Page 1

‫غالب شعث‬ ‫)سيرة ذاتية‪(3-‬‬

‫صندوق العجب‬

‫من‬

‫أوراق مهـــــــــاجر‬


2


‫القسم الول‬

‫‪3‬‬


4


‫ما سر انبثاق هذا الماضي ؟‬ ‫أهو البحث عن طفولة المكان؟‬ ‫أهو الشبق لملاقاة الطفولة؟‬ ‫أم هو الاقتراب من سؤال سابق؟‬ ‫ما البداية‪ ..‬وما النهاية؟!‬ ‫محمود درويش‬

‫‪5‬‬


‫تعقيب على ما هو آت‪..‬‬

‫‪6‬‬


‫ربما تكون الخواطر والصورالتي تداعت إلى مخيلتي‪ ،‬أثنــاء أو‬ ‫بعــد"رحلتي" الولى إلى"غزة"‪ ،‬بموجب "تصريح مؤاقت" من‬ ‫السلطات السرائيلية‪ ،‬بعد سنوات المنفى الربعين‪ ،‬اقد تواردت‬ ‫بترتيب عشوائي وجاءت‪ ،‬هكذا‪ ،‬بذلك القدر من التفصيل حينا‪،‬أو‬ ‫اليجاز حينا آخر‪ .‬لكنها بكل تأكيد‪ ،‬هي التي سافرت بي في الزمن‪،‬‬ ‫وجعلتني أستسلم للرغبة في تقمص طفولتي التي سااقتني إلى المزيد‬ ‫من تلك الخواطرالمتواردة المتدفقة‪.‬‬ ‫لم تغرني اقوالب السسييرالتي اقرأتها ول استهواني اللجوء إلى منهج‬ ‫محدد‪ .‬وآثرت أن أترك لقلمي الحبل على الغارب ليجوس في دهاليز‬ ‫الماضي كيفما اتفق‪ .‬فليس هناك في أيامنا الغابرة أيام أاقل أهمية من‬ ‫غيرها‪ .‬فكل ذكرى لها مذااقها‪ ،‬حلروا أو م ررا‪ ،‬وكل تجربة لها معانيها‪.‬‬ ‫اقد يكون ما أنا مقبل عليه هو مجرد تقليب في صفحات الماضي‪،‬‬ ‫وتأمل في ما يطل من بين سطورها من الصورالتي يحتفظ بعضها‬ ‫بتفاصيل أو ملمح واضحة‪ ،‬أوآخذة في الشحوب‪.‬‬ ‫سرمها "نوستالجيا"‪ ،‬مما اقد يسوق المرء إلى التلمؤم مع "ذاته"‪ ،‬أو‬ ‫التصالح معها‪ .‬أو واقفة متأملة مع مختلف مراحل العمر‪ ،‬لعل في ذلك‬ ‫مزيد من البحار في غياهب "الذات"‪ ،‬أو محاولة لكتشاف "الذات‬ ‫الخرى"‪ ،‬وهو ما يطلق على "الخرين"‪.‬‬ ‫اقد يكون "الخرون" هم الجحيم‪ ،‬كما يقول "سارتر"‪.‬‬ ‫ولكن الكيد هو أن "ذات" المرء هي جنته‪ ..‬كما هي جحيمه‪.‬‬ ‫وحيلتنا هي أن نعرف كيف نجعل "ذاتنا" تقترب من ذلك"الخر"‪،‬‬ ‫الذي أسميناه "الذات الخرى"‪ ،‬أو"الوجه الخر للذات"‪ ،‬لتتفاعل مع‬ ‫همومه‪ ،‬أو تتعلم منه‪.‬‬ ‫واقبل كل شيء‪..‬أن نتعلم كيف نسخرمن همومنا‪.‬‬ ‫أن نجعل من السخرية خشبة النجاة من تلك الهموم‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬ ‫‪7‬‬

‫*‬


‫و"على النسان أن يكتب دون أن يفكر في شكل كتابته على الطلق‪،‬‬ ‫بل يدع هذا الشكل يسيل تلقائيا من نبع روحه‪".‬‬ ‫الكاتب اللماني‬

‫ل‪ .‬كونستانتين‬

‫"تصريـح مؤقت" لزيــــارة الوطـن‪..‬‬

‫كان‪ ،‬يا للسخرية‪ ،‬ل بد من محاولة الحصول على "تصريح مؤاقت‬ ‫"لزيارة" اقطاع غزة"‪ ،‬من السلطات السرائيلية‪ ،‬ريثما تُصدر لي ما‬ ‫يسمى براقم "الكومبيوتر" )أو ما دأبت سلطتنا الوطنية على أن تطلق‬ ‫‪8‬‬


‫عليه إسم "الراقم الوطني"( الذي سوف يتيح لي العودة النهائية إلى‬ ‫تلك النتفة من الوطن‪ ،‬التي جادت بها "إتفااقية أوسلو" المجيدة!‬ ‫وفي صبيحة يوم الثلثاء‪ ،25/4/1995،‬حملني "أوتوبيس السهم‬ ‫الذهبي" في السابعة والنصف‪ ،‬من القاهرة‪ ،‬عبراقناة السويس‪ ،‬إلى‬ ‫مدينة "رفح"‪ .‬حامل حقيبتي التي أنهكها الترحال‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ما من فلسطيني إل ونشأت بينه وبين حقيبة السفرعلاقة خاصة بحيث‬ ‫باتت من علماته المميزة‪ .‬ففي الماكن التي تعج بهم تصبح الحقائب‬ ‫ظاهرة وتجارة رائجة‪ ،‬بحيث نجد الكثير من الفلسطينيين يهتمون‬ ‫بااقتناء أحدث ما أنتجته مصانع أوروبا وأميريكا من الحقائب‪ .‬كأنما‬ ‫يجدون في ذلك شيئا من العزاء أو العوض‪.‬‬ ‫عندما خطرت لي هذه الملحظة‪ ،‬تذكرت أني أيضا كنت أاقتني عددا‬ ‫ل بأس به منها‪ .‬أتركها بمحتوياتها في هذا البلد أو ذاك‪،‬عند أحد‬ ‫الصداقاء أو الاقارب‪ ،‬أو في هذا الفندق أو ذاك‪ ،‬أو حتى في "أمانات"‬ ‫محطات القطار في مختلف البلد‪ .‬وذلك ريثما أعود من السفر لأبحث‬ ‫عن مكان جديد لأسكنها فيه‪ ..‬مؤاقتا‪.‬‬ ‫ولم تكن مساكني في البداية‪ ،‬شأن كل الطلب المغتربين‪ ،‬سوى غرفا‬ ‫مفروشة ابتداء من أيام الدراسة في السكندرية عند "أم ألكسندرا"‪،‬‬ ‫وفي القاهرة عند "أم ليلى"‪ ،‬وفي جده ضيفا على أخيي "عابد"‪ .‬وفي‬ ‫فيينا‪ ،‬أثناء دراستي وعملي فيها لما يزيد عن العشر سنوات‪ ،‬عند عدد‬ ‫من"المهات" اللواتي كن يبحثن عن مزيد من الدخل‪.‬‬ ‫ثم‪ ،‬في القاهرة مرة أخرى عند الست "أم سلوى"‪.‬‬ ‫وكانت سكناي‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬وفي عدد من المدن‪ ،‬أيضا في شقق‬ ‫مفروشه‪ ،‬حيث ل يمتلك المرء سوى‪ ..‬حقائب سفره‪.‬‬ ‫*‬ ‫‪9‬‬

‫*‬

‫*‬


‫لم تستغرق إجراءات الخروج من الحدود المصرية واقتا طويل‪ ،‬كما‬ ‫هي العادة عند الدخول منها‪ .‬وسرعان ما وجدت نفسي‪ ،‬مع بعض‬ ‫المسافرين‪ ،‬في المنطقة الحدوديه‪.‬‬ ‫وجدت شابا تبين أنه من سكان اقطاع غزة ممن تعودوا العبور من‬ ‫تلك المنطقه‪ .‬أغلب الظن أنه أحد الطلبة الذين يدرسون في الجامعات‬ ‫المصرية‪ .‬عرف مني‪ ،‬بعد أن لمس حيرتي‪ ،‬أنني أعود للمرة الولى‬ ‫إلى غزة‪ ،‬بعد غربة عنها دامت أكثر من أربعين عاما‪ .‬وعرفت منه‬ ‫أننا سنستقل حافلة لتعبر بنا من "المنطقة المحرمة" إلى "نقطة المعبر‬ ‫السرائيليه" )!(‬ ‫صدمتني هذه المعلومة‪ .‬ألم أكن في طريقي إلى"اقطاع غزه"‪،‬‬ ‫الجزءالمحرر من الرض‪ ،‬الخاضع الن للسلطة الوطنية‬ ‫الفلسطينيه؟!‬ ‫صحيح أنني كنت أعلم عن الوجود السرائيلي العسكري في القطاع‪،‬‬ ‫بل واقرأت في تلك النسخة المتاحة من إتفااقية السلم عن المناطق "أ"‬ ‫السيادية‪ ،‬وعن التواجدالسرائيلي‪ ،‬المتواري‪ ،‬في المنطقة الحدودية‪،‬‬ ‫لسباب أمنيه مزعومة‪ .‬لكنني فوجئت‪ ،‬بعد نزولي من الحافلة‪ ،‬بأنني‬ ‫أواجه مظاهر"سلطة إسرائيليه"‪ .‬إحتلل اقائم بمفهومه المباشرمن خلل‬ ‫سيطرة إسرائيلية شبه تامة على مداخل ومخارج الرض الفلسطينية‪.‬‬ ‫كدت أردد ما يردده العامة عادة في مثل هذه الحالت‪ ،‬وأن أتساءل‬ ‫مستنكرا‪:‬‬ ‫"من أولها‪..‬؟!"‬ ‫أو ما يردده المتثقفون‪:‬‬ ‫"أول القصيدة كفر!"‬ ‫لكنني تشبثت بخاطر برق في ذهني‪ .‬فثمة أفكار ل ندري إن كنا اقد‬ ‫اقرأناها وانطبعت في ذاكرتنا‪ ،‬في عقلنا الباطن‪ ،‬أم أنها من وحي‬ ‫اللحظة وعفو الخاطر‪:‬‬ ‫"العدو اليوم أمامنا ووراءنا‪ ،‬وعن يميننا ويسارنا‪ .‬فكيف له الفرار‬ ‫منا هذه المره‪".‬‬ ‫ثم ساءلت نفسي‪:‬‬ ‫‪10‬‬


‫‪-‬‬

‫ألم تكن تتمنى أن يأتي اليوم الذي تنتقل فيه "ثورتنا" من‬ ‫المنافي‪ ،‬ويصبح نضالها كله في داخل أرضنا المحتلة؟‬ ‫وهل كان حماسك لنتفاضة يوم الرض )‪30‬مارس ‪،(76‬‬ ‫الذي أسفر عن فيلمك التسجيلي "يوم الرص"‪ ،‬إل من حيث‬ ‫أنها انبثقت من هناك‪ ..‬من الداخل؟‬

‫وأخذت‪ ،‬لول مرة‪ ،‬أمعن النظرعن اقرب في عدوري هذا‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫تماثل أمامي ما اقرأت وسمعت أو رأيت في أجهزة العلم المختلفة؛‬ ‫وجوه شابه‪ ،‬متعددة اللوان والسحن‪ .‬جييء بأصحابها‪ ،‬أو بآباءهم‪ ،‬من‬ ‫مختلف بقاع الرض‪ .‬ل يوحرد بينهم سوى "الزي العسكري"‪ ،‬ول‬ ‫يجمع بينهم سوى وهم‪ ،‬أو لنقل حلم‪ ،‬أطلقوا عليه إسم "أرض الميعاد"‪،‬‬ ‫و اقانون ليس له مثيل في تاريخ الشعوب هو "اقانون العودة"‬ ‫السرائيلي الذي يبيح لي يهودي من أي جنسية كانت في أي بقعة في‬ ‫العالم أن "يعود" إلى "أرض الميعاد" ويتمتع بحقوق المواطنة الكاملة‬ ‫فيها‪ .‬هذا‪ ،‬بينما يقف الفلسطيني صاحب الحق المتوارث في انتظار‬ ‫السماح له بـ‪" ..‬زيارة مؤاقتة"‪.‬‬ ‫لول مرة في حياتي أاقف أمام مجندات ومجندين إسرائيليين‪.‬‬ ‫لول مرة أاقف‪ ،‬على أرض بلدي‪ ،‬والعلم السرائيلي يرفرف من‬ ‫فواقي‪.‬‬ ‫نجمة داود الزراقاء تطرل من بين الخطين الزراقين‪"..‬النيل"‬ ‫و"الفرات"‪ ،‬كما اقيل دائما‪.‬‬ ‫واللفتات العبرية‪ ،‬بلونري العلم‪ ،‬الزرق والبيض‪ ،‬تمل المكنه من‬ ‫حولي أوامر ومحاذير وممنوعات‪.‬‬ ‫أصابني ما يشبه الدوار‪ ،‬وأحسست بانقباض في صدري‪.‬‬ ‫لم أعد أسمع سوى ذلك الطنين في أذني اليسرى‪ ،‬اقال عنه الطباء أنه‬ ‫سوف يلزمني مدى الحياة‪ ،‬إثر الصابة الذي تعرضت لها ذات يوم‬ ‫في "بيروت"‪.‬‬ ‫لم أعد أرى الشياء‪ .‬بل أصبحت أشعر وكأن حرابا داقيقة غير مرئية‬ ‫تنطلق من تلك الشياء فتخترق عينري اخترااقا‪.‬‬ ‫أحد المجندين‪ ،‬وكأنما نفذ صبره‪ ،‬يشوح بيده في إتجاهي‪.‬‬ ‫‪11‬‬


‫الشاب الفلسطيني يتقدم نحوي بوجه أاقرب إلى العبوس‪ ،‬ويطلب مني‬ ‫أن أترك متاعي على العربة المخصصة لذلك‪ ،‬وأن أتقدم من خلل‬ ‫بوابه أشارإليها‪ ،‬حيث سوف يفحصون تصريح دخولي "المؤاقت"‪.‬‬ ‫صادف أنه لم يكن هناك أحدغيري‪ ..‬بتصريح مؤاقت‪.‬‬ ‫هناك نوع من اللفة القسرية بيننا‪ ،‬نحن الفلسطينيين‪ ،‬وبين أماكن‬ ‫الإنتظار في الموانئ الجوية والبحرية والبرية‪ .‬ظلت هذه الفكرة‬ ‫تراودني وتوحي إلري بسيناريو فيلم سينمائي جديد عن ذلك الفلسطيني‬ ‫الذي ظل محروما من "اقانون عودة" ومكان "يعود إليه"‪ ،‬حتى كاد‬ ‫أن "يتعود" العيش خارج مكانه‪.‬‬ ‫جلست على أحد المقاعد‪.‬‬ ‫بعد داقائق‪ ،‬سمعت صوتا نسائيا يطلب مني "التصريح"‪ .‬تلفتت حولي‬ ‫فلم أجد أحدا‪ .‬واقفت‪ ،‬فرأيت رأس فتاة خلف شباك يطل من منصة‬ ‫مرتفعة‪ ،‬ربما حرصا منهم على أن ل يمارسوا التعاطي معنا إل‪ ..‬من‬ ‫عـلل‪.‬‬ ‫مدت يدها لتتناول "التصريح" وهي تطلب‪ ،‬بلغة إنجليزية مهجنة‪،‬‬ ‫صورا شخصيه‪ .‬أعطيتها ما تطلب‪ ،‬فقد كنت اقد أعددت عددا كبيرا‬ ‫من الصور حسب توصيات الذين سبقوني لهذه المناسبة وما شابهها‪.‬‬ ‫وعدت إلى مكاني حسب أوامر المجندة‪.‬‬ ‫بعد مئات الثواني ناولتني "التصريح" وأشارت لى‪ ،‬بتهذيب موصى‬ ‫عليه‪ ،‬بالخروج من ممر ضيق يفضي إلى ساحة مغطاة‪.‬‬ ‫إلى يساري وجدت شباكا يقف خلفه شاب عابس )بالرغم من محاولته‬ ‫للبتسام(‪ ،‬ناولته أورااقي بتلقائية‪ .‬رحب بي باللغة العربية‪ ،‬وبإسمي‪،‬‬ ‫بعد أن ألقى نظرة على الوراق‪ .‬فجأة تحققت أنني أمام أحد‬ ‫"موظفي" السلطة الفلسطينيه‪ .‬تنفست الصعداء‪.‬‬ ‫أشارإلى الركن الذي سأتسلم فيه متاعي‪ .‬سألته عن المكان الذي‬ ‫ينتظر فيه المستقبلون‪ .‬بادر متطوعا بإجراء مكالمة تلفونية ليتأكد من‬ ‫وجود أحد في استقبالي‪ .‬جاء الرد بالنفي‪.‬‬ ‫هذه كانت أول بوادرالترحيب بي‪ ..‬في وطني‪.‬‬ ‫كانت أكثر من جهة اقد أبدت استعدادها لستقبالي في "المعبر"‪.‬‬ ‫ل بأس‪ ،‬لكلل ظروفه التي ل يملك أن يتحكم بها‪.‬‬ ‫‪12‬‬


‫اقال لي موظف السلطة أنني سأتمكن من إيجاد حافلة أو سيارة أجرة‬ ‫في الساحة الخارجية‪.‬‬ ‫لم أتردد‪ ،‬وأنا أتواصى مع نفسي بالصبر‪ ،‬في اقبول دفع المبلغ الذي‬ ‫أصرعلى طلبه سائق سيارة الجرة‪ ،‬العابس أيضا‪ ،‬سبعين دولرا‬ ‫أميركيا‪ ،‬مقابل تحركه إلى "غزة" بدون انتظار ركاب آخرين‪.‬‬ ‫جلست في المقعد المامي‪ ،‬الذي اقاطعته منذ أن تفجر زجاج السيارة‬ ‫المامي ذات يوم في وجهي في "بيروت"‪ ،‬ربما لكي أطل عبر ذلك‬ ‫الزجاج بعينري الجائعتين‪ ،‬اللهفتين‪ ،‬إلى أرض بلدي وشجرها‬ ‫وسماءها‪.‬‬ ‫خرجنا‪ ،‬أو دخلنا‪ ،‬من أكثر من بوابة حديدية‪ ،‬مكهربة‪ ،‬يحرسها جنود‬ ‫إسرائيليون‪ .‬انتابتني أحاسيس غريبة‪ ،‬ومرت بخاطري صور‬ ‫السجون والمعتقلت في الفلم الميريكية الكثيرة التي تندد بالنازية‪.‬‬ ‫ثم طغى على تلك الصورأصداء أصوات كنت أسمعها تتحدث عن‬ ‫"شيرك" كانت دولة اليهود اقد أحكمت نصبه لنا بعد أن نجونا من‬ ‫شرك "شارون" في "لبنان"‪.‬‬ ‫"غزه‪-‬أريحا" أول!‬ ‫مازحت نفسي يومها‪ ..‬لماذا أريحا بالذات؟‬ ‫تلك البلدة الغائرة في أعماق التاريخ‪ ..‬والجغرافيا‪.‬‬ ‫هل هي خاتمة اللعنات التي انصبت علينا؟‬ ‫تلك البلدة التي اقذف ا بها إلى "الغوار" السحيقة‪.‬‬ ‫أكثر نقطة في الكرة الرضية بعدا عن السماء‪.‬‬ ‫هل يعااقبنا ا جل شأنه‪ ،‬بعد سنوات المنفى الطويلة‪ ،‬بأن يوغل في‬ ‫استبعادنا؟‬ ‫أستغفر ا العظيم‪.‬‬ ‫مررنا عن حاجز يقف عنده جنديان فلسطينيان‪..‬عابسان‪.‬‬ ‫اقرأت فيما اقرأت أن "صلح الدين اليوبي" كان دائم العبوس‪ ،‬ل‬ ‫تعرف البتسامة طريقها إلى وجهه‪ .‬وعندما تجرأ أحد المقربين إليه‬ ‫وسأله عن السبب أجاب‪:‬‬ ‫‪13‬‬


‫"أستحي من ا أن يراني مبتسما بينما المسجد الاقصى يحتله‬ ‫الصليبيون‪".‬‬ ‫أاقول لنفسي‪ ،‬محاولة مني للعتصام بفضيلة التفامؤل‪ ،‬من المؤكد‪ ،‬أنه‬ ‫سيأتي اليوم الذي تعود فيه البتسامة إلى وجوهنا‪ ،‬كما عادت إلى وجه‬ ‫"صلح الدين" ذات يوم جمعة‪ ،‬يوم أن أدى الصلة في المسجد‬ ‫الاقصى بعد استرداد "القدس" في الرابع من أكتوبرعام ‪1187‬م‪ ،‬بعد‬ ‫الحتلل الصليبي الذي دام ‪ 88‬سنة‪.‬‬ ‫بعد اقليل استواقفنا حاجز إسرائيلي آخر‪.‬‬ ‫عاودني شعورالنقباض‪.‬‬ ‫نطق السائق همسرا‪ ،‬اقبل أن يتواقف‪ ،‬بإسم مستوطنتين وهو يوميء‬ ‫بحذر إلى اليمين وإلى الشمال‪.‬‬ ‫ألقى الجندي السرائيلي نظرة فاحصة داخل السيارة‪ ،‬وعلى وجهه‬ ‫ابتسامة‪ ،‬من بقايا ضحكات كان يتبادلها مع زميله‪ ،‬ثم أشارللسائق‬ ‫بإحساس عارم بالتفوق‪ ،‬بمواصلة السير‪.‬‬ ‫أتنفس الصعداء‪.‬‬ ‫هأنا أعود إلى جزء من أرض الوطن‪ .‬بعد أكثر من أربعين عام من‬ ‫المنفى‪ .‬منذ أن تركت "غزة" لللتحاق بجامعة القاهرة‪.‬‬ ‫ذلك منذعام ‪ 53‬على وجه التحديد‪.‬‬ ‫يبدو أنني كنت أفكر بصوت مسموع‪ .‬صاح السائق بدون أن يتخلى‬ ‫عن عبوسه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ياه!‬‫ت‬ ‫ر‬ ‫أنا ما كنتش لرسه انولدت‪ .‬طبعا بدك تلاقي كل إشي تغيرعليك‪.‬‬ ‫لم أشأ أن أرد عليه‪ .‬كنت أفضل أن أحتمي بصمتي من عوااقب البوح‬ ‫بما يعتمل في نفسي من المشاعر المتضاربة‪ ،‬ولكي أجبره على أن‬ ‫يتركني لتأملتي‪.‬‬ ‫وبالرغم من ذلك‪ ،‬تسربت إلى أذني بعض كلماته عن التغيرات التي‬ ‫طرأت على البلد‪.‬‬ ‫كلمات تنم عن مواقفه مما يحدث‪.‬‬ ‫‪14‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫تتداعى الخواطر والذكريات‪ ،‬كما يتراءى للبعض‪ ،‬دون أن يخضع‬ ‫ذلك إلى اقوانين ثابتة‪ .‬ولكن‪ ،‬في لحظة ما‪ ،‬لبد من أن تلوح بعض‬ ‫الشارات التي تفسرذلك التداعي‪ .‬ولذلك عود ي‬ ‫ت نفسك أن ل تكبح‬ ‫جماح أي فكرة‪.‬‬ ‫مازلت أتذكر ذلك السائق الذي عرفته أثناء رحلتي القصيرة إلى‬ ‫"لبنان"‪،‬عام ‪.62‬‬ ‫ركبت سيارة أجرة من "بيروت" دون أن أتفق مع سائقها على اقيمة‬ ‫الجرة‪ ،‬لني لم أكن أعرف بالضبط عنوان المكان الذي أاقصده‪.‬‬ ‫هرون السائق عليي المر‪ ،‬ووعد أن ينجز المهمة وأن ل يتركني اقبل‬ ‫أن أجد أاقاربي الذين كنت أبحث عنهم ‪ ..‬في "الجبل"‪.‬‬ ‫وفي الطريق إلى "الجبل"‪ ،‬كان ل بد من أن متجاذب أطراف‬ ‫الحديث الذي عرف الرجل من ثناياه أني طالب فلسطيني في طريقي‬ ‫إلى "مصر"‪ ،‬حيث يقيم والد ر‬ ‫ي وأخواتي "مؤاقتا"‪ ،‬وأني مازلت في‬ ‫مرحلة الدراسة الجامعية في الخارج‪ .‬وأني اضطررت للعمل في‬ ‫السعودية لكي أوفر لنفسي هذه الفرصة‪ .‬كما عرف أيضا أن المرة‬ ‫الولى التي زرت فيها "لبنان" كانت في طفولتي المبكرة بحيث ل‬ ‫أتذكر منها سوى أطياف‪.‬‬ ‫ثم انطلق يتحدث عن البلد العربية وعن العروبة والقومية العربية‪،‬‬ ‫وعن "جمال عبد الناصر"‪ ،‬وعن عدونا الحقيقي "أميريكا" المتوارية‬ ‫خلف مختلف الاقنعة‪ ،‬وعن أحلم التحرير والوحده‪.‬‬ ‫وأخذ يؤكد اقناعاته بترديد جملة تشبه إلى حد كبير تلك الجملة التي‬ ‫دأب الزعيم "جمال عبد الناصر"على ترديدها‪:‬‬ ‫"ما أخذ بالقوة ل يسترد بغير القوة‪".‬‬ ‫وأضاف‪:‬‬ ‫"‪ .. ..‬التجارب تعلمنا أن نتعلم منها‪ ،‬فالجيوش العربية التي ‪ -‬وإن‬ ‫بارك ا في عددها اليوم‪ -‬لن تعيدنا إلى فلسطين‪ .‬و"مثل ما بيقول‬ ‫المثل الشعبي الفلسطيني‪ ..‬ما يحرث الرض إل عجولها"‪.‬‬ ‫‪15‬‬


‫نطقها‪ ،‬وهو يبتسم‪ ،‬بلهجة فلسطينية سليمة‪ .‬ثم ردد بضع اصطلحات‬ ‫كانت ما تزال جديدة على مسامعي؛‬ ‫تنظيمات سرية‪ ..‬أجنحة عسكرية‪ ..‬حرب تحرير شعبية طويلة‬ ‫المد‪..‬عمليات فدائية في العمق‪ ..‬مقاومة شعبية‪.‬‬ ‫أذهلك الرجل‪.‬‬ ‫لم يكن وعيه وتلقائيته في صياغة وتلخيص المور‪ ،‬وثقته‬ ‫بطروحاته فحسب‪ ،‬هو ما أذهلني‪.‬‬ ‫كان السبب‪ ،‬أيضا‪ ،‬هوإصراره‪ ،‬بعد أن اطمأن إلى وصولي إلى المكان‬ ‫الذي أاقصده‪ ،‬على عدم تقاضي أجرته‪.‬‬ ‫كل ما اقاله لي وهو يبتسم لي ابتسامة والدرية‪ ،‬ويسارع بإدارة محرك‬ ‫سيارته والنطلق بها‪ ،‬اقبل أن أفيق من ذهولك‪:‬‬ ‫ "دير بالك على حالك‪ ..‬وا معك‪.‬‬‫وعندما حاولت أن أاقول شيئا أضاف اقائل‪:‬‬ ‫"مين عارف‪ ..‬يمكن نتقابل في يوم من اليام‪ ..‬في‬ ‫‬‫البلد‪ ..‬اقول إنشال‪".‬‬ ‫واختفى الرجل‪ .‬لكن كلماته‪ ،‬وابتسامته‪ ،‬لم تنمح أبدا من ذاكرتي‪.‬‬ ‫هل كان يخشى أن أعتبر حديثه مجرد "فض مجالس"‪ ،‬كما يقولون‪،‬‬ ‫ولذلك أراد أن يضفي‪ ،‬بطريقته الخاصة‪ ،‬مصدااقية على ما كان‬ ‫يقول ويعتقد؟‬ ‫وعندما عدت إلى "فيينا"‪ ،‬مقر دراستي‪ ،‬لم تفاراقني كلمات الرجل‪.‬‬ ‫بل ظلت تلحقني حتى كانت صدفة اللقاء مع صديق الطفولة‬ ‫المقدسي‪" ،‬م‪ .‬الوكيل"‪ ،‬ثم كان ذلك اللقاء المدببر مع "حمدان"‪ ،‬وكان‬ ‫ذلك التحول في مجرى حياتي‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ل أدري‪ ،‬حتى الن‪ ،‬ولربما يأتي ذلك اليوم الــذي ســأعرف فيــه‪ ،‬لمــاذا‬ ‫عادت تلك القصة لتطل من وراء السنين وتنثر تفاصيلها على صــفحات‬ ‫خاطري‪ ،‬بينما أنا أحاول البحث عن مهرب من حديث السائق الغــرزاوي‬ ‫‪16‬‬


‫العابس الذي لم يتواقف أبدا عن استعراض فرص الكسب الــتي ضــاعت‬ ‫منه بعد زوال الحتلل و دخول السلطة ‪.‬‬ ‫هل هي الدولرات التي أصرهذا السائق على إاقتناصها مني؟‬ ‫أم هوعزوف السائق الخرعن تقاضي أجره؟‬ ‫أم هوالحديث‪ ،‬الذي كان يفيض تفامؤلعن "العودة"إلى الوطن‪ ،‬والــذي‬ ‫أفاض به الخير‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫تتزاحم في ذاكرتي عناوين مختلفة لصفحات أخرى من‬ ‫الماضي تمر سريعة متلحقة كموجججات البحججر‪ ،‬تخطججف‬ ‫الواحدة منها سمعنا وبصرنا فتطغى على ما قبلهججا‪ ،‬ول‬ ‫تتلىشى إل وقد مهدت لظهور موجة أخرى تتكسججرعلى‬ ‫الشججاطيء ثججم ل يلبججث بحرالججذاكرة أن يتمخججض عججن‬ ‫أمواج غيرها‪ ..‬وهكذا‪.‬‬ ‫وموج البحر هو التكرار الوحيد الذي ل يصيبنا بالملل أبدا‪.‬ر‬ ‫تعود بي الذاكرة إلى الماضي البعيد كلما مرالبحر بخاطري‪ ،‬وكثيرا ما‬ ‫يحدث لي ذلك‪ ،‬فأراني على شاطيء البحرالذي عشقته طفل يستهويه‬ ‫تأمل مظاهر الوجود وتملؤه الدهشة تحت تأثير آيات القرآن الكريم الني‬ ‫كان يرتلها أبي في الصباحات المقدسية‪:‬‬ ‫ي‬ ‫ت‬ ‫ت يرسبي لينيفليد البيتحُر اقيتبيل أتن يتنفييد يكلليما ُ‬ ‫ت يرسبي‬ ‫"اقُتل ليتو يكاين اتلبيتحُر لميدادار لليكلليما ل‬ ‫يوليتو لجتئينا بللمتثللله يميددار"‪..‬‬ ‫هذا‪ ،‬بالرغم من أن البحر لم يرني إل بضع أيـام فـي السـنة‪ ،‬حينمـا كنـا‬ ‫ننتقل من مدينتنا‪ ،‬القدس‪ ،‬لنقضي جزءا من أجازة الصــيف فــي ضــيافة‬ ‫أاقارب لنا‪ ،‬في"غزة"‪ ،‬أو في "يافا"‪.‬‬ ‫"يافا"‪ ،‬ثغرالقدس‪ .‬بحرها كان بالنسبة لي‪..‬الحرية المطلقة‪.‬‬ ‫أما "القدس"‪ ،‬فهي الحب المطلق‪.‬‬ ‫كــان مــن ضــمن أمنيــات طفولــتي أن ينتقــل البحــر إلــى"القــدس" الــتي‬ ‫تربطني برباط ل فكاك منه‪ ،‬أو أن تنتقل "القدس" لتربض على ضفاف‬ ‫‪17‬‬


‫البحر إلى جانب"يافا" التي كنت أراها متكاملة‪ ..‬بحرها يليق بهــا وهــي‬ ‫تليق به‪.‬‬ ‫وظل البحر يسكن ركنا واسعا من وعيي ومن ذاكرتي‪.‬‬ ‫البحر‪ ،‬وإمتداداته الرحبة‪ ،‬وإنفتاحه على الفاق الواسعة‪.‬‬ ‫هذا الكيان الغريب المليء بالمتنااقضات‪ .‬العميق الواسع الشاسع الذي‬ ‫يمارس مرده وجزره متحديا كل العوائق‪ .‬الهاديء‪ ،‬الهائج بأمواجه‬ ‫العاتية المتمردة‪ ،‬التي ما إن تقترب من الشاطيء حتى تخر ساجدة‬ ‫مذعنة مسالمة‪ .‬كأنما هي رسالة توحي وتؤكد أن لهذا الكون ما أو من‬ ‫يسيطرعليه‪.‬‬ ‫البحر يقربنا دائما من الله ومن معنى الخلود واللنهاية‪.‬‬ ‫وموجه يوحي بالتجدد‪ ..‬يحيى المل‪ ..‬يقتل اليأس‪.‬‬ ‫البحر يعيدني أنا لـ"كلمات ربي" التي ل ينفذ "مدادها"‪ ،‬والتي كان‬ ‫والدي يرتل آياتها في "وسط الدار"‪ ،‬فأجدني دائما أسبح في لجة‬ ‫أحلم العودة إليها‪ ..‬دارنا في"القدس"‪.‬‬ ‫البحر‪ ،‬الذي طفت كل الركان من حـوله سعيا للعودة إلى "يافا" أو‬ ‫"غزه"‪ ،‬ما برح يعيدني إلى"بيروت" وبحرها الثائر‪ ،‬ويذكرني بزمن‬ ‫الموت النبيل لرفاق سبقونا واحد وراء الخر‪ ،‬مثل المواج‪ ،‬عائدين‬ ‫إلى الوطن دون المرور من بوابات حديدية مكهربة‪ ،‬أو نقاط تفتيش‬ ‫تتفحص التصريح المؤاقت‪ ،‬وتجبرنا على خلع أحذيتنا‪.‬‬ ‫مرة أخرى أجدني مطواقا بثرثرات سائق اليوم‪ .‬تمنيت لو أنني لم اتخذ‬ ‫مكاني إلى جانبه في السيارة‪.‬‬ ‫أحاول الهروب من ذلك الوجه المعتم‪ .‬ألجأ إلى الوجه الخر وأتشبث‬ ‫بأهدابه‪.‬‬ ‫أستدعي أحاديث الذين سبقوني بالعودة إلى "الوطن" من الحياء‪.‬‬ ‫فتتداعى إلى خاطري كلمات صديقي العلمي والكاتب الفلسطيني‬ ‫"زياد عبد الفتاح" في حديث إذاعي له اقبل سفري بأيام‪.‬‬ ‫اقال فيما اقال‪ …":‬كان الحتلل اقد ألقى على كل شيء غللة سميكة‬ ‫من الحزن والسى والكآبه‪ .‬الشجر حزين‪ .‬الطراقات‪ ..‬السماء‪ ..‬تشارك‬ ‫الوجوه والنفوس حزنها وكآبتها‪ .‬وزوال الحتلل صاحبه اختفاء الكآبة‬ ‫‪18‬‬


‫عن كل شيء‪ ،‬بحيث أصبحنا نرى الشجر يبتسم‪ ..‬الطراقات تبتسم‪..‬‬ ‫والسماء……"‬ ‫أتلفت‪ ،‬بلهفة‪ ،‬يمينا ويسارا‪ .‬أمل عينري بأرض بلدي وسماءها‪..‬‬ ‫وشمسها التي كنت أشتاق إلى الغتسال بها!‬ ‫أبحث عن الصور التي رسمها "زياد"‪ .‬أذوب شواقا إلى البتسام‪.‬‬ ‫وأكاد أهذي حنينا لتلك اللحظات التي وصفها صديقي‪.‬‬ ‫أتذكر‪ ،‬عندما غادرت غزة اقبل حوالي أربعين عاما‪ ،‬أن القطار الذي‬ ‫كان يحملني إلى القاهرة‪ ،‬لبدأ المرحلة الجامعية من الدراسة‪ ،‬كان‬ ‫يمر بمحاذاة شاطيء البحر‪.‬‬ ‫ذلــك الشــاطيء الــذي كــانت تميــزه غابــات متنــاثرة مــن أشــجارالنخيل‬ ‫السامقة المشرئبة‪ ،‬وغابــات الزيتــون والبرتقــال والليمــون الــتي اقلرصــها‬ ‫المحتل‪ ..‬لسباب اقيل أنها أمنرية )!(‬ ‫النخيل على شاطيء "ديرالبلح"‪ ..‬أينه؟‬ ‫هل ااقتلعوه أيضا لسباب أمنية كما يقولون؟‬ ‫أم نقلوه إلى أماكن أخرى لسباب سياحية كما يقول آخرون؟‬ ‫أين البحر الذي كنت أرى السماء من فواقه أكثر جمال؟‬ ‫وشاطيء البحر‪ ،‬حيث يصافحك في الصباحات هواءه البكر الذي لم‬ ‫يسبقك إليه أحد شهيقا وزفيرا؟‬ ‫ورائحة هواء البحر المشبعة باليود‪..‬المنعشة الشافية؟‬ ‫سألت السائق‪ ،‬بلوعة الحبيب الغائب العائد‪ ،‬خرج معها صوتي أاقرب‬ ‫إلى الحشرجة‪:‬‬ ‫ أين البحر؟‬‫اقال بصوت يخلو من أي تعبير‪ ،‬ل أثر فيه لحزن حتى ول استنكار‪:‬‬ ‫ل نستطيع الاقتراب منه‪.‬‬ ‫‬‫كأنما اقد أتحت له‪ ،‬بسؤالي‪ ،‬الفرصة لكي يسترسل‪ ،‬جاهدا أن ل‬ ‫يتضح مواقفه مما يقول‪ ،‬في مقارنة ما كان بما صار‪ .‬أو كأنما عاد‬ ‫الرجل ليستدرجني‪ ،‬لكي يعرف في أي جانب عليه أن يقف‪.‬‬

‫‪19‬‬


‫ ‪ .. ..‬وهناك أربع مستوطنات أخرى على امتداد الشاطيء‪ ..‬من‬‫هنا حتى "ديرالبلح"‪ ..‬وبعد ذلك تأتي مستوطنة "نيتساريم"‪ ..‬اقبل‬ ‫"غزه" ‪ ...‬و ‪... ...‬‬ ‫وظل يتكلم كلما غير مترابط‪ ،‬ويعدد الأسماء العبرية للمستوطنات التي‬ ‫لم أسمع بقيتها لنني انشغلت في استحضار بعض ما اقرأته بشأن‬ ‫التفااقية‪ ..‬إتفااقية "أوسلو"‪.‬‬ ‫ومرت فترة غير اقصيرة من الصمت الثقيل الرهيب‪ ،‬يختراقه ذلك‬ ‫الصفير الحاد في أذني اليسرى‪.‬‬ ‫عرفت بعض من يعتريهم هاجس الموت أحيانا‪ .‬لم أكن يوما أحدهم‪.‬‬ ‫أعرف أن الموت هو الحقيقة الكيدة الوحيدة في حياة النسان‪ .‬دأبت‬ ‫على أن أحدث نفسي‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬طالما أنت تؤمن وتعي هذه الحقيقة‪ ،‬فليس هناك داع للخوف‬‫من الموت أو حتى التفكير فيه‪..‬وحبذا لواتخذ تفكيرك فيه‬ ‫منحى يتسم بالبساطة والسخرية والفكاهة إن جاز التعبير‪.‬‬ ‫حتى في أحلك لحظات وأيام وسنوات الخطرالمرعبة إبان الحرب‬ ‫الهلية التي عايشتها في بيروت‪ ،‬من عام ‪ 75‬إلى عام ‪ .1982‬أيام‬ ‫مجازرالقتل على الهوية‪ ،‬والسيارا ت المفخخة‪ ،‬والقصف العشوائي‪،‬‬ ‫ومراهنات القناصة‪ ،‬وطائرات العدوالسرائيلي الحربية بغاراتها‪ ،‬أو‬ ‫بسرعتها التي تخترق حاجز الصوت‪ ،‬وتحطم زجاج النوافذ‬ ‫والعصاب‪.‬‬ ‫أيام كان الواحد منا يخرج من بيته وهو يشك في أنه عائد إليه‪ .‬أو‬ ‫يخرج من مقرعمله وينظر إلى رفااقه وكأنه يوردعهم‪ ،‬أو يستودعهم ا‪.‬‬ ‫ول يلبث في يوم تال أن يرى أحدهم يطل عليه من ملصق‪" ،‬بوستر"‪،‬‬ ‫معلق على أحد الجدران بعد أن أودت به اقذيفة‪ .‬أو سيارة مفخخة‪..‬أو‬ ‫رصاصة اقناص‪.‬‬ ‫أيام‪ ..‬كان الموت فيها وكأنه جزء من الحياة‪.‬‬

‫‪20‬‬


‫يحتلني مرة أخرى إحساس‪ ،‬متزايد‪ ،‬بانقباض صدري وصعوبة‬ ‫تنفسي‪ .‬صرت أشعر بكثافة الهواء وهو يدخل إلى رئتري‪ ،‬وكأنني‬ ‫أتنفس سائل لزجا له كثافة القطران‪ ،‬أو اقوام الزفت!‬ ‫داخلني شعور وكأنني أجاهد لنتزع أنفاسي الخيرة‪ .‬إحساس جديد‬ ‫علري‪..‬غريب‪.‬‬ ‫خاطر مفاجيء أخذ يسيطر علي‪ ،‬وهوأن سائق السيارة سوف‬ ‫ينظرنحوي بعد اقليل‪ ،‬ليعرف سر صمتي‪ ..‬فيكتـشف أنني ميت)!(‬ ‫أسارع إلى حقيبة يدي لستخراج مفكرة الجيب‪ ،‬التي كنت اقد جمعت‬ ‫فيها كل ما توصلت إليه من أسماء وأراقام تليفونات وعناوين الاقارب‬ ‫في "غزة"‪ ،‬أو الرفاق الذين سبقوني بالعودة إليها‪ .‬أضع المفكرة مع‬ ‫"وثيقتي" في جيبي اليسر‪ ،‬لتكون في متناول السائق‪ ،‬ولكي ليسبب‬ ‫له جثماني حرجا‪ ،‬أو يقع في حيص بيص‪ ،‬كما يقولون‪ ،‬فل يدري‬ ‫كيف يتصرف به‪ ،‬ولكي ل أشارك أيضا في خلق أسباب أخرى‬ ‫لعبوس الرجل‪ ،‬أو مبررات أخرى للعنات التي كنت أكاد أراها وهي‬ ‫تتزاحم للتدفق من شداقيه‪.‬‬ ‫خيل إلي أن أولى البتسامات اقد وجدت طريقها إلى شفتري لهذا‬ ‫الخاطر الذي يصلح بداية لفيلم سينمائي‪ ،‬ينتمي إلى شريحة سوف‬ ‫يصنفها نااقد فني "حداثي" تحت إسم يرمي إلى ما هو أبعد من "ما‬ ‫بعد الحداثة"‪ ..‬شيء من هذا القبيل!‬ ‫تنحنحت‪ ،‬وسعلت‪ ،‬واعتدلت في جلستي‪ ،‬وداققت النظر ذات اليمين‬ ‫وذات اليسار‪ ،‬وخيل لي أنني فعلت ) في حدود الليااقة( كل ما من‬ ‫شأنه أن يؤكد لنفسي وللسائق أنني ما زلت على اقيد الحياة‪ .‬هناك‬ ‫مازال الكثير مما يستوجب أو يستحق أن أعيش من أجله‪ .‬وهناك‬ ‫الكثير مما عقدت العزم على أن أعرفه أو أشاهده‪ ،‬بعدما كادت‬ ‫المور أن تختلط في ذهني نتيجة لما سمعت وما اقرأت في الشهور‬ ‫الكثيرة الماضية‪.‬‬ ‫لم أكد أأنس إلى الفكار الخيرة التي سااقتني بطبيعة الحال إلى‬ ‫التفكير في مدى إمكانية السفر عائدا من "غزة" إلى "القدس"‬ ‫مدينتي‪ ،‬التي هاجرت منها إلى "غزة" عام ‪ ،48‬وما يمكن أن‬ ‫يصادفني بينهما‪ ،‬حتى عدت إلى الهاجس الذي تملكني‪..‬الموت‪.‬‬ ‫‪21‬‬


‫ثم احتلني شعورغامص بأنني في عداد الموات‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"زيارة مؤقتة" للعـــــالم الـخــــــر‬

‫"سبحان ا‪ ،‬وما أعظم شأنه‪ ،‬فكأنما ُكتب له أن تكتحل عيناه بمرأى‬ ‫الوطن‪ ،‬وأن تطأ اقدماه أرضه‪ ..‬ثم يموت!"‬ ‫هذه كانت أول جملة سمعتيها تتردد على شفاه الكثيرين بعد أن سمعوا‬ ‫الخبر‪ ،‬وترحموا على روحي‪.‬‬ ‫في صباح اليوم التالي‪ ،‬سأرى بأم عينك الـ "بوستر" الملون‪،‬‬ ‫الملصق الذي يحمل صورتي )المكبرة عن الصورة التي أخذت لي‬ ‫خصيصا لتصريح زيارتي المؤاقتة إلى الوطن( وإسمي مسبواقا برتبة‬ ‫"الشهيد"‪ ،‬على أكثر من حائط في أكثر من مكان‪ .‬وسوف يحظى‬ ‫الجدار الخارجي للمبنى الذي يحوي"وزارة الثقافة"‪ ،‬ول عجب‪،‬‬ ‫بنصيب السد من تلك البوسترات‪ .‬أليس للثقافة أيضا نصيبها في‬ ‫اقائمة الشهداء‪.‬‬ ‫أما الصحف‪ ،‬فقد زين بعضها صفحتها الولى بصورتي )التي‬ ‫التقطت لي خصيصا للتصريح المؤاقت( في إطار داكن السواد‪،‬‬ ‫وُذكرإسمي مجردا‪ .‬وفي صحيفة أخرى‪ ،‬أكثر جرأة‪ ،‬جاء إسمي‬ ‫مقرونا بلقبي الذي دأبت على العتزاز به‪" ..‬المخرج السينمائي‬ ‫الفلسطيني"‪.‬‬ ‫‪22‬‬


‫هذا‪ ،‬واقد تناهى إلى مسامعي تسامؤلت البعض )باستنكار متوارب(‬ ‫عن علاقة "السينما" بالثقافة‪ .‬وكيف يمكن أن يكون ذلك الذي يعمل‬ ‫في دنيا الراقاصــات‪ ،‬والجنــاكي‪ ،‬مثقفا‪ ..‬أو شهيدا؟!‬ ‫لم أستغرب لتلك الخواطر‪ ،‬فهي لم تأت من فراغ‪ .‬فما زالت مثل هذه‬ ‫التعليقات محشورة في أذنير‪ ،‬منذ أن كنت بعد في عداد الحياء‪ .‬ذلك‬ ‫عندما وصلت إلى بيروت‪ ،‬اقادما من القاهرة‪ ،‬في أعقاب عام ‪،74‬‬ ‫اقبل ما يناهز العشرين سنة‪ ،‬متفرغا للعمل في صفوف الثورة‪ .‬اقالها‬ ‫بعض"زملء المهنة" تعبيرا عن تحفظهم لوجودي بينهم‪.‬‬ ‫والحق يقال أيضا‪ ،‬أني في اليام القليلة التالية لـ"موتي" اقد سمعت‬ ‫واقرأت الكثير مما يثلج الصدر ويبهج النفس ويجعل الموات‪ ،‬بل‬ ‫مبالغة‪ ،‬يشعرون أن "الدنيا لرساها بخير"‪ .‬اللهم‪ ،‬وإن كانوا يتمنون لو‬ ‫يتاح للمرء أن يلمس‪ ،‬في حياته‪ ،‬ولو اقدرا ضئيل من هذا الحتفاء أو‬ ‫التقدير‪.‬‬ ‫ما زال هناك من‪ ،‬ع ر‬ ‫ظم ا أجرهم‪ ،‬يعرفون الواجب والصول‪.‬‬ ‫وليتني استطعت أن أعرف من هو صاحب تلك الفكرة أو العلن‬ ‫الفذ النبيل‪:‬‬ ‫"حفل تأبين في مبنى الوزارة"‬ ‫لم يتواجد في المكان أحد ممن أعرفهم‪ ،‬من المثقفين‪.‬‬ ‫ل بأس‪ .‬يبدو أن ظرفا طارئا اقد حال دون الحضور‪.‬‬ ‫لم أزعل‪ .‬فالموات اقد مرن ا عليهم بنعمة الترفع عن الكثير من‬ ‫مثل هذه الصغائر‪.‬‬ ‫أخذ الخطباء )كعادة الحياء( يعددون منااقبي وصفاتي‪ ،‬وتبارى‬ ‫البعض في إبراز مدى اقربهم مني ومعرفتهم لدق أخباري وأعمق‬ ‫أسراري‪.‬‬ ‫وبالرغم من ما أصبغوه على شخصي من الفضائل التي ل تليق إل‬ ‫بالقديسين البرار‪ ،‬إل أنهم نسوا أعرز ما كنت أعتز به وأحرص‬ ‫عليه‪ ،‬وهو حبي وإخلصي لعملي‪.‬‬ ‫‪23‬‬


‫غير أن أشد ما سمعته طرافة هو ما اقاله أحدهم بلهجة حماسية‬ ‫أضحكتني بصوت مسموع‪ ،‬مما جعل أحد الحاضرين ينظر في‬ ‫إتجاهي شزرا )علما بأنه ل يراني(‪ ،‬فل بد أن تلك الطرافة اقد‬ ‫أضحكت غيري ممن يحيطون بي فاختلط عليه المر‪ .‬اقال‪ ،‬بعد أن‬ ‫ألرح في ابتهاله وطلبه من ا عز وجل أن يرحمي ويسكنني فسيح‬ ‫جناته‪ ،‬أني كنت‪" ..‬مقاتل" شديد المراس‪.‬‬ ‫وأضاف صاحب الكلمة‪ ،‬مؤكدا أني تعرضت‪ ،‬كمقاتل‪ ،‬للموت عدة‬ ‫مرات كانت إحداهاعندما أصبت‪ ،‬في بيروت‪ ،‬إصابة بالغة ظلت‬ ‫آثارها في وجهي‪ ،‬تزيده اقسوة وشراسة)!(‬ ‫هنا‪ ..‬لم أستطع أن أستمر في التماسك عن الضحك‪ ،‬فقررت أن‬ ‫أغادر المكان‪.‬‬ ‫)في حالت مشابهة‪ ،‬كنت ل أملك إل أن أصدق ما يقال عن فلن أو‬ ‫غيره‪ .‬فأرنى لي أن أعرف الحقيقة؟‬ ‫أما الن‪ ،‬وأنا صاحب الشان‪ ،‬فما الذي أملكه سوى أن أضحك بينما‬ ‫أنا أتساءل بيني وبين نفسي‪:‬‬ ‫هل يتعين علينا أن نعيد النظر فيما سمعناه عن بعضهم؟(‬ ‫وبما أن الخواطر ل تزورنا هكذا‪ ،‬اعتباطا وكما اتفق‪ ،‬بل إنها‬ ‫تتداعى أو تستدعي أحدها الخرى في الظرف المناسب‪ ،‬بحيث‬ ‫أعادت إلى ذاكرتي ما يؤكد أني سمعت ما يشبه تلك الفرية )بينما‬ ‫كنت لم أزل حيا ر أرزق(‪ ،‬وفي أعقاب إصابتي في بيروت‪ ،‬عام‬ ‫‪ ،1980‬اقبيل هبوط الطائرة التي كانت تحمل وفدا كنت أرأسه إلى‬ ‫أحد مهرجانات السينما في ألمانيا )الشراقية(‪ ،‬عندما كان أحد الزملء‬ ‫يحبذ‪ ،‬جاردا‪ ،‬لو أننا أشعنا بين الصحافيين في المهرجان أن إصابتي‬ ‫كانت نتيجة اقصف إسرائيلي لحد المخيمات الفلسطينية التي كنت‬ ‫أاقوم بالتصوير فيها‪ ،‬في الجنوب اللبناني‪.‬‬ ‫لم تكن تلك الصابة إل نتيجة لحادث سير‪ ،‬عندما كان مساعدي‬ ‫يقوم بتوصيلي بسيارته إلى منزلي في أعقاب ليلة عمل‪ .‬فلم أكن‬ ‫أمتلك سيارة في ذلك الواقت‪.‬‬ ‫‪24‬‬


‫) وهنا لبد أن تعود إلى ذهني سخرية بعض المقربين في ذلك الواقت‬ ‫من حالي‪ ،‬وهم الذين كانوا يتندرون مستنكرين أنه‪ ،‬منذ أن كنت‬ ‫طالبا في "فيينا"‪ ،‬وبعدها طوال فترة عملي في تلفزيون "جمهورية‬ ‫مصرالعربية"‪ ،‬اقبل أن أتركها لتفرغ للعمل في بيروت‪ ..‬كانت لي‬ ‫سيارتي الخاصة‪(.‬‬ ‫تسرب إلى مسامعي من بعض الحاضرين‪ ،‬بينما كنت أتسلل لمغادرة‬ ‫المكان وأنا أتماسك وأكتم ضحكاتي‪ ،‬حفاظاعلى جلل المواقف‪ ،‬أن‬ ‫"ماتتشا" شديد الهمية‪ ،‬تقوم ببثه محطات التلفزة‪ ،‬هو الذي كان‬ ‫يحول دون حضور أغلبية المتثقفين لحفل التأبين‪.‬‬ ‫وبالرغم من أن "الثقافة الكروية" كانت مما ل تراقى إليه إهتماماتي‪،‬‬ ‫إل أني لم أر أن هناك ما يتنااقض مع مشاهدتي لهذا الـ"ماتش"‬ ‫الهام‪.‬‬ ‫حدثت نفسي مواسيا )خوفا من أن تسسول لي نفسي أن أزعل(‪:‬‬ ‫‪" ..‬وهل تعتقد أن موتك أجلل ـخطبا من الموت والدمار‬ ‫‬‫الذي حاق بـ"لبنان" إثر الجتياح الرسرائيلي له عام ‪1982‬؟‬ ‫أفلم ينصرف العالم بأسره )والعربي بالذات( آنذاك إلى متابعة‬ ‫ماتشات كأس العالم؟"‬ ‫وسرعان ما استطعت الوصول إلى مطعم "حرمص وفول"‪ ،‬يتجمع‬ ‫العاملون فيه حول جهاز التلفزيون‪ ،‬يتابعون سير المباراة وكلهم‬ ‫عيون‪ ،‬حيث كان اللعب يجري في‪"..‬الواقت بدل الضائع"!‬ ‫حددثت نفسي‪:‬‬ ‫"الحكَم"‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ ‪ ..‬لو أن ا عز وجل‪ ،‬ومن أرسمائه الحسنى‬‫"العدل"‪ ،‬يتعامل مع الفلسطينيين‪ ،‬أوعلى وجه الدقة‪ ،‬مع تلك‬ ‫ضـييعة من الفلسطينيين كما يتعامل "حكم" المباراة‬ ‫الفئة المـ ـ َ‬ ‫العادل مع فريقي كرة القدم‪ ،‬فيحتسب لهم حق "الوقت‬ ‫الضائع"‪ ..‬ويضيفه إلى أعمارهم‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫لو يتحقق لي ذلك‪ ،‬وأنا واحد منهم‪ ،‬فإن لي مطلبا أخيرا هو أن‬ ‫أرى"القدس" اقبل مماتي‪ .‬أو‪،‬على الاقل‪ ،‬أن يتوفاني ا وأنا في‬ ‫طريقي إلى مدينتي‪" ،‬القدس"‪ ،‬وليس إلى غيرها‪.‬‬ ‫هذا علما بأن صديقي "جورج خليفي"‪ ،‬السينمائي الفلسطيني‪ ،‬إبن‬ ‫مدينة "الناصرة" الذي يحمل الجنسية السرائيلية‪ ،‬لكونه من أهل‬ ‫فلسطين المحتلة الذين حباهم ا بعد النظر فآثروا البقاء فيها عام‬ ‫‪ ،48‬اقد وعدي ببذل المستطاع للحصول على تصريح لي لزيارته‬ ‫)بصفته مواطنا إسرائيليا من الدرجة الثانية(‪ .‬ومعنى ذلك أني‬ ‫سأتمكن من السفر من"غزة" إلى "القدس"‪ .‬بل معنى‬ ‫ذلك أن أمنية عيني‪ ،‬التي دبجتها سريعا على شكل شعرعامي**‪،‬‬ ‫مداعبا صديقي الكاتب "زين العابدين"‪ ،‬ومقلدا شقيقه الشاعر الشعبي‬ ‫المعروف "أبوالصادق"‪ ،‬اقبيل رحلتي هذه‪ ،‬سوف تتحقق‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫أصحو من تأملتي وأنأ أشعر بشيء من الخدر‪.‬‬ ‫يضبطني السائق العابس متلبسا لبـ إبتسامة‪ .‬فأمسح أرنبة أنفي بظهر‬ ‫سبابتي وأنا أشعر بما يشبه الحرج‪.‬‬ ‫يدلي السائق بالمعلومة بااقتضاب‪ ،‬بلهجته الغزاوية وبدون أن يتنازل‬ ‫عن عبوسه‪:‬‬ ‫طنا "خانونس"!‬ ‫ اقييل ت‬‫أستغرق بعض الواقت لكي أدرك أن السيارة اقد تجاوزت‪ ،‬في‬ ‫طريقها شمال‪ ،‬مدينة "خان يونس"‪.‬‬ ‫_________________________________________________‬ ‫)** ( منى عيني أروح القدس من غزده ‪..‬‬ ‫أروح "ماشي"‪ ..‬واشوف "لحْجار" كيف بتصير‪..‬‬ ‫ـ بنى وعمارات‪ ..‬على الجنبين منغدزه‪..‬‬ ‫و"الطفال"‪ -‬بدون حجار في إيديهم‪.. -‬‬ ‫وفي عينيهم‪..‬‬ ‫القاهره في ‪18/3/1993‬‬ ‫معاني النصر‪ ..‬والععدزه‪ ... ... ..‬إلخ‬

‫‪26‬‬


‫القدس‬

‫غــزه‬

‫‪27‬‬


‫أحاول أن أحدد ما إذا كان ما اقد رأته "حلم يقظة"‪ ،‬أم "حلم منام"‪.‬‬ ‫ثم أاقرر بأن ذلك ليس مهما‪ .‬المهم أن ا‪ ،‬سبحانه وتعالى‪ ،‬اقد‬ ‫استجاب لرغبتي‪ ،‬وهاهو يتركني لأعيش‪ ..‬في "الزمن الضائع"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫)فـل ش بــــاك‪(..‬‬

‫‪28‬‬

‫*‬


‫يتراءى لي شريط يشبه‪ ،‬بلغة السينما‪ ،‬الـ "فوتومونتاج" السريع من‬ ‫الصور التي تنهمر كما تنهمر الذكريات في مخيلة العاشق‪ ،‬خليطا‬ ‫من مررها وحلوها‪ ..‬بعيدها واقريبها‪.‬‬ ‫أتذكر رحلتي‪،‬عام ‪ ،1948‬من "القدس" إلى"غزه" التي لم أكن‪ ،‬في‬ ‫طفولتي‪ ،‬أُلكن لها حبا يماثل حبي للـ"يافا" مثل‪ ،‬بالرغم من وجود كل‬ ‫منهما على شاطئ البحر‪ .‬فعندما اقرر والدي الهجرة من القدس ليلحق‬ ‫بأهله‪ ،‬لن "الموت مع الجماعه رحمه"‪ ،‬كما كان يقول‪ ،‬كانت‬ ‫"يافا"** اقد سقطت وهاجر أهله‪ ،‬من أهلها‪ ،‬إلى مدينة "غزه"‪.‬‬ ‫وعلى كل حال فقد كان الجميع يقولون‪ ،‬وكان الجميع يصداقونهم‪،‬‬ ‫أنها مجرد رحلة لأيام أو أسابيع معدودة‪ ،‬يعود إثرها كلل إلى بلده‪،‬‬ ‫بعد أن يقوم "الجيش العربي"‪ ،‬أو الجيوش العربية‪ ،‬بتنظيف البلد‬ ‫المقدسة كلها من دنس الصهاينة‪.‬‬ ‫لكن تلك الـ"رحلة" باتت‪ ،‬من حيث ل ندري‪،‬‬ ‫"رحيـــــــــــــ ر‬ ‫ل"!‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫_______________________________ ________________________________‬ ‫)**( أـخلت قوات النتداب البريطانية مواقعها في يافا فجأة ليتسلمها اليهود في ‪ 24/4/48‬وذلك‬ ‫قبل حوالي عشرين يوما من الموعد المحدد لذلك‪.‬‬

‫"‪"1 9 4 8‬‬

‫‪29‬‬


‫عام ‪ ،1948‬كان أخي"عابد" يعمل مدرسا في اقرية "الجيب"‪ ،‬في‬ ‫اقضاء القدس الشمالي الغربي‪ ،‬بعد أن حالت الظروف دون سفره‬ ‫لمواصلة تعليمه الجامعي في الخارج‪ ،‬كما كان يحلم ويخطط‪ .‬ذلك‬ ‫بعد حصوله على شهادة الـ ‪ Matriculation‬التي تعتبر نهاية‬ ‫المرحلة الثانوية‪ ،‬والتي كانوا يسمونها "اليمتتلرك" اختصارا‪ ،‬وهي‬ ‫أعلى مراحل التعليم في بلدنا في ذلك الواقت‪.‬‬ ‫كنت اقد انتقلت‪ ،‬لسباب أمنية‪ ،‬من المدرسة "العمرية" البعيدة في‬ ‫و ُ‬ ‫حي"البقعه" في "القدس الجديدة" إلى المدرسة "الرشيدية"‪ ،‬القريبة‬ ‫من "باب الساهره"‪ ،‬أحد البواب الشمالية لسور"القدس القديمه"‪،‬‬ ‫لمتابعة الدراسة في الصف السابع‪ ،‬آخر سنوات المرحلة البتدائيه‪.‬‬ ‫في تلك الفترة كانت اقد بدأت تنشأ بيني وبين أخي‪ ،‬الذي يكبرني‬ ‫بسنوات ست‪،‬علاقة لم أنعم براقتها وحلوتها من اقبل‪ .‬كأنما أحس‪،‬‬ ‫ل‬ ‫بعد إنهائه للدراسة الثانوية وما كانت تفرضه من إنغماس وتفرغ‪،‬‬ ‫وبعد التحااقه بسلك التدريس‪ ،‬بفراغ جعله يلمس وحدتي بين أخواتي‬ ‫الربعة اللواتي يكبرنني أيضا‪ .‬أو كأنه أدرك أنني مقبل على تلك‬ ‫المرحلة الهامة من العمر‪ .‬أو لعله كان يرى في عينري تلك الحشود من‬ ‫التسامؤلت التي تتكاثرعادة في سنوات المراهقة المبكرة‪.‬‬ ‫هذا‪ ،‬بالضافة إلى تلك التسامؤلت المستجدة التي فرضتها التغيرات‬ ‫المتعااقبة والتطورات المتلحقة فيما كانوا يسمونه "إنتداب‬ ‫بريطاني"و "استعمارإستيطاني" و "صهيونية" و"هاغاناه"‬ ‫و"إرغون" و"شتيرن" و"عمليات إرهابية" و"مورتر" و"هاون"‬ ‫و"تآمر" و"خيانة" و‪ ..‬و‪..‬‬ ‫ناهيك عن "المؤتمرات" و"الملوك والرمؤساء" و"الجيوش العربية"‬ ‫و"جيش النقاذ" و"الجهاد المقدس" و‪ ..‬و‪..‬‬ ‫كلمات يرددها الكبار‪ ،‬والراديو‪ ،‬و باعة "الدفــــــــاع" و‬ ‫"فلسطـــــــــــين"‪ ،‬الصحيفتان اليوميتان في ذلك الواقت‪.‬‬ ‫مفردات جديدة فرضت نفسها علينا نحن الصغار‪ .‬يصاحب ذلك‬ ‫إحساس بالمسئولية بات يلزمني ويتعاظم في داخلي تجاه أاقراني في‬ ‫الحارة‪" ،‬حارة الواد"‪ ،‬وهم في معظمهم الذين كنت أتميزعنهم بأنني‬ ‫‪30‬‬


‫ما زلت أواصل تعليمي‪ ،‬في الصفوف البتدائية‪ ،‬ولم يجبرني أهلي‬ ‫على أن أتركه لللتحاق بعمل‪ ،‬كما هوالحال مع معظمهم‪ .‬وكثيرا ما‬ ‫كانوا يتساءلون أمامي وينتظرون إجابتي لمعرفة ما يجري حولنا‪،‬‬ ‫يقينا منهم بعلمي ومعرفتي لأنني‪ ،‬كما باتوا يلقبونني‪،‬أخو الستـــــــاذ‬ ‫"عابد"‪.‬‬ ‫ذات صباح‪ ،‬لم يتمكن أخي "الستاذ" من الوصول إلى مدرسته في‬ ‫اقرية "الجيب"‪ ،‬إحدى ضواحي مدينة القدس‪ ،‬ول استطعت أنا‬ ‫الوصول إلى مدرستي‪ .‬كانت "طريق الواد"‪ ،‬التي تنحدر من "باب‬ ‫العمود"‪ ،‬الباب الشمالي لسور القدس القديمة‪ ،‬مرورا بحوشنا‪ ،‬حتى‬ ‫ساحة الحرم )حرم المسجد الاقصى(‪ ،‬تعج بمجموعات من الناس‪،‬‬ ‫مكومة تحت القناطر‪ ،‬وفي مداخل الحواش‪ .‬نساء وأطفال وشيوخ‪،‬‬ ‫تكسو وجوههم مسوح من الوجوم والهلع‪.‬‬ ‫الناس يتهامسون أو يتبادلون مسموعاتهم عن ما جرى في إحدى اقرى‬ ‫القدس التي كنت أسمع باسمها لول مرة‪"..‬دير ياسين"‪.‬‬ ‫رأيت في ذلك الصباح كيف يكون الهلع مرتسما على الوجوه‪ ،‬وكيف‬ ‫تكون العيون طافحة بالرعب المذهول‪ ،‬أوالذهول المرعب‪.‬‬ ‫كارثة جديدة من نوعها‪ .‬لم نسمع بمثلها حتى ذلك الواقت أبدا‪.‬‬ ‫لم نكن اقد نسينا برميل المتفجرات الذي دحرجوه في الساحة‬ ‫الخارجية المؤدية إلى"باب العمود" فانفجر واقتل وجرح العشرات من‬ ‫المنين‪ ،‬وما إلى ذلك من العمليات الرهابية التي كانت تفاجئنا بها‬ ‫عصابات الصهاينة‪.‬‬ ‫كما أننا لم نكن بعد اقد أفقنا من كارثة جبل "القسطل"‪.‬‬ ‫فلقد نشبت حول هذا الجبل واقريته معارك دفاعية عديدة حشد لها‬ ‫"المجاهدون" كل طااقاتهم واستنفروا لها الـ "نجدات" من كل مكان‪،‬‬ ‫لنها كانت على جانب كبير من الهمية من حيث مواقعها الذي‬ ‫يشرف على الطريق الذي يربط القدس بيافا والساحل‪ ،‬وكانت آخر‬ ‫هذه المعارك لصالح العصابات الصهيونية‪.‬‬ ‫‪31‬‬


‫في ذلك الواقت ‪-‬حسب رواية أخي لي‪ -‬كان القائد‬ ‫"عبدالقادرالحسيني" اقد رأى أن يقوم بجولة على الملوك والرمؤساء‬ ‫العرب‪ ،‬يستجدي منهم الذخيرة والسلح‪ ،‬ويؤكد لهم عدم حاجتنا‬ ‫للرجال‪ .‬ولما لم يجد منهم استجابة لمطالبه‪ ،‬اقرر هو وحوالي خمسين‬ ‫من رجاله‪ ،‬بما تبقى لهم من ذخيرة وبعض القنابل اليدوية‪ ،‬استعادة‬ ‫الجبل واقريته بعملية تعتبر‪ ،‬بكل المقاييس‪ ،‬عملية انتحارية‪.‬‬ ‫و في يوم ‪ .7/4/1948‬دخل "عبدالقادر" اقرية "القسطل" فاتحا‪،‬‬ ‫ليخرج منها شهيدا‪.‬‬ ‫هزت تلك الكارثة أركان البلد‪ ،‬وتوافد الرجال من كل النحاء إلى‬ ‫ساحة الحرم القدسي للمشاركة في تشييع جنازة القائد الشهيد‪ ،‬مما‬ ‫جعل الفرصة مهيأة للعصابات اليهودية لحتلل "القسطل" مرة‬ ‫أخرى‪.‬‬

‫‪32‬‬


‫_____________________________________‬ ‫)صورة المذكرة التاريخية التي أررسلها"عبد القادر الحسيني" في يوم ‪ 6‬إ بريل من عام‬ ‫‪1948‬إلى الجامعة العربية في اليوم السابق لرستشهاده في القسطل(‬

‫‪33‬‬


‫وفي ليلة السبت ‪ ،48 /10/4-9‬كانت تلك الطامة الكبرى‪ ..‬مذبحة‬ ‫"دير ياسين"**‪.‬‬ ‫عندما تتعرض اقرية بكاملها للتدمير والفناء والفتك والتمثيل دون‬ ‫تمييز‪ ،‬ومن ثم يؤدي ذلك إلى هروب جماعي من القرى المجاورة‬ ‫للمستعمرات اليهودية‪ ،‬ويكون وراء ذلك كله إثنان من القادة الصهاينة‬ ‫البارزين‪" ،‬مناحيم بيجين" و"إسحق شامير"‪ ،‬فل شك بأن العملية‬ ‫مدبرة ومدروسة‪ ،‬ل سيما وأن بعض الناجين من اقرية"دير ياسين"‬ ‫اقد ُشحنوا في سيارات نقل معدة لهذا الغرض إلى القدس لكي يقوموا‬ ‫برواية ما شاهدوه‪ .‬وذلك للقاة الرعب في اقلوب أهل القدس‪.‬‬ ‫رأى والدي‪ ،‬بعد ما تناهى إلينا من الفظائع التي ارتكبت في"دير‬ ‫ياسين"‪ ،‬وبعد تزايد شدة القصف على مدينة القدس القديمه‬ ‫المحاصرة‪ ،‬وبعد ما تردد عن حكايات الرض والعرض‪ ،‬رأى أن‬ ‫بلده "غزه" هي المكان الكثر أمنا الذي يستطيع فيه أن يطمئن على‬ ‫شقيقاتي الصبايا الربعه‪ .‬واقيل أن خالي"علي"‪ ،‬الذي كان اقد استقر‬ ‫به المقام بحكم عمله في "السكندرية"‪ ،‬اقد اتصل بوالدي يشير ويلح‬ ‫عليه أن ينقلهن إلى غزة‪ ،‬بمرافقة شقيقي"عابد"‪ ،‬الذي سرعان ماعاد‬ ‫إلى القدس بعد أن أودعهن في بيت أحد أعمامي هناك‪.‬‬ ‫أما بالنسبة لي‪ ،‬فقد استقر الرأي على بقائي في القدس حتى نهاية‬ ‫السنة المدرسية البتدائية‪.‬‬ ‫لم يكن هناك ما يحول دون واقوع المزيد من الكوارث‪ .‬فقد انكشفت‬ ‫بعد ذلك نوايا "بريطانيا" وخططها الرامية إلى تسليم المدن والموااقع‬ ‫_________________________________________________________‬ ‫)**( جريدة"حيروت" الرسرائيليةالصادرة في ‪ 15/4/49‬عن"عملية دير يارسين"‪:‬‬ ‫"كان من أهم نتائجها هو فرار العرب الجماعي من المدن والقرى‪ .‬وبالتالي فإن مشكلة العرب‬ ‫قد ـحدلت تقريبا‪ .‬فإجلء العرب يمدكننا من توطين المهاجرين مكانهم ‪"..‬‬ ‫أما "بني موريس"‪ ..‬أحد المؤرـخين الرسرائليين الجدد‪ ،‬الذي رفض عام ‪ 1988‬الخدمة في‬ ‫الجيش )في الراضي العربية المحتلة( وفضل السجن عن ذلك‪ ،‬كتب‪ ،‬في درارسته حول‬ ‫"مشكلة اللجئين" التي أصدرها في نفس العام‪ ،‬عن عملية "دير يارسين" قائل أنها‪:‬‬ ‫"كانت ضمن ـخطة مررسومة إرسمها ـخطة "داليت" ‪ ..‬لـخلء فلسطين من أهلها‪ .‬ذلك‬ ‫لن"الدولة اليهودية"حسب قرارالتقسيم لعام ‪ 1947‬كانت رستحتوي على نسبة ‪ %45‬من‬ ‫رسكانها الصليين العرب‪ ..‬فكان ل بد من إـخلء هؤلءالسكان بالقوة‪".‬‬

‫المهمة إلى اليهود اقبل انسحابهم‪ ،‬أوانتهاء انتدابهم المعلن في‬ ‫‪.15/5/1948‬‬ ‫‪34‬‬


‫وبالرغم من أن النجليز كانوا اقد أشاعوا اقرار بقاء اقواتهم في "حيفا"‬ ‫لما بعد ذلك‪ ،‬وعلى وجه التحديد حتى ‪ ،1/8/48‬إل أن الهالي العرب‬ ‫فوجئوا بإخلء القوات البريطانية لموااقعها‪ ،‬في ‪ ،21/4/48‬لتتسلم‬ ‫العصابات اليهودية تلك الموااقع بكامل معداتها الحربية الثقيلة‪.‬‬ ‫وهكذا تم إخلء مدينة "حيفا"‪ ،‬وإجبار جموع الفلول الهاربة من‬ ‫جحيم القصف والتنكيل على التجاه إلى البحر‪ ،‬حيث لم يكن لهم من‬ ‫ملجأ سوى مراكب الصيد التي كانت تنقلهم إلى المنافي **‪.‬‬ ‫وبنفس الطريقة تم إخلء موااقع القوات البريطانية في مدينة "يافا"‪،‬‬ ‫في ‪ .24/4/48‬وبالرغم من أن أهالي "يافا" واقراها‪" ،‬يسلييمه" و"أبو‬ ‫كبير" وغيرهما‪ ،‬ظلوا يقاومون ببسالة‪ .‬لكن العصابات اليهودية‬ ‫شددت هجماتها بشراسة إلى أن تم إجلء معظم السكان عنها‪ ،‬اقبل‬ ‫دخول الجيوش العربية إلى الراضي الفلسطينية‪.‬‬ ‫وكانت اقيادة"جلوب باشا" للفيلق العربي في الجيش البريطاني سابقا‪،‬‬ ‫اقد ساهمت اقبل ذلك في تسليم مدينتي "صفد"و"طبريا"في ذات لشهر‪.‬‬ ‫وكان أخي "عابد" يجيء لوالدي دائما بما يؤكد أن هناك خيانة ما‪.‬‬ ‫ومن الدلة التي كان يسواقها هي إصرار"جلوب باشا"على إبقاء‬ ‫الضباط النجليز‪ ،‬الستة وأربعين ضابطا‪ ،‬في اقياداتهم لـ "الجيش‬ ‫العربي" الردني المنوط به‪..‬تحرير فلسطين )!(‬ ‫كان والدي‪ ،‬ورجال الحارة‪ ،‬وأهل البلد كلها يؤمنون بنوايا الملك‬ ‫"عبد ا" بنصرتنا وتخليصنا من هذا "الكرب"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫___________________________________________________________‬ ‫) **( من هنا جاءت‪ ،‬وا أعلم‪ ،‬مقولة "إلقاء اليهود في البحر"‪ ،‬التي نسبت للعرب‪،‬‬ ‫وروجتها اجهزة العلم الصهيونية بحذق ‪.‬‬

‫أراني‪ ،‬من حيث ل أاقصد‪ ،‬أنساق إلى موضوع أشبعه السياسيون‬ ‫)العارفون بما يجب وما ل يجب أن يقال( تفصيل وتحليل‪.‬‬ ‫ولذلك فإنني سأتواقف لبدأ من جديد‪ .‬فبالرغم من أنني ُأكرن عشقا‬ ‫لقراءة التاريخ‪ ،‬إل أنني لن أدعي بأنني أمتلك حذاقا لكتابته‪.‬‬ ‫‪35‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"معرفة التاريخ ضرورية للشعور باستمرار الوجود‪".‬‬

‫إبن خلدون‬

‫"وهل نستطيع أن نميز بين الظلم والعدالة بدون أن نفهم التاريخ؟"‬ ‫أرنولد توينبي‬

‫‪36‬‬


‫صور لفراد العائله‬

‫" أبوالعابد"‪..‬‬

‫نشأت في عائلة تتكون من "أبوالعابد" و"أم العابد" وأربع أخوات‬ ‫يتوسطهن الخ الوحيد الذي يكبرني بحوالي ست سنوات‪.‬‬ ‫‪37‬‬


‫كنت كما يقولون‪" ..‬آخر العنقود"‪ ..‬سادسهم‪.‬‬ ‫ذاكرتي ل تحتفظ بالكثيرعن والدي في طفولتي المبكرة‪ .‬فقد كانت‬ ‫أيامه تتناسخ متشابهة‪.‬‬ ‫كانت "الوظيفة"‪ ،‬في بلدية القدس‪ ،‬تستغرق نصف النهار الول من‬ ‫كل يوم‪.‬‬ ‫يعود متعبرا‪ ،‬بدون أن تعرف طبيعة عمله بالضبط‪ .‬كل ما تذكره هي‬ ‫تلك البدلة "لجبردين"‪ ،‬التي تنشط "أم العابد" في كسيها كل صباح‪،‬‬ ‫وتلميع أزرارها النحاسية بين حين وآخر‪ .‬ناهيك عن الـ"يكتلبيتك"‬ ‫السود المصنوع من فراء الـ"أستراخان"‪ ،‬والتي تتخذ واجهته‬ ‫المامية‪ ،‬المزينة بالتاج البريطاني النحاسي اللمع‪ ،‬شكل شبه‬ ‫المنحرف‪ ،‬بحيث تستقر اقاعدته الصغرى فوق الرأس‪.‬‬ ‫يستمع إلى نشرة أخبار "محطة الشرق الدنى للذاعة العربية"‪ ،‬التي‬ ‫كانت تذيع برامجها من مدينة"يافا"‪ ،‬في الساعة الثانية من‬ ‫راديو"اقهوة الباسطي"‪ ،‬الراديو الوحيد في الحارة‪ ،‬والذي كان صوته‬ ‫يلحق معظم سكانها ليشاركهم كل ساعات يومهم‪ ،‬وجزءا من الليل‪.‬‬ ‫يتناول "أبوالعابد" غذاءه‪ ،‬يلف سيجارة "الهيشة" بوراقة "البافرة"‬ ‫ببراعة ملفتة للنتباه‪ ،‬يدخنها بشراهة واستمتاع‪ ،‬يصلي‪ ،‬يستريح‬ ‫على الجنبية في غرفته التي تحتل صدرالدار‪ ،‬رأسه على ركبة "إم‬ ‫العابد" المتربعة إلى جواره‪ ،‬وأصابعها تعبث بشعر مؤخرة رأسه‪،‬‬ ‫يتهامسان بهدوء واختصار‪ ،‬وغالبا ما يغفو لفترة اقصيرة ينهض‬ ‫بعدها ليتوضأ ويصلي‪ ،‬وتفوح رائحة اقهوة "أم العابد" التي يعشقها‬ ‫"أبوالعابد" فيرتشفها بمتعة ثم ينهض ليمارس رياضته اليومية‬ ‫الثيرة عنده وهي سقي "الزريعه"‪ ،‬التي أنبتها في البراميل الخشبية‬ ‫الضخمة‪ ،‬الخضراء اللون‪ ،‬ذات الكروش المزرنرة بأحزمة من حديد‪،‬‬ ‫والتي تفوح منها روائح عطرة تغلب عليها رائحة الفل والياسمين‪،‬‬ ‫والعناية بالزهور المتنوعة الشكال واللوان في الصص المختلفة‬ ‫الحجام التي تنتشرفي أنحاء "وسط الدار"‪ ،‬والتي كان يحرص على‬ ‫‪38‬‬


‫رعايتها منذ أن يأتي ببذورها أو بشتلتها من حديقة البلدية‪ ،‬لتعطيه‬ ‫بشذاها ذلك المذاق الخاص المتميز الذي ما زال يسكن حواسك‪.‬‬ ‫يصب الماء بمقادير محسوبة وهو يقترب من الشتلت الصغيرة‬ ‫حتى ليخيل إليك أنه يوشوشها‪ ،‬ثم يعود ليمل الكوز الصغير من‬ ‫البرميل الرابض اقرب حافة البئر‪ ،‬حيث تتجمع مياه أمطار الشتاء‪،‬‬ ‫التي تصبها فيه مزاريب أسطح غرف الدار المقببة‪.‬‬ ‫يذهب بعد أداء طقوسه اليومية هذه‪ ،‬وبعد أن يطمئن على سلمة‬ ‫حديقته وأزهاره وفلره وياسمينه‪ ،‬وبعد أن يرتدي "القمباز"‬ ‫و"الساكو" و"الحطة والعقال"‪ ،‬الى اقهوة الباسطي الملصقة للدار‪،‬‬ ‫ليلعب الـ"ضامه" أو "الدومينو" مع أصحابه‪.‬‬ ‫يعود في المساء‪ ،‬يتعشى‪ ،‬يدخن سيجارة الهيشة‪ ،‬يصلي‪ ،‬يتمتم‬ ‫بالدعية نفسها‪ ،‬يوصينا بمذاكرة الدروس‪ ،‬ينام‪.‬‬ ‫ثم أصحوعلى صوته‪ ،‬في الفجر‪ ،‬وهو يرتل القرآن‪.‬‬ ‫أستطيع أن أاقول أن آيات القرآن المرتلة‪ ،‬بصوت والدي الرخيم‬ ‫الشجي‪ ،‬بشهادة الذين أدمنوا النصات لصوته متسلل من فوق‬ ‫أسطحة البيوت المتجاورة‪ ،‬هي الشيء المتميز الذي كان يصبغ‬ ‫حضوره ويشدني إليه ويربطي به في ذلك الواقت‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫لشدما كانت تزعجني‪ ،‬أو اقل تثيرغيرتي‪ ،‬علاقته الحميمة تلك بأمي‪.‬‬ ‫وأبلغ ما كان يثير إزعاجي هو نكرانها لنا‪ ،‬وللـذاتها‪ ،‬بمجرد عودته‬ ‫إلى الدار‪.‬‬ ‫تتحول عنا إذ راك‪ ،‬بكل جوارحها وعنايتها المركزة‪ ،‬إليه‪.‬‬ ‫مازلت أذكر كيف كنت أعبرعن إحتجاجي على سلوكهما هذا‪،‬‬ ‫بإصراري على النوم في فراشهما‪ ..‬بينهما!‬ ‫لم يعارض والدي ذلك مرة واحدة‪ .‬كانت له عينان ضيقتان تزدادان‬ ‫ضيقا حتى تكادان تختفيان من تحت حاجبيه الكثيفين عندما يبتسم لي‬ ‫‪39‬‬


‫)وندر ما كنت أراه يفعل ذلك‪ ،‬إل في مثل تلك الموااقف( اقبل أن‬ ‫يحتضنني ويظهر تعاطفه مع إصراري‪.‬‬ ‫لكنني‪ ،‬في كل صباح‪ ،‬ولشدة دهشتي‪ ،‬كنت أجد نفسي في فراش‬ ‫آخر‪ ،‬في غرفة أخرى‪ ،‬فأعيد الكرر ة في الليلة التالية "أُتخري مرره"‪،‬‬ ‫كما كانت جارتنا الخليلية "إم سماعين" تقول‪ ،‬فتعود ابتسامة أبي‬ ‫الحانية النادرة الساحرة لتأسرني وتمتص كل ثورتي‪.‬‬ ‫ول أذكر بالضبط متى استسلمت‪ ،‬أوأصابني اليأس‪ .‬لكنني أذكرأنه‪،‬‬ ‫منذ اليوم الول لدخولي المدرسة‪ ،‬في السادسة من عمري‪ ،‬كان‬ ‫لزاما علي أن أشارك أخي "عابد" غرفته لكي يشرف على مذاكرتي‬ ‫لدروسي اقبل النوم‪ .‬هذا إلى جانب أنني‪ ،‬كما أصر والدي‪ ،‬اقد‬ ‫أصبحت رجل‪ ،‬ول يصح إطلاقا أن أنام في حضن أمي‪.‬‬ ‫ طب ما إنت ررجال وبتنام كل يوم‪. .. ..‬‬‫واقبل أن أكمل‪ ،‬تكمم أمي بكفيها وجهي وفمي وهي‪ ،‬كما يبدو‪،‬‬ ‫تحاول أن تداري خجل ل أرى له مبررا‪ .‬وتنضم الحكاية إلى اقائمة‬ ‫النوادر المنسوبة لي والتي دأب الكبار على التندر بها أمام أمثالهم‬ ‫من الكبار‪.‬‬ ‫وأظل أنا سادر في جهلي إلى أن يقوم "إلياس"‪ ،‬أحد أاقراني في‬ ‫المدرسة البتدائية‪ ،‬في حي "المصراره"‪ ،‬بشرح المسألة بطريقته‬ ‫النابعة من تجربته الخاصة‪:‬‬ ‫ بتعرف كيف أنا انولدت؟‬‫ كيف؟‬‫ أبوي عمل مع إمي " كلم رزيل"‪ ..‬اقامت إمي حبلت وجابتني‪.‬‬‫ولم أجرمؤ‪ ،‬طبعا‪ ،‬أن أفاتح أحدا باكتشافي للسرالغامض‪.‬‬ ‫لم أكن‪ ،‬في الصل‪ ،‬أصدق أن المهات والباء يمكن أن يرتكبوا‬ ‫مثل تلك الرذائل )!(‬ ‫وانتظرت طويل لعل أمي أن تحبل‪ ،‬لكنها لم تفعل‪ .‬فعزوت ذلك إلى‬ ‫جهل صديقي "إلياس"‪ ،‬أو ما اقد يكون هناك في المعلومة من إلتباس‪.‬‬ ‫لكن سرعان ما حبلت جارتنا الخليلية "إم سماعين"‪ ،‬التي كانت‬ ‫تخصني بقدر كبير من الحب والمودة والتدليل‪ .‬وفي لحظة وضعها‬ ‫‪40‬‬


‫اكتشفت ستي "إم عارف الباسطي"‪ ،‬الداية‪ ،‬أنني كنت كامنا في أحد‬ ‫أركان الغرفة‪ ،‬أراقب ما يدور في صمت‪ ،‬فصاحت بي صيحتها‬ ‫المعهودة‪:‬‬ ‫ يوليتك يا عكروت‪...‬‬‫لكن صرخة مدوية صرفت نظر الدراية عني لتشمرعن ذراعيها‪،‬‬ ‫وتوجه صيحاتها إلى "إم سماعين" طالبة منها أن " تحزق"‪،‬‬ ‫ومكررة طلبها‪ ..‬كمان‪ ..‬وكمان‪ ..‬وكمان‪ ..‬بتصاعد متزايد لتساعدها‬ ‫على استخراج الوليد الذي أطل برأسه من المكان الذي حدده‬ ‫"إلياس"‪.‬‬ ‫وسرعان ما حملته "إم صالح" من اقدميه‪ ،‬بعد أن اقطعت حبله السري‬ ‫وعقدته بسرعة ومهارة‪ ،‬وأخذت تصفع مؤخرته الحمراء وهو‬ ‫يصرخ بها‪ ،‬وهي تصرخ بي بعد أن أطلقت زغروتة مدوية‪:‬‬ ‫ ولك يا عكروت‪ ..‬فلتز ‪ ..‬اقوم‪ ..‬روح لبو سماعين اقول له "الولد"‬‫أجا‪ ..‬وخود منه "البشاره"!‬ ‫كان "أبو سماعين"‪ ،‬كعادته‪ ،‬يجلس في" اقهوة زعتره" القريبة من‬ ‫"باب العامود"‪.‬‬ ‫لطتر ُ‬ ‫ت‪ .‬ولم تمض داقائق معدودة‪ ،‬حتى عدت بخفي حنين‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"إم العــــابد"‬

‫لن يتهمني أحد بالنحيازإلى "إم العابد"‪ .‬لنها‪ ،‬وبكل بساطة‪ ،‬أمي‪.‬‬ ‫فهوعلى أي حال إنحياز مشروع‪.‬‬ ‫فما بالنا لو كانت تستحق ذلك بجدارة‪ ،‬وبشهادة جميع أهل الحاره؟‬ ‫‪41‬‬


‫بيت"إم العابد"‪ ..‬ذوق"إم العابد"‪ ..‬تولد"إم العابد"‪ ..‬تفصيل وخياطة‬ ‫"إم العابد"‪.‬‬ ‫ر‬ ‫كانت دائما هي مضرب المثل بالست "المعدله"‪.‬‬ ‫رحمة ا عليك يا "إم العابد"‪.‬‬ ‫كأنما كانت تدخل في سباق دائم مع كل المهات الخريات‪ ،‬تسهر‬ ‫الليالي استعدادا له‪ ،‬فإذا جاء الصباح الباكر من كل يوم‪ ،‬وجد تولد‬ ‫"إم العابد"‪ ،‬وأبوهم من اقبلهم‪ ،‬كل ما يحتاجونه في أكمل صورة‪.‬‬ ‫لم يشعر أحدنا بأاقل من التفوق على كل الاقران أنااقة ونظافة‬ ‫وحسن مظهر‪.‬‬ ‫كما لم يخطر ببال أحد يوما أن يتساءل‪:‬‬ ‫لماذا كان "أبو العابد" يهيم بها حبا؟‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كانوا يقولون عنا‪" :‬أغنى ناس في حارة الواد"‪ ،‬والحارات المجاورة‪.‬‬ ‫وكنت أسمع أمي تقول تعليقاعلى ذلك‪:‬‬ ‫"الصيت ول الغنى"‪.‬‬ ‫وعندما يزورنا المعارف والصداقاء أو الاقارب‪ ،‬كان أهل الحارة‬ ‫يزدادون يقينا بذلك‪.‬‬ ‫"باص" مدرسة "صهيون" الذي كان سائقه‪ ،‬بعد أن يفرغ حمولته‬ ‫من أطفال المدرسة المجاورة لنا‪ ،‬يلجأ يوميا إلى نقطة إلتقاء "طريق‬ ‫اللم" الضيق مع "طريق الواد" التي من "باب العامود"‪ ،‬حيث تقع‬ ‫دارنا‪ ،‬ليتمكن من الدوران والعودة من حيث أتى‪" ..‬باب السباط"‪،‬‬ ‫كان هوالسيارة الوحيدة التي تعرفها حارتنا في القدس القديمة‪ .‬وتأتي‬ ‫بعد ذلك سيارة خالي "توفيق"‪ ،‬الـ"أوستن"‪ ،‬التي لزيارتنا من‬ ‫"غزه"‪.‬‬ ‫كان أهل الحارة يقولون عن خالي "توفيق"‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬هادا ررجال غني‪ ،‬وعنده "تاكسي تسكارسا"!‬‫‪42‬‬


‫لم يكن من بين مفرداتهم ما يعني‪ :‬سيارة خاصة‪"..‬م ر‬ ‫لكي"‪.‬‬ ‫أما المعارف والصداقاء فكانوا‪ ،‬عند الزيارة الولى لدارنا‪ ،‬يفغرون‬ ‫أفواههم في صمت‪ .‬ول تدري أهو لشدة تواضع الدار ومحتوياتها‪ ،‬أم‬ ‫لشدة تناسق تلك المحتويات ونظافتها‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كانت تصدرعن بعضهم تعليقات وتسامؤلت عن سر تمسكنا‬ ‫بهذا المواقع المتواضع‪ .‬وكانت "إم العابد" ترد‪ ،‬وعيناها المتراوح‬ ‫لونهما بين خضرة الزيتون ولون العسل‪ ،‬مترعتان بالرضى والحمد‬ ‫ل‪ ،‬بما معناه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬يكفي أننا نمتلك هذه الدار‪.‬‬‫وكثيرا ما تناهى إلى مسامعي وشوشات "إم العابد" و "أبوالعابد"‬ ‫التي تنم عن أزمات مالية وضيق ذات اليد‪ .‬لكن أحدا لم يشعر بما‬ ‫يمكن أن يترتب على ذلك‪.‬‬ ‫أذكر أني سألت أمي ذات مرة‪:‬‬ ‫ ليش إحنا مش أغنيا زي أخوالي وأعمامي‪ ..‬وبقية أاقاربنا؟‬‫تنهدت و اقالت لي‪:‬‬ ‫ بيقولوا عن أبوك إنه "غاوي فقر"‪.‬‬‫بس أنا بقول إنه نفسه عزيزه عليه‪.‬‬ ‫ثم أكملت وكأنها تحدث نفسها‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬يمكن أكثر من اللزم شويه‪ ،‬وحامل السلم بالعرض‪.‬‬‫ شو يعني؟‬‫ ُبكره بتعرف يارمه‪.‬‬‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫اقمباز"أبوالعابد" الجوخ يتحول بقدرة اقادر إلى بنطلون طويل يتباهى‬ ‫به أخي "عابد" أمام زملءه‪ ،‬إلى جانب البنطلون الجبردين‬ ‫الذي"دبيرته"** له صاحبة النامل الذهبية‪ .‬ول يلبث‪ ،‬في الموسم‬ ‫ي‬ ‫التالي أوالذي يليه‪ ،‬أن يفقد نصفه السفل ويتضاءل حجمه مع بعض‬ ‫‪43‬‬


‫التعديلت‪ ..‬فيصبح "شورت" من ممتلكاتي أنا فأرتديه‪ ..‬وأتغندرفيه‪.‬‬ ‫وهو في الصل جزء من لباس "الوظيفه" الرسمي لبي العابد‪.‬‬ ‫ولم تكن "إم العابد" تتردد في الذهاب لشراء "فضلت" الاقمشة من‬ ‫محلت اليهود في"شارع يافا" في القدس الجديدة‬ ‫أيام"الوكازيونات"‪ ،‬لتصبح هذه الفضلت‪ ،‬بقدرة اقادر أيضا‪،‬‬ ‫"فساتين" و"تنانير" و"بلوزات" تتساءل الخريات عن مكان بيعها‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كانت الجارات يقمن باستعارة هذه القطعة أو تلك )واقد‬ ‫انطلت عليهن إدعاءات شقيقاتي بأن خالي "علي" اقد أحضرها من‬ ‫"بيروت"(‪ ،‬ليذهبن بها إلى "الخرياطه" التي سوف تقوم بدورها بنقل‬ ‫"الموديل"‪ ،‬الذي كان من بنات أفكار"إم العابد"‪ ،‬أو نقلعن أحد‬ ‫"الجورنالت"‪ ،‬مع كثير من التعديلت‪.‬‬ ‫لن أوفيها حقها مهما اقلت‪.‬‬ ‫ومهما أوتيت من فصاحة أو بيان‪.‬‬ ‫أكاد ل أفرق بين أمي وبين "أغنيات" إيام زمان‪.‬‬ ‫كل المواهب تحاول أن تؤديها‪.‬‬ ‫لكنها ل تستطيع أكثر من أن تعيدها )تلك الغنيات( إلى الذهان‪.‬‬ ‫______________________________________________________________‬ ‫)**( إعادة حياكة لباس شخص بحيث يغدو ملئما لشخص آـخر ‪ .‬ولم أرسمع هذا التعبير إل من‬ ‫"أم العابد" ‪.‬‬

‫ولدتني أمي مرتين‪ ..‬هكذا كانت تقول!‬ ‫المرة الثانية عندما أصابني ذلك المرض اللعين‪ ،‬ذو العوااقب‬ ‫الملعونة‪ .‬كيف نجو ت من لعنته؟‬ ‫هذا هو مصدر تعجب ودهشة الكثيرين ممن عرفوا اقصتي معه‪ .‬اقيل‬ ‫أني اقضيت شهرا كامل في "مستشفى الراهبات"‪ .‬لن أذكر تفاصيل‬ ‫هذا الشهر في المستشفى‪ .‬ليس لصغر سني آنذاك‪ ،‬حيث كنت‪ ،‬كما‬ ‫يقولون‪ ،‬لم أتعد الثالثة من عمري بعد‪ ،‬ولكن لني كنت غائبا عن‬ ‫الوعي‪.‬‬

‫لكن‪..‬أتذركرني‪ ،‬بعد خروجي من المستشفى‪ ،‬واقد حملني "عارف‬ ‫الباسطي"‪ ،‬ابن جيراننا البكري‪ ،‬ليطوف بي بفرح وسعادة واحتفاء‪،‬‬ ‫‪44‬‬


‫وراح يوزع حلوى الـ"طوفي"‪ ،‬على أولد الحارة‪ ،‬من مرطبان‬ ‫زجاجي كبير الحجم كروي الشكل كان يتصدر دكانه المجاورة‬ ‫للحوش‪.‬‬ ‫أتذكر أيضا ذلك القفص الضخم المصنوع من جريد النخل‪ ،‬الذي كان‬ ‫يحوي أكثر من عشرين زوجا من الطائر الساحلي الموسمي‪ ،‬الفسري‪،‬‬ ‫أو السرمان‪ ،‬والذي عادني به خالي"توفيق"‪ ،‬بسيارته الـ"أوستن" من‬ ‫"غزة"‪ ،‬لدى خروجي من المستشفى معافى من "التيفوئيد"‪.‬‬ ‫ويظل عدد الطيور يتنااقص كل يوم‪ .‬وأنا أتماثل للشفاء وأسترد اقوتي‪،‬‬ ‫التي كانت تظهر بوادرها عندما أتشبث بحافة السرير النحاسية لكي‬ ‫أساعد سااقي الهزيلتين على الواقوف‪ ،‬فيصفق لي الحاضرون فرحا و‬ ‫تشجيعا‪.‬‬ ‫كان يحلو لي دائما أن أستحلف أمي أن تحكي لي‪ ،‬أُتخري يمبره‪،‬‬ ‫تفاصيل تلك اليام العصيبة‪ .‬فتروي لي أمي وكأنها تفعل ذلك للمرة‬ ‫الولى‪ ،‬كيف كانت تقضي الليل ساهرة إلى جانبي‪ ،‬بينما أنا غائب‬ ‫عن الوعي‪ ،‬لعزاء لها سوى أنفاسي الواهية كدليل على أنني‬ ‫مازلت على اقيد الحياة‪.‬‬ ‫ ‪ ..‬وفي أحد الليالي‪...‬‬‫تحكي أمي بصوت حزين واجف‪ ،‬فتدمع عيناي من شدة تأثري‪،‬‬ ‫كيف وضعت أذنها على صدري كي تسمع داقات اقلبي بعد أن‬ ‫ساورها الشك بانقطاع أنفاسي‪ ،‬فأحست أن اقلبها سوف ينخلع من‬ ‫صدرها أو يتواقف عن الخفقان‪ ،‬وراحت تصيح مستنجدة بالراهبة‬ ‫المناوبة‪.‬‬ ‫جاءت الـ"نارس"‪ ،‬كما تروي أمي‪ ،‬مهرولة تحاول طمأنتها‪:‬‬ ‫ حبيبتي إنتي لزم ينام‪ ..‬ما تخافيش‪..‬هو للرسه موش يموت الليله!‬‫فتشهق أمي وتدق بيدها على صدرها‪ ،‬ثم تستعيذ بال من شر تلك‬ ‫اللحظة‪.‬‬ ‫ثم تروي لي في مرة أخرى‪ ،‬بعد إلحاح مني‪ ،‬بأداء ممثل محترف ل‬ ‫يعجزعن تكرارالمشهد بنفس المقدرة والبراعة مهما تطلب المر من‬ ‫إعادة‪ ،‬كيف سمعت للمرة الولى‪ ،‬بعد غيبوبة طالت‪ ،‬مع خيوط‬ ‫‪45‬‬


‫الفجرالولى‪ ،‬أنينا واهيا يصدر مني كأنما كنت أطلب شيئا معينا‪،‬‬ ‫وهي تحاول‪ ،‬والفرحة تفر من عينيها دموعا‪ ،‬أن تستوضح مطلبي‪،‬‬ ‫بينما أنا ل أكف عن التكرار محاول التعبيرعن شيء ما‪ .‬وتقوم أمي‬ ‫بتقليدي بصوت واله ممطوط‪:‬‬ ‫ إيـ …………وي ‪ ..........‬آ ……… تو!‬‫ إيش يامه؟ إيش بتقول يا حبة عيني؟‬‫ إيـ…………وي ‪ ..........‬دا ‪ …….‬وت!‬‫ يا وردي على إمك يا حبيبي‪ ..‬إيش اللي بتقوله؟‬‫ إيـ ‪ …...‬دوي ‪ ......‬دا ‪ ......‬تو!‬‫ وبعدين يامه‪ ..‬وا ماني عارفه إيش اللي بدك إياه ‪..‬‬‫اقول يا حبيبي كمان مره‪ ..‬اقول!‬ ‫ويطول الحوار أو يقصر‪ ،‬حسب مزاج والدتي في ذلك اليوم‪،‬‬ ‫وينتهي بأنني كنت أحاول أن أاقول‪:‬‬ ‫ضتو!‬ ‫ إضوي ال ب‬‫و ذلك ما كان بداية أمارات استردادي لصحتي وشفائي التام ‪..‬‬ ‫وميلدي من جديد‪.‬‬ ‫ل أستطيع الن أن أجزم أن أمثال تلك الصور‪ ،‬التي كانت ولم تزل‬ ‫تزخر بها ذاكرتي عن طفولتي المبكرة‪ ،‬هي من وحي معايشتي‬ ‫ورمؤيتي لها‪ ،‬أم من تأثير تكرار سماعي لوصفها من أمي وأخواتي‪.‬‬ ‫هل يمكن لنسان ولد في أوائل عام ‪ ،35‬أو حتى ‪ ،34‬أن‬ ‫يتذكرأحداثا من "إضراب عام ‪ "36‬الشهير؟ أو تفاصيل رحلة‪،‬‬ ‫بحذافيرها‪ ،‬إلى بيروت لحضور "عرس" هناك‪ ،‬عام ‪38‬؟‬ ‫كان العريس هو خالي "علي"‪ ،‬أبو نبيل‪ .‬وما زلت أذكر اليوم الذي‬ ‫رافقت فيه الهل لشراء "الشبكة"‪ ،‬أو شيء من هذا القبيل‪ ،‬عندما‬ ‫مررنا ببائع للطرابيش‪ ،‬وتزعفلت على أرض "سوق سُترسُق"‬ ‫البيروتي إصرارا مني على شراء طربوش لي‪ ،‬أسوة ببقية أفراد‬ ‫"الجاهة" من الرجال‪ .‬وظل الطربوش شاهدا على هذه الحادثة حتى‬ ‫تركته في القدس‪،‬عام ‪.48‬‬ ‫هل كانت هي ذاكرة الخرين؟‬ ‫‪46‬‬


‫هل كانت ذكرياتي تلك‪ ،‬الموغلة في البعد‪ ،‬هي مجرد إنطباعات‬ ‫حفرتها ثرثرات الخرين الذين كنت أسمعهم يتندرون بتلك القصص؟‬ ‫ربما‪ .‬ولكنني على يقين أنني أحتفظ بصور أخرى كثيرة‪ ،‬من صميم‬ ‫تجربتي وانطباعاتي‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"إم رسـمــــــــاعين" ‪..‬‬

‫كثيرات كن المهات اللواتي كان يعج ويشتهر بهن حوشنا‪ ،‬حوش‬ ‫"آل خرمنده"* في حارة الواد‪ ،‬في القدس القديمة‪.‬‬ ‫"إم خضر"‪ ،‬و"إم لطفي"‪ ،‬و"إم فارس"‪ ،‬و"إم عارف الكبيره"‪،‬‬ ‫"القابلة القانونية"‪) ،‬الدايه اللي سحبتني‪ ،‬حسب تعبيرها هي(‪ .‬وهناك‬ ‫كبنتها "إم عارف الزغيره"‪ ،‬زوجة إبنها "أبو عارف الباسطي"‬ ‫صاحب "مقهى الباسطي" الشهير أو "اقهوة السبيس" التي أخذت‬ ‫إسمها من مبنى "هوسبيس النمسا" الضخم المجاور بحديقته المدرجة‬ ‫الواسعة‪ ،‬وسوره الشاهق العلو الممتد شراقا وشمال‪ ،‬ومدخله المهيب‬ ‫المرتفع بالدرجات الحجرية المؤدية إليه‪.‬‬ ‫وهناك "إم مصطفى" التي اشتهرت‪ ،‬إلى جانب لكنتها الحيفاوية‬ ‫وكلماتها "إرسا" و"خايتاه" **‪ ،‬بلقب "إم أبوالنوم" بعد أن انكشفت‬ ‫‪47‬‬


‫حيلتها التي لجأت إليها لتتخلص من مضايقات وحيدها وتتفرغ‬ ‫لثرثراتها مع بقية أمهات الحوش بأن أرضعته مشروبا يقال له "أبو‬ ‫النوم"***‪ ،‬فأدمن الرضيع عليه‪.‬‬ ‫ولأنسى"إم علي" المفترية‪ ،‬التي اشتهرت بين الجارات بعينيها‬ ‫الواقحتين الواسعتين "مثل اقرص الجبنه"‪ ،‬كما وصفتها "إم مصطفى"‬ ‫مرة‪ ،‬وهي التي اتهمتني يوما بالتحرش بإبنتها البيضاء الملظلظة‬ ‫"كوكب" مؤكدة لوالدتي أنها رأتني رمؤيا العين أثناء أحتضاني لها و ‪..‬‬ ‫و‪ ، ..‬بينما أنا أذوب استحياء وخجل من سماع إتهاماتها الباطلة‪.‬‬ ‫________________________________________________‬ ‫) * ( إسم الحوش كما هو مدون في الكوشان ‪ ..‬وثيقة ملكية الدار‪.‬‬ ‫)**( إرسا > هرسا > هرس تع > هالساعه > هذه الساعة > الن !‬ ‫خايتاه > أختاه !‬ ‫)***( مغلي أوراق الخشخاش ‪.‬‬

‫أما "إم سماعين"‪ ،‬الخليلية‪ ،‬فهي أاقرب جيراننا إلينا‪ ،‬حيث كانت‬ ‫تسكن مع زوجها‪ ،‬الذي ل أذكرالكثير من ملمحه‪ ،‬في غرفتين‬ ‫استقطعهما والدي من دارنا الوسيعة‪.‬‬ ‫وهي صاحبة البتسامة العريضة التي ندر ما كانت تفاراقها‪ ،‬والتي‬ ‫كانت تكشف عن نابين صغيرين من ذهب‪ ،‬يتخللن أسنانها البيضاء‬ ‫التي ل تختفي‪ ،‬حتى وهي تنطق بحرفي "الميم" و"الفاء"‪ ،‬عندما‬ ‫تتحدث عن "حرمام الشفا" الذي يتعهده زوجها‪ ،‬والكائن بالممرالمعتم‬ ‫المؤدي إلى "باب القطانين"‪ ،‬أحد أبواب الحرم الشريف‪.‬‬ ‫كانت "إم سماعين"‪ ،‬ذات الصول المصرية التي تتجلى في خفة‬ ‫دمها وحضور بديهتا ونكاتها )التي كانت الجارات تصفنها بأنها "من‬ ‫الزنرار وتحت"(‪ ،‬مغرمة بحضور أفلم السينما المصرية‪ .‬وكنت‬ ‫بدوري مغرما بسماع روايتها لقصص تلك الفلم بأسلوب سردها‬ ‫المشوق لدق تفاصيلها وحذافيرها‪ .‬وكانت سعادتي تبلغ ذروتها عند‬ ‫عودتها من مدينة "بلبيس" المصرية لزيارة أهل زوجها ذوي الجذور‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬ومن ثم "اقاهرة المعز"‪" ،‬المحروسة"‪ ،‬و"السيدة زينب"‬ ‫و"باب الشعريه"‪ ،‬حيث نشأ وترعرع إبن جيرانهم مطرب الملوك‬ ‫والمراء‪" ،‬محمدعبدالوهاب"‪ ،‬الذي أكدت لي أنا‪ ،‬بعد إلحاحي‬ ‫بالسؤال‪ ،‬أنها رأته "شخصي" لعدد ل يحصى من المرات‪ ،‬وحيث‬ ‫‪48‬‬


‫يمتلك عمها دارا للعرض السينمائي كانت تصرعلى تسميتها‬ ‫"سيلـ يما"‪ ،‬والتي كان جمهورها يستمتع بالفرجة على الفلم وهو‬ ‫متربع على الحصيرة‪ .‬عندها كانت تفسح لي مكانا إلى جوارها‬ ‫فأصغي إليها مبهورا بينما هي منهمكة في وصف القاهرة ولياليها‪،‬‬ ‫وحدائقها‪ ،‬وملهيها‪ ،‬وشوارعها‪ ،‬وترامها‪ ،‬ومسارحها‪،‬‬ ‫و"سيلـ يماتها"‪ ..‬وحذافير اقصص أفلمها‪ ..‬وتفاصيلها‪.‬‬ ‫أرادت إحدى الجارات‪ ،‬ذات مرة‪ ،‬أن تجاريها في رواية تفاصيل‬ ‫ذلك المشهد المثير في فيلم "رصاصة في القلب"‪ ،‬حينما كان عبد‬ ‫الوهاب يردد أغنية "المريه تروي العطشان" بينما هو‪) ،‬اقدرام الناس من‬ ‫غير لخشا ول حيا(‪ ،‬يستحم في البانيو!‬ ‫سألتها "إم سماعين" بغتة‪:‬‬ ‫ت‬ ‫ وين كنتي اقاعده يوميتها يام علي‪ ..‬اقدام والل ورا‪ ..‬بل اقافيه؟‬‫ردت "إم علي" بعظمة تجبلت واضحة على أوداجها التي انتفخت‬ ‫فجأة‪:‬‬ ‫ على سلمته "أبوعلي"‪..‬عمره ما اقيـ ي ي‬‫طـ يع لي إل في اللوج‪.‬‬ ‫فما كان من "إم سماعين" إل أن أسكتتها بإشارة استخفاف من يدها‬ ‫مصحوبة بصوت مصمصة شفتيها‪ ،‬أسفا لجهل "إم علي"‪ ،‬اقبل أن‬ ‫تفصح‪:‬‬ ‫ إيش أاقول أنا اللي كنت اقاعده‪ ،‬إسم ا على اقيمتك‪،‬‬‫في"البلكون"‪ ..‬وا وكيلك‪ ..‬شايفه من فوق‪ ..‬كل المسـائل؟!‬ ‫ثم تعقب بسرعة‪ ،‬وبلهجتها المصرية‪:‬‬ ‫هو انتي ياختي شفتي حاجه؟‬ ‫‬‫فتنطلق عاصفة من الضحكات المكبوتة‪ ،‬التي كانت تنتظر"إم‬ ‫سماعين" لتفرج عنها‪.‬‬

‫‪49‬‬


‫وكثيرا ما كنت أسترق السمع لحاديثها عن اقصص زبونات الحمام‬ ‫الذي خصص يومي الخميس والثنين للنساء فقط )وهي في‬ ‫معظمها‪ ،‬كما كانوا يقولون‪ ،‬اقصص "من الزنار وتحت"(‪.‬‬ ‫لم أكن في البداية أدرك لماذا تثير تلك القصص ضحك الجارات‬ ‫حتى تدمع عيونهن‪ .‬وكثيرا ما كنت ألحظ أمي وهي تغمز لها أو تكز‬ ‫بأسنانها على شفتها السفلى‪ ،‬في الخفاء‪ ،‬لكي تكف عن الحديث أمامي‬ ‫في هذه المور‪ .‬لكن سرعان ما كانت "إم سماعين" تمد يدها إلى‬ ‫أسفل بطني وهي تقول ضاحكة بلهجتها الخليلية‪:‬‬ ‫هيك لزم ليعلرف‪.‬‬ ‫ت‬ ‫ ‪ ..‬ما هو لُتخري هيكت‬‫وتمرالسنوات سراعا‪.‬‬ ‫وتبتسم أمي‪ ،‬ابتسامة ذات معنى‪ ،‬وهي تجففني بمنشفة الحمام اقائلة‪،‬‬ ‫بعد أن داققت النظر في شعيرات يميل لونها إلى السواد بدأت تغزو‬ ‫ذلك المكان‪ ،‬أنه اقد آن الوان للقيام‪ ،‬بمفردي‪ ،‬بمهمة الستحمام‪.‬‬ ‫وبدأت أسمع أاقراني يتحدثون عن تلك الشعيرات وعن ظواهر أخرى‬ ‫أثارت فضولي‪ .‬بل إن انفرادي في غرفة الحمام‪ ،‬حسب تعليمات‬ ‫أمي‪ ،‬أتاح لي فرصة محاولة "تجربة"الصابون التي ازدادت وشوشة‬ ‫الاقران عنها إلى درجة التباهي بنتائجها التي تشير إلى العبور إلى ‪..‬‬ ‫الرجولة‪.‬‬ ‫وظلت "إم سماعين" تحكي اقفشاتها ول تتحرج من وجودي‪ .‬بل‬ ‫أصرت في أحد المرات على أن تعاود إصطحابي معها‪ ،‬يوم خميس‪،‬‬ ‫إلى "حمام الشفا"‪ ،‬وهو اليوم المخصص للنساء بالرغم من تحفظ‬ ‫والدتي التي حاولت أن تلمح لها بأن الولد اقد بلغ سن البلوغ‪.‬‬ ‫لكنها اقهقهت حتى استلقت على ظهرها وهي تقول‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬حرام عليكي يا مستوره‪ ..‬للرساُته ي‬‫طفلتل!‬ ‫*‬

‫‪50‬‬

‫*‬

‫*‬


‫غيوم من البخار‪ ،‬كالغللت‪ ،‬تلتحف بها النساء والصبايا‪ ،‬والفتيات‬ ‫الصغيرات اللواتي ينافسن الكبار في الحرص على إخفاء أجزائهن‬ ‫عن أعين ذكور الطفال الدخلء أمثالي‪ .‬لكن سرعان ما تعيدهن‬ ‫رغاوي الصابون و فقاعاته إلى أصولهن البريئة ولهوهن‪ ،‬فتنطلق‬ ‫الصرخات ويتزايد ارتفاع "صوتيات" الحرمام العام التقليدية‬ ‫المشهوره‪.‬‬ ‫خليط من الناث من مختلف العمار‪ .‬بعضهن عاريات تماما‪.‬‬ ‫وأخريات أبى حيامؤهن إل أن تحتفظ الواحدة منهن بقطعة ملبس‬ ‫داخلية أو اثنتين‪ ،‬أو بقميص ابتل والتصق باللحم‪ ،‬وغدا كما يقول‬ ‫الشاعر‪ ،‬كثوب الرياء‪ ..‬يشف عما تحته‪.‬‬ ‫العجائز منهن غير مباليات‪ .‬منهن من يستظرفن بمداعبة بناتهن أو‬ ‫حفيداتهن‪ ،‬دعابات ما كنت أظنها مباحة إل في ذلك المكان فقط‪.‬‬ ‫ومنهن من يحاولن لفت أنظار الطائشات إلى التمسك بأهداب‬ ‫الصول‪.‬‬ ‫وصبية تتشبه بفتيات المجلت الجنبية في إبرازعريها في أحسن‬ ‫أوضاعه‪.‬‬ ‫وأخريات يمصمصن شفاههن ويلوين أعنااقهن ويتبادلن نظرات‬ ‫تفيض بالغيرة والحسد‪.‬‬ ‫إحداهن تطارد الخرى لتثأر لنفسها من دعابة بريئة أو غير بريئة‪،‬‬ ‫فتنزلق على بلط الحمام الذي لم يكف لمعانه وابتلله عن التحذير‬ ‫من مغبة المطاردات‪ .‬تنطلق الضحكات ويعلو الصراخ تعليقا على‬ ‫أوضاع الجسد المتزحلق الذي فقد اتزانه واقدرته على الحتشام‪،‬‬ ‫فأهتدي إلى أسباب أخرى لرتفاع أصوات رواد الحمرام‪..‬غير انقطاع‬ ‫المياه‪.‬‬ ‫وهنا أمم انتبذت مع صبيتها مكانا اقصيا لـتمارس عمل ل يليق أن‬ ‫تمارسه‪ ،‬هكذا‪ ،‬أمام الجميع‪ ،‬وتهمس في أذنها ما ل يليق أن يسمعه‬ ‫أحد‪.‬‬ ‫وعجوز تستعرض مهارتها في التكبـيس‪ ،‬وأخرى تتفنن في التليـيف‬ ‫والتكيـيس‪.‬‬ ‫‪51‬‬


‫وكاعب أخذت تغطي نهديها النافرين بخصلت شعرها المبتل‬ ‫المرسل‪ ،‬وهي بذلك إنما تستلفت النظار إليهما باعتداد واعتزاز‪.‬‬ ‫وامرأة تروح وتجيء وهي تضم صدرها الخذ في الترهل بيد‪ ،‬كأنما‬ ‫هي تخشى أن يسقط منها‪ ،‬وبكف يدها الخرى تجاهد أن تخفي ملتقى‬ ‫أسفل بطنها بسااقيها‪.‬‬ ‫وصبية أخرى تتباهى بشعرها الذي ينسدل على ظهرها حتى يكاد‬ ‫يغطي كرتي مؤخرتها المتأرجحتين بإيقاع مدروس وخبرة متوارثة‪،‬‬ ‫وأمها تتابعها بابتسامة راضية فخورة‪.‬‬ ‫وأنا‪ ،‬كالملح الحديث العهد بأمواج العماق‪ ،‬تائه في بحرالنوثة‪.‬‬ ‫أحاول‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬أن أاقرأ السطورالمبهمة أو أن أفك الرموز‬ ‫المختلطة علري‪ ،‬وأتعرف إلى مفردات لغة جديدة‪ ،‬لغة العري‪ ،‬تتغنى‬ ‫بها اقبيلة الناث تلك‪.‬‬ ‫أتظاهر بالبحث عن "إم سماعين"‪ ،‬فإذا وجدتها أبادلها البتسام مع‬ ‫افتعال البراءة‪ ،‬لن ابتسامتها الشقية ترميني بما يشبه التهام‪.‬‬ ‫ثم أواصل رحلتي في عالم جديد متجدد‪ .‬فقد سبق أن أتاحت لي "إم‬ ‫سماعين" خوض التجربة في مرات عديدة لم يكن لها ذلك المذاق‪،‬‬ ‫بعيون لم يكن لها تلك القدرة الجديدة على الكتشاف والولوج‬ ‫والختراق‪.‬‬ ‫كل ما كان يشدني إلى "حمام الشفا" في الماضي هو صحبة "إم‬ ‫سماعين" التي كانت تجيد رسم البسمات على الوجوه‪ ،‬والحساس‬ ‫الغامربالحرية‪ ،‬حرية أن تمعن النظر في عري الخرين بمحض‬ ‫إرادتهم‪ ،‬وبمتعة النظافة‪ ،‬واستنشاق عبق صابون "الشكعه" النابلسي‬ ‫الذي تفوح رائحته وتمل المكان‪ ،‬بل تخرج لتستقبل زبائن الحمام عند‬ ‫مدخله في ممر "باب القطانين"‪.‬‬ ‫فما بالي الن أداقق النظر في هذه وتلك‪.‬‬ ‫هذه سمينة أو ممتلئة أو هيفاء‪ ،‬وتلك نحيفة أو مترهلة أو عجفاء‪.‬‬ ‫هذه صبية‪ ،‬وتلك طفلة شقية‪.‬‬ ‫وهذه جميلة‪ ،‬وتلك ممشواقة وطويلة‪.‬‬ ‫هذه كاملة العري جريئة تتباهى بعريها‪ ،‬وتلك مابرحت تحاول أن‬ ‫تواريه بكفيها ورغاوي الصابون‪ ،‬خجوله‪.‬‬ ‫‪52‬‬


‫أتذكر أاقراني وادعاءاتهم‪ ،‬والصابون‪ ،‬ومحاولتي اليائسة‪.‬‬ ‫خدر مبهم لذيذ‪ ،‬مازلت حديث العهد به‪ ،‬يغمرني وينتشر في‬ ‫عرواقي‪.‬‬ ‫"لباسي"‪ ،‬الذي لم أتنازل عنه لسباب خاصة‪ ،‬تعرفها أمي جيدا‪،‬‬ ‫يضيق علي فجأة‪.‬‬ ‫بقايا امرأة تحدجنـــي بنظرات متفحصة‪ ،‬مستنكرة‪ ،‬ثم تُيوتتلوت مع‬ ‫عجوز بيدها كوز‪.‬‬ ‫تنضم إليهما مستاءة ثالثة‪.‬‬ ‫يتجهن نحوي مشيرات‪ ،‬وتتبعهن أخريات ثائرات‪.‬‬ ‫وترشقني العجوز بمحتويات الكوز‪ ،‬ليلتصق لباسي المبتل بجسدي‪.‬‬ ‫تعلو الصيحات الغاضبة المستعيذة بال رب العالمين‪.‬‬ ‫ول ينقذني من ويلت غضب الغاضبات سوى‪ ..‬خالتي "إم سماعين"‪.‬‬ ‫*‬

‫‪53‬‬

‫*‬

‫*‬


‫"حوش آل خرمنده" يقع مقابل "المحطة السادسة" التي تظهر في يمين الصوره‪.‬‬ ‫وفي الخلفية مبنى "هوسبيس النمسا" الشهير‪.‬‬

‫‪54‬‬


‫"إم ـخضــــــــــــــــــــــــر"‬

‫في "القدس" القديمة‪ ،‬كنا نسكن بجوار "إم خضر"‪ ،‬في نفس‬ ‫الحوش‪.‬‬ ‫كلما تذكرت "القدس"‪ ،‬لحت لي "إم خضر" بكل ملمحها‪.‬‬ ‫وتذكرت حتى"الشامه" الباهتة البارزة التي تلمع على رأس خدها‪،‬‬ ‫وكأنها دمعة وتجمدت‪.‬‬ ‫ر‬ ‫وما أكثر ما تلوح لي "إم خضر" بثوبها "الفلحي" الجميل الذي‬ ‫كانت تصرعلى ارتداءه‪ ،‬ولهجتها القروية المحببة التي لم تتخل عنها‪،‬‬ ‫بالرغم من وجودها في المدينه منذ أن وعتها ذاكرتي‪.‬‬ ‫ل أعرف متى جاءت إلى "القدس"‪ .‬ولكن كل ما أعرفه وأذكره أنها‬ ‫كانت‪ ،‬بالضافة إلى جارنا "أبو عارف الباسطي"‪ ،‬بقامتها القصيرة‬ ‫المشدودة‪ ،‬ووجهها المعروق الصارم‪ ،‬وحضورها المهيب السر‪،‬‬ ‫من أهم ُمعالم الحاره‪" .‬إم خضر"‪ ..‬إم الرجال‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫كانت "أُرمرا" لكل أمهات الحارة‪ .‬وكثيرا ما كنت تسمع إحداهن تنصح‬ ‫الخرى باستشارة "إم خضر" في أمر يستدعي المشورة‪.‬‬ ‫كان لها من البناء عشره‪ .‬وكان "داود" هو أصغرهم‪.‬‬ ‫أحلى ساعات الطفولة هي تلك التي كنت أاقضيها في دار خالتي "إم‬ ‫خضر" ألعب مع "داود" وأخيه "إبراهيم"‪ .‬وفي بعض الحيان‪ ،‬كان‬ ‫"سعيد خضر"‪ ،‬إبن إبنها البكر‪ ،‬الذي كان أكبرنا سنا‪ ،‬يأتي ليشاركنا‪،‬‬ ‫عرميه وأنا‪ ،‬اللعب‪.‬‬ ‫أو عندما ترسلنا‪" ،‬داود" وأنا لبيت جارتنا "إم فارس" لستعارة‬ ‫"الطاحونة"‪ ،‬فنعود إليها وكل منا يحمل أحد لشرقيها‪ .‬وتكتمل سعادتي‬ ‫وأنا أستمتع بالجلوس إلى جانبها وهي تقوم بعملية جرش مختلف‬ ‫الحبوب‪ ،‬بينما هي تغني‪ ،‬على إيقاع صوت الطاحونة الرتيب‪،‬‬

‫‪55‬‬


‫أغنيات تقطر حزنا وأشوااقا إلى أبناء لها ل يكفون عن الترحال‬ ‫والغياب‪ ..‬فتدمع عيناي‪:‬‬ ‫"خذوني معاكم ‪..‬‬ ‫وين ما نويتو السفر ‪..‬‬ ‫ما بقعد بلكم ‪..‬‬ ‫وين ما نويتو الفراق‪ ..‬إلخ"‪.‬‬ ‫لكنها سرعان ما كانت تقوم بتحضير اقرصين من العجين الخمران‬ ‫لتوه‪ ،‬لتصنع لكل منا فطيرة‪ ،‬تغمرها بزيت الزيتون وترش عليها‬ ‫"الداقة" الطازجة الخارجة لتوها من بين شقى الرحى‪ ،‬أو"الزعتر"‪،‬‬ ‫أو"تفقش" بيضه فوق كل من القرصين‪ ،‬بعد أن تهيء لهما حوافا‬ ‫على شيء من العلو‪ ،‬وتزينهما بقطع من الزيتون والبندورة والبصل‪،‬‬ ‫ثم تنثر فواقها اقطعا صغيرة من الجبنة النابلسية‪ ،‬فننطلق إلى "عم أبو‬ ‫أنور" الفرران في "عقبة المفتي" القريبة‪ ،‬لننعم بالمكافأة ‪" ..‬منااقيش"‪.‬‬ ‫أو ما دأبنا بعد ذلك على تسميتها "بيتسا" أو "بيتزا"‪ ..‬تشبها‬ ‫بالجانب!‬ ‫طالما شدني إلى "إم خضر" ذلك التنااقض‪ ..‬اقوة شخصيتها‬ ‫وجبروتها من ناحية‪ ،‬ثم راقتها وضعفها الحزين من ناحية أخرى‪.‬‬ ‫من أبناءها الخرين‪ ،‬إلى جانب "خضر" و"حربي"‪ ،‬أذكرإبراهيم‪،‬‬ ‫وداود‪ ،‬وزكريا‪ ،‬و محمد‪ ،‬وعيسى‪ ،‬وموسى!‬ ‫كنت أتساءل دائما‪ ،‬كيف تجتمع كل هذه السماء في أسرة واحده؟!‬ ‫وفي أحد اليام‪ ،‬أاقاموا عرسا لحد أبنائها‪ ،‬لعله "زكريا"‪ ،‬سائق‬ ‫التاكسي الملقب بلـ"الدعراس"‪ .‬ولكنني ما زلت أذكر أهم عناصر‬ ‫الحدث‪ ..‬اسم العروس‪" ..‬شوشانا"‪.‬‬ ‫في عام ‪ ،48‬عندما اشتد القصف على "القدس القديمه"‪ ،‬وكان حوشنا‬ ‫يقع مقابل لمبنى "الهوسبيس"‪ ،‬الذي تحول عندما دعت الحاجة إلى‬ ‫مستشفى‪ .‬كنا نرى الجرحى يدخلون إليه‪ ،‬والموتى يخرجون منه‪.‬‬ ‫‪56‬‬


‫وفي أحداليام‪ ،‬اشتد القصف واكتظ المستشفى بالجرحى‪ ،‬ولم يعد‬ ‫يستوعب مزيدا منهم‪ .‬فوضعوهم على بطانيات في مدخل الحوش‪،‬‬ ‫في انتظار دورهم‪ .‬في ذلك اليوم اكتشفت "إم خضر" وجود أحد‬ ‫أولد الجيران‪" ،‬علي"‪ ،‬إبن"أم علي"‪ ،‬بين الجرحى‪ .‬كان في السابعة‬ ‫من العمر‪ .‬كان ميترا‪.‬‬ ‫كان اقد ذهب‪ ،‬كما كان يفعل الخرون‪ ،‬إلى أحد آبار ساحة الحرم‬ ‫وفي يده صفيحة ليملها بالماء‪.‬‬ ‫صرخت "شوشانا" اليهودية‪ ،‬بدون وعي‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ا يخرب بيت كل اليهود!‬‫وما زلت أذكر "إم خضر" وهي تنهرها بلهجتها القروية المحببة‬ ‫اقائلة‪:‬‬ ‫ "كولي" الصهاينه‪ ،‬وما "تكوليش" اليهود‪ ،‬يا "كليلة" الصل!‬‫كان هذا بعد خروج النجليز من البلدة القديمة مبكرا عن الموعد‬ ‫المحدد لخروجهم‪ .‬أي اقبل دخول "الجيش العربي" إلى القدس‪.‬‬ ‫*‬

‫‪57‬‬

‫*‬

‫*‬


‫قهوة البارسطي‬

‫كان "أبو عارف الباسطي" أيضا أحد معالم "حارة الواد" الهامة‪ ،‬بعد‬ ‫طيبة الذكر "إم خضر"‪.‬‬ ‫‪58‬‬


‫"جهامه"‪ ،‬مغرم‬ ‫أتذكره طويل القامة‪ ،‬أو كما كانوا يصفونه‪ ..‬ت‬ ‫بمظهره‪ ،‬يرتدي "شروال" مررة‪ ،‬ومرة بنطال‪ ،‬ومرره أخرى اقمبازا‬ ‫وعباءة‪ .‬ويعتمر الطااقيه مررة‪ ،‬ول يتحرج من الظهور برأسه العاري‬ ‫تماما وكأنه يتباهى بصلعته البهية‪ .‬أما عن طربوشه الحمرالقاني‬ ‫الذي تتدلى شرشوبته الحريرية السوداء من جنبه‪ ،‬وتترااقص تبعا‬ ‫لمزاجه في ذلك اليوم‪ ،‬فقد أشيع أنه ل يلبسه إل في أيام "الجمعة"‪،‬‬ ‫و"العيدين"‪ ،‬و"مقابلة الحكام "!‬ ‫وأتذكره‪ ،‬حتى الن‪ ،‬كلما رأيت الممثل طيب الذكر "سراج منير"‬ ‫على الشاشة‪ .‬ذلك الباشا‪ ،‬أو العمدة‪ ،‬الذي يشع هيبة وواقارا‪،‬‬ ‫وتعجب به وبأدواره ظالما أو مظلوما‪.‬‬ ‫كان "أبوعارف" دائم البتسامة عن صف من السنان الذهبية‪.‬‬ ‫وحين يقهقه‪ ،‬يكشف لك عن بقية الكنزالذهبي الذي يحتويه فمه‪،‬‬ ‫فتقف على السبب الحقيقي وراءابتساماته العريضة واقهقهاته العالية‪.‬‬ ‫وهو يحرص دائما على أن يتحسس كرشه بكفيه المزدانتين أصابعهما‬ ‫بخواتم ذوات فصوص متعددة ألوانها‪ .‬ناهيك عن السلسلة الفضية‬ ‫التي تتدلى بشكل ينم عن وجود ساعة أثرية في جيب الصديريه‪ ،‬ل‬ ‫يمل من استخراجها وتفحصها بطريقتة الستعراضيه‪.‬‬ ‫أما عن أاقلم الحبر‪" ،‬الباركر" و"البيليكان"‪ ،‬ذوات الغطية أو‬ ‫المشابك المذهبة‪ ،‬التي تصطف لمعة مطلة من الجيب العلوي‬ ‫لسترته‪ ،‬فحدث ول حرج‪ .‬فكل من في الحارة يعرف ويؤكد أن‬ ‫"أبوعارف" كان أمريا ل يعرف الكتابة أو القراءة‪ .‬لكنه‪ ،‬منذ أن فتحها‬ ‫ا عليه‪ ،‬وأصبح بقدرة اقادر من العيان‪ ،‬اقررأن يتعلم كيف يكتب‬ ‫إسمه‪ ،‬و"يمضي"‪ ،‬ويستغني عن الختم و البصمة‪ .‬كانت هذه مشورة‬ ‫إبنه المتنور "حموده"‪ ،‬صاحب السبع صنايع‪ ،‬الذي كان يحب‬ ‫الطلع ول يكف عن استعارة جرائد زبائن القهوة واقراءتها‪.‬‬ ‫وبالرغم من أن "أبو عارف" لم ينل الـ"مخترة" إل مؤخرا‪ ،‬في أيام‬ ‫الحكم الردني‪ ،‬بعد خروج النجليز‪ ،‬إل أنه كان يتصرف دوما‬ ‫وكأنه مختار الحارة‪.‬‬ ‫‪59‬‬


‫في طفولتي المبكرة‪ ،‬اقبل خروج النجليز‪ ،‬رأيته في مواقف فسرر لي‪،‬‬ ‫بعد ذلك‪ ،‬ما كان يبدو لي غموضا في شخصيته‪ .‬فقد رأيته بأم عيني‬ ‫وهو يوميء لجندي إنجليزي مشيرا‪ ،‬بشكل خفي‪ ،‬إلى رجل من رواد‬ ‫"مقهى الباسطي"‪.‬‬ ‫ثم فوجئت بالجندي‪ ،‬الذي كان بمفرده‪ ،‬ينقض على الرجل ويطرحه‬ ‫أرضا وهو يحاول أن يستخرج من عبسه شيئا ما‪ .‬وبالرغم من تدخل‬ ‫"أبوعارف"‪ ،‬الذي فسره الجميع بأنه شهامة ونجدة وشجاعة منقطعة‬ ‫النظير‪ ،‬إل أن الجندي اقد تمكن من التغلب على الرجل‪ ،‬واستخراج‬ ‫مسدس صغيرمن عبره‪ ،‬وااقتياده هو وأبي عارف الباسطي‬ ‫إلى"الروضة"‪(*) .‬‬ ‫لم أعرف‪ ،‬ولم يعرف أحد شيئا عن مصير الرجل ذوالمسدس‪ .‬كل ما‬ ‫أذكره أن "أبا عارف" اقداختفى لمدة شهر اقضاها سجينا!‬ ‫وأذكر‪ ،‬يوم الفراج عنه‪ ،‬أن الحارة خرجت عن بكرة أبيها تستقبل‬ ‫"أبا عارف" استقبال البطال‪ ،‬بالزغاريت والهازيج‪.‬‬ ‫وظل "أبو عارف" يتبختر ويتباهى بشجاعته‪ ،‬وأمارات "النعمة"‬ ‫تزداد ظهورا على مظهره‪.‬‬ ‫وتعيدني تلك الحكاية إلى مشهد آخر ل ينمحي من ذاكرتي‪:‬‬ ‫ضابط انجليزي يمد يده باحثة بين ثنايا محتويات طشت الغسيل‪،‬‬ ‫الذي كانت تجلس أمامه أمي ساعة ااقتحام العسكر لوسط الدار‪ ،‬أثناء‬ ‫_________________________ _____________________________________‬ ‫)*( مدررسة الروضة التي كانت قد تحولت إلى مقر لقيادة قوات النتداب البريطاني في القدس القديمه‬ ‫‪.‬‬

‫غياب والدي‪ ،‬ومسدسه يرتفع في الهواء بينما يشر منه الماء في‬ ‫الطشت‪ ،‬وبينما الضابط يحدج أمي المرتعدة خوفا‪ ،‬بنظرات تقدح‬ ‫شررا‪.‬‬ ‫لم تكن أمي تعرف أن أبي يمتلك ترخيصا لحيازة السلح بحكم‬ ‫وظيفته‪ ،‬فسارعت لخفائه بمجرد أن شعرت بقدوم "الكبسة"‪ ،‬نتيجة‬ ‫لـ"إخبارية" من مجهول‪.‬‬ ‫لم أسمع أحدا يشكك في مصادر نعمة "أبو عارف"‪ .‬فقد كان رواج‬ ‫مقهاه وكثرة زبائنه يرد على أي تسامؤل‪ .‬بل كان لسلوكه وبشاشته‬ ‫واقدرته على اجتذاب الزبائن كبير الثر في نسيان ذلك الجانب‬ ‫‪60‬‬


‫الغامض من شخصيته‪ .‬وأكثر من ذلك أنني لم أعد أاقيم وزنا لذلك‬ ‫المواقف الذي شغلني لفترة اقصيرة فقط‪ .‬لكنني كثيرا ما كنت‪ ،‬بعد‬ ‫ذلك‪ ،‬أتذكر الرجل عندما تتكرر الحاديث عن ظاهرة "صناعة‬ ‫البطال" من لاقبل "أجهزة" السلطة أو الستعمار‪ .‬وهو السم الخر لـ‬ ‫"صناعة العملء"‪.‬‬ ‫كان صوت راديو مقهى الباسطي يلعلع طوال النهار وجزءا من‬ ‫الليل‪ ،‬خصوصا أيام الصيف‪ ،‬حيث كانت كراسي القش القصيره‬ ‫تنتشر لتغطي مساحة ممتدة على رصيفي ذلك الجزء من "طريق‬ ‫الواد"‪ ،‬لكي يتسع المكان لكبر عدد من السمريعه و الرواد‪.‬‬ ‫ذلك بعد أن يقوم المعلم "أبو العز" برش الرض بالماء‪ ،‬بطريقته‬ ‫الستعراضية‪ ،‬لترطيب الجو‪.‬‬ ‫ثم تتعالى طراقعات اقطع الدومينو‪ ،‬وأصوات دحرجة مكعبات النرد‬ ‫على سطح طاولت الزهر يليها صوت طراقعة الاقراص العاجية‬ ‫السوداء أو البيضاء على صفحتها مختلطة مع صيحات البهجة‬ ‫ونداءات صبيان القهوة‪ ،‬الذين يزداد عددهم‪ ،‬إضافة إلى أولد "أبو‬ ‫عارف" و المعلم "أبوالعز"‪ ،‬حسب متطلبات الموسم‪.‬‬ ‫"ولعه"‪" ..‬نار"‪"..‬واحد شاي"‪" ..‬تنين اقهوه سبكيرليل"‪ ،‬ذلك اللفظ‬ ‫المضغوم الذي طالما حرت في الوصول إلى أصله‪" ..‬سكر اقليل"‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كان "أبوعارف" شخصيا يبادر في المساهمة في الخدمة‪،‬‬ ‫خصوصا عندما يكون الزبون أحد أصداقاءه المقربين‪ ،‬عندها يعلو‬ ‫صوته ممازحا‪ ،‬ومرحبا به‪:‬‬ ‫ واحد سادا‪ ..‬للعرص هادا !‬‫أو‪:‬‬ ‫ واحد شاي‪ ..‬للعرص اللي جاي!‬‫ثم ل يلبث أن يسحب مقهقها أحد الكراسي القش القصيرة ليستقر تحت‬ ‫عجيزته‪ ،‬ليجالس بعض زبائته‪.‬‬ ‫*‬ ‫‪61‬‬

‫*‬

‫*‬


‫وكان "أبو عارف" مشهورا وفخورا بامتلك مجموعتة الكبيرة من‬ ‫أسطوانات "بيضا فون"‪ .‬تراه دوما يديرالـ "ماناويلل" التي تتدلى من‬ ‫جانب الـ"جراموفون" الذي كان يتصدرالمقهى ببواقه الضخم‪ .‬كما‬ ‫كان يتباهى بامتلك السطوانة اللي كان "يبعت يجيبها من مصر"‪،‬‬ ‫بمجرد صدورها‪ ،‬وما زال يكرر إذاعتها المرة تلو المرة‪ ،‬واليوم تلو‬ ‫الخر‪ ،‬حتى تنحفر كلماتها وألحانها على جدران عقلك الباطن‪.‬‬ ‫كان "أبو عارف الباسطي" سمرـيعـا ر مغرما بأغاني "صالح عبد‬ ‫الحي" و "عبده الحامولي" و مطربة القطرين "فتحيه أحمد" و‬ ‫"لوردكاش" و "عامر خرداج" و المطرب الصغير الناشيء في حينها‬ ‫"محمد غازي"‪ ،‬و"جميل العاص"‪ .‬ناهيك عن "منيره المهديه"‬ ‫وكوكب الشرق "أم كلثوم" و "عبد الوهاب"‪ ،‬وغيرهم من أباطرة‬ ‫وملوك وأمراء الطرب‪.‬‬ ‫أما "ليلى مراد"‪ ،‬فقد كان لها في وجداني منزلة لم تستطع أن تنافسها‬ ‫عليها سوى"أسمهان"‪ ،‬التي كنت أطرب لصوتها‪ ،‬ولسبب ل أعرفه‪،‬‬ ‫حينما كنت أسمعها تشدو بأغنية "ليالي النس في فيينا" بالذات!‬ ‫ذلك‪ ،‬طبعا‪ ،‬اقبل أن تظهر "فيروز"‪ ،‬اقيثارة العرب‪ ،‬لتتربع على‬ ‫عرش الغناء والطرب‪.‬‬ ‫لم يفتني‪ ،‬وا أعلم‪ ،‬أغنية واحدة من أغاني إذاعة القاهرة التي‬ ‫صادف ميلدها عام ‪ ،1934‬وهو عام ميـلدك‪ ،‬كما جاء في شهادة‬ ‫الميلد‪.‬‬ ‫ولدت إذن‪ ،‬واقضيت طفولتي في القدس‪ ،‬في بيت يقبع فوق ذلك‬ ‫المقهى الشهير في حارة الواد‪ .‬فكان ذلك مما أحدث بالطفل الذي‬ ‫كنته بالغ الثر‪ .‬فب ر‬ ‫ت مولعا بفنون الغناء بحكم العاده والتعود‪ .‬وظل‬ ‫عالم الموسيقى‪ ،‬إلى جانب مظاهر أخرى للجمال‪ ،‬يشكل ركنا مشراقا‬ ‫في وجداني‪.‬‬ ‫*‬

‫‪62‬‬

‫*‬

‫*‬


‫من الشياء التي لم تكن تخلو من طرافة‪ ،‬أنني كنت "أكتشف"‪ ،‬بعد‬ ‫ذلك بأمد طويل‪ ،‬أنني أحفظ هذه الغنية أو تلك عن ظهر اقلب‪ ،‬لحنا‬ ‫ونصا‪ .‬هذا مع بعض التحريف لبعض كلمات الغنية‪ ،‬لعدم‬ ‫وضوحها‪ ،‬أو بسبب عدم إلمامي التام باللهجة المصرية‪ ،‬بالضافة‬ ‫إلى مقتضيات التلحين‪ ،‬التي تدمج الكلمات‪ ،‬أو تفصل الكلمة الواحدة‬ ‫إلى عدة مقاطع‪ .‬فأغنية "ليلى مراد"‪ ،‬مثل‪ ،‬التي تقول فيها‪:‬‬ ‫" والشمس عند الصيل‪ ..‬راخيه شعور الدهب "‪ .‬كنت أجدني‬ ‫أحفظها بالشكل التي‪:‬‬ ‫"والشمس عندنا صيف‪ ..‬أخ يا شعور الدهب"!‬ ‫وفي أحد المرات ضبطني أخي وأنا أردد‪ ،‬بكل ثقه‪ ،‬أغنية عبد‬ ‫الوهاب الشهيرة‪" ..‬النيل ماجاشي"!‬ ‫وأدهشني استغرااقه في الضحك‪ .‬لكنه لم يلبث أن صحح الخطأ‪،‬‬ ‫مذكرا إياي بـ لملك الملوك "نجاشي" الحبشه‪ ،‬الذي سمعنا عنه لحقا‬ ‫في دروس التاريخ‪ ،‬شارحا معاني الغنية التي كتبها الشاعر"أحمد‬ ‫شواقي"‪ ،‬الذي يشربه نهرالنيل بـ"النجاشي"‪ ،‬مبينا لي أهمية استيعاب‬ ‫معاني الشعرالُمغرنى لكي يتماهى مع اللحن أثناء الداء السليم المعربر‬ ‫الذي ل يقل أهمية عن الصوت القوي الجميل‪.‬‬ ‫كما تكرر مثل هذا اللتباس مع أغنية عبد الوهاب الشهيرة ‪ "..‬يا‬ ‫ناسيه وعدي"‪ ،‬التي كنت أظنها "ياناس‪ ..‬ياوعدي"!‬ ‫وربما يرجع الفضل في ذلك اللتباس‪ ،‬كما خطر لي‪ ،‬إلى الفنان‬ ‫الشعبي الشهير "محمود شكوكو"‪ ،‬صاحب تعبير الدهشة الدارج‪" ..‬يا‬ ‫وعدي"!‬ ‫كان أخي "عابد"‪ ،‬إلى جــانب راديــو"اقهــوة الباســطي"‪ ،‬مصــدرار آخــر‬ ‫يرفــد مســامعي‪ ،‬المتعطشــة دومــا للغــاني الــتي كــانت تــروي ظمــأ‬ ‫مشاعري النامية الغضة‪ ،‬بالمزيد منهججا‪ .‬لكنججه‪ ،‬إلججى جججانب‬ ‫الصوت الجميججل الججذي ورثججه عججن والججدي‪ ،‬كججان يتمتججع‬ ‫بدرايججة وقججدرة علججى انتقججاء الغججاني الججتي يحفظهججا‬ ‫ويرددها‪.‬‬ ‫‪63‬‬


‫كانت معظم الغاني التي كان يرددها أخي "عابد" عبارة عــن اقصــائد‬ ‫باللغة الفصحى‪ .‬وكنت كثيرا ما أاقلده‪ ،‬ول أجد مفــرا مــن اللجــوء إليــه‬ ‫عندما يستعصي علي فهم بعض الكلمات أوالمعاني‪ .‬فكان أخي يشــرح‬ ‫لي معانيها‪ ،‬فيزداد تعلقي بتلك الغنية أوغيرها‪.‬‬ ‫هناك العديد من الغاني التي انطبعت في ذاكرتي‪ ،‬وما زالت تعيد لي‬ ‫ذكرى بعض الصورالمتكررة في بيتنا المقدسي‪ ،‬كأن أجدني‪ ،‬عند ما‬ ‫يصادف سماعي لها في أي زمان ومكان‪ ،‬جالسا على أعلى الدرجات‬ ‫الحجرية المؤدية إلى "أوضة عابد"‪" ،‬اللعسليه"‪ ،‬بعيــدا بمــا فيــه الكفايــة‬ ‫لكــي ل أتســبب فــي إزعــاجه‪ ،‬اقريبــا بمــا فيــه الكفايــة لكــي أســمعه‬ ‫وهويــؤدي أغنيــاته المحببــة‪..‬أغنيــة "ســيد درويــش"‪" ..‬أنــاهويت‬ ‫وانتهيت"‪ ،‬أو أغنية "عبد الوهاب"‪ " ..‬يا ما بنيــت اقصــرالماني"‪ ،‬أو‬ ‫أغنيتي المفضلة "سهرت منه الليالي"‪ ،‬التي ضبطني ذات يوم متلبســا‬ ‫بالتغني بها‪ ،‬فما كان منه إل أن ينفرد بي ليلقنني الداء الصحيح لتلــك‬ ‫الغنية‪ .‬كان ذلك اليوم من أمتع أيام طفولتي‪ .‬ليس هناك أجمل من أن‬ ‫يحاول أحدهم أن يهتم بإتقانك لشياء تحبها‪.‬‬ ‫"يجب الهتمام بمخارج اللفاظ‪ .‬والهم من ذلك هو أن تفهم المعاني‬ ‫وتحسها‪ ..‬وتحسها‪ ..‬فاهم اقصدي؟‬ ‫إفرد صوتك‪ ..‬ل تخجل‪ ..‬هنا تستعمل حنجرتك‪ ..‬وهنا تدع الصوت‬ ‫يخرج من صدرك‪ ..‬وهنا ل بد من أن يخرج من تجويف بطنك عندما‬ ‫تضغط بعضلته علي الحجاب الحاجز‪.‬‬ ‫ب بغيــرغراااالم‪ ..‬جسم م من‬ ‫اقول معي‪"..‬الحب فيـــه بقـا اااا ئي‪ ..‬اقل م‬ ‫الروح خـــــالي‪".‬‬ ‫وأنا أحاول وأحاول‪.‬‬ ‫ول يلبث هوأن ييأس ويقول بحسرة‪ ..‬يا خساره‪ ،‬أذنك موسيقية‪،‬‬ ‫و"أداءك" صحيح‪ ،‬بس صوتك ضعيف!‬ ‫لكنني كنت سعيدا‪ .‬أكتفي منه بحصيلة شروحات القصائد التي جعلتني‬ ‫أشعر بمتعة تذووق معانيها‪.‬‬ ‫وعزائي كان دائما هو أملي في أن أتقن‪ ،‬في يوم من اليام‪ ،‬العزف‬ ‫على آلة أخرى‪ ..‬غير حنجرتي الهزيلة‪.‬‬ ‫‪64‬‬


‫كنت أتوق دائما إلى آلة موسيقية أتعلم العــزف عليهــا‪ .‬لكننــي ســرعان‬ ‫ماكنت أصطدم بموانع أبي الصارمة‪ .‬فل أجد غير حنجرتي الضــعيفة‬ ‫لتردد اللحان التي أحبهــا‪ .‬وهــذا هــو صــوت عبــد الوهــاب يصــرعلى‬ ‫التسلل إلى إذني من راديو اقهوة الباسطي صباح مســاء ول يكــف عــن‬ ‫تحريضي على محاولة الغناء بالرغم من تسليمي بضعف حنجرتي‪.‬‬ ‫ل يهمني أن يسمعني أحد‪ ..‬يستحسن غنائي أحد‪ ..‬أو يثنيني عنه أحد‪.‬‬ ‫فالبلبل‪ ،‬كما كان أخي "عابد" يقول‪ ،‬تغرد ل لن لديها صوتا جميل‬ ‫تتباهى به‪ ..‬وإنما هي طبيعتها‪.‬‬ ‫ثمة يقين كان ينمو في أعمااقي بأن الغناء بهجة من مباهج الحياة‪ ،‬تحس‬ ‫معها بالراحة والمان‪.‬‬ ‫في البداية كنت أتساءل عما يعجب أخي في هذه الغنية الغريبة أو‬ ‫تلك‪ .‬ولكن‪ ،‬مع تكرار سماعها‪ ،‬واعتيادي عليه‪ ،‬صرت أهتز طربا‬ ‫لها‪ .‬ولقد تذكرت تلك الملحوظة‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬عند بداية سماعي‬ ‫للموسيقى الجنبية‪ ،‬والكلسيكية بالذات‪.‬‬ ‫كان يبدو لي أحيانا وكأن أخي كان ملتحقا‪ ،‬من حيث ل يدري أحد‪،‬‬ ‫بمعهد لتدريس الغناء‪.‬‬ ‫وأظنني اقد عرفت سبب هذا النطباع مؤخررا‪.‬‬ ‫ففي بيروت‪ ،‬في نهاية السبعينيات‪ ،‬تعرفت إلى أحد الفلسطينيين‬ ‫"الُمبعدين"‪ ،‬من اقبل سلطات الحتلل السرائيلي‪ ،‬من الضفة‬ ‫الغربيه‪ .‬كان ذلك هو"الشيخ" داود **‪ ،‬الذي جمعتني به أمسيات‬ ‫موسيقية‪ ،‬كان يبدع فيها بالعزف على آلة العود‪ ،‬وترديد الغاني‬ ‫التراثية‪ ،‬وأغاني "محمدعبدالوهاب" القديمة ومن سبقوه أمثال الشيخ‬ ‫"سيد درويش" أوالشيخ "سلمه حجازي" أوالشيخ "زكريا أحمد"‪..‬‬ ‫أو غيرهم من شيوخ الطرب‪.‬‬ ‫كان "الشيخ" داود أحد أفراد الشلة التي كان أخي "عابد" ينتمي إليها‬ ‫في القدس‪ .‬تلك المجموعة من الصداقاء التي كانت تشكل مصدرا‬ ‫لقلق والدي‪ .‬وكثيرا ما تناهى إلى مسامعي أجزاء من حديث خاص‬ ‫بينهما‪ ،‬مفاده أن هذه الشلة "شلة ُكرفار"‪.‬‬ ‫‪65‬‬


‫أذكرأن هذا الحديث اقد تحول‪ ،‬مع الزمن‪ ،‬إلى أوامر صارمة بالبتعاد‬ ‫والقطيعة! ومن ثم إلى تهديدات مختلفة مما جعل أخي "عابد" يخفي‬ ‫استمرار علاقته بالشله‪ ،‬مراعاة لمشاعر والدي الذي كانت تحركه‬ ‫إلى ذلك منطلقات دينيه بحته‪.‬‬ ‫لكنني مازلت أذكر دفاع أخي عن تلك الشلة ومقارنة ما يدعون إليه‬ ‫بما كان يدعو إليه صحابة بررة مثل "أبي ذرالغفاري"‪ .‬كما كان‬ ‫دفاعه مقرونا بقصص من عهد "عمر بن الخطاب" و"عمر بن عبد‬ ‫العزيز"‪ ..‬فكان ذلك بالنسبة لي‪ ،‬أيضا‪ ،‬مصدرا من مصادر الطرب‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫__________‬ ‫)**( داود عريقات‬

‫عندما أبكاني "حـــــربي"‪..‬‬

‫خروج النجليزمن فلسطين عام ‪ ،48‬أوانتهاء النتداب البريطاني‪،‬‬ ‫بلغة الكبار والمتعلمين من أهل الحاره‪" ،‬حارة الواد" في القدس‬ ‫القديمه‪ ،‬كان يعني‪ ،‬في ذلك اليوم بالذات‪ ،‬بالنسبة لمعظمهم‪:‬‬ ‫عــــودة "حــــربي"‪.‬‬ ‫و"حربي" هوالبن الثاني في ترتيب أبناء "إم خضر" العشره‪.‬‬ ‫وعودة "حربي"‪ ،‬في هذا الواقت بالذات‪ ،‬تعني بالنسبة لها الكثير‪،‬‬ ‫خصوصا بعد مصرع إبنها البكر"خضر"‪ ،‬أبو سعيد‪ ،‬في حادث‬ ‫انفجاراللغم تحت القطارالذي كان يقوم بقيادته‪.‬‬ ‫كان "سعيد خضر"‪ ،‬وكنا ننطق اسمه كامل لنميز بينه وبين "سعيد"‬ ‫آخر من أاقراننا في الحاره‪ ،‬اقد حدثنا طويل عن بطولت عسمه‬ ‫‪66‬‬


‫"حربي"‪ ،‬الذي التحق منذ سنوات طويلة بالجيش البريطاني‪ ،‬وعن‬ ‫أسفاره ومغامراته والحروب التي خاضها‪.‬‬ ‫تارة نسمع أنه كان يحارب "الطليان"‪ ،‬وأخرى أنه حارب‬ ‫"البولشفيك"‪ ،‬وثالثة أنه اشترك في معارك "العلمين" ضد اللمان‪.‬‬ ‫واقد ساورنا الشك في صحة المعلومة الخيرة‪ ،‬كما أصابنا الستهجان‬ ‫والستنكار لمواقف ومسلك بطلنا‪ ،‬حيث أننا كنا على يقين من أن‬ ‫اللمان هم من أصداقاء زعيمنا المفدى المفتي"الحاج أمين" الحسيني‪،‬‬ ‫كما كان آبامؤنا يرددون‪ .‬فكيف يحارب "حربي" مع النجليز ضد‬ ‫اللمان‪ ،‬الذين كانوا في طريقهم إلى مصر ثم إلى فلسطين ليخلصونا‬ ‫من النجليز واليهود مرة واحده؟ لكن"سعيد خضر" سرعان ما‬ ‫يستطيع أن يتجاوز ذلك المطب‪ ،‬بروايات أخرى جديدة‪ ،‬تشهد ببطولة‬ ‫عرمه الــ"صاجن ميجرحربي"* ووطنيته وشدة بأسه‪.‬‬ ‫____________________________________________________________‬ ‫)*( ‪- Major Sergean‬رتبة عسكرية بريطانية) صول(‪ ،‬وتلفظ بلهجة العمال العرب العاملين‬ ‫مع الجيش البريطاني ‪" :‬صاجن ميجر"‬

‫لم يكن أحد منا اقد رآه‪ .‬فقد اختفى من البلدة اقبل ميلدنا‪ ،‬أنا و"سعيد"‬ ‫و"سعيد خضر" وعمه "إبراهيم" وعمه الصغر"داود"‪ ،‬البنين‬ ‫التاسع والعاشر في ترتيب أبناء "إم خضر"‪ .‬وبالرغم من أنني ل‬ ‫أذكر أن أحدا من أهلي‪ ،‬أو حتى من أهل الحارة‪ ،‬اقد أتى على ذكر‬ ‫شيء يتعلق بـ"حربي" من بعيد أو من اقريب‪ ،‬مما يؤكد أهميته‬ ‫ومكانته‪ ،‬إل أن ذلك البطل الغائب‪ ،‬الحاضر في ضمائرنا‪ ،‬ظل‬ ‫يداعب خيالتنا‪.‬‬ ‫ينسج "سعيد خضر" عنه القصص البطولية الخاراقة التي تقترب من‬ ‫الساطير‪ .‬ويؤيده كل من "إبراهيم" و"داود"‪ ،‬أصغرأشقاء البطل‪،‬‬ ‫ونميل كلنا إلى تصديق كل تلك الروايات لنها كانت تدغدغ أشوااقنا‬ ‫إلى البطولة‪ ،‬التي سوف تنقذنا من وااقع أليم كنا نعيشه‪ ،‬ومستقبل‬ ‫غامض كنا نسمع كبارنا يتمتمون بويلته‪ ،‬ول يسألون ا رد‬ ‫القضاء بل يسألونه اللطف فيه‪.‬‬ ‫إلى أن تردد فجأة في أرجاء الحارة خبرعن اقرب عودة "حربي"‪.‬‬

‫‪67‬‬


‫اقال لنا "سعيد خضر"‪ ،‬في الشهرالسابق‪ ،‬أنه لو اقدر لعمه "حربي"‬ ‫أن يشارك في معركة "القسطل" لما خسرناها‪ ،‬ولما استشهد‬ ‫"عبدالقادر الحسيني"‪.‬‬ ‫وعندما كنا نتساءل عن سبب كل هذا الغياب‪ ،‬وعن ما يحول دون‬ ‫عودته‪ ،‬بعد أن انتهت الحرب العالمية‪ ،‬التي كانت سببا في غيابه‪ -‬أل‬ ‫يدرك أننا بأم ر‬ ‫س الحاجة إليه الن؟‬ ‫كان "سعيد خضر" يبرر ذلك‪ ،‬بكل بساطة‪ ،‬بعدم استغناء النجليز‬ ‫عنه‪.‬‬ ‫وأصبحنا‪ ،‬نحن الصغار‪ ،‬ننتظر بفارغ الصبر ذلك اليوم‪ ،‬الذي سوف‬ ‫يخرج فيه النجليز‪ ،‬تاركين لنا"حربي"‪ .‬فهوالمحارب القديم‬ ‫المغوارالذي ل يشق له غبار‪ ،‬والذي سوف ينضم إلى "المجاهدين"‬ ‫الثوار‪ ،‬أو يقودهم في معركة الدفاع عن القدس المحاصرة والتي‬ ‫تتعرض للقصف‪ ،‬ليل نهار‪ ،‬بمدافع "الهاون" و"المورتر" من‬ ‫الخارج‪ ،‬و"البسلبند" ورصاص القناصة من الداخل‪ ..‬من حارة‬ ‫اليهود الكائنة داخل أسوار القدس القديمه‪.‬‬

‫‪68‬‬


‫القائد البطل عبد القادر الحسيني‬

‫‪69‬‬


‫ومما ل شك فيه أن "حربي" اقد سمع بنبأ مصرع أخيه الكبر‬ ‫"خضر"‪ ،‬سائق القطار‪ ،‬الذي راح ضحية انفجاراللغم اليهودي من‬ ‫تحته‪ .‬وهذا مما سوف يجعله يبلي أحسن بلء للخذ بثأر أخيه‪،‬‬ ‫إضافة إلى دوافعه الوطنية الخرى للقتال والتحرير‪.‬‬ ‫كنت أتصور"حربي" دائما‪ ،‬مستوحيا ذلك من أحاديث "سعيد‬ ‫خضر"‪ ،‬كما لو كان "صلح الدين اليوبي"‪.‬‬ ‫و كانت أحاديث مدرسي التاريخ الذين تعااقبوا على مر سنين دراستي‬ ‫البتدائية الستة‪ ،‬كفيلة باستكمال تفاصيل الصوره‪.‬‬ ‫لكنني‪ ،‬مسايرة للزمن‪ ،‬كنت ُألبسه زي "المجاهدين" الذين يتكرر‬ ‫نشر صورهم‪ ،‬في جريدتي "الدفاع" و "فلسطين"‪ ،‬بملبس القتال‪.‬‬ ‫أاقرب ما يكون إلى شكل القائد "عبد القادرالحسيني"‪ ،‬أو القائد الشيخ‬ ‫"حسن سلمه"‪ ،‬مثل‪ .‬بكوفيته وعقاله‪ ،‬وسترته "الكاكية" ذات‬ ‫الجيوب الربعة ومن فواقها "السلاحلك"‪ ،‬الذي يتخذ شكل "علمة‬ ‫الضرب" على صدره‪ ،‬واقد تعددت طبقاته المكتظة والمرصعة بـ ل‬ ‫"الفشك" النحاسي اللمع‪ .‬هذا إلى جانب "السنجه" وبعض اقنابل الـ‬ ‫"الميلز"‪ ،‬وكذلك "الفرد" الـ"بارابيللو" اللماني المتدلي من حزامه‬ ‫كما أبطال أفلم "الكاوبوي" التي كانت تعرضها سينما "ريجنت"‪،‬‬ ‫الكائنة خارج أسوار بلدة القدس القديمة والتي لم نعد نستطيع الوصول‬ ‫إليها‪ .‬ولم أنس‪ ،‬وهوالهم‪ ،‬السراويل الـ "تبريتلشز" الضيقة من تحت‬ ‫الركبة‪ ،‬والمنتفخة الفضفاضة عند جانبي الفخذين‪ .‬أما "المرتينه"‪،‬‬ ‫فهي"النجليزية" طبعرا‪ ،‬بالرغم من حديث الاقران العارفين‪ ،‬أمثال‬ ‫"سعيد خضـر"‪ ،‬عن سمعة المرتينة "الر يلمـــانيسـه" التي لتخطئ‬ ‫الهدف‪ .‬ول بأس من أن يظهر في بعض الحيان‪ ،‬حسب متطلبات‬ ‫المعركه‪ ،‬متأبطا الـ"تستلتن يجتن"‪ ،‬أو حامل مدفع الـ "تبلرن يجتن" على‬ ‫كتفه‪.‬‬ ‫ومعاذ ا أن أنسى ما أكده "سعيد خضر" عن طول عمه "حربي"‬ ‫الفارع‪ ،‬الذي سوف يضطره إلى النحناء عندما يعبر من تحت اقوس‬ ‫مدخل الحوش‪.‬‬ ‫في اليوم المحدد لوصوله‪ ،‬كانت العصاب مشدودة‪.‬‬ ‫‪70‬‬


‫هناك حركة غيرعادية في حوش "آل خرمنده" المطل على‬ ‫"هوسبيـس النمسا"‪ ،‬الذي يقع مدخله عند ملتقى "طريق اللم" القادم‬ ‫من "باب السباط"‪ ،‬والمؤدي إلى كنيسة القيامه بعد أن يلتحم مع‬ ‫"طريق الواد" القادم من "باب العمود"‪.‬‬ ‫"إم خضر"‪ ،‬القروية التي يحبها البعض ويحترمها البعض الخر‬ ‫ويخشاها الخرون‪" ،‬إم الرجال"‪ ،‬مثل أم العروس‪ .‬تروح وتجيء‬ ‫بسرعة بثوبها الفلحي الجميل‪ ،‬واقامتها القصيرة المشدوده دوما‪،‬‬ ‫كأنها تتمرد على اقصر اقامتها‪ ،‬ول أحد يعرف إن كان هناك ما‬ ‫يستدعي فعل هذه السرعة في الرواح أو المجيء‪.‬‬ ‫حتى "أبوخضر"‪ ،‬الرجل العجوز الهاديء‪ ،‬الذي لم نكن نشعر‬ ‫بوجوده إل عند عودته إلى الدار‪ ،‬عندما يتنحنح ويصيح بأعلى‬ ‫صوته المتحشرج‪ :‬يا أل‪ ..‬يا ساتر!‬ ‫كان ل بد من صيحته هذه كلما هم بالدخول من الباب المشترك‪،‬‬ ‫لكي"تلتن ي‬ ‫ظ ت‬ ‫ب" زوجة وللدله "الدرعاس"‪ ،‬اليهوديه‪ ،‬التي كان يحلو لها أن‬ ‫تتواجد في وسط الدار "مزرلطه" مكشوفة الراس‪ .‬كما كان ل بد من‬ ‫أن يعلن بقية أولد "إم خضر"‪ ،‬الشباب‪ ،‬بما فيهم"إبراهيم" و‬ ‫"داود")!( عن رجولتهم بترديد تلك الصيحة كلما هموا بدخول الدار‪.‬‬ ‫هذا بالرغم من أن "شوشانا" اقد أاقلعت عن عاداتها تلك‪ ،‬منذ أن‬ ‫اشتدت الهجمات اليهوديه‪ .‬فقد أصبحت تحرص على إرتداء غطاء‬ ‫الراس ظنا منها ووهما‪ ،‬أن عيون الجارات اقد بدأت تنظر إليها‪،‬‬ ‫كيهودية‪ ،‬بتوجس وارتياب‪.‬‬ ‫والشاهد أن سلوكها الجديد اقد بدأ منذ أن نهرتها جارتنا الدايه "إم‬ ‫عارف الباسطي"‪ ،‬عندما ضبطتها في أحد اليام القريبة‪ ،‬وهي تطل‬ ‫مكشوفة الراس من تحت اقوس مدخل الحوش إلى الشارع باحثة عن‬ ‫طفلتها البكرية "عربيه"‪ .‬عندها‪ ،‬ما كان من "شوشانا" إل أنها‬ ‫سارعت بتغطية رأسها بذيل فستانها‪ ،‬كاشفة بذلك‪ ،‬دون أن تدري‪،‬‬ ‫عن مؤخرتها ذات الـكلسون زهري اللون‪.‬‬ ‫في ذلك اليوم‪ ،‬كان "أبوخضر" يدق الرض بعكازه بشكل مختلف‪،‬‬ ‫وكأنه يعلن عن حالة الطواريء‪ ،‬أو يستعجل العد التنازلي الذي‬ ‫‪71‬‬


‫يقترب ببطء من ساعة الصفر‪ .‬ل يكاد يدخل الدار‪ ،‬حتى يعود‬ ‫أدراجه خارجا من الحوش متجها إلى وسط الشارع‪ .‬وهناك‪ ،‬مقابل‬ ‫مدخل "سبـيـس النامسا"‪ ،‬ينتصب وااقفا وهو يظلل عينيه بكفه‪ ،‬ناظرا‬ ‫في إتجاه "باب العمود"‪ .‬وهكذا يعاود "أبوالعز"‪ ،‬معلم "اقهوة‬ ‫الباسطي"‪ ،‬محاولته لجلس "أبو خضر" على أحد كراسي القهوة‬ ‫في مكان مشرف على الطريق‪ .‬ويكرر تأكيده أن "الدرعاس" اقد ذهب‬ ‫ومعه أخوه "أبوعرر اج" لحضار "حربي" وسرعان ما يصل الخوة‬ ‫الثلثه‪ ،‬فليس هناك ما يدعو إلى هذا القلق‪.‬‬ ‫وبالرغم من أن خروج النجليز كان يعني أيضا دخول "الجيش‬ ‫العربي" إلى القدس‪ .‬لكن "حربي" استطاع أن يستأثر بلهفة أهل‬ ‫الحارة في ذلك اليوم‪ .‬وكنت أنا بالذات أكثر أاقران الحارة تعلقا بتلك‬ ‫اللحظة‪ ،‬بذلك المل الذي يجسده البطل السطوري المنتظر‪ .‬وكأن‬ ‫القدر اقد اردخره‪ ،‬ليأتي إلينا في الواقت المناسب‪.‬‬ ‫حتى اسمه‪" ،‬حربي"‪ ،‬سبحان ا‪ ،‬كان يؤكد الدور البطولي الذي‬ ‫محاربا رومنقذار ومخلرصا‪.‬‬ ‫ر‬ ‫سوف يلعبه‪..‬‬ ‫وماهي إل داقائق‪ ،‬حتى جاء "أبوعرراج" يحجل بخطى واسعة ل‬ ‫تتناسب مع اقدمه الاقصر من الخرى‪ .‬اقال من خلل لهاثه أن أخاه‬ ‫"حربي" اقد وصل‪ .‬ولكن بمجرد دخوله من "باب العمود"‪ ،‬استقبله‬ ‫صاحب "اقهوة زعتره"‪ ،‬وأصر أن ل يتركه إل بعد أن يستريح‬ ‫ويشرب الـقهوة "الفرنساوي"‪ .‬وبعد ذلك جاء "أبو فايزالعرشي" و‬ ‫حلف عليه بالطلق بالثلثه لتناول اقزازة مشروب الـ"سيفون" السااقع‬ ‫عنده‪.‬‬ ‫ساد الهرج والمرج في المنطقة كلها‪ .‬وتجمع من يعرف "حربي"‬ ‫ومن ل يعرفه‪ ،‬بحيث أيقنت أنه ل مكان لي بين هذه الجمهرة‬ ‫المحتشدة من الناس‪ ،‬وأن الجدى أن أرااقب المشهد من أحد شباكينا‬ ‫المطلين على الحوش‪ ،‬وبالتالي على الشارع حيث كان يقف "أبو‬ ‫خضر" ول يطيق الجلوس‪.‬‬ ‫‪72‬‬


‫وفي دارنا‪ ،‬فوجئت بجاراتنا‪ ،‬عن بكرة أبيهن‪ ،‬يتجمعن حول الشباكين‬ ‫المطلين على الحوش ومدخله‪ ،‬فلم أجد مناصا من الصعود إلى سطح‬ ‫الدار‪ ،‬حيث ليزاحمني هناك أحد‪.‬‬ ‫ر‬ ‫اندلعت أصوات الزغاريت‪ .‬ثم ظهرت كتلة بشرية متراصة مقتربة‬ ‫مهروله‪ .‬كان يبدو أنها تحيط بالقادم مرحبة مهلله‪ .‬ولشدة خوفي من‬ ‫أن تراني‪ ،‬وأنا أاقترب من حافة السطوح المطل على الحوش‪ ،‬جارتنا‬ ‫"ستي إم عارف"‪ ،‬الدايه التي ُولد ُ‬ ‫ت على يديها‪ ،‬لم أستطع أن أتبين أو‬ ‫أميز"حربي" من بين تلك الكتلة البشرية‪ .‬وبالفعل‪ ،‬لمحتني "ستي ام‬ ‫عارف"‪ ،‬وكأنها كانت متربصة في انتظاري‪ ،‬وانهالت لعناتها علي‬ ‫وعلى "اللي سحبتني"‪ ،‬وهي التي سحبت نصف أهل الحارة‪ ،‬لفرط‬ ‫حبها لي وحرصها على سلمتي ‪.‬‬ ‫ك يا عكروت!‬ ‫ ‪ ..‬يويل ت‬‫لكنني لم أستسلم‪ .‬ووجدتني أاقفز إلى سطوح الجيران المشرفة على‬ ‫دار "أبو خضر"‪.‬‬ ‫وما هي إل ثوان‪ ،‬حتى تحول الستقبال العائلي إلى مظاهرة سياسية‬ ‫وامتل وسط الدارالعلوية بالمستقبلين والمهنئين والهاتفين بحياة مفتي‬ ‫فلسطين ‪" ،‬الحاج أمين"‪:‬‬ ‫حاج أمين ل تهتم‪..‬‬ ‫شبابك شسريبة الدم‪..‬‬ ‫‪.. .. .. .. .. ..‬‬ ‫‪.. .. .. .. .. ..‬‬ ‫في تلك اللحظات‪ ،‬وجدتني أردد بيني وبين نفسي أبياتا حماسية من‬ ‫الشعر‪ ،‬اقام بتحفيظها لنا مدرس الخط العربي‪ ،‬الخطاط الشهير طيب‬ ‫الذكر "الستاذ حسام اشتريه"‪ ،‬الذي كان يحرص أثناء حصة الخط‬ ‫على أن يعلمنا أشياء أخرى كثيرة عن المثل العليا والصدق والوفاء‬ ‫وحب الوطن‪ .‬كان أستاذنا شديد الولع بالشعر والموسيقى‪ ،‬ل يفتأ‬ ‫يستظهرأمامنا اقصائد حماسية بأسلوبه الذي كان يستهوينا ويبهرنا‪،‬‬ ‫ومنها اقصيدة إسمها "حطين"‪.‬‬ ‫‪73‬‬


‫تخيلت نفسي وأنا أعبرعن ترحيبي بالبطل وأشد انتباه الجميع بينما أنا‬ ‫ألوح بيدي التي تحمل "العلم العربي"*‪ ،‬وأردد بأعلى صوتي ماكنت‬ ‫اقد حفظته من أبيات القصيدة‪:‬‬ ‫‪.. .. .. .. ..‬‬ ‫هاتي "صلح الدين" ثانية فينا‬ ‫وجددي حطرين‪ ..‬أو شبه حطرينا‬ ‫تير ت‬ ‫ي أسود الغاب‬ ‫تمخر في الغوار‬ ‫جحافل تنساب‬ ‫كالعارض المدرار! **‬ ‫لكن صوتي خرج على شكل آهة متحشرجة لم يسمعها أحد غيري‪.‬‬ ‫فلقد رأيت "حربي"‪.‬‬ ‫ولم يغمض لي في تلك الليلة جفن‪.‬‬ ‫شعرت أمي بأن شيئا ما اقد ألم بي‪ .‬هرعت تتفقدني وتتحسس كعادتها‬ ‫جبيني ووجهي‪.‬‬ ‫عندها أحسـس ُ‬ ‫ت بكفها المبتل بدموعي‪.‬‬ ‫وما كادت تتساءل عما يوجعني‪ ،‬حتى انفلت بكائي المكتوم بصوت‬ ‫عال‪ .‬وهيهات أن أستطيع أن أصوغ إجابة على تسؤلت أمي‪.‬‬ ‫في اليام التالية‪ ،‬كنا نرى رجل اقصيرالقامة‪ ،‬محدودب الظهر‪ ،‬يكاد‬ ‫المرء ل يرى عينيه الغاراقتين في وجهه من تحت حاجبين خفيفين‬ ‫تكاد ل تراهما أيضا‪ ،‬يخرج من دار "أبوخضر" ليأخذ مكانه على‬ ‫أحد كراسي "اقهوة الباسطي" المصفوفة على الرصيف‪.‬‬ ‫يجلس وحيدا صامتا ل تدري في أي اتجاه ينظر‪.‬‬ ‫____________________________________________________________‬ ‫)*( "العلم العربي" هو الرسم الدارج في حينها لما هو معروف الن بالـ "العلم الفلسطيني"‬ ‫)**( البيات من قصيدة "حطين" الشهيرة للشاعرالسوري"ـخيرالدين الزركلي" ‪.‬‬

‫أما "سعيد خضر" فلم نعد نراه في حارتنا إل مطأطيء الرأس‪ ،‬على‬ ‫عجلة من أمره‪ .‬ذلك عندما ترسله والدته في مهمة لجدته "إم خضر"‪.‬‬ ‫يحاذرأن يراه "سعيد الب"‪ ،‬المشاكس الذي دأب على أن يبادره‬ ‫ساخرا‪:‬‬ ‫‪74‬‬


‫ إيش طابخين دار سيدك اليوم؟‬‫فيرد عليه أخوه "خميس"‪ ،‬بأداء مسرحي ممطوط موغل في‬ ‫السخرية‪:‬‬ ‫ "طـــــــاجن" ميــــــــجر!‬‫وينفجر بقية الاقران مقهقهين‪ .‬وأشاركهم أنا الضحك إلى أن تمتلئ‬ ‫عيناي بالدموع‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫لم يعد خافيا على أحد أن الـ"صاجن ميجر حربي" ما كان سوى ذلك‬ ‫العامل المسكين الذي احدودب ظهره من أثرالنحناء خلل خدمته‬ ‫الطويلة عامل في أحد مطابخ أحد معسكرات الجيش النجليزي‬ ‫المحتل‪.‬‬ ‫كان ذلك في عام ‪.48‬‬ ‫*‬

‫‪75‬‬

‫*‬

‫*‬


‫الليــــــــــلة الحزينـــــــــــه‬

‫في ليلة ‪ ،15/5/48 -14‬الموعد الرسمي لنسحاب اقوات النتداب‬ ‫البريطانية‪ ،‬تم إعلن دولة إسرائيل‪ ،‬وشهدت القدس القديمة ليلة‬ ‫حالكة السواد‪.‬‬ ‫وأما أكثر لياليها سوادا فقد كانت ليلة الثلثاء ‪ ،18/5/48‬حيث كانت‬ ‫تجري محاولت جادة‪ ،‬جنونية‪ ،‬يائسة‪ ،‬لحتللها من اقبل العصابات‬ ‫اليهودية‪ ،‬اقبل وصول طلئع "الجيش العربي"‪ ،‬وحيث دافع أهالي‬ ‫القدس‪ ،‬المحدودي التسليح‪ ،‬عن البلدة دفاعا باسل مستميتا‪.‬‬ ‫‪76‬‬


‫كانت الجيوش العربية اقد بدأت زحفها‪ .‬وكان الجيش العربي‬ ‫الردني‪ ،‬جيش "أبوحنيك"‪ ،‬الجنرال النجليزي"جلوب باشا"‪،‬‬ ‫يزحف نحو القدس الشراقية وبلدتها القديمة‪.‬‬ ‫لن تغيب تلك الليلة عن بالي‪ .‬مازلت أسمع تلك النداءات من خلل‬ ‫صوت زخات رصاص مختلف السلحة‪ ،‬التي كنا‪ ،‬نحن الصغار‪،‬‬ ‫نتبارى في التعرف عليها‪ ،‬مع تحديد مصادرها‪ ،‬من أصواتها‪ .‬هذا‬ ‫صوت "تبلرتن"‪ ..‬وهذا صوت "فيكرز"‪ ..‬وذاك صوت "تستلتن" ‪..‬‬ ‫وتلك هي "المرتينه" اللمانيه أو الفرنساويه‪ ..‬أو‪ ..‬أو‪..‬‬ ‫ويتخلل هذا وذاك أصوات إنفجارات‪ ،‬اقريبة وبعيدة وما بينهما‪،‬‬ ‫لقذائف مختلف المدافع‪"..‬مورتر"‪ ..‬و"سالبند"‪ ..‬و"هاون"‪ ..‬أو ‪..‬‬ ‫لم ولن تنمحي تفاصيل تلك الليلة من ذاكرتي‪ .‬ما زلت أسمع من‬ ‫خلل تلك الصوات أصواتا أخرى كانت تتردد في حارات البلدة و‬ ‫تنادي بنداءات تنفطر لها القلوب‪:‬‬ ‫يا ناس‪ ..‬ياعالم‪ ..‬منشان أل‪..‬اللي عنده سلح‪..‬اللي عنده "باروده"‬ ‫يطلع على "السور"!‬ ‫النجده يا شباب‪ ..‬النجده يارجال!‬ ‫اليهود اقرربوا يدخلوا البلد!‬ ‫لم تنقطع تلك النداءات طوال الليل‪ .‬وتحولت في أواخره إلى توسلت‬ ‫يائسة تصيب السامعين باليأس والهلع‪:‬‬ ‫يا أهل ا‪ ..‬منشان أل‪ ..‬بجاه النبيا‪ ..‬اللي عنده "فشك"‪ ..‬إنشال‬ ‫"فشكه" واحده‪ ..‬يعطيها للي ماعندوش‪..‬الشباب ذخيرتهم اقربت‬ ‫تخلص‪..‬والمعركه دايره في باب العامود بالسلح البيض!‬ ‫كانت المعارك تدور حول أسوار البلدة القديمة‪ ،‬حيث اشتد حصارها‬ ‫والهجوم عليها من الخارج‪ ،‬وفي داخلها أيضا‪ ،‬حيث كانت "حارة‬ ‫القديمة المحاصرة‪.‬‬ ‫‪77‬‬


‫لم يكن أمام المواطن العربي في القدس سوى المقاومة‪ ..‬المقاومة‬ ‫بأبسط معانيها‪..‬المقاومة بدون تفسير ول تبرير‪ ..‬ول "أدلجة"‪..‬‬ ‫الدفاع عن النفس وعن الكرامة وعن الرض والعرض‪.‬‬ ‫أن تكون أو ل تكون‪.‬‬ ‫واقد كان ما كان!‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"البــــــــاروده"‪..‬‬

‫كان ل بد لتلك اليام العصيبة أن تفرز وتكشف عن جوهر الناس‪،‬‬ ‫فلسنا كلنا ملئكة‪.‬‬ ‫كان "سامي"‪ ،‬أحد أبناء "أبوعارف الباسطي"‪ ،‬جارنا‪ ،‬اقد تطوع في‬ ‫العام السابق أوالسبق في حرس الحدود النجليزي و‪ ،‬كما كانوا‬ ‫يقولون‪" ،‬للب ت‬ ‫س بوليس إضافي"‪ .‬ثم تمكن من الهروب من الخدمة هو‬ ‫و"الباروده" النجليزيه‪ ،‬الجديده لنج‪ ،‬عندما تأكد من موعد انتهاء‬ ‫النتداب البريطاني‪ ،‬لكي ينضم إلى "المجاهدين"‪ ،‬كما فعل الكثيرون‪.‬‬ ‫وأصبح "سامي"‪ ،‬بعد خروج النجليز‪ ،‬دائم الظهور والستعراض‬ ‫بكامل لباسه وعتاده العسكري‪.‬‬ ‫نراه‪ ،‬من شباك دارنا المطل على الحوش‪ ،‬وهو يذرع الطريق من‬ ‫البيت للقهوة ومن القهوة للبيت‪.‬‬ ‫‪78‬‬


‫ثم تبين أن لـ"سامي" في البارودة النجليزية مآرب أخرى‪ .‬فقد رأته‬ ‫أمي‪ ،‬من شباكنا المطل على الحوش‪ ،‬أكثر من مرة‪ ،‬وهو يساوم‬ ‫بعض الغرباءعلى ثمن البنداقيه‪ .‬ثم أاقلع عن محاولته تلك‪ ،‬كما أاقلع‬ ‫عن إستعراضاته‪ ،‬وتوارى عن النظار‪ ،‬عندما احتدم القتال واشتد‬ ‫الحصار‪.‬‬ ‫وفي تلك الليلة الحزينة‪ ،‬كان المنادي يتعمد الاقتراب من الحوش‬ ‫ليحث "سامي"على الخروج واللتحاق بالشباب المدافع عن القدس‬ ‫القديمة‪ ،‬من أعالى السور‪ .‬فقد كانت أخبارالبارودة النجليزية اقد‬ ‫انتشرت وتجاوزت حوش آل خرمنده‪ .‬لكن‪ ،‬ما من مجيب‪.‬‬ ‫في صبيحة اليوم الخير‪ ،‬يوم الثلثاء ‪ ،18/5/48‬اقبيل وصول طلئع‬ ‫الجيش العربي الردني‪ ،‬تمكن "خميس"‪ ،‬أخوه الصغر‪ ،‬من أن‬ ‫يغافل جميع من في البيت‪ ،‬ويسرق البارودة‪.‬‬ ‫لكن أمه‪ ،‬التي شعرت به وأدركته وهو يشرع في الهروب بها‬ ‫لللتحاق بالشباب‪ ،‬أطلقت عقيرتها تصيح وتولول من الشباك المطل‬ ‫على الشارع والمقهى لكي يلحق "أبو عارف" وإخوته بالصبي اقبل‬ ‫أن يضيع )!(‬ ‫اندفع أهل الحارة إلى الحوش يحاولون احتواء الصبي المتأجج‬ ‫حماسا‪ .‬واستطاع المعلم "أبوالعز"‪ ،‬القهوجي‪ ،‬أن يفوز في هذه‬ ‫المعمعة بالبارودة الجديدة التي تتميزعن كل بواريد الخرين‪،‬‬ ‫وينطلق بها إلى سور "باب العمود"‪ .‬فلقد جاءته الفرصة التي كان‬ ‫يتمناها لكي يشارك في الدفاع عن القدس التي اشتد حصارها‪.‬‬ ‫أما "سامي"‪ ،‬فلم يجرمؤ حتى على تخطي عتبة البيت‪ ،‬لشدة حرجه‪.‬‬ ‫وفي نفس اليوم‪ ،‬تم دخول اقوات الجيش العربي الردني إلى القدس‪،‬‬ ‫وتمركزوا في ضاحية "راس العمود" المشرفة على القدس القديمة‬ ‫استعدادا لدخولها في اليوم التالي‪(**) .‬‬ ‫ولم أعرف بعد ذلك كيف انتهت المشكلة التي نشأت بين ابن جيراننا‬ ‫"سامي"‪ ،‬البوليس الضافي الهارب ببنداقيته‪ ،‬وبين "أبوالعز" الذي‬ ‫اضطر لتسليم البنداقية إلى اقيادة الجيش العربي‪ ،‬حسب الوامرالتي‬ ‫شاعت عن نزع سلح الهالي‪.‬‬ ‫‪79‬‬


‫أما "حميدان"‪ ،‬أحدث سكان الحوش‪ ،‬الذي انتقل مؤخرا من اقريته‬ ‫"بستير" ليسكن بالقرب من"إم خضر"‪ ،‬بلدياته‪ ،‬مع ابنته الصغيرة‬ ‫و زوجته "يسرى" التي تصغره بسنوات كثيرة‪ ،‬بحثا عن المان‬ ‫لهما‪ ،‬فلم يكن يبخل بنفسه بل كان دائما أول الملبين للصيحات التي‬ ‫تطلب "النجدة" لي ضاحية من ضواحي القدس‪ ،‬في أي واقت من‬ ‫أواقات الليل أو النهار‪ .‬فكنا نسمعه يردد "مونولوجه" الشهير‪،‬‬ ‫بلسانه اللثغ‪ ،‬الذي يلفظ الراء واللم يارء‪ ،‬بينما هو يحمل بارودته‬ ‫العثمانلية العتيقة البالغة الطول مثله‪:‬‬ ‫___ __________________________ __________ _____________________‬ ‫)* *( وكما يقول "إرسحق رابين" في مذكراته ‪":‬وبعد معارك شررسة طاحنة‪ ،‬ارستمرت عشرة أيام‪،‬‬ ‫ارستسلم موشي روزنك‪ ،‬قائد "الهاغاناه" في القدس‪ ،‬في الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة‬ ‫‪ 28‬أيارعام ‪ ،48‬ومعه ‪ 1500‬من رسكان الحي‪ ،‬وتم أرسر ‪ 340‬جنديا كانوا مندرسين بينهم‪ .‬وبهذا‬ ‫انتهت أهم معركة ـخاضها الفيلق الردني في هذه الحرب‪ ،‬قتل فيها ‪ 300‬يهودي منهم ‪136‬‬ ‫من "الرجون" وجرح ‪" 80‬‬

‫‪-‬‬

‫‪ ..‬يا " ُيستيا "‪ ..‬أنا ياليح‪ ..‬دييي باليك عتي بلنل ت‬ ‫ت‪ ..‬يمكن ما‬ ‫إيجعش**!‬

‫بعدأاقل من شهرجاءنا‪ ،‬إلى غزة‪ ،‬ما يفيد بأن "سامي" اقد استشهد‪.‬‬ ‫لكن والدي ووالدتي وأخي‪ ،‬الذين لحقوا بنا بعدها بأيام‪ ،‬أكدوا لنا أن‬ ‫"سامي" ذهب إلى "المستوصف" ليخلع طاحونته‪ ،‬وفي اليوم التالي‬ ‫مات في فراشه‪.‬‬ ‫وعندما سألت أخي عن "حميدان"‪ ،‬الذي كنت أكن له تقديرا وإعجابا‪،‬‬ ‫اقال بأسى بالغ‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ترك زوجته "يسرى" بعد أن أوصاها أن "تدير بالها" ع البنت‬‫في أحد اليام‪ ..‬و"رايح" كعادته‪ ..‬ولم "يرجع"!‬ ‫أحزنني الخبر‪ .‬فمازلت أذكر "حميدان" يوم أن هرع ليلتحق بإحدى‬ ‫"النجدات" المتجهة إلى ضاحية تتعرض لهجوم صهيوني‪ ،‬بملبسه‬ ‫الريفية الداخلية‪ ،‬في عز البرد‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬ ‫‪80‬‬

‫*‬


‫________________________________________________‬ ‫)**( ‪ ..‬يا يسرى ‪ ..‬أنا رايح ‪ ..‬ديري بالك عالبنت ‪ ..‬يمكن ما أرجعش !‬

‫‪81‬‬


‫"الخــــــــــــــــــــروج"!‬

‫شهدت خروج اليهود الذين أبلى اقناصتهم أي بلء في اصطياد نساء‬ ‫البلدة اللواتي كن يجرمؤن على نشر غسيلهن أو جمعه عن الحبال‪،‬‬ ‫كعادتهن‪،‬على سطوح المنازل‪ ،‬وفي اقنص أطفال البلدة الذين كانوا‬ ‫يسعون إلى آبار ساحة الحرم الشريف لجلب الماء لبيوتهم‪ .‬وكان ابن‬ ‫الجيران "علي"‪ ،‬ابن السبعة أعوام‪ ،‬أحدهم‪.‬‬ ‫واقفت إلى جانب أبيي‪ ،‬بين جموع الهـالي المتراصــين علــى جــانبي‬ ‫طريـق ال واد‪ ،‬ذلـك الج زء مـن طريـق اللم‪ ،‬أراق ب أس رى"ح ارة‬ ‫اليهود"وهم يغادرون البلــدة القديمــة‪ ،‬تحــت حراســة جنــود الجيــش‬ ‫العربي‪.‬‬ ‫وعادت إلى ذاكرتي الصور التي كانت تتراءى لي عندما يقوم‬ ‫مدرس التاريخ بالحديث عن سبي "نبوخذ ن ر‬ ‫صر" لليهود‪.‬‬ ‫ترى ‪ ..‬هل كان "نبوخذ ن ر‬ ‫صر"على حق فيما فعل؟‬ ‫هل كان "اقناصوهم" يتسلون بتصويب السهام على أكف النساء إن‬ ‫تطاولت للوصول لحبال نشر الغسيل على سطوح المنازل؟‬ ‫هل اقتل اليهود‪ ،‬أيضا‪ ،‬في ذلك الواقت أطفال في سن "علـي"‪ ..‬ذو‬ ‫السبعة أعوام؟‬ ‫لم أدرك‪ ،‬في تلك اللحظة من ذلك اليوم‪ ،‬سبب إصرار والدي على‬ ‫الواقوف طويل حتى يمر آخر يهودي في طابورالسرى من أمامنا‪.‬‬ ‫‪82‬‬


‫لكني في المساء‪ ،‬سمعته يتحدث إلى أمي عن صديقه القديم "بو‬ ‫داود" الذي لم يمر من أمامه‪ ،‬وعن الحتمال الوحيد لعدم مروره‪.‬‬ ‫اقلما رأيت والدي حزينا مثلما رأيته في ذلك اليوم‪.‬‬ ‫*‬

‫‪83‬‬

‫*‬

‫*‬


‫حمار "فارس"‬ ‫ذات صباح باكر‪ ،‬والشمس ترسل أوائل خيوطها الذهبية لتبدد‬ ‫عتمه"باب السباط"‪ ،‬البوابة الشراقية لسور القدس القديمة‪ ،‬كنت‬ ‫أتقف هناك أنا وأخي "عابد" ووالدي بانتظار اليحبمار الشاب"فارس"‪،‬‬ ‫إبن جارتنا "إم فارس"‪.‬‬ ‫لم يطل النتظار‪ .‬وسرعان ما لوحنا لوالدنا مودعين‪.‬‬ ‫كنت‪ ،‬في حينها‪ ،‬أظن أني أودع القدس لمدة أسبوع أو أسبوعين‪،‬‬ ‫ريثما ينظف الجيش العربي المنطقة كلها من دنس الصهاينة‪ ،‬كما‬ ‫كانوا يشيعون‪.‬‬ ‫وتناوبـنا صهوة الحمار‪ ،‬بينما كان الحرمار الشاب ل يكف عن لسع‬ ‫مؤخرته بخيزرانته‪ ،‬في الطريق الجبلي الملتف الوعر وصول إلى‬ ‫"بيت لحم"‪ .‬فقد كانت "العصابات الصهيونية" اقد اقطعت واستولت‬ ‫على الطريق الرئيسي‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هناك في حياتنا لحظات ندرك فيها معاني الكلمات أو الصطلحات‬ ‫بدون جهد‪ ،‬حيث نراها مجسدة‪ ،‬فتنحفر في ذاكرتنا إلى البد‪،‬على‬ ‫شكل موسوعة "حاسوبية"‪ ،‬نسبة إلى " الحاسوب"‪ ،‬وهوذلك الكائن‬ ‫العجيب المجيب‪"..‬الكومبيوتر"‪ .‬ما تكاد تضغط على أحد أزراره‬ ‫حتى تنهمرالمعلومات على شاشته بوضوح! بعضها على شكل‬ ‫كلمات‪ ،‬وبعضهاعلى شكل صور ثابتة‪ ،‬والبعض الخر في صور‬ ‫متحركة‪ ،‬وربما ناطقه أيضا‪.‬‬ ‫ألسنا‪ ،‬بل عجب‪ ،‬نعيش الن في عصر الـ "مالتي ميديا"؟‬ ‫"حــــــرون" الحمار‪:‬‬ ‫مثال ذلك ُ‬ ‫صورة حمار تصنع اقوائمه الربعة مع الرض زوايا حادة‪ ،‬راقبته‬ ‫مشدودة بالبريسن‪ ،‬رأسه منكسة بعناد‪ ،‬ومنخراه يقتربان من أديم‬ ‫‪84‬‬


‫الرض بينما ينطلق منهما‪ ،‬على دفعات متقاربة‪ ،‬مخروطان من‬ ‫الهواء يثيران عواصف من التراب‪ .‬وهو) اللحمار( يتشبث بالرض‪،‬‬ ‫ويأبى أن يتزحزح اقيد أنملة‪ ،‬بالرغم من السياط الموجعة‪ ،‬إل بعد‬ ‫استعمال مختلف الحيل‪ ،‬التي يعرفها صاحبه "اليحبمار"‪ ،‬بحكم‬ ‫تجربته مع أمثاله من الحميرالغرار‪.‬‬ ‫في ذلك الواقت كنت أفسر ذلك العصيان بالعجزعن مواصلة السير‬ ‫في الطريق الوعرالهابط الصاعد‪ .‬لكنني‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬وكلما عادت تلك‬ ‫الصورة إلى مخيلتي‪ ،‬ازددت يقينا بأن الـ"حمار" كان "يتشبث"‬ ‫بالرض‪ ،‬ويأبى‪ ،‬ببساطة‪ ،‬أن يترك "موطنه الصلي" الذي ولد ونشأ‬ ‫فيه وينتمي إليه‪.‬‬ ‫أتيحت لي في صباي المبكر‪ ،‬اقبل الهجرة‪ ،‬وبشكل تلقائي عابر‪،‬‬ ‫بفضل خالتي "آمنه"‪ ،‬الفنانة التشكيلية‪ ،‬ممارسة أشكال من الفنون‪،‬‬ ‫فيماعدا فن"النحت" الذي كانت تشدني وتبهرني"تماثيــــله" كلما‬ ‫مررت بكنائس وأديرة القدس القديمة‪ .‬وكم تمنيت‪ ،‬في صباي‪،‬‬ ‫بعدالهجرة‪ ،‬لو تمكنت من هذا الفن وأدواته‪ .‬ولم تتواقف أمنتياتي عند‬ ‫هذا الحد‪ ،‬بل حاولت‪ ،‬وعندما باءت محاولتي بالفشل‪ ،‬تخيلت نفسي‬ ‫واقد صنعت تمثال ليوضع على اقاعدة مرتفعة في ميدان "باب‬ ‫العمود" في القدس‪ .‬تمثال ضخما لذلك "الحمار"‪ ،‬في تلك اللحظة‪،‬‬ ‫لحظة حرونه وإصراره على الرفض‪ ،‬ولم أستطع كبح جماح خيالي‬ ‫الذي أخذ يزين ميادين مختلف المدن والقرى‪ ،‬في كل مكان‪ ،‬بذلك‬ ‫التمثال الذي يجسد حمار "فارس"‪.‬‬ ‫وبمرورالسنوات‪ ،‬عندما كبرت ونمى في رأسي‪ ،‬كما يفترض‪ ،‬شيء‬ ‫يسمونه الوعي‪ ،‬تخليت عن أحلم التماثيل هذه خصوصا بعد أن‬ ‫اقرأت اقول برناردشو‪:‬‬ ‫"تصنع المم تماثيل كبيرة للشياء التي تفتقدها أكثر‪".‬‬ ‫صرت أبحث عن أشياء نفتقدها أكثر من حمار "فارس"‪.‬‬ ‫ل أستطيع أن أتذكر تاريخ ذلك اليوم‪ ،‬يوم الهجرة من القدس‪،‬‬ ‫بالضبط‪ .‬ولم يعدأمامي سوى التخمين‪ .‬ولم يكن ذلك‪ ،‬على أي حال‪،‬‬ ‫إل بعد انتهاء السنة الدراسية بأيام معدوده‪ .‬ربما في شهريونيـو من‬ ‫‪85‬‬


‫عام ‪ .48‬فمازلت أذكر اقيظ الرحله‪ .‬ومن بعدها اقيظ "غزه" الشهير‪،‬‬ ‫الذي استقبلتنا به‪ ،‬والذي عرفته اقبل ذلك في أشُهر الجازات‬ ‫الصيفيه‪.‬‬ ‫بل أذكرأننا غادرنا القدس أثناء الهدنة الولى التي فرضتها المم‬ ‫المتحدة‪ .‬ويمكن التداقيق في تاريخ بدايتها ونهايتها‪*.‬‬ ‫بالضافة إلى اقصة حمار إبن "أبو فارس" اليحرون‪ ،‬التي لم تنته‬ ‫بعد‪ ،‬هناك ذلك المشهد الذي ظل يحتل جزءا من ذاكرتي‪ ،‬والذي‬ ‫أكاد أراه بكل تفاصيله كلما تداعت أمامي ذكريات الهجرة‪.‬‬ ‫كنت فيما مضى أرى المصريين وأسمع لهجتهم المحببة بلسان‬ ‫جارتنا "إم سماعين" وفي الفلم السينمائية فقط‪ .‬ولكنني على يقين‬ ‫من أن "المشهد" الذي يتراءى لي الن اقد حدث بالفعل‪.‬‬ ‫لم نكن بعد اقد اقطعنا سوى بضعة كيلومترات‪ ،‬في طريقنا جنوبا إلى‬ ‫مدينة "بيت لحم"‪ ،‬عندما استواقفنا جنود يتحدثون اللهجة المصرية‪،‬‬ ‫طالبين منا أن نساعدهم‪ ،‬مع بعض الذين اقاموا باحتجازهم من‬ ‫القرويين‪ ،‬في حفرالخنادق‪ ،‬وتعبئة أكياس الستحكامات بالتراب‪.‬‬ ‫وهيهات أن يسمح الجنود المصريون لنا بمواصلة السير‪ .‬هذا بالرغم‬ ‫من ادعاء أخي بأن الولد‪ ،‬أنا‪ ،‬مريض وأنه يجب أن يسارع في‬ ‫توصيله إلى "بيت لحم"‪ ،‬وبالرغم من أدائي المتقن لدور المريض‪.‬‬ ‫وهنا ينبري اليحرمار الشهم لنقاذنا بأن يتطوع بالبقاء معهم للقيام‬ ‫بالمهمة المطلوبة مقابل أن يتركوا أخي ليواصل الرحله معي‪ ،‬على‬ ‫أن يعود بالحماربعد أن يودعني عند أاقارب لنا هناك في "بيت لحم"‪.‬‬ ‫وبعد أاقل من نصف ساعة كان الحبمار اقد غافل الجنود‪ ،‬وفر منهم‬ ‫هاربا‪ ،‬ليلحق بنا‪.‬‬ ‫وهكذا اقدر لي أن أكون شاهد عيان لحد الحقائق التاريخيه‪.‬‬ ‫الجيش المصري على مشارف القدس الجنوبيه‪.‬‬ ‫عجبت‪ ،‬في حينها‪ ،‬لمر هذه الجيوش‪ .‬وتساءلت‪:‬‬ ‫____________________________________________‬ ‫)*( أعلنت الهدنه الولى في ‪ ، 1948 /11/6‬ولمدة ‪ 28‬يوما‬

‫ما الذي أتى بهم إلى تلك البقعه؟‬ ‫هل ضلوا طريقهم؟ أم أنهم وصلوها حسب خطة مرسومه؟!‬ ‫‪86‬‬


‫ثم يأتي مشهد النهاية‪.‬‬ ‫فقبيل وصولنا إلى مشارف مدينة "بيت لحم"‪ ،‬فوجئنا بالحمار يسقط‬ ‫على الرض إعياء وعبثا حاول الحيريمار‪ "،‬فارس"‪ ،‬مساعدته على‬ ‫النهوض ثانية‪.‬‬ ‫لم يلبث جارنا "فارس" أن رأى أن يلجأ لتخفيف الحمل بأن يفك‬ ‫وثاق الحقيبة والبردعة عن ظهر الحمار‪ .‬ولم يكد يفعل ذلك حتى‬ ‫اقفز الخير‪ ،‬مثل الجندب‪ ،‬وفرر هاربا في إتجاه الشمال‪..‬عائدا من‬ ‫حيث أتينا )!(‬ ‫ألم يستحق ذلك )الحمار( تمثال يخلد عبقريته؟‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫من مدينة "بيت لحم"‪ ،‬التي عانينا الوصول إليها مشيا على الاقدام‪،‬‬ ‫ركبنا الـ "باص" إلى مدينة الخليل‪ ،‬ومنها واصلنا سفرنا إلى"غزة"‪.‬‬ ‫أودعني أخي في بيت عمي"غزال"‪ ،‬في غزه‪ ،‬حيث سبقتني شقيقاتي‪،‬‬ ‫وعاد إلى القدس‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫"غازي"‪..‬‬

‫‪87‬‬

‫*‬


‫عمي "غزال"‪ ،‬وهذا هو لقبه الذي طغى على إسمه الحقيقي الذي لم‬ ‫نعد نذكره‪ ،‬هوثالث أعمامي الثلثه‪ .‬يقال أنه كان‪ ،‬منذ طفولته‪،‬‬ ‫"شقيا" خفيف الظل‪ ،‬رشيقا خفيف الحركة‪ ،‬عنيدا لدرجة أنه لم يكن‬ ‫ليتحمل طاعة شيخ الكرتاب الذي كان كثيرا ما يعريره بأخيه "يوسف"‪،‬‬ ‫والدي‪ ،‬الصغر منه سنا‪ ،‬والذي كاد أن يحفظ القرآن كله في سن‬ ‫مبكره‪.‬‬ ‫وعندما يئس منه جدي ألحقه بالعمل معه في محل تجارة الحبوب‪.‬‬ ‫وكان ما أسعده عندما خصص له جدي حمارا لينقل على ظهره‬ ‫الشولة لـتسليمها لبائعي الحبوب في دكاكينهم‪.‬‬ ‫وماهي إلبضع سنوات حتى استقل عمي"غزال"‪ ،‬بحماره الرهوان‪،‬‬ ‫عن أبيه وإخوته‪ .‬هذا بالضافة إلى الدونم الذي كتبه له أبوه في‬ ‫منطقة "الرمال" الممتدة بين مدينة غزة وبحرها‪ .‬وأعقب ذلك تلك‬ ‫الحركةالنفصالية التي جرت في أسرة الحاج عبدالرحمن‪ ،‬جدي‬ ‫لبي‪ ،‬والتي كانت نتيجة لبلوغ جدي سنا لتسمح له بمواصلة العمل‪،‬‬ ‫ولذهاب والدي إلى "الجهاديه"‪ ،‬وانتقال عمي الكبر"خليل" إلى يافا‪،‬‬ ‫المدينة التي تتناسب مع إمكانياته الكبيرة كتاجر حبوب له وزنه‪،‬‬ ‫وجنوح "عمي أحمد" وانحرافه ‪ ،‬من بين إخوته الذين يصغرهم‬ ‫بسنوات‪ ،‬نحوالتعليم في الكلية العربية في القدس‪ ،‬ومن ثم في‬ ‫الجامعة الميريكية في بيروت )!(‬ ‫ثم هجرة والدي إلى القدس‪ ،‬بعد أن عاد من "الـيُُستر"‪ ،‬وتزوج حبيبة‬ ‫اقلبه‪ ،‬أمي‪ ،‬التي ظلت تتوارى عن الُخ ر‬ ‫طاب طوال المدة التي اقضاها‬ ‫في الجهادية ومن ثم المدة التي اقضاها أسيرا في الحجاز‪.‬‬ ‫ولقدعرفت عمي "غزال"‪ ،‬اقبل الهجرة‪ ،‬في زياراتنا الصيفية السابقة‬ ‫إلى"غزه"‪ .‬وهو يسكن في بيت متعدد الحجرات‪ ،‬بنيت بشكل‬ ‫عشوائي في أحد زوايا الدونم‪ .‬إل أن البيت لم يكن يخلو من الطرافة‬ ‫في تكوينه‪ .‬فقد كان أشبه ما يكون بالشاليهات السياحية‪ ،‬محاطا بكل‬ ‫أنواع الزهور وأشجارالفاكهة‪.‬‬ ‫وكانت لعمي زوجة بيضاء سمينة رجراجة‪ ،‬خفيفة الحركة‪ ،‬ذات‬ ‫خدود دائمة الحمرة وأسنان ضحوكة ناصعة البياض‪ ،‬ولتكنة نابلسية‪.‬‬ ‫‪88‬‬


‫كانوا ينادونها بإسم عزيزإلى نفسي‪" ،‬إم العابد"‪ ،‬أمي‪ .‬ذلك بالرغم‬ ‫من أنها لم ترزق ل بـ"عابد" ول بغيره‪.‬‬ ‫دأبت امرأة عمي على أن تتنقل برشااقة‪ ،‬ل تتناسب مع شحومها‬ ‫المكدسة على أردافها‪ ،‬بين أشجارالجوافه والكلمنتينا والبوملي‬ ‫والخوخ واللوز‪ ،‬ودوالي العنب التي تغطي "العريشة"‪ ،‬أهم معالم‬ ‫الدار‪ ،‬والتي كان يحلو لعمي"غزال" اقضاء أواقات العصر تحتها مع‬ ‫أنفاس الرجيله‪ ،‬ثم تخصني بالجزء الكبر من الحصيلة وهي تقول‬ ‫في جرعات متدفقة من طيبة وحنان لم تتضاءل على مر اليام‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬كل يا روحي‪ ..‬كول يا "غازي"!‬‫كانت تصرعلى مناداتي بإسم "غازي"‪ ،‬وهواسم اقديم لي‪.‬‬ ‫فعندما ولدت‪ ،‬كان لتلك السماء الملكية‪..‬غازي‪ ..‬وفيصل‪..‬و‬ ‫فاروق‪ ..‬رواج وأي رواج‪ .‬بحيث أصرت والدتي على مجاراة‬ ‫الموضة‪ .‬ومثلما اختارت جارتنا لوليدها إسم "فاروق"‪ ،‬والجارة‬ ‫الخرى إسم "فيصل"‪ ،‬فقد اختارت لي أمي إسم "غازي" الذي لم‬ ‫يعجب والدي لقناعته بأن الملوك مكروهون بدليل اقوله تعالى "إن‬ ‫الملوك إذا دخلوا اقرية أهلكوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة"‪ ،‬ولسبب‬ ‫تاريخي يتعلق بالفترة التي اقضاها في الجيش التركي‪ ،‬أيام "السفر‬ ‫برلك"‪ ،‬وأيام "اليُُستر"‪ ،‬السر‪ ،‬في الحجاز‪ .‬فقد كان الملك غازي‬ ‫ملك العراق السبق‪ ،‬في نظر والدي‪" ،‬لخلرتع"‪.‬‬ ‫وعندما بلغت السادسة من عمري‪ ،‬أخذني والدي إلى مدرسة‬ ‫"المصراره" البتدائية للقيام بإجراءات التسجيل‪ .‬هذا بالرغم من‬ ‫صراخي الرافض‪ ،‬وتوسلت أمي بالتأجيل للسنة القادمة‪ ،‬لني‪ ،‬كما‬ ‫كانت تكرر "للرساته زغيرعالمدراس"‪.‬‬ ‫وهناك‪ ،‬في المدرسة‪ ،‬عرفت لول مرة أن اسمي‪ ،‬كماهو مسجل في‬ ‫شهادة ميلدي‪ ،‬هو"غالب"‪.‬‬ ‫كما اكتشفت أن عمري اقد أصبح سبع سنوات‪ ،‬وليس سته‪.‬‬ ‫فلقد كان والدي اقد اختار لي هذا السم وسجلني به في اقيد النفوس‬ ‫وشهادة الميلد‪ ،‬ولم يشأ أن تتسبب إشاعة ذلك في مساءلت والدتي‬ ‫التي كانت سعيدة باسم "غازي" أريما سعاده‪ .‬لقد كان يهيم بها حبا‪،‬‬ ‫‪89‬‬


‫ولم يستكثرعليها أن تتمتع بالسم الذي اختارته لمدة الست سنوات‪.‬‬ ‫ولكل حادث حديث‪ ،‬كما كان يقول في كثير من المناسبات‪.‬‬ ‫الغريب أن والدي لم يخطيء يوما بمناداتي بإسمي الذي اختاره لي‪.‬‬ ‫كما أنني لم أسمعه يناديني يوما بالسم الخر الذي اختارته لي أمي‪.‬‬ ‫لكنه استعاض عن هذا وذاك بألقاب كان يخلعها علي كان آخرها‪..‬‬ ‫"غاندي"‪ .‬وكان ضمور جسمي هو وجه الشبه بيني وبين خالد الذكر‪،‬‬ ‫الذي سمعت عنه الكثير في طفولتي المبكره‪ .‬كما كنت مغرما‬ ‫باستعراض اقدرتي على شفط بطني بحيث يكاد يلتصق بظهري‪ ،‬و‬ ‫بالجلوس متربعا‪ ،‬فيما يشبه وضع اليوجا المشهور‪ ،‬كما كان يفعل‬ ‫الحاوي السيماوي الذي أتوا به لمدرستنا ليخرج لنا من عربه صيصانا‬ ‫ويأكل النار بالشوكة‪.‬‬ ‫وظل والدي يداعبني بهذا اللقب حتى بعد انكشاف أمر إسمي الجديد‪.‬‬ ‫ولم يكن ذلك بسبب بنيتي الضعيفة فحسب‪ ،‬بل لنني كنت معرضا‬ ‫عن أكل كل أنواع الطبيخ‪ ،‬فيماعدا شوربة العدس‪ ،‬التي لم أكن أتردد‬ ‫في تناولها والمطالبة بها‪ ..‬يوميا‪.‬‬ ‫ولقد أدى ذلك كله إلى تعااقب اللقاب التي كان يناديني بها والدي ‪..‬‬ ‫"غاندي" و‪ "..‬أبوالعدس"‪.‬‬ ‫أما تفاصيل حكاية عمري الذي زاد سنة بأكملها‪ ،‬فهي تتلخص في‬ ‫وجهة نظر والدي التي كان يفسرها بأنه ل داعي للنتظار لمدة سنة‬ ‫كاملة بينما هوعلى يقين أنني بلغت من النضوج والنباهة مما يمكرنني‬ ‫من دخولي المدرسة البتدائية وانا بعد في السنة السادسة من عمري‬ ‫بدل من السابعة‪ .‬فقد كان والدي يعمل في بلدية القدس‪ ،‬ولم يكن ذلك‬ ‫"التحايل" بعيدا عن مناله‪.‬‬ ‫كان والدي يردد دائما أنها الكذبة الوحيدة في حياته‪ .‬وكانت المرة‬ ‫الولى التي أسمع فيها عن "الكذبة البيضاء" ‪.‬‬ ‫*‬

‫‪90‬‬

‫*‬

‫*‬


‫"حمـــوده َحْلحــــ َْل"‪!..‬‬

‫اقلت أن دخولي المدرسة البتدائية جاء اقبل أوانه بسنة‪ .‬وأذكر أني‬ ‫اقابلت هذا التعنت في حقي بمختلف صورالرفض‪ .‬منها التمارض‪،‬‬ ‫الذي ساهم كما يبدو في خلق أو تنمية موهبة التمثيل‪ ،‬أو لنقل‪ ،‬موهبة‬ ‫التقليد عندي‪ .‬فذلك هو الاقرب لما تميزت به طفولتي‪.‬‬ ‫‪91‬‬


‫ومن مظاهر ذلك الرفض‪ ،‬كان تزويغي من المدرسة والعودة‪ ،‬بدون‬ ‫مبررمقنع‪ ،‬إلى البيت في أي واقت من أواقات اليوم المدرسي‪ ،‬حيث‬ ‫تقوم أمي بالتنبيه والحرص على البقاء في البيت‪ ،‬تسترا وخوفا من‬ ‫أن يراني أحد الجيران فـ"يفتن" لبي‪.‬‬ ‫كنت أرضى عندها بأن أُحبس في وسط الدار‪ .‬أركض وألهو منفردا‬ ‫كما شاء لي اللهو‪ .‬تشجيني أصوات العصافيرالتي تطير بحرية في‬ ‫أسراب غفيرة ثم تحط على شجرة الفلفل الضخمة الشاهقة‪ ،‬جذعها‬ ‫في ساحة مدرسة البنات البتدائية "المدرسةالعييللورية" المجاورة لنا‬ ‫وفروعها تطل من علل على وسط الدار‪ ،‬ويمتعني صوت بنات‬ ‫المدرسة وهن يلهون وينشدن الغاني في الساحة‪"..‬طليع‬ ‫البدُرعلينا‪ ،"..‬أو تصدح أصواتهن المرتفعة‪ ،‬بعد أن يرن الجرس‬ ‫معلنا بداية اليوم الدراسي‪ ،‬بكلمات ذلك النشيد الصباحي الذي‬ ‫يذكرني دائما بـ"إم خضر" بما فيه من اقوة وشجن‪"..‬موطني‪..‬‬ ‫موطني"‪.‬‬ ‫أو يرددن‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬في حصة القراءة‪ ،‬بصوت واحد ما تلقنه لهم‬ ‫المعلمة من "كتاب القراءة" في الصف‪..‬‬ ‫دار‪ ..‬دور ‪..‬‬ ‫دور‪ ..‬دار ‪..‬‬ ‫دار‪ ..‬دور ‪..‬‬ ‫كنت أمرح وأركض بشكل ملفت بحيث كانت أمي تسترق من واقتها‬ ‫هنيهات تكرسها للعناية بي‪ ،‬بشكل استثنائي نادر‪ ،‬فأذوق أنا طعما‬ ‫جديدا للسعادة‪ .‬ثم تكرر‪ ،‬بينما هي تنشسط بنشرالغسيل على الحبال‬ ‫المشدودة في وسط الدار‪ ،‬سؤالها بدون أن تنظر إليي‪:‬‬ ‫ ‪" ..‬إنت ما ُدختش لرسه يا بنريي؟"‬‫وتنهرني بلهجتها المشوبة بآثار من اللهجة الغزاوية‪" ..‬لكتن يا بتينيي‪..‬‬ ‫لكتن!"‬ ‫غالبا ما كنت أستمر بصخبي ول "ألكن" إل بعد أن"أدوخ" أو أكاد‪.‬‬ ‫‪92‬‬


‫أستلقي على اقرص الدرج المؤدي إلى"العلريه"‪،‬الغرفة الفواقانية الشهيرة‬ ‫بغرفة"عابد"‪ ،‬للتقط أنفاسي وأنا أتابع بعينري أسراب الحمام وطيور‬ ‫السنونو وهي تحلق في الجو‪ .‬تغوص ثم تصعد في الفضاء بتشكيلت‬ ‫تسحرك‪ .‬وتملني الدهشة وأنا أرااقب حركة الغيوم وهي تتآلف‬ ‫وتتفرق ثم تتداخل‪ ،‬فأرى فيها صورا أشبه بالتنين والديناصور والدببة‬ ‫وأنواع الطيور‪ ،‬أو أرى وجوها عابسة متجهمة‪ ،‬أو ضاحكة‪ ،‬أو تشبه‬ ‫أناسا أعرفهم‪.‬‬ ‫وتبهرني الرسومات التي تتراوح ألوانها بين البيض والسود المشبع‬ ‫بزراقة السماء‪ ،‬أو التماثيل ذات البعاد الثلثة طول وعرضا وعمقا‬ ‫وهي تتعااقب وتتبدل أشكالها‪.‬‬ ‫وتشدني أشعة الشمس وهي تتسلل من ثقوب في الغيمات فتصل إلى‬ ‫بلطات وسط الدارالحجرية‪ ،‬ثم سرعان ما تختفي لختفاء الشمس‬ ‫وراءغيمة داكنة تمشي متباطئة كأنها تستعرض اقدرتها وجبروتها‪ .‬وأنا‬ ‫أنتظربل كلل ول ملل‪ .‬وأعتبر نفسي اقد انتصرت على الغيمة السوداء‬ ‫عندما تنقشع ويعود نور الشمس ليمل وسط الدار مرة أخرى ساطعا‬ ‫منيرا يمل النفس بهجة‪.‬‬ ‫وكــثيرا ماكــانت الســحب‪،‬وهــي تتشــكل فــي الســماء‪ ،‬تــذكري بخــالتي‬ ‫"آمنه"‪ .‬فأتخيل ريشة خفيــة بيــد ســحرية غيــر مرئيــة تفعــل علــى أديــم‬ ‫السماء الزراقاء ما كانت تفعلــه ريشــتها علــى اقماشــة لوحاتهــا البيضــاء‬ ‫المشدودة على إطار خشبي‪.‬‬ ‫أو تذهلني تلك الخيوط اللمعة المتكسرة التي تبرق وهي‬ ‫تشطرالغيمات‪ ،‬ثم يتبع ذلك أصوات هدير الرعد التي لم تكن ترعبك‬ ‫بقدر ما كانت تدفعك إلى التأمل و تثير في نفسك التسامؤل حول‬ ‫كينونتها‪ ،‬بالرغم من محاولة أخيك"عابد" مرة لتبديد حيرتك‪ ،‬متسلحا‬ ‫بما عرفه في "علم الطبيعة" عن التفاوت الكبير بين سرعة وصول‬ ‫الصوت إلى آذاننا وبين سرعة وصول الضوء إلى عيوننا‪ .‬هذا بينما‬ ‫كان انطلاقهما متزامنا‪.‬‬ ‫أتساءل أحيانا‪ ،‬هل كان هروبي من المدرسة هو تعبيرعن رفضي‬ ‫للشعور بالقهر والظلم واستلب الحرية‪ ،‬التي كنت أرى أاقراني‬ ‫‪93‬‬


‫يتمتعون بها في الحاره‪ .‬خصوصا واقد سمعت والدتي‪ ،‬منذ البداية‪،‬‬ ‫وهي تتوسل إلى والدي‪ ،‬أكثر من مرة‪ ،‬لرجاء دخولي المدرسة‬ ‫للسنة القادمة؟‬ ‫هل كان سبب نفوري من المدرسة هو ذلك التشابه المفروض‪،‬‬ ‫والطاعة العمياء‪ .‬الكل حليق الرأس‪ .‬الكل ينصاع بل تردد‪ .‬الكل‬ ‫صامت‪ .‬أو يردد ما يقوله الستاذ‪ .‬الكل صف واحد ل أحد يحيد عنه‪.‬‬ ‫الكل خائف‪ .‬ما إن تقترب منه "مسطرة" الستاذ حتى يفتح يديه‬ ‫الثنتين اقبل أن يؤمر بذلك‪.‬‬ ‫أم ترى كان عزوفي عنها وهروبي منها ما هو إل تعــبيرعن إحساســي‬ ‫المتزايد بالوحدة في تلك الدار الوسيعة‪ ،‬حيث دأبــت شــقيقاتي الربعــة‬ ‫على ال نشغال عني بأمورهن‪ ،‬بينما تنشغل أمي بتوفير أسباب الراحــة‬ ‫لهن‪ ،‬وحيث يغيب أبي حتى في حضــوره‪ ،‬وكــذلك أخــي الــذي يتزايــد‬ ‫اغترابه كلما "تر ربفع" إلى سنة ثانوية أخــرى‪ .‬وكــل ذلــك كــان يــدفعني‬ ‫إلى التشبث بالدار‪ ،‬في واقــت يتغيــب فيــه الجميــع عنهــا‪ ،‬أاقتنــص تلــك‬ ‫السويعات التي تكون فيهــا أمــي لـي وحــدي‪ ،‬حيـث تقتطــع مــن واقتهــا‬ ‫المزدحم ما يكفي لتمنحني الهتمام الذي كنت أفتقــده‪ ،‬والمشــاعر الــتي‬ ‫من شأنها أن تغذي وتشبع حاجاتي النفســية‪ .‬فأســبح عندئــذ فــي عينيهــا‬ ‫وأغرق في حنانها‪.‬‬ ‫كم كان يطيب لي أن أختــبيء لكــي تنعــم بحضــنها وبشــعوري العــارم‬ ‫بالسعادة وهي تضمني بينما أنا أستنشق رائحـة صـدرها‪ ،‬وأس تمع إل ى‬ ‫داقات اقلبها عندما تعثر علي بعد أن يعتريها القلق‪.‬‬ ‫نعم‪ ،‬كان لنشأتي بيــن أخــواتي‪ ،‬البنــات‪ ،‬وإحساســي المســتديم بالوحــدة‬ ‫بينهــن‪ ،‬أكــبرالثر فــي عنــادي وإحساســي بالوحــدة‪ ،‬وازديــاد لءاتــي‪.‬‬ ‫وغالبا ما كان رفضي يجيء هكذا بدون مبررات أو أعذار‪ .‬وهنا‪ ،‬كان‬ ‫ل بد من أن يتصرف أحد أفراد السرة‪ .‬فكنت‪ ،‬في مثل هذه الحــالت‪،‬‬ ‫أُنقل إلــى المدرســة محمــول‪ ،‬باكيـا‪ ،‬ل أكــن ول أذعــن إل عنــدما أجــد‬ ‫نفســي واقــد أصــبحت فــي عهــدة أحــد المدرســين‪ ،‬أو مديرالمدرســة‬ ‫شخصيا‪.‬‬ ‫‪94‬‬


‫تناوب في أداء مهمة التحايل لزجي في سجن المدرسة جميع أفراد‬ ‫السرة‪ ،‬باستثناء والدك الذي لم يجرمؤ أحد أن يشكو إليه حالتي‬ ‫هذه‪ .‬بل وكثيرا ما تطوع واحد من الصداقاء أو الجيران لممارسة‬ ‫هذا التعذيب في‪.‬‬ ‫أحدهم كان "حموده"‪ ،‬إبن"أبو عارف"‪ .‬ذلك الشاب متعدد المواهب‬ ‫والقدرات‪ ،‬الذي استطاع‪ ،‬بالرغم من أنه ترك المدرسة منذ طفولته‬ ‫ليساعد والده في خدمة زبائن القهوة وهو "يا دوبك يفك الخط"‪ ،‬أن‬ ‫يتنقل بين مختلف الحرف‪ .‬واشتهر "حموده" بأنه أبو السبع صنايع‪.‬‬ ‫كان يتمتع بشيء من حسن المنظر‪ ،‬وكثير من الذكاء‪ .‬وكان يشعر‬ ‫بتميزه عن إخوته‪ ،‬وعن أهل الحارة أيضا‪ ،‬بالعلاقة الطيبة التي‬ ‫كانت تربطه بأخيي "عابد"‪" ،‬المتعرلم"‪ ،‬الذي يقاربه في العمر‪،‬‬ ‫فيعطيه ذلك إحساسا بالثقة بالنفس‪ ،‬ينطبع على سلوكه‪ ،‬فيبدو اقانعا‬ ‫متباهيا سعيدا‪ .‬يمشي في الرض مرحا وهو يدندن‪ .‬وكثيرا ما كان‬ ‫المعلم"أبوالعز" يمازحه بلقب "حموده حلحل"‪ ،‬نظرا لـ"إنحلل‬ ‫وسطه" وهو يتمايل على ألحان راديو أو جراموفون المقهى‬ ‫الشهير‪ .‬أوعندما كان يردد مغنيا "حمــــوده فايت يا بنت الجيران"‪،‬‬ ‫بينما هي‪" ،‬زكيه" بنت الجيران‪ ،‬تحاول أن تتوارى وراء نافذتها بعد‬ ‫أن تعمدت الظهور‪ ،‬وتظاهرت‪ ،‬أو افتعلت المصادفة‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كن ُ‬ ‫ت أفرح كل الفرح‪ ،‬وياللمفاراقة‪ ،‬عندما يبادر"حموده" بتنفيذ طلب‬ ‫والدتي بتوصيلي إلى مدرسة المصراره‪ ،‬لنه كان ل يكف‪ ،‬طوال‬ ‫الطريق‪،‬عن الحديث عن حديقة الحيوانات التي تقع في مستوطنة "ميا‬ ‫شعاريم" اليهودية التي تلي مواقع المدرسة شمال‪ ،‬وعن وعوده لي‬ ‫باصطحابي لزيارتها‪ ،‬وعن ترديد أغنية ليلى مراد "يا أوتوموبيل يا‬ ‫جميل ما حلك!"‪ ،‬التي كان يطلق عقيرته بها وينطلق بي محمول‬ ‫على كتفيه‪ ،‬بعد أن يحرور في كلمات الغنية ويستبدل أسماء الماكن‬ ‫المصرية بأماكن محلية لتصبح‪"..‬روح العيزريه وروح سلوان‪..‬‬ ‫ي البقعه كمان!" تارة‪ ،‬أو "روح المصراره وروح الواد‪..‬‬ ‫واطلع بل ب‬ ‫‪95‬‬


‫ي الطوري يا واد"** تارة أخرى‪ ،‬ثم ل يكف عن مضاحكتي‬ ‫واطلع بل ب‬ ‫وابتكارالقصص التي كانت تنسيني عناء الطريق وعذاب السجن‬ ‫الذي كان يسواقني إليه‪.‬‬ ‫علماءالنفس‪ ،‬وأخصائيوالتربية الحديثة يطلقون على تلك الظاهرة‬ ‫أسماء مثل "اقلق النفصال" أو"الورهاب"‪ .‬أما أنا فغالبا ما كان‬ ‫تفسيرها عندي‪ ،‬إضافة إلى ما سبق‪ ،‬هو أن المدرسة كانت في‬ ‫نظري عالما شريرا يتميز بقوانينه الصارمة الجائرة‪.‬‬ ‫منها‪ ،‬مثل‪ ،‬غير حلاقة شعرالرأس )عالزيرو(‪ ،‬ما لم أجد له مبررا‬ ‫حتى الن‪ ،‬وهو منع الجري في ملعب المدرسه‪.‬‬ ‫_______________________________________________________________‬ ‫)**( العيزريه ‪ ..‬رسلوان ‪ ..‬البقعه ‪ ..‬المصراره ‪ ..‬الواد ‪ ..‬أرسماء ضواحي وأحياء في القدس‪،‬‬ ‫كما هي الجيزة ‪ ..‬حلوان ‪ ..‬القلعة ‪ ..‬في القاهرة‪.‬‬

‫الجري عند الطفال هو من أبسط مظاهر ممارسة الحرية‬ ‫والنطلق للتخلص من الحساس بقيد المكان‪ .‬ونحن نرى الطفال‬ ‫يجرون بدون هدف كلما أتيح لهم ذلك‪ ،‬حتى في المكنة المحدودة‬ ‫المقفلة‪ .‬فما بالنا عند تواجدهم في أماكن وساحات ممتدة مفتوحة‪.‬‬ ‫أليست هي غريزة الطفال الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟‬ ‫كنت أرفض التقيد أو حتى مجرد الستماع للمدرس المناوب في‬ ‫طابورالصباح‪ ،‬الذي كان يكرر على مسامعنا اقائمة الممنوعات‬ ‫صباح كل يوم‪.‬‬ ‫كنت أفهم‪ ،‬مثل‪ ،‬معنى منع رمي الورق والفضلت في الساحة‪.‬‬ ‫أما الجري‪ ..‬والنطلق!‬ ‫كان هناك شخص مكلف بتدوين أسماء التلميذ الذين يخالفون النظام‪.‬‬ ‫بحيث ُتقرأ اقائمة هذه السماء كل صباح‪ ،‬فيخرج أصحابها من‬ ‫طوابيرصفوفهم لينالوا عقابهم على يد مديرالمدرسة‪ ،‬الذي كان‪ ،‬كما‬ ‫يبدو‪ ،‬يتلذذ في طراقعة عصاه على أكفنا الصغيرة‪.‬‬ ‫في أحدالمرات أمسك بي ذلك الرجل‪ ،‬المكلف بتدوين أسماء‬ ‫المشاغبين في ملعب المدرسة‪ ،‬ولم يتركني إل عندما أفصحت له‬ ‫عن السم‪ ..‬أي إسم‪.‬‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬وفي موعد الطابور نال كل من المشاغبين جزاءه‪،‬‬ ‫ماعدا "حموده حلحل" الذي كان اسمه يتردد على لسان المدير‬ ‫‪96‬‬


‫مناديا بتوعد متصاعد‪ ،‬وما من مجيب‪ .‬مما جعل مديرالمدرسة ينادي‬ ‫ذلك العريف المسئول عن تسجيل السماء‪ ،‬وهو الذي أخذ يؤكد‬ ‫للمدير أن صاحب السم موجود في الصف‪ ،‬ولكنه يتجاهل مناداة‬ ‫المدير‪ .‬صاح المدير‪:‬‬ ‫ فين هو؟ دلني عليه!‬‫إلى أن وصل ذلك المسئول إلى صفي‪ ،‬وأشار نحوي مؤكدا بصوت‬ ‫عال‪ ،‬وبثقة عالية أيضا‪ ،‬أنني المتهم المنشود‪ .‬لكن "عريف"* الصف‬ ‫_______________________________________________________________‬ ‫)*( لم يكن عريف الصف رسوى عضو المجلس الوطني الفلسطيني‪ ،‬الراحل‪ " ،‬عبد المحسن أبو‬ ‫ميزر"‪.‬‬

‫أخذ يؤكد للمدير‪ ،‬ببراءة شديدة‪ ،‬أنني بريء‪ ,‬وأن اسمي هو كذا‪ ،‬ول‬ ‫علاقة لي بهذا الـ "حموده حلحل"‪.‬‬ ‫ومنذ ذلك اليوم المشهود‪ ،‬ظل أفراد أسرتي‪ ،‬الذين بلغتهم تفاصيل‬ ‫اقصتي‪ ،‬يطلقون هذا اللقب علي أنا‪.‬‬ ‫هذا إلى جانب ألقابي النفة الذكر‪" ..‬غاندي" و "أبو العدس"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪97‬‬

‫*‬


98


‫"‪ ...‬كف عـــــــدس"‬

‫الشيء بالشيء يذكر‪.‬‬ ‫في عام ‪ ،48‬كان عمي "غزال" اقد بنى في "الدوُنم" دارا واسعة من‬ ‫طابق واحد كما هي العادة في دور منطقة "الرمال"‪ ،‬التي كانوا‬ ‫يطلقون عليها إسم "الودلُـمات"‪ ،‬جمع الـ"ُدُلم"‪ .‬وهو الإسم الشائع الذي‬ ‫يطلقه الغزيون على الـ "دونم"‪.‬‬ ‫ولهذه الدار اقصة طريفة ظل أفراد عائلتنا يتندرون بها مدة طويلة‪،‬‬ ‫بعيدا عن أسماع الغرباء‪.‬‬ ‫ففي عام ‪ ،1946‬انتقل خالي "علي"‪ ،‬الذي اقضى حياته حتى ذلك‬ ‫الواقت يعمل في سلك التعليم وانتهى به المر مديرا لمدرسة العامرية‬ ‫الثانوية الشهيرة في مدينة "يافا"‪ ،‬ليتولى بعد ذلك إفتتاح وإدارة فرع‬ ‫البنك العربي‪ ،‬المؤسسة الفلسطينية‪ ،‬في مدينة السكندريه‪ .‬وبذلك‬ ‫اختفى الحافز الهم لقضاء جزء من العطلة الصيفية في "يافا"‪،‬‬ ‫الشيء الذي أحزنني كثيرا‪ ،‬وتقرر أن نقضي جزءا من الجازة في‬ ‫"غزه"‪.‬‬ ‫من أكثرالاقارب هناك اقربا إلى نفسي كانت عمتي "إم سامي"‪ ،‬التي‬ ‫توفي زوجها الموسر في طفولتي المبكرة‪ ،‬بحيث لم تعها ذاكرتي إل‬ ‫بملبس الحداد‪ ،‬وترك لها دارا اشتهرت باتساعها وتعدد حجراتها‪،‬‬ ‫مما يتناسب مع عدد أولدها وبناتها‪ ،‬التسعه‪ .‬كما اشتهرت بحديقتها‬ ‫الواسعة ذات البركة والسمك الملون‪ ،‬والنافورة في وسطها‪ .‬هذا إلى‬ ‫جانب "البيارة" المترامية الطراف في ضواحي غزة البعيده‪.‬‬ ‫ولم تكن البيارة بأشجارها وفواكهها واتساعها وحوض الماء الكبير‪،‬‬ ‫الذي كنا كثيرا ما نستحم فيه‪ ،‬هي سر جاذبية "دار عمتي"‪ ،‬فهناك‬ ‫‪99‬‬


‫أيضا كان ولداها‪ ،‬اللذان يقاربانني في السن‪ ،‬وبقية أفراد العائلة‬ ‫الذين كان والدي يتمتع بمنزلة طيبة لديهم‪ .‬وكانت زياراتهم الكثيرة‬ ‫للقدس مما وطد العلاقة بيننا‪ ،‬خصوصا عندما التحقت اثنتان من‬ ‫بنات عمتي في إحدى مدارس القدس الثانوية الجنبية‪ .‬فكانتا كثيرا‬ ‫ما تقضيان عطلة نهاية السبوع عندنا‪ ،‬حسب ترتيبات عمتي التي‬ ‫أجريت مع إدارة المدرسة الداخليه‪.‬‬ ‫في أحد اليام‪ ،‬بينما كان "سامي" يقود سيارته بنا في طريق عودتنا‬ ‫إلى الدار بعد اقضاء يوم كامل في البياره‪ ،‬كانت الشمس اقد مالت إلى‬ ‫المغيب‪ ،‬والجو ترطبه نسمات المساء وتعطره رائحة أزهار الليمون‬ ‫المنبعثة من البيارات ذات اليمين وذات الشمال‪ ،‬وفجأة‪ ،‬مرت سيارة‬ ‫جاءت من خلفنا وتخطتنا بسرعة جنونية‪.‬‬ ‫وبعدها بقليل تبعتها‪ ،‬مطالردة إياها كما يبدو‪ ،‬سيارة عسكرية‬ ‫إنجليزيه‪ .‬وسرعان ما سمعنا أصوات طلقات رصاص متباعدة‪ ،‬مما‬ ‫جعل "سامي" يتواقف عند جانب الطريق اقليل إلى أن يزول أي‬ ‫احتمال لواقوعنا في خطر‪.‬‬ ‫ولم نكد نستأنف سيرنا حتى تواقف "سامي" واقد لفت نظره وجود‬ ‫جسم ممدد على جانب الطريق المعتم شيئا‪ ،‬ظنا منه أن يكون شخصا‬ ‫مصابا‪.‬‬ ‫إاقترب "سامي" من الجسم الممدد بحرص شديد‪ .‬ورأيناه وهو يلكزه‬ ‫برجله‪ ،‬ثم يتحسسه بيده‪ ،‬يتردد اقليل ثم يعود ببطء إلى السيارة حيث‬ ‫ي وشقيقتيه‪.‬‬ ‫اقوبل باستفسارات شقيقت ب‬ ‫اقال بعد أن مط شفتيه وفتح ذراعيه وألقى نظرة أخيرة في إتجاه‬ ‫الجسم الممدد‪:‬‬ ‫ كيس كبير مليان أبصر إيش!‬‫وكان على وشك أن يدخل السيارة ليواصل رحلة العودة إلى غزه‪،‬‬ ‫عندما اندفعت أخته "سعاد" ومعها أختي "إكتمال" متجهتان بجرأة‬ ‫غريبة إلى ذلك الكيس‪ .‬وبعد أن تحسست كل منهما الكيس في‬ ‫محاولت لتخمين محتوياته‪ ،‬عادتا واقد اتخذتا اقرارا بشأنه‪:‬‬ ‫‪100‬‬


‫ إنزل يا سامي نحمل الكيس ونحطه في السياره‪ ،‬فهو مليء بـ‬‫"شباشب" مصرية‪.‬‬ ‫وبعد حوار سريع‪ ،‬وإصرار من "سعاد"‪ ،‬وموافقة الخريات‪ ،‬تعاون‬ ‫الجميع على نقل الكيس ووضعه في صندوق السيارة‪.‬‬ ‫وفي الدار‪ ،‬أصيب الجميع بخيبة المل‪ .‬فقد كانت محتوياته ل تمت‬ ‫إلى الشباشب المزعومة بصله‪.‬‬ ‫وانعقدت لجنة‪ ،‬من الكبار‪ ،‬لفحص ومعرفة ماهية محتويات الكيس‪.‬‬ ‫وبقينا نحن الصغار خارج الغرفة المغلقة‪ ،‬نحاول أن نرهف السمع‬ ‫ونتلصص وننتظر بلهفة وشوق‪ ،‬خصوصا عندما سمعنا صوت‬ ‫عمتي وهي تقول بعد صمت طال‪:‬‬ ‫ يمكن اقوالب شوكولطه‪.‬‬‫وكم خابت آمالنا ونحن نستمع إلى تعليقات الخرين الساخرة‪،‬‬ ‫واقرارهم بأن محتويات الكيس ل تمت أيضا إلى الشوكولطة بصلة‪،‬‬ ‫وإن كانت‪ ،‬كما سمعناهم يقولون‪ ،‬مصبوبة في اقوالب "اقد الكف" أو‬ ‫أكبر اقليل‪ ،‬ومغلفة كل منها بكيس منفصل من ورق القصدير‪.‬‬ ‫ومن خلل الحوارالساخن‪ ،‬سمعنا صوت عمتي وهي تشهق شهقة‬ ‫يتبعها صمت لم يطل‪:‬‬ ‫ ‪ ...‬ليتيكون هادا‪ ..‬إيش إسمه‪ ..‬من هاداك‪ ..‬اللي بيقولوا عليه‪....‬‬‫ حشيش؟‬‫ آ‪ ..‬حشيش!‬‫ إنتي من وين بتعرفي الحشيش؟‬‫ وا عمري ماشفته‪.‬‬‫ ول أنا‪ ..‬هبو هيك الحشيش؟‬‫ طب إيش بده يكون؟‬‫ هبو ه‪ ..‬ما فش غيره!‬‫ طب مين بعرف‪ ..‬نسأل مين؟‬‫ مافش غير خالكم "غزال"‪ ..‬هو اللي بعرف في المسائل هادي‪.‬‬‫‪101‬‬


‫ طب وإذا طلع إنه الكيس مليان من"هاداك الشي"‪ ..‬إيش نعمل‬‫فيه؟‬ ‫ أنا بقول‪ ،‬في الول‪ ،‬ما نحكيش عالكيس كله‪ ..‬نقول لقينا اقالب‬‫واحد بس‪.‬‬ ‫ براو عليك يا "سامي"‪ ..‬كلمك صح!‬‫كان هذا موجزا للحوار الذي انتهى بقرار استدعاء عمي"غزال" في‬ ‫الحال‪.‬‬ ‫ولم يغب "سامي" طويل‪ .‬إذ عاد ومعه خاله "غزال" وعلى وجهه‬ ‫أمارات السعادة التي حاول إخفائها والتظاهر بعدم المبالة‪ .‬وانعقد‬ ‫مجلس الكبار مرة ثانية باستثناء الصبايا هذه المره‪.‬‬ ‫وسمعت بعد ذلك بقية القصة من عدة أفواه‪ .‬كل بطريقته‪.‬‬ ‫اقيل أن عمي "غزال" اقضم اقطعة من القالب ولكها فانفرجت‬ ‫أساريره وسارع بإخفاء القالب في عبه‪ ،‬ثم نهض وهو يحاول إخفاء‬ ‫مشاعره تجاه الغنيمة التي نزلت عليه من السماء‪ .‬وبعد أن غمغم‬ ‫بكلم غير مفهوم‪ ..‬انصرف إلى غير رجعة‪.‬‬ ‫و اقيل أنه أخذ على عاتقه سؤال أهل العلم والمعرفة عن ماهية هذا‬ ‫"القالب"‪ ،‬وأنه سوف يوافيهم بالنتيجة‪ .‬و"عيش يا تكديش‪!".. ..‬‬ ‫كما اقيل أنه أصبح يلزم الدار‪ ،‬ليل نهار‪ ،‬ل يغادر العريشة‪ ،‬ول‬ ‫يكف عن تدخين الشيشه‪.‬‬ ‫عاشت دار عمتي أسبوعا متوترا‪ ،‬وضاق الجميع ذرعا بحالة‬ ‫الطواريء التي فرضت نفسها على أهل الدار‪.‬‬ ‫ثم كان القرار الحاسم باستدعاء عمي "غزال" مرة أخرى‪،‬‬ ‫والعتراف له بكامل القصة‪ .‬وطلبت منه عمتي أن يخلصها من‬ ‫هالمصيبه بمعرفته‪.‬‬ ‫فحمل عمي "المصيبه"‪ ،‬ومضى في كثير من الحذر‪ ،‬ولم يظهر له‬ ‫بعد ذلك أي أثر‪.‬‬ ‫وبعد وفاة جدي لبي‪ ،‬في العام التالي‪ ،‬بدأت آثار ومظاهرالنعمة‬ ‫تظهر على عمي "غزال"‪.‬‬ ‫‪102‬‬


‫ومن أبرز تلك المظاهر كانت تلك الدار التي أشيع أنه يبنيها من‬ ‫نصيبه في الرث‪.‬‬ ‫ول تملك عمتي‪ ،‬ومن يعرف حقيقة القصة‪ ،‬إل أن يرددوا المثل‬ ‫القائل‪:‬‬ ‫"اللي بعرف بعرف‪ ،‬واللي ما بعرف بيقول كف عدس‪".‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪103‬‬

‫*‬


‫عمي "رسليم" ‪..‬‬

‫اقبيــل سقوط يافا‪ ،‬كان عمي "سليم"‪ ،‬الذي كان يتمتع بالذكاء‬ ‫والحصافة‪ ،‬اقد انتقل‪ ،‬هو وزوجتيه وأولده منهما )عشرة أنفار(‬ ‫بالضافة إلى ابنته الكبرى وزوجها وأولدهما الثمانيه )عشرة أنفار(‬ ‫وعفش بيته‪ ،‬دون أن يترك اقشة فيه‪ ،‬إلى غزه‪ ،‬حيث استأجر وتقاسم‬ ‫الجميع حجرات الدار الجديدة التي انتهى لتوه من بناءها العم‬ ‫‪104‬‬


‫"غزال"‪ ،‬أو "أبوالعابد" الذي كانت الهجرة سببا في إضافة صفة‬ ‫"الغزاوي" للقبه‪ ،‬من أجل التمييز بينه وبين"أبوالعابد" القدسي‪،‬‬ ‫والدي‪.‬‬ ‫وكان من الطبيعي‪ ،‬نظرا لضيق ذات اليد‪ ،‬أن تتقاسم عائلة "أبوالعابد‬ ‫القدسي" مع "أبي العابد الغزاوي" وزوجته حجرات "الشاليه"‪.‬‬ ‫عمي "سليم"‪ ،‬أيضا‪ ،‬له حكاية‪.‬‬ ‫لكنها تختلف عن حكاية عمي "غزال"‪ ،‬لن الول‪ ،‬وهو الخ‬ ‫الكبر‪ ،‬كان ذو حظوة عند جدي بحيث تسربت إليه أسرار تجارة‬ ‫الحبوب فبرع في عمله واستقل وانتقل إلى مدينة "يافا" ليصبح فيها‬ ‫تاجرا ذا شأن‪ ،‬حيث تعددت أملكه وذاعت شهرته‪ ،‬خصوصا عندما‬ ‫أمعن الحظ في محالفته‪.‬‬ ‫كان ذلك في بداية الربعينات‪ ،‬عندما لجأ إليه أحد العتالين‪،‬‬ ‫"العرايشيه"‪ ،‬العاملين في "الحاصل"‪ ،‬مخزن الحبوب‪ ،‬لينقذه من‬ ‫مأزق مالي واقع فيه‪ .‬فلقد تعسرت ولدة الزوجة واضطر‪ ،‬تحت‬ ‫إصرارالرداية‪ ،‬إلى اللجوء إلى طبيب ولدة‪ ،‬مما استنفذ كل ما تملك‬ ‫يداه‪.‬‬ ‫نسيت أن أذكر‪ ،‬وإن كنت ل أنسى ما كان عليه عمي هذا من البخل‬ ‫الشديد بالرغم من كل ما حباه ا به من نعم‪ .‬ولم يكن صاحبنا العتال‬ ‫يجهل فيه هذه الفضيلة‪ .‬ولذلك أخذها من اقصيرها وجاءه بوراقة‬ ‫يانصيب "ديربي" كان اقد اشتراها منذ أيام‪ ،‬وتوسل إليه أن يأخذها‬ ‫ويعطيه ثمنها‪ .‬وبعد طول جدال‪ ،‬ورجاء وإلحاح من العتال‪ ،‬أخذعمي‬ ‫"سليم" وراقة اليانصيب على مضض‪ ،‬وأعطاه الثمن‪ ،‬وهوما اقيمته‬ ‫نصف جنيه فلسطيني بالتمام والكمال‪.‬‬ ‫بعد أيام معدودات‪ ،‬دارت "البـ لتلييه"‪ ،‬كما يقولون‪ ،‬في بلد النجليز‪،‬‬ ‫واستقرت على راقم تحمله الوراقة التي أصبحت من ممتلكات عمي‬ ‫"سليم"‪ .‬وما هي سوى أيام حتى ذاع الخبر في كل الفاق‪ .‬وذاعت‬ ‫شهرتي في المدرسة بين الرفاق‪ ،‬وأصبح لقبي‪ ..‬اللي عومه كسب‬ ‫"الديربي"‪ .‬خمسة عشرألف جنيه استرليني من جنيهات أيام زمان‪.‬‬ ‫‪105‬‬


‫) وربما كان ذلك من أحد السباب التي جعلتنا نتمتع‪ ،‬في القدس‪ ،‬بـ‬ ‫"صيت الغنى" النف الذكر‪(.‬‬ ‫هذا‪ ،‬ويقوم العارفون بتصحيح اقيمة الجائزة إلى أصلها‪ ،‬وهو"ستة‬ ‫عشرألف "‪ .‬فالحقيقة أن عمي"سليم"‪ ،‬كان شديد الحرص على ترويج‬ ‫القيمة الولى‪ ،‬التي تبدأ بـل "خمسة" لما في هذا العدد من اقدرة على‬ ‫درء الحسد‪.‬‬ ‫وبالرغم من أن عمي"سليم" كان اقد بلغ من الكبرعتيا‪ ،‬وأصبح له‬ ‫العديد من الحفاد‪ ،‬إل أن زوجته‪ ،‬العجوزأيضا‪ ،‬كانت دائمة‬ ‫الشكوى‪ ،‬وهي تبتسم إبتسامة لم أكن أدرك معناها‪ ،‬من أنه "لدني"‪.‬‬ ‫و"عينه فارغه"‪ ..‬و"نفسه للرساتها خضره"!‬ ‫ولذلك اقامت‪ ،‬بنفسها‪ ،‬بالبحث له عن بنت الحلل وتزويجه‬ ‫بمعرفتها‪.‬‬ ‫رزق بعد ذلك بولدين‪ .‬وعندما كبرا وتعلما الكلم‪ ،‬أصبح يخجل‬ ‫منهما أمام الناس‪ .‬فهما أصغر سنا من أحفاده‪ .‬وخطرت له فكرة‬ ‫تلقينهما أن يخاطباه أمام الخرين الغرباء بلقب "سيدو" منعا للحرج‪.‬‬ ‫وكأنما فرح الطفلن بهذا السم الجديد‪ ،‬فلم يكرفا‪ ،‬في أول زيارة لهما‬ ‫لـ "الحاصل"‪ ،‬عن مناداته أمام العاملين والزبائن بملء صوتيهما‪:‬‬ ‫ بابا سيدو‪ ..‬بابا سيدو!‬‫كثيرة كانت القصص التي سمعتها عن عمي "سليم"‪ .‬لكن ما كان‬ ‫يحيرني أنه كان يحافظ بداقة متناهية على مظهره الجاد الواقور‬ ‫الورع المتدين‪ ،‬بحيث يتعارض هذا الذي أسمعه مع ذلك المظهر‪،‬‬ ‫ومن أشكاله‪ ،‬مثل‪ ،‬كانت زيارته المتكررة للقدس كل يوم جمعة‪،‬‬ ‫حيث شاع أنه يحرص على أداء صلة الجمعة في المسجد الاقصى‪.‬‬ ‫في أحد تلك اليام‪ ،‬نمى إلى علمي أنه كان "فاتح بيت" في القدس‬ ‫لواحدة ربما تكون زوجة أخرى له‪ .‬وهذا مما يفسر إصراره على‬ ‫اقضاء أيام الجمعة فيها‪ .‬لكنني لم أجرمؤعلى السؤال عن صحة‬ ‫المعلومه‪ .‬فلقد كنت أاقل سرنا وأكثر حرجا أو خجل من أن أتحدث في‬ ‫مثل هذي المور‪.‬‬ ‫‪106‬‬


‫أما في"غزة"‪ ،‬بعدالهجرة‪ ،‬فقد جاءتني المعلومة تمشي على سااقيها‪.‬‬ ‫واكتشفت في واقت ما أن عمي "سليم" هوغريمي ومنافسي في‬ ‫العلاقة مع تلك الصبية "الفايره"‪" ،‬نعيمه"‪ ،‬البنة الوحيدة لذلك‬ ‫"العرايشي" الذي كان يعمل في "الحاصل"‪ ،‬وهوالمالك الول لوراقة‬ ‫يانصيب الديربي الرابحة‪ ،‬والذي توفيت زوجته الحبلى في شهرها‬ ‫الخير‪ ،‬فاضطر أن يودع البنة الصبية أمانة في دار عمي إلى أن‬ ‫يشاء ا‪.‬‬ ‫كنت في الثالثة عشر من عمري‪ ،‬وكانت تكبرني ببضع سنوات‪.‬‬ ‫وظلت‪ ،‬لكثر من سنة‪ ،‬تتحرش بي منذ أن استقر بنا المقام في‬ ‫"غزه"‪ ،‬بدون أن تجد استجابة مني‪) .‬ل أستطيع أن أجزم إن كان‬ ‫ذلك تعففا أم جهل‪(.‬‬ ‫ولما أحست بعدم جدوى ذلك أخذت تعيرني بأنني ما زلت طفل‪،‬‬ ‫لأدرك أو أاقيم وزنا لما يتحدث عنه كل الكبار‪ .‬تقول هذا وهي تتثنى‬ ‫وتمر بكفيها بخيلء على الصدر الذي كان اقميصها يشي بعريه‪ ،‬ومن‬ ‫ثم الخصر‪ ،‬فالردفيين‪ ،‬وعيناها تقولن ما عرفته لحقا حينما غلرقت‬ ‫امرأة العزيز البواب واقالت لسيدنا يوسف‪:‬‬ ‫"هيت لك"!‬ ‫وكان ذلك الشتاء‪ .‬حيث كنت‪ ،‬في يوم من أيامه القارسه‪ ،‬جالسا أمام‬ ‫طاولتي منهمكا في مراجعة دروسي‪ ،‬أفرك يد بالخرى محاول‬ ‫التغلب على البرد الذي كان يشل أصابعي‪ ،‬ويكاد أن يحد من اقدرتها‬ ‫على تقليب صفحات الكتاب‪.‬‬ ‫فجأة وجدتها تقف أمامي بثياب منزلية خفيفة‪ ،‬وكأننا في عزالصيف‪.‬‬ ‫كانت كثيرا ما تتردد على والدتي لتعرض خدماتها‪.‬‬ ‫أمسكت بكفي اليمن وأخذت تفركه بيديها وهي تظهر تعاطفها لما‬ ‫أعانيه من الحساس بالبرد‪ .‬ثم فوجئت بها تدس كفي من تحت‬ ‫اقميصها‪ ،‬وتشدعليه بشكل يتعذرالفلت منه‪ ,‬بينما أنا منساق يعتريني‬ ‫الذهول‪ ،‬وبينما هي تحدجني بنظرات متحفزة متراقبة نتيجة ما فعله‬ ‫بي ذلك الدفء الذي يكمن في ثدييها النافرين‪.‬‬ ‫ر‬ ‫اقالت لي‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬أن عمي"سليم" هوالذي "علمها"‪.‬‬ ‫‪107‬‬


‫اقالت أنه كان‪ ،‬ومازال‪ ،‬ل يكف عن ملحقتها ومحاولته للتحسيس‬ ‫عليها‪ ،‬منذ أن "فارت" فجأة ونبت لها ثديان‪.‬‬ ‫في البداية لم تكن "نعيمه" تدرك جدوى هذا "المزاح" منه‪ ،‬وهو‬ ‫الرجل الواقورالذي كان بمقام والدها‪ ،‬ول تستطيع أن "تفتح عينها"‬ ‫فيه‪.‬‬ ‫اقالت لي مرة أن زوجته الثانية اقد لمحته مرة وهو يلحقها‪ ،‬فما كان‬ ‫منها إل أن تتمت بكلمات أولها "إخص‪!"..‬‬ ‫ثم أخذت الزوجة الطيبة بعد ذلك تلحقها بالنصائح والتحذيرات‪.‬‬ ‫وبمرور الواقت‪ ،‬تعودت الصبية على ذلك بل أصبحت‪ ،‬كما ألمحت‬ ‫لي‪ ،‬تجد لذة فيما يستدرجها إليه‪ .‬خصوصا عندما أصبح يعدها بالكثير‬ ‫و يحقق لها بعض وعوده‪ ،‬كالفساتين والحذية الجديدة‪.‬‬ ‫ولشدما عاتبتني لنني لم أكن أعيرها اهتماما أو أستجيب لمحاولتها‬ ‫للتقرب مني‪ .‬بل إنهاعللت ذلك بانشغالي و"حبي" لـ"نهاد"‪،‬‬ ‫صغرى حفيدات عمي "سليم"‪.‬‬ ‫أذكرأنها كانت دائما تهددني بإفشاء سري‪ .‬بل إنها ادعت مرة‪ ،‬زورا‬ ‫وبهتانا‪ ،‬بأنها رأتني وأنا أبوس "نهاد"‪ ،‬الشيء الذي أدهشني لنه لم‬ ‫يخطر لي‪ ،‬حتى تلك اللحظة‪ ،‬على بال‪.‬‬ ‫والحقيقة أنها كانت تمتلك جسدا فارعا غنيا بالمنحنيات والتضاريس‬ ‫التي كان الخرون يعتبرونها ميزة‪ ،‬يتغنى بها الرجال‪ ،‬وتحسدنها‬ ‫عليها النساء‪ .‬لكنها‪ ،‬إلى جانب ذلك‪ ،‬كانت تمتلك وجها أاقرب إلى‬ ‫القبح‪ ،‬وشعرا أكرت لم يُجد في إصلحه الـ "بريانتين" الذي كثيرا ما‬ ‫كان‪ ،‬في أيام الصيف بالذات‪ ،‬يسيح على جبينها‪.‬‬ ‫ر‬ ‫وبالرغم من ذلك فقد انسقت إذ راك إلى ما كانت تتيحه لي من لذ ات لم‬ ‫أكن اقد جربتها بعد‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪108‬‬

‫*‬


109


‫"نهـــــــــــــــــاد"‪..‬‬

‫أليست "نهاد" هي تلك الحورية التي يحلولي أن أتذكرها‪ ،‬وأذكرها‪،‬‬ ‫كلما جاء ذكر حوريات الجنه؟‬ ‫ألم أاقل مرة أنها آية من آيات ا‪ ،‬خلقها على مهل‪ ،‬ولم يخلق لها‬ ‫شبيها‪.‬‬ ‫وإن هي إل تجسيد حي لدهشة الطفولة الجميلة البريئة‪.‬‬ ‫هل كنت حقا أحبها؟‬ ‫كنت اقد بلغت الثالثة عشر من عمري‪ ،‬وإن كنت أبدو أصغر سنا من‬ ‫ذلك‪ ،‬حينما جمعت دار عمي "غزال"‪ ،‬في بداية الهجرة‪ ،‬ذلك العدد‬ ‫الوفير من أفراد العائلة اللجئين إلى "غزه"‪ ،‬من أماكن مختلفة‪.‬‬ ‫كنت أصغرالولد‪ ،‬وكانت هي أصغرالبنات‪ .‬تصغرني بسنة‪ ،‬أو‬ ‫أكثر بقليل‪.‬‬ ‫وكانت امرأة عمي‪ ،‬جدتها‪ ،‬تردد دائما أننا "لبقين لبعض"‪ .‬وكثيرا‬ ‫ما كانت تخصنا باهتمام يلفت انتباه الخرين ويثير تعليقاتهم‪ .‬بل‬ ‫كانت ل تطيق أن تراني لوحدي‪ ،‬فتبادر بسؤالي‪:‬‬ ‫ وين "نهاد" عرنك؟ شوفها راحت فين‪ ،‬ودير بالك عليها!‬‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫‪110‬‬


‫كانت دار عمي "غزال" تقع في أطراف المنطقة‪ ،‬تحدها من الشمال‬ ‫سوافي الرمال البكرالذهبية الناعمة التي كانت حباتها أشبه بكرات‬ ‫داقيقة مصقولة من الزجاج‪.‬‬ ‫كنا‪ ،‬في أواقات العصر‪ ،‬نتراكض عليها‪ ،‬حفاة الاقدام‪ ،‬صعودا‬ ‫وهبوطا من فوق سوافي الرمل باتجاه الغابة البعيدة‪ .‬بحيث كانت دار‬ ‫عمي تتوارى تارة‪ ،‬ثم تظهرمن خلفنا تارة أخرى فيروق لنا ذلك‬ ‫الظهور والختفاء‪ ،‬فنوغل في البعد والصعود والهبوط‪.‬‬ ‫نتسابق تارة‪ ،‬أو يسابق كل منا ظله‪ ،‬تارة أخرى‪ .‬ول نتواقف إل‬ ‫عندما يدركنا التعب‪ ،‬أوعندما تميل الشمس إلى الغروب‪ ،‬فنجلس‬ ‫لنلتقط أنفاسنا‪ .‬ثم نسارع بالعودة خوفا من أن يدركنا الظلم‪ ،‬بينما‬ ‫يجتهد كلنا في نفض حبات الرمل الزجاجيةعن سيقان الخر‪.‬‬ ‫راقيقة كانت‪ ،‬سمراء‪ ،‬بعينين عسليتين غائرتين في وجه ل أمول من‬ ‫النظرإليه والتأمل فيه‪.‬‬ ‫لها شعركستنائي طويل منسدل‪ ،‬مطواع‪ ،‬تعرف كيف تعيده إلى مكانه‬ ‫بحركات رشيقة من رأسها‪ ،‬كلما انزلقت خصلته لتغطي نصف‬ ‫وجهها‪.‬‬ ‫ناعمة‪،‬هائمة‪ ،‬دائمة البتسام‪ .‬تتلل في عينيها ومضات من البراءة‬ ‫الساحره‪ .‬وما أن تبتسم لي‪ ،‬بشفتيها‪ ،‬وغمازتي خديها اللتان تضفيان‬ ‫على جمالها خصوصية سابية‪ ،‬حتى تبتسم لي الدنيا‪.‬‬ ‫وعندما تضحك‪ ،‬فلها ضحكة لم أجد لها شبيها سوى صوت الصينية‬ ‫الفضية الراقيقة عندما تدحرجت على بلط وسط درانا الحجري في‬ ‫القدس ذات مرة‪.‬‬ ‫ذراعاها‪ ،‬وكذلك سااقاها اللذان لم تكن تشعر بأي حرج عندما تطسير‬ ‫الريح تنورتها عنهما‪ ،‬يكسو سمرتهما الخاذة زغب حريري أشقر‬ ‫لمع من كثرة تعرضها للشمس‪.‬‬ ‫كنت أحب براءتها التي كانت تتجلى في إيماءاتها‪ ،‬وأسئلتها الكثيرة‪.‬‬ ‫"ليش في نجوم كتير في السما؟"‬ ‫"ليش العصافير بس هي اللي بتطير؟"‬ ‫‪111‬‬


‫"ليش ما بنشوف المليكه؟"‬ ‫"كيف الشياء بتتلون وكيف اللوان بتصير؟"‬ ‫" ليش خيالك صار أطول منك؟"‬ ‫"ليش ما بدك ترسمني؟"‬ ‫" اقال إنت بتعرف تغني؟"‬ ‫" ليش الرمل عامل هيك‪ ..‬كأنه بساط حرير؟"‬ ‫ثم تنطلق راكضة حولي في دوائر تتسع تدريجيا‪ ،‬وهي تطلق‬ ‫ضحكتها فضية النبرات‪ ،‬لترسم بأثار اقدميها على أديم سوافي الرمل‬ ‫المتماوج شكل حلزونيا يظل يكبر ويتسع إلى أن ينهكها التعب‬ ‫فترتمي على الرمال الزجاجية الناعمة الجافة‪ .‬ثم تضع يدها على‬ ‫اقلبها‪:‬‬ ‫"يا أل كيف اقلبي بيدق بسرعه‪ ..‬تعال هات إيدك‪ ..‬لحست! "‬ ‫وفي اليوم التالي تتساءل في دهشة بريئة عن مصير الدوائر‬ ‫الحلزونية‪ ،‬إن محتها الريح‪.‬‬ ‫ول نمل من تكرار ما فعلناه بالمس‪.‬‬ ‫ول تمل هي من تكرار طلبها بأن أصطحب "الفلوت" الذي سمعت‬ ‫ثنارء على عزفي عليه‪ ،‬فإن فعلت‪ ،‬فهي ل تمل من سماع عزفي‬ ‫لغنية "سجى الليل"‪ ،‬أو"آ يا زين العابدين"‪ ،‬أو مقدمة أغنية "طول‬ ‫عمري عايش لوحدي"‪ ،‬أو الرتجالت الموغلة في الحزن التي كانت‬ ‫تنفلت من اللة بعفوية‪ ،‬فل ألبث أن أتواقف عن العزف عندما أرى‬ ‫إبتسامتها تكاد أن تذوي‪.‬‬ ‫لم أعرف تفسيرا محددا لمشاعري تجاهها‪ ،‬وهي التي أنستني كل‬ ‫أوهامي السابقة‪.‬‬ ‫لم أكن أطيق البعد عنها لحظات‪.‬‬ ‫كانت هي شاغلي الوحيد في تلك الظروف الطارئة الثقيلة الظل‪ ،‬التي‬ ‫حرمتني من دارنا التي أحبها في القدس‪ ..‬من حوشنا‪ ..‬من أولد‬ ‫جيراننا‪ ..‬من صوت أخي"عابد" مغنيا‪ ..‬من صوت والدي مرتل‬ ‫‪112‬‬


‫يتردد في وسط الدار‪ ..‬من صوت راديو اقهوة "الباسطي" وهو‬ ‫يصدح بأغاني جميلة لم أعد أسمعها‪.‬‬ ‫اشتقت لسماع نشرات الخبارالتي كان "أبو عارف الباسطي" يتعمد‬ ‫رفع صوتها ليسمعها كل الجيران وهي تتحدث عن انتصارات معارك‬ ‫"باب الواد"‪ ،‬وصمود "يافا" واقراها‪" ،‬أبو كبير"‪ ،‬و"يسلييمه" الباسله‪.‬‬ ‫لم أعد أسمع سوى تعليقات يائسة حول النسحاب من مدينتي"اللد" و‬ ‫"الرمله"‪ ..‬أو سقوط هذه المدينة أو تلك القرية‪.‬‬ ‫أتساءل عن مصير "جيوشنا العربية"‪.‬‬ ‫أين هي‪ ،‬وما الذي جرى لها؟!‬ ‫ثم أتذكر جارنا "الصاجن ميجر حربي"‪ ،‬وليلة بكيت فيها من حيث ل‬ ‫أدرك السبب‪.‬‬ ‫ثم تنتهي الهدنة‪ ،‬التي أشيع أنه بانتهائها ستكون المور اقد سويت‬ ‫سلميا بمعرفة رجل مهم إسمه "الكونت برنادوت"‪ ،‬إن لم يكن‬ ‫بالتدخل الحاسم للجيوش العربية‪ ،‬ولن نلبث أن يعود كل منا من حيث‬ ‫أتى‪.‬‬ ‫لكن اليهود اغتالوا ذلك المل‪ .‬اقتلوا الوسيط الدولي في أحد شوارع‬ ‫القدس الجديدة‪*.‬‬ ‫واندلع القتال بأشرس مما كان عليه من اقليبيلهم‪ .‬وكانت تلك الظاهرة‬ ‫التي باتت موضع تعليق الجميع‪ ،‬فكأن الهدنة ما كانت إل لعادة‬ ‫تسليح اليهود‪ ،‬وبأسلحة أكثر تقدما‪ .‬كالطائرات مثل‪.‬‬ ‫وعرفنا‪ ،‬في"غزة"‪ ،‬الغارات الجويه‪.‬‬ ‫عرفنا الرعب الجماعي‪ ،‬والتكدس في الماكن الكثر أمانا‪.‬‬ ‫عندما نسمع صوت الطائرة‪ ،‬أو زامورالخطر‪ ،‬كنا نسارع للختباء‬ ‫في"البدروم"‪ .‬بل كثيرا ما كنا نقضي بعض الليالي متكومين‪.‬‬ ‫متراصين في ذلك المكان المين‪.‬‬ ‫كنت أبحث عن "نهاد" فأجدها تلتصق بجدتها التي كانت تفسح لي‬ ‫مكانا إلى جانبها‪ .‬ثم أصبحت الجدة تحرص على أن تفصل بيننا‬ ‫ليكون كل منا على أحد جانبيها‪.‬‬ ‫وبعد أسابيع انضم إلينا‪ ،‬في"غزة"‪ ،‬والد ر‬ ‫ي وأخي "عابد"‪.‬‬ ‫‪113‬‬


‫لم يستطيعوا الصمود تحت وابل القذائف‪ .‬أصيبت والدتي في رأسها‬ ‫إصابة خفيفة مما جعل والدي يقرر الرحيل‪ .‬حتى إذا جاءت الهدنة‬ ‫____________________________________________________________‬ ‫)*( اغتالت عصابة "شتيرن"‪ ،‬بقيادة إرسحق شامير‪ ،‬الكونت برنادوت في القدس في ‪ 17‬يوليو ‪1948‬‬

‫الثانية‪ ،‬جمعوا كل ما في بيت الخزين من مؤن‪ .‬رز وسكر وزيت‬ ‫وزيتون وطحين ومختلف الحبوب الخرى وبعض الملبس‬ ‫والحرامات لزوم الشتاء المقبل‪ .‬ولم ينسوا برميل الكاز‪.‬‬ ‫وعندما وصلت السيارة الشاحنة باب دار عمي "غزال" وأخذنا‬ ‫بإنزال الغراض والحقائب والكياس الخيش والسلل فاحت رائحة‬ ‫الكاز الذي حرص رجال "الهاجاناه" البواسل‪ ،‬الذين اعترضوا طريق‬ ‫الشاحنة‪ ،‬لسباب أمنية‪ ،‬على صبه على كافة محتوياتها من مؤن‪.‬‬ ‫واقيل لنا أن بقية ضواحي القدس الجديدة‪ ،‬الغربية منها‪ ،‬اقد سقطت‬ ‫بدون مقاومة تذكر‪ .‬إذ شاع أن الجيش العربي كان معنيا بالدفاع عن‬ ‫الماكن المقدسة في البلدة القديمه‪ ،‬وشراقها فقط‪ .‬واقيل أن الجزء‬ ‫المخصص للدولة العربية‪ ،‬حسب اقرارالتقسيم‪ ،‬هوما كان يسترعي‬ ‫إهتمام الملك عبد ا بالدرجة الولى‪.‬‬ ‫)ذلك ما اتضح عندما اقررالملك عبد ا ضم "الضفة الغربية" إلى‬ ‫"شراقي الردن" وظهور المملكة الردنية الهاشمية في عام ‪(1950‬‬ ‫ولما طال انتظار عودتنا كل إلى بلده‪ ،‬تقرر أن ننتقل لنسكن في شبه‬ ‫بيت مقام في أرض حديقة واسعة لبيت العم الثالث‪ ،‬عمي"أحمد"‪.‬‬ ‫وذلك مما ااقتضى سفر والدي وبصحبته أخي إلى القدس‪ ،‬مغامرة‪،‬‬ ‫لحضار ما تيسر من الفراش وومزيدا من الملبس الشتويه‪.‬‬ ‫مع نهاية النتداب البريطاني‪ ،‬كان من الطبيعي أن تنتهي علاقة‬ ‫والدي الوظيفية ببلدية القدس‪ .‬وكان من الطبيعي أيضا أن تأخذ‬ ‫مدخراته المتواضعة بعد ذلك في الضمحلل مما اضطرأخي"عابد"‪،‬‬ ‫بعد طول انتظار في غزة‪ ،‬إلى السفر إلى "السكندرية" بحثا عن‬ ‫عمل بمساعدة خاله "علي"‪ ،‬الذي كان يشغل وظيفة مدير المؤسسة‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬البنك العربي‪ ،‬هناك منذ عام ‪.47‬‬

‫‪114‬‬


‫وبذلك حرمت من وصاية أخي ورعايته لي‪ ،‬التي لم تكد تبدأ ولم أكد‬ ‫أهنأ بها‪ ،‬والتي كنت في أمس الحاجة إليها في تلك المرحلة من‬ ‫عمري‪.‬‬ ‫وانضمت شقيقتاي "ُحسن" و "إكتمال" إلى "شفاء"‪ ،‬إبنة عمي‬ ‫"سليم" الكبرى‪ ،‬للعمل بالتفصيل والخياطة للمساعدة في مواجهة‬ ‫أعباء الحياة‪ ،‬وتوفير مكان أفضل للسكن‪.‬‬ ‫وانتقلت أسرة "نهاد" للسكن في منطقة بعيدة أاقرب إلى اقلب البلد‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فقد كانت تأتي لزيارة جدتها وتحرص على العودة اقبل‬ ‫الغروب‪ .‬فأحرص أنا على مرافقتها في طريق عودتها‪ .‬وتحرص‬ ‫هي على أن تستدرجني أثناء سيرنا لنغني سويا تلك الغنية السبانية‬ ‫التي تعلمتها من"هنيه" بنت "روزاليا"‪ ،‬إحدى جاراتنا في القدس‪.‬‬ ‫تعودنا أن نسلك طريقا رمليا مختصرا‪ ،‬يخترق أرضا مهجورة*‪،‬‬ ‫ليصل بنا إلى الطريق العام المنحدر إلى سينما "السامر"‪ ،‬مرورا‬ ‫بمنتزه البلدية‪ ،‬حيث تكون دار "نهاد" الجديده‪.‬‬ ‫كانت الشمس تميل إلى الغروب عند مرورنا‪ ،‬في ذلك اليوم‪ ،‬من‬ ‫خلل ذلك الطريق المختصر‪ ،‬الخالي عادة من المارة‪.‬‬ ‫كنت أثناء سيري إلى جانبها أضع يدي اليمنى على كتفها اليمن‪،‬‬ ‫بينما هي تستدرجني لمشاركتها الغناء‪.‬‬ ‫ول أدري كيف خطرت لي‪ ،‬ولول مرة‪ ،‬تلك الفكرة في تلك اللحظة‪.‬‬ ‫فبعد تردد طال‪ ،‬وأنا أحسب للعوااقب ألف حساب‪ ،‬اختطفت من خدها‬ ‫اقبلة سريعة خلتني بعدها اقد ااقتطفت تفاحة الجنة‪ ،‬وارتكبت بذلك‬ ‫الثم الذي ل يغتفر‪.‬‬ ‫تركتها غاراقة في دهشتها ولذت بالفرار‪.‬‬ ‫الحقيقة أنني ل أدري كيف واتتني تلك الرغبة‪ ،‬في ذلك الواقت وذلك‬ ‫المكان‪ .‬فلم أكن أفتقر إلى لحظات عزلة معها‪ .‬فكثيرا ما اقضينا‬ ‫الساعات الطوال منفردين‪ ،‬بعيدين عن أي راقابة‪ ،‬نمرح ونتقلب على‬ ‫سوافي الرمال المجاورة لبيت عمي "غزال"‪ ،‬بدون أن يخطر لي‬ ‫تقبيلها على بال‪ .‬ظللت بعدها أضرب أخماس بأسداس‪ ،‬محاول أن‬ ‫أتنبأ بالحتمالت كلها‪.‬‬ ‫‪115‬‬


‫في اليوم التالي‪ ،‬لم تحضر "نهاد" لزيارة جدتها التي سألتني‬ ‫باستنكار إن كنت اقد "زبعلتها"‪.‬‬ ‫____________________________________‬ ‫)*( يطلقون عليها الن إرسم‪ ..‬أرض "أبو ـخضرا"‬

‫وفي اليوم الذي تله حضرت "نهاد" كعادتها‪ .‬ولكنها اقابلتني‪،‬‬ ‫بالفعل‪ ،‬متجهمة‪.‬‬ ‫ولم أدر كيف أبدأ بالعتذار والمصالحة‪ ،‬خصوصا وأنني لم أر منها‬ ‫غير النفور والدبار‪.‬‬ ‫وغادرتنا "نهاد" عائدة في واقت مبكر من ذلك اليوم‪ .‬خشيت‪ ،‬بل‬ ‫أيقنت‪ ،‬أنها اقد حكت لمها عن ما بدر مني‪.‬‬ ‫في اليوم الثالث‪ ،‬رأتني ابنة عمي‪ ،‬أمها‪ ،‬فما كان منها إل أن رسمت‬ ‫الجد والغضب على وجهها‪ ،‬وهي تقول لي‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬مش عيب عليك؟‬‫في حدا عااقل يعمل عملتك السودة هاي؟‬ ‫وتتسع حداقتا عيناي‪ ،‬وتتزايد ضربات اقلبي رعبا‪ ،‬وهي تكمل لومها‬ ‫وتأنيبها‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬تتركها في نص الطريق‪ ،‬وتخليها تمشي لحالها‪ ،‬والدنيا‬‫المغرب!‬ ‫وانتهت اقصة "نهاد"‪.‬‬ ‫ولكن صورتها ظلت تأخذ حيزها في ذاكرتي‪ .‬تلوح كلما خطرت لي‬ ‫صور وأفكارالطفولة والبراءة‪ ..‬أو كلما جاء ذكر‪ ..‬حوريات الجنه‪.‬‬ ‫هل كانت "نهاد" هي حبي الول؟‬ ‫هل كنت أحبها حقا؟‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫هكذا كانت تردعي "نعيمه"‪ ،‬البنت الفايره‪ ،‬بنت العرايشي‪ ،‬التي ظلت‬ ‫تلحقني إلى أن أواقعتني في حبائلها‪ ،‬ساخرة من ما كانت تسميه‬ ‫"لعب العيال"‪ .‬واستطاعت أن تحقق لي‪ ،‬في غزة‪ ،‬ما عجزت عنه‬ ‫نصائح أاقراني وتعليماتهم في القدس‪.‬‬ ‫‪116‬‬


‫وبالرغم من أني انسقت إلى ما كانت تتيحه لي من لـرذات عابرة‪ ،‬غير‬ ‫مكتملة ‪ ،‬إل أن "القبلة الولى"‪ ،‬المخطوفة من خد "نهاد"‪ ،‬ظلت‬ ‫إلى واقت طويل‪ ،‬هي محور أحلمي‪ ،‬واقمة لذاتي‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫أوهام الحب‪..‬‬ ‫عندما تقودني التداعيات للتوغل في الماضي والتأمل في معنى ما‬ ‫يسمونه أوهام الحب الول‪ ،‬فل بد من أن يستدعيني من "القدس"‬ ‫‪117‬‬


‫طيف "ست أمينه جار ا" التي عرفت معها أول ماعرفت معنى‬ ‫الشواق والنتظار‪.‬‬ ‫ربما كانت في الثامنة عشرة من عمرها‪ ،‬صديقة حميمة لشقيقتي‬ ‫الكبرى "ُحسن"‪ ،‬التي تكبرني بأكثر من عشر سنوات‪.‬‬ ‫كانت بيضاء ذات عينين سوداوين‪ ،‬حوراء‪ ،‬لها شفتان داقيقتان‪ُ ،‬رقُ‬ ‫الفنجان**‪ ،‬تنفرجان عن صفين من الللي‪ ،‬كما كانوا يصفونها‪.‬‬ ‫فارعة الطول تشتهر بأنااقتها التي يتيحها لها انتسابها إلى عائلة غنية‬ ‫من عائلت القدس العريقة‪ .‬أما عطرها الخاذ الذي كان ينم عن‬ ‫حضورها عن بعد حينما أحس به يدغدغ خياشيمي فحدث ول حرج‪.‬‬ ‫خطرلها ذات يوم أن تساهم في حل مشكلتي‪ ،‬التي أعيت أمي‬ ‫وإخواتي‪ ،‬بأن ترافقني إلى المدرسة التي أدمنت على إعلن إضرابي‬ ‫عن الذهاب إليها‪ .‬وعندما أمعنت في رفضي‪ ،‬ذات يوم وتشبثت‬ ‫بالرض‪ ،‬عند الطاحونة‪ ،‬اقبل الوصول إلى "باب العمود"‪ ،‬حملتني‬ ‫بين يديها ظنا منها أنها اقد اهتدت إلى الحل المثل‪ ،‬فما كان مني إل‬ ‫أن نزعت عن وجهها "المنديل"‪ ،‬الذي كان ل يفارق رأسها ووجهها‬ ‫في الطريق العام حتى تلك اللحظة‪ .‬وذلك إمعانا في احتجاجي على‬ ‫تدخلها في شؤوني‪ ،‬والمساس بحريتي‪.‬‬ ‫لم تجد يومها مفرا من إنزالي إلى الرض‪ ،‬بعد أن انكشف رأسها‬ ‫ووجها للمارة الذين أخذوا يستنكرون "سفورها"‪ ،‬لمحاولة تخليص‬ ‫"المنديل" من اقبضتي‪ ،‬مما سهل لي الهروب والعودة إلى البيت‪.‬‬ ‫__________________________________________________________‬ ‫)**( مقاييس الجمال عند ذلك الجيل كانت تؤكدها الغنية الشعبية الغزلية القائلة‪:‬‬ ‫ق الفنجان"!‬ ‫" شفايفها ـر ْ‬

‫كل ما أتذكره بعد ذلك أن "ست أمينه جار ا" انقطعت عن زيارة‬ ‫أخواتي مدة طالت كثيرا‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫في أحد أيام الجمعة‪ ،‬بعد عيدين من أعياد الفطر مباشرة‪ ،‬هرعت إلى‬ ‫باب الدار إثر سماعي لطراقات خفيفة ناعمة متميزة‪ .‬فتحت الباب فإذا‬ ‫‪118‬‬


‫أنا أمام واحدة تشبه الجميلت اللواتي يظهرن على أغلفة المجلت‬ ‫وفي أفلم السينما‪ .‬أول ما لفت ناظر ر‬ ‫ي هي تلك القبعة السوداء المائلة‬ ‫فوق جبينها ميل خفيفا‪ ،‬والتي ينسدل من حافتها العريضة غللة من‬ ‫الدانتيل السود بثقوبها الداقيقة لتغطي نصف وجهها العلى ول‬ ‫تخفيه‪.‬‬ ‫أزاحت الغللة‪ ،‬بحركة رشيقة من يدها‪ ،‬عن وجه أبيض وعينين‬ ‫سوداوين‪ ،‬وانفرجت شفتاها الداقيقتان عن صفي الللي باسمة‪.‬‬ ‫أيقنت‪ ،‬ربما بفضل عطرها‪ ،‬من أنها "ست أمينه جار ا"‪ ،‬اقبل أن‬ ‫تنحني لتقبلني‪.‬‬ ‫كنت أنظر إليها مشدوها‪ ،‬أخطو الهوينا إلى الخلف مبتعدا عنها لكي‬ ‫أرى اقوامها الفارع الذي بات يذكرني بـالممثلة "رااقيه إبراهيم"‪ ،‬التي‬ ‫رأيتها في أول أيام العيد في فيلم سينمائي مع "عبد الوهاب"‪ .‬ثم‬ ‫انطلقت أطوف أنحاء الدار‪ ،‬واقد أطلقت عقيرتي مكررا أحدث أغنية‪،‬‬ ‫"دويتو"‪ ،‬لمطربي المفضل‪ ،‬معلنا بذلك عن ذلك الحدث الجلل‪:‬‬ ‫ حكيم روحاني حضرتك؟‬‫ حكيم عيون أفهم في العين‪..‬‬‫وافهم كمان في رموش العين‪..‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫في البداية كنت أسمع أخواتي وأمي وهن يتبادلن الحديث والتسامؤل‬ ‫عن سبب غياب "ست أمينه جار ا"‪ .‬لكن خالتي الفنانة التشكيلية‬ ‫"ست آمنه"‪ ،‬التي دأبت على الحديث عن الجمعيات النسائية والتباهي‬ ‫بمعرفة "هدى هانم شعراوي" و "سيزا نبراوي" أو "ملك حفني‬ ‫ناصف"‪ ،‬باحثة الوادي‪ ،‬أوغيرهن من رموز حركات تحررالمرأة في‬ ‫ذلك الواقت‪ ،‬معرفة شخصية‪ ،‬اقد أوضحت لهن مؤخرا أن سبب غياب‬ ‫"ست أمينه جار ا" لم يكن هو وفاة والدها فقط‪ ،‬ولكنها اقد أصبحت‬ ‫عضوا نشيطا في إحدى الجمعيات النسائية‪ ،‬تقود حملة تنادي بـ‬ ‫"سفورالمرأة"!‬

‫‪119‬‬


‫وهذا مما جعل أخي "عابد" يردد ويكرر دائما وهو يشيرإلى حكايتي‬ ‫السابقة مع "المنديل" في "طريق الواد"‪ ،‬عند الطاحونه‪ ،‬اقبل‬ ‫الوصول إلى "باب العامود"‪ ،‬ضاحكا‪:‬‬ ‫ لقد لقنها هذا المفعوص درسا في "التمورد"‪.‬‬‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫اقلت لمي في ذلك اليوم )وكنت اقد ناهزت التاسعة من عمري( أنني‪،‬‬ ‫عندما أكبر‪ ،‬لن أتزوج إل واحدة في مثل رشااقة وجمال وأنااقة "ست‬ ‫أمينه جار ا"‪.‬‬ ‫وعندما سربيت شقيقتي لها الخبر‪ ،‬احتضنتني براقة وحنان آسرين‬ ‫وهي تؤكد لي أنها سوف تنتظرني إلى أن أكبر‪.‬‬ ‫وأعلرنا خطوبتنا في ذلك اليوم)!(‬ ‫كنت أعشق وجودها‪ ،‬ويكدرني غيابها‪ ،‬وأطير فرحا عندما تكلفني‬ ‫شقيقتي "ُحسن" بتوصيل رسالة لها‪ ،‬وأنتظر بفارغ الصبر زياراتها‬ ‫لنا‪ .‬أعرد اللحظات في انتظار موعد حضورها‪ .‬وعندها‪ ،‬كنت أجتهد‬ ‫في أن أسبسب شعري بعد انتقاء أجمل حلة لستقبلها بها وفي يدي‬ ‫ضمة زهور‪ ،‬أو اقلدة ياسمين أعددتها لها من شجيرات والدي التي‬ ‫تنبت في البراميل والصص المنتشرة في أنحاء وسط الدار‪.‬‬ ‫لشدما كانت تثيرني همزات وغمزات أخواتي المتدارية والتي كنت‬ ‫أشعرأنها تحمل سخرية من حبي المعلن‪ ،‬وأشوااقي ولهفتي للقاء‬ ‫حبيبتي‪.‬‬ ‫كل ما كان يدور في خلدي عن الحب هوأنه ذلك الشيء اللذيذ الممتع‬ ‫الذي يتمتع به المحبون‪ ،‬وأن المحبين إنما هم فئة ل تختلف كثيرا عن‬ ‫أبطال التاريخ أو الرسل والنبياء‪ ،‬الذين يرسلهم ا ليكونوا اقدوة‬ ‫حسنة‪ .‬نراهم )المحبين( في أفلم السينما‪ ،‬في أحسن حالتهم تارة‪،‬‬ ‫وفي أسوأها تارة أخرى‪ ،‬لنتعلم منهم عدم جدوى المال والجاه في‬ ‫غياب الصدق والمانة‪.‬‬ ‫كدت أتوهم أحيانا أن اقصص الحب ل تحدث إل بين شاب أنيق يتمتع‬ ‫بصوت جميل‪ ،‬وفتاة جميلة ل بأس في أن تحسن الغناء أيضا‪.‬‬ ‫‪120‬‬


‫وهو‪،‬البطل‪ ،‬ل بد له من أن يحفظ عن ظهر اقلب عددا كبيرا من‬ ‫الغاني‪ ،‬لكل منايسبة أغنية منالسبة‪ .‬وهو إبن الناس الغنياء‪ ،‬الذي‬ ‫يصر‪ ،‬رغم معارضة أهله‪ ،‬على التضحية بميراثه من أجل حبيبته‬ ‫بنت الفقراء‪ .‬أو إبن الفقراء الشجاع الشهم‪ ،‬الذي تقع في حبه بنت‬ ‫الغنياء‪ ،‬وبالرغم من معارضة أبيها الباشا‪ ،‬إل أنه في النهاية ينجح‬ ‫في تذليل العقبات‪ ،‬ويتزوجها ليخلفا صبيانا وبنات‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كنت أتساءل بيني وبين نفسي‪ ،‬لماذا يقتصر وجود هذا‬ ‫"الحب"‪ ،‬هذا الشيء الرائع‪ ،‬على اقصص الروايات والفلم وكلمات‬ ‫الغاني فقط‪ ،‬ول وجود له بيننا؟‬ ‫لماذا يتحدثون عن أبطال اقصص الحب بإعجاب‪ ،‬ويطربون لغاني‬ ‫الحب‪ ،‬ول يجاهرون به‪ ،‬بل ينكرونه أو يتنكرون له‪ ،‬إن لمستهم‬ ‫عصاه السحرية؟‬ ‫ولماذا‪ ،‬اقبل كل شيء‪ ،‬كل هذا الهمز واللمز الذي أتعرض له عندما‬ ‫أجاهر بحبي لـ "ست أمينه جار ا"‪ ،‬خطيبتي؟‬ ‫غدوت أردد أغاني الحب التي كان "عبد الوهاب" يلقنها لي من‬ ‫خلل راديو "اقهوة الباسطي"‪:‬‬ ‫"سهرت منه الليالي" و" إيه انكتب لي يا روحي معاكي" و"طول‬ ‫عمري عايش لوحدي" و"لست أدري" و"يا دنيا يا غرامي" و‬ ‫"حياتي إنت " و"عشقت روحك" و"أحب عيشة الحرية" و"طال‬ ‫انتظاري"‪..‬وغيرها‪..‬وغيرها‪.‬‬ ‫أحببت الممثلة "رااقيه إبراهيم" من أجل سواد عيون "ست أمينه جار‬ ‫ا"‪.‬‬ ‫اقالوا لي "رااقيه إبراهيم" يهوديه‪ ،‬اقلت مش مهم!‬ ‫وبت أحلم بيوم أصبح فيه في عمر "محمدعبد الوهاب" وأنااقته التي‬ ‫لم أكن أمتلك من مقوماتها سوى ذلك الطربوش الذي تزعفلت‪ ،‬في‬ ‫طفولتي المبكرة‪،‬على أرض"سوق سُترسُق"‪ ،‬في بيروت‪ ،‬إيام فرح‬ ‫خالي "علي"‪ ،‬وصول إلى الحصول عليه‪.‬‬ ‫وكأنما كنت أعد العدة لذلك اليوم البعيد بأن أتزود بأغانيه‪ ،‬وأحفظ‬ ‫كلماتها إن فاتني بعضها بأن أصيخ السمع لخي "عابد" وهو يرددها‬ ‫‪121‬‬


‫بينه وبين نفسه‪ .‬وكثيرا ما كنت أبحث عن كلمات الغنيات في كتب‬ ‫أخي ومن بينها دواوين "أحمد شواقي" أوغيره من الشعراء‪.‬‬ ‫أسترسل في الغناء‪ ،‬ول يعنيني من ينصت لغنائي أو يطرب له أو‬ ‫يعرض عن سماعه أو يثني عليه‪ ،‬أو يثنيني عنه‪ .‬المهم أنني استمتع‬ ‫به‪ .‬وكان خفوت صوتي بطبيعته هو ما كان يحول دون سماع غيري‬ ‫له أو انزعاجهم منه أو استنكارهم له‪ ،‬فأتمادى في مواصلة‬ ‫الستمتاع‪.‬‬ ‫ض‪ ،‬مما كان يجعل‬ ‫يبدو أنني كنت أمؤدي تلك الغنيات على نحو مر ل‬ ‫خالتي آمنة تزيدني ثقة بنفسي وتعطيني شعورا بالتميز‪ .‬الشيء الذي‬ ‫كنت أفتقده بين أخواتي ووالد ر‬ ‫ي اللهين عني بمشاكلهم التي لم أكن‬ ‫أدرك كنهها‪.‬‬ ‫ويبدوأنني‪ ،‬في ذلك الواقت‪ ،‬اقد عقدت العزم على أن أصبح ممثل‬ ‫سينمائيا‪ .‬ربما كان ذلك أملر في أن يتاح لي عندها أن أستمتع بهذا‬ ‫الشيء الجميل الممتنع‪ ،‬و يولييها ر في ولوج عالم الحب الساحر‪.‬‬ ‫بات كياني مسكونا بذلك المعنى اللهي الغامض السر‪.‬‬ ‫وظل مثلي العلى هو"محمد عبد الوهاب"‪.‬‬ ‫وأصبحت أحلمي‪ ،‬في يقظتي ومنامي‪ ،‬ل تخلو من طيف "ست أمينه‬ ‫جار ا"‪.‬‬ ‫و "طال انتظاري"‪..‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫‪122‬‬


‫"موتشاتشا"‪..‬‬

‫ماليي ؟!‬ ‫هل يمكن أن أكون اقد نسيت اقصتي التي دأب على التندر بها الجيران‬ ‫والجارات‪ ،‬وصبايا حارتنا في القدس القديمة‪ ،‬وما جاورها في البلدة‬ ‫من حارات؟‬ ‫هل نسيت"هنريه"‪ ،‬وذلك الشعور الغامض بالمتعة و النشراح‪،‬عندما‬ ‫كانت تلفحي أنفاسها الدافئة التي يتيحها الاقتراب والتلمس البكر‬ ‫الغير مفتعل؟‬ ‫كيف أنسى تلك اليام التي استنشقت فيها حواسي بواكير ذلك الفوح‬ ‫النثوي الغامض؟‬ ‫‪123‬‬


‫ما كادت عائلة الجارة "إم سماعين" تلملم عزالها وترحل عائدة‬ ‫من"القدس" إلى "الخليل"‪ ،‬بعد أن نضبت مياه "حمام الشفا"‪،‬‬ ‫واستعرت نيران القذائف العشوائية في كل أركان البلدة القديمة‪ ،‬حتى‬ ‫استقبلت الدار مكانها جيرانا جددا‪.‬‬ ‫كان"أبو فايز" صديقا اقديما لوالدي‪ .‬كثر ما سمعتهما يسترجعان‬ ‫برللك"‪.‬‬ ‫ذكريات أيام الصبا‪ ،‬أيام "السفر ت‬ ‫وتهوربا من "الجهادية" التي لم تكن تستهوي شباب ذلك الزمن بالرغم‬ ‫من ما يحمله ذلك السم من معان نبيلة‪ ،‬تمكن والده من ترحيله‪ ،‬بعد‬ ‫أن زروجه بإبنة عمه‪ ،‬إلى بلد لم تسمع به من اقبل ‪"..‬نيكاراجوا"‪،‬‬ ‫المهجر‪ ،‬حيث يعيش أعمامه‪.‬‬ ‫هناك ولدت له إبنة عمه الشباب الخمسة ثم توفيت بعد أن وضعت له‬ ‫طفيه"‪ ..‬السمراء‪.‬‬ ‫"ل ر‬ ‫ُ‬ ‫وهذا مما اضطره‪ ،‬كما اقال‪ ،‬أن يتزوج من "روزاليا" التي جاءت له‬ ‫ـ"هنيه"‪ ..‬الشقراء‪.‬‬ ‫بل ر‬ ‫وعاد "أبوفايز"‪ ،‬عام اقرارالتقسيم‪ ،1947،‬مع عائلته إلى اقريته‬ ‫"المالحه"‪ ،‬في الجنوب الغربي للقدس الجديدة‪ ،‬ليرعى أرض العائلة‪،‬‬ ‫حسب وصية والده‪.‬‬ ‫لكن الظروف‪ ،‬في العام التالي‪ ،‬ااقتضت أن يبحث "أبو فايز" لزوجته‬ ‫"السبانيولية"‪ ،‬كما دأبوا على تسميتها لنها لم تكن تتكلم سوى‬ ‫و"هنيه"‪،‬عن مكان أكثر أمنا‪ .‬فقد‬ ‫ر‬ ‫"لطفيه"‪..‬‬ ‫ر‬ ‫اللغة السبانية‪ ،‬وابنتيه‬ ‫كانت تلك المنطقة من ضواحي القدس الغربية مستهدفة منذ البداية‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫صديقان لدودان كنا‪ ،‬و نردان ل يطيق أحدهما البعد عن الخر لحظة‪.‬‬ ‫"تدويتتو"‪ ..‬كما كان يحلو لمها "روزاليا" أن تطلق علينا‪.‬‬ ‫في العصريات‪ ،‬ما يكاد والدي "يضهر" ليلتحق بأصداقائه‪ ،‬ومنهم‬ ‫"أبو فايز"‪ ،‬في"اقهوة الباسطي"‪ ،‬حتى تطل علينا "روزاليا" بوجهها‬ ‫الضاحك دوما‪.‬‬ ‫‪124‬‬


‫أستقبلها بلهفة وترحاب‪ ،‬فتعبث مازحة بشعري الذي استغرق مني‬ ‫تسريحه واقتا ليس بالقصير‪ ،‬وترطن بما أفهم منه أن "هنية"‪..‬‬ ‫بانتظاري‪.‬‬ ‫كان يحلو لي أن أناديها‪ ،‬كما سمعت أمها تفعل مرة‪"،‬موتشاتشا"‪.‬‬ ‫وكانت تحتج بعصبية‪ ،‬بينما هي تدق بكلتي اقبضتيهاعلى صدري‪،‬‬ ‫وبينما تراقبها أختها "لطفيه" ذات الربعة عشرعام‪ ،‬والتي تكبرها‬ ‫بعامين اثنين وتفواقها معرفة باللغة العربية‪ ،‬مقهقهة بتلذذ ملحوظ‪.‬‬ ‫كانت تجتهد لتقول بلغة عربية مكسرة‪:‬‬ ‫ أنا ل بنت‪ ..‬أنا "هنــيــــــه"‪ ..‬إنت اللي"موتشو"!*‬‫كانت "لطفيه" تلقنني بعض الكلمات السبانية لاقولها لـ"هنيه"‪،‬‬ ‫فتسعد الخيرة بها‪.‬‬ ‫وفي اليوم التالي‪ ،‬تلقـنني"لطفيه"‪ ،‬بعد رجاء وإلحاح مني‪ ،‬مزيدا من‬ ‫الكلمات أو الجمل القصيرة التي‪ ،‬لدهشتي الشديدة‪ ،‬كانت تثيرغضب‬ ‫الشقراء وتجعلها تعرض عني‪ ،‬أوتهاجمني في غفلة مني‪ ،‬فتكاد أن‬ ‫تطرحني أرضا متظاهرة بمحاولة كتم أنفاسي‪ ،‬وتعرضني بذلك‬ ‫لسخرية "لطفيه"‪ ،‬مما يجعلها تدرك أنها مكيدة مدبرة من أختها‬ ‫الكبرى‪ ،‬فتتركني لتنقض على أختها بشراسة‪.‬‬ ‫ولم أعرف كيف أتجنب الواقوع تحت طائلة مكائد "لطفيه"‪ ،‬لنها‬ ‫كانت بين حين وآخر تعود لتلقـنني بما يتهلل وجه شقرائي له فرحا‬ ‫وسعادة‪ .‬وعندها تستجيب لي وتغني لي أغان إسبانية تقطر راقة‬ ‫وعذوبة‪ ،‬حفظت بعضا منها بدون أن أعرف معانيها‪.‬‬ ‫وغدونا‪ ،‬بتشجيع من "روزاليا" التي كانت تحظى بمحبة الجارات‪،‬‬ ‫"الدويتـو"‪ ،‬الثنـائي الغنائي‪ ،‬الذي يشيع البسمة على الوجوه الخائفة‬ ‫المتوترة من أهل الحاره في ذلك الواقت العصيب‪.‬‬ ‫لم أكن بعد أدرك معنى الغيرة في الحب‪ .‬ولذلك لم أدرك ما سوف‬ ‫تسفرعنه تلك الكلمات الثلث التي حفرتها "لطفيه" خفية بمسمار‬ ‫حديدي على أحد أكبر أحجارالجدار في وسط الدار‪.‬‬ ‫أول تلك الكلمات الثلث كان إسم "هنيه" وآخرها إسمي أنا‪ .‬وعندما‬ ‫‪125‬‬


‫اكتشفت "هنيه" ذلك بادرت وعلى وجهها أمارات التحدي بحفر تلك‬ ‫الكلمات الثلث معكوسة على نفس الحجر‪ .‬كانت الكلمة الوسطى‬ ‫باللغة السبانية‪ .‬ولم تنجح توسلتي لكل من الطرفين من أجل التأكد‬ ‫من معناها الذي بدا وكأنه سر تحتفظ به الختان‪ ،‬لول ذلك التشابه‬ ‫بين بعض كلمات اللغتين السبانية واللتينية‪ ,‬التي تعلمها أخي‬ ‫"عابد" في صفوفه الثانوية الخيرة‪ ،‬والذي أوحى لي بأن الكلمة‬ ‫الوسطى في الجملة تحمل ذلك"السرالخطير"‪.‬‬ ‫وظل الحجر المحفور بالمسمار الحديدي شاهدا يحتفظ به‪.‬‬ ‫اقلت أن أخي "عابد" كان هو الذي أماط اللثام عن ذلك السرالخطير‬ ‫الذي حرصت كل من "لطفيه" و"هنيه" على حجبه عني‪ .‬وكان يبدو‬ ‫__________________________________________________‬ ‫)*( "موتشو" و "موتشاتشا"‪ ،‬بالرسبانية‪ ،‬تعني "ولد" و "بنت"‪.‬‬

‫سعيدا بعلاقتي النامية بالشقراء‪ ،‬يهدهدها بغبطة‪ ،‬ويراقبها عن بعد‪،‬‬ ‫وهويردد مغنيا‪ ،‬مع إيماءات وغمزات ذات معان يسسربها للخرين‪،‬‬ ‫أغنية "عبدالوهاب" القديمة‪"..‬عصفورتان تتناجيان ‪."..‬‬ ‫وفي أحد اليام جاءني بكتاب بعنوان "علم نفسك اللغة السبانية" ‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫و"لطفيه" و"هنيه" يتناوبن على مساعدتي‬ ‫ر‬ ‫أخذت كل من "روزاليا"‬ ‫على تعلم اللفظ الصحيح للحروف والكلمات‪.‬‬ ‫لكن سرعان ما كانت تلك الرحــــــــــلة إلى غزة‪.‬‬ ‫ولم أنس أن أصطحب معي كتاب تعليم السبانية في رحلتي‪،‬آمل أن‬ ‫أعود في القريب‪ ،‬كما بات الكل يعتقد‪ ،‬إلى جارتي الشقراء التي‬ ‫وعدتها أن أتعلم لغتها‪ ،‬لأشاركها الغناء بعد أن أعرف معاني أغانيها‬ ‫الجميله‪.‬‬ ‫تلك الرحلة التي باتت رحيــــــــــــــــــل‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪126‬‬

‫*‬


‫رست "آمنــــــــــــــــــــه"‪..‬‬ ‫في مطلع صباي‪ ،‬أشاعت خالتي "آمنه" عني أن أداة التعبيرالفضل‬ ‫والسهل عندي هي الكتابة‪ ..‬وليس الكلم!‬ ‫ربما يتضمن هذا إشارة غير مباشرة لشخصيتي التي ل تخلو من‬ ‫الميل الى النطواء‪ ..‬أو لنقل الخجل‪.‬‬ ‫ل بأس!‬ ‫بل إني حتى الن‪ ،‬واقد بلغت من العمر عتيرا ر‪ ،‬أجاهد في كثيرمن‬ ‫الحيان في سبيل صياغة أفكاري اقولر‪ ،‬بينما أصوغها كتابةر بمجهود‬ ‫أاقل‪ ،‬وبصورة أكثر وضوحا‪.‬‬ ‫كنت اقد ناهزت التاسعة من عمري‪ ،‬حينما كانت خالتي "آمنه"‪،‬‬ ‫الفنانة التشكيلية‪ ،‬تكاد ل تترك فرصة تفوت‪ ،‬في أي مجلس من‬ ‫مجالسها‪ ،‬دون أن تفتح حقيبة يدها لتخرج منها مظروفا ر كاد أن‬ ‫يهتريء‪ ،‬وتفض منه وراقة تقرأ محتواها على الحاضرين‪ .‬فينصت‬ ‫الحاضرون حتى النهاية‪ .‬ثم يبدأ كل منهم بالتعبيرعن اعجابه بما‬ ‫سمع‪.‬‬ ‫عبر بهاعن أشوااقي‬ ‫كانت تلك هي الرسالة التي كتبتها لخالتي ل س‬ ‫ومحبتي‪ ،‬وشعوري بالكدر والحزن والسى لمرضها‪ ،‬الذي‬ ‫اضطرها أن تعود إلى "غزة" لتقيم عند أخيها الكبر‪ ،‬خالي‬ ‫"توفيق"‪ ،‬بعض الواقت إلى حين شفائها‪ .‬فلم يكن بإمكاني أن أكون‬ ‫إلى جانبها‪ ،‬ألبي طلباتها‪ ،‬وأحنو عليها‪ ،‬وأتعلم منها‪ ...‬إلخ‬ ‫‪127‬‬


‫دأبت خالتي "آمنه" على التنوبؤ لي ‪ -‬بعد تلك الرسالة‪ -‬بأني سوف‬ ‫أصبح شاعرار مرمواقا‪ .‬إل أنها لم تلبث أن تداركت وغيرت نبوءتها‬ ‫لتراني واقد أصبحت مثلها فنانا ر يشار إليه بالبنان‪ .‬وأخذت على‬ ‫عاتقها مهمة تنمية موهبة الرسم التي كانت تراها تطل من بين‬ ‫خطوطي في أيام صباي المبكر‪ ،‬في القدس‪.‬‬ ‫كانت "ست آمنه" اقد أنشأت هناك‪ ،‬في مدرسة اليتام‪ ،‬معهدا لتعليم‬ ‫التطريز والرسم للبنات‪ ،‬حيث كنت أحرص على اقضاء أيام‬ ‫"الفرص" والجازة الصيفية مواظبا على مرافقتها‪ ،‬والمتثال إلى‬ ‫أوامرها وتعليماتها‪ .‬وحيث كنت أيضا أنعم برفقة صبايا جميلت‬ ‫أنيقات‪ ،‬يتسابقن لرضاء إبن أحت الست "آمنه" ‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ما زالت خالتي "آمنه" تتراءى لي بطبيعتها المرحة التي كانت تثير‬ ‫الصخب والمرح في مجالسها وتنبت السعادة في اقلوب الجميع من‬ ‫الاقارب والصداقاء والتلميذات اللواتي أحببنها لدرجة الهيام‪ .‬وما‬ ‫زلت أذكر ضحكاتها التي كانت تنم عن وجه آخر كثيرا ما كنت ألمح‬ ‫فيه أطياف الحزن والشواق إلى شيء لم أكن أدري كنهه‪.‬‬ ‫عاشت خالتي"آمنه" بعد ذلك أكثر من ثلثين عامرا‪ .‬درست خللها‪،‬‬ ‫بالرغم من التقدم بالعمر‪ ،‬الفن التشكيلي في مصر‪ ،‬وعملت بمهنة‬ ‫التدريس في دمشق ‪ ،‬ثم التحقت لبضع سنوات ببعثة دراسية فنية في‬ ‫"بلغاريا "‪ ،‬ثم عادت إلى سوريا‪.‬‬ ‫ورأتني ونبوءتها في طورالتحقيق!‬ ‫اقالوا لي ‪ -‬بعد وفاتها‪ -‬أنها كانت تحتفظ‪ ،‬باعتزاز‪ ،‬تحت زجاج‬ ‫الكومودينو بجانب سريرها‪ ،‬بصورة لي مأخوذة من إحدى المجلت‬ ‫الفنية‪ ،‬تتصدر مقال نقديا للكاتب النااقد السينمائي المصري "فتحي‬ ‫فرج" تحت عنوان‪:‬‬ ‫المخرج الشاعر‪ ..‬واقصيدته "حكايه"‪..‬‬ ‫‪128‬‬


‫و "حكايه"‪ ..‬كان اسم الفيلم السينمائي الروائي القصير‪"..‬مشروع"‬ ‫تخرجي في أكاديمية الفنون بفيينا‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"صنـــدوق العجـــب"‪..‬‬

‫لم يأت اختياري لدراسة السينما إعتباطا‪ ،‬أو من فراغ‪ .‬لقد ظلت‬ ‫رغبتي دفينة الظروف الجتماعية المحافظة إلى حد الرجعية‪،‬‬ ‫والاقتصادية المتدهورة إلى حد ل يمكن إل أخذها بعين العتبار‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬في الواقت المناسب‪ ،‬ولسبب ما‪ ،‬وإن طال المد‪ ،‬تستيقظ‬ ‫تلك الرغبة وتنفض عن نفسها تراب تلك الظروف‪ ،‬وتملي إرادتها‬ ‫علي‪ .‬ل سيما بعد أن أدركت وتيقنت أن لغة السينما لغة عالمية ل بد‬ ‫ر‬ ‫من أن أتزود بها كسلح تفتقر إليه "القضية"‪.‬‬ ‫إن الكتابة عن تجربتي السينمائية )وذلك هو المنطلق لما أنا بصدده‬ ‫الن من تدوين لسيرتي الذاتية‪ ،‬أو ما يشبه ذلك( لن تكتمل إن لم‬ ‫يتصدرها‪ ،‬أو يتخللها الحديث عن بدايات علاقتي بالسينما في‬ ‫مراحل مختلفة من الطفولة والصبا والشباب‪.‬‬ ‫في أحد كتاباتي‪ ،‬بينما كنت أتحدث عن لغة الصورة‪،‬‬ ‫والصورالمتحركة بالذات‪ ،‬ودخولها إلى عالم الطفولة‪ ،‬سااقتني‬ ‫التداعيات إلى ذكريات عن طفولتي في القدس‪.‬‬ ‫وليس هناك الن من حرج في أن أجري تعديل في ترتيب‬ ‫الصفحات‪ ،‬وأن أستدعي تلك الذكريات في تسلسل جديد‪ .‬فمن نعم‬ ‫ا أني واكبت ذلك الختراع المسمى "الحاسوب"‪ ،‬والذي يسهل‬ ‫إعادة ترتيب الوراق بمجرد لمسات محسوبة لزرار معينة فيه‪،‬‬ ‫وبعدها تتدفق الكلمات والسطورفي المكان الذي تختاره‪:‬‬ ‫‪129‬‬


‫اقد يكون "جيل التلفزيون"‪ ،‬ومن بعده "جيل الفضائيات"‪ ،‬أسعد‬ ‫حظا من الجيال التي سبقته‪ .‬فهو اقد تعلم كيف "يحبو" متجها الى‬ ‫"الجهاز"‪ ،‬الذي أرغم الكبارعلى الرضوخ لرغبة الصغارعلى‬ ‫حضور مجالسهم‪ ،‬ليدير مفتاحه )أو أن يعبث في مرحلة متقدمة بـ‬ ‫"الريموت كونترول"( بثقة مذهلة‪ ،‬اقبل أن يتعلم المشي‪ ،‬ثم يختار‬ ‫مكانا اقريبا ليرااقب منه الشاشة الصغيرة‪ ،‬أو ليرى ردود فعله لدى‬ ‫الحاضرين‪ .‬أو يظل‪ ،‬بدون أن يتمكن من أن يصوغ تسامؤلته‪،‬‬ ‫يطل من خلل تلك النافذة الى عوالم غريبة‪ ،‬وكأنه على يقين من أن‬ ‫الفرصة ما زالت أمامه‪ ،‬وأن مغاليق السرار سوف تتفتح شيئا‬ ‫فشيئا‪ ،‬لن الزمن يعمل لصالحه‪ .‬فالصورة المتحركة‪ ،‬الناطقة‪،‬‬ ‫يتسلل مفعولها بالتدريج‪ ،‬لتصبح جزءا من وااقعنا‪ ،‬ووسيلة للتواصل‬ ‫مع العالم‪ ،‬وكأنها‪ ،‬كما يقولون‪ ،‬تحصيل حاصل‪ .‬ول مكان هناك‬ ‫للدهشة‪.‬‬ ‫لكننا‪ ،‬الجيال السابقه‪ ،‬مازلنا نذكر ذلك الحساس الجميل بدهشه‬ ‫المشاهدة الولى‪ ،‬لنها جاءت في سن تكون الذاكرة فيه على اقدر‬ ‫من النضوج‪ .‬وبعد ذلك يأتي الحساس الكثرإمتاعا‪،‬عندما تأخذ‬ ‫تسامؤلتنا التي كنا نطلقها‪ ،‬بكل ما فيها من سذاجة‪ ،‬في تبديد تلك‬ ‫الدهشة‪ .‬ففي سن الطفولة تنمو وتترعرع "ذاكرة الحفظ"‪ ،‬ثم تبدأ‬ ‫"ذاكرة الفهم" في الظهور في سنوات المراهقة المبكرة‪ ،‬حيث يجري‬ ‫إكتشاف الشياء في ضوء جديد‪.‬‬ ‫من منا‪ ،‬الجيال السابقه‪ ،‬ل يتذكرأحاديث الكبارعن"أفلم السينما"‪،‬‬ ‫ذلك الشئ الذي لم يحن الواقت بعد لمشاركتهم الحديث فيه‪ ،‬لننا كنا‬ ‫صغارا‪ .‬وعندما يحين الواقت‪ ،‬يصبح لكل منا‪ ،‬نحن الصغار‪،‬‬ ‫حصيلة من المشاهدات نتباهى بها أمام الاقران‪.‬‬ ‫كانت دورالسينما تتواجد خارج أسوار "القدس" القديمه‪ .‬وذلك يعني‬ ‫أن "حضور" الفلم يتطلب النتقال الى خارج البلده‪ ،‬وركوب‬ ‫"الباص" برفقة أحد الكبار للوصول الى دار السينما‪ ،‬التي كان‬ ‫اختيارها من اختصاص الكبار أيضا‪ .‬وكانت المواسم والعياد هي‬ ‫‪130‬‬


‫الفرصة الوحيدة المتاحة لنا‪ ،‬نحن الصغار‪ .‬ولم يكن أمامنا سوى‬ ‫القبول بما هو متاح‪ .‬هذا‪ ،‬وليجب أن ننسى المظهر الحتفالي الذي‬ ‫يتجلى بارتداءنا حرلة العيد‪ ،‬وحصولنا على العيدية‪.‬‬ ‫وكانت سينما "ريجنت" هي الاقرب‪ ،‬كما يبدو‪ .‬بالرغم من أنها تقع‬ ‫في حي"البقعه"‪ ،‬في القدس الجديده‪ .‬ولهذا السبب‪ ،‬ربما‪ ،‬كانت معظم‬ ‫الفلم الولى التي شاهدتها أفلما "إنجليزيه"‪.‬‬ ‫"زورو"‪" ،‬سيسكو"‪" ،‬فلش جوردن"‪" ،‬طرزان"‪" ،‬كينج كونج"‪.‬‬ ‫سبق ذلك أوتخلله مشاهدة "يوم سعيد" و"ممنوع الحب" أو غيرهما‪.‬‬ ‫وهي نفس السماء التي كان يرددها الاقران‪ .‬كل يتباهى بكمية الفلم‬ ‫التي شاهدها‪ ،‬والتفاصيل التي يحفظها عن القصص المثيرة أوعن‬ ‫المعارك التي خاضها البطال‪.‬‬ ‫ولسبب ما كنت أاقل أاقراني حظا من حيث عدد الفلم التي‬ ‫"حضرتها"‪ .‬ربما لكوني أصغرإخوتي‪ .‬أما أخي الوحيد‪ ،‬فكان‬ ‫يكبرني بستة أعوام‪ ،‬ربما ل يليق معها اصطحابي مع أصداقائه الى‬ ‫خارج السوار‪.‬‬ ‫إل أنني كنت كثيرا ما أجدني مضطرا لختلق اسم "فيلم" ل يعرفه‬ ‫الاقران‪ ،‬ورواية اقصص ومغامرات تفوق اقصصهم إثارة وغرابه‪.‬‬ ‫كلها مستوحاة من ثرثرات أخواتي حول كتب أو اقصص كن يواظبن‬ ‫على اقراءتها‪ ،‬مثل "جين إير" و"تحت ظلل الزيزفون" و "ووذرينج‬ ‫هايتس" و"جوليوس سيزر" و"الغاني لبي الفرج الصبهاني"‪،‬‬ ‫وغير ذلك من مقررات الصفوف الثانوية في ذلك الواقت‪ ،‬أو حتى‬ ‫فيلم "ذهب مع الريح" الذي لم تتح لي فرصة لمشاهدته‪ ،‬والذي كدت‬ ‫أحفظ تسلسل مشاهده من كثرة استماعي إلى روايتها من خالتي‬ ‫"آمنه" وشقيقاتي وصديقاتهن‪.‬‬ ‫ناهيك عن "إلياذة هوميروس" وبطلها "أخيلوس" الذي ل يشق له‬ ‫غبار‪ ،‬وينافس "الفانتوم" الذي يتباهى بمعرفته أاقراني العزاء‪.‬‬ ‫ثم يطرأ ذلك التغييرعلى حصيلتي من الفلم‪ ،‬كرما ونوعا‪ ،‬ذات‬ ‫صيف‪ .‬ذلك عندما تقرر أن تقضي العائلة جزءا من العطلة الصيفية‬ ‫‪131‬‬


‫في مدينة "يافا"‪ ،‬حيث يقيم أاقارب لنا‪ ،‬ومن أاقربهم وأحبهم لي خالي‬ ‫"علي"‪ .‬وحيث اختلفت السماء التي يرددها الاقران الجدد هناك‪.‬‬ ‫"عبدالوهاب"‪" ،‬رصاصة في القلب"‪" ،‬ليلى مراد"‪" ،‬انتصار‬ ‫الشباب"‪" ،‬رجاء عبده"‪" ،‬عنتر وعبله"‪" ،‬رابحه"‪" ،‬بدرلما"‪،‬‬ ‫"اقبله في الصحراء"‪" ،‬ليلى بنت الفقراء" و"ليلى بنت الغنياء" و‬ ‫"ليلى بنت مدارس"‪ .‬وإن أنس ل أنسى آخر سلسلة أفلم "ليلى‪"..‬‬ ‫وهو فيلم‪ " ..‬ليلى ممطره"!‬ ‫أعداد لحصر لها من السماء‪ .‬كأنهم‪ ،‬في"يافا"‪ ،‬يعيشون في مواسم‬ ‫وأعياد متصلة ل تنتهي‪ .‬أو لن مدينتهم ليس لها أسوار تفصلها عن‬ ‫الحياء الجديدة‪ ،‬حيث تكثر دورالسينما‪.‬‬ ‫هذا‪ ،‬واقد تناهى الى علمي‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬أن هناك في"يافا" أحياء بعيدة‬ ‫يسكنها اليهود‪ ،‬وتكثر فيها دورالسينما المختلفة‪ ،‬وأماكن أخرى‬ ‫عرفت فيما بعد أنها تلك الماكن التي يرتادها عادة أبطال الفلم‬ ‫العربية حينما‪ ..‬يزعلون‪.‬‬ ‫لم تكن تلك هي المرة الولى التي نزور فيها مدينة "يافا"‪ ،‬التي كنت‬ ‫أجد فيها من المزايا ما يجعلني أفضلها‪ ،‬في بعض الحيان‪ ،‬وفي‬ ‫بعض الجوانب‪،‬عن مدينتي"القدس"‪ .‬ول أدري أهوالبحر وشواطئه‬ ‫الرملية الناعمة الممتدة؟ أم هي بيارات البرتقال المترامية الطراف‬ ‫التي يمتلكها بعض الاقارب‪ ،‬مما كان يتيح لي اقدرا من اللهو‬ ‫والنطلق في تلك الماكن التي تتميز بآفااقها الرحبة؟ ذلك الشئ‬ ‫الذي كنت أفتقده في القدس القديمة‪ ،‬ذات السوار‪ ،‬والحارات الضيقه‪.‬‬ ‫أم هم الاقارب أنفسهم‪ ،‬وأولهم "خالي علي" بالذات‪ ،‬ومن بعده ذلك‬ ‫العدد الكبير من الاقران الذين يتميزون بحرية أكثر‪ ..‬وأفق أوسع؟‬ ‫كان "خالي علي" رجل أنيقا مهيب الطلعة‪ ،‬مرحا خفيف الظل‪،‬‬ ‫يشيع البهجة في مجالسه بالرغم من حفاظه دوما على صرامة‬ ‫ملمحه و كأنه يخشى أن ينسى أحدنا للحظة أنه "مدير" المدرسة‬ ‫العامرية الثانوية‪ .‬وعندما كان يزورنا في القدس‪ ،‬كانت الحارة كلها‬ ‫تقف على اقدم وساق‪.‬‬ ‫‪132‬‬


‫كنت أتباهى به أمام أاقراني‪ ،‬وكم كنت أشعر بالفخرعندما يسألني أحد‬ ‫أساتذتي أو مديرالمدرسة في مختلف مراحل التعليم البتدائي‬ ‫أوالثانوي‪ ،‬وكثيرا ما تكرر ذلك‪ ،‬عن مدى اقرابتي لذلك "المربي‬ ‫الفاضل" الذي كانت تنهال علي أوصافه الجليلة من أفواه أساتذتي‪..‬‬ ‫تلميذه‪.‬‬ ‫كنت أعتبره مثلي العلى في كل صفاته ومواصفاته‪ ،‬وأحلم بأن‬ ‫يصبح لي في يوم من اليام بيت مثل بيته‪ ،‬وزوجة محبة مثل‬ ‫زوجته‪ ،‬وأولد وبنات مثل أولده وبناته‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كنت أاقوم بتقليد طريقته في الحديث‪ ،‬حيث يكثر في عباراته‬ ‫من استعمال الكلمات العربية الفصحى‪.‬‬ ‫أشد ما كان يبهرني هو صالون بيته‪ ،‬وآلة "البيانو" التي تتصدر‬ ‫المكان‪ ،‬وإلى جانبه "الفونوجراف" واسطواناته بمختلف أنواعها‪،‬‬ ‫والجدران المكدسة بخزائن تحتشد رفوفها بكتب مختلفة الحجام‪.‬‬ ‫كان يبالغ في المحافظة على كتبه بحيث يوصي بتجليدها بأغلفة جلدية‬ ‫داكنة اللون يلمع في أعقابها إسمه المطبوع بماء الذهب‪ ،‬مما جعلني‬ ‫أتوهم في البداية أنه المؤلف لكل تلك الكتب‪.‬‬ ‫ذلك‪ ،‬خصوصا‪ ،‬بعد أن ذاع صيته كمؤلف لكتابري "من طرائف‬ ‫العلماء" و"من البنسلين إلى القنبلة الذرية "‪ ،‬اللذان صدرا عن‬ ‫"سلسلة الثقافة العامة" في يافا‪ ،‬في أعقاب الحرب العالمية‪.‬‬ ‫لم يبهرني إبن "خالي علي"‪ ،‬الذي كان يصغرني بما يقرب من‬ ‫سنوات ثلث‪ ،‬والذي تعود أن يقف على كرسي أمام ضيوف والده‬ ‫ليلقي نشيد "النرجادة" الوطني‪:‬‬ ‫في حالكات النويوب ل تيهي ت‬ ‫واهتف بلد العرب للعرب‬ ‫ب‬ ‫‪ ... ... ...‬إلخ‬ ‫أو ليجيب بدون أن يتلعثم عن أسئلة تتعلق بعواصم بلدان العالم‪ .‬ذلك‪،‬‬ ‫لنني كنت أحفظ الكثير من الناشيد والغاني‪ ،‬ولن أخي "عابد"‬ ‫كان يتباهى أمام أصداقائه بمقدرتي على حفظ أسماء عواصم بلدان‬ ‫بعيدة مثل "تشيكوسلوفاكيا" و"هنغاريا" و"بولندا" و"التحاد‬ ‫السوفييتي" و"الصين" وغيرها!‬ ‫‪133‬‬


‫هذا بالضافة إلى"تسميع" منطوق نظرية "فيثاغورس"‪" :‬مربع الوتر‬ ‫في المثلث القائم الزاوية‪ ..‬إلخ"‪.‬‬ ‫أو تصريف بعض أفعال اللغة اللتينية‪ ،‬أو رسم خارطة فلسطين‬ ‫والعالم العربي من الذاكرة‪.‬‬ ‫لكن ما كان يبهرني ويثير دهشتي‪ ،‬وربماغيرتي أيضا‪ ،‬هو تلك‬ ‫الجابات التي كانت تتعلق بأفلم السينما وممثليها‪ .‬وذلك الشيء‬ ‫الآخرالذي لم أسمع به اقبل‪ ،‬وهو أسماء "مخرجي الفلم"‪.‬‬ ‫من أين لي أن أعرف‪ ،‬في ذلك الواقت‪ ،‬أن هناك لكل فيلم "مخرجا"‬ ‫يشرف على إخراجه؟ وأن مخرج فيلم "اقبلة في الصحراء" هو‬ ‫"إبراهيم لما"‪ ،‬الفلسطيني؟‬ ‫أو أن مخرج فيلم "سلفني تلته جنيه"‪ ،‬بطولةعلي الكسار‪ ،‬هو‬ ‫"توجو مزراحي"‪ ،‬اليهودي‪ ،‬كما كان إبن خالي يفعل؟‬ ‫في ذلك الصيف‪ ،‬بلغ إعجابي بمدينة "يافا" أشده‪ .‬وصرت أشعر بأنه‬ ‫ل وجه للمقارنة بينها وبين "القدس"‪ ،‬مدينتي‪ .‬فهناك‪ ،‬غير بحرها‬ ‫الذي أسرني سحره‪ ،‬ميزة جديدة اكتشفتها في مدينة "يافا"‪ .‬فقد سمح‬ ‫لي الهل بمرافقة أاقراني الجدد لحضور أحدالفلم‪ ،‬بدون مرافقة‬ ‫الكبار‪ .‬وتوالت بعد ذلك المفاجآت‪.‬‬ ‫مشينا‪ ،‬وركضنا‪ ،‬وبرطعنا‪ ،‬واقفزنا ومارسنا كل أساليب النتقال التي‬ ‫تعتمد على الاقدام‪ .‬وكنت أتصور أن ذلك كان من اقبيل الستعجال‬ ‫للحاق بطابور اقطع التذاكر‪ ،‬الذي ينطبع طوله في مخيلتي‪ ،‬والذي‬ ‫يعتبر من الطقوس الضرورية لحضور الفلم‪ .‬الى أن وصلنا سينما‬ ‫"الحمرا"!‬ ‫تذكرت عندها أن السينما التى شاهدت فيها الفلم الولى كان اسمها‬ ‫سينما "ريجنت"‪ ،‬وأخرى كان اسمها "ركس"‪ ،‬وثالثة كنت أسمع‬ ‫بعض الاقران يرددون اسمها "زيون"‪ ،‬ورابعة اسمها "أوريون"‪.‬‬ ‫وكانت المفاجأة الولى‪..‬أن أكتشف أنه يمكن أن يكون لدور السينما‬ ‫أسماء عربية‪.‬‬ ‫أما المفاجأة الثانية فكانت أكثرغرابة‪ .‬فقد كان علينا‪ ،‬بعد أن وصلنا‬ ‫سينما "الحمرا"‪،‬أن نسلك‪ ،‬بدون أن أعرف السبب‪ ،‬بقيادة رجل ل‬ ‫‪134‬‬


‫أعرفه ولكنه كان يعرف جميع أفراد المجموعه ويناديهم بأسمائهم‪،‬‬ ‫طريقا خلفيا عبر ممرات وأبواب عديدة‪ ،‬الى أن وجدت نفسي أجلس‬ ‫معهم في‪"..‬اللوج"!‬ ‫ولم يتركنا الرجل العندما تأكد أننا ل نحتاج الى أي شئ آخر‪ .‬كأنه‬ ‫موصى علينا من اقبل شخص مهم‪.‬‬ ‫ول أعرف لماذا شعرت بالحباط‪ ،‬بدل من الشعور بالسعادة نتيجة‬ ‫لذلك المتياز‪ .‬صحيح أنني رأيت إبن خالي وهو يتلقى مبلغا ل بأس‬ ‫به من القروش من والدته مع تعليمات ووصايا تجعل مني شريكا له‪،‬‬ ‫ومما اقد يتيح لنا تلك الرفاهية‪ .‬لكن هذه الحقيقة لم تستطع أن تبدد‬ ‫حيرتي‪.‬‬ ‫الشئ الذي حيرني هو أننا لم نقف في الطابور‪ ،‬أمام شباك التذاكر‪،‬‬ ‫حيث تعودنا‪ ،‬في القدس‪ ،‬أن نقف طويل‪ ،‬ونصبر‪ ،‬ونتدافع ونناضل‬ ‫الى أن نصل‪ ،‬نحن الصغار‪ ،‬الى ما تحت الشباك‪ ،‬ونرى كبيرنا وهو‬ ‫يعد النقود ويعطيها لشخص ل نراه‪ ،‬ليتناول منه تذاكرا يختلف لونها‬ ‫عن تذاكر بعض الخرين‪ .‬ونسعد أشد السعادة لننا بذلك نكون اقد‬ ‫اقطعنا شوطا من المسيرة الكبرى في طريقنا الى الصفوف الولى‬ ‫أمام الشاشه‪.‬‬ ‫أما الشوط التالي من المسيرة‪ ،‬فهوالواقوف في طابورآخر‪ ،‬في‬ ‫انتظارأن ينفتح باب الدخول‪ .‬وما أن ينفرج الباب حتى نتنفس‬ ‫الصعداء‪ ،‬وتعلوالصيحات‪ ،‬ثم نبدأ بالتدافع والنضال مرة أخرى‬ ‫للوصول الى ذلك الرجل الذي كنت أتصور دائما أنه صاحب الدار‪.‬‬ ‫فهوالمرالناهي‪ ،‬وهو الذي يقرر أي اتجاه علينا أن نتخذه‪ ،‬بعد أن‬ ‫يداقق النظر في "البوليت"‪ ،‬ويجتزئ لنفسه اقطعة منها‪ ،‬يحتفظ بها في‬ ‫صندوق كبيرأمامه يسنده بكرشه‪ ،‬أو يسند به كرشه‪.‬‬ ‫ثم تغمرنا النشوة ونحن نهرول في اتجاه الصف الول والمقاعد‬ ‫المكتوبة أراقامها على ظهرالجزء المتبقي لنا من "البوليت"‪ ،‬بين‬ ‫أصوات طراقعة الكراسي‪ ،‬وضجيج الناس‪ ،‬ونداءات الباعة‪،‬‬ ‫وأصوات فتح زجاجات "السيفون" ومن ثم صوت ارتطام الغطاء‬ ‫المعدني وتدحرجه على أرضية الصالة المنحدرة‪.‬‬ ‫‪135‬‬


‫لم يكن هناك واقت كاف للتسامؤل‪ ،‬فسرعان ما ساد الظلم‪ .‬ويبدو أن‬ ‫أاقربائي‪ ،‬لكثرة ترددهم على هذه الدار‪ ،‬اقد عرفوا بالضبط الزمن‬ ‫الذي يحتاج اليه الوصول في الواقت المناسب‪.‬‬ ‫وأنشغلت أنا‪ ،‬كعادتي ريثما تنتهي "العناوين" ويبدأ الفيلم‪ ،‬في متابعة‬ ‫ذلك الشكل المخروطي الهائل من الدخان والغبارالمضئ‪ .‬اقاعدته‬ ‫تستقرعلى الشاشة البيضاء‪ ،‬ورأسه ينبع من ثقب في أعلى الحائط‬ ‫الخلفي للصالة‪ .‬أحاول أحيانا الربط بين ما يجري على الشاشة وبين‬ ‫التقلبات التي تطرأ على المخروط الضوئي‪ .‬وأعترف أن ذلك كان‬ ‫يشد انتباهي ويلهيني في بعض الحيان عن "كينج كونج" نفسه‪ .‬وفي‬ ‫أحد المرات‪ ،‬صادف أن رأيت رأس المخروط وهو ينتقل من الثقب‬ ‫في أعلى الحائط الخلفي الى ثقب مجاور له‪ .‬وظللت أراقب رأس‬ ‫المخروط الى أن عاد الى الثقب الول‪ .‬وهيهات أن أعرف كيف‬ ‫ولماذا؟ بالرغم من أنني سألت من هم أكبر مني سنا‪.‬‬ ‫عندما مددت بصري لعد الثقوب التي يخرج منها رأس المخروط‬ ‫في سينما "الحمرا" بيافا‪ ،‬اصطدم بصري بسقف "اللوج" الذي كنا‬ ‫نجلس فيه‪.‬‬ ‫ما أكثر ما تقف الرفاهية حائل دون المعرفه!‬ ‫ل بأس‪ ،‬فربما أستطيع أن أاقنعهم‪ ،‬في مرة أخرى‪ ،‬أن نجلس في‬ ‫مكان آخر‪.‬‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬وفي نفس الواقت‪ ،‬وكأنما أخذت على حين غرة من‬ ‫أمري‪ ،‬وجدت نفسي أجلس في نفس المكان‪ ،‬أشاهد نفس الفيلم‪ ،‬مع‬ ‫نفس المجموعة من الاقران‪.‬‬ ‫وسرعان ما اكتشفت سرالسرار‪ ،‬وهوأن سينما "الحمرا" يمتلكها‬ ‫"عمو أبوعمر"‪ ،‬وآخرون من الاقرباء‪.‬‬ ‫وحينما أبديت رغبتي في تغيير المكان‪ ،‬لغرض في نفسي‪ .‬ااقترح‬ ‫أحدهم أن نصعد لنزور"عمو أبوعصام"‪ .‬وفي الحال‪ ،‬وكأنما هم على‬ ‫اتفاق مسبق‪ ،‬هرول جميعهم‪ ،‬وأنا معهم‪ ،‬سالكين ممرات‪ ،‬صاعدين‬ ‫أدراجا معدنية ضيقة‪ ،‬لتتسع لكثر من شخص واحد‪ ،‬يقودنا‬ ‫"عمر" الذي فتح باب غرفة مكتوب عليه كلمة اقرأتها ولم أفهم‬ ‫‪136‬‬


‫معناها‪ .‬ثم سمعت صوتا مميزا أعرف اسم صاحبه‪ ،‬يرحب بنا جميعا‪.‬‬ ‫يتميز "عموأبوعصام" أيضا بطوله الغيرعادي‪ ،‬وبشاشته الدائمه‪.‬‬ ‫وكم أسعدني أنه رحب بي وكأنه يعرفني منذ زمن بعيد‪ .‬بل إنه‬ ‫سألني ليتأكد من أنني ابن "أبوالعابد"‪ ،‬وازداد ترحيبه عندما أكدت له‬ ‫ذلك‪ .‬وأخذ يحدثني عن دارنا في القدس‪ ،‬وعن "اقهوة الباسطي" التي‬ ‫تقع تحت الدار‪ ،‬وعن "طريق اللم" التي تمر من أمام القهوة ويمتد‬ ‫صعودا الى اليمين ليؤدي الى كنيسة القيامه‪ .‬وإذا لم نتجه الى اليمين‪،‬‬ ‫وأكملنا سيرنا نزول فإننا نكون في طريقنا إلى "الحرم الشريف"‬ ‫و"المسجد الاقصى"‪.‬‬ ‫كان يحدثنا وعيناه ل تغيبان عن آلة ضخمة‪ ،‬تقف الى جوارآلة‬ ‫أخرى مشابهة لها تماما‪ .‬ينبعث من الولى نور يخرج من ثقب في‬ ‫الحائط‪ .‬ولها صوت يكركر بنعومة مع دوران بكرتين أحدهما فوق‬ ‫مصدر النور والخرى من تحته‪ ،‬والشريط اللمع الجذاب ينساب‬ ‫بينهما‪.‬‬ ‫فجأة أشارالينا "عمو أبوعصام" بيده أن نلزم الهدوء‪ .‬فإذا باللة‬ ‫الولى تتواقف عن الدوران‪ ،‬وينطفئ نورها في الواقت الذي تبدأ اللة‬ ‫الثانية بالدوران‪ ،‬وينبعث منها نور يخرج من ثقب في الحائط‪،‬‬ ‫مجاور للثقب الول‪ .‬وتذكرت في الحال "كينج كونج" الذي كاد أن‬ ‫يشد انتباهي و يلهيني عن مرااقبة رأس المخروط الضوئي الضخم‪،‬‬ ‫الذي يخرج من ثقب في أعلى الحائط الخلفي لصالة سينما "ريجنت"‬ ‫بالقدس‪.‬‬ ‫عندما ينتهي عرض "الفصل الول" من الفيلم‪ ،‬تبدأ اللة الثانية‬ ‫بالدوران لعرض"الفصل الثاني" منه‪ .‬هكذا أخبرني"عموأبوعصام"‪،‬‬ ‫بعدأن رأى الدهشة المتسائلة تقفز من عينري لتتشبث به‪ ،‬بينماهو يقوم‬ ‫بتركيب "الفصل الثالث" من الفيلم على اللة الولى‪ ،‬في مكان‬ ‫"الفصل الول" الذي اكتمل عرضه‪.‬‬

‫‪137‬‬


‫كنت أنظر حولي‪ ،‬وأنا أكاد ل أصدق أنني موجود في المكان الذي‬ ‫ينبعث منه ذلك الشعاع السحري‪ ،‬الذي ينتظره الناس في صالة‬ ‫العرض بفارغ الصبر‪.‬‬ ‫هل سيصداقني أاقراني في القدس‪ ،‬عندما أاقول لهم أنني كنت في ذلك‬ ‫المكان؟‬ ‫ثم وجدتني ابتسم وأنا أتذكر ابن الجيران "فاروق"‪ ،‬الذي كان يعرف‬ ‫أشياء كثيرة ل نعرفها‪ ،‬وكاد أن يقنعني بأن الصورة التي نراها على‬ ‫الشاشة تنبعث من خلف الشاشه‪ ،‬ل من أمامها كما أرى بأم عيني‬ ‫الن‪ .‬وأتأمل كل ما في تلك الغرفة‪ ،‬محاول أن أحفظ تفاصيل‬ ‫صورتها في ذاكرتي‪ ،‬لكي أشرح لفاروق وغيره ما ل يعرفونه‪،‬‬ ‫وأعرفه أنا عن يقين وتجربه‪.‬‬ ‫فجأة أفيق من تأملتي على صوت "أبوعصام" العريض وهو يطلب‬ ‫من"عمر" أن يسلرم على أمه وأبيه وأخوته‪ .‬ويخرج آخرالاقران وهو‬ ‫يشير لي باللحاق بهم‪ ،‬فُأصسغر أكتافي معلنا أنني أريد البقاء‪ ،‬ناظرا‬ ‫الى "عمو أبوعصام" في رجاء يشبه الستعطاف‪ .‬فيلحق بهم ليطلب‬ ‫منهم أن يمروا ليأخذونني معهم اقبل العودة الى البيت‪ ،‬والسعادة‬ ‫تنضح من وجهه لنني‪ ،‬كما اقال‪" ،‬فلتلتح" وأحب المعرفه‪.‬‬ ‫ومنذ تلك اللحظة‪ ،‬أخذ على عاتقه مهمة الشرح المفصل‪ ،‬الذي لم‬ ‫أستوعبه‪ ،‬لشياء لم أشك في أهميتها‪.‬‬ ‫كنت أشعر بقوة ما تشدني الى ذلك المكان‪ .‬تدور في رأسي دوامة من‬ ‫السئلة التي ل أعرف كيف أصوغها‪ .‬وكانت الغرفة تتسم بشئ من‬ ‫الفوضى‪ ،‬مكدسة بعلب مستديره من الصفيح‪ ،‬بعضها يعلوه الصدأ‪،‬‬ ‫والبعض الخر مازال يحتقظ ببريق جذاب‪ .‬ولكنها‪ ،‬الغرفة‪ ،‬كانت‬ ‫نظيفة تفوح منها رائحة خاصة‪ ،‬مميزة‪ ،‬أليفه‪ ،‬ملت خياشيمي منذ أن‬ ‫دخلتها‪.‬‬ ‫ذكرتني تلك الرائحة بـ"خالتي آمنه"‪ ،‬الفنانه التشكيلية‪ ،‬أو"الرسامه"‪،‬‬ ‫كما كانوا يلقبونها أحيانا‪.‬‬ ‫كانت‪ ،‬في ذلك الواقت‪ ،‬تربطني بها صلة تتجاوز كثيرا صلة ابن‬ ‫الخت بخالته‪ .‬شئ ما كان يشدني لتكرار زيارتها‪ ،‬في مرسمها‬ ‫في"داراليتام" بالقدس‪ ،‬كلما لحت لي فرصة لذلك‪ .‬كنت أحب‬ ‫‪138‬‬


‫الرسم‪ .‬وكنت ل أمل من مرااقبتها وهي تمارس عملها‪ .‬وأسعد‬ ‫اللحظات كانت هي تلك التي تضع فيها أمامي أصيص الزهور‪ ،‬أو‬ ‫أي شيء من هذا القبيل لاقوم برسمه‪ .‬ثم تبدأ بدندنة أغنية‬ ‫لعبدالوهاب‪ ،‬وأنا على يقين بأنها تفعل ذلك لتستدرجني للغناء‪ .‬فقد‬ ‫كنت أحفظ‪ ،‬عن ظهراقلب‪ ،‬الكثير من الغاني التي كان يصدح بها‬ ‫"راديو" أو "جراموفون" اقهوة الباسطي‪ ،‬ليل نهار‪ ،‬منذ رأت عيناي‬ ‫النور‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كانت تطلب مني أن أاقوم بتنظيف ُفرش الرسم‪ ،‬فأفعل ذلك‬ ‫بترحاب شديد‪ .‬ول أتذكر تماما‪ ،‬هل كنت مغرما بعملية التنظيف‬ ‫نفسها‪،‬أم بتلك "الرائحة" التي تنبعث من سائل التنظيف؟ أم أنني كنت‬ ‫مغرما بكل ما له علاقة بخالتي "آمنه" الفنانه‪ ،‬التي كنت أتمنى أن‬ ‫أصبح فنانا مثلها‪ .‬بينما هي تتنبأ لي بأني سأكون شاعرا مشهورا‪،‬‬ ‫لمجرد أنني‪ ،‬ذات مرة‪ ،‬كتبت لها رسالة أعبر بها عن شواقي لها‪،‬‬ ‫وعن اقلقي لمرضها‪.‬‬ ‫تكررت زيارتي لصومعة العم أبوعصام‪ ،‬وشجعني على ذلك بشاشته‬ ‫الدائمه‪ ،‬وابتسامته التي ل تعرف الملل‪.‬‬ ‫في المرة الثانية التي زرت فيها "الصومعه"‪ ،‬حدث ما تعودنا أن‬ ‫يكون سببا لهياج الجمهور في صالة العرض‪ .‬مرة لهتزاز الصورة‬ ‫على الشاشة‪ ،‬وأخرى لنقطاع الصوت‪ ،‬وغيرها لنقطاع الصوت‬ ‫والصورة معا‪ ،‬مع تواقف التقلبات التي تجري في جسم مخروط‬ ‫الدخان والغبارالمضيء‪ ،‬وظهورالشاشة بيضاء من غير سوء‪ ،‬ما‬ ‫عدا بعض البقع الكبيرة الباهته من تأثيرالرطوبة‪ ،‬فيعلوالصياح‬ ‫والصفير والتعليقات التي تثير‪ ،‬أحيانا‪ ،‬عاصفة من ضحك الجمهور‪.‬‬ ‫وكم كانت سعادتي وأنا أشهد مثل تلك اللحظات‪ ،‬في المكان الذي‬ ‫تتجه اليه النظار مبتهلة‪ ،‬وأرى ما الذي يجري لكي تعود المياه الى‬ ‫مجاريها‪.‬‬ ‫ضك"!‬ ‫صدمتني‪ ،‬لول وهلة‪ ،‬شتيمة العم أبوعصام‪" ،‬يلعن عر ل‬ ‫بكسرالضاد‪ .‬اقالها وهو يقتطع جزءا من كلل من طرفي شريط الفيلم‪،‬‬ ‫ويلقى به على أرض الغرفة بعصبية ل تليق به‪ ،‬وكأنه أحد الممثلين‬ ‫المحترفين السيئين‪.‬‬ ‫‪139‬‬


‫بعد أن عرفت أنها المرة الثالثة‪ ،‬التي تقوم فيه اللة بفعلتها الشنعاء‬ ‫في نفس اليوم‪ ،‬وهوما يفسر وجود شرائط يتراوح طول كل منها ما‬ ‫بين متر الى نصف متر‪ ،‬من الفيلم‪ ،‬مبعثرة على أرض الغرفة‪،‬‬ ‫وجدت أنه من الطبيعي أن يتعرض سلوك "آلة العرض" للعنة العم‬ ‫"أبوعصام"‪ .‬وعندما تأكدت أن ما صدمني هو مجرد تشابه لفظي‬ ‫بين ما اقاله وبين الشتيمة السواقية المعروفه‪ ،‬اشتد تعاطفي مع"عمي‬ ‫أبوعصام"‪ ،‬وعبرت عن ذلك بمبادرتي بجمع اقطع الفلم المبعثرة‪،‬‬ ‫بينما هو منهمك في لصق طرفي الفيلم المقطوع‪ .‬يبسمل ويحواقل‬ ‫بصوت عال‪ ،‬ردا على شتائم الجمهور وصفيرهم الذى كان يعلو‬ ‫ويتزايد‪ .‬ورائحة خالتي "آمنه" تعبق في المكان أكثر من ذي اقبل‪.‬‬ ‫وما هي ال ثوان معدودة‪ ،‬حتى يعود الهدوء‪ ،‬وتعود اللة لتكركر‬ ‫بنعومة محببه الى نفسي‪ .‬كما تعود البتسامة الى وجه الرجل‪ .‬وكأن‬ ‫شيئا لم يكن‪ .‬و يؤكد لي‪ ،‬وهو يربت على آلته بحب وحنان بالغين‪ ،‬أن‬ ‫العيب يكمن في نسخة الفيلم القديمة المهترئه‪ ،‬وأن اللة ل عيب فيها‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫كنت وااقفا أراقبه وأنا أحمل اقطع "الفلم"‪ ،‬بعد أن اقمت بجمعها‬ ‫وترتيبها بحرص شديد حسب أطوالها‪ ،‬متسائل أين أضعها‪ ،‬بينما‬ ‫كانت نفسي تحدثني أن أطلب منه‪ ،‬على الاقل‪ ،‬أن أحتفظ بأصغر‬ ‫اقطعة منها‪ .‬وأتخيل نفسي‪ ،‬وأنا في "القدس"‪ ،‬أفاجيء أاقراني‪ ،‬ومعي‬ ‫الدليل المادي‪ ،‬على خبرتي الواسعة في مجال السينما‪ .‬خصوصا‬ ‫"فاروق"‪ ،‬أكثرهم علما‪ ،‬والذي ظل يؤكد أن الصورة تأتي من خلف‬ ‫الشاشة‪ ،‬بالرغم من إشارتي إلى المخروط الضوئي الذي ينبع من‬ ‫الحائط الخلفي لصالة العرض في دار السينما‪ .‬وأكثر ما كان يحز في‬ ‫نفسي‪ ،‬أنني لم أستطع إل أن أسلم بما يقول‪ ،‬خوفا ل ااقتناعا‪.‬‬ ‫فبالرغم من أنه لم يكن أكبرنا حجما‪ ،‬إل أنه كان أكثرنا اقوة وشراسه‪.‬‬ ‫كان يستمد هيبته من أبيه "الومباشي"‪ ،‬الذي ما يكاد يهل عند عودته‬ ‫من عمله‪ ،‬حتى يتركنا "فاروق" راكضا نحو أبيه‪ ،‬ليعود متعلقا‬ ‫بحزامه‪ ،‬ينظر إلينا وهو يتحسس "الفرد" المتدلي منه‪ ،‬فننفض لنوسع‬ ‫لهما الطريق‪ ،‬ونحن نرتعد خوفا‪.‬‬ ‫‪140‬‬


‫أنقذني الصوت المميز من الذكرى المؤلمة لـ"القتله" التي أكلتها من‬ ‫"فاروق" ذات يوم‪ .‬فقد كان العم "أبوعصام" يطلب مني أن أناوله‬ ‫اقطع "الفيلم" التي أحملها بحرص‪ .‬أخذها وأخذ يقص أطرافها‪،‬‬ ‫ويشذبها‪ ،‬ويكحتها‪ ،‬ثم يبلل الطراف بريشة داقيقه‪ ،‬بعد أن يغمسها‬ ‫في زجاجة صغيرة شدت انتباهي‪ ،‬لنني أدركت أنها مصدرالرائحة‬ ‫الخاصة المألوفه‪.‬‬ ‫كان يمارس عمله بتلذذ واستعراض واضحين‪ ،‬بينما هو ينظرالي‪،‬‬ ‫بين الحين والخر‪ ،‬مبتسما ابتسامة الماهر العارف‪ .‬وكان يتمتم‪،‬‬ ‫وكأنه يحدث نفسه بصوت مسموع‪ ،‬أو كأنه يريد أن يسمعني صوته‬ ‫يصف خطوات العمل الذي كان يؤديه باستمتاع فائق‪.‬‬ ‫ثم نطق بكلمة كدت أاقفز من الفرح وأنا أسمعها‪"..‬أسيتون"!‬ ‫مرحى!‬ ‫لقد تذكرت إسم السائل الذي كنت أاقوم بتنظيف فراشي الرسم به‪ ،‬في‬ ‫مرسم خالتي "آمنه"‪.‬‬ ‫هل كان يقرأ أفكاري؟‬ ‫تكررت زياراتي للعم "أبوعصام"‪ .‬وتحولت اقطع "الفيلم" الى بكرة‬ ‫كان اقطرها يزيد في كل مرة‪ .‬خصوصا بعد أن تعلمت كيف أكحت‬ ‫أطراف الفيلم وأاقوم بلصقها بسائل "السيتون"‪ ،‬بنفسي‪ .‬إلى أن‬ ‫وصل حجم البكرة من الكبر‪ ،‬بحيث أصبحت أزهد في المزيد‪.‬‬ ‫وعدت الى الصالة أمتع نفسي بمشاهدة الفلم ‪.‬‬ ‫شاهدت فيلم "دموع الحب"‪ ،‬لعبدالوهاب‪ ،‬بعدد أيام السبوع‪ .‬وحفظت‬ ‫أغــانيه‪"..‬كــروان حيــران"‪"..‬مــاأحلى الحــبيب"‪"..‬يامــا بنيــت اقصــر‬ ‫الماني"‪ ..‬و"سهرت منه الليالي"‪.‬‬ ‫)واقدعرفت بعدها أن الفيلــم عــن اقصــة "ماجــدولين" لكاتبهــا "ألفـونس‬ ‫كار" وترجمة المنفلوطي‪(.‬‬ ‫وزادت حصيلتي من أسماء الممثلين والفلم‪ ،‬بالضافة إلى‬ ‫معلوماتي عن "كابينة" العرض‪ ،‬بحيث أصبحت أستعجل العودة الى‬ ‫القدس‪.‬‬ ‫كنت في كل مرة أعود فيها من "يافا"‪ ،‬أو من "غزه"‪ ،‬أحمل معي‬ ‫مجموعة من أنواع مختلفة من أصداف البحر والمحار والودع‬ ‫‪141‬‬


‫جمعتها من الشاطيء‪ ،‬تثير إعجاب وانبهارأاقراني في الحارة وفي‬ ‫المدرسه‪.‬‬ ‫كم كنت أتباهى بامتلك تلك الشياء التي ل يعرفها أاقراني‪،‬‬ ‫وخصوصا تلك المحارة الكبيرة التي أدهشتهم عندما كانوا يضعونها‬ ‫على آذانهم ليسمعوا هديرالبحر كما كنت أدعي!‬ ‫فما بالهم وأنا أعود إليهم‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬بما لا يمكن أن يتواقعه أحد؟‬ ‫وكان ما تواقعت‪ .‬فلقد سرت أنباء "البكره" بينهم‪ ،‬كما يقولون‪،‬‬ ‫مسرى النار في الهشيم‪ .‬وكان أيضا ما لم أكن أتواقعه‪ ،‬وهو انتقال‬ ‫خدمة الومباشي "أبو فاروق"‪ ،‬الى بلد آخر‪ .‬فأصبحت‪ ،‬بين عشية‬ ‫وضحاها‪ ،‬مرجعا لولد الجيران في كل ما يختص بأسرارالسينما‪.‬‬ ‫ل يساورني خوف من أن أتعرض لتهديدات "فاروق" وجبروته‪.‬‬ ‫ثم جاء الواقت الذي اضطررت فيه‪ ،‬لكي أحتفظ بمكانتي المتميزة‬ ‫بين أاقراني‪ ،‬أن أعمل الفكر‪ ،‬وأكررالمحاولت والتجارب‪ ،‬للوصول‬ ‫الى ماهو أكثر من مجرد امتلك "البكره"‪ ،‬والمعلومات التي مللت‬ ‫من تكرار ترديدها عن صومعة العم "ابوعصام"‪.‬‬ ‫كانت الستارة البيضاء التي تغطي "ركسة الفراش" الموجودة في‬ ‫صدر"أوضة الضيوف" في بيتنا في القدس‪ ،‬هي التي ألهمتني‬ ‫باستعمال "مصباح اليد" الكهربائي كمصدر للضوء‪ ،‬الذي يخترق‬ ‫الفيلم ويلقي بصورة مكبرة على الشاشة‪..‬الستارة‪.‬‬ ‫أخيرا‪ ،‬وبعد تجارب عديدة‪ ،‬ها هي الشاشة وعليها صورة عربة‬ ‫"كارو" يجرها بغل‪ ،‬محملة بكومة من القش‪ .‬يجلس فواقها الستاذ‬ ‫"محمد عبدالوهاب" متأنقا‪ ،‬أكاد أسمعه وهو يغني أغنية‬ ‫"إجري‪..‬إجري‪..‬إجري‪..‬وديني اقوام وصلني"‪.‬‬ ‫وهكذا تطور نبأ "البكره"‪ ،‬ليصبح إشاعة يتنااقلها الاقران في كل‬ ‫مكان‪ ،‬بلسان شهود عيان‪ ،‬تؤكد أن‪"..‬غالب اخترع سينما"‪ ..‬وفي‬ ‫اقول آخر‪"..‬صندوق العجب"!‬ ‫لم يبق سوى أن أاقوم بتطوير ذلك الصندوق الكرتوني بأن أجعل له‬ ‫نافذة صغيرة مستطيلة‪ ،‬بحجم صورة الفيلم‪ ،‬ذات مجرى يمر فيه‬ ‫شريط الفيلم‪ ،‬لينساب من "البكرة" في أعلى النافذة الى بكرة أخرى‬ ‫‪142‬‬


‫في أسفلها‪ ،‬أديرها بيدي‪ ،‬بينما تمر حزمة الشعة الصادرة من‬ ‫المصباح الكهربائي من خلل النافذة المستطيلة‪ ،‬لكي تتحرك العربه‬ ‫الكارو على الستاره‪ .‬ناهيك عن نيتي المبيتة‪ ،‬لصنع اقرطاس كرتوني‬ ‫ضخم‪ ،‬كمكبر للصوت‪ ،‬ليسمعهم أغنية "إجري‪..‬إجري‪ ،"..‬بصوتي‪،‬‬ ‫وأكون بذلك اقد عرضت جزءا من فيلم "يوم سعيد"‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬هيهات أن تنجح التجربه‪.‬‬ ‫فما أن تدور يدي بالبكرة‪ ،‬حتى تنطمس الصور في بعضها البعض‬ ‫على ستارة "ركسة الفراش"‪.‬‬ ‫ولم تنفعني الستغاثة بخبرة أخي الكبر‪ ،‬أو خالتي "آمنه"‪ ،‬ول حتى‬ ‫أستاذ الرسم والشغال اليدوية في المدرسه‪ .‬حاولت الستعانة بكل من‬ ‫كنت أتوسم فيه المعرفه‪ .‬وكنت بمحاولتي‪ ،‬التي ذهبت كلها أدراج‬ ‫الرياح‪ ،‬كمن يؤذن في "مالطا"‪.‬‬ ‫وظلت المسألة لغزا لم أعرف له حل‪.‬‬ ‫إلى أن التحقت بأكاديمية الفنون لدراسة "السينما"‪ .‬وعرفت أن هذه‬ ‫المشكلة بالذات اقد ظلت تؤرق رواد صناعة "السينماتوجراف" في‬ ‫أوروبا وأمريكا في نهايات القرن الماضي‪ .‬ولم تتحرك الصورة‬ ‫بوضوح على الشاشة إل عندما أضاف المخترع "أوسكار ميستر"‪،‬‬ ‫في عام ‪ ،1895‬الى آلة العرض‪ ،‬اقطعة معدنية تشبه في شكلها‬ ‫الصليب‪ .‬وتعرف حتى اليوم‪ ،‬ول أدري لماذا‪ ،‬بإسم‪"..‬صليب مالطا"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪143‬‬

‫*‬


‫"تلحيـــــــــــن"‪..‬‬

‫يقينا أن تنامي الحساس بجمال اللغة العربية‪ ،‬وتذواقها منذ الصغر‪،‬‬ ‫ر‬ ‫بفضل تراتيل والدي القرآنية المتميزة‪ ،‬وانغماس أخيي"عابد" في ثقافة‬ ‫المطالعة ومجاراة أختاي الكبريين له‪ ،‬هوالسر‪ ،‬بالدرجة الولى‪ ،‬في‬ ‫ذلك الاقبال المبكرعلى القراءة‪ ،‬وحبي للمطالعة‪ ،‬واكتشاف مباهجها‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ف من الشياء المحفورة في ذاكرتي‪ ،‬منذ أيام طفولتي في القدس‪،‬هي تلك‬ ‫اليات القرآنية التي كان والدي يرددها في صلواته‪ .‬خصوصا صلة‬ ‫الفجر‪ ،‬حيث كنت كثيرا ما أصحوعلى صوته الجميل‪ ،‬وهو يرتل‬ ‫القرآن‪"..‬ترتي ر‬ ‫ل"‪ .‬ثم أعود للنوم إلى أن يحين موعد النهوض استعدادا‬ ‫للذهاب الى المدرسه‪.‬‬ ‫وشهر رمضان يذكرني دائما بوالدي‪ .‬خصوصا ساعات ما اقبل‬ ‫الغروب‪ ،‬حيث كان يجلس مفترشا "جنبية" على أرضية "وسط الدار"‬ ‫الحجريه‪..‬مرتل بصوته الشجي‪.‬‬ ‫وما يكاد ينتهي ذلك الشهر‪ ،‬حتى يكون والدي اقد ختم "الختمه"‪،‬‬ ‫وتكون حصيلتي من اليات الجميلة اقد زادت‪ .‬وإذا بي أحفظ عن ظهر‬ ‫‪144‬‬


‫اقلب سورة "الرحمن"‪ ،‬وأجزاء من سورة "البقرة"‪ ،‬وسورة "يوسف"‪،‬‬ ‫بينما كان أاقراني يتلعثمون في "جزء عبم"‪..‬أو"جزء تبارك"‪.‬‬ ‫وكم كنت أزهوأمام أاقراني وأنا أاقوم بترديد تلك اليات من سورالقرآن‬ ‫"الكبيره"‪ ،‬والتي لم نكن بعد اقد وصلنا إليها في دروس الدين‪.‬‬ ‫لم أكن أنا الوحيد الذي كان يستمتع بترتيل والدي‪ .‬بل كان الجيران‬ ‫دائما يشيدون بصوته وأدائه‪ .‬مما كان يحفزه ويزيده إبداعا‪.‬‬ ‫وكانت أيام الجمعة‪ ،‬التي كان والدي يصحو فيها مبكرار كعادته ول‬ ‫يغادرالبيت‪ ،‬تعتبر بالنسبة لي حدثا هاما‪ .‬فقد كانت فترة تلوته للقرآن‬ ‫تطول إلى ما اقبيل صلة الجمعة التي كان ل يلبث أن يسارع للحاق بها‬ ‫في مسجد "الاقصى"‪ .‬فأستمع إليه في سورة "الرحمن"‪ ،‬ول أمل‬ ‫الستماع إلى ذلك التسامؤل المتكررالجميل‪"..‬فبأي آلء ربكما تكذبان"‪.‬‬ ‫أو سورة "مريم"‪ ،‬وذلك السجع واليقاع الموسيقي الذي تتميز به‪ .‬أو‬ ‫سورة "يوسف"‪ ،‬فأنشغل واقد تملكتني الحيرة بمن "اقطعن أيديهن"‪،‬‬ ‫وبإمرأة العزيز التي"غرلقت البواب" في بيتها‪ ،‬و"راودته عن نفسه"‪،‬‬ ‫واقالت له‪" :‬هي ي‬ ‫ت لك"!‬ ‫كلمتان لم يتمكن كل شعراء العربية‪ ،‬حتى يومنا هذا‪ ،‬من أن يحشدوا‬ ‫بمثلهما كل تلك المعاني‪.‬‬ ‫حفظت نتيجة لذلك جزءار كبيرار من تلك السيور‪ ،‬التي تتمتع آياتها‬ ‫بصياغة شعرية موسيقية كانت تحملني على محاولة الترتيل‪..‬‬ ‫والتجويد أحيانا‪.‬‬ ‫سمعني والدي مرة‪ ،‬خلسة‪ ،‬فاهتز رأسه " طربا"‪ ،‬كما خيل لي‪ ،‬ثم اقال‬ ‫في سخرية مؤلمة‪:‬‬ ‫"التجويد‪ ،‬يا ولدي‪ ،‬له أصوله‪ .‬إنت بتغني‪ ..‬وبتلحن!"‬ ‫ولم أحاول تجويد القرآن بعد ذلك‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬كأنما اعتبرت كلم والدي شهادة لي بمقدرتي على التلحين فلم‬ ‫أترك بيت شعر مما كنا نحفظه في المدرسة أوغير ذلك مما كانت تصل‬ ‫إليه يداي إل واقمت )بيني وبين نفسي( بتلحينه وغناءه‪ .‬وكان انخفاض‬ ‫صوتي الذي يتناسب مع بنيتي الهزيلة‪ ،‬هو سراستمرارهذه المحاولت‬ ‫التي لم يكن يسمعها او يستمع إليها أحد غيري‪.‬‬ ‫‪145‬‬


‫إلى أن عرفت أن "اللحن"‪ ،‬الذي كان والدي يقصده‪ ،‬هو الخطأ في‬ ‫اقواعد اللغة‪ .‬فتواقفت عن "التلحين"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫و ال غنـــــــــــــــــــــــــــاء‪..‬‬

‫أما عن الغناء‪ ،‬فلول ما كنت أتمتع به من صفات الخجل والنطواء‪،‬‬ ‫ولول خفوت صوتي بطبيعته‪ ،‬لكنت أحتاج إلى المزيد من الحرص‬ ‫على أن ل يتسرب غنائي إلى مسامع الخرين‪ ،‬فيرى أحدهم‪ ،‬أو‬ ‫معظمهم‪ ،‬أن أتواقف عنه أيضا‪.‬‬ ‫كانت "ست آمنه" هي الشخص الوحيد الذي كان يشعرني بالتميز‪،‬‬ ‫والموهبة‪ ،‬والذي يوهمي بحلوة صوتك‪ ،‬أو "حرسي"‪ ،‬أوعلى الاقل‪،‬‬ ‫بمقدرتي على الداء‪ .‬وذلك مما زاد من محبتي لها‪ ،‬لني كنت في‬ ‫داخلي أعشق الموسيقى والغناء‪.‬‬ ‫كانت خالتي"آمنه" تحرص‪ ،‬كما كنت شديد الحرص‪ ،‬على صحبتي‬ ‫لها‪ .‬وكثيرا ما ُسمح لي بمرافقـتها في أسفارها في الجازات إلى‬ ‫"غزة"‪ .‬وحينئذ‪ ،‬كانت أمي تنشط في أن تخيط لي أطقما جميلة تلفت‬ ‫النظار‪ .‬فكانت خالتي تتباهى بي‪ ،‬وتزداد سعادتها عندما يتعامل‬ ‫الخرون ‪-‬الغرباء منهم بالذات‪ -‬معها ومعي‪ ..‬كأم وطفلها‪.‬‬ ‫كانت خالتي اقد أجبرت‪ ،‬فيما مضى‪ ،‬على الزواج من اقريب لها ل تحبه‬ ‫ولم يحبها‪ ،‬وسرعان ما تم انفصالهما‪ .‬لذلك‪ ،‬كما كانت دائما تقول‪،‬‬ ‫وهبت نفسها للشيء الذي تحبه ويحبها‪ ..‬الفن‪.‬‬ ‫‪146‬‬


‫ومن الشياء التي كانت تزيد من ولعي بصحبتها في أسفارها‪ ،‬أنها‬ ‫كانت تطلق سراحي لختارالاقارب الذين تطيب لي استضافتهم‪.‬‬ ‫خالتي‪ ..‬عمتي‪ ..‬خالي‪.‬‬ ‫خالي "توفيق"‪ ،‬الذي كان يمتلك جراجا لتصليح السيارات‪ ،‬والذي‬ ‫كان يعتبر من أوائل من تعامل مع ذلك الكيان الرستقراطي‪ ،‬اشتهر‬ ‫بأسفاره التي وصلت إلى بلد القواقاز وإلى إيران التي زار فيها مدينة‬ ‫"خراسان" وعاد منها بزوجته الصبية الجميلة "فروق الزمان"‪،‬‬ ‫لينجب منها درزينة كاملة من الولد والبنات‪.‬‬ ‫كان دائما ما يعلن بفخر شديد أنه ينوي البدء في إنجاب "الدزينة"‬ ‫الثانية‪ ،‬لول أن اختاره ا مبكرا‪.‬‬ ‫أحد أبناءه كان في مثل عمري‪"..‬راسم"‪ .‬استطاع أن يقنعني بأنه ل‬ ‫حرج من الذهاب برفقته‪ ،‬دون الستعانة بالكبار‪ ،‬إلى البحر‪ ،‬الذي‬ ‫كنت أعشق رائحته و رمؤية أمواجه والتأمل في تكويناتها‪ ،‬فانجذبت‬ ‫وراءه مسلوب الرادة‪.‬‬ ‫و أصر"راسم" أن يثبت لي براعته في "السباحة" التي لم تكن تتجاوز‬ ‫النبطاح والستسلم للموجة بينما هي ترتمي في أحضان الشاطيء‪.‬‬ ‫وبينما أنا أتابع‪ ،‬مأخوذا‪ ،‬مهارات إبن خالي‪ ،‬وراقصات المواج العنيفة‬ ‫التي كانت تنتهي كل منها بانحناءة مستسلمة للشاطيء‪ ،‬حانت الفرصة‬ ‫لحد المارة أن يستولي على "صندل" إبن خالي الموضوع فوق بقية‬ ‫ثيابه على رمال الشاطيء‪ .‬وعندما عدنا إلى البيت واكتشفت امرأة‬ ‫خالي ضياع الصندل‪ ،‬لحست ذراعه فعرفت من طعم جلده المالح مكان‬ ‫غيبتنا‪.‬‬ ‫اقال لها‪ ،‬باكيا‪ ،‬أنني أنا الذي استدرجته وأخذته إلى البحر‪.‬‬ ‫سمعتها‪،‬عندئذ‪ ،‬وهي تطيب خاطره وتســكت بكــاءه الكــاذب )خوفــا مــن‬ ‫عقاب والده( بينما هي تقوم بتحميمه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬يلعن أبوه غالب اللي‪!.. ..‬‬‫زعلت‪ ،‬ورحت عند خالتي "رشا"‪" ،‬إم جميل"‪ ،‬وحكيت لها ما كان‪.‬‬ ‫وكأنما كانت خالتي تنتظرغلطة من امرأة أخيها‪ .‬ذهبت إليها‪ ،‬ولم‬ ‫تق ر‬ ‫صـر في تأنيبها‪.‬‬ ‫‪147‬‬


‫جاء خالي إلى بيت خالتي ليصالحني‪ ،‬خشية منه أن تستاء شقيقته‬ ‫الكبرى‪ ،‬أمي‪ ،‬عندما يتسرب إليها الخبر‪ .‬إل أنني رفضت يومها‬ ‫الذهاب إلى بيته الذي ُلعن فيه والدي‪.‬‬ ‫عمي"أبوجميل" كان من المعجبين بمواقفي‪ ،‬والمشجعين لي على‬ ‫سلوكي هذا‪.‬‬ ‫خالتي"رشا" كانت كثيرة الشبه من أمي‪ .‬ويدهشني أنها كانت تجد‬ ‫متسعا من الواقت للهتمام بي‪ ،‬بالرغم من أن لها رهط من البناء‬ ‫والبنات متقاربي العمار‪ .‬وكلهم مثل أبـيهم‪" ،‬أبو جميل"‪ ،‬الذي اشتهر‬ ‫بخفة روحه ومرحه وحبه للهزار‪ .‬بادرني في ذلك اليوم مازحا‪:‬‬ ‫"روح ا ينعل أبوك"!‬ ‫وعندما شكوته لبي‪ ،‬فيما بعد‪ ،‬اقابل شكواي بالضحك)وهي من المرات‬ ‫القليلة التي رأيت فيها والدي مقهقها(‪ ،‬ثم بيرن لي أن عمي "أبوجميل"‬ ‫إنما كان يمازحني‪.‬‬ ‫وفي أول لقاء‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬مع عمي"أبو جميل" بادرته بتحيته المفضلة‪:‬‬ ‫نعتل أبوك!‬ ‫ ‪ ..‬روح ا لتي ي‬‫ويضرب العم جبينه بباطن كفه كما كان يفعل "شكوكو" مقهقها مرددا‬ ‫اقولته المشهورة‪:‬‬ ‫ يا خرابي!‬‫ليغرق الجميع بالضحك‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫"كمال"‪ ،‬إبن خالتي الذي يقاربني سنا‪ ،‬خاطب أباه ذات مرة بكلمة‬ ‫"بابا"‪ ،‬مقلدا "راسم"‪ ،‬إبن خالنا المشترك‪ ،‬الذي تعود هو وإخوته‬ ‫وأخواته أن يقولوا "بابا" و"ماما"‪ ،‬من دون أطفال العائلة في غزه‪.‬‬ ‫فما كان من عمي "أبو جميل" إل أن صرخ في وجهه مؤنبا بعنف‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬اقول "يابا" يا ابن الكلب‪ .‬وانشال بسمع إنك رجعت تمشي مع‬‫هادا الولد التميسقستع اللي إسمه "راسم"!‬

‫‪148‬‬


‫ولم يسرهذا الحظرعلري ‪ ،‬لنني في نظرعمي"أبوجميل" ولد‬ ‫"تزكوترت"‪ ..‬يقول "يابا" و"يرمه"!‬ ‫*‬ ‫*‬

‫*‬

‫كان عمي "أبو جميل" طرازا متفردا من أاقاربي‪ .‬له عينان غائرتان‬ ‫تتميزان بلونهما الفاتح‪ .‬ولـه طربوش يعرف كيف يجعله يشي بمزاجه‪.‬‬ ‫كان أحد "الظرفاء" الذين يتميز بهم عادة ذلك المكان أو ذلك الزمان‪.‬‬ ‫في أحد المرات القليلة التي تسللت فيها إلى مجالس الكبار )وكان غياب‬ ‫والدي هو ما كان يتيح لي تلك المتعة وذلك القدر من الحرية( شاهدته‬ ‫والكل يستحلفه أن يعيد أمامهم تقليد أحد الحاضرين أو أحد الممثلين‬ ‫المشهورين‪ .‬لكنه أصر في تلك المرة أن يأتيهم بشيء جديد كما يبدو‪،‬‬ ‫وهو كما أعلن‪ ..‬لغة الطرابيش‪.‬‬ ‫أخذ‪ ،‬وهو يضع طربوشه على رأسه بزاوية معينة مختلفة في كل مرة‪،‬‬ ‫و"الطتفران"‪ ،‬و"العجوزالمتصابي"‪،‬‬ ‫ر‬ ‫يقوم بتقليد كل من "السكران"‪،‬‬ ‫"الزعيرلطي"‪ ،‬والشاب "العاشق الولهان"‪ .‬يقوم بذلك بمنتهى‬ ‫ت‬ ‫والشاب‬ ‫الجدية‪ ،‬بينما يغرق الحاضرون بالضحك والتصفيق والتعليقات التي‬ ‫تثير بدورها تعقيباته الساخرة‪.‬‬ ‫ولشدة إعجابي بشخصية عمي "أبوجميل"‪ ،‬دأبت على تقليده‪،‬‬ ‫خصوصا بعدما أحرزت استحسانه هو‪.‬‬ ‫وكان عمي "أبو جميل" مغرما بتقليد اللهجات الفلسطينية المختلفة‪.‬‬ ‫ذلك مما حملني وشجعني على استظهار مختلف اللهجات التي دأبت‬ ‫على سماعها من جاراتنا في القدس‪ ،‬الخليلية "إم سماعين"‪ ،‬والحيفاوية‬ ‫"إم مصطفى"‪ ،‬و"إم خضر" القروية‪ ،‬أو"امرأة عمي غزال" النابلسية‪،‬‬ ‫أو من أاقراني في مدرستنا في القدس‪ ،‬من أبناء القرى المجاورة‪ ،‬أو من‬ ‫المدرسين المتنوعة أصولهم‪ .‬من أبرزهم نائب المدير المنحدر من اقرية‬ ‫ل أذكر اسمها ولكنني أتذكر الموشح الذي حفظناه عن ظهر اقلب لكثرة‬ ‫تكراره كلما حان موسم جمع "الاقساط" المدرسية‪ ،‬عند بداية أحد‬ ‫فصول الدراسة‪ .‬كان يلحقنا مهددا‪:‬‬ ‫ يو بتجيب "الُكُسط"‪ ..‬يو بتجيب "يويريكته" تمن المدير‪ ..‬يو ما بتيجيش‬‫يعتلمضرلسه!‬ ‫‪149‬‬


‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫كان الجميع‪ ،‬في غزة‪ ،‬يتعاملون معي كإبن العاصمة‪" ،‬القدس"‪،‬‬ ‫المديـــــنة المختلفة‪ ،‬مما يميزني ويضفي عليي هالة من الهمية دون‬ ‫مجهود يذكر من جانبي‪ .‬ويتنامى الهتمام والنبهار بحكاياتي‪،‬‬ ‫المتباهية‪ ،‬عن مدينتي‪ ،‬وعن شتاءها الذي يميزها عن "غزة" و"يافا"‪،‬‬ ‫وعن الثلوج التي كانت تتكدس في وسط الدار بحيث تكاد تحول دون‬ ‫خروجكنا من الغرف إل بعد أن يتمكن "أبوالعابد" بمشاركة الجميع‬ ‫من تجريف الثلوج‪ ،‬وتمهيد ممرات بين مختلف الغرف‪ ،‬لتبدأ ممارسة‬ ‫لعبة التراجم بكرات الثلج التي ل يعرفها أهل غزة بطبيعة الحال‪.‬‬ ‫وأستذكرالماسي الشتائية الساكنة حيث يسكت صوت راديو مقهى‬ ‫"أبوعارف الباسطي"‪ ،‬لخلروه من الرواد الذين آثروا الركون إلى دفء‬ ‫بيوتهم‪ ،‬بينما نحن نتحلق حول "الكانون" المشتعل‪ ،‬نبسط أكفنا فوق‬ ‫ت‬ ‫ناره إلتماسا للدفء‪ ،‬وأنا أتأمل لون الجمرات المتوهجة حول "بيتكيرج"‬ ‫القهوة‪ ،‬أو أنتظر بفارغ الصبر حبات الكستناء الشهية وهي تتماثل‬ ‫للستواء‪ ،‬أو أستنشق بشغف تلك الرائحة العطرة الصادرة عن اقشر‬ ‫البرتقال المحترق‪ ،‬أو تصغي إلى تكتكات أسنان القادم من بين ثلوج‬ ‫وسط الدار‪ ،‬أوصوت "اقراقرة"الهرر المدلل"عبهر" الذي استكان تحت‬ ‫الكانون‪.‬‬ ‫وحكاياتي عن حائط البراق حيث ترك النبي محمد دابته "البراق"‪.‬‬ ‫و"الصخرة" التي صعد منها إلى السماء‪ ،‬ليلة السراء‪ .‬وعن المسجد‬ ‫الاقصى‪ ،‬وكنيسة القيامة‪ ،‬وعيد الشعانين‪ ،‬والموكب المسيحي الذي‬ ‫يمر من أمام دارنا‪ ،‬في طريق اللم‪ ،‬في ظهيرة أيام الجمعة‪ .‬وعن‬ ‫إحتفالت "الموسم" التي تجري في ساحة الحرم الشريف‪ ،‬حيث تتوافد‬ ‫الفرق ومواكب البيارق والطبول والدفوف‪ ،‬وعلى رأسها فراقة‬ ‫موسيقى دار اليتام النحاسية‪ ،‬و يتجمع الناس من كل القرى المجاورة‬ ‫لاقامة الحتفالت الشعبية‪ ،‬وحلقات "الدبكه" و مباريات "السيف‬ ‫والترس" والغناء‪ ،‬وأهازيج "الدلعونا" و"الميجانا"‪ ،‬وزغاريد‬ ‫"الشبابه" و"اللمتجلوز"‪.‬‬ ‫‪150‬‬


‫ول تتحرج أمام تشجيعهم‪ ،‬أنت الذي استطاع عمك "أبو جميل"‪ ،‬إلى‬ ‫حد ما‪ ،‬إماطة لثام الخجل عن وجهك‪ ،‬من ترديد ما تحفظه من تلك‬ ‫الهازيج المرحة التي كانت تثير تعليقاتهم الضاحكة‪:‬‬ ‫على دلعونا‪ ..‬وعلى دلعونا‪..‬‬ ‫………………………‬ ‫وياللي طليتي من الشباك‪..‬‬ ‫دلدي لي السلدم لطلع بحداكي‪..‬‬ ‫وأمص ـخدودك مص الليمونا‪..‬‬ ‫أو‪..‬‬ ‫زحلق حبيبي عالبلط‪ ..‬وقعت أنا‪..‬‬ ‫أو‪..‬‬ ‫طلعت عالجبل والجبل عالي‪..‬‬ ‫ع‬ ‫لفحها الهوا‪ ..‬و بَيينْ الغالي‪..‬‬ ‫وتختلط الضحكات والغمزات مع التسامؤلت عن ماهية ذلك‬ ‫الموصوف بـ"الغالي"‪.‬‬ ‫ثم تختتم‪ ،‬حسب طلب المستمعين‪ ،‬بموال من مواويل الميجانا‪ .‬وترتفع‬ ‫عقيرتك‪ ،‬بقدرة اقادر‪ ،‬مرددة بين صيحات إعجاب الاقرباء‪ ..‬المجاملين‬ ‫المحابين‪:‬‬ ‫يا بنت شعرك على اكتافك جددلي‪..‬‬ ‫واحكي المزح للغير والجْد لي‪..‬‬ ‫لو تعرفي في غيابك شو جدْ لي‪..‬‬ ‫مجنون ليلى ما تعذب في الهوى مثلنا‪..‬‬ ‫أو‪..‬‬ ‫جدي وجدك في البراري توالفوا‪..‬‬ ‫ع الزدمان تحالفوا‪..‬‬ ‫وبـيدي وبـديك َ‬ ‫َ‬ ‫وأمي وأمك في ليله واحده ـخلفوا‪..‬‬ ‫بنت وصبي وعشقنا بعضنا‪..‬‬ ‫أوف ‪ ..‬أوف ‪..‬‬ ‫‪151‬‬


‫إل أن متعتي كانت تتجلى حينما يتجمع الاقران‪ ،‬أاقارب وجيران‪،‬‬ ‫في وسط دار خالتي "إم جميل"‪ ،‬حول شباك أحد الغرف المطلة‬ ‫على وسط الدار‪ ،‬و التي أتوارى أنا فيها لأتغلب على بقايا خجلي‪،‬‬ ‫وأردد أغنيات "محمد عبد الوهاب"‪ ،‬التي كانت خالتي "آمنه"‬ ‫تستدرجني لأشاركها غناءها‪:‬‬ ‫"إيه انكتب لي يا روحي معاكي"‪ ..‬أو‪..‬‬ ‫"يا وابور قول لي رايح على فين"‪ ..‬أو‬ ‫أغنية "أم كلثوم" الجميلة‪" ..‬على بلدي المحبوب‬ ‫وديني"‪..‬‬ ‫إلى آخر ما حفره راديو "اقهوة الباسطي" في وجداني وعلى جدران‬ ‫ذاكرتي‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫لم أكن أعرف ما هو سرالاقبال على تلك "الحفلت" التي كان يشرف‬ ‫على تنظيمها أحد أاقربائي من الاقران‪.‬‬ ‫إلى أن نمى إلى علمي أنه كان يزعم لهم ويوهمهم أنني لست سوى‬ ‫مطرب إذاعة القدس‪ ،‬الفتى الذائع الصيت في ذلك الواقت‪ ،‬الشهير‬ ‫باسم "محمد غازي"‪ .‬كان الطفال يصداقونه‪ ،‬ل سيما وأن علاقتي‬ ‫بهذا السم كانت ما تزال اقائمة‪ ،‬حيث أن معظم أاقاربي في "غزة" ل‬ ‫يعرفونني إل بهذا السم‪"،‬غازي"‪ ،‬يتنااقلون الخبر‪ ،‬فيزيد الاقبال على‬ ‫الستماع لقصتي‪ ،‬التي تحكيها أغنية "إجري‪..‬إجري"‪.‬‬ ‫ثم نمى إلى علمي أيضا ما هوأكثرغرابة‪ ،‬وهوأن اقريبي هذا‪ ،‬الذي‬ ‫أصبح مؤخرا من كبار رجال العمال‪ ،‬كان يتقاضى من كل فرد من‬ ‫أفراد "جمهوري"‪"..‬لم ر‬ ‫ل" فلسطينيا عن كل حفلة يقيمها‪ .‬وا أعلم!‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪152‬‬

‫*‬


‫"كاريــــــــــــــوكا"‪..‬‬ ‫الزهارالمتنوعة‪ ،‬المختلفة اللوان‪ ،‬المنتشرة في وسط الدار‪ ،‬تبعث‬ ‫في نفسي مشاعر ذات مذاق خاص‪ ،‬وتوحي لي بالأشكال الجديدة‬ ‫والألوان المتناسقة للطيارات الوراقية في موسمها‪..‬فصل الربيع‪ .‬حيث‬ ‫تعود أشعة الشمس الدافئة لتحتوي ساعات النهار‪ ،‬وتقوم "إم العابد"‬ ‫بفتق الملحف والجنابي والفرشات ليتكوم صوفها المتلبد على بلط‬ ‫وسط الدار‪ .‬وفي ذلك اليوم‪ ،‬يأتي إبن الجيران "حموده"‪ ،‬أبوالسبع‬ ‫صنايع‪ ،‬في ثوب "المنرجلرلد" هذه المرة‪ ،‬بآلته التي تشبه آلة موسيقية‬ ‫‪153‬‬


‫رأيت صورتها على الجدران الفرعونية في أحد كتب أخيي "عابد"‪.‬‬ ‫ي‬ ‫أغلب الظن أنه كتاب "بريستد"** الشهير لتاريخ العالم القديم‪.‬‬ ‫يضرب"أبوالسبع صنايع" بمطراقته الخشبية البدينة‪ ،‬التي تشبه"إيد‬ ‫الهاون"‪ ،‬الوترالمشدود فيهتزعن دندنات اقصار لها إيقاعات رااقصة‬ ‫تشيع في نفسي الفرح والبهجة‪ .‬ويتفنن"حموده" في إعادة تواترها‪،‬‬ ‫فتتطاير كتل الصوف المتلبدة بعد أن نفشتها الخلخلة الناتجة عن‬ ‫إهتزازات الوتر المدروسة‪ ،‬وتتسلق الهواء مترااقصة على ايقاعاته ثم‬ ‫تهبط متهادية لتتكوم في الجانب الخر لللة الفرعونية‪ .‬ويظل‬ ‫كوم"العهن المنفوش" يكبر ويكبر‪ ،‬فيصل بي إلى ذروة الفرح‬ ‫والنشوة‪ ،‬فأاقفز إليه من آخر الدرجات المؤدية إلى أوضة"عابد"‪ ،‬من‬ ‫تحققت في رحلتي إلى القدس مؤخرا‬ ‫ي‬ ‫علو أمتار)كنت أراها كذلك‪ ،‬ثم‬ ‫أنها ليست بذلك القدر من العلو(‪ ،‬إلى أرضية وسط الدار‪ ،‬ليستقبلني‬ ‫الكوم ويحتويني بحضن طري‪ .‬وأعيد الكرة بدون أن أكترث‬ ‫لصيحات أمي‪"،‬لكتن يا بنيي لكتن"‪ ،‬الغير جادة‪ ،‬كي أكف‪ ،‬وهي نفسها‬ ‫ل تكترث بالتالي لعصياني لوامرها بل تجد لذة في متابعتي وأنا أت‬ ‫نقض من علل مع صيحاتي المنتشية الجذلى‪ .‬يكاد الكوم أن يواريني‬ ‫_____________________________‬ ‫)**( ‪James Henry Breasted‬‬

‫وهي تضحك وتضحك حتى تدمع عيناها‪ ،‬وتنظر إليي كأنما كانت‬ ‫تتمنى أن تعود مثلي طفلة لتشاركني لهوي‪.‬‬ ‫هكذا كنت أظنها‪ .‬ثم عرفت القصة‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫كانت أمي‪ ،‬أيام كنت وإخوتي مازلنا بريقا في عينيها‪ ،‬شديدة التعلق‬ ‫بإبن عمها "يوسف"‪ ،‬أبي‪ ،‬الغائب في "الجهاديه"‪ .‬انتظرته ما يربو‬ ‫عن السنتين‪ .‬ظلت فيها أسيرة حبه حتى عاد إليها من السر‪.‬‬ ‫كانت‪ ،‬وهي البيضاء الجميلة‪ ،‬حسب شهادة جميع من عرفها‪ ،‬ذات‬ ‫العينين المائلتين إلى الخضرة‪ ،‬تتوارى دوما من "الخُ ر‬ ‫طاب"‪.‬‬ ‫في أحد المرات‪ ،‬ذات ربيع‪ ،‬بحثت عنها جدتي طويل‪ ،‬أثناء زيارة‬ ‫فوج منهم‪ ،‬فوجدتها أخيرا واقد دفنت نفسها في كوم الصوف‬ ‫المندوف‪.‬‬ ‫‪154‬‬


‫*‬

‫*‬ ‫*‬ ‫وهكذا يحين موسم الطيران‪ ،‬حين تغدق علي أمي بالخيطان‬ ‫المستعملة التي تجمعت لديها أثناء فك الملحف والجنابي والفرشات‪.‬‬ ‫ألفها‪ ،‬بعد أن أعقد أكثرها طول ببعضها البعض لضيفها إلى‬ ‫ر‬ ‫عشرات المتارالتي أحتفظ بها من العام السبق‪.‬‬ ‫وأما القطع القصيرة فلي فيها مآرب أخرى‪ .‬فعندما تنتقل أكوام‬ ‫الصوف إلى أكياسها‪ ،‬وتعود سيرتها الولى‪ ،‬جنابي وفرشات‬ ‫ازدادت طراوة وحجما‪ ،‬حتى تكاد "الركسة" أن تطاول سقف أوضة‬ ‫الضيوف‪ ،‬عندها يأتي دوري لفترش الرض الحجرية الملساء‪،‬‬ ‫ذات البلطات المربعة أو المستطيلة المتباينة الحجام واللوان‪،‬‬ ‫بعدأن تكون أمي اقد اقامت‪ ،‬بمساعدة شقيقاتي‪ ،‬بعملية "اقش" شاملة‪.‬‬ ‫أحيط نفسي بمعداتي من أعواد القصب الجاف الذهبي اللون مختلف‬ ‫الطوال‪ ،‬والورق الشفاف مختلف اللوان‪ ،‬والمقص‪ ،‬والسكين‪،‬‬ ‫والخيطان‪ ،‬وعلبة النشا المطبوخ الذي كنت أستعيض به عن العجين‪،‬‬ ‫لنه أخف وزنا‪ ،‬للصق أجزاء الطيارات الوراقية متباينة الحجام‪.‬‬ ‫أغدق ببعضها على بعض أاقراني من الجيران‪ ،‬أو أبادلها بما يوفرونه‬ ‫لي من فروخ الورق الملون أوغير ذلك‪ ،‬بعد أن أحتفظ لنفسي‬ ‫بأكبرها حجما‪ .‬طائرة تكاد تطاولني طول‪ ،‬ويكاد عرضها يضاهي‬ ‫مسافة ذراعي المفرودتين‪ .‬جديرة بنظرات العجاب والنبهار من‬ ‫الجميع‪ ،‬بل استثناء‪.‬‬ ‫وأما اقمة القمم في دراما موسم الطيارات‪ ،‬فهي عندما أحمل طيارتي‬ ‫العملاقة‪ ،‬بألوانها الزاهية‪ ،‬وشراشيبها المتهدلة‪ ،‬وذيلها الطويل‬ ‫المزين‪ ،‬ويتبعني أاقراني من الجيران إلى ساحة "الاقصى" الواسعة‬ ‫والتي تمتد لبضع عشرات من المتار طول‪ ،‬تفصل بيني )أنا الطيار(‬ ‫وبين سعيد الحظ الذي واقع عليه الختيار ليكون مساعدي‪ ،‬إذ يعتمد‬ ‫مكان إطلق الطيارة عادة على حجمها أول‪ ،‬ومن ثم على كمية‬ ‫الخيطان التي سوف تبتعد بها في الهواء الطلق‪.‬‬ ‫أصيح‪ :‬يارلل!‬ ‫فيترك مساعدي الطيارة واقد أحس بها تنشد منه عندما أنطلق راكضا‬ ‫بعكس اتجاه الريح‪ .‬وتتهادى الطيارة متسلقة الهواء وهي تتمايل‬ ‫‪155‬‬


‫برفق وثقة ذات اليمين وذات اليسار‪ ،‬ويتلوى ذنبها المدندش‬ ‫ويترااقص ويتأود‪ ،‬فيتصايح الاقران هاتفين باسمها الذي اتفقوا عليه‬ ‫بأعلى صوتهم وهم يصفقون‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬كاريوكا‪ ..‬كاريوكا!‬‫بينما تعلو صيحات الخرين الذين يبدأون بمناداتي ومناشدتي‪:‬‬ ‫ ‪" ..‬أعطيها خيط"‪ ..‬كمان و كمان‪.‬‬‫تبتعدالطيارة‪ ،‬وتعلو‪ ،‬وتبتعد فتعلو أكثر وأكثر‪ .‬وأنا أاقف على أرض‬ ‫ساحة البراق‪ ،‬ما بين مسجد الاقصى والحائط الغربي‪ ،‬حائط البراق‪،‬‬ ‫ممسكا بآخر شبرمن الخيط‪ .‬تكاد تأكلني الحسرة وأنا أتمنى لوكان‬ ‫لدي المزيد‪ .‬أشدها وتشدني‪ .‬أركض عكس اتجاه الريح فتزدادعلوا‪،‬‬ ‫حاملة معها أحلمي لتسبح في الفضاء‪ ،‬وتحلق في حرية‪.‬‬ ‫فجأة‪ ..‬أفقد سيطرتي على الطيارة التي أخذت بالتقهقر والهبوط‬ ‫البطيء‪ ،‬ل يجدي معها شدا ول ركضا‪ ،‬بينما صفحتها تهتز يمينا‬ ‫ويسارا وكأنها تعبرعن أسفها‪ ،‬أو كأنها تعاتبني‪ ،‬أو تلقي علي‬ ‫باللئمة لرتكاب خطأ ما كان يجب أن أاقع فيه‪.‬‬ ‫ثم تختفي في أحد الركان البعيدة خلف البنيان المجاورة‪.‬‬ ‫ويصيح بعض الاقران‪:‬‬ ‫ حارة اليهود‪ ..‬حارة اليهود‪.‬‬‫ ل‪ ،‬حارة المغاربه‪ ..‬حارة المغاربه‪.‬‬‫يخيم علينا الوجوم لحظة‪ .‬ويبدو الخوف على بعضنا‪ ،‬والحيرة على‬ ‫البعض الخر‪ .‬ول يلبث أحدنا أن يبدد ذلك كله بأن ينبري زاعما أنه‬ ‫يعرف الوصول إلى مكان سقوطها‪ ،‬فيتولى هو القيادة‪ ،‬ونجري خلفه‬ ‫صاغرين لهثين متظاهرين بالشجاعة‪ ،‬فنصل إلى مكان ما تكون‬ ‫الطيارة فيه اقد تشعلقت بشجرة أو سقف أو عامود‪.‬‬ ‫وأجد نفسي في مكان لم تطأه اقدماي من اقبل‪ ،‬فتكون الطيارة أحيانا‬ ‫سببا في التعرف لول مرة على أحد الزاقة أو الحارات‪.‬‬ ‫و يقابلنا صاحب الدارالتي سقطت الطيارة‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬على سطحها‬ ‫ببشاشة وهو يسألني‪:‬‬ ‫‪156‬‬


‫ إبن مين يا شاطر؟‬‫فيسارع أحد أاقراني بالجابة بشيء من الفخر‪:‬‬ ‫ إبن جارنا "أبوالعابد الغزاوي"‪.‬‬‫وهنا يصادف أن تزداد بشاشة صاحب الدار‪ ،‬ربما لنه عرف‬ ‫والدي‪ ،‬فيعاودني الزهو‪ ،‬وهو يساعدنا على تسليك ذنب الطيارة‬ ‫وتخليصها سليمة بقدرالمكان من الشرك الذي واقعت فيه‪ ،‬وهو يقول‬ ‫في شبه تأنيب‪:‬‬ ‫ دير بالك عرمي‪ ،‬هيك طياره بهالحجم هادا بدها خيط ماكلن‪ ،‬ا‬‫يرضى عليك‪ ،‬مش خيط ملحف‪ ،‬فاهم علري عرمي؟‬ ‫ثم يشيعنا اقائل لي‪:‬‬ ‫ سلم لي على أبوك‪ ،‬اقول له عرمي "بو داود"‪ ،‬تبع البويا‪ ،‬بيسلم‬‫غليك‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫الصندوق‪ ..‬والللي‪..‬‬

‫صندوق العروس‪ ،‬الذي هو أول وأهم اقطع الثاث في بيوت زمان‪،‬‬ ‫يكبرحجمه أو يصغر ليتناسب مع جهاز العروس من مختلف‬ ‫الملبوسات وملحقاتها‪ .‬ولكن هناك حدود ل يجب أن يتعداها هذا‬ ‫الحجم فهو في النهاية سوف يدخل غرفة النوم من بابها‪.‬‬ ‫إذن لبد من وجود صفات أخرى يتميزبها هذا الصندوق عن غيره‪،‬‬ ‫غيرالحجم‪ ،‬مثل نوع الخشب‪ ،‬وكمية الزخارف المحفورة على‬ ‫جدرانه‪ ،‬أو كميات النحاس أو الصدف التي ترصع تلك الجدران‪.‬‬ ‫كم واقفت مبهورا وأنا أرااقب جدران صندوق أمي وهي تعيد ترتيب‬ ‫محتوياته من حين إلى آخر‪.‬‬ ‫لم يكن يلفت انتباهي عن زخارفه سوى دموعها الصامتة بينما هي‬ ‫تولي عنايتها بمجموعة الكتب التي لم أكن أعرف كيف عرفت‬ ‫طريقها إليه إل بمرورالزمن‪.‬‬ ‫ ‪ ..‬كان المرحوم خالك "رشدي"‪ ،‬ياحسرة اقلبي‪ ،‬يحب الكتب كتير‪.‬‬‫‪157‬‬


‫ديوان المتنبي‪..‬الشواقيات‪..‬النظرات‪..‬العبرات‪..‬النبي‪..‬الجنحة‬ ‫المتكسرة‪..‬تحت ظلل الزيزفون‪..‬رسائل الحزان‪..‬كليله ودمنه‪..‬‬ ‫الغاني لبي الفرج الصفهاني‪ ..‬و ‪ ..‬و ‪..‬‬ ‫أمي لتعرف القراءة ول الكتابة‪ ،‬لكنني ما زلت أذكر كيف كنا‬ ‫نتحلق من حولها وهي تحاول‪ ،‬بعد إلحاح منا‪ ،‬أن "ترسم" إسمها مرة‬ ‫بالحروف العربية ومرة بالحروف اللتينية‪ ،‬ونحن في اقمة النبهار‪.‬‬ ‫كيف كان ذلك ؟‬ ‫كانت هي البنة البكرية المدللة‪ .‬ول يدري أحد كيف جاء دخولها‬ ‫وانتظامها لبعض الواقت في "مدرسة الراهبات"‪ .‬وفي أحد اليام‬ ‫سمعها جدي وهي تتلو ما تعلمته في المدرسة‪"..‬أبانا الذي في‬ ‫السماوات‪ ..‬إلخ"‪ ،‬فما كان منه إل أن حلف اليمين إياه بأن تلزم الدار‪،‬‬ ‫وتنسى حكاية التعليم‪ .‬لكن ذلك لم يتكرر مع شقيقاتها‪ .‬أما الشقاء فقد‬ ‫تخرج اثنان منهم في الجامعة الميريكية في بيروت‪..‬‬ ‫خالي"رشدي"‪ ..‬وأخوه الصغر "علي"‪.‬‬ ‫وأبي‪ ،‬لم تمتد يده إلى كتاب آخرغير"القرآن الكريم"‪ ،‬و"دلئل‬ ‫الخيرات"‪ ،‬أو"الحصن الحصين"‪ ،‬و"رياض الصالحين"‪.‬‬ ‫أما أخي الكبر فقد تنوعت وتعددت اقراءاته بعد أن أجهزعلى اقراءة‬ ‫محتويات الصندوق‪ ،‬التي كانت أمي تحرص على إعادتها إليه حفاظا‬ ‫و حرصا منها على "ريحة المرحوم"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫أدين لخي"عابد"‪ ،‬الذي كان يكبرني بحوالي ست سنوات‪ ،‬بالكثير‪،‬‬ ‫وأشعر نحوه بالعرفان وبالحرص على إعطائه حقه من المحبة‬ ‫والتقدير‪.‬‬ ‫أتذكره وهو فترى‪ ،‬مجتهدا‪ ،‬يقضي أواقات فراغه مع أصداقائه‪ .‬أما في‬ ‫البيت‪ ،‬فهو غارق في مطالعاته‪.‬‬ ‫ر‬ ‫وكانت الواقات التي يجالسنا فيها نادرة جدا‪ .‬عندها‪ ،‬كنت سرعان‬ ‫ما أهتف‪ ،‬بينما أنا أاقوم بتقليد مشيته المميزة‪:‬‬ ‫‪158‬‬


‫‪-‬‬

‫"الستاذ عابد"‪ ..‬جاء لزيارتنا!‬

‫كانت له غرفة خاصة تقع فوق غرفنا ‪ ..‬يسمونها "العلريه"‪ .‬تصعد‬ ‫إليها من "وسط الدار" بدرجات حجرية ضيقة محاذية للحائط‪ ،‬مبريرة‬ ‫حوافها كما اقطع الصابون‪ .‬وكانت الغرفة تتميز بسقف مقبب‪،‬‬ ‫وشباكين‪ ،‬أحدهما يطل على وسط الدار‪ ،‬والخرعالل يطل على‬ ‫سطوح الغرفة الكبيرة المطلة على الحوش‪"..‬حوش آل خرمنده"‪.‬‬ ‫كانت غرفته الخاصة تفصله عنا‪ .‬وكنت أشاركه المعيشة في تلك‬ ‫الغرفة في مواسم المتحانات فقط‪ ،‬حيث كان يشرف على مراجعاتي‬ ‫للمواد الصعبه‪.‬‬ ‫كانت غرفته الصغيرة مليئة بالكتب‪ ،‬وسريره النحاسي يبتلع نصف‬ ‫الغرفه‪.‬‬ ‫وأشد ما كان يبهرني فيها هو أبيات الشعرالتي كانت مكتوبة على‬ ‫حائطها بقلم الرصاص‪ ،‬بخط يده‪ .‬أبرزها ذلك البيت‪:‬‬ ‫من طلب العل سهرالليالي غوص البحارفي طلب الللي‬ ‫ويبدو‪ ،‬وذلك بشهادة الجميع‪ ،‬أنه كان مقتنعا بتلك الحكمة عامل بها‪.‬‬ ‫فقد كانت نافذة غرفته المطلة على وسط الدار تنم عن ذلك‪ .‬وكذلك‬ ‫النافذة المطلة على السطوح‪ ،‬والجيران‪.‬‬ ‫كان نورغرفته المميز‪ ،‬المنبعث من ضتو لمبة الكاز"نمرة ‪ ،"4‬في‬ ‫الواقات المتأخرة من الليل يلفت انتباه الجيران‪.‬‬ ‫ ‪ ..‬ما شاء ا عليه‪ ..‬مجتهد‪.‬‬‫ ‪" ..‬عابد" كان سهران يدرس طول الليل‪ ..‬ا يرضى عليه‪.‬‬‫ ‪" ..‬عابد"‪ ،‬ا يفتح عليه‪ ،‬شباك أوضته كان ضاوي طول الليل!‬‫أكثر ما كان يثير دهشتي هي تلك الكتب "التخينه"‪ .‬وكتب كثيرة‬ ‫باللغة النجليزيه‪.‬‬ ‫كنت أحيانا أشعر بالرهبة من أن يمر الزمن‪ ،‬فأصبح في الصفوف‬ ‫الثانوية‪ ،‬وأضطر للسهر لقراءة وحفظ كل ما في هذه الكتب‪.‬‬ ‫‪159‬‬


‫وتلك اللغة الغريبة‪ ،‬اللتينية‪ ،‬التي دأب على استظهار تصريف‬ ‫أفعالها في غدوه وفي رواحه‪.‬‬ ‫"بورتي‪ ..‬بورتا‪ ..‬بورتاريس‪ ..‬بورتيس‪ ..‬بورتيس"‬ ‫باتت مثل أغاني راديو اقهوة الباسطي‪ ،‬محفورة على صفحات عقلي‬ ‫الباطن‪ .‬ذلك مما حدا بأخيي لستدعائك مرة إلى غرفته‪ ،‬لتلقين أحد‬ ‫أصداقائه التصريف الصحيح لحد الفعال‪ .‬كما كان يحملني على‬ ‫حفظ وترديد منطوق "نظرية فيثاغورس"‪ ،‬أو الحرص على إتقان‬ ‫رسم خارطة العالم العربي‪ ،‬وفلسطين بالذات‪ ،‬بكل تفاصيليها‪.‬‬ ‫"ُحسن" و "إكتمال"‪ ،‬أختاي اللتان تكبران "عابد"‪ ،‬كانتا أيضا في‬ ‫الصفوف الثانويه‪ .‬وكانتا تتمتعان أيضا ر بسمعة طيبة فيما يتعلق‬ ‫بالدرس والتحصيل والجتهاد والمطالعة‪.‬‬ ‫وبعد إنهاء السنة الثانوية الثانية‪ ،‬وهي أعلى ما كانت تصل إليه‬ ‫مدارس البنات الحكومية السائدة‪ ،‬لم يسمح لهما والدي بمواصلة‬ ‫الدراسة في "دارالمعلمات"‪ ،‬بالرغم من وساطة مديرة المدرسة‬ ‫ومعلماتها‪ ،‬لسبب لم تعرفه في حينها‪.‬‬ ‫ربما كان ذلك مما أوجد تغييرا شامل في حياة "إم العابد" وبناتها‪،‬‬ ‫ومما فرض عليها حالة من التفرغ والتأهب استعدادا لحياة جديدة‬ ‫تقتضي الهتمام وتعلم وإتقان مهارات أخرى جديدة مثل‬ ‫التدبيرالمنزلي والتطريز والتفصيل والخياطة‪ ،‬إنتظارا لبن الحلل‬ ‫المناسب الذي طال انتظاره‪.‬‬ ‫كأنما كان ذلك مما زاد من إنشغال أمي وانصراف الجميع أكثر‬ ‫وأكثرعن الهتمام بي‪ ،‬ومما زاد من انطوائي وشعوري بالوحدة‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫لعل أن عادة "المطالعة"‪ ،‬مبكرار‪ ،‬كانت في البداية مجرد رغبة مني‬ ‫في تقليد أخي "عابد" وشقيقتري الكبريين‪ .‬فقد كنت أشهد مباريات في‬ ‫القراءة بينهم‪ .‬كل من الثلثة يستظهر ما اقرأه أمام الخرين‪،‬‬ ‫فأشعرأنا بالغيرة تأكلني‪ .‬ويلحظ أخي ذلك‪.‬‬ ‫ر‬ ‫أتذكره في أحد اليام‪ ،‬حينما ضبطني "متلبسا" بمحاولة اقراءة كتاب‬ ‫"دمعة وابتسامة" لـ"جبران خليل جبران"‪.‬‬ ‫‪160‬‬


‫كأنما أخذته الشفقة‪ ،‬فأخذني من يدي الى "مكتبة النهضة"‪ ،‬التي‬ ‫يمتلكها شقيق صديقه وزميله "كاظم أبو غزاله"‪ ،‬بباب العامود‪،‬‬ ‫واشترى لي مجلة اسمها "مجلة الطالب"‪ ،‬كانت تصدر في القاهره‪.‬‬ ‫وأدمنت أنا على اقراءتها‪ .‬وبالرغم من ذلك‪ ،‬فقد بدأت يداي تتسللن‬ ‫إلى صندوق أمي حيث تراقد ترجمات مصطفى لطفي المنفلوطي‬ ‫"ماجدولين"**‪ ،‬و"تحت ظلل الزيزفون"‪ ،‬أو "النظرات"‬ ‫_____________________________________________________‬ ‫)**( قرأت ذلك العنوان لول مرة ‪" ..‬ماجد" و "لين" ‪ ..‬على غرار قصص الحب التي اشتهرت مثل‬ ‫"قيس و ليلى" ‪ ..‬و "روميو و جولييت" ‪.‬‬

‫و"العبرات"‪ .‬هذا بالضافة إلى "إلياذة هومــــيروس" في الترجمة‬ ‫المشهورة لـ ل "عنبره سلم الخالدي"‪ ،‬و"حي بن يقظان"‪.‬‬ ‫عندما كبرت وأصبحت اقراءاتي أكبر نضجا‪،‬عرفت أن "حي بن‬ ‫يقظان"‪ ،‬لبن طفيل‪ ،‬التي اقرأتها طفل أكثر من مرة‪ ،‬هي رواية‬ ‫فلسفية‪.‬‬ ‫هل كان سحرها الذي يدعو إلى التأمل هو ما دفعي إلى اقراءتها مرة‬ ‫بعد مرة‪ ،‬بل ملل؟‬ ‫اقد يكون ذلك هو ما اقربي من فنون التأمل‪ ،‬وجعلني أدرك أن هناك‬ ‫لغات تتجاوز الكلم في اقدرتها على القول والبيان والمعرفة‪ .‬أحدها‬ ‫لغة الصمت التي تتيح لي متعة الحوار مع الشياء‪ ،‬بعد أن كان خجلي‬ ‫وانطوائي يمنعاني من الحوار مع الخرين‪.‬‬ ‫وأصبحت مواد القراءة تستهلك مصروفي‪ .‬لكن كثيرا ما كان أخي‬ ‫يكمل لي من مصروفه الخاص ثمن ذلك الكتاب أو تلك المجلة‬ ‫تشجيعا لي على القراءة والطلع‪ ،‬بينما كان والدي يعتبر كل ما‬ ‫يخرج عن نطاق المدرسة إن هو إل عبث ولهو‪ ،‬ومن عمل الشيطان‪.‬‬ ‫عندما انتقلت من المدرسة البكرية‪ ،‬إلى الصف الرابع البتدائي في‬ ‫المدرسة العمرية‪ ،‬التي كانت تقع في حي "البقعه"‪ ،‬خارج أسوار‬ ‫البلدة القديمة‪ ،‬كان ذلك يستدعي ركوب "الباص" نمرة في الذهاب‬ ‫والياب‪.‬‬ ‫لكنني كنت أفضل أن أمشي تلك المسافة لوفر المصروف الضافي‪،‬‬ ‫أجرة المواصلت‪ ،‬لتمكن من شراء مزيدار من مواد القراءه‪.‬‬ ‫كان ذلك في عام ‪.19 46 /45‬‬ ‫‪161‬‬


‫ومازالت الطريق التي كنا نسلكها‪ ،‬بعض أاقراني وأنا‪ ،‬مرسومة في‬ ‫ذاكرتي‪.‬‬ ‫أمشي نزول في "طريق اللم" التي تمر من أمام دارنا‪ ،‬وعند‬ ‫"المحطة الخامسة" من الطريق أتجه معها في "عقبة المفتي"‬ ‫وأصعد الدرجات الحجرية العريضة‪ ،‬مرورا بالمدرسة العلوية‬ ‫للبنات‪ ،‬وفرن "عم أبوأنور"‪ ،‬و"المعصرة"‪ .‬واقبل الوصول إلى‬ ‫سوق"خان الزيت" أكون اقد تقابلت مع صديقي"خلدون"‪ ،‬لنكمل‬ ‫السيرحتى بداية "سوق العطارين" فنتجه إلى اليمين حيث يقابلنا الباب‬ ‫المؤدي إلى كنسية القيامة‪ ،‬وحيث يقابلنا بقية الزملء عند الدرجات‬ ‫العريضة المؤدية إلى "سوق الهنود"‪ ،‬وهوعبارة عن مستديرة‬ ‫واسعة تتراصص من حولها "بسطات" زجاجية شبه ثابتة‪ ،‬يجلس‬ ‫خلف كل منها رجل عجوز ملتح يهب وااقفا بمجرد أن تقترب منه‬ ‫مرحبا بكلمات عربية اقليلة مكسرة‪ .‬أما بضاعتهم فهي تكاد أن تكون‬ ‫متشابهة‪ ..‬المشاط بأنواعها‪ ،‬والعقود والحلقان‪ ،‬والمسابح والخرز‪،‬‬ ‫والبر ولوازم الخياطة والتطريز‪ ،‬والحزمة الجلدية‪ ،‬وكذلك أحزمة‬ ‫النايلون الشفافة والملونه التي كانت آخر ما توصلت إليه "الموضة"‬ ‫في ذلك الواقت‪ ،‬والاقلم بأنواعها وأاقلم الحبر‪ ،‬واقطع غيارها التي ل‬ ‫تجدها إل في ذلك المكان‪ .‬وأاقلم "الحبرالجاف" الملون التي كانت‬ ‫في ذلك الحين من المبتكرات الحديثة‪.‬‬ ‫هناك‪،‬إلى اليسار‪ ،‬اقبل الوصول إلى سوق الهنود‪ ،‬كان دكان عمي‬ ‫"سلمه" بياع الكتب القديمه‪ .‬كنت تراه متربعا على أرض الدكان‬ ‫المرتفعة عن مستوى الطريق‪ ،‬منهمكا في كحت حواف كتاب اقديم‪،‬‬ ‫أو في تحريك الممحاة بعنف جيئة وذهابا فوق غلف أحد الكتب أو‬ ‫أحد صفحاته لزالة ما اقد علق بها من بقع أو كلمات أو أسماء‬ ‫مكتوبة باليد‪.‬‬ ‫كنت زبونا دائما لهذا الدكان‪ ،‬حيث كانت تشدني عناوين كتبه‬ ‫المختلفة وبالذات سلسلة روايات الجيب‪ ،‬ورومانسيات "جرجي‬ ‫زيدان" التاريخية التي التهمتها التهاما‪.‬‬

‫‪162‬‬


‫ثم تتواصل الرحلة لنصل إلى "باب الخليل" من خلل "سويقة‬ ‫علون"‪ .‬ومن باب الخليل نزول إلى "بركة السلطان" حيث نتجه عن‬ ‫ر‬ ‫يمينها صعودا لنمر في طريق جبلي غير ممهد يطل على مستوطنة‬ ‫"مونتفيوري" المطلة‪ ،‬عن شمالنا‪ ،‬على الساحل المشرف على "بركة‬ ‫السلطان"‪ .‬ثم نسير في الطريق الجبلي‪" ،‬مقاطعه"‪ ،‬حيث يكون‬ ‫ظهر مبنى فندق الـ ‪" KingDavid‬الملك داود" على يميننا‪ .‬ثم‬ ‫نقطع الشارع الذي يفصل بين الفندق الشهير و مبنى جمعية الشبان‬ ‫المسيحيين‪ ،‬الــ" ‪ ،".Y.M.C.A‬الشهر‪.‬‬ ‫وهكذا نكون اقد وصلنا إلى منطقة "البقعة التحتا" حيث يقع ذلك‬ ‫المبنى الحديث للمدرسة العمرية‪ ،‬مدرستي‪ ،‬بين مساحات ممتدة من‬ ‫الرض المكسوة بأشجار الزيتون‪.‬‬ ‫*‬

‫‪163‬‬

‫*‬

‫*‬


‫ـخارج الرســـــــوار‬

‫أحياء "البقعة التحتا"‪ ،‬والبقعة الفواقا"‪ ،‬و"الطالبية"‪ ،‬من الحياء‬ ‫العربية الرااقية في "القدس الجديده" على السهل المجاور لجبل‬ ‫"القطمون"‪.‬‬ ‫‪164‬‬


‫ول أعرف الظروف التي أحاطت بخالتي "آمنه"‪ ،‬الفنانه التشكيليه‪،‬‬ ‫والتي مكنتها من السكنى في ذلك الحي‪ .‬كل ما أذكره أنها كانت تقيم‬ ‫في غرفة‪ ،‬لها مدخل مستقل‪ ،‬في"فيلل" محاطة بأشجاراللوز وغيرها‬ ‫"النمري"‪،‬‬ ‫ر‬ ‫من أشجارالمنطقه‪ .‬تمتلك تلك الفيلل وتسكنها عائلة‬ ‫المكونه من أم وبناتها الثلث‪ .‬إحداهن‪ ،‬الكبرى‪ ،‬كانت من تلميذات‬ ‫خالتي"آمنه" في معهد داراليتام للبنات للرسم والتطريز‪.‬‬ ‫وهكذا اتسع المجال المتاح لي خارج أسوارالقدس القديمه‪ .‬فكنت غالبا‬ ‫ماأاقضي أيام الجازة السبوعية‪ ،‬وهما يومي الجمعة والحد‪ ،‬في‬ ‫زيارة خالتي "آمنه"‪ .‬ولم يكن حبها لي هوالمشجع الوحيد على ذلك‪.‬‬ ‫بل كانت البشاشة التي تقابلني بها عائلة "النمري"‪ ،‬أيضا‪ ،‬حافزار لي‬ ‫على تكرار الزيارة اسبوعا بعد أسبوع‪.‬‬ ‫أضف إلى ذلك متعة الخروج من البيت والحاره‪ ،‬والنطلق في‬ ‫رحلة تتخطى السوار إلى أطراف القدس الجديدة‪ ،‬حيث الطبيعة‬ ‫والمتداد والبراح والشجار والزهار‪.‬‬ ‫من أكثر ما كان يشد انتباهي‪ ،‬بل ويؤخرني أحيانا عن الوصول إلى‬ ‫خالتي "آمنه"‪ ،‬كان ملعب "التنس" الذي يقع في بداية الطريق‬ ‫الصاعد إلى "الفيلل"‪ .‬خصوصا في أيام الحد‪ ،‬عندما يكون الملعب‬ ‫مكتظا باللعبين واللعبات والمتفرجين والمتفرجات‪ ،‬والذين أو‬ ‫اللواتي ينتظرن أن يحين دورهن لممارسة اللعبه‪ ،‬ومعظمهم من‬ ‫الجانب‪.‬‬ ‫كنت أجد متعة شديدة بمرااقبتهن‪ ،‬وهن يتقافزن بحركات رشيقة‪،‬‬ ‫جريا وراء الكرة‪ ،‬بملبسهن المختصرة التي تكشف عن سيقان بضة‬ ‫في لون الورد‪ ،‬وخدود تضاهيها حمرة‪ .‬وتبلغ سعادتي اقمتها عندما‬ ‫تضل الكرة طريقها لتقترب من المكان الذي أاقف فيه‪ ،‬فأبادر‬ ‫بالمساك بها لـ "أناولها" للعبة يدا بيد‪ ،‬مما يمكنني من الاقتراب‬ ‫منها أكثر وأكثر‪ .‬فيكون نصيبي ابتسامة وكلمة "ثانك يو" المنرغمة‬ ‫بصوت راقيق يظل يرن في أذني ويطربني وأشتاق إليه طوال‬ ‫السبوع‪ .‬يضاهيه صوت ارتطام "الطابه"‪ ،‬الكرة‪ ،‬بمضرب التنس‬ ‫واليقاع الخاذ الناجم عن توالي ذلك الرتطام‪ ،‬وصدى ذلك الصوت‬ ‫‪165‬‬


‫يتردد في أرجاء المنطقة الجبلية الهادئة‪ .‬ذلك الصوت الذي مازال‬ ‫يعود بذاكرتي إلى القدس كلما وأينما صافح أذناي‪.‬‬ ‫وبمرورالواقت‪ ،‬وتكرارالتجربة‪ ،‬أصبح دوري هذامن الهمية بمكان‪،‬‬ ‫بحيث كانت هذه أو تلك ترجوني‪ ،‬إذا أنا اقررت مواصلة رحلتي إلى‬ ‫خالتي"آمنه"‪ ،‬أن أبقى إلى أن تنتهي من اللعب‪ .‬ويصبح نصيبي‪،‬‬ ‫علوة على البتسامة والشكر‪ ،‬مصافحة‪ ،‬وتربيت على خدي‪ .‬هذا‬ ‫بالضافة إلى بعض القروش‪ ،‬التي كنت أرفضها بشدة في بداية‬ ‫المر‪ .‬لكن خالتي"آمنه" أحلرت لي تلك القروش‪ ،‬وبررت اقبولي لها‬ ‫بأنها مقابل شغلي وتعبي‪ ،‬وأن هذه هي طبيعة الجانب‪ .‬كل شيء‬ ‫بحسابه‪ .‬والعمل ليس عيبا‪ .‬والواقت والجهد لهما ثمنهما‪.‬‬ ‫في كل مرة‪ ،‬واقد تقاضيت أجري‪ ،‬كنت أمرأثناءعودتي إلى البلدة‬ ‫القديمه‪ ،‬بمكتبة عمي"سلمه"‪ ،‬التي كانت الكتب‪ ،‬القديمة‪ ،‬المعروضة‬ ‫في واجهتها والمفروشة على البسطات تستواقفني دائما وأنا في‬ ‫طريقي إلى المدرسة العمرية أوفي طريق عودتي إلى البيت‪.‬‬ ‫صحيح أنني كنت أوفر ثمن ركوب الباص‪ ،‬ذهابا إلى المدرسة وإيابا‬ ‫منها‪ ،‬بأن أرافق بعض الاقران مشياعلى الاقدام‪ .‬لكن شرهي المتزايد‬ ‫للقراءة‪ ،‬كان يقضي على"المصروف" كله‪ .‬خصوصا عندما بدأت‬ ‫أتطلع إلى معرفة ما تحتويه سلسلة كتب "روايات الجيب"‪.‬‬ ‫شدني عنوان "اللص الظريف أرسين لوبين" المتكررعلى عدد كبير‬ ‫من روايات "موريس لبلن"‪.‬‬ ‫كيف يكون اللص ظريفا ؟!‬ ‫والكثر جاذبية‪ ،‬كانت تلك الروايات التي تحولت إلى أفلم سينمائية‪،‬‬ ‫والتي كنت أجد أسماءها على إعلنات سينما "ريجنت"‪ ،‬القريبة من‬ ‫ملعب "التنس"‪.‬‬ ‫عندما حكيت اقصة ملعب "التنس" لرفيق المدرسة‪ ،‬وجاري في‬ ‫القدس القديمه‪" ،‬خلدون"‪ ،‬اشرأب عنقه وجحظت عيناه‪ ،‬ونظر يمينا‬ ‫ويسارا‪ ،‬وابتلع ريقه ثم اقال بصوت خفيض‪:‬‬ ‫‪ .. -‬وين ‪ ..‬وين؟ اقول لي وين! وإوعى حدا غيرنا يعرف!‬

‫‪166‬‬


‫وأصبحنا نعمل سويا‪ ،‬أيام الحد‪ ،‬في تلك المهنة المبتكره‪" ،‬ليتم‬ ‫الطابات"‪.‬‬ ‫وازدادت أواصر الصدااقة بيني وبين "خلدون"‪ ،‬الذي كنت اقبل ذلك‬ ‫أتردد في الاقتراب منه‪ ،‬لما كان يشاع عنه من أنه "ابن عيله"‬ ‫ومتكبر و"شايف حاله"‪ .‬لكنني اكتشفت معه نوعا جديدا من الصدااقة‪.‬‬ ‫وهو‪ ،‬إلى جانب كونه "إبن ناس"‪ ،‬كما كان والدي يقول‪ ،‬فهو أيضا‬ ‫من "أوائل الصف"‪.‬‬ ‫ثم أصبح مجرد ذكر اسمه أمام والد ر‬ ‫ي يتيح لي التغيب‪ ،‬في حدود‬ ‫المعقول‪ ،‬عن البيت‪ .‬فقد كان "خلدون" ينتمي إلى نفس العائلة التي‬ ‫ينتمي إليها رئيس والدي في العمل‪.‬‬ ‫وهكذا أصبحت‪ ،‬بمرافقة "خلدون"‪ ،‬من الرواد الدائمين لسينما‬ ‫"ريجنت"‪ ،‬بعد أن كان ذهابي إليها مرهونا بتنازل أخي "عابد"‪،‬‬ ‫وسماحه لي بمرافقته إليها‪ .‬ساعد على ذلك‪ ،‬طبعا‪ ،‬وجود دار السينما‬ ‫في منطقة تتوسط المسافة بين مكان سكن خالتي "آمنه" وبين‬ ‫مدرستي‪ ،‬المدرسة العمرية‪.‬‬ ‫كان صديقي "خلدون" يتمتع بموهبة البحث عن مصادرالكسب‪ .‬واقد‬ ‫أتاح لي معرفة إحداها‪،‬عرفانا منه لي بتعريفه على ملعب التنس‪.‬‬ ‫في أحد اليام سقط منى"اقلم الحبر" وانكسرت ريشته‪.‬‬ ‫تعودنا في مثل هذه الحالت أن نلجأ إحدى المكتبات لتقوم‬ ‫بتغييرالريشة أو الـ "عضمه"‪ ،‬أو الـ "جلده"‪ .‬لكن صديقي"خلدون"‬ ‫كان يعرف طريقة أخرى‪ .‬ففي سوق الهنود‪ ،‬في طريقنا اليومي إلى‬ ‫باب الخليل‪ ،‬كانوا يبيعون اقطع غيارالاقلم تلك وأجزاءها المختلفة‬ ‫بثمن بخس‪ ،‬مما جعلني أحاول إصلح اقلمي بنفسي هذه المره‪.‬‬ ‫ولما نجحت التجربة‪ ،‬لجأ لي زميل‪ ،‬وآخر‪ ،‬ومن بعده آخرون‪ .‬إلى أن‬ ‫ذاعت شهرة خبرتي وبراعتي في تصليح أاقلم الحبر في المدرسه‪.‬‬ ‫وكانت هذه "الحادثة" بداية لمرحلة جديدة من مراحل العمل المربح‪،‬‬ ‫بعد"لرم الطابات"‪ ،‬التي زادت من دخلنا وأتاحت لي إمكانية المزيد‬ ‫من شراء بعض الكتب أوالمجلت‪ ،‬ومشاهدة الفلم السينمائيه‪.‬‬ ‫ولم يبخل علي صديقي بالبوح بالمزيد من أسراره‪ ،‬أسرار المهنه‪،‬‬ ‫حينما رضي أن يأخذني معه لرى بعيني كيف ومن أين يشتري‬ ‫‪167‬‬


‫"جروس" الشاي بسعرالجملة من القدس الجديدة وبيعه لحد أصحاب‬ ‫الدكاكين في البلدة القديمة‪ .‬وشاركني في ذلك اليوم بالرباح‪.‬‬ ‫تطور المر بعد ذلك‪ ،‬عام ‪ ،48‬إلى شراء علب "الفييشك"‪ ،‬ذخيرة‬ ‫بالحبه‪ .‬إلى أن تواقف ذلك كله بعد أن‬ ‫ر‬ ‫المسدسات والبنادق‪ ،‬وبيعها‬ ‫ش تسبب لي بـ "اقتلة" ل أنساها من والدي‪.‬‬ ‫وشى بي وا ل‬ ‫كان ذلك أحد أسباب التعجيل بترحيلي إلى غزة‪ .‬حيث رافقني أخي‬ ‫"عابد" في تلك الرحلة التي ل تنسى‪ .‬والتي أثبت فيها "الحمار"‪،‬‬ ‫بتمرده وعودته هاربا إلى موطنه الصلي‪ ،‬أنه أكثر حكمة مما كان‬ ‫كاتبنا "توفيق الحكيم" يظن‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ــــرداح"‪..‬‬ ‫الشيخ "رسـع ْ‬

‫وفي "غزة"‪ ،‬سرعان ما ينتهي صيفها القائظ الطويل‪ ،‬ويتبين‬ ‫للجميع أن إنتظار"القدس" لنا‪ ،‬أو انتظار العودة إليها‪ ،‬سوف يطول‪.‬‬ ‫ويكون القرار أنه ل بد وأن ألتحق‪ ،‬مؤاقتا‪ ،‬بالصف الول الثانوي‬ ‫في مدرسة المام الشافعي‪.‬‬ ‫"براكيات" التي‬ ‫كانت "صفوف" المدرسة عبارة عن صفين من الـ ر‬ ‫كانت‪ ،‬فيما مضى‪ ،‬مقرا لقوات جيش النتداب البريطاني‪ .‬ولم يكن‬ ‫هناك ما نفعله‪ ،‬في اليام الولى من السنة الدراسية‪ ،‬سوى حفر‬ ‫الـ"براكيات"‪.‬‬ ‫ر‬ ‫الخنادق المتعرجة في المساحة الوااقعة بين صفري‬ ‫‪168‬‬


‫ومن ثم القيام بالتدريبات على كيفية الخروج من الصفوف واللتجاء‬ ‫بنظام‪ ،‬إلى تلك الخنادق‪ ،‬عندما يدوي زامورالغارة الجويه الوهمية‪.‬‬ ‫هذا بالضافة إلى الستماع إلى محاضرات مديرالمدرسة‪ ،‬الستاذ‬ ‫"ممدوح الخالدي"‪ ،‬عن أهمية العلم في مواجهة العدوالصهيوني‬ ‫الغاشم‪.‬‬ ‫كانت "الصفوف" تجمع "الشامي على المغربي"‪ ،‬وسرعان ما يعبر‬ ‫تلميذ من "غزة" عن ضيقه بتلميذ آخر "مهاجر" إليها من أحد اقرى‬ ‫فلسطين أو مدنها ويتهمه بالجبن الذي أسلمه إلى الهروب والهجرة‪.‬‬ ‫وهنا ل بد من أن تتجلى اقوة الحجة وتتطور القدرة على التبرير‪،‬‬ ‫حتى أن أحدهم اقد أفحم الخر بقوله أن الهجرة ليست عيبا ول سبرة‪،‬‬ ‫فقد فعلها النبي محمد "صلعم"‪ ،‬بل إنه أخذ يعدد ما يتوجب‬ ‫على"النصار" تجاه "المهاجرين" لكي يتمكنوا من العودة إلى‬ ‫ديارهم‪.‬‬ ‫أما مدرس اللغة العربية‪ ،‬الستاذ الشاعر"رامز فاخره"‪ ،‬فهوعلى‬ ‫يقين من أن الوحدة العربية هي سبيلنا الوحيد لسترداد الوطن‬ ‫السليب‪ .‬ول يكف عن ترديد اقصة الرجل الذي جمع أبناءه وطلب‬ ‫منهم أن يحاول كل منهم على التوالي أن يكسر حزمة الرماح‪،‬‬ ‫وعندما فشلوا أنشد يقول‪:‬‬ ‫"كونوا جميــعا يابني إذا اعترى‬ ‫ـخطب ول تتفرقــــوا أفــــــرادا"‬ ‫" تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا‬ ‫وإذا افترقــــن تكسرت آحــادا"‬ ‫ناهيك عن سرد الدلة والبراهين على وجود خيانة ما تتجلى في‬ ‫تخرلي الملك "عبدا" عن مدينتي "اللد" و "الرملة" للصهاينة‪ ،‬كجزء‬ ‫من اتفااقية سرية‪ ،‬أو بنود سرية في إتفااقية ما‪.‬‬ ‫هذا إلى جانب تقاعسه عن إنقاذ القدس الغربية وتسليمه مقاليد‬ ‫المورإلى "جلوب باشا"‪ ،‬الذي كان يورلي اقيادة سرايا "الجيش‬ ‫‪169‬‬


‫العربي" لضباط إنجليز يشرفون على خطط "التسليم" بداقة‬ ‫وإخلص‪.‬‬ ‫ول يلبث الشيخ "سرداح"‪ ،‬مدرس الدين‪ ،‬أن يدلي بدلوه ويؤكد‬ ‫جازما أن ابتعادنا عن ديننا الحنيف هو سر نكبتنا‪ .‬وأن ما أصابنا‬ ‫لم يكن سوى "محنة" أراد ا أن يمتحن بها عباده‪.‬‬ ‫وعندما تساءلت‪ ،‬ببراءة‪ ،‬عن ضحايا الحرب من الطفال الر ر‬ ‫ضع‬ ‫الذين لم يعرفوا بعد معنى الاقتراب من الدين الحنيف أوالبتعاد عنه‪،‬‬ ‫هوت خيزرانة الشيخ سرداح على كتفي‪ ،‬وانهالت علي عينات‬ ‫مختلفة من السباب لم أألفها من اقبل‪ ،‬بما في ذلك "حيوان" و‬ ‫"زنديق" و ‪" ..‬شيوعي"!‬ ‫ولم يكتف بذلك‪ ،‬بل طردني من الصف‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كان ذلك أول عهدي بالتسامؤل الجاد عن معنى الشيوعية‪.‬‬ ‫كنت أسمع والدي يصف الشيوعيين بأنهم "كفار"‪ .‬ذلك عندما كان‬ ‫يحذرأخي"عابد" ويمنعه من الـتمادي في الختلط بأفراد "الشلة"‪،‬‬ ‫التي كان أخي شديد التعلق بها في القدس‪.‬‬ ‫إل أن أخي كان يحرص على أن يتملص من كلمة "شيوعي"‬ ‫المكروهة بإصراره على أنه "إشتراكي"‪ .‬وكثيرا ما كنت أسمع منه‬ ‫بعد ذلك تفسيرات‪ ،‬لشدما كنت أطرب لها‪ ،‬لمعنى الشتراكية التي‬ ‫تبناها صحابة بررة وخلفاء راشدون‪.‬‬ ‫أما أن يقذفني الشيخ سرداح بكل تلك السبائب‪ ،‬فذلك مالم أغفره له‪.‬‬ ‫وفي اليوم التالي‪ ،‬حدثني الستاذ "عبدالكريم"‪ ،‬أثناء حصة الرياضه‪،‬‬ ‫بأنه اقد علم بما جرى معي في حصة الدين‪ .‬ربت على كتفي وهو‬ ‫يقول راضيا مبتسما‪:‬‬ ‫صتح"!‬ ‫"ول يهمك‪ .‬إنت ي‬ ‫س‬ ‫ثم كرر رجاءه بأن أسلم على أخي "عابد" عندما أكتب له‪.‬‬ ‫‪170‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كان الستاذ "عبدالكريم"‪ ،‬الرياضي القوام‪ ،‬ذوالسمرة القريبة من‬ ‫السواد‪ ،‬يتمتع بحبنا وإعجابنا بروحه المرحة‪ .‬وكثيرا ما كنا نداعبه‬ ‫ببيت الشعرالغزلي الذي اقاله فيه أستاذنا الشاعر"رامزفاخره"‪:‬‬ ‫ـخال"‬ ‫"الناس تعشق من ـخالل بوجنته ‪ ..‬فكيف بي وحبيبي كلله ـ‬ ‫فيضحك الستاذ "عبدالكريم"عن أسنان بيضاء يزيد ظهورها من‬ ‫حلكة ولمعان سمرته‪ .‬وسرعان ما يدوي صوته في ملعب المدرسة‬ ‫بأوامر تمريناته الرياضية‪ ،‬بعدأن ينطلق صوت صفارته التي ل نملك‬ ‫إل أن نطيعها طوعا‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫في صباح أحد اليام التالية‪ ،‬يستدعيني مديرالمدرسة إلى غرفته‪،‬‬ ‫حيث لم أفاجأ بوجود والدي‪ ،‬الذي جاء ليستوضح سبب مواقف‬ ‫الشيخ سرداح مني‪ ،‬ومنه أيضا‪ .‬فقد كنت اقد أبلغت والدي بأن أستاذ‬ ‫الدين‪ ،‬الذي كان حاضرا أيضا‪ ،‬يقول عني أني "حيوان ابن‬ ‫حيوان"!‬ ‫وبادرني الشيخ سرداح بغضب أبوي‪:‬‬ ‫ أنا يا إبني جبت سيرة أبوك؟‬‫وكانت إجابتي‪ ،‬التي‪ ،‬بعكس ما كنت تتواقع‪ ،‬أثارت عاصفة من‬ ‫الضحك‪:‬‬ ‫ طبعا أستاذ‪ ،‬إنت سسبيته!‬‫يعني‪ ،‬أستاذ‪ ،‬لما تقول لي"ياحيوان"‪ ،‬إيش بلدره يكون أبوي؟‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪171‬‬

‫*‬


‫"الحكي في السيارسة‪"..‬‬

‫ثم ينهمك مدرس التاريخ في شرح دور بريطانيا المتآمرة مع‬ ‫الصهيونية العالميه‪ .‬ويقرأ لنا نص الرسالة التي بعث بها رئيس‬ ‫الوزراء البريطاني"بلفور" إلى "حاييم وايزمان"‪ ،‬رئيس المنظمة‬ ‫الصهيونية العالمية‪،‬عام ‪ ،1917‬والتي اشتهرت بعد ذلك بإسم "وعد‬ ‫بلفور"‪.‬‬ ‫ويحكي لناعن دورالنتداب البريطاني في وضع البلد في ظروف‬ ‫سياسية وإاقتصادية وإدارية معينة من شأنها أن تساعدعلى تحقيق "وعد‬ ‫بلفور" المشئوم‪ .‬ومن ضمن الراقام والتواريخ المحفورة في ذاكرتي‪،‬‬ ‫ما كان يردده أستاذنا عن إرتفاع عدد اليهود في فلسطين‪ ،‬بفضل‬ ‫الهجرة اليهودية المنظمة‪ ،‬خلل وبإشراف حكومة النتداب )‪-1920‬‬ ‫‪ ،(1948‬من ‪ 50‬ألفا إلى ‪ 600‬ألف يهودي‪.‬‬ ‫ناهيك عن انسحاب النجليز من "حيفا" اقبل الموعد المحدد لذلك‪ ،‬مما‬ ‫نجم عنه استيلء اليهودعلى المدينة وتكرار نفس القصة مع مدن‬ ‫أخرى‪.‬‬ ‫وينفرد مدرس الرياضة‪ ،‬الستاذ عبدالكريم‪ ،‬بالرأي القائل بأن أميريكا‬ ‫هي أُس البلء‪.‬‬ ‫‪172‬‬


‫فهي التي عملت‪ ،‬باتصالتها‪ ،‬وعلاقاتها‪ ،‬ونفوذها على إنجاح اقرار‬ ‫التقسيم**‪ ،‬الذي دفعت أميريكا ثمن إنجاحه بشراء أصوات بعض‬ ‫الدول‪ ،‬بعدأن فشلت في الحصول على موافقة أغلبية الدول في‬ ‫الاقتراع الول‪ ،‬وهوالذي حرول وعد "بلفور" لليهود من مجرد وعد‬ ‫بـ"وطن اقومي" إلى حق بـ"دولة إسرائيلية"‪ ،‬في فلسطين‪.‬‬ ‫________________________________________________________________‬ ‫)**( قرار التقسيم عام ‪ ،1947‬ـخصص من أصل ‪ 26‬ألف كم مربع‪ ،‬كل مساحة فلسطين التاريخية‪،‬‬ ‫‪ 14100‬كم مربع لدولة إرسرائيل‪ ،‬ولكن إرسرائيل ارستطاعت زيادتها بالقوة إلى ‪ 20700‬كم مربع‪.‬‬

‫ثم يحدثناعن حرب العشرة أيام‪ ،‬اقبيل إتفااقية رودس‪ ،‬التي تم فيها‬ ‫احتلل ‪ 201‬اقرية في المنطقة المخصصة لليهود و ‪ 112‬اقرية في‬ ‫المنطقة العربية‪ ،‬حسب اقرارالتقسيم‪.‬‬ ‫ثم يعود ليذكرنا بأن أميريكا هي أول من اعترف بالدولة السرائيلية‪،‬‬ ‫بعد سبع داقائق من إعلن إاقامتها‪ .‬وهي التي‪ ،‬والتي‪ ،‬وصول إلى‬ ‫الحديث عن "الستعمار"‪ ،‬و"المبريالية" التي كان يصفها أستاذنا دائما‬ ‫بأنها أعلى مراحل الستعمار‪ ،‬ومن ثم الحديث عن من يقف لأميريكا‬ ‫بالمرصاد‪ ،‬صديق الشعوب المقهورة‪ ،‬التحادالسوفييتي وغيره من‬ ‫الدول الشتراكيه )!(‬ ‫ناهيك عن اجتهادات الزملء من"فلسفة الصفوف" الذين‬ ‫يستعرضون معلوماتهم ومعرفتهم الوثيقة بـالمسميات الجديدة علينا‪..‬‬ ‫"الماركسية" و"القوميه" و"البعث" و"الخوان" و ‪ ..‬و ‪..‬‬ ‫ونتيجة لهذا الخليط من النظريات‪ ،‬أصبحنا نردد المقولت التي نسمعها‬ ‫من هنا ومن هناك‪ .‬هذا علما بأن صفوفنا كانت تضم تشكيلة متنوعة‬ ‫من القادمين من مختلف أنحاء فلسطين‪ .‬فأمست أحاديثنا تتلون وتتشكل‬ ‫بألوان وأشكال التيارات المختلفة التي زاد تعددها واختلفها‪.‬‬ ‫وما برحت أوهامنا أن صورت لنا أننا غدونا كبارا‪ ،‬نحكي في‬ ‫السياسة‪.‬‬ ‫لكن مدرس الرسم‪ ،‬الستاذ المجدلوي‪ ،‬كان هوالكثر نفوذا إلى‬ ‫سرائرنا المتعطشة للمعرفة‪ .‬ولم نحظ بساعات ممتعة مثل ساعات‬ ‫حصة الرسم التي كان مدرسنا يسمح لنا فيها بقدر من حرية التعبير‬ ‫والمنااقشة في ظل جو أخوي مرح‪.‬‬ ‫‪173‬‬


‫بدأ أول دروس الرسم بأن رسم على اللوح السود خطا تعرج في‬ ‫أعله ثم انساب منحدرا مع ميل إلى اليسار سرعان ما تعرفنا فيه على‬ ‫"ساحل فلسطين"‪.‬‬ ‫ ‪..‬حدودنا من الشمال؟‬‫كلنا بصوت واحد‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬رأس النااقوره‪.‬‬‫ ‪ ..‬حدودنا من الجنوب؟‬‫ ‪ ..‬رفح‪.‬‬‫ ‪ ..‬مين فيكم من يافا؟‬‫أكثر من واحد‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬أنا أستاذ‪ ..‬أنا أستاذ‪.‬‬‫ ‪..‬إطلع يا "ماجد"‪ ،‬أكتب السماء اللي ذكرناها‪ ،‬بعد أن تحدد‬‫موااقعها‪.‬‬ ‫وسرعان ما أصبح الساحل يعج بالسماء‪..‬رفح ‪..‬خان يونس‪..‬دير‬ ‫البلح‪..‬غزه‪..‬جباليا‪..‬المجدل‪..‬اسدود‪ ..‬يافا‪..‬تل أبيب‪..‬نتانيا‪..‬‬ ‫كفرسابا‪..‬الخضيره‪ ..‬اقيساريه‪..‬عتليت‪..‬الطنطوره‪..‬حيفا‪..‬عكا‪..‬ثم رأس‬ ‫النااقورة‪.‬‬ ‫ثم ينتقل أستاذنا إلى الحدود الشمالية‪ ،‬فالحدود الشراقية‪ ،‬وهو يطلب من‬ ‫أحد أصحاب الصابع المرفوعة أن يضيف إلى الخارطة ما يجعلها‬ ‫تقترب من الكتمال‪ ،‬وتتزاحم فيها السماء بخطوط متباينة الحجام‪.‬‬ ‫ثم‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬مين فينا من القدس؟‬‫وكنت أنا المقدسي الوحيد‪ ،‬في ذلك الواقت‪.‬‬ ‫خطرلي أن أستعرض ما دأب أخاي"عابد"على تلقيني إياه‪ ،‬وتدريبي‬ ‫عليه منذ الصغر‪ ،‬أن أعيد‪ ،‬بمفردي‪ ،‬رسم الخارطة بأكملها بعد أن‬ ‫تقوم بمسح كل ما على اللوح‪ .‬ولكني ترددت‪ ،‬مما جعل الستاذ‬ ‫يستنهضي مازحا‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬مالك‪ ..‬مش عارف بلدك القدس فين؟‬‫‪174‬‬


‫درج الستاذ بعدها على أن يبدأ حصص الرسم التالية بأن يطلب من‬ ‫كل واحد منا أن يفعل ما كنت أنوي فعله‪ .‬ول ينسى أن يستهل الدرس‬ ‫بتأكيده أن من يريد أن يفهم في السياسه‪ ،‬يجب أول‪ ،‬أن يعرف كل‬ ‫شيء عن بلده‪ .‬ليس تاريخها فحسب‪ ،‬بل جغرافيتها أيضا‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬فلسطين يا ولدي هي فلسطين كلها‪ .‬هي كل إشي بفلسطين‪.‬‬‫بحرها‪..‬بحيراتها‪..‬سهولها‪..‬جبالها‪ ..‬مدنها‪ ..‬اقراها‪..‬‬ ‫تاريخها‪..‬أهلها‪..‬أزياءها‪ ..‬دبكاتها‪..‬أغانيها‪ ..‬زهورها‪ ..‬برتقالها‪..‬‬ ‫واللي برده فلسطين مش لزم يعرف تاريخها وبس‪ ،‬لزم يحفظ‬ ‫خارطتها بكل تفاصيلها!‬ ‫ثم ينهي حديثه بأن يطلب من كل منكم أن يرسم فلسطينه كما يراها‪.‬‬ ‫كان ذلك مما أكد لي أن أخي"عابد"والستاذ "المجدلوي"‪ ،‬كما‬ ‫يقولون‪" ،‬اقاريين على شيخ واحد"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كنا نتفق ونختلف ويحتدم النقاش بيننا في حصة الرسم التي كان‬ ‫مدرسنا يسمح لنا أثناءها بذلك القدر من الحرية‪ .‬لكنه كثيرا ما كان‬ ‫يضج من ضجيجنا فيصيح محتجا ر‪ ،‬مازحا‪ ،‬بالمقولة الشهيرة للـ‬ ‫"اليمجادله"‪ ،‬أهل المجدل‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ياريتهم كبسيمتو *!‬‫ثم يفتعل الجد والصرامة‪ ،‬ويشير إلى أحدنا وهو يصيح‪:‬‬ ‫ "كوم" إنت وارسم خارطة فلسطين وحدودها تنشوف شطارتك!‬‫*‬

‫*‬

‫‪175‬‬

‫*‬


‫________________________________________________________________‬ ‫)*( مقولة كان اللجئون من أهل مدينة المجدل يرددونها ترحما على"قرارالتقسيم"‪ ،‬بعدما طال بهم‬ ‫النتظار للعودة إلى مدينتهم ‪ ،‬كما وعدت الجيو ش العربية‪ ،‬أوعندما يشعرون أن "الغزازوه" قد‬ ‫سـموا !"‬ ‫جاوزوا حدودهم في التعبير عن ضيقهم باللجئين ‪ ..‬و "المجاْدله" بالذات ‪" .‬يا ريتهم ق د‬

‫"رسعد يــــــــــــــــــــه"‪..‬‬

‫وسرعان ما يتكون في مدرسة المام الشافعي فريق للتمثيل ليقدم‬ ‫مسرحية "الوطن السليب"‪ .‬بطولة فتاة فدائية ترمز إلى شعب فلسطين‪.‬‬ ‫وتبرزالمشكلة في عدم وجود فتاة لتقوم بهذا الدور‪ .‬لكن مؤلف‬ ‫المسرحية‪ ،‬وهو مخرجها‪ ،‬وبطلها أيضا‪ ،‬يرى أنه ل بأس من اقيام أي‬ ‫طالب بدور الفتاة "سهام"‪ .‬وهنا تبرز المشكلة الكثر تعقيدا‪.‬‬ ‫من منا يقوم بدورالفتاه؟‬ ‫وأكون أنا الفدائي‪ ،‬متحديا تعليقات الزملء وسخرياتهم‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫فلقد استهواك المسرح منذ أن رأيت في طفولتك تلك المسرحية في‬ ‫"داراليتام"‪ ،‬في القدس‪ ،‬اقبل الهجرة‪ .‬وخصوصا مشهد الزنزانة‬ ‫المعتمة وصوت السجناء وهم يغنون ذلك اللحن الطافح بالشجن‪"..‬يا‬ ‫ظلم السجن خريم‪ ،‬نحن ل نخشى الظلما"‪..‬إلخ‪.‬‬ ‫أو ذلك المشهد المؤثر لتلك الم وهي تودع ابنها البطل السجين‪.‬‬ ‫ورحت تعيد فصول المسرحية وتضيف إليها ما يتناسب مع ما تكتشفه‬ ‫من مواهب أولد وبنات الجيران‪.‬‬ ‫إلى أن ثارت ثائرة إحدى الجارات‪"،‬إم علي"‪ ،‬التي رااقبتك خلسة‪،‬على‬ ‫أحد المشاهد التي كنت فيها‪ ،‬ببراءة الطفال‪ ،‬تحتضن ابنتها البيضاء‬ ‫"كوكب" التي كانت تؤدي دور البطل السجين‪ .‬ولما رأت أن شكواها‬ ‫لمك لم تجد الصدى الذي كانت تتواقعه‪ ،‬ادعت‪ ،‬وأاقسمت أنها رأتك‬ ‫بأم عينها عندما "سبحلتت للبنت لباسها"!‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫‪176‬‬


‫ثم يفشل مشروع مسرحية "الوطن السليب"‪.‬‬ ‫ويأبى أحد التلميذ السُبمج‪ ،‬الذين ل يخلو منهم أي"صف" مدرسي‪ ،‬إل‬ ‫أن يتمادى في استفزازي حينما كرر مناداتي في ساحة المدرسة بإسم‬ ‫بطلة المسرحية‪"..‬سهام"‪.‬‬ ‫وتكون النتيجة‪ ،‬التي لم أكن أتواقعها‪ ،‬ولم يتواقعها أحد‪ ،‬أن"سعدي"‪،‬‬ ‫الولد السامج‪ ،‬جاء في اليوم التالي إلى المدرسة بيده اليمنى معلقة إلى‬ ‫راقبته واقد كساها الجبس‪ ،‬مما أكسبني بعد ذلك هيبة ومهابة بين‬ ‫زملئي‪.‬‬ ‫ولم أعد‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬أسمع سخريات بعض أاقراني بتقليدهم للهجتي‬ ‫المقدسية التي تتصف بالراقة والنعومة مقارنة باللهجة الغزاوية‪.‬‬ ‫ول يكف زملئي‪ ،‬لفترة طويلة من الزمن‪ ،‬عن التندر بمنظرالولد‬ ‫"سعدي" الذي انحنى تحت وطأة اللم‪ ،‬بينما يداي تحكمان القبضة‬ ‫على معصمه اليمن‪ ،‬من خلفه‪ ،‬وهو يردد مستسلما ومكررا‪ ،‬بين‬ ‫الـ"آه" والخرى‪ ،‬حسب طلب أحد الزملء‪:‬‬ ‫ أنا "سعديـه"‪..‬‬‫ علري صوتك!‬‫ أنا سعديـــــــــه‪..‬‬‫ أعلى!‬‫ أنا سعديــــــــــــــــــــــه‪..‬‬‫)غني عن التنويه بأن إسم "سعديه" كان يقترن بإمرأة شهيرة بإسم‪:‬‬ ‫"سعديه الطبتحله"‪ ،‬كانت من أهم رموز"العالم التحتي" لمدينة غزه‪(.‬‬ ‫والطريف‪ ،‬أن ذلك الولد السامج اقد أبى عليه كبريامؤه أن يعترف لهله‬ ‫بالحقيقة‪ ،‬وادعى أن إصابته كانت نتيجة واقوعه على الرض بقوة‬ ‫فركت رسغه عندما حاول تفادي الصدمة بيده‪ .‬وبذلك نجوت أنا من‬ ‫عقاب عائلته‪ ..‬وعائلتي‪ ،‬ومديرالمدرسه‪ ،‬الستاذ ممدوح الخالدي‪،‬‬ ‫الذي ووضعني في اقائمة المشاغبين منذ حكاية الشيخ "سرداح"‪.‬‬ ‫‪177‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هوايـــــــــــــــات‪..‬‬ ‫وكان ل بد من أن تنتقل العائلة إلى بيت أكثر ملءمة‪ .‬فالحوال‬ ‫وتلمح إلى‬ ‫س‬ ‫السياسية كانت تشي باستحالة إمكانية العودة إلى القدس‪،‬‬ ‫وجوب التكيف مع إستقرار‪ ،‬ولو بشكل مؤاقت‪ ،‬في غزه‪ .‬ويوفق‬ ‫أخي"عابد"‪ ،‬بمساعي ونفوذ خالي "علي" في إيجاد عمل ثابت له في‬ ‫أحد شركات الغزل والنسيج في السكندريه‪.‬‬ ‫وتنتهي السنة الدراسية‪ ،‬وتنتقل إلى الصف الثاني الثانوي‪.‬‬ ‫وماهي إل أيام حتى صدرت التعليمات بتحويل نظام الدراسة‬ ‫ومنهجها إلى نظام التعليم المصري‪ .‬فكان أن تعادلت السنة الثانوية‬ ‫"الثانية" في النظام الفلسطيني مع السنة الثانوية "الثالثة" في النظام‬ ‫التعليمي المصري‪.‬‬ ‫وُسحبت منا الكتب المقررة على"الصف" الثاني الثانوي‪ ،‬ووزعت‬ ‫علينا بدل منها الكتب المصرية المقررة على"الفصل" الثالث‬ ‫الثانوي‪ ،‬ليفاجأ الجميع بأن مقرر اللغة النجليزية للسنة الثالثة‬ ‫الثانوية في النظام المصري‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬هو ما كان مقررا‬ ‫علينا اقبل سنة أو سنتين‪.‬‬ ‫الستاذ "الليثي"‪ ،‬مدرس اللغة النجليزية المصري المنتدب‪ ،‬كان‬ ‫يصرعلى أن يعطي كل درس من دروس اللغة حقه‪ .‬ولم يقتنع بأن‬ ‫ينتهي‪ ،‬في حصة واحدة‪ ،‬من أكثر من درس‪.‬‬ ‫إحساسي بسهولة المنهاج المقرر ربما هو الذي جعلني أشعر بوفرة‬ ‫واقت الفراغ‪ .‬مما حداني أن تتجه إلى ممارسة هوايات كالقراءة‪..‬‬ ‫والرسم‪ ..‬ومشاهدة أفلم السينما‪ ..‬في الخفاء‪.‬‬ ‫كان شغل والدي الشاغل‪ ،‬بعد الصلة وتلوة القرآن والدعية‪،‬‬ ‫هواللحاح بدون ملل على وجوب استغلل كل الواقات للمذاكرة‬ ‫والدرس والتحصيل‪.‬‬ ‫وعلى الجانب الخر‪ ،‬لم يتواقف أخي "عابد" عن تشجيعي‪ ،‬في‬ ‫رسائله من "السكندرية"‪ ،‬وبعد ذلك من "جدة"‪ ،‬على مواصلة‬ ‫‪178‬‬


‫الطلع والقراءة‪ .‬وكان يحرص على أن يرسل لك بين الحين‬ ‫والخر مصروفا إضافيا لشراء الكتب والمجلت‪ ،‬ولممارسة ما‬ ‫شئت من الهوايات‪ ،‬كالقراءة والرسم‪ ،‬أو مشاهدة أفلم السينما‪.‬‬ ‫وها هي ذي مجـــــلة "الفن"‪ ،‬الصادرة في القاهرة‪ ،‬في أحد أسابيع‬ ‫عام ‪ ،50‬تنشر لي صورة رسمتها لمطربتي المفضلة في حينها‪"،‬ليلى‬ ‫مراد"‪ ،‬معلنة عن فوزك بالجائزة المالية الولى‪ ،‬واقدرهاعشرون‬ ‫اقرشا مصريا )!(‬ ‫ول يكاد الخبر ينتشر بين أاقراني وأساتذتي في المدرسة وبين الهل‬ ‫والجيران حتى يظهر إسمي مرة أخرى تحت صورة أخرى فائزة‬ ‫في عدد آخر من نفس المجلة‪.‬‬ ‫وتتدفق التهاني على الفوز المزدوج‪ ،‬ولكن انتظاري للجائزتين‬ ‫الماليتين اقد طال‪ ..‬بل طائل‪.‬‬ ‫لكني كنت أشد فخرا وسعادة وأنا تتلقى رسالة تهنئة وتشجيع من‬ ‫خالتي "آمنه"‪ ،‬التي كانت في ذلك الواقت اقد حققت حلمها باللتحاق‬ ‫بالقسم الحر بكلية الفنون الجميلة في مصر‪ ،‬بالرغم من تقدمها في‬ ‫السن‪ .‬وكان إصرارها على تحقيق هذا الحلم هو في حد ذاته اقصة‬ ‫كفاح زادتي إعجابا بها‪ ،‬وحبا لها‪.‬‬ ‫إل أن رسائلها لم تستطع أن تسد الفراغ الذي تركه غيابها في نفسي‪.‬‬ ‫فقد كان لوجودها ذلك الثر في تحفيزي على ممارسة هذا الفن أو‬ ‫ذاك‪.‬‬ ‫كانت تستدرجني إلى مشاركتها الغناء أثناء مرااقبتها بينما هي‬ ‫منهمكة في وضع لمساتها وألوانها على إحدى اللوحات‪.‬‬ ‫وكانت تغدق عليي باللوان ولوازم الرسم والحفر‪ ..‬والرشادات‪.‬‬ ‫وكما كنت أفتقد أخي "عابد"‪ ،‬ورعايته التي حرمت منها بسبب‬ ‫ظروف الهجرة التي اضطرته للسفر بحثا عن العمل‪ ،‬كذلك كنت‬ ‫أشعر بأشوااقي لخالتي "آمنه" وما كانت تتيحه لي في القدس من متعة‬ ‫الحساس بالجمال وتذواقه والتعامل معه‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫السهل الممتنع‪..‬‬ ‫‪179‬‬


‫الشعر شيء حسلن‬ ‫فعلمـــوا أولدكـــم‬

‫ليس به من حرج‬ ‫عقــاَر طب الـمهج*‬

‫حفظت في طفولتي تلك البيات‪ ،‬ويبدو أني أمنت بأن الشعرهو‪ ،‬كما‬ ‫برين لنا المدرس‪ ،‬خيردواء للُميهج‪ ،‬فلم أدخر جهدا في حفظ ما تيسرلي‬ ‫من البيات المقررة‪ ،‬وغيرالمقررة‪ ،‬وخصوصا المغنراة منها‪.‬‬ ‫أما في الصفوف الثانوية فقد كان هناك من بين زملئي من‬ ‫يقرضون الشعر‪ .‬واقد أتى علي حين‪ ،‬أو أحايين‪ ،‬من الزمان حاولت‬ ‫فيها"الكتابه"‪ .‬بمعني ممارسة البداع بالكلمه أسوة ببعض الزملء‪.‬‬ ‫إل أن محاولتي لم تكن موفقة في مجال الشعر‪.‬‬ ‫بدأت محاولتي بأن أنتقي مطلعا من أحد القصائد المعروفة‪.‬‬ ‫مثل‪:‬‬ ‫فل بد أن يستجيب القدر‬ ‫إذا الشعب يوما أراد الحياة‬ ‫ثم أستكمله بمعرفتي‪:‬‬ ‫نغذ المسير تجاه الحيـاه‬ ‫فهيا أـخــي نجمع الشمل ثم‬ ‫أو‬ ‫"لست أدري‪ ..‬ولماذا لست أدري‪ ..‬لست أدري"‬ ‫__________________________________‬ ‫)*( من شعر الحسن بن رشيق القيرواني‬

‫ثم أمضي مكمل‪:‬‬ ‫قالها الشاعر يوما‪ ..‬منذ عمر مثل عمري‬ ‫لكأني قلتها بلسانه‪ ..‬أو كأنْه كان يعرف أمري‬ ‫‪180‬‬


‫رددوها بعده وتغنوا‪..‬‬ ‫وهي مني‪ ..‬وهي شعري‪..‬‬ ‫‪..‬إلخ‬ ‫إل أن أستاذ اللغة العربية‪ ،‬الشاعر‪ ،‬كان يرى أن ما أاقوله ل يمت‬ ‫إلى الشعر بصلة‪.‬‬ ‫ردد‪ ،‬ساخرا‪ ،‬ما يشبه ما اقاله لي والدي آن ضبطني متلبسا بمحاولة‬ ‫تجويد آيات من القرآن الكريم‪.‬‬ ‫هذا بالرغم من إهتمامي الملحوظ بعلم العروض‪ ،‬في دروس اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬وحفظي عن ظهر اقلب‪ ،‬ومبكرا‪ ،‬لبحور الشعر وأوزانه‪،‬‬ ‫وعلاقة ذلك بالموسيقى التي كانت تستهويني‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫بدأ ذلك مبكرا‪ ،‬في "المدرسة البكرية" في القدس‪ .‬عندما كان‪،‬‬ ‫مديرالمدرسة‪ ،‬يهتم بتعيين"عرفاء" على الصفوف الدنيا يختارهم من‬ ‫تلميذ الصفوف العليا‪.‬‬ ‫واقد كان عريف صفنا‪ ،‬الثالث البتدائي‪ ،‬هو"عبدالمحسن"‪ ،‬الذي كان‬ ‫يسبقنا في الدراسة بسنتين أو ثلث‪ .‬وكان يحرص على ملء فراغنا‪،‬‬ ‫خصوصا عندما يتغيب أحد المدرسين‪ ،‬بتحفيظنا أبيات من الشعر‪،‬‬ ‫ومنها ما هو بمثابة مفاتيح لبحورالشعر‪ .‬مثال ذلك‪..‬البحرالوافر‪:‬‬ ‫مفاعلتن مفاعلتن فعول‬ ‫بحور الشعر وافرها جميل‬ ‫أو بحر الرجز‪:‬‬ ‫مستفعلن مستفعلن مستفعلن‬ ‫أرجز لنا يا صاحبي أرجوزة‬ ‫أو بحر المتدارك‪:‬‬ ‫فتداركهــا رجـــمل رجـــُل‬ ‫كـرة ضربـــــت بصـــوالجة‬ ‫فـعلن فـعلن فـعلن فـعـُل‬ ‫يفـلعلُتن فـعلن فـعلن فـعلن‬ ‫‪181‬‬


‫وكان عريفنا "عبدالمحسن" خفيف الظل اقريبا إلى اقلوبنا‪ ،‬بحيث كنا‬ ‫ننتظر‪ ،‬ونتمنى‪ ،‬غياب أحد المدرسين لكي نحظى بتواجده بيننا‪.‬‬ ‫وعندئذ ل يلبث أن يبدأ بإنشاد أبيات الشعر بطريقة مواقعة‪ ،‬ونحن‬ ‫نرددها وراءه بجذل وطرب يجعلنا نحفظ هذه البيات وغيرها‬ ‫بسهولة‪.‬‬ ‫ثم يدورالزمن‪ ،‬وتمضي السنون‪ ،‬ويكون من بين الهاربين من بطش‬ ‫الملك "عبدا" في الردن إلى غزة‪ ،‬عام ‪" ،1951‬شويعر" ناشيء‬ ‫كان نجمه اقد بدأ بالظهور‪.‬‬ ‫واقد روي عنه في ذلك الواقت أنه كان‪ ،‬رغم صغر سنه‪ ،‬ممن‬ ‫يناهضون الملك عبدا علنا‪ ،‬وأنه اقد ذاعت له اقصيدة يدعو فيها إلى‬ ‫مواصلة النضال لسترداد ما ضاع من أرض الوطن‪.‬‬ ‫ولما وصل أمرالقصيدة إلى الملك‪ ،‬اكتفى بأن ردد معلقا‪:‬‬ ‫" ‪ ..‬والشعراء يتبعهم الغاوون‪".‬‬ ‫ويقال أيضا أن "عبدالمحسن" لم يسكت‪ ،‬بل أجاب معقبا على ذلك‪:‬‬ ‫" ‪..‬إن الملوك إذا دخلوا اقرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة‪".‬‬ ‫ثم تدورعجلة الزمن مرة أخرى‪ ،‬وتمضي السنين‪ ،‬وأتقابل‪ ،‬مرة ثالثة‪،‬‬ ‫مع عريفنا "عبد المحسن أبوميزر"‪ ،‬الذي هجرالشعر واحترف‬ ‫السياسة‪ ،‬إثر إبعاده‪ ،‬من اقبل السلطات السرائيلية‪ ،‬من الضفة الغربية‬ ‫إلى لبنان‪ .‬في بداية السبعينيات‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪182‬‬

‫*‬


‫والقصـــــــة‪..‬‬

‫كأنما كان ل بد لي من أن أجرب حظي في مجال إبداعي‬ ‫آخر‪،‬غيرالشعرالذي استعصى علي اقرضه‪.‬‬ ‫‪183‬‬


‫كانت لي‪ ،‬في مرحلة لحقة‪ ،‬بعض المحاولت التي ل تخلو من‬ ‫ملمح القصة القصيرة‪ ،‬وإن كانت ل تخلو أيضا من السذاجة‪ ،‬والتي‬ ‫لم ي ر‬ ‫طلع عليها سوى بعض المقربين من الصداقاء‪ .‬وكانت هذه‬ ‫المحاولت نتيجة لتنامي عادة القراءة لدي‪ ،‬والحساس بأني لن‬ ‫أعجز عن "توليف" بعض الحكايات أو الموااقف التي كنت أسمعها‬ ‫أو أاقرأها أو أتخيلها‪ .‬ولم يكن كرتاب القصة الذين عرفتهم في ذلك‬ ‫الواقت‪ ،‬في تقديري‪ ،‬ليفعلوا أكثر من ذلك‪.‬‬ ‫كل ما هنالك أنهم اقد امتلكوا القدرة على التعبير اللغوي‪ .‬وهو‬ ‫الشيء الذي كنت أتوهم أني في طريقي لمتلكه‪.‬‬ ‫لكن يبدو‪ ،‬بل الكيــد‪ ،‬أن التعبير بـ "الصــــــــورة" كان بالنسبة لي‬ ‫هو الهاجس الكبر والهدف الذي يثير اهتمامي أكثر‪ .‬ذلك ما كانت‬ ‫خالتي‪ ،‬الفنانة التشكيلية‪ ،‬ل تمل من التأكيد عليه‪.‬‬ ‫مازلت أذكر تلك "الصورة" في أول مشروع لكتابة "اقصة اقصيرة"‬ ‫متكاملة‪ ،‬عن غير ما اقصد‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫لم تكن الكلمات المكتوبة تشغلني أو تعنيني لذاتها بقدر ما تكون لتلك‬ ‫الكلمات من اقدرة على رسم الصورالتي تجول في خاطري‪ .‬فالصل‬ ‫عند أي مبدع‪ ،‬كما علمتني خالتي "الست آمنه"‪ ،‬هو الصورة التي‪،‬‬ ‫بعد أن تتضح معالمها في مخيلته‪ ،‬يجتهد في نقلها للخرين مستخدما‬ ‫أدواته‪ .‬وما الكلمات إل إحدى تلك الدوات‪.‬‬ ‫كن ُ‬ ‫ت في الصف الثالث الثانوي‪ ،‬حينما طلب منا مدرس اللغة العربية‬ ‫كتابة موضوع إنشائي عن نكبة عام ‪ .48‬كان ذلك في عام ‪.51‬‬ ‫أخذت‪ ،‬من فرط يأسي وإحساسي بالعجز‪ ،‬أبحث عن عذر لجعله‬ ‫سببا لتغيبي عن درس "النشاء" القادم‪.‬‬ ‫كان من بين طلب صرفي إثنان من الـ"الفطاحل" في اللغة العربيه‪،‬‬ ‫كما كان يحلو لستاذنا أن يلقبهما مداعبا‪ .‬كنت أفغر فاهي دهشة وأنا‬ ‫أستمع الى أحدهما وهو يقرأ علينا ما كتبه في مادة "النشاء"‪.‬‬ ‫وأستاذنا ل ينفك يوسعه مدحا وثناء‪ .‬أحدهما كان يتظاهر بأنه يحفظ‬ ‫معظم "ألفية" إبن مالك‪ .‬والخر كان يحفظ اقصائد مدرسنا العصماء‬ ‫‪184‬‬


‫كلها‪ .‬ولا يفسوت فرصة دون أن يحشر بيتا منها أو أكثر في كل‬ ‫موضوع "إنشاءعربي" يطلب أستاذنا أن نكتبه‪.‬‬ ‫جلست في غرفتي أفكر‪ ،‬ماذا عساي أن أكتب؟‬ ‫كان الفصل شتاء‪ .‬وأنا أجلس إلى طاولتي اقابضا على كوب الشاي‬ ‫الذي صنعته لنفسي محاول أن أدفيء أصابعي التي لم تستطع أن‬ ‫تمسك بالقلم من شدة البرد‪ .‬وصوت الريح يتسلل الى الغرفة مزمجرار‬ ‫يتوعدني وينبؤني بغضب "الستاذ"‪ .‬وغصن الشجرة الذي يصطدم‬ ‫بزجاج نافذتي يصدر صوتا يشبه صوت عصا "الستاذ" وهي تخبط‬ ‫على أحد "بنوك" الصف تعبيرا عن غضبه وتهديداته‪ .‬وظل صوت‬ ‫الطراقات يلح على أذنري مشتتا أفكاري‪ ،‬ل أستطيع التركيز‪ ،‬بحيث‬ ‫استغراقت واقتا ليس بالقصير حتى استطعت أن أميز ذلك الصوت عن‬ ‫صوت طراقات أخرى على باب الدار الخارجي‪.‬‬ ‫لم يكن هناك أحد غيري في البيت‪ .‬فاضطررت أن أخرج من غرفتي‬ ‫لرى من الطارق؟‬ ‫كان بالباب رجل عجوز بأسمال بالية‪ ،‬يرتعد بردا‪.‬‬ ‫لم أفكر كثيرار اقبل أن أطلب منه الدخول‪ .‬ولم يطل تردد الرجل في‬ ‫ذلك كثيرا‪ .‬بل إنه لم يتردد حتى في أن يمد يده ليأخذ مني كوب الشاي‬ ‫اقبل أن أطلب منه ذلك‪ .‬وأخذ يردد دعواته لي بالتوفيق وسداد الخطى‪.‬‬ ‫كانت كلماته ولكنته تنم عن أنه غريب‪ .‬سألته‪:‬‬ ‫ من أي بلد أنت يا عم؟‬‫رد العجوز‪:‬‬ ‫ من "دير ياسين"‪.‬‬‫ إذن فأنت من تلك البلد التي‪..‬‬‫اقاطعني بصوت مرتعش‪:‬‬ ‫ نعم يا ولدي‪ ،‬أنا من تللك البلد التي‪...‬‬‫وأكمل‪ ،‬أو أكملت أنا‪ ،‬رواية الحكايه‪.‬‬ ‫وكان هذا هو موضوع النشاء الذي كتبته‪.‬‬ ‫‪185‬‬


‫نكبة عام ‪ ،48‬من خلل اقصة العجوز الهارب الناجي من مذبحة‬ ‫"دير ياسين"‪.‬‬ ‫صورت‪ ،‬ول أاقول رويت‪ ،‬كل ما سمعته من اقبل عن تلك المذبحة‪..‬‬ ‫بلسانه‪.‬‬ ‫ومازلت أذكر‪ ،‬مثل‪ ،‬وصفي للدمعة التي انحدرت من عين العجوز‪..‬‬ ‫"‪ ..‬فتوزعت في الخاديد التي حفرها الدهر في وجهه‪".‬‬ ‫بل أتذكرني واقد أخذت أتخيل "الستاذ" وهو يطلب مني أن أاقرأ‬ ‫"الموضوع" أمام طلب الصف‪ .‬وكدت أسمعه وهو يوسعني مدحا‬ ‫وثناء‪ ..‬أسوة بزملئي "الفطاحل"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫و انتهى واقت حصة النشاء‪ .‬ولم يطلب مني "الستاذ" أن أاقرأ‬ ‫موضوعي !‬ ‫لكنه كان‪ ،‬بين حين وآخر‪ ،‬يحدجني بنظرة لم أفهم معناها‪ .‬ولم يكد‬ ‫يخرج من الصف‪ ،‬حتى دخل الساعي مناديا إسمي للحضور الى‬ ‫غرفة المعلمين‪.‬‬ ‫ناولني الستاذ دفتري‪ ،‬الذي كان مفتوحا بيده‪ ،‬وطلب مني أن أاقرأ‬ ‫موضوعي أمام بقية الساتذه ففعلت‪ ،‬وأنا أشعر بالفخر والسعادة لهذا‬ ‫التكريم المتميز‪.‬‬ ‫وما كدت أنتهي من القراءة‪ ،‬حتى دوت عاصفة من التصفيق تتخللها‬ ‫عاصفة أخرى من الضحكات‪ ،‬ذات المعنى!‬ ‫اختطف الستاذ الكراسة من يدي‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬وانحدرت دمعة من عين العجوز‪ ،‬فتوزعت في الخاديد التي‬‫حفرها الدهر في وجهه!‬ ‫اقرأها وهو يتلذذ باكتشافه‪ ،‬ثم أردف سائلر مهددا‪:‬‬ ‫ وهلقيت بردك تعترف وتقول‪ ،‬من وين "نقلت" موضوعك هذا‪،‬‬‫وإ ر‬ ‫ل‪...‬‬ ‫اقالها وهو يهزعصاه في الهواء مهددرا‪.‬‬ ‫‪186‬‬


‫ألفيت نفسي متهما بجريمة لم تخطر لي على بال‪ .‬وعبثا حاولت أن‬ ‫أدافع عن نفسي‪ ،‬وأن لاقنع الستاذ "صبيح" بأن اقصة الرجل ملفقة‬ ‫من بنات أفكاري‪ .‬وأن ما دفعي إلى ذلك هو رغبتي في أن أكتب شيئا‬ ‫يختلف ويتميزعن ما يكتبه زملئي ‪"..‬الفطاحل"!‬ ‫وأما صورة الدموع التي استرعت إنتباه الستاذ وأكدت شكوكه فهي‬ ‫"صورة" كثيرا ما كنت أراها في وجه العجائز‪ ،‬ومنهن جدتي أنا‪.‬‬ ‫سرتي "إم رشدي"‪.‬‬ ‫لم يقتنع‪.‬‬ ‫وكان من الطبيعي أن يحذو معظم زملء الصف حذو أستاذهم‪.‬‬ ‫كرهت حصة "النشاء"‪ .‬وصرت أجد عزائي في حصة "الرسم"‪.‬‬ ‫لكني كنت‪ ،‬بين الحين والخر‪ ،‬أتوق إلى الرسم بالكلمات فأفعل‪.‬‬ ‫وأحتفظ لنفسي بما كتبت‪ .‬ثم أعود إلى القراءة‪.‬‬ ‫إلى أن برز "حسين"‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫صديقي "حســــــــــين"‪..‬‬

‫الشخص الثالث‪ ،‬بعد أخي"عابد" وخالتي"آمنه"‪ ،‬الذي شارك في‬ ‫مخاطبة وتنمية حاسة "التذوق"عندي‪ ،‬أدبيا أو فنيا‪ ،‬هو صديقي‬ ‫"حسين غيث"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هذا‪ ،‬بالضافة إلى تأثير سحر المكان الذي ولدت ونشأت فيه‪ ..‬دارنا‬ ‫العتيقة في القدس‪.‬‬ ‫‪187‬‬


‫باحتها )وسط الدار( المطلة على سماء القدس والتي كانت تنطق‬ ‫بالخصوصية والجمال‪.‬‬ ‫جدرانها وبلطاتها الحجرية التي تشي بالرومة والصالة العربية‬ ‫والتراث‪.‬‬ ‫لمسات "أم العابد"‪ ،‬وتطاريزها الملونة ومعلقاتها‪.‬‬ ‫تقاطيع وجهها الحلوة‪ .‬عيناها المائل لونهما إلى الخضرة بما توحيان‬ ‫به من اقدرة طاغية على العطاء‪.‬‬ ‫أزهار"أبو العابد" المتنوعة أشكالها وألوانها وعبيرها‪ .‬يتميز منها‬ ‫الياسمين والفل‪ ،‬بالنقاء والصفاء‪.‬‬ ‫صوته الرخيم مرتل آيات القرآن في الصباحات‪.‬‬ ‫صوت راديو أو فونوغراف مقهى جارنا "أبو عارف الباسطي"‬ ‫يصدح بأغاني وألحان ذلك الزمن الجميل طول النهار وفي‬ ‫المسيات‪.‬‬ ‫كلمة "هنا القاهره" التي كان راديو المقهى يعلو بها فتحدث في نفسي‬ ‫أثر السحر‪.‬‬ ‫صوت أخيي "عابد" الذي يعيدني سماع أغنياته المفضلة في أي‬ ‫زمان ومكان إلى ذلك الزمان وذلك المكان‪.‬‬ ‫صوت زاقزاقة العصافير المعششة على شجرة الفلفل العملاقة‪ ،‬أصلها‬ ‫في باحة مدرسة البنات وفروعها المطلة على وسط الدار‪.‬‬ ‫أصوات أناشيد الطفال الصباحية وفي مقدمتها نشيد "موطني"‬ ‫الجميل‪.‬‬ ‫كل هذا مع خلفية متآلفة من أصوات المؤذنين من على مختلف‬ ‫المآذن‪ ،‬وأصوات أجراس الكنائس المنداحة من أبراجها‪ ،‬متباينة‬ ‫البعد أو القرب من الدار‪ ،‬وهي تنتشر في الفضاء وتختلط ببعضها‬ ‫لتخرج منها توزيعات عبقرية‪ ،‬ما زالت تسكن تلفيف ذاكرتي‬ ‫الصوتية‪ ،‬يعجزعن إبداعها عبااقرة الموسيقيين‪.‬‬ ‫كل هذا‪ ،‬إلى جانب خالتي "آمنه" الفنانة ولوحاتها وألوانها ومرسمها‬ ‫وتلميذاتها الصبايا الجميلت‪.‬‬ ‫*‬ ‫‪188‬‬

‫*‬

‫*‬


‫ومن عجب أنني لم أدرك تلك الحقيقة إل مؤخررا‪ .‬وذلك أثناء‬ ‫استرجاعي للماضي‪ ،‬وإبحاري فيه‪ ،‬ومحاولة الغوص في أعمااقه‪.‬‬ ‫أاقصد أثناء محاولتي لما أنا أحاوله الن‪..‬الكتابة‪ ،‬والبوح‪.‬‬ ‫والعجب من ذلك أن صديقي "حسين"‪ ،‬رجل العمال فيما بعد‪ ،‬اقد‬ ‫أخذته الدهشة عندما سمع رأيي هذا‪ ،‬حينما اقابلته مؤخرا‪ ،‬بعد فراق‬ ‫دام أكثر من أربعين عاما‪.‬‬ ‫ابتدأت صدااقتنا في الصف الثالث الثانوي )‪.(50/1951‬‬ ‫في ذلك الواقت كان كل من الخوين التوأمين‪" ،‬عيسى" و"موسى"‪،‬‬ ‫اللجئين من اقرية "الجوره"‪ ،‬يتبادلن المركزين الول والثاني في‬ ‫الصف‪.‬‬ ‫وفجأة‪ ،‬وبدون مقدمات‪ ،‬وبكل هدوء‪ ،‬أصبح "حسين"‪ ،‬ذلك الطالب‬ ‫المستجد‪ ،‬منافسا لهما‪.‬‬ ‫ولم تعد اقراءة موضوع النشاء حكرار على "عيسى" وتوأمه‬ ‫"موسى"‪ .‬صار "حسين" أحد "فطاحل" اللغة العربيه في الصف‪.‬‬ ‫أذكرللـ"حسين" مواقفه يوم أن اتهمني مدرس اللغة العربية‪ ،‬ظلما ر‬ ‫وبهتانا‪ ،‬بأنني"نقلت" موضوع النشاء الخاص بنكبة عام ‪ .48‬وكأنه‬ ‫لم يستطع أن يتحمل الظلم الوااقع على أحد زملئه‪ .‬ففي ذلك اليوم‬ ‫فوجئت به يطلب مني أن أسمح له بقراءة موضوع النشاء‪ ،‬الذي كان‬ ‫مثارار لسخرية الجميع مني‪ .‬وفي اليوم التالي عرفت أنه ذهب لغرفة‬ ‫المعلمين ليؤكد لهم أنني كتبت "موضوع النشاء" المذكورأثناء‬ ‫وجوده عندي‪ ،‬في بيتنا‪.‬‬ ‫وعرفت أيضا أن الستاذ المجدلوي‪ ،‬مدرس الرسم‪ ،‬اقد اتخذ مواقفا‬ ‫إلى جانبي‪ ،‬مستشهدا بكراسة الرسم الخاصة بي‪ ،‬اقائ ر‬ ‫ل‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬إن من يمتلك تلك الخطوط التي تحتويها الكراسة‪ ،‬ل يصعب‬‫على مخيلته أن توحي له بالصورالتي وردت في موضوع‬ ‫النشاء‪.‬‬ ‫‪189‬‬


‫كان "حسين" هو صاحب فكرة الستعانة بالستاذ المجدلوي‪.‬‬ ‫وفوجئت بزملء آخرين يقفون إلى جانبي بالرغم من صمتهم في‬ ‫البدايه‪ .‬وتفسيري للمواقف هو أن أحدهم لم يتعود على المجاهرة‬ ‫بالرأي المخالف‪.‬‬ ‫كأنما اقد جاء"حسين" ليكشف النقاب عن "اقيمة" خبيئة‪ ،‬فضيلة كامنة‪،‬‬ ‫لم يكن لها من اقبل فرصة للظهور والممارسه‪.‬‬ ‫كان والده رجل مثقفا ذو رأي وجرأة جعلت الملك عبدا‪ ،‬بعد ضم‬ ‫الضفة الغربية إلى مملكته الردنية‪ ،‬يعمل على التخلص منه ومن‬ ‫أمثاله المعارضين بطردهم منها‪.‬‬ ‫ونشأت بيني وبين "حسين" صدااقة محورها القراءة‪ ،‬وتبادل الكتب‬ ‫الدبية أو الروايات‪ ،‬ومشاهدة الفلم التي كانت تعرضها سينما‬ ‫"السامر"‪ ،‬دارالسينما الوحيدة في غزة في ذلك الواقت‪ ،‬ومن ثم‬ ‫الحوار حول ما نقرأ‪ ،‬أو ما نشاهد‪ .‬وسرعان ما استرجعنا سويا‬ ‫"أيـــــــام" طه حسين و"يوميات" توفيق الحكيم و"عبرات"‬ ‫المنفلوطي و"عبقريات" العقاد و"رومانسيات" محمود تيمور‬ ‫و"أندلسيات" جورجي زيدان‪ ،‬وأعمال "نجيب محفوظ" التي طافت‬ ‫بي في حواري القاهرة اقبل أن تطأها اقدماي‪ ..‬وغيرهم‪.‬‬ ‫كأني بكل ما اقرأته اقبل ذلك لم يكن‪ ،‬كما يقولون‪ ،‬سوى نباتا شيطانيا‬ ‫لم تمتد إليه يد العناية والتشذيب والتهذيب‪.‬‬ ‫كنت‪ ،‬اقبل ذلك‪ ،‬أشعر بالوحدة والغربة بين أصداقائي الذين لم يكن لي‬ ‫دورفي اختيارهم‪ ،‬بل كان ما ربطني بهم هو الصدفة والجوار‪.‬‬ ‫كنت أرى في عيونهم إتهاما لي بـ"الفلسفة"‪ ،‬بمعناها المرفوض‪ ،‬إذا ما‬ ‫حاولت التعليق على فيلم سينمائي رأيناه سويا‪ .‬فكثيرا ما كنت أختلف‬ ‫في الرأي حول أحد الفلم التي تثير إعجابهم لدرجة الصرار على‬ ‫مشاهدته مرة ثانيه‪ .‬أوعكس ذلك‪ ،‬عندما كنت أحاول أن أتحدث عن‬ ‫اقيمة أكتشفتها في أحد الفلم التي لم تحظ باهتمامهم‪ ،‬فأفاجأ بتسخيف‬ ‫رأيي‪ ،‬أو بالعراض حتى عن سماعه بحجة أننا إنما نذهب لمشاهدة‬ ‫الفلم بهدف التسلية‪ ،‬ل للـ"وجع القلب"‪ ،‬و"الكلم الفارغ"‪..‬‬ ‫و"الفلسفه")!(‬ ‫‪190‬‬


‫وهم بذلك إنما يضيفون دليل جديدا على جهل يجعلهم يساوون بين‬ ‫"الفلسفة" و"الكلم الفارغ"‪.‬‬ ‫ثم جاء "حسين"‪ ،‬ل ليستمع إلى ملحظاتي فحسب‪ ،‬بل ليضيف إليها‬ ‫ويثريها أيضا‪.‬‬ ‫كنا نعيد اقراءة القصة أو الرواية التي أخذ عنها الفيلم السينمائي‪ ،‬ثم‬ ‫نعيد "إخراج" الفيلم سويا كما يروق لنا‪.‬‬ ‫أذكر‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬رواية "محمد عبد الحليم عبدا"‪،‬‬ ‫"لقيطه"‪ ،‬التي تحولت إلى فيلم سينمائي لم ترق لنا نهايته السعيدة‬ ‫المفتعله‪.‬‬ ‫كأني بتلك الصدااقة الجديدة اقد وجد ُ‬ ‫ت مرآة صاداقة‪ ،‬أرى فيها نفسي‬ ‫بعيوبها‪ ،‬أستمع لصوتي‪ ،‬أعرف أخطائي‪.‬‬ ‫وهل يمكن أن يرى النسان وجهه بدون مرآة؟‬ ‫أو كأنني وجدت من يشاركني العناية بحديقة اقمت بغرس مختلف‬ ‫أنواع الزهور فيها‪ ،‬مدركا أن هذه الزهور تحتاج لمن يتفقدها‬ ‫ويشذبها ويهذبها‪ ،‬ويضيف إليها‪ ،‬أو يستبعد منها النشاز الضار‪ ،‬أو‬ ‫الواقوف على أسرار الذبول أو الزدهار‪.‬‬ ‫مازلت أذكر مكتبة "خميس أبوشعبان"‪ ،‬الكائنة في البداية الشراقية‬ ‫لشارع "غزة" الشهير "شارع عمرالمختار"‪ ،‬والتي كانت تزودنا بما‬ ‫يستجد من إصدارات‪ .‬وإن أنس ل أنسى مجلة "كتابي" الشهرية‪،‬‬ ‫التي كان "حلمي مراد" يصدرها في مصر‪ ،‬والتي كانت تشكل إطللة‬ ‫على آداب العالم‪ ،‬حيث دأبت على تلخيص الروايات وتقديم ما كنا‬ ‫نتلهف لقراءته من نتاج أدباء العالم اقديمه وحديثه‪ .‬هذا بالضافة إلى‬ ‫مطبوعات "كتابي" التي كانت تقدم ترجمات كاملة لمختلف العمال‬ ‫الدبية العالمية الهامة‪.‬‬ ‫لم تخل لقاءاتنا أو منااقشاتنا من الختلف في الرأي‪ .‬بل كثيرا ما كان‬ ‫المر ينتهي إلى القطيعة لبضعة أيام‪ .‬فقد كان صديقي "حسين" ذو‬ ‫مزاج متقلب بين العبقريه‪ ..‬والسخافة تارة‪ ،‬وبين الصراحه‪..‬‬ ‫والواقاحه تارة أخرى )!(‬ ‫‪191‬‬


‫لكن سرعان ما كان أحدنا يعترف بخطأه للخر‪ .‬وتعود المياه إلى‬ ‫مجاريها‪.‬‬ ‫كان "حسين" هوالذي أخرجني من اقواقعة الصداقاء المحدودي الفق‬ ‫والطموح‪ ،‬ومن خلله توثقت علاقتي بأصداقاء جدد مثل "عيسى" و‬ ‫"نادر" و" إبراهيم" و"ماجد" وآخرين‪ .‬ودخلت إلى عالم آخر فيه من‬ ‫يكتب الشعر ومن يقرأ ومن يغني ومن يعزف على آلة العود ومن‬ ‫يهوى التصوير الفوتوجرافي أوغير ذلك من سائرالفنون‪.‬‬ ‫كان ذلك مما شجعني لدخار مبلغ يكفي لشراء آلة الكمان التي كنت‬ ‫أعشق صوتها وأداءها‪ .‬واتفقت مع صديق لشقيق "نادر" الذي كان‬ ‫يجيد العزف عليها أن يقوم بتدريبي على العزف‪ .‬إل أن أمي أكدت‬ ‫لي‪ ،‬وهي ترتعد خوفا‪ ،‬أن والدي سوف يخريرني بين دخول آلة الكمان‬ ‫إلى الدار‪ ..‬وبين بقائي أنا فيها‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ويعود إلى ذهني مواقف والدي المتطرف من الموسيقى‪ .‬ذلك عندما‬ ‫ألحقي مدرس الرسم والشغال بـ "فريق البلبل" الذي ينشد نشيد‬ ‫"موطني" في طابورالصباح‪ ،‬في المدرسة العمرية بالقدس‪ ،‬ثم‬ ‫اختارني ضمن أفراد الفراقة الموسيقية المزمع تشكيلها لتعلم العزف‬ ‫على الـ "فلوت"‪ .‬لكن والدي رفض ذلك "النحراف" في حينها‬ ‫بشدة‪ ،‬لن "التصفير" من المحرمات التي"تُيجسمع الشياطين"!‬ ‫ثم تقودني الذاكرة إلى اليام الولى من الهجرة إلى غزة عندما‬ ‫اقام"سعد ا"‪ ،‬إبن عمي أحمد‪ ،‬الذي كان من جيل أخيك "عابد"‬ ‫وتربطنا به علاقة طيبة‪ ،‬منذ أن كان طالبا في"القسم الداخلي" في‬ ‫المدرسة البراهيمية في القدس حيث كان يقضي أيام الجمعة في‬ ‫ضيافتنا فيكرم الكل وفادته‪ ،‬والذي كان يجيد العزف على آلة الفلوت‪،‬‬ ‫بإهداءك آلته القديمة‪ ،‬فاجتهدت حتى عرفت كيف أخرج منها الكثير‬ ‫من اللحان المعروفة‪ .‬كانت والدتي تحرص على أن تخفيها عن‬ ‫‪192‬‬


‫أعين والدك‪ ،‬ول تفرج عنها أو تسمح لي بالعزف عليها إل أثناء‬ ‫غيابه‪.‬‬ ‫من يصدق أن النسان‪ ،‬أي إنسان‪ ،‬يمكن أن يتطور حتى بعد أن‬ ‫يتقدم به السن؟‬ ‫فهأنا‪ ،‬في أول عودة مفاجئة إلى غزة‪ ،‬بعد أن غادرتها للتحق بكلية‬ ‫الهندسة في مصر‪ ،‬أاقترب من الباب الخارجي للبيت فأسمع عزفا‬ ‫جميل صادرا من آلة أعرفها‪ ،‬لكتشف أن العازف لم يكن سوى‪..‬‬ ‫والدي!‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫كنا‪ ،‬جميعنا‪ ،‬نعيش في ظروف إاقتصادية متواضعه‪ .‬وكانت الهوايات‬ ‫المتاحة أمامنا هي القراءة‪ ،‬ومشاهدة الفلم السينمائية‪ .‬أما الرياضة‪،‬‬ ‫فلم يستهوينا منها سوى السباحة في بحر غزه‪ .‬وهي رياضة موسميه‪.‬‬ ‫وأماغير ذلك من الرياضات أو الهوايات فكانت رفاهية ل اقبل لنا‬ ‫بها‪.‬‬ ‫في الصف الرابع الثانوي‪ ،‬وهو العام الدراسي ‪ ،52 / 51‬كنا نستعد‬ ‫لمتحان شهادة "الثقافة العامة"‪ ،‬وهي السنة التي تسبق سنة‬ ‫"التوجيهي"‪ ،‬نهاية المرحلة الثانوية‪ .‬في ذلك الواقت اكتشفنا هواية‬ ‫جديدة‪ ،‬انفردنا بممارستها‪" ،‬حسين" وأنا‪ ،‬وبعض المقربين من‬ ‫الصداقاء ممن اقمنا باختيارهم بعنايه‪.‬‬ ‫تلك كانت هواية المراسله‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪193‬‬

‫*‬


194


‫صديــــــــــــــــق أـخي‪..‬‬

‫كانت الهجرة من القدس إلى غزه‪ ،‬عام ‪ ،48‬وفقدان والدي لوظيفته‪،‬‬ ‫سببا في فقداني لرعاية أخيي "عابد"‪ ،‬الذي اضطر للسفر للبحث‬ ‫عن عمل‪ ،‬شأن غيره من شباب ذلك الجيل‪ ،‬ممن تحولوا بين عشية‬ ‫وضحاها إلى"أرباب أسر" يتحملون مسئولياتها‪.‬‬ ‫كان عليهم أن يتحملوا عبء الباء‪ ،‬الذين انطلت عليهم بشارات‬ ‫الزعامات العربية‪ ،‬والذين أكلوا الحصرم‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬وتركوا‬ ‫البناء هم الذين يضرسون )!(‬ ‫كان ذلك كله بمثابة الستارة التي أسدلت على حلمه في إتمام دراسته‬ ‫الجامعيه‪.‬‬ ‫وظلت الرسائل هي وسيلة التواصل بيني وبينه‪ .‬كانت رسائله إليي‬ ‫تقربه مني‪ .‬كنت أكتشف فيه صفات لم أكن أحسن إدراكها عندما‬ ‫كانت تجمعنا دارنا في القدس‪.‬‬ ‫وما زلت أذكر تلك الرسالة التي بثني فيها أحزانه والتي اقال لي في‬ ‫ختامها بالحرف الواحد‪:‬‬ ‫" ‪ ..‬ولكن ل بأس‪ ،‬فعزائي دائما هو أملي‪ ،‬وعهدي‪ ،‬أن أحقق لك‬ ‫كل ما تمنيته لنفسي‪".‬‬ ‫*‬ ‫‪195‬‬

‫*‬

‫*‬


‫الحقيقة أن أخي لم يأل جهدا في سبيل تحقيق ذلك العهد‪ .‬كما أنني‪،‬‬ ‫أيضا‪ ،‬بذلت ما وسعي لكي ل أخذله‪ .‬وكان حرصي على إرضائه هو‬ ‫أحد العوامل التي أثرت فيما بعد في بعض مسارات حياتي الخاصة‪.‬‬ ‫كان شديد الحرص على أن يقدم لي مفاتيحا أساسية للبحث عن المعرفة‬ ‫وامتلك ما يمكن امتلكه منها‪.‬‬ ‫في إحدى رسائله‪ ،‬بعد أن لمس تنامي عادة القراءة لدي‪ ،‬طلب مني‬ ‫التصال بصديق له‪ ،‬الستاذ "سعيد"*‪ ،‬اقائلر أنني سوف أجد فيه أخا ر‬ ‫بدي ر‬ ‫ل‪ ،‬يمدني بالنصيحة والتوجيه السليم‪ .‬ولدى زيارتي الولى لهذا‬ ‫ر‬ ‫الصديق‪ ،‬اكتشفت أن لديه منجما من الكتب في مختلف الموضوعات‪.‬‬ ‫وكانت فرصة الستعارة من هذه الكتب مشروطة بأن أعيد له الكتاب‬ ‫ومعه صفحة واحدة فقط‪ ،‬تحتوي على تلخيص لذلك الكتاب‪.‬‬ ‫فاستجبت له‪.‬‬ ‫الكتاب الول كان ‪" ..‬الوعد الحق"‪ ..‬لـ ل "طه حسين"‬ ‫الكتاب الثاني كان ‪ " ..‬تربية سلمه موسى"‬ ‫الكتاب الثالث كان ‪" ..‬الم"‪ ..‬لـ ل "مكسيم جوركي" )!(‬ ‫‪.. .. .. .. .. .. .. ..‬‬ ‫‪.. .. .. .. .. .. .. ..‬‬ ‫وجاءتني بعد ذلك رسائل أخي "عابد" التي يعلن فيهاعن سعادته‬ ‫لسماع رأي صديقه‪" ،‬سعيد"‪ ،‬فري كقارئ‪ ..‬ناشيء‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫__________________________ ________________‬ ‫)*( الرستاذ رسعيد فلفل ‪ ،‬من أعيان المثقفين في غزة ‪.‬‬

‫‪196‬‬


‫"فييــنــــــا"‪ ..‬أول مره‬

‫في أحد المرات سألني الستاذ "سعيد" عن مدى إهتمامي باللغة‬ ‫النجليزيه وتعاملي معها خارج نطاق المقررات المدرسيه‪ .‬وعندما‬ ‫لمس استعدادي للخروج من ذلك النطاق‪ ،‬فاجأني بصورة لفتاة جميلة‬ ‫خلتها لول وهلة ممثلة أجنبية في مقتبل عمرها‪.‬‬ ‫اقال أنها ابنة أحد أصداقائه من الكرتاب النمساويين‪ .‬ثم سألني‪:‬‬ ‫ ما رأيك أن تقوم بمراسلتها؟‬‫اقال ببساطه‪:‬‬ ‫ أعطيك عنوانها في "فيينا"‪ ،‬فتكتب لها رسالة باللغة النجليزية‪.‬‬‫تساءلت‪:‬‬ ‫ وماذا أاقول لها؟‬‫ تقول لها ما تراه‪ .‬فهي سوف ترحب برسالتك‪ ،‬وتكتب إليك‪ .‬فلقد‬‫طلبت مني أن أجد لها صديقا في مثل عمرها‪ ،‬في غزه‪ ،‬لتراسله‬ ‫وتعرف من خلل رسائله ما تريد أن تعرفه عن شعبنا وعن‬ ‫بلدنا‪ .‬وتستطيع أنت أن تعرف من خلل رسائلها الكثيرعن‬ ‫بلدهم وعن ثقافتهم‪" .‬فيينا" بلد جميله وعريقه‪ ..‬بلد الموسيقى‬ ‫والفنون‪.‬‬ ‫ثم أضاف ضاحكا‪:‬‬ ‫ ألم تسمع أغنية "أسمهان"‪ ..‬ليالي النس في "فيينا"؟‬‫خذ‪ ،‬هذه وراقة‪ ،‬وهذا اقلم‪ ،‬واكتب!‬ ‫وأكمل يمليني‪ ،‬باللغة النجليزية‪ ،‬ما معناه‪:‬‬ ‫" ل أدري كيف سيكون شعورك وأنت تتسلمين هذه الرسالة‪ ،‬ولكن‬ ‫الكيد أنك سوف تتذكرين صديق والدك‪ ،‬الستاذ سعيد ‪".. ..‬‬ ‫‪197‬‬


‫ثم أكمل اقائل باللغة العربيه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬فأنا طالب فلسطيني إلخ‪..‬‬‫أكلمتل الرساله على مهلك في البيت‪ .‬اقل لها أنني أعطيتك عنوانها‬ ‫وطلبت منك مراسلتها‪ .‬إحك لها عن فلسطين‪ ،‬واسألها عن بلدها‬ ‫التي عانت أيضا من الحروب والحتلل‪ .‬وإذا كنت متخوفا من‬ ‫أن تقع في أخطاء لغوية‪ ،‬أرني ما كتبت اقبل إرساله‪ .‬و تعرود أن‬ ‫ل تخجل من خطئك‪ ،‬بل أن تتعلم منه‪ .‬ول تنسى أن لغة الم‬ ‫بالنسبة لـ "أستريد" هي اللغة اللمانية‪ ،‬وسوف تكون المراسلة‬ ‫بينكما باللغة النجليزية‪ ،‬إلى جانب ماذكرت‪ ،‬وسيلة مران وتقوية‬ ‫لكليكما‪.‬‬ ‫خلل شهرواحد‪ ،‬وصلتني رسالتين من "أستريد"‪ .‬وفي الرسالة‬ ‫الثانية‪ ،‬فوجئت باعتذارها عن مواصلة مراسلتي لنها في الحقيقة‬ ‫كانت تتطلع إلى من يراسلها باللغة الفرنسية‪ ،‬لغتها الثانية بعد‬ ‫اللمانية‪ .‬فكان أن أعطيت عنوانها لصديق لنا يتقن اللغة الفرنسية‪.‬‬ ‫وكانت رسالتها تحتوي على أسماء وعناوين أربعة من صديقاتها‪،‬‬ ‫زميلت المدرسة ممن يريدن المراسلة باللغة النجليزية‪.‬‬ ‫أعطيت "حسين" أحدها‪ ،‬واحتفظت لنفسي بالثاني‪ ،‬لعجابي بإسم‬ ‫صاحبته‪"..‬ترودي"‪ ،‬التي مالبثت أن أرسلت لي صورتها فازداد‬ ‫إعجابي بها‪ .‬واتفقنا على أن نختار بعناية صديقين من زملءنا‬ ‫لينضما إلينا‪.‬‬ ‫ولم يمض شهران آخران حتى كنا نشكل ما أسميناه بـ"نادي‬ ‫المراسلة"‪ ،‬تمتد "فروعه" إلى دول أخرى كثيرة‪ .‬من بريطانيا إلى‬ ‫اليابان‪ ،‬مرورا بفنلندا والسويد وألمانيا‪ ،‬علوة على النمسا‪.‬‬ ‫وأصبح كل منا يحتفظ بعدد من صور صديقات حسناوات لم تتردد‬ ‫بعضهن في تذييل الهداء المكتوب على ظهر الصورة بكلمة‪"..‬مع‬ ‫حبي"! وهو الشيء الذي كان يرفعنا في نظر البعض من أاقراننا إلى‬ ‫مرتبة الـ"دون جوانات"‪.‬‬ ‫كانت"ترودي" جميلة بشكل مذهل‪ .‬وكانت أيضا‪ ،‬لدهشتي الشديدة‪،‬‬ ‫مثقفة جدا‪.‬‬ ‫‪198‬‬


‫كانت تحكي لي عــن "فيينـــــا" وجمالهــا‪ ،‬وعــن"سالتســبورج"‪ ،‬مدينــة‬ ‫"يوهان موتسارت"‪ ،‬الطفل المعجزة‪ ،‬وعن الموســيقى والوبــرا‪ ،‬ممــا‬ ‫جعلني أحلم بزيارتها يوما‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫لم تكن أحلمي تجرمؤ أن تتجاوز مجرد "الزيارة"‪.‬‬ ‫لكن يبدو أن القدر كان يمتلك من الجرأة ما جعله يحقق لي حلمي بعد‬ ‫ذلك‪ ،‬بل ويتجاوز ذلك بأن يمد في عمر تلك "الزيارة" حتى تجاوزت‬ ‫مدتها السنوات العشر‪ ،‬بما فيها من مفاجآت‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫وبالرغم من الفائدة العظيمة التي كنت أجنيها من زياراتي للصديق‬ ‫"الستاذ سعيد"‪ ،‬وبالرغم من تفانيه في أداء ما كلفه به أخي"عابد"‪.‬‬ ‫إل أن زياراتي له سرعان ما بدأت تتباعد شيئا فشيئا لغيرما سبب‬ ‫واضح‪ ،‬سوى عدم إرتياحي لذلك الحساس بأن هناك من يرسم لي‬ ‫الطريق الذي ينبغي أن أنتهجه‪.‬‬ ‫صحيح أن مباديء حقوق النسان وواجباته التي تنادي بها‬ ‫"الشتراكية" والتي تتلخص في مقولة "من كلل ما يستطيع‪ ،‬ولكلل ما‬ ‫يحتاج" كان من صميم أخلاقيات زرعها فري أخي بحرص شديد‪،‬‬ ‫ولاقت عندي استساغة واقبول‪.‬‬ ‫وصحيح أن حديث الستاذ "سعيد" عن "الشتراكية" كان يستهويني‬ ‫ويستحوذ علري‪.‬‬ ‫لكن أخي كان يحرص على نسبة ذلك إلى "أبي ذرالغفاري"‪ ،‬أو إلى‬ ‫"عمربن الخطاب"‪ ،‬الشخصية الحبيبة إلى نفسي‪ ،‬أو إلى شخصيات‬ ‫أخرى‪ ،‬يزخر بها تاريخنا‪ ،‬ممن وهبوا عمرهم للبحث عن سعادة‬ ‫النسان وحريته وحقواقه وأمنه ورفاهيته‪ .‬ولم أسمع أخي يتحدث بهذا‬ ‫الحماس عن "ماركس" و"لينين"‪ ،‬بالرغم من أنني كنت‪ ،‬في واقت‬ ‫مبكر‪،‬أيام القدس‪ ،‬اقد سمعت تلك السماء تتردد بين الحين والخر‬ ‫‪199‬‬


‫على لسان أخي أو أحد أصداقائه‪ .‬إل أن المر‪ ،‬كما يبدو‪ ،‬اقد اختلط‬ ‫علي في البداية بحيث كنت أعتقد أنهما مثل بقية السماء الخرى‪،‬‬ ‫"بوشكين"‪ ،‬و"جوركي"‪ ،‬و"جوجول" و"تورجنيف" وغيرهم من‬ ‫الشعراء والكرتاب "المسكوب"‪ ،‬الذين كانوا يتحدثون عن الفقراء واقهر‬ ‫الغنياء لهم‪ ،‬والذين كانت غرفة أخي الصغيرة تعج بكتبهم‬ ‫ومؤلفاتهم!‬ ‫كنت‪ ،‬في"غزة"‪ ،‬أنظرإلى اقائمة المعترفين بدولة الصهاينة‬ ‫المغتصبين‪ ،‬فأجد أن "التحادالسوفييتي" كان )بعد الوليات المتحدة‬ ‫وجواتيمال( على رأسها منذ الساعات الولى لعلن تلك الدولة‪ .‬ولم‬ ‫أكن بحاجة لسباب أخرى لكي أضعه في اقائمة أعدائنا‪ .‬ولم أكن في‬ ‫ذلك الواقت على استعداد لن أسمع التبريرات والتحليلت‪.‬‬ ‫الهم من هذا وذاك هوالسبب الذي تكلمت عنه في البداية‪ ،‬وهو‬ ‫إحساسي بأن أحدا يرسم لي طريقي بعناية فيها شيء من الخبث!‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫حكاية "كارولين"‪..‬‬

‫كثيرا ماكان صديقي"حسين"يحاول أن يحملني على تكرار محاولتي‬ ‫الولى في كتابة ما كان يصر على تسميته "اقصه اقصيرة"‪.‬‬ ‫‪200‬‬


‫بل كثيرا ما عـريرني بأنه أدلى يوما بشهادته من أجلي‪ ،‬زورا‪ ،‬وأني‬ ‫مدين له بدليل آخر يقدمه لمن عاشوا تفاصيل اقصة "موضوع‬ ‫النشاء" مع الستاذ "صبيح" مدرس اللغة العربيه‪.‬‬ ‫إلى أن اقدر لنا أن نخوض‪ ،‬حسين وأنا‪ ،‬تجربة مع سيدة أجنبية شابة‬ ‫جميلة كان له في بدايتها دورا أساسيا‪ .‬ثم شاءت الظروف أن ل‬ ‫يشاركني بقية التجربة‪.‬‬ ‫أذكرأني رويت لصديقي‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬كتابة‪ ،‬ما حدث مع تلك السيدة‬ ‫الجميله‪ ،‬محاول تحقيق غرضين من تلك المحاوله‪.‬‬ ‫الول‪ ،‬هوالوفاء بوعدي له برواية التفــاصيــل التي أرادها‪.‬‬ ‫والثاني‪ ،‬استجابة مني للحاحه علري بتكرار محاولة الكتابة القصصية‪.‬‬ ‫وهكذا اتخذت روايتي لحداث التجربة شكل القصة التي كان‬ ‫"حسين" يلح في طلبها مني‪.‬‬ ‫لم يبق لي أي أثر من القليل مما كتبته في تلك الفترة من حياتي‪.‬‬ ‫فعندما غادرت مدينة "غزة" لللتحاق بالجامعة في مصر‪ ،‬لم يكن‬ ‫يخطر ببالي أني أغادرها إلى غير رجعة‪.‬‬ ‫ثم كان أن تطورت الظروف بحيث تمخضت عن اقطع دراستي في‬ ‫كلية الهندسة بالسكندرية لهاجر إلى مدينة "جدة" بالسعودية‪.‬‬ ‫وبينما كنت في السكندرية‪ ،‬إثرعودتي من السعودية‪ ،‬أعد العدة‬ ‫للسفر إلى"فيينا"‪ ،‬داهمنا "العدوان الثلثي" ومن ثم الحتلل‬ ‫السرائيلي لقطاع غزة‪ .‬ولم يتم الجلء عنه‪ ،‬وكذلك مغادرة والد ر‬ ‫ي‬ ‫النهائية لغزة‪ ،‬إل أثناء وجودي في النمسا‪.‬‬ ‫ر‬ ‫ولم تكن أورااقي أو دفاتري من ضمن ما حمله والدي معهما من غزة‬ ‫إلى السكندرية‪ ..‬المقر الخير‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪201‬‬

‫*‬


‫ضرورة فنيــــــــــه‪..‬‬

‫من البديهي أن يختلف ما كتبته اقبل نيف وأربعين سنة عما جاء في‬ ‫الصفحات التي سوف أفرد لها مكانا آخر في هذا التدوين‪ ،‬والتي‬ ‫جعلت إسم تلك المرأة‪" ،‬كارولين"‪ ،‬عنوانا له‪.‬‬ ‫ربما‪ ،‬بل الكيد‪ ،‬أن كتابتي لتلك الواقائع‪ ،‬في حينها‪ ،‬اقد كان لها دور‬ ‫في تثبيت التفاصيل في ذاكرتي‪.‬‬ ‫وأماعن الشكل‪ ،‬فإني أكاد أجزم بأن ما كتبته في ذلك الواقت كان‬ ‫ينتمي إلى فن القصة القصيرة‪ .‬بينما سينتمي ما كتبته بعد كل هذه‬ ‫السنين إلى ما اقد يسمى بـ"السيرة الذاتيه"‪.‬‬ ‫‪202‬‬


‫أذكرأنني بدأت القصة حينئذ بقولي‪:‬‬ ‫كانت هناك حديقة غناء‪ ،‬يتوسطها بيت أنيق‪ ،‬يسكنه ‪.. .. .. .. ..‬‬ ‫وكانت "كارولين" الجميلة ‪ .. .. .. ..‬إلخ‬ ‫لم أكن بحاجة إلى الستعانة بالخيال لضفاء التشويق الذي تتطلبه‬ ‫القصة التي كنت بصدد تدوينها‪ .‬فلقد عشت مع تلك المرأة لحظات‬ ‫فااقت كل ما يمكن أن تصل إليه مداركي‪ ،‬وخيالي‪ ،‬وأحلمي‪.‬‬ ‫وعندما واجهني صديقي "حسين" بعد اقراءته لما كتبت‪ ،‬رأيت في‬ ‫عينيه ما يشبه التهام بـ "الفشر" أول‪ ،‬ثم بالخيانة‪ .‬فكيف "أستفرد"‬ ‫بهذه المرأة التي كان له الفضل بتعرفنا بها؟!‬ ‫وهكذا انتابني شعور غريب يحثني على إصلح المواقف‪ .‬ولم أتخلص‬ ‫من هذا الشعور إلعندما أضفت في نهاية المخطوطة‪ ،‬في يوم تال‪،‬‬ ‫السطورا التية‪:‬‬ ‫نعم‪ ،‬كانت هناك حديقة غناء‪ ،‬يتورسطها بيت أنيق ‪.. .. .. ..‬‬ ‫و كانت "كارولين" الجميلة ‪ .. .. .. ..‬إلخ‬ ‫ولكن ما كان بيني وبينها‪ ،‬لم يكن إل حلما من أحلم اليقظة‪ ،‬نسجه‬ ‫ـخيالي المراهق‪.‬‬ ‫واختفت نظرة التهام من عيني صديقي "حسين"‪ .‬وأخذ يشيد‬ ‫بموهبتي في التأليف القصصي‪.‬‬ ‫كأنما كنت أشعر‪ ،‬بالفطرة‪ ،‬أن هناك "ضرورة فنية" لتلك السطور‪.‬‬ ‫*‬

‫‪203‬‬

‫*‬

‫*‬


‫عام الـختيـــــــــــــــــار‬

‫سرعان ما انتهت السنة الدراسية وانفرط عقد "نادينا"‪ ،‬ليتوزع أفراده‬ ‫على شعب السنة الثانوية الخيرة الثلثة‪:‬‬ ‫"عيسى فرح" و"ماجد أبو شرار"‪..‬أدبي‬ ‫"إبراهيم شرف"‪..‬علمي‬ ‫"حسين غيث" و"نادرعفانه"‪ ..‬رياضي‬ ‫"حسن اقليلت"‪ ..‬سافر للدراسة فى أميريكا‬ ‫أما أنا فلقد أرغمت على الختيار بين "العلمي" و "الدبي"‪ ،‬لني‬ ‫حصلت على درجة متدنية في "الرياضيات"‪ .‬لعن ا مادة "الجبر"‪.‬‬ ‫ومع تعسف مدير المدرسة زاد عنادي وتصميمي على اللتحاق‬ ‫بصديقي "حسين" لقناعلة بأن شعبة "الرياضة" سوف تؤهلني‬ ‫لختيارات أكثر اقربا لما كنت أحلم بدراسته في الجامعة‪.‬‬

‫‪204‬‬


‫كيف ومتى تبخرت من رأسي أحلم دراسة الخراج السينمائي‪ ،‬وحل‬ ‫محلها صراخي بأن مدير المدرسة يحول دونك ودراسة الهندسة‬ ‫المعمارية؟‬ ‫هل كان ذلك محض تحلد لمديرالمدرسة؟‬ ‫أم أني كنت أفتقر إلى الشجاعة التي تجعلني أفصح عن مكنون‬ ‫أحلمي التي كانت في حكم أصحاب القرار تندرج تحت اقائمة‬ ‫المنكرات؟‬ ‫بعد حوالي شهرين من ترددي على "صف" شعبة العلوم الذي فرض‬ ‫علي فرضا‪ ،‬دخل الضابط المصري الصاغ "أحمد إسماعيل"‪،‬‬ ‫مديرالتعليم في اقطاع غزة‪ ،‬فجأة وفي سابقة اهتزت لها أركان الصف‬ ‫كله‪ .‬نهض الكل واقوفا‪.‬‬ ‫ جلوس!‬‫مين فيكم اللي اقاعد في شعبة العلوم غصب عنه؟‬ ‫بين وجوم الجميع‪ ،‬بما فيهم مدرس الكيمياء‪ ،‬العلم الذي لم أكن‬ ‫أستسيغه‪ ،‬واقفت‪.‬‬ ‫فال‪:‬‬ ‫ إنت غالب شعس؟‬‫ولم ينتظر إجابتي‪ .‬فقد كانت اقسماتك المتهللة تنم عن ذلك‪.‬‬ ‫للتم حاجاتك ويلل على هناك‪ ..‬شعبة الرياضه!‬ ‫‬‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كان أستاذنا "المجدلوي" وراء ذلك التحول‪ .‬وهوالذي كان يقوم‬ ‫بتدريس مادة "الرسم الهندسي" لشعبة الرياضة‪ .‬وهوالذي ظل‬ ‫يواصل حديثه عن فلسطين وعروبتها‪ ..‬ويرسم لنا خريطتها ويحثنا‬ ‫على اللمام بتفاصيلها‪.‬‬

‫‪205‬‬


‫كان أستاذنا "المجدلوي"‪ ،‬أول من حكى لناعن تفاصيل معارك‬ ‫الجيش المصري في"دير سنيد"‪ ،‬و"الفالوجا"‪ ،‬وتفاصيل حصارها‪،‬‬ ‫وعن بطولت البكباشي السيد طه‪" ،‬الضبع السود"‪ ،‬وعن شجاعة‬ ‫بكباشي آخراسمه "جمال عبد الناصر"‪.‬‬ ‫ثم جاء اليوم الذي جاء فيه أستاذنا هذا ليحدثنا عن فضائح الملك‬ ‫فاروق ونظامه الفاسد الذي تجلى في خضوعه للنجليز‪ ،‬والخيانات‬ ‫التي كان آخرها اقضية السلحة الفاسدة‪.‬‬ ‫كما حدثنا عن نبوءاته في سقوط ذلك النظام‪.‬‬ ‫وأخيرا جاءنا‪ ،‬ووجهه يتهلل بشرا وفرحا‪ ،‬ليذكرنا بنبوءته التي آن‬ ‫لها أن تتحقق عندما اقامت الثورة وأسقطت الملكية البغيضة وطردت‬ ‫الملك فاروق و‪ ..‬و‬ ‫وكان ل يفتأ يذكرنا بالبكباشي "جمال عبدالناصر"‪ ،‬ويؤكد لنا أنه‬ ‫البطل الذي يحمل بين أضلعه اقلبا ينبض بالعروبة‪ ،‬ويبشرنا بااقتراب‬ ‫موعد عودة الوعي للمة العربية‪ ،‬واستيقاظ القومية العربية من‬ ‫سباتها‪ ،‬وتحقيق الوحدة العربية‪ ،‬طريقنا إلى فلسطين العربية‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪206‬‬

‫*‬


‫أرستاذ في"كامب‪ -‬بريج"‪!..‬‬ ‫‪207‬‬


‫لن أستطيع أن أبرر فشلي في الحصول على شهادة "التوجيهية" في‬ ‫تلك السنة‪ ،‬ول أظنني أجرمؤ على مجرد المحاولة‪ .‬فالفشل هو الفشل‬ ‫مهما كانت السباب‪.‬‬ ‫عندما طال انتظارأخيي "عابد" لخبر نجاحي أرسل يقول لي‪ ،‬بدون‬ ‫عتاب ول تأنيب‪ ،‬ما معناه‪:‬‬ ‫"أن النجاح ليس كل شيء‪ ،‬إنما الرغبة في النجاح هي أهم الشياء‪.‬‬ ‫وأن الفشل مرحلة من مراحل الوصول إلى النجاح‪ ،‬لوعرفت‬ ‫واعترفت‪ ،‬بينك وبين نفسك‪ ،‬بأوجه تقصيرك‪".‬‬ ‫وطويت الصفحة‪ ،‬خجل من غروري‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫اقرر ُ‬ ‫ت أن أتقدم للمتحان مرة أخرة‪" ،‬من منازلهم"‪ .‬ويبدو أنني كنت‬ ‫أكثرجبنا‪ ،‬أو خجل‪ ،‬من المواجهه اليومية‪ ،‬طوال عام دراسي كامل‪،‬‬ ‫لساتذتي وحتى الراسبين مثلي من الزملء الذين كنت أتباهى بتفواقي‬ ‫عليهم في مختلف المواد الدراسية‪.‬‬ ‫سمعت عن وجود فرصة للعمل لحاملي شهادة "الثقافة العامة"‪ ،‬التي‬ ‫كنت أحملها بطبيعة الحال‪ ،‬وذلك للتدريس في مدارس المخيمات‬ ‫التابعة لـ"وكالةغوث وتشغيل اللجئين الفلسطينيين"‪" ..‬الونروا"‪.‬‬ ‫وجاء تعييني في مخيم‪ ،‬أو كامب "البريج"‪ ،‬جنوبي غزة‪.‬‬ ‫مديرالمدرسة يسألني عن الصفوف التي أرى أنني على استعداد للقيام‬ ‫بالتدريس لها‪ .‬فكان أن أملى علري تفكيري الساذج إلى اختيار‬ ‫الصفوف البتدائية الولى‪ ،‬ظنا مني أنها الكثر سهولة‪ ،‬ول تتطلب‬ ‫مني الستعداد والتحضير‪.‬‬ ‫كان أحد السباب لهذا الختيار أني كنت‪ ،‬كما كان يبدو للجميع‪ ،‬أبدو‬ ‫في مظهري أصغر سنا مما أنا عليه‪ .‬وكان وجودي بين تلميذ‬ ‫الصفوف العلى‪ ،‬حسب تعليق الكثيرين‪ ،‬يثيرالتعليقات التي تمس‬ ‫واقاري المصطنع كمدرس‪.‬‬ ‫‪208‬‬


‫استقبلني تلميذ الصف "الثاني البتدائي" بالترحيب اللئق‪ .‬ولم أكد‬ ‫أبدأ في الستماع إلى"تسميع" أحدهم لحدى فقرات كتاب "القراءة"‪،‬‬ ‫حتى لحظت لغطا في مؤخرة الصف‪ ،‬مما استواقفني لستطلع‬ ‫السباب‪ .‬طلبت من أحد التلميذ أن يبين لي ذلك فتلعثم وتردد في‬ ‫الجابة‪ ،‬لكن جارار له تشجع كما يبدو للدلء بما يجري من ورائي‪.‬‬ ‫وما لبث هذا المتطوع أن تردد ولزم الصمت إثر"زغدة" تهديد من‬ ‫جاره‪ ،‬مما جعلني أزداد تطلعا إلى معرفة المشكلة‪.‬‬ ‫وأخيرا‪ ..‬رفع أحد التلميذ إصبعه وبادر في الدلء مشيرا إلى أحد‬ ‫جيرانه اقبل أن أأذن له بالكلم‪:‬‬ ‫‪ ..‬أستاذ‪ ..‬أستاذ‪ ..‬ها دا بيقول عليك إنك‪"..‬ولد"!‬ ‫‬‫إلى جانب حقيقة أن تدريس الطفال تحتاج إلى خبرة يفتقر إليها حتى‬ ‫الكبارمن المدرسين‪ ،‬فقد كانت هذه التجربة كافية لن ألجأ إلى مدير‬ ‫المدرسة لكي يبحث لي عن مكان أكثر ملءمة‪ ،‬أو أاقل تعرضا‬ ‫لموااقف محرجة‪.‬‬ ‫ولم تخل اليام التالية من موااقف ومشاهد مختلفة‪ .‬منها ما يدعو إلى‬ ‫البتسام أو التأمل‪ ،‬ومنها يثيرالحزن والسى‪ ،‬ومنها ما يجعلك تقف‬ ‫معقود اللسان لفرط سخريتها المريرة‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫مشهد ‪1‬‬ ‫مجموعة من الطفال يمارسون في ساحة المدرسة لعبة‪ ،‬أوتمثيلية‪،‬‬ ‫مبتكرة‪ ،‬ومستوحاة من أحد مظاهرالحياة في مخيم اللجئين‪ .‬الجزء‬ ‫الكبر منهم يقفون في طابور متزاحم‪ ،‬بينما أحدهم ينادي بأعلى‬ ‫صوته إسما سرعان مايستجيب له أحد الوااقفين في الطابور‪ ،‬ليتقدم‬ ‫ويقف أمام الطفل الذي يلعب دور "موزع المؤن" بحيث يدور‬ ‫بينهما حوار مرتجل حول نصيب الول من الطحين أوالزيت أو‪..‬‬ ‫أو‪ ..‬الذي يتم توزيعه عادة في مقرات توزيع المؤن التابعة لـ"وكالة‬ ‫غوث اللجئين"‪ .‬وهنا نستمع إلى النوادرالتي تجري حقيقة في تلك‬ ‫الطوابيرالتي تكونت في الصل من آباء أو أمهات الطفال اللعبين‪.‬‬ ‫‪209‬‬


‫فما نراه ما هوإل إعادة لما يجري عادة في الطوابيرالحقيقية‪ ،‬حسب‬ ‫رواية الباء والمهات لبعضهم البعض‪.‬‬ ‫وهكذا يتوالى النداءعلى أسماء تتكون من السم الول‪ ،‬الغريب‬ ‫المضحك عادة‪ ،‬يليه إسم العائلة التي تنتسب إلى إحدى القرى‬ ‫الفلسطينية المهرجرة التي روعي انتقاء أسماءها ذات الرنين الخاص‪:‬‬ ‫سعسع‪ ..‬برير‪ ..‬حمامه‪ ..‬هربيا‪ ..‬عرجور‪ ..‬ناعوره‪ ..‬صويلح‪..‬‬ ‫السوافير‪ ..‬باجور‪ ..‬سمسم‪ ..‬رعناتا‪ ..‬صرفند‪ ..‬طلروزه ‪..‬إلخ‬ ‫فتتوالى النداءات على هذاالمنوال‪:‬‬ ‫ محروس علي الناعوري!‬‫ حاضر‪..‬‬‫ عبد الموجود سعسع!‬‫ أنا جاي‪..‬‬‫ سلمه الباجوري!‬‫ عبد العفو طيرلوزه!!‬‫ ‪.. ..‬‬‫وهكذا‪ ..‬إلى أن يقرع جرس انتهاء الفسحة‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫مشهد ‪2‬‬ ‫أحد الطفال يشكو زميله الذي اقام بالدعاء إلى ا دعاء يبدو مؤلما‬ ‫على اقسمات وجه الطفل الول‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬أستاذ! هادا بيقول لي – روح أل "يمسح كارتك"!‬‫ولن يستطيع أن يدرك اقسوة هذا الدعاء سوى اللجئ الذي ليس له‬ ‫مصدر لقوت يومه سوى "كارت المؤن" الذي تصدره وكالة غوث‬ ‫اللجئين‪ ،‬والمعرض لسبب أو آخر لللغاء‪ ..‬أو المسح‪.‬‬ ‫*‬ ‫مشهد ‪3‬‬ ‫‪210‬‬

‫*‬

‫*‬


‫وطفل آخر‪ ،‬كما يبدو‪ ،‬من لجئي مدينة المجدل المحتلة‪ ،‬يشكو زميله‬ ‫الذي يعايره بأنه "لجئ"‪ ،‬ويجاهر بأمنيته التي ل تقل اقسوة أو مهانة‬ ‫عن ما جاء على لسان الطفل السابق‪:‬‬ ‫‪ ..‬ياريتهم كرسموا !‬ ‫‬‫يعني ياريتهم كانوا وافقوا على "اقرار التقسيم" اللي أصدرته هيئة‬ ‫المم المتحدة عام ‪ .. 47‬بما في ذلك من السخرية المبطنة من لهجة‬ ‫أهل المجدل الذين هاجروا إلى اقطاع غزة!‬ ‫والمقصود هنا هو أنه لول رفض تطبيق اقرار التقسيم المذكور لما‬ ‫كنا رأينا وجوهكم‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫مشهد ‪4‬‬ ‫وأما أكثر حكاياتهم عمقا وسخرية فهي سؤال أحدهم‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬يا أستاذ‪ ..‬مش إنت اقلت إن مساحة فلسطين كلها هي ‪27‬ألف‬‫كيلومتر مربع بس؟‬ ‫طيب ما إحنا لو جمعنا مساحة بيارات فلن وفلن وفلن‬ ‫)أسماء زملءه من التلميذ اللجئين( الفشارين اللي كلهم بيقولوا‬ ‫إنهم كان عندهم بيارات واسعه ما لهاش حدود‪ ..‬المجموع راح‬ ‫يطلع أكثر بكثير من الـ ‪ 27‬ألف كلم مربع؟‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫وانقضى العام‪ ،‬بما فيه من مختلف الموااقف والمشاكل‪ ،‬بنجاحي في‬ ‫نيل شهادة "التوجيهية"‪ ،‬اقسم رياضة‪ ،‬مما يؤهلني لدخول كلية‬ ‫الهندسة في القاهرة‪ ،‬واستعدادي لمواجهة المرحلة الجديدة القادمة‬ ‫من عمري‪ ..‬خارج غزه‪.‬‬

‫*‬

‫*‬ ‫‪211‬‬

‫*‬


212


‫غــــــــزة ‪ ..‬غــــــــزه ‪..‬‬ ‫اندفعت بشكل مفاجيء إلى اليمين‪ .‬نظرت حولي فإذا بالسائق يتخلى‬ ‫عن عبوسه‪ ،‬ول أاقول يبتسم‪ ،‬وهو يعدل مقود السيارة بعد أن كان اقد‬ ‫اتجه بها فجأة إلى اليسار‪ ،‬وكأنه ضبطني متلبسا بإغفاءة‪ .‬اقال‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬دخلنا غزه‪ .‬حمد ل على السلمه‪ .‬اقلت لي وين نازل؟‬‫إذن‪ ،‬ها اقد عدنا إلى الوطن‪ ،‬أو إلى جزء منه‪.‬‬ ‫انتهت مرحلة الحلم بالعودة إلى الوطن‪.‬‬ ‫وبدأت مرحلة التأمل فيه‪.‬‬ ‫كرر السائق سؤاله‪:‬‬ ‫ اقلت لي وين نازل؟‬‫أجبت بااقتضاب‪:‬‬ ‫ فندق فلسطين من فضلك‪.‬‬‫اقال وهو يبتسم عن أسنان غزاوية صفراء )من آثارالدمان على أكل‬ ‫الجميزالغزاوي الشهير‪ ،‬كما كانوا يقولون دائما(‪:‬‬ ‫‪ -‬أف‪ ..‬آخرالدنيا‪ ..‬على البحر‪ ..‬ما اتفقناش على هيك‪.‬‬

‫‪213‬‬


‫تجاهلته تماما‪ .‬فلم يكن يعنيني سوى الوصول‪ ،‬لكي ألتقط أنفاسي‪،‬‬ ‫وأبدأ في رسم خطواتي لبقية اليوم‪ ،‬واليوم التالي‪.‬‬ ‫كنا اقد تجاوزنا الظهيرة بكثير‪ .‬وكانت الفرازات الحمضية لمعدتي‬ ‫الخاوية اقد بدأ ت تفري جدارها ألما‪.‬‬ ‫استرعت نظرات السائق المتطلعة المتحفزة‪ ،‬بينما كنت أنقده السبعين‬ ‫دولرا‪ ،‬إنتباه حاجب الفندق الذي حمل حقيبتي‪ .‬سألني الحاجب عن‬ ‫الجرالذي اتفقت عليه مع السائق‪ .‬نفخ في الهواء مستكثرا‪ .‬اقال‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ا ل يتيكـ يتسُبه!‬‫اعتذر لي موظف الستقبال عن عدم وجود أماكن في الفندق‪ .‬ولكنه‬ ‫بعد أن اقلب صفحات السجل أمامه اقال أنه بإمكاني اقضاء ليلة واحدة‬ ‫فقط‪ ،‬على أن أتدبرالمر لليام المقبلة في فندق آخر‪ .‬لم يفتني أدامؤه‬ ‫السيء للتمثيلية المعروفة لكثرة ما تكرر ترددنا على الفنادق في‬ ‫السنوات العشرين الماضية‪ .‬ولكنني خضعت بإرادتي لمناورته‪ .‬فلم‬ ‫أكن أنوي البقاء في هذا الفندق لكثر من ليلة واحدة‪ ،‬وذلك لعلمي‬ ‫بارتفاع أسعاره‪.‬‬ ‫اقلت أننا تعودنا النزول في الفنادق‪ .‬كان ذلك في بلدان الغربة‬ ‫المتعددة‪ ،‬على مدى سنوات الشتات‪ .‬أما في بلدنا‪ ،‬فكان ذلك أحد‬ ‫الحالت التي تثيرالتعجب والستنكار‪.‬‬ ‫ففي كل بيت من بيوتنا‪ ،‬في أي بلد من بلدان وطننا‪ ،‬كانت هناك‬ ‫غرفة مقفول بابها تسمى "أوضة الضيوف"‪ ،‬يحل بها الاقارب‬ ‫والمقربون‪ .‬أما الفنادق‪ ،‬فهي بدعة لم أسمع عنها ول عن النجوم التي‬ ‫تحدد مستوياتها وأسعارها‪ .‬لم أسمع أبدار عن فندق كان في "غزة"‬ ‫عند هجرتنا إليها‪ .‬كما لم يعرف أاقربامؤنا‪ ،‬عندما كانوا يزورون‬ ‫"القدس"‪ ،‬لسبب ديني أوعلجي أو غير ذلك‪ ،‬نُُزل غير ذلك المنزل‬ ‫الكائن في حوش "آل خرمنده"‪ ..‬دار "أبو العابد"‪.‬‬ ‫كدت أن أعود لشغل نفسي بالبحث عن إجابة السؤال الذي كثيرا ما‬ ‫حيرني‪ .‬أتساءل عما جناه أبي من اقراره بترك بيتنا في "القدس" إلى‬ ‫‪214‬‬


‫"غزة" التي لم نكن نمتلك فيها حجرا‪ ،‬فيضطرأخي‪ ،‬الشاب في‬ ‫حينها‪ ،‬والذي تناسى أحلمه‪ ،‬أن يهاجر أكثر من مرة‪ ،‬للعمل في بلد‬ ‫آخر لكي نستطيع أن ندفع إيجارالبيت الخر‪ .‬أي عبث هذا!‬ ‫لكن القضية الهم بالنسبة لي الن ظلت هي إسكات آلم معدتي‬ ‫الخاوية‪ .‬ومن ثم النفراد في غرفتي مع جهاز التليفون لترتيب‬ ‫برنامج الغد‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫في الصباح الباكر من اليوم التالي جاءتني "نهيل"‪ ،‬التي كانت‬ ‫بانتظار مكالمة مني فور وصولي‪ ،‬لتقوم بدورالدليل حسب توصيات‬ ‫اقريبها الكائن في القاهرة‪ ،‬صديقي زين العابدين الحسيني‪ .‬اعتذرت‬ ‫لي عن عدم استطاعتها التصال بـ"أبي الصادق"‪ ،‬شقيق"زين"‬ ‫وصديقي الحميم أيضا‪ .‬أودعتني في وزارة الثقافة ثم ذهبت إلى مقر‬ ‫عملها على أن نعاود التصال تليفونيا‪.‬‬ ‫المقرمتواضع‪ .‬مكتظ بالموظفين‪ .‬وجوه غريبة عني‪ .‬سألت عن‬ ‫"المدير العام"‪ .‬اقيل لي أنه كان على سفر‪ ،‬وينتظرأن يحضر في الغد‪.‬‬ ‫لم يعد أمامي سوى مغادرة المكان‪ ،‬والعودة في الغد‪ ،‬أمل في‬ ‫حضور "أحمد دحبور"‪.‬‬ ‫اتصلت تلفونيا بالصديق "يحيى يخلف"‪ ،‬وكيل الوزارة في"رام ا"‪.‬‬ ‫كان اقد أبدى استعداده‪ ،‬اقبل ذلك ببضعة أسابيع‪ ،‬للحضور إلى"غزه"‬ ‫بمجرد وصولي إليها ليأخذني معه إلى "رام ا"‪ ،‬مقرعملي‬ ‫المفروض‪ .‬فهو‪ ،‬كما اقال لي في القاهرة يتمتع ببطااقة الـ "‪،"..V.I.P‬‬ ‫التي تمكنه من ذلك‪ .‬لكن سكرتيرته اقالت لي بأنه غير موجود‪،‬‬ ‫فتركت له رسالة تفيد بوصولي إلى "غزة"‪ ،‬وانتظاري له حسب‬ ‫إتفااقنا‪.‬‬ ‫واقبل أن يجول في خاطري السؤال عن المكان الذي سأاقصده في تلك‬ ‫اللحظة‪ ،‬لمحت وجها أعرف صاحبه منذ سنوات المنفى الولى في‬ ‫بيروت‪ ،‬منذ حوالي عشرين سنة‪ .‬أاقبل صاحب ذلك الوجه يرحب بي‬ ‫بحرارة وهو يرجوأن ل يكون اقد أخطأ الحدس‪ .‬كلنا خضع‬ ‫لمؤثرات السنوات العشرين‪ ،‬وما فعله بنا المشيب‪.‬‬ ‫‪215‬‬


‫المخرج المسرحي الفلسطيني "الشاب" الواعد‪" ،‬خليل طافش"‪،‬‬ ‫الذي اختار‪ ،‬مضطرا‪ ،‬الهجرة والعمل في "موريتانيا"‪ ،‬والذي‬ ‫استطاع أخيرا أن يتمتع بلقب "العائد"‪ .‬وهو لقب ما زلت أسعى‬ ‫للوصول إليه بالحصول على ما يسمى بالراقم الوطني‪ ،‬وهو"راقم‬ ‫الكومبيوتر" الذي تصدره سلطات الحتلل السرائيلي للعائدين‪.‬‬ ‫ذلك بموجب إتفااقية "أوسلو" المجيده‪.‬‬ ‫ما كاد "خليل" يقدمني للخرين حتى علت أصوات زحزحة الكراسي‬ ‫مع عبارات الترحيب‪ ،‬بما يليق باللقاب التي خلعهاعلي‪ .‬وابتدأت‪،‬‬ ‫ولول مرة‪ ،‬أشعربذلك الحساس الذي طالما حاولت أن أتلمس‬ ‫معالمه أو تفاصيله‪ ،‬إحساس العودة إلى الوطن‪ .‬تماما كما حاولنا كلنا‪،‬‬ ‫في يوم ما‪ ،‬أن نتلمس معالم وتفاصيل حلوة "الرجوع إليه"‪ ،‬بعد ما‬ ‫تراءى لنا في أحلمنا‪ ،‬وانتظرناه طويل‪ ،‬وذبنا شواقا إلى لقـياه‪..‬‬ ‫الحبيب‪.‬‬ ‫وما هي إل ثوان حتى وجدت نفسي بين ذراعي د‪.‬محمد الديب ذلك‬ ‫الحالم الذي تخصص في دراسة التاريخ والثار‪ ،‬والذي كان يحكي‬ ‫لي منذ عشرين عام في بيروت‪ ،‬ومن بعدها تونس‪ ،‬عن متحف الثار‬ ‫الذي سوف تقيمه "دولتنا" في غزه فورعودتنا‪ .‬كانت ملمحه تتدفق‬ ‫بمعان تعجزعن صياغتها الكلمات ولكنها تتلخص في جملة واحدة‬ ‫أخذ يرددها‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ها اقد عدنا‪ ..‬ها اقد عدنا!‬‫بوادرالحساس بنشوة العودة إلى الوطن تتسلل إلى كياني لتواقظ مالم‬ ‫تستطع أن تواقظة لحظة عبوري "الحدود الدولية"‪ .‬أيقنت لحظتها أن‬ ‫الوطن لم ولن يكون وحده هوالديار فحسب ولكنه بكل تأكيد‪ ،‬كما ردد‬ ‫الشاعر العربي ‪"..‬من سكن الديار" أيضا‪.‬‬ ‫دفء غريب ممتع يتدفق إلى كياني‪ .‬ما أكثر ما يشبه ذلك الدفء‬ ‫الذي غمرني عندما تلمست أيدينا للمرة الولى‪ ،‬أنا وهي‪ ،‬حبي‬ ‫الول‪ ،‬أو وهمي الول‪ ،‬بعد غياب طال‪.‬‬ ‫ها هوالوطن يلوح لي في عيون المتحلقين حولي‪ .‬بعضهم توحي‬ ‫نظراته بأنه يعرفني إسما‪ ،‬ولم يستطع أو يحاول إخفاء غبطته بلقائي‪.‬‬ ‫‪216‬‬


‫والبعض الخر اقد سمع إسمي يتردد في الفترة الخيرة من كثرة‬ ‫إتصالتي الهاتفية للستفسارعن مصير "راقمي الوطني" الذي ضل‬ ‫طريقه إلي‪.‬‬ ‫شربنا "شايا" سرعان ما أعقبه "اقهوة"‪ .‬ولم يتحرج بعضهم من‬ ‫سؤالي مرة أخرى عن ما أفضل شربه بعد ذلك‪ ،‬شايا أم اقهوة؟‬ ‫كنت اقد أاقلعت عن التدخين‪ ،‬منذ اقرابة العام‪ ،‬لسباب صحية وأخرى‬ ‫مالية‪ .‬لكن اليدي الكثيرة التي امتدت لي بمختلف أنواع السجائر‬ ‫واللحاح الصادق مع الشاي والقهوة والجو المعبأ‪ ،‬والحديث ذو‬ ‫الشجون‪ ،‬كل ذلك جعلني أتنازل عن إصراري على العتذار‪.‬‬ ‫ثم‪ ..‬أخذ الجمع ينفض من حولي‪ ،‬تدريجيا‪ .‬لقد أزف واقت‬ ‫النصراف‪.‬‬ ‫وطال بنا الحديث‪ ،‬خليل وأنا‪ ،‬عن أهم ما فاتني معرفته عنه‪ ،‬وما‬ ‫فاته معرفته عني‪ .‬ثم انتقلنا للحديث عن الصداقاء المشتركين‪.‬‬ ‫منهم من أصبح في عداد الموات‪ ،‬ومنهم من بات في عداد‬ ‫"العائدين"‪ ،‬ومنهم من ينتظر‪.‬‬ ‫لم أكد أسأله عن "ح‪.‬أ"‪ ،‬زميله في دراسة المسرح‪ ،‬حتى امتدت يده‬ ‫إلى الهاتف‪.‬‬ ‫تناولت السماعة التي انهالت منها عبارات الترحيب‪ .‬سألت "ح‪.‬أ‪".‬‬ ‫عن بقية الزملء‪ ،‬من رفاق بيروت والشام‪ ،‬فوعد باصطحاب من‬ ‫يتمكن من الوصول إليهم‪ ،‬والحضور معهم لملاقاتي في مقرالوزارة‪.‬‬ ‫وكان ل بد من الوصول إلى الحديث عن العمل‪.‬‬ ‫لكن زفرة ألم طويلة‪ ،‬تسربت من أعماق صديقي المخرج المسرحي‪،‬‬ ‫كادت أن تكون هي نهاية الحديث الذي لم يبدأ بعد‪ .‬أشعل لنفسه‬ ‫سيجارة‪ ،‬ثم مد لي يده بسيجارة بعد أن تذكرأنني اقد "أاقلعت"‬ ‫تدريجيا عن العتذار‪ .‬اقال‪:‬‬ ‫‪ -‬ليس هناك ميزانية للنتاج‪.‬‬

‫‪217‬‬


‫فعل‪ ،‬كنت اقد اقرأت تصريحا لوزيرالثقافة يدلي فيه أن إنتاج الثقافة‬ ‫ليس من مهام وزارته‪ .‬حسبت في حينها أن هناك‪ ،‬بل شك‪ ،‬خطأ‬ ‫مطبعيا‪ .‬لكن صديقي "خليل" أكد لي المعلومة‪ ،‬وحدثني بأنه اقام‬ ‫بالعداد لمسرحية مع مجموعة من الهواة‪ ،‬الذين يعملون بدون‬ ‫مقابل‪ .‬وتواقف العمل لعدم توفر ما يغطي تكاليف الملبس والمواد‬ ‫الخام اللزمة لبناء الديكور‪ ،‬الذي اقام بتصميمه متطوعا الفنان‬ ‫التشكيلي "إبراهيم المزسين"‪ ،‬أحد الزملء العائدين‪ ،‬في دائرة الفنون‬ ‫التشكيلية في الوزارة‪.‬‬ ‫كنا‪ ،‬في الماضي‪ ،‬نشكو من عدم وجود المؤسسة المتخصصة التي‬ ‫ترعى الفنون وتدعم المبدعين‪ ،‬اقال صديقي‪ ،‬وكانوا يقولون لنا أن‬ ‫المقاتل بحاجة إلى الرصاصة أكثر من حاجتنا إلى المسرحية أوالفيلم‬ ‫السينمائي‪ .‬أما الن فالتصريحات الرسمية مصوبة فوهاتها نحو‬ ‫هدف ل تملك إل أن تحني له رأسك‪.‬‬ ‫ويحرص معظم المتحدثين أشد الحرص على استعمال الكلمة‬ ‫الجنبية‪" ،‬إنفرا ستراكتشر"‪ ،‬ثم يتفضلون عليك بالترجمة العربيه‪..‬‬ ‫"البنية التحتيه"‪.‬‬ ‫أضاف صديقي بحراقة‪:‬‬ ‫ أفنينا عمرنا ونحن نعتقد أن مهام "الفنون" ما هي إل العمل على‬‫إنشاء وتكوين وتقوية البنية التحتية للنسان‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كنت على وشك أن أدلي برأيي‪ ،‬ولكني رأيت أن أتمهل‪.‬‬ ‫فما زلت في يومي الول‪.‬‬ ‫وحضر "ح‪.‬أ‪ ،" .‬المخرج المسرحي الخر‪ ،‬بدون أن يتمكن من‬ ‫الوصول إلى أي من الرفاق الذين سألت عنهم‪.‬‬ ‫اقبل عدة سنوات تقابلنا في القاهرة‪ .‬سألته عن مشاريعه المسرحية‪.‬‬ ‫اقال اقي حينها أنه يبحث عن "نص" جيد‪.‬‬ ‫وعرفت أنه ما زال يبحث عنه حتى الن‪.‬‬ ‫‪218‬‬


‫الفراش الشاب‪ ،‬بوجهه الباسم دوما‪ ،‬ليتساءل مرة‬ ‫ويأتي "أكرم"‪ ،‬ر‬ ‫أخرى‪ ،‬شايا أم اقهوة؟‬ ‫ويتخذ الحديث مجرى آخر‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪219‬‬

‫*‬


‫"التلفزيون الفلسطيني"‬

‫من أهم الماكن التي كنت أخطط لزيارتها هي تلك المؤسسة‬ ‫الفلسطينية التي شارك ُ‬ ‫ت‪ ،‬في أحلمي‪ ،‬في تأسيسها بحكم خبرتي‬ ‫بالعمل التلفزيوني‪ .‬فلقد عملت اقبل ظهور "التلفزيون الفلسطيني"‬ ‫بحوالي عشرسنوات على مشروع إصدار"مجلة"‪ ،‬سمعية بصرية‪،‬‬ ‫أسميتها "ميرمرية"‪ ،‬تصدرعلى شكل شريط مغناطيسي‪ ،‬مدته‬ ‫‪220‬‬


‫ساعتان‪ ،‬يبدأ بالسلم الوطني الفلسطيني )نشيد موطني( العتيد‪ ،‬ومن‬ ‫ثم تظهرالمذيعة بثوبها الفلسطيني التقليدي لتقدم‪ ،‬من القدس‪ ،‬فقرات‬ ‫"الرسال التلفزيوني" التي تتكون من مختلف الموضوعات الثقافية‬ ‫والفنية والجتماعية والفكرية والتاريخية والجغرافية والسياسية‪..‬إلخ‬ ‫كل ذلك‪ ،‬سوف يجري بإشراف "هيئة تحرير"‪ ،‬تتألف لتكون نواة‬ ‫للتلفزين الفلسطيني المرتقب‪.‬‬ ‫وربما يأتي الواقت المناسب لعرض الفكرة بتفصيل لئق‪.‬‬ ‫أما سبب تعرضي لذلك الموضوع فهو الزيارة التي أتاحها لي‬ ‫صديقي العلمي"أ‪ .‬سعيد" في اليوم الثالث من أيام زيارتي المؤاقتة‬ ‫لمدينة غزة‪ ،‬وبالتحديد يوم الخميس ‪ ،27/4/95‬والتي لحظت خللها‬ ‫أن "التلفزيون الفلسطيني"‪ ،‬الجهازالعلمي الرسمي‪ ،‬اقد اتخذ لنفسه‬ ‫شعارا‪ ،‬يظهر دوما في الركن العلوي اليسر من الشاشة هو صورة‬ ‫"مسجد اقبة الصخرة"‪.‬‬ ‫وعندما تساءلت عن مصدر هذا الختيار لم أجد أي إجابة‪ .‬وكان أن‬ ‫بلغ تسامؤلي هذا إلى المدير العام لذلك الجهاز العلمي الخطير‪،‬‬ ‫الذي تساءل بدوره عن شخصية المتساءل‪ .‬فلما كان أن أجابه الزميل‬ ‫"أ‪ .‬سعيد"‪ ،‬رد عليه المدير العام بالحرف الواحد وباستنكار‪:‬‬ ‫"شو اللي جاب غالب شعث هنا"؟!‬ ‫وعندما سألت عن إسم المدير العام‪ ،‬عرفت أنه كان يعمل مساعدا فنيا‬ ‫في تلفزيون"عرمان"‪ ،‬عام ‪ ،74‬في الواقت الذي كنت فيه أاقوم بإخراج‬ ‫مسلسل "راس العين" هناك‪.‬‬ ‫ما علينا!‬ ‫المهم أنني لم أكف عن محاولة معرفة المسئول عن هذا الختيار‬ ‫الخاطيء‪ ،‬خطأ فاحشا‪ .‬وعبثا حاولت‪.‬‬ ‫ربما كانت أصولي المقدسية هي المحرك لهذا التسامؤل الذي ل يخلو‬ ‫من استنكار‪ .‬ذلك لنني كنت أرى أن صورة "المسجد الاقصى" هي‬ ‫الشعارالصح‪ ،‬إن كان ل بد من هذا المسلك‪.‬‬

‫‪221‬‬


‫ويعود استنكاري هذا إلى ملحظة استرعت اهتمامي منذ زمن طويل‪.‬‬ ‫وهي ذلك الخلط الذي يقع فيه الكثيرين من غيرالفلسطينيين‪ ،‬عربا‬ ‫ومسلمين‪.‬‬ ‫ر‬ ‫ترى‪ ..‬مالذي سيحدث عندما يتكرس هذا الخلط‪ ،‬المتعمد‪ ،‬المضلل‪،‬‬ ‫ويصبح "مسجد اقبة الصخرة" في أذهان ونظر سائر العرب‬ ‫والمسلمين‪ ،‬وغيرهم من أمم العالم‪ ،‬هو المسجد الاقصى‪" ،‬الذي‬ ‫باركنا حوله "‪ ،‬و"أولى القبلتين"‪ ،‬و"ثالث الحرمين الشريفين"؟‬ ‫ما هي ردود الفعل العربية والسلمية والعالمية‪ ،‬عندما ينجم عن‬ ‫الحفائرالتي تجري منذ سنوات تحت مبنى"المسجد الاقصى" الحقيقي‪،‬‬ ‫بشكل متعمد‪ ،‬تصدعات سوف تؤدي حتما إلى انهياره؟‬ ‫وكيف ستكون ردود الفعال العربية والسلمية والعالمية عندما‬ ‫تبادر دولة الحتلل السرائيلي في تحقيق الحلم الزلي بإعادة بناء‬ ‫"الهيكل" في ذلك المواقع بالذات‪ ،‬على أنقاض "مسجد الاقصى"‬ ‫الحقيقي؟‬ ‫وحتى لو تمخض المرعن ماتعودنا عليه من الندب والشجب والدإنة‬ ‫والستنكارات الشديدة اللهجة من اقبل الدول العربية والسلمية‪،‬‬ ‫فهناك رد جاهز في ظاهره شيء من المنطق‪ ،‬وفي باطنه الكثير من‬ ‫المراوغة والكذب والغطرسة والصلف المعروف عن"دولة إسرلئيل‬ ‫اليهودية" يقول‪:‬‬ ‫إن من حق"الدولة اليهودية" أن يكون لها رمزها الديني المتمثل‬ ‫في "الهيكل"‪ ،‬تماما مثل حق المسلمين في أن يكون لهم رمزهم‬ ‫الديني المتمثل في "مسجدهم القصى"‪ ،‬الذي يراه العالم ما زال‬ ‫قائما لم يمسسه ضر‪.‬‬ ‫ولعجب‪ ،‬فلقد دأبت أجهزة العلم العربية والسلمية‪ ،‬خطأ‪،‬ر‬ ‫وبدون أي حرج‪ ،‬على إبراز صورة "مسجد قبة الصخرة" كلما جاء‬ ‫ذكر "مسجد القصى"‪.‬‬ ‫هذا الخلط الذي تحدثت عنه ل يمكن أن يولد مصادفة‪.‬‬

‫‪222‬‬


‫وها هي‪،‬على سبيل المثال‪ ،‬محطة فضائية فلسطينية جديدة تبدأ بثها‬ ‫باسم "الاقصى" اقد اتخذت صورة "مسجد الصخرة" شعارا لها!‬

‫*‬

‫*‬

‫‪223‬‬

‫*‬


‫عدداك العيب!‬ ‫زيارة "اقطاع غزه"‪ ،‬كانت بموجب تصريح "مؤاقت"‪ ،‬حصلت‬ ‫عليه بشق النفس‪ ،‬لمدة محدودة‪ ..‬ثلثة شهور‪ .‬كان المفروض أن‬ ‫أاقوم خللها بإتمام الجراءات الرسمية المتعلقة بـ"العودة" النهائية‬ ‫إلى الوطن‪.‬‬ ‫لم أتمكن من البقاء أكثر من أسبوعين‪ .‬لزمني فيهما شعور كدت‬ ‫تحت وطأته أن أاقتنع بأن ما أنا مقبل عليه إنما هو "هجرة" أخرى‬ ‫تضاف إلى هجراتي السابقة‪.‬‬ ‫أبلغني السيد مديرعام وزارة الثقافة‪ ،‬أن إاقامتي في الفندق سوف‬ ‫تكون على نفقتي الخاصة‪.‬‬ ‫و اقد تطول المدة أو تقصر‪.‬‬ ‫كذلك اقرار تعييني في الوزارة‪ ،‬المتعلق تنفيذه بصدور "راقم‬ ‫الكومبيوتر" الخاص بي‪ ،‬وما سوف يترتب على ذلك من استئناف‬ ‫لصرف رواتبي التي انقطعت منذ اقيام "السلطة"‪ ،‬اقد تطول مدة‬ ‫انتظاره أوتقصر‪.‬‬ ‫كل ذلك سيظل خاضعا لقانون الحتمالت‪.‬‬ ‫أتساءل‪ ..‬ما حاجتي لقرار تعيين‪ ،‬والمفروض أني من ضمن‬ ‫العائدين؟ ألم أكن من ضمن كوادر دائرة الثقافة بمنظمة التحرير‪،‬‬ ‫في بيروت‪ ،‬ثم في تونس؟!‬ ‫الجابة مبهمة‪.‬‬

‫*‬ ‫‪224‬‬

‫*‬

‫*‬


‫وحتى يوم الثنين ‪ ،8/5/95‬لم يكن مديرعام الوزارة اقد جاءني بأي‬ ‫نبأ‪ ،‬أو أي معلومة عن مصيري‪ ..‬عملي‪ ..‬وظيفتي‪ ..‬مرتباتي‪ .‬ول‬ ‫تمكن وكيل الوزارة‪ ،‬الصديق الديب "يحيى يخلف"‪ ،‬من الحضور‬ ‫لمرافقتي إياه لزيارة "رام ا"‪ ،‬مقرعملي‪ ،‬كما وعدني‪.‬‬ ‫و بحساب داقيق‪ ،‬تبين أنه لم يبق في حوزتي من "شوااقل" سوى اقيمة‬ ‫فاتورة الفندق‪ ،‬علوة على أجرة السفر للعودة إلى القاهرة‪.‬‬ ‫اقال لي المديرالعام‪ ،‬الصديق الشاعر "أحمد دحبور"‪ ،‬عندما علم‬ ‫بقراري‪:‬‬ ‫ لم هذا الستعجال بالسفر؟‬‫ لو انتظرت إلى ما بعد الغد‪ ،‬فسوف أضطر إلى أن أمد يدي إليك‬‫طالبا المعونة‪.‬‬ ‫اقال‪ ،‬ل فضر فوه‪ ،‬متأثرا‪:‬‬ ‫ عرداك العيب!‬‫وفي اليوم التالي كنت في طريقي إلى القاهرة‪ ،‬وكلي أمل أن يتنااقص‬ ‫ذلك الحساس بالقهر والمرارة كلما ابتعدت عن "أرض الوطن"‪.‬‬ ‫فالوطن شأنه شأن الحبيب‪ ،‬ينسيك البعد عنه سوءاته‪.‬‬ ‫وكأنما اقد خلق ا لنا العقل لنمتلك القدرة على النسيان‪.‬‬ ‫ما عاد ثمة ما يقال‪.‬‬ ‫هل يليق أن أعترف بأن "موتي"‪ ،‬في الكابوس الذي تراءى لي‪،‬‬ ‫بينما كنت في بداية طريق عودتي إلى أرض الوطن‪ ،‬كان أكثر‬ ‫سكينة‪ ،‬إن لم يكن أكثر بهجة وطرافة‪ ،‬من اليام القليلة التي "عشتها"‬ ‫في الحقيقة‪ ..‬في غزة؟‬ ‫هل أعتبر أن زيارتي "المؤاقتة" تلك لم تكن سوى أضغاث أحلم؟‬ ‫هل أاقوم بإلغائها من ذاكرتي‪ ،‬وأعود لنتظارالتصريح لي بـ "عودة‬ ‫نهائية"؟‬ ‫أم هل يتعين علي أن أعيد الكبره‪ ،‬وأعاود الهجرة إلى بلد ما‪ ،‬لكي‬ ‫أعمل وأدخرمن المال ما يكفي لتغطية مصاريف إاقامتي في الفندق‪،‬‬ ‫ليام أخرى معدودات‪ ..‬في وطني؟‬ ‫‪225‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫مقدمة لما قد فات‪..‬‬

‫يبدو‪ ،‬بل الكيد‪ ،‬أن الكتابة عن الحنين إلى الوطن‪ ،‬أوعن الحلم‬ ‫بالعودة إليه‪ ،‬أهيون بكثير من مهمة الكتابة عن تجربة العودة إلى‬ ‫"الوطن" كحقيقة‪ .‬فمن السهولة أن "تتصور" نفسك وأنت ترى حلمك‬ ‫بالعودة يتحقق‪ ،‬وأن "تتخيل" لحظة أن تطأ اقدماك الرض‪ ،‬التي‬ ‫حرمت منها طوال سنوات تقارب الخمسين‪ .‬لحظةر تلخور فيها ساجدا‬ ‫لتقبل تراب الوطن‪ ،‬كما صورها لك بعضهم‪ .‬أو لحظة تفقد فيها‬ ‫إحساسك بالحرج من أن يراك أحدهم بينما أنت تعجزعن السيطرة‬ ‫على دموعك التي تنهمر من عينيك‪ ..‬إلخ‬ ‫أما الحديث عن الهبوط في أرض الوطن‪ ،‬أو تلك النتفة منه‪ ،‬كوااقع‪،‬‬ ‫فهو تحد يشبه محاولة الغوص في بحر اللغة ذاتها‪ ،‬أو تلك المنطقة‬ ‫الهوجاء منه‪ ،‬حيث تكون اللغة في نفس الواقت شديدة الغنى‪ ،‬وشديدة‬ ‫الفقر‪ .‬سخية مفرطة في معانيها‪ ،‬وشحيحة ل تسمن ول تغني من‬ ‫جوع للبوح‪.‬‬ ‫شتان شتان بين طراوة الحلم وطواعيته‪ ،‬وبين اقساوة الحقيقة‬ ‫وعصيانها‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫كنت أرى دائما أن الفضل أن نلتقط النفاس و نمعن التفكير اقبل‬ ‫اتخاذ المواقف أو إبداء الرأي‪ .‬فليس هناك ما هو أاقسى على النسان‬ ‫من أن يقع فريسة لحكم جائر متسرع‪ .‬ول يليق بإنسان ذاق مرارة‬ ‫الواقوع فريسة للحكام الجائرة المتسرعة أن يطلقها على الموااقف‬ ‫والناس‪.‬‬ ‫‪226‬‬


‫يبدو‪ ،‬أيضا‪ ،‬بل الكيد‪ ،‬أنه اقد أعيتني الحيل في إدراك كنه هذا‬ ‫التردد الذي يعتريني كلما واتتني الشجاعة لن أحاول الاقتراب من‬ ‫تلك المنطقة من الذاكره‪.‬‬ ‫لعلها تلك العلاقة الحرجة ما بين الكلمات وبين وااقعنا‪ .‬تلك العلاقة‬ ‫المستحيلة بين الكلمة الحرة والحقيقة المرة‪ ،‬هي التي تجعل الهروب‬ ‫إلى الماضي البعيد‪ ،‬ولو مؤاقتا‪ ،‬أهون بكثيرمن الاقتراب من‬ ‫الحاضر‪ ،‬أوالماضي القريب‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هاجرت من القدس إلى غزه‪ .‬وهاجرت إلى السعودية‪ .‬وعندما‬ ‫أتممت دراستي في"النمسا"‪ ،‬في أواخرعام ‪ ،67‬كان ل بد من‬ ‫مواصلة الهجرة‪ ،‬فاخترتها إلى مصر‪.‬‬ ‫كنت في حينها أنعم بخيارات الهجرة‪.‬‬ ‫كنت في حينها ما زلت شابا‪.‬‬ ‫ثم اقرر ي‬ ‫ت الهجرة إلى لبنان‪ ،‬وتعمدت أن تظل بطااقة الزيارة الخاصة‬ ‫بي‪ ،‬والتي تحتم علي طبيعة عملي حملها‪ ،‬بل عنوان‪ ،‬تفامؤل مني‪،‬‬ ‫ويقينا أن بيروت هي مجرد محطتي الخيرة اقبل القدس‪..‬عنواني‪.‬‬ ‫ثم كانت تونس‪ .‬وكانت مصر مرة أخرى‪.‬‬ ‫ثم‪ ،‬جاء الزمن الذي كاد فيه الحديث أن يصير حديثا عن هجرة‬ ‫أخرى‪:‬‬ ‫"هجرة‪ ..‬إلى الوطن!‬

‫*‬

‫‪227‬‬

‫*‬

‫*‬


‫القسـم الثــاني‬

‫‪228‬‬


229


‫عودة إلى "كارولين"‬

‫التجارب الولى متنوعة‪،‬غالبا ما تشارك فيها حواسنا كل منهاعلى‬ ‫انفراد‪ ،‬كالمشاهدة‪..‬والسمع‪..‬واللمس‪ ..‬والحساس‪ ..‬إلخ‬ ‫ثم ل تلبث بعد ذلك أن تأتي تلك التجارب المركبة‪ ،‬التي يكتنف‬ ‫لحظاتها رهبة غامضة ممتعة آسرة‪ ،‬عندما تشترك الحواس كلها في‬ ‫تجربة واحدة‪.‬‬ ‫في ذلك الواقت الذي سبق زيارتي الولى إلى"غزة"‪ ،‬بعد "دخول‬ ‫السلطة"‪ ،‬وأثناء محاولتي لقتل الواقت في انتظار التصريح المؤاقت لي‬ ‫بزيارتها‪ ،‬حيث سقط إسمي لسبب لأعرفه من سجل العائدين‪ ،‬فلم‬ ‫أحصل على "راقم الكومبيوتر" الذي يتيح لي العودة النهائية‪ ،‬راودتني‬ ‫فكرة إعادة كتابة تلك الحكاية التي ظلت ذكراها تدغدغ ذاكرتي‪.‬‬ ‫لم أجد ضيرار في أن تتخذ كتابتي لتلك الذكريات شكل ليخلو من‬ ‫البداع‪ .‬فكتابة السيرة الذاتية باتت‪ ،‬كما اتفق الكثير من النقاد‪ ،‬شكل‬ ‫من أشكال البداع الدبي‪.‬‬ ‫ولم أنس أني اقرأ ي‬ ‫ت لبن حزم‪ ،‬في "طوق الحمامة"‪ ،‬ما يحض على‬ ‫التزام الحقيقة والصدق‪ ،‬لنه شرط أساسي في كتابة السيرة الذاتية‪ .‬وما‬ ‫أظنني إل فاعل ذلك‪.‬‬ ‫ولم أجد صعوبة في ذلك‪ ،‬خصوصا وأن تفاصيلها ظلت ولم تزل‬ ‫محفورة في عقلي الباطن‪ .‬فهي جزءعزيز‪ ،‬هام‪ ،‬من تجارب سنوات‬ ‫البكارة المحل رة ربمتعة الكتشاف حينا‪ ،‬المسقسقة بمرق الشواق إلى‬ ‫كل ما هو جديد حينا آخر‪.‬‬ ‫‪230‬‬


‫ولعلني اقد أحسنت الختيارعندما رأيت أن أمؤجل سرد اقصتي‪ ،‬أوهذا‬ ‫الجزء من سيرتي الذاتية‪ ،‬بحيث تأتي في سياق آخر‪ ،‬أشير إليها‬ ‫بعنوان"عودة إلى كارولين"‪ ،‬في "القسم الثاني" من هذا الجزء من‬ ‫هذه السيرة‪.‬‬ ‫و"الضرورة الفنية"‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬هي التي جعلتني أمؤجل رواية‬ ‫تفاصيل أحداث اليوم الخير في اقصتي مع "كارولين" إلى "حركة‬ ‫سادسة"‪ ،‬بالرغم من أني حددت في البداية عدد الحركات التي‬ ‫يتكون منها "الكونشيرتو" بخمسة حركات فقط‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫"كاروليـــــــــــــــــــــــــــــــــن"‬ ‫كونشيرتو من خمس حركات‬

‫الحـــــــــــــــــركه الولى‬ ‫‪231‬‬

‫*‬


‫أحد معالم الطريق الذي كنا نسلكه‪ ،‬مشيا على الاقدام‪ ،‬من بيوتنا إلى‬ ‫المدرسة وبالعكس‪ ،‬كان ذلك البيت النيق‪ ،‬المحاط بحديقة مليئة‬ ‫بأنواع مختلفة من الزهور‪ .‬ولم تكن الزهور وحدها هي ما يتميز به‬ ‫البيت‪.‬‬ ‫كانت هناك راية زراقاء ترفرف من فواقه‪ ،‬عليها شعار المم المتحده‪.‬‬ ‫وفي بعض أيام السبوع كنا نرى سيارة"جيب" عسكرية تقف عند‬ ‫باب البيت‪ ،‬فنعرف أن "الميجور ريتشارد لوريون" اقدعاد من إحدى‬ ‫جولته الكثيرة‪ ،‬التي يتطلبها عمله ضمن الفريق الكندي لمرااقبي‬ ‫الهدنه الدوليين‪.‬‬ ‫كان"الميجور لوريون" رجل وسيما طويل القامة‪ ،‬يشبه إلى حد كبير‬ ‫ممثل السينما الشهير "جريجوري بيك"‪ .‬ل تفارق البتسامة وجهه‪.‬‬ ‫ول يتردد عن المبادرة بإلقاء التحية‪ ،‬إذا صادفناه‪ ،‬داخل أو خارجا‪،‬‬ ‫أثناء مرورنا من أمام البيت‪.‬‬ ‫حديثنا في ذلك اليوم‪" ،‬حسين" وأنا‪ ،‬كان يدور حول سفر صديقنا‬ ‫"حسن اقليلت" إلى أمريكا للدراسة هناك في نهاية هذا العام‬ ‫الدراسي‪ ،‬أي بعد حصولنا على شهادة "الثقافة العامة"‪" .‬حسين"‬ ‫يؤكد أنها "فشره" من فشرات"حسن"‪ .‬وأنا أحاول أن أمؤكد له أنني‬ ‫سمعت والد "حسن" بأم أذني‪ ،‬كما رأيته بأم عيني‪ ،‬وهو يتحدث عن‬ ‫ذلك بجدية مع والدته‪ .‬وبالتالي عدت للدفاع عن "حسن"‪ ،‬محاول نفي‬ ‫صفة "الفشر" التي يتهمه بها "حسين"‪ ،‬الذي عاد ليتهمني بالتحيز‬ ‫للـ"حسن" والدفاع عنه دائما لمجرد أنه إبن بلدي‪ ،‬القدس‪.‬‬ ‫ل أدري بالضبط سبب الغيره التي يشعر بها "حسين" تجاه "حسن"‬ ‫المسكين‪ ،‬علما بأنه متقد الذكاء‪ .‬ويظهر ذلك بوضوح في تفواقه على‬ ‫طلب شهادة "الثقافه" اقاطبة‪ .‬هذا مع علمي ويقيني بأن ساعات‬ ‫مذاكرته‪ ،‬في أاقصى حالت الستنفار للمتحانات‪ ،‬لتتجاوزالساعتين‬ ‫في اليوم‪ .‬وبااقي واقته يقضيه في المطالعة والقراءة‪ .‬وهذا مما يجعله‬ ‫على درجة كبيرة من الثقافة وسعة الطلع‪ .‬ول ينافسه "حسن" في‬ ‫شيء إل في مادة اللغة النجليزية‪.‬‬ ‫‪232‬‬


‫حاولت مرارار أن أبين لـ"حسين" اقناعتي بأن المسألة لعلاقة لها‬ ‫بتفاوت الذكاء‪ .‬كما أنه ل وجه للمقارنة في هذا المضمار بينه وبين‬ ‫"حسن" الذي تربى منذ طفولته المبكرة في مدرسة الـ"تيراسانتا" في‬ ‫القدس‪ .‬وشتان بين مستوى تدريس اللغات فيها‪ ،‬وبينه في مدارس‬ ‫الحكومة في اقرية حسين‪" ،‬بيت إكسا"‪ ،‬إحدى اقرى القدس‪.‬‬ ‫إل أن رد "حسين" كان دائما بعناد‪:‬‬ ‫ ولو!‬‫كان عناد "حسين" يخرجه عن طوره في بعض الحيان‪ ،‬حتى يكاد‬ ‫أن يمحو كل صفاته الحميدة النادره‪ .‬ونتيجة لذلك ل يتورع عن‬ ‫ارتكاب موااقف تتجاوز الحمااقة والسخف لتصل إلى الواقاحه‪ .‬ول‬ ‫أنكرأنني‪ ،‬في بعض الحيان أيضا‪ ،‬كنت أجد نفسي حائرا بين‬ ‫شخصيتين مختلفتين متنااقضتين‪ .‬كما أنني ل أنكر أنني كنت أجد لذة‬ ‫في استفزاز "حسين" الخر‪ ،‬الذي يحمر وجهه‪ ،‬وتنتفخ أوداجه‪،‬‬ ‫وتبرزعروق راقبته‪ ،‬إذا ما فعلت أنا ذلك‪.‬‬ ‫ثم ل يلبث أن يتواضع ويعترف‪ ،‬مثل‪ ،‬بأن "حسن"‪ ،‬بحكم انتمائه‬ ‫إلى مدرسة الـ"تيراسانتا"‪ ،‬ربما "يتحدث" النجليزية بطلاقة أكثر‬ ‫منه‪ .‬أما إتقان اللغة فهذا شيء آخر‪.‬‬ ‫كنا اقد اقطعنا ثلثة أرباع الطريق‪ ،‬و وصلنا إلى بداية منطقة‬ ‫"الرمال" التي نسكن فيها‪ ،‬حيث نعرج‪ ،‬بعد منتزه البلدية‪ ،‬في طريق‬ ‫رملي مختصر يؤدي في نهايته إلى ذلك البيت المميز برايته‬ ‫الزراقاء‪ ،‬وحديقته الغــرناء‪.‬‬ ‫الحديقة إلى يميني‪ .‬و"حسين" إلى يساري‪ .‬وأنا أراقب انفعالته نتيجة‬ ‫استفزازي له‪ .‬وفجأة‪ ،‬تنفرج أساريره‪ ،‬وتتثااقل خطاه‪ ،‬وتكاد عيناه أن‬ ‫تخرجان من محجريهما‪ ،‬وهو يمصمص شفتيه الغليظتين‪ ،‬وتتسع‬ ‫ابتسامته عن سنه المامية المفقوده‪.‬‬ ‫أخذت أتابع الخيط اللمرئي الذي يشد بصره حتى وصلت إلى طرفه‬ ‫الخر‪ ..‬ويا لهول ما رأيت!‬ ‫لو كان "الميجور لوريون" هو"جريجوري بيك"‪ ،‬فمن تكون هذه‬ ‫الهيفاء؟‬ ‫‪233‬‬


‫إنها بدون شك "جينيفر جونز"!‬ ‫وتمسمر كلنا عند مدخل الحديقة‪.‬‬ ‫كانت منهمكة في الحديث‪ ،‬بالنجليزية‪ ،‬مع البستاني العجوزالذي‬ ‫كان ينظرإليها بوجه كالقناع‪ ،‬ل تتغير ملمحه‪ .‬ثم ل يلبث أن ينظر‬ ‫حوله مستجيرا بأزهارالحديقة التي تشهد بأنه اقد اقام بواجبه خير اقيام‪،‬‬ ‫وأجاد عمله بتفوق وامتياز واضحين‪.‬‬ ‫أخذت أستحث "حسين" على مواصلة السير‪ ،‬بعد أن طال واقوفنا‪،‬‬ ‫خشية من أن ترانا فيزعجها فضولنا‪.‬‬ ‫لكن هيهات أن يتزحزح‪ .‬تركته ومضيت‪ .‬وبعد عدة خطوات‪،‬‬ ‫نظرت خلفي فوجدته ما زال وااقفا يرااقب الحسناء الغريبة‪.‬‬ ‫حاولت أن أستعجله‪ ،‬فأشار بيده أن أنتظر‪ .‬لم يطل واقوفه أكثر من‬ ‫ذلك‪ .‬تحرك داخل إلى الحديقة‪.‬‬ ‫في مثل هذه الحالت‪ ،‬عندما يصادف أن ينشغل عني صديقي أو‬ ‫رفيق طريقي‪ ،‬لم أكن أتردد في تركه ومواصلة السير‪ ،‬إلى أن يلحق‬ ‫بي ذلك الصديق معتذرا‪ .‬لكنني في هذه الحالة الفريدة‪ ،‬المختلفة‬ ‫تماما‪ ،‬وجدتني ل أرى أن هناك ما يضيرني‪ ،‬لوأنني رااقبت عن كثب‬ ‫ذلك الحدث الفريد‪ ،‬المختلف تماما‪.‬‬ ‫"حسين" يتبادل الحديث مع "جينيفر جونز"‪ ،‬بعد أن عرف منه‬ ‫البستاني ما كانت تريده سيدته فانصرف‪.‬‬ ‫"حسين" يضحك‪.‬‬ ‫"جينيفر جونز" تضحك‪.‬‬ ‫"حسين" يواصل حديثه بطلاقه تثير دهشتي‪ ،‬بدون أن أسمع ما‬ ‫يقول‪.‬‬ ‫تمد له يدها‪ .‬يتصافحان‪ .‬تدعوه للدخول بإلحاح‪ .‬يتذكرني فجأة‪.‬‬ ‫تنظر ناحيتي‪ .‬تطلب منه أن يناديني‪.‬‬ ‫أتعثر في مشيتي وأنا أتجه نحوهما‪.‬‬ ‫تمد يدها لي بينما هي تحاول عبثا أن تلفظ إسمي‪ .‬ثم تقدم نفسها‪:‬‬ ‫ كارولين‪.‬‬‫تضيع مني الكلمات النجليزية التي كنت أحسب أنني أعرفها جيدا ‪.‬‬ ‫أتلعثم‪ .‬يحمرمني الوجه‪.‬‬ ‫‪234‬‬


‫تضع يدها الخرى على كتفي‪:‬‬ ‫ صديقك خجول جدرا‪.‬‬‫تحتوينا الصالة النيقة البسيطه‪" .‬حسين" يكمل حديثه‪:‬‬ ‫ نادينا‪ ،‬حتى الن‪ ،‬ليس به أعضاء من كندا‪ .‬فهل يمكن أن‬‫تساعدينا على توسيع نطاق نشاطنا؟‬ ‫تأوهت براقة وعذوبه‪:‬‬ ‫ أعرف في بلدي من أظن أنه سيسعدهم أن ينضموا إلى ناديكم‪.‬‬‫سرى في جسدي ما يشبه التيارالكهربائي‪ ،‬عندما لمست يدها خدي‬ ‫وهي تسأل‪:‬‬ ‫ ما رأيك في صديقة جميلة من "كندا"؟‬‫ابتسمت‪ ،‬وتلعثمت مرة أخرى وأنا أتلفظ بما تيسرمن كلمات الشكر‪،‬‬ ‫باللغة النجليزية التي ندر ما نطقت بها خارج نطاق المدرسه‪.‬‬ ‫حدثت نفسي‪ ،‬وأنا أتحسس وجهي الملتهب‪ .‬صحيح‪ ،‬كما يدعي كل‬ ‫من يعرفونني‪ ،‬أنني أبدو أصغرمن عمري الحقيقي بأكثر من تلك‬ ‫السنة التي أضيفت إلى عمري في شهادة ميلدي‪ ،‬لكي "أدخل‬ ‫المدرسة" وأنا في السادسة بدل من السابعة من عمري‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬أن يصل المرإلى أن تربت هذه الغريبة‪ ،‬حتى لو كانت على‬ ‫هذا القدر من الجمال‪ ،‬على خدي كما لو كنت طفل غريرا‪ ،‬فهذا ما‬ ‫ل أتقبله‪.‬‬ ‫آه لو تسعفني الكلمات الملئمة للرد عليها‪.‬‬ ‫طلبت منا الجلوس ريثما تحضر لنا الشاي‪ .‬وغابت بخفة ورشااقة‬ ‫"جينيفر جونز"‪.‬‬ ‫وأنظر أنا إلى "حسين" كأنما لتساءل عن مدى علاقة ما يحدث‬ ‫بالحقيقه أو الوااقع‪ .‬فيوضح لي بثقة‪:‬‬ ‫ زوجة "الميجور"‪ ،‬تقول أنها هنا منذ أسبوع‪ .‬وسوف تقيم في‬‫غزه بضعة أيام أخرى‪.‬‬ ‫ كيف لم نشعر بوجودها‪ ،‬بالرغم من أننا نمر يوميا من أمام‬‫البيت؟‬ ‫‪235‬‬


‫ يبدو أن شعورها بالوحده‪ ،‬في غربتها هذه‪ ،‬اقد جعلتها تخرج‬‫لتتجاذب أطراف الحديث مع البستاني‪.‬‬ ‫ثم أضاف بنزق‪:‬‬ ‫ أنا شخصيا في خدمتها‪.‬‬‫اقال جملته الخيرة‪ ،‬وهويحرك يده في جيبه في شيء من البتذال‪.‬‬ ‫نهرته‪ ،‬خوفا من أن تعود مضيفتنا فجأة وتلحظ حركاته فتطردنا‬ ‫شر طرده‪.‬‬ ‫لكننا سمعنا صوتها اقبل ظهورها وهي تحمل صينية عليها بعض‬ ‫أنواع "البسكويت" وأكواب الشاي الفارغه‪:‬‬ ‫ شقيقتي الصغرى في الخامسة عشر‪ ،‬في مثل عمريكما تقريبا‪.‬‬‫سوف أكتب لها‪ ،‬فربما تكون المراسلة من اهتماماتها‪ ،‬هي أو‬ ‫بعض زميلتها في المدرسه‪.‬‬ ‫حدثتنا أحاديث اقصيرة متقطعة‪ ،‬أثناء تحركاتها المتكررة لحضار‬ ‫الشاي ومن ثم صبه لنا‪ ،‬وسؤالنا عن عدد اقطع السكر‪ ،‬وذهابها‬ ‫لحضار أجندتها لكتابة إسم كل منا وعنوانه‪ ،‬وتكرار دعوتها لتجربة‬ ‫هذا النوع أو ذاك من البسكويت‪ ،‬علما بأن "حسين" لم يكن بحاجة‬ ‫لتكرار الدعوه‪.‬‬ ‫ثم سألتنا عن هواياتنا الخرى‪ .‬فكان "حسين" يتولى الجابة عن كل‬ ‫السئلة‪ ،‬مما جعلها تخصني ببعض اهتمامها لكي تحملني على‬ ‫التخلص من خجلي ومشاركتهما الحديث‪.‬‬ ‫وعندماعرفت أن كلنا مهتم بالقراءة والطلع ومشاهدة أفلم‬ ‫السينما‪ ،‬أبدت استعدادها لعطائنا بعض المجلت التي تصل "ريك"‬ ‫تباعا ر لكي نزيد من حصيلتنا‪ ،‬باللغة النجليزية‪.‬‬ ‫ثم‪ ،‬اقامت بإعلن انتهاء الزيارة وهي تبتسم معتذرة بلطف‪ .‬وحددت‬ ‫لنا موعدا لزيارتها بعد أيام‪ ،‬ريثما يصلها ردل من شقيقتها الصغرى‪.‬‬ ‫بذل صديقي كل ما أوتي من حصافة وشطارة و"تناحة" لطالة مدة‬ ‫الزيارة‪ .‬إل أن مضيفتنا الجميلة الراقيقة استطاعت بكل تهذيب أن‬ ‫تستدرجنا إلى باب الحديقه‪.‬‬ ‫لوحت لنا بيدها مودعة‪ ،‬ثم عادت ل تلوي على شيء‪.‬‬ ‫‪236‬‬


‫وجدنا أنفسنا على اقارعة الطريق‪ ،‬نتحسس أنفسنا‪ ،‬كما لو كنا لتسونا‬ ‫في أرض الحلم‪ ،‬وأعادنا الجرتي خادم المصباح السحري إلى أرض‬ ‫الوااقع‪ ،‬بعد أن أثبت أنه اقادرعلى تحقيق المعجزات‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬علينا أن ننتظر حتى يوم الخميس القادم‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫الحــــــــــــــــــركة الثانيه‬ ‫في اليام الثلثة الولى لم نكف عن استرجاع تفاصيل تلك‬ ‫"المغامرة" الفريده‪ .‬وبعد ذلك أصبحنا ل نكف عن التنبؤ لما سوف‬ ‫يكون بعد أن يأتي رد شقيقتها بالرفض أو القبول‪ .‬هل ستستمرعلاقتنا‬ ‫بها ؟ وما نوع هذه العلاقه؟‬ ‫صديقي‪ ،‬الذي أعترف بأنني ل أستطيع أحيانا أن أميز بين جده‬ ‫وهزله‪ ،‬يصرعلى أن "جينيفر جونز" اقد واقعت في غرامه )!(‬ ‫هيهات أن أتمكن من إاقناعه بأنه ل مجال للمنافسة بينه وبين‬ ‫"جريجوري بيك"‪ .‬وأن كلنا‪ ،‬بالنسبة لها‪ ،‬مجرد معرفه عابره لـ ل‬ ‫"طفلين" مراهقين محبين للستطلع‪ ،‬متطلعين للمعرفه‪ .‬ل أكثر ول‬ ‫أاقل‪.‬‬ ‫ ألم تركيف كانت تربت على خدي وكأنني إبن أختها الصغرى؟‬‫يضحك "حسين" ضحكته الواقحه‪ ،‬ويأتي دوره للتلذذ باستفزازي‪.‬‬ ‫ أنت لم تقرأ رواية الكاتب الفرنسي المعروف‪" ،‬جان لوي‬‫مارسو"‪ ،‬عن تلك المرأة التي كانت تعشق اليقاع بالمراهقين‬ ‫والستمتاع بتجربتهم الولى‪ .‬لقد كانت أيضا في منتصف العقد‬ ‫الثالث من عمرها‪.‬‬ ‫ويعترف لي‪ ،‬في يوم آخر‪ ،‬أنه ل وجود لكاتب فرنسي إسمه "جان‬ ‫لوي مارسو"‪.‬‬ ‫‪237‬‬


‫ثم يعود لـلـ"يعترف" لي‪ ،‬مرة أخرى‪ ،‬بأنه في اليوم الرابع لتلك‬ ‫الزيارة‪ ،‬يوم الحد‪ ،‬وهواليوم الذي اختفى فيه بالفعل‪ ،‬ولم يحضر إلى‬ ‫المدرسه‪ ،‬فاجأها بزيارته لوحده‪ ،‬فرحبت به‪ .‬واقضى عندها أكثر من‬ ‫ساعتين‪ .‬ول ينسى خلل حديثه أن يخطيء ثم يتدارك خطأه‪ ،‬موحيا ر‬ ‫بذلك بأن هناك سرا يخفيه‪ ،‬وأن "ما خفي كان أعظم"‪ .‬ولكي يثبت‬ ‫صحة روايته‪ ،‬يفاجئني بإحدى المجلت الجنبية التي أعطته إياها‪،‬‬ ‫ووعدته بمزيد منها إن هو اقام بزيارتها مرات أخرى بمفرده‪.‬‬ ‫وأتأرجح أنا‪ ،‬للحظات‪ ،‬بين تصديق روايته‪ ،‬وبين الصورة المثالية‬ ‫التي رسمتها لها في مخيلتي‪ ،‬والعلاقة البريئة‪ ،‬والصدااقة الجميلة التي‬ ‫يمكن أن تربط بيننا‪ .‬وأمؤكد ذلك لنفسي بقولي مبررا إهتمامها بنا‪:‬‬ ‫وما حاجتها لنا‪،‬غيرذلك‪ ،‬وهي زوجة "جريجوري بيك"؟‬ ‫وأعترف هنا أنه خطرلي القيام بزيارة لها‪ ،‬بمفردي‪ ،‬ل لشيء سوى‬ ‫إكتشاف مدى صداقه‪.‬‬ ‫لكنني لم أجد في نفسي الشجاعة لتنفيذ ذلك الخاطر‪ .‬واكتفيت‬ ‫بالتمسك بالصورة المثالية التي رسمتها لها‪.‬‬ ‫في اليوم الذي يوافق موعد الزيارة الموعوده للسيدة الجميله‪،‬‬ ‫ظهر"حسين" واقفاه ينم عن آخر زياراته‪ ،‬المتباعدة‪ ،‬للحلق‪ .‬كما‬ ‫اختفت الشعيرات التي كان يتركها متناثرة في أنحاء مختلفة من ذاقنه‪.‬‬ ‫ولم ينس أن يحذرني مما من شأنه أن ينم عن معرفتي بأمر زيارته‬ ‫للسيده‪ .‬فهي اقد ألحت عليه بكتمان أمرها‪.‬‬ ‫إستقبلتنا بترحاب ما بعده ترحاب‪.‬‬ ‫اقالت أنها كانت في انتظارنا‪ ،‬فهي تحمل لنا أنباء سارة من شقيقتها‬ ‫التي صادف أن اتصلت بها تلفونيا في اليوم التالي لزيارتنا الولى‬ ‫لها‪ .‬فلقد أبدت إهتمامها بالنضمام إلى نادينا‪ .‬كما أكدت أنها سوف‬ ‫تجد من بين صديقاتها وزميلتها من تستهويهن المراسله‪.‬‬ ‫نظرت إلى"حسين" مبتسما‪ .‬لم يخنه ذكامؤه‪ ،‬فهم معنى ابتسامتي‪.‬‬ ‫ولكنه آثر تجاهل ملحظتي‪ .‬واغتنمت أول لحظة تغيب فيها السيدة‬ ‫لكي أعلق‪:‬‬ ‫‪238‬‬


‫ هل نسيت السيدة أن تزف إليك بالخبرالسار يوم زيارتك لها‪،‬‬‫ويوم أعطتك المجلت الجنبيه؟‬ ‫حاول "حسين"‪ ،‬أيضرا‪ ،‬أن يتجاهل تعليقي‪.‬‬ ‫عادت السيدة ومعها سلة من القش مليئة بأنواع الفواكه التي لم نعتد‬ ‫على رمؤية معظمها في غزه‪ .‬وعقبت‪:‬‬ ‫ التفاح والكرز من بيروت‪ .‬أنتما تعرفان أن "ريك" كثيرالتنقل‪،‬‬‫بحكم عمله‪ ،‬بين غزه واقبرص وبيروت‪ .‬ولقد رافقته إلى بيروت‬ ‫في زيارته القصيرة الخيره‪ ،‬حيث تعود أن يقضي الـ "ويك‬ ‫إند" هناك‪.‬‬ ‫وكأنما انحلت العقدة من لساني في تلك اللحظة بالذات‪ .‬فوجدتني أعلق‬ ‫بطلاقة أدهشتها‪:‬‬ ‫ أوه! إذن فقد اقضيت الـ"ويك إند" في بيروت‪ .‬إنها مدينة جميله‪،‬‬‫كما يقولون‪ .‬تصوري أن صديقي "حسين" اقد جاء لزيارتك‬ ‫بمفرده يوم الحد‪..‬‬ ‫ونظرت إلى "حسين" متشفيرا‪ ،‬تاركا ر له الفرصة لكي يتدبر أمر‬ ‫الـورطة التي أواقع نفسه فيها‪ .‬نظرت إليه السيدة‪:‬‬ ‫ هل فعلت ذلك حقا؟ ولكنني أتذكر أننا اتفقنا أن نلتقي اليوم‪ ،‬أو‬‫الخميس القادم‪.‬‬ ‫وأسقط في يده كما يقولون‪.‬‬ ‫وأخذت مضيفتنا تحاول أن تنقلنا من موضوع لخر‪ ،‬وتطرح‬ ‫مختلف التسامؤلت‪ ،‬وهي بذلك تستحثنا وتشجعنا على الحديث باللغة‬ ‫النجليزيه‪ .‬ول تتردد في تصحيح أخطاءنا اللغوية والستطراد في‬ ‫شرح الفروق بين معاني الكلمة الواحدة‪ ،‬حسب مواقعها‪ .‬اقالت أنها‬ ‫تعمل بمهنة التعليم‪ ،‬وتعشق مهنتها جدا‪ ،‬ولكنها أيضا تحب السفر‪،‬‬ ‫ولذلك فهي ل تترك الفرصة تفوتها عندما يتنقل "ريك"‪ ،‬بحكم عمله‪،‬‬ ‫فتأتي لتقضي معه بعض الواقت هنا أو هناك‪.‬‬ ‫ثم نهضت معلنة نهاية الزيارة‪ .‬ولكنها استمهلتنا للحظة ريثما تحضر‬ ‫لنا ما وعدتنا به في المرة السابقه‪ .‬فإذا بها تعود ومعها كومة من‬ ‫‪239‬‬


‫المجلت النجليزية‪ ،‬مؤكدة أننا سوف نحصل على مثلها في يوم‬ ‫الخميس القادم‪.‬‬ ‫لم أاقصد مضايقة "حسين" عندما ااقترحت إشراك صديقنا "حسن"‬ ‫في زيارتنا المقبلة للسيدة الجميله‪ .‬اقلت ربما تستطيع أن تقدم له‬ ‫نصيحة مفيدة بشأن دراسته التي يخطط لها في جامعات أمريكا‪ .‬هذا‬ ‫من ناحية‪ ،‬ومن ناحية أخرى فهو أيضا نموذج مشرف من تلميذ‬ ‫مدرستنا‪ ،‬بالضافة إلى أنه عضو في نادينا‪.‬‬ ‫لم يجادلني "حسين" كثيرار في هذا الشأن‪ ،‬كما تواقعت‪.‬‬ ‫ويبدو أنه آثر السكوت آملر وطامعا في سكوتي بعد افتضاح أمر‬ ‫"الزياره" المزعومه‪ ،‬بما انطوت عليه من إيحاءات‪.‬‬ ‫أضفت‪:‬‬ ‫ أنت اقد اعترفت أخيرا بأنه يتكلم النجليزية بطلاقة أكثر منك‪.‬‬‫وأنا أعترف لك بأنك تتفوق عليه في مضمار آخر وهو الـفـشـ ‪..‬‬ ‫اقاطعني‪:‬‬ ‫ طيب‪ ..‬طيب‪ ..‬خلص!‬‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫لشدما كانت دهشتي‪ ،‬وصدمة "حسين"‪ ،‬حينما انطلق "حسن" فجأة‬ ‫في الحديث باللغة الفرنسية مع السيده "لوريون"‪ ،‬التي تبين أنها من‬ ‫مدينة "كيوبيك"‪ ،‬عاصمة المقاطعة التي تحمل نفس السم‪ ،‬والتي ما‬ ‫زالت ترتبط بفرنسا الم وتميل إلى النفصال عن كندا‪.‬‬ ‫وماهي إل أيام أخرى حتى وصلتني رسالة من الشقيقة الصغرى‪،‬‬ ‫"لوسيل"‪ .‬كانت الرسالة مشفوعة بصورة تؤكد علاقة العائلة الوثيقة‬ ‫بـ "جينيفر جونز" وبااقي جميلت هوليوود‪.‬‬ ‫أثارت تلك الرسالة حفيظة "حسين" الذي كان يعتقد أنه صاحب الحق‬ ‫في "لوسيل"‪ ،‬الجميلة‪ ،‬لنه كان صاحب الفضل في تلك العلاقة‬ ‫أص ر‬ ‫ل‪.‬‬ ‫ولكن سرعان ماهدأ باله عندما وصلته رسالة من "سابينا"‪ ،‬التي‬ ‫تفوق الجميع حسنا وجمال‪ ،‬والتي اقال فيها زميلنا الشويعر"عيسى‬ ‫فرح" اقصيدته العصماء‪ ،‬ومطلعها‪:‬‬ ‫‪240‬‬


‫جمــالك هز أعطاف الديـار‬ ‫وعيناك الجميلة يا"سابيـنا"‬

‫وفتنتك البريئة اقد سبتـني‬ ‫بسهم الحب رميـا ر اقد رمتـني‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫الحـــــــــــــــــركة الثالثه‬ ‫تكررت زياراتنا‪ ،‬نحن الثلثة‪ ،‬للسيدة الجميله‪ .‬وكأنما أصبحنا جزءار‬ ‫من حياتها‪ .‬تستقبلنا بترحاب وحب شديدين‪ .‬ول تمل أبدا من تصحيح‬ ‫أخطائنا اللغوية‪ ،‬أو طريقة نطقنا لبعض الكلمات‪ ،‬أو الشادة بالجمل‬ ‫الصحيحة أو إجادة النطق بها‪ .‬ول تنسى أن تسألنا عن رسائل‬ ‫"لوسيل" و"سابينا" و"هيلي"‪.‬‬ ‫صادفنا الـميجور " لوريون" أكثر من مرة في بيته‪ .‬كان يرحب بنا‬ ‫بأن يربت على أكتافنا‪ ،‬ثم يعتذر عن عدم مشاركتنا لنشغاله بكتابة‬ ‫بعض التقارير‪ .‬فتنفرد هي بالحديث إلينا في جو حميم‪ .‬وتغدق علينا‬ ‫من خيرات "بيروت" التي دأبت على اقضاء الـ "ويك إند" فيها‪.‬‬ ‫وأما عن المجلت النجليزية أو الميركية فقد كادت أن تصبح‬ ‫مصدرا لدخل إضافي لنا‪ ،‬إذ كنا نتقاسم ثمنها بعد بيعها بالكيلو‪،‬‬ ‫وذلك بعد اقراءتها أو تصفحها‪ ،‬والحتفاظ بما اقد يلزم من صفحاتها‬ ‫الغنية بالصور الجميلة‪.‬‬ ‫من الشياء التي استرعت انتباهي‪ ،‬دون "حسين"‪ ،‬أو "حسن"‪ ،‬الذي‬ ‫سرعان ما زهد في مشاركتنا تلك الزيارات‪ ،‬تلك الموسيقى التي كانت‬ ‫السيدة الجميلة تحرص على أن تغلف بها أجواء البيت‪ .‬كانت تلك‬ ‫الموسيقى تشدني‪ .‬لحظت هي شرودي في بعض الحيان‪ .‬وأدركت‬ ‫أن الموسيقى كانت تستهوينيي‪ .‬فابتدأت تمدني ببعض الملحظات‬ ‫والمعلومات عن إسم هذه المقطوعة أو تلك‪ ،‬أوعن المؤلف وجنسيته‪.‬‬ ‫حفظت إسم "رافيل" الفرنسي‪ ،‬وأصبحت أميز مقطوعتة " بوليرو"‬ ‫ذات النغم "الشراقي" القريب إلى القلب‪ .‬ينافسه في ذلك‬ ‫‪241‬‬


‫"خاتشاتوريان" الروسي وزميله الذي أثار اسمه دهشتي‪..‬‬ ‫"رحمانينوف"‪.‬‬ ‫وعرفت المزيد عن العبقري النمساوي "موتسارت" الذي بدأ العزف‬ ‫على "البيانو" وهو في الخامسة‪ ،‬والتأليف الموسيقي في السابعة من‬ ‫عمره‪ .‬وازدادت معرفتي بالموسيقار اللماني "بيتهوفن" الذي‬ ‫واصل التأليف بالرغم من إصابته بالصمم‪ ،‬وهوالسم الوحيد الذي‬ ‫كنا نسمعه مقترنا بالموسقى الجنبية‪ ،‬التي درج متثقفونا على‬ ‫تسميتها‪ ،‬بغير تمييز‪ ،‬بالـ"سيمفونيات"‪.‬‬ ‫وسمعت لول مرة موسيقى الـ"جاز" الزنجية‪ ،‬وعرفت شيئا عن‬ ‫"بول روبسون" المقهور وأغانيه الحزينه‪.‬‬ ‫وزاد إهتمامي بملحظاتها خصوصا بعد أن أخذت تقرأ وتفسر ما هو‬ ‫مكتوب على ظهرغلف هذه السطوانة أو تلك‪.‬‬ ‫دأبت‪ ،‬كما ذكرت‪ ،‬منذ البداية على أن تخصني باهتمامها وتوجيه‬ ‫الحديث لي‪ ،‬محاولة منها لمساعدتي على التغلب على خجلي‬ ‫وتشجيعا لي على المشاركة في الحديث‪ .‬وتزايد ذلك الهتمام بعد أن‬ ‫أثمرت محاولتها تلك‪ ،‬وأصبحت بالفعل أكثر جرأة وتجاوبا‪ ،‬وأاقل‬ ‫خوفا من الواقوع في الخطاء اللغويه‪.‬‬ ‫كانت تقول دائما ما معناه أننا ل بد أن نخطيء لكي نتعلم‪ .‬وهو ما‬ ‫يتنااقض مع ما درج عليه آبامؤنا في البيت‪ ،‬وأساتذتنا في المدرسة‪،‬‬ ‫كمنهج للتربيه‪ .‬وكثيرا ما كانت تردد مقولة حفظتها باللغة النجليزية‬ ‫تقول‪:‬‬ ‫" الخطأ الكبر‪..‬هو أن تخاف من الواقوع في الخطأ‪ .‬والكبر منه هو‬ ‫عدم العتراف بالواقوع في الخطأ‪".‬‬ ‫كان اهتمامها بي يأخذ أشكال مختلفة‪ ،‬منها الجلوس إلى جانبي‪،‬‬ ‫والاقتراب مني بشكل لم أتعوده من أنثى غريبة عني‪ ،‬إمعانا منها في‬ ‫حملي على النتباه لما تقول‪ .‬وكثيرا ما كان سلوكها هذا يسبب لي‬ ‫الرتباك والحرج‪.‬‬ ‫‪242‬‬


‫في أحد المرات‪ ،‬فاجأتني بأنها اقد حصلت على أسطوانة معينة كانت‬ ‫اقد طلبت من "ريك" أن يحضرها من بيروت‪ ،‬كما اقالت‪ ،‬خصيصا‬ ‫من أجلي‪ ،‬بعد أن لاحظت مدى إهتمامي بنوع الموسيقى التي تعشقها‪.‬‬ ‫أحاطت كتفي بذراعها التي تمسك بغلف السطوانة الجديده‪،‬‬ ‫وأخذت تشير بإصبع يدها الخرى إلى بعض السطور وتحثني على‬ ‫اقراءتها‪.‬‬ ‫‪Concierto de Aranjuez‬‬ ‫‪Joaquin Rodrigo‬‬ ‫مازلت أذكر ذلك اليوم‪ ،‬وتلك اللحظات‪.‬‬ ‫كانت‪ ،‬كما يبدو‪ ،‬تتواقع أن أخطيء في لفظ إسم المقطوعة ومؤلفها‬ ‫السباني‪ .‬وأخذت‪ ،‬وهي تقرب رأسها من رأسي‪ ،‬تعيد القراءة وتطلب‬ ‫مني تكرارها‪ .‬لكنني في كل مرة كنت أصر على ما كانت تعتبره‬ ‫خطأ‪ ،‬وأاقوم بلفظ السم بطريقة أخرى‪:‬‬ ‫"كونشيرتو دو أرانخيـــــــــــز"‬ ‫"خواكــــــــين رودريــــــــــجو"‬ ‫شتان بين ما كانت تقوله وبين ما كنت أصر على تكراره‪.‬‬ ‫وذلك مما كان يجعلها تستغرق في الضحك‪ ،‬ثم تعيد الكررة‪ ،‬دون أن‬ ‫تترك لي فرصة لتفسير سبب إصراري على هذا "الخطأ"‪ .‬إلى أن‬ ‫تمكنت من أن أحكي لها اقصة كتاب "علم نفسك اللغة السبانية"‬ ‫ودور جارتي "هنيه" إبنة "نيكاراجوا" وأمها "روزاليا" في تعليمي‬ ‫اللفظ الصحيح للحرف والكلمات السبانية‪.‬‬ ‫وهنا‪ ..‬أخذت تكرر اعتذارها طالبة مني أن ألقنها ما كانت تعتبره‬ ‫خطأ‪ .‬وانقلب المواقف إلى مشهد فيه من المفاراقة أو "الكوميديا" ما‬ ‫جعلها تستلقي على ظهرها مستغراقة في الضحك‪.‬‬ ‫لقد تبادلنا الدوار‪.‬‬ ‫الحقيقة أنني لم أنتبه لما بدر من"حسين" من ردود فعل أو تعليقات‪.‬‬ ‫لكن الذي لحظته هوالستياء الذي بدا عليها فجأة‪ ،‬والذي كان نتيجته‬ ‫أنها سارعت في إنهاء الزيارة بجملة وجهتها له فألجمته‪ .‬ثم اقالت‬ ‫‪243‬‬


‫بحزم اقاطع ما معناه أنها لن تكون‪ ،‬في اليام القادمة‪ ،‬اقادرة على‬ ‫استقبالنا‪.‬‬ ‫وبما أن صيغة المخاطب باللغة النجليزية ل تفرق بين المخاطب‬ ‫المفرد أو المثنى أوالجمع‪ ،‬كما هو الحال في لغتنا العربيه‪ ،‬فقد اختلط‬ ‫علي المر‪ .‬وبت غاراقا في بحر من الدهشة والحيرة‪ ،‬غير مدرك لما‬ ‫كان أو ما سيكون‪.‬‬ ‫هل يمكن أن يكون هذا الكلم موجه لكلينا؟‬ ‫وما سر هذا النقلب المفاجيء؟ أم هو مجرد إحساسها بوعكة‬ ‫مفاجئة جعلتها تؤثرالوحده‪.‬‬ ‫خيم علينا صمت كئيب ونحن نتجه إلى مدخل البيت‪ .‬كان "حسين"‬ ‫يسبقني منكس الرأس‪ ،‬على غير عادته‪.‬‬ ‫نظرت إليها نظرة أخيرة وكأني أستحلفها أن تنقذني من حيرتي‪.‬‬ ‫مدت يدها وأمسكت ذراعي لتستبقيني ريثما ابتعد "حسين" اقليل‪.‬‬ ‫همست لي‪:‬‬ ‫ يمكنك أن تزورني في أي واقت تريده‪.‬‬‫ثم أضافت بسرعة‪:‬‬ ‫ بعد ظهر الغد‪.‬‬‫كانت لهجتها تحمل صيغة المر‪ ،‬كما تحتمل صيغة العتذار‪ .‬أما‬ ‫عيناها فقد خيل إلي أنهما تحملن اقدرا من الرجاء‪.‬‬ ‫لم يجبني "حسين" على أسئلتي المتكرره‪ .‬لعله آثر السكوت لشعوره‬ ‫بذنب ما‪ .‬مشينا في صمت حتى وصلنا إلى مفترق طريقينا‪ .‬اقال بدون‬ ‫أن يرفع رأسه‪:‬‬ ‫ ول يهمك!‬‫ثم مضى‪.‬‬ ‫في مثل هذه الحالت‪ ،‬التي تلوفني فيها الحيرة‪ ،‬أسارع للتخلص مما اقد‬ ‫يربطني بالخرين‪ ،‬حيث أنفرد بنفسي لسترجع ما فات‪ ،‬وأحاول أن‬ ‫أجد تفسيرا لما أنا فيه‪ ،‬أو مخرجا مما أنا مقبل عليه‪ .‬وكثيرا ما أجدني‬ ‫اقد وصلت إلى ما يبدد حيرتي‪ .‬إل أنني‪ ،‬في هذه المرة‪ ،‬بقيت غاراقا‬ ‫فيما يشبه القلق المشوب بالحزن‪.‬‬ ‫‪244‬‬


‫ولول مرة أفكر في مدى صحة معنى تلك الحكمة التي تقول "إن غدار‬ ‫لناظره اقريب‪".‬‬ ‫الواقت يمر ببطء ل عهد لي به‪ .‬وليس هناك ما يشير إلى ااقتراب الغد‬ ‫إل بمقدار ما يتحرك عقرب الداقائق في ساعة يدي‪ ،‬التي لم أكف عن‬ ‫إعادة ملئها إحساسا مني بتواقفها عن الدوران‪.‬‬ ‫لجأت إلى واجباتي المدرسية التي عادة ما تلتهم الواقت التهاما‪ .‬لكن‬ ‫صورة "كارولين"‪ ،‬في اللحظة التي ماتت فيها الضحكة على شفتيها‪،‬‬ ‫كانت تنطبع أمامي على كل الصفحات‪ ،‬فيوغل الواقت في عناده وفي‬ ‫تواقفه‪ .‬ثم يتسلل إلى أذني صوت همساتها لي‪ ،‬فأفاجأ بأن الزمن يعود‬ ‫إلى الوراء‪ .‬ويعود شريط الحداث الذي يؤكد لي أن صدااقتنا مع‬ ‫السيدة الجميلة اقد باتت مهددة‪ ،‬أو ربما في حكم المنتهيه‪.‬‬ ‫وأسائل نفسي‪ :‬ما لي أنا؟ فقد بيبني ت‬ ‫ت لي أنها ل تحمل لي بغضا أو‬ ‫جفاء‪.‬‬ ‫ولكنه صديقي‪ .‬وعلاقتي به أاقوى وأهم منها ألف مره‪.‬‬ ‫أم أنني أمام أحد الخيارين؟‬ ‫هو‪ ..‬أم هي؟‬ ‫طبعا ر هو‪ .‬ولتذهب هي إلى الجحيم‪.‬‬ ‫ما هذا الجحود؟‬ ‫ساءلت نفسي باستنكار‪ .‬وأخذت أشحذ ذاكرتي لسترجع المرة‬ ‫الخيرة التي ربتت فيها أمي على شعري‪ ،‬كما كانت تفعل‬ ‫"كارولين"‪ .‬أوآخر مرة لرفت إحدى أخواتي‪ ،‬اللواتي يكبرنني‪،‬‬ ‫ذراعها حول كتفي فأشعر بمثل ذلك القدر من الحنان الذي كنت أشعر‬ ‫به عندما كانت "كارولين" تفعل ذلك‪.‬‬ ‫ل أشك أبدا في مقدار عواطف أمي نحوي أوعناية أخواتي بي‪.‬‬ ‫ولكن!‬ ‫كل منهن مشغول في تدبيرأمورالبيت ومسئولياته المختلفه‪ .‬ل ُيقمن‪،‬‬ ‫بحكم العادات والتقاليد‪ ،‬وزنا لظهارعواطفهن‪ ..‬وكأنها عورات‪.‬‬ ‫هل تحرلت أنثانا فعل بصفة "البخل" التي كان أجدادنا العرب اقديما‬ ‫يستملحونها في المرأة‪ ،‬كما كان شعرامؤنا يفاخرون بصفة البخل التي‬ ‫‪245‬‬


‫تتحلى بها المحبوبة‪ ،‬بحجة أن المرأة الكريمة اقد تجود بعواطفها لمن‬ ‫حولها‪ ..‬بدون حساب؟‬ ‫ما اقيمة العواطف إن لم نستطع التعبيرعنها؟‬ ‫أحبت فينا "كارولين" شيئا ما‪ ،‬فلم تتردد في التعبيرعن هذا الحب‪.‬‬ ‫اقدمتنا لزوجها‪ ،‬كأصداقاء لها‪ ،‬من غير ما حرج ول مواربه‪.‬‬ ‫في لحظة ما اتخذت من "حسين" مواقفا‪ ،‬فلم تتردد من التعبيرعن‬ ‫نفسها بصراحه‪.‬‬ ‫لم تأخذني بجريرة صديقي‪ ،‬فهمست لي بما يوحي بأنها تستثنيني من‬ ‫غضبها‪.‬‬ ‫غدا سوف تأخذ الحياة بالنسبة لها مجراها الطبيعي‪ ،‬بدون أحقاد ول‬ ‫هم يحزنون‪ .‬ربما تفصح لي عما يزعجها‪ ،‬وربما تكون اقد نسيت أو‬ ‫تناست ما كان‪.‬‬ ‫ما أجمل أن يتحلى النسان بمثل هذه الشمائل!‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫الحـــــــــــــــــركة الرابعه‬ ‫وبالفعل‪ ،‬استقبلتني وكأن شيئا لم يكن‪ .‬جاءت بسلة الفاكهة‪ ،‬واقالت‬ ‫أن"ريك" لم يتمكن من العودة ويبدو أنه اضطر لقضاء الـ "ويك إند"‬ ‫في "اقبرص"‪ .‬وأحضرت مجموعة المجلت التي فاتنا أن نأخذها‬ ‫بالمس كماعودتنا‪ .‬ثم تذكرت السطوانة التي ما زال غلفها ملقى‬ ‫على المنضده‪ ،‬فنهضت لتشغيل الـ "بيك أب"‪ ،‬لينبعث منه صوت الـ‬ ‫"جيتار"‪ ،‬اللة الرئيسية في"كونشيرتو أرانخيز"‪ ،‬وعادت تستكمل‬ ‫اقراءة البيانات المكتوبة على ظهرالغلف‪.‬‬ ‫وعندما انتهت من القراءة‪ ،‬نهضت وأعادت إبرة الجهاز إلى بداية‬ ‫السطوانة معلنة أنها سوف تتركني أستمتع بها كاملة‪ .‬وجلست‬ ‫أمامي تقرأ في كتاب‪.‬‬ ‫‪246‬‬


‫لم أكن اقبل معرفتي بها‪ ،‬اقد استمعت إلى ذلك النوع من الموسيقى إل‬ ‫لماما‪.‬‬ ‫ولم أستطع أن أحدد السبب‪ ،‬أو أن أعرف سر إعجابي وانجذابي لتلك‬ ‫الموسيقى‪.‬‬ ‫في ذلك اليوم بالذات‪ ،‬كان لها مذاق آخر‪ ،‬مميز‪ ،‬له مفعول السحر‪.‬‬ ‫غمرني دفء من نوع لم أعرفه من اقبل‪ ،‬بالرغم من برودة الجو في‬ ‫أواخر شتاء تلك السنة‪.‬‬ ‫استراقت نظرة‪ ،‬فوجدتها مستغراقة في القراءه‪ .‬كانت هذه فرصتي‬ ‫لطالة النظر إليها‪.‬‬ ‫كم هي جميله!‬ ‫والجمل‪ ،‬هو ذلك الحساس الذي تشيعه في الخرين‪ .‬مزيج من‬ ‫اللفة‪ ،‬والحب‪ ،‬والمومه‪ ،‬والصدااقه‪ ،‬والحنان‪.‬‬ ‫خدر لذيذ تسرب إلى أنحاء جسدي‪ ،‬وعرفت ذلك الشعور الذي يقال‬ ‫له انعدام الوزن‪.‬‬ ‫هل هي الموسيقى؟ أم هي "كارولين"؟ أم هما معرا؟‬ ‫أتمتع الن بصفاء ذهني لم أعهده من اقبل‪.‬‬ ‫خطر لي أنني‪ ،‬في تلك اللحطة‪ ،‬أستطيع أن أاقوم بليحسل أصعب "مسائل‬ ‫الجبر" التي تستعصي علي في الحوال العاديه‪.‬‬ ‫رمقتني فوجدتني متلبسا بالنظر إليها‪ .‬اضطيرتب ُ‬ ‫ت‪ .‬ابتيسيمت‪.‬‬ ‫جاهدت لترجم إليها خاطري‪ .‬اتسعت إبتسامتها وأردفت‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ أهلر بك مرات أخرى‪ ،‬أنت ودفاترك‪.‬‬‫رااقت لي هذه الفكره‪ .‬وفضحتني أساريري‪ .‬اقالت‪:‬‬ ‫ أنا أعني ما أاقول‪ .‬فمعلوماتي تقول أنك تعودت أن تذهب في‬‫بعض الحيان عند صديقك‪ ،‬أو يأتيك هو للمذاكرة عندك‪..‬أليس‬ ‫كذلك؟‬ ‫ وفي أواقات المتحانات‪ ،‬يبيت أحدنا عند الخر‪.‬‬‫ضحكت وهي تقول ببساطه‪:‬‬ ‫ وفي الواقات التي يكون فيها "ريك" على سفر‪ ،‬يمكنك أن تبيت‬‫في غرفة المكتبة الخاصة به‪.‬‬ ‫‪247‬‬


‫ضحكنا في اللحظة التي أعلن فيها الـ"بيك أب"عن إنتهاء الوجه‬ ‫ضت بتلقائية‪ ،‬وسارعت في وضع‬ ‫الول من السطوانه‪ .‬نه ي‬ ‫السطوانة على وجهها الخر بينما هي تقول‪:‬‬ ‫ الوجه الخر للسطوانة يحتوي على الحركتين‪ ،‬الرابعة‬‫والخامسه‪ ،‬فاستمع إليهما بانتباه‪.‬‬ ‫وعادت للقراءة‪ ،‬بعد أن أضاءت "لمبة" اقريبة منها‪ .‬فلقد بدأت‬ ‫الشمس تميل إلى الغروب‪.‬‬ ‫حاولت العودة للستماع‪ .‬لكنني لم أنجح في التركيز‪ .‬ولم يشد انتباهي‬ ‫شيئا مميزا في الـ"حركتين" الخيرتين من الـ "كونشيرتو"‪ ،‬سوى‬ ‫أنها موسيقى جميله‪.‬‬ ‫تمنيت لو لم تنته موسيقى الوجه الول من السطوانة‪.‬‬ ‫كيف يمكنني أن أعيدها إلى الحديث الذي انقطع؟‬ ‫أضافت الضاءة الجانبية إلى وجهها سحررا‪..‬وجاذبية ل تقاوم‪.‬‬ ‫حرص ُ‬ ‫ت أن ل تضبطني متلبسا باستراق النظر إليها‪ .‬لكنها فعلت ذلك‬ ‫أكثر من مره‪ .‬وكانت البتسامة التي ترتسم على شفتيها تزداد إتساعا‬ ‫في كل مرة‪ .‬ثم فاجأتني بسؤالها‪:‬‬ ‫ لماذا تنظر إلري هكذا؟‬‫تلعثمت وأنا أحاول عبثا أن أجد ردار مناسبا‪ .‬رأيت أن أحسمل لغتي‬ ‫النجليزية مسئولية ذلك‪.‬‬ ‫ صحيح أن اقدرتي على الحديث باللغة النجليزية اقد تحسنت‬‫اقليل‪ ..‬ولكن‪..‬‬ ‫اقاطعتني‪:‬‬ ‫ بل كثيرا‪ .‬بحيث أصبحت أجد صعوبة وأنا أتصيد لك الخطاء‪.‬‬‫ ربما‪ ،‬ولكن‪ ،‬فقط‪ ،‬عندما نتحدث حديثا عاديا‪ .‬أعني أنني ل أجد‬‫صعوبة في التعبيرعن الخواطر العاديه‪ .‬لكن ‪..‬‬

‫‪248‬‬


‫أغلقت دفتي الكتاب‪ ،‬ورفعت حاجبيها‪ ،‬ومالت برأسها اقليل إلى‬ ‫الخلف متصنعة الجد بشكل مبالغ فيه‪ ،‬وانتظرت أن أكمل جملتي‪.‬‬ ‫لكنني تلعثمت مرة أخرى وضاعت مني الكلمات‪.‬‬ ‫حاويلت أن تساعدني‪:‬‬ ‫ هل تقصد أن ما يدور في رأسك الن هي خواطرغيرعاديه؟‬‫ بالنسبة لي أنا‪ .‬فأنا لم أتعود‪ .. ..‬لم أكن‪ .. ..‬لم أعرف‪...‬‬‫وضعت الكتاب جانبا ومالت إلى المام وهي تؤكد متابعتها‪:‬‬ ‫ أكمل‪..‬أنا مهتمة بحديثك كما ترى!‬‫استغراقت واقتا ليس بالقصير حتى استطعت أن أمسك بطرف الجملة‪:‬‬ ‫ أعني‪ ..‬أنني‪ ..‬أاقصد‪ ..‬أنه‪ ..‬عندما أاقول لك أنك جميلة‪ ..‬فهذه‬‫عبارة عاديه‪ .‬ولكن‪...‬‬ ‫وفجأة ضاعت مني البقيه‪.‬‬ ‫نهضت من مكانها‪ ،‬وجلست إلى جانبي وهي تحاول أن تستنطقني‬ ‫وتشجعني‪ ،‬كعادتها‪ ،‬على المضي في الحديث‪ ،‬وشفتاها مزمومتان‬ ‫على ابتسامة غامضة‪.‬‬ ‫يا إلهي! ما الذي جعلني أبدأ بجملة كهذه؟ إنني أكاد ل أجد بقيتها‬ ‫بلغتي العربية التي أدعي بأني ُأحسن التعبير بها‪ .‬وكلما طالت مدة‬ ‫البحث عن الكلمات تصبح المهمة أكثر صعوبة‪ ،‬ويزداد الحرص في‬ ‫البحث والنتقاء‪ ،‬خوفا من أن تأتي النتيجة أاقل مما أاقصد أنا‪ ،‬أو‬ ‫دون تواقعات الطرف المتلقي‪.‬‬ ‫نعم كنت أريد أن أاقول لها أنها جميله‪ .‬ولكن‪ ،‬كما اقلت‪ ،‬بعبارة‬ ‫غيرعادية‪ ،‬تتناسب مع جمالها الغير عادي‪ ،‬وإحساسي الغيرعادي‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫وجدت مخرجي بأن نظرت إلى الساعة‪ ،‬واقررت أنني ل أستطيع‬ ‫البقاء أكثر من ذلك‪ .‬فقد أمعنت الشمس فى الغروب‪ .‬ولم أتعود على‬ ‫البقاء خارج المنزل‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬بدون إذن مسبق من والد ر‬ ‫ي‪.‬‬ ‫ض ت‬ ‫ت متفهمة‪ .‬واقالت وهي ترافقني إلى المدخل‪ ،‬والبتسامة‬ ‫فنه ي‬ ‫الغامضة ل تفارق شفتيها‪:‬‬ ‫‪249‬‬


‫‪-‬‬

‫اقلت لك أن "ريك" متغيب في الغد‪ .‬وهذا يعني أنك تستطيع أن‬ ‫تحضر كتبك ودفاترك‪ ،‬وأن تبيت‪ ،‬إن شئت‪ ،‬في غرفة المكتب‪.‬‬ ‫وسوف أتركك مع الموسيقى و"مسائل الجبر"‪ ،‬ولكن بعد أن‬ ‫تكمل حديثك الذي انقطع‪ .‬أمامك متسع من الواقت‪ ،‬تستطيع خلله‬ ‫أن تستعين بالقواميس‪ ،‬وتبحث عن الكلمات ما استطعت‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫الحـــــــــــــــركة الخامسه‬ ‫مشيت وأنا أدسبج ردودا على أسئلتها المتواقعة تارة‪ ،‬أو أفكر في أعذار‬ ‫لغيابي عن البيت لما بعد غروب الشمس تارة أخرى‪ ،‬أو أدسبر حيلة‬ ‫تتيح لي الغياب في الغد‪ ،‬لما بعد شرواقها‪ ،‬تارة ثالثه‪ .‬تقابلت عند باب‬ ‫الدار مع والدي العائد لتوه من الجامع القريب منها‪ ،‬حيث يؤدي‬ ‫الصلوات الخمس في أواقاتها‪ .‬عاتبني بصمته‪ .‬وعندما سمع أعذاري‪،‬‬ ‫أخذ يتمتم بدعوات الرضى وسداد الخطى‪ .‬وفعلت ذلك والدتي‪،‬‬ ‫داعية إلى ا‪ ،‬كعادتها‪ ،‬أن يجعل لي في كل طريق صديق‪ ،‬وفي كل‬ ‫خطوة سلم‪.‬‬ ‫واقالت لي إحدى شقيقاتي بااقتضاب أن"حسين" اقد حضر وسأل عني‪.‬‬ ‫أول ما داهم خاطري هو أن "حسين"‪ ،‬بعد أن تفقدني ولم يجدني‪ ،‬اقد‬ ‫رااقبني ورآني وأنا أغادر بيتها‪ .‬ولذلك اقررت أن أاقول له الحقيقة‪،‬‬ ‫التي أخفيتها عنه أثناء لقاءنا اليوم في المدرسه‪ .‬وهذه خطوة‬ ‫ضرورية لكي أحظى بدعمه لي في الغد‪ .‬فل بد أن "يعرف" والدي‬ ‫أنني سوف أاقضي ليلة الغد في بيتهم‪ .‬وعلى كل حال‪ ،‬مازال في‬ ‫الواقت متسع لتدبر المر‪.‬‬ ‫تناولت عشائي بصمت ونهم‪ .‬ثم جلست إلى طاولتي‪ .‬أنهيت كل‬ ‫واجباتي المدرسية بسرعة اقياسية‪ .‬وبعد فترة من التفكير والتأمل‪،‬‬ ‫وجدتني أمسك بالقلم وأكتب‪:‬‬ ‫‪250‬‬


‫أردت أن أاقول لك‪..‬‬ ‫أن ا‪ ،‬سبحانه‪ ،‬اقد جعل من خلقه من هم على اقدرته‪ ،‬دلئل و‬ ‫آيـــــــات‪..‬‬ ‫أو ‪..‬‬ ‫كأني‪ ،‬وأنا أتأمل وجهك‪ ،‬إنما أاقرأ فيه التسبيح والصلوات‪..‬‬ ‫أو ‪..‬‬ ‫أن ما كان يجول في خاطري‪ ،‬وأنا أنظر إليك‪ ،‬هو نغم إلهي‪..‬أغنية‬ ‫بل كلمات‪ ..‬أو‪..‬‬ ‫واقبل أن أسترسل فيما كنت أتوهم أنه ينتمي إلى الشعر المنثور الذي‬ ‫كنت أميل إليه‪ ،‬حاولت أن أترجم تلك الكلمات إلى اللغة النجليزية‪،‬‬ ‫فلم أاقتنع بنتيجة ما بذلت من محاولت‪.‬‬ ‫خطر لي أن ألجأ للستاذ "سعيد"‪ ،‬أول من طرح فكرة استعمال‬ ‫اللغة النجليزية خارج نطاق المدرسة‪ .‬لكنني سرعان ما استبعدت‬ ‫هذا الحل‪.‬‬ ‫هل ألجأ لصديقي "حسين"؟ ربما‪ ..‬ولكن‪..‬‬ ‫فجأة تذكرت رأي "حسين" فيها‪ ،‬والرواية التي أرلفها ونسبها للكاتب‬ ‫الفرنسي "جان لوي مارسو"‪ ،‬الذي تبين أنه ل وجود له‪ .‬تلك اللعبة‬ ‫التي كان يتقنها‪ ،‬وكثيرا ما كان يمارسها مع بعض المدرسين‪.‬‬ ‫يستشهد بأاقوال وحكم من وحي اقراءاته أو من تأليفه‪ ،‬بعد أن ينسبها‬ ‫لحد الكتاب الكبار أو لكاتب أجنبي‪ ،‬يسميه كما اتفق‪ .‬ول يجد‬ ‫المدرس أمامه سوى إلتزام الصمت خوفا من انكشاف جهله‪.‬‬ ‫وبالرغم من أنني استبعدت‪ ،‬وما زلت أستبعد‪ ،‬هذا الرأي جملة‬ ‫وتفصي ر‬ ‫ل‪ ،‬إل أنني لم أستطع الهروب من ذلك التسامؤل‪:‬‬ ‫ماذا بعد؟‬ ‫وأطلقت لمخيلتي العنان‪ .‬وتزاحمت وتصارعت الفكار‪.‬‬ ‫ثم غلبني النوم‪.‬‬

‫الحــــــــــــــــــركة السادسه‬ ‫‪251‬‬


‫كأن البتسامة الغامضة لم تفارق شفتيها منذ المس‪ .‬تناولي ت‬ ‫ت دفاتري‬ ‫وألقت بها جانبا‪.‬‬ ‫لول مرة يشد إنتباهي شيء آخر‪ ،‬غير وجهها وعينيها الشهلوين‪.‬‬ ‫ظ ت‬ ‫كأني أرى اقوامها للمرة الولى‪ .‬لح ي‬ ‫ت ذلك‪.‬‬ ‫ لماذا تنظر لي هكذا؟‬‫وكأنما أدركت فجأة أنه السؤال الذي أربكني بالمس‪ .‬غطت وجهها‬ ‫بيديها وانحنت في ضحكة اقصيرة‪ ،‬ثم اعتدلت وأكملت‪:‬‬ ‫ ل‪ ،‬ليس بهذه السرعه‪ .‬إسترح أول! أمامنا متسع من الواقت‪.‬‬‫لم أستطع أن أكف عن النظر إليها وهي تتحرك بحيوية ومرح‪.‬‬ ‫كانت ترتدي نفس الرداء الذي ظهرت به في اليوم الول لتعارفنا‪.‬‬ ‫وكذلك لم أستطع أن أكتم رغبتي في أن أبوح لها باللقب الذي اخترته‬ ‫لها منذ الوهلة الولى‪" ..‬جينيفر جونز"‪.‬‬ ‫تمايلت طربا‪ ،‬وتأودت في مشيتها بما يتناسب مع الموسيقى الناعمة‬ ‫التي كانت تغمر المكان‪.‬‬ ‫اقالت‪:‬‬ ‫ أل تخشى أن يملني الغرور؟‬‫أضفت بصدق‪:‬‬ ‫ "جينيفر جونز" التي أعرفها ليست سوى صوره‪ ،‬بدون روح‪،‬‬‫بل حراره‪.‬‬ ‫ااقتربت‪ ،‬وجلست إلى جانبي‪ ،‬وعادت إلى شفتيها تلك البتسامة‬ ‫الغامضة‪:‬‬ ‫ مادمت اقد بدأت‪ ..‬فلنكمل حديث المس‪.‬‬‫وهيهات أن أتذكر كلمة واحدة مما دونت بالمس‪ .‬تصبب العرق من‬ ‫جبيني‪ .‬اجتاحتني هربة لفحة من الحر‪.‬‬ ‫ظننت أن السبب هو تلك "الكنزة" الصوفية التي أصرت والدتي أن‬ ‫أرتديها إتقاء لنسمات ليالي أواخر فبراير البارده‪.‬‬ ‫‪252‬‬


‫ساعدتني "كارولين" على التخلص منها‪ .‬لكن موجات أخرى كانت‬ ‫تلفحني كلما ااقتربت مني لتستدرجني في الحديث‪.‬‬ ‫نهضت وهي تقول‪:‬‬ ‫ داقيقة واحده‪ ..‬سأعد لك شرابا مرطبا‪.‬‬‫تمنيت أن تطول غيبتها ريثما أستعيد بعض هدوئي‪ ،‬أو أتدبر إجابة‬ ‫لسؤالها‪.‬‬ ‫ساءلت نفسي عما إذا كانت تريد أن تعرف ما يجول في خاطري‬ ‫بالذات‪ ،‬أم أنها‪ ،‬فقط‪ ،‬تريد أن تسمع مني المزيد من كلمات العجاب‬ ‫التي لتمل النساء سماعها‪ ،‬حسب ما أعرفه من اقراءاتي‪ .‬ول أدري‬ ‫لماذا كنت أميل إلى الفتراض الول‪ ،‬بالرغم من العقبات التي تجعل‬ ‫ذلك في عداد المهمات الصعبة‪.‬‬ ‫عادت تحمل كأسين يختلف لون محتويات أحدهما عن الخر‪ .‬اقالت‬ ‫وهي تقدم أحدهما لي‪:‬‬ ‫ "كوكتيل"‪ ،‬عصير فواكه مع اقطع من الثلج‪.‬‬‫ثم رفعت كأسها‪ ،‬المختلف لون محتوياته‪ ،‬وهي تقول‪:‬‬ ‫ كأسي فيه خليط ‪" ،‬كوكتيل"‪ ،‬يحتوي على الـ"كامباري"‪ .‬اقال لي‬‫الطبيب أن اقليل من الكحول يفتح شرايين القلب‪ .‬وأجد متعة في‬ ‫شربه أحيانا‪.‬‬ ‫ل أظنك ترغب في مثل هذا المشروب‪.‬أم أنك تحب أن تجربه؟‬ ‫كأنما أجفلت لمجرد سماع عرضها‪ ،‬وإن كنت لم أسمع بذلك السم‬ ‫من اقبل‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬ل‪ ..‬شكرا!ر‬‫ضحكت واقالت بشيء من الدلل‪:‬‬ ‫ هل تمانع في شربي أنا؟ سأتواقف عن ذلك إن أردت‪.‬‬‫ طبعا ل‪.‬‬‫اقالت وهي تقرع كأسها بكأسي‪:‬‬ ‫‪ -‬إذن‪ ،‬في صحتك‪.‬‬

‫‪253‬‬


‫هأنا‪ ،‬أخيراير‪ ،‬أمارس "اقرع الكؤوس" كما كنت أراه في الفلم‬ ‫السينمائيه‪.‬‬ ‫اقلت لها ذلك فأغراقت في ضحكة يشوبها بعض المجون‪ ،‬مما أصابني‬ ‫بما يشبه الصدمه‪ .‬تذكرت فجأة صديقي "حسين"‪ .‬لكن سرعان ما‬ ‫انتزعتني هي من صديقي وأفكاره الشاذه‪.‬‬ ‫نظرت إلى ساعة يدها‪ ،‬ثم اقالت‪:‬‬ ‫ مارأيك في الموسيقى؟ هل تريدني أن أستبدل السطوانه بواحدة‬‫أخرى تختارها أنت؟‬ ‫كانت أغنية حالمة تتردد فيها كلمة إسبانية استرعت انتباهي‪..‬‬ ‫" موتشو‪ ..‬موتشو‪ ..‬موتشو"‪.‬‬ ‫أجبتها بسرعة‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬أبدا! إنها تروق لي‪ .‬هل تعرفين معنى كلمة "موتشو"؟‬‫هزت رأسها‪ ،‬ورمقتني بنظرة استنكار فيها شيء من الدلع والعتاب‬ ‫وهي تجيب‪:‬‬ ‫ "بوي"!‬‫ثم أضافت وهي تمد لي يدها‪:‬‬ ‫ تعال لريك غرفة المكتبه‪ ،‬حيث سأتركك مع "مسائل الجبر"‬‫للمدة التي تراها كافية‪ .‬أما الموسيقى فسيصلك صوتها عن‬ ‫طريق السماعة المعلقة على حائط الـ"كوريدور"‪.‬‬ ‫كنا اقد دخلنا الغرفة‪ ،‬فأكملت وهي تشير إلى الريكة التي تحتل جزءا‬ ‫كبيرا منها‪ ،‬وعليها "بيجامة" مطوية ومنشفه‪:‬‬ ‫ أظنك ستجد كل إحتياجاتك هنا‪ ،‬ول ينقصك كما أرى سوى فرشاة‬‫السنان‪.‬‬ ‫ثم شدتني من يدي‪ ،‬وأضافت‪ ،‬بينما أنا منقاد إليها بشيء من الذهول‪:‬‬ ‫ وهذا هو باب الحمام‪ ،‬وهذا هو مفتاح النور‪..‬هل من أسئلة؟‬‫استدارت عائدة إلى الصالة‪ ،‬ثم التفتت نحوي وهي تبتعد اقائله‪:‬‬ ‫ لو احتجت إلى أي شيء‪ ،‬فأنا في الصالة‪..‬أاقرأ‪ .‬وعندما تشعر‬‫بالجوع‪ ،‬عليك أن تخبرني بذلك بدون تردد‪ .‬فلقد أعددت لنا‬ ‫‪254‬‬


‫عشاء خفيفا‪ .‬أما أنا فأعتقد أنني سأشعر بالجوع‪ ..‬بعد مدة ساعه‬ ‫أو تزيد اقليل‪.‬‬ ‫تأملت اقوامها وهي تبتعد بخطوات رشيقة متناسقة تكاد تتوافق مع‬ ‫إيقاع الموسيقى الخفيفة المرحه‪ .‬شيء ما كان يدفعني إلى إطالة النظر‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫لم يعد وجهها أو عيناها هما مركز الجاذبيه بالنسبة لي‪.‬‬ ‫عندما اختفت‪ ،‬وجدتني أاقف بباب غرفة المكتبه‪ ،‬ومن أمامي غرفة‬ ‫أخرى‪ ،‬يبدو أنها غرفة النوم‪ ،‬ظل بابها مواربا بالرغم من محاولتها‬ ‫غلقه وهي في طريقها إلى الصاله‪.‬‬ ‫عندما تركتني في المرة الولى لتحضير شراب الفواكه‪ ،‬كنت أرجو‬ ‫أن تطول غيبتها لكي أخلو إلى نفسي ريثما يزول اضطرابي‪ .‬أما‬ ‫الن‪ ،‬فلست أدري ما الذي أنا فاعله ريثما تشعر هي بالجوع‪.‬‬ ‫هل أعترف لها بأنني لم آت من أجل "مسائل الجبر"‪ ،‬ول من أجل‬ ‫"كونشيرتو أرانخيز"؟‬ ‫أعترف؟!‬ ‫وهل هي من السذاجة بحيث تكون اقد انطلت عليها حيلتي‪ ،‬وواقعت‬ ‫في شراكها؟‬ ‫أم أنني أنا الذي واقعت في الشرك الذي تحدث عنه صديقي"حسين"؟‬ ‫مازلت أتمنى أن يكون هو المخطيء‪ .‬ولوأنني‪ ،‬أيضا‪ ،‬أتمنى أن أنعم‬ ‫بالمزيد من اقربها‪.‬‬ ‫وماذا بعد؟ هل هناك أاقرب مما كنا فيه اقبل اقليل؟‬ ‫أخذت أستعيد واقائع زيارة المس‪ ،‬والزيارات السابقة‪ ،‬واليوم الول‪.‬‬ ‫ثم عدت بالتسلسل الزمني إلى أن وصلت إلى اللحظة التي فتحت لي‬ ‫فيها الباب‪ ،‬اليوم‪ .‬إبتسامتها الغامضه‪ ،‬واقوامها‪ .‬وحرارة جسدها التي‬ ‫لفحتني‪.‬‬ ‫شعرت بجفاف في حلقي‪ .‬تذكرت كوب الشراب‪ .‬أظنني تركته بدون‬ ‫أن أكمل شربه‪ .‬لم أتردد في النهوض والتوجه إلى الصاله‪.‬‬ ‫تنحنح ُ‬ ‫ت‪ .‬رفيعت عينيها عن الكتاب في تسامؤل‪ .‬أشرت إلى الكوب‪.‬‬ ‫وضعت الكتاب جانبا ونهضت اقائله‪:‬‬ ‫‪255‬‬


‫ انتظر اقليل! ل بد أن الثلج اقد ذاب وأصبح الشراب مخففا‪ .‬ظننت‬‫أنه لم يعجبك‪ .‬سأحضر لك غيره في الحال‪.‬‬ ‫كنت اقد سبقتها في الوصول إلى الكوب‪ .‬حاولت أن تأخذه من يدي‪،‬‬ ‫فتمسكت به وأنا أبين لها أن الشراب المخفف سوف يؤدي الغرض‬ ‫في إطفاء عطشي‪ .‬ول أدري من منا هو الذي كان يسعى إلى إطالة‬ ‫فترة تلمس أيدينا‪.‬‬ ‫ل أظنني كنت أمتلك مثل هذه الجرأه‪ .‬ول أدري كم طالت تلك الفتره‪.‬‬ ‫لكن الذي أعرفه تماما هو أنني كنت أريد لها أن تطول أكثر‪.‬‬ ‫عادت بالكوب المملوء‪ ،‬وأثلجت صدري بمحاولتها تجاوز ما جرى‪.‬‬ ‫كنت أخشى أن تكون اقد لحظت مظاهر التوترالتي انتابتني‪ .‬اقالت‬ ‫بمرح يخلو من الفتعال‪:‬‬ ‫ نصف ساعة‪ ،‬وأكون اقد انتهيت من اقراءة الفصل الخير من‬‫الكتاب‪ ،‬وبعدها أتفرغ لعداد العشاء‪ .‬ولن يستغرق ذلك سوى‬ ‫داقائق أخرى‪ .‬هل بدأت تشعر بالجوع مثلي؟‬ ‫أومأت برأسي وشكرتها وعدت إلى غرفة المكتب‪ .‬شربت الكأس‬ ‫حتى الثماله‪ .‬وحمدت ا أنها لم تعرأي اهتمام لما كنت أحسب له ألف‬ ‫حساب‪.‬‬ ‫شعرت بحاجة لدخول الحمام‪ .‬كان ل بد من اللجوء إلى ما يعيد لي‬ ‫بعض هدوئي‪.‬‬ ‫لدى خروجي لمحت صورة وجهي في المرآة‪ .‬ااقتربت منها عندما‬ ‫لحظ ُ‬ ‫ت شحوبي الزائد‪ .‬فجأة تذكرت زوجها‪" ،‬جريجوري بيك"‪.‬‬ ‫تأملـُتني‪ .‬الشيء الوحيد الذي يميزني عن الطفال هو ذلك الزغب‬ ‫الكثيف المائل لونه إلى السواد فوق شفتي العليا‪ .‬ابتسمت‪ ،‬في سخرية‬ ‫من نفسي‪.‬‬ ‫خرجت من الحمام أكثر وااقعية‪ ،‬وبل أوهام‪.‬‬ ‫استلقيت على الريكة‪ ،‬ورحت فيما هو بين الغفاءة والغماءة‪.‬‬ ‫سمعت صوتا يأتيني من بعيد‪ .‬تمكنت بالكاد من تمييزه‪:‬‬ ‫‪256‬‬


‫ ‪ ..‬يا صديقي العزيز!‬‫لأستطيع أن أحدد كم مرة تكررالنداء‪ .‬المهم أنني صحوت من النوم‪.‬‬ ‫نهضت‪ ،‬وأصلحت من شأني‪ ،‬وخرجت إلى الصالة وأنا أتظاهر بأن‬ ‫شيئا لم يكن‪ .‬اقالت وهي توميء لي بالجلوس إلى المائدة‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬تسللت إلى غرفتك‪ ،‬فوجدتك مستغراقا في النوم‪ .‬هل أنت "أو‪..‬‬‫كيه"؟‬ ‫صبت لنفسها كأسا‪ ،‬وسألتني عن رغبتي بتناول كأس من "النبيذ‬ ‫الحمر"‪ .‬أجفلت‪ ،‬فأنا أعرف‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬ما هوالنبيذ‪ .‬اقالت من‬ ‫خلل ضحكتها المميزه‪:‬‬ ‫ ل تجزع! فأنا أعرف وأحترم التقاليد والديان‪ ،‬وما سؤالي إل‬‫من اقبيل اللتزام بآداب المائده‪ ،‬أو الـ"إيتيكيت"‪ .‬وعلى أي حال‬ ‫فأنا من أنصار أن يجرب النسان كل شيء‪ ،‬فيقبل عليه‪ ،‬أو‬ ‫يمتنع‪ ،‬عن وعي وبااقتناع‪.‬‬ ‫تذكرت الستاذ "سعيد" ونصائحه وتعاليمه التي كانت تجد في نفسي‬ ‫اقبول في بعض الحيان‪ .‬ثم تذكرت اقولها بأننا يجب أن ل نخاف من‬ ‫الخطأ لكي نتعلم من أخطائنا‪ .‬وتمنيت أن تكررعرضها لي‪ .‬لكنها لم‬ ‫تفعل‪ .‬ولم أجد في نفسي الجرأة للتراجع بدون إلحاح منها‪.‬‬ ‫لم أخجل من جوعي‪ ،‬خصوصا وأنها كانت تأكل بشهية واستمتاع‪.‬‬ ‫وعندما انتهينا من تناول العشاء‪ ،‬ملت كأسها مرة أخرى وهي تقول‪:‬‬ ‫ الموسيقى الرااقصة تساعد على الهضم‪ .‬ما رأيك؟‬‫هل أختارها أنا‪ ،‬أم أترك لك حرية الختيار؟‬ ‫اخترت أغنية لمغن زنجي‪ ،‬حفظت لحنها وبعض كلماتها لكثرة ما‬ ‫سمعتها في زياراتنا الولى لها‪ .‬صرخت فلرحه‪.‬‬ ‫هرعت للركن الذي يقع فيه الـ"بيك أب" والسطوانات‪ .‬لم يطل‬ ‫ي‬ ‫بحثها‪ .‬انطلقت موسيقى الغنية‪.‬‬

‫‪257‬‬


‫أاقبلت علي وهي تتمايل على إيقاع الموسيقى الهاديء فاتحة‬ ‫ذراعيها‪ ،‬ثم انحنت أمامي بطريقة مسرحية‪ ،‬وتمتمت بكلمات لم‬ ‫أفهمها‪ .‬ثم عرفت أنها تطلب مني‪ ،‬باللغة الفرنسية‪ ،‬أن أرااقصها‪.‬‬ ‫ولما رأت اضطرابي وحيرتي اقالت‪ ،‬واقد عادت إلى تمايلها‪:‬‬ ‫ سوف تتعلم الراقص بسرعة‪ .‬أذنك الموسيقية كفيلة بذلك‪.‬‬‫ورأيت نفسي أمام أمر وااقع‪ ،‬ل مجال إزاءه للتردد أو التراجع‪.‬‬ ‫أخذت يدي اليمنى‪ ،‬وأحاطت بها خصرها ووضعت يدها اليسرى‬ ‫على كتفي‪ ،‬بينما ظلت اليدان الخريان‪ ،‬يدها ويدي‪ ،‬متماسكتان‬ ‫ممدودتان‪ ،‬واقالت وهي تكاد أن تلتصق بي‪:‬‬ ‫ هذا هو الوضع الصحيح لراقصة الـ "فوكس تروت"‪.‬‬‫ثم ابتعدت عنى بما يسمح لكلينا أن يرى خطوات الخر‪ ،‬وأكملت‬ ‫على إيقاع الموسيقى‪:‬‬ ‫ واحد‪ ..‬واحد إثنين‪ .‬خطوه‪ ..‬خطوتين‪ .‬واحد‪ ..‬واحد إثنين‪..‬‬‫ثم أخذت المسافة بيننا تضمحل بالتدريج‪ .‬ومدت يدها لتثبت يدي‪،‬‬ ‫المتراخية رهبة وخجل‪ ،‬حول خصرها‪:‬‬ ‫ هكذا يا صديقي العزيز! هذا من مقتضيات الراقصه‪ .‬كف عن‬‫خجلك!‬ ‫تيار كهربائي يدغدغ جسدي‪ ،‬فيسري دم ساخن في عرواقي‪ ..‬وكل‬ ‫أعضائي‪.‬‬ ‫نشوة عارمة تغمرني‪ .‬وأشعر بالحرج الشديد من ذلك النموالمتزايد‬ ‫الذي يضطرني للبتعاد عنها خشية أن تشعر به‪ ،‬فأفسد تلك اللحظات‬ ‫التي لم أحظ بمثلها حتى في أحلمي التي كانت تثيرها اقراءاتي‪ ،‬أو‬ ‫ثرثرات الصداقاء‪ ،‬أو مشاهداتي في الفلم السينمائيه‪ ،‬أو ربما‬ ‫تجاربي المخطوفه المرتعده مع اقريبات أو جارات لي ممن يصغرنني‬ ‫أو من هن في مثل سني‪ ،‬أو أكبر بقليل‪.‬‬ ‫تميل بي إلى اليمين فأميل معها‪ .‬تقودني إلى اليسار فأنقاد إليها‪.‬‬ ‫وتفكيري يتركز في تجنب الحتكاك بها‪ ،‬وفي متابعة الغنية‬ ‫‪258‬‬


‫مستعجل نهايتها‪ .‬واقبل أن يتلفظ المغني الزنجي ذو الصوت الرخيم‬ ‫بكلماته الخيرة‪ ،‬أكون اقد تركت خصرها ويدها‪ ،‬وأخذت بالتصفيق‪،‬‬ ‫حسب ما تمليه مشاهداتي في الفلم السينمائيه‪ .‬ثم أسارع بالجلوس‬ ‫لكي ل تكتشف ما جاهدت لخفاءه‪.‬‬ ‫صفقت هي الخرى‪ ،‬وأثنت على سرعة تعلمي لراقصة الـ "فوكس‬ ‫تروت" اقائلة ليت واقتها يسمح بأن تدربني على بقية الراقصات في‬ ‫مرات اقادمة‪ .‬في كل مرة راقصه أخرى‪" .‬هذا طالما كنت لم أزل في‬ ‫هذا البلد"‪ .‬وهذا‪ ،‬كما تقول‪ ،‬من متطلبات الحياة العصرية الجديدة‬ ‫التي سوف أخوضها في المستقبل القريب‪ ،‬عندما أسافر إلى أمريكا‬ ‫لدراسة الخراج السينمائي‪.‬‬ ‫ ‪ ..‬أليست هذه أحلمك للمستقبل؟ ألم تقل لي أنك تنوي دراسة‬‫السينما؟‬ ‫رشفت من كأسها بتلذذ وأعادته إلى مكانه‪ ،‬ثم أضافت وهي تمسك‬ ‫بذراع الـ "بيك أب"‪ ،‬وتعيد وضع إبرته على بداية السطوانه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ثم إن المخرج السينمائي ل بد وأن يكون مل رما بمختلف مظاهر‬‫الحياه‪ .‬والهم من هذا وذاك‪..‬أن ل يكون خجول!‬ ‫اقالتها بشيء من العتاب أو التأنيب‪ ،‬وهي تشدني من مكاني وتحملني‬ ‫على مواصلة الراقص‪ ،‬وتضطر لن تقوم بنفسها بتثبيت ذراعي‬ ‫اليمنى ليحتوي طراوة خصرها ودفئه‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬فقد كانت كل مخاوفي وهما‪ .‬فهي لم تشعر بالتغيرات التي‬ ‫اعترتني في الجولة الولى‪.‬‬ ‫وضعت ذراعها‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬على كتفي‪ .‬وأخذت تدندن بلحن المقدمة‬ ‫الموسيقية وهي تقودني بخطوات ضيقة بحيث لم أستطع تجنب‬ ‫ملمسة سااقي لسااقها‪.‬‬ ‫وعندما بدأ المغني الزنجي ذو الصوت الرخيم في الغناء‪ ،‬أخذت‬ ‫تهمس معه بكلمات الغنيه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬الشمس مشراقه‪ ..‬يا له من يوم سعيد‪ ..‬ويا لله ما أسعدني!‬‫‪259‬‬


‫واستمرت بالهمس بكلمات أخرى مرتجلة‪ ،‬مع اللتزام بلحن الغنيه‪:‬‬ ‫ عليك أنت أن تقودني‪ ..‬فهذه هي اقواعد الراقصه‪ ..‬المرأة تنقاد‬‫للرجل‪..‬أليس كذلك؟ وهأنا سأترك لك نفسي من الن‪.‬‬ ‫ثم فطنت فجأة لشيء هام‪ .‬خلعت حذاءها‪ ،‬لنصبح بنفس الطول تقريبا‪.‬‬ ‫أسندت ذاقنهاعلى كتفي‪ ،‬واستمرت بالهمس ببقية كلمات الغنيه‪:‬‬ ‫_ ‪The Moon is shining .. O happy Night .. ..‬‬ ‫‪O, O lucky me‬‬ ‫أما أنا فقد كنت أناضل في عدة جبهات‪ .‬أتابع إيقاع الموسيقى‪،‬‬ ‫وأحرص على ضبط الخطوات‪ ،‬وأتحاشى أن تصطدم سااقانا‪ ،‬أو أن‬ ‫أتعثر بقدميها‪ ،‬وأتوخى حفظ مسافة معينة بيننا‪.‬‬ ‫لكن هيهات!‬ ‫يدي تمسك بيد "جينيفر جونز"‪ ،‬تلك الغادة الفاتنة التي ااقتتل من‬ ‫أجلها الشقيقان "جريجوري بيك" و "جوزيف كوتون" حتى الموت‪،‬‬ ‫في فيلم "صراع تحت الشمس"‪.‬‬ ‫وذراعي يحيط بخصرها اللين المتأود‪ ،‬تلك التي جسدت شخصية‬ ‫"إيرما"‪ ،‬والتي أذعن لسحرها سادة القوم في فيلم "مدام بوفاري"‪،‬‬ ‫رائعة "جوستاف فلوبير"‪.‬‬ ‫وصدرها الجريء يزيد اقربه مني في سرعة ضربات اقلبي‬ ‫واضطرابي‪ ،‬وشعرها يداعب وجهي‪ ،‬وأريجه يمل خياشيمي‪.‬‬ ‫فأتمنى أن تقف المور عند هذا الحد‪ ،‬لنفرد بنفسي فأحاول أن‬ ‫أستوعب ما يحدث‪.‬‬ ‫كنت أشعرأن التجربة أكبر مني‪ ،‬وأن ما يجري أكثر حتى من اقدرة‬ ‫مخيلتي بمراحل‪.‬‬ ‫والحق أنني لم أتذكر صديقي "حسين"‪ ،‬لنني لم أشعر بأي افتعال‬ ‫لما حدث‪ .‬كل شيء كان يتطور بشكل طبيعي وتلقائي‪ .‬وكانت‪ ،‬بعد‬ ‫كل راقصة‪ ،‬تسألني إن كنت أفضل أن أخلد للراحة أو النوم‪ .‬فأنفي‬ ‫ذلك وأكتفي بالجلوس وتجفيف عراقي والتقاط أنفاسي‪ .‬تأخذ خللها‬ ‫رشفات من كأسها أو تمله بدون أن تحاول إستدراجي لمشاركتها في‬ ‫ذلك‪ .‬ثم تعبث في مجموعة السطوانات‪ ،‬ونواصل الراقص من جديد‪.‬‬ ‫‪260‬‬


‫تبدأ بالتعريف باسم المغني أو المغنيه أو المؤلف الموسيقي‪.‬‬ ‫وأشاركها الحديث بأن أسال عما يستعصي علي فهمه‪ ،‬فتفسر لي‬ ‫الكلمات أو الجمل بدون كلل‪ ،‬أو تبادر بترجمة ما تختاره من الغاني‬ ‫الفرنسية‪.‬‬ ‫ثم تموت على شفتينا الكلمات‪.‬‬ ‫ويلفحني صهد حرارتها‪ ،‬ويعود جسدي للحساس باستدارة فخذيها‪،‬‬ ‫تكور نهديها‪.‬‬ ‫أو ر‬ ‫وتسترق عيناي النظر‪ ،‬رغما عني‪ ،‬إلى تلك المساحة من العري‬ ‫المتاح للصدر‪ ،‬وأكاد ل أستطيع أن ألجم نظراتي المتسللة‪ .‬ثم أعود‬ ‫لمحاولتي اليائسة لتجنب ما اقد يثير انزعاجها‪ ،‬كما كنت أتخيل‪ .‬وما‬ ‫أن تنتهي الغنية‪ ،‬أوالقطعة الموسيقية‪ ،‬حتى ألقي بنفسي على الكنبة‪،‬‬ ‫وأنا أدارى إنتصابي‪ ،‬مبالغا بالتظاهر بالتعب والجهاد‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كانت لي "مغامرات" يحسدني عليها أصداقائي‪ ،‬وتجعلني‪ ،‬في‬ ‫نظرهم‪" ،‬دون جوان" يشار إليه بالبنان‪ .‬لكنها لم تكن تتجاوز‬ ‫النظرات‪ ،‬أو البتسامات المتبادلة‪ ،‬أو لمسة يد‪ ،‬أو"بوسه" مخطوفة‪.‬‬ ‫وأكثر مغامراتي "فجوررا" كانت مع تلك الصبيه "الفايره"‪"..‬نعيمه"‪،‬‬ ‫التي عوضها ا عن وجهها المائل إلى القبح‪ ،‬بجسد يحسدها عليه كل‬ ‫من رآها من فتيات أو نساء منطقة "الرمال" بكاملها‪.‬‬ ‫كانت تكبرني بسنتين أو ثلثة‪ ،‬وكانت تدرك أنها تمتلك تلك‬ ‫"المواهب"‪ ،‬ول تترك فرصة تفوت دون أن تتعمد إبرازها‪،‬‬ ‫والتباهي بها‪ ،‬أمامي‪.‬‬ ‫ظلت تتحرش بي منذ أن استقر بنا المقام في "غزة"‪ ،‬إثر الهجرة إليها‬ ‫من القدس‪ ،‬بدون أن تجد استجابة مني‪ ،‬إلى أن كان ذلك الشتاء‪ ،‬فلم‬ ‫أستطع منها فكاكا‪.‬‬ ‫كان والدها يعمل "عتا ر‬ ‫ل" في متجر الحبوب الذي يمتلكه أحد أاقربائي‬ ‫في يافا‪ .‬وكانت وحيدة أباها الرمل‪ .‬وبعد الهجرة إلى "غزة"‪ ،‬لم‬ ‫يجد بديل عن ترك الصبية في بيت اقريبي ليسافر باحثاعن الرزق‪.‬‬ ‫‪261‬‬


‫وبعد عامين أرسل والدها ما يفيد بأنه اقد "كتب كتابها" على صديق له‬ ‫عائد إلى "غزة" ليستقر فيها‪.‬‬ ‫زفت لي الخبر وهي تكاد تفقد صوابها من الفرحه‪ .‬وأخذت تعدني‬ ‫بأنها‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬سوف تمتعني بعلاقة كاملة‪ .‬كانت‪ ،‬في‬ ‫الشهورالخيرة‪ ،‬تقول لي‪ ،‬بالحرف الواحد‪ ،‬أن الـ"ترين"‪ ،‬حسب‬ ‫تعبيرها السواقي‪ ،‬الذي كنت أنفر منه‪ ،‬سوف يتمكن من دخول‬ ‫المحطه )!(‬ ‫لكن زوجها اقرر أن ينتقل بها ليعمل في الخليج‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫أما أن أرااقص "جينيفر جونز"‪ ،‬في خلوة امتدت حتى اقارب الليل على‬ ‫النتصاف‪ ،‬فهذا ما لم يكن ليتسع له خيالي‪.‬‬ ‫لكنها الحقيقة التي ما برحت أراها بعيني‪ ،‬وألمسها بيدي‪ ،‬وأسمعها‬ ‫بأذني‪ ،‬وأستشعرها بجسدي‪.‬‬ ‫هناك‪ ،‬من بين أحلم منامي‪ ،‬حلم كثيرا ما كان يتكرر بنفس تفاصيله‪.‬‬ ‫كنت أراني فيه أتنقل من مكان إلى آخر طائرا‪ ،‬أحلق في الهواء مثل‬ ‫الطيور‪.‬‬ ‫أطير صعودا في العالي أو أغوص هابطا في الفضاء‪ .‬ثم أراني‬ ‫واقد صحوت من نومي‪ ،‬ول أكاد أتبين ذلك حتى أعود لواصل‬ ‫الطيران كأنما لثبت لنفسي أن اقدرتي على الطيران حقيقة‪ ،‬وليست‬ ‫مجرد أضغاث أحلم‪.‬‬ ‫حلم في داخل حلم‪.‬‬ ‫وكأني‪ ،‬في تلك الليلة‪ ،‬مازلت أواصل شيئا من هذا القبيل‪ .‬أصحو من‬ ‫حلمي الرااقص‪ ،‬ثم أعود للراقص لثبت لنفسي أن "جينيفر جونز"‬ ‫حقيقة شاخصة أمامي‪ ،‬وأستطيع احتضانها ومرااقصتها مرة إثر‬ ‫الخرى‪.‬‬ ‫يعترى جسدي خدر لذيذ‪ ،‬بينما كانت تدور في رأسي فكرة الكتفاء‬ ‫بهذا القدر و الستسلم للنوم‪ ،‬على أن أواصل الحلم في يوم آخر‪،‬‬ ‫ربما في الغد‪.‬‬ ‫‪262‬‬


‫ثم أفاجأ بموسيقى "كونشيرتو أرانخيز" تتسلل إلى مسامعي‪،‬‬ ‫وصوتها يقترب‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬والن‪ ..‬واقبل أن أتركك مع هذه الموسيقى الهادئة‪..‬‬‫ااقتربت تحمل كأسي مجددا‪ ،‬وجلست إلى جانبي وأكملت‪ ،‬واقد عادت‬ ‫إلى شفتيها ابتسامتها الغامضة‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬أحب أن أستمع إليك في الحديث الذي انقطع بالمس‪ .‬أم أنك اقد‬‫نسيت؟‬ ‫ولول مرة أرى أن في وجهها ما يخطف البصرغير العينين‪.‬‬ ‫شفتـــــــــــاها‪.‬‬ ‫حكيت لها‪ ،‬على أنغام "رودريجو"‪ ،‬اقصة حلمي الطائر الذي أثبتت‬ ‫في أحلمي أنه حقيقه‪ .‬وأشرت إلى الحلم الخر‪ ،‬الذي ما زال يفتقر‬ ‫إلى إثبات حقيقته‪.‬‬ ‫اتسعت إبتسامتها‪ .‬شربت ما تبقى في كأسها وشردت بأفكارها برهة‬ ‫ثم نهضت‪.‬‬ ‫وبدون مقدمات‪ ،‬تمنت لي‪ ،‬بثغر يفترعن "إبتسامة ما"‪ ،‬نوما هادئا‪،‬‬ ‫واختفت في غرفة النوم‪.‬‬ ‫ل أدري كم من الواقت اقد مضى وأنا أحاول التخلص من رعشة البرد‬ ‫التي أصابتني منذ أن استبدلت ملبسي لخلد إلى النوم‪ .‬لكن‬ ‫الموسيقى الناعمة كانت تؤكد أنه لم يمض الكثير‪.‬‬ ‫عبثا حاولت أن أجد ما أتدثر به‪ .‬لقد تذكير ت‬ ‫ت كل شيء‪ ..‬ما عدا‬ ‫الغطاء‪ .‬وعبثا حاول ُ‬ ‫ت الستغناء عنه‪.‬‬ ‫واقفت بباب غرفة المكتب أفكر فيما عساي أن أفعل‪ .‬كان باب غرفة‬ ‫النوم مواربا‪ ،‬ونور خافت يتسلل منها‪ ،‬وهو الشيء الذي ربما ينم عن‬ ‫إحتمال عدم استغرااقها في النوم‪.‬‬ ‫طراقت الباب طراقا خفيفا‪ .‬لم أسمع رد را‪ .‬طراقته مرة أخرى‪ .‬انتظرت‬ ‫اقليل ثم دفعته بحرص‪.‬‬ ‫فوجئت بها تنظر لي متسائله‪ .‬وتراءت لي تلك الـ"ابتسامة ما" التي‬ ‫ارتسمت على كل وجهها‪.‬‬ ‫‪263‬‬


‫خيم الصمت برهة‪.‬‬ ‫كنت أرتعش من البرد‪ .‬اتسعت ابتسامتها بشكل ملحوظ‪ ،‬ثم ضحكت‪.‬‬ ‫كان شكلي بمنامة "جريجوري بيك" الفضفاضة‪ ،‬التي تتسع‬ ‫لشخصين آخرين من مثلي‪ ،‬مما يثيرالضحك فعل‪.‬‬ ‫ازداد إحساسي بالبرد واشتدت إرتعاشة بدني‪ .‬فتحت فمي لتكلم‬ ‫فاصطكت أسناني‪ .‬كدت من شدة إرتباكي أن أاقفل عائدا‪ .‬لكنني‬ ‫فوجئت بخلجاتها تتغير‪:‬‬ ‫ تعال يا طفلي المسكين!‬‫اقالت هذا وهي ترفع الغطاء عنها بملء ذراعها‪.‬‬ ‫كانت عارية‪.‬‬ ‫كررت دعوتها مرة وثانية وثالثة‪ ،‬وأنا ااقف مذهول‪ ،‬ل أدري ماذا أنا‬ ‫فاعل‪ .‬كانت هذه هي المرة الولى التي أرى فيها‪ ،‬عن اقرب‪ ،‬جسد‬ ‫إمرأة كاملة العري في سريرها‪ ..‬وأي إمراه!‬ ‫ لماذا تقف هكذا‪..‬هيا ااقترب!‬‫ااقتربت مترددار مرتعدا‪ .‬تحركت ومدت يدها الخرى وجذبتني إليها‬ ‫بلهفة‪ ،‬ثم احتوتني بالغطاء‪ .‬ومازالت تدلك جسمي بيديها برفق حتى‬ ‫بدأ الدفء يغمر أنحائي‪ .‬جست جبيني و جفني ووجنتي وراقبتي‬ ‫بشفتيها‪ .‬ندت عنها تنهيدة راحة اقبل أن تقول وهي تحتضنني‪:‬‬ ‫ الحمد ل! ظننت أن مكروها أصابك‪.‬‬‫ثم أبعدت وجهها عني‪ ،‬وأخذت تتأملني‪ .‬عادت إليها بالتدريج‬ ‫ابتسامتها الغامضة‪.‬‬ ‫الحرارة تتسرب منها إلى جسدي المتلهف إلى الدفء‪ .‬وأي دفء!‬ ‫أرهيفت السمع برهة‪ ،‬ثم رمقـتني متسائلة‪:‬‬ ‫ هل تسمع شيئا؟‬‫اقلت بعد أن أرهفت سمعي فترة أطول‪:‬‬ ‫ ل‪..‬‬‫اقالت بابتسامة ذات معنى‪:‬‬ ‫‪264‬‬


‫ وأنا أيضا‪..‬ل أسمع شيئا!‬‫ثم أضافت مداعبة‪:‬‬ ‫ ألم نتفق أن الحركتين الرابعة والخامسة ل تقلن روعة عن‬‫الحركات الثلث الولى؟‬ ‫مرت لحظات‪ ،‬وأنا أحاول أن أستوعب ما اقالته‪ .‬أضافت براقة شديدة‬ ‫وهي تشير بإصبعها إلى خارج الغرفه‪:‬‬ ‫ السيد "رودريجو"‪ ..‬يتساءل من سيقلب السطوانة على وجهها‬‫الخر؟‬ ‫اقبل أن تكمل نطقها للسم‪ ،‬كنت اقد أدركت ما تعنيه‪ .‬لكنني لم أشأ أن‬ ‫أتحرك اقبل أن تكمل جملتها‪ .‬كنت أرى منها شفتيها فقط‪.‬‬ ‫لم أكن أعرف كم يمكن أن تكون الشفاه‪ ..‬شهيه‪.‬‬ ‫شدت الغطاء عنى‪ ،‬وهي ترنو إلي برجاء‪.‬‬ ‫كأنما كنت أخشى إن عدت إليها أن ل يكون هناك ما يبرر وجودي‬ ‫في سريرها بعد أن ذهبت عني اقشعريرة البرد‪ ،‬واختفت مظاهر‬ ‫المرض التي دفعتها لتمنحني تلك العناية الفائقه‪.‬‬ ‫حاولت أن أاقرأ في وجهها ما يؤكد لي عكس ذلك‪ ،‬أو ما يضمن لي‬ ‫عودتي‪.‬‬ ‫انتظرت أن تنطق بكلمة تبدد مخاوفي‪ .‬فاجأتني بسؤالها المعهود‪:‬‬ ‫ لماذا تنظر لي هكذا؟‬‫اقلت وأنا ااقفز من مكاني‪:‬‬ ‫ سأاقول لك‪.‬‬‫لم أستغرق واقتا يذكر حتى انسابت الموسيقى‪ .‬واقطعت مسافة العودة‬ ‫في اقفزات معدوده‪.‬‬ ‫وجدتها تحكم حول نفسها الغطاء‪ ،‬وتهز رأسها هزات خفيفة ذات‬ ‫اليمين وذات اليسار بما يعني انها تمتنع‪ .‬لكن ابتسامتها الخفيفة‪ ،‬وهي‬ ‫ترمقني من أعلى إلى أسفل وبالعكس‪ ،‬جعلتني أفهم أنها تضع‬ ‫شروطا لعودتي‪ .‬واقفت حائرا مترددا‪ ،‬محاول أن أفك رموز الرسالة‬ ‫التي وصلتني‪.‬‬ ‫‪265‬‬


‫حاولت أن تبدد حيرتي بأن اقالت بشيء من الدلل‪:‬‬ ‫ أظن أنه ليس من العدل‪.. ..‬‬‫وجدتني أاقف أكثر حيرة وترددا‪.‬‬ ‫كدت أن أسمعها تصرخ بي لأكف عن خجلي‪ .‬لكنها لم تفعل‪ .‬كانت‬ ‫نظراتها لي تنطق بذلك‪.‬‬ ‫ل بد إذن مما ليس منه بد‪ .‬خلعت الجزء العلى من المنامة‪ .‬تواقفت‬ ‫اقليل كأنما كنت أتواقع أن تكتفي بذلك‪.‬‬ ‫ثم تخلصت من اقميصي الداخلي بسرعة‪ ،‬وواقفت أمامها برهة عاري‬ ‫الصدر‪ .‬لكنها كانت تصرعلى مواقفها‪.‬‬ ‫درت حول السرير لتجنب نظراتها‪ ،‬فأغراقت في الضحك‪.‬‬ ‫خلعت سراويل المنامة بسرعة واقفزت إلى السرير‪.‬‬ ‫كفت عن الضحك‪ .‬احتوتني تحت الغطاء‪ .‬كنت ألهث‪ .‬احتضنت‬ ‫وجهي بكفيها برفق‪:‬‬ ‫ إلتقط أنفاسك أول‪ ،‬ثم أجبني عن سؤالي‪ .‬أم أنك اقد نسيت؟‬‫كادت خصلة من شعرها السود أن تغطي إحدى عينيها المتسائلتين‪.‬‬ ‫مددت يدي لعيدها إلى مكانها‪ .‬حركت كتفها‪ ،‬الذي انحسرعنه‬ ‫الغطاء‪ ،‬وضغطت به على يدي لتستبقيها في مكانها‪.‬‬ ‫استجمعت أفكاري وأنا أتأمل وجهها‪ ،‬وسرعان ما أخذت الكلمات‬ ‫تتدحرج وتتعثر‪.‬‬ ‫ في البداية‪ ،‬كنت أراك ككل‪ .‬أعني‪..‬أنني لم أكن أرى التفاصيل‪.‬‬‫هزت رأسها وهي ترهف السمع‪ .‬ودار لسانها يبلل شفتيها‪.‬‬ ‫وجدت البقيه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬شفتاك‪ ..‬مثل ‪...‬‬‫هزت رأسها مرات أخرى وهي تبتسم مشجعة‪ ،‬كأنما كانت تخشى‬ ‫أن تضيع مني‪ ،‬كعادتي‪ ،‬الكلمات‪.‬‬ ‫ ‪ ..‬لم أكن أعرف أن الشفاه‪ ..‬ممكن‪..‬أن تكون‪...‬‬‫‪266‬‬


‫وتعصاني الكلمة النجليزيه‪ ،‬مع أنها من المفردات التي كنت أعرفها‪.‬‬ ‫ولكن سرعان ما بدر منها ما ذكرني بعجز بيت الشعرالغزلي الذي‬ ‫يقول‪"..‬وعضت على العرناب بالبرد"‪ .‬ولم أتردد باستبدال العناب‬ ‫بالكرز‪ ،‬لجهلي بمعنى كلمة "العناب" باللغة النجليزية‪ ،‬وأكملت‪:‬‬ ‫ في لغتنا العربية‪ ،‬يتغزل شعرامؤنا بشفاه المرأة ويشبهونها‬‫بالكرز‪ ،‬تلك الفاكهة الـ‪ ...‬ل أعني الـ"حلوه"‪ ..‬هناك كلمة أخرى‬ ‫تعني أنها تغري على التذوق‪.‬‬ ‫ لذيذه؟‬‫ تقريبا‪ ..‬ولكن هناك كلمة أخرى‪..‬أعني اقبل أن يكتشف المرء‬‫أنها لذيذه‪ ..‬إنها الصفة التي توحي بأنها لذيذة‬ ‫ شهيه؟‬‫ نعم‪ ،‬شهيه‪..‬هذا ما أاقصده‪.‬‬‫ وبعد؟‬‫ هذا ما كنت أريد أن أاقوله‪.‬‬‫ ما الذي كنت تريد أن تقوله؟‬‫ ما اقلته لك‪.‬‬‫ اقله مرة أخرى‪.‬‬‫ترددت اقليل‪ .‬مازالت شفتاها الرطبتان ترسلن نداءهما‪ .‬استجمعت‬ ‫شجاعتي واقلت‪:‬‬ ‫ شفتاك شهيتان‪.‬‬‫أخذت تتأمل وجهي وكفاها ما زال يحتضنانه‪ .‬مرت بإبهامها على‬ ‫شفتري‪ .‬أصابتني اقشعريرة لذيذه‪ .‬أغمضت عينري‪.‬‬ ‫أحسست بأنفاسها تلهب وجهي‪ ،‬ثم بشفتيها وهما تغمران جفنري‬ ‫بالقبلت‪ .‬ضربات اقلبي تتزايد سرعتها‪ .‬كدت أغيب عن الوعي‪.‬‬ ‫سمعت همسات‪ ،‬كأنها تأتيني من بعد‪ .‬لم أستطع أن أدرك ما تعنيه‪.‬‬ ‫ ماذا؟‬‫همست مرة أخرى‪ .‬كرر ُ‬ ‫ت سؤالي‪:‬‬ ‫ ماذا؟‬‫أبعدت وجههاعني شيئا‪ .‬فتحت عينري‪ .‬أعادت‪:‬‬ ‫‪267‬‬


‫‬‫‬‫‬‫‪-‬‬

‫أسألك‪ ..‬هل اقببل ي‬ ‫ك إحداهن؟‬ ‫ت أو اقبلتت ي‬ ‫أظنني فعلت‪ ..‬بعض المرات‪.‬‬ ‫اقبلة حقيقيه؟‬ ‫طبعا! وهل هناك اقبلة حقيقية وأخرى غير حقيقيه؟‬

‫أغلقت عينيها وهي تقول‪ ،‬بينما انزلق أحد كفيها ليستقرعلى ظهري‪:‬‬ ‫ إذن‪ ،‬اقبلني!‬‫اقبلت شفتيها عدة مرات‪ .‬ثم اقلت‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬لكن‪ ..‬لشفتيك طعم آخر‪.‬‬‫كدت أرى الرثاء يرتسم على وجهها‪ .‬ثم ابتسم ت‬ ‫ت واقالت بما يشبه‬ ‫العتاب‪:‬‬ ‫ ما هكذا يقبل الرجل امرأة تحبه‪ ،‬وهي عارية في أحضانه‪.‬‬‫كانت كلماتها مبطنة بشيء من السخريه‪ .‬اقررت أن أدافع عن‬ ‫رجولتي‪.‬‬ ‫لم أنجح في احتضانها بذراعير إل بعد أن رأت هي أنه ل بد من‬ ‫مساعدتي‪.‬‬ ‫وكأنما اقد أشفقي ت‬ ‫ت علي من ذلك المتحان الصعب‪ .‬أو كأنها خشيت أن‬ ‫أشعرأنها اكتشفت جهلي الذي حاولت أن أداريه‪.‬‬ ‫بدأت يدها تعبث بشعري بحنان‪ ،‬والخرى تنزلق فوق ظهري نزول‬ ‫وصعوديا‪.‬‬ ‫انفرجت شفتاها‪ ،‬ثم أطبقـتا برفق على شفتي السفلى‪ .‬فأحسست بمتعة‬ ‫في الطباق بشفتري على شفتها العليا‪.‬‬ ‫بدأت النشوة تتسرب إلى أنحاء جسدي من جديد‪ ،‬خصوصا عندما‬ ‫بدأت شفتاها تعبثان بشفتري‪ .‬ثم زاد إحساسي بالمتعة وأنا أشاركها ما‬ ‫تفعل‪.‬‬ ‫شعرت بطرف لسانها يلمس شفتي‪ ،‬يداعبها‪ .‬أصابتني اقشعريرة أمتع‬ ‫وألذ من تلك التي شعرت بها عندما مرت بإبهامها على شفتري اقبل‬ ‫لحظات‪ .‬وعادت أنفاسها تلفح وجهي‪ .‬وأخذت أصابعها تدلك ظهري‪،‬‬ ‫‪268‬‬


‫بينما أصابع اليد الخرى تتخلل شعر مؤخرة رأسي‪ .‬ندت عني تنهيدة‬ ‫طويله‪ ،‬كأنما خارت اقواي‪ ،‬فضمتني بقوة‪ .‬تمنيت أن أحظى بثوان‬ ‫ألتقط فيها أنفاسي‪.‬‬ ‫كأنما أحست بي‪ .‬ابتعدت برفق‪ .‬أخذت ترمقني بنظرات حانيه‪.‬‬ ‫اقلت بصدق‪:‬‬ ‫ هذه هي اقبلتي الولى!‬‫ سعيد؟‬‫ ‪ ..‬ل توصف‪.‬‬‫ أما أنا فقد ذكرتني بقبلتي الولى‪ .‬كنت في مثل عمرك أو أاقل‪.‬‬‫ وهو؟‬‫ابتسمت واقالت‪:‬‬ ‫ ل‪ ،‬كان يكبرني بثلث سنوات فقط‪.‬‬‫اقلت متسائل ببراءه‪:‬‬ ‫ "ريك"؟‬‫أجابت بسرعة‪ ،‬مستنكرة‪ ،‬متداركة‪:‬‬ ‫ "ريك"!‬‫ما هذا الهراء؟ "ريك" هو أخي‪..‬أخي‪..‬ألم تعرف ذلك؟!‬ ‫ثم أكملت بما يشبه الهمس‪ ،‬بينما كانت عيناها تبحثان عن شيء في‬ ‫فضاء الغرفة ونورها الخافت‪:‬‬ ‫ كان صديقا لـ ل "ريك"‪ .‬ومات‪ .‬و"ريك "‪ ،‬الخ‪ ..‬والصديق الوفي‪،‬‬‫يحاول أن يجد لي عزاء بدعوتي إلى الماكن التي يتنقل بينها‬ ‫بحكم عمله‪..‬‬ ‫ثم‪ ،‬كمن يطوي صفحة بدون أن يكمل اقراءتها‪ ،‬ويواصل القراءة في‬ ‫فصل آخر‪ ،‬اقالت ساءلة‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬لم تقل لي رأيك في القبلة الولى‪ ..‬كيف كانت؟‬‫ابتسمت وأنا أتذكر الستاذ "عابدين" مدرس اللغة العربية الذي أخذ‬ ‫يلف ويدور حول الجابة على سؤالي الذي وجهته له أثناء الحصة‪،‬‬ ‫‪269‬‬


‫وهوعن معنى كلمة "الورضاب"‪ ،‬ووصفه بالعذوبة‪ ،‬ووصف‬ ‫الشعراء للحبيب بأنه "عذب اللمى"‪.‬‬ ‫ها اقد اكتشفت ذلك بنفسي‪ ،‬وذاقت حلوة شهد الرضاب‪ ،‬وعرفت‪،‬‬ ‫ب لماها‪.‬‬ ‫عن تجربلة‪ ،‬معنى أن تكون الشفاه‪ ..‬شهيه‪..‬عذ م‬ ‫لست على يقين إن كنت اقد وفقت في ترجمة خواطري لها‪.‬‬ ‫لكن الذي أذكره جيدا‪ ،‬أنني لم أتردد في التعبيرعن رغبتي في‬ ‫مواصلة التجربة والكتشاف‪.‬‬ ‫وعدت أرتشف‪ ،‬بنهم وبدون تواقف‪ ،‬عساي أن أرتوي من عذوبة‬ ‫لماها‪ ..‬وشهد رضابها‪.‬‬ ‫ثم عرفت يداي طريقهما لكتشاف معالم جسدها اللميس‪.‬‬ ‫وأخذت أناملي تتلمس طريقها‪ ،‬كأنها تلملم اللذات المبعثرة على أديمه‪.‬‬ ‫وعرفت هي كيف تجعلني أتنقل بشفتي على أنحاء وجهها‪ ،‬وجيدها‪،‬‬ ‫وكتفها‪..‬‬ ‫و ‪................................................................................‬‬ ‫‪..................................................................................‬‬ ‫‪. ........................................‬‬ ‫هكذا تعلمت من بعض من كنت أاقرأ لهم‪ ،‬في ذلك الواقت‪ ،‬أن أترك‬ ‫سطورار ل تحتوي على أكثر من نقط‪.‬‬ ‫فأنت‪ ،‬إن لم تكن اقادرار على مواصلة السرد والوصف‪ ،‬أو إن شئت‬ ‫الحتفاظ بتلك التفاصيل أو كتمانها‪ ،‬فما عليك إل أن تترك ذلك‬ ‫للمخيلة وفنونها‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫في الصباح الباكر‪ ،‬أفقت من نومي فلم أجدها إلى جانبي‪.‬‬ ‫إكتشفت أنني أراقد تحت الغطاء‪ ،‬عاريا‪ ،‬بالرغم من يقيني بأني اقد‬ ‫احتفظت بآخر اقطعة من ملبسي الداخليه‪.‬‬ ‫لن أفكر بالتفاصيل الن‪ .‬سوف أعود لستذكار تلك التفاصيل آج ر‬ ‫ل‪،‬‬ ‫وسوف يكون أمامي من الواقت ما يكفي لذلك‪ .‬المهم أن الواقت هو‬ ‫واقت صحوي للذهاب إلى المدرسه‪.‬‬ ‫‪270‬‬


‫سمعت صوت تنقلتها خارج الغرفه‪ .‬واقبل أن أنتهي إلى اقراري‬ ‫بتجميع اقطع ملبسي من هنا وهناك‪ ،‬بعد أن تمكنت من تحديد‬ ‫أماكنها‪ ،‬كانت سيدتي الجميلة تدخل الغرفة وهي تدفع أمامها عربة‬ ‫عليها ما أعرفه وما ل أعرفه من الطيبات‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كان "حسين" في انتظاري عند أول منعطف للطريق‪ .‬فمه ينفرج‬ ‫عن السن الماميه المفقوده‪ ،‬وهو يسأل بإلحاح عن سبب تأخري‪.‬‬ ‫لم يتمالك نفسه من إتهامي بـ"الفشر"‪ ،‬وأنا لم أبدأ بعد برواية ما‬ ‫يستدعي‪ ،‬بحق‪ ،‬التهام بهذه التهمه‪ .‬تظاهرت بالغضب‪ ،‬واقاطعته‬ ‫طوال اليوم‪ .‬لكنه في النهاية لم يحتمل مقاطعتي له‪ .‬اقبلت اعتذاره‬ ‫بشرط أن يأتيني في المساء ليدعوني لستكمال المذاكرة سويا في‬ ‫بيتهم لليلة الثانيه )!(‬ ‫اقبل هو شروطي بعد أن وعدته بأن أاقص عليه ما جرى في الزيارتين‬ ‫الخيرتين للسيدة الجميله‪ ،‬حسب طلبه‪ ،‬بالتفصيل المفصل‪.‬‬ ‫ليس هناك أي أهمية لما جرى أو ما دار من الحديث بيني وبين‬ ‫"حسين" منذ أن وصلنا إلى دارنا حتى مغادرتنا لها سويا‪ ،‬اقبيل‬ ‫الغروب‪.‬‬ ‫عند مفترق طريقنا اليومي‪ ،‬انتظرت حتى اختفى "حسين" في‬ ‫المنعطف المؤدي إلى دارهم‪.‬‬ ‫وعندما شارفت على الوصول‪ ،‬كانت الشمس اقد مالت إلى الغروب‪.‬‬ ‫وأول ما جذب انتباهي هو الظلم الذي يكتنف البيت‪ .‬فقد سبق أن‬ ‫لحظت أنها تضيء النوار بمجرد جنوح الشمس للمغيب‪.‬‬ ‫ل بأس‪ ،‬فكثيرا ما كنا نتعرض لنقطاع التيار الكهربائي في تلك‬ ‫المنطقه‪ ،‬لبعض الواقت‪.‬‬ ‫تراءى لي‪ ،‬عن بعد‪ ،‬شخص يجلس على الدرجات المؤدية إلى‬ ‫المدخل‪ .‬وعندما وصلت إلى مدخل الحديقة‪ ،‬نهض الرجل وااقترب‬ ‫مني على عجل‪ .‬و بادرني البستاني العجوز‪ ،‬وهو يناولني مظروفا‪:‬‬ ‫ مساء النور يا ولدي‪ .‬هل هذه الرسالة لك؟‬‫‪271‬‬


‫استطعت أن أتبين‪ ،‬على بقايا نور الشفق‪ ،‬إسمي مكتوبا باللغة‬ ‫النجليزية‪ .‬لم أكد أجيبه باليجاب حتى تركني وهو يستمهلني راجيا‬ ‫أن أنتظره‪.‬‬ ‫عاد الرجل وفي يده شيء سرعان ما عرفته‪..‬‬ ‫أسطوانة "كونشيرتو أرانخيز"‪.‬‬ ‫أضاف ببساطة أن "الضابط" حضر مستعجل‪ ،‬وأن السيدة اقد سافرت‬ ‫معه‪ ..‬وتركت لي هذا الغرض‪.‬‬ ‫في دار صديقي "حسين"‪ ،‬اقرأنا في الرسالة ما يلي‪:‬‬ ‫" أتمنى لك أن تحقق كل أحلمك‪ .‬وداعا!"‬ ‫كارولين‬ ‫!‪May all your Dreams come true . Adieus‬‬ ‫‪Caroline‬‬

‫‪Gaza , 24.2.1951‬‬

‫‪WORD 2003‬‬

‫‪272‬‬

صندوق العجب  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you