Issuu on Google+

‫الكتاب ‪ :‬لفتة الكبد في نصيحة الولد‬ ‫لإلمام ابن الجوزي يوصي فيها ولده‬

‫الر ِحيم‬ ‫الر ْح َم ِن َّ‬ ‫بسِم اللَّ ِه َّ‬ ‫ْ‬ ‫الحمد هلل الذي أنشأ األب األكبر من تراب‪ ،‬وأخرج ذريته من الترائب واألصالب‪،‬‬ ‫أحسن التربية‬ ‫العشائر بالقرابة واألنساب‪ ،‬وأنعم علينا بالعلم وعرفان الصواب‪،‬‬ ‫وعضد‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫َ‬

‫وفور الثواب‪.‬‬ ‫في الصغر وحفظ في الشباب‪ ،‬ورزقنا ذريةً نرجو بهم َ‬

‫(( رب اجعلني مقي َّم الصالة ومن ذريتي ربَنا وتقبل دعاء ‪ .‬ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب))‬ ‫سورةّإبراهيم‪14-14/‬‬

‫أما بعد‪:‬‬

‫عز َّ‬ ‫وسألت اهلل َّ‬ ‫وجل أن‬ ‫وفضل األوالد‪،‬‬ ‫شرف النكاح‬ ‫عرفت‬ ‫فإني لما‬ ‫ختمت ختمةً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ذكور وخمسةً إناثًا‪ ،‬فمات من اإلناث‬ ‫يرزقني عشرة أوالد‪ ،‬فرزقني إياهم فكانوا خمسةً ًا‬


‫اثنتان ومن الذكور أربعة‪ ،‬ولم يبق لي من الذكور سوى ولدي أبي القاسم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فسألت اهللَ‬ ‫تعالى أن يجعل فيه الخلف الصالح وأن يبلّغني فيه المنى والمناجح‬

‫ان عن ِ‬ ‫أيت منه نوعَ تو ٍ‬ ‫فكتبت إليه هذه الرسالة أحثه بها‬ ‫الجد في طلب العلم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ثم ر ُ‬

‫على طلب العلم وأحركه على سلوك طريقي في كسب العلم‪ ،‬وأدله على االلتجاء إلى‬

‫لكن قد قَا َل‬ ‫الموفق سبحانه‪ ،‬مع علمي بأنه ال خاذل لمن وفّق وال‬ ‫َ‬ ‫مرشد لمن أض ّل‪ْ ،‬‬

‫سورة العصر‪ ، 3/‬وقال تعالى‪:‬‬

‫اصوا بالحق تواصوا بالصبر ))‬ ‫تعالى‪(( :‬وتو َ‬ ‫فذكر إن ِ‬ ‫ِّ‬ ‫نفعت الذكرى)) سورة األعلى‪ ،9/‬وال حول وال قوة إال باهلل العلي العظيم‪.‬‬ ‫(( ْ‬

‫فصل في فضل العقل ومسؤولية التكليف والحث على طلب الفضائل‬

‫اعلم يا بني‬ ‫عقلك و ِ‬ ‫أعم ْل‬

‫ِ‬ ‫وفَّقك اهلل أنه لم َّ‬ ‫بالعقل إال ليعمل بمقتضاه‪ ،‬فاستحضر‬ ‫اآلدمي‬ ‫يمي ِز‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف وأن عليك فرائض‬ ‫كرك‪ ،‬واخ ُل بنفسك‪ْ ،‬‬ ‫ف َ‬

‫أنفاس‬ ‫أنت مطالب بها‪ ،‬وأن الملكين عليهما السالم يحصيان ألفاظك ونظراتك‪ ،‬وأن‬ ‫َ‬

‫الحبس في القبور طويل‪،‬‬ ‫الحي خطوات إلى أجله‪،‬‬ ‫ومقدار اللبث في الدنيا قليل‪ ،‬و َ‬ ‫َ‬ ‫ندما‪ ،‬وأين شهوة‬ ‫و‬ ‫توَ‬ ‫العذاب على موافقة الهوى وبيل‪ ،‬فأين لذة أمس؟ قد رحلَ ْ‬ ‫َ‬ ‫أبقت ً‬ ‫سعد إال بمخالفة هواه‪ ،‬وال ِ‬ ‫سعد من ِ‬ ‫النفس؟ ن ّكست رأسا وأزلّت قدما‪ .‬وما ِ‬ ‫شقي َمن‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬


‫شقي إال بإيثار دنياه‪ ،‬فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد‪ ،‬أين لذةُ هؤالء وأين‬

‫الذكر الجمي ُل للصالحين‪ ،‬والمقالةُ القبيحة والعقاب‬ ‫ُ‬ ‫تعب أولئك ؟ بقي الثواب الجزيل و ُ‬ ‫الوبيل للعاصين‪ ،‬وكأنه ما شبع َمن شبِع‪ ،‬وال جاع َمن جاع‬ ‫وحب الراحة يورث ِمن الندم ما يربو على كل‬ ‫والكس ُل عن الفضائل بئس الرفيق‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫لذة‪ ،‬فانتبه و ِ‬ ‫تعدى‬ ‫نفسك‪ ،‬واعلم أن أداء الفرائض و‬ ‫اجتناب المحارم الزم‪ ،‬فمتى ّ‬ ‫أتع ْ‬ ‫َ‬ ‫ب َ‬ ‫طلب الفضائل نهايةُ مرِاد المجتهدين‪ ،‬ثم الفضائ ُل‬ ‫اإلنسان فالنار النار‪ .‬ثم اعلم أن‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫هد في الدنيا‪ ،‬ومنهم َمن يراها التشاغ َل‬ ‫تتفاوت‪ ،‬فمن الناس َمن يرى‬ ‫َ‬ ‫الفضائل الز َ‬

‫بالتعبد‪ ،‬وعلى الحقيقة فليست الفضائ ُل الكاملةُ إال الجمعُ بين العلم والعمل‪ ،‬فإذا‬

‫وحركاه إلى محبته‬ ‫ُحصِّال رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق سبحانه وتعالى‪ّ ،‬‬ ‫وخشيته والشوق إليه‪ ،‬فتلك الغاية القصوى‪ ،‬وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم‪ ،‬وليس‬

‫ٍ‬ ‫َّر لما ُخلق‬ ‫ك ُل مر ٍيد مر ًادا‪ ،‬وال ك ُل‬ ‫طالب و ً‬ ‫اجدا‪ ،‬ولكن على العبد االجتهاد‪ ،‬وك ٌل ميسٌ‬ ‫له‪ ،‬واهلل المستعان‪.‬‬

‫الفصل القادم‪ :‬فصل في أسس المعرفة وأركانها ‪...‬ان شاء اهلل‬


1__