Issuu on Google+

‫�شوقي �ضيف‬ ‫�صاحب املنهج‬ ‫الرتاثي املو�سوعي‬ ‫تراثية ثقافية منوعة ت�صدر عن نادي تــــــــــــــــراث الإمـارات العـدد ‪ 161‬مـــــ ار�س ‪2013‬‬

‫دعوة للتقنين ‪..‬‬

‫هواية اقتناء الرتاث يف الإمارات‬

‫أغاني الزراعة باليمن ‪..‬‬

‫تعك�س جتارب الرجال‬ ‫يف احلب واحلرب‬

‫مجلس العلوم ‪..‬‬

‫ال�صقور ‪� ..‬أ�سماك طائرة‬ ‫كرة القدم في التراث ‪..‬‬

‫امل�سلمون ‪..‬‬ ‫و�ضعوا قواعدها ونظموها‬ ‫د‪ .‬أحمد عتمان‪:‬‬

‫دور الرتاث م�ستمر‬ ‫رغم حمالت الهجوم عليه‬

‫مع العدد‬ ‫كتاب‬ ‫الشهري‬

‫مهر جا ن‬ ‫سويحان‬ ‫‪2013‬‬

‫التراث ‪..‬‬ ‫يف خدمة الحياة‬


‫صوت من المستقبل‬ ‫ِ‬ ‫يــاة جلِ ِ‬ ‫ل‬ ‫ل أو‬ ‫احل‬ ‫غـاف ٍ‬ ‫ـاه ٍ‬ ‫ُ‬ ‫َت ُ‬ ‫صفــو َ‬ ‫َّ‬ ‫ع‬ ‫َع َّمــا َم َ‬ ‫ضــى ِفيهــا َومـا يُ‬ ‫تـوق ُ‬ ‫احلقـا ِئ ِ‬ ‫ـه‬ ‫ط فـي َ‬ ‫و ِل َمــن يُغـا ِل ُ‬ ‫فس ُ‬ ‫ق نَ َ‬ ‫ِ‬ ‫ـع‬ ‫احملـال‬ ‫لــب‬ ‫ــومها َ‬ ‫ط َ‬ ‫وي ُ‬ ‫َ‬ ‫فتطم ُ‬ ‫س ُ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫مـان مـن بُنيا ِنـه‬ ‫اله َر‬ ‫أيــن الَــذي َ‬ ‫صـر ُع؟‬ ‫ـه مـا َ‬ ‫وم ُ‬ ‫وم ُ‬ ‫امل َ‬ ‫ـه مـا َي ُ‬ ‫مـا قَ ُ‬ ‫اآلثــار َعــن أصحابِهـا‬ ‫ف‬ ‫َت َتخــ َّل ُ‬ ‫ُ‬ ‫ــع‬ ‫ِحينــًا ويُد ِر ُكهــا َ‬ ‫نــاء ف َت َ‬ ‫تب ُ‬ ‫الف ُ‬ ‫أبو الطيب املتنبي‬


‫محتويات العدد‬ ‫تراثية ثقافية منوعة‬ ‫ت�صدر عن‬ ‫مركز زايد للدرا�سات والبحوث‬ ‫بنادي تراث الإمارات‬

‫‪6‬‬

‫امل�شرف العام‬

‫د‪ .‬را�شد �أحمد املزروعي‬ ‫مدير التحرير‬

‫وليد عالء الدين‬

‫‪38‬‬

‫�سكرتري التحرير‬

‫حممــد �سعد النمـــر‬ ‫هيئة التحرير‬

‫�شـم�سـة حـمـد الظاهـري‬ ‫فاطمة نايع املـنـ�صـوري‬ ‫موزة عوي�ص الدرعي‬ ‫ناجية الكتبي‬

‫‪50‬‬

‫املديـر الفنـي‬

‫فــواز نـاظــم‬ ‫ر�ســـوم‬

‫‪66‬‬

‫حـ�سـن �إدلـبـي‬ ‫حممد بريم‬ ‫�أدهم العك�ش‬ ‫الإخراج والت�صميم‬

‫�إيـنـا�س درويـ�ش‬

‫�أبوظبي للإعالم ‪ -‬توزيع‬ ‫الرقم املجاين‪8002220 :‬‬

‫لالت�صال من اخلارج ‪00971 2 4145000 :‬‬ ‫فاك�س ‪00971 2 4145050 :‬‬ ‫م�س�ؤول التوزيع‬

‫�أحمد عبا�س‬

‫هاتف ‪00971 56 3150303 :‬‬ ‫‪marketing@cmc.ae‬‬

‫‪78‬‬

‫ملف �سويحان ‪ :‬اختتمت منت�صف �شهر فرباير الفائت‪ ،‬فعاليات مهرجان �سمو‬ ‫ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان للإبل التي ا�ستمرت خم�سة ع�شر يوم ًا يف ميدان‬ ‫الهجن مبنطقة �سويحان يف �أبوظبي‪ .‬وقد جنح مهرجان �سويحان يف �أن يتحول �إىل‬ ‫تظاهرة تراثية ثقافية ذات بعد عاملي ت�ستقطب املهتمني بريا�ضات الهجن من كافة‬ ‫�أنحاء العامل‪ ،‬كما جنح املهرجان يف �أن ي�صبح الوعاء الأهم لكافة املفردات الرتاثية‬ ‫التي تتعلق بالإبل �سواء على �صعيد الريا�ضات �أو املوروث ال�شعري والأدبي �أو غريها‪،‬‬ ‫ليكون مدر�سة لتعليم الأجيال اجلديدة قواعد تلك الريا�ضات الرتاثية ومفرداتها‪،‬‬ ‫وتر�سيخ املحافظة على ثروة الإبل ودعم جهود املحافظة على ال�سالالت العربية‬ ‫الأ�صيلة‪.‬‬ ‫ق�ضية للنقا�ش‪ :‬ثمة اح�صائيات �شعبية تقول �إن ع��دد املتاحف املنزلية يف دولة‬ ‫الإم��ارات يح�صى ب��الآالف‪ ،‬و�أن عدد املقتنيات املو�صوفة بالتاريخية �أو الأثرية �أو‬ ‫الرتاثية ميكن �إح�صا�ؤه مباليني القطع‪ ،‬تتفاوت بالطبع يف �أهميتها وندرتها‪� ،‬إال‬ ‫�أن الطبيعة الفردية التي يدار بها هذا الن�شاط جتعل من ال�صعب بل من امل�ستحيل‬ ‫تقدمي �إجابة لهذا ال�س�ؤال الدقيق‪ :‬و�سط هذا الكم الهائل من املقتنيات‪ ..‬كم قطعة‬ ‫ن��ادرة بالفعل تتعر�ض للتلف وت��ذوب فر�صة احلفاظ عليها للأجيال القادمة؟ هذا‬ ‫ال�س�ؤال دعانا �إىل فتح امللف مع نخبة من املثقفني واملهتمني بهذا ال�ش�أن يف الدولة‪،‬‬ ‫لن�ستطلع �آراءهم حول �ضرورة تنظيم هواية تداول واقتناء املوجودات الرتاثية والأثرية‬ ‫يف الإمارات‪.‬‬ ‫�ساحة احل��وار‪ :‬قلل رائد الدرا�سات الكال�سيكية يف العامل العربي الدكتور �أحمد‬ ‫عتمان من �أهمية التخوفات التي يطلقها البع�ض على الهوية الثقافية العربية‪ ،‬حتت‬ ‫وط�أة التحوالت التي ي�شهدها العامل‪ ،‬و�أ�ضاف خماطب ًا اخلائفني من ذلك‪« :‬نحن لدينا‬ ‫م�صفاة قوية هي العروبة والإ�سالم‪ ،‬وال جمال للخوف»‪.‬‬ ‫وحدد يف حوارنا التايل معه‪ ،‬ما ي�شبه ال�شروط املنهجية التي ت�ضمن �أن ي�ستمر دور‬ ‫وت�أثري «تراثنا احلي» رغم كل حمالت الهجوم عليه‪ ،‬معترب ًا �أن هذا الرتاث هو �أ�صل‬ ‫الوحدة واال�ستمرارية‪ ،‬قائ ًال‪�« :‬إن مفهوم الرتاث احلي هو ال�شيء الوحيد الذي ي�شفع‬ ‫لنا حتى اليوم يف احلديث عن وجود وعي عربي �إ�سالمي»‪..‬‬

‫ارت�ي��اد الآف ��اق‪ :‬بعني عا�شق جلغرافيا وط��ن ميتد من النهر �إىل البحر‪ ،‬وقلب‬ ‫مرتع باحلزن على تاريخه‪ ،‬يرحتل الأديب حت�سني يقني يف كتابه «برتقالة واحدة‬ ‫‪ 114‬لفل�سطني»‪ ،‬من برتقال �أريحا �إىل برتقال يافا‪ ،‬موثق ًا م�شاهداته عن منازل لها يف‬ ‫القلوب منازل‪ :‬زهرة املدائن القد�س‪ ،‬رام اهلل‪ ،‬جنني‪ ،‬يافا‪ ،‬عكا‪ ،‬حيفا‪ ،‬وغريها‬ ‫من املدن الفل�سطينية‪ .‬هي رحلة بني ربوع وطن ُكتب على �أهله عبور بوابات وحواجز‬ ‫هويات ب�ألوانٍ باهتة‪ ،‬وت�صاريح �سريعة الزوال‪،‬‬ ‫و�أ�سالك املحتل‪ ،‬بعد احل�صول على ٍ‬ ‫‪ 130‬و�إال فالبديل املغامرة و�سط �أحرا�ش و�أ�شواك ودروب خفية ليداووا الأرواح بر�ؤية‬ ‫قراهم ومدنهم‪ ،‬وليثبتوا �أنهم �أدرى ب�شعاب بلدهم‪ ،‬كما كان ي�صنع حت�سني يقني‬ ‫يف زياراته �إىل القد�س‪ ،‬وغريها من املدن‪ ،‬منتق ً‬ ‫ال على مدى �سنوات ع�شر ـ«‪ 1997‬ــ‬ ‫‪ »2007‬بطول بالده وعر�ضها‪ ،‬متحدي ًا جربوت املغت�صب الذي يريد متزيق اجلغرافيا‪،‬‬ ‫وت�شويه التاريخ‪.‬‬


‫‪38‬‬

‫يا هال‬

‫ي‬ ‫ا‬ ‫ه‬ ‫ال‬

‫سويحان ‪ ..‬التراث في خدمة الحياة‬

‫‪50‬‬

‫‪122‬‬

‫‪106‬‬

‫سعر النسخة‬

‫الإمارات العربية املتحدة ‪ 10‬دراهم ‪ -‬اململكة العربية ال�سعودية‬ ‫‪ 10‬ري��االت ‪ -‬الكويت دينار واح��د ‪� -‬سلطنة عمان ‪ 800‬بي�سة ‪-‬‬ ‫قطر ‪ 10‬ري��االت ‪ -‬مملكة البحرين دينار واح��د ‪ -‬اليمن ‪200‬‬ ‫ري��ال ‪ -‬م�صر ‪ 5‬جنيهات ‪ -‬ال�سودان ‪ 250‬جنيهاً ‪ -‬لبنان ‪5000‬‬ ‫لرية ‪� -‬سورية ‪ 100‬لرية ‪ -‬اململكة الإردنية الها�شمية ديناران‬ ‫ العراق‪ 2500 :‬دينار ‪ -‬فل�سطني ديناران ‪ -‬اململكة املغربية ‪20‬‬‫االشتراكات‬

‫ل�ل�أف��راد داخ��ل ال��دول��ة‪ »100« :‬دره��م ‪ /‬ل�ل�أف��راد م��ن خ��ارج‬ ‫ال��دول��ة‪ »150« :‬دره�م�اً ‪ /‬للم�ؤ�س�سات داخ��ل ال��دول��ة‪»150« :‬‬ ‫درهماً ‪ /‬للم�ؤ�س�سات من خارج الدولة‪ »200« :‬درهم‪.‬‬

‫املتابع لفعاليات مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان للإبل الذي اختتم‬ ‫فعالياته منت�صف ال�شهر املا�ضي‪ ،‬يدرك متام ًا �أنه �أمام حدث جدير بالتوثيق‪،‬‬ ‫فهو ي�ؤ�س�س لتوجه علمي معا�صر يف التعاطي مع امل��وروث ال�شعبي املتعلق بالإبل‬ ‫على اختالف �أ�شكاله و�ألوانه‪ ،‬جمدد ًا ومطور ًا وم�ستفيد ًا من تكنولوجيا الع�صر‬ ‫يف �إغناء ن�سيج احلياة املعا�صرة مبفردات هذا الرتاث الغني الذي متتد خرياته‬ ‫لت�شمل كافة نواحي احلياة‪ :‬االقت�صادي املتعلق بتجارة وتربية الإبل‪� ،‬أو ما يتعلق‬ ‫بالرثوة احليوانية ومنتجاتها‪� ،‬أو ما يتعلق بالبيئة والزراعة‪ ،‬بل ما يتعلق بال�صحة‬ ‫حيث �أثبتت الأبحاث الأخرية �أن الإبل �صيدلية حية‪ ،‬ذلك �إىل جوار ما يقوم به‬ ‫املهرجان من �إحياء حقيقي لريا�ضات الهجن املختلفة املعا�صرة والرتاثية‪،‬‬ ‫وريا�ضات ال�سلوقي‪ ،‬وما يقدمه من ترفيه وت�سلية‪� ،‬إ�ضاف ًة �إىل م�ساهمته الفاعلة‬ ‫يف �إثراء ديوان ال�شعر والأدب العربيني فيما يخ�ص الإبل وعواملها الغنية من خالل‬ ‫الفعاليات الثقافية والفكرية التي تنتظم على هام�شه‪ ،‬وم�سابقته ال�شعرية املميزة‬ ‫التي حتث ال�شعراء على تقدمي �إبداعاتهم يف الألوان الرتاثية من ال�شعر النبطي يف‬ ‫الإمارات‪ ،‬و�أخري ًا ولي�س �آخر ًا ما يقدمه املهرجان للعامل كله من معرفة مبنظومة‬ ‫القيم والأخالق التي حتكم عالقات �أهل الإم��ارات‪ ،‬وبيان قدراتهم على تنظيم‬ ‫فعاليات تُده�ش وتعلم‪.‬‬ ‫وقد اجتهدت «تراث» يف �أن حتتفي بهذا احلدث البارز مبا يليق به‪ ،‬فخ�ص�صت‬ ‫ملف ًا لتغطية فعالياته‪ ،‬كما خ�ص�صت نافذة «دان��ات» لن�شر الق�صائد الفائزة‬ ‫باملراكز اخلم�سة الأوىل يف م�سابقته ال�شعرية‪ ،‬كما ي�صدر مع العدد كتاب م�ستقل‬ ‫يوثق بال�صورة والكلمة لفعاليات دورة هذا العام من مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان‬ ‫بن زايد �آل نهيان للإبل‪ ،‬ن�ضعه بني يدي كل قارئ مهتم وباحث حري�ص‪.‬‬ ‫وا�ستكما ًال لالهتمام بال�ش�أن املحلي‪ ،‬تفتح تراث ملف «تداول واقتناء املوجودات‬ ‫الرتاثية والأثرية يف الإم��ارات» وهو ملف – كما نراه‪� -‬شديد احل�سا�سية يتعلق‬ ‫باملوروث املادي للدولة الذي ميثل تاريخها الأ�صيل‪ ،‬حيث ترى نخبة من املثقفني‬ ‫واملهتمني الذين ا�ستطلعت «تراث» �آراءهم �ضرورة تنظيم تلك الهواية‪ ،‬الفتني �إىل‬ ‫�أهمية وجود جهة معتمدة للتن�سيق‪ ،‬يكون دورها الرئي�سي ت�صنيف القطع املقتناة‬ ‫لدى الأفراد وحتديد الأهمية التاريخية والثقافية لكل منها و�إدراجها يف �سجالت‬ ‫ر�سمية وحتديد طبيعة احلماية املطلوبة لها للحفاظ عليها باعتبارها جزء ًا من‬ ‫تاريخ الوطن‪ .‬بالإ�ضافة �إىل و�ضع معايري و�آليات و�إج��راءات وا�ضحة ور�سمية‬ ‫لعمليات �إهداء تلك القطع ملتاحف الدولة‪ ،‬مع تكرمي �أ�صحابها وتعوي�ضهم مادي ًا‬ ‫�أو معنوي ًا‪ ،‬وو�ضع ال�ضوابط اخلا�صة بتداول تلك القطع خارج حدود الدولة‪ .‬وك�أن‬ ‫ل�سان حال املثقفني الذين التقيناهم يقول‪ :‬و�سط هذا الكم الهائل من املقتنيات‬ ‫لدى الأفراد‪ ..‬كم قطعة نادرة بالفعل تتعر�ض للتلف وتذوب فر�صة احلفاظ عليها‬ ‫للأجيال القادمة؟‬ ‫وعلى طريقتها اخلا�صة تهنئ «تراث» يف هذا العدد منتخب الإمارات لكرة القدم‬ ‫حل�صوله على ك�أ�س خليجي ‪ ،21‬وذلك عرب ن�شر درا�سة لطيفة حول كرة القدم‬ ‫يف الرتاث والأدب العربيني‪ ،‬نعرف منها �أن العديد من الباحثني ُيرجعون الف�ضل‬ ‫�إىل العرب وامل�سلمني يف و�ضع قواعد عامة لكرة القدم وتنظيمها وابتكار و�سائل‬ ‫جلعلها لعبة جميلة وم�سلية يف �آن واحد‪ ،‬ونعرف �أن ال�شاعر اجلاهلي عمرو بن‬ ‫كلثوم ذكرها يف �شعره‪ ،‬كما حتدث ابن منظور �صاحب ل�سان العرب عن «الدبوق»‬ ‫وقال‪� « :‬إنها كرة ترمى يف الهواء يتلقاها الغالم �ضارب ًا ب�صدر قدمه �أو بال�صفح‬ ‫من �ساقه راد ًا �إياها �إىل العلو على الدوام» ‪.‬‬

‫«تراث»‬


‫ملف خاص‬ ‫‪6‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ﻣﻬﺮﺟﺎن ﺳﻤﻮ اﻟﺸﻴﺦ‬ ‫ﺳﻠﻄﺎن ﺑﻦ زاﻳﺪ آل ﻧﻬﻴﺎن‬ ‫ﻟﻺﺑﻞ‬ ‫ﺳﻮﻳﺤﺎن ﻣﻦ ‪ 1‬إﱃ ‪ 15‬ﻓﱪاﻳﺮ ‪2013‬‬

‫�سمو ال�شيخ �سلطان �أثناء تتويج الع�رشه الأوائل يف �شوط �أبناء القبائل‬

‫ت�ضمن م�سابقات تراثية وفنون ًا �شعبية‬

‫مهرجان سلطان بن زايد لإلبل‬

‫وجبة تراثية أبهرت الزائرين‬ ‫�سويحان‪ -‬تراث ‪:‬‬ ‫ت�صوير – جعبل عبد الله �شايع‬ ‫ال ي ��زال ن ��ادي ت ��راث الإم � ��ارات ي�ق��وم ب��دوره‬ ‫الأ�صيل يف االحتفاء بكافة مفردات ال�تراث‬ ‫الإم��ارات��ي ع�بر فعالياته املده�شة التي كان‬ ‫�آخرها مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد‬ ‫للإبل يف منطقة �سويحان‪ ،‬الذي انتهت فعالياته‬ ‫منت�صف ال�شهر املا�ضي بعد م�سرية �أ�سبوعني‬ ‫كاملني ت�ضمنت عدد ًا من امل�سابقات والفعاليات‬

‫منها م�سابقة جمال الإب��ل الأ�صايل‪ ،‬ومزايدة‬ ‫الإبل الأ�صايل‪ ،‬و�سباق الإبل الرتاثي الأ�صيل‪،‬‬ ‫وفعاليات و�أن�شطة م�صاحبة‪ ،‬مثل جمال و�سباق‬ ‫ال�سلوقي العربي‪ ،‬وم�سابقة املحالب‪ ،‬والقرية‬ ‫الرتاثية وال�سوق ال�شعبي‪.‬‬ ‫ت ��راث «� �س��وي �ح��ان»‪ -‬ال�ك��رن�ف��ال�ي��ة ال�تراث�ي��ة‬ ‫احلا�شدة متت بتوجيهات ورعاية كرمية من‬

‫�سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان ممثل‬ ‫�صاحب ال�سمو رئي�س ال��دول��ة‪ ،‬رئي�س نادي‬ ‫ت ��راث الإم � ��ارات‪� ،‬إمي��ان � ًا م��ن �سموه بقيمة‬ ‫املوروث احل�ضاري لل�شعب الإماراتي ودوره يف‬ ‫تعزيز الهوية الوطنية‪ ،‬و�إعالء قيمة االنتماء‬ ‫للوطن والقائد‪.‬‬


‫عر�ض الع�رش الأوائل يف �شوط �أبناء القبائل‬

‫مكانة كبرية‬

‫مع انطالق فعاليات املهرجان يف الثالث من‬ ‫فرباير املا�ضي توافدت جموع ع�شاق ومربي‬ ‫الإب��ل على �أر���ض منطقة �سويحان التي تبعد‬ ‫عن �أبوظبي ح��وايل مائة كيلومرت‪ ،‬لي�شاركوا‬ ‫ه��ذا احل��دث ال�تراث��ي الأ�ضخم م��ن نوعه يف‬

‫الإمارات‪ ،‬ويربز املكانة الكبرية للهجن العربية‬ ‫الأ�صيلة يف نفو�س �أبناء الدولة‪.‬‬ ‫وك��ان اليوم االفتتاحي مبهر ًا ملا ت�ضمنه من‬ ‫فقرات مبدعة وم�شاركات متنوعة مل�ؤ�س�سات‬ ‫عديدة داخل املجتمع الإماراتي ومنها عر�ض‬ ‫مده�ش ملوكب فر�سان ن��ادي ت��راث الإم��ارات‬ ‫بزيهم الوطني وه��م يرفعون �أع�لام الدولة‪،‬‬

‫امل�سابقة ال�شعرية‬ ‫دورة هذا العام من امل�سابقة ال�شعرية التي ينظمها بيت ال�شعر يف �أبوظبي �ضمن‬ ‫فعاليات مهرجان �سلطان بن زايد للإبل‪ ،‬مت تخ�صي�صها للق�صائد النبطية يف جمال‬ ‫الإبل املحليات الأ�صايل‪ ،‬مع منح الأف�ضلية لبحور «الونة والردحة والتغرودة» يف‬ ‫حماولة لإحياء هذه الألوان الرتاثية‪ .‬وقد ا�ستقبلت امل�سابقة الكثري من الق�صائد‬ ‫ال�ت��ي تنهل م��ن معني ت��راث الأج� ��داد ال�ع��ذب جم��ددة يف �أح �ي��ان ك�ث�يرة وحملقة‬ ‫بالق�صيدة يف �آفاق جتمع بني القدمي واملعا�صر‪ ،‬مما يبعث يف النفو�س الطم�أنينة‬ ‫على م�ستقبل ال�شعر النبطي يف الإمارات‪ .‬وتن�شر «تراث» الق�صائد الفائزة باملراكز‬ ‫اخلم�سة الأوىل يف ملف «دانات» بهذا العدد‪ ،‬على وعد بتقدمي قراءات نقدية وافية‬ ‫فيها ويف جممل الق�صائد التي وردت �إىل امل�سابقة من �أجل �إحياء حركة نقد ال�شعر‬ ‫النبطي يف الإمارات‪.‬‬

‫�أعقبه ا�ستعرا�ض خا�ص لفريق القفز احلر‬ ‫التابع للقوات امل�سلحة ومن ثم هبوط املظليني‬ ‫يف �ساحة االحتفال‪ ،‬ليزيدوا أ�ج��واء االفتتاح‬ ‫جما ًال وبها ًء‪ ،‬ليكرمهم �صاحب ال�سمو ال�شيخ‬ ‫�سلطان ب��ن زاي��د �آل نهيان ومينحهم دروع‬ ‫النادي التذكارية‪ ،‬وتبد�أ بعد ذل��ك فعاليات‬ ‫تراثية وفنية وثقافية و�شعبية متنوعة جعلت‬ ‫من منطقة �سويحان �ساحة مفتوحة لالحتفاء‬ ‫بالهجن ومربيهم وم��ري��دي ه��ذا ال �ن��وع من‬ ‫الريا�ضات العربية اال�صيلة‬

‫م�سابقات املحالب‬

‫ث��م ت��وا� �ص �ل��ت ف �ع��ال �ي��ات امل �ه��رج��ان بني‬ ‫م�سابقات املحالب وامل�سابقات ال�شعرية‬ ‫وال� �ع ��رو� ��ض ال�ت�راث� �ي ��ة امل �ت �ن��وع��ة ال �ت��ي‬ ‫ا�ستقطبت �آالف ال��زائ��ري��ن لال�ستمتاع‬ ‫بالأجواء الربيعية املده�شة التي جتري‬


‫ملف خاص‬ ‫‪8‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫تتويج الفائزين يف اليوم الأول ل�سباق الهجن الرتاثي‬

‫فيها �أن�شطة وفعاليات املهرجان‪ ،‬ومن‬ ‫ت �ل��ك االن �� �ش �ط��ة امل �م �ي��زة ذات ال��زخ��م‬ ‫اجل �م��اه�يري يف امل��ه��رج��ان‪ ،‬م���س��اب�ق��ة‬ ‫امل�ح��ال��ب ال�ت��ي � �ش��ارك ف�ي�ه��ا م��ن الإب��ل‬ ‫من دول��ة الإم��ارات‪ ،‬وجميع دول جمل�س‬ ‫التعاون لدول اخلليج العربية‪ ،‬واليمن‪،‬‬ ‫وا�ستمرت على م��دى خم�سة �أي��ام عرب‬ ‫خم�سة �أ�شواط يومي ًا يف ال�صباح وامل�ساء‪،‬‬ ‫وج��رت امل�سابقة ب�ين خم�س فئات هي‪:‬‬ ‫ال ُعرب الأ�صايل املحليات خا�صة بالإبل‬ ‫الإم��ارات�ي��ة‪ ،‬وال� ُع��رب الأ�صايل املحليات‬ ‫اخل� ��واوي� ��ر‪ ،‬واحل� ��زام� ��ي‪ ،‬واحل ��زام ��ي‬

‫اخلواويرثم ال�شوط املفتوح‪ ،‬ثم مت تتويج‬ ‫الفائزين بجوائز عينية ونقدية ثمينة‬ ‫عقب انتهاء املناف�سات‪ ،‬فكان ن�صيب‬ ‫الفائز الأول من كل فئة �سيارة‪ ،‬وباقي‬ ‫امل��راك��ز ح�ت��ى ال�ع��ا��ش��ر ي�ن��ال �أ�صحابها‬ ‫جوائز مالية‪.‬‬ ‫وت ��أت��ي �أه�م�ي��ة ��س�ب��اق��ات امل �ح��ال��ب‪� ،‬أن�ه��ا‬ ‫ت�ستهدف املحافظة على النوق احللوب‬ ‫ذات الإدرار ال� �ع ��ايل‪ ،‬وحت ��اف ��ظ على‬ ‫ت�صاعد �أ�سعار النوق احللوب‪ ،‬حيث ي�سعى‬ ‫حمبو م�سابقة احلالب �إىل التناف�س على‬ ‫امتالك الناقة احللوب للفوز بالنامو�س‪.‬‬

‫املهرجان يف �أرقام‬ ‫ا�شتمل مهرجان �سلطان بن زايد للإبل ما يزيد على ‪ 100‬فعالية وم�شاركة‬ ‫‪ 35‬جهة ر�سمية و�أهلية و�سوقاً تراثية احتوت ‪ 140‬دكاناً وجمموعة مناف�سات‬ ‫رئي�سية ت�صدرتها م�سابقة جمال الإبل «املزاينة» يف دورتها ال�ساد�سة و�سباق‬ ‫الإب��ل الرتاثي الأ�صيل ال�ساد�س والع�شرين‪ ،‬وم�سابقة املحالب يف دورتها‬ ‫الثانية‪ ،‬وم�سابقة جمال و�سباق ال�سلوقي العربي الثالثة ونظمها النادي‬ ‫بالتعاون والتن�سيق مع مركز ال�سلوقي العربي يف �أبوظبي ‪.‬‬

‫كما �أن من �ش�أن امل�سابقة كذلك خلق �سوق‬ ‫جتاري ملالك الإبل وت�شجيعهم للم�ساهمة‬ ‫دع��م م�صانع الأل �ب��ان يف ال��دول��ة والتي‬ ‫بد�أت ت�ستفيد من البان النوق يف خمتلف‬ ‫�صناعات الألبان‬

‫ميدان الهجن‬

‫ك �م��ا ح �ف �ل��ت � �س��وي �ح��ان ب��ال �ع��دي��د م��ن‬ ‫� �س �ب��اق��ات الإب � ��ل ال�ت�راث ��ي ال �ت��ي ج��رت‬ ‫مب �ي��دان �سباقات الهجن ه�ن��اك و�سط‬ ‫�أج � ��واء ت��راث �ي��ة وت �ن��اف ����س � �س��اخ��ن بني‬ ‫م�شاركني بذلوا �أق�صى ما عندهم للفوز‬ ‫بح�صة م��ن � �س �ي��ارات ال��دف��ع ال��رب��اع��ي‬ ‫الفاخرة وماليني الدراهم من اجلوائز‬ ‫النقدية التي وزعت عليهم يف احتفالية‬ ‫��ش�ع�ب�ي��ة ت �ت��وج ه ��ذا ال �ع��ر���س ال��وط �ن��ي‪،‬‬ ‫وتثمن جهودهم املتوا�صلة يف االهتمام‬ ‫ب��ري��ا��ض��ات ال�ه�ج��ن ب��اع�ت�ب��اره��ا ريا�ضة‬ ‫�إماراتية �أ�صيلة‪ ،‬تعك�س ملمح ًا مهم ًا يف‬


‫«من�صوره» املركز الأول �شوط ال�شيوخ‬

‫امل��وروث ال�شعبي واالجتماعي لالن�سان‬ ‫الإماراتي ميتد �إىل مئات ال�سنني‪ ،‬حيث‬ ‫ك��ان ي�ت��م تنظيم ��س�ب��اق��ات ال�ه�ج��ن بني‬ ‫مربيها ويح�صلون على �شارات ب�سيطة‬ ‫مبثابة تكرمي لهم على اعتنائهم بالهجن‬ ‫وحر�صهم على �إبرازها يف �أف�ضل �صورة‬ ‫عرب تلك ال�سباقات‪.‬‬

‫امل�سابقة ال�شعرية‬

‫وم��ن الفعاليات املهمة التي �أقيمت على‬ ‫هام�ش امل �ه��رج��ان‪ ،‬امل�سابقة ال�شعرية‪،‬‬ ‫و�أقيمت للتغني ب��الإب��ل وجمالها وك��ل ما‬ ‫يخ�صها‪ ،‬واق�ت���ص��رت امل �� �ش��ارك��ات على‬ ‫ق�صائد يف جمال الإبل املحليات الأ�صايل‬ ‫�ضمن بحور الو ّنة والردحة والتغرودة‪ ،‬وهي‬ ‫�أ�ساليب �شعرية �إماراتية خال�صة‪ ،‬برع فيها‬ ‫كثري م��ن �شعراء الإم���ارات ع�بر الزمن‪،‬‬ ‫ويف نهاية امل�سابقة �أُع�ل��ن ع��ن الفائزين‬ ‫باملراكز اخلم�سة الأوىل‪ ،‬ومت تكرميهم‬

‫وت �ق��دمي ج��وائ��ز م��ادي��ة قيمة ف� ً‬ ‫ضال عن‬ ‫ن�شر ق�صائدهم يف كتيب‪ ،‬كما �أتيحت لهم‬ ‫فر�صة �إلقاء ق�صائدهم �أمام �سمو ال�شيخ‬ ‫�سلطان بن زايد �آل نهيان‪.‬‬ ‫وغري بعيد عن عوامل ال�سباقات واملناف�سات‬ ‫التي �سادت �أج��واء �سويحان ط��وال فرتة‬ ‫املهرجان‪� ،‬شغلت القرية الرتاثية وال�سوق‬ ‫ال�شعبي حيز ًا كبري ًا من اهتمام ال��زوار‬ ‫مبا ت�ضمنتاه من �أل��وان ال�تراث الإماراتي‬ ‫ُعر�ضت بطريقة مبدعة‪ ،‬حيث ترا�صت‬ ‫املحال يف ال�سوق ال�شعبي جنب ًا �إىل جنب‬ ‫لتعر�ض �أدوات ولوازم الهجن‪ ،‬من �شدات‬ ‫و�أدوات زي�ن��ة الإب���ل‪ ،‬والأواين اخلا�صة‬ ‫باملحالب خمتلفة الأحجام والأ�شكال‪.‬‬

‫�أيقونة املهرجان‬

‫وع��ر� �ض��ت �أي �� �ض � ًا يف ال �� �س��وق ال�شعبي‬ ‫م�ن�ت�ج��ات ت��راث �ي��ة ع��دي��دة م�ث��ل الأزي���اء‬ ‫الرتاثية الإماراتية والأك�لات ال�شعبية‬

‫والع�سل ب�أنواعه املختلفة مثل ال�سدر‪،‬‬ ‫كما عر�ضت منتجات ومقتنيات تراثية‬ ‫مثل ذل��ك امل�ع��ر���ض ال��ذي �أق��ام��ه ه��اوي‬ ‫املقتنيات ع�ب��داهلل الكعبي‪ ،‬وخ�ص�صه‬ ‫ل�ع��ر���ض �أر� �ش �ي��ف �إع�لام��ي ع��ن م�سرية‬ ‫املغفور له ب ��إذن اهلل تعاىل ال�شيخ زايد‬ ‫بن �سلطان �آل نهيان‪ ،‬وكذلك ما عر�ضه‬ ‫حم �م��د ال��زح �م��ي م��ن م�ق�ت�ن�ي��ات �أث��ري��ة‬ ‫خمتلفة ومنها �أنواع العمالت التي عرفت‬ ‫يف الإم��ارات‪ ،‬وعمالت تذكارية‪ ،‬وبع�ض‬ ‫احللي الن�سائية امل�صنوعة من الف�ضة‪.‬‬ ‫و�أ��ش��اد م�شاركون وع��ار��ض��ون ب��الأج��واء‬ ‫التنظيمية الراقية التي مل�سوها �أثناء‬ ‫ف �ت�رة امل� �ه ��رج ��ان‪ ،‬م ��ن ح �ي��ث ات �� �س��اع‬ ‫م�ساحات العر�ض و�إتاحة الفر�صة للكثري‬ ‫من �أب�ن��اء الإم��ارات وحتى دول اخلليج‬ ‫الأخ��رى لعر�ض منتوجاتهم الرتاثية يف‬ ‫�سويحان‪ ،‬وه��و م��ا يعك�س ج�ه��د ًا كبري ًا‬ ‫بذله منظمو املهرجان والقائمون عليه‪،‬‬


‫ملف خاص‬ ‫‪10‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫تتويج الفائزين يف �سباق ال�سلوقي‬

‫كتاب املهرجان‬ ‫املتابع لفعاليات مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان للإبل يدرك‬ ‫متاماً �أن��ه �أم��ام حديث جدير بالتوثيق‪ ،‬فهو ي�ؤ�س�س لتوجه علمي معا�صر يف‬ ‫التعاطي م��ع امل ��وروث ال�شعبي املتعلق ب��الإب��ل على اخ�ت�لاف �أ�شكاله و�أل��وان��ه‪،‬‬ ‫جم��دداً وم�ط��وراً وم�ستفيداً م��ن تكنولوجيا الع�صر يف �إغ�ن��اء ن�سيج احلياة‬ ‫املعا�صرة مبفردات هذا الرتاث الغني الذي يتنوع خريه يف جوانب عديدة منها‬ ‫االقت�صادي املتعلق بتجارة وتربية الإب��ل‪ ،‬ومنها ما يتعلق بالرثوة احليوانية‬ ‫ومنتجاتها‪ ،‬ومنها ما يتعلق بالبيئة وال��زراع��ة‪ ،‬بل ما يتعلق بالطب و�أبحاثه‬ ‫التي �أثبتت �أن الإبل �صيدلية حية‪ ،‬بالإ�ضافة �إىل ما يقوم به املهرجان من �إحياء‬ ‫للريا�ضات املختلفة‪ ،‬وما يقدمه من ترفيه وت�سلية‪ ،‬وم�ساهمته يف �إثراء ديوان‬ ‫ال�شعر والأدب العربيني فيما يخ�ص الإبل وعواملها الغنية‪ ،‬و�أخرياً ولي�س �آخراً‬ ‫ما يقدمه للنا�س من معرفة مبنظومة القيم والأخالق التي حتكم عالقات �أهل‬ ‫الإمارات وقدرتهم على تنظيم فعاليات تده�ش العامل‪.‬‬ ‫وانطالقا من حر�ص «ت��راث» على توثيق مفردات ه��ذا احل��دث ال�ب��ارز‪ ،‬ف�إننا‬ ‫ن�صدر مع هذا العدد كتاباً م�ستق ً‬ ‫ال يوثق بال�صورة والكلمة لفعاليات دورة هذا‬ ‫العام من مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان للإبل‪ ،‬ن�ضعه بني يدي‬ ‫كل قارئ مهتم وباحث حري�ص‪.‬‬

‫ح�ت��ى ي�خ��رج �إىل اجل�م�ي��ع ب�ه��ذا ال�شكل‬ ‫املر�ضي �سواء كانوا عار�ضني �أو زوار ًا‪.‬‬ ‫ال �ق��ري��ة ال�تراث �ي��ة ال �ت��ي �أق��ام �ه��ا ن��ادي‬ ‫ال�ت��راث ك��ان��ت �أي �ق��ون��ة امل �ه��رج��ان مبا‬ ‫احتوته من مظاهر متنوعة وحية للرتاث‬ ‫الإماراتي وكيفية معي�شة �أهل الإم��ارات‬ ‫قبل ع�صر النفط والنه�ضة احلديثة التي‬ ‫تعي�شها الإم��ارات حاليا‪ .‬حيث انت�شرت‬ ‫يف القرية بيوت ال�شعر لتتيح للزائرين‬ ‫ف��ر� �ص��ة اال���س�ت�راح��ة ب��داخ �ل �ه��ا وت �ن��اول‬ ‫واجبات ال�ضيافة العربية من قهوة عربية‬ ‫وم � أ�ك��والت تراثية‪ ،‬وك��ذا عر�ضت مناذج‬ ‫للبيت اجلنوبي وبيت اليواين‪.‬‬

‫م�شغوالت تراثية‬

‫كما عر�ضت م�شغوالت تراثية متنوعة و�شرح‬


‫«منحاف» الفائزه الأوىل يف �شوط ال�شيوخ‬

‫للجمهور كيفية �إجن��ازه��ا ب�شكل عملي‬ ‫ومبا�شر �أمامهم‪ ،‬مثل �صناعة الفخار‬ ‫وال�سجاد اليدوي‪ ،‬و�صناعة م�ستلزمات‬ ‫الإب��ل مثل ال�ساحة‪ ،‬البطان‪ ،‬املحكبة‪،‬‬ ‫احل�سرة‪.‬‬ ‫وت �ف �ن �ن��ت ال� ��وال� ��دات م ��ن امل�ن�ت���س�ب��ات‬

‫للمراكز التابعة لنادي الرتاث والالتي‬ ‫� �ش��ارك��ن يف �أن���ش�ط��ة ال �ق��ري��ة ال�تراث�ي��ة‬ ‫يف ع��ر���ض �إب��داع��ات��ه��ن م ��ن ��ص�ن��اع��ة‬ ‫املالب�س الن�سائية الإماراتية با�ستخدام‬ ‫التلي وال ��زري وغ�يره�م��ا م��ن اخل��ام��ات‬ ‫امل�ستخل�صة من البيئة املحلية‪.‬‬

‫مزاينة الإبل الأ�صايل‬ ‫حظيت مناف�سات مزاينة الإب��ل الأ�صايل التي �أقيمت �ضمن فعاليات‬ ‫امل�ه��رج��ان واملخ�ص�صة لفئتي ف�ط�م��ان ال���ش�ي��وخ واجل�م��اع��ة مب�شاركة‬ ‫وا��س�ع��ة‪ ،‬وت�ه��دف ه��ذه املناف�سة �إىل �إب��راز القيم اجلمالية للمحليات‬ ‫الأ��ص��اي��ل وحفز امل�لاك على اقتنائها واملحافظة على ��س�لاالت الإب��ل‬ ‫وحمايتها م��ن التهجني‪ ،‬وه�ن��اك معايري قيا�سية تبني م��دى جمال‬ ‫الإب��ل من �أهمها الر�أ�س والرقبة وانت�صاب الأذن�ين‪ ،‬و�شكل الأن��ف مع‬ ‫الهامة وطول الرقبة وارتفاعها وان�سيابية اجل�سم والر�شاقة وغريها‬ ‫من املوا�صفات وال�شروط الالزمة لتحقيق الفوز‪.‬‬

‫وق��دم��ت بع�ضهن �أك �ل�ات ت��راث �ي��ة مثل‬ ‫ال��ع��وم��ة وال� �ت ��ي ت �� �ص �ن��ع م ��ن ال���س�م��ك‬ ‫املجفف‪ ،‬وك��ذا عر�ضن كيفية ت�صنيع‬ ‫القهوة العربية الأ�صيلة يدوي ًا ما مينحها‬ ‫مذاق ًا خا�ص ًا‪.‬‬ ‫و�إىل ج��ان��ب ال �ق��ري��ة ال�تراث �ي��ة �أق�ي�م��ت‬ ‫منطقة ل�ل�أل �ع��اب ال�ترف�ي�ه�ي��ة لت�شجيع‬ ‫املواطنني واملقيمني على زيارة �سويحان‬ ‫وا�صطحاب �أبنائهم معهم لال�ستمتاع‬ ‫بهذه الوجبة الرتاثية احلافلة بطيوف‬ ‫�أل� ��وان ال �ف �ن��ون الإم��ارات��ي��ة امل�خ�ت�ل�ف��ة‪،‬‬ ‫وهو ما يعك�س الر�ؤية ال�شاملة ملنظمي‬ ‫املهرجان‪ ،‬وجعله ينتقل من جن��اح �إىل‬ ‫�آخ��ر لي�صبح ك��رن�ف��ا ًال �إم��ارات �ي � ًا عاملي ًا‬ ‫بامتياز ينتظره ع�شاق الرتاث ويرتقبون‬ ‫قدومه العام تلو العام‬


‫ملف خاص‬ ‫‪12‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ﻣﻬﺮﺟﺎن ﺳﻤﻮ اﻟﺸﻴﺦ‬ ‫ﺳﻠﻄﺎن ﺑﻦ زاﻳﺪ آل ﻧﻬﻴﺎن‬ ‫ﻟﻺﺑﻞ‬ ‫ﺳﻮﻳﺤﺎن ﻣﻦ ‪ 1‬إﱃ ‪ 15‬ﻓﱪاﻳﺮ ‪2013‬‬

‫�ضيف دائم على مهرجان �سلطان بن زايد للإبل‬

‫مكتوم الراشدي‪:‬‬

‫اإلبل راسخة في قلوب كل أبناء اإلمارات‬ ‫�سويحان‪ -‬تراث‬ ‫مثلت منطقة �سويحان على مدى �ستة ع�شر يوماً �ساحة مفتوحة لالحتفاء بالرتاث الإماراتي يف‬ ‫�أبهى �صوره عرب مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد للإبل‪ ،‬الذي �أ�صبح مزاراً �سنوياً يق�صده ع�شاق‬ ‫لون فريد من ال�تراث الإم��ارات��ي‪ ،‬وهو الإب��ل وعواملها املت�سعة و�أ�سرارها التي ال يعرفها �سوى �أهل‬ ‫البادية ممن �ألفوا الإبل وتفننوا يف العناية بها والك�شف عن �أبرز �سماتها وخ�صائ�صها التي جعلت‬ ‫�أبناء البادية‪ ،‬خا�صة يف دولة الإمارات يع�شقون الإبل ويعتربونها عن�صراً رئي�ساً يف حياتهم من خالله‬ ‫ميار�سون هواياتهم‪ ،‬وي�ستفيدون ب�أوقاتهم عرب هذا الكائن اجلميل‪ ،‬الذي �أخذ لقب �سفينة ال�صحراء‪،‬‬ ‫فكان وبحق خري �سفينة �آوى �إليها واعتا�ش بها املواطن العربي عرب �آالف ال�سنني ‪.‬‬


‫الرا�شدي داخل مزرعته‬

‫مكتوم بن �سلومة الرا�شدي‪� ،‬أحد �أبناء �سويحان‬ ‫الذين ع�شقوا الإبل منذ نعومة �أظفارهم وكونوا‬ ‫عالقة من نوع خا�ص مع الإبل العربية جعلته يف‬ ‫نهاية الأم��ر واح��د ًا من الوجوه الرئي�سة دائمة‬ ‫احل�ضور يف جميع مهرجانات الإبل التي تقام‬ ‫داخل الدولة‪ ،‬وفوزه بالعديد من املراكز الأوىل‪،‬‬ ‫وحتقيق توقيتات زمنية قيا�سية داخل �سباقات‬ ‫الهجن نتيجة املثابرة واحلر�ص على �إخ��راج‬ ‫�أف�ضل ما لديه داخل ميادين �سباقات الهجن‪.‬‬

‫حفاوة اال�ستقبال‬

‫يف ع��زب�ت��ه ال �ت��ي ال تبعد ع��ن م �ي��دان الهجن‬ ‫يف �سويحان �سوى دق��ائ��ق م �ع��دودة‪ ،‬ا�ستقبلنا‬ ‫الرا�شدي باحلفاوة املعتادة لأه��ل الإم ��ارات‪،‬‬ ‫لتقوم« تراث» بجولة داخل العزبة وت�شاهد عن‬ ‫قرب كيفية العناية بها و�إخ�ضاعها لأعلى درجات‬ ‫االهتمام والتدريب‪ ،‬حتى تكون يف حالة جهوزية‬ ‫دائمة للم�شاركة يف ال�سباقات التي ي�شارك فيها‬ ‫الرا�شدي با�ستمرار على مدار العام‪.‬‬ ‫بداية �أك��د الرا�شدي �أن عامل الهجن را�سخ يف‬

‫قلوب �أبناء الإم��ارات‪ ،‬ولذلك لي�س غريب ًا عليه‬ ‫�أن يق�ضي �أغلب �ساعات حياته داخ��ل عزبته‬ ‫الكائنة يف منطقة ال�ساد القريبة من �سويحان‪،‬‬ ‫وع��ن بدايته مع الهجن وعواملها املت�سعة‪ ،‬قال‬ ‫الرا�شدي‪ « :‬منذ طفولتي املبكرة وقبل �سن‬ ‫امل��در��س��ة كنت �أرى �أق��ارب��ي يهتمون ب��الإب��ل‬ ‫ويعطونها الكثري من وقتهم‪ ،‬وي�شاركون يف‬ ‫�سباقات خمتلفة جت��ري يف مناطق متفرقة‬ ‫يف �أبوظبي �أو باقي �إم ��ارات ال��دول��ة‪ ،‬حينها‬ ‫بد�أت حالة من ال�شغف بالهجن وا�ستمرت حتى‬ ‫�أيامنا هذه‪ ،‬وكانت بداية م�شاركاتي الر�سمية‬ ‫يف �سباقات الإبل يف العام ‪1999‬م حني كنت يف‬ ‫الثانية ع�شرة من عمري‪ ،‬من خالل �سباق «ري�س‬ ‫املقام»‪ ،‬ويف ذات العام �شاركت يف �سباق مبنطقة‬ ‫ال�ساد‪ ،‬ثم توالت امل�شاركات يف ميادين �سباقات‬ ‫الهجن املختلفة داخ��ل الإم� ��ارات‪ ،‬و حققت‬ ‫عديد ًا من املراكز الأوىل ك��ان �آخرها العام‬ ‫املا�ضي يف �شارة �صاحب ال�سمو رئي�س الدولة‬ ‫ال�شيخ خليفة بن زايد حفظه اهلل‪ .‬و�شارة �سمو‬ ‫ال�شيخ طحنون بن نهيان‪ ،‬و�شارة ال�شيخ ماجد‬

‫بن حممد بن را�شد‪.‬‬ ‫وع ��ن دواف� ��ع تعلقه ب��الإب��ل دون غ�يره��ا من‬ ‫املفردات الرتاثية املتجذرة يف البيئة الإماراتية‪،‬‬ ‫�أو�ضح الرا�شدي �أن الأب��ل هي �أغلى املظاهر‬ ‫الرتاثية التي تركها الأقدمون وكانت وال تزال‬ ‫�شاهد ًا حي ًا على م�سرية الإن�سان الإماراتي على‬ ‫هذه الأر�ض‪ ،‬كما و�أن عامل الإبل يعترب جمال�س‬ ‫ال��رج��ال‪ ،‬وم��ن خ�لال��ه �أم�ك�ن��ه ت�ك��وي��ن �شبكة‬ ‫عالقات وا�سعة مع غريه من حمبي الإبل يف دولة‬ ‫الإم��ارات وخارجها‪ ،‬ولفت �إىل �أنه اعتاد على‬ ‫ر�ؤية الإبل ورعاية �ش�ؤونها ب�شكل يومي‪ ،‬وي�شعر‬ ‫ب�شئ من النق�ص وعدم االرتياح لو مل يراهم‬ ‫ويتابعهم يوم ما‪.‬‬

‫فح�ص املطية‬

‫وعن �إعداد الإبل لل�سباقات‪ ،‬ذكر �أن ذلك يتم‬ ‫عرب فح�ص املطية و�إخ�ضاعها لنظام غذائي‬ ‫دقيق يتم من خالله وزن كمية الطعام وال�شراب‬ ‫التي تتناولها الإبل وتتنا�سب مع عمرها‪ ،‬ويجب‬ ‫�أن تكون �آخر وجبة يتناولها الإبل قبيل ال�سباق‬


‫ملف خاص‬

‫بنحو ‪� 14‬ساعة‪ ،‬وبالن�سبة للماء يكون بح�سب‬ ‫�أنواع الإبل‪ ،‬فهناك من يجب منع املاء عنها قبل‬ ‫ال�سباق بيوم كامل‪ ،‬ومنها ما يحتاج �إىل ال�شراب‬ ‫قبل ال�سباق ولكن مبعايري حم��ددة وبقدر من‬ ‫املاء يجب وزنه قبل تقدميه �إىل الإبل‪ ،‬لأنه رمبا‬ ‫�شربت كمية �أكرب من الالزم‪ ،‬فيحدث خلل يف‬ ‫ج�سم املطية وبالتايل يت�أثر م�ستواها يف ال�سباق‪.‬‬ ‫ومواعيد �سباقات الإبل هناك منها ما يب���أ يف‬ ‫ال�صباح يف ال�ساعة ال�سابعة والن�صف حيث‬ ‫ينطلق ال�شوط‪ ،‬ويف امل�ساء يكون يف ال�ساعة‬ ‫الثانية والن�صف ظهر ًا ويختلف وقت ال�شوط‬ ‫باختالف �سن الإب ��ل ويتم تق�سيم الأ� �ش��واط‬ ‫كالتايل‪:‬‬

‫الفطامني‪ :‬وهي الإبل ال�صغرية ويكون �شوطها‬ ‫من كيلو ومائتي مرت �إىل كيلو ون�صف‪.‬‬ ‫احلقايق‪ :‬من ثالثة �إىل �أربعة كيلو مرتات‪.‬‬ ‫اجلذاع‪ :‬من خم�سة �إىل �ستة كيلو مرتات‪.‬‬ ‫الثنايا‪ :‬من �ستة �إىل ثمانية كيلو مرتات‪.‬‬ ‫احلول‪ :‬من ثمانية �إىل ع�شرة كيلو مرتات‪.‬‬

‫�أهمية املهرجان‬

‫وباحلديث عن �أهمية مهرجان �سمو ال�شيخ‬ ‫�سلطان ب��ن زاي ��د ل�ل�إب��ل‪ ،‬ق��ال ال��را� �ش��دي‪،‬‬ ‫�إن اهتمام �سمو ال�شيخ �سلطان بالهجن‪،‬‬ ‫هو تكري�س ملا �أواله املغفور له ال�شيخ زايد‬ ‫ب��ن �سلطان �آل نهيان طيب اهلل ث��راه‪ ،‬من‬

‫من م�صطلحات الإبل‬ ‫الآيل‪ :‬هو جهاز حتكم يتم تركيبه على ظهر املطية خالل ال�سباق‪ ،‬ليتم‬ ‫التحكم عن بعد من خالل جهازين يف يد املت�سابق‪� ،‬أحدهما مكتوباً عليه‬ ‫«�ضرب» وي�ستعمل يف ت�سريع حركة الإب��ل‪ ،‬والآخ��ر مكتوب عليه «ك�لام»‪،‬‬ ‫لتغيري مكان املطية وتوجيهها �إىل مركز متقدم يف جمراها‪.‬‬ ‫ال �� �ش��داد‪ :‬ه��و م��ا ي�ت��م تركيبه ع�ل��ى ظ�ه��ر امل�ط�ي��ة وب��ه ك��اف��ة الأدوات التي‬ ‫ي�شاهدها النا�س على املطية وي�ستخدمها راكبو املطايا‪.‬‬

‫االه �ت �م��ام ب�ك��ل م��ا يتعلق ب��ال�تراث والبيئة‬ ‫الإماراتية‪ ،‬حيث كان يقوم رحمه اهلل بدعم‬ ‫ه��ذه الأن�شطة بكافة ال�سبل ومنح الهدايا‬ ‫واجلوائز ملربي الإبل والفائزين ب�سباقاتها‪،‬‬ ‫وال �ت��ي ت�ن��وع��ت ب�ين ج��وائ��ز ن�ق��دي��ة �ضخمة‬ ‫و�سيوف من معادن ثمينة‪ ،‬و�سيارات حديثة‬ ‫قوية تنا�سب حياة ال�صحراء‪ ،‬وكذا تنظيم‬ ‫��ش��ارات مهمة للتناف�س ب�ين الإب��ل العربية‬ ‫الأ�صيلة وم��ن �أ�شهر تلك ال���ش��ارات �شارة‬ ‫زاي��د ال�ك�برى‪ ،‬والتي تعترب �أغلى ال�شارات‬ ‫على قلوب �أبناء الإمارات واخلليجيني ممن‬ ‫اع��ت��ادوا ع�ل��ى ال�ت�ن��اف����س يف م�ي��ادي��ن الإب��ل‬ ‫املختلفة‪ ،‬وه��ذا هو ما حر�ص �سمو ال�شيخ‬ ‫�سلطان ب��ن زاي��د على ت�أكيده ع�بر رعايته‬ ‫الكرمية لهذا املهرجان وحر�صه على جعل‬ ‫منطقة �سويحان م�سرح ًا مفتوح ًا لالحتفاء‬ ‫بالهجن وكل الأن�شطة املتعلقة بها‪ ،‬و�صار‬ ‫هذا املهرجان ينمو ويتطور عام ًا بعد عام‪،‬‬ ‫حتى و�صل �إىل مكانة كبرية و�صار كرنفا ًال‬ ‫عاملي ًا ي�أتيه ع�شاق الإبل ومتابعو �سباقاتها‬


‫من كل حدب و�صوب‪.‬‬ ‫يف هذا ال�سياق �أ�شاد الرا�شدي بجهود نادي‬ ‫ت��راث الإم ��ارات ال��ذي نظم ه��ذه الفعالية‬ ‫ال�تراث �ي��ة امل �ب �ه��رة وا� �س �ت �ط��اع م��ن خاللها‬ ‫تقدمي ال�تراث الإم��ارات��ي يف �أب�ه��ى �صورة‬ ‫�إىل العامل �أجمع بدعم ورعاية كرمية من‬ ‫�سمو ال�شيخ �سلطان ب��ن زاي��د �آل نهيان‬ ‫ممثل �صاحب ال�سمو رئي�س الدولة‪ ،‬رئي�س‬ ‫ن��ادي ت��راث الإم ��ارات‪ ،‬كما �أثنى على دور‬ ‫ال�شرطة املجتمعية يف العني برئا�سة الرائد‬ ‫�أحمد عيالن املهريي‪ ،‬لدورها يف التوا�صل‬ ‫مع املجتمع وجهودها الكبرية التي �أ�سفرت‬ ‫عن النجاح الالفت ملهرجان �سمو ال�شيخ‬ ‫��س�ل�ط��ان ب��ن زاي ��د ل�ل�إب��ل‪ ،‬وم���س��اع��دات�ه��م‬ ‫ال��دائ �م��ة لأب��ن��اء الإم�� ��ارات خ�ل�ال �إق��ام��ة‬ ‫��س�ب��اق��ات ال�ه�ج��ن �أو امل��زاي �ن��ة �أو امل�ساير‬ ‫واالح �ت �ف��االت وحر�صهم على تلبية جميع‬ ‫االح �ت �ي��اج��ات ال �ت��ي ت �ه��دف �إىل �أن تخرج‬ ‫هذه ال�سباقات ب�شكل �آم��ن وجميل‪ ،‬وذلك‬ ‫من حيث التوا�صل الإيجابي مع اجلمهور‬

‫وتذليل العقبات ب�شكل ودي وراق‪.‬‬

‫ركوب املطية‬

‫وبالعودة �إىل بداياته مع الإبل �أ�شار الرا�شدي‬ ‫�إىل �أن امل��رة الأوىل التي امتطى فيها الإب��ل‬ ‫مبفرده كان يف ال�سابعة من عمره‪ ،‬وهو الآن يف‬ ‫منت�صف العقد الرابع‪ ،‬و�إىل الآن ازداد ع�شقه‬ ‫لركوب الإبل‪ ،‬مو�ضح ًا �أن احلذر مطلوب لدى‬ ‫ركوب املطية‪ ،‬ومع مرور وقت قليل ت�صبح هناك‬ ‫عالقة �ألفة بني املطية وراكبها‪ ،‬الذي يجب �أن‬ ‫تكون حركته مرنة ومتنا�سقة مع حركة املطية‪،‬‬

‫برعاية سمو الشيخ‬ ‫سلطان بن زايد أصبحت‬ ‫منطقة سويحان مسرح ًا‬ ‫مفتوح ًا لالحتفاء‬ ‫بالهجن وصار مهرجان‬ ‫سويحان كرنفا ً‬ ‫ال عالمي ًا‬ ‫يأتيه عشاق اإلبل من‬ ‫كل حدب وصوب‬

‫حتى ي�شعر كل منهما بالراحة خ�لال فرتات‬ ‫ال�سباق �أو يف الركوب العادي للمطية‬ ‫وعن ال�سالالت التي يحتفظ بها يف عزبته‪ ،‬بني‬ ‫�أن هناك عديد من ال�سالالت العربية املهمة‬ ‫لديه ومنها ميا�س‪� ،‬سراب‪� ،‬شاهني‪ ،‬وغريها‬ ‫من ال�سالالت التي يعرفها املهتمني بالإبل‬ ‫و�سباقاتها‪ .‬وحتدث الرا�شدي عما يعرف بالـ‬ ‫«�آيل»‪ ،‬ال��ذي ي��راه اجلمهور على ظهر املطايا‬ ‫يف �سباقات الإبل املختلفة‪ ،‬مبين ًا �أن الآيل هو‬ ‫عبارة عن جهاز حتكم يف الإبل يتم تركيبه على‬ ‫ظهر املطية خالل ال�سباق‪ ،‬ويكون التحكم عن‬ ‫بعد من خالل جهازين يف يد املت�سابق‪� ،‬أحدهما‬ ‫مكتوب ًا عليه «�ضرب» وي�ستعمل يف ت�سريع حركة‬ ‫الإبل‪ ،‬والآخر مكتوب عليه «كالم»‪ ،‬لتغيري مكان‬ ‫املطية وتوجيهها �إىل مركز متقدم يف جمراها‪،‬‬ ‫وه��ذا الآيل ي�تراوح �سعره من �أل��ف �إىل �ألفي‬ ‫درهم بح�سب جودة نوعه‪� ،‬أما ال�شداد فهو ما‬ ‫يتم تركيبه على ظهر املطية وبه كافة الأدوات‬ ‫التي ي�شاهدها النا�س على املطية وي�ستخدمها‬ ‫راكبو املطايا‬


‫ملف خاص‬ ‫‪16‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ﻣﻬﺮﺟﺎن ﺳﻤﻮ اﻟﺸﻴﺦ‬ ‫ﺳﻠﻄﺎن ﺑﻦ زاﻳﺪ آل ﻧﻬﻴﺎن‬ ‫ﻟﻺﺑﻞ‬ ‫ﺳﻮﻳﺤﺎن ﻣﻦ ‪ 1‬إﱃ ‪ 15‬ﻓﱪاﻳﺮ ‪2013‬‬

‫يتم اللجوء �إليه يف حالة ال�شك‬

‫م اإلبل‪..‬‬ ‫س ُ‬ ‫َق َ‬

‫يؤكد عمر المطية ونقاء ساللتها‬


‫�سويحان‪ -‬تراث‬ ‫يحفل عامل الإبل بالكثري من الغرائب والطرائف‪ ،‬التي تزيد هذا العامل العميق الأغوار‬ ‫�سحراً على �سحر‪ ،‬وتربر للكثريين هذا ال�شغف الكبري الذي يوليه �أبناء الإمارات لهذه‬ ‫الكائنات اجلميلة التي رافقتهم على هذه الأر���ض على مدى مئات ال�سنني‪ ،‬فكانت خري‬ ‫�أل�ي��ف لهم ومعني على مواجهة الطبيعة اجلغرافية واملناخية التي تعرف بها منطقة‬ ‫اخلليج العربي ودولة الإمارات ‪.‬‬ ‫وم��ن ه��ذه ال�ط��رائ��ف م��ا ي�ع��رف ب�ـ «ق�سم‬ ‫الإب��ل»‪ ،‬وعنه قال الوالد عبيد املزروعي‪،‬‬ ‫�إن احل �ل�ال «الإب� � ��ل»‪ ،‬ي�ع�ت�بر م��ن �أغ �ل��ى‬ ‫الأ�شياء التي ارتبط بها املواطن الإماراتي‬ ‫ع�بر ال��زم��ن ول��ذل��ك �أق��ام لها ال�سباقات‬ ‫املختلفة‪ ،‬علي مدار العام لتحقيق هدفني‪،‬‬ ‫الأول ت�شجيع �أ��ص�ح��اب املطايا العربية‬ ‫الأ�صيلة على املحافظة على نقاء �سالالت‬ ‫م�ط��اي��اه��م ع�بر اجل��وائ��ز امل�ت�ن��وع��ة التي‬ ‫يتح�صلون عليها من خالل هذه ال�سباقات‪.‬‬ ‫والهدف الآخ��ر يتمثل يف الف�صل ما بني‬ ‫الإب��ل العربية وغريها من الإب��ل املهجنة‬ ‫التي قد ميتلكها �أي �شخ�ص‪.‬‬ ‫و�أو�ضح املزروعي �أن الق�سم يف �سباقات‬ ‫الإبل يكون على عن�صرين رئي�سني‪ ،‬الأول‬ ‫يتعلق مبدى نقاء �ساللتها وهل هي حملية‬ ‫خال�صة �أو مهجنة‪� ،‬أما العن�صر الثاين فهو‬ ‫عمر املطية‪ ،‬والتي تكون يف مراحل مبكرة‬ ‫من عمرها‪ ،‬حيث يكون الق�سم فقط على‬ ‫مرحلتي الفطيم‪ ،‬واحلجة‪ ،‬ولكن عندما‬ ‫ت�ب��د�أ املطية يف النمو وت��دخ��ل يف مرحلة‬

‫تقدم العلم قضى‬ ‫على ال َ‬ ‫سم‬ ‫ق َ‬ ‫الخاص بنقاء ساللة‬ ‫المطية ‪ ،‬وظل‬ ‫قسم العمر معمو ً‬ ‫ال‬ ‫به إلى اآلن‬ ‫اجلذع يبد�أ ظهور �أ�سنانها وبالتايل تك�شف‬ ‫عن عمرها احلقيقي‪.‬‬ ‫وم�ن�ط��وق الق�سم ي�ك��ون كما يلي بح�سب‬ ‫الوالد املزروعي « �أق�سم باهلل العظيم �أنها‬ ‫طايحة «�أي م��ول��ودة» يف تاريخ ‪«...‬حيث‬

‫حرمان المطية من‬ ‫دخول السباقات‬ ‫مدى الحياة عقاب‬ ‫من يثبت للجنة‬ ‫مه‬ ‫التشبيه أن َق َ‬ ‫س َ‬ ‫مغاير للحقيقة‬

‫ملاذا الق�سم؟‬ ‫الق�سم يف �سباقات الإب��ل يكون على عن�صرين رئي�سني‪ ،‬الأول يتعلق‬ ‫مبدى نقاء �ساللة احلالل وهل هي حملية خال�صة �أو مهجنة‪ ،‬والعن�صر‬ ‫الثاين هو عمر املطية التي تكون يف مراحل مبكرة من عمرها‪ ،‬حيث‬ ‫يكون الق�سم فقط على مرحلتي الفطيم‪ ،‬واحلجة‪ ،‬ولكن عندما تبد�أ‬ ‫املطية يف النمو وتدخل يف مرحلة اجلذع يبد�أ ظهور �أ�سنانها وبالتايل‬ ‫تك�شف عن عمرها احلقيقي‪.‬‬

‫يذكر تاريخ امليالد احلقيقي لها»‪ ،‬وهذا‬ ‫ال �ق �� �س��م ف �ق��ط ي �ك��ون ح�ي�ن ت �� �ش��ك جلنة‬ ‫الت�شبيه يف عمر املطية‪ ،‬وال يزال ي�ستخدم‬ ‫�إىل يومنا هذا يف كافة ميادين �سباقات‬ ‫الهجن يف حالة ال�شك يف عمر �أي من الإبل‬ ‫امل�شاركة يف مرحلتي الفطيم واحلجة‪.‬‬ ‫ويف املا�ضي كان هناك ق�سم �آخر يرتبط‬ ‫بكون املطية حملية �أو مهجنة �أو �سودانية‪،‬‬ ‫حيث ك��ان يقول املت�سابق‪� «:‬أق�سم باهلل‬ ‫العظيم �أن املطية حملية ومل يلحقها عرق‬ ‫تهجني و�أن �أب��اه��ا حملي و�أم�ه��ا حملية»‪،‬‬ ‫وبناء على هذا الق�سم تكون املطية حملية‬ ‫ويجرى التعامل معها على هذا الأ�سا�س‪.‬‬ ‫وعن العقاب ال��ذي ينتظر من ترى جلنة‬ ‫ال�ت���ش�ب�ي��ه �أن ق���س�م��ه م �غ��اي��ر للحقيقة‪،‬‬ ‫ف�إنه يتمثل يف حرمان املطية من دخول‬ ‫ال�سباقات مدى احلياة‪.‬‬ ‫ونوه املزروعي �إىل �أن تقدم الطب البيطري‬ ‫والبحوث العلمية يف وقتنا احلايل ق�ضى‬ ‫متام ًا على هذا الق�سم‪ ،‬لأنه ميكن ب�سهولة‬ ‫التعرف على املطية و�إذا كانت حملية من‬ ‫عدمه من خالل �إج��راءات طبية ب�سيطة‪،‬‬ ‫عرب �أخذ عينة من الأم والأب ومن املطية‬ ‫وم��ن خ�لال التحليل‪ ،‬يتم ال�ت�ع��رف على‬ ‫املطية‪ ،‬وهل هي حملية �أو مهجنة‪ ،‬وكذا‬ ‫التعرف على �أب��و املطية و�أمها وينتميان‬ ‫�إىل �أي �ساللة‬


‫ملف خاص‬ ‫‪18‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ﻣﻬﺮﺟﺎن ﺳﻤﻮ اﻟﺸﻴﺦ‬ ‫ﺳﻠﻄﺎن ﺑﻦ زاﻳﺪ آل ﻧﻬﻴﺎن‬ ‫ﻟﻺﺑﻞ‬ ‫ﺳﻮﻳﺤﺎن ﻣﻦ ‪ 1‬إﱃ ‪ 15‬ﻓﱪاﻳﺮ ‪2013‬���

‫على هام�ش مهرجان �سويحان‬

‫«شواهد في حب زايد»‬

‫أكبر أرشيف صحفي عن الشيخ زايد «رحمه اهلل»‬ ‫�سويحان‪ -‬تراث‬ ‫َم ّثل مهرجان ال�شيخ �سلطان بن زايد للإبل يف �سويحان تظاهرة تراثية �ضخمة‪ ،‬حفلت ب�ألوان‬ ‫خمتلفة من ال�تراث و�أ�ساليب تعزيز الهوية الإماراتية‪ ،‬وتبارى فيه �أبناء الإم��ارات يف �إبراز‬ ‫معاين احلب واالنتماء للوطن‪ ،‬عرب جمهودات فردية وجماعية �أ�سهمت يف جعل املهرجان‬ ‫كرنفا ًال تراثياً عاملياً‪ .‬جامع الرتاث عبداهلل الكعبي‪� ،‬شارك ب�أ�سلوب فعال و�إيجابي يف التعبري‬ ‫عن حبه ووالئه للوطن ورموزه التاريخية‪ ،‬عرب معر�ض خا�ص عن املغفور له ب�إذن اهلل تعاىل‬ ‫ال�شيخ زايد بن �سلطان �آل نهيان طيب اهلل ثراه‪.‬‬


‫التقت «ت ��راث» ع�ب��داهلل الكعبي‪ ،‬وح��اورت��ه‬ ‫ح��ول دواف�ع��ه لتنظيم ه��ذا املعر�ض‪ ،‬و�أه��م‬ ‫حمتوياته‪ ،‬وعالقته بعامل املقتنيات املعربة‬ ‫عن مالمح الهوية والتاريخ الإماراتي‪ ،‬و�إليكم‬ ‫ن�ص احلوار‪.‬‬

‫حمبة ووفاء‬

‫ ما هي �أه��م حمتويات معر�ض �أر�شيف‬‫ال�شيخ زايد باملهرجان؟‬ ‫معر�ضي الذي حمل عنوان «�شواهد يف حب‬ ‫زايد ـ رحمه اهلل» احتل مكان ًا متميز ًا �ضمن‬ ‫ال�سوق ال�شعبي املقام على هام�ش املهرجان‪،‬‬ ‫وه��و م�شاركة مني حمبة ووف ��اء يف حكيم‬ ‫العرب ال�شيخ زايد ـ رحمه اهلل م�ؤ�س�س الدولة‬ ‫وباين النه�ضة ويحتوي املعر�ض على �أر�شيف‬ ‫لأكرث من ‪ 25‬عام ًا من ال�صحف التي تتحدث‬ ‫عن ال�شيخ زايد ـ رحمه اهلل يف جمال ال�شعر‬ ‫خا�صة‪ ،‬وكذلك يف نواح �أخرى من احلياة ‪،‬‬ ‫بالإ�ضافة �إىل معظم الكتب التي �صدرت عن‬ ‫ال�شيخ باللغات العربية والأجنبية لأكرث من‬ ‫‪ 180‬عنوان ًا‪.‬‬ ‫ويوجد كذلك الكثري من املجالت التي حتدثت‬ ‫عنه‪ ،‬وبع�ضها �صدر قبل وفاته وبع�ضها الآخر‬ ‫بعد وفاته‪ ،‬وبع�ضها �إ�صدارات العدد الأول‬ ‫وحت�م��ل � �ص��ورة ال�شيخ زاي ��د ـ رح�م��ه اهلل‪،‬‬ ‫وبع�ضها �إ�صدارات خا�صة ملنا�سبات خمتلفة‪،‬‬ ‫وك��ذل��ك توجد بع�ض ال��دف��ات��ر والكرا�سات‬ ‫املدر�سية ال�ت��ي ك��ان��ت ت��وزع علينا كطالب‬ ‫م��دار���س ح�ين ذاك‪ ،‬وحتمل �صورته رحمه‬ ‫لدي طوابع بريدية ت�ؤرخ‬ ‫اهلل‪ ،‬وكذلك توجد ّ‬ ‫م�سريته قبل االحتاد وبعده‪ ،‬مع وجود بع�ض‬ ‫التذكارات عن فعاليات وجهات خمتلفة يف‬ ‫حياته وب�ع��د مم��ات��ه‪ ،‬و�أي �� �ض � ًا ت��وج��د بع�ض‬ ‫العمالت التذكارية التي حتمل �صورته وهي‬ ‫من الف�ضة‪ ،‬وكذلك توجد جمموعة كبرية من‬ ‫الأ�شرطة ال�سمعية التي تتحدث عنه مهداة له‬ ‫وبع�ضها يحمل �أ�شعاره ـ رحمه اهلل‪.‬‬ ‫ويوجد �أي�ض ًا الكثري من املقتنيات النادرة التي‬ ‫حتمل �صورته �أو ا�سمه �أو بع�ض �أقواله‪ ،‬وهي‬ ‫مقتنيات �أ�صلية ونادرة جمعتها منذ �سنوات‬ ‫طويلة و�أحافظ عليها بكل ما �أ�ستطيع‪ ،‬فهي‬

‫جانب من مقتنيات الكعبي‬

‫من القطع النادرة واملحافظة عليها هو تعبري‬ ‫عن حمبتنا حلكيم العرب وزايد اخلري‪.‬‬

‫الأجيال املقبلة‬

‫ م��ا ه��ي ال��دواف��ع التي جعلتك ت�سعى‬‫لإقامة هذا املعر�ض؟‬ ‫وفاء وحب ًا لل�شيخ زايد ـ رحمه اهلل‪ ،‬ومن‬ ‫�أجل �أن يرى �ضيوف دولتنا وفائنا لل�شيخ‬ ‫زاي ��د‪ ،‬وم��ن �أج��ل �أن ن�غ��ر���س يف نفو�س‬ ‫الأجيال املقبلة حمبة قادتنا ونقدم لهم‬

‫مشاركتي جاءت‬ ‫ً‬ ‫ووفاء لحكيم‬ ‫محبة‬ ‫ً‬ ‫العرب الشيخ زايد‬ ‫«رحمه اهلل» مؤسس‬ ‫الدولة وباني النهضة‬

‫ال�شكر والعرفان على عطائهم للوطن‬ ‫ولنا‪ ،‬خا�صة و�أن مهرجان �سلطان بن‬ ‫زايد للإبل من �أجنح الفعاليات الرتاثية‬ ‫التي تقام بالدولة وت�ستقطب �أع��داد ًا‬ ‫كبرية من ال��زوار من كافة اجلن�سيات‬ ‫وامل��واط �ن�ي�ن‪ ،‬م��ا ي���ش�ج��ع �أي ف ��رد على‬ ‫امل�ساهمة فيه ب�أي ن�شاط يربز تعلق �أبناء‬ ‫الإمارات بقادتهم و�شيوخهم الذين كان‬ ‫لهم الف�ضل الأكرب فيما حققته الإمارات‬ ‫وينظر �إليها اجلميع ب�إعجاب وادها�ش‪.‬‬ ‫ م��ا ه��و م �ق��دار ت�ف��اع��ل اجل �م �ه��ور مع‬‫حمتويات املعر�ض؟‬ ‫وج��دت منهم الرحمة على ال�شيخ زايد‬ ‫فهذه الكلمة دعوة �صادقة منهم مل�ؤ�س�س‬ ‫دولتنا بالرحمة وامل�غ�ف��رة‪ ،‬وه��ي �أثمن‬


‫ملف خاص‬ ‫‪20‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫�صور نادرة وبطاقات بريدية من املعر�ض‬

‫القادمة ب�إذن اهلل‪ ،‬ليكون معر�ض ال�شيخ‬ ‫زاي��د حمطة تاريخية مهمة ي�ع��رف من‬ ‫خاللها الزوار والأجيال اجلديدة �شذرات‬ ‫ع��ن ح�ي��اة امل�غ�ف��ور ل��ه ودوره العظيم يف‬ ‫ت�أ�سي�س وبناء دولة الإمارات‪.‬‬

‫�ألوان الرتاث‬

‫ول��ه �أ��ص��داء على م�ستوى اخلليج العربي‪،‬‬ ‫وله اهتمام من احلكومة الر�شيدة‪ ،‬وكذلك‬ ‫ي��زوره الكثري من �ضيوف الدولة وال�سياح‬ ‫واجلمهور وم�شاركتي «�شواهد يف حب زايد‬ ‫رحمه اهلل» وفاء يف حكيم العرب‪ ،‬وقد نالت‬ ‫�إع�ج��اب اجلمهور وحمبة النا�س‪ ،‬خا�صة‬ ‫و�أنه مت عر�ضها يف معية �ألوان متنوعة من‬ ‫ال�ت�راث الإم��ارات��ي �ضمن ال�سوق ال�شعبي‬ ‫ال��ذي �أق �ي��م ب��ه امل�ع��ر���ض‪ ،‬وب��ال�ت��ايل كانت‬ ‫ر�ؤية معر�ض �أر�شيف ال�شيخ زايد والتجوال‬ ‫يف ال�سوق ال�شعبي رحلة يف �أعماق تاريخ‬ ‫الإم��ارات واكت�شاف �آفاق جديدة يف البيئة‬ ‫واملجتمع الإماراتي‪.‬‬

‫ ملاذا وقع اختيارك على مهرجان �سلطان بن‬‫زايد للإبل لعمل هذا املعر�ض الفريد من نوعه‬ ‫اخلا�ص باملغفور له ب�إذن اهلل ال�شيخ زايد؟‬ ‫ما �أج��ده خالل م�شاركتي يف املعار�ض‪ ،‬مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان ب��ن زاي��د‬ ‫لدي من مقتنيات تراثي خليجي ي�شتمل على فعاليات كثرية‬ ‫وكذلك �إعجابهم مبا ّ‬ ‫عن ال�شيخ زايد‪ ،‬وندم بع�ض من الزوار‬ ‫ال��ذي��ن ك��ان��وا ط�لاب� ًا ومل يحافظوا على مهرجان الشيخ سلطان‬ ‫ م�ن��ذ م�ت��ى ب ��د�أت يف ج�م��ع ه��ذا الأر��ش�ي��ف‬‫ك �ت��اب �أو دف�ت�ر م��در��س��ي يحمل ��ص��ورة بن زايد آل نهيان تراثي‬ ‫ال�شيخ زايد ـ رحمه اهلل‪ ،‬وهذا �سي�شجعني‬ ‫وكيف جمعته؟‬ ‫علي‬ ‫أصداء‬ ‫له‬ ‫خليجي‬ ‫�أن �أخ ��و� ��ض ال �ت �ج��رب��ة يف امل �ه��رج��ان��ات‬ ‫اهتمامي ق��دمي ومنذ �أك�ثر م��ن ‪ 25‬عام ًا‪،‬‬

‫مستوى الخليج العربي‬ ‫والعالم‬


‫جانب من مقتنيات الكعبي‬

‫ولكنه ظهر �أم��ام اجلمهور منذ �سنوات‬ ‫قليلة بعد �أن تفرغت له وال ي�شغلني عنه‬ ‫��ش��اغ��ل‪ ،‬ف�لاب��د �أن ي��رى ال �ع��امل حمبتنا‬ ‫حلكومتنا ورمز بالدنا �شاكرين �أف�ضالهم‬ ‫ووفاء لهم‪.‬‬ ‫بطبعي �أنا باحث وقارئ واجتماعي و�أ�سعى‬ ‫للمعرفة ‪ ،‬لذلك جتدين يف املكتبات �أق�ضي‬ ‫الوقت الطويل من �أج��ل �أن �أح�صل على‬ ‫ع�ن��وان فيه الفائدة و�أجت��ول يف الأم��اك��ن‬ ‫الرتاثية �أ�شرتي ما يلفت نظري من حتف‪،‬‬ ‫وبعد م��دة تكونت عندي ه��ذه املقتنيات‬ ‫التي �أفخر بها و�أحافظ عليها‪.‬‬

‫ال�شيخ زايد رحمه اهلل‪ ،‬فهي حتمل م�شاعر‬ ‫احلزن الذي يبثه النا�س بعد وفاة ال�شيخ‬ ‫زايد‪ ،‬وما حل بهم من �أ�سى وحزن‪ ،‬ولكن‬ ‫عو�ضنا اهلل �سبحانه وتعاىل بخري خلف‬ ‫خل�ير �سلف‪ ،‬وه��و �صاحب ال�سمو ال�شيخ‬ ‫خليفة بن زاي��د �آل نهيان‪ ،‬رئي�س الدولة‬ ‫حفظه اهلل‪ ،‬و�إخ��وان��ه ال�شيوخ �أط ��ال يف‬ ‫�أع �م��اره��م‪ .‬وك��ذل��ك ل��وح��ات ق��دمي��ة وهي‬ ‫من النوادر وبطاقات بريدية تتحدث عنه‬ ‫وبطاقات ات�صاالت تتحدث ع��ن ال�شيخ‬ ‫زايد ـ رحمه اهلل‪.‬‬

‫أجمع أرشيف ًا عن‬ ‫�أ�صحاب احلالل‬ ‫التي‬ ‫�رى‬ ‫�‬ ‫خ‬ ‫ل‬ ‫أ‬ ‫ا‬ ‫املقتنيات‬ ‫ ما هي نوعية‬‫المغفور له الشيخ زايد‬ ‫متتلكها وتتعلق بال�شيخ زايد ـ رحمه اهلل؟ بن سلطان آل نهيان‬ ‫�أمتلك اجل��رائ��د التي ��ص��درت بعد وف��اة‬ ‫منذ أكثر من ‪ 25‬عام ًا‬ ‫وسأستمر على الدرب‬

‫ م��اذا ميثل م�ه��رج��ان �سلطان ب��ن زاي��د‬‫ل �ل��إب ��ل ب��ال �ن �� �س �ب��ة ل � �ل �ت�راث الإم � ��ارات � ��ي‬ ‫واالحتفاء به؟‬ ‫مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد هو‬ ‫�سري نهج على حياة املغفور له ب�إذن اهلل‬ ‫ال�شيخ زاي��د املحب للرتاث‪ ،‬واملهرجان‬ ‫فيه ت�أكيد على �صونه واملحافظة عليه‬ ‫والتوا�صل فيما بني �شعوب اخلليج وفيه‬ ‫خري ورزق وبيع و�شراء لأ�صحاب احلالل‬ ‫ال��ذي��ن انتظروا ه��ذا ال�ي��وم ليقدموا ما‬ ‫لديهم من مرياث له حمبة يف النفو�س‪،‬‬ ‫م��ا يجعلهم يف ��ش�غ��ف وت��رق��ب لإق��ام��ة‬ ‫امل�ه��رج��ان ب�شكل �سنوي داخ��ل منطقة‬ ‫� �س��وي �ح��ان‪ ،‬ال��ت��ي �أح �� �س �ن��ت ال�ت�رح��اب‬ ‫بزائريها و�ضيوفها خالل �أيام املهرجان‪،‬‬ ‫وهو لي�س بغريب على �أبناء الإمارات‬


‫‪22‬‬

‫الشهر‬

‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫سلطان بن زايد ت َ ّوج الفائزين‬

‫ختام فعاليات �سباق �أبوظبي لقوارب التجديف ‪ 40‬قدم ًا‬

‫ال�سامرائي‬ ‫�أبوظبي ‪ -‬حم ّمد رجب‬ ‫ّ‬ ‫ت�صوير‪ -‬جنيب حم ّمد‬ ‫�شهد �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان‬ ‫ممثل �صاحب ال�سمو رئي�س الدولة رئي�س‬ ‫نادي تراث الإمارات نهاية ال�شهر الفائت‪،‬‬ ‫فعاليات �سباق �أبوظبي لقوارب التجديف‬ ‫‪ 40‬قدم ًا الذي نظمه نادي تراث الإمارات‬ ‫برعاية �سموه على امتداد كورني�ش �أبوظبي‪،‬‬ ‫وت�ضمنت فعاليات ال�سباق �أربعة �أ�شواط‬ ‫م�سافة كل �شوط ‪� 4‬أميال بحرية مب�شاركة‬ ‫‪ 67‬قارب ًا على متنها ‪ 1139‬م�شارك ًا من كافة‬ ‫�إم��ارات الدولة‪ ،‬ومن �سلطنة ُعمان ممثلة‬ ‫بوزارة ال�ش�ؤون الريا�ضية‪.‬‬ ‫وح�ضر فعاليات ال�سباق علي عبداهلل‬ ‫ال��رم�ي�ث��ي امل��دي��ر ال�ت�ن�ف�ي��ذي للأن�شطة‪،‬‬ ‫وعبداهلل حممد املحريبي املدير التنفيذي‬

‫ل�ل�خ��دم��ات امل���س��ان��دة ب��الإن��اب��ة‪ ،‬وع��دن��ان تنت ِه �إال عند خط النهاية خا�صة من قبل‬ ‫احلو�سني من�سق عام ال�سباقات‪ ،‬وعدد من حاملي �ألقاب العديد من بطوالت التجديف‬ ‫ر�ؤ�ساء الأق�سام يف النادي وجمهور غفري من على م�ستوى الإمارات‪.‬‬ ‫�أبناء الدولة واجلاليات العربية والأجنبية‪.‬‬ ‫وا�شتملت فعاليات �سباق �أبوظبي لقوارب �أ�صحاب النامو�س‬ ‫التجديف على �أرب �ع��ة �أ� �ش��واط متيز كل وت��وج القارب» �شنا�ص» باملركز الأول يف‬ ‫�شوط بلون من �ألوان علم الدولة‪ ،‬و�شهدت مناف�سات ال�شوط الأول لل�سباق ال��ذي‬ ‫الأ�شواط الأربعة لل�سباق مناف�سة حادة مل خ�ص�ص له اللون الأحمر ل�صاحبه وزارة‬ ‫ال �� �ش ��ؤون الريا�ضية يف �سلطنة ُع�م��ان‪،‬‬ ‫«شناص» و«رأس‬ ‫وب �ق �ي��ادة ال �ن��وخ��ذة م��اج��د ع��ام��ر حممد‬ ‫الخيمة» و«المطلع»‬ ‫املعمري‪ .‬ويف مناف�سات ال�شوط الثاين‬ ‫ب��ال�ل��ون الأب �ي ����ض ح�صل ال �ق��ارب» ر�أ���س‬ ‫و«الذهب» القوارب‬ ‫التي حصدت المراكز اخليمة» ل�صاحب ال�سمو ال�شيخ �سعود بن‬ ‫�صقر القا�سمي‪ ،‬وبقيادة النوخذة نا�صر‬

‫األولى في أشواط‬ ‫السباق األربعة‬


‫السباق مدرسة عملية‬ ‫لنقل وحفظ منجز‬ ‫األجداد وتبث أجواء من‬ ‫م��اج��د ع��ام��ر حم�م��د امل�ع�م��ري ب��ال�ق��ارب»‬ ‫ح�سن الكا�س �آل علي لقب ال�شوط‪ ،‬بينما التنافس الشريف بين‬ ‫�شنا�ص» م��ن �سلطنة ُع�م��ان ع��ن �إعجابه‬ ‫ن��ال امل��رك��ز الأول يف مناف�سات ال�شوط‬ ‫واألبناء‬ ‫اآلباء‬ ‫جيل‬ ‫بح�سن الإع��داد والتنظيم الراقي لل�سباق‬ ‫الثالث من �أ�شواط ال�سباق الذي خ�ص�ص‬ ‫له اللون الأخ�ضر القارب» املطلع» ل�صاحبه‬ ‫ال�شيخ را�شد بن حمد بن حممد ال�شرقي‪،‬‬ ‫وبقيادة النوخذة �سيف خلف املطري‪.‬‬ ‫ويف مناف�سات ال�شوط الرابع والأخ�ي�ر من‬ ‫�أ�شواط ال�سباق الذي متيز باللون الأ�سود فاز‬ ‫القارب» الذهب» ل�صاحبه �سمو ال�شيخ عمار‬ ‫بن حميد النعيمي‪ ،‬وبقيادة النوخذة �أحمد‬ ‫�إبراهيم را�شد الغمال�سي‪.‬‬

‫تكرمي الفائزين‬

‫وعقب انتهاء فعاليات �أ� �ش��واط ال�سباق‬ ‫الأرب�ع��ة ك��رم راع��ي املهرجان �سمو ال�شيخ‬ ‫�سلطان ب��ن زاي��د �آل نهيان الفائزين يف‬ ‫املراكز الأوىل يف كل �شوط بح�ضور �سعادة‬ ‫علي ع �ب��داهلل الرميثي امل��دي��ر التنفيذي‬ ‫للأن�شطة‪ ،‬وعبداهلل حممد املحريبي املدير‬ ‫التنفيذي للخدمات امل�ساندة ب��الإن��اب��ة‪،‬‬ ‫وعدنان احلو�سني من�سق عام ال�سباقات‪،‬‬ ‫كما ك��رم �سموه ال �ق��ارب «ر�أ� ��س اخليمة»‬ ‫حل�صوله على �أف�ضل توقيت يف �أ��ش��واط‬ ‫ال�سباق البحري‪.‬‬

‫عر�س تراثي‬

‫فعاليات ال�سباق حيث �أعدت لهم برناجما‬ ‫تعريفيا عن القرية و�أروقتها و�أهدافها‬ ‫يف احلفاظ على الإرث الرتاثي الأ�صيل‬ ‫لأبناء الوطن‪.‬‬ ‫عقب انتهاء فعاليات ال�سباق‪� ،‬أ�شاد �سعادة‬ ‫علي ع�ب��داهلل الرميثي امل��دي��ر التنفيذي‬ ‫للأن�شطة بنادي ت��راث الإم��ارات بالدعم‬ ‫الالحمدود التي تتلقاه الريا�ضات الرتاثية‬ ‫من �صاحب ال�سمو ال�شيخ خليفة بن زايد �آل‬ ‫نهيان رئي�س الدولة «حفظه اهلل» وقال‪� :‬إن‬ ‫لتوجيهاته ال�سامية ودعمه الالحمدود �أثرا‬ ‫وا�ضح املعامل يف كافة �أ�شكال الن�شاطات‬ ‫والفعاليات الرتاثية يف الدولة ب�شكل عام‬ ‫ون�شاطات وفعاليات نادي تراث الإمارات‬ ‫ب�شكل خا�ص بهدف احلفاظ على الإرث‬ ‫ال�ت�راث��ي الأ� �ص �ي��ل‪ ،‬ك�م��ا �أ� �ش��اد الرميثي‬ ‫بالدعم املبا�شر ال��ذي يتلقاه النادي من‬ ‫�سمو ال�شيخ �سلطان ب��ن زاي��د �آل نهيان‬ ‫واملتابعة امل�ستمرة لكافة �أن�شطته على‬ ‫مدار برناجمه ال�سنوي م�ضيف ًا‪� :‬أن حر�ص‬ ‫�سمو رئي�س النادي نابعة من �إميانه املطلق‬ ‫ب���ض��رورة �إح �ي��اء ت��راث الآب���اء والأج���داد‬ ‫املتمثلة يف كافة �أ�شكاله ولي�س الريا�ضية‬ ‫فح�سب م�شري ًا �إىل �أن �سموه يرى �أن تنظيم‬ ‫فعاليات تراثية عملية هي �أف�ضل ال�سبل‬ ‫يف احلفاظ على الكنز الرتاثي‪ ،‬ويف ختام‬ ‫ت�صريحاته عرب �سعادته عن �شكره وامتنانه‬ ‫لكافة اجلهات احلكومية واخلا�صة التي‬ ‫�أ�سهمت ب��دور ف�ع��ال يف �إجن ��اح فعاليات‬ ‫�سباق �أبوظبي لقوارب التجديف‪.‬‬

‫�أع��دت اللجنة املنظمة لل�سباق ع��دد ًا من‬ ‫الفقرات وال�برام��ج الرتاثية على هام�ش‬ ‫فعاليات ال�سباق الرتاثي‪ ،‬حيث �أدت العديد‬ ‫من الفرق ال�شعبية عدد ًا من اللوحات الفنية‬ ‫ال�شعبية ت�ضمنت ال�ع��دي��د م��ن الأه��ازي��ج‬ ‫الرتاثية ب�شكل عام و�أهازيج البحارة ب�شكل‬ ‫خا�ص كما �أدت فرق �أخرى م�شاركة لوحات‬ ‫�شعبية متثلت يف العيالة واحلربية ‪.‬‬ ‫بينما فتحت القرية الرتاثية �أبوابها لأبناء التنظيم الراقي‬ ‫اجلاليات العربية والأجنبية الذين تابعوا وع�بر الفائز الأول يف ال�سباق النوخذة‬

‫ال��ذي حفزنا على امل�شاركة امل�ستمرة يف‬ ‫ال�سباقات البحرية التي ينظمها النادي‬ ‫برعاية �سمو ال�شيخ �سلطان بن زاي��د �آل‬ ‫نهيان ممثل �صاحب ال�سمو رئي�س الدولة‬ ‫رئي�س ن ��ادي ت ��راث الإم � ��ارات واهتمامه‬ ‫باملحافظة عليها ونقلها من جيل لآخر‪.‬‬ ‫كما �أع��رب النوخذة نا�صر ح�سن الكا�س‬ ‫�آل علي الفائز يف املركز الثاين بال�سباق‬ ‫عن خال�ص ال�شكر والعرفان ل�سمو ال�شيخ‬ ‫�سلطان بن زاي��د �آل نهيان راع��ي ال�سباق‬ ‫الذي يدعم دائم ًا كل الفعاليات التي تربط‬ ‫ابن الإم��ارات برتاثه اخلالد ليكون ج�سر ًا‬ ‫يو�صل ب�ين اجلميع م��ن خ�ل�ال �سباقات‬ ‫ال�ن��ادي البحرية املتوا�صلة‪ .‬وق��ال الفائز‬ ‫الثالث النوخذة �سيف خلف امل�ط��ري �إن‬ ‫ال�سباقات الرتاثية التي يقيمها النادي تع ّد‬ ‫مدر�سة تراثية عملية لنقل وحفظ الرتاث‬ ‫الأ�صيل‪ ،‬وخللق التناف�س ال�شريف وال�شديد‬ ‫بني جيل الآب��اء والأب�ن��اء‪ ،‬كما تقارب مثل‬ ‫ه��ذه ال�سباقات ب�ين اخل�ب�رات املكت�سبة‬ ‫من النواخذة املتمر�سني يف هذه الريا�ضة‬ ‫البحرية الرتاثية يف الإمارات وبني �أبناءهم‬ ‫الذين ي�شاركون معهم يف القارب نف�سه يف‬ ‫�سباق اليوم‪ ،‬وهذه فر�صة مبا�شرة وعملية‬ ‫لتلقي الأبناء اخلربة املرتاكمة من الآباء‬ ‫يف فنون البحر ولي�س على طريقة تلقي‬ ‫املعلومات النظرية‪.‬‬ ‫وخ�ت��م ال�ن��وخ��ذة �أح �م��د �إب��راه �ي��م را�شد‬ ‫الغمال�سي الفائز باملركز الرابع يف �سباق‬ ‫�أبوظبي لقوارب التجديف ب�أنه وبحارته‬ ‫�سوف يظلون �ضمن امل�شاركني الدائمني‬ ‫يف ك��ل �سباقات ال �ن��ادي لأ ّن ��ه احلا�ضن‬ ‫الرئي�س لإحياء الرتاث البحري بني جميع‬ ‫بحارة الدولة‬


‫‪24‬‬

‫الشهر‬

‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫انطلقت فعالياته الشهر الفائت‬

‫مهرجان �سلطان بن زايد �آل نهيان الدويل ال�سابع للفرو�سية‬ ‫واجهة مشرفة لرياضة الفروسية في اإلمارات‬ ‫�أبوظبي – تراث‬

‫انطلقت نهاية �شهر فرباير الفائت فعاليات‬ ‫مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان بن زاي��د �آل‬ ‫نهيان ال ��دويل ال�سابع للفرو�سية‪ ،‬ال��ذي‬ ‫ت�ستمر فعالياته حتى ال�ساد�س ع�شر من‬ ‫ال�شهر اجل��اري‪ ،‬يف قرية بوذيب العاملية‬ ‫للقدرة مبنطقة اخلتم‪ ،‬برعاية كرمية من‬ ‫�سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان ممثل‬ ‫�صاحب ال�سمو رئي�س الدولة رئي�س نادي‬ ‫تراث الإمارات‪.‬‬ ‫وك��ان ن��ادي ت��راث الإم� ��ارات ق��د �أع�ل��ن يف‬ ‫م��ؤمت��ر �صحفي عقده م ��ؤخ��ر ًا يف م�سرح‬ ‫�إدارة الأن�شطة التابع للنادي يف �أبوظبي عن‬ ‫برنامج الفعاليات والأن�شطة الذي ي�شهده‬ ‫املهرجان يف دورته ال�سابعة‪ ،‬ح�ضر امل�ؤمتر‬ ‫ع��دن��ان احلو�سني من�سق ع��ام ال�سباقات‬

‫يف النادي‪ ،‬وحممد مهري املزروعي مدير‬ ‫�إدارة قرية بوذيب للفرو�سية‪ ،‬و�أحمد علي‬ ‫اجلنيبي رئي�س ق�سم التدريب يف �إ�سطبالت‬ ‫بوذيب‪ ،‬وجوهان فالبريغ مدير �أكادميية‬ ‫بوذيب للفرو�سية‪ ،‬ودي��دري هايد م�س�ؤولة‬ ‫ق�سم التوليد يف �إ�سطبالت بوذيب‪ ،‬وعدد‬ ‫من الإعالميني‪.‬‬ ‫يف بداية امل ��ؤمت��ر‪ ،‬ق��ال عدنان احلو�سني‬

‫الحوسني‪ :‬دعم سمو‬ ‫الشيخ سلطان بن زايد‬ ‫آل نهيان الال محدود‬ ‫لرياضات الفروسية‬ ‫يضع المهرجان على‬ ‫قائمة أهم مهرجانات‬ ‫الفروسية في العالم‬

‫من�سق ع��ام ال�سباقات يف ال�ن��ادي‪�« :‬أق��در‬ ‫جهود احتاد الإمارات للفرو�سية الذي يقود‬ ‫التن�سيق الدائم مع �إدارة النادي بهدف‬ ‫إ�خ��راج كافة البطوالت وال�سباقات للقدرة‬ ‫والفرو�سية التابعة للنادي ب�شكل متميز‪،‬‬ ‫مما يعزز الو�صول �إىل الأه��داف املرجوة‪،‬‬ ‫ويعك�س � �ص��ورة �إيجابية ل�سمعة ريا�ضة‬ ‫الفرو�سية يف الإمارات»‪.‬‬ ‫و�أ�ضاف احلو�سني‪« :‬ال ي�سعني �إال �أن �أ�شيد‬ ‫بالدعم ال�لاحم��دود ال��ذي تتلقاه الأندية‬ ‫الريا�ضية والرتاثية بالدولة ب�شكل عام‪،‬‬ ‫ونادي تراث الإمارات ب�شكل خا�ص من قبل‬ ‫�صاحب ال�سمو ال�شيخ خليفة بن زاي��د �آل‬ ‫نهيان رئي�س الدولة « حفظه اهلل»‪ ،‬و�سمو‬ ‫ال�شيخ �سلطان ب��ن زاي��د �آل نهيان ممثل‬


‫�صاحب ال�سمو رئي�س الدولة رئي�س نادي‬ ‫تراث الإمارات»‬ ‫و�أ�شار �إىل �أن دورة هذا العام من املهرجان‬ ‫ت�شهد م�شاركة نخبة مميزة من الفر�سان‬ ‫من داخل الدولة ومن خارجها‪ ،‬وتت�ضمن‬ ‫�أ�سماء كبرية مل�شاهري القدرة‪ ،‬بالإ�ضافة‬ ‫�إىل ح�ضور مميز ل�شخ�صيات عربية وعاملية‬ ‫متت دعوتها حل�ضور هذا املهرجان‪.‬‬ ‫و�أكد �أن �إدارة نادي تراث الإم��ارات قامت‬ ‫بكافة التجهيزات واال�ستعدادات الالئقة‬ ‫مبكانة املهرجان‪ ،‬ومت جتهيز مركز �إعالمي‬ ‫كامل لكافة الإخوة الإعالميني املتواجدين‬ ‫يف ال��دول��ة �أو القادمني من اخل ��ارج‪� ،‬إىل‬ ‫ج��ان��ب ت��وف�ير و��س��ائ��ل النقل اليومية من‬ ‫�أب��و ظبي �إىل قرية بوذيب العاملية للقدرة‬ ‫وبالعك�س‪ ،‬وكذلك �سيارات الدفع الرباعي‬ ‫لت�سهيل الت�صوير يف م�ضامري ال�سباق‪،‬‬ ‫مو�ضحا �أن �إدارة ن��ادي ت��راث الإم ��ارات‬ ‫اعتمدت �ضمن براجمها املتعلقة ب��دورة‬ ‫ه��ذا ال�ع��ام م��ن امل�ه��رج��ان ت��وف�ير برنامج‬ ‫خا�ص باجلمهور يت�ضمن �أن�شطة تراثية‬ ‫وثقافية وترفيهية لكافة �أف ��راد العائلة‪،‬‬ ‫وهدايا وجوائز و�ضيافة‪� ،‬إىل جانب توفري‬ ‫املوا�صالت املجانية التي تقلهم يوميا من‬ ‫�أم��ام مقر النادي يف �أب��و ظبي‪ ،‬وتعيدهم‬ ‫�إىل نف�س املكان بعد الغداء �أو بعد انتهاء‬ ‫الن�شاط‪.‬‬

‫برنامج املهرجان‬

‫م��ن ج��ان�ب��ه ق��ال حم�م��د م�ه�ير امل��زروع��ي‬ ‫�إن اللجنة املنظمة العليا للمهرجان قد‬ ‫ا�ستعدت له منذ قرابة ثالثة �أ�شهر وو�ض��ت‬ ‫برناجم ًا عام ًا للفعاليات‪ ،‬م�شري ًا �إىل �أن‬ ‫اجلديد يف هذه الدورة هو م�سابقة التقاط‬ ‫الأوتاد �ضمن فعاليات قفز احلواجز‪ ،‬وهي‬ ‫�إح ��دى امل�سابقات الرتاثية التي �أدخلت‬

‫تتضمن دورة هذا العام‬ ‫مسابقة التقاط األوتاد‬ ‫ضمن فعاليات قفز‬ ‫الحواجز وهي إحدى‬ ‫المسابقات التراثية‬ ‫التي أدخلت حديث ًا ضمن‬ ‫األولمبياد‬ ‫�ضمن الأوملبياد‪.‬‬ ‫و�أ�ضاف �أن فعاليات املهرجان لهذا العام‬ ‫تت�ضمن العديد من ال�سباقات املختلفة‪ ،‬حيث‬ ‫تت�ضمن الفعاليات م�سابقة جمال اخليول‬ ‫العربية الأ�صيلة‪ ،‬وم�سابقة َجمال اخليول‬ ‫العربية الأ�صيلة – فئة الركوب‪ ،‬وم�سابقة‬ ‫تروي�ض اخل�ي��ول‪ ،‬و�أل�ع��اب الفرو�سية» فئة‬ ‫ال���ص�غ��ار»‪ ،‬ب��الإ��ض��اف��ة �إىل بطولة القفز‬ ‫على احلواجز لفئة املبتدئني‪ /‬فئة اخليول‬ ‫العربية‪ /‬فئة النا�شئني‪ /‬فئة ال�شباب‪/‬‬ ‫وف�ئ��ة امل�ح�ترف�ين» اجل��ائ��زة ال �ك�برى» التي‬ ‫تتم برعاية ‪ ،LONGINES‬وقال �إن‬ ‫كل امل�سابقات �سوف جترى يف �صالة �سمو‬ ‫ال�شيخ �سلطان بن زايد الكربى يف �إ�سطبالت‬ ‫بوذيب للفرو�سية مبنطقة اخلتم‪.‬‬

‫فعاليات م�صاحبة‬

‫و�أ��ض��اف حممد امل��زروع��ي �أنّ هناك عدد‬ ‫من الفعاليات امل�صاحبة لهذا املهرجان‪،‬‬ ‫حيث تنظم القرية الرتاثية التابعة للنادي‬ ‫احتفالية تراثية �ستكون من��وذج� ًا لقرية‬ ‫م�صغرة و�سوق ًا �شعبية ت�ضم العديد من‬ ‫احلرف واملهن التقليدية‪ ،‬وبيت ال�شعر‪ ،‬مع‬ ‫عر�ض مل�شغوالت يدوية متنوعة‪ ،‬بالإ�ضافة‬ ‫�إىل ج�ن��اح ب�ح��ري خ��ا���ص ب�ط��رق ال�صيد‬ ‫وال�سباقات الرتاثية‪ ،‬و�آخر للمعدات الرتاثية‬ ‫احلرفية القدمية‪ ،‬كما تعر�ض القرية �ضمن‬ ‫برناجمها يف املهرجان العديد من الأهازيج‬ ‫الفنية الغنائية ال�شعبية‪ ،‬حيث تقدم الفرق‬ ‫ال�شعبية لوحات من احلربية والعيالة‪.‬‬

‫و�أك ��د امل��زروع��ي �أن �إدارة الأن���ش�ط��ة يف‬ ‫النادي ت�شارك بعدد �آخ��ر من الفعاليات‬ ‫منها برامج تراثية للجمهور مثل مناف�سات‬ ‫الألعاب والفنون ال�شعبية مب�شاركة عدد من‬ ‫املنت�سبني للمراكز التابعة للنادي‪.‬‬ ‫للم ّالك‬ ‫م�سابقة اخليول العربية ُ‬ ‫و�أو�� �ض ��ح م�صطفى امل�ف��و��ض��ي م��ن قرية‬ ‫بوذيب للفرو�سية �أنّ بطولة قفز احلواجز‬ ‫يف املهرجان لها جمهورها اخلا�ص‪ ،‬لأنها‬ ‫من فئة �أرب��ع جن��وم‪ ،‬التي �أدرج��ت �ضمن‬ ‫البطوالت الدولية‪ ،‬الفت ًا �إىل �أنها حتظى‬ ‫مب���ش��ارك��ة ع��دة دول خليجية‪ ،‬وت���ش��ارك‬ ‫اخليول العربية لدعم هذه الفئة‪� ،‬إ�ضافة‬ ‫�إىل �أن م�سابقة اخليول العربية يف املهرجان‬ ‫هي خا�صة باملُ ّالك‪ ،‬كما خ�ص�صت اللجنة‬ ‫املنظمة العليا للمهرجان ج��وائ��ز عينية‬ ‫ومادية للخيول ال�صغرية‪ ،‬يف حني �ستمتد‬ ‫�سباقات ال �ق��درة مل��دة �أرب �ع��ة �أي ��ام خالل‬ ‫املهرجان‪.‬‬

‫ت�شجيع فر�سان الدولة‬

‫قالت دي��دري هايد م�س�ؤولة ق�سم التوليد‬ ‫يف �إ�سطبالت ور�سان يف حديثها بامل�ؤمتر‬ ‫ال�صحفي �إنّ مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان‬ ‫بن زايد للفرو�سية يعد من �أهم املهرجانات‬ ‫يف العامل‪ ،‬حيث ي�شجع فر�سان الدولة ودول‬ ‫جمل�س التعاون اخلليجي على امل�شاركة‬ ‫يف فعالياته‪ ،‬وق��ال جوهان فالبريغ مدير‬ ‫�أكادميية بوذيب للفرو�سية �إن للمهرجان‬ ‫�سمعة داخ��ل وخ��ارج ال��دول��ة نظر ًا حلجم‬ ‫امل�شاركات املحلية واخلليجية والغربية فيه‪،‬‬ ‫حيث ي�ستمتع اجلمهور بعدد من امل�سابقات‬ ‫واال�ستعرا�ضات املميزة للخيول العربية على‬ ‫وقع املو�سيقى‪� ،‬إ�ضافة �إىل م�سابقات خا�صة‬ ‫باجلمهور الختيار �أف�ضل خيل‬


‫‪26‬‬

‫روزنة‬

‫روزنة‬

‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫المالبسالتراثية‬ ‫�أطل‬

‫�رسور خليفة الكعبي‬ ‫باحث من الإمارات‬

‫عليكم اليوم جالب ًا لكم اجلميل من ث �ـ �ـ �ـ �ـ��وب �ـ��ي ات� �ك� �ـ� �ـ� �ـ� �ـ ��در �� �س� �ـ� �ـ� �ـ ��واده‬ ‫ال�تراث الإم��ارات��ي‪ ،‬ونحن ال نزال‬ ‫وح� �ـ� �ن� �ـ� �ـ� �ـ� ��أي� �ـ� �ـ ��ة ب �ـ �خ �ـ �ـ �� �س �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��ره‬

‫نعي�ش فرحة اليوم الوطني الواحد والأربعني‬ ‫لقيام دولتنا احلبيبة على يد املغفور له ب�إذن‬ ‫اهلل تعاىل‪ ،‬وال��دن��ا ال��راح��ل ال�شيخ زاي��د بن‬ ‫�سلطان �آل نهيان – طيب اهلل ث ��راه‪ ،‬ويف‬ ‫ه��ذه االلتفاتة �إىل املا�ضي العريق ن�ستذكر‬ ‫مع ًا �أجمل امل�سميات التي عبقت بها حياة‬ ‫الآب��اء والأج��داد لكل ما تعاملوا به يف حميط‬ ‫معي�شتهم ال�سابقة‪ ،‬ففي تلك احلياة اعتمدوا‬ ‫على �أنف�سهم يف كل �شيء‪ ،‬فلم تكن اخلادمات‬ ‫يف كل بيت‪ ،‬وكان اجلميع يعمل بكد واجتهاد‬ ‫لتوفري احل�ي��اة الكرمية لأ��س��رت��ه‪ ،‬ومل تكن‬ ‫الن�ساء يف من�أى عن ذلك التعب وتلك امل�شقة‪.‬‬ ‫تلك احلياة التي و�أنا �أكتب عنها ف�إن ال�شوق‬ ‫لها ال ي�ضاهيه �شوق‪ ،‬فتلك الأيام ال ميكن �أن‬ ‫تعود‪ ،‬وحتى و�إن حاولنا جتربتها يف بيئات‬ ‫تقارب البيئة الإماراتية يف ال�سابق‪ ،‬ف�إننا لن‬ ‫ن�ستطيع الت�أقلم معها‪ ،‬فقد ج��رب بع�ضهم‬ ‫ممن �أعرف العي�ش يف بع�ض الأماكن التي مل‬ ‫حتظ بعد بالرقي الذي نعي�شه‪ ،‬وال تزال تقبع‬ ‫حتت االفتقار لكل �شيء‪� ،‬إال �أنهم مل يتمكنوا‬ ‫من ذلك �أو مل ي�ستطيعوا التمتع بحالة ال�شظف‬ ‫التي حاولوا �إعادة جتربتها يف حياتهم‪.‬‬ ‫ومن ذلك الزمن اجلميل تقبع يف ذاكرتي تلك‬ ‫امل��ر�أة التي كانت حتيك ثوب ًا يف يديها وهي‬ ‫تردد �أهزوجة تراثية تبيح من خاللها وجدها‬ ‫على �شريكها‪ ،‬وت�سلي بها قلبها‪ ،‬فحفرت يف‬ ‫الذاكرة حتى الآن تلك الكلمات اجلميلة التي‬ ‫تقول فيها‪:‬‬

‫ولقد اخرتت امل�سميات الرتاثية لكل مكونات‬ ‫املجتمع الإم��ارات��ي يف ال�سابق ليكون حمور‬ ‫حديثي معكم‪ ،‬فالقارئ بال �شك �سيعرف �أن‬ ‫هنالك العديد من الأ�شياء يف البيئة املحيطة‬ ‫ب��ه ال يعرف م��ا ك��ان يطلق عليها �آب��ا�ؤن��ا يف‬ ‫ال�سابق‪ ،‬ولعل هذه امل�سميات تنطلق بنا �إىل‬ ‫�آف��اق لهجتنا اجلميلة لتكون حافز ًا لنا لكي‬ ‫نحافظ عليها من االندثار وراء �ستار التمدن‪،‬‬ ‫املتنكر ل �ل�تراث‪ ،‬كما جن��د يف �أي��ام�ن��ا ه��ذه‪،‬‬ ‫ف�أ�صبح الرتاث غريب ًا على �أر�ضه وبني �أهله‪.‬‬

‫م�سميات الألب�سة‬

‫لقد ك��ان��ت الألب�سة يف امل��ا��ض��ي حت��اك كما‬ ‫�أ�سلفت يف �أول املقال على �أيدي الن�ساء‪ ،‬فهن‬ ‫من يقوم باحلياكة وال�صبغ و�إ�صالح ما يف�سد‬ ‫منها‪ ،‬فلي�س كل ما يف�سد يرمى كما هو احلال‬ ‫اليوم‪ ،‬فقد يكاد الرجل ال ميلك �سوى ثوبني يف‬ ‫ال�سنة كاملة ال يكاد �أحدهما يفارق ج�سده �إال‬ ‫نادر ًا‪ ،‬فيما يحتفظ بالآخر للمنا�سبات املهمة‬ ‫جد ًا‪ ،‬لذا ف�إن الثياب كانت ب�سيطة جد ًا وتتكون‬ ‫من الغرتة‪ ،‬وهي قطعة مربعة بقيا�س مرت يف‬ ‫م�تر‪ ،‬وت�ك��ون �أو ًال بي�ضاء تتحول �إىل اللون‬ ‫الأ�صفر تدريجي ًا ب�سبب القدم‪ ،‬وتقوم الن�ساء‬ ‫يف نهاية الأمر ب�صبغها لتتحول �إىل الأ�صفر‬ ‫القاين با�ستخدام الكركم‪ ،‬وعادة تكون مطوية‬ ‫على الر�أ�س وت�سمى ع�صامة �أو عمامة‪ ،‬ويلب�س‬ ‫عليها العقال القدمي ال��ذي ي�سمى "خزام"‪،‬‬ ‫ب �� �س �ـ �ـ �ـ ��أل �ـ �ـ��ج ي �ـ �ـ �ـ��ا ال �ك �ـ �ن �ـ �ـ �ـ �ـ��دورة‬ ‫وهو عبارة عن حبل من �صوف املاعز تكون يف‬ ‫م � �ـ � �ـ� ��ن خ� �ـ� �ـ� �ـ� �ـ� �ـ� �ـ� �ـ ��اط وم � �ـ � �ـ� ��ن درز نهايته �سل�سلة حديد �صغرية‪� ،‬أما الكندورة‪،‬‬ ‫ق� �ـ� �ـ� �ـ ��ال ��ت ح �ـ �ـ �� �س �ـ�ي�ن ال� �ـ� ��� �ص� �ـ ��ورة‬ ‫وهي ما ي�سمى بالكندورة العمانية ويكون لها‬ ‫متدل على ال�صدر‪ ،‬وتكون‬ ‫ل � �ـ � �ـ ��ي ف� �ـ� �ـ� �ـ ��ي ال� ��راي � �ـ � �ـ � �ـ� ��ح ب �ـ �ـ �ـ �ـ �ـ��رز طربو�ش �صغري ٍ‬ ‫وب �ـ �� �س �ـ �ـ �ـ ��أل �ـ �ك��م ي �ـ��ا ال �ط �ـ �ـ � ّري �� �ش �ـ �ـ��ة‬ ‫�أزراره� ��ا وال�ت��ي ت�سمى حملي ًا «عقم للجمع‬ ‫�� �ش� �ـ� �ـ ��وف� �ـ ��وا �� �ش� �ـ� �ـ ��و ال � �ل � �ـ� ��ي ح� � ّي� �ـ ��ره وعقمة للواحدة �أو معقمة وت�سمى يف اجلمع‬


‫معاجم» م�صنوعة من اخليوط التي حتيكها‬ ‫الن�ساء على �شكل كرة دائرية ت�شبك مع خيط‬ ‫يف الطرف الآخر من الثوب‪ ،‬و�أخ�ير ًا الإزار‪،‬‬ ‫وهو قطعة مربعة بقيا�س مرتين تقريب ًا‪ ،‬وغالب ًا‬ ‫ما يكون ملون ًا ب�ألوان زاهية ويكون تقريب ًا مرت ًا‬ ‫ون�صف �إىل مرتين يلف على اخل�صر حتت‬ ‫الكندورة‪.‬‬ ‫�أما مالب�س الأطفال فهي ب�سيطة للغاية‪ ،‬فعلى‬ ‫الر�أ�س تلب�س العقاطة وهي الكوفية كما يطلق‬ ‫عليها �إخواننا ال�شوام‪ ،‬و�أحيان ًا يلف الر�أ�س‬ ‫بغرتة ال��وال��د لكي يحمي الطفل م��ن ال�برد‬ ‫ال�شديد خوف ًا من �أن يدخل الهواء البارد �إىل‬ ‫الأذن�ي�ن في�سبب التهابهما ومر�ض الطفل‪،‬‬ ‫وتقوم الن�ساء �أحيان ًا بحياكة العقاطة لت�صبح‬ ‫خ��وذة تتدىل على جانبيها قطعتان لتغطية‬ ‫الأذنني ميكن ربطهما �أ�سفل الذقن‪ ،‬والطفل‬ ‫يف منذ �أيامه الأوىل حتاك له كندورة يف حجمه‬ ‫�سواء بنت ًا �أم ولد ًا‪ ،‬ثم يلف بقطعة قما�ش تختلف‬ ‫�سماكتها باختالف الطق�س‪ ،‬ففي ال�شتاء تكون‬ ‫من �صوف‪ ،‬بينما يكتفى بقطعة قما�ش قطنية‬ ‫يف ال�صيف‪ ،‬ويلف بها كامل ج�سده ت�سمى‬ ‫«قماط»‪ ،‬ثم يربط بحبل من القما�ش ي�سمى‬ ‫حبل القماط �أو «احلباجه‪ -‬احلباكة» والكاف‬ ‫هنا م�شن�شنة‪ ،‬كما تلف قطعة قما�ش �أخرى‬ ‫بحجم ر�أ���س الطفل وتو�ضع له حتت ر�أ�سه‬ ‫عندما ينام‪ ،‬وت�شبه ع�ش احلمامة‪ ،‬وهي لكي‬ ‫ت�سهم يف تدويرة الر�أ�س للطفل‪ ،‬وع��ادة ما‬ ‫يربط ناب ذئب يف القماط والذي ينتقل بعد‬ ‫�أن يكرب الطفل قلي ًال لي�صبح قالدة يف عنقه‪،‬‬ ‫وذلك لالعتقاد ب�أن اجلن يخاف من الذئب‬ ‫فال يقرب الطفل طاملا كان الناب معلق ًا به‪.‬‬ ‫�أما مالب�س املر�أة وم�سمياتها فهي �أكرث قلي ًال‪،‬‬ ‫وذلك حلر�ص املر�أة العربية امل�سلمة على �سرت‬ ‫ج�سدها ومفاتنها عن الغرباء كما يحتمه عليها‬ ‫دينها‪ ،‬وتتكون من ال�شيلة وهي قطعة قطنية‬ ‫غالب ًا‪ ،‬وت�سمى �شيلة «الو�سمة» وجتلب من‬

‫الهند‪ ،���وغالب ًا ما تكون �سوداء بقيا�س مرتين‬ ‫�إىل مرتين ون�صف‪ ،‬وميكن للمر�أة تغطية‬ ‫كامل ج�سدها بها كما تقوم بلف ج�سدها‬ ‫بها يف ال�صالة‪ ،‬ثم ي�أتي الربقع‪ ،‬وهي قطعة‬ ‫قما�ش خا�صة ذهبية تتحول بفعل الزمن �إىل‬ ‫اللون الأ��س��ود‪ ،‬وتبطن بقطعة قما�ش فاحتة‬ ‫وحت��اك معها‪ ،‬ولها فتحات للعينني وتغطي‬ ‫اجلبهة والفم حتى بداية الذقن وتربط بخيط‬ ‫يحاك �أعلى الربقع ي�سمى «ال�شبق» ويربط‬ ‫ح��ول ال��ر�أ���س‪ ،‬فيما تو�ضع قطعة خ�سبية يف‬ ‫مقدمته على الأن��ف ت�سمى «الق�ضاب» وهي‬ ‫لإبقاء الربقع منت�صب ًا على الأن��ف‪ ،‬ومن ثم‬ ‫الكندورة التي ت�سرت كامل اجل�سد وغالب ًا ما‬ ‫تكون قطنية �سميكة غري �شفافه‪ ،‬و�أ�شهر �أنواع‬ ‫الكنادير هي «�أم تيلة‪ ،‬امليزع‪� ،‬أم طوير‪ ،‬و�أم‬ ‫قليم والفولك»‪ ،‬وي�أتي فوقها الثوب وهو قطعة‬ ‫قما�ش �أخرى خفيفه جد ًا ت�شف عن الكندورة‪،‬‬ ‫ومن ثم العباءة التي ت�أتي فوق كل ذلك‪ ،‬وهي‬ ‫قطعة �سوداء �سميكة ل�سرت كامل ج�سد املر�أة‬ ‫وتو�ضع على الر�أ�س ولي�س الكتف كما هو اليوم‪،‬‬ ‫والثوب والعباءة تلب�س خارج املنزل عند خروج‬ ‫املر�أة لأي �سبب حتى و�إن كان لبيت جارتها‪،‬‬ ‫وتلب�س امل��ر�أة «ال�صروال» وهو بنطال مب�سمى‬ ‫الع�صر يربط بحبل يحاك فيه يف منطقة‬ ‫اخل�صر ي�سمى «احلباجة – احلباكة» بالكاف‬ ‫امل�شن�شنة‪ ،‬وعند ال�ساق حتاك فيه ر�سومات‬ ‫من خيوط و�أحيان ًا ما ي�سمى بالزري وت�سمى‬ ‫هذه املنطقة من ال�صروال «بالبادلة»‪.‬‬ ‫ما ال يجوز يف طريقة اللب�س‬ ‫يعاب على الإن���س��ان يف ال�سابق الكثري من‬ ‫الت�صرفات وط��رق لب�س املالب�س والتي و�إن‬ ‫فعلها املرء كانت م�سبة له‪ ،‬ويف �سن ال�شباب �أو‬ ‫الطفولة يتم معاقبة مرتكبها من قبل والديه‪،‬‬ ‫يف حني ي�شمئز املجتمع من البالغني الذين‬ ‫يقومون بهذه الت�صرفات‪ ،‬فالرجل ال ي�ستطيع‬ ‫�أن يجل�س يف جمال�س ال��رج��ال ب��دون غطاء‬

‫الر�أ�س «الغرتة»‪ ،‬كما ال ي�ستطيع �أن مي�شي �أو‬ ‫يجال�س الرجال و�أزرار ثوبه غري حمكمة‪ ،‬الأمر‬ ‫الذي ي�سمى «�أدل��ع»‪ ،‬وهو �أمر يكرهه املجتمع‬ ‫وميج فاعله‪ ،‬يف حني يكون الرجل الذي يلب�س‬ ‫العقال مائ ًال على ر�أ��س��ه ب�أنه عالمة لعدم‬ ‫االتزان ومعاك�سة الن�ساء‪ ،‬وكذلك من ي�سحب‬ ‫طرف �إزاره الذي يجعله ب��ارز ًا من الكندورة‬ ‫وي�سمى «ال�شاخط» لأنه يخط يف الأر�ض عند‬ ‫م�شيه وير�سم خطوط ًا ت�سمى باللغة املحلية‬ ‫«�شخوط وهي جمع �شخط وفاعلها �شاخط»‪،‬‬ ‫يف حني ال يعاب على الرجل لب�س املرقع من‬ ‫الثياب لقلة حيلته وع��دم متكنه م��ن �شراء‬ ‫�أثواب جديدة‪ ،‬كما �أن ذلك ال ينق�صه يف �أعني‬ ‫الرجال فكان املحك دائم ًا الفعل ولي�س ال�شكل‪.‬‬ ‫�أما الن�ساء فال ي�سمح لهن ب�إخراج �أي جزء‬ ‫م��ن �أج���س��اده��ن مهما ك��ان ب�سيط ًا‪ ،‬كذلك‬ ‫�شعر الر�أ�س �أو لب�س اخلالخيل التي ت�صدر‬ ‫الأ�صوات عند امل�شي‪ ،‬وهي عالمة �سيئة جد ًا‬ ‫يف املجتمع‪ ،‬كما ال ي�سمح للمر�أة بعد زواجها �أن‬ ‫مت�شي مك�شوفة الوجه ومن دون برقع‪ ،‬يف حني‬ ‫ت�ستطيع الن�ساء عدم لب�س العباءة فقط عند‬ ‫امل�شاركة يف الأعمال ال�شاقة مل�ساعدة الرجل‬ ‫كحراثة الأر�ض �أو جني املحا�صيل‪ ،‬ولكنها ال‬ ‫تتخلى �أبد ًا عن ال�شيلة التي تلفها حولها ل�سرت‬ ‫ج�سدها طوال الوقت‪.‬‬ ‫�إن املا�ضي الإم��ارات��ي جميل بكل تفا�صيلة‪ ،‬وال‬ ‫ميكن الإحاطة به بهذه العجالة‪ ،‬ولكنني �أر�سم يف‬ ‫خميلتكم ال�صورة التي كان عليها الآباء‪ ،‬لنعي�ش‬ ‫معهم يف زاوي��ة من الزمن ال��ذي ن�ستعيده معا‬ ‫لنقول �إن تراثنا هو رمز �أ�صالتنا‪ ،‬وجذور تقاليدنا‬ ‫التي ن�ستمر بالعي�ش وفقها رغم التطور والتقدم‬ ‫احل�ضاري‪ ،‬فمن لي�س له ما�ض لي�س له حا�ضر‬ ‫وال م�ستقبل‪ ،‬ويف اللقاء القادم �س�أحتدث لكم عن‬ ‫الزينة و�أدواتها يف ال�سابق وا�ستخداماتها‪ ،‬ف�إىل‬ ‫ذلك القاء �أ�ستودعكم اهلل‬


‫المرصد‬ ‫‪28‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫اختتم فعالياته على �ضجيج ال�صراعات ال�سيا�سية‬

‫معرض القاهرة‬ ‫الدولي للكتاب الـ‪44‬‬

‫ثقافة وفن وسياسة بطعم غياب الجمهور‬ ‫القاهرة‪� -‬صفاء البيلي‬ ‫على الرغم من الظروف ال�سيا�سية الع�صيبة التي تعي�شها م�صر‪ ،‬وعلى الرغم من‬ ‫التوتر الذي �ألقى بظالله على كل �أرجاء احلياة‪� ،‬إال �أن وزارة الثقافة امل�صرية �أ�صرت‬ ‫على تفعيل ال��دورة الـ‪ 44‬ملعر�ض القاهرة ال��دويل للكتاب الذي يقام كل عام يف �أر�ض‬ ‫املعار�ض مبدينة ن�صر‪.‬‬


‫جولة مت�أنية خالل دورة املعر�ض هذا العام‪،‬‬ ‫ت�شي بتغري احل���ال‪ ،‬وت �ن��ذر بغياب البهجة‬ ‫الثقافية والفكرية التي كان معر�ض �أبوظبي‬ ‫الدويل للكتاب �أحد �أبرز �صناعها العرب على‬ ‫مدار �أكرث من �أربعني عام ًا‪.‬‬ ‫ف�ق��د ت��راج��ع اجل �م �ه��ور‪ ،‬ال ��ذي ي�ع��د �أ��س��ا���س‬ ‫البهجة‪ ،‬فتكاد ال ترى فعالية واح��دة حظيت‬ ‫بح�ضور ي�شبه ح�ضور الأع��وام املا�ضية‪ ،‬حتى‬ ‫تلك الفعاليات التي كانت ت�ست�ضيف امل�شاهري‬ ‫من �أهل الفن �أو رموز ال�سيا�سة والإعالم‪ ،‬فلم‬ ‫حتظ �سوى بح�ضور �ضئيل‪.‬‬ ‫بيد �أن الفئة التي �أ�صرت على احل�ضور جنحت‬ ‫يف �إع�ل�ان مت�سكها ب ��أه��داب الأم��ل انتظار ًا‬ ‫لعودة ال��روح �إىل اجل�سد الذي �شغلته – �إىل‬ ‫حني‪ -‬بع�ض الأح��وال امللتب�سة ليبقى الرهان‬ ‫على الثقافة كمكون �أ�صيل ي�ستعيد ال�شعوب من‬ ‫غياباتها امل�ؤقتة‪« .‬تراث» جتولت بني فعاليات‬ ‫املعر�ض املختلفة لتنقل جانب ًا �أمين ًا منها‬ ‫للقارئ العربي هنا وهناك‪.‬‬

‫الوجه الثقافى لل�صراع ال�سيا�سى‬

‫كثريون من جمهور املعر�ض مل ي�صدقوا �أنهم‬ ‫�سيلتقون ب�صناع فيلم «ك��ف القمر» يف ظل‬ ‫الظروف ال�سيا�سية الع�صيبة التي متر بها‬ ‫البالد‪ ،‬و�سيطرة ف�صائل الإ�سالم ال�سيا�سي‬ ‫على امل�شهد‪� ،‬إال �أن خميم الفنون ا�ست�ضاف‬ ‫جنوم و�صناع الفيلم يف لقاء ح�ضره املخرج‬ ‫خالد يو�سف والفنان �صربي ف��واز‪ ،‬و�أداره‬ ‫حميي عبد احلي امل�شرف العام على الن�شاط‬ ‫الفني باملعر�ض‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ا�ستهل خالد يو�سف حديثه قائال‪ :‬هي م�صادفة‬ ‫�أن نناق�ش اليوم فيلم «كف القمر» لأنه يعرب‬ ‫عن الظروف الراهنة التي منر بها‪ ،‬فتيمته‬ ‫ال��درام�ي��ة ه��ي «ال��وح��دة» بكل معانيها �سواء‬ ‫التجمع �أو ال�شعور باالنفراد والعزلة‪ ،‬وتدور‬ ‫الق�صة حول جتمع الأخوة يف كف واحد �إال �أن‬ ‫ا�ستبداد �أحدهم بالر�أي ورغبته يف �أن يطيعه‬ ‫الآخرون �أدى �إىل الفرقة وهدم البيت و�سرقته‬ ‫كما جرت الأحداث‪.‬‬ ‫وخالل الندوة اعرتف يو�سف جلمهوره قائ ًال‪:‬‬ ‫«لقد �أخط�أت طوال العامني املا�ضيني عندما‬

‫ظننت �أن ما ي��دور يف م�صر �صراع �سيا�سي‪،‬‬ ‫و�أكت�شف الآن �أننا ب�صدد �صراع ثقايف �شر�س‪،‬‬ ‫و أ�ك��د �أن احل��وار هو الطريق ال�صحيح الذي‬ ‫يجب �أن ن�سلكه حتى ال تتمكن قوى الرجعية‬ ‫من �أن حتكم م�ستقبل �أوالدنا‪ .‬و�أ�ضاف‪� :‬إال �أننا‬ ‫رغم ال�صراع يجب �أن ال نن�سى �أن ه��ؤالء ‪-‬‬ ‫رغم اختالفنا معهم – هم �أ�شقا�ؤنا يف الوطن‪.‬‬

‫ان�سحاب الدراما امل�صرية‬

‫�سطت �أزم��ة الدراما امل�صرية على م�ساحة‬ ‫كبرية من اهتمام النقاد واملفكرين وازدادت‬

‫نظم المعرض ندوة‬ ‫لمناقشة حلول سريعة‬ ‫إلنقاذ االقتصاد المصري‬ ‫شارك فيها خبراء اقتصاد‬ ‫وأحياها شاعر العامية‬ ‫جمال بخيت بقصيدة‬ ‫في رثاء الجنيه‬

‫�أهميتها مع غزو الدراما الرتكية لل�شا�شات‬ ‫العربية‪ ،‬من هذا املنطلق نظم املعر�ض ندوة‬ ‫بعنوان «الدراما التاريخية والثورة» �شارك‬ ‫فيها كل من الدكتور مدحت اجليار والدكتور‬ ‫خلف عبد العظيم املريي‪.‬‬ ‫ق��ال امل�يري �إن ال��درام��ا امل�صرية ج��زء من‬ ‫م�صر‪ ،‬وم�صر كلها يف �أزمة‪ ،‬والقوة احلقيقية‬ ‫الباقية مل�صر الآن هي ر�صيدها الثقايف‪ ،‬و�إنها‬ ‫م��ر�آة الواقع‪ ،‬م�ضيف ًا �أن قلي ًال من الأعمال‬ ‫الدرامية امل�صرية هي التي جنحت يف ر�صد‬ ‫الواقع امل�صري يف �إط��ار �إب��داع��ي‪ ،‬رغ��م �أن‬ ‫املنجزات امل�صرية يف الثورة مث ًال ت�ستحق‬ ‫�أعما ًال درامية تعرب عنها بينما املوجود حالي ًا‬ ‫�أعمال متنافرة وفردية‪.‬‬ ‫وعن ت�أريخ ث��ورة يناير ق��ال‪� :‬إن هذه الثورة‬ ‫التي قام بها ال�شباب الطاهر املخل�ص امل�ؤمن‬ ‫بوطنه ال ميكن ت�أريخها‪ ،‬لأن الثورة من وجهة‬ ‫نظره مل حتقق �أهدافها بعد‪.‬‬


‫المرصد‬ ‫‪30‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ندوة حول ق�ضايا الرتجمة �ضمن فعاليات املعر�ض‬

‫ال�شعر ينعي اجلنيه امل�صري‬

‫نظم املعر�ض ن��دوة ملناق�شة حلول �سريعة‬ ‫لإنقاذ االقت�صاد امل�صري‪ ،‬يف ظل الظروف‬ ‫الراهنة‪ .‬خ�لال الندوة �أو�ضحت الدكتورة‬ ‫�سلوى ال�ع�ن�تري‪ ،‬م��دي��رع��ام قطاع البحوث‬ ‫بالبنك الأه �ل��ي ��س��اب�ق� ًا‪� ،‬أن �أزم ��ة اجلنية‬ ‫امل �� �ص��ري حت �ت��دم ع�ن��دم��ا تنخف�ض ال�ق��وى‬ ‫ال�شرائية له‪ ،‬وعندما يتم فقدان الثقة بالعملة‬ ‫الوطنية‪ ،‬وهذا يتحقق عندما يحدث ت�آكل يف‬ ‫القيمة ال�شرائية للجنيه‪ ،‬ويرتاجع �سعر �صرفه‬ ‫بحيث تنخف�ض قيمته �أمام العمالت الأخرى‪،‬‬ ‫وقتها نكون �أمام �أزمة حقيقية‪ ،‬وعندها يلج�أ‬ ‫املواطنون �إىل ا�ستخدام عملة �أخ��رى‪ .‬وقال‬ ‫الدكتور �إبراهيم العي�سوي �أ�ستاذ االقت�صاد‬ ‫مبعهد التخطيط القومي‪� ،‬إن اجلنيه يواجه‬ ‫�أزم �ت�ين‪ ،‬هما انخفا�ض قيمته اخلارجية‪،‬‬ ‫و�أزمة انخفا�ض قوته ال�شرائية بالداخل‪� ،‬أي‬ ‫�أن الأزمة مزدوجة‪.‬‬ ‫�أم��ا �شاعر العامية امل�صري جمال بخيت‬ ‫فقال‪� :‬إن �أزم��ة اجلنيه ب��د�أت ب�شكل عنيف‬ ‫عندما ح��اول��ت م�صر اخل��روج م��ن م�شروع‬ ‫الهيمنة الغربية‪ ،‬ف�ضرب الغرب حماولتها‬ ‫للتنمية الذاتية من خالل حرب ‪ ،67‬و�أ�ضاف‪:‬‬ ‫عندما حققنا االنت�صار يف‪ 73‬فوجئنا ب�أن‬

‫مناقشات المعرض‬ ‫تقيم أثر الثورة على‬ ‫الفن خصوص ًا الغناء‬ ‫وترى أنها نجحت في طرد‬ ‫كل األغنيات الخليعة‬ ‫ونبذت أنصاف الفنانين‬ ‫من ميدان التحرير‬ ‫‪ % 99‬من �أوراق احلل االقت�صادي يف �أيدي‬ ‫�أمريكا��� ،‬و�أ�صبحت م�صر بال �إرادة وتابعة‬ ‫لأمريكا‪ ،‬وك��ان املطلوب منها �أن تعي�ش يف‬ ‫حالة من املر�ض الدائم‪ ،‬ال متوت وال تقوى‬ ‫وال متار�س دوره��ا‪ .‬و�أ��ض��اف‪ ،‬ما زلنا منلك‬ ‫فقط ق��وة م�صر الناعمة يف عمل الأف�لام‬ ‫وامل�سل�سالت‪ ،‬وهذا م�سموح لنا به‪ ،‬ولكن غري‬ ‫م�سموح لنا �أن يكون لدينا علم �أو اخرتاع �أو‬

‫ندوة تؤكد أن الدين أكثر‬ ‫عمق ًا في المنطقة‬ ‫العربية ألنها منبع‬ ‫األديان السماوية الثالثة‬ ‫بكل تجليات الشبكة‬ ‫الحضارية لهذا الموروث‬ ‫الروحي‬

‫�صناعة �أو زراعة كل هذا مت تدمريه يف العهود‬ ‫ال�سابقة‪.‬‬ ‫وق��ال‪ :‬يف نهاية ال�سبعينيات كتبت ق�صيدة‬ ‫�سببها �إ� �ص��دار ق��رار ب���ش��أن دف��ع ج��زء من‬ ‫اجلمارك على ال�سلع امل�ستوردة بالدوالر‪ ،‬ما‬ ‫�أدى �إىل زيادة الطلب على ال��دوالر‪ ،‬وت�سبب‬ ‫يف زيادة �سعره لي�صل �إىل ‪ 80‬قر�ش ًا وقتها‪.‬‬ ‫الق�صيدة التي كتبها جمال بخيت حملت‬ ‫ع �ن��وان «م ��ات اجل�ن�ي��ه» وه��ي رث ��اء للجنيه‬ ‫امل�صري‪ ،‬يقول فيها‪:‬‬ ‫«مات اجلنيه‬ ‫و�ألف رحمة ونور عليه‬ ‫فقيد بنوك القاهرة‬ ‫�أخو ريال‬ ‫والد دراهم والربايز وال�شلن‬ ‫وجد فل�س‬ ‫ون�سيب لعائلة الدينار‬ ‫التحقيقات فــ املركزي بتقول‬ ‫دي موتة ربنا‬ ‫وال�شائعات بتقول‪ :‬غلط‬ ‫دا انتحار‬ ‫الأمر جد ما في�ش هزار‬ ‫مات اجلنيه‬ ‫و�ألف رحمة ونور عليه»‬


‫ال�شعر واالقت�صاد يف ندوة حول الو�ضع االقت�صادي يف م�رص‬

‫حتية حللمي �سامل‬

‫حتت حم��ور «رم��وز م�صرية»‪� ،‬أحيا املقهى‬ ‫الثقايف ذكرى ال�شاعر الراحل الكبري حلمي‬ ‫�سامل‪ ،‬وقال الناقد �شعبان يو�سف �إن حلمي‬ ‫مل ي�ك��ن جم ��رد �شخ�ص ع��اب��ر يف احل�ي��اة‬ ‫الثقافية بل كان ا�سم ًا را�سخ ًا وجمدد ًا مقرتن ًا‬ ‫باملغامرة كا�سر ًا للتقليدية‪ ،‬كما كان �صاحب‬ ‫م�شروع �شعري حقيقي حر�ص على التد�شني‬ ‫له منذ بداياته فهو من جيل �صاحب جتربة‬ ‫�شعرية جديدة تريد �أن تكت�سب �أر�ضية وا�سعة‬ ‫على ال�ساحة‪.‬‬

‫�سعيد ال��ك��ف��راوي‪ ..‬ول��ق��اء من‬ ‫القلب‬

‫كما نظم املقهى لقا ًء مفتوح ًا مع الكاتب‬ ‫الكبري �سعيد الكفراوي �شارك فيه اجلمهور‬ ‫وعدد من الأدباء واملثقفني‪ .‬حتدث الكفراوي‬ ‫عن جتربته وجذوره‪ ،‬وقال �إن القرية ال تزال‬ ‫متثل له البداية والنهاية‪ ،‬فهي التي طرحت‬ ‫عليه ك��ل الأ�سئلة ال�ت��ي ات�ك��أ عليها ليكتب‬ ‫ق�ص�صه‪ .‬كما حتدث عن جتربته يف ال�سجن‬ ‫التي حكاها لنجيب حمفوظ فن�صحه �أن‬ ‫ي�ن��زع ه��ذه ال �ف�ترة م��ن حياته ليقوى على‬ ‫امل �ت��اب �ع��ة‪ ،‬وب �ع��د �أن ك�ت��ب حم �ف��وظ رواي �ت��ه‬ ‫ال�شهرية «الكرنك» قال له «يا كفراوي �أنت‬

‫ا�سماعيل ال�شيخ يف الكرنك»‪.‬‬ ‫وقد بد�أت �شخ�صية الكفراوي الأدبية تتبلور‬ ‫منذ �أواخ��ر ال�ستينيات فحر�ص على تدوين‬ ‫طقو�س امل��وت وامل �ي�لاد والطفولة واحلنني‬ ‫وع�لاق��ة ال�ف�لاح ب�أر�ضه وحيوانه وعالقته‬ ‫باملدينة حني ينزح �إليها‪ ،‬و�أك��د �أنه بالرغم‬ ‫من ع�شقه للق�ص واحلكاية �إال �أنه دوم ًا ما‬ ‫ي�صطدم بحقيقة �أن الواقع قبل كتابته يكون‬ ‫�أغنى بكثري منه يف الكتابة‪.‬‬

‫و�أ�سهب يف احلديث عن كتابه اجلديد الذي‬ ‫يحمل عنوان «هل قر�أنا ال�ق��ر�آن؟»‪ ،‬وتطرق‬ ‫�إىل تاريخ م�صر القدمي‪ ،‬و�صفق له احل�ضور‬ ‫حني �أكد على م�صريته التي �أراد �أحدهم �أن‬ ‫ينتزعها عنه!‬ ‫وقال ال�صديق �إن �أحدث م�ؤلفاته «هل قر�أنا‬ ‫القر�آن �أم �أن على القلوب �أقفالها» يحر�ض‬ ‫على ق ��راءة ال �ق��ران جم ��دد ًا‪ ،‬فهو ي��رى �أن‬ ‫ال �ق��ر�آن فكر‪ ،‬وك��ل م��ا مت م��ن ال�سلطة كان‬ ‫يهدف �إىل حما�صرة القر�آن والرتاث‪.‬‬

‫ي��و���س��ف ال�����ص��دي��ق‪« :‬ه���ل ق��ر�أن��ا‬ ‫القر�آن»؟‬

‫�شهادات عن الرواية الليبية‬

‫يف ل�ق��ائ��ه بجمهور امل�ع��ر���ض داف ��ع �أ��س�ت��اذ‬ ‫الفل�سفة والأن�ثرب��ول��وج �ي��ا بفرن�سا املفكر‬ ‫التون�سي الكبري الدكتور يو�سف ال�صديق‬ ‫عن عقل �إ�سالمي لي�س من املنطقي تعطيله‪،‬‬

‫المعرض ناقش‬ ‫مزايا وعيوب النشر‬ ‫اإللكتروني واستعرض‬ ‫عدد ًا من الحلول‬ ‫المقترحة للسرقات‬ ‫األدبية وأزمة حقوق‬ ‫الملكية الفكرية على‬ ‫اإلنترنت‬

‫قدم جناح ليبيا ‪� -‬ضيفة �شرف املعر�ض‪-‬‬ ‫ن��دوة بعنوان �شهادات عن ال��رواي��ة الليبية‬ ‫حت��دث فيها ك��ل م��ن ال��روائ��ي �أح�م��د ن�صر‬ ‫وال�ن��اق��دي��ن حممد امل��ال�ك��ي وع�ب��د احلكيم‬ ‫املالكي وختمت مبداخالت ثرية من اجلمهور‬ ‫الليبي وامل�صري‪.‬‬ ‫�أدار الندوة الناقد حممد املالكي الذي حتدث‬ ‫عن �أهمية درا�سة الن�صو�ص الروائية درا�سة‬ ‫علمية وفنية عميقة‪ ،‬ث��م ا�ستعر�ض من��اذج‬ ‫و�أمثلة من جمموع روايات ليبية تطبق درا�سات‬ ‫تتحدث عن املنهج النقدي يف درا�سة الرواية‪.‬‬ ‫وعاب املالكي ترفع بع�ض النقاد عن العمل‬ ‫يف ال�سرديات لأنهم مل يعودوا معنيني بالن�ص‬


‫المرصد‬ ‫‪32‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫الفني‪ .‬قال �أبو طالب �إن الثورة كان لها ت�أثري‬ ‫قوي على الفن خ�صو�ص ًا الغناء فا�ستطاعت‬ ‫م��ن داخ ��ل م �ي��دان ال�ت�ح��ري��ر �أن ت �ط��رد كل‬ ‫الأغنيات اخلليعة وتنبذ �أن�صاف الفنانني‬ ‫وع��ادت من جديد �أغنيات عبد احلليم و�أم‬ ‫كلثوم و�سيد دروي ����ش‪ ،‬لأن م�صر ت�ستعيد‬ ‫جمدها‪ ،‬وال بد �أن تكون الأغ��اين على نف�س‬ ‫م�ستوى احل��دث‪ ..‬وكما كان للثورة ت�أثريها‬ ‫على الغناء �سيكون لها ت�أثريها �أي�ض ًا على‬ ‫الدراما بعد فرتة ومع ا�ستقرار الأو�ضاع‪.‬‬

‫تكرمي الفنانني‬

‫�سعيد الكفراوي يف �ضيافة املقهى الفكري‬

‫الداخلي و�إمن��ا يهتمون بالن�ص اخلارجي‬ ‫الذي ي�شبه نظريات التلقي‪ ،‬كما �أ�ضاف �أن‬ ‫هناك مداخل علمية لكل ن�ص‪ ،‬وهناك �أ�سماء‬ ‫كثرية من فرن�سا تناق�ش وتقدم �أ�سئلة‪ ،‬كما �أن‬ ‫هناك �إ�شكالية يف جلب �أفكار نقدية من علوم‬ ‫�أخرى وت�أتي لتلوي عنق القواعد ملحاولة غري‬ ‫كاملة لتطبيقها‪.‬‬ ‫كما حتدث الروائي �أحمد ن�صر عن جمموعة‬ ‫من املواقف التي تبني احلالة الأمنية يف ليبيا‬ ‫ما قبل ‪ 17‬فرباير و�أث��ره��ا يف منع انت�شار‬ ‫الفكر والأدب وظ�ه��ور �أع �م��ال ك�ب�يرة حيث‬ ‫جل�أ �أغلب املبدعني �إىل �أ�ساليب رمزية �أو مل‬ ‫ي�ستطيعوا طرح الواقع واحلياة‪.‬‬ ‫الدراما والثورة‪..‬‬ ‫ا��س�ت���ض��اف خم�ي��م ال �ف �ن��ون‪ ،‬ن ��دوة ب�ع�ن��وان‬ ‫امل�سرح الليبي‪ ..‬جتارب و�آفاق‬ ‫«ال ��درام ��ا وال� �ث ��ورة» � �ش��ارك ف�ي�ه��ا ال�ك��ات��ب‬ ‫كما �أقيمت �أي�ض ًا �ضمن فعاليات الربنامج والأكادميي الدكتور �أ�سامة �أبو طالب و�أدارها‬ ‫الثقايف الليبى ندوة بعنوان «امل�سرح الليبي حميى عبد احلي امل�شرف العام على الن�شاط‬ ‫جت ��ارب و�آف� ��اق» جمعت ك�ل ً�ا م��ن الفنانني‬ ‫البو�صريي ع �ب��داهلل‪ ،‬وع��ز ال��دي��ن امل�ه��دي‪،‬‬ ‫وعبد البا�سط اجلادر‪ ،‬وخالد جنم‪ ،‬ويو�سف ليبيا ضيف شرف‬ ‫المعرض‪ ،‬وندوات حول‬ ‫خ�شيم‪ ،‬و�أحمد �إبراهيم برواق القويري‪.‬‬ ‫حت��دث امل �ه��دي ع��ن ت��اري��خ امل���س��رح الليبي الرواية تضمن شهادات‬ ‫وبداياته التي تعود �إىل عام ‪ 1878‬وقال �إن حول التجارب الالفتة‬ ‫امل�سرح الليبي يفت�ش عن وعيه ومازال يتخبط‬ ‫يف �شكل املدار�س امل�سرحية �أو يعمل جاد ًا يف ومناقشات لتجارب‬ ‫ت�أ�سي�س م�سرح من ا�ستلهام قدرته مع العلم وآفاق المسرح الليبي‬

‫�أن امل�سرح الليبي قدمي‪.‬‬ ‫وع ��ن جت��رب��ة امل �� �س��رح ال���س�ي��ا��س��ي يف ليبيا‬ ‫حتدث البو�صريي عبداهلل و�أ�شار �إىل ظهور‬ ‫امل�سرحية التاريخية التي كان بع�ض التجلي‬ ‫�صريحا‪ ،‬وعلى ال�صعيد ال�سيا�سي كانت‬ ‫بها‬ ‫ً‬ ‫م�سرحية وطن تتحدث عن الع�صر العثماين‬ ‫وال���س�ل�ط��ان ع�ب��داحل�م�ي��د‪ ،‬وب �ع��د االح �ت�لال‬ ‫الإي �ط��ايل �أقفلت ال�صحف وامل���س��ارح حتى‬ ‫عندما عاد امل�سرح عاد من دون امل�سرحية‬ ‫ال�سيا�سية التي عادت بهدوء وكانت بطريقة‬ ‫غري مبا�شرة‪.‬‬

‫مع التركيز على المسرح‬ ‫السياسي‬

‫احتفى جممع الفنون �ضمن فعالياته بالفنان‬ ‫ال��راح��ل الكبري حمدي غيث‪ ،‬حت��ت عنوان‬ ‫«ال�سينما الت�سجيلية – املبدعون» حيث بد�أ‬ ‫خميم الفنون بعر�ض فيلم بعنوان «حمدي‬ ‫غيث» بالتعاون مع املركز القومي للم�سرح‬ ‫واملو�سيقى وال�ف�ن��ون ال�شعبية‪ ،‬ا�ستعر�ض‬ ‫الفيلم م�شوار غيث الذي بد�أ حياته الفنية مع‬ ‫عام ‪1954‬م مع فيلم �صراع يف الوادي وح�صل‬ ‫على دبلوم املعهد العايل للفنون امل�سرحية‬ ‫و�سافر �إىل باري�س ال�ستكمال درا�سة امل�سرح‪.‬‬ ‫وع�م��ل �أ��س�ت��اذا يف �أك��ادمي�ي��ة الفنون وت��وىل‬ ‫من�صب نقيب املمثلني مرات عديدة‪ ،‬كما قام‬ ‫ب�إخراج الكثري من الأعمال امل�سرحية املهمة‬ ‫ولعب العديد من الأدوار املهمة‪ .‬كما قدم‬ ‫املخيم فيلم ًا ت�سجيلي ًا عن الفنانة الراحلة‬ ‫الكبرية «�أمينة رزق» ا�ستعر�ض امل�سرية الفنية‬ ‫للفنانة التي قدمت �أعما ًال خالدة يف تاريخ‬ ‫ال�سينما امل�صرية وامل�سرح‪.‬‬

‫ال�صراع ال�سيا�سي ومهمة املثقفني!‬

‫ال�صراع ال�سيا�سي على �أ��ش��ده بني خمتلف‬ ‫ال �ت �ي��ارات يف املجتمع امل �� �ص��ري‪ ،‬ل�ك��ن �أي��ن‬ ‫املثقفون من ه��ذا ال�صراع‪ ،‬وه��ل ميكن �أن‬ ‫يلعبوا دور ًا يف مللمة �أ�شالء الوطن وهم نخبته‬ ‫وطليعته؟ كان هذا هو حمور املناظرة التي‬ ‫نظمها معر�ض الكتاب �ضمن فعالياته حتت‬ ‫عنوان‪" :‬املثقفون وال�صراع ال�سيا�سي" �شارك‬ ‫فيها الناقد الدكتور �صالح ف�ضل‪� ،‬أ�ستاذ النقد‬


‫خالل ندوة عن الدراما التاريخية‬

‫الأدبي بكلية الآداب جامعة عني �شم�س‪ ،‬والناقد الن�شر الإلكرتونى والورقي‬

‫الدكتور ح�سام عقل‪ ،‬مدر�س النقد الأدب��ي‬ ‫بنف�س الكلية واجل��ام�ع��ة‪ ،‬بينما غ��اب عنها‬ ‫الدكتور عماد �أبو غازي‪ ،‬وزير الثقافة الأ�سبق‪،‬‬ ‫ب�سبب م�شاركته يف مظاهرات ميدان التحرير‪.‬‬ ‫وق��ال ف�ضل �إن امل��وروث الثقايف والديني يف‬ ‫منطقتنا العربية �أك�ثر ع��ق ًا نظر ًا لظهور‬ ‫الأدي��ان ال�سماوية الثالثة يف بيئتنا العربية‬ ‫وكل ما يحيط بها من �شبكة ح�ضارية ت�صب‬ ‫يف هذا املوروث الروحي‪ .‬وقال �إننا ورثنا �أي�ض ًا‬ ‫امل�ي�راث الفني ال��ذي يت�صل بكل م��ا يبدعه‬ ‫الإن�سان يف حياته من ر�سم وت�صوير ونحت‬ ‫ومو�سيقى وغناء‪ ،‬واملوروثات ال�شعبية‪ ،‬كل هذا‬ ‫املرياث الفني العريق هو الذي يعادل يف �أهميته‬ ‫وميثل ج��زء ًا �أ�سا�سي ًا من �شخ�صية �أي �شعب‬ ‫من ال�شعوب‪ ،‬ولكن هذا كان يتطلب �أن يكون‬ ‫لدى املتلقي الذوق الرفيع لكي يظهر الإب��داع ‪،‬‬ ‫هذان البعدان الثقافيان ي�شرتك فيه كل النا�س‬ ‫وبع�ضهم ينغمز فيهما من دون �أن ي�شعر‪.‬‬ ‫و�أ�شار ف�ضل �إىل �أن اجلمع بني ما هو موروث‬ ‫ومتجدد هو الذي ي�ضمن �سالمة و�سوية الأمة‪،‬‬ ‫و�أن �أي حماولة الختزال هذا املركب الثقايف‬ ‫ي�صيب �أي ثقافة بال�ضمور والتدهور‪ ،‬من هنا‬ ‫كان القلق على م�صري الثقافة العربية نظر ًا‬ ‫للتطورات ال�سيا�سية الراهنة‪.‬‬

‫الرحلة الطويلة يف �سبيل الت�أ�سي�س لنه�ضة‬ ‫وطنية حقيقية‪.‬‬ ‫حول النه�ضة والوطن الكلمتني املفتاحيتني يف‬ ‫حياة املفكر الراحل دارت �أحداث الندوة‪ ،‬التي‬ ‫حتدث فيها الكاتب الروائي عمرو كمال حمودة‪،‬‬ ‫وفيفيان ف� ��ؤاد اخل �ب�يرة يف جم��ال التنمية‪،‬‬ ‫و�أدارها الكاتب ال�صحفي �سامح �سامي‪.‬‬ ‫�أ�شار حمودة �إىل �سمات �شخ�صية �أنور عبد‬ ‫امللك التي متيزت ب��اجل��ر�أة وال�شجاعة يف‬ ‫اال�شتباك مع الأفكار وال�شخ�صيات الفكرية‬ ‫والثقافية وال�سيا�سية داخ��ل وخ��ارج م�صر‬ ‫ب��ل وم��ع ال�ت��اري��خ نف�سه‪ ،‬فقد ك��ان ال��راح��ل‬ ‫�صاحب ح�س مقتحم وروح نقدية حتليلية‬ ‫تهدر كال�شالل الذي يحرك ال�ساكن وكل ما‬ ‫هو بطيء‪ ،‬منطلق ًا من �إمي��ان��ه العميق ب�أن‬ ‫ال�ت��اري��خ امل�صري ال��ذي ا�ستمر ع�بر �سبعة‬ ‫�آالف �سنة هو تاريخ �شديد اخل�صو�صية تتمثل‬ ‫خ�صو�صيته يف قدرته على اال�ستمرارية‪ .‬تلك‬ ‫القدرة العجيبة التي �أهلته لإر�ساء جمتمع‬ ‫واح��د متجان�س �أ�س�س ملفهوم ال��دول��ة التي‬ ‫�صمدت عرب الع�صور‪ ،‬وبهذا مل تكن م�صر‬ ‫بتميزها املفرو�ض عليها تاريخي ًا وجغرافي ًا‬ ‫جمرد دولة بل كيان ًا منتج ًا للح�ضارة‪.‬‬

‫حتت عنوان "�آفاق الق�صة الق�صرية والن�شر‬ ‫الإلكرتوين"‪ ،‬ا�ست�ضاف ملتقى ال�شباب �أم�سية‬ ‫�شارك فيها املبدعون ال�شباب رانيا هالل‬ ‫وع�م��رو علي ال�ع��ديل وحممد علي ابراهيم‬ ‫وعادل العجيمي وحممد علي ابراهيم‪ .‬تطرق‬ ‫اللقاء الذي �أدارته الدكتورة �سهري امل�صادفة‬ ‫�إىل مزايا وعيوب الن�شر الإلكرتوين واحللول‬ ‫املقرتحة لل�سرقات الأدب�ي��ة على الإنرتنت‪،‬‬ ‫و�أزم���ة ح�ق��وق امللكية الفكرية ومتطلبات ختامها بدر �شاكر ال�سياب‬ ‫االعتداد بالن�شر الإلكرتوين ب�شكل ر�سمي‪.‬‬ ‫اختتمت فعاليات الأم�سيات ال�شعرية باملعر�ض‬ ‫ب�إحياء ذكرى ال�شاعر العراقي الكبري بدر �شاكر‬ ‫النه�ضة والوطن‬ ‫ال�سياب‪ ،‬ويف معر�ض احلديث عنه‪ ،‬قال ال�شاعر‬ ‫حت��ت ع�ن��وان «رم��وز م�صرية» �أح�ي��ا املقهى ال�سماح عبداهلل‪ 38« :‬عام ًا فقط كانت ح�صته‬ ‫ال�ث�ق��ايف باملعر�ض ذك ��رى املفكر امل�صري املمنوحة له بالدنيا‪ ،‬فقد ولد عام ‪1926‬م ورحل‬ ‫ال��راح��ل �أنورعبد امللك‪ ،‬امل��ول��ود ع��ام ‪ 1924‬عن عاملنا ‪1964‬م‪ ،‬ورغ��م ذل��ك يعد ال�سياب‬ ‫واملُتوفى يف باري�س عام ‪ ،2012‬والذي ميثل �أحد م�ؤ�س�سي ال�شعر اجلديد يف العامل العربي»‬ ‫حالة ف��ري��دة يف الفكر امل���ص��ري‪ ،‬و�صاحب وا�ضاف‪ :‬لقد بد�أ بدر �شاكر ال�سياب كال�سيكي ًا‪،‬‬ ‫ثم ت�أ ّثر برومان�سية �أبي �شبكة من لبنان وبودلري‬ ‫من فرن�سا‪ ،‬لكن �إ�ضافاته ال�شعرية و�إجنازاته‬ ‫اختتمت فعاليات‬ ‫بد�أت ب�شعره الواقعي‪ ،‬وال�سيما ق�صائد ح ّفار‬ ‫المعرض بإحياء ذكرى‬ ‫القبور؛ واملوم�س العمياء؛ والأ�سلحة والأطفال‪،‬‬ ‫وتعد ق�صيدتاه‪� :‬أن�شودة املطر؛ وغريب على‬ ‫الشاعر العراقي الكبير‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اخلليج �صوتا مميزا يف ال�شعر العربي احلديث‪،‬‬ ‫بدر شاكر السياب‬ ‫وفيهما يظهر �صوته ال�شعري امل�صفى وقدرته‬ ‫باعتباره أحد أهم‬ ‫الإبداعية العميقة‬

‫مؤسسي الشعر الجديد‬ ‫في العالم العربي‬


‫المرصد‬ ‫‪34‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫معرض القاهرة ‪..‬‬

‫وجه شاحب يستجدي الحياة!‬ ‫القاهرة‪ -‬عزة �سلطان‬ ‫جاءت دورة معر�ض القاهرة الدويل للكتاب هذا العام مر�آة كا�شفة عك�ست حال م�صر‪ ،‬يف املرحلة‬ ‫التاريخية املهمة التي مت��ر بها‪ ،‬ارت�ب��اك �سيا�سي واجتماعي و�ضباب يحول م��ن دون ال��ر�ؤي��ة‬ ‫ال�سليمة‪� ،‬آم��ال عري�ضة يف م�ستقبل �أف�ضل تعاك�سها طموحات ع�صبية ورجعية‪ ،‬انعك�ست كل‬ ‫ارتباكات الو�ضع امل�صري على هذه الدورة من املعر�ض‪ ،‬يف التنظيم‪ ،‬واحل�ضور‪ ،‬وحركة البيع‪،‬‬ ‫والفعاليات‪ ،‬وكل �شيء‪ ،‬حتى �سور الأزبكية فقد كثرياً من بريقه‪ ،‬وكثرياً من مبيعاته‪.‬‬ ‫بهت املعر�ض‪ ،‬لكنه مل ميت‪ ..‬حال ال�شحوب‬ ‫الذي ك�سا معر�ض القاهرة ال ينبئ عن وفاته‪،‬‬ ‫حيث يقاتل املثقفون امل�صريون من �أجل �إعادة‬ ‫احلياة �إىل احلياة الثقافية‪ ،‬ودفعها �إىل الرثاء‬ ‫م��رة �أخ��رى‪ ،‬كما يقاتل امل�صريون من �أجل‬ ‫اخلروج مب�صر �إىل النور‪.‬‬ ‫حماولة �أخ�يرة لالحتفاظ بال�صفة الدولية‬ ‫ملعر�ض القاهرة كانت وراء اقتتال املثقفني‬ ‫العاملني يف هيئة الكتاب امل�صرية‪ ،‬ووزارة‬ ‫الثقافة لإقامة هذه الدورة رغم كل ما يحدث‬ ‫فى م�صر من ا�شتباكات و�صراعات �سيا�سية‪،‬‬ ‫حيث �إن �أهمية هذه ال��دورة بالغة‪ ،‬فاملعر�ض‬ ‫كان مهدد ًا ب�أن يفقد �صفته الدولية‪ ،‬بعد �أن‬ ‫ك��ان عر�س ًا ثقافي ًا حتتفي به الأم��ة العربية‪،‬‬ ‫وحلبة يلتف حولها املثقفون العرب من كل‬ ‫��ص��وب‪ ،‬غ�ير �أن هناك �أهمية �أخ��رى ال تقل‬ ‫عن املحافظة على ال�سمة الدولية‪ ،‬ف�أمام مد‬ ‫الإ�سالم ال�سيا�سي الزاحف ب�سرعة وقوة على‬ ‫م�ؤ�س�سات الدولة امل�صرية‪ ،‬كان من ال�ضروري‬ ‫�إقامة املعر�ض بفعالياته الثقافية والفنية‪ ،‬حتى‬ ‫ال يعترب رجاالت تيار الإ�سالم ال�سيا�سي على‬ ‫اختالفاتهم عدم �إقامته ذريعة لإيقافه نهائي ًا‪،‬‬

‫كان قتا ًال ومقاومة ال تقل عما يحدث يف باقي‬ ‫ميادين م�صر‪ .‬لطاملا ك��ان معر�ض القاهرة‬ ‫ال��دويل للكتاب حدث ًا وعر�س ًا ثقافي ًا‪ ،‬لطاملا‬ ‫كانت موائده حتفل بنخبة من املثقفني العرب‪،‬‬ ‫فعلى موائده ويف �أروقته كان يجل�س �أدوني�س‬ ‫وحممود دروي�ش و�سيف الرحبي وحممد عفيفي‬ ‫مطر‪ ،‬واب��راه�ي��م �أ��ص�لان و�أم�ي�ر ت��اج ال�سر‪،‬‬ ‫وحممد ب ��رادة‪ ،‬و��س��امل ب��ن حمي�ش‪ ،‬وجميل‬ ‫عطية �إبراهيم‪ ،‬ور�ؤوف م�سعد وغريهم ُكرث‪.‬‬ ‫كانت تيمة املعر�ض الأ�سا�سية دعوة املبدعني‬ ‫ال �ع��رب وم���ش��ارك��ات�ه��م يف ن� ��دوات ول �ق��اءات‬ ‫ومناق�شات‪ ،‬ولطاملا حفلت �أروق ��ة املعر�ض‬ ‫بالعديد من الفعاليات الثقافية والفنية‪ ،‬كان‬ ‫عر�س ًا لكنه الآن �أطفئت �أنواره وبات امل�شاركون‬ ‫يغادرون‪ .‬جاء املعر�ض هذا العام باهت ًا منزوع‬ ‫ال��روح‪ ،‬تكاتفت عوامل عديدة لنزع روح��ه‪،‬‬

‫خفت احل�ضور وكان �ضعيف ًا يف �أغلب الأيام‪،‬‬ ‫حول ذلك تقول الدكتورة فاطمة البودي –‬ ‫نا�شرة �صاحبة دار العني‪� -‬إن ال�شباب هم وقود‬ ‫املعر�ض واحل��دث الثقايف‪ ،‬ومل��ا ك��ان ال�شباب‬ ‫من�شغلني يف التظاهرات واال�شتباكات فلم‬ ‫يح�ضر �إال قلة‪ ،‬وقد وافقتها املبدعة الدكتورة‬ ‫�سهري امل�صادفة امل�س�ؤولة ع��ن ال �ن��دوات يف‬ ‫القاعة الرئي�سة باملعر�ض‪ ،‬و�أ�شارت �إىل اعتذار‬ ‫العديد من �ضيوفها ال�شباب الن�شغالهم يف‬ ‫تظاهرات وتواجدهم بامليادين‪ ،‬بينما ح�ضر‬ ‫بع�ض الأدب��اء ال�شباب ل�ساعات قليلة‪ ،‬منهم‬ ‫ال�شاعر م�ؤمن املحمدي ال��ذي ح�ضر لتوقيع‬ ‫كتابه وان�صرف عقب انتهاء الفعاليات‪ ،‬بينما‬ ‫مل يح�ضر با�سم �شرف على الرغم من وجود‬ ‫كتب ل��ه يف �أجنحة امل�ع��ر���ض‪ ،‬وك��ذل��ك رام��ي‬ ‫يحيى‪ ،‬وغريهم‪.‬‬

‫مثقفون‪ :‬اإلصرار على‬ ‫تنظيم المعرض‬ ‫بفعالياته الثقافية‬ ‫والفنية كان خوف ًا من أن‬ ‫يتخذ بعضهم من غيابه‬ ‫ذريعة إليقافه نهائي ًا‬

‫حتى املناخ كان ي�سري معاك�س ًا‬

‫ال �� �ص��ورة يف جمملها ب��اه�ت��ة‪ ،‬وامل���ش�ه��د ب��دا‬ ‫كئيب ًا‪ ،‬روح الي�أ�س متلأ �أروقة النا�شرين‪ ،‬وخلو‬ ‫املعر�ض من رواده بدا نذير �سوء للجميع‪ ،‬ففي‬ ‫حني ك��ان املثقفون ي�أملون يف ه��ذه الفعالية‬


‫�صناع فيلم «كف القمر» يف خيمة الفنون‬

‫توا� ً‬ ‫صال وت�أكيد ًا على نور الثقافة الذي ميكن‬ ‫�أن يزيح كثري ًا من الهموم‪ ،‬وي��رون فيه درع‬ ‫وقاية من الدعاوى الظالمية املنت�شرة يف ربوع‬ ‫املجتمع امل�صري‪ ،‬وجاء كل �شيء ليحول من‬ ‫دون حتقيق �أملهم‪ ،‬فاال�شتباكات التي دارت‬ ‫يف حميط االحتادية‪ ،‬والتظاهرات يف ميادين‬ ‫خمتلفة‪ ،‬كل ذلك وقف عائق ًا �أم��ام ان�سياب‬ ‫الرواد يف الطرق متوجهني نحو �أر�ض املعار�ض‬ ‫يف �ضاحية مدينة ن�صر‪.‬‬ ‫مل يكن الزخم الثوري وحده هو ال�سبب‪ ،‬كان‬ ‫املناخ ال�سيئ كذلك‪ ،‬حيث موجة من الربد‬ ‫القار�س و�أم�ط��ار �شديدة هطلت‪ ،‬لتزيد من‬ ‫�أ�سباب وم��زاع��م الكثريين يف ع��دم التوجه‬ ‫للمعر�ض‪ ،‬فحتى �أك�ث�ر ال�ن��ا���س ت��واج��د ًا يف‬ ‫ال�سنوات املا�ضية قلت مرات زيارته للمعر�ض‬ ‫يف دورت��ه الأخ�يرة‪ ،‬وبع�ضهم مل يذهب‪ ،‬ومن‬ ‫�شحذ نف�سه ذهب القتناء بع�ض العناوين من‬ ‫دور الن�شر العربية‪.‬‬ ‫ً‬ ‫�أجريت ا�ستطالع ًا �سريعا لآراء بع�ض املثقفني‬ ‫وال�ن��ا��ش��ري��ن ال��ذي��ن ت��واج��دوا داخ ��ل �أروق ��ة‬ ‫املعر�ض‪ ،‬قلة منهم عنيت مبناق�شة الأمر‪ ،‬بينما‬ ‫ان�شغلت الكرثة عن الإجابة‪ ،‬بع�ضهم ان�شغل يف‬ ‫اال�ستعداد ملعر�ض �آخر بالإ�سكندرية‪ ،‬وبع�ضهم‬ ‫الآخر ان�شغل يف الإعداد للم�شاركة يف معر�ض‬ ‫الريا�ض �أم�ل ً�ا يف تعوي�ض اخل�سائر‪ ،‬بينما‬ ‫ج��اءت �إجابات عدد ال ب�أ�س به من املثقفني‬ ‫وال ُكتاب مبتورة ��نم عن حزنهم لرتاجع �أ�ضواء‬ ‫عر�سهم ال�سنوي‪ .‬كانت ليبيا �ضيف �شرف هذه‬ ‫الدورة ‪ ،‬لكن اجلناح الليبي مل يكن م�ؤه ًال لهذا‬

‫ارتباكات الوضع‬ ‫المصري انعكست‬ ‫على دورة المعرض هذا‬ ‫العام‪ ،‬في التنظيم‪،‬‬ ‫والحضور‪ ،‬وحركة البيع‪،‬‬ ‫والفعاليات‪ ..‬وكل شيء‬ ‫ال��دور حيث قل املعرو�ض من الكتب‪ ،‬كما �أن‬ ‫الفعاليات الثقافية مل ترق ملكانة ال�ضيف‪ ،‬نق ًال‬ ‫عن ال�شاعرة �سارة عالم‪ ،‬التي ر�أت �أن �أهم‬ ‫امل�شاركني العرب كانت دور الن�شر اللبنانية‬ ‫التي تقدم �أهم الكتب من وجهة نظرها‪ ،‬بينما‬ ‫ر�أى �شريف بكر و�أحمد ال�شهاوي �أن امل�شاركات‬ ‫العربية كانت ككل عام‪ ،‬با�ستثناء غياب دار‬ ‫الآداب اللبنانية‪� ،‬أما بالل رم�ضان وفاطمة‬ ‫البودي ف�أكدا �أن احل�ضور العربي كان باهت ًا‪،‬‬ ‫ومن دون امل�ستوى‪.‬‬

‫ال�شعر يرفع لواء الإمارات باملعر�ض‬

‫��ش��ارك��ت ال���ش��اع��رة الإم��ارات �ي��ة خ�ل��ود املعال‬ ‫يف فعاليات املعر�ض من خ�لال حفل توقيع‬ ‫لديوانها «�أم�سك طرف ال�ضوء» الذي �صدر‬ ‫عن دار ف�ضاءات الأردنية‪ ،‬وقد حظي احلفل‬ ‫بح�ضور كبري من زوار املعر�ض ف� ً‬ ‫ضال عن‬ ‫النقاد واملثقفني‪ ،‬وقد ناق�ش الدكتور �شريف‬ ‫اجليار الديوان‪ ،‬بينما قر�أت خلود عدد ًا من‬ ‫الق�صائد‪ ،‬و�أدار الندوة ال�شاعر �شعبان يو�سف‪،‬‬

‫وح�ضر ع��دد من النقاد من بينهم الدكتور‬ ‫حممد عبد املطلب‪ ،‬والدكتور مدحت اجليار‪،‬‬ ‫ور�ضا عطية والدكتور ح�سام عي�سى‪ ،‬وكثريون‪.‬‬ ‫رمب��ا كانت ن��دوة خلود املعال ه��ي الإط�لال��ة‬ ‫الأكرث و�ضوح ًا و�ألق ًا للم�شاركة الإماراتية داخل‬ ‫�أروقة املعر�ض‪.‬‬

‫البحث عن الأمل‬

‫حفل الربنامج الثقايف بالعديد من الندوات‪،‬‬ ‫التي دارت ف��ى كثري م��ن مو�ضوعاتها عن‬ ‫ال���ش��أن امل�صري االجتماعي وال�سيا�سي‪،‬‬ ‫وج���اءت امل �ن��اظ��رات ب�ين ال�سيا�سيني من‬ ‫توجهات خمتلفة لت�شري �إىل ن��دوات ثرية‬ ‫م��ن ح �ي��ث امل �� �ض �م��ون وم ��ن ح �ي��ث امل�ت��اب�ع��ة‬ ‫الإعالمية‪ ،‬بينما خلت تقريب ًا من احل�ضور‪،‬‬ ‫فندوة العالقة بني املبدع والديكتاتور مث ًال‬ ‫حظيت ب�أكرث من ث�لاث متابعات �إعالمية‬ ‫غ�ير املتابعة الإع�لام�ي��ة بالن�شرة اليومية‬ ‫ال���ص��ادرة ع��ن �إدارة املعر�ض‪ ،‬بينما كان‬ ‫عدد احل�ضور يف هذه الندوة خم�سة �أفراد‬ ‫بينهم ال�صحافية هبة ا�سماعيل وكان على‬ ‫املن�صة �ستة من املبدعني‪ .‬ور�أى عدد من‬ ‫املثقفني يف هذه الفعاليات الثقافية نوع ًا من‬ ‫املقاومة‪ ،‬و�شك ًال �إيجابي ًا‪ ،‬وو�صفت الدكتورة‬ ‫فاطمة البودي هذه ال��دورة باملثل ال�شعبي‬ ‫امل�صري «ال�شاطرة تغزل برجل حمار» وهي‬ ‫ت�شري �إىل �أن غالبية ال �ن��دوات كانت �ضد‬ ‫احلكم الرجعي‪ ،‬وهيمنة التع�صب الديني‬


‫‪36‬‬

‫اآلفاق‬ ‫ارتياد‬ ‫مدارات‬

‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫التراث والفتنة‬ ‫تعرفون‬

‫خرب ذلك الأعرابي‬ ‫النجدي ال��ذي ورد‬ ‫على النبي «�صلى اهلل عليه و�سلم»‪َ « ،‬ف ِ�إ َذا‬ ‫ال ْ�س اَل ِم‪َ ،‬ف َق َال َر ُ�س ُ‬ ‫هلل‬ ‫هُ َو َي ْ�س َ�أ ُل َع ِن ْ ِإ‬ ‫ول ا ِ‬ ‫َ�ص َّلى ُ‬ ‫اهلل َع َل ْي ِه َو َ�س َّل َم‪َ :‬‬ ‫ات فيِ‬ ‫«خ ْم ُ�س َ�ص َل َو ٍ‬ ‫ا ْل َي ْو ِم‪َ ،‬وال َّل ْي َل ِة» َف َق َال‪ :‬هَ ْل َع َل َّي َغيرْ ُ هُ نَّ ؟‬ ‫َق � َ‬ ‫�ام َ�ش ْه ِر‬ ‫�ال‪ :‬اَ«ل‪� ،‬إِ اَّل �أَنْ َت� َّ�ط � َّوعَ‪َ ،‬و�ِ��ص � َي� ُ‬ ‫َر َم َ�ضانَ »‪َ ،‬ف َق َال‪ :‬هَ � ْ�ل َع َل َّي َغ�ْي�رْ ُ ُه؟ َف َق َال‪:‬‬ ‫اَ«ل‪� ،‬إِ اَّل �أَنْ َت� َّ�ط� َّوعَ»‪َ ،‬و َذ َك � َر َل� ُه َر� ُ��س� ُ‬ ‫هلل‬ ‫�ول ا ِ‬ ‫َ�ص َّلى ُ‬ ‫اهلل َع َل ْي ِه َو َ�س َّل َم ال َّز َكاةَ‪َ ،‬ف َق َال‪ :‬هَ ْل‬ ‫َع َل َّي َغيرْ ُ هَ ا؟ َق َال‪ :‬اَ«ل‪� ،‬إِ اَّل �أَنْ ت ََّط َّوعَ»‪َ ،‬ق َال‪:‬‬ ‫َف�أَ ْد َب َر ال َّر ُج ُل‪َ ،‬وهُ � َو َي ُق ُ‬ ‫هلل‪ ،‬اَل �أَ ِزي� ُد‬ ‫ول‪َ :‬وا ِ‬ ‫�ص ِم ْنهُ‪َ ،‬ف َق َال َر ُ�س ُ‬ ‫هلل‬ ‫ول ا ِ‬ ‫َع َلى هَ َذا‪َ ،‬و اَل �أَ ْن ُق ُ‬ ‫َ�ص َّلى ُ‬ ‫اهلل َع َل ْي ِه َو َ�س َّل َم‪�« :‬أَ ْف َل َح ِ�إنْ َ�ص َد َق»‪.‬‬ ‫«�صحيح م�سلم»‪ .‬هذا اخلرب‪ ،‬يف ات�صاله‬ ‫باحلديث‪ ،‬يبني بجالء �صورة الإ��س�لام‪،‬‬ ‫باعتباره عقيدة و�سلوكا‪� .‬إنها الب�ساطة‬ ‫املبنية على ال�صدق‪ ،‬بال نفاق وال ادعاء‪:‬‬ ‫«واهلل ‪ ،‬ال �أزيد على هذا‪ ،‬وال �أنق�ص منه»‪.‬‬ ‫ويعلق الر�سول الكرمي‪�« :‬أفلح �إن �صدق»‪.‬‬

‫وجدتني �أت ��أم��ل جيدا ه��ذا احلديث‪،‬‬ ‫و�أنا �أنتقل بني الفينة والأخرى بني بع�ض‬ ‫ال�ق�ن��وات العربية والإ��س�لام�ي��ة‪ ،‬ف��أط��رح‬ ‫ال�س�ؤال‪ :‬ما الفرق بني �س�ؤال الأعرابي عن‬ ‫الإ�سالم‪ ،‬و�إدباره بقرار يبني اختيار موقف‬ ‫حمدد‪ ،‬وااللتزام الذي قطعه على نف�سه‪،‬‬ ‫وتعليق الر�سول على كالمه‪ ،‬ف�أجد الفرق‬ ‫�شا�سعا بني الإ�سالم يف ب�ساطته وعمقه‪،‬‬ ‫و�إ� �س�لام ه� ��ؤالء ال��ذي��ن مي �ل ��ؤون القنوات‬ ‫بكالم ال ي�سهم �إال يف �إعطاء �صورة �سلبية‬ ‫عن الدين‪ ،‬وال�سلوك والأخالق‪.‬‬ ‫���س��ب��ق �أن حت ��دث� �ن ��ا يف �إح� � � ��دى ه ��ذه‬ ‫الـ«مدارات» عن الرتاث باعتباره «ذاكرة‬ ‫امل�ستقبل»‪ ،‬ولكننا نت�أكد با�ستمرار‪� ،‬أن‬ ‫البع�ض‪ ،‬يظل يتعامل مع ال�ـ«ت��راث» ب�أنه‬ ‫«ال �ت��اري��خ» ال��ذي يجب ا�ستح�ضاره من‬ ‫�أج��ل احلا�ضر وامل�ستقبل‪ .‬وه�ن��اك فرق‬ ‫كبري بني الت�صورين‪ .‬ف��الأول يرمي �إىل‬ ‫ال�ت�ع��ام��ل التفاعلي م��ع ال �ت�راث‪ ،‬بهدف‬ ‫البناء والتطور‪ .‬والثاين ي�سعى �إىل �إعادة‬

‫الزمن �إىل ال��وراء‪ ،‬من �أجل �أن نعي�ش به‬ ‫يف امل�ستقبل‪.‬‬ ‫ومب��ا �أن ر�ؤي ��ة �أ��ص�ح��اب الت�صور الثاين‬ ‫اجتزائية ل�ل�تراث وانقائية‪ ،‬ف�إنها ترى‬ ‫يف «ت� ��راث» م�ع�ين ال �ت�راث «احل�ق�ي�ق��ي»‪،‬‬ ‫وت� ��رى يف م��ا ال ت �ع �ت �ق��ده‪ ،‬ال �ت��راث غري‬ ‫اجل��دي��ر باالهتمام‪ ،‬ب��ل �إن موقفها منه‬ ‫ه��و ال��رف ����ض‪ ،‬وال��رف ����ض امل �ط �ل��ق‪ .‬ه��ذه‬ ‫النظرة غري ال�شمولية والتي هي نقي�ض‬ ‫م��ا نتبنى‪ ،‬ال ميكن �أن ت� ��ؤدي ��س��وى �إىل‬ ‫الإق �� �ص��اء وع ��دم االع�ت��راف‪ .‬وال ينجم‬ ‫ع�ن�ه��ا غ�ي�ر ال �ف��رق��ة واخل�ل��اف و�أخ �ي�را‬ ‫الفتنة؟ ف ��أي حديث ممكن ع��ن «ح��وار»‬ ‫ال�ط��وائ��ف الدينية‪ ،‬وامل��ذاه��ب وال�ف��رق؟‬ ‫وم��ن امل�ستفيد من �إ�شعال ن��ار الطائفية‬ ‫يف العامل العربي والإ�سالمي؟ و�إىل ماذا‬ ‫ي�ؤدي هذا التع�صب جلزء من الرتاث على‬ ‫ح�ساب اجلزء الآخر؟ وهل يخدم كل ذلك‬ ‫الإ�سالم وامل�سلمني؟‬ ‫�أ�سئلة كثرية تفر�ض نف�سها على من يواكب‬


‫مدارات‬ ‫د‪� .‬سعيد يقطني‬ ‫باحث وناقد من املغرب‬

‫ما يجري يف الوطن العربي‪ ،‬ومن يحلو له‬ ‫�أحيانا‪ ،‬طلبا للرتويح‪ ،‬متابعة ما يجري يف‬ ‫القنوات الف�ضائية العربية والإ�سالمية‪،‬‬ ‫لأنه فعال �ستجابهه تلك التجزئية يف �أجلى‬ ‫�صورها‪ ،‬وتعرت�ضه االنتقائية نف�سها يف‬ ‫�أكرث �أ�شكالها التي ال تدعو �إال �إىل التنافر‬ ‫والتنابذ والفتنة‪.‬‬ ‫لقد �صار الف�ضاء ال�شبكي عاملا لل�صراع‬ ‫ون�شر الفرقة‪ ،‬وك��ل ينت�صر الجتاهه يف‬ ‫فهم الرتاث وقراءته‪ ،‬وت�صفية احل�ساب‬ ‫مع غ�يره‪ .‬ف ��إذا بهذا العامل االفرتا�ضي‬ ‫� �ص��ورة نا�صعة ع��ن ع��امل�ن��ا ال��واق �ع��ي‪ .‬يف‬ ‫بع�ض هذه القنوات جتد معمما على كيفية‬ ‫ما تدل على متيزه‪ ،‬وكل يت�صدر ال�شا�شة‬ ‫حم��اط��ا مب�ج�ل��دات م��ن «ت� ��راث» الآخ���ر ـ‬ ‫ال� ��ذات‪ .‬وك��ل ال يتلفظ �إال بلغة اجل��زم‬ ‫واحل�سم وال�ي�ق�ين‪ ،‬وه��و يكيل خل�صومه‬ ‫�أقبح العبارات‪ ،‬ب�أفح�ش الألفاظ �أحيانا‪،‬‬ ‫وب�سخرية مرة �أحيانا �أخرى‪ .‬املو�ضوعات‬ ‫مت�شابهة تعود بنا �إىل �صدر الإ��س�لام‪،‬‬

‫وت��دور ح��ول الفتنة التي وقعت بعد موت‬ ‫الر�سول «���ص»‪ ،‬وت�سعى كل قناة للدفاع‬ ‫عن ت�صورها‪ :‬تقليب �صفحات من كتب‬ ‫«ت���راث» الآخ���ر‪ ،‬وال�ع�م��ل على ت�سفيهها‬ ‫ب �ق��راءات جم �ت��ز�أة وت� ��أوالت بعيدة‪ .‬وكل‬ ‫يرمي من وراء ذلك �إىل �إثبات �أن الآخر‪،‬‬ ‫لي�س فقط خمطئا يف ر�ؤيته للأ�شياء‪ ،‬بل‬ ‫إ�ن��ه �ضال وم��ارق‪ ...‬ال أ�ح��د يدفع «بالتي‬ ‫هي �أح�سن»‪� ،‬أو يجادل باحل�سنى‪ ،‬لتنوير‬ ‫امل�شاهدين مبا وقع‪ ،‬تاريخيا‪ ،‬بعيدا عن‬ ‫الت�شنج وال�صراخ واالدعاء‪� .‬إن هدف كل‬ ‫واح��د ه��و «تكفري» الآخ��ر‪ ،‬واتهامه ومن‬ ‫يتبعهم بال�ضاللة‪ ،‬و�صب اللعنات على‬ ‫املوتى والأح �ي��اء‪ ،،،‬والهدف الأك�بر‪ ،‬من‬ ‫وراء ه��ذا ال���ص��راع وتغذية ال�ف��رق��ة‪ ،‬هو‬ ‫ك�سب املزيد من امل��وال�ين والأت �ب��اع الذي‬ ‫ي ��دورون يف فلك‪ ،‬وال ي�سبحون يف آ�خ��ر‪.‬‬ ‫ول��ذل��ك جت��د املتدخلني م��ن «املتفاعلني»‬ ‫م��ع ه��ذا ال �ن��وع م��ن ال �ق �ن��وات‪ ،‬ي�سري يف‬ ‫اجت��اه الت�صورات نف�سها‪ ،‬فتج�سد تلك‬

‫التدخالت هذه القناعات وبنف�س اللغات؟‬ ‫ال ميكن للمرء �إال �أن يتعجب م��ن هذه‬ ‫الدعوات التي ت�صدر عن هذه القنوات يف‬ ‫تعاملها مع الرتاث؟ ففي غياب ت�صورات‬ ‫وا�ضحة عن واقع العامل الإ�سالمي ‪ ،‬ويف‬ ‫ظل هيمنة توجهات �سيا�سية ت�سخر الدين‬ ‫لأغ��را���ض غ�ير نبيلة وال ��ش��ري�ف��ة‪ ،‬يكرث‬ ‫املدعون واملتفيقهون الذين يتوهمون �أنهم‬ ‫يف خدمة الدين‪ ،‬وهو يف الواقع يخدمون‬ ‫التفرقة؟‬ ‫عندما نت�أمل جيدا احلديث الذي �صدرنا‬ ‫به هذه املقالة‪ ،‬والذي يتحدث عن �س�ؤال‬ ‫الأع��راب��ي الفظ‪ ،‬وج��واب الر�سول«�صلى‬ ‫اهلل عليه و�سلم» الذي حمل هذه الر�سالة‬ ‫ال�سامية‪ ،‬وبلغها �أح�سن تبيلغ‪ ،‬ال ميكننا‬ ‫� �س��وى الإق� ��رار ب� ��أن الإ� �س�ل�ام ال�سمح ال‬ ‫ع�لاق��ة ل��ه ب� �ه� ��ؤالء امل ��دع�ي�ن‪ .‬ل �ق��د ج��اء‬ ‫الإ� �س�لام بـ«التوحيد»‪ ،‬ولكننا م��ع بع�ض‬ ‫وعاظ القنوات وفقه��ئها �أمام « التفريق»‪.‬‬ ‫�ألي�ست هذه هي الفتنة؟‬


‫قضية للنقاش‬ ‫‪38‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬


‫دعوة للتقنني وتوحيد املرجعية‬

‫اقتناء الموجودات األثرية‬ ‫والتراثية في اإلمارات‬ ‫هواية في حاجة إلى تنسيق رسمي‬ ‫�أبوظبي ‪ -‬فاطمة عطفة‬ ‫ثمة اح�صائيات �شعبية تقول �إن عدد املتاحف املنزلية يف دولة الإمارات يح�صى بالآالف‪ ،‬و�أن عدد‬ ‫املقتنيات املو�صوفة بالتاريخية �أو الأثرية �أو الرتاثية ميكن �إح�صا�ؤه مباليني القطع‪ ،‬تتفاوت‬ ‫بالطبع يف �أهميتها وندرتها‪� ،‬إال �أن الطبيعة الفردية التي يدار بها هذا الن�شاط جتعل من ال�صعب‬ ‫بل من امل�ستحيل تقدمي �إجابة لهذا ال�س�ؤال الدقيق‪ :‬و�سط هذا الكم الهائل من املقتنيات‪ ..‬كم‬ ‫قطعة نادرة بالفعل تتعر�ض للتلف وتذوب فر�صة احلفاظ عليها للأجيال القادمة؟‬ ‫هذا ال�س�ؤال دعانا �إىل فتح امللف مع نخبة‬ ‫م��ن املثقفني وامل�ه�ت�م�ين ب�ه��ذا ال �� �ش ��أن يف‬ ‫ال��دول��ة‪ ،‬لن�ستطلع �آراءه ��م ح��ول �ضرورة‬ ‫تنظيم ه��واي��ة ت��داول واقتناء امل��وج��ودات‬ ‫الرتاثية والأث��ري��ة يف الإم���ارات‪ ،‬و�أهمية‬ ‫وجود جهة معتمدة للتن�سيق‪ ،‬يكون دورها‬ ‫الرئي�س ت�صنيف القطع املقتناة وحتديد‬ ‫الأه�م�ي��ة التاريخية والثقافية لكل منها‬ ‫و�إدراج� �ه ��ا يف ��س�ج�لات ر�سمية وحت��دي��د‬ ‫طبيعة احل �م��اي��ة امل�ط�ل��وب��ة ل�ه��ا للحفاظ‬ ‫عليها باعتبارها جزء ًا من تاريخ الوطن‪.‬‬

‫ب��الإ� �ض��اف��ة �إىل و� �ض��ع م �ع��اي�ير و�آل��ي��ات‬ ‫و�إجراءات وا�ضحة ور�سمية لعمليات �إهداء‬ ‫ت�ل��ك ال�ق�ط��ع مل�ت��اح��ف ال��دول��ة‪ ،‬م��ع تكرمي‬ ‫�أ�صحابها وتعوي�ضهم م��ادي� ًا �أو معنوي ًا‪،‬‬ ‫وو� �ض��ع ال���ض��واب��ط اخل��ا��ص��ة ب �ت��داول تلك‬

‫علي البياتي‪ :‬معرفة‬ ‫التسلسل التاريخي‬ ‫للقطع األثرية مهم‪ ،‬وفي‬ ‫الغرب تسجل القطع‬ ‫األثرية التي يزيد عمرها‬ ‫على ‪ 300‬سنة‬

‫القطع خارج حدود الدولة‪ ،‬وغري ذلك من‬ ‫تفا�صيل ت�ستكمل امل�شهد احل�ضاري لدولة‬ ‫الإمارات العربية املتحدة التي ت�شهد نقلة‬ ‫ح�ضارية ي�شهد لها ال�ع��امل على م�ستوى‬ ‫االهتمام باملوروث والتاريخ‪ ،‬وت�سعى �إىل‬ ‫رف��ع ال��وع��ي ال�ع��ام ب�أهمية احل�ف��اظ على‬ ‫مقتنيات الدولة وتراثها‪ ،‬وهو الأمر الذي‬ ‫�أدى �إىل تزايد �أعداد هواة االقتناء ممن‬ ‫حتولت منازلهم �إىل متاحف �صغرية يف‬ ‫خم�ت�ل��ف �إم � ��ارات ال��دول��ة‪ ،‬ح�ت��ى �ضاقت‬ ‫مب��ا ت�ت���ض�م�ن��ه م��ن حم �ت��وي��ات‪ ،‬م��ع ع��دم‬


‫قضية للنقاش‬ ‫‪40‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫من مقتنيات علي البياتي‬

‫ق��درة بع�ضهم على توفري ��ش��روط الأم��ن‬ ‫وال�سالمة الالزمة للحفاظ على ما لديهم‬ ‫من مقتنيات تاريخية‪� ،‬أو الوفاء مبتطلبات‬ ‫العناية بهذه القطع و�صيانتها وفق ًا للأ�س�س‬ ‫العلمية املتعارف عليها‪.‬‬

‫الآثار �ش�أن حملي‬

‫امل�ه�ن��د���س ول �ي��د ال��زع��اب��ي «م��دي��ر �إدارة‬ ‫ال�ت�راث وال�ف�ن��ون يف ال� ��وزارة» �أو� �ض��ح �أن‬ ‫وزارة الثقافة وال�شباب وتنمية املجتمع‪،‬‬ ‫وقبل �أن ت�أخذ هذا اال�سم‪ ،‬كان بها ق�سم‬ ‫خا�ص لإدارة املتاحف يف ال��دول��ة‪ ،‬يقوم‬ ‫بن�شاطه ب�شكل تن�سيقي مع متاحف الدولة‬ ‫املوجودة يف كل �أنحاء الإم��ارات‪ .‬وبعد �أن‬ ‫�أخ��ذت ال��وزارة ا�سمها اجلديد مت ح�صر‬ ‫مهام الوزارة وف�صل الآثار عنها‪ ،‬و�إن�شاء‬ ‫املجل�س الوطني لل�سياحة والآث ��ار ال��ذي‬ ‫�أ�صبح م�س�ؤو ًال عن �ش�ؤون الآثار واملتاحف‬ ‫يف ال ��دول ��ة‪ .‬م���ض�ي�ف� ًا‪« :‬ولأن الآث � ��ار يف‬ ‫الإم ��ارات تعترب �ش�أن ًا حملي ًا لكل �إم��ارة‪،‬‬

‫وليد الزعابي‪ :‬ندعو‬ ‫لتوحيد الجهود إلنشاء‬ ‫متحف خاص بكل إمارة‬ ‫يعنى بالمقتنيات‬ ‫األثرية والكنوز التاريخية‬ ‫الخاصة بها‬ ‫ف ��إن دور ال��وزارة يكون فقط تن�سيقي ًا يف‬ ‫ح��ال وج��ود م��ؤمت��ر �أو معر�ض �أو توحيد‬ ‫بع�ض امل�ن�ت��دي��ات ال �ت��ي ت �ق��ام �أح �ي��ان � ًا يف‬ ‫خمتلف �أن�ح��اء ال��دول��ة لتناق�ش م��ا يتعلق‬ ‫ب��الآث��ار م��ن ق�ضايا‪ ،‬وذل��ك بالتن�سيق ما‬

‫محمد كانو‪ :‬ال أحد يمتلك‬ ‫الحق في االحتفاظ‬ ‫بالموروث اإلنساني‬ ‫الحضاري بعيد ًا عن عيون‬ ‫الناس وال بد من وجود‬ ‫آليات لتنظيم ذلك‬

‫بني املتاحف‪ .‬ونحن الآن ك��وزارة ب�صدد‬ ‫العمل على مبادرة يتم اطالقها م�ستقب ًال‬ ‫ل��دع��وة �أ��ص�ح��اب ال �ه��واي��ات م��ن املهتمني‬ ‫باملقتنيات الأث��ري��ة وال�تراث �ي��ة للتعارف‬ ‫والتعاون فيما بيننا لبحث �أف�ضل ال�سبل‬ ‫للعناية بهذه املقتنيات‪ .‬من جهة �أخ��رى؛‬ ‫�أدعو �أ�صحاب الر�أي و�أ�صحاب القرار يف‬ ‫خمتلف الإم��ارات لتوحيد اجلهود لإن�شاء‬ ‫متحف خا�ص بالإمارة يعنى عناية كاملة‬ ‫باملقتنيات الأث��ري��ة وال �ك �ن��وز التاريخية‬ ‫املوجودة لديهم»‪.‬‬ ‫وا�ستطرد ال��زع��اب��ي‪« :‬ه�ن��اك دول عربية‬ ‫يعتمد جزء كبري من دخلها على ال�سياحة‪،‬‬ ‫وخ��ا� �ص��ة اع �ت �م��اده��ا ع�ل��ى م��ا ل��دي�ه��ا من‬ ‫متاحف‪ ،‬ونحن يف الإمارات ال نقل م�ستوى‬ ‫عن هذه الدول‪ ،‬فالتطور �شمل كل نواحي‬ ‫احلياة يف بلدنا‪ ،‬وم��ن الطبيعي �أن ميتد‬ ‫لي�شمل العناية ب ��آث��ار ال��دول��ة وتوظيفها‬ ‫بالأ�سلوب الأم�ث��ل ال��ذي يخدم ال�سياحة‬ ‫ويف ال��وق��ت نف�سه ي�ع��رف ال��زائ��ر بتاريخ‬


‫الدولة‪ .‬وبالفعل هناك مبادرات مب�شرة‬ ‫يف بع�ض الإم ��ارات تهدف للحفاظ على‬ ‫الآث��ار ونت�أمل يف امل�ستقبل �أن ن��رى على‬ ‫الأقل ثالثة �أو �أربعة متاحف يف كل �إمارة‬ ‫ولي�س متحف ًا واح��د ًا‪ ،‬وهذا لن يتحقق �إال‬ ‫بدعم هواة االقتناء وتعاونهم مع اجلهات‬ ‫الر�سمية التي �ستعمل على �إن�شاء �أماكن‬ ‫خ��ا� �ص��ة حل �ف��ظ وع��ر���ض امل�ق�ت�ن�ي��ات مبا‬ ‫يتيح الفر�صة لأبناء الإم��ارات والزائرين‬ ‫واملقيمني للتعرف على ح�ضارة الإم��ارات‬ ‫القدمية‪ .‬يف املقابل تويل الدولة اهتمام ًا‬ ‫ك �ب�ير ًا بالتنقيب ع��ن الآث� ��ار‪ ،‬وب�ين فرتة‬ ‫و�أخرى ن�سمع عن اكت�شافات �أثرية مهمة‬ ‫ت�ك���ش��ف ع��ن امل��زي��د م��ن ت��اري��خ ال��دول��ة‬ ‫واملنطقة»‪.‬‬

‫ذاكرة املكان والإن�سان‬

‫�أم��ا ال��روائ��ي الإم��ارات��ي علي �أب��و الري�ش‬ ‫فريى �أن «املقتنيات الأثرية متثل ذاكرة‬ ‫ل �ل��زم��ان وذاك � ��رة ل �ل �م �ك��ان ول�ل�إن �� �س��ان‪،‬‬ ‫واحلفاظ عليها هو حفاظ على الوجدان‪،‬‬ ‫وع�ل��ى ق ��درات معرفية وذه�ن�ي��ة ال ميكن‬ ‫تبذيرها وتركها يف الهواء الطلق وك�أننا‬ ‫عندما نهملها نهمل اجلزء املهم من ثقافة‬ ‫النا�س وم��ن الفعل الب�شري واحل�ضاري‬ ‫عرب �أزمنة ما�ضية»‪ .‬و�أ�ضاف‪« :‬يوجد الآن‬ ‫يف الإمارات الكثري من املقتنيات بني �أيدي‬ ‫�أ�شخا�ص مهتمني وه��واة‪ ،‬ول��ذا ال بد و�أن‬ ‫تتجه الدولة �إىل ترتيب وتنظيم اجلهد من‬ ‫�أجل احلفاظ على هذه املقتنيات الأثرية‬ ‫ذات الأهمية الق�صوى بالن�سبة لإن�سان‬ ‫الإمارات على مر الع�صور‪ ،‬وت�أ�سي�س مكان‬ ‫منا�سب حلفظها‪ .‬ف�أنا �أت�صور �أن��ه لي�س‬ ‫هناك �شعب من �شعوب الدنيا مل تكن له‬ ‫ح�ضارة ومل يكن له �إرث وال �أثر على وجه‬ ‫الأر���ض‪ ،‬وبالتايل يكون الفرق فقط بني‬ ‫�شعب و�آخر‪� ،‬أن هناك �شعوب ًا حافظت على‬ ‫تراثها و�شيدت املتاحف الكربى من �أجل‬ ‫احلفاظ على هذه الكنوز الثمينة‪ ،‬و�شعوب‬ ‫�أخرى رمبا تكون ت�ساهلت �أو جتاهلت هذا‬ ‫املقتنى‪ .‬والأوىل بامل�س�ؤولني يف الإم��ارات‬

‫من مقتنيات �رشكة امل�صب علي البياتي‬


‫قضية للنقاش‬ ‫‪42‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫للجهود من �أجل بناء �صرح ثقايف منا�سب‪.‬‬ ‫وع��ن م�ع��ان��اة بع�ض ه ��واة االق�ت�ن��اء ق��ال‪:‬‬ ‫«ه �ن��اك الكثري م��ن الأ��ش�خ��ا���ص ميتلكون‬ ‫مقتنيات �أثرية ثمينة‪ ،‬وكثري منهم طرقوا‬ ‫�أب��واب � ًا ع��دة بحث ًا ع��ن م��ن ي�ساعدهم يف‬ ‫احلفاظ على هذه املقتنيات‪ ،‬لكن معظم‬ ‫ه���ذه اجل� �ه ��ود ب� ��اءت ب��ال�ف���ش��ل ل �ظ��روف‬ ‫خمتلفة‪ .‬لذلك �أمتنى على امل�س�ؤولني عن‬ ‫الثقافة وع��ن الإجن ��از احل���ض��اري يف كل‬ ‫مناحيه �أن يلتفتوا �إىل هذا الأمر‪ ،‬لأن كل‬ ‫�شيء يزول ويبقى الأثر»‪.‬‬

‫جهود �شخ�صية‬

‫الروائي علي �أبو الري�ش‬

‫وه� ��ي ال� ��رائ� ��دة يف جم� ��ال الإجن � � ��ازات‬ ‫احل�ضارية املهمة على �صعيد املنطقة‪� ،‬أن‬ ‫يلتفتوا �إىل ه��ذه املقتنيات وه��ذه الكنوز‬ ‫وه ��ذا الأث���ر الإن �� �س��اين اجل�م�ي��ل ج ��د ًا يف‬ ‫حياتنا‪ ،‬فالإمكانيات متوافرة والقدرات‬ ‫�أي�ض ًا متوافرة وال ينق�صنا �سوى �أن ننتبه‬ ‫لهذا الإرث العظيم»‪.‬‬ ‫و� �ش��دد �أب ��و ال��ري����ش ع�ل��ى � �ض��رورة �إن���ش��اء‬ ‫متحف عام تابع للدولة �إىل جانب املتاحف‬ ‫ال�صغرية املوجودة يف الإم��ارات املختلفة‪،‬‬ ‫لأنه يف النهاية ميثل �سيادة الدولة‪ ،‬كما �أن‬

‫علي أبو الريش‪:‬‬ ‫المقتنيات األثرية تمثل‬ ‫ذاكرة للزمان والمكان‬ ‫والحفاظ عليها هو حفاظ‬ ‫على وجدان اإلنسان‬ ‫�أي مقتنى �أث��ري ميثل �سيادة دول��ة وكيان‬ ‫بلد وكيان �شعب‪ .‬لذلك ال بد �أن يكون هذا‬ ‫الإرث املهم يف ح�ضن الدولة لأنه يرتبط‬ ‫�أي�ض ًا بال�سيا�سة واالقت�صاد وال�سياحة‪،‬‬ ‫وب��ال �ت��ايل ال ب��د �أن ي �ك��ون ه �ن��اك توحيد‬

‫ت�سجيل وتوثيق‬ ‫ي�ؤكد ال�صحايف حممد عي�سى �أهمية ح�صر املقتنيات اخلا�صة ذات القيمة‬ ‫التاريخية لدى الأ�شخا�ص يف الدولة قائ ً‬ ‫ال‪« :‬هذه النقطة مهمة جداً وخا�صة‬ ‫فيما يتعلق باملقتنيات الأثرية لأنها تدون وت�سجل تراث بلد‪ ،‬فعلى �سبيل املثال‬ ‫عندما �أقتني قطعة معينة �أو �سيفاً يعود تاريخه �إىل حقبة تاريخية مهمة‬ ‫يف تاريخ البلد‪ ،‬يجب �أن �أق��وم بت�سجيله لدى جهة خمت�صة حلفظ القيمة‬ ‫املعنوية للتحفة للم�ستقبل‪ ،‬و�أي�ضاً مل�ساع��تي يف الت�أكد من تاريخ هذه القطعة‬ ‫و�أ�صالتها‪ .‬لذلك �أعتقد �أنه من ال�ضروري لبع�ض املقتنيات �أن ت�سجل حلفظ‬ ‫تاريخ البلد ولتوثيق القطعة»‪.‬‬

‫�أي���ض� ًا �أك��د علي �أب��و ال��ري����ش على �أهمية‬ ‫املخطوطات والوثائق الأثرية؛ قائ ًال‪« :‬لي�س‬ ‫ه�ن��اك �شك يف �أن ك��ل م��ا يرتبط بحياة‬ ‫الإن�سان يف املا�ضي يعترب �أثر ًا مهم ًا‪� ،‬سواء‬ ‫كان كتاب ًا �أو مقتنيات ا�ستهلكها الإن�سان‪،‬‬ ‫وبالن�سبة يل ال�ك�ت��اب ه��و الأه ��م‪ ،‬بحكم‬ ‫اهتمامي بالإن�سان‪ ،‬لكن هناك �أ�شخا�ص ًا‬ ‫�آخرين ميل�ؤون بيوت ًا كاملة بهذه املقتنيات‬ ‫وال �أح��د ينتبه‪ ،‬وه��ذه ه��ي امل�شكلة‪ .‬ويف‬ ‫النهاية‪ ،‬نحن ال نريد �أن نفقد ذاكرتنا‬ ‫ونريد �أن نحافظ على هذا الوعاء اجلميل‬ ‫املحتوي على �أثر �أجمل �أي�ض ًا‪ ،‬وبالن�سبة يل‬ ‫لدي هي كتب قدمية‬ ‫�أغلب الكتب املوجودة ّ‬ ‫وتراثية منذ الإجن��از احل�ضاري الثقايف‬ ‫العراقي القدمي وحتى اليوم»‪.‬‬ ‫وت� �ط ��رق �أب� ��و ال��ري ����ش �إىل ت��رك��ة بع�ض‬ ‫الكتاب املعا�صرين من كتب وخمطوطات‬ ‫ومقتنيات‪ ،‬وما قد تتعر�ض له من تبديد‬ ‫و�ضياع عقب وفاة الكاتب قائ ًال‪« :‬للأ�سف‬ ‫ال���ش��دي��د‪ ،‬لي�س ه�ن��اك ت��وج��ه حم��دد على‬ ‫ال���ص�ع�ي��د ال��ر� �س �م��ي ل�ل�ح�ف��اظ ع �ل��ى ه��ذه‬ ‫املقتنيات‪ ،‬وما قد يحدث يف هذا املجال ال‬ ‫يتعدى اجلهود ال�شخ�صية‪ ،‬وهذه م�شكلة‪،‬‬ ‫فتفتيت املهم وت�شتيته وتركه لل�صدفة ي�ضع‬ ‫الثقافة يف خطر كبري‪ ،‬لأن ثقافة الب�شر‬ ‫هي جهود ب�شرية �سواء على �صعيد الإبداع‬ ‫�أو االقت�صاد �أو غريها‪ .‬لو �أخذنا اجلانب‬ ‫الإبداعي جند �أن هناك ح�ضارات �سادت‬


‫وب��ادت وانتهت‪ ،‬ولكن بقي الأث��ر الثقايف‬ ‫م��وج��ود ًا‪ ،‬ون�ح��ن الآن ن��در���س م�ث� ً‬ ‫لا �أث��ر‬ ‫البابليني و�أثر الآ�شوريني و�أثر ال�سومريني‪،‬‬ ‫ول��وال �أن هناك �أ�شخا�ص ًا حافظوا على‬ ‫ه��ذه الآث��ار ملا ع��رف �أح��د �شيئ ًا عن هذه‬ ‫احل���ض��ارات وغ�يره��ا‪ .‬فاحلا�ضر يف يوم‬ ‫ما �سيكون ما�ضي ًا‪ ،‬و�إن مل نحافظ على ما‬ ‫هو موجود الآن ف�سي�صبح املا�ضي جمرد‬ ‫�صحراء قاحلة ب�لا �شجر �إب��داع��ي وبال‬ ‫ثمر‪ .‬وبالتايل �أنا �أت�صور �أن الدولة الآن‬ ‫بقدراتها الهائلة االقت�صادية والثقافية‬ ‫حمتاجة ل��وزارة تهتم بهذا ال�ش�أن‪ ،‬فهذا‬ ‫هو ع�صب احلياة الأ�سا�سي لكل ال�شعوب‬ ‫يف ال��ع��امل‪ ،‬ون �ح��ن ع �ن��دم��ا ن��در���س عن‬ ‫��ش�ع��وب وح �� �ض��ارات ال �ع��امل ال ن�ع�ل��م من‬ ‫كان غني ًا �أو فقري ًا‪ ،‬بل نقر�أ عن من كان‬ ‫كاتب ًا �أو فيل�سوف ًا �أو مفكر ًا‪ ،‬لأن اخللود‬ ‫احلقيقي ل�ل�إب��داع‪ .‬و�إن مل نحافظ على‬ ‫الإب��داع فك�أننا ندخل يف حرب مع الذات‬ ‫با�ستخدام م�ع��اول لته�شيم ه��ذه ال��ذات‬ ‫وترك املخزون الثقايف يذهب هباء»‪.‬‬

‫ر�سالة ح�ضارية‬

‫م��ن ناحيته؛ ق��ال حممد عي�سى م�ساعد‬ ‫مدير التحرير يف �صحيفة االحت��اد‪« :‬يف‬ ‫ال�ب��داي��ة ق�ضية جمع التحف واملقتنيات‬ ‫الأث��ري��ة ه��ي ه��واي��ة تنبع م��ن ال�شخ�ص‬ ‫نف�سه‪ ،‬لكن مع مرور الوقت تت�ضاعف قيمة‬ ‫هذه املقتنيات ورمبا تغدو جزء ًا مهم ًا من‬ ‫تراث بلد وح�ضارته‪ .‬ويف الإمارات‪ ،‬هناك‬ ‫اه�ت�م��ام ك�ب�ير وحقيقي ت��ول�ي��ه احلكومة‬ ‫لهذا اجل��ان��ب‪ ،‬وق��د مل�سناه ب�شكل خا�ص‬ ‫يف ال �ف�ترة الأخ �ي�رة ع�بر م �ب��ادرات ع��دة‬ ‫مثل �إحياء مناطق قدمية كانت مهجورة‬ ‫من قبل‪ ،‬والإع�لان عن اكت�شافات �أثرية‬ ‫جديدة‪ .‬ال�شق الثاين يف هذا املو�ضوع هو‬ ‫االهتمام باملتاحف‪ ،‬هناك يف كل �إم��ارة‬ ‫متحف �أو �أكرث‪ ،‬و�أعتقد �أن ال�شارقة �أكرث‬ ‫�إمارة معنية بالرتاث والآثار وفيها العديد‬ ‫من املتاحف �أو امل��راك��ز التي تهتم بهذا‬ ‫اجلانب‪� .‬أي�ض ًا �أولت �أبوظبي يف ال�سنوات‬

‫حممد عي�سى‬

‫محمد عيسى‪ :‬ال بد من‬ ‫وجود جهة مختصة لحصر‬ ‫وتسجيل المقتنيات ذات‬ ‫القيمة التاريخية لدى‬ ‫األشخاص في الدولة‬ ‫ألنها جزء من تراث البلد‬ ‫اخلم�س املا�ضية ق�ضية الرتاث واملقتنيات‬ ‫الأث��ري��ة اه�ت�م��ام� ًا ك �ب�ير ًا‪ ،‬وو��ض�ع�ت�ه��ا يف‬ ‫مقدمة �أولوياتها من خالل �إقامة العديد‬ ‫م��ن امل�ت��اح��ف ال�ع��امل�ي��ة‪ ،‬وه��ي خ�ط��وة غري‬ ‫م�سبوقة‪ ،‬لأنها ال تهتم فقط برتاثنا لكن‬ ‫�أي�ض ًا ت�ستدعي ح�ضارات العامل لعر�ضها‬

‫أبو الريش‪ :‬كل مقتنى‬ ‫أثري يمثل سيادة وكيان‬ ‫بلد وشعب وال بد أن‬ ‫يكون في حضن الدولة‬ ‫ألنه يرتبط بالسياسة‬ ‫واالقتصاد والسياحة‬

‫يف الإم� ��ارات‪ .‬و�أع�ت�ق��د �أن الر�سالة من‬ ‫هذه امل�شروعات �أكرب من �إن�شاء متاحف‪،‬‬ ‫وال تقت�صر على عر�ض مقتنيات عاملية‬ ‫وحملية‪ ،‬لكن �أت��وق��ع �أن�ه��ا تهدف لتغذية‬ ‫االه�ت�م��ام ب��ال�تراث وب��اجل��ان��ب ال�تراث��ي‪،‬‬ ‫والتوا�صل مع احل�ضارات الأخ��رى وخلق‬ ‫جيل واع ومهتم ومطلع على �أهمية وقيمة‬ ‫هذه املقتنيات‪ .‬يف املقابل؛ �أتوقع �أن تبذل‬ ‫املزيد من اجلهود لتوعية فئات املجتمع‬ ‫املختلفة ب��أه�م�ي��ة م�ع��رف��ة ت��اري��خ ال��دول��ة‬ ‫واملنطقة والتعرف على تراثها‪ ،‬والعمل‬ ‫ع�ل��ى ت�شجيع امل��واط �ن�ين ال��ذي��ن �شكلوا‬ ‫متاحف للمقتنيات الثمينة يف منازلهم‪،‬‬ ‫وهو ما يعك�س القيمة الكبرية للرتاث يف‬ ‫نفو�س الإم��ارات�ي�ين و�إدراك �ه��م لأهمية ما‬ ‫لديهم من مقتنيات‪ ،‬و�أعتقد �أننا ننفرد‬ ‫بهذا الأمر يف الإمارات‪.‬‬ ‫من جانب �آخ��ر ي�ؤكد عي�سى على �أهمية‬ ‫ح�صر املقتنيات اخل��ا��ص��ة ذات القيمة‬ ‫ال�ت��اري�خ�ي��ة ل��دى الأ� �ش �خ��ا���ص يف ال��دول��ة‬


‫قضية للنقاش‬ ‫‪44‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫الفنان حممد مندي مع لوحة للمرحوم ال�شيخ زايد من تخطيطه‬

‫ق��ائ� ً‬ ‫لا‪«:‬ه��ذه النقطة مهمة ج��د ًا وخا�صة‬ ‫فيما يتعلق باملقتنيات الأثرية لأنها تدون‬ ‫وت�سجل تراث بلد‪ ،‬على �سبيل املثال عندما‬ ‫�أقتني قطعة معينة �أو �سيف ًا يرجع تاريخه‬ ‫�إىل �سنوات طويلة‪ ،‬يجب �أن �أقوم بت�سجيله‬ ‫لدى جهة خمت�صة حلفظ القيمة املعنوية‬ ‫للتحفة للم�ستقبل‪ ،‬و�أي�ض ًا مل�ساعدتي يف‬ ‫الت�أكد من تاريخ هذه القطعة و�أ�صالتها‪.‬‬ ‫ل��ذل��ك �أعتقد �أن��ه م��ن ال���ض��روري لبع�ض‬ ‫املقتنيات �أن ت�سجل حلفظ ت��اري��خ البلد‬ ‫ولتوثيق القطعة»‪.‬‬ ‫و�أ��ض��اف‪«:‬ل�ل�إع�لام دور مهم يف التوثيق‬ ‫ون �� �ش��ر ال �ث �ق��اف��ة ويف ال �ت �ف��اع��ل م��ع ه��ذه‬ ‫امل�ب��ادرات �أي�ض ًا‪ ،‬وميكن �أن يكون همزة‬ ‫و�صل بني �أ�صحاب املقتنيات وبني اجلهة‬ ‫امل �ع �ن �ي��ة‪ ،‬وو� �س �ي �ل��ة ل �ت �ع��ري��ف امل �� �س ��ؤول�ين‬ ‫و�أ�صحاب القرار باملقتنني و�أماكنهم‪ ،‬وهو‬ ‫دور مهم‪ .‬فعمل الإع�لام ال يقت�صر على‬ ‫نقل اخلرب‪ ،‬الذي ي�أتي يف املرحلة الثالثة‬ ‫�أو الرابعة من �أولويات املهنة‪ ،‬لكنه يهتم‬ ‫�أك�ث�ر بالتوثيق ال��ذي ي ��أت��ي يف املرتبتني‬ ‫الأوىل والثانية‪ ،‬ومن ثم ن�شر ثقافة ت�أمني‬ ‫ه��ذه املقتنيات وكيفية احل �ف��اظ عليها‬ ‫والتعامل معها»‪.‬‬ ‫�دي‬ ‫وع��ن عالقته باالقتناء؛ ق��ال عي�سى‪« :‬ل� ّ‬ ‫جمموعة من الوثائق التي ترتبط بجريدة‬ ‫االحت��اد ومطبوعاتها الأوىل و�أن��ا �أعتربها‬ ‫ثروة �أحتفظ بها‪ ،‬بالإ�ضافة للعديد من‬ ‫املقتنيات الأخ���رى‪ ،‬حيث يوجد جناح‬ ‫خا�ص يف بيت العائلة مت ت�صميمه بروح‬ ‫ت��راث�ي��ة‪ ،‬وه��و مزين بقطع �أث��ري��ة وبع�ض‬ ‫الأدوات والفر�ش القدمية‪ ،‬هو ركن خا�ص‬ ‫موجود يف املنزل من قبل �أربعني �أو خم�سني‬ ‫�سنة‪ ،‬و�أعتقد �أنه من �أجمل الأركان املوجودة‬ ‫باملنزل �سواء من حيث اجلل�سات وال�صور‬ ‫والر�سومات والب�شتختي‪ ،‬ولأنني ع�شت الطابع‬ ‫البحري فهناك الكثري من حمامل ال�سفن‬ ‫و�أ�شكال متعددة لها‪ .‬وعندما‬ ‫�أك� ��ون م �ت��وت��ر ًا �أو م�شغو ًال‪،‬‬ ‫�أدخل �إىل هذا الركن اخلا�ص‬ ‫ب � ��الأدوات ال�ق��دمي��ة ف�أ�شعر‬


‫نف�سي ًا �أين انتقلت من مرحلة �إىل مرحلة‬ ‫�أخ��رى �أ�ست�شعر فيها الراحة‪ ،‬و�أتخفف من‬ ‫الكثري من الهموم والأم��ور التي ت�سبب يل‬ ‫بع�ض الهواج�س‪ ،‬و�أعود �إىل احلياة الب�سيطة‬ ‫يف امل��ا��ض��ي‪ ،‬وم ��رات ك�ث�يرة �أدع ��و ال��وال��دة‬ ‫للجلو�س معي يف هذا الركن لأين �أ�شعر بنوع‬ ‫من الهدوء النف�سي الذي يعيدين للما�ضي‪،‬‬ ‫وه��و بكل تفا�صيله مهم ج��د ًا‪ ،‬خا�صة و�أن‬ ‫هناك الكثري من املقتنيات وامل�شغوالت اليدوية‬ ‫والأواين التي تعود لوالدتي‪ ،‬ولكن القطعة‬ ‫الأك�ث�ر �أهمية بالن�سبة لها تتمثل يف طقم‬ ‫ذهب ال زالت حتتفظ به منذ زفافها وتعتربه‬ ‫�أكرب كنز بالن�سبة لها وهي حري�صة جد ًا على‬ ‫االحتفاظ به‪ ،‬وبني فرتة و�أخرى تقوم بتنظيفه‬ ‫مبواد خا�صة وحتفظه بطريقة معينة»‪.‬‬ ‫وتطرق عي�سى �إىل ق�ضية �أخ��رى مرتبطة‬ ‫باملتاحف واحل �ف��اظ على ال�ت�راث؛ قائ ًال‪:‬‬ ‫«هناكق�ضية�أخرىترتبطب�شكلمبا�شربهذه‬ ‫الق�ضية‪ ،‬هي الهوية الوطنية وتر�سيخها لدى‬ ‫الأجيال القادمة‪ ،‬كذلك تر�سيخ اللغة العربية‬ ‫حيث يجب �أن نغر�س حب اللغة وتفا�صيلها‬ ‫ونعلمها بال�شكل ال�صحيح للأجيال اجلديدة‬ ‫ملواجهة طوفان التكنولوجيا والعوملة ومواقع‬ ‫التوا�صل االجتماعي وال�شبكات العنكبوتية‬ ‫التي �أخ��ذت �أغلب وق��ت �شبابنا يف الوقت‬ ‫احلا�ضر‪ .‬وهذه م�س�ؤولية كبرية وعلى املجتمع‬ ‫�أن يكون متعاون ًا يف حتملها‪� ،‬سواء امل�ؤ�س�سات‬ ‫احلكومية �أو امل�ؤ�س�سات اخلا�صة والأ�سر‪،‬‬ ‫خا�صة فيما يتعلق بتكري�س اللغة العربية‪،‬‬ ‫فهناك �شباب بني اخلام�سة ع�شرة والع�شرين‬ ‫�سنة ال يتقنون اللغة العربية ال الف�صحى وال‬ ‫العامية‪ ،‬وهناك بع�ض امل�سميات القدمية‬ ‫التي لدينا اندثرت‪ ،‬و�إن �س�ألت ال�شاب عنها‬ ‫يقول لك‪ :‬ما هذه الكلمة؟ �أنا ال �أعرفها‪ ،‬مع‬ ‫�أنها كانت متداولة جد ًا»‪.‬‬

‫تكرمي مادي ومعنوي‬

‫من ناحيته قال اخلطاط الإماراتي حممد‬ ‫مندي‪« :‬هناك فع ًال كثري من الأ�شخا�ص‬ ‫يف الدولة ي�شرتون املقتنيات بدافع حب‬ ‫الرتاث وتعلقهم به‪ ،‬وينفقون مبالغ طائلة‬

‫املهند�س وليد الزعابي‬

‫الزعابي‪ :‬أدعو أصحاب‬ ‫الرأي والقرار في مختلف‬ ‫اإلمارات لتوحيد الجهود‬ ‫إلنشاء متحف خاص بكل‬ ‫إمارة يعنى بالمقتنيات‬ ‫األثرية والكنوز التاريخية‬ ‫الموجودة لدى الهواة‬ ‫يف هذا املجال‪ ،‬ولكن غالب ًا يحتفظون بهذه‬ ‫املقتنيات يف �أماكن غري مهي�أة �أو منا�سبة‪.‬‬ ‫ولذا من اجليد واملهم �أن يكون لدى الدولة‬ ‫وامل�س�ؤولني عن الرتاث نية �إقامة متاحف‬

‫محمد مندي‪ :‬الكثير من‬ ‫هواة االقتناء في اإلمارات‬ ‫يمتلكون مقتنيات مهمة‬ ‫وينتظرون دعوة من‬ ‫المسؤولين عن اآلثار‪،‬‬ ‫حتى يهدونها بأنفسهم‬ ‫للدولة‬

‫خ ��ا�� �ص ��ة ب��امل �ق �ت �ن �ي��ات‬ ‫ال �ق��دمي��ة وال�ت�راث��ي��ة‪ ،‬و�أن‬ ‫ي��وج��ه��ون ال� ��دع� ��وة ل��ه���ؤالء‬ ‫الأ��ش�خ��ا���ص لفح�ص م��ا لديهم‬ ‫من قطع‪ ،‬وجلب القيم منها لعر�ضه يف‬ ‫هذه املتاحف‪ ،‬فاملقتنيات الثمينة والنادرة‬ ‫يجب �أن تتاح للجمهور‪ ،‬ال �أن حتفظ يف‬ ‫مكان مغلق ال يراها �إال �صاحبها فقط‪.‬‬ ‫وطبع ًا ال بد �أن تت�ضمن الدعوة للم�شاركة‬ ‫يف امل �ت��اح��ف ت �ك��رمي � ًا م ��ادي� � ًا وم �ع �ن��وي � ًا‬ ‫لأ�صحاب املقتنيات مثل و�ضع �سرية ذاتية‬ ‫ل�ه��م‪� ،‬أي ي��ذك��ر يف �سجالت املتحف �أن‬ ‫هذا ال�شخ�ص �أه��دى كذا قطعة‪ ،‬و�أهمية‬ ‫كل قطعة منها‪ .‬فنحن لدينا تراث قدمي‬ ‫�ضخم وج��دي��ر ب��احل�ف��ظ وه �ن��اك الكثري‬ ‫من الأ�شخا�ص الذين ميتلكون مقتنيات‬ ‫مهمة وينتظرون دع��وة م��ن احلكومة �أو‬ ‫من امل�س�ؤولني عن الآث��ار‪ ،‬حتى يهدونها‬ ‫ب�أنف�سهم للدولة‪.‬‬ ‫و�أ�ضاف‪«:‬من ال�ضروري �أن يكون هناك‬ ‫م �ت �ح��ف ل� �ل�ت�راث يف ك ��ل �إم�� � ��ارة‪ ،‬وم��ن‬


‫قضية للنقاش‬ ‫‪46‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫الدكتور �أحمد اخلوري‬

‫من مقتنيات �أحمد اخلوري‬

‫ال�ضروري �إن�شاء متحف وطني يف �أبوظبي‬ ‫لأن �ه��ا عا�صمة ال��دول��ة وت�ستقبل الكثري‬ ‫م��ن ال��زي��ارات ال�سياحية‪ ،‬على �أن يتمتع‬ ‫ه��ذا املتحف بت�صميمات راقية مدرو�سة‬ ‫م��ن حيث امل�ساحة وال��دي �ك��ور والإ� �ض��اءة‬ ‫وال�صيانة ودرجات الرطوبة واحلرارة‪� ،‬أي‬ ‫�أن يكون متحف ًا الئق ًا بهذه القطع الثمينة»‪.‬‬ ‫وا�ستطرد حممد م�ن��دي‪« :‬ه�ن��اك العديد‬ ‫م��ن القطع الأث��ري��ة ال �ن��ادرة امل��وج��ودة يف‬ ‫الإم ��ارات‪ ،‬وم��ن بينها كنوز من الر�سائل‬ ‫القدمية وامل�صاحف الأث��ري��ة واللوحات‪،‬‬ ‫و�أن� ��ا �أع� ��رف �أ� �ش �خ��ا� �ص � ًا �أم� �ث ��ال م�ع��ايل‬ ‫حممد �أحمد امل��ر رئي�س املجل�س الوطني‬


‫االحت � ��ادي‪ ،‬وه ��و لديه‬ ‫ما ي�شبه املتحف الذي‬ ‫ي�ضم قطع ًا ثمينة غري‬ ‫موجودة عند �أح��د �آخر‪،‬‬ ‫وعندما �س�ألناه ملاذا تقتني‬ ‫هذه املقتنيات؟ قال كي �أتنف�س‬ ‫بها‪ ،‬وهو رد يليق ب�أديب وكاتب و�شاعر‪.‬‬ ‫وبالن�سبة يل عندما زرت املكان متنيت‬ ‫�أن يفتحه للنا�س فهو يف م�ستوى املتاحف‬ ‫من حيث املكان والديكور والقطع اخلطية‬ ‫الثمينة والأ�صلية املوجودة لديه‪ .‬كما �أن‬ ‫معايل وزير الثقافة عبد الرحمن العوي�س‬ ‫ق��د ع��ر���ض يف ال�ف�ترة الأخ�ي�رة �أك�ث�ر من‬ ‫‪ 90‬قطعة يف ال�شارقة و�أثنى عليها حاكم‬ ‫ال�شارقة‪ .‬من جانب �آخ��ر؛ ي�سهم �إن�شاء‬ ‫امل�ت��اح��ف الوطنية يف ت�شجيع ال�سياحة‬ ‫وي�سهم يف دعم االقت�صاد‪ .‬ولنا قدوة يف‬ ‫املغفور له ب ��إذن اهلل تعاىل ال�شيخ زايد‬ ‫رحمه اهلل‪ ،‬ال��ذي �أ�ص ّر على �إن�شاء �أكرب‬ ‫م�سجد يف العامل من حيث امل�ساحة و�أكرب‬ ‫�سجادة و�أكرب ثريا‪ ،‬كذلك اعتمدت زينة‬ ‫امل�سجد بالكامل على التطعيم واحلفر‬ ‫بالليزر‪ .‬وكان ن�صيبي �أن �أعمل املحراب يف‬ ‫م�سجد ال�شيخ زايد‪ .‬و�إن �أردنا �أن نتحدث‬ ‫عن حجم الزيارات اليومية للم�سجد فهي‬ ‫ال تقل عن �ستة �آالف �شخ�ص‪ ،‬حيث �أ�صبح‬ ‫معلم ًا م�شهود ًا‪ ،‬وبعد خم�سني �سنة �سيغدو‬ ‫�صرح ًا �أثري ًا من �آثار ال�شيخ زايد وتراثه»‪.‬‬ ‫وعن ما لديه من مقتنيات خا�صة؛ �أو�ضح‪:‬‬ ‫«يف ال��واق��ع �أن ��ا �أح �ف��ظ �أ� �ص��ول الكتابة‬ ‫لأ�ستاذي �سيد �إبراهيم من م�صر الذي‬ ‫در�سني اخل��ط‪ ،‬ولأ�ستاذي ال�شيخ ح�سن‬ ‫ال�شلبي الذي در�سني اخلط يف تركيا يف‬ ‫�أ�سطنبول»‪.‬‬

‫�إناء فخاري من ع�رص العبيد «جزيرة مروح» �أبوظبي‬

‫ت�سل�سل تاريخي‬

‫�أكد خبري املقتنيات علي البياتي على �ضرورة‬ ‫معرفة الت�سل�سل التاريخي للقطع الأثرية‪،‬‬ ‫ق��ائ� ً‬ ‫لا‪« :‬ال بد من معرفة منبع املقتنيات‪،‬‬ ‫وكيف و�صلت لل�شخ�ص الذي يحفظها‪ ،‬و�إذا‬ ‫كانت اقتنيت ب�شكل ر�سمي �أو غري ر�سمي‪،‬‬

‫�إناء برونزي ذو م�صب «�ساروق احلديد» دبي‬


‫قضية للنقاش‬ ‫‪48‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫و�إن كان يوجد لها �أوراق موثقة‪.‬‬ ‫ول��ذل��ك ت�ب�رز احل��اج��ة ملتاحف‬ ‫وطنية حلفظ وع��ر���ض وتوثيق‬ ‫املقتنيات»‪ .‬و�أ�ضاف‪« :‬يف الغرب‬ ‫ال ت�سجل كل القطع‪� ،‬إمن��ا ت�سجل‬ ‫فقط القطع الأث��ري��ة ال�ت��ي يزيد‬ ‫عمرها على ‪� 300‬سنة‪� ،‬أم ��ا �إذا‬ ‫ك��ان عمر القطع �أق��ل من ‪� 300‬سنة‬ ‫ف�لا يتطلب ذل��ك ت�سجيلها‪ ،‬وك��ل من‬ ‫ميلك قطعة اثرية عمرها ‪� 300‬سنة �أو �أكرث‬ ‫عليه �أن يبلغ عنها اجلهات املعنية حتى يتم‬ ‫حفظها بالطريقة املنا�سبة وحتظى بالعناية‬ ‫الالزمة»‪.‬‬ ‫وحول املو�ضوع ذاته ي�ؤكد �أحد هواة االقتناء‬ ‫الدكتور �أحمد اخلوري �أن االهتمام من قبل‬ ‫اجلهات الر�سمية مبعرفة املقتنيات الأثرية‬ ‫�شيء جيد‪ ،‬قائ ًال‪« :‬بالت�أكيد �إن االطالع على‬ ‫القطع الأث��ري��ة والعناية بجمعها يف مكان‬ ‫خا�ص �أو متحف كبري �أ�صبح �أم ��ر ًا ملح ًا‪،‬‬ ‫وخا�صة �أن �أ�صحاب ه��ذه القطع ا�شرتوها‬ ‫و�أك�ثره��م ه��واة ولي�سوا جت ��ار ًا‪ ،‬وكما �سبق‬ ‫وذك��رمت يف «جملة ت��راث» ف ��إن احلكومة ال‬ ‫تبخل يف هذا املجال‪ ،‬ومن املفيد للدولة �أن‬ ‫يتم جمع وت�سجيل القطع النادرة وتو�ضع يف‬ ‫متحف ال�شيخ زاي��د الوطني‪� ،‬أو �أي متحف‬ ‫وطني يخ�ص�ص لكل ما يتعلق بالإمارات‪ ،‬كما‬ ‫يعنى باملقتنيات املرتبطة بالتاريخ اخلليجي‬ ‫والإ�سالمي»‪.‬‬

‫ثقافة وتقدير للتاريخ‬

‫‪ ..‬ويبقى الأثر‬ ‫قال الروائي علي �أبو الري�ش �إن هناك الكثري من الأ�شخا�ص يف الإمارات‬ ‫ميتلكون مقتنيات �أثرية ثمينة‪ ،‬وكثري منهم طرقوا �أبواباً عدة بحثاً عن‬ ‫من ي�ساعدهم يف احلفاظ على ه��ذه املقتنيات‪ ،‬لكن معظم ه��ذه اجلهود‬ ‫باءت بالف�شل لظروف خمتلفة‪ .‬لذلك �أمتنى على امل�س�ؤولني عن الثقافة‬ ‫وعن الإجناز احل�ضاري يف كل مناحيه �أن يلتفتوا �إىل هذا الأمر‪ ،‬لأن كل‬ ‫�شيء يزول ويبقى الأثر‪.‬‬

‫من ناحيته �أو�ضح الفنان الت�شكيلي حممد‬ ‫عبد اللطيف كانو‪�« :‬إن االقتناء للنفي�س من‬ ‫الآث��ار �أو اللقى الأثرية �أو املخطوطات �أو‬ ‫الأعمال الفنية هو واح ٌد وي�صب يف خدمة‬ ‫ال�شغف املتو ّلد لدى املقتني �أو جامع الآثار‪،‬‬ ‫ف�أنا �أعترب �أن رغبة االقتناء بذاتها هي‬ ‫تنم عن ثقافة عالية لدى �صاحبها‪ ،‬وتنبع‬ ‫ّ‬ ‫م��ن تقدير عميق للقطعة �أك��ان��ت فنية �أو‬ ‫�أثرية‪ ،‬وهنا تربز �أهمية �أن ي�سعى الإن�سان‬ ‫�إىل العناية بهذه القطع الفنية واالحتفاظ‬ ‫بها يف ظ��روف خا�صة و��ش��روط ت�سهم يف‬


‫�إناء من احلجر ال�صابوين ‪ -‬ن�صلة ‪ -‬ر�أ�س اخليمة‬

‫متثال برونزي من موجودات املليحة ‪ -‬ال�شارقة‬

‫احلفاظ عليها وعدم الإ�ضرار بحالتها‪.‬‬ ‫وعن جتربته ال�شخ�صية قال‪«:‬لقد تع ّلمت‬ ‫الكثري من والدي وهو م�ؤ�س�س متحف«بيت‬ ‫القر�آن» يف البحرين‪ ،‬و�أحد كبار جامعي‬ ‫املخطوطات الإ�سالمية واللقى الأثرية يف‬ ‫اخلليج والعامل العربي‪ ،‬وقد كانت جمموعة‬ ‫مقتنياته ركيزة ت�أ�سي�س املتحف‪ ،‬تعلمت‬ ‫منه �أن االعتناء بالقطع الأثرية واملقتنيات‬ ‫عملية اهتمام يومي ودائ��م‪ ،‬ب��ل وعملية‬ ‫درا�سة وتعلُّم م�ستمرة �إذ �إن على املقتني‬ ‫واجل��ام��ع �أن ي��در���س قيمتها ويبحث عن‬ ‫تاريخها لي�صل �إىل تقدير حقيقي لأهمية‬ ‫امتالكها �أو اقتنائها‪ .‬ويل ر�أي �أعتقد �أنه‬ ‫ال ب ّد من �أن ُي�سهم يف تعزيز �آليات �إطالق‬ ‫املتاحف الوطنية املتخ�ص�صة يف اخلليج‪،‬‬ ‫وهو يق�ضي ب�أن يتم تقليد القطع الأثرية‬ ‫اخلا�صة باملقتنني‪ ،‬وعر�ض النماذج عنها‬ ‫يف املتاحف ليتعلم اجلمهور عنها وحولها‪،‬‬ ‫�أو �أن يتم الإه ��داء امل ��ؤق��ت لهذه القطع‬ ‫للمتاحف بت�أمني فرتة حمدودة تتم بعدها‬ ‫�إعادة القطع �إىل �أ�صحابها‪ ،‬ف�أنا �أعلم �أن‬ ‫هذه القطع هي جزء من املوروث الإن�ساين‬ ‫احل �� �ض��اري ال ��ذي ال مي�ت�ل��ك �أح � � ٌد احل��ق‬ ‫يف االحتفاظ به بعيد ًا عن عيون النا�س‬ ‫ومعرفتهم به‪.‬‬ ‫وث�م��ن ك��ان��و اجت��اه الإم� ��ارات �إىل ت�أ�سي�س‬ ‫متاحف خا�صة ت�ضم فيها القطع واللقى‬ ‫الأثرية القدمية النادرة؛ قائ ًال‪« :‬يحب �أن‬ ‫ي��رى املواطن مالمح من تاريخه‪ ،‬كما �أن‬ ‫ال�سائح يحب �أن يرى املعامل القدمية‬ ‫والتحف الأث��ري��ة يف البلد ال��ذي‬ ‫يق�صد زي��ارت��ه‪ ،‬فعندما زرت‬ ‫ال���س��وي��د ك�ن��ت ح��ري���ص� ًا على‬ ‫زي� ��ارة م��دي�ن��ة �أوب �� �س��اال وه��ي‬ ‫م��ن �أج��م��ل امل� ��دن ب���ص��روح�ه��ا‬ ‫ال�ت��اري�خ�ي��ة‪ ،‬وك��ذل��ك ح�ين ��ش��اه��دت �أق��دم‬ ‫م �ع��امل ال���ص�ين م��ن ال �� �س��ور ال�ع�ظ�ي��م �إىل‬ ‫الق�صر ال�صيفي مرور ًا باملدينة املحرمة‪.‬‬ ‫مثل هذه املعامل التاريخية والآثار القدمية‬ ‫هي التي ت�شد الزائر وت�شرح �صدره وتبقى‬ ‫يف ذاكرته»‬


‫ساحة الحوار‬ ‫‪50‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫رائد الدرا�سات الكال�سيكية يف العامل العربي‬

‫الدكتور أحمد عتمان‪:‬‬ ‫العرب والمسلمون قدموا لعصر النهضة‬ ‫األوروبية األنموذج الذي يحتذى به‬


‫حاوره ‪ -‬خالد بيومي‬ ‫قلل رائد الدرا�سات الكال�سيكية يف‬ ‫العامل العربي الدكتور �أحمد عتمان‬ ‫من �أهمية التخوفات التي يطلقها‬ ‫ال �ب �ع ����ض ع �ل��ى ال �ه��وي��ة ال�ث�ق��اف�ي��ة‬ ‫العربية‪ ،‬حتت وط�أة التحوالت التي‬ ‫ي�شهدها ال�ع��امل‪ ،‬و�أ��ض��اف خماطباً‬ ‫اخل��ائ�ف�ين م��ن ذل ��ك‪« :‬ن�ح��ن لدينا‬ ‫م�صفاة قوية هي العروبة والإ�سالم‪،‬‬ ‫وال جمال للخوف»‪.‬‬ ‫ابن ر�شد من �أعمال الفنان الإيطايل �أندريا دافرينزي «القرن الرابع ع�رش»‬

‫وح��دد يف ح��وارن��ا ال�ت��ايل معه‪ ،‬م��ا ي�شبه‬ ‫ال�شروط املنهجية التي ت�ضمن �أن ي�ستمر‬ ‫دور وت�أثري «تراثنا احلي» رغم كل حمالت‬ ‫الهجوم عليه‪ ،‬معترب ًا �أن هذا الرتاث هو‬ ‫�أ�صل الوحدة واال�ستمرارية‪ ،‬قائ ًال‪�« :‬إن‬ ‫مفهوم ال�تراث احلي هو ال�شيء الوحيد‬ ‫ال��ذي ي�شفع لنا حتى اليوم يف احلديث‬ ‫عن وجود وعي عربي �إ�سالمي»‪ .‬و�أ�ضاف‪:‬‬ ‫«ينبغي �أن ندر�س تراثنا جيد ًا‪ ،‬ونوظفه‬ ‫خلدمة احلا�ضر وامل�ستقبل»‪ ،‬الفت ًا �إىل‬ ‫خطورة �إهمالنا للكنوز التي ت�شكل بنيان‬ ‫تراثنا القومي بينما يفيد منها الآخرون‪،‬‬ ‫وقال �إن العرب وامل�سلمني قدموا لع�صر‬ ‫النه�ضة الأوروبية الأمنوذج الذي يحتذى‬ ‫به‪ ،‬وكان لهم الف�ضل يف تعريف الأوروبيني‬ ‫ببع�ض ت ��راث �أج��داده��م الإغ��ري��ق‪� ،‬إال‬ ‫�أننا اليوم – للأ�سف‪ -‬اكتفينا بالت�شدق‬ ‫ب�أننا �أ�صحاب ح�ضارة بينما غابت هذه‬ ‫احل�ضارة عن حياتنا اليومية وثقافتنا‬ ‫و�سلوكنا‪.‬‬ ‫وقال عتمان �إن �أحد �أ�سرار تفوق احل�ضارة‬ ‫الإ�سالمية‪ ،‬خا�صة يف الع�صر العبا�سي‪،‬‬

‫ابن رشد له الفضل‬ ‫في تعريف األوروبيين‬ ‫ببعض تراث أجدادهم‬ ‫اإلغريق‪ ..‬والسيما‬ ‫أرسطو‬ ‫هو انفتاحها على الثقافات العاملية‪ ،‬الفت ًا‬ ‫�إىل �أن ترجمة العرب للرتاث اليوناين يف‬ ‫تلك الفرتة دليل على �سعة �أفقهم ومدى‬ ‫ا�ستيعابهم لتاريخ احل�ضارات القدمية‬ ‫وم��دى تفتحهم وا�ستعدادهم للنه�ضة‪،‬‬ ‫م��ؤك��د ًا �أن ال��ذي ي�سعى للنه�ضة ال يغلق‬ ‫الأب��واب‪ ،‬بل يفتح كل الأب��واب والنوافذ‬ ‫على كافة احل�ضارات‪.‬‬

‫عرف العرب القدامى‬ ‫المالحم وبعضها ال‬ ‫يزال موجود ًا واإللياذة‬ ‫واألوديسة اشتهرت‬ ‫ألنها النسخة األحدث‬ ‫واألكثر نضج ًا‬

‫كيف ترى �آف��اق العالقة بني الرتاث‬ ‫العربي والرتاث الإغريقي؟‬ ‫�آفاق هذه العالقة ممتدة منذ قرون من‬ ‫الزمن بد�أت قبل الإ�سالم مبئات ال�سنني‪،‬‬ ‫وال �شك يف �أن الظروف اجلغرافية من‬ ‫م��وق��ع وم �ن��اخ وت���ض��اري����س ت�ع��د م��ن �أه��م‬ ‫ال�ع��وام��ل التي حت��دد م�سار احل�ضارات‬ ‫الب�شرية‪ .‬وم��ن ث��م ف���إن ن�ظ��رة مقارنة‬ ‫و�سريعة ل�ل�ظ��روف اجل�غ��راف�ي��ة يف بالد‬ ‫الإغ��ري��ق و�إي �ط��ال �ي��ا ه��ي م�ف�ت��اح الفهم‬ ‫امل�ستنري ل�تراث ك��ل منهما احل�ضاري‪.‬‬ ‫ك��ان��ت ب�ل�اد الإغ��ري��ق م��ن ح�ي��ث امل ��وارد‬ ‫الطبيعية بيئة جغرافية ط ��اردة‪� ،‬أي ال‬ ‫ت�ستوعب �أع� ��داد ًا ك�ب�يرة م��ن ال�سكان‪،‬‬ ‫مما دفع �أهلها �إىل البحر فكان لهم فيه‬ ‫العو�ض كل العو�ض‪ ،‬وكانت اجلزر يف حر‬ ‫�إيجه متثل همزة الو�صل بني بالد الإغريق‬ ‫و�آ��س�ي��ا ال�صغرى بح�ضارتها ال�شرقية‬ ‫ذات املا�ضي العريق وال�ث�راء امل��رم��وق‪.‬‬ ‫وك��ان يف كل ذل��ك �سحر و�إغ��راء للمالح‬ ‫الإغريقي املغامر بطبعه‪ ،‬فلم ينقطع �أبد ًا‬ ‫عن التجول يف بحر �إيجه والتنقل بني‬


‫ساحة الحوار‬ ‫‪52‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫�أفريز حجري يف «اللوفر» ي�صور هومريو�س يعزف على قيثارته‪ ،‬نحته �أنطوان ديني ت�شوديه‬

‫�أحمد عتمان‬ ‫يعد الدكتور �أحمد عتمان رائد الدرا�سات الكال�سيكية يف العامل العربي‪ ،‬وهو ي�شغل‬ ‫حالياً من�صب �أ�ستاذ ورئي�س ق�سم ال��درا��س��ات اليونانية والالتينية بكلية الآداب‬ ‫جامعة القاهرة‪ ،‬م�صر‪ ،‬ورئي�س اجلمعية امل�صرية للدرا�سات اليونانية والرومانية‪،‬‬ ‫ورئي�س اجلمعية امل�صرية للأدب املقارن‪ .‬وهو حا�صل على جائزة الدولة الت�شجيعية‬ ‫عام ‪1973‬م عن ترجمته الإن�ي��ادة لفرجيليو�س‪.‬ترجم عتمان كنوز الدرا�سات‬ ‫والآداب الكال�سيكية اىل اللغة العربية‪ ،‬ومنها‪ :‬الأدب الإغريقي تراثاً �إن�سانياً‬ ‫وعاملياً ‪1987‬م‪ ،‬الأدب الالتيني ودوره احل�ضاري حتى نهاية الع�صر الذهبي‬ ‫‪1989‬م‪ ،‬كليوباترا و�أنطونيو�س‪ ،‬درا��س��ة يف بلوتارخو�س و�شيك�سبري و�شوقي‬ ‫‪1990‬م‪ ،‬الإنيادة لفرجيليو�س ‪1973‬م‪ ،‬ال�سحب الري�ستوفاني�س‪ ،‬بنات تراخي�س‬ ‫ل�سوفوكلي�س ‪1990‬م‪ ،‬الإلياذة لهومريو�س ‪2009‬م‪.‬‬ ‫كما �شارك يف ترجمة معاين القر�آن الكرمي �إىل اللغة اليونانية‪ ،‬والتي �صدرت‬ ‫ب�أثينا ع��ام ‪ .1987‬ول��ه م�ساهمات رائ��دة يف جم��ال الكتابة للم�سرح وترجمة‬ ‫الأدب العربي �إىل اللغة اليونانية‪.‬‬

‫جزره و�سواحله و�صو ًال �إىل �آ�سيا ال�صغرى‬ ‫وفينيقيا وم�صر‪ .‬و�أخذت العالقة مراحل‬ ‫ج��دي��دة ب�ع��د ظ �ه��ور الإ�� �س�ل�ام‪ ،‬ويف ظل‬ ‫اخلالفة الأم��وي��ة والعبا�سية ومتتد حتى‬ ‫الآن‪ .‬وال نن�سى �أن الن�صو�ص الإغريقية‬ ‫والالتينية تتحدث عن العرب قبل الإ�سالم‬ ‫وع��ادات �ه��م وتقاليدهم على الأق ��ل منذ‬ ‫القرن اخلام�س قبل امليالدي‪ ،‬فقد حتدث‬ ‫هريودوت عن العرب يف كتابه‪ ،‬ثم تتواىل‬ ‫الإ�شارات �إىل العرب طوال التاريخ‪ ،‬وهنا‬ ‫�أقول على �سبيل املثال �إنني كتبت يف كتابي‬ ‫«ك�ل�ي��وب��ات��را و�أن�ط��ون�ي��و���س» �أن كليوباترا‬ ‫كانت تعرف اللغة العربية وتتحدث اللغة‬ ‫العربية‪ ،‬وقد وظفت ذلك يف م�سرحيتي‬ ‫«كليوباترا تع�شق ال�سالم»‪ ،‬وكانت تربطها‬ ‫مبلوك العرب عالقة وطيدة وقد عا�شت‬ ‫يف القرن الأول قبل امل�ي�لاد‪ ،‬فهريودوت‬ ‫ظ�ه��ر يف ال �ق��رن اخل��ام����س ق�ب��ل امل �ي�لاد‪،‬‬ ‫والإ�سالم ظهر يف القرن ال�سابع‪� ،‬أي �أن‬ ‫العالقة بني العرب والإغريق كانت وطيدة‬ ‫قبل ظهور الإ��س�لام ب�ألف ومائتي عام‪.‬‬ ‫ودم�شق عا�صمة اخلالفة الأم��وي��ة كانت‬ ‫قائمة يف منطقة تنتمي �إىل احل�ضارة‬ ‫الهيلني�ستية م�ن��ذ ف�ت��وح��ات الإ��س�ك�ن��در‬ ‫الأك �ب�ر يف ال �ق��رن ال��راب��ع ق�ب��ل امل �ي�لاد‪،‬‬ ‫وكانت الثقافة الهيلين�ستية منت�شرة يف‬ ‫دم�شق وما حولها من مدن مثل �أنطاكية‬ ‫وبالتايل تعد الثقافة الهيلين�ستية رافد ًا‬ ‫من الروافد التي �أثرت احل�ضارة العربية‬ ‫الإ� �س�لام �ي��ة يف ع �ه��د ال ��دول ��ة الأم ��وي ��ة‪.‬‬ ‫ومل��ا قامت ال��دول��ة العبا�سية وعا�صمتها‬ ‫بغداد ن�شطت حركة الرتجمة من اللغة‬ ‫الإغريقية �إىل اللغة العربية‪ ،‬وترجمت‬ ‫�أمهات الكتب الإغريقية يف الآداب والعلوم‬ ‫والفل�سفة‪ ،‬وكان لها ت�أثري �ضخم جد ًا يف‬ ‫النه�ضة العربية الإ�سالمية‪ ،‬ومت ت�صدير‬ ‫ذلك �إىل الأندل�س يف غرب �أوروب��ا‪ ،‬مما‬ ‫كان له ت�أثري وا�ضح على النه�ضة الأوروبية‬ ‫احلديثة‪ ،‬و�أف�ضل مثال على ذلك ابن ر�شد‬ ‫وتلخي�صاته و�شروحه لأر�سطو‪.‬‬


‫الأ�سطورة عنرتة بن �شداد كما ت�صورتها املخيلة ال�شعبية‬

‫ه���ل ي��ع��د اب����ن ر����ش���د امل���ؤ���س�����س‬ ‫احل��ق��ي��ق��ي ل��ل��ن��ه�����ض��ة الأوروب����ي����ة‬ ‫احلديثة كما يرى البع�ض؟‬ ‫ال �أ�ستطيع �أن �أزع��م ب��ذل��ك‪ ،‬ولكن ابن‬ ‫ر�شد �أحد العوامل الأخرى الكثرية‪ ،‬التي‬ ‫�أ�سهمت يف ن�شر التنوير لدى اال�أوروبيني‪،‬‬ ‫وال نن�سى �أن ابن ر�شد �أجنز ذلك بف�ضل‬ ‫تلخي�صاته لأر�سطو‪ ،‬ولكن ميكن القول �إن‬ ‫ابن ر�شد له الف�ضل يف تعريف الأوروبيني‬ ‫ببع�ض تراث �أجدادهم الإغريق وال�سيما‬ ‫�أر� �س �ط��و‪ ،‬فالبناء احل���ض��اري مت�شابك‬ ‫ومت�ضافر‪.‬‬ ‫البع�ض يعتقد �أن العرب لي�س‬ ‫لديهم مالحم على غ��رار الإلياذة‬ ‫والأودي�سة‪� ،‬إىل �أي حد توافق على‬ ‫ذلك؟‬ ‫جميع ال�شعوب بال ا�ستثناء لديها مالحم‪،‬‬

‫و� �ش �ع��وب ال �� �ش��رق ع��رف��ت امل�لاح��م قبل‬ ‫الإغريق‪ ،‬مثل ملحمة جلجام�ش التى جند‬ ‫لها ت�شابهات كبرية يف الإلياذة والأودي�سة‪،‬‬ ‫والعرب القدامى عرفوا املالحم وبع�ضها‬ ‫ال يزال موجود ًا مثل �سيف بن ذي يزن‪،‬‬ ‫وع �ن�ترة ب��ن � �ش��داد وال �� �س�يرة الهاللية‬ ‫وحرب الب�سو�س‪ ،‬وجمنون ليلى وغريها‪.‬‬ ‫وال���ذي �أع �ط��ى �أه �م �ي��ة ك�ب�رى ل�ل�إل �ي��اذة‬ ‫والأودي�سة �أنها بالن�سبة للعامل القدمي هي‬ ‫الن�سخة الأح��دث من املالحم‪ ،‬وبالتايل‬ ‫الأك�ث�ر ت �ط��ور ًا ون���ض�ج� ًا‪ ،‬وه��ي �صاحبة‬

‫أقول للخائفين من‬ ‫الذوبان الثقافي‬ ‫للهوية العربية‪ :‬نحن‬ ‫لدينا مصفاة قوية هي‬ ‫العروبة واإلسالم‪ ،‬وال‬ ‫مجال للخوف‬

‫الت�أثري الأكرب يف تاريخ الآداب العاملية‪.‬‬ ‫مبا تف�سر �إقبال العرب يف الع�صر‬ ‫ال��ع��ب��ا���س��ي ع��ل��ى ت��رج��م��ة ال�ت�راث‬ ‫اليوناين رغم �شبهة الوثنية وتعدد‬ ‫الآلهة؟‬ ‫�أ�شكرك على هذا ال�س�ؤال‪ ،‬وهذه �شهادة‬ ‫للعرب وامل�سلمني الأوائ ��ل‪ ،‬وال �سيما يف‬ ‫الع�صر العبا�سي على �سعة �أفقهم ومدى‬ ‫ا�ستيعابهم لتاريخ احل�ضارات القدمية‬ ‫وم��دى تفتحهم وا�ستعدادهم للنه�ضة‪،‬‬ ‫فالذي ي�سعى للنه�ضة ال يغلق الأب��واب‪،‬‬ ‫بل يفتح كل الأب��واب والنوافذ على كافة‬ ‫احل�ضارات‪ .‬و�أريد هنا �أن �أذكر باملقولة‬ ‫املن�سوبة للر�سول �صلى اهلل عليه و�سلم‬ ‫«اطلبوا العلم ولو يف ال�صني»‪ ،‬التي كانت‬ ‫ت��دي��ن ب��ال�ب��وذي��ة‪ ،‬و�أق� ��ول للخائفني من‬


‫ساحة الحوار‬ ‫‪54‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫وال��ذاك��رة اجل�م��اع�ي��ة‪ ،‬ول �ك��ن ينبغي �أال‬ ‫مينعنا من بذل اجلهد امل�ستمر يف تخطى‬ ‫النظريات االختزالية والتحليالت التي‬ ‫حتاول �أن تنال من قدره‪ ،‬و�أعتقد �أن مفهوم‬ ‫ال�ت�راث احل��ي ه��و ال�شيء الوحيد ال��ذي‬ ‫ي�شفع لنا حتى اليوم يف احلديث عن وجود‬ ‫وعي عربي �إ�سالمي‪ .‬فينبغي �أن ندر�سه‬ ‫درا�سة جيدة‪ ،‬ونوظفه خلدمة احلا�ضر‬ ‫وامل�ستقبل‪ ،‬وخا�صة �أن لدينا كنوز ًا تراثية‬ ‫ال نهاية لها‪ ،‬فلدينا احل�ضارات ال�شرقية‬ ‫القدمية‪ ،‬والفينيقية والآ�شورية‪ ،‬ولدينا‬ ‫احل���ض��ارة العربية الإ��س�لام�ي��ة برتاثها‬ ‫العريق‪ ،‬وهذا ي�شكل بنيان الرتاث القومي‬ ‫ال��ذي ك��ان على �صلة بكافة احل�ضارات‬ ‫القدمية‪ ،‬والذي �أفاد منه ال�شرق والغرب‬ ‫معا‪ .‬ولكن للأ�سف ال�شديد نحن نهمل‬ ‫تراثنا ونرتكه للآخرين يفيدون منه‪ ،‬يف‬ ‫حني �أننا الأوىل منهم‪ ،‬وال يكفي الت�شدق‬ ‫ب�أننا �أ��ص�ح��اب ح���ض��ارة‪ ،‬لكن �أي��ن هذه‬ ‫احل���ض��ارة يف حياتنا اليومية وثقافتنا‬ ‫و�سلوكنا‪ ،‬و�إذا ا�ستطعنا �أن نوظف هذا‬ ‫ال �ت�راث خل��دم��ة احل��ا� �ض��ر وامل���س�ت�ق�ب��ل‪،‬‬ ‫نكون قد قمنا بواجبنا ولن يت�أتى ذلك �إال‬ ‫بدرا�سة الرتاث �أو ًال‪.‬‬

‫هومريو�س ومر�شده‪ ,‬لويليام �أدولف بوغريو «‪»1905–1825‬‬

‫ال��ذوب��ان ال�ث�ق��ايف للهوية العربية‪ :‬نحن امتداد طبيعي لها‪ ،‬ورغم حمالت الهجوم‬ ‫لدينا م�صفاة قوية هي العروبة والإ�سالم‪ ،‬على الرتاث‪ ،‬ف�سوف ي�ستمر دوره وت�أثريه‬ ‫ح�ت��ى ب�ع��د زم��ن ال��ث��ورات الأك�ث�ر عنف ًا‪،‬‬ ‫فال جمال للخوف‪.‬‬ ‫والرتاث هو �أ�صل الوحدة واال�ستمرارية‪،‬‬ ‫م��ا ال���دور ال��ذي ميكن �أن يلعبه فقد ولد خالل قرون احل�سا�سية اجلماعية‬ ‫الرتاث يف زمن العوملة والثورات؟‬ ‫واملوروث‬ ‫الرتاث هو كل ما ورثناه تاريخي ًا‪،‬‬ ‫سوف يستمر دور وتأثير‬ ‫ب�ط�ب�ي�ع��ة احل� ��ال ع��ن الآب � ��اء والأج � ��داد التراث رغم كل حمالت‬ ‫والأ� �ص��ول‪ ،‬ف��ال�تراث هو الأم��ة التي نحن‬

‫الهجوم عليه فهو أصل‬ ‫الوحدة واالستمرارية‬

‫ما الفرق بني املثيولوجيا العربية‬ ‫واملثيولوجيا الإغريقية؟‬ ‫كلمة «مثيولوجيا» �أ�صلها ي��ون��اين وتعني‬ ‫ع �ل��م الأ�� �س ��اط�ي�ر‪ ،‬وال �� �ش �ع��وب ال �ق��دمي��ة‬ ‫كلها عرفت الأ�ساطري‪ ،‬فهناك �أ�ساطري‬ ‫م�صرية قدمية وه�ن��اك �أ�ساطري عربية‬ ‫قدمية‪ ،‬ثم ظهرت الأ�ساطري الإغريقية‬ ‫والتي ازده��رت وك��ان لها جتليات �أدبية‬ ‫�أثرت يف الآداب العاملية كلها مثل‪ :‬ملحمتا‬ ‫هومريو�س‪ :‬الإلياذة والأودي�سة‪ .‬وال�شعوب‬ ‫القدمية كلها لها معتقداتها وطقو�سها‪،‬‬ ‫ه��ذه ال�ط�ق��و���س وامل�ع�ت�ق��دات ت�ستند �إىل‬ ‫الأ�ساطري والروايات ال�شفوية التي يرويها‬ ‫النا�س ويعتقدون فيها‪ ،‬هذه املثيولوجيا‬ ‫عموم ًا هي خم��زون احل�ضارة القدمية‪،‬‬ ‫ودرا�ستها �أت��اح��ت لنا فهم �أ� �س��رار هذه‬


‫احل�ضارات‪ ،‬فمث ًال ما يحكيه امل�صريون‬ ‫القدماء عن �إيزي�س يف �أ�ساطري معروفة‪،‬‬ ‫�إذا ق��ر�أن��اه��ا ع��رف�ن��ا ج��وه��ر احل���ض��ارة‬ ‫امل�����ص��ري��ة ال� �ق ��دمي ��ة‪ ،‬وه� �ن���اك ب�ع����ض‬ ‫ال�شخ�صيات الأ�سطورية عند العرب قبل‬ ‫الإ�سالم التي �أ�ضاءت لنا الطريق للتعرف‬ ‫على �أ��س��رار احل�ضارة العربية القدمية‬ ‫قبل الإ�سالم ومتت الإ�شارة �إىل كثري من‬ ‫ه��ذه الأ��س��اط�ير يف ال�ق��ر�آن ال�ك��رمي مثل‪:‬‬ ‫قوم عاد وثمود‪ ،‬وقال عنها القر�آن الكرمي‬ ‫«�أ�ساطري الأولني»‪ .‬وال�شعوب القدمية كلها‬ ‫تبادلت عالقات الت�أثري والت�أثر‪ ،‬فمث ًال‬ ‫الأ��س��اط�ير امل�صرية القدمية لها ت�أثري‬ ‫وا�ضح على املنطقة كلها‪� ،‬أي ح�ضارات‬ ‫ال�شرق القدمي‪ ،‬و�سنكت�شف �أن �أ�ساطري‬ ‫الإغ��ري��ق ت�ضمنت عنا�صر ك�ث�يرة ج��د ًا‬ ‫م�ستمدة م��ن ح���ض��ارات ال�شرق القدمي‬ ‫وم�صر القدمية‪ ،‬وهناك درا�سات مف�صلة‬ ‫عن هذا املو�ضوع �أي الأ�صول ال�شرقية وال‬ ‫�سيما امل�صرية للأ�ساطري الإغريقية‪.‬‬ ‫ما ر�ؤي��ة امل�ست�شرقني اليونانيني‬ ‫للرتاث العربي؟‬ ‫ال ميكن احلكم ب�شكل مطلق‪ ،‬وال ميكن‬ ‫القول �إن جميع امل�ست�شرقني من�صفون‪،‬‬ ‫�إمنا هناك درا�سات تف�صيلية خا�صة بكل‬ ‫م�ست�شرق على حدة‪ ،‬واال�ست�شراق جمموعة‬ ‫مدار�س‪ ،‬فحكمنا على اال�ست�شراق مث ًال‬ ‫يف ال �ق��رون الو�سطى وع�صر النه�ضة‪،‬‬ ‫ويف ال ��وق ��ت ال ��راه ��ن ت�خ�ت�ل��ف م ��ن بلد‬ ‫�إىل �آخ��ر‪ ،‬فاحلكم املطلق لي�س �سليم ًا‪،‬‬ ‫فنحن ندر�س �آراء كل م�ست�شرق يف �ضوء‬ ‫مالب�سات ع�صره وثقافته ال�شخ�صية‬ ‫وم ��دى �إج��ادت��ه للغة ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬فاملوقف‬ ‫خم �ت �ل��ف‪ ،‬ف��اال� �س �ت �� �ش��راق حم �ي��ط زاخ��ر‬ ‫ب �ك��ل ال�ف�ل���س�ف��ات وامل ��دار� ��س والأل�� ��وان‪.‬‬ ‫واال�ست�شراق اليوناين يعد متخلف ًا مقارنة‬ ‫باال�ست�شراق يف بالد �أوروبية �أخرى مثل‬ ‫�أملانيا وفرن�سا‪ ،‬فاليونانيون يركزون على‬ ‫ح�ضارتهم يف الع�صر الذهبي ويف الع�صر‬ ‫البيزنطي‪ ،‬ويناق�شون اال�ست�شراق فيما‬

‫رد ًا على جهودي يف جمال «اال�ستغراب»‪،‬‬ ‫ح �ي��ث �أق � ��وم ب �ن �� �ش��ر ال �ت��راث ال �ي��ون��اين‬ ‫الالتيني يف املنطقة العربية‪ ،‬و�أقول لهم‪:‬‬ ‫�إن اال�ست�شراق ميثل �ضرورة بالن�سبة �إىل‬ ‫ثقافتكم‪ ،‬و�أن��ا �أداف��ع عن اال�ستغراب يف‬ ‫بلدي‪ ،‬و�أقود حملة يف �سبيل ذلك‪ ،‬لكن من‬ ‫واجبي �أن �أنبهكم �إىل �أهمية اال�ست�شراق‬ ‫بالن�سبة للح�ضارة الإغريقية والرومانية‪.‬‬

‫جلجام�ش �أ�شهر �أبطال الأ�ساطري البابلية‬

‫ترجمة العرب للتراث‬ ‫اليوناني دليل على سعة‬ ‫أفقهم ومدى استيعابهم‬ ‫لتاريخ الحضارات‬ ‫القديمة ومدى تفتحهم‬ ‫واستعدادهم للنهضة‬ ‫يت�صل بهاتني الفرتتني‪ ،‬لكن اال�ست�شراق‬ ‫يف باقي البالد الأوروب�ي��ة الأخ��رى يعالج‬ ‫كل نواحي احل�ضارة العربية الإ�سالمية‬ ‫وما قبل الإ�سالم‪ ،‬ودائم ًا خالل زياراتي‬ ‫املتكررة لليونان �أطالبهم ب�ضرورة التعمق‬ ‫يف درا�سة احل�ضارة العربية والإ�سالمية‪،‬‬

‫بعض الشخصيات‬ ‫األسطورية عند العرب‬ ‫قبل اإلسالم أضاءت لنا‬ ‫الطريق للتعرف على‬ ‫أسرار الحضارة العربية‬ ‫القديمة‬

‫ما م��دى �إق��ب��ال اليونانيني على‬ ‫درا�سة اللغة العربية؟‬ ‫ب��د�أت م�ؤخر ًا حركة اهتمام بالدرا�سات‬ ‫العربية والإ�سالمية وب��د�أوا يقبلون على‬ ‫تعلم اللغة العربية‪ ،‬وال �سيما بعد فوز‬ ‫جن �ي��ب حم �ف��وظ ب �ج��ائ��زة ن��وب��ل وق�م��ت‬ ‫برتجمة روايته «بداية ونهاية» �إىل اللغة‬ ‫اليونانية احلديثة‪ ،‬وتلتها ترجمات عديدة‬ ‫لأكرث من م�ؤلف عربي‪.‬‬ ‫�أيهما له الدور الأكرب يف النه�ضة‬ ‫الأوروب����ي����ة احل��دي��ث��ة ال��ع��رب �أم‬ ‫اليونانيون؟‬ ‫احل�ضارات تبنى بجهود ال�شعوب‪ ،‬وميكن‬ ‫لهذه احل�ضارات �أن تت�أثر بعوامل خارجية‬ ‫وت�ستمد بع�ض عنا�صرها من هنا وهناك‪،‬‬ ‫ل�ك��ن ه��ذا ال يعني �أن ال��ذي��ن ب�ن��وا ه��ذه‬ ‫احل�ضارة جاءوا من اخلارج‪ .‬فالأوروبيون‬ ‫الذين قاموا بالنه�ضة يف القرن ال�ساد�س‬ ‫ع�شر هم �أ�صحاب الف�ضل الأكرب يف بناء‬ ‫احل�ضارة الأوروبية ومن �أف�ضالهم �أنهم‬ ‫فتحوا �أعينهم و�آذانهم على احل�ضارات‬ ‫الأخ � � ��رى‪ ،‬وم �ن �ه��ا احل�����ض��ارة ال�ع��رب�ي��ة‬ ‫الإ�سالمية‪ ،‬ومنها احل�ضارة الإغريقية‪،‬‬ ‫لكني ال �أ�ستطيع ال�ق��ول ب���أن ال��ذي بني‬ ‫النه�ضة الأوروب�ي��ة احلديثة هم الإغريق‬ ‫�أو الرومان �أو العرب امل�سلمون‪ ،‬ولكنهم‬ ‫�أ�صحاب ت�أثري‪ ،‬ورمبا ي�صح �أن �أق��ول �إن‬ ‫العرب وامل�سلمني قدموا لع�صر النه�ضة‬ ‫الأوروبية الأمنوذج الذي يحتذى فقط‬


‫من هنا وهناك‬ ‫‪56‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫موالنـــــا ‪..‬‬ ‫بحر �أ�شعاره وت�أمالته العري�ض ب�إمكانك �أن تظل مبحر ًا‬ ‫عمرك كله‪ ،‬لكن عليك �أال تنتظر �شط ًا وال مر�سى‪ .‬اترك‬ ‫وراءك وهم الراحة النهائية‪ ،‬واعلم �أن الرحلة هي املتعة و�أن النهايات‬ ‫موت و�أن احلياة التي نعي�شها قد تنفتح على وج��ود داخ��ل الوجود‪.‬‬ ‫تقر�أه فيت�سلل �شعاع �ضوء نحيل �إىل كهف الروح املعتم‪ ،‬في�ضيء ركن‬ ‫هنا و�ساحة هناك‪ .‬جتول يف حديقته ال�شا�سعة بروح مفتوحة جتيد‬ ‫فن الإن�صات‪ ،‬و�سوف ترى بعينيك بع�ضا من هذه الوم�ضات‪ :‬فها‬ ‫هي البهجة‪� -‬أال تراها يف حلظة �شروق �أو يف عيني حبيب! وتلك هي‬ ‫احلرية‪� ،‬أفق ممتد يخربك �أن عليك تتحمل م�سئولية احلياة‪ .‬وها هو‬ ‫احلب‪ ،‬يتمدد مرتاحا يف القلب ويفتح �سراديب معتمة فرنى‪ .‬للحب‬ ‫مقام ال ي�ضاهى ومرتبة ال يعلو عليها �شيء �آخر‪� .‬أنت يف ح�ضرة جالل‬ ‫الدين الرومي‪ ،‬العارف النا�سك ال�شاعر الراق�ص الذي مل ينف�صل‬ ‫عن هموم جمتمعه �أبدا‪ ،‬فكان مثل الكثري من املت�صوفة ُيد ِّر�س ملريديه‬ ‫ويعمل لك�سب الرزق وحلل م�شكالت املتعبني‪.‬‬ ‫جتربة قراءة الرومي ال تختلف كثريا عما قاله الفيل�سوف اليوناين‬ ‫امل�صري «�أف�ل��وط�ين» ع��ن ماهية تلك ال��ورط��ة التي ن�سميها الوعي‬ ‫الإن�ساين‪ .‬ي�شبه �أفلوطني هذا الوعي ب�شبكة ال�صيد يف البحر‪ ،‬فها‬ ‫هو نحن‪ :‬الب�شر‪� -‬شباك �صغرية ملقاة يف العمق الالنهائي‪ ،‬تلك هي‬ ‫�أ�شواقنا وما نخلقه من فنون وما نح�سه من حب‪ .‬ال�شبكة هي نحن‪،‬‬ ‫والبحر هو ال��روح‪ .‬لي�س ب�إمكاننا الإم�ساك بالبحر‪ ،‬لي�س ب�إمكاننا‬ ‫امتالكه‪ ،‬فالبحر هو «ال�سر» الذي ي�ستع�صي الإم�ساك به‪ ،‬هذا بالرغم‬ ‫من �أننا ن�سبح فيه‪ .‬لكن البحر يعي�ش يف �سمكة واح��دة‪ ،‬وكذلك كل‬ ‫منا يعرف ماهية ال��روح يف �أعماقه و�إن كان ال ي�ستطيع الإمل��ام بها‪.‬‬ ‫يعتقد �أفلوطني �أن العامل املرئي‪ :‬هذا الكون الف�سيح ال��ذي ي�ضمنا‬ ‫كحبات الرمال‪ ،‬الطبيعة من حولنا‪ ،‬ونحن الب�شر‪ ،‬كل هذا هو ال�شبكة‬ ‫ال�صغرية امللقاة يف بحر الروح‪.‬‬

‫و�سط‬

‫ويف �أ�شعار الرومي كثريا ما نقابل نف�س ال�صورة‪ ،‬فهو الذي يقول‪�«:‬سفينة‬ ‫نوح هي جن�س الب�شر‪ ،‬مركب تهيم يف املحيط‪ .‬ونبتة �صغرية تنمو يف‬ ‫قلب املاء‪ ،‬بال �شكل‪ ،‬وال مكان"‪ .‬يف تلك الأ�شعار تتكرر �صورة البحر‪/‬‬ ‫املحيط‪ /‬املاء كثريا وت�ستدعي معها �صورة الو��ود الإن�ساين متناهي‬ ‫ال�صغر داخل حميط الروح‪ ،‬ت�ستدعي �صورة الإبحار والثقة يف املوج‬ ‫الذي هو �أي�ضا احلياة وتقلباتها‪ .‬ويبقى الرهان الأعظم �أن ندلف من‬ ‫ال�سطح‪ -‬حيث وجودنا اجل�سدي يف عامل امللمو�سات‪� -‬إىل العمق حيث‬ ‫احلقيقة الكاملة التي ال ميكن امتالكها‪.‬‬ ‫يف �أ�شعار الرومي ترتدد هم�سات الروح �أن «ابد�أ»‪ -‬والبداية �س�ؤال يف‬ ‫ظاهره ب�سيط‪ -‬لكنه لي�س كذلك‪:‬‬ ‫كنت �أظن �أنني �أمتلك زمام �أمري‬ ‫وندمت على تلك الأوقات حني خرجت الأمور من يدي‪.‬‬ ‫مير اخلاطر يف ر�أ�سي‪ ،‬و�أعرف‬ ‫�أنني ال �أعرف من �أنا‪.‬‬ ‫من هنا تبد�أ الرحلة وت�ستيقظ الروح من �سباتها الطويل على هم�س‬ ‫الأ�سئلة‪ .‬والرومي يهم�س �إلينا بالفرق بني النوم وال�صحو‪� .‬ألي�س‬ ‫�صحيحا �أننا كثريا ما نكون نيام بالرغم من عيوننا املفتوحة! يف‬ ‫�صحونا ال ن��رى �إال وج��ودا حم�سو�سا حولنا ونظن �أن ه��ذه الق�شرة‬ ‫الظاهرة هي الوجود‪ .‬يهم�س الرومي �أن « ن�سمة الفجر لديها �أ�سرار‬ ‫من �أجلك‪ ،‬ال تعد للنوم‪ /‬ت�ساءل عما تريد‪ ،‬ال تعد للنوم‪ /‬النا�س‬ ‫يروحون ويجيئون من وراء الباب‪ ،‬حيث يتما�س العاملني‪ /‬والباب‬ ‫م�ستدير ومفتوح‪ ،‬ال تعد للنوم»‪.‬‬ ‫تهم�س �إلينا ال��روح‪ /‬املحيط طوال الوقت‪ ،‬لكننا ال ن�سمع �إال �صخب‬ ‫الأ�صوات القريبة‪ .‬وعندما ت�أتي اللحظة ال�سحرية التي تلتقط فيها‬ ‫�آذاننا �صدى ال�صوت الآتي من الأعماق‪ ،‬تبد�أ الرحلة‪.‬‬ ‫�سنني‪� -‬أ�سري مع باقي النا�س‪ -‬و�أحاول �أن �أعرف نف�سي‪.‬‬


‫د‪� .‬سحر املوجي‬ ‫باحثة وروائية من م�صر‬

‫ويف �أعماقي حرية‪ ،‬ال �أعرف خطوتي القادمة‪ ،‬وال �أرى‪ .‬و�سمعت من‬ ‫ينادي با�سمي‪.‬‬ ‫وخرجتُ ‪.‬‬ ‫الرحلة تبد�أ بهم�س يتلوه �س�ؤال‪ ،‬ومن بعدها منر مبحطات عديدة‪:‬‬ ‫فهناك �شوق وهناك وجع وحنني‪ ،‬وهناك جروح يف معركة احلياة‪،‬‬ ‫«هل تقتلنا �أم ت�أخذنا �إىل عمق �أبعد داخل املحيط؟» ويبقى املحرك‬ ‫الأول هو احلب‪ ،‬احلب يف مطلقه‪ -‬كيف نطوع الذات ونرو�ض �أنانيتها‬ ‫واحتياجها‪ ،‬كيف نفتح القلب على م�صراعيه فيحب خلق اهلل من ب�شر‬ ‫ونبات وحيوان‪ .‬احلب هو املفتاح‪.‬‬ ‫بداخلك حبة قمح �صغرية‪ ،‬ا�سقها من روحك و�إال متوت‪.‬‬ ‫عرك‪-‬‬ ‫و�أنا �أجنذب �إىل الطاقة املتموجة‪�َ -‬ش ِ‬ ‫من ي�ستطيع �أن يبقى هادئا‪ ،‬وعقله يف ر�أ�سه‪ ،‬فهو جمنون‪.‬‬ ‫يف الرحلة يعي�ش الرحال �شطحات احلب وجنونه‪ ،‬يرق�ص حلظات‬ ‫الفرحة ويرق�ص مع �أن�ين النايات‪ ،‬ويف الرق�ص‪ -‬يف ال��دوران حول‬ ‫املركز‪ ،‬يفقد العا�شق الإح�سا�س بذاته ال�صغرية‪ -‬تلك ال�شبكة امللقاة‬ ‫يف املاء‪ ،‬وي�صبح واحدا مع املحيط الأزيل‪.‬‬ ‫ليال ونهارا‪ -‬هناك مو�سيقى‪ -‬غنوة ناي هادئة وم�ضيئة‪،‬‬ ‫لو خفتت الغنوة‪ ،‬نحن �أي�ضا نذوي‪.‬‬ ‫وللعا�شق رخ�صة للجنون‪ .‬يخربنا الرومي �أن «دعوا العا�شق يرتكب‬ ‫الأفعال ال�شائنة‪ ،‬دعوه يجن �أو يذهل عن حاله‪ /‬فهنالك �شخ�ص ما‪،‬‬ ‫عاقل وزين‪� ،‬سيقلق عندما ت�سوء الأمور‪ /‬دعوا العا�شق يكون»‪.‬‬ ‫زادنا يف الرحلة هو تلك النفحات التي يحملها لنا «ال�صاحب»‪ -‬هذا‬ ‫احل�ضور الدائم الذي ي�صحبنا وي�صاحبنا‪ -‬منتهى �أمل العا�شق‪ .‬يقول‬ ‫الرومي �أن ال�صاحب يحمل �إلينا نفحات‪ /‬هدايا‪« :‬رداء جلد و�شرايني‪،‬‬ ‫ومعلم يف الداخل‪ .‬ارتديها وكن مدر�سة‪ ،‬و�سر يف ركب �شيخ �أكرب»‪.‬‬ ‫يف الرحلة تتك�شف وم�ضات خاطفة من احلقيقة‪ ،‬ندرك �أننا املر�آة‬

‫والوجه املطل منها‪� ،‬أننا الوجع والدواء‪� ،‬أننا املاء واجلرة التي ت�صب‬ ‫املاء‪ .‬وكما يف �أ�شعار الرومي‪ ،‬ترتدد نف�س الفكرة يف الكثري من كتابات‬ ‫املت�صوفة‪� :‬أن احلقيقة هي ل�ؤل�ؤة كامنة يف �أعماقنا‪� ،‬أن الب�شر هم مر�آة‬ ‫للخالق‪ ،‬و�أننا نق�ضي �أعمارنا يف البحث خارجنا وال ن�صل �إىل �شيء‪.‬‬ ‫لكننا عندما ننظر �إىل الداخل نرى‪.‬‬ ‫ولكي نرى علينا �أن ن�صمت‪ ،‬ون�سكن‪ ،‬ففي ال�سكون ندلف �إىل هذا‬ ‫الوجود الآخر حيث احلقيقة والبهجة‪:‬‬ ‫يف بع�ض الليايل‪ ،‬ابق متيقظا حتى الفجر‪ ،‬كما ي�صحو القمر من �أجل‬ ‫ال�شم�س‪.‬‬ ‫كن وعاء يرتفع من البئر املظلم‪ ،‬نحو النور‪.‬‬ ‫لكن الرحلة ال تعني انف�صاال عن واقعنا املعا�ش‪� ،‬أو غيابا عنه‪� .‬إن‬ ‫الرهان احلقيقي هو �أن ن�ستطيع الإبحار من وجود ظاهر �إىل وجود‬ ‫باطن ونحن يف �أماكننا‪ .‬فالرومي الذي كان يعمل بالتدري�س ويك�سب‬ ‫رزقه مثل باقي النا�س هو الذي غرف من ماء املحيط وكتب لنا بع�ضا‬ ‫مما ر�أى‪ ،‬لرمبا نرى نحن �أي�ضا‪.‬‬ ‫طعم ن�سمة ال�صباح حلو كطعم «ال�صاحب»‪ ،‬ا�صح وانهل منها‬ ‫قبل �أن تتبخر يف هدر اليوم‪ ،‬قبل �أن تتبدد الن�سمة يف جهد حت�ضري‬ ‫القوافل قبل انطالقها‪.‬‬ ‫ي�ست�صعب الكثري منا هذا الطريق‪ ،‬يقولون لأنف�سهم �أن��ه لل�صفوة‬ ‫فقط‪ ،‬و�أننا ل�سنا مبت�صوفة وال بعارفني! هذا �صحيح‪ .‬قد ال ن�صل �إىل‬ ‫تلك الآفاق الإن�سانية العليا‪ ،‬لكن ب�إمكاننا �أن ندرك منها وم�ضات‪.‬‬ ‫ب�إمكاننا �أن ن�صحو من �سباتنا ونفتح �أعيننا على املح�سو�سات من‬ ‫حولنا فرناها امتدادا للروح‪ ،‬ونرى �أنف�سنا يف مر�آة «ال�صاحب»‪ ،‬نرى‬ ‫جمالنا ومعجزة وجودنا‪ .‬وعندما ندرك اجلمال ن�صبح �أكرث جما ًال‬

‫هنا ‪..‬وهناك‬


‫وجه في المرآة‬ ‫‪58‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫فتح �آفاقا وا�سعة ُ‬ ‫ل�شدَ ا ِة البحث العلمي‬

‫شوقي ضيف ‪..‬‬

‫صاحب النهج التراثي الموسوعي‬ ‫د‪� .‬أحمد يو�سف علي‬

‫�أ�ستاذ النقد الأدبي والبالغة بجامعة قطر‬

‫ا�ستنت مدينة دمياط وهي عا�صمة حمافظة م�صرية معروفة بهذا اال�سم وتقع بني النيل يف منتهاه وبني‬ ‫البحر املتو�سط الذي يلتقي بالنيل يف نقطة بديعة هي من �أدل امل�شاهد على قدرة اخلالق �سبحانه �إذ يلتقي‬ ‫املاء العذب باملاء املالح هذا عذب فرات وهذا ملح �أجاج وبينهما برزخ ال يبغيان‪ ،‬هذا امل�شهد البديع يعرفه‬ ‫النا�س هناك با�سم الل�سان الذي يق�صده النا�س للرتي�ض واال�سرتخاء واال�ستمتاع خا�صة يف ف�صل ال�صيف‬ ‫وجتمع امل�صطافني من كل حدب و�صوب يف مدينة جميلة ا�سمها ر�أ�س الرب‪.‬‬


‫قدم للدارسين صورة‬ ‫شاملة لتاريخ ذوقي‬ ‫مترامي األبعاد وكشف‬ ‫عن دواوين شعراء وعن‬ ‫بيئات علمية ونقدية‬ ‫وثقافية لم تكن‬ ‫معرفتها متاحة‬

‫�أقول ا�ستنت هذه املحافظة اجلميلة – لعدة‬ ‫�سنوات ‪� -‬سنة ح�سنة هي االحتفاء �سنوي ًا‬ ‫ب ��أع�لام دم �ي��اط وه��م ك �ث�يرون ومتميزون‬ ‫يف جم��االت ع��دي��دة علمية وفنية وثقافية‬ ‫وريا�ضية واقت�صادية و�سيا�سية وع�سكرية‪.‬‬ ‫فمن �أعالمها الفيل�سوف امل�صري زكي جنيب‬ ‫حم�م��ود ��ص��اح��ب «جت��دي��د ال�ف�ك��ر ال�ع��رب��ي»‪،‬‬ ‫و�أ�ستاذة الفكر الإ�سالمي عائ�شة عبدالرحمن‬ ‫ بنت ال�شاطيء‪� -‬صاحبة «ن�ساء بيت النبوة»‬‫التي كانت تذاكر درو�سها وهي تلميذة �صغرية‬ ‫حت��ت �شجرة على �شاطيء النيل‪ ،‬والفنان‬ ‫امل�سرحي الكبري �سعد �أرد�ش والكاتب امل�سرحي‬ ‫امل�شاك�س علي �سامل وك��ات��ب ال��درام��ا البارع‬ ‫ي�سري اجلندي الذي كتب �سرية «علي الزيبق»‬ ‫درام��ا تليفزيونية �شهرية‪ ،‬ومنهم م�صطفى‬ ‫م�شرفة عامل الريا�ضيات املعروف وعبد احلليم‬ ‫منت�صر عامل النبات والفيل�سوف عبد الرحمن‬ ‫بدوي وال�شاعران طاهر �أبو فا�شا وفاروق �شو�شة‬ ‫وغ�ير ه ��ؤالء من الأع�ل�ام الذين احتفت بهم‬ ‫حمافظة دم�ي��اط‪ .‬وم��ن �أب��رز ه ��ؤالء الأع�لام‬ ‫يف جماله الأك��ادمي��ي بحث ًا وت�أليف ًا وتعليم ًا‬ ‫وت�أ�سي�سا لكثري من اجلامعات العربية وخدمة‬ ‫للغة العربية وتراثها الفريد املعروف واملمتد ملا‬ ‫يقرب من �ألفي عام‪� ،‬أحمد �شوقي عبد ال�سالم‬ ‫�ضيف املعروف ب�شوقي �ضيف‪ .‬فمن هو؟‬ ‫مل يكن ق�صدي �أن �أ�شري �إىل �شوقي �ضيف‬ ‫ف�أعماله الغزيرة وحياته التي امتدت �إىل‬ ‫خم�سة وت�سعني عام ًا «‪ 1910‬ـــ ‪ 2005‬م» ت�شري‬

‫الغرائز والرغبات‪ .‬وعطاء �أمثال �شوقي �ضيف‬ ‫من العلماء لي�س له �إال م�صدر واحد هو الكتاب‪.‬‬ ‫والكتاب اجلاد جمهوره قليل حمدود وال�صرب‬ ‫على قراءته عند غري ع�شاقه نادر بل �شحيح‪.‬‬

‫ابن الريف امل�صري‬

‫�إليه وتقول من هو‪ .‬ولكن �أمثال ه�ؤالء الأعالم‬ ‫الكبار يف زمننا ماتوا ومل يعرفهم كثري من‬ ‫�أبناء هذا الزمان الذي نعي�شه لأن م�صادر‬ ‫تلقي الثقافة وال�ف�ك��ر وال�ع�ل��م غلب عليها‬ ‫م�صدر الثقافة املرئية ال�سريعة غري املدققة‬ ‫التي نراها على �شا�شات التليفزيون �أو على‬ ‫�صفحات �شبكات التوا�صل االجتماعي‪ ،‬بل �إن‬ ‫�أحد ًا من ه�ؤالء الأعالم مل يكن جنم ًا من جنوم‬ ‫الإعالم‪ .‬فنجوم هذا الزمان لي�سوا من العلماء‬ ‫وال من ذوي القامات الكبرية يف العلم وال يف‬ ‫الفكر وال يف الفن ولكنهم من ذوي مهارات‬ ‫الأق ��دام وال �ق��دود والأ� �ص��وات التي تلبي نداء‬

‫تتبع ضيف تحوالت‬ ‫أساليب الشعراء العرب‬ ‫منذ الجاهلية حتى‬ ‫مشارف العصر الحديث‬ ‫في كتابة الشعر وارتباط‬ ‫هذه التحوالت بكل عصر‬

‫لذا كان البد �أن ن�شري �إىل �شوقي �ضيف ابن‬ ‫ال��ري��ف امل�صري يف نهاية العقد الأول من‬ ‫القرن الع�شرين ومل يكن متاح ًا لكل �أبناء‬ ‫املدن �أن يتعلموا تعليم ًا مدني ًا حديث ًا‪ ،‬واحلداثة‬ ‫هنا ن�سبية لأن�ه��ا مرتبطة مب��ا ه��و متاح يف‬ ‫زمنها من حق كل النا�س يف التعلم و�إتاحة‬ ‫فر�ص التعلم وانت�شارها والإمي ��ان ب�أهمية‬ ‫العلم والتعليم يف تطوير ق��درات الإن�سان‬ ‫وبناء القوة الب�شرية لدولة ما �أو جمتمع ما‬ ‫بو�صفها الأ�سا�س الذي يبني عليه املجتمع �أو‬ ‫الدولة كل ال�صروح ال�سيا�سية واالجتماعية‬ ‫واالقت�صادية والفكرية والع�سكرية‪.‬‬ ‫هذا التعليم مل يكن متاح ًا على قدر امل�ساواة‬ ‫لأب�ن��اء امل��دن امل�صرية‪ ،‬فكيف يكون متاح ًا‬ ‫لأبناء الريف وملثل الطفل �شوقي �ضيف الذي‬ ‫طال انتظار والديه لقدومه فقد �سبقته �إىل‬ ‫ال��وج��ود �أخ�ت��ه ال �ك�برى‪ ،‬وال نن�سى امل��وروث‬ ‫الثقايف لدى الإن�سان العربي وامل�صري على‬ ‫ح��د � �س��واء‪ ،‬ه��ذا امل ��وروث ال��ذي يحتفي كل‬ ‫االحتفاء باملولود الذكر وي��زداد توتر الأم‬ ‫والأب �إذا تكرر �إجن����اب البنات وق��د ي�صل‬ ‫الأمر يف كثري من الأحوال �إىل تطليق الزوجة‬


‫وجه في المرآة‬

‫لم يكتف ضيف‬ ‫بكتابة تاريخ األدب في‬ ‫الجزيرة العربية ولكنه‬ ‫سار وراء انتشار العربية‬ ‫في سائر البلدان‬ ‫وعبر اختالف األزمنة‬ ‫والثقافات‬

‫‪60‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫طه ح�سني‬

‫وقد �أجنبت ع��دد ًا من البنات ويتزوج الرجل‬ ‫امر�أة �أخرى رغبة يف �إجناب الولد الذي يحمل‬ ‫اال�سم وي��رث ال�ث�روة وميثل القوة والوجاهة‬ ‫االجتماعية‪ .‬ل��ذا ك��ان ق��دوم الطفل �شوقي‬ ‫�ضيف �إىل احلياة مثل الظم�آن ال��ذي �أ�شرف‬ ‫على الهالك يف الفالة املحرقة ثم ارتوى حتى‬ ‫�شبع‪ .‬فقد فقدت �أ�سرة �شوقي �ضيف ولدين‬ ‫قبل جميئه ومل يع�ش لها من الأوالد والبنات‬ ‫�إال هو و�أخ�ت��ه‪ .‬وك��ان حر�ص �أبيه عليه كبري ًا‬ ‫مبعنى �أن��ه مل يفرط يف تدليله ومل ي�سرف يف‬ ‫تلبية رغباته ومل يغلق عليه الأب��واب والنوافذ‬ ‫فال يختلط ب�أحد وال يلعب مع �أقرانه من �أبناء‬ ‫القرية‪ .‬فقد كان �أبوه ذا مكانة اجتماعية كبرية‬ ‫يف قريته ويف نفو�س �أب�ن��اء القرى ال�صغرية‬ ‫الأخرى املحيطة بقريته التي كانت حبة العقد‬ ‫بني هذه القرى‪ .‬هذه املكانة �أهلت والده للقيام‬ ‫بدور امل�صلح يف النزاعات التي تن�ش�أ بني النا�س‬ ‫واحلكم العادل الذي اليرد حكمه وكان الطفل‬ ‫�شوقي يرى كل هذا ويدرك ما لأبيه من كلمة‬ ‫م�سموعة وحكم عادل ال يرد بل �إن والده عندما‬ ‫ا�شتد عود الطفل وبلغ مرحلة ال�صبا والبلوغ‬ ‫كان يحر�ص على ح�ضوره مثل هذه اجلل�سات‬ ‫كما كان حري�صا على اقتناء جملة الر�سالة‬ ‫وقراءة ما يكتبه عبا�س حممود العقاد و�إغراء‬ ‫ال�صبي بالقراءة ومكاف�أته عليها‪ .‬فقد كان‬ ‫العقاد �شخ�صية مرموقة �صاحب فكر جريء‬ ‫مناه�ض ًا لال�ستبداد مدافع ًا عن �أمثاله من �أبناء‬ ‫الطبقات الفقرية ممثال لزعيم حزب الوفد‬ ‫�سعد زغلول بل كان خطيب احلزب وكان حلزب‬

‫الوفد انت�شار كبري يف القرى امل�صرية عرب‬ ‫قياداته التي امتلكت الأر���ض الزراعية ومثلت‬ ‫جناح ًا من �أجنحة الطبقة الو�سطى امل�صرية‪.‬‬ ‫ع��رف �شوقي �ضيف �سبيل ال �ق��راء وع��رف‬ ‫�سبيل التقدير الأدب��ي واملعنوي من �أ�سرته‬ ‫ال�صغرية وجمتمع ال�ق��ري��ة وم��ن مدر�سيه‬ ‫و�شيوخه يف التعليم الأزه ��ري وه��و التعليم‬ ‫الوحيد املتاح لأبناء الفالحني فقر�أ �ألفية‬ ‫ابن مالك وهي منظومة النحو العربي التي‬ ‫كتبها ابن مالك على بحور العرو�ض العربي‬ ‫لي�سهل حفظها وت��داول�ه��ا ب�ين النا�س‪ .‬وقد‬ ‫�أتقن �شوقي �ضيف هذه املنظومة وكتب وهو‬ ‫طالب كتاب ًا عن النحو وال�صرف نال تقدير‬ ‫�شيوخ املعهد الديني يف دمياط ال��ذي �أنهى‬ ‫درا�سته فيه بتفوق ر�شحه لإك�م��ال درا�سته‬ ‫يف املعهد الديني الأزه��ري يف الزقازيق وهو‬ ‫�أح��د معهدين كبريين –�آنذاك– يف الدلتا‬ ‫كلها‪ ،‬الثاين كان يف مدينة طنطا ومن يجتاز‬ ‫الدرا�سة فيهما ير�شح للدرا�سة يف الأزه��ر‬ ‫ال�شريف بالقاهرة‪ .‬ولكن افتتاح اجلامعة‬ ‫امل�صرية وهي جامعة �أهلية عام ‪1908‬م فتح‬ ‫�أبواب الآمال على م�صراعيها �أمام املتطلعني‬ ‫واملتفوقني من �أبناء الفالحني وبقية �أبناء‬ ‫الطبقة الو�سطي‪ .‬وكان لطه ح�سني ون�ضاله‬ ‫من �أجل �أن يكون التعليم حقا كاملاء والهواء‬ ‫دور �أك�ب�ر يف تعلق ال�شاب املجتهد �شوقي‬ ‫�ضيف بالدرا�سة يف كلية الآداب التي كانت‬ ‫مهوى الأفئدة والعقول‪ .‬وبالفعل اجتاز �شوقي‬

‫فتح بكتابه «الفن‬ ‫ومذاهبه في النثر‬ ‫العربي» آفاق ًا واسعة‬ ‫لشداة البحث العلمي‬ ‫في فن النثر وتجلياته‬ ‫عبر عصوره‬

‫عبا�س العقاد‬

‫�ضيف املقابلة ال�شفوية التي كان علمها طه‬ ‫ح�سني الذي �صمم �أ�سئلة هذه املقابلة ليطمئن‬ ‫قلبه �إىل م�ستوى الطالب املقبولني يف كليته‪.‬‬ ‫لقد كانت هذه املرحلة مرحلة فا�صلة يف توجه‬ ‫�شوقي �ضيف ويف حتديد م�ستقبله العلمي‪.‬‬ ‫فاخلط الأف�ق��ي ه��و �أن يكمل �شوقي �ضيف‬ ‫درا�سته التقليدية يف الأزه��ر ولكن اجتاهه‬ ‫وتعلقه بالقراءة منذ ال�صغر لكبار الكتاب‬ ‫يف جملة الر�سالة وكان �أغلبهم ممن يعملون‬ ‫يف اجلامعة امل�صرية مثل �أحمد �أم�ين وطه‬ ‫ح�سني و�أم�ين اخل��ويل‪ ،‬ولآخ��ري��ن مل يكونوا‬ ‫من �أ�ساتذة اجلامعة وكان ح�ضورهم العلمي‬ ‫والثقايف طاغي ًا مثل العقاد وعبد الرحمن‬ ‫�شكري واملازين ومواكبته وتفاعله مع النقا�ش‬ ‫ال�سيا�سي والعلمي الذي كانت تعي�شه القاهرة‬ ‫حول ق�ضايا الرتاث والعالقة بالغرب وموقف‬ ‫املثقفني املنق�سم ح��ول العلم واال�ستقالل‬ ‫وج� � ��دوى ال� �ت��راث وال� �ب� �ح ��ث ع ��ن م�لام��ح‬ ‫ال�شخ�صية امل���ص��ري��ة يف ت��اري�خ�ه��ا البعيد‬ ‫والقريب وارتباطها باملحيط العربي و�أوربا‬ ‫واجل��ام�ع��ة الإ��س�لام�ي��ة وال�ع��روب��ة وم��ا �أث��اره‬ ‫حممد عبده والأفغاين‪ .‬كل هذه الروافد �آتت‬ ‫�أكلها و�أو�صلت �سفينة ال�شاب �شوقي �ضيف‬ ‫�إىل مرف�أ التعليم املدين احلديث يف جو ثري‬ ‫من احلرية واال�ستقالل بجامعة القاهرة‪.‬‬

‫على نهج طه ح�سني‬

‫تخرج �شوقي �ضيف يف ق�سم اللغة العربية‬ ‫و�آدابها عام ‪1935‬م وقد در�س الآداب العربية‬


‫�أحمد �شوقي‬

‫وطرف ًا من الآداب ال�شرقية كما در�س تاريخ‬ ‫اليونان والرومان وم�شى على درب �أ�ستاذه‬ ‫طه ح�سني الذي در�س مناهج البحث الأدبي‬ ‫يف �أوربا وخا�صة يف فرن�سا وقرن فهم الأدب‬ ‫وتف�سريه بفهم احل�ضارة التي ن�ش�أ يف ظلها‬ ‫فقدم ر�سالته عن �أبي العالء املعري التي نال‬ ‫بها درجة الدكتوراه من اجلامعة امل�صرية‪.‬‬ ‫ون��ال �شوقي �ضيف درج��ة املاج�ستري عن‬ ‫مو�ضوع �صعب يف كتاب مو�سوعي كبري هو‬ ‫«النقد الأدبي يف كتاب الأغاين حتت �إ�شراف‬ ‫طه ح�سني عام ‪1939‬م و�صعوبة هذا املو�ضوع‬ ‫تتمثل يف جانبني‪ :‬الأول �أن كتاب الأغ��اين‬ ‫مل يكتبه �صاحبه �أبوالفرج الأ�صفهاين يف‬ ‫مو�ضوع نقد الأدب وال يف تاريخه بل كتبه يف‬ ‫مو�ضوع مهم �آخر هو ر�صد مقامات الغناء‬ ‫وامل�غ�ن�ين عند ال �ع��رب حتى ال �ق��رن ال��راب��ع‬ ‫الهجري وال يخلو الأمر عند �أبي الفرج من‬ ‫تتبع �سري املغنني وجمال�سهم وما اختاروه من‬ ‫ن�صو�ص ال�شعر العربي وما تبدل فيها وما‬ ‫�أ�ضيف �إليها وما حذف منها‪ .‬ولطول املدى‬ ‫الزمنى – من اجلاهلية حتى القرن الرابع‬ ‫ال�ه�ج��ري – ف�ق��د ت�ضخم ال�ك�ت��اب وازداد‬ ‫حجمه يف هذا العمل املو�سوعي الكبري‪.‬‬

‫توجه نحو املو�سوعية‬

‫ول �ك��ن ه��ذا ال �ت��وج��ه امل�ب�ك��ر ن�ح��و الأع �م��ال‬ ‫املو�سوعية ال�ك�برى يف�سر لنا مل��اذا اتخذ‬ ‫�شوقي �ضيف يف �سائر �أعماله �أو معظمها‬ ‫هذا ال�سبيل ال�صعب وكان يكفيه من املزادة‬

‫�شربة ماء بل كان يكفيه نقد ناقديه �أو قل‬ ‫ح�سد حا�سديه مع �أن الرجل كما عرفته كان‬ ‫عف الل�سان نقي القلب حمبا للجادين من‬ ‫الباحثني مت�شبث ًا كل الت�شبث بالقر�آن الكرمي‬ ‫و�سرية �أكرم اخللق عليه ال�صالة وال�سالم‪.‬‬ ‫وا�ستكما ًال لنهجه الرتاثي املو�سوعي فقد‬ ‫نال درجة الدكتوراه عام ‪1942‬م يف مو�ضوع‬ ‫ا�سمه «الفن ومذاهبه يف ال�شعر العربي» فقد‬ ‫راح يتتبع ب�صربه ود�أبه على القراءة التنقيب‬ ‫عن حت��والت �أ�ساليب ال�شعراء العرب منذ‬ ‫اجلاهلية حتى م�شارف الع�صر احلديث‬ ‫يف كتابة ال�شعر وارت �ب��اط ه��ذه التحوالت‬ ‫الأ�سلوبية باملعطيات الثقافية واالجتماعية‬ ‫يف كل ع�صر‪ .‬لقد كان هذا الكتاب يف زمنه‬ ‫فتحا كبريا لأن��ه قدم �صورة �شاملة لتاريخ‬ ‫ذوقي مرتامي الأبعاد اجلغرافية والثقافية‬ ‫وك�شف للدار�سني ع��ن دواوي ��ن �شعراء مل‬ ‫نعرفها حينها وع��ن بيئات علمية ونقدية‬ ‫وثقافية مل تكن معرفتها متاحة‪ .‬ومل يكتف‬ ‫�شوقي �ضيف مبا فعل ولكنه �أكمل اللوحة‬ ‫بدرا�سة للنرث العربي على غرار ما قدمه عن‬ ‫ال�شعر العربي‪ ،‬فكتب كتابه « الفن ومذاهبه‬ ‫يف النرث العربي» ال��ذي فتح �آف��اق��ا وا�سعة‬ ‫ل�شداة البحث العلمي يف فن النرث وجتلياته‬ ‫عرب ع�صوره‪.‬‬ ‫و�أعتقد �أن �شوقي �ضيف بعد �أن كتب هذين‬ ‫الكتابني قد و�ضع فيهما الأ�س�س التي بنى‬ ‫عليها اجنازاته الكربى �سواء يف كتبه عن‬ ‫تاريخ الأدب العربي �أو يف كتبه الأخرى عن‬ ‫البالغة والنقد �أو الرتجمة ل�شخ�صيات �أدبية‬ ‫كربى كتبت ال�شعر �أو كتبت فنون النرث‪ .‬فما‬ ‫�أجمله يف كتابيه ال�سابقني عن ال�شعر والنرث‬ ‫وجدناه مف�صال يف م�شروعه ال��ذي �أجنزه‬ ‫عن تاريخ الأدب العربي عرب ع�صوره وبيئاته‬

‫كان يؤمن بأن العروبة‬ ‫ليست عرق ًا وال مكان ًا‬ ‫ولكنها في حقيقتها‬ ‫لسان وثقافة ينضوي‬ ‫تحتهما اختالف العرق‬ ‫والدين واللغات‬

‫حممود �سامي البارودي‬

‫اجلغرافية والثقافية واللغوية مراعيا التعدد‬ ‫وال �ت �ن��وع يف �إط ��ار م��ن وح ��دة ت ��راث الأم��ة‬ ‫الواحدة �أو احل�ضارة الواحدة‪ .‬وقد وقع هذا‬ ‫امل�شروع يف ع�شرة جملدات كاملة �شملت كل‬ ‫امل�ساحات اجلغرافية يف م�شرق احل�ضارة‬ ‫العربية ومغربها‪ .‬فلم يكتف بكتابة تاريخ‬ ‫الأدب يف اجلزيرة العربية وال يف زمن من‬ ‫�أزمانها‪ ،‬ولكنه �سار وراء انت�شار العربية‬ ‫يف �سائر ال�ب�ل��دان وع�بر اخ�ت�لاف الأزم�ن��ة‬ ‫والثقافات لإميانه القوي ب�أن العروبة لي�ست‬ ‫عرقا وال مكانا ولكنها يف حقيقتها ل�سان‬ ‫وث�ق��اف��ة ين�ضوي حتتهما اخ �ت�لاف العرق‬ ‫والدين واللغات على الرغم من �أن الدولة‬ ‫املركزية قد �ضعفت عراها وتفككت‪ ،‬وهذا‬ ‫ما جعله يفرد كتب ًا ملا عرف تاريخي ًا با�سم‬ ‫ع�صر ال��دول والإم ��ارات‪ .‬فكتب عن الأدب‬ ‫يف ال�سودان ويف ليبيا ويف موريتانيا وعنه يف‬ ‫�صقلية‪ .‬وقيمة هذا العمل املو�سوعي الذي‬ ‫�صنعه �شوقي �ضيف تتمثل يف كونه يي�سر‬ ‫للباحثني والدار�سني االطالع على م�صادر‬ ‫الأدب من كتب ودواوي��ن ويقدم لهم �صورة‬ ‫كلية ي�صعب ع�ل��ى ال�ك�ث�يري��ن تكوينها �أو‬ ‫معرفة �أبعادها وت�ساعد هذه ال�صورة الكلية‬ ‫الباحث يف اختيار مو�ضوع بحثه ومعرفة‬ ‫م��ادت��ه‪ .‬وم��ن جانب �آخ��ر‪ ،‬ف ��إن ه��ذه الكتب‬ ‫التي قدمها �شوقي �ضيف عن تواريخ الأدب‬ ‫تعد مراجع �أ�سا�سية للطالب يف اجلامعات‬ ‫املختلفة يف العامل العربي والإ�سالمي ويف‬ ‫�أوروبا و�أمريكا‪.‬‬


‫وجه في المرآة‬ ‫‪62‬‬

‫كان شديد الحرص‬ ‫على اإلنصاف‬ ‫وخصوص ًا مع من‬ ‫يعرفهم عن قرب مثل‬ ‫العقاد أو من ماتوا‬ ‫مثل البارودي وأحمد‬ ‫شوقي‬

‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫تقدير وتكرمي‬

‫والالفت للنظر �أن هذا الرتاث العلمي الذي‬ ‫قدمه �شوقي �ضيف طيلة م�سريته العلمية‬ ‫التي ب��د�أت بعد تخرجه يف جامعة القاهرة‬ ‫عام ‪1935‬م وانتهت بوفاته عام‪2005‬م القى‬ ‫التقدير الأدب��ي من جانبني الأول منهما هو‬ ‫ترجمة كتابه امل�سمى بـ «عاملية الإ�سالم» �إىل‬ ‫الإجنليزية والفرن�سية وترجمة كتابه «الأدب‬ ‫العربي املعا�صر» �إىل اللغة ال�صينية والثاين‬ ‫هو الإعالن عن تقدير الدولة امل�صرية ل�شوقي‬ ‫�ضيف مبنحه جائزة الدولة التقديرية عام‬ ‫‪1979‬م وهو على ر�أ�س جممع اللغة العربية وقد‬ ‫�ألقى كلمة �ضافية حتدث فيها عن م�صر الوطن‬ ‫ال��ذي احت�ضن العربية وتراثها كما حتدث‬ ‫عن كبار العلماء من امل�صريني الذين �أفادوا‬ ‫ب�أبحاثهم وتراثهم العروبة والإ�سالم‪ .‬ويف عام‬ ‫‪1983‬م �شرفت جائزة امللك في�صل ب�شوقي‬ ‫�ضيف ثم ختمت ال��دول��ة امل�صرية تقديرها‬ ‫الرفيع له بتتويجه �أكرب جائزة يف م�صر كان‬ ‫ا�سمها «ج��ائ��زة م �ب��ارك» ع��ام ‪2003‬م قبل‬ ‫رحيله بعامني‪ .‬ومما يذكر يف هذا ال�سياق �أن‬ ‫هذه اجلائزة ت�أخرت عن �شوقي �ضيف ب�سبب‬ ‫معروف ووا�ضح وهو �أني�س من�صور يرحمه اهلل‬ ‫الذي كان من املقربني من رئي�س الدولة ومن‬ ‫وزير الثقافة فاروق ح�سني وقد تر�شح للجائزة‬ ‫وقت تر�شح هذا العامل الكبري لها ويف وجود‬ ‫جابر ع�صفور �أحد تالمذة �شوقي �ضيف على‬ ‫ر�أ�س املجل�س الأعلى للثقافة‪ .‬ولعبت ال�سيا�سة‬

‫دوره� ��ا وت�خ�ل��ت اجل��ائ��زة ع��ن م�صداقيتها‬ ‫وانحازت لأني�س من�صور‪.‬‬ ‫ولن نتحدث عن العطاء الكبري من جانب �شوقي‬ ‫�ضيف ملجمع اللغة العربية لأن��ه حديث يطول‬ ‫ولكن ن�شري �إىل �أن هناك عالمات ا�ستفهام‬ ‫على قلة الدرا�سات العلمية التي توقفت عند‬ ‫تراث �شوقي �ضيف ومن هذه الدرا�سات القليلة‬ ‫ذلك الكتاب التذكاري الذي كتبه عدد كبري من‬ ‫حمبي �شوقي �ضيف على ات�ساع الوطن العربي‬ ‫وهم فريق من تالميذه الذين �صاروا �أ�ساتذة‬ ‫يف تخ�ص�صاتهم يف م�صر وغ�يره��ا وبع�ض‬ ‫زمالئه الذين رافقوه يف م�سريته‪ ،‬و�أ�شرف على‬ ‫جتهيز هذه الأبحاث و�إعدادها للطبع تلميذه‬ ‫الأ�ستاذ الدكتور طه وادي يرحمه اهلل �أ�ستاذ‬ ‫النقد الأدبي احلديث واملعا�صر وكاتب الرواية‬ ‫والق�صة الق�صرية وق��د �شرفت بالكتابة عن‬ ‫هذا العلم الفريد و�أ�سهمت ببحث ا�سمه «جذور‬ ‫ال�شخ�صية امل�صرية عند �شوقي �ضيف» و�صدر‬ ‫هذا الكتاب يف طبعتني من دار املعارف مب�صر‬ ‫والقى قبوال وا�سع ًا وطيب ًا على كل امل�ستويات‪.‬‬ ‫وم��ن ال��درا� �س��ات املهمة الأخ ��رى ع��ن �شوقي‬ ‫�ضيف‪ ،‬تلك التي كتبها الدكتور عبدالعزيز‬ ‫الد�سوقي �أ�ستاذ الأدب احلديث ب��دار العلوم‬ ‫بعنوان «�شوقي �ضيف رائد الدرا�سات الأدبية‬ ‫والنقد العربي» �أم��ا خ��ارج م�صر فقد �أع��دت‬ ‫باحثة �إيرانية ا�سمها �شكوه ال�سادات ح�سيني‬ ‫ر�سالتها للماج�ستري عن مو�ضوع « الآراء النقدية‬ ‫يف النحو والبالغة عند �شوقي �ضيف»‬

‫مبا�شرة يف كلية الآداب جامعة القاهرة وكان‬ ‫ع��ددن��ا نحن ال�ط�لاب قليال ال يتعدى �سبعة‬ ‫ط�لاب وك��ان ي��در���س لنا مو�ضوعا يف الأدب‬ ‫العربي القدمي وبالطبع كنا عيا ًال على كتبه يف‬ ‫تاريخ الأدب و�أذكر كتابه عن الع�صر العبا�سي‬ ‫ال�ث��اين ال��ذي ك��ان يحدثنا فيه عما �أ��ص��اب‬ ‫الق�صيدة العربية من تطور يف املو�ضوعات‬ ‫واللغة ال�شعرية على يد �شعراء كبار �أمثال‬ ‫ابن املعتز والبحرتي وابن الرومي و�أبي متام‬ ‫وتطرق احل��وار بني الأ�ستاذ وبيني �إىل حد‬ ‫االخ �ت�لاف معه فيما يقول م��ن وجهة نظره‬ ‫حول هذا التطور وتنبهت يف اللحظة الأخرية‬ ‫�أين قد متاديت يف هذا احلوار ومل�س يف عيني‬ ‫هذا الإح�سا�س فما كان منه �إال �أن قال يل �أنت‬ ‫على حق فيما قلت‪ .‬وبالت�أكيد كانت كلمته هذه‬ ‫حماولة طيبة منه ال�ستعادة هدوئي ومراجعة‬ ‫نف�سي‪ .‬وم��رت ه��ذه ال�سنة الدرا�سية بهدوء‬ ‫وتوجهت بعدها لدرا�سة النقد الأدبي القدمي‬ ‫وتقدمت مبو�ضوع فيه لأ�ستاذي الدكتور عبد‬ ‫املنعم تليمة ال��ذي حظيت مبودته و�إ�شرافه‬ ‫و�أجزت معه كتابة املو�ضوع واالنتهاء من �إعداده‬ ‫للمناق�شة وفوجئت مبا مل يكن يف ح�سباين وهو‬ ‫�أن الدكتور عبداملنعم قرر ال�سفر لليابان فور ًا‬ ‫ولن يتمكن من �إنهاء مهمة املناق�شة‪ ،‬وتطلب‬ ‫�شوقي �ضيف الذي عرفته‬ ‫الأم��ر �أن يتوىل الإ�شراف �أ�ستاذ �آخر ي�ستمر‬ ‫�أما عن �شوقي �ضيف الذي عرفته عن قرب‪ ،‬معي حتى االنتهاء من مع�ضلة مناق�شة هذه‬ ‫ف�ق��د تتلمذت ع�ل��ى علمه وخ�ل�ق��ه يف ال�سنة الر�سالة‪ .‬وكان هذا امل�شرف من اختيار الدكتور‬ ‫التمهيدية للماج�ستري عام ‪1976‬م بعد تخرجي تليمة وه��و الدكتور نعمان القا�ضي يرحمه‬


‫جامعة القاهرة‬

‫اهلل‪ .‬ومل يكن ه��ذا كافي ًا وال مريح ًا مع �أن‬ ‫الدكتورنعمان كان �شخ�صية طيبة وحمرتمة‬ ‫وال�سبب �أن �أحد �أ�ساتذة الكلية التي كنت �أعمل‬ ‫بها معيد ًا وهو عميدها كان يرغب يف �أن يكون‬ ‫م�شرف ًا على الر�سالة منذ البداية فلما �سافر‬ ‫امل�شرف الأول توقع �أن يكون هو امل�شرف وملا‬ ‫مل يتحقق هذا رف�ض بحكم من�صبه الإداري‬ ‫املوافقة على ت�شكيل جلنة احلكم على الر�سالة‬ ‫على الرغم من وجوده فيها‪ .‬وملا تعقدت الأمور‬ ‫وو�صلت �إىل طريق م�سدود عام ‪1979‬م مل يكن‬ ‫�أمامي من حلول �إال حل واحد هو اللجوء �إىل‬ ‫�أ�ستاذنا �شوقي �ضيف وقد اق�ترح هذا احلل‬ ‫�أ�ستاذنا الدكتور طه وادي وخ�شيت من لقائه‬ ‫بعد مرور هذه ال�سنوات و�أنه �أي�ض ًا كان قد �أمت‬ ‫ال�سبعني عاما من عمره وتفرغ للعمل املجمعي‬ ‫ويرف�ض �أن ي�سافر خ��ارج القاهرة وجامعة‬ ‫الزقازيق التي �أعمل بها هي مقر املناق�شة‬ ‫وهو مل يعد يناق�ش ر�سائل جامعية يتحمل يف‬ ‫�سبيلها م�شقة ال�سفر يف بالدنا‪ ،‬ولكن �إ�صرار‬ ‫الدكتور طه و�إحلاحه �أفلحا يف �إزالة اخلوف‬ ‫من نف�سي ورفعتا عني كثري ًا من احلرج‪ .‬وكان‬ ‫�أ�ستاذنا �شوقي �ضيف ي�سكن يف منيل الرو�ضة‬ ‫يف عمارة من الطراز املعماري اجلميل القدمي‬ ‫يف �شقة من �شققها التي تقع يف الطابق الأول‬ ‫القريب جد ًا من ال�شارع وملا اقرتبنا من باب‬ ‫ال�شقة داخلني �إح�سا�س باخلوف ال �أع��رف‬

‫ملاذا؟ وفتحت الباب لنا ال�سيدة زوجته وهي‬ ‫ها�شة با�شة‪ ،‬و�س�ألها الدكتور طه �أين �أ�ستاذنا‬ ‫– فقد �أتينا بال موعد ــ قالت لنا �إن��ه يف‬ ‫غرفة النوم على ال�سرير يعاين من الإنفلونزا‬ ‫و�أو�صلتنا �إليه بعد ا�ستئذانه‪ .‬كان جال�سا فعال‬ ‫فوق ال�سرير العري�ض الوا�سع وحوله من كل‬ ‫جانب كتب كثرية وجل�سنا معه ودار احلديث‬ ‫على م�شكلتي و�أننا نرجوه �أن يناق�شني لريدع‬ ‫هذا العميد الذي كان واحد ًا من تالميذه وبعد‬ ‫�أن ا�ستمع لنا قال ما نعرفه وهو �أنه ال يخرج‬ ‫من القاهرة ومل يعد يناق�ش ر�سائل خارجها‬ ‫ولكنه يقبل طلبنا ب�شرط واحد وهو �أن نعطيه‬ ‫ن�سخة من الر�سالة يقر�أها ف�إن اقتنع بها وافق‬ ‫على مناق�شتها وعلمنا منه �أن برناجمه اليومي‬ ‫منذ �سنني طويلة هو �أن ينام بعد �صالة الع�شاء‬ ‫وي�صحو يف الفجر ي�صلي ويبد�أ القراءة حتى‬ ‫التا�سعة �صباحا بعدها يخرج للجامعة �أو‬

‫املجمع �أو مواعيده الأخرى ويعود �إىل بيته وال‬ ‫مير يوم من هذه الأيام بدون �أن يكون قد عمل‬ ‫فيه ما يقرب من �أربعة ع�شر �ساعة معظمها‬ ‫يف القراءة واملراجعة والبحث والكتابة‪ .‬عندها‬ ‫عرفت كيف ا�ستطاع �أن يكتب كل هذه الكتب‬ ‫املو�سوعية وينجز كل هذا الإجناز العظيم يف‬ ‫جماالت عديدة‪.‬‬ ‫وال �أن�سى ح�ضوره الكرمي ملناق�شة ر�سالتي‬ ‫للماج�ستري فقد كان حدثا عظيما وجليال فقد‬ ‫ح�ضر حل�ضوره عدد كبري جدا من �أ�ساتذة‬ ‫اجلامعات امل�صرية لي�شهدوا مناق�شته هذا‬ ‫الباحث اجل��دي��د ال��ذي ك�سر �شوقي �ضيف‬ ‫حلقات برناجمه من �أجله‪ .‬و�أثناء املناق�شة‬ ‫�أراد �أن يوقع هذا الأ�ستاذ العميد بيني وبني‬ ‫�أ�ستاذنا �شوقي �ضيف م�ستغال ما ذكرته يف‬ ‫منت البحث من �آراء �أ�ستاذنا وذكرت ا�سمه بال‬ ‫�ألقاب فرد عليه �أ�ستاذنا قائال له وما العيب‬ ‫فيما فعل لي�س مطلوبا �أن يذكر اللقب يف منت‬ ‫البحث‪ .‬ودوى املدرج بت�صفيق احلا�ضرين‪.‬‬ ‫ومن خلقه الكرمي �أين عندما كربت وكتبت‬ ‫عنه بحثا ن�شرته ورحت لزيارته مع ال�شاعر‬ ‫حممد �إبراهيم �أبو�سنة والدكتور طه وادي يف‬ ‫�شقته اجلديدة بعمارة �أع�ضاء هيئة التدري�س‬ ‫بجامعة القاهرة وكان قد تقدمت به ال�سن‬ ‫وجل�سنا معه فقدمنا �إليه الدكتور طه وادي‬ ‫وعندما ذكر له ا�سمي قال نعم �أتذكره �إنه يا‬ ‫طه �صاحب ف�ضل علي فقد كتب عني و�أ�شاد‬ ‫مبا كتبت‪ ،‬فقلت له يا �أ�ستاذنا بل الف�ضل لك‬ ‫علينا جميعا وتوجه بالكالم �إىل �أب��ي �سنة‬ ‫م�شيدا بق�صيدته اجلديدة وتعجبنا جميعا‬ ‫م��ن ق��درت��ه الهائلة على املتابعة والتذكر‬ ‫والإ�شادة مبن ي�ستحق الإ�شادة‪ .‬كان �شديد‬ ‫احل��ر���ص ع�ل��ى الإن �� �ص��اف وخ�صو�صا من‬ ‫يعرفهم عن قرب مثل العقاد �أو من ماتوا مثل‬ ‫البارودي و�أحمد �شوقي كان يعتقد �أن الكلمة‬ ‫�أبقى من �صاحبها و�أنها دالة عليه بعد موته‬ ‫وكان يذكر بيت حافظ يف رثاء �شوقي‪:‬‬

‫نال ضيف درجة‬ ‫الماجستير عن‬ ‫موضوع صعب في‬ ‫كتاب موسوعي كبير‬ ‫ق��د كنت �أرج ��و �أن ت�ك��ون عزائي‬ ‫هو «النقد األدبي في‬ ‫ي ��ا م �ن �� �ص��ف امل ��وت ��ي م ��ن الأح� �ي ��اء‬ ‫كتاب األغاني» تحت‬ ‫إشراف طه حسين عام‬ ‫‪1939‬م‬


‫نافذة على التراث‬ ‫‪64‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫مشاهد رحيل األحبة‬ ‫يبد�أ‬

‫رك ��ب احل�ب�ي�ب��ة ال��راح �ل��ة يف‬ ‫ال �ت �ح��رك‪ ،‬وي �ق��ف ال���ش��اع��ر‬ ‫مت�أمال امل�شهد ال��ذي ابتدعه خياله‪ ،‬ثم‬ ‫يبد�أ يف التعبري عما جا�ش يف �صدره ووعيه‬ ‫�ضمن ما يعرف بالوقوف على الأطالل يف‬ ‫ال�شعر اجلاهلي‪.‬‬ ‫ي�سمح الوقوف على الأط�لال للقارئ ب�أن‬ ‫ين�سرب يف م�ساحة ت��أم��ل خ��ارج الزمن‬ ‫وع �ل��ى ع�لاق��ة ب��ه يف �آن‪ :‬خ ��ارج ال��زم��ن‬ ‫لأنها جتربة ي�صفها �شاعر عا�ش وعا�شت‬ ‫جتربته منذ م��ا ي��زي��د ع��ن خم�سة ع�شر‬ ‫ق��رن��ا‪ .‬لقد ابتعدت جتربة ال��وق��وف على‬ ‫الأطالل مل�سافة تكفي لل�شعور باالنف�صال‬ ‫عنها وع��ن زم�ن�ه��ا‪ ،‬خا�صة م��ع اختالف‬ ‫البيئة التي ت�صفها جتربة الأط�لال عما‬ ‫نعي�شه اليوم‪ .‬لكن الوقوف على الأطالل‬ ‫يلم�س هما مقيما ل��دى الإن�سان �أي��ا كان‬ ‫ع�صره؛ �إن��ه �شعور العجز �أم��ام الزمن‬ ‫وفعله يف الأ�شياء والأحياء‪� ،‬شعور التجرب‬ ‫ال��ذي ميار�سه املا�ضي‪ ،‬فقط لأن��ه م�ضى‬ ‫وال �سبيل ال�سرتجاعه‪.‬‬ ‫ي�ق��ف ام ��ر�ؤ ال�ق�ي����س �أم ��ام م�شهد رحيل‬ ‫احلبيبة مت�أمال زمنه الذي م�ضى‪ ،‬مرتبكا‬ ‫باحثا عن حل‪ .‬يقول‪:‬‬

‫ك ��أين غ��داة ال�ب�ين ي��وم حتملوا‬ ‫ل��دى �سمرات احل��ي ناقف حنظل‬

‫�إنه يفرك يديه كمن ينزع ق�شور احلنظل‪،‬‬ ‫يف حركة ع�صبية تدل على التوتر واحلرية‬ ‫يف ظ��ل بع�ض ال���ش�ج�يرات‪ .‬ام��ر�ؤ القي�س‬ ‫ي�صف �أث��ر الرحيل عليه‪ ،‬رحيل الأحبة‬

‫ورح �ي��ل ال��زم��ن ال ��ذي ��ض�م��ه م�ع�ه��م‪ .‬ثم‬ ‫ي�سعى بعد ذلك �إىل ا�ستنبات احلياة يف‬ ‫الطلل امليت عرب و�صف خملفات الظباء‬ ‫البي�ض التي جتو�س يف الطلل بحب الفلفل‬ ‫كما يرى د‪ .‬م�صطفى نا�صف؛ ملقيا بذلك‬ ‫يف الأر�ض بذور حياة �أخرى‪.‬‬

‫َت � َرى َب� َع� َر الأَ ْر�آ ِم يف َع َر َ�صا ِتهَا‬ ‫و ِق� �ي� � َع ��ا ِن� � َه ��ا َك � � ��أَ َّن � � � ُه َح� � � ُّ�ب ُف �ل � ُف��ل‬

‫ف� ��إذا ك��ان ت��وت��ر ام ��ر�ؤ القي�س ق��د �أف��رز‬ ‫و�صفا بديعا حلالة االرتباك والأمل التي‬ ‫�أ�صابته‪ ،‬ف�إن طرفة بن العبد يركز و�صفه‬ ‫ع�ل��ى م�شهد ال��رح�ي��ل ن�ف���س��ه‪ ،‬ك�م��ن وج��ه‬ ‫طاقة الأمل واحلرية لإب��داع �صورة فريدة‬ ‫حلالة الفراق‪ ،‬وكذلك حلالة مواجهة فعل‬ ‫الزمن والإبحار عربه‪.‬‬ ‫يقول طرفة‪:‬‬

‫َك � � ��أَ َّن ُح � � � ُدو َج امل َ��ا ِل� � ِك� � َّي� � ِة َغ � ��د َو ًة‬ ‫َخ�لا َي��ا �� َ�س� ِف�ْيننْ ٍ ِب��ال� َن� َوا ِ���ص� ِ�ف مِ ��ن َد ِد‬ ‫ابن َيامِ ٍن‬ ‫َع ُدولِي ٌة �أو من َ�س ِف ِ‬ ‫ني ِ‬ ‫َي� ُ�ج��و ُر ِب�ه��ا املَ�ل�ا ُح َط ��و ًرا و َي�ه� َت��دي‬ ‫ومهَا بِها‬ ‫اب املَ��ا ِء َح ْي ُز ُ‬ ‫َي ُ�ش ُّق َح َب َ‬ ‫َك�م��ا َق��� َ�س� َم ال�ُّت�رُّ َب امل ُ� َف��ا ِي � ُل ِب��ال� َي��دِ‬

‫البيت الأول من الأبيات ال�سابقة ي�صف‬ ‫ركب الراحلني الذي ي�ضم احلبيبة‪ ،‬وقد‬ ‫ب��د�أت رحلتهم يف ال��وادي امل�سمى «دد»‪،‬‬ ‫وي�شبه ه��ذا ال��رك��ب بال�سفينة ال�ضخمة‬ ‫التي ت�شق عباب امل��اء‪ .‬ثم مينحنا البيت‬ ‫ال �ث��اين امل��زي��د م��ن و� �ص��ف احل��رك��ة التي‬ ‫تنحرف عن ا�ستقامتها �أحيانا فريجعها‬

‫ال��رب��ان املتمكن �إىل طريقها ال�صحيح‪.‬‬ ‫�أو لعل الربان‪� ،‬ش�أنه �ش�أن دليل القافلة‪،‬‬ ‫هو من يحرك القافلة بعيدا عن طريقها‬ ‫امل�ستقيم اتقاء خلطر ما ال ي��راه �إال هو‪،‬‬ ‫لذلك كان من ال�ضروري �أن ي�صف الربان‬ ‫ب�أنه ماهر كابن يامن �أو كقبيلة َع� َ�دولىَ‬ ‫م��ن �أه ��ل ال�ب�ح��ري��ن امل �ع��روف�ين تاريخيا‬ ‫باخلربة يف املالحة والإبحار‪.‬‬ ‫لقد ت�شكلت القافلة يف هيئة �سرب �سفن‬ ‫�ضخمة متحركة يف غب�شة ال�ضباب الذي‬ ‫ي�ت�ك��اث��ف م��ع ب��داي��ة ال �ن �ه��ار‪ .‬ح �ت��ى ه��ذه‬ ‫اللحظة ت�ب��دو ��ص��ورة ط��رف��ة ثنائية ك��أي‬ ‫ت�شبيه تقليدي يف الرتاث ال�شعري‪ ،‬ي�شبه‬ ‫طرفة حركة الركب الذي ي�شق ال�ضباب‬ ‫مب�ق��دم�ت��ه‪ ،‬ب�ح��رك��ة ال�سفينة ال �ت��ي ت�شق‬ ‫مقدمتها الأم��واج املتتالية التي ت�ضرب‬ ‫تلك املقدمة وتن�شق عنها ميينا وي�سارا‬ ‫مت��ام��ا ك�م��ا ين�شق ال���ض�ب��اب ع��ن مقدمة‬ ‫ال��رك��ب‪ .‬لكن البيت الثالث ي�ضيف بعدا‬ ‫ث��ال �ث��ا ل �ل �� �ص��ورة ل�ت���ص�ب��ح �أك�ث�ر ت�ع�ق�ي��دا‪،‬‬ ‫فال�سفينة‪ /‬ال��رك��ب ت�شبه �أي�ضا املفايل‬ ‫ال ��ذي ي���ش��ق ال�ت�راب مب�ق��دم��ة �أ��ص��اب�ع��ه‪.‬‬ ‫املفايلة لعبة ي�صنع فيها الأط�ف��ال كومة‬ ‫من الرتاب وي�ضعون �شيئا يف �أحد جانبي‬ ‫ال �ك��وم��ة‪ ،‬ث��م ي �ف��رد �أح���د الأط� �ف ��ال ي��ده‬ ‫«املفايل» وميدها لي�شق كومة الرتاب �إىل‬ ‫ن�صفني‪ .‬هنا ت�صوير ي�ستحق ال�ت��أم��ل؛‬ ‫فاليد امل�ف��رودة الأ�صابع ت�شبه �أطرافها‬ ‫مقدمة ال�سفينة لتي ت�شبه بدورها مقدمة‬ ‫ال��رك��ب‪ .‬ال�ي��د تق�سم ال�ت�راب كما يق�سم‬ ‫حيزوم ال�سفينة امل��اء كما تق�سم مقدمة‬


‫د‪� .‬أمين بكر‬

‫باحث وناقد من م�صر‬

‫وال يعرف �أحد ما يخبئه الدهر لركابها‪،‬‬ ‫كما ال نعرف م�صريها‪ ،‬كال�سفينة التي مل‬ ‫يطلعنا الن�ص على وجهتها �أو م�صريها‪،‬‬ ‫متاما ككومة ال�تراب التي ال يعرف �أحد‬ ‫�أي���ن ت�خ�ف��ي خ�ب�ي�ئ�ت�ه��ا‪ .‬ن �ح��ن �أم� ��ام فعل‬ ‫اقتحام معلوم البداية جمهول امل�صري‪،‬‬ ‫متاما كحياة الإن�سان يف اخرتاقه للزمن‪.‬‬ ‫�إن ��ه ك�م��ن ينطلق يف رح �ل��ة‪ /‬ب �ح� ٍ�ر‪ /‬وادٍ‬ ‫�ضبابي‪ /‬م�ق��ام��ر ٍة ال �سبيل لتجنبها �أو‬ ‫التعرف على نهايتها‪.‬‬

‫ال��رك��ب ال�ضباب‪ .‬تتطاير ذرات ال�تراب‬ ‫حني تق�سمه يد املفايل كما تتطاير ذرات‬ ‫املاء حني ت�ضرب الأمواج مقدمة ال�سفينة‪،‬‬ ‫ومثلهما ت�ب��دو دوام ��ات ال �ه��واء وت�ي��ارات��ه‬ ‫ال�صغرية التي تتطاير ح��ول القافلة يف‬ ‫�ضباب ال�صبح‪ .‬نحن �أمام م�شهد مركب‬ ‫ثالثي الأبعاد يقدم �صورة مذهلة للرحيل‬ ‫ال��ذي يبدو هنا حالة من ح��االت اقتحام‬

‫املجهول‪ :‬البحر ال�ضباب‪ ،‬الرتاب‪ ،‬الذي‬ ‫هو يف الوقت نف�سه �سفر عرب للزمن‪� .‬إن‬ ‫ال��زم��ن ه��و العن�صر الفا�صل يف جتربة‬ ‫ال��رح�ي��ل‪ ،‬ويف ت�صويراتها ال�ث�لاث��ة التي‬ ‫ا�صطنعه طرفة؛ فالركب امل�سافر يتحرك‬ ‫ن�ح��و جم �ه��ول ل��ن يك�شفه � �س��وى ال��زم��ن‪،‬‬ ‫متاما كال�سفينة �أو كالالعب الذي يجهل‬ ‫م�صري لعبته‪ .‬باملثل ت�شق القافلة ال�ضباب‬

‫من القامو�س‪:‬‬ ‫احل� ��دج‪ :‬م��رك��ب م��ن م��راك��ب ال �ن �� �س��اء‪،‬‬ ‫واجلمع حدوج و�أحداج‪.‬‬ ‫اخل�ل�اي ��ا‪ :‬ج �م��ع اخل �ل �ي��ة وه ��ي ال�سفينة‬ ‫العظيمة‪.‬‬ ‫َع � َ�د ْولىَ ‪ :‬قبيلة من �أه��ل البحرين‪ ،‬وابن‬ ‫يامن‪ :‬رجل من �أهلها‪.‬‬ ‫اجلور‪ :‬الهدول عن الطريق‪.‬‬ ‫الطور‪ :‬التارة واجلمع الأطوار‪.‬‬ ‫ح�ب��اب امل��اء‪� :‬أم��واج��ه‪ ،‬ال��واح��دة حبابة‪.‬‬ ‫احل �ي��زوم‪ :‬ال���ص��در‪ ،‬واجل �م��ع احل �ي��ازمي‪.‬‬ ‫الرتب والرتاب والرتباء والتورب والتريب‬ ‫والترياب والتوراب واحد‪.‬‬ ‫ال�ف�ي��ال‪� :‬ضرب من اللعب‪ ،‬وه��و �أن يجمع‬ ‫الرتاب فيدفن فيه �شيء‪ ،‬ثم يق�سم الرتاب‬ ‫ن�صفني‪ ،‬وي�س�أل عن الدفني يف �أيهما‪« :‬من‬ ‫� �ش��رح امل�ع�ل�ق��ات ال�سبع ل�ل�إم��ام ع�ب��د اهلل‬ ‫احل�سن بن �أحمد ال��زوزين‪ ،‬حتقيق‪ :‬حممد‬ ‫عبد ال�ق��ادر الفا�ضلي‪ ،‬املكتبة الع�صرية‪،‬‬ ‫بريوت‪� ،2005 ،‬ص ‪»67 - 66‬‬


‫ارتياد اآلفاق‬ ‫‪66‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ين�شر هذا الباب بالتعاون‬ ‫مع املركز العربي للأدب‬ ‫اجلغرايف «ارتياد الآفاق»‬ ‫ �أبوظبي ‪ -‬لندن ‪،‬الذي يرعاه‬‫ال�شاعر والباحث الإماراتي‬ ‫حممد �أحمد ال�سويدي ‪.‬‬


‫الت�سـلــل الكتـ�شاف الـوطـن ‪..‬‬

‫برتقالة واحدة لفلسطين‪..‬‬ ‫«أتنقل في وطني‪ ،‬تارة سر ًا‪ ،‬وأخرى على عجل!»‬ ‫�سليمان الهـويريني‬ ‫بعني عا�شق جلغرافيا وطن ميتد من النهر �إىل البحر‪ ،‬وقلب‬ ‫مرتع باحلزن على تاريخه‪ ،‬يرحتل الأدي��ب حت�سني يقني يف‬ ‫كتابه «برتقالة واح��دة لفل�سطني»‪ ،‬م��ن برتقال �أري�ح��ا �إىل‬ ‫برتقال ي��اف��ا‪ ،‬موثقاً م�شاهداته ع��ن م�ن��ازل لها يف القلوب‬ ‫منازل‪ :‬زهرة املدائن القد�س‪ ،‬رام اهلل‪ ،‬جنني‪ ،‬يافا‪ ،‬عكا‪ ،‬حيفا‪،‬‬ ‫وغريها من املدن الفل�سطينية‪.‬‬ ‫و�إن كان هذا الكتاب يت�ضح من عنوانه‪،‬‬ ‫�إ ّال �أن ما ال يت�ضح هو �أن امل�ؤلف «يت�سلل»‬ ‫لكي ي�صل �إىل بلده‪ ،‬وه��ذا بزعمي �أ�� ّ�س‬ ‫احلكاية‪ ،‬ملن فاته �أو �صعب عليه قراءة‬ ‫���ص��ورة ال��غ�ل�اف �أو ا� �س �ت �ح �� �ض��ار ب��اح��ة‬ ‫التاريخ اخللفية؛ ال�سيما عندما يتعامل‬ ‫هذا التاريخ مع الأر���ض املباركة امل�سماة‬ ‫«فل�سطني»‪.‬‬ ‫ينتمي ه��ذا الكتاب �إىل �أدب الرحالت‪،‬‬ ‫واملفارقة هنا �أن الرحلة لي�ست ارتياد ًا‬ ‫لآف��اق ق�صية يف ب�لاد ما وراء النهر‪� ،‬أو‬ ‫مغامرة يف جماهل غ��اب��ات �إفريقيا‪� ،‬أو‬ ‫ا�ستك�شاف ًا ل�غ��اب��ات الأم� ��ازون‪� ،‬أو بالد‬ ‫الفايكنج الثلجية القريبة من الأفق‪� ..‬أو‬ ‫الرحيل �إىل �سقف العامل يف التبت‪ ،‬بل‬ ‫هي رحلة بني رب��وع وطن ُكتب على �أهله‬ ‫عبور بوابات وحواجز و�أ��س�لاك املحتل‪،‬‬ ‫هويات ب�ألوانٍ باهتة‪،‬‬ ‫بعد احل�صول على‬ ‫ٍ‬

‫وت�صاريح �سريعة ال��زوال‪ ،‬و�إال فالبديل‬ ‫املغامرة و�سط �أحرا�ش و�أ�شواك ودروب‬ ‫خ�ف�ي��ة ل� �ي ��داووا الأرواح ب��ر�ؤي��ة ق��راه��م‬ ‫وم��دن�ه��م‪ ،‬وليثبتوا �أن�ه��م �أدرى ب�شعاب‬ ‫بلدهم‪ ،‬كما كان ي�صنع حت�سني يقني يف‬ ‫زياراته �إىل القد�س‪ ،‬وغريها من املدن‪،‬‬ ‫والتي �سجل تفا�صيلها يف «برتقالة واحدة‬ ‫لفل�سطني»‪ ،‬منتق ًال على مدى �سنوات ع�شر‬ ‫«‪ 1997‬ــ ‪ »2007‬بطول ب�لاده وعر�ضها‪،‬‬ ‫متحدي ًا ج�ب�روت املغت�صب ال��ذي يريد‬

‫كنت أرى فلسطين مكان ًا‬ ‫واحد ًا فرد ًا غير مقطع‬ ‫األعضاء رغم الحواجز‬ ‫العسكرية التي تفصل‬ ‫البلد الواحد عن نفسه‬ ‫حين عبرها جدار بشع‬ ‫ظالم عنصري حاقد‬

‫متزيق اجلغرافيا‪ ،‬وت�شويه التاريخ‪.‬‬ ‫مل يقدم يقني ن�صه هذا ك�صحايف فقط‪،‬‬ ‫ب��ل «ك�م��واط��ن فل�سطيني يعي�ش الن�ص‪،‬‬ ‫وي�شارك فيه وال يقف عند ح ّد الو�صف»‪.‬‬ ‫كذلك يقول‪« :‬مل �أتعامل مع مدن فل�سطني‬ ‫وق ��راه ��ا وري �ف �ه��ا وم �� �ض��ارب �ه��ا وغ��وره��ا‬ ‫و�سهولها وجبالها وت�لال�ه��ا م��ن منظور‬ ‫التق�سيمات الب�شعة للمكان‪ ،‬كنت �أراه‬ ‫واح ��د ًا ف��رد ًا غ�ير مقطع الأع���ض��اء رغم‬ ‫احل��واج��ز الع�سكرية التي تف�صل البلد‬ ‫الواحد عن نف�سه حني عربها جدار ب�شع‬ ‫ظامل عن�صري حاقد‪ ،‬كلها كانت فل�سطني‬ ‫كما نعرفها وكما كانت‪ ،‬نحن �أبناء املكان‬ ‫الأ�صليني الذين بقينا يف اجلبال ننحت‬ ‫كرمنا وزيتوننا‪ ،‬ويف ال�غ��ور وال�صحراء‬ ‫نرعى موا�شينا واجلمال‪ ،‬ويف ال�سواحل‬ ‫ن���زرع ال�ب�رت �ق��ال‪ ،‬ن �ح��ن ه �ن��ا ك �ن��ا وك��ان‬ ‫الزيتون والعنب والربتقال ومواويل فالح‪،‬‬


‫ارتياد اآلفاق‬ ‫‪68‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫في كل لحظة حزن‬ ‫كنت أذكر إخوتي العرب‬ ‫وزغاريد امر�أة‪ ،‬و�أنا�شيد الرعاة‪ ،‬والناي فأنتعش قلي ً‬ ‫ال‪ ،‬وكأن يد ًا‬ ‫اجلميل »‪.‬‬ ‫من بعيد تكفكف ما‬ ‫انهمر من عبرات على‬ ‫يف زهرة املدائن‬ ‫وجنتي‪ ،‬فأقول لنفسي‪:‬‬ ‫ت�ستغرق زيارات حت�سني يقني‪� ،‬إىل مدينة سيأتون كما أتوا من‬ ‫ال�ق��د���س ثلث ال�ك�ت��اب ال��ذي يقع يف ‪360‬‬ ‫��ص�ف�ح��ة‪ ،‬ف�ن�ظ��ر ًا لأن امل ��ؤل��ف مقد�سي‪ ،‬قبل!‬

‫ول��د يف ق��ري��ة تبعد ع��ن امل��دي�ن��ة نحو‬ ‫كيلومرت ًا‪ ،‬لذا فقد تكررت «ت�سلالته» �إليها‬ ‫يف منا�سبات عدة رغم عوائق االحتالل‪،‬‬ ‫وال���ص�ع��اب ال�ت��ي ي�ضعها ج �ن��وده‪ ،‬فنجد‬ ‫ال�ك��ات��ب داخ��ل ال�ق��د���س يف رم���ض��ان‪ ،‬ويف‬ ‫يوم عرفة‪ ،‬ويف ذكرى الإ�سراء واملعراج‪،‬‬ ‫وامل��ول��د ال �ن �ب��وي وغ�ي�ره��ا‪ ،‬ويف ك��ل م��رة‬ ‫تكون حكاية الو�صول �إىل مدينته الأثرية‬ ‫خمتلفة‪ ،‬وكذلك امل�شاهدات‪ ،‬فامل�ؤلف كما‬ ‫هو معني بت�صوير املكان‪ ،‬مهموم بنا�سه‬ ‫ومعاناتهم‪ ،‬بال�شيوخ والن�سوة العجائز‬ ‫اللواتي يرين املرار‪ ،‬ويتحملن الكثري كي‬ ‫يدخلن �إىل بيت املقد�س مدينة ال�صالة‪.‬‬ ‫ق�ص�صي �شائق‬ ‫ويرحل فيحكي ب�أ�سلوب‬ ‫ّ‬ ‫وبلغة �شاعر ّية قائ ًال‪« :‬جبل �أج��رد �ضمن‬ ‫�سل�سلة ممتدة م��ن ال�شرق �إىل الغرب‪،‬‬ ‫طر�أ على قمته �شيء جديد‪� ،‬آليات تظهر‬ ‫بيا�ض ًا بد ًال من ال�سواد وبيا�ض ًا ا�ش ّد بد ًال‬ ‫‪15‬‬

‫م��ن بيا�ض ال�صخور ال�ت��ي غ�يرت لونها‬ ‫ظروف املناخ»‪.‬‬ ‫يتحول «يقني» �إىل دروي�ش عا�شق لكل زاوية‬ ‫يف املدينة املقد�سة‪ ،‬يهيم �أم��ام م�آذنها‬ ‫وم�ساجدها و�أعمدتها املهيبة‪ ،‬خ�صو�ص ًا‬ ‫يف الأق�����ص��ى وق �ب��ة ال �� �ص �خ��رة‪ ،‬ي�صف‬ ‫الأ�سبلة والأروقة والأ�سواق العتيقة ومدفع‬ ‫رم�ضان والنوافذ والزجاج امللون و�أطياف‬ ‫النور التي يكون لها بريق خا�ص‪ ،‬يحنُ‬ ‫امل�ؤلف وهو بعيد عن املدينة �إىل كل �شيء‬ ‫فيها‪� ،‬أكالتها املميزة‪ ،‬حلوياتها وكعكها‬ ‫وخملالتها البيتوتية وورق العنب الطازج‬ ‫اللذيذ ال��ذي تبيعه الفالحات‪« :‬للقد�س‬ ‫املدينة الفل�سطينية العريقة نكهة خا�صة‪،‬‬ ‫و�سحر دائم‪ ،‬تظل فيها يف حالة اكت�شاف‬ ‫و�شوق وحمبة لهذا املكان‪ .‬مبجرد دخولنا‬ ‫القد�س و�سرينا على �أر�ضها‪ ،‬وم�شاهدة‬ ‫�سورها وقبابها‪ ،‬خ�صو�ص ًا قبة ال�صخرة‬

‫هم الطريق �إليها‪ ،‬و�صعوبة‬ ‫املذهبة ينزاح ّ‬ ‫الدخول يف ظل �إجراءات االحتالل»‪.‬‬ ‫تختلف م�سارات ال�سرد يف الكتابة �أحيان ًا‬ ‫ل��دى امل ��ؤل��ف‪�-‬أي م��ؤل��ف‪ -‬حينما يتحدث‬ ‫ع��ن ال �ق��د���س �أو الأم ��اك ��ن ال �ت��ي عا�شها‬ ‫وع��ا��ش�ت��ه‪ ،‬ي�ح�ي��ل احل �ن�ين ف �ق��رات كثرية‬ ‫�إىل ق�صائد ن�ثري��ة‪ ،‬يهديها حم��ب تلمع‬ ‫كلماته وت�صفو حينما ي�صف حمبوبته‪:‬‬ ‫«م��ازال �صوتها يناديني‪ ،‬مل �أ�سمع �صوت‬ ‫املالئكة‪ ،‬لأنني مل �أح�س �إال ب�صوتها قد‬ ‫نفذ داخلي فجعلني �أ�سري ب��دون رجلني‪،‬‬ ‫حتى ظننت نف�سي �أط�ي�ر‪� ..‬أه��و �سحر؟‬ ‫رمبا حت�س بالقد�سية وال تراها‪� ،‬أي ع�شق‬ ‫ه��ذا؟ روحها تناديني‪� ،‬شكلها‪ ،‬تلأل�ؤها‪،‬‬ ‫م�ل�م���س�ه��ا‪� ،‬أق� ��ع ل �ل �م��رة ت �ل��و امل� ��رة �أ� �س�ير‬ ‫�إغرائها‪ ،‬يغريني ال�صوت وال�ضوء والظل‬ ‫واحلركة واخلطوط وال��دوائ��ر‪ .‬ا�ستدارة‬ ‫ت�ستدعي دوران العني ثم ال تنتهي‪ .‬وجهها‬ ‫الن�ضر رغم حزنه جميل»‪.‬‬ ‫وي�سري ذلك الع�شق حتى والكاتب ي�سرد‬ ‫ت��اري��خ ال�ق��د���س ع�بر ال�ع���ص��ور‪ ،‬ونكبتها‬ ‫ال�ك�برى بعد جم��يء ال �غ��زاة‪ ،‬وخمططات‬ ‫التهويد والأ� �س��ر ل��ه ال�ت��ي ت�سعى لطم�س‬ ‫ه��وي�ت�ه��ا ال�ع��رب�ي��ة امل �م �ي��زة‪ .‬وال�ل�اف��ت يف‬ ‫ال�ق���س��م اخل��ا���ص ب��ال�ق��د���س يف «ب��رت�ق��ال��ة‬ ‫واحدة لفل�سطني» �أن الكتابة لي�ست جمرد‬


‫�إن�شاء عادي‪� ،‬أو يوميات �سائح يزور مكان ًا‬ ‫م�ق��د��س� ًا يحفز ع�ل��ى الإب � ��داع‪ ،‬وي�ث�ير به‬ ‫الإلهام‪ ،‬بل هي يوميات مفعمة بال�شجن‬ ‫احلقيقي‪ ،‬ل�شخ�ص ي�سرد احل�ي��اة التي‬ ‫يعي�شها‪ ،‬وذكرياته مع الأمكنة البكر التي‬ ‫فتح عينيه فيها على جماليات مهددة‪.‬‬

‫�أمكنة �أخرى‬

‫ثانية املدن التي حط فيها رحال الكاتب‬ ‫الفل�سطيني «�إب��داع�ي� ًا» كانت «رام اهلل»‬ ‫التي لها هي الأخرى حمل خا�ص يف قلبه‪،‬‬ ‫�إذ تعد احلب الأول بالن�سبة �إليه‪ ،‬واملكان‬ ‫الذي يختزن ذكريات كثرية‪ ،‬فهي املدينة‬ ‫التي �ضاع فيها وهو �صغري‪ ،‬يوم �أن �أفلت‬ ‫يد وال��ده‪ ،‬وهي املدينة التي ت�شتمل على‬ ‫�سوق احل�سبة‪ ،‬حيث الن�ساء ي�سطرن دور ًا‬ ‫بطولي ًا يف �صمت‪ ،‬كما �أنها املدينة التي‬ ‫ا�ستقر وعمل فيها فيما بعد‪.‬‬ ‫ال يكتفي امل��ؤل��ف ع��ن احل��دي��ث ع��ن واق��ع‬ ‫رام اهلل ـ وكذا احلال يف غالبية الأمكنة‬ ‫التي زاره��ا ـ وم��ا �آل��ت �إل�ي��ه‪ ،‬ف��االرحت��ال‬ ‫يف ال��زم��ان حا�ضر ه��و الآخ ��ر‪ ،‬ل��ذا يعود‬ ‫الكاتب �إىل �صفحات من املا�ضي‪ ،‬مرة‬ ‫ع�بر ك�ت��اب ت��اري�خ��ي‪ ،‬وث��ان�ي��ة ع��ن طريق‬ ‫ت�سجيل روايات مقارنة لأ�شخا�ص م�سنني‬

‫كنت أحس من داخلي‬ ‫أن هذه البالد بالدي‪،‬‬ ‫فتتقزم االتفاقيات‬ ‫والحلول السياسية أمام‬ ‫تاريخ المكان العظيم‬ ‫وحضارته العريقة‬ ‫الممتدة منذ بدء المدنية‬ ‫على األرض‬ ‫عا�شوا يف فل�سطني قبل النكبة‪ ،‬وثالثة‬ ‫عرب ت�أمل ن�ص �إبداعي يعد داللة على ما‬ ‫جرى وما يجري يف البالد املحتلة‪.‬‬ ‫ث ��م ي� �ب ��د�أ امل� ��ؤل ��ف يف و���ص��ف م���س�يرت��ه‬ ‫بالتقاط �صور م��ن احل�ي��اة اليومية عند‬ ‫معابر ونقاط التفتي�ش ال�صهيو ّ‬ ‫ين للنا�س‬ ‫الذين يغلقونها �أو مينعونهم من امل��رور‬ ‫�أو اخلروج‪� ...‬إ ّنها لقطات ُمقر ّبة بعد�سة‬ ‫�صحايف �ص ّياد ماهر يقتن�ص اللحظات‬ ‫ال�ه��ارب��ة م��ن ف� ّ�م ال��زم��ن امل��وج��ع يف تلك‬ ‫الديار ال�سليبة‪ .‬وقد ا�ستهل وقائع رحلته‬ ‫من �أريحا �إىل يافا‪ ،‬بت�سا�ؤل‪ :‬ما الفرق بني‬ ‫الربتقال الريحاوي والربتقال اليافاوي؟‬ ‫ويجيب يف امل�ق��دم��ة‪« :‬ومل��ا ك��ان��ت ب�لادي‬ ‫ال�صغرية فل�سطني �أمكنة خ�صبة لإن�شاء‬ ‫الكالم و�صف ًا وتعبري ًا وتغز ًال؛ فقد م�ضيت‬ ‫فيها‪ .‬مل �أ�ضع ع�صا الرتحال‪ ،‬ولن �أ�ضعها‬ ‫دمت حي ًا قادر ًا على التنقل والكالم‪،‬‬ ‫ما ُ‬

‫وكيف �أ�ضعها وبالدي ال�صغرية �إنمّ ا هي‬ ‫�أمكنة كبرية وهبها اهلل م��ن ك � ّل �شيء‪،‬‬ ‫فهي تعددية امل�ن��اخ واجلغرافيا والدين‬ ‫والثقافة‪ ...‬وكم ت�أملت الرتاب واملاء يف‬ ‫غري مكان‪� ،‬ألي�ست احلياة هبتهما مع ًا؟‬ ‫الرتاب واملاء»‪.‬‬ ‫وم��ن رام اهلل �إىل «ج �ن�ين»‪ ،‬املحافظة‬ ‫البا�سلة املعزولة‪ ،‬وما �سطرته من �صداع‬ ‫م�ستمر وع �ق��دٍ نف�سية جل �ن��ود امل�ح�ت��ل‪،‬‬ ‫رغ��م املجازر التي راح �ضحيتها �شهداء‬ ‫ك�ثر‪ .‬ي��روي الكاتب �أن ت�سلله �إليها كان‬ ‫ب��أم��ر «ال �ه��وى»‪� ،‬إذ �أح��ب ف�ت��اة م��ن تلك‬ ‫املحافظة‪ ،‬وتزوجها «فهل يتوقع الب�شر‬ ‫�أن �أ�ضبط �إيقاع قلبي على �إيقاع الأوامر‬ ‫الع�سكرية االح�ت�لال�ي��ة ف��أم�ن�ع��ه م��ن �أن‬ ‫يهفو لإن�سان ٍة تقيم هناك يف مكان ما من‬ ‫وطني»‪ .‬ويد ّون «يقني»يومياته ال�صحفية‬ ‫�دم ُف�� ��ؤاده امل �ل �ت��اع ا َمل �ك �ل��وم م��ن وي�لات‬ ‫ب � ِّ‬ ‫وج��رائ��م ال�صهاينة‪ ،‬وه��و يت ّن�سم َث��رى‬ ‫�أر�ضه الطي ّبة العرب ّية الأ�صيلة‪« :‬رح� ُ�ت‬ ‫�أت���ش�م��م ال �ت�راب وال��ط�ي�ن‪� ،‬أت��خ�ّي رّ وق��ت‬ ‫ب�شم رائحة‬ ‫ن��زول الأمطار الأوىل لأهن�أ ّ‬ ‫الرتاب يف لقائها الأ ّول باملطر يف ت�شرين‪،‬‬ ‫َث َمة رائحة �إن�سان ّية فيه‪ ،‬رائحة التخمر‬ ‫ال�شهي‪ ،‬فتم�سكه وتقول‬ ‫والطعام واجل�سد‬ ‫ّ‬ ‫ملاذا ال ن�أكل الطني حني جنوع؟ فتجيب ال‬

‫بانوراما ملدينة حيفا‪ ،‬من جبل الكرمل‬


‫ارتياد اآلفاق‬ ‫‪70‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫�صورة لدوار ال�شهداء الذي يخلد �شهداء معركة «جنني»‬

‫مدينة رام الله‪ ،‬خم�سينيات القرن املا�ضي‬

‫بقايا برج �صليبي يف قرى رام الله‬

‫ن�أكل �أنف�سنا نحن املخلوقني منه‪ ،‬ف�أطمئن‬ ‫ل�شعور َ‬ ‫اخللق من الطني‪ ،‬و�أت�أمل َكم من‬ ‫امل�صنوعات واملنتوجات الفن ّية ّمت �صنعها‬ ‫م��ن ال �ط�ين ول�ي����س ن�ح��ن ال�ب���ش��ر ف�ق��ط»‪.‬‬ ‫حت�سني يقني الذي ي�سلط ال�ضوء يف �أكرث‬ ‫م��ن مو�ضع م��ن كتابه على املعاناة التي‬ ‫يلقاها الفل�سطينيون يف احلركة والتنقل‬ ‫من حمل �إىل �آخ��ر‪ ،‬وامل�سافات ال�صغرية‬ ‫ال�ت��ي تتمدد ب��الأم �ي��ال‪ ،‬نتيجة االلتفاف‬ ‫وال���س�ير يف دروب خلفية ال �أول لها وال‬ ‫�آخر‪ ،‬و�سكك جمهولة غري ممهدة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ينتقل قلم الكاتب �إىل«�أريحا» باحثا عن‬ ‫«رائحة املكان و�سر املاء املالح» يف البحر‬ ‫امل�ي��ت‪ ،‬يف البقعة التي �أغ��رت الإن�سان‬ ‫القدمي ب�إن�شاء ح�ضارة عظيمة بني ربوع‬ ‫«مدينة ال�شم�س» �أريحا‪ .‬ثم ي�صل قطار‬ ‫«طريق الآالم» بالكاتب �إىل«يافا»‪ ،‬مدينة‬ ‫�أخرى �ضائعة‪ ،‬ب�أطالل ق�ص�ص‪ ،‬و�شواهد‬ ‫ق��دمي��ة‪ ،‬ت��روي للزائر ع��ن ع��روب��ة املكان‬ ‫التي كانت‪ .‬وم�� جرح �إىل جرح‪ ،‬من يافا‬ ‫�إىل حيفا‪ ،‬و«ع �ك��ا» ال�ت��ي ك�سر �أهلها يف‬ ‫نهاية القرن الثامن ع�شر غ��رور القائد‬ ‫ال�ف��رن���س��ي ن��اب�ل�ي��ون ب��ون��اب��رت‪ ،‬و��س�ط��روا‬ ‫ملحمة قدمية‪� .‬آخ��ر حمطتني يف رحالت‬ ‫الكاتب كانتا طربية وجبل ال�شيخ‪ ،‬وال�سري‬ ‫و� �س��ط م �ع �� �س �ك��رات اجل �ي ����ش ال �غ��ا� �ص��ب‪،‬‬ ‫ويكون العزاء تذكر تاريخ ما كانت عليه‬ ‫ت�ل��ك ال�ب�ق��ع‪ ،‬وع ��دم اال��س�ت���س�لام مل��ا �آل��ت‬ ‫�إليه احل��ال فيها‪ ،‬فالذاكرة ع�صية على‬ ‫االحتالل‪ ،‬حتى ولو احتلت الأمكنة‪.‬‬ ‫ولعل الكاتب ا�شتق ا�سم كتاب رحالته من‬ ‫برتقال �أريحا الواقعة على ال�ضفة الغربية‬ ‫ل�ن�ه��ر الأردن‪ ،‬وب��رت �ق��ال ج �ب��ال ال�ضفة‬ ‫ال�غ��رب�ي��ة‪ ،‬وب��رت �ق��ال ال���س��اح��ل خ�صو�ص ًا‬ ‫الربتقال اليا ّ‬ ‫يف «اليافاوي» ال�شهري‪ ،‬وذلك‬ ‫على م��ا يبدو للتدليل على وح��دة املكان‬ ‫الفل�سطيني رغ��م م��ا ي �ح��اك � �ض��ده من‬ ‫م�ؤامرات تفتيت وتقطيع �أو�صاله‪.‬‬ ‫ويقول يقني ‪�«:‬إن فل�سطني بلد ابتالها اهلل‬ ‫ع��ز وج��ل ب�ك��وارث ال���ص��راع على �أر�ضها‬ ‫منذ ال�ق��دم‪ ،‬بف�صلها ال��ذي نعي�شه منذ‬


‫العمارة التقليدية يف رام الله‬

‫قرن �أو يزيد حيث تعاقب االحتالل والذي‬ ‫ي�سلمها الح �ت�لال �آخ ��ر؛ و� �ص��و ًال لأبغ�ض‬ ‫�أنواع االحتالل الذي ر�أى يف نف�سه البديل‬ ‫ون�ح��ن ال�غ��رب��اء‪�� ،‬ص��ار تنقلنا يف بالدنا‬ ‫رح�ل�ات‪ ،‬ع�ل��ى غ�ير ع ��ادة �أن ال��رح�لات‬ ‫م��ن امل �ف��رو���ض ب�ه��ا �أن ت�ك��ون م�سافاتها‬ ‫طويلة وبعيدة؛ الفل�سطيني ال يحتاج �إىل‬ ‫�إجابة‪ ،‬كذلك الذي يطلع على حياتنا هنا‬ ‫عن ق��رب‪ ،‬حيث �إن تنقل الفل�سطيني يف‬ ‫وطنه �صار �صعب ًا وم�ستحي ًال‪ ،‬وهو معر�ض‬ ‫خلطر االعتقال �أو حتى الإ�صابة‪.»..‬‬ ‫ومي�ضي الكاتب ال�صحايف حت�سني يقني‬ ‫في�صف تق�سيم ال�شعب الفل�سطيني «�إىل‬ ‫حملة بطاقات تختلف لقوم هنا عن قوم‬ ‫ه�ن��اك‪ ..‬وي �ق��ول‪ »:‬فمثلي كحامل بطاقة‬ ‫هوية ال�ضفة الغربية ال ي�سمح يل بزيارة‬ ‫القد�س م�سقط ر�أ��س��ي التي ال تبعد عن‬ ‫قريتي «بيت دقو» �سوى ‪ 15‬كيلومرت ًا‪ ،‬وال‬ ‫يجوز يل زي��ارة قطاع غ��زة ك��ون و�صويل‬ ‫�إليه يتطلب عبور �أرا�ضي فل�سطني املحتلة‬

‫عام ‪ ،1948‬التي �أ� ً‬ ‫صال ال يجوز يل بالطبع‬ ‫زيارتها من دون ت�صريح‪ ،‬وقد م ّرت علينا‬ ‫�أي��ام �صعبة يف االنتفا�ضة الثانية �صرنا‬ ‫جن��د زي ��ارة اخلليل وب�ي��ت حل��م ونابل�س‬ ‫وجنني ب��ل ورام اهلل يف ال�ضفة الغربية‬ ‫�أمر ًا �صعب ًا دخو ًال وخروج ًا‪.»..‬‬ ‫وت���ص��ور رح�ل�ات ال�ك��ات��ب يف وط�ن��ه �آالم‬ ‫الفل�سطينيني يف التنقل «فلكل فل�سطيني‬ ‫هنا حكاياته‪� ،‬أما �أنا فعلى مدار ال�سنوات‬ ‫الع�شر ال�سابقة‪ ،‬ولأ�سباب نف�سية‪ ،‬خلويف‬ ‫�أنه رمبا لن ي�سمح يل بالو�صول �إىل هذا‬

‫عشرة أعوام وأنا أتنقل‬ ‫في وطني‪ ،‬تارة سر ًا‪،‬‬ ‫وأخرى على عجل‪ ،‬حتى‬ ‫ال يوقفني غا ٍز يدقق في‬ ‫مالمحي وأوراقي‪ ،‬لربما‬ ‫علي بأن يكتفي‬ ‫يتكرم‬ ‫ّ‬ ‫بطردي وأنا ابن شرعي‬ ‫للمكان‬

‫املكان هنا �أو هناك‪ ،‬وخلويف �أن ثغرات‬ ‫التهريب الب�شري لن ت�ستمر‪ ،‬وم��ع بناء‬ ‫ج��دار الف�صل العن�صري‪� ،‬أ�صبح تهربي‬ ‫�إىل مدينة القد�س ‪ -‬وهي املدينة الأوىل‬ ‫القريبة للقرويني هنا يف منطقتي‪� -‬أمر ًا‬ ‫�صعب ًا ج��د ًا‪ ..‬لكل هذه الأ�سباب وغريها‬ ‫ف�ق��د ب ��د�أت ال�ك�ت��اب��ة ع��ن ه��ذه الأم��اك��ن‪،‬‬ ‫وكنت خالل الرحالت والزيارات �أ�ستمتع‬ ‫بتوثيق ما �أرى‪ ،‬رمب��ا لأك��ون �شاهد ًا من‬ ‫�شهود م�أ�ساة فل�سطني‪ ،‬وجرائم االحتالل‬ ‫يف منع توا�صل �أبناء ال�شعب الفل�سطيني‬ ‫مع بع�ضهم بع�ض ًا‪ ،‬ورمبا كي � نّ‬ ‫أحن قلوب‬ ‫�أبناء �أمتي علينا نحن املحا�صرين هنا‪،‬‬ ‫فيدعون لنا على الأقل ب�أن يكون اهلل معنا‬ ‫يف ح ّلنا وترحالنا وته ّربنا على جوانب‬ ‫اجل ��دار والأ���س�ل�اك ال�شائكة احل��اج��زة‬ ‫املانعة كثرية ال�شفرات احلادة‪.»..‬‬ ‫يف تنقله م��ن م�ك��ان �إىل �آخ��ر يف البالد‬ ‫حت ��ت االح� �ت�ل�ال ورغ� ��م �آالم ال �ط��ري��ق‬ ‫وا� �س �ت�لاب �ه��ا‪ ،‬ك ��ان ال �ك��ات��ب ي�ت�ع��ام��ل مع‬


‫ارتياد اآلفاق‬ ‫‪72‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫املكان على �أن��ه وطنه‬ ‫ك �م��ا ي �ن �ب �غ��ي ل �ل��وط��ن‬ ‫�أن يكون‪« ،‬ف�لا �أع��ود‬ ‫�أح�س باحلذر وخوف‬ ‫ج�ن��ود االح �ت�لال من‬ ‫الإم� ��� �س ��اك ب�ع��ا��ش��ق‬ ‫م��ن ع���ش��اق ال��وط��ن‪،‬‬ ‫ف�أن�صرف �إىل التنقل‬ ‫واحل� ��رك� ��ة‪ ،‬وك� �ث�ي�ر ًا‬ ‫م � ��ا ع� �ب��رت جت �م �ع � ًا‬ ‫ل �ل �ج �ن��ود �أو ل��ق��وات‬ ‫م � ��ا ي�����س��م��ى ح��ر���س‬ ‫احل� � ��دود وال �� �ش��رط��ة‬ ‫وغ�يره��ا‪ ..‬كنت �أح�س‬ ‫م��ن داخ��ل��ي �أن ه��ذه‬ ‫البالد بالدي‪ ،‬فتتقزم‬ ‫االت�ف��اق�ي��ات واحل�ل��ول‬ ‫ال�����س��ي��ا���س��ي��ة �أم� � ��ام‬ ‫ت��اري��خ امل �ك��ان العظيم‬ ‫وح �� �ض��ارت��ه ال �ع��ري �ق��ة‬ ‫املمتدة منذ بدء املدنية‬ ‫ع �ل��ى الأر�� � � ��ض‪ ،‬ال ب��ل‬ ‫م��ن��ذ احل� �ي ��اة الأوىل‬ ‫ال��ت��ي ك��ان��ت يف وادي‬ ‫خريتون هناك يف املغر‬ ‫«امل� � �غ � ��ارات» ال �ق��دمي��ة‬ ‫ال��ت��ي ��س�ك�ن�ت�ه��ا �أق� ��دم‬ ‫ال�ت�ج�م�ع��ات احل�ج��ري��ة!‬ ‫ه��ن��اك �أح� �� ��س ك ��م �أن‬ ‫ال� �غ ��زاة � �ض �ع �ف��اء وك��م‬ ‫نحن �أقوياء!»‪.‬‬ ‫ومل يتعامل يقني مع مدن‬ ‫فل�سطني وقراها وريفها‬ ‫وم�����ض��ارب��ه��ا وغ ��وره ��ا‬ ‫و�� �س� �ه ��ول� �ه ��ا وج��ب��ال��ه��ا‬ ‫وت�ل�ال� �ه ��ا م� ��ن م �ن �ظ��ور‬ ‫ال �ت �ق �� �س �ي �م��ات ال�ب���ش�ع��ة‬ ‫ل � �ل � �م � �ك� ��ان‪،‬‬

‫منحوتة �سجن عكا‬

‫يقول‪« :‬كنت �أراه واحد ًا فرد ًا غري مقطع‬ ‫الأع�ضاء رغم احلواجز الع�سكرية التي‬ ‫ت�ف���ص��ل ال �ب �ل��د ال��واح��د ع��ن ن�ف���س��ه حني‬ ‫عربها جدار ب�شع ظامل عن�صري حاقد‪،‬‬ ‫كلها ك��ان��ت فل�سطني ك�م��ا نعرفها وكما‬ ‫كانت‪ ،‬مل �أ�ست�سلم للحظة الراهنة التي‬ ‫ق��ال��ت‪�� :‬ض�ف��ة‪ ،‬وق��د���س‪ ،‬وداخ� ��ل‪ ..‬كانت‬ ‫كلها �ضفة وكلها قد�س وكلها داخل‪ ،‬كلها‬ ‫واح��د‪ ،‬املكان هو املكان رغ��م ما يعرتيه‬ ‫من تغيري وتهويد‪ ،‬لكنه كبري و�أك�بر من‬ ‫تغري معامله بهذه ال�سهولة‪ ،‬البحر واحد‬ ‫وال�شواطئ من يافا �إىل حيفا �إىل عكا‪..‬‬ ‫والبحريات واحدة من طربيا �إىل امليت‪..‬‬ ‫واجلبال واح��دة من جليل �أعلى و�أو�سط‬ ‫و�أدنى وجنني وطولكرم وقلقيلية ونابل�س‬ ‫ورام اهلل والقد�س وبيت حلم واخلليل‪..‬‬ ‫وال �غ��ور واح��د م��ن ال�شمال �إىل اجلنوب‬ ‫وال���ص�ح��راء وال�ب�راري واح ��دة م��ن برية‬ ‫اخلليل حتى ال�ن�ق��ب‪ ..‬وال�ق��د���س واح��دة‬ ‫غرب ًا و�شرق ًا و�ضواحي وقرى وراء جدار‬ ‫�أو داخله‪ ..‬وكيف يل �أن �أح�س بغري ذلك؟‬ ‫كيف يل �إال �أن �أح�س بذلك وهذا الغازي‬ ‫من ورائ��ي و�أم��ام��ي ينفيني خ��ارج املكان‬ ‫ثقاف ًة وتعام ًال و�شعور ًا وقناعات؟ كيف‬ ‫يل وهذا الغازي ال يف ّرق بني مكان و�آخر‬ ‫حتى �أراه وق��د ا�ستوطن يف ك��ل املناطق‬ ‫و�سط ًا على كرمنا اجلميل وعلى م�شهده‪،‬‬ ‫حمي ًال ما اغت�صب من جماله �إىل طرقات‬ ‫وجدران و�أ�شباك مير من بينها الع�صفور‬ ‫ب�صعوبة تامة‪...‬؟»‪.‬‬ ‫وختم الكاتب يقو ‪« :‬م��ا ب�ين ع��ام ‪1997‬‬ ‫وع��ام ‪ ،2007‬ع�شرة �أع ��وام وم��ا ال يحد‬ ‫من م�شاعر انتابتني ك�ث�ير ًا‪ ،‬و�أن��ا �أتنقل‬ ‫يف وطني‪ ،‬تارة �سر ًا‪ ،‬و�أخ��رى على عجل‪،‬‬ ‫حتى ال يوقفني غ��ازٍ ي��دق��ق يف مالحمي‬ ‫و�أوراق�� ��ي‪ ،‬ل��رمب��ا يتكرم‬ ‫علي ب�أن يكتفي بطردي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫و�أن��ا ابن �شرعي للمكان!‬


‫�أ�سواق عكا القدمية‬

‫واحلق �أقوله‪� ،‬إنني يف كل حلظة حزن‪� ،‬أو‬ ‫بكاء‪ ،‬كنت �أذك��ر �إخوتي العرب ف�أنتع�ش‬ ‫قلي ًال‪ ،‬فت�أتي حلظات �أمل‪ ،‬وك�أن يد ًا من‬ ‫بعيد تكفكف ما انهمر من ع�برات على‬ ‫وجنتي‪ ،‬ف�أقول لنف�سي‪� :‬سي�أتون كما �أتوا‬ ‫من قبل!»‪.‬‬ ‫لقد ا�ستخدم الكاتب لغ ًة وا�ضح ًة �سهلةً‬ ‫ال تخلو من جماليات م��ؤ ّث��رة‪ ،‬وم�ش ّوقة‪،‬‬ ‫خ�صو�ص ًا يف و�صف املكان مبا فيه‪ ،‬من‬ ‫خالل ان�سياب تداعيات زمانية وتاريخية‬ ‫وثقافية عن املكان‪ .‬لذا ف��إن الكتاب هو‬ ‫كتابة عن قرب يف فل�سطني وعنها ولها‪،‬‬ ‫ح�ب� ًا وان�ت�م��اء م��ن ج��ان��ب‪ ،‬وب�ع��ث ر�سالة‬ ‫للفل�سطينيني والعرب من �أجل تذكر دائم‬ ‫لذلك الفردو�س الفل�سطيني املفقود‪.‬‬ ‫وعندما حاز هذا الكتاب يف ‪ 2007‬على‬

‫جانب من البلدة القدمية بعكا‬

‫جائزة بن بطوطة يف �أدب الرحالت التي‬ ‫ترعاها دار ال�سويدي يف دول��ة الإم��ارات‬ ‫ال�ع��رب�ي��ة امل �ت �ح��دة‪ ،‬ذك ��رت جل�ن��ة حتكيم‬ ‫اجل��ائ��زة يف بيانها ح��ول ال�ك�ت��اب‪« :‬ه��ذه‬ ‫رح �ل��ة � �ص �ح��ايف فل�سطيني ي�ت���س�ل��ل �إىل‬ ‫القد�س ليتجول يف ربوعها ويكحل عينيه‬ ‫مب�ساجدها وكنائ�سها وح��ارات �ه��ا‪ ..‬وال‬ ‫يتوقف ع��ن ال�ت��دوي��ن‪ ،‬ك��ل م��ا ي��راه ي�أخذ‬

‫كحامل بطاقة هوية‬ ‫الضفة الغربية ال يسمح‬ ‫لي بزيارة القدس مسقط‬ ‫رأسي التي ال تبعد عن‬ ‫قريتي «بيت دقو» سوى‬ ‫‪ 15‬كيلومتر ًا‪ ،‬وال يجوز لي‬ ‫زيارة قطاع غزة‬

‫طريقه �إىل �أوراق ��ه‪ ،‬حتى لك�أنه ي�سجل‬ ‫ال�صورة الأخ�يرة ملدينة �سيبتلعها حوت‪،‬‬ ‫ومن القد�س ينطلق يف جوالت على مدن‬ ‫بالده الفل�سطينية الواقعة حتت االحتالل‬ ‫من النهر �إىل البحر‪ ...‬يف هذه اليوميات‪،‬‬ ‫ن �ق��ع ع �ل��ى االن��ط��ب��اع��ات ال���ش�خ���ص�ي��ة‪،‬‬ ‫واملالحظات والو�صف والت�أريخ اليومي‪.‬‬ ‫�إن ��ه ك �ت��اب ي��ري��د �أن يقب�ض ع�ل��ى مكان‬ ‫ه� ��ارب‪ ،‬ك �ت��اب ل �ق��اء م��ع امل �ك��ان حمكوم‬ ‫ب��الإح �ب��اط‪ ..‬ف�لا جم��ال للبقاء ه�ن��ا‪..‬يف‬ ‫هذه البلدة الفل�سطينية �أو تلك؛ فالكاتب‬ ‫ال��ذي متكن �أن ي�غ��ادر م��ن رام اهلل �إىل‬ ‫حيفا ال يفعل �إال م��ا ي�ضاعف م��ن �أمل‬ ‫ال�شعور باخل�سارة‪� .‬إنه كتاب يذكرنا بقوة‬ ‫�أن ال�شعب الفل�سطيني والهنود احلمر‬ ‫ومواكب الأرق��اء املخطوفني من �أفريقيا‬


‫ارتياد اآلفاق‬ ‫‪74‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫�ضحايا �أب���ش��ع ح��رب �إب ��ادة يف ال�ت��اري��خ‪،‬‬ ‫يلتقون جميع ًا يف �أه��وال تلك الرتاجيديا‬ ‫الب�شرية‪ .‬فما زال��ت ال��دم��اء تقطر من‬ ‫ح���راب ال��رج��ل الأب �ي ����ض ��س�ل�ي��ل امل��دن�ي��ة‬ ‫الأوروب� �ي ��ة واال��س�ت�ع�م��ار اال��س�ت�ي�ط��اين يف‬ ‫�أب�شع �صوره‪ .‬وقد مت منح هذه اليوميات‬ ‫جائزة ابن بطوطة للرحلة ال�صحفية ملا‬ ‫تتيحه للقارئ املعا�صر من �صور مت�صلة‬ ‫لفل�سطني وان�ط�ب��اع��ات ��ص��ادق��ة وحقائق‬ ‫� �ص��ادم��ة ع��ن ح �ي��اة الفل�سطينيني حتت‬ ‫االحتالل العن�صري لفل�سطني»‪.‬‬

‫يوم الإ�سراء واملعراج‬

‫ويروي يقني عن يوم الإ�سراء واملعراج‪ ،‬حيث‬ ‫ي ��ؤرخ ل�ل�أح��داث بال�سنني‪ ،‬وير�سم ال�صورة‬ ‫بحوار ولقطات‪ ،‬فيقول‪« :‬القبة املُ�ضيئة متثل‬ ‫نقطة �سيادة يف لوحة املكان‪ ،‬يرفع الأطفال‬ ‫ن�ص ًا قر�آني ًا من �سورة «ي�س»‬ ‫عيونهم ويقر�ؤون ّ‬ ‫يتعجل الأوالد لدخول م�سجد ق ّبة ال�صخرة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ي�س�أل ال�صغار عن املكان الذي زاره �شارون‪،‬‬ ‫فيما راح �أط �ف��ال يف ��س��نّ احل��ادي��ة ع�شرة‬ ‫يتحدثون عن عمر بن اخلطاب‪.»...‬‬ ‫عرج‬ ‫�إثر هذه الزيارة لقبة ال�صخرة املُ�شرفة‪ُ ،‬ي ِّ‬ ‫لذكر مو�ضوعات �أخ��رى تتمحور يف‪« :‬بع�ض‬ ‫من احلا�ضر وكثري من املا�ضي»‪« ،‬القد�س‬ ‫على ب��اب �شتاء آ�خ��ر»‪« ،‬القد�س‪� :‬إج��راءات‬ ‫الأم��ن والأم���ان على ال�ط��ري��ق»‪« ،‬القد�سي‪:‬‬ ‫طقو�س رم�ضان ّية رمز ّية جد ًا يف يوم ال�صيام‬ ‫الأول»‪« ،‬القد�س يف يوم حار»‪« ،‬عن الأطفال‬ ‫والقد�س وال�سالم و�أ�سئلة �أكرب من الأجوبة»‪،‬‬ ‫«حتى ال يكون �آخ��ر عهدنا بال�سماء»‪«َ ،‬من‬ ‫يعيد للقد�س زمنها الأول»‪« ،‬يف الذكرى الـ ‪37‬‬ ‫على احتالل املدينة»‪« ،‬ي��وم عرفة ذات يوم‬ ‫مقد�سي»‪« ،‬انتفا�ضة القد�س القادمة»‪ ،‬و«على‬ ‫ّ‬ ‫بعد ‪ 50‬مرت ًا �أو يزيد‪.»...‬‬ ‫ومي�ضي يف �سرد م�شاهداته يف رحاب القد�س‬ ‫ليحكي يف حوار «مع بدوي يف جبال القد�س»‪:‬‬ ‫«يف تلك اجل�ب��ال اجل���رداء �شمال القد�س‬ ‫التي تنحدر �أ�سفل �شارع اللطرون امل�ؤدي �إىل‬ ‫البدوي عيد ُم َ‬ ‫عظم‬ ‫ال�ساحل‪ ،‬يق�ضي ال�شاب‬ ‫ّ‬ ‫برج �ساعة ال�سلطان عبد احلميد الثاين يف يافا‬


‫حي العجمي‪ ،‬يافا‪ ،‬حيث مت جتميع العرب بعد النكبة‬

‫الرعي واحلرا�سة‪ .‬قد‬ ‫وقته موزع ًا ما بني‬ ‫ّ‬ ‫يت�ساءل �سكان احل�ضر عن ُمربر الإقامة يف‬ ‫اجلبال والكهوف‪ ،‬فحياة عيد و�إخوانه من �آل‬ ‫كعابنة ُمثرية للم�شاهدة‪ ،‬فقد �أقاموا بيت ًا يف‬ ‫�سفح اجلبل الأجرد ذي املُنحدر ال�شديد‪ ،‬من‬ ‫دون خوف من مياه ال�شتاء التي قد ت�أخذهم‬ ‫وما�شيتهم وخرافهم ال�صغرية التي ال تلبث‬ ‫تطلق �أ�صوات ثغائها احلل ّو من بعيد‪.»...‬‬ ‫ومن مو�ضوعات الكتاب‪« :‬يف حميط القد�س‬ ‫مع الفالحني‪ ،‬بع�ض الغناء حزين»‪« ،‬رام اهلل‬ ‫اجلميلة»‪ « ،‬قبل �شروق ال�شم�س»‪« ،‬على هام�ش‬ ‫املدينة ال�صغرية»‪« ،‬كيف كانت رام اهلل قبل‬ ‫�سنة ‪1942‬م؟»‪ ،‬وي�ق��ول ع��ن ذل��ك التاريخ‬ ‫«�سكنت‬ ‫برواية �أحد املُ�سنني الذين التقاهم‪ُ :‬‬ ‫البلدة القدمية‪ ،‬ك��ان �أك�ثر ال�سكان هناك‬ ‫قي�س ّية من جبل اخلليل‪ ،‬ومهامهم كانت يف‬ ‫نقل الب�ضائع وم�ساعدة التجار‪ ،‬ولديهم‬ ‫ب�غ��ال وع��رب��ات يعي�شون منها يف �أيامهم‪،‬‬

‫�أول طابع بريد فل�سطيني ُ‬ ‫طبع يف مدينة يافا‬

‫رحت أتشمم التراب‬ ‫ُ‬ ‫والطين‪ ،‬أتخيّر وقت نزول‬ ‫بشم‬ ‫األمطار األولى ألهنأ‬ ‫ّ‬ ‫رائحة التراب في لقائها‬ ‫األ ّول بالمطر في تشرين‪،‬‬ ‫مة رائحة إنسانيّة فيه‬ ‫ثَ َ‬

‫وك ّلهم �أميون ال يعرفون القراءة والكتابة‪ ،‬لأنّ‬ ‫بريطانيا كانت تهتم بتعليم امل�سيحيني �أكرث‬ ‫من امل�سلمني‪ ،‬كنوع من التمييز العن�صري‬ ‫الربيطا ّ‬ ‫ين‪.»...‬‬ ‫�أم��ا خ�ت��ام ف�صول �سياحة امل ��ؤل��ف حت�سني‬ ‫يقني فهي الوقوف عند «بقع �ضوئ ّية قليلة‬ ‫يف �سماء املدينة‪ ،‬بع�ض التاريخ‪ ،‬قو�س ُقزح‬ ‫على اجل�ل�ي��ل‪ ،‬ت��اري��خ ق��ري��ب لأر� ��ض بكامل‬ ‫م�شم�شها»‪ ،‬والذي كتب فيه‪« :‬اجلليل يدخل‬ ‫وت��دخ��ل فل�سطني م�ع��ه‪ ،‬عامها ال �ـ «‪ »53‬مل‬ ‫ي�ن�ق�� ِ��ض ج�م��ال�ه��ا؛ امل ��دن ال�ع��رب� ّي��ة وال �ق��رى‬ ‫و�أهلوها‪ ،‬بكامل عروبتهم ولغتهم ومالب�سهم‬ ‫وف��ول��ك��ل��وره��م وث �ق��اف �ت �ه��م و�أ���س��ف��اره��م‬ ‫وعواطفهم‪� ،‬إ ّنهم فع ًال «بكامل م�شم�شهم»‪.‬‬ ‫فحبة امل�شم�ش وغريها من الفواكه واخل�ضار‬ ‫�إذا ظ �ل��ت محُ �ت�ف�ظ��ة ب���س�ط�ح�ه��ا‪ ،‬الطبقة‬ ‫اخل��ارج�ي��ة ت�ظ� ّل جميلة م��رغ��وب��ة‪� ،‬أم��ا �إذا‬ ‫فركتها الأيدي ف�إ ّنها تذبل»‬


‫أوراق تراثية‬ ‫‪76‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫العلوم واإلنسان‪..‬‬ ‫التالزم الذي أفاد البشرية !!‬

‫فاطمة املزروعي‬

‫يجمع علماء الآثار واالحاثة على �أن الإن�سان‬ ‫م�ن��ذ ف�ج��ر ت��اري�خ��ه ب ��د�أ يف اك�ت���س��اب امل�ع��ارف‬ ‫وامل �ه��ارات وف��ق احل��اج��ة‪ ،‬على خمتلف �أن��واع‬ ‫هذه احلاجة‪ ،‬ففي ذلك الع�صر كانت حاجات‬ ‫الإن�سان بدائية تنح�صر يف الطعام وامل ��أوى‪،‬‬ ‫فعلى �سبيل امل�ث��ال حاجته ل�ل�أم��ن ه��ي التي‬ ‫قادته ال�ستخدام الكهوف كم�أوى للهروب من‬ ‫ال�سباع وال���ض��واري التي كانت تهدد وج��وده‬ ‫وحياته‪ ،‬كما �أن اكت�شاف النار جاء ليلبي حاجة‬ ‫عظيمة وهي التميز وال�سيطرة والتفوق‪ ،‬قال‬ ‫عنها عدد من العلماء �إن النار هي التي تعترب‬ ‫مرحلة تاريخية حقيقية يف عمر الب�شرية لأنه‬ ‫منذ �أن اكت�شفها الإن�سان و�سخرها خلدمته‬ ‫على خمتلف الأوج ��ه م��ن طهوا الطعام �إىل‬ ‫ا��س�ت�خ��دام�ه��ا ك���س�لاح ي��داف��ع ب�ه��ا ع��ن نف�سه‬ ‫ف�ي�خ��وف ب�ه��ا احل �ي��وان��ات امل�ف�تر��س��ة‪ ،‬و��ص��وال‬ ‫للتدفئة و�إنارة الطريق‪.‬‬

‫منذ ذلك احلني �أكت�سب الإن�سان �سالح ًا قوي ًا ما �أن متكن من‬ ‫ال�سيطرة عليه حتى خ�ضعت له �سائر الكائنات واحليوانات‪،‬‬ ‫فارتقى الإن�سان درجة يف �سلم التميز على كوكب الأر�ض‪ ،‬وباملثل‬ ‫جاء اخرتاع العجلة‪ ،‬والتي �سهلت للإن�سان نقل الأحجار الكبرية‪،‬‬ ‫وكانت بداية لثورة النقل للب�شرية ب�أ�سرها‪ ،‬لأن العجلة �سهلت‬ ‫تنقل الإن�سان مع م�ستلزماته‪ ،‬وباملثل وتبعا لهذه احلاجات‬ ‫ج��اء ت�سخري احل�ي��وان��ات على خمتلف �أن��واع�ه��ا وا�ستئنا�سها‬ ‫وتروي�ضها فقام برتبيتها للحاجة للطعام من حلومها و�ألبانها‪،‬‬ ‫�أو للبا�س من جلودها‪.‬‬ ‫عندما نقول �إن حاجة الإن�سان هي املحرك الأول للعديد من �أهم‬ ‫االكت�شافات التي �أثرت الب�شرية فنحن ال نبالغ �أو نتجنى على احلقيقية‬ ‫الأزل �ي��ة التي راف�ق��ت �أي خم�ترع و ك��ل اكت�شاف‪ ،‬ب��ل حتى التقومي‬ ‫وح�ساب الوقت كان املحرك لتنظيمه وحتديد �أطره ومن ثم تطوره‬ ‫حتى و�صوله �إلينا اليوم ملا هو عليه هو احلاجة الإن�سانية البحتة‪،‬‬ ‫حيث عرف الب�شر حتى ما قبل التاريخ القمر‪ ،‬ومن خالل م�سريته من‬ ‫الوالدة حتى ظهوره كهالل و�صوال الكتماله كبدر يف و�سط ال�سماء‪،‬‬ ‫حددوا من خالل هذه امل�سرية ال�شهرية الكثري من الأوقات املنا�سبة‬ ‫للزراعة‪ ،‬وتطوروا يف هذا ال�سياق ملعرفة �أوقات منوا النباتات ح�سب‬ ‫دورات ال�شم�س‪ ،‬ومن ثم متكنوا من حتديد الف�صول من خالل املناخ‬ ‫وطبيعة التغري يف الأج��واء ومتى حتدث وكم يف عدد دورات القمر‬ ‫يحدث التحول املناخي‪ ،‬ودون��وا مثل هذه املالحظات‪ ،‬وط��وروا فيها‬ ‫تدريجيا والهدف هو املحافظة على حما�صيلهم الزراعية ورغبتهم‬ ‫يف معرفة متى الوقت املالئم واملنا�سبة لزراعة هذه البذرات التي‬ ‫حتتاج للأمطار‪ ،‬ومتى تزرع بذور �أخرى �أقل حاجة للأمطار؟‬ ‫وجميعنا نعلم �أن القدماء امل�صريني كانوا قد ربطوا تقوميهم‬ ‫بفي�ضان النيل والزراعة‪ ،‬كذلك ف�إن ح�ضارة ما يطلق عليها‬ ‫الأزتك‪ ،‬كانت عندهم مواد تعترب مقد�سة تتكون من ‪ 260‬يوم ًا‬ ‫مدون فيها الكثري من املعلومات‪ .‬وكذلك ح�ضارة املايا التي‬ ‫كان تقوميها مرتبط بالزراعة �أي�ضا ولكنه متيز باعتماده على‬


‫املالحظات الفلكية وكانوا يحر�صون على ت�صحيحه مرة كل �أثنني‬ ‫وخم�سني عاما‪ .‬غني عن القول �إن حاجات الإن�سان ا�ستمرت وتوا�صلت‬ ‫دون انقطاع �أو هدوء حتى يف الوترية‪ ،‬وتبعا لذلك ف�إن املخرتعات‬ ‫واملكت�شفات هي �أي�ضا مل تهد�أ ومل تتوقف �أبدا حتى يومنا هذا‪.‬‬ ‫باملثل اليوم لدينا كم هائل من الأنظمة والقوانني‪ ،‬والأحكام‬ ‫وال�شرائع التي تهدف جميعها لتنظيم حياة الإن���س��ان‪ ،‬ومتنح‬ ‫العدالة للجميع وتقيم امل�ساواة ومتنع احل��روب والتقاتل‪ ،‬وهذه‬ ‫واحدة من نتائج تراكم اخلربات الإن�سانية على مدى دهور طويلة‪،‬‬ ‫حيث اكت�شف الإن�سان �أنه رغم وحدته �إال �أنه خمتلف وتطلعات كل‬ ‫فرد تختلف عن الآخر‪ ،‬و�أن هناك فئات تتميز بالق�سوة لتحقيق‬ ‫�أهدافها وتطلعاتها‪ ،‬و�أن ال�ضعفاء هم الأق��ل ح�ض يف احلياة‬ ‫والتمتع بالطعام والأمان‪ ،‬لذلك ظهرت القوانني يف �شكل بدائي‪،‬‬ ‫وظهر التنظيم والرئا�سة وال�ق��ادة‪ ،‬والهدف العام هو احلماية‬ ‫و�إي �ج��اد �سند وم�ل�اذ يحتكم ل��ه اجل�م�ي��ع‪ ،‬وذل��ك ملنع الغوغاء‬ ‫والفو�ضويني‪ ،‬من اللعب مب�ق��درات اجلماعة ومكت�سباتها‪ ،‬لذا‬ ‫نبعت واحدة من �أهم احلاجات وهي احلاجة للنظام والتنظيم‪،‬‬ ‫وهو ما يعرف اليوم بالعدالة والثواب والعقاب‪.‬‬ ‫اال�ستعرا�ض التاريخي مل�سرية الب�شرية منذ احلقبة التي تعرف‬ ‫م��ا ��بل التاريخ وحتى يومنا ه��ذا‪ ،‬يفهم خاللها ال��دار���س‪ ،‬ما‬ ‫هي احلاجة وكيف تطورت ولتحقيقها كيف متكن الإن�سان من‬ ‫االخ�ت�راع واالك�ت���ش��اف‪� ،‬إن�ه��ا رح�ل��ة �إن�سانية طويلة ج��دا تقدر‬ ‫مباليني ال�سنوات‪ ،‬وهذا يقودنا لفهم �آخر ال يقل �أهمية‪ ،‬وهو‬ ‫يدور حول حماولة فهم �سر اهتمام الإن�سان منذ القدم بعملية‬ ‫توثيق وتدوين �أي من اخرتاعاته واكت�شافاته لينقلها للأجيال‬ ‫التالية والتي بدورها ط��ورت فيها وزادت‪ ،‬فالهدف فكما هو‬ ‫وا�ضح رغبة هذا الإن�سان يف نقل خرباته وما و�صل له لأبنائه‬ ‫و�أحفاده‪ ،‬لعل حياتهم تكون �أكرث �سهولة و�سعادة من حياته‪ .‬بل‬ ‫�أعتقد �أن عملية التدوين نف�سها جاءت لتلبي حاجة �إن�سانية يف‬ ‫حفظ املخرتعات واالكت�شافات وكل املعارف التي حت�صل عليها‬ ‫الإن�سان‪ ،‬وعلى �سبيل املثال ال احل�صر يف م�صر القدمية وبالد‬ ‫الرافدين‪ ،‬والالتي حر�صا على تدوين املعارف �سواء بالنقو�ش‬ ‫�أو بلغاتهم البدائية والتي بع�ضها حتى اليوم مل يتمكن من‬ ‫ترجمتها وف��ك طال�سمها‪ .‬وبوا�سطة ه��ذا النقل املعريف على‬ ‫بدائيته و�صلتنا كثري من الأف�ك��ار‪ ،‬وكثري من الطقو�س‪ .‬لقد‬ ‫فهمنا كيف الإن�سان الأول يتعاي�ش مع كثري من الظواهر وكيف‬

‫ف�سرها‪ ،‬وفهمنا �أنه الفتقاره للعلوم واملعرفة‪ ،‬كانت دوما ت�أتي‬ ‫تف�سريات ملثل ه��ذه الظواهر بو�ضع ق�ص�ص خرافية ال متت‬ ‫للواقع ب�أي �صلة‪ ،‬بل �أن الإن�سان البدائي عندما كان ي�صطدم‬ ‫مبعرفة ت�ف��وق �إم�ك��ان�ي��ات زم�ن��ه وال يفهم لها تف�سري منطقي‬ ‫وعلمي‪ ،‬يقوم ب�إدخال اخلرافة فيها‪ ،‬واخلرافة نف�سها حققت‬ ‫لذلك الإن�سان يف ذلك الزمن حاجة وهي �سد العجز عن الفهم‬ ‫وعن عدم املعرفة‪ ،‬فيتم ا�ستح�ضار ق�صة ال متت للواقع ب�أي‬ ‫�صلة و�إقناع النا�س بها‪.‬‬ ‫الإن�سان الأول مل يكن جاهل‪ ،‬بل كان ك�أي جمتمع نعرفه اليوم‪،‬‬ ‫فيه احلكيم‪ ،‬وفيه الذي يتطلع للتعلم‪ ،‬وذلك املت�أمل‪ ،‬وغريهم‪.‬‬ ‫ولو مل يوجد مثل هذا التنوع‪ ،‬وهذا الرتاكم يف االختالف بني‬ ‫�شخو�ص تلك املجتمعات ملا وج��دت املبتكرات واالكت�شافات‪،‬‬ ‫فالنار على �سبيل املثال‪ ،‬رغم وجود من يقول �أنه مت اكت�شافها‬ ‫بناء على امل�صادفة املح�ضة‪ ،‬عندما لأح�ض �إن�سان تلك احلقب‬ ‫الغابر تطاير احلاجرة �أثناء م�سرية عليها فت�صطك – حتتك �أو‬ ‫ت�صطدم ‪ -‬بب�ضعها البع�ض فتولد �شرارات‪ ،‬فقام ب�صرب تلك‬ ‫احلجار ب�ضعها ببع�ض حتى ولد النار‪� ،‬أو ما يقال عندما الحظ‬ ‫الإن�سان القدمي‪ ،‬النار وهي حترق الغابات‪ ،‬فتت�سبب يف �شواء‬ ‫احليوانات التي مل تتمكن من الفرار‪ ،‬حيث باتت حلوم هذا‬ ‫احليوانات �أف�ضل يف املذاق و�أ�سهل يف اله�ضم وامل�ضغ‪� ،‬أقول لو‬ ‫مل جتد مثل هذه الظواهر الطبيعية ومثل هذه احلوادث عقول‬ ‫تالحظها وتقوم بعمل جتارب تنايف ال�سائد يف ذلك الوقت‪ ،‬ملا‬ ‫متكن ذلك الإن�سان من التطور‪.‬‬ ‫ً‬ ‫يف ه��ذه املقالة ح��اول��ت �أن ا�ستعر�ض ع��ددا م��ن الأم�ث��ل التي‬ ‫منار�سها يف حياتنا ال�ي��وم لكنها يف واق��ع الأم ��ر ب ��د�أت منذ‬ ‫�سنوات وقرون طويلة جدا‪ ،‬بد�أت مع �أجدادنا الأوائل‪ ،‬حاولت‬ ‫�أن تكون هذه املقالة بعيدة عن التناول العلمي البحت‪ ،‬والهدف‬ ‫هو ت�سليط ال�ضوء على �أهمية معرفتنا مب�سرية الإن�سان وتطوره‪،‬‬ ‫لنفهم واقعنا وحياتنا اليوم‪ ،‬ونفهم �سر كل هذا التوجه املحموم‬ ‫نحو التكنولوجيا والتطورات الهائلة التي حتدث يف عاملنا‪ ،‬ذلك‬ ‫�أن �إن�سان اليوم يخالف قاعدة �أزلية وهي االخ�تراع واالبتكار‬ ‫للحاجة‪ ،‬حتى قيل يف املثل العربي القدمي«احلاجة �أم االخرتاع»‬ ‫لكن �إن�سان اليوم يخالف هذه القاعدة الأزلية‪ ،‬لتقوم خمرتعاته‬ ‫واكت�شافاته اليوم على الرتف على املزيد من التطور ال احلاجة‪..‬‬ ‫تلك احلاجة التي كانت مرادفة قدمية لكل تطور وتقدم‬


‫دانات‬ ‫‪78‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫دانات‬ ‫ملف ال�شعر ال�شعبي‬


‫دليل على حيوية الشعر الشعبي في وصف اإلبل األصايل‬

‫القصائد الفائزة بالمراكز األولى‬ ‫في المسابقة الشعرية لمهرجان سويحان‬ ‫د‪ .‬را�شد �أحمد املزروعي‬ ‫احتلت الإبل م�ساحة كبرية من اهتمام ال�شاعر العربي‪ ،‬و�أبدعت خميالت ال�شعراء يف ر�سم وت�صوير‬ ‫الإبل وجت�سيد العالقة التي ربطتهم بها‪ ،‬وال �شك يف �أن ديوان ال�شعر ال�شعبي يف الإمارات زاخر بق�صائد‬ ‫رائعة و�صفت وج�سدّت م�شاعر ال�شعراء جتاه �إبلهم التي �شاركتهم حياتهم مبرها وحلوها وكانت دائماً‬ ‫لهم ال�سند وقت ال�شدة‪ ،‬والرفيق وقت ال�ضيق‪ ،‬وهو بال �شك ديوان يحتاج �إىل وقفة بحثية مت�أنية‪.‬‬ ‫وكم كانت �سعادتنا عظيمة ونحن ن�ستقبل م�شاركات �شعراء الإمارات يف امل�سابقة ال�شعرية التي نظمها‬ ‫بيت ال�شعر يف �أبوظبي �ضمن فعاليات مهرجان �سلطان بن زايد للإبل هذا العام‪ ،‬والتي خ�ص�صناها‬ ‫للق�صائد النبطية يف جمال الإبل املحليات الأ�صايل‪ ،‬مع منح الأف�ضلية لبحور «الونة والردحة‬ ‫والتغرودة» يف حماولة لإحياء هذه الألوان الرتاثية‪.‬‬ ‫فالكثري من الق�صائد التي وردتنا ت�ستحق التقدير‪ ،‬وهي تنهل من معني تراث الأجداد العذب‬ ‫جمددة يف �أحيان كثرية وحملقة بالق�صيدة يف �آفاق جتمع بني القدمي واملعا�صر‪ ،‬مما يبعث يف نفو�سنا‬ ‫الطم�أنينة على م�ستقبل ال�شعر النبطي يف الإمارات‪.‬‬ ‫ونحن �إذ نن�شر هنا الق�صائد الفائزة باملراكز اخلم�سة الأوىل‪ ،‬ف�إننا نهنئ كل من �شارك يف امل�سابقة‬ ‫وبذل جهداً من �أجل �إحياء هذه اللون ال�شعري اجلميل‪.‬‬ ‫ونتوجه بخال�ص ال�شكر والتقدير �إىل �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان ممثل �صاحب ال�سمو‬ ‫رئي�س الدولة حفظه اهلل رئي�س نادي تراث الإمارات الذي ال يدخر جهداً يف �سبيل �إحياء تراث الأجداد‬ ‫املادي واملعنوي ليدجمه يف ن�سيج احلياة املعا�صرة حمافظا على هوية الكائن واملكان‪ ،‬والذي يويل‬ ‫اهتماماً عظيماً بال�شعر العربي عامة‪ ،‬والنبطي خا�صة‪:‬‬ ‫ون�ضع بني �أيديكم الق�صائد الفائزة باملراكز اخلم�سة الأوىل‪ ،‬كالتايل‪:‬‬ ‫ال�ف�ـ�ـ�ـ�ـ�ـ�ـ��ائ��ز الأول‪:‬‬ ‫ال� �ف ��ائ ��ز ال� �ث ��اين‪:‬‬ ‫ال� �ف ��ائ ��ز ال �ث��ال��ث‪:‬‬ ‫ال� �ف ��ائ ��ز ال� ��راب� ��ع‪:‬‬ ‫ال�ف��ائ��ز اخل��ام����س‪:‬‬

‫ال�شاعر �سعد بن مرزوق الأحبابي‪.‬‬ ‫ال�شاعر مبارك يافور العامري‪.‬‬ ‫ال�شاعر بخيت بن �سامل بن خزينه املري‪.‬‬ ‫ال�شاعر حممد بن م�شيط املري‪.‬‬ ‫ال�شاعربخيت بن حم�سن بن حفيظ املزروعي‪.‬‬


‫دانات‬ ‫‪80‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫(‪)1‬‬ ‫جات النواميس ونشر طاريها‬ ‫ال�شاعر‬ ‫�سعد مرزوق االحبابي‬ ‫ج����ات ال��ن��وام��ي�����س ون�����ش��ر ط��اري��ه��ا‬

‫ح�����ي ال���ع���ل���وم ال���ح��� ّي���ه وراع���ي���ه���ا‬ ‫ّ‬

‫ي��اه��ل اال����ص���اي���ل وال���ح�ل�ال ال��ن��ادر‬

‫ال��� ْم���ن���اف�������س���ه ن�����اداك�����م م��ن��ادي��ه��ا‬

‫���س��وق��وا ع��ل��ى ال��م��ي��دان ه��ج� ٍ�ن �ض ّمر‬

‫�����ي م�����ن ����ش���اف���ه���ا ي��غ��ل��ي��ه��ا‬ ‫غ������وال� ٍ‬

‫ف�����ي م����ه����رج����انً ك���ل���ن���ا ن����ف����رح ب��ه‬

‫ي��ح��ف��ظ ا����ص���ول ال��م��ا���ض��ي ويحييها‬

‫م��ت��ع��ه ون���وم���ا����س ورك�������ض وم���زاي���ن‬

‫و�����ض����ي����اف� ً‬ ‫���ة ك� ً‬ ‫�����ل ي���ج���ي ن��ا���ص��ي��ه��ا‬

‫��ده‬ ‫��را ل���ب���و ه������زاع ج�����زل ال���م� ّ‬ ‫����ش���ك� ً‬

‫ال����� ّل�����ي ف���ع���ول���ه م����ح����دً ب��ن��ا���س��ي��ه��ا‬

‫م��ن م��در���س��ة «زاي����د» وي�شبه «زاي���د»‬

‫وم�����ن ل����ه ع����واي����د م���اه���و ْم��خ � ّل��ي��ه��ا‬

‫وال��ه��ج��ن ك��ن��ز ْم���ن ال���ت���راث الما�ضي‬

‫ون���ح���ب ح���ا����ض���ره���ا م���ع���ا م��ا���ض��ي��ه��ا‬

‫وان���ا ���س��رح ف��ك��ري م��ع��ا ال � ّل��ي تعر�ض‬

‫اهلل م���ن ع���ي���ون ال��ح�����س��د يحميها‬

‫ا���س��ت��وح��ي ْب���ي���وت ال��ق�����ص��ي��ده منها‬

‫ع���ل���ى ال��ت��ن��اف�����س م���اح���د ي��م��اري��ه��ا‬

‫��در‬ ‫ح���م���را م���ن خْ ���ي���ار ال���ح�ل�ال ال���ن� ّ‬

‫ال��� ّل���ي ت��ن��وم�����س را������س م���ن يقنيها‬

‫ك��ن��ه��ا م��ن خ��ي��وط ال��ذه��ب م�صبوبه‬

‫وك���ن ال��ح��ري��ر ال�����س��ن��د���س��ي كا�سيها‬

‫ان د ّب��������رت ت���ه���ن���ا ورح����ن����ا م��ع��ه��ا‬

‫وان اق���ب���ل���ت ق��ل��ن��ا اهلل ي��ح��ي��ي��ه��ا‬

‫وان ّ‬ ‫وق���ف���ت ب��ي��ن ال���ح�ل�ال و���ش��ا���ش��ت‬

‫ت���������س����اوت ع����ي����ون االوادم ف��ي��ه��ا‬

‫ال����را�����س واف������ي م�����س��ت��وي وم���ر ّب���ع‬

‫وت���اخ���ذ م���ن �آذان ال���ذي���اب اذن��ي��ه��ا‬

‫والخ�شم ي��اخ��ذ و���ص��ف خ�شم ال��د ّل��ه‬

‫ل����ي ����ص��� ّب���ه���ا ل���� ْ���ض���ي���وف���ه ْم��ق��ه��وي��ه��ا‬


‫وال��خ��د حجمه �شبر ع��ر���ض��ه طوله‬

‫و����ش���ب���ري���ن م����ن ل���م���ع� ّ‬ ‫��ذر ْل��ل��ح��ي��ي��ه��ا‬

‫وط������ول رق���ب���ت���ه���ا ن���اه���ب��� ًا م��ق��دم��ه��ا‬

‫ك��� ّن���ك ح�����س��ب ت�����ص��وي��رك ْم�����س � ّوي��ه��ا‬

‫��ج���ا ن��ح��ر ت���ف���رق ب���ط���ول ال���غ���ارب‬ ‫ف� ّ‬

‫م���ع ع���ر����ض م��ن��ك��ب��ه��ا ودقّ اي��دي��ه��ا‬

‫��ح م���اه���ي ْب��م�����ص��ت � ّك��ه‬ ‫وزغ�������ون ف���ج� ٍ‬

‫وع�������ض���ود ن�������ش� ً‬ ‫��ل ر ّب�������ك ْم���� � ّل��ي��ه��ا‬

‫وخ� ً‬ ‫����ف ���ص��غ��ي��ر اك���ب���ر م���ن ال��رب�� ّي��ه‬

‫�أو ك� ّ‬ ‫�����ف ب����ن����تً ت���ت���ع���ب ْم��ح � ّن��ي��ه��ا‬

‫����ن ����ض���ام���ر‬ ‫����ي وب�����ط� ٍ‬ ‫وزو ًر ه��ل��ال� ٍ‬

‫ري������م ذع����ره����ا ب��ال��ق��ن�����ص رام��ي��ه��ا‬ ‫ً‬

‫و����س���ن���ام���ه���ا م���ت���ف���اه���ق وم���ت�������س���اوي‬

‫وف����ق����اره����ا م���ت���ن���ا����س���ق ْب���ورك���ي���ه���ا‬

‫وف����خ����وذه����ا ع����م����دان ف��� ّل���ة ت��اج��ر‬

‫ال���� ّل����ي ب���������أدق ال���ه���ن���د����س���ه ب��ان��ي��ه��ا‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫ن��خ��ي��ل ط��ال��ت‬ ‫ع�����ذق ف���ي‬ ‫وال����ذي����ل‬

‫ع��ل��ى ال����م����زارع وان���ق���ط���ع ���س��اق��ي��ه��ا‬

‫ج��م��ال��ه��ا ي�������س���رح ب��ف��ك��ر ال�����ش��اع��ر‬

‫ب���زي���ن ال��ت��وا���ص��ي��ف اهلل ْم��ح � ّل��ي��ه��ا‬

‫واذا رج����ع����ن����ا ل����ل����زم����ان االول‬

‫اه�����ل الإب�������ل ب����ارواح����ه����ا ت��ف��دي��ه��ا‬

‫م��ن دون��ه��ا ال��م��وت ال��ح��م��ر ي�شرونه‬

‫وم�����اك�����ل م���ن���ه���و ح���ب���ه���ا ي�����ش��ري��ه��ا‬

‫وي�����وم ال��ف��ق��ر وال���ن���ا����س ب�����د ًو رح��ل‬

‫��د ْي�����س��اوي��ه��ا‬ ‫ف ع���ي���ون اه��ل��ه��ا م���اح� ْ‬

‫ال����رج����ل م����اه���� ّم����ه ط����ع����ام ع��ي��ال��ه‬

‫�أه���������م �� ّ����ش�����ي ذل�����ول�����ه ْي���ع����� ّ��ش���ي���ه���ا‬

‫�سفن ال�����ص��ح��اري ق��اط��ع��ات الفرجه‬

‫ك����م رم����ل� ً‬ ‫���ة ت���ط���وى ت���ح���ت رج��ل��ي��ه��ا‬

‫م���ن���اي���ح وم���ن���ه���ا ال��ع�����ش��ا وال���م���رك���ب‬

‫واف�����ض��ال��ه��ا ���ص��ع��ب ان���ن���ا نح�صيها‬

‫ورد ال��ج��م��ي��ل ال���ي���وم ح���ق وواج����ب‬

‫وم��ه��م��ا ب��ذل��ن��ا ال��ج��ه��د م���ا ن��وف��ي��ه��ا‬

‫وم��� ّن���ي «ل���ب���و ه�����زاع» ���ش��ي��خ ال��وق��ف��ه‬

‫ت����ح����ي� ً‬ ‫���ة م�����ن خ����اف����ق����ي م��� ْه���دي���ه���ا‬

‫وق�����ص��ي��دت��ي تحكي ب��م��ا ف الخاطر‬

‫و����ش���ك���ر ًا ف���ي �أو ّل����ه����ا وف����ي ت��ال��ي��ـ��ه��ا‬


‫دانات‬ ‫‪82‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫(‪)2‬‬

‫على اهلل الواحد بديت الفال‬ ‫ال�شاعر‬ ‫مبارك بن يافور بن قران العامري‬ ‫ع� � �ل � ��ى اهلل ال� � � ��واح� � � ��د ب� � ��دي� � ��ت ال� � �ف � ��ال‬ ‫ت� ��زاح � �م� ��ت الأف� � � �ك � � ��ار واع � �� � �ص � ��رت ّن � ��وي‬ ‫جم� ��رب� ��ه‬ ‫وق� ��� �ص� �ي ��دت ��ي ت� ��� �ش� �ب ��ه ذل � � � � ��ولٍ ّ‬ ‫� � �ش � �ق� ��ر�أ حم� �ل� � ّي ��ه وحم� � �ف � ��وظ � �س��ا� �س �ه��ا‬ ‫ورا�� � � � � �ٍ � � ��س م� � � ��ر ّب� � � ��ع والأذاين ك� � ّن� �ه ��ا‬ ‫و�� �س� �ي ��ع م� �ن� �ح ��ره ��ا ع ��ري� ��� �ض ��ه خ� ��دوده� ��ا‬ ‫ي� ��� �ش ��دي ق� �ح ��ده ��ا ب ��ال� �ت ��وا�� �ص� �ي ��ف ك � ّن ��ه‬ ‫ر وم� ��ال� ��ت ع��روف �ه��ا‬ ‫ل� �ه ��ا م �ع��ر� �ص��ة � � �ش �ب� ٍ‬ ‫�دف م � �ن� ��اك � �ب � �ه� ��ا وورك � � � � � � � � ٍ�ن ت� �ع� � ّل ��ت‬ ‫ه� � � � � � ٍ‬ ‫ط � � ��وي � � ��لٍ غ� � ��ارب � � �ه� � ��ا ك � � �ب �ي ��ره ف � �ق� ��اره� ��ا‬ ‫ال � � �ف �ت��ر م� ��رك � �ب � �ه� ��ا وق � � ��اع � � ��د �� �س� �ن ��ام� �ه ��ا‬ ‫�وف م � � ��د ّور‬ ‫وزو ٍر زه � � ��ى م � ��ن حت � ��ت ي � � � � ٍ‬ ‫ي �ع �ج �ب��ك ن � ��وع ال� ��� �ص ��در ت �� �ش �ك �ي��ل ه�ي�ك�ل��ه‬ ‫وم � � � � � � � � ��ذار ٍع م � � ��ا ت � �ي � �ي� ��د ال� � �ل� � �ح � ��م ف �ي �ه��ا‬ ‫م �� �س �ف��وق��ة ال� �ع ��رق ��وب ت �ن �ع ����ش ب �� �س�يره��ا‬ ‫خ� � � � �ن � � � ��ا ٍيف ث � � ��ره � � ��ا وع � � �� � � �س� � ��م ا ْي� � ��دي � � �ه� � ��ا‬ ‫ن � �ع � �ي� � ٍ�م وب� � ��ره� � ��ا وا ِف � � � � َي� � � ��ه يف ع �� �ض ��اه ��ا‬ ‫�أدي� � � � �ب� � � � � ٍة م � � ��ا ي� ��� �ش� �ت� �ك ��ي م � � ��ن ي � �ق� ��وده� ��ا‬ ‫م� ��ن «ال � �ب� ��اب� ��ه» ت �ع � ّن ��ت و� � �ش � �دّت رح��ال �ه��ا‬ ‫مطلوبها «� �س��وي �ح��ان» الأ� �س �ب��اب وا��ض�ح��ه‬ ‫ت� �ه ��ذل ه ��ذي ��ل ال �� �س �ب��ع يف ق ��اف ��ر اخل�ل�ا‬ ‫مي � ��ال� � �ه � ��ا م � � ��ن ظ� �ه ��ره ��ا‬ ‫م � � ��ا ي� ��� �ش� �ت� �ك ��ي ّ‬ ‫ل� �ل� �م� �ه ��رج ��ان ال � � �ي� � ��وم ب� ��ال � �ف� ��وز ك � ّل �ف ��ت‬ ‫ي � ��اهلل ع �� �س��ى ال� �ن ��ام ��و� ��س وال� � �ع� � � ّز ف��ال �ه��ا‬ ‫ه � � � ��اذي و�� �ص ��اي� �ف� �ه ��ا وال ه� � ��ي ب �ك��ام �ل��ه‬

‫�� � �ش� � �ع � ��رٍ ب � ��دع� � �ت � ��ه م � � ��ن ن � �� � �س � �ي ��ج خ � �ي ��ال‬ ‫و�� � �ش � ��رب � ��ت م � � ��ن غ � �ي � �ث� ��ه غ� � ��دي� � ��ر زالل‬ ‫ال � � � � ّل� � � ��ي ع � �ل � �ي � �ه� ��ا ن� � ��� � �ض � ��رب الأم � � � �ث� � � ��ال‬ ‫م � � ��ن الأ�� � � �ص � � ��اي � � ��ل يل ح� ��� �س� �ي� �ن ��ة ف � ��ال‬ ‫رو� � � � � ��س احل � � � � � ��راب ْم� � � � ��ر ّك� � � � ��زات ْع � � � ��دال‬ ‫وحل � � � � ٍ�ي ط � ��وي � ��ل و� � �ض� ��اف � �ي� ��ه الأ� � �س � �ب� ��ال‬ ‫ق � � �ف � ��ا خ � � �ن � � �ج � ��رٍ م� � � ��ا ع � � � ّل � � �ق � ��ت مت � �ث� ��ال‬ ‫ورق� � �ب � ��ه ع� �ل ��ى و� � �ص� ��ف اجل � ��ري � ��د ْت� �ق ��ال‬ ‫وم� � ��اب � � �ي � � �ن � � �ه� � ��ن ب � � � ��اع � �ي� ��ن ل� � � �ل � � ��ر ّي � � ��ال‬ ‫�� �س� �ل� �ي� �ل ��ة ْم � � �� � � �س � � �دّا واجل � � � �ن � � ��وب ط� � ��وال‬ ‫وال� � � ��ذي� � � ��ل � � � �س � � � ّوال� � ��ه غ� � ��� � �ص � ��ون وم � � ��ال‬ ‫ب � �ي � ��ن امل� � � � � ��راف� � � � � ��ق ف � � � � ّي � � � ��ه وم � � � ��دخ � � � ��ال‬ ‫غ � � � ��ار ال� � ��ذي� � ��اب� � ��ه يف ع � � ��رو� � � ��ض ج� �ب ��ال‬ ‫�اي ب� � � � ��دوه� � � � ��ا ن � � � � � ��زاّل‬ ‫ن� � � � ��واع � �ي � ��ر م � � � � � � � � ٍ‬ ‫ل � � � � ��وال ال� � � � �ع � � � ��ذار ْم� � �ط� � � ّي� � �ع � ��ه ل � � � ْق � � ��ذال‬ ‫�وف م � ��ن و�� � �ص � ��وف غ � ��زال‬ ‫وف� �ي� �ه ��ا و� � � �ص � � ٍ‬ ‫ت � �ب � �غ� ��ي احل � �ق � �ي � �ق� ��ه ه � � ��ي را�� � � � � ��س امل � � ��ال‬ ‫ت� � �ن� � �ق � ��اد ل � � ��ك ل � � ��و م � � ��ا م � � �ع� � ��اك ح � �ب� ��ال‬ ‫ْت � �خ � �ل � �ط ��ه � � �س�ي��ر ال� � �ع� � � َي � � ْ�ل ب � ��ال� � �ه � ��روال‬ ‫ل� � ��ر ّك � � �ي � � �ب � � �ه� � ��ا داع� � � � � � � ��ي دع� � � � � � � ��اه ت� � �ع � ��ال‬ ‫غ � � � � ّ�ب ال � �� � �ص � �ل� ��ف ف � �ي � �ه� ��ا ت � � �ق � ��ول ي� �ف ��ال‬ ‫م� � � � ��رت� � � � ��اح ك � � � � ّن� � � ��ه يف ب� � � ��ري� � � ��د ظ �ل ��ال‬ ‫رب � � � � � ��ي ي� � �ت � ��اق� � �ي� � �ه � ��ا م� � � � ��ن ال � � �غ � � ��رب � � ��ال‬ ‫راع � � � � ّي � � � �ه� � � ��ا م� � �ن� � �ه � ��ا ي � � �� � � �ش� � ��وف هْ � � � � ��وال‬ ‫ال � � �ك� � ��ام� � ��ل ال� � ��رح � � �م� � ��ن ذو الإج� � �ل� � ��ال‬


‫(‪)3‬‬

‫وين بلقى حايل شكلها ماله مثيل‬ ‫ال�شاعر‬ ‫بخيت بن �سامل بن خزينة املري‬ ‫وي� � � ��ن ب� �ل� �ق ��ى ح� � ��اي� � ��لٍ �� �ش� �ك� �ل� �ه ��ا م � ��ال � ��ه م �ث �ي��ل‬

‫م� �ث ��ل «م � �ن � �ح� ��اف» ت ��و�� �ص ��ف وم � �ث� ��ل �أ� �ش �ك��ال �ه��ا‬

‫ح � � ��اي � � ��لٍ ق � �ط � �م� ��ا خ� � �ف � ��اف وغ� � ��ارب � � �ه� � ��ا ط ��وي ��ل‬

‫ك� � ��ل م� � ��ا ع � � � � � �دّوا الأ� � � �ص� � ��اي� � ��ل ت� � �ع� � � ّد حْل ��ال� �ه ��ا‬

‫و ْرق� � �ب� � �ت� � �ه � ��ا م� � ��ارق� � ��ه وال� � �ل� � �ح � ��م ف� �ي� �ه ��ا ق �ل �ي��ل‬

‫وق � �ح � ��زه � ��ا �� � �ش �ب� ٍ�ر وال ه� � ��و ي� �ط� �ي ��ح ْق� ��ذال � �ه� ��ا‬

‫و�� � �ش � � ّ�ق م� �ن� �خ ��ره ��ا و� � �س � �ي� � ٍ�ع وع � �ل � �ب ��اه ��ا ج �ل �ي��ل‬

‫واخل � � �ب �ي ��ر ال � � � ّل � � ��ي ن � �ظ� ��ره� ��ا ع � � � ��رف م� �ث ��ال� �ه ��ا‬

‫�أذن � � �ه � ��ا م� �ت� �ق� � ّدم ��ه م � ��ن ت ��وا�� �ص� �ي ��ف الأ�� �ص� �ي ��ل‬

‫حلْ � � َي � �ه� ��ا ط� ��اف� ��ح وي� ��ره � �ب� ��ك � �ص �ف ��ق ا� �سْ �ب ��ال �ه ��ا‬

‫ت �ل �ع��ب ب �ح �ب��ل ال� ��� �ص ��رمي ��ه ك� �م ��ا ل� �ع ��ب ال �ه �ب �ي��ل‬

‫وا ْره � � �ب� � ��ت م � ��ن يف امل� �ن� �� ّ��ص ��ه ب� ��زي� ��ن ا ْق� �ب ��ال� �ه ��ا‬

‫وع �ي �ن �ه��ا ع �ي�ن امل� �ح� � ّن ��ك �إىل م� ��ن �� �ش ��اف م�ي��ل‬

‫ي� � � ��وم �� � �ش � ��اف امل� � �ي � ��ل يف � � �س � ��اع � � ٍة ي � ��رث � ��ى ل �ه��ا‬

‫�وف م �� �س �ت �ط �ي��ل‬ ‫زوره� � � � � � ��ا م � � �ت � � �ق � � � ّد ٍم ت � � ��و ج� � � � � � ٍ‬

‫وال � �غ � �� � �ش � �ي� ��م ي� � �ق � ��ول م� � ��ا ط� ��اع � �ه� ��م ب �ق �ف��ال �ه��ا‬

‫ت� �ت� � ّق ��ي خ� �ن ��اق ��ة اخل � �ط ��م يف ال � �ع� ��رف اجل �م �ي��ل‬

‫وي� ��� �ص� � ّف ��ق اجل� �م� �ه ��ور �� �س ��اع ��ة ي � �ح � ّ�ط ْج�ل�ال �ه��ا‬

‫وال � ��زغ � ��ون ْو� � �س� ��اع يف م �ن �ح � ٍر ي �� �ش �ف��ي ال �غ �ل �ي��ل‬

‫وك � � ��ن م� ��� �ش� � ّق ��ة � � �ش � � ّ�ق � � �س � �ي ��لٍ ي � �� � �ش � ّ�ق ْج� �ب ��ال� �ه ��ا‬

‫خ � � ّف � �ه� ��ا ك� � � ّن � ��ه م� � ��ن ال � � �ق� � ��اع م� � ��رت� � ��اب وذل � �ي� ��ل‬

‫وك � � ��نّ ق ��اف �ي �ه ��ا م� ��ن ال � �ن� ��ود � �ص �ل��ف ا ْر�� �س ��ال� �ه ��ا‬

‫ت� ��� �ص� �ط� �ف ��ق ك � � ْن � �ه� ��ا ط � � �م� � ��و ٍح ت� � ��ز ّي� � ��ن ل �ل �خ �ل �ي��ل‬

‫و ّده� � � � � � ��ا ب� ��ال � �ل � �ع� ��ب وت� � � �خ � � ��اف م � � ��ن ع� � � ّذال� � �ه � ��ا‬

‫اخل � �ب �ي��ر ال � � � ّل � ��ي ق � �ف� ��اه� ��ا وه � � ��و ع � ��اب � ��ر � �س �ب �ي��ل‬

‫ق � � ��ال � � �ض� ��اع ال � �ف � �ك ��ر يف ج �ن �� �س �ه ��ا وام� �ث ��ال� �ه ��ا‬

‫ر مي � �ث � � ّل � ��ه ج � � �ي� � ��لٍ ب � �ع � ��د ج �ي��ل‬ ‫م � � ��رك � � ��بٍ � � � �ش� �ب � ٍ‬

‫ك � � �ل � � �م � � � ٍة ب� � ��اق� � ��ول � � �ه� � ��ا وامل � � � �م � � � � ّث � � � ��ل ق� ��ال � �ه� ��ا‬

‫ال � �ف � �خ � ��ذ ج � � � � ��ذرا وع � ��رق � ��وب� � �ه � ��ا ك � � � ّن� � ��ه مي �ي��ل‬

‫وك � � � ��ل م � � ��ا ك � � � ّل� � ��ف ع� �ل� �ي� �ه ��ا ي� � ��زي� � ��د ْج � �ف ��ال� �ه ��ا‬

‫ق� �ي� �ن� �ه ��ا ق �ي��ن ال � �ف� ��ر�� ��س ال م � �ت �ي�ن وال ن �ح �ي��ل‬

‫وخ � � ّف � �ه� ��ا �� �ص� � ّب ��ه ع� �ل ��ى ال� � �ق � ��اع � � �ص� � ّ�ب ْري ��ال� �ه ��ا‬

‫ك� � ّن� �ه ��ا ظ � �ب� � ٍ�ي ي� � �ع � ��اود م � ��ع ال� ��� �ص� �ي ��د اجل �ف �ي��ل‬

‫اج � �ل � �ع ��ت م � ��ن رام� � � ��ي ال� ��� �ص� �ي ��د م � ��ن م �ق �ي��ال �ه��ا‬ ‫ْ‬

‫وال � �� � �س � �ن� ��ام م � � ��ر ّك � � ��بٍ ف� � � ��وق � � �س � � ّرت � �ه� ��ا ع ��دي ��ل‬

‫وذي و� � �ص� ��وف اجل� �ي ��ل الأول خ� � ��ذوه ْع �ي��ال �ه��ا‬

‫ج �ن �� �س �ه��ا ذا احل� �ي��ن م� ��ا ع� � ��اد ي� �ق� �ن ��اه ال �ب �خ �ي��ل‬

‫ع � � �ن� � ��د � � � �س � � �ل � � �ط� � ��انٍ ت � � �ع� �ي��ن وه � � � � ��و خ � � ّي� ��ال � �ه� ��ا‬

‫ب� � ��أ ْذك � ��ر اهلل و�أدّي ال� ��� �ص� � ّح و�أع � �ل� ��م ب��ال��ذب �ي��ل‬

‫ف� � �ك � ��رت � ��ي ه � � � � ��ذا ن� � �ظ � ��ره � ��ا وذا ف � ��� ّ��ص� ��ال � �ه� ��ا‬


‫دانات‬ ‫‪84‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫(‪)4‬‬ ‫بديت بسم اهلل خالق عبيده‬ ‫ال�شاعر‬ ‫حممد بن م�شيط املري‬

‫ب� � � ��دي� � � ��ت ب� � ��� � �س � ��م اهلل خ� � � ��ال� � � ��ق ع � �ب � �ي� ��ده‬

‫� �س �ب �ح��ان��ه ال � � ّل� ��ي خ� �� � ّ�ص ب ��ال ��وح ��ي ج�بري��ل‬

‫ع � � �� � � �س� � ��اه ي � �ح � �ي � �ي � �ن� ��ا ح� � � � �ي � � � ��ا ٍة � � �س � �ع � �ي� ��دة‬

‫ون � �ل� ��وذ ب ��إ� �س �م ��ه م� ��ن ج �ه �ن��م وم � ��ن ال ��وي ��ل‬

‫� � � �س �ل ��ام ي� � � ��ا �� � �ش� � �ي � � ٍ�خ � � �ص � �ف � ��ات � ��ه ح� �م� �ي ��دة‬ ‫ي � � � � � � ��ارب ال� � � � � ّل � � � ��ي م � � � ��ا ي � � �غ � � � ّل� � ��ق ر�� � �ص� � �ي � ��ده‬

‫� �ش �ي� ٍ�خ ن� �ب ��اك �أ�� �ش� �ه ��ر م ��ن اجل� � ��دي و��س�ه�ي��ل‬ ‫ي � ��ا ن � ��ورن � ��ا ال ق � �ب � � ّل ع� �ل� �ي� �ن ��ا دج � � ��ا ال �ل �ي��ل‬

‫«� �س �ل �ط ��ان» يف م ��دح ��ك ت �ط �ي��ب ال �ق �� �ص �ي��ده‬

‫الن � ��ك ول � ��د «زاي � � � ��د» ع �� �س��ى ق �ب��ره ال �� �س �ي��ل‬

‫خ � ��ذي � ��ت م � � ��ن «زاي � � � � � � ��د» م � � ��زاي � � ��ا ع� ��دي� ��ده‬

‫اذك� � � � � ��ر ب� �ع� ��� �ض� �ه ��ا ل� � �ل � ��رج � ��ال امل� ��� �ش ��اك� �ي ��ل‬

‫ال � � �ع� � ��دل واحل� � �ك� � �م � ��ه وح � �� � �س� ��ن ال� �ع� �ق� �ي ��ده‬ ‫وع� � �ق � ��ل وث� � �ق � ��ل ر�أوراك ل� � � ّل � ��ي ت� ��ري� ��ده‬

‫واحل � �ل� ��م ال �� �ض ��اق ��ت � � �ص� ��دور احل�ل�اح �ي��ل‬

‫�� � �ش� � �ج � ��اع ال ن � ��ا�� � �ش � ��ت ح � � ��دي � � ��ده ح � ��دي � ��ده‬ ‫ك � � � � ��رمي م� � � ��ا خ� � � ّل� � �ي � ��ت لأح� � � � � � � ��دٍ � � �ش� ��ري� ��ده‬

‫و�� �ص�ب�ر و� �س �ع��ة �� �ص ��در و� �س �م��اح��ه وت���س�ه�ي��ل‬ ‫ت� �ل� �ط ��م �� �ش� �ب ��ا ال � �ع� ��اي� ��ل وال ت� �ق� �ب ��ل ْت �ع �ي��ل‬ ‫�أك � � � � ��رم ع� � �ب � ��اد اهلل ع � �ل� ��ى ال � � �ع � ��دل وامل � �ي� ��ل‬

‫ك � ��م ن� �ف� �� ��س م � ��ن م� � � � �دّة ي � � ��دك م �� �س �ت �ف �ي��ده‬

‫ت� ��� �ص ��رف ع� �ل ��ى امل � �ح � �ت� ��اج ه � �ي� ��لٍ ب �ل��ا ك �ي��ل‬ ‫ي� � ��ا ع� � � ��ون م� �ن� �ه ��و ي� ��� �ش� �ت� �ك ��ي ق� � � ّل � ��ة احل� �ي ��ل‬

‫اهلل مي � � � � ّه� � � ��ل ب� � � � ��ك � � � �س � � �ن �ي � ٍ�ن م � � ��دي � � ��ده‬ ‫� � �س � � ّوي � �ت � �ه� ��ا «دورة �� � �س � ��وي� � �ح � ��ان» �� �س� �ي ��ده‬

‫وي� �ك� �ف� �ي ��ك � � �ش ��ر �أ�� � �ص � ��ل امل� � �ك � ��ود امل� �ف ��ال� �ي ��ل‬ ‫ر ّت � �ب � �ت � �ه� ��ا م� � ��ن ف � ��اخ � ��ر ال � � � � � ��ورد �أك� ��ال � �ي� ��ل‬

‫ب � ��رع � ��اي � �ت � ��ك ع � � �ي� � ��دٍ ع � �� � �س� ��ى اهلل ي� �ع� �ي ��ده‬ ‫وملْ� �� � �س ��اب � �ق ��ه و� � �ص� ��ف ال� � ��ذل� � ��ول ا ْت � �غ� ��ري� ��ده‬

‫م � � ��زاي � � ��ن ورك� � � �� � � ��ض وجت� � � � ّم � � ��ع رج� ��اج � �ي� ��ل‬

‫وال خ� � � ��اب م� �ن� �ه ��و خ � ��اب � ��ر �إن� � � � ��ك ع� �ق� �ي ��ده‬

‫ا� � �س � �م � �ح � �ل� ��ي �آغ� � � � � � ��رد و�أج� � � � � � � � � ّر امل � � ��واوي � � ��ل‬


‫ل� � ��و ك� � � ��ان م � � � ْق� � ��در و� � �ص � �ف � �ه ��ا يف ن �� �ش �ي ��ده‬ ‫ي ��ال� � ّل ��ي ت� �ب ��ي و� � �ص� ��ف ال � ��ذل � ��ول ال� �ف ��ري ��ده‬ ‫�أخ � � � � ��ذت م � ��ع خ� � � � ّد ال � �ظ � �ب� ��ي خ � � ّف � ��ت اي � ��ده‬

‫ال �� �ش ��ك ب� � � ْوج � ��ز دون �� � �ش � ��ر ٍح وت �ف �� �ص �ي��ل‬ ‫م � ��ن ال � �ظ � �ب� ��ا ف� �ي� �ه ��ا وف � �ي � �ه� ��ا م � ��ن اخل� �ي ��ل‬ ‫ر�أ� � � ��س م ��ن ال� �ف ��ر� ��س ْف � �ق ��ار وم � �ع � � ّذر وذي ��ل‬ ‫وان زاي � � �ن� � ��ت م� � � ّث � ��ل ب � �ه� ��ا خ �ي ��ر مت �ث �ي��ل‬

‫ان دره � � �م� � ��ت ك� � ��ن زول � � �ه� � ��ا زول � �ص �ي ��ده‬ ‫ن� ��� �ص� �ب ��ا االذن ك� � � ��نّ ارق � �ب � �ن � �ه� ��ا ج� ��ري� ��ده‬

‫وخ� � �ف � ��وف� � �ه � ��ا م � � ��ا ك� � � ّن� � �ه � ��ا �أال ف� �ن ��اج� �ي ��ل‬

‫ط� ��وي � �ل� ��ة ال� � � �غ � � ��ارب م� � ��ا ي � �ح � �ت� ��اي �أزي� � � � ��ده‬

‫و� � �س � �ن� ��ام � �ه� ��ا م� � �ت � ��و� � ّ��س � � ٍ�ط م � �ث� ��ل م� � ��ا ق �ي��ل‬

‫�� �س� �ل� �ح� � ّي ��ة ال � � ��ذرع � � ��ان وال � �ن � �ح� ��ر �أح� � �ي � ��ده‬ ‫ف � � � � ّج ال � �ع � �� � �ض� ��ود وزوره � � � � � � ��ا ك� � � َن � ��ه ح� �ي ��ده‬

‫ي� ��� �ش� �ب ��ه ل� � �ب � ��واب � ��ة ق � �� � �ص� ��ر ن � � � � ��ادر اجل� �ي ��ل‬ ‫وال � �ط� ��ول راج� � ��ي وال� �ظ� �ه ��ر ك� � َن ��ه ت�ف���ص�ي��ل‬


‫دانات‬ ‫‪86‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫(‪)5‬‬ ‫م الساحل الغربي‬ ‫ال�شاعر‬ ‫بخيت بن حم�سن بن حفيظ املزروعي‬ ‫م ال �� �س��اح��ل ال �غ��رب��ي ون��ا� �س��ه وم ��ن فيه‬

‫ل �ل �� �س ��اح ��ل ال� ��� �ش ��رق ��ي ج� �ن ��وب ��ه و�� �ش ��ام ��ه‬

‫� �س�ل�ام م ��ا ي �ن �� �ش��ى احل �ي ��ا م ��ن م�ن��ا��ش�ي��ه‬

‫وم � � ��ا ه � � � ّ�ب ذع� � � � ��ذاع ال� �ن� ��� �س� �ي ��م ب �ن �� �س��ام��ه‬

‫وم� ��ا الح جن� � ٍ�م يف � �س �م��ا ال �ل �ي��ل � �س��اري��ه‬

‫وم� � � ��ا ب� � � ��ان ف� � �ج� � � ٍر واجن� �ل ��اب � � ��ه ظ�ل�ام ��ه‬

‫�� �س�ل�ام ف� �ي ��ه ال � �ع� ��ود الأزرق خم ��اوي ��ه‬

‫ال � � � ّل � � ��ي م � � ��ع ال� � �ت� � �ج � ��ار غ � � � ��ايل م� ��� �س ��ام ��ه‬

‫ي �ه��دي ع �ل��ى «ن ��اه ��ل» وق �� �ص��ره وراع �ي��ه‬

‫ه � � ��د ْو الأ� � �ص � �ي� ��ل ال � � ّل� ��ي ي � �ق� ��وده خ �ط��ام��ه‬

‫ي � �ه� ��دى ع� �ل ��ى �� �ش� �ي � ٍ�خ رف� �ي� �ع ��ه م �ع��ان �ي��ه‬

‫اب� � ��ن ال ��زع � �ي ��م و� � �س ��ا� ��س ب� �ي ��ت ال ��زع ��ام ��ه‬

‫«� �س �ل �ط��ان ب ��ن زاي� � ��د» �إيل ح � � ّل ط��اري��ه‬

‫ك � � � � � ٍّ�ل ي � � �ن � � � ّع� � ��م ب � � � ��ه ب� � � ��� � � �ص � � ��ادق ك�ل��ام� ��ه‬

‫ي�شهد ل��ه �أق���ص��ى ال�ن��ا���س وال � ّل��ي يواليه‬

‫من� � � � � ��رٍ مي� � � � ّث � � ��ل ه � �ي � �ب � �ت� ��ه واح � �ت� ��رام � � � ��ه‬

‫و«�� �س� �ل� �ط ��ان» ح� � � ٍّر ي� �ج ��ذب� � ّن ��ه جم��ان �ي��ه‬

‫�� �س ��ا� ��س ال� � �ن � ��داره وال� �ف� �خ ��ر وال� ��� �ص ��رام ��ه‬

‫ول � ��ه ه �ي �ب � ٍة ت� � ��درى وت ��رج ��ى ح���س��ان�ي��ه‬

‫ورو� � � � � � ��س امل� � � ��راج� � � ��ل ك � �ل � �ه� ����ا يف ح� ��زام� ��ه‬

‫�أب � � � ��وه «زاي � � � � ��د» وال � �ف � �خ ��ر يف م ��راك �ي ��ه‬

‫«زاي� � � � � ��د» وراه وم � � ��ن مي� �ي� �ن ��ه و�أم � ��ام � ��ه‬

‫وف �ع �ل��ه وط �ي �ب��ه ع �ن��د � �ش �ع �ب��ه ون��ا� �ص �ي��ه‬

‫م� �ث ��ل ال� ��� �س� �ح ��اب ال � � ّل� ��ي ت� �ه ��ام ��ل غ �م��ام��ه‬

‫ول ��و مب��دح��ه م��ا ا ْوف �ي ��ت ح � ْق��ه مب��ا فيه‬

‫وراع � � � � ��ي ال� � �ك �ل��ام ي � �ق � � ّل ع � �ن � ��ده ك�ل�ام ��ه‬


‫�أح � �ي� ��ا ت � � ��راث �أ�� �س�ل�اف� �ن ��ا واع� �ت� �ن ��ى ف�ي��ه‬

‫و�أع �ط��ى ال �ت�راث احل� � ّر ج � ّل اهتمامه‬

‫ت ��راث� �ن ��ا ال � � ّل� ��ي ح ��ا�� �ض ��ره غ �ي�ر م��ا� �ض �ي��ه‬

‫م��ا� �ض �ي��ه غ�ي�ر وح ��ا�� �ض ��ره ل ��ه ع�لام��ه‬

‫ومب � � ��زاي � � ��ن« � � �س� ��وي � �ح� ��ان» ك � � � ٍّ�ل ي �ه � ّن �ي��ه‬

‫م� � � ��زاي� � � � ٍ�ن ع � �ل � �ي� ��ه ب� ��� �ص� �م ��ة ْب � �ه� ��ام� ��ه‬

‫م � � � ��زاي � � � � ٍ�ن ل � �� � �ص� ��اي� ��ل ال � � � � � � ��دار داع� � �ي � ��ه‬

‫ولأه � � ��ل امل �ح �ل � ّي ��ات «� �س �ل �ط ��ان» ق��ام��ه‬

‫وج � ��ت ك ��ل �أ�� �ص� �ي ��لٍ زي �ن �ه��ا ي �ن �ح �ك��ى ف�ي��ه‬

‫م� ��ا ك� � ّن� �ه ��ا �إال ع�ي��ن زرق � � ��ا ال �ي �م��ام��ه‬

‫يف زي � �ن � �ه� ��ا حت � �ت � ��ار الأن� � � �ظ � � ��ار وال� �ت� �ي ��ه‬

‫وراع ��ي ال�ن�ظ��ر فيها ي�ضيع احتكامه‬

‫يف زي� �ن� �ه ��ا م � ��ا ج � ��ا م� �غ ��ال ��ط وت �� �ش �ب �ي��ه‬

‫وم� ��ن ب�ي�ن�ه��ا ف� ��رق ال �ن �ق��ط ب��ال�ع�لام��ه‬

‫وان ج �ي��ت �أو� ّ��ص ��ف زي �ن �ه��ا وي ����ش �أح � ّل �ي��ه‬

‫ووي � ��ن ال� �ك�ل�ام ال� � ّل ��ي ي �ك � ّ�ف ال �ق��رام��ه‬

‫�أ� � �ص� ��اي� ��لٍ م� �ث ��ل ال� ��ذه� ��ب م� ��ن جم��ان �ي��ه‬

‫م �ث��ل ال ��ذه ��ب ي �ف��رق ب���س�ع��ره ْج��رام��ه‬

‫ل � �ه ��ا وط � � ��ن «زاي� � � � � ��د» م � �ق � � ٍّر رب � � ��ت ف �ي��ه‬

‫ويف دار «زاي � � ��د» � �س��ا� �س �ه��ا وال �ق��دام��ه‬

‫و�� �ش ��اه�ي�ن ف �ي �ه��ن م �� �س �ق �ي ��اتٍ � �س��واق �ي��ه‬

‫و«ه �م �ل��ول» و«اخل �م��ري» ت�ك� ّ�ف امل�لام��ه‬

‫�أ�� � �ص � ��ل �� � �س �ل��االت احل� �ل� ��ال وم ��وا�� �ش� �ي ��ه‬

‫يف وق �ت �ن��ا احل� � ��ايل وم ��ا�� �ض ��ي ع��وام��ه‬

‫ي� � ��وم ال � ��زم � ��ان ال � � ّل� ��ي ق �ل �ي �ل��ه م �� �س��اع �ي��ه‬

‫ع ��ا�� �ش ��وب� �ه ��ا ه � � ْل � �ه ��ا ب � �ع � � ّز و�� �ش� �ه ��ام ��ه‬

‫وي � ��اك � ��م غ � ��ري � ��بٍ � � �ص� ��وب داره ت� ��و ّدي� ��ه‬

‫وي� ��اك� ��م ت �ق � ّ�ط ��ع م� ��ن ق� �ف ��ور وم �ت��ام��ه‬

‫وال � � �ي� � ��وم ج � ��ا ت� �ك ��رمي� �ه ��ا ع � �ن� ��د داع � �ي� ��ه‬

‫يف دار «زاي� � � ��د» ي ��رح ��م اهلل ع �ظ��ام��ه‬

‫م � ��ن غ �ي��ر دورات ال� ��� �س� �ب ��اق ون � ��وادي � ��ه‬

‫ل� ��زي� ��ان � �ه� ��ا ح� � � � ّ�ط امل � � ��زاي � � ��ن ك� ��رام� ��ه‬

‫وان ْاح �� �ض��رت ف ال���ش��وط ح �م � ٍر منابيه‬

‫ي� ��ا ل ��ون� �ه ��ا ال� ��� �ص ��ايف ب ��ري ��ق ون �ع��ام��ه‬


‫دانات‬ ‫‪88‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫و� �ش �ق ��رٍ خ� ��ذت م ��ن ن ��اع ��م ال� �ل ��ون ��ص��اف�ي��ه‬

‫و�� �س� �ح � ٍ�م ع �ل �ي �ه��ا زان ل � ��ون ال �� �س �ح��ام��ه‬

‫م� � ��ن � � �ش� ��اف � �ه� ��ا ك � �ث� ��رت ع� �ل� �ي� �ه ��ا مت ��ان� �ي ��ه‬

‫ل� � ��و �أن م� � ��رج� � ��وع ال � �ت � �م � � ّن� ��ي ن� ��دام� ��ه‬

‫وق � � �ن� � ��ا ّي � � �ه� � ��ا ع� � � � ّل � � ��ق ع � �ل � �ي � �ه� ��ا �أم � ��ان� � �ي � ��ه‬

‫ون ��ام ��و�� �س� �ه ��ا ج� ��ال� ��ه ف� � ��رح واب �ت �� �س ��ام ��ه‬

‫�أ�� � � �ص � � ��اي � � ��لٍ م � � ��ا روث� � � �ه � � ��ا ي � �ن � �ت � �ع� ��ب ف �ي��ه‬

‫وم � � � ��ن ع � � � ّزه� � ��ا ي � � � ��اهلل ت � ��رف � ��ع م� �ق ��ام ��ه‬

‫وال � �ع� ��زب� ��ه � ْأل �أ� � �س� ��م الإم � � � � � ��ارات حت��وي��ه‬

‫ك� ��ل ال� �ق� ��� �ص ��اي ��د ْل � �ه� ��ا ت � �ه� ��اوى ح �م��ام��ه‬

‫ع � ��زب � ��ة ملْ� � � � � � ��ارات ا� � �س � �م � �ه ��ا ن� �ف� �ت� �خ ��ر ف �ي��ه‬

‫ب �� �س��م ال ��وط ��ن وال �� �ش �ع��ب ق� ��در وك ��رام ��ه‬

‫ال� � �ع � ��زب � ��ه ال � � � ّل� � ��ي ك� � ��ل �أ� � � �ص � � �ي � ��لٍ ت ��ر ّب � �ي ��ه‬

‫و� � �ض � � ّم ��ت ل� ��� �ص ��اي ��ل يف ك� �ن� � ّف ��ا � �ض �م��ام��ه‬

‫ف �ي �ه��ا ذالي � � ��ل الأ�� � �ص � ��ل و�أغ� � �ل � ��ى غ��وال �ي��ه‬

‫ال � � ّل� ��ي ب� �ه ��ا ال� ��� �ش ��اع ��ر ي ��و� ّ��ص ��ف ك�ل�ام��ه‬

‫وان د ّب � � � � ��رت وان ق � � ّب � �ل ��ت ب��ال �ت �� �ش��اب �ي��ه‬

‫ج �ي ����ش ال � �ب�ل��اد ال � � ّل� ��ي م� �ط� �ي � ٍ�ع ن �ظ��ام��ه‬

‫وان د ّب � � � ��رت ع � �ج �ل�ات وال � �� � �س �ي�ر مت �ط �ي��ه‬

‫م �� �س �ت �ن �ف��ره ب ��ال �� �س�ي�ر و ْل � �ه� ��ا ا ْل �ت �م ��ام ��ه‬

‫وك � ْن �ه��ا ال�ق�ط��ا ال � ّل��ي اله ��ب ال�ق�ي��ظ ح��ادي��ه‬

‫واال ال � �ن � �ع� ��ام ال � � � ّل � ��ي جت � � � ��اول ن �ع��ام��ه‬

‫وم � ��ن ال �ظ �ب ��ي ف �ي �ه��ا و� � �ص� ��وف وت �� �ش��اب �ي��ه‬

‫وم � ��ن ك� ��ل و� � �ص� � ٍ�ف زي � ��ن ف �ي �ه��ا و� �ش��ام��ه‬

‫وم� � ��ن الأ�� � �س � ��د ت ��اخ ��ذ و�� �ص ��اي ��ف ع�لاب �ي��ه‬

‫وم� � ��ن ال� �ف� �ه ��د ت ��اخ ��ذ م� ��رون� ��ة ع �ظ��ام��ه‬

‫ك� ��ن را�� � ��س وح� ��د ّت� ��ن حت� ��ت رو�� � ��س �أذان � �ي� ��ه‬

‫را� � � ��س احل � �� � �ص ��ان ال � � ّل � ��ي م� �ل� � ّي ��م ل �ي��ام��ه‬

‫ل � ��را� � ��س خ �� �ش �م��ه م �ن �ط �ل��ق م � ��ع ل ��واح� �ي ��ه‬

‫ط � � ��وال ال� � �غ � ��وارب يف ي ��دي� �ه ��ن ع �� �س��ام��ه‬

‫حت� ��ت «ح� �ف� �ي ��ت ال � �ع�ي��ن» ت ��رع ��ى م��راع �ي��ه‬

‫وب�ين «ال�ف�ل��ي وال��ذي��د» و�أي���ض�اً «م��دام��ه»‬

‫وف �ح��ول �ه��ن «ظ� �ب� �ي ��ان» و«امل� ��� �س ��ك» ث��ان �ي��ه‬

‫و«�� �ص ��وغ ��ان» ف �ي �ه��ن � �س��اب �ح��اتٍ ع�ظ��ام��ه‬


‫�رح � ��وه � ��ا ل� �ل� �م� �ن� �� ّ��ص ��ه ب� �ت ��وج� �ي ��ه‬ ‫يل �� � �س � � ّ‬

‫ك� � ْن� �ه ��ا ل � ��و ج� �ي� �� � ٍ�ش م� ��� �ش ��ى ب��ان �ت �ظ��ام��ه‬

‫ت � �ت � ��وج � �ي � �ه � ��ا ك� � � � � � � ٍّ�ل ب � �ع � �ي � �ن� ��ه ي � ��راع� � �ي � ��ه‬

‫يف حم � �ف � ��لٍ ف � ��وق � ��ه ت � �خ ��اف ��ق �أع �ل��ام � ��ه‬

‫وج � �م � �ه� ��وره� ��ا و ّق � � � ��ف و� � �ص � � ّف � ��ق ب� �ي ��ادي ��ه‬

‫وت� �ت ��وي� �ج� �ه ��ا ال � �ب�ي��رق ن � �ه� ��ار ازدح � ��ام � ��ه‬

‫ول � �ب�ي��رق «ال � �ظ � �ف� ��ره» �إىل ج � ��ات حت�م�ي��ه‬

‫ت� ��اخ� ��ذ ن ��وام� �ي� ��� �س ��ه وت� �ل� �ب� �� ��س و�� �س ��ام ��ه‬

‫م� � ��زاي� � ��ن «ال � � �ظ � � �ف� � ��رة» ل � �ه� ��ا وق � � �ف � � � ٍة ف �ي��ه‬

‫وم � ��زاي � ��ن «�� �س ��وي� �ح ��ان »ج� ��ال� ��ه خ �ت��ام��ه‬

‫يف و� �ص �ف �ه ��ن م � ��ا ن� �ي ��ب ج� ��اه� ��ل وغ� ��اوي� ��ه‬

‫ون��اخ��ذ م��ن ال��و� �ص��ف احل�ق�ي�ق��ي خ��زام��ه‬

‫م � ��ن و�� �ص� �ف� �ه ��ن ذك � � � ��رت ن � �ب � ��ذه وت� �ن ��وي ��ه‬

‫وال ق� � ��ول ّ‬ ‫مت � �ي� ��ت ال ��و�� �ص ��اي ��ف تمْ ��ام ��ه‬

‫ال��و� �ص��ف � �ص ��وب �أف � �ع ��ال ي ��ا م���س�ت�م��ع ف�ي��ه‬

‫و ْل � �ه ��ا م ��ن ال ��و�� �ص ��ف امل ��و� ّ��ص ��ف ��س�ن��ام��ه‬

‫ح � �م� ��رٍ ط � ��وي � ��لٍ �� � �س� � � ْد َوه � ��ا حت � ��ت خ��اف �ي��ه‬

‫وان ْاح �� �ض��رت ف ال���ش��وط ت��اخ��ذ ْزم��ام��ه‬

‫ال � � ��زي � � ��ن ف � �ي � �ه� ��ا ن � ��ا� � � �ش � � �ي � ��اتٍ ن� ��وا� � �ش � �ي� ��ه‬

‫يف زي� �ن� �ه ��ا � �ص �خ��ف وح� �ل ��اه وج �� �س��ام��ه‬

‫وال ��و�� �ص ��ف يف «م� �ن� �ح ��اف» زان� � ��ت ق��واف �ي��ه‬

‫وم � ��ن ب �ي �ن �ه��ا واف � �ع � ��ال ق �� �س��م وق �� �س��ام��ه‬

‫«م� �ن� �ح ��اف» ف �ي �ه��ا ال ��و� �ص ��ف ي� � ّل ��ي جت��اري��ه‬

‫ي���ص�ع��ب ع �ل��ى ال �� �ش��اع��ر وي �ع �ج��ز �إل �ه��ام��ه‬

‫وان ج�ت��ك «م�ن���ص��وره» ع��ط ال�ق��و���س ب��اري��ه‬

‫ح� � ّ�ط� ��ت ع� �ل ��ى زي� � ��ن ال � ��زي � ��ان ال �ع�ل�ام ��ه‬

‫يل ج � � ��ات وخ� � �ط � ��ام ال �ق �ل �ي �� �ص ��ه ت� �ب ��اري ��ه‬

‫ول ��را� � �س � �ه ��ا ف� � ��وق اخل� � �ط � ��ام ا ْل� �ت� �ط ��ام ��ه‬

‫ث� �ل��اث ف �ي �ه��ا ال ��و�� �ص ��ف ي ��زه ��ى وت��زه �ي��ه‬

‫وج� �م� �ه ��وره ��ا م �ع �ه��ا ْي � �ح� ��ذف ال �ع �م��ام��ه‬

‫و�إىل ْاح �� �ض��رت ف ال �� �ش��وط ت��اخ��ذ حت� ّدي��ه‬

‫يف حم� �ف ��ل ال � ��زي � �ن � ��ات ي � � ��وم ازدح � ��ام � ��ه‬

‫ب� � ��� � �س� � � ْم � � � �ش � � �ج� � ��ا ٍع ح � � � ّق� � ��ق اهلل مت ��ان� �ي ��ه‬

‫«� �س �ل �ط��ان �أب� � ��و ه � � � ��زاع» ع��ا� �ش��ت �أي ��ام ��ه‬


‫من أمثالنا‬ ‫‪90‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫�أربعة َ�ش ّلوا ِج َمل‬ ‫�شالهم‪.‬‬ ‫واجل��ل ما‬ ‫ُ‬ ‫َ‬


‫ير�سمها هذا العدد الفنان‪ /‬حممد بريم‬

‫خبزك‬ ‫اخلب ْاز‬ ‫َ‬ ‫� ْأعطي ّ‬ ‫ن�صه ‪..‬‬ ‫لو َك ْل ّ‬


‫ألسنة عربية‬ ‫‪92‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫تعك�س جتارب الرجال يف احلب واحلرب والأدب‬

‫أغاني الزراعة في اليمن‬ ‫تراث غني في انتظار البحث والتوثيق‬ ‫حممد �صالح البخيتي‬ ‫عرب الع�صور املختلفة مل تقت�صر الأغاين يف املجتمع العربي على جل�سات ال�سمر �أو الأفراح واملنا�سبات‬ ‫ال�سعيدة‪ ،‬بل كانت جزءاً من احلياة اليومية للإن�سان الب�سيط‪ ،‬حتى يف �أثناء القيام بعمله‪ ،‬على تنوع‬ ‫واختالف هذا العمل‪ .‬فكان الغناء و�سيلة للتخفيف من وط�أة العمل‪ ،‬و�شحذ الهمة وبث احلما�س يف نفو�س‬ ‫العمال‪ .‬ولأن الأعمال الزراعية كانت يف املا�ضي هي املهنة الرئي�سة الأوىل للمواطن العربي‪ ،‬وهي التي‬ ‫ت�شكل يومه وغده‪ ،‬كان من الطبيعي �أن يكون لها ن�صيب وافر من الأغاين ال�شعبية يف تاريخ الوطن العربي‬ ‫ب�شكل عام‪ ،‬ولعل هذا ما يجعل �أغاين الزراعة مو�ضوعاً غنياً ي�ستحق الزيادة من البحث والدرا�سة‪.‬‬


‫يف اليمن؛ كانت الأغنيات ال�شعبية التي عرفت‬ ‫با�سم الأهازيج �أو «املهاجل»‪� ،‬أداة من �أدوات‬ ‫الزراعة‪ ،‬فطاملا وجدت �أطيان زراعية و�أدوات‬ ‫زراع��ة ف�لا ب��د م��ن وج��ود الأغ ��اين واملهاجل‬ ‫الزراعية‪ ،‬فهي للفالح مبثابة املزمار للراق�ص‬ ‫التي حترك القوة الكامنة يف نف�سيته وجتعله‬ ‫يوا�صل عمله على �أنغامها التي يرددها هو �أو‬ ‫مزارع بجواره بالتناوب مع مزارع �آخر‪.‬‬

‫الأغاين واملهاجل‬

‫والأغاين كلمات و�أبيات �شعرية تردد ب�أ�صوات‬ ‫مرتفعة م�سموعة �إىل م�سافات بعيدة‪ ،‬فيما‬ ‫املهاجل كلمات موزونة تردد ب�أ�صوات عادية‬ ‫منخف�ضة مثلما يخاطب ال�شخ�ص �شخ�ص ًا‬ ‫قريب ًا منه‪ .‬ففي �أعمال �شرف الذرة على �سبيل‬ ‫املثال تتزامن حركة الأي��دي وحركة اجل�سم‬ ‫م��ن الأع�ل��ى �إىل الأ�سفل م��ع �إي�ق��اع ك�شك�شة‬ ‫�أعواد ال�شرف مع ترانيم الأغاين واملهاجل‪،‬‬ ‫فت�صبح حركة الفالح حركة ال �إرادية ت�سريها‬ ‫هذه الأنغام والإيقاعات مثلما تتزامن �أنغام‬ ‫املزمار مع حركة الراق�ص‪ ،‬ف ��إذا ت�سارعت‬ ‫الأنغام ت�سارع العمل و�إذا توقفت توقف‪.‬‬ ‫ويف الأه��ازي��ج والأغ ��اين؛ هناك الكثري من‬ ‫املقاطع احلربية التي يردد املزارعون خالل‬ ‫�أدائهم لأعمالهم‪ ،‬فهم مل يهتموا بالناحية‬ ‫االقت�صادية واالجتماعية فقط‪ ،‬بل اهتموا‬ ‫بق�ضايا ال��وط��ن الع�سكرية وال�سيا�سية‪.‬‬ ‫وللأعمال الزراعية مغان ومهاجل ي�ؤديها‬ ‫املزارعون لتخفف عنهم التعب بل وتطربهم‬ ‫وت�سليهم فيمر عليهم الوقت وقد �أنهوا مهامهم‬ ‫من دون �أن ي�شعروا بتعب‪ ،‬ولكل عمل مهجل‬ ‫ومغنى خ��ا���ص ب��ه اب �ت��داء م��ن ح��رث الأر���ض‬ ‫فالتليم فالفقوح فال�شزوز فال�شرف فال�صراب‬ ‫بنوعيه القالمة وقطع الق�صب �أو جحوح الزرع‪.‬‬ ‫ومن �أ�شهر الأغاين الزراعية العاطفية‪:‬‬ ‫يا بنات يا بنات يا طالعات حايط القات‬ ‫الكعوب م�شرغات وال�سطر مكتوب جالالت‬ ‫ليتني عندكن �سكر نبات و�سط كلوات‬

‫�صورة ملزرعة يف «�آب»‬

‫تتوقف عند فتحات امل�سام‪ ،‬وه��و دليل على‬ ‫اجل�سم الناعم‪.‬‬ ‫ويوا�صل ال�شاريف للذرة الأغاين العاطفية التي‬ ‫تبد�أ بواو الق�سم هكذا‪:‬‬ ‫والنبي والق�سم ما جيت اطلب معي�شه‬ ‫جيت ا�سلي على قلبي كما القلب ري�شه‬ ‫والنبي لو دريت �إن �أنت يا نُ‬ ‫الب غايل‬ ‫ال افرد املقرمة واجني مع كل جاين‬ ‫والنبي لو دريت �إن املحبة تبكي‬ ‫ما تولعت بابن النا�س وال �أحمنت قلبي‬ ‫والنبي لو دريت �إن الكحل يجلي العني‬ ‫ال انزل�ش يالعدين وادي خللي بقر�شني‬ ‫والنبي والق�سم لوما ت�ساعد وترحم‬

‫كان الغناء وما زال‬ ‫وسيلةللتخفيفمن‬ ‫وطأة العمل وشحذ‬ ‫وال�شروغ وامل�شرغ هو الذي يظهر منه‬ ‫قطرات الهمة وبث الحماس‬ ‫بخار امل��اء اخلفيف �أو قطرات العرق التي‬ ‫في نفوس العمال‬ ‫والمزارعين‬

‫ال احب�سك بالر�سم واقيدك قيد مبهم‬ ‫والنبي يا اخ�ضر اللون �إن هجرك ظالمه‬ ‫�إن هجرك عليا مثل يوم القيامة‬ ‫واهلل �إنك حبيبي ما مع حد ببق�شه‬ ‫يا ع�سل يف �صياين ما حد ا�سرت يغ�شه‬ ‫واهلل �إنك حبيبي يا حبيب ال�سالمه‬ ‫يا اخ�ضر اللون �ساعدين وخل العدامه‬ ‫واهلل �إنك حبيبي لو تقوم القيامه‬ ‫لو جتحدل جبل �ضوران ينزل تهامه‬ ‫أغان تبتدئ بياء املخاطبة مثل‪:‬‬ ‫ون�صل منها �إىل � ٍ‬

‫يا ع�ضات اجلبل يا مورقة يا مظلة‬ ‫ظللي يل على املحبوب وان��ا يل اهلل‬

‫وقد يجد ال�شاريف نف�سه وقد جتاوزت املحذور‬ ‫بالألفاظ الغزلية فيعود �إىل عقله ويعاتب ل�سانه‬ ‫الذي ردد كلمات عاطفية بقوله يف املهجل‪:‬‬ ‫اطلب اهلل يا ل�ساين‪/‬خري دامي‬ ‫ال تلغوى لغو ثاين ‪ /‬خري دامي‬


‫ألسنة عربية‬ ‫‪94‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ال�شراف مبا �شاهده و�أث��ر يف نف�سيته وهو يف‬ ‫طريقه �إىل اجل��رب��ة حيث وج��د بنية حديثة‬ ‫العهد ب��ال��زواج والعي�ش بقريتهم بعيد ًا عن‬ ‫قرية �أهلها وقد دار بينه وبينها احلديث التايل‬ ‫الذي ترجمه يف قالب �شعري‪:‬‬ ‫يا بنية بجنب الدار كم ل�ش هنية‬ ‫قالت �إين هنية ذيب �أف�سر غبوين‬ ‫ذيب �أف�سر لبي و�أمي ولني �أ�صلوين‬ ‫�سرحوين بالد ال اعرف وال يعرفوين‬ ‫لب�سوين قمي�ص �أبي�ض وقالوا ك�سوين‬ ‫لب�سوين خرز وعوع وقالوا حلوين‬

‫خل قالب املعاين ‪/‬خري دامي‬ ‫خلها ال يوم ثاين ‪ /‬خري دامي‬ ‫ومن املهاجل‪:‬‬ ‫يا م�صلي يا مفيد‬ ‫داخل اجلنة �شهيد‬ ‫كم معك من فايدة‬ ‫يا �صالة اهلل مالح‬ ‫طني مالرباق الح‬ ‫بارقه ال الح الح‬ ‫ما لهم بردوا‬ ‫حل ما وردوا‬

‫�أهازيج عر�س ومالحم تاريخية‬

‫مل تقت�صر الأه��ازي��ج ال��زراع�ي��ة على الغزل‬ ‫والأغ ��اين العاطفية‪ ،‬فتطرقت �إىل املواقف‬ ‫التاريخية املهمة مثل هذا البيت‪:‬‬

‫يا جبل كوكبان ظلت عليك الغمامة‬ ‫خربوا دايرك والرتك حتتك منامة‬

‫وبالطبع ه��ذه الأغ���اين م�شرتكة يف �أع�م��ال‬ ‫الزراعة و�أعمال العر�س‪.‬‬ ‫وعندما يو�شك ميعاد الرواح ي�صلون على النبي‬ ‫ك�إ�شارة �إىل ق��رب انتهاء العمل اليومي بهذه‬ ‫الأغ ��اين التي ال تخلو م��ن م�سحة ح��زن على‬ ‫املحبوب املفقود الذي توارى حتت الرتاب‪:‬‬ ‫ال�صالة دامية واملوت خمبي خبية‬ ‫�ساع بز الهنود ما يخرج �إال هدية‬ ‫�آح يا �أهل الهوى ال ارعاكم اهلل �شهادة‬ ‫كيف تبزوا دقيق اخل�صر قوق القعادة‬ ‫ويف ال��دق��ائ��ق الأخ�ي�رة م��ن العمل ال ب��د من‬ ‫ال�صالة على النبي املغنى‪:‬‬ ‫ال�صالة يا ح�ضور �صلوا على باهي النور‬ ‫ذي �سراجه يدور واملحجرة من جبا الدور‬ ‫وال�صالة للنبي واحلمد هلل لربي‬ ‫تبلغ الها�شمي وامل�صطفى نور قلبي‬ ‫مروح الليل واهلل ما من الليل حيلة‬ ‫يا اهلل اليوم رزق ال�سهل من غري حيلة‬ ‫ليلك الليل يا �سامر بجنب الطويلة‬ ‫ليلك الليل واهلل ما من الليل حيلة‬

‫والبيت ي�شري �إىل دول��ة الأت� ��راك يف اليمن‪،‬‬ ‫والغمامة هي ال�سحب‪ ،‬وطاملا ظللت جبل كوكبان‬ ‫فهذا دليل على قد�سيته‪ ،‬وق��د �أو��ض��ح البيت‬ ‫خراب كوكبان فوق ر�ؤو�س القوات الرتكية‪ ،‬و�إن‬ ‫كان زمن الأغنية غري حمدد بدقة‪.‬‬ ‫ومل ين�س ال�شاعر ال�شاريف �أن يخرب زمالءه وعندما يحني ميعاد الرواح تردد املهاجل هكذا‪:‬‬ ‫وعندما تغيب ال�شم�س يتمنون �أن تت�أخر‬ ‫ياهلل اليوم اجلمالة‬ ‫حتى يكملوا العمل وقد ع�بروا عن موقفهم «المهاجل»للمزارعفي‬ ‫يا جممل كل حالة‬ ‫باملهجل التايل الذي �أطلق على ال�شم�س ا�سم اليمنكالمزمارللراقص جمله جملت حاله‬ ‫«اللماعة»‪:‬‬ ‫تحركه وتجعله يواصل‬ ‫غابت اللماعة‬ ‫ويف طريق العودة �إىل البيت جند بيد كل عائد‬ ‫أنغامها‬ ‫على‬ ‫عمله‬ ‫ليت عادي �ساعة‬ ‫«لعا�ص يلع�صها» واللعا�ص هي �أح��د �أع��واد‬

‫التي يرددها بمفرده أو‬ ‫بالتناوب مع مزارع آخر‬


‫ال ��ذرة ال�ت��ي مل ت�خ��رج �سبولتها فاحتفظت‬ ‫بغذائها فيها ف�صار طعمها �أ��ش�ب��ه بطعم‬ ‫ق�صب ال�سكر وت�سمى قطنة لهذا جند من‬ ‫يغني بقوله‪:‬‬

‫وال �� �ش��رك �� �س��ي � �س��ارح ذم� ��ار يعبل‬ ‫وال ع �ط ����ش ع ��ر� ��ض ي �ج��ر ل �ع��ا���ص‬

‫وكلمة ال�شرك�سي مرت�سبة م��ن الأي ��ام التي‬ ‫ك��ان فيها ال�شرك�س يف اليمن �ضمن اجلي�ش‬ ‫العثماين‪ ،‬فقد �أطلقوها على ال�شخ�ص اجلميل‬ ‫�سواء كان ذكر ًا �أو �أنثى‪ ،‬ومنها قول املغني‪:‬‬

‫ي��ا �شرك�سي ي��ا ع��اق��ل ال�شراك�س‬ ‫ي ��ا ع ��اق ��ل ال �ع �ق ��ال ح ��ق ال��دغ��اب ����س‬

‫مهاجل ال�صراب‬

‫يقال يف املثل «بيننا يا ذرة يوم ال�صراب»‪،‬‬ ‫ف ��ال ��ذرة مت��ر مب��راح��ل من��و خ�ل�ال خم�سة‬ ‫�شهور‪ ،‬وعندما يالحظها امل ��زارع وه��ي يف‬ ‫مرحلة �شبابها وي�سره منظرها يتذكر قرب‬ ‫«ح�صادها» فيخاطبها بينه وبني نف�سه بقوله‬ ‫«بيننا يا ذرة يوم ال�صراب» ففي يوم ال�صراب‬ ‫يتم قطع ر�ؤو�سها �أو ًال ثم قطع ق�صبها فت�صبح‬ ‫بعد قيامها وتيهانها مرمية على الأر���ض يف‬ ‫منظر ي�شبه جثث بني �آدم وق��ت احل��روب‬

‫األغاني كلمات تردد‬ ‫بأصواتمرتفعة‬ ‫مسموعة إلى مسافات‬ ‫بعيدة‪،‬فيماالمهاجل‬ ‫كلمات موزونة تردد‬ ‫بأصوات عادية منخفضة‬ ‫كمن يخاطب قريب ًا منه‬ ‫كذلك يقال‪« :‬ال تقل بر �إال وهو يف ال�صر»‪،‬‬ ‫فحتى وق��د �أ�صبحت �سبول ال�بر حبوب ًا ف�إن‬ ‫احتمال احل�صول على الثمرة غري م�ؤكد فقد‬ ‫تتعر�ض للجراد وق��د تتعر�ض لل�ضريب وقد‬ ‫تتعر�ض ل�سحبها مع اجلربة بهطول الأمطار‬ ‫الغزيرة‪.‬‬ ‫ويحل مو�سم ال�صراب الفعلي عادة يف نهاية‬ ‫�شهر �أكتوبر وبداية �شهر نوفمرب وت�ضحيتها‬ ‫يف املجارين خالل �شهري نوفمرب ودي�سمرب‬ ‫يف الوقت نف�سه الذي ينقل فيه الق�صب ليتم‬ ‫ع�صنه يف معا�صني مر�صو�صة‪ ،‬فال�صراب يتم‬ ‫على مرحلتني‪ ،‬مرحلة قلم ال�سبول ومرحلة‬ ‫قطع الق�صب‪ ،‬ويف هذا املو�سم الذي ي�سمى‬ ‫«امل�ك�ف��ت» ت�شاهد ال ��ُ��ص � َّراب مي�ل�أ اجلربة‬ ‫وبقربهم احليوانات على خمتلف �أ�شكالها‪،‬‬ ‫ت�خ�ت�ل��ط �أ�� �ص ��وات م �ن��اج��ات �ه��م وم�ه��اج�ل�ه��م‬ ‫ب�أ�صواتها‪ .‬والنا�س رجالهم ون�سا�ؤهم منهم‬ ‫ال�ص َّراب الأ�سا�سيون ومنهم من جاء يك�سب‬ ‫ُ‬

‫حيث ي�ع��اون ال�صراب الأ�سا���سيني يف وقت‬ ‫ق�صري يعطوه بعده �شبث من ال�سبول وينتقل‬ ‫اجلربة الأخ ��رى‪ ،‬مبعنى �أن��ه مير على عدة‬ ‫ال�صراب‬ ‫ج��رب يكون ال�صراب فيها‪� ،‬أم��ا ُ‬ ‫الأ�سا�سيون في�صربون طوال اليوم ويف نهايته‬ ‫«ال�صربة» قد‬ ‫يعطون �شقائهم «�سبول» وت�سمى ُ‬ ‫يكون مليئ ًا خب�ش ًا �أو �أكرث‪ ،‬ولهذا مل ين�س قاطع‬ ‫الق�صب يف مهجله ذكر ال�صربة‪ ،‬فال زالت‬ ‫�آث��اره��ا باقية يف نف�سيته حتى ق��ال متحري ًا‬ ‫ال��ذي ي��وزع ال�صربة على ال�صراب �أن يزيد‬ ‫ال�صربة ل�سعدية ولو على ح�سابه‪:‬‬ ‫يا �سعد �صرب �سعدية‬ ‫زيد لها من �صربتي‬ ‫و�أي��ام ال�صراب مثلها مثل �أي��ام التليم متثل‬ ‫�أيام عيد املزارع وفرحته بجني ثمار ما تعب‬ ‫فيه طوال ال�سنة‪ ،‬ف�أيام املزارع كلها �أعياد من‬ ‫اليوم الذي و�ضع به حبوب الذري يف اجلربة‬ ‫�إىل �أن ينتهي من رويح ثمارها‪.‬‬ ‫وهناك مهاجل ي�ؤديها ال�صراب منها مهاجل‬ ‫قلم ال�سبول ومنها مهاجل قطع الق�صب‪،‬‬ ‫وكل مهجل ي ��ؤدي �إىل مهجل �آخ��ر بعك�س ما‬ ‫يتم يف �أعمال ال�شرف �إذ �أن كل مهجل يف‬ ‫�أعمال ال�شرف ي�ؤدي �إىل �أغنية وكل �أغنية‬ ‫ت�ؤدي �إىل مهجل‪� ،‬أما هنا فال وجود للأغاين‬ ‫لأن �أعمال ال�صراب �أ�سرع يف احلركة من‬ ‫�أعمال ال�شرف‪ ،‬كما �أن قلم ال�سبول �أحيان ًا‬ ‫يتم مب�ساعدة من الفم على �إبعاد القلحدي‬ ‫م��ن ال�سبول مم��ا يعيق القاملي م��ن ترديد‬ ‫الأغاين ذات املوال الطويل‪ ،‬ويف حالة قطع‬ ‫الق�صب يتطلب العمل �أن يحني القاطعي‬ ‫ظهره ب�شكل م�ستمر وهذه احلالة ال متكنه‬ ‫من الغناء الذي يحتاج �إىل قامة منت�صبة �أو‬ ‫متحركة �إىل �أعلى و�إىل �أ�سفل‪ .‬ومن مهاجل‬ ‫ال�صراب‪:‬‬

‫مهاجل القالمة‬

‫عند قلم ال�سبول ت ��ردد امل�ه��اج��ل املتعددة‬ ‫التي تتنا�سب مع الوقت وحرارة ال�شم�س ويف‬ ‫املقاطع التالية جند �أن امل�ساعد للهجال يردد‬ ‫�آخر كل كلمة من املهجل‪:‬‬


‫ألسنة عربية‬ ‫‪96‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫قالمة �أال يا قالمة ‪ /‬قالمه‬ ‫وما �أح�سن كالمه ‪/‬كالمه‬ ‫كالم العويل‪ /‬عويل‬ ‫خفاف اللهامة ‪ /‬لهامة‬ ‫�شل �أتالمه‪ /‬المة‬ ‫ما حد المه‪ /‬المه‬ ‫وكما وجدنا يف �أعمال ال�شرف �أغاين ت�شري �إىل‬ ‫حروب الأت��راك يف جبل كوكبان منها مقاطع‬ ‫من مهاجل قلم ال�سبول فاملقطع التايل ي�شري‬ ‫�إىل معركة كوكبان يف �سنة ‪1289‬هـ التي فتكت‬ ‫بالأتراك حتى �أنه كان يتم جحدلتهم من ر�أ�س‬ ‫اجلبل �إىل �سفاله‪ ،‬وقد �أ�شار �إىل ذلك �صاحب‬ ‫احلوليات يف حولياته حيث ق��ال‪« :‬فو�صلوا‬ ‫�إليهم �أهل كوكبان وردوهم بالرماية والرجم‬ ‫واحلجارة وجحدلة الأك��داف ودهف الرجال‬ ‫ح�ت��ى امل �ت�ردي ي�ت�ردى ع�ل��ى ن�ح��و م�ئ��ة قامة‬ ‫وخم�سني قامة‪ »...‬و�أ�صل املقطع هكذا‪:‬‬ ‫�أال يا حممد‬ ‫�أال يا غرامة‬ ‫غرامة جتحدل‬ ‫جتحدل تقلب‬ ‫تقلب من احليد‬ ‫�سبعني قامة‬ ‫وال زاد �صلى‬ ‫وال زاد قامه‬

‫من �شرقيها ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫وعندما يو�شك ال�صراب على �إن�ه��اء قالمة ال غربيها ‪ ..‬يا قالمة‬ ‫اجلربة ي�شلوا بهذا املهجل الذي يدعو بالعودة ال عدنيها ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫�إىل اجلربة ملوالها الأول‪ ،‬وهذا يعني �أنه لن ال قبليها ‪ ..‬يا قالمة‬ ‫يبيعها يف خالل ال�سنة‪:‬‬ ‫عادت اجلربة ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫وال�بر املي�ساين حبته طويلة وي��زرع يف بداية‬ ‫عاد موالها ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫ال�صيف ب��ال��ودي��ان الغيلية ونباته طويل قد‬ ‫عاد يزرعها ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫ي�صل �إىل الكتف‪ ،‬قال الهمداين �إن �آدم التقى‬ ‫عاد مينعها ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫بحواء يف مكة وب�إبلي�س يف مي�سان‪ ،‬ومي�سان‬ ‫عاد يتلمها ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫عرفها املحقق الأك ��وع ف�ق��ال ه��ي مملكة يف‬ ‫وال بد من التذكري ب�أن هذه الأيام هي �أيام جني بر مي�ساين ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫جنوب العراق‪ ،‬وبلدة يف �شرق الطائف‪.‬‬ ‫املح�صول «�أيام اخلري» فنجد ال�شاريف يدعو اهلل‬ ‫وعلي�ساين ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫�أن يجعل الأيام كلها �أيام خري هكذا‪ ،‬ويف الوقت‬ ‫وذره �صفراء ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫مهاجل قطع الق�صب‬ ‫نف�سه يدعو اهلل �أن يزيل �أيام الويل‪:‬‬ ‫لب حمجاين ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫�أم ��ا م�ه��اج��ل ق�ط��ع ال�ق���ص��ب فتختم بكلمة‬ ‫اهلل يدمي اخلري‬ ‫جر يا �ساين ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫(ولودية) وال بد من ابتدائها بذكر اهلل كما هو‬ ‫والويل ال دامه‬ ‫عادوا ال�صراب ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫النظام املتبع يف كل �أعمال الفالح‪:‬‬ ‫يقفزه للحيد‬ ‫ذي �صربوها ‪ ...‬يا قالمة‬ ‫طلبنا اهلل ذي يطلب ‪ /‬ولودية‬ ‫�أربعمائة قامة‬ ‫وما مطلوب غري اهلل ‪ /‬ولودية‬ ‫قامة وراء قامة‬ ‫لكل نوعية عمل مهاجل وغري اهلل ما يطلب ‪ /‬ولودية‬ ‫يك�سر هنيدامه‬ ‫اطلب اهلل يا وليدي ‪ /‬ولودية‬ ‫يا خي �سعيد يا خي‬ ‫وأغان خاصة بها ابتداء‬ ‫ٍ‬ ‫ذي يده من فوق الأيدي ‪ /‬ولودية‬ ‫من ذا ال�سبول يا خي‬ ‫من حرث األرض فالتليم‬ ‫وحي الكالم راخي‬ ‫موسم‬ ‫انتهاء‬ ‫وحتى‬ ‫ثم ال بد للفالح بعد ذكر اهلل �أن يذكر النبي‬ ‫راخي ومرتاخي‬

‫الحصادوكلماتها‬ ‫مستمدة من روح العمل‬


‫مزارعون مينيون يحرثون الأر�ض‬

‫حممد ًا وي�صلي عليه‪:‬‬ ‫يا �صالة اهلل زوري ‪ /‬ولودية‬ ‫بلغي من يف القبو ِر ‪ /‬ولودية‬ ‫�صايف احلو�ض الزالل‪ /‬ولودية‬ ‫عليك يا بو فاطمة ‪/‬ولودية‬ ‫يا بدعها واخلامتة‪ /‬ولودية‬

‫لضربات«المالبيج»‬ ‫مع أصوات اللباج نوتة‬ ‫موسيقيةاعتادها‬ ‫المزارعون‪ ،‬فإذا دخل‬ ‫بينهم «البجي» غير‬ ‫متمرسيكتشفون‬ ‫مهجل املياد‬ ‫ونوا�صل ذكر مهاجل قطع الق�صب ف�إذا كانت نشازه ويغنّون له‬ ‫ق�صب ال��ذرة طويلة فيتم ميادها مياد ًا �إىل‬ ‫الأر���ض ب�سبولها لأن القاملي ال ي�ستطيع �أن‬ ‫ي�صل �إليها بيده وعند قطعها �أو ميادها يردد‬ ‫املهاجل التالية‪:‬‬ ‫مياد يا جربة مياد ‪ /‬ولودية‬ ‫وال �سقى قاع ال�سواد ‪ /‬ولودية‬ ‫ذي ما ُ�سمِي فيها مياد ‪ /‬ولودية‬ ‫مياد يا جربة مياد ‪ /‬ولودية‬ ‫وال تعود �إال اجلياد ‪ /‬ولودية‬ ‫و�إال �أنت يا ثعل الدجاج ‪ /‬ولودية‬

‫مهاجل العط�ش‬

‫ولأن العمل يولد العط�ش لكرثة العرق الذي‬ ‫يت�صبب من الفالح فكان ال بد من مهاجل‬

‫خ��ا��ص��ة ب��امل��اء تعك�س ح��اج��ة ال �ف�لاح �إل�ي��ه‬ ‫وبالذات امل��اء امل�برد فبارد امل��اء �سمينة كما‬ ‫يقول الفالح‪ ،‬ولهذا جند الكثري من املهاجل‬ ‫متعلقة بحاجتهم �إىل املاء‪:‬‬ ‫يا عطو�ش ماكم مربد ‪ /‬ولودية‬ ‫يف الغروب الزمزمية ‪ /‬ولودية‬ ‫حامي املاء ما نحنه ‪ /‬ولودية‬ ‫برده ال ما نحنه ‪ /‬ولودية‬ ‫برد املاء للمقوت ‪ /‬ولودية‬ ‫طالعي نازل ي�صوت ‪ /‬ولودية‬ ‫يا بعد املاء من يوطي له ‪ /‬ولودية‬ ‫واحنا ال�شليان با نوطي له ‪ /‬ولودية‬ ‫با نوطي له وننحي له ‪ /‬ولودية‬ ‫يا راعية ال�ضان ا�سقيني ‪ /‬ولودية‬

‫بحفن�ش و�إال بال�صيني ‪ /‬ولودية‬ ‫مالن ال�صيني يرويني ‪ /‬ولودية‬ ‫ولودها ولودية ‪ /‬ولودية‬ ‫ثم ينتقل �إىل مقطع مبوال جديد لكنه ال زال‬ ‫متعلق ًا ب�أهمية املاء لهم حني يقول‪:‬‬ ‫وارد واردية ‪ /‬واردية‬ ‫يا من خبخب املاء ‪ /‬واردية‬ ‫ي�شرب بارديه ‪ /‬واردية‬ ‫وارد فوق �صنعاء ‪ /‬واردية‬ ‫وا�سقى احلارثية ‪ /‬واردية‬ ‫وا�سقى نهم وارحب ‪ /‬واردية‬ ‫والقاها نهية ‪ /‬واردية‬ ‫ووا�ضح يف املهجل ال�سابق ا�ستبدال الكلمة‬ ‫التي يرددها امل�ساعد «ولودية» بكلمة جديدة‬ ‫متعلقة بورود املاء « واردية»‪.‬‬ ‫ويختتم املزارع املهاجل املتعلقة باملاء بهذا‬ ‫املهجل ال��ذي ال يحتاج �إىل م�ساعد‪ ،‬ويبني‬ ‫�أن��ه �صاحب خ�برة ين�صح ب�شرب �صاحبه‬ ‫من دون �أن يزيد من �شرب املاء مهما كان‬ ‫عط�شه فيتناوله على دفعات حتى ال ي�ؤثر‬ ‫ع�ل��ى �صحته‪ ،‬ول�ه��م يف ذل��ك جت ��ارب فكم‬ ‫م��ن النا�س ف�ق��دوا حياتهم بعد �شربة ماء‬


‫ألسنة عربية‬ ‫‪98‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫مزرعة قمح يف اليمن‬

‫فتيات مينيات يح�صدن القمح‬

‫وجدوها على �إث��ر عط�ش �شديد‪ ،‬لهذا جند هوتبيع �أحمر م�شروع‪ /‬ولودية‬ ‫حكيم الفالحني يهجل مبفرده حينما و�صل و�أين ما راين تربع‪ /‬ولودية‬ ‫املاء �إىل طرف اجلربة قائ ًال‪:‬‬ ‫يا عاط�شون ا�سقونه‬ ‫واجلميل يف املهجل ال�سابق �أن��ه قد جعل‬ ‫باملاء وال تروونه‬ ‫من العمل ال�شاق جمرد هواية حينما قال‪:‬‬ ‫�سفح الدرق من دونه‬ ‫«من جتاه الالعبية» فقد �أ�صبح ال�صاربي‬ ‫العب ًا ماهر ًا ال ي�ستطيع �أن يرتك هوايته‬ ‫واحلوم ي حوما‬ ‫املف�ضلة‪ ،‬والتبيع ه��و العجل ال�صغري‪،‬‬ ‫�سرحوا يدو ما‬ ‫�سمي تبيع ًا لأنه يتبع �أمه فلم ي�ستغن عنها‬ ‫من بري التوما‬ ‫ً‬ ‫بعد فهو ال زال ر�ضيعا‪ ،‬وك��ان ال ب��د من‬ ‫خماطبة الك�سالن وتذمريه بعمل البنات‬ ‫مهجل تن�شيطي‬ ‫عندما يالحظ �صاحب اجلربة �أو كبري ال�صراب التي عملهن �أف�ضل منه بقولهم‪:‬‬ ‫ال�صراب قد توانوا بعد �أن �شربوا املاء يلقط يا علي يا عبية ‪ /‬ولودية‬ ‫�أن ُّ‬ ‫ال�شرمي ويدخل بينهم ين�شطهم مردد ًا الكلمات حط را�سك هنية ‪ /‬ولودية‬ ‫التالية التي ال بد �أن جتذبهم �إىل جانبه ولريددوا جنب را�س البنية ‪ /‬ولودية‬ ‫بعده كلمة ولودية‪:‬‬ ‫في�أتي ج��واب علي عبية خماطب ًا البنية التي‬ ‫و�أوردوا ال �شر جاكم ‪ /‬ولودية‬ ‫عريوه بها بقوله‪:‬‬ ‫ع�شر الباري خطاكم ‪ /‬ولودية‬ ‫بنية عادها عية ‪ /‬ولودية‬ ‫هكذا و�أنا معاكم ‪ /‬ولودية‬ ‫ولوما تعرف اللية ‪ /‬ولودية‬ ‫وعندما الحظ �أن التبيع اخلا�ص ب�إحدى الن�ساء بنية يا بديوية ‪/‬ولودية‬ ‫العجائز املتك�سبات الذي �أح�ضرته للرعي يف وال قالوا من �أين �أنتي ‪ /‬ولودية‬ ‫املح�شرة قد دخل �إىل بني فريق العمل الذين‬ ‫ي�صربون اجلربة بهمة ون�شاط �إىل حد �أنهم يؤدي المزارعون‬ ‫قد اعتربوها لعبة ممتعة وجد يف دخول التبيع المغانيوالمهاجل‬ ‫�إعاقة لهم قد ت�ؤدي �إىل تدين �أدائهم فخاطب لتخفف عنهم بل‬ ‫العجوز ب�أ�سلوب فني مت�أدب قائ ًال‪:‬‬ ‫وتطربهموتسليهم‬ ‫يا عجوز لفي تبيع�ش‪ /‬ولودية‬ ‫فيمر عليهم الوقت وقد‬ ‫من جتاه الالعبية‪ /‬ولودية‬

‫أنهوا مهامهم من دون‬ ‫أن يشعروا بتعب‬

‫قلي فانا بديوية ‪ /‬ولودية‬ ‫من البدوان ذي حلوا ‪ /‬ولودية‬ ‫يف �أ�شراف الغ�صينية ‪ /‬ولودية‬

‫مهاجل الرواح‬

‫يف الأع� �م ��ال ال��زراع �ي����ة جن��د ك��ل �أ� �س��رة‬ ‫م�شغولة بالعمل يف جربتها‪ ،‬وك��ل اجلرب‬ ‫م �ت �ج��اورة ول �ه��ذا ي �ك��ون ال� ��وادي م�شغو ًال‬ ‫مبعظم �أبناء القرية‪ ،‬و�إذا �أكملت �أي �أ�سرة‬ ‫عملها فيما �أ�سرة بجانبها ال تزال بحاجة‬ ‫�إىل وقت لإنهاء عملها ف�إن الأ�سرة الأوىل‬ ‫تعدي معها لكي يرتوحوا مع ًا‪ ،‬لكن هذا ال‬ ‫يعني �أن يفاج�أ �أح��د امل��زارع�ين وق��د وجد‬ ‫نف�سه مع زوجته وحيدين بعد �أن غادرهم‬ ‫كل الفالحني وهنا جند ال��زوج �أو الزوجة‬ ‫يخاطب الآخر قائ ًال‪:‬‬ ‫يا حبيبي ال توانى ‪ /‬ولودية‬ ‫ما بقيت �إال �أنت و�أنا ‪ /‬ولودية‬ ‫ما بقيت �إال �أنت ياهلل ‪ /‬ولودية‬ ‫وع�ن��دم��ا ي�ق�ترب ميعاد ال� ��رواح ب��دن��و الليل‬ ‫امل�صحوب بخروج الذئاب وعوائها والأثعل‬ ‫وال�ضباع من خمابئها جند املهجل يتحول‬ ‫تلقائي ًا �إىل �إح�صاء عمل اليوم وخماطبة الليل‪:‬‬ ‫يا ليلها يا ليلية ـ ولودية‬ ‫يا مروحة يا ليلية ـ ولودية‬ ‫جلدناها جليدية ـ ولودية‬ ‫ويا �سرية ويا جية ـ ولودية‬ ‫ويا حراك اليدية ـ ولودية‬


‫ذيبة عوت من عواها ‪ /‬ولودية‬ ‫قالوا �سرحان �شل �أجراها ‪ /‬ولودية‬ ‫�شل �أجراها من جمراها ‪ /‬ولودية‬

‫حتزمي الق�صب‬

‫بعد قطع الق�صب ي�ترك على �شكل �سرات‬ ‫«�صفوف» على �سطح اجلربة فتظهر وك�أنها‬ ‫منقو�شة ب�ين ك��ل ��س��رة و��س��رة فا�صل ال يقل‬ ‫عر�ضه عن عر�ض ال�سرة ملرور الفالحني‪ ،‬وبعد‬ ‫�أن تتيب�س الق�صب ويخف وزنها تبد�أ عملية‬ ‫التحزمي‪ ،‬وبعد �أن يحزم جمموعة كبرية يبد�أ‬ ‫يف رفعها من الأر�ض للحفاظ عليها من التلف‪،‬‬ ‫في�شكل بها ع�ش�ش ن�سميها «العو�شة» حيث‬ ‫ين�صب احلزم على الأر�ض على �شكل خمروط‬ ‫ذي قاعدة دائرية بزاوية داخلية ر�أ�سية تقدر‬ ‫بنحو ث�لاث�ين درج��ة وزاوي���ة �أر��ض�ي��ة داخلية‬ ‫تقدر بحوايل �ستني درجة مع �سطح الأر�ض‪،‬‬ ‫فت�صبح اجلربة مليئة ع�ش�ش وك�أنها قرية من‬ ‫ق��رى تهامة‪ ،‬لكل عو�شة ب��اب �أو بابني وهنا‬ ‫تتحول اجلربة �إىل بيوت ي�ستظل بها الكبار‬ ‫ويفرح بها الأطفال‪.‬‬ ‫وقد �شبه �أحد ال�شعراء الع�شة يف زامل خماطباً‬ ‫به واحد ا�سمه العو�ش قال فيه‪:‬‬

‫يا عو�ش ما عو�شة تكنن من مطر‬ ‫وال ت � � ��ديف م � ��ن ب � � ��رد ف� �ي� �ه ��ا ب �ن��ار‬

‫ون �ق��ل ال���س�ب��ول م��ن اجل��رب��ة �إىل امل�ج��اري��ن‬ ‫والق�صب �إىل املعا�صني يتم بوا�سطة الدواب‬ ‫واجلمال‪ ،‬وهناك مهاجل تردد عند ال�شدود‬ ‫على اجلمال فعندما تعق من �أمل احلبال التي‬ ‫تربط بها احلمائل �إىل ظهرها يقول اجل َّمال‪:‬‬ ‫حني يا بي�ضاء وا�شتاقي‬ ‫حني واهلل ما ل�ش تاقي‬ ‫�أم��ا عندما يكون اجلمل يف الطريق باحلمل‬ ‫فريدد من يلحقه مهجل �آخر كقوله‪:‬‬ ‫هذا ُج َم ْيل الدباهي يحجب اهلل عليه‬ ‫وهناك مهجل يخاطب اجلمل « رزقان»‬ ‫رزقان يا واكي املن�ضاح‬ ‫قل يل كم حملوك �أقداح‬

‫يردد المزارعون الكثير‬ ‫من المقاطع الحربية‬ ‫فهم لم يهتموا بالناحية‬ ‫االقتصاديةواالجتماعية‬ ‫فقط‪ ،‬بل اهتموا بقضايا‬ ‫الوطنالعسكرية‬ ‫والسياسيةكذلك‬ ‫وعندما يقرتب الليل يردد اجل َّمال‪:‬‬ ‫روحيني من الليل يا ناقة ‪/‬‬ ‫عاد يل يف جنوب�ش متراقة‬ ‫وال بد من ترديد �أغاين تخفف على اجلمال‬ ‫التعب وخا�صة عندما يجد �أن اجلمل قد تعب‬ ‫�أو �أن احلمل زاد على قدرة اجلمل حتى جعله‬ ‫يعق من اجلور كهذه الأغنية التي ت�صف حال‬ ‫اجلمل وت�شبه بكاءه وكرثة دموعه التي �أ�سقت‬ ‫الأر�ض من كرثها‪:‬‬ ‫حن اجلمل ال ما انطل احلمولة ‪/‬‬ ‫و�أ�سقى بالد اهلل من هموله‬ ‫يا ليتني جمال بعد �سودي‬ ‫وا�سايرك يا ناد�ش اجلعودي‬ ‫يا ليتني جمال واخلل تاجر‬ ‫وادخل عدن يا خرية البنادر‬

‫مهاجل لبيج الذرة‬

‫لبيج ال��ذرة هو �ضرب ال�سبول ب��أع��واد الطلح‬ ‫«املالبيج» ويبلغ طولها ح��وايل مرتين‪ ،‬لغر�ض‬ ‫ف�صل احلبوب عن الروة‪ ،‬وتكون �ضربات املالبيج‬ ‫مع �أ�صوات اللباج مقطوعة مو�سيقية ال ي�ستطيع‬ ‫من ح�ضر و�شاهدها و�سمعها �أن يفارق املجران‬ ‫بل ي�شله ال�شوق فيم�سك ملباج �إن �ساعده احلظ‬ ‫ووج��ده �شاغر ًا و�إال قطع من ال��زرب املحيطة‬ ‫باملجران ويدخل معهم م�سرع ًا وقلبه يرفرف‬ ‫ل�سماع �أ�صوات املالبيج املختلطة ب�أ�صوات اللباج‬ ‫كما يدخل الراق�ص ال�شره بني فريق الرق�ص‬ ‫حيث يرتفع ملباج ويهبط ملباج وي�سمونه «�شرب‬ ‫�أدي ��اك»‪ ،‬لأن الأدي��اك ال ت�شرب يف وق��ت واحد‬ ‫بل واحد يدين ي�شرب والثاين يرفع ر�أ�سه‪ ،‬وقد‬ ‫ي�صل عدد اللباج �إىل ثالثني البجي ًا‪ ،‬ويف هذه‬ ‫احلالة يكون التق�سيم على ثالث جمموعات كل‬ ‫ع�شرة تنزل مالبيجهم يف وقت واحد يف �ضربات‬ ‫متتالية جتذب النا�س للم�شاهدة واال�ستمتاع يف‬

‫�صف دائري على اجلرين‪ ،‬ولأن �ضربات املالبيج‬ ‫مع �أ�صوات اللباج تكون نوتة مو�سيقية‪ ،‬ف�إذا دخل‬ ‫بينهم البجي غري متمر�س يكون �صوت ملباجه‬ ‫ن�شاز فيخاطبونه بقولهم‪:‬‬ ‫�أيهم �آها‬ ‫حلقوا دقنه‬ ‫من غيرّ ْ ها‬ ‫وك �م��ا ي� ��ردد ال� � ��زراع م���ص�ط�ل�ح��ات حتكم‬ ‫النوتة املو�سيقية يف امل��راح��ل ال�سابقة مثل‬ ‫«ول��ودي��ة»«� �ش��ارق �ي��ة» وغ�ي�ر ذل��ك مم��ا �سبق‬ ‫�إي�ضاحه ف�إن امل�صطلح الذي يردد بعد كلمات‬ ‫اللبيج هو «هيه» هكذا‪:‬‬ ‫عونك عوين ‪ /‬هيه‬ ‫يا بلعوين ‪ /‬هيه‬ ‫وطلي بوين ‪ /‬هيه‬ ‫لك يا عوين ‪ /‬هيه‬ ‫والالبجي دائما ميتلئ ج�سمه حماط ًا فيكون وجهه‬ ‫�أبي�ض من احلماط ويعلق احلماط ب�شعر �شنبه‬ ‫و�شعر م�شاعف عيونه‪ ،‬واحلماط مادة تخرج من‬ ‫بني الروة‪ ،‬في�ؤثر على اجللد حتى يظل ال�شخ�ص‬ ‫يحك ج�ل��ده م��ن ت��أث�ير احل �م��اط‪ ،‬ل�ه��ذا فدائم ًا‬ ‫يذبحون للباج الذرة طاير دجاج «�شقري» معتقدين‬ ‫�أن م��رق ال�شقري يقاوم فعل احلماط‪ ،‬ليتغدوا‬ ‫مبرق ويهتموا بهم فيقال‪ :‬معنا لباج اذبحوا لنا‬ ‫�شقري‪ .‬و�أثناء التعوي�ش يهجلوا مرددين‪:‬‬ ‫من مرق الطاير خلوا يل‪ /‬خلو يل‬ ‫ميحط حلويل‪ /‬خلوا يل‬ ‫وبعد اللبيج تبد�أ مرحلة ال ُعوا�ش لإبعاد القرعل‬ ‫من و�سط الذرة امللبوجة بوا�سطة الزرب حيث‬ ‫يتم �سحب القرعل على جنب وكلما نظفت الذرة‬ ‫من الأعلى قلبت لتظهر القرعل التي حتتها‪،‬‬ ‫وهكذا حتى ت�صبح �أبلة الذرة �صافية من القرعل‬ ‫متهيدا للفقول‪ .‬ومن مهاجل العوا�ش قولهم‪:‬‬ ‫يا عُوا�شة يا عُوا�شة‬ ‫حلم الوعل بني �أكرا�شه‬ ‫يا معو�شة يا معو�شة‬ ‫طائر ن�شر من مغو�شه‬ ‫بني املطر والهنط�شة‬


‫في حضرة الشعر‬ ‫‪100‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫مارس‬ ‫‪2013‬‬

‫تتالءم مع طبيعة ال�صحراء يف و�ضوحها‬

‫ميمية الحطيئة ‪..‬‬

‫متواليات سردية تقود القارئ إلى اإلشباع‬ ‫د‪ .‬عايدي على جمعة‬ ‫يقول احلطيئة‪:‬‬

‫وطاوي ثالثٍ عا�صبِ البطنِ مرمـلٍ‬ ‫ببيدا َء مل يعـرف بها �ساكنُ ر�سما‬ ‫إن�س وح�شــ ُة‬ ‫�أخي جفو ٍة فيه من ال ِ‬ ‫نعمى‬ ‫يرىَ الب� َؤ�سفيـها‪،‬من�شرا�ست ِه َ‬ ‫�شعب عجوزاً �إزاءهــا‬ ‫و�أفرد يف ٍ‬ ‫ث �ل�اث � � ُة �أ�� �ش� �ب ��اح ت �خ��ال �ه � ُم ب�ه�ـ�م��ا‬ ‫ُحفا ُة ُعرا ُة ماً اغتذوا خب َز َمـــل ٍة‬ ‫وال عرفوا للبـُ ِّر – ُمذ خلقوا –طعما‬ ‫ر�أىَ �شبحاً و�سط الظال ِم فراع ُه‬ ‫ف � ّل �م��ا ب� ��داَ ��ض�ي�ف�اً ت���ش� ّم��ر واه �ت � ّم��ا‬ ‫وقال‪ :‬هيا ّرباه‪� ،‬ضيف وال ِقـرىَ ؛‬ ‫بحق َِك ال حترمه تا الليل َة اللحما‬ ‫وقا َل ابنه ملا ر�آه بحـري ٍة‬ ‫�أي��ا �أب ��تِ ‪ ،‬اذبحني وي�سر ل��ه طعـما‬ ‫وال تعتذر بال ُعد ِم‪ ،‬ع َّل الذي طـرا‬ ‫ي� �ظ ��نُّ ل �ن��ا م � ��ا ًال ف �ي��و� �س �ع �ن��ا ذم �ـ ّ��ا‬ ‫فر ّوىَ قلي ً‬ ‫ال ثم �أحجم برهـ ًة‬ ‫و�إن ه��و مل ي��ذب��ح ف �ت��ا ُه ف�ق��د هما‬ ‫على ال ُبع َد عـانة‬ ‫فبينا هُ ما عنّت َ‬ ‫قـدانتظمتمن ِ‬ ‫خلفم�سحلهانظما‬ ‫عطا�شا تري ُد املا َء فان�ساب نحوها‬ ‫ع�ل��ى �أ ّن� ��ه م�ن�ه��ا �إىل دم �ه��ا �أظ �م��ا!‬

‫حتى تر ّوت عطا�شها‬ ‫ف�أمهلها َ‬ ‫ف ��أر� �س��ل ف�ي�ه��ا م��ن ك �ن��ان �ت � ِه �سهما‬ ‫جح�ش �سمينة‬ ‫فخ َّرت نحو�ص ذات‬ ‫ٍ‬ ‫قد اكتنزت حلماً وقد ط ّبقت �شحما‬ ‫فيا ب�شر ُه �إ ْذ ج ّرها نحو �أهل ِه‬ ‫يدمى‬ ‫وي��ا ب�شرهم ملّ��ا ر�أوا كلمهـا‬ ‫َ‬ ‫وباتوا كرِاماً قد ق�ضوا حق �ضيفهم‬ ‫وما غرموا ُغرماً وقد غنموا غنما‬ ‫وبات �أبوهم من ب�شا�شت ِه �أبــاً‬ ‫ل�ضيفهم والأم م�ـ��ن ب�شرهــا �أم��ا‬ ‫ي�ب��دو ال�سرد ذا هيمنة وا�ضحة يف هذه‬ ‫الق�صيدة لل�شاعر املخ�ضرم‪ ،‬ج��رول بن‬ ‫�أو���س‪ ،‬الذى يكنى بـ « �أبو مليكة »‪ ،‬ويلقب‬ ‫باحلطيئة‪ ،‬ون�سق ال�سرد املعتمد هنا هو‬ ‫ن�سق ال�سرد املحكم‪ ،‬الذى يعتمد املنطقية‬ ‫والو�ضوح‪ ،‬عن طريق الربط بني املتواليات‬ ‫ال�سردية‪ ،‬في�سلم بع�ضها �إىل بع�ض‪ ،‬وهذا‬

‫مثّلت الفجوات بين‬ ‫المتوالياتالسردية‬ ‫أهمية بالغة في الدفع‬ ‫باألحداث إلى األمام‪،‬‬ ‫فالمتلقي يجد نفسه‬ ‫محم ً‬ ‫ال بأسئلة جوهرية‬ ‫بعد كل متوالية سردية‬

‫يتالءم مع طبيعة ال�صحراء يف و�ضوحها‪.‬‬ ‫وقد كان للمتواليات ال�سردية التي ي�سلم‬ ‫بع�ضها �إىل بع�ض دور وا�ضح يف التمدد‬ ‫الرتكيبي للن�ص وانت�شاره‪ ،‬حيث ظلت هذه‬ ‫املتواليات ال�سردية غري م�شبعة للمتلقي‪،‬‬ ‫حتى و�صلت به �إىل نهاية الق�صيدة فحدث‬ ‫الإ�شباع لدى املتلقي‪ ،‬وقرت عينه مبا تلقاه‬ ‫من متواليات �سردية‪ ،‬فوجدت الق�صيدة‬ ‫مربر ًا لنهايتها‪.‬‬ ‫وق��د كانت للفجوات ـ �أو ما يثار يف ذهن‬ ‫املتلقي ـ بعد كل متوالية �سردية �أهمية بالغة‬ ‫يف الدفع بالأحداث �إىل الأمام‪ ،‬لأن املتلقي‬ ‫يجد نف�سه حمم ًال ب�أ�سئلة جوهرية بعد كل‬ ‫متوالية �سردية‪ ،‬ثم ت�أتى املتوالية ال�سردية‬ ‫التالية لتجيب على ال�س�ؤال ال��ذى يثار يف‬ ‫ذهن املتلقي‪ ،‬لكنه ال يلبث �أن يثار �س�ؤال‬ ‫�آخر نتيجة لوجود هذه املتوالية ال�سردية‬ ‫الأخرى‪ ،‬وهكذا حتى ن�صل مع ال�سارد �إىل‬ ‫نهاية الق�صيدة فتقر �أ�سئلة املتلقي �إىل حد‬ ‫معقول‪ ،‬وبذا ت�صل الق�صيدة �إىل نهايتها‪.‬‬ ‫فمثال املتوالية ال�سردية «فلما ر�أى �ضيفا»‬ ‫ت�ستدعى �س�ؤاال من املتلقي وهو « ماذا فعل‬ ‫حينما ر�أى هذا ال�ضيف؟» فت�أتى املتواليتان‬ ‫ال�سرديتان التاليتان« ت�ش ّمر واهتما»‪ ،‬ثم ال‬ ‫يلبث �أن يثور �س�ؤال يف ذهن املتلقي وهو«‬ ‫ماذا قدم لهذا ال�ضيف؟» لكن املتواليات‬ ‫ال�سردية التالية تبني الفقر ال�شديد الذى‬


‫خالل ا�ستخدام ال�ضمري الثالث « هو » يف‬ ‫هذا الن�ص‪.‬‬ ‫وهذا النوع من اال�ستخدام ي�ؤ�س�س لنوع من‬ ‫احليادية‪ ،‬مما ي�ساهم يف ظهور املو�ضوعية‬ ‫بو�ضوح‪ ،‬لأنه يتخذ م�سافة من احلكي‪.‬‬

‫عليه بطل ه��ذه الق�صيدة‪ ،‬وهكذا ت�سلم‬ ‫املتواليات ال�سردية بع�ضها �إىل بع�ض ـ‬ ‫م�ستعينة بالعطف والأفعال ـ حتى ت�صل �إىل‬ ‫ذروة احلدث حينما يهم هذا البطل بذبح‬ ‫االب��ن‪ ،‬ثم مت�ضى املتواليات ال�سردية بعد‬ ‫ذلك حتى تنفرج الأزمة متام ًا‪.‬‬ ‫وك��ان ال���س��ارد اخلفي ه��و الن�سق املعتمد �شخ�صيات الق�صيدة‬ ‫هنا‪ ،‬وال�سارد اخلفي هو الذى ال ي�شتبك مع �أم ��ا ع��ن ال�شخ�صيات فيها ف��إن�ن��ا جند‬ ‫الأحداث‪ ،‬و�إمنا ينقل ما حدث‪ ،‬وقد بدا من �شخ�صيات �إن���س��ان�ي��ة و�شخ�صيات غري‬

‫�إن�سانية‪ ،‬وكل �شخ�صية كان لها �إ�سهامها‬ ‫يف هذه الق�صيدة‪.‬‬ ‫ف �ه �ن��اك �شخ�صية ال �ب �ط��ل ال� ��ذى يتميز‬ ‫باجلفاء ال�شديد والفقر املدقع‪ ،‬لكنه يحمل‬ ‫�سمات ذات قيمة �إن�سانية ع��ال�ي��ة‪ ،‬مثل‬ ‫�سمة الكرم والب�شا�شة يف وجه ال�ضيف مبا‬ ‫ي�شعره ب�أنه �أب له‪ .‬كما �أن��ه يتميز بحالة‬ ‫من الإميان الفطري باهلل �سبحانه وتعاىل‪،‬‬ ‫وقد بدا ذلك من خالل جلوئه �إىل اهلل ب�أال‬


‫في حضرة الشعر‬ ‫‪102‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫مارس‬ ‫‪2013‬‬

‫يحرم �ضيفه اللحم‪ .‬وتبدو مرحلته العمرية‬ ‫متقدمة �إىل ح��د م��ا‪ ،‬وق��د ب��دا ذل��ك من‬ ‫خالل ت�صويره ك�أنه �أب لل�ضيف يف نهاية‬ ‫الق�صيدة‪.‬‬ ‫وحالته ال�صحية تبدو جيدة‪ ،‬وقد بدا ذلك‬ ‫من خالل قدرته على ال�صيد‪ ،‬وحركته يف‬ ‫اجتاه هذا ال�سرب من القطيع الوح�شي‪.‬‬ ‫كما �أنه ميتلك املهارة يف الرمي بال�سهام‪،‬‬ ‫مما ميثل �سمة وا�ضحة لبيئته التي كان‬ ‫الرمي بال�سهم فيها يكت�سب �أهمية خا�صة‬ ‫عند �أبنائها‪.‬‬ ‫كما يتميز ب�ن��وع م��ن امل�ك��ر يف ال���ص��راع‪،‬‬ ‫لأنه مل يتعجل �أمره يف �إطالق ال�سهم من‬ ‫كنانته‪ ،‬رغم لهفته ال�شديدة للح�صول على‬

‫هذا ال�صيد‪ ،‬لأنه بالن�سبة له م�س�ألة حياة‬ ‫�أو م��وت‪ ،‬فقد ك��ان ابنه منذ قليل عر�ضة‬ ‫للذبح‪ ،‬لكن مهارته وم�ك��ره ي�سعفانه يف‬ ‫حتقيق مطلبه‪.‬‬ ‫�أم��ا م�لاحم��ه اجل�سدية ففيها ��ش��يء من‬ ‫النفور‪ .‬كما �أن��ه �شخ�صية �إيجابية‪ ،‬لأنه‬

‫كان للبنية المكانية‬ ‫للقصيدة أكبر األثر في‬ ‫رسم مالمح الشخصيات‬ ‫وتحديد طبيعة العالقات‬ ‫فيما بينها‪ ،‬كما ساعدت‬ ‫«الزمكانية» القارئ في‬ ‫تخيل األحداث‬

‫مل ي�ست�سلم لعوزه الوا�ضح �أمام ال�ضيف‪،‬‬ ‫بل �سعى بكل الو�سائل من �أجل تغيري واقع‬ ‫فقره‪ ،‬حتى يقدم ل�ضيفه طعام ًا‪ ،‬وقد جاء‬ ‫هذا ال�سعي عن طريق الدعاء هلل �سبحانه‬ ‫وت�ع��اىل ب ��أال ي�ح��رم ه��ذا ال�ضيف اللحم‪،‬‬ ‫ومرة ثانية عندما هم بذبح ولده كي يفي‬ ‫ب�ه��ذه امل�ه�م��ة‪ ،‬وف��ى امل��رة الثالثة‪ ،‬حينما‬ ‫انطلق كال�سهم وا�صطاد ما يفي مبهمته‬ ‫ال�شاقة يف �إكرام هذا ال�ضيف‪ ،‬وفى املرة‬ ‫ال��راب�ع��ة حينما �أ�سبغ م��ن ب�شا�شته على‬ ‫�ضيفه ما جعله ي�شعر ب�أبوته احلانية‪.‬‬ ‫وهو �شخ�صية رغم افتتان ال�سارد املحايد‬ ‫يف ت�صوير جوانب النفور منه‪ ،‬ف�إنه ال يعدم‬ ‫�سمة التعاطف معه‪ ،‬لأن �سماته الإن�سانية‬ ‫تر�شحه لهذا التعاطف‪.‬‬ ‫وهناك �شخ�صية الزوجة التي تتحمل �آالم‬ ‫العي�ش و�شظفه مع زوجها‪ ،‬وهى يف مرحلة‬ ‫عمرية متقدمة‪ ،‬وقد ظهر ذلك من خالل‬ ‫و�صفها بكلمة «ع �ج��وز»‪ ،‬و�إن ك��ان��ت هذه‬ ‫املرحلة العمرية لي�ست مغرقة يف التقدم‪،‬‬ ‫لأن �أوالده��ا مازالوا يف مرحلة الطفولة‪،‬‬ ‫وهذا ال يكون مع املر�أة املغرقة يف التقدم‬ ‫العمرى‪.‬‬ ‫كما �أنها تتميز ب�سمات �إن�سانية عالية‪،‬‬ ‫وذل���ك ح�ين �أ� �س �ب �غ��ت ع �ل��ى ال���ض�ي��ف من‬ ‫م�شاعر الأمومة ما جعله ي�شعر ب�أنه ابن‬ ‫لها‪.‬‬ ‫كما �أنها تعي�ش مع ه��ذا ال�شخ�ص املدقع‬ ‫الفقر يف طم�أنينة وا�ست�سالم مل�صريها‪،‬‬ ‫وطاعة له‪ .‬وهى على مدار الق�صيدة كلها‬ ‫مل ينطقها ال�سارد املحايد ب�أي قول‪.‬‬ ‫وهناك �أي�ضا �أطفال ثالثة اف�تن ال�سارد‬ ‫املحايد يف و�صف ما يالقونه من �شظف‬ ‫العي�ش‪ ،‬ومل ينطقهم ذلك ال�سارد املحايد‬ ‫ب��أي قول �إال واح��د ًا منهم فقط ‪ ،‬فبدا يف‬ ‫قوله يحمل رجولة مبكرة‪ ،‬و�شهامة زائدة‪،‬‬ ‫وذل��ك حينما عر�ض على �أبيه �أن يذبحه‬ ‫م��ن �أج��ل �إك ��رام ال�ضيف‪ ،‬وح�ف��اظ� ًا على‬ ‫�سمعة �أ��س��رت��ه‪ .‬ومالحمهم اجل�سدية يف‬ ‫حالة هزال �شديد‪ ،‬لأنهم «ما اغتذوا خبز‬ ‫ملة» على حد قول ال�سارد املحايد‪.‬‬


‫وهناك �أي�ضا �شخ�صية ال�ضيف الطارئ‪،‬‬ ‫ال��ذى ت�سبب يف حت��ري��ك الأح� ��داث بقوة‬ ‫فائقة‪ ،‬وعلى الرغم من �أن ال�سارد املحايد‬ ‫مل ينطقه بكلمة واح��دة‪ ،‬ف��إن ت�أثريه يعد‬ ‫�أكرب ت�أثري يف هذه الق�صيدة‪ ،‬ب�سببه قامت‬ ‫ه��ذه الق�صيدة‪ .‬كما �أن ال�سارد املحايد‬ ‫مل يطلق ا��س�م� ًا ع�ل��ى �أي ��ة �شخ�صية من‬ ‫�شخ�صيات ق�صيدته‪.‬‬ ‫�أم���ا ع��ن ال���ش�خ���ص�ي��ات غ�ير الإن���س��ان�ي��ة‬ ‫فتبدو من خ�لال ه��ذا القطيع من احلمر‬ ‫الوح�شية‪ ،‬ال�ت��ي انتظمت خلف كبريها‬ ‫قا�صدة امل��اء كي ترتوى‪ .‬وقد �أ�سهم هذا‬ ‫القطيع يف حل العقدة‪ ،‬وذلك حينما وقعت‬ ‫واحدة منه �ضحية لبطل هذه الق�صيدة‪.‬‬

‫ال��ب��ن��ى ال��زم��ان��ي��ة وامل��ك��ان��ي��ة‬ ‫واحلوارية‬

‫�أم��ا ع��ن البنية املكانية فقد ج�� � � � ��اءت‬ ‫دائ ��رت� �ه ��ا ال ��وا�� �س� �ع ��ة يف‬ ‫ال �� �ص �ح��راء ال�شا�سعة‪،‬‬ ‫ودائ��رت �ه��ا ال���ض�ي�ق��ة يف‬ ‫ب �ي��ت ب �ط��ل ال �ق �� �ص �ي��دة‪،‬‬ ‫امل� ��وج� ��ود م� �ن� �ف ��ردا يف ه��ذه‬ ‫ال�صحراء امل�ترام�ي��ة‪ .‬وق��د كان‬ ‫لوجود ه��ذه البنية املكانية �أكرب‬ ‫الأث��ر يف ر�سم مالمح ال�شخ�صيات‬ ‫املوجودة يف هذه الق�صيدة‪ ،‬وطبيعة‬ ‫العالقات فيما بينها‪ ،‬كما �أنها �ساعدت‬ ‫القارئ يف تخيل ما حدث‪.‬‬ ‫وقد بدت البنية الزمانية مغرقة يف �إثارة‬ ‫الرتقب واخلوف‪ ،‬وذلك من خالل اتخاذ‬ ‫الليل ظرفا تقع فيه �أحداث هذه الق�صيدة‬ ‫‪ .‬وقد جاء الف�ضاء الزمنى لهذه الق�صيدة‬ ‫يف �أول الليل‪ ،‬ثم امتد لي�شمل باقي هذه‬ ‫الليلة‪ ،‬وذلك حينما بات البطل �أب� ًا لهذا‬ ‫ال�ضيف‪ ،‬والأم من ب�شرها �أم � ًا‪ .‬كما �أننا‬ ‫جند �سمة التوافق الزمنى ـ مبعنى مطابقة‬ ‫احلكي للزمن ـ هي ال�سمة الغالبة على هذه‬ ‫الق�صيدة‪.‬‬ ‫ومن احت��اد املكان بالزمان‪� ،‬أو ما ي�سمى‬

‫لعبتالمتواليات‬ ‫السردية دور ًا في التمدد‬ ‫التركيبي للنص وانتشاره‬ ‫حيث ظلت غير مشبعة‬ ‫للمتلقي حتى وصلت‬ ‫به إلى نهاية القصيدة‬ ‫فحدث اإلشباع‬

‫وعلى املتلقي �إن�ت��اج ال�صوت الآخ��ر‪ .‬من‬ ‫خالل بنية الن�ص ذاتها‪.‬‬ ‫فحينما ي�ن�ق��ل ال �� �س��ارد امل �ح��اي��د ��ص��وت‬ ‫االبن طالب ًا من �أبيه �أن يذبحه‪ ،‬ويحاول‬ ‫�إقناعه بذلك‪ ،‬ال ينقل لنا ال�سارد املحايد‬ ‫�صوت الأب وهو يرد عليه‪ ،‬وعلى املتلقي‬ ‫بالزمكانية تكت�سب ال�شخ�صيات �أبعاد ًا‪� ،‬أن يحاول �إنتاج هذا ال�صوت‪ ،‬من خالل‬ ‫املتواليات ال�سردية التي نه�ضت بت�صوير‬ ‫وي���س�ت�ط�ي��ع امل�ت�ل�ق��ي ت�خ�ي��ل م��ا ح ��دث من‬ ‫حالة الأب‪ ،‬وذلك يف قوله‪:‬‬ ‫�أحداث‪.‬‬ ‫ف��روى قلي ً‬ ‫ال ث��م �أح�ج��م برهة‬ ‫كما �أن البنية احل��واري��ة ال نعدمها هنا‪،‬‬ ‫و�إن ه��و مل ي��ذب��ح ف�ت��اه ف�ق��د هما‬ ‫وذلك من خالل ا�ستدعاء ال�سارد املحايد‬ ‫لدعاء الأب‪ ،‬وخطاب االب��ن ل�ل�أب طالب ًا‬ ‫منه �أن يذبحه‪ ،‬وي�ك��رم ال�ضيف حتى ال وه �ن��ا ي �ب��دو ال �ت �ن��ا���ص ب��و� �ض��وح يف ه��ذه‬ ‫الق�صيدة حني يتنا�ص موقف االبن والأب‬ ‫يتعر�ض للذم‪.‬‬ ‫من ق�صة ذبح االبن مع موقف �شهري جدا‬ ‫لكن هذه البنية احلوارية ي�ساهم املتلقي‬ ‫هم �إبراهيم‬ ‫يف �إنتاجها لأنها تبدو من ط��رف واح��د‪ ،‬يف ال�تراث الإ�سالمي‪ ،‬حيث ّ‬ ‫عليه ال�سالم ب��ذب��ح ول��ده �إ�سماعيل جد‬ ‫العرب طاعة لر�ؤيا ر�آها‪،‬‬ ‫م���ض�م��ون�ه��ا �أن� ��ه ي��ذب��ح‬ ‫ول� � ��ده‪ ،‬ف� �ج ��اء م��وق��ف‬ ‫االب� � ��ن ع� �ل ��ى م �� �س �ت��وى‬ ‫احل ��دث‪ ،‬وذل��ك ح�ين قال‬ ‫«ي���ا �أب� ��ت اف��ع��ل م ��ا ت ��ؤم��ر‬ ‫�ستجدين �إن ��ش��اء اهلل من‬ ‫ال�صابرين»‪.‬‬ ‫وق��د ك��ان �إن �ق��اذ �إب��راه �ي��م عليه‬ ‫ال�سالم من الذبح من خالل كب�ش‬ ‫عظيم ف��داه اهلل �سبحانه وتعاىل به‪.‬‬ ‫وهنا جاء فداء االبن من الذبح من خالل‬ ‫�أتان ا�صطادها وال��ده‪ .‬كما �أن ق�صة عبد‬ ‫املطلب م��ع اب�ن��ه عبد اهلل وال��د الر�سول‬ ‫الكرمي تطل بو�ضوح �أي�ضا‪ ،‬فقد نذر عبد‬ ‫املطلب �أن يذبح �أحد �أوالده‪� ،‬إذا رزقه اهلل‬ ‫�سبحانه وتعاىل بع�شرة �أوالد‪ ،‬وقد جاءت‬ ‫القرعة على عبد اهلل �أح��ب �أبنائه �إليه‪،‬‬ ‫وقد مت فداء عبد اهلل مبائة من الإبل‪.‬‬ ‫كما تنعك�س البنية االجتماعية بو�ضوح يف‬ ‫هذا الن�ص لل�شاعر املخ�ضرم احلطيئة‪،‬‬ ‫فيبدو التكري�س ال�شديد ل�سمة الكرم يف‬ ‫هذه البيئة ال�صحراوية القا�سية‬


‫‪104‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫سيمياء‬

‫هوى الحسد ‪..‬‬ ‫في الثقافة‬ ‫المجتمعية‬

‫عائ�شة الدرمكي‬

‫باحثة يف الأل�سنيات ‪� -‬سلطنة عمان‬

‫‏‪aishaaldarmaki@hotmail.com‬‬

‫�إن‬

‫ع��امل ال�ظ��واه��ر �أو م��ا ي�سمى‬ ‫ب ��ال� �ع ��امل ال �ت �ج��ري �ب��ي م �ت��اح‬ ‫للمعرفة الإن�سانية املركبة من خالل‬ ‫احلد�س واحل�س واملعرفة العامة؛ �إ َّال‬ ‫�أن العامل مليء باملعارف فوق الطبيعية‬ ‫كلها �أو ج��زء منها‪ ،‬وه��ي معارف غري‬ ‫ح�سية يف ج��وه��ر �إدراك� �ه ��ا يف كونها‬ ‫كينونات معرفية ميتافيزيقية ‪ ،‬ولقد‬ ‫ان�شغل �سيميائيات الأه ��واء كما َّ‬ ‫ب�شر‬ ‫بها «جرميا�س» بالوجود الكيفي للذات‪،‬‬ ‫�أي «ما يعود �إىل ع��وامل الكينونة»‪� ،‬إ َّال‬ ‫�أن��ه ال ميكن ا�ستيعاب مقولة «كيفيات‬ ‫الكينونة» �إ َّال من خالل ا�ستح�ضار جوهر‬ ‫اال�ستهواء �أي «ما يدفع نحو‪ ،»...‬وهو‬ ‫�أمر يتعلق بتخ�صي�ص ال ُهوية العاطفية‬ ‫للعامل «�أه ��واء ال ��ذات»‪ ،‬التي �ستطفو‬ ‫تدريجي ًا �ضمن م�سارين ا�ستهوائيني‬ ‫هما التوليدي والتوتري ‪.‬‬ ‫ولأن ال�ع��امل يتح َّول �إىل معنى – �إىل‬ ‫لغة – من خالل اجل�سد املد ِرك ‪ ،‬ومن‬ ‫خالله تُ�ستبطن اال�ستنباهات الربانية‬ ‫– على ح��د تعبري ج��رمي��ا���س‪-‬؛ ف��إن‬ ‫اجل�سد باعتباره منط ًا يف التفكري «على‬ ‫اع�ت�ب��ار الق�صدية» يجمع ب�ين ال��واق��ع‬ ‫واخليال �أو بني املُدرك وامليتافيزيقي ‪،‬‬ ‫ولذلك ف�إن مثل هذه املو�ضوعات تكون‬ ‫يف ال�ع��امل الطبيعي بو�صفها عالمات‬ ‫تتحول بفعل الآثار التي حتدثها ح�سي ًا‬ ‫�إىل ��س�م��ات وم �ق��وم��ات وم��و��ض��وع��ات‬ ‫ملدلول «اللغة» على امل�ستوى ال��داليل ‪،‬‬ ‫كما هو احلال يف الأه��واء ذات الطابع‬ ‫امليتافيزيقي ؛ كاحلب والكره واحل�سد‬ ‫والغرية ‪ ،‬وغريها ‪ .‬ولعل الكثري من تلك‬ ‫الأهواء تعر�ضت للتعريف �أو التحليل �أو‬ ‫التف�سري ‪ ،‬ويظل هوى «احل�سد من بني‬ ‫تلك الأه��واء التي مل حتظى باالهتمام‬

‫الكبري على م�ستوى الدرا�سات ‪ ،‬على‬ ‫الرغم من �أنه كونه من الأهواء املهمة‬ ‫ع�ل��ى امل���س�ت��وى املجتمعي ال�شفاهي ؛‬ ‫فهو م��ن الأه���واء ال�ت��ي تتح َّو م��ن كون‬ ‫ميتافيزيقي غري مدرك �إىل ح�سي ‪.‬‬ ‫�إن الأمر الذي يجعل من هوى «احل�سد»‬ ‫يتح َّول من هوى معنوى ميتافيزيقي �إىل‬ ‫ح�سي هو «اال�ستنباه اخلارجي»؛ الذي‬ ‫يرتبط بعالقة الإن�سان بعامله اخلارجي‬ ‫م ��ن ح �ي��ث و� �ص �ف��ه ك���ون م ��ن ال �� �ص��ور‬ ‫الب�صرية يوفرها املعطى املو�ضوعي‬ ‫للذات املدركة ب�صري ًا ‪ ،‬ولذلك ف�إن هذا‬ ‫اال�ستنباه ه��و معطى خ��ارج��ي متام ًا‪،‬‬ ‫�سي�شتغل ع�بر االن �� �س �ج��ام االن�ف�ع��ايل‬ ‫على م�ستوى ه��ووي عميق وي��رت��د نحو‬ ‫«اجل�سد» ‪.‬‬ ‫يف هذا املقال �سنتحدث عن ذلك الهوى‬ ‫ال��ذات��ي خ�لال حماولة الإح��اط��ة بهوى‬ ‫بيذاتي ي�شتمل على ثالثة ممثلني هم؛‬ ‫احلا�سد‪ ،‬واملو�ضوع ‪ ،‬واملح�سود ‪.‬فالكون‬ ‫الهووي هنا خا�ص بفرد بعينه «حا�سد»‪،‬‬ ‫لبناء �أك���وان ه��ووي��ة ف��ردي��ة ‪� ،‬ستمثل‬ ‫عند ارتباطها بـ«املو�ضوع» و«املح�سود»‬ ‫متظهر ًا يجمع بني الثيمات واملح�سنات‬ ‫الهووية ‪ ،‬باعتبارها ا�ستمرارية ل ُعدة �أو‬ ‫ُع��دد كيفية تنت�شر جتلياتها ال�صورية‬ ‫املميزة يف و�ضعيات ن�صية حمددة ‪.‬‬ ‫وعليه ف ��إن ه��وى احل�سد هنا �سي�شكل‬ ‫خ �ط��اب � ًا ب �� �ص��ري � ًا ق��ائ �م � ًا ع �ل��ى «ح��ال��ة‬ ‫اجل�سد ‪ /‬املح�سود»‪ ،‬و«مو�ضوع احل�سد»‬ ‫و«احلا�سد» ليكون التوا�صل الب�صري‬ ‫بني «حالة» و«حالة» ؛ �أي «حالة اجل�سد‬ ‫‪ /‬املح�سود» و«ح��ال��ة احلا�سد» ‪ ،‬وهي‬ ‫مت �ث��ل وج���ود ك ��وين من�سجم مت��ام � ًا ‪،‬‬ ‫لي�شكل «املو�ضوع» حالة تو�سط بينهما‪،‬‬ ‫وه��ي ح ��االت ان���س�ج��ام ق��اب�ل��ة للتوهج‬


‫سيمياء‬

‫االنفعايل ب�صري ًا ‪ ،‬على �أن تكون الذات احلا�سدة م�ؤهلة‬ ‫للتوهج االنفعايل للمو�ضوع من ناحية وللج�سد من ناحية‬ ‫�أخرى يف �سياق مالئم لتكوين ذلك التوهج‪.‬‬ ‫وعلى غ��رار ما يتحدث عنه «لو�سركل» يف حديثه عن‬ ‫«عنف اللغة» يف ال�صراخ والأمل ‪ ،‬وعنف امل�شاعر والغ�ضب‬ ‫وال�شعور بالذنب ‪ ،‬ف�إننا �سنتحدث بالإ�ضافة �إىل ذلك عن‬ ‫«عنف الب�صر» ؛ فهوى احل�سد يجمع بني «عنف اللغة»‬ ‫التلفظي و«عنف الب�صر» – على الرغم من كون الب�صر‬ ‫لغة‪ -‬باعتبار �أن اجتماعهما هنا �سي�شكل عنف ًا م�ؤمل ًا ذا‬ ‫طبيعة ج�سدية ‪ ،‬وهو توا�صل ير�سخ العالقة االنفعالية‬ ‫بني اجل�سد «املح�سود» و«احلا�سد» خالل «املو�ضوع» ‪.‬‬ ‫فالب�صر يف هذا التوا�صل االنفعايل ُ‬ ‫ي�شكل ُ�سنن ًا �إدراكية‪،‬‬ ‫�إ َّال �أن ه��ذه ال�سنن ال ت��دل �إ َّال �إذا �أدجم ��ت يف �سياق‬ ‫ملفوظمعني – كما يقول �أمربتو �إيكو يف «�سيميائيات‬ ‫الأن�ساق الب�صرية»‪ ،‬وهو ما يجعلها ذات دالالت ت�أويلة‬ ‫متنامية ‪ ،‬وهذا يجعلنا نقول �أن هذه ال��دالالت لن تدل‬ ‫ع��ادة على ال��دالالت نف�سها يف كل مرة على الرغم من‬ ‫توفر ال�سياقات نف�سها �إ َّال �أنها �سرتتبط بطريقة مالزمة‬ ‫بحالة «ال ��ذات احل��ا��س��دة» وم��دى توهجها االنفعايل ؛‬ ‫فالنظر �أو التحديق �إىل «ج�سد» م��ا ق��د ال ي���ؤدي �إىل‬ ‫الدالالت نف�سها لدى النا�س كلهم ‪ ،‬و�إمنا لدى «احلا�سد»‬ ‫وحده �ضمن مو�ضوع معني ‪.‬‬ ‫ولأن «العني حق»كما قال عليه ال�صالة وال�سالم «حديث‬ ‫‪� 5740‬صحيح البخاري» ‪ ،‬ف�إن هذا يعني بح�سب تف�سري‬ ‫الأنباري �أن ؛ الإ�صابة بالعني ثابت موجود ‪� ،‬أو هو من‬ ‫جملة ما حتقق كونه‪ .‬وه��ذا التحقق من وج��ود «العني»‬ ‫ب�شكل قاطع من الناحية الدينية يجعلنا نحيل ذلك �إىل‬ ‫الإط�ل�اق من حيث �إط�لاق وج��ود «ذوات حا�سدة»‪� ،‬إ َّال‬ ‫�أن��ه لي�س هناك من �إجماع وا�ضح على خ�صائ�ص تلك‬ ‫ال ��ذوات يف كونها ذوات ه��ووي��ة ‪ ،‬كما �أن��ه لي�س هناك‬ ‫�إح��ال��ة �إىل ال�ك��ون ال�ه��ووي الق�صدي �أو غ�ير الق�صدي‬ ‫الذي يحدد �شرط �إمكان االختزال الفنومنولوجي‪ ،‬حيث‬ ‫يظهر املو�ضوع بو�صفه ما ُيق�صد �إليه ‪� ،‬أي مقابل مبا�شر‬ ‫لل�شعور – كما يقول �سارتر يف «نظرية االنفعاالت» ‪ ،‬الذي‬ ‫�سيت�سبب باحل�سد عرب املو�ضوع ‪ ،‬و��ص��و ًال �إىل اجل�سد‬ ‫املح�سود وارتداد الأثر «ال�سلبي» عليه ؛ �إذ يف�سر الأنباري‬

‫وقوع العني ب�أنه «الذي ي�صيب من ال�ضرر بالعادة عند‬ ‫نظر الناظر ‪ ،»...‬وهو تف�سري ظاهر ال يك�شف ُكنه احل�سد‬ ‫م��ن حيث ه��و ه��وى ان�ف�ع��ايل ‪ ،‬فهو كمثله م��ن الأه ��واء‬ ‫االنفعالية ‪ ،‬لي�ست ذات �أب �ع��اد ظ��اه��رة بحيث ميكن‬ ‫تف�سريها ب�سهولة كونها �شعور ذات��ي بالدرجة الأوىل ‪،‬‬ ‫و�إمنا ن�ستطيع تف�سريها �أو ت�أويلها �أو حتليلها من ناحية‬ ‫ال�سلوك والأثر املرتد على الآخر املقابل ‪.‬‬ ‫غ�بر �أن ال�لاف��ت للنظر يف ه��وى «احل���س��د» ارت�ب��اط��ه بـ‬ ‫«ال�ع�ين» بو�صفها ب���ؤرة التلقي الب�صري ‪ ،‬ولعله لهذا‬ ‫ال�سبب �أُطلق لفظ «العني» جماز ًا للداللة على «احل�سد» يف‬ ‫الثقافة العربية على وجه اخل�صو�ص ؛ يقول ابن منظور‬ ‫«العني �أن ت�صيب الإن�سان بعني ‪ .‬وعان الرجل بعينه عينا ‪،‬‬ ‫فهو عائن وامل�صاب معني على النق�ص ومعيون على التمام‬ ‫‪� ،‬أ�صابه بالعني»؛ وهذا يجعلنا نفرت�ض ب�أن الذات ال تكون‬ ‫«حا�سدة» من حيث ال�صفة �إذا كانت غري مب�صرة ‪ ،‬وعليه‬ ‫ميكن افرتا�ض �أن الذات «احلا�سدة» �ستفقد قدرة الهوى‬ ‫«احل�سد» �إذا فقدت الب�صر ! وهي افرتا�ضات قد تثبت‬ ‫�صحتها �أو بطالنها بح�سب املو�سوعة الثقافية لكل جمتمع‬ ‫على حدة ‪� ،‬أو قد تظل عالقة دون و�صول �إىل نتائج حتمية ‪.‬‬ ‫�إن هوى «احل�سد» من حيث هو «مو�ضوع» يجعلنا �أمام م�آل‬ ‫تنام م�ستمر ‪ ،‬وهو من الناحية االجتماعية يو�ضع �أمام‬ ‫يف ٍ‬ ‫حمك «الأخالق» ‪ ،‬وهو حكم ُيظهِ ر �سلوكات هي يف ذاتها‬ ‫حمايدة ‪ ،‬بحيث ميثل التكون لهذا املو�ضوع ا�ستقال ًال عن‬ ‫ذلك الطابع الفطري واملكت�سب له ‪ ،‬باعتباره يحمل جانب ًا‬ ‫من جوانب اال�ستعداد الق ْبلي املفرت�ض الذي تُبنى عليه‬ ‫امل�سارات الهووية ‪ .‬ولأن هذا الهوى يظهر جلي ًا �ضمن‬ ‫املنظومة املجتمعية ‪ ،‬ف�إننا �سنحتاج �إىل درا�سات خا�صة‬ ‫بكينونته يف كل جمتمع على ح��دة ؛ لأن��ه �سي�ستند �إىل‬ ‫تلك املعتقدات التي نظمها املجتمع حول امل�سار الباتيمي‬ ‫لهذا الهوى ‪ ،‬اعتماد ًا على املو�سوعة املجتمعية املتعاقبة‪.‬‬ ‫وعليه �ستت�ضح تلك التحريكات الهووية وال ُعدد العاملية‬ ‫والكيفية اخلا�صة به يف جمتمع بعينه ‪ ،‬وهذا �سينطبق‬ ‫�أي�ض ًا على كل تلك الأهواء التي تعتمد على التوا�صل غري‬ ‫الق�صدي من ناحية وال�شعورية من ناحية �أخرى يف كونها‬ ‫�أهواء حتمل خ�صو�صيات جمتمعية تعك�س ثقافة املجتمع‬ ‫وخ�صائ�صه‬


‫قال الراوي‬ ‫‪106‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫حكاية �شعبية من بالد الترت‬

‫الشيطان وبناته‬ ‫ترجمة ‪ -‬عبد الرحمن اخلمي�سي‬ ‫كان ياما كان رجل يعي�ش فى الدنيا يُدعى �صفاء‪ .‬وذات يوم فكر �أن يطوف بالد اهلل خلق اهلل‪ ،‬فقال لزوجته‪:‬‬ ‫�سوف �أرحل لأعرف كيف يعي�ش النا�س فى بقاع الأر�ض‪.‬‬ ‫خرج الرجل‪ ،‬وظل ي�سري فى طريقه لزمن طال �أم ق�صر‪ ،‬حتى و�صل �إىل �أط��راف الغابة‪ .‬وهناك �شاهد‬ ‫عجوزاً �شريرة م�صا�صة للدماء‪ ،‬تهجم على بجعة تريد قتلها‪ ،‬و�أخذت البجعة تئن وت�صرخ حماولة الإفالت‬ ‫والفرار دون جدوى‪ .‬فقد كانت م�صا�صة الدماء قوية‪ ،‬ف�أحكمت الإم�ساك بها‪.‬‬


‫وقبل شروق الشمس‬ ‫استطاعت الجنيات نقل‬ ‫�أما العجوز ذو اللحية الرمادية‪ ،‬فاختفى كما لو‬ ‫�أ�شفق �صفاء على البجعة البي�ضاء‪ ،‬وانطلق كل المياه إلى مكان‬ ‫نحوها مل�ساعدتها‪ .‬وعندما �شاهدته م�صا�صة آخر‪ ،‬ثم اختفت الجنيات �أنه غا�ص فى باطن الأر�ض‪.‬‬ ‫كان ذلك العجوز هو ال�شيطان عينه‪ ،‬ومل يطلب‬ ‫الدماء ال�شريرة‪ ،‬متلكها اخلوف وفرت هاربة‬

‫تاركة البجعة‪.‬‬ ‫�شكرت البجعة �صفاء على جندته لها‪ ،‬وقالت‪:‬‬ ‫ـ تعي�ش خلف هذه الغابة عند البحرية �شقيقاتى‬ ‫الثالث‪ ،‬و�أود �أن �أعرفك بهن‪ ،‬فاجل�س فوقى‪،‬‬ ‫ولنذهب لزيارتهن!‪.‬‬ ‫جل�س �صفاء فوق ظهر البجعة‪ ،‬وطارت البجعة‬ ‫حملقة به‪.‬‬ ‫حطت البجعة عند �شقيقتها الكربى‪ ،‬وقالت لها‪:‬‬ ‫ـ لقد �أنقذنى ه��ذا الرجل من امل��وت املحقق‪،‬‬ ‫و�أريدك �أن تقدمى له هدية مقابل ما فعله‪.‬‬ ‫قالت ال�شقيقة الأكرب‪:‬‬ ‫ـ فلتمنحه الهدية تلك التى قام بنجدتها‪ ،‬ف�أنا‬ ‫لن �أعطيه �شيئ ًا!‪.‬‬ ‫غ�ضبت البجعة ومل تنطق بكلمة واحدة‪ ،‬وطلبت‬ ‫م��ن �صفاء اجل�ل��و���س ف��وق ظهرها ث��ان�ي��ة‪ ،‬ثم‬ ‫ط��ارت نحو �شقيقتها الو�سطى‪ ،‬وحكت لها ما‬ ‫فعله �صفاء‪ ،‬و�إنقاذه لها من املوت املحقق‪ ،‬ثم‬ ‫طلبت منها �أن متنحه هدية مقابل �صنيعه‪ ،‬لكن‬ ‫ال�شقيقة الو�سطى �أجابتها قائلة‪:‬‬ ‫ـ فلتمنحه الهدية تلك التى �أنقذها!‪.‬‬ ‫�صمتت البجعة ومل تنطق ب�شىء‪ ،‬و�أجل�ست �صفاء‬ ‫فوق ظهرها‪ ،‬وحملته �إىل �شقيقتها ال�صغرى‪.‬‬ ‫ف��رح��ت ال���ش�ق�ي�ق��ة ال �� �ص �غ��رى ب��ال���ض�ي�ف�ين‪،‬‬ ‫وا�ستقبلتهما باحلفاوة وال�سرور‪ ،‬وقدمت لهما‬ ‫الطعام وال�شاى‪ .‬وعندما عرفت �أن �صفاء قد‬ ‫�أنقذ �شقيقتها من املوت‪ ،‬قامت ب�شكره و�أعطته‬ ‫�صندوق ًا هدية له‪ ،‬ثم قالت حمذرة‪:‬‬ ‫ـ احرت�س! وال تفكر فى فتح هذا ال�صندوق و�أنت‬ ‫فى الطريق! ول��و قمت بفتحه ف�سوف ت�صبح‬ ‫تعي�س ًا! فال تفتحه �أب��د ًا �إال عند و�صولك �إىل‬ ‫البيت‪.‬‬ ‫�أم���ض��ى �صفاء وق��ت �ضيافته ل��دى ال�شقيقة‬ ‫ال�صغرى للبجعة‪ ،‬ثم خرج منطلق ًا �إىل بيته‪.‬‬ ‫و�أخذ ي�سري وهو يفكر فى نف�سه‪« :‬ما الذى ميكن‬ ‫�أن يوجد فى هذا ال�صندوق؟ ومل��اذا ال ينبغى‬ ‫على فتحه �أثناء الطريق‪...‬؟»‪.‬‬ ‫َ‬ ‫ظل �صفاء ي�سري وي�سري‪ ،‬حتى متلكه الف�ضول‬ ‫ومل ي�ستطع كبح جماح ف�ضوله‪ ،‬فتوقف وفتح‬

‫ال�صندوق‪ .‬وفى نف�س هذه اللحظة ظهر �أمامه‬ ‫دكان مكتظ ب�أفخر ال�سلع و�أثمنها‪ ،‬ومن خمتلف‬ ‫الأنحاء يرك�ض الزبائن �إىل الدكان ي�ساومون‬ ‫فى ال�شراء‪ ،‬ثم يدفعون املال ل�صفاء‪ ،‬ودفعوا‬ ‫كميات ك�ب�يرة م��ن ال��ذه��ب مل ي�ستطع �صفاء‬ ‫حملها! فاحتار �صفاء وارتبك ال يعرف ما الذى‬ ‫عليه فعله‪ ،‬وه��و واق��ف فى منت�صف الطريق‪.‬‬ ‫وكلما حاول �إغالق ال�صندوق مل يفلح �أبد ًا‪.‬‬ ‫جل�س الرجل يتنهد حزين ًا وي�سب نف�سه قائ ًال‪:‬‬ ‫«ملاذا مل �أ�ستمع لن�صيحة �شقيقة البجعة؟ وملاذا‬ ‫فتحت ال�صندوق �أثناء الطريق؟»‪.‬‬ ‫وهنا ظهر �أمامه فج�أة عجوز ذو حلية رمادية‪،‬‬ ‫كما ل��و �أن الأر����ض ق��د ان�شقت ع�ن��ه‪ ،‬و�س�أله‬ ‫العجوز‪:‬‬ ‫ـ ما الذى تريده؟‪.‬‬ ‫حكى �صفاء للعجوز ما جرى له‪ ،‬فقال العجوز‪:‬‬ ‫ـ �سوف �أ�ساعدك فى حمنتك ب�شرط واحد‪ ،‬وهو‬ ‫�أن متنحنى ما لديك فى البيت وال تعرف �شيئ ًا‬ ‫عنه‪ ،‬وذلك بعد خم�سة ع�شر عام ًا‪.‬‬ ‫�أخ��ذ �صفاء يفكر فى ذل��ك ال�شىء ال��ذى لديه‬ ‫فى البيت وال يعرف �شيئ ًا عنه‪ .‬وفكر طوي ًال ومل‬ ‫يحزر ذلك ال�شىء‪ ،‬فقال للعجوز‪:‬‬ ‫ـ ح�سن ًا‪� ،‬سوف �أعطيك ما لدى فى البيت وال‬ ‫�أعرف �شيئ ًا عنه‪ ،‬ولكن �ساعدنى الآن‪.‬‬ ‫رد العجوز‪:‬‬ ‫ـ ح�سنا‪ ،‬فلتتذكر اتفاقنا! ولو خدعتنى ف�سوف‬ ‫ترى ما ال ير�ضيك!‪.‬‬ ‫بهذه الكلمات �أغلق العجوز غطاء ال�صندوق‪.‬‬ ‫فاختفى على الفور الدكان وال�سلع الثمينة واملال‬ ‫فى داخل ال�صندوق‪.‬‬ ‫ً‬ ‫حمل �صفاء �صندوقه‪ ،‬وم�ضى موا�صال طريقة‪،‬‬

‫أخذت الفتيات ينظرن‬ ‫نحوه‪ ،‬وتوقفن عن‬ ‫العزف‪ ،‬عدا آلة واحدة‬ ‫من الكوبيز بدأت في‬

‫من �صفاء منحه �شىء ب�سيط‪ ،‬بل طلب منه ابنه‪.‬‬ ‫فعندما غادر �صفاء البيت لريحتل‪ ،‬كانت زوجته‬ ‫حام ًال منه وهو ال يعرف‪ ،‬وها هى قد و�ضعت‬ ‫طف ًال ق��وي� ًا جمي ًال‪ .‬وع��اد �صفاء �إىل البيت‪،‬‬ ‫ف�شاهد زوجته حتمل طفله ال�صغري‪.‬‬ ‫�أخذ الرجل يعانق طفله ويقبله وهو يبكى بدموع‬ ‫مريرة‪ ،‬وذلك بعد �أن �أدرك ما وعد به العجوز‬ ‫ذو اللحية الرمادية‪.‬‬ ‫وهكذا‪ ،‬مرت الأع��وام اخلم�سة ع�شر‪ .‬وعندما‬ ‫حان املوعد املحدد‪ ،‬قال �صفاء لولده‪:‬‬ ‫ـ لقد حان موعد الفراق يا ولدى!‪.‬‬ ‫وحكى له كل ما جرى فى ال�سابق عن ال�صندوق‪،‬‬ ‫وعن العجوز والوعد الذى قطعه‪ .‬فقال الإبن‪:‬‬ ‫ـ ال تهتم يا والدى‪ ،‬وال بد �أن تنفذ الوعد الذى‬ ‫قطعته‪.‬‬ ‫ودَع الفتى �أمه‪ ،‬وعانق والده ورحل فى طريقه‪.‬‬ ‫ظل الفتى ي�سري طوي ًال طوي ًال‪ ،‬حتى و�صل �إىل‬ ‫البحرية التى عليه �أن يلتقى ال�شيطان عندها‪.‬‬ ‫وجل�س الفتى عند �شاطئ البحرية ينتظر قدوم‬ ‫ال�شيطان‪.‬‬ ‫وفج�أة‪ ،‬تردد �صوت حتليق فى ال�سماء‪ ،‬وحط‬ ‫�سرب من البجع الأبي�ض عند البحرية‪ ،‬ومل‬ ‫يلحظ البجع ال�ف�ت��ى‪ ،‬فهبط ف��وق ال�شاطئ‪،‬‬ ‫و�أخذت طيور البجع ت�ستحم فى املاء‪.‬‬ ‫�أعجب الفتى بطيور البجع‪ ،‬فاختب�أ و�أم�سك‬ ‫بواحدة منها‪ .‬و�صرخت بقية البجعات وطارت‬ ‫مبتعدة‪ ،‬عدا البجعة التى �أم�سك بها الفتى‪.‬‬ ‫وعندئذ �صاحت البجعة ب�صوت �آدمى قائلة‪:‬‬ ‫ٍ‬ ‫ـ �أتركنى �أيها الفتى و�أطلق �سراحى!‪.‬‬ ‫رد الفتى‪:‬‬ ‫ـ ال‪ ،‬لن �أتركك!‪.‬‬ ‫وهنا خفقت البجعة بجناحيها‪ ،‬وحتولت �إىل‬ ‫فتاة ح�سناء‪.‬‬ ‫اعرتت الده�شة الفتى و�س�ألها‪:‬‬ ‫ـ من � ِأنت؟‪.‬‬ ‫ـ �أنا ابنة ال�شيطان الذى وعده والدك �أن مينحه‬ ‫�إي ��اك‪ ،‬ف��وال��دى م��ن �آك�ل��ى الب�شر‪ ،‬وه��و يريد‬ ‫التهامك! ولكنك لو �أطلقت �سراحى ف�سوف‬


‫قال الراوي‬ ‫‪108‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫�أنقذك من ذلك امل�صري‪ .‬وعندما يهم ال�شيطان‬ ‫بالتهامك �صح به و�أخربه قائ ًال‪�« :‬أعطني عم ًال‬ ‫�أقوم به!»‪ ،‬والآن حان موعد ذهابى �إىل البيت‪.‬‬ ‫وبعد �أن انتهت الفتاة احل�سناء من حديثها‪،‬‬ ‫لوحت بيديها فتحولت �إىل بجعة بي�ضاء‪ ،‬وطارت‬ ‫حملقة فى ال�سماء‪.‬‬ ‫وم��ا �إن ابتعدت عن ناظري الفتى‪ ،‬حتى ظهر‬ ‫ال�شيطان عند �شاطئ البحرية‪ ،‬و�شاهد الفتى‬ ‫ف�ف��رح‪ ،‬وذه��ب ب��ه �إىل البيت‪ .‬وعندما و�صال‬ ‫هناك قال الفتى‪:‬‬ ‫ـ ال ميكننى العي�ش دون �أن �أفعل �شيئ ًا‪ ،‬ف�أعطني‬ ‫عم ًال �أقوم به!‪.‬‬ ‫قال ال�شيطان‪:‬‬ ‫ً‬ ‫ـ ح�سن ًا‪� ،‬سوف �أعطيك ع�م�لا‪� ،‬أري ��دك �أثناء‬ ‫الليل �أن تقطع كل �أ�شجار هذه الغابة‪ ،‬ثم تقوم‬ ‫بتقطيع الأ�شجار �إىل قطع �صغرية حتملها �إىل‬ ‫خمزن البيت‪ ،‬وفى نف�س هذه الليلة تقوم ببيع‬ ‫الأخ�شاب‪ ،‬وت�شرتي بثمنها �شعري ًا تقوم بزرعه‬ ‫يف �أر�ض الغابة اخلالية من الأ�شجار‪ ،‬ويف نف�س‬ ‫هذه الليلة �أي�ضا تقوم بجمع املح�صول ودر�سه‪،‬‬ ‫ثم تنقل احلبوب �إىل ال�شونة يف منزيل‪ ،‬و�إن‬ ‫مل ت�ستطع القيام بهذا الأم��ر‪ ،‬ف�سوف تفارق‬ ‫احلياة!‪.‬‬ ‫قال ال�شيطان ما قاله ورحل تارك ًا الفتى الذي‬ ‫جل�س يفكر‪« :‬كيف ميكنني فعل كل هذا يف ليلة‬ ‫واح���دة؟»‪ ...‬وعند حلول امل�ساء ج��اءت الفتاة‬ ‫احل�سناء ابنة ال�شيطان �إىل الفتى‪ ،‬و�س�ألته عن‬ ‫العمل الذى كلفه به ال�شيطان‪ .‬وبعد �أن �أخربها‬ ‫قالت الفتاة‪:‬‬ ‫ـ ال حتزن‪ ،‬ف�سوف �أدبر هذا الأمر بنف�سي‪ ،‬وما‬ ‫عليك �سوى النوم يف هدوء حتى ال�صباح!‪.‬‬ ‫ا�ستمع الفتى �إىل احل�سناء ورقد للنوم‪.‬‬ ‫ويف منت�صف الليل �صعدت الفتاة احل�سناء‬ ‫�إىل �سطح البيت‪ ،‬و�أخذت تطلق �صفري ًا ناعم ًا‪،‬‬ ‫فاجتمعت اجلنيات على �صفريها‪ ،‬و�س�ألن‪:‬‬ ‫ـ ما الذى ت�أمرين به؟‪.‬‬

‫بعد أن انتهت الفتاة‬ ‫الحسناء من حديثها‪،‬‬ ‫لوحت بيديها فتحولت‬ ‫إلى بجعة بيضاء‪،‬‬ ‫وطارت محلقة في‬ ‫السماء‬ ‫�أخ �ب�رت ال �ف �ت��اة اجل �ن �ي��ات ب��ال�ع�م��ل امل�ط�ل��وب‪،‬‬ ‫ف�شرعت اجلنيات يف العمل‪ .‬ويف ملح الب�صر‬ ‫ا�ستطعن القيام مبا طلبته الفتاة‪.‬‬ ‫وما �إن �أطلق الديك �صياحه يف ال�صباح‪ ،‬حتى‬ ‫اختفت اجلنيات كما لو �أنهن مل يظهرن من قبل‪.‬‬ ‫ج��اء ال�شيطان يف ال���ص�ب��اح‪ ،‬ف�شاهد العمل‬ ‫ق��د ج��رى كما طلب مت��ام � ًا‪ .‬فتملكت الده�شة‬ ‫ال�شيطان وفكر يف نف�سه‪« :‬يا للغرابة! �إن هذا‬ ‫الفتى لي�س �إن�سانا عاديا!»‪.‬‬ ‫و�أثنى على ما فعله الفتى‪ ،‬وقال له‪:‬‬ ‫ـ لقد ا�ستطعت ال�ق�ي��ام ب�ه��ذا ال�ع�م��ل‪ ،‬و�سوف‬ ‫�أعطيك الآن عم ًال �آخر تقوم به‪� ،‬أريدك �أن تنقل‬ ‫مياه البحرية �إىل مكان �آخر خالل هذه الليلة‪،‬‬ ‫وذلك با�ستخدام هذا ال ُغربال!‪.‬‬ ‫وعندما رحل ال�شيطان جاءت الفتاة احل�سناء‬ ‫�إىل ال�ف�ت��ى‪ ،‬و��س��أل�ت��ه ع��ن ال�ع�م��ل ال ��ذى طلبه‬ ‫ال�شيطان‪ ،‬ف�أجابها الفتى‪:‬‬ ‫ـ لقد �أمرين �أن �أقوم خالل هذه الليلة‪ ،‬بنقل مياه‬ ‫البحرية �إىل مكان �آخر با�ستخدام هذا ال ُغربال‪.‬‬ ‫قالت الفتاة‪:‬‬ ‫ـ �سوف ننفذ ما طلبه! فاذهب للنوم فى هدوء‬ ‫حتى ال�صباح!‪.‬‬ ‫وقامت الفتاة مرة �أخرى بالنداء على اجلنيات‪،‬‬ ‫و�أمرتهن بنقل املاء‪.‬‬ ‫وقبل �شروق ال�شم�س ا�ستطاعت اجلنيات نقل كل‬ ‫املياه �إىل مكان �آخر‪ ،‬ثم اختفت اجلنيات عند‬ ‫�صياح الديكة‪.‬‬ ‫جاء ال�شيطان يف ال�صباح �إىل الفتى الذى قال‬ ‫له‪:‬‬ ‫ـ لقد مت تنفيذ ما طلبته مني!‪.‬‬

‫بالد الترت‬ ‫بالد الترت �أو ترت�ستان‪ -‬جمهورية ذات حكم ذاتي تقع �ضمن حدود رو�سيا‬ ‫الفيدرالية‪ ،‬وعا�صمتها مدينة «ك ��ازان»‪ ،‬وتبلغ م�ساحتها ح��واىل ‪� 68‬أل��ف‬ ‫كم مربع‪ ،‬ويبلغ �سكانها حواىل �أربعة ماليني ن�سمة‪ ،‬ميثلون ‪ 115‬قومية‪،‬‬ ‫والديانتان ال�سائدتان هما الإ�سالم وامل�سيحية ‪ -‬املرتجم‪.‬‬

‫�أدرك ال�شيطان �أن الفتى ال يعجز عن القيام‬ ‫ب�شىء‪ ،‬ويقوم بتنفيذ كل ما ُيطلب منه مهما‬ ‫كان‪ .‬ففكر قلي ًال‪ ،‬ثم قال‪:‬‬ ‫ـ ل��دى فر�س جامح ق��وي‪ ،‬و��س��وف �أم�ن��ح ابنتى‬ ‫املحبوبة زوجة ملن ي�ستطيع �أن يلجمه وال يخ�شى‬ ‫�أن ميتطيه‪� ،‬أال تريد �أن جترب حظك للح�صول‬ ‫على هذه ال�سعادة؟‪.‬‬ ‫ـ ح�سنا‪ ،‬و�إين موافق! فمتى تريدين �أن �أمتطي‬ ‫فر�سك هذا؟‪.‬‬ ‫ـ فى �صباح الغد‪.‬‬ ‫ذهب الفتى �إىل ابنة ال�شيطان‪ ،‬وق�ص عليها كل‬ ‫ما جرى‪ ،‬فقالت الفتاة‪:‬‬ ‫ـ �إن ذلك الفر�س ما هو �إال ال�شيطان عينه بعد‬ ‫�أن يتنكر يف هيئته‪ ،‬وميكنك �أن تكبح جماحه‬ ‫وتلجمه بعد �أن حت�صل من احل��داد على �سوط‬ ‫ي ��زن خ�م���س�م��ائ��ة ك �ي �ل��وج��رام��ا‪ ،‬وحت �� �ص��ل من‬ ‫ال�سروجي على �سرج يزن خم�سمائة كيلوجراما‪.‬‬ ‫ان�ط�ل��ق ال�ف�ت��ى ع�ل��ى ال �ف��ور �إىل احل� ��داد وم��ن‬ ‫بعده �إىل ال�سروجي‪ ،‬وطلب منهما �سوط ًا يزن‬ ‫خم�سمائة كيلو ج��رام‪ ،‬و�سرج ًا يزن خم�سمائة‬ ‫كيلو جرام‪.‬‬ ‫وعندما انتهى احلداد وال�سروجي من �صنع‬ ‫ال���س��وط وال���س��رج ا��ل�ط�ل��وب�ين‪ ،‬ذه��ب الفتى‬ ‫�إىل الإ�سطبل‪ .‬وكان باب الإ�سطبل مو�صد ًا‬ ‫بع�شرين م ��زالج‪ .‬وف �ت��ح ال�ف�ت��ى الع�شرين‬ ‫م��زالج� ًا‪ ،‬ودخ��ل الإ�سطبل‪ ،‬ف�شاهد فر�س ًا‬ ‫جاحم ًا يخرج اللهب من منخريه‪ ،‬ويحرك‬ ‫ُعرفه ميين ًا وي�سار ًا ب�سرعة كبرية‪ ،‬ويرف�س‬ ‫الأر���ض بحوافره حتى تهتز من حتتها‪ ،‬وال‬ ‫ي�سمح لأحد باالقرتاب منه‪.‬‬ ‫ا�ستطاع الفتى �أن يغافل الفر�س‪ ،‬و�ضربه‬ ‫بال�سوط الثقيل ف��وق ر�أ��س��ه‪ ،‬فهد�أ الفر�س‬ ‫على ال �ف��ور وت��وق��ف ع��ن ه��ز ُع��رف��ه ورف�س‬ ‫الأر�� ��ض ب �ح��واف��ره‪ .‬ف ��أ� �س��رع ال�ف�ت��ى بو�ضع‬ ‫ال���س��رج الثقيل ف��وق��ه‪ ،‬و��س��اق��ه �إىل خ��ارج‬ ‫الإ�سطبل‪ ،‬وبعد ذلك قفز الفتى فوق ظهر‬ ‫الفر�س ول�ك��زه يف جانبيه‪ ،‬ف��أخ��ذ الفر�س‬ ‫يقفز هائج ًا‪ ،‬وهو يهز ُعرفه ب�شدة وينفث‬ ‫الهواء ال�ساخن وي�صهل ب�صوت مثل الزئري‪،‬‬ ‫يريد �إل�ق��اء الفار�س م��ن ف��وق ظ�ه��ره‪ ،‬لكن‬ ‫الفتى مت�سك بظهر الفر�س ملت�صق ًا به ال‬


‫مييل وال يتحرك‪ .‬وكان �أثناء ذلك ي�ضرب‬ ‫الفر�س بال�سوط الثقيل فوق �ضلوعه و�صدره‪.‬‬ ‫ظل الفر�س يقفز حام ًال الفتى لفرتة طويلة‪،‬‬ ‫ح�ت��ى �أ� �ص��اب��ه الإن��ه��اك وال �ت �ع��ب‪ ،‬و�أخ �ي� ً‬ ‫را‬ ‫ع��اد ي�سري به �إىل الإ�سطبل‪ .‬وهناك تركه‬ ‫الفتى‪ ،‬و�أغلق عليه باب الإ�سطبل بالع�شرين‬ ‫مزالجا‪ .‬و�أ�سرع �إىل الفتاة يق�ص عليها كل‬ ‫ما جرى‪ .‬فا�ستمعت �إليه‪ ،‬ثم قالت له‪:‬‬ ‫ـ غد ًا �سوف يقوم ال�شيطان بتحويل كل بناته‬ ‫�إىل �سرب من اليمام‪ ،‬و�سوف يطلب منك‬ ‫على من بني ذلك ال�سرب‪ ،‬فعليك‬ ‫التعرف َ‬ ‫�أن ت�شري �إىل تلك اليمامة التى �سوف حتلق‬ ‫بالقرب منك‪.‬‬

‫انطلق الفتى إلى‬ ‫الحداد ومن بعده إلى‬ ‫السروجي‪ ،‬وطلب‬ ‫منهما سوط ًا وسرج ًا يزن‬ ‫كل منهما خمسمائة‬ ‫كيلوجرام‬ ‫يف ال�صباح ال�ت��اىل ن��ادى ال�شيطان الفتى‪،‬‬ ‫وعر�ض �أمامه �سرب ًا كبري ًا من اليمام‪ ،‬ثم قال‪:‬‬ ‫ـ �أت��رى ه��ذا ال�سرب من اليمام؟ �إن ابنتي‬ ‫ال�صغرية هى واحدة من هذا ال�سرب‪ ،‬ولو‬ ‫ا�ستطعت التعرف �إليها‪ ،‬ف�سوف �أمنحها‬ ‫زوجة لك!‪.‬‬

‫صمتت البجعة‬ ‫ولم تنطق بشيء‪،‬‬ ‫وأجلست صفاء فوق‬ ‫ظهرها‪ ،‬وحملته إلى‬

‫�أخ��ذ الفتى ينظر �إىل اليمام‪ ،‬وعندما طارت‬ ‫ميامة من ال�سرب بالقرب منه‪� ،‬أ��ش��ار الفتى‬ ‫نحوها قائ ًال‪:‬‬ ‫ـ هذه هي ابنتك الأ�صغر!‪.‬‬ ‫غ�ضب ال�شيطان وك��اد ينفجر من الغيظ وهو‬ ‫يفكر يف نف�سه‪« :‬ال بد �أنها �أخربته بنف�سها عن‬ ‫الو�سيلة التى ميكنه بها التعرف �إليها من بني‬ ‫اليمام»‪.‬‬ ‫ويف امل�ساء جاءت ابنة ال�شيطان ال�صغرى �إىل‬ ‫الفتى‪ ،‬وقالت له‪:‬‬ ‫ـ غ ��د ًا ��س��وف يطلب منك وال ��دى م��رة �أخ��رى‬ ‫التعرف �إ َ‬ ‫ىل من بني �شقيقاتى‪ ،‬و�سوف جنل�س‬ ‫جميع ًا ونعزف على �آلة الكوبيز «�آلة �شعبية وترية‬ ‫تنت�شر فى ب�شكرييا وبالد التتار» وعندما نبد�أ‬ ‫فى العزف‪ ،‬فعليك �أن تبد�أ يف الرق�ص‪ .‬وبعد �أن‬


‫قال الراوي‬ ‫‪110‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ظهر أمامه فجأة‬ ‫عجوز ذو لحية رمادية‪،‬‬ ‫ترق�ص لفرتة �سوف تبد�أ املو�سيقى يف اخلفوت‪ .‬كما لو أن األرض قد‬ ‫و�سوف ينظر والدي ومعه جميع �شقيقاتى نحو انشقت عنه‪ ،‬وسأله‪:‬‬ ‫�ساقيك و�أن ��ت ترق�ص‪ ،‬بينما �آخ��ذ يف عزف ما الذى تريده؟‬

‫مو�سيقى راق���ص��ة ج��دي��دة‪ ،‬وع�ن��دئ� ٍ�ذ ميكنك‬ ‫ً‬ ‫كانت الفتيات يرتدين ثيابا متماثلة‪ ،‬وكل منهن‬ ‫التعرف علي‪.‬‬ ‫يف اليوم التاىل نادى ال�شيطان الفتى‪ ،‬وعر�ض حتمل الكوبيز بني يديها‪.‬‬ ‫�أعطى ال�شيطان �إ�شارته فبد�أت الفتيات فى‬ ‫�أمامه بناته الأربعني‪ ،‬ثم قال‪:‬‬ ‫ـ لو ا�ستطعت التعرف على ابنتي ال�صغرى من ال �ع��زف ع�ل��ى �آالت ال�ك��وب�ي��ز‪ .‬وع �ن��دئ� ٍ�ذ ��س��أل‬ ‫بني تلك الفتيات‪ ،‬ف�سوف ت�أخذها زوجة لك! ولو ال�شيطان الفتى‪:‬‬ ‫ـ �أي واحدة من الفتيات هى ابنتي ال�صغرى؟‪.‬‬ ‫ف�شلت يف ذلك فلن تظل بني الأحياء!‪.‬‬ ‫مل يجب الفتى ب�شىء على ��س��ؤال ال�شيطان‪،‬‬ ‫بل �أخذ فى الرق�ص‪ .‬ف�أخذت الفتيات ينظرن‬ ‫نحوه‪ ،‬وتوقفن عن العزف‪ ،‬عدا �آلة واحدة من‬ ‫الكوبيز ب��د�أت ف��ى ع��زف مقطوعة مو�سيقية‬ ‫جديدة راق�صة‪ .‬ورمق الفتى بعينيه الفتاة التى‬ ‫تعزف دون �أن يالحظه �أحد‪ ،‬وظل م�ستمر ًا فى‬ ‫الرق�ص‪.‬‬ ‫وعندما انتهى من الرق�ص �س�أله ال�شيطان مرة‬ ‫�أخرى‪:‬‬ ‫ـ �أين ابنتي ال�صغرى من بني الفتيات؟‪.‬‬ ‫اقرتب الفتى من الفتاة قائ ًال‪:‬‬ ‫ـ ها هى ابنتك ال�صغرى!‪.‬‬ ‫�صرخ ال�شيطان من �شدة الغيظ‪:‬‬ ‫ـ ال ميكن �أن تكون قد جنحت يف التعرف �إليها‬ ‫بنف�سك! وال بد �أنها �ساعدتك فى هذا الأم��ر!‬ ‫و�سوف �ألقنكما در�س ًا خلداعكما ىل!‪.‬‬

‫و�أم ��ر ال�شيطان ب��إل�ق��اء الفتى م��ع ابنته فى‬ ‫الزنزانة‪.‬‬ ‫وفى امل�ساء حتولت الفتاة �إىل ذبابة وطارت من‬ ‫الزنزانة‪ .‬وبعد ذلك عادت �إىل هيئتها ثانية‪،‬‬ ‫و�أ��س��رع��ت �إىل اجل��رن حيث �أخ ��ذت حزمتني‬ ‫كبريتني من الأغ�صان‪ ،‬وحملتهما �إىل الزنزانة‪،‬‬ ‫ومل يكن احل��ار���س واق�ف��ا يف ه��ذا ال��وق��ت‪ ،‬ومل‬ ‫ي�شاهد الفتاة وهي حتمل احلزمتني‪.‬‬ ‫و�ضعت الفتاة احلزمتني على �أر���ض الزنزانة‪،‬‬ ‫وغطتهما مبالب�سها‪ ،‬ثم قامت بب�صق لعابها‬ ‫فوقهما‪ .‬وبعد ذلك قالت للفتى‪:‬‬ ‫ـ مل يعد لدينا وقت لالنتظار‪ ،‬وحان وقت الفرار‪.‬‬ ‫وق��ام��ت الفتاة بتحويل نف�سها م��ع الفتى �إىل‬ ‫ذبابتني‪ ،‬وطار االثنان هاربني من الزنزانة‪.‬‬ ‫وبعد �أن ابتعدا عن الزنزانة‪ ،‬عادا �إىل هيئتهما‬ ‫ال�سابقة‪ ،‬وفرا هاربني‪.‬‬ ‫ف��ى ال�صباح ج��اء ال�سياف �إىل ال��زن��زان��ة كى‬ ‫يوقظ ال�سجينني‪ ،‬ووق��ف خلف ب��اب الزنزانة‬ ‫ي�صيح منادي ًا‪:‬‬ ‫ـ هل ما زلتما تغطان فى النوم بعد؟‪.‬‬ ‫رد اللعاب من فوق احلزمتني‪:‬‬ ‫ـ نعم‪ ،‬نحن ما زلنا نائمني!‪.‬‬ ‫ـ �أال تعرفان �أن ر�أ�سيكما �سوف تطريان قريب ًا؟‪.‬‬ ‫ـ نعم‪ ،‬نعرف!‪.‬‬ ‫وا�ستمر احل��وار بينهما حتى جف اللعاب فوق‬ ‫احلزمتني‪ .‬ووا�صل ال�سياف حديثه‪ ،‬لكنه مل يتلق‬


‫�إجابات بعد ذلك‪ ،‬ف�صرخ قائ ًال‪:‬‬ ‫ـ ماذا بكما؟ هل رحتما فى النوم؟ �سوف �أدخل‬ ‫الآن و�أجعلكما ت�ستيقظان!‪.‬‬ ‫دخل ال�سياف �إىل الزنزانة‪ ،‬ورفع الثياب التى‬ ‫تغطى احلزمتني فلم يجد �أث��ر ًا لل�سجينني‪.‬‬ ‫و�أدرك ال���س�ي��اف حقيقة الأم� ��ر‪ .‬ف��أ��س��رع‬ ‫�إىل ال�شيطان و�أخ�ب�ره باختفاء ال�سجينني‬ ‫وف��راره �م��ا‪ ،‬وب��احل��زم�ت�ين ال�ل�ت�ين وجدهما‬ ‫هناك‪.‬‬ ‫ثار غ�ضب ال�شيطان بعد معرفته بهروب ابنته‬ ‫مع الفتى‪ ،‬وعلى الفور �أمر ر�سوله مبطاردتهما‪.‬‬ ‫ك��ان الفتى ق��د جن��ح ف��ى االبتعاد �إىل م�سافة‬ ‫بعيدة مع فتاته احل�سناء‪ ،‬لكن الفتاة �سرعان ما‬ ‫�سمعت دبيب حوافر اجلياد‪ ،‬فقالت‪:‬‬ ‫ـ �إن �أتباع ال�شيطان يطاردوننا! وميكنني ر�ؤيتهم‬ ‫على البعد!‪.‬‬ ‫وحتولت الفتاة �إىل جامع �صغري‪ ،‬وحولت الفتى‬ ‫�إىل م�ؤذن عجوز‪.‬‬ ‫و��ص��ل �أت �ب��اع ال�شيطان �إىل امل �ك��ان‪ ،‬و�صاحوا‬ ‫قائلني‪:‬‬ ‫ـ �أن ��ت �أي �ه��ا امل � ��ؤذن! �أمل ت��ر ��ش��اب� ًا وم�ع��ه فتاة‬ ‫ح�سناء؟‪.‬‬ ‫رد امل�ؤذن‪:‬‬ ‫ـ ال‪ ،‬ف�إننى هنا منذ �سنوات عديدة ال �أفارق هذا‬ ‫اجلامع‪ ،‬ومل �أر �شاب ًا وال فتاة ح�سناء �أبد ًا‪.‬‬ ‫ع��اد �أت �ب��اع ال�شيطان �أدراج��ه��م �إىل البيت‪،‬‬

‫و�أخ �ب�روه �أن�ه��م مل ي�ع�ثروا على ال�ه��ارب�ين‪ ،‬بل‬ ‫�شاهدا فقط اجلامع وامل�ؤذن العجوز‪.‬‬ ‫ث��ار ال�شيطان من الغ�ضب و�أخ��ذ يوبخ �أتباعه‬ ‫وي�سبهم قائ ًال‪:‬‬ ‫ـ �أيها احلمقى! �إن ذلك اجلامع وهذا امل�ؤذن هما‬ ‫الهاربني عينهما! ف�أ�سرعوا �إىل هناك ثانية‪،‬‬ ‫واقب�ضوا على امل�ؤذن وحطموا اجلامع!‪.‬‬ ‫�أ�سرع اخل��دم �إىل املكان ال��ذى به اجلامع‪،‬‬ ‫ول�ك�ن�ه��م مل ي��ج��دوا اجل��ام��ع وال امل�� ��ؤذن‪،‬‬ ‫فانطلقوا يوا�صلون املطاردة‪.‬‬ ‫�سمعت الفتاة دبيب حوافر اخليل‪ ،‬فقالت‬ ‫للفتى‪:‬‬ ‫ـ �إن �أتباع ال�شيطان قد �أ�صبحوا على مقربة‬ ‫منا!‪.‬‬ ‫وقامت بتحويل الفتى �إىل راع عجوز‪ ،‬وحولت‬ ‫نف�سها �إىل قطيع من الغنم‪.‬‬ ‫و�صل �أتباع ال�شيطان و�صاحوا‪:‬‬ ‫ـ �أنت �أيها الراعي! �أمل تر فى الطريق �شاب ًا‬ ‫وفتاة ح�سناء؟‪.‬‬ ‫�أجاب الراعي‪:‬‬ ‫ـ �إين �أق��وم برعي الغنم هنا منذ‬ ‫زمن طويل‪ ،‬ومل �أ�شاهد �شاب ًا‬ ‫وال فتاة �أبد ًا‪ ،‬وال بد �أنهما‬ ‫ي�سريان يف طريق �آخر!‪.‬‬ ‫ع���اد �أت� �ب ��اع ال���ش�ي�ط��ان‬ ‫م��رة �أخ���رى ب ��أي��د خ��اوي��ة‪،‬‬

‫وحكوا لل�شيطان �أنهم مل يعرثوا على �أحد يف‬ ‫الطريق‪ ،‬ومل ي�شاهدوا �سوى الراعي وقطيع‬ ‫الغنم‪.‬‬ ‫ثار ال�شيطان من الغ�ضب �أكرث من ذي قبل‪،‬‬ ‫وقفز بنف�سه على ظهر ح�صانه‪ ،‬وانطلق‬ ‫يطارد الهاربني‪.‬‬ ‫عادت الفتاة والفتى �إىل هيئتهما ال�سابقة‪،‬‬ ‫وانطلقا يوا�صالن الفرار‪.‬‬ ‫اقرتب ال�شيطان منهما و�شاهدهما‪ ،‬ف�أ�سرع‬ ‫ب�أق�صى �سرعته على ح�صانه للحاق بهما‪ ،‬حتى‬ ‫اقرتب منهما و�أو�شك على الإم�ساك بهما‪.‬‬ ‫وعندما �شاهدت الفتاة اق�تراب ال�شيطان‪،‬‬ ‫حتولت �إىل بحر‪ ،‬وحولت الفتى �إىل �سمكة‬ ‫ذهبية‪.‬‬ ‫قفز ال�شيطان �إىل البحر وهو ي�صرخ منادي ًا‪:‬‬ ‫ـ والآن‪ ،‬لن ميكنكما الإفالت مني!‪.‬‬ ‫و�أخذ ي�سبح وي�سبح‪ ،‬ثم غط�س يف املاء يطارد‬ ‫ال�سمكة الذهبية‪.‬‬ ‫ومل ي�ستطع الإم�ساك بال�سمكة‪ ،‬وغ��رق فى‬ ‫املاء حتى هلك‪.‬‬ ‫ع �ن��دئ��ذٍ ع ��ادت ال �ف �ت��اة وال �ف �ت��ى �إىل‬ ‫هيئتهما العادية‪ ،‬وامتطيا ح�صان‬ ‫ال�شيطان‪ ،‬وذهبا به �إىل �أهل الفتى‪.‬‬ ‫وهناك تزوجا وعا�شا مع ًا فى �سعادة‬ ‫ووئام‬


‫حكايات من الذاكرة‬ ‫‪112‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫يوميات سيارة إسعاف‬ ‫القاهر ‪ -‬ه�شام علي‬ ‫بعد كل حادث �إرهابي دموي �شهدته القاهرة يف الت�سعينيات‪ ،‬كنت �أ�شاهد الدموع يف عيون �أبويا‬ ‫على ال�ضحايا‪ ،‬م�صحوبة ب�صب ال ّلعنات على "الإخوان امل�سلمني" حمملهم متزيق قلب �أم على‬ ‫ابنها الذي راح �ضحية التفجريات‪ ،‬وك�سر ظهر �أب على �أوالده الذين اخرتقت قنابل امل�سامري‬ ‫�أج�سادهم‪ ،‬ينتحب مع دموع طفل �صغري يبكي �أباه‪ ،‬الذي كان يبحث عن لقمة عي�شه ولن يعود‬ ‫�إىل املنزل‪� ،‬أو حبيبة م ّزقت ال�شظايا ج�سم خطيبها الذي خرج يعمل ليح�صل نقود ال�شبكة‪.‬‬ ‫انتهزت فر�صة �أجواء ذكرى رحيل �أبويا‪،‬‬ ‫وق��ررت �أن �أعي�شها ه��ذا العام بطريقة‬ ‫خمتلفة‪ ،‬بني �أوراقه وخمطوطاته وبع�ض‬ ‫املقاالت التي كان ين�شرها من حني �إىل‬ ‫�آخر يف ال�صحف‪.‬‬ ‫لكن الأهم م�سودة كتابه «يوميات �سيارة‬ ‫�إ�سعاف» الذي كتبه عندما كان متطوع ًا‬ ‫يف جمعية الإ� �س �ع��اف الأه �ل �ي��ة‪ ،‬ق�ب��ل �أن‬ ‫تن�ضم �إىل وزارة ال�صحة وت�صبح «مرفق‬ ‫�إ�سعاف القاهرة»‪.‬‬ ‫�سيارة الإ�سعاف منحته فر�صة تاريخية‬ ‫للتج ّول يف القاهرة وح ّولته �إىل �شاهد‬ ‫عيان على �أح��داث ك�برى ن�ق��ر�أ عنها يف‬ ‫الكتب �أو ن�شاهدها يف �أف�ل�ام الأبي�ض‬ ‫والأ�� �س ��ود‪� ،‬أ��ش�ه��ره��ا ح��رك��ة االغ�ت�ي��االت‬ ‫ال�سيا�سية التي تورط فيها �أفراد جماعة‬ ‫الإخ��وان امل�سلمني‪ ،‬وزرعهم للمتفجرات‬ ‫يف دور ال���س�ي�ن�م��ا وامل��ح�ل�ات ال�ت�ج��اري��ة‬ ‫ال���ش�ه�يرة «ب �ن��زاي��ون و� �ص �ي��دن��اوي»‪ ،‬هنا‬ ‫�أت ��وق ��ف ق �ل �ي� ً‬ ‫لا‪،‬ع �ن��دم��ا ت�ل�ق�ي�ن��ا ال �ب�لاغ‬ ‫ب��ان�ف�ج��ار قنبلة يف �سينما ري �ف��ويل‪ ،‬مل‬ ‫�أتخيل للحظة �أنني �أمام حادث ميكن �أن‬

‫يتحول �إيل ح��ادث �شخ�صي‪� ،‬إال بعد �أن‬ ‫و�صلنا �إىل ال�سينما وب��د�أت مع زمالئي‬ ‫املتطوعني نلم �أ�شالء ال�ضحايا‪� ،‬سمعت‬ ‫�صوت ًا ي�ستدعيني من بني اجلرحى ملقى‬ ‫ع�ل��ى الأر�� ��ض ووج �ه��ه م�ل�ط��خ ب��ال��دم��اء‪،‬‬ ‫�شعرت ب ��أن الأر� ��ض ت��دور ح��ويل ولكني‬ ‫متا�سكت‪ ،‬يف ه��ذه اللحظة اكت�شفت �أن‬ ‫هذا ال�شخ�ص هو حممد فتحي �صديقي‬ ‫ال��ذي ح�ضرنا زفافه الأ�سبوع اللي فات‬ ‫و�أن ال�ت��ي يف ج ��واره ع��رو��س�ت��ه ال�شابة‪،‬‬ ‫�أخ ��ذت �أ� �ص��رخ ا��س�ت��دع��ي زم�لائ��ي حتى‬ ‫ي���س��اع��دوين على نقل حممد وعرو�سته‬ ‫�إىل امل�ست�شفى‪ ،‬ولكن القدر كان �أ�سرع‪،‬‬ ‫�شظايا ال�غ��در واخل�ي��ان��ة �أط �ف ��أت فرحة‬ ‫حم�م��د‪ ،‬م��ات��ت عرو�سته‪ ،‬وخ��رج ه��و من‬ ‫ه��ذه املحنة م��ذه��و ًال م��دم��ر ًا‪ ،‬بعد �أن مت‬ ‫برت يده وتعر�ض وجهه للت�شوه‪ ،‬يف زمن مل‬ ‫يعرف بعد عمليات التجميل‪ ،‬بعد انتهائي‬ ‫من حكاية حممد وعرو�سته ذهبت �إىل‬ ‫�صفحة �أخرى يف اليوميات‪ .‬كما �ساقني‬ ‫ال�ق��در ي��وم� ًا �أن �أك��ون �شاهد عيان على‬ ‫اغتيال ال�شيخ ح�سن البنا‪� ،‬أي�ض ًا كنت �أنا‬

‫امل�سعف ال��ذي نقل النقرا�شي با�شا �إىل‬ ‫بيته بعد �أن �أُغتيل من اخللف وهو يركب‬ ‫م�صعد وزارة ال��داخ�ل�ي��ة‪� ،‬أك�ثر م��ا لفت‬ ‫نظري يف هذا احلادث والتقطته عيني‪،‬‬ ‫�شقة النقرا�شي املتوا�ضعة وحجرة نومه‬ ‫الب�سيطة‪.‬‬ ‫اغتيال ح�سن البنا ق�صة �صنع حولها‬ ‫الإخوان �أ�ساطري واتهموا فيها الإ�سعاف‬ ‫�إنها طرف يف م�ؤامرة اغتياله‪ ،‬رغم �أن‬ ‫الإ� �س �ع��اف ع�ل��ى م ��دار ت��اري�خ�ه��ا جمعية‬ ‫وطنية غري منحازة لفريق على ح�ساب‬ ‫فريق لي�س لها دخل بال�سيا�سة من قريب‬ ‫�أو بعيد‪ ،‬وال تقبل �أن ت�شرتك يف م�ؤامرة‬ ‫خ�سي�سة من هذا النوع‪ ،‬مر�شد الإخوان‬ ‫تعر�ض لالغتيال �أم��ام جمعية ال�شبان‬ ‫امل�سلمني يف �شارع رم�سي�س‪ ،‬املرافقون‬ ‫ل��ه حملوه ونقلوه للعيادة اخل��ارج�ي��ة يف‬ ‫الإ�سعاف علي الأقدام‪ ،‬خ�صو�ص ًا �أن هذا‬ ‫املكان يبعد عن املقر الرئي�س للإ�سعاف‬ ‫ن�صف حمطة �أتوبي�س‪ ،‬يف الطريق تعر�ض‬ ‫لفقد كمية كبرية من دمه‪ ،‬طبيعي جد ًا‬ ‫يف ظل الإم�ك��ان��ات ال�ضعيفة التي كانت‬


‫تعمل فيها الإ�سعاف يف الأربعينيات �أن‬ ‫ي�أمر الطبيب املناوب يف العيادة بنقله‬ ‫ف ��ور ًا �إىل الق�صر ال�ع�ي�ن��ي‪ ،‬ال�ستكمال‬ ‫عالجه جراحي ًا وا�ستخراج الر�صا�صة‪،‬‬ ‫وح �ت��ى يف ال �� �س �ي��ارة ون �ح��ن يف طريقنا‬ ‫للق�صر العيني‪ ،‬ماذا كنا منتلك �أن نفعل‬ ‫له‪�« ،‬شنطة الإ�سعاف» مل تكن جمهزة �إال‬ ‫لتقدمي الإ�سعافات الأولية‪ ،‬ويف الق�صر‬ ‫ال�ع�ي�ن��ي ل�ف��ظ ال�ب�ن��ا �أن�ف��ا��س��ه الأخ�ي�رة‪،‬‬ ‫ب��ال���س�لاح نف�سه ال��ذي ا�ستخدمه �ضد‬ ‫خ�صومه ال�سيا�سيني‪� ،‬سالح االغتياالت‬ ‫�أل �ي ����س ه��و م��ن �أم ��ر بت�شكيل التنظيم‬ ‫اخلا�ص للإخوان ال��ذي اغتال القا�ضي‬ ‫«اخلزندار» ورئي�سي الوزراء �أحمد ماهر‬ ‫والنقرا�شي‪ ،‬ودب��روا �أك�ثر م��ن م��ؤام��رة‬ ‫الغ�ت�ي��ال ال�ن�ح��ا���س ب��ا��ش��ا‪ ،‬ل�ك��ن العناية‬ ‫الإلهية �أنقذته منها‪ ،‬البنا �صدقت فيه‬ ‫املقولة ال�شهرية «من قتل يقتل ولو بعد‬ ‫حني»‪ .‬وعلى فكرة ال ت�صدقوا �أكذوبة �أن‬ ‫الإخوان كانوا جزء ًا من احلركة الوطنية‬ ‫امل�صرية قبل ثورة يوليو‪ ،‬الإخ��وان طول‬ ‫عمرهم خنجر يف ظهر احلركة الوطنية‪،‬‬ ‫و� �س�لاح امل �ل��ك ال�ب��اط����ش ��ض��د خ�صومه‬ ‫ال�سيا�سيني خ���ص��و��ص� ًا ال��وف��د و�شباب‬ ‫م�صر الفتاة ومبنا�سبة م�صر الفتاة‪،‬‬ ‫املنا�ضل الكبري �أحمد ح�سني‪ ،‬عندما علم‬ ‫ب�أن امللك فاروق يرتب زيارة �إىل ق�صر‬ ‫الأمرية �شويكار يف �شربا‪ ،‬الق�صر الذي‬ ‫حت��ول الآن �إىل كلية زراع��ة جامعة عني‬ ‫�شم�س‪� ،‬أخ��ذ �أحمد ح�سني جمموعة من‬ ‫فقراء وب�سطاء م�صر وا�ستقبلوا فاروق‬ ‫ع�ل��ي ك��وب��ري «ال�ل�ي�م��ون» ك��وب��ري ��ش�برا‪،‬‬ ‫ورف�ع��وا الفتات مكتوب عليها «رعاياك‬ ‫يا موالنا»‪ ،‬ومت ن�شر �صور التظاهرة يف‬ ‫جريدة اال�شرتاكي‪ ،‬التي كان ي�صدرها‬ ‫ح��زب «م���ص��ر ال �ف �ت��اة»‪ ،‬و�أح��دث��ت دوي � ًا‬ ‫�سيا�سي ًا رد عليه ال�شيخ املنا�ضل «!!»‬ ‫ح�سن البنا بزيارة �إىل ق�صر عابدين‪،‬‬ ‫ك �ت��ب يف دف�ت�ر ال�ت���ش��ري�ف��ات «�إذا ك��ان‬ ‫ال�شعب �ضد امللك‪ ،‬اهلل مع امللك»‪ ،‬منطق‬ ‫يتفق مت��ام � ًا م��ع م��وق��ف امل��ر��ش��د ال�ث��اين‬

‫اله�ضيبي من الإجنليز؟‪.‬‬ ‫ب �ع��د �إل� �غ ��اء ح �ك��وم��ة ال ��وف ��د م �ع��اه��دة‬ ‫‪ ،1936‬كتب اله�ضيبي مقا ًال يف جريدة‬ ‫«اجلمهور امل�صري» معناه �أعمال العنف‬ ‫ال تخرج الإجنليز من البالد؟ �إن واجب‬ ‫احلكومة �أن تفعل ما يفعله الإخ��وان من‬ ‫تربية ال�شعب و�إعداده فذلك هو الطريق‬ ‫وجه كالمه‬ ‫لإخراج الإجنليز‪ ،‬بعد ذلك ّ‬ ‫ل�ل��إخ��وان يف ال���ش�ع��ب املختلفة ق��ائ� ً‬ ‫لا‪:‬‬ ‫«�أذه��ب��وا واع �ك �ف��وا ع�ل��ى ت�ل�اوة ال �ق��ر�آن‬ ‫ال�ك��رمي»‪ ،‬بعد ه��ذا املقال الف�ضيحة رد‬ ‫عليه الكاتب خالد حممد خالد مبقال يف‬ ‫«روزاليو�سف»‪�« ..‬أب�شر بطول �سالمة يا‬ ‫ج��ورج»‪ ،‬نعى فيه علي الإخ��وان موقفهم‬ ‫املتخاذل وذك��ر املر�شد العام للإخوان‬ ‫امل�سلمني بتقدمي الر�سول الكرمي �صلى‬ ‫اهلل عليه و�سلم لفري�ضة اجل�ه��اد على‬ ‫غريها من الفرائ�ض‪ .‬فري�ضة اجلهاد‬ ‫الإخ��وان �ي��ة مل يطبقوها �إال يف ال��داخ��ل‬ ‫ع�ل��ى امل���ص��ري�ين الأب ��ري ��اء‪،‬ال مي�ك��ن �أن‬ ‫�أن�سى م�شهد ًا ع�سكري ًا‪ ،‬املرور الذي قتل‬

‫يف �أح��د االنفجارات الإخوانية وقطعت‬ ‫ر�أ�سه‪ ،‬ومل جندها �إال بعد �ساعتني من‬ ‫البحث يف الأماكن القريبة من احلادث‪،‬‬ ‫لكن �أكرث امل�شاهد �إثارة يف �إحدى املرات‬ ‫ك��ان البولي�س ي�ط��ارد خلية �إخ��وان�ي��ة يف‬ ‫رو� ��ض ال �ف��رج‪ ،‬وب �ع��د �أن ��ض�ي��ق عليهم‬ ‫احل�صار يف �إح��دى ال�ع�م��ارات �أخ��رج��وا‬ ‫امل�سد�سات وقتلوا بع�ضهم بع�ض ًا حتى ال‬ ‫يتم �إلقاء القب�ض عليهم‬ ‫م�شاهد احل��زن ال�ت��ي عا�شها وال��دي‪،‬‬ ‫�شحنتني بطاقة غ�ضب نحو هذا التنظيم‬ ‫ال��دم��وي‪ ،‬لدرجة و�أن��ا �أجمع الأوراق يف‬ ‫مكانها وجدت �أبويا يجل�س على مقعده‬ ‫امل �ح �ب��ب يف احل �ج��رة ت �ب��ادل �ن��ا ن �ظ��رات‬ ‫�أف�ه�م�ه��ا ج �ي��د ًا خ��وف وحت��ذي��ر �أن �ق��ذوا‬ ‫م �� �ص��ر‪ ،‬م���ص��ر ال �ت��اري��خ واجل �غ��راف �ي��ا‪،‬‬ ‫والأزه ��ر وج��ام�ع��ة ال�ق��اه��رة‪ ،‬م�صر طه‬ ‫ح�سني والعقاد ولوي�س عو�ض و�أم كلثوم‬ ‫وعبد الوهاب وخمتار ويو�سف �شاهني‪،‬‬ ‫م�صر ال�سيدة زينب و�سانت تريز‬


‫مجلس العلوم‬ ‫‪114‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫مارس‬ ‫‪2013‬‬

‫عدل �شكل وم�ساحـة‬ ‫ُت ِّ‬ ‫وزاويــــــة �أجنحتهــــا‬ ‫وفق ًا لظروف الطق�س‬

‫الصقور‪..‬‬ ‫أسماك طائرة‬


‫�إعداد ‪ -‬جورج فهيم‬ ‫مهارة ال�صقور يف الطريان تتفوق على ما توفره �أكرث النظم املالحية تقدماً يف العامل للطائرات‬ ‫من �سرعة‪ ،‬وحتكم‪ ،‬وثبات‪ ،‬وقدرة على املناورة‪ ،‬وتعديل الأو�ضاع‪ ،‬وا�ستهالك �أقل قدر ممكن من‬ ‫الطاقة‪ ،‬وذلك وفقا لدرا�سات علمية حديثة ت�سعى حلل لغز براعة ال�صقور يف الطريان‪.‬‬ ‫كابينة القيادة يف �أي طائرة حديثة مدججة‬ ‫بع�شرات بل مئات الأج�ه��زة وم�ع��دات القيا�س‬ ‫املتطورة والتي توفر للطيار �سي ًال من املعلومات‬ ‫احليوية للطريان مثل �سرعة الطريان الأفقية‬ ‫والر�أ�سية و�شدة الرياح وكثافة الهواء وال�ضغط‬ ‫وزاوي��ة االنحراف ودرج��ة احل��رارة وغريها من‬ ‫امل�ؤ�شرات ال�ضرورية للطريان‪ ،‬وبالرغم من ذلك‬ ‫ف�إن كافة هذه الأجهزة واملعدات ال ت�ستطيع �أن‬ ‫توفر للطيار القدرة على املناورة بطائرته مثلما‬ ‫تفعل ال�صقور‪.‬‬

‫ُخلق ليطري‬

‫ج�سم ال�صقر م�صمم من الناحية الت�شريحية‬ ‫ب�صورة ت�ساعده على الطريان‪ ،‬فبعك�س عظام‬ ‫الإن�سان التي متتلئ بالنخاع‪ ،‬ف�إن عظام ال�صقر‬ ‫جم��وف��ة‪ ،‬مم��ا يجعلها �أك�ثر خفة‪ ،‬والأه ��م من‬ ‫ذل��ك ف���إن ع�ظ��ام �أرج ��ل ال�صقر ت�ضم مئات‬ ‫احلوي�صالت الهوائية الدقيقة املرتبطة بالرئتني‪،‬‬

‫وعندما يتنف�س ال�صقر متتلئ احلوي�صالت‬ ‫الهوائية بالهواء مما مينح ال�صقر قدرة �أكرب‬ ‫على الطريان‪.‬‬ ‫والهيكل العظمي لل�صقر م�صمم بعناية فائقة‬ ‫لينا�سب الطريان‪ ،‬ف�أغلب عظام الهيكل العظمي‬ ‫متحدة مع ًا يف كتلة عظمية واحدة‪ ،‬و بها عوار�ض‬ ‫مت�صلة بالع�ضالت امل�س�ؤولة عن حتريك الأجنحة‬ ‫«‪ ،»Ossification‬كما �أن الفقرات النهائية لذيل‬

‫التركيب التشريحي‬ ‫للهيكل العظمي‬ ‫للصقر يتكامل مع‬ ‫الجهازين الدوري‬ ‫والتنفسي بطريقة توفر‬ ‫له سي ً‬ ‫ال ال ينضب من‬ ‫األوكسجين الذي يسمح‬ ‫له بالطيران لمسافات‬ ‫طويلة‬

‫ال�صقر ملتحمة ع�ضوي ًا م��ع الكتلة العظمية‬ ‫ب�صورة جتعل ذيل ال�صقر �أكرث قدرة علي حمل‬ ‫ري�ش الذيل «‪ ،»Pygostyle‬ونتيجة لذلك ف�إن‬ ‫ال�صقر لديه ع��دد ًا �أقل من العظام مقارنة مع‬ ‫بقية الطيور الأر�ضية التي ال تطري‪.‬‬ ‫وبالإ�ضافة �إىل ما �سبق ف ��إن الهيكل العظمي‬ ‫لل�صقر ال ميثل ��س��وي ن�سبة �ضئيلة م��ن وزن‬ ‫ال�صقر خالل الطريان وهذه الن�سبة تقل على‬ ‫�سبيل امل�ث��ال ع��ن وزن ال��ري����ش ال��ذي ميثل يف‬ ‫املتو�سط ن�سبة ‪ % 20‬من وزن ال�صقر فيما متثل‬ ‫الع�ضالت ن�سبة ‪ % 50‬من وزن ال�صقر‪ ،‬ورغم‬ ‫�أن الهيكل العظمي لل�صقر خفيف الوزن‪� ،‬إال �أنه‬ ‫ميتاز بالقوة بطريقة جتعله ق��ادر ًا على حتمل‬ ‫ال�ضغوط امل�صاحبة للإقالع والهبوط والتحليق‪.‬‬ ‫وب�صفة عامة فان ال�صقر ميتلك �أكرث من ‪175‬‬ ‫نوع ًا من الع�ضالت للتحكم يف الأجنحة والذيل‬ ‫والأرج��ل‪ ،‬تعد الع�ضلة ال�صدرية امل�س�ؤولة عن‬ ‫التحكم يف حركة الأجنحة �أقوى هذه الع�ضالت‬


‫مجلس العلوم‬ ‫‪116‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫مارس‬ ‫‪2013‬‬

‫«جورنال اوف اك�سربمينتال بيولوجي» «‪Journal‬‬ ‫‪� ،»of Experimental Biology‬أك�ثر من ‪36‬‬

‫على الإط�ل�اق «‪ ،»Pectoral Muscle‬وه��ذه‬ ‫الع�ضالت ت�شكل يف جمموعها ن�سبة ترتاوح بني‬ ‫‪ % 15‬و‪ % 20‬من وزن ال�صقر عند الطريان‪.‬‬ ‫ويف احلقيقية ف�إن الرتكيب الت�شريحي للهيكل‬ ‫ال�ع�ظ�م��ي لل�صقر ي�ت�ك��ام��ل ب�براع��ة م��ع عمل‬ ‫اجل�ه��ازي��ن ال���دوري والتنف�سي بطريقة توفر‬ ‫لل�صقر معدل متثيل غذائي مرتفع و�سي ًال ال‬ ‫ين�ضب من الأوك�سجني الذي ي�سمح له بالطريان‬ ‫مل�سافات طويلة‪.‬‬

‫القدرات املالحية التي تتوافر لل�صقر وتكتيكات‬ ‫ال�ط�يران التي يطبقها تفوق مبئات امل��رات ما‬ ‫يتوافر لغريه من الطيور‪ ،‬وهذا ما ك�شفت عنه‬ ‫درا�سة �أجرها فريق بحثي من ق�سم الأبحاث‬ ‫التجريبية احل�ي��وان�ي��ة بجامعة «فيجينجني»‬ ‫«‪ ،»Wageningen‬برئا�سة الربوفي�سور دي‬ ‫النتيك‪ ،‬وبالتعاون مع ق�سم هند�سة الطريان‬ ‫بجامعة دلفت «‪.»Delft‬‬ ‫وق��د �شملت ال��درا� �س��ة ال�ت��ي ن�شرت يف دوري��ة‬

‫ب�صفة عامة ت�ستطيع الطيور اال�ستفادة من‬ ‫ال �ت �ي��ارات ال�ه��وائ�ي��ة لتظل ط��اف�ي��ة يف ال �ه��واء‬ ‫لفرتات طويلة دون احلاجة لتحريك �أجنحتها‪،‬‬ ‫ويف ال��واق��ع ف ��إن ديناميكية احل��رك��ة الهوائية‬ ‫«‪ »Aerodynamics‬حت��دد �إىل �أي م�سافة‬ ‫ولأي م��دة ي�ستطيع الطائر �أن ينزلق وم��دى‬ ‫قدرته على معاودة االرتفاع مرة �أخ��ري‪� ،‬إال �أن‬

‫يمتلك الصقر أكثر من‬ ‫‪ 175‬نوع ًا من العضالت‬ ‫للتحكم في األجنحة‬ ‫والذيل واألرجل‪ ،‬أقواها‬ ‫على اإلطالق العضلة‬ ‫الصدرية المسؤولة‬ ‫عن التحكم في حركة‬ ‫األجنحة‬

‫تكتيكات الطريان‬

‫نوع ًا من ال�صقور مت ر�صد قدرتها وتكنيكاتها‬ ‫يف الطريان من خالل �إطالقها يف نفق للتقلبات‬ ‫الهوائية بطول ‪ 5‬كيلومرتات يغذى بتيارات هوائية‬ ‫متقبلة من خالل �شبكة من املراوح املوجودة على‬ ‫اجلانبني وعند مدخله ونهايته‪ ،‬ويتم مراقبة‬ ‫النفق من الداخل ب�سل�سلة من كامريات الفيديو‬ ‫عالية الو�ضوح والدقة لر�صد التغيري يف تكتيكات‬ ‫الطريان التي تطبقها ال�صقور عندما ت�صادف‬ ‫موجات متباينة ال�شدة من اال�ضطرابات الهوائية‬ ‫داخل النفق‪.‬‬ ‫ويقول الربوفي�سور دي النتيك ال��ذي قاد فريق‬ ‫البحث �إن ق��وان�ين احل��رك��ة الهوائية تقوم يف‬ ‫الأ��س��ا���س على حتقيق امل�ع��ادل��ة املثلى مل�ساحة‬ ‫الأج�ن�ح��ة و�شكلها وزاوي ��ة االن ��زالق وال�سرعة‬ ‫واالرتفاع‪ ،‬م�شري ًا �إىل �أن ال�صقر ميتلك مهارة‬ ‫فائقة يف حتقيق التكامل بني قوانني احلركة‬ ‫ال �ه��وائ �ي��ة ل�لا��س�ت�ف��ادة م��ن ظ���روف ال �ط�يران‬ ‫املحيطة‪ .‬وت�ستطيع ال�صقور اختيار م�ساحة‬ ‫اجلناح من بني خم�سة و�ضعيات متعارف عليها‬ ‫هي «‪ »5‬و«‪ »15‬و«‪ »30‬و«‪ »40‬و«‪،»50‬‬ ‫ويو�ضح الربوفي�سور النتيك �أن ال�صقور ت�ستخدم‬ ‫تكتيكات خمتلفة لتحقيق هذا الهدف مثل تغيري‬ ‫�شكل اجلناح وزاوي��ة الهجوم وال�سرعة‪ ،‬وعلى‬ ‫�سبيل املثال ف�إن ال�صقور ت�ستطيع فرد �أجنحتها‬ ‫يف و�ضعية االمتداد الكامل التي يرمز لها بالرقم‬ ‫«‪� »5‬أو يف و�ضعية االمتداد الن�صفي التي يرمز لها‬ ‫بالرقم «‪.»50‬‬ ‫وقد وجد فريق البحث �أن االنتقال بني الو�ضعيتني‬ ‫ي�ؤدي �إىل خف�ض م�ساحة جناح ال�صقر مبقدار‬ ‫الثلث وهذا التكتيك يعطي لل�صقر قدرة �أكرب‬ ‫على الت�أقلم مع �سرعة واجت��اه الرياح‪ ،‬ب�صورة‬ ‫تزيد م��ن ق��درت��ه على االرت �ف��اع وتقليل معامل‬ ‫االحتكاك ومقاومة الهواء مقارنة مع الطيور التي‬ ‫ال تتمتع بخا�صية تعديل �أو�ضاع �أجنحتها‪.‬‬ ‫وي�شري الربوفي�سور مارك فانديك الذي �شارك‬ ‫يف الدرا�سة �إىل �أن ق��درة ال�صقور يف التحكم‬ ‫يف ديناميكيات احلركة الهوائية من خالل تغري‬ ‫�شكل وم�ساحة وحت��دب الأجنحة يجعلها قادة‬ ‫على ال �ط�يران مل�سافات �أط ��ول ب��دون احلاجة‬


‫�إىل حتريك �أجنحتها وهو ما ي�سمي باالنزالق‬ ‫«‪ ،»Gliding‬ومن ثم تقلي�ص الطاقة واجلهد‬ ‫امل�ستهلك يف عملية الطريان‪.‬‬ ‫وي�ضيف الربوفي�سور مارك �أن الأجنحة املمتدة‬ ‫متثل �أف�ضل و�ضعية لالنزالق فيما متثل الأجنحة‬ ‫ن�صف املطوية �أف�ضل و�ضعية للنزول العمودي‪،‬‬ ‫م�شري ًا �إىل �أن ال�صقور حتدد م�ساحة اجلناح‬ ‫وزاويته مع اجل�سم و�شكل تداخل الري�ش وفق ًا‬ ‫مل�ستوى �سرعة ال �ط�يران املطلوبة وال�ظ��روف‬ ‫اجلوية ال�سائدة وخا�صة �سرعة الرياح‪.‬‬

‫قائمة االختيارات‬

‫وفقا لنتائج الدرا�سة ف��إن االن��زالق يف و�ضعية‬ ‫الأجنحة املطوية �أك�ثر فاعلية يف ظل �سرعات‬ ‫الطريان العالية‪� ،‬أما و�ضعية الطريان ب�أجنحة‬ ‫كاملة االمتداد فيكون �أكرث فاعلية خالل �سرعات‬ ‫الطريان املنخف�ضة‪.‬‬ ‫وعلي �سبيل املثال ف�إن كفاءة طريان ال�صقر تزيد‬ ‫بن�سبة ‪ % 70‬عند الطريان ب�سرعة ‪ 20‬مرت‪/‬ثانية‬ ‫يف و�ضعية الأجنحة ن�صف املطوية مقارنة مع‬ ‫و�ضعية الأجنحة كاملة االمتداد‪ ،‬وعلى النقي�ض‬ ‫من ذلك ف�إن انخفا�ض ال�سرعة �إىل �أقل من ‪10‬‬ ‫مرت‪/‬ثانية يرفع كفاءة االنزالق بن�سبة ‪ % 50‬يف‬ ‫و�ضعية الأجنحة املمتدة‪.‬‬ ‫ووف�ق� ًا لنتائج الدرا�سة ف ��إن و�ضعية الأجنحة‬ ‫ن�صف املطوية مت ّكن ال�صقر من حتمل قدر �أكرب‬ ‫من ال�ضغوط عن االنعطاف ال�سريع‪� ،‬أما يف حالة‬ ‫االنزالق يف خط م�ستقيم ب�سرعة ثابتة ف�إن كمية‬ ‫ال�ضغوط التي تتعر�ض لها �أجنحة ال�صقر تكون‬ ‫م�ساوية لكتلة ال�صقر‪ ،‬وهذا يرجع �إىل �أن زاوية‬ ‫ال�ط�يران ال ت�ؤثر فقط على ال�سرعة الر�أ�سية‬ ‫للطريان‪ ،‬و�إمن��ا �أي�ض ًا على ال�سرعة الأفقية‬ ‫للطريان‪.‬‬

‫�صناعة الطريان‬

‫تتفق نتائج ال��درا� �س��ة ال�ت��ي �أج��راه��ا العلماء‬ ‫الهولنديون مع نتائج درا��س��ة مماثلة �أجراها‬ ‫الربوفي�سور فان�س توكر والربوفي�سور كارلتون‬ ‫هاين من ق�سم الأبحاث احليوانية بجامعة ديوك‬ ‫بالواليات املتحدة‪ ،‬والتي �أ�شارت �إىل �أن امتداد‬

‫جناحي ال�صقر يتقل�ص يف حالة زيادة �سرعة‬ ‫الطريان وزاوية االنزالق‪.‬‬ ‫ورمبا كان اتفاق العلماء على �أن تفوق القدرات‬ ‫املالحية التي يتمتع بها ال�صقر وبراعة ودقة‬ ‫تكتيكات الطريان التي يطبقها هو ما دفع خرباء‬ ‫الطريان يف مركز «دراي دين »بوكالة الف�ضاء‬ ‫الفيدرالية الأمريكية «نا�سا» لتطوير طائرة‬ ‫ا�ستطالع ب��دون طيار اع�ت�م��اد ًا على مهارات‬

‫تستطيع الصقور اختيار‬ ‫مساحة الجناح من‬ ‫بين خمسة وضعيات‬ ‫وتستخدم تكتيكات‬ ‫مختلفة مثل تغيير‬ ‫شكل الجناح وزاوية‬ ‫الهجوم والسرعة‬ ‫لتحقيق التكامل بين‬ ‫قوانين الحركة الهوائية‬

‫ال�صقر وتكتيكاته يف الطريان‪.‬‬ ‫وت�ستطيع الطائرة التي حتمل ا�سم «‪Global‬‬ ‫‪� ،»Hawk‬أو ال�صقر ال �ك��وين التحليق على‬ ‫ارتفاعات عالية اعتماد ًا علي تغيري م�ساحة‬ ‫و�شكل الأجنحة‪ ،‬ويتم التحكم يف الطائرة التي‬ ‫ت�صل حمولتها �إىل‪ 900‬كيلوجرام بوا�سطة‬ ‫«الرميوت كونرتول» من قاعدة �أر�ضية‪ ،‬وميكن‬ ‫للطائرة قطع م�سافة ‪� 20‬ألف كيلومرت والتحليق‬ ‫على ارتفاع ‪� 200‬ألف مرت‪.‬‬ ‫وي�ق��ول اخل�براء ال��ذي��ن �ساهموا يف ت�صميم‬ ‫الطائرة �إن اقتبا�س تكتيكات الطريان التي‬ ‫يطبقها ال�صقر وب�صفة خا�صة االنزالق ميكن‬ ‫�أن ي�سهم يف تطوير هياكل جيل جديد من‬ ‫الطائرات والأجهزة املالحية‪ ،‬ب�صورة ت�ؤدي‬ ‫�إىل خف�ض كبري يف كمية وتكلفة الوقود الذي‬ ‫حتتاجه الطائرة لقطع الرحلة‪ ،‬وبالتايل احلد‬ ‫من تلوث البيئة‬


‫تراث الشعوب‬ ‫‪118‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫�أبناء ال�شم�س‬

‫الواق الواق ‪..‬‬

‫بالد الكنوز المقدسة‬ ‫علي كنعان‬

‫�شاعر وباحث �سوري‬

‫فاج�أتني طوكيو منذ الليلة الأوىل‪ ،‬فقد �صحوت قبيل ال�ساد�سة �صباحاً على‬ ‫�أ�صوات الغربان املع�ش�شة يف �أ�شجار احلديقة املجاورة‪ ،‬وخيل �إ ّ‬ ‫يل �أن �أجدادنا �أطلقوا‬ ‫على اليابان جزر «الواق واق»‪ ،‬من وحي تلك اجلوقة ال�صباحية وداللة عليها‪.‬‬ ‫ويف �إحدى اجلل�سات االحتفالية بنهاية �أ�سبوع‬ ‫العمل الأكادميي من م�ساء اجلمعة يف مكتب‬ ‫الأ�ستاذ نوتاهارا‪ ،‬رئي�س ق�سم اللغة العربية‬ ‫يف جامعة طوكيو للدرا�سات الأجنبية‪ ،‬طرحت‬ ‫فكرتي ه��ذه بني لفيف من الأ��س��ات��ذة‪ ..‬وقد‬ ‫�أدىل ك��ل واح��د منهم ب��دل��وه‪ .‬لكن الأ�ستاذ‬ ‫نوتاهارا قال‪« :‬يف تقديري �أن الكلمة م�أخوذة‬ ‫من كلمة «واك��و» يف اللغة اليابانية القدمية‪،‬‬ ‫والكلمة تعني «قر�صان �أو قرا�صنة» ‪ -‬املفرد‬ ‫واجلمع واح��د يف اليابانية‪ .‬ك��ان �أج��دادك��م‬ ‫ي�سافرون يف �سفن �صينية‪ ،‬وحني يلمح البحارة‬ ‫مركب ًا للقرا�صنة اليابانيني كانوا ي�صيحون‪:‬‬ ‫«واكو‪ ..‬واكو»! وقد اختزن �أجدادكم الكلمة يف‬ ‫ذاكرتهم ون�سجوا حولها عديد ًا من الأ�ساطري‪.‬‬ ‫ومن هنا‪ ،‬على ما يبدو‪ ،‬جاءت الـ «واق واق»‪.‬‬ ‫ومعروف �أن القرا�صنة اليابانيني كانوا رجا ًال‬ ‫�أ��ش��داء‪ ،‬ق�صار القامة‪ ،‬مكتنزي الأج�سام‪،‬‬ ‫وبحارة ال�سفن التجارية كانوا حري�صني على‬ ‫االبتعاد عنهم وجتنب اال�شتباك معهم التقاء‬ ‫�شرهم و�إيثار ال�سالمة»‪.‬‬ ‫وم��ن يع�ش يف اليابان ي��درك �أهمية ال�تراث‬ ‫و�أ�ساطري الأولني يف حياة ذلك ال�شعب املتميز‬

‫واال�ستقرار‪ .‬وقد زودته اجلدة بالكنوز الثالثة‬ ‫املقد�سة‪ :‬ال�سيف وامل��ر�آة واجلوهرة‪ .‬ال�سيف‬ ‫رمز الرجل والقوة وال�شجاعة‪ ،‬وامل��ر�آة رمز‬ ‫املر�أة وال�صفاء واالكت�شاف‪ ،‬واجلوهرة ت�شبه‬ ‫ثمرة الكاجو الهندية ‪ Cashew‬وير�سمونها‬ ‫منحن‬ ‫دائرة مفلطحة ومق�سومة طوالني ًا بخط ٍ‬ ‫�إىل ما ي�شبه ح َّبت َْي فا�صوليا ت�شكل رمز ًا للمر�أة‬ ‫وال��رج��ل م�ع� ًا‪ ،‬وت�ك��ون ن��وات�ه��ا رم��ز اجلنني‪.‬‬ ‫والأ�صل ال�صيني لهذه اجلوهرة وا�ضح �إذ �إنها‬ ‫ترمز �إىل «االن�سجام والتكامل الإن�ساين»‪.‬‬

‫بكفاحه اليومي و�إبداعاته العلمية الرائعة على‬ ‫م�ستوى العامل‪ .‬ومن خالل جتربة حية امتدت‬ ‫ث�لاث ��س�ن��وات‪ ،‬يبدو يل �أن عظمة اليابان‬ ‫نابعة من عظمة املر�أة – الأم حتديد ًا‪ .‬ولنبد�أ‬ ‫باحلكاية من الينبوع‪:‬‬ ‫اليابان ‪�Nihon‬أو ‪ Nippon‬تعني يف اللغة‬ ‫اليابانية «م�صدر ال�شم�س» �أو«بالد ال�شم�س»‪،‬‬ ‫وهذا يعني �أن ذلك ال�شعب املبدع الد�ؤوب من‬ ‫�أبناء ال�شم�س‪ .‬ونتابع الأ�سطورة من جذورها‬ ‫ال�ع�م�ي�ق��ة‪� :‬إن رب��ة ال�شم�س العظمى ذات‬ ‫الإ�شراق ال�سماوي �أماترا�سو ‪Amaterasu-ō-‬‬ ‫‪ mikami‬هي الأم الأوىل لهذا ال�شعب‪ ،‬وهي املر�أة هي الأ�سا�س‬ ‫التي �أر�سلت حفيدها نينيغي ‪ Ninigi‬ليخل�ص وما ت��زال امل��ر�أة – الأم �أو الأخ��ت الكربى ‪-‬‬ ‫الأر� ��ض م��ن الأ� �ش��رار ويعيد �إليها ال�سالم هي امل�س�ؤولة عن البيت الياباين و�ش�ؤونه وعن‬ ‫تربية الأوالد وتعليمهم حتى ينتهوا من املرحلة‬ ‫من يعش في اليابان‬ ‫الثانوية‪ .‬فاجلامعة هي بدء انطالق الفرخ‬ ‫يدرك أهمية التراث‬ ‫م��ن الع�ش احلميم ال��ذي ت��رع��اه الأم‪ .‬وكم‬ ‫�سهرت مع �صديق ر�سام يف جانب من ال�صالة‬ ‫وأساطير األولين في‬ ‫ال�صغرية‪ ،‬بينما كانت الأم تراقب درا�سة‬ ‫حياة ذلك الشعب‬ ‫المتميز بكفاحه اليومي طفلتها‪ ،‬والأب �سارح يتحدث معي �أو يراقب‬ ‫التلفزيون ويده ال يفارق الك�أ�س‪ ،‬وك�أن الأمر ال‬ ‫وإبداعاته العلمية‬ ‫يعنيه‪ .‬وال تكاد الأم تنتهي من �إ�شرافها على‬

‫الرائعة على مستوى‬ ‫العالم‬


‫درا�سة الأط�ف��ال‪ ،‬حتى تتناول جملة خا�صة‬ ‫ب ��أل��وان ال�ط�ع��ام لتختار ال��وج�ب��ة املنا�سبة‪،‬‬ ‫وخا�صة �أن الفطور هو الوجبة الرئي�سة هناك‪،‬‬ ‫كما هو بني الفالحني يف ق��رى ب�لاد ال�شام‪.‬‬ ‫ولإعداد هذه الوجبة ال�صباحية املتنوعة‪ ،‬على‬ ‫الأم �أن ت�صحو من اخلام�سة لت�سابق الوقت‪.‬‬ ‫وال�سنة الأوىل يف اجلامعة حافلة بتعليم الطلبة‬ ‫مبادئ احلياة الأوىل ليكونوا رج��ا ًال ون�ساء‬ ‫يعتمد عليهم ال��وط��ن بعد التخرج بكل ثقة‬ ‫وكفاءة واطمئنان‪ .‬وت�شكل الرحالت اجلامعية‬ ‫�أ�سا�س ًا ومنطلقا ملرحلة الن�ضج واالكتمال‪ ،‬كما‬ ‫�أن حفلة التخرج يف �آخر العام ت�شكل �أجمل‬ ‫مهرجان جماعي تزينه ال�صبايا ب�أزيائهن‬ ‫التقليدية «الكيمونو» ب�ألوانه الزاهية و�أ�سعاره‬ ‫الفلكية التي ي�صل بع�ضها �إىل ع�شرين �ألف‬ ‫دوالر! لذلك ت�ؤثر الطالبات ا�ستئجار ذلك‬ ‫ال��زي يف حفلة التخرج‪ ،‬وهو زي بهي مزين‬ ‫ب�صور الأزهار والطيور املقد�سة‪ ،‬ومنها طائر‬

‫تقول األسطورة إن أميرة‬ ‫النسيج وقعت في حب‬ ‫راعي القطيع فشغلهما‬ ‫كم‬ ‫الحب عن العمل ف ُ‬ ‫ح ِ‬ ‫عليهما باالنفصال وال‬ ‫يلتقيان إال يوم ًا واحد ًا‬ ‫في السنة‬ ‫الكركي �أو الغرنوق اجلميل «ت�سورو»‬ ‫ال��ذي يعتقدون �أن��ه يعي�ش �أل��ف �سنة‪ ،‬وترى‬ ‫الأطفال ي�شكلون مناذج ورقية منه التما�س ًا‬ ‫ل�شفاء مري�ض عزيز عليهم‪ .‬ويعتقدون �أي�ضا‬ ‫�أن ال�سلحفاة تعي�ش ع�شرة �آالف �سنة‪.‬‬ ‫الرتبية تبد�أ من رعاية اجلنني وهو يف �أح�شاء‬ ‫�أم��ه‪ :‬على الأم احلامل �أن تتجنب الأ�صوات‬ ‫واملناظر امل��ؤذي��ة‪ ،‬و�أن ت�ستمع �إىل املو�سيقى‬ ‫الهادئة العذبة‪ ،‬وت�ستمتع مب�شاهدة الأ�شياء‬ ‫املريحة اجلميلة حتى ال ت�سيء للكائن املتنامي‬ ‫يف رحمها‪ .‬وحني تعمل يف �إحدى امل�ؤ�س�سات‪،‬‬ ‫كما يعمل زوج�ه��ا‪ ،‬ف�إنها تظل م�س�ؤولة عن‬ ‫تربية الأبناء وتعليمهم‪ ،‬كما �أنها م�س�ؤولة عن‬ ‫تدبري �ش�ؤون البيت‪.‬‬ ‫وي �ب��دو �أن للملح قيمة رم��زي��ة ال تخلو من‬ ‫قدا�سة‪ ،‬كما هي احلال يف تقاليدنا‪ .‬فاملر�أة‬ ‫التي ت�ضطر حل�ضور جنازة قريب �أو �صديق ال‬ ‫تدخل بيتها �إال بعد �أن تخرج �صرة ملح �صغرية‬ ‫من حقيبتها وتر�ش منه ذرات دفع ًا لل�شر‪.‬‬ ‫وبامل�صادفة الغريبة �أين كنت على موعد مع‬ ‫ال�صديق ال��ر��س��ام‪ ،‬وح�ين اق�ترب��ت م��ن بيته‬ ‫ملحت زوجته قادمة فانتظرت حتى اقرتبت من‬ ‫الباب‪ ،‬فتحته و�أخذت تر�ش امللح على العتبة‪،‬‬ ‫طالبة مني ال��دخ��ول قبلها‪ ..‬وح�ين ت��رددت‬ ‫اح�ت�رام�� ًا‪� ،‬أخ�برت�ن��ي �أن �ه��ا ك��ان��ت يف جنازة‬ ‫�صديقة لها وخيل �إليها �أن �شبح الغراب يحوم‬ ‫فوقها‪ ،‬وكان ال بد يل من املغامرة والدخول‬ ‫ملواجهة خطر ال�شبح املرتب�ص ب�شجاعة‪ ،‬وكان‬ ‫ال�صديق جال�س ًا �أمام التلفزيون ي�شاهد فيلم ًا‪،‬‬ ‫بعيد ًا عن ح�سرة ال�سيدة وحزنها‪.‬‬ ‫‪Tsuru‬‬

‫احلديث �س�ؤال عن زم��رة دم��ك وطالعك يف‬ ‫الأب� ��راج‪ ،‬م��ع العلم �أن �أب��راج�ه��م ال�صينية‬ ‫مرتبطة بال�سنني ال بال�شهور ك�أبراجنا‪ .‬فنحن‬ ‫اليوم يف �سنة الأف�ع��ى‪ ،‬وم��ن �أمثالهم‪«:‬قدم‬ ‫الأفعى» ومعناه‪� :‬شيء �أو عمل غري �ضروري‪.‬‬ ‫وقد فوجئت بانتقايل من برج احلمل �إىل برج‬ ‫اجل��رذ «نيزومي» ‪ .Nezumi‬ولهذه الأب��راج‬ ‫�أ�سطورة �صينية‪ ،‬فقد �أراد �إمرباطور الزمرد‬ ‫طريقة لقيا�س الوقت ف��أج��رى م�سابقة بني‬ ‫‪ 12‬حيوان ًا لعبور النهر �سباحة‪ ،‬فكان الثور‬ ‫يف املقدمة‪ ،‬ولكن الف�أر املاكر كان راكب ًا على‬ ‫ظهره وقبيل خروجه من امل��اء �إىل الياب�سة‬ ‫قفز الف�أر عنه و�سبقه �إىل الرب فكان الأول‬ ‫�أ�سطورة الأبراج‬ ‫ال�شاي الأخ�ضر م�شروبهم التقليدي ال�شهي وجاء الثور يف املرتبة الثانية‪ ،‬وكان اخلنزير‬ ‫وامل �ف �ي��د‪ ،‬وم �ن��ذ ال�ل�ق��اء الأول ي �ك��ون مفتاح اخلامل يف املرتبة الأخرية‪ ،‬بينما جاء ترتيب‬


‫تراث الشعوب‬ ‫‪120‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫طائرات ورقية على �شكل «ال�شبوط»‬

‫املعروف ب�شق البطن‪« :‬هاراكريي» ‪hara-kiri‬‬ ‫كانت اجلزر اليابانية مت�صلة بالرب الآ�سيوي‬ ‫قبل ‪� 40‬ألف �سنة‪ ،‬وبع�ضهم يقول منذ مئة �أو‬ ‫مئتي �ألف �سنة‪� .‬أما الآث��ار واللقى الفخارية‬ ‫املكت�شفة فت�شري �إىل ع�شرة �آالف �سنة قبل‬ ‫امليالد‪ .‬لقد �أخ��ذ ال�شعب الياباين الأبجدية‬ ‫من ال�صني كما جاءته البوذية منها والأبراج‬ ‫الفلكية وكثري من الأ�ساطري‪ ،‬وحتى النظام‬ ‫الإم�براط��وري‪ .‬لكن هذه الق�ضايا امل�ستعارة‬ ‫اكت�سبت مالحمها اليابانية وطبعت بهويتها‬ ‫الوطنية‪ ،‬و�إن بقي فيها ج��ذور و�أطياف من‬ ‫�أ�صولها الوافدة‪.‬‬

‫بارتياح �إىل تلك ال�سنة‪ ،‬وهم يتجنبون الزواج‬

‫ك�م��ا تتجنب الأم� �ه ��ات احل �م��ل خ��وف � ًا على عيد احلب‬

‫املت�سابقني كما يلي‪ :‬النمر‪ ،‬الأرن��ب‪ ،‬التنني‪،‬‬ ‫الأف�ع��ى‪ ،‬احل�صان‪ ،‬احلمل‪ ،‬القرد‪ ،‬الديك‪،‬‬ ‫الكلب‪ .‬و�إذا كان التنني يحتل مكانة مميزة‬ ‫يف الأ�ساطري ال�صينية‪ ،‬ف�إن للح�صان ميزة‬ ‫خا�صة يف ال�ي��اب��ان �إذ يطلقون عليه ا�سم‬ ‫«احل�صان الناري» كل �ستني �سنة‪� ،‬أي يف كل‬ ‫خم�س دورات فلكية‪ .‬واليابانيون ال ينظرون‬

‫�أطفالهن من ويالت تلك ال�سنة امل�ش�ؤومة‪.‬‬ ‫ورغ��م �أن�ه��م بلغوا امل��رات��ب العليا يف العلوم‬ ‫وال�صناعة والتكنولوجيا‪� ،‬إال �أن التقاليد‬ ‫االجتماعية املتوارثة مازالت �صارمة‪ .‬والزائر‬ ‫ال�غ��ري��ب ال يح�س بالتناق�ض ب�ين الأ��ص��ال��ة‬ ‫واحل���داث���ة‪ ،‬ل �ك��ن ك�ث�رة ح � ��وادث االن �ت �ح��ار‬ ‫ت�شري �إىل وجود �شرخ داخل النف�س الفردية‬ ‫واالجتماعية‪ ،‬و�إن كان االنتحار عندهم من‬ ‫ال�سمات الوراثية املعروفة يف تاريخهم حتى �إن‬ ‫لغتهم ت�ضم يف مفرداتها كلمة ‪ Shinjū‬وتعني‬ ‫االنتحار املزدوج وال �سيما انتحار احلبيبني‪،‬‬ ‫وهم ير�سمونها بالرموز ال�صينية «كاجني»‬ ‫ب�شكل م�ؤلف من مقطعني‪� :‬صورة قلب ‪Shin‬‬ ‫ومركز �أو و�سط ‪ Jū‬وك�أن الكلمة تعني ان�شطار‬ ‫القلب �إىل ن�صفني‪ .‬وهذا ال�شكل خمتلف طبع ًا‬ ‫عن االنتحار الفردي ‪ Jisatsu‬وهذا له �شكله‬ ‫املختلف يف الأب�ج��دي��ة‪ .‬وه��ات��ان الطريقتان‬ ‫خمتلفتان �أي�ضا عن انتحار ال�شرف البطويل‬

‫فلسفة رياضة «السومو»‬ ‫تقول‪ :‬إن لكل كائن‬ ‫وكل جرم في هذا‬ ‫الكون مجا ًال ومركز ثقل‪،‬‬ ‫فإذا اختل مركز ثقله‬ ‫سقط وانتهى وإذا خرج‬ ‫من مداره انتهى‬

‫عيد احلب عندهم يف اليوم ال�سابع من ال�شهر‬ ‫ال�سابع‪ /‬يوليو‪ ،‬وتقول الأ�سطورة �إن �أم�يرة‬ ‫الن�سيج «�أوري�ه�ي�م��ي»‪ ،‬وقعت يف ح��ب راع��ي‬ ‫القطيع «هيكوبو�شي»‪ .‬وقد �شغلهما احلب عن‬ ‫فح ِكم عليهما باالنف�صال ورفعا �إىل‬ ‫العمل ُ‬ ‫ال�سماء ليف�صل بينهما نهر امل�ج��رة‪ ،‬لذلك‬ ‫ال يلتقيان �إال يوما واح��دا يف ال�سنة‪ .‬وهما‬ ‫ميثالن يف الفلك العربي الن�سر الواقع والن�سر‬ ‫الطائر‪ .‬ويحتفل ال�شبان والفتيات بهذا العيد‬ ‫فيتوجهون �إىل احلدائق وال�ضواحي ليطلقوا‬ ‫الأ�سهم النارية يف اجلو لكي يدلوا العا�شقني‬ ‫على طريق ال�ع��ودة �إىل الأر� ��ض حتى ينعما‬ ‫بيوم من حبهما القدمي بعد معاناة �سنة من‬ ‫االنف�صال واحلرمان‪.‬‬ ‫ويبدو من هذه الأ�سطورة �أن للأرقام دالالتها‬ ‫الرمزية �أي�ض ًا‪ ،‬فالرقم ‪ 7‬مبارك وله مكانة‬ ‫خا�صة ك�أيام الأ�سبوع والف�ضائل ال�سبع والعديد‬ ‫من الرموز الأخ��رى‪ ،‬وحتى فيلم ال�ساموراي‬ ‫ال�سبعة من �أ�شهر الأعمال ال�سينمائية‪ .‬لكنهم‬ ‫ينفرون من الرقم ‪�« 4‬شي» لأن كلمة املوت‬ ‫حتمل اللفظ ذاته‪ ،‬لذلك ال ميكن �أن جتد هذا‬ ‫الرقم يف �أي من غرف امل�شايف وعنابرها‪ .‬كما‬ ‫�أن الرقم ‪ 9‬غري م�ستحب لأن لفظه م�شابه‬ ‫للأمل املربح والنزع الأخري‪.‬‬ ‫ك��ان��ت زه��رة اخل��وخ يف امل��ا��ض��ي ه��ي الرمز‬ ‫الوطني ال��ذي يحتفل بها ال�شعب‪ ،‬وكانت‬


‫اجلرذ املاكر ي�سبق الثور‬

‫ال�شبوط رمز ال�شباب‬

‫ت��رم��ز �إىل ال �ق��وة لأن �ه��ا تتم�سك بغ�صنها‬ ‫طويال‪ ،‬ثم �صارت زهرة الكرز «�ساكورا» هي‬ ‫الرمز الوطني اجلميل الذي يحتفلون بها يف‬ ‫احلدائق مع الربيع‪ ،‬و�إن كان عمرها ق�صريا‬ ‫ال يزيد عن �أ�سبوع‪ ،‬لكن �أ�شجارها تبد�أ بالتفتح‬ ‫يف �أوائل مار�س يف اجلنوب وتنتهي يف �أواخر‬ ‫�أب��ري��ل يف ال�شمال‪ .‬وه��ي كالزيزفون عندنا‬ ‫تزهر وال تثمر‪.‬‬ ‫احلكايات والأ�ساطري ال حت�صى‪ .‬يف مدينة‬ ‫ِن ُّكو اجلبلية اجلميلة نهر دايا‪ ،‬وقد حاول �أحد‬ ‫الكهنة مع ع�شرة من مريديه �أن يعربوه فت�شكل‬ ‫�أم��ام�ه��م ج�سر م��ن نبات ال�ب�ردي والأف��اع��ي‬ ‫املت�شابكة‪ ،‬وما يزال «اجل�سر املقد�س» قائما‪..‬‬ ‫�إمنا بال ثعابني‪ .‬و�سمك ال�شبوط «كوي» ‪Koi‬‬ ‫ال��ذي ي�سبح عك�س جمرى النهر يرمز للقوة‬

‫والن�شاط‪ ،‬واحتفا ًال به يعلقون �أعالم ًا ملونة‬ ‫ب�أ�شكال منه بدءا من �أبريل حتى �أوائل مايو‪،‬‬ ‫ويعتربونه رمز ًا لل�شباب يف عيدهم يف اخلام�س‬ ‫من مايو‪� .‬أم��ا الدمى �أو العرائ�س فهي ترمز‬ ‫للفتيات‪ ،‬ولها حكايتها الأ�سطورية املختلفة‪.‬‬ ‫طبيعة اليابان �ساحرة وال�شعب ميتاز بطيبة‬ ‫�إن�سانية مثلى‪ ،‬فطوال ثالث �سنوات مل �أ�شهد‬ ‫م�شاجرة‪ .‬ول�ع��ل مكنونات نفو�سهم �أجمل‬

‫كانت زهرة الخوخ في‬ ‫الماضي هي الرمز‬ ‫الوطني الذي يحتفل‬ ‫بها الشعب‪ ،‬وكانت ترمز‬ ‫إلى القوة ألنها تتمسك‬ ‫بغصنها طوي ً‬ ‫ال‬

‫و�أغنى‪ ،‬و�أكرث ما يتجلى ذلك يف �شعر الهايكو‪،‬‬ ‫�أ�صغر الق�صائد يف ال�ع��امل و�أغ�ن��اه��ا دالل��ة‬ ‫و�إيحاء وغمو�ض ًا �ساحر ًا‪ .‬لكن عالقة الغرب‬ ‫بهم ملتب�سة وال تخلو من عن�صرية يف الغالب‪.‬‬ ‫يقول اجلرنال ماك�آرثر الذي حكم اليابان �سبع‬ ‫�سنني بعد االح�ت�لال‪« :‬ه��ذه �أم��ة ت�شبه طفلة‬ ‫يف الثانية ع�شرة من العمر»! وهناك عبارة‬ ‫فرن�سية �أق�سى عن االقت�صاد‪ .‬وحني رجعت‬ ‫من زيارة هوري�شيما‪� ،‬ضحية �أول قنبلة ذرية‪،‬‬ ‫ر�آين �أحد الأ�ساتذة الأوربيني مت�أثر ًا مبا ر�أيت‪،‬‬ ‫ف�صرخ يف وجهي معاتب ًا ك�صديق‪« :‬علي‪ ،‬ال‬ ‫تغلط‪ ..‬لو كنت �أنا لق�صفتهم ب�أربع قنابل!»‬ ‫وح�ين �س�ألته با�ستنكار‪« :‬مل��اذا‪ ،‬يا فرانك؟»‬ ‫�أجاب‪� :‬أال ترى مدى اخللل بامليزان التجاري‪،‬‬ ‫م��ع الأم�يرك��ان الأغ�ب�ي��اء ال��ذي��ن فتحوا لهم‬ ‫جامعاتهم وم�صانعهم؟" وانتهت �صداقتنا‬ ‫يف ذلك اللقاء‪ .‬ويف نقا�ش مع �أح��د �أ�ساتذة‬ ‫اللغة الإجنليزية ق��ال‪« :‬ه��ذا �شعب م�صاب‬ ‫بعقلية اجلزيرة «‪ ،»Island Mentality‬وحني‬ ‫قلت له‪ :‬بريطانيا جزيرة‪ ،‬رد ب�إ�صرار‪«:‬هذا‬ ‫�شعب ودي��ان‪ ،‬ال يرى �أبعد من �أنفه»! وانتهى‬ ‫احل��دي��ث‪ .‬لكن �أ��س�ت��اذة �إيطالية ك��ان ر�أيها‬ ‫خمتلف ًا‪ ،‬حني قالت‪«:‬ت�صور‪ ،‬يف طوكيو وحدها‬ ‫ما يقارب ثمانني �ألف �آلة �إلكرتونية للبيع يف‬ ‫ال�شوارع واملقاهي واال�سرتاحات بني املدن‪ ،‬لو‬ ‫كانت يف بالدنا حلطموها ونهبوها»!‬ ‫ولعل �أجمل حكمة خرجت بها من تلك البالد‬ ‫جاءت من م�صارعة مل �أكن �أحبها وال �أميل‬ ‫مل�شاهدتها وت�سمى ال�سومو ‪ ،Sumo‬وهي‬ ‫جتري بني رجال �ضخام متو�سط وزن الواحد‬ ‫منهم ‪ 150‬كيلو غرام‪ .‬امل�صارعة جتري داخل‬ ‫دائ��رة حميطها من الق�ش‪ ،‬من ي�ضع قدمه‬ ‫خارج الدائرة يخ�سر ومن يالم�س �أر�ض احللبة‬ ‫بغري �أخم�ص قدميه يخ�سر �أي�ضا‪ .‬وفل�سفة هذه‬ ‫الريا�ضة تقول‪� :‬إن لكل كائن وكل جرم يف هذا‬ ‫الكون جم��ا ًال ومركز ثقل‪ ،‬ف ��إذا اختل مركز‬ ‫ثقله �سقط وانتهى و�إذا خرج من مداره انتهى‪.‬‬ ‫وهذه احلكمة تنطبق على الأفراد واجلماعات‬ ‫والأمم‪ ..‬وحتى على الأج ��رام ال�سابحة يف‬ ‫الف�ضاء‬


‫دراسة‬ ‫‪122‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬


‫ال�صوت الب�شري هو الإن�سان نف�سه‬

‫اللغة والكالم عند الجاحظ‪..‬‬ ‫قراءة في المفهوم‬ ‫د‪ .‬م�صطفى �شميعة‬ ‫�إن ا�ستعرا�ضاً لأه��م مقت�ضيات التوا�صل ال�شفوي‪ /‬التخاطبي عند �أب��ي عثمان‬ ‫�سيمكن ال حمالة الباحث من �إدراك �أهم املرتكزات التي تهم التوا�صل اليومي‬ ‫بني النا�س وكذا املعيقات التي حتول بني متلفظ الكالم ومتلقيه‪.‬‬

‫فللجاحظ �آراء كثرية يف ق�ضايا التوا�صل‬ ‫و�شروطه‪ ،‬كما �أن له �أف �ك��ار ًا �سديد ًة يف‬ ‫امل� ��ؤث ��رات البيئية وال�ع��رق�ي��ة ال �ت��ي ت��ؤث��ر‬ ‫يف ��س�يرورة التخاطب وال�ت��ي نذكر منها‬ ‫�أث��ر البيئة يف لهجة ال�ك�لام‪ ،‬لكن الأه��م‬ ‫بالن�سبة ل�ن��ا ه��و م��واق �ف��ه ال�ن�ظ��ري��ة من‬ ‫اللغة والكالم ذاتهما‪ ،‬فما هي مرتكزات‬ ‫النظرية اللغوية عند اجلاحظ؟ وم��ا هو‬ ‫مفهومه للكالم؟ و�إىل �أي حد نتحدث عن‬ ‫�آراء �صريحة يف نظرية ل�سانية �سبق بها‬ ‫اجلاحظ غريه من الدار�سني؟‬

‫نظرية اللغة عند اجلاحظ‬

‫ن�ق���ص��د مب �ف �ه��وم ال �ل �غ��ة ع �ن��د اجل��اح��ظ‪:‬‬ ‫الكيفية التي متثل بها اللغة باعتبارها‬ ‫وع��ا ًء يت�ضمن املعاين والأف �ك��ار‪ ،‬وكذلك‬ ‫�أدا ًة للتوا�صل الرئي�سية ب�ين الب�شر بل‬ ‫و�أرق��اه��ا عنده‪ .‬وم��رد نظريته هاته �إىل‬ ‫ال �ق��ول ب��وج��ود ع��امل م��ن امل ��دل ��والت‪� ،‬أي‬ ‫امل��ع��اين ال �ت��ي ت�ع�ي����ش يف ان �ف �� �ص��ال عن‬ ‫الأل�ف��اظ «ال�سمات» و�أن ه��ذا االنف�صال‬ ‫قد جعل للمعاين وجود ًا خارجي ًا «عدميا»‬ ‫يتوقف ظهوره على الألفاظ وبالتايل ف�إن‬

‫تخضع اللغة عند صاحب‬ ‫«البيان والتبيين» إلى‬ ‫نظرة طبقية مفادها‬ ‫أن وجود المجتمع في‬ ‫طبقات يؤدي حتم ًا‬ ‫إلى وجود مستويات‬ ‫من التخاطب اللغوي‬ ‫الطبقي‬ ‫العالقة بني الطرفني هي عالقة «الن�سبي»‬ ‫بـ «املطلق»‪.‬‬ ‫هكذا يقر اجلاحظ �أن اللغة هي عالمة على‬ ‫(‪)1‬‬ ‫معاين «م��وج��ودة يف معنى معدومة‪»...‬‬ ‫فهي في�صل يقف ب�ين «ال �ك��ون ال�صريح‬ ‫والعدم ال�صريح‪ )2(»...‬وهي «منزلة بني‬ ‫املنزلتني» لكن اللغة عند �أبي عثمان تبقى‬ ‫قا�صرة على الإحاطة بكل املعاين املوجودة‬

‫اللغة عند الجاحظ ال تأخذ‬ ‫مظهر ًا واحد ًا وال تكون‬ ‫لغاية ثابتة بقدر ما هي‬ ‫كيان حي يتلون بحاجيات‬ ‫االستعمال‬

‫وخ�صو�صا بع�ض املعاين التي هي «خا�ص‬ ‫اخلا�ص‪ ،‬واخلا�صيات كلها لي�ست �أ�سماء‬ ‫قائمة وكذلك تراكيب الأل��وان والأراييح‬ ‫(‪)3‬‬ ‫والطعوم ونتائجها‪.»...‬‬ ‫�إذا كانت اللغة ح�سب �أب��ي عثمان ذات‬ ‫ط��اق��ة حم� ��دودة يف الإف �� �ص��اح والإب��ان��ة‬ ‫ف�إن هذا يعني �أنها يف حاجة �إىل و�سائل‬ ‫تعبريية �أخ��رى م�ساعدة على بلوغ الغاية‬ ‫م��ن ال�ت��وا��ص��ل وه ��ذا م��ا ي�ستدعي جل��وء‬ ‫املتكلم �إىل «الإ���ش��ارة» لتدعيم مواقفه‬ ‫الكالمية وللإف�صاح عن حاجته‪ .‬وهنا‬ ‫حت�ضر �أه��م مقولة من مقوالت التوا�صل‬ ‫احل��دي�ث��ة ال �ت��ي ت �ق��ول ب�ح��اج��ة ال�ل�غ��ة �إىل‬ ‫املعطيات ال�سياقية غري اللغوية‪.‬‬ ‫ولكي ال نذهب بعيد ًا يف تفريع نظرية اللغة‬ ‫عند �صاحب «البيان والتبيني» حفاظ ًا على‬ ‫مو�ضوع البحث وحدوده‪ ،‬ننتقل �إىل بع�ض‬ ‫املفاهيم التي ترتبط بذلك ومنها‪:‬‬

‫ق�ضية ن�ش�أة اللغة‪:‬‬

‫يرى اجلاحظ �أن اهلل تعاىل «علم‬ ‫�آدم الأ� �س �م��اء ك�ل�ه��ا» �إذ ينطلق‬ ‫يف مناق�شته ل�ه��ذه الق�ضية من‬


‫دراسة‬ ‫‪124‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫�أف �ك��اره ح��ول العالقة ب�ين اللفظ واملعنى‬ ‫امل��ذك��ورة �سلف ًا وال �ت��ي ج ��اءت يف خ�ضم‬ ‫رده على خ�صومه حول م�س�ألة «التوقيف‬ ‫واال�صطالح»‪.‬‬ ‫ومفاد هذه الق�ضية �أن��ه ع�لاوة على �إطالق‬ ‫املعاين وحمدودية الألفاظ‪ ،‬ف�إن اللفظ يكون‬ ‫�سمة للمعنى و�ضرورة له تنعك�س فيها �آثاره‬ ‫فال تكون الألفاظ �سوى ما حتمله من معانٍ‬ ‫كلفظ ال�صالة والزكاة واجلوع واجلنة والنار‪،‬‬ ‫فهذه الألفاظ التي هي يف نف�س الوقت «معان»‬ ‫هي التي علمها اهلل لآدم‪...« ،‬فهذه �صورة‬ ‫ملعانيها‪ ،‬ومطابقة لها كل املطابقة ومن مت‬ ‫ال ي�سوغ لأحد حتريفها عن موا�ضعها‪ ،‬فلفظ‬ ‫�صالة هو معنى �صالة وال ميكن ا�ستبداله‬ ‫(‪)4‬‬ ‫بلفظ �آخر وال ترجمته �إىل لغة �أخرى‪. »...‬‬ ‫بينما ي��رى م��ن ناحية ثانية وج��ود �أل�ف��اظ‬ ‫تكون م�ستقلة عن «امل�ع��اين» وه��ي الألفاظ‬ ‫امل�ستحدثة ال�ت��ي و�ضعها ال�ن��ا���س للتعامل‬ ‫بينهم يف حياتهم‪ ،‬فاملتكلمون ا�شتقوا من‬ ‫كالم العرب �أ�سماء ا�صطلحوا على ت�سمية‬ ‫بع�ض مفاهيمهم ب�ه��ا‪ ،‬فت�سميات النحاة‬ ‫وا� �ص �ط�لاح��ات ال�ع��رو��ض�ي�ين كلها �أل �ف��اظ‬ ‫مو�ضوعة من قبلهم فبالتايل فال يجوز �أن‬ ‫نقول �أنها موقوفة‪.‬‬ ‫ه�ك��ذا يتخذ اجل��اح��ظ م��وق��ف امل�ن��زل��ة بني‬ ‫املنزلتني يف معاجلته لق�ضية ن�ش�أة اللغة‬ ‫خمالف ًا بذلك �آراء املعتزلة التي ذهبت �إىل‬ ‫القول �أن اللغات ب�أ�سرها تثبت ا�صطالحا‪.‬‬

‫علم االجتماع اللغوي‬ ‫وهو من العلوم اإلنسانية‬ ‫الحديثة ال يخرج عن نطاق‬ ‫ما اعتقد به الجاحظ من‬ ‫قبل‬ ‫اللغة واملجتمع‪:‬‬

‫تخ�ضع اللغة عند �صاحب «البيان والتبيني»‬ ‫�إىل نظرة طبقية مفادها �أن وجود املجتمع‬ ‫يف طبقات ي�ؤدي حتم ًا �إىل وجود م�ستويات‬ ‫م��ن التخاطب ال�ل�غ��وي الطبقي ذل��ك �أن‬ ‫«ك�لام النا�س يف طبقات كما �أن النا�س‬ ‫(‪)5‬‬ ‫�أنف�سهم يف طبقات‪. »...‬‬ ‫وهكذا تتدخل احلاجة االجتماعية لدى‬ ‫النا�س لتحدد نوع اللغة املالئمة‪ ،‬ومن هذه‬ ‫العالقة اجلدلية بني اللغة واملجتمع نقف‬ ‫يف �آث��اره على ‪« :‬ب��ذور نظرية ل��و تعمقها‬ ‫ل�ك��ان لها ب��ال��غ الأث ��ر يف ت��راث�ن��ا الفكري‬ ‫واللغوي وم�ؤداها �أن قدرة الفرد على متثل‬ ‫اللغة لي�ست مطبقة و�إمن��ا تكون على قدر‬

‫الكالم الذي يفضله‬ ‫الجاحظ هو الهادف‬ ‫إلى قول حق أو إشهار‬ ‫مبدأ تماشي ًا مع موقفه‬ ‫الداعي إلى ضرورة أن‬ ‫يدلي العلماء برأيهم‬ ‫ويخرجوا عن تقيتهم‬

‫ما ا�ضطرته احلاجة �إليه و�أك�سبته بحكم‬ ‫(‪)6‬‬ ‫و�ضعه االجتماعي والثقايف‪.»...‬‬ ‫�إن ال�ل�غ��ة يف م�ف�ه��وم��ه ال �ن �ظ��ري ظ��اه��رة‬ ‫اجتماعية بامتياز لأنها �أداة التوا�صل بني‬ ‫الطبقات االجتماعية‪ ،‬ومب��ا ه��ي كذلك‪،‬‬ ‫ف�ه��ي ع�ن��ده ك��ائ��ن ح��ي ينمو وي�ك�بر بنمو‬ ‫املجتمع وت �ط��وره‪ ،‬وك��ذل��ك بتطور �أف��راده‬ ‫خ�صو�ص ًا على م�ستواهم الفكري؛ ذلك‬ ‫�أن اجلاحظ يرى‪�« :‬أن اللغة ترتبط بالفكر‬ ‫و�أن الفكر وج��د مع الإن�سان منذ وج��وده‬ ‫الأول‪ )7(،»...‬ومبا �أن الوجود الإن�ساين هو‬ ‫وجود اجتماعي بال�ضرورة ف�إن اللغة هي‬ ‫�أي�ض ًا ظاهرة اجتماعية بامتياز‪.‬‬ ‫وجت ��در الإ���ش��ارة �إىل �أن ع�ل��م االج�ت�م��اع‬ ‫اللغوي وهو من العلوم الإن�سانية احلديثة‬ ‫ال يخرج عن نطاق ما اعتقد به اجلاحظ‬ ‫من قبل‪ ،‬فهو يرى �أن اللغة يف كل جمتمع‬ ‫هي نظام ع��ام ي�شرتك يف بنائه الأف��راد‬ ‫وي�ت�خ��ذون��ه �أ� �س��ا� �س � ًا للتعبري ع�م��ا يجول‬ ‫بخواطرهم وب��ذل��ك‪« :‬ا�ستطاع بحد�سه‬ ‫ال�صادق ونظره الثاقب �أن يرى يف اللغة‬ ‫ك��ائ �ن � ًا ح �ي � ًا‪� ،‬إن �ه��ا يف ن �ظ��ره –وبنتيجة‬ ‫املالحظة واملعاينة واال�ستقرار �أداة تعبري‬ ‫غري ثابتة وال جامدة بل متغرية ومتبدلة‪،‬‬ ‫وهي قابلة للتكيف تبع ًا لتغري �أحوال الع�صر‬ ‫(‪)8‬‬ ‫ومعطيات العي�ش وطبيعة املجتمع‪.»...‬‬ ‫وكخال�صة لذلك نقول �إن اجلاحظ �أدرك‬ ‫�أن اللغة هي �أ�سا�س التوا�صل والتفاهم‬ ‫داخل املجتمع و�أنها تقوم مقام ًا �ضروري ًا‬ ‫للدخول يف عالقات التعاي�ش بني الأفراد‪،‬‬ ‫بل �إنها‪«:‬و�سيلة التفاهم والتوا�صل بني‬ ‫امل��ر� �س��ل وامل�ستقبل �إذا تعطلت �إح��دى‬ ‫قنواتها �أو ف�سدت تعطل التوا�صل وف�سد‬ ‫التفاهم لذلك كانت اهتمامات اجلاحظ‬ ‫باللغة ال تقل عن اهتماماته الأخرى التي‬ ‫تطرق �إليها يف م�ؤلفاته حتى �إن الدار�س‬ ‫مي�ك��ن �أن ي�ستخل�ص ن�ظ��ري��ة متكاملة‬ ‫يف ه��ذا املجال‪� )9(،»...‬إذن كيف‬ ‫ي ��رى � �ص��اح��ب «ال �ب �ي��ان وال�ت�ب�ي�ين»‬ ‫اال� �س �ت �ع �م��االت ال�ل�غ��وي��ة م��ن ط��رف‬ ‫املتكلم؟‬


‫�إذا كانت النظريات الأل�سنية احلديثة ترى‬ ‫�أن املدلول الواحد ميكن بثه بوا�سطة دوال‬ ‫خمتلفة تبع ًا لأه��داف التوا�صل والغاية‬ ‫منه‪ :‬نفعي‪ /‬جمايل‪ ...‬ال�شيء الذي ي�ؤول‬ ‫�إىل القول بتعدد الأ�شكال التعبريية رغم‬ ‫وج��ود ال�صورة الذهنية ال��واح��دة ح�سب‬ ‫تعبري دو�سو�سري‪ ،‬ف�إن اجلاحظ ينطلق من‬ ‫الت�سليم املبدئي ب��أن ا�ستعمال الظاهرة‬ ‫اللغوية يكون من م�ستويني اثنني‪� :‬أحدهما‪:‬‬ ‫اال��س�ت�ع�م��ال ال �ع��ادي امل� ��أل ��وف؛ وال �ث��اين‪:‬‬ ‫اال�ستعمال املطبوع ب�سمة فنية خال�صة‪.‬‬ ‫وين�ص ه��ذا التقابل الثنائي للغة على‬ ‫البعد االج�ت�م��اع��ي يف اال�ستعمال الأول‬ ‫والبعد الفني يف اال�ستعمال الثاين مما‬ ‫ي�ستدعي وجود �شروط و�ضوابط لتحقيق‬ ‫عملية ال�ت��وا��ص��ل يف ك�لا اال�ستعمالني‪،‬‬ ‫وهكذا فلئن اقت�صرت وظيفة اال�ستعمال‬ ‫الأول على جمرد �إفهام احلاجة �أي جمرد‬ ‫الإب��داع �أو ما ميكن �أن نعرب عنه مب�ستوى‬ ‫ال���ص�ف��ر م��ن ال��دالل��ة التمييزية –ف�إن‬ ‫اال�ستعمال الثاين يحول تعريف الظاهرة‬ ‫اللغوية م��ن جم��رد الإب��ان��ة‪ -‬على م��ا قد‬ ‫حتتوي عليه من «لكنة �أو خط�أ �أو حلن �أو‬ ‫�إغالق –�إىل جمرى البيان الف�صيح مما‬ ‫يرتقي ب��ه �إىل الن�صو�ص املتميزة عند‬ ‫(‪)10‬‬ ‫الرواة اخلل�ص‪.»...‬‬ ‫وهكذا تت�سم نظرية اللغة عند اجلاحظ‬ ‫باالرتباط الع�ضوي بني املفهوم والوظيفة‬ ‫وتبعا ل��ذل��ك ف ��إن اللغة ال ت��أخ��ذ مظهرا‬ ‫واح��دا وال تكون لغاية ثابتة بقدر ما هي‬ ‫ك�ي��ان ح��ي ي�ت�ل��ون ب�ح��اج�ي��ات اال�ستعمال‬ ‫الفردي له‪ ،‬فهناك لغة التخاطب اليومي‪،‬‬ ‫ي‬ ‫وهناك لغة التخاطب الفني و«الفرق َب نِّ ٌ‬ ‫بني اللغتني يف ر�ؤي��ة اجلاحظ و�إن املجال‬ ‫اللغوي احلقيقي عنده هو الذي يتجلى يف‬ ‫كالم العرب الف�صحاء ال يف كالم املولدين‬ ‫(‪)11‬‬ ‫والبلديني‪.»...‬‬

‫دافع الجاحظ عن الكالم‬ ‫وقارنه بالصمت الذي هو‬ ‫عنده كالم غير مسموع‪،‬‬ ‫ولمنه لم يقصر البالغة‬ ‫على األول بل شملت‬ ‫الثاني أيض ًا‬ ‫حركات الل�سان والأ�سنان وال�شفتني حيث‬ ‫يقول‪«:‬وال�صوت هو �آلة اللفظ‪ ،‬واجلوهر‬ ‫الذي يقوم به التقطيع‪ ،‬وبه يوجد الت�أليف‪،‬‬ ‫ولن تكون حركات الل�سان لفظ ًا وال كالم ًا‬ ‫م��وزون � ًا وال م�ن�ث��ور ًا �إال بظهور ال�صوت‪،‬‬ ‫وال ت�ك��ون احل ��روف ك�لام � ًا �إال بالتقطيع‬ ‫(‪)12‬‬ ‫والت�أليف»‪.‬‬ ‫وهكذا يكون مفهوم الكالم عنده ي�شمل‬ ‫ال�صوت وكذلك العمليات التي يقوم بها‬ ‫جهاز النطق من تقطيع وت�أليف‪.‬‬ ‫فالتقطيع هو‪«:‬عملية �صياغة ال�صوت‬ ‫�صياغة حم��ددة تتميز ع��ن غريها وه��ذا‬ ‫التمييز يف �صياغة ال�صوت هو الذي يجعل‬ ‫(‪)13‬‬ ‫احلروف خمتلفة فيما بينها‪.»...‬‬ ‫وبذلك يكون اجلاحظ قد �أدرك �أن ال�صوت‬ ‫ي�ستعمل ا�ستعما ًال واعي ًا عرب التقطيع بغاية‬ ‫التوا�صل‪ .‬و�إذا كان التقطيع كذلك ف�إن‬ ‫الت�أليف هو �ضم ال�صور ال�صوتية بع�ضها‬ ‫لبع�ض للح�صول على الكلمات �إذ غالب ًا‬ ‫ما يرد م�صحوب ًا باحلديث عن الألفاظ‪،‬‬ ‫وهذا يعني �أن الكالم عنده هو �سل�سلة من‬ ‫املتتاليات ال�صوتية املقطعة وامل�ؤلفة ت�أليف ًا‬ ‫ن�سقي ًا لغر�ض الإبالغ والتو�صيل‪.‬‬ ‫ميكن �أن ن�ستنتج مم��ا �سبق �أن الكالم‬ ‫ع�ن��د اجل��اح��ظ ه��و ن���ش��اط ��ص��وت��ي قابل‬ ‫للتجزئة من جهة عرب‪ /‬التقطيع‪ /‬وال�ضم‬ ‫وال�ترك �ي��ب وال �ت ��أل �ي��ف‪ ،‬ل��ذل��ك ف��ال�ك�لام‬ ‫ه��و ج���س��م «�أي م ��ادة م�ستقلة بنف�سها‬

‫اللحن كما درسه الجاحظ‬ ‫هو ظاهرة اجتماعية‬ ‫ناتجة عن تفاعل البيئة‬ ‫مفهوم الكالم عند اجلاحظ‬ ‫واللسان‪ ،‬تجعل المتكلم‬ ‫�إن التلفظ بالكالم عند �أبي عثمان يعني‬ ‫�إخراج الأ�صوات عرب جهاز النطق بوا�سطة يخطئ في نطقه‬ ‫لبعض الكلمات مما‬ ‫ينعكس على فصاحته‬

‫تت�شكل بجملة عمليات يقوم بها‬ ‫الإن�سان كي يعرب عن مت�صوراته‬ ‫(‪)14‬‬ ‫الذهنية»‪.‬‬ ‫ويكت�سي ال�صوت يف عملية التوا�صل �أهمية‬ ‫بالغة عند اجلاحظ لهذا نراه ميتدح رحابة‬ ‫ال�شدق ويعتربه من مظاهر جمال الرجل‬ ‫«ف���إذا �سئل �أح��د الأع ��راب» ما اجلمال؟‬ ‫قال‪« :‬طول القامة و�ضخم الهامة ورحب‬ ‫ال���ش��دق وب�ع��د ال�صوت‪ )15(،»...‬ب��ل �إن��ه‬ ‫يقتنع «ب�أن ال�صوت الب�شري هو كل �شيء‬ ‫(‪)16‬‬ ‫يف الإن�سان بل هو الإن�سان نف�سه‪.»...‬‬ ‫ن�ستنتج مما �سبق �أن اجلاحظ قد �أدرك‬ ‫منذ القدمي �أن التوا�صل ي�ستدعي درا�سة‬ ‫�أدوات ��ه و�آل�ي��ات��ه وال��وق��وف على العنا�صر‬ ‫ال �ت��ي ت �ك � ّون��ه وه ��ذا م��ا ن ��ادت ب��ه �أح��دث‬ ‫النظريات الل�سانية احلديثة؛ فقد �أوىل‬ ‫فردناند دو�سو�سري «الل�سان» �أهمية خا�صة‬ ‫يف درا�ساته الل�سانية و�أي�ضا م ًا ذهب �إليه‬ ‫اجل��اح��ظ ع�ن��دم��ا ف��رق ب��دئ�ي� ًا ب�ين اللغة‬ ‫وال�صوت؛ فاللغة عنده م�ستودع الأفكار‬ ‫وامل �ع��اين‪ ،‬بينما ال�صوت ه��و �آل��ة اللفظ‬ ‫واجلوهر الذي يقوم به التقطيع‪� ،‬أي املادة‬ ‫التي تظهر بها اللغة ملفوظة‪.‬‬

‫ف�ضل الكالم‪:‬‬

‫ال تخفى �أهمية الكالم يف �أية عملية حتاور‬ ‫بني �أط��راف التوا�صل وه��ذا ما �أك��د عليه‬ ‫اجلاحظ يف البيان والتبيني عندما اعتربه‬ ‫امل�ؤ�شر الدال على متيز الإن�سان وقدرته‪،‬‬ ‫مقارنة مع غريه من الكائنات الأخرى‪.‬‬ ‫وق��د ج��اء دف��اع اجل��اح��ظ ع��ن ال�ك�لام يف‬ ‫معر�ض مقارنته بال�صمت الذي هو كالم‬ ‫غ�ي�ر م���س�م��وع ع �ن��ده‪ ،‬ب �ه��ذا مل تقت�صر‬ ‫البالغة على الأول بل �شملت الثاين �أي�ضا‪،‬‬ ‫لكن يبقى الكالم يف �إطاره التداويل خري‬ ‫و�سيلة للتعبري لأن «عامة الكالم �أف�ضل‬ ‫م��ن ع��ام��ة ال�سكوت»‪ )17(.‬وم��ن �أف�ضال‬ ‫ال �ك�لام على الإن �� �س��ان ع�ن��ده �أن��ه و�سيلة‬ ‫لتح�سني �صورته االجتماعية بني النا�س‬ ‫خ�صو�ص ًا �إذا اقرتن بال�صدق‪ ،‬وهذه جملة‬ ‫م��ن الأق ��وال التي ت��ؤك��د ذل��ك‪ ،‬حيث ج��اءت‬


‫دراسة‬ ‫‪126‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫يف معر�ض �إعجابه بالكالم ومبتلفظه‪ :‬وقال‬ ‫وا�صف ًا ف�صيح ًا «وك��ان �أحلى النا�س ل�سان ًا‪،‬‬ ‫و�أح�سنهم منطقا و�أكرثهم ت�صرف ًا»‪ )18(،‬وكان‬ ‫«�أعلم النا�س ب�أمور العرب‪ ،‬مع �صحة �سماع‬ ‫و�صدق ل�سان‪� )19(،»...‬أو قوله‪« :‬وكان �أح�سن‬ ‫(‪)20‬‬ ‫النا�س حديث ًا وبيان ًا وجودة ل�سان»‪.‬‬ ‫ه��ذا وق��د ا�شرتط اجلاحظ للكالم جمموعة‬ ‫من ال�شروط حتى يتحقق له هذا الف�ضل ومن‬ ‫ذلك االبتعاد عن «الإ�سهاب والتكلف واخلطل‬ ‫والتزيد‪ )21(،»...‬لأن ه��ذه امل��وا��ص�ف��ات قد‬ ‫تعيق التوا�صل وت�ؤدي �إىل نفور امل�ستمع‪ ...‬فما‬ ‫(‪)22‬‬ ‫«�أعطي العبد �شر ًا من طالقة الل�سان»‪،‬‬ ‫عم ًال بقوله عليه ال�صالة وال�سالم لهذا يجيب‬ ‫التحرز من زلل الكالم‪.‬‬

‫دفاعه عن الكالم‪:‬‬

‫لقد كان لزام ًا على اجلاحظ وهو يتحدث‬ ‫عن ف�ضل الكالم على التوا�صل‪� ،‬أن يدافع‬ ‫عنه �أمام باقي الأ�شكال الأخرى‪ ،‬ومما يثري‬ ‫االنتباه يف ه��ذه النقطة �أن اجلاحظ نهج‬ ‫طريقة ذكية يف هذا الدفاع �إذ قارنه �أو ًال‬ ‫بال�صمت‪ ،‬فا�ستعر�ض �أ�شعار ًا و�أخبار ًا ت�شيد‬ ‫بف�ضله؛ ومن الأقوال التي تفيد ذلك قوله‪:‬‬ ‫«البالغة ا�سم جامع ملعان جتري يف وجوه‬ ‫كثرية فمنها ما يكون يف ال�سكوت ومنها ما‬ ‫يكون يف اال�ستماع‪ )23(.»..‬وبذلك يعك�س‬ ‫وعي ًا حاد ًا بف�ضل االثنني يف التوا�صل‪ ،‬لكنه‬ ‫يرجح �أهمية الكالم ويدافع عنه لأن من‬ ‫يدافع عن بالغة ال�صمت �إمنا يفعل ذلك‬ ‫العتبارات �سيا�سية حم�ضة فـ «مقتل الرجل‬ ‫بني حلييه وفكيه‪ )24(»...‬وهو تعبري وا�ضح‬ ‫عن �أن الدفاع عن ال�صمت لي�س �إال ارتقاء‬ ‫من بط�ش ال�سلطان‪.‬‬ ‫وم��ن الإ�� �ش ��ارات اللطيفة ال �ت��ي ع�ّب�ررّ بها‬ ‫اجلاحظ عن �أهمية الكالم والتي تعك�س‬ ‫ب�ح��ق ق ��وة �شخ�صيته ون�ب��اه�ت��ه الفكرية‬ ‫وال�سيا�سية قوله‪« :‬ال�سكوت عن قول احلق‬ ‫يف معنى النطق بالباطل‪ )25(،»...‬لهذا‬ ‫ف�لا �سبيل للإن�سان للتوا�صل يف مظهره‬ ‫االج�ت�م��اع��ي وال���س�ي��ا��س��ي � �س��وى «ال �ك�لام»‬ ‫والتعبري عن مواقفه بجر�أة و�شجاعة‪.‬‬

‫انتبه الجاحظ إلى‬ ‫ظاهرة عوائق االزدواجية‬ ‫النطقية لكنه تناولها‬ ‫ببصيرة العالم المحلل‬ ‫والدارس المدرك‬ ‫لخصائص التواصل‬

‫اللهجات فت�صري بذلك اللغة و�إن‬ ‫ك��ان��ت واح ��دة م��ن ح�ي��ث داللتها‬ ‫على امل �ع��اين‪ ،‬لهجات متنوعة ال‬ ‫ينبني بها التوا�صل �إال على �أ�سا�س‬ ‫معرفة املتكلم وال�سامع مل�ضمون الكالم‬ ‫وارتباط ًا بفل�سفته القائلة ب�إطالقية املعاين يف �إط��اره املحلي �أو الإقليمي‪ ،‬وه��ذا ما‬ ‫وف�ساحتها يعترب اجلاحظ موا�ضيع الكالم يدل على �أن للبيئة �أثر ًا وا�ضح ًا يف عملية‬ ‫املحمودة كثرية �أي �أن الكالم ي�ضحى عنده التوا�صل‪.‬‬ ‫� �ض��رورة حتمية لأي ت��وا��ص��ل ب�ين الب�شر‪،‬‬ ‫فال�سياق ال��ذي يتحدث فيه املتكلم يقدم البيئة واللحن‪:‬‬ ‫له تنوع ًا مو�ضوعاتي ًا ي�ستطيع �أن ميلأ به ولعل �أبرز حدث عرفته الأمة العربية �إبان‬ ‫فرتات «�صمته» لهذا يرى �أن «طول ال�صمت جاهليتها هو ظهور الإ�سالم بني ظهرانيها‬ ‫(‪)26‬‬ ‫ودخ��ول الأجنا�س غري العربية يف النظام‬ ‫يف�سد الل�سان‪.»...‬‬ ‫ال ينبغي �أن يفهم من دف��اع اجلاحظ عن االجتماعي والديني اجلديد‪ ،‬وك��ان لهذا‬ ‫الكالم جم��رد �شغف يبديه اجت��اه��ه؛ فقد الظهور �أثر وا�ضح على م�ستوى التوا�صل‬ ‫ر�أيناه ال يدافع عن الهذر والزلل واخلطل بني النا�س خ�صو�ص ًا وق��د احتك العرب‬ ‫يف القول بقدر ما يدافع عن الكالم الذي ب��ال�ع�ج��م وب� ��رزت ع �ل��ى ال���س�ط��ح ظ��اه��رة‬ ‫يعك�س موقف قائله ال�سيا�سي واالجتماعي‪« ،‬اللحن»‪.‬‬ ‫فالكالم الذي يف�ضله اجلاحظ هو �ضرب واللحن كما در��س��ه اجل��اح��ظ يف «البيان‬ ‫من التوا�صل الهادف �إىل قول حق �أو �إ�شهار وال�ت�ب�ي�ين» ه��و ظ��اه��رة اجتماعية ناجتة‬ ‫مبد�أ لأن ذلك «‪...‬ي�خ��دم يف ر�أينا موقفه عن تفاعل البيئة والل�سان‪ ،‬جتعل املتكلم‬ ‫املبدئي امل�شهور ال��داع��ي �إىل ��ض��رورة �أن يخطئ يف نطقه لبع�ض الكلمات ب�سبب‬ ‫يديل العلماء بر�أيهم ويخرجوا عن �صمتهم ع ��دم ت �ع��وده ع�ل�ي�ه��ا‪ ،‬مم��ا ينعك�س على‬ ‫وتقيتهم‪ ،‬وهو موقف ال ميكن �أن يحمل على ف�صاحته �أي قدرته على البيان ال�شفوي‪،‬‬ ‫كونه جمرد �شغف باللغة والبالغة‪ )27(.»...‬وق��د ح��دد اجل��اح��ظ بع�ض املناطق التي‬ ‫خ�ضع فيها الل�سان �إىل �أنظمتها التوا�صلية‬ ‫اجل �ه��وي��ة وم ��ن ذل ��ك‪ :‬خ��را� �س��ان‪�� ،‬س��واد‬ ‫�أثر البيئة يف الكالم‪:‬‬ ‫م��ن املعلوم �أن التوا�صل ال�شفوي �شديد الكوفة‪ ،‬العراق‪ ،‬والنبط‪ ،‬وهو بذلك يعطي‬ ‫االت���ص��ال باملحيط االج�ت�م��اع��ي والبيئي الدليل على وعيه ب�أثر البيئة اجلغرافية‬ ‫الذي يعي�ش فيه الإن�سان‪ ،‬كما �أن اختالف على الل�سان �ش�أنه يف ذلك �ش�أن فريديناند‬ ‫املناطق والأقاليم ي�ؤدي حتم ًا �إىل اختالف دو� �س��و� �س�ير ال���ذي �أك � � ��د‪�«:‬أن االخ �ت�لاف‬ ‫اجلغرايف يبقى العامل الأكرث عمومية يف‬ ‫(‪)28‬‬ ‫االختالف الل�ساين‪.»...‬‬ ‫كان الجاحظ واعي ًا‬ ‫وق��د �أك��د اجلاحظ �أن التجاور مع الأمم‬ ‫الأخرى من �ش�أنه �أن يخلق اختالف ًا لغوي ًا‬ ‫بالمقتضيات التي‬ ‫على م�ستوى اللهجات املتداولة «لأن ذلك‬ ‫تستدعيها كل عملية‬ ‫من �ش�أنه �أن يخلق ح��االت لغوية جديدة‬ ‫تواصلية تخاطبية سليمة تعرب عنها املفردات املركبة الناجتة عن‬ ‫سواء على مستوى‬ ‫ال�ت��داخ��ل الأل�سني ومعلوم �أن م��رد هذا‬ ‫لغوي رسمي أو كالمي‬ ‫عائد �إىل البيئة اجلغرافية واملحيط الذي‬ ‫يعي�ش املتكلم الذي هو ترجمة حية ملظاهر‬ ‫تداولي شأنه في ذلك‬

‫شأن رواد النظرية الحديثة‬


‫الهوام�ش‬ ‫الت�أثري املمار�س عليه‪.»...‬‬ ‫من جهة �أخرى ف�إن التكلم يف هذه املناطق‬ ‫بالعربية يحتاج �إىل الدربة وامل��ران وهو‬ ‫بذلك ي��رى �أن الأ��ص��وات قابلة للتعلم‪...‬‬ ‫و�إال ف�إن املتكلم �سيرَ ْ جَ ُّ‬ ‫ت عليه الكالم فال‬ ‫يقوى على التوا�صل‪.‬‬ ‫ومم ��ا ي�ل�ف��ت االن �ت �ب��اه �إىل ه ��ذه ال �ف�ترة‬ ‫اجل ��دي ��دة �أن «حل���ن ال��ع��ام��ة» و«ل �ك �ن��ة‬ ‫الأع�ج�م��ي» لي�ست ن��اجت��ة ع��ن ان�غ�لاق يف‬ ‫اجلهاز ال�صوتي بقدر ما هي ناجتة عن‬ ‫انغالق يف النظام اللغوي وبع�ض العادات‬ ‫ال�صوتية «�إذ �أن اجلهاز الع�ضلي يبقى‬ ‫«ه��و ه��و» عند جميع ال�ن��ا���س رغ��م بع�ض‬ ‫اخل���ص��ائ����ص ال �ت��ي ي�خ�ت����ص ب �ه��ا ك�سعة‬ ‫الأ��ش��داق ورح��ب الغال�صم وه��دل ال�شفة‬ ‫(‪)30‬‬ ‫عند �أعراب البادية‪.»...‬‬ ‫وهكذا يرى اجلاحظ �أن املتكلم ال ي�ستطيع‬ ‫التخل�ص من عاداته اللغوية مهما اجتهد‬ ‫يف تخري لفظه �أو حتى �إقامته على �أ�صول‬ ‫الكالم العربي بني الف�صيح وهكذا «قد‬ ‫يتكلم املغالق ال��ذي ن�ش�أ يف �سواد الكوفة‬ ‫بالعربية املعروفة ويعلم مع ذلك ال�سامع‬ ‫لكالمه وخمارج حروفه �أنه نبطي‪ ،‬وكذلك‬ ‫�إذا تكلم اخل��را��س��اين على ه��ذه ال�صفة‬ ‫ف�إنك تعلم مع �إع��راب��ه وتخري �ألفاظه يف‬ ‫(‪)31‬‬ ‫خمرج كالمه �أنه خرا�ساين‪.»...‬‬ ‫لقد انتبه �أب��و عثمان �إىل ه��ذه الظاهرة‬ ‫امل �ه �م��ة ال �ت��ي ال ت�خ�ل��و م�ن�ه��ا �أي� ��ة عملية‬ ‫توا�صل‪ ،‬والتي ميكن �أن نعرب عنها بعوائق‬ ‫االزدواجية النطقية التي ال ي�ستطيع املتكلم‬ ‫التخل�ص منها‪ ،‬لكن اجل��دي��د ع�ن��ده هو‬ ‫تناوله هذه الظاهرة بب�صرية العامل املحلل‬ ‫والدار�س‪ /‬واملدرك خل�صائ�ص التوا�صل‪،‬‬ ‫فقد تفطن �إىل �أن هذه االزدواجية النطقية‬ ‫ال تكون واح��دة عند جميع املتكلمني فهي‬ ‫متفاوتة عندهم بح�سب ن�ش�أتهم ومبدى‬ ‫قربهم �أو بعدهم من البالد العربية وهكذا‬ ‫يتبني لنا �أن عامل الن�ش�أة‪ ،‬وكذلك اجلهل‬ ‫ب��الأم��اك��ن ال �ت��ي ُو��ض�ع��ت فيها ال�ل�غ��ة من‬ ‫العوامل التي ت��ؤدي �إىل �صعوبة التخل�ص‬ ‫م��ن ه��ذه االزدواج �ي��ة ف�ق��ال‪�« :‬أال ت��رى �أن‬ ‫(‪)29‬‬

‫أدرك الجاحظ منذ القديم‬ ‫أن التواصل يستدعي‬ ‫دراسة أدواته وآلياته‬ ‫والوقوف على العناصر‬ ‫التي تك ّونه وهذا ما‬ ‫نادت به أحدث النظريات‬ ‫اللسانية الحديثة‬ ‫ال�سندي �إذا ُج ِل َب كبري ًا ف�إنه ال ي�ستطيع �إال‬ ‫�أن يجعل اجليم زاي ًا ولو �أقام عليا متيم‪،‬‬ ‫ويف �سفلي قي�س وبني عجز هوازن خم�سني‬ ‫(‪)32‬‬ ‫عاما‪.»...‬‬

‫خال�صة‬

‫�إن املت�أمل فيما �سبق يدرك �أن اجلاحظ‬ ‫ك��ان واع�ي� ًا باملقت�ضيات التي ت�ستدعيها‬ ‫كل عملية توا�صلية تخاطبية �سليمة �سواء‬ ‫على م�ستوى لغوي ر�سمي �أو كالمي تداويل‬ ‫�ش�أنه يف ذلك �ش�أن رواد النظرية احلديثة‪،‬‬ ‫فعلماء التوا�صل احلديث بحثوا اجلوانب‬ ‫االجتماعية والتقنية والنف�سية التي ين�ش�أ‬ ‫عنها فعل التوا�صل واجتهوا باجتهاداتهم‬ ‫�إىل ت�أ�سي�س مدار�س تفرعت عنها نظريات‬ ‫و�أف�ك��ار خمتلفة‪ .‬وه��ذا ك��ان �أي�ض ًا طموح‬ ‫اجلاحظ‪..‬‬

‫‪ - 1‬البيان والتبيني‪.1/75 :‬‬ ‫‪ - 2‬التفكري البالغي عند العرب‪� ،‬ص‪.170 :‬‬ ‫‪ - 3‬احليوان‪ ،‬ج ‪� 5‬ص‪.201 :‬‬ ‫‪- 4‬النظريات الل�سانية والبالغية عند‬ ‫العرب‪� ،‬ص‪.112 :‬‬ ‫‪ - 5‬البيان والتبيني‪.1/144 :‬‬ ‫‪- 6‬التفكري البالغة عند العرب‪� ،‬ص‪.216 :‬‬ ‫‪- 7‬الر�ؤية ال�شعرية عند اجلاحظ‪ ،‬د‪ .‬عبد‬ ‫الرحيم الرحموين‪� ،‬ص‪.63 :‬‬ ‫‪- 8‬اللغة املحكية يف �أدب اجلاحظ‪ ،‬د‪ .‬عمر‬ ‫الدقاق‪ ،‬عامل الفكر‪ ،‬جملد ‪ ،17‬عدد‪،2‬‬ ‫‪� ،1986‬ص‪.183 :‬‬ ‫‪- 9‬الر�ؤية ال�شعرية‪� ،‬ص‪.58 :‬‬ ‫‪- 10‬املقايي�س الأ�سلوبية يف النقد الأدبي من‬ ‫خالل البيان والتبيني‪ ،‬عبد ال�سالم‬ ‫امل�سدي‪ ،‬مقال مبجلة الأقالم‪ ،‬عدد ‪،11‬‬ ‫‪� ،1980‬ص‪.228-229 :‬‬ ‫‪ - 11‬الر�ؤية ال�شعرية عند اجلاحظ‪� ،‬ص‪.76 :‬‬ ‫‪ - 12‬البيان والتبيني‪.1/79 :‬‬ ‫‪ - 13‬الر�ؤية البيانية عند اجلاحظ‪� ،‬إدري�س‬ ‫بلمليح‪� ،‬ص‪.141 :‬‬ ‫‪ - 14‬نف�سه‪� ،‬ص‪.144 :‬‬ ‫‪ - 15‬البيان والتبيني‪ ،‬اجلاحظ‪.1/121 :‬‬ ‫‪ - 16‬النظريات الل�سانية والبالغية عند‬ ‫العرب‪ ،‬د‪ .‬حممد ال�صغري بناين‪� ،‬ص‪.115 :‬‬ ‫‪ - 17‬البيان والتبيني‪.1/271 :‬‬ ‫‪ - 18‬نف�سه‪.1/319 :‬‬ ‫‪ - 19‬البيان والتبيني‪.321 - 320 /1 :‬‬ ‫‪ - 20‬نف�سه‪.1/224 :‬‬ ‫‪ - 21‬نف�سه‪.201 /1 :‬‬ ‫‪ - 22‬نف�سه‪.194 /1 :‬‬ ‫‪ - 23‬نف�سه‪.116 115- /1 :‬‬ ‫‪ - 24‬نف�سه‪.194 /1 :‬‬ ‫‪ - 25‬البيان والتبيني‪.271 /1 :‬‬ ‫‪ - 26‬نف�سه‪.272 /1 :‬‬ ‫‪ - 27‬التفكري الإبداعي عند العرب‪،‬‬ ‫�ص ‪.197 178- :‬‬ ‫‪,Cours de Linguistique générale - 28‬‬ ‫‪p : 265‬‬ ‫‪ - 29‬ال��ر�ؤي��ة ال�شعرية عند اجل��اح��ظ‪ :‬د‪.‬‬ ‫الرحموين‪� ،‬ص‪.79 :‬‬ ‫‪ - 30‬النظريات الل�سانية والبالغية عند‬ ‫العرب‪�،‬ص ‪.121 :‬‬ ‫‪ - 31‬البيان والتبيني‪.69 /1 :‬‬ ‫‪ - 32‬البيان والتبيني‪.1/70 :‬‬


‫إرهاصة‬ ‫‪128‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬

‫مار�س‬

‫‪2013‬‬

‫ناجي العلى ‪ ..‬الشاهد والشهيد‬ ‫يكفي‬

‫�أن تنطق با�سم ناجي العلى لكي تطل بر�أ�سها‬ ‫�أم��ام عينيك �آالف امل�شاهد التي اختزلتها‬ ‫فر�شاته بالأبي�ض والأ��س��ود حي ًة ناب�ض ًة �صارخ ًة يف وجه‬ ‫الظلم والبط�ش مطالبة باحلرية قاب�ضة على حجر النار‬ ‫الذي ي��رف طريقه دائم ًا �إىل �أعني اجلبناء‪.‬‬ ‫ويكفي �أن تطالع واحدة من لوحات ناجي العلي لت�صدق �أن‬ ‫�آالف ًا من الع�شاق عا�شوا وماتوا‪،‬‬ ‫و�أن �آالف � ًا �آخرين ما زال��وا يحيون يتنف�سون ذرات الوطن‬ ‫ممعنني يف انتمائهم �إىل �آخر نف�س دون �أن يطالبوا ب�شيء‬ ‫يف املقابل‪� ،‬سوى هذا الوطن‪.‬‬ ‫ولد ناجي العلى عام ‪1938‬م ‪ ،‬ولأن الأم��ور يف هذا الدنيا‬ ‫ال حت��دث اعتباط ًا فقد ك��ان م�ي�لاده يف قرية «ال�شجرة»‬ ‫الفل�سطينية‪ ،‬رمبا ليكون غ�صنا متين ًا ال ي�ستطيع �أن ين�سى‬ ‫وليد عالء الدين اجل��ذع الأم وال ميكنه �أن يحيا بعيد ًا ع��ن ج ��ذوره التي‬ ‫حملها معه بعد ذلك يف قلبه‪ ،‬عرب رحلته الطويلة ال�شاقة‬ ‫التي امتزج فيها الأمل باحلرمان بطعم املرارة واالفتقاد‪،‬‬ ‫واحلنني �إىل الأر�ض‬ ‫وهو يق�ضي طفولته داخل خيمة يتقا�سمها و�إخوته يف خميم‬ ‫«عني احللوة» بعد �أن �أُخرجوا عنوة من قريتهم «ال�شجرة»‪،‬‬ ‫وهي قرية تقع بني النا�صرة وطربيا يف اجلليل ال�شمايل‬ ‫من فل�سطني جمعت بني اليهود وامل�سيحيني وامل�سلمني‪ ،‬ويف‬ ‫الع�شرينيات من القرن الفائت انف�صل اليهود عنها و�أقاموا‬ ‫م�ستوطنة على اجلانب الآخر من الوادي الذي تطل علىه‬ ‫القرية‪ ،‬ومل يكن عمر ناجي قد جتاوز العا�شرة حني �شهدت‬ ‫قريته مواجهات مع �سكان امل�ستوطنة اليهود على �إثرها‬ ‫مت ت�سليم اجلليل ب�أكمله �إىل ال�صهاينة بينما مت ترحيله‬ ‫و�أ�صحاب الأر�ض �إىل خميمات الالجئني‪.‬‬ ‫كانت تلك هي بداية ناجي العلى مع االغرتاب الذي �أورثه‬ ‫ح�س ًا عالي ًا باملرارة ك َّر�ست له ال�سنون التالية حني مل ي�ستطع‬ ‫ا�ستكمال تعلىمه وتوقف عند املرحلة االبتدائية ليعمل يف‬ ‫ب�ساتني الليمون �إىل �أن واتته الفر�صة لاللتحاق ب�إحدى‬ ‫املدار�س املهنية يف �شمال لبنان ليح�صل على �شهادة � َّأهلته‬

‫للعمل بعد ذلك يف الور�ش ال�صناعية ك�أخ�صائي ميكانيك‪.‬‬ ‫«قب�ضة يد تتوعد خارجة من فوهة بركان يتفجر يف قمة‬ ‫خيمة لها �شكل الهرم» ذلك هو �أول �سهم ينطلق من كنانة‬ ‫ناجي العلى ‪ ،‬كانت �أوىل لوحاته التي لفتت انتباه ال�شهيد‬ ‫غ�سان كنفاين ف�ق��ام بن�شرها يف جملة احل��ري��ة‪ ،‬وك��ان‬ ‫العلى وقتها قد عاد من ال�سعودية �إىل لبنان ليختلط بعمق‬ ‫بتجمعات ال�شباب الفل�سطينيني يف فرتة �شهدت فورة املد‬ ‫القومي النا�صري ال��ذي حول ال�سيا�سة يف حياة ال�شعوب‬ ‫العربية �إىل خبز يومي يقتاتونه مع قهوة ال�صباح وينهون‬ ‫به م�ساءاتهم‪،‬‬ ‫وك��ذل��ك ك��ان العلي ق��د ذاق جت��رب��ة االع�ت�ق��ال وال�سجن‬ ‫و�إح�سا�س �أن يكون مطارد ًا من قبل ال�شرطة بعد �أن ان�ضم‬ ‫�إىل حركة القوميني العرب �إىل حد �أنه مل ي�ستطع ا�ستكمال‬ ‫درا�سته ب�أكادميية الفنون ببريوت‪.‬‬ ‫مل يكن عجيب ًا �أن تنطلق لوحات العلى بعد ذلك‪ ،‬فقد عركته‬ ‫التجربة وفجرت بداخله املارد الفنان‪ ،‬واكت�سبت جتربته‬ ‫�أب�ع��اد ًا جديدة و�صقلته امل��رارة وفجر فيه رد فعل النا�س‬ ‫على لوحاته املزيد من الإ�صرار‪ .‬كان العلى قد تنقل بني‬ ‫العديد من ال��دول العربية عام ًال يف �صحفها وجمالتها‪،‬‬ ‫من جملة «الطليعة» يف الكويت �إىل جريدة «ال�سيا�سة»‬ ‫الكويتية �إىل جريدة «ال�سفري» اللبنانية ببريوت قبل �أن يعود‬ ‫�إىل «ال�سيا�سة» الكويتية مرة �أخرى ثم «ال�سفري» ثانية ثم‬ ‫«الوطن» الكويتية قبل �أن ين�ضم �إىل �أ�سرة «القب�س» حتى‬ ‫عام ‪ 1985‬قبل �أن يغادرها �إىل لندن للعمل يف «القب�س»‬ ‫الدويل ‪ .‬وخالل تلك الرحلة ن�شر �أكرث من ‪� 40‬ألف لوحة‬ ‫و�أ��ص��در ثالثة كتب جتميعية للوحاته وع��رف كيف يخرب‬ ‫النا�س بفكرته كما عرف معنى الرف�ض والأوامر العلىا‬ ‫والرتحيل ‪.‬‬ ‫«�إذا �أردت �أن تعرف ر�أي العرب يف �أمريكا فانظر �إىل‬ ‫ر�سوم ناجي العلى» هكذا قالت النيويورك تاميز عنه عندما‬ ‫حتركت معار�ضه اخلا�صة يف كل املدن حتى و�صلت �إىل لندن‬ ‫ووا�شنطن م��رور ًا ببريوت ودم�شق وعمان والكويت‪ ،‬كانت‬


‫ر�سومات العلى تفجر ال�س�ؤال‬ ‫وت�ضع العقل يف الزاوية وت�سلط �سكاكينها على‬ ‫اللحم احلي وال تدع جما ًال للمناورة‪ ،‬حتى كتب‬ ‫عنه �أحد ر�سامي الكاريكاتري يف جملة «التاميز»‪:‬‬ ‫�إن ه��ذا الرجل ير�سم لوحاته بالعظم الب�شري‬ ‫امل�بري‪ .‬كما اختارته �صحيفة «�أ�ساهي» اليابانية‬ ‫واحد ًا من �أ�شهر ع�شرة ر�سامني يف العامل‪.‬‬ ‫من �أ�شهر جتارب ناجي العلى لوحاته « املرايا»‬ ‫التي نال عنها اجلائزة الأوىل‬ ‫يف معر�ض الكاريكاتري العربي الثاين الذي �أقيم‬ ‫يف دم�شق �سنة ‪1980‬م‪ ،‬هذه التجربة �ضمت �أربع مرايا‬ ‫كتب ناجي على زجاج الأوىل «مطلوب» في�صبح بذلك مطلوباً‬ ‫كل �شخ�ص يواجه اللوحة ن��اظ��ر ًا �إليها‪ ،‬ور�سم على الثانية‬ ‫ق�ضبان ًا حديدية في�صبح بذلك م�سجون ًا كل متفرج‪ ،‬بينما ر�سم‬ ‫على زجاج اللوحة الثالثة �شريط ًا �أ�سود �إ�شارة �إىل �أن ال�شخ�ص‬ ‫الذي كان مطلوب ًا ثم اعتقل من برهة قد فارق احلياة‪ ،‬واللوحة‬ ‫الرابعة تركها فارغة �إال من تعليق واحد‪ :‬لوحة مكتوبة باحلرب‬ ‫ال�سري‪ ،‬ولت�سبح كل خميلة يف بحورها اخلا�صة �إىل �أن ت�صل‬ ‫�إىل �شاطئ املعنى فتقف على الق�صد وراء ذلك‪.‬‬ ‫كان الهم الأول ال��ذي ير�سم ناجي من �أجله هو «الك�شف»؛‬ ‫كان ير�سم دائم ًا باحث ًا عن طريقة جديدة ي�ضع فيها احلقيقة‬ ‫بلحمها احلي �أمام املتفرج‪ ،‬مل يكن يعنيه �إال الواقع الذي كان‬ ‫نبعه الغزير بعذاباته وتردي �أحواله‪ ،‬كان ي�سعى �إىل اختزال‬ ‫ذلك الواقع املرير يف عنا�صر ورموز وثنائيات لكي ي�ستطيع‬ ‫نقله دون �أن يخل مبحتواه �إىل كل النا�س‪ ،‬ويعر�ضه �صارخ ًا‬ ‫�أم��ام من ي��دي��رون وجوههم للحقيقة ويغلقون �أعينهم عن‬ ‫ال�ضوء ال�ساطع‪ ،‬وقد قال االحتاد الدويل لنا�شري ال�صحف‬ ‫الذي منحه جائزة القلم الذهبي عقب اغتياله ‪� «:‬إن ناجي‬ ‫العلي ا�ستخدم ر�سومه ملهاجمة اال�ستبداد �أينما ر�آه يف ال�شرق‬ ‫الأو� �س��ط ور�سومه الكاريكاتريية كانت م��ن الق�سوة بحيث‬ ‫�أغ�ضبت كل حكومات املنطقة‪ ،‬وب�سبب معار�ضته النعدام‬ ‫الت�سامح �أخ�ضعت �أعماله للرقابة وتعر�ض هو للنفي»‪.‬‬

‫ورغم �أن ناجي العلى كان الفنان العربي الأول‬ ‫ال��ذي يح�صل على ج��ائ��زة القلم الذهبي‬ ‫ال��دول�ي��ة ف���إن ذل��ك ال ي�ضاهي يف �أهميته‬ ‫�أن ن��اج��ي العلى ه��و ال�ف�ن��ان ال�ع��رب��ي الأول‬ ‫الذي تراءت له فيما يرى الفنان انتفا�ضة يف‬ ‫الأر�ض املحتلة يرتاجع �أمامها اجلبناء ويتقدم‬ ‫�أ�صحابها بكل ج�سارة‬ ‫و�صالبة ميل�ؤهم احلق والإميان بقدرة ال�شعب‬ ‫و�أحقيته يف املقاومة‪ ،‬فكان العلى بحق هو‬ ‫ملهم االنتفا�ضة الفل�سطينية و�أباها الروحي‪،‬‬ ‫روح��ه �أط �ف��ال و�شباب ال��وط��ن وردوا‬ ‫�أ�ستلهم َ‬ ‫االعتبار له ولروحه املقاتلة بينما كان «حنظلة ناجي العلي»‬ ‫ي�شد على �أياديهم‪ .‬وللمدعو «حنظلة ناجي العلي» الذي ولد‬ ‫يف �أغ�سط�س ‪� /‬آب ‪1999‬م‪ ،‬ق�صة‪ ،‬فهو خملوق من �إبداع‬ ‫خميلة فنية يذكرين‪ ،‬ب�شكل �شخ�صي‪ ،‬ب�ـ�ـ«�أراج��وز» ف�ؤاد‬ ‫ح��داد ال�شعري من حيث املفهوم والهوية والوظيفة؛ �إنه‬ ‫�شاهد ع�صر ال ميوت‪ ،‬دخل احلياة ولن يغادرها‪ ،‬ينحاز‬ ‫للفقراء‪ ،‬و�إذا كان «حنظلة» العلي دخل احلياة طف ًال يف‬ ‫العا�شرة ولن يكرب ولن يتقدم به العمر كما �أراد له �صاحبه‬ ‫الذي غادر وطنه يف ذات ال�سن‪ ،‬فكذلك �أراجوز ف�ؤاد حداد‬ ‫فهو طفل �شقي متر به ال�سنون وال يكرب ويظل �سليط الل�سان‬ ‫عرف بنف�سه يف كلمات‬ ‫وقح ًا يف احلق‪ ،‬كما «حنظلة» الذي ُي ِّ‬ ‫ب�سيطة معربة‪« :‬واللي بدو يزعل يروح يبلط البحر»‪ .‬منذ‬ ‫ذلك التاريخ وحتى �آخر نقطة حرب تدفقت عرب ري�شته �إىل‬ ‫الورق ظل «حنظلة» هو البطل الثابت لناجي العلي الذي‬ ‫ا�ستقر�أ امل�ستقبل وب�شر يف و�ضوح مبيالد انتفا�ضة مفيد ًا‬ ‫�أن حجر ًا يف اليد وال ع�شر مفاو�ضات مع الأنذال‪ ،‬والذي‬ ‫�أ�صر دائم ًا على �أن فقدان الوطن ا�ستثناء يجوز �أن نفعل‬ ‫فيه كل ما بطاقتنا حتى ت�صبح الأم��ور طبيعية حني يعود‬ ‫الوطن �إىل �أهله‪.‬‬ ‫�أما ملاذا تذكرت ناجي العلي اليوم! فلأنه يف الليلة الظلماء‬ ‫يفتقد البدر‬


‫فنون‬ ‫‪130‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫بهرت الأوروبيني بدقتها وح�سن �صنعتها‬

‫المنسوجات العربية ‪..‬‬ ‫أثر عميق في مسيرة الفنون األوروبية‬ ‫خلف �أحمد حممود �أبوزيد‬ ‫ميثل الفن العربي الإ�سالمي م�صدراً مهماً من م�صادر الرتاث العربي‪ ،‬الذي حوى �أ�شكا ًال و�ألواناً‬ ‫من الإبداعات من نحت ور�سم ومو�سيقى و�شعر ون�سيج وخط عربي‪ ،‬منت وتطورت عرب الع�صور‪،‬‬ ‫و�أتخذت �أ�شكا ًال خمتلفة يف ظل ال��دول املتعاقبة‪ ،‬وقد ا�ستدعى هذا الفن �إعجاب الأوروب�ي�ين يف‬ ‫ع�صر النه�ضة مما �شجعهم على �إدخال كل ما وقعت عليه �أيديهم من تراث فني عربي يف من�ش�آتهم‬ ‫العمرانية وفنونهم الزخرفية‪ ،‬وتعد �صناعة املن�سوجات �أحد الفنون العربية الإ�سالمية البارزة التي‬ ‫القت اهتماماً وا�سعاً لدى الأوروبيني ملا امتازت به من زخرفة بديعة وجودة عالية‪.‬‬


‫ولكننا قبل �أن نتطرق لت�أثري املن�سوجات الإ�سالمية ق��د مت ع�بر و�سائل متعددة‬ ‫العربية الإ�سالمية يف الفنون الأوروبية‪ ،‬نوجز �أهمها فيما يلي‪.‬‬ ‫ن��رى م��ن ال���ض��روري �أن نعر�ض لكيفية‬ ‫انتقال الفنون العربية �إىل �أوروبا‪.‬‬ ‫التجارة بني �أوروبا وال�شرق‬

‫�شكلت ال �ت �ج��ارة ب�ين �أوروب� ��ا وال���ش��رق‬ ‫انتقال الفنون العربية �إىل �أوروبا ميدان ًا رئي�سي ًا للتبادل الثقايف لزمن‬ ‫من الثابت تاريخي ًا �أن الأوروبيني عرفوا طويل‪ ،‬وكان �أول بروز للم�ؤثرات الفنية الإ��س�لام�ي��ة �شهده ال�ف��ن الأوروب���ي كان‬ ‫ال �ف��ن ال �ع��رب��ي يف ال �ع �� �ص��ور ال��و��س�ط��ى‬ ‫يف ال� �ق ��رن ال �ت��ا� �س��ع امل � �ي �ل�ادي‪ ،‬ح�ي��ث‬ ‫ممث ًال يف التحف الفنية التي نقلوها �‬ ‫�شهدت العالقات ال�سيا�سية والتجارية‬ ‫�شاهدأو معرفة األوروبيين‬ ‫نقلت �إليهم من ال�شرق‪ ،‬وعندما‬ ‫بعد ظ�ه��ور الإ� �س�لام‪ ،‬واح �ت�لال العرب‬ ‫اإلسالمية‬ ‫بالفنون‬ ‫ال �ف �ن��ان��ون الأوروب� �ي���ون ه ��ذه امل�ن�ت�ج��ات‬ ‫لإ�سبا��يا جمود ًا يف العالقات بني بالد‬ ‫وسائل‬ ‫عبر‬ ‫كانت‬ ‫اعجبوا بها وب��زخ��ارف�ه��ا‪ ،‬ف�أقبلوا على‬ ‫�أوروب ��ا امل�سيحية وال���ش��رق الإ��س�لام��ي‪،‬‬ ‫وب�ق�ي��ت مدينتا ب ��وردر وم��ر��س�ل�ي��ا فقط‬ ‫تقليدها‪ ،‬وكان التقليد يف بع�ض الأحيان متعددة أبرزها التجارة‬ ‫مفتوحتني �أم ��ام ال�ت�ج��ارة م��ع ال�شرق‪،‬‬ ‫� �ص��ادق � ًا‪ ،‬وت��ذك��ر امل���ص��ادر التاريخية‪ ،‬بين أوروبا والشرق‬ ‫وق� ��د دخ� �ل ��ت ع�ب�ره �م��ا «ال �� �ص �ن��اع��ات‬ ‫�أن ب��داي��ة م�ع��رف��ة الأوروب� �ي�ي�ن بالفنون‬

‫والحروب الصليبية‬ ‫والحجاج المسيحيون‬


‫فنون‬ ‫‪132‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫قطعة من الن�سيج على �شكل جنمة‬

‫�إيطاليا والوطن العربي‪ ،‬ك��ان من �أهم‬ ‫ثمارها �أن �أقبلت بع�ض املدن الإيطالية‬ ‫ويف مقدمتها م��دي�ن��ة البندقية وج�ن��وه‬ ‫علي االقتبا�س ما و�سعهما االقتبا�س من‬ ‫الفنون العربية‪.‬‬

‫الفنية واحلرفية اليدوية من خزفيات‬ ‫ون�ح��ا��س�ي��ات وخ���ش�ب�ي��ات و��س�ج��اد وحلي‬ ‫و�أدوات للزينة م��زدان��ة ب�أ�شكال الفن‬ ‫الإ� �س�لام��ي و�أمن ��اط ��ه ه ��ذا �إىل ج��ان��ب‬ ‫ت�ط�ب�ي��ع ال �ع�لاق��ات ال��دب �ل��وم��ا� �س �ي��ة بني‬ ‫ه��ارون الر�شيد و�شارملان التي �أ�سهمت‬ ‫�إىل حد كبري يف ازده��ار العالقات بني احلروب ال�صليبية‬ ‫ف��رن���س��ا وال �� �ش��رق»‪ )1( ،‬ث��م ق �ي��ام ح��رك��ة احلروب ال�صليبية وما كان لها من نتائج‬ ‫جت��اري��ة ن�شطة بعد ذل��ك ب�ين جمهورية خطرية ومهمة غري النتائج الع�سكرية‬ ‫وال�سيا�سية‪ ،‬وه��ي النتائج احل�ضارية‬ ‫املمثلة يف الثقافة وال �ف��ن‪ ،‬حيث كانت‬ ‫تحوي أديرة ومتاحف‬ ‫ه��ذه النتائج بعيدة امل��دى عميقة الأث��ر‬ ‫أوروبا مجموعة‬ ‫يف �أوروب� ��ا ك�ل�ه��ا‪ ،‬م��ن ح�ي��ث �إن �ه��ا لفتت‬ ‫نادرة من األقمشة‬ ‫�أنظار الأوروبيني �إىل الكثري من املعارف‬ ‫والفنون وال�صناعات التي �أحبها الغرب‬ ‫والمنسوجات العربية‬ ‫تدل بوضوح على براعة وف�ضلها علي غريها حتى �أ�صبحت من‬ ‫علومهم ومعارفهم وفنونهم‪.‬‬

‫العرب في هذا اللون‬ ‫من الفن‬


‫احلجاج امل�سيحيون‬

‫احلجاج امل�سيحيون الذين كانوا ي�أتون‬ ‫�إىل بيت املقد�س‪ ،‬فقد كان لهم دور بارز‬ ‫يف نقل الرتاث العربي والفنون العربية‬ ‫�إىل �أوروب ��ا‪ ،‬حيث ك��ان ه���ؤالء احلجاج‬ ‫ي �ع��ودون �إىل �أوط��ان �ه��م‪ ،‬ومعهم الكثري‬ ‫م��ن م�صنوعات ال���ش��رق وف�ن��ون��ه‪ ،‬التي‬ ‫كان ينظر لها الأوروبيون بعني التقدير‬ ‫والإعجاب‪.‬‬

‫القيمة اجلمالية والفنية‬

‫القيمة اجلمالية والفنية العالية لهذه‬ ‫امل�ن�ت�ج��ات ال�ع��رب�ي��ة الإ� �س�لام �ي��ة‪ ،‬ال�ت��ي‬ ‫متثلت يف تنا�سقها وفخامتها‪ ،‬وما حفلت‬ ‫ب��ه يف الكثري م��ن الأح �ي��ان م��ن غنى يف‬ ‫الأل��وان «هذا �إىل جانب حتليها بدرجة‬ ‫عالية من الإتقان واجل��ودة مما جعلها‬

‫تفوق مبراحل �أي �شيء كان من املمكن‬ ‫�أن ي�ن�ت�ج��ه ال �غ��رب يف ت �ل��ك ال�ع���ص��ور‪،‬‬ ‫(‪)2‬‬ ‫ناهيك عن طرافتها الغريبة»‪.‬‬

‫�صناعة املن�سوجات لدى العرب‬

‫ك ��ان ��ت � �ص �ن��اع��ة ال �ن �� �س �ي��ج م ��ن �أك�ب�ر‬ ‫ال�صناعات عند ال�ع��رب‪ ،‬بحيث كانت‬ ‫تقدم للنا�س كل ما يحتاجون �إليه من‬ ‫ث �ي��اب‪ ،‬وت �ق��دم ل�ه��م ك��ذل��ك �أه ��م ل��وازم‬

‫تشكل المنسوجات‬ ‫العربية القسم األكبر‬ ‫من القطع الفنية‬ ‫المحفوظة في‬ ‫المتاحف واألديرة في‬ ‫أوروبا لما يميزها من‬ ‫جمال ورقة وتناسق‬

‫امل �ن��زل ك��الأغ �ط �ي��ة وال��و� �س��ائ��د وال���س�تر‬ ‫واخل� �ي ��ام‪ ،‬والأه� ��م م��ن ذل ��ك �أن قطع‬ ‫ال�ن���س�ي��ج ي���س�ه��ل ط �ي �ه��ا‪ ،‬ل ��ذا ف �ل��م تكن‬ ‫ع�سرية النقل‪ ،‬وه��و م��ا يف�سر لنا �س ّر‬ ‫�ضخامة قطع الن�سيج التي ُجلبت �إىل‬ ‫ال �غ��رب‪ ،‬وت��رك��ت ب���ص�م��ات وا��ض�ح��ة يف‬ ‫�أوروب � ��ا‪ ،‬ف�ق��د غ��دت امل�ن���س��وج��ات التي‬ ‫�أبدعها العرب مو�ضع تقدير و�إعجاب‬ ‫يف �أو� �س��اط �أوروب ��ا حتى �أث ��ارت ده�شة‬ ‫عظيمة ل��دى الأوروب �ي�ين ال��ذي��ن �أقبلوا‬ ‫عليها �إق �ب��ا ًال منقطع النظري‪ ،‬ت��رك يف‬ ‫ف�ن��ون�ه��م �أث� ��ر ًا ال مي �ح��ى‪ ،‬ح�ت��ى ��ص��ارت‬ ‫املن�سوجات العربية ت�شكل الق�سم الأكرب‬ ‫من م��وج��ودات القطع الفنية املحفوظة‬ ‫يف املتاحف والأديرة‪ ،‬ملا امتازت به هذه‬ ‫املن�سوجات من جمال رائع ميتاز برقتها‬ ‫وتنا�سقها الذي ات�سمت به ت�صاميمها‪،‬‬


‫فنون‬ ‫‪134‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫مما جعل �ش�أنها �ش�أن التحف الإ�سالمية‬ ‫ال� �ت ��ي ع ��رف ��ت ط��ري �ق �ه��ا �إىل خ��زائ��ن‬ ‫الكاتدرائيات الغربية‪« ،‬حتى و�إن كانت‬ ‫نقو�شها حتمل ا�سم اخلليفة امل�سلم �أو كانت‬ ‫مكر�سة للدعاء �إلة اخلالق‪ ،‬وهي ال تزال‬ ‫(‪)3‬‬ ‫حمفوظة هناك منذ ذلك احلني»‪.‬‬

‫الأقم�شة واملن�سوجات العربية‬ ‫يف الأديرة واملتاحف الأوروبية‬

‫م��ا ت��زال �أدي ��رة وم�ت��اح��ف �أوروب� ��ا حتى‬ ‫ي��وم�ن��ا ه��ذا حت��وي جم�م��وع��ة ن ��ادرة من‬ ‫الأق�م���ش��ة وامل�ن���س��وج��ات ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬التي‬ ‫ت��دل دالل��ة وا�ضحة على ب��راع��ة العرب‬ ‫يف هذا اللون من الفن‪ ،‬ومن �أ�شهر قطع‬ ‫الن�سيج التي و�صلت �إىل �أوروب��ا القطعة‬ ‫امل�سماة حجاب اخلليفة ه�شام الثاين‬ ‫امل�ؤيد « ‪366‬ـ ‪ 403‬هجرية « ‪976‬ـ ‪»1013‬‬ ‫ميالدية وال�ت��ي «مي�ك��ن �أن ت�ك��ون ج��زء ًا‬ ‫من ثوب قدم �إىل كني�سة �سان ا�ستنبان‬ ‫دي جرماج»‪ )4(,‬كما ي��وج��د قطعة من‬

‫بلغ اهتمام األوروبيين‬ ‫باألقمشة والمنسوجات‬ ‫العربية مدى واسع ًا‬ ‫وأسموها في لغاتهم‬ ‫بأسماء المدن العربية‬ ‫التي نُسجت فيها‬ ‫احل��ري��ر م��ن ��ص�ن��اع��ة ب �غ��داد حمفوظة‬ ‫يف �ضيعة ال�ق��دي����س دي��ر� �س��ان اي��زي��دور‬ ‫يف مدينة ليون ب�شمال �إ�سبانيا يرجع‬ ‫ت��اري�خ�ه��ا �إىل ح ��وايل ال �ق��رن اخلام�س‬ ‫الهجري احل��ادي ع�شر امليالدي‪ ،‬وهذه‬ ‫القطعة ت�ت��أل��ف زخرفتها م��ن دائ��رت�ين‬ ‫غ�ير متكاملتني ب�سبب مت��زق القطعة‪،‬‬ ‫ويزين الإطار اخلارجي لكل دائرة كتابة‬ ‫ب��اخل��ط ال�ك��ويف ه�ك��ذا «ال�برك��ة م��ن اهلل‬ ‫واليمن‪� ،‬أما ن�ص الكتابة على ال�شريط‬ ‫(‪)5‬‬ ‫ال�سفلي فتقر�أ كما عمل يف بغداد»‬ ‫وك��ذل��ك �أي �� �ض � ًا غ �ط��اء ال��وج��ه امل �ع��روف‬ ‫بالنقاب وال��وا��ض��ح يف ن�ق��اب القدي�سة‬ ‫�آن امل �ح �ف��وظ يف زج��اج��ة م��ن �صناعة‬

‫«القبَاطي» من الع�رص البيزنطي‬ ‫قطعة من ن�سيج �صويف من نوع‬ ‫ّ‬

‫ال�ب�ن��دق�ي��ة ي��رج��ع ت��اري�خ�ه��ا �إىل ال�ق��رن‬ ‫التا�سع الهجري اخلام�س ع�شر امليالدي‬ ‫وموجودة يف كني�سة �سانت �آن يف مدينة‬ ‫�آب��ت ج�ن��وب فرن�سا وه��ي حتمل «كتابة‬ ‫عربية تت�ضمن �شهادة الإ�سالم وا�سمي‬ ‫اخلليفة الفاطمي امل�ستعلي ‪495-487‬‬ ‫هجرية ‪ 1101-1094‬م�ي�لادي��ة ووزي��ره‬ ‫الأف�ضل وعليها ما يفيد �أنها طبعت يف‬ ‫دمياط مب�صر �سنة ‪ 489‬هجرية»(‪ )6‬ومن‬ ‫اجل��ائ��ز ج��د ًا �أن تكون ه��ذه القطعة قد‬ ‫جلبت �إىل �أوروبا بوا�سطة نبالء بلدة �آبت‬ ‫�أو الأ�ساقفة الذين ا�شرتكوا يف احلملة‬ ‫ال�صليبية الأوىل الذين كانوا ي�أخذون‬ ‫معهم ل��دى عودتهم �إىل بالدهم بع�ض‬ ‫الأ�شياء القيمة ليقدموها �إىل الكنائ�س‬ ‫ع�ل��ى �سبيل ال���ش�ك��ر مبنا�سبة عودتهم‬ ‫�ساملني �أو طلب ًا للذرية‪ ،‬حيث كانت ن�ساء‬ ‫�أوروبا يتربكن بها للغر�ض املذكور‪ ،‬كما‬ ‫فعلت امل�ل�ك��ة �آن النم�ساوية ع��ام ‪660‬‬ ‫هجرية‪ ،‬ويف مقابل ه��ذه اال�ستعماالت‬ ‫الكن�سية ل�ل�أن���س�ج��ة الإ� �س�لام �ي��ة‪ ،‬جند‬ ‫قطع ًا من الن�سيج الأخرى التي �أت�صفت‬ ‫مب�ظ��اه��ر �أك�ث�ر ف�خ��ام��ة‪ ،‬وال �ت��ي �أظ�ه��رت‬ ‫ال �ت ��أث��ر ال�غ��رب��ي ال��وا� �ض��ح ب�ف��ن الن�سيج‬ ‫ل متاحف �أوروبا الآن‪،‬‬ ‫العربي والتي مت أ‬ ‫وم��ن �أهمها ه��ذه ال�ع�ب��اءة ال�ت��ي �صنعت‬ ‫�أول الأم ��ر للملك ال�ن��ورم��ان��دي «روج��ر‬ ‫ال�ث��اين» يف بلريمو ب�صقلية‪ ،‬و�أ�صبحت‬ ‫هذه العباءة تلب�س بعد ذلك على اعتبار‬ ‫�أنها ثوب لتتويج �أباطرة الأمرباطورية‬ ‫الرومانية املقد�سة حتى �سنة ‪1806‬م‪،‬‬ ‫وهذه العباءة عبارة عن ثوب كبري ن�صف‬ ‫دائري يحمل ر�سم ًا مكرر ًا مرتني لأ�سد‬ ‫يفرت�س حم ًال وعلى �أطرافه كتابة مذهبة‬ ‫طرزتها ل��ه �إي��اد عربية‪ ،‬وه��ي تت�ضمن‬ ‫العبارة التالية «عمل باخلزانة امللكية‬ ‫امل �ع �م��ورة ب��ال���س�ع��د والإج�ل��ال وال�ك�م��ال‬ ‫وال� �ط ��ول ول�ل�إف �� �ض��ال وال��ق��ب��ول وب �ل��وغ‬ ‫الأم��اين والآم��ال‪ ،‬وطيب الأي��ام والليايل‬ ‫ب�لا زوال وال ان �ت �ق��ال ب��ال�ع��ز وال��رع��اي��ة‬ ‫واحلفظ واحلماية وال�سعد يف ال�سالمة‬


‫والن�صر يف الكفاية‪ ،‬مبدينة �صقلية �سنة‬ ‫ثمان وع�شرين وخم�سمئة»‪ )7(،‬كما يحوي‬ ‫متحف املن�سوجات مبدينة ليون بفرن�سا‬ ‫خمم ًال من �صناعة البندقية يف القرن‬ ‫العا�شر الهجري‪ ،‬ال�سا�س ع�شر امليالدي‬ ‫تزينه زخرفة نباتية مت�أئرة �إىل حد كبري‬ ‫بالزخرفة التي ا�ستخدامها الن�ساجون‬ ‫امل�سلمون يف منتوجاتهم املختلفة‪� ،‬أما‬ ‫متحف فكتوريا والربت بلندن فقد �ضم‬ ‫ع��دد ًا م��ن املن�سوجات الأوروب �ي��ة نلمح‬ ‫فيها الت�أثري العربي الإ��س�لام��ي‪ ،‬نذكر‬ ‫منها خم�م� ً‬ ‫لا م��ن احل��ري��ر م��ن �صناعة‬ ‫�إي �ط��ال �ي��ا يف ال �ق��رن ال�ع��ا��ش��ر ال�ه�ج��ري‬ ‫ال�ساد�س ع�شر امليالدي «ت�شهد الزخرفة‬ ‫يف املخمل املذكور بال�صلة الوثيقة بني‬ ‫املن�سوجات الإ�سالمية والإيطالية‪ ،‬مما‬ ‫ي�ؤكد على انت�شار الزخارف الإ�سالمية‬ ‫(‪)8‬‬ ‫يف املن�سوجات احلريرية الإيطالية»‪.‬‬

‫�أ�سماء عربية‬

‫ب �ل��غ اه �ت �م��ام الأوروب�� �ي�ي��ن ب��الأق �م �� �ش��ة‬ ‫وامل �ن �� �س��وج��ات ال �ع��رب �ي��ة م ��دى وا� �س �ع � ًا‪،‬‬ ‫وك��ان من ثمار ه��ذا الت�أثر واالهتمام‪،‬‬ ‫�أن �أ�سموها يف لغاتهم ب�أ�سماء امل��دن‬ ‫العربية التي ن�سجت فيها‪ ،‬ثم �أطلقوا‬ ‫الأ�سماء العربية الأ�صل على ما �أخرجته‬ ‫�أيديهم من من�سوجات و�أقم�شة‪ ،‬فعلى‬ ‫�سبيل امل �ث��ال «امل�ن���س��وج��ات ال�ت��ي كانت‬ ‫ت��ع��رف ل��دي �ه��م ب��ا� �س��م ف �� �س �ت �ي��ان‪ ،‬ق��د‬ ‫�أ�شتق �أ�سمها من كلمة الف�سطاط �أول‬ ‫ال�ع��وا��ص��م العربية يف م�صر»‪ )9(،‬كما‬ ‫ع ��رف ل ��دى الأوروب� �ي�ي�ن ن ��وع �آخ���ر من‬ ‫املن�سوجات احلريرية‪ ،‬ا�شتهرت ب�إنتاجه‬ ‫مدينة ب�غ��داد يعرف با�سم البغدادي‪،‬‬ ‫وقد عرب الإيطاليون هذا اللفظ «بلد‬ ‫�شينو ب�غ��داد م��ن اال��س��م الإي �ط��ايل بلد‬ ‫�شواي بغداد �أو با�سم بوداك»‪ )10(،‬كما‬ ‫ا�شتهرت حملة العتابية ببغداد ب�إنتاج‬ ‫نوع من الأقم�شة ي�سمى «بالعتاب»‪ ،‬وقد‬ ‫امتاز هذا النوع ب�ألوانه الأبي�ض والأ�سود‬ ‫والأ�صفر‪ ،‬وجمع بني اخلطوط املتوازية‬

‫«القبَاطي» مكتبة الإ�سكندرية‬ ‫قطعة من ن�سيج �صويف من نوع‬ ‫ّ‬

‫وامل �ت �ع��رج��ة‪ ،‬وه��و ن��وع م��ن املن�سوجات‬ ‫احل��ري��ري��ة ال�ت��ي و��ص�ل��ت �شهرتها ع��دة‬ ‫مدن يف الأندل�س مثل مدينة املرية‪ ،‬وقد‬ ‫قلده القوط ب�إ�سبانيا‪ ،‬و�صار يعرف لدى‬ ‫(‪)11‬‬ ‫الفرن�سيني والإيطاليني با�سم«تاب�س»‪,‬‬ ‫كما ا�شتهرت مدينة املو�صل ب�إنتاج نوع‬ ‫م��ن امل�ن���س��وج��ات ع��رف ب��ا��س��م املو�صلي‬ ‫«املو�سلني»‪ ،‬وقد ذاع هذا الن�سيج وا�شتهر‬ ‫(‪)12‬‬ ‫ل��دى الأوروب� �ي�ي�ن ب��ا��س��م مو�سلينا»‪،‬‬

‫تعد صناعة‬ ‫المنسوجات أحد‬ ‫الفنون العربية‬ ‫اإلسالمية البارزة التي‬ ‫القت اهتمام ًا واسع ًا‬ ‫لدى األوروبيين لما‬ ‫امتازت به من زخرفة‬ ‫بديعة وجودة عالية‬

‫وع��رف ال�غ��رب �أي���ض� ًا ن��وع� ًا م��ن القما�ش‬ ‫ي�سمى القباطي‪ ،‬وهو اال�سم الذي �أطلقه‬ ‫ال �غ��رب ع �ل��ى ال�ن���س�ي��ج امل �� �ص��ري ال��ذي‬ ‫عرفه الأوروب �ي��ون با�سم «التاب�سرتي»‪،‬‬ ‫وق��د �أخ��ذت �أوروب��ا تنتجه حتت �أ�سماء‬ ‫�أخرى م�ستعارة هي «جوبالن»‪ ،‬وابيون‪،‬‬ ‫واحلقيقة �أن جوبالن هو ا�سم مل�صانع‬ ‫فرن�سية ا�شتهرت بن�سج القباطي‪� ،‬أما‬ ‫ن�سيج الأوبي�سون‪ ،‬فقد �أخ��ذ ا�سمه من‬ ‫مدينة بي�سون امل�صرية‪ ،‬التي ا�شتق من‬ ‫ا�سمها»‪ )13(،‬كما بلغ الن�سيج الدم�شقي‬ ‫�شهرة وا��س�ع��ة ل��دى الأوروب��ي�ي�ن‪ ،‬وح��از‬ ‫ع �ل��ى اه �ت �م��ام �ه��م و�إع �ج��اب �ه��م ق�م��ا���ش‬ ‫ح��ري��ري رق �ي��ق ع ��رف ب��ا� �س��م «ال �ت �ف��ت»‬ ‫عند ال�ع��رب‪ ،‬وق��د انتقل ه��ذا القما�ش‬ ‫�إىل خمتلف ال�ل�غ��ات الأوروب��ي��ة ف�صار‬ ‫يعرف يف الأملانية «تفت» ويف الفرن�سية‬ ‫تفت�س ويف الإجنليزية تفتا»‪ )14(،‬كما‬


‫فنون‬ ‫‪136‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ن�سيج كتاين عليه �سطر‬ ‫من الكتابة الكوفية من‬ ‫الع�رص العبا�سي‬

‫كان للعرب ف�ضل كبري يف �إثراء �صناعة‬ ‫امل�ن���س��وج��ات احل��ري��ري��ة وت �ط��وي��ره��ا يف‬ ‫�أوروب� � ��ا‪ ،‬ف �ق��د ع �م��ل ال �ع��رب ع �ل��ى ن�شر‬ ‫�صناعة املن�سوجات احلريرية يف �إيطاليا‬ ‫يف ال��ق��رن ال �ث��ال��ث ال �ه �ج��ري‪ ،‬ال�ت��ا��س��ع‬ ‫امليالدي‪ ،‬كما نتج عن فتحهم لإ�سبانيا‬ ‫دخ ��ول �صناعة امل�ن���س��وج��ات احل��ري��ري��ة‬ ‫التي انت�شرت انت�شار ًا وا�سع ًا يف الكثري‬ ‫م��ن امل� ��دن الإ� �س�لام �ي��ة م �ث��ل م��ر��س�ي��ه‪،‬‬ ‫و�أ� �ش �ب �ل �ي��ة وغ��رن��اط��ة وق��رط �ب��ه وم��ال�ق��ه‬ ‫واملرية وغريها»‪.‬‬

‫ت�أثريات يف �إبداع الفنانني الغربيني‬

‫ك �م��ا � �ش �غ��ف ال��ع��دي��د م ��ن امل �� �ص��وري��ن‬ ‫وال ��ر�� �س ��ام�ي�ن ال��غ��رب��ي�ي�ن ب��الأق �م �� �ش��ة‬ ‫واملن�سوجات العربية والإ��س�لام�ي��ة وما‬ ‫حت��وي��ه وت �ت �م �ت��ع ب��ه م��ن ن �ق��و���ش جميلة‬ ‫طرزت بها‪ ،‬و�أن هذا الت�أثري والإعجاب‬ ‫بالأقم�شة واملن�سوجات العربية قد �أخذ‬ ‫ع�ن��د ف �ن��اين ال �غ��رب اجت��اه�ين‪ ،‬االجت��اه‬ ‫الأول وهو ت�صوير املالب�س ال�شرقية يف‬ ‫الأعمال الفنية‪ ،‬وك��ان يف مقدمة ه�ؤالء‬ ‫امل�صورين امل�صور والر�سام «الربيخت‬ ‫دي� ��ورد» ال ��ذي � �ص��ور يف �إح ��دى لوحاته‬ ‫(‪)15‬‬ ‫��ش��ارمل��ان م�ت��دث��ر ًا ب�ع�ب��اءة التتويج»‬

‫�سجادة �صالة من نوع اجلورديز من الع�رص العثماين القرن الـ‪17‬‬

‫من أشهر قطع النسيج‬ ‫التي وصلت إلى أوروبا‬ ‫القطعة المسماة‬ ‫بحجاب الخليفة هشام‬ ‫الثاني المؤيد‬ ‫وكذلك الر�سام الفرن�سي فوربان الذي‬ ‫ع �م��ل ع �ل��ى �إح�� ��داث م���زج ب�ي�ن ال���ذات‬ ‫ال��روم��ان �� �س �ي��ة ال �غ��رب �ي��ة وع ��امل ال���ش��رق‬ ‫مهد الوحي والإلهام م�صور ًا يف �إحدي‬ ‫لوحاته «�صورة لفار�س �شرقي ممتطي ًا‬ ‫ج� � ��واده ب��ال �ل �ب��ا���س ال �� �ش��رق��ي ال�ترك��ي‬ ‫(‪)16‬‬ ‫وامل�صري‪ ،‬وعلى ر�أ�سه الطربو�ش»‬ ‫وكذلك الأمر بالفنان الفرن�سي ال�شهري‬ ‫�أوج�ين ديالكروا الذي ارتبط يف �أعماله‬ ‫�أي���ض� ًا ب��ال�ن��زوع نحو ال���ش��رق وح�ضارته‬ ‫وفنونه وبد�أ يف لوحاته «با�ستن�ساخ الأزياء‬ ‫ال���ش��رق�ي��ة والأن�� ��واط وال �ن �ق��ود واجل �ي��اد‬

‫والأ�سلحة وب�شكل خا�ص تقليد املنمنمات‬ ‫الإ� �س�لام �ي��ة ب�شتى مدار�سها»(‪� )17‬أم��ا‬ ‫االجت��اه ال�ث��اين فقد متثل يف ا�ستخدام‬ ‫الأق�م���ش��ة العربية نف�سها يف اللوحات‬ ‫الفنية التي قام ب�إبداعها عدد من فناين‬ ‫الغرب امل�شهورين‪ ،‬نظر ًا ملا حتويه هذه‬ ‫الأق�م���ش��ة م��ن زخ��رف��ة وخ �ط��وط بديعة‪،‬‬ ‫وجن��د ه��ذا الأث ��ر وا� �ض �ح � ًا يف ع��دد من‬ ‫ال�ل��وح��ات لكبار امل�صورين الإيطاليني‬ ‫التي ت�شتمل على مناذج من هذه الأقم�شة‬ ‫العربية وامل�ستوحاة منها‪ ،‬بل �أي�ض ًا نعرث‬ ‫على بع�ض الأقم�شة التي كانت ت�ستوردها‬ ‫ايطاليا يف تلك الع�صور‪ ،‬و�سط الر�سوم‬ ‫التي �صورها كبار الر�سامني الإيطاليني‪،‬‬ ‫ونذكر يف مقدمة ه�ؤالء الر�سام ال�شهري‬ ‫جيوتو الذي �ضمن بع�ض لوحاته مناذج‬ ‫م��ن الأق�م���ش��ة حتليها زخ��رف��ة م�ستمدة‬ ‫م��ن ط ��راز الأق�م���ش��ة ال�ع��رب�ي��ة‪ ،‬ويظهر‬ ‫ذل��ك جلي ًا يف ل��وح��ة ر�سمها ب�ين عامي‬ ‫‪1296‬ـ ‪ 1330‬وه ��ي مت �ث��ل ر�ؤي� ��ة ال�ب��اب��ا‬


‫الهوام�ش‬

‫ن�سيج حريري مزخرف بن�رس ذي ر�أ�س متحف الأقم�شة والفنون الزخرفية‪« ،‬ليون»‬

‫«القبَاطي»‬ ‫قطعة من ن�سيج �صويف من نوع‬ ‫ّ‬

‫ايتوت�سن�س الثالث واللوحة حمفوظة يف‬ ‫الكني�سة العليا»(‪)18‬وكذلك الأمر بالر�سام‬ ‫الأي�ط��ايل دون�شيودي بودنينزنيا‪ ،‬الذي‬ ‫ت�أثر هو الآخر باملن�سوجات العربية كما‬ ‫يف لوحته ال�شهرية«�ستار العر�ش»التي‬ ‫ترجع �إىل ح��وايل �سنة ‪1285‬م‪ ،‬والتي‬ ‫� �ص��ور ف �ي �ه��ا م ��رمي ال �ب �ت��ول حت �ي��ط بها‬

‫املالئكة‪ ،‬وهي حمفوظة يف فلورنا»‬ ‫ومل يقف هذا الأثر عند ه�ؤالء امل�صورين‬ ‫الذين تقدم ذكرهم‪ ،‬بل هناك جمموعة‬ ‫�أخ��رى من الفنانني يظهر يف ر�سومهم‬ ‫م�ث��ل ه��ذا ال �ت ��أث�ير �أم �ث��ال دميودا�سينا‬ ‫وماي�سرت بامبينو والينولوجادي‬

‫(‪)19‬‬

‫‪-1‬اال�ست�شراق يف ال �ف��ن ال��روم��ان���س��ي‬ ‫الفرن�سي‪ ،‬د‪ .‬زينات البيطار‪� ،‬سل�سلة عامل‬ ‫املعرفة‪ ،‬الكويت‪ ،‬العدد‪� ،157 ،‬ص ‪35‬‬ ‫‪�-2‬أثر فنون ال��زخ��رف��ة والت�صوير عند‬ ‫امل�سلمني على الفنون الأوروب �ي��ة‪ ،‬تراث‬ ‫الإ� �س�لام‪� ،‬سل�سلة ع��امل املعرفة‪ ،‬اجلزء‬ ‫الثالث‪� ،‬ص‪98‬‬ ‫‪-3‬الفن الإ�سالمي‪ ،‬ديفيد تاليوت راي�س‪،‬‬ ‫ترجمة فخري عقل‪ ،‬الطبعة الأوىل عام‬ ‫‪� ،2002‬ص ‪93‬‬ ‫‪-4‬جملة امل ��ورد‪ ،‬دار ال���ش��ؤون الثقافية‬ ‫بغداد‪ ،‬املجلد التا�سع ع�شر‪ ،‬العدد الأول‪،‬‬ ‫ربيع عام ‪� ،1990‬ص ‪79‬‬ ‫‪-5‬امل�صدر ال�سابق‬ ‫‪-6‬تراث الإ� �س�لام‪ ،‬م�صدر �سابق‪� ،‬ص‬ ‫‪104 ،103‬‬ ‫‪-7‬مكانة الفن الإ��س�لام��ي ب�ين الفنون‪،‬‬ ‫جملة كلية الآداب‪ ،‬جامعة ال�ق��اه��رة‪،‬‬ ‫املجلد ‪128 ،19‬‬ ‫‪�-8‬أطل�س الفنون الزخرفية والت�صوير‬ ‫الإ� �س�لام �ي��ة‪ ،‬د‪ /‬حم �م��د زك ��ي ح�سن‪،‬‬ ‫مطبوعات كلية الآداب والعلوم‪،1956 ،‬‬ ‫�ص ‪564‬‬ ‫‪-9‬تراث الإ�سالم‪ ،‬م�صدر �سابق‪� ،‬ص‪61 ،‬‬ ‫‪-10‬ف�ضل العرب على �أوروب��ا‪� ،‬سيجرند‬ ‫هونكه‪� ،‬ص‪277 ،‬‬ ‫‪-11‬تراث الإ�سالم‪ ،‬اجلزء الثاين‪ ،‬م�صدر‬ ‫�سابق‪� ،‬ص ‪61‬‬ ‫‪-12‬امل�صدر ال�سابق‪� ،‬ص ‪62‬‬ ‫‪-13‬جملة املورد‪ ،‬م�صدر �سابق‬ ‫‪-14‬ف�ضل ال�ع��رب على �أوروب� ��ا‪ ،‬م�صدر‬ ‫�سابق‪� ،‬ص ‪480‬‬ ‫‪-15‬تراث الإ��س�لام‪ ،‬م�صدر �سابق‪� ،‬ص‬ ‫‪107‬‬

‫‪-16‬اال�ست�شراق يف ال�ف��ن الرومان�سي‪،‬‬ ‫م�صدر �سابق‪� ،‬ص ‪107‬‬ ‫‪-17‬امل�صدر ال�سابق‪� ،‬ص ‪120‬‬ ‫‪-18‬جملة املورد‪ ،‬م�صدر �سابق‪� ،‬ص ‪81‬‬ ‫‪-19‬امل�صدر ال�سابق‪� ،‬ص ‪82‬‬


‫دراسة‬ ‫‪138‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ذكرها ال�شاعر اجلاهلي عمرو بن كلثوم يف ق�صائده‬

‫كرة القدم ‪..‬‬

‫في التراث واألدب العربيين‬ ‫�صالح ال�شهاوي‬ ‫منذ ن�ش�أة كرة القدم وهي مرتبطة باجلماهري واملنا�صرين برابط وثيق العالقة‪� .‬إذ ال ميكننا‬ ‫�أن نتخيل كرة القدم من دون جماهري ت�ضيف الكثري بطقو�سها الت�شجيعية املتنوعة ‪ -‬بحكم‬ ‫االختالف االجتماعي والتعددية الثقافية‪� -‬إىل لعبة كرة القدم‪.‬‬

‫�إن اجل�م��اه�ير باخت�صار ه��ي م�ل��ح ك��رة‬ ‫القدم‪ ،‬ولوالها ملا تربعت هذه الريا�ضة‬ ‫على ال�ع��ر���ش‪ ،‬بو�صفها الريا�ضة الأك�ثر‬ ‫عاملية‪ ،‬متخطية الو�صف ال�شعبي الل�صيق‬ ‫ب�ه��ا �إىل �آخ ��ر ال يخلو م��ن تعقيد‪ ،‬حتى‬ ‫ا�ستحالت �إىل ظ��اه��رة وا�سعة االنت�شار‬ ‫بقدر ما هي �شائكة وملغزة‪.‬‬ ‫ومما ال �شك فيه �أن كرة القدم‪ ،‬وبعد املكانة‬ ‫التي بلغتها‪ ،‬مل تعد جمرد جلدة منفوخة‬ ‫بالهواء تُركل ب��الأق��دام‪ ،‬بل �أ�صبحت من‬ ‫�أكرث الو�سائل ا�ستغال ًال و�أي�سرها تطبيق ًا‬ ‫لتحقيق �أهداف تبتعد �أحيان ًا كل البعد عن‬ ‫الريا�ضة وروح التناف�س‪ ،‬فقد باتت ظاهرة‬ ‫كونية ت�سيل اللعاب ملا تنطوي عليه من‬ ‫�إمكانات ا�ستثمار وا�ستغالل ق�صوى جلهة‬ ‫حجم الت�أثري املمكن �إح��داث��ه‪ ،‬وه��ذا ما‬ ‫يف�سر �إقحام جوانب عديدة فيها؛ �سيا�سية‬ ‫ِّ‬ ‫واقت�صادية واجتماعية‪ ،‬على �أيدي �أطراف‬ ‫ذات �أطياف و�أجندات متنوعة‪ ،‬ي�سعى كل‬

‫منها �إىل غاياته و�أغرا�ضه‪ ،‬غري الريا�ضية‬ ‫بال�ضرورة!‬ ‫ويف ح�ين �أن ك��ل �أن ��واع الريا�ضة حتظى‬ ‫متحم�سة لفريق دون �آخر‪ ،‬ف�إن‬ ‫بجماهري‬ ‫ِّ‬ ‫م�ستويات هذه احلما�سة و�أ�شكال التعبري‬ ‫عنها تختلف من ريا�ضة �إىل �أخرى‪ .‬ولكن‬ ‫مما ال �شك فيه �أن كرة القدم تبقى امليدان‬ ‫ال ��ذي ي ��ؤج��ج ع��واط��ف اجل�م��اه�ير ب�شكل‬ ‫�أو�ضح بكثري من غ�يره‪ ،‬وعلى املد َّرجات‬

‫أقدم ظهور أللعاب‬ ‫الكرة كان في نقوش‬ ‫فرعونية لنسوة يلعبن‬ ‫بكرات مستديرة ‪..‬‬ ‫وعن المصريين نقل‬ ‫الفينيقيون ألعاب الكرة‬ ‫فانتشرت في اليونان‬ ‫فالرومان وعبر المانش‬ ‫إلي بريطانيا‬

‫املحيطة مبالعب ك��رة ال�ق��دم جن��د �أك�بر‬ ‫الأم�ث�ل��ة «و�أ� �س��و�أه��ا» ع��ن ح��االت انقالب‬ ‫تع�صب يقلب �أح�ي��ان� ًا الوعد‬ ‫ال ��والء �إىل ُّ‬ ‫بالبهجة واالحتفال �إىل م�صائب وكوارث‪.‬‬ ‫واحلقيقة �أن هناك �س�ؤال �شغلني كثري ًا‪.‬‬ ‫وه��و‪ :‬مل��اذا ا�ستع�صت لعبة – كرة القدم‬ ‫– علي الأدب؟ بفروعه املختلفة‪ ،‬هل لأنها‬ ‫لعبة غ�ير قابلة للتدوين؟ ومل��ا ف�شلت يف‬ ‫احل�صول علي �إجابة لهذا ال�س�ؤال‪ ،‬بحثت‬ ‫عن الكرة يف الأدب العربي حتى عرثت‬ ‫علي هذه ال�سطور والتي �أردت �أن �أ�شرك‬ ‫قراء الغاوون الكرام يف مطالعتها‪.‬‬ ‫ك��رة ال�ق��دم ه��ي اللعبة الأك�ث�ر �شعبية يف‬ ‫العامل‪ .‬واللعبة املع�شوقة للتفرج واللعب‪،‬‬ ‫التي ميار�سها الأط�ف��ال وال�شيوخ‪ ،‬والتي‬ ‫متار�س تلقائيا منذ ال�صغر‪.‬‬ ‫ومع �أن الكرة هي قطعة من اجللد املنفوخ‪،‬‬ ‫ال جمال فيها وال فتنه‪ ،‬ال ت�صلح حتى �أن‬ ‫تو�ضع يف رك��ن بالبيت‪ .‬وم��ع ذل��ك ت�صنع‬


‫�صاحب ال�سمو رئي�س الدولة التقى «الأبي�ض» تكرميا ً لفوزه بخليجي ‪ 21‬يف ح�ضور ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان‬

‫الأفاعيل يف الأجيال‪ .‬و�أجنا�س الب�شر‪.‬‬ ‫ومع �أن قانون لعبة كرة القدم مل يرتفع‬ ‫�أب ��د ًا �إيل ق��ان��ون ال�شطرجن‪� ،‬أو �أي لعبة‬ ‫فكرية‪� .‬أو بدنية‪� ،‬إال �أن��ه يحفظ قواعده‬ ‫الفقراء والأغ�ن�ي��اء‪ ،‬والن�ساء وال�شيوخ‪،‬‬ ‫وال�سيا�سي‪ ،‬وغري ال�سيا�سي‪ ،‬بل يحفظه‬ ‫كل النا�س من الب�شر‪.‬‬ ‫و ك��رة ال �ق��دم ه��ي الأث �ي�رة ل��دى ال�ك�ثرة‬ ‫الغالبة من ال�شعوب �شرق ًا وغرب ًا �أكرث من‬

‫الريا�ضات الأخ��رى‪ ،‬مما ح��دا باالحتاد‬ ‫ال��دويل لكرة ال�ق��دم «الفيفا» �إىل دع��وة‬ ‫نخبة م��ن الكتاب والأدب���اء مثل الأدي��ب‬ ‫الربازيلي «باولو كويلر» والكاتب الإيطايل‬ ‫«�أم�برت��و �إي �ك��و» حل�ضور م�ب��اري��ات ك�أ�س‬ ‫العامل «املونديال» الأخ�يرة‪� ،‬ش�أنهم �ش�أن‬ ‫جن��وم ال�سينما وامل�سرح الذين يحظون‬ ‫بحب اجلماهري‪ ،‬وال يقل عنهم العبو كرة‬ ‫القدم ورمبا كانوا �أكرث جاذبية‪ ،‬ملا ت�سببه‬

‫تهنئة ملنتخب الإمارات لكرة القدم‬ ‫حقق منتخب الإمارات لكرة القدم �إجنازاً تاريخياً بح�صوله على ك�أ�س اخلليج‬ ‫العربي احلادية والع�شرين‪ ،‬يف البطولة التي اختتمت مناف�ساتها يف العا�صمة‬ ‫البحرينية املنامة �شهر يناير املا�ضي‪ ،‬وقد كان فوز املنتخب هذه املرة �ساحقاً‬ ‫حيث كان الن�صر حليفه يف جميع مبارياته يف البطولة‪ ،‬بينما توج باللقب يف عام‬ ‫‪ 2007‬م ب�أربعة انت�صارات مقابل هزمية واحدة‪.‬‬ ‫بهذه املنا�سبة ال�سعيدة تتقدم �أ��س��رة حترير «ت��راث» بخال�ص التهنئة لدولة‬ ‫الإم��ارات قيادة و�شعباً‪ ،‬وعلى طريقتها اخلا�صة تعرب عن �سعادتها من خالل‬ ‫ن�شر هذه الدرا�سة التي تدور حول كرة القدم يف الرتاث والأدب العربيني‪.‬‬

‫هذه اللعبة من �إثارة وما ت�صدر عنه من‬ ‫رغبة يف التنفي�س عن امل�شاعر املكبوتة يف‬ ‫عامل �سمته ال�صراع والتناف�س يف �سبيل‬ ‫�إحراز الن�صر‪.‬‬ ‫ولعبة كرة القدم متثل القوة لكن ما ُيخاف‬ ‫منه �أن تتحول من ريا�ضة ي�سعى �أربابها‬ ‫�إىل بناء الأج�سام وال�سمو الأخالقي �إيل‬ ‫حرب �ضرو�س ي�سقط فيها بع�ض الالعبني‬ ‫�صرعى �أو جرحى وهم يف �شرخ ال�شباب‬ ‫فتفقدهم املالعب وتفقدهم �شعوبهم وهم‬ ‫ُع َّدة امل�ستقبل‪ .‬كما ُيخ�شى �أن تتحول هذه‬ ‫الريا�ضة �إىل مطية لعتاة الر�أ�سماليني‬ ‫دع��اة نظرية اقت�صاد ال�سوق �أو ال�سوء‬ ‫وهو اجلانب املظلم للعوملة‪ ،‬في�ستغلونها‬ ‫يف ك�سب امل��زي��د م��ن الأرب ��اح ع��ن طريق‬ ‫الإع�ل�ان��ات وامل��راه �ن��ات وال��دع��اي��ة التي‬ ‫تخلب الألباب‪ .‬واخل�شبة �أي�ض ًا �أن ُي�ستبدل‬ ‫ب��ال�ك�ف��اح التناف�سي ال���ش��ري��ف ال���ص��راع‬


‫دراسة‬ ‫‪140‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫ال��دام��ي ال ب�ين ال �ف��رق��اء م��ن ال�لاع�ب�ين‬ ‫بع�ضهم وبع�ض فقط‪ ،‬بل بني �شعوب ينتمي‬ ‫�إليها ه ��ؤالء الالعبون‪ ،‬فيتحول الأ�شقاء‬ ‫�إىل �أعداء �أ�شقياء‪ ،‬وحينئذ تذهب �أدراج‬ ‫الرياح �أهداف الريا�ضة‪ ،‬وتطغى الهمجية‬ ‫على التعاون والإخ��اء بني الب�شر‪ ،‬وتُ�شغل‬ ‫ال���ش�ع��وب ال�سيما يف ال �ع��امل ال�ث��ال��ث عن‬ ‫حتقيق مطالبها امل�شروعة باللهاث خلف‬ ‫كرة القدم‪ ،‬هذه ال�ساحرة امل�ستديرة التي‬ ‫ُج��نَّ بها م�شاهدوها‪ ،‬و�ألهمت �أفانينها‬ ‫الأدباء املبدعني‪ ،‬كما وجدت فيها ال�شعوب‬ ‫املغلوبة علي �أمرها مالذ ًا لها متار�س فيه‬ ‫حريتها الوحيدة دون �إكراه �أو رقابة �أمنية‪،‬‬ ‫ف�أ�صبح وال�ؤه��ا لهذه الريا�ضة وحدها‪،‬‬ ‫وغ��دا بع�ض العبيها يف نظر اجلماهري‬ ‫املتعط�شة وبع�ض رج��ال الإع�لام �أي�ض ًا ال‬ ‫عباقرة فقط بل �أبطا ًال‪.‬‬ ‫ولقد عرفت هذه اللعبة �أمم كثرية ولكن‬ ‫ب�صورتها البدائية‪ .‬من تلك الأمم‪ :‬ال�صني‬ ‫والهند واليونان والرومان وغريها‪ ،‬وقد‬ ‫وجدت نقو�ش فرعونية علي جدران معبدي‬ ‫الأم�ي�ر «خبتي» و الأم�ي�ر «ب��اك��ت» لن�سوة‬ ‫يلعنب بكرات م�ستديرة‪ .‬و�أكد العلماء �أن‬ ‫هذه النقو�ش تعود �إيل العام ‪ 040‬ق‪.‬م‪،‬‬ ‫يف ما يقول امل�ؤرخون ال�صينيون‪�« :‬إن �أول‬ ‫مباراة دولية يف لعبة ك��رة القدم‪ ،‬جرت‬ ‫بني ال�صني واليابان يف العام ‪100‬ق‪.‬م»‪،‬‬ ‫وعن امل�صريون القدماء نقل الفينيقيون‬ ‫�ألعاب الكرة‪ ،‬فانت�شرت يف اليونان ومنها‬ ‫�أخذ اللعبة الرومان وعربوا بها املان�ش �إيل‬ ‫بريطانيا‪.‬‬ ‫وم��ن ال�ث��اب��ت ت��اري�خ�ي��ا �أن ت ��راث الأدب‬ ‫العربي مليء ب��أن��واع �شتي من الريا�ضة‬ ‫البدنية منها علي �سبيل امل�ث��ال‪ :‬العدو‪،‬‬ ‫الفرو�سية‪ ،‬العب بالع�صا‪ .‬حتى الريا�ضة‬ ‫ال��ذه�ن�ي��ة‪ :‬ال�شطرجن والأل �غ��از وامل�سائل‬ ‫احل�سابية‪.‬‬ ‫�أما بخ�صو�ص كرة القدم‪ .‬التي هي �أهم‬ ‫و�أ��ش�ه��ر اللعبات الريا�ضية يف الع�صر‬ ‫احل ��ايل‪ .‬ف��إن�ن��ا �إذا نظرنا يف �صفحات‬ ‫تراثنا الأدبي من �شعر ونرث لوجدنا عنها‬

‫كانت الكرة تصنع من‬ ‫الحجارة واآلجر‪ ،‬ثم من‬ ‫الخرق وتسمى «اللوثة»‬ ‫وكانت تصنع أحيانا من‬ ‫مادة لينة وتُكسى بفراء‬ ‫األرنب فتبدو مثل الكرة‬ ‫المعروفة حالي ًا‬

‫يقول ال�شاعر اجلاهلي عمرو بن كلثوم‪:‬‬

‫يدهدهون الر�ؤو�س كما تدهدي‬ ‫ح � � � ��زاورة ب ��أب �ط �ح �ه ��ا ال� � ُك ��ري� �ن ��ا‪.‬‬

‫يدهدهون‪ :‬يدحرجون‪ ،‬احلزاورة‪ :‬الغلمان‬ ‫الغالظ ال�شداد‪ ،‬الأبطح‪ :‬امللعب – مكان‬ ‫مطمئن من الأر�ض‪ ،-‬الكرينا‪ :‬الكرات �أو‬ ‫الأكر «جمع كرة»‪.‬‬ ‫وي �ق��ول ��ش��اع��ر �آخ ��ر ي�صف ال �ك��رة �إب��ان‬ ‫مباراة ‪:‬‬

‫ك � � � ��رة ط� � ��رح� � ��ت ب � �� � �ص� ��واجل� ��ه‬ ‫ف � � �ت � � �ل � � �ق � � �ف � � �ه� � ��ا رج � � � � � � � ��ل رج � � � ��ل‬

‫كما تقول ليلي الإخيليه «ت‪42:‬هـ» وهي‬ ‫ت�صف قطاه تدلت علي فراخها‪:‬‬

‫تدلت علي ح�صي طماء ك�أنها‬ ‫ك� � ��رات غ �ل��ام يف ك �� �س��اء م� ��ؤرن ��ب‬ ‫ال���ش��يء ال�ك�ث�ير‪ .‬ج��اء يف ل���س��ان ال�ع��رب‪.‬‬ ‫ال�ك��رة‪ :‬التي ُيلعب بها �أ�صلها – ك��روة‪-‬‬ ‫فحذفت ال��واو‪ .‬كما قالوا ُقلة‪ :‬التي يلعب‬ ‫بها والأ� �ص��ل ُق �ل��وة‪ -‬وج�م��ع ال �ك��رة ك��رات‬ ‫وكرون‪ .‬وقال اجلوهري – الكرة‪� -‬أ�صلها‬ ‫ك��رو وال �ه��اء ع��و���ض‪ ،‬وجت�م��ع علي كرين‪.‬‬ ‫وكرين �أي�ضا بالك�سر‪ ،‬وكرات‪.‬‬ ‫و َيعترب البع�ض العرب وامل�سلمون �أول من‬ ‫و�ضع قواعد عامة لكرة القدم ونظموها‬ ‫وابتكروا لها و�سائل جتعلها لعبة جميلة‬ ‫وم�سلية يف �آن واحد‪.‬‬ ‫ك��ان��ت ال �ك��رة يف �أول الأم� ��ر ت�صنع من‬ ‫احل��ج��ارة والآج � ��ر‪ .‬ث��م اخل� ��رق‪ ،‬وك��ان��ت‬ ‫ال��ك��رات امل���ص�ن��وع��ة م��ن اخل ��رق ت�سمي‬ ‫«ال�ل��وث��ة» وجمعها «ل��وث��ات» وك��ان��ت ت�صنع‬ ‫�أحيانا من م��ادة لينة ت�شبه املطاط و�إن‬ ‫مل تكن منه وكانت تُك�سي �أحيانا باجللود‬ ‫�أو الفراء وخا�صة فراء الأرنب فتبدو مثل‬ ‫الكرة املعروفة حاليا‪.‬‬

‫الكرة يف الأدب العربي‬

‫أح�صي �أي �أف��راخ ال ري�ش‬ ‫احل�صي‪ :‬جمع � ّ‬ ‫عليها‪ .‬الكرات‪ :‬جمع كرة‪ .‬الك�ساء امل�ؤرنب‪:‬‬ ‫غالفها املن�سوج من الغزل املخلوط بوبر‬ ‫الأرن��ب لنعومتها وكونها نفي�سه��� .‬وبديع‬ ‫الت�شبيه ق��ول �أب��ي بكر نا�صح الأرج��اين‬ ‫املتوفى �سنة ‪544‬هـ ي�صف غالما يلعب‬ ‫الكرة مع �أقرانه‪:‬‬

‫ي�ه�ت��ز م�ث��ل ال���ص�ع��دة ال���س�م��راء‬ ‫ف� � � �ق � � ��ده م � � � ��ن �� � � �ش � � ��دة ال� � � �ت � � ��واء‬ ‫ت� � � ��راه م � ��ن مت� � ��دد الأع � �� � �ض� ��اء‬ ‫ك � � � � ��أن� � � � ��ه ك� � � ��وك� � � ��ب اجل � � � � � � � � ��وزاء‪.‬‬

‫كما يقول �أحمد ال�صايف النجفي عن كرة القدم‪:‬‬

‫ل� �ع ��ب ال� � �ك � ��رات ك ��ال ��دن� �ي ��ا ل �ن��ا‬ ‫ف � � � � �ي� � � � ��ه ت� � � � � � � �ن � � � � � � ��ازع وزح� � � � � � � � � ��ام‬ ‫كرة تطري بال جناح يف الهواء‬ ‫ف� �ت� �ط�ي�ر ت ��اب� �ع ��ة ل� �ه ��ا الأح� �ل� ��ام‬ ‫ال �ك��ل ي�ع���ش�ق�ه��ا وع �ن��ه ي�صدها‬ ‫ف � �ك � ��أن ب �ي �ن �ه �م��ا ال� �ل� �ق ��اء ح � ��رام‪.‬‬

‫�أم��ا ع��ن ال�ك��رة يف الأدب ال�ع��رب��ي �شعره و ل�ل���ش��اع��ر م �ع��روف ال��ر� �ص��ايف ق�صيدة‬ ‫بعنوان‪-‬يف ملعب كرة القدم‪� -‬صور فيها‬ ‫ونرثه فلها الكثري من الذكر‪.‬‬


‫�أطفال الكرة ‪ ..‬لوحة للت�شكيلي �سنوهيني‬

‫امللعب وك��أن��ه �ساحة للمعركة والأ�سلحة‬ ‫فيه الأرج ��ل والأق� ��دام‪ ،‬كما و�صف فيها‬ ‫الالعبني ب�أنهم وقفوا م�ستعدين يف امللعب‬ ‫ل�ضربة البداية فلما �ألقيت �إليهم �أخذوا‬ ‫يتبادلون ويتناوبون عليها �ضربا بالأقدام‪،‬‬ ‫و�إذا علت ت�ستعد الر�ؤو�س ل�ضربها فمن‬ ‫الالعبني من هو مهاجم ومنهم مدافع‬ ‫فلي�س ه �ن��اك ح��ال��ة م��ن اال� �س �ت �ق��رار بل‬ ‫تتحول من الهجوم �إىل الدفاع والعك�س‬ ‫يقول ال�شاعر‪:‬‬

‫ق� � � � ��� � � � �ص � � � ��دوا ال � � ��ري � � ��ا�� � � �ض � � ��ة‬ ‫الع � � � � � � � �ب � � � �ي � � ��ن وب � � � �ي � � � �ن � � � �ه� � � ��م‬ ‫ك� ��رة ت ��را� ��ض ب �ل �ع �ب �ه��ا الأج� ��� �س ��ام‬ ‫وقفوا لها مت�ش ّمرين فالقيت‬ ‫ف � �ت � �ع� ��اورت � �ه� ��ا م� �ن� �ه ��م الأق � � � � ��دام‬ ‫ي �ت��راك� � ��� � �ض � ��ون وراءه� � � � � � � ��ا يف‬ ‫�ساحة لل�سوق معرتك بها و�صدام‬ ‫ولقد حتلق يف الهواء و�إن هوت‬

‫�شرعوا الر�ؤو�س فناطحتها الهام‬ ‫ال ت �� �س �ت �ق � ّر ب� �ح ��ال ��ة ف �ك ��أن �ه��ا‬ ‫�أم� � � � ��ل ب� � ��ه ت� � �ت� � �ق � ��اذف الأوه� � � � � ��ام‬ ‫وت��دور بني الالعبني فمحجِ م‬ ‫ع� �ن� �ه ��ا و�آخ� � � � ��ر �� � �ض � ��ارب م � �ق ��دام‬ ‫را�ضوا بها الأبدان بعد طالبهم‬ ‫ع �ل �م �اً ت ��را� ��ض ب��در� �س��ه الأف� �ه ��ام‬ ‫البد من هزل النفو�س فج ّدها‬ ‫ت�ع� ٌ�ب وب�ع����ض م��زاح�ه��ا ا�ستجمام‬ ‫�أن اجل�سوم �إذا تكون ن�شيط ًة‬

‫تحدث ابن منظور‬ ‫صاحب لسان العرب عن‬ ‫«الدبوق» وقال إنها كرة‬ ‫ترمى في الهواء يتلقاها‬ ‫الغالم ضارب ًا بصدر قدمه‬ ‫أو بالصفح من ساقه راد ًا‬ ‫إياها إلي العلو علي‬ ‫الدوام‬

‫تقوى بف�ضل ن�شاطها الأح�ل�ام‪.‬‬

‫�أم��ا الأ��س�ت��اذ علي اجل�ن��دي فله ق�صيدة‬ ‫بعنوان – مالعب الكرة – منها‪:‬‬

‫مل �أن�س موقفهم وقد �شاهدتهم‬ ‫ي � �ت � �ج� ��ال� ��دون ب� �ح ��وم ��ة امل � �ي� ��دان‬ ‫ي �ت �ل �ق �ف��ون ب �ح �ك �م��ة وم � �ه ��ارة‬ ‫ك� � ��رة ت� �ط�ي�ر ك� �ح ��ائ ��م ال �ع �ق �ب��ان‬ ‫ك � ��ل ل� �ه ��ا م �ت�رق� ��ب م�ت�رب ����ص‬ ‫ك��ال�ق��ط ي��ر��ص��د ��س��ان��ح اجل ��رذان‬ ‫ي�ت�ن��ازع��ون ال �ف��وز فيما بينهم‬ ‫وق �ل��وب �ه��م خ �ل��و م ��ن الأ�� �ض� �غ ��ان‪.‬‬

‫كرة القدم يف تراثنا النرثي‬

‫وع��ن ك��رة القدم يف تراثنا النرثي جند‬ ‫قول ابن خلدون يف تاريخه ي�صف معركة‬ ‫دارت ب�ي�ن ف��ري �ق�ين‪« :‬ولأن� �ه ��م ع �ل��ي ما‬ ‫يظهر كانوا يواجهون القتال �أبدا ك�أنهم‬ ‫يواجهون �ساحات ال�صوالج والأكر»‪.‬‬


‫دراسة‬ ‫‪142‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫ما ر س‬ ‫‪2013‬‬

‫لوحة للت�شكيلية كاثرين �أمربوز ‪ -‬جنوب �أفريقيا‬

‫كما ورد يف كتاب – نثار الأزهار يف الليل‬ ‫وال�ن�ه��ار و�أط��اي��ب الأ� �ص��ائ��ل والأ� �ش �ج��ار‪-‬‬ ‫لأبن منظور �صاحب ل�سان العرب املتوفى‬ ‫«‪711‬هـ‪-1311‬م»‪«:‬الدبوق ك��رة �شعرية‬ ‫ترمي يف الهواء ثم يتلقاها الغالم �ضاربا‬ ‫لها تارة ب�صدر قدمه وتارة بال�صفح من‬ ‫�ساقه اليمني راد ًا �إي��اه��ا �إيل العلو علي‬ ‫الدوام»‪.‬‬ ‫وقد �أوجز العقاد يف �أحد مقاالته‪ ،‬مدار�س‬ ‫كرة القدم يف ع�صرنا احلديث‪ -‬ك�أنه �أحد‬ ‫مدربني كرة القدم الكبار ‪ -‬فقال رحمه‬ ‫اهلل‪ -‬ما ن�صه‪ :‬يعرف خرباء كرة القدم‪،‬‬ ‫�أربع مدار�س م�شهورة لهذه اللعبة العاملية‬ ‫وهي‪:‬‬ ‫املدر�سة الأيقو�سية‪ :‬وهى التي تعتمد على‬ ‫ال�ضربات القريبة مع مالحظة �أ�ساليب‬

‫ال�شخ�صيات الالعبة التي تنتقل الكرة‬ ‫منها و�إليها حلظة بعد حلظة‪.‬‬ ‫املدر�سة الإجنليزية‪ :‬وهي التي تعتمد‬ ‫على ال�ك��رة نف�سها وع�ل��ى ال�لاع��ب ال��ذي‬ ‫ي�صادفها بعد و�صولها �إليه‪ ،‬ولو ابتعدت‬ ‫امل�سافة بني من ير�سلها ومن يتلقاها‪.‬‬ ‫امل��در� �س��ة الأورب � �ي� ��ة‪ :‬وه ��ي جت�م��ع بني‬ ‫الطريقتني «الأيقو�سية و الإجنليزية» على‬

‫يَعتبر البعض العرب‬ ‫والمسلمين أول من‬ ‫وضع قواعد عامة‬ ‫لكرة القدم ونظموها‬ ‫وابتكروا لها وسائل‬ ‫تجعلها لعبة جميلة‬ ‫ومسلية في آن واحد‬

‫ح�سب املنا�سبة‪ ،‬وت�ضيف اليها �شيئ ًا من‬ ‫�أالعيب الر�شاقة واملناورة‪.‬‬ ‫املدر�سة الأمريكية‪ :‬وي�شرحونها على‬ ‫وجوه كثرية �أقربها �إىل الواقع �أنها توزع‬ ‫احلركة ن�صفني متعادلني بني خطة الدفاع‬ ‫وخطة الهجوم وبني االبتداء بال�سرعة �أو‬ ‫ت�أجيل ال�سرعة �إىل الأ�شواط الأخرية ‪.‬‬

‫كرة القدم يف الرواية‬

‫ول�ل�أدي��ب اجل��زائ��ري ‪-‬ر��ش�ي��د ب��وج��درة‪-‬‬ ‫وع� �ن ��وان رواي� �ت ��ه «� �ض��رب��ة ج � ��زاء»‪ ،‬وق��د‬ ‫ا�ستوحى ه��ذه ال��رواي��ة من ح��دث وق��ع يف‬ ‫�أثناء الكفاح �ضد امل�ستعمرين الفرن�سيني‬ ‫و�أعوانهم‪ .‬ذلك �أن �أحد الوالة اجلزائريني‬ ‫الذين خانوا �شعبهم ووالوا العدو الغا�صب‬ ‫ك��ان يجل�س ب�ج��وار �أح��د ك�ب��ار امل�سئولني‬


‫الفرن�سيني يف باري�س م�شاهدين مباراة‬ ‫ل�ك��رة ال �ق��دم‪ ،‬ف���ص��وب ف��دائ��ي ج��زائ��ري‬ ‫من املقيمني يف فرن�سا م�سد�سه �إىل ذلك‬ ‫الوايل يف حلظة ركلة جزاء قام بها �أحد‬ ‫الالعبني ف�أرداه �صريع ًا‪ .‬فهذه الر�صا�صة‬ ‫معادل مو�ضوعي ل�ضربة اجلزاء‪.‬‬

‫كرة القدم يف الق�صة الق�صرية‬

‫وق��د دخ�ل��ت ك��رة ال �ق��دم م �ي��دان الق�صة‬ ‫الق�صرية �أي�ض ًا‪� ،‬إذ دارت حول حمورها‬ ‫�أحداث ق�صة «كفر عمر م�صطفى» للأديب‬ ‫والإع�ل�ام���ي ط� ��ارق ح���س��ن وه ��ي �ضمن‬ ‫جمموعته التي ن�شرت �سنة ‪ 1997‬بعنوان‬ ‫«امل�سافة ال��زرق��اء»‪ ،‬والق�صة ت�صور عرب‬ ‫التفا�صيل الدقيقة ت�صرفات �أركان اللعبة‬ ‫من العبني وحكام ومتفرجني ومعلقني‪،‬‬ ‫وي�ن�ق��ل التليفزيون �أح��داث �ه��ا ك�م��ا ينقل‬ ‫حركات امل�شاهدين امل�ستثارين و�أ�صواتهم‬ ‫ال�صاخبة‪:‬‬ ‫«�أطلق حكم املباراة �صفارته معلن ًا بداية‬ ‫ال �ل �ع��ب‪ :‬ال �ف��ري��ق امل���ض�ي��ف ي��رت��دي ل��ون‬ ‫الربازيل‪ :‬فانيلة �صفراء‪�- ،‬شورت‪� -‬أزرق‪.‬‬ ‫�أما ال�ضيوف فكانوا يلب�سون الزى الأحمر‪.‬‬ ‫وب ��د�أت ال�ك��رة تتناقل ب�ين الأق� ��دام‪ ،‬ومل‬ ‫مت�ض ث��وان حتى ق��ذف مهاجم الفريق‬ ‫الأ��ص�ف��ر ال�ك��رة ب��اجت��اه م��رم��ى اخل�صم‪،‬‬ ‫ف �م��رت ب��ج��وار ال �ق��ائ��م وك � ��ادت ت�سجل‬ ‫هدف ًا‪ ...‬تعالت الأ�صوات‪� ،‬آهات الإعجاب‬ ‫ت�أتي من كل �صوب‪ ،‬املزمار والطبل البلدي‬ ‫م�ستمران يف �إلهاب عواطف اجلماهري»‪.‬‬ ‫وتنتهي الق�صة باملقطع الآت��ي ال��دال على‬ ‫الت�شابه �أو التفاوت بني لعبة ال�سيا�سة ولعبة‬ ‫كرة القدم وكيف ت�ستغل الأوىل الثانية‪:‬‬ ‫«ح�م��ل �أه ��ايل الكفر ال�ك��أ���س املُ �ه��دى من‬ ‫التلفزيون‪ ،‬و�أج ��رى امل��ذي��ع معهم بع�ض‬ ‫احلوارات التي ات�سمت بالود والوعي بدور‬ ‫الريا�ضة‪ ،‬و�ضحك ال�سيا�سيون املحرتفون‬ ‫وه��م يل ِّوحون للجماهري‪ ...‬و�سرعان ما‬ ‫غادروا القرية‪ ،‬وراح املوكب يجول يف �أزقة‬ ‫الكفر‪ ،‬وانطلقت زغرودة من �أحب البيوت‬ ‫فقال ‪ -‬الطيب‪ :-‬الآن ي�ستطيع ‪-‬وائل‪� -‬أن‬

‫ي�ت��زوج‪ ،‬ويفي ‪-‬ح�م��دي‪ -‬ب�ن��ذره وي�ضحي‬ ‫ب��اجل��دي‪ ،‬وي��ذه��ب اجلميع �إىل حقولهم‬ ‫وهم فخورون بالن�صر»‪.‬‬ ‫وختام ًا لهذا املو�ضوع �أورد هذه الأبيات‬ ‫الطريفة التي نظمها ال�شاعر – ها�شم‬ ‫الرفاعي‪ -‬تخليدا لهزمية فريقه و�سخرية‬ ‫من �أفراده يقول‪:‬‬

‫ي��ا خ�ي�ب� ًة ق � ّدروه��ا بالقناطري‬ ‫ج� ��اءت ل �ن��ا يف ن� �ه ��ا ٍر ك��ال��دي��اج�ير‬ ‫�إين ذهبتُ �إيل النادي فطالعني‬ ‫بر الأ� �س��اري��ر‬ ‫م�ق� ِّ�ط��ب ال��وج��ه ُم �غ� ُّ‬ ‫ويندب من خابوا مبلعبه‬ ‫يبكي‬ ‫ُ‬ ‫ويف امل�ب��اراة �صاروا «كالطراطري»‬ ‫ٍ‬ ‫«�شحط» �أطال اهلل قام َت ُه‬ ‫من كل‬ ‫ي �ك��ا ُد ي���ص� ُل� ُح يف ج � ِّر «احل�ن��اط�ير»‬ ‫ما كان ُمنتظراً هذا املُ�صاب لكم‬

‫ي��اف��رق � ًة ك � ّون��وه��ا م��ن «خ�ن��ا��ش�ير»‬ ‫م��ا للغبي« وللفتبول» يلعبها‬ ‫ي��ال�ي�ت�ه��م َع � َّل �ق��وك��م يف ال�ط�ن��اب�ير‬ ‫�أخ��زاك��م اهلل ق��د جئتم لنادينا‬ ‫ب��ال �ع��ار ي��ا ف�ت�ي� ًة م�ث��ل «امل��واج�ي�ر»‬ ‫يف «املات�ش» مل تلعبوا ل ْكن ر�أيتكمو‬ ‫يف ال�ب�رت �ق ��ال ن��زل �ت��م ك��امل�ن��ا��ش�ير‬ ‫لو كنتُ �أعلم �أن اخليب َة انق�سمت‬ ‫م��ن ح�ظ�ك��م يف ��س�ج�لات امل�ق��ادي��ر‬ ‫ل �ك �ن��تُ ج �ئ��تُ «ب �ط �ب��ال» ي��زف�ك��م‬ ‫ورح� ��تُ �أت �ل��و ع�ل��ي حل��ن امل��زام�ي ِ�ر‬ ‫غلظ‬ ‫«ال ب�أ�س بالقوم من طولٍ ومن ٍ‬ ‫ج�س ُم البغالِ ���أح�لام الع�صافري»‬


‫سوق الكتب‬ ‫‪144‬‬ ‫الـعــــدد‬ ‫‪161‬‬ ‫مارس‬ ‫‪2013‬‬

‫انفتاح الإبداع على قراءات ممتدة‬

‫الشعر والسرد‬ ‫د‪ .‬عالء اجلابري‬

‫يبدو الكتاب نوعاً من الإغارة على «وهم» النقاء املطلق‪ ،‬واحلما�سة للقول بتداخل‬ ‫الأنواع‪ ،‬وفيما يبدو �أنه جزء من م�شروع كبري طموح ي�سعى �إىل خو�ض غمار الدرا�سات‬ ‫البينية التي تتوقف عند ظواهر معينة‪ ،‬يتداخل فيها ال�شعر وال�سرد‪ ،‬وي�صبح التالقح‬ ‫بينهما �أ�سا�ساً للنظر �إىل ال�شعر‪.‬‬ ‫�إن� ��ه حم��اول��ة لإع � ��ادة ق� ��راءة الإن��ت��اج‬ ‫الإب ��داع ��ي ع �ل��ى � �ض��وء م��ن م �ن �ظ��ورات‬ ‫اللحظة الثقافية ال��راه�ن��ة‪ ،‬وه��ي التي‬ ‫يحتل فيها الن�سق ال�سردي قمة الهرم‬ ‫الإبداعي‪ ،‬ويتدخل ال�سرد فيها بو�صفه‬ ‫ع �ن �� �ص��ر ًا �أ� �س��ا� �س �ي � ًا يف ال �ف �ن��ون ك��اف��ة‬ ‫كال�سينما وامل�سل�سالت التليفزيونية‪،‬‬ ‫والإذاعية‪ ،‬وينفرد ال�سرد بالهيمنة على‬ ‫�أنواع �أدبية كالق�صة الق�صرية والرواية‬ ‫‪ ،‬وال�سرية الذاتية‪ ،‬ورمبا امل�سرح‪.‬‬ ‫�إن ال�ك�ت��اب م���س�ك��ون ب �ك��ون الن�صو�ص‬ ‫واخل� �ط ��اب ��ات ال �ن �ق��دي��ة ه ��ي خ �ط��اب��ات‬ ‫ثقافية‪ ،‬ونتاج اجتماعي لتغريات معينة‪.‬‬ ‫اللحظة الثقافية تفر�ض نف�سها على‬ ‫الإبداع‪ ،‬وكذلك حتريك �سواكن النقد‪.‬‬ ‫ي�ب��د�أ ال��دك�ت��ور �سامي �سليمان «�أ�ستاذ‬ ‫الأدب العربي ب�آداب القاهرة » حماولته‬ ‫بتفكيك مقولة «ال�شعر دي��وان العرب»‬ ‫تاريخي ًا‪ ،‬فينكر ما ذهب �إليه بع�ضهم من‬

‫ن�سبة قول ال�شعر العربي �إىل �آدم – عليه‬ ‫ال�سالم ‪ ،-‬وكذلك �إبلي�س الذي يقارعه‬ ‫��ش�ع��ر ًا ب�شعر‪ ،‬ومي�ت��د �إىل الت�شكك يف‬ ‫ح�شد �شعر كثري لأنا�س متعددي الثقافة‬ ‫واالهتمامات‪ ،‬ويرى �أن الثقافة �أنتجت‬ ‫مقولة «ال�شعر ديوان العرب» ور�سختها‪،‬‬ ‫ومل ت�ستنتجها من متحي�ص الروايات‪،‬‬ ‫وميد الكتاب ب�صره خارج دائرة الثقافة‬ ‫ال �ع��رب �ي��ة؛ ل�ي�ج��د الأم���ر م���س�ح��وب� ًا على‬ ‫غ�يره��ا م��ن ال �ث �ق��اف��ات‪ ،‬وي �� �ض��رب مثال‬ ‫ب���أق��وال «�أر� �س �ط��و» ال ��ذي ق��رن ال�شعر‬ ‫ب ��أرف��ع �أ��ش�ك��ال التفكري ال�ت��ي �أنتجتها‬ ‫ال�ث�ق��اف��ة الإغ��ري �ق �ي��ة‪ ،‬وي�ت�ت�ب��ع امل���س��أل��ة‬ ‫تاريخيا فريى �أن احلراك الأدبي خالل‬ ‫اخلم�سينيات‪ ،‬وم��ا ت�لاه��ا‪ ،‬مل يحرك‬ ‫ال�شعر من مكانته‪ ،‬وي�ست�شهد بحديث‬ ‫الدكتور «حممد مندور»‪ ،‬ويوازي – عند‬ ‫الغرب ‪ -‬بحديث ال�شكالنيني والبنيويني‬ ‫عن «�شعرية الرواية»‪ ،‬و«�شعرية امل�سرح»‬

‫و«�شعرية الق�صة الق�صرية»؛ فال�شعر‬ ‫هو النموذج اجلمايل الذي يتحقق فيه‬ ‫الهوية اخلال�صة للأدب‪.‬‬ ‫ع��رب�ي� ًا‪ ،‬ي��رى امل ��ؤل��ف ت� ��آزر ًا ب�ين ال�شعر‬ ‫وال�سرد من �شروح ال�شعر التي حتيطها‬ ‫م��روي��ات � �س��ردي��ة‪ ،‬رمب ��ا ل �ك��ل ب �ي��ت قد‬ ‫يحيطه ق�صة‪� ،‬أو مثل‪� ،‬أو حادثة تاريخية‬ ‫ت�ق��ود ال���ش�ع��ر‪� ،‬أو تن�ش�أ ع�ن��ه‪ .‬ال �ت��زاوج‬ ‫ب�ين ال �� �س��رد وال �� �ش �ع��ر وا���ض��ح‪ ،‬ح �ت��ى ال‬ ‫ت��دري �أيهما يخدم الآخ��ر! ورمب��ا ميتد‬ ‫الأم��ر �إىل اال�ستعانة بحياة امل�ب��دع‪� ،‬أو‬ ‫ح�ي��اة جماعته‪ .‬م��وروث جماعي �إن مل‬ ‫ي�سعفه الفردي؛ كاحلديث ال�شهري عن‬ ‫«�أي ��ام ال �ع��رب»‪ ،‬وك��ذل��ك «ال��وق��وف على‬ ‫الأط �ل�ال»‪� .‬إن��ه �إع�ل�ان زم�ن��ي بامتياز‪.‬‬ ‫رحلة يف الزمن‪� ،‬أو توا�صل �سردي يتولد‬ ‫ال�شعر مقرون ًا بال�سرد‪ ،‬واحل��ال نف�سه‬ ‫مع ق�صيدتي امل��دح والهجاء؛ مبا تركز‬ ‫عليه �أيهما من جوانب �سريية �شخ�صية‪.‬‬


‫ي��زدان ال�تراث ب�إ�شارات تربط ال�شعر‬ ‫بغريه من الفنون‪ ،‬قد ت�صل �إىل ربطه‬ ‫بالفن الت�شكيلي «ع�ل��ى عك�س م��ا يرى‬ ‫الكتاب»‪� .‬أ�ضرب مث ًال مبقولة الع�سكري‬ ‫«و�إمن� � ��ا ال� �ك�ل�ام �أ�� �ص���وات حم �ل �ه��ا من‬ ‫الأ�سماع حمل النواظر من الأب�صار»‪.‬‬ ‫ال��رب��ط وا� �ض��ح ب�ين ق ��درة ال���ش�ع��ر على‬ ‫«ال�ت�ج���س�ي��د»‪� ،‬أو حم��اول�ت��ه ذل ��ك‪ ،‬وب�ين‬ ‫الفنون الت�شكيلية‪� .‬شذرات مل تُطورها‬ ‫درا�سات َ‬ ‫اخل َلف‪ ،‬برغم براعة ال�سلف‪.‬‬ ‫ازداد الأم� ��ر و� �ض��وح � ًا م��ع ال�ق���ص�ي��دة‬ ‫احل ��دي� �ث ��ة ال� �ت ��ي ازدح � �م� ��ت ب �ت �ق �ن �ي��ات‬ ‫��س��ردي��ة؛ ك��امل��ون��ول��وج وال��دي��ال��وج وتعدد‬ ‫الأ�� �ص ��وات وال �ف�لا���ش ب���اك‪ ،‬والإح��ال��ة‬ ‫على �شخ�صيات ت��راث�ي��ة بكل قدراتها‬ ‫احل �ك��ائ �ي��ة و�إ� �ش �ع��اع��ات �ه��ا ال �� �س��ردي��ة‪.‬‬ ‫�إمكانات التلقي الرائعة ‪ -‬بح�سب تعبريه‬ ‫‪ ،‬واللحظة الثقافية ذاتها ي�ؤكدان كون‬‫النقد ‪ -‬يف �أحد جوانبه – منتج ًا ثقافي ًا‬ ‫واجتماعي ًا‪ ،‬مبا يفر�ض �إع��ادة النظر‪،‬‬ ‫وهو رهان الكتاب الرئي�سي‪.‬‬ ‫ت� ��زداد حم��اول��ة ال �ك �ت��ب ج �� �س��ارة حني‬ ‫ي �ح��اول ت�أ�صيل م�س�ألة «االقت�صا�ص»‬ ‫ق��دمي � ًا ب��ق��راءة ج��دي��دة ل�ك�ت��ب ت��راث�ي��ة‬ ‫كثرية‪ ،‬منه «قواعد ال�شعر» لأبي عبا�س‬ ‫�أحمد ثعلب‪ ،‬على الرغم من كونه لغوي ًا‬ ‫ون �ح��وي � ًا‪� ،‬أك�ث�ر م��ن ك��ون��ه ن��اق��د ًا‪ .‬الأم��ر‬ ‫ذاته يحاوله مع بع�ض من مالمح «عيار‬ ‫ال�شعر» ل�ـ«اب��ن طباطبا»‪ ،‬ودع��وت��ه �إىل‬ ‫التثقف بفنون ال��رواي��ة‪ ،‬واملعرفة ب�أيام‬ ‫ال �ن��ا���س واحل �ك��اي��ات والأم� �ث ��ال ويتكلم‬ ‫عن كون االقت�صا�ص «حالة من حاالت‬ ‫التفاعل بني الن�ص ال�شعري والأ�شكال‬ ‫ال �� �س��ردي��ة»‪ ،‬وي �ط��ور الأم� ��ر م��ع ق ��راءة‬ ‫جديدة لـ« احلامتي» يف «حلية املحا�ضرة‬ ‫يف �صناعة ال�شعر»‪ ،‬وك��ذل��ك يف موقف‬ ‫ال�ع���س�ك��ري‪ ،‬ث��م ي ��أت��ي ت �ن��اول «اب ��ن �أب��ي‬ ‫الأ��ص�ب��ع» بو�صفه يف «حت��ري��ر التحبري»‬ ‫– كما يرى‪�« -‬أ�شمل تناول يقدمه ناقد‬ ‫وب�لاغ��ي م��ن خ��ارج دائ��رة الفال�سفة»‪،‬‬ ‫م� ��رك� ��ز ًا ع� �ل ��ى ال� �ت� �ف ��ات ��ه �إىل �أدوار‬

‫غالف الكتاب‬

‫ال�ضمائر«هل يحتاج الأم��ر �إىل تطويره‬ ‫بدرا�سة االلتفات؟»‪ ،‬وذكرها والإحاالت‬ ‫الناجتة عنها‪ .‬ي�سرت امل�ؤلف يف قراءاته‬ ‫لبع�ض الكتب النقدية املهمة‪ ،‬و��ص��و ًال‬ ‫للب�ستاين الذي يراه خمتلف ًا عن النقاد‬ ‫الإحيائيني‪ ،‬كما يثمن �سعيه �إىل تنظري‬ ‫جتليات املالحم وال�شعر الق�ص�صي يف‬ ‫الثقافة العربية القدمية والو�سيطة‪،‬‬ ‫باني ًا ت�صوره على وعيه بحقيقة العالقة‬ ‫بني امل�ؤرخ وال�شاعر‪ ،‬وميتد الأمر لقراءة‬ ‫ما قدمه «ق�سطاكي احلم�صي» يف كتابه‬ ‫«منهل الرواد يف علم االنتقاد»‪.‬‬ ‫ويف الف�صل الثاين من الكتاب‪ ،‬واملعنون‬ ‫«تلقي النظرية وجدلية ال�شعر والأ�شكال‬ ‫ال�سردية» «اب��ن ر�شد ونظرية ال��درام��ا‬ ‫الأر�سطية من��وذج � ًا» يركز امل��ؤل��ف على‬ ‫م�ع��رف��ة ال�ث�ق��اف��ة ال�ع��رب�ي��ة القرو�سطية‬ ‫م�ن�ظ��وم��ة الأن� ��واع الأدب��ي��ة ع�ل��ى تقدمي‬ ‫ث�لاث��ة �أن� ��واع‪ ،‬وه��ي ال���ش�ع��ر واخل�ط��اب��ة‬ ‫والر�سالة‪ ،‬وان�ضواء كثري من الأ�شكال‬ ‫يف �إط � ��ار ال �ن��وع�ين ال� �ث ��اين وال �ث��ال��ث‪،‬‬ ‫وي�بره��ن مب�صطلح «الأخ� ��ذ ب��ال��وج��وه»‬ ‫ب��و��ص�ف��ه واح� ��د ًا م��ن الأدوار ال �ت��ي يلح‬ ‫عليها اب��ن ر�شد‪ ،‬وكذلك اعتماده على‬

‫ال�ت�ق��رب ب�ين ال�شعر وال�ق����ص عند ابن‬ ‫ر�شد ال��ذي يرى ال�شعر «ق��ول حقيقي»؛‬ ‫مبعنى �أن��ه يجب �أن ي�صدر عن اعتقاد‬ ‫حقيقي من ال�شاعر ب�صحة �أو �صواب‬ ‫املعتقد‪ ،‬ويركز ا�ستخدام الناقد العربي‬ ‫القرو�سطي ي�ستخدمها للمرة الأوىل‬ ‫يف تعامله مع ال�شعر العربي «الغنائي»‪،‬‬ ‫وهما م�صطلحا «القا�ص» و«املحدث»و‬ ‫«ال�ق���ص��ا���ص» و«امل �ح��دث�ين»‪� .‬إن تركيز‬ ‫«ابن ر�شد» على كيفية �أداء الق�صيدة‪،‬‬ ‫وف �ه��م «امل� �ح ��اك ��اة» ب��و��ص�ف�ه��ا حم��اك��اة‬ ‫ل�ل�أف �ع��ال‪ ،‬ك�م��ا �أن ��ه‪ -‬اب��ن ر� �ش��د‪ -‬ق��دم‬ ‫ت ��أوي� ً‬ ‫لا للفكرة الأر��س�ط�ي��ة ال يتناق�ض‬ ‫معها‪ ،‬ولكنه يحولها �إىل جم��ال ال�شعر‬ ‫الغنائي‪ .‬لقد ميز «ابن ر�شد» بني ال�شعر‬ ‫والق�ص الذي ا�ستخدم ابن ر�شد ثالثة‬ ‫م�صطلحات ت�شري �إليه‪ ،‬وهي‪ :‬الق�ص�ص‬ ‫والأح ��ادي ��ث امل�خ�ترع��ة والأم� �ث ��ال؛ فقد‬ ‫تقبل �صناعة ال�شعر �أقرب �إىل الفل�سفة‬ ‫من �صناعة اخ�تراع الأم�ث��ال‪ ،‬وتكلم –‬ ‫كثري ًا‪ -‬عن احلمولة ال�سردية مل�صطلح‬ ‫«اخلرافة»‪ ،‬وركز على البعد الق�ص�صي‬ ‫يف اخلرافة‪.‬‬ ‫ينتهي الكتاب بف�صل خ�ص�صه الدكتور‬ ‫��س��ام��ي �سليمان‪ ،‬لتحليل بنية ال�سرد‬ ‫يف ق�صيدة «ج��داري��ة» لل�شاعر الكبري‬ ‫حممود دروي�ش‪ ،‬وهو الف�صل الذي يجب‬ ‫�أن ُي�ق��ر�أ ك��ام� ً‬ ‫لا‪ ،‬ا�ستمتاع ًا بالق�صيدة‬ ‫وال �ت �ح �ل �ي��ل‪ ،‬ف �ق��د ب���رئ ه���ذا ال�ف���ص��ل‬ ‫م��ن احل �م��والت ال�ن�ظ��ري��ة والتنظريية‪،‬‬ ‫والإح ��االت املرجعية التي تريد توكيد‬ ‫الفكرة‪ ،‬الرائعة بحق‪ ،‬لكن رمبا كانت‬ ‫الأج � ��زاء ال �ق��ادم��ة م��ن ه ��ذا امل �� �ش��روع‬ ‫الكبري مع�ضدة لربيق القكرة التي رمبا‬ ‫تغري وجه ال�شعر العربي من جهة �إ�ضافة‬ ‫وجهة نظر �أخرى‬ ‫الكتاب‪ :‬ال�شعر وال�سرد‬ ‫«ت�أ�صيل نظري ومداخل ت�أويلية»‬ ‫امل�ؤلف‪ :‬د‪� .‬سامي �سليمان‬ ‫النا�شر‪ :‬الهيئة العامة لق�صور الثقافة‪ -‬م�صر‬


‫كالم أخير‬ ‫د ‪ .‬را�شد املزروعي‬

‫سويحان ‪ 15 ..‬يومًا من التألق‬ ‫ع�شر يوم ًا من الأل��ق والزهو باالنتماء �إىل تراب‬ ‫هذا الوطن‪ ،‬هو الو�صف الأدق الذي ميكنني �أن‬ ‫�أ�صف به مهرجان �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد للإبل ال��ي اختتم‬ ‫فعالياته منت�صف ال�شهر الفائت يف �سويحان‪.‬‬ ‫�إنه بالفعل �ألق ي�أخذك يف �أعطافه لتتن�سم �أطياف املا�ضي ب�أ�صالته‬ ‫وروعته بينما �أنت على �أر�ض احلا�ضر بعظمته وجالله‪ ،‬فيجتمع‬ ‫بداخلك ال�شعور بالفخر مبا�ضيك والزهو بحا�ضرك‪ ،‬وهو حتديد ًا‬ ‫الهدف ال�سامي الذي يعمل على حتقيقه هذا املهرجان‪.‬‬ ‫وكم كانت �سعادتي عظيمة و�أنا �أطالع م�شاركات �شعراء الإمارات‬ ‫يف امل�سابقة ال�شعرية التي نظمها بيت ال�شعر يف �أبوظبي �ضمن‬ ‫فعاليات املهرجان‪ ،‬والتي خ�ص�صناها هذا العام للق�صائد النبطية‬ ‫يف جمال الإبل املحليات الأ�صايل‪ ،‬مع منح الأف�ضلية لبحور «الونة‬ ‫والردحة والتغرودة» يف حماولة لإحياء هذه الألوان الرتاثية‪.‬‬ ‫فالكثري من الق�صائد التي وردتنا – واحلق يقال‪ -‬ت�ستحق التقدير‪،‬‬ ‫فهي تنهل من معني تراث الأجداد العذب جمددة يف �أحيان كثرية‬ ‫وحملقة بالق�صيدة يف �آفاق جتمع بني القدمي واملعا�صر‪ ،‬مما يبعث‬ ‫يف نفو�سنا الطم�أنينة على م�ستقبل ال�شعر النبطي يف الإمارات‪.‬‬ ‫ونحن نن�شر يف ه��ذا العدد الق�صائد الفائزة باملراكزاخلم�س‬ ‫الأوىل‪ ،‬و�سوف نخ�ص�ص م�ساحة يف الأع��داد القادمة لتقدمي‬ ‫قراءات نقدية مت�أنية يف تلك الق�صائد وغريها من الق�صائد التي‬ ‫تقدمت للم�سابقة‪ ،‬للك�شف عن مواطن اجلمال �أو مواطن اخللل‬ ‫فيها‪ ،‬يف حماولة لتمديد الأثر الذي خلفته امل�سابقة ال�شعرية التي‬ ‫رعاها �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل نهيان‪ ،‬حفظه اهلل‪ ،‬وكرم‬ ‫بنف�سه الفائزين فيها‪ ،‬لتظل �شعلة ال�شعر متوهجة يف نفو�سهم‬ ‫فيوا�صلون �إبداعاتهم على غرار الأجداد‪.‬‬ ‫ا�ستوقفتني يف الق�صائد الفائزة العديد من ال�صور اجلمالية‬ ‫والتعبريات التي �أجاد ال�شعراء �صياغتها م�ستلهمني تف�صيل حياة‬ ‫الأولني‪ ،‬متمثلني م�شاعر الآباء والأج��داد و�أرواحهم ‪ ،‬فقد �أبدع‬ ‫ال�شعراء يف و�صف امل�شاعر التي تنتاب البدوي عندما ي�شاهد‬

‫خم�سة‬

‫حالله ويدقق يف تفا�صيله في�ست�شعر الزهو والفخر وي�سبح بحمد‬ ‫اهلل ال��ذي �أن�ش�أها‪ ،‬كما �أب��دع ال�شعراء يف و�صف جمال الإب��ل‬ ‫بعبارات �شعرية جزلة وبليغة‪ ،‬تكاد ال ترتك تف�صيلة من تفا�صيل‬ ‫اجلمال املتعارف عليها �إال وحتدثوا عنها حمافظني على الإيقاع‬ ‫ومميزات اللون ال�شعري وقواعده‪ ،‬وهو دليل �إجادة وحذق ن�سعد‬ ‫لوجودهما يف �أجيال ال�شعراء املعا�صرين‪.‬‬ ‫يقول ال�شاعر �سعد مرزوق الأحبابي يف ق�صيدته احلا�صلة على‬ ‫املركز الأول وا�صف ًا الناقة ‪:‬‬

‫كنهــا مـن خيوط الذهـب م�صبوبـــه‬ ‫وكـــن احلرير ال�ســند�سي كا�ســـيها‬ ‫ان دبـــــّـــرت تهنـا ورحـــــنا معها‬ ‫وان �أقبــلت قلنــــــــا اللــــــه يحيـ ّيهــــــــــا‬

‫ثم ي�ستطرد يف و�صف تفا�صيلها‪:‬‬

‫ال ��را� ��س وايف م���س�ـ�ت��وي وم��رب�ـ�ـ�ـ ّ�ـ�ـ��ع‬ ‫وت��اخ��ذ م�ـ��ن �أذان ال��ذي�ـ�ـ��اب �أذن�ي�ه��ا‬ ‫واخل�شــم ياخـذ و�صف خ�شم الد ّله‬ ‫لـــي �صبـــّــها ل�ضيوفـه مْ قـهـويها‬

‫وال يرتك تف�صيلة �إال و�أوردها حتى ي�صل �إىل اخلف‪ ،‬يقول‪:‬‬

‫وخ ّ‬ ‫ـــــف �صغيـــر �أكبــــر من الرب ّيـــــة‬ ‫�أو كــّـــــف بنــــــــتٍ تتعـــــــب محْ ّنيهـــــــــا‬

‫وعلى هذا املنوال اجلميل يغزل الكثري من �شعراء امل�سابقة‪ ،‬و�إننا‬ ‫�إذ نعرب عن �سعادتنا مبا طالعناه من ق�صائد‪ ،‬ال منلك �إال �أن نتوجه‬ ‫بخال�ص ال�شكر والتقدير �إىل �سمو ال�شيخ �سلطان بن زايد �آل‬ ‫نهيان ممثل �صاحب ال�سمو رئي�س الدولة حفظه اهلل رئي�س نادي‬ ‫تراث الإمارات الذي ال يدخر جهد ًا يف �سبيل �إحياء تراث الأجداد‬ ‫املادي واملعنوي ليدجمه يف ن�سيج احلياة املعا�صرة حمافظ ًا على‬ ‫هوية الكائن واملكان‬


‫كتاب‬

‫يصدر كل شهر ويوزع مجان ًا مع مجلة تراث‬

‫العدد القادم‬ ‫بغداد في كتابات‬ ‫الرحالة الفرنسيين‬ ‫مطلع القرن العشرين‬

‫د‪ .‬وليد كا�صد الزيدي‬

‫صدر مع مجلة تراث‬

‫هــديــــة‬ ‫مع‬

‫جملة تراث‬

‫(‪)7‬‬

‫يـ�شـــدر‬ ‫ويوزع‬

‫بال ِغي‬ ‫جي ُه ال َ‬ ‫التَّو ِ‬ ‫ُقرْآنِيَّ ْة‬ ‫ت ال‬ ‫ءا ِ‬ ‫لِل ِقرَا َ‬

‫كـل �شــهر‬

‫جمانـ ًا مع‬

‫جمـلة تراث‬

‫(‪)6‬‬

‫استرات‬ ‫يجية ا‬ ‫لتأويل‬ ‫ـداللي‬ ‫ال‬ ‫ه‬ ‫يثم �سرحان‬

‫كتاب‬ ‫هذا ال‬ ‫آنه الكرمي‬ ‫قرا‬ ‫كمة اهلل �سبحانه يف ذك��ره يف‬ ‫�سري‬ ‫اقت�ست ح ج��ه ق�راءات��ه؛ لتي وا�ستيعاب‬ ‫انيه‬ ‫اأو‬ ‫اأن تتغاير جاز يف ت�س�ير مع �كب ًة من‬ ‫مام بها ك‬ ‫اوة‪ ،‬والإي‬ ‫الت‬ ‫اهت‬ ‫رواياتها‪،‬‬ ‫حكامه‪ ،‬وق َّي�س ل التث ُّبت من‬ ‫بها كلٌّ‬ ‫بنقلها و‬ ‫اأ‬ ‫لها اأو‬ ‫ن�ا‬ ‫العلماء عُ �جيهها والحتجاج منها اللغ�ي‬ ‫بت‬ ‫خذ‬ ‫ن�ا‬ ‫فات‬ ‫كما عُ‬ ‫ومنزعه؛‬ ‫واعت�سد‬ ‫جهه‬ ‫هبه‪،‬‬ ‫بح�سب ُم َّت قاعدته اأو حجة ملذ يف ترجيح‬ ‫حممد �سعد‬ ‫اأو‬ ‫ساهدًا على‬ ‫أحمد �سعد‬ ‫ا�ستنباط الأحكام ع�س وج�هها‬ ‫�‬ ‫يف‬ ‫د‪� .‬‬ ‫ص�ص يف‬ ‫بها الفقيه خر‪ ،‬وت��سَّ ل املتكلم بب ريه‪ ،‬وكانت‬ ‫ك��ادمي��ي متخ� �ي‪ ،‬يعمل‬ ‫غ‬ ‫اآ‬ ‫حكم على هبه اأو يف رد مذهب حليل اللغ�ي‬ ‫ب��اح��ث �أ�ة وال�ن�ق��د الأدب� � �د ًا بق�سم‬ ‫�اع�‬ ‫غ�‬ ‫اإثبات مذ‬ ‫ذلك هي الت‬ ‫�ات‬ ‫ال�ب��ا � �س �ت��اذ ًا م���س� �درا�� �س �‬ ‫يف‬ ‫جميعًا اإىل‬ ‫ح��ال�ي� ًا اأ ل �ع��رب �ي��ة وال � بية‪ ،‬جامعة‬ ‫تهم‬ ‫ال �ل �غ��ة ا كلية الرت‬ ‫يف الت�جيه‬ ‫و�سيل لعنا�سرها‪.‬‬ ‫مية‪،‬‬ ‫الجتاهات‬ ‫والنح�ي‬ ‫الإ�سا م�س‪ ،‬م�سر‪ .‬يف جم ��ال‬ ‫معانيها‪،‬‬ ‫�س‬ ‫�ات‬ ‫عني‬ ‫�‬ ‫�‬ ‫بزغ من خال هذه بالبحث يف‬ ‫ف‬ ‫�دة م� ��ؤل� �‬ ‫لأ�� �س����ل‬ ‫ت �ب��ة على‬ ‫ك��ان ُيعني‬ ‫و‬ ‫ل� ��ه ع � � � �س��ه‪ ،‬م �ن �ه��ا (اب�يه واأثرها‬ ‫مل��رت‬ ‫�ر‬ ‫ت �خ �� �س � يف كتاب �سي (التطبيق‬ ‫اجت��ا ٌه اآخ� ج � ��ه ال�ب��اغ�ي��ة ا ابن اجلزري‬ ‫لأو‬ ‫الباغيةحث الباغي)‪ ،‬خ���ا���س‬ ‫وت�ل� ُّم����س ا ختافها‪ ،‬حتى جعلها ه�) وجهًا‬ ‫يف الب �ي ‪ -‬امل� �ع ��اين و الباغي‬ ‫(ت ‪911‬‬ ‫ال �ب��اغ�ب)‪( ،‬التطبيق التطبيق‬ ‫تغايرها وا وال�سي�طي‬ ‫آن الكرمي‪.‬‬ ‫لقرا‬ ‫�)‬ ‫الرتاكي ��ر ال�ب�ي��ان�ي��ة)‪ ،‬بديعية)‪،‬‬ ‫(ت‪832‬ه جاز الباغي يف ا التي بثَّها‬ ‫��س���ر ال‬ ‫ال �� �س�‬‫ا�سة‬ ‫�‬ ‫الباغية‬ ‫ل‬ ‫إع‬ ‫ا‬‫در‬ ‫وج�ه ال‬ ‫�ي‬ ‫بية‪:‬‬ ‫الظ�اهر‬ ‫للقراءات‬ ‫ال�ب��اغ� الباغة العر و(مدخل‬ ‫من تاب يتتبع‬ ‫(نظرية املعرفية)‪،‬‬ ‫ههم‬ ‫هذا الك‬ ‫يف معر�س ت�جي ال�ق�ف على‬ ‫يف الأ�س�ل لعربية)‪.‬‬ ‫سلف‬ ‫الباغة ا‬ ‫اإىل‬ ‫علما ُء ال� ها‪ ،‬ور�سدها؛ ثم لها‪ ،‬وبيان‬ ‫غري‬ ‫ليها اأو حتلي‬ ‫اأو تاأثرها‬ ‫املت�اترة و الإ�سارة اإ‬ ‫�س‬ ‫يف‬ ‫طرائقهم حث الباغي اخلال يف حركة‬ ‫عها املنا�سب‬ ‫الب‬ ‫اأثرها يف ذلك م�ق‬ ‫ب‬ ‫تقع‬ ‫حتى‬ ‫وجتديدها‪.‬‬ ‫به؛‬ ‫�سيل الباغة‬ ‫تاأ‬

‫اإ‬

‫�شدارات‬

‫‪20 12‬‬

‫د‪� .‬أ‬

‫حمد �سعد‬

‫حممد �سعد‬

‫اليمن ‪ ،1929‬انطباعات ومشاهدات البعثة السوفيتية‬ ‫األملانية السينامئية‪ ،‬ترجمة د‪ .‬سعيد دبعي‬ ‫تعدد الرواية يف الشعر الجاهيل‪ ،‬د‪ .‬أمين بكر‬ ‫ذاكرة الطني‪ ،‬شواهد من الرتاث املعامري والعسكري‬ ‫يف مدينة العني‪ ،‬د‪ .‬محمد فاتح صالح زعل‬ ‫حكمة األجداد يف تراث مجتمع اإلمارات‬ ‫دراسة سوسيولوجية يف األمثال الشعبية‪ ،‬د‪ .‬أحمد محمود الخليل‬ ‫تأريخ القدامى للشعر إىل نهاية القرن الرابع‬ ‫مدونة املرزباين أمنوذجاً ‪ ،‬د‪ .‬محمد حبيبي‬ ‫اسرتاتيجية التأويل الداليل عند املعتزلة‪ ,‬الدكتور هيثم رسحان‬ ‫التوجيه البالغي للقراءات القرآنية‪ ،‬د‪ .‬أحمد سعد محمد سعد‬ ‫رسائل البرشى يف السياحة بأملانيا وسويرسا عام ‪ ،1889‬حسن توفيق العدل‬ ‫مثرات ناضجات من جنان الشعر العريب‪ ،‬د‪ .‬عايدي عيل جمعة‬ ‫الفكر الرتبوي الرتايث الخطيب البغدادي أمنوذجاً ‪ ،‬للدكتور بوزيد الغىل‬ ‫النظم والتأويل يف الفكر البالغي العريب‪ ،‬للدكتور محمد سعد شحاته‬ ‫املبهج املعريف شعريات أدب الرحلة للكاتب شاكر لعيبي‬ ‫شهر زاد الحكايات قراءة يف بنية الحكاية الشفاهية اإلماراتية للكاتب مفيد نجم‬


turath_161