Page 1

‫سلسلة محاضرات في مقياس‬

‫االجتهاد القضائي في قانون األسرة‬ ‫لطلبة السنة الثانية ماستر‪/‬تخصص‪:‬قانون األسرة ‪3102- 3102‬‬ ‫إعداد األستاذ ‪ :‬غجاتي فؤاد‬ ‫المحور األول‪:‬‬ ‫تطور االجتهاد القضائي وأهميته في قانون األسرة من الوجهة العملية‬ ‫إن مسايرة القضاء الشرعي يف جمال األحوال الشخصية ملا تتطلبه األوضاع املختلفة للمجتمع‬ ‫يف خمتلف مراحل تطوره إمنا يدل على مرونة التشريع اإلسالمي بوجه عام وصالحيته الستيعاب ما‬ ‫جيد من قضايا ناجتة عن التطور العلمي الذي يشهده هذا العصر‪ ،‬أو ناجتة عن الظروف السياسية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬وكذا األوضاع الثقافية اليت استحكمت يف بعض الدول العربية ‪.‬مما جعل الدور مناطا‬ ‫باحملاكم الشرعية للنهوض باالجتهاد يف جمال قضاء األحوال الشخصية‪ ،‬األمر الذي أسهم يف احملافظة‬ ‫على إبقاء الشريعة اإلسالمية مصدرا ألحكام األسرة‪ ،‬وفيما يأيت بيان ذلك من خالل املطالب اآلتية‪:‬‬ ‫المطلب األول ‪:‬العوامل المساعدة على تطور االجتهاد في قضايا األسرة‬

‫ويراد هبا العوامل اليت كان هلا تأثري يف قضايا األحوال الشخصية‪ ،‬مما ساعد على تطور‬ ‫االجتهاد فيها‪ ،‬وذلك بظهور مسائل مستجدة‪ -‬نتيجة عوامل معينة ‪-‬حتتاج إىل بيان احلكم الشرعي‬ ‫الذي يناسبها‪ ،‬ومن هذه العوامل‪:‬‬ ‫‪-1‬التطور العلمي‪ :‬إن غزارة الدراسات االجتماعية واألحباث الطبية واالبتكارات العلمية املتسارعة‪،‬‬ ‫اليت مكنت البشرية من الوصول إىل كثري من احلقائق اليت كانت جمهولة سابقا‪ ،‬ومنها بعض اجلوانب‬ ‫املتعلقة باألحوال الشخصية‪ ،‬كتقدير أطول مدة احلمل‪ ،‬وإثبات النسب‪ ،‬وأطفال األنابيب‪ ،‬وبنوك‬ ‫احلليب يف الرضاع‪ ،‬وغري ذلك ‪.‬فظهور مثل هذه املسائل اليت حتتاج إىل بيان حكمها الشرعي‬ ‫املناسب هلا‪ ،‬ال يكون إال عن طريق االجتهاد فيها‪.‬‬ ‫‪-2‬الوضع السياسي واالجتماعي‪ :‬تأثر قانون األحوال الشخصية كغريه من القوانني بالوضع‬

‫السياسي واالجتماعي السائدين‪ ،‬بعدما حل حمل حكم الدولة العثمانية بالشريعة اإلسالمية يف كثري‬ ‫من الدول العربية واإلسالمية االحتالل األجنيب الذي أقصى تطبيق الشريعة اإلسالمية يف خمتلف‬ ‫مناحي احلياة املدنية على اخلصوص‪ ،‬وأبقى على األحوال الشخصية حتكمها قواعد الفقه اإلسالمي‪،‬‬ ‫غري أنه مل يبق األمر على حاله بعدما تأثر بعض املسلمني مبناهج احملتل‪ ،‬فانعكس ذلك على فهمه‬ ‫لدينه‪ ،‬وعلى مدى التزامه بتطبيقه على الوجه الصحيح‪ ،‬فغدا التفكك األسري والتشرد ‪ ،‬وضياع‬ ‫‪1‬‬


‫اهلوية‪ ،‬وظهرت مسات لألسرة املسلمة مماثلة بنسبة ما لألسرة يف اجملتمع الغريب‪ ،‬وعلى املستوى‬ ‫السياسي اختريت الطبقة احلاكمة من الطائفة املتأثرة بثقافة غري إسالمية‪ ،‬فأصبح التوجه العام يالمس‬ ‫املشاكل يف كل اجلوانب‪ ،‬ويبحث عن احللول األجنبية خارج نطاق أحكام الشريعة اإلسالمية يف‬ ‫جانب السلوك الفردي والنظام االجتماعي والنظام العقايب‪ .‬فكان من دواعي النهوض باالجتهاد‬ ‫السعي حلماية األسرة من غوائل املفاسد االجتماعية اليت أفرزهتا احلضارة الوافدة‪ ،‬لوضع البدائل‬ ‫واحللول املناسبة اليت من شأهنا احملافظة على النظام األسري يف اجملتمعات اإلسالمية‪.‬‬ ‫‪-3‬التأثر بالحضارات الوافدة‬

‫إن أهم ما خلفه تالقي احلضارات وتعارف الشعوب على اجملتمع اإلسالمي هو زعزعة الثقة‬ ‫باألحكام الشرعية وخاصة يف قضايا األسرة اليت تعترب اللبنة األوىل للمجتمع‪ ،‬ما أدى إىل العمل على‬ ‫تغيريها ولو تدرجييا‪ ،‬ومن هنا كانت حجج املطالبني بالتعديل وتربيراهتم مبنية على حتمية استنباط‬ ‫أحكام تتماشى مع روح العصر‪ ،‬واستجابة مليوهلم لتقاليد األمم األخرى يف هذا االجتاه‪،‬أو جتنبا‬ ‫الهتامهم بالتخلف‪ ،‬ألن الشريعة اإلسالمية تبيح تعدد الزوجات والطالق ولو كان ذلك للمصلحة‪.‬‬ ‫فكان لالجتهاد دور يف بيان تفوق النظام اإلسالمي بكل جوانبه على ما لدى اآلخرين من‬ ‫أنظمة‪ ،‬فما أعطته األحكام الشرعية للمرأة يفوق ما أعطته القوانني واألنظمة يف دول الغرب‪ ،‬وهذا ما‬ ‫صرح به الكثري منهم‪.‬‬ ‫المطلب الثاني ‪:‬أهمية االجتهاد القضائي في قانون األسرة من الوجهة العملية‬

‫إذا مل تكن االجتهادات القضائية يف القانون الفرنسي والقوانني العربية اليت سارت على خطاه‬ ‫تعد من الوجهة النظرية قواعد قانونية عامة وملزمة‪ ،‬فإهنا يف الواقع تتمتع من الوجهة العملية بقوة‬ ‫ملزمة تكاد ال تقل أمهية عما تتمتع به قواعد القانون الناشئة عن مصادره الرمسية‪ ،‬وكثري من‬ ‫االجتهادات اليت صدرت عن القضاء الفرنسي وال تزال تطبق حىت اليوم كأهنا قواعد ملزمة مع أهنا‬ ‫ليست قواعد قانونية‪.‬‬ ‫ولعل السبب الرئيس هلذه القوة اليت يتمتع هبا االجتهاد القضائي من الناحية العملية يكمن يف‬ ‫تسلسل أنواع احملاكم من جهة‪ ،‬ووجود رقابة من حمكمة النقض على أحكام احملاكم األدىن منه درجة‬ ‫من جهة ثانية ‪ .‬فحني تتبىن حمكمة النقض يف أحكامها رأيا معينا وتستقر عليه تتبىن بعدها سائر‬ ‫احملاكم هذا الرأي وتطبقه بانتظام‪ ،‬وال شك يف أن اجتهاد حمكمة النقض ليست له من الوجهة‬ ‫النظرية أية قوة إلزامية‪ ،‬وميكن ألية حمكمة خمالفته إذا شاءت‪ ،‬ولكن احملاكم اليت هي أدىن من حمكمة‬ ‫النقض تدرك أن ال فائدة من خمالفة اجتهاداهتا املستقرة؛ ألن أحكامها ستنقض إن هي فعلت ذلك‪،‬‬ ‫لذا فهي تلزم نفسها غالبا بتلك االجتهادات سواء اقتنعت هبا أم مل تقتنع‪ ،‬حىت ال تكون أحكامها‬ ‫‪2‬‬


‫عرضة للنقض‪ ،‬وعلى هذا تصدر عن حمكمة النقض أحكام تتضمن مبادئ قانونية‪ ،‬يطلق عليها اسم‬ ‫"األحكام المبادئ"‪ ،‬وهكذا ينشأ اجتهاد ثابت مستقر تطبقه مجيع احملاكم كما تطبق قواعد‬ ‫القانون ‪ .‬وليس ما مينع حمكمة النقض من تغيري اجتهادها الثابت إذا دعت احلاجة لتغيريه‪ ،‬وعندئذ‬ ‫حيصل تغري يف االجتهاد‪ ،‬وينشأ اجتهاد جديد لدى حمكمة النقض يصبح فيما بعد اجتهادها املستقر‬ ‫الذي تتقيد به احملاكم األخرى‪.‬‬ ‫وقد كان للتطبيق العملي ألحكام األسرة يف البالد العربية– ومنها اجلزائر ‪-‬األثر الكبري على‬ ‫االجتهاد القضائي‪ ،‬فحينما توجد مشكلة مل يتناوهلا القانون املعمول به يقرتح ما يغطي هذه املشكلة‬ ‫عن طريق االجتهاد‪ ،‬وعندما تظهر صعوبة يف تطبيق مادة ما‪ ،‬أو يف حال تعدد األفهام حوهلا‪ ،‬يأيت‬ ‫التعديل اجلديد عن طريق االجتهاد ليضع حدا لالختالف‪ ،‬وينقل القانون إىل صياغة أمثل تساعد يف‬ ‫ضبط التطبيق حنو األفضل‪ .‬ومن أمثلة ذلك ما يلي‪:‬‬ ‫‪-‬ليس للمرأة حق طلب التطليق بسبب فقد زوجها أو غيابه عنها بالسجن أو السفر‪ ،‬وفقا‬

‫للمذهب احلنفي املطبق يف كثري من األقطار اإلسالمية‪ ،‬حيث جاء التعديل ليأخذ برأي اجلمهور‬ ‫الذي يعطي املرأة حق طلب التفريق هلذه األسباب‪ ،‬وذلك رفعا للضرر عنها‪ ،‬وهو ما نصت عليه‬ ‫املادة‪ 112‬من قانون األسرة اجلزائري‪.‬‬ ‫ليس للمرأة احلق يف طلب فسخ عقد الزواج بسبب اإلعسار بالنفقة اعتمادا على املذهب‬‫احلنفي الذي ال جييز ذلك‪ ،‬فجاء التعديل (االجتهاد) ليأخذ برأي اجلمهور الذي يعطي للمرأة حق‬ ‫طلب الفسخ هلذا السبب‪ ،‬وهو ما نصت عليه املادة ‪ 53‬من قانون األسرة اجلزائري‪.‬‬ ‫وخبصوص كثرة دعاوى الزوجات بعدم اإلنفاق عليهن ملدة طويلة سابقة على رفع الدعوى يصعب‬‫إثباهتا أحيانا‪ ،‬جاء التعديل ليعطي املرأة حقها يف النفقة املستحقة سابقا إذا ثبت ذلك بالبينة‪ ،‬وهو‬ ‫ما نصت عليه املادة ‪ 80‬من األمر رقم‪11 _ 84‬لسنة ‪ 1984‬املتضمن قانون األسرة املعدل واملتمم‪.‬‬ ‫ومن هنا يتضح دور االجتهاد القضائي عمليا من خالل املسامهة الفعالة يف حل ما أشكل‬ ‫من قضايا ختص نظام األسرة واجملتمع ‪.‬غري أنه ال يرتقي يف مفهومه إىل معىن االجتهاد القضائي الشرعي‪.‬‬ ‫ إال أنه وبالرغم من أن االجتهاد القضائي جاء ليحل بعض املشكالت يف عدد من نصوصه‪ ،‬فقد‬‫ساعد ذلك يف خلق مشكالت أخرى‪ ،‬على حنو النصوص اليت جاءت لتعاجل اإلضرار بأحد‬ ‫الزوجني‪ ،‬مبا يسمى بقضايا الشقاق والرتاع اليت أوجدت حالة من كشف األسرار الزوجية‪،‬كما‬ ‫أدى التعويض عن الطالق التعسفي إىل اختالق الزوج يف زوجته ما ليس فيها للهروب من دفع‬ ‫هذا التعويض‪.‬‬ ‫المطلب الثالث ‪ :‬دور االجتهاد القضائي في استقرار األحكام القضائية‬ ‫‪3‬‬


‫تعد األحكام القضائية الصادرة من احملاكم واجلهات القضائية بشكل عام ثروة حقوقية‪ ،‬إذ‬ ‫أهنا تشكل الطابع العملي احلي للقانون‪ ،‬وهي اليت تشكل مداه وأبعاده‪ ،‬فالقانون مبواده عبارة عن‬ ‫مادة خام جامدة‪ ،‬تصبح يف حالتها النشطة عندما تتحول إىل أحكام قضائية ؛ فاألحكام املؤيدة من‬ ‫قبل احملكمة العليا‪ ،‬واليت يستقر عليها قضاؤها هي تعبري عن توجه القضاء وتوضيح للمنهج الذي‬ ‫يسري عليه أثناء فصله يف املنازعات املعروضة عليه‪ .‬وتسمى األحكام اليت تستقر احملاكم العليا على‬ ‫األخذ هبا باملبادئ القضائية‪.‬‬ ‫وللمبادئ القضائية أمهية كربى سواء بالنسبة للمحامني واملرتافعني أمام احملاكم‪ ،‬أو حىت‬ ‫بالنسبة للقضاة أنفسهم خاصة قضاة الدرجة األوىل‪ ،‬وذلك أن القوانني واألنظمة واللوائح‪ ،‬وإن‬ ‫كانت هي املرجع يف تقرير احلقوق وترتيبها‪ ،‬إال أن تلك القوانني ‪-‬مهما مت االجتهاد عند إعدادها‬ ‫ووضعها وحماولة أن تكون شاملة‪ -‬إال أهنا قد يعرتي بعض موادها إما الغموض واإلهبام‪ ،‬أو أن تكون‬ ‫قاصرة يف بعض احلاالت‪ ،‬حبيث يصبح هناك فراغ قانوين‪ ،‬ويف هذه احلالة فإن القاضي واحملامي‬ ‫يستأنس بالرجوع للمبادئ واألحكام القضائية السابقة حلاالت مشاهبة‪.‬‬ ‫واملبادئ القضائية تنشأ بسبب وجود مواد مبهمة أو حاالت مل يتم تناوهلا عند سن القانون‬ ‫أو النظام‪ ،‬ويف هذه احلالة فإن القاضي حياول أن جيد تفسريا مناسبا للنص الغامض‪ ،‬أو أن يبتدع‬ ‫حكما جديدا للحالة غري املتناولة بالتنظيم‪ ،‬مستعينا يف ذلك بالعرف ومببادئ القانون الطبيعي‪،‬‬ ‫ومبادئ العدالة‪ ،‬واحلاالت املشاهبة ‪ ،‬حماوال الوصول حلكم مرض‪.‬‬ ‫ومما يؤكد على أمهية املبادئ القضائية يف العمل القضائي يف جمال األحوال الشخصية‪ ،‬هو‬ ‫غياب القوانني املنظمة ألغلب احلقوق‪ ،‬يف ظل عدم وجود تقنني شامل متثله أحكام الفقه‬ ‫اإلسالمي‪ ،‬حيث إن جمال االجتهاد يبقى مفتوحا أمام القاضي ليحكم مبا يرجحه من املذاهب‬ ‫الفقهية املختلفة ‪.‬‬ ‫وكما هو معلوم فإن املذاهب واآلراء واالجتهادات الفقهية كثرية ومتنوعة وال ميكن حصرها‪،‬‬ ‫بل هي متجددة وجمال االجتهاد فيها مفتوح‪ ،‬والنصوص الشرعية من املرونة حبيث ميكن االحتجاج‬ ‫هبا لكثري من األقوال واملذاهب‪ ،‬لذلك فإن املبادئ القضائية تصبح ضرورة يف هذه احلالة‪ ،‬حىت يعرف‬ ‫املرتافع أمام القضاء التوجه الذي يسري فيه القاضي‪ ،‬مما ميكنه من املطالبة حبقوقه يف ضوء األحكام‬ ‫السابقة ‪.‬‬ ‫ومع أن السوابق واملبادئ القضائية غري ملزمة كما هو املعمول به يف القضاء الفرنسي والذي‬ ‫تسري على خطاه معظم الدول العربية‪ ،‬خالفا للقضاء االجنليزي الذي يعترب املبادئ القضائية قواعد‬ ‫ملزمة‪ -‬مع أهنا ليست ملزمة من الناحية النظرية‪-‬إال أهنا تعرب يف الغالب األعم عن توجه القضاء‪،‬‬ ‫‪4‬‬


‫وذلك بفضل وجود درجات للتقاضي‪ ،‬ذلك أن احملكمة العليا تقوم بنقض األحكام اليت ال تتوافق مع‬ ‫املبادئ اليت قررهتا‪ ،‬مما جيعل قاضي الدرجة األوىل يراعي ذلك يف القضايا املعروضة أمامه‪ ،‬حبيث ال‬ ‫خيرج عن ما قررته احملاكم األعلى منه درجة‪ ،‬حىت ال يعرض أحكامه للنقض‪ ،‬مما يضفي على املبادئ‬ ‫القضائية املستقرة صفة القواعد امللزمة‪ ،‬مع أن بإمكان دوائر النقض العدول عن اجتهاداهتا السابقة‪،‬‬ ‫واملبادئ اليت سبق وقررهتا‪ ،‬حبيث تقرر مبادئ جديدة‪ ،‬ويتم ذلك وفق آلية حيددها املشرع‪.‬‬ ‫وال شك أن الصعوبات األساسية التي تقف أمام االعتراف باالجتهاد القضائي كمصدر‬

‫للقواعد القانونية تكمن يف مبدأ احلجية النسبية لألمر املقضي‪ ،‬ويقصد به أن احلكم الصادر يف قضية‬ ‫معينة تكون حجيته مقتصرة على أطراف الرتاع وحدهم‪ ،‬فال متتد لغريهم‪ ،‬وتسري نسبية احلجية‬ ‫بالنسبة للواقع والقانون على حد سواء‪ .‬فلو عرضت يف املستقبل قضية مماثلة أمام نفس احملكمة فال‬ ‫يوجد أي التزام قانوين على احملكمة أن تطبق حكمها السابق على وقائع القضية اجلديدة‪ ،‬كما ال‬ ‫جيوز للخصوم أطراف الرتاع اجلديد املطالبة بإعمال احلكم السابق يف مواجهتهم‪ ،‬ويرتتب على ذلك‬ ‫أنه طاملا كان احلكم ال يتمتع باحلجية إال بصدد الرتاع الذي فصل فيه‪ ،‬فال ميكن إذًا أن تنشأ قاعدة‬ ‫عامة من أحكام احملاكم‪.‬‬

‫المطلب الرابع ‪:‬دور االجتهاد القضائي في وضع القواعد القانونية‬ ‫لالجتهاد القضائي يف جمال القانون دور بالغ األمهية واألثر‪ ،‬ال يكاد يقل يف أمهيته عن دور‬ ‫التشريع نفسه‪ ،‬فاالجتهاد القضائي هو الذي يضفي على القانون طابعه العملي احلي‪ ،‬وهو الذي‬ ‫حيدد مداه وأبعاده‪.‬‬ ‫فقد كان القضاء قدميا يقوم بدور كبري يف وضع القواعد القانونية‪ ،‬وال يزال هذا الدور باقيا يف‬ ‫البالد اليت تطبق النظم القانونية األجنلوسكسونية كإجنلرتا اليت تعترب القضاء مصدر رمسيا من مصادر‬ ‫القانون‪ ،‬بل إن القانون هناك قائم أساسا وبصفة رئيسية على أساس السوابق القضائية‪ ،‬فالقانون العام‬ ‫اإلجنليزي يكون تكوينا قضائيا‪ ،‬وملعرفة أحكام هذا القانون جيب الرجوع إىل القضاء واستخالصه‬ ‫منه‪.‬ولكن نشاط املشرع احلديث وكثرة إصدار القو انني وتدخل الدولة يف امليادين االقتصادية وغريها‬ ‫قد ضيق كثريا من تدخل القضاء لوضع املبادئ القانونية‪ ،‬وجعل القضاء مرجعا تفسرييا لنصوص‬ ‫‪5‬‬


‫القانون‪ ،‬وهذا يف النظم الالتينية على اخلصوص‪.‬‬ ‫وقد نادى بعض مفكري الثورة الفرنسية ورجاهلا بإلغاء كل دور لالجتهاد القضائي وبضرورة‬ ‫قصر عمل القاضي يف مجيع األحوال على تطبيق أحكام التشريع تطبيقا آليا‪ ،‬ولكن هذا االجتاه الذي‬ ‫جاء كرد فعل على تدخل القضاء الفرنسي قبل الثورة يف أمور التشريع‪ ،‬فلم يكتب له النجاح‪ ،‬ألنه‬ ‫ال ميكن حبال من األحوال جتريد القاضي من سلطة االجتهاد ‪ ،‬وإال تعطل عمله وتعذر عليه الفصل‬ ‫يف اخلصومات يف بعض األحيان‪.‬‬ ‫وعليه فقد اختلف موقع االجتهاد القضائي بني مصادر القانون باختالف النظم القانونية‪ .‬ففي النظم‬ ‫اليت ميكن أن يضع القضاء فيها قواعد عامة وملزمة‪ ،‬كما هو احلال يف القانون الروماين ويف القانون‬ ‫الفرنسي القدمي يف بعض احلاالت‪ ،‬وكما هو عليه حاليا يف القانون اإلجنليزي الذي يعد السوابق‬ ‫القضائية اليت تصدر عن القضاء من قرارات أو اجتهادات من املصادر الرمسية للقانون‪.‬فالطبيعة امللزمة‬ ‫لنظرية السوابق القضائية االجنليزية ترجع للقواعد املتبعة عمال‪ ،‬وهي اليت يطلق عليها "قواعد السابقة"‬ ‫واليت روعي يف صياغتها ما يؤكد فعالية القاعدة األساسية اليت تقضي بأن القانون اإلجنليزي يرتكز إىل‬ ‫حد بعيد على قانون القضايا‪ ،‬ويتكون قانون القضايا من قواعد وضعها القضاة يف أحكام معينة‪،‬‬ ‫ويتعني عليهم يف هذا النظام وضع تلك القواعد يف اعتبارهم‪ ،‬وذلك عند فصلهم يف قضايا الحقة‪.‬‬ ‫أما يف النظم اليت ال جيوز فيها للقضاء وضع قواعد عامة وملزمة وإمنا يرجع إىل اجتهاداته على‬ ‫سبيل االستئناس‪ ،‬كما هو احلال يف القانون الفرنسي املعمول به اليوم وبعض القوانني العربية اليت‬ ‫تأثرت به‪ ،‬ومنها اجلزائر‪ ،‬فيعد االجتهاد ا لقضائي فيها من املصادر غري الرمسية للقانون أو من‬ ‫املصادر التفسريية‪ ،‬وال جيوز للقاضي إصدار قواعد عامة وملزم ‪ ،‬كما عد رجال الثورة الفرنسية هذا‬ ‫األمر من النتائج احلتمية ملبدأ الفصل بني السلطات‪ ،‬ولذا فاالجتهاد القضائي يف هذه النظم ليست‬ ‫له أية قوة ملزمة إال يف القضية اليت يصدر فيها‪ .‬وهذا هو االجتاه الغالب الذي يرى أن الدور الذي‬ ‫يقوم به االجتهاد القضائي حاليا ال يعدو أن يكون مصدرا تفسرييا للقواعد القانونية‪.‬‬ ‫وحجة هذا الرأي أنه ال ميكن التسليم باعتبار القضاء مصدرا رمسيا للقواعد القانونية يف ظل‬ ‫نظام قانوين ال يعرتف بوجود سوابق قضائية ملزمة‪ ،‬ذلك أن وظيفة القضاء تنحصر يف جمرد تطبيق‬ ‫القواعد القانونية مما يفرتض وجود هذه القواعد سلفا‪ ،‬وأهنا وضعت وتكونت من قبل سلطات أخرى‬ ‫غري السلطة القضائية‪ ،‬وحىت يف حالة عدم وجود قواعد قانونية وضعية يستطيع القاضي أن يطبقبها‬ ‫على واقعة الرتاع‪ ،‬واضطراره إىل ابتداع حلول هلا‪ ،‬ال ميكن أن تتمتع هذه احللول بالصفة القانونية‪،‬‬ ‫ألهنا ال تتصف بصفة العموم والتجريد واإللزام‪ ،‬فتبقى هذه احللول حمدودة بالرتاع الذي صدرت‬ ‫بشأنه‪.‬‬ ‫‪6‬‬


‫والواقع أن القاضي ال خيلق القانون للحالة املعروضة عليه‪ ،‬بل يطبق القانون عل يها‪ ،‬كما أنه‬ ‫يف تفسريه للنصوص الغامضة أو سده نقصا يف القانون أو عند فصله يف املسائل اجلديدة إمنا يوسع يف‬ ‫مضمون القاعدة القانونية‪ ،‬فهو ال يستمد القانون من اجتهاده‪ ،‬بل يكشف عنه يف ثنايا التشريع‪،‬‬ ‫وإن ما خيلق من قواعد جديدة ال يعترب من قبيل القواعد القانونية يف معناها الدقيق‪ ،‬ألن هذه‬ ‫االجتهادات ال تتعدى األحكام اليت صدرت بشأهنا‪.‬‬ ‫أما في الفقه اإلسالمي فعلى الرغم مما كان لالجتهاد الفقهي والقضائي من دور كبري يف‬

‫وضع املبادئ الفقهية و إثراء هذا الرتاث الفقهي حىت عد أحد مصادره‪ ،‬فإنه ال ميكن عد االجتهاد‬ ‫مصدرا رمسيا فيه‪ ،‬فاالجتهادات الفقهية ليست سوى آراء ألصحاهبا قد يؤخذ هبا أو ال يؤخذ‪،‬‬ ‫واالجتهادات القضائية ال تتمتع بصفة اإللزام إال يف القضايا اليت صدرت فيها‪ ،‬ومن اجلائز للقاضي‬ ‫الذي صدر عنه اجتهاد ما‪ ،‬ولغريه من القضاة عدم التقيد باجتهاده يف القضايا املماثلة‬ ‫ومن هنا يتبني الدور احلقيقي الذي يقوم به االجتهاد القضائي يف النظام القانوين اجلزائري من‬ ‫إرساء لقواعد القانون‪ ،‬فرغم أنه ال يعترب مصدرا رمسيا من مصادر القانون‪ ،‬إال أنه يصنع القانون‪،‬‬ ‫ولكن تبقى هذه القواعد القانونية اليت يبتكرها القضاء مستندة يف قوهتا امللزمة إىل تطبيقها بالفعل‬ ‫بواسطة احملاكم نفسها‪ ،‬دون أن ترقى إىل مرتبة اإللزام التشريعي‪ ،‬فإذا اطردت احملاكم على مقتضى‬ ‫مبادئ االجتهاد أمكن القول باستقرارها عمال ال قانونا‪.‬‬ ‫المطلب الخامس‪ :‬وظيفة المحكمة العليا في العملية االجتهادية‬

‫حرصت كثريا من الدول على أن توجد على رأس اجلهات القضائية حمكمة عليا تسهر على‬ ‫تفسري القانون وتطبيقه‪ ،‬وتعمل على توحيد هذا التطبيق وذلك التفسري بني احملاكم والتوحيد الذي‬ ‫تؤدي إليه أحكام احملكمة العليا هو توحيد يتحقق من الناحية العملية أو الفعلية‪ ،‬فليس قضاء احملكمة‬ ‫العليا ملزما ألي حمكمة أدىن إلزاما قانونيا‪.‬‬ ‫ولكن احملاكم حترص على حتري اجتاهات احملكمة العليا يف كل مسألة تعرض عليها واتباع ما‬ ‫قضت به‪ ،‬ذلك أهنا تعلم أهنا إذا خالفت قضاء احملكمة العليا‪ ،‬فإن احلكم الذي تصدره سيكون‬ ‫مصريه يف النهاية إىل أن يعرض على حمكمة النقض فتنقضه‪ ،‬وإذا يتحقق نوع من التوحيد واالستقرار‬ ‫يف تفسري القانون وتطبيقه بواسطة احملاكم‪ ،‬وتقتصر وظيفة احملكمة العليا على رقابة القاضي يف تطبيقه‬ ‫القانون‪ ،‬فال يدخل يف وظيفتها مراجعة قاضي املوضوع يف تقديره للوقائع حسب ما استخلصه منها‪،‬‬ ‫فإذا نظرت احملكمة العليا يف مسألة معينة وجب عليها أن تسلم بالوقائع كما ثبتت لدى قاضي‬ ‫املوضوع وكما حصله منها‪ ،‬وهي تقتصر على مراقبته يف تطبيق القانون على هذه الوقائع‪ ،‬فإن طبقه‬ ‫‪7‬‬


‫تطبيقا سليما رفضت الطعن‪ ،‬وإن تبني هلا أن القاضي قد أخطأ يف هذا التطبيق نقضت احلكم‬ ‫وبينت وجه هذا اخلطأ‪.‬‬ ‫وهنا تثور أمام احملكمة العليا مسألة من أدق املسائل وأمهه ا؛ وهي التمييز بني ما يعترب من‬ ‫الوقائع وما يعترب من القانون‪.‬‬ ‫واملقصود بالقانون يف هذا اخلصوص ‪:‬كل ما يعترب قاعدة قانونية أيا كان مصدرها سواءأكان‬ ‫هو التشريع‪ ،‬أم العر ف‪ ،‬أم مبادئ الشريعة اإلسالمية‪ ،‬أم مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة؛‬ ‫فكل خروج من القاضي على حكم قاعدة قانونية أو خطأ يف تفسريها أو تأويلها يعرض حكمه‬ ‫للنقض ‪ .‬أما فهمه للوقائع املعروضة عليه وهي مرحلة سابقة على تطبيق القانون فهو أمر يستقل به‬ ‫القاضي دون رقيب عليه‪ .‬ذلك أن وظيفة احملكمة العليا هي وظيفة قانونية حمضة‪ ،‬فهي حمكمة قانون‬ ‫ال واقع أي أن دورها يقتصر على الفصل يف قانونية األحكام املطعون فيها أمامها دون الفصل يف‬ ‫املنازعات اليت صدرت مبناسبتها هذه األحكام‪ ،‬وبعبارة أخرى فإن احملكمة العليا تفصل يف احلكم‬ ‫وليس يف اخلصومة‪ ،‬وهي ال تفصل يف موضوع الدعوى ألهنا ال تعترب درجة ثالثة من درجات‬ ‫التقاضي‪ ،‬فالقاعدة السائدة يف اجلزائر هي قاعدة التقاضي على درجتني ‪.‬ولكن وظيفة احملكمة العليا‬ ‫يف بعض الدول قد تتجاوز ذلك‪ ،‬وال يقتصر دورها على جمرد خماصمة احلكم النهائي املطعون فيه‬ ‫أمامها‪ ،‬بل تفصل يف خصومة الطعن من حيث الواقع والقانون‪ ،‬شأهنا يف ذلك شأن قاضي املوضوع‪.‬‬ ‫وعليه فإنه من حيث وظيفتها ميكن رد األنظمة القضائية بشأن الوضع القانوين للمحكمة‬ ‫العليا إىل نظامني أساسيني‪:‬‬ ‫النظام األول‪ :‬مقتضاه ال تعترب ا حملكمة العليا درجة ثالثة من درجات التقاضي‪ ،‬وينحصر‬ ‫اختصاصها يف مراقبة مدى مطابقة احلكم املطعون فيه للقانون دون حبث يف مسائل الواقع اليت تعترب‬ ‫من إطالقات قاضي املوضوع‪ ،‬ومن أمثلة الدول اليت تأخذ هبذا النظام فرنسا ومصر واجلزائر‪.‬‬ ‫والنظام الثا ني‪ :‬وفقا له تعترب هذه احملكمة درجة أخرية من درجات التقاضي‪ ،‬وهي تفصل يف الواقع‬ ‫والقانون معا‪ ،‬ومن أمثلة الدول اليت تأخذ هبذا النظام اجنرتا‪.‬‬

‫‪8‬‬


‫المحور الثاني ‪:‬‬ ‫سعة فضاء االجتهاد القضائي الشرعي ومجاله في أحكام األسرة‬ ‫يرتبط استمرار عملية االجتهاد يف الفقه اإلسالمي بعاملني أساسيني‪:‬‬

‫أحدهما ‪:‬جتديده يف كل عصر حىت يالئم ما استجد من القضايا‪ ،‬ويضع احللول الناجعة هلا وفقا‬ ‫ملراد الشارع‪ ،‬بال تسيب وال حتجر‪.‬‬ ‫وثانيهما ‪:‬جتديد وتطوير أدوات فهمه‪ ،‬اليت هي أصول الفقه‪ ،‬وخاصة باب القياس‪ ،‬الذي يعترب‬ ‫الرافد احلقيقي للعملية االجتهادية‪ ،‬حىت يكون فضاء يسع أكرب قدر من القضايا املعاصرة‪.‬‬ ‫المطلب األول‪ :‬سعة فضاء االجتهاد القضائي‬ ‫ضبط التشريع اإلسالمي العالقات بني اإلنسان وخالقه‪ ،‬وبني اإلنسان وقرينه يف مجيع جماالت‬ ‫احلياة اجملتمعية ‪ ،‬دستوريا ومدنيا وجنائيا وجتاريا‪ ،‬والقصد األساسي من الشريعة ضمان العدالة‬ ‫واحلقوق يف الضروريات اخلمس‪ ،‬وما يقابلها من واجبات والتزاما ت‪ .‬كما أن القصد منها أيضا بناء‬ ‫اإلنسان بناءً سويا‪ ،‬وحتصني اجملتمع‪ ،‬وهذا ما جيعلها ذات أبعاد تربوية وأخالقية ألهنا مبنية على رعاية‬ ‫املصاحل ملا تتسم به يف أحكامها وتوجيهاهتا من مرونة جتعلها صاحلة للتطبيق يف كل زمان ومكان‪.‬‬ ‫فالفقيه ملزم يف اجتهاداته باعتماد هذه املقاصد والضوابط والتوجيهات‪ ،‬كي حيتفظ على األصول‬ ‫واملقاصد ويعمل على حل ما يطرح على الناس يف حياهتم من قضايا ومشاكل يف سلوكهم‬ ‫ومعامالهتم‪.‬‬ ‫وال يسمح املقام باحلديث عن مجيع احملاور اليت يعاجلها الفقه اإلسالمي‪ ،‬وعليه فإن حمور‬ ‫الدراسة هو قضايا األحوال الشخصية وما تتسم به من مستجدات على املستوى الفردي‬ ‫واالجتماعي‪.‬‬ ‫إن االجتهاد يف جمال األحوال الشخصية من نكاح وطالق ونفقة‪ ،‬وإرث ووصية‪ ،‬وحقوق‬ ‫الطفل من رضاع ووالية وحضانة وتربية‪ ،‬امتد على قرون من حياة املسلمني وما زال قائما لضمان‬ ‫التكافل االجتماعي والوحدة والتماسك يف البناء األسري واجملتمعي‪.‬‬ ‫‪9‬‬


‫=ففيما يتعلق بالطالق مثال‪ ،‬فإن االجتاه العام للشريعة اإلسالمية هو التقييد بالزمن والعدد‪،‬‬ ‫التماسا إىل إبقاء الزوجية وإصالح ما فسد منها‪ ،‬كما يف قوله تعاىل‪" :‬ال تد ِري لعل الله حي ِدث بعد‬ ‫ذلك أمرا"سورة الطالق ‪.10‬‬ ‫=ويف التوقيت يف العدة واإليالء ‪" :‬للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن‬ ‫رحيم"البقرة ‪ . 222‬هي مهلة هي رمحة بامرأة ورخصة للرجل قبل اإلقدام على اختاذ قرار‬ ‫اهلل ٌ‬ ‫غفور ٌ‬ ‫هنائي‪.‬‬ ‫=ويف حكم الز نا يوازن اإلسالم بني الضرر الواقع على املذنب والضرر الواقع على اجملتمع‪.‬‬ ‫ويقضي بارتكاب أخف الضررين‪ ،‬ويدرأ احلدود بالشبهات حفاظا على األسرة وسالمتها‪.‬‬ ‫=ويف موضوع حضانة الطفل حييط اإلسالم املوضوع بسياج قوي من احلماية بوضع ترتيب‬ ‫للحاضنني وشروط للحاضن من عقل وبلوغ واستقامة وقدرة على تربية احملضون وصيانته صحيا‬ ‫وخلقيا‪.‬‬ ‫=ومحى اإلسالم الطفل من عبث والديه بأن جعل النسب لألب بالفراش أو البينة أو‬ ‫االستلحاق‪ ،‬كمامحاه يف حقوقه يف اإلرث ويف سالمة األسرة‪ ،‬بتحرمي التبين‪ .‬وجبانب محاية الطفل ال‬ ‫يضيع حقوق الوالدين‪ ،‬واألم أحق باحلضانة ما مل تتزوج‪ ،‬فوازن بني حقوق الولد وحقوق األم‪.‬‬ ‫فجميع هذه القضايا املتعلقة باحلياة األسرية وغريها كثري تطرح يف الوقت الراهن قضايا فرعية‬ ‫أفرزهتا التطورات والتحوالت االجتماعية‪ ،‬ويتعني على الفقهاء االهتمام هبا ودراستها وحماولة إجياد‬ ‫احللول الناجعة هلا‪ ،‬دون خمالفة أحكام الشريعة ومقاصدها‪.‬‬ ‫فقضايا اإلجهاض وقتل املواليد أو تركهم لقطاء‪ ،‬واستغالل موانع احلمل يف ارتكاب‬ ‫الفاحشة‪ ،‬وما ينتج من احنرافات عن التلقيح االصطناعي خارج الرحم‪ ،‬وغريها مما أصبح يتكاثر يف‬ ‫اجملتمع‪ ،‬كلها قضايا اجتماعية خطرية يف أشد احلاجة إىل حبثها وإجياد العالج الناجع هلا قبل‬ ‫استفحاهلا‪.‬‬ ‫المطلب الثاني‪ :‬توثيق الصلة بين االجتهاد القضائي الشرعي و فقه الواقع‬

‫إن توثيق الصلة بني االجتهاد القضائي يف الشريعة اإلسالمية وفقه الواقع عموما والواقع‬ ‫األسري خصوصا‪ ،‬مسلك اجتهادي حممود‪ ،‬يضمن حسن تنريل األحكام على املستجدات اليت‬ ‫تفرزها التطورات العلمية احلديثة‪ ،‬ذلك أن فقه النص ليس بكاف وحده يف تسديد العملية االجتهادية‬ ‫وتفعيل احلياة معها‪ ،‬ما مل يلتحم بفقه الواقع يف تطبيق األحكام الشرعية على الوقائع واحلوادث‪.‬‬ ‫وال يتأتى ذلك إال عن طريق أمرين‪:‬‬ ‫‪10‬‬


‫أوال‪ :‬فهم الواقع االجتماعي برتكيباته املعقدة ومساته املتداخلة‪ ،‬وذلك عن طريق اإلحاطة‬ ‫باألعراف الشائعة والعادات املستحكمة لفهم البنية الفكرية ألبناء ااجملتمع‪ ،‬وهلذا اشرتط بعض‬ ‫الفقهاء فيمن ينتصب للقضاء أن يكون حميطا بعادات الناس وأعراف البلد‪ ،‬حىت يتسىن له احلكم‬ ‫على أساس البينة والربهان‪.‬‬

‫ثانيا‪ :‬اإلملام مببادئ العلوم اإلنسانية املعاصرة‪ ،‬بوصفها مفاتيح لتحقيق املناط اخلاص يف‬

‫املسائل املستجدة‪ ،‬وأدوات لسرب فقه الواقع على حنو يتيح الفهم العميق للحقائق الواقعة‪ ،‬والتفسري‬ ‫املعقول للظواهر االجتماعية واالقتصادية والعلمية‪ ،‬فيلزم على هذا استيعاب كل جديد وافد‪ ،‬وتأصيله‬ ‫على املستوى الشرعي تأصيال سديدا تتوثق فيه الصلة بني فقه النص وفقه الواقع‪.‬‬ ‫ولعل من أهم املسائل الفقهية املعاصرة اليت تتطلب االستعانة مبا توصل إليه العلم احلديث‬ ‫مسألة إثبات النسب عن طريق البصمة الوراثية واليت جماهلا العلوم الطبية واملخربية‪ ،‬ويتحدد من خالهلا‬ ‫نسب الولد بصفة قطعية‪ ،‬فإنه ال ينهض من الشرع مانع من استثمار هذه التقنية يف إثبات النسب‪.‬‬ ‫ومنه ميكن للقاضي الرجوع يف مسائل إثبات النسب إىل ما تقره اخلربة الطبية نفيا وإثباتا‪.‬‬ ‫وما ميكن قوله يف هذا الصدد أنه ال سبيل إىل النهوض باالجتهاد القضائي وتفعيل دوره يف‬ ‫صياغة الواقع وفق منظور شرعي‪ ،‬إال بامتالك اآلليات اليت تساعد على فهم الواقع واحتواء القضايا‬ ‫املستجدة‪ ،‬وهلذا تتأكد مرونة الشريعة اإلسالمية وصالحيتها الستيعاب الوقائع واحلوادث وإجياد‬ ‫احللول املناسبة هلا‪.‬‬ ‫المطلب الثالث‪ :‬مجال االجتهاد القضائي في أحكام األسرة‬

‫ترجع أحكام الشرع اإلسالمي إىل مصدرين‪ ،‬األول‪ :‬نصوص القرآن الكرمي‪ ،‬والثاين‪ :‬ما‬ ‫جاءت به السنة النبوية‪ ،‬وقد تضمنت تلك النصوص كل ما حيتاج إليه يف التشريع من جلب املصاحل‬ ‫ودرأ املفاسد‪ ،‬يعرف بعض ذلك بنص واضح وسائره يعرف بطريق االستنباط من النصوص على ما‬ ‫هو مبني وحمرر يف كتب علم األصول‪ .‬وملا كانت عقول الناس ومداركهم متفاوتة ووجهات أنظارهم‬ ‫خمتلفة اختلفت األحكام املستنبطة باالجتهاد تبعا لذلك‪ ،‬ومن هذا يفهم أن جمموعة األحكام‬ ‫الشرعية مؤلفة من قسمني‪:‬‬ ‫أولهما‪ :‬ما دلت عليه النصوص الواضحة القطعية‪ ،‬كتحرمي التزوج باألمهات والبنات‪،‬‬

‫وكجعل نصيب البنت من املرياث على النصف من نصيب االبن‪ ،‬وهذا ال جمال لالجتهاد فيه‪.‬‬ ‫فإضافة إىل كوهنا قد وردت بنصوص قطعية ال تقبل االجتهاد فيها‪ ،‬فال تقبل املساس هبا أيضا لكوهنا‬

‫من النظام العام‪ ،‬ومن أمثلة ذلك ما يلي‪:‬‬

‫‪11‬‬


‫‪ _0‬تعترب اخلطبة وعدا غري ملزم‪ ،‬ألهنا مقدمة لعقد الزواج‪ ،‬وشرعت ليتعرف كل من الزوجني على‬ ‫اآلخر‪ ،‬متهيدا إلبرام العقد على أساس من التفاهم‪ ،‬ولو كانت ملزمة لعادت على أصل مشروعيتها‬ ‫بالنقض؛ أي النتفى كوهنا مقدمة‪ ،‬وألصبحت هي عقد الزواج بعينها‪ ،‬وال ريب أهنا مل تشرع لذلك‬ ‫يف األصل‪.‬‬ ‫وعلى هذا فاعتبار اخلطبة "مقدمة للزواج أو جمرد وعد" أمر متعلق بالنظام الشرعي العام‪ ،‬فال‬ ‫جيوز تغيري تكييفها الشرعي أو االتفاق على خالفه‪.‬‬ ‫‪ _3‬حقوق الزوجني املرتتبة على عقد الزواج‪ ،‬من النظام الشرعي العام‪ ،‬ألهنا مقتضاه‪ ،‬فال جيوز‬

‫االتفاق على ما ينافيه‪ .‬فاالتفاق على أن ال مهر للزوجة مثال‪ ،‬أو أنه ال نفقة هلا باطل ملنافاته ملقتضى‬ ‫العقد‪ ،‬ونظامه الشرعي‪.‬‬ ‫‪ _2‬نسب األوالد ألبيهم‪ ،‬حق ثابت شرعا مبقتضى نصوص قاطعة يف القرآن‪ ،‬وبالتايل ال جيوز‬ ‫االتفاق على خالفه‪ ،‬كما ال جيوز تنازل األب عن أبوته ألبنائه‪ ،‬وال أن يتبىن غري ابنه الذي من‬ ‫صلبه‪.‬‬ ‫‪ _2‬حق األب يف الوالية على أبنائه‪ ،‬ال جيوز االتفاق على خالفها‪ ،‬أو التنازل عنها‪.‬‬

‫‪ _5‬تغيري نظام الطالق يف اإلسالم‪ ،‬يف عدده‪ ،‬أو أنواعه غري جائز‪ ،‬ألنه نظام ثابت يف وصفه‬ ‫وعدده‪ ،‬مقرر شرعا بنصوص قاطعة يف القرآن الكرمي‪ ،‬فهو من النظام الشرعي العام‪.‬‬

‫‪ _6‬حق الطالق شرعا بيد الرجل‪ ،‬ألنه مسند إليه بنص قاطع ال جمال فيه للتأويل‪ ،‬فال جيوز‬ ‫جعله بيد القاضي أصال‪ ،‬إال يف األحوال اليت جعل للقاضي فيها حق التطليق‪.‬‬

‫‪ _7‬ال جيوز حرمان املرأة من حقها يف طلب التطليق للضرر أمام القضاء؛ ألن الضرر واجب‪.‬‬ ‫‪ _8‬زواج املسلمة بغري املسلم باطل شرعا بنص قاطع يف القرآن الكرمي وباإلمجاع‪.‬‬ ‫‪ _9‬احملرمات من النساء وحترمي اجلمع بني األختني من النظام الشرعي العام‪ .‬وكذلك حترمي اجلمع بني‬ ‫املرأة وعمتها‪ ،‬أو املرأة وخالتها؛ لثبوته بالسنة املشهورة‪.‬‬

‫‪ _01‬العدة والنفقات الواجبة اجملمع عليها بني األصول والفروع‪ ،‬وقواعد اإلرث‪ ،‬كلها ثابتة‬ ‫بنصوص صرحية قاطعة‪ ،‬فهي من النظام الشرعي العام‪ ،‬ال جيوز االتفاق على خالفها‪ .‬ومثلها ال‬ ‫مساغ‬ ‫لالجتهاد فيها‪.‬‬ ‫ثانيهما‪ :‬ما استخرج بطريق االجتهاد‪ ،‬وهذا النوع الثاين كان يتكاثر تبعا للحوادث اليت‬

‫جتد‪ ،‬ومما تتطلبه حاجة الناس يف تعاملهم ويف كل أحواهلم االجتماعية يف كل زمان ومكان‪ ،‬فكان‬ ‫‪12‬‬


‫البد من التماس أحكام شرعية جديدة لكل ما جيد مما ال يوجد نص صريح على حكمه‪ ،‬وهكذا‬ ‫كان كل ما ال نص فيه يلجأ لالجتهاد يف التماس احلكم الشرعي له‪.‬‬ ‫ومن جماالت هذا النوع أحكام األحوال الشخصية اليت وردت بشأهنا أدلة ظنية الثبوت أو‬ ‫الداللة‪ ،‬أو مل يرد يف حكمها نص أصال وأمثلتها كثرية‪ .‬يقول ابن القيم‪" :‬األحكام نوعان‪ :‬نوع‬

‫ال يتغري عن حالة واحدة مر عليها‪ ،‬ال حبسب األزمنة وال األمكنة‪ ،‬وال اجتهاد األئمة‪ ،‬كوجوب‬ ‫الواجبات‪ ،‬وحترمي احملرمات‪ ،‬واحلدود املقدرة بالشرع على اجلرائم‪ ،‬وحنو ذلك‪ ،‬فهذا ال يتطرق إليه‬ ‫تغيري‪ ،‬وال اجتهاد خيالف ما وضع عليه‪.‬‬ ‫والنوع الثاني‪ :‬ما يتميز حبسب اقتضاء املصلحة له زمانا ومكانا وحاال‪ ،‬كمقادير التعزيرات‬ ‫وأجناسها وصفاهتا‪ ،‬فإن الشارع ينوع فيها حسب املصلحة"‪.‬‬ ‫وقد كان علماء الشريعة اجملتهدون يف كل عصر يرون يف استنباطهم لألحكام الشرعية اجلزئية‬ ‫أو وضع القواعد العامة والضوابط على ضوء الكتاب والسنة‪ ،‬مستصحبني مقاصد الشريعة‪ ،‬مهتدين‬ ‫مبا دلت عليه النصوص الكلية واجلزئية والعامة واخلاصة من املعاين واحتوته من تلك املقاصد‪ ،‬غري أنه‬ ‫ملا كانت األفهام واملدارك خمتلفة حصل بسبب ذلك اختالف بني اجملتهدين يف األحكام الشرعية‬ ‫املستنبطة باالجتهاد‪ ،‬كما حصل خالف بينهم أيضا من ناحية أخرى وهي أخذ بعضهم احلكم‬ ‫الشرعي من حديث يرى بأنه ثابت عنده مع إنكار غريه له أو تأويله إياه‪ ،‬وعليه فبينما حيرم البعض‬ ‫الزواج بسبب الرضاع برضعة واحدة فقط‪ ،‬يشرتط غريه لذلك مخس رضعات مشبعات متفرقات‪،‬‬ ‫وفيما يشرك بعضهم اإلخوة مع اجلد يف املرياث حيجب بعضهم اإلخوة باجلد‪ ،‬وبينما يوجب بعض‬ ‫اجملتهدين نفقات األقارب بعضهم على بعض بالشروط اليت ارتآها لذلك‪ ،‬فإن غريه يقصر ذلك على‬ ‫األصول والفروع فقط‪ ،‬وهكذا‪ ..‬وكل راجع ألسباب اختالف الفقهاء املعروفة‪.‬‬ ‫وبغض النظر عن االجتهاد فإن االنتقال عن الرأي املذهيب السائد إىل غريه من املذاهب‪ ،‬كان‬ ‫حلل مشكلة ظهرت بتطبيق هذا الرأي‪ ،‬وهو من املسائل اليت كان للفقهاء فيها رأي‪،‬و قد تكون هلم‬ ‫آراء يف مسائل مل حتصل يف زماهنم‪ ،‬وحصلت يف األزمان الالحقة‪ ،‬واألخذ هبا يكون من قبيل احللول‬ ‫القدمية ملسائل جديدة‪ ،‬كما ميكن التخريج على أقوال الفقهاء القدامى يف وضع أحكام للمسائل‬ ‫املستجدة أو املزج بني آرائهم للوصول إىل رأي جديد‪ .‬وقد حتتاج بعض املسائل إىل اجتهاد جديد‪،‬‬ ‫مل يكن معروف من ذي قبل‪ ،‬وال يتعارض مع أحكام الشريعة‪ ،‬ألنه أخذ بالطرق نفسها اليت‬ ‫استنبطت منها األحكام الشرعية يف األحوال الشخصية‪ ،‬ومعلوم أن االجتهاد يصح يف املسائل اليت‬ ‫اجتهد فيها الفقهاء‪ ،‬إذا بنيت على مصلحة أو عرف أو حكم متغري تطبيقا للقاعدة الفقهية "ال‬ ‫ينكر تغري األحكام بتغري األزمان"‪.‬‬ ‫‪13‬‬


‫ومن النصوص القانونية اليت احتوت على أحكام شرعية مل تذكر يف كتب الفقه املدون‪ ،‬بل‬ ‫قامت على اجتهاد فقهي جديد ما يلي‪:‬‬ ‫ النصوص املتعلقة بالتعويض عن الضرر عند العدول عن اخلطبة وفق الضوابط اليت ذكرت يف‬‫عدد من قوانني األحوال الشرعية استنادا إىل قاعدة "ال ضرر وال ضرار"‪.‬‬ ‫كذلك النصوص املتعلقة بوجوب تسجيل عقد الزواج بناء على قاعدة املصلحة املرسلة‪،‬‬‫وبالقياس على الدين‪.‬‬ ‫ ومن املسائل املستجدة واليت للفقهاء املعاصرون آراء فيها‪ ،‬و مل تذكر يف قوانني األحوال الشخصية‬‫نصا‪ :‬الزواج بوسائل االتصال احلديثة ‪ ،‬وزواج املسيار‪ ،‬وإثبات النسب عن طريق اهلندسة الوراثية‪،‬‬ ‫بنوك اللنب‪ ،‬والتلقيح االصطناعي والفحص الطيب قبل الزواج‪ ،‬وغري ذلك من املسائل اليت تعترب جماال‬ ‫للبحث واالجتهاد يف قضايا األسرة املعاصرة‪.‬‬ ‫وقد نص قانون األسرة املعدل مبوجب األمر‪ 12-05‬على بعض من هذه القضايا املستجدة‬ ‫كإثبات النسب بالطرق العلمية من خالل ما ورد يف املادة ‪ ، 40‬وجواز اللجوء إىل التلقيح‬ ‫االصطناعي من خالل املادة ‪ 45‬مكرر‪ ،‬وكذا ما نص عليه املرسوم التنفيذي رقم ‪154-06‬من‬ ‫وجوب تقدمي شهادة طبية من طرف الزوجني قبل إبرام عقد الزواج تثبت خلومها من األمراض اليت‬ ‫حتول دون حتقيق أغراض الزواج‪.‬‬ ‫المطلب الرابع ‪:‬الفرق بين مجال االجتهاد في الفقه اإلسالمي واجتهادات المحاكم‬

‫إن االجتهاد القضائي يف التشريع اجلزائري ‪-‬يف جمال األسرة‪ -‬خيتلف مفهومه عن االجتهاد‬ ‫القضائي يف الفقه اإلسالمي‪ ،‬الذي يكون القاضي فيه هو الفقيه اجملتهد على رأي اجلمهور‪ ،‬أما يف‬ ‫التشريع اجلزائري فالقاضي مقلد غايته تصحيح احلكم بنقضه أو تأكيده‪ ،‬وذلك بالرجوع إىل آراء‬ ‫وأقوال الفقهاء يف القضية ‪-‬حمل الرتاع‪ -‬والرتجيح بينها لألخذ مبا يراه مناسبا هلا‪ .‬وهو بذلك ال خيرج‬ ‫عن تقليد مذهب معني‪ ،‬وال يعدو أن يكون ناقال للفتو ى‪ .‬فإن مل جيد يف أقوال الفقهاء القدامى‬ ‫رجع إىل الفقه اإلسالمي املعاصر‪ ،‬وقد جيمع بني آراء القدامى واحملدثني‪ ،‬وقد يرجح األخذ برأي‬ ‫املعاصرين إذا وجد فيه ما يناسب القضية حمل الرتاع‪.‬‬ ‫وعلى هذا يكمن الفرق بني االجتهاد القضائي يف الفقه اإلسالمي والتشريعات الوضعية –يف جمال‬ ‫األسرة‪ -‬يف مصدر العملية االجتهادية؛ فمصادر االجتهاد بالنسبة للقاضي الشرعي هي الكتاب‬ ‫والسنة والقياس وباقي أدلة األحكام االجتهادية‪ .‬أما مصدر اجتهاد احملكمة العليا عند انعدام النص‬ ‫القانوين فهو األخذ مبا أقره الفقهاء قدميا أوحديثا يف مسألة معينة‪ ،‬ومن هنا يتعني الفرق‪.‬‬ ‫‪14‬‬


‫ومنه فال يعترب االجتهاد القضائي يف التشريع اجلزائري ‪-‬يف قانون األسر ة‪ -‬اجتهادا إال جتوزا‬ ‫متييزا له عن باقي القرارات الصادرة عن احملاكم األخرى ملا يتمتع به من احلجية املطلقة‪ .‬فال يعدو أن‬ ‫يكون جمرد مراقبة وتصحيح لألحكام القضائية الصادرة عن احملاكم االبتدائية واجملالس القضائية عند‬ ‫التعارض بينهما بالنقض أو بالتأكيد‪ ،‬كما ال يعدو أن يكون تفسريا لبعض األحكام القضائية‬ ‫والقرارات الصادرة عن حمكمة املوضوع أو اجمللس القضائي‪ ،‬وذلك عند وجود غموض يف النص‪،‬‬ ‫ويكون تفسريها بالرجوع إىل أقوال الفقهاء وتفسرياهتم‪.‬‬ ‫وأما يف الفقه اإلسالمي فإن اجتهاد القاضي ال خيرج عن كونه اجتهادا إنشائيا أو انتقائيا ؛‬ ‫ومن مث ال يعترب اجتهاد احملكمة العليا إضافة فقهية للقضاء الشرعي‪ ،‬لكونه يرجع يف تصحيح احلكم‬ ‫إىل ما نص عليه الفقهاء كما يف القرار الصادر بتاريخ ‪":0092/10/22‬يقول أيب زيد القريوا ين يف‬ ‫رسالته ال نكاح إال بويل وصداق وشاهدي عدل "‪.‬‬ ‫وكما يف القرار الصادر بتاريخ ‪ " :0092/00/00‬مىت كان من املقرر فقها وقضاء يف‬ ‫أحكام الشريعة اإلسالمية أن عدم اإلنفاق على الزوجة ملدة تزيد على شهرين متتابعني يكون مربرا‬ ‫لطلبها التطليق عن زوجها وذلك وفقا ملا نص عليه الفقيه ابن عصام‪ ،‬بقوله‪ :‬الزوج إن عجز عن‬ ‫إنفاق ألجل شهرين ذو استحقاق بعدمها الطالق من فعله وعاجز عن كسوة كمثله فإن القضاء مبا‬ ‫خيالف أحكام هذه املبادئ يعد خرقا لقواعد فقهية مستمدة من الشريعة اإلسالمية" ‪.‬‬ ‫ومن هنا فإن قضاء احملكمة العليا ال يعدو كونه نقال للفتوى‪ ،‬وليس من قبيل االجتهاد‬ ‫الفقهي املعروف‪ .‬ولو كان قضاة الدرجة األوىل والثانية على قدر كبري من التخصص يف الفقه‬ ‫اإلسالمي وأصوله‪ ،‬ملا دعت احلاجة لتدخل احملكمة العليا بالتصويب أو التخطئة‪،‬وذلك عن طريق‬ ‫التوفيق بني النصوص القانونية والنصوص الفقهية‪ ،‬وهذا العمل ال يرقى لدرجة االجتهاد بأنواعه ‪،‬‬ ‫وهذا بالنسبة لقانون األسرة كون أحكامه مستمدة من الشريعة اإلسالمية‪ ،‬فيجب إخضاع العملية‬ ‫االجتهادية فيه لشروط وضوابط االجتهاد القضائي الشرعي حىت يكون معتربا‪.‬‬ ‫أما االجتهاد القضائي يف باقي القوانني فيأخذ مفهوما آخر يرجع إىل مدى حرية القاضي‬ ‫وتقييده يف تفسري النصوص القانونية عند غموضها‪ ،‬أو تقدير احلكم عند سكوت املشرع وكيفية‬ ‫األخذ من املصادر االحتياطية‪.‬‬ ‫ذلك أن االجتهاد القضائي الشرعي من شأنه أن يعطي حلوال ‪ -‬لقضايا مستجدة‪ -‬تعترب إضافة‬ ‫جديدة إىل رصيد الفقه اإلسالمي بوجه عام‪ ،‬أما قرارات احملكمة العليا فال تعدو أن تكون احلكم‬ ‫النهائي الذي ميثل التطبيق الصحيح للنصوص القانونية أو الفقهية الواردة بشأن القضية‪-‬حمل الرتاع ‪-‬‬ ‫‪15‬‬


‫فال تظهر فيها مسة التجديد الفقهي‪ ،‬األمر الذي جعل إسهامات احملكمة العليا ضئيلة يف جمال تقنني‬ ‫أحكام األسرة‪.‬‬ ‫ومنه فإن االجتهاد القضائي يف جمال القانون ال يعدو أن يكون مصدرا تفسرييا للقواعد‬ ‫القانونية‪،‬وليست له أية قوة ملزمة إال يف القضية اليت يصدر فيها‪ ،‬على الرأي الغالب واملعمول به يف‬ ‫التشريع اجلزائري‪.‬‬

‫المحور الثالث ‪:‬االجتهاد القضائي في أحكام األسرة‬ ‫دواعيه‪-‬ضوابطه‪-‬آثاره‬ ‫إن اإلقرار بوجود حاجة ماسة لالجتهاد القضائي فيما خيص شؤون األسرة ‪ ،‬مع وجود‬ ‫سلبيات عند تطبيقه يستدعي وضع أسس وضوابط لالجتهاد‪ ،‬وميكن تأسيسها على النحو اآليت‪:‬‬ ‫المطلب األول ‪:‬دواعي االجتهاد في شؤون األسرة‬

‫يستند االجتهاد يف قضايا األسرة إىل الدواعي اآلتية‪:‬‬ ‫‪-1‬احلاجة اليت تقتضيها حياة الناس‪،‬وجتدد أعرافهم وعاداهتم وتقاليدهم‪ ،‬فإذا دعت احلاجة إىل‬ ‫إجراء تعديل على نص سابق‪ ،‬استند على عرف أو أدى تطبيقه إىل مناقضة الغاية اليت شرع احلكم‬ ‫من أجلها‪ ،‬جاز لويل األمر إعادة األمر إىل نصابه‪ ،‬بوضع التدابري والنصوص اليت حتقق غايات الشرع‬ ‫من أحكامه معتمدا على أسس شرعية‪.‬‬ ‫‪-2‬التيسري ورفع احلرج عن الناس‪ ،‬فإذا ثبت وقوع الناس يف الضيق واحلرج باتباع رأي فقهي ما‪،‬‬ ‫وكان يف الفقه اإلسالمي بديل آخر للرأي املتبع دون خمالفته النصوص الشرعية‪ ،‬جاز العدول عن‬ ‫املادة القانونية املؤدية إىل احلرج إىل مادة أخرى مكاهنا مستمدة من أيسر املذاهب الفقهية‪ ،‬ما مل يؤد‬ ‫تطبيقها إىل مفاسد أكرب منها‪.‬‬ ‫‪-3‬االستفادة من املناهج القانونية احلديثة‪ ،‬مع االحتفاظ هبوية الفقه اإلسالمي واالقتصاد يف جمال‬ ‫االستفادة من اجلانب الشكلي املتعلق بالتبويب والتقسيم‪ ،‬وعدم اإلكثار من استعمال املصطلحات‬ ‫القانونية بديال عن املصطلحات الفقهية‪.‬‬ ‫‪-4‬االنطالق من أن االجتهاد هو اجتهاد يف تطبيق النصوص الشرعية إذا وجدت حماهلا ومواردها‪،‬‬ ‫وليس هو نسخ للنصوص أو إمهال هلا ‪ ،‬أما إذا مل توجد حماهلا فال أثر له على بقاء أحكام هذه‬ ‫النصوص وال جيوز النص على خمالفتها ‪.‬قال ابن تيمية"‪:‬وإمنا يزول احلكم بزوال علته يف حماله وموارده‪،‬‬ ‫‪16‬‬


‫وأما زوال نفس احلكم الذي هو النسخ فال يزول إال بالشرع‪ ،‬وفرق بني ارتفاع احملل احملكوم فيه مع‬ ‫بقاء احلكم‪ ،‬وبني زوال نفس احلكم‪ ،‬ومن سلك هذا املسلك أزال ما شرعه اهلل برأيه‪ ،‬وأثبت ما مل‬ ‫يشرعه اهلل برأيه وهذا هو تبديل الشرائع "‬

‫المطلب الثاني ‪:‬ضوابط االجتهاد في قضايا األسرة‬ ‫إن أي اجتهاد ينبغي أن يقوم على ضوابط منها‪:‬‬ ‫‪-1‬االلتزام بالنصوص الشرعية الواردة يف نظام األسرة‪ ،‬واألخذ هبا يف كل أمر أو تشريع‪ ،‬والتقيد‬ ‫بقواعد تفسري النصوص الشرعية‪ ،‬واليت عليها التعويل يف اجلمع والرتجيح بني النصوص املتعارضة‬ ‫واملختلفة‪.‬‬ ‫‪-2‬االستفادة من الرتاث الفقهي واستيعابه والتمكن من فهمه‪ ،‬وفهم القواعد اليت قام عليها‪،‬‬ ‫واالنطالق لبناء اجتهاد فقهي جديد ‪.‬وتنبع أمهية هذا الرتاث الفقهي يف مباحث األحوال الشخصية‬ ‫خلصوصيتها وسعة الثوابت فيها‪ ،‬واألخذ من املذاهب له ضوابط منها ‪:‬معرفة الرأي الذي يعد هو‬ ‫املذهب‪ ،‬واآلراء املرجحة األخرى‪ ،‬وإذا أخذ حكم من مذهب وجب أخذ حكم املسألة كامال من‬ ‫املذهب حىت ال يقع التلفيق املمنوع شرعا‪ .‬و معىن التلفيق ‪:‬هو أن جيتهد جمتهد يف بعض املواضيع‬ ‫اليت تكلم فيها أكثر من جمتهد قبله وكان هلم فيها أكثر من قول‪ ،‬فيؤدي اجتهاده إىل األخذ ببعض‬ ‫ما أخذ به اجملتهدين السابقني‪ ،‬وإىل األخذ ببعض ما أخذ به البعض اآلخر منهم أو هو ‪:‬اإلتيان‬ ‫بكيفية ال يقول هبا جمتهد‪ ،‬وذلك بأن يلفق يف قضية واحدة بني قولني أو أكثر‪ ،‬يتولد منها حقيقة‬ ‫مركبة ال يقول هبا اجملتهد‪.‬‬ ‫‪-3‬االجتهاد اجلماعي يف املسائل املستجدة واألحكام الشرعية املستمدة من أدلة ظنية الداللة أو‬ ‫الثبوت مبا يراعي حال املكلفني وظروفهم وفق ضوابط السياسة الشرعية‪ ،‬وال مينع ذلك من استمرار‬ ‫االجتهاد الفردي الذي يعد ركيزة االجتهاد اجلماعي‪ ،‬ولكن اإللزام بثماره ال يتم إال بعد االتفاق بني‬ ‫اجملتهدين على صالحه وخرييته لألمة‪.‬‬ ‫‪-4‬أن يكون القائمون على االجتهاد فيما خيص قانون األسرة من العلماء املختصني‪ ،‬خاصة يف‬ ‫علوم الشريعة‪ ،‬وال بأس من االستئناس بباقي العلوم األخرى اليت هلا صلة مبوضوع األسرة‪.‬‬ ‫‪-5‬مراعاة قيم األمة وهويتها وأعرافها وتقاليدها‪ ،‬ذلك ألن غاية القوانني هي إصالح اجملتمعات‪ ،‬وقد‬ ‫يكون بعضها مناسبا للحضارة الغربية وغري مناسب هلوية جمتمعاتنا‪.‬‬

‫‪17‬‬


‫المطلب الثالث ‪:‬آثار االجتهاد القضائي في قضايا األسرة‬ ‫لعل من أهم اآلثار اإلجيابية لالجتهاد القضائي يف جمال األسرة ما يلي‪:‬‬ ‫‪-1‬إن االجتهاد وفق الضوابط الشرعية‪ ،‬فيه مناء للفقه اإلسالمي‪ ،‬ومواكبة لتطورات احلياة‬ ‫ومستجداهتا‪.‬‬ ‫‪-2‬إن االجتهاد حيقق املقاصد الشرعية اليت من أجلها شرعت األحكام يف موضوع األحوال‬ ‫الشخصية‪ ،‬ذلك ألن الغاية من االجتهاد إمنا هو حتقيق مقاصد الشريعة من تشريع األحكام‪.‬‬ ‫‪-3‬إن االجتهاد هو رد فعلي على املشككني يف مرونة أحكام الشريعة وصالحيتها لكل زمان‬ ‫ومكان‪ ،‬وقدرهتا على معاجلة املشاكل الطارئة‪ ،‬وإعطاء احللول لكل ما يستجد من أمور‪.‬‬ ‫‪-4‬إن االجتهاد حيمي الفقه اإلسالمي يف قضايا األحوال الشخصية من اللجوء إىل احليل واستخدام‬ ‫املخارج غري املشروعة‪ ،‬فوجود االجتهاد حيل املشاكل اليت تظهر نتيجة التطبيق‪ ،‬ببناء األحكام‬ ‫الشرعية املناسبة هلا‪.‬‬ ‫‪-5‬ميكن االجتهاد من االستفادة من مجيع املذاهب الفقهية والتخفيف من حدة التعصب‬ ‫املذهيب‪ ،‬وآثاره السيئة‪ ،‬إلعادة بناء الفقه اإلسالمي من جديد‪ .‬وكان من آثار االجتهاد القضائي‬ ‫التحرر من االلتزام املذهيب يف قضايا األحوال الشخصية‪ ،‬لذلك كانت وجهة اإلصالح العمل على‬ ‫تسطري قانون لألسرة يستنبط من املذاهب األربعة املشهورة‪ ،‬وخيتار منها ما يكون األقرب لتلبية‬ ‫حاجات ومتطلبات العصر‪ ،‬شريطة عدم مصادمته للنصوص الشرعية ‪.‬‬ ‫‪-6‬حتريك الطاقات الفاعلة لدى الفقهاء وفتح باب االجتهاد إلعادة الدور الريادي للفقه اإلسالمي‬ ‫يف جمال القضاء‪.‬‬ ‫غري أنه قد يشوب االجتهاد القضائي عدم صحة تقدير املصلحة احلقيقة للفرد و األسرة‬ ‫واجملتمع يف عدد من الرتجيحات أو االجتهادات يف بعض قضايا األحوال الشخصية‪ ،‬كتحديد سن‬ ‫الزواج ورفعه بالنسبة للبالغ‪ ،‬مبا خيالف حقوقه الفطرية يف إشباع حاجته اجلنسية‪ ،‬وكذا مراعاة تقدم‬ ‫سن البلوغ يف بالدنا و تأخره لدى الغرب‪.‬‬

‫‪18‬‬


‫خالصة ‪ :‬وميكن تلخيص أصول وضوابط االجتهاد القضائي يف الفقه اإلسالمي والتشريع‬ ‫اجلزائري‪ ،‬وذلك من خالل بيان نظرتيهما إىل القضاء على أنه أحد املؤسسات اهلامة يف الدولة‪ ،‬ودوره‬ ‫يف العملية االجتهادية يف النقاط اآلتية‪:‬‬ ‫أن االجتهاد القضائي يف الفقه اإلسالمي يعين استفراغ القاضي جهده لترتيل احلكم‬‫الشرعي على القضية املطروحة أمامه عند عدم وجود النص الذي يستند إليه من الكتاب أو السنة‪،‬‬ ‫وذلك باالستدالل له بالقياس أو بأحد األدلة االجتهادية األخرى ‪.‬كما يكون عند وجود النص‬ ‫الظين يف الثبوت أو الداللة‪ ،‬فيجتهد القاضي يف فهم مراد النص وحتقيق مناطه ‪.‬‬ ‫وختتلف درجة االجتهاد باختالف أهلية القاضي فيه‪،‬فقد يكون القاضي جمتهدا مطلقا‬‫فيكون بذلك اجتهاده إنشائيا ‪.‬أو منتسبا ملذهب معني يف أصوله مع قدرته على التخريج واالستنباط‬ ‫وإحلاق الفروع باألصول اليت قررها إمامه‪ ،‬فيكون اجتهاده انتقائيا؛ وقد يكون مقلدا ملذهب معني يف‬ ‫أصوله وفروعه فيعترب ناقال للفتو ى؛ وقد ينطبق هذا على اجتهاد احملاكم الشرعية‪ -‬كما هو احلال يف‬ ‫بعض الدول العربية ‪-‬يف جمال القضاء الشرعي بالنسبة لألحوال الشخصية‪ ،‬فال خترج أحكامها عما‬ ‫هو مقرر يف الفقه اإلسالمي بوجه عام‪ ،‬حىت ولو كانت مقيدة يف قضائها مبذهب معني‪.‬‬

‫‪19‬‬

محاضرات الاجتهاد القضائي في قانون الأسرة الجزائري  
محاضرات الاجتهاد القضائي في قانون الأسرة الجزائري  
Advertisement