وذلك بحس���ب عادة خل���ق اهلل تعالى وفطرته‬ ‫التي فطر الناس عليها‪.‬‬ ‫وف���ي ح���ال إصاب���ة األعص���اب بم���رض م���ا‪ ،‬أو اضطراب‬ ‫وظيفي كما في حال احتراق أعصاب الجلد‪ ،‬فإن هذه الوظيفة‬ ‫تتعطل‪ ،‬فيتوقف س���اعي البريد الذي يحمل الرس���ائل‪ ،‬وتنقطع‬ ‫ويفقد حينها‬ ‫وس���يلة االتص���ال بين الجل���د والجهاز العصب���ي‪ُ ،‬‬ ‫تماما‪.‬‬ ‫الشعور باأللم‬ ‫تدريجيا إلى أن يختفي ً‬ ‫ًّ‬ ‫إذن‪ ،‬فلوال عملية تبديل الجلد‪ ،‬التي س���يخضع لها معذبو‬ ‫أه���ل النار‪ ،‬ولوال األعصاب الجديدة التي س���تظهر‪ ،‬ل َفقد أهل‬ ‫النار الش���عور باأللم حينم���ا تنضج جلودهم أول مرة‪ ،‬ولغدت‬ ‫عملية التعذيب قصيرة وذات نهاية س���تأتي وإن طال انتظارها‪،‬‬ ‫إال أن ق���درة اهلل تعال���ى وإرادته‪ ،‬أبت إال أن يتبدل الجلد بجلد‬

‫‪23‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫جسم صاحبه من دخول الجراثيم واألحياء المجهرية‬ ‫منيعا يقي‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫الض���ارة‪ ،‬الت���ي يمك���ن لها غزو الجس���م في حال ع���دم تغليف‬ ‫الجل���د ل���ه‪ ،‬وبالتالي إصابت���ه بالكثير من األم���راض االلتهابية‪.‬‬ ‫تبخر س���وائل الجسم‪ ،‬وبذلك‬ ‫ويمنع الجلد كذلك‪ ،‬عملية ّ‬ ‫تتم المحافظة على رطوبته ضمن حدودها الطبيعية‪ .‬ويس���اهم‬ ‫أيض���ا في تنظيم درجة ح���رارة الجس���م‪ ،‬إذ يعمل على‬ ‫الجل���د ً‬ ‫ضب���ط درجة الحرارة عن���د حدودها الطبيعي���ة‪ ،‬وبذلك يتمكن‬ ‫الجسم من القيام بتفاعالته الحيوية بشكل مضبوط‪.‬‬

‫أسباب الحروق الجلدية وتصنيفها‬

‫تحي���ط بن���ا الكثير من مص���ادر الطاقة والح���رارة‪ ،‬التي تتفاوت‬ ‫بن���اء على قوة‬ ‫ش���دتها بي���ن خفيف ومتوس���ط وش���ديد‪ ،‬وذلك ً‬ ‫المصدر ومقدار ما ينبعث عنه من طاقة‪.‬‬ ‫وتض���م مس���ببات الح���روق الجلدي���ة التع���رض للس���وائل‬ ‫عد للطهي والمش���روبات الس���اخنة وزيت‬ ‫الم ّ‬ ‫المغلي���ة‪ ،‬كالماء ُ‬ ‫قلي الطعام‪ ،‬وحروق النار (‪ ،)Flame Burn‬والحروق الكهربائية‬ ‫التي تنتج عن التعرض للطاقة ذات الجهد المرتفع‪ ،‬والحروق‬ ‫الكيميائية التي تسببها بعض األحماض أو المواد القاعدية‪.‬‬ ‫اعتمادا على سماكة‬ ‫ويتم تصنيف الحروق ًّأيا كان س���ببها‪،‬‬ ‫ً‬ ‫الج���زء المح���روق م���ن الجل���د‪ ،‬وم���دى تأث���ر طبقتيه (البش���رة‬ ‫واألدمة)‪ ،‬وهنا تظهر لدينا العديد من درجات اإلصابة‪:‬‬ ‫‪ -1‬حروق س � � ��طحية‪ :‬تصيب طبقة البش���رة فقط‪ ،‬وتتماثل‬ ‫علميا‬ ‫للشفاء بسرعة في حال تقديم العالج المناسب‪ ،‬وتعرف‬ ‫ًّ‬ ‫بحروق الدرجة األولى‪.‬‬ ‫‪ -2‬ح � � ��روق عميقة‪ :‬ويتخط���ى تأثيرها طبقة البش���رة ليصل‬ ‫إل���ى طبقة األدمة‪ ،‬وهي ذات خطورة أكبر من س���ابقتها‪ ،‬وفيها‬ ‫ق���د يتأثر ج���زء صغير فقط م���ن األدمة‪ ،‬وهنا يكتس���ب الحرق‬ ‫صفة الدرجة الثانية‪.‬‬ ‫‪ -3‬حروق أخرى أش � � ��د عمقًا‪ :‬تتأثر طبقت���ا الجلد بالكامل‬ ‫ويعرف الحرق حينها بحرق الدرجة الثالثة‪،‬‬ ‫(البشرة واألدمة)‪ُ ،‬‬ ‫وقد تصل اإلصابة إلى ما دون األدمة من األنسجة كالعضالت‬ ‫أو العظ���ام‪ ،‬وه���ي أخط���ر اإلصاب���ات على اإلط�ل�اق‪ ،‬وتعرف‬ ‫بحروق الدرجة الرابعة‪.‬‬

‫وقفة مع حال أهل النار في اآلية الكريمة‬

‫إن���ه لمش���هد عظيم ذاك الذي تصوره اآلي���ة الكريمة‪ ،‬وهو يبدأ‬ ‫شخص له الفكر والخيال‪ ،‬وقد أبدع السياق‬ ‫وي َ‬ ‫وال يكاد ينتهي‪َ ،‬‬ ‫في رسمه بصورة دقيقة‪.‬‬ ‫تتحدث هذه اآلية عن الحال التي س���يؤول إليها أهل النار‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪22‬‬

‫���و َف‬ ‫ممن كفر بآيات اهلل‪ ،‬وقد ورد في النص قول الحق‪َ :‬‬ ‫﴿س ْ‬ ‫ِيه ْم﴾‪ ،‬وكلمة "س���وف" تعني حدوث فعل في المس���تقبل‪،‬‬ ‫ُن ْصل ِ‬ ‫مفر وال ملجأ وال منجى‪ ،‬فالحادثة‬ ‫مؤك���د محت���م البد منه وال ّ‬ ‫وسيس���تحق الوع���د والوعيد‪ ،‬وس���وف َيصـلى‬ ‫ال ش���ك واقعة‪ُ ،‬‬ ‫الكافرون نار جهنم ال محالة‪.‬‬ ‫الصلـ���ي ف���ي اللغ���ة‪ :‬اإليقاد بالن���ار واالبت�ل�اء بها‪،‬‬ ‫وأص���ل ّ‬ ‫النار‪:‬‬ ‫ليت الش���اة‪ :‬أي ش���ويتها‪ .‬قال الخليل‪َ :‬صلِي‬ ‫وص ُ‬ ‫َ‬ ‫الكافر َ‬ ‫ُ‬ ‫نضجون في نار ُيصلَون‬ ‫حرها‪ ،‬وقال الطبري‪ :‬سوف ُي َ‬ ‫أي قاسى ّ‬ ‫ش���وون فيها‪ ،‬وفس���ر الحافظ ابن كثي���ر الصلي بالنار‬ ‫فيها‪ ،‬أي ُي َ‬ ‫ال يحيط بجميع أج���رام الكافر وأجزائه‪،‬‬ ‫بدخوله���ا دخ���و ً‬ ‫ال كام ً‬ ‫فهي عن يمينه وشماله‪ ،‬ومن فوقه وتحته‪ ،‬وأمامه وخلفه‪ ،‬فال‬ ‫يكاد ُيرى لها ُب ّد‪ ،‬وال منها مهرب أو مفر‪.‬‬ ‫"كـلـّما"‪ ،‬وهي لفظ يدل‬ ‫ث���م وردت في اآلية الكريمة كلمة ُ‬ ‫على استمرار حدوث الفعل‪ ،‬وتكرار المعنى في دورة ال انتهاء‬ ‫أيض���ا على عدم توقف الح���دث عند حد معين‪،‬‬ ‫له���ا‪ ...‬وتدل ً‬ ‫بمعن���ى أن فع���ل الصلْ���ي بالن���ار واالحت���راق بها مس���تمر دائم‪،‬‬ ‫وتأثير النار ال ينقطع عن الجلد‪ ،‬والعقوبة مستمرة والنكال ال‬ ‫ينفك‪ ،‬ويحتاج لفظ "كلما" كما يقول أهل اللغة‪ ،‬إلى جمل َتين‬ ‫جليا‪ ،‬أنه‬ ‫تترت���ب إحداهما على األخرى‪ ،‬وف���ي مثالنا هنا نرى ًّ‬ ‫جلدا آخر غير محترق‪ ،‬فترتب‬ ‫كلما نضج الجلد الس���ابق ُب ّدل ً‬ ‫تبديل الجلود على نضجها‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫وهكذا يس���تمر ش���ريط طويل وحلق���ات متعاقبة من عملية‬ ‫االحت���راق‪ ،‬الت���ي يتلوه���ا نض���ج وتبديل دون أن يقف مس���رح‬ ‫معين���ة أو زمن ما‪ ،‬فتغ���دو العملية‬ ‫األح���داث ه���ذا عند مرحلة ّ‬ ‫إذن‪ ،‬ذات بداية ال نهاية لها‪.‬‬ ‫ث���م تأت���ي الكلم���ة التالية ف���ي س���ياق اآلية الكريم���ة‪ ،‬وهي‬ ‫ابن منظور في لس���ان العرب مادة " َن ِضج"‪،‬‬ ‫" َن ِضج���ت"‪ ،‬ويورد ُ‬ ‫شواء‪ ،‬إذا ُأدرِ ك َش ّيـه‪.‬‬ ‫اللحم‬ ‫وعنها يقول‪َ :‬ن ِضج‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫وعل���ى كل حال‪ ،‬فالمعنى ظاهر ّبين ال غبار عليه‪ ،‬واللفظ‬ ‫فزعا‪ ،‬فهو ص���ورة للحالة التي يكون عليها الجلد‬ ‫ج���اء عني ًفا ُم ً‬ ‫المحروق‪ ،‬بعد فترة من بداية احتراقه إلى أن يبلغ نهاية عملية‬ ‫الش���ي‪ .‬فم���ن المع���روف أن عملية النضج ال تحدث بس���رعة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بل يس���بقها م���رور وقت ليس بالقصير‪ ،‬من التعرض المس���تمر‬ ‫والمباشر إلى ألسنة النار‪.‬‬ ‫عذابا كهذا ال يقف خالل عملية الشواء‪ ،‬بل إن‬ ‫وبالطبع فإن ً‬ ‫األلم يبدأ من لحظة تالمس النار مع الجلد ويستمر دون كلل أو‬ ‫بدءا من الدرجة‬ ‫ملل‪ ...‬ويزيد هذا األلم‬ ‫تدريجيا ليتدرج الحرق ً‬ ‫ًّ‬


‫علوم‬

‫د‪ .‬حذيفة أحمد الخراط*‬

‫أسرار الجلد البشري‬ ‫���روا ب َِآيا ِت َن���ا‬ ‫يق���ول اهلل تعال���ى‪﴿ :‬إ َِّن ا َّل ِذ َ‬ ‫ي���ن َك َف ُ‬ ‫ِ‬ ‫ود ُه ْم‬ ‫���ارا ُك َّل َما َن ِض َج ْ‬ ‫���ت ُج ُل ُ‬ ‫���و َف ُن ْصليهِ ْم َن ً‬ ‫َس ْ‬ ‫هلل‬ ‫اب إ َِّن ا َ‬ ‫اه ْم ُج ُل ً‬ ‫َب َّد ْل َن ُ‬ ‫���ودا َغ ْي َر َها ِل َي ُذو ُقوا ا ْل َع َذ َ‬ ‫ِ‬ ‫يما﴾(النساء‪.)56:‬‬ ‫َك َ‬ ‫ان َع ِز ًيزا َحك ً‬ ‫م���اذا عن تخصيص جلد اإلنس���ان في هذه اآلية دون غيره من‬ ‫أعضاء الجس���م؟ وما الذي قصده تعال���ى من كلمة " َن ِض َج ْت"؟‬ ‫ولم���اذا تتبدل الجلود حينها بجلود غيرها؟ ولماذا كان التبديل‬ ‫خاصا بالجلود؟‬ ‫ًّ‬ ‫يتك���ون جلد جس���م اإلنس���ان م���ن طبقتي���ن هما "البش���رة"‬ ‫(‪ )Epidermis‬و"األدم���ة" (‪ .)Dermis‬وتنقس���م البش���رة ‪-‬وه���ي‬

‫الجزء الس���طحي الظاهر من الجل���د‪ -‬فتتفرع إلى أربع طبقات‬ ‫تت���وزع خاللها خالي���ا الجلد حتى تتمكن م���ن القيام بوظائفها‬ ‫وتقس���م طبق���ة األدمة ‪-‬وهي طبقة‬ ‫الفس���يولوجية المنوطة بها‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الجل���د األخ���رى الت���ي تل���ي البش���رة‪ -‬إل���ى طبقتي���ن دقيقتي���ن‪،‬‬ ‫ول���كل منهم���ا خالياها الخاصة‪ ،‬وتضم بي���ن ثناياها الكثير من‬ ‫والعرقية‪.‬‬ ‫األعصاب والشعيرات الدموية والغدد الدهنية‬ ‫َ‬ ‫وللجل���د البش���ري وظائف هام���ة‪ ،‬تجعله من أه���م أعضاء‬ ‫الجسم الالزمة الستمرار الحياة بصورة طبيعية ال يعتريها داء أو‬ ‫سقم‪ .‬فاإلنسان ال يحيا من غير جلد‪ ،‬و َف ْقد جزء كبير منه ألي‬ ‫حاجزا‬ ‫س���بب كان‪ ،‬قد يهدد حياة المريض‪ ،‬وذلك ألنه يعمل‬ ‫ً‬

‫‪21‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫ف���ي التش���ريع‪ ،‬م���ن أش���هرها حديث إرس���ال معاذ إل���ى اليمن؛‬ ‫فقد أرش���د رس���ول اهلل ‪ ‬مع���اذًا إلى منهج الت���درج في التنفيذ‬ ‫قدم على قوم أه���ل كتاب‪ ،‬فليكن‬ ‫والتطبي���ق بقول���ه له‪" :‬إن���ك َت َ‬ ‫أول م���ا تدعوه���م إليه عب���ادة اهلل ‪ ،‬فإذا عرف���وا اهلل فأخبرهم‬ ‫أن اهلل ف���رض عليهم خمس صل���وات في يومهم وليلتهم‪ ،‬فإذا‬ ‫فعلوا فأخبرهم أن اهلل قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم‬ ‫وتوق كرائم‬ ‫فت���رد عل���ى فقرائهم‪ ،‬ف���إذا أطاعوا بها فخذ منه���م‬ ‫ّ‬ ‫أمواله���م" (رواه مس���لم)‪ ،‬فرس���م أمام���ه اله���دف األول ف���ي تقدير‬ ‫اإليمان الصحيح بالشهادتين وترسيخ أصوله في النفوس‪ ،‬فإن‬ ‫تحق���ق ذلك انتق���ل إلى تكليفهم بركن اإلس�ل�ام وعموده وهو‬ ‫الصالة‪ ،‬فإن تحقق ذلك كلفهم بالفريضة المتعلقة بأموالهم‪.‬‬ ‫إن رس���ول اهلل ‪ ‬لم يكلف الناس بالدين كله مرة واحدة‪،‬‬ ‫س���واء ف���ي العقي���دة أو في الش���ريعة‪ ،‬بل ب���دأ باأله���م فالمهم‪،‬‬ ‫وت���درج معهم في تفصيل العقائ���د واألحكام طوال فترة البعثة‬ ‫على أس���اس ترتيب األولوي���ات‪ ،‬فاعتمد عل���ى تثبيت العقيدة‬ ‫أوالً‪ ،‬ث���م تدرج معهم إلى بيان القي���م الدينية واألحكام العامة‬ ‫التي نزلت على األنبياء السابقين‪ ،‬ثم تدرج معهم إلى التكليف‬ ‫باألوام���ر النواه���ي‪ ،‬وقدم ف���ي كل ذل���ك الضروريات الخمس‬ ‫وهي المحافظة على النفس والعقل والدين والنسل والمال‪.‬‬ ‫‪ -8‬مراعاة الحال‪ :‬س���واء حال اإلنس���ان وح���ال الجماعة‬ ‫وحال األمة‪ ،‬بل حال العالم أجمع‪ ،‬فقد راعى ‪ ‬أحوال الناس‬ ‫ف���ي تطبيق األحكام الش���رعية واألمور السياس���ية واالقتصادية‬ ‫واالجتماعي���ة‪ ،‬وكان تعامل���ه م���ع الف���رد مخال ًف���ا لتعامل���ه م���ع‬ ‫الجماع���ة من حيث كونهم جماع���ة‪ ،‬أو األمة كذلك أو جميع‬ ‫ال مع الجميع‪ .‬ومن أكثر دالئل‬ ‫األمم‪ ،‬فلم يكن التعامل متماث ً‬ ‫مراعات���ه ‪ ‬لألح���وال ما ورد ف���ي عدم هدمه الكعب���ة‪ ،‬وإعادة‬ ‫قريش���ا لما بنتها اقتصرت بها‪،‬‬ ‫بنائها على أس���اس إبراهيم؛ فإن ً‬ ‫يق���ول ‪ ‬للس���يدة عائش���ة رض���ي اهلل عنها‪" :‬يا عائش���ة لوال أن‬ ‫قومك حديثو عهد بش���رك‪ ،‬لهدمت الكعبة‪ ،‬فألزقتها باألرض‪،‬‬ ‫وجعلت لها بابين" (رواه مسلم)‪.‬‬ ‫إن الجمود على رأي واحد‪ ،‬وحكم واحد‪ ،‬وموقف واحد‬ ‫وإن تغي���رت األح���وال‪ ،‬لم يكن من منهجه ‪ .‬وقد رأينا النبي‬ ‫دفاعا‬ ‫‪ ‬يمنع الصحابة في مكة من أن يحملوا السالح ليقاتلوا ً‬ ‫عن أنفسهم وهم يأتون إليه بين مضروب ومشجوج‪ ،‬ويأمرهم‬ ‫بالصبر وكف اليد‪ ،‬حتى إذا هاجر إلى المدينة وأصبح لهم دار‬ ‫ودولة‪ ،‬أذِن اهلل أن يقاتلوا‪.‬‬ ‫وروى اإلم���ام أحمد أن النبي ‪ ‬س���ئل عن ال ُقبلة للصائم‪،‬‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪20‬‬

‫ال آخر ع���ن ال ُقبلة أثن���اء الصيام‪...‬‬ ‫فرخص لس���ائل ونهى س���ائ ً‬ ‫قبل‪،‬‬ ‫وبالبحث تبين أن أحد السائلين كان ً‬ ‫شيخا فرخص له أن ُي ّ‬

‫شابا فنهاه عن التقبيل‪ .‬وقد كانت إجابات النبي ‪‬‬ ‫وكان اآلخر ًّ‬

‫تختلف من شخص آلخر عن السؤال الواحد‪ ،‬ألنه كان يراعي‬

‫أح���وال الس���ائلين‪ ،‬فيعطي اإلجابة لكل منه���م بما يالئم حاله‪.‬‬

‫إن س���عة الش���ريعة ومرونتها في مراعاة مستجدات األمور‪،‬‬

‫أص�ل�ا م���ن أصول‬ ‫وصل���ت إل���ى إقام���ة الح���دود الت���ي تعتب���ر‬ ‫ً‬ ‫التش���ريع‪ .‬فلق���د علّمنا رس���ول اهلل ‪ ‬أن نراع���ي األحوال التي‬

‫تنش���أ‪ ،‬والظروف التي تس���تجد مما يس���تدعي تغيير الحكم إذا‬ ‫اجتهاديا‪ ،‬أو تأخير تنفيذه‪ ،‬أو إس���قاط أثره عن صاحبه إذا‬ ‫كان‬ ‫ًّ‬

‫قطعي���ا‪ .‬وم���ن ذلك ما ورد ع���ن النبي ‪ ‬أنه نهى أن تقطع‬ ‫كان‬ ‫ًّ‬ ‫األي���دي في الغ���زو كما روى أبو داود‪ ،‬وهو حد من حدود اهلل‬

‫تعال���ى‪ .‬وق���د نه���ى عن إقامة الح���د في هذه الحالة‪ ،‬خش���ية أن‬ ‫يترت���ب علي���ه ما هو أبغض من تعطيل���ه أو تأخيره‪ ،‬وهو لحوق‬

‫غضبا‪ .‬وها هو ال يعاقب المنافقين‬ ‫صاحب���ه باألعداء حمية أو‬ ‫ً‬ ‫رغ���م م���ا بلغه عنهم‪ ،‬ويقول لـ"عمر" ‪ ‬لما أراد أن يقتل عبد‬ ‫محمدا يقتل‬ ‫"دعه‪ ،‬ال يتحدث الناس أن‬ ‫ً‬ ‫اهلل بن أبي بن سلول‪ْ :‬‬

‫أصحاب���ه" (رواه البخ���اري)‪ .‬وف���ي هذا أعظم دليل على س���عة هذا‬ ‫المنهج النبوي ومراعاته لألحوال والظروف والمستجدات‪.‬‬

‫وم���ع هذه المرونة وتلك الس���عة‪ ،‬فإن هن���اك مجموعة من‬

‫الضوابط يجب أن تكون معلومة‪ ،‬حتى ال يتم اس���تغالل األمر‬

‫فيم���ا لي���س له‪ .‬ومن تل���ك الضوابط‪ ،‬أن مراع���اة الحال يهدف‬ ‫إل���ى إبق���اء األمور تحت حكم الش���ريعة وإن تغي���رت صورتها‬ ‫خروجا على الش���ريعة واس���تحدا ًثا‬ ‫الظاهري���ة‪ ،‬وال يعني بحال‬ ‫ً‬

‫ألح���كام جدي���دة‪ ،‬ومنه���ا أن أهل العل���م عندما قال���وا بمراعاة‬ ‫األح���وال والعوائد ونحوها‪ ،‬إنم���ا ذكروا ذلك لرفع الظلم عن‬ ‫العباد بإلزامهم بما لم يلزمهم به الشرع‪ ،‬ومنها أن الذي يحدد‬

‫تغي���ر األح���وال واألعراف هم أه���ل العلم والمعرفة بالش���رع‪،‬‬

‫وليس أهل الهوى والجهل‪.‬‬

‫لق���د قام النب���ي ‪ ‬من خالل هذه األس���س وذلك المنهاج‬

‫الش���ريف‪ ،‬بمعالجة الرواب���ط االجتماعية القائم���ة‪ ،‬فأبقى على‬

‫وشيد روابط اجتماعية‬ ‫الصالح منها وقاوم الفاسد‪ ،‬حتى أرسى ّ‬ ‫أسسها على أرقى نظام وأنفع منهاج يصلح لكل زمان ومكان‪.‬‬

‫(*) مفتي الديار المصرية‪.‬‬


‫ف���ي تبليغه���م حدي���ث رس���ول اهلل ‪‬‬ ‫فضل س���بحانه‬ ‫اهلل تعال���ى في كونه‪ .‬فقد ّ‬ ‫لطلبة العلم على أن يس���تفتحوا بحديث‬ ‫وفض���ل‬ ‫بع���ض األزم���ان عل���ى بع���ض‪ّ ،‬‬ ‫�إن ر�سول اهلل ‪ ‬مل يكلف النا�س‬ ‫الرحمة المسلس���ل باألولية‪" :‬الراحمون‬ ‫وفض���ل‬ ‫بع���ض األماك���ن عل���ى بع���ض‪ّ ،‬‬ ‫بالدي��ن كله مرة واحدة‪ ،‬بل بد�أ‬ ‫يرحمهم الرحمان‪ ،‬ارحموا أهل األرض‬ ‫وفضل‬ ‫بعض األش���خاص على بع���ض‪ّ ،‬‬ ‫معهم‬ ‫وت��درج‬ ‫فاملهم‪،‬‬ ‫أه��م‬ ‫ل‬ ‫با‬ ‫يرحمك���م َمن في الس���ماء" (رواه أب���و داود)‪،‬‬ ‫بعض األحوال عل���ى بعض‪ ،‬وجعل من‬ ‫ُ‬ ‫يف تف�صي��ل العقائ��د والأحكام‬ ‫وورد ع���ن رس���ول اهلل ‪ ‬أحاديث كثيرة‬ ‫س���ببا لدفع الناس وتعارفهم‬ ‫هذا التباين‬ ‫ً‬ ‫طوال ف�ترة البعثة عل��ى �أ�سا�س‬ ‫تحث المس���لمين عل���ى التخلق بالرحمة‬ ‫وحراكهم عبر حركة التاريخ‪ ،‬قال تعالى‪:‬‬ ‫ترتي��ب الأولوي��ات‪ ،‬فاعتم��د‬ ‫ِ‬ ‫فيم���ا بينه���م وم���ع جميع الخل���ق‪ ...‬وقد‬ ‫ون َر ْح َم َة َر ِّب َك َن ْح ُن َق َس ْم َنا‬ ‫���م َ‬ ‫﴿ َأ ُه ْم َي ْقس ُ‬ ‫عل��ى تثبي��ت العقي��دة �أوالً‪ ،‬ثم‬ ‫ح���ذر رس���ول اهلل ‪ ‬أمته‪ ،‬ب���أن ترك هذه‬ ‫الد ْن َيا َو َر َف ْع َنا‬ ‫يش َ���ت ُه ْم ِفي ا ْل َح َيا ِة ُّ‬ ‫َب ْي َن ُه ْم َم ِع َ‬ ‫���ض َدر َج ٍ‬ ‫الصف���ة الحمي���دة ق���د يس���توجب غضب‬ ‫���ذ‬ ‫���ات ِل َي َّت ِخ َ‬ ‫ت��درج معه��م �إىل بي��ان القي��م‬ ‫���و َق َب ْع ٍ َ‬ ‫���م َف ْ‬ ‫َب ْع َض ُه ْ‬ ‫اهلل ي���وم القيامة حيث قال‪" :‬ال يرحم اهلل‬ ‫���خ ِر ًّيا َو َر ْح َم ُة َر ِّب َك َخ ْي ٌر‬ ‫َب ْع ُض ُه ْم َب ْع ًضا ُس ْ‬ ‫الديني��ة والأح��كام العامة التي‬ ‫من ال يرحم الن���اس" (رواه البخاري)‪ ،‬وقال‬ ‫ون﴾(الزخرف‪ ،)32:‬وقال تعالى‪:‬‬ ‫ِم َّما َي ْج َم ُع َ‬ ‫نزل��ت على الأنبي��اء ال�سابقني‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫الص���ادق ‪" :‬ال ُتنـ���زع الرحم���ة إال من‬ ‫ين‬ ‫���ع ا ُ‬ ‫﴿ي ْر َف ِ‬ ‫���م َوا َّل ِذ َ‬ ‫هلل ا َّل ِذ َ‬ ‫ي���ن َ‬ ‫َ‬ ‫آم ُن���وا م ْن ُك ْ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫شقي" (رواه أبو داود)‪.‬‬ ‫ون‬ ‫���م َد َر َجات َوا ُ‬ ‫هلل ب َِم���ا َت ْع َم ُل َ‬ ‫أو ُت���وا ا ْلع ْل َ‬ ‫ِ‬ ‫‪ -6‬مراعاة األعراف الس � � ��ائدة في المجتمع‪ :‬يقول ‪﴿ :‬‬ ‫���ل َف َّض ْل َنا َب ْع َض ُه ْم َع َلى‬ ‫الر ُس ُ‬ ‫ِير﴾(المجادلة‪ ،)11:‬ويقول‪﴿ :‬ت ْل َك ُّ‬ ‫َخب ٌ‬ ‫ُخ ِ‬ ‫���ذ ا ْل َع ْف َ ْ‬ ‫���ر بِا ْل ُع ْر ِف﴾(األع���راف‪ ،)199:‬فكل ما ش���هدت به‬ ‫آم ُنوا َأ ِط ُيعوا‬ ‫َب ْع ٍ‬ ‫﴿يا َأ ُّي َها ا َّل ِذ َ‬ ‫ي���ن َ‬ ‫ض﴾(البق���رة‪ ،)253:‬وق���ال تعالى‪َ :‬‬ ‫���و َوأ ُم ْ‬ ‫���ول َو ُأو ِلي ا َ‬ ‫أل ْم ِر ِم ْن ُك ْم﴾(النساء‪ .)59:‬فجعل اهلل الع���ادة والع���رف مما ل���م يتصادم م���ع ثوابت اإلس�ل�ام‪ ،‬قضي‬ ‫هلل َو َأ ِط ُيعوا‬ ‫الر ُس َ‬ ‫ا َ‬ ‫َّ‬ ‫رؤوس���ا‪ ،‬وجعل ذلك طب ًق���ا لكفاءاته���م‪ ،‬ورغبتهم في ب���ه لظاه���ر هذه اآلي���ة إال أن تكون هناك بينة تمن���ع من هذا‪...‬‬ ‫للن���اس‬ ‫ً‬ ‫اإلصالح دون اإلفس���اد‪ ،‬ونعى على ذلك التصور الذي يكون وقد ورد في الخبر أن "ما رآه المس���لمون حس��� ًنا فهو عند اهلل‬ ‫حس���ن"‪ ،‬والمعن���ى‪ :‬أن كل م���ا رآه المس���لمون بعقوله���م م���ن‬ ‫فيه جميع الناس في تساوٍ مطلق‪.‬‬ ‫وبينا‪ ،‬العادات وغيرها مستحس ًنا‪ ،‬فهو حسن عند اهلل يقبله ويعتد به‪،‬‬ ‫وعدم التساوي ال يعني ً‬ ‫أبدا عدم المساواة كما سبق َّ‬ ‫ولك���ن وجود النخب���ة والصفوة ي���ؤدي إلى حل المش���كالت‪ ،‬ووج���ه األخذ العتب���ار العرف من هذا الخب���ر‪ ،‬أنه إذا كان كل‬ ‫جميعا ما رآه المسلمون مستحس ًنا قد ُحكم بحسنه عند اهلل واعتباره‪،‬‬ ‫وإلى األمن واالس���تقرار بين الناس‪ .‬وعلى المس���لمين‬ ‫ً‬ ‫أن يحافظ���وا عل���ى هذه النخب���ة ويدافعوا عنه���ا ويعينوها على فكذلك إذا كان العرف مما استحسن المسلمون في المجتمع‬ ‫محكوما باعتباره‪.‬‬ ‫تحقي���ق الدور الذي كلف���ت به‪ ...‬وهذا ال يعني أن هذه النخبة كان‬ ‫ً‬ ‫‪ -7‬التدرج في التش� � � �ريع‪ :‬فلم يكن ‪ ‬يحمل الناس على‬ ‫ف���وق القان���ون‪ ،‬ولكن عند توجي���ه االتهامات‪ ،‬يج���ب أن تبنى‬ ‫عل���ى حقائ���ق ثابتة‪ ،‬وليس عل���ى أحداث مختلف���ة أو خياالت األحكام جملة واحدة‪ ،‬إنما كان مبدؤه التدرج‪ ...‬فهو القائل‪:‬‬ ‫وبشروا وال تن ّفروا" (رواه البخاري)‪ .‬وقد كان‬ ‫مريضة‪ .‬فوجود هؤالء الحكماء والمحافظة عليهم‪ ،‬بل وإقالة‬ ‫تعسروا ّ‬ ‫"يسروا وال ّ‬ ‫ّ‬ ‫أساسيين‪:‬‬ ‫محورين‬ ‫جميعا‪ ،‬وهو مثال التدرج في عهد النبوة يعتمد على‬ ‫عثرته���م إذا عثروا‪ ،‬أمر واجب عل���ى الناس‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫األول‪ :‬بيان األحكام الش���رعية بالتدرج حس���ب نزولها من‬ ‫للعدل بوضع الش���خص المناسب في المكان المناسب‪ ،‬الذي‬ ‫أساس���ا من أس���س المنه���ج النب���وي في ع�ل�اج القضايا السماء‪ ،‬وتفسيرها وبيانها من رسول اهلل ‪ ‬حتى تكامل الدين‬ ‫يمث���ل‬ ‫ً‬ ‫وتم بناؤه‪ .‬وقد انتهى هذا الجانب بانقطاع الوحي‪ ،‬ولكنه يبقى‬ ‫االجتماعية‪.‬‬ ‫وأساس���ا أم���ام العلماء في االجتهاد في المس���تجدات‬ ‫نموذجا‬ ‫‪ -5‬الرحمة واستعمال الرفق ال العنف‪ :‬فالرحمة من األخالق‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫التي مدحها اهلل ورسوله في الكتاب والسنة‪ ،‬وهي من األخالق والوقائع الجديدة‪.‬‬ ‫الثاني‪ :‬ه���و التطبيق العملي لألحكام الش���رعية التي كانت‬ ‫الت���ي يترت���ب عليها كثير من الخير ف���ي الحياة الدنيا بمجاالتها‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫المختلف���ة‪ ،‬كم���ا يترت���ب عليه���ا كثير م���ن الثواب ف���ي اآلخرة‪ .‬تنـزل و ُتفسر و ُتبين‪ ،‬وكان هذا التطبيق بالتدريج ً‬ ‫وقد ورد في الس���نة الشريفة أحاديث كثيرة تصرح بالتدرج‬ ‫وألن هذه األمة هي أمة الرحمة والهداية‪ ،‬دأب المحدثون‬

‫‪19‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫وألن العم���ل من لوازم تعمير الدني���ا واآلخرة‪ ،‬وذلك ألنه‬ ‫م���ن ل���وازم الحي���اة وبقاء الن���وع ومقتض���ى الفط���رة‪ ،‬وضع ‪‬‬ ‫خاصا للعمل فربطه بالنية‪ ،‬فصالحه بصالحها وفس���اده‬ ‫نظام���ا ًّ‬ ‫ً‬ ‫بفس���ادها‪ ،‬فقال‪" :‬إنم���ا األعمال بالنيات‪ ،‬وإنم���ا لكل امرئ ما‬ ‫ن���وى" (رواه البخ���اري)‪ .‬وتحقي ًق���ا لمبدأ تكافؤ الف���رص الذي يعد‬ ‫صورة من العدالة االجتماعية‪ ،‬جعل النبي ‪ ‬العمل ح ًّقا للفرد‬ ‫واجب���ا عل���ى الدولة توفيره‪ ،‬فال يج���وز للدولة أن تتقاعس عن‬ ‫ً‬ ‫أداء ه���ذا الواجب االجتماع���ي الخطير حتى ال تتعطل طاقات‬ ‫األف���راد ونش���اطاتهم‪ ،‬وتح���رم األمة من جهوده���م ومواهبهم‪.‬‬ ‫ولقد كان النبي ‪ ‬يعين من ال عمل له بتأمين العمل‪ ،‬كما قرر‬ ‫‪ ‬أن���ه ال امتياز ألحد في نوع معين من العمل بالنظر لغناه أو‬ ‫ثراء أسرته أو نفوذها‪ ،‬إنما فرص العمل يجب أن تكون مهيأة‬ ‫للجميع كل على حس���ب كفاءت���ه وقدرته وموهبته‪ ...‬ومن هنا‬ ‫وجب على الدولة أن تختار للقيام بوظائفها األصلح واألكفأ‪،‬‬ ‫ال وفي‬ ‫ق���ال ‪" :‬من ولي من أمر المس���لمين ش���ي ًئا فولَّ���ى رج ً‬ ‫األم���ة من ه���و أصلح للمس���لمين منه‪ ،‬فقد خان اهلل ورس���وله"‬ ‫(رواه البيهق���ي)‪ .‬ولذل���ك كان البد من التزام مبدأ التخصص‪ ،‬لتتم‬ ‫الكفاءة واإلتقان فيما تقتضيه كل وظيفة بحسب طبيعتها‪.‬‬ ‫‪ -3‬الت � � ��وازن‪ :‬ويتمث���ل في أمور ع���دة‪ ،‬منها المس���اواة بين‬ ‫األف���راد ال التس���اوي‪ .‬فالش���رع اإلس�ل�امي إذ يقول بالمس���اواة‬ ‫بي���ن الرج���ل والم���رأة مثالً ف���ي الحق���وق والواجب���ات‪ ،‬فإنه ال‬ ‫يق���ول بالتس���اوي بينهما في الصفات ِ‬ ‫الخلقي���ة والفطرة الربانية‬ ‫والوظائ���ف التكليفي���ة‪ ...‬فه���ذا ال يق���ول به عاق���ل‪ .‬وعلى هذا‬ ‫فإن الدعوة إلى التس���اوي بينهما‪ ،‬نوع من أنواع الظلم‪ ،‬والزج‬ ‫ب���كل منهما ف���ي طريق مظلم ال يتفق مع الفط���رة التي فطر اهلل‬ ‫ال منهما ش���ط ًطا ال يطيقه‪ ،‬أما ما يتفق‬ ‫الناس عليها‪ ،‬ويكلف ك ًّ‬ ‫والتوازن الذي أسسه المنهج النبوي فهو المساواة‪.‬‬ ‫أبدا القضاء على االختالف‬ ‫فالمساواة في اإلسالم‪ ،‬ال تعني ً‬ ‫أو التمايز بين الناس‪ ،‬إذ االختالف سنة كونية من سنن اهلل في‬ ‫خلق���ه‪ ،‬وه���و حقيقة واقعة ف���ي الخلق‪ ،‬وال يمك���ن محوها أو‬ ‫التغافل عنها‪ ،‬ولكن المساواة تعني العدالة‪ ،‬والعدالة تكون في‬ ‫عدم التفرقة بين اإلنس���ان فيما يخرج عن فعله واختياره‪ ،‬ولذا‬ ‫يجب أن تطبق مفاهيم المساواة اإلنسانية في إطار من احترام‬ ‫االخت�ل�اف والتمايز بين الناس‪ ،‬وع���دم االعتداء على هويتهم‬ ‫الذاتية أو محاولة مسحها أو محوها‪.‬‬ ‫جميعا‪ ،‬وجعله‬ ‫وقد قرر ‪ ‬المساواة كمبدأ عام بين الناس‬ ‫ً‬ ‫مهيم ًن���ا تس���ري روح���ه كدعامة لجميع ما س���نه وقض���ى به من‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪18‬‬

‫ال ونس���اء‪ .‬وكان من‬ ‫نظم وأحكام تضبط عالقات األفراد رجا ً‬ ‫تقديره لقيمة اإلنس���ان المش���تركة بين الجمي���ع‪ ،‬تكريم الجنس‬ ‫البشري بنوعيه دون تمييز بين رجل وامرأة‪.‬‬ ‫وفي حديث رسول اهلل ‪ ‬أنه قال‪" :‬إن أنسابكم هذه ليست‬ ‫ف الصاع لم تملؤوه‪،‬‬ ‫بسِ باب على أحد‪ ،‬وإنما أنتم ول َُد آدم‪ ،‬طَ ُّ‬ ‫حس ُب‬ ‫ليس ألحد على أحد فضل إال بالدين أو ٍ‬ ‫عمل صالح‪ْ ،‬‬ ‫ال جبا ًنا" (رواه اإلمام أحمد)‪.‬‬ ‫الرجل أن يكون‬ ‫فاحشا بذِ ًّيا‪ ،‬بخي ً‬ ‫ً‬ ‫والمس���اواة بي���ن الناس ال معن���ى لها إذا ل���م تعززها عدالة‬ ‫اقتصادي���ة واجتماعي���ة تضم���ن ل���كل فرد حق���ه إزاء م���ا يقدمه‬ ‫أحدا أو يبخس���ه حقه‪...‬‬ ‫لمجتمع���ه‪ ،‬وتكف���ل أال يس���تغل‬ ‫أح���د ً‬ ‫ٌ‬ ‫فالتف���اوت الفاح���ش في الدخ���ول والثروات‪ ،‬ال���ذي نراه اليوم‬ ‫منتش���را في كل الدول اإلس�ل�امية ينافي جوهر اإلس�ل�ام‪ ،‬ألن‬ ‫ً‬ ‫محتما على مش���اعر األخوة التي يريد اإلس�ل�ام بثها‬ ‫قضاء‬ ‫فيه‬ ‫ً‬ ‫بين المسلمين‪.‬‬ ‫إن عدالة التوزيع للثروة بين المواطنين‪ ،‬من شأنها أن توفر‬ ‫لكل فرد مستوى من المعيشة تهيئه ألن يحيا حياة تليق بكرامة‬ ‫اإلنس���ان‪ ،‬ويتوج���ب على النخبة م���ن علماء األم���ة بعد ذلك‪،‬‬ ‫أن تعم���ل على تأمين العمل لمن يبحث عن���ه‪ ،‬وإثابة العاملين‬ ‫باألجر الع���ادل‪ ،‬والتفكير في آليات لتفعيل النظام االقتصادي‬ ‫اإلس�ل�امي الذي تمثل الزكاة والصدق���ات والوقوف فيه‪ ،‬رك ًنا‬ ‫ركي ًن���ا إلع���ادة توزيع الدخل على الفقراء الذين ال يس���تطيعون‬ ‫ضربا في األرض‪ ،‬أو يعانون من معوقات عقلية أو جسمية‪ ،‬أو‬ ‫ً‬ ‫يرزحون تحت وطأة ظروف خارجة عن إرادتهم‪.‬‬ ‫‪ -4‬الع � � ��دل‪ :‬وهو قضية عظمى عليها ق���ام الملك‪ ،‬وخلق‬ ‫إس�ل�امي رفيع حث عليه اهلل ‪ ‬في الكتاب العزيز‪ ،‬وفي س���نة‬ ‫النبي الكريم صلوات اهلل عليه وس�ل�امه‪ ،‬يقول س���بحانه‪﴿ :‬إ َِّن‬ ‫إل ْحس ِ‬ ‫هلل َي ْأ ُم���ر بِا ْل َع ْ ِ‬ ‫���ان﴾(النحل‪ ،)90:‬ونه���ى النب���ي ‪ ‬عن‬ ‫ا َ‬ ‫���دل َوا ِ َ‬ ‫ُ‬ ‫الظل���م في أكثر من حديث منه���ا قوله ‪" :‬الظلم ظلمات يوم‬ ‫القيام���ة" (رواه البخ���اري)‪ ،‬وفيم���ا يرويه نبينا ‪ ‬ع���ن رب العزة أنه‬ ‫الظلم على نفس���ي وجعل ُته بينكم‬ ‫مت‬ ‫حر ُ‬ ‫َ‬ ‫ق���ال‪" :‬يا عبادي إني َّ‬ ‫محر ًما فال َتظال َُموا" (رواه مسلم)‪.‬‬ ‫َّ‬ ‫وم���ن مظاهر تم���ام العدل بين الناس‪ ،‬إعط���اء كل ذي حق‬ ‫حقه‪ ،‬ووضع الشيء المناسب والشخص المناسب في المكان‬ ‫المناسب‪ ،‬ومثال ذلك أن وجود نخبة من الناس تتصدر لحل‬ ‫المشكالت‪ ،‬ورسم طريق الخروج من األزمات من قوانين اهلل‬ ‫بارزا في الكتاب‬ ‫وس���ننه الثابت���ة في كونه‪ .‬ومفهوم النخبة ن���راه ً‬ ‫والسنة‪ ،‬ومرتبطًا بتاريخ البشر وواقعهم‪ ،‬بل هو واضح في سنة‬


‫يس���تخلف في األرض‪ ،‬وينهض برس���الة‬ ‫ق���ل كالمه إال فيم���ا يعنيه" (رواه اب���ن حبان)‪،‬‬ ‫وه���ي قاع���دة في الس���عي الب���د أن نعيها‬ ‫ش���اكرا ‪-‬من‬ ‫حقيقيا‬ ‫إدراكا‬ ‫اهلل‪ ،‬وي���درك‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫النب��وي‪،‬‬ ‫املنه��اج‬ ‫يف‬ ‫أم��ل‬ ‫�‬ ‫املت‬ ‫ونعي كيف نعمل بها‪.‬‬ ‫واقع علمه وفهمه‪ -‬أن الخالق س���بحانه‪،‬‬ ‫يج��د �أن النب��ي ‪ ‬ق��د و�ضع‬ ‫والمتأمل في المنه���اج النبوي‪ ،‬يجد‬ ‫ق���د س���خر ل���ه ه���ذا الك���ون ف���ي أرض���ه‬ ‫أن النب���ي ‪ ‬قد وضع األس���س الجامعة‬ ‫الأ�س���س اجلامع��ة التي ت�صلح‬ ‫وس���مائه وكواكب���ه وأجرام���ه وشمس���ه‬ ‫الت���ي تصلح في القض���اء على األمراض‬ ‫وقم���ره ومائه وهوائ���ه‪ ...‬لحكمة عميقة‬ ‫يف الق�ض��اء عل��ى الأمرا���ض‬ ‫المجتمعي���ة المختلف���ة‪ ،‬ومعالج���ة ه���ذه‬ ‫حيا عن جالله‬ ‫س���امية تعبر‬ ‫تعبي���را ناط ًقا ًّ‬ ‫ً‬ ‫املجتمعية املختلف��ة‪ ،‬ومعاجلة‬ ‫القضاي���ا‪ ،‬وجعل العالم كل���ه أمة واحدة‬ ‫س���بحانه وجمال���ه وأفضال���ه‪ ...‬وتدف���ع‬ ‫العامل‬ ‫وجع��ل‬ ‫الق�ضاي��ا‪،‬‬ ‫ه��ذه‬ ‫في ظل أرقى األصول االجتماعية‪.‬‬ ‫وتقديرا أن يكون‬ ‫وفهم���ا‬ ‫اآلدم���ي عرفا ًنا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كل��ه �أمة واح��دة يف ظل �أرقى‬ ‫حول الروابط اإلنسانية‬ ‫جديرا بهذا االستخالف‪ ،‬بالعلم والفهم‬ ‫فهذا المنهج ّ‬ ‫ً‬ ‫م���ن القي���ام عل���ى المصال���ح المادي���ة‬ ‫الأ�صول االجتماعية‪.‬‬ ‫والحكم���ة‪ ،‬والنش���اط والس���عي لعم���ار‬ ‫واالعتب���ارات العصبي���ة‪ ،‬إل���ى رواب���ط‬ ‫األرض ال لخرابه���ا‪ ،‬وإلث���راء الحي���اة ال‬ ‫مستمدة من المبادئ اإلنسانية واألصول‬ ‫���و ا َّل ِذي‬ ‫إلفقاره���ا‪ ،‬يق���ول تعال���ى‪َ :‬‬ ‫﴿و ُه َ‬ ‫العام���ة‪ ،‬التي تتف���رع عنها قوانين ضابط���ة لتصرفات الناس في‬ ‫ض َدر َج ٍ‬ ‫���ف ا َ‬ ‫ات‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫���م َخ َ‬ ‫ال ِئ َ‬ ‫���و َق َب ْع ٍ َ‬ ‫ض َو َر َف َع َب ْع َض ُك ْم َف ْ‬ ‫َج َع َل ُك ْ‬ ‫معامالتهم‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫ور‬ ‫���م إ َِّن َر َّب َك َس ِ‬ ‫يع ا ْل ِع َق ِ‬ ‫���م ِف���ي َم���ا آ َت ُ‬ ‫���اب َو ِإ َّن ُ‬ ‫���ر ُ‬ ‫���ه َل َغ ُف ٌ‬ ‫اك ْ‬ ‫ل َي ْب ُل َو ُك ْ‬ ‫فالمس���لم الح���ق‪ ،‬يش���عر بم���دى جم���ال وكم���ال الرواب���ط‬ ‫ِ‬ ‫يم﴾(األنعام‪.)165:‬‬ ‫َرح ٌ‬ ‫اإلس�ل�امية مع أف���راد مجتمعه‪ ،‬وتتمتع روح���ه بالقيام بواجباته‬ ‫إن العل���م المن���دوب إلي���ه في س���نة اله���ادي البش���ير ‪ ‬لم‬ ‫االجتماعية‪ ،‬وتجده يدافع عن وشائج ارتباطه بهذا المجتمع‪ ...‬يقتص���ر عل���ى مجال دون مج���ال‪ ،‬فقد حض المس���لم على أن‬ ‫طلبا للدنيا وال رغبة‬ ‫طلب���ا للعلم ًّأي���ا كان‪ ،‬يقول علي���ه الصالة‬ ‫فهو ال يقوم بهذه االرتباطات المجتمعية ً‬ ‫يض���رب ف���ي اآلفاق ً‬ ‫في الذكر‪ ،‬بل يقوم بها‬ ‫ً‬ ‫مدفوعا بطلبه أكمل الغايات االجتماعية والسالم للمسلمين‪" :‬العلم خزائن ومفتاحها السؤال‪ ،‬فاسألوا‬ ‫والوص���ول ألرفع الكماالت الوجودية‪ .‬وهذا االجتماع هو ما يرحمكم اهلل‪ ،‬فإنه يؤجر فيه أربعة‪ :‬السائل والمعلم والمستمع‬ ‫عبر عنه النبي ‪ ‬بقوله‪" :‬ترى المؤمنين في تراحمهم‬ ‫ّ‬ ‫وتوادِهم والمجي���ب له���م" (حلية األولي���اء‪ ،)192/3:‬وق���ال ‪" :‬من خرج في‬ ‫وتعاطفه���م‪ ،‬كمثل الجس���د إذا اش���تكى عضو تداعى له س���ائر طلب العلم‪ ،‬فهو في سبيل اهلل حتى يرجع" (رواه الترمذي)‪.‬‬ ‫جسده بالسهر والحمى" (رواه البخاري)‪.‬‬ ‫‪ -2‬العمل‪ :‬من أسس عالج القضايا االجتماعية كما يظهر‬

‫أسس المنهاج النبوي في عالج المشكالت‬

‫لق���د ق���ام المنهاج النبوي على أس���س عدة في ع�ل�اج القضايا‬ ‫االجتماعية الكبرى‪ .‬وهذه األسس هي‪:‬‬ ‫‪ -1‬االهتمام بالعلم‪ :‬وال غرو فقد كانت "القراءة" أول ما نزل‬ ‫م���ن الق���رآن الكريم‪ ،‬وفاض الكتاب الحكي���م بآيات عدة تبين‬ ‫وبين ‪‬‬ ‫مكان���ة ومنزلة العلم والتعلم في ش���ريعة اإلس�ل�ام‪ّ ...‬‬ ‫أن المس���لم ال يرتف���ع بفضيلة كما يرتفع بفضيل���ة العلم فقال‪:‬‬ ‫ين ُأو ُتوا ا ْل ِع ْلم َدر َج ٍ‬ ‫هلل‬ ‫ات َوا ُ‬ ‫���ع ا ُ‬ ‫﴿ي ْر َف ِ‬ ‫آم ُنوا ِم ْن ُك ْم َوا َّل ِذ َ‬ ‫هلل ا َّل ِذ َ‬ ‫ين َ‬ ‫َ‬ ‫َ َ‬ ‫هلل‬ ‫ب‬ ‫خ‬ ‫ون‬ ‫ل‬ ‫م‬ ‫ع‬ ‫ت‬ ‫ا‬ ‫ُ‬ ‫ِير﴾(المجادلة‪ ،)11:‬وقال تعالى‪ِ ﴿ :‬إ َّن َما َي ْخ َش���ى ا َ‬ ‫َ‬ ‫ب َِم َ ْ َ‬ ‫َ ٌ‬ ‫ور﴾(فاطر‪.)28:‬‬ ‫ِم ْن ِع َبا ِد ِه ا ْل ُع َل َم ُاء إ َِّن ا َ‬ ‫هلل َع ِز ٌ‬ ‫يز َغ ُف ٌ‬ ‫والعلم الذي ندب إليه الرس���ول ‪ ‬وحث على النهل منه‬ ‫هو كل علم؛ قوامه التفكير والتأمل بالعقل لالهتداء إلى آيات‬ ‫جديرا بأن‬ ‫الك���ون إل���ى خالقه‪ .‬هو العلم الذي يجع���ل اآلدمي‬ ‫ً‬

‫في المنهج النبوي‪ ،‬هو العمل‪ .‬فلم يقتصر المنهج النبوي على‬ ‫الحث على العلم فقط‪ ،‬بل قرر أنه ال علم بال عمل‪ ،‬وال نجاح‬ ‫لغاي���ة االس���تخالف ف���ي األرض وحكمته إال ب���ه‪ ،‬وال مقياس‬ ‫وك���ده وبذل���ه‬ ‫إلخف���اق اآلدم���ي أو فالح���ه إال بعمل���ه وس���عيه‬ ‫ّ‬ ‫مدفوعا بالعقل والفهم والعلم‪.‬‬ ‫محوطً ا‬ ‫ً‬ ‫ولذل���ك ح���ض ‪ ‬على العمل بم���ا نعلم‪ ،‬ورب���ى أصحابه‬ ‫على تزكية أرواحهم وبناء ش���خصياتهم‪ ،‬وتحمل مسؤولياتهم‬ ‫الدينية والدنيوية‪ ،‬وأرش���دهم إلى الطريق التي تساعدهم على‬ ‫تحقي���ق ذلك‪ .‬ولم يكتف ‪ ‬بالحث عل���ى العبادات الظاهرة‪،‬‬ ‫ب���ل رب���ى أصحاب���ه ‪-‬كذلك‪ -‬على م���كارم األخالق بأس���اليب‬ ‫متنوع���ة‪ ...‬وكان الرس���ول ‪ ‬يع���رض األخ�ل�اق م���ع العب���ادة‬ ‫والعقائ���د في وقت واح���د‪ ،‬ألن العالقة بين األخالق والعقيدة‬ ‫واضحة في كتاب اهلل تعالى‪.‬‬

‫‪17‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫دراسات إسالمية‬ ‫أ‪.‬د‪ .‬علي جمعة*‬

‫المنهاج النبوي‬

‫والقضايا االجتماعية الكبرى‬ ‫إن الروابط اإلنس���انية ركن أساس���ي من أركان‬ ‫أي مجتمع بشري‪ .‬فاالجتماع اإلنساني كالبناء‬ ‫بحاج���ة إل���ى ما يربط وحدات���ه بعضها ببعض‪،‬‬ ‫واح���دا‪ .‬وه���ذه الروابط التي يس���تدعيها‬ ‫جس���ما‬ ‫ويجع���ل منها‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫االجتماع اإلنس���اني‪ ،‬هي روابط أدبية بين أفراده في نواح عدة‬ ‫تجمع بينهم وتس���ير بهم نحو غرض واحد‪ ،‬وبهذا فقط يصلح‬ ‫المجتمع للحياة المشتركة‪.‬‬ ‫وقد تطورت هذه الروابط من البساطة التي وجدت عليها‬ ‫ف���ي المجتم���ع اإلنس���ان البدائ���ي‪ ،‬حتى اس���تقرت ف���ي المدينة‬ ‫وتش���عبا‪ ،‬وتط���ورت رواب���ط‬ ‫تعقي���دا‬ ‫الحديث���ة فص���ارت أكث���ر‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المجتم���ع إل���ى عالقات متداخلة احتاجت إل���ى علوم جديدة‪،‬‬ ‫وعملي���ات اجتماعية واقتصادية‪ ،‬زادت من التعقيد والتش���عب‬

‫في المجتمع اإلنساني‪.‬‬ ‫وف���ي خض���م هذا كل���ه‪ ،‬ظه���رت مش���كالت اجتماعية كان‬ ‫لها أكبر األثر في حياة اإلنس���ان‪ ،‬كمش���كلة األمية‪ ،‬ومشكالت‬ ‫األس���رة عام���ة‪ ،‬والعالقة بين الرجل والمرأة خاصة‪ ،‬ومش���كلة‬ ‫التربية والقيم‪ ،‬وكذا سوء توزيع الثورة وغيرها من المشكالت‬ ‫التي تمثل القضايا االجتماعية الكبرى‪.‬‬ ‫هذه بع���ض القضايا الكبرى التي تمس مجتمعاتنا‪ ،‬بما لها‬ ‫من تبعات جس���يمة تجعل له���ا أولوية في اهتماماتنا‪ ...‬وحيث‬ ‫جوابا لكل‬ ‫إن اإلس�ل�ام نس���ق مفتوح ودين واس���ع‪ ،‬فقد وضع‬ ‫ً‬ ‫سؤال وفي كل عصر وكل شأن من شؤون األمة‪ .‬وقد وصف‬ ‫بصيرا بزمانه‪،‬‬ ‫النب���ي ‪ ‬المؤمن فقال‪" :‬وعلى العاقل أن يكون‬ ‫ً‬ ‫ال على شأنه‪ ،‬حافظً ا للسانه‪ ،‬ومن حسب كالمه من عمله‪،‬‬ ‫مقب ً‬


‫والديني���ة‪ ،‬وكل الحاج���ات االجتماعي���ة‪ ،‬كان���ت تلب���ى من قبل‬

‫الخانات التجارية الوقفية‪ ،‬واألس���واق لكافة األمتعة والس���لع؛‬

‫لقد تم دعم األوقاف عن طريق مصدرين أساسيين‪ :‬األول‬

‫العدي���دة عل���ى الط���رق بي���ن الم���دن والمناطق لتح���ط القوافل‬

‫مؤسسات األوقاف‪.‬‬

‫الو ْقف ِّية القائمة على مصادر الدولة‪ ،‬وهي على‬ ‫هو المؤسسات َ‬ ‫األغل���ب أوق���اف يقوم بتأسيس���ها رجال الدولة وعلى رأس���هم‬ ‫الس���لطان وأبناء آل عثمان‪ .‬والميزة األساس���ية لهذه األوقاف‪،‬‬ ‫تكم���ن في تحويل جزء من األموال المخصصة للبيروقراطيين‬

‫فية الخاصة‪.‬‬ ‫م���ن قب���ل الدولة‪ ،‬واس���تخدامها في األنش���طة َ‬ ‫الو ْق َّ‬

‫ونرى أن تشكيل المؤسسات الوقفية التي تستمر في عطاءاتها‬ ‫ح���ول س���د االحتياجات الديني���ة والعلمية والصحي���ة والثقافية‬

‫تقليدا م ّت ًبعا بين رجاالت الدولة‪ .‬والمصدر‬ ‫للم���دن‪ ،‬أصبحت‬ ‫ً‬ ‫الثان���ي لنظام األوقاف‪ ��‬يش���مل أوق���اف المواطني���ن العثمانيين‬

‫األخي���ار‪ ،‬الذي���ن يبتغون مرض���اة اهلل‪ ،‬ويس���عون وراء األعمال‬

‫الصالح���ة التي تفيد الش���عب والمجتمع‪ .‬وه���ذه األوقاف وإن‬ ‫دورا‬ ‫كان���ت صغي���رة الحجم من حي���ث التمويل‪ ،‬فإنه���ا لعبت ً‬

‫كبيرا لصالح الحياة االجتماعية واالقتصادية‪.‬‬ ‫ً‬

‫من أقمش���ة ومجوهرات وأس���لحة‪ ...‬وشيدت القصور الوقفية‬ ‫ش���ر‬ ‫التجاري���ة وقواف���ل المس���افرين رحالها‪ ،‬وتس���تريح وتأمن َّ‬ ‫األش���قياء وقط���اع الط���رق‪ ...‬ع�ل�او ًة عل���ى أن ه���ذه األوقاف‪،‬‬ ‫ساهمت في تطور الفنون الجميلة كالخط والتذهيب والزخرفة‬

‫واألبرو (فن الرس���م على الم���اء) وتجليد الكتب‪ ،‬حيث كانت‬ ‫س���ببا آلثار فنية عالية المس���توى‪ .‬كما أن لألوقاف أهمية كبيرة‬ ‫ً‬

‫أيض���ا‪ ،‬في مج���ال اللغة والثقافة والتاري���خ والقانون وحتى في‬ ‫ً‬

‫الفولوكلور‪.‬‬

‫باختص���ار‪ ،‬لم تترك األوقاف ل���دى الدولة العثمانية‪ ،‬ميدا ًنا‬

‫أرضا من األراضي العثمانية‪ ،‬إال‬ ‫من الميادين االجتماعية‪ ،‬وال ً‬

‫ودخلته���ا وقدم���ت الخدمات ألهلها‪ .‬وبفض���ل هذه األوقاف‪،‬‬ ‫اس���تمرت خدم���ات التعلي���م‪ ،‬والصح���ة‪ ،‬والخدم���ات الدينية‪،‬‬

‫والثقافي���ة‪ ،‬م���ن غير خل���ل أو تقصير‪ ،‬حتى في فت���رات المِ َحن‬

‫واألزمات الداخلية والخارجية للدولة‪.‬‬

‫وعلي���ه فإن ه���ذا النوع من نظ���ام األوق���اف الخيرية‪ ،‬الذي‬

‫ومما يجدر ذكره‪ ،‬أن األوقاف التي تقدم الخدمات الثقافية‬

‫مهم���ا في تمويل الخدمات‪ ،‬وس���اهم في نم���و المدن العثمانية‬ ‫ًّ‬

‫وتمول من قبل‬ ‫تؤس���س و ُت���دار‬ ‫ه���ي بإدارتها وتمويلها‪ ،‬كانت َّ‬ ‫َّ‬

‫عنص���را‬ ‫مس���تمرا ف���ي العه���د العثمان���ي‪ ،‬ش���كّ ل‬ ‫تط���ورا‬ ‫أب���دى‬ ‫ً‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬

‫مهمة كبيرة في ارتفاع‬ ‫وازدهارها‪ .‬ومن ثم أدت هذه األوقاف ّ‬ ‫مس���توى المعيش���ة ومن ثم الحياة االقتصادية واالجتماعية في‬

‫كافة أرجاء األراضي العثمانية‪.‬‬

‫إذن‪ ،‬تمتع���ت األوق���اف بمكانة رفيع���ة مرموقة لدى الدولة‬

‫أساس���يا من حضارته���ا‪ .‬إذ أقامت‬ ‫جزءا‬ ‫العثماني���ة‪ ،‬وأصبحت ً‬ ‫ًّ‬

‫واالجتماعي���ة للمجتم���ع الي���وم‪ ،‬والت���ي تتبناه���ا ال���دول وتقوم‬ ‫جدا‪ ،‬أن‬ ‫أش���خاص عاديين في العهد العثمان���ي! ومن الصعب ًّ‬ ‫نجد اليوم دولة من الدول‪ ،‬يقوم أفرادها باستقالل ذاتي بتمويل‬

‫الخدم���ات العام���ة‪ ،‬كما كان���ت الحال في الدول���ة العثمانية‪.‬‬ ‫(*) كاتب وباحث تركي‪ .‬الترجمة عن التركية‪ :‬مصطفى حمزة‪.‬‬

‫‪15‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫التي تضمن اس���مترارية المجتمع‪ .‬وبهذا المعنى‪ ،‬فإن فعاليات‬ ‫األوق���اف الت���ي نش���طت ف���ي الدول���ة الس���لجوقية والعثماني���ة‪،‬‬ ‫كبي���را بتأثي���ر الحق���وق واألح���كام اإلس�ل�امية‪.‬‬ ‫نم���وا‬ ‫نم���ت‬ ‫ًّ‬ ‫ً‬ ‫ويعتبر "أورخان غازي" ثاني سالطين الدولة العثمانية‪ ،‬هو‬ ‫أول َمن أسس نظام األوقاف التي نمت بشكل منسجم بالنمو‬ ‫االقتصادي والسياسي للدولة‪ .‬وعندما أمر أورخان غازي ببناء‬ ‫أول مدرس���ة عثماني���ة ف���ي إزنيك‪ ،‬أوقف لها م���ن األموال غير‬ ‫المنقولة (العقارات) لتسد حاجاتها من المصاريف والنفقات‪.‬‬ ‫أوق���اف أخرى قامت ألغ���راض مختلفة‪ ،‬كتقديم‬ ‫واقت���دت بها‬ ‫ٌ‬ ‫األم���وال لليتامى‪ ،‬ولألرام���ل‪ ،‬وللغارمي���ن المدينين‪ ،‬وكتوزيع‬ ‫الخض���ار والفاهك���ة للمواطني���ن‪ ،‬وكرعاي���ة الكب���ار العاجزي���ن‬ ‫والحمالي���ن‪ ،‬وكتأمي���ن إرض���اع األطف���ال‪،‬‬ ‫كق���واد الق���وارب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫���دلَ األوان���ي والصحاف‬ ‫وتجهي���ز البن���ات لل���زواج‪ ،‬وتأمي���ن َب َ‬ ‫الخدم لكي ال يتعرضوا للعقاب من أس���يادهم‪،‬‬ ‫التي يكس���رها‬ ‫َ‬ ‫وكإطعام الطيور‪ ،‬وش���راء األلعاب لألطفال‪ ،‬وتأمين حاجيات‬ ‫المس���افرين‪ ،‬واإلنف���اق عل���ى طلبة العلم وتأمي���ن اإلقامة لهم‪،‬‬ ‫وتأمي���ن العمل للعاطلين‪ ،‬وكذل���ك التدريب المهني‪ ،‬ومؤازرة‬ ‫المفلس���ين والمدينين‪ ،‬وتزويج الش���باب‪ ،‬وحماية الحيوانات‪،‬‬ ‫وتأمي���ن نظاف���ة الطرق���ات‪ ...‬باإلضاف���ة إل���ى تأس���يس أوق���اف‬ ‫س���بل‬ ‫تمويلي���ة لش���ق قن���وات المي���اه‪ ،‬وإنش���اء القناط���ر‪ ،‬وبناء ُ‬ ‫المي���اه‪ ،‬وحف���ر اآلبار‪ ،‬وبناء الم���دارس والخانات والحمامات‬ ‫وبتموي���ل م���ن‬ ‫والجوام���ع والط���رق واألرصف���ة والجس���ور‪...‬‬ ‫ٍ‬ ‫األوق���اف قام���ت المش���افي بتقدي���م خدماته���ا للمحتاجي���ن‪،‬‬ ‫وتقاض���ى األطب���اء أجورهم منه���ا‪ ،‬ويجري في هذه المش���افي‬ ‫تميي���ز ف���ي ل���ون أو ع���رق أو دين‪،‬‬ ‫ع�ل�اج المرض���ى م���ن غي���ر‬ ‫ٍ‬ ‫ويج���ري كذل���ك تأمين األطباء‪ ،‬كم���ا يتم تقديم ال���دواء مجا ًنا‬ ‫يوميا في‬ ‫إن ل���زم األم���ر‪ ،‬وتقديم وجبة أو وجبتين م���ن الطعام ًّ‬ ‫العم���ارات ألبناء الس���بيل والمس���افرين والفقراء والمس���اكين‪.‬‬

‫مؤسسة األوقاف واالقتصاد العثماني‬

‫النظ���ام االقتصادي ف���ي الدولة العثمانية ‪-‬إل���ى جانب اإلقطاع‬ ‫ال���ذي ورثته من الدول اإلس�ل�امية المتالحقة‪ -‬كان يقوم على‬ ‫مؤسسات الفتوة واآلخية التي تعتمد على العدالة في أساسها‪.‬‬ ‫كان االقتصاد العثماني يعتمد بنس���ة كبيرة على الزراعة‪ ،‬األمر‬ ‫ال���ذي أكس���ب أنظم���ة األراض���ي مكان���ة متمي���زة ضم���ن البنى‬ ‫االقتصادي���ة العثمانية‪ .‬ونظام األراضي ه���ذا‪ ،‬كان يتمثل بنظام‬ ‫التيم���ار؛ وهو نظام يتم من خالله اس���تخدام األراضي من قبل‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪14‬‬

‫الرعايا مقابل الوفاء ببعض االلتزامات كتوريد ُع ْشر المحصول‬ ‫لصاح���ب التيمار‪ ،‬ودفع الضرائب المقررة‪ .‬كما كان أصحاب‬ ‫التيم���ار بالمقاب���ل‪ ،‬ملزمي���ن بتقدي���م الجنود إل���ى الجيش أثناء‬ ‫الحرب‪ ،‬وذلك بما يتناسب مع حجم محصول تيمارهم‪ .‬ظل‬ ‫قائما كوس���يلة اقتصادية للقوة العس���كرية العثمانية‪ ،‬إذ‬ ‫التيم���ار ً‬ ‫ل���م تقم الدولة بجم���ع الموارد الزراعية ف���ي مركز واحد‪ ،‬إنما‬ ‫أعطتها لس���باهية التيمار (الفرس���ان) لتتمكن من تأمين جنودها‬ ‫أثن���اء الح���رب من جانب‪ ،‬وم���ن تأمين موارده���ا الزراعية أثناء‬ ‫حركيا‬ ‫ديناميكيا‬ ‫نظام���ا‬ ‫الس���لم من جانب آخ���ر‪ ،‬وهذا و ّفر لها ً‬ ‫ًّ‬ ‫ًّ‬ ‫ِّ‬

‫بال شك‪.‬‬ ‫في القرن الس���ادس عش���ر‪ ،‬كانت نس���بة ‪ %20‬من األراضي‬ ‫تدخ���ل ضم���ن نظ���ام األوقاف ل���دى الدول���ة العثماني���ة‪ ،‬وكان‬ ‫حوال���ي ‪ %15‬م���ن موارد الدخل لألوقاف تتكون من األس���هم‬ ‫المقبوضة من واردات الدولة‪ .‬ففي هذه الحقبة‪ ،‬كانت واردات‬ ‫األوقاف تش���كل ‪ %12‬من بين ال���واردات العامة‪ .‬وقد ازدادت‬ ‫ه���ذه النس���بة فيم���ا بعد لتبل���غ ‪ ،%20‬مع األخذ بعي���ن االعتبار‪،‬‬ ‫أن واردات أراض���ي األوق���اف فقط هي الداخلة في حس���ابات‬ ‫النس���ب الس���ابقة‪ .‬هذا وقد وصلت نس���بة رجال الدولة الذين‬ ‫قام���وا بتأس���يس األوق���اف في القرن التاس���ع عش���ر إلى ‪،%42‬‬ ‫ونس���بة ‪ %16‬من العلم���اء‪ ،‬و‪ %9‬من أصحاب الطرق الصوفية‪،‬‬ ‫و‪ %2‬م���ن أصحاب الح���رف والصناعات‪ ،‬و‪ %11‬من أصحاب‬ ‫مختلفي المهن‪ ،‬و‪ %18‬من النساء‪.‬‬ ‫ونظ���ام التموي���ل الذي تق���وم عليه األوقاف آن���ذاك‪ ،‬يملك‬ ‫مهما في خدمات الثقافة والتعليم والصحة والبنية التحتية‬ ‫دورا ًّ‬ ‫ً‬ ‫وأش���غال المراف���ق العام���ة والخدم���ات الديني���ة واالجتماعية‪،‬‬ ‫ع�ل�او ًة عل���ى المس���اهمة ف���ي تأمي���ن التموي���ل والبني���ة التحتية‬ ‫الالزم���ة للضم���ان االجتماع���ي‪ ،‬والعمل الخي���ري في مختلف‬ ‫الميادين‪ .‬ففي تركيا اليوم ‪-‬مثالً‪ -‬يبلغ اإلنفاق اإلجمالي على‬ ‫الصح���ة‪ ،‬والتعليم‪ ،‬والضمان االجتماعي‪ ،‬والفعاليات الدينية‪،‬‬ ‫والخدمات العامة‪ )100( ،‬مليار ليرة تركية! وهذا الرقم الذي‬ ‫يع���د عب ًئا ثقيال ً على ميزانية الدولة في عصرنا‪ ،‬كانت األوقاف‬ ‫ّ‬ ‫تقوم بحمله لوحدها في العهد العثماني‪.‬‬

‫األوقاف والخدمات العامة‬

‫مهم���ا ف���ي اإلعمار واإلس���كان‬ ‫دورا ًّ‬ ‫كان���ت األوق���اف تلع���ب ً‬ ‫إب���ان العهد العثمان���ي‪ .‬فالخدمات العامة الت���ي تتلقاها المدن‪،‬‬ ‫ومؤسس���ات الرعاي���ة االجتماعي���ة‪ ،‬والخدم���ات التعليمي���ة‪،‬‬


‫تاريخ وحضارة‬

‫نعمان ترك أوغلو*‬

‫الوقف العثماني‬ ‫حضارة واقتصاد‬

‫ُأسست األوقاف في التاريخ اإلسالمي‪ ،‬من أجل تقديم الخدمات المختلفة إلى اإلنسان واألحياء‬ ‫األخرى من الحيوانات‪ .‬وكانت مؤسسات األوقاف ‪-‬بال شك‪ -‬واحد ًة من العناصر المؤثرة التي‬ ‫اس���تطاعت االرتق���اء بأنماط العي���ش وتأمين الحاجات االجتماعية للناس الذين يعيش���ون في ظل‬ ‫الدولة العثمانية حتى في مناطقها النائية‪.‬‬ ‫الو ْق ِ‬ ‫ف لدى الدولة العثمانية‪ ،‬نجد أنه مزيج من الش���رقي الممتد من حضارة األيغور‬ ‫وإذا ما تأملنا في مفهوم َ‬ ‫إلى السالجقة‪ ،‬والغربي الممتد من اإلمبراطورية الرومانية إلى اإلمبراطورية البيزنطية‪ .‬فقد ورثت الدولة العثمانية‬ ‫هذا الميراث الممتزج الديناميكي‪ ،‬وطورته وصبغته بقيمها وثقافتها الدينية‪.‬‬ ‫هام���ا في تطوي���ر الحياة االقتصادي���ة واالجتماعية ل���دى الدولة‬ ‫دورا ًّ‬ ‫لق���د لعب���ت ه���ذه المؤسس���ات القانونية‪ً ،‬‬ ‫ٍ‬ ‫مؤسس���اتية قانونية‪ ،‬للرعاي���ة االجتماعية‬ ‫فعاليات‬ ‫الو ْقف���ي على‬ ‫العثماني���ة والبل���دان اإلس�ل�امية كافة‪ .‬يق���وم النظام َ‬ ‫ّ‬

‫‪13‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫عمد الس���ماوات‬ ‫خل���ص في���ه ‪-‬رحم���ه اهلل‪ -‬إلى "أن اإلنس���ان َ‬ ‫واألرض‪ ،‬وأن العال���م ال معنى له بدون وجود اإلنس���ان‪ ،‬وأن‬

‫اإلنس���ان كان المقص���ود من خل���ق الس���ماوات واألرض‪ ،‬فإذا‬ ‫انقضى أجله خرت الس���ماوات على األرض بزواله‪ ،‬وانتقلت‬ ‫العمارة إلى اآلخرة من أجله"‪.‬‬ ‫العمد الذي من أجله خلق اهلل السموات‬ ‫إال أن هذا اإلنسان َ‬

‫واألرض‪ ،‬والذي من أجله يمسك سبحانه السماء أن تقع على‬ ‫األرض لي���س أي إنس���ان‪ ،‬وإنم���ا ذاك الذي نجد اإلش���ارة إليه‬ ‫واردة ف���ي قول رس���ول اهلل ‪" :‬ال تقوم الس���اعة وفي األرض‬ ‫م���ن يق���ول اهلل اهلل" (رواه مس���لم)‪ ،‬أي ذاك اإلنس���ان الخليفة الذي‬ ‫م���ن أجله يؤخر اهلل قيام الس���اعة‪ .‬ألن���ه إذا كان القرآن خاطب‬

‫هلل‬ ‫في البناء السماوي المتعامد معها الوارد في قوله تعالى‪﴿ :‬ا ُ‬ ‫ا َّل ِذي َج َع َل َل ُكم ا َ‬ ‫الس َ���م َاء ب َِن ًاء﴾(غافر‪ .)64:‬فالكل‬ ‫أل ْر َ‬ ‫ُ‬ ‫ض َق َر ًارا َو َّ‬ ‫يش���كل وحدة متماس���كة بي���ن كتلتين ال ينبغ���ي ألي منهما أن‬ ‫هلل ُي ْم ِس ُك‬ ‫تزول عن األخرى‪ ،‬كما جاء في قوله سبحانه‪﴿ :‬إ َِّن ا َ‬ ‫او ِ‬ ‫ات َوا َ‬ ‫ال َو َل ِئ ْن َزا َل َتا إ ِْن َأ ْم َس َك ُه َما ِم ْن َأ َح ٍد‬ ‫ض َأ ْن َت ُزو َ‬ ‫أل ْر َ‬ ‫الس َم َ‬ ‫َّ‬ ‫���ن َب ْع ِد ِه﴾(فاط���ر‪ )41:‬ف���ي إش���ارة إلى أن الس���ماوات ‪-‬وإن ورد‬ ‫ِم ْ‬ ‫ذكرها بصيغة الجمع‪ -‬فهي ال تش���كل في س���ياق اآلية س���وى‬ ‫كتلة واحدة تقابل كتلة األرض في تماثل شامل‪ .‬كما يقر بذلك‬ ‫فع���ل "زال" ال���ذي جاء بصيغ���ة المثنى "ت���زوال ‪ -‬زالتا" وليس‬ ‫بصيغة الجمع‪ ،‬للداللة على تطابق كتلتين كانتا ملتصقتين عند‬ ‫او ِ‬ ‫ات َوا َ‬ ‫َ‬ ‫ض َكا َن َت���ا َر ْت ًقا﴾ ففصل‬ ‫أل ْر َ‬ ‫���م َ‬ ‫الس َ‬ ‫ب���دء التكوي���ن‪﴿ :‬أ َّن َّ‬ ‫اه َما﴾ بظاهرة التوس���ع التي انطلقت بحادثة‬ ‫اهلل بينهم���ا ﴿ َف َف َت ْق َن ُ‬ ‫فت���ق "الرت���ق"‪ ،‬لتظل س���ارية ف���ي جمي���ع االتجاه���ات الكونية‬ ‫المتعام���دة مع األرض‪ ،‬مما يوحي بأن األرض كانت في قلب‬ ‫البن���اء الكون���ي من���ذ اللحظة األول���ى‪ ،‬وأن اإلنس���ان الذي من‬ ‫مس���تحضرا في صلب‬ ‫أجل���ه خلق���ت‪ ،‬كان قب���ل أن يوجد فيها‬ ‫ً‬ ‫موضوعها‪ ،‬وكأنه كان عين القصد من كل ذلك‪.‬‬ ‫وه���ذا ما خت���م به عالم الفيزياء الفلكية األمريكي "س���تيفن‬ ‫قائ�ل�ا‪" :‬من‬ ‫كتاب���ه "الث�ل�اث دقائ���ق األول���ى للكون"‬ ‫ً‬ ‫واينب���رغ" َ‬ ‫المس���تحيل أال يعتقد اإلنس���ان بوجود عالقة خاصة بينه وبين‬ ‫الكون‪ ،‬أو أن يعتقد بأن الحياة إنما هي إفاضة لسلسلة حوادث‬ ‫راجع���ة إلى الدقائ���ق الثالثة األولى للكون‪ ،‬بل من المؤكد أننا‬ ‫كنا مس���تحضرين من���ذ البداية"‪ .‬وهو ما س���بقه إليه "ابن عربي"‬ ‫منذ أزيد من (‪ )900‬س���نة ف���ي كتابه "نقش الفصوص"(‪ )6‬الذي‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪12‬‬

‫هلل ا َّل ِ‬ ‫���ذي َر َف َع‬ ‫عمد في ق���ول اهلل تعال���ى‪﴿ :‬ا ُ‬ ‫برف���ع الس���ماء ب�ل�ا َ‬ ‫ات ب َِغي ِر َعم ٍ‬ ‫او ِ‬ ‫���د َت َر ْو َن َها﴾(الرعد‪ ،)2:‬فإن���ه بالمقابل يخبرنا‬ ‫���م َ‬ ‫ْ َ‬ ‫الس َ‬ ‫َّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ال‬ ‫ض ِإ َّ‬ ‫���م َاء أ ْن َت َق َع َع َلى األ ْر ِ‬ ‫في قوله س���بحانه‪َ :‬‬ ‫الس َ‬ ‫﴿و ُي ْمس ُك َّ‬ ‫���اس َل���ر ُء ٌ ِ‬ ‫يم﴾(الح���ج‪ )65:‬أن ذلك الرفع‬ ‫ِبإ ِْذ ِن��� ِه إ َِّن ا َ‬ ‫هلل ب َّ‬ ‫وف َرح ٌ‬ ‫ِالن ِ َ‬ ‫الذي تواله سبحانه بقوته وحفظ به العباد برأفته ورحمته‪ ،‬إنما‬

‫هو من أجل ذلك اإلنس���ان الذي بصفاء فطرته ونقاء س���ريرته‪،‬‬ ‫قائما بحق‬ ‫بقي‬ ‫منس���جما مع نظام الك���ون‪ ،‬متكام ً‬ ‫ال مع كماله‪ً ،‬‬ ‫ً‬ ‫الخالف���ة‪ .‬فإذا انعدم الكمال من اإلنس���ان اخت���ل كمال الكون‬

‫النعدام المناس���بة‪ ،‬فقامت الس���اعة التي كما جاء في الحديث‪:‬‬ ‫"ال تقوم الساعة إال على شرار الخلق" (رواه مسلم)‪.‬‬ ‫(*) كلية العلوم‪ ،‬جامعة ابن طفيل ‪ /‬المغرب‪.‬‬

‫الهوامش‬ ‫‪ Hubble (1936): The realm of the Nebulae, Yale University‬‬

‫)‪(1‬‬

‫‪Press‬‬

‫‪ Sciences et Vie H.S. n°:221, Dec. 2002, Paris, p:37.‬‬

‫)‪(2‬‬

‫(‪ )3‬الجامع ألحكام القرآن‪ ،‬للقرطبي‪ ،‬دار الشعب‪ ،‬القاهرة‪.‬‬

‫‪ Weinberg S. (1978): Les Trois Premières Minutes de‬‬

‫)‪(4‬‬

‫‪l’univers. Ed. Seuil, n°:144, p:211.‬‬

‫(‪ )5‬دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة‪ ،‬لموريس بوكاي‪ ،‬دار‬ ‫ ‬ ‫المعارف ‪ ،1978‬بيروت‪.‬‬

‫(‪ )6‬نقد النصوص للشيخ بدر الدين عبد الرحمن بن أحمد الجامي (ت ‪898‬هـ)‬ ‫ ‬ ‫في شرج نقش الفصوص‪ ،‬للشيخ األكبر محيي الدين ابن عربي الحاتمي‬

‫(ت ‪638‬هـ)‪ ،‬دار الكتب العلمية ‪ ،2005‬بيروت‪.‬‬


‫���م َما فِي‬ ‫جاء في تفسير القرطبي لقول اهلل تعالى‪:‬‬ ‫���و الَّ���ذِ ي َخل َ‬ ‫تعال���ى‪ُ :‬‬ ‫﴿ه َ‬ ‫َ���ق لَكُ ْ‬ ‫ا َ‬ ‫﴿والس���ما ِء َذ ِ‬ ‫ات ا ْل ُح ُب ِك﴾(الذاري���ات‪ )7:‬أن‬ ‫���ما ِء‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫ض َجمِ ًيعا ُث َّم ْ‬ ‫الس َ‬ ‫اس��� َت َوى ِإلَى َّ‬ ‫َ َّ َ‬ ‫ذو‬ ‫الرائع‬ ‫البناء‬ ‫ه��ذا‬ ‫فالكون‪،‬‬ ‫���م َو ٍ‬ ‫تر‬ ‫"ألم‬ ‫ك"‪:‬‬ ‫"الحب‬ ‫تفسير‬ ‫في‬ ‫قال‬ ‫عكرمة‬ ‫ات َو ُه َو ِبكُ ِّل َش ْي ٍء‬ ‫س‬ ‫ع‬ ‫ب‬ ‫س‬ ‫ن‬ ‫اه‬ ‫و‬ ‫س‬ ‫ف‬ ‫َ َ َّ ُ َّ َ ْ َ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫الن�س��ق الكامل حول الأر�ض‪،‬‬ ‫إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه‪،‬‬ ‫ِيم﴾(البق���رة‪ ،)29:‬مم���ا يعن���ي أن خل���ق‬ ‫َعل ٌ‬ ‫ال ميكن �أن يُت�صور بهذه الروعة‬ ‫يق���ال منه‪ :‬حبك الثوب يحبكه حبكً ا أي‬ ‫ال في‬ ‫الس���ماوات واألرض يبقى مش���مو ً‬ ‫أجاد نس���جه"‪ .‬وفي الجاللين‪" :‬الحبك"‬ ‫تدبي���ر اهلل المن���زه عن الزم���ان والمكان‪،‬‬ ‫يف اجلم��ال وه��ذا التنا�سق يف‬ ‫ه���ي الط���رق‪ .‬ولعل ف���ي التعبي���ر الدقيق‬ ‫بخاصي���ة المصاحب���ة الزمني���ة الت���ي تدل‬ ‫الكمال‪� ،‬إال ملعنى دقيق وق�صد‬ ‫لقوله تعالى ﴿ذ ِ‬ ‫َات ال ُْح ُب ِك﴾‪ ،‬إشارة إلى‬ ‫عل���ى وح���دة المنش���أ وآني���ة التكوي���ن‪.‬‬ ‫عمي��ق غايتُه الإن�س��ان الكامل‬ ‫أن الس���ماء هي الت���ي تتولى مهمة حبك‬ ‫وه���و ما وق���ف عليه المفكر اإلس�ل�امي‬ ‫كان‬ ‫إذ‬ ‫�‬ ‫ل��ق‪،‬‬ ‫خ‬ ‫أجله‬ ‫�‬ ‫من‬ ‫ال��ذي‬ ‫ُ‬ ‫تمام���ا كم���ا تق���وم العنكبوت‬ ‫الفرنسي "موريس بوكاي"‪ )5(،‬حيث قال‬ ‫نس���يجها‪ً ،‬‬ ‫مو�ضوعه‬ ‫�صلب‬ ‫يف‬ ‫ا‬ ‫م�ستح�رض‬ ‫ً‬ ‫بنس���ج خيوطه���ا م���ن جهده���ا الذات���ي‪.‬‬ ‫في ش���أن التحديد الزمني لمراحل خلق‬ ‫لبنائه‪.‬‬ ‫أوىل‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫اللحظة‬ ‫منذ‬ ‫وه���و داللة أخ���رى على تل���ك الفاعلية‬ ‫الس���ماوات واألرض‪" :‬المذك���ور (يعني‬ ‫الذاتية لألجسام السماوية في بناء نسيج‬ ‫في القرآن) هو مجموعتان من الظواهر‪،‬‬ ‫الكون كم���ا تقر بذل���ك التقارير العلمية‬ ‫جزء منها أرضي واآلخر س���ماوي‪ .‬وقد‬ ‫لعلم���اء الفلك‪ ،‬تل���ك التقارير التي باتت اليوم أكثر اس���تعما ً‬ ‫ال ح���دث كالهما ف���ي اتصال مع اآلخ���ر‪ ،‬وبالتال���ي فذكر هاتين‬ ‫من أي وقت مضى لمصطلحات القرآن الكونية مثل؛ "نس���يج المجموعتين م���ن الظواهر‪ ،‬يعني أن األرض كانت بالضرورة‬ ‫الكون" (‪ ،)Cosmic Web‬و"بناءه" (‪ ،)Cosmic Building‬و"توسعه" موج���ودة قب���ل أن تمد‪ ،‬وعليه فقد كانت موجودة حين بنى اهلل‬ ‫(‪ ،)Expansion‬و"تزيينه بالمصابيح" (‪ ،)Beads on a String‬و"حبكه" الس���ماوات‪ .‬وينت���ج من هذا فكرة المصاحب���ة الزمنية لنمو كل‬ ‫(‪ ،)Filaments‬وما إلى ذلك من المصطلحات التي تؤكد الس���بق من السماوات واألرض بشكل تتداخل فيه الظاهرتان"‪.‬‬ ‫العلمي للقرآن الكريم ودقة تعبيره البالغي‪.‬‬ ‫من ناحية أخرى‪ ،‬ومما يزيد مشهد وحدة بنيان السماوات‬

‫وحدة المنشأ وآنية التكوين‬

‫إذا تتبعت هذه "الحبك" في الكون إلى مركز النسيج‪ ،‬وصلت‬ ‫إل���ى مجال الس���ماء الدني���ا وه���ي المحيطة مباش���رة باألرض‪،‬‬ ‫فوجدته���ا زين���ت لإلنس���ان بالمصابيح‪ .‬ف���إذا أتممت المس���ير‬ ‫ف���ي اتج���اه المركز‪ ،‬ولجت نطاق ما بين الس���ماوات واألرض‬ ‫او ِ‬ ‫ات َوا َ‬ ‫ض‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫���م َ‬ ‫الموص���وف عند اهلل بقوله تعالى‪َ :‬‬ ‫الس َ‬ ‫﴿ر ُّب َّ‬ ‫َو َم���ا َب ْي َن ُه َما﴾(مري���م‪ ،)65:‬فتبي���ن ل���ك المغ���زى من اإلش���ارة إلى‬ ‫البينية في التلميح إلى مركزية األرض من الس���ماوات الس���بع‬ ‫المحيط���ة به���ا‪ ...‬تلك البيني���ة التي تحمل ف���ي طياتها دالالت‬ ‫قوي���ة عل���ى وح���دة المنش���أ‪ ،‬ال يس���طع ضوؤه���ا إال من خالل‬ ‫إطاللنا على البعد الزمني لنمو كل من الس���ماوات واألرض‪.‬‬ ‫فقد جاء في كتاب اهلل ما يشير إلى تقديم خلق السماوات على‬ ‫َ‬ ‫اها‬ ‫خل���ق األرض‪ ،‬كقوله ‪َ ﴿ :‬أ َأ ْن ُت ْم َأ َش ُّ‬ ‫���م ُاء َب َن َ‬ ‫الس َ‬ ‫���د َخ ْل ًقا أ ِم َّ‬

‫‪‬‬ ‫اها‬ ‫���و َاها ‪َ ‬و َأ ْغ َط َ‬ ‫ش َل ْي َل َها َو َأ ْخ َر َج ُض َح َ‬ ‫َر َف َع َس ْ‬ ‫���م َك َها َف َس َّ‬ ‫َوا َ‬ ‫أيضا‬ ‫اها﴾(النازعات‪ ،)30-27:‬كما جاء فيه ً‬ ‫أل ْر َ‬ ‫ض َب ْع َد َذ ِل َك َد َح َ‬ ‫م���ا يفي���د تقديم خل���ق األرض عل���ى خلق الس���ماوات‪ ،‬كقوله‬ ‫‪‬‬

‫وضوح���ا‪ ،‬م���ا ج���اء ب���ه كتاب اهلل من وص���ف لتوحد‬ ‫واألرض‬ ‫ً‬ ‫أقط���ار الس���ماوات واألرض في اإلش���ارة ال���واردة في قول اهلل‬ ‫���ذوا‬ ‫���ن َوا ِ‬ ‫اس َ���ت َط ْع ُت ْم َأ ْن َت ْن ُف ُ‬ ‫إل ْن ِ‬ ‫���ر ا ْل ِج ِّ‬ ‫تعال���ى‪َ :‬‬ ‫���س إ ِِن ْ‬ ‫﴿ي���ا َم ْع َش َ‬ ‫او ِ‬ ‫ات َوا َ‬ ‫ِم ْ َ‬ ‫ال‬ ‫���ذوا َ‬ ‫ال َت ْن ُف ُ‬ ‫ض َفا ْن ُف ُ‬ ‫ون ِإ َّ‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫���ذ َ‬ ‫���م َ‬ ‫الس َ‬ ‫���ن أ ْق َط���ارِ َّ‬ ‫بِس��� ْل َط ٍ‬ ‫موحدا‬ ‫ان﴾(الرحمن‪)33:‬؛ فكون كلمة "أقطار" ورد ذكرها‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫بي���ن الس���ماوات واألرض‪ ،‬يعن���ي أن الس���ماوات واألرض‬ ‫شكلت ‪-‬وما تزال‪ -‬وحدة متكاملة‪ ،‬ألن القطر في االصطالح‬ ‫مرورا‬ ‫الهندس���ي‪ ،‬يعني الخط الواصل بين طرفي ش���كل معين‬ ‫ً‬ ‫بمرك���زه‪ ...‬فإذا تصورنا األقط���ار كخطوط تمر بمركز األرض‬ ‫لتس���تقيم ف���ي جمي���ع االتجاه���ات الس���ماوية المتعام���دة م���ع‬ ‫سطحها‪ ،‬فسيبدو لنا عالم السماوات واألرض كشكل متكامل‬ ‫تحي���ط فيه الس���ماوات ب���األرض حول مركز كائ���ن في نواتها‪.‬‬ ‫وذلك ما يحمل اإلشارة إلى توسط األرض لعالم السماوات‪،‬‬ ‫ووجود اإلنسان في قلب هذا البناء‪.‬‬

‫اإلنسان هو المقصود‬

‫وهنا يبدو لنا مضمون قرار األرض من مفهوم التوس���ع القائم‬

‫‪11‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫فف���ي االصط�ل�اح اللغ���وي واالس���تعمال القرآن���ي لكلم���ة‬

‫"س���بح"‪ ،‬نج���د أن هذه الكلم���ة تعني كما ق���ال القرطبي رحمه‬

‫َ���ك فِي َا َّلن َهارِ َس ْ���ب ًحا‬ ‫اهلل(‪ )3‬ف���ي تفس���ير ق���ول اهلل تعال���ى‪ِ ﴿ :‬إ َّن ل َ‬ ‫طَ ِويالً﴾(المزم���ل‪" :)7:‬الج���ري وال���دوران ومنه الس���ابح في الماء‬ ‫لتقلبه بيديه ورجليه‪ ،‬وفرس س���ابح أي‪ :‬شديد الجري"‪ .‬وهذا‬

‫يفيد ضرورة وجود عامل تأثيري لقوة ذاتية في الجسم حتى تتم‬

‫موضحا في الشكل التالي‪:‬‬ ‫ً‬

‫أ‬ ‫مجرة ‪1‬‬

‫ج‬

‫ب‬ ‫مجرة ‪2‬‬

‫عملية السبح‪ .‬فإذن‪ ،‬هي حركة ناتجة عن طاقة محركة من داخل‬

‫الجسم‪ ،‬كما يحصل ذلك عند الطيور السابحة في جو السماء‪،‬‬ ‫أو الحيتان السابحة في عرض البحار‪ ،‬التي إذا رأيتها انسجمت‬

‫س���بح جماعي فلحص���ول تناغم تواصل���ي بينها‪.‬‬ ‫ف���ي لوح���ات‬ ‫ٍ‬

‫قائما بين الجسم السابح‬ ‫إال أن دور الكثافة يبقى مع ذلك ً‬

‫والمادة التي يس���بح فيها‪ ،‬بحيث ال يتس���نى ألي جس���م مادي‬ ‫أن يتنق���ل بحرك���ة ذاتي���ة في���ه‪ ،‬إال إذا كان في وس���ط مادي أقل‬

‫كثاف���ة من كثافته‪ .‬وكلما ازدادت كثافة المادة التي يس���بح فيها‬

‫ال‬ ‫إال وصعب���ت عليه الحركة‪ .‬وبذلك ج���اء التعبير القرآني‪َ ﴿ :‬‬ ‫الن َهارِ َو ُكلٌّ‬ ‫س َي ْن َب ِغي َل َها َأ ْن ُت ْدرِ كَ ا ْل َق َم َر َو َ‬ ‫َّ‬ ‫ال ال َّل ْي ُل َساب ُِق َّ‬ ‫الش ْم ُ‬ ‫ِف���ي َف َل ٍ‬ ‫ال على تناغ���م حركة األجرام‬ ‫ون﴾(يس‪ )40:‬دا ًّ‬ ‫���ك َي ْس َ���ب ُح َ‬ ‫الس���ماوية في نس���ق الس���بح العام المنضبط بفع���ل الفارق بين‬ ‫كثاف���ة مادة األج���رام وكثافة مادة الكون من جه���ة‪ ،‬وبين كثافة‬

‫كل ج���رم مع الجرم ال���ذي يحوم حوله من جهة أخرى‪ ...‬مما‬ ‫يجعل القمر يدور حول األرض‪ ،‬واألرض بقمرها تدور حول‬ ‫الش���مس‪ ،‬والشمس بكواكبها في فلك المجرة‪ ،‬وكل مجموعة‬ ‫تنضبط في فلكها داخل منظومة الكون الفسيح‪.‬‬

‫إذن‪ ،‬ه���ذه الفاعلية الذاتي���ة التي أودعها اهلل تعالى في كيان‬

‫األجس���ام الس���ماوية لتظل س���ابحة في الفضاء إلى مدة أجلها‪،‬‬

‫ه���ذا الش���كل ُيجلي لن���ا حقيقة ه���ذا التجان���س؛ بحيث إذا‬ ‫الكون‪ ،‬وترى منها‬ ‫كنت في المجرة (‪ ،)1‬فإنك ستراها تتوسط‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫متمي���زا بخصائصه الموحدة‪.‬‬ ‫المس���توى الذي يحمل نقطة "أ"‬ ‫ً‬ ‫أيضا تتوس���ط الكون‪،‬‬ ‫ث���م إذا‬ ‫كن���ت في المجرة (‪ ،)2‬فس���تراها ً‬ ‫َ‬ ‫متميزا كذلك‬ ‫وت���رى منها المس���توى ال���ذي يحمل نقط���ة "ب"‬ ‫ً‬ ‫بخصائص���ه الموحدة‪ .‬فإذا تداخلت نطُ ق المجرتين (‪ )1‬و(‪،)2‬‬ ‫تجانس���ت الخصائ���ص الممي���زة ل���كل واحدة منهم���ا بمقتضى‬ ‫التوحد الحاصل في نقطة التقاطع "ج" وف ًقا للمعادلة التالية‪:‬‬ ‫أ = ج و ج = ب ← أ = ب‪.‬‬ ‫فهذا الش���كل إذن‪ ،‬يظهر لن���ا حقيقة التجانس الحاصل بين‬ ‫المجرات بمقتض���ى التداخل القائم بين نطقها‪ .‬فإذا كانت كل‬ ‫مج���رة لها من الخصائص ما يميزه���ا عن غيرها‪ ،‬فإن التداخل‬ ‫بي���ن نطقها س���يلغي هذا التماي���ز في الخصائ���ص ويحدث لها‬ ‫يوح���د فيما بينها‪ .‬وه���ذا ما يضفي عل���ى الكون صفة‬ ‫تجانس���ا ّ‬ ‫ً‬ ‫قويا ألثر الفاعلية الخفية‬ ‫وقعا ًّ‬ ‫التوحد التي تحمل في دالالتها ً‬ ‫الت���ي لواله���ا ما ترتبت نظمه في هذا التماس���ك العجيب‪ ،‬وما‬ ‫تشكل بنيانه في هذا التجانس البديع‪.‬‬

‫تضف���ي عليها من االنتظام واالنس���جام ما ال يمكن التعبير عنه السماء وحبك نسيجها‬

‫﴿ما َت َرى‬ ‫إال بم���ا جاء به الوصف القرآن���ي في قول اهلل تعالى‪َ :‬‬ ‫او ٍت﴾(الملك‪ .)3:‬ولعل هذا ما وصلت‬ ‫ِف���ي خل‬ ‫الر ْح َم ِن ِم ْن َت َف ُ‬ ‫َ ْ قِ َّ‬ ‫إلي���ه أح���دث البحوث العلمية ألش���هر عالم فل���ك أمريكي هو‬ ‫"س���تيفن واينب���رغ"‪ ،‬الحاص���ل على جائ���زة نوب���ل(‪ )4‬الذي رفع‬

‫الس���تار ع���ن حقيقة لم تكن معروفة م���ن ذي قبل‪ ،‬وهي ظاهرة‬

‫التجان���س الحاص���ل ف���ي الك���ون‪ .‬فأظهر من خ�ل�ال أبحاثه أن‬

‫األجسام السماوية تخضع لظاهرة بديعة من التجانس‪ ،‬تتداخل‬ ‫فيها المجرات فيما بينها محيطة باألرض من جميع الجهات‪.‬‬

‫وه���ذا يفي���د أن الخصائ���ص الممي���زة لكل مجرة س���تتوحد في‬ ‫انس���جام تام م���ع خصائص المجرات األخ���رى‪ ،‬كما ّبين ذلك‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪10‬‬

‫ه���ذا التجان���س الحاص���ل بي���ن المج���رات والذي يش���كل بناء‬ ‫الس���ماء‪ ،‬إذا أخذن���اه من بع���د نظرية "كوبرني���ك" التي نجد لها‬ ‫ال ف���ي التص���ورات الفلكي���ة لـ"اب���ن طفي���ل"‪ ،‬والت���ي تبين‬ ‫أص���و ً‬ ‫فلكي���ا أن األرض تتوس���ط الك���ون‪ ،‬بحي���ث م���ن أي���ة جهة من‬ ‫ًّ‬ ‫نظ���رت إل���ى الكون رأيت���ه محيطًا بك‪ ،‬فس���نجده يعبر‬ ‫األرض‬ ‫َ‬ ‫عن تماس���ك رائع لنس���يج الكون حول محيط األرض‪ ،‬كشأن‬ ‫خيوط العنكبوت المحبوكة حول دائرة مركزية‪ .‬وهذا التش���بيه‬ ‫ال في‬ ‫لنسيج الكون بنسيج العنكبوت الذي أصبح اليوم متداو ً‬ ‫التقارير العلمية لعلماء الفضاء‪ ،‬بما يش���اهدونه من مراصدهم‬ ‫الفلكي���ة‪ .‬ليس بغري���ب إذن ما أخذناه من بعده الش���كلي‪ ،‬فقد‬


‫االنكماش بفعل مباشر منه سبحانه‪ ،‬كما‬ ‫الكون نسيج متجانس‬ ‫ِ‬ ‫���ك‬ ‫﴿و ُي ْمس ُ‬ ‫ف���إذا اس���تقريت مجم���ل المش���اهدات‬ ‫ورد ذل���ك في قول���ه تعالى‪َ :‬‬ ‫عمد ال�سماوات‬ ‫�إن الإن�س��ان‬ ‫َ‬ ‫���ع َع َل���ى ا َ‬ ‫ال ِبإ ِْذ ِن ِه‬ ‫ض ِإ َّ‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫مس���تحضرا هذه‬ ‫الفلكي���ة لعلماء الفضاء‬ ‫���م َاء َأ ْن َت َق َ‬ ‫الس َ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫معنى‬ ‫ال‬ ‫العامل‬ ‫إن‬ ‫�‬ ‫و‬ ‫أر���ض‪،‬‬ ‫ل‬ ‫وا‬ ‫اس َلر ُء ٌ ِ‬ ‫يم﴾(الحج‪.)65:‬‬ ‫إ َِّن ا َ‬ ‫المعان���ي‪ ،‬فس���تجدها ُتجلّي ل���ك الكون‬ ‫هلل ب َّ‬ ‫وف َرح ٌ‬ ‫ِالن ِ َ‬ ‫إن‬ ‫�‬ ‫و‬ ‫إن�سان‪،‬‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫وجود‬ ‫بدون‬ ‫له‬ ‫ولذل���ك ف���اهلل ‪ ‬لما وصف لن���ا ظاهرة‬ ‫متجانس���ا" (‪ )Cosmic Web‬ف���ي‬ ‫"نس���يجا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الإن�س��ان كان املق�ص��ود م��ن‬ ‫التوس���ع‪ ،‬نس���ب المهمة إلى ذات���ه العلية‬ ‫"توس���ع" (‪ )Expansion‬غي���ر مح���دود‪،‬‬ ‫وأنه يتوالها س���بحانه بفعل مباشر صادر‬ ‫خل��ق ال�سم��اوات والأر�ض‪،‬‬ ‫يجري ف���ي جميع "االتجاهات الكونية"‬ ‫عن قوته الخفية‪ .‬وأكد لنا سبحانه ذلك‪،‬‬ ‫(‪ )Isotropy‬وكأن األرض في وسطه‪ .‬هذا‬ ‫ف���إذا انق�ض��ى �أجل��ه خ��رت‬ ‫من خ�ل�ال صيغ���ة التوكيد الت���ي جاءت‬ ‫التوس���ع الكوني ال���ذي انطلق مع حادثة‬ ‫أر���ض‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫عل��ى‬ ‫ال�سم��اوات‬ ‫﴿و ِإ َّن���ا َلم ِ‬ ‫ون﴾ للداللة‬ ‫���ع َ‬ ‫فتق الرت���ق التي رفعت الس���ماوات عن‬ ‫به���ا اآلي���ة َ‬ ‫وس ُ‬ ‫ُ‬ ‫إىل‬ ‫�‬ ‫العمارة‬ ‫وانتقلت‬ ‫بزوال��ه‪،‬‬ ‫مضادا‬ ‫عل���ى قوة في الفع���ل‪ ،‬تقابل فعالً‬ ‫ًّ‬ ‫األرض‪ ،‬المشار إليها في القرآن الكريم‬ ‫الآخرة من �أجله‪.‬‬ ‫تمثل���ه تلك القوة الجاذبة التي تعمل في‬ ‫ين َك َف ُروا‬ ‫بق���ول اهلل تعالى‪َ ﴿ :‬أ َول َْم َي َر الَّذِ َ‬ ‫االتج���اه المعاكس على تجميع األجرام‬ ‫ات َوا َ‬ ‫َ‬ ‫او ِ‬ ‫ض َكا َن َت���ا َر ْت ًق���ا‬ ‫أل ْر َ‬ ‫���م َ‬ ‫الس َ‬ ‫أ َّن َّ‬ ‫في الك���ون‪ ،‬الذي من خ�ل�ال خصائصه‬ ‫اه َما﴾(األنبي���اء‪ ،)30:‬والمعب���ر عنه���ا‬ ‫َف َف َت ْق َن ُ‬ ‫شديدا إلى االنقباض‪.‬‬ ‫ا‬ ‫نزوع‬ ‫يبدي‬ ‫الفيزيائية‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ف���ي العلوم الفلكي���ة بكلم���ة (‪ )Big Bang‬أو "االنفجار العظيم"‪،‬‬ ‫ولع���ل ذل���ك م���ا خلص���ت إلي���ه نتائ���ج أح���دث أبح���اث‬ ‫هو س���ارٍ في الكون بس���رعة تنافر بين المج���رات‪ ،‬تزداد بنفس‬ ‫النس���بة التي ت���زداد بها المس���افة الفاصلة بينها كم���ا تقر بذلك علم���اء الفض���اء م���ن مجموعتي���ن مختلفتين للبح���ث العلمي؛‬ ‫نظري���ة "هاب���ل"‪ )1(.‬وعلي���ه فبم���ا أن س���رعة ه���ذا التوس���ع تبقى مجموع���ة "‪ ،"Supernova Cosmology Project‬ومجموع���ة‬ ‫متصاعدة بتصاعد المس���افات الفاصلة بين المجرات‪ ،‬دون أن‬

‫ُتم���د بأية ق���وة محركة رغم وج���ود عامل التج���اذب الحاصل‬ ‫بي���ن المج���رات‪ ،‬اللهم إال تلك الق���وة األولية الناتجة عن وقع‬

‫االنفجار الذي تولد عنه فتق الرتق‪ ،‬فذلك يعني أن هذا التوسع‬

‫الساري في الكون هو قائم بقوة قادر‪ ،‬كما دلت عليه اآلية في‬ ‫ون﴾(الذاريات‪)47:‬‬ ‫اها ِب َأ ْيدٍ َو ِإ َّنا ل َُموسِ ُع َ‬ ‫الس َم َاء َب َن ْي َن َ‬ ‫قوله تعالى‪َ :‬‬ ‫﴿و َّ‬ ‫التي توحي بأن اهلل هو الذي يتولى مهمة التوسيع بفاعلية منه‪،‬‬

‫يبثها سبحانه في الكون ليظل في انتشار مستمر‪ .‬وال ينبغي أن‬ ‫ُيفهم التوسع على أنه نتيجة عفوية لفارق الكثافة بين األجرام‬ ‫وم���ادة الك���ون‪ ،‬تنجم عنه قوى نابذة ت���ؤدي إلى تنافر األجرام‬

‫وتباعده���ا ف���ي الكون‪ ،‬كش���أن بالونات ه���واء موضوعة داخل‬ ‫جسم مادي أكثر كثافة كا��ماء مثالً؛ فهي البد أن تتصاعد إلى‬

‫أعلى وتتنافر في اتجاهات مختلفة‪ ،‬فهذا ال يمكن أن يحصل‬ ‫ف���ي الكون‪ ،‬ألن عام���ل الجاذبية بين األج���رام يلعب من جهة‬

‫دورا مضا ًّدا‪.‬‬ ‫أخرى ً‬

‫إذن‪ ،‬هناك قوة تتولى توس���يع الكون في نس���ق التناغم بين‬

‫مكوناته‪ ،‬ولوالها ألطبقت السماوات على األرض والنقبض‬ ‫الكل على اإلنس���ان‪ .‬وتلك هي قوة اهلل التي تحفظ الكون من‬

‫(‪)2‬‬ ‫تبين لهما من‬ ‫"‪ ."High-Z Supernova Team‬هاتان المجموعتان َّ‬ ‫خالل المش���اهدات الفضائية وقائع مذهلة؛ اكتش���ف الباحثون‬ ‫من خاللها مجرات بعيدة تتباعد عن مجرتنا بس���رعات تفوق‬ ‫بكثي���ر م���ا ينبغي له���ا أن تكون عليه‪ .‬مما يعني ‪-‬كما فس���روه‪-‬‬ ‫أن س���رعة التوس���ع في الكون تتصاعد كما ل���و أن قوة غامضة‬ ‫س���موها "الطاقة الظلم���اء" تعارض قوة الجاذبي���ة بين األجرام‬ ‫ّ‬ ‫الت���ي تعمل من جهته���ا على تجميع الكون وانكماش���ه‪ .‬وهذا‬ ‫جعلهم يندهشون‪ ،‬واضطرهم إلى اإلقرار بضرورة وجود قوة‬ ‫خارق���ة ف���ي عالم آخر يقابل هذا الذي نحن فيه‪ ،‬هي التي تمد‬ ‫عالمنا بالطاقة وتتولى تدبير نظمه كما جاء في تقاريرهم‪.‬‬

‫الس ْبح والفاعلية الذاتية‬ ‫َّ‬

‫م���ن جهة أخ���رى‪ ،‬إذا رجعنا إل���ى ما تنطوي علي���ه حقيقة هذا‬ ‫التوسع الكوني‪ ،‬من خالل وقوفنا على حركة األجرام السماوية‬ ‫في نس���ق هذا التوس���ع المعبر عنها في كتاب اهلل بعملية السبح‬ ‫﴿كلٌّ فِي َفل ٍ‬ ‫ون﴾(األنبياء‪،)33:‬‬ ‫ال���واردة في قوله تعالى‪ُ :‬‬ ‫َك َي ْس َ���ب ُح َ‬ ‫فس���نجد أن ظاه���رة التوس���ع الكون���ي ‪-‬حتى تنضبط في نس���ق‬ ‫منس���جم‪ -‬كان الب���د له���ا أن تقت���رن بتناغم الفاعلي���ات الذاتية‬ ‫المبذولة من مختلف األجسام السماوية‪.‬‬

‫‪9‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫قضايا فكرية‬

‫د‪ .‬عبد اإلله بن مصباح*‬

‫اإلنسان عمد الكون‬ ‫تشييد المبنى‬ ‫من المعلوم في كل بناء أن يسبق‬ ‫َ‬

‫الحلل وكمال التناس���ق‬ ‫تتناغ���م ألحانه���ا بين جم���ال التألق في ُ‬

‫أن يك���ون مبن���اه كان اإلنس���ان ف���ي ل���ب معناه‬

‫ل���ه األلح���ان‪ ،‬إنما هو اإلنس���ان الم���وكل إليه خالف���ة األرض‪.‬‬

‫تحدي���د المعنى‪ .‬كذلك هو ش���أن الكون‪ ،‬قبل‬ ‫ُ‬

‫وسر المغزى من ترتيب ُنظمه؛‬ ‫َ‬ ‫عين القصد من تصميم ُنسقه‪َّ ،‬‬ ‫تحديد المعنى الذي من أجله‬ ‫تشييد مبنى الكون‬ ‫بحيث س���بق‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أقيم وهو اإلنسان‪ ،‬الذي على مقاسه ُف ّصل بنيانه وعلى طباعه‬

‫متأم�ل�ا منظومة الكون بين أس���طُ ر‬ ‫وقف���ت‬ ‫ُصم���م نظام���ه‪ .‬فإذا‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫وأبح���ر معناها‪ ،‬فس���تجدها تش���دو لك بمعزوف���ة رائعة‬ ‫مبناه���ا ُ‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪8‬‬

‫ف���ي العِ ل���ل‪ ،‬دالة لك على أن الذي تزينت له األكوان وترنمت‬ ‫فالكون‪ ،‬هذا البناء الرائع ذو النس���ق الكامل حول األرض‪ ،‬ال‬ ‫يمك���ن أن ُيتص���ور بهذه الروعة في الجمال وهذا التناس���ق في‬

‫الكم���ال‪ ،‬إال لمعنى دقيق وقصد عميق غاي ُته اإلنس���ان الكامل‬

‫مس���تحضرا في صلب موضوعه‬ ‫ال���ذي من أجله ُخلق‪ ،‬إذ كان‬ ‫ً‬ ‫منذ اللحظة األولى لبنائه‪.‬‬


‫جدا من‬ ‫المخاطي���ة" (‪ )Goblet Cells‬الت���ي تف���رز كمية كبي���رة ًّ‬ ‫يومي���ا‪ ،‬وهي منتش���رة بكثرة في الج���دار الداخلي‬ ‫المخ���اط ًّ‬ ‫للمعدة لتجدد تلك الطبقة العازلة للمعدة‪.‬‬

‫يرج���ع ذل���ك إل���ى أن اهلل ‪ ‬قد بطّ ن ج���دار المعدة من‬

‫الداخل ببطانة عجيبة معجزة‪ ،‬تتجدد خالياها بسرعة مذهلة‬ ‫تص���ل إلى نص���ف مليون خلية ف���ي الدقيق���ة‪ ،‬بحيث تتجدد‬

‫ف���ي فت���رة تتراوح بين يوم إلى ثالث���ة أيام‪ .‬وهي بذلك تفوق‬ ‫الس���رعة التي تعم���ل بها العص���ارة المعدية بم���ا تحتويه من‬ ‫حم���ض الهيدروكلوري���ك واألنزيم���ات الهاضم���ة األخرى‬

‫دائما‪،‬‬ ‫إلذاب���ة تلك البطان���ة‪ ،‬كما أن هذه الخالي���ا المتجددة ً‬ ‫تعم���ل عل���ى تكوين حاجز س���ميك تفصل به غش���اء المعدة‬ ‫وجدرانه���ا الداخلي���ة ع���ن الحمض واألنزيم���ات الهاضمة‪،‬‬ ‫وهذا ما ُيطلق عليه "الحاجز الميكانيكي"‪.‬‬

‫في الوقت الذي تتدفق فيه العصارة المعدية إلى تجويف‬

‫المع���دة لتختل���ط بالطع���ام‪ ،‬ف���إن بطان���ة المعدة تق���وم بإفراز‬

‫المخ���اط وهو قلوي التأثير‪ ،‬إذ يلتصق هذا المخاط بغش���اء‬ ‫المعدة وكأنه مرهم أو كريم‪ ،‬ويقوم بمعادلة الحمض ويمنع‬

‫تأثيره‪ .‬والمخاط بذلك يعمل كحاجز كيميائي يحمي غشاء‬

‫المعدة وجدرانها من التآكل أو الهضم‪.‬‬

‫خالي���ا المع���دة قلوي���ة التأثي���ر‪ ،‬وهي بذلك غير مناس���بة‬

‫لنش���اط وعمل أنزيم الببس���ين‪ ،‬كما أن الغش���اء الذي يغ ّلف‬ ‫الخالي���ا المبطن���ة للمع���دة ل���ه خاصي���ة عجيب���ة‪ ،‬حي���ث ال‬

‫يس���مح هذا الغش���اء بنف���اذ أنزي���م الببس���ين وكذلك حمض‬

‫الهيدروكلوريك‪.‬‬

‫تحت���وي خاليا بطانة المعدة عل���ى مضادات لألنزيمات‬

‫الهاضمة‪ ،‬وتقوم هذه الخاليا بااللتصاق مع بعضها التصا ًقا‬

‫وثي ًقا‪ ،‬بحيث ال تسمح بالنفاذ ألي مادة هاضمة من تجويف‬ ‫المعدة إلى جدران المعدة الداخلية‪.‬‬

‫إذن‪ ،‬كلما توغلنا في أسرار خلق اهلل وعايناه كلما شعرنا‬

‫﴿و َما‬ ‫بم���دى جهلنا وضآلة علمنا‪ ...‬وص���دق اهلل حين قال‪َ :‬‬ ‫���ن‬ ‫ُأو ِت ُيت ْم ِم َن ا ْل ِع ْل ِم ِإ َّ‬ ‫ال َق ِلي ً‬ ‫اركَ ا ُ‬ ‫هلل َأ ْح َس ُ‬ ‫ال﴾(اإلس���راء‪َ ﴿ ،)85:‬ف َت َب َ‬ ‫ين﴾(المؤمنون‪.)14:‬‬ ‫ا ْل َخا ِل ِق َ‬ ‫(*) باحث في التراث العربي واإلسالمي ‪ /‬مصر‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫ِا ْهزمْ نفسك‬ ‫اِتّ ِق ْد إيمانًا‪،‬‬

‫اشتعل‪،‬‬ ‫ولهبًا‬ ‫ْ‬ ‫مصباحا‪،‬‬ ‫ودع روحك‬ ‫ْ‬ ‫ً‬ ‫في كل األماكن تضيء!‪...‬‬ ‫قاوم نفسك واهزمها‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫وانتصر عليها‪،‬‬ ‫وكن كما اإليمان يريد‪...‬‬ ‫***‬


‫أنزيم���ات لتكس���ير وتفكيك الم���واد الغريبة ف���ي داخل الخلية‪ ،‬لماذا ال تهضم المعدة نفسها؟‬ ‫يوميا‪.‬‬ ‫حي���ث يقوم بإفراز العصارة المعدية بواقع ثالث لترات ًّ‬

‫فلم ال تهضم‬ ‫المع���دة م���ن لحم‪ ...‬والمع���دة تهضم اللح���م‪َ ...‬‬

‫(‪ ،)Pepsin‬وأنزي���م الرينين‪ ،‬وحم���ض الهيدركلوريك‪ ،‬باإلضافة‬

‫المع���دة لها غش���اء مخاطي يق���وم بوقاية بطان���ة المعدة من‬

‫هضما‬ ‫يعمل أنزيم الببسين على هضم البروتينات ‪-‬فقط‪-‬‬ ‫ً‬

‫باقي عضيات الخلية من تأثير هذه األنزيمات‪ ،‬ألن األنزيمات‬

‫إتمام الهضم‪ .‬والببسين يفرز في المعدة على شكل غير فعال‪،‬‬

‫تق���وم بابتالع األجس���ام الغريبة المراد هضمه���ا إلى داخلها ثم‬

‫ه���ذه العصارة المعدي���ة تتكون من خميرة أو أنزيم "الببس���ين"‬ ‫إلى العامل الداخلي المنشأ الالزم المتصاص فيتامين (ب‪.)12‬‬

‫جزئيا على هيئة ببتونات‪ ،‬وبعد ذلك تعمل أنزيمات األمعاء على‬ ‫ًّ‬ ‫حتى إذا وصل إلى تجويف المعدة‪ ،‬حوله حمض الهيدركلوريك‬

‫إلى الش���كل الفع���ال‪ ،‬وذل���ك للحيلولة دون قيام ه���ذا األنزيم‬

‫بهض���م البروتين���ات في الخالي���ا التي تفرزه وهي الليزوس���وم‪.‬‬

‫وظيفة المعدة‬

‫وظيفة المعدة األساسية هي هضم المواد الغذائية التي نتناولها‬ ‫وخاصة المواد البروتينية‪ ،‬أي تكس���يرها إلى جزيئات صغيرة‪،‬‬

‫حيث تق���وم جدران المعدة القوية بالضغط على الطعام ألربع‬ ‫ساعات يتحول بعدها الطعام إلى شبه سائل‪.‬‬

‫ومعنى الهضم‪ ،‬أن يتم تكسير كل األجزاء الكبيرة إلى أبسط‬

‫صورها‪ ،‬إما ليتم امتصاصها مباشرة إلى الدم‪ ،‬أو أن يقام عليها‬ ‫عمليات أخرى ليتم هضمها إلى أبسط ما يمكن أن يمتص بالدم‪.‬‬

‫فإن لم يتم ذلك التكسير بصورة جيدة‪ ،‬وجدنا المشكالت‬

‫الصحية الكبيرة؛ كسوء التغذية واألنيميا‪ ،‬وعدم هضم البروتين‬

‫المعدة نفسها؟!‬

‫حمض الكلور وأنزيم "الببسين"‪ ،‬ولكن ال يوجد غشاء يحمي‬ ‫الهاضمة موجودة فقط داخل هذه العضيات‪ :‬الليزوسوم وهي‬ ‫تق���وم بهضمه���ا‪ ،‬وبذل���ك تبق���ى األنزيم���ات معزولة ع���ن باقي‬ ‫أج���زاء الخلية؛ وذلك عام���ة أحد طرق موت الخاليا المريضة‬

‫أو الخاليا التي انتهى عمرها عن طريق انفجار هذه العضيات‪،‬‬

‫وتسرب األنزيمات إلى باقي أجزاء الخلية وتحللها‪ ،‬ثم موت‬ ‫الخلية (‪.)Apoptosis‬‬

‫ولم���اذا ال تقوم ه���ذه األنزيمات بهضم الليزوس���وم وباقي‬

‫التراكيب الخلوية (‪ )Organelle‬الموجودة داخل المعدة؟‬

‫إن االنحن���اءات في ج���دار المعدة الداخل���ي والتعرجات‪،‬‬

‫موج���ودة في القناة الهضمية‪ ،‬ويختلف عمقها من مكان آلخر‬ ‫حس���ب الوظيفة للمكان التي توجد فيه‪ .‬نراها في المعدة تكاد‬

‫هضم‪ ،‬أي البد أن يكون‬ ‫تكون معدومة‪ ،‬وهذا ألن الطعام هنا ُي َ‬ ‫تماما‬ ‫تماما لج���ودة العملي���ة واختالط الطع���ام ً‬ ‫الوع���اء أمل���س ً‬ ‫جيدا‪.‬‬ ‫بالعصارة المعدية ليتم هضمه ً‬

‫جدا‪ ،‬وفيها معادلة لألحماض‬ ‫والمعدة فيها تعاريج بسيطة ًّ‬

‫واالنتفاخ���ات‪ ،‬وغي���ره م���ن أم���راض الجه���از الهضم���ي الت���ي‬

‫والقلوي���ات (‪ )PH‬الت���ي تدخل الجس���م‪ ،‬معنى ه���ذا أن المعدة‬

‫ه���ي التخزي���ن‪ ،‬والخل���ط‪ ،‬واإلف���راز‪ ،‬والتخلص م���ن البكتريا؛‬

‫ال‪ ،‬وال تهضم نفس���ها من عصارتها الذاتية‬ ‫لتحم���ي جدارها أو ً‬

‫كثي���را م���ا تؤرق الناس كله���م‪ .‬وللمعدة أرب���ع وظائف أخرى‪،‬‬ ‫ً‬

‫ج���دا لتحميها م���ن األحم���اض والقلويات؛‬ ‫به���ا آلي���ة خطي���رة ًّ‬

‫إذ تعتص���ر جدران المع���دة الطعام وتطحن���ه‪ ،‬وتعجنه وتخلطه‬

‫الت���ي تفرزها‪ ،‬ومن األحم���اض والقلويات التي ت���رد إليها من‬

‫والمع���دة دوره���ا حي���وي لي���س فق���ط ف���ي ه���ذه الص���ورة‪،‬‬

‫(‪ ،)Mucus‬ه���ذا المخاط يعمل كع���ازل بين ما هو داخل المعدة‬

‫هيدروجيني���ة"‪ ،‬بمعن���ى أن تنظ���م المع���دة الرق���م الهيدروجيني‬

‫���مك في الجدار الداخلي‬ ‫هذا الغش���اء متصل متساوي ُّ‬ ‫الس ْ‬

‫بالعصارة المعدية‪.‬‬

‫ج���دا من المخاط‬ ‫الخ���ارج‪ .‬كما أن المعدة بها غش���اء س���ميك ًّ‬

‫أيض���ا ألنها تعادل المواد التي تدخ���ل إليها معادلة "أس‬ ‫وإنم���ا ً‬

‫وخاليا المعدة‪.‬‬

‫بم���ا يناس���ب الحامضية التي يك���ون عليها الدم‪ .‬ألن���ه لو ابتلع‬

‫للمع���دة‪ ،‬إال م���ن بع���ض المناط���ق الت���ي ُتخ���رج منه���ا المعدة‬

‫الص���ورة؟ فهو خط���ر على جميع الخاليا واألنس���جة األخرى‪.‬‬

‫وع���ادة ما يك���ون مركز هذه القن���وات للداخل ف���ي التجاويف‬

‫قلويا‪ ،‬كيف يسير إلى تيار الدم بهذه‬ ‫شيئا‬ ‫اإلنس���ان ً‬ ‫حامضيا أو ًّ‬ ‫ًّ‬

‫عصارتها المعدية‪ ،‬سنجد عندها أن الغشاء المخاطي خفيف‪،‬‬

‫ل���ذا ف���دور المعدة‪ ،‬معادلة ه���ذه الحامضية إلى أن تصل لنفس‬

‫جدا لسطح المعدة الداخلي‪.‬‬ ‫البسيطة ًّ‬

‫درجة حامضية الدم‪ ،‬هذه المعادلة هي ما يطلق عليها "‪."PH‬‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪6‬‬

‫أم���ا هذا المخاط فتفرزه خاليا متخصصة اس���مها "الخاليا‬


‫علوم‬

‫صالح عبد الستار الشهاوي*‬

‫لماذا ال تهضم المعدة نفسها؟‬ ‫يتك���ون جس���م أو ج���دار المع���دة م���ن طبقتين‬

‫مرة كل عشرين ثانية‪ ،‬وهو ما نسميه "التمعج"‪.‬‬

‫طبقات من األلياف العضلية (خارجية طولية‪،‬‬

‫ف���ي ثنيات طويل���ة عندما تخل���و المعدة‪ ،‬ولكنه ينبس���ط عندما‬

‫مكون���ة م���ن ث�ل�اث‬ ‫رئيس���تين‪ :‬طبق���ة عضلي���ة َّ‬ ‫ووس���طى دائرية‪ ،‬وداخلي���ة مائلة)‪ .‬ووظيف���ة عضالت المعدة؛‬

‫ال غليظ‬ ‫طحن الطعام وخلطه بعصارة المعدة حتى يصبح سائ ً‬ ‫الق���وام ه���و "الكيموس"‪ ،‬ثم دفعه نحو األمع���اء الدقيقة بفضل‬

‫موجات من التقلص‪ ،‬تسري في المعدة من أعالها إلى أدناها‬

‫أم���ا الطبق���ة األخرى‪ ،‬فهي الغش���اء المخاطي الذي يتجمع‬

‫تمتلئ وتكس���و الغش���اء طبقة من المخاط‪ ،‬لها أهمية كبيرة في‬ ‫حماية جدار المعدة‪ ،‬وتنتشر بالغشاء المخاطي المبطن لجدار‬

‫المعدة (‪ )35‬مليون غدة معدية‪ ،‬وهي المعروفة بـ"الليزوسوم"‬ ‫(‪ ،)Lysosomes‬وه���ي عبارة ع���ن تركيب خلوي (‪ )Organelle‬يفرز‬

‫‪5‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫الدار‪ ..‬وس���يبذل قصارى جهده الجتن���اب كل ُجرم أو مظلمة‬

‫أو فساد‪ ..‬ويظل في جهاد مستمر مع نفسه دون كلل أو ملل‪،‬‬ ‫أبدا‪ ..‬بل‬ ‫ومن ثم فلن يسقط في براثن العبثية ومتاهة اإلباحية ً‬

‫ستبقى عيناه متعلقتين بجمال السفوح الزاخرة بتجليات الخليل‬ ‫الس���رمدي والولي األبدي‪ ..‬ويظل عقله في نش���وة غامرة وقد‬

‫وع���ى معنى األبدية والخلود‪ ..‬ويغ���دو قلبه روضة من رياض‬ ‫الجن���ان‪ ،‬تبتس���م فيها األلوان الزاهية‪ ،‬وترف���رف فوقها األرواح‬ ‫الطاه���رة غادي���ة رائحة‪ ..‬إذ يدرك ح���ق اإلدراك أنه ما جاء إلى‬

‫سائحا‪ ،‬يشاهد الجمال‪ ،‬ويتأمل‬ ‫مسافرا‬ ‫هذا العالم العجيب إال‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫مبهورا‪.‬‬ ‫مشدوها‬ ‫الكمال‪ ،‬ويتجول في أرجائه المترامية‬ ‫ً‬ ‫ً‬

‫ووظف كل طاقته لتحقيق سعادة األمة‪ ،‬مو ِل ًيا عناية خاصة‬ ‫وقته ّ‬

‫أشد حيوية وأكثر جدوى لألجيال القادمة‪،‬‬ ‫بالمواقع التي يراها ّ‬ ‫األجيال القادمة"‪ ..‬ثم يمضي‬ ‫مو ِق ًفا نفس���ه عليها قائال‪ِ " :‬ل َتحي‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫وقد أدى واجبه‪ -‬ال يلتفت إلى الوراء وال يلوي على شيء‪.‬‬‫إن���ه يس���عى ليل نهار ابتغ���اء مرضاة الحق تعال���ى من ّق ًبا عن‬

‫الص���دق الخال���ص‪ .‬ف�ل�ا الرغبة ف���ي االس���تمتاع الم���ادي تثنيه‬ ‫تعكر صفاء‬ ‫تألق الروح بالكرام���ات الخارقة ّ‬ ‫ع���ن وجهته‪ ،‬وال ُ‬

‫نظرت���ه‪ ..‬فه���و يؤم���ن أن العبودي���ة هلل أعظم قيمة ف���ي الوجود‪.‬‬ ‫وف���ي ض���وء ه���ذا الميزان يرى أبس���ط ِ‬ ‫أعظم من���ه مرتبة‬ ‫العب���اد‬ ‫َ‬ ‫وأس���مى منزل���ة‪ ،‬وبالتال���ي ُينزله���م منزل���ة التاج م���ن الرؤوس‪.‬‬

‫ملذاته‬ ‫وبينم���ا يقضي "إنس���ان الجس���د" كل حياته خل���ف ّ‬

‫وإذا م���ا لفحه ه���ؤالء بنيران م���ن الغلظة والخش���ونة واإلنكار‬

‫طمأنينة‪ ،‬فإن "إنس���ان الغاية" س���عيد النفس مطمئن الفؤاد على‬

‫مث�ل�ا أعلى في‬ ‫أواره���ا‪ .‬وهك���ذا يقدم ً‬ ‫ص���دره إل���ى أن َيخم���د ُ‬

‫أسيرا لرغباته النفسانية دون أن يبلغ ما ينشده من‬ ‫الجس���مانية‪ً ،‬‬ ‫الدوام‪ ..‬فهو بطل الروح والمعنى‪ ..‬الذي نذر نفس���ه لإلنسانية‬ ‫يخدمه���ا بمعرفت���ه وعرفان���ه‪ ..‬وال���ذي نهض بش���جاعة خارقة‬

‫وعزيمة صادقة إلزالة الظلم من كل أنحاء األرض‪ ..‬فهو ‪-‬إذا‬

‫اقتض���ى الح���ال‪ -‬ال يد له عل���ى َمن ضربه‪ ،‬وال لس���ان له على‬ ‫عرف له‬ ‫َمن ش���تمه‪ ،‬بل يبس���ط جناح عفوه حتى على من لم َي ِ‬

‫صنيع���ه‪ ..‬وهو ‪-‬إذا َج ّد ِ‬ ‫الص ّوال في‬ ‫يقدر إليه‬ ‫ق���دره أو ّ‬ ‫الج ّد‪ّ -‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الجوال ف���ي مواقع المقارعة والنزال ببس���الة‬ ‫ميادي���ن الرجال‪،‬‬ ‫ّ‬

‫وبترا‪،‬‬ ‫منقطعة النظير‪ ..‬ولو أن السيوف نالت من أطرافه َق ً‬ ‫طعا ً‬ ‫وفتكا‪ ..‬ولو أن الجراح أثخنته من‬ ‫طعنا ً‬ ‫والرماح ّ‬ ‫دكت جسده ً‬

‫الع َلم‬ ‫قمة رأسه حتى أخمص قدميه‪ ،‬وصبغت مالبسه بصبغة َ‬ ‫وتكس���رت رماحه في يديه‪ ،‬وباتت س���يوفه ال تقطع‪..‬‬ ‫األحمر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫مقتحما‬ ‫أجل‪ ،‬حتى في تلك اللحظة‪ ،‬فإنه سوف يهمز جواده‪،‬‬ ‫ً‬

‫ال قلوب‬ ‫حص ًادا للرؤوس ومزلز ً‬ ‫طعا ًنا للصدور‪ّ ،‬‬ ‫به الصفوف‪ّ ،‬‬

‫الظ َلمة بزئير كزئير األسود المزمجرة‪.‬‬ ‫َّ‬

‫يقينا أن كل ش���يء ما خال اهلل‬ ‫إن بط���ل ال���روح ه���ذا‪ ،‬يؤمن ً‬

‫زائل‪ ،‬لذلك ال ينحني أمام أحد‪ ،‬وال يركع إزاء أي شيء‪ ،‬وال‬ ‫ويسخر كل ما لديه‬ ‫يقيم كل ما يملكه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يغره ُّ‬ ‫أي إغراء مادي؛ بل ّ‬ ‫ّ‬

‫بمشاعر رجال اآلخرة وتصورات‬ ‫لرفع كلمة اإلسالم‪ ،‬مشحو ًنا‬ ‫ِ‬ ‫متواص���ل الغ���وص والتقليب ف���ي أعماق‬ ‫أبن���اء الخل���ود‪ .‬فه���و‬ ‫ُ‬

‫فرغ كل‬ ‫الح���وادث واألش���ياء بح ًثا ع���ن الحق والحقيقة‪ ..‬ق���د ّ‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪4‬‬

‫لفح تل���ك الني���ران ويحتويها في‬ ‫وع���دم التقب���ل‪ ،‬فإن���ه يمت���ص َ‬ ‫المنهج والس���لوك‪ ،‬ويع ّلم ه���ؤالء الذين ال علم لهم باألصول‬ ‫أدب درء الس���يئة بالحس���نة‪ .‬أج���ل‪ ،‬ف���ي عالمه‬ ‫وال األس���لوب َ‬

‫ت���ر ُد الصواع���ق والب���وارق عل���ى قلب‬ ‫الداف���ئ الناع���م الرقي���ق ِ‬ ‫العيون‬ ‫ن���ور‪ ،‬فتولد م���ن جديد وتنمو ف���ي قلب النور لتض���يء‬ ‫َ‬ ‫والقل���وب بوه���ج النور‪ ..‬وفي عالمه المبته���ج باألنوار تتحول‬ ‫َ‬ ‫أل���وان ش���تى من الني���ران النمرودي���ة المتعاقبة إلى برد وس�ل�ام‬ ‫وأنس���ا‪.‬‬ ‫ف���ي كل حي���ن‪ ،‬لتنف���ح النفوس الخش���نة المتمردة ر ّقة ً‬

‫السمو إلى هذا‬ ‫يبدو أننا ‪-‬وال سيما البعض منا‪ -‬لم نفلح في‬ ‫ّ‬

‫المرتقى من االس���تواء والنضج بعد‪ ..‬وألننا كذلك‪ ،‬ال نحسن‬

‫والحقد بالحقد‪،‬‬ ‫العنف بالعنف‪،‬‬ ‫فنواجه‬ ‫دفع الس���ئية بالحسنة‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫والخشون َة بالخشونة ِ‬ ‫نفسها؛ بل ونقع في خطأ كبير عندما نظن‬

‫أف���كارا‪ ،‬ونخلط بي���ن عواطفنا الذاتي���ة وكفاحنا الذي‬ ‫أهواءن���ا‬ ‫ً‬ ‫نتكبد خسائر فادحة في أغلب‬ ‫نكابده باس���م اإلسالم‪ ،‬ولذلك ّ‬ ‫كنا سائرين في مواطن الكسب ومواسم الربح‪.‬‬ ‫األحيان بعد أن ّ‬

‫الحقيقة أنه لوال جمال اإلسالم الذاتي وجاذبيته األصيلة‪،‬‬

‫تعذر‬ ‫س القرآن‬ ‫الذهبي الذي يبعث الحيا َة في النفوس‪َ ..‬ل ّ‬ ‫ولوال ن َف ُ‬ ‫ّ‬ ‫م���ع أدائنا الناقص الرديء‪ ،‬وتمثيلنا الواهي المتداعي‪ ،‬أن َتب ُلغ‬ ‫هذه األمان ُة المقدس ُة وتلك الدعو ُة النبيل ُة إلى ما بلغته اليوم‪.‬‬ ‫(*) الترجمة عن التركية‪ :‬نوزاد صواش‪.‬‬


‫تاما أنه‬ ‫آف���اق ال نهائي��� ٍة‪ ،‬وهو ٍ‬ ‫وعي���ا ًّ‬ ‫واع ً‬

‫مجه���ز بِطاق���ات و ُق���درات مفتوح���ة إلى‬ ‫ّ‬ ‫ومس���توعب س���بل استثمار‬ ‫الالمحدود‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫"المواه���ب األول���ى" الت���ي منحه���ا إي���اه‬ ‫الفاطر جل وعال‪.‬‬

‫الوعي وتلكم‬ ‫أجل‪ ،‬إنه إنسان ذلكم‬ ‫ِ‬

‫البصيرة‪.‬‬

‫تمكنه من اس���تثمار‬ ‫ولهذا‪ ،‬فإنه بقدر ّ‬

‫مواهب���ه األولى التي وهبها له الباري ‪‬‬

‫منة من���ه وفضالً‪ ،‬وبق���در كدحه إلمضاء‬ ‫ّ‬ ‫حيات���ه تح���ت أن���وار الوح���ي وألالء‬ ‫ِ‬ ‫وجه���ده ف���ي توفي���ة اإلرادة‬ ‫اإللهام���ات‪،‬‬

‫به���ا‪ ،‬وال تح���زن بانقط���اع العطاي���ا وال‬

‫الإن�س��ان املث��ايل‪ ،‬متوا�ص��لُ‬ ‫الغو���ص والتقلي��ب يف �أعماق‬ ‫احل��وادث والأ�ش��ياء بحثً��ا عن‬ ‫ف��رغ كل‬ ‫احل��ق واحلقيق��ة‪ ..‬قد ّ‬ ‫وقته ووظّف كل طاقته لتحقيق‬ ‫�سعادة الأمة‪ ،‬مو ِليًا عناية خا�صة‬ ‫باملواقع التي يراها �أ�ش�� ّد حيوية‬ ‫و�أكرث جدوى للأجيال القادمة‪،‬‬ ‫حي‬ ‫مو ِق ًفا نف�سه عليها قائال‪ِ " :‬لتَ َ‬ ‫الأجيالُ القادمة"‪.‬‬

‫حقه���ا‪ ،‬وبق���در براعت���ه ف���ي تنمي���ة تلك‬

‫تي���أس منه���ا‪ ..‬فالعط���اء والحرم���ان ف���ي‬ ‫يغت���ر بعضه���م‬ ‫نظره���ا س���يان‪ ..‬إذ بينم���ا‬ ‫ّ‬

‫حرم منه فيتحس���ر‬ ‫بالعط���اء فيطغ���ى‪ ،‬أو ُي َ‬ ‫يائسا ويشقى‪ ،‬تجد تلك الروح الواصلة‬ ‫ً‬ ‫الورود في قلب‬ ‫قد عرفت كيف َتستنبت‬ ‫َ‬

‫الس���كر م���ن جوف‬ ‫الف�ل�اة‪ ،‬وتس���تخرج‬ ‫ّ‬ ‫أرباحا متنامية حتى في‬ ‫القصب‪ ،‬وتحقق‬ ‫ً‬ ‫مواسم الكساد والخسران‪.‬‬

‫اإلنس���ان‬ ‫أج���ل‪ ،‬حت���ى ل���و أصاب���ت‬ ‫َ‬ ‫أش���د ِ‬ ‫وفت���كا‪،‬‬ ‫الم َح���ن قس���وة‬ ‫المثال���ي‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫وعتوا‪،‬‬ ‫أكبر الدوامات رهبة‬ ‫ًّ‬ ‫وأحدقت به ُ‬ ‫ممر طويل‬ ‫فلسوف يرى نفسه‬ ‫سائرا في ّ‬ ‫ً‬

‫ِ��� ‫ونجاحه في‬ ‫المواهب وتفتيقها مثل حبة أنبتت س���بع س���نابل‪،‬‬

‫من االمتحانات‪ ،‬ينتهي به إلى ألوان ش���تى من التوفيق المؤكد‬

‫يمكنه سلوك الصراط الهادي إلى ذروة "اإلنسان الكامل"‪.‬‬

‫أصع���ب لحظاته‪ -‬بنس���مات م���ن األنس والس���كينة القادمة من‬

‫تمكنه من ذلك كله‬ ‫إطالقه���ا نح���و األبدي الالمتناهي‪ ..‬بق���در ّ‬ ‫الدوامة بألف س���ؤال‬ ‫اإلنس���ان المثال���ي يموج عق ُله‬ ‫م���وج ّ‬ ‫َ‬

‫ويغذ‬ ‫وس���ؤال‪ ،‬ويواص���ل التنقيب ع���ن الحقيقة َبن َه���م عجيب‪،‬‬ ‫ّ‬

‫يفك شفرة ألف لغز ولغز؛ فتراه متو ّقد الذهن‬ ‫السير ُق ُد ًما لكي ّ‬ ‫متو ّثب البحث عن أجوبة لألسئلة الكونية الكبرى‪" :‬ما الحياة‪،‬‬ ‫وما الموت‪ ،‬وما حقيقة الكون‪ ،‬وما عالقته باإلنسان‪ ،‬وما معنى‬

‫والف���وز المبي���ن‪ ،‬ولس���وف يح���س ‪-‬ف���ي أس���وء خطوب���ه وعند‬ ‫الح ُج���ب تط���وف ف���ي أرجاء روحه بِر ّق���ة ونعومة‪ ،‬فيركع‬ ‫وراء ُ‬

‫منكسرا وقد امتألت نفسه بمشاعر‬ ‫خاضعا‬ ‫بين يدي اهلل تعالى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫الحمد والعرفان‪ ،‬وفاضت بأحاسيس الشكر واالمتنان‪.‬‬

‫حد لها‪ ،‬وطمأنينة ال غاية‬ ‫اإلنس���ان المثالي‪ ،‬يمتلك ثقة ال ّ‬

‫شك بعناية القدرة المطلقة‪،‬‬ ‫بعدها‪ ،‬ألنه يؤمن إيما ًنا ال يخالجه ّ‬

‫العبودية هلل‪ ،‬وماذا تعني الطاعة له‪ ،‬وما اإلثم‪ ،‬وما الثواب‪ ،‬وما‬ ‫ِ‬ ‫لم به؟"‪ ..‬في الوقت‬ ‫لم باإلنسان‪ ،‬ولماذا ُت ّ‬ ‫حقيقة الم َحن التي ُت ّ‬ ‫ش���يد من بوارق الحكمة التي ال‬ ‫ذاته تراه مش���تعل الفؤاد‪ ..‬قد ّ‬

‫ورؤيته وعقيد ُته التي أكس���بت‬ ‫تص���و ُره‬ ‫أعم���اق قلب���ه‪ ،‬وكذلك‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬

‫صروحا نورانية‬ ‫الت���ي ال تنقطع عن تجلياتها في أرجاء روحه‪،‬‬ ‫ً‬

‫كل إحساس‪ ،‬وتتفوق على‬ ‫ذلك يرقى به إلى قمة تس���مو على ّ‬

‫تك���ف عن الوميض في س���ماء وجدانه‪ ،‬ومن نس���مات اإللهام‬ ‫ّ‬

‫ش���امخة‪ ..‬ثم س���ما حت���ى بلغ قمة تلك الص���روح‪ ..‬فأبصر كنه‬ ‫األش���ياء‪ ،‬واكتش���ف ملكوتها‪ ،‬وأدرك ما ُطوي منها وراء ستار‬

‫الحب‬ ‫المنظ���ور‪ ..‬فاتجه إلى المصدر الحقيقي للروح‪ ،‬يغمره‬ ‫ّ‬ ‫���زر االنبهار‪ ..‬ثم‬ ‫وته���زه الهيبة نتيج���ة تقلبه بين ّ‬ ‫ّ‬ ‫وج ْ‬ ‫مد الحيرة َ‬ ‫ذاب ف���ي نش���وة من الس���كينة ال توص���ف‪ ،‬ولذة م���ن الطمأنينة‬ ‫تسمو على كل تعبير‪.‬‬

‫روحا قد وصلت تلك القمة الس���امقة َليس���توي لديها‬ ‫وإن ً‬

‫والحرمان‪ ،‬فال تفرح باأللط���اف المتعاقبة وال تزهو‬ ‫اإلحس���ان‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬

‫ويوق���ن ب���أن اهلل قادر على كل ش���يء‪ ،‬وأن حكمه نافذ في كل‬

‫المتجذر في أعمق‬ ‫وإن ذلكم اإليمان الصافي الرقراق‬ ‫ّ‬ ‫ش���يء‪ّ .‬‬

‫عال���م روحه‬ ‫أبعادا جدي���دة تتجاوز جميع مقاييس العقل‪ ..‬كلُّ‬ ‫ً‬

‫مكن في تلك اللحظة من أن ُينصت إلى ذاته‬ ‫كل شعور‪ .‬فلو َت ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال َت َخا ُفوا‬ ‫بأ ُذن تعي تلك األعماق‪ ،‬فلس���وف يسمع همسات ( َأ َّ‬ ‫ِ ِ‬ ‫َ ِ‬ ‫ون)(فصلت‪،)30:‬‬ ‫َو َ‬ ‫وع ُد َ‬ ‫���م ُت َ‬ ‫���روا بِا ْل َج َّن���ة ا َّلتي ُك ْن ُت ْ‬ ‫ال َت ْح َز ُن���وا َوأ ْبش ُ‬

‫ون)(النحل‪،)32:‬‬ ‫(س َ‬ ‫���م َت ْع َم ُل َ‬ ‫أو َ‬ ‫�ل�ا ٌم َع َل ْي ُك ُم ْاد ُخ ُل���وا ا ْل َج َّن َة ب َِما ُك ْن ُت ْ‬ ‫أكرم بها من متعة‪ ،‬ويغوص في نشوة‬ ‫ولس���وف َيسبح في متعة ِ‬ ‫ما بعدها نشوة‪.‬‬

‫وألن اإلنس���ان المثالي يؤمن بال���دار اآلخرة من كل‬ ‫ه���ذا‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫قلبه‪ ،‬فسوف يمضي ِسني عمره وينظم شؤون حياته وفق تلك‬

‫‪3‬‬

‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬


‫المقال الرئيس‬ ‫فتح اهلل كولن‬

‫المجتمع المثالي‬

‫إن المجتم���ع المثال���ي ه���و ال���ذي يتكون من‬

‫وآيات أخرى في المعنى نفس���ه‪ ..‬هو المدرِ ك‬ ‫يم﴾(التي���ن‪)4:‬‬ ‫َت ْق ِو ٍ‬ ‫ٌ‬

‫وجزيئا ُتها‬ ‫المتخبط���ة التي‬ ‫ّ‬ ‫تتش���كل أجزاؤه���ا ُ‬

‫وس���واه في أروع الص���ور المعنوية‪ ،‬فكان بدي���ع الصنع‪ ،‬متفرد‬ ‫ّ‬

‫مثاليي���ن‪ّ .‬أم���ا تل���ك األك���وام الهائم���ة‬ ‫أف���راد‬ ‫ّ‬ ‫وصدة‬ ‫م���ن المس���اوئ واآلث���ام‪ ،‬فهي حش���ود فارغ���ة عقيم���ة ُم َ‬

‫أبوابها أمام كافة ألوان الخير والفضيلة والجمال‪.‬‬ ‫ُ‬

‫اإلنس���ان المثال���ي‪ ،‬أو اإلنس���ان الكام���ل –كم���ا عب���ر عن���ه‬

‫القدم���اء‪ -‬ه���و المتح ّلي بصف���ات مالئكية‪ ..‬هو بط���ل البصيرة‬ ‫وف���ارس اإلدراك‪ ..‬ه���و المنتب���ه إل���ى الحقيق���ة الكب���رى الت���ي‬ ‫���ن‬ ‫عب���رت عنه���ا اآلية الكريمة‪َ ﴿ :‬ل َق ْد َخ َل ْق َنا ا ِ‬ ‫���ان ِفي َأ ْح َس ِ‬ ‫إل ْن َس َ‬ ‫السنة السابعة ‪ -‬العدد (‪2012 )31‬‬

‫‪2‬‬

‫يقين���ا أن الب���اري ‪ ‬ق���د خلق���ه في أجم���ل األش���كال المادية‪،‬‬ ‫ً‬

‫يم﴾ ب���كل ما يعنيه‬ ‫ص���دق عليه حقيق���ة ﴿ َأ ْح َس ِ‬ ‫الهيئ���ة‪َ ،‬ت ُ‬ ‫���ن َت ْق ِو ٍ‬

‫التعبي���ر‪ ..‬وه���و كذلك العارف بكنه اآلية الش���ريفة التي تقول‪:‬‬ ‫او ِ‬ ‫ات َوا َ‬ ‫َ‬ ‫ض َوا ْل ِجب ِ‬ ‫ال َف َأ َب ْي َن َأ ْن‬ ‫أل ْر ِ‬ ‫الس َم َ‬ ‫َ‬ ‫﴿ ِإ َّنا َع َر ْض َنا األ َما َن َة َع َلى َّ‬ ‫الخبير‬ ‫���ان﴾(األحزاب‪،)72:‬‬ ‫َي ْح ِم ْل َن َها َو َأ ْش��� َف ْق َن ِم ْن َها َو َح َم َل َها ا ِ‬ ‫إل ْن َس ُ‬ ‫ُ‬ ‫المرش���ح الوحيد‬ ‫بمضامينه���ا العميقة الواس���عة‪ ..‬إن���ه يعلم أنه‬ ‫َّ‬ ‫بي���ن جمي���ع الكائنات ‪-‬المرئية منه���ا والمعروفة‪ -‬للعروج إلى‬


‫المحتويات‬ ‫ المجتمع المثالي ‪ /‬فتح اهلل كولن (املقال الرئيس) ‬ ‫لماذا ال تهضم المعدة نفسها؟ ‪ /‬صالح عبد الستار الشهاوي (علوم) ‬ ‫ اِ ْهزْم نفسك ‪ /‬حراء (ألوان وظالل) ‬ ‫اإلنسان ع َمد الكون ‪ /‬د‪ .‬عبد اإلله بن مصباح (قضايا فكرية) ‬ ‫ الوقف العثماني‪ ..‬حضارة واقتصاد ‪ /‬نعمان ترك أوغلو (تاريخ وحضارة) ‬ ‫المنهاج النبوي والقضايا االجتماعية الكبرى ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬علي مجعة (دراسات إسالمية) ‬ ‫ أسرار الجلد البشري ‪ /‬د‪ .‬حذيفة أمحد اخلراط (علوم) ‬ ‫ماء الحياة ‪ /‬حراء (ألوان وظالل) ‬ ‫ بحثًا عن "العمارة الهوية" ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬بركات حممد مراد (ثقافة وفن) ‬ ‫االستيعابية الفكرية للكينونة البشرية في رسائل النور ‪ /‬أديب إبراهيم الدباغ (قضايا فكرية) ‬

‫ ولكن‪ُّ ..‬‬ ‫كلنا في الهم ُ‬ ‫شوق ‪ /‬د‪ .‬حممد باباعمي (أنشطة ثقافية) ‬ ‫اإلنسان والنبات ‪ /‬د‪ .‬إبراهيم عبد الباقى أبوعيانة (علوم) ‬ ‫ تجليات الصبح ‪ /‬مرام البار (أدب) ‬ ‫سلطة الكلمة وقوتها ‪ / 1-‬د‪ .‬حممد جكيب (أدب) ‬ ‫ صالة الروح ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬عبد العزيز املقاحل (شعر) ‬ ‫أثر الوقف في التكافل االجتماعي ‪ /‬حممد أمحد املعصراين (ثقافة وفن) ‬ ‫ من تضاريس الجالل ‪ /‬صاحل الزهراين (شعر) ‬ ‫حول مفهوم الحضارة ‪ /‬أ‪.‬د‪ .‬حسن األمراين (ثقافة وفن )‬ ‫ مؤتمر السراج النبوي ينير درب البشرية الحائرة ‪ /‬صابر عبد الفتاح املشريف (أنشطة ثقافية) ‬ ‫السلطان سليم‪ ..‬الخادم األمين ‪ /‬نور الدين صواش (حمطات علمية وحضارية) ‬

‫‪2‬‬ ‫‪5‬‬ ‫‪7‬‬ ‫‪8‬‬ ‫‪13‬‬ ‫‪16‬‬ ‫‪21‬‬ ‫‪24‬‬ ‫‪25‬‬ ‫‪29‬‬ ‫‪32‬‬ ‫‪37‬‬ ‫‪41‬‬ ‫‪42‬‬ ‫‪46‬‬ ‫‪48‬‬ ‫‪52‬‬ ‫‪53‬‬ ‫‪56‬‬ ‫‪62‬‬


‫االفتتاحية‬ ‫اإلنسان المثالي‬

‫العدد‪31:‬‬ ‫السنة السابعة‬ ‫(يوليو ‪ -‬أغسطس) ‪2012‬‬

‫وفارس اإلدراك‬ ‫بطل البصيرة‬ ‫تنشد اإلنسان‬ ‫المثالي‪َ ،‬‬ ‫من خالل رؤية كونية توحيدية ُ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫ال���ذي تص���دق عليه حقيق���ة أنه ُخلق في "أحس���ن تقويم"‪ .‬من خالل ه���ذه الرؤية وذلكم‬ ‫"اإلنس���ان" من ش���تى جوانبه وفي أبرز‬ ‫المنظ���ور‪ ،‬تعال���ج مجلة حراء في عددها الجديد‪،‬‬ ‫َ‬ ‫أبع���اده؛ الماديةِ‪ ،‬والروحيةِ‪ ،‬واالجتماعيةِ‪ ،‬والبياني���ةِ‪ ،‬والعمرانيةِ‪ ،‬واإليمانيةِ‪ ،‬والحضاري ِة‬ ‫أساسا‪ ،‬و"المجتمع‬ ‫المثالي"‬ ‫مرصعا بمعاني "اإلنسان‬ ‫وغيرها‪ ...‬ولذا جاء المقال الرئيس َّ‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫المؤس���س على حقيقة "جمال اإلس�ل�ام‬ ‫تباعا؛ هذا المجتمع‪ ،‬وذلك اإلنس���ان‪،‬‬ ‫المثالي" ً‬ ‫َّ‬ ‫الذاتي وجاذبيته األصيلة" وعلى "ن َفس القرآن الذهبي الذي يبعث الحياة في النفوس"‪.‬‬ ‫ش���رح‬ ‫وم���ن خ�ل�ال س���ؤال مثي���ر للفض���ول‪" :‬لم���اذا ال تهض���م المع���دة نفس���ها؟!" َّ‬ ‫"الش���هاوي" إح���دى بدائ���ع صن���ع اهلل ف���ي اإلنس���ان‪ ،‬كذلك فع���ل "الخراط" ف���ي تحليله‬ ‫لـ"أس���رار الجلد البش���ري"‪ .‬وعن اإلنس���ان في س���لَّم الكون والكائنات‪ ،‬ناقش عبد اإلله‬ ‫عم���د الكون" وعمدت���ه‪َّ ...‬أما عن‬ ‫ب���ن مصب���اح قضية بالغ���ة األهمية‪ ،‬وهي َّ‬ ‫أن "اإلنس���ان َ‬ ‫ال‬ ‫عالق���ة اإلنس���ان بم���ا يحيطه من مخلوقات‬ ‫مس���خرة ل���ه‪ ،‬فنقرأ إلبراهيم أب���ي عيانة مقا ً‬ ‫َّ‬ ‫وبينات هي س���ر من أسرار‬ ‫بعنوان "اإلنس���ان والنبات"‪ .‬ولإلنس���ان كالم وكلمات‪ ،‬وبيان ِّ‬ ‫‪‬‬ ‫���ان ‪َ ‬عل ََّم ُه‬ ‫إل ْن َس َ‬ ‫���ر َ‬ ‫آن ‪َ ‬خل ََق ا ِ‬ ‫﴿الر ْح َم ُ‬ ‫���ن َعل ََّم ا ْل ُق ْ‬ ‫خلق���ه وخلقت���ه‪ ،‬عنها ق���ال تعالى‪َّ :‬‬ ‫وقوتها"‪.‬‬ ‫ال َْب َي َ‬ ‫ان﴾(الرحمن‪ ،)4-1:‬وفي هذا النس���ق كتب "محمد جكيب" عن "سلطة الكلمة ّ‬ ‫أوجها ناصع��� ًة من كرامة‬ ‫وم���ا دام الوق���ف‪ ،‬والعم���ران‪ ،‬ومظاه���ر الحضارة األخ���رى‬ ‫ً‬ ‫اإلنس���ان‪ ،‬فق���د كتب "نعم���ان ترك أوغل���و" عن "الوق���ف العثماني‪ ..‬حض���ارة واقتصاد"‪،‬‬ ‫والعصراني عن "الوقف في التكافل االجتماعي"‪ ،‬كما أبرز "بركات" مس���ار البحث عن‬ ‫هوية العمارة اإلسالمية‪.‬‬ ‫ويب���رز مقال الش���يخ عل���ي جمعة في تناول���ه لـ"المنهاج النبوي والقضاي���ا االجتماعية‬ ‫الكب���رى"‪ ،‬ولق���د أجم���ل فيه أس���س ه���ذا المنهج في نقاط س���تة ه���ي‪ :‬االهتم���ام بالعلم‪،‬‬ ‫والعمل‪ ،‬والتوازن‪ ،‬والعدل‪ ،‬ومراعاة األعراف‪ ،‬والتدرج في التشريع‪.‬‬ ‫ولق���د كان لح���را�� حضور حيوي في ملتقيات عدي���دة كان من بينها المؤتمر العالمي‬ ‫بعنوان "الس���راج النبوي‪ ،‬ينير درب البش���رية الحائرة"‪ ،‬باالش���تراك مع مجلة "يني أوميد"‬ ‫أزيد من ستين دولة‪،‬‬ ‫بمدينة "غازي عنتب" شرق تركيا؛ ولقد عرف هذا الحدث مشاركة َ‬ ‫المعا‪ ...‬وكذل���ك المتلقى الدولي عن "النور الخالد"‬ ‫منتدى‬ ‫بح���ق‬ ‫ف���كان‬ ‫ٍّ‬ ‫ً‬ ‫جامعا‪ ،‬وحد ًثا ً‬ ‫ً‬ ‫في جاكرتا‪ ،‬بالتنسيق مع "كرسي األستاذ فتح اهلل كولن" في الجامعة اإلسالمية الوطنية؛‬ ‫وق���د ُعقد بمناس���بة ترجمة كتاب "الن���ور الخالد‪ ،‬محمد ‪ ‬مفخرة اإلنس���انية" إلى اللغة‬ ‫مشهودا‪.‬‬ ‫ويوما‬ ‫بارزا‪،‬‬ ‫األندونيسية‪ ،‬فكان حد ًثا ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ول���م يغ���ب الش���عر عن هذا الع���دد‪ ،‬ويبقى الرج���اء قمي ًنا أن يلتحم الش���عور الصادق‬ ‫صالحا‪ ،‬وحضارة أصيلة نافع���ة‪ ...‬ويومها فقط يمكننا أن‬ ‫عم�ل�ا‬ ‫بالفه���م الح���اذق‪ ،‬ليثمرا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫المطمئن‬ ‫الغ���ور‪،‬‬ ‫نودِع "إنس���ان الجس���د" القصي���ر النظر‪ ،‬ونصافح "إنس���ان الغاية" البعيد‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫َ‬ ‫القلب على الدوام‪ ...‬الذي نذر نفسه لإلنسانية يخدمها بمعرفته وعرفانه‪ ...‬هذا اإلنسان‬ ‫الذي ينهض بشجاعة خارقة‪ ،‬وعزيمة صادقة‪ ،‬إلزالة الظلم من كل أنحاء األرض‪.‬‬


‫العدد‪ / 31 :‬السنة السابعة ‪( /‬يوليو ‪ -‬أغسطس) ‪2012‬‬ ‫مجلة علمية فكرية ثقافية تصدر كل شهرين من إسطنبول‬

‫‪w w w. h i r a m a g a z i n e . c o m‬‬

‫الدنيا واإلنسان‬ ‫في طريق عصية على السير تمضي‪..‬‬ ‫تنوء بك األثقال‪..‬‬ ‫تلهث وراء طول أمل قاتل‪..‬‬ ‫ويحك من ساذج مهوس باألحالم‪..‬‬ ‫هائ ٍم بتسويل الشيطان‪...‬‬ ‫***‬

‫المجتمع المثالي‬

‫سلطة الكلمة وقوتها‬

‫السراج النبوي‬ ‫ينير درب البشرية الحائرة‬


Hira Magazine 31