Issuu on Google+

‫رجال السالطين األقوياء في مغرب القرن التاسع عشر‬ ‫من خالل كتاب "حول مائدة الغداء" لمحمد المختار السوسي‬ ‫مصطفى حيرن‬

‫‪http://www.fikrwanakd.aljabriabed.net/n34_18hayran.htm‬‬ ‫أنقذ الفقيه المغربي ألواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين محمد المختار السوسي شفاهيات سياسية وتاريخية ثمينة‬ ‫جدا بقيت لنا مبثوثة في صفحات من كتاباته الكثيرة‪.‬‬ ‫وأعتقد أن من يقرأ ويعيد قراءة المختار السوسي في السياقات التي ضمنها "تجرؤات" ال يستهان بها يستطيع أن يفهم مسارات‬ ‫الحياة السياسية واالجتماعية في مغرب األمس القريب والراهن المفتوح على احتماالته المستقبلية‪.‬‬ ‫إن من بين الشفاهيات المهمة التي أنقذها المختار السوسي من عوادي االندثار ما رواه له الباشا إدريس منو ابن القائد‬ ‫العسكري المخزني محمد منو على عهد السلطان موالي الحسن األول‪ ،‬وهي الشفاهيات التي ضمنها المختار السوسي كتابه‬ ‫حول مائدة الغذاء المنشور على نفقة وبإشراف أبناء المؤلف (مطبعة الساحل‪ ،‬الرباط سنة ‪ ،3891‬الطبعة األولى‪).‬‬ ‫ويبدو من مرويات الباشا منو التي سبكها كلمات الفقيه السوسي أن معاينة األحداث المهمة واألشخاص المتنفذين زمنئذ كانت‬ ‫على ذلك النحو من االقتراب الذي يبيح كتابة إدارة الشأن العام ساعة بساعة‪ ،‬وألننا نعرف "طابو" كتابة المذكرات عند‬ ‫رجاالت سياستنا المغربية فضال عن افتقار أغلبهم للعالقة االفتتانية مع الحرف‪ ،‬فقد تولى الفقيه المختار السوسي إنقاذ وانتشال‬ ‫بعض التفاصيل المهمة جدا من الشأن السياسي أواخر عهد السلطان الحسن األول ومجمل والية خلفه المولى عبد العزيز‪،‬‬ ‫وذلك من خالل مرويات مجالس النقاش والسمر مع الخالن واألصحاب‪.‬‬ ‫وثمة من بين تفاصيل كثيرة في مرويات كتاب حول مائدة الغداء ما سبق أن وقفنا عليه بالتفصيل العام في مصادر كثيرة‬ ‫وباألخص منها األجنبية‪ ،‬غير أن في المرويات التي نحن بصددها توابل حكائية حريفة تمثلت في تفاصيل للتفاصيل لو صح‬ ‫التعبير‪.‬‬ ‫ففيها –أي المرويات‪ -‬على سبيل المثال معابر نصية ثرية تضعك في الفضاء التراجيدي المحفوف بالكيدية السياسية لرحيل‬ ‫السلطان موالي الحسن األول‪ .‬فمن المعلوم أن الصدر األعظم (وزير الداخلية) القوي أحمد بن موسى الشهير ببا حماد‬ ‫"اجتهد" كثيرا ليبقي موت السلطان سرا بين األقربين لغاية ظاهرية منطقية تمثلت في تجنيب الموكب السلطاني المرتحل في‬ ‫بادية تادال إغارات أهلها‪ ،‬ولغاية أخرى مبطنة دافعها رغبة الوزير باحماد في اإلعداد لمبايعة أصغر أبناء السلطان المتوفى‬ ‫وهو عبد العزيز ليتمكن من بسط نفوذه كامال على شؤون المملكة‪.‬‬ ‫لنستمع إلى الفقيه السوسي وهو يروي عن الباشا محمد منو هذا المأزق التراجيدي المغموس في الكيدية السياسية‪" :‬وقد أحكم‬ ‫أحمد –أي باحماد‪ -‬أمره‪ ،‬وداخل (أي أسر) من شاء ممن كان في أيديهم بعض األمر‪ ،‬وقد كان أوعز إلى الجواري المطلعات‬ ‫على وفاة السلطان وسط الليلة أن ال ينبسن إال أردن أن يتخطفهن آل تادلة فيسوقونهن سبايا‪ ،‬فأمسكن متجلدات عن الصراخ‪،‬‬ ‫ولكن مع كثرة االحتياط في الصمت‪ ،‬صار الناس يتوهمون وقوع شيء‪ ،‬فاجتمع الجند ورؤساؤه‪ ،‬وقد أبرم أحمد مع رئيسه‬ ‫األمر واتفق مع المتفقين على البيعة للمولى عبد العزيز‪ ،‬فحين اجتمع الناس ووقف كل واحد في مركزه‪ ،‬وقف ابن العالم‪ ،‬كما‬ ‫أحسب أنه هو الذي ذكره‪ ،‬فأعلن أن رحم هللا المولى الحسن ولينصر المولى عبد العزيز‪ ،‬فأعلن األعوان بالتحية بصوت‬ ‫مزعج أكثر من العادة‪ ،‬تاله في نفس الدقيقة الزعاق الهائل باألبواق الجندية وبفرقعة المدافع بكثرة هائلة‪ ،‬والمقصود بتلك‬ ‫الصورة المرتبة على ذلك شغل الناس‪ ،‬وهزهم بما يسمعونه فيؤثر فيهم‪ ،‬ثم خرج األمر في الدقيقة أيضا إلى الشرفاء أوالد‬ ‫السلطان الحاضرين ليبايعوا أوال‪ ،‬فأول من خوطب بذلك المولى عبد الكبير فثار في وجه مخاطبه‪ ،‬فقال له ال وهللا إال بعد‬ ‫المشاورة والمداولة ورؤية ما هو األصلح‪ ،‬فالتفت أحمد بن موسى فقال ماذاك؟ قيل له إن المولى عبد الكبير أبى أن يبايع فقام‬ ‫بمالطفة فأخذ بيده فقال حاشا سيدنا وموالنا سيدي موالي عبد الكبير أن يخرق اإلجماع‪ ،‬ثم قال له تدخل لترى سيدنا المرحوم‬ ‫فأدخله إلى أفراك فشغله برؤية جنازة السلطان وبالبكاء حوله‪ ،‬فقدم المولى عبد الحفيظ فلم يمانع‪ ،‬فتتابع الحاضرون فتم كل‬ ‫شيء بمالطفة الداهية أحمد بن موسى‪ ،‬هكذا طويت الصحافة (يقصد الصفحة) الحسنية‪ ،‬ودخلت في التاريخ" (ص‪ 11‬حول‬ ‫مائدة الغداء‪).‬‬ ‫امتزجت مأساة موت السلطان "بدسائس السياسة على هذا النحو الذي يذكر بما كان يجري في بالطات وكواليس األمويين‬ ‫عقب اندحار عهد الخلفاء الراشدين بمقتل الحسين بن علي عليهما السالم ‪.‬‬ ‫لنستمع مرة أخرى إلى هذا التفصيل المهم بعد موت السلطان الحسن األول‪ .." :‬قال إنني ألعجب من تلك الدقيقة‪ ،‬فقد يؤتى لي‬ ‫فيها أن غشاوة كثيفة سربلت األفق‪ ،‬فقد انتهك الحجاب الذي استولى على النفوس من هيبة السلطان‪ ،‬حتى لتحس بأننا دخلنا في‬ ‫طور آخر جديد ال نعرفه‪ ،‬خصوصا منا نحن النشئ الذين كان العهد الحسني لنا عهدا ذهبيا هائال‪ ،‬فقد أنكرنا كل شيء بعده‪،‬‬ ‫كما تنكر لنا كل شيء‪ ،‬حتى المخزنية الحسنية قد انحلت عروتها يوم ذاك‪ ،‬وكأننا كنا ال نعرف ما هو الموت؟ حتى مات‬ ‫السلطان فتجلى لنا الموت بأعظم الفواجع‪ ،‬حقا أقول إنني ألرى ذلك اليوم هو الفارق بين العهد القديم المقدس في أنظارنا‪،‬‬ ‫وبين عهد آخر نندفع إليه ونحن أيتام قد فقدنا من السلطان والدا علينا شفيقا"(ص‪ 11‬و‪ ،13‬نفس المرجع‪).‬‬ ‫هكذا كان الحال موصوفا على هذا النحو البليغ وكأن البلد فقد عموده الفقري متجسدا في السلطة العليا الوحيدة القوية وعلى‬ ‫رأسها السلطان‪ ،‬ونعني بها الملكية المطلقة‪ ،‬فنحن إبانئذ كنا ما نزال لم نعرف ال دستورا وال برلمانا وال حكومة؛ كانت‬ ‫السلطنة تدبر أمورها الصعبة في إدارة الشأن العام باالعتماد على رجال أقوياء مثل أحمد بن موسى (باحماد) وكان هؤالء‬ ‫يوسعون نفوذهم بالترغيب والترهيب ويتمرسون بسهولة على جمع خيوط سياسة بال تعقيدات حديثة قوامها مؤسسات تراقب‬ ‫الحكم أو ما شابه‪ ،‬لذلك وجدوا أن ذكاءهم الفطري‪ ،‬الذي اعتصر "فاكهته" في أتون صراعات شخصية على الزعامات‪،‬‬ ‫يسعفهم في أكل الكتف من المكان المناسب‪.‬‬


‫من آيات ذلك هذا المعبر النصي اإلضافي في كتاب حول مائدة الغذاء‪ .." :‬قال عهدي بأناس من المستخدمين في كل أيام‬ ‫المولى الحسن‪ ،‬قد فارقوا المعسكر ذلك النهار إلى ديارهم ثم انخنسوا فيها ولم يرجعوا بعد إلى أعتاب الحكومة إلى أن ماتوا‪،‬‬ ‫والحاصل أن اللولب الذي به تتصل تلك المسامير كلها قد انكسر‪ ،‬فتطايرت شظايا شذر مذر"!(ص‪).13‬‬ ‫إن آل السياسة في ذلك الزمن المغربي لم يكن لهم من سند حزبي يشفع لهم في قطف ثمار شجرة السياسة الثرة‪ ،‬لذلك كان‬ ‫عليهم االعتماد على "كفاءاتهم" الخاصة بهم في استمالة أعلى سلطة في البالد وإقناعها بقدرة ما على اإلسهام بنصيب في‬ ‫إدارة الوضع المغربي الملتبس المفتوح على كل االحتماالت الفادحة (تمرد القبائل في أطراف المملكة‪ ..‬خيانات محتملة من‬ ‫األقربين‪..).‬‬ ‫كان أهل الحل والعقد "يجتهدون" كثيرا ليظهروا دائما خداما مطيعين للسلطنة وبالمقابل ينالون فضاء للتحرك بسعة البلد‬ ‫يطلقون فيه أيديهم‪ ،‬وألنهم –أي أهل الحل والعقد‪ -‬يعرفون أن ما نيل بالدهاء ال يحتفظ به إال بمزيد من الدهاء فقد عرفت عنهم‬ ‫القسوة الشديدة والمكر األصفر في التنكيل باألعداء والمنافسين المحتملين‪ ،‬كما في هذا االجتزاء من ذات الكتاب الذي نحن‬ ‫بصدده‪ ،‬حيث جاء عن بعض من دهاء ومكر الصدر األعظم "باحماد"‪ .." :‬فذكر كيف أن أحمد ساق معه الباشا حمو من‬ ‫مكناس وقد نزعه من مركز هائل كان فيه‪ ،‬فألقاه في تارودانت‪ ،‬وهكذا صنع بكل األوتاد في المملكة الحسنية‪ ،‬ثم ذكر كيف‬ ‫فتك بقبيل في جهة الشاوية‪("..‬ص‪).13‬‬ ‫كانت السياسة تمارس بتقنية األرض المحروقة التي ال تقبل حتى بالتراتبية اإلدارية بل بقطع دابر كل من تشتم فيه رائحة‬ ‫منافسة على النفوذ في الدائرة السلطانية المقلصة إلى أبعد حد جراء هذا التنافس الشرس الذي ال يبرز عقبه سوى رجل واحد‬ ‫كما في ساحات القتال بين المتصارعين على عهد الرومان‪.‬‬ ‫لنتمل في هذا البورتريه المتحرك لشخصية كاريزماتية مثل الصدر األعظم "باحماد"‪ .." :‬كان استبداده هو الذي اجثث الرجال‬ ‫الكبار الحسنيين‪ ،‬حتى ال يذكر معه أحد‪ ،‬فكان وحده المبدئ المعيد‪ ،‬والمصدر المورد‪ ،‬ال تكون كبيرة وال صغيرة إال بإذنه‪،‬‬ ‫وكان إخوانه وأهله على كل اإلدارات‪ ،‬ولكنه مع كل ذلك ال يظهر إال بمظهر المنفذ‪ ،‬فكل ما سأله يقول حتى نستشير سيدنا‪،‬‬ ‫وال يمكن أن يتخطى ذلك ولو غلطا‪ ،‬وقد فرط يوما من إنسان طلب منه شيئا فأجابه بذلك‪ ،‬فقال له أنت سيدنا‪ ،‬فاستشاط أحمد‬ ‫غضبا وناله منه ما ناله‪ ،‬وكان صموتا ال يحب الكالم حوله‪ ،‬فتكون دار المخزن مكتظة إلى طفافيها ثم ال تسمع صوتا وال‬ ‫تحس ركزا‪ ،‬وإن هناك إال إشارات‪ ،‬وقليل من الهمسات‪ ،‬وكان يجلس دائما أمام مكتبته أي منضدة كتابته في بنيقة الوزير‬ ‫الكبرى‪ ،‬فكان بينما هو مكب على الكتابة أو على التوقيعات أو على قراءة ما يقدم له‪ ،‬يجيل عينيه فينة بعد فينة وهما كعيني‬ ‫العقاب في ذلك البراح (أي الفضاء) فيرى الداخل والخارج‪ ،‬وقد أطل عليه مرة إنسان غريب‪ ،‬فصاح به ألم ترني قط‪ ،‬فأمر‬ ‫به إلى السلسلة‪ ،‬وكذلك ال ينسى كل ما قيل له أو قاله‪ ،‬قال الحاكي قدمت مرة من عند المولى عبد الحفيظ وهو خليفة على‬ ‫تادلة برسائل‪ ،‬فذكرته إياها فقال ال تحتاج إلى تذكيري فلن أنسى ما هو وظيفي –أو كما حكاه قاله له مما يدل على ما تقدم‪-‬‬ ‫وكان بطاشا ال يهدأ إال بالفتك والسجن‪ ،‬وسوق مسجون إليه أحب من سوق حمل مال‪ ،‬ثم ال يطمع في تسريح مسجونه‪ ،‬وبذلك‬ ‫البطش تمهد له من أراد‪ ،‬وارتجفت منه األفئدة‪ .." )...("..‬وكان في كل عشي يالقي الواردين إلى أن يمضي ما شاء هللا من‬ ‫الليل‪ ،‬وكان ممعنا في مص أموال العمال بكل ما أمكن‪ ،‬فهو الذي أبلغ البيع والشراء للقيادة في أيامه نفاقا عجيبا‪ ،‬وذلك وإن‬ ‫كان قبله غير أنه لم يبلغ مرتبة ما في عهده‪( !"..‬ص‪ 13‬و‪).19‬‬ ‫إن هذا التوصيف للبورتريه اليومي لكبير وزراء السلطان المولى الحسن األول وخلفه المولى عبد العزيز يلخص لب سياسة‬ ‫الشأن العام كما كانت تدبر من أقوياء السلطنة الذين يستحوذون على النفوذ بدهائهم ومكرهم فيخضع لهم العباد والبالد‪ ،‬لذلك‬ ‫لم يكن استثناء أن يبقى الصدر األعظم أحمد بن موسى (با احماد) في منصبه الخطير آمرا ناهيا ومستوليا على مالية الدولة‬ ‫إلى درجة قيامه بنقل كل ثروة البالد التي كانت في دار المخزن على أيام السلطان المولى الحسن األول إلى داره الخاصة في‬ ‫الباهيا عقب تولي المولى عبد العزيز الحكم!‪ ..‬أقول أنه لم يكن استثناء أن يظل (با احماد) في منصبه الكبير حتى وفاته‪.‬‬ ‫غير أنه في مكان ظليل (لكن واضح) من سلطة باحماد المطلقة كان ثمة رجل من ذات عيار الدهاء والمكر يطرز خالفته‬ ‫بصبر بينلوبي –نسبة إلى بينلوب زوجة ديونسوس في األسطورة اليونانية المعروفة‪ ،-‬يتعلق األمر بالمهدي المنبهي الذي‬ ‫تولى وزارة الحربية كمهمة واضحة إال أنه كان في الواقع نسخة كربونية فيما يتعلق بمجال النفوذ الذي شغله ابا حماد من‬ ‫قبل‪.‬‬ ‫لنستمع مرة أخرى إلى ما جاء ضمن مرويات الفقيه السوسي في كتاب حول مائدة الغداء بخصوص أفول نجم وحياة ابا حماد‪:‬‬ ‫"‪ ..‬فكان أول عارف بالخبر –يقصد المنبهي وموت با حماد‪ -‬فطار مسرعا إلى باب السلطان فطلب المالقاة باسم الفقيه –‬ ‫وبذلك يدعى أحمد عند أصحابه‪ -‬فبمجرد ما القى السلطان أسمعه النعي‪ ،‬فخر السقف على المولى عبد العزيز‪ ،‬فلم يدر ما‬ ‫يصنع‪ ،‬لكونه ال يعرف مآتي األمور‪ ،‬فشجعه المنابهي‪ ،‬فقال له إن األمر كله لك‪ ،‬فمر ينفذ أمرك‪ ،‬وكلنا طوع يدك‪ ،‬في كالم‬ ‫معسول مثل هذا‪ ،‬فاستشاره السلطان في المعمول وهو يبكي أحر بكاء لرقة قلبه‪ ،‬فقال له يأمر سيدنا بإعداد جنازة وباحتفال‬ ‫الناس لها وأن يخرج سيدنا نفسه حتى يدفن‪ ،‬فذلك هو الواجب‪ ،‬وإن أذن لي سيدي نفذت كل هذا‪ ،‬فأمره فخرج المنابهي فأمر‬ ‫بكل شيء‪ ،‬وظهر من وقته آمرا ناهيا‪ ،‬فذهبت الجنازة كما ينبغي بمحضر السلطان فمن دونه ثم سأل السلطان المنابهي عما‬ ‫يجب فعله اآلن فقال له يأمر سيدنا بتثقيف دار أحمد وأمواله وكل أهله كما هي العادة‪ ،‬ونقل أموال السلطان من داره إلى دار‬ ‫المخزن‪ ،‬فأمره بكل ذلك‪ ،‬فقام به في الحين‪ ،‬فألقى القبض على كل آل أحمد فغرب عزهم في لحظة‪ ،‬كما بزغ نجم المنابهي في‬ ‫اللحظة نفسها‪ ،‬ولما كان أحمد قد مزق كل الرجال الحسنيين في عهده‪ ،‬ولم يبق إال شبه عجائز من أدنياء النفوس‪ ،‬وجد‬ ‫المنابهي الجريء المقدام الميدان فارغا‪ ،‬فتقدم فاستحوذ بكل بساطة‪ ،‬فدفع غريط إلى الوزارة وهو ثقيل الرأي والفهم فاستحوذ‬ ‫المنابهي على الحربية‪ ،‬والحقيقة أنه مستحوذ على كل شيء‪ ،‬ألنه حين أمر بنقل األموال والمتاع من الباهية إلى دار المخزن‪،‬‬ ‫كان سرب إلى داره نحو الثلثين أو أكثر‪ ،‬فأنشأ يبذر بال حساب‪ ،‬فأنال كل الناس أمواال طائلة‪( !"..‬ص‪ 33‬و‪).34‬‬ ‫ونحن نعرف خاتمة هذا المسار "السياسي" الناجح للسي المهدي المنبهي‪ ،‬إذ سيكثر حساده ويسعون بذات أسلوبه إلى اإليقاع‬ ‫به حين ذهب إلى أوروبا موفدا من قبل المولى عبد العزيز‪ ،‬غير أن المنبهي سيتدارك األمر حين رجوعه فيحتفظ بسطوته‬


‫ونفوذه إلى غاية أفول نجمه جراء حشد خصومه لقرائن أدانته وبررت إبعاده‪ ،‬ونجا من التتريك (مصادرة أمالكه كسلفه‬ ‫المتوفي با حماد) بفضل احتمائه بالبعثة اإلنجليزية في طنجة‪.‬‬ ‫غني عن اإليضاح أن السمة البارزة لممارسة الحكم في المغرب "أخلصت" لهذا المسار التقليدي المشبع بذهنية الصراع‬ ‫الكالسيكي على السلطة‪ :‬أي أن النفوذ والمال لألكثر قدرة على التنكيل بالخصوم واإلقدام والجرأة في الظهور بمظهر "فكاك‬ ‫الوحايل" كما في حالة وفاة شخص أعلى سلطة في البالد (الملك) أو شخصية سلطوية كبيرة في الدولة (ابا حماد) أو أيضا‬ ‫التصدي بالحزم الالزم النتفاضات القبائل (ردع السيبة)‪ ..‬إلى غيرها من عوارض السياسة اليومية في تفصيلها الصغيرة‬ ‫والكبيرة المزعجة‪.‬‬ ‫ومعروف أن التناقضات الداخلية في تدبير الشأن العام‪ :‬تمرد بعض القبائل واستفحال المديونية جراء نهب المال العام من قبل‬ ‫كبار المسؤولين في الدولة من وزراء وحاشياتهم واتباعهم وأتباع أتباعهم‪ ..‬التناقضات التي التقت مع طموحات أوروبية‬ ‫ناهضة بصناعاتها الرأسمالية المتنامية الحاجيات‪ ،‬حيث سيتقدم هذه المرة األجنبي –وليس صدر أعظم‪ -‬لحل المشاكل‬ ‫االقتصادية واألمنية؛ ويفرض قوته التنظيمية المشفوعة بذكريات الغلبة الماحقة في موقعة إيسلي الشهيرة سنة ‪ 3993‬وحرب‬ ‫تطوان سنة ‪.3989‬‬ ‫ثمة سؤال يطرح بإلحاح على هذه المرحلة الملتبسة من تاريخنا وهو‪ :‬ألم نعرف إبانئذ تيارا إصالحيا يدفع في اتجاه التحديث‬ ‫السياسي‪.‬‬ ‫لم تتوفر للمغرب –لألسف‪ -‬تلك السيرورة االجتماعية واالقتصادية التي ترفد نوايا اإلصالح التي ظهرت عند النخبة الثقافية‬ ‫والعلمية (بعثة السلطان الحسن األول العلمية إلى الديار األوروبية) والسياسية (جماعة لسان المغرب ودستورها المقترح على‬ ‫المولى عبد العزيز سنة ‪ ،)3899‬فقد اصطدمت هذه النخب اإلصالحية ببنيات التخلف االجتماعي واالقتصادي ووجدت أن‬ ‫الحل األجنبي المستقوي بمبرراته االستعماري سينسف الحل الداخلي الذي احتاج إلى الوقت لإلنضاج وإحداث التراكم‬ ‫الضروري‪ ,‬لذلك احترقت أشرعة اإلصالح الواحد تلو اآلخر النتقاء الشروط الموضوعية عن بنية اجتماعية وسياسة سادرة‬ ‫في تقليديتها‪.‬‬ ‫ومن عجب أن سؤال التحديث واإلصالح في كل المحطات المغربية الكبرى طرح دائما بصيغة إصالحية دون االلتفات إلى‬ ‫شروطها الموضوعية االقتصادية واالجتماعية والسياسية‪.‬‬ ‫لنستمع مرة أخرى إلى معبر نصي دال في هذا الصدد من مرويات الفقيه السوسي ضمن كتاب حول مائدة الغداء‪ ،‬يقول هذا‬ ‫المعبر النصي‪ .." :‬حاورته يوما –يقصد الباشا محمد منو‪ -‬محاورة طويلة فيمن هو المسؤول عن انهيار المغرب أهو السلطان‬ ‫الذي كان ال يخفى عليه شيء أم األمة التي أبت أن تستفيق والعالم كله مستفيق‪ ،‬فكان هو يميل إلى أن السلطان ينفع حقا لو‬ ‫تنبه لإلصالح المنشود كما ينبغي‪ ،‬ولكن نفعه ال يكون إال بمقدار‪ ،‬كما أنه إن مشى في ذلك خطوة سيلقى عراقيل كثيرة من كل‬ ‫جهة‪ ،‬ثم قال إن جمود ذلك العهد وجهله السائد بالعالم المتمدن وما وقع فيه‪ ،‬ال يمكن أن يدركه كما هو من نشأوا بعد ذلك في‬ ‫المغرب‪ ،‬ولذلك ال يقدر أن يعذر أصحاب ذلك العهد إال من كان عاش فيه واستيقن أنه ال يمكن أن يكون إال كذلك‪!"..‬‬ ‫(ص‪).13‬‬ ‫قيل هذا التشخيص الموضوعي في زمن مغربي إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر‪ ،‬وإذا ما تفحصنا ما تالها من‬ ‫محطات تالية كبرى فسنجد أن ذات الجواب الجبري بقي محتفظا بكل صدقيته أي أنه ال يمكن للمغرب أن يكون إال كذلك!؟‬ ‫واإلرادة البشرية المرتبطة فزيولوجيا ووجوديا بالسيرورة والتغيير؟!‬ ‫ال شك أن لسان حالنا‪ ..‬يجيب دائما‪" :‬ال راد للقدر"! وال خيار آخر لنا سوى أن نترك "مدرسة" باحماد والمهدي المنبهي و‪..‬‬ ‫تفكر لنا وحينما ستعييها "الحيلة" فسيفكر اآلخرون لنا‬


RIJAKSALATIN