Issuu on Google+

‫غزة التي رأيت!‬ ‫بقلم‪ /‬حسن أحمد الدقي‬

‫‪٢٠١٠/٨/٢٣‬‬ ‫ھواؤھا ليس كالھواء ففي نسائمه بقية دخان من صواريخ عاجزة‪...‬وترابھا ليس‬ ‫كالتراب ففي طياته أنفاق عز تتلوى كالثعابين المرعبة ‪...‬وعبق بحرھا ليس كبقية‬ ‫البحار ففي أمواجه وملحه ما خلفه الفاتحون األفذاذ‪ ...‬وحدودھا ليست كبقية الحدود‬ ‫‪...‬حدود الدول العربية واإلسالمية ‪ ...‬ففي أسالكھا الشائكة غصة بقيت في حلق‬ ‫شارون وحلوق بقية القرود والخنازير‪...‬‬ ‫أما أناس غزة فھم من باب أولى ليسوا كبقية الناس فھم يقينا قد جاءوا من كوكب‬ ‫آخر وتاريخ غير تاريخنا المعاصر‪ ...‬فھم لم يسلّموا بخداع مكماھون كما سلم‬ ‫العرب المحدثون ولم يستسلموا لكامب ديفيد وال لواي ريفر وال أوسلو وال غيرھا‬ ‫من مفردات األعجمية الذليلة‪.‬‬ ‫ھناك في غزة رأيت كيف ألقى ‪ B‬عز وجل على قلوب أھلھا الطمأنينة والسكينة‬ ‫حتى رضوا بل عزموا على قتال جيش قالت عنه النظم السياسية في العالم العربي‬ ‫واإلسالمي‪ :‬الجيش الذي ال ِق َبل لنا به‪ ...‬فرددوا بذلك مقولة بني إسرائيل‪...) :‬إن‬ ‫فيھا قوما جبارين‪(...‬اآلية‬


‫ھناك رأيت أطفاال ونساء ورجاال وشيوخا لم ترھبھم آلة الجبارين اليھود والنصارى‬ ‫‪...‬ھناك سمعت عيون أھل غزة تقول لي‪...) :‬ھذا ما وعدنا ‪ B‬ورسوله وصدق ‪B‬‬ ‫ورسوله وما زادھم إال إيمانا وتسليما‪(..‬اآلية‬ ‫ھناك رأيت األصابع المقطوعة واأليدي المبتورة واألرجل المھشمة وھناك قال لي‬ ‫اصبع أحدھم‪ :‬ما أنت إال إصبع دميت وفي سبيل ‪ B‬ما لقيت‪.‬‬ ‫ھناك لم أستطع أن أفرق بين ھمة الشباب والشيوخ فالجميع شباب في ھمتھم‬ ‫والجميع شيوخ في حكمتھم وصبرھم وھناك لم أستطع أن أفرق بين المتسابقين إلى‬ ‫طلب الشھادة فقد أصبحت مطلبا جماھيريا‪ ...‬لم يشغلھم عنه طلب الخبز واللحم وال‬ ‫طلب الوظيفة والمعاش‪.‬‬ ‫ھناك تعلمت من أھل غزة أن أتلذذ بطين األنفاق وقطوف العنب وغبار مطار غزة‬ ‫واسفلته المنسوف بطائرات يھود ورأيت أھل غزة يجمعون من تحته الحصى‬ ‫بأصابعھم وأظافرھم ويحتضنونه في صدورھم وقد اختلطت أصواتھم بالمساحي‬ ‫ت على ھذا‬ ‫والعربات تجرھا الخيول والحمير‪ ...‬فيا أمة المليارين ھال وقف ِ‬ ‫المشھد؟‪...‬ومشھد آخر شبيه لكن عماله من الفتيات والفتيان اللذين ال تتجاوز‬ ‫أعمارھم العشر سنين رأيتھم قريبا من شاطئ غزة يجمعون الحصى من موقع مدمر‬ ‫حتى يبيعوه فيشتروا ألھلھم شيئا من متطلبات شھر الصيام‪...‬فقلت متى يتوقف قلق‬ ‫المسلمين على الطعام والشراب والخ َِرق البالية؟‬ ‫ھناك رأيت تحفا وذكرى من نوع خاص فال تكاد تدخل بيتا من بيوت أھل غزة إال‬ ‫وتجدھم قد احتفظوا بقطعة من صاروخ أو شظية من متفجرة‪ ...‬فأقول في نفسي‬ ‫سبحان من ثبتكم عند تفجرھا وھي تزلزل أرضكم لكنھا لم تزلزل عزمكم على قتال‬ ‫يھود واسترجاع المسجد األقصى من بين أيديھم‪ ...‬وعندھا استرجعت قوله عز‬ ‫وجل‪) :‬فإذا جاء وعد أوالھما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خالل‬ ‫الديار وكان وعدا مفعوال( اآلية‪ ،‬فيا أصحاب البأس الشديد طوبى لكم أن اصطفاكم‬ ‫رب العالمين فأنتم بذلك تستحقون أن تكونوا في مقدمة األمة بل تاج رأسھا‪.‬‬ ‫ھناك وفي غزة وبقرب السلك الشائك حيث يكمن يھود وھم مدججون بآخر ما أنتجه‬ ‫األمريكان )أصدقاء العرب وحلفاؤھم( رأيت أھل غزة يسرحون ويضحكون فإذا‬ ‫صرا )بفتحھا( وإذا بعيون أھل غزة تتجاوز‬ ‫بالمحاصِ ِر )بكسر الصاد( ينقلب مُحا َ‬ ‫األسالك والفيافي لتطل على المسجد األقصى مصبّرة ‪...‬صبرا ياأقصى إنا قادمون‬ ‫‪...‬وكلما سقط بالقرب من السلك الشائك شھيد سارع أھل غزة برفعه على األكتاف‬ ‫وھم يھتفون‪ :‬ال إله إال ‪ B‬والشھيد حبيب ‪ ...B‬فما أجمل أحبتكم يا أھل غزة وما‬ ‫أجملكم وأنتم تزفون الشھيد إثر الشھيد‪.‬‬


‫ھناك تعلمت التواضع من ھامات القادة الكبار وتذوقت جمال ابتسامة المجاھدين‬ ‫وتأدبت أمام السكينة التي تجللھم‪ ،‬وھناك ارتفعت لما قبلت ھامات العز وأكف‬ ‫المرابطين‪ ،‬وھناك جلست جلسة المتعلم أمام المخططين االستراتيجيين وھم يديرون‬ ‫شؤون غزة المحاصرة حتى جاء الخير من رب العالمين على أيديھم فاكتفت غزة‬ ‫ھذا العام من سلع كانت عزيزة يبيعھا يھود بأغلى األثمان ومنھا البطيخ والعنب‬ ‫والدجاج والبيض وغيرھا حتى كاد المھربون أن يھربوا البيض إلى مصر طلبا‬ ‫للفرق في سعره ما بين غزة ومصر!!‬ ‫ھناك زرت المساجد المدمرة بآلة حرب يھود حتى بلغ عدد المساجد المدمرة تدميرا‬ ‫كليا ‪ ٤٥‬مسجدا وعدد المساجد المدمرة تدميرا جزئيا ‪ ٥٥‬مسجدا ھناك رأيت عزائم‬ ‫أھل غزة وقد بدأوا في ترميم مساجدھم وقد نصبوا بجانب بعضھا وفي أماكن‬ ‫بعضھا خياما بالستيكية ال تقي حرا وال بردا لكنھا تؤوي المصابرين ومنھا يرتفع‬ ‫دعاءھم للسماء فال يدعون إال بالنصر والشھادة‪.‬‬ ‫في غزة يربض خمسون ألف حافظ لكتاب ‪ B‬الكريم يسميھم أھل غزة بجيش القدس‬ ‫وصدقوا في تسميتھم ووصفھم فھل سيحررھا خريجوا الجامعات األمريكية‬ ‫الناعمون ال ُم َميعون؟ ومن عجب أن يحفظ شباب وشابات غزة كتاب ‪ B‬كامال في‬ ‫شھرين فقط فال غرو أن يصمد أھل غزة ذلك الصمود وھم يتلون قول ‪ B‬عز‬ ‫وجل‪) :‬يا أيھا الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ‪ B‬كثيرا لعلكم تفلحون(اآلية‬ ‫ھناك رأيت المعابر وما أدراك ما المعابر حيث إحكام الحصار والذلة والمھانة‬ ‫وحيث حشد يھود قوات السلطة الفلسطينية على معبر كرم سالم تمھيدا لدخول غزة‬ ‫بعد سقوطھا كما تخيلوا في حرب الشھر الواحد‪ ...‬كل فلسطين وشبه جزيرة سيناء‬ ‫لم تكلف يھود إال أياما معدودات لكي تسقط صيدا سھال في أيديھم وذلك عام‬ ‫‪١٩٦٧‬م في عز المشروع القومي العلماني وھاھي غزة ترفع ھامتھا ولم تنحن‬ ‫لشھر كامل من محاولة اإلبادة الشاملة وذلك لما ترسخت نواة المشروع اإلسالمي‬ ‫فيھا‪.‬‬ ‫ھناك في غزة تعلمت كيف تحافظ األمة على ثوابتھا فال تقبل بإمالءات وشروط‬ ‫األمم التي اتحدت على المسلمين وھناك تعرفت ميدانيا كيف أسقط الملتزمون‬ ‫مشروع العلمانية المنجرف وراء سراب األمريكان والنظم السياسية المھترئة‬ ‫الساقطة في حب الدنيا واللھاث وراءھا‪.‬‬ ‫ھناك في غزة تساءلت‪ :‬أين المسلمون وأين حبھم للمسجد األقصى ولفلسطين؟ أھي‬ ‫أضغاث أحالم؟ أم ھو كما قالت بنو إسرائيل لنبيھم عليه السالم‪) :‬إذھب أنت وربك‬ ‫فقاتال إنا ھاھنا قاعدون(اآلية‪ ،‬ھل يمكن الفصل بين ما يحدث في فلسطين وما يحدث‬ ‫في مصر أو في الشام أو في باكستان أو في الجزائر أو في اليمن؟ أو ليس الكتاب‬ ‫واحد أو ليس النبي واحد أو ليس التاريخ واحد أو ليس العدو واحد )ولن ترضى‬


‫عنك اليھود وال النصارى حتى تتبع ملتھم(اآلية‪ .‬فأين عالمات المشروع اإلسالمي‬ ‫على األرض وأين عالمات النصرة للمقدسات؟ ھل رضي الدعاة من الغنيمة‬ ‫باإلياب؟ ھل تركوا مشروعھم لألمم المتحدة أو لصراع إيران وأمريكا؟ ھل قزموا‬ ‫رؤيتھم في الديموقراطية التي تشبه حبال ممدودا ينبغي السير عليه وطرفه بيد‬ ‫أمريكا والطرف اآلخر بيد النظم السياسية؟ أين مسار األمة المستقل وأين قرارھا‬ ‫التاريخي؟‬ ‫ال عجب يا أھل غزة أن تعاديكم الدنيا وال عجب أن توصد في وجوھكم األبواب‬ ‫والمعابر ولكن صبرا وثباتا يوشك أن ينقلكم نقلة أخرى في عيون الشمس فقلوب‬ ‫األمة معلقة بأصابعكم وھي على الزناد وآمال األمة تطير في سمائكم وھي متمسكة‬ ‫بأھداب الكتاب والمسجد األقصى يرنو إليكم وأنتم تتوثبون لنصرته‪ ...‬بل وحتى‬ ‫غير المسلمين أصبحتم لھم أمال وقدوة في الوقوف بوجه الظالمين العتاة حتى غدوتم‬ ‫دعوة لإلسالم في أقصى األرض فطوبى ما نلتم من السؤدد وما تبوأتم من العز‬ ‫والشرف‪٢٠١٠/٨/٢٣ .‬‬


غزة التي رأيت