Page 1

‫الفـتـــــة نـظــــري‬

‫حنطة | السنة الثانية‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫مستقلة شهرية‬

‫الغوطة الشرقية مأساة احلصار‬ ‫وهيئات إغاثية بال دعم ‪...‬‬ ‫مسارة القوتلي‬ ‫واقع التعليم يف املنطقة‬ ‫الشرقية ‪...‬‬ ‫نوار خليفة‬ ‫عبد اهلل غول‪ :‬التطرف يف‬ ‫سورية يشكل خطراً متنامياً‬ ‫ترمجة نور مارتيين‬ ‫أطفال هاربون من العنف‬ ‫يرمسون حمنتهم ‪...‬‬ ‫ترمجة جمد أمحد‬ ‫أخرياً لن تهتز يدي ‪...‬‬ ‫ناجي اجلرف‬ ‫عرائس اجلوالن بني عدسة‬ ‫الواقع وعدسة السينما ‪...‬‬ ‫علي سفر‬

‫لوحة الغالف ‪:‬‬ ‫الفنان عبد اهلل العمري‬

‫إن اآلراء الواردة يف حنطة تعرب عن رأي‬ ‫الكاتب والتعرب بالضرورة عن رأي الصحيفة‬ ‫‪www.hentah.com‬‬


‫‪2‬‬

‫حصيدة‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫الغوطة الشرقية‬ ‫مأساة الحصار وهيئات إغاثية بال دعم‬

‫استطالع‪ :‬سمارة القوتلي‪ -‬ريف دمشق‬

‫س ـت ــة أشـ ـه ــر م ـت ـواص ـل ــة ع ـل ــى مح ـلـ ـ ـ ــة ال ـت ـجــويــع‬ ‫وال ـغ ــوط ــة ال ـشــرق ـيــة ت ـع ــاين اآله ـ ــات وال ــوي ــات‪.‬‬ ‫ال دواء‪ ،‬ال ط ـعــام‪ ،‬ال وق ــود وال ش ــيء‪ ،‬تـراكــم‬ ‫األزمـ ـ ــات فـ ــوق رؤوس احمل ــاص ـري ــن واح ـ ــدة تـلــو‬ ‫األخــرى‪ ,‬واحلل مبهم ال سبيل إليه‪ ،‬و الروايات‬ ‫كـ ـث ــرة ع ــن مـ ـع ــارك اجلـ ـي ــش احل ـ ــر األخ ـ ـ ـ ــرة يف‬ ‫(الـعـتـيـبــة)‪ ،‬مــع ذل ــك فــاحلــال واح ــد حــى اآلن‪.‬‬ ‫وبـيـنـمــا ي ـت ـجــاوز ع ــدد امل ـن ـكــوبــن م ـل ـيــوين نسمة‬ ‫يف الـغــوطــة الـشــرقـيــة‪ ،‬تعمد الـعــديــد مــن اهليئات‬ ‫وامل ـ ـن ـ ـظ ـ ـمـ ــات اإلغـ ــاث ـ ـيـ ــة امل ـ ـت ـ ـواج ـ ــدة يف ري ــف‬ ‫دمـ ـش ــق إىل خت ـف ـيــف أزم ـ ــة احل ـ ـصـ ــار‪ ،‬مب ــا تــوفــر‬ ‫مــن مـبــالــغ بسيطة وقـلـيــل مــن الـطـعــام والـثـيــاب‪.‬‬ ‫وق ـ ــد ي ـ ــرى ب ـع ــض ال ـن ـش ـط ــاء يف م ـس ــأل ــة ت ـعــدد‬ ‫اجلمعيات اإلغــاثـيــة داخ ــل املــديـنــة ال ـواحــدة أم ـراً‬ ‫يستدعي القلق‪ ،‬ورمبا يكون كفيالً خبلق نزاعات‬ ‫بــن مجـعـيــة وأخـ ــرى‪ ،‬ورمب ــا ي ـكــون سـبـبـاً يف عــدم‬ ‫تنظيم اخلــط اإلغــاثــي يف بعض األحـيــان‪ ،‬وهناك‬ ‫نشطاء آخــرون يــرون يف مسألة تعدد اجلمعيات‬ ‫اإلغاثية أمراً إجيابياً يدفع اجلمعيات والعاملني هبا‬ ‫للتنافس فيما بينهم والعمل حبماسة أكرب‪ ،‬وبالتايل‬ ‫سيكون له التأثري اجليد على الفقراء واحملتاجني‪.‬‬ ‫هيئة إغاثية بال مغيـث!‬ ‫يف ه ــذا ال ـس ـي ــاق‪ ,‬بــذلــت هـيـئــة ال ـش ــام لــإغــاثــة‬ ‫والتنمية مساعي ب ــارزة لتخفيف معاناة األهــايل‬ ‫يف ريـ ــف دمـ ـش ــق‪ ،‬ح ـي ــث ق ــام ــت ب ـ ــادئ األم ــر‬ ‫ـايل بسيط‬ ‫بتوزيع كـفــاالت شهرية تتمثل مببلغ مـ ّ‬ ‫ي ـقــارب ‪ 5000‬ل ــرة ســوريــة‪ ،‬إضــافــة لنشاطات‬ ‫أخ ــرى ك ـتــوزيــع ال ـث ـيــاب عـلــى ال ـنــاس قـبــل حـلــول‬ ‫الشتاء‪ ،‬وتوزيع األلعاب لألطفال يف أيام العيد‪.‬‬ ‫يــوضــح (أب ــو عـمــر)‪ ،‬وهــو عـضــو يف هيئة الـشــام‬ ‫اإلغاثية‪ ،‬من مدينة شبعا يف ريف دمشق معاناته‬ ‫وم ـع ــان ــاة ال ـك ـثــر م ــن ال ـعــام ـلــن يف املــؤس ـســات‬ ‫اإلغاثية‪ ،‬فاألزمة اإلغاثية موجودة برأيه منذ أشهر‬ ‫طــويـلــة‪ ,‬أي قبل احلـصــار الــدائــر اآلن‪ ،‬ألسباب‬ ‫ك ـثــرة أمه ـهــا أن امل ـبــالــغ ال ــي يف م ـت ـنــاول معظم‬ ‫اهلـيـئــات‪ ،‬هــي يف غالب األحـيــان ال تكفي هذا‬ ‫العدد الكبري من الناس‪ ،‬إضافة إىل غالء األسعار‬ ‫الباهظ‪ ,‬الذي جيعل كل عائلة موجودة يف ريف‬ ‫دم ـشــق حبــاجــة ألض ـع ــاف ه ــذا امل ـب ـلــغ امل ـم ـنــوح‪.‬‬ ‫غــر أنــه ومــع انـقـطــاع الـطـريــق واش ـتــداد احلـصــار‪،‬‬ ‫اضطر (أبــو عمر) ورفــاقَــه العاملني يف اهليئة إىل‬ ‫حرمان الناس من املبالغ الشهرية املقدمة إليهم‬ ‫ثالثة أشهر متواصلة وفق ما يقول‪ ،‬ويقول إن هذا‬

‫األمر ليس بإرادهتم‪ ،‬فالداعمون لتلك اهليئة عجزوا‬ ‫عن إيصال املبالغ إىل ريف دمشق‪ ،‬ومل يتخذوا أي‬ ‫إجراءات أو حلول سريعة ملساعدهتم يف الداخل‪.‬‬ ‫يعرب (أبــو عمر) عــن استيائه مــن الــوضــع الراهن‬ ‫الـ ــذي وص ـل ـوا إل ـي ــه‪ ،‬ق ــائ ـاً‪« :‬إن ك ــل م ــن نـقــوم‬ ‫ب ـت ــوزي ــع م ـبــالــغ ع ـل ـي ـهــم‪ ،‬ف ـي ـهــم املـ ـري ــض وال ـف ـقــر‬ ‫وامل ـس ــن وال ـي ـت ـيــم‪ ،‬أن نـقـطــع عـنـهــم تـلــك املـبــالــغ‬ ‫الشهرية‪ ،‬يعين أن نـحرمهم من األطعمة والــدواء‬ ‫ول ـك ــن م ــا م ــن ح ـي ـلــة‪ .‬هـ ــذا م ــا وص ـل ـنــا إل ـي ــه»‪.‬‬ ‫ويف م ـع ــرض ح ــدي ـث ــه ع ــن م ـش ــاك ــل ال ـك ـف ــاالت‬ ‫واملـبــالــغ املـمـنــوحــة لـلـعــائــات مـنــذ بــدايــة تشكيل‬ ‫اهل ـي ـئ ــة‪ ،‬ي ـق ــول (أب ـ ــو ع ـم ــر) إهنـ ــم ق ــامـ ـوا بــإن ـشــاء‬ ‫خ ـطــن ل ـل ـتــوزيــع اإلغـ ــاثـ ــي‪ .‬اخلـ ــط األول‪ ,‬وهــو‬ ‫األهم‪ ,‬يوزع فيه للجرحى ومعاقي احلرب بشكل‬ ‫رئـيـســي‪ ,‬واخل ــط اآلخ ــر لـلـفـقـراء واألي ـت ــام وأه ــايل‬ ‫املـعـتـقـلــن‪ ،‬مــا اض ـطــرهــم إىل ختـصـيــص عــائــات‬ ‫حمـتــاجــة بــالـعـطــاء يف األش ـهــر ال ــي ينقطع فيها‬ ‫امل ـ ــال‪ ،‬ع ـلــى ح ـســاب ع ــائ ــات أق ــل اح ـت ـيــاج ـاً‪.‬‬ ‫وي ـض ـي ــف‪« :‬قـ ــد ي ـس ـت ـغــرب م ــن يـ ــرى اجلـ ـ ــداول‬ ‫اخل ــاص ــة ب ـت ــوزي ــع الـ ـكـ ـف ــاالت يف ه ـي ـئ ـت ـنــا‪ ،‬فـفــي‬ ‫سجالتنا أكـثــر مــن ثــاثــة آالف أس ــرة منكوبة‪،‬‬ ‫يف حــن لـيــس باستطاعتنا أن نغطي أكـثــر من‬ ‫م ـئ ــة ومخـ ـس ــن ع ــائ ـل ــة يف أحـ ـس ــن ال ـ ـظـ ــروف»‪.‬‬ ‫قطاع طرق !‬ ‫ويف حــديـثــه لـ ـ حـنـطــة‪ ،‬أب ــدى (سـلـيــم ح ـجــازي)‬ ‫مـ ـنـ ـس ــق هـ ـيـ ـئ ــة الـ ـ ـش ـ ــام اإلغ ـ ــاثـ ـ ـي ـ ــة‪ ,‬ق ـ ـل ـ ـق ـ ـاً ملــا‬ ‫وص ـ ــل إلـ ـي ــه ح ـ ــال اهل ـي ـئ ــة يف اآلونـ ـ ـ ــة األخ ـ ــرة‪.‬‬ ‫لــدى سؤالنا عن سبب عجزهم يف إيصال املال‬

‫رجل من دوما ‪ -‬عدسة رسل ارتس‬ ‫م ــن خـ ــارج س ــوري ــا إىل ري ــف دم ـشــق يف الــوقــت‬ ‫الــازم‪ ،‬أخربنا بإرساهلم قافلة للدخول إىل ريف‬ ‫دمـشــق حمـملة بــاملــؤن الـغــذائـيــة واألمـ ـ ـوال‪ ،‬وأهنــم‬ ‫قاموا بتوجيه القافلة عرب طرق غري آمنة‪ ,‬هبدف‬ ‫التخفيف عــن احملــاصـريــن مهما كلف األم ــر من‬ ‫خسائر‪ ،‬لكن قطاع طرق قاموا بنهب كل ما يف‬ ‫القافلة‪ ،‬واختطاف من كان موجوداً على متنها‪.‬‬ ‫ويقول مضيفاً‪« :‬أظن أن أمر القافلة واملخطوفني‬ ‫بـ ــات واض ـ ـح ـ ـاً ل ـل ـج ـم ـيــع‪ ،‬وال أريـ ـ ــد أن أض ـيــع‬ ‫الــوقــت يف شــرحــه‪ ،‬لـكــن مــا أري ــد أن أؤك ــده أننا‬ ‫مل نـعـجــز أو ن ـي ــأس‪ ،‬وال زل ـنــا ح ــى اآلن حن ــاول‬ ‫وحنـ ـ ـ ــاول يف إي ـ ـصـ ــال كـ ــل مـ ــا جيـ ــب إيـ ـص ــال ــه»‪.‬‬ ‫من جانبه أشار (سليم) إىل الوقت الطويل الذي‬ ‫يقضيه يف إقناع املتربعني والداعمني بضرورة تربعهم‬ ‫للعائالت املسجلة لديهم‪ ،‬وعن حضوره اجتماعات‬ ‫وم ـؤمت ـرات يــومـيــة ت ـك ـراراً وم ـ ـراراً هب ــذا اخلـصــوص‪.‬‬ ‫واجلدير ذكره أ ّن هيئة الشام لإلغاثة‪ ،‬مازالت متارس‬ ‫أعماهلا بأبسط اإلمكانيات رغم الظروف السيئة‪.‬‬ ‫وهي قامت يف هذا الشهر بإعادة تنظيم سجالهتا‬ ‫واالس ـت ـع ــان ــة ب ــأش ـخ ــاص آخـ ـري ــن بــاسـتـطــاعـتـهــم‬ ‫املساعدة يف تقدمي العون للعائالت املوثقة لديهم‬ ‫ريثما جيد منسقو اهليئة حالً جذرياً لتلك املشكلة‪.‬‬ ‫الـ ـكـ ـث ــر م ـ ــن ال ـ ـعـ ــائـ ــات املـ ـنـ ـك ــوب ــة والـ ـفـ ـق ــرة‬ ‫احمل ـت ــاج ــة ل ـلــدعــم بـ ـص ــورة م ــاس ــة‪ ,‬ل ـكــن الـقـلـيــل‬ ‫ممــن ميــد يــد ال ـع ــون‪ .‬وم ــا زال ه ـنــاك الـعــديــد من‬ ‫األه ــايل ينتظرون لقمة تـسـ ّد رمــق أطـفــاهلــم‪ ،‬يف‬ ‫الــوقــت نفسه ال ــذي يـُ ـتـلــف فـيــه آالف املــرفــن‬ ‫ط ـع ــام ـه ــم يف س ـل ــة ال ـق ـم ــام ــة‪ ،‬يف ك ــل م ـك ــان‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫حصيدة‬

‫‪3‬‬

‫(أهل األثر)‪ ،‬وملفات مفتوحة‪..‬‬ ‫تحقيق‪ :‬خليل سليمان‪ ،‬يسر الخضر‬

‫تأسست مجعية أهل األثر اخلريية يف لبنان مبدينة‬ ‫عنجر‪ ،‬واملركز الرئيسي هلا يف تركيا يف مدينة الرحيانية‪،‬‬ ‫وهلا فروع ع ّدة يف بقية احملافظات السورية والريف‪.‬‬ ‫ب ـ ـ ــدأ عـ ـمـ ـلـ ـه ــا ب ـ ـت ـ ـقـ ــدمي خـ ـ ــدمـ ـ ـ ٍ‬ ‫ـات لـ ـلـ ـن ــازح ــن‬ ‫خ ـ ــارج س ــوري ــا‪ ،‬مث ب ــدأ ف ـع ـل ـي ـاً يف حمــاف ـظــة الــرقــة‬ ‫ب ـ ـعـ ــد حتـ ـ ـري ـ ــر مـ ــدي ـ ـنـ ــة تـ ـ ــل أبـ ـ ـي ـ ــض احل ـ ـ ــدودي ـ ـ ــة‪.‬‬ ‫ي ـقــول م ـســؤول ف ــرع (مجـعـيــة أه ــل األث ــر اخل ـريــة)‬ ‫يف م ــدي ـن ــة الـ ــرقـ ــة‪ ،‬وامل ـس ـم ــى (م ــرك ــز ال ـ ـف ـ ـرات)‪:‬‬ ‫«طبيعة عمل اجلمعية خريي‪ ،‬إنساين‪ ،‬اجتماعي‪،‬‬ ‫ـات دي ـن ـي ـةٌ بـغــرض‬ ‫عـلـمــي‪ .‬هل ــذه اجلـمـعـيــة تــوج ـهـ ٌ‬ ‫التوعية‪ ،‬يتم تطبيق هــذه التوجهات مــن خالل‬ ‫نشر الوعي اإلسالمي احلقيقي بني الناس‪ ،‬وحماربة‬ ‫ٍ‬ ‫تصرف أو ٍ‬ ‫توجه يسيء لإلسالم»‪.‬‬ ‫كل فك ٍر أو‬ ‫سألنا املسؤول الذي رفض ذكر امسه‪ ،‬عن الكالم‬ ‫ح ــول عــاقــة اجلـمـعـيــة بــاجلــانــب الـعـسـكــري من‬ ‫األزمــة السورية‪ .‬قال‪« :‬نعم لدينا كتيبةٌ إسالميةٌ‬ ‫باسم (مجعية أهل األثر)‪ ،‬التابعة لـ (جبهة األصالة‬ ‫وال ـت ـن ـم ـيــة)‪ ،‬وه ـن ــاك أي ـض ـاً تـنـسـيـ ٌـق م ــع (كـتــائــب‬ ‫ٍ‬ ‫عقبات‬ ‫حذيفة بن اليمان)‪ ،‬كما أننا مل نواجه أية‬ ‫يف عملنا مع اجلهات املسلحة األخرى خبصوص‬ ‫تــوزيــع امل ـواد اإلغــاثـيــة‪ ،‬بــل بالعكس‪ ،‬استطاعت‬ ‫اجلمعية تقدمي الكثري من اخلدمات للمجاهدين»‪.‬‬ ‫ح ــرص املـ ـس ــؤول الـ ــذي ال ـت ـق ـي ـنــاه‪ ،‬أيـ ـضـ ـاَ‪ ،‬على‬ ‫الـتــأكـيــد ب ــأن مجـعـيــة أه ــل األث ــر ت ـقــدم خــدمـ ٍ‬ ‫ـات‬ ‫إغ ــاثـ ـي ــة ودع ـ ــوي ـ ــة‪ ،‬ويـ ـت ــوق ــف ال ـ ــدع ـ ــم حب ـســب‬ ‫ال ـت ــرع ــات اخل ــارج ـي ــة م ــن ق ـبــل أص ـح ــاب اخل ــر‪.‬‬ ‫أم ــا عــن أعـمــاهلــا عـلــى م ــدى الـعــامــن املــاضـيــن‪،‬‬ ‫وضــح املـســؤول عــن فــرع الــرقــة فيها‪ ،‬قائالً‪:‬‬ ‫فقد ّ‬ ‫«م ـن ــذ حت ـري ــر ت ــل أب ـي ــض ق ــام ــت اجل ـم ـع ـيــة بـعــدة‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫بطانيات على النازحني‪،‬‬ ‫أعمال‪ ،‬نذكر منها توزيع‬ ‫وي ـقــدر ال ـعــدد ب ـ ‪ 5000‬بـطــانـيــة‪ ،‬بــاإلضــافــة إىل‬ ‫مبالغ ٍ‬ ‫نقدية لألسر النازحة‪ ،‬حوايل ‪ 7000‬لرية‬ ‫وصيفي‪،‬‬ ‫شتوي‬ ‫سورية لكل أســرة‪ ،‬وتوزيع لباس‬ ‫ٍّ‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫غذائية للنازحني وفقراء املنطقة‪ ،‬وكذلك‬ ‫وسلل‬ ‫ٍ‬ ‫كـر ٍ‬ ‫اس للمعاقني‪ .‬كما قامت بافتتاح فــرن لتوزيع‬ ‫اخلـبــز بــاجملــان يف الــرقــة حل ـوايل ‪ 7000‬شخص‪،‬‬ ‫ضمن محلة (حهادنا رغيفنا)‪ ،‬وأيضاً استقدمت‬ ‫مطحنةً ملدينة تل أبيض لطحن القمح باجملان‪.‬‬ ‫من أعمال اجلمعية األخــرى رعاية األيتام وأبناء‬ ‫الـشـهــداء‪ ،‬حيث تـقــدم هلــم مـرتـبـاً شـهـريـاً مبقدار‬ ‫‪ ٥٠‬دوالراً‪ ،‬كذلك افتتحت اجلمعية سوقاً لبيع‬ ‫اخلـضــار والـفـواكــه بسعر التكلفة‪ ،‬مل ـراعــاة وضــع‬ ‫املواطن‪ ،‬باسم (سوق مجعية أهل األثر اخلريية)‪.‬‬ ‫ك ـ ـمـ ــا اس ـ ـت ـ ـطـ ــاعـ ــت اجلـ ـمـ ـعـ ـي ــة الـ ـ ــوصـ ـ ــول إىل‬ ‫ال ـن ــازح ــن‪ ،‬م ــن خ ــال اجل ـ ــوالت امل ـيــدان ـيــة على‬

‫خاص حنطة ‪ -‬سوق أهل األثر الخيري ‪ -‬تل أبيض‬ ‫امل ـ ـ ــدارس الـ ــي يـ ــوجـ ــدون ف ـي ـه ــا‪ ،‬وك ــذل ــك عـلــى عملها‪ ،‬شــاكـراً من يعملون فيها على جهودهم‬ ‫املـ ـن ــازل ودور اإلي ـ ـ ـواء‪ ،‬وي ـت ــم ت ــوزي ــع امل ـ ـواد الــي وخــدمــاهتــم لـلـنــازحــن وال ـف ـق ـراء وأب ـنــاء الـشـهــداء‪.‬‬ ‫حيتاجون إليها مــن خــال البيانات الشخصية‪ .‬وق ـ ـ ـ ـ ــال‪« :‬حي ـ ـمـ ــل ف ـ ـريـ ــق هـ ـ ــذه اجلـ ـمـ ـعـ ـي ــة ع ـلــى‬ ‫أم ــا بــالـنـسـبــة ل ـل ـمــؤس ـســات وامل ـن ـظ ـمــات املــدنـيــة عــات ـقــه م ـش ــروع ـاً ن ـب ـي ـاً‪ ،‬وأع ـم ــال ــه تـشـهــد ل ــه‪».‬‬ ‫األخ ـ ــرى‪ ،‬وطـبـيـعــة ت ـع ــاون اجلـمـعـيــة م ـع ـهــا‪ ،‬فقد وعن ثقة الداعمني بفريق العمل وحقيقة النتائج‬ ‫قـ ــال‪« :‬ل ـي ـســت لــدي ـنــا أي ــة مـشـكـلـ ٍـة يف ال ـت ـعــاون على أرض الواقع‪ ،‬وضح لنا مسؤول اجلمعية يف‬ ‫م ــع أي ــة م ـن ـظ ـمـ ٍـة أو مج ـع ـيــة‪ ،‬ه ـن ــاك ت ـن ـس ـيـ ٌـق مع فــرع الــرقــة؛ بــأن الثقة كانت نتيجةً للعمل الذي‬ ‫اجملـ ـل ــس احملـ ـل ــي يف م ــدي ـن ــة تـ ــل أب ـ ـيـ ــض‪ ،‬وأي ـض ــا مت إجنــازه‪ ،‬فأغلب الداعمني تابعوا طـوال الوقت‬ ‫مج ـع ـيــة امل ـش ـك ــاة‪ ،‬واهل ـ ــال األمح ـ ــر الـ ـس ــوري»‪ .‬وعـلــى أرض ال ـواقــع ســر الـعـمــل‪ ،‬زاروا امل ــدارس‬ ‫وعــن امل ـشــروع املستقبلي للجمعية‪ ،‬ومــا تطمح والتقوا بالناس‪ ،‬وراقبوا كل التفاصيل‪ ،‬ومع ذلك‬ ‫إلـيــه يف رؤيـتـهــا للعمل‪ ،‬شــرح امل ـســؤول لنا بأهنم هناك الكثري من املشاريع اليت مل تتلق الدعم ألهنا‬ ‫حي ــاول ــون جــاهــديــن الـعـمــل عـلــى تــأمــن أط ـ ـر ٍ‬ ‫اف مل تكن على قائمة أولويات الداعمني ‪-‬حسب‬ ‫ص ـن ــاع ـي ـ ٍـة ل ـ ـ ــذوي اإلع ـ ــاق ـ ــة الـ ــدائ ـ ـمـ ــة‪ ،‬وك ــذل ــك تـعـبــرهــم ه ــم‪ .-‬بــالـطـبــع ت ـواجــه اجلـمـعـيــة كغريها‬ ‫افـتـتــاح مــؤسـسـ ٍـة اسـتـهــاكـيـ ٍـة لبيع املـ ـواد الغذائية جمموعةً من الصعوبات‪ ،‬منها عدم وجود قاعدة‬ ‫ٍ‬ ‫بيانات ٍ‬ ‫كاملة للنازحني والفقراء واأليـتــام‪ ،‬وذوي‬ ‫وال ـت ـمــوي ـن ـيــة ب ـس ـعــر ال ـت ـك ـل ـفــة ل ـل ـم ـواط ـن ــن‪ ،‬كـمــا‬ ‫ـات وإس ـف ـن ـج ـ ٍ‬ ‫ي ـت ــم ال ـس ـع ــي ل ـت ــأم ــن ب ـط ــان ـي ـ ٍ‬ ‫ـات االحـتـيــاجــات اخلــاصــة‪ .‬غــر أهن ــم وبــالـتـعــاون مع‬ ‫حت ـس ـب ـاً ألي وافـ ـ ـ ـ ٍـد م ــن احمل ــافـ ـظ ــات األخ ـ ــرى‪ .‬اجمللس احمللي واجلمعيات اخلريية األخرى‪ ،‬يعملون‬ ‫سألناه هل توثق (مجعية أهل األثر اخلريية) أعماهلا‪ ،‬على توحيد قــاعــدة البيانات وجتهيزها‪ ،‬لتشمل‬ ‫وهل هناك صور ميكن الرجوع إليها‪ ،‬فقال إنه يف كــافــة ش ـرائــح اجملـتـمــع ال ــي حتـتــاج إىل مـســاعــدة‪.‬‬ ‫حني يكون هم الكثري من اجلمعيات واملنظمات هن ــايـ ـةً وح ـ ــول م ــوض ــوع ال ــداع ـم ــن أوض ـ ــح ل ـنــا‪:‬‬ ‫ن ـشــر وب ــث أعّـم ــاهل ــا مـ ـص ــورًة‪ ،‬إلش ـه ــار عملها «اجلهات الداعمة عبارةٌ عن أفر ٍاد من أهل اخلري‪،‬‬ ‫مجعيات خـريـةٌ تعمل على مجع‬ ‫والدعاية هلا‪ ،‬هتتم مجعية أهل األثر هبذا اجلانب وأحـيــانــا أخــرى‬ ‫ٌ‬ ‫حسب قوله‪ -‬للتوثيق فقط‪ ،‬وحض الداعمني التربعات يف بالدها‪ ،‬ومن مث ترسلها إىل اجلمعية‪،‬‬‫على الـتــرع‪ ،‬باإلضافة إىل نقل الـواقــع كما هو‪ .‬دولة الكويت واململكة العربية السعودية يف مقدمة‬ ‫ال ــدول الــي تــدعــم مـشــاريــع و مجـعـيـ ٍ‬ ‫ـات كـهــذه»‪.‬‬ ‫وعند سؤالنا أحد النازحني يف حميط مدينة الرقة‬ ‫عــن مجعية أه ــل األث ــر ق ــال‪« :‬لـيــس بــوسـعــي إال‬ ‫ـاس‬ ‫أن أشكرهم‪ ،‬احلمد اهلل أنــه ما زال هناك أنـ ٌ‬ ‫حياولون فعل اخلري ويقدمون املساعدة احلقيقية‪».‬‬ ‫أم ــا رئ ـيــس اجمل ـلــس احمل ـلــي يف املــدي ـنــة ف ـقــد أكــد‬ ‫عـلــى السمعة الطيبة للجمعية ون ـزاهــة وشفافية‬


‫‪4‬‬

‫حصيدة‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫الطالب السوريون في غازي عينتاب‬ ‫الطريق الطويل إلى الجامعة‬

‫نوار خليفة‬ ‫نظرة عامة على المشكلة‬ ‫يـواجــه الـطــاب األجــانــب دائ ـم ـاً مشاكل ختص‬ ‫ال ـت ـس ـج ـيــل والـ ـت ــأقـ ـل ــم‪ ،‬وعـ ـ ــادة م ــا تـ ـك ــون ه ــذه‬ ‫امل ـش ـك ــات م ــن نـ ــوع واح ـ ـ ــد‪ ،‬ول ـك ــن مـشــاكــل‬ ‫الطالب السوريني يف تركيا‪ ،‬هي‪ ،‬على ما يبدو‪،‬‬ ‫من نوع آخر‪.‬‬ ‫«يف البداية كان األمر مقتصراً فقط على صعوبات‬ ‫اللغة والعوامل املــاديــة‪ ،‬لكن اآلن انقلبت احلال‬ ‫بصورة كارثية»‪ .‬يقول أحد الطالب‪.‬‬ ‫كــان (االئ ـتــاف الــوطــي لـقــوى ال ـثــورة واملـعــارضــة‬ ‫ال ـس ــوري ــة)‪ ،‬قــد عــن جلـنــة م ـســؤولــة عــن املـســائــل‬ ‫التعليمية‪ ،‬حتــت مـسـ َّـمــى (اهلـيـئــة الــوطـنـيــة للرتبية‬ ‫وال ـت ـع ـل ـيــم ال ـ ـعـ ــايل)‪ ،‬ب ـ ــدأت أع ـم ــاهل ــا م ـنــذ ثــاثــة‬ ‫أشهر تقريباً‪ .‬كانت هــذه اللجنة أول وكيل عن‬ ‫امتحانات الثانوية العامة يف املناطق احملررة وبلدان‬ ‫اجلوار‪ ،‬أما بنسبة للطالب الذين جنحوا فأعدادهم‬ ‫ح ـ ـوايل ‪ 6000‬ط ــال ــب‪ ،‬تـسـعــى الـلـجـنــة املعنية‬ ‫والـفـعــالـيــات الـســوريــة األخ ــرى يف املـنــاطــق احملــررة‬ ‫والــدول اجملــاورة‪ ،‬إىل حبث إمكانية استمرارهم يف‬ ‫التعليم‪ .‬وباعتبار تركيا من أوائل الدول اليت رحبت‬ ‫باستقبال الطالب السوريني يف جامعاهتا‪ ،‬أجرت‬ ‫(اهليئة الوطنية للرتبية والتعليم الـعــايل) حمادثات‬ ‫م ــع احل ـكــومــة الــرك ـيــة وم ــع وزارة ال ـرب ـيــة بشكل‬ ‫خاص‪ ،‬ليتم الوصول إىل مجلة اتفاقات‪ ،‬كان من‬ ‫مجلتها قبول احلكومة الرتكية الشهادة الثانوية اليت‬ ‫منحها االئتالف‪ ،‬ليبقى موضوع قبول الطالب‬ ‫يف اجلامعات غري حمسوم بعد‪ .‬وحاول االئتالف‬ ‫احلصول على استثناءات من اجلامعات‪ ،‬باعتبار‬ ‫املــدة الزمنية للقبول والتسجيل انتهت‪ ،‬لضمان‬ ‫أن يطمئن الـطــالــب –عـلــى األق ــل‪ -‬أنــه قُـبــل يف‬ ‫الـعــام ال ـقــادم‪ ،‬فيتمكن مــن حتضري شـهــادة اللغة‬ ‫الرتكية‪ .‬وما يتم السعي إليه اآلن بشكل مكثف‪،‬‬ ‫هو مجع أمساء الطالب الراغيب مبتابعة الدراسة يف‬ ‫اجلامعات الرتكية‪.‬‬ ‫الطريق الصعب إلى الجامعة‬ ‫ما يأمله الطالب السوريون اليوم من وزارة الرتبية‪،‬‬ ‫أن توليهم العناية‪ ،‬وأن تقبلهم بشكل شرطي‪،‬‬ ‫على أن يتموا دراس ــة اللغة الرتكية لنيل شهادة‬ ‫اللغة اليت ختوهلم دخول اجلامعات الرتكية يف العام‬ ‫القادم‪.‬‬ ‫يف مسائل التسجيل اجلــامـعــي‪ ،‬الحــظ الطالب‬ ‫الذين قابلناهم‪ ،‬أن احلكومة الرتكية أبدت تساهالً‬ ‫بالغاً‪ .‬أما يف النتائج فكانت صارمة قليالً‪ ،‬وكان‬ ‫يف األمر –برأي طالب‪ -‬غياب ملعايري العدالة يف‬ ‫اختيار املقبولني‪.‬‬

‫خاص حنطة ‪ -‬بوابة جامعة غازي عنتاب‬ ‫فـ ـ ـ ــأوالً‪ ،‬ف ـئ ــات أصـ ـح ــاب امل ـ ـعـ ــارف وامل ـت ـن ـفــذيــن‬ ‫وأصـ ـح ــاب رؤوس األم ـ ـ ـ ـوال‪ ،‬ك ــانـ ـوا ع ـلــى رأس‬ ‫املـقـبـولــن كــل م ــرة‪« .‬ي ــا هلــا مــن صــدفــة أن مجيع‬ ‫أوالد التجار واألثـريــاء وأصحاب رؤوس األمـوال‬ ‫يف غازي عينتاب‪ ،‬قبلوا يف جامعتها دون سواهم‬ ‫مــن ال ـطــاب املـتـقــدمــن»‪ ،‬يـقــول أح ــد الـطــاب‬ ‫الذين مل يتسن هلم دخول اجلامعة‪.‬‬ ‫ثانياً‪ ،‬فئات الراشني واملنتفعني بالرشوة‪ .‬يف الفرتة‬ ‫األوىل مل نكن نعلم بوجود مثل هذه التصرفات‬ ‫يف تــركـيــا‪ ،‬لـكــن بـعــد ذل ــك‪ ،‬وجــدنــا ع ــدداً هــائـاً‬ ‫ممن دخلوا اجلامعة مببالغ مالية‪ ،‬منها مبالغ طائلة‬ ‫ومنها متوسطة‪ ،‬ومنهم من دفع –حسب طالب‬ ‫يف معرض شكواهم‪ -‬مبلغ ‪ 60،000‬لريةً تركية‪،‬‬ ‫بعد فوات أوان التسجيل مبدة عشرة أيام تقريباً‪.‬‬ ‫وه ــذا املـبـلــغ يشمل كــل رس ــوم ال ـس ـن ـوات األرب ــع‬ ‫اجلامعية (طبعاً يوجد اآلن إعفاء عن الدفع)‪.‬‬ ‫ثــالـثـاً‪ ،‬وه ــم الـفـئــة األق ــل‪ :‬الــذيــن دخ ـل ـوا اجلامعة‬ ‫مبحض الصفة تقريباً!‬ ‫روى سوريون يشكون من حمنة التسجيل اجلامعي‬ ‫يف عـيـنـتــاب‪ ،‬قـصــة أخ ــرى ع ــن طــالــب وأخ ـيــه‪،‬‬ ‫سجال يف اجلامعة‪ ،‬فقبلت اجلامعة األخ األصغر‪،‬‬ ‫الذي مل يكن مسجالً يف جامعة أخرى من قبل‪،‬‬ ‫بينما مل يقبل األخ اجلامعي أصالً‪ ،‬إلمتام دراسته‬ ‫يف السنة الثالثة بكلية هندسة الـعـمــارة‪ ،‬والــذي‬ ‫يتمتع خبربات عملية وأكادميية ال ميلكها أخوه‪.‬‬ ‫يأيت على رأس معايري العدالة اليت يطالب الطالب‬ ‫باألخذ هبا للتعاطي مع طلباهتم لدخول اجلامعات‬ ‫الــركـيــة‪ ،‬العمر‪ ،‬والنسبة املئوية للعالمة النهائية‬ ‫للشهادة الثانوية‪ ،‬أو املعدل الوسطي لعالمات‬

‫السنوات الدراسية إذا كــان الطالب مسجالً يف‬ ‫جامعة أخرى قبل القدوم إىل تركيا‪.‬‬ ‫الطالب المقبولون‪ ،‬أيضاً‪..‬‬ ‫عــاوة على مــا سـلــف‪ ،‬للطالب املقبولني أيضاً‬ ‫م ـعــوقــات مت ـنــع اخن ـراط ـه ــم يف ال ـن ـشــاط اجلــامـعــي‬ ‫بشكل كــامــل‪ ،‬ف ــإىل اآلن مل ُتـنــح ألح ــد بطاقة‬ ‫ال ـطــالــب‪ ،‬ال ــي حتــل لــه الـكـثــر مــن الـصـعــوبــات‪،‬‬ ‫ك ــاس ـت ـخ ـراج اإلقـ ــامـ ــة‪ ،‬وف ـت ــح ح ـس ــاب بـنـكــي‪،‬‬ ‫والتسهيالت األخــرى الكثرية اليت تتيحها بطاقة‬ ‫الـطــالــب يف أي مـكــان (احل ـصــول عـلــى وجـبــات‬ ‫بتكلفة خمفضة يف مطعم اجلامعة‪ ،‬احلصول على‬ ‫ختفيضات امل ـواص ــات‪ ،)..‬ويشكو طــاب من‬ ‫املشاكل اليومية اليت تواجههم عند بوابة اجلامعة‬ ‫بسبب عدم امتالك البطاقة إياها‪.‬‬ ‫مما يشكو منه الطالب السوريون أيضاً‪ ،‬املعاملة‬ ‫السيئة من قبل موظفي (شؤون الطلبة الدوليني)‬ ‫يف جامعة غازي عينتاب‪« .‬حنن نقدر الضغوطات‬ ‫اليت يتعرضون هلا‪ ،‬لكن هذا عملهم يف النهاية‪،‬‬ ‫إذا مل يستطيعوا حتمل مسؤوليتهم فهناك الكثريون‬ ‫ممن يتمنون عملهم» يقول طالب سوري شارحاً‬ ‫معاناته‪.‬‬ ‫التعليمات الـضــروريــة‪ ،‬واألم ــور املهمة‪ ،‬ال تشرح‬ ‫للطالب السوريني أبــداً‪ ،‬إىل أن يقع الطالب يف‬ ‫مشكلة أكرب‪ ،‬وحياسب على جهله!‪.‬‬ ‫يف الـصـفــوف الــدراس ـيــة‪ ،‬يتكلم املــدرســون اللغة‬ ‫ال ــرك ـي ــة‪ ،‬وإذا م ــا ط ـلــب م ـن ـهــم ال ـت ـك ـلــم بــالـلـغــة‬ ‫اإلنـكـلـيـزيــة‪ ،‬فـسـيـقــرؤون مــا كتب يف املـنـهــاج‪ ،‬ال‬ ‫أكثر‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬ ‫يف االخ ـ ـت ـ ـبـ ــارات ال ـش ـه ـري ــة‪ ،‬ال ي ـع ـلــم ال ـطــالــب‬ ‫الـســوري‪ ،‬غالباً‪ ،‬مــا هــو االخـتـبــار‪ ،‬ومــى يكون‪،‬‬ ‫ألن ك ــل ش ــيء ي ـشــرح ويـكـتــب بــالـلـغــة الــركـيــة‪،‬‬ ‫وجمرد الكالم يف األمر‪ ،‬سيسبب للطالب مشكلة‬ ‫أك ــر‪ .‬ي ــروي طــالــب مــا حــدث حــن تناقش مع‬ ‫ـدرس ــة يف ص ـف ــه‪ ،‬ع ــن م ـســألــة ال ـل ـغ ــة‪ ،‬وطـلــب‬ ‫م ـ ِّ‬ ‫الكالم باإلنكليزية‪ ،‬ليتمكن من التواصل شأنه‬ ‫شــأن بــاقــي الـطــاب‪ ،‬وقــال إن هــذا صــف اللغة‬ ‫االنكليزية‪ ،‬وحسب املتعارف يف كل اجلامعات‪،‬‬ ‫ـدرس باللغة‬ ‫على صفوف اللغة اإلنكليزية أن ت ـ ِّ‬ ‫املدرسة‪« :‬هلذا السبب كنت أكره‬ ‫اإلنكليزية‪ ،‬لرتد ِّ‬ ‫السوريني‪ ،‬واآلن أكرههم أكثر»!‪.‬‬ ‫ع ــدد ال ـط ــاب ال ـس ــوري ــن امل ـت ـقــدمــن يف جــامـعــة‬ ‫غــازي عنتاب هلــذا العام‪ ،‬يقارب ‪ 800‬طالب‪،‬‬

‫حصيدة‬

‫بينما يقدر عدد الطالب املقبولني بـ ‪ 250‬طالباً‪،‬‬ ‫علماً بأن جامعة غازي عنتاب الرتكية قد أتاحت‬ ‫للطالب الـســوري –نـظـريـاً‪ -‬مجيع ال ـفــروع‪ ،‬منها‬ ‫الطب واهلندسات واملعاهد‪ ،‬ولكن نسبة الطالب‬ ‫السوريني ترتكز غالباً يف كليات اهلندسات‪.‬‬ ‫حدثنا (عمر)‪ ،‬أحد الطالب السوريني يف جامعة‬ ‫غازي عينتاب‪ ،‬أنه واجه يف بداية تسجيله بعض‬ ‫امل ـشــاكــل‪ ،‬مـنـهــا صـعــوبــة الـتـعــامــل م ــع املــوظـفــن‬ ‫(لكون اللغة الوحيدة للتواصل هي الرتكية)‪ ،‬اليت‬ ‫ال جيـيــدهــا مـعـظــم ال ـطــاب ال ـع ــرب‪ ،‬وال ـســوريــن‬ ‫خصوصاً‪ ،‬وعدم وجود أي لوحات إرشادية توجه‬ ‫إىل كيفية التعامل مع التعقيدات اإلداريــة لعملية‬ ‫التسجيل‪.‬‬

‫واقع التعليم في المنطقة الشرقية‬

‫البوكمال مدينة كغريها مــن املــدن الـســوريــة‪ ،‬ثار‬ ‫أبناؤها ضد النظام مطالبني بإسقاطه‪ ،‬يف مرحلة‬ ‫مبكرة من عمر الثورة‪.‬‬ ‫تـعــد ال ـبــوك ـمــال مـنـطـقــة ح ــدودي ــة م ــع اجلـمـهــوريــة‬ ‫العراقية‪ ،‬وهي آخر نقطة يقطعها هنر الفرات يف‬ ‫األراضي السورية‪.‬‬ ‫بعد إعالن مدينة البوكمال مدينة منكوبة‪ ،‬بتاريخ‬ ‫‪ ،2012-7-19‬ال زال ــت امل ــدارس مـهـجــورة‪،‬‬ ‫وذلــك بسب خــوف األهــايل مــن أن يتم قصف‬ ‫امل ــدارس‪ ،‬الــي هــي بــاألســاس تعرضت للعدوان‪،‬‬ ‫حيث طاهلا القصف بالطريان احلريب‪ ،‬فأصبحت‬ ‫أغـلــب م ــدارس املدينة غــر مهيئة للتعليم‪ ،‬على‬ ‫سبيل املثال (مدرسة األمني)‪ ،‬و(مدرسة حطني)‪.‬‬ ‫ها هي املــدارس اليوم‪ ،‬إذن خالية ومغلقة على‬ ‫مصراعيها‪ ،‬فقبل قصف الطريان كانت املــدارس‬ ‫تستخدم ثكنات عسكرية للشبيحة‪ ،‬أو مراكز‬ ‫اعتقال وتعذيب‪ ،‬وبعد القصف الــذي تعرضت‬ ‫إليه أصبحت خالية من املعدات الدراسية‪ ،‬علماً‬ ‫بــأن مدينة البوكمال‪ ،‬حتتوي على طاقم مــن ما‬ ‫يقارب ‪ 1500‬بني معلم ومعلمة‪.‬‬ ‫مـعـظــم ك ـتــائــب اجل ـيــش احلـ ــر‪ ،‬ه ــي أي ـض ـاً تتخذ‬ ‫مــدارس (املـيــاديــن) مقرات هلــا‪ ،‬فيؤدي ذلــك إىل‬ ‫نسيان املدرسة بشكل كامل من األهايل‪ ،‬أو من‬ ‫كادر التعليم‪ ،‬وتقوم اهليئة الشرعية يف أيامنا هذه‬ ‫بتطبيق برناجمها املمنهج‪ ،‬حيث متنع الطالبات من‬ ‫اخلروج للمدراس قبل ارتدائهن اللباس اإلسالمي‬ ‫الساتر للباس املدارس املعتاد‪.‬‬ ‫معظم ك ـوادر الـتــدريــس‪ ،‬يـصــرون على أن تعليم‬ ‫الـطــاب أمــانــة يف أعناقهم‪ ،‬لــذلــك‪ ،‬وبـعـيــداً عن‬ ‫ك ــل االع ـت ـب ــارات‪ ،‬قـسـمــت بـعــض امل ـ ــدارس بني‬ ‫صفوف للتعليم‪ ،‬وسكن لألهايل املهدمة منازهلم‬

‫‪5‬‬ ‫آمال تنتظر الدعم‬ ‫يطمح الطالب السوريون يف مدينة غازي عينتاب‪،‬‬ ‫إىل قيام احتاد طلبة يتحدث بامسهم‪ ،‬يكون معرتفاً‬ ‫به من احلكومة الرتكية‪ ،‬يضمن للطالب حقوقه‪،‬‬ ‫ويساعده على مواجهة الصعوبات‪ ،‬والعمل على‬ ‫تذليلها‪ ،‬ليكون متاحاً للطالب السوريني إكمال‬ ‫مسريهتم التعليمية‪ ،‬واحلـصــول على تعليم جيد‪،‬‬ ‫بعد أن مت تدمري أساسيات احلياة يف بالدهم‪ ،‬فما‬ ‫بالك باجلامعات وصروح التعليم‪.‬‬

‫ن‪.‬خ‬

‫مدرسة سورية في المناطق المحررة ‪ -‬عدسة يسر الخضر‬ ‫هناية العام‪ ،‬مكان لعالمة اللغة الكردية‪.‬‬ ‫أو النازحني من حمافظات أخرى‪.‬‬ ‫حيدثنا األستاذ (حممد) من سكان امليادين‪ ،‬بأنه واقع املــدارس يف املناطق الكردية ليس بعيداّ عن‬ ‫ال توجد كتب مدرسية وال تدفئة‪ ،‬ويتحدث عن غريها‪ ،‬فتغيب اخلدمات أيضاً من كهرباء وتدفئة‪،‬‬ ‫انقطاع معظم رواتب املدرسني‪ ،‬ومعظم املدارس وم ــن ك ـ ـوادر امل ــدرس ــن‪ ،‬بـسـبــب هـجـرهتــم خــارج‬ ‫غــر خمــدمــة ج ـيــداً‪ ،‬ومـعــرضــة السـتـهــداف ط ـران القطر‪ ،‬كما مل تــوزع الكتب املدرسية على كافة‬ ‫الطلبة‪ ،‬وال يوجد لباس موحد للمدارس‪.‬‬ ‫النظام‪.‬‬ ‫ويف مــدي ـنــة ال ـقــام ـش ـلــي‪ ،‬ونـتـيـجــة ل ــدخ ــول الـلـغــة ي ـقــول أح ــد املـعـلـمــن إن ــه ي ـقــدِّر وض ــع الـطــالــب‬ ‫الكردية إىل املدارس اليت تسكنها الغالبية الكردية‪ ،‬واألحوال الصعبة اليت متر هبا البالد‪ ،‬من غالء يف‬ ‫هددت مديرية الرتبية هناك‪ ،‬بفصل أي معلم يقوم أسعار القرطاسية‪ ،‬ومن نقص يف الكتب‪ ،‬لذلك‬ ‫مبمارسة دوامــه يف مدرسة تعطي دروسها باللغة ال يكثر مــن الــوظــائــف املـنـزلـيــة لـلـطــاب‪ ،‬وخيتم‬ ‫الـكــرديــة‪ ،‬واعـتـبــار الـطــاب راس ـبــن‪ ،‬ولـكــن بعد ق ــائ ـاً‪« :‬نــرجــو لـفــت الـنـظــر إىل أح ـ ـوال املنطقة‬ ‫زمن قصري ظهر قرار رمسي‪ ،‬نص على تعليم اللغة الشرقية بشكل أكــر‪ ،‬ملنح جيل املستقبل فرصة‬ ‫الكردية بداية األمر لثالث حصص يف األسبوع‪ ،‬لنيل تعليم جيد‪ ،‬نرجو من اجلهات املعنية األخذ‬ ‫ليبدأ املــدرســون بتعليم األرق ــام واألح ــرف ضمن بكافة اإلجـ ـراءات لتوفري مستلزمات الـبــدء بعام‬ ‫تلق دراس ــي قــادم يكون فيه وضــع التعليم أفضل مما‬ ‫املنهاج املخصص للطلبة‪ .‬يف بداية األمر مل َ‬ ‫اللغة الكردية اكرتاثاً خاصاً من الطالب‪ ،‬ولكن هو عليه اآلن»‪.‬‬ ‫مع األيــام أصبح يف حسبان شهادة الطالب يف‬


‫‪6‬‬

‫حصيدة‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫حوار موسع مع رئيس اتحاد اللجان الثورية في مدينة‬ ‫بنش (صالح قطران) أجرى الحوار‪ :‬المكتب اإلعالمي في تنسيقية مدينة بنش‬

‫متى نشأ اتحاد اللجان الثورية‪ ,‬وكيف تمت الدعوة له؟ وهل تمت دعوة جميع المكونات والتنظيمات الثورية‬ ‫في مدينة بنش؟ وهل حصل ورفضت تشكيالتٌ االنضمام؟‬

‫احلمد هلل والصالة والسالم على رسول اهلل‪ ،‬أما بعد‪:‬‬ ‫نشأ احتــاد اللجان الثورية يف مدينة بنش بتاريخ‬ ‫‪ ،2012 -12 -12‬وأع ـلــن عــن انـطــاقــه يف‬ ‫ذلك التاريخ‪ ،‬ولكن فكرة االحتــاد كانت متبلورة‬ ‫لدينا قبل أسابيع من تاريخ نشأته‪ ،‬ومتــت دعوة‬ ‫عدة جلان لالنضمام الحتاد اللجان الثورية‪ ،‬وعقد‬ ‫أول اجتماع يف ظل أوضــاع متوترة‪ ،‬حيث كان‬ ‫الـقـصــف ال ي ـهــدأ عـلــى املــدي ـنــة‪ ،‬ومت ــت الــدعــوة‬ ‫بشكل سري‪ ،‬ومل يعلن عن مكان االجتماع إال‬ ‫قبل نصف ساعة‪ ،‬وكان عدد األشخاص اجملتمعني‬ ‫ما يقارب ‪ 115‬شخصاً‪ ،‬وكان اجملتمعون ميثلون‬ ‫مجيع املؤسسات اخلدمية يف املدينة‪ ،‬والــدعــوة مل‬ ‫تكن للتنظيمات بل كانت للجان الثورية الفاعلة‬ ‫اخلدمية بعيداً عــن العسكرة‪ ،‬حيث متــت‪ ،‬على‬ ‫سـبـيــل امل ـث ــال‪ ،‬دع ــوة مــؤسـســة الـكـهـربــاء وامل ـيــاه‪،‬‬ ‫واللجان اليت تعمل يف اجملــال اإلنساين واإلغاثي‬ ‫واخلدمي‪ .‬هبذا ميكن اعتبار االحتاد إغاثياً إنسانياً‬ ‫خدمياً‪ ،‬وخنص بالذكر اللجان اليت شكلت نواة‬ ‫الـعـمــل‪ ،‬كـ ـ املـكـتــب اإلع ــام ــي يف مــديـنــة بنش‪،‬‬ ‫جتمع طلبة مدينة بنش‪ ،‬اللجنة اخلريية األهلية‪،‬‬ ‫الكادر الطيب‪ ،..‬أما عن دعوة تنظيمات ورفضها‬ ‫االنضمام‪ ،‬فنحن ‪-‬عندما بدأت الفكرة‪ -‬وضعنا‬ ‫ش ــروطـ ـاً ل ـل ـجــان ال ــي سـتـنـضــم ل ــاحت ــاد الح ـق ـاً‪،‬‬ ‫إذ يـنـبـغــي لـلـجــان امل ـن ـضــويــة‪ ،‬أن ت ـكــون فــاعـلــة‪،‬‬ ‫وال يكفي طــرح اســم أو شـعــار‪ ،‬كما قــد يكون‬ ‫الـتـشـكـيــل امل ـع ــي ف ــاع ـاً ل ـكــن غ ــر حم ـب ــوب بني‬ ‫الناس‪ ،‬فكلنا نريد جلاناً فاعلة وقادرة على التأثري‪.‬‬ ‫ما هي التنظيمات التي تنضوي تحت مظلة‬ ‫اتحاد اللجان الثورية؟‬ ‫ل ـي ـس ــت ت ـن ـظ ـي ـم ــات‪ ،‬ب ـ ــل ه ـ ــي جل ـ ــان وم ـن ـه ــا‪:‬‬ ‫الـلـجـنــة اخل ـريــة األهـلـيــة وه ــي عـضــو مــؤســس يف‬ ‫االحت ـ ــاد‪ -‬الـ ـك ــادر ال ـط ــي (امل ـش ـف ــى املـ ـي ــداين)‪-‬‬ ‫امل ـك ـتــب اإلعـ ــامـ ــي‪ -‬جت ـمــع ال ـط ـل ـبــة‪ -‬ال ـل ـجــان‬ ‫اإلغـ ــاث ـ ـيـ ــة واإلنـ ـسـ ــانـ ـيـ ــة واخلـ ــدم ـ ـيـ ــة يف (ج ـب ـهــة‬ ‫ال ـ ـن ـ ـص ـ ــرة)‪ -‬ال ـ ـل ـ ـجـ ــان اإلغ ـ ــاثـ ـ ـي ـ ــة واإلنـ ـس ــانـ ـي ــة‬ ‫واخلــدمـيــة يف (حــركــة أحـ ـرار ال ـشــام اإلســامـيــة)‪.‬‬ ‫ومجيع هذه اللجان فاعلة‪ ،‬واملشاركة يف اجلانب‬ ‫املــدين من العمل‪ .‬من قبل جبهة النصرة وحركة‬ ‫أحرار الشام اإلسالمية‪ ،‬مل يكن مشروطاً أو ختلله‬ ‫ف ــرض ل ــإم ــاءات‪ ،‬وه ـنــاك نـظــام داخ ـلــي ُوضــع‬ ‫لــاحتــاد‪ ،‬ولـيــس ح ـك ـراً عـلــى أح ــد‪ ،‬فـهــو يرحب‬ ‫باجلميع‪ ،‬وخيار االنضمام مفتوح للجميع‪ ،‬فمن‬ ‫يشأْ‬ ‫فليطلع على النظام الداخلي‪ ،‬فإن ناسبه ذلك‬ ‫ْ‬

‫أحد جدران مدينة بنش ‪ -‬عدسة جمال حسون‬ ‫يقدم لنا دراسة عن جلنته وعدد األعضاء وبرناجمهم‪ ،‬حب ــت‪ ،‬وه ــو ل ـيــس ق ـي ــادي ال ــرك ـي ــب‪ ،‬ك ـمــا ليس‬ ‫وإن كان هناك ارتباط بأجندات خارجية فليبني سـيــاسـيـاً‪ ،‬بــل يـقــوم عليه أشـخــاص حمـبــوبــون بني‬ ‫ذلك‪ .‬حنن حناول أن نتوخى الشفافية يف أي دراسة الـ ـن ــاس‪ ،‬م ـت ـف ــان ــون يف ال ـع ـم ــل قـ ــدر امل ـس ـت ـطــاع‪،‬‬ ‫مقدمة‪ .‬ومت الحـقـاً إنـشــاء ن ـواة مكتب هندسي ان ـ ـطـ ــاق ـ ـاً م ـ ــن ال ـ ـ ـواجـ ـ ــب ال ـ ــدي ـ ــي مث الـ ــوطـ ــي‪.‬‬ ‫من أجــل اإلش ـراف ومراقبة سري العمل‪ ،‬ودراســة هل هناك أعداء لالتحاد‪ ،‬أو هل توجد‬ ‫وضع املنازل املدمرة‪ ،‬وأيضاً نواة ملكتب املدرسني‪ ،‬خالفات مع تنظيمات ثورية أخرى؟‬ ‫ومت تفعيل عمل املكتب اهلندسي‪ ،‬عندما حدث ع ـ ـ ـ ــدو اإلن ـ ـ ـسـ ـ ــان اجلـ ـ ـه ـ ــل‪ ،‬فـ ـ ــاالحتـ ـ ــاد ي ـع ـم ــل‬ ‫دمــار كبري يف املدينة جـراء قصف قـوات النظام‪ .‬خل ـ ــدم ـ ــة مج ـ ـي ـ ــع األهـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــايل يف ه ـ ـ ـ ـ ــذا ال ـ ـب ـ ـلـ ــد‪.‬‬ ‫ما هي اإلنجازات التي حققها اتحاد اللجان هل يتقاضى أعضاء اتحاد اللجان الثورية‬ ‫الثورية منذ نشأته وإلى اآلن؟‬ ‫رواتب؟ وكم يقدر راتب الشخص الواحد؟‬ ‫يف ظــل حــرب النظام على املــدنـيــن‪ ،‬قُـطــع املــدد م ـنــذ أن ش ـكــل االحت ـ ــاد لـ ــآن‪ ،‬مل ي ـت ـقــاض أي‬ ‫عن املؤسسات اخلدمية‪ ،‬مثل مؤسسة الكهرباء فــرد أو جلـنــة فـيــه أي رات ــب‪ ،‬ويف اآلون ــة األخــرة‬ ‫ومؤسسة املياه والبلدية واهلاتف‪ ،‬وهذه املؤسسات ناقشنا فكرة إجيــاد داعـمــن‪ ،‬وإىل اآلن ال يوجد‬ ‫مــن امل ـفــرض أن ُت ــدَّم مــن قـبــل ال ـن ـظــام‪ ،‬ولكن داع ـ ــم‪ ،‬وال ـع ـم ــل يف االحت ـ ــاد ط ــوع ــي اخ ـت ـي ــاري‪.‬‬ ‫م ــا ح ـصــل أنـ ــه مت ق ـطــع املـ ـس ــاع ــدات ع ــن هــذه ما هي مصادر تمويل اتحاد اللجان الثورية‪،‬‬ ‫املــؤسـســات‪ ،‬حــى أصـبــح هـنــاك مصاعب تواجه وهل هناك إمالءات كمقابل لهذا الدعم؟‬ ‫هــذه املــؤسـســات يف قــدرهتــا على خــدمــة املدينة‪،‬‬ ‫فتم التواصل معها من قبل احتاد اللجان الثورية‪ ،‬احت ــاد ال ـل ـجــان ال ـثــوريــة خي ــدم نـفـســه بـنـفـســه‪ ،‬وال‬ ‫ومل ي ـتــم إظـ ـه ــار هـ ــذا األم ـ ــر إىل ال ـع ـلــن بسبب ي ــوج ــد مـ ـص ــدر مت ــوي ــل ل ـ ــاحت ـ ــاد‪ ،‬إال مـ ــن قـبــل‬ ‫الـقــدرة احمل ــدودة‪ ،‬فنحن ال نستطيع شـراء آليات اإلخ ــوة املـغـربــن مــن أب ـنــاء مــديـنــة بـنــش‪ ،‬الــذيــن‬ ‫هلـ ــذه امل ــؤسـ ـس ــات‪ ،‬ل ـكــن نـسـتـطـيــع دع ـم ـهــم يف يـ ـق ــدم ــون مـ ـع ــون ــات إغ ــاثـ ـي ــة ومـ ـع ــون ــات ط ـب ـيــة‪.‬‬ ‫وعــددهــم‪ ،‬فهذه هــي إمكانياتنا‪ ،‬ما هي آلية صرف األموال التي تصب في‬ ‫صيانة آلياهتم ِ‬ ‫وجل ــان االحتـ ــاد هــي بــاألصــل فــاع ـلــة‪ ،‬فاملكتب صندوق االتحاد؟‬ ‫اإلعــامــي غطى الكثري ممــا حصل على األرض أمجــع أعـضــاء االحت ــاد خــال جلسة خــاصــة هبذا‬ ‫من قصف على املدينة ودمــار‪ ،‬وتدبر اإلسعاف األمــر‪ ،‬على صرف األمـوال فيما يتعلق باملسائل‬ ‫ونقل اجلرحى‪ ،‬وحرص على نقل الصورة احلقيقية اخلــدم ـيــة وامل ـص ـل ـحــة ال ـعــامــة‪ ،‬ك ــإص ــاح وصـيــانــة‬ ‫لوحشية النظام جتاه املدينة‪ ،‬كما لدينا أيضاً اللجنة اآلل ـ ـيـ ــات‪ ،‬واألدوات الـ ـض ــروري ــة لـلـمــؤسـســات‬ ‫اخلـريــة األهـلـيــة‪ ،‬وتواصلها مــع اجلـهــات اإلغاثية اخلدمية كاملياه والـكـهـربــاء‪ ،‬وش ـراء وقــود عربات‬ ‫لتقدمي معونات ألبـنــاء املــديـنــة‪ ،‬وال ـكــادر الطيب‪ ،‬هل ـ ــذه امل ــؤسـ ـس ــات ل ـت ـخ ــدم امل ــديـ ـن ــة‪ ،‬وغ ــره ــا‪.‬‬ ‫وتغطية امل ـعــارك‪ ،‬كما قــام جتمع الطلبة بإظهار ماذا يعني لكم علم الثورة (علم االستقالل)؟‬ ‫األحــداث للناس‪ .‬الكل قدم حسب استطاعته‪- .‬عـلــم االسـتـقــال جيـمــع حتـتــه كــل ال ـراي ــات‪ ،‬وال‬ ‫خنـفــي أن ـنــا ن ــرى أن عـلــم االس ـت ـقــال يـنـبـغــي أن‬ ‫اتحاد اللجان الثورية وصفته بالفاعل‪ ..‬هل‬ ‫يكون حتت راية ال إله إال اهلل‪ ،‬فألوانه استخدمها‬ ‫يعني هذا أن التنظيمات األخرى بنظركم‬ ‫الرسول عليه الصالة والسالم‪ ،‬مجيعاً‪ ،‬فكان من‬ ‫ليست كذلك؟‬ ‫ال‪ .‬احت ــاد اللجان الـثــوريــة إنـســاين إغــاثــي خدمي راي ــات ــه األب ـيــض واألس ـ ــود واألص ـف ــر وامل ـخ ـطــط‪..‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬ ‫هل تعترفون باالئتالف الوطني؟‬ ‫ق ــوالً واحـ ــداً ال نـعــرف بــاالئ ـتــاف الــوطــي‪ ،‬وال‬ ‫ميـثـلـنــا‪ ،‬وقـلـنــاهــا ســاب ـق ـاً وأع ـل ـنــاهــا‪ ،‬االئ ـت ــاف ال‬ ‫ميثلنا‪ ،‬بينما كــان الشعب يعاين اجلــوع واحلرمان‬ ‫كان االئتالف يف اخلارج يتنعم يف سالم وأمان‪.‬‬ ‫ما مدى صحة األقاويل التي تقول إنكم‬ ‫حصلتم من االئتالف على مبلغ يقدر بـ‬ ‫‪ 16000‬دوالر؟‬ ‫تلقينا ات ـصــاالً مــن تــركـيــا‪ ،‬أعلمنا مــن خــالــه أنه‬ ‫يــوجــد مبلغ خيــص أهــايل مدينة بـنــش‪ ،‬فأصبحنا‬ ‫أمام مسؤولية‪ ،‬واالحتاد يرفع شعار «لسنا مناعني‬ ‫لـلـخــر‪ ،‬ولـكــن ب ــدون أج ـنــدة خــارج ـيــة»‪ ،‬فقررنا‬ ‫يف جلسة خاصة هبــذا املــوضــوع‪ ،‬دراســة الوضع‪،‬‬ ‫وأنـنــا لــن نقبل بــه إال بعد أن نتأكد مــن مـراعــاة‬ ‫املصلحة العامة‪ ،‬وعدم وجود شروط‪ ،‬وكان املبلغ‬ ‫موجوداً يف مكتب الـ ‪ ،))ACU‬وحدة تنسيق‬ ‫الــدعــم الـتــابـعــة لــائـتــاف‪ ،‬فـهــو يستقبل الــدعــم‬ ‫وامل ـس ــاع ــدات مــن الـ ــدول واملــؤس ـســات ويــوزعـهــا‬ ‫ع ـلــى األهـ ـ ــايل‪ ،‬فـ ــإذا م ــا رف ـض ـنــا اس ـت ــام املـبـلــغ‪،‬‬ ‫نكون قد قصرنا جتاه األهايل‪ ،‬لكوننا نرفع شعار‬ ‫ـض ـنــا اس ـتــام املبلغ‬ ‫«لـسـنــا مـنــاعــن ل ـل ـخــر»‪ ،‬رفـ ُ‬ ‫مــن االئ ـتــاف ألنـنــا ال نـعــرف بــه‪ ،‬يعين أنـنــا قد‬ ‫«منعنا اخلــر» عــن البلد‪ ،‬فقررنا يف االحت ــاد‪ ،‬يف‬ ‫اجتماعنا املــذكــور‪ ،‬أن نأخذ املبلغ كحق مسرتد‬ ‫مــن االئ ـت ــاف‪ ،‬ومل نــأخــذ املـبـلــغ األول إال بعد‬ ‫حم ــاوالت ك ـثــرة مــن قـبـلـهــم‪ ،‬وش ــروط مــن قبلنا‪،‬‬ ‫منها أن يـقــومـوا بـزيــارتـنــا يف مقر االحت ــاد‪ ،‬وفعالً‬ ‫قام أبو هاشم غزال بزيارتنا‪ ،‬وأوضحنا له أنه ال‬ ‫يوجد لدينا شــيء امســه جملس إدارة حملية‪ ،‬وإمنــا‬ ‫يوجد احتاد جلان ثورية‪ ،‬وكان من الشروط أيضاً‬ ‫أن نستلم املبلغ أمام أعضاء جملس اإلدارة مجيعاً‬ ‫وبإيصال‪ ،‬و قد مت ذلــك‪ ،‬على أن تصرف هذه‬ ‫املبالغ على املؤسسات اخلدمية وللمصلحة العامة‪،‬‬ ‫وكان املبلغ األول املستلم ‪ 11800‬دوالر‪ ،‬أنفقنا‬ ‫منه على مؤسسة الكهرباء‪ ،‬وعلى مؤسسة املياه‪،‬‬ ‫وعلى املؤسسات اخلدمية األخــرى‪ ،‬ويف املصاحل‬ ‫العامة املنتشرة يف املدينة‪ ،‬منها مثالً إصالح بعض‬ ‫الطرقات‪ ،‬وال يزال باقياً قسم من املبلغ‪ ،‬وقد قرر‬ ‫اإلخ ــوة أن يستخدم املبلغ املتبقي إذا احتاجته‬ ‫ال ـل ـج ـنــة اخلـ ـري ــة األه ـل ـي ــة‪ ،‬إلكـ ـم ــال خمـصـصــات‬ ‫الـفـقـراء واملـســاكــن والـشـهــداء‪ ،‬ومت اسـتــام املبلغ‬ ‫الثاين وهــو ‪ 4000‬دوالر‪ ،‬ليصل جمموع املبالغ‬ ‫املـسـتـلـمــة إىل ‪ 15800‬دوالر‪ ،‬وه ـكــذا نـكــون‬ ‫حـصـلـنــا ح ـصــة أهــال ـي ـنــا ب ـك ـرامــة وعـ ــزة وم ــن غري‬ ‫نفاق‪ ،‬ليتم صرفها على مؤسساتنا اخلدمية وعلى‬ ‫أهالينا‪ ،‬ونـكــون قــد حافظنا على شــرف الـثــورة‪.‬‬ ‫رأينا تعاوناً قوياً بني شعبة اهلالل األمحر يف مدينة‬ ‫بنش‪ ،‬واحتاد اللجان الثورية يف اجلانب اإلغاثي‪،‬‬ ‫مث بني ليلة وضحاها‪ ،‬مت سحب املعونات اإلغاثية‬

‫حصيدة‬

‫من االحتاد‪ ،‬اليت كانت مقدمة من اهلالل األمحر‪،‬‬ ‫وقد حصلنا على معلومات تؤكد توجيه شكوى من‬ ‫قبل احتاد اللجان الثورية‪ ،‬حبق شعبة اهلالل األمحر‪،‬‬ ‫يف مقر اهليئة الشرعية يف إدل ــب‪ ،‬وج ــاء احلُكم‬ ‫لصاحل اهلالل األمحر‪ ،‬واستأنفتم احلكم‪ ،‬ومل يغري‬ ‫االستئناف شيئاً‪ .‬نريد تفاصيل حول هذا األمر‪.‬‬ ‫كانت شعبة اهلــال األمح ــر‪ ،‬تعطي املساعدات‬ ‫للجنة اخلريية األهلية‪ ،‬وتستعني هبا‪ ،‬وكان التعاون‬ ‫بني اهلالل واللجنة اخلريية األهلية‪ ،‬وليس االحتاد‬ ‫وسلمت املعونات للجنة اخلريية بسبب‬ ‫ككل‪ُ ،‬‬ ‫كفاءة اإلخــوة فيها‪ ،‬وبسبب دراساهتم الدقيقة‪،‬‬ ‫واخلـ ـ ــرة يف ال ـت ــوزي ــع وم ـع ــرف ــة احمل ـت ــاج ــن واألشـ ــد‬ ‫احتياجاً من األهايل‪ ،‬وبسبب افتقار شعبة اهلالل‬ ‫األمحر للكوادر‪ ،‬إذ كان أغلبهم مسافرين‪ ،‬كانت‬ ‫اللجنة اخلريية –عند قدوم معونات اهلالل‪ -‬هي‬ ‫من تستلمها وتقوم بتوزيعها على املستحقني‪ ،‬إىل‬ ‫أن دعيت اللجنة اخلريية إىل اجتماع يف سرمني‪،‬‬ ‫وك ــان ذل ــك عــر ات ـصــال مــن قـبــل دك ـتــور يسمى‬ ‫إبراهيم شحود‪ ،‬وذكر الدكتور إبراهيم يف اتصاله‪،‬‬ ‫أن ال ــدع ــوة ل ـل ـجــان اإلغ ــاث ـي ــة لــال ـت ـقــاء مبنظمة‬ ‫الصليب األمحر‪ ،‬وعند ذهابنا إىل مقر االجتماع‪،‬‬ ‫كــان هـنــاك (أب ــو سليمان) والـفـريــق ال ــذي توجه‬ ‫حلضور االجتماع‪ ،‬ومل أكن موجوداً معه‪ .‬وجودنا‬ ‫يف االجتماع أحدث بعض احلساسيات البسيطة‬ ‫بني اإلخوة يف اهلالل واإلخوة يف اللجنة اخلريية‪،‬‬ ‫وبشكل مفاجئ‪ ،‬رأينا سيارة معونات تابعة للهالل‬ ‫ت ـفــرغ محـولـتـهــا يف مـسـتــودعــات مـكـتــب اهل ــال‪،‬‬ ‫فوصل هذا الكالم للهيئة الشرعية أثناء تواجدنا‬ ‫يف مقرها‪ ،‬فقامت اهليئة الشرعية باستدعاء شباب‬ ‫اهلــال‪ ،‬ومل نكن حنن قد تقدمنا بشكوى‪ ،‬وإمنا‬ ‫وصل األمر للهيئة الشرعية أثناء تواجدنا يف اهليئة‪،‬‬ ‫وعند حضور شباب اهلالل حدث صراخ وجدال‪،‬‬ ‫وعندما حصلت مشادة كالمية بني الطرفني أمام‬ ‫القاضي‪ ،‬سحب القاضي الورقة وأنزهلا كدعوى‪،‬‬ ‫وكـتــب أن املــدعــي هــو اللجنة اخل ـريــة‪ ،‬واملــدعــى‬ ‫عليه اهل ــال‪ .‬وبـعــد دراس ــة األم ــر مــن قبل اهليئة‬ ‫الـشــرعـيــة‪ ،‬خــرج اإلخ ــوة هـنــاك بنتيجة‪ ،‬وليست‬ ‫ح ـك ـم ـاً ل ـص ــاحل أحـ ــد ب ـع ـي ـنــه‪ ،‬وهـ ــي أن اهل ــال‬ ‫األمحـ ــر غ ــر جم ـ َـر ع ـلــى إع ـطــائ ـنــا م ـ ـواد اإلغ ــاث ــة‪.‬‬ ‫يف األصـ ــل ال ت ــوج ــد ش ـك ــوى أو ق ـض ـيــة‪ ،‬لكن‬ ‫بعض املـغــرضــن حــاول ـوا استثمار ق ـرار احملكمة‪،‬‬ ‫وبـ ــدأت ت ـقـ ُّـوالهتــم ب ــأن ه ـنــاك ش ـكــوى‪ ،‬إلظـهــار‬ ‫اهل ــال األمح ــر مبـظـهــر كــاســب الـقـضـيــة‪ ،‬والـفـتـنــة‬ ‫اليوم أكثر من اخلري لألسف‪ ،‬ولكن إن شاء اهلل‬ ‫سوف ينتصر احلق‪ ،‬وحنن اليوم نتعاون مع اهلالل‬ ‫وعـلــى اسـتـعــداد للتعاون‪ ،‬فقد طلب منا اهلــال‬ ‫األمس ــاء الــي لدينا‪ ،‬طلب ‪ 300‬اســم فأعطيناه‬ ‫‪ 2300‬اســم‪ ،‬وأعلمناهم بأن ‪ 2000‬اسم من‬ ‫األمســاء املقدمة‪ ،‬مــدروس وجاهز‪ ،‬كي ال يعيدوا‬ ‫دراستهم‪ ،‬تــوفـراً للجهد والتعب‪ ،‬وأن ال ـ ‪300‬‬

‫‪7‬‬ ‫اس ــم املـتـبـقـيــة‪ ،‬ه ــم مم ــن س ـج ـل ـوا لــدي ـنــا حــدي ـث ـاً‪.‬‬ ‫وردتنا أنباء تفيد بأن االتحاد يقدم على إنشاء‬ ‫مركز في مدينة بنش للدفاع المدني‪ .‬نتمنى‬ ‫أن تحدثنا عن هذا المركز‪.‬‬ ‫هــذا صحيح‪ .‬فقد خرجنا أول دفعة من شباب‬ ‫مركز الدفاع املدين اجلديد الذي يتم العمل على‬ ‫جتهيزه يف مدينة بنش‪ ،‬وكان عددهم يقرب ‪21‬‬ ‫شـخـصـاً ي ـشــرف عـلـيـهــم احت ــاد ال ـل ـجــان ال ـثــوريــة‪،‬‬ ‫واآلن املركز سيفتتح أبوابه للعمل قريباً يف املدينة‪.‬‬ ‫تقدمت تنسيقية مدينة بنش بطلب انضمام‬ ‫التحاد اللجان الثورية‪ ،‬وذلك تطبيقاً لدعوة‬ ‫اهلل عز وجل في كتابه الكريم (واعتصموا‬ ‫بحبل اهلل جميعاً وال تفرقوا)‪ ،‬وانتظرت‬ ‫التنسيقية أكثر من خمسة أسابيع دون رد أو‬ ‫إجابة‪ ،‬إلى أن تم سحب الطلب من قبلنا‪ ،‬ما‬ ‫سبب المماطلة التي حصلت‪ ،‬وهل هناك ٍ‬ ‫أيد‬ ‫خفية تدخلت لرفض طلب التنسيقية؟‬ ‫ال‪ .‬ال توجد ٍ‬ ‫أيد خفية‪ ،‬ألن االحتاد كما أخربتك‬ ‫م ـ ـراراً‪ ،‬خــدمــي ولـيــس سـيــاسـيـاً أو عـسـكـريـاً‪ ،‬وال‬ ‫يــوجــد فـيــه مـنــاصــب يـُطـمــع فـيـهــا‪ ،‬فــاملـنــاصــب يف‬ ‫االحتـ ــاد تـكـلـيـفـيــة ولـيـســت تـشـريـفـيــة‪ ،‬فــاإلنـســان‬ ‫املتصدي ملهمة‪ ،‬جيب أن يكون فاعالً وأن يعمل‬ ‫ويـتـعــب‪ ،‬إذن اليــوجــد أي ـ ٍـد خفية مــن أي نــوع‪.‬‬ ‫وأثـنــاء اجتماعاتنا قـ ِـدم أحــد اإلخ ــوة مــن قبلكم‬ ‫فرحبنا به يف جلسة االحتاد‪ ،‬ووضحنا له أن تأخر‬ ‫الدراسة كان بسبب كسل بعض اإلخوة‪ ،‬وقدمنا‬ ‫لــه نـسـخــة مــن ال ـن ـظــام الــداخ ـلــي وم ـب ــادئ عمل‬ ‫االحت ــاد لــاطــاع عليها‪ ،‬وأعـلـمـنــاه أن تنسيقية‬ ‫بنش ‪-‬إن ناسبناهم العمل‪ -‬على الرحب والسعة‪.‬‬ ‫ومؤخراً‪ ،‬طرح جمــدداً أمر انضمام تنسيقية مدينة‬ ‫ب ـنــش ل ــاحت ــاد‪ ،‬ف ـك ــان ج ـواب ـن ــا‪« :‬أه ـ ـاً وس ـه ـاً‬ ‫بــاإلخــوة بالتنسيقية»‪ ،‬وأعلمنا اإلخ ــوة يف تركيا‬ ‫الــذيــن تـقــدمـوا بـطــرح انـضـمــام التنسيقية‪ ،‬لكي‬ ‫تقدموا دراس ــة عنكم وعــن برناجمكم وعملكم‪،‬‬ ‫وما حصل من مماطلة كان بسبب أخطاء مل نبلغ‬ ‫هبا بشكل مباشر‪ ،‬وقد حصل تغيب أو نسيان‪،‬‬ ‫وليس هناك من تعمد أو قصد‪ .‬أهالً وسهالً بكم‪.‬‬ ‫هل لديكم مالحظات على تنسيقية مدينة‬ ‫بنش؟‬ ‫بارك اهلل جبهود تنسيقية مدينة بنش‪ ،‬فقد بذلتم‬ ‫ج ـه ــداً كـ ـبـ ـراً‪ ،‬وأنـ ــا أح ــب يف ال ـش ـبــاب الـثـبــات‬ ‫واالسـتـمـراريــة‪ ،‬ومــا دام الشاب فاعالً إىل يومنا‬ ‫ه ــذا يف الـ ـث ــورة‪ ،‬ف ـهــو م ــن ال ــذي ــن حنـسـبـهــم ممن‬ ‫جي ــاه ــدون يف س ـب ـيــل اهلل‪ ،‬ومـ ــن ج ــان ــي أش ـكــر‬ ‫شباب التنسيقية الذين رأينا شعارهم من بداية‬ ‫ال ـثــورة وإىل يــومـنــا ه ــذا‪ ،‬فـلــم ي ـفــارق األح ــداث‪،‬‬ ‫وواكـ ــب ك ــل ش ــيء ومل يـقـصــر‪ ،‬ون ـس ــأل اهلل أن‬ ‫يتقبل عملكم‪ .‬هــذه ليست جماملة بــل حقيقة‪.‬‬


‫‪8‬‬

‫حصيدة‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫اإلسالميون والعلمانيون‪ ،‬آراء واتجاهات مختلفة‬ ‫من أوائــل النقاشات اليت واجهت الثوار وشباب‬ ‫الثورة‪ ،‬هو شكل الدولة بعد سقوط نظام األسد‪،‬‬ ‫فــأخــذ كــلٌّ يناقش وحيـلــل ال ـواقــع ال ـســوري حمــاوالً‬ ‫إقناع اآلخرين بشكل الدولة اليت يتبناها‪.‬‬ ‫وكانت أكثر الكلمات ترديداً على املسامع هي‬ ‫اإلسالمية والعلمانية‪ ،‬فأجرينا لقاء مع ناشطني‪،‬‬ ‫أحدمها يدعم أقامة دولــة إسالميّة واآلخــر دولة‬ ‫علمانية‪.‬‬ ‫ففي االجتاه اإلسالمي قال الناشط حممود مايلي‪:‬‬ ‫ـامــة ال حتيل ملدلول‬ ‫«االجت ــاه اإلســامــي كلمة عـ ّ‬ ‫واضـ ــح‪ ،‬ول ـكــن تـسـتـخــدم عـ ــاد ًة لــوصــف الـنــزعــة‬ ‫يتضمن‬ ‫اإلســام ـيــة ل ــدى الـنـخــب أواجمل ـت ـمــع‪ ،‬و ّ‬ ‫مــرج ـعــيّــة اإلس ـ ــام يف كــونــه ال ـنــاظــم للمجتمع‪،‬‬ ‫العامة‪ ،‬والــي ال‬ ‫وأســاس التشريع ومنطلق الــروح ّ‬ ‫حتضر لدى املسلمني وحدهم؛ باعتبار احلضارة‬ ‫اإلســامـيــة وامل ــوروث املـراكــم هــي أســاس الثقافة‬ ‫الـســائــدة الــي تفاعلت مــع رواف ــد خمتلفة‪ ،‬وهــذه‬ ‫املرجعيّة اإلسالمية يف احلكم ليست ممـّـا يُفرض‬ ‫على اجملتمع بقدر ما خيتارها‪ ،‬وبقدر ما إ ّن هذا‬ ‫حمصلة طبيعيّة لثقافته وبنيته اجملتمعيّة ‪،‬‬ ‫االختيار ّ‬ ‫كما أنّه ال وجود لدو ٍلة تنفصل عن ثقافة الشعب‬ ‫السائدة وموروثه ّإل كانت دولةً قمعيّة ديكتاتوريّة‬ ‫مفروضة من خارجه‪.‬‬ ‫إن أردن ـ ــا اس ـت ـخ ــدام «إس ــام ــيّ ــة» مب ـعــى اخل ـيــار‬ ‫السياسي‪ ،‬فال يلزم –على مستوى األمر الواقع‪-‬‬ ‫ـروع سـيــاسـ ّـي‬ ‫أ ّن األك ـث ـريــة املـسـلـمــة أك ـث ـريّـةُ م ـش ـ ٍ‬ ‫إس ــام ـ ّـي‪ ،‬لـيــس لــوجــود أيــديـولــوجـيــات علمانية‬ ‫خمتلفة حاضرٍة‪ ،‬و إّنا أل ّن هناك أكثر من مشروع‬ ‫اإلسالمي ليس هو‬ ‫إسالمي ممكن‪ ،‬أل ّن املشروع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اإلســام‪ ،‬و إّنــا هو اجتهاد يف اإلســام لتحقيق‬ ‫غــايــاتــه و حتقيق مـقــاصــده‪ ،‬وه ــذا االجـتـهــاد من‬ ‫طبعه أن يتع ّدد‪ ،‬أي أنـّنــا حــن نتكلّم عــن نزعة‬ ‫وحاضر أكثر‬ ‫التديّن فهي أمر سائد يف اجملتمع‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫يف اجملتمعات ذات اخلصوصية احملـلــيّــة والنسيج‬ ‫الرتامحي يف األريــاف‪ ،‬وهي اليت حضنت الثورة‪،‬‬ ‫ولـكــن ه ــذه الـنــزعــة هلــا أكـثــر مــن متـظـهــر‪ ،‬قــد ال‬ ‫تــرضــى مجـيـعـهــا ع ــن م ـش ــروع س ـيــاسـ ّـي إســامـ ّـي‬ ‫بالضرورة‪ ،‬ألنّه قد ال حي ّقق غاياهتا وال يتسق مع‬ ‫رؤيتها‪ ،‬سـواءٌ كان اخللل يف سلوكه السياسي أو‬ ‫الديين‪ ،‬دون أن يلغي ذلك أ ّن هتميش‬ ‫يف اجتهاده ّ‬ ‫الثقافة اإلسالمية هو هتميش للمجتمع‪.‬‬ ‫ليس لالجتاه اإلسالمي «اجتاه» واحد بالضرورة‪،‬‬ ‫معىن حم ّدد واحد بالضرورة أيضاً‬ ‫و ليس للخالفة ً‬ ‫‪ ،‬فـهــذه األحــاديّــة اخلـطــيّــة غــر متح ّققة بالنسبة‬ ‫لإلسالم السياسي (إن قبلنا هذه التسمية)‪ ،‬مع‬ ‫مالحظة أ ّن شعار «اخلالفة» ال يستخدم إلعالن‬ ‫شكل دو ٍلة ناجز وواضح بقدر ما يُظهر ملواجهة‬

‫ط علماينّ مقابل‪ ،‬فاخلالفة كمفهوم سياسي‬ ‫خـ ّ‬ ‫هــي ش ـكـ ٌـل تــارخيــي ال ميـكــن ت ـك ـراره‪ ،‬و ليست‬ ‫املتضمن يف الدين نفسه‬ ‫متضمنةً يف الدين نفسه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫هــو أن حتـ ّقــق الــدولــة ش ــروط حتكيم شــرع اهلل و‬ ‫األم ــة يف االخـتـيــار وال ـشــورى يف احلكم‬ ‫مرجعيّة ّ‬ ‫وإقــامــة الـعــدالــة بــن الـنــاس‪ ،‬وهــذه املـبــادئ ميكن‬ ‫يتغي شكل متظهرها حسب التاريخ واجملتمع‬ ‫أن ّ‬ ‫ألي شعب‪.‬‬ ‫املعريف‬ ‫و‬ ‫يعي‬ ‫ر‬ ‫التش‬ ‫اكم‬ ‫والرت‬ ‫ّ‬ ‫على مــدى أكثر من نصف قــرن‪ ،‬عانت شرائح‬ ‫واسعةٌ من الشعب من شعور التهميش واملعاداة‬ ‫ب ـس ـبــب ش ـك ــل احل ـك ــم ال ـ ــذي ي ـت ـخــذ ش ـع ــارات‬ ‫ـوجـهـةً لتجهيل الثقافة‬ ‫علمانيّة و بنيةً طائفيّة مـ ّ‬ ‫السائدة‪ ،‬من قبل نظام مل يكن له بغري ّقوة القمع‬ ‫والرتهيب أن يقوم ويستمر‪ ،‬إ ّن حماولة فرض ٍ‬ ‫نظام‬ ‫ّ‬ ‫يهمش الثقافة اإلســامـيــة‪ ،‬يعين حماولة‬ ‫علماينّ ّ‬ ‫استعادة نظام ديكتاتوري‪ ،‬ويعين يف الواقع القائم‬ ‫ـرب ال تنتهي مع ٍ‬ ‫استثارة حـ ٍ‬ ‫فئات لن ترضى أن‬ ‫ٍ‬ ‫تـتـنــازل إلرادة ال متثّلها‪ ،‬بعد أن دخـلــت معركةً‬ ‫طويلة ألجل ّأل تُسلب منها إرادهتا‪ ،‬و ّأل حتكمها‬ ‫أنظمةٌ ال تشبهها بغري األمســاء‪ ،‬ولذلك فمراعاة‬ ‫مركزيّة الثقافة اإلسالمية ومرجعيّتها هي السبيل‬ ‫اب آخر بني‬ ‫الذي يبدو األضمن ّ‬ ‫لئل ينشأ اغـ ٍر ٌ‬ ‫الــدولــة واجملتمع‪ ،‬ولتجنّب صـراعــات لــن تنتهي‪،‬‬ ‫وللتأسيس لقواعد تــداول ٍ‬ ‫سلطة هــادئ وعــادل‪،‬‬ ‫مــع احلــرص على عــدم قيام دولــة اسـتـبــداد باسم‬ ‫الــديــن‪ ،‬أل ّن ذل ــك سـيـكــون عـ ــداوًة لـلــديــن أكــر‬ ‫أضر‪».‬‬ ‫وأخطر و ّ‬ ‫ويف االجتاه العلماين قال الناشط براء مايلي‪:‬‬ ‫«العلمانية يف الـعـربـيــة مشتقة مــن م ـفــردة َعـلَــم‪،‬‬ ‫وهــي بــدورهــا قــادمــة مــن اللغات السامية القريبة‬ ‫منها وباإلجنليزية أو الفرنسية تعين «العامة» أو‬ ‫«الشعب»‪ ،‬وباألدب السياسي فصل الدين عن‬ ‫السلطة السياسية احلاكمة‪ ،‬فالدولة ال تتبىن فكراً‬ ‫يستند على ديــن حم ــدد‪ ،‬وهــي ب ــذات الــوقــت ال‬ ‫تـعــادي األدي ــان‪ ،‬بــل تــرك حـريــة ممــارســة العقائد‬ ‫والقناعات وال تفرض التزاماً بفكر معني‪ ،‬فتعتمد‬ ‫مـبــدأ امل ـســاواة بــأمــور املـواطـنــة‪ ،‬فجميع املواطنني‬ ‫مواطنون من الدرجة األوىل‪ ،‬والتفاضل بينهم ال‬ ‫يتم على أسس دينية أو أثنية أو عرقية‪ ،‬بل على‬ ‫أُســس علميّة وعملية تصب يف املصلحة العليا‬ ‫للوطن‪.‬ال ميكن نكران أ ّن الثقافة العامة يف بلداننا‬ ‫كم‬ ‫نابعة من األديــان‪ ،‬ولكن بنفس الوقت نعلم ّ‬ ‫امل ـزيــج الــديــي واأليــدي ـولــوجــي ال ــذي تـتـكــون منه‬ ‫سوريا‪ ،‬فمن املمكن أن تكون الثقافة العامة نابعة‬ ‫من األديــان ولكن هذا ال يعين أ ّن الرغبة العامة‬ ‫متتلك إرادة أن يكون نظام احلكم دينياً‪ ،‬فنرى‬ ‫أ ّن القاعدة الشعبية ميكن أن تكون ذات أغلبية‬

‫محمد الحاج‬

‫علمانيّة فالعلماين ال يعين أنه ال ينتمي إىل دين‪،‬‬ ‫بل أنّه ال يفضل احلكم على أساس ديين‪.‬‬ ‫العلمانية ال تلغي األدي ــان فعلى العكس متاماً‪،‬‬ ‫الـعـلـمــانــيّــة قــائـمــة عـلــى أسـ ــاس إع ـط ــاء احل ـريــات‬ ‫للجميع‪ ،‬فهي ال تلغيها وال تعاديها بل متنح حرية‬ ‫اختيار العقائد وممارستها‪ ،‬ولكنّها تعمل على إبعاد‬ ‫رجــال الــديــن عــن التفرد يف التحكم و والسلطة‬ ‫ومـقــدرات الشعب‪ ،‬وال تعمل حىت على إقصاء‬ ‫األديان من اللعبة السياسيّة بل هي مثال حقيقي‬ ‫على الدميقراطية واحلرية بإمياهنا بالتعددية السياسيّة‬ ‫وحــق اجلميع أن يكون ُمـَـثَـاً يف النظام احلاكم‪.‬‬ ‫لقد عانينا يف سوريا من تصنيف املواطنني على‬ ‫درجات بناءً على انتماءاهتم ووالءاهتم وماترتب‬ ‫على ذلــك من خلل وفساد يف مجيع مؤسسات‬ ‫الدولة‪ ،‬وإذا أردنــا أن نتبىن نظاماً حاكماً يستند‬ ‫على أُسس تعطي احلق ألفراد دون آخرين‪ ،‬بناءً‬ ‫على انتمائهم سوف نعود لنفس اخلندق‪ ،‬وهذا‬ ‫ليس من مبدأ رفــض األديــان أو حىت التشكيك‬ ‫مبضموهنا وإمكانية عدهلا‪ ،‬بل أل ّن الــذي سوف‬ ‫حيكم باسم الدين أو باسم «اهلل» هو إنسان‪،‬‬ ‫واإلن ـس ــان بطبعه مـفـعـ ّـم حبـبــه للسلطة ومستعد‬ ‫لتكريس ما ميكن تكريسه لنيلها‪ ،‬وعندما يكون‬ ‫والء األفراد ألفراد معينني مبنيّاً على أساس ديين‬ ‫فغالباً ما يتسم بالتعصب واالنصياع املطلق‪ ،‬وهذا‬ ‫ما يشكل شبحاً لدكتاتورية جديدة حتت مسمى‬ ‫ديين‪ ،‬تستغل الدين لتحقيق أهدافها السلطوية‪،‬‬ ‫وجند التخوفات مــررةً وخاصة عندما نرى تعدد‬ ‫األحـزاب والكيانات الدينية واختالف أحكامها‬ ‫يف كثري من األمــور‪ ،‬فكيف هلا هذا وهي تتكلم‬ ‫بشريعة الرب؟! وعندما نرى البعض يهتفون باسم‬ ‫قائد عريب دكتاتوري فقط النتمائه لِطائفة معينةن‬ ‫وهو بأفعاله حىت ال ينتمي هلذه الطائفة‪ ،‬ومنه فإن‬ ‫العلمانية هي احلل األمثل للحكم يف سوريا‪ ،‬فهي‬ ‫ال متنع التعددية السياسية‪ ،‬وهي الوحيدة الكفيلة‬ ‫بإبعاد شبح دكتاتورية جديدة حتت أي مسمى‪،‬‬ ‫فهي احلـريــات املبنيّة على أســاس اح ـرام اجلميع‬ ‫لعقائد ومقدسات اجلميع‪ ،‬واملساواة العادلة بني‬ ‫املواطنني‪ ،‬فتجعل ممارسة األنشطة البشرية حيتكم‬ ‫إىل قواعد وقوانني علميّة تتناسب ومستوى التطور‬ ‫يف اجملتمعات‪ ،‬فهي حتقق هلم العيش الكرمي يف‬ ‫ربوع الوطن الواحد‪».‬‬ ‫هذه هي آراء عينة من الناشطني املدنيني‪ .‬حاولنا‬ ‫تسليط الضوء على هذا النقاش الذي لطاملا كان‬ ‫حمتدماً بني اجلهات املختلفة‪ ،‬واضعني بني أيديكن‬ ‫وعقولكم وجهات النظر لتتمكنوا من التعرف ولو‬ ‫بشكل بسيط على ماهية ما يقال ويتداول بني‬ ‫األطراف املختلفة‪ ،‬ولكم حرية االختيار واحلكم‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫‪9‬‬

‫ع البيدر‬

‫التطرف في سوريا يشكل خطراً متنامياً على أوروبا‬ ‫النص العربي لمقابلة (عبد اهلل غول) مع صحيفة (الغارديان)‬

‫حاوره‪ :‬سيمون تيسدال ‪ -‬ترجمة‪ :‬نور مارتيني‬

‫تحدث الرئيس التركي (عبد اهلل غول) إلى صحيفة الغارديان في مقابلة نشرت بتاريخ ‪ 4‬نوفمبر‪ /‬تشرين الثاني‬ ‫‪ ,2013‬خالل عطلة نهاية األسبوع التي قضاها في مدينة (إدنبرة)‪ ،‬حيث حضر المؤتمر التركي‪ -‬البريطاني‬ ‫المشترك المسمى (تاتلي دل)‪ ،‬وقابل مواطنين اسكتلنديين من أصول تركية‪ ،‬وتلقى خاللها دعوة على العشاء‬ ‫من قبل دوق مدينة (يورك)‪ ,‬وهذه هي الترجمة العربية الكاملة لنص المقابلة‪.‬‬

‫يف لقاء حصري مع الرئيس الرتكي (عبد اهلل غول)‬ ‫يقول‪« :‬سوريا تواجه خماطر جدية بأن تتحول إىل‬ ‫أفغانستان جديدة على سواحل املتوسط»‪.‬‬ ‫إن األم ــة ال ـســوريــة حتـتـضــر فـيـمــا ي ـواصــل اجملتمع‬ ‫الدويل الالمبايل مراقبتها‪ ،‬كما أن الرقعة اجلغرافية‬ ‫الـ ــي تـشـغـلـهــا سـ ــوريـ ــا‪ ,‬تـ ـواج ــه خم ــاط ــر ال ـت ـحــول‬ ‫إىل «أفـغــانـسـتــان عـلــى س ـواحــل الـبـحــر األبـيــض‬ ‫امل ـتــوســط»‪ ،‬حبـســب مــا ص ــرح بــه الـرئـيــس الــركــي‬ ‫(عبد اهلل غول)‪.‬‬ ‫إضـفــاء نــزعــات الـتـطــرف على أن ــاس طبيعيني يف‬ ‫األساس من قبل فرق جهادية إسالمية‪ ،‬راح ينتشر‬ ‫على امتداد رقعة األرض السورية مشكالً خماطر‬ ‫مجــة على دول اجل ـوار‪ ،‬وال ــدول األوروب ـيــة أيضاً‪،‬‬ ‫وفق ما أدىل به الرئيس غول يف لقاء حصري مع‬ ‫جريدة الغارديان‪.‬‬ ‫ولـ ـك ــن ردود ف ـع ــل اجمل ـت ـم ــع ال ـ ـ ــدويل‪ -‬مب ــا فـيـهــا‬ ‫حلفاء تركيا‪ ،‬األمريكيني واإلنكليز‪ -‬جتاه أمنها‪،‬‬ ‫الـتـحــديــات اإلنـســانـيــة واألخــاق ـيــة ال ــي فرضتها‬ ‫األزمــة‪ ،‬كانت خميبة لآلمال‪ ،‬حسب ما أورد يف‬ ‫كرر وجهة نظره مراراً بأن أداء جملس‬ ‫اللقاء‪ -‬وقد ّ‬ ‫األمن‪ ،‬التابع ملنظمة األمم املتحدة كان خمزياً‪.‬‬ ‫وبلهجة ناقدة حادة يف بعض األحيان للسياسة‬ ‫األجنبية املتبعة حول سوريا‪ ،‬قال (غول) إن مقتل‬ ‫أكثر من ‪ 100,000‬مواطن ســوري‪ ،‬معظمهم‬ ‫من املدنيني‪ ،‬على مــدى ‪ 32‬شهراً من االقتتال‬ ‫كــان من املمكن جتنبه؛ حبسب شكواه‪ ،‬مل تلق‬ ‫اجلهود الرتكية للوساطة أي نوع من الدعم‪ ،‬بل‬ ‫وأبعد من ذلك‪ ،‬فقد مت تقويضها من قبل بعض‬ ‫القوى الغربية‪.‬‬ ‫ومع استمرار هذا الصراع الذي ال يبدي أية إشارة‬ ‫تدل أنه مقبل على هناية‪ ،‬تواجه تركيا حالة عارمة‬ ‫مــن ع ــدم االس ـت ـق ـرار‪ ،‬وجت ـريــد مــن الـسـيـطــرة على‬ ‫امتداد ‪ 565‬ميالً من احلدود مع سوريا‪ ،‬إن حالة‬ ‫التطرف العلوية والـكــرديــة مــن جهة‪ ،‬واملسلمني‬ ‫السنّة من جهة أخــرى تغزو املكونات السورية‪،‬‬ ‫وامـتــداد العدوى ببعض األم ـراض من قبيل شلل‬ ‫األطـفــال‪ ،‬السل‪ ،‬واحلصبة‪ ،‬والكثري من القضايا‬

‫امل ـس ـت ـجــدة‪ ،‬وم ــن بـيـنـهــا وص ــول ع ــدد الــاجـئــن‬ ‫السوريني يف تركيا إىل ‪ 500,000‬الجئ‪.‬‬ ‫ولـ ــدى س ـؤال ــه ح ــول خمــاطــر امـ ـت ــداد احلـ ــرب إىل‬ ‫خ ــارج األرض الـســوريــة‪ ،‬ص ـ ّـرح (غ ــول) بــأنــه‪ ،‬يف‬ ‫حــال تعرضت األراض ــي الرتكية إىل أي نــوع من‬ ‫أنواع االعتداء‪ ،‬أو االجتياح‪ ،‬فإهنا سرتد عسكرياً‬ ‫«بأقصى أشكال القوة املتاحة»‪.‬‬ ‫داع لـلـسـؤال عــن قضية‬ ‫وأردف قــائـاً‪« :‬مــا مــن ٍ‬ ‫كهذه‪ ،‬يف الواقع كنا قد أعلنّا سابقاً بأننا قد غرينا‬ ‫قـواعــد املـعــركــة‪ ،‬ومنحنا الـقـوات املسلحة الرتكية‬ ‫كامل الصالحية حيال هذه املسألة‪ ..‬ال أستطيع‬ ‫التكهن مبدى السوء الذي قد تصل إليه احلالة‪،‬‬ ‫فالوضع أساساً يف غاية السوء‪ .‬ولكن دعين أقل‬ ‫أيضاً إن ما نشهده ليس عبارة عن مسألة ثنائية‬ ‫ختص تركيا وسوريا‪ ،‬مل يسبق أن نشب أي نوع‬ ‫مــن أن ـواع الـنـزاع بيننا وبــن ســوريــا‪ ،‬ولكن عندما‬ ‫ب ــدأت ح ــاالت االنـتـهــاك حلـقــوق اإلن ـســان هــذه‬ ‫بــاحلــدوث‪ ،‬وارتـكـبــت اجمل ــازر حبــق سـكــان سوريا‬ ‫املدنيني‪ ،‬حتولت املسألة إىل قضية إنسانية‪ ،‬بالنسبة‬ ‫لنا مجيعاً‪ ،‬حنن من ندعى باجملتمع الــدويل‪ .‬املزية‬ ‫الوحيدة اليت جتعل تركيا منخرطة كل هذا االخنراط‬ ‫باملسألة السورية هي حق اجلوار‪ ،‬وأيضاً من زاوية‬ ‫أن تركيا تستضيف على أراضيها نصف مليون‬ ‫مـواطــن س ــوري‪ ،‬مــن بينهم ‪ 200,000‬ســوري‬ ‫يعيشون يف خمـيـمــات الــاجـئــن‪ ،‬و‪300,000‬‬ ‫آخرين يعيشون يف املدن الرتكية املختلفة‪ ،‬متدبرين‬ ‫شؤوهنم بطرقهم اخلاصة‪.‬‬

‫وزير الخارجية التركي‪ ،‬عبد اهلل غول‬ ‫كنا قد أنفقنا مبلغ ملياري دوالر أمريكي (‪1,25‬‬ ‫مـلـيــار يـ ــورو) كـمـصــاريــف م ــن أج ــل ال ـســوريــن‪،‬‬ ‫وسنستمر يف القيام بذلك‪ ،‬فاملسألة بالنسبة لنا‬ ‫إنسانية حبـتــة‪( ,‬ول ـكــن) مـشــاهــدة الــامـبــاالة من‬ ‫جانب اجملتمع الدويل‪ ،‬مسألة مؤسفة حقاً»‪.‬‬ ‫وق ــال (غ ــول) بــأنــه يف حــال اسـتـمــرت األم ــور يف‬ ‫التدهور يف ســوريــا‪ ،‬وتركت لتسري على عواهنها‬ ‫دومنــا رقــابــة‪ ،‬فــإن هــذا ينذر بتصاعد حــدة وتــرة‬ ‫التحديات األمنية ومكافحة اإلرهاب يف تركيا‪.‬‬ ‫«إذا ما بقي املناخ العام على ما هو عليه اليوم‪،‬‬ ‫ف ــإن ه ــذا سـيـقــود إىل م ـزيــد م ــن ال ـت ـطــرف‪ ،‬كما‬ ‫أن بعض الفصائل املنخرطة يف احل ــرب األهلية‬ ‫ستصبح أكثر حــدة يف الطباع‪ ،‬أكثر انقساماً‪،‬‬ ‫وستصبح خارج نطاق السيطرة متاماً‪ ،‬فضالً عن‬ ‫أهنــا ستنتشر يف شىت أصقاع ذلــك البلد؛ إذ أنه‬ ‫حتت ظروف كهذه‪ ،‬قد يتحول الناس الطبيعيون‬ ‫إىل متطرفني‪ ،‬وهــذا األمــر ال يشكل خطراً على‬ ‫معين هبا كل‬ ‫تركيا وحدها فحسب‪ ،‬بل إهنا قضية ٌّ‬ ‫إنسان على وجه البسيطة‪.‬‬ ‫ال أعتقد أن أح ــداً مــن املمكن أن يتساهل مع‬ ‫مـســألــة ك ــوج ــود دول ــة شـبـيـهــة بــأفـغــانـسـتــان على‬ ‫شواطئ البحر األبيض املتوسط‪ .‬وهلــذا السبب‪،‬‬ ‫ب ــات ل ـزام ـاً عـلــى اجملـتـمــع ال ــدويل أن يـتــوصــل إىل‬ ‫موقف صارم ومتماسك حيال ما يتعلق بسوريا»‪.‬‬ ‫ولـ ـك ــن‪ ،‬ل ـس ــوء احل ـ ــظ‪ ،‬ي ـب ــدو أن هـ ــذا امل ــوق ــف‬ ‫العاطفي راح يضمحل‪ ،‬يف وقــت كــان فيه البلد‬ ‫آخذاً باالهنيار‪.‬‬


‫‪10‬‬ ‫«بادئ ذي بدء‪ ،‬كانت النربة اخلطابية للمجتمع‬ ‫الــدويل عالية جــداً (كدعوة الرئيس بشار األسد‬ ‫للتنحي ف ــوراً)‪ ،‬ولكنها فيما بعد‪ ،‬تراجعت إىل‬ ‫ما هي عليه يف الوقت الراهن‪ .‬وهــذا‪ ،‬حبد ذاته‪،‬‬ ‫يشكل تناقضاً‪ .‬ومن الناحية األخالقية‪ ،‬هنالك‬ ‫دولة تدعى سوريا‪ ،‬وهي تنهك نفسها بنفسها‪،‬‬ ‫وتستهلك نفسها أيـضـاً‪ ،‬مــع العديد مــن الناس‬ ‫الــذيــن يـقـضــون حنبهم فـيـهــا‪ ،‬الـبــى التحتية فيها‬ ‫دمر‪ ،‬ما حيدث اآلن له الكثري من اآلثار السلبية‪،‬‬ ‫تُ ّ‬ ‫متفرجاً‪ ،‬ببساطة يراقب ما‬ ‫واجملتمع الدويل يقف ّ‬ ‫جيري‪ ،‬إنه ملدعاة لألسف حقاً!»‬ ‫وقال (غول) إن اجلهود الرتكية إلشراك (األسد)‬ ‫يف احلوار منذ سنتني خلتا‪ ،‬مل تلق الدعم الكايف‬ ‫من حلفاء تركيا الدوليني‪ ،‬ولكنها كانت لتقلل من‬ ‫مفاعيل الكارثة اليت حتدث اليوم‪.‬‬ ‫«لقد توجهنا إىل األسد باحلديث ألننا رغبنا يف‬ ‫أن حتل املسائل بوسائل سلمية‪ ،‬وهــذا اإلش ـراك‬ ‫عـلــى مجـيــع الـصـعــد‪ ،‬مل أك ــن وح ــدي مـعـنـيـاً بــه‪،‬‬ ‫رئيس الوزراء‪ ،‬وزير اخلارجية‪ ،‬مجيعنا بذلنا جمهوداً‬ ‫ك ـب ـراً‪ ،‬ويف ذل ــك الــوقــت واجـهـنــا ضـغــوطـاً حىت‬ ‫من حلفائنا‪ ،‬حيث قالوا يومها إنه يستغرق وقتاً‬ ‫طويالً‪ ،‬وإنه مل يكن ليؤدي إىل أية نتيجة‪ .‬هذا ما‬ ‫عنيته حبديثي عن النربة اخلطابية العالية للمجتمع‬ ‫ال ــدويل يف الـبــدايــات‪ ،‬كــان عليهم القيام بأفعال‬

‫ع البيدر‬

‫يدعمون من خالهلا أقواهلم‪ ،‬األمر الذي مل حيدث‬ ‫مطلقاً»‪.‬‬ ‫«ما قمنا به مل يؤت أكله‪ ،‬ومل يتبق لدينا الكثري‬ ‫ممــا ميـكــن الـقـيــام ب ــه‪ ،‬آم ــل أن يـكــون األس ــد قد‬ ‫استوعب ما كنا نقوله له‪ ،‬يف آخر رسائلي قلت‬ ‫لــه‪ ،‬إذا استمرت األمــور على ما هي عليه‪ ،‬فإن‬ ‫أي جمهود سيبذل سيكون ضئيالً جداً‪ ،‬ومتأخراً‬ ‫ج ــداً‪ ،‬وإن ــه جيــب أن يــأخــذ بــزمــام امل ـبــادرة ويقود‬ ‫التغيري يف ب ــاده‪ ،‬وبــذلــك لــن تنقسم ب ــاده إىل‬ ‫دويالت»‪.‬‬ ‫«لقد قرأ رساليت كاملة‪ ،‬وأبدى إعجابه بفحواها‪،‬‬ ‫مـشـراً إىل أن كــل مــا طرحته على غاية األمهية‪،‬‬ ‫ولكنه مل يعمل على تطبيق ما ورد فيها‪ ،‬بل إنه مل‬ ‫يقم بأي شيء على اإلطالق‪ .‬ولنكن أكثر دقة‪،‬‬ ‫لو أنه أعار انتباهاً لنصيحيت‪ ،‬فلرمبا مل يكن هؤالء‬ ‫األشخاص املئة ألــف ليموتوا‪ ،‬ومــا كانت سوريا‬ ‫لتواجه كل هذا الدمار‪».‬‬ ‫ك ـم ــا أوضـ ـ ــح «غ ـ ـ ـ ــول» أن ص ـف ـق ــة األس ـل ـح ــة‬ ‫الكيماوية املربمة مع األســد‪ ،‬والــي كانت روسيا‬ ‫عراهبا‪ ،‬كانت عبارة عن تشتيت للوقت واجلهود‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫استغلها األسد يف تدعيم مكانته‪.‬‬ ‫«ق ــد ي ـقــال ب ــأن األس ــد مــع الـ ــروس قــد أحـسـنـوا‬ ‫اس ـت ـخ ــدام فــرصــة األس ـل ـحــة ال ـك ـي ـمــاويــة‪ ،‬ولـكــن‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫الـسـؤال يـعــود ثانية إىل ملعب اجملتمع ال ــدويل‪..‬‬ ‫بالطبع حنــن يف غــايــة الـسـعــادة خبـصــوص مسألة‬ ‫األسـلـحــة الـكـيـمــاويــة‪ ،‬ونــدعـمـهــا بشكل كــامــل‪.‬‬ ‫ول ـكــن‪ ،‬هــل املـســألــة تـقــف عـنــد ح ــدود الـســاح‬ ‫ال ـك ـي ـمــاوي؟ هــل ميكننا اخـتـصــار كــل مــا جــرى‬ ‫مبـســألــة ال ـســاح الـكـيـمــاوي؟ أعـتـقــد أن تـســاؤالً‬ ‫أخالقياً ينبغي طرحه هنا على اجملتمع الدويل»‪.‬‬ ‫ولدى سؤاله فيما إذا كان على الواليات املتحدة‬ ‫وبريطانيا بذل جهد أكرب إلهناء األزمة‪ ،‬أجاب‪:‬‬ ‫«لقد كانت توقعاتنا خمتلفة متــامـاً‪ ،‬توقعنا منهم‬ ‫القيام بأكثر ممــا قــامـوا بــه‪ ،‬أعتقد أنــه مــن احملبط‬ ‫جــداً أن نــرى كل النقاشات ختفض إىل مستوى‬ ‫نقاشات حول األسلحة الكيماوية وحدها»‪.‬‬ ‫وقد ذكر (غول) بأنه من األمهية مبكان أن تكون‬ ‫التحضريات ملؤمتر (جنيف ‪ )2‬للسالم املزمع عقده‬ ‫يف الشهر اجلاري أفضل من التحضريات لسابقه‪.‬‬ ‫لقد شعر بأن مؤمتر لندن جملموعة أصدقاء سوريا‬ ‫الــذي عقد الشهر املــاضــي‪ ،‬قــد يساهم يف دعم‬ ‫جمهودهم‪ .‬ولكنه أعرب عن أمل ضئيل بان حيرز‬ ‫لقاء جنيف املقبل تقدماً كبرياً‪ ،‬فيما لو حدث‪،‬‬ ‫ويف توقيت انعقاده‪.‬‬ ‫ـدمــر‪ ..‬ومــن وجهة نظري‪ ،‬ليس هنالك‬ ‫«البلد تُـ ّ‬ ‫الكثري مما ميكن القيام به اآلن»‪.‬‬

‫الشيخ (أبو أحمد الرقاوي) على بيادر حنطة‬

‫حنطة – مكتب الرقة‬

‫«ثورة الكرامة أشعلها أهل درعا‪ ،‬من أجل تحرير اإلنسان‪ ،‬ليعيش بال قيود يفرضها النظام على الجميع»‪ .‬موقفه‬ ‫كرجل دين من الدولة المدنية ومن الظواهر الجديدة على مجتمعنا‪ ،‬في حوار أجراه معه مكتبنا في الرقة‪.‬‬ ‫بدأ الشيخ أبو أحمد بدراسة العلم الشرعي في مدينة تل أبيض قضاء الرقة‪ ،‬ثم عمل كخطيب في مساجد ريف‬ ‫الرقة لمدة ثماني سنوات‪ ،‬ودرّس مادة التربية اإلسالمية للمرحلة اإلعدادية وعمل معلماً لمرحلة التعليم‬ ‫األساسي لست سنوات‪ ،‬إلى أن منع من التعليم‪ ،‬وكذلك عزل عن الخطابة في المساجد بأمر من شعبة المخابرات‬ ‫العامة بدمشق بسبب مخالفته ألفكار النظام‪ ،‬الذي كان يحاسب على النوايا قبل األفعال‪ ،‬فكان كثيرون من‬ ‫زمالئه ضحايا لمثل هذه التهم‪ ،‬وقد اعتقلوا لسنوات»‪.‬‬ ‫• ما هو رأيك‪ ،‬كرجل دين فيما تشهده سوريا‬ ‫منذ حوالي الثالثة أع ــوام‪ ..‬الـثــورة‪ ،‬المقاومة‬ ‫الشعبية‪ ،‬المعارضة‪ ،‬النظام السوري‪..‬؟‬ ‫قامت هــذه الثورة املباركة ضــده ومــن أجــل حترير‬ ‫األنسان السوري من العبودية والذل والتخلص من‬ ‫سياسة تكميم األفواه ومصادرة احلريات‪ ،‬وقد ولد‬ ‫الناس باألصل أحراراً كما قال أمري املؤمنني عمر‬ ‫(مىت استعبدمت الناس وقد ولدهتم أمهاهتم أحراراً)‪،‬‬ ‫وبناء على ذلك فقد أيدنا الثورة ودعمناها بقوة‬ ‫مـنــذ الـلـحـظــات األوىل الن ــدالع ـه ــا‪ ،‬وعـمـلـنــا يف‬ ‫خاص حنطة ‪ -‬جامع في الرقة‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫البداية وكــأي ثــورة قامت ضد األنظمة الفاسدة‬ ‫بالطرق السلمية ولكن أىب نظام األســد إال أن‬ ‫يغري مسار الثورة من السلمية إىل التسلح‪ ،‬وذلك‬ ‫مــن خ ــال اسـتـخــدامــه ال ـقــوة الـعـسـكـريــة املفرطة‬ ‫ضد أبناء الشعب السوري‪ ،‬حيث استخدم كافة‬ ‫أنـ ـواع األسـلـحــة التقليدية مــن دبــابــات ومدفعية‬ ‫ثقيلة وصواريخ أرض أرض وطائرات‪ ،‬ومل يكتف‬ ‫بذلك‪ ،‬بل استخدم األسلحة احملرمة دوليا على‬ ‫مرأى ومسمع العامل املتحضر بأسره مبا يف ذلك‬ ‫امل ـعــارضــة يف اخلـ ــارج‪ ،‬ال ــي ع ــول عليها الشعب‬ ‫ال ـســوري ك ـث ـراً يف ال ـبــدايــة‪ ،‬لكنها أي ـض ـاً خذلته‬ ‫كما خــذلــه الـعــامل‪ .‬اآلن الشعب الـســوري ألقى‬ ‫بكل الشعارات ورفع شعارا واحــدا‪ ً:‬يا اهلل ما لنا‬ ‫غريك يا اهلل‪ .‬فاملعارضة اليت تقبع اآلن يف فنادق‬ ‫اسطنبول ال متثل إال نفسها‪.‬‬ ‫• تل أبيض مدينة متنوعة دينيا وقوميا‪ ،‬تواردت‬ ‫أنباء عن تهجير بعض العوائل على أساس ديني‬ ‫وقــومــي‪ ،‬مــا صحة هــذه األن ـبــاء‪ ،‬ومــا الحكم‬ ‫الشرعي في هكذا حاالت؟‬ ‫ح ــول س ـؤالــك عــن الـتـهـجــر‪ ،‬ه ــذا ال ـكــام ليس‬ ‫صحيحاً‪ .‬فالشعب الـســوري نسيج متكامل ال‬ ‫ميكن أن ينفي بعضه اآلخــر‪ ،‬فهو متعايش على‬ ‫هذه األرض منذ آالف السنني‪ ،‬وإن كنت تقصد‬ ‫املــوقــف مــن األخ ــوة األك ـ ـراد فـهــم شـعــب مسلم‬ ‫يعيش على هذه األرض‪ ،‬له ما لنا وعليه ما علينا‬ ‫و ليس لنا أي خالف معه إمنا خالفنا حنن وهم‬ ‫مع احلزب االنفصايل الذي يسعى لتقسيم البالد‬ ‫إىل كيانات متعددة‪ ،‬أما باقي األخوة األكراد فهم‬ ‫مــرحــب هبــم يف بلدهم ولـيــس لنا معهم وال مع‬ ‫غريهم من األديان األخرى أي خالف‪.‬‬ ‫• ظهرت في اآلونة األخيرة عدة فتاوى غريبة‬ ‫عــن المجتمع ال ـســوري‪ ،‬تــدعــو إلــى التضييق‬ ‫على الحريات الشخصية‪ ،‬كيف تنظرون إلى‬ ‫هكذا فتاوى وما هو الحكم الشرعي لها؟‬ ‫أم ــا عــن ال ـف ـتــاوى‪ ،‬ف ــإن كــانــت ختــالــف الـكـتــاب‬ ‫والـسـنــة فهي فـعـاً تضييق وم ـصــادرة للحريات‪،‬‬ ‫أما إن كانت مستمدة من الكتاب والسنة النبوية‬ ‫فـهــي تــوسـعــة لـلـنــاس‪ .‬كـيــف؟ ألهنــا حتـفــظ دينهم‬ ‫وكرامتهم‪ ،‬وحتــرم دماءهم وحتفظ أمواهلم من أن‬ ‫يستبيحها من كان جيهل أمور وأحكام دينه‪ ،‬وأما‬ ‫إن قصدت يف سؤالك احلجاب‪ ،‬فهذا فيه حفظ‬ ‫ألعراض املسلمني واألدلــة على ذلك كثرية‪ ،‬فقد‬ ‫أمــر اهلل سبحانه نبيه عليه الصالة والـســام بأن‬ ‫يــأمــر نـســاءه و بناته ونـســاء املسلمني أن يدنني‬ ‫عليهن من جالبيبهن وذلــك أدىن أن يعرفن فال‬ ‫يؤذين‪ .‬أي حىت ال يعرفهن الناظر إليهن ويؤذيهن‬ ‫بالكالم عنهن من خالل وصفه هلن‪.‬‬ ‫• هــل يـتـعــارض مفهوم الديمقراطية ومفهوم‬

‫ع البيدر‬

‫الــدولــة المدنية مــع الشريعة اإلســامـيــة‪ ،‬أين‬ ‫يـتــوافــق وأي ــن يـتـعــارض الـفـكــر اإلس ــام ــي مع‬ ‫الفكر الديمقراطي؟‬ ‫عــن موقف اإلس ــام مــن املدنية فــاإلســام دائما‬ ‫مع التطور والتقدم والرقي ومع العمل املؤسسايت‬ ‫امل ـت ـطــور‪ ،‬ألن ب ــاب الـعـلــم وال ـت ـقــدم يف اإلس ــام‬ ‫مـفـتــوح‪ ،‬الـبـعــض يفهم املــدنـيــة عـلــى أهن ــا احنــال‬ ‫خلقي وإباحية‪ ،‬وهذا خطأ‪ .‬يقول اهلل عز وجل‬ ‫(وم ــا أوتـيـتــم مــن العلم إال قـلـيـاً)‪ ،‬ويـقــول النيب‬ ‫صلى اهلل عليه وسلم‪( :‬طلب العلم فريضة على‬ ‫كل مسلم و مسلمة)‪ ،‬فليس هناك أي تعارض‬ ‫بــن اإلس ــام واملــدن ـيــة‪ .‬اإلس ــام هــو ال ــذي نقل‬ ‫الناس من حياة البداوة إىل حياة التحضر واملدنية‪،‬‬ ‫أمــا الدميقراطية فــإن كــان معناها حرية الـرأي فال‬ ‫بأس‪ ،‬وأما إن كان املقصود هبا نظام احلكم فهي‬ ‫تتعارض مع اإلسالم ألن قانون احلكم والدستور‬ ‫ال ــذي حتـكــم بــه الـشـعــوب هــو مــن صـنــع البشر‪،‬‬ ‫وه ــذا مــرفــوض يف اإلس ــام‪ ،‬ألن املـشــرع هــو اهلل‬ ‫سبحانه وتـعــاىل‪ ،‬وهــو الــذي وضــع القوانني اليت‬ ‫جيب أن حتكم البشر ألن فيها العدل واملساواة‬ ‫بني مجيع البشر‪( .‬ال فضل لعريب على أعجمي إال‬ ‫بالتقوى)‪ ،‬كما جاء يف احلديث الشريف‪ .‬وقبل‬ ‫ذلك يقول اهلل سبحانه وتعاىل (يا أيها الناس إنا‬ ‫خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل‬ ‫لتعارفوا إن أكرمكم عند اهلل أتقاكم)‪.‬‬ ‫• الخالفات بالرأي بين األطراف قادت بعض‬ ‫المجموعات إلى التطرف في طرح أفكارها‪،‬‬ ‫مما أدى إلى صدامات بين بعض المجموعات‪،‬‬ ‫ما هي نظرتكم في هكذا حاالت؟‬ ‫اخلالفات بالرأي حتصل عند كل الشعوب‪ ،‬فكل‬ ‫شخص له رأيــه اخلــاص به يف موضوع مــا‪ ،‬لكن‬ ‫كــل األطـ ـراف الــي ختتلف بــالـرأي لديها ثوابت‬ ‫مت َفق عليها‪ ،‬ترتكز عليها وال ميكن أن تتنازل‬ ‫عنها‪ ،‬وكلما زاد االختالف بالرأي توسعت آفاق‬ ‫الفكر‪ ،‬وعلى أثر ذلك ممكن أن تتوسع املشاريع‬ ‫ويف النهاية يكمل بعضها بعضاً‪ .‬أما كأفكار من‬ ‫الناحية الدينية‪ ،‬فكل األطراف متفقة على ثوابت‬ ‫أســاسـيــة كـمــا قـلــت ل ــك‪ ،‬لـكــن هـنــاك خــاف ـاً يف‬ ‫الفروع وبعض املسائل الفقهية‪.‬‬ ‫• هــل تـحــدثُـنــا عــن عــاقـتـكــم مــع الـمـشــاريــع‬ ‫الـمــدنـيــة ال ـتــي ن ـراه ــا ف ــي الـمـنــاطــق الـمـحــررة‬ ‫كالمجالس المحلية أو المنظمات المدنية؟‬ ‫حنــن مــع دعــم املـشــاريــع اخلدمية ونـقــوم مبساعدة‬ ‫امل ـن ـظ ـمــات ال ــدول ـي ــة خ ـصــوصــا يف اجملـ ــال الـطــي‬ ‫والتعليمي واإلغاثي‪.‬‬ ‫• ما رأيكم في حاالت االختطاف والقتل التي‬ ‫تقوم على خالف في الرأي أو المعتقد‪ ،‬وفي‬ ‫التجاوزات التي تحصل باسم الثورة؟‬

‫‪11‬‬ ‫ـرت أن ه ـنــاك أخ ـطــاء حتـصــل بــاســم ال ـثــورة‪:‬‬ ‫ذكـ ـ ُ‬ ‫األخطاء اليت ميكن أن حنملها للثورة والثوار هي‬ ‫بعض األخطاء غري املقصودة‪ ،‬ألن الــذي يعمل‬ ‫بالتأكيد هو بشر وليس معصوماً عن اخلطأ‪ ،‬وحنن‬ ‫املسلمني لدينا قاعدة ربانية كما جاء يف احلديث‬ ‫الـقــدســي (كــل ابــن آدم خـطــاء‪ ،‬وخــر اخلطائني‬ ‫ال ـت ـوابــون)‪ّ ،‬أم ــا أن حنـمــل ال ـثــورة بـعــض األخـطــاء‬ ‫الفادحة اليت فيها ضرر للناس من حيث ختريب‬ ‫املـمـتـلـكــات وم ــن نــاحـيــة الـتــدخــل يف املـعـتـقــدات‬ ‫ف ـه ــذا ل ـيــس م ــن ع ـمــل الـ ـثـ ـوار وال م ــن أهـ ــداف‬ ‫ثــورتـنــا امل ـبــاركــة ال ــي قــامــت بــاألصــل ضــد الظلم‬ ‫واالضطهاد ومصادرة احلريات كم ذكرنا آنفاً‪ .‬ال‬ ‫أخفيك حصلت بعض األخطاء‪ ،‬لكنها ال متثل‬ ‫اإلسالم وال األخوة اجملاهدين من كل الفصائل‪،‬‬ ‫ومــا حصل يف الكنيسة ليس للكتائب اجملاهدة‬ ‫على األرض عالقة به ال من بعيد وال من قريب‪،‬‬ ‫فنحن املسلمني ال منيز بني أبناء الشعب الواحد‪،‬‬ ‫وال نفضل فئة على أخرى من ناحية املعاملة يف‬ ‫توفري مستلزمات احلياة اليومية والطبية واخلدمات‬ ‫كالكهرباء واملاء والنظافة والطبابة وغريها‪.‬‬ ‫• هــل ك ــان لـكــم كــرجــل دي ــن دور فــي تعزيز‬ ‫التعايش المشترك داخل تل أبيض وبقية المدن‬ ‫السورية؟ حدثنا عن هذا الدور‪.‬‬ ‫بقية الطوائف واملـلــل األخــرى مــن غــر املسلمني‬ ‫الــذيــن يعيشون معنا عـلــى ه ــذه األرض‪ ،‬نتمىن‬ ‫عليهم أن يلتحقوا بركب الثورة ويقفوا مع من قام‬ ‫على الظلم واالسـتـبــداد ومـصــادرة احلـريــات‪ ،‬وأن‬ ‫يق ّدروا عالياً ما قام به أهل هذا البلد من املسلمني‬ ‫السنة من تضحيات جسام سواء من حيث تقدمي‬ ‫القوافل من الشهداء الذين هم من خرية أبناء هذه‬ ‫األمــة من أجــل استعادة األمــة لكرامتها املسلوبة‬ ‫منذ أكثر من ‪ 40‬عاماً على يد العصابة النصريية‬ ‫اجملرمة الــي قامت على الظلم والقتل واالعتقال‬ ‫وهــدم وتــدمــر املـنــازل وهتجري الـنــاس اآلمـنــن من‬ ‫بـيــوهتــم وتـشـريــدهــم يف أص ـقــاع األرض يفرتشون‬ ‫الرتاب ويلتحفون السماء ‪.‬‬ ‫• هل أنت متفائل بمستقبل البلد‪ ..‬كيف ترى‬ ‫مستقبل سوريا؟‬ ‫الكالم عن املستقبل؟ ال نستطيع إال أن نسأل‬ ‫اهلل عز وجل أن حيقن دماء املسلمني وأن حيفظ‬ ‫عليهم ديـنـهــم‪ ،‬ألن املستقبل عـلــم غـيــب وعلم‬ ‫الـغـيــب ال يعلمه إال اهلل سبحانه (ق ــل ال يعلم‬ ‫الغيب يف السماوات واألرض إال اهلل)‪.‬‬


‫‪12‬‬

‫جرن حنطة‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫التنظيمات الجهادية واستراتيجية الجبهات المفتوحة‬ ‫عابد ملحم‬

‫تعرتف التنظيمات اجلهادية مبختلف تنظيماهتا‬ ‫وعلى رأسها القاعدة‪ ،‬بفشل شبه كامل عرب عقود‬ ‫طــويـلــة مــن الــزمــن حــاولــت فيها الـقـيــام بتأسيس‬ ‫اخل ــاف ــة ال ـ ـراشـ ــدة ع ـلــى أنـ ـق ــاض دول حيكمها‬ ‫«ال ـصــائــل» امل ـب ــدل للشريعة اإلســام ـيــة بــأخــرى‬ ‫وضعية‪ ،‬فمنذ ُ أن خرجت تلك التنظيمات من‬ ‫رحم أفكار (سيد قطب) إثر االنقالب الفكري‬ ‫عام ‪ 1965‬الــذي قــاده ضد الناصرية مستلهماً‬ ‫ج ـ ّـل أف ـكــاره مــن املـفـكــر ومــؤســس حــركــة الــدولــة‬ ‫اإلســامـيــة يف اهلند (أيب األعـلــى املـ ــودودي)‪ ،‬ال‬ ‫سيما رســالـتــهُ املــوســومــة ب ـ (املصطلحات األربعة‬ ‫يف الـ ـق ــرآن)‪ ،‬مـ ــروراً حبــركــات الـتـحــرر اإلســامـيــة‬ ‫يف املـغــرب وص ــوالً إىل احل ــادي عشر مــن أيلول‪/‬‬ ‫سبتمرب‪ ،‬شكلّت ما ميكن أن يكون منهجاً عملياً‬ ‫ومرجعاً لكل من أتى بعد ذلك‪.‬‬ ‫وألن تـلــك التنظيمات ال ــي ظـهــرت هـنــا وهـنــاك‬ ‫وخ ــاض ــت أش ـ ــرس ال ـع ـم ـل ـيــات اجل ـه ــادي ــة خــال‬ ‫أكـثــر مــن ثــاثــن عــام ـاً حــى ال ـعــام ‪ ،2000‬مل‬ ‫تـكــن لـتـحـقــق م ــا ن ـ ـراه ال ـي ــوم عـلــى كــافــة الـصـعــد‬ ‫لــوال منظروها الــذيــن أخ ــذوا على عاتقهم وضع‬ ‫النظريات اجلهادية وتدريسها للوصول إىل املبتغى‪،‬‬ ‫رغم كثرة األخطاء والوقوع يف مطبات الفشل يف‬ ‫أحيان كثرية‪.‬‬ ‫ومضة تاريخية‬ ‫بدأ التيار اجلهادي نشاطه الفعلي يف العام ‪1965‬‬ ‫من خالل عدة تنظيمات مل تكن ترتبط ببعضها‬ ‫الـبـعــض‪ ،‬إمنــا تتغذى بشكل رئـيــس على أفكار‬ ‫(سيد قطب) وآخـريــن ممن وضعوا أســس العمل‬ ‫املسلّح فكانت (التنظيمات السرية ال ُقطرية)‪ ،‬كما‬ ‫يسميها (أبــو مصعب الـســوري) أحــد أبــرز وأهم‬ ‫منظري القاعدة‪.‬‬ ‫وتعتمد تـلــك التنظيمات الـسـريــة الـ ُقـطـريــة (أي‬ ‫ضـمــن الـقـطــر الـ ـواح ــد)‪ ،‬ال ـس ـلّــم اهل ــرم ــي‪ ،‬حيث‬ ‫يكون هلا أمري يرتبط به جملس شورى وكل عضو‬ ‫مبجلس الـشــورى يرتبط بــه ثالثة وكــل واحــد من‬ ‫الـثــاثــة يـرتـبــط خبـمـســة‪ ..‬وه ـكــذا‪ ،‬وه ــو أسـلــوب‬ ‫اعتمد بشكل رئيسي طوال ‪ 35‬عاماً (حىت عام‬ ‫‪ )2000‬يف العمل اجلهادي‪ ،‬حيث ظهرت حركة‬ ‫الشبيبة املغربية يف عام ‪ 1963‬قبل أن تتبلور الرؤية‬ ‫يف مصر (سيد قطب ‪ ،)1965‬كما ظهرت يف‬ ‫العام نفسه جتربة مماثلة على يد مروان حديد يف‬ ‫ســوريــا وهــي احملــاولــة املسلحة اجلهادية األوىل يف‬ ‫البالد‪ ،‬تلتها حركة (إكينجلر)‪ ،‬وتعين الطليعة‪،‬‬ ‫يف تركيا عام ‪ ،1969‬مث يف عام ‪ 1974‬ظهرت‬ ‫احل ــرك ــة اإلســام ـيــة (ح ــرك ــة مـصـطـفــى ب ــو عـلــي)‪،‬‬

‫الكرة يف سوريا ‪ ،1981‬ومصر ‪،1980‬‬ ‫لتعاود ّ‬ ‫وليبيا ‪.1989‬‬ ‫متيزت تلك احلــركــات بأهنا كانت فقرية إىل حد‬ ‫كـبــر بــاخل ـرات االسـراتـيـجـيــة وتــدفـعـهــا العاطفة‬ ‫والـتـهـ ّـور‪ ،‬خاصة أهنــا سريّة وتتبع التنظيم اهلرمي‬ ‫الذي أثبت فشله أمام تطور أدوات وآليات عمل‬ ‫النظام العاملي اجلديد مع بداية التسعينيات‪.‬‬ ‫وأوىل جتليات هــذا الفشل الــذي واجهته تلك‬ ‫التنظيمات هو الفشل العسكري‪ ،‬حيث أخفقت‬ ‫أم ــام أج ـهــزة امل ـخــاب ـرات واجل ـيــوش ال ــي واجهتها‬ ‫عـس ـك ـري ـاً‪ ،‬كـمــا فـشـلــت أم ـن ـي ـاً‪ ،‬حـيــث أن مجيع‬ ‫احلكومات اليت واجهت تلك التنظيمات أجادت‬ ‫تفكيكها واخرتاقها‪ ،‬وســوى أن الفشل الدعوي‬ ‫املتمثل حبشد األمــة يف تلك القضية مل يتحقق‪،‬‬ ‫حـيــث وق ــف معظم مــن ك ــان يـفــرض أن يكون‬ ‫معنياً (املـسـلـمــون) ضــد تـلــك الـتـنـظـيـمــات‪ ،‬فــإن‬ ‫الفشل السياسي وهو األهم كان الضربة الكربى‬ ‫اليت أعاقت حتقيق اهلدف الكبري وهو «اإلطاحة‬ ‫حبـكــومــة م ـرتــدة مـبــدلــة لـشــرع اهلل وإق ــام ــة خالفة‬ ‫راشدة على أنقاضها»‪.‬‬ ‫ويتحمل التنظيم اهلرمي املذكور‪ ،‬حبسب منظري‬ ‫اجل ـ ـهـ ــاد‪ ،‬املـ ـس ــؤولـ ـي ــة األك ـ ــر يف ت ـف ـك ــك تـلــك‬ ‫التنظيمات مــن جـهــة‪ ،‬ووص ــول دول الـعــامل إىل‬ ‫صيغ احرتافية للعمل واملواجهة‪ ،‬بلورها فيما بعد‬ ‫ما مسي النظام العاملي اجلديد من جهة أخــرى‪،‬‬ ‫حيث كان العنصر اجلهادي يعمل ضمن القطر‬ ‫الـواحــد بشكل سـ ّـري‪ ،‬وعندما كــان يالحق فإنه‬ ‫يفر إىل دول اجلـوار ويتابع احلركة‪ ،‬لتظهر مطلع‬ ‫ّ‬ ‫الثمانينيات اتفاقيات التعاون اإلقليمي األمــي‪،‬‬ ‫فمثالً وقّعت سوريا اتفاقيات أمنية مع دول جماورة‬ ‫كالعراق وتركيا واألردن ولبنان‪ ،‬يعتقل مبوجبها‬ ‫املطلوبون للحكومة السورية‪ ،‬وكذلك العكس‪،‬‬ ‫األمر الذي اضطر املقاتلني إىل توسيع دائرة الفرار‬ ‫إىل بالد أخرى ملتابعة احلركة‪.‬‬

‫جهاديون في الشمال السوري‬ ‫وعندما استشعر العامل خطورة األمر بدأت مالمح‬ ‫النظام العاملي اجلديد بالظهور‪ ،‬وأصبح العناصر‬ ‫املطلوبة تسلم حلكوماهتا مبوجب اتفاقيات دولية‪،‬‬ ‫لرتى التنظيمات اجلهادية نفسها حماطة بطوق ال‬ ‫فـكــاك منه سيما أن نـظــام القطبني ال ــذي اهنــار‬ ‫عقب اهنـيــار االحتــاد السوفييت وظـهــور أمريكا كـ‬ ‫مايسرتو هلذا العامل جعل األمر أكثر تعقيداً‪ ،‬كما‬ ‫عزز اسرتاتيجيات التعاون األمين الدويل‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫يف ه ــذه األث ـن ــاء ب ــدأت الـتـنـظـيـمــات تـعـيــد مللمة‬ ‫شتاهتا وتنتظم من جديد‪ ،‬إال أهنا أدركــت‪ ،‬هذه‬ ‫املرة‪ ،‬أن اخلسائر الفادحة اليت تلقتها يف عدد كبري‬ ‫من الدول جيب أن يتم جتاوزها فتم نسف نظرية‬ ‫التنظيم ال ـسـ ّـري اهلــرمــي وال ــذي أودى بشبكات‬ ‫كاملة مــن اجملــاهــديــن (يـعــرف العنصر يف حال‬ ‫االعـتـقــال على األم ــر ال ــذي فــوقــه وال ــذي جبانبه‬ ‫واألخري يعرتف على من جبانبه ومن فوقه وهكذا‬ ‫حىت الوصول إىل الرأس فينفرط العقد)‪ ،‬وهلذا كان‬ ‫جيب إجياد البديل‪.‬‬ ‫رأى مـنـظــرو اجل ـهــاد وعـلــى رأس ـهــم أب ــو مصعب‬ ‫السوري (عمر عبد احلكيم)‪ ،‬أن نظام اجلبهات‬ ‫املـفـتــوحــة ك ــان أجـ ــدى‪ ،‬وه ــو ن ـظــام يعتمد على‬ ‫سـفــر «اجملــاهــد» إىل املـنــاطــق الـســاخـنــة وخـطــوط‬ ‫اجل ـب ـه ــات‪ ،‬وهـ ــذا م ــا ح ـصــل ف ـكــان م ــا ك ــان يف‬ ‫أفغانستان والشيشان والبوسنة واهلــرســك والقرن‬ ‫األفريقي‪ ،‬والفلبني وكشمري‪.‬‬ ‫ومتيزت تلك الطريقة بالعلنية‪ ،‬بعكس التنظيمات‬ ‫ال ـس ـريــة‪ ،‬وق ــد حـ ّقـقــت جن ــاح ـاً ب ــاه ـراً عـلــى كــافــة‬ ‫األص ـعــدة‪ ،‬أوهل ــا الـنـجــاح الـعـسـكــري ولــو بـصــورة‬ ‫نسبية‪ ،‬وص ـمــدوا ألول مــرة أم ــام قــوى عسكرية‬ ‫عـظـمــى‪ ،‬ومل تشهد التنظيمات اجلـهــاديــة هـزميـةً‬ ‫ساحقة إال ما ندر يف اجلبهات املفتوحة‪ ،‬واألهم‬ ‫من ذلــك هو النجاح على الصعيد األمــي‪ ،‬فقد‬ ‫حفظت اجلبهات املفتوحة التنظيم من التفكك‪،‬‬ ‫ألن ــه ال دور لـلـمـخــاب ـرات وأج ـه ــزة األمـ ــن على‬ ‫اجلبهات‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫وللنجاح األمــي جوانب أخــرى كانت من نتائج‬ ‫هذه السياسة اجلديدة‪ ،‬وهو احلفاظ على اجملاهد‬ ‫من افتضاح أمره يف حال مل يكن يريد ذلك‪ ،‬فقد‬ ‫كان الشخص يسافر من دولته إىل الشيشان على‬ ‫سبيل املثال ويعود وكأنه مل يفعل شيئاً‪ ،‬كما أن‬ ‫للحيلة يف هذه احلالة أوجه كثرية أدت إىل انعدام‬ ‫وجود املشكلة األمنية من أساسها‪.‬‬ ‫أهم ما ميز اجلبهات املفتوحة أيضاً‪ ،‬وهو ما مل‬ ‫تشهده كــل الـطــرق البالية السابقة‪ ،‬هــو النجاح‬ ‫الــدعــوي اهلــائــل عـلــى مـسـتــوى «األمـ ــة»‪ ،‬حيث‬ ‫تعاطف املسلمون مع تلك التنظيمات يف أماكنها‬ ‫املختلفة (أفغانستان األوىل والثانية‪ ،‬الشيشان‪،‬‬ ‫البوسنة واهلرسك‪ ،‬العراق)‪ ،‬هلذا عالقة رمبا بكون‬ ‫اجملاهدين كانوا يف الغالب حياربون قوى احتالل‪.‬‬ ‫المراحل الخمس‬ ‫لعبت أحــداث احلــادي عشر من أيلول‪ /‬سبتمرب‬ ‫‪ 2001‬دوراً مـفـصـلـيـاً يف م ــا ميـكــن أن يسمى‬ ‫املــرحـلــة األوىل مــن املـخـطــط اجل ـه ــادي املــوضــوع‬ ‫بدقّة‪ ،‬وإن كانت الرؤى ما تزال حىت اليوم ختتلف‬ ‫يف تفاصيل ذلك اليوم واألسباب احلقيقية املؤدية‬ ‫إليه رغــم اع ـراف القاعدة بتنفيذه وظـهــور عدد‬ ‫كبري من املعلومات اليت حتدثت باستفاضة عنه‪.‬‬ ‫يــرى منظرو اجلـهــاد أن اجلـهــاد يتطور إىل مخسة‬ ‫م ـراحــل ك ــان أوهل ــا ض ــرب أمـريـكــا يف عـقــر داره ــا‬ ‫(وجرها الحقاً إىل «عقر دار» املسلمني) وهو ما‬ ‫حدث حقاً يف العام ‪ 2001‬بعد غزو أفغانستان‬ ‫واإلطاحة حبكومة طالبان‪ ،‬لدينا إذن متثيل واقعي‬ ‫لـفـكــرة اجلـبـهــات املـفـتــوحــة ال ــي اعـتـمــدت‪ ،‬فبعد‬ ‫انتهاء أحداث البوسنة واهلرسك بات اجملاهدون‬ ‫حباجة إىل جبهة مفتوحة أمنتها هلــم أفغانستان‬ ‫لتكون خزاناً جديداً للمجاهدين‪.‬‬ ‫أما املرحلة الثالثة فهي تقوم حبسب (أيب مصعب‬ ‫ال ـس ــوري) عـلــى حـشــد الـطــاقــات وب ـنــاء الـقــاعــدة‬ ‫الـصـلـبــة يف ال ـع ـراق خللخلة األوضـ ــاع األمـنـيــة يف‬ ‫بالد الشام (سوريا ولبنان) لتكون منطلقاً للهدف‬ ‫النهائي وهو فلسطني‪.‬‬ ‫األحــداث السياسية املتصاعدة منذ عام ‪2005‬‬

‫‪13‬‬

‫جرن حنطة‬

‫حىت عام ‪ 2011‬بدأت تؤثر حنو تغري مسار هذه‬ ‫املراحل‪ ،‬إال أن التنظيمات اجلهادية كانت تسري‬ ‫على مــا يـبــدو وفــق خطط بــديـلــة‪ ،‬فقد استطاع‬ ‫تنظيم الــدولــة اإلسالمية يف الـعـراق تأسيس نـواة‬ ‫قوية بقيادة أيب بكر البغدادي‪ ،‬وها هو اليوم يقود‬ ‫مفاصل خطرية يف األحداث بسوريا‪.‬‬ ‫أما تنظيم القاعدة‪ ،‬فيبدو دوره اليوم أقل مباشرًة‪،‬‬ ‫خاصة بعد انفراط عقد (جبهة النصرة) اليت بايع‬ ‫أمريُها (أبو حممد اجلوالين) (أمين الظواهري) زعيم‬ ‫القاعدة‪ ،‬ومــع أن خمطط املـراحــل اخلمس (كما‬ ‫يقول حذيفة عبد اهلل عزام) مستخلص من األثر‬ ‫الشرعي واألحــاديــث النبوية اليت تتكلم بصراحة‬ ‫عــن بــاد الـشــام كــ»مــركــز» جـهــادي‪ ،‬ولـيــس من‬ ‫مصلحة التنظيم اجل ـهــادي األب ــرز يف ال ـعــامل أن‬ ‫يكون بعيداً عن بالد الشام‪ ،‬إال أن ذلك حيدث‬ ‫اليوم‪ ،‬وبات الظواهري بعيداً عن التأثري املباشر‪،‬‬ ‫مع حضور البغدادي يف سوريا‪.‬‬ ‫يف املرحلة الـرابـعــة واخلــامـســة‪ ،‬املمتدتني مــن عام‬ ‫‪ 2010‬وحىت ‪ 2020‬فإن تأسيس نواة يف بالد‬ ‫ال ـشــام وح ـشــد األم ــة فـيـهــا هــو بــدايــة لــاشـتـبــاك‬ ‫امل ـبــاشــر م ــع ال ـع ــدو لـتـحـريــر ال ـق ــدس وذل ــك بعد‬ ‫تعرية أنظمة احلكم اليت تقود تلك البالد‪ ،‬احلامية‬ ‫للكيان الصهيوين‪ ،‬حبسب منظري اجلهاد دائماً‪.‬‬ ‫رؤيــة قــد يـراهــا البعض جمــرد أوه ــام‪ ،‬فيما يذهب‬ ‫آخرون إىل أن األمر منوط بنص مساوي ال فكاك‬ ‫منه‪.‬‬ ‫وبكل األحوال فإن التنظيمات اجلهادية مبختلف‬ ‫صـنــوفـهــا ال ميـكــن إن ـكــار اسـتـفــادهتــا مــن جتــارهبــا‬ ‫السابقة من خــال البحث والتطوير‪ ،‬جتلى هذا‬ ‫يف دخول الشام أرض «النبوءات»‪.‬‬ ‫سوريا‪ ..‬بوصفها جبهة مفتوحة‬ ‫الـيــوم تـقــود التنظيمات اجلـهــاديــة‪ ،‬وعـلــى رأسها‬ ‫«دولـ ـ ــة اإلسـ ـ ــام يف الـ ـعـ ـراق وال ـ ـشـ ــام» م ـشــروع‬ ‫الوصول خلالفة راشدة يف سوريا‪ ،‬بوصفها جبهة‬ ‫مفتوحة ضــرب عــدم االستقرار فيها جــذوره منذ‬ ‫اندالع االحتجاجات قبل عامني ونصف العام‪.‬‬ ‫وترى تلك التنظيمات‪ ،‬اليت ال ختفي مآرهبا‪ ،‬أن‬

‫الوقت حان إلعالن الدولة اإلسالمية‪ ،‬حىت وهي‬ ‫أم ــام حتــدي الـتـنــوع الـعــرقــي والـطــائـفــي يف ســوريــا‪،‬‬ ‫ال ــذي يش ّكل حجر عـثــرة حقيقياً‪ ،‬وهـنــا تكمن‬ ‫املشكلة احلقيقية‪ ،‬وال ــي مل تظهر يف أي وقت‬ ‫مضى هبذه احلدة‪ ،‬فقد كان تاريخ اجلهاد (خاصة‬ ‫فيما يتعلّق باجلبهات املفتوحة) حافالً باالجنازات‬ ‫وحشد التأييد أمام جيوش االحتالل اليت وصلت‬ ‫إىل «بالد املسلمني»‪ّ ،‬أما اليوم فرتى التنظيمات‬ ‫نفسها أمام تركيبة صراع من نوع آخر‪ ،‬يف جمتمع‬ ‫ختتلف فـيــه الـتــوجـهــات بــن العلمانية والصوفية‬ ‫والشيوعية وأمام ك ٍم كبري من االجتاهات الطائفية‬ ‫األخرى‪ ،‬وتنوع الطيف اإلسالمي حىت‪.‬‬ ‫املـشـكـلــة ال ـس ــوري ــة ب ــات ــت مـشـكـلــة امل ـشــاكــل يف‬ ‫املنطقة‪ ،‬فأمام معارضة سياسية هزيلة وحركات‬ ‫جمتمع مدين ما كان هلا يف املاضي أن تبين نفسها‬ ‫يف مناخ حر وتنظيمات جهادية أمسكت املقود‬ ‫العسكري بشكل شبه كامل ونظام سياسي أرهق‬ ‫على مــدار وتنضج جتربتها‪ ،‬ال ميكن ألية دراسة‬ ‫من أي نوع أن تقرأ املشهد‪ ،‬لسنوات قادمة وال‬ ‫ألشهر‪ ،‬فالتشكيالت العسكرية املتنوعة‪ ،‬ختفي‬ ‫اختالفات جوهرية يف الصميم‪ ،‬إال أن ما جيمعها‬ ‫اليوم هو اهلدف املشرتك باإلطاحة بالنظام‪ ،‬لكن‬ ‫التخوف احلقيقي يكمن فيما بعد هذا السقوط‪.‬‬ ‫وال ميكن للهدف التكتيكي املـشــرك أن يكون‬ ‫ص ـم ــام األم ـ ــان الـ ـي ــوم أم ـ ــام ك ــل ت ـل ــك ال ـق ــوى‪،‬‬ ‫فالتنظيمات اجلهادية تسري وفــق مشروع حمكوم‬ ‫بنصوص فوق أرضية‪ ،‬بينما تنضوي التشكيالت‬ ‫األخرى حتت تأثري العوامل احمليطة وترهتن للظرف‬ ‫واحلالة دون أن يكون هناك خمطط واضــح تسري‬ ‫عـلـيــه‪ ،‬ممــا جيـعــل تـبــايــن األس ـلــوب واهل ــدف سبباً‬ ‫حمتمالً وقوياً لالشتباك مستقبالً‪.‬‬

‫مصادر‪:‬‬ ‫‪« -1‬المستضعفون» لـ أبي مصعب السوري‪.‬‬ ‫‪ -2‬نظرية المقاومة العسكرية العالمية (محاضرات‬ ‫فيديو) لـ أبي مصعب السوري‪.‬‬


‫‪14‬‬

‫المتحولون الجدد‬

‫أحاول أن تكون هذه الورقة‪ ،‬إضاءة على ما حيتاج‬ ‫إىل الكشف أو التوضيح‪ ،‬أو قد تكون إشارة إىل‬ ‫ما فات قوله‪ .‬عندما يكون األمر يتعلق بتطور ٍ‬ ‫ات‬ ‫وحتوالت جديدة مفاجئة وصادمة‪ ،‬لشخص‪ ،‬أو‬ ‫فئة‪ ،‬أو شرحية اجتماعية أو سياسية أو عسكرية‪،‬‬ ‫أو اقتصادية‪ ،‬فمن الطبيعي أن يرتك هذا التحول‬ ‫عند البعض آثــاره على مسرية الـثــورة‪ ،‬بعد مرور‬ ‫مــا ي ـقــارب ثــاثــة أعـ ـ ـوام‪ .‬إن مــا أري ــد الـتـحــدث‬ ‫عـنــه‪ ،‬هــو «امل ـت ـح ـولــون» اجل ــدد‪ .‬ه ــذه الـفـئــة من‬ ‫الوصوليني الذين يسبقون اجلميع إىل االنقالب‬ ‫والتحول من مكان إىل آخر حسب اجتاه الريح‪.‬‬ ‫ت ـظ ـهــر ب ـص ـم ــات ه ـ ــؤالء امل ـت ـح ـول ــن اجل ـ ــدد‪ ،‬يف‬ ‫الفرتات واملنعطفات احلرجة يف مسار الثورة‪ ،‬منذ‬ ‫بدايتها نراهم يف الــداخــل يتسللون إىل األماكن‬ ‫واملواقع اهلامة‪ ،‬لالستحواذ على العملية املدنية أو‬ ‫العسكرية‪ ،‬وكذلك نراهم يف اخلارج‪ ،‬يبنون جسوراً‬ ‫من التملق والطاعة مع الدول اإلقليمية‪ ،‬وبعض‬ ‫القوى الدولية‪ ،‬ومع تطور الثورة واستمرارها‪ ،‬ازداد‬ ‫عدد هؤالء املتحولني‬ ‫اجلدد‪ ،‬مما جعلهم يشكلون إحدى الظواهر املعيقة‬ ‫لتقدم الثورة ‪ ،‬وإنتاجها لقيم ومبادئ جديدة يف‬ ‫الـسـيــاســة واالق ـت ـصــاد واالج ـت ـمــاع والـثـقــافــة‪ ،‬وكــل‬ ‫أشكال احلياة اجلديدة‪.‬‬ ‫إنــي أكـتــب هــذه الـكـلـمــات‪ ،‬وأن ــا خــائــف وقلق‬ ‫ش ــأن كـثـريــن عـلــى ال ـث ــورة‪ ،‬لـفـقــداهنــا الـكـثــر من‬ ‫بريقها وأهــداف ـهــا األوىل‪ ،‬ال ــي سـعــت إلـيـهــا‪ ،‬يف‬ ‫احلـريــة والدميقراطية‪ ،‬وبـنــاء الــدولــة احلديثة‪ ،‬دولــة‬ ‫احلق والقانون‪ ،‬جلميع مواطنيها‪.‬‬ ‫لنبدأ يف املقام األول‪ ،‬بوضع أسس ملناقشة مفهوم‬ ‫«املتحولون اجلُدد»‪ ،‬يف اجتاهني‪ :‬فأوالً‪ ،‬هم نتاج‬ ‫نـظــام اسـتـبــدادي أمــي فــاســد‪ ،‬مـتـواجــدون ضمن‬ ‫حمــدد سياسي أح ــادي املــذهــب والـتــوجــه‪ ،‬وصلوا‬ ‫اىل أماكنهم ومراكزهم االجتماعية والوظيفية‪ ،‬من‬ ‫خالل والئهم وتبعيتهم لنظام العصابة‪ ،‬يف مرحلة‬ ‫الدكتاتور أب واالبن‪ ،‬وليس من خالل كفاءهتم‬ ‫أو نزاهتهم‪.‬‬ ‫ميارسون مهامهم الوظيفية على كافة املستويات‪،‬‬ ‫ضمن جتمعات ( مؤسسات) وآليات بعيدة عن‬ ‫كل شفافية ومصداقية‪ ،‬ومنهجية علمية ختطيطية‪،‬‬ ‫أو التزام مهين أو أخالقي من أي نوع‪.‬‬ ‫ثــان ـي ـاً‪ :‬الـثـقــافــة ال ـســائــدة‪ ،‬احلــاضــرة يف ممــارســاهتــم‬ ‫السلوكية‪ .‬قيم الــوالء والطاعة والنفاق‪ ،‬وإقصاء‬ ‫اآلخر املتمرد على نِعم السلطان أو القائد امللهم‪،‬‬ ‫ينتمون للرابطة العائلية أو العشائرية ويدعموهنا‪،‬‬ ‫لتحقيق أغ ـراض ـهــم وم ـصــاحل ـهــم‪ ،‬عـلــى حـســاب‬ ‫اجملتمع ومــن رصـيــده والــدولــة ومــؤسـســاهتــا‪ ،‬هي‬ ‫وس ـي ـل ــة ه ـ ــؤالء لـتـحـقـيــق م ـص ــاحل ـه ــم‪ ،‬وت ـك ـريــس‬ ‫نفوذهم‪..‬‬

‫جرن حنطة‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫جمال الجميلي‬

‫معارض سوري يرسم على الجدار‬ ‫ال ب ــد م ــن اإلشـ ـ ــارة إىل إن ال ـع ـوام ــل اإلقـلـيـمـيــة‬ ‫والــدولـيــة‪ ،‬وسيطرة بعض التشكيالت والتيارات‬ ‫الدينية على مسار الثورة‪ ،‬ساهم يف إحياء وانتاج‬ ‫الشكل السليب واألكث توحشاً لظاهرة املتحولني‬ ‫اجلدد‪ ،‬وحرصاً على الدقة‪ ،‬وعدم إطالق أحكام‬ ‫قيمة عامة على اجلميع‪ ،‬لنا أن نقول إن الثورة‬ ‫مفتوحة للجميع‪ ،‬من أجل املشاركة يف بناء وطن‬ ‫ـوي‪ .‬لكنين أت ـنــاول أشـخــاصـاً أو‬ ‫حــر وجمتمع َس ـ ّ‬ ‫فئات يعرفون أنفسهم‪ ،‬ويعرفهم اجملتمع السوري‪،‬‬ ‫البعض منهم يتم تسويقه إقليمياً ودولياً‪ ،‬يف السر‬ ‫والـعــانـيــة‪ ،‬وتسعى الفضائيات لـيـاً وهن ــاراً على‬ ‫الرتويج هلم وتلميعهم‪ ،‬حتت مسميات وشعارات‬ ‫خمتلفة‪ ،‬لتأهيلهم إلدارة شؤون البالد‪ ،‬بعد سقوط‬ ‫الـنـظــام الـقــائــم على كــافــة املـسـتــويــات‪ ،‬السياسي‬ ‫منها واالقتصادي والتعليمي والقانوين واخلدمي‪.‬‬ ‫هذا «خنب أول» من املتحولني اجلدد‪ ،‬يتم العمل‬ ‫عليه ودعمه من األنظمة احمليطة‪ ،‬والدول اجملاورة‬ ‫والبعيدة‪.‬‬ ‫نوعٌ ٍ‬ ‫ثان من املتحولني اجلدد‪ ،‬بعيداً عن األضواء‬ ‫العامة والشاشات‪ ،‬يتسللون إىل املناصب احمللية‪،‬‬ ‫إلدارة شؤون الناس يف مدينة أو بلدة‪ ،‬متخذين‬ ‫من الرابطة العائلية أو العشائرية أو الدينية‪ ،‬مدخالً‬ ‫أو وس ـي ـلــة ل ـلــوصــول إىل أه ـ ــداف أو مـكــاســب‬ ‫شخصية‪ ،‬متوارين خلف شعارات ذات بعد ديين‬ ‫واضح‪ ،‬وعالقات مع العسكري‪ -‬السياسي‪ .‬كل‬ ‫هذه الروابط تدعم تسلقهم وانتهازيتهم‪ ،‬للوصول‬ ‫إىل مواقع حيافظون فيها على مكاسبهم‪ ،‬وحتصيل‬ ‫ما ميكن من مكاسب جديدة‪.‬‬ ‫انطالقاً من حتليل نقدي جــدي‪ ،‬لظاهرة بدأت‬ ‫ت ـت ـمــدد وت ـت ـج ــذر‪ ،‬يف ك ـثــر م ــن األم ـك ـنــة اهلــامــة‬ ‫واملــؤثــرة يف ال ـثــورة‪ ،‬ال بــد مــن ســر وكـشــف هذه‬ ‫الظاهرة والعمل على احلد منها‪ ،‬وإبعاد املتسللني‬ ‫واملتسلقني عن املراكز واإلدارات اهلامة واملؤثرة يف‬ ‫تفعيل وتطوير الثورة‪.‬‬ ‫إن إسقاط نظام العصابة أمــر ال بد منه‪ ،‬ولكن‬

‫إس ـق ــاط امل ـن ـظــومــة املـفــاهـيـمـيــة وال ـق ـي ـم ـيــة بـكــافــة‬ ‫مستوياهتا‪ ،‬وأنظمتها الذهنية والعملية‪ ،‬هو من‬ ‫مهام وأهداف الثورة وأولوياهتا‪.‬‬ ‫إن ج ـ ــزءاً م ــن أزم ـ ــة ال ـ ـثـ ــورة‪ ،‬ي ـك ـمــن يف وج ــود‬ ‫هــؤالء املتحولني اجلــدد‪ ،‬القابلني للطي والتقلص‬ ‫واالمتداد‪ ،‬واالنفتاح واالنغالق‪ ،‬سريعي االنوجاد‬ ‫يف األمــاكــن الــي مــن تتيح هلــم شتم النظام دون‬ ‫االقـ ـ ـراب مــن مــاضـيـهــم الـشـخـصــي‪ ،‬بتعقيدات‬ ‫عــاقـتـهــم ب ــه‪ .‬إهن ــم ظ ــاه ــرة ت ـشــويــش وتـضـلـيــل‪،‬‬ ‫يشكلون منــاذج مــن ثقافة بــائــدة‪ ،‬وحامليها من‬ ‫العقول البليدة‪ ،‬واملعارف امليتة‪ ،‬لذلك ال بد من‬ ‫طي هذه املرحلة‪ ،‬ألن كل تأخري وتأجيل سيعطل‬ ‫ّ‬ ‫ـوي لتحوالت اجملتمع‬ ‫احلــالــة‪ ،‬ويعطل املسار الـسـ ّ‬ ‫امل ــدين ال ـســوري‪ ،‬حنــو وطــن حــر ودول ــة دميقراطية‬ ‫عادلة‪.‬‬ ‫إن تــرك الـســاحــة شــاغــرة للمتحولني اجل ــدد‪ ،‬هو‬ ‫مكمن املشكلة‪ .‬إن عالقة هــؤالء بالثورة عالقة‬ ‫عرضية ظــرفـيــة‪ ،‬فهم معنيون بأنفسهم واحلـفــاظ‬ ‫ع ـلــى ســرقــاهتــم وم ـصــاحل ـهــم‪ ،‬يف مــرح ـلــة والئ ـهــم‬ ‫وتبعيتهم للنظام التسلطي القائم‪.‬‬ ‫إن فــك ه ــذا الـتـشــابــك وال ـت ـواطــؤ بــن املتحولني‬ ‫اجل ــدد‪ ،‬والـعـسـكــري‪ -‬الـسـيــاســي‪ ،‬على املستوى‬ ‫ال ــداخ ـل ــي‪ ،‬ض ـ ــرورة م ـل ـحــة‪ ،‬أم ــا ع ـلــى املـس ـتــوى‬ ‫اخلــارجــي‪ ،‬فــإن حالة التجهيز والتبييض من قبل‬ ‫القوى اإلقليمية والدولية‪ ،‬لبعض املتحولني اجلدد‪،‬‬ ‫يشكل حــالــة خـطــرة على مـســار ال ـثــورة‪ ،‬لذلك‬ ‫فــإن كشفهم ومتابعتهم وحماسبتهم‪ ،‬هو ضــرورة‬ ‫مــوضــوع ـيــة وأخ ــاق ـي ــة‪ ،‬حت ـتــاج إىل ج ـهــد وعـمــل‬ ‫ليس بالسهل ولكنه ليس باملستحيل‪ ،‬ويتم ذلك‬ ‫بعودة التجمعات املدنية الشبابية ( التنسيقيات)‪،‬‬ ‫وبتفعيل دورهــا واستعادة نشاطها ‪ ،‬يف تشكيل‬ ‫م ـقــاومــات اجـتـمــاعـيــة مــدنـيــة‪ ،‬تــوضــح وتكشف‬ ‫وتتابع‪ ،‬من أجل ابعاد النماذج السيئة واالنتهازية‬ ‫عن املواقع‪ ،‬ونقاط التأثري يف الثورة‪.‬‬ ‫ي ـبــدو أن قـ ـ َـدر الـفــاعـلــن اجلـ ــدد (ش ـب ــاب ال ـثــورة‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫احلــامل الــذي أطلق ش ـرارة كل هــذ) مع الثورة هو‬ ‫قـ َـدر سيزيف مع صخرته‪ ،‬فعليهم تقع مسؤولية‬ ‫إعـ ـ ــادة ال ـ ـثـ ــورة إىل اجمل ـت ـم ــع‪ ،‬وإقـ ــامـ ــة ش ـب ـكــات‬ ‫تواصل وت ــداول‪ ،‬مبنطق وتفكري دميقراطي جاد‪،‬‬ ‫يعيد للمجتمع عالقته بثورته وقيمها‪ ،‬مبتعدين‬ ‫عــن الشعاراتية‪ ،‬واملفاهيم املسبقة‪ ،‬والتسميات‬ ‫ال ـك ــرى‪ ،‬وال ــرم ــوز ال ـب ــائ ــدة‪ ،‬وال ـل ـغــة املستهلكة‪،‬‬ ‫فثورتنا ثــورة عقول وأفـئــدة شغوفة باحلرية واحلياة‬ ‫واملـسـتـقـبــل‪ ،‬لـيـســت ث ــورة «ج ـه ــادي ــة»‪ ،‬وال هي‬ ‫تتطابق مع اإليدولوجيات السائدة‪ .‬إهنا ثورة حرية‬ ‫ختلق نفسها وقيمها دون وصاية أو نصوص ممالة‬ ‫أو تعليمات‪ .‬إهنــا ثــورة جمتمع على نفسه وقيمه‬ ‫وسلوكياته‪ ،‬ليست ثورة ألشخاص أو أبطال‪ ،‬أو‬ ‫إحياءً ملـ ٍ‬ ‫ـاض‪ ،‬ليست ثــورة انتقام أو إقصاء‪ .‬اهنا‬ ‫ثورة حب وحرية وعدالة إنسانية‪.‬‬ ‫ه ــذا مــا جيــب أن يعمل عليه الـفــاعـلــون اجل ــدد‪،‬‬ ‫املناضلون احلقيقيون‪ ،‬بالعودة إىل اجملتمع‪ ،‬امليدان‪،‬‬ ‫واملعاش اليومي واملمارسة والتواصل مع االّخر‪ ،‬مع‬

‫من األرشيف البصري لبصمة سوريا‬

‫جرن حنطة‬

‫اعرتايف بصعوبة امليدان وتعقيداته وخطورته‪ ،‬لكنه‬ ‫طريقنا وال بد من االستمرار به‪ ،‬من خالل‬ ‫مقاومات مدنية‪ ،‬هلا لغتها ومفرداهتا وأدواهتا احلية‬ ‫واجلديدة‪ ،‬لبناء عامل جديد‪ ،‬والبحث عن أفكار‬ ‫جــديــدة فعالة ختلق قيماً وإمـكــانـيــات للمشاركة‬ ‫والعمل مع اآلخر‪.‬‬ ‫إن انـتـشــار ال ـظ ـواهــر السلبية والـقـبـيـحــة‪ ،‬أم ــر ال‬ ‫مفر منه يف كــل ث ــورات الـعــامل‪ ،‬و هــذه حقيقة‪،‬‬ ‫ولكن أن ترتاجع ثورة عن أهدافها وهي يف بداية‬ ‫الـطـريــق أو نـصـفــه‪ ،‬وأن يـتـحــول أغـلــب الـبــادئــن‬ ‫وال ـنــاش ـطــن واحل ــامل ــن ب ــال ـث ــورة‪ ،‬إىل ج ــزر مبعثرة‬ ‫تتفرع يف عشوائيات إعالمية تابعة (للعسكري‪-‬‬ ‫السياسي)‪ ،‬جــزر أكثر مــن حاجة الـثــورة إليها‪،‬‬ ‫دون رسم سياسة واسرتاتيجية إعالمية واضحة‪،‬‬ ‫ج ـعــل امل ـن ـظــومــة اإلعــام ـيــة ل ـل ـثــورة ه ـشــة وتــابـعــة‬ ‫لألصوليات الدينية واحلـزبـيــة العتيقة‪ ،‬وأدى إىل‬ ‫استغالل الظاهرة اإلعالمية الوليدة‪.‬‬

‫‪15‬‬ ‫فيما يتحول مــن تبقى مــن احلــاملــن والناشطني‪،‬‬ ‫إىل إغاثيني مبعثرين بني مجعيات خريية يف أماكن‬ ‫شــى‪ ،‬خاضعني لعطفها‪ ،‬يعملون ضمن آليات‬ ‫غري شفافة‪ .‬وغياب كامل للمحاسبة‪.‬‬ ‫بينما استطاع آخــرون‪ ،‬مبا يتمتعون به من حس‬ ‫متمرد‪ ،‬اخلــروج من النسج العنكبوتية اليت حتاول‬ ‫أن تـسـتـخــدمـهــم وت ـس ـتــأثــر جب ـه ــوده ــم‪ ،‬ولكنهم‬ ‫حاالت فردية‪ ،‬أو جمموعات قليلة مشتتة‪ ،‬تعمل‬ ‫مستقلة‪ ،‬حماولة رسم طريق جديد للعمل والنشاط‬ ‫الثوري‪ ،‬مما يعرضها لالعتقال واخلطف والقتل‪ ،‬أو‬ ‫يضطرها للرحيل عن الوطن‪..‬‬ ‫هنا يكمن اخلطر‪ ،‬وهنا تتجلى أزمــة الثورة‪ :‬لقد‬ ‫ابتعد عنها احلاملون هبا!‬


‫‪16‬‬

‫جرن حنطة‬

‫أي إسالم وأية دولة يريدون؟‬ ‫على صفحته يف فيسبوك‪ ،‬كتب الزميل والصديق‬ ‫حممد علي األتاسي املنشور التايل‪:‬‬ ‫«أنا مع ثورة احلرية والكرامة‪ ،‬أنا مع إسقاط نظام‬ ‫األس ــد‪ .‬أن ــا مــع س ـيــادة الـشـعــب وم ــع االحـتـكــام‬ ‫إىل ص ـنــدوق االق ـ ـراع‪ .‬أن ــا مــع حــق اآلخ ـريــن يف‬ ‫املطالبة بدولة إسالمية‪ .‬أنا ال أريد دولة إسالمية‬ ‫يف سورية»‪.‬‬ ‫أثار املنشور إياه سلسلة تعليقات عليه بني مؤيد‬ ‫ورافض‪ ،‬املعارضون له انطلقوا غالباً من الربط بني‬ ‫الدولة اإلسالمية املفرتضة وبني مصادرة احلريات‬ ‫واحـتـمــاالت الـعــودة إىل القمع ودول ــة استبدادية‬ ‫بغطاء ديين‪ .‬واحلال‪ ،‬أن هذا االعرتاض على كالم‬ ‫األتاسي ال خيلو من وجاهة‪ ،‬رغم أن علمانويني‬ ‫قــد يـهــامجــون ه ــذا ال ـطــرح بـشـكــل م ـ َـرض ــي‪ ،‬جملــرد‬ ‫أنه قال باحلق لدى كل ســوري باملطالبة بالدولة‬ ‫الدينية الــي تعرب عــن رؤي ــة شــرحيــة مــن السوريني‬ ‫للحياة ولسوريا‪..‬‬ ‫ي ـن ـحــاز كــاتــب ه ــذه ال ـس ـطــور إىل م ـن ـشــور علي‬ ‫األتاسي مع بعض التحفظ‪ ،‬ومرد ذلك التحفظ‬ ‫هو يف مقدار الرتابط أو عدم الرتابط بني الدولة‬ ‫اإلسالمية واحرتامها حقوق السوريني بأمجعهم‪،‬‬ ‫م ـس ـل ـمــن وغ ـ ــر م ـس ـل ـم ــن‪ .‬ه ـ ــذا ل ـي ــس ل ـل ـقــول‬ ‫بــاسـتـحــالــة وج ــود دول ــة حيكمها ت ـيــار أو حــزب‬ ‫إســامــي حكماً عصرياً أو متوائماً مــع العصر‪،‬‬ ‫على الطريقة الــركـيــة مـثـاً‪ ،‬أو باستحالة وجــود‬ ‫أحـزاب إسالمية دميقراطية مستقبالً على شاكلة‬ ‫األح ـزاب الدميقراطية اليمينية املسيحية يف أوربــا‬ ‫اليوم‪.‬‬ ‫خاطئ هو ذلك التصور بوضع الدين والعلمانية‬ ‫ع ـلــى طـ ــريف ن ـق ـيــض‪ ،‬ل ـيــس ألن اإلسـ ـ ــام يقبل‬ ‫بالعلمانية (فهو ال يقبلها)‪ ،‬ولكن ألن العلمانية‬ ‫جيب أن تقبل الدين ووجــوده وحضوره يف حياة‬ ‫البشر وإال حتـولــت إىل ديــن «ج ـهــادي» إلغائي‬ ‫هــي األخ ــرى‪ ،‬لـكــن‪ ،‬وإذا كــان الـفــرز قــائـمـاً بني‬ ‫فسطاطني‪ :‬الدين والعلمانية‪ ،‬فقد جاءت النتيجة‬ ‫بائسة ضد التجربتني‪ ،‬وفقاً ملا عرفته جمتمعاتنا من‬ ‫نـوازل مشولية رفَعت العلمانية رايـةً‪ ،‬ومن نكبات‬ ‫وعـمــل خلـلــق دول ــة ديـنـيــة تــرفــع ال ـراي ــات ال ـســوداء‬ ‫اجلهادية أيضاً‪.‬‬ ‫مل ت ـص ـمــد جت ـرب ــة اإلخ ـ ـ ـوان امل ـس ـل ـمــن يف مـصــر‬ ‫كـ ـثـ ـراً‪ ،‬ب ــل سـقـطــت ضـحـيــة إش ـكــال ـيــة خـطــاهبــا‬ ‫وعالقتها بالدميقراطية واحلريات‪ ،‬بعد أن انتفض‬ ‫الشعب املصري قبل انقالب العسكر على مصر‬ ‫بأسرها‪ .‬وال يبدو أن اإلخوان املسلمني يف سوريا‬ ‫منسجمون مع ذاهتم ومع طرحهم وكالمهم عن‬ ‫الــدولــة املــدنـيــة الــدميـقـراطـيــة يف ســوريــا بعد رحيل‬ ‫األسد‪.‬‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫عبد اهلل أمين الحالق‬

‫يغيب عن ذهن الكثريين أن صندوق االقرتاع هو‬ ‫أحد مظاهر التعبري عن الدميقراطية وليس اختزاالً‬ ‫هلا‪ ،‬وهو شرط الزم وليس كافياً هلذه الدميقراطية‪،‬‬ ‫وأن صندوق االقرتاع الذي أوصل حركة محاس إىل‬ ‫السلطة عــام ‪2006‬مل يردعها عن التعامل مع‬ ‫اجملتمع الفلسطيين بعقلية إخوانية‪ ،‬لناحية املوقف‬ ‫من املرأة ومقاومة احلركة ملا أمسته « ثقافة العري «‪،‬‬ ‫جل اإلسالميني رفضاً له‪،‬‬ ‫وغري ذلك مما يضمر ّ‬ ‫خمتزنني ثقافات كارهة للحريات العامة واخلاصة‪،‬‬ ‫فإذا ما قال صندوق االقـراع كلمته‪ ،‬س َقط قناع‬ ‫الــوعــود الـراقــة وحتـ ّـول إىل صــدام بني اإلسالميني‬ ‫من جهة وبني كل من هو غري إسالمي‪ ،‬مبن فيهم‬ ‫املسلمون غري اإلسالميني‪.‬‬ ‫لكن ماذا عن احلق يف املطالبة بالدولة الدينية؟‬ ‫لـكـ ٍّـل رؤي ـتــه ملستقبل ســوريــا وشـكــل الــدولــة بعد‬ ‫رح ـيــل األسـ ــد‪ .‬الـبـعــض يـطــالــب بــدولــة علمانية‬ ‫والـبـعــض يـقــول بــدولــة مــدنـيــة دون احلــديــث عن‬ ‫العلمانية‪ ،‬والـبـعــض يتحدث عــن الــدولــة املدنية‬ ‫غ ـطــاءً مل ـشــروع إســامــي يــرى ت ـواؤم ـاً بــن الــدولــة‬ ‫املدنية واإلسالم كتشريع صاحل لكل زمان ومكان‬ ‫(شأن اإلخوان املسلمني)‪ ،‬والبعض يطرح الدولة‬ ‫اإلســامـيــة دون أي مـواربــة سياسية وتقية كاليت‬ ‫ميــارسـهــا اإلخـ ـوان املـسـلـمــون ال ـســوريــون‪ ..‬ولكل‬ ‫احلــق يف الطرح طبعاً‪ .‬االستحقاق وسقوط هذا‬ ‫احلق يأيت عندما يصطدم الطرح على أرض الواقع‬ ‫باملصلحة السورية الــي يفرتض أن جيتمع عليها‬ ‫ك ــل ال ـســوريــن وف ــق دس ـت ــور ت ـواف ـقــي مـقـبــل بعد‬ ‫الرحيل املأمول لبشار األسد‪.‬‬ ‫قـطـعـاً لــن يـقـبــل كــل ال ـســوريــن بــدولــة إســامـيــة‪،‬‬ ‫وقطعاً أيضاً‪ ،‬سيقبل سوريون بدولة إسالمية ال‬ ‫جتد حرجاً يف العودة القهقرى إىل بداية الدعوة‬ ‫اإلسالمية أو دولة الرسول حممد يف يثرب‪ .‬لكن‪،‬‬

‫الفتة في غوطة دمشق الشرقية‬ ‫هـنــا‪ ،‬وطــاملــا أن ال ـص ــدام حمـتــوم بــن ه ــذه الــرؤيــة‬ ‫للبشر والعامل واحلياة وكيفية حياة السوريني يف ظل‬ ‫هكذا نظام وهكذا دولة‪ ،‬فإن احلق يسقط حلظة‬ ‫الوصول إليها‪ .‬هلم احلق يف الكالم واملطالبة فيها‪،‬‬ ‫وهلم احلق يف العمل ألجلها‪ ،‬وملخالفيهم احلق يف‬ ‫القول إهنا دولة مشولية تنذر حبزب بعث دستوره‬ ‫القرآن والسنة «الصحيحة»‪ ،‬وليس املادة الثامنة‬ ‫مــن دسـتــور ســوريــا هــذه امل ــرة‪ .‬نتحدث هنا عن‬ ‫الدولة اإلسالمية املدعو إىل تطبيقها وفق الفهم‬ ‫احلــريف للنص الــديــي‪ ،‬وال نعين احلــركــات والقوى‬ ‫اإلس ــام ـي ــة ال ــي تـتـكـلــم ع ــن ت ـ ـزاوج ب ــن املــدنـيــة‬ ‫وال ــدول ــة وعــاقـتـهـمــا مــع اإلسـ ــام‪ ،‬وه ــو فـهــم ال‬ ‫يقدم توضيحات خبصوص الدميقراطية ومشاركة‬ ‫اجلميع يف صناعة مستقبلهم وبناء بلدهم وعالقة‬ ‫كل ذلك بالتشريع الديين واملقدس وعامل ما وراء‬ ‫الطبيعة‪.‬‬ ‫يبقى هــذا الـكــام ضمن اإلط ــار النظري الـيــوم‪،‬‬ ‫وسط كل تعقيدات وتشابكات املشهد السوري‬ ‫ودمويته‪ ،‬إال أنه يبقى ضمن الكالم الضروري وفق‬ ‫رؤية شخصية هلذه املسألة‪.‬‬ ‫يبقى مفيداً الـقــول والتذكري بــوجــود ن ـواة إلســام‬ ‫متنور ومتصاحل مع العصر ومتطلبات جمتمعاتنا‬ ‫ومـلـحــاحـيــة دخ ــوهل ــا احل ــداث ــة م ــن ب ــاب ال ـي ــوم ال‬ ‫األم ــس‪ ،‬ووفــق اإلع ــان العاملي حلقوق اإلنسان‬ ‫امل َقر عام ‪ ،1948‬والنهضة والدميقراطية والتنمية‬ ‫ُ‬ ‫االق ـت ـصــاديــة واالج ـت ـمــاع ـيــة‪ ،‬وه ــو ح ـضــور سابق‬ ‫الندالع الثورات العربية كلها‪ .‬على هذا اإلسالم‪،‬‬ ‫إسالم نصر حامد أبو زيد وأمثاله‪ ،‬أن يبىن ويُعقد‬ ‫العزم للحوار مع كل األطراف بعد توقف العنف‪،‬‬ ‫بغض النظر عن مىت سيتوقف العنف ومىت ستضع‬ ‫احلرب الدائرة يف سوريا أوزارها‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫‪17‬‬

‫جرن حنطة‬

‫صورة الواقع‪ ..‬وارتباطه بالثورة‬ ‫ـاب كـ ـث ــر‪ ،‬ك ــانـ ـوا ض ـم ــن ص ـفــوف‬ ‫يـ ـق ــول أص ـ ـحـ ـ ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫الـ ـث ــورة‪ ،‬وع ــدي ــده ــم حتـ ّـمــس هل ــا ب ــزخ ـم عــاطـفــي‪:‬‬ ‫أين هي الثورة اليوم؟ وكيف صــارت أو حتولت؟‬ ‫وت ـن ـه ــال حت ـل ـيــات اخل ـ ــوف وال ـن ـق ــد‪ ،‬ويف جعبة‬ ‫اإلث ـب ــات ك ـثــرٌ م ــن وق ــائ ــع يــومـيــة عـلــى م ــا جيــري‬ ‫يف األرض مــن ت ـصــرفـ ٍ‬ ‫ـات ال عــاقــة هلــا بــالـثــورة‪،‬‬ ‫ـار كـثــرةٌ معارضة ملــا يـُطــرح على‬ ‫ويف الــذهــن أفـكـ ٌ‬ ‫ل ـس ــان ع ــدي ــد الـ ـق ــوى امل ــال ـك ــة ل ـل ـس ــاح‪ ،‬وال ــي‬ ‫تتسابق مع بعضها يف نواياها الواضحة لتأسيس‬ ‫ن ـواة الــدولــة اإلســامـيــة‪ ،‬ورف ــض الدميقراطية اليت‬ ‫يعتربها بعضهم كـفـراً‪ ،‬وزنــدقــة‪ ،‬حـيــث»ال حكم‬ ‫إال هلل»‪ ،‬وحـيــث تنبثق أف ـكــار سـيــد قـطــب عن‬ ‫«احلاكمية هلل» ومعه أستاذه أبو عال املــودودي‪.‬‬ ‫ـاح فظيع‬ ‫وهناك من يعطي أرقــامـاً خميفةً عن انـزيـ ٍ‬ ‫يف احلــاضـنــة الشعبية بــاجتــاه الـسـلــب واحل ـيــاديــة‪،‬‬ ‫ـرحـ ــم» ع ـلــى أي ـ ــام ال ـن ـظ ــام ق ـبــل الـ ـث ــورة‪،‬‬ ‫أو «الـ ـ ّ‬ ‫نــاه ـيــك ع ــن ف ـيــض ال ـك ــام ع ــن م ـع ــان ــاة ال ـنــاس‬ ‫يف الــداخــل وال ـن ــزوح‪ ،‬ويف الـلـجــوء‪ ،‬وأهن ــا مل تعد‬ ‫حت ـت ـم ــل امل ـ ـزيـ ــد‪ ،‬وت ـت ـم ــى إي ـ ـقـ ــاف ه ـ ــذا ال ــوض ــع‬ ‫امل ـخ ـي ــف بـ ــأي ش ـك ــل‪ ،‬وعـ ــن ط ـري ــق أي ح ــل‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل منطقي‬ ‫األكيد‪ ،‬ورغم منو احلالة اإلميانية‬

‫عسكر حرامية ‪2‬‬

‫ومـفـهــوم‪ ،‬ســابـقـاً‪ ،‬وبـتـصــاعــد مكثف عــر مسار‬ ‫الثورة‪ ،‬وإطالتها‪ ،‬ويتمها‪ ،‬وما عرفه الشعب من‬ ‫حم ـ ٍن ألـيـمــة‪ ،‬إال أن ال ـثــورة ظـلــت ألشـهــر سابقة‬ ‫حمافظةً على روحها‪ :‬احلرية والكرامة‪ ،‬واملساواة‪،‬‬ ‫وعـلــى مـزاوجــة الـكـفــاح السلمي مــع العسكري‪.‬‬ ‫تغول االجتاهات املتشددة‪ ،‬املدعومة‬ ‫ـلكن وعرب ّ‬ ‫بعوامل كـثــرة‪ ،‬وسيطرهتا على مظاهر احلـيــاة يف‬ ‫املناطق»احملررة»‪ ،‬وعلى اخلطاب السائد‪ ،‬وعموم‬ ‫العمل العسكري‪ ،‬ضمرت شعارت الثورة‪ ،‬ونبتت‬ ‫بــدي ـل ـهــا أخـ ــرى إس ــام ـي ــة ت ـت ـف ــاوت ب ــن ال ــدع ــوة‬ ‫حلكم إسالمي‪ ،‬وخالفة إسالمية‪ ،‬وبني تنظريات‬ ‫ومم ــارس ــات داع ــش وأخ ـواهت ــا‪ ،‬وأب ـن ــاء عمومتها‪.‬‬ ‫البعض يريد االكتفاء بأن ذلك من صنيعة النظام‬ ‫وحلفائه باألساس‪ ،‬وكأن اإلقرار مبثل هذه احلقيقة‬ ‫يكفي ملعاجلة ظاهرة خطرية تنهش الثورة‪ ،‬وتكاد‬ ‫تلتهم روحـهــا‪ ،‬وهناك من يعترب القصية برمتها‪،‬‬ ‫لوناً جهادياً موجهاً للنظام‪ ،‬وجند من يدعو إىل‬ ‫السكوت على هذه الظواهر‪ ،‬بدعوى أن املعركة‬ ‫الرئيس مع النظام‪ ،‬وأن كل شيء جيب أن يؤجل‬ ‫إىل ما بعد إسقاطه‪ ،‬حىت وإن سيطرت تلك القوى‬ ‫متاماً‪ ،‬حىت وإن أقامت ممالكها املتناثرة يف األرض‬

‫عقاب يحيى‬

‫السورية‪ ،‬ووزعت وتقامست البالد فيما بينها‪ ،‬حىت‬ ‫وإن قربت أهداف الثورة‪ ،‬وأشادت منطاً استبدادياً‬ ‫مــرع ـب ـاً‪ ،‬أي ــن مـنــه اس ـت ـبــداد الـطـغـمــة‪ ،‬وفلسفتها‪.‬‬ ‫هذه اخلليطة من التالطمات‪ ،‬تسهم أكثر وأكثر‬ ‫يف إحــداث تص ّد ٍ‬ ‫عات داخــل الصفوف احملسوبة‬ ‫ع ـلــى الـ ـث ــورة‪ ،‬ويف من ــو ال ـت ـي ــارات امل ــؤم ـن ــة بــاحلــل‬ ‫الـسـيــاســي‪ ،‬دون ش ــروط‪ ،‬وكــرهـ ٍ‬ ‫ـان وحـيــد‪ ،‬مهما‬ ‫أي‬ ‫كان‪ ،‬ومهما أنتج‪ ،‬بينما يرفض املنطق احلريب ّ‬ ‫حل سياسي ويقف بعنف ضده‪ ،‬ومبا يزيد الوضع‬ ‫تشنجاً‪ ،‬ويــؤثــر على الـقــوة احملسوبة على الـثــورة‪.‬‬ ‫لكل هــذه األس ـبــاب‪ ،‬نعيد تـكـرار الــدعــوة ملؤمت ٍر‬ ‫وطـ ــي ج ــام ــع جل ـم ـيــع هـ ــذه األط ـ ـ ـ ـراف‪ ،‬ملـنــاقـشــة‬ ‫الـ ــوضـ ــع وم ـ ــآل ال ـ ـث ـ ــورة‪ ،‬وصـ ـ ـ ــورة وط ـن ـن ــا الـ ــذي‬ ‫ن ـري ــد‪ ،‬ووض ــع خ ــارط ــة ط ـري ـ ٍـق رمب ــا حتـقــق الـتـوافــق‬ ‫ب ــن خم ـت ـلــف االجت ـ ــاه ـ ــات‪ ،‬وت ـت ـي ــح وض ـ ــع مجـيــع‬ ‫ال ــوس ــائ ــل‪ ،‬ووجـ ـه ــات ال ـن ـظــر يف خ ــدم ــة ال ـث ــورة‪.‬‬

‫الطابور الخامس‬

‫العقيد منصور العقابي‬ ‫*ضابط منشق‬

‫نشأ هــذا التعبري أثـنــاء احل ــرب األهـلـيــة اإلسبانية‬ ‫الــي نشبت عــام ‪1936‬م‪ ،‬وأول من أطلق هذا‬ ‫التعبري هو اجلنرال كيبو كيلالنو أحد قادة قوات‬ ‫فرانكو الزاحفة على مدريد‪ ،‬وكانت تتكون من‬ ‫أربـعــة ط ـوابــر‪ .‬فـقــال حينها‪« :‬إن هـنــاك طــابــوراً‬ ‫خــامـسـاً يـقــاتــل مـعـنــا داخ ــل م ــدري ــد»‪ ،‬ويقصد‬ ‫ـف لفهم‪،‬‬ ‫اجلواسيس والعمالء واملــؤيــديــن ومــن لـ ّ‬ ‫وه ـ ــؤالء يف واق ـ ــع األم ـ ــر أك ـث ــر خـ ـط ــورةً وت ــأثـ ـراً‬ ‫عـلــى ال ـعــدو‪ ،‬ذلــك أن مــايـقــومــون بــه مــن تــرويـ ٍـج‬ ‫ل ــإش ــاع ــات امل ـغ ــرض ــة‪ ،‬وزرع ال ـف ــن والـ ـي ــأس يف‬ ‫نفوس الـنــاس‪ ،‬وأحـيــانـاً القيام بــأعـمـ ٍ‬ ‫ـال عسكر ٍية‬ ‫خـلــف خ ـطــوط ال ـع ــدو‪ ،‬جتـعــل مـنـهــم ق ــوةً فـعــالــة‬ ‫ذات تأث ٍري كبري على معنويات العدو ومتاسكه‪،‬‬ ‫وأح ــد ع ـوام ــل االن ـت ـصــار املـهـمــة يف أي ــة مـعــركــة‪.‬‬ ‫سيشهد الـتــاريــخ أن أكـثــر مــن استعمل واعتمد‬ ‫ٍ‬ ‫على الطابور اخلــامــس ٍ‬ ‫قل‬ ‫خببث وده ــاء‬ ‫وفعالية َّ‬ ‫نظريها يف معركته ضد شعبه‪ ،‬هو النظام السوري‪.‬‬ ‫ول ــأس ــف أسـتـطـيــع أن أقـ ــول وحبـ ـس ــرٍة؛ أن ــه إىل‬ ‫هذه اللحظة جنح وينجح جناحاً باهراً يف ذلك‪،‬‬

‫يتغول أكثر فأكثر‪.‬‬ ‫وهــذا مايطيل عمره‪ ،‬وجيعله ّ‬ ‫ولألسف مرًة أخرى ومبرارة‪ ،‬حنن من يساعده يف‬ ‫ذلــك‪ ،‬وجنعل من أنفسنا إحــدى أدواتــه الفعالة‪،‬‬ ‫تارًة بغبائنا وجهلنا وهتورنا‪ ،‬وتارًة أخرى بعواطفنا‬ ‫وان ــدف ــاع ـن ــا وأنــان ـي ـت ـنــا وع ـ ــدم ال ـتــدق ـيــق وح ـســاب‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل صحيح‪ ،‬فنقع يف مصيدة النظام‬ ‫خطواتنا‬ ‫عمل أو كالمٍ‬ ‫من حيث ندري أو الندري! فكل ٍ‬ ‫أو تصرف الخيدم الثورة بشكل أو بآخر‪ ،‬وعلى‬ ‫كــافــة امل ـس ـتــويــات‪ ،‬وي ـصــب يف مـصـلـحــة الـنـظــام‬ ‫ويؤدي اىل التشرذم والتفرقة واملهاترات والتشكيك‬

‫شبيحة في درعا‬ ‫وال ـت ـخــويــن واإلحـ ـب ــاط والـ ـي ــأس‪ ،‬وحيـ ــرف االجت ــاه‬ ‫الصحيح لبوصلتنا يف اسقاط النظام‪ ،‬هو عمل‬ ‫وكالم وتصرف مشكوك به‪ ،‬مهما كان مصدره‪،‬‬ ‫والحجة أومربر وحتت أي مسمى ٍ‬ ‫ألحد يف هذه‬ ‫املرحلة الصعبة واملهمة من تاريخ ثورتنا مهما كان‪،‬‬ ‫فلنرتك املهم إىل أن ننجز األهم وننتصر‪ ،‬وعندها‬ ‫نتفرغ لفتح كافة امللفات‪ ،‬وسيحاسب كــل من‬ ‫أساء لثورتنا بقصد أو بدون قصد فالغباء والتهور‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل أو بآخر‪.‬‬ ‫والالمسؤولية هي حبكم اخليانة‬


‫‪18‬‬

‫جرن حنطة‬

‫الريفي والمدني في الثورة‬ ‫م ــا زالـ ــت الـ ـث ــورة ال ـس ــوري ــة ت ـثــر األس ـئ ـلــة وت ـطــرح‬ ‫ال ـق ـض ــاي ــا‪ ,‬وتـ ـولّ ــد ال ـت ـنــاق ـضــات واالن ـش ـق ــاق ــات‪,‬‬ ‫وتكشف التدخالت اخلارجية الــي غــدت مبثابة‬ ‫العـ ــب رئـ ـي ــس‪ ،‬يف أوض ـ ــاع الـ ـس ــوري ــن‪ .‬ه ـكــذا‬ ‫حظيت باهتمام الكتاب والباحثني بتغطية أسباهبا‬ ‫ومشكالهتا وحتدياهتا‪ .‬لكن املشكلة ظلت تكمن‬ ‫يف نقص «الدراسات االجتماعية للرتكيبة األهلية‬ ‫ال ـســوريــة»‪ ،‬وهــي مالحظة مهمة أبــداهــا الزميل‬ ‫حـســام عـيـتــاين يف مــادتــه «داع ــش والـعـشــائــر يف‬ ‫أصل الظاهرة»‪.‬‬ ‫ومــع أن امل ــادة املــذكــورة حتــدثــت عــن «داع ــش»‪،‬‬ ‫وعــاقـتـهــا بالبنية القبلية يف الـشـمــال ال ـســوري‪،‬‬ ‫إال أهن ــا ط ــرح ــت‪ ،‬أي ـض ـاً‪ ،‬مـشـكـلــة «ال ـن ـقــص يف‬ ‫املعطيات االجتماعية والسكانية للواقع السوري‪،‬‬ ‫تفسر‬ ‫يف األعـ ـوام العشرين املــاضـيــة»‪ ،‬وال ــي قــد ّ‬ ‫«أسـ ـب ــاب االس ـت ـع ـص ــاء‪ ..‬وص ـع ــود االن ـت ـم ــاءات‬ ‫واهلــويــات اجلزئية»‪ .‬وملــا كنت يف مــاديت السابقة‬ ‫(حماولة يف تفسري صعود «النصرة» و«داعــش»)‬ ‫ق ـ ّدمــت بـعـضـاً مــن اإلجــابــة عــن ال ـس ـؤال املتعلق‬ ‫هبذه الظاهرة‪ ،‬فهذا احلديث سريّكز على احلاضنة‬ ‫الشعبية‪ ،‬أو ثنائية الريفي واملدين‪ ،‬يف الثورة‪.‬‬ ‫مـعـلــوم أن االخ ـت ــاف ح ــول ال ـث ــورة مشــل حتــديــد‬ ‫طابعها االجتماعي‪ ،‬فكما بــرزت وجهات نظر‬ ‫تعتربها جمــرد مؤامرة خارجية‪ ،‬أو صـراع طوائف‪،‬‬ ‫مثــة وجـهــة نظر رأت فيها جمــرد متــرد أري ــاف ضد‬ ‫م ــدن‪ ،‬وريـفـيــن ضــد مــديـنـيــن‪ ،‬ال ث ــورة سياسية‬ ‫ضد نظام استبدادي‪ ،‬وهو توصيف ينطوي على‬ ‫تسرع وتبسيط‪ ،‬وعلى شبهات سياسية‪ ،‬ضمنها‬ ‫ّ‬ ‫التشكيك مبشروعية متثيل الثورة جممل السوريني‪،‬‬ ‫ط من مكانتها وقيمتها‪،‬‬ ‫حبصرها يف األرياف‪ ،‬واحل ّ‬ ‫بإنكار تعبريها عن أزمة وطنية عامة‪.‬‬ ‫شك يف أن دراســة اجملتمع السوري حتتاج إىل‬ ‫ال ّ‬ ‫موسعة‪ ،‬مع ذلك جيدر التنويه هنا‬ ‫علمية‬ ‫حبوث‬ ‫ّ‬ ‫ببضع حقائق‪ ،‬ضمنها أن غالبية السوريني ترتكز‬ ‫يف املدن‪ ،‬وأن نسبة العاملني يف الزراعة تبلغ حواىل‬ ‫‪ %20‬فقط (وفق التقرير االقتصادي العريب املوحد‬ ‫لعام ‪ .)2011‬وحىت هذه النسبة قد تكون أقل‪،‬‬ ‫يتفرغون لألعمال الزراعية‬ ‫ألن جزءاً من هؤالء ال ّ‬ ‫إال يف املواسم‪ ،‬كوهنم يشتغلون يف املــدن‪ ،‬وهذه‬ ‫ظاهرة معروفة يف سورية‪ ،‬خصوصاً أننا نتحدث‬ ‫ويعج باملدن واألرياف‬ ‫عن ِبلد مساحته صغرية‪ّ ،‬‬ ‫املتمدينة‪ ،‬إذا جتاوزنا املنطقة الشرقية وهي منطقة‬ ‫صحراوية يف غالبيتها‪.‬‬ ‫وجيدر لفت االنتباه حتديداً إىل أن اجملتمع السوري‬ ‫لتغيات نوعية كبرية‪ ،‬أملتها طبيعة السلطة‬ ‫تعرض ّ‬ ‫ّ‬ ‫احلــاكـمــة وسـيــاســاهتــا‪ ،‬أي أهنــا مل حتصل بطريقة‬ ‫عفوية وطبيعية وتدرجيية‪ .‬فخالل أكثر من أربعة‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫ماجد كيالي‬

‫ع ـقــود‪ ,‬اشـتـغــل الـنـظــام عـلــى تغيري ســوريــة‪ ،‬وهـو‬ ‫مل يفعل ذلــك فقط بتغيري الرتكيبة االجتماعية‬ ‫للجيش‪ ،‬واملـفــاصــل األســاسـيــة ألج ـهــزة الــدولــة‪،‬‬ ‫وإمن ــا‪ ،‬أي ـض ـاً‪ ،‬بتغيري الـطــابــع الطبقي للمجتمع‪،‬‬ ‫ع ــر س ـي ــاس ــات ال ـتــأم ـيــم‪ ،‬ومـ ـص ــادرة األراض ـ ــي‪،‬‬ ‫وتــوزيـ ــع الن ــفوذ وشـ ـراء ال ـ ــوالءات؛ حبـيــث باتت‬ ‫املـكــانــة الـطـبـقـيــة مـشــروطــة بــالـقــرب مــن الـنـظــام‪.‬‬ ‫هكذا مل تع ــد الربج ـوازية‪ ،‬وال الطبقة الوسطى‪،‬‬ ‫هي ذاهتا اليت كانت يف األربعينيات واخلمسينيات‬ ‫والستينيات‪ .‬وهذا ينطبق على مالك األراضي‪ ،‬يف‬ ‫وضع بات فيه معظمها ذو القيمة العقارية العالية‪،‬‬ ‫ال سيما يف جوار املدن‪ ،‬يف أيدي رجاالت النظام‬ ‫أو أتباعه‪.‬‬ ‫وفــوق ذلــك‪ ،‬قــام النظام بــإحــداث تغيري وإزاحــة‬ ‫دميــوغـرافـيَّــن يف امل ــدن الـرئـيـســة‪ ،‬ال سيما دمشق‬ ‫تضخم وت ـغـ ّـول األج ـهــزة األمنية‬ ‫وج ـواره ــا‪ ،‬ل ــزوم ّ‬ ‫(اجل ـيــش وأج ـه ــزة امل ـخ ــاب ـرات)‪ ،‬وف ـق ـاً لسياساته‬ ‫السلطوية ذات املنحى الـطــائـفــي‪ .‬ونـشــأت عن‬ ‫ذلــك مــدن عشوائية مغلقة‪ ،‬و«م ـس ـ ّـورة»‪ ،‬ذات‬ ‫طــابــع خ ــاص‪ ،‬عـلــى أطـ ـراف دمـشــق ويف قلبها‪،‬‬ ‫يف السومرية وحــي نسرين وضاحية األســد‪ ،‬ويف‬ ‫ودمــر وقاسيون وبــرزة وغــرهــا‪ .‬يف‬ ‫مرتفعات املــزة ّ‬ ‫مـقــابــل ذل ــك اض ـطـ ّـرت قـطــاعــات مدينية واسـعــة‬ ‫لـلـنــزوح إىل الـضـواحــي‪ ،‬ألسـبــاب مـتـعــددة‪ ،‬منها‬ ‫ارتفاع مثن العقارات داخل املدينة‪ ،‬بعد أن باتت‬ ‫سكناً ألصـحــاب السلطة‪ ،‬أو للنأي بأنفسهم‬ ‫عن مقار األجهزة األمنية اليت عشعشت يف تلك‬ ‫األحياء‪.‬‬ ‫إذاً ال ميكن احتساب سكان الضواحي أو أطراف‬ ‫املـ ــدن ع ـلــى ال ـري ــف‪ ،‬ألهن ــم ن ــازح ــون م ــن أح ـيــاء‬ ‫املدينة‪ .‬فضالً عن ذلك‪ ،‬فمعظم الريف السوري‬ ‫مت ّدن‪ ،‬بواقع هيمنة العالقات الرأمسالية فيه‪ ،‬وحبكم‬ ‫قربه من املدن‪ ،‬وتفاعله مع احلياة املدينية‪ .‬هكذا‪،‬‬ ‫إذا كانت مقولة تريّف املــدن السورية صحيحة‪،‬‬ ‫فاحلديث عن مت ّدن الريف يغدو صحيحاً‪ ،‬باملقدار‬ ‫ذاته‪ ،‬ففي احلالتني هي أزمة يف التمدين واحلداثة‬ ‫ظل النظام السياسي واالقتصادي‬ ‫يف سورية‪ ،‬يف ّ‬ ‫املتأسس على االستبداد‪.‬‬ ‫والثقايف ّ‬ ‫لــذلــك ال ميكن اعـتـبــار ال ـزبــداين ودوم ــا (تبعدان‬ ‫حنو ‪ 50‬كلم عن دمشق)‪ ،‬ومدن الرسنت واملعرة‬

‫مظاهرة في الريف السوري‬ ‫وإدلـ ــب وبــان ـيــاس وتـلـبـيـســة‪ ،‬وكـلـهــا م ــن املـنــاطــق‬ ‫الـســاخـنــة‪ ،‬جمــرد أري ــاف‪ ،‬إذ إن معظم األنشطة‬ ‫االقـتـصــاديــة فيها يـقــوم عـلــى الـسـيــاحــة والـتـجــارة‬ ‫واخلدمات والبناء‪ .‬أيضاً‪ ،‬ال ميكن اعتبار مدينة‬ ‫درعــا الــي أشعلت ال ـثــورة‪ ،‬جمــرد بـلــدة ريفية‪ ،‬وال‬ ‫التظاهرات واالعتصامات العارمة والــي جذبت‬ ‫مئات األلوف يف مدينيت محاه ومحص يف األشهر‬ ‫األوىل‪ ،‬حراكات ريفية‪.‬‬ ‫أمــا يف دمـشــق‪ ،‬في ـجـدر ال ـتــذكيــر بالـتظاهـرات‬ ‫الـتــي كانت تعم أحياء امليدان وبرزة واملزة وداريا‬ ‫وكفرسوسة والقابون وجوبر ودوما والزبداين‪ ،‬ويف‬ ‫األح ـي ــاء الـعـشـوائـيــة يف احل ـجــر األسـ ــود والـتـقــدم‬ ‫والتضامن‪.‬‬ ‫هذا ال يقلل من أمهية مشاركة األرياف يف الثورة‬ ‫لكنه يؤّكد طابعها العمومي‪ ،‬مع تأكيد وجود فئات‬ ‫أو مجاعات مل تشارك فيها‪ ،‬أو ختوفت منها‪ .‬ومع‬ ‫االعرتاف مبسؤولية الثورة عن هذا وذاك‪ ،‬بسبب‬ ‫عفويتها ومشكالهتا وعدم توضيحها لذاهتا‪ ،‬فإن‬ ‫التخوف‪ ،‬ينبعان من‬ ‫هذين‪ ،‬أي عدم املشاركة و ّ‬ ‫الـسـيــاســات ال ــي انتهجها الـنـظــام طـ ـوال العقود‬ ‫السابقة‪ ،‬ال سيما جلهة تطييفه اجملتمع‪ ،‬ووضعه‬ ‫مجاعاته يف مواجهة بعضها‪ ،‬مــع حترميه النشاط‬ ‫السياسي‪ ،‬وإشاعته اخلوف‪.‬‬ ‫وبديهي أن كل ذلك تفاقم‪ ،‬بعد الثورة‪ ،‬مع خشية‬ ‫رد فعل النظام‪ ،‬القائم على‬ ‫بعض اجلماعات من ّ‬ ‫القتل والتدمري‪ .‬هكذا اشتغل النظام هنا‪ ،‬أيضاً‪،‬‬ ‫ب ــدأب عـلــى إزاح ــة ال ـث ــورة ودفـعـهــا «م ــن املــديـنــة‬ ‫إىل األري ـ ــاف‪ ..‬وم ــن اجملـتـمــع امل ــدين إىل اجملتمع‬ ‫األه ـل ــي»‪ ،‬عـلــى مــا الح ــظ يــوســف فـخــر الــديــن‬ ‫يف مادته («اجليش احلــر» بني الريفية والتمديُن)‬ ‫(«احل ـي ــاة»‪ ،)2013/1/7 ،‬وال ــي حتــدث فيها‬ ‫عن إشكاليات تغليب الطابع الريفي للثورة على‬ ‫طابعها املدين‪.‬‬ ‫والقصد أن هذه ثورة العموم‪ ،‬رغم كل مشكالهتا‪،‬‬ ‫كوهنا ثورة ضد االستبداد‪ .‬أما املشاركة املتفاوتة‬ ‫هل ــذه ال ـق ـريــة أو ت ـلــك‪ ،‬وهـ ــذه املــدي ـنــة أو تـلــك‪،‬‬ ‫فــأس ـبــاهبــا ت ـن ـبــع م ــن م ـش ـكــات أخ ـ ــرى عــديــدة‬ ‫ومـتـبــايـنــة‪ ،‬ضمنها سـعــي الـنـظــام إىل ع ــزل الـثــورة‬ ‫وإضعافها‪ ,‬وإبعادها عن مراكز قوته يف املدن‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫‪19‬‬

‫حكايا البيدر‬

‫االغتراب‪ ..‬الصوغ النفسي لالمنتمي‬

‫جنان علي‬

‫كان النزياح الثقافات وحتول الطبقات االجتماعية‬ ‫أثر يرتسم على شعوب‬ ‫يف العامل‪ ،‬بشكل مفاجئ ٌ‬ ‫هــذه الثقافات‪ ،‬ويف الغالب يكون األثــر نفسياً‬ ‫بـطــابـعــه‪ ،‬فـهــذه الـتـحــوالت االجـتـمــاعـيــة تتطلب‬ ‫حت ــوالً بــالـبـنـيــة الـنـفـسـيــة بـشـكـ ٍـل حـتـمــي لـتـواكــب‬ ‫صـ ـ ــرورة اجمل ـت ـم ـع ــات‪ ،‬ل ــذل ــك كـ ــان لــاض ـط ـراب‬ ‫النفسي النصيب األك ــر مــع كــل تغيري يف بنية‬ ‫اجملتمع‪ ،‬حيث يشكل التغيري عثرًة أمــام ختيالت‬ ‫وطموحات بعض األف ـراد‪ ،‬مما يسبب اإلحباط‪،‬‬ ‫االكـ ـتـ ـئ ــاب‪ ،‬واألغـ ـ ـل ـ ــب‪ ..‬االغ ـ ـ ـراب ال ـن ـف ـســي‪.‬‬ ‫وهـ ـن ــا‪ ،‬م ــن واق ـ ــع ب ـ ـ ٍ‬ ‫ـات انـ ـزي ــاحـ ـاً ط ــوي ــل األمـ ــد‪،‬‬ ‫كـمــا ال ـواقــع ال ـســوري‪ ،‬مل يـقــف األم ــر عـنــد تغ ٍري‬ ‫حـتـمــي ب ــل ت ـع ـ ّداه ل ـيــأخــذ كـيـنــونــة ت ـغــرب احل ــال‬ ‫الـ ـس ــوري‪ ،‬وت ـش ـت ـت ـاً يف ال ـب ـن ـيــة الـنـفـسـيــة كـنـتـيـجـ ٍـة‬ ‫لسابقتها االجـتـمــاعـيــة‪ .‬وعـلـيــه؛ مل يــأخــذ واقعنا‬ ‫اجلــديــد (انـزيــاحـنــا) شـكـاً حم ــدداً‪ ،‬ومل يكن هلذا‬ ‫التشتت إال حالة من الالانتماء املكاين والنفسي‪.‬‬ ‫فهل لالغرتاب صوغٌ فلسفي سيكولوجي يصف‬ ‫هتتك الواقع بأفراده‪ ،‬وتصادم الفرد مع ذاته للبحث‬ ‫عــن سـبـ ٍـل للتأقلم وامل ـضــي مبــا ج ـ ّد يف جمتمعه؟‬ ‫سـن ـتـطــرق يف حبـثـنــا ع ــن وج ـه ــات ن ـظــر فلسفية‬ ‫وأخـ ــرى سـيـكـيـولــوجـيــة‪ ،‬تــرصــد مــاهـيــة االغـ ـراب‬ ‫مـ ـ ــن حـ ـ ـي ـ ــث كـ ـ ــونـ ـ ــه آل ـ ـ ـيـ ـ ــة ع ـ ـ ـمـ ـ ـ ٍـل جمـ ـتـ ـمـ ـع ــي‪.‬‬ ‫لقد استخدم (هيجل) مفهوم االغرتاب استخداماً‬ ‫ذا ط ــاب ـ ٍع م ـ ــزدوج‪ ،‬أي اس ـت ـخــدمــه ك ــإش ــارة إىل‬ ‫سلب املعرفة وسلب احلـريــة‪ ،‬وكان(هيجل) أول‬ ‫من استخدم املفهوم هبــذا املعىن امل ــزدوج‪ ,‬وذلك‬ ‫عندما أشار إىل أنه «عندما يكبح الوعي الذايت‬ ‫مــاذه وال يبايل به‪ ،‬يكشف عن احلرية البسيطة‬ ‫لــذاتــه‪ ،‬فــالــروح املغرتبة هــي الــي يكون وعيها ذا‬ ‫ٍ‬ ‫طبيعة منقسمة ومزدوجة‪ ،‬وجمرد كائن متضاد»‪.‬‬ ‫ويرى ( هيجل)‪ ،‬أن االغرتاب هو عملية واحدة يفقد‬ ‫فيها اإلنسان جزءاً من ذاته يف الوجود اخلارجي‪،‬‬ ‫ويف هذا الفقد‪ ،‬إما أن تعثر الــذات على نفسها‬ ‫يف العامل الذي أنتجته فتتكامل مع ذاهتا‪ ،‬وإما أن‬ ‫يكون العامل الذي أنتجته الذات غريباً عليها‪ ,‬وال‬ ‫ينتمي هلا‪ ,‬ويقف عدواً هلا‪ ،‬فيحدث االغرتاب‪.‬‬ ‫وهـنــاك مــن املنظرين مــن حيـصــرون دراس ــة ظاهرة‬ ‫االغـ ـ ـ ـ ـ ـراب وم ـن ــاق ـش ـت ـه ــا مـ ــن خ ـ ــال ن ـظ ـري ـتــن‬ ‫أساسيتني‪ ،‬ومها االغـراب كانفصال‪ ،‬واالغـراب‬ ‫ك ـم ـح ـيــط‪ ،‬وي ـع ـتــر (‪ )Schiller‬م ــن الــذيــن‬ ‫تصدوا للنظرية األوىل‪ ،‬أي االغرتاب كانفصال يف‬ ‫كتاباته‪ ،‬أما النظرية الثانية فنجدها يف اتفاقات‬ ‫فالسفة االجتماع‪( .‬الـنــوري‪ ،‬ص‪.)265،283‬‬ ‫إن مناقشات (هيجل) االستبطانية حلركة الكيان‬ ‫اإلنـســاين‪ ،‬من الشعور غري الناضج للعمومية أو‬

‫بوابة على الحدود السورية التركية‬ ‫ان ـ ـعـ ــدام الـ ـع ــاق ــات اإلنـ ـس ــانـ ـي ــة‪ ،‬ألن الـ ـف ــرد يف‬ ‫ح ـق ـي ـقــة األم ـ ــر ال خي ـت ــر ن ـف ـس ــه ك ـ ـجـ ـ ٍ‬ ‫ـزء أص ـلــي‬ ‫وم ـ ـصـ ــد ٍر ف ـع ــال إلغـ ـن ــاء احل ـ ـيـ ــاة‪ ،‬وإمن ـ ــا ك ـش ـ ٍ‬ ‫ـيء‬ ‫جمـ ــرد وف ــاق ــد خل ـصــوص ـي ـتــه وف ـع ــال ـي ــات ــه‪ ،‬مـعـتـمــدا‬ ‫ًع ـلــى ال ـقــوى اخلــارج ـيــة ع ـنــه‪ ،‬بــالـنـسـبــة ملــا خطط‬ ‫لــه بــأنــه م ــادة وجــوهــر ح ـيــوي وأس ــاس ــي حلـيــاتــه‪.‬‬ ‫ويـ ــرى( ف ـ ــروم)‪ ،‬ب ــأن هـنــالــك أمن ــاط ـاً ل ــاغ ـراب‪،‬‬ ‫ت ـت ـم ـثــل يف االغـ ـ ـ ـراب عـ ــن ال ـ ـ ــذات واآلخ ـ ـريـ ــن‬ ‫واجملـ ـتـ ـم ــع‪ ،‬ح ـي ــث أن االغ ـ ـ ـ ـ ـراب عـ ــن ال ـ ــذات‬ ‫يشكل أهــم صــور االغـ ـراب عند (فـ ــروم)‪ ،‬وهو‬ ‫يعين انفصال الفرد عن ذاتــه؛ حبيث يعيش ذاته‬ ‫ٍ‬ ‫كشيء غر ٍ‬ ‫يب عنه‪ ,‬وهذا يعين إخفاقه يف تكوين‬ ‫ذاتــه األصيلة‪ ،‬ويــرى بــأن الفرد الــذي حيقق ذاته‬ ‫األصيلة هو الــذي ال يعاين من اغـراب الــذات‪،‬‬ ‫وال ــذي يتمتع هبــويــة فـريــدة وغــر قــابـلــة للتكرار‪،‬‬ ‫ول ــه ال ـق ــدرة عـلــى اإلح ـس ــاس واخل ـلــق واالب ـ ــداع‪،‬‬ ‫ويـكــون حـقـاً ُم ـصــدراً ألف ـكــاره وجتــاربــه وق ـراراتــه‪.‬‬ ‫وهبذا يكون( فروم ) قد ميز بني الذات األصيلة‪،‬‬ ‫وال ـ ـ ــذات الـ ـزائـ ـف ــة‪ ،‬ع ـل ــى أسـ ـ ــاس أن ( الـ ــذات‬ ‫األص ـي ـلــة ت ـ ـرادف م ـف ـهــوم ال ـ ــذات غ ــر امل ـغ ـربــة‪،‬‬ ‫ال ـ ــي ح ـق ـق ــت وجـ ــودهـ ــا اإلن ـ ـسـ ــاين امل ـت ـك ــام ــل‪،‬‬ ‫فصاحبها مفكر وق ــادر على الـعـطــاء واإلب ــداع‪،‬‬ ‫أم ــا الـ ــذات ال ـزائ ـف ــة‪ ،‬فـهــي الـ ــذات ال ــي اغـربــت‬ ‫عــن نفسها وع ــن وجــودهــا اإلن ـســاين األص ـيــل)‪.‬‬ ‫وي ــرى( ف ــروم) ب ــأن االغ ـ ـراب أو االنـفـصــال عن‬ ‫اآلخـريــن هــو الـشــرط الـضــروري ألكثر العالقات‬ ‫اإلنسانية ثراء‪ ،‬وأن من يعي انفصاله عن اآلخرين‪,‬‬ ‫هو الذي بإمكانه أن يقيم روابط أكثر عمقاً وارتقاءً‪،‬‬ ‫لتحل حمل الروابط القدمية واليت تنظمها الغرائز‪.‬‬ ‫أما فيما يتعلق باالغرتاب عن اجملتمع‪ ،‬فهنا يلتقي‬ ‫(فــروم) مع ما ذهب اليه (ماركس) حيث أهنم‪:‬‬ ‫« يعزون االغرتاب إىل اهليكل االقتصادي والسياسي‬ ‫املعاصر‪ ،‬وأن االغ ـراب أثـٌـر ترتكه الرأمسالية على‬ ‫الفرد‪ ،‬وأن قهر االغرتاب إمنا يكون عن طريق إجراء‬

‫العاملية‪ ،‬إىل الشعور القوي بالفردية والذاتية‪ ،‬تعد‬ ‫أساساً جوهرياً لكل املسائل الروحية‪ ،‬وهذه تقود‬ ‫بالنتيجة إىل شعوٍر واقعي حقيقي لالغرتاب النفسي‬ ‫مــن األش ـيــاء الــداخـلـيــة الفطرية إىل هنــايــة التنافر‬ ‫والتنازع‪ ،‬وهذا ما جيسد يف حقيقة األمر االغرتاب‬ ‫كانفصال‪ ,‬وهو ينشأ نتيجة ظروف تارخيية بالغة‬ ‫الـســوء‪ ,‬ويتميز أســاسـاً بالوحدة وفـقــدان احلرية‪.‬‬ ‫أم ــا االغ ـ ـراب كـمـحـيــط؛ فـهــذا يـتــأتــى مــن حركة‬ ‫النمو اإلنساين وتطورها املتمثل باالستقاللية من‬ ‫االلتزامات االجتماعية وقوانينها‪ ،‬وما تؤدي إليه‬ ‫هذه االستقاللية من غر ٍبة على الصعيد الروحي‪.‬‬ ‫وي ــرى (هـيـجــل) أن ــه لـيــس مــن احلـتـمــي أن ينشأ‬ ‫عــر مسار حياة الـفــرد وعـ ٌـي متميز بــذاتــه‪ ،‬فمن‬ ‫املــألــوف بالنسبة للناس أن يـفـكــروا يف أنفسهم‬ ‫من خالل األدوار اليت يتمرسون هبا‪ ،‬واجلماعات‬ ‫ال ــي ينتمون إلـيـهــا‪ .‬إن عــاقــات األف ـ ـراد بالبنية‬ ‫االجـتـمــاعـيــة ه ــي عــاقــة وحـ ـ ٍ‬ ‫ـدة كــام ـلـ ٍـة وف ــوري ــة‪.‬‬ ‫أما اغرتاب الذات؛ فينظر إليه (هيجل) باعتباره‬ ‫النتيجة اليت تلزم عن اغـراب البنية االجتماعية‪،‬‬ ‫مم ــا ي ـع ــي أن اغ ـ ـ ـراب الـ ـ ــذات ه ــو امل ـصــاحــب‬ ‫الغ ـراب البنية االجتماعية‪ ،‬فحينما يشعر املرء‬ ‫أن الـبـنـيــة االجـتـمــاعـيــة بــالـنـسـبــة لــه ش ــيءٌ أخــر(‬ ‫ينشأ يف الوعي عــدم تطابق بني الــذات والبنية‪،‬‬ ‫يغرب الفرد نفسه عن طبيعته اجلوهرية‬ ‫وعندئذ ّ‬ ‫وي ـصــل إىل أق ـصــى درجـ ــات الـتـنــافــر م ــع ذات ــه)‪.‬‬ ‫وي ـقــول (س ــارت ــر) يف كـتــابــه ( ال ــوج ــود وال ـع ــدم)‪:‬‬ ‫«ق ـ ــدرايت ال خ ـصــائ ـصــي‪ ،‬امل ـف ــروض ــة ع ـلــي‪ ،‬هي‬ ‫إيل‬ ‫الــي حتــدد وج ــودي‪ ،‬إال أن اآلخــر يف نظرته ّ‬ ‫إيل‬ ‫ال يــرى إال هــذه اخلـصــائــص‪ .‬وهــو إذ ينظر ّ‬ ‫ـوع ال‬ ‫ع ـلــى ه ــذا ال ـن ـحــو فــإنــي أبـ ــدو ل ــه ك ـم ــوض ـ ٍ‬ ‫كـ ـ ٍ‬ ‫ـذات ح ــرة‪ ،‬ح ـق ـاً إن ــي ‪-‬وال أزال‪ -‬ق ــدرايت‪،‬‬ ‫ولـكــن يف الــوقــت نفسه فــإن هــذه الـنـظــرة تــؤدي‬ ‫إىل تغريب قدرايت عين»‪( .‬خليفة‪ ،‬ص‪.)27،52‬‬ ‫يعترب (فـ ــروم) االغ ـ ـراب نتيجة ل ـزيــادة أو تعمق‬


‫‪20‬‬ ‫الـتـغـرات يف الـنـواحــي االجـتـمــاعـيــة واالقـتـصــاديــة‬ ‫والسياسية والثقافية»‪( .‬محاد‪ ،‬ص ‪.)192،189‬‬ ‫وعين( مارتن هيدجر) يف حبثه مبا مساه السقوط‪،‬‬ ‫حيث يـكــون تـصــرف الـفــرد متسماً ب ـ (اإلمـعــة)‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫نسخة من كائ ٍن بال اسم‬ ‫ويصبح يف النهاية جمرد‬ ‫هو الناس‪ ،‬يقول (هيدجر) يف وصف هذا النوع‬ ‫مــن االغ ـ ـراب‪« :‬ه ــو يـفـعــل كـمــا يـفـعــل ال ـنــاس‪،‬‬ ‫ويقيس األمور مبقياس الناس ناسياً وجوده احلق‪،‬‬ ‫أو غري مدرك له يف خضم حياته العادية واهتماماته‬ ‫ال ـيــوم ـيــة‪ ،‬ويف ذل ــك يـتـجـلــى م ـعــى ال ـس ـق ــوط»‪.‬‬ ‫أمــا إميل دوركـهــامي (‪ )Durkheim, E‬فقد‬ ‫تناول مفهوم االغـراب يف سياق حتليله ملا أمساه‬ ‫بظاهرة (اآلنــومــي)‪ ,‬أو حتلل املعايري‪ ،‬حيث أنه‬ ‫يعتقد بــأن «س ـعــادة االن ـســان ال ميـكــن حتقيقها‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل تــام مــا مل تكن حــاجــات الـفــرد متناسبةً‬ ‫أوم ـت ـوازيــة مــع الــوســائــل الــي ميتلكها إلشباعها‪،‬‬ ‫ويـ ــؤكـ ــد بـ ـ ــأن احل ـ ـض ـ ــارة ال ـص ـن ــاع ـي ــة الـ ـ ــي تـســر‬ ‫خب ـط ـوات س ـري ـعــة ت ـعــاين م ــن م ــرض (اآلن ــوم ــي)‪,‬‬ ‫أو ف ـقــدان امل ـعــايــر»‪( .‬الـ ـن ــوري‪ ،‬ص‪.)49،45‬‬ ‫نــرى مــن خــال األفـكــار الــي قمنا بطرحها‪ ،‬أن‬ ‫عالقة الفرد باجملتمع عالقةٌ اتكالية‪ ,‬ال ختلو من‬ ‫التناسب‪ ،‬فأي ٍ‬ ‫حترك على صعيد اجلماعة يُتبع بأثر‬ ‫نفسي يطفو على السطح‪ ،‬ويبدأ بالتكتل كشرحية‬ ‫ج ــدي ــدة يـتـضـمـنـهــا اجملـتـمــع يف كـيـنــونـتــه احلــالـيــة‪.‬‬ ‫ه ـن ــا‪ ,‬وب ـع ــد ال ـت ـط ــرق مل ـف ـهــوم االغـ ـ ـراب مبــاهـيـتــه‬ ‫السيكيولوجية الفلسفية‪ ،‬وأثــر البنية االجتماعية‬ ‫ع ـلــى ت ـغ ــرب الـ ـف ــرد‪ ،‬أص ـب ــح بــإم ـكــان ـنــا الـبـحــث‬ ‫يف أب ـع ــاد ه ــذه ال ــازم ــة االج ـت ـمــاع ـيــة‪ ،‬كنتيجة‬ ‫ل ـ ـل ـ ـت ـ ـحـ ــوالت امل ـ ــره ـ ــون ـ ــة بـ ــاحلـ ــاضـ ــر ال ـ ـ ـسـ ـ ــوري‪.‬‬ ‫أبعاد االغتراب‪:‬‬ ‫العجز‪Powerlessness:‬‬ ‫إن جوهر العجز عند الفرد يتأتى أساساً من توقعه‬ ‫أنه ال ميلك القدرة على التحكم وممارسة الضبط‪،‬‬ ‫وهذا يعود إىل أن األشياء اليت حتيط به‪ ,‬تسيطر‬ ‫عليها ظروف خارجية أقوى منه ومن إرادته‪ ،‬وقد‬ ‫عرف (النكالوي‪ )1989،‬هذا البعد إجرائياً بأنه‬ ‫«احلــالــة ال ــي يصبح فيها األفـ ـراد يف ظــل سياق‬ ‫جمتمعي حمدد‪ ،‬يتوقعون مقدماً أهنم ال يستطيعون‬ ‫أو ال ميلكون تقرير أو حتقيق مــا يتطلعون إليه‬ ‫مــن نـتــائــج أو خمــرجــات مــن خ ــال سـلــوكـهــم أو‬ ‫فـعــالـيــاهتــم اخل ــاص ــة‪ .‬أي مبـعــى أهن ــم يستشعرون‬ ‫اف ـت ـقــاد ال ـق ــدرة عـلــى الـتـحـكــم يف خمــرجــات هــذا‬ ‫السياق وتوجيهها‪ ،‬األمر الذي يولد خربة الشعور‬ ‫بالعجز واإلحباط وخيبة األمل يف إمكانية التأثري‬ ‫يف متغريات هذا السياق والقوى املسيطرة عليه»‪.‬‬ ‫الالمعنى‪Meaninglessness:‬‬ ‫ويـ ـع ــرف ( س ـ ـي ـ ـمـ ــان‪ )1959،‬هـ ــذا ال ـب ـعــد بــأنــه‬

‫حكايا البيدر‬

‫«توقع الفرد أنه ال يستطيع التنبؤ بدرجة عالية‬ ‫من الكفاءة بالنتائج املستقبلية للسلوك‪ ،‬فالفرد‬ ‫ي ـغــرب عـنــدمــا ال ي ـكــون واض ـح ـاً لــديــه مــاجيــب‬ ‫أن ي ــؤم ــن ب ــه أو ي ـثــق ف ـي ــه‪ ،‬وك ــذل ــك ع ـنــدمــا ال‬ ‫ـى ملــا ي ـقــوم ب ــه‪ ،‬وم ــا يتخذه‬ ‫يستطيع حتــديــد م ـعـ ً‬ ‫م ــن قـ ـ ـ ـ ـ ـرارات»‪( .‬خ ـل ـي ـف ــة‪ ،‬ص‪.)270:174‬‬ ‫ويتبلور هذا املفهوم يف شكل نظرية نفسية عند‬ ‫فرانكل (‪ )1972 , Frankl‬والــي تقوم على‬ ‫أساس أن حياة الفرد‪ ,‬تتمركز حول إرادة املعىن‪,‬‬ ‫والـ ــي م ــن خــاهلــا حي ـقــق ال ـف ــرد امل ـعــى واجلـ ــدوى‬ ‫واهلـ ـ ــدف م ــن احل ـ ـيـ ــاة‪ ،‬ح ـي ــث ي ـ ــرى (فـ ـرانـ ـك ــل)‬ ‫أن ــه «إذا غ ــاب ع ــن اإلن ـس ــان اإلح ـس ــاس مبعىن‬ ‫احلـيــاة‪ ,‬فإنه خيــر الـفـراغ الــوجــودي‪ ،‬وال ــذي يعين‬ ‫أن احلـيــاة أصبحت رتـيـبـةً ممـلــة‪ ,‬وأهن ــا تسري بغري‬ ‫مـعــى أو هـ ــدف»‪( .‬اس ـك ـن ــدر‪ ،‬ص‪.)24،96‬‬ ‫العزلةاالجتماعية‪:Social Isolation :‬‬ ‫وت ـش ــر ج ـول ـيــا كـريـسـتـيـفــا ( ‪,Kristeva .J‬‬ ‫‪ ) 1997‬إىل أن «الـ ـف ــرد امل ـغ ــرب ه ــو ال ــذي‬ ‫ال ينتمي إىل أح ــد اجملــام ـيــع‪ ,‬وال يـشـكــل ج ــزءاً‬ ‫م ــن اجمل ـم ــوع ــة‪ ،‬وال ـ ــذي غــال ـب ـاً م ــا ي ـك ــون تــركـيــزه‬ ‫متعلقاً‪ ,‬فـقــط‪ ,‬بــاجلـوانــب والــدوافــع السلبية اليت‬ ‫مت ـثــل االغ ـ ـ ـراب»‪( .‬مح ـ ــاد‪ ،‬ص‪.)104،147‬‬ ‫الالمعيارية ( اآلنوميا)‪Normlessness:‬‬ ‫ومم ــا جت ــدر اإلشـ ــارة إل ـيــه ه ـنــا؛ أن امل ـغــرب ليس‬ ‫فاقدا ًللقيم‪ ،‬وإمنــا لديه منها ما يتناقض مع قيم‬ ‫وأعـراف اجملتمع‪ ،‬وأنه كلما ازدادت درجة وحدة‬ ‫هــذا التناقض‪ ,‬بني ما يدركه الفرد على أهنــا قيم‬ ‫مهمة وضرورية بالنسبة إليه‪ ,‬وما يدركه من قيم‬ ‫اآلخ ـريــن‪ ،‬زاد تبعاً لذلك إحساسه بــاالغـراب‪.‬‬ ‫وميكن التعبري عنها بأهنا نوع من اإلحساس باإلقصاء‬ ‫والرفض كنقيض للقبول االجتماعي‪ ،‬وهو بالتايل‬ ‫شعور الفرد بالوحدة والفراغ النفسي واالفتقاد إىل‬ ‫األمن والعالقات االجتماعية احلميمة‪ ،‬والبعد عن‬ ‫اآلخـريــن حــى وإن كــان بينهم‪ ،‬وقــد يكون هذا‬ ‫مصحوباً بالشعور بالرفض االجتماعي واالنعزال‬ ‫عن األهداف الثقافية للمجتمع‪ ،‬وهذا قد يؤدي‬ ‫بالنتيجة إىل البعد بــن أه ــداف الـفــرد وبــن قيم‬ ‫اجملـتـمــع وم ـعــايــره‪ .‬وه ــذا األم ــر قــد يقصي الـفــرد‬ ‫عن املشاركة يف الفعاليات االجتماعية‪ ،‬وشعوره‬ ‫بعدم االنتماء فيولد لديه كراهيةً لقيم اجملتمع‪ ،‬مما‬ ‫يدفعه لتبين أفكار ومعايري خمالفة ألعراف ومعايري‬ ‫اجملتمع الــذي يعيش فـيــه‪ .‬ويــرى بعض الباحثني‬ ‫يف ذلك نوعآً من االنفصال عن اجملتمع وثقافته‪.‬‬ ‫االغتراب عن الذات‪:‬‬ ‫هـ ــذا الـ ـن ــوع م ــن االغـ ـ ـ ـراب يـتـمـثــل يف ان ـف ـصــال‬ ‫ال ـف ــرد ع ــن ذات ــه وع ــدم الـتـطــابــق مـعـهــا‪ ،‬أي أنــه‬ ‫خيلق ذات ـاً غري حقيقية نتيجة لتأثريات الضغوط‬

‫العدد ‪15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫االجتماعية‪ ،‬ومبا حتمله من نظم وأعراف وتقاليد‪،‬‬ ‫وبكل تناقضاته مما قد يــؤدي إىل طمس الــذات‬ ‫احلـقـيـقـيــة ل ـل ـفــرد‪ ،‬حب ـيــث ي ـكــون غ ــر ق ـ ــاد ٍر على‬ ‫إجي ــاد األنـشـطــة والـفـعــالـيــات ال ــي تـكــافــئ قــدراتــه‬ ‫وإم ـك ــان ــات ــه وه ــذ ق ــد يـ ــؤدي إىل ال ـش ـعــور بـعــدم‬ ‫الــرضــاعــن ذاتــه ويفقد صلته احلقيقية بــذاتــه وقد‬ ‫ي ــرف ــض ك ــل م ــا حي ـيــط ب ــه وك ــذل ــك ق ــد يـصــاحـبــه‬ ‫الشعور بالضيق والتربم لكل ما هو قائم حوله‪.‬‬ ‫التشيؤ‪Reifieation:‬‬ ‫ويُقصد به أن الفرد يعامل كما لو كان شيئا ‪ً،‬وأنه‬ ‫قد حتول إىل موضوع وفقد هويته اليت هي مبثابة‬ ‫مركز إنسانيته وذاته‪ ،‬وهذا يعين وصول الفرد إىل‬ ‫مرحلة يكون فيها شيئا‪ ،‬أي تذوب ماهيته الذاتية‬ ‫وسط األشياء احمليطة به ومتحى معامل إنسانيته‪.‬‬ ‫(األهواني‪ ،‬ص‪)48 ،44‬‬ ‫ومل ـ ــا هل ـ ــذه األب ـ ـعـ ــاد مـ ــن تـ ــداخـ ــل يف مــاب ـي ـن ـهــا‪،‬‬ ‫ن ـ ـكـ ــاد الن ـ ـف ـ ــرق ح ـ ـ ـ ــدود ه ـ ـ ــذه األبـ ـ ـع ـ ــاد وأي ـ ــن‬ ‫يـنـتـهــي أح ــده ــا ل ـي ـبــدأ اآلخ ـ ــر‪ ،‬ف ـلــذلــك تـتــداعــى‬ ‫مجيعها لتشكل مــايـسـمــى ب ــاالغ ـراب النفسي‪.‬‬ ‫وعلى ماسبق ذك ــره‪ ،‬يتبني لنا مــدى أمهية ماقد‬ ‫مـ ــررن ــا بـ ــه ع ـل ــى ه ـي ـك ـل ـنــا ال ـن ـف ـس ــي كــأش ـخــاص‬ ‫خــاض ـعــن ألط ــر اجـتـمــاعـيــة مـتـقـلـبــة وغ ــر ثــابـتــة‬ ‫البنية‪ ،‬فــالــاإنـتـمــاء اليظهر يف الناحية النفسية‬ ‫لدينا فقط‪ ،‬بل يف تغربنا حنن كسوريني‪ ،‬ومل أشر‬ ‫هنا للتغرب على أنــه منفى أو غربة الوطن وإمنا‬ ‫على تغرب الفرد عن ذاتــه أوال وانفصاله عنها‪،‬‬ ‫وتغربه عــن واقـعــه رغــم كثافة متاسه هبــذا الـواقــع‪.‬‬ ‫‪1‬ـ اسـكـنــدر‪ ،‬نبيل رم ــزي (‪ .)1989‬االغ ـراب‬ ‫وأزمــة األنسان املعاصر‪ .‬القاهرة‪ :‬مكتبة النهضة‬ ‫املصرية‪.‬‬ ‫‪2‬ـ االهواين‪،‬هاين حسن (‪ .)1988‬دراسة لبعض‬ ‫املظاهر النفسية لالغرتاب لدى الشباب اجلامعي‬ ‫‪3‬ـ النوري‪ ،‬قيس (‪ .)1979‬االغرتاب‪ :‬اصطالحاً‬ ‫ومفهوماً وواقعاً‪ .‬عامل الفكر‪ ،‬العدد األول‪ ،‬اجمللد‬ ‫العاشر‪.‬‬ ‫‪ 4‬ـ محاد‪ ،‬حسن حممد (‪ .)1995‬االغرتاب عند‬ ‫أريك فروم‪ .‬بريوت‪ :‬املؤسسة اجلامعية للدراسات‬ ‫والنشر‪.‬‬ ‫‪5‬ـ خليفة‪ ،‬عبد اللطيف حممد (‪ .)2003‬دراسات‬ ‫يف سيكولوجية االغـ ـراب‪ .‬الـقــاهــرة‪ :‬دار غريب‬ ‫للطباعة والنشر والتوزيع‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫‪21‬‬

‫حكايا البيدر‬

‫الفن السوري في عهد البعث‪ ،‬صناعة ممنهجة‬ ‫جوان بهلوي‬

‫يدرك أي ٍ‬ ‫نظام سياسي يطمح للبقاء يف السلطة‪،‬‬ ‫والرتبع على عرشها لسنوات طويلة‪ ،‬مدى أمهية‬ ‫ال ـفــن وال ـف ـنــانــن يف مـس ـرتــه الـتـحـكـمـيــة‪ ،‬فــالـفــن‬ ‫س ـواءٌ كــان غـنــاءً أو سينما أو مـســرحـاً‪ ،‬أو حىت‬ ‫ٍ‬ ‫بفعالية بتكوين الرأي‬ ‫الدراما التلفزيونية‪ ،‬يسهم‬ ‫العام‪ ،‬سيما البسطاء والعامة‪ ,‬الذين هم نواة أية‬ ‫دول ــة‪ ،‬وحي ــدث تــأث ـراً بــالـغـاً على الفكر املتنامي‬ ‫لــدي ـهــم‪ ،‬وذلـ ــك وس ــط غ ـي ــاب وس ــائ ــل اإلع ــام‬ ‫األخـ ــرى م ــن ص ـحــافـ ٍـة ح ــرة‪ ،‬ووس ــائ ــل الـتـواصــل‬ ‫االجـتـمــاعــي‪ ،‬الــي مل تكن مــوجــودةً إب ــان حكم‬ ‫الـبـعــث مـنــذ بــدايـتــه‪ ،‬ومل تظهر إال يف الـسـنـوات‬ ‫األخ ــرة‪ ،‬وتعزز دورهــا مع بداية الـثــورة السورية‪.‬‬ ‫الفنانون والثورة‬ ‫عـنــد ان ـطــاق ال ـث ــورة‪ ،‬اعـتـقـ َـد بـعــض الـفـنــانــن أ ّن‬ ‫األم ــر سيكون مـشــاهبـاً ملــا حــدث يف مـصــر‪ ،‬من‬ ‫مجيع النواحي‪ ،‬ومنها الناحية الفنية‪ ،‬واعتقدوا أن‬ ‫الـصــوت الـفــي سيكون ل ـزام ـاً مــع الشعب ألهنم‬ ‫منهم‪ ،‬وألهنم يأخذون جنوميتهم وأمواهلم منه‪ ،‬من‬ ‫ٍ‬ ‫كنجوم‬ ‫وراء تنصيب هــذا اجلمهور البسيط هلــم‬ ‫للشاشة‪ ،‬ولكن شيئاً من هذا القبيل مل حيدث‪،‬‬ ‫فالنسبة الكبرية من جنوم الغناء والشاشة الصغرية‪،‬‬ ‫وقفت موقفاً واضحاً يف صف النظام‪ ،‬ومنهم من‬ ‫ـضــل الصمت‪ ،‬للخروج مــن كــل امل ــآزق‪ ،‬بينما‬ ‫فـ ّ‬ ‫نسبةٌ ضئيلة من الفنانني جتـرأت ورفعت صوهتا‬ ‫عالياً‪ ،‬إىل جانب هدير املتظاهرين واملطالبني بدعم‬ ‫أبـنــاء درع ــا‪ ،‬واملـضــي قــدمـاً حــى إسـقــاط النظام‪.‬‬ ‫ولكن كفة الوسط الفين رجحت لصاحل النظام‪،‬‬ ‫وهــذا ليس غريباً‪ ،‬إذا علمنا أن النظام السوري‬ ‫منذ تكوينه‪ ،‬أدرك مدى أمهية هذه الفئة‪ ،‬وحاول‬ ‫ٍ‬ ‫لدرجة‬ ‫صنعها يف قالبه اخل ــاص‪ ،‬وجنــح يف ذلــك‬ ‫ك ـبــرة‪ ،‬فـكــانــت م ـواقــف أغـلــب الـفـنــانــن خمـزيــة‪،‬‬ ‫نطقت بلسان النظام‪ ،‬الذي حصد هنا ما زرعه‬ ‫على مــدى سنني طويلة‪ ،‬وفــق ٍ‬ ‫خطط مــدروســة‪.‬‬ ‫«خيار وفقوس» النظام‬ ‫إذا عدنا إىل بــدايــات انـطــاق الــدرامــا السورية‪،‬‬ ‫جند أهنا حققت شعبيةً جارفة يف الوسط السوري‬ ‫والعريب‪ ،‬وكان من أبرز أعمدهتا الثنائي الذهيب‪،‬‬ ‫دري ــد حلــام وهن ــاد قـلـعــي‪ ،‬هــذا الـثـنــائــي ميـثــل متــامـاً‬ ‫سـيــاســة الـنـظــام ال ـس ــوري‪ ،‬وت ـســاوي مـكــونــاتــه يف‬ ‫اإلبـ ــداع وال ـن ـجــاح‪ ،‬وبــإمـكــانـنــا ال ـقــول أي ـض ـاً‪ ،‬إن‬ ‫قلعي تـفـ ّـوق مبيزة الكتابة املسرحية والتلفزيونية‪.‬‬ ‫مل يتعامل الـنـظــام ال ـســوري مــع قلعي عـلــى أنــه‬ ‫جنـ ٌـم خيــدم هــذا الــوطــن بــإبــداعــه‪ ،‬ولكنه نظر إىل‬ ‫دريــد على أنــه االبــن البار لــه‪ ،‬فهذا كــان وفياً له‬

‫من أجواء تصوير أغنية هذا جيش الوطن‬ ‫منذ بــدايـتــه واسـتـمــر إىل مــا بعد ال ـثــورة‪ ،‬وحــاول‬ ‫الحقاً هتميش دور شريكه‪ ،‬على مبدأ أنــه ليس‬ ‫من الراكضني إلرضائه‪ ،‬وهذا ما توضح جلياً يف‬ ‫تكرمي األســد األب لدريد حلــام منفرداً‪ ،‬متناسياً‬ ‫أن جن ــاح ــه مل ي ـكــن إال مب ـش ــارك ــة م ــن ال ـصــديــق‬ ‫قلعي‪ ،‬ليس هــذا فحسب‪ ،‬بل هناك من يقول‪،‬‬ ‫إ ّن قلعي تـعـّـرض ألكثر بكثري مــن هــذا املوقف‪،‬‬ ‫ح ـيــث غُ ــي ــب ق ـس ـراً ل ـف ـ ٍ‬ ‫ـرة طــوي ـلــة ع ــن ال ـع ـمــل‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫سياسة اإلقصاء‬ ‫مل تتوقف سياسة نظام األســد عند الثنائي حلام‬ ‫وقلعي‪ ،‬بل استمرت طوال حكم األسد‪ ،‬حيث‬ ‫تـعــامــل مــع الـفـنــان مسـيــح شـقــر كـمــا هن ــاد‪ ،‬شقري‬ ‫الذي يقدم فناً راقياً‪ ،‬كان شبه مغيّب‪ ،‬بل مغيباً‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل كامل عن الشاشات السورية‪ ،‬واملسارح‬ ‫ٍ‬ ‫ببساطة يف منزله‬ ‫واملهرجانات‪ ،‬فبينما كان يعيش‬ ‫املتواضع يف السويداء‪ ،‬كان جنوم الفن‪ ،‬وجنمات‬ ‫االستعراض يردحن بأصواهتن النشاز أمام اآلالف‪،‬‬ ‫ممن ال يعون كيف يفرض عليهم صوت دون آخر‪.‬‬ ‫(شقير) مختلف‬ ‫وظــل شقري مهمشاً‪ ،‬ألنــه كــان من القلة الذين‬ ‫يغنون للوطن وليس للنظام‪ ،‬والوحيد الــذي إن‬ ‫غىن‪ ،‬اكتفى باإلنشاد لسوريا واجلوالن وفلسطني‪،‬‬ ‫بــل وكــردسـتــان أيـضـاً‪ ،‬ميتلك صــوتـاً ممـيـزاً‪ ،‬ونغماً‬ ‫حـقـيـقـيــا‪ ،‬ول ـيــس ص ــوت ـاً وض ـي ـع ـاً ي ــردح م ــن أجــل‬ ‫ال ـ ـ ــدوالرات‪ ،‬أو رض ــوخ ـاً ألص ـحــاب ال ـك ـراســي‪.‬‬ ‫عـنــد ان ـطــاق ال ـث ــورة ال ـســوريــة‪ ،‬اسـتـمــر شـقــر يف‬ ‫الغناء للوطن‪ ،‬فغىن «يا حيف»‪ ،‬وعند غنائها‪،‬‬ ‫مل يكن مبقدور النظام السوري منعه من الوصول‬ ‫إىل قلوب مجيع السوريني‪ ،‬ومل يستطع هــذه املرة‬ ‫أن ميــارس سياسته املفضلة‪ ،‬يف إمســاع السوريني‬ ‫ألغـ ٍ‬ ‫ـان معلّبة‪ ،‬وفـ ٍن مطبوخ على مذاقه اخلــاص‪.‬‬

‫سـيــاســة ال ـن ـظــام يف إق ـص ــاء امل ـبــدعــن‪ ،‬ال ــذي ــن ال‬ ‫يستظلون بشجرته‪ ،‬وال يقبلون التحول إىل أبو ٍاق‬ ‫تعزف له‪ ،‬مشلت الفنان الراحل طلحت محدي‪،‬‬ ‫الــذي كــان مــن جنــوم ســوريــا الــامـعــن‪ ،‬فقد مثّل‬ ‫دور البطولة يف العديد من األعمال الراسخة يف‬ ‫ذاكرة السوريني‪ ،‬حيث مل يكن النظام راضياً عنه‪،‬‬ ‫ألنه ليس من الطينة اليت حيب‪ ،‬فقام عرب شركات‬ ‫اإلنتاج‪ ،‬اليت هي من صنعه‪ ،‬بتغييب محدي عن‬ ‫الشاشة‪ٍ ،‬‬ ‫ملدة تتجاوز الثالث سنوات‪ ،‬حىت دخل‬ ‫طور النسيان‪ ،‬وعمل على إفالسه‪ ،‬رغم أنه من‬ ‫املـنـتـجــن ال ــذي ــن س ــامه ـوا بـشـكـ ٍـل كـبــر يف تـطــور‬ ‫الدراما السورية‪ ،‬ومل يعد للشاشة إال بعد إعالنه‬ ‫على املأل أنه بات مهدداً باالهنيار االقتصادي‪،‬‬ ‫ف ـعــاد إىل ال ـظ ـهــور يف ب ـعــض األعـ ـم ــال كضيف‬ ‫شرف‪ ،‬ووافته املنية أثناء الثورة حزناً على سوريا‪.‬‬ ‫ٍ‬ ‫مؤسسات فنية‬ ‫هيمن النظام على الفن‪ ،‬فأوجد‬ ‫ٍ‬ ‫بشكل مباشر‪ ،‬فبعد‬ ‫ول عليها رجــالــه‬ ‫عــديــدة‪ّ ،‬‬ ‫شركة «شام» التابعة خلدام نائب الرئيس السوري‬ ‫ٍ‬ ‫أعمال متجد النظام‪،‬‬ ‫السابق‪ ،‬واليت تولت إنتاج‬ ‫ٍ‬ ‫وتسيدت السوق الدرامي السوري لفرتة طويلة‪،‬‬ ‫سلّم قيادة التشبيح الفين لشركة «سوريا الدولية»‬ ‫التابعة حملمد محشو وقناة الدنيا سابقاً‪ ،‬مسا حالياً‪.‬‬ ‫غد مختلف‬ ‫رغ ــم ك ــل م ــا بــذلــه ال ـن ـظــام الـ ـس ــوري‪ ،‬يف حمــاولــة‬ ‫اسـتـمــالــة الـفــن ال ـســوري إىل طــرفــه‪ ،‬إال أن تأثري‬ ‫القلة من الفنانني الشرفاء‪ ،‬الذين مالوا إىل الثورة‪،‬‬ ‫كان كبرياً يف مسار الثورة‪ ،‬وحينما يــزول النظام‬ ‫سيعود الفن السوري ناصعاً كما كان‪ ،‬من أجل‬ ‫ســوريــا الــوطــن‪ ،‬ولـيــس مــن أج ــل ســوريــا الـنـظــام‪.‬‬


‫‪22‬‬

‫حكايا البيدر‬

‫عابد صاحب السر الجميل‬

‫يف ٍ‬ ‫ليلة شتائية‪ ،‬يف غرفة صديقي أبو خالد الذي‬ ‫ٍ‬ ‫ال تفارق االبتسامة وجهه‪ ،‬يف ٍ‬ ‫متطرفة عن‬ ‫مزرعة‬ ‫قرييت ديــر فــول‪ ،‬كنا نشرب الـشــاي ونتذكر أيــام‬ ‫امل ـع ــارك املــاض ـيــة‪ ،‬ونـضـحــك عـلــى مــا أبـكــانــا يف‬ ‫بلهجة سر ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يعة‬ ‫وقتها‪ ،‬رن هاتفي فأجبت‪ ،‬كلمين‬ ‫أنــس أبــو أمحــد‪« :‬إذا أردت الــذهــاب إىل تركيا‪،‬‬ ‫كن يف مقري على متام الساعة اخلامسة صباحاً»‬ ‫نظرت إىل الساعة على حائط املــزرعــة‪ ،‬يف تلك‬ ‫اللحظة مل تكن قد جتاوزت الثانية صباحاً‪ ،‬لكنين‬ ‫أحتاج إىل ٍ‬ ‫وقت لتجهيز حقائيب‪ ،‬أخذت سيارة‬ ‫أبو خالد وهو مندهش من قراري السريع‪ ،‬ونزلت‬ ‫هبــا إىل (ديــر فــول)‪ ،‬كــان شباب القرية جمتمعني‬ ‫ـرق ص ـغ ـ ٍ‬ ‫يف فـ ـ ٍ‬ ‫ـرة ع ـلــى م ـراب ــط ال ـق ـريــة حلـمــايـتـهــا‪.‬‬ ‫يف احملرس املوجود على زاوية دكان القرية الرئيسية‬ ‫مسافر‬ ‫جيلس عابد‪ ،‬توقفت عنده‪ ،‬وقلت له إين‬ ‫ٌ‬ ‫يف ال ـص ـب ــاح‪ ،‬ص ـعــد يف ال ـس ـي ــارة م ـعــي دون أن‬ ‫ٍ‬ ‫خالف يف اآلراء قد حصل بيننا‬ ‫يتكلم على إثر‬ ‫قبل يومني‪ ،‬تطور إىل ص ـر ٍاخ كما يصرخ األخــوة‬ ‫بــن بعضهم يف عـتـ ٍ‬ ‫ـاب وبـعــض اجلـمــل الغاضبة‪.‬‬ ‫أشـ ـعـ ـل ــت الـ ـ ـض ـ ــوء داخـ ـ ـ ــل الـ ـ ـسـ ـ ـي ـ ــارة‪ ،‬ونـ ـظ ــرت‬ ‫إىل وج ـ ــه عـ ــابـ ــد األش ـ ـقـ ــر امل ـم ـت ـل ــئ امل ـب ـت ـس ــم‪،‬‬ ‫وقـ ـ ـ ـل ـ ـ ــت ل ـ ـ ـ ـ ــه‪« :‬ل ـ ـس ـ ـع ـ ــك زعـ ـ ـ ـ ـ ـ ــان م ـ ـ ـ ـ ــي؟»‪.‬‬ ‫أج ــاب ــي ب ــاب ـت ـس ــام ـ ٍـة كـ ـب ــرة‪« :‬لـ ـي ــش ف ـي ــي إزع ــل‬ ‫م ـنــك ي ــا ول ـ ــد‪ ،‬ع ــام ــل ي ـلــي أكـ ــر م ــن ه ـيــك»‪.‬‬ ‫ن ـزل ـنــا أنـ ــا وع ــاب ــد إىل م ـك ـتــي‪ ،‬وب ـ ــدأ ي ـســاعــدين‬

‫أيهم داغستاني‬

‫بـتــوضـيــب أشـيــائــي قـبــل الـسـفــر‪ ،‬وأن ــا أع ــده بــأين‬ ‫خ ــال ع ـش ـريــن ي ــوم ـاً س ــوف أكـ ــون مـعـهــم من‬ ‫ج ــدي ــد‪ .‬ع ـنــدمــا انـتـهـيـنــا‪ ،‬ج ـهــزت فـنـجــانــن من‬ ‫القهوة وجلسنا‪ ،‬نظر إيل وقال‪« :‬قبل أن تذهب‬ ‫أريـ ــدك أن تـعـلــم أين وج ــدت شـريـكــة الـعـمــر»‪.‬‬ ‫مل خيــرين بــامسـهــا‪ ،‬وبــإجــابـ ٍـة ســاخــرة‪« :‬لــن أعلن‬ ‫ع ــن أي ش ــيء قـبــل أن ت ـع ــود»‪ .‬وب ــدأ بوصفها‬ ‫ك ــأهن ــا مج ـ ــرةٌ يف ف ـم ــه‪ ،‬وال يـسـتـطـيــع ك ـت ـمــاهنــا‪.‬‬ ‫ومـ ــع نـ ـظ ــرة ح ــارق ــة يف ع ـي ـن ـيــه قـ ـ ــال‪« :‬ط ــوي ـل ــة‪،‬‬ ‫ـون كـ ـب ـ ٍ‬ ‫ذات شـ ـعـ ـ ٍر أس ـ ــود وع ـ ـيـ ـ ٍ‬ ‫ـرة م ـب ـط ـن ــة‪ ،‬ال‬ ‫أسـتـطـيــع أن أحت ـ ّف ــظ ع ـلــى اب ـت ـســامــي أمــام ـهــا»‪.‬‬

‫من ذاكرة أبو محمود الطنبرجي‬ ‫مأمون جعبري‬

‫حــن فـتــح ب ــاب الـقـبــو بـعــد ع ــدة طــرقــات‪ ،‬ارمتــى‬ ‫ذاك ال ـش ـخــص خمـتـبـئ ـاً خ ـلــف س ـحــابـ ٍـة دخــان ـيـ ٍـة‬ ‫عــالـقــة يف اهل ـ ـواء‪ ،‬تــرفــض أن ت ـتــزحــزح لـعـجــزهــا‪،‬‬ ‫بـعــد أن محـلــت مــا عـلــق هبــا مــن تـلــك ال ــزف ـرات‪،‬‬ ‫بــددهتــا بـيــدي لتطالعين تلك العينان املنتفختان‬ ‫احملمرتان‪ .‬بادرته بالسؤال بعتب‪« :‬أبو حممود‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫سيل‬ ‫ما اجلديد؟» نظرت العينان بسخرية ليتدفق ٌ‬ ‫من الكلمات‪ ،‬بدأ السيل من أبو حممود‪« .‬من‬ ‫تقصد؟ هل تقصد أبو حممود‪ ،‬ذلك الرجل الذي‬ ‫كان ينظر إىل الطائرة املعربدة يف مساء قريته وهي‬ ‫تقصف‪ ،‬وبكل ثقة يبصق عليها‪ ،‬قائالً ملن حوله‪:‬‬ ‫األعمار بيد اهلل‪ ،‬أو أنك تقصد أبو حممود الذي‬ ‫كان ينظر إىل زوجته ٍ‬ ‫حبنان‪ ،‬ويربّت على كتفها‬ ‫كــي ختشى جــوع أو بــرد أطـفــاهلــم إن حــدث له‬ ‫مكروه‪ ،‬مذكراً إياها بأهنم زرعوا اخلري أينما حلوا‪،‬‬ ‫ومــن يــزرع اخلــر حيصد العون عند املصائب‪ ،‬إن‬ ‫ك ــان أب ــو حم ـمــود ه ــذا ال ــذي تـبـحــث ع ـنــه‪ ،‬فقد‬

‫العدد ‪15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫خاص حنطة‬ ‫كانت الساعة قد قاربت الرابعة والنصف‪ ،‬ساعدين‬ ‫بنقل حقائيب إىل السيارة وتوجهنا هبا إىل مقر أبو‬ ‫أمحد وهنا قام بضمي ٍ‬ ‫إيل وقال‪:‬‬ ‫بشكل قوي ونظر ّ‬ ‫«دير بالك على الطريق وال تتهور بأي تصرف»‪.‬‬ ‫ك ــان مــن امل ـفــروض أين أن ــا مــن سـيـجـتــاز اخلطر‬ ‫خ ــال ه ــذا ال ـط ـريــق‪ ،‬وأين أن ــا م ــن حي ـلّــق امل ــوت‬ ‫ح ـول ــه‪ ,‬والـتـمـســت أهن ــا ق ــد ت ـكــون امل ــرة األخ ــرة‬ ‫ال ــي أرى فـيـهــا ه ــذا ال ـش ــاب األش ـق ــر ذا الــوجــه‬ ‫ـت ع ـلــى ح ــق‪ ,‬ف ـقــد رك ـب ــت تلك‬ ‫امل ـب ـت ـســم‪ ،‬وك ـن ـ ُ‬ ‫الـشــاحـنــة وس ــاف ــرت‪ ,‬وه ــو بـقــي لـيـتـلـقــف قذيفة‬ ‫املوت اليت حرمتين إىل األبد معرفة سره اجلميل‪.‬‬

‫الهذيان‬

‫ب ـقــي م ــزروعـ ـاً م ــع ح ـج ــارة ال ـ ــدار‪ ،‬أم ــا الـشـبــح‬ ‫ال ــذي أم ــام ــك‪ ،‬فـهــو ه ــذا امل ـشــرد ال ــذي يهرب‬ ‫شرطي تلوح يف البعيد‪ ،‬رغم‬ ‫عندما يرى إطاللة‬ ‫ٍّ‬ ‫أنــه ال يتجرأ على أن ميــس الـقــانــون‪ ،‬هــو الــذي‬ ‫يستأذن الكالب الـشــاردة كي يدخل حديقةً‪،‬‬ ‫ألنه يدرك أهنا شــاردةٌ يف أوطاهنا‪ ،‬وهلا احلق يف‬ ‫االستمتاع مقارنةً به‪ ،‬إنه األهبل الذي يكثر من‬ ‫االبتسامات احلمقاء حني دخوله ألي دكــان‪،‬‬ ‫كي يثري فرح احلاضرين وليس غضبهم‪ ،‬إنه الذي‬ ‫ينظر إىل ٍ‬ ‫غيمة ماطرة حبقد‪ ،‬بعد أن كان يرقص‬ ‫عند أول قطرة‪ ،‬أبو حممود الذي أصبح يكره كل‬ ‫مــدارس العامل‪ ،‬ويكره من رسم الكلمة األوىل‪،‬‬ ‫صباح‬ ‫ألن ابنته الصغرى حني تفتح عينيها كل ٍ‬ ‫جت ـلــده ب ـس ـؤاهلــا «م ــى أذه ــب إىل امل ــدرس ــة؟»‪،‬‬ ‫ويـصــرخ مبــن ي ـراه مــن أوالده مـريـضـاً بــأن إمهاله‬ ‫هو السبب‪ ،‬بعد أن كانت قبالته يف ٍ‬ ‫يوم مضى‬ ‫تدفئ جسد من ميرض منهم‪ ،‬تتذكر أم حممود‬

‫يف األيام اخلوايل كيف كان شارباه يرتاقصان حني‬ ‫ي ـراهــا‪ ،‬وتـلـمــع عـيـنــاه بتلك الـنـظــرة ال ــي تفهمها‬ ‫جيداً‪ ،‬أما اآلن فهو من يهرب ببصره حني متر‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫حيضر عذراًكي يبقى بعيداً عنها»‪.‬‬ ‫ويف كل مساء ّ‬ ‫ص ـم ــت ع ــن ه ــذي ــان ــه ب ـع ــد أن أط ـل ــق س ـحــاب ـةً‬ ‫مـكـثــت ت ـن ــوء‪ ,‬وط ـن ـاً ضــائ ـع ـاً وج ــرح ـاً ال يلتئم‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫حكايا البيدر‬

‫‪23‬‬

‫استراحته؟‬ ‫أم‬ ‫المحارب‪،‬‬ ‫اغتراب‬ ‫القسرية‬ ‫الثوار‬ ‫هجرة‬ ‫عماد نجم حسو‬

‫مل يكن اإلجبار على الرحيل‪ ,‬الرتحيل القسري‪,‬‬ ‫حادثة جديدة أو طارئة على اجملتمع السوري‪ ,‬إال‬ ‫أهنا ومنذ بداية الثورة‪ ,‬وخاصة بعد مضي عامها‬ ‫األول‪ ,‬بــدأت تتحول إىل ظــاهــرة يومية احلضور‬ ‫يف ح ـيــاة ال ـس ــوري ــن‪ ,‬ظ ــاه ــرة رمب ــا مشـلــت نصف‬ ‫الـشـعــب ال ـســوري وأث ــرت ب ــه‪ .‬لـنـتــذكــر أن رفــات‬ ‫القاص السوري (مجيل حتمل) ما زالت تنتظر يف‬ ‫فرنسا من ينقلها إىل أرض الوطن‪ ,‬منذ أن خرج‬ ‫يف الثمانينيات على خلفية انتمائه حلزب العمل‬ ‫الشيوعي‪ .‬هذه القصة واحدة من قصص كثري من‬ ‫السوريني‪ ,‬عانوا وال زالوا من جور النظام وأجهزته‪..‬‬ ‫احلديث اآلن عن اهلجرة والتهجري يبدو ملحاً‪ ,‬يف‬ ‫الوقت الــذي أجرب فيه العديد من الشباب على‬ ‫الــرحـيــل‪ .‬فــأيــن جيــد ه ــؤالء ال ـث ـوار أنفسهم اآلن‪,‬‬ ‫وهــل ابتعادهم عــن هــذه ال ـثــورة‪ ,‬هــو بــا رجعة؟‬ ‫(أب ــو الـطـيــب)‪ ,‬هــو مــن ه ــؤالء الــذيــن اضطرهتم‬ ‫املالحقة إىل اخلــروج من سوريا‪ ,‬بعد أن دومهت‬ ‫عيادته من قبل املخابرات اجلوية‪( .‬أبــو الطيب)‬ ‫طبيب األس ـنــان يــذكــر عــن تلك املــرحـلــة قسوهتا‬ ‫عـلـيــه وك ـثــرة تـنـقـلــه‪ ,‬لـلـقـيــام مبــا جيــب يف العمل‬ ‫اإلغ ــاث ــي وال ـطــي ملـســاعــدة الــاجـئــن الـســوريــن‪.‬‬ ‫«وج ـ ــدت يف م ـصــر مـلـجــأ يل‪ ,‬وخ ـص ــوص ـاً ألن‬ ‫م ـص ــر ك ــان ــت آن ـ ــذاك ح ــاض ـن ــة ل ـل ـث ــورة ال ـس ــوري ــة‬ ‫ولثوارها‪ ,‬قابلت الكثري من الشخصيات املعارضة‬ ‫وحتــدثــت مــع الكثري منهم‪ ,‬إال أنــي وج ــدت يف‬ ‫معظمهم رغبة باستغالل أي ثائر قــد خــرج من‬ ‫الــداخــل‪ ,‬وذلــك بغية ضمه لتكتلهم أو حزهبم‪,‬‬ ‫وإب ـع ــاده عــن الـتـكـتــات األخـ ــرى‪ .‬سـبـعــة أشهر‬ ‫من هذه احلالة‪ ,‬كانت كفيلة بانتقايل إىل تركيا‪,‬‬ ‫حيث رغـبــت أيـضـاً بالعمل مــن أجــل الالجئني‬ ‫السوريني هناك‪ ,‬ومبساعدة أحد األصدقاء عملت‬ ‫على تأسيس عيادة سنية جمانية يف أحــد املراكز‬ ‫الطبية السورية يف مدينة أنطاكيا‪ ,‬عملت لفرتة‬ ‫جيدة هناك‪ ,‬إال أن ظهور بعض األشخاص ممن‬ ‫حـولـوا املــركــز الـطــي‪ ,‬ملكان ميــارســون فيه الدعاية‬ ‫ألشخاص ال يهمهم سوى السلطة وحجز مقعد‬ ‫سياسي هلم يف الــدولــة املستقبلية‪ ,‬باإلضافة إىل‬ ‫ســوء املعاملة الــي وصـلــت إىل حــد مــس كراميت‬ ‫كــإن ـســان ق ــد خ ــرج ب ـث ــورة ع ـن ـواهنــا ال ـع ـريــض هو‬ ‫الـكـرامــة‪ ,‬كــل هــذا أهنــى عملي يف هــذا املــركــز»‪.‬‬ ‫مع بداية الثورة السورية كان(أمحد البيهس) طالب‬ ‫املعهد التجاري يؤدي خدمته اإللزامية يف الفرقة‬ ‫‪ 14‬قوات خاصة كرقيب جمند‪ ،‬حيدثنا أمحد قائال‪:‬‬ ‫«لقد كانت اإلجازات بالنسبة يل فرصة للتظاهر‬ ‫ضــد النظام االس ــدي‪ ،‬فلقد شــاركــت يف العديد‬ ‫مــن مـظــاهـرات جامعة حـلــب‪ ,‬أعلنت انشقاقي‬ ‫عن جيش النظام األسدي يف ‪،2012_7_20‬‬

‫وتأخر انشقاقي ألين كنت أعمل على مساعدة‬ ‫زمالئي يف اخلدمة على االنشقاق‪ ،‬حيث كنت‬ ‫م ـســؤوالً عــن ذات ـيــة ال ـفــوج ‪ 554‬ق ـوات خــاصــة‪،‬‬ ‫وحبـكــم ذال ــك ف ــإن ختمي املـهـمــات واإلج ــازت‬ ‫كانا معي وهبذا سهلت هروب وانشقاق العديد‬ ‫من زمالئي‪ ,‬يف اخلامس والعشرين من شهر آب‬ ‫عملت مع جمموعة من أبناء حيي على تشكيل‬ ‫كتيبة (أس ــود السنة )‪ ،‬وشــاركـنــا يف الـعــديــد من‬ ‫املعارك الدائرة يف حلب‪ ,‬كان أمهها معركة حترير‬ ‫(ثكنة هـنــانــو)‪ ،‬انتقلت بعدها إىل مــا عــرف يف‬ ‫ذلك الوقت بلواء (الثورة احللبية)‪ ،‬حيث كانت‬ ‫إحدى مهامها احلفاظ على أمن املناطق احملررة‪،‬‬ ‫واملشاركة على خط اجلبهات املشتعلة ضد نظام‬ ‫األسد‪ ,‬لقد كان انضمامي إىل اجليش احلر إمياناً‬ ‫مين بأنه اجليش املخلص للشعب السوري‪ ،‬وبأنه‬ ‫جيش ســوريــة القادمة املــدافــع عــن حــدودهــا‪ ،‬إال‬ ‫أن عمل البعض على تشويه صورة هذا اجليش‪،‬‬ ‫من خــال املمارسات الــي قــام هبــا‪ ،‬سـواء بعض‬ ‫من كانوا ثواراً‪ ،‬أو من املتسلقني الذين اختذو من‬ ‫الثورة سلماً يرتقونه لتحقيق مصاحلهم الشخصية‬ ‫وأط ـمــاع ـهــم وج ـش ـع ـهــم‪ ,‬أص ـب ـحــت ال ـغ ـنــائــم من‬ ‫الـســاح وال ــذخ ــرة‪..‬إخل هــي اهل ــدف األســاســي‪،‬‬ ‫بدالً من إسقاط النظام لدى بعض قادة وعناصر‬ ‫اجلـيــش احل ــر‪ ،‬كـمــا أن انـضـمــام بـعــض مــن كانو‬ ‫شبيحة باألمس إىل كتائب اجليش احلر‪ ،‬وإفالهتم‬ ‫من العقاب عند حماوالت حماسبة أحدهم‪ ،‬حيث‬ ‫ظـهــرت احملسوبية واملـصــاحل املشرتكة لــدى بعض‬ ‫القادة‪ ،‬وبعض من هؤالء الشبيحة الذين تظاهروا‬ ‫باخنراطهم يف الـثــورة الـســوريــة‪ ،‬إال أن أفعاهلم مل‬ ‫تكن تدل على ذالك أبداً‪ .‬هذه األسباب إضافةً‬ ‫إىل قـلــة م ـ ـوارد اجل ـيــش احل ــر احل ــر‪ ،‬وع ــدم وجــود‬ ‫ع ــائ ــدات م ــادي ــة لـعـنــاصــرهــا‪ ،‬أج ــرت الـكـثـريــن‬ ‫عـلــى تــركــه والـتــوجــه للعمل اخل ــاص لـتــأمــن لقمة‬ ‫العيش ألوالدهم‪ .‬الحقاً مت اعتقايل من قبل اهليئة‬ ‫الشرعية حبلب ألكثر من ثالثة أيام بدون توجيه‬ ‫أية هتمة أو مذكرة إحضار‪ ،‬علماً أن مذكرة إخالء‬ ‫سبيلي حتوي التاريخ ذاتــه لدخويل السجن‪ ،‬كل‬ ‫ذالك قادين للتفكري فعلياً بإيقاف نشاطي الثوري‬ ‫ولو لفرتة مؤقتة‪ ،‬مع بقاء الثورة حيةً يف داخلي‪».‬‬ ‫العديد من القصص واآلراء حول هذه القضية‪.‬‬ ‫(ب ـ ــروز ب ـري ــك)‪ ,‬رئ ـيــس حت ـريــر جم ـلــة صـ ــور‪ ,‬كــان‬ ‫ينظر للموضوع من زاويــة أخــرى‪ ,‬فهو ال يفضل‬ ‫هــذه احلـسـبــة الــي تعتمد عـلــى القسمة بــن من‬ ‫هم يف الــداخــل ومــن يف اخلــارج‪« .‬أنــا لست من‬ ‫املؤمنني بالتفريق بني داخــل وخــارج‪ ,‬وخاصة إذا‬ ‫ك ــان ال ــاج ــىء أو امل ـســافــر أو امل ـغ ــرب (بـغــض‬ ‫الـنـظــر عــن التسمية) يف دول ــة جم ــاورة أو منطقة‬ ‫حدودية‪ ,‬ويف أماكن جتمع السوريني‪ ,‬ويعمل يف‬

‫الشأن العام‪ ,‬ولديه القدرة على زيارة الداخل‪ .‬من‬ ‫هذا املنطلق‪ ,‬ال أعتقد حبدوث افـراق بيين وبني‬ ‫الداخل‪ .‬يضاف إىل ذلك أنين مل أنقطع للحظة‬ ‫عن مهوم أهلي و أصدقائي وزمالئي‪ ,‬واشرتكت‬ ‫معهم دائماً‪ ,‬وال أزال‪ ,‬وأرجع للعمل يف الداخل‬ ‫إذا استوجب ذلك»‪ .‬هذا الرأي يقودنا للحديث‬ ‫عــن نـشــاط الـســوريــن ح ــول الـشـريــط احل ــدودي‪,‬‬ ‫مع النازحني‪ .‬نالحظ هنا أن أغلب الذين تركوا‬ ‫البالد‪ ,‬تركوها إىل مناطق جماورة ال تبعد ساعات‬ ‫رمبــا عــن منازهلم‪ ,‬هلــذا فــإن الـعــودة تبقى أسهل‪,‬‬ ‫والتواصل يبقى‪ ,‬حبكم القرب وحبكم الرغبة الدافقة‬ ‫لدى السوريني للتواصل فيما بينهم‪ .‬إن كثرياً من‬ ‫النشاطات اليت يقوم هبا بعض الثوار يف اإلغاثة‪,‬‬ ‫لرمبا هي ال تقل أمهية عن النشاط يف الداخل‪».‬‬ ‫املــوس ـي ـقــي (ب ـش ــار امس ــاع ـي ــل)‪ ,‬الـ ــذي شـ ــارك يف‬ ‫املظاهرات كما يف العمل العسكري‪ ,‬إال أنه تنحى‬ ‫جانباً حني رأى أن النزاع أصبح بال هدف‪ ,‬ويبتعد‬ ‫عما يراه خليقاً باالبتعاد عنه‪ ,‬من وجهة نظره‪« .‬هذا‬ ‫يعتمد على مفهومي للثورة‪ .‬ثورة مرحلية‪ ,‬أم ثورة‬ ‫قلب نظام‪ ,‬أم ثورة كالسيكية على الدكتاتورية»‪.‬‬ ‫ي ـقــول أي ـض ـاً «الـكـثــر مــن املــوسـيـقـيــن والـكـتــاب‬ ‫والرسامني‪ ,‬غادروا بالدهم عند أول طلقة بندقية‬ ‫أو قـطــرة دم‪ ..‬ألن ال ـص ـراع الـبـشــري على مدى‬ ‫ال ـتــاريــخ ال يـنـتـهــي‪ ,‬وحيـ ــرق األخ ـض ــر وال ـيــابــس‪.‬‬ ‫املفارقة تكمن يف أن الثورة السورية‪ ,‬متيزت بوجود‬ ‫(النشاط الثوري) كمفهوم جديد وأسلوب عمل‬ ‫خمتلف‪ .‬من خــال قـراءيت للتاريخ ثــورات عمت‬ ‫العامل‪ ,‬هناك طاغية وهناك شعب ثائر ضده‪ ,‬أما‬ ‫هــذه األســالـيــب الــي ابتكرها أشـخــاص يعملون‬ ‫ألج ـن ــدات خت ــدم مـصــاحلـهــم الـشـخـصـيــة‪ ,‬فليس‬ ‫هلــا مــن الــوجــاهــة أو املـكــانــة أو ال ـتــأثــر‪ ,‬الـشــيء‬ ‫ال ـك ـثــر‪ ،‬ب ـص ـراحــة‪ ،‬ث ــوريت مل ت ـبــدا ب ـعــد‪ ،‬وهـنــاك‬ ‫الكثريون يــرون األمــر هبــذه الطريقة‪ ،‬لذلك أرى‬ ‫أن أتنحى جانباً إىل أن ينتهي الصراع املسلح‪».‬‬ ‫كـ ـث ــرون ي ـت ـح ــدث ــون ع ــن اهلـ ـج ــرة وع ـ ــن ف ـق ــدان‬ ‫الـ ـ ـث ـ ــورة ألبـ ـن ــائـ ـه ــا‪ ,‬ل ـك ــن احل ـ ــل ي ـب ـق ــى ب ــوض ــوح‬ ‫الـ ــرؤيـ ــة لـ ــدى اجل ـم ـي ــع‪ ,‬خ ـص ــوص ـاً لـ ــدى ال ـث ـوار‬ ‫عـلــى األرض‪ ,‬ألن ه ــذا ال ــوض ــوح سـيـسـمــح لنا‬ ‫ب ــاخل ــروج مــن احلـلـقــة املـفــرغــة لـلـفــوضــى الـظــاهــرة‪,‬‬ ‫والـ ــي ختـفــي حتـتـهــا تــارخي ـنــا الـ ــذي يـكـتــب اآلن‪.‬‬


‫‪24‬‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫حكايا البيدر‬

‫قاع القاهرة الدافئ‪ ،‬قاع القاهرة القاتل‬ ‫إهنــا ال ـقــاهــرة‪ .‬املــديـنــة ال ـكــرى الــي مي ــارس البشر‬ ‫حياهتم فيها بصورٍة مليونية‪ ،‬ماليني يركبون املرتو‬ ‫صباحاً‪ ،‬ماليني يركبون املرتو بعد الظهر‪ ،‬ماليني‬ ‫ميـشــون عـلــى الـنـيــل‪ ،‬مــايــن ي ـقــودون الـسـيــارات‬ ‫يف ش ـ ـ ـوارع م ــزدمح ــة ب ــامل ــاي ــن م ــن ك ــل شـ ــيء‪..‬‬ ‫ـاع يل مــع املــديـنــة الـكــرى –أن ــا الـقــادم‬ ‫أول انـطـبـ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫منسية ال يكاد يتجاوز عــدد سكاهنا‪،‬‬ ‫مــن قـريـ ٍـة‬ ‫ـت أرى كل‬ ‫شـٍـاغـلــي نــاطـحــة س ـحــاب‪ -‬أن ــي كـنـ ُ‬ ‫ـوم ع ــدداً مــن البشر أكثر ممــا ينبغي أن أراه يف‬ ‫يـ‬ ‫ش ـهــر‪ ،‬ع ــدد الـبـشــر ال ــذي ــن حتـتــك هب ــم يــوم ـي ـاً يف‬ ‫املدينة الكبرية منت ِهك‪ ،‬يفرض نفسه قهرياً على‬ ‫إيـقــاع حياتك‪ .‬هــذا يفسر احلــس اجلماعي عند‬ ‫الـنــاس هنا‪ ،‬وانسحاق النزعة الفردية وأصحاهبا‬ ‫حت ـ ــت ع ـ ـجـ ــات امل ـ ـ ــرو وال ـ ـش ـ ـمـ ــس احل ـ ــارق ـ ــة‪.‬‬ ‫يف م ـصــر‪ ،‬كـمــا يف كــل م ـكــان‪ ،‬املـنـطــق الطبقي‬ ‫ـروري لـفـهــم األش ـي ــاء‪ .‬لـكــن األم ــور يف مصر‬ ‫ضـ ـ ّ‬ ‫واضحة‪ ،‬والفقر ال خيجل من إعمال أنيابه أمام‬ ‫الكامريات‪ .‬ميكن لـ «الفرد» أن يعيش يف طبقات‬ ‫حمدودة يف اجملتمع املصري‪ ،‬فرصته أن يكون فرداً‪،‬‬ ‫هي إما يف أعلى السلم‪ ،‬أو أدناه‪ ،‬بقوة املال أو قوة‬ ‫شرعة الغاب‪ .‬خارج هذه احلدود يعربد جمد اجلماعة‬ ‫واجلماعات‪ .‬اجلماعات املستقوية ببعضها داخلياً‪،‬‬ ‫الــي التحمت بـصــورٍة ٍ‬ ‫مهيبة يف مـيــدان التحرير‪،‬‬ ‫هــي مــن صـنــع ه ــذا الـتـغـيــر «ال ـق ـلــق» يف مصر‪.‬‬ ‫يف الـ ـق ــاع ي ــوج ــد أفـ ـ ـ ـر ٌاد إذن‪ ،‬وب ــإض ــاف ــة ع ـ ِـام ـ ِـل‬ ‫أن صــدي ـقــي رام ـ ــي يـسـتـعــن ب ــاملـ ـخ ــدرات عـلــى‬ ‫املدينة الـكـبــرة‪ ،‬وأنــه زبــون ثـقـةٌ لبائعي احلشيش‬ ‫يف ال ـ ـق ـ ــاه ـ ــرة‪ ،‬وأن رام ـ ـ ـ ــي بـ ـبـ ـس ــاط ــة جمـ ـن ــون‪،‬‬ ‫ك ــان ــت خـ ــرةٌ ح ـ ّـري ـف ـةٌ تـنـضــج يف ل ـيــل ال ـقــاهــرة‪.‬‬ ‫«هـيـمــا» هــو ديـلــر (بــائــع) خم ــدرات‪ .‬يـعــرف عن‬ ‫ســوريــا الـقـلـيــل الـقـلـيــل‪ ،‬مــن ه ــذا الـقـلـيــل صديقه‬ ‫رامي‪ .‬حيب اجليش احلر ألنه ينزل الطيارات‪ ،‬يكره‬ ‫حياته وحيمل فهماً عبثياً للوجود‪ .‬يشعر باخلجل‬ ‫من السوريني‪ ،‬على األقل أمام رامي‪« ..‬ميدان ايه‬ ‫وداخلية ايه‪ ..‬دا انتو بتضربوا بالطيارة يا شيخ»‪.‬‬ ‫وبـسـبــب أن صــديـقــي رام ــي ث ــوري ث ـرثــار‪ ،‬وهيما‬ ‫م ـلــيءٌ بــالـغـضــب‪ ،‬ص ــار رام ــي وهـيـمــا صــديـ َقــن‪.‬‬ ‫كـ ــان ش ـغ ــف الـ ـق ــاع يـ ـق ــود رامـ ـ ــي إىل األم ـك ـنــة‬ ‫األكثر إعتاماً يف القاهرة‪ .‬هناك‪ ،‬حيث البيوت‬ ‫الواقفة بقدرة اهلل‪ ،‬واملتشردون واملتعاطون والباعة‬ ‫امل ـت ـج ـولــون‪ ،‬وال ـف ـقــر والـقـمــامــة واألط ـف ــال الــذيــن‬ ‫حيملون املطاوي وينامون يف الشوارع‪ ،‬هذا اخلزان‬ ‫البشري اهلائل الــذي يصدِّر إىل مصر البلطجية‬ ‫والفوضى وعدم األمان‪ ،‬ويذ ّكر اجملتمع بأنه ليس‬ ‫خبري‪ ،‬وأن هذا الورم الذي يكرب على جسد مصر‬ ‫لــن يستمر طــوي ـاً يف امل ـهــادنــة‪ ،‬وأن احل ــال الــي‬ ‫عليها هؤالء مل ِ‬ ‫تأت من العدم‪ ،‬وأن على اجملتمع‬

‫أن يـتـحـمــل امل ـســؤول ـيــة‪ .‬لـقــد ج ـربــت الـسـلـطــات‬ ‫الــي مــرت على مـصــر‪ ،‬جـربــت يف ه ــؤالء نــزواهتــا‬ ‫االقتصادية‪ ،‬مل يرمحهم أحــد‪ ،‬مل يفكر هبم أحد‬ ‫كبشر‪ ،‬كانوا دائماً هامش مصر املنسي َّ‬ ‫املعذب‬ ‫ّ‬ ‫ال ـف ــادي ال ــذي ت ـن ـزاح إل ـيــه كــالـلـعـنــة األب ــدي ــة كل‬ ‫املشاكل والتناقضات الطبقية‪ ،‬ليستمر األغنياء‬ ‫يف االستمتاع بــاملــال‪ ،‬والطبقات يف الــدفــاع عن‬ ‫مصاحلها‪ ،‬ومحــايــة «االسـتـقـرار»‪ ،‬وكبح موجات‬ ‫الـتـغـيــر اجلـ ــذري‪ ،‬وحم ــاول ــة االل ـت ـحــاق بــأصـحــاب‬ ‫امل ـ ــال واالمـ ـتـ ـي ــازات يف الـ ــدرجـ ــات األعـ ـل ــى من‬ ‫السلم‪ .‬كل هذه القوى ‪-‬وتطبيقاهتا السياسية‪-‬‬ ‫ال ــي تـتـفــاىن داخ ـل ـي ـاً يف اجملـتـمــع امل ـص ــري‪ ،‬تــرمــي‬ ‫خم ـل ـفــات ص ـراع ــاهت ــا إىل ال ـبــاحــة اخل ـل ـف ـيــة‪ ،‬هـنــاك‬ ‫ح ـيــث‪ :‬حـيــث ال ـق ــاع‪ ،‬يـعـيــش حتــت خــط الفقر‬ ‫مب ـراح ــل‪ ،‬مــن ي ـعــاين عــن مـصــر وي ـف ـتــدي اجملتمع‬ ‫مقابل الـريــح‪ ،‬العبث‪ ،‬مقابل اهل ـراء والــاشــيء‪..‬‬ ‫هـ ـن ــا يف الـ ـ ـق ـ ــاع‪ ،‬يـ ـعـ ـي ــش جمـ ـتـ ـم ــع خـ ـ ــاص مــن‬ ‫ال ـش ـب ــاب‪ ،‬ل ــه ق ـي ـمــه وم ـن ـظــومــة أفـ ـك ــاره وطـبـيـعــة‬ ‫عــاقــاتــه اخلــاصــة ج ــداً‪ .‬عـفــويــة وان ــدف ــاع وعُنفية‬ ‫ك ــامـ ـن ــة وق ـ ـلـ ــق ال جت ـ ـ ــده يف أم ـ ــاك ـ ــن أخ ـ ـ ــرى‪.‬‬ ‫أغنيات شعبية‬ ‫موسيقاهم أيضاً هي خاصة وغريبة‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫إلكرتونية‪ ،‬يكتبوهنا ويلحنوهنا‪ .‬بذاءة ودفق مشاعر‬ ‫ـوح وح ـزي ــن‪ ،‬مـنـكــوب دائ ـم ـاً وخــاســر سـلـفـاً‪..‬‬ ‫مـ ٍ‬ ‫يف مـصــر‪ ،‬يـقــول هيما‪ ،‬ال حــديــث «صحيحاً»‬ ‫إال ح ــدي ــث الـ ـك ــرة‪ .‬ال ـس ـيــاســة واجمل ـت ـم ــع وال ـغــد‬ ‫األس ـ ــود ال ـغ ــام ــض‪ ،‬كـلـهــا أح ــادي ــث ب ــا طــائــل‪،‬‬ ‫ألن أح ــداً ال يـعــرف شيئاً صلباً عما جيــري‪ ،‬مما‬ ‫جيـعــل ال ــوص ــول إىل نـتــائــج صحيحة مستحيالً‪،‬‬ ‫يف كــرة الـقــدم هـنــاك فــائــز وم ـبــاراة تابعها اجلميع‬ ‫وعـنــد طــريف احلــديــث قــدر واح ــد مــن املعلومات‬ ‫ع ـن ـهــا‪ ،‬ح ــدي ــث ال ـك ــرة وحـ ــده «ال ـص ـح ـيــح» يف‬ ‫مصر‪« ..‬هــذا الرجل يفهم العامل أفضل مين»‪،‬‬ ‫قال رامي لنفسه مغتاظاً يومها‪ ،‬أذكر هذا متاماً‪.‬‬ ‫«ربنا» واحلشيش مها ما مينعان هــذا اجملتمع من‬ ‫يتخوف مثقفون وناشطون يف مصر‬ ‫أن ينفجر‪َّ .‬‬ ‫ـاع ال تـبـقــي وال ت ــذر‪ ،‬املــايــن من‬ ‫مــن ث ــورِة ج ـيـ ٍ‬ ‫سكان اجلزر الطبقية املسحوقة هذه‪ ،‬سينفجرون‬ ‫يف وجه جزر طبقية مقابِلة تنتمي إىل عامل آخر‪،‬‬ ‫فيها كل شــيء من سالسل املطاعم العاملية إىل‬

‫خضر سلمان‬

‫مقهى في مدينة القاهرة‬ ‫مالعب الغولف وصــاالت السينما واملتنزهات‪.‬‬ ‫ـوع ٍ‬ ‫رديء من‬ ‫هيما امل ـرنــح دائ ـم ـاً حتــت تــأث ـ ِر ن ـ ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫مـسـكـنــات األمل امل ــرك ـزي ــة‪ ،‬س ــأل ذات مـ ــرة عن‬ ‫احلـولــة‪ ،‬قــال‪ :‬مها صحيح دحبـوا األطـفــال هناك؟‬ ‫أج ــاب ــه رامـ ــي‪ :‬آه‪ .‬كــانــت دم ــوع هـيـمــا إنـســانـيـةً‬ ‫تـسـيــل‪ ،‬كــانــت دمــوعــه أص ــدق مــن أن تــوصــف‪.‬‬ ‫م ـن ــذ أيـ ـ ــام‪ ،‬كـ ــان رامـ ـ ــي مي ـش ــي يف أزقـ ـ ــة ب ــوالق‬ ‫ال ــدك ــرور‪ ،‬مستسلماً للكيمياء تعبث يف دمــه‪،‬‬ ‫مـتــأمـاً يف الـتـفــاصـيــل‪ ،‬يسحب أصـ ـوات الباعة‬ ‫والتكاتك وروائ ــح اخلـضــار واجلــن املفلوش على‬ ‫ال ـب ـس ـطــات‪ ،‬يسحبها كـلـهــا عـلــى ج ـســده كــأهنــا‬ ‫حلــاف يف ليلة شتوية مــاطــرة‪ ،‬يــرك الـقــاع يغمره‬ ‫وي ـشــم ال ـرائ ـحــة اآلم ـنــة الـطـيـبــة لــإن ـســان املـتـ َـعــب‬ ‫املطحون يف التفاصيل‪ .‬كان يفكر وكــان حزيناً‪،‬‬ ‫فـقــد أس ـ َّـر لــه هـيـمــا بــأنــه سـرتـكــب ج ـرمي ـةً غ ــداً!‬ ‫كان يطلب من رامي بعد سيجارٍة دخناها معاً عدم‬ ‫االتصال به يف األيام القادمة‪ ،‬ألن عليه أن خيتفي‪.‬‬ ‫ليه؟‬‫أصلها حكاية‪.‬‬‫بعد إحلاح قال هيما إنه سيقتل شخصاً مقابل املال‪،‬‬ ‫قال إهنا مهنته! وقال أيضاً ال أريد أن أراك بعد اليوم‪.‬‬ ‫هل ميكن هليما أن يقتل؟ أعتقد أنه سيؤذي غرميه‪،‬‬ ‫يعطبه‪ ،‬لكن ال أتصور أن هيما ميكن أن يقتل‪.‬‬ ‫إال أنـ ـ ــه قـ ـ ــال س ـي ـف ـع ــل‪ ،‬ك ـم ــا أنـ ـ ــك ال ت ـع ــرف‬ ‫شـ ـيـ ـئـ ـاً عـ ـن ــه‪ .‬إنـ ـ ــه يف الـ ـنـ ـه ــاي ــة رجـ ـ ــل ع ـص ــاب ــة‪.‬‬ ‫شـعــر رام ــي بــالــرعــب ف ـجــأةً‪ ،‬مل يــدر كـيــف نسي‬ ‫آخـ ــر وت ـع ـلــم أن ال ـقــاع‬ ‫ه ـي ـمــا‪ ،‬حب ــث ع ــن دي ـل ــر َ‬ ‫خ ـط ــر‪ .‬صـحـيــح أن هـيـمــا حي ــب اجل ـي ــش احل ــر‪،‬‬ ‫صحيح أن هيما بكى على أطفال احلولة‪ ،‬لكنه‬ ‫تاح البال ورائقاً‪..‬‬ ‫يوشك على ارتكاب جرمية‪ ،‬مر َ‬ ‫وأم ـ ـض ــ‪ ..‬م ــاذا ك ــان امس ــه؟ رام ــي‪ ،‬وميـضــي رامــي‬ ‫يف الـ ـشـ ـوارع األقـ ــل ق ــاع ـي ـةً‪ ،‬م ـرت ـب ـك ـاً وجم ـ ــدِّداً يف‬ ‫داخـلــه احلقيقة امل ــرة‪ ،‬أن شــر الـعــامل مــا زال غري‬ ‫مـفـهــوم‪ ،‬رام ــي مــا زال ال يفهمك أي ـهــا ال ـعــامل‪.‬‬ ‫أكره أن أمي تقرأ مقااليت‪.‬‬


‫‪25‬‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫حكايا البيدر‬

‫«أخيراً‪ ،‬لن تهتز يدي!»‬

‫بورتريه‪ :‬ناجي الجرف‬

‫(كـ ـ ـلـ ـ ـم ـ ــن أبـ ـ ـ ـ ــو أمحـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــد)‪ ،‬ن ـ ـ ــاش ـ ـ ــط ثـ ـ ـ ـ ــوري‬ ‫مـ ـ ــن قـ ـ ـري ـ ــة (ج ـ ـ ـ ـب ـ ـ ـ ــاب) يف حم ـ ــافـ ـ ـظ ـ ــة درعـ ـ ـ ـ ــا‪.‬‬ ‫عمل كادراً إعالمياً طوال الثورة‪ ،‬ويعمل اآلن يف‬ ‫مدينة (اللجاة)‪ ،‬اليت يتحدث عنها بشغف‪ ،‬ويقول‬ ‫إنه حيبها‪ ،‬وإن لديه الكثري من األسباب هلذا احلب‪.‬‬ ‫كـ ــان (ك ـل ـم ــن) ق ـب ــل ال ـ ـثـ ــورة ع ــامـ ـاً يف مـطـعــم‬ ‫يف ال ـع ــاص ـم ــة دمـ ـش ــق‪ .‬م ـه ـنــة ك ــان ــت شــائ ـعــة‪،‬‬ ‫إىل ج ــان ــب م ـهــن ك ـث ــرة كـ ــان ميـتـهـنـهــا اآلالف‬ ‫م ــن ال ـش ـبــاب ال ـق ــادم ــن م ــن األريـ ـ ــاف املـهـمـشــة‬ ‫وأحـ ــزمـ ــة ال ـع ـش ـوائ ـي ــات ح ـ ــول امل ـ ــدن ال ـك ـب ــرة‪.‬‬ ‫جيـيــب (أب ــو أمح ــد) عــن أس ـبــاب خــروجــه لـلـثــورة‬ ‫واجتــاهــه حنــو رصــد واقـعــه بــالـكــامـرا‪ ،‬أن ملظاهرة‬ ‫ألوىل الـ ــي ش ـه ــده ــا أش ـع ـل ــت يف ن ـف ـســه ث ــورت ــه‬ ‫اخلاصة‪« :‬يومها رأيت أول شهيد يسقط أمامي‪.‬‬ ‫ال أعرف منه إال شكله‪ ،‬مالحمه وجسده املدمى‪.‬‬ ‫كنا نرشق األمــن بــاحلـجــارة وهــم يطلقون النار‪،‬‬ ‫حــى وصــل عــدد الـشـهــداء إىل أكثر مــن عشرة‪.‬‬ ‫أصـيــب الـشــاب بطلق ن ــاري بـقــدمــه‪ .‬مل نستطع‬ ‫سـحـبــه بـسـبــب غـ ـزارة ال ــرص ــاص‪ ،‬فسحبه رجــال‬ ‫قوات حفظ النظام‪ ،‬استمررنا برشقهم باحلجارة‬ ‫ملقى على‬ ‫حىت تراجعوا قليالً‪ ،‬لكن الشاب كان ً‬ ‫جــانــب الـطـريــق حــن وصلنا إلـيــه‪ ،‬وكــانــت هناك‬ ‫رص ــاص ــة يف رأس ـ ــه‪ ،‬فـقـمـنــا بـسـحـبــه إىل اجلــامــع‬ ‫العمري‪ ،‬ليتعرف عليه بعض الناس‪ .‬قالوا إنه من‬ ‫أبـنــاء درع ــا الـبـلــد‪ ،‬ويعمل يف حمــل تــوزيــع غــاز»‪.‬‬ ‫(أبــو أمحــد) يقول إنــه مل يتعب‪ ،‬يقول أيـضـاً إن‬ ‫أحــداً من الـثـوار مل يتعب‪ ،‬على األقــل ليس إىل‬ ‫احل ــد الـ ــذي ي ــدف ــع إىل الـتـفـكــر يف الـ ـراج ــع أو‬ ‫االس ـت ـســام‪ ،‬االسـتـســام يـعــي امل ــوت‪ ،‬املـواصـلــة‬ ‫هــي الـطـريــق الــوحـيــد إىل احل ـيــاة ب ـرأي (كـلـمــن)‪.‬‬ ‫يف التنوع وإرادة احلياة‪ ،‬يف التوق اجلبار يف عيون‬ ‫ك ــل م ــن يـعـمــل م ـع ـهــم‪ ،‬جي ــد (ك ـل ـم ــن) نـفـســه‪،‬‬ ‫ويشعر بــأن حياته الـيــوم أصبحت حمملة باملعىن‬ ‫وتستحق احلياة‪ ،‬وبرغم القصف اليومي‪ ،‬والدمار‬ ‫اهلائل‪ ،‬وشهية القتل غري احملــدودة لــدى النظام‪،‬‬ ‫يقول (كلمن) إنــه خبري أكثر من أيــام العمل يف‬ ‫املـطـعــم‪« .‬كـنــا نعيش يف ال ـعــدم‪ ،‬مل نـكــن نفعل‬ ‫شيئاً غري حماولة النجاة‪ ،‬كنا باحثني عن اللقمة‬ ‫والـ ـس ــر وحـ ـس ــب‪ ،‬ل ـك ـن ـنــا اآلن طـ ــاب ح ـريــة‪،‬‬ ‫ثـوار ومنتلك الوعي مبن يقتلنا ومــن يريد سحقنا‬ ‫وهتميشنا وكـتــم إرادت ـن ــا وصــوت ـنــا‪ ..‬مــن هــو معنا‬ ‫ومن ضدنا‪ .‬انظر إىل الشباب‪ .‬ما زالوا مستمرين‬ ‫بــرغــم كــل املـعــوقــات واملـطـبــات الــي واجهتهم»‪.‬‬ ‫يف (ال ـ ـل ـ ـجـ ــاة) مب ـح ــاف ـظ ــة درع ـ ـ ـ ــا‪ ،‬ي ـع ـم ــل (أبـ ــو‬ ‫أمح ـ ــد) الـ ـي ــوم‪ ،‬ك ـم ـصــور وكـ ـ ــادر إع ــام ــي‪ .‬فقد‬ ‫أب ـ ـ ــو أمح ـ ـ ــد ي ـ ـ ــده الـ ـيـ ـم ــى ورج ـ ـل ـ ــه يف ان ـف ـج ــار‬

‫كلمن أبو أحمد ‪ -‬مواطن صحفي ‪ -‬اللجاة ‪ -‬خاص حنطة‬ ‫لـ ـغ ــم ب ـ ــه أث ـ ـن ـ ــاء ت ـغ ـط ـي ـت ــه إلح ـ ـ ــدى امل ـ ـع ـ ــارك‪.‬‬ ‫عن «ملاذا اللجاة» قال‪« :‬اللجاة‪ .‬من ال يعرف‬ ‫ال ـل ـج ــاة؟ إهن ــا أول مـنـطـقــة حمـ ــررة مب ـعــى الـكـلـمــة‬ ‫ـاح ـقــن‪،‬‬ ‫يف س ــوري ــا‪ ،‬وأأم ـ ــن م ـكــان الخ ـت ـبــاء املـ َ‬ ‫ومــركــز جتـمــع وان ـطــاق اجلـيــش احل ــر يف بــدايــاتــه‪.‬‬ ‫العمل يف الـلـجــاة يعين العمل يف ظــل كــل هذه‬ ‫الـ ـظ ــروف اجلـ ـي ــدة‪ .‬أنـ ــا س ـع ـيــد يف ع ـم ـلــي ه ـنــا‪،‬‬ ‫وأشعر بقدريت على التأثري والفعل‪ .‬الثورة السورية‬ ‫أعـ ــادت إلـيـنــا كـبـشــر املـ ـب ــادرة‪ ،‬ص ـرنــا نـلـمــس أثــر‬ ‫فعلنا وقــوتــه‪ .‬لــو مل يـكــن فعلنا حــامس ـاً وصــادم ـاً‬ ‫م ــا كـ ــان ال ـن ـظ ــام ل ـي ـم ــارس ك ــل هـ ــذا اجلـ ـن ــون»‪.‬‬ ‫مـكــان يــده الـيـمــى‪ ،‬يفخر (أب ــو أمح ــد) أميــا فخر‬ ‫بالكامريا املثبتة على ذراع ــة الصناعية اجلــديــدة‪.‬‬ ‫«أخـ ـراً كــامـرا ال هتـتــز‪ ,‬أخ ـراً لــن هتتز ي ــدي!»‪،‬‬ ‫يـ ـق ــول ممـ ــازح ـ ـاً مـ ــدربـ ــه ال ـ ــذي ع ـل ـم ــه ال ـت ـصــويــر‬ ‫وتـغـطـيــة األحـ ــداث يف دورٍة إعــامـيــة للناشطني‬ ‫يف تــركـيــا‪ .‬يـقــول لــه أي ـض ـاً‪« :‬أسـتـطـيــع أن أصــور‬ ‫بــدقــة واح ـ ـراف ك ـه ـول ـيــود اآلن‪ ،‬ل ــن هت ـتــز يــدي‬ ‫اجلــديــدة‪ .‬ســرى العامل املعارك بيد مصور ثابتة‪،‬‬ ‫ه ــذا مـفـيــد ورائ ـ ــع»‪ .‬ال ي ـبــدو عـلــى (أب ــو أمحــد)‬ ‫أن ــه جت ــاوز متــام ـاً أمل فـقــد عـضــويــن مــن جـســده‪،‬‬ ‫لـكـنــه لـيــس أب ــداً ذل ــك اإلن ـس ــان املـنـكـســر الــذي‬ ‫قد يكون عليه رجــل فقد يــده ورجله يف معركة‪.‬‬ ‫«من تتحدى عندما ركبت هذه الكامريا على يدك‬ ‫االصطناعية؟» نسأله‪« .‬مــن ومــاذا تتحدى؟»‪.‬‬ ‫يقول‪ :‬أحتدى عدم الثبات يف الصورة الذي كان‬ ‫يوترين‪ ،‬وعورة املنطقة‪ ،‬صعوبة احلركة أثناء القصف‪،‬‬ ‫أحتــدى القذائف الــي تسقط تباعاً‪ ،‬فقد صرت‬ ‫أقدر على مالحقتها بعدسيت‪ .‬أحتدى العجز الذي‬ ‫ظن النظام أنه يستطيع أن ينهينا إليه مبمارساته»‪.‬‬ ‫يصر على مواصلة احلديث عن الكامريا‪ ،‬شغفه‪.‬‬ ‫يقول إهنا أداة احلقيقة يف سوريا اليوم‪ .‬الدليل القاطع‬ ‫الذي يثبت لك كيف متت االنتهاكات ومن قتل‬

‫الناس بــدم بــارد‪ ،‬من ينتصر ومــن خيسر‪ ،‬وكيف‬ ‫يقوم الناس من كل جمزرة مصرين على االستمرار‪.‬‬ ‫الكامريا توثق املكان والزمان وجتعل معرفة احلقائق‬ ‫أس ـهــل‪ ،‬يف زم ــن يـعــج بــأصـحــاب ن ـوايــا التزييف‬ ‫وطمس احلقيقة وتغييب الناس عما يُفعل هبم‪.‬‬ ‫«ي ـق ـولــون إن ال ـكــام ـرا عــن ثــالـثــة‪ .‬ال أدري إن‬ ‫كــانــت هـكــذا بــالـضـبــط‪ ،‬لـكــن بالنسبة يل‪ ،‬هي‬ ‫أوالً طـريــق سـريــع إىل قـلــوب ال ـنــاس‪ ،‬ال ـنــاس هنا‬ ‫تثق حبامل الكامريا‪ ،‬تدرك فوراً كل شيء‪ ،‬عندما‬ ‫تــرى شاباً يهرع بكامريته إىل مكان القصف أو‬ ‫املـعــركــة أو أي ـاً يـكــن‪ ،‬حــامــل الـكــامـرا هــو صوت‬ ‫الناس هنا‪ .‬أيضاً هي أمر مهم جداً للمستقبل‪،‬‬ ‫أنــا أعـتــر أنــي أوث ــق للمستقبل‪ ،‬ال للفضائيات‬ ‫وصـ ـفـ ـح ــات اإلنـ ـ ـرن ـ ــت الـ ـ ـي ـ ــوم‪ ،‬يف امل ـس ـت ـق ـبــل‪،‬‬ ‫سـنـحـتــاج كــل ه ــذه الــوثــائــق احل ـيــة لـنـحــاكــم قتلة‬ ‫املــدن ـيــن وم ـرت ـكــي اجل ـرائ ــم ض ــد اإلن ـســان ـيــة‪ ،‬لن‬ ‫نـنـســى شـيـئـاً وس ـت ـكــون أدل ـت ـنــا حــاضــرة وقــويــة»‪.‬‬ ‫«م ـ ــاذا ت ـريــد م ــن الـ ـث ــورة‪ ،‬وم ـ ــاذا حت ـلــم م ــن أجــل‬ ‫ســوريــا؟»‪ .‬جييبنا كلمن يف ثـقــة‪ :‬أريــد مــن الـثــورة‬ ‫ليس أقــل من إنصاف الذين شــاركـوا هبا وقدموا‬ ‫التضحيات‪ ،‬اجلميع ومن مجيع الطوائف واملناطق‪،‬‬ ‫ال ــدرزي واملسيحي واملـسـلــم والـعـلــوي ال ــذي قدم‬ ‫للثورة‪ ،‬كل هــؤالء جيب أن يــروا حلمهم يتحقق‬ ‫أمامهم‪ ،‬حلمنا مجيعاً يف دولــة عادلة ال تتعدى‬ ‫عليهم وال تلغيهم وال تصادرهم أو تصادر حقوقهم‬ ‫يف السالمة واحلرية واحلياة واإلبداع والعمل‪ .‬أحلم‬ ‫بوقفة على جبل قاسيون‪ ،‬وعلم احلرية يرفرف فوق‬ ‫مؤسسات سوريا كافة‪ .‬أحلم بنصر للثورة يكون‬ ‫نصراً للمواطنة والعدالة واحلرية‪ ،‬نصراً نبيالً‪ ،‬بال‬ ‫تعصب وبال نوايا انتقام‪ ،‬لكن أيضاً‪ ،‬دون السماح‬ ‫ألحــد ممن قتلوا شعبنا بالفرار من احملاسبة‪ ،‬حنن‬ ‫نصرب على كل هذا‪ ،‬ألننا نعلم متاماً أننا سنجيد‬ ‫االقتصاص بعدالة من قتلتنا‪ ،‬أنــا أؤمــن هبــذا»‪..‬‬


‫‪26‬‬

‫رحى‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫جدلية العسكرة والتنمية ‪ -‬االقتصاد السوري أنموذجاً‬

‫د‪.‬عبد اهلل الفراتي‬ ‫حلقة ‪3‬‬

‫كـنــا قــد تـنــاولـنــا يف احلـلـقـتــن املــاضـيـتــن اقـتـصــاد‬ ‫ـص ــل االق ـت ـص ــاد الـ ـس ــوري على‬ ‫احلـ ــرب وك ـيــف فُـ ّ‬ ‫م ـقــاس ذل ــك ال ـنــوع مــن االق ـت ـصــاديــات‪ ،‬ولـطــاملــا‬ ‫تبجح النظام باقتصاده احلــريب «املمانع»‪ ،‬مــرراً‬ ‫كــل ذل ــك اإلن ـفــاق الـعـسـكــري امل ـهــول يف سبيل‬ ‫«ممــانـعـتــه» املـعـلـنــة إلس ـرائ ـيــل‪ ،‬فـهــل كــانــت فعالً‬ ‫ممانعة حقيقية أم ال؟ لإلجابة على ذلك سنعود‬ ‫للتاريخ قليالً‪ ،‬فقد لوحظ أن قدرة سوريا اإلنفاقية‬ ‫على التسلح قد اخنفضت على حنو واضــح منذ‬ ‫أواخر الثمانينيات من القرن املاضي‪ .‬وتشري بعض‬ ‫الــدراســات أن اإلنفاق العسكري السوري الذي‬ ‫اقرتب من ثلثي اإلنفاق العسكري اإلسرائيلي يف‬ ‫منتصف ذلك العقد من الزمان‪ ،‬قد اخنفض إىل‬ ‫حوايل نصف نظريه اإلسرائيلي يف العقد احلايل‪.‬‬ ‫وي ـعــزو م ـراق ـبــون ذل ــك إىل ال ـت ـحــوالت السياسية‬ ‫الـ ـك ــرى الـ ــي ع ـص ـفــت ب ــال ـع ــامل آنـ ـ ــذاك وغ ــرت‬ ‫م ـوازي ــن ال ـقــوى يف ال ـعــامل ب ــأس ــره‪ ،‬وال أدل على‬ ‫ذلــك مــن غياب احلليف االسرتاتيجي السوفييت‬ ‫وحتوله إىل روسيا االحتادية اليت شرعت يف إلغاء‬ ‫التسهيالت املــالـيــة السوفيتية يف عـقــود التسليح‬ ‫الـســوريــة‪ ،‬واستبدلتها وفــق قـواعــد جــديــدة بشأن‬ ‫تنظيم مشرتيات السالح السورية‪ ،‬ترتكز أساساً‬ ‫على الدفع نقدا ًللعقود اجلديدة‪ ،‬والرتكيز الشديد‬ ‫على ســداد أقساط الديون العسكرية القدمية يف‬ ‫مواعيدها الدقيقة‪ ،‬وتـشــر بعض الــدراســات أن‬ ‫قيمة تلك العقود تناهز حنــو ‪ 11‬مليار دوالر‪.‬‬ ‫مــا أجــر الـنـظــام ال ـســوري عـلــى ختفيض اإلنـفــاق‬ ‫العسكري وفقاً للظروف اجلديدة‪ ،‬وهو ما جتلى‬ ‫يف اخنـفــاض نسبة اإلنـفــاق العسكري إىل الناتج‬ ‫احمللي اإلمجايل‪ ،‬إىل النصف يف السنوات اخلمس‬ ‫األوىل من عقد التسعينيات‪ ،‬حيث سجل ‪%7‬‬ ‫يف عام ‪ 1995‬وقدر اإلنفاق العسكري يف تلك‬ ‫الـفــرة بنحو ‪ 400‬مليون دوالر بعد أن سجل‬ ‫رقماً قياسياً يف عام ‪ 1987‬بـ ‪ 206‬مليار دوالر‪.‬‬ ‫وقد أدت هذه املشكالت يف أوائــل التسعينيات‬ ‫إىل تــوقــف روس ـيــا عــن اسـتـكـمــال تــوريــد صفقة‬ ‫أسلحة ضخمة لسوريا‪ ،‬كانت تقدر حبوايل ‪104‬‬ ‫مليار دوالر‪ ،‬بسبب مشكالت التمويل السورية‪.‬‬ ‫وكانت تشمل ‪ 24‬طائرة (ميج ‪ ،)29‬و‪ 12‬طائرة‬ ‫(سىيو ‪ ،)27‬ودبــابــات (يت ‪ )72‬و(يت ‪،)74‬‬ ‫وصـواريــخ أرض جو (أس ‪ )300‬و(ســام ‪.)16‬‬ ‫وقد حاولت سوريا احلصول على بعض احتياجاهتا‬ ‫العسكرية مــن شــركــات الـســاح الغربية‪ ،‬إال أهنا‬ ‫فـشـلــت‪ ،‬فــاضـطــرت إىل إج ـ ـراء حم ــادث ــات صعبة‬ ‫مــع روسـيــا انتهت بصفقة تــوريــد أسلحة يف عام‬

‫‪ 1999‬قدرت بنحو ملياري دوالر‪ ،‬مشلت أسلحة‬ ‫متقدمة‪ ،‬وقد قامت روسيا وقتها بإعادة جدولة‬ ‫ديوهنا العسكرية على سوريا‪ ،‬وتقدمي األسلحة اليت‬ ‫تتوافق مع قدرة سوريا على الدفع‪ ،‬وقد ساعدت‬ ‫روسـيــا ســوريــا يف حتديث مــا لديها مــن األسلحة‬ ‫واملعدات العسكرية السوفيتية القدمية‪ ،‬واليت متثل‬ ‫النسبة األك ــر يف الــرســانــة العسكرية الـســوريــة‪.‬‬ ‫وقد تأثرت السياسة الدفاعية السورية باألوضاع‬ ‫الداخلية يف البالد‪ ،‬خصوصاً ما يتعلق فيها بإقحام‬ ‫اجليش يف العملية السياسية منذ القدم‪ ،‬فقد أدت‬ ‫االنقالبات العسكرية املتوالية اليت قام هبا اجليش‬ ‫إىل تسييسه على حنو واضح‪ ،‬كما ساهم اجليش‬ ‫يف احلفاظ على أمن نظام احلكم‪ ،‬بل وتعداه إىل‬ ‫املـشــاركــة يف عملية إدارة ش ــؤون ال ـبــاد‪ ،‬يف ظل‬ ‫سيطرة االجتــاه السياسي بــإعــداد الــدولــة السورية‬ ‫لـلـحــرب‪ ،‬ملـواجـهــة «الـتـهــديــد» اإلسـرائـيـلــي‪ ،‬كما‬ ‫تأثرت السياسة الدفاعية السورية بانتهاء احلرب‬ ‫الباردة واهنيار االحتاد السوفييت‪ ،‬حيث تبنت روسيا‬ ‫االحتادية سياسة السداد النقدي بشأن مبيعات‬ ‫ال ـس ــاح ل ـس ــوري ــا‪ ،‬م ــع امل ـطــال ـبــة ب ـس ــداد الــديــون‬ ‫العسكرية القدمية‪ .‬وقــد تسببت هــذه التطورات‬ ‫يف إضعاف قــدرة القوات املسلحة السورية على‬ ‫حتقيق ال ـت ـوازن االسـراتـيـجــي مــع إسـرائـيــل ‪-‬هــذا‬ ‫بافرتاض وجود ذلك التوازن أساساً‪ ،-‬وال سيما‬ ‫أن الـصـعــوبــات ال ــي ك ــان يـعــاين مـنـهــا االقـتـصــاد‬ ‫السوري يف تلك املرحلة قد سامهت يف احلد على‬ ‫حنو كبري من قدرة البالد على توفري املخصصات‬ ‫املالية الالزمة لسداد قيمة االحتياجات التسليحية‬ ‫لـقـوات اجليش وفــق املتطلبات النقدية الروسية‪.‬‬

‫من الترسانة العسكرية السورية‬ ‫تـلــك كــانــت بــدايــات الـتــدهــور الـعـسـكــري الــذي‬ ‫انفجر يف الـثــورة السورية‪ ،‬وحــول تلك األسلحة‬ ‫املرتاكمة منذ عقود خلت‪ ،‬يذكر تقرير مسرب‬ ‫أن أعداد اآلليات العسكرية اليت ُرقن قيدها (أي‬ ‫خرجت فعلياً من اخلدمة) قد بلغ أرقاماً مهولة منذ‬ ‫بدء الثورة لعلها األعلى يف التاريخ‪ ،‬فبلغ ‪368‬‬ ‫دبابة من خمتلف األن ـواع‪ ،‬و‪ 248‬عربة يب أم يب‬ ‫من خمتلف الطرازات‪ ،‬و‪ 131‬عربة يب آر دي أم‪،‬‬ ‫و‪ 146‬شاحنة عسكرية‪ ،‬و‪ 236‬سيارة صغرية مبا‬ ‫فيها احلافالت‪ ،‬و‪ 17‬عربة مصفحة من نوع يب يت‬ ‫آر‪ ،‬و‪ 122‬شاحنة صغرية (بيك أب) من خمتلف‬ ‫الطرازات‪ ،‬و‪ 148‬عربة إسعاف مدنية وعسكرية‪،‬‬ ‫وثالثة حوامات عسكرية روسية متطورة من طراز‬ ‫مــي وأن ـتــونــوف‪ ،‬وتـشــر أكـثــر ال ــدراس ــات تـفــاؤالً‬ ‫أن اخلسائر االقتصادية لالقتصاد السوري جراء‬ ‫احلرب قد بلغت حىت هناية الربع األول من العام‬ ‫احلايل حنو ‪ 85‬مليار دوالر بزيادة قدرها الضعف‬ ‫تقريباً عن هناية عام ‪ ،2012‬حيث بلغت اخلسائر‬ ‫وفق تقدير املصدر نفسه حنو ‪ 48‬ميار دوالر ‪.‬‬ ‫وق ــد ط ــال ــت اخل ـس ــائ ــر ع ـلــى حن ــو خ ــاص الـنـتــاج‬ ‫احمل ـل ــي بـشـقـيــه اجل ـ ــاري وال ـث ــاب ــت‪ ،‬ح ـيــث هـنــاك‬ ‫حنــو ‪ 8‬مـلـيــارات دوالر خسائر يف الناتج احمللي‬ ‫اإلمجــايل‪ ،‬و‪ 13‬مليار دوالر حلقت بـرأس املــال‪،‬‬ ‫بينما ذهبت ‪ 7‬مليارات لإلنفاق العسكري‪ .‬أما‬ ‫عن خدمة الدين الـعــام‪ ،‬وهــي تعبري يعين مقدار‬ ‫املديونية الــي يتحملها الناتج القومي للبالد يف‬ ‫فرتة ما‪ ،‬ورغم أنه املؤشر الذي طاملا تبجح النظام‬ ‫به‪ ،‬الخنفاض املديونية السورية باملقارنة مع دول‬ ‫اجلـوار‪ ،‬فقد ارتفع إىل حنو ‪ %70‬يف الربع األول‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫من العام احلايل مقارنة بـ ‪ %50‬يف هناية ‪.2012‬‬ ‫ليس ذلك رقماً غريباً بكل تأكيد‪ ،‬مع كل تلك‬ ‫األمـ ـوال الطائلة الــي تبتلعها آلــة احل ــرب يومياً‪،‬‬ ‫فيكفي أن نعلم أن كل قذيفة طائرة تكلف النظام‬ ‫‪ 5000‬دوالر‪ ،‬كما أن النظام خيسر شهرياً ‪12‬‬ ‫مليون دوالر مــن طــائـرات املـيــغ ‪ 23‬فـقــط‪ ،‬كما‬ ‫تكلف غ ــارة ال ـط ـران ال ـواح ــدة حنــو ‪ 320‬ألــف‬ ‫دوالر‪ ،‬ومليون دوالر للدبابة الواحدة خيسر منها‬ ‫‪ 5‬ماليني دوالر كل يــوم تقريباً‪ ،‬وتكلف قذيفة‬ ‫اهلاون أو صاروخ الغراد ‪ 1000‬دوالر‪ ،‬وصاروخ‬ ‫ال ـس ـك ــود ‪ 100‬ألـ ــف دوالر‪ ،‬وت ـك ـل ـفــة رامج ــة‬ ‫الصواريخ حبدود ‪ 2،5‬مليون دوالر‪ ،‬عالوة على‬ ‫رواتب العسكريني واألمنيني‪ ،‬اليت تقدر لوحدها مبا‬ ‫يقارب ‪ 180‬مليون دوالر‪ .‬ويكفي أن يشار إىل‬ ‫أن ذلك كان يف فرتات تعد من فرتات االستقرار‪،‬‬ ‫ما جيعل تضاعف تلك األرقام أضعافاً أمراً بديهياً‬ ‫يف زم ــن احل ـ ــرب‪ ،‬وت ـش ــر ب ـعــض الـ ــدراسـ ــات أن‬ ‫كلفة احلرب شهرياً يف سوريا تناهز املليار دوالر‬ ‫شهريا‪ ،‬أي ‪ 12‬مليار يف السنة‪ ،‬مــا يعين نفاد‬ ‫االحتياطي املركزي البالغ ‪ 18‬ملياراً منذ النصف‬ ‫الثاين من العام املاضي‪ ،‬وهو ما يفسر اإلصدارات‬ ‫النقدية اليت جتــاوزت نصف املوازنة احلالية نتيجة‬ ‫نـفــاد القطع األجـنــي مــن خزينة البنك املــركــزي‪.‬‬ ‫وتشري بعض التقارير إىل جتاوز عدد قتلى اجليش‬ ‫السوري ‪ 70‬أل ًفا‪ ،‬بينما دمرت حنو ‪ 3700‬دبابة‬ ‫من أصل ‪ 5000‬داخل اخلدمة الفعلية يف خمتلف‬ ‫قـطــاعــات اجلـيــش ال ـســوري‪ ،‬كما مل يتبق للنظام‬ ‫سوى حنو ‪ 90‬طائرة مقاتلة من أصل ‪ 450‬طائرة‬ ‫كانت تشكل سالح اجلو السوري‪ .‬وسواء كانت‬ ‫تـلــك الـتـقــاريــر دقـيـقــة أم ال ‪ ،‬ف ــإن واق ــع املشهد‬ ‫االقتصادي املرتدي ال ميكن أن خيفى على أحد‪،‬‬ ‫فأكثر مــن ‪ %75‬مــن مصانع ومنشآت حلب‪،‬‬ ‫خرجت مــن اخلــدمــة‪ ،‬س ـواء بالقصف أو السرقة‬ ‫أو صـعــوبــة ال ــوص ــول إلـيـهــا م ــن الـنــاحـيــة األمـنـيــة‬ ‫أو الـعـسـكـريــة‪ ،‬وال يقتصر احل ــال عـلــى الـقـطــاع‬ ‫الصناعي فقط‪ ،‬بل إن القطاع الزراعي يعاين من‬ ‫ناحية أخ ــرى‪ ،‬فلم يعد الـفــاحــون قــادريــن على‬ ‫زراع ــة حـقــوهلــم أو بـيــع حمــاصـيـلـهــم‪ ،‬ع ــاوة على‬ ‫غالء الغذاء وندرته‪ ،‬فأصبحت احلبوب والسكر‬ ‫مــن املـسـتــوردات الرئيسية بعدما كانت مــن أهم‬ ‫الصادرات‪ ،‬وخرج النفط من املعادلة بعدما ُوقعت‬ ‫العقوبات االقتصادية‪ ،‬حيث كان النفط السوري‬ ‫يف معظمه يُصدر لوجهات أوربية‪ ،‬فبقيت بعض‬ ‫ال ــدول امل ـســانــدة لـلـنـظــام تـسـتــورد مــا تـبـقــى لديه‬ ‫مــن النفط‪ ،‬وأدى حظر االحت ــاد األوريب استرياد‬ ‫النفط الـســوري إىل خـســارة ســوريــا ‪ 400‬مليون‬ ‫دوالر شـهـريـاً‪ ،‬كما خــرج قـطــاع السياحة كامالً‬ ‫وهو الذي كان ميد املوازنة بنحو ‪ 8‬مليار دوالر‬‫سنوياً‪ ،-‬كما مل يساعد منع التداول بغري اللرية‬

‫رحى‬

‫‪27‬‬

‫راجمة صواريخ تابعة للجيش السوري‬ ‫السورية يف وقــف التدهور املـطَّــرد للرية السورية‪،‬‬ ‫وبعد خــط اإلم ــداد املـصــريف اإلي ـراين بنحو ‪3،6‬‬ ‫مـلـيــار دوالر لـلـنـظــام‪ ،‬وص ــل احـتـيــاطـيــه الـنـقــدي‬ ‫إىل حن ــو ‪ 5‬م ـل ـيــار دوالر‪ ،‬ب ـعــدمــا وص ــل حلــافــة‬ ‫املليارين فقط يف الربع األول من العام اجلــاري‪،‬‬ ‫ل ــدرج ــة أن ال ـن ـظ ــام شـ ــرع ب ـص ــرف ال ـت ـحــويــات‬ ‫املــالـيــة ال ـقــادمــة مــن ال ـســوريــن يف اخلـ ــارج بــالـلــرة‬ ‫السورية‪ .‬وهو ما يؤشر جلياً على حجم النزيف‬ ‫احلاصل يف احتياطي القطع األجنيب يف سوريا‪.‬‬ ‫وقد حاول النظام الوصول مراراً إىل بعض أرصدته‬ ‫اجملمدة على شكل ودائــع‪ ،‬وال خيفى على أحد‬ ‫االجتاه الواضح حلكومة النظام باحلد من اإلنفاق‬ ‫يف كل مرافق ومؤسسات الدولة‪ ،‬أو ما تبقى منها‪،‬‬ ‫وخصوصاً فيما يتعلق بدعم بعض املنتجات‪ ،‬مثل‬ ‫غاز املنازل والكهرباء والوقود‪ ،‬واليت بلغت نسبة‬ ‫اإلنفاق عليها قبل احلرب حنو ‪ 10‬مليار دوالر قبل‬ ‫اندالع الثورة‪ ،‬ما ساهم بانتشار االحتكار والسوق‬ ‫السوداء‪ ،‬خصوصاً أن معظم السلع املدعومة هي‬ ‫سـلــع أســاسـيــة ال غــى عنها لـلـمـواطــن ال ـســوري‪.‬‬ ‫ويف ظل انـعــدام اجلــو املالئم لالستثمار األجنيب‬ ‫يف س ــوري ــا‪ ،‬نـتـيـجــة احلـ ــرب يف كــافــة الـقـطــاعــات‬ ‫االقتصادية‪ ،‬كان واضحاً ذلك الرتاجع واالحندار‬ ‫املتزايد يف إيرادات املوازنة العامة‪ ،‬حيث يُذكر أن‬ ‫االسـتـثـمــارات اخلليجية لــوحــدهــا‪ ،‬كانت تشكل‬ ‫النسبة األكــر من تلك االستثمارات‪ ،‬خصوصاً‬ ‫مــا يتعلق منها بالفنادق والـطــرق واالستثمارات‬ ‫العقارية بشكل عام‪ ،‬وغريها من القطاعات اليت‬ ‫فــاقــم الـقـصــف الـيــومــي تــدهــورهــا‪ ،‬فــاحــرق أكثر‬ ‫من ‪ 500‬متجر يف سوق حلب التارخيي‪ ،‬الذي‬ ‫أدرجته منظمة اليونسكو يف قائمة مواقع الرتاث‬ ‫العاملي‪ ،‬كما ساعد وقوع عدد من القالع واملواقع‬ ‫التارخيية يف مناطق االشتباكات‪ ،‬يف خروجها عن‬

‫وظيفتها املعهودة كمحج سياحي‪ ،‬إىل حصون‬ ‫وث ـك ـنــات عـسـكـريــة يف خمـتـلــف اجل ـب ـه ــات‪ .‬كما‬ ‫أن اهلـجــرة القسرية ملاليني السوريني قــد قلصت‬ ‫مــن حجم الـســوق الـتـجــاري‪ ،‬واختزلت الشرائح‬ ‫التسويقية احملتملة‪ ،‬وبالتايل من املبيعات واألرباح‬ ‫املتوقعة من االستثمارات‪ .‬وتقدر األمم املتحدة أن‬ ‫أكثر من نصف الشعب السوري قد يغدو نازحاً‬ ‫إذا ما استمرت آلة احلرب عاماً إضافياً‪ .‬ومن بني‬ ‫حنو ‪ 75‬مشفى حكومياً‪ ،‬خرج أكثر من نصفها‬ ‫عن اخلدمة‪ ،‬كما دمر ما يقارب ‪ 600‬ألف منزل‪،‬‬ ‫وتقدركلفة إعادة إعمارها بنحو ‪ 70‬مليار دوالر‪.‬‬ ‫(يتبع)‬


‫‪28‬‬

‫حنطة جلب‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫أطفال هاربون من العنف يرسمون محنتهم‬

‫ويندي برور ‪ -‬ترجمة‪ :‬مجد أحمد‬

‫صورة من المقال األصلي‬ ‫عـنــدمــا رس ــم األط ـف ــال يف خمـيــم دوم ـيــز يف مشــال‬ ‫ال ـع ـراق‪ ،‬لــوحــات تـصــور الـعـنــف ال ــذي شهدوها‬ ‫يف سوريا‪ ،‬علق الكثري من زمالئي بأن اللوحات‬ ‫عبت فتاة مراهقة بتفاصيل‬ ‫معربة‪ .‬ولكن عندما ّ‬ ‫أك ـ ــر ع ـ ــن ل ــوح ـت ـه ــا‪ ،‬ك ــان ــت حت ـك ــي ال ـك ــارث ــة‬ ‫بطريقتها‪ .‬املبىن الذي قُصف يف اللوحة اتضح أنه‬ ‫مدرستها‪ ،‬وأشكال األعـواد املتناثرة على األرض‬ ‫ك ــان ـوا زم ـيــاهتــا‪« .‬مي ــن عـلــى ط ـريــق امل ــدرس ــة»‪،‬‬ ‫وال ـلــوحــة‪ ،‬كـمــا تـقــول ال ـف ـتــاة‪ ،‬تـعــر عــن «مـقــدار‬ ‫خ ــوف ـه ــا ب ـي ـن ـمــا الـ ـط ــائـ ـرات ت ـق ـصــف امل ــدرس ــة»‪.‬‬ ‫عـ ــرضـ ــت الـ ـ ـل ـ ــوح ـ ــات يف م ـ ـعـ ــرض يف امل ـخ ـي ــم‬ ‫ل ـب ـض ـع ــة أسـ ــاب ـ ـيـ ــع‪ ،‬ونـ ـبـ ـه ــت ب ـش ـك ــل ق ـ ــوي ملــا‬ ‫ي ــدور يف ذه ــن األطـ ـف ــال‪ ،‬ح ــى بـعــد أش ـهــر من‬ ‫م ـغــادرهتــم ل ـســوريــا‪ .‬ول ـكــن م ــا مسـعـتــه م ــن ه ــؤالء‬ ‫األط ـ ـفـ ــال ع ـم ــا رمسـ ـ ــوه‪ ،‬ك ـ ــان م ــن ف ـ ــرة ق ـري ـبــة‪.‬‬ ‫ب ـعــد املـ ـع ــرض‪ ،‬أرادت مـنـظـمــة الـيــونـيـسـيــف أن‬ ‫ت ـســأل األطـ ـف ــال ق ـل ـي ـاً ع ــن ل ــوح ــاهت ــم‪ .‬وبـسـبــب‬ ‫معوقات اللغة وقلة املرتمجني‪ ،‬ساعد طفل متطوع‬ ‫م ــوظ ــف ال ـيــون ـي ـس ـيــف بــال ـت ـحــدث إىل األوالد‪،‬‬ ‫وأخــذ مالحظاهتم بالعربية لترتجم الحقاً‪ .‬كنت‬ ‫مـهـتـمــة بــال ـت ـحــدث إىل األطـ ـف ــال ع ــن لــوحــاهتــم‬ ‫الــي رسـخــت ذك ـريــات صعبة هلــم‪ ،‬لــذلــك كنت‬ ‫أستمع باهتمام خالل حديثهم‪ ،‬مستعدةً لقطع‬ ‫ال ـن ـقــاش م ـبــاشــرة ح ــال إظ ـهــارهــم ع ــدم االرت ـي ــاح‬ ‫أو ال ـ ـ ــردد‪ .‬ل ـكــن األطـ ـف ــال ك ــان ـوا مـتـحـمـســن‪،‬‬ ‫مـتـجـمـهـريــن‪ ،‬يـتـنــافـســون ل ــرواي ــة قـصـصـهــم أوالً‪.‬‬ ‫لتتجم‪.‬‬ ‫أرسـلــت االقتباسات املكتوبة إىل زميل ُ‬ ‫وخالل انتظاري‪ ،‬احتفلنا بيوم الطفل يف املخيم‪،‬‬

‫جيعل هذا اخلطر حقيقة‪ .‬ال ميكن لطفلة أن تتعاىف‬ ‫من رؤية مدرستها تقصف وأصدقاءها يقتلون‪ ،‬بدون‬ ‫ان تلقى الدعم املناسب من أخصائيني حمرتفني‪.‬‬ ‫تعمل منظمة اليونيسيف جنباً إىل جنب‪ ،‬مع وحدة‬ ‫مساعدة الطفل يف خميم دوميز‪ ،‬اليت تساعد األطفال‬ ‫املـتــأثـريــن‪ ،‬كما تـقــدم الــدعــم النفسي ونشاطات‬ ‫إع ــادة التأهيل‪ .‬لكن هـنــاك مــا يـقــدر ب ـ ‪1300‬‬ ‫طفل يف خميم دومـيــز وهـنــاك الكثري ممــن يصلون‬ ‫كل يوم‪ .‬حنن حباجة لتعزيز وسائل الدعم إليصال‬ ‫األطفال إىل التعايف من التعنيف الذي واجهوه‪..‬‬ ‫أطلقت األمم املتحدة‪ ،‬ضمناً منظمة اليونيسيف‪،‬‬ ‫ن ــداءً للدعم امل ــايل لعملياهتا يف ســوريــا األسـبــوع‬ ‫الفائت‪ .‬كان هذا يف احلقيقة أكرب نداء استغاثة‬ ‫أعـلـنـتــه األم ــم املـتـحــدة عـلــى اإلط ـ ــاق‪ ..‬أطـفــال‬ ‫خمـيــم دوم ـي ــز ه ــم حبــاجــة إىل امل ـس ــاع ــدة‪ ،‬وهـنــاك‬ ‫م ـئــات املــايــن مــن ال ـ ــدوالرات املـخـتـفـيــة خلف‬ ‫ال ـك ـوال ـيــس‪ .‬ال تـ ـزال خـطــة دع ــم األم ــم املـتـحــدة‬ ‫يف ال ـع ـراق ُمققة بنسبة ‪ %35‬فـقــط‪ .‬املـزيــد من‬ ‫الدعم مطلوب ملساندة هؤالء األطفال وإعطائهم‬ ‫فــرصــة جت ــاوز ال ـش ــروخ النفسية ال ــي حتــرمـهــم من‬ ‫طـفـولـتـهــم وتـضـعـهــم يف م ـواج ـهــة واقـ ــع صـعــب‪.‬‬

‫بنهاركامل من النشاطات تشرف عليه اليونيسيف‬ ‫م ــع م ـن ـظ ـم ــات أخـ ـ ـ ــرى‪ .‬ك ــان ــت هـ ـن ــاك أل ـع ــاب‬ ‫وريــاضــات‪ ،‬أعــد األطفال يف واحــدة من مــدارس‬ ‫املخيم عروض الغناء والرقص والشعر والنكات‪،‬‬ ‫ويف مــدرســة أخــرى افتتح األطـفــال معرضاً فنياً‪.‬‬ ‫الـلــوحــات يف ه ــذه امل ــرة‪ ،‬أظ ـهــرت مـشــاهــد أكثر‬ ‫س ـع ــادة –أطـ ـف ــال يـلـعـبــون أو ص ــور لـلـحـيــاة يف‬ ‫امل ـخ ـي ــم‪ .-‬ك ــان ي ــوم ـاً عـظـيـمـاً يف دوم ـي ــز‪ ،‬رؤي ــة‬ ‫الـعــديــد مــن األط ـفــال يلعبون س ـعــداء كــان شيئاً‬ ‫غــام ـراً‪ .‬كــانــت ال ـعــودة إىل ال ـواقــع يف الـيــوم التايل‬ ‫سـبــب ح ــزين‪ ،‬عـنــدمــا أرس ــل زمـيـلــي االقـتـبــاســات‬ ‫ـرج ــة‪ ،‬واص ـف ـةً ل ــوح ــات األط ـف ــال املـنـكــوبــن‪.‬‬ ‫امل ـ َ‬ ‫«ل ــوح ــي ه ــي ع ــن طـ ــائ ـ ـرات ودبـ ــابـ ــات هتــاجــم‬ ‫املــديـنــة وتـقـصــف املـ ــدارس وامل ـن ــازل واجل ـوام ــع»‪.‬‬ ‫ق ــال ــت فـ ـت ــاة يف احل ـ ــادي ـ ــة عـ ـش ــرة مـ ــن ع ـم ــره ــا‪.‬‬ ‫«ت ــوج ــد دب ــاب ــات يف ال ـش ــارع حـيــث امل ــدرس ــة»‪.‬‬ ‫شـ ــرحـ ــت ف ـ ـتـ ــاة أخ ـ ـ ـ ــرى يف اخلـ ــام ـ ـسـ ــة عـ ـش ــرة‪.‬‬ ‫«ل ـ ــوح ـ ــي ع ـ ــن أش ـ ـخ ـ ــاص قـ ـتـ ـل ــى وج ـ ــرح ـ ــى يف‬ ‫ال ـ ـشـ ــارع‪ ،‬ب ـس ـبــب ال ـق ـص ــف الـ ـعـ ـشـ ـوائ ــي»‪ .‬ق ــال‬ ‫طـ ـف ــل آخ ـ ـ ــر يف احلـ ـ ــاديـ ـ ــة ع ـ ـشـ ــرة م ـ ــن عـ ـم ــره‪.‬‬ ‫كان هذا جرس إنذار للجميع‪ ،‬أنه بينما يستطيع‬ ‫ـال اللعب والضحك‪ ،‬هناك أطـفــال كثريون‬ ‫أطـفـ ٌ‬ ‫ي ـواج ـه ــون ص ـعــوبــة ال ـتــأق ـلــم م ــع واقـ ـع ــة احلـ ــرب‪،‬‬ ‫وتذكرياً باحلاجة للدعم املستمر واملتابعة النفسية ‪ :*Wendy Bruere‬مــوظ ـفــة يف األم ــم‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬إلعطاء هؤالء األطفال فرصة للتعايف‪ .‬املـ ـتـ ـح ــدة م ـت ـخ ـص ـصــة يف ات ـ ـصـ ــاالت ال ـ ـط ـ ـوارئ‬ ‫لقد حذرت األمم املتحدة من « جيل ضائع» من تعمل حالياً يف خميم دوميز لالجئني السوريني‪.‬‬ ‫أطفال سوريا‪ .‬اإلصغاء ملا مر به هؤالء األطفال‪،‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫‪29‬‬

‫حنطة جلب‬

‫أسئلة وأجوبة‪ :‬مؤتمر جنيف ‪2‬‬

‫ترجمة‪ :‬سامي شيخ أيوب‬

‫أعلنت األمم المتحدة عن مؤتمر للسالم وإليجاد حل سياسي للنزاع في سوريا‪ ،‬سيتم عقده في كانون الثاني‪ .‬ألشهر‬ ‫طويلة حاول دبلوماسيو األمم المتحدة‪ ،‬وكل من الواليات المتحدة وروسيا‪ ،‬بشدّة‪ ،‬إقناع الحكومة السورية والمعارضة‬ ‫لحضور ما أصبح يسمى بـ «جنيف ‪.»2‬‬ ‫ماذا يوجد خلف هذه المبادرة؟‬ ‫تـقــول األمــم املــتّـحــدة إن أكـثــر مــن ‪100،000‬‬ ‫شخص قتلوا منذ انـطــاق املـظــاهـرات املناهضة‬ ‫للرئيس بشار األسد يف آذار ‪ .2011‬ما يقارب‬ ‫تسعة مــايــن آخـريــن متّ هتـجــرهــم مــن مـنــازهلــم‪.‬‬ ‫يف أي ــار ‪ ،2013‬ات ـفــق وزي ـ ـرا خــارجــيّــة كــل من‬ ‫ال ــوالي ــات املـتـحــدة ج ــون ك ــري ون ـظــره الــروســي‬ ‫سريغي الفروف على جتربة «جلوس كال الطرفني‬ ‫ع ـلــى ال ـط ــاول ــة» إلهنـ ــاء س ـفــك ال ــدم ــاء‪ .‬الـســيّــد‬ ‫كــري قــال بــأ ّن البديل عــن هــذا احلــل سيكون‪:‬‬ ‫«االق ـ ـ ـراب م ــن اهل ــاوي ــة‪ ،‬أو ح ـ ّـى ال ـس ـقــوط يف‬ ‫اهل ــاوي ــة وال ــدخ ــول يف حــالــة الـفــوضــى ال ـعــارمــة»‪.‬‬ ‫على أيّــة حــال فــإن احمل ــاوالت األســاسـيــة إلقناع‬ ‫الـ ـط ــرف ــن ب ــاالجـ ـتـ ـم ــاع مـ ــع ب ـع ـض ـه ـمــا ف ـش ـلــت‪.‬‬ ‫ل ـكـ ّـن م ـبــادرهتــم لـقـيــت أمه ــيّــة أك ــر بـعــد اهلـجــوم‬ ‫بــاألسـلـحــة الـكـيـمـيــائــيّــة عـلــى ض ـواح ــي دمـشــق‪،‬‬ ‫وال ــي تسببت مبـقـتــل امل ـئــات مــن ال ـنــاس يف ‪21‬‬ ‫آب ‪ .2013‬يف ‪ 27‬مــن أيـلــول‪ ،‬اعتمد جملس‬ ‫األمـ ــن ال ـ ــدويل ب ــاإلمج ــاع ع ـلــى الـ ـقـ ـرار ‪،2118‬‬ ‫والـ ــذي طــالــب بـتــدمــر أو إزالـ ــة خم ــزون الـســاح‬ ‫الـكـيـمـيــائــي ال ـس ــوري حب ـلــول مـنـتـصــف ‪.2014‬‬ ‫ودعـ ــا أي ـض ـاً «ب ــأس ــرع وق ــت مم ـكــن» لــاجـتـمــاع‬ ‫مــن أجــل مـؤمتــر دويل عــن ســوريــا‪ ،‬لتنفيذ البيان‬ ‫الــرمســي ملـؤمتــر جنيف‪ ،‬وانـضـمــام مجيع األح ـزاب‬ ‫السورية وارتباطها بشكل جـ ّدي وبــنّــاء‪ .‬وبذلك‬ ‫مي ـك ــن اع ـت ـب ــاره ــا إجنـ ـ ــازاً ل ــاس ـت ـق ـرار وال ـت ـص ــاحل‪.‬‬ ‫يف ‪ 25‬من تشرين الثاين‪ ،‬أعلن األمني العام لألمم‬ ‫املتحدة بان كي مون أ ّن املباحثات ستعقد ‪22‬‬ ‫كانون الثاين يف جنيف‪ .‬كما قال األمني العام‪:‬‬ ‫«حنن متجهون إىل جنيف حمملني باألمل‪ ،‬مؤمتر‬ ‫جنيف هو األداة النتقال سلمي يليب تطلعات كل‬ ‫أطياف الشعب السوري بالكرامة واحلرية‪ ،‬ويضمن‬ ‫األمـ ــان واحل ـمــايــة جلـمـيــع األط ـ ـراف يف ســوريــا»‪.‬‬ ‫ما هو البيان الرسمي لجنيف ‪2‬؟‬ ‫متّ نشر البيان الــرمســي يف ‪ 30‬حـزيـران ‪،2012‬‬ ‫بـعــد اجـتـمــاع يف مــديـنــة جـنـيــف الـســويـسـريـّـة من‬ ‫قـبــل جمـمــوعــة الـعـمــل مــن أج ــل ســوريــا املــدعــومــة‬ ‫مــن األم ــم امل ـت ـحــدة‪ .‬اجملـمــوعــة تـضـمـنــت‪ :‬األمــم‬ ‫املتحدة‪ ،‬جامعة الدول العربية‪ ،‬االحتاد األورويب‪،‬‬ ‫الصني‪ ،‬فرنسا‪ ،‬روسيا‪ ،‬اململكة املتحدة‪ ،‬الواليات‬ ‫املتحدة‪ ،‬وتركيا‪ ،‬العراق‪ ،‬والكويت وقطر‪ ،‬والثالثة‬ ‫يف النهاية ميثلون أجـســام وزارات عربية خمتلفة‪.‬‬

‫متّ إط ـ ــاق وث ـي ـقــة ت ـق ــول ب ــأن ــه جي ــب أن تصبح‬ ‫امل ـن ـظ ـمــات اإلغ ــاث ــيّــة قـ ـ ــادرة ع ـلــى ال ــوص ــول إىل‬ ‫املـ ـن ــاط ــق احمل ـ ــاص ـ ــرة‪ ،‬وأنـّ ـ ـ ـ ــه جي ـ ــب حت ـ ـريـ ــر مج ـيــع‬ ‫امل ـع ـت ـق ـلــن وخب ــاص ــة ال ـن ـس ــاء واألط ـ ـفـ ــال مـنـهــم‪.‬‬ ‫كـمــا أصـ ـ ّـرت م ـ ـراراً عـلــى مـطـلــب الـضـغــط على‬ ‫احلـ ـك ــوم ــة ل ـل ـم ـواف ـق ــة عـ ـل ــى ال ـت ـط ـب ـي ــق ال ـك ــام ــل‬ ‫ل ـب ـي ــان ج ـن ـيــف الـ ــرمسـ ــي‪ ،‬وال ـ ــذي ي ـق ــول حبـســب‬ ‫ـش ــار األسـ ــد أي‬ ‫وص ـف ـهــا إن ــه «ل ـي ــس لـلـرئـيــس ب ـ ّ‬ ‫دور يف املــرح ـلــة االنـتـقــالـيــة ومـسـتـقـبــل س ــوري ــا»‪.‬‬ ‫وق ـ ــد صـ ـ ـ ّـرح مـ ـس ــؤول ــون يف االئ ـ ـتـ ــاف ال ــوط ــي‬ ‫ال ـ ـسـ ــوري‪ ،‬أنّـ ــه حت ــت م ـص ـط ـلــح ال ـب ـي ــان ال ــرمس ــي‬ ‫للمؤمتر‪ ،‬خلق أو إنشاء أي إدارة انتقالية جيب‬ ‫أن يتم مبوافقة مجيع األط ـراف‪ .‬كما أصـ ّـروا على‬ ‫أنّ ــه ال يــوجــد أي فــرصــة جلـعــل امل ـعــارضــة تـوافــق‬ ‫عـلــى الـسـمــاح للرئيس بـشــار األس ــد أو أي من‬ ‫املوحدة‪.‬‬ ‫مسؤوليه املقربني باالنضمام إىل احلكومة ّ‬ ‫كما طالب االئتالف الوطين السوري يف البيان‬ ‫الــذي أطلقه يف اسطنبول بتسريع بناء خطوات‬ ‫للثقة‪ ،‬والــي متّ شرحها من قبله سابقاً يف مؤمتر‬ ‫أصــدقــاء الشعب ال ـســوري يف لـنــدن ‪ 22‬تشرين‬ ‫األول‪ .‬وقد تضمنت هذه اخلطوات بناء ممرات آمنة‬ ‫إليصال املساعدات اإلنسانية‪ ،‬رفض دور إيران‬ ‫قطعياً يف عملية السالم‪ ،‬زيادة الدعم العسكري‬ ‫لـ ـقـ ـوات امل ـق ــاوم ــة ال ـش ـع ـبــيّــة‪ ،‬وج ـع ــل أي ات ـفــاق‬ ‫ينضوي حتت البند السابع مليثاق األمم املتحدة‪.‬‬ ‫ك ـتــب يف صـحـيـفــة «ال ـ ـ ــوول سـ ـري ــت» يف ‪18‬‬ ‫تشرين الـثــاين‪ ،‬رئـيــس االئـتــاف الــوطــي الـســوري‬ ‫أمحــد اجلـربــا‪« :‬كيف ميكنين اجللوس على نفس‬ ‫الطاولة مع هــؤالء املسؤولني عن اجملــازر الفظيعة‬ ‫واملستمرة حبق الشعب الـســوري‪ ،‬بــدون احلصول‬ ‫عـلــى بـعــض االل ـت ـزامــات وال ـع ـهــود مــن الـنـظــام؟»‬ ‫يف الــوقــت ال ــذي يُـعـتــر فـيــه (االئ ـت ــاف الــوطــي‬ ‫لقوى املعارضة السورية)‪ ،‬بشكل واســع‪ ،‬املمثل‬ ‫ال ـش ــرع ــي ل ـل ـش ـعــب ال ـ ـسـ ــوري‪ ،‬ت ــوج ــد حتــال ـفــات‬ ‫م ـعــارضــة أخـ ــرى م ــوج ــودة‪ ،‬م ـثــل هـيـئــة الـتـنـسـيــق‬ ‫احملـلــيّــة‪ ،‬واجملـمــوعــات اإلســامـيــة املـقــاتـلــة‪ ،‬القوية‬ ‫جــداً‪ ،‬والــي ترفض االع ـراف بسلطة االئتالف‪.‬‬

‫لـقــد واف ـق ـوا عـلــى أ ّن أي حــل سـيــاســي جيــب أن‬ ‫يـقـ ّدم انـتـقــاالً يـقـ ّدم وجـهــة نظر ملستقبل ســوريــا‪،‬‬ ‫وال ــي ميكن مشاركتها مــن قبل مجيع الـســوريــن‪،‬‬ ‫يبين خـطـوات واضـحــة طبقاً جل ــدول زمــي ثابت‬ ‫باجتاه حتقيق وجهة النظر تلك‪ ،‬ميكن تنفيذه يف‬ ‫مـنــاخ مــن األم ــان واالس ـت ـق ـرار واهل ــدوء للجميع‪،‬‬ ‫ميـكــن الــوصــول إلـيــه بـســرعــة مــن دون امل ـزيــد من‬ ‫س ـفــك ال ــدم ــاء وال ـع ـنــف وي ـك ــون ذا مـصــداقـيــة‪.‬‬ ‫ويتفق على أ ّن اخلطوات األساسية يف االنتقال جيب‬ ‫أن تتضمن إنشاء جسد حلكومة انتقالية‪ ،‬بتمثيل‬ ‫كامل جلميع القوى مبا يتضمن احلكومة واملعارضة‪،‬‬ ‫وجي ــب تـكــويـنـهــا عـلــى أس ــاس م ـواف ـقــة األطـ ـراف‬ ‫مج ـي ـع ـاً‪ ،‬ب ــاإلض ــاف ــة إىل م ـشــاركــة ك ــل جمـمــوعــات‬ ‫اجملـتـمــع يف س ــوري ــا‪ ،‬يف عـمـلـيــة حـ ـوار وط ــي ذي‬ ‫معىن‪ ،‬ومراجعة لألمور الدستورية والنظام القانوين‪،‬‬ ‫حرة وعادلة ومتعددة للمكاتب‬ ‫والقيام بانتخابات ّ‬ ‫وامل ــؤس ـس ــات ال ــي متّ إن ـش ــاؤه ــا‪ ،‬ومت ـث ـيــل الـنـســاء‬ ‫بشكل كامل يف مجيع مراحل وقضايا االنتقال‪.‬‬ ‫هل وافقت الحكومة السوريّة على حضور‬ ‫جنيف ‪2‬؟‬ ‫احلـكــومــة صـ ّـرحــت ّأن ــا ستحضر امل ـؤمتــر حبسب‬ ‫«مـ ـب ــدئـ ـه ــا»‪ .‬ل ـكــنّ ـه ــا ص ـ ّـرح ــت أيـ ـضـ ـاً أهن ـ ــا لــن‬ ‫ت ـت ـع ــام ــل مـ ــع «اإلره ـ ــابـ ـ ـي ـ ــن»‪ ،‬ب ـي ـن ـم ــا خت ـطّــت‬ ‫ت ـق ـري ـب ـاً ذكـ ــر ه ـ ــؤالء ال ــذي ــن ي ـع ــارض ــوهن ــا أي ـض ـاً‪.‬‬ ‫كما ّأنــا أصـ ّـرت م ـراراً وتـكـراراً على أ ّن أي حل‬ ‫بشار‬ ‫تنحي الرئيس ّ‬ ‫سياسي ال ميكن أن يتضمن ّ‬ ‫األس ــد عــن مـنـصـبــه يف رئــاســة اجل ـم ـهــوريـّـة‪ ،‬كما‬ ‫كــان قــد طــالــب التحالف الرئيسي يف املعارضة‬ ‫(االئتالف الوطين لقوى الثورة واملعارضة السوريّة)‪.‬‬ ‫يف ‪ 24‬مـ ــن ح ـ ـزي ـ ـران صـ ـ ـ ّـرح وزيـ ـ ــر اخل ــارج ــيّ ــة‬ ‫ال ـســوري ولـيــد املـعـلّــم أنّــه لــن يــذهــب إىل جنيف‬ ‫لتسليم السلطة للطرف اآلخــر‪ .‬يف تلك األثناء‬ ‫ق ــال بـشــار األس ــد إ ّن أي ش ــيء سيتم االتـفــاق‬ ‫ع ـل ـيــه جي ــب أن ي ـث ـبــت يف ص ـن ــادي ــق االق ـ ـ ـراع‪.‬‬ ‫هل ستكون المعرضة موجودة؟‬ ‫االئتالف الوطين رفض الكثري من النداءات اليت متّ‬ ‫توجيهها إليه من قبل داعميه العرب والغربيني إلقناعه‬ ‫حبضور جنيف ‪.2‬‬ ‫ع ــن ال ـ ـ ‪ - BBC News‬ال ـش ــرق األوس ــط‬ ‫لكن يف ‪ 11‬تشرين الثاين‪ ،‬وبعد يومني من املباحثات‬ ‫صوت‬ ‫يف اسطنبول‪ ،‬اجمللس العام يف االئـتــاف ّ‬ ‫على احلـضــور بـشــرط حتقيق عــدد مــن املطالب‪.‬‬


‫‪30‬‬

‫رغيف كردي‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫الكوميديا في الحكاية الشعبية الكردية‬ ‫أحمد اسماعيل اسماعيل‬ ‫حوت احلكايات الكردية الكثري من أحوال وأخبار‬ ‫ال ُكرد‪ ،‬يف ماضيهم البعيد والقريب‪ ،‬منها الواقعي‬ ‫احلقيقي‪ ،‬ومنها اخليايل الومهي‪ ،‬ويف الكثري منها‬ ‫احلقيقي والومهي‪ ،‬الواقعي واخليايل‪ ،‬حبيث يكون‬ ‫كــل ذل ــك ممــزوج ـاً بفنية عــالـيــة صــاغـهــا املخيال‬ ‫ال ـش ـعــي‪ ،‬الـ ــذي مل يـقـتـصــر عـلــى س ــرد وصـيــاغــة‬ ‫أحداث احلياة املؤسية‪ ،‬كاحلرب والغزوات والقتل‬ ‫واحل ـ ــب امل ـ ـعـ ــذب‪ ..‬ب ــل ح ـفــل أيـ ـضـ ـاً حب ـكــايــات‬ ‫مشبعة بروح املرح والفكاهة اليت تعرب عن طبيعة‬ ‫الـكــردي املرحة اخلفية و الزاهية كثيابه اجلبلية ‪.‬‬ ‫وه ـ ــذه احل ـك ــاي ــات م ـت ـنــوعــة‪ ،‬غ ــر ج ــام ــدة عـلــى‬ ‫شكل واحــد يف الصياغة‪ ،‬من ناحية املوقف أو‬ ‫الشخصية‪ ..‬إخل‪ ،‬ويف مناذج كثرية‪ ،‬تتقابل احلكاية‬ ‫كفن‬ ‫الكردية مع نظرياهتا من قصص الشعوب‪ّ ،‬‬ ‫(املـلـهــاة) اهلــزيل يف أورب ــا إبــان صعود الــرجـوازيــة‪،‬‬ ‫ومن منــوذج هذه احلكايات لدى الكرد‪ ،‬حكاية‬ ‫الــرجــل املغفل الــذي تــاه عــن بيته وزوج ــه ونفسه‬ ‫نتيجة تدبري خبيث من الزوجة والعشيق‪ ،‬الذي‬ ‫تشبه بالزوج يف كل تصرفاته وأحاديثه‪ ،‬وما مييزه‬ ‫كشخصية مستقلة‪ ،‬إىل أن الـتـبــس األم ــر على‬ ‫الزوج‪ ،‬فخلط بني شخصيته وشخصية العشيق‪،‬‬ ‫ويف كل موقف وحدث يقرتب العشيق من الزوجة‬ ‫فيه أكثر‪ ،‬يبتعد الزوج عنها وعن بيته ونفسه أكثر‪،‬‬ ‫ويف كل مرة يطرح الزوج على نفسه سؤاالً غريباً ‪:‬‬ ‫إذا كان هذا ( يقصد العشيق ) أنا‪ ..‬فأنا‪ ،‬من‬‫أنا ؟!‬ ‫إن ت ـك ـرار ه ــذا ال ـس ـؤال يف امل ـواق ــف واألح ــداث‬ ‫املتتابعة‪ ،‬ومنــط شخصية الــزوج الذاهلة‪ ،‬واحل ـوار‬ ‫اخلـ ـص ــب ال ـ ـ ــذي ي ـش ــع ب ـ ـ ــروح امل ـ ـ ــرح اخل ـف ـي ــف‪،‬‬ ‫مـ ـص ــدر م ــن مـ ـص ــادر ال ـض ـح ــك األس ــاسـ ـي ــة يف‬ ‫هــذه احلـكــايــة خــاصــة‪ ،‬وامل ــادة الضاحكة عامة‪.‬‬ ‫ويف حكاية أخرى مناقضة يف موضوعها‪ ،‬متجاوزة‬ ‫وم ـت ـقــدمــة يف فـكــاهـتـهــا‪ ،‬وت ـعــر حب ــق ع ــن ال ــروح‬ ‫السمحة لدى املـرأة الكردية‪ ،‬نقابل ذلك الرجل‬ ‫الذي غادر قريته ذات صباح متوجهاً إىل املدينة‪،‬‬ ‫ليبيع بقرته اليت اصطحبها معه‪ ،‬ويف طريق العودة‬ ‫جتري معه أحداث ساخرة‪ ،‬تثري ضحكنا بسبب‬ ‫سـلــوكــه الـبـسـيــط والـ ـس ــاذج‪ ،‬ال ــذي يـكـشــف عن‬ ‫شخصية محقاء‪ .‬بداية يصادف عابراً يصطحب‬ ‫خ ــروفـ ـاً‪ ،‬ف ـي ـقــرح األخـ ــر عـلـيــه م ـبــادلــة اخل ــروف‬ ‫بالبقرة‪ ،‬بعد أن زين له حال اخلــروف‪ ،‬وقلل من‬ ‫شأن البقرة‪ ..‬وتتم املبادلة‪ ،‬ويتمم القروي طريق‬ ‫الذهاب‪ ،‬ليصادف عابراً آخر ومعه ديك ‪ ،‬وبعد‬ ‫أن يعظم العابر من أمهية ديكه‪ ،‬ويقلل من أمهية‬ ‫اخلروف‪ ،‬يقرتح على القروي مبادلة احليوان وتتم‬ ‫عملية املبادلة الثانية‪ ،‬ويف متابعة مسريه يصادف‬

‫حلب‪ ،‬األشرفية ‪ -‬عدسة حمزة الجسري‬ ‫القروي عابراً آخر ال يتبعه حيوان هذه املرة‪ ،‬وإمنا‬ ‫يعتمر كوفية‪ ،‬وبعد ح ـوار رشيق ومــرن –لنا أن‬ ‫نتخيل ما فيه من كوميديا كامنة– يقتنع القروي‬ ‫بأفضلية الكوفية على الديك وتتم املبادلة الثالثة ‪.‬‬ ‫إن احل ـ ـ ـوار اخلـ ـص ــب والـ ـفـ ـك ــه ال ـ ــذي جي ـ ــري يف‬ ‫كـ ـ ــل مـ ـ ــوقـ ـ ــف‪ ،‬ومـ ـ ـ ــا يـ ـنـ ـت ــج ع ـ ـنـ ــه مـ ـ ــن ت ـ ـراكـ ــم‬ ‫وت ـصــاعــد احلـ ــدث‪ ،‬إض ــاف ــة إىل من ــط الشخصية‬ ‫امل ـض ـحــوك م ـن ـهــا‪ ،‬هل ــو م ـص ــدر غ ــي لـلـكــومـيــديــا‬ ‫الـكــرديــة‪ ،‬إذا أمكننا احلــديــث عــن شــيء كهذا‪.‬‬ ‫يصادف هذا القروي بئراً‪ ،‬ويف سعيه إلخراج املاء‬ ‫من البئر لريوي ظمأه‪ ،‬تسقط الكوفية عن رأسه‪،‬‬ ‫األم ــر ال ــذي حيـزنــه ويــروعــه‪ ،‬فيجلس إىل جانب‬ ‫البئر يبكي بقرته الــي سقطت فـيــه‪ .‬وتستوقف‬ ‫حكاية سقوط البقرة يف البئر تاجراً عابراً‪ ،‬وبعد‬ ‫أن تتضح لــه حقيقة احلـكــايــة يـُـذ ّكــر ال ـقــروي مبا‬ ‫سيالقيه يف البيت من صراخ الزوجة ونفورها‪ ،‬إال‬ ‫أن األخري ينكر أن زوجته ستقابله هبذا الشكل‪،‬‬ ‫فيرتاهنان على موقف الــزوجــة‪ ،‬فــإذا ثــارت املـرأة‬ ‫يف وجــه زوجها أخذها التاجر منه‪ ،‬وإذا حدث‬ ‫العكس دفــع التاجر مثــن البقرة‪ .‬وهنا حيــدث ما‬ ‫يشبه التحول يف مسار احلكاية من ناحية اهلدف‬ ‫والشخصية املـضـحــوك مـنـهــا‪ ،‬فينقلب ضحكنا‬ ‫مــن ضحك على غفلة ال ــزوج‪ ،‬نتيجة إحساسنا‬ ‫باالنتصار أو التفوق عليه من ناحية الوعي‪ ،‬إىل‬ ‫تعاطف معه و ضحك على التاجر للسبب ذاته‪،‬‬ ‫ألن الـتــاجــر وبـسـبــب مــن غـ ــروره‪ ،‬يصبح فريسة‬ ‫إحساسنا بالتفوق عليه‪ ،‬ويزداد ضحكنا أكثر من‬ ‫خالل رد املرأة على خيبات زوجها‪ ،‬خميبةً سعي‬ ‫التاجر يف الوصول إليها والنيل منها‪ ،‬األمر الذي‬ ‫حيقق مــا تصبو إلـيــه احلـكــايــة مــن حتقيق املفارقة‬ ‫الكوميدية‪ ،‬حول التاجر الذاهل ملا حيدث‪ ،‬الذي‬ ‫يكتمل ذهوله يف ختام احلكاية‪ ،‬يف املوضع املشبع‬

‫بالداللة وروح املــرح‪ ،‬حني يعلم الــزوج زوجه بأن‬ ‫الـكــوفـيــة سقطت يف الـبـئــر‪ ،‬وينتظر الـتــاجــر الــرد‬ ‫الذي يشفي غليله ويرضي طموحه‪ ،‬إال أن زغرودة‬ ‫الزوجة اليت تطلقها‪ ،‬وهتليلها لسقوط الكوفية يف‬ ‫البئر‪ ،‬ال زوجـهــا‪ ،‬تطلق العنان جاحماً للمفارقة‪.‬‬ ‫هـ ــذه احل ـك ــاي ــة‪ ،‬حبـ ـواره ــا ال ـس ـلــس وشـخـصـيــاهتــا‬ ‫الفكاهية‪ ،‬وحبكتها الفنية املتقنة‪ ،‬ال حتتاج إىلكبري‬ ‫مسر َحها اخليال الشعيب‬ ‫عناء يف حال مسرحتها‪ ،‬فق ْد َ‬ ‫بإتقان فين مدهش‪ .‬ويف الـراث الكردي العديد‬ ‫من احلكايات الساخرة الشبيهة هبذه احلكاية ‪.‬‬ ‫وما يلفت النظر يف العديد من احلكايات الشعبية‪،‬‬ ‫أن بـطـلـهــا ال ـرئ ـيــس ي ـك ــون عـ ــادة رج ــل ال ــدي ــن‪،‬‬ ‫املعروف بــ(املــا)‪ ،‬ممثل الدين يف ال ُقرى الكردية‬ ‫وخاصة يف فــرة سيادة اإلقطاعية‪ .‬فمن ناحية‪،‬‬ ‫يُعترب هذا نقداً من اجملتمع هلذه الشخصية‪ ،‬النقد‬ ‫املبطن الستغالل الدين‪ ،‬والدور السليب للكثري من‬ ‫رجــاالتــه‪ ،‬يف حياة الكرد االجتماعية والسياسية‬ ‫(دون أن نَـغ ـفــل ع ــن ال ـ ــدور امل ـش ـ ِّـرف لبعضهم‬ ‫اآلخ ــر‪ ،‬وخــدمــاهتــم الــوطـنـيــة والـثـقــافـيــة اجلـلـيـلــة)‪،‬‬ ‫ومــن ناحية أخــرى يــدل على روح التحرر لدى‬ ‫هذا الشعب‪ .‬واملال يف هذه احلكايات شخصية‬ ‫ماكرة يغلب عليها طابع الشبق اجلنسي‪ ،‬السمة‬ ‫الــي أصبحت رم ـزاً يف الــذاكــرة الشعبية الكردية‪.‬‬ ‫هذه الشخصية الفكاهية الرئيسية يف احلكايات‬ ‫اإلنسية‪ ،‬تقابلها شخصية الثعلب الفكاهية يف‬ ‫ح ـكــايــات احلـ ـيـ ـوان‪ ،‬الـثـعـلــب امل ـع ــروف مب ـكــره و‬ ‫خـبـثــه‪ ،‬ومنــوذج ـيــة اهن ـزام ــه يف هنــايــة كــل حـكــايــة‪.‬‬ ‫واجلدير ذكره‪ ،‬أن الفكاهة كانت موجودة بقوة‪،‬‬ ‫هبــذا القدر أو أكثر أو أقــل‪ ،‬يف خمتلف أشكال‬ ‫الـتـعـبــر ال ـش ـعــي‪ ،‬كــالـغـنــاء واأللـ ـع ــاب والـ ـطُّـ َـرف‪،‬‬ ‫لـرمبــا يـتــاح متسع ملناقشتها يف مـقــاالت قــادمــة‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫رغيف كردي‬

‫‪31‬‬

‫كرد سوريا‪ ،‬والحصار مرتين‪..‬‬

‫نوبار اسماعيل‬

‫ل ـيــس أم ـ ـراً ج ــدي ــداً‪ ،‬م ــا ت ـش ـهــده امل ـن ــاط ــق ذات‬ ‫الغالبية الـكــرديــة يف ســوريــا‪ ،‬مــن تــدهــور للوضع‬ ‫املـعـيـشــي‪ ،‬وت ـفــاقــم ظ ــاه ــرة اهل ـج ــرة خ ــارج الـبــاد‬ ‫وداخ ـل ـهــا‪ .‬فـقــد ع ــاىن أه ــايل ه ــذه املـنـطـقــة اجلــور‬ ‫وال ـب ـط ــش وال ـت ـع ـت ـيــم م ــن ال ـن ـظ ــام ال ـب ـع ـث ــي‪ ،‬وم ــن‬ ‫سبقهم من احلكام‪ ،‬منذ أكثر من أربعة عقود‪.‬‬ ‫زمن ُحكم حافظ األسد‪ ،‬كان السكان يف هذه‬ ‫املناطق‪ ،‬يصارعون احلياة نظراً لقلة فرص العمل‬ ‫والوظائف‪ ،‬وانـعــدام اإلمكانات‪ ،‬ومنع السكان‬ ‫مــن بناء املشاريع الصغرية اخلــاصــة‪ ،‬األمــر الــذي‬ ‫ألقى بظالله على الوضع املعيشي لدى السكان‪.‬‬ ‫وعُرف آنذاك عن األهايل استذكارهم أليام عبد‬ ‫الناصر‪« ،‬وكــأن أيــام مجال تعود»‪ ،‬يف إشــارة إىل‬ ‫اجملاعة أيام حكم مجال عبد الناصر‪ ،‬زمن الوحدة‬ ‫بني سورية ومصر‪ ،‬األمــر الــذي دفع بتفاقم أزمة‬ ‫احلـيــاة مــن ناحية‪ ،‬وبالسكان إىل اهلـجــرة‪ ،‬سـواء‬ ‫كــانــت خارجية أو داخـلـيــة‪ ،‬عــاوة على تفشي‬ ‫ظاهرة البطالة بنسب خميفة يف صفوف الشباب‪.‬‬ ‫لـقــد مــورســت حبــق الـشـعــب ال ـكــردي يف ســوريــا‪،‬‬ ‫خمتلف سـيــاســات االضـطـهــاد والـتـهـجــر‪ ،‬ويذكر‬ ‫اجلميع «احل ـزام الـعــريب»‪ ،‬مث جتريد شرحية واسعة‬ ‫من السكان من اهلوية السورية‪ ،‬والقائمة تطول‪.‬‬ ‫بعد تــويل بـشــار األس ــد احلـكــم يف ســوريــا‪ ،‬تأمل‬ ‫ال ـن ــاس خ ـ ـراً يف رئ ـيــس جــديــد قـ ــادم م ــن أوربـ ــا‪،‬‬ ‫وحياول أن يسوق لنفسه صورة الزعيم الرباغمايت‬ ‫الـشــاب‪ ،‬إال أنــه كــان أكـثــر بشاعة يف سياساته‬ ‫حب ــق س ـكــان ه ــذه امل ـن ـط ـقــة‪ ،‬م ــن والـ ـ ــده‪ ،‬وجم ــزرة‬ ‫انتفاضة الـكــرد يف قامشلو سنة ‪ ،2004‬أكرب‬ ‫دلـيــل عـلــى ذل ــك‪ ،‬تــاهــا املــرســوم التشريعي رقــم‬ ‫‪ 49‬لعام ‪ ،2008‬والــذي يقيد بــدوره عمليات‬ ‫البيع والشراء العقارية‪ ،‬يف املناطق احلدودية‪ ،‬وعدم‬ ‫قبول قيود دعاوى البيع العقاري‪ ،‬يف احملاكم وأمام‬ ‫كــايت العدل‪ ،‬ما مل حيصل البائع والـشــاري على‬ ‫الرتخيص األمين مبوجب قرار من وزير الداخلية‪،‬‬ ‫وهبـ ــذا أص ـب ـحــت ممـتـلـكــات امل ـواط ـن ــن م ــن أب ـنــاء‬ ‫املناطق احلدودية‪ ،‬حتت وصاية اجلهات األمنية‪.‬‬ ‫ي ـق ــول (س ـع ــود املـ ــا) ع ـضــو األم ــان ــة ال ـع ــام ــة يف‬ ‫(اجمل ـلــس الــوطــي الـ ـك ــردي)‪ ،‬إن ه ــذه املـعــوقــات‬ ‫ليست جــديــدة على املنطقة الـكــرديــة‪ ،‬نـظـراً ألن‬ ‫حزب البعث مارس حبق الشعب الكردي‪ ،‬خالل‬ ‫ف ــرة حـكـمــه مـنــذ الـسـتـيـنـيــات‪ ،‬خمـتـلــف املـشــاريــع‬ ‫العنصرية واالستثنائية اجلــائــرة‪ ،‬كسياسة (احل ـزام‬ ‫ال ـع ــريب)‪ ،‬واإلح ـص ــاء اجل ــائ ــر‪ .‬مـثــل ه ــذه األم ــور‬ ‫أدت إىل هجرة اآلالف من أبناء شعبنا‪ ،‬منهم‬ ‫إىل خ ــارج ســوريــة ومـنـهــم مــن اخ ـتــار الـعـيــش يف‬

‫عدسة جيفارا نبي‬ ‫حمــافـظــات ســوريــة أخ ــرى حبـثـاً عــن لقمة العيش‪.‬‬ ‫وبــالــرغــم مــن أن املنطقة ذات الغالبية الـكــرديــة‪،‬‬ ‫تُعترب املخزون االقتصادي األكرب للدولة السورية‪،‬‬ ‫إال أن سياسة التهميش والقمع مورست حبقها‬ ‫يف سخاء‪ ،‬وانتهى الوضع بسوريا بعد مجلة من‬ ‫االخـتـنــاقــات املـتـتــالـيــة واالح ـت ـقــان الــداخ ـلــي‪ ،‬إىل‬ ‫الثورة ضد الظلم والتسلط‪ ،‬وقمع احلريات العامة‪.‬‬ ‫بقيت هذه املنطقة‪ ،‬مبعزل عن اخلراب والدمار يف‬ ‫بدايات الثورة السورية‪ ،‬مما حدا بغالبية املهاجرين إىل‬ ‫الداخل السوري‪ ،‬من أبناء املنطقة الكردية‪ ،‬للعودة‬ ‫إىل منازهلم‪ ،‬هربا من آلــة احلــرب‪ ،‬يف احملافظات‬ ‫الــي كــانـوا يعملون فيها حبثا عــن لقمة عيشهم‪.‬‬ ‫ولـكــن التصعيد الـكـبــر ال ــذي شـهــدتــه ال ـثــورة يف‬ ‫مراحلها األخرية‪ ،‬أدى إىل فرض حصار ٍ‬ ‫قاس على‬ ‫املنطقة الـكــرديــة‪ ،‬فتقطعت بالناس السبل‪ ،‬هبذا‬ ‫الصدد يقول املال‪« :‬يف ظل الثورة السورية‪ ،‬يعيش‬ ‫أبناء شعبنا حصاراً فوق احلصار‪ ،‬وتأيت معوقات‬ ‫العيش علينا بــالـتـوايل‪ ،‬علماً أن ظــاهــرة البطالة‬ ‫أصبحت منتشرة يف عـمــوم ســوريــا بعيد انــدالع‬ ‫ال ـثــورة‪ ،‬وليست يف املنطقة الـكــرديــة لــوحــدهــا»‪.‬‬ ‫وكــانــت هجرة العوائل الـكــرديــة‪ ،‬إىل دول اجلـوار‬ ‫والــدول األوربية‪ ،‬نتيجة مباشرة لألوضاع املتأزمة‬ ‫ال ــي مت ــر هب ــا ال ـب ــاد‪ ،‬يف ظ ــل غ ـيــاب ت ــام ل ـب ـوادر‬ ‫ف ــض ال ـ ـن ـ ـزاع ال ـع ـس ـك ــري وح ـق ــن الـ ــدمـ ــاء‪ ،‬كـمــا‬ ‫أن امل ـواج ـهــات ال ــي جت ــري ح ــول امل ــدن وال ـقــرى‬ ‫ال ـكــرديــة‪ ،‬بـعــد أن ق ــررت اجلـمــاعــات اإلســامـيــة‬ ‫املـتـطــرفــة تــرك جـبـهــات الـقـتــال ضــد الـنـظــام اجملــرم‬ ‫وتوجيه بنادقها ومدافعها إىل املناطق الكردية‪،‬‬ ‫فــرضــت حـصــاراً وحشياً على الشعب الـكــردي‪،‬‬ ‫ما جنم عنه ارتفاع أسعار املـواد التموينية بشكل‬ ‫كبري‪ ،‬واستمرار إغالق املنافذ الرتكية مع املناطق‬ ‫ال ـك ــردي ــة‪ ،‬وعـ ــدم تــوفــر األدوي ـ ــة و امل ـ ـواد الطبية‬

‫وح ــاجـ ـي ــات امل ـس ـت ـش ـف ـيــات‪ ،‬وت ـف ـش ــي ال ـب ـطــالــة‪.‬‬ ‫ي ـقــول الــدك ـتــور (ع ـبــد ال ـكــرمي ع ـمــر)‪ ،‬الـسـيــاســي‬ ‫وعضو (حركة اجملتمع الدميقراطي)‪« :‬إن األزمــة‬ ‫ال ـ ــي ضـ ـرب ــت ال ـش ـع ــب ال ـ ـسـ ــوري ك ــان ــت مب ـثــابــة‬ ‫الـزلـزال‪ ،‬كانت اخلطوة األهــم لدينا محاية شعبنا‬ ‫الـكــردي ومناطقنا مــن الــدمــار‪ ،‬غــر أن احلصار‬ ‫جــاء من النظام الـســوري من جهة‪ ،‬واجلماعات‬ ‫الـتـكـفـريــة مــن ج ـهــة‪ ،‬وال ــدول ــة الــركـيــة مــن جهة‬ ‫ثالثة‪ .‬ويف ظل الربوباوغندا اإلعالمية التهويلية‪،‬‬ ‫امل ــدارة مــن أط ـراف إقليمية‪ ،‬ســامهــت بــدورهــا يف‬ ‫تصعيد ظــاهــرة اهلـجــرة مــن مناطقنا‪ ،‬لــذا نسعى‬ ‫لـفـتــح م ـعــر (ت ــل ك ــوج ــر‪ -‬ال ـي ـع ـرب ـيــة) ب ـعــد دحــر‬ ‫اجمل ـمــوعــات اإلره ــاب ـي ــة م ــن املـنـطـقــة‪ ،‬ك ــ(داع ــش)‬ ‫و(جبهة الـنـصــرة)‪ ،‬بغية توفري امل ـواد اإلغاثية»‪.‬‬ ‫وجــد أبناء املنطقة الكردية نفسهم أمــام خيارين‬ ‫اثنني‪ ،‬إما مواجهة احلالة املفروضة عليهم وبكافة‬ ‫الوسائل‪ ،‬أو أن يسلموا أمرهم ملغادرة البالد والنزوح‬ ‫ونافل أن كال اخليارين‪ ،‬ستكون له تداعياته‬ ‫منها‪ٌ ،‬‬ ‫السلبية على مسار حل القضية الكردية يف سوريا‪.‬‬ ‫وتعليقاً‪ ،‬يضيف (عبد الكرمي عمر) بقوله‪« :‬نرى‬ ‫بــأن اهلجمات اإلرهــابـيــة‪ ،‬الــي تعرضت وال تزال‬ ‫تـتـعــرض هلــا مناطقنا‪ ،‬كــانــت مــن أهــم األسـبــاب‬ ‫ال ــي أدت إىل خت ــوف ال ـس ـكــان وإق ـب ــاهل ــم على‬ ‫اهلجرة والـنــزوح‪ ،‬كما أن تدهور الوضع املعيشي‬ ‫وانـعــدام املـواد الغذائية واألدويــة الطبية وفقداهنا‪،‬‬ ‫وان ـ ـعـ ــدام فـ ــرص ال ـع ـمــل أيـ ـض ــا‪ ،‬ك ــان ــت الـسـبــب‬ ‫وراء ه ـج ــرة ال ـس ـك ــان م ــن امل ـن ـط ـقــة ال ـك ــردي ــة»‪.‬‬ ‫عليه فقد أصبحت املنطقة الكردية تعيش مبعزل‬ ‫عن املناطق السورية األخرى‪ ،‬نتيجة انقطاع الطرق‬ ‫منها إىل املناطق واحملافظات األخرى‪ ،‬األمر الذي‬ ‫أثر على حركة التجارة بشكل كبري‪ ،‬عالوة على‬ ‫فــرض األت ــاوات على البضائع املــارة إىل املنطقة‪،‬‬


‫‪32‬‬ ‫وحاالت السرقة اليت تتعرض هلا الشاحنات‪ ،‬وليس‬ ‫مستغرباً بـعــدهــا أن يعمد الـتـجــار إىل استغالل‬ ‫الوضع‪ ،‬برفع أسعار املـواد‪ ،‬ويوضح (شيخموس‬ ‫عثمان) القائم باألعمال يف إحدى مراكز الشحن‬ ‫بني (حلب) و(قامشلو) بقوله‪ :‬أصبحنا نعيش‬ ‫حتت رمحة جتار حمافظة حلب واستغالهلم‪ ،‬نظراً‬ ‫النـقـطــاع ال ـطــرق مــن احملــافـظــات األخ ــرى وعــدم‬ ‫ورود الشحن منها‪ ،‬فكل املـصــاريــف الــي تدفع‬ ‫على البضاعة‪ ،‬أثناء حتويلها إلينا‪ ،‬تضاف على‬ ‫تكلفة البضاعة‪ ،‬هذا إذا مل يتم سرقتها من قبل‬ ‫ق ـطــاع ال ـط ــرق‪ ،‬واجل ـم ــاع ــات املـسـلـحــة ‪-‬عـنــدهــا‬ ‫علينا دفع الفدية لتخليصها‪ ،-‬األمر الذي يرفع‬ ‫م ــن تـكـلـفــة ال ـس ـلــع‪ ،‬أض ـعــاف ـاً مـضــاعـفــة‪ ،‬ويـبـقــي‬ ‫املواطن املستهلِك ضحية كل هذه املمارسات»‪.‬‬ ‫مجلة ما سلف‪ ،‬أسهمت يف خلق حالة من اخلوف‬ ‫من اجملهول‪ ،‬وانعدام توفر فرص للعمل تقي الناس‬ ‫مــن اجملــاعــة والـعــوز‪ ،‬وعليه‪ ،‬أردف (سـعــود املــا)‬ ‫بقوله‪« :‬ليس مبقدورنا توفري فرص حقيقية للسكان‬ ‫يف مناطقنا‪ ،‬وه ــذا بسبب املـعــوقــات اجلـمــة اليت‬ ‫نواجهها‪ ،‬وانغالق املعابر احلدودية‪ ،‬من اجلانب‬ ‫الــركــي‪ ،‬ومــن جــانــب إقليم كــردسـتــان ال ـع ـراق»‪.‬‬ ‫ويف حديثه عن عدم إمكانية توفري فرص العمل‬ ‫لشباب املنطقة‪ ،‬يقول املال‪« :‬يف حال الثورة حنن‬ ‫معرضون للحرب والدمار يف أي وقت‪ ،‬وخاصة‬ ‫يف ظ ــل وجـ ــود تـنـظـيـمــات إس ــام ـي ــة تـسـتـهــدف‬ ‫املـنـطـقــة ال ـكــرديــة‪ ،‬األم ــر ال ــذي مينعنا مــن إقــامــة‬ ‫املشاريع الصغرية‪ ،‬وتوفري فرص عمل للشباب»‪.‬‬ ‫وت ـق ــول (ش‪ .‬ش ـك ــري) يف ال ـس ـيــاق ذات ـ ــه‪« :‬ال‬ ‫يُـق ـبــل أص ـح ــاب ال ـع ـمــل ع ـلــى تـسـجـيــل الـعـمــال‬ ‫املوجودين لديهم يف مؤسستنا‪ ،‬فأصبح اإلقبال‬ ‫ضـعـيـفـاً بـسـبــب قـلــة ال ـعــام ـلــن‪ ،‬ل ــدرج ــة أن جلنة‬ ‫املراقبة على املعامل الصغرية وغريها‪ ،‬مل تعد تقوم‬ ‫بعملها‪ ،‬بغض النظر عن املؤسسات احلكومية»‪.‬‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫رغيف كردي‬

‫وتـ ـ ـ ـ ـ ــرى ش ـ ـ ـكـ ـ ــري أن أص ـ ـ ـحـ ـ ــاب الـ ـ ـعـ ـ ـم ـ ــل ال‬ ‫ي ـ ــرون داع ـ ـي ـ ـاً ل ـت ـس ـج ـيــل ع ـم ــاهل ــم يف س ـجــات‬ ‫الـ ـت ــأمـ ـيـ ـن ــات االج ـ ـت ـ ـمـ ــاع ـ ـيـ ــة‪ ،‬ن ـ ـظ ـ ـراً ل ـق ـلَّ ـت ـه ــم‪،‬‬ ‫وهتـ ـ ـربـ ـ ـاً مـ ــن دف ـ ــع الـ ـضـ ـرائ ــب املـ ـرتـ ـب ــة ع ـل ـي ـهــم‪.‬‬ ‫وتفاقمت حركة نزوح السكان من هذه املنطقة‪،‬‬ ‫وخباصة إىل دول اجلـوار‪ ،‬كرتكيا وإقليم كردستان‬ ‫ال ـع ـراق‪ ،‬حـيــث بـلــغ ع ــدد الــاجـئــن يف اإلقـلـيــم‪،‬‬ ‫حب ـســب إح ـص ــائ ـي ــات‪ ،‬م ــا يـ ـق ــارب ‪ 250‬ألــف‬ ‫شـخــص مـنــذ بــدايــة ال ـث ــورة‪ ،‬وعـلـيــه‪ ،‬تـقــول (ش‪.‬‬ ‫ش ـك ــري) رئ ـي ـســة ق ـســم اإلحـ ـص ــاء وال ـتــدق ـيــق يف‬ ‫دائ ــرة ال ـش ــؤون االجـتـمــاعـيــة يف مــديـنــة قامشلو‪:‬‬ ‫«بـ ــادر غــالـبـيــة املـسـجـلــن يف ق ـوائ ـم ـنــا‪ ،‬لسحب‬ ‫ك ــام ــل م ـس ـت ـح ـقــاهتــم امل ــال ـي ــة لـ ــدى مــؤس ـس ـت ـنــا‪،‬‬ ‫مـهـمــا ك ــان ــت ق ـل ـي ـلــة‪ ،‬إض ــاف ــة إىل ارتـ ـف ــاع نسبة‬ ‫االسـتـقــاالت الــي يتم تقدميها بـغــرض اهلـجــرة»‪.‬‬ ‫وتسعى احلركة السياسية الكردية‪ ،‬جاهدة لتوفري‬ ‫األم ــن واالس ـت ـق ـرار يف املـنـطـقــة ال ـكــرديــة‪ ،‬كذلك‬ ‫حتــاول تأمني مستلزمات العيش والدعم اإلغاثي‬ ‫ألبناء املنطقة‪ ،‬على حد قول (سعود املال) عضو‬ ‫املكتب السياسي يف (احلزب الدميقراطي الكردي)‪،‬‬ ‫وعضو األمانة العامة يف (اجمللس الوطين الكردي)‪:‬‬ ‫«كمجلس وطــي كــردي حاولنا جاهدين تقدمي‬ ‫الدعم اإلغاثي ألبناء شعبنا‪ ،‬من خالل التواصل‬ ‫مع املنظمات الدولية‪ ،‬باإلضافة ملساعينا يف وقف‬ ‫نـزيــف ال ـنــزوح‪ ،‬كــي ال تُـفـ َـرغ املنطقة مــن أهلها‪،‬‬ ‫ون ـش ـجـ ُـع ع ـلــى م ـبــدأ االع ـت ـمــاد ع ـلــى ال ـ ــذات»‪.‬‬ ‫وي ـ ـبـ ــن (ع ـ ـبـ ــد ال ـ ـك ـ ــرمي ع ـ ـمـ ــر) األمـ ـ ـ ــر ب ـق ـول ــه‪:‬‬ ‫«حم ــاولـ ـتـ ـن ــا مت ـك ــن الـ ـسـ ـك ــان مـ ــن االسـ ـتـ ـقـ ـرار‪،‬‬ ‫جتـ ـس ــدت يف رد اهلـ ـجـ ـم ــات اإلرهـ ــاب ـ ـيـ ــة عـلــى‬ ‫ش ـع ـب ـن ــا‪ ،‬وتـ ــوفـ ــر األمـ ـ ـ ــن هلـ ــم يف امل ـن ـط ـق ــة «‪.‬‬ ‫وأضاف «سنسعى يف حركة اجملتمع الدميقراطي‪،‬‬ ‫وأيضاً من خالل اإلدارة الذاتية اليت نعمل على‬ ‫بـنــائـهــا‪ ،‬حلــل املـشــاكــل االق ـت ـصــاديــة لـلـسـكــان»‪.‬‬

‫وس ــرد عـمــر لـنــا عــن تــأمــن ف ــرص الـعـمــل ألبـنــاء‬ ‫املـنـطـقــة‪ ،‬وتشجيعهم عـلــى الـبـقــاء دون اهلـجــرة‪،‬‬ ‫بـقـولــه‪« :‬إن منطقتنا الـكــرديــة متـلــك الـكـثــر من‬ ‫م ـقــومــات احل ـي ــاة‪ ،‬مــن الـقـطــن وال ـق ـمــح وال ـزي ـتــون‬ ‫والزيت يف عفرين‪ ،‬ونبذل كل جهودنا لتخفيض‬ ‫س ـعــر مـ ــادة امل ـ ــازوت يف مـنــاطـقـنــا إىل ‪ 32‬لــرة‬ ‫س ــوري ــة‪ ،‬ع ـل ـمــا أن ال ـس ـعــر احل ـك ــوم ــي هل ــا يـقــدر‬ ‫ب ـ ـ ‪ 80‬لـ ــرة س ــوري ــة يف احمل ــاف ـظ ــات األخـ ـ ــرى»‪.‬‬ ‫وأردف بقوله‪« :‬نشجع املهنيني إلنشاء البيوت‬ ‫البالستيكية‪ ،‬مع تقدمي مــادة املــازوت هلم بسعر‬ ‫تشجيعي‪ ،‬يضاهي سعر امل ــازوت املـقــدم ألفـران‬ ‫اخلـبــز‪ ،‬لــزراعــة اخلـضــار‪ .‬كــل هــذه املـســائــل تأخذ‬ ‫مكاناً ضمن خمططات حركة اجملتمع الدميقراطي‬ ‫واإلدارة املرحلية أيضاً‪ ،‬للحد من ظاهرة اهلجرة اليت‬ ‫تعيشها املنطقة الكردية‪ ،‬وتقليل ظاهرة البطالة»‪.‬‬ ‫وهـ ـك ــذا‪ ،‬ت ـع ـيــش امل ـن ــاط ــق ال ـك ــردي ــة يف س ــوري ــا‪،‬‬ ‫حت ــت ض ـغ ــط حت ـ ــوالت اق ـت ـص ــادي ــة واج ـت ـمــاع ـيــة‬ ‫عنيفة‪ ،‬وتــدفــع مــع بــاقــي ال ـســوريــن‪ ،‬مثــن احلــرب‬ ‫الـ ـط ــاحـ ـن ــة‪ ،‬والـ ـسـ ـي ــاس ــات املـ ـريـ ـب ــة ل ـل ـع ــدي ــد مــن‬ ‫األطراف اإلقليمية والدولية‪ ،‬وأحياناً كان اهلروب‬ ‫م ــن الـ ـواق ــع امل ـف ــر األوحـ ـ ــد أم ـ ــام أبـ ـن ــاء الـشـعــب‬ ‫الـ ـك ــردي‪ ،‬ل ـتــأمــن لـقـمــة عـيـشــه واحلـ ـي ــاة بــأمــن‪.‬‬ ‫وي ـب ـقــى االن ـق ـط ــاع امل ـس ـت ـمــر ل ـل ـت ـيــار ال ـك ـه ـربــائــي‬ ‫يف املـ ـنـ ـطـ ـق ــة‪ ،‬سـ ـبـ ـبـ ـاً رئـ ـيـ ـسـ ـيـ ـاً آخ ـ ــر ل ـل ـك ـســاد‬ ‫االق ـت ـص ــادي وت ــده ــور ال ــوض ــع امل ـع ـي ـشــي‪ ،‬األم ــر‬ ‫ال ــذي يلقي بـظــالــه عـلــى مجـيــع مـنــاحــي احلـيــاة‪.‬‬ ‫الوضع يف املناطق الكردية السورية‪ ،‬إذن‪ ،‬ال يطمئن‪.‬‬ ‫برغم اخنفاض حدة العنف والقتال فيها‪ ،‬كذلك‬ ‫تبقى املنطقة حىت اآلن‪ ،‬خارج نطاق املساعدات‬ ‫واإلغاثات الدولية يف الغالب‪ ،‬علماً بأن اثنتني من‬ ‫وك ــاالت األمــم املـتـحــدة‪ ،‬وصفت احلــرب الــدائــرة‬ ‫على الـســاحــة الـســوريــة يف تقريرها بــأهنــا «حــرب‬ ‫صامتة على التنمية البشرية واالقتصادية»‪.‬‬

‫فتاة من عين العرب (كوباني) ‪ -‬عدسة جيفارا نبي‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫رغيف كردي‬

‫‪33‬‬

‫ُكرديتي سوريتي‪ ،‬وسوريتي ُكرديتي‬ ‫آراس حاجي‬ ‫مـ ــن الـ ـغـ ـري ــب أن ت ـب ـق ــى يف وطـ ـ ـ ـ ٍن تـ ــدافـ ــع فـيــه‬ ‫ع ـ ــن ق ــومـ ـيـ ـت ــك‪ ،‬وعـ ـن ــدم ــا متـ ـض ــي حن ـ ــو مـ ـك ـ ٍ‬ ‫ـان‬ ‫قــومـيـتــك فـيـهــا وطـ ــن‪ ،‬حت ـ ّـن إىل وط ـنــك األول‪.‬‬ ‫هــذا مــا حيــدث دائـمــا مــع ال ـ ُكــردي‪ ،‬الــذي عاش‬ ‫األم ـ ّـري ــن مل ــدة مخـســن عــام ـاً مــن حـكــم الـبـعــث‪،‬‬ ‫حي ــاول دائ ـمــا إجي ــاد الـفــرصــة للتعبري عــن نفسه‪،‬‬ ‫وعن ذاته‪ ،‬وليقول دائما َّ‬ ‫أن ال ُكردي هو ُكردي‪،‬‬ ‫وهو ليس بعريب؛ هو له لغته اخلاصة به‪ ،‬وتراثه‪،‬‬ ‫وتارخيه‪ ،‬وعاداته وتقاليده‪ ،‬وأغنياته اليت يرددها يف‬ ‫قنعاآلخرين‬ ‫حمافله اخلاصة‪ ،‬كان دائما حياول أن يُ َ‬ ‫بـ َّ‬ ‫ـأن كونه كــرديـاً ال يعين ذلــك بأنه ليس سورياً‪.‬‬ ‫ســوريــا الــوطــن ال ــذي جــاب قـلــوب اجلـمـيــع‪ ،‬ومع‬ ‫بدء الثورة السورية‪ ،‬أثبت الكرد أهنم ال يتخلون‬ ‫عن سوريا الوطن‪ ،‬رغم ويــات الثورة‪ ،‬واحلصار‬ ‫املـمـنـهــج‪ ،‬والـضـغــط الـنـفـســي ال ــذي تـعــرضــت له‬ ‫املناطق الكردية‪ ،‬واليت أدت إىل هجرة قس ٍم كب ٍري‬ ‫من شباهبا إىل الدول اجملاورة‪ ،‬أو إىل تلك الدول‬ ‫قسم من الكرد يف إقليم‬ ‫البعيدة‪ ،‬حينها أصبح ٌ‬ ‫وقسم منهم يف املنطقة الكردية‬ ‫كردستان العراق‪ٌ ،‬‬ ‫من تركيا‪ ،‬وهنا تالحظ دائماً كيف يكون احلنني‬ ‫دائما للعودة إىل سوريا رغم أنه اآلن يف ُكردستان!‬ ‫عندما تفتح دفاتر ذكريات الشباب الكرد‪ ،‬جتدها‬ ‫ملونة‪ ،‬جتد فيها الشام‪ ،‬ورائحة‬ ‫صفحات سوريا ّ‬ ‫الـيــامســن الـشــامــي‪ ،‬ت ــرى فيها شـ ـوارع احلميدية‪،‬‬ ‫وجامعها األمــوي‪ ،‬حيث كــان أول مكان يأخذ‬ ‫ال ـكــردي فـيــه زائ ــره لـريــه ح ـضــارة أج ــداد الـشــام‪،‬‬ ‫ل ــرى عـلــى ب ــاب احلـمـيــديــة مت ـثــال ص ــاح الــديــن‬ ‫األيويب‪ ،‬ذلك ال ُكردي الذي حرر القدس‪ ،‬وأنشأ‬ ‫إمرباطوريةً حتتضن فيها مجيع القوميات دون متييز‪.‬‬ ‫يف صفحة الـشــام تــرى قاسيون تــرى ذلــك اجلبل‬ ‫األشــم الــذي يطل على كل القلوب الدمشقية‪،‬‬ ‫عندما ترى مجيع األنوار اليت تشع من كل البيوت‬ ‫الشامية‪ ،‬عندما ترى من هناك ساحة األمويني‪،‬‬ ‫وهي تضج باحلياة‪ ،‬يف صفحة حب الشام‪ ،‬ترى‬ ‫شوارع الصاحلية‪ ،‬واحلمراء‪ ،‬وترى ساحات الشام‬ ‫اجلـمـيـلــة ت ــرى رك ــن الــديــن أو حــي األك ـ ـراد كما‬ ‫يسمى‪ ،‬ترى تلك املدينة اجلامعية‪ ،‬اليت كانت كل‬ ‫ٍ‬ ‫غرفة فيها حتتضن العديد من القلوب السورية‪،‬‬ ‫وال ــي كــانــت مــن خمتلف امل ـشــارب‪ ،‬حيث كنت‬ ‫تــرى احلمصي وال ــدرزي‪ ،‬والــاذقــاين‪ ،‬واجل ــزراوي‬ ‫يف غــرفـ ٍـة واح ــدة‪ ،‬يتكلمون لـغـةً واح ــدة‪ ،‬وينهل‬ ‫كــل منهم مــن لغة وثـقــافــة اآلخ ــر‪ ،‬عندما كنت‬ ‫ترى يف تلك الساحات مئات الشباب جمتمعني‪،‬‬ ‫ال ميــانـعــون االخ ـتــاف يف الـقــومـيــة‪ ،‬والـلـغــة‪ ،‬بل‬

‫ضــف إىل ذلــك أهنــم حيـبــذون ذلــك االخـتــاف‪.‬‬ ‫مـ ــرةً أخـ ــرى ع ـنــدمــا تـقـلــب ص ـف ـحــات ذك ـري ــات‬ ‫الكردي‪ ،‬وترى فيها حلب الشهباء‪ ،‬ترى شوارع‬ ‫حلب اجلميلة‪ ،‬ترى قلعة حلب اليت تعانق تاريخ‬ ‫سوريا بأكملها‪ ،‬أما عندما متضي‪ ،‬وترى الساحل‬ ‫السوري‪،‬بلمح البصر جتد نفسك بني دفات ذلك‬ ‫البحر اهلائج تــارًة‪ ،‬واهلــادئ تــارة كحضن ٍ‬ ‫حبيب‬ ‫دافئ‪ ،‬عندما ترى محص األبية بساحاهتا اجلميلة‪،‬‬ ‫والفتية‪ ،‬النضرة املشتاقة للحرية‪ ،‬والتخلص من‬ ‫العبودية حينها تدرك َّ‬ ‫قادم ال حمالة‪ّ ،‬أما‬ ‫بأن النصر ٌ‬ ‫إذا رفرفتلرتى جسر دير الزور املعلّق‪ ،‬فسرتى كم‬ ‫من احلسرة خلفها دمار ذلك اجلسر األنيق اجلميل‪،‬‬ ‫أمــا عندما يذكر اســم محــاه تلك اللؤلؤة املكنونة‬ ‫اليت تزخرفها النواعري‪ ،‬حيث تُسر‪ ،‬وتبهج العيون‬ ‫جملرد رؤيتها‪ ،‬هي مدينة النواعري اليت غدر وفتك هبا‬ ‫الطاغية األب حافظ من ذي قبل‪ ،‬ليجدد ذلك‬ ‫االبن سائراً على خطى أبيه القذرة حيث وبدوره‬ ‫مل يـكـتـ ِ‬ ‫ـف حب ـمــاة وحــدهــا بــل ســوريــا بأكملها‪.‬‬ ‫عندما تــرى كــل الصفحات قــد اكتظت دمــوعـاً‬ ‫مملوءةً باحلزن‪ ،‬والكآبة لدمار سوريا‪ ،‬حسرة على‬ ‫ضـيــاع أي ـ ٍـام يف مدينة ســوريــة‪ ،‬وعـنــدمــا تصل إىل‬ ‫الصفحة اجلميلة األخ ــرة ال ــي يف قلبها‪ ،‬وتــرى‬ ‫مدنه الكردية‪ ،‬ترى قامشلو‪ ،‬وعفرين‪ ،‬وعامودا‪،‬‬ ‫وديرك‪ ،‬عندها ترى عشقاً ملدينته اجلميلة‪ ،‬وترى‬ ‫بعدها عشقاً ملدنه السورية األخــرى‪ ،‬عندما ترى‬ ‫َّ‬ ‫أن قامشلو هــي مصفوفةٌ يف ذكـريــاتــه‪ ،‬بعفتها‪،‬‬ ‫وبساطتها‪ ،‬وعندما تقع عيناك على تلك الوجوه‬ ‫املبتسمة املطلة من شرفات البيوت‪ ،‬عندها حتن‬ ‫إىل شـوارع مدينة حتبها ألهنا كردية‪ ،‬وحتبها ألهنا‬ ‫ســوريــا‪ ،‬وت ــرى كـيــف تستند قــامـشـلــو‪ ،‬وعـفـريــن‪،‬‬ ‫وع ــام ــودا‪ ،‬وديـ ــرك جـنـبـاً إىل جـنــب مــع دمـشــق‪،‬‬ ‫ومحــص‪ ،‬وحـلــب‪ ،‬ومحــاة‪ ،‬وطــرطــوس‪ ،‬وديــر الــزور‬

‫مظاهرة في األشرفية ‪ -‬حلب‬ ‫وغــرهــا مــن مــدنــه ال ـســوريــة‪ ،‬عـنــدهــا فـقــط تعلم‬ ‫ملـ ــاذا حي ــن الـ ـ ُك ــردي إىل ســوري ـتــه‪ ،‬وملـ ــاذا يفتخر‬ ‫بكرديته‪ ،‬وملــاذا ال حيب التخلي عن أي منهما‪.‬‬ ‫حيــن إىل عــاداتــه الــي تعلمها يف ســوريــا‪ ،‬حيــن إىل‬ ‫شرب املاء يف جداول املاء‪ ،‬إىل احلمص‪ ،‬والفول‪،‬‬ ‫والفالفل فهي وجباته الشعبية البسيطة‪ ،‬حين إىل‬ ‫ٍ‬ ‫بانكشاف دون اخلوف من شيء‪ ،‬فال أحد‬ ‫السري‬ ‫يستطيع منعه مــن الـســر يف طريقه‪ ،‬إىل وتــر ‪//‬‬ ‫الطنبور‪ //‬الـكــردي الــذي يشدو أمجــل األحلــان‪،‬‬ ‫وإىل وتر العود احلزين‪ ،‬إىل مهسات وكلمات «نزار‬ ‫قـبــاين»‪ ،‬وإىل «جـكــرخــويــن»‪ ،‬وهــو يشدو أمجل‬ ‫الكلمات‪ ،‬حين إىل تلك الروح اليت تطري يف هواء‬ ‫سوريا‪ ،‬إىل تلك اجلميلة اليت أحبها كرتاب سوريا‪،‬‬ ‫إىل تلك الكردية اليت عشقها‪ ،‬واليت ما من غري سوريا‬ ‫جتمعه هبا‪ ،‬حين إىل ذلك املوت بني ذراعي وطنه‬ ‫اجلميل‪ ،‬وينام دائما يف كابوس املوت يف منفاه‪.‬‬ ‫حين إىل تلك العصافري‪ ،‬وإىل حبات املطر فحىت‬ ‫حبات املطر يف املنفى ال تروي عطشك العشقي‬ ‫اجل ـ ــارف‪ ،‬وال ت ـعــر ع ـنــك بـكـلـمــاهتــا‪ ،‬إىل ذلــك‬ ‫الـسـمــاء‪ ،‬وذل ــك الـقـمــر امل ـشــرق يف تـلــك الليلة‪،‬‬ ‫فقمر سوريا أمجل من أي منفى‪ ،‬إىل ذلك العشق‬ ‫الــذي ميأل قلبه حنيناً وشوقا لسوريته ولكرديته‪.‬‬ ‫عـنــدمــا تـعـلــم م ــدى احلـنــن يف قـلـبــه‪ ،‬ت ــدرك ملــاذا‬ ‫يـسـتـمـيــت ال ـك ــردي يف ال ــدف ــاع ع ــن أرضـ ــه‪ ،‬عن‬ ‫وج ــوده عــن لغته‪ ،‬وعــن تــارخيــه‪ ،‬ومل ــاذا جتــرح قلبه‬ ‫كـلـمــات تــدعــوه بــاالنـفـصــايل؟؟ تعلم كــم عشق‬ ‫ذلك الشاب وطنه‪ ،‬وكم عشق لغته‪ ،‬وكم عشق‬ ‫سوريا‪ ،‬وكم عشق كلماته الكردية البسيطة‪ ،‬وكم‬ ‫عشق معها كلماته العربية اليت درسها‪ ،‬وتعلمها‪،‬‬ ‫ونطق هبا حينها ستعلم بكل تأكيد ملاذا لن يتخلى‬ ‫ال ـ ُكــردي عــن ســوريـتــه‪ ،‬ولــن يتخلى عــن كرديته‪.‬‬


‫‪34‬‬

‫مخرية‬

‫العدد ‪15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫عرائس الجوالن‬ ‫بين عدسة الواقع وعدسة السينما‬ ‫علي سفر‬ ‫تـكــرســت ص ــور الـعـرائــس ال ـســوريــات وه ــن يعربن‬ ‫املـمـرات واحلـواجــز‪ ،‬لتصبح واحــدة مــن أيقونات‬ ‫االش ـت ـغ ــال اإلع ــام ــي ع ـلــى م ــوض ــوع ــة اجلـ ــوالن‬ ‫السوري احملتل‪ ،‬ففضالً عن الكناية الرمزية لصورة‬ ‫الـ ـع ــروس يف ث ــوهب ــا األبـ ـي ــض‪ ،‬ف ــإن ه ــذه ال ـص ــورة‬ ‫املبهجة‪ ،‬تتناقض كل التناقض مع املركزية البصرية‬ ‫القاسية‪ ،‬الــي يفرضها وجــود احلــاجــز العسكري‬ ‫للمحتل اإلسرائيلي أوالً‪ ،‬وكذلك احلاجز األزرق‬ ‫لقوات (اإلن ــدوف) ثانياً‪ .‬ح ـرارة مشاهد مغادرة‬ ‫الـصـبــايــا لـلــوطــن بــاجتــاه األرض احملـتـلــة مـنــه‪ ،‬ومــا‬ ‫يعين ذلــك مــن عــدم الـقــدرة على الـعــودة بشكل‬ ‫طـبـيـعــي ل ـزي ــارة األه ـ ــل‪ ،‬كــانــت وم ــا زالـ ــت تــوقــد‬ ‫يصعد من‬ ‫دمــوعـاً تُكسب الـصــورة بعداً إنسانياً ّ‬ ‫بالغته‪ ،‬وليصبح جمرد وجود الصورة هذه يف أي‬ ‫وسيلة إعالمية‪ ،‬ملفتاً وملخصاً وشارحاً للقضية‬ ‫األســاسـيــة واأله ــم‪ ،‬اح ـتــال إسـرائـيــل لـلـجــوالن‪.‬‬ ‫ح ـكــايــة ه ــذه ال ـص ــور يـعــرفـهــا املـ ـواط ــن ال ـس ــوري‬ ‫وكذلك العريب‪ ،‬منذ زمن طويل يعود إىل هناية عقد‬ ‫الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن املاضي‪،‬‬ ‫حــن أجن ــز اإلعــامــي (تــوفـيــق احل ــاق) صاحب‬ ‫ال ـرنــامــج الـشـهــر «ال ـســالــب وامل ــوج ــب»‪ ،‬فيلماً‬ ‫وثائقياً محل عنوان « زواج ربيعة»‪ ،‬وثّق فيه زفاف‬ ‫الشابة ربيعة منذر إىل ابــن عمها يف قرية (عني‬ ‫قنية) احملتلة‪ ..‬الفيلم الذي أنتجه التلفزيون العريب‬ ‫ـث عــام‪ 1990‬صنع أيقونة العروس‬ ‫السوري‪ ،‬وبـُ ّ‬ ‫الـســوريــة إعــامـيـاً‪ ،‬وجعل مــن هــذه الـصــورة مــادة‬ ‫ممتازة لكافة احملطات التلفزيونية الغربية‪ ،‬وأذكر أننا‬ ‫قد شاهدنا يف أزمنة متعددة تقارير عن العرائس‬ ‫السوريات يف عدة حمطات منها الـ‪ ، BBC‬والـ‬ ‫‪ ،CNN‬وال ــ‪ ، TV5‬وقــد أسهم كاتب هذه‬ ‫السطور منذ عــدة سنوات يف إنتاج فيلم لصاحل‬ ‫قناة اجلـزيــرة اإلنكليزية‪ ،‬أخــرجــه املـخــرج السوري‬ ‫عبد احلي محود‪ ،‬احتوى مشاهد من هذا الطقس‬ ‫الــذي كــان حيمل ضمن محولته مالمح التحدي‬ ‫لسلطة احملتل‪ ،‬باإلضافة إىل لقاء مع ربيعة منذر‬ ‫يف قـريــة (جمــدل مشــس) احملتلة‪ ،‬أجنــزه فـريــق القناة‬ ‫يف فلسطني احملـتـلــة‪ ،‬ولـقــاء مــع أهلها يف منطقة‬ ‫(جرمانا) أجنزه فريق انتاج الفيلم يف دمشق‪ ،‬ولعل‬ ‫أبــرع مــا صنعه املـخــرج يف هــذا الفيلم كــان ذلك‬ ‫احلوار اهلاتفي املصور بني ربيعة وأهلها‪ ،‬باإلضافة‬ ‫إىل لقائهما على جانيب «وادي الصراخ» بني قرية‬ ‫(جمــدل مشــس) احملتلة وقـريــة (عــن التينة) احملــررة!‬ ‫اجلـغـرافـيــا يف م ـســار حــركــة ال ـع ـرائــس ال ـســوريــات‪،‬‬

‫وضمن األفــام السورية والعربية والعاملية املنجزة‬ ‫عــن قضية اجل ــوالن‪ ،‬مل تكن مشكلة أب ــداً‪ ،‬فهن‬ ‫يـعــرن بــن جــزءيــن مــن الــوطــن ال ـســوري الـواحــد‪،‬‬ ‫ولـكــن اجلـغـرافـيــا كــانــت حم ــوراً يف الـفـيـلــم الــروائــي‬ ‫«ال ـعــروس الـســوريــة» للمخرج اإلسـرائـيـلــي عـران‬ ‫ريكليس‪ ،‬وكاتبة السيناريو الفلسطينية‪ -‬الفرنسية‬ ‫عراف‪ ،‬فهنا‪ ،‬يف هذا الفيلم املنتج إسرائيلياً‬ ‫سهى ّ‬ ‫وأوروبـيـاً يف العام ‪ ،2004‬حيــاول صناع الفيلم‪،‬‬ ‫بـقـصــد أو بـغــر ق ـصــد‪ ،‬إف ـ ـراغ األي ـقــونــة الـبـصـريــة‬ ‫مــن محولتها البالغية الـعــالـيــة‪ ،‬والــذهــاب صوب‬ ‫التفاصيل الــي أختمت القصة‪ ،‬ووطنت الفرضية‬ ‫ال ــدرام ـي ــة خـ ــارج ف ـض ــاءاهت ــا‪ ،‬ف ـفــي الـفـيـلــم ال ــذي‬ ‫يـتـحــدث عــن حمــاولــة ع ـبــور ع ــروس جــوالنـيــة إىل‬ ‫وط ـن ـهــا‪ ،‬ي ـقــوم امل ــوظ ــف اإلس ـرائ ـي ـلــي خبـتــم ج ـواز‬ ‫سفرها باخلتم اإلسرائيلي‪ ،‬ليصبح عبورها سفراً من‬ ‫بلد إىل آخر‪ ،‬وحني يرى الضابط السوري اخلتم‬ ‫اإلسرائيلي يرفض إمتــام عملية الـعـبــور‪ ،‬ويطالب‬ ‫مبحوه‪ ،‬فالعروس تعرب من جزء إىل جزء آخر من‬ ‫بلدها‪ ،‬وال تسافر من بلد إىل بلد‪ ،‬وهنا ال تغيب‬ ‫عن املشاهد النبيه احملاولة الساذجة لتكريس صورة‬ ‫املوظفني اإلسرائيلني كمتعاونني‪ ،‬وإظهار املوظفني‬ ‫السوريني بريوقراطيني يتوقفون عند «الشكليات»‬ ‫دون أن يهتموا باملسألة اإلنسانية‪ ،‬وحيث تذهب‬ ‫الضابطة يف قـوات الفصل (اإلن ــدوف) يف رحلة‬ ‫مكوكية بــن نقاط كــل مــن الـطــرفــن‪ ،‬فــإن صــورة‬ ‫السوري البريوقراطي تتكرر‪ ،‬وينسل اإلسرائيليون‬ ‫من جوهر املشكلة (االحتالل)‪ ،‬وليعلق املشاهد‬ ‫مع العروس على اجلهة املقابلة‪ ،‬وكأن عقدة املشكلة‬ ‫هي هذه اجلغرافيا‪ ،‬وليست بقاء اجلــوالن حمتالً!‬ ‫وإذ ينهي املخرج اإلسرائيلي فيلمه على مشهد‬ ‫العروس‪ ،‬وهي تعرب باجتاه وطنها‪ ،‬دون أن تنتظر‬ ‫حل «اإلشكال اإلداري»‪ ،‬فإن ما خيرج به املشاهد‬ ‫من تعاطف يذهب صوب الشخصنة‪ ،‬ال صوب‬ ‫القضية األساسية (وجود االحتالل)‪ ،‬وحني يقرأ‬

‫لقطة من فيلم عروس سورية‬ ‫املشاهد توجه املخرج صوب هذه القضية من زاوية‬ ‫التقاط الفكرة ونزعها من سياقها‪ ،‬باجتاه تكريسها‬ ‫بوصفها حــالــة‪ ،‬فــإن الفيلم لــن يـكــون بـريـئـاً من‬ ‫مسعاه خللق نسق بصري وفكري مضاد ملا متت‬ ‫صناعته بتكريس صورة العروس اجلوالنية السورية‪.‬‬ ‫املقارنة بني توجه فيلم «العروس السورية» لتربئة‬ ‫اإلسرائيليني من جرمية احتالهلم لألرض وتدمريها‬ ‫وتشريد سكاهنا‪ ،‬وبــن الـواقــع الـراهــن‪ ،‬حني مينع‬ ‫االحـتــال الـعـرائــس عــن الــذهــاب إىل أزواجـهــن‪،‬‬ ‫تضع املتلقي يف مواجهة مع عقلية سينمائية ترى‬ ‫أن الواقع شيء والسينما شيء آخر‪ ،‬فلألول تلك‬ ‫املعاناة وذلك االنتظار الذي قد ميتد ليصبح عمراً‬ ‫كــامـاً‪ ،‬بينما للسينما الـراعــة يف االلتقاط‪ ،‬ومبا‬ ‫يرضي ُمشاهداً‪ ،‬تعود على أن يصنع له املخرجون‬ ‫أفــام ـاً مـسـلـيـةً وممـتـعــة‪ ،‬تــرضــي اجلـمـيــع مــن نقاد‬ ‫وسياسيني ودعاة سالم يلبسون األكف البيضاء‪.‬‬ ‫(ح ــاز الفيلم أرب ــع جـوائــز يف مـهــرجــان مــونـريــال‬ ‫ال ــدويل لعام ‪ ،2004‬كما حــاز جــائــزة اجلمهور‬ ‫يف مـهــرجــان لــوكــارنــو ومـهــرجــان غانيت يف العام‬ ‫نـفـســه‪ ،‬واجل ــائ ــزة ال ـك ــرى يف م ـهــرجــان أوك ـ ــازار‪،‬‬ ‫ون ــال ــت ه ـي ــام ع ـب ــاس ج ــائ ــزة أف ـض ــل مم ـث ـلــة عــن‬ ‫ه ـ ــذا ال ـف ـي ـل ــم يف مـ ـه ــرج ــان ب ــاس ـت ـي ــا ‪.)2004‬‬ ‫وإذا أردن ــا أن ننهي تأملنا هلــذه املـقــاربــة بشيء‪،‬‬ ‫ف ــإن خ ــر م ــا مي ـكــن أن ي ـق ــال يف رأيـ ـن ــا‪ ،‬أن ما‬ ‫تـصـنـعــه ك ــام ـرات الـسـيـنـمــائـيــن‪ ،‬أو اإلخ ـبــاريــن‬ ‫السبق‪ ،‬ليس هو احلقيقة‪،‬‬ ‫الذين يالحقون اخلرب ْ‬ ‫احلقيقة يف تفاصيل وأي ــام اجلــوالنـيــن أنفسهم‪،‬‬ ‫الذين يشكلون خزاناً كبرياً من احلكايات‪ ،‬غالباً‬ ‫ال تنتهي بنهايات سعيدة‪ ،‬لكن بلحظات عالقة‬ ‫بــن ال ــذرى الــدرامـيــة‪ ،‬تبدأ مــن حلظة االحـتــال‪،‬‬ ‫ومتـ ـ ــر ع ـ ــر ع ـ ـش ـ ـرات الـ ـسـ ـن ــن يف م ـن ـع ـط ـف ــات‬ ‫ودروب‪ ،‬تعلو على اجلـغـرافـيــا‪ ،‬وعـلــى التفاصيل‬ ‫االع ـت ـيــاديــة‪ ،‬وال تـنـتـهــي إال بــاس ـت ـعــادة األرض‪.‬‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫مخرية‬

‫‪35‬‬

‫(فرقة سما)‪ ،‬أو الغناء داخل األسوار‬ ‫تحقيق‪ :‬خضر سلمان‬ ‫(سما باند)‪ ،‬هو اســم فرقة موسيقية شبابية‪،‬‬ ‫تصنع أغاني سياسية مناهضة للنظام‪ .‬تأسست‬ ‫في طرطوس في األشهر األولى للثورة‪ ،‬بينكثير‬ ‫من الفرق المشابهة‪ ،‬في سياق دفق الموهبة‬ ‫واإلب ــداع العفوي الــذي تكشف عنه الشعب‬ ‫الـســوري‪ ،‬ما إن أطلق صرخة حريته األولــى‪.‬‬ ‫الالفت أن طرطوس‪ ،‬هي احملافظة الوحيدة تقريباً‬ ‫يف سوريا‪ ،‬اليت مل يتأثر أهلها مبا حيدث (باستثناء‬ ‫بــانـيــاس‪ ،‬وقريتني أو ثــاث‪ ،‬مــن األقلية املسلمة‬ ‫يف احملــاف ـظــة) الـلـهــم إال بــارت ـفــاع أس ـع ــار املـ ـواد‪،‬‬ ‫واكتظاظ املدينة بالنازحني مــن املناطق السورية‬ ‫األخــرى‪ ،‬طرطوس هــذه‪ ،‬نفسها‪ ،‬استضافت يف‬ ‫رمحها «الضيق» فرقة موسيقية تسخر من الرئيس‬ ‫والنظام يف أغانيها‪ ،‬ويعمل أفرادها بشكل سري‪،‬‬ ‫ال يعلم هويتهم حىت اآلن إال قلة قليلة هم من‬ ‫عملوا معهم‪ ،‬يقولون إن هذا بسبب واقع املدينة‬ ‫الصعب‪ ،‬ففي طرطوس‪ ،‬ما زال الناس يعيشون‬ ‫قبل ‪ ،2011-3-18‬تاريخ انــدالع الثورة‪ ،‬وال‬ ‫زالــت صــور الرئيس الـســوري (بشار األســد) متأل‬ ‫كل مكان كأن شيئاً مل حيدث يف البالد‪ ،‬بينما‬ ‫ريف طرطوس املهمش واملف َقر شأنه شان األرياف‬ ‫الـســوريــة عامة ينزف مــن دمــاء شبابه يف مناطق‬ ‫النزاع يف سوريا‪ ،‬دفاعاً عن النظام‪ ،‬هؤالء الشباب‬ ‫يـتـحــدر أغـلـبـهــم مــن الـطــائـفــة الـعـلــويــة‪ ،‬ويـقـولــون‬ ‫إهنم معنيون مبعركة النظام ألهنا معركة وجودهم‪،‬‬ ‫ويـسـجـلــون خم ــاوف مــن ص ـعــود ال ـت ـطــرف الــديــي‬ ‫الذي سيستهدفهم ال بد‪ ،‬على حد تعبري كثريين‪.‬‬ ‫بـصـعــوبــة‪ ،‬وقـلـيـ ِـل وس ــاط ـ ٍ‬ ‫ـات وم ـع ــارف‪ ،‬استطعنا‬ ‫ال ــوص ــول إىل أح ــد أع ـض ــاء فــرقــة مس ــا‪ ،‬ال ــذي مل‬ ‫يشأ ذكر امسه‪ ،‬بسبب الواقع األمين يف املدينة‪..‬‬ ‫«كنا نظن أن سلمية الثورة ودموية النظام‪ ،‬ستجعل‬ ‫كل الشعب السوري ينحاز للثورة‪ ،‬ليدخل النظام‬ ‫يف س ـيــاق اهن ـي ــار س ـري ــع‪ ،‬بـتــاحــق االنـشـقــاقــات‬ ‫وخـســارة رصـيــده الشعيب‪ .‬كــان هــذا مــا ظنناه يف‬ ‫البداية‪ .‬الرهان كان حاضراً على انشقاق اجليش‬ ‫عن النظام‪ ،‬كما حدث يف أكثر من دولة من دول‬ ‫الربيع العريب‪ .‬مل نكن نالحظ كل هذه األحقاد‬ ‫اليت انفجرت بعدها فجأة‪ ،‬كنا معتقدين أن الدم‬ ‫السوري حرام على السوري‪ ،‬أيضاً كانت التجربة‬ ‫الليبية ما زالت طازجة‪ ،‬وكنا مطمئنني إىل حتمية‬ ‫تدخل الـغــرب يف حــال متــادى النظام يف انتهاك‬ ‫الـقــانــون ال ــدويل وارتـكــب جـرائــم ضــد اإلنسانية‪،‬‬ ‫لـكــن شـيـئـاً مــن ه ــذا‪ ،‬لــأســف‪ ،‬مل حي ــدث‪.»..‬‬ ‫حيكي املـؤلــف املوسيقي للفرقة‪ ،‬وأح ــد عازفيها‬ ‫الرئيسيني‪ ،‬وخريج واحد من معاهد املوسيقا احملرتفة‬

‫يف إحدى الدول العربية‪ ،‬عن زمن تأسيس الفرقة‪.‬‬ ‫يقول إن األمر بدأ بأصدقاء جييدون العزف والغناء‪،‬‬ ‫كثرياً ما يقضون الوقت معاً‪ ،‬وجيمعهم االهتمام‬ ‫بالشأن السياسي‪ ،‬ب ــدؤوا بكتابة أغنيات تطال‬ ‫شخص الرئيس ونظامه مبكراً‪ ،‬قبل الثورة‪« ،‬منذ‬ ‫استالمه السلطة»‪ ،‬يؤكد الشاب‪ ،‬ويقول مردفاً‪:‬‬ ‫«(كرسي)‪( ،‬مواطن مرتاح)‪ ..‬إخل‪ .‬هذه أغنيات‬ ‫عملناها قبل الثورة بزمن ليس قليالً‪ .‬حمورها مجيعاًكان‬ ‫رفض االستبداد والتسلط األمين على املواطنني»‪.‬‬ ‫مل يـكــن غـريـبـاً إذن‪ ،‬يـكـمــل حمــدثـنــا‪ ،‬أن جيتمع‬ ‫ه ــؤالء الـشـبــاب املـتـفـقــون عـلــى رف ــض االسـتـبــداد‬ ‫وع ـ ــداء ال ـن ـظ ــام‪ ،‬ع ـلــى االحنـ ـي ــاز ل ـل ـثــورة ال ـســوريــة‬ ‫م ـنــذ بــداي ـت ـهــا‪ ،‬لــذلــك أخ ــذ ال ـع ـمــل م ـع ـاً شـكـاً‬ ‫أكـثــر جــديـةً‪ .‬كــل واحــد مــن أعـضــاء الفرقة كان‬ ‫ينشط يف الثورة حسب مؤهالته وقدرته ومكان‬ ‫إق ــام ـت ــه أو ع ـم ـل ــه‪ ..‬ك ــل ح ـســب م ــا يـسـتـطـيــع‪.‬‬ ‫عن الثورة والفن‪ ،‬يقول العضو املؤسس يف الفرقة‪:‬‬ ‫«ال ـث ــورة ال ـســوريــة‪ ،‬وخــاصــة يف مـراحـلـهــا األوىل‪،‬‬ ‫تكاد تكون نشاطاً فنياً‪ ،‬موسيقياً بالتحديد‪ .‬أكثر‬ ‫من نصف وقت املظاهرة كان للغناء‪ ،‬السوريون‬ ‫رفضوا النظام بالغناء واهلتافات املنغومة‪ ،‬هذا كله‬ ‫عــدا أن ال ـثــورة‪ ،‬هــي كما يفهمها أعـضــاء (فرقة‬ ‫مسا)‪ ،‬فعل ثقايف وموسيقي وفعل حرية وإبداع»‪.‬‬ ‫يف طرطوس‪ ،‬يهتم الناس باملوسيقا وتعليم أطفاهلم‬ ‫الـفـنــون ع ـمــوم ـاً‪ ،‬جتــد الـكـثــر مــن مـعــاهــد الــرســم‬ ‫واملوسيقا‪ ،‬وال خيلو يوم من أيــام مركزها الثقايف‪،‬‬ ‫اخلــاضــع للنظام بطبيعة احل ــال‪ ،‬مــن نـشــاط أديب‬ ‫أو فين‪ ،‬وبإضافة عامل التنوع الطائفي الفريد يف‬ ‫احملافظة الساحلية اهلادئة‪ ،‬سألنا العازف الشاب‪،‬‬ ‫عما قــد يـكــون مييز فــرقــة مســا‪ ،‬يف إطــار االنتماء‬ ‫الوطين لسوريا‪ ،‬واحمللي لطرطوس‪ ،‬واملبدئي للثورة‪.‬‬ ‫«أع ـضــاء الـفــرقــة هــم مــن ألـ ـوان الطيف الـســوري‬ ‫املختلف‪ ،‬وكلهم أبـنــاء ال ـشــارع‪ ،‬حنــن لسنا خنباً‬ ‫ونــرفــض أن نعامل كنخب‪ ،‬حنــن أبـنــاء طرطوس‬ ‫ال ــذي ــن جي ـي ــدون الـتـعـبــر ع ــن أحــام ـهــم بــالـغـنــاء‪.‬‬

‫شاطئ طرطوس‬ ‫رمبــا أن الطابع الساخر هــو الطابع األول الــذي‬ ‫يـنـتـظــم أغ ـ ــاين ال ـف ــرق ــة مج ـي ـع ـاً‪ .‬حن ـ ــاول أي ـض ـاً أن‬ ‫نتجنب املبالغة‪ ،‬انتماؤنا للمدينة ال يقال‪ ،‬رمبا‬ ‫قــد يظهر يف حتليل بنيوي للعمل‪ ،‬ال أدري‪ ،‬ال‬ ‫تنس أيـضـاً أن مــن أعـضــاء الفرقة َمــن ليسوا ِمن‬ ‫طرطوس أصالً‪ ،‬وإن يكن العمل قد مت هنا‪ .‬اهلم‬ ‫الثوري والــوطــي‪ ،‬يف إطــا ٍر غنائي غري مبالغ فيه‪،‬‬ ‫هو السمة األوىل‪ ،‬على ما أظــن‪ ،‬الــي ميكن أن‬ ‫نطلقها عــن الـفــرقــة‪ ،‬دون أن نـكــون نظلمها»‪.‬‬ ‫سألناه‪ :‬هل حتمل (فرقة مسا) رسالة سياسية؟‪ .‬أجاب‪:‬‬ ‫«إن كــانــت الـسـيــاســة هــي ذل ــك الـنـشــاط الــذي‬ ‫يستهدف حل مشاكل اجملتمع‪ ،‬والعمل على ضمان‬ ‫حقوقه وصيانة حياته ورفاهه وحريته‪ ،‬فنعم‪ ،‬هي‬ ‫بكل بساطة حتمل رسالة حرية وكرامة ومواطنة»‪.‬‬ ‫ال يـبــدي ال ـعــازف ال ـشــاب‪ ،‬نــدمـاً على االخن ـراط‬ ‫يف ال ـثــورة‪ ،‬مــع أنــه يــرى أهنــا ذهـبــت يف اجتــاهــات‬ ‫أخرى‪ ،‬ويقول إنه حيب اجليش احلر‪ ،‬ألنه الوحيد‬ ‫الـ ـق ــادر ع ـلــى إجنـ ــاز اخل ـط ــوة األوىل ع ـلــى طـريــق‬ ‫حتـقـيــق أهـ ــداف ال ـث ــورة يف ال ـت ـحــرر‪ ،‬أي إسـقــاط‬ ‫الـنـظــام‪« .‬إن ــه مــاذنــا األخـ ــر‪ .»..‬يـقــول أيـضـاً‪:‬‬ ‫«تـ ــرى‪ ،‬ل ــو عـلـمـنــا مـنــذ ال ـبــدايــة أن ه ــذه ال ـثــورة‬ ‫س ـتــؤول إىل كــل ه ــذا ال ــدم ــار‪ ،‬هــل كـنــا لننخرط‬ ‫يف النشاط الثوري بنفس احلماسة؟ ال أدري يف‬ ‫احلقيقة‪ .‬أنا عاجز عن اإلجابة عن هذا السؤال‪.‬‬ ‫ال ـثــورة خـيــار مـبــدئــي‪ ،‬لـكــن كــل هــذا الــدمــار هو‬ ‫فوق احتمالنا» يقول عباراته األخــرة يف مـرارة‪..‬‬ ‫«اآلن ال أرى ح ـاً يف األف ــق‪ ،‬ومل نعد جنــرؤ أن‬ ‫ننتظر شـيـئـاً أو ن ـت ـفــاءل‪ ،‬لـكـنــي أزع ــم أن نظام‬ ‫األسد لن يسقط ما مل يقرر الغرب ذلك ويتدخل‪،‬‬ ‫ع ـل ــى اجمل ـت ـم ــع ال ـ ــدويل أن ي ـت ـح ـمــل م ـســؤول ـيــاتــه‬ ‫اإلنـســانـيــة‪ ،‬لـكــن الـسـيــاســة كـمــا يفهمها ساسة‬ ‫الـعــامل ال ـيــوم‪ ،‬عـلــى مــا يـبــدو‪ ،‬لـيــس مــن مـفــرداهتــا‬ ‫االكـراث للشعوب صاحبة القضايا العادلة‪.»..‬‬ ‫ي ـن ـفــث ن ـف ـس ـاً م ــن سـ ـيـ ـج ــارٍة مـ ــات ن ـص ـف ـهــا يف‬ ‫احلديث‪ ،‬ميسك عوده‪ ،‬ويشرد يف مكان بعيد‪..‬‬


‫‪36‬‬

‫مخرية‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫فيلم قصير‬

‫المشهد األول‬ ‫ط‬ ‫تبك الطفل المركون في زاوية الضوء‪ ،‬يختل َ‬ ‫ير ُ‬ ‫التوحد‪ ٬‬وبكل‬ ‫بألعابه يذوب مع الضوء بنشوة ُّ‬ ‫ســذاجــة يستمر الـتـلـفــاز ب ـعــرض حـفــل كـ ٍ‬ ‫ـذب‬ ‫جـمــاعــي‪ ،‬وي ـص ــدرون بـيــانـاً دون ذك ــر اسـمــه‪.‬‬ ‫باهلل عليكم‪ ،‬ماذا يفعل حين يقرأكم‪ ،‬يبكي؟‬

‫المشهد الرابع‬ ‫(هوس)‬

‫عدسة عبد حكواتي‬

‫المشهد الثاني‬ ‫(صداقة مفرضة)‬ ‫انسل الطفل من ٍ‬ ‫فجوة في السقف‪ ،‬بحث الطفل عن جرحه‪ ،‬الجرح‬ ‫ّ‬ ‫كان يبحث عن الطفل‪ ،‬فكر الجرح ملياً‪ ٬‬من أين أتى الطفل إلي؟‬ ‫يبدو أنه ليس من بعيد‪ ٬‬ربما من قربه تجلس األرامل أمام بيوتهن‬ ‫بانتظار األطفال المحملين بأقصى حدود البسمة‪ .‬جلس بقرب‬ ‫جرحه على تلّة الركام‪ ،‬اتفقوا بعد جــدال‪ :‬لن نترك القذيفة في‬ ‫عزلتها‪ ،‬يحدث الطفل نفسه‪ :‬ربما تحمل بصمات من نعرفهم في‬ ‫الطرف اآلخر من المدينة‪ ،‬جلست القذيفة بقربهم‪ .‬حتى القذيفة‬ ‫ال تعلم من أين الطفل جاء‪ ،‬ولكن ليس من بعيد‪ ٬‬ليس من مدينتي‬ ‫هذا الطفل لم ينجبه رحم فوالذي‪ ،‬وال يمكن أن يكون من ٍ‬ ‫أمة في‬ ‫ٌ‬ ‫أوج مواسمها بحصاد المزيد من الموت‪ .‬مازال الطفل يبحث عن‬ ‫جراحه وجراحه تبحث عنه‪ ٬‬حملوا ما بقي منهم وتركوا القذيفة‬ ‫لعزلتها‪ ٬‬ومــازال الطفل يبحث عن جراحه وجراحه تبحث عنه‪.‬‬

‫ه ــوس يــأتـيـنــي ص ــوت أم ــي يـنـتــزع عـنــي الـتـعــب «ب ـنــي دع عنك‬ ‫تعبك وخــوفــك مــا خرجت ألجله يستحق حجم األل ــم»‪ .‬اليوم‬ ‫ثاني أيــام العيد قذيفةٌ من طرفكم أتت على عائلة صديقك هو‬ ‫وزوج ـتــه واب ـنــه الصغير‪ ،‬وال ـيــوم تــأتــي أحــد صــواريـخـكــم لتمسح‬ ‫منزلين بكل مــن بهم ليتحولوا لــرمــاد‪ .‬بني مــازالــت لدينا قــدرةٌ‬ ‫على الحياة‪ .‬قناص النظام مــازال يمارس هوايته المملة بنسف‬ ‫بـعــض الـ ــرؤوس فــي حينا رغ ــم سيطرته عـلـيــه‪ .‬لــن ن ـغــادر منزلنا‬ ‫المنهك‪ ٬‬هو الوحيد الــذي مــازال يضمنا بــدفء‪ .‬كن على قيد‬ ‫األم ــل‪ ،‬نحن بــانـتـظــارك‪ ،‬يكفيني سـمــاع صــوتــك ألك ــون بخير‪.‬‬

‫المشهد الثالث‬ ‫(حلب)‬

‫طفلة تلهو على األرجوحة عجوز يحمل رغيفاً‬ ‫يخرج من معبر الموت شاب يضبط عدسته‬ ‫ِ‬ ‫اص‬ ‫ليكون الشاهد طائرة ترمي الموت ! يطل ُق القنّ ُ‬ ‫الرصاصة! مهاجر ملثم عابر يكتم األنفاس!‬


‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫عمرو ‪..‬‬

‫‪37‬‬

‫حنطة بلدية‬

‫ح‪.‬ح‬

‫سأحتسي الكأس األخري‪ ،‬ألمثل اليوم وأتابع غداً‪.‬‬ ‫أفتقد أشياء كثرية اآلن‪..‬‬ ‫سرقت‬ ‫«أمشي حتت املطر ألخفي دموعي»‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫هذه اجلملة من رواية إسبانية مغمورة‪ ،‬كانت‬ ‫هنايتها سعيدة‪.‬‬ ‫سرقت هذه اجلملة ألرسلها لصديقيت‪ ..‬صديقيت‪..‬‬ ‫ُ‬ ‫أعتقد أ ّن هلا أمجل هندين وجدا يف أرجاء املنطقة‬ ‫الـشـمــالـيــة مــن ال ـكــرة األرض ـي ــة‪ ،‬ل ـكـ ْـن يف أواخ ــر‬ ‫أفضل عينيها على صدرها‪..‬‬ ‫بدأت ِّ‬ ‫تلك السنة‪ُ ،‬‬ ‫أش ـع ــر اآلن بــرغ ـبــة بــال ـتــوقــف واجلـ ـل ــوس جبــانــب‬ ‫ـأمـ ِـل احلِـجــارة‪ ،‬أريــد أن أرسم‬ ‫يفي ما و تـ ُّ‬ ‫طر ٍيق ر ٍّ‬ ‫أيـ ـض ــا‪ ..‬أرس ـ ــم ك ــل شـ ــيء‪..‬كـ ــل ال ـت ـفــاص ـيــل‪..‬‬ ‫أس ــر يف شـ ـوارع ِم ــن رمس ــي أن ــا‪ ،‬أض ــع خطوطها‬ ‫ومنعطفاهتا ومـنـحــدراهتــا‪ ،‬وعندما أقــرر التوقف‪:‬‬ ‫ســأرســم مـقـعــداً مــن احلـجــر ألن ــام عليه بـسـ ٍ‬ ‫ـام‪.‬‬ ‫مل أمتكن من فهم شر هذا العامل بعد‪،‬كما مل أمتكن‬ ‫من فهم شخصية الثّائر‪ ،‬ومل أجنح يف تقمصها‪.‬‬ ‫على الثائر أن ال يكون أوديبياً‪...‬‬ ‫كان ذلك حقيقياً‪ ،‬حقيقياً كاملخيلة‪.‬‬ ‫لألسف مل يفهمه أحد‪ ..‬لو كان عُهراً لََف ِه َمهُ‬ ‫اجلميع‪ ،‬فالعُهر أسهل‪.‬‬ ‫كان حقيقياً كالصمت‪..‬‬ ‫«عمرو» كان يفهم الصمت‪ ،‬لكنه ليس هنا‬

‫اآلن‪ .‬لقد أ ِ‬ ‫ُعدم‪.‬‬ ‫كنت‬ ‫عمراً‪ .‬أعدموه رمياًِبالذكريات‪ُ .‬‬ ‫لقد أعدموا ْ‬ ‫شارد ِّ‬ ‫استخدمت‬ ‫الذه ِن ذلك اليوم‪ ،‬لدرجة أين‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫فرشاة أسنان أيب‪..‬‬ ‫ومدينيت‪..‬‬ ‫مدينيت متطرفة‪ ،‬و أنا أكره التطرف‪ ،‬لكنّين‬ ‫أحبها‬ ‫اقبل‬ ‫مدينيت تفرض شروطها على ساكنيها‪ْ ،‬‬ ‫بالشروط أو تعايش مع القلق‬ ‫مدينيت دكتاتور سادي‪..‬وأنا لست مازوخياً‬ ‫لذا‪..‬أكرهها‬ ‫مل تسمح يل بأن أرسم على جدراهنا‪.‬‬ ‫لت ومل تسمح يل ‪..‬‬ ‫حاو ُ‬ ‫سأرسم على جدران مدينة أخرى اآلن‪ ،‬سأحلم‬ ‫على سرير آخر ‪..‬‬ ‫سأمرر أصابعي ببطء على جدران مدينة أخرى‪،‬‬ ‫لنشوِتا‪...‬‬ ‫لتصل َ‬ ‫َ‬ ‫كان حلماً غريباً ‪..‬‬ ‫ٍ‬ ‫صندوق من الورق املقوى وأشياء كثرية‬ ‫كنت يف‬ ‫ُ‬ ‫حتيط يب ‪.‬‬ ‫شجرة‪ .‬مقصلة‪ .‬أعواد ثقاب‪ .‬شتلة يامسني‪ .‬ثدي‬ ‫بال حلمة‪ .‬غيمة قليلة املطر‪ .‬نصف قوس قزح‪.‬‬

‫أما أنا‪ ،‬فلست جندياً‪..‬‬ ‫رمبا لو مل حتدث احلرب‬ ‫كنت سأكتب‪:‬‬ ‫«افتحي الشباك‬ ‫لشجرة الليمون‬ ‫هي مل تنبت هنا‬ ‫من أجل احلديث‬ ‫إهنا مثلي‬ ‫تريد الوصول إىل سريرك»‬ ‫وتنتهي القصيدة‬ ‫لكن صباح دمشق‬ ‫الطالع على احلرب‬ ‫يطلع ِ‬ ‫عليك أيضاً‬ ‫فافتحي الشباك للصباح‬

‫فهذه املدينة املنقوعة‬ ‫يف املوت واملطر‬ ‫منقوعة يف احلب أيضاً‬ ‫إهنا تتنفس حتت‬ ‫القصف‬ ‫واحلب‬ ‫واملاء‬ ‫و ِ‬ ‫أنت السر واملعجزة‬ ‫مجيالت املدن احملاصرة‬ ‫سبب الصباح الوحيد‪..‬‬ ‫يا أبطال اجلميع‬ ‫أيها األنبياء واجلميالت‬ ‫أيتها السالالت النقية‬

‫مساء شديدة الزرقة‪ .‬فتاة بال مالمح‪ .‬جنس بال‬ ‫ن ــدم‪ .‬قـطــة بــا خمــالــب‪ .‬ق ـُـبَـ ٌـل بــا ش ـفــاه‪ .‬الكثري‬ ‫مــن امل ـراي ــا‪ .‬الـقـلـيــل مــن االن ـع ـكــاس‪ .‬الـكـثــر من‬ ‫الـعـطــر‪ .‬القليل مــن اخل ــوف‪ .‬املـزيــد مــن احلــب‪..‬‬ ‫ق ـم ــر‪ .‬أوراق م ـل ـ ّـون ــة‪ .‬ج ـن ــن‪ .‬ح ـن ــن‪ .‬ع ـم ــرو‪..‬‬ ‫عيو ٌن عميقة‪ .‬موسيقى جديدة‪ .‬ربع ملحمة‪.‬‬ ‫أطفال بال دموع‪ .‬نصف أمل‪.‬‬ ‫مطرقة‪..‬‬ ‫شظايا زجاج‪ ..‬ذكرى‪..‬‬ ‫بيوت بيوت بيوت ‪..‬‬ ‫قذيفتان‪ .‬الكثري من الدخان والغبار‪ .‬شظايا يف‬ ‫أجساد ناعمة‪...‬‬ ‫أمحر أمحر أمحر‪..‬‬ ‫صندوق من ِ‬ ‫ٍ‬ ‫املقوى‬ ‫ُوض َع يف‬ ‫الورق َّ‬ ‫أُر ُ‬ ‫يد أ ْن أ َ‬ ‫ُرسل إىل كو ٍ‬ ‫كب‬ ‫أ‬ ‫و‬ ‫العطب)‪،‬‬ ‫يع‬ ‫ر‬ ‫(س‬ ‫عليه‪:‬‬ ‫تب‬ ‫ُك‬ ‫ََ‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫ليس املريخ‪..‬‬ ‫ال أريد كوكباً أمحر‪ .‬ال أريد كوكباً أمحر‪..‬‬ ‫مل حيدث الكثري بعد ذلك‪...‬‬ ‫استيقظت‪.‬‬

‫خضر سلمان‬ ‫املعذبة‬ ‫يف الغرف احملجوبة‬ ‫بني أفواه املؤمنني‬ ‫يف دفاتر الشعراء‬ ‫أواخر الليل‪..‬‬ ‫تكربون يف الصمت‬ ‫والصلوات‬ ‫وجتعلكم املبالغات أحلى‬ ‫ال تزيدون وال تنقصون‬ ‫وال يطالكم القناصة‬ ‫وأنتم تتدخلون يف احلياة‬ ‫لكننا سنتناسل‬ ‫حنن املتعبني حتت‬

‫بشبق القرود السعيدة‬ ‫راضني‪..‬‬ ‫فقط ألنكم بيننا‬ ‫وننجب أطفالنا الحقاً‬ ‫يف مكان اجملزرة‬ ‫حني تفتحني شباكك‬ ‫للصباح‬ ‫تستيقظ املدينة مرتني‬ ‫ويف شوارع ِ‬ ‫مررت فيها‬ ‫سيميع الرصاص‬ ‫سيكون بطيئاً بريئاً‬ ‫وهو ميشي مثلك‬ ‫سيحم اجلميع الليلة‬ ‫ُ‬

‫جندي‬ ‫ويظن كل‬ ‫ٍّ‬ ‫أهنا رسالة من إهله‬ ‫أما أنا‬ ‫فلست جندياً‬ ‫وال أتواصل مع ٍ‬ ‫إله‬ ‫حمدد‬ ‫أنا اجلبان البائس‬ ‫الذي يفكر ِ‬ ‫فيك‬ ‫يف وحشة املدن البعيدة‬ ‫وحيسد املوت‬ ‫واحلصار‬ ‫واجليوش‬ ‫ِ‬ ‫عليك‪..‬‬


‫‪38‬‬

‫حنطة بلدية‬

‫أريد أن أقول عن سوريتي‪..‬‬ ‫اآلن أدخــن حبـريــة‪ ،‬سيجاريت أطــول مــن الشريط‬ ‫ِ‬ ‫تدور‬ ‫احلدودي يف الشمال‬ ‫السوري‪ ،‬أسئلة كثرية ُ‬ ‫ِ‬ ‫يف رأسـ ــي‪ ،‬ال ُم ـقـ ِـدمــة ل ـق ـضــيَــي‪ ،‬فــاحلـقـيـقــة ُم ـ ّـرة‬ ‫ِ‬ ‫حبالوتا وسوريا َجيلة ِبرارهتا‪ .‬ال أريد أن أعُ َّد ل َكم‬ ‫يد أن‬ ‫َكم سيجارةً بقيت يف علبة سجائري‪ ،‬وال أر ُ‬ ‫كيف‬ ‫أع ِر َ‬ ‫ف كم ضيفاً زارين اليوم‪ ،‬أريد أن أعرف َ‬ ‫دخل العرب إىل مناطقنا ال ُكردية‪ ،‬إذا كان أيب ولد‬ ‫ِ‬ ‫اجلنسية السورية‪.‬‬ ‫يف اجلمهورية العربية وحرموهُ من ّ‬ ‫اآلن أنــا سيّد هــذا الـقـرار وال أريــد أن أرى علبة‬ ‫سجائري فارغة‪ ،‬كما ال أريد أن أتابع نشرة أخبا ٍر‬ ‫ـرد مــن بقي مــنّــا حنــن الـســوريــن‪ ،‬أري ــد أن‬ ‫مملة جت ـ ُ‬ ‫أعــرف كيف َتَّ تفريغ قـرانــا‪ ،‬أريــد أن أعــرف كم‬ ‫هاجَر بطريقة غري َشرعية ومل‬ ‫َشخصاً من عائليت َ‬ ‫مات‬ ‫يـَعُد إلينا‪ ،‬أريــد أن أعــرف أيضاً كم منهم َ‬ ‫َغـ َـرق ـاً قبالة سـواحــل الـيــونــان‪ ،‬أري ــد أن أع ــرف ما‬ ‫هــي اجلـنـســيــة ال ــي ِ‬ ‫حيملها أوالدهـ ــم اآلن‪ ،‬وهــل‬ ‫َ ّ‬ ‫سيعودون إلينا يوماً‪ ،‬أريد أن أوضح للعامل أمجع‬ ‫قبل أن تنتهي سيجاريت ماذا فعل النظام السوري‬ ‫ب ـن ــا‪ ،‬ك ــي ال ي ـق ــارن ـوا اض ـط ـهــادهــم بــاضـطـهــادنــا‬ ‫ومـعــانــاهتــم مبـعــانــاتِـنــا‪ ،‬أري ــد أن أحت ــدث عــن الــداء‬ ‫الــذي أصابنا والـســرطــان الــذي َسكننا والبَعث‬ ‫الذي حكمنا أكثر من أر ِ‬ ‫بعة عقود‪ ،‬وهو حاطط‬ ‫َ‬ ‫رجــل على رجــل‪ ،‬متخذاً مــن الـبــاد تـلـفــازاً ومن‬ ‫ِ‬ ‫نفسه جهاز َتـ ُكــم عــن بعد وهــو يغري دميغرافية‬ ‫املــدن الـســوريــة وكــأنــه يقلّب بــن قـنـوات التلفاز‪.‬‬

‫ريشة‬

‫العدد ‪ 15 | 12‬كانون األول ‪2013‬‬

‫جوان سيزو‬

‫ـســوري أريــد أن أعــرف كم طفالً‬ ‫اآلن يا أخــي الـ ُ‬ ‫مات يف حريق سينما عامودا‪ ،‬كما أريد أن أعرف‬ ‫يد‬ ‫أيضاً من حرق السجن املركزي يف احلسكة‪ .‬أر ُ‬ ‫أن أبصق على وجه عبد احلليم َخ ّدام الذي قال‬ ‫يــوم ـاً‪ ،‬وه ــو يف زي ــارة رمســيّــة لـلــدولــة الـ ُـرك ـيــة‪ ،‬بــأن‬ ‫السوريّة وليسوا بكثريين‬ ‫الكورد ضيوف يف اجلزيرة ُ‬ ‫( َكم عيلّة وبس)‪ .‬أنا على أرضي يا خاين اخلبز‬ ‫واملـلــح‪ .‬س ــوري‪ ،‬س ــوري ك ــردي ولسنا كــم عيلة‪،‬‬ ‫وبــاملـنــاسـبــة أدي ــت خــدمــة العلم يف (ال ـفــوج ميّة)‬ ‫يف ُرنـكــوس‪ ،‬وكــان أعــز أصدقائي من الرتكمان‪،‬‬ ‫وكنا نغين معاً ونسمع مع املسيحي آلرام ديكران‬ ‫ِ‬ ‫ونلصق صورنا ِبُرىب امل ِ‬ ‫لعب‬ ‫شمش على اجلُدران‪ ،‬نَ ُ‬ ‫ُ‬ ‫كرة ال ُقدم مع الشركسي يف ِ‬ ‫بعض األحيان وعندما‬ ‫العلَّوي‪،‬‬ ‫مع‬ ‫السن‬ ‫الشوط‬ ‫ننهي َ‬ ‫األول‪ ،‬نُصاحلُ ّ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ـش ــرب ال ـشــاي وه ــو فَــرح ــان ‪.‬‬ ‫ونــدعــو ال ـ ـ ُـدرزي ل ـ ُ‬ ‫ي ــا أخ ــي امس ـع ــي‪ .‬أن ــا مـثـلــي مـثـلــك ول ــن أُق ــول‬ ‫أح ـســن م ـنــك‪َّ ،‬‬ ‫وإن ـ ــا أزي ـ ــدك بـشـغـلــة‪ ،‬وه ــي أين‬ ‫ِ‬ ‫سمى ب ـ «احل ـزام العريب»‬ ‫لبت على َســرطــان ي‬ ‫تـَغَ ُ‬ ‫ـذيَ ُكنتُ ِّ‬ ‫فيه موظفاً يف املخابرات‬ ‫ـ‬ ‫ل‬ ‫ا‬ ‫الوقت‬ ‫يف‬ ‫اجلوية تفتخر جبرثومة َتُسمى البعث‪ ،‬وتصفق بيدٍ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫ّ َ‬ ‫نت أحتفل بالنوروز‬ ‫واحــدة للطالئع‪ ،‬بينما أنا ُك ُ‬ ‫أو عيد العمال‪ ،‬وأغرس شتلة يف عيد الشجرة‪ ،‬أو‬ ‫السنة‪.‬‬ ‫أشعل مشعة مع جــاري اآلشــوري يف رأس َّ‬ ‫يا أخــي اآلن وقبل أن حتــرق أنفاسي بكيماوي‬ ‫الـ ـغ ــوط ــة أري ـ ـ ــد أن ألـ ـ َـعـ ــن مـ ــن مسـ ــى (دي ـ ـريـ ــك)‬

‫بــ(املــالـكـيــة)‪ ،‬و(ت ـربـَّـه سـ ّـي) بـ(القحطانية)‪ .‬أريــد‬ ‫أن أعـ ــرف مـ ــاذا ي ـعــي اجلَـ ــرب وم ــن ق ـلــب اســم‬ ‫(كوباين) إىل (عني العرب)‪ .‬يا أخي أنا مل أولد‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫دت‬ ‫يف (معبدة)‪ ،‬أنا من ُسكان (كركي لَ ّكي)‪ُ ،‬ول ُ‬ ‫ِ‬ ‫ٍ‬ ‫(سري كانييه) قبل ألف عام وأكثر‪ ،‬كما أين‬ ‫يف‬ ‫زرت َعفرين لِـمــرٍة و ِ‬ ‫اح ـ َـدة فقط ‪ ،‬ومل أمســع يوم ًا‬ ‫بِ ـرأس الـ َـعــن ‪ ،‬كما مل أر اجل ـزيــرة الـســوريــة فارغة‬ ‫ِمنّا حنن الكورد ومل أجد نفسي ضيفاً يف سوريا ‪.‬‬ ‫أري ــد أن أع ــرف اآلن‪ ،‬كــل س ــوري قُــتِــل قـبــل ال ـ‬ ‫قتل يف قامشلو‬ ‫‪ 1982‬إىل ‪ 2013‬وكــم كــرديـاً َ‬ ‫حينما كان امسُها «القامشلي» يف انتفاضة آذار‬ ‫‪ 2004‬واليت امتدت لكافة مدننا‪ .‬أريد أن أعرف‬ ‫لست‬ ‫كم ُكردياً دخل سجون البعث ومل يَعد‪ ،‬أنا ُ‬ ‫يد أن أعرف أيضاً‬ ‫لست بِأناين‪ ،‬أر ُ‬ ‫بأناين يا أخي‪ُ ،‬‬ ‫هجرين الــذي ينامون يف حدائق‬ ‫كم هو عدد امل َّ‬ ‫تُركيا اآلن‪ ،‬عرباًُ وك ــورداً‪ ،‬وعــدد النازحني يف كل‬ ‫دول اجلِوار‪ .‬اآلن أريد أن أعرف‪ ،‬أريد أن أعرف‬ ‫مــن هــو ال َكلب الــذي منعين مــن احلــديــث بلغيت‬ ‫يف دوائ ــر الــدولــة‪ ،‬وأقتلهُ على الـفــور‪ ،‬فسيجاريت‬ ‫على وشك االنتهاء ولن أطفأها يف عينيه‪ ،‬لكنين‬ ‫سأدع ُرمادها يف َكفيّه‪ ،‬أنظ ُفمها من قذارة أربعني‬ ‫عاماً‪ ،‬وتعرتف أنت بِ ُكردييت وباقي أخــويت‪ ،‬كي‬ ‫أمل َشــل أُس ـ َـريت‪ ،‬وأح ــذف (الـعـربـيــة) مــن بيانات‬ ‫ب ـطــاقــي الـشـخـصـيــة وأقـ ـ ــول‪ :‬س ــوري ــا‪ ،‬س ــوري ــي‪..‬‬

‫بحر الشيخ‬

‫اخلع خنجرك المغروس بصوتي‬ ‫فهذي بالدي‬ ‫أردت قبل قتلي أن أبكيها‬ ‫يا من بطبول الحرب تدق الموت بال جدوى‬ ‫لن يبقى في لغتي إال حرفان اثنان‬ ‫الحرف األول‬ ‫القز حريراً شامياً‬ ‫منسوج من دود ّ‬ ‫ٌ‬ ‫ٍ‬ ‫بنفسجة‬ ‫معتصر بدنان كنائس عشاق‬ ‫والحرف الثاني‬ ‫ٌ‬ ‫تنمو في قلعة حلب‬ ‫أغمد إن شئت الخنجر في روحي‬ ‫فيدي الزالت تكتب فوق البحر‬ ‫تلك سماء العشاق الحرة‬ ‫يا سيدة األكوان‪ ..‬ويا وطن العشاق‬ ‫سوريا‬ ‫في زر الورد المتروك على أسوار دمشق‬

‫صوت الصمت‬ ‫يولد في هذي اللحظة‬ ‫ُ‬ ‫ال ترهبه قرقعة بنادق كل الموتورين‬ ‫ال تثنيه األصوات المفجعة‬ ‫اغرس خنجرك الموتور بروحي أكثر‬ ‫فعندي بنتان‬ ‫ٍ‬ ‫بصمت مزج األلوان‬ ‫تتعلمان اآلن‬ ‫لوحة وطني في المستقبل أجمل‬ ‫عيني‬ ‫وافقأ بأصابع حقدك ّ‬ ‫بنتي‬ ‫إني لن أنظر إال لألفق المرسوم بريشة ّ‬ ‫يلزمني كي أعتق من نار الوجد‬ ‫ٍ‬ ‫حشيش‬ ‫طن‬ ‫ّ‬ ‫ٍ‬ ‫دمشق‬ ‫أو صور‬ ‫فيها بردى يتسلل عبر الحلم‪..‬‬


حنطة العدد 12  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you