Page 1


‫{مقدمة}‬ ‫لقد بلغ كم الصور التي أفرزها العام املنرصم قدرا ً مذهالً‪ ،‬حتى مل تعد املشكلة هي نقص الصور وإمنا قلة الوقت املتاح للتعاطي معها‪ .‬إن‬ ‫االحتياج الحقيقي اليوم قد صار إىل لحظة للتفكّر وللتفكري النقدي‪ ،‬لحظة لتأ ّمل ما قد تم إنتاجه وملناقشة محتواه وشكله وطرق تداوله قبل‬ ‫امليض قدماً‪ .‬ويف سياق التحوالت املجتمعية والسياسية الهادرة التي تشهدها مرص‪ ،‬كانت وكالة األخبار البديلة مساحة ذهنية ومادية إلثني‬ ‫عرش شخصاًَ الستكشاف ذلك كله‪.‬‬ ‫يأيت هذا املرشوع امتدادا ً ملرحلته األوىل والتي انطلقت يف العام ‪ ،2010‬وتركزت منهجيته يف وضع صانعي الصورة الناشئني (من فنانني ومصورين‬ ‫صحافيني ومدونني) يف قلب لقاء نقدي نادر‪ .‬أما هذا العام‪ ،‬فقد كان النتقال سياسات الثورة الدولية من الفريض إىل الواقعي أن تقودنا إىل دعوة‬ ‫عدد من املامرسني ذوي الخربة‪ ،‬ممن تحمل أعاملهم بالفعل دورا ً مؤثرا ً يف كل من قدرتنا عىل إدراك هذه األيام املتغرية‪ ،‬ويف واقعها املعاش‪.‬‬ ‫وكام يف املرة األوىل فقد تباينت خلفيات املشاركني ما بني الفن والصحافة والنشاط السيايس‪ .‬وقد اجتمعوا أسبوعياً طوال شهرين خالل الفرتة‬ ‫العصيبة من ديسمرب‪ /‬كانون أول ‪ 2011‬وحتى فرباير‪ /‬شباط ‪ .2012‬أجج هذه الورشة وقود من مامرسات التعلم الذايت وتبادل الخربات‪ ،‬وذلك‬ ‫عىل مدار لقاءات جامعية ونقاشات أدارها املشاركون مع ضيوف من املحرتفني منهم لينا عطا الله مديرة تحرير املرصي اليوم الطبعة اإلنجليزية‪،‬‬ ‫واملصورين الصحافيني توماس هارتويل وعالء الدين عبد النبي‪ ،‬والفنانة رنا النمر‪ ،‬ومطورة املواقع تيسري هواري‪.‬‬ ‫قام كل من املشاركني خالل هذه العملية بصياغة مرشوع مختلف‪ ،‬يستعني بلغته الخاصة يف طرح تساؤالت حول اإلنتاج البرصي وترويجه يف‬ ‫البالد يف هذه األزمنة‪ .‬دعونا املشاركني إىل التفكري واإلنتاج يف آن‪ ،‬انتهاء بتكليفهم بإصدار مرشوعات دون قيود حقيقية‪ .‬ال متثل املساهامت‬ ‫املدرجة يف هذه النرشة أعامالً مكتملة بأي حال‪ ،‬وإمنا ملحات من مرشوعات بحثية وتجارب وتأمالت قيد التنفيذ‪.‬‬ ‫وبناء عىل كل ما سبق‪ ،‬تتضمن هذه النرشة آرا ًء تعرب عن وجهات نظر أصحابها‪ ،‬وال تتبنى أي نسق تحريري متسق‪ ،‬يف الواقع فإن املساهامت‬ ‫املدرجة تطرح بدائالً لإلعالم السائد وكذلك بدائالً لبعضها البعض‪ ،‬يف مقابل تلك األصوات املطالبة باستمرار برسديات متسقة ومتبلورة‪.‬‬ ‫تعرض ياسمينا متويل تأمالتها يف الصور “املتبقية”‪ ،‬وهو ذلك املحتوى الذي يحذف عادة من مقاطع الفيديو الدعائية بوصفه ال يقدم طرحاً أو‬ ‫رسدا ً مفيدا ً‪ ،‬وذلك من خالل صورا ً ثابتة ومقاطع فيديو ونصوص‪ .‬وعىل طرف النقيض من ذلك‪ ،‬تقف مجموعة صور ليليان وجدي غري املحررة‬ ‫والتي جمعتها من مشاركات عامة من أرجاء الجمهورية‪ ،‬وتعرض فيها ملد من املعلومات البرصية املميزة للمناخ اإلعالمي يف يومنا هذا‪ .‬بينام‬ ‫تحرص سلمى عرفة الصفحات األوىل لثالث جرائد قومية وتتحرى اختياراتها التحريرية فيام يخص املحتوى البرصي الذي نرش يف األيام الثامين‬ ‫عرش األول للثورة‪ .‬يجري محمد املشد حوارا ً مع شاب من مصايب الثورة‪ ،‬ملقياً الضوء عىل عالقته الخاصة باإلصابة‪ ،‬فيام وراء عملية التعظيم‬ ‫التي يتعرض لها دون إرادته‪ .‬وقام محمد عالم بدعوة عدد من أصدقائه من املامرسني للعبث برصياً بصورة قام بإنتاجها يف العام ‪ 2005‬يف انتقاد‬ ‫للدولة املرصية العسكرية‪ .‬وتنظر كل من نادين مرويش وروان الشيمي بطريقتهام الخاصة يف النسيج الحرضي ملنطقة وسط القاهرة‪ ،‬وكيفية‬ ‫تعامل الناس مع زخم املعاين التي ح ّملت بها الفضاءات والبنايات‪ .‬يفتح طارق حفني منصات صغرية للتعبري‪ ،‬عبارة عن ملصقات بيضاء جاهزة‬ ‫للتوزيع‪ ،‬بينام يطلق أسامة داود حملة نقدية تسعى إىل الوصول إىل أكرب عدد ممكن من الناس وملس حياتهم اليومية‪.‬‬ ‫مل يكن من املمكن أن نقدم متثيال صادقاً للمناقشات املطولة واملوسعة التي دارت داخل املجموعة‪ ،‬فبدالً من ذلك يحاول محمد املشد يف نصه‬ ‫املنسوج ما بني املرشوعات يف هذا الكتاب أن يقدم تأمالً حول تلك املناقشات‪.‬‬ ‫لقد حظينا أيضاً مبشاركة كل من نغم عثامن وماجي أسامة وتامر السعيد خالل فرتة الورشة‪.‬‬ ‫وكالة األخبار البديلة مرشوع قام بتنظيمه مركز الصورة املعارصة بدعم كريم من سفارة هولندا بالقاهرة‪.‬‬

‫سيلفيا ملّييك‬ ‫ميا يانكوفيتش‬


‫طارق حفني‬


‫مالحظات ‪ -‬محمد املشد‬ ‫قبل أن نرشع يف تنفيذ مرشوعاتنا‪ ،‬عقد‬ ‫املشاركون يف الورشة الثانية عدة جلسات ملناقشة‬ ‫مسائل تتعلق باملامرسة املهنية وباستخدام‬ ‫الصورة يف املجال الصحايف‪.‬‬ ‫غري أنه مل يكن من املمكن التعاطي مع كثري من‬ ‫النقاط الجدلية التي حملتها تلك املناقشات من خالل‬ ‫املرشوعات وحدها‪ .‬نستعرض يف السطور القادمة‬ ‫أبرز النقاط التي أثريت أثناء جلسات النقاش‪.‬‬


‫ليس من الرضوري للصورة أن تهتم دامئاً مبا يقع قبل التقاطها أو بعدها‪ .‬فأحياناً قد تعرب الصورة عن لحظة التقاطها‬ ‫فحسب‪ .‬فيام يخص فن الصحافة‪ ،‬فإنه أحياناً ما يستغرق يف رشح سياق األحداث وتسلسلها‪ ،‬ويضفي عناية خاصة بحسن‬ ‫االستهالل وكذا مبتابعة الخرب‪.‬‬ ‫ماذا لو كان العامل كله مجرد وسيط إعالمي مفتوح‪ ،‬أو جزء من صورة إعالمية أكرب؟ لكن‪ ،‬هل حياة اآلراء قصرية كحياة‬ ‫ذلك امللصق رسيع التلف؟ ما زال يحوي االنرتنت رغم اتساعه ورغم كونه سوقاً لتبادل اآلراء‪ ،‬منتديات موجهة لنرش الفكر‬ ‫والصورة عرب املدونات واملواقع اإلخبارية ومواقع التواصل االجتامعي واإلعالنات‪.‬‬ ‫عندما تستقر عملية النرش يف أيدي أصحاب الرأي واملعلومة والصورة‪ ،‬فإن ما ينرشونه قد يحقق نتائج متباينة‪ ،‬مهام كان‬ ‫غموض املادة التي يروج لها‪.‬‬

‫أما بالنسبة للصورة فإن ما يأيت قبلها وما يأيت بعدها قد اليعني شيئاً يف الحقيقة‪.‬‬ ‫وقد تكون الصورة مطلباً يف حد ذاتها‪ ،‬وإذا ما تم وضعها يف سياق خربي فقد تصبح عرضة للفحص والتمحيص‪ .‬وغالباً ما‬ ‫تحرص املنافذ اإلعالمية التقليدية عىل أن يكون للصورة دورا ً فاعالً يف رسد الخرب‪ .‬فإما تساعد الصورة يف هذه الحالة عىل‬ ‫ملء فراغ برصي‪ ،‬وبذلك يكتمل معنى الخرب‪ ،‬أو أن ترتك فراغاً يتعني ملؤه بالخرب‪ ،‬وبذا يتحقق املعنى املراد من الصورة‪ .‬أما‬ ‫يف مجال التصوير املجرد من الرسد‪ ،‬تصبح تلك املساحة بني الصورة والكلمة حيزا ً قامئاً بذاته ينفصل كلية عام يحيط به‪.‬‬


‫الفيلم الدمعي‬ ‫هو الطبقة التي تحمي العني من الجفاف‪ ،‬حيث تقوم بالرتطيب املستمر لسطح العني من خالل حركة الجفون‪.‬‬ ‫تطرف عينا اإلنسان مبعدل مرة إىل مرتني كل ‪ 10‬ثوان‪ ،‬وتستغرق كل طرفة عني حوايل ثلث الثانية‪ .‬من املمكن التحكم يف تكرار طرف العينني‪ ،‬غري أن إحساس‬ ‫الحكة غري املحتمل يجعلنا نستسلم بعد مدة ال تتعدى دقيقتني؛ فإن العني تحمي نفسها من الجفاف بطر ِفها‪ .‬لقد شكك فالدميري يومانيك يف هذه الظاهرة‬ ‫الجسدية عرب األداء الذي قدمه تحت اسم «الفحص» (‪)2006‬؛ حيث ظل الفنان مفتوح العينني ملدة ساعتني دون أن يطرف‪ .‬لقد امتنع واعياً عن السامح لعينيه‬ ‫أن تطرفا‪ ،‬فظلت جفونه مفتوحة وكأمنا قد تسمرت بفعل عائق طبي‪ .‬وحني انهمرت الدموع فإنها مل تكن تنم عن حزن‪ ،‬وإمنا عن تعذيب متعمد‪ .‬ومن ثم فلم‬ ‫تكن تلك دموعاً تسيل من العني‪.‬‬ ‫بل كانت دموع من عيون ال ترى سوى ظل ال ُحكم‪ ،‬ذلك ال ُحكم الذي أنفذه الفنان بنفسه‪ .‬لقد كان «الفحص» ُحكامً نافذا ً عىل مرأى من شهود مل يتأهبوا لذلك‪.‬‬ ‫لقد شاهد املتفرجون عرضاً ضخامً عىل الحائط بينام يحدق يومانيك يف عدسة الكامريا املواجهة له‪ .‬إن ما يربط بينهام ‪ -‬املتفرج واملؤدي ‪ -‬هو مشهد العني وقد‬ ‫انهمرت منها الدموع‪.‬‬


‫الصور الباقية‬ ‫إن الصورة قد تكون انعكاساً لحقيقة ما أو قراءة لها‪ .‬عىل سبيل املثال‪ ،‬قد تصف الصورة رصاعاً دائرا ً من خالل تصويره‪ ،‬غري أنها لن متثّل الرصاع نفسه‪.‬‬ ‫يود «حمو» قول أن الفيل الكبري قد حرر نفسه وهو يجري اآلن يف أرجاء املكان‪ .‬لقد قيدته حبال رفيعة منعته من الحركة ملدة طويلة‪ ،‬كيف قيد وهو‬ ‫عىل ما هو عليه من القوة؟ رمبا لعدم تأكده من املكان الذي سوف يقصده‪ .‬إن الصور تشبه الفيل‪ ،‬فبإمكانها أن تحرر نفسها من طبيعتها الخانعة‪ .‬لهذا‬ ‫فالبد ملصوري الفوتوغرافيا والفيديو وغريهم من محرتيف التصوير االجتهاد بغية التقاط كل ما هو «غري ظاهر» و»أسايس» و»جميل»‪ .‬ماذا يحدث إن‬ ‫جردت الصورة من كافة معانيها ومحتواها غري الظاهر‪ ،‬فعرضت صورة ال متثل غري نفسها‪ ،‬ال متثل غري اللحظة التي التقطت فيها‪ .‬رمبا التقطت مبحض‬ ‫الصدفة ودون قصد وال متثّل جزء من تقرير أو عمل فني‪ ،‬أو رمبا التقطت قبل وقوع الحدث الفعيل أو بعده‪ .‬هل تقل أهمية تلك الصور الباقية؟‬ ‫يف العام ‪ ،1924‬كتب زيغا فريتوف يف بيانه املعنون «ميالد العني املتحركة» قائالً «إن عني السينام هي حقيقة السينام»‪ .‬إن ما قصده هو أن حقيقة‬ ‫السينام ال تنتمي إىل الواقع املحيط بها‪ ،‬حيث متثل واقعاً موازياً يحيا بذاته وتنتج عنه مساحات ليس بإمكانها العيش يف العامل الحقيقي‪ .‬يرتكّب هذا‬ ‫الواقع من سلسلة من الرسائل الوهمية املو ّجهة إىل املتفرج واملحفّزة له يف انتظار تصفيقه‪ .‬ما من حدود ملا يف إمكان الكامريا تحقيقه؛ فالكامريا ال‬ ‫«تشهد عىل» ما يحدث من حراك فحسب‪ ،‬بل وتقوم بتسجيله أيضاً‪ ،‬ومن خالل املونتاج فإنها «تعبث» بذهن املتفرج‪ .‬لذا فقد استخدم الفيلم منذ أن‬ ‫وجد كوسيلة للدعاية من ِقبل كل من يود التالعب بالجامهري من خالل إعادة صياغة التاريخ‪ ،‬كام يرى فريتوف‪ .‬وبناء عىل ذلك‪ ،‬فإن الفيلم يعد أول‬ ‫وسيلة عاملية لالتصال الجامهريي‪ ،‬تتحرك برسعة الضوء أمام حدقة املتفرج وتؤثر يف جامهري غفرية يف لحظة‪ .‬قد يكون من الصعب فهم املعنى املقصود‬ ‫دون الرجوع إىل العام ‪ 1895‬مع ميالد أول فيلم لألخوان لوميري‪ .‬ففي فيلم «العامل يغادرون املصنع» استغرق إخالء املصنع من األشخاص (العامل)‬ ‫‪ 45‬ثانية‪ .‬وعليه فإننا (املشاهدين) نظل نشاهد العامل (املمثلني) وهم يغادرون املصنع ملدة ‪ 45‬دقيقة‪ .‬قد يبدو املشهد مك ّررا ً وروتينياً‪ ،‬حيث تبدو‬ ‫ُمى متحركة تغادر املرسح‪ .‬من املمكن لذلك املشهد أن يقع يف بداية حكاية أو أن يختمها‪ ،‬وعىل الرغم من أن أول كامريا يف تاريخ صناعة‬ ‫الشخوص د ً‬ ‫الفيلم قد ص ّوبت نحو بوابات املصنع‪ ،‬فإننا نُدرك اليوم وبعد مرور مائة عام أن السينام مل تتعرض بعد لحياة ال ُعامل عىل النحو الكايف‪ ،‬وأن معظم‬ ‫األفالم ال تتطرق بالتفصيل نحو حياة العامل داخل نطاق حياتهم اليومية أو خارجه‪« .‬العامل يغادرون املصنع « بينام ال نعلم نحن شيئًا عنهم أو عم‬ ‫يفكرون فيه أو إىل أين يتجهون أو إذا ما كانوا غاضبني أم راضني‪ .‬إن الصورة الباقية هنا هي املشهد املعني ومدته ‪ 45‬ثانية‪ ،‬ويبقى اإلحساس بعدم‬ ‫اليقني والشك خالدا ً‪ .‬فلن نستطيع يوماً أن نعرف شيئاً عن يومهم يف املصنع وما يحدث بعد ذلك‪ .‬فكل شئ وأي شئ وارد!‬


‫كثرية هي الصور التي تسعى إىل تعظيم املصابني أو الضحايا بطريقة تجعل منهم أبطاالً‪ ،‬كام لو كانت تريد أن تظل شاهدا ً‬ ‫برصياً عىل بطوالتهم‪ .‬غري أن تلك الصور يف سعيها للتأكيد عىل التضحية العظمى التي قدمها أولئك‪ ،‬والرعب الناجم عن الرصاع‪،‬‬ ‫قد تختزل يف الوقت ذاته كثريا ً من املؤثرات الدقيقة املتعلقة بالصدمة التي قد تعرض لها امل ُصاب‪.‬‬ ‫تسعى تلك الصور إىل خلق حالة من الوفاق الجامعي حول ما يتم تصويره من خالل فرض حالة من املشاركة الوجدانية‬ ‫إزائه‪ .‬ومن جانب آخر‪ ،‬فثمة عالقة وطيدة بني ما يص َّور وبني من يلتقط الصورة‪ ،‬عالوة عىل املوقف الذي تعكسه‪ .‬تتحرك‬ ‫النفس عقب املشاهدة نحو الشعور إما بالتعايف أو اإلنكار أو الرفض أو القبول أو أي شعور آخر مام يصعب التقاطه‪ ،‬وإذا ما‬ ‫التقط فإنه يظل عصياً عىل الفهم‪ .‬تقول سوزان سونتاج يف كتابها «عن آالم الغري» (‪« :)2002‬ليس مثة مكان لكلمة «نحن»‬ ‫عندما نشهد آالم الغري»‪.‬‬

‫قد تكون حالة اإلدراك ومشاعر التعاطف والقبول املصاحبة ملشاهدة الصورة كلها نواتج ثانوية لتلك الصورة التي تستعرض آالم الغري‬ ‫أو ما يواجهونه من قيود‪ ،‬عىل الرغم من كونها حاالت ومشاعر غري حقيقية يف حد ذاتها‪ .‬يف الوقت نفسه‪ ،‬ميارس املص ّور عن وعي‬ ‫تام دور الرقيب عندما يناقش مع نفسه األخالقيات التي تستدعيها هذه النوعية من الصور‪.‬‬


‫محمد المشد‬ ‫عبدالهادي فرج‬

‫العرف السائد‪ ،‬أو يصبح هو الحياة كما هي‪.‬‬ ‫في الختام يفرض أي ظرف دائم أو أسلوب حياة يومي نفسه فيصير هو ُ‬ ‫ونظرًا لما ّ‬ ‫تخلفه اعتيادية األحداث وتكرارها من شعور بالسأم‪ ،‬فإن ذلك من شأنه أن يؤجّج أحالم يقظة يهيم بها العقل‪ ،‬بينما يواصل‬ ‫الجسد عمله‪ ،‬أو ما يُعمل به‪.‬‬ ‫يقول عبد الهادي‪ « :‬ساعات الواحد يسرح بخياله للمستقبل‪ ،‬وأفكر أن كل األيام دي هفتكرها وأحكيها على أنها أهم مرحلة في حياتي‪.‬‬ ‫أكون متزوج ووسط عيالي وأنا بحكي لهم عن الفترة اللي غيرت حياتي من صفر لمئة وثمانين‪.‬‬ ‫عندما يفقد المخ سيطرته على الجسد‪ ،‬فإنه يستعيض بمحاولة استعادة رغبته في التالعب به ولو جزئيًا‪.‬‬ ‫وعلى الرغم مما يحيط بعبد الهادي من أشخاص ومعدّات‪ ،‬يقول عبد الهادي أنه «ممكن أعمل كل شيء»‪.‬‬ ‫عادة ما يقوم بذلك دون فعل حقيقي‪ .‬يحب المحيطين به‪ ،‬ولكنهم دائمًا حوله‪ ،‬لهذا فليس بغريب أن يغفل عن وجودهم‬ ‫أو أن يستغرق في أفكاره وهم من حوله‪ ،‬أو أثناء قيامه بعمل ما‪.‬‬ ‫فيبنصب التركيز على االنشغال بالوجهة‪.‬‬ ‫لقد بات الجلوس في مقعد الركاب يخفف من وطأة التفكير في القيادة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫قبل الجلوس في المقعد يراجع عبد الهادي نفسه‪ ،‬لكنه يدرك في النهاية أن ما ضاع قد ضاع حقًا‪.‬‬


‫«تقدم التعليقات المصاحبة للصور الفوتوغرافية إما تفسيرًا أو تكذيبًا لها»‬ ‫وتضيف «وسواء إن تعاملنا مع الصورة الفوتوغرافية بوصفها عمل بسيط أو عمل ّ‬ ‫مركب لفنان مخضرم‪ ،‬فإن معناها واستجابة المشاهد لها يعتمدان على كيفية‬ ‫التعريف بالصورة أو إساءة التعريف بها‪ ،‬وهو ما تقوم به بالكلمات»‪ .‬سوزان سونتاج في «حول أالم األخرين» (‪)2002‬‬ ‫تجدر اإلشارة إلى أنه كلما لعب األطفال‪ ،‬اتسمت تصرفات الكبار بقدر من الغموض‪.‬‬


‫أبدا أن يرى تلك البقعة على جانب رقبته والبالغة مساحتها ‪ 1‬سم‪.‬‬ ‫لقد كانت مجرد نقرة على الرقبة‪ .‬لم ير دمًا ولن يمكنه ً‬ ‫تلك البقعة التي غيرت مجرى حياته‪ .‬لقد رأتها أخته وتوقفت عن النظر إليها؛ فما عادت تثير فضولها بل صارت أحد األمور الدائمة‬ ‫واالعتيادية‪.‬‬ ‫دوما‪ ،‬ينتظر عبد الهادي‪.‬‬ ‫كما هو الحال ً‬ ‫لقد كانت المشاركة في المظاهرات بالنسبة لعبد الهادي عمالً ثوريًا‪ .‬لكن ما خلفته تلك المشاركة قد جاء نتاج حظ عثر‪.‬‬ ‫« كان ممكن يحصل لي نفس اإلصابة وأنا بالعب كورة»‪ ،‬قالها وهو يتذكر األيام الخوالي حين كان العب كرة قدم مقبل على االحتراف‪.‬‬ ‫كان عبد الهادي قبل هذا التحول الذي تعرض له يمقت أن تلتقط له صورًا‪ ،‬ومازال يكره ذلك كما يقول « كنا بندور على صورة لي وأنا‬ ‫كبير‪ ،‬قبل ما أتعب‪ ،‬وما لقيناش غير صورة واحدة‪ ،‬وأنا في البلد مع أهل والدي‪ ».‬في اللحظات القليلة التي كنت أرفع فيها الكاميرا‬ ‫تجاهه لم يشعر بالخجل أو اإلحجام عن الظهور في الصورة‪ ،‬على الرغم من رفضه أن ّ‬ ‫يصور بالفيديو أو فوتوغرافيًا في وسائل إعالم‬ ‫أخرى رغبت في مقابلة «بطل من أبطال الثورة»‪.‬‬

‫«مش عايز إن يبص لي حد أو ألي مصاب إنه الزم إن يأخذ حقه أو تعويض من الحكومة‪ ،‬إستحالة حد يقدر يعوضنا بمعنى التعويض‪».‬‬ ‫طلب مني بعد ذلك أن أنقل الصور التي التقطتها له إلى الكمبيوتر المحمول الخاص به قائالً «ده الملف الوحيد بصوري في الجهاز‪».‬‬ ‫جزء ال يتجزأ من أنشطته الشخصية‪ .‬وعلى الرغم من ذلك‪ ،‬فهو يرفض أن تلتقط له صورًا خالل قيامه بهذه‬ ‫لقد صار المحيطون به ً‬ ‫األنشطة‬ ‫(كتناول الطعام أو الشراب أو الدواء أو األعمال المتعلقة بنظافته الشخصية)‪ .‬إنه ال يرغب في االحتفاظ بما يذكره بجسامة ما تعرض له‬ ‫من إصابة‪.‬‬ ‫حتى في كالمه‪ ،‬يرفض عبد الهادي اإلشارة إلى إصابته باعتبارها تضحية ال فكاك منها‪ .‬فيقول « مش دة (اإلصابة) اللي أنا عايز أكون‬ ‫قدمته‪ .‬عايز ‪ ‬أعمل واشتغل بكامل طاقاتي‪.‬‬ ‫حتى لو كان بس دور أي واحد عادي شغال بدوره‪».‬‬ ‫يشير عبد الهادي إلى ما حدث باعتبارها «حالة» ال أكثر‪ ،‬ويشير إلى لحظة إصابته ودخوله المستشفى بقوله «لما تعبت»‪ ،‬أو «أنا‬ ‫دلوقتي في فترة استراحة‪ ...‬استراحة من الحياة»‪.‬‬


‫إن كل من يحيط بعبد الهادي اآلن هم أطرافه‪ ،‬أو بدالؤه كما يحلو له وصفهم‪ .‬وما كان يعد لحظة مأساوية قد صار اآلن واقعًا‬ ‫معاشًا‪ .‬إلى جانب كونهم عونًا له‪ ،‬فإنهم يمثلون قوة دافعة للحياة‪ .‬يقول عبد الهادي « الواحد لو اترمى في صحرا من غير‬ ‫ناس‪ ،‬من سنّة الكون إن الواحد كل ما يكون لوحده عزيمته بتقل‪ ،‬أعتقد أي واحد كدة‪ .‬وجودهم يخلي الواحد عايز يقوم علشان‬ ‫يرد لهم الجميل‪ ،‬يقوم علشان يفرحهم‪».‬‬ ‫جسد عبد الهادي يبدو له طبيعيًا‪ ،‬فقد رأى جروحًا من قبل في التلفاز وفي الواقع‪ .‬يمكنه الشعور بجسده وتحريك كتفه‪.‬‬ ‫يقول « اللي أنا عارفه في الحالة دي إن مفروض ماكنش حاسس بأي حاجة تحت الرقبة»‪ .‬ولكن يقول الطبيب إنه لن يتمكن‬ ‫من تحريك أطرافه‪ .‬عبد الهادي ليس في حاجة إلى طبيب يخبره بذلك‪ ،‬بل هو في حاجة إلى طبيب يمنحه اإليمان بقدرة جسده‬ ‫على التغلب على هذا الوضع‪.‬‬ ‫لقد تغيرت عالقة عبد الهادي بجسده‪ ،‬فبينما يرقد جسده أمامه تزداد رغبته في إمالء ما يستطيع من حركة عليه‪ .‬يقول «‬ ‫الكاريزما بتاعت الحياة إتغيرت تمامًا»‪.‬‬

‫تقول سونتاج «عادة ما تميل الصور الفوتوغرافية إلى التحول مهما اختلفت موضوعاتها‪ .‬وألنها مجرد صور‪ ،‬فقد يبدو ما‬ ‫تحمله جميالً أو بشعًا أو غير محتمل أو محتمل إلى حد ما‪ ،‬وذلك خالفًا للواقع»‪.‬‬ ‫ألهذا السبب يمقت عبد الهادي التقاط الصور له؟ ألهذا السبب ال يتم التدقيق والتمحيص في الصور التي تكشف أهوال‬ ‫الحروب‪ ،‬أألن مهمتها تتعدى مجرد إظهار ما يجري في الواقع؟‬ ‫يقول عبد الهادي « لما بقف بحس إني في كامل نشاطي‪ ،‬بتبسط طبعًا‪ ».‬إن الوقوف رفاهية باهظة الثمن؛ ثمنها الكثير من‬ ‫البشر ومن األلم ومن الزمن‪.‬‬ ‫يبلغ عبدا لهادي فرج من العمر ‪ 21‬عامًا‪ ،‬وهو طالب أصيب بذخيرة حية استقرت في عنقه إبان مشاركته في مظاهرة سلمية‬ ‫في ‪ 28‬يناير ‪ 2011‬في حي السيدة زينب الذي يقطن فيه‪ ،‬مما أسفر عن شلل رباعي له‪ .‬بناء على رأي طبيبه المعالج فقد نجى‬ ‫عبد الهادي خالفًا لجميع التوقعات‪ ،‬ويمكنه اآلن القيام ببعض الوظائف العصبية الدقيقة‪.‬‬


‫سلمى عرفـة‬ ‫عاللي خبر واللي حصل‪:‬‬

‫خللي الدماغ صاحي‬


31/1

28/1

1/2

29/1

2/2

30/1


‫ميكن للصحافة التقليدية أن تتسم بالشفافية؛ فلقد اختارت صحف مختلفة أن تخلّد صورا ً بعينها عىل صدر صفحاتها‪ .‬بل وقد‬ ‫أمطرتنا تلك الصحف بوابل من الصور بشكل يومي إىل درجة أصبح فيها اختيار الصور مكافئاً ألهمية التقاطها‪ .‬تحتفظ كربى‬ ‫الصحف بأرشيف يضم آالف الصور التي مل تر النور بعد‪ ،‬حيث أن ما اختري يك يتصدر الصفحات األوىل قد اختري لسبب وجيه‪.‬‬ ‫لقد حاول اإلعالم التقليدي عرب أزمنة طويلة انتزاع الحق يف إعالم الجمهور بحقيقة ما يجري يف البالد وقت حدوثه‪ .‬غري أن شبكة‬ ‫اإلنرتنت وغريها من وسائل اإلعالم غري التقليدية نجحت يف أن تضع الوسائل التقليدية عىل محك االختبار‪ .‬لقد باتت الصحف مبثابة‬ ‫منتديات للرأي السيايس املو ّجه‪ ،‬األمر الذي أسهم يف إضافة مزيد من الغموض والتعتيم اإلعالمي عىل ما يجري وما يعرض‪ ،‬مع ما‬ ‫يجري عىل ساحات اإلعالم غري التقليدي للمتلقي حكايات متنوعة ومختلفة‪.‬‬ ‫عادة ما متيل الصور الرمزية إىل البوح مبكنوناتها بأسلوبها الخاص‪ ،‬وذلك وفق هوى املح ّرر‪ .‬وقد تتشابه الصور مع بعضها البعض عند‬ ‫عرضها عرب وسائل إعالم مختلفة‪ ،‬غري أن الكلامت والتعليقات املصاحبة لها هي ما يطرح لكل منها رواية مختلفة‪.‬‬

‫من منا ال يتذكر الثامن والعرشين من يناير؟‬ ‫ماليني من املرصيني خرجت إىل شوارع البالد السقاط نظام ظل جامثاً عىل صدورها ألكرث من ثالثة عقود‪...‬‬ ‫تسعى نرشة «جمعة الغضب‪ ...‬شوارع وذكريات» إىل إحياء ذكرى ذلك اليوم العظيم يف تاريخ الثورة‪،‬واالحتفاء بدور املواطنني يف‬ ‫توثيق هذا اليوم ليس فقط داخل العاصمة وإمنا أيضاً خارجها‪ ...‬ليس فقط يف امليادين وإمنا أيضاً يف الشوارع واألزقة‪.‬‬ ‫جمعت هذه الصور من محافظات مرص املختلفة بناء عىل دعوة وجهتها ليليان وجدي‪ ،‬وتنرش هنا دون تدخل تحريري‪ .‬قدم‬ ‫املصورون كالً من الصور والتعليقات‪.‬‬


‫املنصورة [الدقهلية] ‪ :‬مسرية ألهايل املنصورة بجوار جامع‬ ‫النرص وديوان عام املحافظة يوم جمعة الغضب‬ ‫املصدر غري معلوم‪.‬‬

‫طنطا [الغربية] ‪ :‬متظاهر يحمل الفتة تطالب مبارك بالرحيل‬ ‫أثناء مسرية نحو قسم أول طنطا يوم جمعة الغضب‬ ‫محمد أبو العزم‪.‬‬

‫مدينة السويس ‪ :‬متظاهرون يشتبكون مع الرشطة يف ميدان األربعني‬ ‫املصدر غري معلوم‪.‬‬


‫اإلسكندرية ‪ :‬سيارة أمن مركزي‬ ‫أحرقها املتظاهرون قرب جامع‬ ‫القائد إبراهيم يوم جمعة الغضب‬ ‫املتظاهرون قرب جامع القائد‬ ‫إبراهيم يوم جمعة الغضب‬ ‫محمد سمري شعبان‪.‬‬

‫كفر الشيخ ‪ :‬تواجد كثيف لقوات األمن املركزي‬ ‫قرب ميدان مسجد الخياط يوم جمعة الغضب‬ ‫مصطفى جعفر‪.‬‬

‫القاهرة ‪ :‬قنابل الغاز املسيل للدموع متطر‬ ‫جامعة القاهرة يوم جمعة الغضب‬ ‫محمد حسن‪.‬‬ ‫ميكن كان من أوائل املصابني بالخرطوش‬ ‫بس انا كنت مذهول‬ ‫محمد سعد الله حنترية‪.‬‬ ‫يف ميدان الجالء بعد علقة الغاز‬ ‫محمد سعد الله حنترية‪.‬‬

‫القاهرة‪ :‬الصورة دى من يوم ‪ 28‬يناير ‪ 2011‬من شارع‬ ‫رمسيس أمام مستشفى القبطى‪ ،‬وقصتها إن اللوحة الصاج‬ ‫دى كان متعلق عليها بانر لصورة حسنى مبارك وعليه كالم‪.‬‬ ‫أول مل مسرية الوايىل وحدايق القبة والرشابية وصلت‬ ‫للبانر فضلوا يحدفوه بالطوب بغزارة‪ ،‬حتى إلىل كانوا ىف‬ ‫املستشفى بصوا من الشبابيك ىف قلق لغاية ما اتطمنوا إن‬ ‫الناس غرضها الصورة بس‪ .‬الناس اتعاونت واتشعبطت‬ ‫لغاية ماقطعوا البانر وبعدين واحد كتب عىل الصاج‬ ‫«الشعب يريد إسقاط النظام» زى ما هو باين ىف الصورة‪.‬‬ ‫بعد سنة كاملة لسة اللوحة الصاج زى ماهي بس‬ ‫من غري الكتابة طبعاً مش متأكد الكتابة امتسحت‬ ‫بفضل عوامل التعرية وال أحد «املواطنني الرشفاء»‪.‬‬

‫يف بعض األحيان‪ ،‬توظّف الصورة وتوجه صوب تحقيق غاية ما‪ .‬فامزالت صورة الوجه املشوه لخالد سعيد تُستخدم لتأجيج‬ ‫املشاعر حول األسلوب الوحيش الذي انتهجته الرشطة‪.‬‬ ‫لقد عززت الصور اإلحساس مبدى انتشار مظاهرات الشوارع الغاضبة يف كل مكان إبان الثورة‪ ،‬وخلقت شعورا بالتوحد يف‬ ‫«يوم الغضب» (الثامن والعرشين من يناير ‪ ،)2011‬تجىل ذلك يف مجموعة من الصور تم التقاطها يف كل أنحاء مرص وتم‬ ‫توظيفها يك تبينّ سياق األحداث‪.‬‬ ‫تشابهت صور القنابل املسيلة للدموع والخوذ والفوىض العارمة والرصاع يف كل بقعة من بقاع مرص‪ .‬لذا يجوز القول بأنه‬ ‫قد تسهم الصورة يف خلق وهم (أو واقع) التجربة املشرتكة‪.‬‬ ‫قد تحمل الصورة قيمة جاملية‪ ،‬بيد أن ذلك مل يعد مهام يف الوقت الراهن‪ .‬فقد بدأ الناس يف التحرر من قيود الصحافة‬ ‫التقليدية من خالل مشاركة بعضهم البعض لتجاربهم والسامح لوجهات نظرهم أو صورهم بااللتحام مع الواقع البرصي ليوم‬ ‫أو مكان أو حدث ما‪.‬‬ ‫الصورة يف هذه الحالة ليست يف حاجة إىل إدراك معني أو حتى أن تشغل االنتباه‪ .‬كام أنها ليست بحاجة إىل صياغة فردية‪،‬‬ ‫ألنها تستقي كثريا ً من قيمتها من مجرد كونها جزء من صورة أو مغزى أكرب‪.‬‬


‫لقد بدأت هذا املرشوع ىف العام ‪ ،2005‬وظهرت الصورة بوصفها أيقونة ميكن التعامل معها بأشكال مختلفة‪.‬‬ ‫كانت الصورة التي أنتجتها متثل احتجاجاً عىل نظام الرشطة يف مرص وثقافة العنف الخاصة به‪.‬‬ ‫كانت بداية املرشوع من خالل معرض «نور الشكل» بقرص الفنون ‪ ،2005‬حيث قمت بعرض الصورة بحجم كبري إىل جوار‬ ‫عرض أدايئ‪ ،‬وقد جازف معي الفنان محمد املرصي بتصوير بعض اللقطات‪ ،‬ثم تتالت بعض أعامل الفيديو والتى تناولت‬ ‫أيضاً فكرة العسكرى بشكل عام‪.‬‬ ‫أما اليوم ‪ 2012‬فتتشكّل تلك اللعبة البسيطة – التى تتخذ هيئة مسابقة إبداعية ‪ -‬يف إرسال الصورة لبعض األصدقاء الفنانني‬ ‫ىك يتعاملوا «جرافيكياً» معها وكام يحلو لهم‪ ،‬ولكن ىف وقت محدود ودون فرصة التفكري العميق‪...‬‬ ‫وبشكل أبسط‪ :‬كيف ميكنك تص ّور هذه الصورة من وجهة نظرك؟‬ ‫الصورة متاحة عىل املوقع‪ ،‬وبإمكانكم أيضاً أن تشاركوا يف اللعبة‪.‬‬ ‫يسقط يسقط حكم العسكـــــــــــر‬ ‫للمزيد وملشاهدة األعمـــــــــــــــــال ‪:‬‬ ‫‪www.mohamedallam.com‬‬

‫احمد ح�سني‬


‫عمرو الكفراوي‬

‫احمد �صربي‬


‫حمدي عطية‬

‫حممد عبد الكرمي‬

‫حممد امل�رصي‬

‫طارق حفني‬

‫احمد ال�شاعر‬

‫حازم امل�ستكاوي‬

‫احمد كامل‬


‫عندما تصبح الصورة منربا ً مفتوحاً للتعبري‪ ،‬فإن الرسد املصاحب لها يصبح هو اآلخر عرضة لعدد النهايئ من التأويالت‪ .‬غري‬ ‫أن تأويل الصورة أو تفسريها ال يعني بالرضورة فرض قيود عىل ما تحمله من معنى‪ ،‬بل إن املناقشة قد تكون مضمنة يف‬ ‫الصورة ذاتها‪ .‬فاملصور يقوم بالتقاط الصورة داخل إطار معني ويسمح لآلخرين باستخدام تلك املساحة املحصورة يف اإلطار‬ ‫كمنتدى شخيص للحوار‪ ،‬مام قد يسهم يف تغيري معنى الصورة كلية وإضفاء قدر من التفاعل والبهجة عليها‪.‬‬

‫ففي الصورة ذاتها تكمن كل العنارص املمكنة لنسج حوار حولها‪ .‬ليس مقصودا ً للصورة األصلية أن تظل معارصة للحدث أو‬ ‫أن تكون مؤقتة‪ ،‬بل إنها تخضع إلعادة التشكل والتكون عىل امتداد الزمن وتغري األوقات‪.‬‬


‫ت�صور لف�ضاءات م�شوهة يف و�سط املدينة‬ ‫�إعادة توفيق و�إعادة‬ ‫ّ‬ ‫مار�س‪� /‬آذار‪2102‬‬

‫اجللية للمعارك ال�ضارية التي اجتاحت بريوت ملدة ‪ 15‬عام ًا من احلرب الأهلية هو‬ ‫�إن �إحدى العالمات‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫قاعدة لهم‪ .‬ت�شرف واجهته التي نخرها‬ ‫الهيكل املتهالك لفندق هيلتون والذي ا�ستخدمه القنا�صة‬ ‫الر�صا�ص وحرقتها �آلة احلرب على فندق فنيقيا ذي النجوم اخلم�س‪ ،‬وكالهما يطل على البحر املتو�سط‬ ‫ب�أمواجهاملتلألئة‪.‬‬

‫يتربك به املارة‪ ،‬فقد فر�ض النزاع الدائر على �أر�ض الفندق‬ ‫مل يكن مق�صود ًا �أن ي�صبح الفندق طوطم ًا‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فيذكر – �إىل حني ‪ -‬املدينة ال�صغرية‬ ‫وملكيته عدم القدرة على اتخاد �أي قرار يخ�ص ما ينبغي عمله ب�ش�أنه‪.‬‬ ‫التي تبدو دوم ًا على �شفا حرب �أهلية جديدة‪ ،‬وقودها نخبة حاكمة تتقن ف�صاحة الكالم وتخفي ميول‬

‫دموية‪ ،‬مبا حل بها يوم ًا من دمار ذاتي و�آالم يف ما�ض لي�س ببعيد‪ .‬فت�شهد البنايات على تاريخ ف�شلت البلد‬ ‫يف �أن تتفق عليه‪.‬‬

‫على �صعيد �آخر‪ ،‬ف�إن اخلارطة املعمارية للقاهرة – وال �سيما و�سط املدينة – حتمل كافة دالئل وقوع معركة‬

‫و�صراع وما خلفاه من دمار وما �أفرزاه من انت�صار‪ .‬فت�شكل البنايات ال�سامقة املط ّلة على نهر النيل جمموعة‬ ‫من الألواح اخلر�سانية التي تعود �إىل خم�سينيات القرن املا�ضي؛ �إذ ت�ضم املبنى امل�شوه ملقر احلزب الوطني‬

‫الدميقراطي ال�سابق‪ ،‬وفندق هيلتون النيل الذي يعاد �إن�شا�ؤه با�سم جديد هو “الريت�س كارلتون” وميدان‬ ‫التحرير‪ ،‬فتجتمع رموز ف�ضاءات �شهدت �ألوان ًا من النزاع والزخم ال�سيا�سي‪ ،‬تنوء ب�إرث تاريخي ثقيل‪.‬‬ ‫افرتا�ض ًا �أن ال�شعب �سوف يتمكن يوم ًا من االلتفات م�سرتجع ًا ثورة م�صر التي انطلقت يف العام ‪ ،2011‬ومت�أم ً‬ ‫ال‬

‫ما اعرتاها من �أ�صنف العنف وب�شائر الن�صر يف �آن واحد؛ فما هو م�صري تلك البنايات؟ كيف حُتفظ تلك الفرتة يف‬

‫أح�ست بدبيب املتظاهرين و�سمعت هتافاتهم؟‬ ‫ذاكرة ال�شوارع التي حملت من �سقطوا و�سمعت من �أنّوا‪ ،‬التي � ّ‬

‫هل �سي�أخذ التخطيط املعماري باعتبارات الذاكرة اجلمعية للثورة؟‬

‫ي�ضم هذا امل�شروع جمموعة من �صور ف�ضاءات يف و�سط املدينة‪ ،‬حتمل جراح الثورة‪ .‬تعر�ض ال�صور كيف يجري‬ ‫�إعادة توفيق املواقع املتنازع عليها كي تنا�سب �أغرا�ض ًا ما ووفق ًا ملبادرات فردية‪ .‬ويف البحث امل�صاحب لهذا‬

‫التقدمي‪ ،‬مت توجيه �س�ؤال ملجموعة من املثقفني من العاملني باملعمار والتخطيط العمراين والتوثيق حول‬ ‫كيفية �إعادة ت�صور تلك الف�ضاءات بغر�ض ّ‬ ‫تذكرها يف امل�ستقبل‪ ،‬مع مراعاة اعتبارات ثقل ما حتمله من تاريخ‪.‬‬ ‫ّ‬


‫مبنى احلزب الوطني الدميقراطي‬ ‫يف ‪ 28‬يناير‪ /‬كانون ثاين ‪ -‬يوم الغ�ضب ‪� -‬أ�ضرمت النريان يف مبنى مقر احلزب ال�سيا�سي‬

‫للرئي�س املخلوع ح�سني مبارك‪ ،‬لي�صبح �شاهد ًا ب�صري ًا على �أنّه بالإمكان �إ�سقاط النظم الفا�سدة‬ ‫والديكتاتورية‪.‬‬

‫وتكبدها الهيكل‬ ‫ال يعرف �أحد من �أ�شعل النريان يف املبنى‪� ،‬أو حجم اخل�سائر التي ت�سبب فيها احلريق‬ ‫ّ‬ ‫الداخلي للمبنى‪“ .‬حتمل الإجابات التي ت�سمعها رد ًا على هذه الأ�سئلة م�ضمون ًا �سيا�سي ًا �أكرث منه‬

‫فني ًا‪ .‬يقول من يرغبون يف �إزالته من امل�شهد �إنه لي�س من املمكن بقا�ؤه”‪ ،‬ت�شري رندا �شعث املحررة‬

‫الفوتوغرافية جلريدة ال�شروق والتي �ش ّنت حملة يف العام املا�ضي ملناق�شة �إمكانات املبنى‪.‬‬

‫ترى رندا �أنه البد من الإبقاء على الواجهة على حالها “كي ّ‬ ‫تذكر ال�شعب واجليل القادم الذي لن‬ ‫ً‬ ‫يدرك ما كان يقف يوم ًا ما يف هذا املوقع‪ ...‬من املمكن حتويله �إىل متحف للثورة‪ ،‬ي�ضم �صورا و�شرائط‬

‫فيديو وتذكارات‪ .‬ف�إن الذاكرة �أ�سا�سية من �أجل بناء التاريخ‪ ،‬ومن ثم امل�ضي قدم ًا‪”.‬‬

‫يقول حممد ال�شاهد‪ ،‬وهو باحث دكتوراه و�صاحب مدونة “كايروبزرفر ‪“ Cairobserver‬يجب الإبقاء‬ ‫على الق�شرة اخلارجية للمبنى كي تباهي مبا خ ّلفته النريان من ندوب قادت �إىل �إ�سقاط �أحد �أكرث‬ ‫النظم قوة وقهر ًا يف تاريخ ال�شرق الأو�سط احلديث‪”.‬‬

‫ترى مي الإبرا�شي‪ ،‬وهي �أحد م�ؤ�س�سي املجموعة املعمارية “جماورة” �أن “ما ينبغي عمله الآن‬

‫هو عملية تقت�ضي م�شاركة �أفراد املجتمع تعيد توظيف املبنى خلدمتهم‪ .‬رمبا نحوله �إىل �صالة �أفراح‬ ‫متعددة الأغرا�ض؟”‬

‫ولكن لدى احلكومة احلالية خطط �أخرى‪ ،‬قد تت�ضمن هدم املبنى بالكامل‪ .‬فقد تقدم يف الآونة الأخرية‬ ‫وزير الآثار حممد �إبراهيم علي �إىل رئي�س الوزراء بطلب �ضم �أر�ض املبني �إىل املتحف امل�صري كي‬ ‫ت�صبح جز ًء من احلديقة املحيطة به‪.‬‬


‫ميدان التحرير‬ ‫لقد ترادف ا�سم امليدان مع ن�ضال م�صر من �أجل احلرية والعدالة‪ ،‬حيث اعت�صم املتظاهرون فيه ملدة‬ ‫‪ 18‬يوم ًا يف العام املا�ضي وجنحوا يف �إ�سقاط نظام مبارك‪ .‬ومنذ ذلك احلني‪ ،‬تنطلق معظم امل�سريات من‬ ‫امليدان �أو تتخذه قبلة �أو متر عربه؛ بينما تبقى فيه جمموعة دائمة من خيام املعت�صمني‪.‬‬

‫مل يكن ميدان التحرير قبل اخلام�س والع�شرين من يناير موقع ًا يق�صده عامة ال�شعب؛ مل يكن منطقة‬ ‫لقاء �أو تبادل الآراء‪ ،‬و�إمنا �شغل دور ًا وظيفي ًا وا�ستبعدت �أية حماوالت ال�ستغالله ب�أية �صورة �أخرى‪.‬‬ ‫كان اال�ستثناء الوحيد يف العام ‪ 2003‬حني �شهد امليدان �أكرب تظاهرة قبل ثورة ‪ 2011‬تندد باحلرب على‬ ‫العراق‪ .‬تقول رندا �شعث �أن ال�سلطات «مل تتوقع مدى غ�ضب ال�شعب والذي دفع بح�شود املتظاهرين‬

‫من جميع ال�شوارع املحيطة بامليدان؛ ومن ثم مل تتمكن ال�سلطات من ال�سيطرة عليهم»‪� .‬أ�سفرت تلك‬ ‫الواقعة عن مد حواجز معدنية خ�ضراء حول امليدان ملنع تكرار امل�شهد‪.‬‬

‫تقول مي الإبرا�شي «�إن ال�شيء الوحيد الذي �أود تغيريه هو ذلك ال�سياج الب�شع (احلواجز اخل�ضراء)‬

‫القائم بامليدان ملنع امل�شاة من اخت�صار م�سارات عبورهم‪ .‬البد �أن يزال»‪.‬‬

‫أن ب�إمكانه‬ ‫وقد تقدم البع�ض منهم حممد ال�شاهد باقرتاح بتحويل امليدان �إىل منطقة للم�شاة‪ .‬رغم � ّ‬

‫التمييز بني ما يرغب يف حدوثه‪ ،‬وبني ما يحدث على �أر�ض الواقع‪.‬‬

‫«�أحيط ما يزيد على ن�صف م�ساحة امليدان بال�سياج ملدة ع�شرين عام ًا‪ ،‬بزعم بناء �ساحة انتظار‬

‫لل�سيارات حتت الأر�ض»‪ ،‬يقول حممد يف �إ�شارة �إىل املنطقة الواقعة خلف فندق النيل ريتز كارلتون‪.‬‬

‫وي�ستطرد قائ ً‬ ‫ال «كنت �أتخيل دوم ًا هذه امل�ساحة وقد غطتها �أ�شجار وارفة ويتخللها منتزه عام ومنطقة‬ ‫معبدة بها مقاعد للجلو�س‪� .‬أعلنت احلكومة عن خطة لتحويلها �إىل مبنى جتاري عام �أ�سفله �ساحة‬ ‫ّ‬ ‫انتظار �سيارات حاملا يتم االنتهاء منها؛ ولكن �إمكانات هذه امل�ساحة ت�ؤهلها كي تكون موقع ًا للتظاهر‪،‬‬

‫وهو ما ال ترغب فيه احلكومة‪ .‬لقد �سمعت باقرتاحات لتحويلها �إىل باحة مرتفعة تظ ّلها �أ�شجار‬ ‫النخيل‪ ،‬وهو لي�س منظر ًا جمي ً‬ ‫ال يف ت�صوري‪ ،‬كما �أنه ال ميكن ا�ستخدام الباحة املرتفعة موقع ًا للتظاهر‬ ‫كالف�ضاءات امل�ستوية»‪.‬‬


‫ال�شوراع واجلدران‬ ‫�إن �إحدى العالمات البارزة ملدى التوتر احلا�صل بني الدولة واحلكومة احلالية التي ي�سيطر عليها‬

‫املجل�س الع�سكري وبني املجتمع‪ ،‬هو اجلرافيتي الذي يغطي حوائط ال�شوارع يف و�سط املدينة واجلدران‬ ‫الأ�سمنتية التي قام اجلي�ش وال�شرطة بت�شييدها‪.‬‬

‫التحول‪ .‬فما �أن يقوم ال�شباب بطالء‬ ‫�سرعان ما تزول اجلدران وتتال�شى املحاوالت الفنية دائمة‬ ‫ّ‬ ‫جداريات ال�شهداء وو�سم �شعاراتهم االحتجاجية‪ ،‬ت�سارع ال�سلطات بطم�سها بالطالء الأبي�ض‪ ،‬ت�صبح‬

‫بدورها خلفية نا�صعة جديدة تغري ال�شباب بالإقدام على حماولة جديدة من الكر والفر‪.‬‬

‫لقد كانت ال�شوارع املحيطة بتلك اجلدران مفرو�شة ب�أكوام احلجارة التي كانت تت�ساقط يف كل مكان‪،‬‬

‫وكانت تت�صاعد �أل�سنة النريان ليختلط دخانها برائحة الغاز امل�سيل للدموع‪� .‬أما اليوم فلم يتبق �إال‬ ‫النزر القليل من �آثار املعارك‪ ،‬فكيف لنا �أن نحفظ تلك الذكريات؟‬

‫يثق حممد ال�شاهد ب�أهمية ال�صورة الفوتوغرافية “�إن �أف�ضل ما ميكن عمله هو التوثيق امل�ستمر‬

‫بال�صور ومقاطع الفيديو ملا تركه املواطنون من �أ�شكال تذكارية ت�شهد على �إجنازاتهم‪� .‬إن الن�صب‬ ‫ً‬ ‫عادة ما ت�سعى �إىل الدعاية؛ يف حني �أن الأ�شكال التذكارية التي يفرزها ال�شعب و�إن‬ ‫التذكارية‬ ‫ً‬ ‫كانت فانية ف�إنها �أكرث �صدقا يف التعبري عن حقيقة ما وقع”‪.‬‬


‫من املمكن أن تكتسب األحداث التي تصطبغ بصبغة عامة زوايا مختلفة تبعاً للصور التي يتم التقاطها إبان وقوعها‪ .‬وقد أصبح‬ ‫التقاط الصور يف إطار املدنية رسيعة التحول مبثابة أداة لتخليد بعض املشاهد السلبية‪.‬‬ ‫قد تكون الصورة خارج إطار الزمن أو عابرة له‪ .‬وعندما يأخذ املص ّور يف التقاط صور ملشاهد دامئة التبدل ‪ -‬سواء نجم ذلك‬ ‫التبدل عن دمار أو رصاع ‪ -‬فإن تلك الصور قد تؤدي إىل تخليد اللحظة التي تم التقاطها أثناءها‪ .‬عادة ما تكون املعامل املادية‬ ‫الخالدة وسيلة الستدعاء ذاكرة ما أو خلقها‪ .‬ويبدو أن مص ّوري الثورة قد انهمكوا يف محاولة تصوير ذكرى الثورة مبا ال يدع مجاالً‬ ‫ألية محاولة قد تجري مستقبالً الستغالل تلك الذكرى من خالل إعادة االستحواذ عىل تلك املساحات املفتوحة للعامة‪.‬‬

‫يقوم املصورون بشكل جمعي من خالل تلك الصور بنسج حكاية عن املكان والحركة توحي مبا كان يجري من تغريات أخرى‬ ‫يف نفس الفرتة‪ .‬بهذه الطريقة‪ ،‬فإنهم يرسمون جزء من اللوحة األكرب لذكرى فرتة بعينها تناولتها وسائل نرش وإعالم أخرى‪.‬‬ ‫ولذلك يصبح ما يعرضونه بوصفه حقيقة واحدا ً من بني نسخ أخرى لحقائق تلك املرحلة‪ ،‬يسعون من خالله إىل التأثري عىل‬ ‫املنظور العام لتلك الفرتة‪ ،‬أو ذلك الحدث أو املكان أو الشخص‪.‬‬ ‫يتفق الجميع أنه ليس بإمكان أحد أن التكهن بكيفية تخيل الثورة ومجرياتها بعد خمسني سنة من اآلن‪ .‬كام أن جميعنا‬ ‫يتفق عىل أهمية محاولة اإلسهام يف تخليد الثورة بأسمى ما يكون التخليد‪ .‬فبعد مرور عام وحسب عىل الثورة‪ ،‬بدأت‬ ‫مالمح الشوارع والبنايات والتاريخ يف التغري بالفعل‪ .‬ولذا فإن الرصاع من أجل التأريخ للثورة وفرض النسخة الحقيقية منها‬ ‫قد دخل اآلن مرحلته الحاسمة‪.‬‬ ‫وبوصفنا مصورين وصحافيني وناشطني فإنه يتعني علينا أن ندرك كوننا جزء من ذلك الرصاع‪ ،‬ولسنا مجرد أداة لتسجيل‬ ‫التاريخ مسلوبة اإلرادة وإمنا هو مكون أسايس يف عملنا‪.‬‬


‫روان الشيمي‬

‫كرس الحواجز‪ :‬الجدران كنتاج مجتمعي‬ ‫مارس‪ /‬آذار‪2012‬‬

‫الهياكل الحرضية واملجتمع‬

‫ليس بجديد أن تطرح مسألة الهيكل العمراين وما‬ ‫يستتبعه من تفاعل بني أعضاء املجتمع الذين‬ ‫يأهلونه‪ .‬ابتدع الفيلسوف عامل االجتامع والنظرية‬ ‫املاركسية هرني لوفيفر مصطلح «اإلنتاج املجتمعي‬ ‫للفضاءات» يف كتابه الذي يحمل العنوان نفسه‪.‬‬ ‫ويشري فيه إىل الفضاء االجتامعي باعتباره نتاجاً من‬ ‫صنع املجتمع‪ ،‬يف محاولة للتأمل يف فكرة الحياة‬ ‫والناس الذين يعيشون داخل هذا املجتمع‪.‬‬ ‫السلطة والجدران‬ ‫قامت الحكومة املرصية ببناء مثانية جدران خرسانية‬ ‫وأخرى من األسالك الشائكة ومركبات الرشطة‪ ،‬زعامً‬ ‫بأنها تحمي وزارة الداخلية املستهدفة من جانب‬ ‫املتظاهرين‪ .‬اإلضافة إىل انعكاس طبيعة املجتمعات‬ ‫هياكلها الحرضية‪ ،‬فقد استكشفت نظريات لوفيفر‬ ‫مسألة املساحات الحرضية واستخدامها كأداة‬ ‫للسيطرة‪ ،‬وبالتايل الهيمنة والسلطة وهو األمر الذي‬ ‫ال ميكن أن يكون أكرث جالء من هذا النموذج‪.‬‬

‫جدران خارج السياق السيايس‬

‫قد يكون حضور الجدران يف السياق السيايس أمرا ً‬ ‫مستجدا ً يف مرص‪ .‬ولكننا إن استطلعنا املشهد األعم‬ ‫فسوف نجد جدراناً قامئة يف كافة أرجاء بنيتنا‬ ‫األساسية‪ .‬رمبا ليس بالشكل التقليدي ملا نعهده‬ ‫من جدران‪ ،‬بل باعتبارها طريقة للتعامل مع أي‬ ‫مشكلة تقع‪ .‬الطرق الرسيعة تعرتضها مصدات‬ ‫الرسعة إلرغام السائقني عىل التمهل‪ ،‬وهو ما ينتهي‬ ‫بالتسبب يف وقوع حوادث أكرث‪ .‬ويجد بعضنا أحد‬ ‫الحارات مغلقة بهدف فرض تعديل مروري للسري يف‬ ‫اتجاه واحد؛ مام يؤدي إىل مضاعفة تكدس السيارات‬ ‫يف ما يسمى بـ»عنق الزجاجة»‪ .‬بل ويتم تشييد‬ ‫جدراناً داخل أحياء املدينة للفصل بني املواطنني‬ ‫حسب مستوى الدخل‪ .‬مل يخدش كل ذلك قرشة‬ ‫موضوع كم الجدران املش ّيدة يف البنية التحتية‪ ،‬سواء‬ ‫تلك التي اخرتنا بنائها أو التي فرضها علينا أولئك‬ ‫القابعني أعىل السلم‪ .‬وبالعودة إىل نظريات لوفيفر‬ ‫تعكس تلك الجدران سيطرة الحكومة وتقسيامت‬ ‫الطبقات االجتامعية والحواجز الثقافية التي تعد‬ ‫واقعاً معاشاً يف مجتمعنا‪.‬‬

‫حائط محمد محمود ‬

‫أتذكر يوم إقامة هذا الجدار‪ .‬لقد كان اليوم‬ ‫السادس من معركة مستمرة بني املتظاهرين وقوات‬ ‫األمن املركزي‪ .‬وقد تباينت اآلراء يف الشارع إبان‬ ‫تشييد الجدار‪ :‬فالبعض أبدى ارتياحاً لفكرة حاجز‬ ‫مادي يضع حدا ً للقتال‪ .‬يف الواقع وبعد ستة أيام‬ ‫مل يكن أحدا ً واثقاً من سبب استمرار االشتباكات‪.‬‬ ‫آخرون أبدو غضباً بسبب هذا املنهج املشابه ملسلك‬ ‫االحتالل اإلرسائييل‪ ،‬وبسبب ما تحمله الجدران من‬ ‫معنى‪ .‬مل أكن شخصياً واثقة مام ينبغي أن تكون‬ ‫عليه مشاعري‪ .‬كنت قد شهدت الكثري من الدماء‬ ‫والضحايا وسعدت حني توقفت املعركة‪ .‬وبينام‬ ‫رصت قطع الخرسانة فوق بعضها البعض‪ ،‬علمت‬ ‫أن ذلك لن يكون آخر هذا النوع من أفعال املجلس‬ ‫األعىل للقوات املسلحة‪.‬‬

‫إىل يومنا هذا‪ ،‬يظل حائط محمد محمود هو الحائط الوحيد الذي تم‬ ‫هدمه‪ .‬وعقب أحداث كرة القدم يف بورسعيد التي أودت بحياة أكرث‬ ‫من ‪ 70‬مشجعاً انتفضت أعداد غفرية من املتظاهرين يف مسرية انطلقت‬ ‫من النادي األهيل يف اتجاه وزارة الداخلية‪ .‬وحني اصطدم املتظاهرون‬ ‫بالحواجز األسمنتية‪ ،‬بدأ العديد منهم يف اليوم الثاين من فرباير بإزالتها جز ًء‬ ‫جز ًء‪ .‬ورغم أن هذه املحاوالت مل تسفر عن أكرث من ثغرة صغرية تسمح‬ ‫باملرور‪ ،‬فإن الوضع مل يستمر إال أياماً معدودة إىل أن قام أصحاب املحال‬ ‫يف املنطقة بتأجري رافعة إلزالة ما تبقى من الجدار‪.‬‬


‫يقول أحد أصحاب املحال «اعتربنا هذه الفرتة (مشريا ً إىل املعارك وإقامة الجدار) إجازة مل نخطط لها»‪.‬‬ ‫يف الفرتة ما بني إنشاء الحائط وحتى إزالته تباينت طرق تعامل الناس مع األمر؛ قام البعض ببساطة بتغيري مساراتهم وسلك طرق جانبية‪ .‬وحيث أن الشارع يؤدي إىل‬ ‫عدد من رشكات ومؤسسات القطاع العام‪ ،‬فلم يقترص األمر عىل إزعاج سكان املنطقة فحسب بل تخطاهم إىل غريهم من الناس‪ .‬ومع استمرار تشييد الجدران مل يتغري‬ ‫الحال إال ليزداد تفاقامً‪.‬‬ ‫«كنت أستغرق عدة دقائق لالنتقال داخل وسط البلد‪ ،‬اآلن قد يستغرق األمر ساعة»‪ ،‬قال أحد املارة املتجهني إىل وزارة الصحة‪.‬‬ ‫لعل أحد الظواهر املثرية لالهتامم املتعلقة بهذا الجدار هو تلك الثغرة وشعار «مش حنطاطي»‪ ،‬التي نتجت عن إزالة حجر واحد من مكانه مام أحدث فراغاً صغريا ً يتيح‬ ‫لشخص واحد املرور إذا انحني ومر من خاللها زحفاً‪ .‬فإذا بردة فعل الناس تنسج ثقافة جمعية حول هذه الثغرة‪ :‬يتعاون الناس عىل املرور من خاللها‪ ،‬البعض يحاول‬ ‫إقناع البعض اآلخر بأمان املرور‪ ،‬حتى أن رجالً بال مأوى يُدعى سيد قد قام عىل حراسة الفتحة مطالباً برسم مرور قيمته ‪ 25‬قرشاً‪.‬‬ ‫أصبح الجدار مساحة للتعبري يصور فنون الجرافيتي املعادية للمجلس العسكري يذكّر املا ّرة مبا متثله تلك الحوائط من أدوات للقمع‪ .‬تعاقبت الرسوم عىل جدار محمد‬ ‫محمود‪ ،‬يف طبقات يتجدد رسمها مرة تلو األخرى‪ ،‬مبا يشهد عىل إرصار الشارع عىل الرد بأسلوب مبدع عىل بناء تلك الجدران‪.‬‬

‫جدران استعامرية‬ ‫إن تلك الجدران واألسالك الشائكة ونقاط املراقبة األمنية لتستدعي إىل الذهن حالة االستعامر‪.‬‬ ‫لقد توىل الجيش مقاليد السلطة عقب االنقالب العسكري الذي قام به الضباط األحرار يف ‪ 1952‬وأطاح بامللك فاروق فيام يعرف بثورة ‪ .52‬قدم الضباط إبانها وعودهم‬ ‫للشعب املرصي بعودة الحقوق االجتامعية ودولة الدميقراطية‪ ،‬أعقب ذلك مزيج من املواقف األبوية والقومية انقلب بعدها الجيش قوة مهيمنة تدفع مبزيد من سياسة‬ ‫االنفصال عن الشارع‪ .‬فقد آثر الحكام املرصيون املصالح الشخصية عىل العامة‪ ،‬واستغلوا موارد البالد ومناصبهم لتكوين ثروات‪ ،‬فاسترشى الفساد عىل جميع األصعدة‬ ‫ونفر أغلبية الشعب منهم‪ .‬اليزال الجيش يقبض زمام املجتمع بسبل متعددة ومتشابكة (االقتصادي منها واملجتمعي والسيايس والثقايف)‪ .‬ولذا فحني ننظر إىل ثورة‬ ‫الخامس والعرشين من يناير‪ /‬كانون ثاين فإننا ننظر لثورة عىل جميع القوى الفاعلة منذ ‪ ،1952‬وليس عىل نظام مبارك وحده‪ .‬ورمبا لذلك السبب تحديدا ً التزال الثورة‬ ‫املرصية تناطح تلك القوى‪ ،‬أمالً يف أن تمُ ّهد األرض ملجتمع مغاير‪ ،‬عىل الرغم من خلع مبارك‪.‬‬ ‫إن الجدران تكتيك اسرتاتيجي من جملة ما يستعان به لفرض الهيمنة وبسط السيطرة‪ .‬ويف نهاية املطاف‪ ،‬فإن كان ما قاله الفيفر عن كون «البناءات الحرضية نتاجاً‬ ‫مجتمعياً» صحيحاً‪ ،‬فلعله ليس صادماً إذن أن تجد الجدران مكانها يف قلب حياة املرصيني اليومية‪ .‬عىل صعيد آخر فقد هدم املتظاهرون واملواطنون الغاضبون جدارا ً‬ ‫منهم‪ ،‬والبقية سوف تأت بال شك‪ .‬فرمبا يتغري ذلك املجتمع رغم كل يشء‪.‬‬


‫�أ�سامة داود‬


‫املشاركــــــــون‪:‬‬ ‫ياسمينة متويل‬ ‫ليليان وجدي‬ ‫محمد املشد‬ ‫محمد عالم‬ ‫نادين مرويش‬ ‫نغم عثامن‬ ‫أسامة داوود‬ ‫روان الشيمي‬ ‫سلمى عرفة‬ ‫طارق حفني‬ ‫نود توجيه الشكر لكل من املرشفني عىل الورشات ملداخالتهم القيمة‪:‬‬ ‫رنا النمر – فنانة‬ ‫لينا عطا الله – مديرة تحرير املرصي اليوم الطبعة اإلنجليزية‬ ‫جامل عيد – محامي ومدير الشبكة العربية ملعلومات حقوق اإلنسان‬ ‫تيسري هواري – أحد مؤسيس إميريج تكنولوجي‬ ‫عالء الدين عبد النبي – مصور‬ ‫توماس هارتويل – مصور صحايف‬ ‫نود توجيه الشكر لكل من رنا النمر ولينا عطا الله وأحمد عزت‬ ‫وآنيا فان دي بوت وبيرت بلويس ونقدر تفضلهم بدعمنا وتشجيعنا ونصحنا‪.‬‬ ‫ترجمة‪:‬‬ ‫زينب بهجت‬ ‫محمد عبد الله‬ ‫تصميم‪:‬‬ ‫عمرو ثابث‬ ‫منسقة املرشوع‪:‬‬ ‫سيلفيا ملييك‬ ‫أبريل‪ /‬نيسان ‪ - 2102‬القاهرة‪ ،‬مرص‬ ‫نرشة غري دورية وغري مخصصة للبيع‬ ‫رقم اإليداع‪0102/19422 :‬‬ ‫اآلراء املطروحة يف هذه النرشة تعرب فقط عن وجهات نظر أصحابها‪ ،‬وال تعكس بالرضورة وجهة نظر مركز الصورة املعارصة‪.‬‬


Alternative News Agency II (Arabic)  

Alternative News Agency II publication

Read more
Read more
Similar to
Popular now
Just for you