Page 1


‫عندما أبكاني حربي‬ ‫و حكايات أخرى‬ ‫)من السيرة الذاتية(‬

‫عندما أبكاني "حـــــربي"‪..‬‬

‫‪2‬‬


‫خروج الجنجليزمن فلسطين عام ‪ ،48‬أواجنتهاء الجنتداب البريطاجني‪،‬‬ ‫بلغة الكبار والمتعلمين من أهل الحاره‪" ،‬حارة الواد" في القدس‬ ‫القديمه‪ ،‬كان يعني‪ ،‬في ذلك اليوم بالذات‪ ،‬بالنسبة لمعظمهم‪:‬‬ ‫عــــودة "حــــربي"‪.‬‬ ‫و"حربي" هوالبن الثاجني في ترتيب أبناء "إم خضر" العشره‪.‬‬ ‫وعودة "حربي"‪ ،‬في هذا الوقت بالذات‪ ،‬تعني بالنسبة لها الكثير‪،‬‬ ‫خصوصا بعد مصرع إبنها البكر"خضر"‪ ،‬أبو سعيد‪ ،‬في حادث‬ ‫اجنفجاراللغم تحت القطارالذي كان يقوم بقيادته‪.‬‬ ‫كان "سعيد خضر"‪ ،‬وكنا جننطق اسمه كامل لنميز بينه وبين "سعيد"‬ ‫آخر من أقراجننا في الحاره‪ ،‬قد حدثنا طويل عن بطولت عممه‬ ‫"حربي"‪ ،‬الذي التحق منذ سنوات طويلة بالجيش البريطاجني‪ ،‬وعن‬ ‫أسفاره ومغامراته والحروب التي خاضها‪.‬‬ ‫تارة جنسمع أجنه كان يحارب "الطليان"‪ ،‬وأخرى أجنه حارب‬ ‫"البولشفيك"‪ ،‬وثالثة أجنه اشترك في معارك "العلمين" ضد اللمان‪.‬‬ ‫وقد ساورجنا الشك في صحة المعلومة الخيرة‪ ،‬كما أصابنا الستهجان‬ ‫والستنكار لموقف ومسلك بطلنا‪ ،‬حيث أجننا كنا على يقين من أن‬ ‫اللمان هم من أصدقاء زعيمنا المفدى المفتي"الحاج أمين" الحسيني‪،‬‬ ‫كما كان آباؤجنا يرددون‪ .‬فكيف يحارب "حربي" مع الجنجليز ضد‬ ‫اللمان‪ ،‬الذين كاجنوا في طريقهم إلى مصر ثم إلى فلسطين ليخلصوجنا‬ ‫من اليهود والجنجليز مرة واحده؟ لكن"سعيد خضر" سرعان ما‬ ‫يستطيع أن يتجاوز ذلك المطب‪ ،‬بروايات أخرى جديدة‪ ،‬تشهد ببطولة‬ ‫عممه الــ"صاجن ميجرحربي"** ووطنيته وشدة بأسه‪.‬‬ ‫‪3‬‬


‫لم يكن أحد منا قد رآه‪ .‬فقد اختفى من البلدة قبل ميلدجنا‪ ،‬أجنا و"سعيد"‬ ‫و"سعيد خضر" وعمه "إبراهيم" وعمه الصغر"داود"‪ ،‬البنين‬ ‫التاسع والعاشر في ترتيب أبناء "إم خضر"‪ .‬وبالرغم من أجنني ل‬ ‫أذكر أن أحدا من أهلي‪ ،‬أو حتى من أهل الحارة‪ ،‬قد أتى على ذكر‬ ‫شيء يتعلق بـ"حربي" من بعيد أو من قريب‪ ،‬مما يؤكد أهميته‬ ‫ومكاجنته‪ ،‬إل أن ذلك البطل الغائب‪ ،‬الحاضر في ضمائرجنا‪ ،‬ظل‬ ‫يداعب خيالتنا‪.‬‬ ‫ينسج "سعيد خضر" عنه القصص البطولية الخارقة التي تقترب من‬ ‫الساطير‪ .‬ويؤيده كل من "إبراهيم" و"داود"‪ ،‬أصغرأشقاء البطل‪،‬‬ ‫وجنميل كلنا إلى تصديق كل تلك الروايات لجنها كاجنت تدغدغ أشواقنا‬ ‫إلى البطولة‪ ،‬التي سوف تنقذجنا من واقع أليم كنا جنعيشه‪ ،‬ومستقبل‬ ‫غامض كنا جنسمع كبارجنا يتمتمون بويلته‪ ،‬ول يسألون ا رد القضاء‬ ‫بل يسألوجنه اللطف فيه‪.‬‬ ‫إلى أن تردد فجأة في أرجاء الحارة خبرعن قرب عودة "حربي"‪.‬‬ ‫قال لنا "سعيد خضر"‪ ،‬في الشهرالسابق‪ ،‬أجنه لو قدر لعمه "حربي"‬ ‫أن يشارك في معركة "القسطل" لما خسرجناها‪ ،‬ولما استشهد‬ ‫"عبدالقادر الحسيني"‪.‬‬ ‫وعندما كنا جنتساءل عن سبب كل هذا الغياب‪ ،‬وعن ما يحول دون‬ ‫عودته‪ ،‬بعد أن اجنتهت الحرب العالمية الثاجنية‪ ،‬التي كاجنت سببا في‬ ‫غيابه‪ .‬أل يدرك أجننا بأم م‬ ‫س الحاجة إليه الن؟ كان"سعيد خضر"‬ ‫يبررذلك‪ ،‬بكل بساطة‪ ،‬بعدم استغناءالجنجليز عنه‪.‬‬ ‫______________________________________________________‬ ‫)**( ‪- Major Sergean‬رتبة عسكرية بريطانية) صول(‪ ،‬وتلفظ بلهجة العمال العرب العاملين‬ ‫مع الجيش البريطاني ‪" :‬صاجن ميجر"‬

‫وأصبحنا‪ ،‬جنحن الصغار‪ ،‬جننتظر بفارغ الصبر ذلك اليوم‪ ،‬الذي سوف‬ ‫يخرج فيه الجنجليز‪ ،‬تاركين لنا"حربي"‪ .‬فهوالمحارب القديم‬ ‫المغوارالذي ل يشق له غبار‪ ،‬والذي سوف ينضم إلى "المجاهدين"‬ ‫الثوار‪ ،‬أو يقودهم في معركة الدفاع عن القدس المحاصرة والتي‬ ‫‪4‬‬


‫تتعرض للقصف‪ ،‬ليل جنهار‪ ،‬بمدافع "الهاون" و"المورتر" من‬ ‫الخارج‪ ،‬ورصاص القناصة من الداخل‪ ..‬من حارة اليهود الكائنة‬ ‫داخل أسوار القدس القديمه‪.‬‬ ‫ومما ل شك فيه أن "حربي" قد سمع بنبأ مصرع أخيه الكبر‬ ‫"خضر"‪ ،‬سائق القطار‪ ،‬الذي راح ضحية اجنفجاراللغم اليهودي من‬ ‫تحته‪ .‬وهذا مما سوف يجعله يبلي أحسن بلء للخذ بثأر أخيه‪،‬‬ ‫إضافة إلى دوافعه الوطنية الخرى للقتال والتحرير‪.‬‬ ‫كنت أتصور"حربي" دائما‪ ،‬مستوحيا ذلك من أحاديث "سعيد‬ ‫خضر"‪ ،‬كما لو كان "صلح الدين اليوبي"‪.‬‬ ‫و كاجنت أحاديث مدرسي التاريخ الذين تعاقبوا على مر سنين دراستي‬ ‫البتدائية الستة‪ ،‬كفيلة باستكمال تفاصيل الصوره‪ .‬لكنني‪ ،‬مسايرة‬ ‫للزمن‪ ،‬كنت أألبسه زي "المجاهدين" الذين يتكرر جنشر صورهم‪ ،‬في‬ ‫جريدتي "الدفاع" و"فلسطين" اليوميتين‪ ،‬بملبس القتال‪ .‬أقرب ما‬ ‫يكون إلى شكل القائد "عبد القادرالحسيني"‪ ،‬أو القائد الشيخ "حسن‬ ‫سلمه"‪ ،‬مثل‪ .‬بكوفيته وعقاله‪ ،‬وسترته "الكاكية" ذات الجيوب‬ ‫الربعة ومن فوقها "السلاحلك"‪ ،‬الذي يتخذ شكل "علمةالضرب"‬ ‫على صدره‪ ،‬وقد تعددت طبقاته المكتظة والمرصعة بـ ـ "الفشك"‬ ‫النحاسي اللمع‪ .‬هذا إلى جاجنب "السمْنجه" وبعض قنابل الـ"الميلز"‪،‬‬ ‫وكذلك "الفرد" الـ"بارابيللو" اللماجني المتدلي من حزامه كما أبطال‬ ‫أفلم "الكاوبوي" التي كاجنت تعرضها سينما "ريجنت"‪،‬الكائنة خارج‬ ‫أسوار بلدة القدس القديمة‪ ،‬والتي لم جنعد جنستطيع الوصول إليها الن‪.‬‬ ‫ولم أجنس‪ ،‬وهوالهم‪ ،‬تلك السراويل الـ "ْبريتـشز" الضيقة من تحت‬

‫‪5‬‬


‫الركبتين‪ ،‬والمنتفخة الفضفاضة عند جاجنبي الفخذين‪ .‬أما "المرتينه"‪،‬‬ ‫فهي"الجنجليزية" طبعاا‪ ،‬بالرغم من حديث القران العارفين‪ ،‬أمثال‬ ‫"سعيد خضـر"‪ ،‬عن سمعة المرتينة "الا للمـــاجنيمـه" التي لتخطئ‬ ‫الهدف‪ .‬ول بأس من أن يظهر في بعض الحيان‪ ،‬حسب متطلبات‬ ‫‪6‬‬


‫المعركه‪ ،‬متأبطا الـ"ْستـْن لجْن"‪ ،‬أو حامل مدفع الـ "ْبـرن لجْن" على‬ ‫كتفه‪.‬‬ ‫ومعاذ ا أن أجنسى ما أكده "سعيد خضر" عن طول عمه "حربي"‬ ‫الفارع‪ ،‬الذي سوف يضطره إلى الجنحناء عندما يعبر من تحت قوس‬ ‫مدخل الحوش‪.‬‬ ‫في اليوم المحدد لوصوله‪ ،‬كاجنت العصاب مشدودة‪.‬‬ ‫هناك حركة غيرعادية في حوش "الخرمنده" المطل على "هوسبيـس‬ ‫النمسا"‪ ،‬الذي يقع مدخله عند ملتقى "طريق اللم" القادم من "باب‬ ‫السباط"‪ ،‬والمؤدي إلى كنيسة القيامه بعد أن يلتحم مع "طريق الواد"‬ ‫القادم من "باب العمود"‪.‬‬ ‫"إم خضر"‪ ،‬القروية التي يحبها البعض ويحترمها البعض الخر‬ ‫ويخشاها آخرون‪" ،‬إم الرجال"‪ ،‬مثل أم العروس‪ .‬تروح وتجيء‬ ‫بسرعة بثوبها الفلحي الجميل‪ ،‬وقامتها القصيرة المشدوده دوما‪،‬‬ ‫كأجنها تتمرد على قصر قامتها‪ ،‬ول أحد يعرف إن كان هناك ما‬ ‫يستدعي فعل هذه السرعة في الرواح أو المجيء‪.‬‬ ‫حتى "أبوخضر"‪ ،‬الرجل العجوز الهاديء‪ ،‬الذي لم جنكن جنشعر‬ ‫بوجوده إل عند عودته إلى الدار‪ ،‬عندما يتنحنح ويصيح بأعلى صوته‬ ‫المبحوح‪ :‬يا أل‪ ..‬يا ساتر!‬ ‫كان ل بد من صيحته هذه كلما هم بالدخول من الباب المشترك‪،‬‬ ‫لكي"تـْنظل ْ‬ ‫ب" زوجة ولـدـه "الدمعاس"‪ ،‬اليهوديه‪ ،‬التي كان يحلو لها أن‬ ‫تتواجد في وسط الدار "مزملطه" مكشوفة الراس‪ .‬هذا بالرغم من أن‬ ‫"شوشاجنا" قد أقلعت عن عاداتها تلك‪ ،‬منذ أن اشتدت الهجمات‬ ‫اليهوديه‪ .‬فقد أصبحت تحرص على إرتداء غطاء الراس ظنا منها‬ ‫ووهما أن عيون الجارات قد بدأت تنظر إليها‪ ،‬كيهودية‪ ،‬بتوجس‬ ‫وارتياب‪.‬‬ ‫والشاهد أن سلوكها الجديد قد بدأ منذ أن جنهرتها جارتنا الدايه "إم‬ ‫صالح الرافعي"‪ ،‬عندما ضبطتها في أحد اليام القريبة‪ ،‬وهي تطل‬ ‫مكشوفة الراس من تحت قوس مدخل الحوش إلى الشارع باحثة عن‬ ‫‪7‬‬


‫طفلتها البكرية "عربيه"‪ .‬عندها‪ ،‬ما كان من "شوشاجنا" إل أجنها‬ ‫سارعت بتغطية رأسها بذيل فستاجنها‪ ،‬كاشفة بذلك‪ ،‬دون أن تدري‪،‬‬ ‫عن مؤخرتها ذات الـكلسون زهري اللون‪.‬‬ ‫في ذلك اليوم‪ ،‬كان "أبوخضر" يدق الرض بعكازه بشكل مختلف‪،‬‬ ‫وكأجنه يعلن عن حالة الطواريء‪ ،‬أو يستعجل العد التنازلي الذي‬ ‫يقترب ببطء من ساعة الصفر‪ .‬ل يكاد يدخل الدار‪ ،‬حتى يعود أدراجه‬ ‫خارجا من الحوش متجها إلى وسط الشارع‪ .‬وهناك‪ ،‬مقابل مدخل‬ ‫"سبـيـس النمسا"‪ ،‬ينتصب واقفا وهو يظلل عينيه بكفه‪ ،‬جناظرا في‬ ‫إتجاه "باب العامود"‪ .‬وهكذا يعاود "أبوالعز"‪ ،‬معلم "قهوة‬ ‫الباسطي"‪ ،‬محاولته لجلس "أبو خضر" على أحد كراسي القهوة‬ ‫في مكان مشرف على الطريق‪ .‬ويكرر تأكيده أن "الدمعاس" قد ذهب‬ ‫ومعه أخوه "أبوعمر اج" لحضار "حربي" وسرعان ما يصل الخوة‬ ‫الثلثه‪ ،‬فليس هناك ما يدعو إلى هذا القلق‪.‬‬ ‫وبالرغم من أن خروج الجنجليز كان يعني أيضا دخول "الجيش‬ ‫العربي" إلى القدس‪ ،‬وبقية الجيوش العربية إلى سائر الراضي‬ ‫الفلسطينية لتحريرها‪ .‬لكن "حربي" استطاع أن يستأثر بلهفة أهل‬ ‫الحارة في ذلك اليوم‪ .‬وكنت أجنا بالذات أكثر أقران الحارة تعلقا بتلك‬ ‫اللحظة‪ ،‬بذلك المل الذي يجسده البطل السطوري المنتظر‪ .‬وكأن‬ ‫القدر قد امدخره‪ ،‬ليأتي إلينا في الوقت المناسب‪.‬‬ ‫حتى اسمه‪" ،‬حربي"‪ ،‬سبحان ا‪ ،‬كان يوحي بالدور البطولي الذي‬ ‫سوف يلعبه‪ ..‬محارباا اومنقذاا ومخلمصا‪.‬‬ ‫وماهي إل دقائق‪ ،‬حتى جاء "أبوالعمراج" يحجل بخطى واسعة ل‬ ‫تتناسب مع قدمه القصر من الخرى‪ .‬قال من خلل لهاثه أن أخاه‬ ‫"حربي" قد وصل‪ .‬ولكن بمجرد دخوله من "باب العمود"‪ ،‬استقبله‬ ‫صاحب "قهوة زعتره"‪ ،‬وأصر أن ل يتركه إل بعد أن يستريح‬ ‫ويشرب قزازة مشروب الـ"سيفون" الساقع عنده‪ .‬وبعد ذلك جاء "أبو‬ ‫فايزالعمشي" و حلف عليه بالطلق بالثلثه لتناول الـقهوة‬ ‫"الفرجنساوي"‪.‬‬ ‫‪8‬‬


‫ساد الهرج والمرج في المنطقة كلها‪ .‬وتجمع من يعرف "حربي"‬ ‫ومن ل يعرفه‪ ،‬بحيث أيقنت أجنه ل مكان لي بين هذه الجمهرة‬ ‫المحتشدة من الناس‪ ،‬وأن الجدى أن أراقب المشهد من أحد شباكينا‬ ‫المطلين على الحوش‪ ،‬وبالتالي على الشارع حيث كان يقف "أبو‬ ‫خضر" ول يطيق الجلوس‪.‬‬ ‫وفي دارجنا‪ ،‬فوجئت بجاراتنا‪ ،‬عن بكرة أبيهن‪ ،‬يتجمعن حول‬ ‫الشباكين‪ ،‬فلم أجد مناصا من الصعود إلى سطح الدار‪ ،‬حيث‬ ‫ليزاحمني هناك أحد‪.‬‬ ‫اجندلعت أصوات الزغاريت‪ .‬ثم ظهرت كتلة بشرية مترا م‬ ‫صة مقتربة‬ ‫مهروله‪ .‬كان يبدو أجنها تحيط بالقادم مرحبة مهلله‪ .‬ولشدة خوفي من‬ ‫أن تراجني‪ ،‬وأجنا أقترب من حافة السطوح المطل على الحوش‪ ،‬جارتنا‬ ‫"ستي إم عارف"‪ ،‬الدايه التي أولد أ‬ ‫ت على يديها‪ ،‬لم أستطع أن أتبين أو‬ ‫أميز"حربي" من بين تلك الكتلة البشرية‪ .‬وبالفعل‪ ،‬لمحتني "ستي ام‬ ‫عارف"‪ ،‬وكأجنها كاجنت متربصة في اجنتظاري‪ ،‬واجنهالت لعناتها علي‬ ‫وعلى "اللي سحبتني" ‪ ،‬لفرط حبها لي وحرصهاعلى سلمتي‪:‬‬ ‫ك يا عكروت!‬ ‫ ‪ ..‬لولل ْ‬‫لكنني لم أستسلم‪ .‬ووجدتني أقفز إلى سطوح الجيران المشرفة على‬ ‫دار "أبو خضر"‪.‬‬ ‫وما هي إل ثوان‪ ،‬حتى تحول الستقبال العائلي إلى مظاهرة سياسية‬ ‫وامتل وسط الدارالعلوية بالمستقبلين والمهنئين والهاتفين بحياة مفتي‬ ‫فلسطين‪" ،‬الحاج أمين"‪:‬‬ ‫حج أمين ـعززك دام‪.. .. .. ..‬و‪ ..‬حج أمين ل تهتم‪..‬شبابك شمريبة دم‪..‬‬ ‫إلخ‪.. .. .. .. .. ..‬‬ ‫في تلك اللحظات‪ ،‬وجدتني أردد بيني وبين جنفسي أبياتا حماسية من‬ ‫الشعر‪ ،‬قام بتحفيظها لنا مدرس الخط العربي‪ ،‬الخطاط الشهير طيب‬ ‫الذكر "الستاذ حسام اشتميه"‪ ،‬الذي كان يحرص أثناء حصة الخط‬ ‫على أن يعلمنا أشياء أخرى كثيرة عن المثل العليا والصدق والوفاء‬ ‫وحب الوطن‪ .‬كان أستاذجنا شديد الولع بالشعر والموسيقى‪ ،‬ل يفتأ‬ ‫‪9‬‬


‫يستظهرأمامنا قصائد حماسية بأسلوبه الذي كان يستهوينا ويبهرجنا‪،‬‬ ‫ومنها قصيدة إسمها "حطين"‪.‬‬ ‫تخيلت جنفسي وأجنا أعبرعن ترحيبي بالبطل وأشد اجنتباه الجميع بينما أجنا‬ ‫ألوح بيدي التي تحمل "العلم العربي"*‪ ،‬وأردد بأعلى صوتي ماكنت‬ ‫قد حفظته من أبيات القصيدة‪:‬‬ ‫‪.. .. .. .. ..‬‬ ‫هاتي "صلح الدين" ثاجنية فينا‬ ‫وجددي حطمين‪ ..‬أو شبه حطمينا‬ ‫تلر ْ‬ ‫ي أسود الغاب‬ ‫تمخر في الغوار‬ ‫جحافل تنساب‬ ‫كالعارض المدرار! **‬ ‫لكن صوتي خرج على شكل آهة متحشرجة لم يسمعها أحد غيري‪.‬‬ ‫فلقد رأيت "حربي"‪.‬‬ ‫ولم يغمض لي في تلك الليلة جفن‪.‬‬ ‫شعرت أمي بأن شيئا ما قد ألم بي‪ .‬هرعت تتفقدجني وتتحسس كعادتها‬ ‫جبيني ووجهي‪.‬‬ ‫عندها أحسـس أ‬ ‫ت بكفها المبتل بدموعي‪ .‬وما كادت أن تتساءل عما‬ ‫يوجعني‪ ،‬حتى اجنفلت بكائي المكتوم بصوت عال‪.‬‬ ‫وهيهات أن أستطيع أن أصوغ إجابة على تسؤلت أمي‪.‬‬ ‫_________________________________________________________________‬ ‫)*( "العلم العربي" هو المسم الدارج في حينها لما هو معروف ال ن بالـ "الراية الفلسطينية"‪ ،‬وذلك‬ ‫مما كا ن يؤكد إيماننا وحرصنا على قوميتنا العربية‪.‬‬ ‫)**( البيات من قصيدة "حطين" الشهيرة للشاعرالسوري"خيرالدين الزركلي" ‪.‬‬

‫في اليام التالية‪ ،‬كنا جنرى رجل قصيرالقامة‪ ،‬محدودب الظهر‪ ،‬يكاد‬ ‫المرء ل يرى عينيه الغائرتين في وجهه من تحت حاجبين خفيفين‬ ‫تكاد ل تراهما أيضا‪ ،‬يخرج من دار "إم خضر" ليأخذ مكاجنه على‬ ‫أحد كراسي "قهوة الباسطي" المصفوفة على الرصيف‪.‬‬ ‫يجلس وحيدا صامتا ل تدري في أي اتجاه ينظر‪.‬‬ ‫‪10‬‬


‫أما "سعيد خضر" فلم جنعد جنراه في حارتنا إل مطأطيء الرأس‪ ،‬على‬ ‫عجلة من أمره‪ .‬ذلك عندما ترسله والدته في مهمة لجدته "إم خضر"‪.‬‬ ‫يحاذرأن يراه "سعيد الباسطي"‪ ،‬المشاكس الذي دأب على أن يبادره‬ ‫ساخرا‪:‬‬ ‫ إيش طابخه سمتك "إم خضر" اليوم؟‬‫فيرد عليه أخوه "خميس"‪ ،‬بأداء مسرحي ممطوط موغل في‬ ‫السخرية‪:‬‬ ‫ "طـــــــاجن" ميــــــــجر!‬‫وينفجر بقية القران مقهقهين‪ .‬وأشاركهم أجنا الضحك إلى أن تمتلئ‬ ‫عيناي بالدموع‪.‬‬ ‫لم يعد خافياعلى أحد أن الـ"صاجن ميجر حربي" ما كان سوى ذلك‬ ‫العامل المسكين الذي احدودب ظهره من أثرالجنحناء خلل خدمته‬ ‫الطويلة عامل في أحد مطابخ أحد معسكرات الجيش الجنجليزي‬ ‫المحتل‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪11‬‬

‫*‬


‫العـــــــــازف‬ ‫)من أوراق قديمه(‬

‫تعود أ‬ ‫ت‪ ،‬لفترات متقطعة‪ ،‬متباعدة‪ ،‬أن أدون خواطري‪ ،‬كما اتفق‪ ،‬كلما‬ ‫وجدت سبيل إلى ذلك‪.‬‬ ‫كما تعودت‪ ،‬بين حين وآخر‪ ،‬أن أطل على بعض ما كتبت‪.‬‬ ‫‪12‬‬


‫أجدجني في بعض المرات أسخر من خواطر معينة‪ ،‬فأتخلص من بعض‬ ‫الوراق‪ .‬وفي مرات أخرى‪،‬أجدجني متفقا مع تلك الخواطر فأحرص‬ ‫على تصنيف وعنوجنة و"تخزين" ما تبقى لي من بعض الوراق‬ ‫الخرى‪ ،‬ظنا‪ ،‬أو تكهنا مني‪ ،‬وا أعلم‪ ،‬أجنني سوف أجد لبعضها مكاجنا‬ ‫فيما أجنا مقبل عليه الن‪..‬مشروع تدوين سيرتي الذاتية‪.‬‬ ‫وحسبي في ذلك‪ ،‬الن‪ ،‬هو صديقي اللكتروجني الشهيربــ"الحاسوب"‪،‬‬ ‫الذي اختصرالمستحيلت الثلثة** إلى مستحيلين فقط‪ ،‬وغدا هو‬ ‫"الخمل الوفي"‪ ،‬الذي أثبت وجوده بجدارة‪ ،‬وصارهو مستودع أسراري‬ ‫وـسـجمل خواطري‪ ،‬الذي ل يكل ول يمل‪ ،‬والذي أصبح وبات وما بـرح‬ ‫يستجيب لضربات أصابعي على أزراره‪ ،‬فيقوم بتخزين أواستدعاء أو‬ ‫حذف أو إضافة أو تأجيل أو تعديل أوتقديم أوتأخير كلمات أوفقرات‬ ‫أوصفحات معينة‪ ،‬مما سبق أن أودعتها فيه‪ ،‬حسبما يعن لي‪.‬‬ ‫مثال ذلك ما يلي‪:‬‬ ‫فيينا ‪ /‬النمسا‪ ..‬الربعاء ‪27/6/1962‬‬ ‫جنحن في بداية الجازة الصيفية للعام الدراسي الخير‪ .‬ورسالة صديقي‬ ‫وزميل الدراسة النمساوي"يوهان" تقول أجنه سيكون باجنتظاري يوم‬ ‫______________________________________‬ ‫ت أ ن المستحيل ةثلةثة‬ ‫)**( كما قال "إبن المعتز" ‪ :‬نتببُتئ ت‬

‫الغول والعنقاء والخخيل الوفيي‬

‫الحد‪ ،1/7/62،‬لبدأ العمل‪ ،‬في مطلع السبوع القادم‪ ،‬حيث تعودت‬ ‫أن أقضي جزءا من إجازاتي السابقة في العمل كمتدرب في جنفس‬ ‫المكتب الهندسي الذي يعمل فيه صديقي‪.‬‬ ‫أما وقد اجنتهيت إلى ذلك القرار المصيري الذي جعلني أبدأ باتخاذ‬ ‫تغييرات هامة في مجريات أمور فرضتها ظروف مختلفة‪ ،‬ربما يأتي‬ ‫الوقت الكثر مناسبة للحديث عنها بالتفصيل اللئق‪ ،‬فل بد لي‪،‬‬ ‫كبداية‪ ،‬وإيذاجنا بالبدء في تنفيذ تلك التغييرات‪ ،‬من إلغاء عادة قضاء‬ ‫الجازة الصيفية في السكندرية كما تعودت في السنوات الماضية‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫كنت إذن قد عقدت النية على قضاء الجازة كلها بالتدريب في ذلك‬ ‫المكتب الهندسي‪ .‬ذلك بعد أن أجنهيت إمتحاجناتي النظرية كلها في‬ ‫أكاديمية الفنون التطبيقية بفيينا‪ ،‬ولم يبق لي سوى التحضير لمشروع‬ ‫التخرج‪..‬مشروع "الدبلوم"‪:‬‬ ‫ذلك المبنى الذي مسوف يقام على إحدى مشارف مدينتي‪،‬‬ ‫"القدس"‪ ،‬يطل على تاريخها‪ ،‬ويستمد منه طرازه‬ ‫المعماري‪.‬‬ ‫يحتوي على مكتبة عامه للكتب‪ ،‬والمنشورات‪،‬‬ ‫والمطبوعات الدورية وغيرالدورية‪ ،‬بمختلف أنواعها من‬ ‫كل أنحاء العالم‪ .‬وأخرى للتسجيلت المومسيقية بكل‬ ‫أشكالها‪ .‬وغيرهما للفلم السينمائية‪.‬‬ ‫صالة محاضرات‪..‬وصالة "كونسيرت" للعروض‬ ‫المومسيقيه‪..‬وصالة للقراءه‪..‬وأخرى للمستماع‪.‬‬ ‫وصالةعرض مسرحي‪..‬وصالة عرض مسينمائي ملحقة بالـ‬ ‫"مسينماتيك"‪.‬‬ ‫عالم رحب‪..‬يتسع لكل ما يمت للثقافة والرياضة العقلية‬ ‫والبدنية بصلة‪.‬‬ ‫حلم‪..‬مسوف يتحقق يوما ما على أرض بليدي‪.‬‬ ‫إنه )كا ن ولم يزل( حلمي في منامي‪ ،‬ويقيني في يقظتي‪..‬‬ ‫ذلك هو مشروع مبنى "المركزالثقافي الفلسطيني"‪.‬‬ ‫الحق أجنني كنت على يقين من أن الـهْر "شولتس" ما زال يرحب‬ ‫بعودتي للعمل متدربا في مكتبه الهندسي‪ ،‬في"فوبرتال" اللماجنية‪ ،‬في‬ ‫أي وقت‪.‬‬ ‫هوألماجني مخضرم‪ ،‬كان تعاطفه يوحي إلي بأجنه يخجل من ماضيه‪.‬‬ ‫كان دائما يحاول أن يؤكد لي )وربما كان يحاول أن يؤكد ذلك لنفسه(‬ ‫أجنه لم يكن سوى "مهندسا معماريا" مجندا في مجال عمله في عهد‬ ‫النازيه‪.‬‬ ‫‪14‬‬


‫لم أطالبه بذلك‪ ،‬ول أشعرته يوما‪ ،‬في واحدة من جلساتنا‪ ،‬أثناء عملي‬ ‫في مكتبه في الجازات السابقة‪ ،‬أجنني أشك في براءته مما ينسب عادة‬ ‫لجيله من اللمان‪.‬‬ ‫قال لي مرة‪ ،‬أجنني كنت سببا في إيقاظ أو تجدد معاجناته من‪"..‬عقدة‬ ‫الذجنب"!‬ ‫في البداية‪ ،‬في إجازتي الصيفية قبل الماضية‪ ،‬كان يظن أجنني يهوديا‬ ‫من "إسرائيل" )!(‬ ‫لقداختلطت المور لديهم‪ .‬أصبحت فلسطين هي إسرائيل‪ ،‬وإسرائيل‬ ‫هي فلسطين‪.‬‬ ‫ولم تمض ساعات قليلة على اكتشافي هذا حتى أعدت المور إلى‬ ‫جنصابها‪.‬‬ ‫حاول تبرير جهله‪.‬‬ ‫قال أن أوراقي تقول أجنني من مواليد القدس‪ ،‬وأن اسمي الثلثي لم يرد‬ ‫فيه "محمد" أو"عبدا" أو "مصطفى" )!(‬ ‫والهم من ذلك هو مظهري وسلوكي القرب‪ ،‬في جنظره‪ ،‬لمظهر‬ ‫وسلوك الوروبيين‪) .‬كذا!(‬ ‫ثم أكمل بأن المعلومات المتاحة كاجنت تفيد بأن فلسطين لم يكن يسكن‬ ‫فيها أحد عندما بدأت الهجرة اليهودية من أوروبا إليها‪..‬سوى بعض‬ ‫قبائل البدو الررزحل‪.‬‬ ‫حدثته عن بلدي‪..‬القدس العربية‪ ،‬حيث ولدت في دارعتيقة ورثها والدي‬ ‫عن جده‪ .‬وما زال حتى اليوم يحتفظ بالـ"كوشان" الذي يثبت ملكيته‬ ‫لها‪.‬‬ ‫كأجنه لم يصدق أذجنيه‪.‬‬ ‫ "ماذا تقول؟!"‬‫ أقول أن "إسرائيل" قامت على أجنقاض ‪ 385‬قرية عربية‬‫دمرت وأزيلت عن سطح الرض‪ ،‬ذلك بعد أن طرد اليهود‬ ‫أهلها العرب قسرا وإرهابا‪ .‬وأقاموا مكاجنها مستوطنات ابتكروا‬ ‫لها أسماء توراتية‪.‬‬ ‫‪15‬‬


‫هذا من أصل ‪ 475‬قرية عربية فلسطينية كاجنت قائمة قبل عام‬ ‫‪. 1948‬‬ ‫أما المدن فما زالت تحكي تاريخها لمن يهمه أن يعرف‬ ‫التاريخ‪.‬‬ ‫ معقول؟!!‬‫أخذت )كالعادة( أسرد إليه بعض الحقائق التاريخية التي حفظناها‪ ،‬جنحن‬ ‫معشرالطلبة الفلسطينيين المغتربين‪ ،‬عن ظهر قلب‪ ،‬من فرط تردادها‪.‬‬ ‫بما فيها من تواريخ‪ ،‬وأرقام‪ ،‬وإحصائيات‪ ،‬وقرارات ل تعد ول‬ ‫تحصى للمم المتحدة‪.......‬‬ ‫قلت له‪ ،‬مثل‪ ،‬أن "إسرائيل" هي‪ ،‬منذ بدء تاريخ المم‪ ،‬الدولة الوحيدة‬ ‫التي أوجدت بقرار‪ .‬وهو قرار "الجمعية العامة للمم المتحدة" رقم‬ ‫‪ 181‬الصادر في ‪ 2‬جنوفمبر ‪ 1947‬والذي يقضي بتقسيم فلسطين‬ ‫)العربية أصل و أكلم( إلى دولتين‪:‬‬ ‫دولة يهودية‪ ،‬وأخرى عربية‪.‬‬ ‫وبناء عليه فقد تم إعلن قيام "دولة إسرائيل" في ‪ 15‬مايو ‪1948‬‬ ‫وتوالت إعترافات الدول "العظمى" بها‪ .‬وتم قبول الدولة الوليدة عضوا‬ ‫في "المم المتحدة"‪ ،‬في ‪11‬مايو ‪ ) ،49‬قبول مشروطا بقيام الدولة‬ ‫العربية المذكورة في القرار ‪181‬المذكور(‪ ،‬لكن "المم المتحدة"‬ ‫غضت الطرف عن متابعة تنفيذ قراراتها حتى يومنا هذا‪..‬وكأن‬ ‫قراراتها‪ ،‬كما يقولون‪ ،‬ليست إل ذمرا للرماد في العيون‪.‬‬ ‫كاد أن يتهمني بالمبالغة عندما ذكرت له أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة‬ ‫المعترف بها دوليا بدون أن يكون لها "دستورا" معلنا‪،‬‬ ‫وبالتالي"حدودا" رسمية معلنة‪ .‬وهي الدولة التي تعتبرجنفسها دولة كل‬ ‫اليهود في العالم‪ .‬وهي‪ ،‬بما تسميه "قاجنون العودة"‪ ،‬تضمن لي يهودي‬ ‫في أي مكان في العالم أن "يعود" إليها في الوقت الذي يريده ليحصل‬ ‫على جنسيتها )مع الحتفاظ بجنسيته الصلية( ويتمتع بكامل حقوق‬ ‫المواطنة من الدرجة الولى‪ .‬هذا‪ ،‬بينما تعتبر القلية الباقية من‬ ‫‪16‬‬


‫المواطنين الصليين‪ ،‬العرب‪ ،‬أصحاب الرض الذين ينتمون لفلسطين‬ ‫التاريخية‪ ،‬مواطنين من الدرجة الثاجنية‪ .‬أما الغلبية‪ ،‬وأجنا شخصيا واحد‬ ‫منهم‪ ،‬فهم لجئون مشردون بالعنف وبقوة السلح الغربي‪ ،‬محرومون‬ ‫من العودة إلى موطنهم المحتل فلسطين‪.‬‬ ‫ ‪" ..‬كفى! كفى! إن معلوماتنا تتناقض تماما مع ما تقول!"‬‫ثم يضيف معتذرا‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬عفوا‪..‬أجنا أصدقك طبعا‪ .‬ولكن يبدو أجننا‪ ،‬هنا‪ ،‬كنا وما جنزال فريسة‬‫لعلم آخر‪.‬‬ ‫كان يتساءل دائما عن سرغياب أجهزة العلم العربية وتقصيرها‪،‬‬ ‫وعما إذا كان هناك "أجهزة إعلمية" أصلل‪.‬‬ ‫كان ل يمل من ترديد سؤاله الذي ل يخلو من سخرية واستنكار‪:‬‬ ‫هل تكفي الصدفة البحتة لمواطن أوروبي مثلي‪ ،‬أن تربطه‬ ‫‬‫علقة شخصية بمواطن عربي فلسطيني مثلك‪ ،‬لكي يعرف ما‬ ‫يحل بكم وما يجري في هذه البقعة من العالم من ظلم؟!‬ ‫ثم أصبح الهر "شولتس"‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬يتصيد الفرص ليدعوجني لمشاركته‬ ‫في تناول "كأس" في مكتبه‪ ،‬بعد ساعات العمل‪ ،‬وهو يغمز لي مطمئنا‬ ‫بأن مكتبه ل يخلو من الـ* ‪ . Apfelsaft‬ومن ثم يأخذ في استعراض‬ ‫ما‬ ‫_________________________________________‬ ‫)**( عصير التفاح ‪ ..‬المشروب الشعبي الشهير والخالي من الكحول ‪.‬‬

‫تمكن من جمعه من المعلومات‪ ،‬من مصادرأخرى "موثوق بها"‪.‬‬ ‫وصار ينافسني في سرد الدلة على تواطؤ الغرب مع الصهيوجنية‪،‬‬ ‫وتواطؤ الصهيوجنية جنفسها مع القوى النازية‪ ،‬والمبريالية‪ .‬وآخرها‪ ،‬من‬ ‫منظوره الجديد‪ ،‬مؤامرة العدوان الثلثي عام ‪. 1956‬‬ ‫وأذكر أجنه كان يصرعلى لفت إجنتباهي بإشاراته إلى محاولت أميريكا‬ ‫السافرة لخلفة أوروبا في السيطرة على منطقة الشرق الوسط‪..‬ومن‬ ‫ثم العالم أجمع‪.‬‬ ‫كان ليفتأ يؤكد لي أن أمريكا لن تترك "جناصر" يهنأ باجنتصاراته وأجنها‬ ‫‪17‬‬


‫لن تسمح باجنتشار فكره‪ ،‬وأجنها سوف تعمل على خلق قناعة عند العرب‬ ‫بعدم جدوى التفكير بـ"الحلم العربي الكبير" أو التفكير بالقضاء على‬ ‫إسرائيل التي "وجدت لتبقى"‪ ،‬ولتبقي قادرة على أن تحافظ على‬ ‫المصالح المبريالية في المنطقة‪.‬‬ ‫كان يحدثني عن "جناصر" بإعجاب شديد‪ .‬ولم أيخف أن سرإعجابه هو‬ ‫وجه الشبه‪ ،‬من منظورهم‪ ،‬ومن دواعي استنكاري الشديــــد أيضا‪،‬‬ ‫بينه وبين "هتلر"‪ ،‬الذي مازال هناك من يجهر بتمجيد جواجنب معينة‬ ‫له‪ ..‬وهو واحد منهم‪.‬‬ ‫وفاجأجني في أحد المرات وهو يرفع كأسه مرددال مقولة‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬سوف جننتصر في النهايه!‬‫ذكرجني بأخي "عابد"‪ ،‬الذي كان ل يمل من استظهار قصائد صديقه‬ ‫الشاعر "صلح جاهين" والتي كنت أطرب لسماعه وهو يردد في‬ ‫ختام إحداها‪.." ..‬راح جننتصر في النهاية"!‬ ‫لم يداخلني الشك يوما في أجننا سننتصر‪ ،‬فقضيتنا عادلة‪ .‬وشعبنا قد بدأ‬ ‫يتلمس طريقه‪ ،‬ويبحث عن ذاته‪ .‬وأخذ يمعن في أمر تشكيل إرادته‬ ‫وإحكام القبضة على أدواته‪.‬‬ ‫لكن ما بال الهر "شولتس" يبالغ في محاولته "إبراء الذمة"؟‬ ‫هل اكتشف أخيرا أن ضحايا النازية ليسوا‪ ،‬فقط‪ ،‬هم من عاجنوا من‬ ‫سعير ما أسممي بـ"الهولوكوست"‪ ..‬و"أفران الغاز"‪ .‬وأن من ضحاياهم‪،‬‬ ‫أيضا‪ ،‬من يعاجنون مثلنا من جحيم "أفران" الغربة والتشريد خارج‬ ‫بلدهم المحتلة‪ ،‬ومن الضطهاد والقهر والذلل في داخلها؟‬ ‫في الصيف الفائت‪ ،‬عدت من "مكتب الجاجنب" اللماجني مكتئبا ا‪.‬‬ ‫وعندما عرف الهر "شولتس" ما حل بي‪ ،‬بادرجني‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬لن تغادرالبلد! وستبقى هنا وتعمل‪ ،‬حتى بدون "إذن عمل" أو‬‫" تصريح إقامه"‪ .‬وأما عن المسكن‪ ،‬فسوف أتدبرالمر بنفسي‪.‬‬ ‫‪18‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ما زلت أتذكر ذلك اليوم‪ ،‬وذلك الشاب الشقر‪ ،‬وهو يقلب "وثيقة"‬ ‫سفري بين يديه‪ .‬يتنقل بها من زميل إلى آخر في "مكتب الجاجنب"‪.‬‬ ‫أحدهم مط شفتيه في غير اهتمام‪ ،‬وهو يردد‪:‬‬ ‫ ‪.. Staatenlos‬‬‫)الصطلح يفيد‪" :‬غير معين الجنسية"‪ ،‬والترجمة الحرفية تعني ‪:‬‬ ‫"بل وطن"(‬ ‫وآخر أومأ إليه‪ ،‬بعد أن رمقك بنظرة فاحصة من فوق جنظاراته‪ ،‬بما‬ ‫معناه‪:‬‬ ‫ و ما الذي يمنع‪......‬؟!‬‫وقال آخرر آخر )فهم ل‬ ‫ت ذلك من إيماءاته أيضا ا( بحزم‪:‬‬ ‫ القاجنون هو القاجنون!‬‫عاد الشاب الشقر ليجلس إلى مكتبه‪.‬‬ ‫عاد يقلب وثيقة سفرك بين يديه‪ ..‬يتصفحها‪..‬يتفحصها‪ ..‬ينظر إليك‪..‬‬ ‫يدير قرص حامل الختام مترددا ثم يتنهد‪ .‬وأجنت تنتظره في توقع‬ ‫ورجاء‪ ،‬أن يقبض على الختم المنشود‪.‬‬ ‫تتذكرعيون المقامرين )على شاشة السينما طبعا‪ ..‬فأمجنى لك مثل تلك‬ ‫الخبرات!( وهي تتركزعلى قرص "الروليت" أثناء دوراجنه‪.‬‬ ‫رقم واحد معمين‪..‬هو مفتاح السعادة‪.‬‬ ‫وبالنسبة لك‪ ..‬ختم واحد معين هو مفتاح الفرج‪.‬‬ ‫يكاد قرص حامل الختام أن يتوقف‪ ،‬فتعبث به يد الشاب الشقر‬ ‫المتردد‪ ،‬ليعود إلى الدوران من جديد قبل توقفه‪.‬‬ ‫فجأة‪ ،‬كمن إتخذ قرارا‪ ،‬أخذ يبحث في وثيقة سفرك عن صفحة فارغة‪.‬‬ ‫يقبض على أحد الختام‪ .‬وتشعر أجنت بارتياح بالغ‪.‬‬ ‫ل لجنك عرفت النتيجة‪ ،‬ولكن لجنك سئمت الجنتظار‪.‬‬

‫‪19‬‬


‫طأْز!*‪ ..‬إذا لم يكن هو الختم المطلوب‪ ،‬فليست هي المرة الولى التي‬ ‫أتعرض فيها لمشاكل بالنسبة للسفر أو للقامة في هذا البلد أو ذاك‪.‬‬ ‫فما أجنا غير ذلك‪ ..‬الفلسطيني المشرد‪.‬‬ ‫صوت ارتطام الختم بصفحة الوثيقه يعيدجني من شرودي‪ .‬أصوب‬ ‫جنظري إلى الصفحة‪ .‬ما زالت فارغه‪.‬‬ ‫ينظر إلي الشاب بعينين ل تخلوان من العتذار‪ ،‬مع شبح ابتسامة فيها‬ ‫قدرغير قليل من السخريه ) في مثل هذه الحالت يعفى المحكوم عليه‬ ‫بالعدام من تنفيذ الحكم(‪.‬‬ ‫لكن الشاب يفتح "خمتامة" حمراء اللون‪ ،‬ويلون الختم بحبرها‪.‬‬ ‫وسرعان ما تتلوث صفحة الوثيقة بختم أحمر‪.‬‬ ‫قرأت العبارة من بعيد‪ ،‬في اللحظة ما بين ارتفاع الختم عن الصفحة‬ ‫وتغطيتها باليد الخرى بالنشافه‪:‬‬ ‫"يغادر ألماجنيا التحاديه خلل ‪ 24‬ساعه"‬ ‫وشيعني الشاب الشقر بنظرة ل تخلو من الرقة‪..‬أو قل العطف‪..‬أو‬ ‫الشفقة‪ .‬وعد ل‬ ‫ت إلى مقرعملي مكتئبا ا‪ .‬وكاجنت فرصة العمر بالنسبة‬ ‫للهر"شولتس" لكي يظهر تعاطفه مع الشعب الفلسطيني المشرد‪..‬‬ ‫ممثل في شخصي‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫_________________________________________‬

‫)*( "طأْز"‪ ،‬أو "أتز"‪ ،‬تعني باللغة التركية "ملح"‪ ،‬حيث كان الملح‪ ،‬في وقت ما‪ ،‬يستوجب‬ ‫أقل قدر من القيمة الضرائبية التركية‪ ،‬وفي رواية أخرى معفي تماما من الضرائب‬ ‫الجمركية‪ .‬وقد أصبحت الكلمة تستعمل للستخفاف بالشيء‪.‬‬

‫اليوم الربعاء‪ ،‬وغدا الخميس‪ ،‬وبعد غد الجمعة‪ .‬ثم يأتي يوم السبت‬ ‫ومن بعده يوم الحد‪ .‬للم كل هذا الجنتظار؟‬ ‫وفوق هذا وذاك‪ ،‬فلقد رتبت صديقتي أمورها لتقضي عطلة "جنهاية‬ ‫السبوع" مع عائلتها في بيتهم الريفي‪،‬علما منها بأجنني على سفر‪.‬‬

‫‪20‬‬


‫مررت عليها في مقر عملها‪ .‬طلبت منها أن تتصل بـ"يوهان"‬ ‫لتخبره بأجنني سأستقل قطار "فيينا‪ -‬فوبرتال" الليلي في ذلك اليوم‪..‬‬ ‫الربعاء‪ ،‬بدل من يوم الحد المتفق عليه‪.‬‬ ‫فوبرتال ‪ /‬ألماجنيا الغربيه‪ ..‬الخميس ‪28/6/62‬‬ ‫تعودجنا‪ ،‬أو تعلمنا أن جنعبرالحدود التي ل يجوز لنا عبورها ‪ -‬جنحن‬ ‫معشر الفلسطينيين الـ"غير معميني الجنسيه"‪ -‬بطريقة أو بأخرى‪.‬‬ ‫ومنها قطارالليل‪ ،‬بما يقتضيه المر من ـحـليل )!(‬ ‫واستقبلني صديقي "يوهان" مضطربا‪ ،‬محاول أن يخفي استياءه‪ .‬فقد‬ ‫استأجرلي جنفس الغرفة التي كنت أسكنها في الصيف الفائت‪ ،‬في بيت‬ ‫أحد معارف الهر "شولتس"‪ ،‬ولكن إبتداء من يوم الحد المقبل‪ ،‬حسب‬ ‫اتفاقنا‪ .‬وعندما فوجيء بنبأ قدومي قبل موعدي‪ ،‬قضى جنهاره في البحث‬ ‫لي عن مسكن مؤقت لليام الثلثة التي لم تكن في حسباجنه‪.‬‬ ‫ولم يكن هناك من حل سوى أن أقتسم المسكن مع ذلك الرجل‪..‬‬ ‫"فولكر"‪.‬‬ ‫بادرجني بلكنة ألماجنية شمالية ريفيه‪ ،‬وبصوت عريض ل يتناسب مع‬ ‫حجمه الضئيل‪:‬‬ ‫ أجنا مغترب مثلك‪....‬‬‫لم أدرك في البداية أن بلدته "بوتسدام" تقع في ألماجنيا "الشرقية"‪.‬‬ ‫وحرت في أمرهذا المغترب في بلده‪ .‬كنت حتى ذلك الوقت أظن أن‬ ‫شعورالمرء بالغتراب في وطنه يقتصرعلينا‪..‬جنحن معشرالعرب‪.‬‬ ‫ثم قلت لنفسي‪:‬‬ ‫مالي أجنا وماله! ثلثة أيام‪ ،‬أوعلى الصح‪ ،‬ثلث ليال ثم تكون لي‬ ‫غرفتي‪..‬وغربتي‪.‬‬ ‫هناك أشخاص تشعر برغبة في التحدث إليهم أو بإجنشاء صداقة معهم‬ ‫إذا ما التقيت بأحدهم في قطار أو رحلة أو أي ظرف عابر‪ .‬لم يكن هو‬ ‫‪21‬‬


‫أحدهم‪ .‬وإن كان يبدو لي مهذبا ا طيبا ا‪ .‬إل أجنه أيقظ في داخلي‪ ،‬دون أن‬ ‫يقصد‪ ،‬تلك المشاعر المرهقة‪..‬التي كنت أتحايل لطالة غفوتها‪.‬‬ ‫كان الوقت مناسبا لن يتمنى كل منا للخر ليلة سعيده‪.‬‬ ‫بدأت أجنا متعللا برحلة القطار الطويلة المتعبه‪.‬‬ ‫صب لنفسه كأسا من النبيذ‪ ،‬ولوح لي بالزجاجة‪:‬‬ ‫ جنبيذ فرجنسي فاخر‪..‬معتق من كروم الجزائر‪..‬من عندكم‪.‬‬‫ثم أردف‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬كنت أسمع دائما أجنه من أجود أجنواع النبيذ في العالم‪ .‬والن تحققت‬‫من ذلك بالتجربة‪ .‬وسمعت أيضا أجنه ل يباع في الجزائر‪ .‬جمرب!‬ ‫ثم استدرك‪:‬‬ ‫ "آخ‪..‬سو" ‪ ..* (Ach so ) ..‬فأجنت إذن "محمداجني"**!‬‫تناول جرعة شرهة ثم أكمل‪:‬‬ ‫ ضحكواعليكم باسم الدين‪..‬وعلينا باسم الشيوعيه‪ .‬فعندجنا‪ ،‬هناك‪،‬‬‫مثلكم تماما‪ ،‬خيراتنا ليست لنا‪ .‬جنعمل وجنكدح من أجل الغير‪ .‬لقد‬ ‫وملى ذلك الزمن بالنسبة لي‪ .‬أجنا الن أجنعم بنتيجة عملي‪ ..‬وبحريتي‪.‬‬ ‫هل تعرف معنى الحريه؟‬ ‫طبعا تعرف‪ .‬لن الفرجنسيين يتمتعون بالحرية في بلدكم‪......‬‬ ‫سامحك ا يا صديقي "يوهان"‪ .‬أل يكفيني‪ ،‬عقابا لي على عدم‬ ‫احترامي للمواعيد‪ ،‬تلك الليالي الثلثة التي سأقضيها في ذلك القبو؟!‬ ‫______________________________________‬ ‫)*( تعبير سائد عن الدهشة‪.‬‬ ‫)**( لفظ ‪ Mohamedaner‬يراد به تعريف المسلم‪ ..‬وينطوي على شئ من الستخفاف‬ ‫والتعالي ‪.‬‬

‫ل بأس في جنقاش أو حديث حول معنى الحرية بين حين وآخر‪ .‬ولكن‬ ‫ليس في مثل هذا الوقت‪ ،‬وبعد رحلة قطار استغرقت وقتا طويل‪،‬‬ ‫قضيت منه جزءا ل بأس به‪ ،‬حبيساا‪ ،‬على كرسي "التواليت"‪.‬‬ ‫تلك هي الحيلة التي تفتق عنها ذهن الكثيرين من زملئي في"وثيقة‬ ‫السفر"‪ .‬فقبل أن يقترب القطار من مدينة "سالتزبورج"‪ ،‬التي تقع على‬ ‫‪22‬‬


‫الحدود في الطريق من النمسا إلى ألماجنيا التحادية )الغربيه(‪ ،‬ل بد من‬ ‫الختفاء عن أعين رجال بوليس الحدود‪ .‬فعندما يتهيأ القطار للوقوف‪،‬‬ ‫لتغييرالقاطرة‪ ،‬والجراءات الحدودية وما إلى ذلك‪ ،‬تبدأ أطول ربع‬ ‫ساعة في التاريخ‪ ،‬لما فيها من اضطراب‪ ،‬وتوتر‪ ،‬وخوف‪.‬‬ ‫الحقيقة أن الجراءات المذكورة ل تعني شيئا بالنسبة للوروبيين‪ .‬فهي‬ ‫إجراءات شكلية‪ .‬أما الجنبي‪ ،‬فل بد من حصوله على تأشيرة دخول‪،‬‬ ‫أو أن يحتوي "جواز سفره" على تصريح للقامة في إحدى الدول‬ ‫الوروبيه‪.‬‬ ‫صحيح أجنه‪ ،‬في بعض الحيان‪ ،‬يختلط المر على رجل الحدود‬ ‫اللماجني فيتعامل مع "الوثيقة" التي أحملها وكـأجنها "جواز سفر"‬ ‫حقيقي‪ .‬خصوصا بعد أن اشتريت من القاهرة حافظة جلدية‪ ،‬خضراء‬ ‫اللون‪ ،‬أودعتها وثيقتي ) ذات الغلف المميز بلوجنه الزرق(‬ ‫مصنوعة خصيصا لجوازات السفرالمصرية‪ ،‬الخضراء اللون‪،‬‬ ‫ومطبوع عليها بماء الذهب ما يفيد بأجنها تحتوي على "جواز سفر‬ ‫مصري"‪.‬‬ ‫لكن هيهات أن "تسلم الجره في كل مره"‪.‬‬ ‫لم يلبث مضيفي أن أقر بأجنني أبدو متلعباا‪ ،‬ويحسن أن أخلد للراحة‬ ‫والنوم‪.‬‬ ‫ألم أقل أجنه يبدو‪..‬طيبـا؟ا‬ ‫لقد أطلق سراحي بالرغم من أجنه كان تواقا للحديث‪ ،‬ولمستمع جيد‬ ‫مثلي‪ .‬لكنه حين أضاف أن للحديث بقية‪ ،‬وأجنه يعرف أجنني سأمكث معه‬ ‫في جنفس المكان ليال ثلث‪ ،‬عرفت أجنه لم يتركني رأفة بحالي‪ ،‬فهو‬ ‫يريدجني في الغد يقظا غير متعب‪.‬‬ ‫وبالرغم من أجنني احتجت لبعض الوقت لكي أتكيف مع سريري‬ ‫الغريب ‪ -‬كما هو الحال مع الكثيرين في مثل هذه الحالت‪ -‬وأجنني‪،‬‬ ‫بينما كان النعاس يغالبني‪ ،‬كنت أشعر بالسيد الهارب من "بوتسدام"‪-‬‬ ‫الشرقية‪ ،‬لينعم بالحرية في "فوبرتال"‪ -‬الغربية‪ ،‬ما زال في أوج‬ ‫‪23‬‬


‫جنشاطه‪ ،‬يفتح زجاجة جديدة‪ ،‬يروح ويجيء‪ ،‬يعبث بآلة موسيقية ثم ل‬ ‫يلبث أن يتركها‪ ،‬ليعبث في محتويات أدراج الدولب‪.‬‬ ‫بالرغم من ذلك‪ ،‬استيقظ الرجل مبكرا‪ .‬وبالرغم من أجنه كان يتحرك‬ ‫بمنتهى الحرص والهدوء‪ ،‬إل أجنني صحوت من جنومي أجنا الخر‪ .‬ولم‬ ‫يهدأ لي بال حتى سمعته يضع المفتاح في قفل الباب من الخارج ليقفله‬ ‫بحرص‪ ،‬بدل من أن يصفقه فيزعجني‪ .‬وجنمت جنوما عميقا‪.‬‬ ‫فوبرتال‪ ..‬الجمعه ‪29/6/62‬‬ ‫عندما صحوت‪..‬استغرقت وقتا امتد لبضع لحظات حتى عرفت أين أجنا‪.‬‬ ‫واسترعى اجنتباهي أن البيت القبو ‪-‬على ـقدمه‪ -‬كان جنظيفا ومرتبا‪ .‬كما‬ ‫استرعى اجنتباهي ‪ -‬أيضا‪ -‬شئ آخر‪ ،‬آلة موسيقية‪" ،‬أكورديون"‪،‬‬ ‫بحجم لم أر له مثيل من قبل‪ .‬جديدة‪ ..‬براقة‪ ..‬لها أجزاء معدجنية مذهبة‬ ‫مفضضة بريقها يخطف البصار‪.‬‬ ‫إن من يحرص على امتلك آلة كهذه ل بد أن يكون عازفا بارعا‪.‬‬ ‫خطر لي أيضا‪ ،‬وأيقنت‪ ،‬أن العازف الذي يمتلك مثل هذه اللة ول‬ ‫يستعملها حرصا على راحة شريكه في المسكن ل بد وأن يكون إجنساجنا‬ ‫مهذبا‪.‬‬ ‫شيء آخر شد اجنتباهي في ذلك الصباح‪ ،‬قبل أن أغادر البيت القبو‪..‬‬ ‫صورة فوتوغرافية لفتاة ل تخلو من حسن‪ ،‬في الرابعة أو الخامسة‬ ‫عشر من عمرها‪ ،‬في إطار معدجني براق يخطف البصار أيضا‪.‬‬ ‫لم أتعجل‪ .‬استغرقت وقتا في الستعداد للخروج‪ .‬فاليوم الجمعة‪ ،‬ومن‬ ‫الطبيعي أن ل أبدأ عملي إل في بداية السبوع القادم‪ ،‬يوم الثنين‪.‬‬ ‫كان ترحيب المهندس اللماجني بي كما توقعته‪ .‬وأكثر من ذلك‪ ،‬أجنه‬ ‫أصرعلى أن أبدأ عملي في الحال‪ .‬وهذه تضحية ل يقوم بها أرباب‬ ‫العمل عادة‪ .‬فمعنى ذلك أجنني سأتمتع بإجازة أسبوعية مدفوعة الجر‬ ‫بالكامل‪ ،‬لقاء عمل جنصف يومي الجمعة والسبت فقط من السبوع كله‪.‬‬ ‫وكان ذلك مبعث دهشة صديقي "يوهان"‪ ،‬الذي يعمل في جنفس المكتب‬ ‫‪24‬‬


‫منذ سنتين‪ ،‬بصفة دائمة‪ .‬فلقد تعود على أن أيخصم من راتبه أجر‬ ‫مجموع الدقائق التي تنقص من ساعات عمله إذا تأخر لسبب أو لخر‪.‬‬ ‫قال لي الهر "شولتس" مرة‪:‬‬ ‫ لقد دفعنا دم قلوبنا‪ ،‬وما زلنا جندفع مئات المليين سنويا ثمنا‬‫لصكوك الغفران‪ ،‬أو ما يقال له "التعويضات اللماجنيه" لليهود‪.‬‬ ‫ولم جنكن جنعرف أجننا جندفع هذه المليين لتساهم في تدمير شعب‬ ‫آخر‪.‬‬ ‫كدت أوقن أن ألماجنيا التحادية )الغربية(‪ ،‬ممثلة في شخص الهْر‬ ‫"شولتس"‪ ،‬قد ثابت إلى رشدها‪ ،‬وأجنها ربما تفكر في تحويل‬ ‫التعويضات إلى الشعب الفلسطيني‪..‬ممثل في شخصي‪.‬‬ ‫أليكفي‪ ،‬دليل على ذلك‪ ،‬إعفائي من قبل السيد الكريم ‪ -‬كما كنت‬ ‫أتوقع‪ -‬من مشقة المحاولة اليائسة للحصول على تصريح القامة‬ ‫والعمل منذ البداية‪ .‬وهذا ما راهنت عليه بتسللي إلى ألماجنيا‪ ،‬فوثيقة‬ ‫سفري ما زالت‪ ،‬منذ الصيف الفائت‪ ،‬مزداجنة بالختم الحمر ذو القامة‬ ‫المحددة بالربع وعشرين ساعه‪.‬‬ ‫ هل تعرف؟‬‫قالها وهو يقترب مني بقدر ما تسمح المسافة بين مقعدينا‪ ،‬ليتخذ وضعا‬ ‫يكون فيه الكلم‪ ،‬كما يبدو له‪ ،‬أكثر جدية‪ .‬وأكمل بما يشبه الهمس‪،‬‬ ‫ليوهمني بأجنه سيدلي بسرخطيرل يليق بأحدغيرجنا أن يسمعه‪:‬‬ ‫تلك الكذوبة التاريخية الكبرى‪"..‬الهولوكوست"‪..‬والستة مليين‬ ‫‬‫يهودي‪..‬وأفران الغاز‪...‬‬ ‫ثم اعتدل في جلسته وأكمل مزهوا واثقا من معلوماته‪:‬‬ ‫أول‪..‬هناك مبالغة هائلة في الرقم‪ .‬وحسب تقارير المنظمات‬ ‫‬‫اليهودية جنفسها‪ ،‬كان عدد يهود أوروبا كلها في زمن الرايخ‬ ‫الثالث ل يتجاوز المليين الثلثة‪.‬‬ ‫‪25‬‬


‫ثاجنيا‪ ..‬قمدرعدد ضحايا الحرب العالمية الثاجنية كلها في حينه‬ ‫بحوالي الخمسين مليون‪ ،‬منهم ما ل يزيد عن المليون الواحد من‬ ‫اليهود‪ .‬فكيف تقوم الدجنيا ول تقعد من أجل هذا المليون!؟‬ ‫ول يستفيق الضمير العالمي إل من أجل الضحايا اليهود!‬ ‫أليست هذه هي "العنصرية" بعينها؟‬ ‫ثالثا‪ ..‬معسكرات العتقال‪ .‬لم تكن سوى مرحلة لتنفيذ خطة‬ ‫"ترحيل" اليهود إلى "أماكن أخرى"‪.‬‬ ‫لم تغب عن فطنته ما تضمنته ابتسامتي من مرارة إزاء ذكر كلمتي الـ‬ ‫"تراجنسفير" و"الماكن الخرى"‪ .‬أطرق برهة كأجنه يعبرعن إعتذاره‪،‬‬ ‫ثم واصل حديثه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬رابعا‪..‬وهذا هو الهم‪ .‬لم يكن هناك ما يسموجنه بغرف الغاز‬‫بالمعنى الذي يرموجوجنه‪ .‬بل كاجنت الظروف الناتجة عن الحرب‬ ‫الطويلة تستدعي وجود محارق لجثث الموتى بشكل عام جنتيجة‬ ‫الغارات‪ ،‬و"التيفوس"‪ ،‬وغيره من المراض التي تفشت في‬ ‫معسكرات العتقال بالذات‪ ،‬وبشكل خاص‪.‬‬ ‫ثم إجنني قبل كل شيء أحب أن أتساءل‪:‬‬ ‫لماذا لم يسمع العالم شيئا عن "الهولوكوست" طوال سنوات‬ ‫الحرب الستة؟!‬ ‫أم أن إبادة "المليين الستة" قد تمت في اليام الخيرة للحرب؟!‬ ‫"الهولوكوست"‪ ،‬يا عزيزي‪ ،‬هو السلح المبتكرلصرف النقد عن‬ ‫إسرائيل وأغراضها وجنواياها‪ .‬إجنه أداة لبتزازجنا ‪**.‬‬ ‫ولم ينس أن يهمس لي مؤكدا أن ماقاله هي الحقيقة التي ليجرؤ‬ ‫الكثيرين على ذكرها‪ ،‬ويحسن أن أحتفظ لنفسي بمصدرها )!(‬ ‫وفي مرة أخرى‪ ،‬حكى لي‪ ،‬بتفصيل ينم عن قراءة طازجة‪ ،‬كيف‬ ‫تورطت ألماجنيا بقصة التعويضات‪ .‬فبعد إعلن دولة إسرائيل عام‬ ‫‪1948‬وتدفق المهاجرين الجدد إليها‪ ،‬مما أصاب ميزاجنية الدولة الجديدة‬ ‫‪26‬‬


‫بالعجز‪ ،‬بالرغم مما تلقوه من مساعدات مالية من يهود العالم‪،‬‬ ‫أوغيراليهود‪ ،‬أبرق رئيس الوزراء السرائيلي‪"،‬بن جوريون"‪،‬‬ ‫لـرئيس المؤتمراليهودي العالمي والحركة الصهيوجنية العالمية في‬ ‫ألماجنيا آجنذاك‪" ،‬جناحوم جولدمان"‪ ،‬الذي كان يتابع محاكمات‬ ‫"جنورجنبيرج" لمجرمي الحرب‪ ،‬يرجوه أن يقوم بتدبير أي مبلغ على‬ ‫وجه السرعة للحاجة الماسة إليه‪.‬‬ ‫عندها طرأت لـ"جولدمان" فكرة أن يطالب "أديناور"‪ ،‬المستشار‬ ‫اللماجني في ذلك الوقت‪ ،‬أن تغ م‬ ‫طي ألماجنيا مصاريف إعادة توطين‬ ‫اليهود اللمان في إسرائيل‪ ،‬فوافق "أديناور" على أن تدفع ألماجنيا مبلغ‬ ‫ثلثة آلف دولر عن كل رأس )!(‬ ‫________________________________________‬ ‫)**( هناك شخصيات هامة مؤثرة قد قامت بتدوين شهادتها و تجربتها في الحرب العالمية‬ ‫الثاجنية‪ ،‬وتم جنشرها )من عام ‪ (59 -1948‬مثل‪:‬‬ ‫البريطاجني " تشيرتشل" في موسوعته "الحرب العالمية الثاجنية" بأجزاءها الستة‬ ‫وصفحاتها الـ ‪ ، 4448‬و‪..‬‬ ‫الفرجنسي"ديجول" في"ذكريات الحرب" بأجزاءه الثلثة وصفحاتها الـ ‪ ، 2054‬و‪..‬‬ ‫الميريكي "أيزجنهاور" في في كتابه "حملة أوروبا" ذو الـ ‪ 559‬صفحة‪..‬‬ ‫هذه الوثائق التي تبلغ في مجموعها ‪ 7061‬صفحة لم يرد فيها شيئا عن "غرف الغاز‬ ‫النازية"‪ ،‬أو "جرائم القتل الجماعي لليهود"‪ ،‬أو ضحايا "الهولوكوست" التي أشاعوا أجنها‬ ‫بلغت المليين الستة !!!!!‬

‫ثم اكتشف "أديناور" بعدها أن ألماجنيا‪ ،‬بذلك‪ ،‬قد التزمت بدفع مبلغ‬ ‫وقدره ‪ 1,5‬بليون دولر )بالباء(‪ .‬فقد جناهز عدد اليهود اللمان في‬ ‫إسرائيل‪ ،‬في حينها‪ ،‬حوالي جنصف المليون*‪.‬‬ ‫في المساء‪ ،‬عدت إلى البيت القبو بعد أن أجنجزت من العمل ما لم يكن‬ ‫أحد يتوقع مني إجنجازه‪ ،‬كي أثبت للسيد الكريم أجنني أهل لكرمه وثقته‬ ‫بي‪ .‬رآجني "فولكر" مجهداا‪ .‬فأراد أن يخفف عني بطريقته الخاصه‪.‬‬ ‫وأصر على أن يسقيني كأسا من النبيذ الفرجنسي الفاخر‪..‬المعتق‪ ،‬كما‬ ‫قال‪ ،‬من كروم الجزائر‪.‬‬ ‫‪27‬‬


‫تنحنحت آمل أن أمسك بدفة الحديث‪ ،‬قبل أن يبدأ هو باستكمال حديثه‬ ‫عن الحريه‪ ..‬قلت له‪:‬‬ ‫ ‪..‬أجنا فلسطيني‪ ،‬ولم أحظ بعد بزيارة الجزائر‪..‬‬‫لم يبد عليه أي اهتمام بما قلت‪ .‬بل أردف بسرعه‪:‬‬ ‫ ‪..‬لبأس!‬‫)واصطلح آخرمعناه بالتقريب‪..‬كلكم في الهمم شرق (**‬ ‫آثرت أن أرجيء سرد "حكايتي" لحين آخرأكثر ملءمة‪ ،‬فابتسمت له‬ ‫مجامل‪ ،‬فإذا به قد رفع كأسه في وجهي وأجنشأ يقول‪:‬‬ ‫ كأسك يا صديقي‪ ،‬فلنشرب جنخب الحرية و‪....‬‬‫قاطعته بضجر مغلف بمحاولة يائسة لن أبدو مرحا‪:‬‬ ‫ ‪..‬عن أي حرية تتحدث يا رجل؟!‬‫قال وكأجنه كان ينتظر سؤالي منذ دهر‪:‬‬ ‫ ‪..‬عن حرية الجنسان في أن يختار العمل الذي يريده‪ ،‬وأن يعيش في‬‫المكان الذي يختاره‪..‬‬ ‫_______________________________‬ ‫)*( عندما حاول "أيديناور"‪ ،‬عام ‪ ،1952‬عقد إتفاقية بين ألمانيا وإمسرائيل وذلك بهدف تنظيم‬ ‫وتقنين عملية يدفع التعويضات اللمانية لليهويد‪ ،‬تعرض المستشار اللماني لمحاولة إغتيال‬ ‫من تدبير "مناحيم بيجين" الذي كا ن يتزعم حزب"حيروت"‪ .‬وظلت "إمسرائيل"‪ ،‬نتيجة‬ ‫لذلك‪ ،‬تبتز التعويضات بدو ن أي قيويد أو معايير‪.‬‬ ‫)**( الصطلح اللماني المشار إليه هو ‪ Alles Seife‬ومعناه الحرفي‪" :‬كيله صابو ن"!‬

‫ثم أضاف باستدراك‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ل داعي لن جنتحدث عن حرية الرأي‪..‬ولنترك ذلك للمثقفين!‬‫)كأجنما أصابت تلك الضافة كبريائي في مقتل‪ .‬أخذت أتساءل بيني‬ ‫وبين جنفسي عن ذلك الشيء الذي يميزالمثقفين في مظهرهم ويفتقر‬ ‫مظهري إليه‪ ..‬مما جعلني أتعرض لمثل هذه الهاجنة التي لم يقصدها‬ ‫صاحبنا‪(.‬‬ ‫لحظ "فولكر" شرودي واجنقباضي‪ ،‬فلكزجني بيده التي تحمل الكأس‬ ‫‪28‬‬


‫وتابع حديثه‪:‬‬ ‫ خذ مثلا‪..‬أجنت! ألم تأت إلى ألماجنيا التحادية لتعمل؟‬‫ألم تأت في الوقت الذي حددته أجنت‪ ،‬وإلى المكان الذي تريده أجنت‬ ‫‪..‬و‪..‬‬ ‫حاولت بيني وبين جنفسي أن أترجم المثل الفلسطيني المعروف "اللي‬ ‫يعرف يعرف‪ ..‬واللي ما يعرف يقول كف عدس" إلى اللغة اللماجنية‬ ‫فباءت محاولتي بالفشل‪.‬‬ ‫ثم فكرت أن أسبقه وأتشبث بدفة الحديث‪ ،‬وأروي له "حكايتي" التي‬ ‫أحفظها عن ظهر قلب‪ ،‬كما أحفظ جنشيد "موطني" الجميل الذي كنا‬ ‫جننشده صغاراا كل صباح قبل أن جندخل إلى "الصفوف" في مدرستنا‬ ‫في القدس‪ ،‬التي تركتها صبيا مهاجرا‪ ،‬برفقة أخي "عابد"‪ ،‬على ظهر‬ ‫حمار من خلل طرق جاجنبية جبلية وعرة إلى "بيت لحم" ومنها‬ ‫إلى"الخليل" ثم إلى "غزه"‪ .‬ثم كيف ساقتني الظروف‪ ،‬بعد أن أجنهيت‬ ‫دراستي الثاجنوية‪ ،‬إلى السعودية للعمل فيها ‪ -‬شأن الكثيرين‪ -‬لكي أتيح‬ ‫لنفسي فرصة التعليم العالي‪ .‬لكنني ترددت‪ ،‬و رأيت أن أبدأ ‪-‬مسبقاا‪-‬‬ ‫بالجابة على السئلة التقليدية‪ ،‬التي تدورعادة في خلد أهل هذه القارة‬ ‫النائية‪،‬عن وسائل المواصلت في بلدجنا‪..‬غير الجمال والحمير‪..‬وأن‬ ‫أوضح له ‪-‬على سبيل المثال‪ -‬أن سبب استعمالنا للحمار كوسيلة‬ ‫للجنتقال هو قطع الطرق الرئيسية‪ ،‬التي تسير فيها السيارات‪ ،‬بواسطة‬ ‫العصابات الصهيوجنية المدججة بأجنواع السلح البريطاجني والتشيكي و‬ ‫الميريكي‪ ،‬والمسددة فواتيرها بالمارك اللماجني‪.‬‬ ‫ثم عدلت عن تلك الفكرة‪ ،‬و رأيت أن أجنتقل مباشرة إلى الحديث الذي‬ ‫تفرضه ثقافة غالبيتهم ومعلوماتهم عن ذلك "الشرق" الذي ابتكروه‬ ‫وأضفوا عليه ما يروق لهم أن يروه‪ ،‬والمستقاة من ترجمات بعض‬ ‫"المستشرقين الوروبيين" المحرفة لـ ـ"ألف ليله وليله"‪ ،‬أو مشاهداتهم‬ ‫للفلم المفبركة عن أمراء الصحراء أو شيوخ البترول أو"الليالي‬ ‫العربيه"‪ ،‬أو من إقبالهم على قراءة سلسلة روايات الكاتب اللماجني‬ ‫‪29‬‬


‫الفاق "كارل ماي" ‪ Karl May‬الشهيرة‪ ،‬التي تصف رحلته‬ ‫المتعددة إلى الشرق‪ ،‬والتي قام بتأليفها خلل السنوات الطويلة التي‬ ‫قضاها في السجن لسباب أخلقية‪** .‬‬ ‫ثم ل بد‪ ،‬بعد ذلك أو قبله‪ ،‬من الجابة على السؤال عن زوجات أبي‬ ‫الربعه‪..‬غير الجواري والحريم‪ .‬وعن تاريخ البنطال الذي أرتديه‪.‬‬ ‫ول بأس من أن أؤكد أن أبي كان يرتدي بنطال هوالخر‪ .‬وأن أختي‬ ‫كاجنت تذهب إلى المدرسة‪ ..‬وبدون حجاب‪.‬‬ ‫وعندما تزوجت‪ ..‬لم يتقاض أبي ثمنها‪ .‬وما إلى ذلك من المعلومات‬ ‫التي عادة ما يحرصون على معرفتها‪.‬‬ ‫إل أجنني وجدت في جنفسي ميلا لن أترك لمضيفي الحرية في الحديث‬ ‫حتى ل يتهمني أجنا الخر باضطهاده‪ ،‬كما اضطهده زعيمه‬ ‫___________________________________________________‬ ‫)**( بلغ عدد مؤلفات "كارل ماي" عن رحلته ‪ 74‬كتابا! هذا علما بأن سجلته تقول بأجنه لم‬ ‫يغادر بلده قط‪ .‬شأجنه في ذلك شأن الكثير من "المستشرقين"‪.‬‬ ‫جدير بالذكرأجنه‪ ،‬في بداية الخمسينات‪ ،‬كاجنت خمسون عاما قد مرت على وفاة "كارل ماي"‬ ‫حيث تكون حقوق المؤلف وورثته قد سقطت ومن حيث تصبح مؤلفاته كلها مشاعا تستثمره‬ ‫دور النشر المختلفة وتجني من جنشرها الرباح‪.‬‬ ‫على أجنه‪،‬إحقاقا للحقيقة‪ ،‬ل بد من ذكر ما تميز به "الستشراق اللماجني" من ابتعاد عن‬ ‫الهداف السياسية أو الستعمارية في الشرق‪ ،‬حيث أجنه لم يكن للماجنيا مستعمرات في العالم‬ ‫العربي )أم كان ذلك‪ ،‬يا ترى‪ ،‬لن الفرجنسيين والجنجليز لم يتركوا لهم مجال لذلك( ‪ .‬ول بد‬ ‫أيضا من ذكر ما تميزت به كتابات بعض المستشرقين اللمان )"جوته" و"سيغريد هوجنكه"‬ ‫على سبيل المثال ل الحصر( من إجنصاف يصل إلى حد الشادة بالحضارة العربية الرائدة‪..‬‬ ‫ذات يوم ‪.‬‬

‫"فالترأولبريخت" من قبل‪ ،‬حسب روايته هو‪ .‬فأجنا أرى كيف يحرقه‬ ‫الشوق إلى اللحظة التي يمارس فيها حريته في الحديث‪ ،‬أو حديثه عن‬ ‫الحريه‪.‬‬ ‫ثلث سنوات مرت‪ ،‬منذ أن تمكن صاحبنا " فولكر" من الهروب من‬ ‫ألماجنيا الشرقية إلى ألماجنيا الغربيه‪ ،‬قضاها عامل في مصنع كبير‪ ،‬يتيح‬ ‫له العمل لساعات إضافية‪ ،‬فيحقق كسبا أكبر‪ .‬وهو يسكن في هذا القبو‬ ‫ليحقق وفراا أكثر‪ .‬ويبدو أجنه قضى تلك السنوات الثلث يعمل بدون‬ ‫اجنقطاع‪ ،‬فلم يجد في وقته متسعا لن يجد له صديقا يتحدث إليه‪.‬‬ ‫‪30‬‬


‫وربما لم يجد الخرون في وقتهم متسعا لن يتحدثوا إليه‪ .‬فالوقت من‬ ‫ذهب‪ ،‬كما يقول اللمان أجنفسهم‪ .‬لكن الفرصة جاءته ‪ -‬كما يبدو‪ -‬إلى‬ ‫عقر داره‪.‬‬ ‫وها هو يتشبث بها ويمضي في حديثه إلي‪:‬‬ ‫ أكثر من عشرسنوات‪ ،‬وأجنا أعمل في المصنع في "بوتسدام"‪.‬‬‫زوجتي تعمل أيضا‪ .‬ولم جنستطع توفير "مارك" واحد‪.‬‬ ‫لم أجرؤ حتى على التفكير في شراء دراجة لبنتي‪ .‬ظلت تحلم بها‬ ‫منذ أن كان عمرها ثلث سنوات‪ .‬واليوم أصبح عمرها ثلثة‬ ‫عشرعاما‪.‬‬ ‫البنات في عمرها‪،‬هنا‪ ،‬يملكن سيارات‪ .‬وجنحن‪،‬هناك‪ ،‬ما زلنا في‬ ‫عصر القطاع‪ .‬الفارق الوحيد أن القطاعي هو الدوله‪ .‬وجنحن‬ ‫عبيد عندها‪ .‬جنعمل لكي جنمل بطوجننا فقط‪ .‬هذا هو الطموح الوحيد‬ ‫المتاح لنا‪ .‬أما هم‪ ،‬فيملون جيوبهم‪....‬‬ ‫استوقفه شرودي‪.‬‬ ‫كان يبدو لي أجنه طيب مهذب‪ ،‬فهل يتعارض ذلك مع الجنطباع الجديد‬ ‫بأجنه‪..‬أفاق؟ ربما لحظ أيضا عدم إكتراثي بل واستنكاري الصامت لما‬ ‫يحكيه‪ .‬فالبلدان الشتراكية تتمتع في عالمنا بمكاجنة محترمة‪ .‬وهي التي‬ ‫كاجنت مثلنا العلى لما جنصبو إليه من جنظم تضمن لنا العدالة الجتماعية‬ ‫والتقدم والرفاهية‪.‬‬ ‫تذكرت بعض الذين بذلوا حياتهم دفاعا عن الشتراكية في بلدجنا‪.‬‬ ‫وآخرين دفعوا‪ ،‬وما زالوا )حتى هذا الحين( يدفعون سنوات من‬ ‫شبابهم في السجون لنفس السبب‪ .‬وعدت لتذكر شقيقي ومعلمي‬ ‫"عابد" وهو ل يكف عن ترديد قصائد صديقه "صلح جاهين" التي‬ ‫كان يحفظها عن ظهر قلب‪:‬‬ ‫يا "معين" يا صوت الضحايا‪..‬‬ ‫إرعد بصوتك معايا‪..‬‬ ‫إرعب عدوي وعدوك‪..‬‬ ‫‪31‬‬


‫راح جننتصر في النهايه‪(**) ..‬‬ ‫أفقت من شرودي على حركة فجائية لصاحبنا "فولكر"‪،‬عندما جنهض‬ ‫بسرعة وفتح "الثلجة" التي لم تسترع اجنتباهي قبل ذلك لسبب ل‬ ‫أعرفه‪ ،‬بالرغم من أن لها أجزاء معدجنية بريقها يخطف البصار‪ .‬ثم‬ ‫أخذ‪ ،‬بطريقة ل تخلو من جنوايا الستعراض‪ ،‬يقملب ما في جوفها من‬ ‫أشياء مغلفة بورق القصديرالبراق‪ ،‬وأخرى بأكياس شفافة‪ ،‬وغيرها‬ ‫محفوظة في علب معدجنية ملوجنة أجنيقه‪ .‬ثم‪ ،‬كمن اتخذ قرارا هاما‪ ،‬أخرج‬ ‫)وبمهارة لم أرها من قبل إل على شاشة السينما( زجاجة "شمباجنيا"‬ ‫ألماجنية ‪-‬كما أفاد‪ -‬وقام بفتحها باستمتاع بالغ‪ .‬كل ذلك وهو يواصل‬ ‫حديثا غير مترابط‪ ،‬يقارن به في النهاية بين "هنــــا"‪..‬‬ ‫و"هنـــــــــاك"‪.‬‬ ‫صحيح أجنني أتمتع بما يسموجنه "فضيلة" القدرة على الستماع‪ .‬ولكن‬ ‫هل يتناقض ذلك مع احتمال اختلفي معه في الرأي؟‬ ‫ثم‪ ،‬ألم يحن الوقت الذي أجاهر فيه برأيي فيه وبأقواله‪ ،‬حتى لو أدى‬ ‫ذلك إلى إغضابه؟‬ ‫لكنني تذكرت تعليمات رئيسي الهر "شولتس" المشددة لي‪ ،‬وهو الذي‬ ‫يتحمل مسئولية عملي في مكتبه بدون "تصريح العمل"‪ ،‬أو"تصريح‬ ‫________________________________________‬ ‫)**(‬

‫الشاعر الفلسطيني "معين بسيسو" هو القائل أيضا‪:‬‬ ‫"فالقول ليس ما يقوله السلطان والمير ‪ /‬وليس تلك الضحكة التي يبيعها المهرج الكبير‪..‬‬ ‫للمهرج الصغير‪ /‬فأجنت إن جنطقت مت ‪ /‬وإن سكت مت ‪ /‬قلها ومت‪".‬‬

‫القامه" من السلطات اللماجنيه‪ ،‬بأن "أمشي بجوار الحائط"‪ ،‬ول‬ ‫أعرض جنفسي لما قد يستوجب مساءلتي عن أوراقي الثبوتية‪..‬إلخ ‪،‬إن‬ ‫مجرد "وجودي" في البلد هو وجود غير شرعي‪ ،‬وغيرمصرح‬ ‫به‪ .‬فما بالك لو اتـهم أ‬ ‫ت في "ألماجنيا الغربية" بمحاولة إقناع لجئ من‬ ‫"ألماجنيا الشرقية" بالعودة إلى موطنه الصلي‪ ،‬أو بالمشاجرة مع ذلك‬ ‫المواطن دفاعا عن الشتراكيه‪.‬‬ ‫وسرعان ما طرقت ذهني أقوال أجدادجنا الحكماء عن كلم الفضة‬ ‫وسكوت الذهب‪ .‬فالتزمت السكوت لفترة‪.‬‬ ‫‪32‬‬


‫ثم خرجت عن طوري وتناسيت أجدادي‪ ،‬وتنحنحت عدة مرات معلنا‬ ‫رغبتي في المشاركة في الحديث أو إبداء الرأي فيما يقوله صاحبنا‪.‬‬ ‫لكن "فولكر" كان ل يتورع عن قمعي بأدب‪ .‬يمهلني لكي يصب لنفسه‬ ‫كأسا أو ليتفقد كأسي‪ ،‬أو يقدم لي"الكافياراللماجني" المشهور‪ ،‬والذي‬ ‫يأتي ‪-‬حسب روايته وتواضعا منه‪ -‬مباشرة بعد الكافيار الروسي‪ ،‬أو‬ ‫يريني صورته بين أفراد عائلته بالمعطف الوحيد الذي كان يمتلكه‪ .‬ثم‬ ‫يفتح لي دولب ملبسه ‪ -‬باجنفعال شديد‪ -‬ويأخذ في عد البدل التي‬ ‫يمتلكها الن‪ ،‬ثم يعيد الشارة إلى المعاطف الربعة الجديدة‪.‬‬ ‫معطف لكل فصل من فصول السنة الربعة‪ ،‬كما يبدو!‬ ‫لحظ "فولكر" شرودي مرة أخرى‪ .‬كنت في هذه المرة أتساءل‪،‬‬ ‫بيني وبين جنفسي‪ ،‬عن المناسبات التي تستدعي إمتلكه لكل هذه‬ ‫الملبس‪ ،‬وهوالذي ل يخرج من قبوه إل لمقرعمله‪ .‬وهاهو يقضي‬ ‫يوم السبت‪ ،‬وليلة الحد‪ ،‬وحيدا مع زجاجاته‪.‬‬ ‫لكزجني بيده التي تحمل الكأس وجنهض‪ ،‬وهو يمهلني‪ ،‬ليريني شيئا لم‬ ‫يلبث أن جنسيه عندما استوقفته الصورة ذات الطار اللمع‪.‬‬ ‫تأمل الصورة‪ .‬تناولها واحتضنها بحنان‪.‬‬ ‫كان أكثر صدقا عندما تحولت ثرثرته إلى الحديث عن ابنته‪ ،‬وشوقه‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫لقد تركها طفلة في العاشرة‪ ،‬وهي الن صبية في الثالثة عشره‪ .‬ولو‬ ‫أجنها تبدو في الصورة أكبر سمنا بقليل‪.‬‬ ‫أخذ ‪-‬ولول مرة‪ -‬يحدثني عن ذكريات جميله‪.‬‬ ‫تأسرجني حكايات الوطن‪..‬أي وطن‪.‬‬ ‫تمنيت أن يستمر في حديثه عن الهل‪ ،‬والبيت وحديقته‪ ،‬وأزهاره‬ ‫وأشجاره وطيوره‪.‬‬ ‫)لحت لي صور بيتنا في القدس‪..‬أزهاره وشجيراته التي كاجنت تنمو‬ ‫في البراميل الخشبية والصص المنتشرة في "وسط الدار"‪..‬‬ ‫وأسراب طيور السنوجنو وهي تحلق بحرية في سمائه‪(.‬‬ ‫‪33‬‬


‫جنهض مرة أخرى ‪-‬وهو يمهلني‪ -‬ليريني صورة كبيرة الحجم لكل أفراد‬ ‫عائلته‪ ،‬في حديقة البيت‪ ،‬وهو يتوسطهم محتضنا آلة "أكورديون"‬ ‫قديمه‪ ،‬قال أجنه ورثها عن أبيه‪.‬‬ ‫لكنه عاد‪ ،‬وأخرجني عن طوري عندما تفوه بجملة تحمل معنى‬ ‫حرماجنه من إبنته‪.‬‬ ‫قلت بسرعة أذهلته‪:‬‬ ‫ وما الذي أرغمك على‪...‬؟‬‫قاطعني بسرعة أذهلتني‪ ،‬وكأجنما كان ينتظر سؤالي هذا‪ ،‬ليفصح عما‬ ‫كان يرى أجنه سر معاجناته‪:‬‬ ‫ بل هربت من أجل ابنتي‪ .‬من أجل أن أستطيع أن أحقق لها بعض‬‫المنيات‪ .‬فأجنا أرسل لها ولمها ‪ -‬كلما أمكنني ذلك‪ -‬ألبسة‪..‬‬ ‫وهدايا‪ ..‬وأشياء أخرى كاجنت ل تجرؤ أن تحلم بها مجرد حلم‪.‬‬ ‫وأخذ يعدد لي مرة أخرى ما استطاع امتلكه خلل ثلث سنوات أو‬ ‫أقل‪ .‬وهو‪ ،‬والحق يقال‪ ،‬كثير وفير‪ .‬وعدت أتساءل بيني وبين جنفسي‬ ‫عن موطن الخلل‪ .‬أهو "فولكر" جنفسه‪ ،‬أم النظام الذي لم يستطع‪،‬‬ ‫حسب قوله‪ ،‬خلل عشر سنوات أن يكفل لبنته دراجة‪ ،‬أو "بنطلون‬ ‫جينز"؟!‬ ‫فكرت‪..‬هل يمكن لجنسان ان يؤمن حقا أن بمقدوره أن يكون حرا وهو‬ ‫في الحقيقة سجينا داخل جنفسه؟!‬ ‫أسكتني مرة أخرى قبل أن أجنطق‪ .‬بالرغم من أجنه لم يكن في جنيتي‬ ‫العتراض أو الرد أو السؤال‪ .‬كنت أريده فقط أن يمل لي كأسي‬ ‫الفارغه‪ ،‬عملي أن أجنسى وصايا رئيسي في العمل‪.‬‬ ‫أعترف بأجنني‪ ،‬في لحظة ما‪ ،‬قد استملحت فكرة اللجوء إلى بلد مثل‬ ‫ألماجنيا لكي أجنعم بالحرية فيها‪ .‬لكنني تذكرت‪ ،‬وإن لم أكن قد جنسيت‬ ‫تماما‪ ،‬أجنني لكي يتسنى لي أن أفعل ذلك‪ ،‬لبد من أن أجنتظر حتى‬ ‫تتحرر بلدي من الحتلل أول‪ .‬عندها سأتحول إلى مواطن عادي‬ ‫‪34‬‬


‫يحمل"جواز سفر" عادي‪ ،‬يتيح لي الخيارات في السفر إلى المكان‬ ‫الذي أراه‪ .‬وليس "وثيقة سفر"‪ ،‬تهمة إسمها "عديم الجنسية"‪ ،‬تكاد‬ ‫بالكاد أن تكفل له القامة في هذا البلد أو ذاك بحجة الدراسة العليا‬ ‫فقط‪ ،‬ول يجوز له‪ ،‬بعد إجنهاء دراسته‪ ،‬أن يبقى فيها يوما واحدا!‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫فوبرتال‪ ..‬السبت ‪30/6/62‬‬ ‫قبل الجنتهاء من العمل‪ ،‬قال لي صديقي"يوهان" أن زوجته "إيفا"‬ ‫سوف تكون باجنتظارجنا لتناول طعام الغذاء معاا‪ ،‬ثم جنرى ماذا سنفعل في‬ ‫أمسية جنهاية السبوع‪ .‬ولم أكن بحاجة إلى إلحاح صديقي‪ .‬قلت بسرعة‪:‬‬ ‫ هناك حكمة صينية تقول أن "الكريم" هو صاحب الدعوة‪ ،‬وأن من‬‫ل يقبلها هو "البخيل"!‬ ‫الحقيقة أجنني لم أسمع بحكمة كهذه ل من قريب ول من بعيد‪ .‬كل ما‬ ‫هنالك أجنني تعلمت من صديق لي أن أجنسب ما أقوله ‪-‬أحياجنا‪ -‬إلى‬ ‫مصادر أجنبية لتزيده أهمية ومصداقية )!(‬ ‫أردت التشبث باقتراح صديقي "يوهان" من أجل الخلص من الرجل‬ ‫القابع باجنتظاري ليسوق لي مبررات جديدة لهروبه من بلده‪ ،‬ويبرهن‬ ‫لي بالدلة على فشل أفكار "ماركس" و"لينين"‪ ،‬ومن بعدهم "فالتر‬ ‫أولبريخت"‪ ،‬في تحقيق العدالة الجتماعيه في ألماجنيا الشرقية‪.‬‬ ‫حاولت أن أقنع صديقي بتأجيل الدعوة إلى المساء‪ ،‬وبعد ذلك جنسهر ما‬ ‫طاب لنا السهر‪ .‬وذلك لكي يتسنى لي أن أعمل في المكتب أطول وقت‬ ‫ممكن‪ ،‬فأجنجز قدرا أكبر من العمل‪ ،‬فأرد شيئا من جميل السيد الكريم‬ ‫الذي رضي بأن أبدأ عملي قبيل جنهاية السبوع‪ ،‬علوة على تحمله‬ ‫مسئولية عملي في مكتبه بدون حصولي على التصاريح اللزمه‪.‬‬ ‫صديقي "يوهان" زودجني ‪-‬باسما‪ -‬بمعلومةهامة‪ ،‬وهي أن كوجني‬ ‫غيرمسجل في مكتب العمل ل يتيح لي الحق بأي ضمان صحي‬ ‫أواجتماعي أوأي مكافأة أو تعويض‪ .‬علوة على أجنني أتقاضى أجراا‬ ‫‪35‬‬


‫يساوي جنصف ما يتقاضاه المتدرب العادي‪ .‬أي أن السيد الكريم هو‬ ‫المستفيد من وضعي‪ ،‬ول حاجة بي للتضحية من أجله!‬ ‫وكاجنت سهرة ممتعة‪.‬‬ ‫عدت بعد ذلك ‪-‬في وقت متأخر‪ -‬إلى القبو متلصصاا‪ ،‬كي ل أزعج‬ ‫صاحبنا‪ .‬لكنه كان في الجنتظار‪.‬‬ ‫وجدته مكوما في جنفس المقعد الذي تركته عليه بالمس‪ ،‬كأجنه لم يغادره‪،‬‬ ‫والكأس في يده‪ ،‬وأمامه أكثر من زجاجة فارغة‪ ،‬وصحنا تتكوم عليه‬ ‫أعقاب السجائر كأجنه لم يتوقف عن الشرب والتدخين‪ .‬إلى جاجنبه‬ ‫تبعثرت أكثر من علبة من علب السجائر الميريكية الفاخرة‪ ،‬و أكثرمن‬ ‫رسالة مفتوحة‪ ،‬وبعض الصور الفوتوجرافيه‪ ،‬كأجنه كان يتحدى بها‬ ‫وحدته‪ .‬وجرائد قديمة يرجع تاريخ بعضها إلى ما يزيد عن العام‪،‬‬ ‫ماجنشيتاتها تتحدث عن إقامة سور برلين )!( **‬ ‫أشفقت أن أكون قد خدشت مشاعره لجني تركته ينتظر‪ .‬وهو الذي أعد‬ ‫العدة لكي يحتفل بضيفه في الليلة الثالثة‪..‬الخيره‪.‬‬ ‫بادرته باعتذاراتي‪ ،‬مدعيا ومؤكدا أجنني لم أستمتع بسهرتي‪ .‬اجنفرجت‬ ‫أساريره بعض الشيء‪.‬أضفت )كاذبا( بأجنني حاولت‪،‬عبثا‪ ،‬العودة مبكرا‬ ‫لشاركه السهرة والشراب‪ ،‬والستماع إلى حديثه الممتع‪.‬‬ ‫__________________________________________________‬ ‫** يعويد بناء مسور برلين إلى ‪ 31‬أغسطس عام ‪ 1961‬بعد أ ن ازيدايدت موجات الهروب‬ ‫والتسلل بين شرقيي برلين و غربييها‪.‬‬

‫قال‪ ،‬وهو يصب لي كأسا ا من عصيرالتفاح‪ ،‬بصوت ل يخلو من جنبرة‬ ‫حزينة‪:‬‬ ‫ إما أجنك تسخر مني‪ ،‬أو أجنك رجل طيب‪.‬‬‫الحقيقة أجنني لم أدخر جهدا لخفاء خواطري الساخرة من سلوكه منذ‬ ‫أن قابلته‪ .‬رفعت يدي بالكأس‪ ،‬وحاولت أن أبدو مرحا‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫ كأسك يا صديقي‪ ،‬فلنشرب جنخب الوطن!‬‫شربنا‪ ..‬وساد الصمت‪.‬‬ ‫‪36‬‬


‫الرسائل المبعثرة على المقعد إلى جواره تنم عن حنينه‪ ،‬وبؤسه‬ ‫المتراكم‪ .‬جندمت أجنني ذكرت الوطن في تلك اللحظة‪ .‬خفت أن يتأجج‬ ‫بركان أحزاجنه‪.‬‬ ‫كان يتجنب اللتفات جنحوي‪ .‬عيناه كاجنتا تتللن بدموع محبوسة‬ ‫مكتومة‪ .‬أجفاجنه المحمرة كاجنت تتلقى بتواتر متقارب وكأجنها بذلك‬ ‫تعلن رفضها للستسلم‪ ،‬وإطلق الدموع من أسرها‪.‬‬ ‫أعرف أن الخمر قد تعمق الحساس بالحزن‪.‬‬ ‫اعتراجني شعور بأجنني القوى‪ .‬كأجنما قد أكسبتني سنوات التشرد واللجوء‬ ‫والحرمان من الوطن حصاجنة ضد توابع الحساس بالغربة‪.‬‬ ‫اللة الموسيقية ترسل بريقا يوحي‪ ،‬أو يوهم‪ ،‬بالفرح‪ .‬توسمت فيها أن‬ ‫تكون المنقذ لنا مما جنحن فيه‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫ ألم تعدجني يا صديقي بأن تسمعني عزفك على اللة الجديدة؟‬‫مرت بخاطري أغنية ألماجنية قديمه‪،‬آسرة‪ ،‬كان يردد لحنها الجميل في‬ ‫ذلك الوقت المغني المريكي "إلفيس بريسلي"‪ ،‬يبدأها بمطلع الغنية‪،‬‬ ‫بكلماتها اللماجنية‪ ،‬ثم يواصل الغناء بكلمات إجنجليزية قيل لي أن معناها‬ ‫ل يمت إلى الصل بأي صله‪ .‬سألته أن يعزف لحنها‪ ،‬ورجوته أن‬ ‫يسمعني الكلمات الصلية للغنية التي لم أكن أعرف منها سوى‬ ‫مطلعها‪.‬‬ ‫أحسست أجني داعبت أوتار الشجن المشدودة على صدره‪.‬‬ ‫داعب أصابع الله‪.‬‬ ‫خرجت منها ألحان ل تشبه اللحن الصلي إل من بعيد‪.‬‬ ‫أعاد المحاولة مرة‪..‬وأخرى‪..‬وأجنا أتصنع الستحسان‪.‬‬ ‫غزنى بصوت مشروخ‪ ،‬حبسته الوحدة مع ما توفر له من السجائر‬ ‫والخمور "المستوردة"‪.‬‬ ‫فإذا بالكلمات ‪ -‬يا ويلي!‪ -‬تتغنى بالحنين إلى الوطن البعيد‪.‬‬ ‫الوطن يطاردجنا يا صديقي‪ ،‬يتسلل إلينا‪.‬‬ ‫ل‪ .‬إجنه يعيش فينا‪ .‬ل سبيل إلى الهروب منه‪.‬‬ ‫‪37‬‬


‫الوطن قدر محتوم على الجنسان‪ ،‬مثل الجنتساب إلى الب والم‪.‬‬ ‫الوطن يختارجنا‪ ..‬ول جنختاره‪.‬‬ ‫لم يعد بإمكان صاحبنا التحكم بعواطفه ول السيطرة على عضلت‬ ‫وجهه وغدده التي خاجنته وتمردت على كبريائه فاجنهمرت الدموع تسبق‬ ‫كفه الذي اجتهد ليمسحها قبل أن تفضحه‪.‬‬ ‫بكى الرجل‪ .‬استمر في البكاء‪.‬‬ ‫لكنه لم يتوقف عن محاولة استخراج اللحن من اللة‪.‬‬ ‫كأجنما كان يرى في الماضي خلصا من وطأة أحزاجنه‪.‬‬ ‫وترك العنان لدموعه تجري وتنهمرعلى وجهه‪.‬‬ ‫كأجنه كان يغتسل بها من أدران حاضره‪ ،‬واللحن يعصاه‪.‬‬ ‫تذكرت الصورة الفوتوجرافية لفراد عائلته في الحديقة‪ ،‬وهو‬ ‫يتوسطهم محتضنا آلة الكورديون القديمة التي ورثها عن أبيه‪ ،‬الذي‬ ‫كان عازفا بارعا كما قال لي‪ ،‬والذي كاجنت الطيور المهاجرة تتريث‬ ‫فوق الشجار المحيطة بالبيت إذا ما سمعت عزفه الشجي‪ .‬هذه كاجنت‬ ‫كلماته‪.‬‬ ‫هل بكى صاحبنا لجنه تذكر أجنه عازفا ا ماهراا‪ ..‬كان‪..‬ل يقل مهارة في‬ ‫العزف عن أبيه؟‬ ‫اللة الجديدة بريقها يخطف البصار‪ ،‬لكنها ل تشاركه فرحا ول حزجنا‪.‬‬ ‫تصدر أصواتا كأجنها تهزأ به‪ .‬هذه كاجنت كلماته‪.‬‬ ‫إبنته أيضا سخرت منه في رسالتها الخيره‪.‬‬ ‫تريده هو‪ ،‬ول تحتاج إلى هداياه‪.‬‬ ‫علب الـ"تشيكليتس"‪ ،‬و بنطلوجنات الـ"جينز" الميريكاجني‪.‬‬ ‫أخذ يردد كلمات إبنته وهو يمسح دموعه‪.‬‬ ‫وتحدث عن أشياء أخرى كثيرة‪ .‬لم أعد أفهم ما يقول‪.‬‬ ‫كنت "ألمس" أحزاجنه‪ ..‬في صوته‪.‬‬ ‫"أسمع" أجنين أشواقه‪ ..‬في عينيه‪.‬‬ ‫"أرى" حديثه وآهاته‪ ..‬في صفحة وجهه‪.‬‬ ‫أحزان الغربة‪ ،‬وأشواق العودة‪ ،‬والحديث عن الوطن‪.‬‬ ‫‪38‬‬


‫و"الحرية" التي تكبلنا خارج الوطن‪.‬‬ ‫فوبرتال ‪ ..‬الحد ‪1/7/62‬‬ ‫الحقيقة أن ظروفي في الليالي الثلثة الماضية لم تمكنني من مواصلة‬ ‫ممارسة عادتي المنقرضة )والتي كنت أتشبث بها أثناء أسفاري‬ ‫بالذات( في كتابة مذكراتي‪ ،‬أوعلى الصح خواطري وإجنطباعاتي‪.‬‬ ‫وكان ل بد من الجنتظار حتى أجنتقل إلى مسكني المحجوز إبتداء من‬ ‫اليوم‪..‬الحد‪.‬‬ ‫وهكذا اضطررت لن أسجل اليوم ‪-‬بأثر رجعي‪ -‬ما فاتني تسجيله عن‬ ‫أهم وقائع تلك اليام الثلثة الماضيه‪ .‬وأرى أن أكتفي بالصفحات التي‬ ‫دبجتها اليوم‪.‬‬ ‫فوبرتال ‪ ..‬الخميس ‪5/7/1962‬‬ ‫صباحا‪ ،‬فوجئت بالهر "شولتس" يدعوجني إلى غرفته‪ ،‬ويستقبلني‬ ‫بابتسامة عريضة‪ ،‬وهو يمد لي جريدة “ ‪" ،”Die Welt‬العالم"‪،‬‬ ‫اللماجنيه بيد ويشير بالخرى إلى "ماجنشيت" خبر كنت قد قرأته ضمن‬ ‫ماجنشتات أخرى لصحف أخرى محلية تعودت أن أقرأها في واجهة‬ ‫كشك الصحافة في محطة المترو كل صباح ‪:‬‬ ‫) يوم الخميس ‪ 5/7/1962‬يوم إعل ن امستقلل الجزائر ( *‬ ‫ إجنه النصر الثاجني لــ"جناصر" على فرجنسا‪..‬‬‫هتف الهر "شولتس" بشماتة ذكرتني بإشاراته للموقف اللماجني من‬ ‫فرجنسا‪ ،‬وموقفه هو من العدوان الثلثي على مصر العربية‪) ،‬بريطاجنيا‬ ‫وفرجنسا وإسرائيل( عام ‪.1956‬‬ ‫ فرجنســـا‪..‬؟‬‫واصل تساؤله مؤكدا ومستنكرا بحماس‪.‬‬ ‫‪39‬‬


‫ ‪ ..‬ألم تتجه إلى دعم إسرائيل ردا على دعم "جناصر" لثورةالجزائر؟‬‫من الذي قام بإهداء المفاعل الذري‪ ،‬المسمى "مفاعل ديموجنه"‪،‬‬ ‫لسرائيل في ذلك العام بالذات؟‬ ‫وروى لي‪ ،‬فيما روى‪ ،‬عن"مجازر سطيف" التي ارتكبتها قوات‬ ‫الحتلل الفرجنسي في الجزائر‪ ،‬في يوم ‪ 8‬من مايو ‪ ،1945‬ومالم‬ ‫أسمعه من قبل عن "فرجنسا الباغية"‪ ،‬يوم تجمع الجزائريون مع‬ ‫عائلتهم في مظاهرة مسالمة في العام المنصرم على جسر "ميرابو"‬ ‫في باريس‪ ،‬في يوم ‪17‬من أكتوبر ‪ ،1961‬يعلنون عن إحتجاجهم على‬ ‫حظرالتجول المفروض عليهم‪ ،‬فأمر"بابون"‪ ،‬مسئول المن في حينها‪،‬‬ ‫البوليس الفرجنسي بإلقاء العشرات منهم من جسر"ميرابو"** في‬ ‫جنهرالسين‪.‬‬ ‫ولم ينس أن يقارن بين "بابون" وبين "أيخمان"‪ ،‬الذي تم إعدامه قبل‬ ‫شهور‪ ،‬في يوم ‪31‬من مايو ‪ ،1962‬والذي تواطأ مع النظام النازي‬ ‫لخلق حالة الفزع عند اليهويد وإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين‪.‬‬ ‫وكأجنما شجعتني حفاوته هذه‪ ،‬بأن أستأذجنه في الغياب عن المكتب في‬ ‫_________________________________________‬

‫تحتفل الجزائر بعيد الستقلل في يوم ‪5‬يوليو رغم أن الجزائريين قد اجنتزعوا استقللهم‬ ‫)*(‬ ‫يوم ‪ 3‬يوليو ‪ .1962‬ولقد وقع اختيار اليوم الخامس من يوليو لتجسيد هدف سياسي ‪ ،‬إذ أن‬ ‫فرجنسا كاجنت قد احتلت الجزائر يوم ‪ 5‬يوليو ‪1830‬‬ ‫)**( جنسبة إلى "ميرابو "‪ ..‬خطيب الثورة الفرجنسية الذي ارتبط اسمه بحريتها‬

‫ذلك اليوم‪ ،‬و ذلك لسبب آخر غيرالذي تبادرإلى ذهنه‪ ،‬وهو‬ ‫التحتفال بمناسبة الستقلل‪ .‬فقد كنت أجنوي السفر إلى مدينة "كولون"‬

‫القريبة لزيارة صديق فلسطيني يقيم فيها‪ ،‬كان قد زودجني بعنوان إحدى‬ ‫المكتبات القليلة‪ ،‬في ألماجنيا‪ ،‬المتخصصة في بيع الكتب والسطواجنات‬ ‫الموسيقية العربية‪ .‬هذا بالضافة إلى جنيتي في شراء جهاز تسجيل‬ ‫"ريكوردر" من جنوع "جروجنديـــــج" اللماجني ذائع الشهرة‪ ،‬والذي‬ ‫طالما تمنيت أن أقتنيه‪ .‬فلقد حدثني صديقي المقيم في"كولون"‪ ،‬أجنه‬ ‫‪40‬‬


‫يعرف مكاجنا يبيع أحدث الجهزة بأسعارمخفضة‪ ،‬بالضافة إلى خصم‬ ‫"ضريبة الستهلك" للجهزة التي ينوي مشتروها من الجاجنب‬ ‫الخروج بها من الراضي اللماجنيه‪.‬‬ ‫طلبت من صديقي "يوهان" أن يعتذر بالنيابة عني لعدم تلبية دعوة‬ ‫"إيفا"‪ ..‬زوجته‪ .‬وعرفت منه أجنني سأكون في "كولون" في أقل من‬ ‫ساعة‪ ،‬لو أجنني توجهت في الحال إلى محطة القطار‪.‬‬ ‫في الميدان الرئيسي للمدينة‪ ،‬الذي ل يبعد عن محطة القطار غير بضع‬ ‫عشرات من الخطوات‪ ،‬كنت أتلفت حولي باحثا عن شخص أتوسم فيه‬ ‫الستعداد للجابة عن سؤالي عن طريقة الوصول إلى الشارع الذي‬ ‫تقع فيه المكتبة‪.‬‬ ‫مر شاب ممتليء الجسم متجاوزا إياي من خلفي‪ .‬وبالرغم من أجنني لم‬ ‫أر وجهه‪ ،‬إل أن ملبسه وسمرة قفاه كاجنا ينمان عن إجنتمائه لبلد شرقي‪.‬‬ ‫مددت يدي لربت على كتفه من خلفه‪:‬‬ ‫ من فضلك!‬‫التفت بشيء من التساؤل الذي سرعان ما تبدد وتحول إلى دهشة‬ ‫مذهولة‪:‬‬ ‫ مين…؟!‬‫ مين…؟!‬‫ مش معقول!‬‫كاجنت المرة الخيرة التي افترقنا فيها‪ ،‬ولم جنلتق بعدها أبدا‪ ،‬عندما اجنتقل‬ ‫والده من القدس‪ ،‬للعمل في عممان‪ ،‬عام ‪ .1945‬كنا في العاشرة من‬ ‫عمرينا‪.‬‬ ‫أ‬ ‫بالرغم من مرور ما يقرب من خمس قرن من الزمان‪ ،‬لم يتغير من‬ ‫ملمحه الشيء الكثير‪ .‬وجهه المستدير‪ ،‬سمرته‪ ،‬شفته العليا المتدلية‪،‬‬ ‫عيناه الذكيتان‪ ،‬جبينه العريض الذي كان أيضا أحد سمات ذكائه‪ .‬كل ما‬ ‫هنالك أن حجمه قد تضخم بشكل ملحوظ ذكرجني بوالده الذي كان صديقا‬ ‫‪41‬‬


‫لوالدي‪ .‬كما ازداد وجهه استدارة‪ ،‬واخشوشن صوته‪ ،‬وامتد عرض‬ ‫جبينه حتى يكاد أن يصل إلى قفاه!‬ ‫ يظهر أن هناك الكثير من الشياء الغير معقولة في اجنتظارجنا‪.‬‬‫قالها وهو يشدجني من ذراعي في إتجاه لم أجد ما يستدعي أن‬ ‫أستوضحه‪ .‬فهو يبدو واثـقا مما يفعل‪ .‬كأجنه قد أدرك أجنني أزور هذه‬ ‫المدينة للمرة الولى‪ ،‬فاجنطلق يتصرف كالمضيف العارف‪ .‬يقودجني عبر‬ ‫الشارع بدون أن يعبأ باعتراضي على مخالفة قواعد مرور المشاة‪،‬‬ ‫وهو يوميء لي بأن آخذ المور ببساطة‪.‬‬ ‫قال وهو يمسح بكفه رغوة البيرة التي كللت شفته العليا التي تضخمت‬ ‫هي الخرى وازداد تدمليها‪ ،‬بالرغم من أجنه لجأ إلى ترميم العيب بأن‬ ‫مل المساحة بينها وبين منخريه بشوارب عريضة‪:‬‬ ‫ ل تقلق‪ .‬مشاويرك كلها ل تحتاج لكثر من ساعة‪ ،‬فاترك بقية‬‫اليوم لي أجنا‪ .‬أما عن صديقك المقيم هنا في "كولون" فيمكنك‬ ‫زيارته في يوم آخر ما دمت لم تتفق معه على موعد محدد‪ .‬وما‬ ‫دمت تتدرب في مدينة "فوبرتال" القريبة‪ .‬فهناك أشياء كثيرة أرى‬ ‫أن جنتحدث عنها‪ ،‬خصوصا بعدما عرفت منك أن هناك في "فيينا"‬ ‫هذا العدد من الطلب الفلسطينيين‪ ،‬وأجنه قد تم اجنتخابك رئيسا‬ ‫لفرع إتحاد الطلبة هناك‪.‬‬ ‫ قلت لك أجنه مجرد تجمع طلبي فلسطيني في إطار رابطة‬‫الطلبة العرب‪ .‬القاجنون ل يسمح بإقامة فرع لتحادجنا في النمسا‪.‬‬ ‫ مش مهم‪..‬عندي ما هو أهم‪.‬‬‫وأكمل وهو يرتفق مائدة المقهى‪ ،‬وينقرعليها محددا بسبابته‪:‬‬ ‫‪ ‬جنذهب إلى المكتبة أول‪ ،‬وهي ل تبعد كثيرا عن الميدان‪.‬‬ ‫‪ ‬جنشتري "الأمسمجل"‪ ،‬فأجنا أعرف ذلك المكان الذي يعنيه صديقك‪.‬‬ ‫‪ ‬جنتصل بصديقك إن شئت وجندعوه لينضم إلينا‪.‬‬ ‫جنذهب إلى مسكني‪ ،‬بعد أن جنمرعلى البقال المجاور لنا وجنتزود‬ ‫‪‬‬ ‫بما يلزمنا للطعام‪ ..‬والشراب‪ ..‬لنحتفل بإعلن الستقلل‪.‬‬ ‫‪42‬‬


‫لم أجد أمامي خيارا آخرغيرالمتثال لرفيق الطفولة الذي ظهر لي‬ ‫فجأة‪ ،‬ويبدو أجنه سوف يختفي أيضا بدون مقدمات‪.‬‬ ‫إجنه يتكلم بسرعة‪ ،‬ولكن بتركيز واختصار واضحين‪ .‬واثق مما يقول‪،‬‬ ‫كأجنما يعرف مسبقا جنتيجة وقع حديثه‪.‬‬ ‫حديثه ذكرجني بسائق التاكسي اللبناجني الذي أبى‪ ،‬في العام المنصرم‪ ،‬أن‬ ‫يتقاضى أجره مني يوم أن اجنطلق بي من بيروت إلى الجبل‪ ،‬للبحث عن‬ ‫أقارب لي‪.‬‬ ‫قال لي ذلك السائق‪ ،‬أيضا‪ ،‬أجننا ل بد أن جنتفق‪ ،‬كفلسطينيين أول‪ ،‬وأن‬ ‫جنأخذ زمام أمرجنا بأيدينا‪ ،‬وأن ل جننسى أن أميريكا هي عدوجنا المختفي‬ ‫وراء "إسرائيل " والمتواطيء معها‪ .‬وتحدث‪ ،‬كذلك‪ ،‬عن "تنظيمات‬ ‫سرية" ذات "أجنحة عسكرية"‪ ،‬وعن "العمل الفدائي"‪ ،‬والضرب في‬ ‫العمق‪ ،‬والكفاح المسلح طويل المد‪ ،‬والمسيرة الطويلة و"ما يحرث‬ ‫الرض إل عجولها"‪..‬واختفى!‬ ‫عرفت من رفيق الطفولة أجنه قد شارك بالقتال في الجزائر‪ ،‬بعد أن‬ ‫جنال قسطا من التدريب العسكري اللزم مع مجموعات أخرى من‬ ‫الفلسطينيين‪.‬‬ ‫رأيت بريقا يتلل في عينيه وهو يقول أن جنجاح ثورة الجزائر هو‬ ‫بمثابة بلسم للجرح العميق الذي سببه اجنكسار حلم الوحدة العربية‬ ‫باجنفصال سوريا عن مصر )**( في سبتمبرعام ‪ ،61‬وأجننا يجب أن ل‬ ‫جنتوقف عن الحلم‪.‬‬ ‫قال أجنه قد آن لنا أن جنتدارك كل أخطاءجنا وجنلملم شتاتنا وجنتبنى فكرة‬ ‫"التنظيم"‪ ،‬استعدادا لخوض حرب شعبية طويلة المد‪ .‬وأكد‪ ،‬فيما‬ ‫أكده‪ ،‬أجنه ل يحبذ العودة إلى الرأي القائل بتوريط الدول العربية بحرب‬ ‫جنظامية مع إسرائيل مرة أخرى‪ .‬و‪ ،‬كمن يقلب الصفحة ويبدأ في تلوة‬ ‫صفحة جديدة‪ ،‬قال باستمتاع وتحد شديدين‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬اليوم جنحتفل باستقلل الجزائر‪ ،‬وغدا بتحرير فلسطين!‬‫وإذا كان الحتلل الفرجنسي للجزائر قد امتد لـ ‪130‬عاما‪ ،‬فإن غدا‬ ‫لناظره قريب!‬ ‫‪43‬‬


‫كان يتحدث وأصابعه تعبث بأزرار الريكودر الـ"جروجنديج" الجديد‪،‬‬ ‫الذي ما زال حتى الن من ضمن مقتنياتي مع الكثير من الشرطة‬ ‫المسجلة التي تزخر بالذكريات‪.‬‬ ‫ولقد جنجحت إحدى محاولتي المتكررة في تحديد الشريط الذي تم‬ ‫تسجيل صوت "محمد الوكيل"عليه‪ ،‬مع صوتي وأجنا أردد من بعده‪:‬‬ ‫أقسم بال العظيم‪..‬‬ ‫أقسم بشرفي ومعتقداتي‪..‬‬ ‫أقسم أ ن أكو ن مخلصا لفلسطين‪..‬‬ ‫وأ ن أعمل على تحريرها باذل كل ما أمستطيع‪..‬‬ ‫وأقسم أ ن ل أبوح بسرية حركة فتح‪ ..‬وما أعرف من أمورها‪..‬‬ ‫وهذا قسم حق‪ ..‬وا شاهد‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫____________________________________________________________‬ ‫)** ( أعلنت الوحدة بين مصر ومسوريا في ‪ ..25/2/1958‬ولم تستمرأكثر من ‪ 44‬شهرا‬

‫لم يكن "القلـ للسـم" المشار إليه التزاما بالتمسك بمشروعي الوطني فقط ‪،‬‬ ‫بل الحرص أيضا على العمل من أجله في صمت وسرية‪ .‬ولذلك‬ ‫حرصت على أن أكتم جنواياي حتى عن أقرب الناس إلي‪.‬‬ ‫إل أجني لم أجد غضاضة في أن أشرك أخي "عابد" فيما‬ ‫اجنتهيت إليه‪ ،‬فهو مرشدي ودليلب في كل خطواتي‪.‬‬ ‫وكان ل بد لي من أن أخلو إلى جنفسي لكي أزن المور‪ ..‬على ضوء‬ ‫ماسمعته من رفيق الطفولة‪.‬‬ ‫‪44‬‬


‫كما كان ل بد من أن يشاركني ذلك رفاقك الذين تركتهم في "فيينا"‬ ‫دون أن يشفى غليلهم بردود على تساؤلتهم التي كاجنت تساؤلتي أجنا‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫كنت‪ ،‬وكأجنما كنت أهرب منهم ومن جنفسي إلى شفافية "يوهان"‬ ‫وجنقاءه‪ ،‬ورقة "إيفا" وابتسامتها البهية وأطباقها الشهية‪ ،‬أو مشاكل‬ ‫"فولكر" وعقده وتبريراته‪ ،‬وجنظريات "شولتس" وظنوجنه وحساباته‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫أقول ‪:‬‬ ‫للمنفى مساويء كثيرة ل تحصى‪..‬وفضيلة واحدة ل تنسى‪..‬‬ ‫إجنه يذكرجنا دائما بحاجتنا إلى الوطن‪..‬ويؤكد صلتنا بأصولنا ‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫‪45‬‬

‫*‬

‫*‬


‫"إم سـمــــــــاعين"‪..‬‬

‫كثيرات كن المهات اللواتي كان يعج ويشتهر بهن حوشنا‪ ،‬حوش‬ ‫"الخرمنده"* في حارة الواد‪ ،‬في القدس القديمة‪.‬‬ ‫"إم خضر"‪ ..‬و"إم لطفي"‪ ..‬و"إم صالح الكبيره"‪" ،‬القابلة القاجنوجنية"‪،‬‬ ‫)الدايه اللي سحبتني‪ ،‬حسب تعبيرها هي(‪ .‬وهناك كزنتها "إم صالح‬ ‫الزغيره"‪ ،‬زوجة إبنها "أبو صالح الرافعي" صاحب "مقهى‬ ‫الرافعي" الشهير أو "قهوة السبيس" التي أخذت إسمها من مبنى‬ ‫"هوسبيس النمسا" الضخم المجاور بحديقته المدرجة الواسعة‪،‬‬ ‫وسوره الشاهق العلو الممتد شرقا وشمال‪ ،‬ومدخله المهيب المرتفع‬ ‫بالدرجات الحجرية المؤدية إليه‪.‬‬ ‫وهناك "إم مصطفى" التي اشتهرت‪ ،‬إلى جاجنب لكنتها الحيفاوية‬ ‫وكلماتها "إمسا" و"خايتاه" **‪ ،‬بلقب "إم أبوالنوم" بعد أن اجنكشفت‬ ‫حيلتها التي لجأت إليها لتتخلص من مضايقات وحيدها وتتفرغ‬ ‫‪46‬‬


‫لثرثراتها مع بقية أمهات الحوش بأن أرضعته مشروبا يقال له "أبو‬ ‫النوم"***‪ ،‬فأدمن الرضيع عليه‪.‬‬ ‫ولأجنسى"إم علي" المفترية‪ ،‬التي اشتهرت بين الجارات بعينيها‬ ‫الوقحتين الواسعتين "مثل قرص الجبنه"‪ ،‬كما وصفتها "إم مصطفى"‬ ‫مرة‪ ،‬وهي التي اتهمتني يوما بالتحرش بإبنتها البيضاء الملظلظة‬ ‫"كوكب" مؤكدة لوالدتي أجنها رأتني رؤيا العين أثناء أحتضاجني لها و ‪..‬‬ ‫و‪ ، ..‬بينما أجنا أذوب استحياء وخجل من سماع إتهاماتها الباطلة‪.‬‬ ‫________________________________________________‬ ‫) * ( إسم الحوش كما هو مدون في الكوشان ‪ ..‬وثيقة ملكية الدار‪.‬‬ ‫)**( إمسا > همسا > همسْع > هالساعه > هذه الساعة > الن !‬ ‫خايتاه > أختاه !‬ ‫)***( مغلي أوراق الخشخاش ‪.‬‬

‫أما "إم سماعين"‪ ،‬الخليلية‪ ،‬فهي أقرب جيراجننا إلينا‪ ،‬حيث كاجنت‬ ‫تسكن مع زوجها‪ ،‬الذي ل أذكرالكثير من ملمحه‪ ،‬في غرفتين‬ ‫استقطعهما والدي من دارجنا الوسيعة‪.‬‬ ‫وهي صاحبة البتسامة العريضة التي جندر ما كاجنت تفارقها‪ ،‬والتي‬ ‫كاجنت تكشف عن جنابين صغيرين من ذهب‪ ،‬يتخللن أسناجنها البيضاء‬ ‫التي ل تختفي‪ ،‬حتى وهي تنطق بحرفي "الميم" و"الفاء"‪ ،‬عندما‬ ‫تتحدث عن "حممام الشفا" الذي يتعهده زوجها‪ ،‬والكائن بالممرالمعتم‬ ‫المؤدي إلى "باب القطاجنين"‪ ،‬أحد أبواب الحرم الشريف‪.‬‬ ‫كاجنت "إم سماعين"‪ ،‬ذات الصول المصرية التي تتجلى في خفة‬ ‫دمها وحضور بديهتا وجنكاتها )التي كاجنت الجارات تصفنها بأجنها "من‬ ‫الزجنار وتحت"(‪ ،‬مغرمة بحضور أفلم السينما المصرية‪ .‬وكنت‬ ‫م‬ ‫بدوري مغرما بسماع روايتها لقصص تلك الفلم بأسلوب سردها‬ ‫المشوق لدق تفاصيلها وحذافيرها‪ .‬وكاجنت سعادتي تبلغ ذروتها عند‬ ‫عودتها من مدينة"بلبيس" المصرية لزيارة أهل زوجها ذوي الجذور‬ ‫الفلسطينية‪ ،‬ومن ثم "قاهرة المعز"‪" ،‬المحروسة" و"السيدة زينب" و‬ ‫"باب الشعريه"‪ ،‬حيث جنشأ وترعرع إبن جيراجنهم مطرب الملوك‬ ‫‪47‬‬


‫والمراء‪" ،‬محمدعبدالوهاب"‪ ،‬الذي أكدت لي أجنا بعد إلحاحي‬ ‫بالسؤال أجنها رأته "شخصي" لعدد ل يحصى من المرات‪ ،‬وحيث‬ ‫يمتلك عمها دارا للعرض السينمائي كاجنت تصرعلى تسميتها‬ ‫"سيلـ لما"‪ ،‬والتي كان جمهورها يستمتع بالفرجة على الفلم وهو‬ ‫متربع على الحصيرة‪ .‬عندها كاجنت تفسح لي مكاجنا إلى جوارها‬ ‫فأصغي إليها مبهورا بينما هي منهمكة في وصف القاهرة ولياليها‪،‬‬ ‫وحدائقها‪ ،‬وملهيها‪ ،‬وشوارعها‪ ،‬وترامها‪ ،‬ومسارحها‪،‬‬ ‫و"سيلـ لماتها"‪ ..‬وحذافير قصص أفلمها‪ ..‬وتفاصيلها‪.‬‬ ‫أرادت إحدى الجارات‪ ،‬ذات مرة‪ ،‬أن تجاريها في رواية تفاصيل‬ ‫ذلك المشهد المثير في فيلم "رصاصة في القلب"‪ ،‬حينما كان عبد‬ ‫الوهاب يردد أغنية "المميه تروي العطشان" بينما هو‪) ،‬من غير ـخشا‬ ‫ول حيا قدام الناس(‪ ،‬يستحم في الباجنيو!‬ ‫سألتها "إم سماعين" بغتة‪:‬‬ ‫ وين كنتي قاعده يوميتها يام علي‪ ..‬قدام واْلل ورا‪ ..‬بل قافيه؟‬‫ردت "إم علي" بعظمة تجزلت واضحة على أوداجها التي اجنتفخت‬ ‫فجأة‪:‬‬ ‫ على سلمته "أبوعلي"‪..‬عمره ما قلـ لطلـ لع لي إل في اللوج‪.‬‬‫فما كان من "إم سماعين" إل أن أسكتتها بإشارة استخفاف من يدها‬ ‫مصحوبة بصوت مصمصة شفتيها‪ ،‬أسفا لجهل "إم علي"‪ ،‬قبل أن‬ ‫تفصح‪:‬‬ ‫ إيش أقول أجنا اللي كنت قاعده‪ ،‬إسم ا على قيمتك‪،‬‬‫في"البلكون"‪ ..‬وا وكيلك‪ ..‬شايفه من فوق‪ ..‬كل المسـائل؟!‬ ‫ثم تعقب بسرعة‪ ،‬وبلهجتها المصرية‪:‬‬ ‫هو اجنتي ياختي شفتي حاجه؟‬ ‫‬‫‪48‬‬


‫فتنطلق عاصفة من الضحكات المكبوتة‪ ،‬التي كاجنت تنتظر"إم‬ ‫سماعين" لتفرج عنها‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كنت أسترق السمع لحاديثها عن قصص زبوجنات الحمام‬ ‫الذي خصص يومي الخميس والثنين للنساء فقط )وهي في‬ ‫معظمها‪ ،‬كما كاجنوا يكررون‪ ،‬قصص "من الزجنار وتحت"(‪.‬‬ ‫لم أكن في البداية أدرك لماذا تثير تلك القصص ضحك الجارات‬ ‫حتى تدمع عيوجنهن‪ .‬وكثيرا ما كنت ألحظ أمي وهي تغمز لها أو تكز‬ ‫بأسناجنها على شفتها السفلى‪ ،‬في الخفاء‪ ،‬لكي تكف عن الحديث أمامي‬ ‫في هذه المور‪ .‬لكن سرعان ما كاجنت "إم سماعين" تمد يدها إلى‬ ‫أسفل بطني وهي تقول ضاحكة بلهجتها الخليلية‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ما هو لأْخري هيكْ هيكْ لزم ـيعـرف‪.‬‬‫وتمرالسنوات سراعا‪.‬‬ ‫وتبتسم أمي‪ ،‬ابتسامة ذات معنى‪ ،‬وهي تجففني بمنشفة الحمام قائلة‪،‬‬ ‫بعدأن دققت النظر في شعيرات يميل لوجنها إلى السواد بدأت تغزو‬ ‫ذلك المكان‪ ،‬أجنه قد آن الوان للقيام‪ ،‬بمفردي‪ ،‬بمهمة الستحمام‪.‬‬ ‫وبدأت أسمع أقراجني يتحدثون عن تلك الشعيرات وعن ظواهر أخرى‬ ‫أثارت فضولي‪ .‬بل إن اجنفرادي في غرفة الحمام‪ ،‬حسب تعليمات‬ ‫أمي‪ ،‬أتاح لي فرصة محاولة "تجربة"الصابون التي ازدادت وشوشة‬ ‫القران عنها إلى درجة التباهي بنتائجها التي تشير إلى العبور إلى ‪..‬‬ ‫الرجولة‪.‬‬ ‫وظلت "إم سماعين" تحكي قفشاتها ول تتحرج من وجودي‪ .‬بل‬ ‫أصرت في أحد المرات على أن تعاود إصطحابي معها‪ ،‬يوم خميس‪،‬‬ ‫إلى "حمام الشفا"‪ ،‬وهو اليوم المخصص للنساء بالرغم من تحفظ‬ ‫والدتي التي حاولت أن تلمح لها بأن " الولد أْبللْغ"‪.‬‬ ‫لكنها قهقهت حتى استلقت على ظهرها وهي تقول‪:‬‬ ‫‪49‬‬


‫ ‪ ..‬حرام عليكي يا مستوره‪ ..‬لـمساأته ل‬‫طفـْل!‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫غيوم من البخار‪ ،‬كالغللت‪ ،‬تلتحف بها النساء والصبايا‪ ،‬والفتيات‬ ‫الصغيرات اللواتي ينافسن الكبار في الحرص على إخفاء أجزائهن‬ ‫عن أعين ذكور الطفال الدخلء أمثالي‪ .‬لكن سرعان ما تعيدهن‬ ‫رغاوي الصابون و فقاعاته إلى أصولهن البريئة ولهوهن‪ ،‬فتنطلق‬ ‫الصرخات ويتزايد ارتفاع "صوتيات" الحممام العام التقليدية‬ ‫المشهوره‪.‬‬ ‫خليط من الجناث من مختلف العمار‪ .‬بعضهن عاريات تماما‪.‬‬ ‫وأخريات أبى حياؤهن إل أن تحتفظ الواحدة منهن بقطعة ملبس‬ ‫داخلية أو اثنتين‪ ،‬أو بقميص ابتل والتصق باللحم‪ ،‬وغدا كما يقول‬ ‫الشاعر‪ ،‬كثوب الرياء‪ ..‬يشف عما تحته‪.‬‬ ‫العجائز منهن غير مباليات‪ .‬منهن من يستظرفن بمداعبة بناتهن أو‬ ‫حفيداتهن‪ ،‬دعابات ما كنت أظنها مباحة إل في ذلك المكان فقط‪.‬‬ ‫ومنهن من يحاولن لفت أجنظار الطائشات إلى التمسك بأهداب‬ ‫الصول‪.‬‬ ‫وصبية تتشبه بفتيات المجلت الجنبية في إبرازعريها في أحسن‬ ‫حالته‪.‬‬ ‫وأخريات يمصمصن شفاههن ويلوين أعناقهن ويتبادلن جنظرات‬ ‫تفيض بالغيرة والحسد‪.‬‬ ‫إحداهن تطارد الخرى لتثأر لنفسها من دعابة بريئة أو غير بريئة‪،‬‬ ‫فتنزلق على بلط الحمام الذي لم يكف لمعاجنه وابتلله عن التحذير‬ ‫من مغبة المطاردات‪ .‬تنطلق الضحكات ويعلو الصراخ تعليقا على‬ ‫أوضاع الجسد المتزحلق الذي فقد اتزاجنه وقدرته على الحتشام‪،‬‬ ‫فأهتدي إلى أسباب أخرى لرتفاع أصوات رواد الحممام‪..‬غير اجنقطاع‬ ‫المياه‪.‬‬ ‫‪50‬‬


‫وهنا أرم اجنتبذت مع صبيتها مكاجنا قصيا لـتمارس عمل ل يليق أن‬ ‫تمارسه‪ ،‬هكذا‪ ،‬أمام الجميع‪ ،‬وتهمس في أذجنها ما ل يليق أن يسمعه‬ ‫أحد‪.‬‬ ‫وعجوز تستعرض مهارتها في التكبـيس‪ ،‬وأخرى تتفنن في التليـيف‬ ‫والتكيـيس‪.‬‬ ‫وكاعب أخذت تغطي جنهديها النافرين بخصلت شعرها المبتل‬ ‫المرسل‪ ،‬وهي بذلك إجنما تستلفت الجنظار إليهما باعتداد واعتزاز‪.‬‬ ‫وامرأة تروح وتجيء وهي تضم صدرها الخذ في الترهل بيد‪،‬‬ ‫كأجنما هي تخشى أن يسقط منها‪ ،‬وبكف يدها الخرى تجاهد أن تخفي‬ ‫ملتقى أسفل بطنها بساقيها‪.‬‬ ‫وصبية أخرى تتباهى بشعرها الذي ينسدل على ظهرها حتى يكاد‬ ‫يغطي كرتي مؤخرتها المتأرجحتين بإيقاع مدروس وخبرة متوارثة‪،‬‬ ‫وأمها تتابعها بابتسامة راضية فخورة‪.‬‬ ‫وأجنا‪ ،‬كالملح الحديث العهد بأمواج العماق‪ ،‬تائه في بحرالجنوثة‪.‬‬ ‫أحاول‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬أن أقرأ السطورالمبهمة أو أن أفك الرموز‬ ‫المختلطة علمي‪ ،‬وأتعرف إلى مفردات لغة جديدة‪ ،‬لغة العري‪ ،‬تتغنى‬ ‫بها قبيلة الجناث تلك‪.‬‬ ‫أتظاهر بالبحث عن "إم سماعين"‪ ،‬فإذا وجدتها أبادلها البتسام مع‬ ‫افتعال البراءة‪ ،‬لن ابتسامتها الشقية ترميني بما يشبه التهام‪.‬‬ ‫ثم أواصل رحلتي في عالم جديد متجدد‪ .‬فقد سبق أن أتاحت لي "إم‬ ‫سماعين" خوض التجربة في مرات عديدة لم يكن لها ذلك المذاق‪،‬‬ ‫بعيون لم يكن لها تلك القدرة الجديدة على الكتشاف والولوج‬ ‫والختراق‪.‬‬ ‫كل ما كان يشدجني إلى "حمام الشفا" في الماضي هو صحبة "إم‬ ‫سماعين" التي كاجنت تجيد رسم البسمات على الوجوه‪ ،‬والحساس‬ ‫الغامربالحرية‪ ،‬حرية أن تمعن النظر في عري الخرين بمحض‬ ‫‪51‬‬


‫إرادتهم‪ ،‬وبمتعة النظافة‪ ،‬واستنشاق عبق صابون "الشكعه" النابلسي‬ ‫الذي تفوح رائحته وتمل المكان‪ ،‬بل تخرج لتستقبل زبائن الحمام عند‬ ‫مدخله في ممر "باب القطاجنين"‪.‬‬ ‫فما بالي الن أدقق النظر في هذه وتلك‪.‬‬ ‫هذه سمينة أو ممتلئة أو هيفاء‪ ،‬وتلك جنحيفة أو مترهلة أو عجفاء‪.‬‬ ‫هذه صبية‪ ،‬وتلك طفلة شقية‪.‬‬ ‫وهذه جميلة‪ ،‬وتلك ممشوقة وطويلة‪.‬‬ ‫هذه كاملة العري جريئة تتباهى بعريها‪ ،‬وتلك مابرحت تحاول أن‬ ‫تواريه بكفيها ورغاوي الصابون‪ ،‬خجوله‪.‬‬ ‫أتذكر أقراجني وادعاءاتهم‪ ،‬والصابون‪ ،‬ومحاولتي اليائسة‪.‬‬ ‫خدر مبهم لذيذ‪ ،‬مازلت حديث العهد به‪ ،‬يغمرجني وينتشر في‬ ‫عروقي‪.‬‬ ‫"لباسي"‪ ،‬الذي لم أتنازل عنه لسباب خاصة‪ ،‬تعرفها أمي جيدا‪،‬‬ ‫يضيق علي فجأة‪.‬‬ ‫بقايا امرأة تحدجنـــي بنظرات متفحصة‪ ،‬مستنكرة‪ ،‬ثم تألوْتـوت مع‬ ‫عجوز بيدها كوز‪.‬‬ ‫تنضم إليهما مستاءة ثالثة‪.‬‬ ‫يتجهن جنحوي مشيرات‪ ،‬وتتبعهن أخريات ثائرات‪.‬‬ ‫وترشقني العجوز بمحتويات الكوز‪ ،‬ليلتصق لباسي المبتل بجسدي‪.‬‬ ‫تعلو الصيحات الغاضبة المستعيذة بال رب العالمين‪.‬‬ ‫ول ينقذجني من ويلت غضب الغاضبات سوى‪ ..‬خالتي "إم‬ ‫سماعين"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪52‬‬

‫*‬


‫حمار "فارس"‬ ‫‪53‬‬


‫ذات صباح باكر‪ ،‬والشمس ترسل أوائل خيوطها الذهبية لتبدد‬ ‫عتمه"باب السباط"‪ ،‬البوابة الشرقية لسور القدس القديمة‪ ،‬كنت أقف‬ ‫هناك أجنا وأخي "عابد" ووالدي باجنتظار اللحزمار الشاب"فارس"‪ ،‬إبن‬ ‫جارجنا "أبو فارس"‪.‬‬ ‫لم يطل الجنتظار‪ .‬وسرعان ما لوحنا لوالدجنا مودعين‪.‬‬ ‫كنت‪ ،‬في حينها‪ ،‬أظن أجنني أودع القدس لمدة أسبوع أو أسبوعين‪،‬‬ ‫ريثما ينظف الجيش العربي المنطقة كلها من دجنس الصهاينة‪ ،‬كما‬ ‫كاجنوا يشيعون‪.‬‬ ‫وتناوبـنا صهوة الحمار‪ ،‬بينما كان الحممار الشاب ل يكف عن لسع‬ ‫مؤخرته بخيزراجنته‪ ،‬في الطريق الجبلي الملتف الوعر وصول إلى‬ ‫"بيت لحم"‪ .‬فقد كاجنت "العصابات الصهيوجنية" قد قطعت واستولت‬ ‫على الطريق الرئيسي‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫هناك في حياتنا لحظات جندرك فيها معاجني الكلمات أو الصطلحات‬ ‫بدون جهد‪ ،‬حيث جنراها مجسدة‪ ،‬فتنحفر في ذاكرتنا إلى البد‪،‬على‬ ‫شكل موسوعة "حاسوبية"‪ ،‬جنسبة إلى " الحاسوب"‪ ،‬وهوذلك الكائن‬ ‫العجيب المجيب‪"..‬الكومبيوتر"‪ .‬ما تكاد تضغط على أحد أزراره‬ ‫حتى تنهمرالمعلومات على شاشته بوضوح! بعضها على شكل‬ ‫كلمات‪ ،‬وبعضهاعلى شكل صور ثابتة‪ ،‬والبعض الخر في صور‬ ‫متحركة‪ ،‬وربما جناطقه أيضا‪.‬‬ ‫ألسنا‪ ،‬بل عجب‪ ،‬جنعيش الن في عصر الـ "مالتي ميديا"؟‬ ‫مثال ذلك "أحــــــرون" الحمار‪:‬‬ ‫‪54‬‬


‫صورة حمار تصنع قوائمه الربعة مع الرض زوايا حادة‪ ،‬رقبته‬ ‫مشدودة بالزرلسن‪ ،‬رأسه منكسة بعناد‪ ،‬ومنخراه يقتربان من أديم‬ ‫الرض بينما ينطلق منهما‪ ،‬على دفعات متقاربة‪ ،‬مخروطان من‬ ‫الهواء يثيران عواصف من التراب‪ .‬وهو) الـحمار( يتشبث بالرض‪،‬‬ ‫ويأبى أن يتزحزح قيد أجنملة‪ ،‬بالرغم من السياط الموجعة‪ ،‬إل بعد‬ ‫استعمال مختلف الحيل‪ ،‬التي يعرفها صاحبه "اللحزمار"‪ ،‬بحكم‬ ‫تجربته مع أمثاله من الحميرالغرار‪.‬‬ ‫في ذلك الوقت كنت أفسر ذلك العصيان بالعجزعن مواصلة السير‬ ‫في الطريق الوعرالهابط الصاعد‪ .‬لكنني‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬وكلما عادت تلك‬ ‫الصورة إلى مخيلتي‪ ،‬ازددت يقينا بأن الـ"حمار" كان "يتشبث"‬ ‫بالرض‪ ،‬ويأبى‪ ،‬ببساطة‪ ،‬أن يترك "موطنه الصلي" الذي ولد وجنشأ‬ ‫فيه وينتمي إليه‪.‬‬ ‫أتيحت لي في صباي المبكر‪ ،‬قبل الهجرة‪ ،‬وبشكل تلقائي عابر‪،‬‬ ‫بفضل خالتي "آمنه"‪ ،‬الفناجنة التشكيلية‪ ،‬ممارسة أشكال من الفنون‪،‬‬ ‫فيماعدا فن"النحت" الذي كاجنت تشدجني وتبهرجني"تماثيــــله" كلما‬ ‫مررت بكنائس وأديرة القدس القديمة‪ .‬وكم تمنيت‪ ،‬في صباي‪،‬‬ ‫بعدالهجرة‪ ،‬لو تمكنت من هذا الفن وأدواته‪ .‬ولم تتوقف أمنتياتي عند‬ ‫هذا الحد‪ ،‬بل حاولت‪ ،‬وعندما باءت محاولتي بالفشل‪ ،‬تخيلت جنفسي‬ ‫وقد صنعت تمثال ليوضع على قاعدة مرتفعة في ميدان "باب‬ ‫العامود" في القدس‪ .‬تمثال ضخما لذلك "الحمار"‪ ،‬في تلك اللحظة‪،‬‬ ‫لحظة حروجنه وإصراره على الرفض‪ ،‬ولم أستطع كبح جماح خيالي‬ ‫الذي أخذ يزين ميادين مختلف المدن والقرى‪ ،‬في كل مكان‪ ،‬بذلك‬ ‫التمثال الذي يجسد حمار "فارس"‪.‬‬ ‫وبمرورالسنوات‪ ،‬عندما كبرت وجنمى في رأسي‪ ،‬كما يفترض‪ ،‬شيء‬ ‫يسموجنه الوعي‪ ،‬تخليت عن أحلم التماثيل هذه خصوصا بعد أن‬ ‫قرأت قول برجناردشو‪:‬‬ ‫"تصنع المم تماثيل كبيرة للشياء التي تفتقدها أكثر‪".‬‬ ‫‪55‬‬


‫صرت أبحث عن أشياء جنفتقدها أكثر من حمار "فارس"‪.‬‬ ‫ل أستطيع أن أتذكر تاريخ ذلك اليوم‪ ،‬يوم الهجرة من القدس‪،‬‬ ‫بالضبط‪ .‬ولم يعدأمامي سوى التخمين‪ .‬ولم يكن ذلك‪ ،‬على أي حال‪،‬‬ ‫إل بعد اجنتهاء السنة الدراسية بأيام معدوده‪ .‬ربما في شهريوجنيـو من‬ ‫عام ‪ .48‬فمازلت أذكر قيظ الرحله‪ .‬ومن بعدها قيظ "غزه" الشهير‪،‬‬ ‫الذي استقبلتنا به‪ ،‬والذي عرفته قبل ذلك في أشأهر الجازات‬ ‫الصيفيه‪.‬‬ ‫بل أذكرأجننا غادرجنا القدس أثناء الهدجنة الولى التي فرضتها المم‬ ‫المتحدة‪ .‬ويمكن التدقيق في تاريخ بدايتها وجنهايتها‪*.‬‬ ‫بالضافة إلى قصة حمار إبن "أبو فارس" اللحرون‪ ،‬التي لم تنته‬ ‫بعد‪ ،‬هناك ذلك المشهد الذي ظل يحتل جزءا من ذاكرتي‪ ،‬والذي‬ ‫أكاد أراه بكل تفاصيله كلما تداعت أمامي ذكريات الهجرة‪.‬‬ ‫كنت فيما مضى أرى المصريين وأسمع لهجتهم المحببة بلسان‬ ‫جارتنا "إم سماعين" وفي الفلم السينمائية فقط‪ .‬ولكنني على يقين‬ ‫من أن "المشهد" الذي يتراءى لي الن قد حدث بالفعل‪.‬‬ ‫لم جنكن بعد قد قطعنا سوى بضعة كيلومترات‪ ،‬في طريقنا جنوبا إلى‬ ‫مدينة "بيت لحم"‪ ،‬عندما استوقفنا جنود يتحدثون اللهجة المصرية‪،‬‬ ‫طالبين منا أن جنساعدهم‪ ،‬مع بعض الذين قاموا باحتجازهم من‬ ‫القرويين‪ ،‬في حفرالخنادق‪ ،‬وتعبئة أكياس الستحكامات بالتراب‪.‬‬ ‫وهيهات أن يسمح الجنود المصريون لنا بمواصلة السير‪ .‬هذا بالرغم‬ ‫من ادعاء أخي بأن الولد‪ ،‬أجنا‪ ،‬مريض وأجنه يجب أن يسارع في‬ ‫توصيله إلى "بيت لحم"‪ ،‬وبالرغم من أدائي المتقن لدور المريض‪.‬‬ ‫وهنا ينبري اللحممار الشهم لجنقاذجنا بأن يتطوع بالبقاء معهم للقيام‬

‫____________________________________________‬ ‫)*( أعلنت الهدنه الولى في ‪ ، 1948 /11/6‬ولمدة ‪ 28‬يوما ‪.‬‬

‫بالمهمة المطلوبة مقابل أن يتركوا أخي ليواصل الرحله معي‪ ،‬على‬ ‫أن يعود بالحماربعد أن يودعني عند أقارب لنا هناك في "بيت لحم"‪.‬‬ ‫‪56‬‬


‫وبعد أقل من جنصف ساعة كان الحزمار قد غافل الجنود‪ ،‬وفر منهم‬ ‫هاربا‪ ،‬ليلحق بنا‪.‬‬ ‫وهكذا قدر لي أن أكون شاهد عيان لحد الحقائق التاريخيه‪.‬‬ ‫الجيش المصري على مشارف القدس الجنوبيه‪.‬‬ ‫عجبت‪ ،‬في حينها‪ ،‬لمر هذه الجيوش‪ .‬وتساءلت‪:‬‬ ‫ما الذي أتى بهم إلى تلك البقعه؟‬ ‫هل ضلوا طريقهم؟ أم أجنهم وصلوها حسب خطة مرسومه؟!‬ ‫ثم يأتي مشهد النهاية‪.‬‬ ‫فقبيل وصولنا إلى مشارف مدينة "بيت لحم"‪ ،‬فوجئنا بالحمار يسقط‬ ‫على الرض إعياء وعبثا حاول اللح زلمار‪ "،‬فارس"‪ ،‬مساعدته على‬ ‫النهوض ثاجنية‪.‬‬ ‫لم يلبث جارجنا "فارس" أن رأى أن يلجأ‪ ،‬لتخفيف الحمل‪ ،‬إلى أن يفك‬ ‫وثاق الحقيبة والبردعة عن ظهر الحمار‪ .‬ولم يكد يفعل ذلك حتى‬ ‫قفز الخير‪ ،‬مثل الجندب‪ ،‬وفمر هاربا في إتجاه الشمال‪..‬عائدا من‬ ‫حيث أتينا‪ ..‬إلى موطنه الصلي)!(‬ ‫ألم يستحق ذلك )الحمار( تمثال يخلد عبقريته؟‬

‫*‬

‫*‬

‫أوهــام الحب ‪..‬‬ ‫‪57‬‬

‫*‬


‫عندما تقودجني التداعيات للتوغل في الماضي والتأمل في معنى ما‬ ‫يسموجنه الحب الول‪ ،‬فل بد من أن يستدعيني من "القدس" طيف‬ ‫"ست رباب" التي عرفت معها أول ماعرفت معنى الشواق‬ ‫والجنتظار‪.‬‬ ‫ربما كاجنت في الثامنة عشرة من عمرها‪ ،‬صديقة حميمة لشقيقتي‬ ‫الكبرى "أحسن"‪ ،‬التي تكبرجني بأكثر من عشر سنوات‪.‬‬ ‫كاجنت بيضاء ذات عينين سوداوين‪ ،‬حوراء‪ ،‬لها شفتان دقيقتان‪ ،‬أرقأ‬ ‫الفنجان**‪ ،‬تنفرجان عن صفين من الللي‪ ،‬كما كاجنوا يصفوجنها‪.‬‬ ‫فارعة الطول تشتهر بأجناقتها التي يتيحها لها اجنتسابها إلى عائلة غنية‬ ‫من عائلت القدس العريقة‪ .‬أما عطرها الخاذ الذي كان ينم عن‬ ‫حضورها عن بعد حينما أحس به يدغدغ خياشيمي فحدث ول حرج‪.‬‬ ‫خطرلها ذات يوم أن تساهم في حل مشكلتي‪ ،‬التي أعيت أمي‬ ‫وإخواتي‪ ،‬بأن ترافقني إلى المدرسة التي أدمنت على إعلن إضرابي‬ ‫عن الذهاب إليها‪ .‬وعندما أمعنت في رفضي‪ ،‬ذات يوم وتشبثت‬ ‫بالرض‪ ،‬عند الطاحوجنة‪ ،‬قبل الوصول إلى "باب العامود"‪ ،‬حملتني‬ ‫بين يديها ظنا منها أجنها قد اهتدت إلى الحل المثل‪ ،‬فما كان مني إل‬ ‫أن جنزعت عن وجهها "المنديل"‪ ،‬الذي كان ل يفارق رأسها ووجهها‬ ‫في الطريق العام حتى تلك اللحظة‪ .‬وذلك إمعاجنا في احتجاجي على‬ ‫تدخلها في شؤوجني‪ ،‬والمساس بحريتي‪.‬‬ ‫__________________________________________________________‬ ‫)**( مقاييس الجمال عند ذلك الجيل كانت تؤكدها الغنية الشعبية الغزلية القائلة‪:‬‬ ‫ق الفنجا ن"!‬ ‫" شفايفها تر ق‬

‫لم تجد يومها مفرا من إجنزالي إلى الرض‪ ،‬بعد أن اجنكشف رأسها‬ ‫ووجها للمارة الذين أخذوا يستنكرون "سفورها"‪ ،‬لمحاولة تخليص‬ ‫"المنديل" من قبضتي‪ ،‬مما سهل لي الهروب والعودة إلى البيت‪.‬‬ ‫كل ما أتذكره بعد ذلك أن "ست رباب" اجنقطعت عن زيارة أخواتي‬ ‫مدة طالت كثيرا‪.‬‬ ‫‪58‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫في أحد أيام الجمعة‪ ،‬بعد عيدين من أعياد الفطر مباشرة‪ ،‬هرعت إلى‬ ‫باب الدار إثر سماعي لطرقات خفيفة جناعمة متميزة‪ .‬فتحت الباب فإذا‬ ‫أجنا أمام واحدة تشبه الجميلت اللواتي يظهرن على أغلفة المجلت‬ ‫وفي أفلم السينما‪ .‬أول ما لفت جناظر م‬ ‫ي هي تلك القبعة السوداء المائلة‬ ‫فوق جبينها ميل خفيفا‪ ،‬والتي ينسدل من حافتها العريضة غللة من‬ ‫الداجنتيل السود بثقوبها الدقيقة لتغطي جنصف وجهها العلى ول‬ ‫تخفيه‪.‬‬ ‫أزاحت الغللة‪ ،‬بحركة رشيقة من يدها‪ ،‬عن وجه أبيض وعينين‬ ‫سوداوين‪ ،‬واجنفرجت شفتاها الدقيقتان عن صفي الللي باسمة‪.‬‬ ‫أيقنت‪ ،‬ربما بفضل عطرها‪ ،‬من أجنها "ست رباب"‪ ،‬قبل أن تنحني‬ ‫لتقبلني‪.‬‬ ‫كنت أجنظر إليها مشدوها‪ ،‬أخطو الهوينا إلى الخلف مبتعدا عنها لكي‬ ‫أرى قوامها الفارع الذي بات يذكرجني بـالممثلة "راقيه إبراهيم"‪،‬‬ ‫التي رأيتها في أول أيام العيد في فيلم سينمائي مع "عبد الوهاب"‪ .‬ثم‬ ‫اجنطلقت أطوف أجنحاء الدار‪ ،‬وقد أطلقت عقيرتي مكررا أحدث أغنية‪،‬‬ ‫"دويتو"‪ ،‬لمطربي المفضل‪ ،‬معلنا بذلك عن ذلك الحدث الجلل‪:‬‬ ‫ حكيم عيون أفهم في العين‪..‬‬‫وافهم كمان في رموش العين‪..‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫في البداية كنت أسمع أخواتي وأمي وهن يتبادلن الحديث والتساؤل‬ ‫عن سبب غياب "ست رباب"‪ .‬لكن خالتي الفناجنة التشكيلية "ست‬ ‫آمنه"‪ ،‬التي دأبت على الحديث عن الجمعيات النسائية والتباهي‬ ‫بمعرفة "هدى هاجنم شعراوي" و "سيزا جنبراوي" أو "ملك حفني‬ ‫جناصف"‪ ،‬باحثة الوادي‪ ،‬أوغيرهن من رموز حركات تحررالمرأة في‬ ‫ذلك الوقت‪ ،‬معرفة شخصية‪ ،‬قد أوضحت لهن مؤخرا أن سبب غياب‬ ‫‪59‬‬


‫"ست رباب" لم يكن هو وفاة والدها فقط‪ ،‬ولكنها قد أصبحت عضوا‬ ‫جنشيطا في إحدى الجمعيات النسائية‪ ،‬تقود حملة تنادي بـ‬ ‫"سفورالمرأة"!‬ ‫وهذا مما جعل أخي "عابد" يردد ويكرر دائما وهو يشيرإلى حكايتي‬ ‫السابقة مع "المنديل" في "طريق الواد"‪ ،‬عند الطاحوجنه‪ ،‬قبل‬ ‫الوصول إلى "باب العامود"‪ ،‬ضاحكا‪:‬‬ ‫ لقد لقنها هذا المفعوص درسا في "التمررد"‪.‬‬‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫قلت لمي في ذلك اليوم )وكنت قد جناهزت التاسعة من عمري( أجنني‪،‬‬ ‫عندما أكبر‪ ،‬لن أتزوج إل واحدة في مثل رشاقة وجمال وأجناقة "ست‬ ‫رباب"‪.‬‬ ‫وعندما سربلت شقيقتي لها الخبر‪ ،‬احتضنتني برقة وحنان آسرين‬ ‫وهي تؤكد لي أجنها سوف تنتظرجني إلى أن أكبر‪.‬‬ ‫وكأجنما أعلمنا خطوبتنا في ذلك اليوم )!(‬ ‫كنت أعشق وجودها‪ ،‬ويكدرجني غيابها‪ ،‬وأطير فرحا عندما تكلفني‬ ‫شقيقتي "أحسن" بتوصيل رسالة لها‪ ،‬وأجنتظر بفارغ الصبر زياراتها‬ ‫لنا‪ .‬أعمد اللحظات في اجنتظار موعد حضورها‪ .‬وعندها‪ ،‬كنت أجتهد‬ ‫في أن أسبسب شعري بعد اجنتقاء أجمل حلة لستقبلها بها وفي يدي‬ ‫ضمة زهور‪ ،‬أو قلدة ياسمين أعددتها لها من شجيرات والدي التي‬ ‫تنبت في البراميل والصص المنتشرة في أجنحاء وسط الدار‪.‬‬ ‫لشدما كاجنت تثيرجني همزات وغمزات أخواتي المتدارية والتي كنت‬ ‫أشعرأجنها تحمل سخرية من حبي المعلن‪ ،‬وأشواقي ولهفتي للقاء‬ ‫حبيبتي‪.‬‬ ‫‪60‬‬


‫كل ما كان يدور في خلدي عن الحب هوأجنه ذلك الشيء اللذيذ الممتع‬ ‫الذي يتمتع به المحبون‪ ،‬وأن المحبين إجنما هم فئة ل تختلف كثيرا عن‬ ‫أبطال التاريخ أو الرسل والجنبياء‪ ،‬الذين يرسلهم ا ليكوجنوا قدوة‬ ‫حسنة‪ .‬جنراهم )المحبين( في أفلم السينما‪ ،‬في أحسن حالتهم تارة‪،‬‬ ‫وفي أسوأها تارة أخرى‪ ،‬لنتعلم منهم عدم جدوى المال والجاه في‬ ‫غياب الصدق والماجنة‪.‬‬ ‫كدت أتوهم أحياجنا أن قصص الحب ل تحدث إل بين شاب أجنيق يتمتع‬ ‫بصوت جميل‪ ،‬وفتاة جميلة ل بأس في أن تحسن الغناء أيضا‪.‬‬ ‫وهو‪،‬البطل‪ ،‬ل بد له من أن يحفظ عن ظهر قلب عددا كبيرا من‬ ‫الغاجني‪ ،‬لكل منالسبة أغنية مناـسبة‪ .‬وهو إبن الناس الغنياء‪ ،‬الذي‬ ‫يصر‪ ،‬رغم معارضة أهله‪ ،‬على التضحية بميراثه من أجل حبيبته‬ ‫بنت الفقراء‪ .‬أو إبن الفقراء الشجاع الشهم‪ ،‬الذي تقع في حبه بنت‬ ‫الغنياء‪ ،‬وبالرغم من معارضة أبيها الباشا‪ ،‬إل أجنه في النهاية ينجح‬ ‫في تذليل العقبات‪ ،‬ويتزوجها ليخلفا صبياجنا وبنات‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كنت أتساءل بيني وبين جنفسي‪ ،‬لماذا يقتصر وجود هذا‬ ‫"الحب"‪ ،‬هذا الشيء الرائع‪ ،‬على قصص الروايات والفلم وكلمات‬ ‫الغاجني فقط‪ ،‬ول وجود له بيننا؟‬ ‫لماذا يتحدثون عن أبطال قصص الحب بإعجاب‪ ،‬ويطربون لغاجني‬ ‫الحب‪ ،‬ول يجاهرون به‪ ،‬بل ينكروجنه أو يتنكرون له‪ ،‬إن لمستهم‬ ‫عصاه السحرية؟‬ ‫ولماذا‪ ،‬قبل كل شيء‪ ،‬كل هذا الهمز واللمز الذي أتعرض له عندما‬ ‫أجاهر بحبي لـ "ست رباب"‪ ،‬خطيبتي؟‬ ‫غدوت أردد أغاجني الحب التي كان "عبد الوهاب" يلقنها لي من‬ ‫خلل راديو "قهوة الباسطي" المجاورة‪:‬‬ ‫"سهرت منه الليالي" و" إيه اجنكتب لي يا روحي معاكي" و"طول‬ ‫عمري عايش لوحدي" و"لست أدري" و"يا دجنيا يا غرامي" و‬ ‫‪61‬‬


‫"حياتي إجنت " و"عشقت روحك" و"أحب عيشة الحرية" و"طال‬ ‫اجنتظاري"‪..‬وغيرها‪..‬وغيرها‪.‬‬ ‫أحببت الممثلة "راقيه إبراهيم" من أجل سواد عيون "ست رباب"‪.‬‬ ‫قالوا لي‪" :‬راقيه إبراهيم" يهوديه‪.‬‬ ‫قلت‪ :‬مش مهم!‬ ‫وبت أحلم بيوم أصبح فيه في عمر "محمدعبد الوهاب" وأجناقته التي‬ ‫لم أكن أمتلك من مقوماتها سوى ذلك الطربوش الذي تزعفلت‪ ،‬في‬ ‫سق"‪ ،‬في بيروت‪ ،‬إيام فرح‬ ‫طفولتي المبكرة‪،‬على أرض"سوق سأرْ أ‬ ‫خالي "علي"‪ ،‬وصول إلى الحصول عليه‪.‬‬ ‫وكأجنما كنت أعد العدة لذلك اليوم البعيد بأن أتزود بأغاجنيه‪ ،‬وأحفظ‬ ‫كلماتها إن فاتني بعضها بأن أصيخ السمع لخي "عابد" وهو يرددها‬ ‫بينه وبين جنفسه‪ .‬وكثيرا ما كنت أبحث عن كلمات الغنيات في كتب‬ ‫أخي ومن بينها دواوين "أحمد شوقي" أوغيره من الشعراء‪.‬‬ ‫أسترسل في الغناء‪ ،‬ول يعنيني من ينصت لغنائي أو يطرب له أو‬ ‫يعرض عن سماعه أو يثني عليه‪ ،‬أو يثنيني عنه‪ .‬المهم أجنني استمتع‬ ‫به‪ .‬وكان خفوت صوتي بطبيعته هو ما كان يحول دون سماع غيري‬ ‫له أو اجنزعاجهم منه أو استنكارهم له‪ ،‬فأتمادى في مواصلة‬ ‫الستمتاع‪.‬‬ ‫ض‪ ،‬مما كان يجعل‬ ‫يبدو أجنني كنت أؤدي تلك الغنيات على جنحو مر ض‬ ‫خالتي آمنة تزيدجني ثقة بنفسي وتعطيني شعورا بالتميز‪ .‬الشيء الذي‬ ‫كنت أفتقده بين أخواتي ووالد م‬ ‫ي اللهين عني بمشاكلهم التي لم أكن‬ ‫أدرك كنهها‪.‬‬ ‫ويبدوأجنني‪ ،‬في ذلك الوقت‪ ،‬قد عقدت العزم على أن أصبح ممثل‬ ‫سينمائيا‪ .‬ربما كان ذلك أملا في أن يتاح لي عندها أن أستمتع بهذا‬ ‫الشيء الجميل الممتنع‪ ،‬و وللللها ا في ولوج عالم الحب الساحر‪.‬‬ ‫بات كياجني مسكوجنا بذلك المعنى اللهي الغامض السر‪.‬‬ ‫وظل مثلي العلى هو"محمد عبد الوهاب"‪.‬‬ ‫‪62‬‬


‫وأصبحت أحلمي‪ ،‬في يقظتي ومنامي‪ ،‬ل تخلو من طيف "ست‬ ‫رباب"‪.‬‬ ‫و "طال اجنتظاري"‪..‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"نهـــــــــــــــــاد"‪..‬‬

‫ويحي!‬ ‫أليست"جنهاد"هي تلك الحورية التي يحلولي أن أتذكرها‪ ،‬وأذكرها‪،‬‬ ‫كلما جاء ذكر حوريات الجنه؟‬ ‫ألم أقل مرة أجنها آية من آيات ا‪ ،‬خلقها على مهل‪ ،‬ولم يخلق لها‬ ‫شبيها‪.‬‬ ‫‪63‬‬


‫وإن هي إل تجسيد حي لدهشة الطفولة الجميلة البريئة‪.‬‬ ‫هل كن حقا أحبها؟‬ ‫كنت قد بلغت الثالثة عشر من عمري‪ ،‬وإن كنت أبدو أصغر سنا من‬ ‫ذلك‪ ،‬حينما جمعت دار عمي "غزال"‪ ،‬في بداية الهجرة‪ ،‬عام‬ ‫‪ ،1948‬ذلك العدد الوفير من أفراد العائلة اللجئين إلى "غزه"‪ ،‬من‬ ‫أماكن فلسطينية مختلفة‪.‬‬ ‫كنت أصغرالولد‪ ،‬وكاجنت أصغرالبنات‪ .‬تصغرجني بسنة‪ ،‬أو أكثر‬ ‫بقليل‪.‬‬ ‫وكاجنت امرأة عمي‪ ،‬جدتها‪ ،‬تردد دائما أجننا "لبقين لبعض"‪ .‬وكثيرا‬ ‫ما كاجنت تخصنا باهتمام يلفت اجنتباه الخرين ويثير تعليقاتهم‪ .‬بل‬ ‫كاجنت ل تطيق أن تراجني لوحدي‪ ،‬فتبادر بسؤالي‪:‬‬ ‫ وين "جنهاد" عمنك؟ شوفها راحت فين‪ ،‬ودير بالك عليها!‬‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كاجنت دار عمي "غزال" تقع في أطراف المنطقة‪ ،‬تحدها من الشمال‬ ‫سوافي الرمال البكرالذهبية الناعمة التي كاجنت حباتها أشبه بكرات‬ ‫دقيقة مصقولة من الزجاج‪.‬‬ ‫كنا‪ ،‬في أوقات العصر‪ ،‬جنتراكض عليها‪ ،‬حفاة القدام‪ ،‬صعودا‬ ‫وهبوطا من فوق سوافي الرمل باتجاه الغابة البعيدة‪ .‬بحيث كاجنت دار‬ ‫عمي تتوارى تارة‪ ،‬ثم تظهرمن خلفنا تارة أخرى فيروق لنا ذلك‬ ‫الظهور والختفاء‪ ،‬فنوغل في البعد والصعود والهبوط‪.‬‬ ‫جنتسابق تارة‪ ،‬أو يسابق كل منا ظله‪ ،‬تارة أخرى‪ .‬ول جنتوقف إل‬ ‫عندما يدركنا التعب‪ ،‬أوعندما تميل الشمس إلى الغروب‪ ،‬فنجلس‬ ‫لنلتقط أجنفاسنا‪ .‬ثم جنسارع بالعودة خوفا من أن يدركنا الظلم‪ ،‬بينما‬ ‫يجتهد كلجنا في جنفض حبات الرمل الزجاجيةعن سيقان الخر‪.‬‬ ‫‪64‬‬


‫رقيقة كاجنت‪ ،‬سمراء‪ ،‬بعينين عسليتين غائرتين في وجه ل أمرل من‬ ‫النظرإليه والتأمل فيه‪.‬‬ ‫لها شعركستنائي طويل منسدل‪ ،‬مطواع‪ ،‬تعرف كيف تعيده إلى مكاجنه‬ ‫بحركات رشيقة من رأسها‪ ،‬كلما اجنزلقت خصلته لتغطي جنصف‬ ‫وجهها‪.‬‬ ‫جناعمة‪،‬هائمة‪ ،‬دائمة البتسام‪ .‬تتلل في عينيها ومضات من البراءة‬ ‫الساحره‪ .‬وما أن تبتسم لي‪ ،‬بشفتيها‪ ،‬وغمازتي خديها اللتان تضفيان‬ ‫على جمالها خصوصية سابية‪ ،‬حتى تبتسم لي الدجنيا‪.‬‬ ‫وعندما تضحك‪ ،‬فلها ضحكة لم أجد لها شبيها سوى صوت الصينية‬ ‫الفضية الرقيقة عندما تدحرجت على بلط وسط دراجنا الحجري في‬ ‫القدس ذات مرة‪.‬‬ ‫ذراعاها‪ ،‬وكذلك ساقاها اللذان لم تكن تشعر بأي حرج عندما تطمير‬ ‫الريح تنورتها عنهما‪ ،‬يكسو سمرتهما الخاذة زغب حريري أشقر‬ ‫لمع من كثرة تعرضها للشمس‪.‬‬ ‫كنت أحب براءتها التي كاجنت تتجلى في إيماءاتها‪ ،‬وأسئلتها الكثيرة‪.‬‬ ‫"ليش في جنجوم كتير في السما؟"‬ ‫"ليش العصافير بس هي اللي بتطير؟"‬ ‫"ليش ما بنشوف المليكه؟"‬ ‫"كيف الشياء بتتلون وكيف اللوان بتصير؟"‬ ‫" ليش خيالك صار أطول منك؟"‬ ‫"ليش ما بدك ترسمني؟"‬ ‫" قال إجنت بتعرف تغني؟"‬ ‫" ليش الرمل عامل هيك‪ ..‬كأجنه بساط حرير؟"‬ ‫ثم تنطلق راكضة حولي في دوائر تتسع تدريجيا‪ ،‬وهي تطلق‬ ‫ضحكتها فضية النبرات‪ ،‬لترسم بأثار قدميها على أديم سوافي الرمل‬ ‫المتماوج شكل حلزوجنيا يظل يكبر ويتسع إلى أن ينهكها التعب‬ ‫‪65‬‬


‫فترتمي على الرمال الزجاجية الناعمة الجافة‪ .‬ثم تضع يدها على‬ ‫قلبها‪:‬‬ ‫"يا أل كيف قلبي بيدق بسرعه‪ ..‬تعال هات إيدك‪ ..‬ـحسْ! "‬ ‫وفي اليوم التالي تتساءل في دهشة بريئة عن مصير الدوائر‬ ‫الحلزوجنية‪ ،‬إن محتها الريح‪.‬‬ ‫ول جنمل من تكرار ما فعلناه بالمس‪.‬‬ ‫ول تمل هي من تكرار طلبها بأن أصطحب "الفلوت" الذي سمعت‬ ‫ثنااء على عزفي عليه‪ ،‬فإن فعلت‪ ،‬فهي ل تمل من سماع عزفي‬ ‫لغنية "سجى الليل"‪ ،‬أو"آ يا زين العابدين"‪ ،‬أو مقدمة أغنية "طول‬ ‫عمري عايش لوحدي"‪ ،‬أو الرتجالت الموغلة في الحزن التي كاجنت‬ ‫تنفلت من اللة بعفوية‪ ،‬فل ألبث أن أتوقف عن العزف عندما أرى‬ ‫إبتسامتها تكاد أن تذوي‪.‬‬ ‫لم أعرف تفسيرا محددا لمشاعري تجاهها‪ ،‬وهي التي أجنستني كل‬ ‫أوهامي السابقة‪.‬‬ ‫لم أكن أطيق البعد عنها لحظات‪.‬‬ ‫كاجنت هي شاغلي الوحيد في تلك الظروف الطارئة الثقيلة الظل‪،‬‬ ‫التي حرمتني من دارجنا التي أحبها في القدس‪ ..‬من حوشنا‪ ..‬من أولد‬ ‫جيراجننا‪ ..‬من صوت أخي"عابد" مغنيا‪ ..‬من صوت والدي يتردد في‬ ‫وسط الدار مرتل ليات من القرآن الكريم‪ ..‬من صوت راديو قهوة‬ ‫"الرافعي" وهو يصدح بأغاجني جميلة لم أعد أسمعها‪.‬‬ ‫اشتقت لسماع جنشرات الخبارالتي كان "أبو صالح الرافعي" يتعمد‬ ‫رفع صوتها ليسمعها كل الجيران وهي تتحدث عن اجنتصارات‬ ‫ل‬ ‫معارك "باب الواد"‪ ،‬وصمود "يافا" وقراها‪" ،‬أبو كبير"‪ ،‬و"لسللمه"‬ ‫الباسله‪ ..‬إلخ‬ ‫لم أعد أسمع سوى تعليقات يائسة حول الجنسحاب من "اللد" و‬ ‫"الرمله"‪ ..‬أو سقوط هذه المدينة أو تلك القرية‪.‬‬ ‫أتساءل عن مصير "جيوشنا العربية"‪.‬‬ ‫‪66‬‬


‫أين هي‪ ،‬وما الذي جرى لها؟!‬ ‫وتطرق ذهني ذكرى جارجنا "الصاجن ميجر حربي"‪ ،‬وليلة بكيت‬ ‫فيها من حيث ل أعرف السبب‪.‬‬ ‫ثم تنتهي الهدجنة‪ ،‬التي أشيع أجنه باجنتهائها ستكون المور قد سويت‬ ‫سلميا بمعرفة رجل مهم إسمه "الكوجنت برجنادوت"‪ ،‬إن لم يكن‬ ‫بالتدخل الحاسم للجيوش العربية‪ ،‬ولن جنلبث أن يعود كل منا من حيث‬ ‫أتى‪.‬‬ ‫لكن اليهود اغتالوا ذلك المل‪ .‬قتلوا الوسيط الدولي في أحد شوارع‬ ‫القدس الجديدة‪*.‬‬ ‫واجندلع القتال بأشرس مما كان عليه من ـقبلهم‪ .‬وكاجنت تلك الظاهرة‬ ‫التي باتت موضع تعليق الجميع‪ ،‬فكأن الهدجنة ما كاجنت إل لعادة‬ ‫تسليح اليهود‪ ،‬وبأسلحة أكثر تقدما‪ .‬كالطائرات مثل‪.‬‬ ‫وعرفنا‪ ،‬في"غزة"‪ ،‬الغارات الجويه‪.‬‬ ‫عرفنا الرعب الجماعي‪ ،‬والتكدس في الماكن الكثر أماجنا‪.‬‬ ‫______________________________________________________________‬ ‫)*( اغتالت عصابة "شتير ن"‪ ،‬بقيايدة إمسحق شامير‪ ،‬الكونت برنايدوت في القدس في ‪ 17‬يوليو ‪1948‬‬

‫عندما جنسمع صوت الطائرة‪ ،‬أو زامورالخطر‪ ،‬كنا جنسارع للختباء‬ ‫في"البدروم"‪ .‬بل كثيرا ما كنا جنقضي بعض الليالي متكومين‪.‬‬ ‫متراصين في ذلك المكان المين‪.‬‬ ‫كنت أبحث عن "جنهاد" فأجدها تلتصق بجدتها التي كاجنت تفسح لي‬ ‫مكاجنا إلى جاجنبها‪ .‬ثم أصبحت الجدة تحرص على أن تفصل بيننا‬ ‫ليكون كل منا على أحد جاجنبيها‪.‬‬ ‫وبعد أسابيع اجنضم إلينا‪ ،‬في"غزة"‪ ،‬والد م‬ ‫ي وأخي "عابد"‪.‬‬ ‫لم يستطيعوا الصمود تحت وابل القذائف‪ .‬أصيبت والدتي في رأسها‬ ‫إصابة خفيفة مما جعل والدي يقرر الرحيل‪ .‬حتى إذا جاءت الهدجنة‬ ‫الثاجنية‪ ،‬جمعوا كل ما في بيت الخزين من مؤن‪ .‬رز وسكر وزيت‬ ‫وزيتون وطحين ومختلف الحبوب الخرى وبعض الملبس‬ ‫والحرامات لزوم الشتاء المقبل‪ .‬ولم ينسوا برميل الكاز‪.‬‬ ‫‪67‬‬


‫وعندما وصلت السيارة الشاحنة باب دار عمي "غزال" وأخذجنا‬ ‫بإجنزال الغراض والحقائب والكياس الخيش والسلل فاحت رائحة‬ ‫الكاز الذي حرص رجال "الهاجاجناه" البواسل‪ ،‬الذين اعترضوا‬ ‫طريق الشاحنة‪ ،‬لسباب أمنية‪ ،‬على صبه على كافة محتوياتها من‬ ‫مؤن‪.‬‬ ‫وقيل لنا أن بقية ضواحي القدس الجديدة‪ ،‬الغربية منها‪ ،‬قد سقطت‬ ‫بدون مقاومة تذكر‪ .‬إذ شاع أن الجيش العربي كان معنيا بالدفاع عن‬ ‫الماكن المقدسة في البلدة القديمه‪ ،‬وشرقها فقط‪ .‬وقيل أن الجزء‬ ‫المخصص للدولة العربية‪ ،‬حسب قرارالتقسيم‪ ،‬هوما كان يسترعي‬ ‫إهتمام الملك عبد ا بالدرجة الولى‪.‬‬ ‫)ذلك ما اتضح عندما قررالملك عبد ا ضم "الضفة الغربية" إلى‬ ‫"شرقي الردن" وظهور المملكة الردجنية الهاشمية في عام ‪(1950‬‬ ‫ولما طال اجنتظار عودتنا كل إلى بلده‪ ،‬تقرر أن جننتقل لنسكن في شبه‬ ‫بيت مقام في أرض حديقة واسعة لبيت العم الثالث‪ ،‬عمي"أحمد"‪.‬‬ ‫وذلك مما اقتضى سفر والدي وبصحبته أخي إلى القدس‪ ،‬مغامرة‪،‬‬ ‫لحضار ما تيسر من الفراش وومزيدا من الملبس الشتويه‪.‬‬ ‫مع جنهاية الجنتداب البريطاجني‪ ،‬كان من الطبيعي أن تنتهي علقة‬ ‫والدي الوظيفية ببلدية القدس‪ .‬وكان من الطبيعي أيضا أن تأخذ‬ ‫مدخراته المتواضعة بعد ذلك في الضمحلل مما‬ ‫اضطرأخي"عابد"‪ ،‬بعد طول اجنتظار في غزة‪ ،‬إلى السفر إلى‬ ‫"السكندرية" بحثا عن عمل بمساعدة خاله "علي"‪ ،‬الذي كان يشغل‬ ‫وظيفة مدير المؤسسة الفلسطينية‪ ،‬البنك العربي‪ ،‬هناك منذ عام ‪.47‬‬ ‫وبذلك حرمت من وصاية أخي ورعايته لي‪ ،‬التي لم تكد تبدأ ولم أكد‬ ‫أهنأ بها‪ ،‬والتي كنت في أمس الحاجة إليها في تلك المرحلة من‬ ‫عمري‪.‬‬ ‫واجنضمت شقيقتاي "أحسن" و "إكتمال" إلى "شفاء"‪ ،‬إبنة عمي‬ ‫"سليم" الكبرى‪ ،‬للعمل بالتفصيل والخياطة للمساعدة في مواجهة‬ ‫أعباء الحياة‪ ،‬وتوفير مكان أفضل للسكن‪.‬‬ ‫‪68‬‬


‫واجنتقلت أسرة "جنهاد" للسكن في منطقة بعيدة أقرب إلى قلب البلد‪.‬‬ ‫ومع ذلك‪ ،‬فقد كاجنت تأتي لزيارة جدتها وتحرص على العودة قبل‬ ‫الغروب‪ .‬فأحرص أجنا على مرافقتها في طريق عودتها‪ .‬وتحرص‬ ‫هي على أن تستدرجني أثناء سيرجنا لنغني سويا تلك الغنية السباجنية‬ ‫التي تعلمتها من"هنيه" بنت "روزاليا"‪ ،‬إحدى جاراتنا في القدس‪.‬‬ ‫تعودجنا أن جنسلك طريقا رمليا مختصرا‪ ،‬يخترق أرضا مهجورة*‪،‬‬ ‫ليصل بنا إلى الطريق العام المنحدر إلى سينما "السامر"‪ ،‬مرورا‬ ‫بمنتزه البلدية‪ ،‬حيث تكون دار "جنهاد" الجديده‪.‬‬ ‫كاجنت الشمس تميل إلى الغروب عند مرورجنا‪ ،‬في ذلك اليوم‪ ،‬من‬ ‫خلل ذلك الطريق المختصر‪ ،‬الخالي عادة من المارة‪.‬‬ ‫كنت أثناء سيري إلى جاجنبها أضع يدي اليمنى على كتفها اليمن‪،‬‬ ‫بينما هي تستدرجني لمشاركتها الغناء‪.‬‬ ‫ول أدري كيف خطرت لي‪ ،‬ولول مرة‪ ،‬تلك الفكرة في تلك اللحظة‪.‬‬ ‫____________________________________‬ ‫)*( يطلقو ن عليها ال ن إمسم‪ ..‬أرض " أبو خضرا"‬

‫فبعد تردد طال‪ ،‬وأجنا أحسب للعواقب ألف حساب‪ ،‬اختطفت من خدها‬ ‫قبلة سريعة خلتني بعدها قد اقتطفت تفاحة الجنة‪ ،‬وارتكبت بذلك الثم‬ ‫الذي ل يغتفر‪.‬‬ ‫تركتها غارقة في دهشتها ولذت بالفرار‪.‬‬ ‫الحقيقة أجنني ل أدري كيف واتتني تلك الرغبة‪ ،‬في ذلك الوقت وذلك‬ ‫المكان‪ .‬فلم أكن أفتقر إلى لحظات عزلة معها‪ .‬فكثيرا ما قضينا‬ ‫الساعات الطوال منفردين‪ ،‬بعيدين عن أي رقابة‪ ،‬جنمرح وجنتقلب على‬ ‫سوافي الرمال المجاورة لبيت عمي "غزال"‪ ،‬بدون أن يخطر لي‬ ‫تقبيلها على بال‪ .‬ظللت بعدها أضرب أخماس بأسداس‪ ،‬محاول أن‬ ‫أتنبأ بالحتمالت كلها‪.‬‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬لم تحضر "جنهاد" لزيارة جدتها التي سألتني‬ ‫باستنكار إن كنت قد "ززعلتها"‪.‬‬

‫‪69‬‬


‫وفي اليوم الذي تله حضرت "جنهاد" كعادتها‪ .‬ولكنها قابلتني‪ ،‬بالفعل‪،‬‬ ‫متجهمة‪.‬‬ ‫ولم أدر كيف أبدأ بالعتذار والمصالحة‪ ،‬خصوصا وأجنني لم أر منها‬ ‫غير النفور والدبار‪.‬‬ ‫وغادرتنا "جنهاد" عائدة في وقت مبكر من ذلك اليوم‪ .‬خشيت‪ ،‬بل‬ ‫أيقنت‪ ،‬أجنها قد حكت لمها عن ما بدر مني‪.‬‬ ‫في اليوم الثالث‪ ،‬رأتني ابنة عمي‪ ،‬أمها‪ ،‬فما كان منها إل أن رسمت‬ ‫الجد والغضب على وجهها‪ ،‬وهي تقول لي‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬مش عيب عليك؟‬‫في حدا عاقل يعمل عملتك السودة هاي؟‬ ‫وتتسع حدقتاعيناي‪ ،‬وتتزايد ضربات قلبي رعبا‪ ،‬وهي تكمل لومها‬ ‫وتأجنيبها‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬تتركها في جنص الطريق‪ ،‬وتخليها تمشي لحالها‪ ،‬والدجنيا‬‫المغرب!‬ ‫واجنتهت قصة "جنهاد"‪.‬‬ ‫ولكن صورتها ظلت تأخذ حيزها في ذاكرتي‪ .‬تلوح كلما خطرت لي‬ ‫صور وأفكارالطفولة والبراءة‪ ..‬أو كلما جاء ذكر‪ ..‬حوريات الجنه‪.‬‬ ‫هل كاجنت "جنهاد" هي حبي الول؟‬ ‫هل كنت أحبها حقا؟‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫هكذا كاجنت تمدعي "جنعيمه"‪ ،‬البنت الفايره‪ ،‬بنت العرايشي‪ ،‬التي ظلت‬ ‫تلحقني إلى أن أوقعتني في حبائلها‪ ،‬ساخرة من ما كاجنت تسميه‬ ‫"لعب العيال"‪.‬‬ ‫م‬ ‫وبالرغم من أجنني اجنسقت إلى ما كاجنت "جنعيمه" تتيحه لي من لـذات‬ ‫عابرة‪ ،‬غير مكتملة‪ ،‬إل أن "القبلة الولى"‪ ،‬المخطوفة من خد‬ ‫"جنهاد"‪ ،‬ظلت إلى وقت طويل‪ ،‬هي محور أحلمي‪ ،‬وقمة لذاتي‪.‬‬ ‫‪70‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"موتشاتشا"‪..‬‬

‫ماللي؟‬ ‫هل يمكن أن أكون قد جنسيت قصتي التي دأب على التندر بها الجيران‬ ‫والجارات‪ ،‬وصبايا حارتنا في القدس القديمة‪ ،‬وما جاورها في البلدة‬ ‫من حارات؟‬ ‫هل جنسيت"هنميه"‪ ،‬وذلك الشعور الغامض بالمتعة و الجنشراح‪،‬عندما‬ ‫كاجنت تلفحني أجنفاسها الدافئة التي يتيحها القتراب والتلمس البكر‬ ‫الغير مفتعل؟‬ ‫كيف أجنسى تلك اليام التي استنشقت فيها حواسي بواكير ذلك الفوح‬ ‫الجنثوي الغامض؟‬ ‫‪71‬‬


‫ما كادت عائلة الجارة "إم سماعين" تلملم عزالها وترحل عائدة‬ ‫من"القدس" إلى "الخليل"‪ ،‬بعد أن جنضبت مياه "حمام الشفا"‪،‬‬ ‫واستعرت جنيران القذائف العشوائية في كل أركان البلدة القديمة‪ ،‬حتى‬ ‫استقبلت الدار مكاجنها جيراجنا جددا‪.‬‬ ‫كان"أبو فايز" صديقا قديما لوالدي‪ .‬كثر ما سمعتهما يسترجعان‬ ‫ذكريات أيام الصبا‪ ،‬أيام "السفر برْـلك"‪.‬‬ ‫وتهرربا من "الجهادية" التي لم تكن تستهوي شباب ذلك الزمن بالرغم‬ ‫من ما يحمله ذلك السم من معان جنبيلة‪ ،‬تمكن والده من ترحيله‪ ،‬بعد‬ ‫أن زموجه بإبنة عمه‪ ،‬إلى بلد لم تسمع به من قبل ‪"..‬جنيكاراجوا"‪،‬‬ ‫المهجر‪ ،‬حيث يعيش أعمامه في أمريكا الوسطى‪.‬‬ ‫هناك ولدت له إبنة عمه الشباب الخمسة ثم توفيت بعد أن وضعت له‬ ‫طفيه"‪ ..‬السمراء‪.‬‬ ‫"ل م‬ ‫أ‬ ‫وهذا مما اضطره‪ ،‬كما قال‪ ،‬أن يتزوج من "روزاليا" التي جاءت له‬ ‫بــ"هنيمه"‪ ..‬الشقراء‪.‬‬ ‫وعاد "أبوفايز"‪ ،‬عام قرارالتقسيم‪ ،1947،‬مع عائلته إلى قريته‬ ‫"المالحه"‪ ،‬في الجنوب الغربي للقدس الجديدة‪ ،‬ليرعى أرض العائلة‪،‬‬ ‫حسب وصية والده‪.‬‬ ‫لكن الظروف‪ ،‬في العام التالي‪ ،‬اقتضت أن يبحث "أبو فايز" لزوجته‬ ‫"السباجنيولية"‪ ،‬كما دأبوا على تسميتها لجنها لم تكن تتكلم سوى‬ ‫و"هنيه"‪،‬عن مكان أكثر أمنا‪ .‬فقد‬ ‫م‬ ‫اللغة السباجنية‪ ،‬وابنتيه "لطفيمه"‪..‬‬ ‫كاجنت تلك المنطقة من ضواحي القدس الغربية مستهدفة منذ البداية‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫صديقان لدودان كنا‪ ،‬و جنمدان ل يطيق أحدهما البعد عن الخر لحظة‪.‬‬ ‫"ْدويْتو"‪ ..‬كما كان يحلو لمها "روزاليا" أن تطلق علينا‪.‬‬ ‫‪72‬‬


‫في العصريات‪ ،‬ما يكاد والدي "يضهر" ليلتحق بأصدقائه‪ ،‬ومنهم‬ ‫"أبو فايز"‪ ،‬في"قهوة الباسطي"‪ ،‬حتى تطل علينا "روزاليا" بوجهها‬ ‫الضاحك دوما‪.‬‬ ‫أستقبلها بلهفة وترحاب‪ ،‬فتعبث مازحة بشعري الذي استغرق مني‬ ‫تسريحه وقتا ليس بالقصير‪ ،‬وترطن بما أفهم منه أن "هنية"‪..‬‬ ‫باجنتظاري‪.‬‬ ‫كان يحلو لي أن أجناديها‪ ،‬كما سمعت أمها تفعل مرة‪"،‬موتشاتشا"‪.‬‬ ‫وكاجنت تحتج بعصبية‪ ،‬بينما هي تدق بكلتي قبضتيهاعلى صدري‪،‬‬ ‫وبينما ترقبها أختها "لطفيه" ذات الربعة عشرعام‪ ،‬والتي تكبرها‬ ‫بعامين اثنين وتفوقها معرفة باللغة العربية‪ ،‬مقهقهة بتلذذ ملحوظ‪.‬‬ ‫كاجنت تجتهد لتقول بلغة عربية مكسرة‪:‬‬ ‫ أجنا ل بنت‪ ..‬أجنا "هنــيــــــه"‪ ..‬إجنت "موتشاتشو"!*‬‫كاجنت "لطفيه" تلقنني بعض الكلمات السباجنية لقولها لـ"هنيه"‪،‬‬ ‫فتسعد الخيرة بها‪.‬‬ ‫وفي اليوم التالي‪ ،‬تلقـنني"لطفيه"‪ ،‬بعد رجاء وإلحاح مني‪ ،‬مزيدا من‬ ‫الكلمات أو الجمل القصيرة التي‪ ،‬لدهشتي الشديدة‪ ،‬كاجنت تثيرغضب‬ ‫الشقراء وتجعلها تعرض عني‪ ،‬أوتهاجمني في غفلة مني‪ ،‬فتكاد أن‬ ‫تطرحني أرضا متظاهرة بمحاولة كتم أجنفاسي‪ ،‬وتعرضني بذلك‬ ‫لسخرية "لطفيه"‪ ،‬مما يجعلها تدرك أجنها مكيدة مدبرة من أختها‬ ‫الكبرى‪ ،‬فتتركني لتنقض على أختها بشراسة‪.‬‬ ‫ولم أعرف كيف أتجنب الوقوع تحت طائلة مكائد "لطفيه"‪ ،‬لجنها‬ ‫كاجنت بين حين وآخر تعود لتلقـنني بما يتهلل وجه شقرائي له فرحا‬ ‫وسعادة‪ .‬وعندها تستجيب لي وتغني لي أغان إسباجنية تقطر رقة‬ ‫وعذوبة‪ ،‬حفظت بعضا منها بدون أن أعرف معاجنيها‪.‬‬

‫‪73‬‬


‫وغدوجنا‪ ،‬بتشجيع من "روزاليا" التي كاجنت تحظى بمحبة الجارات‪،‬‬ ‫"الدويتـو"‪ ،‬الثنـائي الغنائي‪ ،‬الذي يشيع البسمة على الوجوه الخائفة‬ ‫المتوترة من أهل الحاره في ذلك الوقت العصيب‪.‬‬ ‫لم أكن بعد أدرك معنى الغيرة في الحب‪ .‬ولذلك لم أدرك ما سوف‬ ‫تسفرعنه تلك الكلمات الثلث التي حفرتها "لطفيه" خفية بمسمار‬ ‫حديدي على أحد أكبر أحجارالجدار في وسط الدار‪.‬‬ ‫أول تلك الكلمات الثلث كان إسم "هنيه" وآخرها إسمي أجنا‪ .‬وعندما‬ ‫اكتشفت "هنيه" ذلك بادرت وعلى وجهها أمارات التحدي بحفر تلك‬ ‫الكلمات الثلث معكوسة على جنفس الحجر‪ .‬كاجنت الكلمة الوسطى‬ ‫باللغة السباجنية‪ .‬ولم تنجح توسلتي لكل من الطرفين من أجل التأكد‬ ‫من معناها الذي بدا وكأجنه سر تحتفظ به الختان‪ ،‬لول ذلك التشابه‬ ‫بين بعض كلمات اللغتين السباجنية واللتينية‪ ,‬التي تعلمها أخي‬ ‫_________________________________________________‬ ‫)*( "موتـشاتشو" و "موتشاتشا"‪ ،‬بالمسبانية‪ ،‬تعني "ولد" و "بنت"‪.‬‬

‫"عابد" في صفوفه الثاجنوية الخيرة‪ ،‬والذي أوحى لي بأن الكلمة‬ ‫الوسطى في الجملة تحمل ذلك"السرالخطير"‪.‬‬ ‫وظل الحجر المحفور بالمسمار الحديدي شاهدا يحتفظ به‪.‬‬ ‫قلت أن أخي "عابد" كان هو الذي أماط اللثام عن ذلك السرالخطير‬ ‫الذي حرصت كل من "لطفيه" و"هنيه" على حجبه عني‪ .‬وكان يبدو‬ ‫سعيدا بعلقتي النامية بالشقراء‪ ،‬يهدهدها بغبطة‪ ،‬ويرقبها عن بعد‪،‬‬ ‫وهويردد مغنيا‪ ،‬مع إيماءات وغمزات ذات معان يسمربها للخرين‪،‬‬ ‫أغنية "عبدالوهاب" القديمة‪"..‬عصفورتان تتناجيان ‪."..‬‬ ‫وفي أحد اليام جاءجني بكتاب بعنوان "علم جنفسك اللغة السباجنية"‪.‬‬ ‫*‬

‫‪74‬‬

‫*‬

‫*‬


‫أخذت كل من "روزاليا" و"لطفيه" و"هنيه" يتناوبن على مساعدتي‬ ‫على تعلم اللفظ الصحيح للحروف والكلمات‪.‬‬ ‫لكن سرعان ما كاجنت تلك الرحــــــــــلة إلى غزة‪.‬‬ ‫ولم أجنس أن أصطحب معي كتاب تعليم السباجنية في رحلتي‪،‬آمل أن‬ ‫أعود في القريب‪ ،‬كما بات الكل يعتقد‪ ،‬إلى جارتب الشقراء التي‬ ‫وعدتها أن أتعلم لغتها‪ ،‬لأشاركها الغناء بعد أن أعرف معاجني أغاجنيها‬ ‫الجميله‪.‬‬ ‫تلك الرحلة التي باتت رحيــــــــــــــــــل‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"صليب مالطا"‪..‬‬

‫لم يأت اختياري لدراسة السينما إعتباطا‪ ،‬أو من فراغ‪ .‬لقد ظلت‬ ‫رغبتي دفينة الظروف الجتماعية المحافظة إلى حد الرجعية‪،‬‬ ‫والقتصادية المتدهورة إلى حد ل يمكن إل أخذها بعين العتبار‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬في الوقت المناسب‪ ،‬ولسبب ما‪ ،‬وإن طال المد‪ ،‬تستيقظ‬ ‫تلك الرغبة وتنفض عن جنفسها تراب تلك الظروف‪ ،‬وتملي إرادتها‬

‫‪75‬‬


‫علي‪ .‬ل سيما بعد أن أدركت وتيقنت أن لغة السينما لغة عالمية ل بد‬ ‫من أن أتزود بها كسلح تفتقر إليه "القضية"‪.‬‬ ‫إن الكتابة عن تجربتي السينمائية )وذلك هو المنطلق لما أجنا‬ ‫بصدده الن من تدوين لسيرتي الذاتية‪ ،‬أو ما يشبه ذلك( لن تكتمل‬ ‫إن لم يتصدرها‪ ،‬أو يتخللها الحديث عن بدايات علقتي بالسينما في‬ ‫مراحل مختلفة من الطفولة والصبا والشباب‪.‬‬ ‫في أحد كتاباتي‪ ،‬بينما كنت أتحدث عن لغة الصورة‪،‬‬ ‫والصورالمتحركة بالذات‪ ،‬ودخولها إلى عالم الطفولة‪ ،‬ساقتني‬ ‫التداعيات إلى ذكريات عن طفولتي في القدس‪.‬‬ ‫وليس هناك الن من حرج في أن أجري تعديل في ترتيب‬ ‫الصفحات‪ ،‬وأن أستدعي تلك الذكريات في تسلسل جديد‪ .‬فمن جنعم‬ ‫ا أجني واكبت ذلك الختراع المسمى "الحاسوب"‪ ،‬والذي يسهل‬ ‫إعادة ترتيب الوراق بمجرد لمسات محسوبة لزرار معينة فيه‪،‬‬ ‫وبعدها تتدفق الكلمات والسطورفي المكان الذي تختاره‪:‬‬ ‫قد يكون "جيل التلفزيون"‪ ،‬ومن بعده "جيل الفضائيات"‪ ،‬أسعد‬ ‫حظا من الجيال التي سبقته‪ .‬فهو قد تعلم كيف "يحبو" متجها الى‬ ‫"الجهاز"‪ ،‬الذي أرغم الكبارعلى الرضوخ لرغبة الصغارعلى‬ ‫حضور مجالسهم‪ ،‬ليدير مفتاحه )أو أن يعبث في مرحلة متقدمة بـ‬ ‫"الريموت كوجنترول"( بثقة مذهلة‪ ،‬قبل أن يتعلم المشي‪ ،‬ثم يختار‬ ‫مكاجنا قريبا ليراقب منه الشاشة الصغيرة‪ ،‬أو ليرى ردود فعله لدى‬ ‫الحاضرين‪ .‬أو يظل‪ ،‬بدون أن يتمكن من أن يصوغ تساؤلته‪،‬‬ ‫يطل من خلل تلك النافذة الى عوالم غريبة‪ ،‬وكأجنه على يقين من أن‬ ‫الفرصة ما زالت أمامه‪ ،‬وأن مغاليق السرار سوف تتفتح شيئا‬ ‫فشيئا‪ ،‬لن الزمن يعمل لصالحه‪ .‬فالصورة المتحركة‪ ،‬الناطقة‪،‬‬ ‫يتسلل مفعولها بالتدريج‪ ،‬لتصبح جزءا من واقعنا‪ ،‬ووسيلة للتواصل‬ ‫مع العالم‪ ،‬وكأجنها‪ ،‬كما يقولون‪ ،‬تحصيل حاصل‪ .‬ول مكان هناك‬ ‫للدهشة‪.‬‬ ‫‪76‬‬


‫لكننا‪ ،‬الجيال السابقه‪ ،‬مازلنا جنذكر ذلك الحساس الجميل بدهشه‬ ‫المشاهدة الولى‪ ،‬لجنها جاءت في سن تكون الذاكرة فيه على قدر من‬ ‫النضوج‪ .‬وبعد ذلك يأتي الحساس الكثرإمتاعا‪،‬عندما تأخذ‬ ‫تساؤلتنا التي كنا جنطلقها‪ ،‬بكل ما فيها من سذاجة‪ ،‬في تبديد تلك‬ ‫الدهشة‪ .‬ففي سن الطفولة تنمو وتترعرع "ذاكرة الحفظ"‪ ،‬ثم تبدأ‬ ‫"ذاكرة الفهم" في الظهور في سنوات المراهقة المبكرة‪ ،‬حيث يجري‬ ‫إكتشاف الشياء في ضوء جديد‪.‬‬ ‫من منا‪ ،‬الجيال السابقه‪ ،‬ل يتذكرأحاديث الكبارعن"أفلم السينما"‪،‬‬ ‫ذلك الشئ الذي لم يحن الوقت بعد لمشاركتهم الحديث فيه‪ ،‬لجننا كنا‬ ‫صغارا‪ .‬وعندما يحين الوقت‪ ،‬يصبح لكل منا‪ ،‬جنحن الصغار‪،‬‬ ‫حصيلة من المشاهدات جنتباهى بها أمام القران‪.‬‬ ‫كاجنت دورالسينما تتواجد خارج أسوار "القدس" القديمه‪ .‬وذلك يعني‬ ‫أن "حضور" الفلم يتطلب الجنتقال الى خارج البلده‪ ،‬وركوب‬ ‫"الباص" برفقة أحد الكبار للوصول الى دار السينما‪ ،‬التي كان‬ ‫اختيارها من اختصاص الكبار أيضا‪ .‬وكاجنت المواسم والعياد هي‬ ‫الفرصة الوحيدة المتاحة لنا‪ ،‬جنحن الصغار‪ .‬ولم يكن أمامنا سوى‬ ‫القبول بما هو متاح‪ .‬هذا‪ ،‬وليجب أن جننسى المظهر الحتفالي الذي‬ ‫يتجلى بارتداءجنا حملة العيد‪ ،‬وحصولنا على العيدية‪.‬‬ ‫وكاجنت سينما "ريجنت" هي القرب‪ ،‬كما يبدو‪ .‬بالرغم من أجنها تقع‬ ‫في حي"البقعه"‪ ،‬في القدس الجديده‪ .‬ولهذا السبب‪ ،‬ربما‪ ،‬كاجنت معظم‬ ‫الفلم الولى التي شاهدتها أفلما "إجنجليزيه"‪.‬‬ ‫"زورو"‪" ،‬سيسكو"‪" ،‬فلش جوردن"‪" ،‬طرزان"‪" ،‬كينج كوجنج"‪.‬‬ ‫سبق ذلك أوتخلله مشاهدة "يوم سعيد" و"ممنوع الحب" أو غيرهما‪.‬‬ ‫وهي جنفس السماء التي كان يرددها القران‪ .‬كل يتباهى بكمية الفلم‬ ‫التي شاهدها‪ ،‬والتفاصيل التي يحفظها عن القصص المثيرة أوعن‬ ‫المعارك التي خاضها البطال‪.‬‬ ‫‪77‬‬


‫ولسبب ما كنت أقل أقراجني حظا من حيث عدد الفلم التي‬ ‫"حضرتها"‪ .‬ربما لكوجني أصغرإخوتي‪ .‬أما أخي الوحيد‪ ،‬فكان‬ ‫يكبرجني بستة أعوام‪ ،‬ربما ل يليق معها اصطحابي مع أصدقائه الى‬ ‫خارج السوار‪.‬‬ ‫إل أجنني كنت كثيرا ما أجدجني مضطرا لختلق اسم "فيلم" ل يعرفه‬ ‫القران‪ ،‬ورواية قصص ومغامرات تفوق قصصهم إثارة وغرابه‪.‬‬ ‫كلها مستوحاة من ثرثرات أخواتي حول كتب أو قصص كن يواظبن‬ ‫على قراءتها‪ ،‬مثل "جين إير" و"تحت ظلل الزيزفون" و‬ ‫"ووذرينج هايتس" و"جوليوس سيزر" و"الغاجني لبي الفرج‬ ‫الصبهاجني"‪ ،‬وغير ذلك من مقررات الصفوف الثاجنوية في ذلك‬ ‫الوقت‪ ،‬أو حتى فيلم "ذهب مع الريح" الذي لم تتح لي فرصة‬ ‫لمشاهدته‪ ،‬والذي كدت أحفظ تسلسل مشاهده من كثرة استماعي إلى‬ ‫روايتها من خالتي "آمنه" وشقيقاتي وصديقاتهن‪.‬‬ ‫جناهيك عن "إلياذة هوميروس" وبطلها "أخيلوس" الذي ل يشق له‬ ‫غبار‪ ،‬وينافس "الفاجنتوم" الذي يتباهى بمعرفته أقراجني العزاء‪.‬‬ ‫ثم يطرأ ذلك التغييرعلى حصيلتي من الفلم‪ ،‬كمما وجنوعا‪ ،‬ذات‬ ‫صيف‪ .‬ذلك عندما تقرر أن تقضي العائلة جزءا من العطلة الصيفية‬ ‫في مدينة "يافا"‪ ،‬حيث يقيم أقارب لنا‪ ،‬ومن أقربهم وأحبهم لي خالي‬ ‫"علي"‪ .‬وحيث اختلفت السماء التي يرددها القران الجدد هناك‪.‬‬ ‫"عبدالوهاب"‪" ،‬رصاصة في القلب"‪" ،‬ليلى مراد"‪" ،‬اجنتصار‬ ‫الشباب"‪" ،‬رجاء عبده"‪" ،‬عنتر وعبله"‪" ،‬رابحه"‪" ،‬بدرلما"‪" ،‬قبله‬ ‫في الصحراء"‪" ،‬ليلى بنت الفقراء" و"ليلى بنت الغنياء" و "ليلى‬ ‫بنت مدارس"‪ .‬وإن أجنس ل أجنسى آخر سلسلة أفلم "ليلى‪ "..‬وهو‬ ‫فيلم‪ " ..‬ليله ممطره"!‬ ‫أعداد لحصر لها من السماء‪ .‬كأجنهم‪ ،‬في"يافا"‪ ،‬يعيشون في مواسم‬ ‫وأعياد متصلة ل تنتهي‪ .‬أو لن مدينتهم ليس لها أسوار تفصلها عن‬ ‫الحياء الجديدة‪ ،‬حيث تكثر دورالسينما‪.‬‬ ‫‪78‬‬


‫هذا‪ ،‬وقد تناهى الى علمي‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬أن هناك في"يافا" أحياء بعيدة‬ ‫يسكنها اليهود‪ ،‬وتكثر فيها دورالسينما المختلفة‪ ،‬وأماكن أخرى‬ ‫عرفت فيما بعد أجنها تلك الماكن التي يرتادها عادة أبطال الفلم‬ ‫العربية حينما‪ ..‬يزعلون‪.‬‬ ‫لم تكن تلك هي المرة الولى التي جنزور فيها مدينة "يافا"‪ ،‬التي كنت‬ ‫أجد فيها من المزايا ما يجعلني أفضلها‪ ،‬في بعض الحيان‪ ،‬وفي‬ ‫بعض الجواجنب‪،‬عن مدينتي"القدس"‪ .‬ول أدري أهوالبحر وشواطئه‬ ‫الرملية الناعمة الممتدة؟ أم هي بيارات البرتقال المترامية الطراف‬ ‫التي يمتلكها بعض القارب‪ ،‬مما كان يتيح لي قدرا من اللهو‬ ‫والجنطلق في تلك الماكن التي تتميز بآفاقها الرحبة؟ ذلك الشئ‬ ‫الذي كنت أفتقده في القدس القديمة‪ ،‬ذات السوار‪ ،‬والحارات الضيقه‪.‬‬ ‫أم هم القارب أجنفسهم‪ ،‬وأولهم "خالي علي" بالذات‪ ،‬ومن بعده ذلك‬ ‫العدد الكبير من القران الذين يتميزون بحرية أكثر‪ ..‬وأفق أوسع؟‬ ‫كان "خالي علي" رجل أجنيقا مهيب الطلعة‪ ،‬مرحا خفيف الظل‪،‬‬ ‫يشيع البهجة في مجالسه بالرغم من حفاظه دوما على صرامة‬ ‫ملمحه و كأجنه يخشى أن ينسى أحدجنا للحظة أجنه "مدير المدرسة‬ ‫العامرية الثاجنوية"‪ .‬وعندما كان يزورجنا في القدس‪ ،‬كاجنت الحارة كلها‬ ‫تقف على قدم وساق‪.‬‬ ‫كنت أتباهى به أمام أقراجني‪ ،‬وكم كنت أشعر بالفخرعندما يسألني أحد‬ ‫أساتذتي أو مديرالمدرسة في مختلف مراحل التعليم البتدائي‬ ‫أوالثاجنوي‪ ،‬وكثيرا ما تكرر ذلك‪ ،‬عن مدى قرابتي لذلك "المربي‬ ‫الفاضل" الذي كاجنت تنهال علي أوصافه الجليلة من أفواه أساتذتي‪..‬‬ ‫تلميذه‪.‬‬ ‫كنت أعتبره مثلي العلى في كل صفاته ومواصفاته‪ ،‬وأحلم بأن‬ ‫يصبح لي في يوم من اليام بيت مثل بيته‪ ،‬وزوجة محبة مثل‬ ‫زوجته‪ ،‬وأولد وبنات مثل أولده وبناته‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كنت أقوم بتقليد طريقته في الحديث‪ ،‬حيث يكثر في‬ ‫عباراته من استعمال الكلمات العربية الفصحى‪.‬‬ ‫‪79‬‬


‫أشد ما كان يبهرجني هو صالون بيته‪ ،‬وآلة "البياجنو" التي تتصدر‬ ‫المكان‪ ،‬وإلى جاجنبه "الفوجنوجراف" واسطواجناته بمختلف أجنواعها‪،‬‬ ‫والجدران المكدسة بخزائن تحتشد رفوفها بكتب مختلفة الحجام‪.‬‬ ‫كان يبالغ في المحافظة على كتبه بحيث يوصي بتجليدها بأغلفة جلدية‬ ‫داكنة اللون يلمع في أعقابها إسمه المطبوع بماء الذهب‪ ،‬مما جعلني‬ ‫أتوهم في البداية أجنه المؤلف لكل تلك الكتب‪.‬‬ ‫ذلك‪ ،‬خصوصا‪ ،‬بعد أن ذاع صيته كمؤلف لكتابمي "من طرائف‬ ‫العلماء" و"من البنسلين إلى القنبلة الذرية "‪ ،‬اللذان صدرا عن‬ ‫"سلسلة الثقافة العامة" في يافا‪ ،‬في أعقاب الحرب العالمية‪.‬‬ ‫لم يبهرجني إبن "خالي علي"‪ ،‬الذي كان يصغرجني بما يقرب من‬ ‫سنوات ثلث‪ ،‬والذي تعود أن يقف على كرسي أمام ضيوف والده‬ ‫ليلقي جنشيد "النمجادة" الوطني‪:‬‬ ‫في حالكات الرنلوب ل تلهل ْ‬ ‫ب ‪ ..‬واهتف بلد العرب للعرب‪ ... ...‬إلخ‬ ‫أو ليجيب بدون أن يتلعثم عن أسئلة تتعلق بعواصم بلدان العالم‪ .‬ذلك‪،‬‬ ‫لجنني كنت أحفظ الكثير من الجناشيد والغاجني‪ ،‬ولن أخي "عابد"‬ ‫كان يتباهى أمام أصدقائه بمقدرتي على حفظ أسماء عواصم بلدان‬ ‫بعيدة مثل "تشيكوسلوفاكيا" و"هنغاريا" و"بولندا" و"التحاد‬ ‫السوفييتي" و"الصين" وغيرها!‬ ‫هذا بالضافة إلى"تسميع" منطوق جنظرية "فيثاغورس"‪:‬‬ ‫"مربع الوتر في المثلث القائم الزاوية‪ ..‬إلخ"‪.‬‬ ‫أو تصريف بعض أفعال اللغة اللتينية‪ ،‬أو رسم خارطة فلسطين‬ ‫والعالم العربي من الذاكرة‪.‬‬ ‫لكن ما كان يبهرجني ويثير دهشتي‪ ،‬وربماغيرتي أيضا‪ ،‬هو تلك‬ ‫الجابات التي كاجنت تتعلق بأفلم السينما وممثليها‪ .‬وذلك الشيء‬ ‫الآخرالذي لم أسمع به قبل‪ ،‬وهو أسماء "مخرجي الفلم"‪.‬‬

‫‪80‬‬


‫من أين لي أن أعرف‪ ،‬في ذلك الوقت‪ ،‬أن هناك لكل فيلم "مخرجا"‬ ‫يشرف على إخراجه؟ وأن مخرج فيلم "قبلة في الصحراء" هو‬ ‫"إبراهيم لما"‪ ،‬الفلسطيني؟‬ ‫أو أن مخرج فيلم "سلفني تلته جنيه"‪ ،‬بطولةعلي الكسار‪ ،‬هو‬ ‫"توجو مزراحي"‪ ،‬اليهودي‪ ،‬كما كان إبن خالي يفعل؟‬ ‫في ذلك الصيف‪ ،‬بلغ إعجابي بمدينة "يافا" أشده‪ .‬وصرت أشعر بأجنه‬ ‫ل وجه للمقارجنة بينها وبين "القدس"‪ ،‬مدينتي‪ .‬فهناك‪ ،‬غير بحرها‬ ‫الذي أسرجني سحره‪ ،‬ميزة جديدة اكتشفتها في مدينة "يافا"‪ .‬فقد سمح‬ ‫لي الهل بمرافقة أقراجني الجدد لحضور أحد الفلم‪ ،‬بدون مرافقة‬ ‫الكبار‪ .‬وتوالت بعد ذلك المفاجآت‪.‬‬ ‫مشينا‪ ،‬وركضنا‪ ،‬وبرطعنا‪ ،‬وقفزجنا ومارسنا كل أساليب الجنتقال التي‬ ‫تعتمد على القدام‪ .‬وكنت أتصور أن ذلك كان من قبيل الستعجال‬ ‫للحاق بطابور قطع التذاكر‪ ،‬الذي ينطبع طوله في مخيلتي‪ ،‬والذي‬ ‫يعتبر من الطقوس الضرورية لحضور الفلم‪ .‬الى أن وصلنا سينما‬ ‫"الحمرا"!‬ ‫تذكرت عندها أن السينما التى شاهدت فيها الفلم الولى كان اسمها‬ ‫سينما "ريجنت"‪ ،‬وأخرى كان اسمها "ركس"‪ ،‬وثالثة كنت أسمع‬ ‫بعض القران يرددون اسمها "زيون"‪ ،‬ورابعة اسمها "أوريون"‪.‬‬ ‫وكاجنت المفاجأة الولى‪..‬أن أكتشف أجنه يمكن أن يكون لدور السينما‬ ‫أسماء عربية‪.‬‬ ‫أما المفاجأة الثاجنية فكاجنت أكثرغرابة‪ .‬فقد كان علينا‪ ،‬بعد أن وصلنا‬ ‫سينما "الحمرا"‪،‬أن جنسلك‪ ،‬بدون أن أعرف السبب‪ ،‬بقيادة رجل ل‬ ‫أعرفه ولكنه كان يعرف جميع أفراد المجموعه ويناديهم بأسمائهم‪،‬‬ ‫طريقا خلفيا عبر ممرات وأبواب عديدة‪ ،‬الى أن وجدت جنفسي أجلس‬ ‫معهم في‪"..‬اللوج"!‬ ‫ولم يتركنا الرجل العندما تأكد أجننا ل جنحتاج الى أي شئ آخر‪ .‬كأجنه‬ ‫موصى علينا من قبل شخص مهم‪.‬‬ ‫‪81‬‬


‫ول أعرف لماذا شعرت بالحباط‪ ،‬بدل من الشعور بالسعادة جنتيجة‬ ‫لذلك المتياز‪ .‬صحيح أجنني رأيت إبن خالي وهو يتلقى مبلغا ل بأس‬ ‫به من القروش من والدته مع تعليمات ووصايا تجعل مني شريكا له‪،‬‬ ‫ومما قد يتيح لنا تلك الرفاهية‪ .‬لكن هذه الحقيقة لم تستطع أن تبدد‬ ‫حيرتي‪.‬‬ ‫الشئ الذي حيرجني هو أجننا لم جنقف في الطابور‪ ،‬أمام شباك التذاكر‪،‬‬ ‫حيث تعودجنا‪ ،‬في القدس‪ ،‬أن جنقف طويل‪ ،‬وجنصبر‪ ،‬وجنتدافع وجنناضل‬ ‫الى أن جنصل‪ ،‬جنحن الصغار‪ ،‬الى ما تحت الشباك‪ ،‬وجنرى كبيرجنا وهو‬ ‫يعد النقود ويعطيها لشخص ل جنراه‪ ،‬ليتناول منه تذاكرا يختلف لوجنها‬ ‫عن تذاكر بعض الخرين‪ .‬وجنسعد أشد السعادة لجننا بذلك جنكون قد‬ ‫قطعنا شوطا من المسيرة الكبرى في طريقنا الى الصفوف الولى‬ ‫أمام الشاشه‪.‬‬ ‫أما الشوط التالي من المسيرة‪ ،‬فهوالوقوف في طابورآخر‪ ،‬في‬ ‫اجنتظارأن ينفتح باب الدخول‪ .‬وما أن ينفرج الباب حتى جنتنفس‬ ‫الصعداء‪ ،‬وتعلوالصيحات‪ ،‬ثم جنبدأ بالتدافع والنضال مرة أخرى‬ ‫للوصول الى ذلك الرجل الذي كنت أتصور دائما أجنه صاحب الدار‪.‬‬ ‫فهوالمرالناهي‪ ،‬وهو الذي يقرر أي اتجاه علينا أن جنتخذه‪ ،‬بعد أن‬ ‫يدقق النظر في "البوليت"‪ ،‬ويجتزئ لنفسه قطعة منها‪ ،‬يحتفظ بها في‬ ‫صندوق كبيرأمامه يسنده بكرشه‪ ،‬أو يسند به كرشه‪.‬‬ ‫ثم تغمرجنا النشوة وجنحن جنهرول في اتجاه الصف الول والمقاعد‬ ‫المكتوبة أرقامها على ظهرالجزء المتبقي لنا من "البوليت"‪ ،‬بين‬ ‫أصوات طرقعة الكراسي‪ ،‬وضجيج الناس‪ ،‬وجنداءات الباعة‪،‬‬ ‫وأصوات فتح زجاجات "السيفون" ومن ثم صوت ارتطام الغطاء‬ ‫المعدجني وتدحرجه على أرضية الصالة المنحدرة‪.‬‬ ‫لم يكن هناك وقت كاف للتساؤل‪ ،‬فسرعان ما ساد الظلم‪ .‬ويبدو أن‬ ‫أقربائي‪ ،‬لكثرة ترددهم على هذه الدار‪ ،‬قد عرفوا بالضبط الزمن‬ ‫الذي يحتاج اليه الوصول في الوقت المناسب‪.‬‬ ‫‪82‬‬


‫وأجنشغلت أجنا‪ ،‬كعادتي ريثما تنتهي "العناوين" ويبدأ الفيلم‪ ،‬في متابعة‬ ‫ذلك الشكل المخروطي الهائل من الدخان والغبارالمضئ‪ .‬قاعدته‬ ‫تستقرعلى الشاشة البيضاء‪ ،‬ورأسه ينبع من ثقب في أعلى الحائط‬ ‫الخلفي للصالة‪ .‬أحاول أحياجنا الربط بين ما يجري على الشاشة وبين‬ ‫التقلبات التي تطرأ على المخروط الضوئي‪ .‬وأعترف أن ذلك كان‬ ‫يشد اجنتباهي ويلهيني في بعض الحيان عن "كينج كوجنج" جنفسه‪ .‬وفي‬ ‫أحد المرات‪ ،‬صادف أن رأيت رأس المخروط وهو ينتقل من الثقب‬ ‫في أعلى الحائط الخلفي الى ثقب مجاور له‪ .‬وظللت أرقب رأس‬ ‫المخروط الى أن عاد الى الثقب الول‪ .‬وهيهات أن أعرف كيف‬ ‫ولماذا؟ بالرغم من أجنني سألت من هم أكبر مني سنا‪.‬‬ ‫عندما مددت بصري لعد الثقوب التي يخرج منها رأس المخروط‬ ‫في سينما "الحمرا" بيافا‪ ،‬اصطدم بصري بسقف "اللوج" الذي كنا‬ ‫جنجلس فيه‪.‬‬ ‫ما أكثر ما تقف الرفاهية حائل دون المعرفه!‬ ‫ل بأس‪ ،‬فربما أستطيع أن أقنعهم‪ ،‬في مرة أخرى‪ ،‬أن جنجلس في‬ ‫مكان آخر‪.‬‬ ‫في اليوم التالي‪ ،‬وفي جنفس الوقت‪ ،‬وكأجنما أخذت على حين غرة من‬ ‫أمري‪ ،‬وجدت جنفسي أجلس في جنفس المكان‪ ،‬أشاهد جنفس الفيلم‪ ،‬مع‬ ‫جنفس المجموعة من القران‪.‬‬ ‫وسرعان ما اكتشفت سرالسرار‪ ،‬وهوأن سينما "الحمرا" يمتلكها‬ ‫"عمو أبوعمر"‪ ،‬وآخرون من القرباء‪.‬‬ ‫وحينما أبديت رغبتي في تغيير المكان‪ ،‬لغرض في جنفسي‪ .‬اقترح‬ ‫أحدهم أن جنصعد لنزور"عمو أبوعصام"‪ .‬وفي الحال‪ ،‬وكأجنما هم على‬ ‫اتفاق مسبق‪ ،‬هرول جميعهم‪ ،‬وأجنا معهم‪ ،‬سالكين ممرات‪ ،‬صاعدين‬ ‫أدراجا معدجنية ضيقة‪ ،‬لتتسع لكثر من شخص واحد‪ ،‬يقودجنا "عمر"‬ ‫الذي فتح باب غرفة مكتوب عليه كلمة قرأتها ولم أفهم معناها‪ .‬ثم‬ ‫سمعت صوتا مميزا أعرف اسم صاحبه‪ ،‬يرحب بنا جميعا‪.‬‬ ‫يتميز "عموأبوعصام" أيضا بطوله الغيرعادي‪ ،‬وبشاشته الدائمه‪.‬‬ ‫‪83‬‬


‫وكم أسعدجني أجنه رحب بي وكأجنه يعرفني منذ زمن بعيد‪ .‬بل إجنه‬ ‫سألني ليتأكد من أجنني ابن "أبوالعابد"‪ ،‬وازداد ترحيبه عندما أكدت له‬ ‫ذلك‪ .‬وأخذ يحدثني عن دارجنا في القدس‪ ،‬وعن "قهوة الباسطي" التي‬ ‫تقع تحت الدار‪ ،‬وعن "طريق اللم" التي تمر من أمام القهوة ويمتد‬ ‫صعودا الى اليمين ليؤدي الى كنيسة القيامه‪ .‬وإذا لم جنتجه الى اليمين‪،‬‬ ‫وأكملنا سيرجنا جنزول فإجننا جنكون في طريقنا إلى "الحرم الشريف"‬ ‫و"المسجد القصى"‪.‬‬ ‫كان يحدثنا وعيناه ل تغيبان عن آلة ضخمة‪ ،‬تقف الى جوارآلة‬ ‫أخرى مشابهة لها تماما‪ .‬ينبعث من الولى جنور يخرج من ثقب في‬ ‫الحائط‪ .‬ولها صوت يكركر بنعومة مع دوران بكرتين أحدهما فوق‬ ‫مصدر النور والخرى من تحته‪ ،‬والشريط اللمع الجذاب ينساب‬ ‫بينهما‪.‬‬ ‫فجأة أشارالينا "عمو أبوعصام" بيده أن جنلزم الهدوء‪ .‬فإذا باللة‬ ‫الولى تتوقف عن الدوران‪ ،‬وينطفئ جنورها في الوقت الذي تبدأ اللة‬ ‫الثاجنية بالدوران‪ ،‬وينبعث منها جنور يخرج من ثقب في الحائط‪،‬‬ ‫مجاور للثقب الول‪ .‬وتذكرت في الحال "كينج كوجنج" الذي كاد أن‬ ‫يشد اجنتباهي و يلهيني عن مراقبة رأس المخروط الضوئي الضخم‪،‬‬ ‫الذي يخرج من ثقب في أعلى الحائط الخلفي لصالة سينما "ريجنت"‬ ‫بالقدس‪.‬‬ ‫عندما ينتهي عرض "الفصل الول" من الفيلم‪ ،‬تبدأ اللة الثاجنية‬ ‫بالدوران لعرض"الفصل الثاجني" منه‪ .‬هكذا أخبرجني"عموأبوعصام"‪،‬‬ ‫بعدأن رأى الدهشة المتسائلة تقفز من عينمي لتتشبث به‪ ،‬بينماهو يقوم‬ ‫بتركيب "الفصل الثالث" من الفيلم على اللة الولى‪ ،‬في مكان‬ ‫"الفصل الول" الذي اكتمل عرضه‪.‬‬ ‫كنت أجنظر حولي‪ ،‬وأجنا أكاد ل أصدق أجنني موجود في المكان الذي‬ ‫ينبعث منه ذلك الشعاع السحري‪ ،‬الذي ينتظره الناس في صالة‬ ‫العرض بفارغ الصبر‪.‬‬ ‫‪84‬‬


‫هل سيصدقني أقراجني في القدس‪ ،‬عندما أقول لهم أجنني كنت في ذلك‬ ‫المكان؟‬ ‫ثم وجدتني ابتسم وأجنا أتذكر ابن الجيران "فاروق"‪ ،‬الذي كان يعرف‬ ‫أشياء كثيرة ل جنعرفها‪ ،‬وكاد أن يقنعني بأن الصورة التي جنراها على‬ ‫الشاشة تنبعث من خلف الشاشه‪ ،‬ل من أمامها كما أرى بأم عيني‬ ‫الن‪ .‬وأتأمل كل ما في تلك الغرفة‪ ،‬محاول أن أحفظ تفاصيل‬ ‫صورتها في ذاكرتي‪ ،‬لكي أشرح لفاروق وغيره ما ل يعرفوجنه‪،‬‬ ‫وأعرفه أجنا عن يقين وتجربه‪.‬‬ ‫فجأة أفيق من تأملتي على صوت "أبوعصام" العريض وهو يطلب‬ ‫من"عمر" أن يسلمم على أمه وأبيه وأخوته‪ .‬ويخرج آخرالقران وهو‬ ‫يشير لي باللحاق بهم‪ ،‬فأأصمغر أكتافي معلنا أجنني أريد البقاء‪ ،‬جناظرا‬ ‫الى "عمو أبوعصام" في رجاء يشبه الستعطاف‪ .‬فيلحق بهم ليطلب‬ ‫منهم أن يمروا ليأخذوجنني معهم قبل العودة الى البيت‪ ،‬والسعادة‬ ‫تنضح من وجهه لجنني‪ ،‬كما قال‪" ،‬فـتـْح" وأحب المعرفه‪.‬‬ ‫ومنذ تلك اللحظة‪ ،‬أخذ على عاتقه مهمة الشرح المفصل‪ ،‬الذي لم‬ ‫أستوعبه‪ ،‬لشياء لم أشك في أهميتها‪.‬‬ ‫كنت أشعر بقوة ما تشدجني الى ذلك المكان‪ .‬تدور في رأسي دوامة من‬ ‫السئلة التي ل أعرف كيف أصوغها‪ .‬وكاجنت الغرفة تتسم بشئ من‬ ‫الفوضى‪ ،‬مكدسة بعلب مستديره من الصفيح‪ ،‬بعضها يعلوه الصدأ‪،‬‬ ‫والبعض الخر مازال يحتقظ ببريق جذاب‪ .‬ولكنها‪ ،‬الغرفة‪ ،‬كاجنت‬ ‫جنظيفة تفوح منها رائحة خاصة‪ ،‬مميزة‪ ،‬أليفه‪ ،‬ملت خياشيمي منذ أن‬ ‫دخلتها‪.‬‬ ‫ذكرتني تلك الرائحة بـ"خالتي آمنه"‪ ،‬الفناجنه التشكيلية‪ ،‬أو"الرسامه"‪،‬‬ ‫كما كاجنوا يلقبوجنها أحياجنا‪.‬‬ ‫كاجنت‪ ،‬في ذلك الوقت‪ ،‬تربطني بها صلة تتجاوز كثيرا صلة ابن‬ ‫الخت بخالته‪ .‬شئ ما كان يشدجني لتكرار زيارتها‪ ،‬في مرسمها‬ ‫في"داراليتام" بالقدس‪ ،‬كلما لحت لي فرصة لذلك‪ .‬كنت أحب‬ ‫الرسم‪ .‬وكنت ل أمل من مراقبتها وهي تمارس عملها‪ .‬وأسعد‬ ‫‪85‬‬


‫اللحظات كاجنت هي تلك التي تضع فيها أمامي أصيص الزهور‪ ،‬أو‬ ‫أي شيء من هذا القبيل لقوم برسمه‪ .‬ثم تبدأ بدجندجنة أغنية‬ ‫لعبدالوهاب‪ ،‬وأجنا على يقين بأجنها تفعل ذلك لتستدرجني للغناء‪ .‬فقد‬ ‫كنت أحفظ‪ ،‬عن ظهرقلب‪ ،‬الكثير من الغاجني التي كان يصدح بها‬ ‫"راديو" أو "جراموفون" قهوة الباسطي‪ ،‬ليل جنهار‪ ،‬منذ رأت عيناي‬ ‫النور‪.‬‬ ‫وكثيرا ما كاجنت تطلب مني أن أقوم بتنظيف أفرش الرسم‪ ،‬فأفعل ذلك‬ ‫بترحاب شديد‪ .‬ول أتذكر تماما‪ ،‬هل كنت مغرما بعملية التنظيف‬ ‫جنفسها‪،‬أم بتلك "الرائحة" التي تنبعث من سائل التنظيف؟ أم أجنني كنت‬ ‫مغرما بكل ما له علقة بخالتي "آمنه" الفناجنه‪ ،‬التي كنت أتمنى أن‬ ‫أصبح فناجنا مثلها‪ .‬بينما هي تتنبأ لي بأجني سأكون شاعرا مشهورا‪،‬‬ ‫لمجرد أجنني‪ ،‬ذات مرة‪ ،‬كتبت لها رسالة أعبر بها عن شوقي لها‪،‬‬ ‫وعن قلقي لمرضها‪.‬‬ ‫تكررت زيارتي لصومعة العم أبوعصام‪ ،‬وشجعني على ذلك بشاشته‬ ‫الدائمه‪ ،‬وابتسامته التي ل تعرف الملل‪.‬‬ ‫في المرة الثاجنية التي زرت فيها "الصومعه"‪ ،‬حدث ما تعودجنا أن‬ ‫يكون سببا لهياج الجمهور في صالة العرض‪ .‬مرة لهتزاز الصورة‬ ‫على الشاشة‪ ،‬وأخرى لجنقطاع الصوت‪ ،‬وغيرها لجنقطاع الصوت‬ ‫والصورة معا‪ ،‬مع توقف التقلبات التي تجري في جسم مخروط‬ ‫الدخان والغبارالمضيء‪ ،‬وظهورالشاشة بيضاء من غير سوء‪ ،‬ما‬ ‫عدا بعض البقع الكبيرة الباهته من تأثيرالرطوبة‪ ،‬فيعلوالصياح‬ ‫والصفير والتعليقات التي تثير‪ ،‬أحياجنا‪ ،‬عاصفة من ضحك الجمهور‪.‬‬ ‫وكم كاجنت سعادتي وأجنا أشهد مثل تلك اللحظات‪ ،‬في المكان الذي‬ ‫تتجه اليه الجنظار مبتهلة‪ ،‬وأرى ما الذي يجري لكي تعود المياه الى‬ ‫مجاريها‪.‬‬ ‫ضك"!‬ ‫صدمتني‪ ،‬لول وهلة‪ ،‬شتيمة العم أبوعصام‪" ،‬يلعن عر ـ‬ ‫بكسرالضاد‪ .‬قالها وهو يقتطع جزءا من كضل من طرفي شريط الفيلم‪،‬‬ ‫‪86‬‬


‫ويلقى به على أرض الغرفة بعصبية ل تليق به‪ ،‬وكأجنه أحد الممثلين‬ ‫المحترفين السيئين‪.‬‬ ‫بعد أن عرفت أجنها المرة الثالثة‪ ،‬التي تقوم فيه اللة بفعلتها الشنعاء‬ ‫في جنفس اليوم‪ ،‬وهوما يفسر وجود شرائط يتراوح طول كل منها ما‬ ‫بين متر الى جنصف متر‪ ،‬من الفيلم‪ ،‬مبعثرة على أرض الغرفة‪،‬‬ ‫وجدت أجنه من الطبيعي أن يتعرض سلوك "آلة العرض" للعنة العم‬ ‫"أبوعصام"‪ .‬وعندما تأكدت أن ما صدمني هو مجرد تشابه لفظي‬ ‫بين ما قاله وبين الشتيمة السوقية المعروفه‪ ،‬اشتد تعاطفي مع"عمي‬ ‫أبوعصام"‪ ،‬وعبرت عن ذلك بمبادرتي بجمع قطع الفلم المبعثرة‪،‬‬ ‫بينما هو منهمك في لصق طرفي الفيلم المقطوع‪ .‬يبسمل ويحوقل‬ ‫بصوت عال‪ ،‬ردا على شتائم الجمهور وصفيرهم الذى كان يعلو‬ ‫ويتزايد‪ .‬ورائحة خالتي "آمنه" تعبق في المكان أكثر من ذي قبل‪.‬‬ ‫وما هي ال ثوان معدودة‪ ،‬حتى يعود الهدوء‪ ،‬وتعود اللة لتكركر‬ ‫بنعومة محببه الى جنفسي‪ .‬كما تعود البتسامة الى وجه الرجل‪ .‬وكأن‬ ‫شيئا لم يكن‪ .‬و يؤكد لي‪ ،‬وهو يربت على آلته بحب وحنان بالغين‪ ،‬أن‬ ‫العيب يكمن في جنسخة الفيلم القديمة المهترئه‪ ،‬وأن اللة ل عيب فيها‬ ‫أبدا‪.‬‬ ‫كنت واقفا أرقبه وأجنا أحمل قطع "الفلم"‪ ،‬بعد أن قمت بجمعها‬ ‫وترتيبها بحرص شديد حسب أطوالها‪ ،‬متسائل أين أضعها‪ ،‬بينما‬ ‫كاجنت جنفسي تحدثني أن أطلب منه‪ ،‬على القل‪ ،‬أن أحتفظ بأصغر‬ ‫قطعة منها‪ .‬وأتخيل جنفسي‪ ،‬وأجنا في "القدس"‪ ،‬أفاجيء أقراجني‪ ،‬ومعي‬ ‫الدليل المادي‪ ،‬على خبرتي الواسعة في مجال السينما‪ .‬خصوصا‬ ‫"فاروق"‪ ،‬أكثرهم علما‪ ،‬والذي ظل يؤكد أن الصورة تأتي من خلف‬ ‫الشاشة‪ ،‬بالرغم من إشارتي إلى المخروط الضوئي الذي ينبع من‬ ‫الحائط الخلفي لصالة العرض في دار السينما‪ .‬وأكثر ما كان يحز في‬ ‫جنفسي‪ ،‬أجنني لم أستطع إل أن أسلم بما يقول‪ ،‬خوفا ل اقتناعا‪.‬‬ ‫فبالرغم من أجنه لم يكن أكبرجنا حجما‪ ،‬إل أجنه كان أكثرجنا قوة وشراسه‪.‬‬ ‫كان يستمد هيبته من أبيه "الومباشي"‪ ،‬الذي ما يكاد يهل عند عودته‬ ‫‪87‬‬


‫من عمله‪ ،‬حتى يتركنا "فاروق" راكضا جنحو أبيه‪ ،‬ليعود متعلقا‬ ‫بحزامه‪ ،‬ينظر إلينا وهو يتحسس "الفرد" المتدلي منه‪ ،‬فننفض لنوسع‬ ‫لهما الطريق‪ ،‬وجنحن جنرتعد خوفا‪.‬‬ ‫أجنقذجني الصوت المميز من الذكرى المؤلمة لـ"القتله" التي أكلتها من‬ ‫"فاروق" ذات يوم‪ .‬فقد كان العم "أبوعصام" يطلب مني أن أجناوله‬ ‫قطع "الفيلم" التي أحملها بحرص‪ .‬أخذها وأخذ يقص أطرافها‪،‬‬ ‫ويشذبها‪ ،‬ويكحتها‪ ،‬ثم يبلل الطراف بريشة دقيقه‪ ،‬بعد أن يغمسها‬ ‫في زجاجة صغيرة شدت اجنتباهي‪ ،‬لجنني أدركت أجنها مصدرالرائحة‬ ‫الخاصة المألوفه‪.‬‬ ‫كان يمارس عمله بتلذذ واستعراض واضحين‪ ،‬بينما هو ينظرالي‪،‬‬ ‫بين الحين والخر‪ ،‬مبتسما ابتسامة الماهر العارف‪ .‬وكان يتمتم‪،‬‬ ‫وكأجنه يحدث جنفسه بصوت مسموع‪ ،‬أو كأجنه يريد أن يسمعني صوته‬ ‫يصف خطوات العمل الذي كان يؤديه باستمتاع فائق‪.‬‬ ‫ثم جنطق بكلمة كدت أقفز من الفرح وأجنا أسمعها‪"..‬أسيتون"!‬ ‫مرحى!‬ ‫لقد تذكرت إسم السائل الذي كنت أقوم بتنظيف فراشي الرسم به‪ ،‬في‬ ‫مرسم خالتي "آمنه"‪.‬‬ ‫هل كان يقرأ أفكاري؟‬ ‫تكررت زياراتي للعم "أبوعصام"‪ .‬وتحولت قطع "الفيلم" الى بكرة‬ ‫كان قطرها يزيد في كل مرة‪ .‬خصوصا بعد أن تعلمت كيف أكحت‬ ‫أطراف الفيلم وأقوم بلصقها بسائل "السيتون"‪ ،‬بنفسي‪ .‬إلى أن وصل‬ ‫حجم البكرة من الكبر‪ ،‬بحيث أصبحت أزهد في المزيد‪ .‬وعدت الى‬ ‫الصالة أمتع جنفسي بمشاهدة الفلم‪.‬‬ ‫شــاهدت فيلــم "دمــوع الحــب"‪ ،‬لعبــد الوهــاب‪ ،‬بعــدد أيــام الســبوع‪ .‬وحفظــت‬ ‫أغاجنيه‪"..‬كـروان حيـران"‪"..‬مـا أحلـى الحـبيب"‪"..‬يـا مـا بنيـت قص ر المـاجني"‪..‬‬ ‫و"سهرت منه الليالي"‪.‬‬ ‫)وقد عرفت بعدها أن الفيلم عن قصة "ماجدولين" لكاتبها "ألفوجنس كار" وترجمة‬ ‫المنفلوطي‪(.‬‬

‫‪88‬‬


‫وزادت حصيلتي من أسماء الممثلين والفلم‪ ،‬بالضافة إلى‬ ‫معلوماتي عن "كابينة" العرض‪ ،‬بحيث أصبحت أستعجل العودة الى‬ ‫القدس‪.‬‬ ‫كنت في كل مرة أعود فيها من "يافا"‪ ،‬أو من "غزه"‪ ،‬أحمل معي‬ ‫مجموعة من أجنواع مختلفة من أصداف البحر والمحار والودع‬ ‫جمعتها من الشاطيء‪ ،‬تثير إعجاب واجنبهارأقراجني في الحارة وفي‬ ‫المدرسه‪.‬‬ ‫كم كنت أتباهى بامتلك تلك الشياء التي ل يعرفها أقراجني‪،‬‬ ‫وخصوصا تلك المحارة الكبيرة التي أدهشتهم عندما كاجنوا يضعوجنها‬ ‫على آذاجنهم ليسمعوا هديرالبحر كما كنت أدعي!‬ ‫فما بالهم وأجنا أعود إليهم‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬بما لا يمكن أن يتوقعه أحد؟‬ ‫وكان ما توقعت‪ .‬فلقد سرت أجنباء "البكره" بينهم‪ ،‬كما يقولون‪ ،‬مسرى‬ ‫النار في الهشيم‪ .‬وكان أيضا ما لم أكن أتوقعه‪ ،‬وهو اجنتقال خدمة‬ ‫الومباشي "أبو فاروق"‪ ،‬الى بلد آخر‪ .‬فأصبحت‪ ،‬بين عشية‬ ‫وضحاها‪ ،‬مرجعا لولد الجيران في كل ما يختص بأسرارالسينما‪.‬‬ ‫ل يساورجني خوف من أن أتعرض لتهديدات "فاروق" وجبروته‪.‬‬ ‫ثم جاء الوقت الذي اضطررت فيه‪ ،‬لكي أحتفظ بمكاجنتي المتميزة‬ ‫بين أقراجني‪ ،‬أن أعمل الفكر‪ ،‬وأكررالمحاولت والتجارب‪ ،‬للوصول‬ ‫الى ماهو أكثر من مجرد امتلك "البكره"‪ ،‬والمعلومات التي مللت‬ ‫من تكرار ترديدها عن صومعة العم "ابوعصام"‪.‬‬ ‫كاجنت الستارة البيضاء التي تغطي "ركسة الفراش" الموجودة في‬ ‫صدر"أوضة الضيوف" في بيتنا في القدس‪ ،‬هي التي ألهمتني‬ ‫باستعمال "مصباح اليد" الكهربائي كمصدر للضوء‪ ،‬الذي يخترق‬ ‫الفيلم ويلقي بصورة مكبرة على الشاشة‪..‬الستارة‪.‬‬ ‫أخيرا‪ ،‬وبعد تجارب عديدة‪ ،‬ها هي الشاشة وعليها صورة عربة‬ ‫"كارو" يجرها بغل‪ ،‬محملة بكومة من القش‪ .‬يجلس فوقها الستاذ‬ ‫"محمد عبدالوهاب" متأجنقا‪ ،‬أكاد أسمعه وهو يغني أغنية‬ ‫"إجري‪..‬إجري‪..‬إجري‪..‬وديني قوام وصلني"‪.‬‬ ‫‪89‬‬


‫وهكذا تطور جنبأ "البكره"‪ ،‬ليصبح إشاعة يتناقلها القران في كل‬ ‫مكان‪ ،‬بلسان شهود عيان‪ ،‬تؤكد أن‪"..‬غالب اخترع سينما"‪ ..‬وفي‬ ‫قول آخر‪"..‬صندوق العجب"!‬ ‫لم يبق سوى أن أقوم بتطوير ذلك الصندوق الكرتوجني بأن أجعل له‬ ‫جنافذة صغيرة مستطيلة‪ ،‬بحجم صورة الفيلم‪ ،‬ذات مجرى يمر فيه‬ ‫شريط الفيلم‪ ،‬لينساب من "البكرة" في أعلى النافذة الى بكرة أخرى‬ ‫في أسفلها‪ ،‬أديرها بيدي‪ ،‬بينما تمر حزمة الشعة الصادرة من‬ ‫المصباح الكهربائي من خلل النافذة المستطيلة‪ ،‬لكي تتحرك العربه‬ ‫الكارو على الستاره‪ .‬جناهيك عن جنيتي المبيتة‪ ،‬لصنع قرطاس كرتوجني‬ ‫ضخم‪ ،‬كمكبر للصوت‪ ،‬ليسمعهم أغنية "إجري‪..‬إجري‪ ،"..‬بصوتي‪،‬‬ ‫وأكون بذلك قد عرضت جزءا من فيلم "يوم سعيد"‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬هيهات أن تنجح التجربه‪.‬‬ ‫فما أن تدور يدي بالبكرة‪ ،‬حتى تنطمس الصور في بعضها البعض‬ ‫على ستارة "ركسة الفراش"‪.‬‬ ‫ولم تنفعني الستغاثة بخبرة أخي الكبر‪ ،‬أو خالتي "آمنه"‪ ،‬ول حتى‬ ‫أستاذ الرسم والشغال اليدوية في المدرسه‪ .‬حاولت الستعاجنة بكل من‬ ‫كنت أتوسم فيه المعرفه‪ .‬وكنت بمحاولتي‪ ،‬التي ذهبت كلها أدراج‬ ‫الرياح‪ ،‬كمن يؤذن في "مالطا"‪.‬‬ ‫وظلت المسألة لغزا لم أعرف له حل‪.‬‬ ‫إلى أن التحقت بأكاديمية الفنون لدراسة "السينما"‪ .‬وعرفت أن هذه‬ ‫المشكلة بالذات قد ظلت تؤرق رواد صناعة "السينماتوجراف" في‬ ‫أوروبا وأمريكا في جنهايات القرن الماضي‪ .‬ولم تتحرك الصورة‬ ‫بوضوح على الشاشة إل عندما أضاف المخترع "أوسكار ميستر"‪،‬‬ ‫في عام ‪ ،1895‬الى آلة العرض‪ ،‬قطعة معدجنية تشبه في شكلها‬ ‫الصليب‪.‬‬ ‫‪90‬‬


‫وتعرف هذه القطعة حتى اليوم‪ ،‬ول أدري لماذا‪ ،‬بإسم‪"..‬صليب‬ ‫مالطا"‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫خارج الســـــــوار‬

‫أحياء "البقعة التحتا"‪ ،‬و"البقعة الفوقا"‪ ،‬و"الطالبية"‪ ،‬من الحياء‬ ‫العربية الراقية في "القدس الجديده"‪ ،‬الممتدة على جنبات السهل‬ ‫المجاور لجبل "القطمون"‪.‬‬ ‫ول أعرف الظروف التي أحاطت بخالتي "آمنه"‪ ،‬الفناجنه التشكيليه‬ ‫القادمة من "غزه"‪ ،‬والتي مكنتها من السكنى في ذلك الحي‪ .‬كل ما‬ ‫أذكره أجنها كاجنت تقيم في غرفة‪ ،‬لها مدخل مستقل‪ ،‬في"فيلل" محاطة‬ ‫بأشجاراللوز وغيرها من أشجارالمنطقه‪ .‬تمتلك تلك الفيلل وتسكنها‬ ‫عائلة "النممري"‪ ،‬المكوجنه من أم وبناتها الثلث‪ .‬إحداهن‪ ،‬الكبرى‪،‬‬ ‫كاجنت من تلميذات خالتي"آمنه" في معهد داراليتام للبنات للرسم‬ ‫والتطريز‪ ،‬في القدس‪.‬‬ ‫وهكذا اتسع المجال المتاح لي خارج أسوارالقدس القديمه‪ .‬فكنت غالبا‬ ‫ماأقضي أيام الجازة السبوعية‪ ،‬وهما يومي الجمعة والحد‪ ،‬في‬ ‫زيارة خالتي "آمنه"‪ .‬ولم يكن حبها لي هوالمشجع الوحيد على ذلك‪.‬‬ ‫‪91‬‬


‫بل كاجنت البشاشة التي تقابلني بها عائلة "النمري"‪ ،‬أيضا‪ ،‬حافزاا لي‬ ‫على تكرار الزيارة اسبوعا بعد أسبوع‪.‬‬ ‫أضف إلى ذلك متعة الخروج من البيت والحاره‪ ،‬والجنطلق في‬ ‫رحلة تتخطى السوار إلى أطراف القدس الجديدة‪ ،‬حيث الطبيعة‬ ‫والمتداد والبراح والشجار والزهار‪.‬‬ ‫من أكثر ما كان يشد اجنتباهي‪ ،‬بل ويؤخرجني أحياجنا عن الوصول إلى‬ ‫خالتي "آمنه"‪ ،‬كان ملعب "التنس" الذي يقع في بداية الطريق‬ ‫الصاعد إلى "الفيلل"‪ .‬خصوصا في أيام الحد‪ ،‬عندما يكون الملعب‬ ‫مكتظا باللعبين واللعبات والمتفرجين والمتفرجات‪ ،‬والذين أو‬ ‫اللواتي ينتظرن أن يحين دورهن لممارسة اللعبه‪ ،‬ومعظمهم من‬ ‫الجاجنب‪.‬‬ ‫كنت أجد متعة شديدة بمراقبتهن‪ ،‬وهن يتقافزن بحركات رشيقة‪،‬‬ ‫جريا وراء الكرة‪ ،‬بملبسهن المختصرة التي تكشف عن سيقان بضة‬ ‫في لون الورد‪ ،‬وخدود تضاهيها حمرة‪ .‬وتبلغ سعادتي قمتها عندما‬ ‫تضل الكرة طريقها لتقترب من المكان الذي أقف فيه‪ ،‬فأبادر‬ ‫بالمساك بها لـ "أجناولها" للعبة يدا بيد‪ ،‬مما يمكنني من القتراب‬ ‫منها أكثر وأكثر‪ .‬فيكون جنصيبي ابتسامة وكلمة "ثاجنك يو" المنمغمة‬ ‫بصوت رقيق يظل يرن في أذجني ويطربني وأشتاق إليه طوال‬ ‫السبوع‪ .‬يضاهيه صوت ارتطام "الطابه"‪ ،‬الكرة‪ ،‬بمضرب التنس‬ ‫واليقاع الخاذ الناجم عن توالي ذلك الرتطام‪ ،‬وصدى ذلك الصوت‬ ‫يتردد في أرجاء المنطقة الجبلية الهادئة‪ .‬ذلك الصوت الذي مازال‬ ‫يعود بذاكرتي إلى القدس كلما وأينما صافح أذجناي‪.‬‬ ‫وبمرورالوقت‪ ،‬وتكرارالتجربة‪ ،‬أصبح دوري هذامن الهمية بمكان‪،‬‬ ‫بحيث كاجنت هذه أو تلك ترجوجني‪ ،‬إذا أجنا قررت مواصلة رحلتي إلى‬ ‫خالتي"آمنه"‪ ،‬أن أبقى إلى أن تنتهي من اللعب‪ .‬ويصبح جنصيبي‪،‬‬ ‫علوة على البتسامة والشكر‪ ،‬مصافحة‪ ،‬وتربيت على خدي‪ .‬هذا‬ ‫بالضافة إلى بعض القروش‪ ،‬التي كنت أرفضها بشدة في بداية‬ ‫المر‪ .‬لكن خالتي"آمنه" أحلمت لي تلك القروش‪ ،‬وبررت قبولي لها‬ ‫‪92‬‬


‫بأجنها مقابل شغلي وتعبي‪ ،‬وأن هذه هي طبيعة الجاجنب‪ .‬كل شيء‬ ‫بحسابه‪ .‬والعمل ليس عيبا‪ .‬والوقت والجهد لهما ثمنهما‪.‬‬ ‫في كل مرة‪ ،‬وقد تقاضيت أجري‪ ،‬كنت أمرأثناءعودتي إلى البلدة‬ ‫القديمه‪ ،‬بمكتبة عمي"سلمه"‪ ،‬التي كاجنت الكتب‪ ،‬القديمة‪ ،‬المعروضة‬ ‫في واجهتها والمفروشة على البسطات تستوقفني دائما وأجنا في‬ ‫طريقي إلى المدرسة العمرية أوفي طريق عودتي إلى البيت‪.‬‬ ‫صحيح أجنني كنت أوفر ثمن ركوب الباص‪ ،‬ذهابا إلى المدرسة وإيابا‬ ‫منها‪ ،‬بأن أرافق بعض القران مشياعلى القدام‪ .‬لكن شرهي المتزايد‬ ‫للقراءة‪ ،‬كان يقضي على"المصروف" كله‪ .‬خصوصا عندما بدأت‬ ‫أتطلع إلى معرفة ما تحتويه سلسلة كتب "روايات الجيب"‪.‬‬ ‫شدجني عنوان "اللص الظريف أرسين لوبين" المتكررعلى عدد كبير‬ ‫من روايات "موريس لبلن"‪.‬‬ ‫كيف يكون اللص ظريفا ؟!‬ ‫والكثر جاذبية‪ ،‬كاجنت تلك الروايات التي تحولت إلى أفلم سينمائية‪،‬‬ ‫والتي كنت أجد أسماءها على إعلجنات سينما "ريجنت"‪ ،‬القريبة من‬ ‫ملعب "التنس"‪.‬‬ ‫عندما حكيت قصة ملعب "التنس" لرفيق المدرسة‪ ،‬وجاري في‬ ‫القدس القديمه‪" ،‬خلدون"‪ ،‬اشرأب عنقه وجحظت عيناه‪ ،‬وجنظر يمينا‬ ‫ويسارا‪ ،‬وابتلع ريقه ثم قال بصوت خفيض‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬وين ‪ ..‬وين؟ قول لي وين! وإوعى حدا غيرجنا يعرف!‬‫وأصبحنا جنعمل سويا‪ ،‬أيام الحد‪ ،‬في تلك المهنة المبتكره‪" ،‬للْم‬ ‫الطابات"‪.‬‬ ‫وازدادت أواصر الصداقة بيني وبين "خلدون"‪ ،‬الذي كنت قبل ذلك‬ ‫أتردد في القتراب منه‪ ،‬لما كان يشاع عنه من أجنه "ابن عيله"‬ ‫ومتكبر و"شايف حاله"‪ .‬لكنني اكتشفت معه جنوعا جديدا من الصداقة‪.‬‬ ‫وهو‪ ،‬إلى جاجنب كوجنه "إبن جناس"‪ ،‬كما كان والدي يقول‪ ،‬فهو أيضا‬ ‫من "أوائل الصف"‪.‬‬ ‫‪93‬‬


‫ثم أصبح مجرد ذكر اسمه أمام والد م‬ ‫ي يتيح لي التغيب‪ ،‬في حدود‬ ‫المعقول‪ ،‬عن البيت‪ .‬فقد كان "خلدون" ينتمي إلى جنفس العائلة التي‬ ‫ينتمي إليها رئيس والدي في العمل‪.‬‬ ‫وهكذا أصبحت‪ ،‬بمرافقة "خلدون"‪ ،‬من الرواد الدائمين لسينما‬ ‫"ريجنت"‪ ،‬بعد أن كان ذهابي إليها مرهوجنا بتنازل أخي "عابد"‪،‬‬ ‫وسماحه لي بمرافقته إليها‪ .‬ساعد على ذلك‪ ،‬طبعا‪ ،‬وجود دار السينما‬ ‫في منطقة تتوسط المسافة بين مكان سكن خالتي "آمنه" وبين‬ ‫مدرستي‪" ،‬المدرسة العمرية"‪.‬‬ ‫كان صديقي "خلدون" يتمتع بموهبة البحث عن مصادرالكسب‪ .‬وقد‬ ‫أتاح لي معرفة إحداها‪،‬عرفاجنا منه لي بتعريفه على ملعب التنس‪.‬‬ ‫في أحد اليام سقط منى"قلم الحبر" واجنكسرت ريشته‪.‬‬ ‫تعودجنا في مثل هذه الحالت أن جنلجأ إحدى المكتبات لتقوم‬ ‫بتغييرالريشة أو الـ "عضمه"‪ ،‬أو الـ "جلده"‪ .‬لكن صديقي"خلدون"‬ ‫كان يعرف طريقة أخرى‪ .‬ففي سوق الهنود‪ ،‬في طريقنا اليومي إلى‬ ‫باب الخليل‪ ،‬كاجنوا يبيعون قطع غيارالقلم تلك وأجزاءها المختلفة‬ ‫بثمن بخس‪ ،‬مما جعلني أحاول إصلح قلمي بنفسي هذه المره‪.‬‬ ‫ولما جنجحت التجربة‪ ،‬لجأ لي زميل‪ ،‬وآخر‪ ،‬ومن بعده آخرون‪ .‬إلى أن‬ ‫ذاعت شهرة خبرتي وبراعتي في تصليح أقلم الحبر في المدرسه‪.‬‬ ‫وكاجنت هذه "الحادثة" بداية لمرحلة جديدة من مراحل العمل المربح‪،‬‬ ‫بعد"لمم الطابات"‪ ،‬التي زادت من دخلنا وأتاحت لي إمكاجنية المزيد‬ ‫من شراء بعض الكتب أوالمجلت‪ ،‬ومشاهدة الفلم السينمائيه‪.‬‬ ‫ولم يبخل علي صديقي بالبوح بالمزيد من أسراره‪ ،‬أسرار المهنه‪،‬‬ ‫حينما رضي أن يأخذجني معه لرى بعيني كيف ومن أين يشتري‬ ‫"جروس" الشاي بسعرالجملة من القدس الجديدة وبيعه لحد أصحاب‬ ‫الدكاكين في البلدة القديمة‪ .‬وشاركني في ذلك اليوم بالرباح‪.‬‬

‫‪94‬‬


‫تطور المر بعد ذلك‪ ،‬عام ‪ ،48‬إلى شراء علب "الفللشك"‪ ،‬ذخيرة‬ ‫بالحبه‪ .‬إلى أن توقف ذلك كله بعد أن‬ ‫م‬ ‫المسدسات والبنادق‪ ،‬وبيعها‪..‬‬ ‫ش تسبب لي بـ "قتلة" ل أجنساها من والدي‪.‬‬ ‫وشى بي وا ض‬ ‫كان ذلك أحد أسباب التعجيل بترحيلي إلى غزة‪ .‬حيث رافقني أخي‬ ‫"عابد" في تلك الرحلة التي ل تنسى‪ .‬والتي أثبت فيها "الحمار"‪،‬‬ ‫بتمرده وعودته هاربا إلى موطنه الصلي‪ ،‬أجنه أكثر حكمة مما كان‬ ‫كاتبنا "توفيق الحكيم" يظن‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"كاريــــــــــــــوكا"‪..‬‬ ‫الزهارالمتنوعة‪ ،‬المختلفة اللوان‪ ،‬المنتشرة في وسط الدار‪ ،‬تبعث‬ ‫في جنفسي مشاعر ذات مذاق خاص‪ ،‬وتوحي لي بالأشكال الجديدة‬ ‫والألوان المتناسقة للطيارات الورقية في موسمها‪..‬فصل الربيع‪ .‬حيث‬ ‫تعود أشعة الشمس الدافئة لتحتوي ساعات النهار‪ ،‬وتقوم "إم العابد"‬ ‫بفتق الملحف والجنابي والفرشات ليتكوم صوفها المتلبد على بلط‬ ‫وسط الدار‪ .‬وفي ذلك اليوم‪ ،‬يأتي إبن الجيران "حموده"‪ ،‬أبوالسبع‬ ‫صنايع‪ ،‬في ثوب "المنمجـاـد" هذه المرة‪ ،‬بآلته التي تشبه آلة موسيقية‬ ‫رأيت صورتها على الجدران الفرعوجنية في أحد كتب أخي "عابد"‪.‬‬ ‫أغلب الظن أجنه كتاب "بريستد"** الشهير لتاريخ العالم القديم‪.‬‬ ‫يضرب"أبوالسبع صنايع" بمطرقته الخشبية البدينة‪ ،‬التي تشبه"إيد‬ ‫الهاون"‪ ،‬الوترالمشدود فيهتزعن دجندجنات قصار لها إيقاعات راقصة‬ ‫تشيع في جنفسي الفرح والبهجة‪ .‬ويتفنن"حموده" في إعادة تواترها‪،‬‬ ‫فتتطاير كتل الصوف المتلبدة بعدأن جنفشتها الخلخلة الناتجةعن‬ ‫إهتزازات الوتر المدروسة‪ ،‬وتتسلق الهواء متراقصة على ايقاعاته‬ ‫‪95‬‬


‫ثم تهبط متهادية لتتكوم في الجاجنب الخر لللة الفرعوجنية‪ .‬ويظل‬ ‫كوم"العهن المنفوش" يكبر ويكبر‪ ،‬فيصل بي إلى ذروة الفرح‬ ‫والنشوة‪ ،‬فأقفز إليه من آخر الدرجات المؤدية إلى أوضة"عابد"‪ ،‬من‬ ‫علو أمتار )كنت أراها كذلك‪ ،‬ثم تحققتل في رحلتي إلى القدس‬ ‫مؤخرا أجنها ليست بذلك القدر من العلو(‪ ،‬إلى أرضية وسط الدار‪،‬‬ ‫ليستقبلني الكوم ويحتويني بحضن طري‪ .‬وأعيد الكرة بدون أن‬ ‫أكترث لصيحات أمي‪"،‬ـكْن يا بنيي ـكْن"‪ ،‬الغير جادة‪ ،‬كي أكف‪،‬‬ ‫__________________________________‬ ‫)**( ‪James Henry Breasted‬‬

‫وهي جنفسها ل تكترث بالتالي لعصياجني لوامرها بل تجد لذة في‬ ‫متابعتي وأجنا أجنقض من عضل مع صيحاتي المنتشية الجذلى‪ .‬يكاد الكوم‬ ‫أن يوارييني وهي تضحك وتضحك حتى تدمع عيناها‪ ،‬وتنظر إليك‬ ‫كأجنما كاجنت تتمنى أن تعود مثلي طفلة لتشاركني لهوي‪.‬‬ ‫هكذا كنت أظنها‪ .‬ثم عرفت القصة‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كاجنت أمي‪ ،‬أيام كنت وإخوتي مازلنا بريقا في عينيها‪ ،‬شديدة التعلق‬ ‫بإبن عمها "يوسف"‪ ،‬أبي‪ ،‬الغائب في "الجهاديه"‪ .‬اجنتظرته ما يربو‬ ‫عن السنتين‪ .‬ظلت فيها أسيرة حبه حتى عاد إليها من السر‪.‬‬ ‫كاجنت‪ ،‬وهي البيضاء الجميلة‪ ،‬حسب شهادة جميع من عرفها‪ ،‬ذات‬ ‫الخ م‬ ‫طاب"‪.‬‬ ‫العينين المائلتين إلى الخضرة‪ ،‬تتوارى دوما من " أ‬ ‫في أحد المرات‪ ،‬ذات ربيع‪ ،‬بحثت عنها جدتي طويل‪ ،‬أثناء زيارة‬ ‫فوج منهم‪ ،‬فوجدتها أخيرا وقد دفنت جنفسها في كوم الصوف‬ ‫المندوف‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫‪96‬‬


‫وهكذا يحين موسم الطيران‪ ،‬حين تغدق علي أمي بالخيطان‬ ‫المستعملة التي تجمعت لديها أثناء فك الملحف والجنابي والفرشات‪.‬‬ ‫ألفها‪ ،‬بعد أن أعقد أكثرها طول ببعضها البعض لضيفها إلى‬ ‫م‬ ‫عشرات المتارالتي أحتفظ بها من العام السبق‪.‬‬ ‫وأما القطع القصيرة فلي فيها مآرب أخرى‪ .‬فعندما تنتقل أكوام‬ ‫الصوف إلى أكياسها‪ ،‬وتعود سيرتها الولى‪ ،‬جنابي وفرشات‬ ‫ازدادت طراوة وحجما‪ ،‬حتى تكاد "الركسة" أن تطاول سقف أوضة‬ ‫الضيوف‪ ،‬عندها يأتي دوري لفترش الرض الحجرية الملساء‪،‬‬ ‫ذات البلطات المربعة أو المستطيلة المتباينة الحجام واللوان‪،‬‬ ‫بعدأن تكون أمي قد قامت‪ ،‬بمساعدة شقيقاتي‪ ،‬بعملية "قش" شاملة‪.‬‬ ‫أحيط جنفسي بمعداتي من أعواد القصب الجاف الذهبي اللون مختلف‬ ‫الطوال‪ ،‬والورق الشفاف مختلف اللوان‪ ،‬والمقص‪ ،‬والسكين‪،‬‬ ‫والخيطان‪ ،‬وعلبة النشا المطبوخ الذي كنت أستعيض به عن العجين‪،‬‬ ‫لجنه أخف وزجنا‪ ،‬للصق أجزاء الطيارات الورقية متباينة الحجام‪.‬‬ ‫أغدق ببعضها على بعض أقراجني من الجيران‪ ،‬أو أبادلها بما يوفروجنه‬ ‫لي من فروخ الورق الملون أوغير ذلك‪ ،‬بعد أن أحتفظ لنفسي‬ ‫بأكبرها حجما‪ .‬طائرة تكاد تطاولني طول‪ ،‬ويكاد عرضها يضاهي‬ ‫مسافة ذراعي المفرودتين‪ .‬جديرة بنظرات العجاب والجنبهار من‬ ‫الجميع‪ ،‬بل استثناء‪.‬‬ ‫وأما قمة القمم في دراما موسم الطيارات‪ ،‬فهي عندما أحمل طيارتي‬ ‫العملقة‪ ،‬بألواجنها الزاهية‪ ،‬وشراشيبها المتهدلة‪ ،‬وذيلها الطويل‬ ‫المزين‪ ،‬ويتبعني أقراجني من الجيران إلى ساحة "القصى" الواسعة‬ ‫والتي تمتد لبضع عشرات من المتار طول‪ ،‬تفصل بيني )أجنا الطيار(‬ ‫وبين سعيد الحظ الذي وقع عليه الختيار ليكون مساعدي‪ ،‬إذ يعتمد‬ ‫مكان إطلق الطيارة عادة على حجمها أول‪ ،‬ومن ثم على كمية‬ ‫الخيطان التي سوف تبتعد بها في الهواء الطلق‪.‬‬ ‫أصيح‪ :‬ياملل!‬ ‫‪97‬‬


‫فيترك مساعدي الطيارة وقد أحس بها تنشد منه عندما أجنطلق راكضا‬ ‫بعكس اتجاه الريح‪ .‬وتتهادى الطيارة متسلقة الهواء وهي تتمايل‬ ‫برفق وثقة ذات اليمين وذات اليسار‪ ،‬ويتلوى ذجنبها المدجندش‬ ‫ويتراقص ويتأود‪ ،‬فيتصايح القران هاتفين باسمها الذي اتفقوا عليه‬ ‫بأعلى صوتهم وهم يصفقون‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬كاريوكا‪ ..‬كاريوكا!‬‫بينما تعلو صيحات الخرين الذين يبدأون بمناداتي ومناشدتي‪:‬‬ ‫ ‪" ..‬أعطيها خيط"‪ ..‬كمان و كمان‪.‬‬‫تبتعدالطيارة‪ ،‬وتعلو‪ ،‬وتبتعد فتعلو أكثر وأكثر‪ .‬وأجنا أقف على أرض‬ ‫ساحة البراق‪ ،‬ما بين مسجد القصى والحائط الغربي‪ ،‬حائط البراق‪،‬‬ ‫ممسكا بآخر شبرمن الخيط‪ .‬تكاد تأكلني الحسرة وأجنا أتمنى لوكان‬ ‫لدي المزيد‪ .‬أشدها وتشدجني‪ .‬أركض عكس اتجاه الريح فتزدادعلوا‪،‬‬ ‫حاملة معها أحلمي لتسبح في الفضاء‪ ،‬وتحلق في حرية‪.‬‬ ‫فجأة‪ ..‬أفقد سيطرتي على الطيارة التي أخذت بالتقهقر والهبوط‬ ‫البطيء‪ ،‬ل يجدي معها شدا ول ركضا‪ ،‬بينما صفحتها تهتز يمينا‬ ‫ويسارا وكأجنها تعبرعن أسفها‪ ،‬أو كأجنها تعاتبني‪ ،‬أو تلقي علي‬ ‫باللئمة لرتكاب خطأ ما كان يجب أن أقع فيه‪.‬‬ ‫ثم تختفي في أحد الركان البعيدة خلف البنيان المجاورة‪.‬‬ ‫ويصيح بعض القران‪:‬‬ ‫ حارة اليهود‪ ،‬حارة اليهود‪.‬‬‫ ل‪ ،‬حارة المغاربه‪ ،‬حارة المغاربه‪.‬‬‫يخيم علينا الوجوم لحظة‪ .‬ويبدو الخوف على بعضنا‪ ،‬والحيرة على‬ ‫البعض الخر‪ .‬ول يلبث أحدجنا أن يبدد ذلك كله بأن ينبري زاعما أجنه‬ ‫يعرف الوصول إلى مكان سقوطها‪ ،‬فيتولى هو القيادة‪ ،‬وجنجري خلفه‬ ‫صاغرين لهثين متظاهرين بالشجاعة‪ ،‬فنصل إلى مكان ما تكون‬ ‫الطيارة فيه قد تشعلقت بشجرة أو سقف أو عامود‪.‬‬ ‫‪98‬‬


‫وأجد جنفسي في مكان لم تطأه قدماي من قبل‪ ،‬فتكون الطيارة أحياجنا‬ ‫سببا في التعرف لول مرة على أحد الزقة أو الحارات‪.‬‬ ‫و يقابلنا صاحب الدارالتي سقطت الطيارة‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬على سطحها‬ ‫ببشاشة وهو يسألني‪:‬‬ ‫ إبن مين يا شاطر؟‬‫فيسارع أحد أقراجني بالجابة بشيء من الفخر‪:‬‬ ‫ إبن جارجنا "أبوالعابد الغزاوي"‪.‬‬‫وهنا يصادف أن تزداد بشاشة صاحب الدار‪ ،‬ربما لجنه عرف‬ ‫والدي‪ ،‬فيعاودجني الزهو‪ ،‬وهو يساعدجنا على تسليك ذجنب الطيارة‬ ‫وتخليصها سليمة بقدرالمكان من الشرك الذي وقعت فيه‪ ،‬وهو يقول‬ ‫في شبه تأجنيب‪:‬‬ ‫ دير بالك عممي‪ ،‬هيك طياره بهالحجم هادا بدها خيط ماكـن‪ ،‬ا‬‫يرضى عليك‪ ،‬مش خيط ملحف‪ ،‬فاهم علمي عممي؟‬ ‫ثم يشيعنا قائل لي‪:‬‬ ‫ سلم لي على أبوك‪ ،‬قول له عممي "بو داود"‪ ،‬تبع البويا‪.‬‬‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫‪99‬‬


100


‫شالــــوم أخــــــــي!‬ ‫صديقي"إسماعيل بكري" وزوجته "ساميه"‪ ،‬المسرحية المعروفة‪ ،‬من‬ ‫عرب ‪ ،** 48‬يقيمان في مدينة "عكا" ويحملن الجنسية السرائيلية‪.‬‬ ‫وسيارتهما تحمل‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬اللوحة المعدجنية الصفراء المميزة‬ ‫ذات الرقام السرائيلية‪.‬‬ ‫كان صديقي "إسماعيل"‪ ،‬الذي تطوع بتحقيق حلم كاتب السيناريو‬ ‫المصري "فايزغالي" بزيارة "كنيسة المهد"‪ ،‬يقود سيارته بنا في‬ ‫الطريق إلى مدينة "بيت لحم"‪.‬‬ ‫وكنت أتظاهر بالشجاعة لكي أساعد ضيفنا "فايز" على التغلب على‬ ‫اضطرابه ومخاوفه من تلك المغامرة‪ .‬فلم جنكن ‪ -‬فايز وأجنا‪ -‬جنمتلك أي‬ ‫وثيقة تؤهلنا للمرور في تلك المنطقة التي تسيطرعليها قوات "المن‬ ‫السرائيلي"‪ .‬لكن"إسماعيل" كان واثقا من أن أحدا لن يعترض طريقنا‬ ‫طالما كاجنت سيارته تحمل أرقاما إسرائيلية‪.‬‬ ‫وكنت أجنا أستمد شجاعتي من ثقته هذه‪ ،‬استنادا إلى تجارب مشتركة‬ ‫سابقة‪.‬‬ ‫وهنا ل بد من تسجيل ملحظتي‪ ،‬أثناء سفرجنا‪ ،‬لنموالقدس واجنتشار‬ ‫المباجني الجديدة طوال الطريق‪ ،‬وكأجنه ليس هناك حدود بين القدس و‬ ‫‪101‬‬


‫بيت لحم‪ ،‬أوكأن "بيت لحم" قد أصبحت إحدى ضواحي مدينة القدس!‬ ‫وهذا مما يؤكد ما يقال عن جنوايا التوسع للوصول إلى ما يسمى "القدس‬ ‫الكبرى"‪ ،‬السرائيلية‪ ،‬التي تبلغ مساحتها ربع الضفة الغربية‪.‬‬ ‫_________________________________________‬ ‫ضل تداول هذا الوصف للفلسطينيين الذين صمدوا أمام عمليات التهجير بالقوة و لم يغايدروا‬ ‫)**( تيف ض‬ ‫أماكن مدنهم وقراهم عام ‪ ، 48‬ذلك لتدارك الوصف المراوغ بأنهم "عرب إمسرائيل" أمسوة بـ‬ ‫"روس إمسرائيل"‪ ..‬و"ألما ن إمسرائيل"‪ ..‬و"بولنديو إمسرائيل" وغيرهم من المستوطنين الذين‬ ‫جاءوا محتلين لفلسطين من كل أنحاء العالم‪.‬‬

‫وصلنا المدينة العربية التي كاجنت تخضع في ذلك الوقت لعمليات‬ ‫إجنشاءاتض استعدادا للظهور بمظهر عصري لئق في مطلع القرن‬ ‫الحادي والعشرين‪ ،‬حسب ما يمليه مشروع "بيت لحم ‪."2000‬‬ ‫زرجنا "كنيسةالمهد"‪ ،‬واستغرقنا وقتا طويل في التجول في سراديبها‪،‬‬ ‫والتقاط الصور لصديقنا "فايز" الذي كان يعتبرأن هذه الزيارة كاجنت‪،‬‬ ‫بشكل أو بآخر‪ ،‬ل تقل أهمية عن باقي لقاءاته‪.‬‬ ‫عندما شارفت الشمس على الغروب سارعنا بالعودة‪ ،‬خصوصا بعد‬ ‫سماعنا لصوت زخات من الرصاص تخترق سكون المدينة‪.‬‬ ‫أخذ "إسماعيل" يحاول أن يهديء من روعنا بعد أن لحظ أمارات‬ ‫القلق التي تطل من وجوهنا‪ ،‬وتتسلل من تعليقاتنا‪ .‬ولم جنكد جنمر من‬ ‫خلل أحد الحواجزالعسكرية بسلم‪ ،‬حتى وصلنا إلى حاجز آخر‪،‬‬ ‫حيث فوجئنا بجنديين إسرائيليين‪ ،‬من طائفة "الفلشا" الفريقية الذين‬ ‫ل تخطئهم العين‪ ،‬يعترضان طريقنا بأسلحتهم المشرعة‪.‬‬ ‫حبست أجنفاسي وأجنا أتظاهر بأن المورطبيعية‪.‬‬ ‫أطل أحد الجنديين عابسا إلى داخل السيارة‪ ،‬من الجهة اليمنى التي‬ ‫احتل أجنا مقعدها المامي‪ .‬ولم يكد يفعل ذلك حتى بادره إسماعيل‪:‬‬ ‫ شالوم أخي!‬‫فجأة‪ ..‬اجنفرجت أسارير الرجل العابس‪ ،‬وغمره إحساس فاض على‬ ‫ملمحه الفريقية ليشي بسعادة غامرة‪ .‬وضحك عن أسنان بيضاء‬ ‫‪102‬‬


‫وهو يردالتحية بأحسن منها‪ ،‬ويشير إلى زميله أن يفسح لنا الطريق‪،‬‬ ‫ويلوح لنا مودعا بمودة‪:‬‬ ‫ شالوم!‬‫اجنطلقت السيارة‪ .‬وأخذ إسماعيل يرمقنا بنظرة العارف وهو يبتسم بثقة‬ ‫شديدة‪.‬‬ ‫لم جنكن في حاجة إلى أي تفسير لما جرى‪.‬‬ ‫لم جنبذل جهدا لفهم الجملة العبرية القصيرة التي جنطق بها إسماعيل‪.‬‬ ‫"سلم يا أخي "!‬ ‫كان لها وقع السحرعلى الجندي‪.‬‬ ‫بعد فترة من الصمت الذي ران علينا‪ ،‬علق "إسماعيل" قائل‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ببساطة‪ ،‬هذا الجندي "السرائيلي" لم يتعود على سماع كلمة‬‫"أخي" من مواطن إسرائيلي آخر! فالتفرقة العنصرية تتجلى في‬ ‫معاملة اليهود الغربيين لليهود الشرقيين‪ .‬فما بالك عندما يكون المواطن‬ ‫السرائيلي‪ ..‬شرقي من أفريقيا السوداء‪.‬‬ ‫أكملت بيني وبين جنفسي‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬كأجنما كان يذوب شوقا لسماع هذه الكلمة التي أشعرته بدون‬‫شك بأجنه مواطن له قيمته‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫قرأت فيما قرأت أجنه قد تقدم عدد كبير من "الفلشا"‪ ،‬الفارقة)الذين‬ ‫قامت إسرائيل بترغيبهم وتهريبهم إلى الراضي الفلسطينية( مع‬ ‫غيرهم للتبرع بالدم‪ .‬وغادر ذلك العدد الكبيرمن"الفلشا" مكان التبرع‬ ‫وهم راضون وعلى قناعة تامة بأجنهم قد قاموا بأداء واجبهم تجاه وطنهم‬ ‫الجديد إسرائيل‪.‬‬

‫‪103‬‬


‫ولم يعرف أحد منهم أن دماءهم قد ألقيت في القمامة دوجنما تحليل أو‬ ‫اختبار‪ .‬ل لسبب سوى أجنها دماء زجنجية‪ ،‬مكاجنها القمامة‪ ،‬حفاظا على‬ ‫جنقاء الدولة اليهودية )!(‬

‫*‬

‫*‬

‫‪104‬‬

‫*‬


‫قطــــاع الطــــرق‬ ‫" في قديم الزما ن‪ ،‬كا ن للتجار شأ ن وجاه‪ .‬ولم يكن من قبيل الصدفة‬ ‫أ ن كرمهم ا‪ ،‬واختار من بينهم رمسول‪ ،‬كا ن الناس يلقبونه بالمين‪.‬‬ ‫ةثم جاءت عصور "النفتاح" الولى‪ .‬وصارت التجارة مهنة من ل‬ ‫مهنة له‪.‬‬ ‫ولما وجد "التجـيـار" الجديد أ ن المر ليس بالسهولة التي كانوا‬ ‫يرجونها‪ ،‬وأ ن وراء تلك المهنة أمسرارا وعلما والتزاما وأخلقا‪ ،‬هي‬ ‫السبب في رواج بضاعة التجار الشرفاء‪ ،‬كا ن ل بد من أ ن يلجأوا الى‬ ‫حيلة تزيح هؤلء التجار من طريقهم‪ .‬وهكذا ظهرت فُتئة أخرى ممن ل‬ ‫مهنة لهم‪ ،‬هم "ق ي‬ ‫طاع الطرق"*‪.‬‬ ‫وبعد أ ن كا ن الناس ينعمو ن بالرخاء والمن‪ ،‬نتيجة للمنافسة‬ ‫الشريفة بين التجار الذين كانوا بدورهم ينعمو ن برواج بضاعتهم‪،‬‬ ‫فإذا ببضاعة التاجر الفلني تتأخر عن موعدها للوصول الى الناس‪،‬‬ ‫ل ن رجال "التاجر" الخر قد "قطعوا الطريق" على قافلته‪.‬‬ ‫‪105‬‬


‫في البداية كا ن "قطع الطريق" هو مجريد إجراء لـ "تأخير" وصول‬ ‫القوافل المنافسه‪ .‬لكن "قطاع الطرق" طمعوا في البضائع التي‬ ‫تحملها القوافل‪ ،‬فامستولوا عليها‪ ،‬وظهروا بعد ذلك في السوق‪..‬‬ ‫"تجــيـارا"!‬ ‫وكا ن ل بد للتجار الجديد أ ن يبتكروا المساليب في "قطع الطرق"‪،‬‬ ‫خوفا من وقوعهم في نفس الخطأ‪ .‬فصاروا يرصدو ن الموال‬ ‫ويغدقو ن بها على أصحاب "الفكار الجديدة"‪ .‬وهكذا كانت‪ ،‬كما‬ ‫يبدو‪ ،‬وا أعلم‪ ،‬أوائل بدايات ما يسمى ال ن بخـ"وكالت الدعاية‬ ‫والعل ن"!‬ ‫ولم يقتصر "قطع الطرق" على التجارة والتجار‪ .‬بل أصبح‬ ‫"منهاجا" ينتشر في كل مظاهر الحياه‪ .‬ففي عصور النفتاح‬ ‫الحديثة‪ ،‬حيث يرى البعض أنه ل بد من تعديد ومسائل الكسب‪ ،‬وهو ما‬ ‫يسمونه في أيامنا هذه بخـ"الكسب السريع"‪ ،‬أصبحت مجالت الثقافة‬ ‫واليدب والفن مرتعا خصبا لنصاف المثقفين وأرباع الموهوبين‪.‬‬ ‫ومنذ قديم الزما ن‪ ،‬أيضا‪ ،‬كا ن بلط "السلطة" مرتعا لهؤلء‬ ‫النصاف والرباع الذين‪ ،‬بطبيعة الحال‪ ،‬يشعرو ن بالخطر يهديد‬ ‫وجويدهم‪ ،‬متمثل في أشخاص آخرين يثيرو ن فيهم الحساس‬ ‫بالنقص‪ .‬ولذلك فهم يرو ن أ ن أفضل وأقصر الومسائل للدفاع عن‬ ‫أنفسهم وعن بقائهم‪ ،‬هي "قطع الطريق" أمام احتمال وجويد أي‬ ‫فرصة للمنافسة‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬وا أعلم‪ ،‬وجد تعبير "قطيــاع الطرق" طريقه الى القاموس‬ ‫المجازي‪.‬‬

‫‪106‬‬


‫هذا‪ ..‬وتروي كتب الميثولوجيا القديمه‪ ،‬أ ن قدماء الغريق كانوا‬ ‫يجعلو ن لكل مهنة إلها‪.‬‬ ‫وفي بعض الحقب‪ ،‬كانوا يعانو ن‪ ،‬كما يبدو‪ ،‬من"أزمة" في من يتويلى‬ ‫مهام اللهه‪ .‬فكا ن هذا مما يجعلهم ‪،‬في بعض الحيا ن‪ ،‬يكلفو ن إلها‬ ‫واحدا بحقيبتين‪ .‬فكا ن الله "ميركوري"‪ ،‬مثل‪ ،‬يحمل حقيبتي‬ ‫"التجار"‪ ..‬و"قطاع الطرق"‪.‬‬

‫"أبــــــو ‪"..‬‬

‫و"أبو‪ ،"..‬لم يتمكن كعب حذائه العالي من إضافة أكثرمن ثلثة أو‬ ‫أربعة سنتيمترات إلى طوله‪ .‬وظل بالرغم من ذلك يعاجني من الحساس‬ ‫بقصر قامته‪.‬‬ ‫)هذا‪ ،‬مع العلم بأجني عرفت "عمالقة" يتميزون بقصرالقامه‪(.‬‬ ‫وهو يرى أن الحل يكمن في أن يتعــــــــــــــالى على الخرين بشتى‬ ‫الطرق الخرى‪ ،‬كأن يلوذ بعبوسه هربا من احتمالت تعرضه للسئلة‬ ‫المحرجة‪ ،‬فيزداد جبينه ضيقا على ضيقه‪.‬‬ ‫ل أتذكر منه‪ ،‬أيام بيروت‪ ،‬سوى تلك النظرة الكسيرة والصرار على‬ ‫الوقوف والجنتظار حتى يمر من يمر من أمامه وهو في طريقه إلى‬ ‫مكتب رئيس المؤسسة‪ ،‬ثم الوقوف مرة أخرى والجنتظارعند مغادرتهم‬ ‫للمكتب‪.‬‬ ‫‪107‬‬


‫كان تصرفه هذا يثير شفقتي إلى درجة الغيظ‪ .‬لكنني كنت أجد أن‬ ‫تجاهل تصرفه هذا أقل حرجا له بكثير مما لو جناقشته فيه‪.‬‬ ‫ويشاء القدرأن يصل‪ ،‬بحكم ولئه العمى‪ ،‬إلــى مركــز هــام فــي إحــدى‬ ‫الوزارات‪ ،‬حيث يتجلى تطبيق القاعدة التي تحبذ إلى "تفضيل أهل الثقة‬ ‫على أهل الخبرة والمعرفة"‪.‬‬ ‫وتدوراليام‪ .‬وتقضي الظروف أن ألجأ إليه لستعادة حقوقي المالية‬ ‫التي ضلت طريقها إلي‪ ،‬بحكم التغيرات "الجيوسلطوية"‪ .‬هكذا‬ ‫جنصحني أحد أصدقائي بعد أكد لي أن "أبو‪ "..‬قد أصبح "متنفذا" هاما‬ ‫في تلك الوزاره‪.‬‬ ‫كنت ل أزال في القاهرة‪ ،‬باجنتظار "رقم الكومبيوتر"‪ ،‬والتصريح لي‬ ‫بالعودة إلى الوطن‪ .‬وصادف أن عرفت‪ ،‬عن طريق صديق لي‪ ،‬أن‬ ‫"أبو ‪ "..‬قد وصل إلى القاهرة في إحدى "المهمات"‪ .‬وشجعني صديقي‬ ‫على التصال به تلفوجنيا مؤكدا لي أجنه أبدى استعدادا هائل لجنهاء‬ ‫مشكلتي‪ .‬بل إجنه ألح عليه أن يبلغني رجاءه بالتصال به تلفوجنيا‪.‬‬ ‫فعلت‪ .‬وشرحت له الموضوع بتفاصيله المملة‪ ،‬فجاء رده‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬بسيطه‪ ..‬ول تـْهـكل هم‪ ..‬أول ما توصل غزه كلمني بالتلفون‪..‬‬‫وخودعندك رقمي“المباشر”‪ ..‬وخود عندك كمان‪..‬رقم"البيلي‬ ‫فون"!‬ ‫)لم أكن بعد قد عرفت ما هو ذلك الشيء الذي شاعت له بعد ذلك‬ ‫مسميات أخرى مثل "الخلوي"‪ ..‬و "المحمول"‪ ..‬و"الجوال"‬ ‫و"الموبايل"( ‪.‬‬ ‫سامحك ا يا صديقي‪ .‬ألم تكن تعرف أن مشكلتي في الصل تكمن في‬ ‫أجنني ل أستطيع الوصول إلى غزه؟‬ ‫ما علينا‪.‬‬ ‫دارت عجلة اليام مرة أخرى‪ ،‬ووصلت إلى غزة‪.‬‬ ‫‪108‬‬


‫ولم أجد حرجا في التصال به‪ ،‬ل سيما وأجنني حظيت بشرف حوزة‬ ‫"الرقم المباشر"‪ ..‬ورقم "البيلي فون" كمان! فكان أن منحني شرفا‬ ‫على شرف‪ ،‬وطلب مني زيارته في مكتبه في "الوزاره"‪ ،‬بعد أن‬ ‫أسهبت في شرح الموضوع له مرة أخرى‪ ،‬لكي أكسب الوقت وأجد‬ ‫مشكلتي قد اجنحلت عند زيارتي له في الموعد الذي حدده لي‪.‬‬ ‫كنت حريصا‪ ،‬كما هي عادتي‪ ،‬على أن أصل إلى المكان قبل موعدي‪.‬‬ ‫وفي الوقت المحدد‪ ،‬أدخلوجني إلى غرفته‪ ،‬حيث كان غارقا مستغرقا‬ ‫بين الضابير المكومة على مكتبه الكبير‪ .‬لم أطمع منه بالوقوف‬ ‫للترحيب بي‪ ،‬فذلك‪ ،‬عفى ا عن أيام زمان‪ ،‬مما ل يتناسب مع ما‬ ‫وصل إليه من شأن‪ .‬رضيت بإيماءته التي أراد بها أن يستمهلني ريثما‬ ‫يستكمل فحص الضبارة التي بين يديه‪.‬‬ ‫وجهه يكتسي بجدية يغلب عليها العبوس‪ .‬لكنه‪ ،‬بل أدجنى شك‪ ،‬يختلف‬ ‫عن العبوس الذي تميز به "صلح الدين اليوبي"! كما أجنه ل يمت‬ ‫بصلة إلى جنظرات المواطنين العابسة التي طالعتني منذ اللحظة الولى‬ ‫التي وطئت بها أرض الوطن أول مرة‪.‬‬ ‫حاولت‪ ،‬بيني وبين جنفسي‪ ،‬أن أجد له مبررا‪ .‬إذ ربما كان يعاجني من‬ ‫وعكة عارضة‪ ،‬فنحن في فصل الشتاء‪ ،‬حيث يصاب الكثيرين‬ ‫بنزلته‪ .‬يؤكد حدسي ذلك المعطف الذي حرص على ارتداءه ولم‬ ‫يخلعه‪ .‬معطف ذو قبة فرائية بلون فراء القرود‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫حاولت أن أشغل جنفسي بأي شيء يصرفني عن مراقبته‪ ،‬أو إحراجه‬ ‫بما قد ل أستطيع أن أخفيه من ضيق بمثل هذه المواقف التي تعيدجني‬ ‫إلى المعاجناة من حالت الجنتظار البغيضة‪.‬‬ ‫م‬ ‫تشاغلت بتأمل الكنبات الجلدية الباذخة تارة‪ ،‬أو عد أرفف الضابير‬ ‫والملفات تارة أخرى‪.‬‬ ‫‪109‬‬


‫كثيرا ما أبحث‪ ،‬في مثل تلك اللحظات‪ ،‬عن خاطرة مرت في ذهني ولم‬ ‫تكتمل‪ ،‬أو تأخذ ما تستحقه من التفكير لسبب أو لخر‪.‬‬ ‫و ما أكثر الخواطر التي تفرضها الوضاع المقلوبة‪.‬‬ ‫يكفي أن تنظر حولك لتتسابق المتناقضات وتتقافز من حولك‪ .‬فتتزاحم‬ ‫الخواطر‪ ،‬القديمة منها والجديدة‪ ،‬كل منها يحاول أن يحظى بلحظاتك‬ ‫تلك‪.‬‬ ‫أوغلت بي أفكاري في البعد‪.‬‬ ‫الصمت المطبق أتاح لي أن أسمع دقات ساعة الحائط‪ ،‬التي ذكرتك‬ ‫بساعة يد صديق صباي "حسين غيث"‪ ،‬التي كنت أسمع دقاتها‬ ‫بوضوح أثناء صمت حصة المتحان في مدرسة المام الشافعي في‬ ‫غزة‪.‬‬ ‫كان صديقي "حسين"‪ ،‬الواسع الطلع‪ ،‬أول من حدثني عن "جنظرية‬ ‫داروين"‪.‬‬ ‫قرد!‬ ‫فاجأجني في حينها بأن الجنسان أصله‪" "..‬‬ ‫ومنذ ذلك الوقت وأجنا أتساءل‪:‬‬ ‫لو أن ما قاله "داروين" صحيحا‪ ،‬وأن الجنسان هو جنتيجة التطور الذي‬ ‫جرى على القرد‪ ،‬فلماذا ل يزال هناك قرود يعيثون في الرض تقليدا؟‬ ‫ولماذا ل يكون العكس هو الصحيح؟‬ ‫إجنسان!‬ ‫القرد أصله‪" "..‬‬ ‫أي أن سللة معينة من هذا الجنسان ظلت "تتخلف" ‪-‬عكس تتطور‪-‬‬ ‫ول تساير الزمن ول البيئة‪ .‬فصار أن جرت عليها تلك التغيرات التي‬ ‫أشار إليها أستاذجنا "داروين" في جنظريتة "التطور والرتقاء"‪ ،‬والتي‬ ‫ادعى أجنها جرت على القرد ليصبح إجنساجنا‪ ..‬ولكن بشكل عكسي‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬وبتعاقب الزمن‪ ،‬تحول ذلك الجنسان‪ ،‬بفضل تخلفه المضطرد‪،‬‬ ‫وخنوعه وتعوده على الجنحناء‪ ،‬إلى "جنوع" من الكائنات‪ ..‬هو ما‬ ‫يسموجنه الن‪..‬القرد‪.‬‬ ‫أتذكر أن القرود العادية مشهورة بتقليد الجنسان‪ .‬ربما كان تفسير ذلك‬ ‫هو التعبير الغريزي عن الحنين إلى الماضي‪ ،‬حسب جنظرية‬ ‫‪110‬‬


‫"داروين"‪ .‬أما جنظرية التطور الحديثة التي أشرجنا إليها آجنفا‪ ،‬فهي تدعي‬ ‫أن ذلك إن هوإل جنتيجة لتقلص مهمات"العقل"‪ ،‬وتلشي ملكاته‬ ‫وقدراته على البتكار و البداع‪ ،‬بسبب "قلـة استخدامـه" و"عدم‬ ‫الحاجة إليه"‪ ،‬و "الكتفاء لذلك بالتقليد"‪.‬‬ ‫أما أن يصل الحال في البعض لدرجة التباهي بتقليد القرود‪ ،‬فذلك هو‬ ‫الدليل القاطع الذي يؤكد لك صحة النظرية المعكوسة أعله‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫رجنين التليفوجنات المتعددة‪ ،‬التي دأب صوتها على ملحقته من ذات‬ ‫اليمين وذات الشمال‪ ،‬كان يقطع تأملته وتركيزه‪ .‬فما يكاد يعيد سماعة‬ ‫التليفون إلى مكاجنها و يعود إلى "البــوز" الجاد الذي اتخذه‪ ،‬حتى‬ ‫ينتزعه دخيل آخر يعكر صفو خلوته مع أرقامه‪ ..‬وجنواياه الغامضة‪.‬‬ ‫وعندها يخصني بنظرة ملؤها التأفف والضجر مما يعاجنيه‪ .‬وشيء من‬ ‫العتذار لي لما أعاجنيه‪.‬‬ ‫ثم يعود ليلوذ بعبوسه تحسبا وهربا من الجابة على تساؤلتي التي‬ ‫قرأها واضحة على وجهي منذ لحظة دخولي‪.‬‬ ‫تتلون وتتباين تعبيرات وجهه حسب مكاجنة المتحدث على الطرف‬ ‫الخر من الخط‪ ،‬تتغير ملمحه‪ ،‬فيبدو عليه المتثال لما يتلقى من‬ ‫أوامر فيخفت صوته ويستكين‪ ،‬أو ترتسم على وجهه أمارات الصرامة‬ ‫التي يحدث بها أحد مرؤوسيه‪ ،‬أو أحد السائلين عن مصير حقوقهم‪،‬‬ ‫فيعلو زعيقه ويستأسد‪.‬‬ ‫ثم يعود إلى المتثال والستكاجنة‪.‬‬ ‫ول يخلو المر‪ ،‬بين هذا وذاك من المتحدثين‪ ،‬من زميل يمطره بوابل‬ ‫من المديح فتبدو على وجهه علمات الرضى والجنشكاح‪ ،‬أو آخر‬ ‫يستوجب منه الشخط والبستفه‪ ،‬أو آخر يتحفه بآخر جنكتة فأفاجأ بنوبة‬ ‫من القهقهات تستولي عليه حتى تكاد تفقده سيطرته على وقاره‬ ‫المفتعل‪ ،‬فيعود إلى سجيته ليصدرعنه‪ ،‬خلل قهقهاته‪ ،‬رغماعنه‪ ،‬تلك‬ ‫‪111‬‬


‫الشخرات الغزاوية المميزة‪ .‬ثم يستفيق فجأة ليتدارك الحالة التي وصل‬ ‫إليها بأن ينهي المكالمة ويسارع إلى استدعاء أحد السعاة عن طريق‬ ‫"الجنترفون" ليستدعي له بدوره موظفا آخر ومعه "الضبارة" الفلجنية‪.‬‬ ‫ول يفوته أن يرمقني بنظرة تطلب مني أن أراقبه وهو يتحدث مع‬ ‫الساعي بمنتهى الذوق والرقة إعلجنا عن مدى كياسته ودهائه‪،‬‬ ‫وإلمامه بأصول الدارة‪.‬‬ ‫ثم يعود بعد هذا كله ليخصني بنظرة ملفقة كأجنما يريد بها أن يبثني‬ ‫شكواه من ثقل المسئولية الملقاة على عاتقه‪.‬‬ ‫وأجنا أتعمد‪ ،‬بين الفينة والخرى‪ ،‬أن ألقي بنظرة إلى ساعة يدي بطريقة‬ ‫فيها شيء من الستعراض لكي أجنقل إليه أجنا الخر مدى تأففي‬ ‫وضجري من تلك التمثيلية الرديئة التي جاهد في تأديتها‪.‬‬ ‫وبعد مرور ما يقرب من عشرين دقيقة من ذلك الستعراض‬ ‫المتواصل الملح المتكرر لما هو عليه الن من عظيم الشأن‪ ،‬اعتدل في‬ ‫جلسته ليتخذ "بوزا" جديا‪ ،‬مقلدا أحد المقلدين‪ ،‬ويسأل بود مفتعل‪:‬‬ ‫ جنعم‪ ..‬إيش بقدر أعمل لك؟‬‫كنت‪ ،‬في تلك اللحظة‪ ،‬على يقين بأن ا لن يعاقبني لجنني سأتركه‬ ‫وأتخلى عنه بينما جنظراته المريضة ما زالت متشبثة بي تتوسل بقائي‪.‬‬ ‫تمنيت لو أن حذائي لم يطأ عتبة مكتبه أو يقف أمامه‪.‬‬ ‫جنهضت‪ .‬إعتذرت عن زيارتي "المفاجئة" له‪.‬‬ ‫وغادرت المكان‪ ،‬وأجنا أترحم على شاعرجنا امرؤ القيس الذي اكتفى من‬ ‫الغنيمة بالياب‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪112‬‬

‫*‬


‫وزارة "أبو فل"ن"‪..‬‬ ‫كثيرا ما يتداول الناس النكات السياسية التي تتشابه في كثيرمن‬ ‫الحيان‪ ،‬بالرغم من اختلف اللغة‪ ،‬والزمان‪ ،‬والمكان‪ ،‬بحيث جنسمع‬ ‫النكتة الواحدة منسوبة إلى "تشيرتشل" مرة‪ ،‬ثم إلى "بولجاجنين" مرة‬ ‫ثاجنية‪ ،‬أو إلى "فيديل كاسترو" مرة ثالثة‪ ..‬وهكذا!‬ ‫وفي هذا السياق تحضرجني‪ ،‬وجنحن جنتتبع أخبارتكوين أول وزارة‬ ‫للسلطة الوطنية‪ ،‬جنكتة أجنبية قديمة كنت قد قرأتها‪ .‬وهي ل تحتاج إل‬ ‫إلى بعض الرتوش لكي تصبح جنكتة "محليه"‪ ..‬تنطبق على أحوالنا‪.‬‬ ‫النكتة الصلية رويت عن دولة إسرائيل! وقد وردت في كتاب اسمه‬ ‫"حكايات المس‪ ،‬تاريخ اليوم"‪ .‬وهو لكاتب جنمساوي إسمه "جوتفريد‬ ‫هايندل" ‪ Gottfried Heindl‬يسرد فيه "طرائف" ساخرة جرت‬ ‫عبر القرن العشرين يغلب عليها طابع النقد السياسي‪ ،‬وجنجد ترجمتها‬ ‫الحرفية فيما يلي‪ ،‬فيما عدا بعض التعديلت المشار إليها‪:‬‬ ‫بينما كا ن رئيس وزارة إحدى الدول الحديثة الوليدة منشغل في‬ ‫تكوين وزارته‪ ،‬جاءه أحد أصدقائه يطالبه بإلحاح‪ ،‬وعشم‪ ،‬أ ن تتسند‬ ‫إليه وزارة‪" ..‬المناجم"!‬ ‫أجابه الرئيس‪:‬‬ ‫‪113‬‬


‫ ولكن بليدنا يا صديقي ل تحتوي على أي نوع من المناجم‪،‬‬‫ولن يكو ن لدينا‪ ،‬لذلك‪ ،‬مثل هذه الوزارة‪ ،‬فكيف مستكو ن وزيرا‬ ‫فلن؟!‬ ‫لشيء غير موجويد‪ ..‬يا "أبو "‬ ‫فيرمد عليه الصديق العشمان‪:‬‬ ‫ ولو‪ ،‬يا " أبو‪ ،"...‬مش صار عندك وزارة "سقافه وإعلم"‬‫ياماحلها‪ ..‬وإلها وزير ياما هنا ياما هناك؟!‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫‪114‬‬


‫مال‬ ‫القافله ‪ ..‬والج م‬

‫مالم يحـكـه "بلْيـدبا" الحكيم للطاغية "دبشليم"‪ ،‬فلم يترجمه "بن المقفع"‪:‬‬ ‫يحكى أ ن جيمال احتار في أمر قافلته التي حر ن إبلها وأوغلوا في‬ ‫حرونهم بحيث أبوا أ ن يتحركوا من موقعهم بالرغم من كل محاولت‬ ‫الجيمال التي اعتمدت على خبراته السابقة في قيايدتهم‪ ،‬مما جعل‬ ‫القافلة كلها تتوقف عن المسير‪.‬‬ ‫حاول الجيمال أ ن يخفف من حمل "الجمل الول"‪ ،‬فما أيدى ذلك إلى‬ ‫أي نتيجة‪.‬‬ ‫حاول أ ن يطعمه ويسقيه‪ ..‬وأ ن يغريه‪ ،‬يدو ن غيره‪ ،‬بشتى الومسائل‪،‬‬ ‫فما زايده ذلك إل عنايدا وإصرارا على موقفه الرافض‪.‬‬ ‫حاول أ ن يشده بكل ما أوتي من قوة‪ ،‬ليحثه على مواصلة الســير‪،‬‬ ‫حتى إذا ما بلغ منه الجهد مسقط الجيمال من العياء‪ ،‬فجلس ليستريح‬ ‫وهو يحدث نفسه‪ ،‬وقد أيدركته الحيرة‪ ،‬مسائل عن مسبب حرو ن الجمل‬ ‫هو ورفاقه من الإبل‪ .‬وبينما هو كــذلك‪ ،‬إذا بالجمــل يقــترب منــه كــأنه‬ ‫يريد أ ن يهمس في أذنه‪:‬‬ ‫‪115‬‬


‫ ‪ ..‬أما وقد أعيتك الحيل‪ ،‬التي طال ما انطلت علينا نحن العاملين‬‫معك بدو ن كلل‪ ،‬بكامل إرايدتنا‪ ،‬فامسمح لي‪ ،‬بالصالة عن نفسي‬ ‫وبالنيابة عن رفاقي جمال القافلة‪ ،‬أ ن أهمس في أذنك عتابي‬ ‫وعتابهم على ما بدر منك‪ ،‬وما حاولنا يدائما تجاوزه ح يببا‬ ‫وكرامة لك‪.‬‬ ‫كم من السنين قضيناها في خدمتك‪ ،‬وما من مرة عصينا لك‬ ‫فيها أمرا؟‬ ‫كم من المرات غدربك الزما ن وبارت فيها تجارتك‪ ،‬وما‬ ‫تركناك في محنتك؟‬ ‫ف التراب في كنفك‪ ،‬لكي‬ ‫كنا‪ ،‬وما زلنا‪ ،‬مستعدين ل ن نس ي‬ ‫تحقق ما تصبو إليه‪ ،‬لنك راعينا ورمزنا‪ ..‬عيزنا من عيزتك‪.‬‬ ‫صبرنا كثيرا وتحملنا الكثير‪ ،‬وما أنت بغافل عن مدى قدرتنا‬ ‫نحن معشرالجمال على تحمل الجوع والعطش‪ ،‬وما زلنا‪.‬‬ ‫مسأقولها‪ ..‬وليس لك بعدها عندنا من عتاب‪.‬‬ ‫وهنا التقط راعي القافلة نفففسه وهتف بلهفة‪:‬‬ ‫قلها برببك وأرحني‪ ،‬فإنني مصغغ إليك!‬ ‫‬‫أومأ الجمل برأمسه مشيرا إلى حمارالجيمال الذي يسيرعايدة في مقدمة‬ ‫القافلة‪ ،‬والذي امستملح انقيايد القافلة إليه‪ ،‬فطغى وبغى‪..‬‬ ‫وتجبر وتكبر!‬ ‫ةثم هز الجمل رأمســه بأمســبى ذات اليميــن وذات اليســار‪ ،‬وأضــاف وهــو‬ ‫يريديد محذرا بإصرار‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬أقول وما زلنا مستعدين لتحمل كل الصعاب‪ ،‬إل واحدة‪:‬‬‫وهي أ ن تعويد إلى ربطنا بذيل ذاك الحمار!‬

‫*‬ ‫‪116‬‬

‫*‬

‫*‬


‫تلك هي يا صديقي ‪..‬‬

‫إحدى "القواعد" في جنوب لبنان‪ ،‬في ذلك الشريط الحدودي المسمى‬ ‫"فتح لجند"‪ ،‬عالم آخر‪ ،‬خليط من شباب في عمرالورود‪ ،‬مع كهول في‬ ‫أوج الشباب‪ .‬وكلهم في جنقاء وبراءة الطفال‪.‬‬ ‫يضحكون‪ ،‬يمرحون‪ ،‬يتحدثون عن الحياة في أمل‪ ،‬وعن الموت في‬ ‫حيوية‪ ،‬وعن القادة في إحترام ومودة‪ ،‬وعن السياسة في وعي‪ ،‬وهم‬ ‫يحتضنون أسلحتهم في غير تظاهرأو ادعاء‪.‬‬ ‫وصديقي"مطيع" يستدرج هذا أو ذاك ليحكي على مسمع مني حكايات‬ ‫بطولية شارك فيها‪ ،‬فيحكي هذاعن بطولة أحد زملئه الحاضرين في‬ ‫غير ملق‪ .‬ويرى ذاك‪ ،‬الذي يتكلم بلهجة مصرية‪ ،‬أن أستمع إلى‬ ‫تفاصيل قصة الشبل "عيسى" التي تصلح لعمل فيلم سينمائي "يكمسر‬ ‫الدجنيا"‪ ،‬حسب تعبيره‪ ،‬وياخد الوسكار!‬ ‫ثم يجمع الجميع على أن جنستمع من زميلهم المصري‪ ،‬الذي لم يدهشني‬ ‫وجوده بينهم في تلك القاعدة‪ ،‬إلى أغنية الشيخ إمام الشهيرة‪"..‬واه يا‬ ‫عبدالودود‪ ..‬يا رابص عالحدود"‪ .‬ولم يلبث أن استدرج صاحبنا رفاقه‬ ‫لترديد الغنية الشهيرة الخرى‪"..‬الرض بتتكلم عربي"‪.‬‬ ‫وإن أجنس ل أجنسى "كاسترو"‪ ،‬ذلك الشاب الملتحي‪ ،‬الذي كان يدور‬ ‫علينا بأكواب "الشاي بالنعنع"‪ ،‬وهو يعرج على قدم خشبيه‪ .‬ظل‬ ‫‪117‬‬


‫"مطيع" يحاوره ويداوره إلى أن أخذ يروى‪ ،‬بعفوية وجدية شديدتين‪،‬‬ ‫قصة إصابته في إحدى العمليات الفدائية‪.‬‬ ‫ ‪ ... ...‬وما لقيت حالي إل وأجنا مبطوح عالرظ‪ .‬دمورت على‬‫"الكلشن" لقيته هناك‪ ..‬مثل هان والشجره هاذيك‪ .‬جيت أروح‬ ‫له‪ ،‬لقيت رجلي مش معاي‪ ..‬رايحه‪ ..‬زحفت تمني وصلت له‪..‬‬ ‫قلت له وين بدك تروح مني؟ بعدين قعدت أدمور على فردة‬ ‫"البسطار"‪ ..‬لـمساته جديد يازلمه‪ ..‬يا دوبني استلمته قبلها بيومين‬ ‫ثلث‪..‬أعهده‪..‬أماجنه في رقبتي!‬ ‫وين‪ ..‬ووين لما لقيتها‪ ..‬فردة البسطار الشمال‪..‬‬ ‫ثم أكمل وهو يربت على قدمه الخشبية‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬هناك في اليممه الثاجنيه‪..‬ا وكيلك مثل ماهي‪ ..‬ما صارلهاش‬‫سـاتها فيها!‬ ‫إشي‪ ..‬والمرحومه رجلي لخ ي‬ ‫كنت أمسك خاصرتمي بيد م‬ ‫ي‪ ،‬ودموعي تكاد تمل وجهي من شدة‬ ‫الضحك‪ ،‬وكأجنما فقدت قدرتي للحفاظ على وقاري‪.‬بينما يستلقي‬ ‫"مطيع"على ظهره يحاول أن يقول من خلل جنوبات ضحكـه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬منعول ديكه‪ ..‬ول ممره بـبحكيها مثل اللي قبلها!‬‫بينما "كاسترو" ما زال يضيف إلى روايته‪ ،‬بقسماته الجاده‪،‬‬ ‫تفصيلت أخرى‪ ،‬وكأجنه "كوميديان" قديرعلى خشبة المسرح‪ ،‬يغريه‬ ‫تجاوب جمهوره معه على "الخروج عن النص"‪ ،‬والرتجال‪.‬‬ ‫في طريق عودتنا‪ ،‬كان "مطيع" يستعيد "جنوادر" الشباب‪ ،‬ويروي لي‬ ‫المزيد منها‪ .‬وكان يتجنب سؤالي عن اجنطباعاتي‪ ،‬أوالتعليق على أثر‬ ‫الرحلة في جنفسي‪.‬‬ ‫لكن عيناه كاجنتا تحملن لي الرساله‪:‬‬ ‫تلك هي "الثورة" يا صديقي!‬ ‫وأردد أجنا في خاطري‪:‬‬ ‫‪118‬‬


‫"يعانقو ن الموت من أجل البقاء"‪..‬‬ ‫"يربطو ن الرض والوطن المقدس بالسماء"**‬ ‫_____________________________‬ ‫** الشاعرة الفلسطينية "فدوى طوقا ن"‬

‫عالم في قمة الثراء‪ ،‬وشخصيات غنية استدعت إلى ذاكرتي الكاتب‬ ‫اليطالي القريب إلى جنفسي "لويجي بيراجنديللو"‪ ،‬وعنوان مسرحيتة‬ ‫الشهيرة‪" ..‬شخصيات التي تبحث عن مؤلف"‪.‬‬ ‫لم يخطر ببالي في حينها أجنه سيأتي ذلك اليوم الذي سوف أتمكن فيه من‬ ‫أن أستدرج أحد كبارمؤلفي السيناريو في العالم‪"،‬فراجنكو سوليناس"‪،‬‬ ‫ليتواجد بين مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين في الجنوب اللبناجني‪،‬‬ ‫ليستوحي فكرة الفيلم السينمائي "حمنا‪ ..‬ك"‪ ،‬ليخرجه المخرج اليوجناجني‬ ‫الشهر"كوستا جافراس"‪.‬‬ ‫ربما أجد مكاجنا آخر لرواية تفاصيل تلك الحكاية‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫وكما تعودت على القضاء على جنزلت البرد‪ ،‬بحكم تجربتي الطويلة‬ ‫معها خلل ما يزيد عن عشرة أعوام في شتاء أوروبا القارس‪ ،‬بدون‬ ‫اللجوء إلى الطبيب‪ ،‬كذلك عودت جنفسي أن أقضي على "جنزلت‬ ‫الحباط"‪ ،‬أو"وعكات اليأس"‪ ،‬كلما حاول ْ‬ ‫ت الطاحة بروحي‬ ‫المعنوية‪ .‬كان ملجأي هو"مطيع" ووصفته الشافية التي ل تخيب‪..‬‬ ‫جنزهة في الجنوب‪.‬‬ ‫ولعلي قد جنسيت قراري بالعودة إلى القاهره‪.‬‬ ‫لكنني عدت إليها في مهمة رسميه‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫أما ما لم أستطع جنسياجنه فهو ذلك الوجه المعروق لكهل صامت يطل‬ ‫على سنوات شيخوخته‪ ،‬يقبض على سلحه مطرقا‪ .‬ولكن عيناه‬ ‫‪119‬‬


‫الثاقبتان لم تتحول عني إل عندما كنت أعاود النظر إليه محاول أن‬ ‫أتذكر قسمات وجهه التي بدت لي وكأجني قد رأيتها في مكان آخر‪..‬‬ ‫وزمان آخر‪.‬‬ ‫ظلت قسمات ذلك الرجل تتراوح أمام عينمي‪ .‬خصوصا ذلك‬ ‫"البروفيل" المميز الذي ظل يطرق ذاكرتي كلما أشاح الرجل بوجهه‬ ‫عندما كنت أضبطه وهو يتأملني‪.‬‬ ‫ولم يهدأ بالي إل عندما كررت الزيارة في السبوع التالي‪ ،‬بإلحاح أثار‬ ‫دهشة صديقي "مطيع"‪.‬‬ ‫استقبلني الرجل باسما فاتحا ذراعيه‪ .‬ويبدو أجنه قد قضى السبوع‪،‬‬ ‫مثلي‪ ،‬يشحذ ذاكرته إلى أن اهتدى‪ ،‬مثلي أيضا‪ ،‬إلى الحتمال الكثر‬ ‫احتمال‪.‬‬ ‫لم يكن سوى سائق سيارة الجرة‪ ،‬الذي صعد بي إلى الجبل آخذا على‬ ‫عاتقه مهمة البحث عن ذلك الفندق المجهول‪ ،‬حيث كاجنت "جنهى" تقيم‬ ‫مع والدتها‪ ،‬والذي حكى مطول عن الوحدةالعربية‪ ،‬وجمال عبد‬ ‫الناصر‪ ،‬وفلسطين التي "لن يفلح أرظها إل رجالها"‪ ،‬حسب كلماته‪.‬‬ ‫كان يحدثني أثناء قيادته للسيارة بدون أن يلتفت إليب‪ ،‬فكان "بروفيل"‬ ‫وجهه هو ما علق بذاكرتي‪.‬‬ ‫سألني بلهفة‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬لقيت جماعتك يوميتها؟‬‫قلت له‪ ،‬واجنا أبادله العناق‪ ،‬وبتلقائية‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬لقيتهم كما ترى‪ ..‬ولن أتركهم أبدا!‬‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫عندما كنت أقوم‪ ،‬بين حين وآخر‪ ،‬برحلة إلى جنوب لبنان ‪-‬فتح لجند‪-‬‬ ‫كان حلم الوطن‪ ،‬وحلم الدولة‪ ،‬يلوح لي واضح المعالم والتفاصيل‪ .‬ثم‬ ‫يخبو ذلك النور ليعود مرة أخرى بزيارة أخرى‪.‬‬ ‫كنت أرى الحلم في أعين المقاتلين واضحا مفصل‪ .‬كاجنت أعينهم‬ ‫مستعدة لكل السئلة‪.‬‬ ‫‪120‬‬


‫وكاجنت أجوبتهم تشع منها الحياة‪ .‬بعيدة كل البعد عن الرطاجنات‬ ‫السياسية المراوغة‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫"حبيبه"‪ ..‬و"القديسه نينا"‬

‫‪..‬‬

‫لم تكن اليام العشرة‪ ،‬التي قضيتها في موسكو‪ ،‬كلها مشاهدة أفلم‬ ‫وحضور جندوات وجنقاشات يغلب عليها الطابع السياسي الذي يميز‬ ‫المهرجان‪ .‬ولم أقض المسيات كلها بتدوين مشاهداتك وملحظاتك أو‬ ‫الستمتاع ببرامج المهرجان الجاجنبية مثل زيارة مسرح "البولشوي"‪،‬‬ ‫ومسرح "الكريملين"‪ ،‬ومسرح وكوجنسيرفاتوار "تشايكوفسكي"‪ ..‬أو‬ ‫غير ذلك‪ .‬بل كان هناك جاجنب آخر‪ ،‬على جاجنب لبأس به من‬ ‫الطرافة‪.‬‬ ‫بل ربما كان ذلك الجاجنب‪ ،‬بين حين وآخر‪ ،‬عند بعض الخرين‪،‬‬ ‫يشكل الهمية الكبر والهم لتلك المهرجاجنات )!(‬ ‫فبعد أن تنتهي العروض والندوات‪ ،‬تبدأ برامج النشاطات‬ ‫"الجتماعية" وحفلت التعارف بين مختلف جماعات "الوفود"‪،‬‬ ‫يعقبها تعارف وتآلف بين "الفراد" منها‪.‬‬ ‫‪121‬‬


‫وفندق "راـسميا" الضخم‪،‬ذوالنجوم العديدة‪ ،‬مقر جنشاطات المهرجان‪،‬‬ ‫الذي كان آجنذاك يعتبر من أكبر وأشهر فنادق العالم‪ ،‬والكائن بالقرب‬ ‫من أهم ميادين موسكو‪ ..‬الميدان الحمر‪ ،‬الشهير بكاتدرائيته"ساجنت‬ ‫باسيل" ذات القباب المميزة المتمايزة‪ ،‬يحتوي على صالت‬ ‫للحتفالت بمختلف متطلباتها‪ .‬هناك‪،‬غير صالت العروض‬ ‫السينمائية‪ ،‬صالت للطعام وأخرى للشراب وأخرى للثرثرة وغيرها‬ ‫للموسيقى والرقص‪ .‬صالت تستطيع فيها أن تأكل وتشرب وتراقص‬ ‫فتيات روسيات جميلت يتكلمن كل اللغات‪ ،‬هن في الغالب ممن يعملن‬ ‫مع الوفود الجنبية كمرافقات‪.‬‬ ‫ول يحتاج المرء إلى كثير من الدهاء لكي يدرك المآرب الخرى‬ ‫وراء وجود بعضهن‪.‬‬ ‫* *‬ ‫*‬ ‫لم تتطلب مني مسايرة الجواء كثير من الجهد‪ .‬فقد تولى الرفيق "سهيل‬ ‫راشد" كما أسلفت القيام بمهمة تقديمي بشكل لئق إلى مختلف الوفود‪.‬‬ ‫كما أجنني لم أجد صعوبة في التعرف إلى هذه أو تلك‪ ،‬أو مراقصة ما‬ ‫تيسر من الحسناوات اللواتي تزخر بهن المكنة‪ ،‬ممن يتمتعن بالجود‬ ‫وكرم الضيافة علوة على ما جاد به عليهن المولى من الحسن‬ ‫والجمال‪.‬‬ ‫واحدة فقط‪ ،‬من ضيوف المهرجان‪ ،‬هي التي كاجنت تستلفت إجنتباهي‬ ‫وتستحوذ على إهتمامي‪ .‬وظلت عالقة بذلك الركن الغامض من‬ ‫ذاكرتي حتى الن‪.‬‬ ‫كأجنها المهرة الشاردة بقوامها السمهري‪ ،‬أو "أفروديت" الهاربة لتموها‬ ‫من قصائد "هومير"‪ ،‬بقسماتها الغريقية التي ل تخطئها العين‪.‬‬ ‫ذكرتني عيناها النجلوين بجارتي "ألكساجندرا"‪ ،‬إحدى عرائس‬ ‫الماضي‪ ،‬حينما اجنتظمت لبضعة شهور طالبا في كلية الهندسة بجامعة‬ ‫السكندرية‪ .‬ذلك قبل سفري للعمل في السعودية عام ‪ .54‬وذلك قبيل‬ ‫سفري للدراسة في "فيينا"‪.‬‬ ‫‪122‬‬


‫التقت جنظراتنا أكثرمن مرة في حلبة الرقص‪ .‬وابتسمت لي أكثر من‬ ‫مرة لجنني‪ ،‬كما يبدو‪ ،‬أوحيت إليها بلفتاتي التي كاجنت تلحقها‪ ،‬رغما‬ ‫عني‪ ،‬أجنني أطلب تلك البتسامة وأتوق إليها‪.‬‬ ‫حاولت‪ ،‬عبثا‪ ،‬أن أعرف مكان جلوسها فيما بين الرقصات‪.‬‬ ‫كان من السهل أن تختفي في خضم ذلك البحرالصاخب المتماوج‬ ‫الزاخر بالخلق من كل مكان‪ ،‬وكل اللوان‪ .‬لكنني سرعان ما كنت‬ ‫ألمحها‪ ،‬بمجرد أن تصدح الموسيقى لتعلن العودة إلى الحلبة‪ ،‬وهي‬ ‫تراقص آخرا لم تتكرر مراقصتها له من قبل ول من بعد‪.‬‬ ‫وتنقضي السهرة‪ ،‬وتنفض الجموع‪ ،‬وتختفي المهرة‪ ،‬ويتكرر المشهد‬ ‫في المسية التالية‪ .‬وتتسارع لفتاتي بحثا عن فتاتي الغريقية حتى‬ ‫خيل إلى أجنني مقبل على مفاجأة تؤكد لي أجنني كنت أعيش وهما ل‬ ‫وجود له إل في مخيلتي‪.‬‬ ‫إلى أن كاجنت الليلة الخيرة‪.‬‬ ‫ما كدت ألتهم عشائي‪ ،‬بعد أن اجنتهيت من تدوين ملحظاتي على‬ ‫فعاليات ذلك اليوم الحافل‪ ،‬حتى التهمتني الجموع المحتشدة الجائعة‬ ‫للهو والسهر‪ ،‬ووجدتني أدورحول الواقفين والجالسين والراقصين‬ ‫وحول جنفسي باحثا لهثا وراء ضالتي‪ ،‬إلى أن داخلني الشك في أجنني‬ ‫سوف أراها ثاجنية‪.‬‬ ‫وكدت أوقن أجنها لم تكن سوى طيف من أطياف ذكرياتي الغابرة‪،‬‬ ‫استجاب إلى آهات أشواق مكتومة‪ ،‬وعمن له أن يشاغلني ويتسلى‬ ‫بمداعبتي‪ ،‬فجاءجني على أجنحة الجنغام الغربية المختلفة التي اجتهدت‬ ‫الفرقة الموسيقية أن تغازل بها آذان القادمين من كل أصقاع الدجنيا‪.‬‬ ‫فجأة‪ ،‬لمحتها وهي توزع لفتاتها العاجلة‪ ،‬المتفحصة‪ ،‬الباحثة‪ ،‬ذات‬ ‫اليمين وذات اليسار‪.‬‬ ‫لهفتها كادت أن تجعلني أصرف النظرعن مسايرة أمنياتي‪ .‬فهي بكل‬ ‫يقين تبحث عن شخص معين‪ ،‬استبعدت أن أكوجنه‪.‬‬ ‫لم أكد أعلن لنفسي عن يأسي‪ ،‬وأسجل هزيمة أخرى إلى هزائمي‪،‬‬ ‫وأستسلم للعودة من حيث أتيت حتى أفلتت منها إلتفاتة استقرت في‬ ‫‪123‬‬


‫إتجاهي‪ ،‬ذكرتني بالنظرات التي وصفها "إبن الرومي" بأن لها وقع‬ ‫السهام‪ .‬حيث قال‪:‬‬ ‫" ويله إن جنظرت وإن هي أعرضت‪..‬‬ ‫وقع السهام وجنزعهن أليم‪".‬‬ ‫وسرعان ما تهلل وجهها بالبتسامة التي سبق وأن أوحت لي بالكثير‪،‬‬ ‫وهي متجهة جنحوي كأجنها تؤكد لي أجنها كاجنت منهمكة فيما كنت أجنا‬ ‫منهمك فيه‪.‬‬ ‫مدت يديها الثنتين‪ .‬لم أدركيف تلشت المسافة بيننا‪ .‬تناولتهما بلهفة‪.‬‬ ‫اتجهنا وكأجننا متفقان مسبقا على التجاه إلى قلب حلبة الرقص التي‬ ‫التقينا على حافتها‪.‬‬ ‫وتسللنا خلل الزحام الذي تفرضه ظروف الليلة الخيرة التي اجنتصفت‬ ‫لتوها‪ ،‬حتى كادت خطواتنا أن تتعثر بخطوات الخرين وأكتافنا تلتحم‬ ‫بأكتافهم‪ ،‬وحتى تحول الرقص إلى مجرد عناق علني مباح‪ ،‬على أجنغام‬ ‫تلك الغنية الحالمة‪ ..‬الكثر شهرة في ذلك الوقت‪:‬‬ ‫‪..… To know him is to love him‬‬ ‫بالرغم من ذلك فقد كنا‪ ،‬كلجنا‪ ،‬وكأجننا ل جننتمي إلى تلك اللجة من‬ ‫الكتل الدمية المحيطة بنا‪ ،‬ول جنعبأ بوجودها‪.‬‬ ‫قالت لي‪ ،‬بما هو بين السؤال والتقرير‪ ،‬بعد فترة ليست قصيرة من‬ ‫الصمت‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬فلسطيني‪.‬‬‫قالتها وهي تنظر مبتسمة إلى"الحطة" التي كنا جنحرص على الحتفاظ‬ ‫بها على أكتافنا‪ ،‬وكأجننا جنريد أن جنعلن وجنؤكد للجميع وجودجنا ومدى‬ ‫تشبثنا بفلسطينيتنا‪.‬‬ ‫ثم أكملت بدون أن تنتظر ردي‪ ،‬وبلغة إجنجليزية متعثرة ولكنها‬ ‫واضحة‪:‬‬ ‫‪124‬‬


‫ أجنا أحب فلسطين وأقف إلى جاجنب الشعب الفلسطيني‪ ،‬شأن‬‫الكثيرين في بلدي‪.‬‬ ‫ اليوجنان؟‬‫أومأت بنعم‪ .‬كاجنت إيماءتها مشوبة بتساؤل ل تخطئه العين‪ .‬أضفت‬ ‫مفسرا ومداعبا‪ .‬أقدم جنفسي بادعاء مبالغ فيه لكي أبدو مرحا‪:‬‬ ‫ ربما كان لمهنتي الفضل في "اكتشافي" هذا‪ .‬فأجنا كأي مخرج‬‫سينمائي آخر‪ ،‬من دأبه مراقبة وإستشفاف وتصنيف وتخزين‬ ‫صور النماذج والجنماط البشرية‪.‬‬ ‫ضحكت وقالت وهي تنتقي كلماتها لتقدم جنفسها بشكل أكثر بساطة‪:‬‬ ‫ أما أجنا فممثلة مسرح‪ ،‬مازالت في بداية الطريق‪ .‬أسعدها الحظ‬‫أكثر من مرة حين وقع عليها الختيار‪ ،‬في بعض الحتفاليات‪،‬‬ ‫لكي تقرأ أمام الجمهور اليوجناجني ترجمات لمختارات من‬ ‫الشعرالفلسطيني الحديث‪ ،‬شعرالثورة والمقاومة‪" ..‬محمود‬ ‫درويش" مثل‪.‬‬ ‫بذللت مجهودا محمودا لكي تنطق السم كما يجب‪ ،‬ممــا جعلنــي أبــدي‬ ‫إعجابي إيمااء قبل أن أسأل‪:‬‬ ‫ ومن أين جاء اهتمامك بالثورة الفلسطينية‪ ،‬أو بشعر "محمود‬‫درويش"‪ ،‬أو بالقضايا السياسية بشكل عام؟‬ ‫ من معلمتي و مثلي العلى‪ ،‬إبنة عمي "ميلينا ميركوري"** هل‬‫تعرف من هي؟‬ ‫ ومن ل يعرف الممثلة العالمية "ميلينا ميركوري" صاحبة‬‫الدورالذي ل ينسى وكذلك الغنية الخالدة في فيلم"أبدا‪..‬الحد"؟!‬ ‫أليست هي الفناجنة المناضلة المثقفة التي كان لها دورها في مقاومة‬ ‫النظام العسكري الدكتاتوري في اليوجنان‪ ،‬والذي تمكنتم من إجنهاء‬ ‫وجوده في أواخرالعام الماضي )‪(1974‬؟‬ ‫ إذن لماذا تستغرب معرفتي بـ "الثورة الفلسطينية" أو بالشاعر‬‫‪125‬‬


‫___________________________________________________‬ ‫)**( "ميلينا ميركوري" الفنانة التي أصبحت بعد ذلك وزيرة للثقافة في اليونا ن )‪) .. (1989-81‬ومن‬ ‫عام ‪ 93‬حتى توفيت عام ‪ (1994‬وهي القائلة‪" :‬إذا كانت هناك في اليونا ن صناعة ةثقيلة‪ ..‬فهي‬ ‫الثقافة اليونانية"! وهي التي امستشهدت أةثناء إلقاء كلمتها في"المؤتمرالدولي لسيامسات الثقافة"‬ ‫المنعقد في مدينة "نيو ماكسيكو" تحت إشراف اليونيسكو‪ ،‬عام ‪ ، 82‬بالمثل العربي قائلة‪:‬‬ ‫"هناك مثل عربي قديم يذكرنا بأ ن من ل قديم له ‪ ..‬ل جديد له !"‬

‫"محمود درويش" الذي ليقل شهرة عن "ميلينا ميركوري"؟‬ ‫أل تستغرب أيضا من وجودي في مهرجان سينمائي‪ ..‬أجنا المسرحية؟‬ ‫ عفوا يا‪.. ..‬‬‫وبعد أن ألقيت جنظرة سريعة إلى أصابع يدها التي تمسك بيدي‪ ،‬حسب‬ ‫مقتضيات المراقصة‪ ،‬أكملت قائل‪:‬‬ ‫ يا سيدتي!‬‫كلنا جنعرف أن المسرح هو أبوالفنون‪ ،‬وما السينما إل وعاء‬ ‫يحتوي هذه الفنون كلها‪ ..‬أليس كذلك يا سيدتي‪....‬؟‬ ‫ "جنينا"‪" ..‬جنينا ميركوري"‪ ..‬احتفظت بإسمي لجنني أحبه وأفضله‬‫بالرغم من أجنني أحب زوجي أيضا‪.‬‬ ‫فاجأجني ذلك الحضور المفاجيء لزوجها‪.‬‬ ‫قلت معقبا‪:‬‬ ‫ أعتقد أجنني‪ ،‬أيضا‪ ،‬سوف ل أتوقف عن حب المرأة التي ستصبح‬‫زوجة لي‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫أدرك ْ‬ ‫ت مقصدي‪ ،‬وابتسمت وهي ترمقني بنظرة ذات معنى‪.‬‬ ‫ثم سألت وهي تتمايل وكأجنها توميء إلى المغنية الروسية التي كاجنت‬ ‫ما تزال تردد الكلمات الجنجليزية لشهرأغنيات ذلك الوقت‪:‬‬ ‫‪To know.. know.. know him‬‬ ‫‪love.. love.. love him to is‬‬ ‫ هل عرفتها؟‬‫ كاجنت وما زالت من أحب الغنيات إلى قلبي‪.‬‬‫ضحكت وهي تصحح‪:‬‬ ‫ أقصد هل "عرفت" الزوجة التي سوف لن تتوقف عن حبها؟‬‫‪126‬‬


‫قلت وأجنا أواصل محاولتي بأن أبدو مرحا‪ ،‬وبدون أن يفوتني التعليق‬ ‫الذكي الذي استوحته من كلمات الغنية‪:‬‬ ‫ أعتقد ذلك‪ ،‬ولم يبق سوى أن أعرف أجنها "عرفتني"‪ ،‬وأن تعرف‬‫هي أجنني عرفت أجنها عرفتني!‬ ‫ أما أجنا فقد عرفت سبب كل هذا الحزن الذي يحمله وجهك‪ ،‬بالرغم‬‫من محاولتك لخفاءه‪ ،‬والتظاهر بعكس ذلك‪.‬‬ ‫قسمات وجهها هي التي حملت لي ذلك المعنى العميق‪ ،‬الذي يتجاوز‬ ‫قدرة الكلمات الجنجليزية التي كاجنت تعثرعليها بصعوبة‪.‬‬ ‫الحق أقول‪ ،‬كنت‪ ،‬في تلك اللحظة من ذلك الوقت‪ ،‬أتوق إلى صدر‬ ‫يحملني على البوح‪.‬‬ ‫"البوح"‪ ،‬كما تؤكد الحكمة الصينية‪ ،‬هو لهل الغربة‪ " ..‬وطن"‪.‬‬ ‫وليس هناك أوقع بردا وسلما على جنفسك الحيرى من مثل ذلك البوح‬ ‫العابر‪ ،‬حيث تكون موقنا أجنك تودع سمرك في بئر قراره يبعد آلف‬ ‫الميال‪ ،‬مثل اللف التي تفصل "موسكو" عن "بيروت"‪.‬‬ ‫"بيروت" التي ودعتني بابتسامة تحمل الكثير من المعاجني التي حرت‬ ‫في استيعابها‪ ،‬والتي جعلتني أردد بيني وبين جنفسي‪ ،‬متوجسا‪ ،‬أجنه ربما‬ ‫كان عشقنا للشياء هو ما يجعلنا جنراها كما جنريدها جنحن وجنهواها‪ ،‬ل‬ ‫كما هي في الحقيقة‪.‬‬ ‫ماذا لو حكيت لهذه الصديقة العابرة قصة حيرتي وأسبابها لستمع إلى‬ ‫رأيها الذي سيكون قطعا على قدر من الموضوعية والحياد؟‬ ‫لح لي وجه "أديل" المريح‪ .‬تلك الفتاة التركية‪ ،‬طالبة الجامعة‪ ،‬التي‬ ‫جمعتني بها الصدفة لبضع ساعات في استاجنبول‪ ،‬عندما مرر ل‬ ‫ت بها في‬ ‫طريقي من "فيينا" إلى "بيروت" ذات صيف‪ ،‬عام ‪ ،61‬بحثا عن‬ ‫الفندق الجبلي الذي كاجنت تقيم فيه حبيبة صباي وخطيبتي مع والدتها‪.‬‬ ‫بح ل‬ ‫ت يومها لـ "عديله" بكل ما كان ينوء به صدري من هموم‪ .‬أعطتني‬ ‫الجابة عن سؤال كنت أبحث له عن إجابة شافية‪ .‬زودتني بطاقة‬ ‫‪127‬‬


‫روحية بحيث أيقنت بعدها من سحر وقع ذلك "البوح العابر" الذي‬ ‫يشبه‪ ،‬في كثيرمن الحيان‪ ،‬لحظة ولدة جديدة‪.‬‬ ‫قلت لـ "جنينا"‪ ،‬آمل أن أحملها على أن تخطو جنحوي خطوة أخرى‪،‬‬ ‫وتقترب مني أكثر‪:‬‬ ‫ يبدو أن حديثنا سوف يطول‪.‬‬‫قالت وهي تحتضنني بعينين تفيضان رقة ومودة‪ ،‬وكأجنها قد أدركت ما‬ ‫يجول في خاطري‪:‬‬ ‫ كنت أتمنى أن أستمع إليك ولكن‪ ،‬بكل أسف‪ ،‬لن يسمح وقتي بذلك‬‫و يبدو أجنني سوف أتركك في الحال لعداد حقيبتي‪ ،‬فلقد تمنيت‬ ‫اليوم أن أراك قبل مغادرتي لقول لك وداعا وأتمنى لك ولشعبك‪،‬‬ ‫الفلسطيني‪ ،‬كل التوفيق والحظ السعيد‪ .‬وها هي أمنيتي قد تحققت‪.‬‬ ‫صدمتني بقرارها السريع المفاجيء‪ .‬فكان مني‪ ،‬كرد فعل تلقائي لم‬ ‫أفتعله‪ ،‬أن تشبثت لحظة بيدها التي تمسك بيدي‪ ،‬وخاصرتها التي تحيط‬ ‫بها يدي الخرى‪.‬‬ ‫رمقتني في صمت‪ ،‬وكأجنها تقرأ في عيني رغبة مستحيلة‪.‬‬ ‫تراخت يداي‪ ،‬وارتفع كفاهما مفتوحان بمستوى الكتفين‪ ،‬معلنا‬ ‫استسلمي‪.‬‬ ‫ابتسمت‪ ،‬وقالت وهي تحرص على اجنتقاء كلماتها‪ ،‬أن طائرتها ستقلع‬ ‫بعد ساعات قليلة‪ ،‬وأجنها تفضل أن تستريح بعض الوقت قبل أن‬ ‫تستحم‪ ،‬ثم تتزين لزوجها الذي ينتظرها في مطار"أثينا"‪ .‬ثم عادت‬ ‫تنظر في عيني كمن ترجوجني أن أتقبل أمرا واقعا ل مفر منه‪.‬‬ ‫وبعد تردد طال لبضع ثوان حزمت أمرها وقالت بلهجة تفيض مودة‬ ‫وصدقا‪:‬‬ ‫ كل ما أستطيع أن أعطيه لك هو‪..‬‬‫ابتعدت عني قليل‪ ،‬وأمسكت بأصابع يدها خاتما فضيا ذو حجر‬ ‫فيروزي كان يزين أحد أصابع يدها الخرى‪ .‬وسرعان ما طوق‬ ‫خاتمها بنصري اليسر وهي تكمل‪:‬‬ ‫‪128‬‬


‫ هذا الخاتم‪ ،‬الذي أرجو أن ل تخلعه من إصبعك لجنه سوف يجلب‬‫لك الحظ السعيد‪.‬‬ ‫شدت على يدي‪ ،‬ثم اختفت وتركتني غارق في ذهولي‪.‬‬ ‫أتحسس الخاتم‪ ،‬وأجنظر إليه ثم أحكم قبضتي عليه خوفا من أن يتسرب‬ ‫من يدي الدليل الوحيد الشاهد على سلمة قواي العقلية‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫عندما عدت إلى بيروت‪ ،‬بدأل ْ‬ ‫ت‪ ،‬كما بدا لي‪ ،‬بشائر "الحظ السعيد"‬ ‫الذي يعدجني به خاتم القديسه "جنينا" الفضي ذو الحجر الفيروزي )!(‬ ‫سوف يكون هناك متسع من الوقت للحديث عن المشروع الجديد للفيلم‬ ‫الروائي "المجموعة ‪ "778‬للكاتب الفلسطيني "توفيق فياض"‪ ،‬إضافة‬ ‫إلى موافقة مؤسسة السينما السورية على إخراجي لفيلم "سرالبمري "‪،‬‬ ‫عن قصة صديقي الكاتب "زين العابدين الحسيني"‪.‬‬ ‫هذا إلى جاجنب المظاهر الخرى التي بدأت تزمين لي "بيروت"‪ ،‬التي لم‬ ‫أكن أأـكن لها في الصل حبا ما‪ ..‬ول كراهية‪.‬‬ ‫فلقد شهدت هذه المدينة‪ ،‬منذ أكثر من عشر سنوات‪ ،‬وقائع الفصل‬ ‫ت من الحب‪ ،‬الول‪ ،‬ما زالت تحتل حيزا من‬ ‫الختامي لقصة سنوا ض‬ ‫وجداجني ل سبيل إلى تجاهله أو تناسيه‪.‬‬ ‫تشبثت في ذلك الزمن‪ ،‬في سنوات الدراسة الباقية لي في "فيينا"‪،‬‬ ‫وفي سنوات العمل التي قضيتها بعد ذلك في "القاهرة"‪ ،‬بمقولة‬ ‫"الحب الول وهم كبير‪ ..‬وحبك الول هو حبك الخير"‪.‬‬ ‫وكنت أخرج من كل تجربة جديدة‪ ،‬أتوسم فيها أن تكون هي الخيرة‪،‬‬ ‫لكتشف أجنها ‪-‬أيضا‪ -‬لم تكن سوى "وهما كبيرا"‪.‬‬ ‫لكن عشقي لعملي‪ ،‬واستغراقي فيه‪ ،‬أو في العداد له‪ ،‬كان لي دائما‬ ‫هو الخلص والعزاء الثير‪ ..‬وحبي الول والخير‪.‬‬

‫‪129‬‬


‫وهاهي ذي "بيروت" تميط اللثام عن وجه آخر لها‪ ،‬وتوحي لي بأجنها‬ ‫تستعد لتشهد بداية لقصة بديلة‪ ،‬بعد سنوات عجاف طويلة‪ ،‬كان‬ ‫يسودها القحط العاطفي‪ .‬أعقبها في الوجنة الخيرة إحساس مؤلم‬ ‫برفض الخرين لي‪ ،‬في مجال عملي الذي أحبه‪ ،‬كان له أثره البالغ في‬ ‫تعميق شعوري بالوحدة‪ ،‬وحاجتي )بالعربي الفصيح( للجنساجنة التي‬ ‫أستطيع أن أمارس معها الصدق‪ ،‬إجنساجنة أسكن إليها‪ ،‬تنتشلني من‬ ‫وحدتي الموحشة‪ ،‬أسلمها رأسي المتعب‪،‬لسمع دقات قلبها تسألني‪:‬‬ ‫ "ماللْك"؟‬‫غربتي في بيروت كاجنت غربتان‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫أدركت "حبيبه" ذلك‪ ،‬وعرفت كيف تجمع بيننا‪ ،‬بعد أن تأكدت من ميل‬ ‫كل منا‪ ،‬على حدة‪ ،‬إلى الخر‪ .‬كاجنت تعرف أن لكل منا مخاوفه و‬ ‫محاذيره‪.‬‬ ‫فتحت قلبها وبيتها للصدقاء المشتركين لكي تطرد وتطارد مخاوفنا‬ ‫ومحاذيرجنا‪ ،‬وتفسح الطريق أمام عواطف‪ ،‬تأكلدت هي من صدقها‪،‬‬ ‫لكي تلتقي وتنمو‪.‬‬ ‫داعبتني "حبيبه" مرة بقولها‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬متى سوف تستبدل هذا الخاتم الذي أراه حول إصبعك منذ عودتك‬‫من موسكو‪ ..‬ول تتخلى عنه؟‬ ‫ ‪ ..‬إجنه تميمتي‪ .‬أل تلحظين بوادر مفعولها؟‬‫فغرت لي فاها لعملي أزيدها إيضاحا‪ .‬كدت أن أحكي لهاعن تلك القديسة‬ ‫الغريقية التي صرت أكاد أومن ببركاتها‪ .‬لكن سرعان ما تغيرمجرى‬ ‫الحديث‪.‬‬ ‫كان إيمان "حبيبه" بما تفعل ينبع من جنبل ل يخطئه الوجدان‪ ،‬ومن‬ ‫رغبة في تعويض ما تفتقده هي بإعطائه بصورة أو بأخرى للخرين‪.‬‬ ‫‪130‬‬


‫يكاد المرء أن يلمس ذلك في حزجنها الموشى بابتسامتها النبيلة حينما‬ ‫كاجنت تلمح طائرالسعادة يرفرف حولنا‪" ،‬أ" و أجنا‪ ،‬في أركان بيتها‪.‬‬ ‫عندما تضيق بي الدجنيا‪ ،‬أذكر حكايات "حبيبه" الطريفة معي‪ ،‬فتتسلل‬ ‫إلي جوارحي البتسامة تلو الخرى‪ .‬ثم أجدجني أكاد أن أضحك‬ ‫بصوت مسموع‪.‬‬ ‫و"حبيبه" هوالسم الفني لـتلك الفتاة اللبناجنية التي حصلت على قدرمن‬ ‫الثقافة والمكاجنة بفضل اجنتمائها إلى أوساط لبناجنية وطنيه‪ .‬هذا إلى‬ ‫جاجنب حصولهاعلى لقب "ملكة جمال" ذات مرة‪ ،‬مما أتاح لصورها‬ ‫الظهور على أغلفة المجلت ومن ثم ترشيحها للتمثيل في بعض‬ ‫الفلم اللبناجنيه‪ ،‬تموجت أخيرا بظهورها البارز في فيلم "العصفور" لـ‬ ‫"يوسف شاهين"‪.‬‬ ‫في ذلك الوقت كان لي معها لقاءعابرا في"حوش قدم" في القاهرة‪،‬‬ ‫في واحدة من زياراتي التي أدمنتها لبيت الثنائي الشهير "الشيخ إمام"‬ ‫المغني و"أحمد فؤاد جنجم" الشاعر‪ .‬ولقد ظل وجهها يتراءى لي كلما‬ ‫فكرت في عمل سينمائي‪ ،‬ولكم تمنيت بعد ذلك أن تلعب دور"ماريا"‬ ‫في فيلمي "حكاية أعلمر"‪ .‬ذلك قبل أن يفاجئني صديقي‬ ‫الجندلسي"ضيف ا" بخبر كدت أن ل أصدقه‪ ،‬وهو موافقة "جين‬ ‫فوجندا" المبدأية على القيام به‪.‬‬ ‫ولم يتم تعارفنا إل في بيروت‪ ،‬عن طريق الزميلة والصديقة المخرجة‬ ‫اللبناجنية "جنبيهه لطفي" المقيمة في القاهرة‪ ،‬والعضوالمؤسس معنا في‬ ‫"جماعةالسينما الجديدة"‪ .‬وذلك أثناء قيام صديقتها "حبيبة" بملزمتها‬ ‫ومساعدتها أثناء القيام بتصوير فيلم تسجيلي عن مخيم "تل الزعتر"‪..‬‬ ‫أظنه فيلم "لن الجذورل تموت"‪.‬‬ ‫هناك أيضا‪ ،‬في "تل الزعتر"‪ ،‬عرفت " أ "‪ ،‬التي كاجنت مسئولة عن‬ ‫أحد اللجان الشعبية‪ ،‬المنبثقةعن إتحاد المرأة الفلسطينية‪ ،‬والمكلفة‬ ‫ببعض مهام التوعية في المخيم‪ ،‬والتي كاجنت تشرف على تسهيل العمل‬ ‫في الفيلم‪.‬‬ ‫‪131‬‬


‫استمرت صداقتنا‪" ،‬حبيبه" وأجنا‪ ،‬وشهدت تطورات هامة في علقاتي‬ ‫العامة‪ ..‬والخاصة‪ ،‬وما كان بعدها من ترشيح لكلينا للعمل معا في فيلم‬ ‫روائي باكستاجني عن القضية الفلسطينية‪.‬‬ ‫هي‪ ..‬كبطلة للفيلم‪ ،‬وأجنا‪ ..‬كمديرفني له‪ ،‬ومشرف على الجنتاج الذي‬ ‫كاجنت منظمة التحرير تشارك فيه من خلل مؤسسة "صامد"‪ ،‬التي‬ ‫كنت في ذلك الحين مرشحا للقيام بإدارة قطاعها السينمائي‪.‬‬ ‫كاجنت "حبيبه" هي البتسامة على ثغرالوجه المأساوي للشهورالتي‬ ‫قضيتها هناك في "لهور"‪.‬‬ ‫في أحد اليام‪ ،‬بينما هي من حيث ل تدري تتحدث بما يوحي بعدم‬ ‫قناعتها أو استمتاعها بمهنة التمثيل التي ساقتها الظروف إليها بمحض‬ ‫الصدفة‪ ،‬وبدون مقدمات‪ ،‬مدت يديها واجنتزعت الخاتم الفضي ذو‬ ‫الحجرالفيروزي من إصبعي لتتفحصه‪ .‬وجنسيت أن أسترده في غمرة‬ ‫الحديث‪ ،‬كما جنسيت أن أحكي لها تفاصيل قصته‪ .‬وظلت هي بعد ذلك‬ ‫ترجيء إعادته لي مرة بعد مرة‪ ،‬وتتعلل بحرصها على مشاعر"أ"‬ ‫التي أصبحت بعد ذلك زوجتي‪ ،‬والتي‪ ،‬حسب ما كاجنت تراه "حبيبـه"‪،‬‬ ‫مابرح إصراري على الحتفاظ بالخاتم في إصبعي يثيرغيرتها‪.‬‬ ‫ومرت اليام‪ ،‬أكثرمن عام‪ ،‬كاجنت كفيلة بأن تجعلني أعترف لنفسي‬ ‫أجنني أخطأت حينما اجنسقت وراءعواطفي اللهثة اشتياقا لرفيقة تؤجنس‬ ‫وحدتي في بيروت‪ ،‬فاجنزلقت في هوة الوهم العميقة‪.‬‬ ‫ومرة أخرى أتيقن من أن عشقنا للشياء هوالذي يجعلنا جنراها كما‬ ‫جنريدها جنحن‪ ..‬ل كما هي‪.‬‬ ‫فكان أن تم اجنفصالي عن "أ"‪ .‬وتفرقت بنا السبل‪.‬‬ ‫أما صديقتنا "حبيبه "‪ ،‬فقد تناهى إلى علمي بعد ذلك أجنها تعيش وتنعم‬ ‫باستقرارها منذ ذلك الوقت في "باريس" مع زوجها الموسر‪ ..‬يحبها‬ ‫وتحبه‪.‬‬ ‫‪132‬‬


‫قالوا لي‪،‬ايضا‪ ،‬أجنهاكـاجنت ومـا زالـت تحتفـظ بـــ"خــاتم فضــي بحــجر‬ ‫فيروزي"‪ ..‬ل يفارق إصبعها وتحرص عليه أشد الحرص‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫‪133‬‬

‫*‬


‫"كارولين"‪..‬‬

‫والضرورة الفنية‬

‫كثيرا ماكان صديقي"حسين"يحاول أن يحملني على تكرار محاولتي‬ ‫الولى في كتابة ما كان يصر على تسميته "قصه قصيرة"‪.‬‬ ‫إلى أن قدر لنا أن جنخوض‪ ،‬حسين وأجنا‪ ،‬تجربة مع سيدة أجنبية شابة‬ ‫جميلة كان له في بدايتها دورا أساسيا‪ .‬ثم شاءت الظروف أن ل‬ ‫يشاركني بقية التجربة‪.‬‬ ‫أذكرأجني رويت لصديقي‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬كتابة‪ ،‬ما حدث مع تلك السيدة‬ ‫الجميله‪ ،‬محاول تحقيق غرضين من تلك المحاوله‪.‬‬ ‫الول‪ ،‬هوالوفاء بوعدي له برواية التفــاصيــل التي أرادها‪.‬‬ ‫والثاجني‪ ،‬استجابة مني للحاحه علمي بتكرار محاولة الكتابة‬ ‫القصصية‪.‬‬ ‫وهكذا اتخذت روايتي لحداث التجربة شكل القصة التي كان‬ ‫"حسين" يلح في طلبها مني‪.‬‬ ‫لم أكن بحاجة إلى الستعاجنة بالخيال لضفاء التشويق الذي تتطلبه‬ ‫القصة التي كنت بصدد تدوينها‪ .‬فلقد عشت مع تلك المرأة لحظات‬ ‫فاقت كل ما يمكن أن تصل إليه مداركي‪ ،‬وخيالي‪ ،‬وأحلمي‪.‬‬ ‫فالتجارب الولى متنوعة‪ ،‬غالبا ما تشارك فيها حواسنا كل منهاعلى‬ ‫اجنفراد‪ ،‬كالمشاهدة‪..‬والسمع‪..‬واللمس‪ ..‬والحساس‪ ..‬إلخ‬ ‫‪134‬‬


‫ثم ل تلبث بعد ذلك أن تأتي تلك التجارب المركبة‪ ،‬التي يكتنف‬ ‫لحظاتها رهبة غامضة‪ ،‬ممتعة آسرة‪ .‬ذلك عندما تشترك الحواس‬ ‫كلها في تجربة واحدة‪.‬‬

‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫أذكرأجنني بدأت القصة حينئذ بقولي‪:‬‬ ‫كاجنت هناك حديقة غناء‪ ،‬يتوسطها بيت أجنيق‪ ،‬يسكنه‪.. .. .. .. ..‬‬ ‫وكاجنت "كارولين" الجميلة ‪.. .. .. ..‬إلخ‬ ‫وعندما واجهني صديقي "حسين" بعد قراءته لما كتبت‪ ،‬رأيت في‬ ‫عينيه ما يشبه التهام بالخياجنة‪ .‬كيف "أستفرد" بهذه المرأة التي كان‬ ‫له الفضل بتعرفنا بها؟!‬ ‫وهكذا اجنتابني شعور غريب يحثني على إصلح الموقف‪ .‬ولم أتخلص‬ ‫من هذا الشعور إلعندما أضفت في جنهاية المخطوطة‪ ،‬في يوم تال‪،‬‬ ‫السطورا التية‪:‬‬ ‫نعم‪ ،‬كانت هناك حديقة غناء‪ ،‬يتومسطها بيت أنيق‪ ،‬يسكنه ‪.. .. .. ..‬‬ ‫و كانت "كارولين" الجميلة ‪ .. .. .. ..‬إلخ‬ ‫ولكن ما كا ن بيني وبينها‪ ،‬لم يكن إل حلما من أحلم اليقظة‪ ،‬نسجه‬ ‫خيالي المراهق‪.‬‬ ‫واختفت جنظرة التهام من عيني صديقي "حسين"‪ .‬وأخذ يشيد‬ ‫بموهبتي في التأليف القصصي‪.‬‬ ‫كأجنما كنت أشعر‪ ،‬بالفطرة‪ ،‬أن هناك "ضرورة فنية" لتلك الكلمات‬ ‫الخيرة‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫ول يخفى على أحد أن"الضرورة الفنية"‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬هي التي‬ ‫جعلتك تعيد كتابة أحداث حكايتك مع "كارولين"‪ ،‬بحيث تبدو وكأجنها‬ ‫قصة مستقلة‪.‬‬ ‫‪135‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫"كاروليـــــــــــــــــــــــــــــــــن"‬ ‫كوجنشيرتو من خمس حركات‬

‫‪136‬‬


‫الحـــــــــــــــــركه الولى‬ ‫أحد معالم الطريق الذي كنا جنسلكه‪ ،‬مشياعلى القدام من بيوتنا إلى‬ ‫المدرسة وبالعكس‪ ،‬كان ذلك البيت الجنيق‪ ،‬المحاط بحديقة مليئة‬ ‫بأجنواع مختلفة من الزهور‪ .‬ولم تكن الزهور وحدها هي ما يتميز به‬ ‫البيت‪.‬‬ ‫كاجنت هناك راية زرقاء ترفرف من فوقه‪ ،‬عليها شعار المم المتحده‪.‬‬ ‫وفي بعض أيام السبوع كنا جنرى سيارة"جيب" تقف عند باب البيت‪،‬‬ ‫فنعرف أن "الميجور ريتشارد لوريون" قدعاد من إحدى جولته‬ ‫الكثيرة‪ ،‬التي يتطلبها عمله ضمن الفريق الكندي لمراقبي الهدجنه‬ ‫الدوليين‪.‬‬ ‫كان"الميجور لوريون" رجل وسيما طويل القامة‪ ،‬يشبه إلى حد كبير‬ ‫ممثل السينما الشهير "جريجوري بيك"‪ .‬ل تفارق البتسامة وجهه‪.‬‬ ‫ول يترددعن المبادرة بإلقاء التحية‪ ،‬إذا صادفناه‪ ،‬داخل أو خارجا‪،‬‬ ‫أثناء مرورجنا من أمام البيت‪.‬‬ ‫حديثنا في ذلك اليوم‪" ،‬حسين" وأجنا‪ ،‬كان يدور حول سفر صديقنا‬ ‫"حسن قليلت" إلى أمريكا للدراسة هناك في جنهاية هذا العام‬ ‫الدراسي‪ ،‬أي بعد حصولناعلى شهادة "الثقافة العامة"‪" .‬حسين" يؤكد‬ ‫أجنها "فشره" من فشرات"حسن"‪ .‬وأجنا أحاول أن أؤكد له أجنني سمعت‬ ‫والد "حسن" بأم أذجني‪ ،‬كما رأيته بأم عيني‪ ،‬وهو يتحدث عن ذلك‬ ‫بجدية مع والدته‪ .‬وبالتالي عدت للدفاع عن "حسن"‪ ،‬محاول جنفي‬ ‫صفة "الفشر" التي يتهمه بها "حسين"‪ ،‬الذي عاد ليتهمني بالتحيز‬ ‫لــ"حسن" والدفاع عنه دائما لمجرد أجنه إبن بلدي‪ ،‬القدس‪.‬‬ ‫ل أدري بالضبط سبب الغيره التي يشعر بها "حسين" تجاه "حسن"‬ ‫المسكين‪ ،‬علما بأجنه متقد الذكاء‪ .‬ويظهر ذلك بوضوح في تفوقه على‬ ‫طلب شهادة "الثقافه" قاطبة‪ .‬هذا مع علمي ويقيني بأن ساعات‬ ‫مذاكرته‪ ،‬في أقصى حالت الستنفار للمتحاجنات‪ ،‬لتتجاوزالساعتين‬ ‫‪137‬‬


‫في اليوم‪ .‬وباقي وقته يقضيه في المطالعة والقراءة‪ .‬وهذا مما يجعله‬ ‫على درجة كبيرة من الثقافة وسعة الطلع‪ .‬ول ينافسه "حسن" في‬ ‫شيء إل في مادة اللغة الجنجليزية‪.‬‬ ‫حاولت مراراا أن أبين لـ"حسين" قناعتي بأن المسألة لعلقة لها‬ ‫بتفاوت الذكاء‪ .‬كما أجنه ل وجه للمقارجنة في هذا المضمار بينه وبين‬ ‫"حسن" الذي تربى منذ طفولته المبكرة في مدرسة الـ"تيراساجنتا" في‬ ‫القدس‪ .‬وشتان بين مستوى تدريس اللغات فيها‪ ،‬وبينه في مدارس‬ ‫الحكومة في قرية حسين‪" ،‬بيت إكسا"‪ ،‬إحدى قرى القدس‪.‬‬ ‫إل أن رد "حسين" كان دائما بعناد‪:‬‬ ‫ ولو!‬‫كان عناد "حسين" يخرجه عن طوره في بعض الحيان‪ ،‬حتى يكاد‬ ‫أن يمحو كل صفاته الحميدة النادره‪ .‬وجنتيجة لذلك ل يتورع عن‬ ‫ارتكاب مواقف تتجاوز الحماقة والسخف لتصل إلى الوقاحه‪ .‬ول‬ ‫أجنكرأجنني كنت أجد جنفسي حائرا بين شخصيتين مختلفتين متناقضتين‪.‬‬ ‫كما أجنني ل أجنكر أجنني كنت‪ ،‬في بعض الحيان‪ ،‬أجد لذة في استفزاز‬ ‫"حسين" الخر‪ ،‬الذي يحمر وجهه‪ ،‬وتنتفخ أوداجه‪ ،‬وتبرزعروق‬ ‫رقبته‪ ،‬إذا ما فعلت أجنا ذلك‪.‬‬ ‫ثم ل يلبث أن يتواضع ويعترف‪ ،‬مثل‪ ،‬بأن "حسن"‪ ،‬بحكم اجنتمائه‬ ‫إلى مدرسة الـ"تيراساجنتا"‪ ،‬ربما "يتحدث" الجنجليزية بطلقة أكثر‬ ‫منه‪ .‬أما إتقان اللغة فهذا شيء آخر‪.‬‬ ‫كنا قد قطعنا ثلثة أرباع الطريق‪ ،‬و وصلنا إلى بداية منطقة‬ ‫"الرمال" التي جنسكن فيها‪ ،‬حيث جنعرج‪ ،‬بعد منتزه البلدية‪ ،‬في طريق‬ ‫رملي مختصر يؤدي في جنهايته إلى ذلك البيت المميز برايته‬ ‫الزرقاء‪ ،‬وحديقته الغــمناء‪.‬‬ ‫الحديقة إلى يميني‪ .‬و"حسين" إلى يساري‪ .‬وأجنا أرقب اجنفعالته جنتيجة‬ ‫استفزازي له‪ .‬وفجأة‪ ،‬تنفرج أساريره‪ ،‬وتتثاقل خطاه‪ ،‬وتكاد عيناه أن‬ ‫تخرجان من محجريهما‪ ،‬وهو يمصمص شفتيه الغليظتين‪ ،‬وتتسع‬ ‫ابتسامته عن سنه المامية المفقوده‪.‬‬ ‫‪138‬‬


‫أخذت أتابع الخيط اللمرئي الذي يشد بصره حتى وصلت إلى طرفه‬ ‫الخر‪ ..‬ويا لهول ما رأيت!‬ ‫لو كان "الميجور لوريون" هو"جريجوري بيك"‪ ،‬فمن تكون هذه‬ ‫الهيفاء؟‬ ‫إجنها بدون شك "جينيفر جوجنز"!‬ ‫وتمسمر كلجنا عند مدخل الحديقة‪.‬‬ ‫كاجنت منهمكة في الحديث‪ ،‬بالجنجليزية‪ ،‬مع البستاجني العجوزالذي‬ ‫كان ينظرإليها بوجه كالقناع‪ ،‬ل تتغير ملمحه‪ .‬ثم ل يلبث أن ينظر‬ ‫حوله مستجيرا بأزهارالحديقة التي تشهد بأجنه قد قام بواجبه خير قيام‪،‬‬ ‫وأجاد عمله بتفوق وامتياز واضحين‪.‬‬ ‫أخذت أستحث "حسين" على مواصلة السير‪ ،‬بعد أن طال وقوفنا‪،‬‬ ‫خشية من أن تراجنا فيزعجها فضولنا‪.‬‬ ‫لكن هيهات أن يتزحزح‪ .‬تركته ومضيت‪ .‬وبعد عدة خطوات‪،‬‬ ‫جنظرت خلفي فوجدته ما زال واقفا يراقب الغريبة الجميله‪.‬‬ ‫حاولت أن أستعجله‪ ،‬فأشار بيده أن أجنتظر‪ .‬لم يطل وقوفه أكثر من‬ ‫ذلك‪ .‬تحرك داخل إلى الحديقة‪.‬‬ ‫في مثل هذه الحالت‪ ،‬عندما يصادف أن ينشغل عني صديقي أو‬ ‫رفيق طريقي‪ ،‬لم أكن أتردد في تركه ومواصلة السير‪ ،‬إلى أن يلحق‬ ‫بي ذلك الصديق معتذرا‪ .‬لكنني في هذه الحالة الفريدة‪ ،‬المختلفة‬ ‫تماما‪ ،‬وجدتني ل أرى أن هناك ما يضيرجني‪ ،‬لوأجنني راقبت عن كثب‬ ‫ذلك الحدث الفريد‪ ،‬المختلف تماما‪.‬‬ ‫"حسين" يتبادل الحديث مع "جينيفر جوجنز"‪ ،‬بعد أن عرف منه‬ ‫البستاجني ما كاجنت تريده سيدته فاجنصرف‪.‬‬ ‫"حسين" يضحك‪.‬‬ ‫"جينيفر جوجنز" تضحك‪.‬‬ ‫"حسين" يواصل حديثه بطلقه تثير دهشتي‪ ،‬بدون أن أسمع ما‬ ‫يقول‪.‬‬ ‫‪139‬‬


‫تمد له يدها‪ .‬يتصافحان‪ .‬تدعوه للدخول بإلحاح‪ .‬يتذكرجني فجأة‪ .‬تنظر‬ ‫جناحيتي‪ .‬تطلب منه أن يناديني‪.‬‬ ‫أتعثر في مشيتي وأجنا أتجه جنحوهما‪.‬‬ ‫تمد يدها لي بينما هي تحاول عبثا أن تلفظ إسمي‪ .‬ثم تقدم جنفسها‪:‬‬ ‫ كارولين‪.‬‬‫تضيع مني الكلمات الجنجليزية التي كنت أحسب أجنني أعرفها جيدا ‪.‬‬ ‫أتلعثم‪ .‬يحمرمني الوجه‪.‬‬ ‫تضع يدها الخرى على كتفي‪:‬‬ ‫ صديقك خجول جدما‪.‬‬‫تحتوينا الصالة الجنيقة البسيطه‪" .‬حسين" يكمل حديثه‪:‬‬ ‫ جنادينا‪ ،‬حتى الن‪ ،‬ليس به أعضاء من كندا‪ .‬فهل يمكن أن‬‫تساعدينا على توسيع جنطاق جنشاطنا؟‬ ‫تأوهت برقة وعذوبه‪:‬‬ ‫ أعرف في بلدي من أظن أجنه سيسعدهم أن ينضموا إلى جناديكم‪.‬‬‫سرى في جسدي ما يشبه التيارالكهربائي‪ ،‬عندما لمست يدها خدي‬ ‫وهي تسأل‪:‬‬ ‫ ما رأيك في صديقة جميلة من "كندا"؟‬‫ابتسمت‪ ،‬وتلعثمت مرة أخرى وأجنا أتلفظ بما تيسرمن كلمات الشكر‪،‬‬ ‫باللغة الجنجليزية التي جندر ما جنطقت بها خارج جنطاق المدرسه‪.‬‬ ‫حدثت جنفسي‪ ،‬وأجنا أتحسس وجهي الملتهب‪ .‬صحيح‪ ،‬كما يدعي كل‬ ‫من يعرفوجنني‪ ،‬أجنني أبدو أصغرمن عمري الحقيقي بأكثر من تلك‬ ‫السنة التي أضيفت إلى عمري في شهادة ميلدي‪ ،‬لكي "أدخل‬ ‫المدرسة" وأجنا في السادسة بدل من السابعة من عمري‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬أن يصل المرإلى أن تربت هذه الغريبة‪ ،‬حتى لو كاجنت على‬ ‫هذا القدر من الجمال‪ ،‬على خدي كما لو كنت طفل غريرا‪ ،‬فهذا ما‬ ‫ل أتقبله‪.‬‬ ‫‪140‬‬


‫آه لو تسعفني الكلمات الملئمة للرد عليها‪.‬‬ ‫طلبت منا الجلوس ريثما تحضر لنا الشاي‪ .‬وغابت بخفة ورشاقة‬ ‫"جينيفر جوجنز"‪.‬‬ ‫وأجنظر أجنا إلى "حسين" كأجنما لتساءل عن مدى علقة ما يحدث‬ ‫بالحقيقه أو الواقع‪ .‬فيوضح لي بثقة‪:‬‬ ‫ زوجة "الميجور"‪ ،‬تقول أجنها هنا منذ أسبوع‪ .‬وسوف تقيم في‬‫غزه بضعة أيام أخرى‪.‬‬ ‫ كيف لم جنشعر بوجودها‪ ،‬بالرغم من أجننا جنمر يوميا من أمام‬‫البيت؟‬ ‫ يبدو أن شعورها بالوحده‪ ،‬في غربتها هذه‪ ،‬قد جعلتها تخرج‬‫لتتجاذب أطراف الحديث مع البستاجني‪.‬‬ ‫ثم أضاف بنزق‪:‬‬ ‫ أجنا شخصيا في خدمتها‪.‬‬‫قال جملته الخيرة‪ ،‬وهويحرك يده في جيبه في شيء من البتذال‪.‬‬ ‫جنهرته‪ ،‬خوفا من أن تعود مضيفتنا فجأة وتلحظ حركاته فتطردجنا‬ ‫شر طرده‪.‬‬ ‫لكننا سمعنا صوتها قبل ظهورها وهي تحمل صينية عليها بعض‬ ‫أجنواع "البسكويت" وأكواب الشاي الفارغه‪:‬‬ ‫ شقيقتي الصغرى في الخامسة عشر‪ ،‬في مثل عمريكما تقريبا‪.‬‬‫سوف أكتب لها‪ ،‬فربما تكون المراسلة من اهتماماتها‪ ،‬هي أو‬ ‫بعض زميلتها في المدرسه‪.‬‬ ‫حدثتنا أحاديث قصيرة متقطعة‪ ،‬أثناء تحركاتها المتكررة لحضار‬ ‫الشاي ومن ثم صبه لنا‪ ،‬وسؤالنا عن عدد قطع السكر‪ ،‬وذهابها‬ ‫لحضار أجندتها لكتابة إسم كل منا وعنواجنه‪ ،‬وتكرار دعوتها لتجربة‬ ‫هذا النوع أو ذاك من البسكويت‪ ،‬علما بأن "حسين" لم يكن بحاجة‬ ‫لتكرار الدعوه‪.‬‬ ‫‪141‬‬


‫ثم سألتنا عن هواياتنا الخرى‪ .‬فكان "حسين" يتولى الجابة عن كل‬ ‫السئلة‪ ،‬مما جعلها تخصني ببعض اهتمامها لكي تحملني على‬ ‫التخلص من خجلي ومشاركتهما الحديث‪.‬‬ ‫وعندماعرفت أن كلجنا مهتم بالقراءة والطلع ومشاهدة أفلم‬ ‫السينما‪ ،‬أبدت استعدادها لعطائنا بعض المجلت التي تصل "ريك"‬ ‫تباعا ا لكي جنزيد من حصيلتنا‪ ،‬باللغة الجنجليزية‪.‬‬ ‫ثم‪ ،‬قامت بإعلن اجنتهاء الزيارة وهي تبتسم معتذرة بلطف‪ .‬وحددت‬ ‫لنا موعدا لزيارتها بعد أسبوع‪ ،‬أو أسبوعين‪ ،‬ريثما يصلها ردّ من‬ ‫شقيقتها الصغرى‪.‬‬ ‫بذل صديقي كل ما أوتي من حصافة وشطارة و"تناحة" لطالة مدة‬ ‫الزيارة‪ .‬إل أن مضيفتنا الجميلة الرقيقة استطاعت بكل تهذيب أن‬ ‫تستدرجنا إلى باب الحديقه‪.‬‬ ‫لوحت لنا بيدها مودعة‪ ،‬ثم عادت ل تلوي على شيء‪.‬‬ ‫وجدجنا أجنفسنا على قارعة الطريق‪ ،‬جنتحسس أجنفسنا‪ ،‬كما لو كنا لتموجنا‬ ‫في أرض الحلم‪ ،‬وأعادجنا الجمتي خادم المصباح السحري إلى أرض‬ ‫الواقع‪ ،‬بعد أن أثبت أجنه قادرعلى تحقيق المعجزات‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬علينا أن جننتظر حتى يوم الخميس القادم‪.‬‬ ‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫الحــــــــــــــــــركة الثاجنيه‬ ‫في اليام الثلثة الولى لم جنكف عن استرجاع تفاصيل تلك‬ ‫"المغامرة" الفريده‪ .‬وبعد ذلك أصبحنا ل جنكف عن التنبؤ لما سوف‬ ‫يكون بعد أن يأتي رد شقيقتها بالرفض أو القبول‪ .‬هل ستستمرعلقتنا‬ ‫بها ؟ وما جنوع هذه العلقه؟‬ ‫صديقي‪ ،‬الذي أعترف بأجنني ل أستطيع أحياجنا أن أميز بين جده‬ ‫وهزله‪ ،‬يصرعلى أن "جينيفر جوجنز" قد وقعت في غرامه )!(‬ ‫‪142‬‬


‫هيهات أن أتمكن من إقناعه بأجنه ل مجال للمنافسة بينه وبين‬ ‫"جريجوري بيك"‪ .‬وأن كلجنا‪ ،‬بالنسبة لها‪ ،‬مجرد معرفه عابره لـ ـ‬ ‫"طفلين" مراهقين محبين للستطلع‪ ،‬متطلعين للمعرفه‪ .‬ل أكثر ول‬ ‫أقل‪.‬‬ ‫ ألم تركيف كاجنت تربت على خدي وكأجنني إبن أختها الصغرى؟‬‫يضحك "حسين" ضحكته الوقحه‪ ،‬ويأتي دوره للتلذذ باستفزازي‪.‬‬ ‫ أجنت لم تقرأ رواية الكاتب الفرجنسي المعروف‪" ،‬جان لوي‬‫مارسو"‪ ،‬عن تلك المرأة التي كاجنت تعشق اليقاع بالمراهقين‬ ‫والستمتاع بتجربتهم الولى‪ .‬لقد كاجنت أيضا في منتصف العقد‬ ‫الثالث من عمرها‪.‬‬ ‫ويعترف لي‪ ،‬في يوم آخر‪ ،‬أجنه ل وجود لكاتب فرجنسي إسمه "جان‬ ‫لوي مارسو"‪.‬‬ ‫ثم يعود لـــ"يعترف" لي‪ ،‬مرة أخرى‪ ،‬بأجنه في اليوم الرابع لتلك‬ ‫الزيارة‪ ،‬يوم الحد‪ ،‬وهواليوم الذي اختفى فيه بالفعل‪ ،‬ولم يحضر إلى‬ ‫المدرسه‪ ،‬فاجأها بزيارته لوحده‪ ،‬فرحبت به‪ .‬وقضى عندها أكثر من‬ ‫ساعتين‪ .‬ول ينسى خلل حديثه أن يخطيء ثم يتدارك خطأه‪ ،‬موحيا ا‬ ‫بذلك بأن هناك سرا يخفيه‪ ،‬وأن "ما خفي كان أعظم"‪ .‬ولكي يثبت‬ ‫صحة روايته‪ ،‬يفاجئني بمجموعة من المجلت الجنبية التي أعطته‬ ‫إياها‪ ،‬ووعدته بمزيد منها إن هو قام بزيارتها مرات أخرى بمفرده‪.‬‬ ‫وأتأرجح أجنا‪ ،‬للحظات‪ ،‬بين تصديق روايته‪ ،‬وبين الصورة المثالية‬ ‫التي رسمتها لها في مخيلتي‪ ،‬والعلقة البريئة‪ ،‬والصداقة الجميلة التي‬ ‫يمكن أن تربط بيننا‪ .‬وأؤكد ذلك لنفسي بقولي مبررا إهتمامها بنا‪:‬‬ ‫وما حاجتها لنا‪،‬غيرذلك‪ ،‬وهي زوجة "جريجوري بيك"؟‬ ‫وأعترف هنا أجنه خطرلي القيام بزيارة لها‪ ،‬بمفردي‪ ،‬ل لشيء سوى‬ ‫إكتشاف مدى صدقه‪.‬‬ ‫لكنني لم أجد في جنفسي الشجاعة لتنفيذ ذلك الخاطر‪ .‬واكتفيت‬ ‫بالتمسك بالصورة المثالية التي رسمتها لها‪.‬‬ ‫‪143‬‬


‫في اليوم الذي يوافق مرور أسبوع على زيارتنا للسيدة الجميله‪،‬‬ ‫وهو موعد الزيارة الموعوده‪ ،‬ظهر"حسين" وقفاه ينم عن آخر‬ ‫زياراته‪ ،‬المتباعدة‪ ،‬للحلق‪ .‬كما اختفت الشعيرات التي كان يتركها‬ ‫متناثرة في أجنحاء مختلفة من ذقنه‪ .‬ولم ينس أن يحذرجني مما من شأجنه‬ ‫أن ينم عن معرفتي بأمر زيارته للسيده‪ .‬فهي قد ألحت عليه بكتمان‬ ‫أمرها‪.‬‬ ‫إستقبلتنا بترحاب ما بعده ترحاب‪.‬‬ ‫قالت أجنها كاجنت في اجنتظارجنا‪ ،‬فهي تحمل لنا أجنباء سارة من شقيقتها‬ ‫التي صادف أن اتصلت بها تلفوجنيا في اليوم التالي لزيارتنا الولى‬ ‫لها‪ .‬فلقد أبدت إهتمامها بالجنضمام إلى جنادينا‪ .‬كما أكدت أجنها سوف‬ ‫تجد من بين صديقاتها وزميلتها من تستهويهن المراسله‪.‬‬ ‫جنظرت إلى"حسين" مبتسما‪ .‬لم يخنه ذكاؤه‪ ،‬فهم معنى ابتسامتي‪.‬‬ ‫ولكنه آثر تجاهل ملحظتي‪ .‬واغتنمت أول لحظة تغيب فيها السيدة‬ ‫لكي أعلق‪:‬‬ ‫ هل جنسيت السيدة أن تزف إليك بالخبرالسار يوم زيارتك لها‪،‬‬‫ويوم أعطتك المجلت الجنبيه؟‬ ‫حاول "حسين"‪ ،‬أيضاا‪ ،‬أن يتجاهل تعليقي‪.‬‬ ‫عادت السيدة ومعها سلة من القش مليئة بأجنواع الفواكه التي لم جنعتد‬ ‫على رؤية معظمها في غزه‪ .‬وعقبت‪:‬‬ ‫ التفاح والكرز من بيروت‪ .‬أجنتما تعرفان أن "ريك" كثيرالتنقل‪،‬‬‫بحكم عمله‪ ،‬بين غزه وقبرص وبيروت‪ .‬ولقد رافقته إلى بيروت‬ ‫في زيارته القصيرة الخيره‪ ،‬حيث تعود أن يقضي الـ "ويك‬ ‫إجند" هناك‪.‬‬ ‫وكأجنما اجنحلت العقدة من لساجني في تلك اللحظة بالذات‪ .‬فوجدتني أعلق‬ ‫بطلقة أدهشتها‪:‬‬

‫‪144‬‬


‫ أوه! إذن فقد قضيت الـ"ويك إجند" في بيروت‪ .‬إجنها مدينة جميله‪،‬‬‫كما يقولون‪ .‬تصوري أن صديقي "حسين" قد جاء لزيارتك‬ ‫بمفرده يوم الحد‪..‬‬ ‫وجنظرت إلى "حسين" متشفياا‪ ،‬تاركا ا له الفرصة لكي يتدبر أمر‬ ‫الـورطة التي أوقع جنفسه فيها‪ .‬جنظرت إليه السيدة‪:‬‬ ‫ هل فعلت ذلك حقا؟ ولكنني أتذكر أجننا اتفقنا أن جنلتقي اليوم‪ ،‬أو‬‫الخميس القادم‪.‬‬ ‫وأسقط في يده كما يقولون‪.‬‬ ‫وأخذت مضيفتنا تحاول أن تنقلنا من موضوع لخر‪ ،‬وتطرح‬ ‫مختلف التساؤلت‪ ،‬وهي بذلك تستحثنا وتشجعنا على الحديث باللغة‬ ‫الجنجليزيه‪ .‬ول تتردد في تصحيح أخطاءجنا اللغوية والستطراد في‬ ‫شرح الفروق بين معاجني الكلمة الواحدة‪ ،‬حسب موقعها‪ .‬قالت أجنها‬ ‫تعمل بمهنة التعليم‪ ،‬وتعشق مهنتها جدا‪ ،‬ولكنها أيضا تحب السفر‪،‬‬ ‫ولذلك فهي ل تترك الفرصة تفوتها عندما يتنقل "ريك"‪ ،‬بحكم عمله‪،‬‬ ‫فتأتي لتقضي معه بعض الوقت هنا أو هناك‪.‬‬ ‫ثم جنهضت معلنة جنهاية الزيارة‪ .‬ولكنها استمهلتنا للحظة ريثما تحضر‬ ‫لنا ما وعدتنا به في المرة السابقه‪ .‬فإذا بها تعود ومعها كومة من‬ ‫المجلت الجنجليزية‪ ،‬مؤكدة أجننا سوف جنحصل على مثلها في يوم‬ ‫الخميس القادم‪.‬‬ ‫لم أقصد مضايقة "حسين" عندما اقترحت إشراك صديقنا "حسن"‬ ‫في زيارتنا المقبلة للسيدة الجميله‪ .‬قلت ربما تستطيع أن تقدم له‬ ‫جنصيحة مفيدة بشأن دراسته التي يخطط لها في جامعات أمريكا‪ .‬هذا‬ ‫من جناحية‪ ،‬ومن جناحية أخرى فهو أيضا جنموذج مشرف من تلميذ‬ ‫مدرستنا‪ ،‬بالضافة إلى أجنه عضو في جنادينا‪.‬‬ ‫لم يجادلني "حسين" كثيراا في هذا الشأن‪ ،‬كما توقعت‪.‬‬ ‫‪145‬‬


‫ويبدو أجنه آثر السكوت آملا وطامعا في سكوتي بعد افتضاح أمر‬ ‫"الزياره" المزعومه‪ ،‬بما اجنطوت عليه من إيحاءات‪.‬‬ ‫أضفت‪:‬‬ ‫ أجنت قد اعترفت أخيرا بأجنه يتكلم الجنجليزية بطلقة أكثر منك‪.‬‬‫وأجنا أعترف لك بأجنك تتفوق عليه في مضمار آخر وهو الـفـشـ ‪..‬‬ ‫قاطعني‪:‬‬ ‫ طيب‪ ..‬طيب‪ ..‬خلص!‬‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫لشدما كاجنت دهشتي‪ ،‬وصدمة "حسين"‪ ،‬حينما اجنطلق "حسن" فجأة‬ ‫في الحديث باللغة الفرجنسية مع السيده "لوريون"‪ ،‬التي تبين أجنها من‬ ‫مدينة "كيوبيك"‪ ،‬عاصمة المقاطعة التي تحمل جنفس السم‪ ،‬والتي ما‬ ‫زالت ترتبط بفرجنسا الم وتميل إلى الجنفصال عن كندا‪.‬‬ ‫وماهي إل أيام أخرى حتى وصلتني رسالة من الشقيقة الصغرى‪،‬‬ ‫"لوسيل"‪ .‬كاجنت الرسالة مشفوعة بصورة تؤكد علقة العائلة الوثيقة‬ ‫بـ "جينيفر جوجنز" وباقي جميلت هوليوود‪.‬‬ ‫أثارت تلك الرسالة حفيظة "حسين" الذي كان يعتقد أجنه صاحب الحق‬ ‫في "لوسيل"‪ ،‬الجميلة‪ ،‬لجنه كان صاحب الفضل في تلك العلقة‬ ‫أص ا‬ ‫ل‪.‬‬ ‫ولكن سرعان ماهدأ باله عندما وصلته رسالة من "سابينا"‪ ،‬التي‬ ‫تفوق الجميع حسنا وجمال‪ ،‬والتي قال فيها زميلنا الشويعر"عيسى‬ ‫فرح" قصيدته العصماء‪ ،‬ومطلعها‪:‬‬ ‫جمــالك هز أعطاف الديـار‬ ‫وعيناك الجميلة يا"سابيـنا"‬

‫وفتنتك البريئة قد سبتـني‬ ‫بسهم الحب رميـا ا قد رمتـني‬ ‫‪146‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫الحـــــــــــــــــركة الثالثه‬ ‫تكررت زياراتنا‪ ،‬جنحن الثلثة‪ ،‬للسيدة الجميله‪ .‬وكأجنما أصبحنا جزءاا‬ ‫من حياتها‪ .‬تستقبلنا بترحاب وحب شديدين‪ .‬ول تمل أبدا من تصحيح‬ ‫أخطائنا اللغوية‪ ،‬أو طريقة جنطقنا لبعض الكلمات‪ ،‬أو الشادة بالجمل‬ ‫الصحيحة أو إجادة النطق بها‪ .‬ول تنسى أن تسألنا عن رسائل‬ ‫"لوسيل" و"سابينا" و"هيلي"‪.‬‬ ‫صادفنا الـميجور " لوريون" أكثر من مرة في بيته‪ .‬كان يرحب بنا‬ ‫بأن يربت على أكتافنا‪ ،‬ثم يعتذر عن عدم مشاركتنا لجنشغاله بكتابة‬ ‫بعض التقارير‪ .‬فتنفرد هي بالحديث إلينا في جو حميم‪ .‬وتغدق علينا‬ ‫من خيرات "بيروت" التي دأبت على قضاء الـ "ويك إجند" فيها‪.‬‬ ‫وأما عن المجلت الجنجليزية أو الميركية فقد كادت أن تصبح‬ ‫مصدرا لدخل إضافي لنا‪ ،‬إذ كنا جنتقاسم ثمنها بعد بيعها بالكيلو‪،‬‬ ‫وذلك بعد قراءتها أو تصفحها‪ ،‬والحتفاظ بما قد يلزم من صفحاتها‬ ‫الغنية بالصور الجميلة‪.‬‬ ‫من الشياء التي استرعت اجنتباهي‪ ،‬دون "حسين"‪ ،‬أو "حسن"‪ ،‬الذي‬ ‫سرعان ما زهد في مشاركتنا تلك الزيارات‪ ،‬تلك الموسيقى التي‬ ‫كاجنت السيدة الجميلة تحرص على أن تغلف بها أجواء البيت‪ .‬كاجنت‬ ‫تلك الموسيقى تشدجني‪ .‬لحظت هي شرودي في بعض الحيان‪.‬‬ ‫وأدركت أن الموسيقى كاجنت تستهوينيي‪ .‬فابتدأت تمدجني ببعض‬ ‫الملحظات والمعلومات عن إسم هذه المقطوعة أو تلك‪ ،‬أوعن‬ ‫المؤلف وجنسيته‪ .‬حفظت إسم "رافيل" الفرجنسي‪ ،‬وأصبحت أميز‬ ‫مقطوعتة " بوليرو" ذات النغم "الشرقي" القريب إلى القلب‪.‬‬ ‫‪147‬‬


‫ينافسه في ذلك "خاتشاتوريان" الروسي وزميله الذي أثار اسمه‬ ‫دهشتي‪" ..‬رحماجنينوف"‪.‬‬ ‫وعرفت المزيد عن العبقري النمساوي "موتسارت" الذي بدأ العزف‬ ‫على "البياجنو" وهو في الخامسة‪ ،‬والتأليف الموسيقي في السابعة من‬ ‫عمره‪ .‬وازدادت معرفتي بالموسيقار اللماجني "بيتهوفن" الذي‬ ‫واصل التأليف بالرغم من إصابته بالصمم‪ ،‬وهوالسم الوحيد الذي‬ ‫كنا جنسمعه مقترجنا بالموسقى الجنبية‪ ،‬التي درج متثقفوجنا على‬ ‫تسميتها‪ ،‬بغير تمييز‪ ،‬بالـ"سيمفوجنيات"‪.‬‬ ‫وسمعت لول مرة موسيقى الـ"جاز" الزجنجية‪ ،‬وعرفت شيئا عن‬ ‫"بول روبسون" المقهور وأغاجنيه الحزينه‪.‬‬ ‫وزاد إهتمامي بملحظاتها خصوصا بعد أن أخذت تقرأ وتفسر ما هو‬ ‫مكتوب على ظهرغلف هذه السطواجنة أو تلك‪.‬‬ ‫دأبت‪ ،‬كما ذكرت‪ ،‬منذ البداية على أن تخصني باهتمامها وتوجيه‬ ‫الحديث لي‪ ،‬محاولة منها لمساعدتي على التغلب على خجلي‬ ‫وتشجيعا لي على المشاركة في الحديث‪ .‬وتزايد ذلك الهتمام بعد أن‬ ‫أثمرت محاولتها تلك‪ ،‬وأصبحت بالفعل أكثر جرأة وتجاوبا‪ ،‬وأقل‬ ‫خوفا من الوقوع في الخطاء اللغويه‪.‬‬ ‫كاجنت تقول دائما ما معناه أجننا ل بد أن جنخطيء لكي جنتعلم‪ .‬وهو ما‬ ‫يتناقض مع ما درج عليه آباؤجنا في البيت‪ ،‬وأساتذتنا في المدرسة‪،‬‬ ‫كمنهج للتربيه‪ .‬وكثيرا ما كاجنت تردد مقولة حفظتها باللغة الجنجليزية‬ ‫تقول‪:‬‬ ‫" الخطأ الكبر‪..‬هو أن تخاف من الوقوع في الخطأ‪ .‬والكبر منه هو‬ ‫عدم العتراف بالوقوع في الخطأ‪".‬‬ ‫كان اهتمامها بي يأخذ أشكال مختلفة‪ ،‬منها الجلوس إلى جاجنبي‪،‬‬ ‫والقتراب مني بشكل لم أتعوده من أجنثى غريبة عني‪ ،‬إمعاجنا منها في‬ ‫‪148‬‬


‫حملي على الجنتباه لما تقول‪ .‬وكثيرا ما كان سلوكها هذا يسبب لي‬ ‫الرتباك والحرج‪.‬‬ ‫في أحد المرات‪ ،‬فاجأتني بأجنها قد حصلت على أسطواجنة معينة كاجنت‬ ‫قد طلبت من "ريك" أن يحضرها من بيروت‪ ،‬كما قالت‪ ،‬خصيصا‬ ‫من أجلي‪ ،‬بعد أن لاحظت مدى إهتمامي بنوع الموسيقى التي تعشقها‪.‬‬ ‫أحاطت كتفي بذراعها التي تمسك بغلف السطواجنة الجديده‪،‬‬ ‫وأخذت تشير بإصبع يدها الخرى إلى بعض السطور وتحثني على‬ ‫قراءتها‪.‬‬ ‫‪Concierto de Aranjuez‬‬ ‫‪Joaquin Rodrigo‬‬ ‫مازلت أذكر ذلك اليوم‪ ،‬وتلك اللحظات‪.‬‬ ‫كاجنت‪ ،‬كما يبدو‪ ،‬تتوقع أن أخطيء في لفظ إسم المقطوعة ومؤلفها‬ ‫السباجني‪ .‬وأخذت‪ ،‬وهي تقرب رأسها من رأسي‪ ،‬تعيد القراءة‬ ‫وتطلب مني تكرارها‪ .‬لكنني في كل مرة كنت أصر على ما كاجنت‬ ‫تعتبره خطأ‪ ،‬وأقوم بلفظ السم بطريقة أخرى‪:‬‬ ‫"كوجنشيرتو دو أراجنخيـــــــــــز"‬ ‫"خواكــــــــين رودريــــــــــجو"‬ ‫شتان بين ما كاجنت تقوله وبين ما كنت أصر على تكراره‪.‬‬ ‫وذلك مما كان يجعلها تستغرق في الضحك‪ ،‬ثم تعيد الكمرة‪ ،‬دون أن‬ ‫تترك لي فرصة لتفسير سبب إصراري على هذا "الخطأ"‪ .‬إلى أن‬ ‫تمكنت من أن أحكي لها قصة كتاب "علم جنفسك اللغة السباجنية"‬ ‫ودور جارتي "هنيه" إبنة "جنيكاراجوا" وأمها "روزاليا" في تعليمي‬ ‫اللفظ الصحيح للحرف والكلمات السباجنية‪.‬‬ ‫وهنا‪ ..‬أخذت تكرر اعتذارها طالبة مني أن ألقنها ما كاجنت تعتبره‬ ‫خطأ‪ .‬واجنقلب الموقف إلى مشهد فيه من المفارقة أو "الكوميديا" ما‬ ‫جعلها تستلقي على ظهرها مستغرقة في الضحك‪.‬‬ ‫‪149‬‬


‫لقد تبادلنا الدوار‪.‬‬ ‫الحقيقة أجنني لم أجنتبه لما بدر من"حسين" من ردود فعل أو تعليقات‪.‬‬ ‫لكن الذي لحظته هوالستياء الذي بدا عليها فجأة‪ ،‬والذي كان جنتيجته‬ ‫أجنها سارعت في إجنهاء الزيارة بجملة وجهتها له فألجمته‪ .‬ثم قالت‬ ‫بحزم قاطع ما معناه أجنها لن تكون‪ ،‬في اليام القادمة‪ ،‬قادرة على‬ ‫استقبالنا‪.‬‬ ‫وبما أن صيغة المخاطب باللغة الجنجليزية ل تفرق بين المخاطب‬ ‫المفرد أو المثنى أوالجمع‪ ،‬كما هو الحال في لغتنا العربيه‪ ،‬فقد اختلط‬ ‫علي المر‪ .‬وبت غارقا في بحر من الدهشة والحيرة‪ ،‬غير مدرك لما‬ ‫كان أو ما سيكون‪.‬‬ ‫هل يمكن أن يكون هذا الكلم موجه لكلينا؟‬ ‫وما سر هذا الجنقلب المفاجيء؟ أم هو مجرد إحساسها بوعكة‬ ‫مفاجئة جعلتها تؤثرالوحده‪.‬‬ ‫خيم علينا صمت كئيب وجنحن جنتجه إلى مدخل البيت‪ .‬كان "حسين"‬ ‫يسبقني منكس الرأس‪ ،‬على غير عادته‪.‬‬ ‫جنظرت إليها جنظرة أخيرة وكأجني أستحلفها أن تنقذجني من حيرتي‪.‬‬ ‫مدت يدها وأمسكت ذراعي لتستبقيني ريثما ابتعد "حسين" قليل‪.‬‬ ‫همست لي‪:‬‬ ‫ يمكنك أن تزورجني في أي وقت تريده‪.‬‬‫ثم أضافت بسرعة‪:‬‬ ‫ بعد ظهر الغد‪.‬‬‫كاجنت لهجتها تحمل صيغة المر‪ ،‬كما تحتمل صيغة العتذار‪ .‬أما‬ ‫عيناها فقد خيل إلي أجنهما تحملن قدرا من الرجاء‪.‬‬ ‫لم يجبني "حسين" على أسئلتي المتكرره‪ .‬لعله آثر السكوت لشعوره‬ ‫بذجنب ما‪ .‬مشينا في صمت حتى وصلنا إلى مفترق طريقينا‪ .‬قال بدون‬ ‫أن يرفع رأسه‪:‬‬ ‫ ول يهمك!‬‫‪150‬‬


‫ثم مضى‪.‬‬ ‫في مثل هذه الحالت‪ ،‬التي تلرفني فيها الحيرة‪ ،‬أسارع للتخلص مما قد‬ ‫يربطني بالخرين‪ ،‬حيث أجنفرد بنفسي لسترجع ما فات‪ ،‬وأحاول أن‬ ‫أجد تفسيرا لما أجنا فيه‪ ،‬أو مخرجا مما أجنا مقبل عليه‪ .‬وكثيرا ما أجدجني‬ ‫قد وصلت إلى ما يبدد حيرتي‪ .‬إل أجنني‪ ،‬في هذه المرة‪ ،‬بقيت غارقا‬ ‫فيما يشبه القلق المشوب بالحزن‪.‬‬ ‫ولول مرة أفكر في مدى صحة معنى تلك الحكمة التي تقول "إن غداا‬ ‫لناظره قريب‪".‬‬ ‫الوقت يمر ببطء ل عهد لي به‪ .‬وليس هناك ما يشير إلى اقتراب الغد‬ ‫إل بمقدار ما يتحرك عقرب الدقائق في ساعة يدي‪ ،‬التي لم أكف عن‬ ‫إعادة ملئها إحساسا مني بتوقفها عن الدوران‪.‬‬ ‫لجأت إلى واجباتي المدرسية التي عادة ما تلتهم الوقت التهاما‪ .‬لكن‬ ‫صورة "كارولين"‪ ،‬في اللحظة التي ماتت فيها الضحكة على شفتيها‪،‬‬ ‫كاجنت تنطبع أمامي على كل الصفحات‪ ،‬فيوغل الوقت في عناده وفي‬ ‫توقفه‪ .‬ثم يتسلل إلى أذجني صوت همساتها لي‪ ،‬فأفاجأ بأن الزمن يعود‬ ‫إلى الوراء‪ .‬ويعود شريط الحداث الذي يؤكد لي أن صداقتنا مع‬ ‫السيدة الجميلة قد باتت مهددة‪ ،‬أو ربما في حكم المنتهيه‪.‬‬ ‫وأسائل جنفسي‪ :‬ما لي أجنا؟ فقد بيزنل ْ‬ ‫ت لي أجنها ل تحمل لي بغضا أو‬ ‫جفاء‪.‬‬ ‫ولكنه صديقي‪ .‬وعلقتي به أقوى وأهم منها ألف مره‪.‬‬ ‫أم أجنني أمام أحد الخيارين؟‬ ‫هو‪ ..‬أم هي؟‬ ‫طبعا ا هو‪ .‬ولتذهب هي إلى الجحيم‪.‬‬ ‫ما هذا الجحود؟‬ ‫ساءلت جنفسي باستنكار‪ .‬وأخذت أشحذ ذاكرتي لسترجع المرة‬ ‫الخيرة التي ربتت فيها أمي على شعري‪ ،‬كما كاجنت تفعل‬ ‫"كارولين"‪ .‬أوآخر مرة لمفت إحدى أخواتي‪ ،‬اللواتي يكبرجنني‪،‬‬ ‫‪151‬‬


‫ذراعها حول كتفي فأشعر بمثل ذلك القدر من الحنان الذي كنت أشعر‬ ‫به عندما كاجنت "كارولين" تفعل ذلك‪.‬‬ ‫ل أشك أبدا في مقدار عواطف أمي جنحوي أوعناية أخواتي بي‪.‬‬ ‫ولكن!‬ ‫كل منهن مشغول في تدبيرأمورالبيت ومسئولياته المختلفه‪ .‬ل أيقمن‪،‬‬ ‫بحكم العادات والتقاليد‪ ،‬وزجنا لظهارعواطفهن‪ ..‬وكأجنها عورات‪.‬‬ ‫هل تحملت أجنثاجنا فعل بصفة "البخل" التي كان أجدادجنا العرب قديما‬ ‫يستملحوجنها في المرأة‪ ،‬كما كان شعراؤجنا يفاخرون بصفة البخل التي‬ ‫تتحلى بها المحبوبة‪ ،‬بحجة أن المرأة الكريمة قد تجود بعواطفها لمن‬ ‫حولها‪ ..‬بدون حساب؟‬ ‫ما قيمة العواطف إن لم جنستطع التعبيرعنها؟‬ ‫أحبت فينا "كارولين" شيئا ما‪ ،‬فلم تتردد في التعبيرعن هذا الحب‪.‬‬ ‫قدمتنا لزوجها‪ ،‬كأصدقاء لها‪ ،‬من غير ما حرج ول مواربه‪.‬‬ ‫في لحظة ما اتخذت من "حسين" موقفا‪ ،‬فلم تتردد من التعبيرعن‬ ‫جنفسها بصراحه‪.‬‬ ‫لم تأخذجني بجريرة صديقي‪ ،‬فهمست لي بما يوحي بأجنها تستثنيني من‬ ‫غضبها‪.‬‬ ‫غدا سوف تأخذ الحياة بالنسبة لها مجراها الطبيعي‪ ،‬بدون أحقاد ول‬ ‫هم يحزجنون‪ .‬ربما تفصح لي عما يزعجها‪ ،‬وربما تكون قد جنسيت أو‬ ‫تناست ما كان‪.‬‬ ‫ما أجمل أن يتحلى الجنسان بمثل هذه الشمائل!‬ ‫*‬

‫‪152‬‬

‫*‬

‫*‬


‫الحـــــــــــــــــركة الرابعه‬ ‫وبالفعل‪ ،‬استقبلتني وكأن شيئا لم يكن‪ .‬جاءت بسلة الفاكهة‪ ،‬وقالت‬ ‫أن"ريك" لم يتمكن من العودة وربما يضطر لقضاء الـ "ويك إجند" في‬ ‫"قبرص"‪ .‬وأحضرت مجموعة المجلت التي فاتنا أن جنأخذها بالمس‬ ‫كماعودتنا‪ .‬ثم تذكرت السطواجنة التي ما زال غلفها ملقى على‬ ‫المنضده‪ ،‬فنهضت لتشغيل الـ "بيك أب"‪ ،‬لينبعث منه صوت الـ‬ ‫"جيتار"‪ ،‬اللة الرئيسية في"كوجنشيرتو أراجنخيز"‪ ،‬وعادت تستكمل‬ ‫قراءة البياجنات المكتوبة على ظهرالغلف‪.‬‬ ‫وعندما اجنتهت من القراءة‪ ،‬جنهضت وأعادت إبرة الجهاز إلى بداية‬ ‫السطواجنة معلنة أجنها سوف تتركني أستمتع بها كاملة‪ .‬وجلست‬ ‫أمامي تقرأ في كتاب‪.‬‬ ‫لم أكن قبل معرفتي بها‪ ،‬قد استمعت إلى ذلك النوع من الموسيقى إل‬ ‫لماما‪.‬‬ ‫ولم أستطع أن أحدد السبب‪ ،‬أو أن أعرف سر إعجابي واجنجذابي لتلك‬ ‫الموسيقى‪.‬‬ ‫في ذلك اليوم بالذات‪ ،‬كان لها مذاق آخر‪ ،‬مميز‪ ،‬له مفعول السحر‪.‬‬ ‫غمرجني دفء من جنوع لم أعرفه من قبل‪ ،‬بالرغم من برودة الجو في‬ ‫أواخر شتاء تلك السنة‪.‬‬ ‫استرقت جنظرة‪ ،‬فوجدتها مستغرقة في القراءه‪ .‬كاجنت هذه فرصتي‬ ‫لطالة النظر إليها‪.‬‬ ‫كم هي جميله!‬ ‫والجمل‪ ،‬هو ذلك الحساس الذي تشيعه في الخرين‪ .‬مزيج من‬ ‫اللفة‪ ،‬والحب‪ ،‬والمومه‪ ،‬والصداقه‪ ،‬والحنان‪.‬‬ ‫خدر لذيذ تسرب إلى أجنحاء جسدي‪ ،‬وعرفت ذلك الشعور الذي يقال‬ ‫له اجنعدام الوزن‪.‬‬ ‫هل هي الموسيقى؟ أم هي "كارولين"؟ أم هما معا؟ا‬ ‫‪153‬‬


‫أتمتع الن بصفاء ذهني لم أعهده من قبل‪.‬‬ ‫خطر لي أجنني‪ ،‬في تلك اللحطة‪ ،‬أستطيع أن أقوم بـلحمل أصعب "مسائل‬ ‫الجبر" التي تستعصي علي في الحوال العاديه‪.‬‬ ‫رمقتني فوجدتني متلبسا بالنظر إليها‪ .‬اضطلرْب أ‬ ‫ت‪ .‬ابتلسلمت‪.‬‬ ‫جاهدتأ لترجم إليها خاطري‪ .‬اتسعت إبتسامتها وأردفت‪:‬‬ ‫ أهلا بك مرات أخرى‪ ،‬أجنت ودفاترك‪.‬‬‫راقت لي هذه الفكره‪ .‬وفضحتني أساريري‪ .‬قالت‪:‬‬ ‫ أجنا أعني ما أقول‪ .‬فمعلوماتي تقول أجنك تعودت أن تذهب في‬‫بعض الحيان عند صديقك‪ ،‬أو يأتيك هو للمذاكرة عندك‪..‬أليس‬ ‫كذلك؟‬ ‫ وفي أوقات المتحاجنات‪ ،‬يبيت أحدجنا عند الخر‪.‬‬‫ضحكت وهي تقول ببساطه‪:‬‬ ‫ وفي الوقات التي يكون فيها "ريك" على سفر‪ ،‬يمكنك أن تبيت‬‫في غرفة المكتبة الخاصة به‪.‬‬ ‫ضحكنا في اللحظة التي أعلن فيها الـ"بيك أب"عن إجنتهاء الوجه‬ ‫ضت بتلقائية‪ ،‬وسارعت في وضع‬ ‫الول من السطواجنه‪ .‬جنه ل‬ ‫السطواجنة على وجهها الخر بينما هي تقول‪:‬‬ ‫ الوجه الخر للسطواجنة يحتوي على الحركتين‪ ،‬الرابعة‬‫والخامسه‪ ،‬فاستمع إليهما باجنتباه‪.‬‬ ‫وعادت للقراءة‪ ،‬بعد أن أضاءت "لمبة" قريبة منها‪ .‬فلقد بدأت‬ ‫الشمس تميل إلى الغروب‪.‬‬ ‫حاولت العودة للستماع‪ .‬لكنني لم أجنجح في التركيز‪ .‬ولم يشد اجنتباهي‬ ‫شيئا مميزا في الـ"حركتين" الخيرتين من الـ "كوجنشيرتو"‪ ،‬سوى‬ ‫أجنها موسيقى جميله‪.‬‬ ‫تمنيت لو لم تنته موسيقى الوجه الول من السطواجنة‪.‬‬ ‫كيف يمكنني أن أعيدها إلى الحديث الذي اجنقطع؟‬ ‫‪154‬‬


‫أضافت الضاءة الجاجنبية إلى وجهها سحراا‪..‬وجاذبية ل تقاوم‪.‬‬ ‫حرص أ‬ ‫ت أن ل تضبطني متلبسا باستراق النظر إليها‪ .‬لكنها فعلت ذلك‬ ‫أكثر من مره‪ .‬وكاجنت البتسامة التي ترتسم على شفتيها تزداد إتساعا‬ ‫في كل مرة‪ .‬ثم فاجأتني بسؤالها‪:‬‬ ‫ لماذا تنظر إلمي هكذا؟‬‫تلعثمت وأجنا أحاول عبثا أن أجد رداا مناسبا‪ .‬رأيت أن أحممل لغتي‬ ‫الجنجليزية مسئولية ذلك‪.‬‬ ‫ صحيح أن قدرتي على الحديث باللغة الجنجليزية قد تحسنت‬‫قليل‪ ..‬ولكن‪..‬‬ ‫قاطعتني‪:‬‬ ‫ بل كثيرا‪ .‬بحيث أصبحت أجد صعوبة وأجنا أتصيد لك الخطاء‪.‬‬‫ ربما‪ ،‬ولكن‪ ،‬فقط‪ ،‬عندما جنتحدث حديثا عاديا‪ .‬أعني أجنني ل أجد‬‫صعوبة في التعبيرعن الخواطر العاديه‪ .‬لكن ‪..‬‬ ‫أغلقت دفتي الكتاب‪ ،‬ورفعت حاجبيها‪ ،‬ومالت برأسها قليل إلى‬ ‫الخلف متصنعة الجد بشكل مبالغ فيه‪ ،‬واجنتظرت أن أكمل جملتي‪.‬‬ ‫لكنني تلعثمت مرة أخرى وضاعت مني الكلمات‪.‬‬ ‫حاوللت أن تساعدجني‪:‬‬ ‫ هل تقصد أن ما يدور في رأسك الن هي خواطرغيرعاديه؟‬‫ بالنسبة لي أجنا‪ .‬فأجنا لم أتعود‪ ..‬لم أكن‪ ..‬لم أعرف‪...‬‬‫وضعت الكتاب جاجنبا ومالت إلى المام وهي تؤكد متابعتها‪:‬‬ ‫ أكمل‪ ..‬أجنا مهتمة بحديثك كما ترى!‬‫استغرقت وقتا ليس بالقصير حتى استطعت أن أمسك بطرف الجملة‪:‬‬ ‫ أعني‪ ..‬أجنني‪ ..‬أقصد‪ ..‬أجنه‪ ..‬عندما أقول لك أجنك جميلة‪ ..‬فهذه‬‫عبارة عاديه‪ .‬ولكن‪...‬‬ ‫وفجأة ضاعت مني البقيه‪.‬‬ ‫‪155‬‬


‫جنهضت من مكاجنها‪ ،‬وجلست إلى جاجنبي وهي تحاول أن تستنطقني‬ ‫وتشجعني‪ ،‬كعادتها‪ ،‬على المضي في الحديث‪ ،‬وشفتاها مزمومتان‬ ‫على ابتسامة غامضة‪.‬‬ ‫يا إلهي! ما الذي جعلني أبدأ بجملة كهذه؟ إجنني أكاد ل أجد بقيتها‬ ‫بلغتي العربية التي أدعي بأجني أأحسن التعبير بها‪ .‬وكلما طالت مدة‬ ‫البحث عن الكلمات تصبح المهمة أكثر صعوبة‪ ،‬ويزداد الحرص في‬ ‫البحث والجنتقاء‪ ،‬خوفا من أن تأتي النتيجة أقل مما أقصد أجنا‪ ،‬أو‬ ‫دون توقعات الطرف المتلقي‪.‬‬ ‫جنعم كنت أريد أن أقول لها أجنها جميله‪ .‬ولكن‪ ،‬كما قلت‪ ،‬بعبارة‬ ‫غيرعادية‪ ،‬تتناسب مع جمالها الغير عادي‪ ،‬وإحساسي الغيرعادي‬ ‫أيضا‪.‬‬ ‫وجدت مخرجي بأن جنظرت إلى الساعة‪ ،‬وقررت أجنني ل أستطيع‬ ‫البقاء أكثر من ذلك‪ .‬فقد أمعنت الشمس فى الغروب‪ .‬ولم أتعود على‬ ‫البقاء خارج المنزل‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬بدون إذن مسبق من والد م‬ ‫ي‪.‬‬ ‫ض ْ‬ ‫ت متفهمة‪ .‬وقالت وهي ترافقني إلى المدخل‪ ،‬والبتسامة‬ ‫فنه ل‬ ‫الغامضة ل تفارق شفتيها‪:‬‬ ‫ قلت لك أن "ريك" متغيب في الغد‪ .‬وهذا يعني أجنك تستطيع أن‬‫تحضر كتبك ودفاترك‪ ،‬وأن تبيت‪ ،‬إن شئت‪ ،‬في غرفة المكتب‪.‬‬ ‫وسوف أتركك مع الموسيقى و"مسائل الجبر"‪ ،‬ولكن بعد أن‬ ‫تكمل حديثك الذي اجنقطع‪ .‬أمامك أربع وعشرون ساعة‪..‬‬ ‫تستطيع خللها أن تستعين بالقواميس‪ ،‬وتبحث عن الكلمات ما‬ ‫استطعت‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫الحـــــــــــــــركة الخامسه‬ ‫‪156‬‬


‫مشيت وأجنا أدمبج ردودا على أسئلتها المتوقعة تارة‪ ،‬أو أفكر في‬ ‫أعذار لغيابي عن البيت لما بعد غروب الشمس تارة أخرى‪ ،‬أو أدمبر‬ ‫حيلة تتيح لي الغياب في الغد‪ ،‬لما بعد شروقها‪ ،‬تارة ثالثه‪ .‬تقابلت عند‬ ‫باب الدار مع والدي العائد لتوه من الجامع القريب منها‪ ،‬حيث يؤدي‬ ‫الصلوات الخمس في أوقاتها‪ .‬عاتبني بصمته‪ .‬وعندما سمع أعذاري‪،‬‬ ‫أخذ يتمتم بدعوات الرضى وسداد الخطى‪ .‬وفعلت ذلك والدتي‪،‬‬ ‫داعية إلى ا‪ ،‬كعادتها‪ ،‬أن يجعل لي في كل طريق صديق‪ ،‬وفي كل‬ ‫خطوة سلم‪.‬‬ ‫وقالت لي إحدى شقيقاتي باقتضاب أن"حسين" قد حضر وسأل عني‪.‬‬ ‫أول ما داهم خاطري هو أن "حسين"‪ ،‬بعد أن تفقدجني ولم يجدجني‪ ،‬قد‬ ‫راقبني ورآجني وأجنا أغادر بيتها‪ .‬ولذلك قررت أن أقول له الحقيقة‪،‬‬ ‫التي أخفيتها عنه أثناء لقاءجنا اليوم في المدرسه‪ .‬وهذه خطوة‬ ‫ضرورية لكي أحظى بدعمه لي في الغد‪ .‬فل بد أن "يعرف" والدي‬ ‫أجنني سوف أقضي ليلة الغد في بيتهم‪ .‬وعلى كل حال‪ ،‬مازال في‬ ‫الوقت متسع لتدبر المر‪.‬‬ ‫تناولت عشائي بصمت وجنهم‪ .‬ثم جلست إلى طاولتي‪ .‬أجنهيت كل‬ ‫واجباتي المدرسية بسرعة قياسية‪ ،‬بل وأتبعتها بواجبات الغد‪ .‬وبعد‬ ‫فترة من التفكير والتأمل‪ ،‬وجدتني أمسك بالقلم وأكتب‪:‬‬ ‫أردت أن أقول لك‪..‬‬ ‫أن ا‪ ،‬سبحاجنه‪ ،‬قد جعل من خلقه من هم على قدرته‪ ،‬دلئل و‬ ‫آيـــــــات‪..‬‬ ‫أو ‪..‬‬ ‫كأجني‪ ،‬وأجنا أتأمل وجهك‪ ،‬إجنما أقرأ فيه التسبيح والصلوات‪..‬‬ ‫أو ‪..‬‬ ‫‪157‬‬


‫أن ما كان يجول في خاطري‪ ،‬وأجنا أجنظر إليك‪ ،‬هو جنغم إلهي‪..‬أغنية‬ ‫بل كلمات‪ ..‬أو‪..‬‬ ‫وقبل أن أسترسل فيما كنت أتوهم أجنه ينتمي إلى الشعر المنثور الذي‬ ‫كنت أميل إليه‪ ،‬حاولت أن أترجم تلك الكلمات إلى اللغة الجنجليزية‪،‬‬ ‫فلم أقتنع بنتيجة ما بذلت من محاولت‪.‬‬ ‫خطر لي أن ألجأ للستاذ "سعيد"‪ ،‬أول من طرح فكرة استعمال‬ ‫اللغة الجنجليزية خارج جنطاق المدرسة‪ .‬لكنني سرعان ما استبعدت‬ ‫هذا الحل‪.‬‬ ‫هل ألجأ لصديقي "حسين"؟ ربما‪ ..‬ولكن‪..‬‬ ‫فجأة تذكرت رأي "حسين" فيها‪ ،‬والرواية التي أملفها وجنسبها للكاتب‬ ‫الفرجنسي "جان لوي مارسو"‪ ،‬الذي تبين أجنه ل وجود له‪ .‬تلك اللعبة‬ ‫التي كان يتقنها‪ ،‬وكثيرا ما كان يمارسها مع بعض المدرسين‪.‬‬ ‫يستشهد بأقوال وحكم من وحي قراءاته أو من تأليفه‪ ،‬بعد أن ينسبها‬ ‫لحد الكتاب الكبار أو لكاتب أجنبي‪ ،‬يسميه كما اتفق‪ .‬ول يجد‬ ‫المدرس أمامه سوى إلتزام الصمت خوفا من اجنكشاف جهله‪.‬‬ ‫وبالرغم من أجنني استبعدت‪ ،‬وما زلت أستبعد‪ ،‬هذا الرأي جملة‬ ‫وتفصي ا‬ ‫ل‪ ،‬إل أجنني لم أستطع الهروب من ذلك التساؤل‪:‬‬ ‫ماذا بعد؟‬ ‫وأطلقت لمخيلتي العنان‪ .‬وتزاحمت وتصارعت الفكار‪.‬‬ ‫ثم غلبني النوم‪.‬‬

‫الحــــــــــــــــــركة السادسه‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫كأن البتسامة الغامضة لم تفارق شفتيها منذ المس‪ .‬تناولت دفاتري‬ ‫وألقت بها جاجنبا‪.‬‬ ‫لول مرة يشد إجنتباهي شيء آخر‪ ،‬غير وجهها وعينيها الشهلوين‪.‬‬ ‫كأجني أرى قوامها للمرة الولى‪ .‬لحظل ْ‬ ‫ت ذلك‪.‬‬ ‫‪158‬‬


‫‪-‬‬

‫لماذا تنظر لي هكذا؟‬

‫وكأجنما أدركت فجأة أجنه السؤال الذي أربكني بالمس‪ .‬غطت وجهها‬ ‫بيديها واجنحنت في ضحكة قصيرة‪ ،‬ثم اعتدلت وأكملت‪:‬‬ ‫ ل‪ ،‬ليس بهذه السرعه‪ .‬إسترح أول! أمامنا متسع من الوقت‪.‬‬‫لم أستطع أن أكف عن النظر إليها وهي تتحرك بحيوية ومرح‪.‬‬ ‫كاجنت ترتدي جنفس الرداء الذي ظهرت به في اليوم الول لتعارفنا‪.‬‬ ‫وكذلك لم أستطع أن أكتم رغبتي في أن أبوح لها باللقب الذي اخترته‬ ‫لها منذ الوهلة الولى‪" ..‬جينيفر جوجنز"‪.‬‬ ‫تمايلت طربا‪ ،‬وتأودت في مشيتها بما يتناسب مع الموسيقى الناعمة‬ ‫التي كاجنت تغمر المكان‪.‬‬ ‫قالت‪:‬‬ ‫ أل تخشى أن يملجني الغرور؟‬‫أضفت بصدق‪:‬‬ ‫ "جينيفر جوجنز" التي أعرفها ليست سوى صوره‪ ،‬بدون روح‪،‬‬‫بل حراره‪.‬‬ ‫اقتربت‪ ،‬وجلست إلى جاجنبي‪ ،‬وعادت إلى شفتيها تلك البتسامة‬ ‫الغامضة‪:‬‬ ‫ مادمت قد بدأت‪ ..‬فلنكمل حديث المس‪.‬‬‫وهيهات أن أتذكر كلمة واحدة مما دوجنت بالمس‪ .‬تصبب العرق من‬ ‫جبيني‪ .‬اجتاحتني همبة لفحة من الحر‪.‬‬ ‫ظننت أن السبب هو تلك "الكنزة" الصوفية التي أصرت والدتي أن‬ ‫أرتديها إتقاء لنسمات ليالي أواخر فبراير البارده‪.‬‬ ‫ساعدتني "كارولين" على التخلص منها‪ .‬لكن موجات أخرى كاجنت‬ ‫تلفحني كلما اقتربت مني لتستدرجني في الحديث‪.‬‬ ‫جنهضت وهي تقول‪:‬‬ ‫ دقيقة واحده‪ ..‬سأعد لك شرابا مرطبا‪.‬‬‫‪159‬‬


‫تمنيت أن تطول غيبتها ريثما أستعيد بعض هدوئي‪ ،‬أو أتدبر إجابة‬ ‫لسؤالها‪.‬‬ ‫ساءلت جنفسي عما إذا كاجنت تريد أن تعرف ما يجول في خاطري‬ ‫بالذات‪ ،‬أم أجنها‪ ،‬فقط‪ ،‬تريد أن تسمع مني المزيد من كلمات العجاب‬ ‫التي لتمل النساء سماعها‪ ،‬حسب ما أعرفه من قراءاتي‪ .‬ول أدري‬ ‫لماذا كنت أميل إلى الفتراض الول‪ ،‬بالرغم من العقبات التي تجعل‬ ‫ذلك في عداد المهمات الصعبة‪.‬‬ ‫عادت تحمل كأسين يختلف لون محتويات أحدهما عن الخر‪ .‬قالت‬ ‫وهي تقدم أحدهما لي‪:‬‬ ‫ "كوكتيل"‪ ،‬عصير فواكه مع قطع من الثلج‪.‬‬‫ثم رفعت كأسها‪ ،‬المختلف لون محتوياته‪ ،‬وهي تقول‪:‬‬ ‫ كأسي فيه خليط ‪" ،‬كوكتيل"‪ ،‬يحتوي على الـ"كامباري"‪ .‬قال لي‬‫الطبيب أن قليل من الكحول يفتح شرايين القلب‪ .‬وأجد متعة في‬ ‫شربه أحياجنا‪.‬‬ ‫ل أظنك ترغب في مثل هذا المشروب‪.‬أم أجنك تحب أن تجربه؟‬ ‫كأجنما أجفلت لمجرد سماع عرضها‪ ،‬وإن كنت لم أسمع بذلك السم‬ ‫من قبل‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬ل‪ ..‬شكراا!‬‫ضحكت وقالت بشيء من الدلل‪:‬‬ ‫ هل تماجنع في شربي أجنا؟ سأتوقف عن ذلك إن أردت‪.‬‬‫ طبعا ل‪.‬‬‫قالت وهي تقرع كأسها بكأسي‪:‬‬ ‫ إذن‪ ،‬في صحتك‪.‬‬‫هأجنا‪ ،‬أخيرالا‪ ،‬أمارس "قرع الكؤوس" كما كنت أراه في الفلم‬ ‫السينمائيه‪.‬‬ ‫‪160‬‬


‫قلت لها ذلك فأغرقت في ضحكة يشوبها بعض المجون‪ ،‬مما أصابني‬ ‫بما يشبه الصدمه‪ .‬تذكرت فجأة صديقي "حسين"‪ .‬لكن سرعان ما‬ ‫اجنتزعتني هي من صديقي وأفكاره الشاذه‪.‬‬ ‫جنظرت إلى ساعة يدها‪ ،‬ثم قالت‪:‬‬ ‫ مارأيك في الموسيقى؟ هل تريدجني أن أستبدل السطواجنه بواحدة‬‫أخرى تختارها أجنت؟‬ ‫كاجنت أغنية حالمة تتردد فيها كلمة إسباجنية استرعت اجنتباهي‪..‬‬ ‫" موتشو‪ ..‬موتشو‪ ..‬موتشو"‪.‬‬ ‫أجبتها بسرعة‪:‬‬ ‫ ل‪ ..‬أبدا! إجنها تروق لي‪ .‬هل تعرفين معنى كلمة "موتشو"؟‬‫هزت رأسها‪ ،‬ورمقتني بنظرة استنكار فيها شيء من الدلع والعتاب‬ ‫وهي تجيب‪:‬‬ ‫ "بوي"!‬‫ثم أضافت وهي تمد لي يدها‪:‬‬ ‫ تعال لريك غرفة المكتبه‪ ،‬حيث سأتركك مع "مسائل الجبر"‬‫للمدة التي تراها كافية‪ .‬أما الموسيقى فسيصلك صوتها عن‬ ‫طريق السماعة المعلقة على حائط الـ"كوريدور"‪.‬‬ ‫كنا قد دخلنا الغرفة‪ ،‬فأكملت وهي تشير إلى الريكة التي تحتل جزءا‬ ‫كبيرا منها‪ ،‬وعليها "بيجامة" مطوية ومنشفه‪:‬‬ ‫ أظنك ستجد كل إحتياجاتك هنا‪ ،‬ول ينقصك كما أرى سوى فرشاة‬‫السنان‪.‬‬ ‫ثم شدتني من يدي‪ ،‬وأضافت‪ ،‬بينما أجنا منقاد إليها بشيء من الذهول‪:‬‬ ‫ وهذا هو باب الحمام‪ ،‬وهذا هو مفتاح النور‪..‬هل من أسئلة؟‬‫استدارت عائدة إلى الصالة‪ ،‬ثم التفتت جنحوي وهي تبتعد قائله‪:‬‬ ‫‪161‬‬


‫ لو احتجت إلى أي شيء‪ ،‬فأجنا في الصالة‪..‬أقرأ‪ .‬وعندما تشعر‬‫بالجوع‪ ،‬عليك أن تخبرجني بذلك بدون تردد‪ .‬فلقد أعددت لنا‬ ‫عشاء خفيفا‪ .‬أما أجنا فأعتقد أجنني سأشعر بالجوع‪ ..‬بعد مدة ساعه‬ ‫أو تزيد قليل‪.‬‬ ‫تأملت قوامها وهي تبتعد بخطوات رشيقة متناسقة تكاد تتوافق مع‬ ‫إيقاع الموسيقى الخفيفة المرحه‪ .‬شيء ما كان يدفعني إلى إطالة النظر‬ ‫إليها‪.‬‬ ‫لم يعد وجهها أو عيناها هما مركز الجاذبيه بالنسبة لي‪.‬‬ ‫عندما اختفت‪ ،‬وجدتني أقف بباب غرفة المكتبه‪ ،‬ومن أمامي غرفة‬ ‫أخرى‪ ،‬يبدو أجنها غرفة النوم‪ ،‬ظل بابها مواربا بالرغم من محاولتها‬ ‫غلقه وهي في طريقها إلى الصاله‪.‬‬ ‫عندما تركتني في المرة الولى لتحضير شراب الفواكه‪ ،‬كنت أرجو‬ ‫أن تطول غيبتها لكي أخلو إلى جنفسي ريثما يزول اضطرابي‪ .‬أما‬ ‫الن‪ ،‬فلست أدري ما الذي أجنا فاعله ريثما تشعر هي بالجوع‪.‬‬ ‫هل أعترف لها بأجنني لم آت من أجل "مسائل الجبر"‪ ،‬ول من أجل‬ ‫"كوجنشيرتو أراجنخيز"؟‬ ‫أعترف؟!‬ ‫وهل هي من السذاجة بحيث تكون قد اجنطلت عليها حيلتي‪ ،‬ووقعت‬ ‫في شراكها؟‬ ‫أم أجنني أجنا الذي وقعت في الشرك الذي تحدث عنه صديقي"حسين"؟‬ ‫مازلت أتمنى أن يكون هو المخطيء‪ .‬ولوأجنني‪ ،‬أيضا‪ ،‬أتمنى أن أجنعم‬ ‫بالمزيد من قربها‪.‬‬ ‫وماذا بعد؟ هل هناك أقرب مما كنا فيه قبل قليل؟‬ ‫أخذت أستعيد وقائع زيارة المس‪ ،‬والزيارات السابقة‪ ،‬واليوم الول‪.‬‬ ‫ثم عدت بالتسلسل الزمني إلى أن وصلت إلى اللحظة التي فتحت لي‬ ‫فيها الباب‪ ،‬اليوم‪ .‬إبتسامتها الغامضه‪ ،‬وقوامها‪ .‬وحرارة جسدها التي‬ ‫لفحتني‪.‬‬ ‫‪162‬‬


‫شعرت بجفاف في حلقي‪ .‬تذكرت كوب الشراب‪ .‬أظنني تركته بدون‬ ‫أن أكمل شربه‪ .‬لم أتردد في النهوض والتوجه إلى الصاله‪.‬‬ ‫تنحنح أ‬ ‫ت‪ .‬رفلعت عينيها عن الكتاب في تساؤل‪ .‬أشرت إلى الكوب‪.‬‬ ‫وضعت الكتاب جاجنبا وجنهضت قائله‪:‬‬ ‫ اجنتظر قليل! ل بد أن الثلج قد ذاب وأصبح الشراب مخففا‪ .‬ظننت‬‫أجنه لم يعجبك‪ .‬سأحضر لك غيره في الحال‪.‬‬ ‫كنت قد سبقتها في الوصول إلى الكوب‪ .‬حاولت أن تأخذه من يدي‪،‬‬ ‫فتمسكت به وأجنا أبين لها أن الشراب المخفف سوف يؤدي الغرض‬ ‫في إطفاء عطشي‪ .‬ول أدري من منا هو الذي كان يسعى إلى إطالة‬ ‫فترة تلمس أيدينا‪.‬‬ ‫ل أظنني كنت أمتلك مثل هذه الجرأه‪ .‬ول أدري كم طالت تلك‬ ‫الفتره‪ .‬لكن الذي أعرفه تماما هو أجنني كنت أريد لها أن تطول أكثر‪.‬‬ ‫عادت بالكوب المملوء‪ ،‬وأثلجت صدري بمحاولتها تجاوز ما جرى‪.‬‬ ‫كنت أخشى أن تكون قد لحظت مظاهر التوترالتي اجنتابتني‪ .‬قالت‬ ‫بمرح يخلو من الفتعال‪:‬‬ ‫ جنصف ساعة‪ ،‬وأكون قد اجنتهيت من قراءة الفصل الخير من‬‫الكتاب‪ ،‬وبعدها أتفرغ لعداد العشاء‪ .‬ولن يستغرق ذلك سوى‬ ‫دقائق أخرى‪ .‬هل بدأت تشعر بالجوع مثلي؟‬ ‫أومأت برأسي وشكرتها وعدت إلى غرفة المكتب‪ .‬شربت الكأس‬ ‫حتى الثماله‪ .‬وحمدت ا أجنها لم تعرأي اهتمام لما كنت أحسب له ألف‬ ‫حساب‪.‬‬ ‫شعرت بحاجة لدخول الحمام‪ .‬كان ل بد من اللجوء إلى ما يعيد لي‬ ‫بعض هدوئي‪.‬‬ ‫لدى خروجي لمحت صورة وجهي في المرآة‪ .‬اقتربت منها عندما‬ ‫لحظ أ‬ ‫ت شحوبي الزائد‪ .‬فجأة تذكرت زوجها‪" ،‬جريجوري بيك"‪.‬‬ ‫تأملـأتني‪ .‬الشيء الوحيد الذي يميزجني عن الطفال هو ذلك الزغب‬ ‫‪163‬‬


‫الكثيف المائل لوجنه إلى السواد فوق شفتي العليا‪ .‬ابتسمت‪ ،‬في سخرية‬ ‫من جنفسي‪.‬‬ ‫خرجت من الحمام أكثر واقعية‪ ،‬وبل أوهام‪.‬‬ ‫استلقيت على الريكة‪ ،‬ورحت فيما هو بين الغفاءة والغماءة‪.‬‬ ‫سمعت صوتا يأتيني من بعيد‪ .‬تمكنت بالكاد من تمييزه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬يا صديقي العزيز!‬‫لأستطيع أن أحدد كم مرة تكررالنداء‪ .‬المهم أجنني صحوت من النوم ‪.‬‬ ‫جنهضت‪ ،‬وأصلحت من شأجني‪ ،‬وخرجت إلى الصالة وأجنا أتظاهر بأن‬ ‫شيئا لم يكن‪ .‬قالت وهي توميء لي بالجلوس إلى المائدة‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬تسللت إلى غرفتك‪ ،‬فوجدتك مستغرقا في النوم‪ .‬هل أجنت "أو‪..‬‬‫كيه"؟‬ ‫صبت لنفسها كأسا‪ ،‬وسألتني عن رغبتي بتناول كأس من "النبيذ‬ ‫الحمر"‪ .‬أجفلت‪ ،‬فأجنا أعرف‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬ما هوالنبيذ‪ .‬قالت من‬ ‫خلل ضحكتها المميزه‪:‬‬ ‫ ل تجزع! فأجنا أعرف وأحترم التقاليد والديان‪ ،‬وما سؤالي إل‬‫من قبيل اللتزام بآداب المائده‪ ،‬أو الـ"إيتيكيت"‪ .‬وعلى أي حال‬ ‫فأجنا من أجنصار أن يجرب الجنسان كل شيء‪ ،‬فيقبل عليه‪ ،‬أو‬ ‫يمتنع‪ ،‬عن وعي وباقتناع‪.‬‬ ‫تذكرت الستاذ "سعيد" وجنصائحه وتعاليمه التي كاجنت تجد في جنفسي‬ ‫قبول في بعض الحيان‪ .‬ثم تذكرت قولها بأجننا يجب أن ل جنخاف من‬ ‫الخطأ لكي جنتعلم من أخطائنا‪ .‬وتمنيت أن تكررعرضها لي‪ .‬لكنها لم‬ ‫تفعل‪ .‬ولم أجد في جنفسي الجرأة للتراجع بدون إلحاح منها‪.‬‬ ‫لم أخجل من جوعي‪ ،‬خصوصا وأجنها كاجنت تأكل بشهية واستمتاع‪.‬‬ ‫وعندما اجنتهينا من تناول العشاء‪ ،‬ملت كأسها مرة أخرى وهي تقول‪:‬‬ ‫‪164‬‬


‫ الموسيقى الراقصة تساعد على الهضم‪ .‬ما رأيك؟‬‫هل أختارها أجنا‪ ،‬أم أترك لك حرية الختيار؟‬ ‫اخترت أغنية لمغن زجنجي‪ ،‬حفظت لحنها وبعض كلماتها لكثرة ما‬ ‫سمعتها في زياراتنا الولى لها‪ .‬صرخت فـرحه‪.‬‬ ‫هرعت للركن الذي يقع فيه الـ"بيك أب" والسطواجنات‪ .‬لم يطل‬ ‫ل‬ ‫بحثها‪ .‬اجنطلقت موسيقى الغنية‪.‬‬ ‫أقبلت علي وهي تتمايل على إيقاع الموسيقى الهاديء فاتحة‬ ‫ذراعيها‪ ،‬ثم اجنحنت أمامي بطريقة مسرحية‪ ،‬وتمتمت بكلمات لم‬ ‫أفهمها‪ .‬ثم عرفت أجنها تطلب مني‪ ،‬باللغة الفرجنسية‪ ،‬أن أراقصها‪.‬‬ ‫ولما رأت اضطرابي وحيرتي قالت‪ ،‬وقد عادت إلى تمايلها‪:‬‬ ‫ سوف تتعلم الرقص بسرعة‪ .‬أذجنك الموسيقية كفيلة بذلك‪.‬‬‫ورأيت جنفسي أمام أمر واقع‪ ،‬ل مجال إزاءه للتردد أو التراجع‪.‬‬ ‫أخذت يدي اليمنى‪ ،‬وأحاطت بها خصرها ووضعت يدها اليسرى‬ ‫على كتفي‪ ،‬بينما ظلت اليدان الخريان‪ ،‬يدها ويدي‪ ،‬متماسكتان‬ ‫ممدودتان‪ ،‬وقالت وهي تكاد أن تلتصق بي‪:‬‬ ‫ هذا هو الوضع الصحيح لرقصة الـ "فوكس تروت"‪.‬‬‫ثم ابتعدت عنى بما يسمح لكلينا أن يرى خطوات الخر‪ ،‬وأكملت‬ ‫على إيقاع الموسيقى‪:‬‬ ‫ واحد‪ ..‬واحد إثنين‪ .‬خطوه‪ ..‬خطوتين‪ .‬واحد‪ ..‬واحد إثنين‪..‬‬‫ثم أخذت المسافة بيننا تضمحل بالتدريج‪ .‬ومدت يدها لتثبت يدي‪،‬‬ ‫المتراخية رهبة وخجل‪ ،‬حول خصرها‪:‬‬ ‫ هكذا يا صديقي العزيز! هذا من مقتضيات الرقصه‪ .‬كف عن‬‫خجلك!‬

‫‪165‬‬


‫تيار كهربائي يدغدغ جسدي‪ ،‬فيسري دم ساخن في عروقي‪ ..‬وكل‬ ‫أعضائي‪.‬‬ ‫جنشوة عارمة تغمرجني‪ .‬وأشعر بالحرج الشديد من ذلك النموالمتزايد‬ ‫الذي يضطرجني للبتعاد عنها خشية أن تشعر به‪ ،‬فأفسد تلك اللحظات‬ ‫التي لم أحظ بمثلها حتى في أحلمي التي كاجنت تثيرها قراءاتي‪ ،‬أو‬ ‫ثرثرات الصدقاء‪ ،‬أو مشاهداتي في الفلم السينمائيه‪ ،‬أو ربما‬ ‫تجاربي المخطوفه المرتعده مع قريبات أو جارات لي ممن يصغرجنني‬ ‫أو من هن في مثل سني‪ ،‬أو أكبر بقليل‪.‬‬ ‫تميل بي إلى اليمين فأميل معها‪ .‬تقودجني إلى اليسار فأجنقاد إليها‪.‬‬ ‫وتفكيري يتركز في تجنب الحتكاك بها‪ ،‬وفي متابعة الغنية‬ ‫مستعجل جنهايتها‪ .‬وقبل أن يتلفظ المغني الزجنجي ذو الصوت الرخيم‬ ‫بكلماته الخيرة‪ ،‬أكون قد تركت خصرها ويدها‪ ،‬وأخذت بالتصفيق‪،‬‬ ‫حسب ما تمليه مشاهداتي في الفلم السينمائيه‪ .‬ثم أسارع بالجلوس‬ ‫لكي ل تكتشف ما جاهدت لخفاءه‪.‬‬ ‫صفقت هي الخرى‪ ،‬وأثنت على سرعة تعلمي لرقصة الـ "فوكس‬ ‫تروت" قائلة ليت وقتها يسمح بأن تدربني على بقية الرقصات في‬ ‫مرات قادمة‪ .‬في كل مرة رقصه أخرى‪" .‬هذا طالما كنت لم أزل في‬ ‫هذا البلد"‪ .‬وهذا‪ ،‬كما تقول‪ ،‬من متطلبات الحياة العصرية الجديدة‬ ‫التي سوف أخوضها في المستقبل القريب‪ ،‬عندما أسافر إلى أمريكا‬ ‫لدراسة الخراج السينمائي‪.‬‬ ‫ ‪ ..‬أليست هذه أحلمك للمستقبل؟ ألم تقل لي أجنك تنوي دراسة‬‫السينما؟‬ ‫رشفت من كأسها بتلذذ وأعادته إلى مكاجنه‪ ،‬ثم أضافت وهي تمسك‬ ‫بذراع الـ "بيك أب"‪ ،‬وتعيد وضع إبرته على بداية السطواجنه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬ثم إن المخرج السينمائي ل بد وأن يكون ملامما بمختلف مظاهر‬‫الحياه‪ .‬والهم من هذا وذاك‪..‬أن ل يكون خجول!‬ ‫‪166‬‬


‫قالتها بشيء من العتاب أو التأجنيب‪ ،‬وهي تشدجني من مكاجني وتحملني‬ ‫على مواصلة الرقص‪ ،‬وتضطر لن تقوم بنفسها بتثبيت ذراعي‬ ‫اليمنى ليحتوي طراوة خصرها ودفئه‪.‬‬ ‫إذن‪ ،‬فقد كاجنت كل مخاوفي وهما‪ .‬فهي لم تشعر بالتغيرات التي‬ ‫اعترتني في الجولة الولى‪.‬‬ ‫وضعت ذراعها‪ ،‬هذه المرة‪ ،‬على كتفي‪ .‬وأخذت تدجندن بلحن المقدمة‬ ‫الموسيقية وهي تقودجني بخطوات ضيقة بحيث لم أستطع تجنب‬ ‫ملمسة ساقي لساقها‪.‬‬ ‫وعندما بدأ المغني الزجنجي ذو الصوت الرخيم في الغناء‪ ،‬أخذت‬ ‫تهمس معه بكلمات الغنيه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬الشمس مشرقه‪ ..‬يا له من يوم سعيد‪ ..‬ويا لله ما أسعدجني!‬‫واستمرت بالهمس بكلمات أخرى مرتجلة‪ ،‬مع اللتزام بلحن الغنيه‪:‬‬ ‫ عليك أجنت أن تقودجني‪ ..‬فهذه هي قواعد الرقصه‪ ..‬المرأة تنقاد‬‫للرجل‪..‬أليس كذلك؟ وهأجنا سأترك لك جنفسي من الن‪.‬‬ ‫ثم فطنت فجأة لشيء هام‪ .‬خلعت حذاءها‪ ،‬لنصبح بنفس الطول تقريبا‪.‬‬ ‫أسندت ذقنهاعلى كتفي‪ ،‬واستمرت بالهمس ببقية كلمات الغنيه‪:‬‬ ‫_ ‪The Moon is shining .. O happy Night .. ..‬‬ ‫‪O, O lucky me‬‬ ‫أما أجنا فقد كنت أجناضل في عدة جبهات‪ .‬أتابع إيقاع الموسيقى‪،‬‬ ‫وأحرص على ضبط الخطوات‪ ،‬وأتحاشى أن تصطدم ساقاجنا‪ ،‬أو أن‬ ‫أتعثر بقدميها‪ ،‬وأتوخى حفظ مسافة معينة بيننا‪.‬‬ ‫لكن هيهات!‬ ‫يدي تمسك بيد "جينيفر جوجنز"‪ ،‬تلك الغادة الفاتنة التي اقتتل من‬ ‫أجلها الشقيقان "جريجوري بيك" و "جوزيف كوتون" حتى الموت‪،‬‬ ‫في فيلم "صراع تحت الشمس"‪.‬‬ ‫‪167‬‬


‫وذراعي يحيط بخصرها اللين المتأود‪ ،‬تلك التي جسدت شخصية‬ ‫"إيمما"‪ ،‬والتي أذعن لسحرها سادة القوم في فيلم "مدام بوفاري"‪،‬‬ ‫رائعة "جوستاف فلوبير"‪.‬‬ ‫وصدرها الجريء يزيد قربه مني في سرعة ضربات قلبي‬ ‫واضطرابي‪ ،‬وشعرها يداعب وجهي‪ ،‬وأريجه يمل خياشيمي‪.‬‬ ‫فأتمنى أن تقف المور عند هذا الحد‪ ،‬لجنفرد بنفسي فأحاول أن‬ ‫أستوعب ما يحدث‪.‬‬ ‫كنت أشعرأن التجربة أكبر مني‪ ،‬وأن ما يجري أكثر حتى من قدرة‬ ‫مخيلتي بمراحل‪.‬‬ ‫والحق أجنني لم أتذكر صديقي "حسين"‪ ،‬لجنني لم أشعر بأي افتعال‬ ‫لما حدث‪ .‬كل شيء كان يتطور بشكل طبيعي وتلقائي‪ .‬وكاجنت‪ ،‬بعد‬ ‫كل رقصة‪ ،‬تسألني إن كنت أفضل أن أخلد للراحة أو النوم‪ .‬فأجنفي‬ ‫ذلك وأكتفي بالجلوس وتجفيف عرقي والتقاط أجنفاسي‪ .‬تأخذ خللها‬ ‫رشفات من كأسها أو تمله بدون أن تحاول إستدراجي لمشاركتها في‬ ‫ذلك‪ .‬ثم تعبث في مجموعة السطواجنات‪ ،‬وجنواصل الرقص من جديد‪.‬‬ ‫تبدأ بالتعريف باسم المغني أو المغنيه أو المؤلف الموسيقي‪.‬‬ ‫وأشاركها الحديث بأن أسال عما يستعصي علي فهمه‪ ،‬فتفسر لي‬ ‫الكلمات أو الجمل بدون كلل‪ ،‬أو تبادر بترجمة ما تختاره من الغاجني‬ ‫الفرجنسية‪.‬‬ ‫ثم تموت على شفتينا الكلمات‪.‬‬ ‫ويلفحني صهد حرارتها‪ ،‬ويعود جسدي للحساس باستدارة فخذيها‪،‬‬ ‫أو تكومر جنهديها‪.‬‬ ‫وتسترق عيناي النظر‪ ،‬رغما عني‪ ،‬إلى تلك المساحة من العري‬ ‫المتاح للصدر‪ ،‬وأكاد ل أستطيع أن ألجم جنظراتي المتسللة‪ .‬ثم أعود‬ ‫لمحاولتي اليائسة لتجنب ما قد يثير اجنزعاجها‪ ،‬كما كنت أتخيل‪.‬‬ ‫وما أن تنتهي الغنية‪ ،‬أوالقطعة الموسيقية‪ ،‬حتى ألقي بنفسي على‬ ‫أقرب كنبة‪ ،‬وأجنا أدارى إجنتصابي‪ ،‬مبالغا بالتظاهر بالتعب والجهاد‪.‬‬ ‫‪168‬‬


‫*‬

‫*‬

‫*‬

‫كاجنت لي "مغامرات" يحسدجني عليها أصدقائي‪ ،‬وتجعلني‪ ،‬في‬ ‫جنظرهم‪" ،‬دون جوان" يشار إليه بالبنان‪ .‬لكنها لم تكن تتجاوز‬ ‫النظرات‪ ،‬أو البتسامات المتبادلة‪ ،‬أو لمسة يد‪ ،‬أو"بوسه" مخطوفة‪.‬‬ ‫وأكثر مغامراتي "فجوراا" كاجنت مع تلك الصبيه "الفايره"‪"..‬جنعيمه"‪،‬‬ ‫التي عوضها ا عن وجهها المائل إلى القبح‪ ،‬بجسد يحسدها عليه كل‬ ‫من رآها من فتيات أو جنساء منطقة "الرمال" بكاملها‪.‬‬ ‫كاجنت تكبرجني بسنتين أو ثلثة‪ ،‬وكاجنت تدرك أجنها تمتلك تلك‬ ‫"المواهب"‪ ،‬ول تترك فرصة تفوت دون أن تتعمد إبرازها‪،‬‬ ‫والتباهي بها‪ ،‬أمامي‪.‬‬ ‫ظلت تتحرش بي منذ أن استقر بنا المقام في "غزة"‪ ،‬إثر الهجرة إليها‬ ‫من القدس‪ ،‬بدون أن تجد استجابة مني‪ ،‬إلى أن كان ذلك الشتاء‪ ،‬فلم‬ ‫أستطع منها فكاكا‪.‬‬ ‫كان والدها يعمل "عتا ا‬ ‫ل" في متجر الحبوب الذي يمتلكه أحد أقربائي‬ ‫في يافا‪ .‬وكاجنت وحيدة أباها الرمل‪ .‬وبعد الهجرة إلى "غزة"‪ ،‬لم‬ ‫يجد بديل عن ترك الصبية في بيت قريبي ليسافر باحثاعن الرزق‪.‬‬ ‫وبعد عامين أرسل والدها ما يفيد بأجنه قد "كتب كتابها" على صديق له‬ ‫عائد إلى "غزة" ليستقر فيها‪.‬‬ ‫زفت لي الخبر وهي تكاد تفقد صوابها من الفرحه‪ .‬وأخذت تعدجني‬ ‫بأجنها‪ ،‬بعد ذلك‪ ،‬سوف تمتعني بعلقة كاملة‪ .‬كاجنت‪ ،‬في‬ ‫الشهورالخيرة‪ ،‬تقول لي‪ ،‬بالحرف الواحد‪ ،‬أن الـ"ترين"‪ ،‬حسب‬ ‫تعبيرها السوقي‪ ،‬الذي كنت أجنفر منه‪ ،‬سوف يتمكن من دخول‬ ‫المحطه )!(‬ ‫لكن زوجها قرر أن يعمل في الخليج‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬

‫‪169‬‬


‫أما أن أراقص "جينيفر جوجنز"‪ ،‬في خلوة امتدت حتى قارب الليل على‬ ‫الجنتصاف‪ ،‬فهذا ما لم يكن ليتسع له خيالي‪.‬‬ ‫لكنها الحقيقة التي ما برحت أراها بعيني‪ ،‬وألمسها بيدي‪ ،‬وأسمعها‬ ‫بأذجني‪ ،‬وأستشعرها بجسدي‪.‬‬ ‫هناك‪ ،‬من بين أحلم منامي‪ ،‬حلم كثيرا ما كان يتكرر بنفس‬ ‫تفاصيله‪ .‬كنت أراجني فيه أتنقل من مكان إلى آخر طائرا‪ ،‬أحلق في‬ ‫الهواء مثل الطيور‪.‬‬ ‫أطير صعودا في العالي أو أغوص هابطا في الفضاء‪ .‬ثم أراجني‬ ‫وقد صحوت من جنومي‪ ،‬ول أكاد أتبين ذلك حتى أعود لواصل‬ ‫الطيران كأجنما لثبت لنفسي أن قدرتي على الطيران حقيقة‪ ،‬وليست‬ ‫مجرد أضغاث أحلم‪.‬‬ ‫حلم في داخل حلم‪.‬‬ ‫وكأجني‪ ،‬في تلك الليلة‪ ،‬مازلت أواصل شيئا من هذا القبيل‪ .‬أصحو من‬ ‫حلمي الراقص‪ ،‬ثم أعود للرقص لثبت لنفسي أن "جينيفر جوجنز"‬ ‫حقيقة شاخصة أمامي‪ ،‬وأستطيع احتضاجنها ومراقصتها مرة إثر‬ ‫الخرى‪.‬‬ ‫اعترى جسدي خدر لذيذ‪ ،‬بينما كاجنت تدور في رأسي فكرة الكتفاء‬ ‫بهذا القدر و الستسلم للنوم‪ ،‬على أن أواصل الحلم في يوم آخر‪،‬‬ ‫ربما في الغد‪.‬‬ ‫ثم فوجئت بموسيقى "كوجنشيرتو أراجنخيز" تتسلل إلى مسامعي‪،‬‬ ‫وصوتها يقترب‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬والن‪ ..‬وقبل أن أتركك مع هذه الموسيقى الهادئة‪..‬‬‫اقتربت تحمل كأسي مجددا‪ ،‬وجلست إلى جاجنبي وأكملت‪ ،‬وقد عادت‬ ‫إلى شفتيها ابتسامتها الغامضة‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬أحب أن أستمع إليك في الحديث الذي اجنقطع بالمس‪ .‬أم أجنك قد‬‫جنسيت؟‬ ‫‪170‬‬


‫ولول مرة أرى أن في وجهها ما يخطف البصرغير العينين‪.‬‬ ‫شفتـــــــــــاها‪.‬‬ ‫حكيت لها‪ ،‬على أجنغام "رودريجو"‪ ،‬قصة حلمي الطائر الذي أثبتت‬ ‫في أحلمي أجنه حقيقه‪ .‬وأشرت إلى الحلم الخر‪ ،‬الذي ما زال يفتقر‬ ‫إلى إثبات حقيقته‪.‬‬ ‫اتسعت إبتسامتها‪ .‬شربت ما تبقى في كأسها وشردت بأفكارها برهة‬ ‫ثم جنهضت‪.‬‬ ‫وبدون مقدمات‪ ،‬تمنت لي‪ ،‬بثغر يفترعن "إبتسامة ما"‪ ،‬جنوما هادئا‪،‬‬ ‫واختفت في غرفة النوم‪.‬‬ ‫ل أدري كم من الوقت قد مضى وأجنا أحاول التخلص من رعشة البرد‬ ‫التي أصابتني منذ أن استبدلت ملبسي لخلد إلى النوم‪ .‬لكن‬ ‫الموسيقى الناعمة كاجنت تؤكد أجنه لم يمض الكثير‪.‬‬ ‫عبثا حاولت أن أجد ما أتدثر به‪ .‬لقد تذكلر ْ‬ ‫ت كل شيء‪ ..‬ما عدا‬ ‫الغطاء‪ .‬وعبثا حاول أ‬ ‫ت الستغناء عنه‪.‬‬ ‫وقفت بباب غرفة المكتب أفكر فيما عساي أن أفعل‪ .‬كان باب غرفة‬ ‫النوم مواربا‪ ،‬وجنور خافت يتسلل منها‪ ،‬وهو الشيء الذي ربما ينم عن‬ ‫إحتمال عدم استغراقها في النوم‪.‬‬ ‫طرقت الباب طرقا خفيفا‪ .‬لم أسمع رد اا‪ .‬طرقته مرة أخرى‪ .‬اجنتظرت‬ ‫قليل ثم دفعته بحرص‪.‬‬ ‫فوجئت بها تنظر لي متسائله‪ .‬وتراءت لي تلك الـ"ابتسامة ما" التي‬ ‫ارتسمت على كل وجهها‪.‬‬ ‫خيم الصمت برهة‪.‬‬ ‫كنت أرتعش من البرد‪ .‬اتسعت ابتسامتها بشكل ملحوظ‪ ،‬ثم ضحكت‪.‬‬ ‫كان شكلي بمنامة "جريجوري بيك" الفضفاضة‪ ،‬التي تتسع‬ ‫لشخصين آخرين من مثلي‪ ،‬مما يثيرالضحك فعل‪.‬‬

‫‪171‬‬


‫ازداد إحساسي بالبرد واشتدت إرتعاشة بدجني‪ .‬فتحت فمي لتكلم‬ ‫فاصطكت أسناجني‪ .‬كدت من شدة إرتباكي أن أقفل عائدا‪ .‬لكنني‬ ‫فوجئت بخلجاتها تتغير‪:‬‬ ‫ تعال يا طفلي المسكين!‬‫قالت هذا وهي ترفع الغطاء عنها بملء ذراعها‪.‬‬ ‫كاجنت عارية‪.‬‬ ‫كررت دعوتها مرة وثاجنية وثالثة‪ ،‬وأجنا اقف مذهول‪ ،‬ل أدري ماذا أجنا‬ ‫فاعل‪ .‬كاجنت هذه هي المرة الولى التي أرى فيها‪ ،‬عن قرب‪ ،‬جسد‬ ‫إمرأة كاملة العري في سريرها‪ ..‬وأي إمراه!‬ ‫ لماذا تقف هكذا‪ ..‬هيا اقترب!‬‫اقتربت متردداا مرتعدا‪ .‬تحركت ومدت يدها الخرى وجذبتني إليها‬ ‫بلهفة‪ ،‬ثم احتوتني بالغطاء‪ .‬ومازالت تدلك جسمي بيديها برفق حتى‬ ‫بدأ الدفء يغمر أجنحائي‪ .‬جست جبيني و جفني ووجنتي ورقبتي‬ ‫بشفتيها‪ .‬جندت عنها تنهيدة راحة قبل أن تقول وهي تحتضنني‪:‬‬ ‫ الحمد ل! ظننت أن مكروها أصابك‪.‬‬‫ثم أبعدت وجهها عني‪ ،‬وأخذت تتأملني‪ .‬عادت إليها بالتدريج‬ ‫ابتسامتها الغامضة‪.‬‬ ‫الحرارة تتسرب منها إلى جسدي المتلهف إلى الدفء‪ ..‬وأي دفء!‬ ‫أرهلفت السمع برهة‪ ،‬ثم رمقـتني متسائلة‪:‬‬ ‫ هل تسمع شيئا؟‬‫قلت بعد أن أرهفت سمعي فترة أطول‪:‬‬ ‫ ل‪..‬‬‫قالت بابتسامة ذات معنى‪:‬‬ ‫ وأجنا أيضا‪ ..‬ل أسمع شيئا!‬‫ثم أضافت مداعبة‪:‬‬ ‫‪172‬‬


‫ ألم جنتفق أن الحركتين الرابعة والخامسة ل تقلن روعة عن‬‫الحركات الثلث الولى؟‬ ‫مرت لحظات‪ ،‬وأجنا أحاول أن أستوعب ما قالته‪ .‬أضافت برقة شديدة‬ ‫وهي تشير بإصبعها إلى خارج الغرفه‪:‬‬ ‫ السيد "رودريجو"‪ ..‬يتساءل من سيقلب السطواجنة على وجهها‬‫الخر؟‬ ‫قبل أن تكمل جنطقها للسم‪ ،‬كنت قد أدركت ما تعنيه‪ .‬لكنني لم أشأ أن‬ ‫أتحرك قبل أن تكمل جملتها‪ .‬كنت أرى منها شفتيها فقط‪.‬‬ ‫لم أكن أعرف كم يمكن أن تكون الشفاه‪ ..‬شهيه‪.‬‬ ‫شدت الغطاء عنى‪ ،‬وهي ترجنو إلي برجاء‪.‬‬ ‫كأجنما كنت أخشى إن عدت إليها أن ل يكون هناك ما يبرر وجودي‬ ‫في سريرها بعد أن ذهبت عني قشعريرة البرد‪ ،‬واختفت مظاهر‬ ‫المرض التي دفعتها لتمنحني تلك العناية الفائقه‪.‬‬ ‫حاولت أن أقرأ في وجهها ما يؤكد لي عكس ذلك‪ ،‬أو ما يضمن لي‬ ‫عودتي‪.‬‬ ‫اجنتظرت أن تنطق بكلمة تبدد مخاوفي‪ .‬فاجأتني بسؤالها المعهود‪:‬‬ ‫ لماذا تنظر لي هكذا؟‬‫قلت وأجنا اقفز من مكاجني‪:‬‬ ‫ سأقول لك‪.‬‬‫لم أستغرق وقتا يذكر حتى اجنسابت الموسيقى‪ .‬وقطعت مسافة العودة‬ ‫في قفزات معدوده‪.‬‬ ‫وجدتها تحكم حول جنفسها الغطاء‪ ،‬وتهز رأسها هزات خفيفة ذات‬ ‫اليمين وذات اليسار بما يعني اجنها تمتنع‪ .‬لكن ابتسامتها الخفيفة‪ ،‬وهي‬ ‫ترمقني من أعلى إلى أسفل وبالعكس‪ ،‬جعلتني أفهم أجنها تضع‬ ‫شروطا لعودتي‪ .‬وقفت حائرا مترددا‪ ،‬محاول أن أفك رموز الرسالة‬ ‫التي وصلتني‪.‬‬ ‫‪173‬‬


‫حاولت أن تبدد حيرتي بأن قالت بشيء من الدلل‪:‬‬ ‫ أظن أجنه ليس من العدل‪.. ..‬‬‫وجدتني أقف أكثر حيرة وترددا‪.‬‬ ‫كدت أسمعها تصرخ بي أن أكف عن خجلي‪ .‬لكنها لم تفعل‪ .‬كاجنت‬ ‫جنظراتها لي تنطق بذلك‪.‬‬ ‫ل بد إذن مما ليس منه بد‪ .‬خلعت الجزء العلى من المنامة‪ .‬توقفت‬ ‫قليل كأجنما كنت أتوقع أن تكتفي بذلك‪.‬‬ ‫ثم تخلصت من قميصي الداخلي بسرعة‪ ،‬ووقفت أمامها برهة عاري‬ ‫الصدر‪ .‬لكنها كاجنت تصرعلى موقفها‪.‬‬ ‫درت حول السرير لتجنب جنظراتها‪ ،‬فأغرقت في الضحك‪.‬‬ ‫خلعت سراويل المنامة بسرعة وقفزت إلى السرير‪.‬‬ ‫كفت عن الضحك‪ .‬احتوتني تحت الغطاء‪ .‬كنت ألهث‪ .‬احتضنت‬ ‫وجهي بكفيها برفق‪:‬‬ ‫ إلتقط أجنفاسك أول‪ ،‬ثم أجبني عن سؤالي‪ .‬أم أجنك قد جنسيت؟‬‫كادت خصلة من شعرها السود أن تغطي إحدى عينيها المتسائلتين‪.‬‬ ‫مددت يدي لعيدها إلى مكاجنها‪ .‬حركت كتفها‪ ،‬الذي اجنحسرعنه‬ ‫الغطاء‪ ،‬وضغطت به على يدي لتستبقيها في مكاجنها‪.‬‬ ‫استجمعت أفكاري وأجنا أتأمل وجهها‪ ،‬وسرعان ما أخذت الكلمات‬ ‫تتدحرج وتتعثر‪.‬‬ ‫ في البداية‪ ،‬كنت أراك ككل‪ .‬أعني‪..‬أجنني لم أكن أرى التفاصيل‪.‬‬‫هزت رأسها وهي ترهف السمع‪ .‬ودار لساجنها يبلل شفتيها‪.‬‬ ‫وجدت البقيه‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬شفتاك‪ ..‬مثل ‪...‬‬‫هزت رأسها مرات أخرى وهي تبتسم مشجعة‪ ،‬كأجنما كاجنت تخشى‬ ‫أن تضيع مني‪ ،‬كعادتي‪ ،‬الكلمات‪ .‬أكملت‪:‬‬ ‫‪174‬‬


‫ ‪ ..‬لم أكن أعرف أن الشفاه‪ ..‬ممكن‪..‬أن تكون‪...‬‬‫وتعصاجني الكلمة الجنجليزيه‪ ،‬مع أجنها من المفردات التي كنت أعرفها‪.‬‬ ‫ولكن سرعان ما بدر منها ما ذكرجني بعجز بيت الشعرالغزلي الذي‬ ‫يقول‪"..‬وعضت على العمناب بالبرد"‪ .‬ولم أتردد باستبدال العناب‬ ‫بالكرز‪ ،‬لجهلي بمعنى كلمة "العناب" باللغة الجنجليزية‪ ،‬وأكملت‪:‬‬ ‫ في لغتنا العربية‪ ،‬يتغزل شعراؤجنا بشفاه المرأة ويشبهوجنها‬‫بالكرز‪ ،‬تلك الفاكهة الـ‪ ...‬ل أعني الـ"حلوه"‪ ..‬هناك كلمة أخرى‬ ‫تعني أجنها تغري على التذوق‪.‬‬ ‫ لذيذه؟‬‫ تقريبا‪ ..‬ولكن هناك كلمة أخرى‪..‬أعني قبل أن يكتشف المرء‬‫أجنها لذيذه‪ ..‬إجنها الصفة التي توحي بأجنها لذيذة‬ ‫ شهيه؟‬‫ جنعم‪ ،‬شهيه‪..‬هذا ما أقصده‪.‬‬‫ وبعد؟‬‫ هذا ما كنت أريد أن أقوله‪.‬‬‫ مالذي كنت تريد أن تقوله؟‬‫ ما قلته لك‪.‬‬‫ قله مرة أخرى‪.‬‬‫ترددت قليل‪ .‬مازالت شفتاها الرطبتان ترسلن جنداءهما‪ .‬استجمعت‬ ‫شجاعتي وقلت‪:‬‬ ‫ شفتاك شهيتان‪.‬‬‫أخذت تتأمل وجهي وكفاها ما زال يحتضناجنه‪ .‬مرت بإبهامها على‬ ‫شفتمي‪ .‬أصابتني قشعريرة لذيذه‪ .‬أغمضت عينمي‪.‬‬

‫‪175‬‬


‫أحسست بأجنفاسها تلهب وجهي‪ ،‬ثم بشفتيها وهما تغمران جفنمي‬ ‫بالقبلت‪ .‬ضربات قلبي تتزايد سرعتها‪ .‬كدت أغيب عن الوعي‪.‬‬ ‫سمعت همسات‪ ،‬كأجنها تأتيني من بعد‪ .‬لم أستطع أن أدرك ما تعنيه‪.‬‬ ‫ ماذا؟‬‫همست مرة أخرى‪ .‬كرر أ‬ ‫ت سؤالي‪:‬‬ ‫ ماذا؟‬‫أبعدت وجههاعني شيئا‪ .‬فتحت عينمي‪ .‬أعادت‪:‬‬ ‫ أسألك‪ ..‬هل قزبل ل‬‫ك إحداهن؟‬ ‫ت أو قبلْت ل‬ ‫ أظنني فعلت‪ ..‬بعض المرات‪.‬‬‫ قبلة حقيقيه؟‬‫ طبعا! وهل هناك قبلة حقيقية وأخرى غير حقيقيه؟‬‫أغلقت عينيها وهي تقول‪ ،‬بينما اجنزلق أحد كفيها ليستقرعلى ظهري‪:‬‬ ‫ إذن‪ ،‬قبلني!‬‫قبلت شفتيها عدة مرات‪ .‬ثم قلت‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬لكن‪ ..‬لشفتيك طعم آخر‪.‬‬‫كدت أرى الرثاء يرتسم على وجهها‪ .‬ثم ابتسم ْ‬ ‫ت وقالت بما يشبه‬ ‫العتاب‪:‬‬ ‫ ما هكذا يقبل الرجل امرأة تحبه‪ ،‬وهي عارية في أحضاجنه‪.‬‬‫كاجنت كلماتها مبطنة بشيء من السخريه‪ .‬قررت أن أدافع عن‬ ‫رجولتي‪.‬‬ ‫لم أجنجح في احتضاجنها بذراعيم إل بعد أن رأت هي أجنه ل بد من‬ ‫مساعدتي‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫ل‬ ‫وكأجنما قد أشفقت علي من ذلك المتحان الصعب‪ .‬أو كأجنها خشيت أن‬ ‫أشعرأجنها اكتشفت جهلي الذي حاولت أن أداريه‪.‬‬ ‫بدأت يدها تعبث بشعري بحنان‪ ،‬والخرى تنزلق فوق ظهري جنزول‬ ‫وصعودلا‪.‬‬ ‫‪176‬‬


‫اجنفرجت شفتاها‪ ،‬ثم أطبقـتا برفق على شفتي السفلى‪ .‬فأحسست بمتعة‬ ‫في الطباق بشفتمي على شفتها العليا‪.‬‬ ‫بدأت النشوة تتسرب إلى أجنحاء جسدي من جديد‪ ،‬خصوصا عندما‬ ‫بدأت شفتاها تعبثان بشفتمي‪ .‬ثم زاد إحساسي بالمتعة وأجنا أشاركها ما‬ ‫تفعل‪.‬‬ ‫شعرت بطرف لساجنها يلمس شفتي‪ ،‬يداعبها‪ .‬أصابتني قشعريرة أمتع‬ ‫وألذ من تلك التي شعرت بها عندما مرت بإبهامها على شفتمي قبل‬ ‫لحظات‪ .‬وعادت أجنفاسها تلفح وجهي‪ .‬وأخذت أصابعها تدلك ظهري‪،‬‬ ‫بينما أصابع اليد الخرى تتخلل شعر مؤخرة رأسي‪ .‬جندت عني تنهيدة‬ ‫طويله‪ ،‬كأجنما خارت قواي‪ ،‬فضمتني بقوة‪ .‬تمنيت أن أحظى بثوان‬ ‫ألتقط فيها أجنفاسي‪.‬‬ ‫كأجنما أحست بي‪ .‬ابتعدت برفق‪ .‬أخذت ترمقني بنظرات حاجنيه‪.‬‬ ‫قلت بصدق‪:‬‬ ‫ هذه هي قبلتي الولى!‬‫ سعيد؟‬‫ ‪ ..‬ل توصف‪.‬‬‫ أما أجنا فقد ذكرتني بقبلتي الولى‪ .‬كنت في مثل عمرك أو أقل‪.‬‬‫ وهو؟‬‫ابتسمت وقالت‪:‬‬ ‫ ل‪ ،‬كان يكبرجني بثلث سنوات فقط‪.‬‬‫قلت متسائل ببراءه‪:‬‬ ‫ "ريك"؟‬‫أجابت بسرعة‪ ،‬مستنكرة‪ ،‬متداركة‪:‬‬ ‫ "ريك"!‬‫ما هذا الهراء؟ "ريك" هو أخي‪..‬أخي‪..‬ألم تعرف ذلك؟!‬ ‫ثم أكملت بما يشبه الهمس‪ ،‬بينما كاجنت عيناها تبحثان عن شيء في‬ ‫فضاء الغرفة وجنورها الخافت‪:‬‬ ‫‪177‬‬


‫ كان صديقا لـ ـ "ريك"‪ .‬ومات منذ عام مضى‪ .‬و"ريك "‪ ،‬الخ‪..‬‬‫والصديق الوفي‪ ،‬يحاول أن يجد لي عزاء بدعوتي إلى الماكن‬ ‫التي يتنقل بينها بحكم عمله‪..‬‬ ‫ثم‪ ،‬كمن يطوي صفحة بدون أن يكمل قراءتها‪ ،‬ويواصل القراءة في‬ ‫فصل آخر‪ ،‬قالت ساءلة‪:‬‬ ‫ ‪ ..‬لم تقل لي رأيك في القبلة الولى‪ ..‬كيف كاجنت؟‬‫ابتسمت وأجنا أتذكر الستاذ "عابدين" مدرس اللغة العربية الذي أخذ‬ ‫يلف ويدور حول الجابة على سؤالي الذي وجهته له أثناء الحصة‪،‬‬ ‫وهوعن معنى كلمة "الررضاب"‪ ،‬ووصفه بالعذوبة‪ ،‬ووصف‬ ‫الشعراء للحبيب بأجنه "عذب اللمى"‪.‬‬ ‫ها قد اكتشفت ذلك بنفسي‪ ،‬وذقت حلوة شهد الرضاب‪ ،‬وعرفت‪،‬‬ ‫ب لماها‪.‬‬ ‫عن تجربضة‪ ،‬معنى أن تكون الشفاه‪ ..‬شهيه‪..‬عذ ر‬ ‫لست على يقين إن كنت قد وفقت في ترجمة خواطري لها‪.‬‬ ‫لكن الذي أذكره جيدا‪ ،‬أجنني لم أتردد في التعبيرعن رغبتي في‬ ‫مواصلة التجربة والكتشاف‪.‬‬ ‫وعدت أرتشف‪ ،‬بنهم وبدون توقف‪ ،‬عساي أن أرتوي من عذوبة‬ ‫لماها‪ ..‬وشهد رضابها‪.‬‬ ‫ثم عرفت يداي طريقهما لكتشاف معالم جسدها اللميس‪.‬‬ ‫وأخذت أجناملي تتلمس طريقها‪ ،‬كأجنها تلملم اللذات المبعثرة على أديمه‪.‬‬ ‫وعرفت هي كيف تجعلني أتنقل بشفتي على أجنحاء وجهها‪ ،‬وجيدها‪،‬‬ ‫وكتفها ‪..‬‬ ‫و‪..................................................................................‬‬ ‫‪. ....................................‬‬ ‫هكذا تعلمت من بعض من كنت أقرأ لهم‪ ،‬في ذلك الوقت‪ ،‬أن أترك‬ ‫سطوراا ل تحتوي على أكثر من جنقط‪.‬‬

‫‪178‬‬


‫فأجنت‪ ،‬إن لم تكن قادراا على مواصلة السرد والوصف‪ ،‬أو إن شئت‬ ‫الحتفاظ بتلك التفاصيل أو كتماجنها‪ ،‬فما عليك إل أن تترك ذلك‬ ‫للمخيلة وفنوجنها‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫في الصباح الباكر‪ ،‬أفقت من جنومي فلم أجدها إلى جاجنبي‪.‬‬ ‫إكتشفت أجنني أرقد تحت الغطاء‪ ،‬عاريا‪ ،‬بالرغم من يقيني بأجني قد‬ ‫احتفظت بآخر قطعة من ملبسي الداخليه‪.‬‬ ‫لن أفكر بالتفاصيل الن‪ .‬سوف أعود لستذكار تلك التفاصيل آج ا‬ ‫ل‪،‬‬ ‫وسوف يكون أمامي من الوقت ما يكفي لذلك‪ .‬المهم أن الوقت هو‬ ‫وقت صحوي للذهاب إلى المدرسه‪.‬‬ ‫سمعت صوت تنقلتها خارج الغرفه‪ .‬وقبل أن أجنتهي إلى قراري‬ ‫بتجميع قطع ملبسي من هنا وهناك‪ ،‬بعد أن تمكنت من تحديد‬ ‫أماكنها‪ ،‬كاجنت سيدتي الجميلة تدخل الغرفة وهي تدفع أمامها عربة‬ ‫عليها ما أعرفه وما ل أعرفه من الطيبات‪.‬‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫*‬ ‫كان "حسين" في اجنتظاري عند أول منعطف للطريق‪ .‬فمه ينفرج عن‬ ‫السن الماميه المفقوده‪ ،‬وهو يسأل بإلحاح عن سبب تأخري‪.‬‬ ‫لم يتمالك جنفسه من إتهامي بـ"الفشر"‪ ،‬وأجنا لم أبدأ بعد برواية ما‬ ‫يستدعي‪ ،‬بحق‪ ،‬التهام بهذه التهمه‪ .‬تظاهرت بالغضب‪ ،‬وقاطعته‬ ‫طوال اليوم‪ .‬لكنه في النهاية لم يحتمل مقاطعتي له‪ .‬قبلت اعتذاره‬ ‫بشرط أن يأتيني في المساء ليدعوجني لستكمال المذاكرة سويا في‬ ‫بيتهم لليلة الثاجنيه )!(‬ ‫قبل هو شروطي بعد أن وعدته بأن أقص عليه ما جرى في الزيارتين‬ ‫الخيرتين للسيدة الجميله‪ ،‬حسب طلبه‪ ،‬بالتفصيل المفصل‪.‬‬ ‫ليس هناك أي أهمية لما جرى أو ما دار من الحديث بيني وبين‬ ‫"حسين" منذ أن وصلنا إلى دارجنا حتى مغادرتنا لها سويا‪ ،‬قبيل‬ ‫الغروب‪.‬‬ ‫‪179‬‬


‫كنت‪ ،‬فقط‪ ،‬أشعر بشيء من تأجنيب الضمير لرتكابي الكذب على‬ ‫والدي للمرة الثاجنية‪ .‬أما ارتكابي للمعصية الخرى‪ ،‬فقد كنت أردد‬ ‫بيني وبين جنفسي أن أل أراد أن يكافئني على إلتزامي‪ ،‬قبل ذلك‪ ،‬بكل‬ ‫ما يرضي الوالدين)!(‬ ‫عند مفترق طريقنا اليومي‪ ،‬اجنتظرت حتى اختفى "حسين" في‬ ‫المنعطف المؤدي إلى دارهم ‪.‬‬ ‫وعندما شارفت على الوصول‪ ،‬كاجنت الشمس قد مالت إلى الغروب‪.‬‬ ‫وأول ما جذب اجنتباهي هو الظلم الذي يكتنف البيت‪ .‬فقد سبق أن‬ ‫لحظت أجنها تضيء الجنوار بمجرد جنوح الشمس للمغيب‪.‬‬ ‫ل بأس‪ ،‬فكثيرا ما كنا جنتعرض لجنقطاع التيار الكهربائي في تلك‬ ‫المنطقه‪ ،‬لبعض الوقت‪.‬‬ ‫تراءى لي‪ ،‬عن بعد‪ ،‬شخص يجلس على الدرجات المؤدية إلى‬ ‫المدخل‪ .‬وعندما وصلت إلى مدخل الحديقة‪ ،‬جنهض الرجل واقترب‬ ‫مني على عجل‪ .‬و بادرجني البستاجني العجوز‪ ،‬وهو يناولني مظروفا‪:‬‬ ‫ مساء النور يا ولدي‪ .‬هل هذه الرسالة لك؟‬‫استطعت أن أتبين‪ ،‬على بقايا جنور الشفق‪ ،‬إسمي مكتوبا باللغة‬ ‫الجنجليزية‪ .‬لم أكد أجيبه باليجاب حتى تركني وهو يستمهلني راجيا‬ ‫أن أجنتظره‪.‬‬ ‫عاد الرجل وفي يده شيء سرعان ما عرفته‪..‬‬ ‫أسطواجنة "كوجنشيرتو أراجنخيز"‪.‬‬ ‫أضاف ببساطة أن "الضابط" حضر مستعجل‪ ،‬وأن السيدة قد سافرت‬ ‫معه‪ ..‬وتركت لي هذا الغرض‪.‬‬ ‫في دار صديقي "حسين"‪ ،‬قرأجنا في الرسالة ما يلي‪:‬‬ ‫" أتمنى لك أ ن تحقق كل أحلمك‪ .‬ويداعا!"‬ ‫كارولين‬ ‫‪180‬‬


May all your Dreams come true . Adieus! Caroline Gaza , 24.2.1951

181


‫فهرس‬ ‫‪ -1‬عندما أبكاجني "حربي"‪5..........................‬‬ ‫‪ -2‬العـــــازف‪15.......................................‬‬ ‫‪ -3‬إم سماعين‪49........................................‬‬ ‫‪182‬‬


‫‪ -4‬حمار "فارس"‪57...................................‬‬ ‫‪ -5‬أوهام الحب‪61......................................‬‬ ‫‪ -6‬جنهاد‪67................................................‬‬ ‫‪" -7‬موتشاتشا"‪75 ......................................‬‬ ‫‪ -8‬صليب مالطا‪79 .....................................‬‬ ‫‪ -9‬خارج السوار ‪95 ..................................‬‬ ‫‪ -10‬كاريوكا‪99............................................‬‬ ‫‪" -11‬شالوم أخي"‪105.....................................‬‬ ‫‪-12‬ق م‬ ‫طاع الطرق‪109.....................................‬‬ ‫‪-13‬أبــــو "‪118......................................."...‬‬ ‫‪-14‬وزارة "أبو فلن"‪117...............................‬‬ ‫‪-15‬القافله والجممال‪120...................................‬‬ ‫‪-16‬تلك هي ياصديقي‪122................................‬‬ ‫‪-17‬حبيبه والقديسه "جنينا"‪128...........................‬‬ ‫‪-18‬كارولين ‪141..........................................‬‬ ‫‪-19‬كارولين‪..‬كوجنشيرتو‪144.............................‬‬ ‫‪ -20‬فهرس ‪189............................................‬‬

‫‪183‬‬

(6) عندما أبكاني حربي 3ديسمبر ok  
Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you