Issuu on Google+


‫الفنان عديل رزق الله‬


‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫«بيت الشعر» تحلق عاليا‬ ‫ها هو العدد الخامس من مجلة «بيت الشعر» التي تصدر عن بيت الشعر يف‬ ‫ابوظبي ‪ -‬نادي تراث اإلمارات‪ .‬ومن دون ادعاء او شعور بالغرور الكاذب نستطيع‬ ‫القول ان هذه املجلة بدأت تحلق عاليا واننا كسبنا الرهان الذي وضعناه نصب‬ ‫اعيننا ونحن نعد الصدار هذه املطبوعة العربية املتخصصة بالشعر وجاملياته‬ ‫وهوامشه‪ .‬لقد احتلت «بيت الشعر» برسعة قياسية مكانها بني الدوريات املرموقة‬ ‫عىل صعيد العامل العريب‪ ،‬وصارت منترشة يف اكرث من عرشة بلدان عربية واجنبية‪،‬‬ ‫وبات لها جمهورها الذي ينتظرها يف نهاية كل شهر‪ .‬وعلينا ان نعرتف ان هذه‬ ‫االنطالقة الرسيعة ما كان لها ان تتحقق خالل أقل من نصف سنة لوال الدعم الذي‬ ‫وفره لها سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة‪،‬‬ ‫ونحن اذ نقدر حرصه الكبري عىل صدور هذه املجلة عىل نحو راق يف املضمون‬ ‫والشكل‪ ،‬فإننا نثمن عاليا جو الحرية الذي توفره ارض االمارات العربية املتحدة‬ ‫للثقافة واالبداع‪.‬فال ابداع بال حرية‪ ،‬وال ثقافة من دون رؤية حضارية انسانية‬ ‫شاملة‪.‬‬ ‫أردنا العدد الخامس متخصصا يف الشعرية العراقية التي تعترب مبثابة العمود‬ ‫الفقري للشعرية العربية منذ القدم‪ .‬ونحن اذ نعود اىل العراق ارض الشعر األوىل‬ ‫فليس من باب الوقوف عىل االطالل او اجراء جردة زمنية تاريخية‪ ،‬وامنا لتلمس‬ ‫الشعر فينا‪ ،‬طاملا ظلت القصيدة أبا عن جد مقياس حرارة روحنا اإلنسانية‬ ‫ومستودع حكمتنا وسجل تاريخنا‪.‬‬ ‫نقف يف هذا العدد عند الريادة العراقية بني زمنني‪ .‬من السياب ونازك املالئكة‬ ‫وعبد الوهاب البيايت‪ ،‬مرورا برسكون بولص وفاضل العزاوي وحسب الشيخ جعفر‬ ‫حتى يومنا‪ ،‬ونستعيد طرح األسئلة القدمية الجديدة حول مشارف القصيدة العربية‬ ‫ومآالتها يف زمن تراجعت فيه شعبية الشعر يف الفضاء العام‪ ،‬وصارت القصيدة‬ ‫مقصية شيئا فشيئا اىل الهامش‪ .‬إال ان من عالمات قوة الروح العربية ان شعرنا‬ ‫العريب ما يزال بخري‪ ،‬ومل يقدم استقالته إىل التاريخ او يتجمد ويتوقف عن التطور‬ ‫وطرح االسئلة وارتياد آفاق جديدة‪ .‬ونذهب اىل العراق يك نفحص نبض الشعر‬ ‫والشعرية بعد أن نعى الكثريون الشعر واعتربوا انه توقف عند مرحلة معينة‪ ،‬وان‬ ‫القصيدة الراهنة تدور يف حلقة مفرغة تعيش عىل إرث االجداد واآلباء وغري قادرة‬ ‫عىل صياغة برنامجها الجاميل الخاص‪.‬‬ ‫قد تشيخ االفكار واالشياء ولكن القصيدة تظل امتالء الشعراء بطفولة الدهشة‪،‬‬ ‫وبالقدرة عىل اعادة الظواهر العابرة اىل ينبوع السؤال‪ ،‬ليك تكون لنا بوصلة واحدة‪،‬‬ ‫بوصلة لتوازن الروح واألحوال‪ .‬وحني نقول ان الشعر العريب ال يراوح يف املكان بل‬ ‫يواكب زمانه بجدارة‪ ،‬فإننا ننظر حولنا إىل الشعر يف العامل‪ ،‬وهنا ال يخامرنا شك‬ ‫يف ان النتاج الشعري العريب خالل نصف قرن مىض يقف يف مكان مرموق‪ ،‬عىل‬ ‫صعيد النوع والكم‪ ،‬واكرث من ذلك ليس هناك من هو منشغل اكرث من العرب بحال‬ ‫الشعر‬

‫تصدر كل أول شهر عن بيت الشعر يف أبوظبي‬ ‫نادي تراث اإلمارات‬

‫رئيس التحرير‬

‫حبيب الصايغ‬ ‫مدير التحرير‬ ‫بشير البكر‬ ‫سكرتري التحرير‬ ‫عبد اهلل أبو بكر‬ ‫التحرير‬

‫جهاد هديب‬ ‫رنا زيد‬

‫املدير الفني‬ ‫فواز ناظم‬ ‫االخراج والتنفيذ‬ ‫ناصر بخيت‬

‫املراسلون‬

‫بيروت‪ -‬فيديل سبيتي‬ ‫الرباط‪ -‬حكيم عنكر‬ ‫باريس‪ -‬محمد المزديوي‬ ‫القاهرة‪ -‬حمزة قناوي‬ ‫روما‪ -‬حذام الودغيري‬ ‫صنعاء‪ -‬أحمد السالمي‬

‫الهيئة االستشارية‬

‫علي جعفر العالق‬ ‫عارف الخاجة‬ ‫نوري الجراح‬ ‫سالم أبوجمهور‬ ‫حسن نجمي‬ ‫علي الشعالي‬

‫املحرر‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪3‬‬


‫نجاة مكي بين اللون والكلمة‬

‫‪80‬‬ ‫‪18‬‬ ‫‪ 25‬نصوص‪ :‬محمد بنيس‪ ،‬عمر شبانة‪ ،‬آدم فتحي‪ ،‬حسب الشيخ جعفر‪ ،‬خزعل‬ ‫ظبية خميس ‪ ..‬صوت العزلة والهدأة‬

‫املاجدي‪ ،‬هاشم شفيق‪ ،‬دنيا ميخائيل‪ ،‬رنا جعفر ياسني‪ ،‬مؤيد الراوي‪ ،‬باسم املرعبي‬ ‫صالح حسن السيالوي‪ ،‬عيل محمود خضري‪ ،‬نضال برقان‪ ،‬أمينة ذيبان‬

‫‪49‬‬ ‫‪ 51‬ملف‪ ..‬الشعرية العراقية بين زمنين‬ ‫رأي الناقد‪ ..‬قراءة يف نصوص العدد الرابع‬

‫ شعرية الريادة‪ ،‬القصيدة بني منفيني‪ ،‬القصيدة والحرب‪ ،‬الشعراء الجدد‪ ،‬الشعراء‬‫والفنون‪ ،‬الشعراء واملؤسسات‬

‫‪80‬‬ ‫‪ 85‬نظري ًا‪ ..‬صبحي حديدي‬ ‫‪ 86‬حوار‪ ..‬محمد إبراهيم أبو سنّة‬ ‫‪91‬حائط أبيض‪ ..‬نوري الجراح‬

‫‪www.poetryhouse-ad.ae‬‬

‫نجاة ّ‬ ‫مكي في باريس‬

‫‪130‬‬ ‫أحمد راشد ثاني‬

‫صبي تحت الضوء‬

‫املواد املنشورة تعرب عن رأي اصحابها وال تعرب بالرضورة عن رأي املجلة‬ ‫‪4‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫الغالف‪:‬‬

‫ الفنان العراقي ضياء العزاوي‬‫‪ -‬لوغو بيت الشعر للفنانة الرا قبطان‬

‫عناوين املجلة‬ ‫االدارة والتحرير‪:‬‬ ‫االمارات العربية املتحدة‪-‬ابوظبي‬ ‫هاتف‪+97124916333 :‬‬ ‫امييل‪bashir@cmc.ae :‬‬

‫أبوظبي لإلعالم‪-‬توزيع‬ ‫الرقم املجاين ‪8002220 :‬‬ ‫لالتصال من الخارج‬ ‫‪+97124145000‬‬ ‫فاكس ‪+971 24145050 :‬‬

‫‏‪distribution@admedia.ae‬‬ ‫مسؤول التوزيع‪ :‬زياد النجار‬

‫حقوق نرش الصور واملوضوعات الخاصة محفوظة للمجلة‬


‫المحتويات‬

‫‪96‬‬

‫‪102‬‬

‫‪92‬‬ ‫‪ 96‬عارف الخاجة‪ ..‬واقعية سحرية‬ ‫ّ‬ ‫يترجل‬ ‫‪ 102‬أدونيس حين‬ ‫‪ 106‬سركون بولص في سان فرانسيسكو‬ ‫‪ 111‬مختارات‪ ..‬قصائد ثيسار باييخو‬ ‫‪ 122‬في الشعر‪ ..‬نونو جوديتس‪ ،‬يوسف عبد العزيز‪ ،‬عبد الله أبو بكر‬ ‫‪ 130‬أحمد راشد ثاني‪ :‬صبي تحت الضوء‬ ‫‪ 134‬رأي الشاعر ‪ ..‬القصيدة والربيع العريب‬ ‫درويش وبركات‪ ..‬الفلسطيني والكردي ‪ ..‬منفى يف اللغة‬

‫سعر النسخة‬ ‫اإلمارات العربية املتحدة‪ 10 :‬دراهم ‪ -‬اململكة العربية السعودية ‪10‬‬ ‫رياالت ‪ -‬الكويت دينار واحد ‪ -‬سلطنة عامن ‪ 800‬بيسة ‪ -‬قطر ‪ 10‬رياالت‬ ‫ مملكة البحرين دينار واحد ‪ -‬اليمن ‪ 200‬ريال ‪ -‬مرص ‪ 5‬جنيهات ‪-‬‬‫السودان ‪ 250‬جنيهاً ‪ -‬لبنان ‪ 5000‬لرية ‪ -‬سورية ‪ 100‬لرية ‪ -‬اململكة‬ ‫األردنية الهاشمية ديناران ‪ -‬العراق ‪ 2500‬دينار ‪ -‬فلسطني ديناران ‪-‬‬ ‫اململكة املغربية ‪ 20‬دره ًام ‪ -‬الجامهريية الليبية ‪ 4‬دنانري ‪ -‬الجمهورية‬ ‫التونسية ديناران ‪ -‬بريطانيا ‪ 3‬جنيهات ‪ -‬سويرسا ‪ 7‬فرنكات ‪ -‬دول االتحاد‬ ‫األورويب ‪ 4‬يورو ‪ -‬الواليات املتحدة األمريكية وكندا ‪ 5‬دوالرات‪.‬‬ ‫االشتراكات‬ ‫لألفراد داخل دولة اإلمارات‪ 100 :‬درهم‪ /‬لألفراد من خارج الدولة‪150 :‬‬ ‫دره ًام ‪ -‬للمؤسسات داخل الدولة‪ 150 :‬دره ًام‪ /‬للمؤسسات خارج الدولة‬

‫‪106‬‬

‫‪148‬‬

‫‪137‬‬ ‫‪ 143‬تحقيق‪ :‬املرأة الشاعرة يف األردن‬ ‫‪ 147‬حاشية‪ ..‬حسن نجمي‬ ‫‪ 148‬حجازي ‪ ..‬قراءة فلكية‬ ‫‪ 152‬قصيد األسالف‪ :‬ابن عريب‬ ‫‪ 156‬تجارب‪ ..‬فروغ ف ّرخ زاد‬ ‫‪ 160‬مركز سلطان بن زايد‪ ..‬الحنني محركاً لإلبداع‬ ‫‪ 161‬أخبار البيت‪ ..‬كاظم جهاد يف أبوظبي‬ ‫فن الشعر وبعض حواش إضافية‬

‫‪86‬‬

‫محمد ابراهيم أبو سنة‬

‫القصيدة حاولت‬ ‫التمهيد للثورة‬

‫‪200‬درهم‪.‬‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪5‬‬


‫ُكتاب العدد‬

‫‪16‬‬

‫‪15‬‬

‫‪10‬‬

‫‪3‬‬

‫تخطيطات ُ‬ ‫الكتاب‪ :‬نارص بخيت‬

‫‪20‬‬

‫‪17‬‬

‫‪25‬‬

‫‪8‬‬

‫‪ .1‬سامح كعوش‬

‫• شاعر وناقد من فلسطني‪ ،‬يقيم يف االمارات‪.‬‬ ‫أصدر ست مجموعات شعرية من بينها‬ ‫«صباحات النسكافيه» ‪ 2012‬عن دار الغاوون‬ ‫‪،‬وله يف النقد عدة كتب منها «سرية غيم يهذي‪/‬‬ ‫قراءة يف التجربة الشعرية لحبيب الصايغ»‪.‬‬

‫‪ .2‬فخري صالح‬

‫• ناقد وكاتب من األردن‪ .‬يعمل يف الصحافة‬ ‫الثقافية املحلية والعربية‪ .‬كام صدر له أكرث من‬ ‫سبعة عرش كتابا يف النقد تراوحت بني التأليف‬ ‫والرتجمة‪.‬‬

‫‪.3‬مرمي حيدري‬

‫• شاعرة ومرتجمة بني العربية والفارسية‬

‫‪ .4‬إبراهيم أحمد ملحم‬

‫• ناقد وأكادميي‪ ،‬صدر له العديد من الكتب‬ ‫النقدية من بينها‪ :‬بطولة الشاعر العريب القديم‪:‬‬ ‫العاذلة إطاراً‪ ،‬وجامليات األنا يف الخطاب‬ ‫الشعري‪.‬‬

‫‪ .5‬مهند صالحات‬

‫• قاص ومخرج أفالم وثائقية‪ ،‬يقيم يف‬ ‫ستوكهومل‪.‬‬

‫‪ .6‬عبد الرحيم الخصار‬

‫• شاعر وكاتب من املغرب‪ .‬صدرت له عدة‬

‫‪6‬‬

‫بيت الشعر‬

‫دواوين من بينها‪ :‬أخريا وصل الشتاء‪،‬‬ ‫أنظر وأكتفي بالنظر‪ ،‬ونريان صديقة‪.‬‬

‫‪ .12‬عامر أحمد الشقريي‬

‫• شاعر ومرتجم من فلسطني‪ ،‬صدر‬ ‫له‪« :‬أجنحة بيضاء لليأس» ويف‬ ‫الرتجمة «طردت اسمك من بايل»‪،‬‬ ‫وأساتذة اليأس ‪ -‬النزعة العدمية يف‬ ‫األدب األورويب»‬

‫‪ .13‬يوسف عبد العزيز‬

‫‪ .7‬وليد السويريك‬

‫‪ .8‬أحمد مياين‬

‫• شاعر و مرتجم من مرص يقيم‬ ‫يف اسبانيا‪ ،‬صدر له أربعة دواوين‬ ‫شعرية‪.‬‬

‫‪ .9‬بريهان الرتك‬

‫• شاعرة من األردن‪ ،‬متارس العمل‬ ‫الصحفي‪.‬‬

‫‪ .10‬ياسني الزبيدي‬

‫• أستاذ جامعي من العراق يقيم يف‬ ‫أبوظبي‪ .‬درس كواكب املجموعة‬ ‫الشمسية وتأثريها عىل شخصية‬ ‫اإلنسان‪.‬‬

‫‪ .11‬خلدون عبد اللطيف‬

‫• شاعر وكاتب من األردن صدر له‬ ‫ديوان «بني املنزلتني»‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫• كاتب وقاص من األردن‪ ،‬صدر له‬ ‫«القصاصون عىل سج ّيتهم»‪.‬‬

‫• شاعر من فلسطني من دواوينه‪:‬‬ ‫حيفا تطري إىل الشقيف‪ ،‬نشيد الحجر‪،‬‬ ‫وطن يف املخيم‪ ،‬دفاتر الغيم‪ ،‬وذئب‬ ‫األربعني‪.‬‬

‫‪ .14‬جعفر العقييل‬

‫• قاص وشاعر وإعالمي من األردن‪.‬‬ ‫صدر له عدة كتب من بينها‪« :‬للنار‬ ‫طقوس وللرماد طقوس أخرى»‪،‬‬ ‫«ربيع يف‬ ‫«ضيوف ثقال الظل»‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫عماّ ن»‪.‬‬

‫‪ .15‬مازن معروف‬

‫• شاعر ومرتجم من فلسطني يقيم يف‬ ‫ايسلندا‪ ،‬صدر له الكامريا ال تلتقط‬ ‫العصافري‪ ،‬ومالك عىل حبل الغسيل‬

‫‪ .16‬حسام الرساي‬

‫شاعر وصحايف عراقي يقيم يف بغداد‪،‬‬ ‫صدر له وحده الرتاب يقهقه‪.‬‬

‫‪ .17‬تحسني الخطيب‬

‫• شاعر ومرتجم من فلسطني‪ ،‬صدر‬

‫له يف حقل الرتجمة‪ :‬الجذور الثقافية‬ ‫لإلسالموية األمريكية‪ ،‬والعامل ال ينتهي‪.‬‬

‫‪ .18‬خالد بلقاسم‬

‫ناقد من املغرب‪ ،‬من بني ما صدر له‬ ‫يف حقل النقد‪ :‬أدونيس والخطاب‬ ‫الصويف‪ ،‬الكتابة والتصوف عند ابن‬ ‫عريب‪ ،‬والكتابة وإعادة الكتابة يف الشعر‬ ‫املغريب املعارص‪.‬‬

‫‪ .19‬هيا صالح‬

‫• كاتبة من األردن صدر لها عدة‬ ‫مؤلفات من بينها «رسد الحياة»‪.‬‬ ‫وفي الشعر‬

‫‪ -20‬محمد بنيس‬ ‫‪ -21‬عمر شبانة‬ ‫‪ -22‬آدم فتحي‬ ‫‪ -23‬حسب الشيخ جعفر‬ ‫‪ -24‬خزعل املاجدي‬ ‫‪ -25‬هاشم شفيق‬ ‫‪ -26‬دنيا ميخائيل‬ ‫‪ -27‬رنا جعفر ياسني‬ ‫‪ -28‬مؤيد الراوي‬ ‫‪ -29‬باسم املرعبي‬ ‫‪ -30‬صالح حسن السيالوي‬ ‫‪ -31‬عيل محمود خضري‬ ‫‪ -32‬نضال برقان‬ ‫‪ -33‬أمينة ذيبان‬


‫شعر وشعراء‬

‫بدءا‬

‫إشهار غير تقليدي لبرنامج «كتّاب وأدباء»‬ ‫أبوظبي‬

‫تعرض الشاعر التونيس الصغري اوالد أحمد‬ ‫العتداء جسدي‪ ،‬من ِق َبل ش ّبان‪ .‬أوسعوا الرجل‬ ‫رضبا وشتام‪ .‬هو الذي يقف اآلن عىل مشارف‬ ‫الستني‪ .‬ضرُ ب الشاعر عىل خلفية ترصيحات كان‬ ‫قد انتقد خاللها املامرسات واألفكار التي تهدف‬ ‫إىل تحويل الدولة من مدنية إىل ثيوقراطية‪ .‬يبدو‬ ‫أن الشهداء لن يعودوا مع فجر جديد‪.‬‬ ‫بابلو نريودا‪ ،‬الشاعر التشييل األشهر الذي تويف‬ ‫يف ‪ 23‬سبتمرب ‪ ،1973‬يعود إىل الواجهة مع‬ ‫ذكرى رحيله الثامنة والثالثني‪ :‬هل اغتاله اليأس‬ ‫واالحباط‪ ،‬حقا‪ ،‬بعد نجاح بينوشيه يف االستيالء‬ ‫عىل السلطة؟‬ ‫أيضا َمنْ يتاح له رصد األخبار عن اإلصدارات‬ ‫الحديثة يف الرتجمة سيجد أن مثة حركة يف النقل‬ ‫إىل العربية‪ ،‬لكن سمتها األساسية أنها ليست‬ ‫مؤسسية بل هي جهود أفراد أو مؤسسات صغرية‬ ‫ناشئة حديثا‪ ،‬باستثناء مرشوع كلمة الذي يتبع‬ ‫هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة وذلك لجهة أن‬ ‫هناك «فعل» وفقا لخطة مدروسة‪.‬‬ ‫غري أن واحدا من أكرث الكتب إثارة للمخيلة‬ ‫هو «صاحب الخرب يف الدولة االسالمية» والذي‬ ‫ترد فيه إشارة تكاد تكون عابرة عن أن أبا‬ ‫متام (الشاعر العبايس األكرث شهرة) قد توىل‬ ‫هذا املنصب الحساس ( ُمخرب) يف منطقة وفرتة‬ ‫حساسة؛ وذلك عندما فكر الخليفة العبايس بدحر‬ ‫الروم وحدثت موقعة عمورية‪ .‬فهل نشأ الظرف‬ ‫الذي أحاط باملعركة بفعل فاعل أم انها حدثت‬ ‫وفقا ملا تناقلته األخبار التاريخية الرسمية؟‬ ‫التحرير‬

‫افتتح اتحاد كتاب وأدباء اإلمارات ‪ -‬فرع أبوظبي‪ ،‬مبقره يف املرسح الوطني‪،‬‬ ‫موسمه الثقايف الشهر املايض بأمسية احتفائية أُرِي َد لها أن تكون إعالناً غري تقليدي‬ ‫عن الربنامج الخاص بفرع أبوظبي القادم‪.‬‬ ‫هكذا‪ ،‬أخذت األمسية شكالً متحررا ً من فكرة القاعة‪ ،‬حيث الجمهور يف مواجهة‬ ‫املنرب‪ .‬واألمسية التي ألقى فيها الشاعران حبيب الصايغ (رئيس مجلس إدارة‬ ‫االتحاد) ومحمد املزروعي (رئيس الهيئة اإلدارية للفرع) أقيمت يف بهو املقر‪،‬‬ ‫أي أنهام تحدثا للناس فيام الجميع وقوفا يحيطون باملتحدثني‪ .‬هذه الفكرة غري‬ ‫التقليدية كان وراءها هذان الشاعران‪.‬‬ ‫ومن جهة أخرى فقد عرض يف البهو عمالن فنيان أحدهام ينتمي للفن الرتكيبي‬ ‫أنجزته خلود الجابري ومي قوطرش واآلخر ينتمي للفن املفاهيمي أنجزه املخرج‬ ‫السيناميئ نواف الجناحي والشاعر والتشكييل محمد املزروعي‪ .‬وقد تخلل األمسية‬ ‫عزف منفرد عىل القيثارة قدمه العازفان‪ :‬باسم يونس وسعد الحديثي‪ ،‬كام جرى‬ ‫طرح بعض من منشورات االتحاد وبعض املؤسسات الثقافية اإلماراتية مجانا لهذه‬ ‫املناسبة‪.‬‬ ‫ما أعلنه الشاعران للجمهور أن هذا العام سيكون عام الرواية اإلماراتية بحيث‬ ‫تنصب مجمل الفعاليات املقبلة حولها‪.‬‬ ‫سوف‬ ‫ّ‬

‫عكاظيون جدد في الطائف‬

‫أقيمت الشهر املايض فعاليات الدورة السادسة لسوق عكاظ يف محافظة الطائف بالسعودية‪ ،‬التي شارك فيها عدد من األدباء واملثقفني من‬ ‫داخل اململكة وخارجها‪ .‬وقلد األمري خالد الفيصل الشاعرة السودانية روضة الحاج وشاح الجائزة وشهد السوق افتتاح «خيمة سوق عكاظ»‬ ‫التي تضمنت عرض عمل مرسحي بعنوان‪“ :‬العكاظيون الجدد” تجسد مشاهده واقع الشعر العريب الفصيح ما بني املايض والحارض‪ ،‬من خالل‬ ‫حوار درامي يجمع شعراء سوق عكاظ قدمياً وحديثاً‪ ،‬ودار جدل يف الصحافة السعودية من حول شخصية الفائزة يف هذا العام‪ ،‬التي يعتربها‬ ‫شعراء سودانيون ال متثل اللحظة الشعرية الراهنة يف بالدهم‪ ،‬ويرون انها شاعرة تعيش يف كنف املؤسسة الرسمية‪.‬‬ ‫األمر ال يقترص عىل الشاعرة الفائزة‪ ،‬إمنا ينسحب أيضا عىل الربنامج الثقايف والئحة املدعوين العرب‪ ،‬التي خلت من أسامء بارزة عىل مستوى‬ ‫الشعر‪.‬‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪7‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫سرد جديد يستكمل رواية‬ ‫سابقة‬

‫مظفر النواب ‪ ..‬بين الرفض‬ ‫والمرض‬

‫يقيض الشاعر العريب املعروف‬ ‫مظفر النواب (العراق) وقته‪،‬‬ ‫اآلن‪ ،‬بني مستشفى الجامعة‬ ‫األمريكية يف بريوت وبيت صديقه‬ ‫الكاتب هاين مندس‪ ،‬بعدما أعياه‬ ‫املرض بل األمراض التي تفتك‬ ‫بجسمه هو ابن الثامنني‪ .‬مل يشأ‬ ‫هذا الشاعر املتمرد‪ ،‬الذي عرف‬ ‫بقصائده أكرث مام ُعرف بدواوينه‬ ‫وكذلك بطريقته الخاصة بإلقاء‬ ‫شعره‪ ،‬أن يلبي دعوة رئيس‬ ‫الحكومة العراقية نوري املاليك‬ ‫للعودة إىل بغداد ليتم االعتناء به‬ ‫رسمياً‪ ،‬ويخضع للعالج عىل نفقة‬ ‫الدولة‪ .‬آثر النواب البقاء يف عهدة‬ ‫أصدقائه يف بريوت عىل رغم ضيق‬ ‫يده ويدهم‪ ،‬عىل أن مي ّد يده إىل‬ ‫السلطة العراقية التي اختار أساساً‬ ‫أن يكون بعيدا ً عنها منذ أعوام‬ ‫طويلة‪ ،‬متنعامً بحريته يف الكتابة‬ ‫والعيش‪ .‬ويعاين النواب اآلن مرض‬ ‫الباركنسون وضعفاً يف الكليتني‬ ‫إضافة إىل االلتهابات والتورم‪.‬‬ ‫ويعاين أيضاً صعوبة يف الكالم ما‬ ‫جعله يف حال من العزلة املرضية‪،‬‬ ‫ال يستقبل سوى أصدقائه املقربني‬ ‫الذين يتولون عالجه‪.‬‬

‫الموسوعة الشعرية ‪ ..‬تحديث‬ ‫يتيح تواصال اجتماعيا‬ ‫أُعلن عن املوقع االلكرتوين للموسوعة الشعرية‪ ،‬التي‬ ‫انجزتها دار الكتب الوطنية التابعة لهيئة أبوظبي‬ ‫للسياحة والثقافة‪ ،‬خالل معرض أبوظبي الدويل للكتاب‬ ‫يف دورته الـامضية ما أتاح لقرائها ومتابعيها التفاعل معه‬ ‫عن طريق حساباتهم عىل موقعي التواصل االجتامعي‬ ‫«فيس بوك» و«تويرت»‪.‬‬ ‫وكانت اإلصدارات يف السابق توضع عىل «يس دي»‬ ‫ولهذا ال ميكن التعديل عليها‪ .‬لكن إطالق املوقع‬ ‫اإللكرتوين‪ ،‬يتيح التعديل عرب التواصل مع القراء الذين‬ ‫ميكنهم إرسال مالحظاتهم‪ ،‬كام ميكن أن تكون هناك‬ ‫بعض املالحظات عن قصيدة أو شاعر‪ ،‬وهو ما يحفز‬ ‫إدارة املوقع إىل الرجوع إىل أهل االختصاص بالشعر‪،‬‬ ‫بهدف التأكد مام إذا كانت املعلومات التي أرسلت‬ ‫صحيحة‪ ،‬وبالتايل يُصار إىل تعديلها‪.‬‬ ‫يضم املوقع مكتبة تحتوي عىل ‪ 265‬كتاباً متنوعاً‪ ،‬قد‬ ‫يتناول حياة الشاعر‪ ،‬أو امليزات الفنية لشعره‪ ،‬وكل ما‬ ‫ميكن أن يعود بالفائدة عىل زوار املوسوعة‪.‬‬ ‫وهناك أربع خانات يف خريطة املوقع‪ :‬الرتاث‪ ،‬وقصيدة‬ ‫اليوم‪ ،‬حيث من املمكن اختيار إحدى القصائد املوجودة‬ ‫يف املوسوعة‪ ،‬وشاعر اليوم يتم فيه تسليط الضوء عىل‬ ‫أحد الشعراء‪ ،‬ومقال الشهر ويكتبه الباحث أحمد محمد‬ ‫عبيد (االمارات) ويتناول فيه قضايا الشعر والشعراء‪.‬‬ ‫تض ّم املوسوعة كل ما كتب يف الشعر العمودي من‬ ‫العرص الجاهيل‪ ،‬ولغاية العام ‪ .1950‬ويبلغ عدد الشعراء‬ ‫‪ 2773‬شاعرا ً‪ ،‬وعدد القصائد املنشورة أكرث من ‪ 140‬ألف‬ ‫قصيدة‪ ،‬موزعة عىل ‪ 815120‬بيتاً شعرياً»‬

‫مظفر النواب‬ ‫‪8‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫بعد صدور الجزء األول من روايته‬ ‫«السامء شاغرة فوق اورشليم»‬ ‫(‪ )2012‬عن املؤسسة العربية‬ ‫للدراسات والنرش (بريوت) يتبع‬ ‫الشاعر سليم بركات (سوريا)‪ ،‬املقيم‬ ‫يف السويد‪ ،‬روايته بجزء ثان يحمل‬ ‫العنوان نفسه‪.‬‬ ‫يقول الشاعر عن هذا الجزء‬ ‫بحسب ما جاء يف مقدمة الكتاب‪:‬‬ ‫«هذا هو الجزء الثاين واألخري ملحقاً‬ ‫بالرواية‪ ،‬جرياً بوقائعها عىل سكة‬ ‫الحملة الصليبية الثالثة‪ ،‬أعلنها‬ ‫البابا غريغوري الثامن تعبئة‪ ،‬حتى‬ ‫سقوط عكًا يف يد الفرنجة‪ .‬رسد‬ ‫مييض‪ ،‬هنا‪ ،‬بسرية العسكري توران‪،‬‬ ‫الذي أعد قلبه لريوي لعياله‪ ،‬يف‬ ‫عودته إليهم‪ ،‬أخبار املعارك‪ ،‬فقادته‬ ‫األقدار اىل أرض الفرنجة يف صور‪،‬‬ ‫منفيّاً من خديعة تطارده بشبحها‪.‬‬ ‫ومن صور تبدأ رحلته الثانية غريباً‬ ‫بالحلم ذاته يف العودة اىل عياله‬ ‫لريوي أكرث‪ ،‬هذه املرة‪ ،‬عن عامل‬ ‫بتقاليد ال يعرفونها‪ ،‬عاشها هو‬ ‫بال تصادم‪ .‬رواية متشعبّة الرسد‪،‬‬ ‫بتفاصيل عن خطط للرغبات‬ ‫املؤجلة‪ ،‬وخطط للثأر»‪.‬‬

‫سليم بركات‬


‫أوالد أحمد‬

‫مكسيكية من الهنود‬ ‫عمان‬ ‫الحمر في ّ‬

‫ت ُعتبرَ الشّ اعرة آمرب باست‪ ،‬من أهم‬ ‫األصوات التي تك ّرست يف حركة‬ ‫الشّ عر املكسييك الحديث‪ .‬هذه‬ ‫الشّ اعرة وبحكم انتامئها إىل ثقافة‬ ‫قبائل املايا شاعر ًة من الهنود الحمر‪.‬‬ ‫تقيم الشّ اعرة باست يف مدينة‬ ‫(تشياباس) املكسيكية‪ ،‬وتكتب‬ ‫قصائدها باللغة اإلسبانيّة التي‬ ‫تتقنها‪ ،‬كام أنّها عملت عىل تعلّم‬ ‫لغة املايا (التسوتسيل)‪ ،‬واستطاعت‬ ‫من خاللها االطّالع عىل تلك‬ ‫الساحرة‪ ،‬التي‬ ‫املناخات الشّ عرية ّ‬ ‫أشاعها الشعراء الهنود الحمر‪.‬‬ ‫استضافها مؤخرا املركز الثقايف‬ ‫العريب يف عماّ ن‪ ،‬حيث قرأت‬ ‫الشاعرة قصائدها وهي ترتدي‬ ‫الثّوب الفلسطيني املط ّرز‪ ،‬وحني‬ ‫سألها الروايئ جامل ناجي مدير‬ ‫املركز عن السرّ الذي يكمن وراء‬ ‫تلك املفاجأة قالت أمام الجمهور‬ ‫إنّها فخورة بالشعب الفلسطيني‬ ‫الحضاري الذي سيح ّرر بالده ذات‬ ‫يوم‪ .‬وقالت أيضا‪« :‬إننا نتوارى‬ ‫خلف الكتابة لنص ّد سطوة األمل»‬ ‫وقد قامت برتجمة أشعارها الكاتبة‬ ‫غدير أبو سنينة‪ ،‬وقدّمها الشاعر‬ ‫وليد السويريك‪.‬‬

‫فلسطينية تفوز بجائزة «إتيل‬ ‫عدنان»‬

‫شاعر يتعرض للضرب والشتم‬ ‫في تونس!‬ ‫تع ّرض مؤخرا الشاعر التونيس املعروف محمد الصغري‬ ‫أوالد أحمد للرضب والشتم‪ ،‬األمر الذي دانته وزارة‬ ‫الثقافة التونسية عرب بيان قالت فيه ان وزير الثقافة‬ ‫مهدي مربوك «بادر باالتصال باملعني باالمر لالطمئنان‬ ‫عليه وشد أزره» ذلك بحسب خرب بثته وكالة اسوشيتيد‬ ‫برس األمريكية‪.‬‬ ‫واعتربت الوزارة أن االعتداء «يعد تواصال للتجاوزات‬ ‫املقرتفة يف حق املثقفني واملبدعني» يف تونس داعية‬ ‫«الجهات األمنية املختصة إىل االضطالع بدورها يف حامية‬ ‫املبدعني ومحاسبة املعتدين إليقاف هذا النزيف»‪.‬‬ ‫وذكرت بأن «حرية الرأي واالبداع من مكتسبات الثورة‬ ‫التي ال ميكن املساس بها البتة»‪.‬‬ ‫وما تعرض له الشاعر جاء عىل خلفية مشاركته يف برنامج‬ ‫بتلفزيون «التونسية» الخاص انتقد فيه املتطرفني يف‬ ‫��ونس‪.‬‬ ‫وعلّق اوالد أحمد عىل ما تعرض له يف صفحته الشخصية‬ ‫يف الفيسبوك «تلقيت نصيبي من الثقافة التي قال راشد‬ ‫الغنويش ان السلفيني يبرشون بها»‪.‬‬ ‫واضاف‪« :‬لست أول من تم االعتداء عليه ولن أكون‬ ‫االخري‪ .‬منذ هذه اللحظة مل اعد اعرتف بأية رشعية‬ ‫ولن ينجو اي مدين أو عسكري‪ ،‬صامت عن مثل هذه‬ ‫املامرسات‪ ،‬من قنابل الشعر وصواعق النرث»‪.‬‬ ‫وتنامت يف الفرتة األخرية اعتداءات نُسبت لجامعات‬ ‫سلفية متشددة عىل مثقفني وعىل تظاهرات ثقافية يف‬ ‫تونس‪ ،‬حيث تم منع فرقة موسيقية ايرانية من تقديم‬ ‫عرض يف اختتام املهرجان الدويل للموسيقى الصوفية‬ ‫والروحية بوالية القريوان بدعوى ان الفرقة «شيعية»!‬

‫أعلنت جائزة «إتيل عدنان للكاتبات‬ ‫املرسحيات» خالل مؤمتر الكاتبات‬ ‫املرسحيات العامليات الذي اختتم‬ ‫أعامله مؤخ ًرا يف العاصمة السويدية‬ ‫ستوكهومل‪ ،‬عن فوز الكاتبة الفلسطينية‬ ‫الشابة «فالنتينا أبو عقصا» بجائزة‬ ‫هذا العام عن مرسحيتها «أنا حرة»‬ ‫لتم ّيز عملها باإلبداع ولتناولها موضو ًعا‬ ‫مبتك ًرا عالجته بلغة آرسة ومعالجة‬ ‫قل نظريها‪ ،‬لشخصيات‬ ‫عميقة‪ّ ،‬‬ ‫املرسحية‪ .‬وقد تم اختيار مرسحية «أنا‬ ‫حرة» من قبل لجنة تحكيم مشرتكة‬ ‫تألفت من مبدعني وفنانني وكتّاب‬ ‫لبنانيني وسويديني هم‪ :‬نضال األشقر‬ ‫ومنى كنيعو وأسا رساشو ودانييال‬ ‫كوملان وراوية مورا وميكائيل رانيل‬ ‫وييل فيلر وديان بيمون‪ .‬وقد تسلّمت‬ ‫الكاتبة الفلسطينية فالنتينا أبو عقصا‬ ‫جائزتها باإلضافة إىل جائزة مالية تقدر‬ ‫بخمسة آالف دوالر أمرييك مع فرصة‬ ‫ترجمة مرسحيتها للغة اإلنجليزية‪ .‬كام‬ ‫سيقوم كل من «مرسح ريكستيرتن»‬ ‫السويدي و»مرسح املدينة» اللبناين‬ ‫باملشاركة يف إنتاج املرسحية وعرضها‬ ‫يف كل من السويد ولبنان وعدد من‬ ‫العواصم األوروبية األخرى‪.‬‬

‫فالنتينا أبو عقصا‬

‫آمرب باست‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪9‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫أمنية أمني‬

‫ترجمة‪ 41‬شاعرا سعوديا‬

‫قصيدة لتوفيق زياد تصير‬ ‫أوبرا عربية‬

‫استلهم املخرج مهدي الحسيني‬ ‫(مرص) القصيدة الدرامية «رسحان‬ ‫واملاسورة» للشاعر توفيق زيّاد‪ ،‬يف‬ ‫صياغة غنائية كتبها عىل طريقة‬ ‫السيناريو السيناميئ؛ رغبة منه‬ ‫يف االحتفاء بجوانب العمل كافة؛‬ ‫وسداه‪ ،‬إال أنها‬ ‫ولتأكيد لحمته َ‬ ‫اتسمت بطالقة فنية‪ ،‬وجسارة‬ ‫يف التعبري املوسيقي‪ ،‬مستوح ًيا‬ ‫مناخ األلحان الفلكلورية الشعبية‬ ‫الفلسطينية ورقصاتها وآالتها‬ ‫املوسيقية وأزيائها وقسامت‬ ‫األمكنة وأجوائها‪ ،‬دون التزام‬ ‫بحرفيتها‪ ،‬وإن اقرتب من قوالبها‬ ‫ومادتها‪ ،‬يف تحويرات حرة تربز‬ ‫آثارها الصوتية‪ ،‬وتوزيعاتها‬ ‫النغمية التي تشيعها حركة العزف‬ ‫بفورانها األسلويب؛ محافظاً عىل‬ ‫إيقاعها امليلودي املتوتر‪ ،‬وحيوية‬ ‫هارمونيته‪ ،‬من خالل تقنيات‬ ‫القطع والرتديد والتنويع والتقابل‬ ‫والتآلف والتزامن‪ ،‬عرب سياق‬ ‫درامي يُفيد من تجارب عاملية‪.‬‬ ‫وقد وجد مهدي الحسيني يف‬ ‫أشعار زيّاد طاقات هائلة تحتفي‬ ‫بتعدد األصوات‪ ،‬فجمع بني‬ ‫قصيدته وأشعار أخرى له أعانته‬ ‫عىل خلق مواقف درامية جديدة‪.‬‬

‫قصائد إماراتية إلى اإلنجليزية‬ ‫قامت الناقدة والقاصة واملرتجمة الدكتورة أمنية أمني‬ ‫(مرص) برتجمة نصوص لعرشين شاعرا ً إماراتياً إىل اللغة‬ ‫اإلنجليزية‪ ،‬وذلك ضمن مرشوع لجامعة زايد‪ ،‬التي تعمل‬ ‫بها الدكتورة أمنية أستاذة يف األدب اإلنجليزي املعارص‪.‬‬ ‫يتمثل املرشوع يف نقل بعض الكتابات اإلماراتية إىل‬ ‫اإلنجليزية‪ ،‬تعريفاً باألدب اإلمارايت للمهتمني يف النطاق‬ ‫التعليمي والثقايف األجنبي‪.‬‬ ‫وقد قامت باختيار الشعراء والشاعرات من مراحل‬ ‫وتجارب مختلفة‪ ،‬من بينهم‪ :‬حبيب الصايغ‪ ،‬وإبراهيم‬ ‫الهاشمي‪ ،‬وميسون صقر‪ ،‬وسعد جمعة‪ ،‬وأحمد راشد ثاين‪،‬‬ ‫وثاين السويدي‪ ،‬وعبدالعزيز جاسم‪ ،‬ونجوم الغانم‪ .‬وسوف‬ ‫يُنرش الكتاب يف املوسم التعليمي الحايل‪.‬‬ ‫وما يجدر ذكره هنا‪ ،‬أن الدكتورة أمنية تعمل عىل تقديم‬ ‫األدب العريب عرب ترجمة مختارات وأعامل كاملة يف‬ ‫الشعر والقصة والرواية‪ ،‬منها‪ :‬مختارات قصصية أردنية‪،‬‬ ‫ورواية للكاتبة املرصية نوال السعداوي‪ ،‬وديوان إلبراهيم‬ ‫نرص الله‪ ،‬ومختارات من شعر محمود درويش‪ ،‬وترجمة‬ ‫مشرتكة مع الشاعر طاهر رياض لألعامل الكاملة للشاعرة‬ ‫اإلغريقية القدمية «سافو» إىل العربية‪ ،‬كام صدرت لها‬ ‫مجموعة قصصية “بعيدا ً عن الذاكرة”‪.‬‬ ‫يشار إىل أن ترجمة األدب اإلمارايت إىل اللغات األخرى‬ ‫نشطت يف اآلونة األخرية‪ ،‬حيث قامت هيئة أبوظبي‬ ‫للسياحة والثقافة برتجمة بعض من سلسلة «قلم»‬ ‫املتخصصة يف نرش األدب اإلمارايت إىل «األملانية»‬ ‫و»األوردو»‪ ،‬كام تقوم وزارة الثقافة والشباب وتنمية‬ ‫املجتمع برتجامت متفرقة إىل اإلنجليزية‪ ،‬غري التي يقوم‬ ‫بها مرتجمون أجانب وعرب كمشاريع خاصة بهم‬

‫توفيق زياد‬ ‫‪10‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫«أصوات جديدة من السعودية»‬ ‫كتاب صدر مؤخرا يف لندن عن دار‬ ‫تاوريس‪ ،‬التي تعد من أفضل دور‬ ‫النرش املتخصصة يف قضايا الرشق‬ ‫األوسط‪ .‬اشتملت هذه االنطولوجية‬ ‫عىل قصائد لواحد وأربعني شاعرا‬ ‫وشاعرة ينتمون إىل اتجاهات‬ ‫مختلفة‪.‬‬ ‫توضح هذه القصائد املختارة عىل‬ ‫األقل يف ما يتعلق بهذا النوع األديب‬ ‫أن اململكة العربية السعودية جزء‬ ‫مهم من العامل املعارص‪ .‬وميكن‬ ‫العثور عىل الطابع املديني لهذه‬ ‫القصائد يف املوضوعات التي‬ ‫تتناولها القصائد من قلق وآمال‬ ‫ومخاوف البرش يف العرص الحديث‪.‬‬ ‫أما يف ما يتعلق باملوضوعات‬ ‫والنربات فيغلب عىل الشعر‬ ‫السعودي املعارص الطابع الحرضي‪،‬‬ ‫حيث يرتك الصحراء والجنة‬ ‫األسطورية بصورها مثل الكثبان‬ ‫الرملية والجامل التي تتهادى‬ ‫للشعراء التقليديني‪ ،‬ليهتموا هم‬ ‫بالحياة يف املدن والبلدات الجديدة‬ ‫املزدحمة واملختنقة ذات اإليقاع‬ ‫الرسيع‪.‬‬


‫نريودا‬

‫أحمد زرزور في مهب الرحيل‬

‫الشاعرة بالث في وثائق‬ ‫‪FBI‬‬

‫كشفت وثائق جديدة أطلقها‬ ‫مكتب التحقيقات الفيدرالية‬ ‫االمرييك (إف‪ .‬يب‪ .‬آي) الشهر‬ ‫املايض عن العالقة األوديبية التي‬ ‫عاشتها الشاعرة األمريكية سيلفيا‬ ‫بالث مع والدها‪ .‬هي التي ماتت‬ ‫منتحرة شتاء العام ‪ 1963‬عندما‬ ‫كانت زوجة للشاعر الربيطاين تيد‬ ‫هيوز‪ ،‬الذي أصبح بعد ذلك شاعر‬ ‫البالط الربيطاين‪ .‬ما تم كشفه جاء‬ ‫يف التحقيقات مع أوتو بالث‪ ،‬والد‬ ‫الشاعرة‪ ،‬املهاجر من النمسا إىل‬ ‫أمريكا سنة ‪ 1900‬ليصبح عاملا يف‬ ‫الحرشات‪ ،‬وقد خصصت جامعة‬ ‫انديانا األمريكية الشهر املايض مؤمترا‬ ‫عن ظروف حياتها ال سيام عالقتها‬ ‫بوالدها الذي كان يح ّيي هتلر يف‬ ‫خلوته‪ .‬ورغم أن والد سيلفيا بالث‬ ‫قد مات سنة ‪ 1940‬عندما كانت يف‬ ‫الثامنة إال أن شخصيته قد تركت‬ ‫أثرا واضحا يف ذاكرتها‪ .‬كتبت سيلفيا‬ ‫بالث يف قصيدتها «أيب» العام ‪:1962‬‬ ‫«شعرت عىل الدوام بالخوف منك‬ ‫‪ /...‬من عينيك اآلريتني ‪ /‬بزرقتهام‬ ‫الحادّة والساطعة» وهي القصيدة‬ ‫ذاتها التي ش ّنت فيها هجوما عىل‬ ‫زوجها تيد هيوز أيضا‪.‬‬

‫هل مات نيرودا مقتوال؟‬ ‫كشف الصحايف اإلسباين ماريو أموروس‪ ،‬مؤلف كتاب‬ ‫«ظالل يف إيسال نيغرا‪ ،‬وفاة بابلو نريودا الغامضة»‪ ،‬عن‬ ‫محتويات تقرير تقول أن الشاعر الحاصل عىل جائزة‬ ‫نوبل لآلداب عام ‪ ،1971‬تويف يف ‪ 23‬سبتمرب ‪1973‬‬ ‫إلصابته مبرض رسطان الربوستاتا‪.‬‬ ‫أشار تقرير جديد اىل أن الشاعر بابلو نريودا‪ ،‬كان فعالً‬ ‫تويف بسبب إصابته مبرض الرسطان‪ ،‬عىل الرغم من‬ ‫الشكوك التي كانت تحوم حول سبب وفاته‪ ،‬حيث‬ ‫وقعت بعد مرور ‪ 12‬يوماً عىل انقالب الديكتاتور‬ ‫أوغستو بينوشيت‪ .‬وكان أموروس كشف‪ ،‬يف مقالة‬ ‫له نرشت يف الصحيفة اإللكرتونية «ال ناسيون»‪ ،‬عن‬ ‫مضمون تقرير حمل توقيع خبري يف ترشيح ودراسة‬ ‫الجثث‪.‬‬ ‫وحسب ما ذكره أموروس‪ ،‬فقد ت ّم إعداد هذا التقرير‬ ‫بناءا ً عىل طلب القايض ماريو كاروزا‪ ،‬الذي يدير‬ ‫التحقيقات القضائية التي بدأت يف يونيو من العام‬ ‫املايض‪ ،‬بعد شكوى تقدم بها الحزب الشيوعي التشييل‪،‬‬ ‫حيث كان مؤلف «عرشون قصيدة حب وأغنية يائسة»‬ ‫عضوا ً فيه‪ .‬وكان الحزب قد اعتمد عىل ترصيحات سائق‬ ‫رص عىل أن الشاعر‬ ‫نريودا السابق مانويل أرايا‪ ،‬الذي أ ّ‬ ‫مات مقتوالً عىل يد عمالء نظام بينوشيت عن طريق‬ ‫تزويده بحقنٍ مميتة‪ ،‬عندما كان يرقد يف عيادة يف‬ ‫سانتياغو‪.‬‬ ‫وعن مدى أهمية فحص رفات الشاعر يقول الدكتور‬ ‫تابيا «إن إجراء تحليل لعظام الضحية ميكن أن يوفر‬ ‫معلومات رضورية تدعم إجراءات التشخيص العلمي‬ ‫لرسطان الربوستاتا»‬

‫عىل نحو مباغت رحل مؤخرا يف‬ ‫القاهرة الشاعر املرصي أحمد‬ ‫زرزور‪ ،‬بعد أن قطع دربا طويال‬ ‫من اآلالم بسبب مرض يف الكبد‪.‬‬ ‫وبعد أن أصدر ديوان «خرافة‬ ‫مفتوحة» عن سلسلة ديوان‬ ‫الشعر العريب بالهيئة املرصية‬ ‫العامة للكتاب‪.‬‬ ‫يعترب أحمد زرزور واحدا من‬ ‫شعراء حقبة السبعينيات يف مرص‪،‬‬ ‫لكنه يف الوقت الذي انتهبت‬ ‫فيه جامعتا أصوات و إضاءة‬ ‫الشعريتان إىل مسار آخر‪ ،‬ظل‬ ‫زرزور خارج إطار الجامعات‪،‬‬ ‫وإن كان قد عبرّ مرة عن رغباته‬ ‫القدمية يف االنضواء تحت لواء‬ ‫إحدى الجامعتني‪ ،‬إال أنه أكد‬ ‫يف الوقت نفسه‪ ،‬عىل أنه كان‬ ‫مخدوعا بشكل كبري‪ ،‬وأن رفضه‬ ‫للمنهج املكلل بااليديولوجيا‬ ‫للجامعتني كان رفضا موضوعيا‬ ‫يتعلق بقناعاته التامة بأن الشعر‬ ‫ال ميكن أن يولد يف أحضان‬ ‫االيديولوجيا‪ .‬أصدر زرزور‬ ‫عددا من الدواوين‪ :‬الدخول‬ ‫إىل مدائن النعاس‪ ،‬جنون الورد‪،‬‬ ‫حرير الوحشة‪ ،‬هكذا ترتمل‬ ‫اإلمرباطوريات‪ ،‬رشيعة األعزل‪.‬‬

‫أحمد زرزور‬

‫سيلفيا بالث‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪11‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫الوطنية‬

‫في شعر حماد النعيمي‬ ‫قراءة في الموروث واإلنسان‬ ‫والوطن‬

‫املؤلف‬ ‫موفق العاين‬

‫شعر حماد النعيمي ‪ ..‬موروثه‬ ‫وإنسانيته‬ ‫الكتاب‪ :‬الوطنية يف شعر حامد الخاطري النعيمي ‪-‬‬ ‫قراءة يف املوروث واإلنسان والوطن‬ ‫املؤلف‪ :‬موفق العاين (العراق)‬ ‫النارش‪ :‬دار الهالل ‪ -‬دمشق‬

‫ّ‬ ‫النفري ‪ ..‬التأويل وحيويته‬ ‫الكتاب‪ :‬الصوفية والفراغ‬ ‫املؤلف‪ :‬خالد بلقاسم (املغرب)‬ ‫النارش‪ :‬املركز الثقايف العريب‬

‫عدد الصفحات‪ 310 :‬من القطع املتوسط‬

‫عدد الصفحات‪ 242 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫تناول‬

‫يسعى الباحث يف كتابه هذا إىل تفكيك أنطولوجي لكتاب «املواقف‬ ‫موفق العاين شعر حامد الخاطري النعيمي‬ ‫واملخاطبات» للنفري‪ ،‬متأم ًال «الفراغ» بوصفه تجربة تنشد األقىص‬ ‫وعالقته باملوروث وفضائه الشعري‪ ،‬ثم مفهوم‬ ‫الوطنية‪ ،‬ومل يغفل عن آراء النقاد يف شعر النعيمي‪ ،‬وأفرد العاين وتسترشف املاوراء‪.‬‬ ‫جاء يف مقدمة الكتاب‪« :‬يف ضوء الوعي برضورة تجديد التأويل‬ ‫قس ًام من قراءته لشعر هو الذي عدد فيه خصال ومناقب‬ ‫وبحيويته‪ ،‬تتبدى العالقة مع القديم بوصفها مسؤولية‪ ،‬يتعني عىل‬ ‫املغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وهو‬ ‫القراءة االضطالع بها‪ ،‬بل إن مفهوم املسؤولية ال ميلك ‪ ،‬كام يرى‬ ‫بعنوان «زايد‪ :‬أصالة املنبت»‪ ،‬كام خصص الناقد أيضاً قس ًام‬ ‫لدراسة شعر النعيمي يف الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد دريدا ‪ ،‬أي معنى خارج تجربة إرث من سبقنا»‪.‬‬ ‫آل نهيان ويل عهد أبوظبي نائب القائد األعىل للقوات املسلحة‪ .‬وتضيف املقدمة‪« :‬ليس الفراغ‪ ،‬عند الصوفية‪ ،‬مفهوما نظريا وال‬ ‫وقرأ العاين‪« :‬خصال الزعامة التي أصبحت فخراً لألوطان وشموخ تصورا ذهنيا‪ ،‬بل هو تجربة تنشد األقىص‪ ،‬مسترشقة املا وراء‪ ،‬ما وراء‬ ‫القوايف وأصالة املنبت يف شخصية الشيخ محمد بن زايد‪ ،‬وتطرق كل يشء‪ ،‬ما وراء األحكام‪ ،‬و ماوراء الضدية املنتجة لحجب الثنائيات‪.‬‬ ‫إنها منطقة بعيدة‪ ،‬فيها يتسنى للهوية الصوفية أن تتحقق من اآلخر‬ ‫إىل ما جادت به قريحة الشاعر حامد الخاطري النعيمي يف‬ ‫الوطن حيث حفل شعره بوصايا يف حب الوطن والتفصيل يف ما الذي به تتغذى وتتجدد»‪.‬‬ ‫هكذا يرى املؤلف أن خطاب النفري ذو قابلية الستقبال أسئلة‬ ‫غرسه زايد يف نرصة الوطن وحبه‪ ،‬وكان يف شعره متجلياً ينسج‬ ‫جديدة من حيث بناء الكتابة‪ .‬فهو خطاب مه ّيأ من هذا الوجه‬ ‫درراً من الكلامت يف عقد تزين صدر هذا الوطن»‪.‬‬ ‫توجهت‬ ‫متى‬ ‫األسئلة‬ ‫وتجديد‬ ‫ّد‬ ‫د‬ ‫التج‬ ‫عىل‬ ‫ومرشع‬ ‫ذاته‪،‬‬ ‫عن‬ ‫لالنفصال‬ ‫ّ‬ ‫ويرى العاين أن حامد الخاطري النعيمي اتبع أسلوب الشعراء‬ ‫القراءة إليه من أمكنة معرف ّية وفلسف ّية حديثة‪.‬‬ ‫األقدمني حيث األريحية التي وصفت بها قصائده بنية املجتمع‬ ‫اإلمارايت‪ ،‬وعندما يصف الحكيم املؤسس الشيخ زايد بن سلطان ويؤ ّكد الباحث ّأن كتاب النفري‪ ،‬مثله مثل األعامل الكربى‪ ،‬ال ينطوي‬ ‫عىل حقيقة يف ذاته‪ ،‬مستق ّلة عن قارئه إذ أن حقيقة الكتاب تتم ّثل يف‬ ‫آل نهيان رحمه الله‪.‬‬ ‫اآلفاق الجديدة التي تفتحها القراءة معه‪ ،‬ومن ّمثة فال وجود ملعنى‬ ‫ويتطرق موفق العاين إىل عالقة شعر حامد الخاطري النعيمي‬ ‫باملوروث وخاصة القصائد التي استل قوتها مام قرأه يف املوروث نهايئ ميكن القارئ أن ميسك به‪« ،‬فاملعنى هنا ليس إ ّال سريورة تح ّوله‪.‬‬ ‫سريور ٌة هي التأويل ذاته»‪ .‬ومن هنا فكتاب النّفري كتاب غامض‪ ،‬ليل‬ ‫الشعري اإلمارايت‪ ،‬حيث كان يقوم بجوالت ميدانية يف مدن‬ ‫وبادية اإلمارات ليجمع أشعار الشعراء اإلماراتيني القدامى التي ال بارقة ضوء تنريه‪ ،‬حتّى ليبدو‪ ،‬كام لو ّأن النفري كتبه لنفسه‪ّ .‬مثة‬ ‫مناطق قص ّية يف هذا الكتاب‪ ،‬مناطق متمنّعة عىل الفهم‪ ،‬لكنّ هذه‬ ‫مل تلتمس التدوين أو النرش‪ .‬وتعترب هذه املهمة شاقة فع ًال‪ ،‬إال‬ ‫أنها أعطت الشاعر النعيمي قدرة عىل بناء نص شعري متكامل‪ ،‬املناطق بالذات هي التي تتيح للقراءة أن تكون‪ .‬وقد أشار الصوف ّية‬ ‫إىل أن الغموض أو املنع متى ُفتح باب الفهم عطاء يف ذاته‪ .‬ويتو ّغل‬ ‫كام يرى العاين‪.‬‬ ‫الباحث يف الكتاب لييضء عىل ما تعتّم من مصطلحاته ومفاهيمه‪.‬‬ ‫يبقى القول أن حامد الخاطري النعيمي قد أصدر ديوانه‬ ‫ىّ‬ ‫ويتأن عىل وجه الخصوص عند مفاهيم «الطريق» و»السوى»‬ ‫«ترانيم» يف العام ‪ 1994‬يع ّد رسالته للدكتوراه يف موضوع‬ ‫و»املكان والزمان» ليصل‪ ،‬مستعيناً بتلك املفاهيم إىل العالقة القامئة‬ ‫«قبائل الخليج العريب وأدبها الشعري يف مواجهة األطامع‬ ‫بني «الوقفة والفراغ»‬ ‫األجنبية»‬

‫‪12‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الشعر بوصفه معركة‬ ‫اجتماعية‬ ‫الكتاب‪ :‬يوتوبيا املدينة املثقفة‬ ‫املؤلفة‪ :‬خالدة سعيد (سوريا)‬ ‫النارش دار الساقي ‪ -‬بريوت‬

‫عدد الصفحات ‪ 328 :‬من القطع املتزسط‬

‫هذا الكتاب النقدي ‪ -‬الرسدي واالستعادي الجديد أهدته الكاتبة‬ ‫والناقدة العربية املعروفة خالدة سعيد إىل بريوت‪« :‬بريوت يف‬ ‫األزمنة كلّها‪.‬‬ ‫إالّ أ ّن كتابها يتناول بريوت يف حقبتها الذهبية‪ .‬بريوت ما بعد‬ ‫االستقالل وما قبل الحرب‪ .‬ففي تلك الفرتة بني العهدين برزت يف‬ ‫لبنان مؤسسات ثقافية طليعية أرادت أن تنهض به إىل مصاف‬ ‫البلدان املثالية يف ثقافتها وفكرها ومعرفتها‪.‬‬ ‫ومن هذه امل ُنشآت اختارت الكاتبة أن تدرس خمس مؤسسات‬ ‫رائدة يف لبنان رسمت يف مساراتها ما يُنظر إليه اليوم عىل أنّه‬ ‫«مرشوع املدينة املثقفة» وهي‪« :‬الندوة اللبنانية»‪« ،‬التج ّمع‬ ‫الفريوزي‪ -‬الرحباين»‪« ،‬مجلّة شعر»‪« ،‬مجلّة مواقف»‪« ،‬دار الفن‬ ‫أشجان وأحزان بن علي الوزير‬ ‫الديوان‪ :‬األعامل الشعرية‬ ‫الشاعر‪ :‬قاسم بن عيل الوزير (اليمن)‬ ‫النارش‪ :‬دار املناهل ‪ -‬صنعاء‬

‫عدد الصفحات‪ 400 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫يذهب الشاعر يف دواوينه الثالثة التي‬ ‫يتألف منها الكتاب مذهب التلقائية يف‬ ‫كتابته الشعر‪ ،‬فال تشعر وأنت تقرأ قصيدة‬ ‫من قصائده يف أي موضوع كان‪ ،‬بأنه‬ ‫يتكلف الصياغة أو التقاط املعنى‪ ،‬وإمنا‬ ‫تراه ينساق مع سجيته مسرتسالً كالنهر‬ ‫الذي يجري يف واد منبسط‬ ‫شديد االستواء‪ ،‬أو كأنه يكتب‪،‬‬ ‫أو مبعنى آخر‪ ،‬ينقل شعره من‬ ‫ألواح مرسومة أمامه بوضوح‬ ‫خال من التعقيد والغموض‪.‬‬

‫واألدب»‪.‬‬ ‫وت ُسلّط الكاتبة اللبنانية‪ ،‬من أصل سوري‪ ،‬الضوء عىل األدوار املختلفة‬ ‫التي لعبها املثقفون الكبار يف لبنان أمثال املطران جورج خرض‬ ‫وغسان كنفاين وأنيس الحاج وغريهم‪ .‬وتأيت دراستها‬ ‫ومحمود درويش ّ‬ ‫لهذه املؤسسات شاملة وعميقة لكونها عرفتها عن قرب ونشطت يف‬ ‫إطارها وكانت شاهدة عىل تجارب ثقافية تعود إىل أسامء كبرية عىل‬ ‫مدى خمسني عاماً تقريباً‪.‬‬ ‫إنه من ذلك النوع من الكتب التي تغري املرء بأكرث من قراءة وعىل‬ ‫أكرث من صعيد‪ .‬بحيث ميكن اعتباره تأريخاً ملرحلة تأسيسية يف مسرية‬ ‫عضوي‬ ‫الحداثة األدبية العربية‪ ،‬كام ميكن اعتباره شهادة من اسمٍ‬ ‫ٍّ‬ ‫يف تلك املسرية‪ ،‬إذ يضع بني أيدينا محتوى سمعنا عنه أو وقفنا عىل‬ ‫شذرات متفرقة منه ولكنه ال يرتك هذا املحتوى من دون تحليل أو‬ ‫نقد أو مراجعة‪ ،‬فلسنا حيال مادة أرشيفية بل وقائع قيد القراءة‬ ‫وإعادة النظر‪.‬‬ ‫ويبدو صحيحا أن خالدة سعيد رغم حامستها تدرك أن ما تتحدث عنه‬ ‫كان «يوتوبيا» بل مغامرة غري أن تلك املغامرة البريوتية الحاملة مل تنته‬ ‫إىل فشل كامل‪ .‬صحيح أنها مل تتمكن من رفع أعمدة «املدينة املثقفة»‬ ‫غري أنها تركت أثرا ال يمُ حى يف الثقافة والفن العربيني‪ ،‬خصوصا يف‬ ‫الشعر‪.‬‬

‫ولعل هذا يف رأي بعض النقد الصحيح‬ ‫هو الشعر الحقيقي الذي يخلو مام‬ ‫كان يشكو منه القدماء‪ ،‬وما يزال‬ ‫عيبي‬ ‫يشكو منه املعارصون تحت ْ‬ ‫«التوعر والتعقيد»‪ ،‬وهذان العيبان ال‬ ‫يرافقان الشاعر املوهوب بل الشاعر‬ ‫املتصنع الذي يظل يكد ذهنه إىل أن‬ ‫يصل إىل ما يع ّده معنى طريفاً أو‬ ‫جملة مثرية أو صورة بارعة‪ .‬ولعل‬ ‫أبرز ما مييز شعر قاسم الوزير ذلك‬ ‫الحزن الشفيف العميق الذي يكسو‬ ‫قصائده األقدم منها كتابة واألحدث‪،‬‬ ‫ويف املقدمة التي كتبها‬ ‫للديوان الدكتور راشد‬ ‫املبارك إشارة تقول‪« :‬ان‬ ‫أول ما يستوقف القارئ‬ ‫يف قصائد الشاعر هو‬

‫طابع الحزن الذي يرسبله شعره ألنه إىل الحزن‬ ‫صار ومن الحزن انبعث» وكأن الدكتور املبارك‬ ‫تحاىش الحديث عن أسباب ذلك الحزن الذي‬ ‫يعود إىل ما تج ّرعه الشاعر من مصاعب يف‬ ‫طفولته وشبابه‪ ،‬وما عاناه من السجن والبعد‬ ‫عن األهل والوطن‪ ،‬وكلها كافية لتجعل من‬ ‫شعره دموعاً تسيل عىل الورق بغزارة‪ ،‬وليس‬ ‫يف ذلك عيب‪ ،‬بل العيب أن يكبت املبدع‬ ‫مشاعره ويكابد الصمت وهو القادر عىل البوح‬ ‫واإلفضاء‪.‬‬ ‫وميكن القول يف هذا الصدد بأن قصائد الحزن‬ ‫يف الشعر العريب هي أجمل ما ينطوي عليه‬ ‫هذا الشعر من أشجان املبدعني وتأوهاتهم‪،‬‬ ‫وما استوعبته حياتهم من وحشة الطريق‬ ‫ومكابدة األحداث‪ .‬إنه حزن يستحرض يف صوره‬ ‫ومجازاته حزن اإلنسان إينام كان وحيثام‬ ‫يكون‪.‬‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪13‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫تمام ُمخبر ًا؟‬ ‫هل كان أبو ّ‬ ‫الكتاب‪ :‬صاحب الخرب يف الدولة اإلسالمية‬ ‫املؤلفان‪ :‬د‪ .‬محمد حسن النابودة (اإلمارات) ود‪.‬‬ ‫محمد عبد القادر خريسات (األردن)‬ ‫النارش‪ :‬مركز زايد للرتاث والتاريخ‬ ‫عدد الصفحات‪ 424 :‬صفحة من القطع الكبري‬

‫رمبا‬

‫يكون هذا الكتاب من أكرث الكتب غرابة وإثارة لإلدهاش‪،‬‬ ‫فهو ال يتناول املنجز الشعري أليب متام‪ ،‬الذي عاش يف عهد‬ ‫املعتصم وكتب عن انتصاراته عىل الروم قصيدته الشهرية ذات‬ ‫املطلع‪« :‬السيف أصدق انبا ًء من الكتب ‪ /‬يف ح ّده الح ُّد بني الج ّد‬ ‫واللعب»‪ ،‬وليس أيضا عن وجهة نظره النقدية يف الشعر‪ ،‬صاحب‬ ‫عبارة‪ :‬لِ َم ال تفهم ما يُقال» ردّا عىل‪ :‬لِ َم تقول ما ال يُفهم»‪.‬‬ ‫يرد يف الكتاب ما ييل‪“ :‬لقد كان من الطبيعي ويف ظل التنافس‬ ‫الشديد بني الخلفاء والعنارص التي سيطرت عىل الدولة العباسية‬ ‫أن يبقى لألجهزة االستخبارية مكانتها لتزويد الفئات املتصارعة‬ ‫باألحداث واملستجدات عىل الساحتني الداخلية والخارجية‪ ،‬ومن‬ ‫هنا نجد أن هذه العنارص أخذت تتفنن أكرث وأكرث يف اختيار‬ ‫املخربين وتدريبهم‪ ،‬فكان منهم النساء والخدم والتجار وال ّزراع‬ ‫والرعاة وال ّنساك والشحاذون والصبيان واملعلمون‪ .‬ويلحظ أيضاً‬ ‫أن هذه الفرتة متيزت بإسناد وظيفة صاحب الخرب إىل رجال لهم‬ ‫بالعلم واملعرفة‪ ،‬ال سيام العاملني يف حقل الجغرافيا والتاريخ وكبار‬ ‫الشعراء أمثال أيب متام”‪.‬‬ ‫أَبو تمَ ّام (‪ 231 - 188‬هـ ‪ 845 - 803 /‬م) هو حبيب بن أوس بن‬ ‫الحارث الطايئ‪ ،‬أحد أمراء البيان‪ ،‬ولد بجاسم (من قرى حوران‬ ‫بسورية) ورحل إىل مرص واستقدمه «املعتصم بالله» إىل بغداد‬

‫مواكبة متأخرة‬

‫الكتاب‪ :‬شعرية الرواية‬ ‫املؤلف‪ :‬فانسون جوف (فرنسا)‬ ‫املرتجم‪ :‬لحسن أحاممة (املغرب)‬ ‫النارش‪ :‬دار التكوين‬ ‫عدد الصفحات‪ 269 :‬صفحة من القطع‬ ‫املتوسط‬

‫‪14‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫فأجازه وقدمه عىل شعراء وقته فأقام يف العراق ثم ويل بريد‬ ‫املوصل فلم يتم سنتني حتى تويف بها‪ .‬كان أسمر‪ ،‬طويالً‪،‬‬ ‫فصيحاً‪ ،‬حلو الكالم‪ ،‬فيه متتمة يسرية‪ ،‬يحفظ أربعة عرش ألف‬ ‫أرجوزة من أراجيز العرب غري القصائد واملقاطيع‪ .‬ويف أخبار‬ ‫أيب متام «الصويل»للصويل‪« :‬أنه كان أجش الصوت يصطحب‬ ‫راوية له حسن الصوت فينشد شعره بني يدي الخلفاء‬ ‫واألمراء»‪ ،‬هكذا يوصف الرجل يف النقد العريب القديم أو يف‬ ‫املدريس منه عىل األقل‪.‬‬ ‫قبال وباختصار فصاحب الخرب هو تحديدا ما يطلق عليه‪،‬‬ ‫عربيا ويف أيامنا هذه باملخرب الذي يأيت بالخرب‪ ،‬ويف عهد‬ ‫العباسيني أصبح صاحب الخرب مهنة تحتاج إىل تدريب‬ ‫ومامرسة يك تصل إىل االحرتاف يف الوصول إىل مصادر الخرب‬ ‫والنقل عنها‪ ،‬بالتايل كان لزاما أن يكون صاحب الخرب عىل‬ ‫معرفة واطالع ومقدرة عىل تذويب شخصيته الحقيقية يف‬ ‫املجتمع وارتداء شخصية أخرى تعينه عىل عمله يف نقل‬ ‫أرسار العامة إىل الدولة‪ ،‬حيث كانت الفئات املستهدفة لدى‬ ‫الدولة هي الفئات املارقة من زنادقة ومشعيل فنت وحرائق‬ ‫يف واحدة من أهم امرباطوريتني كانتا تحكامن العامل القديم‬ ‫آنذاك‪ ،‬فضال عن أن الجواسيس كانوا من هذه الفئة أيضا‪.‬‬ ‫يرد يف الكتاب أن مهمة صاحب الربيد كانت وطيدة الصلة‬ ‫بصاحب الخرب‪ ،‬عىل نحو ميكن تشبيهه مبدير مخابرات‪ ،‬يف‬ ‫عرصنا الراهن‪ ،‬أو املسؤول االستخبارايت الذي يقوم بتصفية‬ ‫هذه التقارير وتصنيفها وتبويبها ثم استخالص نتائجها كلها‬ ‫للخليفة‪ .‬فإذا كان هذا األمر صحيحا أو معموال به يف عرص‬ ‫املعتصم‪ ،‬وهذا هو األرجح‪ ،‬فإن أبا متام‪ ،‬وهو مسيحي كام‬ ‫هو معروف‪ ،‬قد عمل مبرتبة مدير مخابرات منطقة املوصل‬ ‫يف عهد ذلك الرجل الذي استقدمه‪ ،‬هو تحديدا من مرص ثم‬ ‫أوكل إليه هذه املهمة‪.‬‬ ‫هو كتاب نقدي يسعى املرتجم من خالل تقدميه بالعربية إىل‪:‬‬ ‫«املساهمة يف تطوير املامرسة النقدية يف العامل العريب‪ ،‬التي مازالت‬ ‫متلكئة رغم كل الجهود املبذولة من طرف النقاد والباحثني واملرتجمني‬ ‫العرب»‪ .‬ولعل ذلك حسب قوله‪ ،‬يعود إىل “قلة الرتجمة بالقياس‬ ‫إىل ما يرتجم يف الغرب‪ ،‬واألمر هنا ال يتعلق بعدد الكتب النقدية أو‬ ‫املرتجمة يف كل سنة وحسب‪ ،‬وإمنا أيضا اشكالية عدم االطالع عىل‬ ‫منجز املدارس والتيارات النقدية التي تظهر يف الغرب‪ ،‬بحيث ال يصلنا‬ ‫منهج جديد أو مقاربة جديدة إال بعد اإلعالن عن موتهام أو يف حني‬ ‫هام يف الطريق إىل ذلك‪ .‬ويعدد املؤلف من مثل ذلك «التاريخانية‬


‫علي سفر ‪ ..‬الموت شغفا‬

‫غري أن املثري للغرابة والفضول هو اختيار املعتصم له ليشغل هذا‬ ‫املوقع الذي كانت مهامته األخرى خفيّة متاما عىل سائر اآلخرين‬ ‫من مثقفي ذلك العرص م َم ْن كانوا يلتئمون يف مجلس الخليفة‬ ‫العبايس من شعراء ونقّاد‪ .‬تُرى هل كان أبو متام عىل علم مسبق‬ ‫قبل عودته إىل بغداد بأنه سيشغل هذا املوقع؟ هل كان يعلم‬ ‫مبا ينبغي عليه القيام به من مهام؟ وما هي طبيعة هذه العالقة‬ ‫الرسية بني الرجلني؟ ثم هل يكون هو َم ْن أوصل إليه رصخة تلك‬ ‫املرأة العربية‪« :‬وامعتصامه» التي ما زال د ّوي صداها يرتدد يف‬ ‫أرجاء التاريخ العريب واالسالمي إىل اآلن؟ فيكتب أبو متام قصيدته‬ ‫الشهرية يف مديح املعتصم‪ ،‬وهل كان عىل ثقة بأنها ستجعل من‬ ‫الخليفة رجال خالدا يف التاريخ بوصفه حاكام شجاعا وشهام ونبيال‪،‬‬ ‫هزم الروم يف معركة فتح عمورية حتى غدا يف نظرنا‪ ،‬نحن أهل‬ ‫هذا الزمان أكرث الخلفاء العباسيني هيبة‪ ،‬كام وصفته كتب التاريخ‬ ‫الرسمي القديم أيضا؟‪.‬‬ ‫الكتاب ال يجيب عن أي من هذه األسئلة‪ ،‬لكن األكيد أن أبا متام‬ ‫قد شغل ذلك املوقع ورمبا يكون هو الذي قام بنقل الرصخة إىل‬ ‫املعتصم‪ ،‬لكن هل وقعت تلك الرصخة بالفعل؟ أم أنها كانت‬ ‫«فربكة» استخبارية لتربير فتح عمورية؟ خاصة وأن نوايا املعتصم‬ ‫حيال ذلك كانت واضحة‪ .‬لقد استقدم الرجل قبل ذلك منجمني‬ ‫أنبأوه بأن يف األنجم طالع نحس ونصحوه بإرجاء الفتح إىل وقت‬ ‫آخر‪ ،‬فري ّد أبو متام بعد ذلك النرص عىل الروم ويف مطلع قصيدته‪:‬‬ ‫«السيف أصدق انبا ًء من الكتب»‪.‬‬ ‫رمبا لو أطلق املرء ملخيلته العنان ألمكن له أن يصوغ رواية‬ ‫سينامئية تتكئ عىل «رسيّة» تاريخية هذه العالقة بني رجيل دولة‬ ‫أحدهام يرتدي إهاب شاعر يف الظاهر‪ ،‬غري أنه رجل مخابرات من‬ ‫طراز رفيع أيضا‪ ،‬أما اآلخر فهو رأس السلطة الذي ينترص للشاعر يف‬ ‫مجلسه ويستضيفه بعيدا عن أعني اآلخرين يف غرف أبوابها خف ّية‪،‬‬ ‫إن فُتحت قد ال يخرج منها َم ْن دخل‪.‬‬ ‫الجديدة‪ ،‬والنقد املاركيس الجديد‪ ،‬والنقد اإليكولوجي‪ ،‬وغريها من‬ ‫املناهج األكرث حداثة‪ ،‬علام بأن هناك بعضا من النقاد العرب الذي‬ ‫لفتوا االنتباه إليها‪ ،‬لكنها مل تلق مزيدا من االهتامم املطلوب‪ .‬فهل‬ ‫يعود األمر إىل تحفظ الباحث العريب إىل حني إثبات مصداقيتها‪،‬‬ ‫أم إىل غياب اسرتاتيجية تسمح بهذه املواكبة؟ أم إىل غياب سياسة‬ ‫ثقافية تويل هذا األمر ما يستحقه من عناية؟” ويتابع املرتجم‪:‬‬ ‫“لسنا من ذلك نبخس قيمة الفعل النقدي والرتجمي يف عاملنا‬ ‫العريب‪ ،‬وإمنا نتوخى التشديد عىل ترسيع وترية هذه املواكبة”‪.‬‬

‫الديوان‪ :‬طفل املدينة‬ ‫الشاعر‪ :‬عيل سفر (سوريا)‬ ‫النارش‪ :‬دار أزمنة للنرش والتوزيع‬

‫عدد الصفحات‪ 118 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫النص الذي يفتتح فيه سفر ديوانه يظهر متسكه يف فن‬ ‫الرسد ويجنح للقصة أو السرية ليقول ما يعتقد ان القصيدة‬ ‫رمبا لن تفلح يف قوله‪ ،‬ويعرتف بصعوبتها عىل الغالف‬ ‫الخلفي للديوان حني يقول‪« :‬أيتها القصائد املدالة‪ ..‬عىل‬ ‫أغصانٍ من شغف وموت‪ ..‬كم هو صعب قطافك‪ ..‬وكم‬ ‫أنت جارحة ومرة‪.»..‬‬ ‫الشاعر يف مقدمة مجموعته يؤكد أنها «رضورة البد منها»‪،‬‬ ‫وبعنوان «الطريق إىل املدرسة» يرسد َسفر قصة تك ّونه‬ ‫من سلسلة حاالت عىل صعيد املكان ـ يف تغري مكان‬ ‫مدرسته وتغري الطريق إليها‪ -‬وعىل صعيد األشخاص ـ يف‬ ‫موت أبيه‪ -‬فيظهر ممسكاً بالرسد ليس فقط عىل صعيد‬ ‫عنوان املجموعة أو مقدمة ديوانه بل بعنوان القصائد أيضا‬ ‫فيعنون مرة بـ«الحكاية» أو «رس العتبة»‪ ،‬ومرة بـ«فاصيل‬ ‫محذوفة» و«هوامش»‪.‬‬ ‫أصبح سفر مشغوفاً بفكرة املوت منذ فقدانه والده وهو‬ ‫ابن املدرسة االبتدائية وابن املدرسة الحياة‪ ،‬فصارت الجبال‬ ‫لديه جبال املوت‪ ،‬وتنكس األشجار رؤوسها كناية العزاء‪،‬‬ ‫وحتى جسده مل يعد‪ ،‬قلباً ينبض حياة أو رئتني تستنشقان‬ ‫هواء رطبا‪ ،‬بل بات حالة مؤقتة معرضة للفقد يف «الهباء»‬ ‫أو «يف محطة قطار»‪ ،‬ومل يعد يرى جسده غري «محموالً‬ ‫عىل سجادة الفقد»‪.‬‬ ‫صدر لعيل سفر سابقا‪ :‬بالغه املكان ‪ ،1994‬صمت ‪،1999‬‬ ‫يستودع اإلياب ‪ ،2000‬اصطياد الجملة الضالة ‪2004‬‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪15‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫مخيلة شعرية‬ ‫مجهولة المصدر‬

‫الكتاب‪ :‬خزانة الشعر السنسكريتي‬ ‫الشاعر‪ :‬مجموعة مؤلفني‬ ‫املرتجم‪ :‬عبد الوهاب أبو زيد (السعودية)‪ ،‬مراجعة‪:‬‬ ‫تحسني الخطيب (فلسطني)‬ ‫النارش‪ :‬مرشوع كلمة للرتجمة – هيئة السياحة والثقافة‪/‬‬ ‫أبو ظبي ‪2012‬‬ ‫عدد الصفحات‪ 444 :‬من القطع املتوسط‬

‫ترقى ترجمة الشعر السنسكريتي الكالسييك إىل االنجليزية إىل‬ ‫أكرث من مائتي عام‪ ،‬عندما أنجز أحد املرتجمني املرتبطني برشكة‬ ‫الهند الرشقية مقتطفات شعرية تتناول إحدى األساطري الشعبية‬ ‫الهندية مجهولة املؤلف ثم نرشها يف لندن لتعاد ترجمتها يف عدد‬ ‫من اللغات األوروبية الح ّية‪ ،‬وبالتايل لتستقر يف املخيلة الشعرية‬ ‫األوروبية بعدما أعيد ترجمة تلك األشعار كاملة تقريبا وقد‬ ‫أصبحت واحدة من مرجعيات ومصادر إلهام تلك املخيلة‪ ،‬أي بعد‬ ‫أن تأثر بها الكثري من الشعراء األوروبيني البارزين‪ ،‬وتحديدا شعراء‬ ‫تلك املرحلة الشعرية الرومانسية التي شملت خارطة الشعر‬ ‫األورويب بأكمله خاصة مع ترجمة العملني الكالسيكيني الرائعني‪:‬‬ ‫الرامايانا واملهابهاراتا اللتني عرفتا ترجامت عديدة يف مجمل‬ ‫الثقافات األوروبية‪ ،‬وبناء عىل ما توفرتا عليه من طاقة تخييلية‬ ‫عالية وأسئلة متس الوجود اإلنساين لجهة ارتباط الدين باملنطق‬ ‫الفلسفي واملنطق الشعري فضال عن ارتفاع مستوى الرسد والحوار‬ ‫فيهام فقد انتقل أثرهام إىل السينام واملرسح والرواية‪.‬‬ ‫وعرب هذه الفرتة التاريخية الطويلة من ترجمة الشعر الكالسييك‬ ‫السنسكريتي إىل االنجليزية وسواها فقد تشكل تاريخ ترجمي‬ ‫له من املريدين واملتتبعني الذين لفتوا االنتباه إىل أن خزانة‬ ‫بالفعل تضم هذا الشعر الكالسييك باتت موجودة اآلن يف املكتبة‬ ‫األوروبية‪ ،‬وتحديدا يف اللغة االنجليزية التي ُأخذ منها هذا الكتاب‬ ‫حامال يف عنوانه اسم املكتبة والشعر‪.‬‬ ‫هذا الكتاب هو أنطولوجيا‪ ،‬كام أنه نتاج صنيع فعل أنطولوجي‬ ‫دؤوب سواء يف لغته األصلية أم يف اللغة املنقول إليها وتغطي‬ ‫فرتة متتد قرابة ‪ 3000‬عام وتضم شعراء مجهولني من أزمنة بعيدة‬ ‫وآخرين حديثني وتأثر بها شعراء من ثقافات مختلفة من العامل‬ ‫من بينهم َمنْ حازوا جائزة نوبل مثل أوكتافيو باث الذي تأثر‬ ‫عميقا بالنصوص الهندية الكالسيكية وأعاد صياغة بعض أساطريها‬ ‫يف مقاربة شعرية راهنة وتتصل مبجتمعات أمريكا الجنوبية‪ ،‬وذلك‬ ‫‪16‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫بالطبع فضال عن شعراء هنود وأوروبيني أما عربيا فلم تصل‬ ‫كِسرَ من هذا الكتاب إال متأخرا‪.‬‬ ‫مثة غنى شعري ينطوي عليه الكتاب لجهة عالقة النصوص‬ ‫باألشكال وطبيعة استخدامها يف الحياة الهندية التقليدية‬ ‫القدمية‪ :‬الرتانيم والتعابري الصوفية والحوارات والرسديات‬ ‫امللحمية والقصائد الرتاجيدية واإليروتيكية باإلضافة إىل شعر‬ ‫البالط والشعر التعبدي الفلسفي‬

‫الراميانة ‪ ..‬ترجمة بروح‬ ‫نهضوية‬

‫الكتاب‪ :‬الراميانة ‪ -‬ملحمة معربة شعرا‬ ‫املؤلف‪ :‬الشاعر الهندي فاملييك‬ ‫املرتجم‪ :‬وديع البستاين‬ ‫النارش‪ :‬كلمة ‪ -‬هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة‬ ‫عدد الصفحات‪ 560 :‬صفحة من القطع املتوسط‬

‫هي ملحمة شعرية هندية مغرقة يف القدم ومكتوبة باللغة‬ ‫السنسكريتية‪ ،‬وتنتمي إىل املوروث الهندي املقدس وتنتسب‬ ‫إىل الشاعر الهندي فاملييك الذي يظهر يف امللحمة بوصفه‬ ‫احدى شخصياتها‪ ،‬معتقدا أن القصيدة هي من إنشاء عدد‬ ‫من الشعراء واملنشدين‪ ،‬لتكون يف النهاية ب��بياتها التي تبلغ‬ ‫‪ 24‬ألفا‪ ،‬من صناعة العقل الجمعي الهندي وتعبريا عن‬ ‫مخيال تلك األمة ومعتقداتها‪.‬‬ ‫هذه الرتجمة هي صيغة عربية نادرة أنجزها الشاعر وديع‬ ‫البستاين‪ ،‬فع ّرب «الراميانة» شعراً موزوناً ومق ّفى‪ ،‬جاع ًال‬ ‫إياها يف ما يقارب أربعة آالف بيت‪ .‬وكان البستاين وضع‬ ‫اللمسات األخرية عىل مخطوطته يف العرشين من آب عام‬ ‫‪ 1953‬ولكنه عوض أن يدفع بها إىل املطبعة خبأها يف‬ ‫أدراجه فرقدت طوال تلك األعوام‪ ،‬ولعل اكتشاف مخطوطة‬ ‫«الراميانة» املع ّربة‪ ،‬ونرشها بعد أكرث من نصف قرن عىل‬ ‫تعريبها‪ ،‬يعدّان حدثاً أدبياً وثقافياً معارصاً‪ ،‬وإن بدت‬ ‫صيغتها نهضوية الروح نظراً إىل «هوية» معربها الشعرية‬ ‫وانتامئه إىل املدرسة الكالسيكية الجديدة‬


‫«األجساد الوحيدة ال تقوى على الكتابة»‬

‫الشعر يجمع بين سويديات‬ ‫وفلسطينيات في ستوكهولم‬

‫انطلقت‬

‫فعاليات مقهى بغداد الثقايف يف العاصمة السويدية‬ ‫ستوكهومل يف الثامن والعرشين من شهر أب املايض‪،‬‬ ‫بأمسية شعرية شاركت فيها شاعرات من فلسطني والسويد‪ ،‬يف إطار‬ ‫مهرجان ثقايف يحمل العنوان‪« :‬األجساد الوحيدة ال تقوى عىل الكتابة»‬ ‫وأقامه املقهى بدعم من املعهد السويدي واألكادميية السويدية‪.‬‬ ‫وقالت مسؤولة املهرجان خلود الصغري للبيت‪« :‬إن دورة املهرجان لهذا‬ ‫العام انقسمت إىل ثالثة أجزاء‪ :‬يستضيف األول منه شعراء مكسيكيني‬ ‫والثاين شعراء من الصني‪ ،‬أما األخري فاستضاف شاعرات فلسطينيات»‪.‬‬ ‫وفيام يتصل بعنوان املهرجان «األجساد الوحيدة ال تقوى عىل الكتابة»‪،‬‬ ‫أوضحت أن «اقتباسه جاء من إحدى قصائد الشاعرة الفلسطينية‬ ‫سمية السويس»‪.‬‬

‫ندوة االفتتاح‬

‫ويف أوىل فعاليات املهرجان التي جرت يف رابطة الكتاب السويديني‪،‬‬ ‫بأمسية شعرية بعنوان‪« :‬الشعر الفلسطيني املعارص» تحدثت الشاعرة‬ ‫الفلسطينية مايا أبو الحيات عن الشعر الفلسطيني والرمز يف الشعر‬ ‫الفلسطيني ومراحل تطوره من الكالسيكية إىل التفعيلة فالشعر‬ ‫الحدايث‪ ،‬طارح ًة أمثلة لعدد من الشاعرات والشعراء الفلسطينيني من‬ ‫أمثال أيب سلمى‪ ،‬محمود درويش‪ ،‬سميح القاسم‪ ،‬غسان زقطان‪ ،‬مازن‬ ‫معروف وآخرين‪ ،‬كام شاركت يف الندوة الشاعرة الفلسطينية القادمة‬ ‫من قطاع غزة سمية السويس‪ ،‬ودار بعد الندوة حوارات مطولة باللغة‬ ‫اإلنجليزية‪ ،‬كام أدار الندوة الشاعرتان والناقدتان األدبيتان السويديتان‬ ‫«أثينا فاروقزاد» و «ينّي تيوين دال»‪.‬‬

‫أمسية الخلق واملقاومة‬

‫أيضاً‪ ،‬عقدت ندوة بعنوان «الخلق واملقاومة» تحدثت فيها الشاعرات‪:‬‬ ‫أسامء عزايزة‪ ،‬وباسمة تكروري‪ ،‬ومايا أبو الحيات‪ ،‬وخلصت الندوة‬ ‫إىل أن األدب الفلسطيني والشعر الذي يعترب جزء منه‪ ،‬ال ميكن فصله‬ ‫عن الواقع الفلسطيني اليومي املعاش هناك‪ ،‬وأدارت الندوة الشاعرة‬ ‫السويدية «إيدا بوريال» وخالل الجلسة أيضاً عُ رض فيلم تسجييل‬

‫للفنانة السويدية لينا سلندر عن فلسطني تناول موضوعة املقاومة‬ ‫وتم عرضه عىل عدة مراحل‪ ،‬وجرى بعد عرض الفيلم مناقشة مطولة‬ ‫حول تطور أدوات املقاومة لدى الشعب الفلسطيني‪ ،‬ومن ثم‬ ‫مناقشة دور أدب املقاومة من ناحية ودور الفن واألدب يف التحفيز‬ ‫والتحريض عىل فعل املقاومة اليومي‪ ،‬ليؤكد الفيلم عن أن املقاومة‬ ‫فعل مرشوع يؤكد حق اإلنسان يف الحياة الكرمية عىل أرضه‪.‬‬ ‫يف الثالثني من شهر أب‪ ،‬عقدت يف مبنى ‪ ABF‬يف ستوكهومل أيضاً‬ ‫حوارية ما بني الشاعر السويدي «يوهانس أنيورو» والشاعرة‬ ‫الفلسطينية سمية السويس بعنوان (غزة يف الصور والحقيقة)‬ ‫وناقشت الحوارية كيف يتناول األدب قطاع غزة مقارن ًة مبا هو يف‬ ‫الحقيقة‪ ،‬كام ناقشت أيضاً كتاب «حضارة بدون قوارب» ليوهانس‬ ‫أنيورو وكذلك كتاب سمية السويس «شبكة غزة» املرتجم مؤخراً للغة‬ ‫السويدية‪.‬‬ ‫ويف األول من سبتمرب استكملت فعاليات مقهى بغداد الثقايف يف‬ ‫مرسح مدينة أوبساال السويدية بأمسية شعرية فلسطينية سويدية‬ ‫شاركت فيها شاعرات سويديات وفلسطينيات‪ :‬داليا طه‪ ،‬سمية‬ ‫السويس‪ ،‬مايا أبو الحيات‪ ،‬وأسامء عزايزة‪ ،‬وباسمة تكروري‪ ،‬وآن‬ ‫هال سرتوم‪ ،‬وحنّا نوردنهوك‪ ،‬وحنّا هالغرين‪ ،‬ومتت قراءة القصائد‬ ‫باللغتني السويدية والعربية‪ ،‬كام رافق القراءات موسيقى املغنية‬ ‫السويدية «فريدة سبونغ» التي غنت باللغتني الربتغالية والسويدية‪،‬‬ ‫ثم انتقلت األمسية ذاتها إىل ستوكهومل يف مبنى البيت الثقايف وسط‬ ‫العاصمة ثم إىل ماملو وإىل يوتوبوري وهام ثاين أكرب مدينتني‪ ،‬وتلت‬ ‫القراءات الشعرية يف هذه املدن حوارات تناولت الشعر تحت‬ ‫االحتالل‪ ،‬وناقشت حول الشعر الفلسطيني املعارص ومراحل تطوره‬ ‫مع تطور القضية الفلسطينية‬ ‫مهند صالحات ‪ -‬ستوكهومل‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪17‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫ظبية خميس‬

‫صوت العزلة والهدأة‬

‫يف‬

‫واحدة من معانيها ميكن القول إن الحداثة يف الكثري من الوحل والطني‪.‬‬ ‫الشعر‪ ،‬واألدب إجامالً‪ ،‬هي كتابة الذات منزهة أليست «الذات» الشاعرة هنا هي التي ترى العامل؟‬ ‫أليست «ذاتاً» تصدر من موقف العزلة والهامش؟‬ ‫عن الغرض‪ ،‬أي املجانية يف رسد الذات شعرياً‪ ،‬باملعنى‬ ‫أيضاً أال تشري هذه االقتطاعة إىل أن الشخص السارد يف‬ ‫اإليجايب لكلمة مجانية‪ .‬كان الغرض الشعري يف النقد‬ ‫القصيدة هو مثقف أيضاً ولديه وجهة نظر يف العامل من‬ ‫الكالسييك العريب وموروثه واحدا ً من القوانني الصارمة‬ ‫حوله وما يجري فيه؟‬ ‫للقول الشعري الذي ينبغي عىل الشاعر أن يلتزم به‬ ‫إذا كانت اإلجابة بنعم‪ ،‬وهي كذلك بالتأكيد من وجهة‬ ‫ليكتمل قوس القصيدة من كل جوانبها‪.‬‬ ‫نظر كاتب هذه السطور‪ ،‬فإن ما جلبته حداثة ظبية‬ ‫إذا كان هذا املعنى للحداثة يقارب الصواب‪ ،‬فإن تجربة‬ ‫خميس الشعرية هو املبادرة والتأسيس لوعي قرايئ‪ ،‬ال‬ ‫الشاعرة ظبية خميس هي تجربة حداثية صافية‪ .‬يف‬ ‫شفوي‪ ،‬للشعر يف اإلمارات يف مرحلة مبكرة من حداثته‬ ‫السبعينيات من القرن املايض‪ ،‬أي يف مرحلة مبكرة من‬ ‫ترقى إىل منتصف السبعينيات من القرن املايض أو‬ ‫تجربتها الشعرية‪ ،‬يلحظ املرء يف شعر ظبية خميس أن‬ ‫«الذات»‪ ،‬مبا هي عليه من مك ّونات نفسية أنثوية وثقافية أواخرها عىل األكرث‪ .‬أي أن ظبية خميس‪ ،‬ورمبا عىل‬ ‫ومعرفية ومتفاعلة مع العامل واملحيط من حولها‪ ،‬هي ما نحو نادر عربياً‪ ،‬هي حصيلة وعيها وموقفها الشعري‬ ‫واإلنساين من املعرفة والعامل‪ ،‬يلحظ املرء هذا األمر يف‬ ‫ميكن أن يوصف بأنه مركز هذه الشعرية عىل األقل‪ ،‬إن‬ ‫مل يكن مصدرها أيضاً‪ .‬ما يعني أن ظبية خميس‪ ،‬رغم أنها سريتها الشعرية‪ ،‬مثة ‪ 17‬ديواناً شعرياً حتى اآلن وعدد‬ ‫وتربت ذائقتها يف مجتمع ذي ثقافة شفوية تسطو من الرتجامت النافرة عن االنجليزية لشعراء هامشيني‬ ‫نشأت‬ ‫ّ‬ ‫عىل إنتاج املعرفة والقيم الشعريتني‪ ،‬قد أسست لحداثتها من العامل ومن أمكنته الضيقة والحميمة وقصص ورواية‬ ‫«الحياة كام هي» أشبه بسريد ذاتية تقولها من وراء قناع‬ ‫الخاصة بوصفها شاعرة‪ .‬رمبا يفسرّ هذا األمر حضورها‬ ‫«مهرة بنت عبيد»‪ ،‬وذلك فضالً عن انشغال «ثقايف»‬ ‫يف «مجتمعات» شعرية وثقافية عربية متتاز بأن الثقافة‬ ‫بالسياسة‪ ،‬كل هذه التجربة املتفردة التي خاضتها ظبية‬ ‫أقل سطو ًة وحضورا ً‪.‬‬ ‫الشفوية فيه ّ‬ ‫خميس هي التي جعلت منها ما هي عليه اآلن هكذا‪ ،‬ما‬ ‫هكذا تكون ظبية خميس بح ّد ذاتها‪ ،‬بوصفها حصيلة‬ ‫شعرية وثقافية وإنسانية‪ ،‬نوعاً من التمرد الهادئ واألصيل يعني أن التمرد ها هنا ليس رغبة يف التمرد بل هو نتاج‬ ‫واملرن عىل مجمل القيم الشعرية يف مجتمع ال زال يقوم وعي خاص وفردي بالشعر ودوره يف املجتمع مثلام يف‬ ‫الحراك الثقايف بأقىص درجات جديته‪.‬‬ ‫بإنتاج نسبة كبرية من ثقافته شفوياً‪ .‬لنتأمل هنا هذه‬ ‫تقول ظبية حميس‪« :‬صفقت للنادل يك يجيء ‪ /‬وبدالً‬ ‫االقتطاعة من قصيدة معروفة للشاعرة «شجرة التني»‪:‬‬ ‫السيول‬ ‫رست ْه‪ / .‬بعد ذلك دخلت‬ ‫منه ‪ /‬جاء قطيع من األسود ‪ /‬يبحث عن رسب من‬ ‫جاء السد إىل الباب ‪ /‬فك َ‬ ‫‪ /‬سيالً ‪ ،‬سيالً ‪ /‬خلّفت الندوب وراءها ‪ /‬اجرتحت الطوب الظباء‪ / .‬ال تحتمل ‪ /‬املسألة كثرياً من ‪ /‬النقاش ‪ /‬بني‬ ‫والصخور ‪ /‬أخذت معها كائنات وبرش ‪ /‬وتركت وراءها‬ ‫أن تختار أن تكون ‪ /‬القاتل أو املقتول»‪.‬‬ ‫‪18‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الكتاب‪ :‬نحو األبد‬ ‫الشاعرة‪ :‬ظبية خميس (اإلمارات)‬ ‫النارش‪ :‬اتحاد كتّاب وأدباء اإلمارات‬ ‫عدد الصفحات‪ 130 :‬من القطع‬ ‫املتوسط‬

‫ال يتوغل شعر ظبية يف الغموض‪ ،‬بل إنه عىل العكس من‬ ‫ذلك يذهب إىل املعنى مبارشة غري أن «الحالة» الشعرية‬ ‫التي يرتكها عىل قارئه يف أفق التلقي هي التي من‬ ‫املمكن أن تتقلّب عىل أوجه التأويل‪ ،‬أي أن خل ّو الشعر‬ ‫من الغرض ‪ -‬املجانية ‪ -‬هو الذي يصنع هذه الحالة‬ ‫الحداثية بامتياز‪ .‬يبدو هذا األمر واحدا ً من االسرتاتيجيات‬ ‫التي أنتجها الوعي الشعري لظبية خميس‪ ،‬الذي بدوره‬ ‫يخترب الوعي القرايئ أيضاً‪ ،‬وهو وعي ُمد ّرب وال يخلو‬ ‫من «املكر» يف الحالني معا‪ :‬يف الكتابة ويف اختبار وعي‬ ‫القارئ‪.‬‬ ‫وال ينأى شعر ظبية خميس‪ ،‬إجامالً‪ ،‬عن الهاميش والعابر‪،‬‬ ‫بل واملتداول أيضاً‪ ،‬لكن هذا االقرتاب تقوم الشاعر‬ ‫بتوظيفه ليصبح حالة تأملية يف املصائر الفردية البرشية‬ ‫ومآالتها‪« :‬أجهل ما أصبو إليه ‪ /‬أحالمي ساذجة وبسيطة‬ ‫‪ /‬معقدة ومركبة ‪ /‬وأتخىل عنها مثل فراشة ‪ /‬كل ما‬ ‫المست النار – تحرتق»‪.‬‬ ‫و َم ْن يقرأ كتاب ظبية األخري «نحو األبد»‪ ،‬الصادر ضمن‬ ‫مرشوع مشرتك للنرش جمع وزارة الثقافة والشباب‬ ‫والتنمية املجتمعية واتحاد كُتاب أدباء اإلمارات‪ ،‬يدرك‬ ‫أن مصادر ظبية الشعرية‪ ،‬أو املؤثرات التي هبّت عىل‬ ‫تجربتها‪ ،‬هي ليست من صنيع ثقافتها العربية واالسالمية‬ ‫وكذلك الغربية الحديثة فحسب إمنا الثقافات املجاورة‬ ‫للقوس الثقايف والحضاري العريب واالسالمي‪ ،‬وخاصة‬ ‫الهندية لجهة ذلك املنحى التأميل الصويف القديم الذي‬ ‫يطبع مبيسمه الكثري من قصائد الديوان املقتضبة‬ ‫والقصرية‪« :‬أرسق حيايت من مويت ‪ /‬أرسق حريتي من‬ ‫بركان جالدي ‪ /‬مهزومة‪ ،‬وخائفة ‪ /‬مثل ورق خريف‬ ‫سقطت ولحقتها ‪ /‬شجرة بكامل مثارها التي ماتت ‪/‬‬

‫عليها»‪.‬‬ ‫ورمبا تكون لكتابة أغلب قصائد «نحو األبد» يف الهند‬ ‫وكربيات مدنها مثل دلهي ومومباي داللة عىل ذلك‪،‬‬ ‫��كن ظبية هنا تستفيد من تقنيات القول الشعري مثلام‬ ‫تستفيد من املشهد والفضاء من حولها‪ ،‬ورمبا تصرب كثريا ً‬ ‫يك تجرتعه وتهضمه ثم ليخرج يف آخر األمر من صوتها‬ ‫الفردي الخاص‪ ،‬ومن تجرتها الحياتية املخيضة وليست‬ ‫املتخيلة‪ ،‬وعرب مخيلتها الشعرية التي تقتصد بالنرث‪« :‬قل‬ ‫للغريب يف جوف أرضه ‪ /‬متوت بني غدين وبني زمنني‬ ‫‪ /‬وتأكلك األرض‪ ،‬وال تأكلها‪ / .‬أودعت الخزائن أرساري‬ ‫‪ /‬وأوسدت جثامين التابوت ‪ /‬وحني ختم الصمت عىل‬ ‫شفاهي املطبقة ‪ /‬ذهب الرس األكرب معي ‪ /‬تاركاً لهم‬ ‫أهداب خيوط تذوب ‪ /‬بني الدهور وبني كلامتهم‪ / .‬إ ّن يف‬ ‫مويت‪ ،‬موتهم ‪ /‬وإن يدفنوين باألمس ‪ /‬ال يدفنون يف مويت‪،‬‬ ‫موتهم»‪.‬‬ ‫صوت ظبية خميس «غريب»‪ ،‬أي هو شعر ميلء‬ ‫باإلحساس والغربة والعزلة وامليل إىل الصمت والهدأة‪،‬‬ ‫إىل حد أن هذا اإلحساس ينتقل إىل قارئ شعرها‪ ،‬فيجعله‬ ‫يشعر باإلحساس ذاته‪ ،‬لكنه أيضاً صوت دافئ رغم هذا‬ ‫الربد الذي يشعر به املرء أثناء حضوره يف أفق واحد‬ ‫للتلقي مع النص‪« :‬أتراها األمكنة ‪ /‬تلك التي نتوق‬

‫لالنعتاق منها ‪ /‬التي تتخذ طع ًام ما ‪ /‬يف حلوقنا فيام‬ ‫بعد ‪ /‬عندما نتذكرها ‪ /‬األمكنة تصنع أشواقنا‪ ،‬تكشف‬ ‫خبايانا ‪ /‬تعرفنا عىل من نحن بقرسيتنا ‪ /‬املفاجئة‪/ ،‬‬ ‫وميولنا التي مل نعرتف بها‪ / ،‬انتامءنا املحدد لألشياء‪،‬‬ ‫واألماكن‪ / ،‬واألصدقاء‪ / .‬بضاعتنا القدمية التي ُرد ّْت لنا‬ ‫عرب الرحيل»‬

‫جهاد هديب‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪19‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫عبد اهلل بشر‬

‫آالم تخلق شخوص ًا ومدن ًا‬ ‫الكتاب‪ :‬يف ذمة العشق‬ ‫الشاعر‪ :‬عبد الله برش (اإلمارات)‬ ‫النارش‪ :‬دارمرييت ‪ -‬القاهرة‬ ‫عدد الصفحات‪ 56 :‬من القطع املتوسط‬

‫عىل‬

‫امتداد أكرث من ثالثني عاماً كان الشاعر عبد‬ ‫الله برش م ِّقالً يف النرش‪ ،‬ورمبا يف الكتابة أيضاً‪.‬‬ ‫هكذا صدر الكتاب األول للشاعر‪ ،‬أخريا ً‪ ،‬وأيضاً بهذا ال َق ْدر‬ ‫من الصفحات كام لو أنها إطاللته الخجولة أو اليائسة‬ ‫باألحرى بحسب ما تشري إليه الكلامت التي أودعها يف‬ ‫منت قصائده بالنرث هذه‪.‬‬ ‫مل يقدم عبدالله برش نفسه يوماً عىل اعتبار أنه شاعر‪،‬‬ ‫ظل الرجل قليل الكالم عن الشعر لكنه‬ ‫حتى بني أصدقائه ّ‬ ‫كان يصغي للقصائد ويتقن قراءتها بعني أخرى؛ هي عني‬ ‫ثالثة بالتأكيد‪« :‬يا كل آالمي ‪ /‬أحسست ‪ /‬بيديك تتلمسني‬ ‫‪ /‬تشكلني ‪ /‬رغبة بأشيائك»‪.‬‬ ‫كتب عبد الله برش قصائده القليلة املنشورة يف الكتاب‬ ‫عىل امتداد مدن عربية كثرية‪ :‬أبوظبي والعني وعماّ ن‬ ‫وصنعاء والرباط والقاهرة‪ ،‬مثلام الهند وتايلند أيضاً‪ ،‬إمنا‬ ‫عرب مسافات زمنية متباعدة‪ ،‬مبعنى أن تلك التقلّبات عىل‬ ‫أوجه املدن هي أيضاً تقلّبات عىل أوجه التأويل‪ ،‬بحيث‬ ‫يشعر املرء بتلك التحوالت والتبدالت يف املعاين والدالالت‬ ‫أقرب إىل أن تكون وشاية باليشء واألمر ذاته الذي يطرأ‬ ‫عىل الشخص السارد يف القصيدة ‪ -‬أي الشاعر ذاته‪.‬‬ ‫يشعر قارئ هذه اإلضاممة القليلة من القصائد أن الشاعر‬ ‫نتاج تجربة مخيضة يتجىل فيها االحساس بالزمان واملكان‬ ‫معاً‪ ،‬مثلام أنها أيضاً «قراءة» خاصة لشخوص بأعينهم هم‬ ‫غالباً قد وشموا ذاكرة الشاعر بأثر ما يف مرحلة ما من‬ ‫تجربة الشاعر يف الحياة بكل تفاصيلها اإلنسانية‪ .‬هكذا‬ ‫من املمكن أن تتجاور األسامء وتلتقي يف قصيدة واحدة‬ ‫لييش كل منها بيشء خاص به أو بفهم شعري يجعل من‬ ‫هذه الشخوص‪ ،‬املتَ َح ِ‬ ‫دث عنها يف القصيدة‪ ،‬متجاورة‬

‫‪20‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫ومتقاربة‪ .‬هكذا يجتمع الشهيد عبد الله كاسني مع ناظم‬ ‫حكمت وعيل أبو الريش وحمدة خميس والشيخ وآمال‬ ‫بشريي وحصة عبد الله والشهيد أبو عيل مصطفى الذي‬ ‫يقول فيه‪ :‬تفسريك لـ«طري األبابيل ‪ /‬ذخريتنا ‪ /‬ورمادك ‪/‬‬ ‫يوقظنا ‪ /‬لن ُنهزَم»‪.‬‬ ‫بل ومع عبد الله برش ذاته‪ ،‬فاألمر هنا ليس فكرة فحسب‬ ‫إمنا هو مزيج الفكرة واإلحساس معاً‪ ،‬ونتاج النغامس‬ ‫حقيقي يف آالم هذه الشخوص إىل ح ّد أن املرء يحسب‬ ‫أنها هي عبد الله برش ذاته مبا هو عليه من تكوين‬ ‫نفيس ووجداين ومعريف‪ ،‬يقول الشاعر يف ذلك املقطع من‬ ‫القصيدة الذي يحمل العنوان‪« :‬عبد الله برش»‪:‬‬ ‫«النجوم… ‪ /‬يف مدينتك تتساقط ‪ /‬كل يوم ‪ /‬أنت البحر‪/‬‬ ‫فليرشبون‪.»..‬‬ ‫غري أن اللغة هنا‪ ،‬بوصفها جملة بُنى تركيبية ونحوية‪،‬‬ ‫متقشفة‪ ،‬واملعجم اللغوي لعبد الله برش يف قصائده‬ ‫محدودة كام لو أنه يف كل مدينة ويف شخص يتحدث‬ ‫عن أي منهام يعيد تأويل نفسه مبا هي عليه من خيبة‬ ‫وخذالن ورغبة مريرة يف االبتعاد والنأي‪ .‬أيضاً‪ ،‬ال عالمة‬ ‫ترقيم واحدة يف «يف ذمة العشق»؛ ال نقطة أو فاصلة‪،‬‬ ‫لذلك ينبغي عىل املرء أن يتوقف بعد قراءة كل سطر‪ .‬ما‬ ‫يعني أن املرء قد يدرك أمام هذه القصائد أن كتابة عبد‬ ‫الله برش ال تشبه إال عبد الله برش ذاته بكل ما فيه من‬ ‫خياالت وذائقة وتجربة وموقف من العامل ومام يحيط‬ ‫به سواء أكان شيئاً حيّاً أم جامدا ً‪ ،‬غري أن لكل يشء هنا‬ ‫تاريخاً ما خاصاً به‪ ،‬ال يُقال عىل ذمة الشخص السارد يف‬ ‫القصيدة بل يُقال «يف ذمة العشق» فحسب‬

‫بيت الشعر‬


‫عفا مايكل ويفر‬

‫أن تبدأ الكتابة كما للتو‬ ‫الكتاب‪ :‬كام الريح‬ ‫الشاعر‪ :‬عفا مايكل ويفر (الواليات املتحدة)‬ ‫النارش‪ :‬هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة ‪ -‬مرشوع كلمة‬ ‫املرتجم‪ :‬وصال العالق «العراق»‬ ‫عدد الصفحات‪ 135 :‬من القطع املتوسط‬

‫الكتاب‬

‫مختارات شعرية من منجز الشاعر‬ ‫األمرييك األفريقي عفا مايكل ويفر‬ ‫اجتهدت من خالله املرتجمة وصال العالق أن تقدم‬ ‫لقارئه بالعربية ما ميثل هذا الصنيع الشعري‪ ،‬خاصة وأن‬ ‫الشاعر غري معروف عربياً حتى عىل مستوى النخبة‪ ،‬عىل‬ ‫الرغم من مامرساته السياسية ومواقفه «الشعرية» وغري‬ ‫الشعرية‪.‬‬ ‫بدءا ً‪ ،‬وبحسب املختارات‪ ،‬فإن «سرية» هذا الشاعر هي‬ ‫سرية «الذات» الساردة يف القصيدة التي تقول الكثري من‬ ‫اإلشارات واللمحات واالقتطاعات يف اإليجاز والكثافة يف‬ ‫القول بل ويف تعا ٍل ليس عىل العابر بل عىل تلك التجارب‬ ‫اإلنسانية املخيضة التي يجعل منها أصحابها مالحم‬ ‫بطولية‪.‬‬ ‫غري أن القارئ يلمس أيضاً مقدرة هذا الشاعر عىل‬ ‫تحويل سريته بكل مضامينها الثقافية واإلنسانية إىل حالة‬ ‫من التفرد بكل ما تحمل البساطة من تعقيد‪ ،‬إمنا بروح‬ ‫شعرية ال تنأى كثريا ً عن املجموع‪ ،‬لكنها تعيد التأمل يف‬ ‫ذاتها الحقيقية فتغدو هذه «الذات» جانباً يسريا ً من‬ ‫حياة ثقافية وإنسانية مؤملة خاضها سود أمريكا خالل‬ ‫القرن العرشين تحديدا ً‪ ،‬وذلك من دون مواقف مسبقة‬ ‫أو ضغائن أو كراهيات متوارثة‪ ،‬وب َق ْدر رفيع من التأمل‪:‬‬ ‫«فـي أماكـن مظلمــة ُأريـ َد لهـا ْأن تفتقـر إىل األمان‪ / ،‬مثة‬ ‫وحوش ع ّلمتني الخوف‪ / ،‬لذا ينتابني الرعب من املرايا ‪/‬‬ ‫حتى هذه اللحظة»‪.‬‬ ‫إنها تأمالت تذهب إىل ما وراء ما جرى وتحاول أن تج ّرد‬ ‫الروح الفردية للتجربة اإلنسانية إىل خطوطها األوىل‪ ،‬عىل‬ ‫نحو ما كان يفعل االنطباعيون الفرنسيون أواخر القرن‬ ‫التاسع عرش‪ ،‬وذلك بابتعاد عن الخطاب الكيل الجاميل‬

‫والسيايس‪ ،‬وبالتايل الرتاجيدي للجامعة‪ ،‬غري أن خطاب الشاعر‬ ‫هنا هو خطاب الفرد‪ ،‬إذ يشعر بهزميته الخاصة أمام قدرية‬ ‫وكل ما ال را ّد له‪« :‬حني نالمس ‪ /‬خيبة الحياة‪ / ،‬يفيق‬ ‫القدر ِّ‬ ‫القدر‪ /‬من قيلولته ساعة الظهرية»‪.‬‬ ‫هو ليس بخطاب عدمي باملعنى املتعارف علية بل إنه مزيج‬ ‫اليأس بنوع من العتاب اإلنساين الذي يرفعه الفرد إىل خالقه‬ ‫يف لحظات عرس وشدة‪ .‬وتنتمي هذه القصيدة إىل أخريات‬ ‫الدواوين التي كتبها «عفا مايكل ويفر»‪ ،‬ويف املقابل‪ ،‬ويف‬ ‫الفرتة ذاتها وعىل النقيض من ذلك متاماً‪ ،‬يكتب الشاعر هذه‬ ‫القصيدة الجديرة بالحفظ عن ظهر قلب‪ُ :‬‬ ‫«خلق الخوف ‪ /‬عىل‬ ‫هيئة نقاب أزيل ‪ /‬من الدخان ‪ /‬ل ُيعمي ويضلل ‪ /‬عيونا مبرصة»‪.‬‬ ‫كانت هذه مقاطع تأملية من دواوين عفا مايكل ويفر‬ ‫األخرية‪ ،‬غري أن من املالحظ لقارئ «كام الريح» أن خيط‬ ‫التأمل الشعري بنزعته اإلنسانية كان قد بدأ مبكرا ً يف تجربته‪،‬‬ ‫إمنا متأثرة بعدد من شعراء ثالثينيات القرن املايض وتحديدا ً‬ ‫ما يعرف بشعراء هارمل ويقول‪« :‬اطلعت عىل تاريخ الشعراء‬ ‫األمريكان من أصل أفريقي باعتبارهم قدويت األوىل‪ .‬وقمت‬ ‫بتحديد لغتي الشعرية لتجمع بني أسلوب النجستون هيوز‬ ‫وجويند ولينربكس الحرضيني من جهة‪ ،‬وبني أسلوب ستريلنج‬ ‫براون املفعم بالصور والتشبيهات الجنوبية من جهة أخرى»‪.‬‬ ‫رمبا‪ ،‬من هنا نجد الكثري من األسامء من أصحاب العبقريات‬ ‫«السوداء» التي ظهرت يف القرن العرشين ترد يف القصائد من‬ ‫شعراء وشاعرات ومغني جاز وتفاصيل أخرى تخص الحياة‬ ‫اليومية يف معيشة سود أمريكا يف أحيائهم الفقرية‪ ،‬غري أن‬ ‫واحدة من أجمل القصائد يف تلك املرحلة هي «يشء رائع‬ ‫وبكل بساطة»‪ ،‬عن النجستون هيوز وآرنا بونتمبس‬

‫بيت الشعر‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪21‬‬


‫شعر وشعراء‬

‫عبد اهلل أبو شميس‬

‫بين الرومانسية والحداثة‬ ‫الكتاب‪ :‬الخطأ‬ ‫الشاعر‪ :‬عبد الله أبو شميس (األردن)‬ ‫النارش‪ :‬مؤسسة عبد املحسن القطان واألهلية للنرش‬ ‫عدد الصفحات‪ 79 :‬من القطع املتوسط‬

‫يصغي‬

‫عبد الله أبو شميس إىل النربة الخافتة يف‬ ‫التجربة العربية الشعرية املعارصة‪ ،‬إىل ما‬ ‫هو يومي ونرثي‪ ،‬واعرتايف‪ ،‬ومتطامن‪ ،‬وغري نبوي يف هذه‬ ‫التجربة‪ .‬ولهذا فإن ما هو ظاهر من تأثريات وتناصات يف‬ ‫مجموعته الشعرية «الخطأ» ال ينتمي مثالً إىل شعر محمود‬ ‫درويش ذي النربة املقاومة وامللحمية العالية‪ ،‬بل إىل ما هو‬ ‫شخيص ووجودي وحواري يف تجربة درويش؛ إىل األسئلة‬ ‫الحائرة التي ال تجد لها أجوبة يف شعره‪ ،‬أي إىل شعره األخري‬ ‫بدءا ً من «ملاذا تركت الحصان وحيدا ً»‪ ،‬مرورا ً بالـ«جدارية»‪،‬‬ ‫وانتهاء مبجموعتيه خفيضتي النربة‪ ،‬القريبتني يف تعبريهام‬ ‫من عوامل النرث‪« :‬حالة حصار» «‪ ،»2002‬و«ال تعتذر عام‬ ‫فعلت» «‪.»2004‬‬ ‫قريباً من هذا العامل األخري‪ ،‬الذي عمل محمود درويش عىل‬ ‫تكريسه خالل السنوات العرشين األخرية من عمره‪ ،‬ينسج‬ ‫عبد الله أبو شميس عامله الشعري‪ ،‬ويعمل عىل تغريب‬ ‫النربة الدرويشية الخافتة التي تبدو يف خلفية قصائده‪،‬‬ ‫بحيث يكون درويش حارضا ً يف شكل قصائده األخرية‬ ‫وهندستها‪ ،‬غائباً يف موضوعاته ورؤيته للعامل‪.‬‬ ‫يتأرجح شعر عبد الله أبو شميس‪ ،‬ككل شعر شاب‪ ،‬بني‬ ‫النربة الرومانسية الحاملة‪ ،‬واللغة الفردية املنطوية عىل‬ ‫ذاتها‪ ،‬والباحثة عن تفسري لوجودها يف عامل باهظ خانق‪،‬‬ ‫من جهة‪ ،‬والتعبري الشعري ذي النربة املحايدة الذي ال نعرث‬ ‫فيه عىل أي متجيد للذات الشعرية‪ ،‬أو تفخيم لدور الشاعر‬ ‫يف هذا العامل‪ .‬تغلب النربة األوىل عىل القصائد املكتوبة يف‬ ‫سن مبكرة‪ ،‬يف العرشين أو ما قبلها أو بعدها بقليل‪ ،‬حيث‬ ‫تسعى الذات الشعرية إىل التعبري عن أحزانها وإخفاقها يف‬ ‫فهم موضعها من هذا العامل‪:‬‬ ‫ً‬ ‫«ملاذا نحطم ‪ /‬ما جبلته يدانا؟ ‪ /‬وندعوه يف رسنا «خطأ» ‪/‬‬ ‫‪22‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫أين كان كالنا ‪ /‬عندما مل يكن خطأً؟ ‪ /‬وحني نحطمه ‪ /‬ما الذي‬ ‫سوف ينقذنا من رؤانا؟ ‪ /‬نحن أخطاؤنا ‪ /‬نحن أخطاؤنا‪/ ..‬‬ ‫والصواب سوانا»‪.‬‬ ‫تفيض بنا هذه الرغبة يف التخلص من حالة التقمص‪،‬‬ ‫ومتاهي الذات مع املقروء‪ ،‬أو املريئ‪ ،‬أو كل ما يشكل آخر‪،‬‬ ‫إىل رؤية للعامل تنظف الطبيعة من اللغة التي تسجنها يف‬ ‫شبكتها العنكبوتية‪ ،‬يف فائضها الذي يشكل حجاباً للطبيعة‬ ‫والذات واآلخرين‪ .‬وهذا نقض للرؤية الرومانسية للعامل رغم‬ ‫أن اللغة الشعرية هنا تنتمي إىل القاموس الرومانيس‪ .‬يف‬ ‫قصيدة «يف الصباح» محاولة الستعادة الطبيعة من براثن‬ ‫اللغة‪ ،‬للعودة بها إىل نقائها األصيل «املوهوم»‪ .‬وهذه رؤية‬ ‫رومانسية متأصلة لدى تيار واسع وجذري يف الرومانسية‬ ‫بأطيافها جميعاً‪ ،‬حيث يسعى الشاعر إىل معانقة الطبيعة‬ ‫العذراء التي مل متسسها لغة‪« :‬يف الصباح ‪ /‬يكون الهواء نق ّيا‬ ‫من الفائض اللغوي‪ / ،‬تضيق ثياب العبارة ‪ /‬ثم تضيق‪ / ...‬إىل‬ ‫أن تصري العبارة ‪ /‬ذبذبة ‪ /‬دومنا كلامت»‪.‬‬ ‫وينجح عبد الله أبو شميس يف كتابة هذا النوع من الشعر‬ ‫الذي يقيم معادالً موضوعياً لعواطف الشاعر ومشاعره‬ ‫الجوانية‪ ،‬بتعبري يت‪ .‬إس‪ .‬إليوت‪ ،‬عندما يقتبس من إليوت‬ ‫مبدالً حزيرانه بنيسان إليوت نفسه‪ .‬إن التناص الذي يقيمه‬ ‫الشاعر يف قصيدة «حزيران حزيران»‪ ،‬التي متزج بني حزيران‬ ‫االنقسام الفلسطيني وحزيران الهزمية العربية عام ‪،1967‬‬ ‫مع قصيدة إليوت الشهرية «األرض اليباب»‪ ،‬هو محاولة‬ ‫للتواصل مع الحداثة الشعرية يف انعطافة واضحة يتخىل‬ ‫فيها الشاعر عن رؤيته الرومانسية للعامل‪« :‬حزيران‬ ‫«أقىس الشهور» ‪ /‬أىت حام ًال يف يديه ‪ /‬رصاصا لحرب األخوة ‪/‬‬ ‫رزنامة من شواهد ‪ /‬وورداً كثرياً ألجل القبور»‬

‫فخري صالح‬


‫حياة الخياري‬

‫اقتياد العبارة باتجاه المجاز‬ ‫الكتاب‪ :‬حوار القرآن والشعر عند أحمد الشهاوي‬ ‫املؤلف‪ :‬د‪.‬حياة الخياري (تونس)‬ ‫النارش‪ :‬الدار املرصية اللبنانية للكتاب‪2012 ،‬‬ ‫عدد الصفحات‪ 200 :‬من القطع املتوسط‬

‫تنتقي‬

‫رض بديه ًة عند املفرسين والبالغيني‬ ‫الباحثة أدبيات الشاعر املرصي أحمد الشهاوي مل يتم مبعزل عن معيا ٍر حا ٍ‬ ‫ِم َج ّساً لحوار القرآين والشعري‪ ،‬نظرا ً إىل كثافة‬ ‫القدامى‪ ،‬هو املجاز الشعري‪ ،‬ما ّ‬ ‫يدل عىل أن املعجم القرآين مل‬ ‫الحضور القرآين يف هذه النصوص‪ ،‬إىل جانب ما واجهته من‬ ‫يكن مكتفياً بذاته‪ ،‬بل إن لغة القرآن مل ت ُف َهم مبعزل عن غريها‬ ‫جانب املعايري املوضوعية ومل من لغات العرب‪.‬‬ ‫جدل عقائدي ونقدي‪ ،‬كثريا ً منه َ‬ ‫كل تأويل رصفاً‬ ‫يرا ِع الخصوصية الرمزية امل ُ َميِّزة للكتابة األدبية عند الشهاوي‪ ،‬وبالبناء عىل قول الغزايل «يشبه أن يكون ُّ‬ ‫وهي التي يشرتك فيها مع غريه من مبدعني يَ ُع ّدون النص‬ ‫لِلَّفظ عن الحقيقة إىل املجاز‪ ،‬وكذلك تخصيص العموم ي ُر ّد‬ ‫تحتكره‬ ‫القرآين من ضمن املش َرتك الثقايف الذي ال يجوز أن‬ ‫اللّف َظ عن الحقيقة إىل املجاز»‪ ،‬فإ ّن أي عملية تأويل للمقال‬ ‫جامعة أو طائفة‪.‬‬ ‫القرآين بالعودة إىل املقام الشعري تتم بالتساوق مع عدو ٍل عن‬ ‫الباحثة إذ تؤكد عىل أن حوار القرآين والشعري ليس أمرا ً‬ ‫«الحقيقة»‪ ،‬واقتياد العبارة باتجاه «املجاز»‪.‬‬ ‫طارئاً عىل األدب العريب قدمياً وحديثاً‪ ،‬وإمنا ميتد إىل زمن‬ ‫ويف تتبعها ألسس الحوار القرآين والشعري يف أدبيات الشهاوي‪،‬‬ ‫نزول الوحي وبدايات تفسري النص القرآين‪ ،‬فإنها تلفت إىل‬ ‫ترى الخياري أن الشعر املعارص يحتاج إىل مامرسة لغوية‬ ‫أهمية التمييز بني مقومني يف ماهية القرآن‪ :‬العقائدي‪،‬‬ ‫هي أشبه بعملية «انزياح عن االنزياح»‪ ،‬بأن يوظّف األلفاظ‬ ‫واللغوي؛ ففي حني أن املاهية العقائدية مرتوكة للفقهاء‬ ‫والرتاكيب القرآنية‪ ،‬مع مفارقة ما علِ َق بها من دالالت ألغراض‬ ‫واملفرسين‪ ،‬فإن املاهية اللغوية تشكل مساحة مطروحة‬ ‫فنية إنشائية ت ُط ّوف يف فضاء رمزي‪ .‬يقول الشهاوي‪:‬‬ ‫لالستثامر اإلبداعي كتاب ًة وقراءة‪ ،‬باستنادها إىل ثراء املعجم‬ ‫«أك ُرب من ورد ٍة‪ /‬أك ُرب من حج ٍر َ‬ ‫شمس ‪/‬‬ ‫ثلج ٍ‬ ‫أزرق‪ /‬وأدفأ من ِ‬ ‫القرآين وتن ّوع مجازاته‪ ،‬وانطالقاً مام توفره املعطيات اإلنشائية‬ ‫خاتم ناد ٍر‪ /‬وأعىل من سورة خاصمتها السامء‪ /‬بيوتها ٌ‬ ‫لغة‬ ‫أك ُرب من ٍ‬ ‫يف النص القرآين من أريحية للتوالد الداليل‪« ،‬كلام انزاحت‬ ‫العبارة عن القرآن‪ ،‬واقْ ِتيدت باتجاه الشعر»‪ ،‬بحسب الخياري‪ .‬تعط ّلت املعاجم عن ّ‬ ‫رسها»‪.‬‬ ‫فك شفرة ّ‬ ‫ت ْدرس الخياري يف فصل مستقل اسرتاتيجية التناص مع الحرف‬ ‫لذلك فإن هذه الدراسة ال تتناول مكونات «النص» إال بقدر‬ ‫القرآين (تفتيق املخلوق من املعطى)‪ .‬فانطالقاً من أن اللغة‬ ‫قابليتها للتطويع األديب ضمن ظاهرة «التناص» القامئة أصالً‬ ‫ُ‬ ‫الحرف الشعري‬ ‫عىل مراعاة «املتناص»‪ ،‬والذي يمَ ْثُل وفق «جرار جينيت» ليس هي الرافد املشرتك بني الديني واألديب‪ ،‬يستقي‬ ‫ترسب يف الذاكرة الثقافية من سلطة‬ ‫يف النص ذاته‪ ،‬بل يف عمليات التواصل الكامنة يف رشوط إنتاج طاقتَ ُه اإلنجازية مام ّ‬ ‫الكلمة املقدسة‪ ،‬لينفتح حوار النصوص عىل مرصاعيه بني‬ ‫النص ورشوط تلقّيه‪ ..‬ما يجعل املقصد الفني يتق ّدم عىل‬ ‫املقصد الداليل‪ ،‬وهذا ما يدفع الباحثة إىل القول إن الغاية من إنجازات الحرف القرآين وإنجازات الحرف الشعري‪ .‬وتدرس‬ ‫الخياري «ملفوظني إنجازيني» احتفى بهام الشهاوي‪ ،‬هام‪:‬‬ ‫دراستها هي محاول إنتاج «ممكن» القراءات‪ ،‬وليس تأويل‬ ‫«كائن» النصوص‪.‬‬ ‫«كُن» الذي يجسد فعل الخلق)‪ ،‬و»حآء» (ويجسد فعل اإلحياء‬ ‫القريش‬ ‫زيد‬ ‫أبو‬ ‫به‬ ‫جاء‬ ‫مام‬ ‫االستشهادات‬ ‫من‬ ‫تسوق الباحثة‬ ‫والبعث)‬ ‫وأبو سالم الجمحي وسواهام لتُوضّ ح أن متث َُّل املجاز القرآين‬ ‫جعفر العقييل‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪23‬‬


‫شعر وشعراء‬ ‫سلطان الزغول‬

‫النص الشعري‬ ‫سلطة األب في‬ ‫ّ‬

‫الكتاب‪ :‬متثيالت األب يف الشعر العريب الحديث‬ ‫املؤلف‪ :‬سلطان الزغول (األردن)‬ ‫النارش‪ :‬عامل الكتب الحديث‪2012 ،‬‬ ‫عدد الصفحات‪ 300 :‬من القطع الكبري‬

‫تحاول‬

‫هذه الدراسة النفاذ إىل متثيالت األب يف‬ ‫القصيدة العربية الحديثة عىل اختالف توجهاتها‬ ‫وانتامءاتها الفكرية والفنية‪ ،‬وهي بذلك ال تف ّرق بني قصيدة‬ ‫حديثة أو حداثية أو حتى تقليدية ُكتبت يف العرص الحديث‪.‬‬ ‫يقرأ الباحث متثيالت األب يف القصيدة يف نحو مائة نص شعري‬ ‫لسبعة وعرشين شاعراً‪ ،‬الفتاً إىل ق ّلة حضور األب يف الشعر العريب‬ ‫الحديث بصورة عامة‪ ،‬وظهوره بشكل محدود عند بعض الشعراء‪،‬‬ ‫وتج ّليه وسطوعه يف نصوص بعضهم اآلخر‪.‬‬ ‫يتت ّبع الباحث رؤية الشاعر العريب إلشكالية األب املتداخلة يف‬ ‫عالقاتها ويف أبعادها النفسية واالجتامعية والسياسية وامتداداتها‬ ‫السلطوية التي تتجلىّ يف سطوة التقليد وهيمنة التاريخ‪ ،‬فالشعر‬ ‫كام هو معلوم من أكرث الفنون التعبريية قرباً من الذاتية وقدرة‬ ‫عىل تكثيف العامل‪ ،‬ما يجعله ميداناً خصباً لقراءة العامل الذي‬ ‫يضطرب يف ذات الشاعر ويتجلىّ يف القصيدة‪.‬‬ ‫يركز الزغول عىل تحليل نصوص يف الجوانب التي يتمثل فيها‬ ‫األب‪ ،‬وذلك دون مراجعة أو قراءات أو نقود سابقة كام يوضح‬ ‫َ‬ ‫والقرآن‬ ‫يف املقدمة‪ .‬بذلك اعتمد دواوين الشعراء مصاد َر أساسية‪،‬‬ ‫والكتاب املقدس مصد َرين رضور َّيني لتقصيّ تناصات‬ ‫الكريم‬ ‫َ‬ ‫الشعراء معهام‪ ،‬إىل جانب دراسات أخرى ‪.‬‬ ‫يذهب الباحث يف الفصل األول إىل تقصيّ تعبريات الشعراء‬ ‫الحديثني عن فقد األب و يقدم قراءة لنصوص ترى األب املفتقد‬ ‫يف إطار صورة القرية الضائعة‪ ،‬وتربط بني املكان واألب يف تعبريها‬ ‫عن إحساس الشاعر بالفقد قبل أن ينطلق من فكرة إحياء األب‬ ‫املفت َقد يف االبن واستمراره عربه‪ ،‬وهي التي تج ّلت بشكل خاص‬ ‫عند أحمد شوقي‪ .‬عالوة عىل ذلك تناول الباحث القصائد التي‬ ‫متس األسطورة وتتامهى معها ضمن‬ ‫قدمت األب عرب رؤية ّ‬ ‫املرجعية الخاصة بكل منها‪.‬‬ ‫‪24‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫ويحاول يف الفصل الثاين تحليل معاناة االبن من سلطة األب‬ ‫التقليدي‪ ،‬ومحاوالته التمرد عليها‪ ،‬باحثاً عرب مناذج شعرية‬ ‫متعددة‪ ،‬يف موقف الشاعر من سلطة التاريخ الراسخة يف‬ ‫مجتمعاتنا‪ .‬ويف هذا املضامر‪ ،‬تؤكد الرؤى الشعرية التي تعبرّ عن‬ ‫سلطة األب التقليدي أيَّ مدى َب َل َغ ُه تأثري هذه السلطة‪.‬‬ ‫أما تلك الرؤى التي رنت إىل األب التاريخي فهي توضح هيمنته‬ ‫وامتداداته املؤثرة يف الحارض‪ ،‬حتى كأن ُ‬ ‫حارض العريب يعيش يف‬ ‫َ‬ ‫التاريخ يستمر عربه يف الحارض‪.‬‬ ‫التاريخ‪ ،‬أو أن‬ ‫يتوقف الباحث طوي ًال يف فصل منفرد عند الشعر الفلسطيني‪،‬‬ ‫مختاراً ثالثة مناذج أساسية من هذا الشعر الغني بتمثالت األب‪،‬‬ ‫منطلقاً من قناعة ترى أن هذه النامذج تخترص مناذج كثرية‬ ‫أخرى تدور يف فلكها أو تكررها‪ .‬ويف هذا السياق يقرأ الباحث‬ ‫عرب القصيدة‪ ،‬صور َة محمد القييس الثابتة لألب الشهيد‪ ،‬ورؤيةَ‬ ‫عز الدين املنارصة املتميزة لألب يف سبيل الدفاع عن الهوية‬ ‫الثقافية والتاريخية لفلسطني‪ ،‬وتجرب َة محمود درويش التي‬ ‫تتوهج بتمثالت األب‪ ،‬وتتجدد عرب تاريخ الرصاع مع االحتالل‪،‬‬ ‫حتى لتكاد تكتب جميع فصوله شعرياً‪.‬‬ ‫وهو يخلص يف هذا املضامر إىل أن تأثري األب يف الشعر‬ ‫الفلسطيني كان محاولة ملواجهة «قدر خانق يحارص واقع‬ ‫اإلنسان ويحاول نفي وجوده من املكان»‪ ،‬إذ ارتبط متثيل‬ ‫األب الشهيد بالتصميم عىل البقاء واالعتزاز بالتضحية يف سبيل‬ ‫التمسك باألمل (القييس)‪ .‬أما متثيل األب الفالح املتمسك بحقه‬ ‫ّ‬ ‫يف أرضه‪ ،‬واملتصل باألب القديم «كنعان» فارتبط باإلميان بأهمية‬ ‫العودة إىل األرض وكتابة تاريخها الحق (املنارصة)‪ ،‬وهو ما يقارب‬ ‫ما جاء يف متثيل األب الالجئ أو الثائر عند درويش‬

‫هيا صالح‬


‫نصوص‬ ‫الفنان عالء بشري‬

‫محمد بنيس‬ ‫عمر شبانة‬ ‫آدم فتحي‬ ‫حسب الشيخ جعفر‬ ‫خزعل الماجدي‬ ‫هاشم شفيق‬ ‫دنيا ميخائيل‬

‫رنا جعفر ياسين‬ ‫مؤيد الراوي‬ ‫باسم المرعبي‬ ‫صالح حسن السيالوي‬ ‫علي محمود خضير‬ ‫نضال برقان‬ ‫أمينة ذيبان‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪25‬‬


‫نصوص‬

‫محمد بنيس‬

‫ف ّ‬ ‫خـاريّات‬ ‫د َُخـان‬

‫يف ّ‬ ‫فاس) يش ٌء َما‬ ‫الفخارين (أقصدُ َ‬ ‫يبدَأ‬ ‫لىَ‬ ‫س ْف ٌح ع طريق الرشقِ‬ ‫ي ْنبـثقُ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫السام َء‬ ‫الد َّخان وهْ ـ َو ُيلطخ ّ‬ ‫ني هُ نا‬ ‫ْ‬ ‫بالغسـل ِ‬ ‫َجزيرةٌ‬ ‫ال ت ْع ُ‬ ‫رف ْ‬ ‫هل‬ ‫ُصو َر ُتهَا يف د َ‬ ‫َاخلك‬ ‫أ ْو‬ ‫َخا ِرجكَ‬ ‫ج ْه ٌل يتكـثرّ ُ‬ ‫كام ل ْو لَ ْم ُيكنْ ّ‬ ‫لس َك عن َد‬ ‫قط ْأج َ‬ ‫عَت َبـت ِه‬ ‫ْ‬ ‫طريق الرشقِ ( َما م ْعنَى‬ ‫عَىل‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫الرشقِ ؟)‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫تنظ ُر إىل الدّخانِ‬ ‫منْ‬ ‫بعي ٍد كتلةٌ‬ ‫ٌ‬ ‫تقـتلع أ ُفـقاً‬ ‫ثابتة‬ ‫ُ‬ ‫منْ ُ‬ ‫جذور ِه‬

‫ت ْعج ُز عن ُمالحظت ِه‬ ‫منْ دونِ ج ْد َوى‬ ‫د َُخ ٌان ك ْي َف يل ْأن‬ ‫أقيس‬ ‫َ‬ ‫َما ُ‬ ‫جئت إل ْي ِه‬ ‫ُ‬ ‫أقدام‬ ‫بياض املقاب ِر ع ْن َد ِ‬ ‫ُ‬ ‫عن التـر ُّد ِد‬ ‫شـ ْوقٍ ال يك ُّف ِ‬ ‫ُكنْ منْ أزرَقِ‬ ‫إلىَ أزرَقٍ‬ ‫رمي ُة العـينْ ِ ُت ْهدي َ‬ ‫املجه ْ‬ ‫ُول‬ ‫لك ْ‬ ‫َما تــ َراه‬ ‫هُ نا أ ْت ُ‬ ‫رك العينْ َ‬ ‫َتسرْ ُح‬ ‫قطع منَ‬ ‫بينْ َ ِ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ني َأشكا ُلهَا تتك ّر ُر ي ْوماً‬ ‫الط ِ‬ ‫ب ْع َد ي ْو ْم‬ ‫واح‬ ‫أ ْل ٌ‬ ‫مص ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫فوفة‬ ‫مربعات ْ‬ ‫يف‬ ‫تستقب ُلهَا الش ْم ُس‬ ‫طوح ْ‬ ‫ُس ٍ‬

‫الطريق‬ ‫نح َو‬ ‫تتدفق املقاب ُر ْ‬ ‫ِ‬ ‫ثم الع ُني‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫سع‬ ‫تبحث عن حدَق ٍة أ ْو َ‬ ‫عنْ أز َر َق‬ ‫يف جزير ٍة كبرُ ْت مساح ُتهَا بأ ْم ٍر َما‬

‫‪26‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫تس ُ‬ ‫تقبل دالي ًة‬ ‫كماَ ْ‬ ‫منْ ورا ِء‬ ‫لس واضعاً‬ ‫الذي َي ْج ُ‬ ‫ْ‬ ‫بينْ َ يد ْي ِه أطباقاً ُ‬ ‫بالص ْم ْت‬ ‫تفيض ّ‬ ‫ط ٌني يتخ ّم ُر‬ ‫َ‬ ‫تلك ْأج ٌ‬ ‫فان ملَا س َيص ُري ْ‬ ‫تح َت بصرَ ِ‬ ‫ّ‬ ‫الفخاريِّ‬ ‫ثم يبدَأُ‬ ‫ق ْوساً ي ْك ُ‬ ‫تمل ّ‬ ‫دامئاً‬ ‫ذاك َر ُة الشرّ ْقِ ُمهـ ّد َد ٌة عل‬ ‫ُم ْستقـ َبلِ ْ‬ ‫األش َك ْال‬ ‫ٌ‬ ‫صفوف منَ ال ّرماديِّ‬ ‫ل ْو ٌن‬ ‫بالص َفا ِء‬ ‫سي ْك ُسوهَ ا ب ْع َد أ ّي ٍام ّ‬ ‫علىَ ال ّلسانِ‬ ‫ديح ألهْ لِ املَ ْ‬ ‫كان‬ ‫َم ٌ‬ ‫ُقـــ َبالتَك‬ ‫جسد ََك ُق ْر َب ُه‬ ‫َض ْع َ‬ ‫تن ّف ْس عميقاً‬ ‫حتّى ال ي ْب َقى َ‬ ‫الص ْم ِت‬ ‫منك غ ُري ّ‬ ‫هَ ا هُ َو ّ‬ ‫بانتظام‬ ‫الفخاريُّ‬ ‫ٍ‬ ‫ُيح ّر ُك القد َم‬ ‫يك يدُ و َر ْ‬ ‫سط ُح آل ٍة‬ ‫ِْ‬ ‫خشب ّي ٍة‬ ‫هم‬ ‫ور َثهَا عنْ ْأجدا ٍد ال ُتغاد ُر وجوهُ ُ‬ ‫ْ‬ ‫املكان‬ ‫ّ‬ ‫ْ‬ ‫قط ٌ‬ ‫ني‬ ‫عة من الط ِ‬ ‫ْفرج‬ ‫تن ُ‬ ‫تستوي‬ ‫ش ْيئاً فش ْيئاً ْ‬ ‫بحرك ِة اليد ْي ِن‬ ‫ف ْو َق ْأسطوان ٍة َ‬ ‫تنمو‬ ‫وض ُ‬ ‫دائر ُة ُ‬ ‫الغم ِ‬ ‫دور ًة ب ْع َد د ْور ٍة‬ ‫السـرو ِر‬ ‫إ ّن َك يف حضرْ ِة ُّ‬


‫الفنان قاسم عثامن‬

‫تَشرْ َ ُب منْ َمن َبـع َما ُيحـ ّر ُك أ ْع َضا َء َك ُيعو ُد قاعد ُة‬ ‫تضبطُ‬ ‫ٌ‬ ‫الزّوا َيا ْ‬ ‫بطيئة‬ ‫د ْور ُة ال ّالنهَاي ْة‬ ‫ُ‬ ‫ات عاج ٌز أ َنا‬ ‫نح َوهُ يدُ ال ّزوَّاقِ‬ ‫منذ م ّر ٍ‬ ‫َما تس ُري ْ‬ ‫ْ‬ ‫ّناس ِب‬ ‫عنْ عدّهَ ا‬ ‫نشو ُة الت ُ‬ ‫األصابع ر ّقةُ‬ ‫أنظ ُر إل ْي ِه صانعاً شـ ْك ًال‬ ‫ْلحنٌ ال ُتغاد ُرهُ‬ ‫ُ‬ ‫ال ُف َ‬ ‫رشا ْة‬ ‫منْ هُ نَا ول ْي َس منْ هُ نا‬ ‫ُ‬ ‫تبع ما ُيحيط ب ِه ال َو َفا ْء‬ ‫َت ُ‬ ‫الوج ُه مرآ ًة‬ ‫َجسدي ُغبا ٌر‬ ‫س َي ْبدُ و ْ‬ ‫ْ‬ ‫ذ ّرا ُت ُه‬ ‫ليش ٍء ال نرا ُه‬ ‫ْقسم إىل ن َع ٍم والَ‬ ‫ش ْك ٌل‬ ‫تن ُ‬ ‫ّ‬ ‫بينْ َ الظ ْه ِر وال َو ْج ِه‬ ‫وأ َنا ْأس ُأل‬ ‫ْ‬ ‫هل‬ ‫ا ْمتال ٌء‬ ‫ُ‬ ‫تح َت إبط ْي ِه‬ ‫غبت ع ْن ْه‬ ‫َي ُّ‬ ‫ضم الفر َاغ ْ‬ ‫َس ِاحـــــر‬ ‫فر ٌاغ‬ ‫ْ‬ ‫تب ال ّالم ْعنَى‬ ‫أنشأت‬ ‫ألجلِ َما‬ ‫ي ْك ُ‬ ‫ّ‬ ‫ثم النّا ُر يف ُفـ ْرنٍ ْ‬ ‫ُ‬ ‫عات ومنْ‬ ‫ـن منْ ُمر ّب ٍ‬ ‫حركة الي َد ْي ِ‬ ‫ْأشكالِ آنـي ٍة هُ نا ّ‬ ‫جســـد‬ ‫ْضج‬ ‫الفخا ُر َين ُ‬ ‫َ‬ ‫هب تزْدا ُد ا ْرتفاعاً‬ ‫مجهُوالً‬ ‫َ‬ ‫ذاك َما ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫يظل ْ‬ ‫عساليـج لهَذا ال ّل ِ‬ ‫يف ُد َوار ال ُفـ ْرنِ ُ‬ ‫يقف ٌ‬ ‫عامل ُير ّو ُض‬ ‫ما ٌء‬ ‫بثـاقات رسيع ٍة حتّى علىَ بشرَ ِة آني ٍة‬ ‫ال ّنري َان ساح ُر ا ْن‬ ‫ٍ‬ ‫ـب ّ‬ ‫عات منَ ّ‬ ‫الفخا ِر‬ ‫أ ْو ُمر ّب ٍ‬ ‫يتل ّه َ‬ ‫الفخا ُر يف ملْ ٍح منَ البصرَ ِ‬ ‫ُي ْف ُ‬ ‫ـرغ النّا َر يف غ ْو ٍر كأنمّ َا رعْـدٌ ته ّيأ ش ْك ٌل له َذا ال ّل ْونِ يف ْلحظ ٍة ع ْم َيا ْء‬ ‫ُ‬ ‫تستعيدُ‬ ‫منْ جبالٍ ُتحيط باملدينـ ِة َيأيت‬ ‫ب ْعدَهَ ا نري ٌان ْ‬ ‫أسرْ ا َر‬ ‫بينْ َ َّ‬ ‫َما يتبد ُّل (هُ َ‬ ‫الظهْــ ِر وال َو ْجــــه‬ ‫ناك منْ‬ ‫الحرار ِة) واقفاً علىَ ح ِّد‬ ‫يرت ّن ُم ال ّز َّو ُاق‬ ‫أ ْقصىَ َ‬ ‫بأ ْقوالٍ يتع ّذ ُر س ْم ُعهَا‬ ‫ال ّال ُو ُجو ِد ـ ال ُوجو ِد‬ ‫ابع ُفرشا ٌة منْقوع ٌَة‬ ‫خبي َء ال ُف ْرنِ‬ ‫بينْ َ َ‬ ‫األص ِ‬ ‫بينْ َ املا ِء ال ّل ْونِ ّ‬ ‫الفخا ِر النّا ِر‬ ‫يف َم ْحلولٍ منَ املعَادنِ‬ ‫َ‬ ‫قيل ُم ْعجـز ٌة‬ ‫ما ٌء‬ ‫َ‬ ‫سح ٌر‬ ‫ال َيب ُني ال ّل ْو ُن‬ ‫قيل ْ‬ ‫ُز ْخ ٌ‬ ‫َ‬ ‫رف‬ ‫قيل موا ُّد ب َد ْورهَ ا‬ ‫ت ْب ُ‬ ‫حث عنْ َجس ٍد ْ‬ ‫رج منَ املا ِء‬ ‫اقب ك ْي َف يدٌ تو ّزعُ با ْنتبا ٍه‬ ‫ُتر ُ‬ ‫سيخ ُ‬ ‫ب ْع َد ْ‬ ‫ْ‬ ‫قليل‬ ‫يس‬ ‫أضالعَ ش ْكلٍ هَ ن َد ٍّ‬

‫ا ْنبــ َثاق‬ ‫طل ُ‬ ‫منْ شرُ فت ِه ُي ّ‬ ‫أزرق‬ ‫ا ْن ٌ‬ ‫بثاق‬ ‫بياض ّ‬ ‫ألشكالٍ َي ْستضيفهَا ُ‬ ‫ْ‬ ‫الطال ِء‬ ‫ُموسيقى‬ ‫حس يف األ ْع َضا ِء دبي َبهَا‬ ‫ُت ُّ‬ ‫َ‬ ‫الص َ‬ ‫َي ُص ّف َ‬ ‫انات‬ ‫حون‬ ‫الج ّب ِ‬ ‫ون ُّ‬ ‫األطباق َ‬ ‫ف ْو َق طا ُول ٍة‬ ‫(ا ْن ُـظ ْر‬ ‫إىل ن ْه ٍر منَ‬ ‫ُ‬ ‫يجري)‬ ‫الخطوطِ ْ‬ ‫هُ نا‬ ‫ُ‬ ‫األزرق‬ ‫رتفع‬ ‫َي ُ‬ ‫با ّتجا ِه العينْ ِ‬ ‫يصعدُ‬ ‫ْ‬ ‫بياض‬ ‫ْ‬ ‫مح ُموالً عىل ٍ‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪27‬‬


‫نصوص‬

‫َما ُييض ُء‬ ‫مع َما يتألألُ‬ ‫َما ي ْل ُ‬ ‫يحتد ُم ع ْن َد النّظ ِر‬ ‫َما ْ‬ ‫إل‬ ‫َز َ‬ ‫خارف ك ّلهَا زرقا ْء‬ ‫ُ‬ ‫الاليش ُء يف ْ‬ ‫ْ‬ ‫اليش ِء‬ ‫يتضاعف‬ ‫تمُ ْ ُ‬ ‫سك َ‬ ‫الحرك ِة‬ ‫يدُك عن َ‬ ‫لسا ُن َك ي ْعص‬ ‫تلبس ا ُمل َ‬ ‫حال‬ ‫عينْ ٌ ُ‬ ‫تح َت دَالي ٍة‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫أزرق س ّيـدٌ منْ ن ْفسـ ِه‬ ‫يتل ّقى ّ‬ ‫الض ْو ْء‬ ‫ُل ْعبـــــة‬ ‫ٌ‬ ‫طريقة تت َوا َرى عن العـينْ ِ‬ ‫عندَما التّـزاويقُ‬ ‫الص ْح ِن تتجلىّ ُمع ّلق ًة‬ ‫وج ِه ّ‬ ‫ف ْو َق ْ‬ ‫يف ْ‬ ‫مشه ٍد‬ ‫تشتـدُّ نبضا ُت ُه‬ ‫أ َما َم منْ ين ُْظ ُر بدونِ‬ ‫َك ْ‬ ‫لامت‬ ‫ال ْ‬ ‫اويق‬ ‫تظه ُر يف التّـز ِ‬ ‫اويق‬ ‫غيرْ ُ التّـز ِ‬ ‫يش ُ‬ ‫ُّ‬ ‫أقل منْ ُسؤالٍ هَ ذا الذي ْ‬ ‫غل‬ ‫النّاظ َر‬ ‫إىل ُل ْعب ِة الزّوا َيا م ّر ًة تدْنو‬ ‫م ّر ًة‬ ‫َت ُ‬ ‫تح َت النّظ ِر ش ْيئاً‬ ‫رتك ْ‬ ‫ضيع‬ ‫َي ُ‬ ‫يف ال ّنهَا ِر‬ ‫ُ‬ ‫رصيح دائر ٌة ق ْل َب دائر ٍة‬ ‫أزرق‬ ‫ٌ‬ ‫للبياض ُيس ّل ُم خطاًّ‬ ‫ِ‬ ‫ُكوف ّياً‬ ‫‪28‬‬

‫بيت الشعر‬

‫هُ َو ْاس ُم املَدين ِة يت َوقدُ‬ ‫بينْ َ‬ ‫أصابع ال ّزوَّاقِ‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ُخطوط ُّ‬ ‫ٌ‬ ‫أغصان‬ ‫تلتف‬ ‫ُ‬ ‫تسيل ب ُب ْط ِء‬ ‫َش ْهو ٍة‬ ‫ُموسي َقى منَ ال َبعي ِد األ ْبع ِد‬ ‫عت ٌ‬ ‫َمة‬ ‫اكم ف ْو َق ج ْل ِد‬ ‫ترت ُ‬ ‫الح ْ‬ ‫روف‬ ‫ُ‬ ‫هَ ا ِمـــش‬

‫فاس‬ ‫ْ‬

‫صحنٌ‬ ‫ْ‬ ‫بقد ٍَم َصغري ٍة‬ ‫قص يف هَ وا ٍء هُ َو الب َي ُ‬ ‫اض‬ ‫ي ْر ُ‬ ‫نج ٌ‬ ‫مة‬ ‫ْ‬ ‫بح م ْركزاً م ْن ُه‬ ‫ملَا س ُي ْص ُ‬ ‫التماَ ُ‬ ‫ثل‬ ‫ُ‬ ‫السطو ِر‬ ‫ُيولَدُ بينْ َ ُّ‬ ‫ُأخ ّو ُة ال ّر َض ِاع‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫األزرق‬ ‫كذلك‬ ‫السام ِء‬ ‫ُيث ّب ُت كلماَ ِت ّ‬ ‫منْ جدي ْد‬ ‫لكنّ‬ ‫اله َ‬ ‫َامش ُمقا ُم‬ ‫ال َعينْ ِ‬ ‫(سام ُء الكلماَ ِت َت ْه ُج ُر امل ْركزَ)‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ْكرس السطو ُر خ ْل َف‬ ‫تن ُ‬ ‫زاوي ٍة منَ‬ ‫الكلماَ ِت‬ ‫د َوائ ُر صغري ٌة‬ ‫ُمن َع ُ‬ ‫رجات‬ ‫اعم ُه‬ ‫إ ْكليلٍ تفت َّح ْت َبر ُ‬ ‫يف‬ ‫ّ‬ ‫الض ْو ْء‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫َو ِصيــَــة‬ ‫و ْل ُيكنْ َما تشا ُء‬ ‫مـا ٌء فـي هَ وا ٍء‬ ‫يح ُضنُ ْاسرت ََاح َة املَا ْء‬ ‫هَ وا ٌء ْ‬ ‫ح ْكم ُة َ‬ ‫أزرق‬ ‫بح‬ ‫َي ْس ُ‬ ‫البح ُر‬ ‫أفق هُ َو ْ‬ ‫ا ْمتدَا ُد املا ِء يف ٍ‬ ‫ال ت ْكت ُْب س َوى‬ ‫الذي َشاهد َْت عنْ‬ ‫ُق ْر ٍب‬ ‫لك العينْ ُ الَ ِط ْفـهَا بقط ٍرْ‬ ‫َ‬ ‫منْ سرَ ير ِة‬ ‫َما ُتشاهدُ ل ْيلةُ‬ ‫َ‬ ‫أزرق‬ ‫ف ْو َق آني ٍة منَ ّ‬ ‫الفخا ٍر‬ ‫هُ َ‬ ‫ناك‬ ‫هُ نَا‬ ‫ً‬ ‫ْ‬ ‫طافت‬ ‫ّليج سكينة‬ ‫ين ُْشـ ُر الز ُ‬ ‫باملَكانِ أ ْن ِص ْت‬ ‫إىل األزرَقِ يرت ّن ُم فر ٌاغ‬ ‫تح َت ق ّب ٍة‬ ‫ْ‬ ‫َي ْص ُفو‬ ‫ُش َعاع ّياً‬ ‫ْمل‬ ‫فاس‬ ‫ُيغاد ِر األ ْن ْ‬ ‫أ ْز ُ‬ ‫رق فـــــاس‬ ‫ُ‬ ‫بأيٍّ منْ هُ َ‬ ‫ناك ستنظ ُر إلىَ األزرقِ‬ ‫الص ْحنَ أش ّع ًة ت َزاويقَ‬ ‫طافحاً ُيالز ُم ّ‬ ‫هي‬ ‫ٍ‬ ‫نباتات ه ّب ْت ٌ‬ ‫رياح عل ْي َك حرار ًة َ‬ ‫ُ‬ ‫ا ّتقا ُد َما ْمل تكنْ ُتد ُ‬ ‫ْرك ت ْكوي َن ُه‬ ‫ُ‬ ‫أزرق‬ ‫ُ‬ ‫َم ْع ُ‬ ‫دن الكو َب ْل ْت‬


‫الفنان قاسم عثامن‬

‫قد ٌ‬ ‫َامة أبعدُ منْ ن ْه ِر النّيلِ حافي َة‬ ‫فاس إ ّن َك الَ‬ ‫ْ‬ ‫جاءت إلىَ َ‬ ‫الق َدمينْ ِ‬ ‫أغصانٍ‬ ‫غصنٌ يف َ‬ ‫تدْري منْ أ ْينَ ْ‬ ‫ني خالصاً‬ ‫ُ‬ ‫يضيع س ّل ْم علىَ أزرقِ ّ‬ ‫الص ِ‬ ‫وأنت أي ُتهَا ا ُملوسي َقى ا ْنه ِمري ف ْو َق‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫البياض الهَوا ُء‬ ‫العطش‬ ‫هي‬ ‫أرض‬ ‫ٍ َ‬ ‫ال ُتع ّو ْل‬ ‫عىل ُمقا َرن ٍة‬ ‫ُ‬ ‫أزرق‬ ‫يزهُ و‬ ‫َ‬ ‫قاش َان‬ ‫ُس ْلطان َبا َد‬ ‫األ ْر ُض الزّرقا ُء‬ ‫البرُ تـ َغ ُال‬ ‫لك ّن ُه‬ ‫فـاس‬ ‫أز َر ُق ْ‬ ‫ُمشاهَ ــدَة‬ ‫ما د َ‬ ‫ُمت ُتشاهدُ‬

‫يف‬ ‫مسرْ ٍح‬ ‫َ‬ ‫أزرق واقفاً ُق ْر َب العينْ ِ‬ ‫ص ّفاً منَ األزرقِ‬ ‫أ ْو‬ ‫يج‬ ‫ِف ْر َشـ َة الز ّل ِ‬ ‫يف األزرَقِ ألأل ٌة‬ ‫خري ٌر‬ ‫ن َغ ٌـم‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫األزرق‬ ‫لك‬ ‫سع‬ ‫أ ْو ُ‬ ‫مساحت ِه‬ ‫منْ َ‬ ‫أ ْبعدُ‬ ‫األنفاس‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ���مع العينْ ِ‬ ‫صحرا َء ُ‬ ‫عطشهَا أ ْق َوى منَ األمَلِ‬ ‫يف ْ‬ ‫اليأس‬ ‫منَ ِ‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫كذلك العينْ ُ ُتشاهدُ‬ ‫األبيض يتح ّر ُك‬ ‫َ‬ ‫فوق قطع ٍة‬ ‫كتا ُب َ‬ ‫ـك القاد ُم‬ ‫الذي لنْ ْمتـأل ُه الكل َم ْ‬ ‫ـات‬ ‫لس َعـــة‬ ‫ْ‬ ‫زاهياً ُّ‬ ‫ُ‬ ‫األزرق‬ ‫يظل‬ ‫رافعاً قدم ْي ِه إىل هَ ـوا ٍء‬ ‫َي ْض ُ‬ ‫حك‬ ‫ا ْت َب ْع تد ّفقَ األزرقِ‬ ‫ُ‬ ‫ُتخو َم ُه املتقابل َة ْ‬ ‫تتضاعف‬ ‫الع‬ ‫بأض ٍ‬ ‫ّ‬ ‫خط ُه الكو َّيف‬ ‫يف أثنا ِء حرك ٍة أبد ّيـ ٍة‬ ‫حتّى‬ ‫ُ‬ ‫مجنونٍ‬ ‫ت ْلسعن َّك ر ْقصة ْ‬ ‫ُ‬ ‫سيك ُ‬ ‫ون ْ‬ ‫أنت‬

‫جسدٌ ْ‬ ‫َ‬ ‫جسدُك‬ ‫يطفـو‬ ‫فاس‬ ‫ف ْو َق ْأسـوار َ‬ ‫تبس ْت‬ ‫يد ُْخ ُل يف نشو ٍة ب ِه ا ْل َ‬ ‫الَ ج َرا َر هُ َ‬ ‫ناك‬ ‫َاح‬ ‫ال أ ْقد ْ‬ ‫دَواة‬ ‫ُ‬ ‫أزرق الدّاو ِة ض ْو ٌء‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫يعيش بينْ َ‬ ‫أصابعك حالَم‬ ‫ُ‬ ‫ألجل ِه‬ ‫ترتك ْ‬ ‫تب فارغاً‬ ‫َس ْط َح امل ْك ِ‬ ‫إ ّال منْ د ْف ٍرت ُ‬ ‫الص ْم ْت‬ ‫يحيط بهاويت ِه ّ‬ ‫ُ‬ ‫أزرق يرت ّن ُح‬ ‫َ‬ ‫منْ غيرْ ِ نأ َم ٍة ُ‬ ‫أزرق الدّوا ِة‬ ‫تشرْ ُب العينْ ُ ْأشكال ُه‬ ‫ل ْي ًال صباحاً‬ ‫ب ْع َد ظهري ٍة غسقاً‬ ‫يرقص‬ ‫ُ‬ ‫تحت ّ‬ ‫َ‬ ‫هي الالم ْعـنَى‬ ‫ظل د ْوح ٍة َ‬ ‫فخار ّي َ‬ ‫ّ‬ ‫صنعوا‬ ‫ون من ق ْب ُل ُ‬ ‫دَوا ًة‬ ‫ثم دَوا ًة‬ ‫ّ‬ ‫ات‬ ‫ثم ْأخر َي ٍ‬ ‫ب ْينهـنّ ف ْر ُق ما بينْ َ ي ٍد وي ٍد‬ ‫عينْ ٍ وعينْ ْ‬ ‫هذه الدّوا ُة‬ ‫أنظ ُر إىل قواريرهَ ا الثالث ِة‬ ‫القلم‬ ‫ي ْو َم ُ‬ ‫َ‬ ‫كان ف ْو َق َص ْل َصال ال ّل ْو ِح‬ ‫ّ‬ ‫كلامت كأ ّنها مذعور ٌة يف‬ ‫يخط‬ ‫ٍ‬ ‫وحدتهَا‬ ‫ْ‬ ‫عن َد ّ‬ ‫كل نظر ٍة‬ ‫وأسـقـي ِه‬ ‫أشـر ُب ُه ْ‬ ‫أز َر ُق الدّوا ْة‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪29‬‬


‫نصوص‬ ‫عمر شبانة‬ ‫عن نهايات بيت‬

‫وقرآ َنه‬ ‫والجدا ُر ُ‬ ‫ٌ‬ ‫مفتوحة للصبايا‬ ‫نوافذ‬ ‫و ُمشرْ َ ٌ‬ ‫الفسيح‬ ‫عة للهواء‬ ‫ْ‬

‫‪-1-‬‬

‫ْ‬ ‫للهالك‬ ‫درب قص ٍري‬ ‫َبيتُه يذهب يف ٍ‬ ‫َبيتُه صور ُته ِمن أ ّول العم ِر‬ ‫وباب يف الحيا ْة‬ ‫إىل آخر ُش ّباك ٍ‬ ‫‪-2-‬‬

‫البيت ُح ٌلم تن ّقل‬ ‫صور ُة ِ‬ ‫ما بني طفلٍ يط ُري‬ ‫َ‬ ‫وكهلٍ يقاوم صمت اإلضاء ِة‬ ‫يف غرفة النوم‪،‬‬ ‫ُح ٌلم يطري به ُح ُلم ُه‬ ‫كالفراشة يف وَهَ ج النار يوماً‬ ‫ويوما ُيرى يرتجل عن ُحلمه‬ ‫ْ‬ ‫املوات‬ ‫سائرا يف طريق‬ ‫هم مىض‬ ‫صور ُة البيت َو ٌ‬ ‫منذ أولِ أيامه يف حروب النهاي ِة‬ ‫منذ الطفول ُة كانت له‬ ‫روح النبي األخري‬ ‫ُغرفاً تتنفس َ‬

‫‪-3-‬‬

‫َبيتُه ٌ‬ ‫صوت من الضو ِء‬ ‫ْ‬ ‫الذكريات‬ ‫الذي َي ْسطع بني‬ ‫‪-4-‬‬

‫شب عرشين عاماً‬ ‫َبيتُه َّ‬ ‫مىض يف متاهت ِه‬ ‫زجاج َمنا َم ِته ُّ‬ ‫الهش‬ ‫وتكسرّ فيه ُ‬ ‫الرياح‬ ‫ه ّبت عليه‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫املستحيل‬ ‫وخاض حروبا إىل ُحلمه‬ ‫‪-5-‬‬

‫يف الثالث َ‬ ‫ني من عُ ْم ِر أزها ِر ِه‬ ‫بيت الفتى جسدا حائراً‬ ‫بات ُ‬ ‫َ‬ ‫َتت َّ‬ ‫َهشم جدرا ُنه َ‬ ‫وخزائنُه‬ ‫وض‬ ‫واألواين التي تتك َّوم يف َ‬ ‫الح ِ‬ ‫حتى ْ‬ ‫تشيخ‬ ‫الجدا ُر الذي يتش َّققُ‬

‫ٌ‬ ‫كهل يس ُري إىل حت ِف ِه‬ ‫َبيتُه هو أورا ُقه ودفات ُره‬ ‫يف الخزان ِة أو َ‬ ‫فوق طاول ِة األكلِ‬ ‫أو يف الرسي ِر‬ ‫كتاب يعود إىل‬ ‫وبني الكرايس هناك ٌ‬ ‫أصله‬ ‫ورقاً‪ ..‬شجراً مائال الصفرار الكهولِ‬ ‫كتاب الهوى حيث أوفيدُ ما بني‬ ‫ُ‬ ‫وعشق‬ ‫مسخ‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫وطن‬ ‫ُ‬ ‫كتاب الحنني إىل ٍ‬ ‫ُ‬ ‫الحروف بعزل ِت ِه‬ ‫مهيض‬ ‫وكتاب فنونٍ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫والغبا ِر‬ ‫كتاب املنازلِ بني املنايف ُ‬ ‫وغر َب ِتها‬ ‫ُ‬ ‫والرسي ُر الذي َّ‬ ‫الحب‬ ‫ظل يحتضن َّ‬ ‫عرشين عاما وصا َر مالذا لبعض‬ ‫َ‬ ‫درويش آخ َر‬ ‫قصائد لوركا وأشعار‬ ‫أيامه‪َ ..‬بيتُه قم ٌر‬ ‫َيتَح َّمل ِو ْز َر منا ِزلِ ِه صامتاً‬ ‫نجوم ُط َفيلي ٍة‬ ‫ومناز ُل ُه من ٍ‬ ‫ترضع الضو َء من دمه‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫انترثت‬ ‫ونجو ُم منازله‬ ‫العواصم‬ ‫يف فضاء‬ ‫ْ‬

‫الصمغ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫آدم فتحي‬ ‫العتم ُة ال تنهار بسهولة‪ .‬إ ّنها تزداد ق ّو ًة ُك ّلام وق َع ْت‬ ‫أرضا‪ ،‬كأ ّنها َت َ‬ ‫ً‬ ‫رض ُع أنها ًرا ماكر ًة ال ُترى بالعني املج ّردة‪.‬‬ ‫ء األمل‬ ‫غذا ُ‬ ‫ْ‬ ‫وعليك أن ُتل ِق َي بها دامئًا إىل حيث ال جذور‪.‬‬ ‫كفكفت دموعي‪ّ .‬مثة ً‬ ‫أيضا كائنات كثرية يجلبها ّ‬ ‫الضوء‪ٌ .‬‬ ‫ُ‬ ‫ذباب‪.‬‬ ‫الساحة العا ّمة‬ ‫بعوض‪ٌ .‬‬ ‫بعد أن احرتق أخي يف ّ‬ ‫اب من الحرشات السا ّمة‪.‬‬ ‫تجرح‬ ‫التّضحي ُة‬ ‫أرس ٌ‬ ‫مصباح وس ّكني‪ .‬وعىل اليد النّاجي ِة أن َ‬ ‫ٌ‬ ‫أقول لها هذا حري ِقي وليس َك ْع َك ًة‪ ،‬لكنّها ال تبايل‪ .‬ال‬ ‫العتم َة مبا اش َت َعل‪ ،‬يك ال يذهب الحريقُ هد ًرا‪.‬‬ ‫ُّ‬ ‫سأظل أميش ويف يدي النّار‪ُ .‬ك ّلام َح َك ْك ُت قدمي باألرض ترتك املغارات إ ّال إىل وليمة‪.‬‬ ‫لذلك تع ّل ُ‬ ‫سمعت ِغنا َء ال ّرمل‪َ ،‬خ َفتَت ّ‬ ‫ُ‬ ‫مت أن ال أتو ّقف عن امليش‪ .‬لن أضع من يدي‬ ‫الض ّج ُة الحيوان ّي ُة املنبعث ُة‬ ‫من تحت األقنعة والكماّ مات‪ّ ،‬‬ ‫املعشش ُة يف املسا ّم مثل هذه النّا َر حتى إمتام امله ّمة‪.‬‬ ‫‪30‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الفنانة سامية حلبي‬

‫‪-6-‬‬

‫يف حقيبت ِه كان قرآ ُنه‬ ‫ٌ‬ ‫الخالدات‪..‬‬ ‫وأناشيدُ ه‬ ‫ُ‬ ‫دعاءات َج َّد ِته‪:‬‬ ‫يف الرحيلِ بعودته‬ ‫ً‬ ‫يف السجونِ سطوعا لثورته‬ ‫لش َّلته‬ ‫يف املساج ِد نجام ِ‬ ‫يف ُطفول ِت ِه‬ ‫قمراً فاتناً كان‪..‬‬ ‫كانت له ٌ‬ ‫ْ‬ ‫نجمة للسهولِ‬ ‫وأخرى ُلعزلت ِه‬ ‫نجم ُة الطفلِ‬ ‫ْ‬ ‫كانت تقاتل يف السهلِ حينا‬

‫وحينا عىل حاف ِة الور ِد يف عني أنثى‬ ‫فيخرس َ‬ ‫خيط ُطفول ِت ِه‬ ‫ُ‬ ‫ويضيع الفتى‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫يترش ُد بني الخنادقِ‬ ‫واملنزلِ املتدثر باملوت يف الصلوات‬ ‫ُ‬ ‫ويغرق يف ضو ِء صور ِت ِه‬ ‫شمس املجاهد‬ ‫و َي ُ‬ ‫ضيع الفتى بني ِ‬ ‫(ذاك الذي ال يجاهد) يوما‬ ‫ونجم الفدا ِّيئ يوماً‬ ‫ِ‬ ‫و َي ْسطع ضو ُء الفدا ِّيئ يف ِض َّف ِة النه ِر‬ ‫طع ُ‬ ‫أيلول‬ ‫باملوت والليلِ‬ ‫ِ‬ ‫َي ْس ُ‬ ‫يسطع ُ‬ ‫موت الفتى بني إخو ِت ِه‬ ‫‪-7-‬‬

‫ني عاد الفتى ساحراً‬ ‫يف الثالث َ‬ ‫سحر ْت ُه ليايل قصيد ِت ِه‬ ‫يف الثالث َ‬ ‫ني عاد إىل التي ِه‬ ‫والتي ُه صحرا ُء متتدُّ ما بني رشقٍ‬ ‫وغرب‬ ‫ٍ‬ ‫روح ِه يف الخفاء ويف صمت ِه‬ ‫يس ُري إىل ِ‬ ‫ويس ُري إىل صوت ِه‬

‫صوت يقو ُد خطا ُه‬ ‫أيُّ‬ ‫ٍ‬ ‫فيميض إىل ليلِ حري ِت ِه‬ ‫لي ُل ُه الذئب ُة الهمجي ُة‬ ‫تقض ُم أ ّيا َمه ساع ًة‪ ..‬ساع ًة‬ ‫ِ‬ ‫لي ُله م ِل ٌك يرت ّب ُع يف بي ِت ِه‬ ‫لي ُله م ِل ٌك ٌ‬ ‫قاتل‬ ‫عرش غرب ِت ِه‬ ‫يرتبع يف ِ‬ ‫ومىض العم ُر‬ ‫يف األربع َ‬ ‫ني غدا العم ُر‬ ‫ثرثر ًة عن بدايات ِه‬ ‫وانقىض زمنُ من هبا ٍء وثرثر ٍة‬ ‫عن برود ِة أ ّيا ِم ِه‬ ‫وثقوبات جعبت ِه‬ ‫ِ‬ ‫هُ َو ذا‬ ‫ُ‬ ‫منذ خمس َ‬ ‫الوهم‬ ‫ني تأك ُل ُه ذئبة‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ترسق أحال َم ُه‬ ‫َ‬ ‫الكهل‬ ‫غري َّأن الفتى‬ ‫مييض إىل حرب ِه‬ ‫ليج ِّد َد صور َت ُه‬ ‫ويعو َد إىل بيته املته ِّد ْم‬

‫الفنان نارص املوىس‬

‫وكذلك إخويت النّسا ُء وال ّر ُ‬ ‫والصبي ُة ُم ْث َق ُلو الجيوب‬ ‫جال ِّ‬ ‫بهواتفهم وحواسيبهم املحمولة‪.‬‬ ‫وب وشج ُر الدّفىل لن يتو ّقف عن املشيْ ومن‬ ‫حتى الخ ّر ُ‬ ‫حولِه ْ‬ ‫النخ ُل والزيتون والربتقال وشج ُر الدّفىل‪.‬‬ ‫عىل ُك ٍّل أن مييش مبا يف يده من الحريق‪ .‬وأن ُيلقم‬ ‫رض ُع ُأختَها يف الج ّو‪.‬‬ ‫اآلخ َر أحال َم ُه مثل طائر ٍة ُت ِ‬ ‫وال يخيفنا أن نرى العتمة ّ‬ ‫تتمطى‪ .‬لن يخيفنا حتى أن‬ ‫نشعر أحيا ًنا بيش ٍء من اليأس‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫َق َد ُر ّ‬ ‫الخوف ما‬ ‫الض ْو ِء أن يجلب دامئًا البعوض‪ .‬وملاذا‬ ‫دام ُ‬ ‫يأس ُيغ ّذيه‪.‬‬ ‫نفس ُه يحتاج إىل ٍ‬ ‫األمل ُ‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪31‬‬


‫نصوص‬

‫حسب الشيخ جعفر‬ ‫التنقـُّالت‬ ‫‪-1-‬‬

‫ُ‬ ‫الحكيم عىل البساطِ ‪،‬‬ ‫سليامن‬ ‫أوىص‬ ‫ُ‬ ‫بامللك البساطُ‬ ‫فطا َر ِ‬ ‫ً‬ ‫تدب د ّبا أو‬ ‫فرأى الربي َة كالناملِ ُّ‬ ‫ُت ُ‬ ‫ساط‬ ‫يعلو عىل أكتا ِفها هَ َر ٌم‪،‬‬ ‫وتعنو َ‬ ‫تحت أرج ِلها الجبال‬ ‫ُ‬ ‫وتحوك أيديها أليديها السالسلَ‬ ‫والحبال‬ ‫فبىك وقال‪(:‬لِ َم العل ُّو وما أنا‬ ‫يف النملِ إال منلة ُ؟‬ ‫ُ‬ ‫فإىل الرثى بنا يابساط!)‬

‫‪-4-‬‬

‫أنا ُ‬ ‫خيط ِمسبح ٍة‪ ،‬وح َّبايت ْ‬ ‫انفرطنَ ‪،‬‬ ‫فج ّمعيها يافتاة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫الصبيان ُصفرة نظر ٍة‬ ‫َخر َزاً يقي‬ ‫وتعث ّـراً‬ ‫ودبيب أفعى‬ ‫َ‬ ‫وتخيرّ ي الزاهي لجي ِد ِك‪،‬‬ ‫وانرثي منها ال ُفتات‬ ‫َذهَ باً بأيدي (الالعبنيَ) الخائبنيَ‪،‬‬ ‫تص ّببوا عَرقاً‪،‬‬ ‫وما أنا يافتاة‬ ‫لعل آلخر غريي بها َك ْسباً‬ ‫منهم‪َّ ،‬‬ ‫ْ‬ ‫ونفعا!‬

‫‪-5-‬‬

‫‪-2-‬‬

‫‪-3-‬‬

‫أنا ُ‬ ‫(الريم) أسأل ُـها الرضا‬ ‫جئت حان‬ ‫ِ‬ ‫ساعاً‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وتأخذ ما تشاء!‬ ‫‪32‬‬

‫ُ‬ ‫وش ِغ ُ‬ ‫لت عنها بالكؤوس أَعُ ُّبها‪،‬‬ ‫وتع ُّب من كييس ومنِّي!‬ ‫ُ‬ ‫واحدودب الضو ُء األخ ُري وأطفأوه‬ ‫َ‬ ‫واغلقوا‪،‬‬ ‫وأنا ُأمنّي‬ ‫البصيص ال ُب ْلهُ‪،‬‬ ‫عيني‪ ...‬واستعىش‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫واغتنموا العشاء‬ ‫ُ‬ ‫الكوادن با ُملنى‬ ‫وخال الخل ّيون‬ ‫وخال املت ّي ُم بالتمني!‬

‫بيت الشعر‬

‫قد َّ‬ ‫زل (ذو ال َقرنني) يوماً‪ ،‬يف‬ ‫الطريق‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫بعظم بغلٍ فأستشاط وأرعدا‬ ‫ِ‬ ‫ودعَا اليه ّ‬ ‫بكل ب ّغال‪ ،‬وأنذ َر أن‬ ‫طيح‬ ‫ُي ْ‬ ‫برؤوسهم إن مل ُي َّ‬ ‫دل‪ :‬ملن هو ُ‬ ‫البغل‬ ‫النَطيح!‬ ‫فتشاوروا وتحاوروا‪،‬‬ ‫فبدا فتى منهم وقال فأسعدا‪:‬‬ ‫(هو ُ‬ ‫بغل ب ّغاليك ُط ّراً‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫فأعف أو فأبدأ برأيس يا ُمطيح!)‬ ‫ثلوجها الصيفي ِة‬ ‫صنعا ُء تحت ِ‬ ‫َ‬ ‫ات‬ ‫الخ ِفر ِ‬ ‫تصحو أو تنام‬ ‫مني السالم!‬ ‫َ‬ ‫أرخى املَ ُ‬ ‫(األيك)‬ ‫الصحاب‬ ‫قيل عىل ِ‬ ‫الصحاب‪...‬‬ ‫فأقرتح ِ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫فأذا ْ‬ ‫وأنزلت‬ ‫انثنت (أ َمة العليم)‬ ‫يدُ ها النقاب‬ ‫فع َّ‬ ‫يل من أردا ِنها أ َر ٌج‪ ،‬ومن ف ِمها‬ ‫ابتسام‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫‪-6-‬‬

‫ُ‬ ‫للملك الحديديَّ املص ّف ِح يف‬ ‫ألقيت‬ ‫ِ‬ ‫الكنيسه‬ ‫ِقرشاً ّ‬ ‫فرن القرش يف املبنى‪،‬‬ ‫ويف ُ‬ ‫الطرقات‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫والتطمت به مل َء املقاهي‬ ‫(الطاس)‬ ‫ُ‬ ‫تقرعُ ها أ ُك ُّف الضاربني‬ ‫املرشب القاين استدا َر‬ ‫وعىل ُخوان‬ ‫ِ‬ ‫فدا َر دور ُته الكبيسه!‬ ‫ُ‬ ‫فسللت منه رنين ُه الخاوي‪،‬‬ ‫َ‬ ‫امللوك الغاربني‬ ‫أت ّو ُج بالتامعَته‬ ‫املرشب القاين‬ ‫وعىل ُخوانِ‬ ‫ِ‬ ‫تدُ ُّق به أ ُك ُّف الشاربني!‬ ‫ُ‬ ‫تتوامض ال ُذرى‬ ‫بعيد ًا‬

‫قصتي أن تنتهي‬ ‫وهكذا أوشكت ّ‬ ‫قبل أن تبدأ‪ ،‬غري أنها قد تبدأ‪ُ،‬‬ ‫َ‬ ‫أحياناً‪ ،‬من جديد‪ ،‬بنظر ٍة من هنا أو‬ ‫نظر ٍة من هناك‪.‬‬ ‫اىل أنيس الحاج‬ ‫أنا َ‬ ‫مثلك ُ‬ ‫الصبي الغرير‬ ‫كنت‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ارتكاض الضفائ ِر‬ ‫أتل ّم ُس منها‬ ‫محلولة ً‪ُ ،‬مرسله‬ ‫و(الرسولة ُ) فالحة ٌ مثِله‬ ‫ٌ‬ ‫طامث‬ ‫اقص مبت ّل ٌة‪،‬‬ ‫يف املر ِ‬ ‫يف الهزيع األخري!‬ ‫اىل شاريل شابلن‬ ‫َض ِحكاً أسودا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫تضحك‬ ‫فاألرض‬ ‫تضحك‪،‬‬ ‫كنت‬ ‫َ‬ ‫ابتهاج مرير‪..‬‬ ‫ضحك‬ ‫ٍ‬


‫كلب شدي ٍد‪ ،‬رضير‬ ‫أيّ ٍ‬ ‫قد ُ‬ ‫يؤرق بالصيح ِة (املنتدى)؟‬ ‫اىل بتهوفن‬ ‫أفق َر الفقرا ِء عىل األرض َ‬ ‫كنت‬ ‫بحل ّـ َ‬ ‫تك الحائله‬ ‫ُ‬ ‫وهي (قطر الندى)‬ ‫الربق اليتخيرّ ُ غري ُ‬ ‫إمنا ُ‬ ‫الذرى الطائله‬ ‫(عاصفاً‪ُ ،‬مرعداً)!‬ ‫اىل موزارت‬ ‫ضاحكاً ضحك َة الطفلِ أم ساخرا؟‬ ‫َ‬ ‫ابتياعك ِعب َء الطامطم؟‬ ‫يف‬ ‫و(الداعره)‬ ‫تتخ ّب ُط الهث ًة‪ ،‬سادره‪..‬‬ ‫أو مل تلقَ ُمحتطباً آخرا؟‬

‫اىل أيب الفتح الخ ّيام‬ ‫ُ‬ ‫ياشيخ‪ ،‬تغدو‪ ،‬تروح‬ ‫ارص‪،‬‬ ‫الرص ُ‬ ‫غ َري آبه ٍة يل ُمغاظاً‪ ،‬عىل كأسه‬ ‫حانيا‪..‬‬ ‫ُك ّل ما َ‬ ‫قلت رغو ُة شمبانيا‬ ‫قد تط ُري بنا برهة ً‬ ‫طاح بها من أعايل الرصوح!‬ ‫و ُي ُ‬

‫الرقصة األخيرة لصانع‬ ‫األساطير‬

‫كان من الصعب استدراج حيايت إىل‬ ‫هذا املغطس‬ ‫فقد كانت ناحلة وصفراء‬ ‫وال حدود لشقوقها‬ ‫لن أمنع رحالت السيوف إىل‬ ‫أعامقي‬ ‫لكني سأرقبها وهي تغور هناك‬ ‫رمادي ًة مثل الخريف‬ ‫حيث التيار الواهن يالحقها‬ ‫وحيث العمر يك ِّوم ألواحاً منسي ًة‬ ‫باتجاه السامء‪،‬‬ ‫هناك‪ ..‬هناك‬ ‫حيث تدور النسور‬ ‫ويرتفع صوت النحيب‬ ‫شعرك السوداء‬ ‫انظري حلقات‬ ‫ِ‬ ‫وهي تنزل عىل‬ ‫وصدرك مثل الخواتم‬ ‫رقبتك‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫وأعرف أن طريقي الوحيد هو هذا‬ ‫ُ‬ ‫الربيع أك َرث‬ ‫حاولت أن افهم‬ ‫هنا‪..‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫عطرك‬ ‫وتهت يف دخان‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وملست الندى‬ ‫شممت الكحول‬ ‫هنا‬ ‫اشك‬ ‫العودة إىل فر ِ‬ ‫أعمدتك‬ ‫والنوم بني‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫أغلقت رايس‬ ‫ُ‬ ‫وعرثت عىل حلمي الشاسع‬ ‫لكني لن أرقد يف سالم‬ ‫فرحالت السيوف ما زالت طائش ًة‬ ‫يف أعامقي‬

‫تفصيل‪ :‬شاكر حسن آل سعيد‬

‫اىل بلند الحيدري‬ ‫تحت آخر ُس ّل ِم قبو ظريف‬ ‫املغرب)‬ ‫باسم بغدا َد يف‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫(مرقص ِ‬ ‫َ‬ ‫وجهك مقرتحاً‬ ‫قد ُأ ُ‬ ‫صادف‬ ‫أو ُمطيف‪..‬‬ ‫ثوبك‬ ‫نافضاً ُ(غرب َة الخطو) عن ِ‬ ‫املرتب!‬ ‫ِ‬

‫خزعل املاجدي‬

‫والنسور‪ ..‬النسور‬ ‫هناك تدور يف األعايل‪.‬‬ ‫***‬ ‫الرمل املهجور‬ ‫أقدامك‬ ‫حيث كانت آثار‬ ‫ِ‬ ‫جسدك الساخن‬ ‫وشكل‬ ‫ِ‬ ‫كام يف عني الحوت‬ ‫حيث شهوات الصلصال‬ ‫كام الجنون يدفعنا مع التنني نحو‬ ‫املوت‬ ‫املعاين ال تتواصل فينا‬ ‫تلك أيامنا املهملة يف الرمال مثل‬ ‫قدميك‬ ‫آثار‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫إليك‬ ‫فاض يب حنني ِ‬ ‫وفاض معي العطر األسود وغالالت‬ ‫الربيع‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪33‬‬


‫نصوص‬ ‫تفصيل‪ :‬شاكر حسن آل سعيد‬

‫ماذا يكون ع ّ‬ ‫يل أن أ ّتقيه‬ ‫الجامل أم الخمر منتق ًال يف عروق‬ ‫األغاين‬ ‫غبار عىل وحديت‬ ‫لكنها تخدعني بالذكريات‬ ‫زهر ٌة يف يدي تتذك ُر‬ ‫وقريب نه ٌر‬ ‫ال مراكب فيه لكنه مح ّمل‬ ‫باألخشاب القدمية‬ ‫ماذا يكون ع ّ‬ ‫يل أن أ ّتقي‬ ‫حدقة الذئب تالحقني‬ ‫وأنا يف رشود وحزنٍ‬ ‫قدميك‬ ‫حيث آثار‬ ‫ِ‬ ‫جسدك يتالطم يفَّ‬ ‫وحيث‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ومتوت البذور ويجف النبيذ يف‬ ‫الكؤوس‬ ‫وحيث ينطفيء الحجر‬ ‫هنا أسفل اللوح أو عىل النهر‬ ‫أو يف حدقة الذئب‬ ‫وهناك يف أعامقي‬ ‫تغطس‬ ‫مازالت السيوف‬ ‫ُ‬ ‫والنسور تدور يف األعايل‬ ‫***‬ ‫طائر النيزك يرضب قلبي‬ ‫ويقتحم عربتي‬ ‫ُ‬ ‫‪34‬‬

‫بيت الشعر‬

‫الثريان تج ّر قوافل اآللهة يف السامء‬ ‫وهم الزمني مذ قرأت األلواح‬ ‫ٌ‬ ‫وزبدُ املوج يدهنُ عنقي‬ ‫ومذ تف ّرست يف اسطوانات املعابد‬ ‫ُ‬ ‫تومض العالمة الصفراء‬ ‫وتهجست بأناميل نقوش التوابيت‬ ‫ّ‬ ‫والرشقات النارية‬ ‫واألرضحة‬ ‫فخذيك‬ ‫والفضة المع ًة عىل‬ ‫ِ‬ ‫حدثتني الخرافة هكذا‬ ‫مرت عرب شغايف‬ ‫حدثتني ومل ّ‬ ‫متل مني‬ ‫ُ‬ ‫وفصلني عنها خريف أحزاين‬ ‫عرفت أن حيايت لدغتها األفعى التي‬ ‫لكنها ّ‬ ‫تحشدت بالكحول وفاتت‬ ‫هبط‬ ‫من خالياي إىل املاء‬ ‫من فمها الكالم املقدّس‬ ‫ُ‬ ‫اردت العودة‬ ‫الطبول تغوص يف الوحل‬ ‫ُ‬ ‫صانع األساطري يرقص رقصته‬ ‫وحاولت ‪..‬لكني مل استطع استعادة بينام ُ‬ ‫نجم الشامل‬ ‫األخرية‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ملاذا كان عيل أن أقف وحيدا هنا‬ ‫جعلت الروح هوا ًء‬ ‫يف صحرايئ‬ ‫وتهجيت بصعوبة كال َم األيام‬ ‫ّ‬ ‫لبعض‬ ‫واألشجار تسعى بعضها ٍ‬ ‫ال أحد رعى حزين‪ ..‬سوى امرأ ٍة مل‬ ‫ٌ‬ ‫نجوم‬ ‫ناعمة تنزعُ يف أعامقي مثل أرها‬ ‫الحصف‬ ‫مضطرب‬ ‫هناك يف مال ٍذ‬ ‫ٍ‬ ‫عيني‬ ‫محاولة الصعود إىل ّ‬ ‫وهي ُ‬ ‫تقف وسط العاصفة مثل‬ ‫ً‬ ‫أحياناً يف الليل تيض ُء قليال‬ ‫إله ٍة باسل ٍة‬ ‫ثم تغطس يف مياه األعامق‬ ‫ال تخاف‬ ‫ُ‬ ‫والبكاء ُ‬ ‫ذهب ومرم ٍر‬ ‫يتسع بينام أحدق يف السامء قلبها النديِّ من ٍ‬ ‫َ‬ ‫وارى السيوف نازلة منها نحو‬ ‫ترد ّبه الظالم‬ ‫أعامقي‬ ‫الصناديق مملوء ٌة‬ ‫والنسور‪ ..‬النسور‬ ‫ملقى عىل الرصيف‬ ‫وأنا‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫هناك تدور يف األعايل‪.‬‬ ‫أهذي بأغنية حبي‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الوحشة ليست هكذا‪..‬‬ ‫حتى النفي وحتى املوت ليس‬ ‫هكذا‬ ‫ّ‬ ‫بريق يف زاويتي خبا‬ ‫كل ٍ‬ ‫وقصبتان مرتفعتان حويل‬ ‫وأنا أدور راقصاً‬ ‫ينحرس شيئاً فشيئاً‬ ‫بينام الناي‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫والطبول غاصت كلها يف الوحول‬ ‫وأساطري تبددت يف دخان املدينة‬ ‫فتحت النافذة وش ّممت زهر َة حبي‬ ‫الوحيد‬ ‫وكدت أنام‬ ‫الخر ُز تناثر حويل‬ ‫وغزا شعري الفج ُر‬ ‫وكانت يداي مخضبتني يف النهر‬ ‫ٌ‬ ‫سيوف تتساقط يف أعامقي‬ ‫بينام‬ ‫وهناك‪ ..‬هناك‬ ‫نسو ٌر تدور يف األعايل‪.‬‬ ‫***‬ ‫ّ‬ ‫كل ما كان للنهر يعود إليه بعد‬ ‫الجفاف‬ ‫حني أصبحت يداي مأوىً ألغصان‬ ‫الشجر‬ ‫حتى نوافذي مل تعد‬ ‫الرتاينيم رسعان ما شتمتها رائحة‬ ‫املدينة‬ ‫وعىل الضفاف تحترض األسامك‬ ‫وتزداد حركة القواقع بطئاً‬ ‫الجميع إىل‬ ‫وهناك حيث هرع‬ ‫ُ‬ ‫قبورهم‬ ‫بقيت وحيداً أرقص‬ ‫وأصنع أساطريي من الطني‬ ‫لكنها تنفرط يف يدي‬ ‫ذهب كل ما يعود إىل النهر‬

‫هناك تدور يف األعايل‪.‬‬ ‫ومل يكن هناك رفيف‬ ‫***‬ ‫سوى بقايا الناي القديم وعيون‬ ‫أنهض بساليل‬ ‫الذئاب‬ ‫وأنتبه إىل الشعلة اآلفلة التي بقيت‬ ‫حيث الدخول يف النوم العميق‬ ‫يف الشموع‬ ‫هياج أو‬ ‫زائغ العينني من خم ٍر أو ٍ‬ ‫ذئاب كثرية مرت قريب‬ ‫نسيان‬ ‫ٌ‬ ‫وأحجار كرث ٌة سقطت عند أقدامي‬ ‫حيث أقف يف مدينة أشباح‬ ‫األغاين السوداء كثرية أيضاً‬ ‫بلطف جمري القديم‬ ‫وأوقظ‬ ‫ٍ‬ ‫وهي تنطلقُ مع صباح كل يوم‬ ‫وآلهتي املنسية‬ ‫بقع يف السامء‬ ‫لكنها ال تجيب‬ ‫وتظهر كام ٍ‬ ‫جلست عىل الحجر مع األغاين‬ ‫نامت قبيل يف الشقوق وتحت‬ ‫ومل يعد بأمكاين الرقص‬ ‫الرتاب‬ ‫ومل ينفع إخراجها من ذلك الصقيع إنتظر النهر أن أقوم‬ ‫انتظرت مني األشجار والطيور‬ ‫حرارة العامل أختفت‬ ‫ليست بعيد ًة‬ ‫ونضبت األرواح‬ ‫كنت أتوق لغابتي‬ ‫اختفت من الحب األغاين‬ ‫وأفتش املغاور‬ ‫والكابوس الذي سقط يف املدينة‬ ‫نامت أغنيايت الكثرية‬ ‫لص يتجول‬ ‫ما زال مثل ٍّ‬ ‫الناس مثل ِّ‬ ‫ومل يعد لها سوى الصدى والغبار‬ ‫القش يرتنحون أو‬ ‫ُ‬ ‫فتحت صندوقي وطيرّ أحالمي مثل‬ ‫يتك ّومون‬ ‫عصافري جائع ٍة‬ ‫جاءوا عرب الخوف‬ ‫سقطت يف النهر اليباب‬ ‫ومتددوا يف شقوق‬ ‫ركضوا إىل هاويتهم بعيداً مع القمر طلبت منها أن تعود إ ّيل‬ ‫لكنها مل تعد‬ ‫وأنا‪ ..‬أنا أيضاً مل تعد له ساقان‬ ‫ال عزاء يل‬ ‫قويتان للرقص‬ ‫يوم يف (كركدريل) أجلس وحيداً‬ ‫ُّ‬ ‫رغم أن يف صناديقي الكثري من‬ ‫كل ٍ‬ ‫وأتنفس‬ ‫العكازات‬ ‫وال لون لساقيي‬ ‫لكني عىل وشك أن أدفع بها إىل‬ ‫وكام أجعل من الدموع غصوناً‬ ‫املاء‬ ‫فقد كانت رحلة متعبة‬ ‫أرتفع مثل زقور ٍة‬ ‫كنت ُ‬ ‫ومل يعد ضهري يقوى عىل حمل كل ألرى من فوق‬ ‫جذوري كيف تتلىض بالسيوف‬ ‫هذه الصناديق‬ ‫أما أعامقي فكانت تتلىض بالسيوف والنسور هناك ‪..‬هناك‬ ‫تدور يف األعايل‬ ‫والنسور هناك‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪35‬‬


‫نصوص‬

‫هاشم شفيق‬ ‫مملحة‬ ‫وسط زجاجة ِ بللور ٍ‬ ‫امللح‬ ‫يرقدُ هذا ُ‬ ‫ويهدأ ‪. . .‬‬ ‫أذك ُر غاندي‬ ‫قد َ‬ ‫حارب بامللح ِ‬ ‫بأرض ٍ من ملح ٍ‬ ‫كان يفاوض ُ ‪-‬‬ ‫هل ميكننا َ‬ ‫اآلن‬ ‫محاربة األعداء ِ مبلح ٍ‬ ‫وامللح مبملحة ٍ قدامي يرقدُ ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫سأح ّركه ّ‬ ‫ألرش َ به البيضَ‬ ‫َ‬ ‫املسلوق‪،‬‬ ‫أح ّركه ّ‬ ‫ألرش به قلبي‬ ‫ْ‬ ‫وأم ّل َح َ‬ ‫األحوال‬ ‫بعض‬ ‫ُ‬ ‫األبيض‬ ‫فالكالسيو ُم‬ ‫يوجدُ يف الريح ِ‬ ‫ويف البحر ِ‬ ‫ْ‬ ‫ويف قدح الكريستال ‪.‬‬ ‫المنشار‬ ‫شعبي ٍ‬ ‫حي ٍ‬ ‫ّ‬ ‫يف ّ‬ ‫نجا ٌر‬ ‫مثة ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫كنت أختلف اليه ِ –‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ألجلب كرسا من خشب ٍ‬ ‫لشتاء يرقدُ تحت مفاصل عائلتي ‪،‬‬ ‫كنت صغرياً‬ ‫ّ‬ ‫وأحب َ صدى املنشار ِ‬ ‫الذاهب يف األخشاب‬ ‫أحب ُ نشارته الذهبية ‪. . .‬‬ ‫ّ‬ ‫أما َ‬ ‫اآلن‬

‫‪36‬‬

‫بيت الشعر‬

‫ُ‬ ‫حليف ّ‬ ‫الظل أنا‬ ‫ُ‬ ‫حليف الشجرات ِ‬ ‫ُ‬ ‫لهذا‬ ‫أحمل غابات ٍ فوق الظهر ِ‬ ‫َ‬ ‫الرس ِ‬ ‫ألرشب منها يف ّ‬ ‫َ‬ ‫جامل الشجرة‪.‬‬ ‫كوز‬ ‫عادة ً أجتيل‬ ‫يف الصباح صحوناً‬ ‫فناج َ‬ ‫ني بنّ ٍ‬ ‫كؤوس نبيذ ٍ وشاي‬ ‫َ‬ ‫بعيداً عن النخل ِ واملرتبيات‬ ‫ُ‬ ‫جلوت سنيني وصمتي‬ ‫ُ‬ ‫جلوت القذى والنوايا ‪،‬‬ ‫فبني كؤيس ٍ‬ ‫وبني صحني ٍ‬ ‫وبني غد ٍ‬ ‫أمس‬ ‫ُث ّم ِ‬ ‫وحيداً‬ ‫ُ‬ ‫مضيت اىل املنزوى‬ ‫لكيام أر ّم َم نفيس‬ ‫ككوز فخار ٍ‬ ‫تصدّعَ يف الشمس ِ ‪.‬‬ ‫علبة‬ ‫العلبة ُ سودا ُء‬ ‫من املخمل‬ ‫ُتخفي يف الط ّيات ِ‬ ‫محابس شذر ٍ‬ ‫َ‬

‫وأساو َر من عاج ٍ ‪،‬‬ ‫األقر َ‬ ‫اص الجا ّفة من بودرة ٍ‬ ‫وزجاجة عطر ُتخفي‬ ‫بنرص‬ ‫أصغر من ْ‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫هي صغرى‬ ‫لكني حني أبرصها‬ ‫أتخ ّيلها‬ ‫ترقدُ فيها ٌ‬ ‫غابات‬ ‫ولبوؤات ٌ‬ ‫أبرص‬ ‫أحياناً ُ‬ ‫َ‬ ‫صمت بحريه‪.‬‬ ‫قنديل البحر‬ ‫ع ّل َم يف ّ‬ ‫ساقي َ‬ ‫عالمات ٍ‬ ‫ُ‬ ‫القنديل‬ ‫ج ّرحن��‬ ‫ُ‬ ‫أتساءل ‪:‬‬ ‫لهذا‬ ‫من أين تجي ُء لهذا الش ّفاف ِ‬ ‫العدوانية ُ ؟‬ ‫ها هو ذا‬ ‫هالتُه ُ مرهفة ٌ‬ ‫ال ِع ْر ُق يب ُني إذاً‬ ‫مثل عروق الت ْني‬ ‫ٌ‬ ‫ْ‬ ‫سقطت‬ ‫هل هو‬ ‫ورقات من ضوء ٍ‬ ‫يف البحر ِ‬ ‫رماها قنديل ٌ يف املاء ِ‬ ‫لتجرح‬ ‫َ‬ ‫وتشاكس طيش الس ّباح ْني ؟‬ ‫َ‬ ‫اليعاسيب‬ ‫اليعاسيب‬ ‫تط ُري‬ ‫ُ‬ ‫هامئة ً يف العراء‬ ‫مجاميع يف الضوء ِ ترسي‬ ‫َ‬ ‫لتحيا حياة ً عىل األرض ِ‬ ‫حسب‬ ‫ُ‬ ‫واحدة ً‬ ‫كالكائنات حياة ً‬ ‫ليوم ٍ‬


‫الفنانة سعاد العطار‬

‫ليومني ِ‬ ‫رغم هذي السويعات ِ يف‬ ‫لكنها َ‬ ‫العيش ِ‬ ‫تحيا‬ ‫تط ُري‬ ‫نجب فوق رسير الهوا ْء ‪.‬‬ ‫و ُت ُ‬ ‫قوس قزح‬ ‫قزح‬ ‫لديّ‬ ‫قويس ْ‬ ‫ُ‬ ‫أخ ّب ُئ ُه يف رسيريَ‬ ‫منذ الطفولة‬ ‫ومنذ لقي ُت ُه‬ ‫يف الصباحات‬ ‫جنب البساتني ِ‬ ‫متكئاً‬

‫ناح ًال وصغرياً‬ ‫فويق سياج‬ ‫َ‬ ‫لذلك‬ ‫ال زال قرب وسادي‬

‫معي يف الرسير ينام‬ ‫يشع‬ ‫ّ‬ ‫ييض ُء ويحرسني‬ ‫من ليايل النكال‬ ‫ْ‬ ‫ليايل الشتاء الطويل ‪.‬‬ ‫مرساة‬ ‫ُ‬ ‫إنحدرت‬ ‫يف سفني ٍ‬ ‫باحثاً عن السالم‬ ‫وراء املحيطات ِ ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أتنقل بني املرافئ‬ ‫عيل أجد املرا َد ‪. . .‬‬ ‫شاباً ُ‬ ‫كنت‬ ‫ذا طاقية ٍ‬ ‫ومنظار ٍ‬ ‫ومرساة ‪. . .‬‬ ‫م ّر ده ٌر‬ ‫ومل أجد املرتىض‬ ‫يف ّ‬ ‫كل مرفأ ٍ‬ ‫وخان ٍ عىل الطريق ‪،‬‬

‫لم َ‬ ‫الق حتى‬ ‫من يلقي ع ّ‬ ‫يل السالم ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫شبت‬ ‫وعُ ُ‬ ‫ميت من التحديق‬ ‫يف الشموس واألصائل ‪،‬‬ ‫عوليس‬ ‫ترى هل أنا‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫تهت يف متاهات ٍ من املاء ِ ‪،‬‬ ‫ألقي مبرسايت‬ ‫ولكنْ‬ ‫ليس هنالك غري بياض املياه ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫أين ُ‬ ‫األرض إذاً ؟‬ ‫ُ‬ ‫مازلت أرمي مبرسايت‬ ‫حاملاً بالنبت ِ واليابسة ‪.‬‬ ‫المفتاح‬ ‫رس ٍ‬ ‫هو كرسة ُ ّ‬ ‫أو رشيحة ٌ من سؤال ‪،‬‬ ‫سؤاله يكون غالباً عن القفل‬ ‫رسه ُ يكمنُ يف الباب ‪،‬‬ ‫بينام ّ‬ ‫يتقدمنا حني ندخلُ‬ ‫نهم بالخروج‬ ‫وحني ّ‬ ‫هو نزيل الجيوب الدائم ‪،‬‬ ‫نصطحبه دامئاً معنا ‪،‬‬ ‫نتحسس ُه أحياناً ‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫م ّرات ٍ‬ ‫نتفح ُص أسنانه‬ ‫ّ‬ ‫ونواجذه‬ ‫لنتأك َد من سالمتها ‪،‬‬ ‫نخاف عليه من الضياع ِ‬ ‫ألنه فل ّذة ُ منزلنا‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪37‬‬


‫نصوص‬ ‫دنيا ميخائيل‬ ‫في المتحف‬

‫يف املتحف‬ ‫إالهة سومر ّية صغرية‬ ‫تقف خلف الزجاح‬ ‫ويداها اىل أعىل‬ ‫تلمس السامء‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫يف زياريت الثانية‬ ‫تك ُرب اآللهة ُ‬ ‫ُ‬ ‫متيل قلي ًال‬ ‫ويداها اىل أسفل‬ ‫تش ُري اىل األرض‪.‬‬ ‫يف زياريت الثالثة‬

‫تتمد ُد أفقياً‬ ‫ويداها اىل الجانبني‬ ‫تته ّيأ للنوم‪.‬‬ ‫يف زياريت األخرية‬ ‫تغلقُ عينيها‬ ‫ويداها عىل صدرها‬ ‫تخبي ُء رساً‪.‬‬

‫قمر منيس‬

‫اىل ساندرا أوكونور‬ ‫قصة ٌ طويلة‬ ‫عنده ّ‬ ‫قصة ٌ طويلة‬ ‫عندها ّ‬ ‫تفاصيل‬ ‫وأحداث‬

‫رنا جعفر ياسني‬ ‫َ‬ ‫أغويك‪ ..‬وأقص ُدني‬

‫الحرب أقدا َمها‬ ‫قضمت‬ ‫بعد أن‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ْ‬ ‫وأسدلت نهديها يف وجه الجوع‬ ‫بعد أن َّ‬ ‫عض ِت السام ُء غيو َمها‬ ‫يك ال متط َر كلام َ‬ ‫أديم البكاء‬ ‫نشف ُ‬ ‫ُ‬ ‫غادرت اىل القيامة‬ ‫بعد أن‬ ‫للقلب‬ ‫ومل أج ْد شوا ًء‬ ‫ِ‬ ‫فقط فر ٌاغ أبيض ال ُيد َّن ُس إال بال ُق َبلِ والجس ِد األوحد‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫تجسدت لن أنطفئ‬ ‫بعد أن‬ ‫لفتح األبدية‬ ‫سأعو ُد ِ‬ ‫أتعاىل‬ ‫‪ٌ ..‬‬ ‫تأويل ال أكرث‬ ‫ألتم‪.‬‬ ‫وإىل مجمر ٍة ُ‬ ‫أعظم إبهاراً ُّ‬

‫‪38‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫وشخوص‪.‬‬ ‫يهم‬ ‫اليشء من ذلك ُّ‬ ‫ليديهام املتشابكتني‬ ‫يف هذه اللحظة‬ ‫يف هذا املكان‬ ‫املخصص للنسيان‪.‬‬ ‫يف مكان آخر‪،‬‬ ‫قبل غمزيت عينيهام‪،‬‬ ‫تناث َر ُ‬ ‫ورق الشجر‬ ‫مثانني م ّرة‬ ‫الريح‬ ‫بينام ُ‬ ‫كنست األسام َء‬ ‫واملواعي َد‬ ‫واملالحظات‪...‬‬

‫َ‬ ‫تعال‪..‬‬ ‫يفتح يف رؤياه؟!‬ ‫وصدُ الجن َة ماذا ُ‬ ‫من ُي ِ‬ ‫بنكه ِة دعاب ٍة ال ُ‬ ‫تشيخ‬ ‫ْ‬ ‫قل هو املا ُء اشتها ٌء‬ ‫والهوا ُء بال تر ٍّو‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫اب بال اصطبار‬ ‫قل هي النا ُر ابتالعٌ ‪ ,‬والرت ُ‬ ‫ُ‬ ‫الكون كوناً لو َّ‬ ‫توخينا السكوت؟!‬ ‫‪ ...‬فبأيِّ ُمعجز ٍة يص ُري‬ ‫ُأوقدُ القلقَ‬ ‫المس األبجدي َة بحاس ٍة جديدة‬ ‫وباحرت ٍ‬ ‫اس‪ُ ,‬أ ُ‬

‫أخت ُرب تقواها‬ ‫َ‬ ‫الصرب‪.‬‬ ‫تتهجدُ ‪ ,‬كارس ًة‬ ‫االرتجاف ِ‬ ‫بحرف َ‬ ‫إذ َّ‬ ‫املا ُء إبنُ السؤال‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫بتفاصيل مل تتل َّو ْن‬ ‫أداهم ُه‬ ‫ال‬ ‫يتاميل حينام ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ستوحش كندب ٍة‬ ‫هو ُم‬ ‫اب الفاصلِ ب َ‬ ‫ني الحيا ِة وما بع َد الحياة‪.‬‬ ‫كتبوا به َ‬ ‫نواح الرت ِ‬ ‫واقف ًة‪..‬‬


‫كل ّـها ذابت يف النهر‬ ‫وهو يجري تحت أقدامهام‪.‬‬ ‫قصة طويلة‬ ‫عنده ّ‬ ‫قصة طويلة‬ ‫عندها ّ‬ ‫اليحيك لها شيئاً‬ ‫التحيك له شيئاً‬ ‫نصف قمر ُّ‬ ‫يطل عىل املكان‬ ‫الأحد يدري أين نصفه اآلخر‪.‬‬

‫الطائرة‬

‫الطائرة القادمة من بغداد‬ ‫تحمل جنوداً أمريكيني‬ ‫ترتفع فوق‬ ‫فوق‬

‫فوق القمر املنعكس‬ ‫عىل مياه دجلة‬ ‫فوق غيوم مكدسة كالجثث‬ ‫فوق قيثارة قدمية‬ ‫فوق صدورهم امللطومة‬ ‫فوق ُأناس مخطوفني‬ ‫فوق خرائب تنمو مع األطفال‬ ‫فوق طوابري طويلة يف دائرة‬ ‫الجوازات‬ ‫فوق صندوق بندورا املفتوح‬ ‫الطائرة بركابها املنهكني‬ ‫ّ‬ ‫ستحط عىل بعد ستة آالف ميل‬ ‫من اصبع مبتور يف الرمل‬

‫شمس ال تف ُرت‬ ‫كفي نحو ٍ‬ ‫أ ِّ‬ ‫رس ُح َّ‬ ‫تضاؤل وانخداع‪ ..‬ال ُ‬ ‫ٌ‬ ‫أكرتث ب ِه‬ ‫االندالعُ فقط‬ ‫ما التحليقُ إال بجرع ٍة تليقُ‬ ‫ُ‬ ‫وتنهش قلي ًال‬ ‫َّ‬ ‫صم الغيوم‪.‬‬ ‫أتبخ ُر‪ ,‬أقصدُ األعايل ل َب ِ‬ ‫املا ُء ُ‬ ‫وريث نفس ِه‬ ‫والهوا ُء حفيدُ األجساد‬ ‫ٌّ‬ ‫كل ينطقُ مبا َي َّ‬ ‫تضخ ُم منهُ‪.‬‬ ‫الطريق إىل الضوء‪..‬‬ ‫يف‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫طاعون ُمستاء‬ ‫بالونات َمحجوبة‬ ‫أدفن ُه يف‬ ‫ٍ‬ ‫وأمسح ُر َ‬ ‫تضاريس الهواء‬ ‫فات ما مل يتحققْ عن‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ليلمع علي ِه رحيقُ الحياة‬ ‫أصقل زف َري أصدقايئ َ‬ ‫ُ‬ ‫أغسل املا َء باملاء‬

‫الفنان جواد سليم‬

‫أرقي ِه بقصيد ٍة‬ ‫يتيم أرضعت ُه العصاف ُري زقزقتَها‬ ‫وبصال ِة ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫أرش ُه بدهش ٍة َمخلوط ٍة مبا مل يتش َّوه‬ ‫ُ‬ ‫كفي‬ ‫أحمل النا َر عىل َّ‬ ‫وأعجنُها بالصهيل‬ ‫ال ترتعدُ النا ُر من نا ِرها‬ ‫متسدُ أورد َتها وال تنطفىء‬ ‫بهدو ٍء ِّ‬ ‫اب قد ىّ‬ ‫يتأن قلي ًال‬ ‫الرت ُ‬ ‫َّ‬ ‫باحثاً عن زا ٍد ال يتفكك‪.‬‬ ‫أخت ُرب الرؤيا‬ ‫رشس جداً‪.‬‬ ‫من غ ِري عَناء‪,‬‬ ‫وبوضوح ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫يستطيع مطارد َة الشمس‬ ‫سوايَ ال أح َد‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫أفال أستحقُ كونا يل؟‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪39‬‬


‫نصوص‬

‫مؤ ّيد الراوي‬ ‫ساللم‬

‫شخص ما‪ ،‬يف سقيفت ِه العالي ِة‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫يختبئ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َيظنّها قمرة قبطان سفين ٍة ُمبحرة‪،‬‬ ‫والسواحل ميدُّ الي َد إليها فتبتعدُ‬ ‫وتبتعدُ‬ ‫ثم ضاعْ ‪.‬‬ ‫كالزمن الذي اشرتا ُه ّ‬ ‫ً‬ ‫يحيص ّ‬ ‫وينضد فيها‪ ،‬عبثا‪ ،‬أعوا َم ُه‬ ‫امل ّيتة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فتغطي َوج َه ُه غاممة‪ٌ.‬‬ ‫يبرص‪،‬‬ ‫ال ُ‬ ‫يبرص‪.‬‬ ‫ال يريد أن َ‬ ‫رسعان ما ُ‬ ‫ينزل ُسلام‪ً،‬‬ ‫َ‬ ‫من طوابق ِه العليا‪،‬‬ ‫َد َر َج ًة‬ ‫َد َر َجة‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫حام ًال جثة زمن ِه‪.‬‬ ‫َحيثام يطأ َحف ٌر يف ب ٍرئ عميق‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ويهبط ُمخ ّدراً نح َو كهف ِه‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ينزل‬ ‫ُ‬ ‫وينزل‬ ‫ُمثق ًال مبتاعه‪.‬‬ ‫َ‬ ‫نفس ُه ـ‬ ‫يصادف يف العتم ِة َ‬ ‫ميسها ويصعدُ خفافاً‬ ‫ّ‬ ‫وهج نو ٍر يزيد من عامه‪.‬‬ ‫يتقدم ُه ُ‬ ‫ـ أعر ُف َك؟‬ ‫ـ ك ّال‬ ‫ـ لكنني الت َق َ‬ ‫يتك؟‬ ‫ـ رمبا‪،‬‬ ‫يف ظل َمتك‪،‬‬ ‫‪40‬‬

‫بيت الشعر‬

‫أنا أصعدُ الس ّل َم‬ ‫مزدحم ٍة بالصور‪.‬‬ ‫َ‬ ‫تتشمس‬ ‫القرية عىل النهر‬ ‫وأنت تنزلهُ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫يف بال ٍد بعيدة‪ٌ ،‬‬ ‫كل منا يف صحو ِه ويف‬ ‫غري َمع ِن ّي بالصعود‪.‬‬ ‫النوم يراها‬ ‫شخص ما؛‬ ‫ٌ‬ ‫ِ‬ ‫بالقامش‪ ،‬ثقيل الحرك ِة‪ ،‬مرتب ًة مهجور ًة‪ ،‬كالبها ٌ‬ ‫سائبة‪.‬‬ ‫كائنٌ ُمض ّمدٌ‬ ‫ِ‬ ‫ما نلمس ُه هنا تبغنا والقهوة‬ ‫ال َيحف ُر يف قلب ِه‪ ،‬ويتوخى أن ال‬ ‫السودا َء َ‬ ‫فوق املنضدة‪،‬‬ ‫قلب اآلخرين‪،‬‬ ‫ميس َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫وميتعض‪.‬‬ ‫يرتشف‬ ‫أرا ُه‬ ‫ينزعُ إىل الهدن ِة مثق ًال بأحجار ِه‬ ‫أرتشف القاعَ‬ ‫امل َّر وأحيص األيام‪.‬‬ ‫مكرتث بالصعو ِد أو بالنزول؛‬ ‫غري‬ ‫ٍ‬ ‫ُ‬ ‫الزمن‬ ‫الوهج‪،‬‬ ‫خلدٌ يحف ُر ُمخ َت ِبئاً من‬ ‫هي مكنسة ِ‬ ‫ها َ‬ ‫ِ‬ ‫كريس‪َ ،‬‬ ‫درجات ُس ّلم ِه ُمزدحمة ب ِه‪ .‬يغلقُ‬ ‫خلف‬ ‫ك َّومت ُه يف مقهى‪ ،‬عىل ّ‬ ‫َ‬ ‫صندوق سنوات ِه‬ ‫لوح الزجاج ‪:‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫أستنسخ املايض‪.‬‬ ‫املنيس‬ ‫وأنا توأم ُه‬ ‫ويلعب‪.‬‬ ‫يقتات عليه‪،‬‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫عىل سرِ ٍ‬ ‫يصعدُ‬ ‫مت ُّر بنا الـرؤى ـ طريقنا املغلقُ ـ‬ ‫ُ‬ ‫وينزل‬ ‫فطورنا الصباحي‬ ‫مبرص‪ ،‬عرب الرواق‪َ ،‬‬ ‫تلك السامء ُمغ ّم ٌس بالهذيان‪.‬‬ ‫غري ٍ‬ ‫والناس َ‬ ‫الزجاج‬ ‫خلف‬ ‫الناس‬ ‫حينام يرتقي‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫صخب ِ‬ ‫ِ‬ ‫أشباح ‪:‬‬ ‫المس القاعَ ‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ويف هبوط ِه‪ ،‬كلام َ‬ ‫عُ ّش ٌاق‪ ،‬و بائع الور ِد‪ُ ،‬‬ ‫عازف‬ ‫األرض ُحفر ًة‪.‬‬ ‫ُيع ِّمقُ يف ِ‬ ‫يجمع النقود‪.‬‬ ‫رسير ُه الحفرة‬ ‫املوسيقى ُ‬ ‫ُ‬ ‫يف الباح ِة أمام األرس ِة التي جاءت‬ ‫للمخبأ‬ ‫بالريح الجنوبية‪،‬‬ ‫تاج البري ِة‬ ‫األخري‬ ‫يتطاي ُر ُ‬ ‫ِ‬ ‫ويف هذا الشامل‬ ‫بخا ُر َ‬ ‫فمك يتقد ُم‪،‬‬ ‫شخصان‬ ‫َي ُ‬ ‫زجاج يف العظام‪.‬‬ ‫دخل الرب ُد شظايا ٍ‬ ‫صاب بع ّن ِة الكالم تومئ باليد‬ ‫ُم ٌ‬ ‫أحداث أمس‬ ‫عن‬ ‫ِ‬ ‫الثقيل ِة‬ ‫يقرأ العجو ُز يف املقهى ـ‬ ‫شحا ٍذ يستعطي النقود‪.‬‬ ‫القيص‪ ،‬مرآت ُه مثل ّ‬ ‫الركن‬ ‫وأنا‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫الجالس يف ِ‬ ‫ُ‬ ‫الزجاج‪ ،‬تلك العائلة‪ ،‬نظنها‬ ‫خلف‬ ‫العكرة‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫أدخل َ‬ ‫سعيد ًة‬ ‫دخان رأس ِه؛ كغيم ٍة‬ ‫ُ‬ ‫فوق أكواخ القري ِة‪ ،‬من نار الحطب‪ .‬برفقة كلبها األسود؛ ُ‬ ‫َ‬ ‫ويجول‬ ‫يجول‬ ‫ويلطع البالط‪،‬‬ ‫ال أعني ِه وال تعني ِه اليقظ ُة يف‬ ‫َ‬ ‫يشمشم َ‬ ‫الفتات‪.‬‬ ‫األقدام‬ ‫تحت‬ ‫ُ‬ ‫الظهرية‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫يبحث عن امل ّود ِة‪.‬‬ ‫ال يكرر القرية بل يوصلها‪ ،‬يف سام ٍء‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الفنان شاكر حسن آل سعيد‬

‫رمبا هو كلب ُه األسود ( عقدُ صداق ٍة‬ ‫بينهام )‬ ‫أىت من َ‬ ‫تلك القري ِة البعيد ِة عىل‬ ‫النهر‬ ‫ليشمشم‬ ‫ليرشب القهو َة بل‬ ‫ال‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫األثر‪.‬‬ ‫الكلب لرنى البقع َة‬ ‫إستد ْر أيها‬ ‫ُ‬ ‫تحت َ‬ ‫البيضا َء َ‬ ‫عنقك ‪.‬‬ ‫َ‬ ‫جئت الهثاً باحثاً تعلنُ الضياعَ‬ ‫ُ‬ ‫وتبحث‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫صدرك السحاب َة البيضا َء؛‬ ‫تحمل عىل‬ ‫َ‬ ‫فروتك غيمتنا‪ ،‬ونحنُ ُّ‬ ‫نشك‬ ‫يف سوا ِد‬ ‫يف الصحيفة؛ ال خرب عن مهاج ٍر‪ ،‬أو‬ ‫ْ‬ ‫جنحت‪.‬‬ ‫عن سفين ٍة‬ ‫ني أقدام العائل ِة معلناً‬ ‫خرج من ب َ‬ ‫ُا ْ‬ ‫َ‬ ‫سوادك‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ِّ‬ ‫املستدق‬ ‫ارفع فك َك‬ ‫بوج ِه السامء‪.‬‬ ‫اطلقْ عواءك‬ ‫ُ‬ ‫لتمط َر الغيمة فيكتمل‬ ‫هذا السواد‬ ‫وهم المكان‬

‫البيت الذي تسكن ُه َ‬ ‫اآلن‬ ‫ٌ‬ ‫تفوح من ُه رائحة الثوم‬ ‫كهف ُ‬ ‫َ‬ ‫بالكلس‬ ‫هيكلك‬ ‫ويكتيس فيه‬ ‫ِ‬ ‫وبالوسخ‪.‬‬ ‫الريح ٌ‬ ‫آتية إلي ِه‪ ،‬وبها َن ٌ‬ ‫لزج‬ ‫ُ‬ ‫رش ٌ‬ ‫لصيقٌ بردائها البايل‪،‬‬ ‫واملا ُء عطنٌ تغرفهُ‪ ،‬يك ُرث فيه ما‬ ‫تحمل ُه الرأس من فقاعات‪.‬‬

‫هذا ما قل َت ُه يل َ‬ ‫أنت‪،‬‬ ‫وداري ال تركنُ إليها القطا‬ ‫ُ‬ ‫األصوات‬ ‫أو تناديني فيها‬ ‫ُ‬ ‫فتموت الروح‬ ‫ُ‬ ‫هكذا طردنا‬ ‫من األماكن ‪:‬‬ ‫البيت الذي كان صفح ًة من‬ ‫من ِ‬ ‫الوهج‬ ‫ِ‬ ‫وظالالً بخفق ِة األمهات‪.‬‬ ‫مع النه ِر يف مجرا ُه العميق‬ ‫ُأبعدنا َ‬ ‫ليعو َد مر ًة أخرى‬ ‫إىل الصخرة‬ ‫النبع بالوقوف‪.‬‬ ‫مصلوباً لدى ِ‬ ‫الريح ُتخ َنقُ يف الب ِرئ‬ ‫نرى َ‬ ‫متس الشج َر َ‬ ‫وقت الظهرية‪،‬‬ ‫فال ّ‬ ‫وحني ندير األشيا َء ـ أدارتها يدُ‬ ‫الشيطانِ ـ‬ ‫ُ‬ ‫تأيت بالرمالِ تمَ أل أك ّفنا‪.‬‬ ‫( نحنُ املالئك َة املمنوع َ‬ ‫ني من‬ ‫الرحمة )‬ ‫حج ُب النور عنا‪،‬‬ ‫ُي َ‬ ‫ُ‬ ‫تسقط وجوهنا‬ ‫بالزمن الحارض املنيس‬ ‫مثلوم ًة‬ ‫ِ‬ ‫األماكن‪،‬‬ ‫بوشم‬ ‫ِ‬ ‫عتيق ًة ِ‬ ‫وقد ُأقصينا عنها‬ ‫َم ّرة ً‬ ‫وإىل‬ ‫األبد‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪41‬‬


‫نصوص‬ ‫تفصيل‪ :‬خوان مريو‬

‫باسم املرعبي‬ ‫أصل الوردة‬ ‫كنت في‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬

‫صورتك املنطبعة يف خ َلد األنهار‬ ‫تحملها أمان ًة من جيل اىل جيل‬ ‫ليس من غبار قادر عىل محوها‬ ‫أوضباب‬ ‫َ‬ ‫وعدل‬ ‫رشبت منه اال‬ ‫ومامن نهر‬ ‫ِ‬ ‫عن اإلندثار‬ ‫مل تكوين قطر َة الندى عىل صفحة‬ ‫مرآة الوردة‪،‬‬ ‫يندهش ملرآها ٌ‬ ‫طفل تنقصه‬ ‫الكلامت‪،‬‬ ‫كنت يف أصل الوردة‬ ‫أنت ِ‬ ‫ويف أصل قطرة الندى‪،‬‬ ‫الشجر ُة تجتمع كلها منعكس ًة يف‬ ‫قطرة‬ ‫الطبيع ُة ُ‬ ‫منك‪،‬‬ ‫تأخذ‬ ‫الدرس ِ‬ ‫َ‬ ‫من تاجك‬ ‫كحليتني‬ ‫ومن قدميك املرسومتني ِ‬ ‫صغريتني‬ ‫بقدميك‪،‬‬ ‫ُأف ّكر يف ابتكار أرض تف ّكر‬ ‫ِ‬ ‫بضوئك‬ ‫بكل هذا الذهب املصكوك ُنعاساً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بكل هذا السحاب املتساقط من‬ ‫كالمك‬ ‫‪.........‬‬ ‫أنت من ساللة األنهار‬ ‫ِ‬ ‫من ساللة املطر‬ ‫‪42‬‬

‫بيت الشعر‬

‫ّ‬ ‫ظل نجمة‬ ‫تحت‬ ‫أكتبك تحت ظل نجم ٍة‬ ‫ِ‬ ‫أكتبك ض َوعَ زهر ٍة ب ّرية‪،‬‬ ‫وأترشد هُ بوباً‬ ‫ّ‬ ‫مطا ِرداً طائ َر الرساب‬ ‫ال أفقَ يح ّد ضياعي‪،‬‬ ‫أتع ّلل ّ‬ ‫بكل رسال ٍة امنحى عُ نوانها‬ ‫ألخرتعَ عناوينَ ترت ّنح يف الجهات‪.‬‬ ‫‪،،،‬‬ ‫اللغ ُة كا َغدٌ تحت املطر‬ ‫نجم ورا َء كثبان الغيم‬ ‫ٌ‬ ‫لتمس اس َم ِك‪،‬‬ ‫ي‬ ‫‪،‬‬ ‫ة‬ ‫عاصف‬ ‫يف‬ ‫سهم‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫ُتطل ُق ُه يدٌ سكرى‬ ‫‪،،،‬‬ ‫صوتك‬ ‫ماس ًة يلتمع‬ ‫ِ‬ ‫يدور يف مساره‪ ،‬مثل كوكب‬ ‫كومض تف ّرقه الريح‬ ‫يدنو ويبتعد‬ ‫ٍ‬ ‫ترتصد ُه َيدي‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُأريقُ ل ُه الوقت أضحي ًة‬ ‫قاس بالرساب‬ ‫فام تعود الصحرا ُء ُت ُ‬ ‫أو العطش‬ ‫وج بها سوى‬ ‫أو البحار التي ال تمَ ُ‬ ‫الظالل‪.‬‬ ‫صالدة‬

‫ترضب الكلامت قلبها الص ْلد وترت ّد‬ ‫حتى لكأين أسمع لها رنيناً!‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫مثل كوكب شارد‬

‫اريدك‪ ،‬هكذا‪ ،‬بدون التف ّكر مبا‬ ‫مىض‬ ‫أو مبا سيأيت‬ ‫أريدك‬ ‫ِ‬ ‫مج ّرد ًة‪ ،‬من االسم‬ ‫من الذكريات‪،‬‬ ‫من أرق الشمس‬ ‫وآثار القمر‬ ‫أريدك‬ ‫ِ‬ ‫ورد ًة نافرة يف أرض ّ‬ ‫مرشدة األفق‪،‬‬ ‫تتضح سطورها يف مرآة‬ ‫قصيدة ُ‬ ‫ُمغ َمدَة‪.‬‬ ‫‪.......‬‬ ‫شمسك عىل مرآيت‬ ‫ِ‬ ‫صورتك ماثلة عند ّ‬ ‫كل باب‬ ‫و‬ ‫ِ‬ ‫يقودين اىل نفيس‬ ‫أنت ُتضيئني ثاني ًة‬ ‫ها ِ‬ ‫مثل كوكب شارد ال قرا َر له‬ ‫إنكار‬

‫ال مرايا يف يدي‪،‬‬ ‫مل أعد ع ّرافاً‬ ‫مل أعد قادراً عىل قراءة السحاب‬ ‫ومل تعد تستهوين مخاطبة النجوم‬ ‫‪،‬‬ ‫نثا ُر الزجاج عىل أهدايب‬ ‫ْ‬ ‫أخذت تذوي يف يدي‬ ‫واللغ ُة‬ ‫كباقة رمل‬


‫صالح حسن السيالوي‬ ‫تراشق روحين‬

‫معك تراشق روحني‬ ‫لعبتي ِ‬ ‫مهجرة‬ ‫بعناوين قصائد ّ‬ ‫وقمصان متصوفة ‪.‬‬ ‫هذه سحابة طيفك‬ ‫تحوم عىل مجامر الخيال‬ ‫هذه فوانيس األرواح املعلقة بثياب‬ ‫نورك‬ ‫األرواح املتهاوية‬ ‫من دندنة القمر مع نفسه‬ ‫هذا صوتك ‪ ،‬أعرف حفيف عنبه ِ‬ ‫فلامذا تسرتين فصاحة قلبك‬ ‫عن شغاف منابري‬ ‫ملاذا تستلذين بعتمة كلامتك‬ ‫وهذه أريض‬ ‫تختنق بدخان ظنونها‬ ‫وبياض أدعيتي‬

‫هذا قلبي‬ ‫يتعرث بظلامت يتعرق يف جوفها‬ ‫يرسد عن الظلمة نثيث مكائدها ‪,‬‬ ‫الربق حتى ينطفئ ‪,‬‬ ‫أسمع ارتباكة الخرضة‪ُ ...‬‬ ‫أدرك منوها عن الحزن‬ ‫يعرص عيون األيام ‪ ,‬ويكرس أعوادها‬ ‫وعىل مقابض أبوابك املقفلة‬ ‫يتربعم بنفسجي ‪ ...‬وأنت منشغلة يقول عن األحالم‬ ‫املكسوة بانتباهة الغزالن‬ ‫ال متسع لعيوين ‪ ،‬إال الدمع‬ ‫وال حنني بني النبضات‪ ،‬إال التلفت وغفلة الصياد عن ضمريه‪.‬‬ ‫هــــــــــــا انا أجوب بساتني أساي هذه أصابع أسئلتي‪،‬‬ ‫تغرس دهشتها بني ظنونك‪،‬‬ ‫مبشاعل ذاكريت ‪.‬‬ ‫تلمس سامء مكسورة يف القلب‬ ‫أحرقي الظلامت ببهجة نوري‬ ‫وتبتل بدموع أحالمك املعلقة ‪.‬‬ ‫ها أنا أدق مسامري نبيض عىل‬ ‫َ‬ ‫نبي عن صالت ِه‬ ‫البياض‬ ‫مسافة ِ‬ ‫أقرتب من ابتهاج روحك بحضورها‬ ‫علقي ثياب كلامتك ‪،‬‬ ‫محتفال بالتشابه بني روحينا‬ ‫لتجف من موج الخرس‪.‬‬ ‫بني الظنون ظنا‬ ‫هذا قلبي‬ ‫بني اليقينات يقينا شهوة بني رعد‬ ‫محشور حد االختناق‬ ‫و سحاب ‪.‬‬ ‫بني مجرتني‬ ‫بسم العامل وجوهره‬ ‫حيث ال أنبياء فيها‬ ‫تلبسني روحي ثياب البهجة‬ ‫وال شياطني ليهربوا منها‬ ‫روحك‬ ‫تغرسني‬ ‫وال دخان لرؤوس الزعامء‬ ‫ِ‬ ‫تصفعني اليباس بأغصان األنوثة‬ ‫عىل بعد بحر تهتز بوصلتي‬ ‫جسدك ‪،‬‬ ‫أما‬ ‫ِ‬ ‫فمتحف بصرييت ومنجم مرويايت ‪،‬‬ ‫ال زال مرتعشا عىل رسير الذاكرة‬ ‫هناك‬ ‫ارك‬ ‫يف منابري نار أرس ِ‬ ‫حكاياتك‬ ‫ويف مواعيدي دخان‬ ‫ِ‬ ‫وهذا قلبي ‪،‬‬ ‫نثار من زجاج الفرح املهشم ‪،‬‬ ‫فال تسريي حافية‬ ‫وارفعي كاس الكلامت‬ ‫وأنت ترشبينني‬

‫خوان مريو‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪43‬‬


‫نصوص‬

‫عيل محمود خضي‬ ‫النفس ال تسم ُ‬ ‫ع اال‬ ‫ُ‬ ‫فسها‬ ‫نَ َ‬ ‫البيوت والحار ِ‬ ‫ِ‬ ‫ات‬ ‫الليل الضاغ ُط عىل‬ ‫ُ‬ ‫يُ ُ‬ ‫طبق عىل األنفاس‪.‬‬ ‫وشك أ ْن يُ َ‬ ‫مسامات الهواءِ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫غلق‬ ‫ُ‬ ‫الليل هذه الليلة يُ ُ‬ ‫عىل الهواء‪.‬‬ ‫الوقت أ ْن مييض‪.‬‬ ‫يَ ُس ُّد‬ ‫َ‬ ‫يَ ُس ُّد باب الزمن‪.‬‬ ‫صحت بنفيس‪ :‬أنصتي‪..‬‬ ‫كلام‬ ‫ُ‬ ‫كاذب‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أدركت أ َّن ُسلطا َين ٌ‬ ‫النفس ال تَسم ُع إال نف َْسها‪.‬‬ ‫وأ َّن‬ ‫َ‬ ‫النفس‬ ‫من أنا يف هذا الليل أيَّتُها‬ ‫ُ‬ ‫الجاحدة؟‬ ‫ِ‬ ‫الرهيف الذي‬ ‫أي َن أماليك من الكالمِ‬ ‫َ‬ ‫َوزَّعتُ ُه عىل اآلخري َن فام أ ْعط ْوين إال‬ ‫َص ْمتَهم؟‬

‫‪44‬‬

‫بيت الشعر‬

‫أي َن صرُ اخي يف مرايا ُهم التي أُعلِّقُها‬ ‫عىل ُجدرانِ روحي؟‬ ‫إنني اآل َن أُقي ُم يف ساقي ٍة واحد ٍة‬ ‫أشباح من َم ُّروا عىل حيايت‬ ‫يمَ ُ ُّر فيها‬ ‫ُ‬ ‫فسدوها‬ ‫فأَ َ‬ ‫ال أُري ُد منهم سوى أ ْن يرتكوين‪.‬‬ ‫ال الحيا ُة صديقتي‬ ‫ليست بصديق ٍة لهم بالرضورة‪.‬‬ ‫وهي‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫أعرف هذا وأح َفظُ ُه عن أمل‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫لكني ال أقول‪،‬‬ ‫اتركوين‬ ‫لهم‬ ‫أقول‬ ‫ِّ‬ ‫إنني أهذي مع نفيس ومرآتِها فقط‪،‬‬ ‫حسبي أَ َّن املرآ َة ت ُفيض اىل نافذ ٍة يف‬ ‫ِ‬ ‫بيت الجار ِة بابنت ْيها الجميلتينْ ِ كوج ِه‬ ‫رغد‪.‬‬ ‫أجلس يف ساقيتي وحيدا ً‬ ‫أنني‬ ‫حسبي‬ ‫ُ‬ ‫أنو ُء ب ِثقَليِ وإين ال أُكل ُِّف أحدا ً شيئاً‬ ‫وإين لو فَر ْرتُ إىل مويت سأكو ُن ُمطم ِئناً‬ ‫وهادئاً‪.‬‬ ‫حسبي أين ال أُكلِّ ُم أحدا ً فاُث ِق ُل عليهِ‬ ‫بروحي‪.‬‬ ‫شار ٌد يف لحظتي‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ستغرق الذكرى مبن م ّروا‬ ‫ُم‬ ‫ٌ‬ ‫مستغرق بالنسيان‬ ‫َفيف إال من روحي‪.‬‬ ‫إنني هنا خ ٌ‬ ‫من أنا يف هذا اللحظ ِة الواحد ِة التي‬ ‫َفسها َ‬ ‫آآلف املرات‪،‬‬ ‫ت ُكر ُر ن َ‬ ‫ِ‬ ‫بيتي هذه‪:‬‬ ‫ء‬ ‫أشيا‬ ‫ُل‬ ‫ِّ‬ ‫ك‬ ‫ب‬ ‫اجتمعت‬ ‫كيف‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫الكرايس والرش ِ‬ ‫اشف وشقوقِ الحيطانِ‬ ‫ِ‬ ‫وأسالك الكهربا ِء ولوح ِة دايل امل ُ َزيَّفةِ‬ ‫والطابع ِة اللّيزريّة واملِدْفأة؟‬ ‫ضيق‬ ‫كيف‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫اجتمعت بالشارع الذي يَ ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫الوقت بياق ِة‬ ‫ض‬ ‫ب‬ ‫ق‬ ‫َّام‬ ‫ل‬ ‫ك‬ ‫ُ‬ ‫ه‬ ‫ناس‬ ‫عىل‬ ‫ََ‬ ‫ُ‬ ‫النشوة؟‬ ‫ِ‬ ‫يل هؤالء ومن أي َن‬ ‫كيف اشتَ َم َل ع َّ‬ ‫جاؤوا وتج َّمعوا حويل؟‬ ‫إنني ال أري ُد أحدا ً يف لحظتي الخاص ِة‬ ‫هذه‪،‬‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫أُري ُد جسدي وروحي ساملينْ ِ من شظي ِة‬ ‫املايض‪،‬‬ ‫أطلب الكثري؟‬ ‫هل ُ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫الساقية أقل ُِّب َج َمرات املوىت‬ ‫أجلس يف َّ‬ ‫ُ‬ ‫الذين ذَهبوا بعيدا ً‪،‬‬ ‫خلف البرص‪،‬‬ ‫بعيدا ً َ‬ ‫أستعي ُد صورا ً التقطتُها لهم يَبدون فيها‬ ‫راض َني و ُمبتسم َني عىل الدوام‪،‬‬ ‫ثقوب قلبي التي َصنعوها لحظ َة‬ ‫أُعد ُد َ‬ ‫رحيلهم‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫أقول لنفيس‪ :‬ل ْن نُكل َِّف اآلخري َن ثقباً‬ ‫واحدا ً أيَّتُها النفس‪،‬‬ ‫َفسها‪.‬‬ ‫لك َّن‬ ‫النفس ال ت َْسم ُع إال ن َ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫أُقل ُِّب بيدي جمرات األحياء الذين‬ ‫يَبدون وكأنَّهم أحياء وقريبو َن لدرج ِة‬ ‫شئت‪،‬‬ ‫ملسهم إن َ‬ ‫أ ْن بإمكانِ َك ُ‬ ‫َتجاهل بعض َنا دو َن شعور‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫لكننا ن‬ ‫نذهب بعيدا ً عن ِ‬ ‫بعضنا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫بألعاب الحياة الصغرية‪،‬‬ ‫نتي ُه‬ ‫ِ‬ ‫ننىس‪،‬‬ ‫ننا ُم‪،‬‬ ‫فإ ْن تقابَلْنا فكال ُمنا األذى وأفعالُنا األمل‬ ‫وإال فنح ُن ن َّساؤن ونِ ّيام‪،‬‬ ‫أُقل ُِّب َجمر ِ‬ ‫ات األحياء واملوىت ُ‬ ‫وأقول‬ ‫لنفيس‪:‬‬ ‫هذا مقعد َُك من الناس‬ ‫فأشت ِميل عىل الصمت‬ ‫الباب موارباً لهم‬ ‫واتريك َ‬ ‫َ‬ ‫الشبابيك مفتوح ًة للندم‪.‬‬ ‫واتريك‬ ‫ُ‬ ‫كاذب‬ ‫ين‬ ‫لطا‬ ‫س‬ ‫ن‬ ‫أ‬ ‫َّ‬ ‫أعرف ُ َ ٌ‬ ‫نفسها‬ ‫وأ َّن‬ ‫النفس ال ت َْسم ُع اال َ‬ ‫َ‬ ‫الرهيف قد يَنسا ُه من‬ ‫كالمي‬ ‫وأ ّن‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫لكني ال‬ ‫م ُّروا عىل حيايت فأفسدوها ّ‬ ‫أري ُد منهم يف هذه اللحظ ِة التي تُكر ُر‬ ‫نفسها َ‬ ‫اآلف املرات‬ ‫َ‬ ‫سوى أن يرتكوين‬ ‫ال أُري ُد منهم سوى أ ْن يرتكوين‬


‫نضال برقان‬ ‫صور عائلية (‪)1‬‬

‫خمس بنات‬ ‫وصبي يف وسط الصورة‬ ‫ّ‬ ‫يف الطرف األمين كاملعتاد روال‬ ‫وأنا ـ كاملعتاد كذلك ـ يف الطرف‬ ‫األيرس‬ ‫كان هناك إطار‬ ‫وجوار الصورة مثة نافذة مرشعة‬ ‫ورياح تخفق كاملعتاد بجانبها‬ ‫الصورة كانت ثابتة‬ ‫الصورة ـ كاملعتاد كذلك ـ ما زالت‪..‬‬ ‫***‬ ‫(هبة وهند وعالء الدين وسعاد‬ ‫وكرمل وسلسبيل وروال ونضال)‬ ‫تلك قصيديت الوحيدة‬ ‫التي كتبتها يف دفرت العائلة‬ ‫دون وزن‬

‫أو استعارة‬ ‫أو مجاز‪.‬‬ ‫***‬ ‫ال يشء وحيد يف بيت روال‬ ‫هي أخت الش ّباك‬ ‫صديقة فنجان القهوة‬ ‫عمة آنية ّ‬ ‫الفخار بجنب الباب‬ ‫وخالة بروازي «الله» و»محمد»‬ ‫والصبرية والسجادة والطبلية‬ ‫ٌ‬ ‫كل يجمعه بروال صلة دم‬ ‫وقرابة روح‪.‬‬ ‫***‬ ‫استيقظ صبحا‬ ‫أميش بني غيوم الصمت املتلبد يف‬ ‫أركان البيت‬ ‫األوالد نيام يف جنّات الخ ّفة‬ ‫جنب الش ّباك الص ّبرية ال باس عليها‬ ‫وروال ما أن ترتك طرف صالة حتى‬ ‫متسك باألخرى‬ ‫وأنا ال أمسك إال خيط الحرية‬

‫مثة وزن يتكرس‬ ‫مثة إيقاع يتن ّفس‬ ‫مثة قافية يف األثناء‬ ‫وذئب مجاز يبحث عن دمه بدمي‬ ‫هي رائحة ُ‬ ‫الظ َلم‬ ‫يا أبتي كيف أناديك بغري فم؟‬ ‫صور عائلية (‪)2‬‬

‫البيت‬ ‫أعو ُد إىل ِ‬ ‫ُ‬ ‫يركض نحوي الصغا ُر‬ ‫كعادتهم؛ فرحني ومندهشني‬ ‫سبب‪ ،‬هكذا َّ‬ ‫يوم‬ ‫بال ٍ‬ ‫كل ٍ‬ ‫أعو ُد ويندهشون‪.‬‬ ‫***‬ ‫البيت‬ ‫أعو ُد إىل ِ‬ ‫تلمح وجهي (روال)‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫موغلة يف تسابيحها‬ ‫وهي‬ ‫والصالة عىل األنبياء جميعا‬ ‫أقول‪« :‬السالم عليكم»‬ ‫تر ّد بإمياء ٍة‬ ‫ثم متيض‪ ،‬كعادتها‪ ،‬للصالة‪.‬‬ ‫***‬ ‫البيت‬ ‫أعو ُد إىل ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ُّ‬ ‫مرشعة‬ ‫كل النوافذ‬ ‫والهوا ُء‪ ..‬كأن ال هواء‬ ‫فأصعدُ للسطح‬ ‫«أيضا‪ ،‬هنا ال هواء وال غريه» ُ‬ ‫قلت‬ ‫«ليس هنا غرينا» ُ‬ ‫قلت‬ ‫لكنها مل تقل أي يشء‬ ‫فقط متتمت بدعا ٍء‬ ‫وراحت تصيل‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪45‬‬


‫نصوص‬

‫امينه ذيبان‬ ‫زهرة الدم‬

‫حرشجة القلب‬ ‫نذكر فيها‬ ‫ومنها‬ ‫هدوء التتار‬ ‫نذكر فيه‬ ‫رس ما يعرفون‬ ‫بال جهة‬ ‫تتامدى‬ ‫عىل الغيم‬ ‫أو يف مجاهل‬ ‫هذا الربيع‬ ‫املطل‬ ‫عىل كل هم‬ ‫وجرم‬ ‫وكل الذي يعشق الناس‬ ‫يا أمل املقل‬ ‫املريضة‬ ‫ضوء‬ ‫وإنسان عني‬ ‫يبرص أو ال يرى يف البصرية‬ ‫أوهام من نهب الغرباء‬ ‫ونبيك بغري فضيلة‬ ‫أصالح هذا لعيل‬ ‫أغري نور الرساج‬ ‫وأكتب ما ال أرى‬ ‫يف نهاري‬ ‫أو كل عمري نهار‬ ‫بريق من سلة‬ ‫أو من متاهات رسد‬

‫‪46‬‬

‫بيت الشعر‬

‫وقمم‬ ‫ال ترتاءى‬ ‫وأجد كل الحديث‬ ‫اليك يسري‬ ‫وأشتاق يف غربتي‬ ‫لوعة من هدوء‬ ‫أو من سبات عميق‬ ‫و ما يعرف الغري‬ ‫غري رجوع‬ ‫املسافر‬ ‫من جنة الخلد‬ ‫إال الجحيم‬ ‫وال يقظة يف سطور املحبني‬ ‫هذا يكون‬ ‫ونبيك‬ ‫وينترص الرعب فينا‬ ‫عىل كل هذا‬ ‫ويف كل هذا‬ ‫وهذا‬ ‫وهذا‬ ‫وهذا‬ ‫حزمة النوق‬ ‫انتصار السبات‬ ‫غيمة من رحى‬ ‫أو من رصاع‬ ‫ليتنا نتوضأ‬ ‫من نهر آدم‬ ‫أو من صقيع التهامة‬ ‫أو من سبات‬ ‫الرحيق‬ ‫يا ضياعي‬ ‫حدثوا‬ ‫عن فراق املامت‬ ‫حدثوا‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫الفنان مصعب الريس‬


‫عن سبات الرياحني‬ ‫حدثوا‬ ‫من وداع الرؤى‬ ‫أو رؤى ال ترى‬ ‫غرينا‬ ‫أو أرى‬ ‫بعضها يف قامماتنا‬ ‫املستفيقة‬ ‫حدثوا عن نهار‬ ‫حدثوا‬ ‫عن مواعيد‬ ‫غري التى تعرف الريح‬ ‫أوتعرف األرض‬ ‫أو تعرف اللغة‬ ‫التى ال متر‬ ‫عىل أمهات املدائن‬ ‫يف عرص من يتهادن‬ ‫يف منتهى األرض‬ ‫يف آخر النوح‬ ‫أو أول البدء‬ ‫يف الدوحة األولية‬ ‫من عامل الغرباء‬ ‫او يف مساء تفتت‬ ‫بالصولجان‬ ‫و باالنكسار‬ ‫و بالرنجسية‬ ‫يا وعد‬ ‫يا بعد‬ ‫يا ملتقى‬ ‫ال تقاوم شهيق‬ ‫املساء‬ ‫وكىل إنتصار‬ ‫عىل االبتداء‬ ‫البعيد‬

‫كام يف املدارس‬ ‫ال يقرأ الدرس‬ ‫إال املعلم‬ ‫إال املعلم‬ ‫إال النشيد‬ ‫صباح‬ ‫عىل ما أرى‬ ‫ال أرى‬ ‫مرة واحدة‬ ‫بل غري هذا‬ ‫وأهوي‬ ‫عىل عرش‬ ‫آدم‬ ‫والكل فية عناء وصبغة‬ ‫وكل يطارد‬ ‫أرواحنا باملرسة‬ ‫وكىل أناضل‬ ‫يف جولة بائسة‬ ‫و بعض إنتصار‬ ‫وكيل هزائم‬ ‫من رأيس املتعرج باللوعة‬ ‫األولية‬ ‫اىل ما يعرف الناس‬ ‫من بائعني‬ ‫ومن قامتني‬ ‫ومن قوائم‬ ‫من هجروا األرض‬ ‫أو طرزونا بنور البقاء‬ ‫البعيد‬ ‫زهرة أخرى‬ ‫دمع حواء عىل ذاكريت‬ ‫أتهجى‬ ‫من ميلك قديسة دريب‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪47‬‬


‫نصوص‬ ‫الفنانة منى الخاجة‬

‫يف البعد أرى الدمع توارى‬ ‫كقصيدة ليل منسية‬ ‫يف القرب أرى‬ ‫وجعاً يتهادى أو نحو من ذاكرة‬ ‫اخرى‬ ‫أين تقف اللحظة‬ ‫يا جالد الدنيا‬ ‫أو تقف اللحظة‬ ‫بني من ميتلك الجرأة‬ ‫والدم والالدمع‬ ‫والالدم والالدم شهرة‬ ‫بني إنجييل وبعيض‬ ‫أقف اليوم‬ ‫وال أملك قداسة شعر أبيض‬ ‫او أحمر‬ ‫كاللون كالفستق كاألشجار‬ ‫حني تجن أوقايت‬ ‫بال تفضيل لييل‬ ‫يف املتاهة‬ ‫يف القرب أغني‬ ‫يف البعد أغني‬ ‫وبني اللحظة الدموية األخرى‬ ‫أصفي جرح قلب يسرتيح‬ ‫أو أرى بعيض تقطع كاملالية‬ ‫والسكاكني دليل املتعبني‬ ‫يا صاليت‬ ‫‪48‬‬

‫بيت الشعر‬

‫إغفري‬ ‫إىن تجرأت عىل الدم ىك أنىس‬ ‫القتيل‬ ‫وال أدثر جرحة بالكافور‬ ‫املبجل‬ ‫يف الصالة اآلدمية‬ ‫ثم ماذا؟‬ ‫يقف الجالد‬ ‫أطول من يقيني‬ ‫يقف الجالد بني الروح والدرب‬ ‫الطويل‬ ‫يقف الجالد أو تقف التى ال‬ ‫تشتهيني‬ ‫سيدي إين تجرأت عىل الزهر البعيد‬ ‫إين تجرأت عىل الزهر املتقن‬ ‫والحب املطرز بالبكاء‬ ‫و بالعويل‬ ‫إىن أرى يف صمت من ال يعرف‬ ‫اللحظة‬ ‫إال يف السهاد‬ ‫تجرأت أصيل قرب آدم‬ ‫أودعوا قلبى الوسادة‬ ‫أودعوا ذاكرة األمس الكتاب‬ ‫تجرأ البعض علينا‬ ‫ثم قرأنا صفحة التاريخ‬ ‫صفحة التاريخ‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫يا تاريخ دمعي‬ ‫أنصت اليوم لبعيض‬ ‫وأرى بعيض تساقط‬ ‫يا رسيري ال تبح بالدمع‬ ‫أو باللهفة األخرى‬ ‫عليك عىل الوسادة‬ ‫بعض صمت من قليل الدرب‬ ‫يا ذكرى لقاء‬ ‫أنت يف اآلخرة الوجع املدىن‬ ‫املقرب‬ ‫أنت يف األخرى التى أرغب‬ ‫يف صمت السامء‬ ‫يا قبور األرض ال تبك‬ ‫عىل املوىت‬ ‫فان املوت بعض من رسير األرض‬ ‫أو بعض الوسادة‬ ‫يا صالة اآلخرة‬ ‫كل من يعشق يفنى‬ ‫كل من يفنى ميوت‬ ‫كل بوحي وإنتظاري‬ ‫أن أكون ال أكون‬ ‫ال أكون‬ ‫إنها السجدة يف مويت‬ ‫ويف قلب القصيدة‬ ‫إنهم بعض من الجشع‬ ‫املسمى بالتتار‬ ‫إنني يف زهرة الدم‬ ‫أو زهرة األرض‬ ‫أو زهرة الجرح املورد كل يوم‬ ‫وال أكون ال أكون‬ ‫أنثى‬ ‫أو زهرة للموت أو للحب أو‬ ‫لالموت‬ ‫قرب التعرية‬


‫رأي الناقد‬

‫حضور للغة المجاز‬ ‫وعودة التاريخ وصوت الشكوى‬ ‫قراءة في نصوص العدد الرابع من «بيت الشعر»‬ ‫كما هو معتاد تقدم مجلة "بيت الشعر" في هذه المساحة رأيا نقديا انطباعيا عن أجواء النصوص الشعرية‬ ‫التي تنشرها المجلة لتشمل أسماء شعرية عربية من معظم الدول العربية‪ ،‬وتحرص على تنوعها من حيث‬ ‫الشكل والموضوع‬

‫نهى األفغاني‬ ‫محمد جبر الحربي‬

‫حازم العظمة‬

‫نص بعنوان «يطري الحامم»‪ ،‬وهو نص يحيلنا إىل قصيدة‬ ‫درويش التي يش ّكل الحامم فيها رمزية للسالم الذي كلام‬ ‫اقرتب عاد وابتعد من جديد‪.‬‬ ‫يبث الشاعر شكواه وتعبه لدرويش الذي سلم عباءته‬ ‫(الشعرية) ملن جاء بعده‪ ،‬وال زالت القضية هي القضية‪ .‬وال‬ ‫يزال الحامم (السالم) يخاتل أحالمنا فيقرتب موه ًام ثم يفل‬ ‫طائراً‪.‬‬

‫نص بعنوان «أوليمبيا» املدينة اإلغريقية التي تحوي معبد‬ ‫زيوس وغريه من املعابد اإلغريقية‪ ،‬والنص مد ّبج باقتباس من‬ ‫الشاعر اليوناين الجميل ريتسوس‪ ،‬شاعر الحرية والجامل‪..‬‬ ‫نص ذو حساسية مختلفة‪ ،‬عىل قرصه حافل باإلشارات‬ ‫التاريخية والجغرافية واألدبية‪ ،‬والتي تجعل من قراءتها‬ ‫مغامرة حافلة بالجامل‪ ،‬والتشويق‪ ،‬والسفر عىل منت الكلامت‬ ‫إىل أماكن جديدة‪.‬‬

‫طالل سالم‬

‫محمد زينو شومان‬

‫نص بعنوان «غفوة التعب» كلامت فيها شكوى وتوجع‪،‬‬ ‫وخطاب للتعب الذي يأىب أن يغفو ولو قلي ًال يف روح الشاعر‪.‬‬ ‫كام يتميز مبوسيقاه وإيقاعه املرتفع‪.‬‬

‫عبد الرحيم الخصار‬

‫نص بعنوان «الساحر» هذا ساحر‬ ‫من نوع مختلف‪ ،‬يروم ليغري‬ ‫بسحره شكل العامل املأساوي فها‬ ‫هو وبعصا الساحر يح ّول خوذة‬ ‫الجندي ألصيص نباتات والبنادق‬ ‫أللعاب لألطفال‪ ،‬أما حقل األلغام‬ ‫فيصري حقل دوايل‪ ...‬سريفع هو‬ ‫وكائناته أصواتهم بالغناء ويف حال‬ ‫مل يسمعهم أحد فسيلملم عصاه‬ ‫وقبعته ويسحب الستار ويغادر‪..‬‬

‫نصان قصريان بعنوان «رس النخيل» و «حوار الثوب الواحد»‬ ‫حافالن باللغة املجازية التي تثري الخيال فال يعود السؤال‬ ‫ماذا يقول الشاعر وإمنا كيف يقول!‬ ‫بيان الصفدي‬

‫يف نص بعنوان «مقطوع من شجرتك»‬ ‫يخاطب الكاتب الشجرة التي انقطع عنها‪،‬‬ ‫وهو يف البعد يتشوق إليها‪ ،‬ويحرك الحنني‬ ‫كلامته‪ ،‬قد تكون الشجرة هي الوطن أو‬ ‫األرض أو الهوية أو األم‪ ...‬كل ذلك يصح‬ ‫وأكرث‪...‬‬

‫عماد جبار‬

‫يف نص بعنوان «ذبول ما» كلامت مثقلة‬ ‫باألمل‪ ،‬وبطقوس البكاء التي أثارتها تلك‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪49‬‬


‫رأي الناقد‬

‫الغائبة ‪ /‬الحارضة‪ ..‬تفاصيلها الصغرية ال زالت تستفز بكاء‬ ‫الشاعر وكلامته‪ ..‬ويف املقطوعة الثانية «محطات للذبول»‬ ‫تحفل الجمل الشعرية مبفردة الندم الذي يكيس كل ما حول‬ ‫الشاعر بثوب مظلم‪..‬‬

‫مهند السبتي‬

‫قصيدة بعنوان «الطني» مثقلة بحكمة السنني‪ ،‬ومرارة الحياة‪،‬‬ ‫والعمر الذي مر رسيعاً وال يزال القلب يحاول أن يفهم‪ ،‬وال‬ ‫يسعف الشاعر إال طفولة شع ٍر لطاملا بحث الشاعر عن مالذ‬ ‫سواه‪ ،‬فلم يجد سوى الهم‪ ..‬وتدور الدائرة ويعود الطني إىل‬ ‫طينه‪ ..‬و ُتق َفل القصيدة بتلك الرصخة القدمية الحديثة «ليت‬ ‫الفتى حجر!»‪..‬‬

‫أشرف جمعة‬

‫لؤي أحمد‬

‫ضيف حمزة ضيف‬

‫يف نص ُمهدى إىل الشاعر السوري فرج بريقدار وهو الشاعر‬ ‫الذي عاىن من ظلم السجون وكانت كلامته تصل عرب‬ ‫القضبان إىل العامل‪ .‬هذا اإلهداء يشكل عتبة مهمة للولوج إىل‬ ‫هذا النص املثقل بوطأة السجون التي ال تنام‪ ،‬��تبقى مح ّلقة‬ ‫فوق الشاعر‪ ..‬نص حافل باملوت باملقابر‪ ،‬بالحزن‪ ،‬واألرض‬ ‫املصط ّفة عىل جثته‪ ،‬حتى ينوء بها ويرصخ طالباً أن يسقطوا‬ ‫األرض عنه‪..‬‬

‫عبود الجابري‬

‫مجموعة نصوص قصرية بعنوان «ألبوم صور شخصية» ‪..‬‬ ‫نصوص كل منها بحجم قبضة اليد وبح ّد سكني جديدة‪..‬‬ ‫حافلة مبرارة األيام وحكمة السنني املريرة‪ ...‬مشاهد صورية‬ ‫متنوعة تقود الخيال صوب جهات استثنائية ال تتأىت ألي‬ ‫شاعر كان‪..‬‬

‫فوزي باكير‬

‫نص موغل يف الرؤية الثاقبة بعنوان «رؤى»‪ ..‬وهو مجزأ إىل‬ ‫نصوص قصرية كل منها يشكل مشهداً «رؤيوياً» تتناوشه‬ ‫الظلمة والنور معاً‪ ..‬أما العجيب أن مثة أشياء يراها املبرصون‬ ‫وأشياء ال يراها سوى الرضيرين‪..‬‬

‫‪50‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫يف نص بعنوان «الفرصة ذات العطر» يتوقف الشاعر عند حد‬ ‫تلك اللحظة التي تفصل األشياء عن انتهائها واحرتاقها باحثاً‬ ‫لها عن فرصة عطرة قبل أن تحرتق األشياء‪ ..‬ولكنه يتساءل إن‬ ‫كانت هذه الفرصة ليست األخرية‪..‬‬ ‫يف نص بعنوان «قمر حارض ويغيب» يخاطب األشياء فيام‬ ‫حوله الليل والقمر‪ ،‬والنجوم‪ ،‬والسامء‪ ،‬والربيع‪ ،‬بردى‪ ،‬النيل‪..‬‬ ‫كل ذلك يعرض لقلب املحب‪ ،‬ألحالمه الدامئة البحث‪ ..‬يطري‬ ‫بال أجنحة إىل قمر حارض ويغيب‪..‬‬

‫عالء أبو عواد‬

‫قصيدة بعنوان «رجاء» فيها يشء من الصوفية‪ ،‬يشء من‬ ‫التوق إىل تلك النائية التي صدح الشاعر باسمها يف شعره‬ ‫ونغمه كأنها الحب الذي يغريه‪ ،‬لعلها الفكرة أو املحبوبة أو‬ ‫اللغة أو اآلمال القريبة البعيدة‪ ،‬أو كل ذلك‪..‬‬

‫محمد العديني‬

‫مجموعة نصوص قصرية متنوعة بعناوين منفصلة ترتاوح ما‬ ‫بني الصور املتخيلة والحكم املوغلة واملفارقات العميقة‪..‬‬

‫غمكين مراد‬

‫نص بعنوان «أنامل روح تد ّرب الحياة» حديث عن الروح‬ ‫الرقيقة املليئة بالجامل‪ ،‬باأللوان‪ ،‬بإيحاءاتها الجاملية‪ ،‬ولكن‬ ‫وتريتها الجاملية تسري بصورة متوازية مع عامل موغل بالبشاعة‬ ‫واألمل وهذا ما يشكل املفارقة يف جسد النص‪..‬‬

‫محمد اليوسفي‬

‫كأن الشاعر يحيك قصة الثورات‪ ،‬كيف تبدأ؟ ما الذي يحدث؟‬ ‫كيف تتمثل يف شعر الشاعر ونغمة املغني‪ ،‬وفكر املفكر‪..‬‬ ‫ثم تسري الثورة لتصل إىل الذروة ليأيت األسياد فيقرشوا الثورة‬ ‫ويحوروها ويبدّلوها‪ ..‬ثم يعيدون كتابة التاريخ‬


‫ملف‬

‫الشعرية العراقية‬

‫بين زمنين‬ ‫الملف‪ :‬حسام السراي (بغداد)‬

‫الفنان ضياء العزاوي‬ ‫جغرافيا الشعر في العراق خضراء وشاسعة‪ ،‬اتسعت عبر الزمن لتكون حاضنة للشعر العربي وأبرز رموزه‪،‬‬ ‫بعد أن شكلت بوصلة لمعظم شعراء العربية الذين تتبعوها وتأثروا بها ونهلوا من تاريخها‪ .‬وليس من قبيل‬ ‫المبالغة القول إن الشعر العراقي هو الذي نهض بالقصيدة العربية وتوجها بالمعرفة والثقافة وأوصلها إلى‬ ‫مناطق شعرية وابداعية بعيدة وجديدة‪.‬‬ ‫إن الحديث عن الشعر العراقي ال يمكن أن يتم تناوله في موضوع واحد‪ ،‬أو من خالل حادثة واحدة‪ ،‬فهو‬ ‫ً‬ ‫عموما‪ ،‬ولذلك‬ ‫غني بالتحوالت واألحداث الكبرى التي تهم الشاعر الفرد كما تهم المجتمع الشعري العربي‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫بعيدا في اتجاهات كثيرة فمن الريادة إلى المنفى‪ ،‬ثم إلى شكل القصيدة وطريقها‬ ‫كان الحديث هنا يذهب‬

‫وصوالً إلى مفارقاتها وهمومها المتراكمة‪.‬‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪51‬‬


‫ملف‬

‫شعرية الريادة‬ ‫السياب ونازك المالئكة‬ ‫عراقيين‬ ‫العربي على موعدٍ مع بروز ثالثة روّ اد‬ ‫في العصر الحديث كان الشعر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫الكالسيكية‪ ،‬وعلى‬ ‫وعبدالوهاب البياتي‪ ،‬وبعد ذلك توالت االختراقات التجديديّ ة لجدران القصيدة‬ ‫ّ‬

‫العربي‪.‬‬ ‫ورسخوا مكانتهم في المشهد‬ ‫أيدي قائمة طويلة من الشعراء الذين أثبتوا حضورهم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫العربي‪ ،‬وما‬ ‫ظل ما يشهده العراق كيف ينظر الشعراء العراقيون لمكانتهم في خريطة الشعر‬ ‫اليوم وفي‬ ‫ّ‬ ‫الفضاء الذي تشغله قصائدهم؟‬

‫الفنان جواد سليم‬

‫سهيل نجم‬

‫للشعرية العراقية نكهة خاصة‬ ‫وعالمات فارقة‬

‫فرتة األربعينيات والخمسينيات‪ ،‬وربمّ ا ما بعدهام‪ ،‬منحت‬ ‫خاصة نتيجة ملا أنجزه شعراء تلك‬ ‫اقي ميزة ّ‬ ‫الشعر العر ّ‬ ‫الحقبة يف الريادة بخلق أسلوب وشكل ومضامني جديدة‬ ‫مل يألفها الشعر العر ّيب عىل طول تاريخه العريق‪ .‬فكان‬ ‫املربع املايس لبدر شاكر الس ّياب ونازك املالئكة وعبد‬ ‫الوهاب البيايت وبلند الحيدري قد قاد األجيال العرب ّية إىل‬ ‫مفتتح جديد يف اكتشاف أمنوذج «الشعر الح ّر»‪ ،‬لكون‬ ‫العراق كان وال يزال ميثل حاضنة ثقافيّة مرتكزة يف الشعر‬

‫‪52‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫أكرث من غريه‪ ،‬مثلام متيّزت مرص بكونها حاضنة مرتكزة‬ ‫للنرث والرسد العربيني منذ بداية القرن العرشين‪ .‬وقد‬ ‫دخلت يف ذلك عوامل تاريخ ّية واجتامع ّية وسياس ّية ع ّزز‬ ‫نضجها واحتدامها الحاجة إىل أمناط جديدة ومتم ّردة‬ ‫الشعري تتناسب والتط ّور الحاصل يف الوعي‬ ‫للتعبري‬ ‫ّ‬ ‫اإلبداعي‬ ‫والسيايس والثقا ّيف بعد االحتكاك‬ ‫االجتامعي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫بالثقافة العامليّة‪.‬‬ ‫هذه الريادة يف بنية الشعر العر ّيب ع ّززها الشعراء‬ ‫العراقيون الذين جاؤوا يف فرتة الستينيات ليكملوا املرحلة‬ ‫التالية من حداثة الشعر العر ّيب برفقة شعراء عرب كرث‬ ‫بالطبع‪ ،‬لك ّن شعراء الستينيات العراقيّني ختموا تجربتهم‬ ‫الشعريّة بإخالص واضح للمرحلة الستينية املميّزة يف‬


‫شعرية الريادة‬

‫سهيل نجم‬

‫هاتف الجنايب‬

‫الشعري الحديث‬ ‫النص‬ ‫اإلبداعيّة‬ ‫العامل أجمع فكانوا سبّاقني إىل تطوير أدواتهم الشعريّة‬ ‫الخاصة يف خلق ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫والجديد‪ ،‬ثم إن انتشار التعليم العايل يف غالبية الدول‬ ‫الفردي‪ .‬فهكذا أنجزت تجارب فاضل العزاوي‬ ‫ومتيّزهم‬ ‫ّ‬ ‫العرب ّية وتوف ّـر وسائل االتصال ويرسها السيام بعد انتشار‬ ‫ورسكون بولص وسامي مهدي وفوزي كريم وعيل جعفر‬ ‫شبكة اإلنرتنت دفع إىل الكشف عن مواهب شعريّة يف‬ ‫العالق‪ ،‬وآخرين من جيلهم‪ ،‬دورها يف تحريك عجلة‬ ‫كل مكان من العامل العر ّيب‪ ،‬مل يكن لها أن تزدهر لوال‬ ‫ّ‬ ‫الشعر العر ّيب إىل فضاءات رحبة ليس فقط يف بنية‬ ‫تالقحها مع التجارب العربيّة يف العراق‪ ،‬وغريه من البلدان‬ ‫القصيدة العربيّة بل حتّى يف تلقيها وأسلوب دراستها‬ ‫وفهمها الذي مل يعد سهالً‪ ،‬وصارت تحتاج إىل قارئ نبيه التي ّأسست نفسها شعريّاً من قبل برسوخ بنا ًء عىل‬ ‫ومستنري عليه أن يعرف كيف تتجلىّ له جاملياتها وصورها ظروفها املوضوع ّية والذات ّية‪.‬‬ ‫وأطلب من القارئ العر ّيب اليوم أن يالحظ مث ّة نكهة‬ ‫وعواملها‪ ،‬وقد أسهم يف ذلك الشعراء العراقيون بفعالية‬ ‫اقي‪ ،‬تستم ّد‬ ‫شعريّة ّ‬ ‫أساس ّية شهد لها النقد العر ّيب‪.‬‬ ‫تظل ّ‬ ‫خاصة يف كتابة الشعر العر ّ‬ ‫الشعر العر ّيب منذ السبعينيات وحتّى اليوم ميثـّل املرحلة فرادتها من البنية االجتامعيّة العراقيّة املتامهية يف‬ ‫الشعر وتعاطيه كتابة وتلقياً‪ .‬مبعنى آخر‪ ،‬يبقى الشعر‬ ‫الثالثة يف تط ّور الحداثة يف الشعر العر ّيب عموماً‪ .‬وصار‬ ‫هو الفاكهة الفكريّة التي يتداولها املثقفون العراقيون‪،‬‬ ‫التنافس كبريا ً وصعباً بني الشعراء يف أغلب البلدان‬ ‫كل واحد منهم‪ ،‬وعرض قدراته ومن هنا فإنّني أعتقد أ ّن مث ّة عالمات فارقة تجعل‬ ‫العرب ّية مبسعى إثبات مت ّيز ّ‬ ‫من هذا الف ّن التعبريي يف املقام األ ّول من مقامات‬ ‫الخاصة يف بنية‬ ‫الثقافة العراقيّة‪ ،‬ولها تأثريها ومكانتها‬ ‫ّ‬ ‫الشعر العر ّيب‪ ،‬عىل الرغم من طغيان شكل قصيدة النرث‬ ‫الريادة في الشعر‬ ‫جل الكتابات الشعريّة العرب ّية‬ ‫وفضاءاتها املعروفة يف ّ‬ ‫العربي عزّزها شعراء‬ ‫ّ‬ ‫كل مكان‪ ،‬تقريباً‪ ،‬من البلدان العرب ّية»‪.‬‬ ‫الراهنة يف ّ‬

‫الستينيات في العراق‬ ‫وأكملوا المرحلة التالية‬ ‫العربي‬ ‫من حداثة الشعر‬ ‫ّ‬ ‫برفقة شعراء عرب كثر‬

‫سهيل نجم‪ ،‬شاعر ومرتجم مواليد بغداد ‪ ،1956‬عضو االتحاد العام‬ ‫اقي»‬ ‫لألدباء والكتّاب يف العراق‪ ،‬نائب رئيس «بيت الشعر العر ّ‬ ‫ونائب رئيس تحرير مجل ّـة «بيت» الفصليّة الصادرة عنه‪ ،‬وهو أيضاً‬ ‫يدير تحرير مجل ّـة «املجلة األدبيّة العراقية» التي تصدر باالنكليزيّة‪.‬‬ ‫صدر له ثالثة دواوين‪« :‬فض العبارة» بريوت – عام ‪« ،1994‬نجارك‬ ‫أيّها الضوء» دمشق – ‪« ،2002‬ال جنة خارج النافذة» بغداد ‪.،-2008‬‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪53‬‬


‫ملف‬

‫الفنان مظهر احمد‬

‫اقي كانت وما تزال تكمن يف‬ ‫هاتف الجنايب‬ ‫إذن فمكانة الشعر العر ّ‬ ‫تن ّوع تجربته‪ ،‬يف وثوبيته‪ ،‬حيويته‪ ،‬استرشافه لروح عرصه‬ ‫العراقيون حملوا لواء التجديد‬ ‫اقي اليوم‪ ،‬برغم ما‬ ‫من غري الالئق أن نسبغ عىل أنفسنا‪ ،‬نحن معرش الشعراء‪ ،‬وانهامكه يف طرح األسئلة‪ .‬الشعر العر ّ‬ ‫أصاب العراق من دمار عرب العقود األربعة األخرية إال أنّه‬ ‫صفات تعظيم وتبجيل وامتيازات عىل حساب اآلخرين‪،‬‬ ‫لكننا سنجايف الحقائق والوقائع إن قلنا‪ :‬إ ّن الشعر العراقي أكرث فنون القول قابلية عىل تسنم مكانة طائر الفينيق‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ولعلـّه يجمع دور طائرين يف آن واحد‪ :‬العنقاء والفينيق‪.‬‬ ‫جحافل الشعراء عرب تاريخ األدب العر ّيب‪ .‬يكاد‬ ‫َ‬ ‫مل يق ْد‬ ‫كل ّـام كبا العراق سياس ّياً واقتصاديّاً الح الشعر وصاح‬ ‫اقي حارضا ً بامتياز يف كافة األزمنة‪.‬‬ ‫أن يكون الشع ُر العر ّ‬ ‫فهو الذي قاد بعد الشعراء األوائل يف فرتة ما قبل اإلسالم الشعراء‪ :‬ال رجعة‪ ،‬إىل األمام سرِ ْ ‪ .‬كانت العرب تعتقد‬ ‫بوجود نجم يدعى «حارس السامء» األمر الذي يذكرين‬ ‫حركات التجديد أسلوباً ولغة وإيقاعاً وتخ ّيالً‪ .‬وعليه‬ ‫اقي يف خريطة الشعر العر ّيب‪ .‬لهذا فال‬ ‫بكل بدور الشعر العر ّ‬ ‫فنحن امتداد شئنا أم أبينا لتلك املوجات واملحاوالت ّ‬ ‫أظ ّن أ ّن الشعراء العراقيني قد تركوا موقع الطليعة يف‬ ‫رصاعاتها وإرهاصاتها ومناكفاتها وعواقبها التي كانت‬ ‫الشعر العر ّيب‪.‬‬ ‫تتطلـّع إىل أمام ساعي ًة لطرح الدم الفاسد جانباً وضخ‬ ‫ويبدو يل أ ّن الشعراء العراق ّيني قد ظلموا كثريا ً من قبل‬ ‫دماء جديدة يف جسد الشعر العر ّيب‪.‬‬ ‫النقد العر ّيب‪.‬‬ ‫ال تقوم لشاعر قامئة يف عرصنا الحديث بالشعر وحده‬ ‫من دون أن يحفر وينقب ويُشَ كّل ثقافيّاً‪ ...‬سيبقى الشع ُر‬ ‫العراقي‬ ‫مكانة الشعر‬ ‫ّ‬ ‫اقي وشعراؤه يل ّونون خريطة الشعر العر ّيب حتّى‬ ‫العر ّ‬ ‫إشعار آخر‪ ،‬طاملا أ ّن أرواحهم ��ي التي تنشد وتغني‪.‬‬ ‫كانت وما تزال تكمن في‬ ‫عىل الصعيد الشخيص ما تزال ّ‬ ‫تدق باب الذاكرة مقولة‬ ‫تن ّوع تجربته‪ ،‬في وثوبيته‪،‬‬ ‫تتوقف‬ ‫الكاتب الربازييل «ماتشادو دو آسيز»‪« :‬فاألرض مل‬ ‫ْ‬ ‫حيويته‪ ،‬استشرافه لروح‬ ‫بع ُد عن الدوران أل ّن عددا ً من قصائد الشعر مل تظه ْر‬ ‫عصره وانهماكه في‬ ‫بعد»‪.‬‬

‫طرح األسئلة‬

‫‪54‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫هاتف الجنايب‪ ،‬مواليد العراق ‪ ،1952‬يحمل دكتوراه يف املرسح‬ ‫املقارن – جامعة وارسو ‪ ،1983‬يقيم يف وارسو منذ سبعينيات القرن‬ ‫املايض‪ ،‬صدر له يف الشعر‪« :‬القارات املتوحشة»‪ ،‬و«غبار الغزال»‪،‬‬


‫شعرية الريادة‬

‫سلامن داود محمد‬

‫و«فراديس أيائل وعساكر»‪ ،‬و«رغبة بني غيمتني»‪ ،‬و«موعد مع شفرة‬ ‫السكني»‪ ،‬له كتب أخرى يف النقد والرتجمة‪ ،‬منها‪« :‬كتاب الرشق‪،‬‬ ‫أشعار محطمة‪ ،‬األسئلة وحواشيها – مختارات شعريّة باإلنجليزيّة‪،‬‬ ‫ظهرية عربيّة – مختارات شعريّة بالفرنسيّة‪ ،‬املرسح العر ّيب‪ :‬جذوره‪،‬‬ ‫تاريخه وتجاربه الطليعية»‪.‬‬

‫سلامن داود محمد‬

‫سطوع مثير للجدل‬

‫دهور سومر وبابل وأكاد وسواها‪ ،‬مت ّوجة بقصائد‬ ‫الشاعرة «انخيدوانا» ابنة امللك رسجون األكدي والشاعر‬ ‫«كبتي ـ ايالين ـ مردوخ دابيبي» والشاعر «ورد كوال»‬ ‫األديب واملعزم اآلشوري و«ساكيل ـ كينم ـ أوبيب»‬ ‫الشاعر والع ّراف‪ ،‬ولكن شاعر قصيدة النرث العراق ّية‬

‫سيضبط شعراء قصيدة‬ ‫النثر بجريمة «التشابه»‬ ‫المارقة!! وقد غاب عن‬ ‫حصافة أولئك وهؤالء‬ ‫«إن‬ ‫تلك البديهية القائلة‪ّ :‬‬ ‫كل قصيدة هي جنس‬ ‫ّ‬ ‫مستقل بذاته»‬ ‫أدبي‬

‫أحمد عبد الحسني‬

‫الجديدة «اآلن» مل تأخذه قدسيّة األصول هذه وفصلها إىل‬ ‫املؤسسات املعنية بالتحقق من أصالة النسل‪،‬‬ ‫حيث جوائز ّ‬ ‫الشعري واالعتياش عىل‬ ‫وصحة الساللة وأسبقية الفعل‬ ‫ّ‬ ‫غنائم املرتبة األوىل يف هذا املضامر‪ ،‬بل إ ّن أوىل أفاعيله‬ ‫تجسدت إبان خروجه عىل «التابو»‪ ،‬ث ّم السعي قدماً‬ ‫ّ‬ ‫نحو براري التجديد واإلضافة والتخليق من دون االكرتاث‬ ‫برتسانة امليليشيات الداعية إىل الحفاظ عىل «قداسة‬ ‫النمط واملوروث» املتصلة عادة بـ «سيطرات التفتيش‬ ‫الثقاف ّية» املراهنة والداعية هي األخرى إىل اإللزام بتمثـّل‬ ‫منط معينّ يف الكتابة الشعريّة من دون سواه‪ ،‬وإال‬ ‫سيضبط شعراء قصيدة النرث بجرمية «التشابه» املارقة!!‬ ‫وقد غاب عن حصافة أولئك وهؤالء تلك البديهية القائلة‪:‬‬ ‫مستقل بذاته» بحسب‬ ‫ّ‬ ‫«إ ّن كل قصيدة هي جنس أديب‬ ‫تعبري «فريد ريش شليغل»‪ ،‬ذلك أ ّن قصيدة النرث العراق ّية‬ ‫التي تح ّررت من إطار هويّتها الشخصيّة من غري املساس‬ ‫بينابيعها الراسخة بالقدم أصبحت اليوم مرتامية كالهواء‬ ‫يف أرايض العاملني وسامواتهم بق ّوة ذخريتها الجامل ّية‬ ‫ومعداتها املعرف ّية‪ ،‬ومل يكن سطوعها املثري للجدل‬ ‫والشتائم والتصفيات األسلوب ّية إال خصيصة من خصائصها‬ ‫الج ّمة‪.‬‬ ‫اقي يد ّون يف سريته الذاتيّة‪ :‬ولد يف‬ ‫سلامن داود محمد‪ ،‬شاعر عر ّ‬ ‫بغداد وسيموت فيها‪ ،‬صدر له يف الشعر‪ :‬غيوم أرضيّة ‪ ،1995‬عالمتي‬ ‫الفارقة ‪ ،1996‬ازدهارات املفعول به ‪ ،2007‬له مخطوطات أخرى‬ ‫يف السرية والشعر‪ ،‬ترجمت قصائده إىل االنجليزيّة‪ ،‬والفرنسيّة‪،‬‬ ‫واإلسبانيّة‪ ،‬واألملانيّة‪.‬‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪55‬‬


‫ملف‬

‫أحمد عبدالحسني‬

‫وهم مركزية العراق ولبنان‬

‫يعيش الشاعر يف بغداد‪ ،‬كام يف بريوت‪ ،‬هاجساً غامضاً‬ ‫مؤداه أ ّن مدينته مدينة شعر بامتياز‪ ،‬قيل هذا رصاحة‬ ‫م ّرات‪ ،‬ومداورة م ّرات أكرث‪ ،‬وبدا كام لو أ ّن الشعر‬ ‫يُنتَظر بتلقائية من عراقيّني ولبنانيّني أكرث من سواهم‪.‬‬ ‫شاب قال إ ّن الشعر ـ بالنسبة‬ ‫أتذكّر مقاالً لشاعر لبنا ّين ّ‬ ‫له ـ يأيت من باءات ثالثة‪ :‬باريس وبريوت وبغداد‪.‬‬ ‫قلام توق ّـف أحد ملياً ليتف ّحص هذه املقولة ويتأ ّملها‪،‬‬ ‫ربمّ ا أل ّن العالمات الدالة عىل صدقها وفرية‪ :‬القصيدة‬ ‫والجواهري‬ ‫الكالسيكيّة املحدثة يقف بدوي الجبل‬ ‫ّ‬ ‫وسعيد عقل ممثّلني لها بجدارة‪ ،‬ثورة قصيدة التفعيلة‬ ‫اقي ال يخفى‪ ،‬يكفي أ ّن ثالثة راحلني‬ ‫ذات طابع عر ّ‬ ‫يتبارون لآلن عىل تأريخها هم الس ّياب والبيايت ونازك‬ ‫املالئكة‪ ،‬أما قصيدة النرث التي قيل إ ّن أ ّول من كتبها‬ ‫الرصايف‪ ،‬وربمّ ا روفائيل بطي‪ ،‬كانت الحقاً مختومة‬ ‫بختم شعراء لبنانيّني‪ ،‬أنيس الحاج ويوسف الخال ث ّم‬ ‫شوقي أيب شقرا وأجيال تبعتهم ك ّرست هذا الشكل‬ ‫الكتا ّيب‪.‬‬ ‫إىل أي ح ّد كانت هذه املقولة «مكانة الشعر يف‬ ‫هذين البلدين استثنائيّة» داعية إىل تكوين ما ميكن أن‬ ‫نسميه مركزا ً شعريّاً‪ ،‬لكرثة ما لقناها أنفسنا جيالً فجيالً‬

‫ال أشعر أنّي ابن مركز‬ ‫أن بغداد‬ ‫شعري‪ ،‬وال‬ ‫أظن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اليوم وال بيروت قادرة‬ ‫المضي بحمل هذا‬ ‫على‬ ‫ّ‬ ‫االستيهام لزمن آت‬

‫‪56‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫إىل أن أضحينا نتعاطى وإيّاها بتلقائية وثوقية؟‬ ‫النقدي مدخل يف تكريس هذه املركزيّة‪،‬‬ ‫ربمّ ا كان للجهد‬ ‫ّ‬ ‫الشعري العر ّيب كسول‪ ،‬ح ّط رحاله يف لحظات‬ ‫فالنقد‬ ‫ّ‬ ‫منتقاة بعناية‪ .‬منتقاة ألنّها أسهل وتل ّبي دواعي كسل‬ ‫الناقد‪ ،‬لحظة الر ّواد مثالً قيل فيها أكرث مماّ يجب‪ ،‬وبولغ‬ ‫يف تهويل مثارها‪ ،‬ومل تح َظ بناقد مشكك يفهرس نتاجات‬ ‫متس‪ ،‬وهي‬ ‫هؤالء الر ّواد‪ .‬فبقيت لحظة الر ّواد مق ّدسة ال ّ‬ ‫لحظة عراقيّة‪.‬‬ ‫حظيت ببهرجة‬ ‫التي‬ ‫شعر‬ ‫ة‬ ‫ـ‬ ‫مجل‬ ‫لحظة‬ ‫مثلها مثل‬ ‫ْ‬ ‫ّ‬ ‫إعالم ّية ال تنتهي إال لتبدأ‪ ،‬وهي لحظة لبنان ّية بالتأكيد‪.‬‬ ‫الغريب أنيّ أحدس أ ّن شعراء عرباً كثريين تساملوا هم‬ ‫أيضاً عىل هذه املقولة‪ ،‬إنّهم مثلنا ينتظرون شعرا ً مميّزا ً‬ ‫يأيت به بريد بغداد أو بريوت‪ .‬أقرأ لشعراء مرصيّني‬ ‫وسوريّني ومغاربة ومين ّيني وخليج ّيني وأجد أ ّن املركز ذو‬ ‫الطبيعة النفس ّية مل يعد شغاالً يف داخيل‪ ،‬ال أشعر أنيّ ابن‬ ‫شعري‪ ،‬وال أظ ّن أ ّن بغداد اليوم وال بريوت قادرة‬ ‫مركز‬ ‫ّ‬ ‫امليض بحمل هذا االستيهام لزمن آت‪.‬‬ ‫عىل ّ‬ ‫اقي من مواليد بغداد عام ‪،1966‬‬ ‫أحمد عبدالحسني‪ ،‬شاعر عر ّ‬ ‫غادر العراق ‪ ،1990‬أصدر ديوانه األ ّول «عقائد موجعة» ‪1999‬عن‬ ‫دار ألواح يف إسبانيا‪ ،‬والثاين «ج ّنة عدم» عن دار الساقي أواخر‬ ‫‪ ،2007‬كام أصدر بعدها باالشرتاك مع ناطق عزيز كتاب «عمدين‬ ‫بنبيذ األمواج» عن اتحاد الكتّاب يف دمشق وهو ترجمة لشعر‬ ‫اإليرانيّة فروغ فرخ زاد‪ ،‬أقام يف كندا العام ‪ ،2000‬عاد إىل العراق‬ ‫‪ ،2005‬حاصل عىل جائزة ديب الثانية يف الشعر ‪ ،2007‬رئيس سابق‬ ‫اقي يف دورته األوىل للعام ‪2012 2009-‬‬ ‫لبيت الشعر العر ّ‬


‫الفنانة سعاد العطار‬

‫القصيدة بين منفيين‬ ‫تقسيم تعسفي‬ ‫فني؟‬ ‫أم واقع‬ ‫ّ‬ ‫العراقي» تتجاوز حدود الجغرافيا وال تقف عند الذين غادروا وطنهم‪ ،‬لتشمل‬ ‫الشعري‬ ‫ظاهرة «المنفى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يتشكل منذ ستينيات القرن الماضي‬ ‫الخاصة‪ .‬حال كهذا بدأ‬ ‫كذلك من نفى نفسه على أرضه واختار عزلته‬ ‫بشكل أساس‪ ،‬ومن ّ‬ ‫ثم تعمّ ق في السبعينيات مع حملة التصفيات ض ّد جيل كامل من المثقفين‪ ،‬وكان‬ ‫الشعراء في طليعة أولئك المستهدفين‪.‬‬

‫ً‬ ‫ّ‬ ‫تاريخية للشعراء‬ ‫العراقي‪ ..‬انطولوجيا‬ ‫ولعل إصدار الشاعر د‪.‬علي ناصر كنانة‬ ‫الشعري‬ ‫أخيرا «المنفى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فنيا‪ً،‬‬ ‫ّ‬ ‫العراقيين في المنفى»‪ ،‬بمنزلة وثيقة‬ ‫تؤكد شساعة هذه الظاهرة وضرورة مراجعتها ومعاينة نتاجها ّ‬ ‫ّ‬

‫االحتجاجية والمتمرّ دة‪ ،‬مكتوبة بين منفيين «هنا» و«هناك»‪.‬‬ ‫مثلما بقيت الكثير من القصائد بنبرتها‬ ‫ّ‬

‫ً‬ ‫ُنطالع مثالً‬ ‫مقطعا للشاعر المغترب صالح فائق من قصيدته «أيّ ام»‪ّ :‬‬ ‫«إنما أتم ّدد في حديقة وأتامّ ل نفسي‬

‫في ثالثة مقاطع‪ -1« :‬رجل تعب من األسفار ‪ّ /‬‬ ‫إنه‪ ،‬اآلن‪ ،‬شاهد صامت لما رآه‪ -2 .‬موتى كانوا ينقبون عن‬

‫ّ‬ ‫تفكك الضوء األبيض‬ ‫اآلثار‪/‬مرئيون في شقة مزدحمة‪/‬أذهب نحوهم‪ ،‬فأفاجأ بعازف كمان‪ -3 .‬عائلة مشردة‬

‫ّ‬ ‫تفكك راية منصوبة في قبو قديم‪.»..‬‬ ‫وانعكاساته على أنقاض‪/‬قرى‪،‬‬

‫ثان للشاعر الراحل رعد عبدالقادر «‪ »2003 -1953‬من «أرض السواد»‪ ،‬وهو الذي عاش ومات في‬ ‫وفي مقطع ٍ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫حقيبة صغيرة واذهب‪/‬أغلق باب بيتك إلى األبد‪/‬التقل‬ ‫السفر‪/‬خ ْذ‬ ‫العراق‪« :‬سفر بعيد‪ /‬سفر إلى أقاصي‬

‫ً‬ ‫وداعا‪ /......‬ليس ثمّ ة أمل لكلكامش‪ /‬ال أمل لك بمصير مشابه لمصير عوليس‪ /‬اترك خلف ظهرك ّ‬ ‫كل اإللياذات‪/‬‬

‫اترك شهرزاد تقص حكاياتها المرّ ة…»‪.‬‬

‫ّ‬ ‫بأن الشعور بالنفي نفسه حاضر بقوّ ة برغم االختالف بين المنفى الفلبيني‬ ‫ومن هذين األنموذجين‬ ‫نستدل ّ‬

‫العراقي المتعلق بعبدالقادر‪.‬‬ ‫بالنسبة لفائق ونظيره‬ ‫ّ‬

‫العراقية‪.‬‬ ‫الثقافية‬ ‫أدناه شعراء عراقيون داخل العراق وخارجه في أخذ ورد بشأن هذه الظاهرة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪57‬‬


‫ملف‬

‫الفنان صالح حيثاين‬

‫القطيعي املستسلم واملهادن‪ ،‬مثقف الطاعة والهبات‬ ‫محمد مظلوم‬ ‫شعر المنفى المكاني والثقافي وعدم القدرة عىل العصيان‪.‬‬ ‫األدب الخالد َّأسسه املنفيون منذ تلك املنايف األسطوريّة‬ ‫بعد خروجي من العراق يف خريف العام ‪ 1991‬بقليل‪،‬‬ ‫ألوفيد ودانتي وصوالً إىل منايف الشعراء الكبار من إرث‬ ‫كتبت آنذاك مقالة بعنوان «ثقافة أم ثقافتان» بعد أن‬ ‫االشرتاك ّية يف القرن العرشين كربودسيك وميووش‪.‬كام أنّنا‬ ‫واجهت فور مواجهة «املنفى» صورة منطيّة لتوصيف‬ ‫أدب الداخل العراقي حينها بأنّه أدب فايش‪ ،‬ألنَّه مكتوب نعرف أ َّن هناك دوالً ش َّيدها املنفيون من منوذج األندلس‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫إىل فكرة أمريكا‪ ،‬فهل يستعىص عىل الشعراء منهم تشييد‬ ‫تحت سقف مح َّدد حيث ال حريَّة للكاتب يف تدوين ما‬ ‫ثقافة جديدة وحركة شعريّة ذات خصائص واضحة؟‪.‬‬ ‫يرى ويريد‪ .‬اليوم‪ ،‬وبعد أكرث من عرشين عاماً عىل تلك‬ ‫العامل اآلخر َّأسسه الشعراء العراقيون املنفيون يف القرن‬ ‫لت‬ ‫املقالة‪ ،‬وبعد زالزل كربى طحنت البالد والعباد وتب َّد ْ‬ ‫العرشين وما بعده‪ ،‬منذ سكَّان األرضحة البعيدة كعبد‬ ‫خريطة املنفى‪ ،‬وتداخلت الخطوط بني ثنائية الداخل‪/‬‬ ‫كل تلك‬ ‫الخارج أجد نفيس أمام السؤال ذاته‪ ،‬وكأ َّن ّ‬ ‫الزالزل والنكبات مل تق َو عىل َه ْدم تلك الحدود األزلية‬ ‫لقد أضحى المنفى‬ ‫كأزلية النور والظلمة‪.‬‬ ‫ً‬ ‫خيارا‪ ،‬ولم يعد مجرَّد‬ ‫مفهوم املنفى نفسه قد تغيرَّ بعد ذلك الوقت‪ ،‬وتحديدا ً‬ ‫بعد االحتالل‪ ،‬فقد تع َّزز باملزيد من األسامء امله ّمة‬ ‫اضطرار‪ ،‬المثقف‬ ‫يف الثقافة العراقيّة‪ ،‬كام أنّه مل يعد أيديولوجيّاً‪ ،‬بل إ َّن‬ ‫الحقيقي عبر العصور هو‬ ‫الداخل أو الوطن املزعوم أضحى منفى آخر‪ ،‬منفى‬ ‫المثقف المنفي‪ ،‬ألنَّه‬ ‫مفتوحاً ألولئك املنف ّيني القدامى وهؤالء الجدد معاً‪ ،‬مل‬ ‫يحمل شعار العصيان‬ ‫يعد املنفى مكان ّياً إذن‪ ،‬بل أصبح نفياً مزدوجاً مكان ّياً‬ ‫وثقافيّاً‪ ،‬هذه امل ّرة ليس بفعل الفاشية التي انهارت‪،‬‬ ‫الدائم‪ ،‬ويهرب باستمرار‬ ‫وإنمّ ا بفعل عقليّة اإلقصاء واإللغاء وشيوع منوذج املثقف‬

‫من بيوت الطاعة‬

‫‪58‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫القصيدة العراقية بين منفيين‬

‫محمد مظلوم‬

‫املحسن الكاظمي وصوالً إىل الجواهري والبيايت وبلند‬ ‫الحيدري ورسكون بولص‪ ،‬وليس انتهاء بسعدي يوسف‬ ‫ومظفر النواب وهم يطيحون بآخر األوهام للفكرة‬ ‫اقي‬ ‫الرومانس ّية عن «الوطن»‪ .‬هذه رموز الشعر العر ّ‬ ‫يف قرن كامل‪ ،‬متوت كلُّها يف املنايف أو تكاد‪ ،‬لقد أضحى‬ ‫املنفى خيارا ً‪ ،‬ومل يعد مج َّرد اضطرار‪ ،‬املثقف الحقيقي‬ ‫عرب العصور هو املثقف املنفي‪ ،‬ألنَّه يحمل شعار العصيان‬ ‫الدائم‪ ،‬ويهرب باستمرار من بيوت الطاعة‪ ،‬والشاعر هو‬ ‫املجسد لصورة ذلك املثقف وأشعاره هي سريته ِ‬ ‫وش َعاره‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫اقي األصيلة تتمثَّل بشعر املنفى فقط‪،‬‬ ‫ر‬ ‫الع‬ ‫الشعر‬ ‫حركة‬ ‫ّ‬ ‫وأعيد التأكيد هنا أ ّن املقصود باملنفى ليس املكاين فقط‪،‬‬ ‫وإنمّ ا املنفى الذهني‪ ،‬وهذا املفهوم ينطبق عىل منفى‬ ‫النقدي عن‬ ‫الداخل‪ ،‬ومن هنا كذلك حاولت يف كتايب‬ ‫ّ‬ ‫اقي «حطب إبراهيم» ترسيخ مفهوم «الجيل‬ ‫الشعر العر ّ‬ ‫البدوي» لتوصيف أولئك الشعراء املنشقِّني دامئاً عن سياق‬ ‫الثقافة السائدة‪ ،‬ذلك أ ّن منوذج «الجيل البدوي» غيـر‬ ‫املؤسسايت فحسب‪ ،‬بل ومع‬ ‫متوافق‪ ،‬ليس مع محيطه ّ‬ ‫تراث الدولة‪ ،‬ووصايا أجداده وآبائه من األجيال السابقة‪،‬‬ ‫كام يبدو «البدوي» أفصح قرين لفكرة التم ُّرد‪ ،‬ونشدان‬ ‫الح ِّرية‪ ،‬تحت وطأة الحروب اإلقليمية والنـزاعات املحل ّية‬ ‫ونزعة الهويّات الضيّقة‪.‬‬ ‫اقي ولد يف بغداد عام ‪ ،1963‬حاصل‬ ‫محمد مظلوم‪ ،‬شاعر عر ّ‬ ‫عىل بكالوريوس من كلية الرشيعة – جامعة بغداد‪ ،‬غادر العراق‬ ‫إىل سوريا حيث يقيم منذ عام ‪ ،1991‬نرش أوىل قصائده عام ‪1978‬‬

‫باسم األنصار‬

‫العمودي‪ .‬أسهم مع الشاعر‬ ‫وكانت قصيدة غزلية من الشعر‬ ‫ّ‬ ‫السوري أحمد سليامن وعدد آخر من األدباء العرب يف إصدار مجلة‬ ‫كراس لإلبداع املغاير يف بريوت ‪.1994‬أعامله‪ :‬غري منصوص عليه ـ‬ ‫ارتكابات‪ ،‬املتأخر ـ عابرا ً بني مرايا الشبهات‪ ،‬محمد والذين معه‪،‬‬ ‫النائم وسريته‪ ،‬مسة شعراء عراقيّني «مختارات مع آخرين»‪ ،‬عبد‬ ‫الوهاب البيايت ـ كتاب املختارات «مقدّمة يف تجربته ومنتخبات من‬ ‫أشعاره ـ دار الكنوز األدبيّة ـ بريوت»‪ ،‬أندلس لبغداد‪ ،‬ربي ُع الجرناالت‬ ‫ونريوز الحالجني‪ ،‬اسكندر الربابرة‪ ،‬عر ُاق الكولونيالية الجديدة‪ ،‬الف ُنت‬ ‫البغداديّة ـ فقهاء املارينـز وأهل الشقاق‪ ،‬حطب ابراهيم أو الجيل‬ ‫البدوي‪ ،‬كتاب بازي النسوان‪ ،‬كتاب فاطمة‪ ،‬أصحاب الواحدة ـــ‬ ‫اليتيامت واملشهورات واملنسيات من الشعر العر ّيب‪.‬‬

‫‪...................................................................................‬‬

‫باسم األنصار‬

‫الشعر شأن فردي‬

‫جمعي‪ ،‬والشاعر‬ ‫فردي أكرث مماّ هو‬ ‫الشعر نشيد‬ ‫روحي ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يقيم عالقته مع الشعر مثلام يقيم املتعبد الوحيد يف‬ ‫محرابه عالقته مع الوجود أو مع خالقه‪ .‬وأرى ان الشعر‬ ‫اقي دائم املثابرة والحامس يف البحث عن ماهو جديد‬ ‫العر ّ‬ ‫وحديث‪ ،‬ولكن أبناء الحركة الشعريّة العراق ّية ليسوا عىل‬ ‫نفس املستوى من حيث القيمة الفن ّية وذلك الختالف‬ ‫وتفاوت املثابرة بني شاعر وآخر‪ .‬مثلام أ ّن الشعراء يف‬ ‫الداخل ليسوا بنفس روحية الشعراء يف الخارج‪ ،‬واملواهب‬ ‫الشعريّة طبعاً موجودة يف داخل العراق اآلن‪ ،‬ولك ّن‬ ‫اليشء الذي يحزنني ح ّقاً هو أ ّن هذه املواهب ال متلك‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪59‬‬


‫ملف‬

‫العاملي أو مع الثقافة‬ ‫منافذ كثرية للتواصل مع الشعر‬ ‫ّ‬ ‫العامليّة بشكل عام‪ .‬الشعراء يف الداخل ولألسف يعيشون‬ ‫ظروفاً قاهرة تش ّوش عىل موهبة وذهنية أي أنسان يف‬ ‫العامل وليس عليهم فقط‪ .‬ومع ذلك تقرأ لهذا الشاعر أو‬ ‫ذاك قصائد جميلة وعميقة ّ‬ ‫تدل عىل مستوى التح ّدي‬ ‫الكبري الذي ميلكه شعراء الداخل إزاء املوت والضياع‪.‬‬ ‫والشعري‪.‬‬ ‫مل تكن الجغرافيا عائقاً بوجه التالقح الثقا ّيف‬ ‫ّ‬ ‫الفرنيس منذ بودلري تأث ّر‬ ‫لدينا مثال عىل ذلك‪ ،‬الشعر‬ ‫ّ‬ ‫كثريا ً بالشاعر األمرييكّ إدغار أالن بو‪ .‬والحركة الرومانس ّية‬ ‫والسوريال ّية وغريهام من املدارس والحركات الفن ّية‬ ‫كل أنحاء العامل من دون صعوبة‪.‬‬ ‫والشعريّة انتقلت إىل ّ‬ ‫هذا إذا كان ما نقصده مبفهوم الحركة‪ .‬أما إذا قصدنا شيئاً‬ ‫اقي يف الداخل مبثيله الذي يف‬ ‫آخر كأن تأث ّر الشعر العر ّ‬ ‫الخارج أو العكس‪ ،‬فاإلجابة عىل ذلك هي طبعاً‪ .‬فالشعراء‬ ‫العراق ّيون عىل الرغم من اختالف ظروفهم الحيات ّية‬ ‫واليوم ّية إال انّهم بقوا ميتلكون الكثري من الهموم املشرتكة‪،‬‬ ‫والتأثري فيام بينهم وارد وبق ّوة لهذا السبب بفعل توفّر‬ ‫ظروف مالمئة لالطالع عىل منجز بعضهم بعضاً سواء عرب‬ ‫النت أو عرب وسائل االعالم املختلفة‪.‬‬ ‫وأشري إىل حجم الفائدة املتأتية من طبيعة عالقات‬ ‫الشاعر املغرتب مع أفراد املجتمع الغر ّيب عىل جميع‬ ‫مستوياتها وأشكالها‪ ،‬إذ تجعله يتف ّهم ملاذا ظهرت حركات‬ ‫فنيّة وشعريّة وحتّى فلسفات جديدة مثل الدادائية‬

‫الشعراء العراقيّون على‬ ‫الرغم من اختالف ظروفهم‬ ‫الحياتيّة واليوميّة إال انّهم‬ ‫بقوا يمتلكون الكثير‬ ‫من الهموم المشتركة‪،‬‬ ‫والتأثير فيما بينهم وارد‬

‫‪60‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫والسوريالية والبنيوية والتفكيكية‪ ..‬الخ يف املجتمع الغر ّيب‪.‬‬ ‫الشعراء يف الداخل يفتقدون هذا اليشء لألسف وهذا‬ ‫ليس ذنبهم طبعاً وإنمّ ا ذنب ظروفهم الصعبة‪ .‬ولك ّن‬ ‫السؤال املهم هنا‪ ،‬هو كم من شعراء الخارج استطاع أن‬ ‫يستثمر فرصة تواجده العظيمة يف الغرب؟ إجابتي هي‬ ‫قليل‪ ،‬بل وقليل ج ّدا ً‪ .‬أمل أقل إ ّن الشعر هو قضية فرديّة‪.‬‬ ‫اقي مقيم يف الدمنارك‪ ،‬صدر‬ ‫باسم األنصار‪ ،‬شاعر وكاتب عر ّ‬ ‫له‪« :‬رجل الصفصاف‪ ،‬نحيا وميوت الوطن‪ ،‬ترانيم ابن آدم»‪ ،‬شارك‬ ‫يف تأسيس مجموعة سومر الثقافيّة التي قدّمت الكثري من األمايس‬ ‫الفنيّة واألدبيّة املختلفة يف الدمنارك عام ‪ ،2000‬أحد الفائزين‬ ‫مبسابقة «بريوت ‪.2009 »39‬‬

‫‪...................................................................................‬‬

‫حسن السلامن‬ ‫فارق فني‬

‫اقي بشكل‬ ‫هناك اعتبارات متثيل املشهد‬ ‫ّ‬ ‫الشعري العر ّ‬ ‫عام‪ ،‬والتي تثار ما أن تطرح قضية شعر الداخل والخارج‬ ‫اقي وهل هناك تفاعل وتعالق‪ ،‬أو تنافر واختالف‬ ‫العر ّ‬ ‫بني الفريقني‪ ،‬ويف رأيي هناك ثالث قضايا أساسية تطفو‬ ‫الشعري‪،‬‬ ‫من معمعة هذا الجدل‪ .‬وهي«طبيعة التعبري‬ ‫ّ‬ ‫والرؤية الشعريّة للوقائع واألحداث‪ ،‬واملوسوعة املعرف ّية‬ ‫اقي»‪.‬‬ ‫أو البعد الثقا ّيف للشعر العر ّ‬ ‫الشعري للقضايا املختلفة‪ ،‬دامئاً‬ ‫عىل مستوى التعبري‬ ‫ّ‬ ‫الشعري عرب آليات انزياح ّية‬ ‫التمثيل‬ ‫وبالرضورة‪ ،‬يجري‬ ‫ّ‬


‫القصيدة العراقية بين منفيين‬

‫حسن السلامن‬

‫عالية الدرجة من دون غلو أو تط ّرف تج ّنباً للسقوط‬ ‫يف براثن التقريريّة واملبارشة والشعاراتيّة وبالتايل فقدان‬ ‫القيمة‪ .‬وهذا ما يشرتك به شعر الداخل والخارج‪ ،‬أو‬ ‫الشعر مبجمله وباملحصلة ال يوجد اختالف‪ .‬أما عىل‬ ‫مستوى الرؤية الشعريّة‪ ،‬فإنّنا نعتقد با ّن شعراء الخارج‬ ‫يتميّزون عن شعراء الداخل بالرؤية عن كثب‪ ،‬أو الرؤية‬ ‫من الخلف بسبب بعدهم عن املوقع الجغرايف الحقيقي‬ ‫لألحداث‪ ،‬مماّ يجعل رؤيتهم أكرث روية‪ ،‬وعقالنية‪،‬‬ ‫ووضوحا‪ ً،‬وهدوءا ً‪ ،‬خالفاً للقسم األعظم من شعراء‬ ‫الداخل الذي تكون رؤيتهم فيه رؤية محايثة لوجودهم‬ ‫يف قلب األحداث‪ ،‬األمر الذي يجعل الكثري من تجارب‬ ‫الداخل‪ ،‬تجارب يغلب عليها االنفعال والعجالة والتش ّنج‪،‬‬ ‫اقي مبآسيه‬ ‫وقد يصل األمر‪ ،‬ونظرا ً لفداحة الواقع العر ّ‬

‫شعراء الخارج يتميّزون‬ ‫عن شعراء الداخل‬ ‫بالرؤية عن كثب‪ ،‬أو‬ ‫الرؤية من الخلف بسبب‬ ‫بعدهم عن الموقع‬ ‫الجغرافي الحقيقي‬ ‫لألحداث‬

‫عيل سعدون‬

‫وكوارثه الخرافيّة‪ ،‬إىل سقوط الكثري من شعر الداخل يف‬ ‫التعمية والفوىض والتفكّك واالنكفاء عرب مونولوجات‬ ‫شعريّة يف غاية العدمية والعبث‪ ،‬وهو ما يجعل نتاجهم‬ ‫الشعري فاقدا ً للقيمة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫هذا ال يعني عدم وجود تجارب شعريّة من الخارج‬ ‫العدمي تحت ضغط طبيعة امليول‬ ‫تنحى ذات املنحى‬ ‫ّ‬ ‫والتص ّورات الفكريّة للشاعر‪ ،‬إذ أ ّن ما أوردناه لالستشهاد‬ ‫بشكل عام‪.‬‬ ‫أما املوسوعة املعرف ّية أو البعد الثقا ّيف‪ ،‬فتع ّد‪ ،‬أو يع ّد‪،‬‬ ‫قاسامً مشرتكاً بني شعراء الداخل والخارج من خالل‬ ‫التز ّود من نفس املصادر‪ ،‬سواء كانت معرفيّة ‪ /‬شعريّة‪ ،‬أم‬ ‫حياتيّة‪ ،‬فمعظم شعراء الخارج قد خاضوا جنباً إىل جنب‬ ‫شعراء الداخل التجارب نفسها‪ ،‬وم ّروا ً بذات الظروف‪،‬‬ ‫وكذا األمر بالنسبة للتأث ّر بالحداثة الشعريّة وتح ّوالتها‪،‬‬ ‫وكذلك التجارب الشعريّة العراق ّية املعروفة األمر الذي‬ ‫يجعل التفاعل والتقارب بني الفريقني طبيعياً‪ .‬ومماّ تق ّدم‬ ‫نلحظ أ ّن الفارق بني شعر الداخل والخارج هو فارق‬ ‫ف ّني بالدرجة األساس‪ ،‬ألنّنا مهام قلنا عن تأثري الغربة‬ ‫بحق شعراء الخارج‪ ،‬تبقى الثقافة مبعناها‬ ‫واالبتعاد ّ‬ ‫األوسع واألعمق هي املهيمنة‪.‬‬ ‫اقي‪ ،‬ولد عام ‪ / 1963‬ميسان‪،‬‬ ‫حسن السلامن‪ ،‬شاعر وناقد عر ّ‬ ‫صدر له‪ :‬أنفاق‪ ،‬عىل األرض مبارشة‪ ،‬حاصل عىل عىل عدة جوائز‪.‬‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪61‬‬


‫ملف‬

‫اقي‪ ،‬منذ مثانينيات القرن املايض‪،‬‬ ���عيل سعدون‬ ‫يف ظواهر الشعر العر ّ‬ ‫وإ ّن ما يكتب منها «بقصد الشعر» يف التجارب العربيّة‬ ‫معايير فارغة‬ ‫ال ميكن للشعر العراقي‪ ،‬وهو القامة املهمة والشاخصة املعارصة‪ ،‬يكاد يكون «نرثا ً بامتياز»‪ ،..‬وإ ّن ما يقع بني‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أيدينا من قصائد النرث املرصيّة‪ ،‬واملغارب ّية‪ ،‬وغريها‪ ،‬مثال‬ ‫يف الشعر العر ّيب‪ ،‬أن يخضع لتقسيامت من قبيل «داخل‬ ‫حي وشاخص عىل ما نقول به «هنا» ‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫وخارج»‪ ،‬إنّه ببساطة شديدة يخضع ملعايري الشعريّة‬ ‫اقي إىل داخل‬ ‫وأرى عدم إمكانية تقسيم الشعر العر ّ‬ ‫الحقّة‪ ،‬تلك التي تخلخل حواسك وتعبث بدورتك‬ ‫تخص الجغرافيا‪ ،‬والشعر ليس‬ ‫وخارج‪ ،‬إنّها تقسيامت ّ‬ ‫الدمويّة‪ .‬والشعر أسمى من أن نأخذه حتف أنفه‬ ‫جغرافيا بطبيعة الحال‪ ،‬وإ ّن ما كتبه يوسف الصائغ‪،‬‬ ‫كخروف لتقسيامت الوهم السائد‪ ،‬تلك التي تخضع‬ ‫بطبيعة الحال إىل مزاج سيايس بالدرجة األوىل‪ ،‬فيام يجدر وسعدي يوسف‪ ،‬وفوزي كريم‪ ،‬يكاد ينطلق من ذات‬ ‫ّ‬ ‫املنطلقات التي ينطلق منها عبدالزهرة زيك ورعد زامل‬ ‫فني محض‪.‬‬ ‫بنا‪ ،‬أن نقرأ الشعر مبزاج ّ‬ ‫أهمية الشعر العراقي تأيت من تواشج ظواهره الشعرية‪ ،‬ويحيى البطاط وغريهم‪ ،‬مع الفروقات الفنيّة واألسلوبيّة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل منهم‪ ..‬وما أعنيه باملنطلق املتقارب‬ ‫التي متيّز أداء ّ‬ ‫مع تح ّوالته الس ّياس ّية واالجتامع ّية‪ ....‬وما نقوله هنا‪،‬‬ ‫الوجودي والكو ّين يف جدل الحياة العراقيّة‬ ‫«هنا» هو اله ّم‬ ‫ّ‬ ‫الفلسطيني‬ ‫سينطبق عىل ظواهر عربيّة أخرى كالشعر‬ ‫ّ‬ ‫نفسها‪.‬‬ ‫عىل سبيل املثال‪ ،‬وربمّ ا غريه أيضاً‪.‬‬ ‫اقي‪ ،‬تتف ّوق عىل‬ ‫إن األداء‬ ‫ّ‬ ‫الشعري لظواهر الشعر العر ّ‬ ‫وألفت االنتباه إىل الخصوصيّة التي نقول بها «هنا»‬ ‫التقسيامت الواهية واالجرتاحات غري املنطقيّة‪ ،‬والتي ال‬ ‫الفني‪ ،‬أي‬ ‫بأنّها تكمن يف قبضته املحكمة عىل الجانب ّ‬ ‫تخص جوهر الشعر‪ ،‬ذلك إ ّن الشعر جوهر وباطن‪ ،‬ال‬ ‫ّ‬ ‫صناعة الظاهرة وفق مح ّددات فن ّية‪ ،‬األمر الذي تفتقده‬ ‫يستند للمظاهر الخارجيّة التي نقحمه فيها عىل الدوام‪،..‬‬ ‫الشعري‬ ‫معظم التجارب العربيّة‪ ،‬التي يغلب انفعالها‬ ‫ّ‬ ‫كام وأظ ّن أنّه من صنع عدد من الواهمني الذين تص ّوروا‬ ‫مع الحيايتّ‪ ،‬ح ّد التقريريّة واملبارشة‪ ،‬يساعدهام يف ذلك‪،‬‬ ‫بعد عودتهم إىل العراق عقب زوال الديكتاتورية‪ ،‬إنّهم‬ ‫«التقليدي» والشائع يف خريطة الشعر‬ ‫الشعري‬ ‫الشكل‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«نجوم» مبج ّرد أنّهم كتبوا أشياء باردة‪ ،‬خارج محرقة‬ ‫العر ّيب‪.‬‬ ‫إ ّن قصيدة النرث عىل سبيل املثال‪ ،‬مل تتبلور بشكل حقيقي‪« ،‬الداخل»‪ ،‬وأ ّن أياً منهم يُنظر له اآلن «أعني بعد‬ ‫العودة» عىل أنّه قامة مه ّمة‪ ،‬استنادا ً ملعايري فارغة‬ ‫ومل تستند إىل الشعريّة وفق التنظريات املعارصة‪ ،‬إال‬ ‫يوسمونها بـ «الداخل والخارج»‪.‬‬ ‫ويف هذا الصدد أشري إىل تجربة زاهر الجيزاين‪ ،‬انظر‬ ‫التواتر والتصاعد فيها‪ ،‬ما كتبه يف الداخل يتف ّوق عىل‬ ‫ما كتبه يف الخارج‪ ،‬وأيضاً مث ّة أشياء كتبها الجيزاين يف‬ ‫أرى عدم إمكانية‬ ‫السنوات األخرية‪ ،‬تكاد تتف ّوق عىل تجربته امله ّمة يف‬ ‫الشخيص»‪.‬‬ ‫«األب يف مسائه‬ ‫العراقي‬ ‫تقسيم الشعر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫إلى داخل وخارج‪،‬‬ ‫تخص‬ ‫إنّها تقسيمات‬ ‫ّ‬ ‫الجغرافيا‪ ،‬والشعر ليس‬ ‫جغرافيا بطبيعة الحال‬

‫‪62‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫اقي‪ ،‬ولد عام ‪/ 1968‬ميسان‪ ،‬صدر‬ ‫عيل سعدون‪ ،‬شاعر وناقد عر ّ‬ ‫النص التسعيني‪ .‬نرش العديد‬ ‫له‪ :‬الغياب العايل‪ ،‬اصغاء للمنفى‪ ،‬جدل ّ‬ ‫من النصوص والدراسات يف الدوريات العراقيّة والعربيّة‪ ،‬قيد الطبع‪:‬‬ ‫مجموعته الشعريّة الثالثة «غروب ال عالقة له بالشمس»‪ ،‬كتابه‬ ‫اقي»‬ ‫ّ‬ ‫النقدي «مراجعات يف النقد العر ّ‬


‫القصيدة والحرب‬

‫ر ّدة عمودية‬

‫ً‬ ‫ً‬ ‫تعبويا من أسلحة المعركة‪ .‬فالعراقيون الذين‬ ‫سالحا‬ ‫امتدت آثار الحرب في العراق إلى الشعر الذي بات‬ ‫كانوا سباقين إلى الحداثة والتجريب وجدوا أنفسهم وقد عادوا إلى تقليدية فرضتها الشروط السياسية‬ ‫وثقافة الموت والخنادق‪.‬‬ ‫في التحقيق التالي محاولة لتلمس اآلثار التي تركتها تحوالت الحرب على فنية القصيدة العراقية التي‬ ‫وصلت إلى مرحلة ريادية في النص والتنظير‪ ،‬وقطعت مع الماضي قبل أن تعود من جديد إلى الكالسيكية‪.‬‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪63‬‬


‫ملف‬

‫العمودي للقصيدة كا َن موجودا ً عىل الدوام وهو‬ ‫الشكل‬ ‫ّ‬ ‫باسم املرعبي‬ ‫قد يخفت يف فرتة ويعلو يف أخرى كام يف فرتة الحرب‬ ‫تجارب فرديّة تدأب على االختالف‬ ‫العراق ّية اإليران ّية مثلام يالحظ السؤال‪ .‬لك ّن املسألة‬ ‫والقطيعة‬ ‫ليست هنا أيضاً فبقدر ما «انتعش» العمود بحكم حاجة‬ ‫املاكنة الدعائيّة للنظام وقتئذ لهذا النوع «التعبوي»‬ ‫‪1‬‬ ‫«التحشيدي» من «الشعر» كام يحدث يف الحروب عادة‪،‬‬ ‫ال ميكن النظر إىل موضوعة كبرية كهذه تتعل ّـق بواحد‬ ‫فإ ّن الثامنينيات العراق ّية كانت مرحلة فاصلة لصالح‬ ‫من أكرث مالمح الثقافة العراق ّية عمقاً وأثرا ً أال وهو‬ ‫الحداثة الشعريّة العراق ّية إذ شهدت نوعاً من القطيعة‬ ‫الشعر مبعزل عن عوامل كثرية‪ ،‬اجتامع ّياً وسياس ّياً‪ ،‬كالتي‬ ‫الشعري لثالث حقب ـ إذا جاز لنا هذا‬ ‫مع اإلرث‬ ‫ّ‬ ‫شهدتْ انطالقة ما ُعرف بـ «حركة الشعر الح ّر» نهاية‬ ‫التحقيب ـ وهي الخمسينيات والستينيات والسبعينيات‪،‬‬ ‫األربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن العرشين‬ ‫فتجد يف كثري من النامذج النرثيّة التي كُتبت تحت‬ ‫عىل يد الس ّياب وبلند والبيايت‪ .‬إ ّن الرتاجع املشار إليه يف‬ ‫النص املفتوح أو الكتابة الجديدة‬ ‫السؤال مل يكن تراجعاً باملعنى الشائع بقدر ما كان طغياناً عناوين قصيدة النرث أو ّ‬ ‫مفارق ًة للمنجز السابق بشكل أو آخر‪ ،‬مع مالحظة أنّني‬ ‫للثقافة الرسمية التي ن ّحت‬ ‫مل أرد هنا التحقيب الجييل‬ ‫جانباً الفاعلية التي ُع َ‬ ‫رف‬ ‫ـ نسبة إىل جيل ـ كام هو‬ ‫اقي يف‬ ‫بها الشاعر العر ّ‬ ‫الثمانينيات العراقيّة كانت‬ ‫دارج يف العراق‪ ،‬بل اعتمدتُ‬ ‫التجريب والتجديد‪ ،‬لك ّن‬ ‫مرحلة فاصلة لصالح الحداثة التحقيب النصيّ ‪ ،‬إذ من‬ ‫هذه الثقافة املحافظة‬ ‫الرضورة تأشري أ ّن أه ّم منجز‬ ‫كل‬ ‫بطبيعتها‪ ،‬شأنها شأن ّ‬ ‫الشعريّة العراقيّة إذ شهدت‬ ‫شعراء السبعينيات يف العراق‬ ‫ما هو رسمي‪ ،‬مل تقدر‬ ‫نوع ًا من القطيعة مع اإلرث‬ ‫قد تحقّق يف الثامنينيات‪ ،‬عكس‬ ‫عىل إلغاء خصيصة الشاعر‬ ‫شعراء الثامنينيات الذين ق ّدموا‬ ‫الشعري لثالث حقب وهي‬ ‫ّ‬ ‫اقي‪ ،‬كام أنّه ليس‬ ‫العر ّ‬ ‫مقرتحاتهم الكتاب ّية الناجزة يف‬ ‫بالرضورة ربط العودة إىل‬ ‫الخمسينيات والستينيات‬ ‫حقبتهم ذاتها وهو يش ٌء تجدر‬ ‫العمودي كملمح مالزم‬ ‫ّ‬ ‫والسبعينيات‬ ‫معاينته ودراسته‪ ،‬يف ح ّد ذاته‪.‬‬ ‫لهذا النكوص‪ ،‬إذ إ ّن‬ ‫‪64‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫القصيدة والحرب‬

‫باسم املرعبي‬

‫‪2‬‬ ‫ال ت ُحسب املسألة يف الشعر أو الكتابة عموماً مبج ّرد‬ ‫الرغبة يف النزوع إىل اتجاه ما بقدر ما يتحقّق ذلك عىل‬ ‫اقي‪،‬‬ ‫الورق فعالً‪ .‬وطاملا أ ّن الحديث عن الشعر العر ّ‬ ‫تحديدا ً‪ ،‬أرى أ ّن جملة املتغيرّ ات القاسية التي خضّ ت‬ ‫الحياة العراقيّة برمتها منذ التسعينيات ـ كمرحلة فاصلة‬ ‫ـ وحتّى اليوم ال ميكن إال أن يكون لها آثارها الشائهة عىل‬ ‫كل يشء‪ ،‬وعلينا أن ال نغايل كثريا ً ونعزل «الشاعر» عن ما‬ ‫ّ‬ ‫يدور حوله‪ .‬فإذا كانت األرض تهت ّز تحت قدميه كيف به‬ ‫أن يُحسن التفكري السوي!‬ ‫خالصة القول إ ّن هناك تراجعاً يف أهمية املتحقّق‬ ‫الشعري‪ ،‬للسنوات األخرية‪ ،‬فال مغامرات كُربى وال تجريب‬ ‫ّ‬ ‫عميق‪ّ .‬‬ ‫الشك أ ّن هناك تجارب فرديّة تدأب عىل االختالف‬ ‫والقطيعة لك ّنها مل تشكّل بعد ظاهرة‪ .‬وشخص ّياً مل أكن‬ ‫اقي وبالوعود التي‬ ‫إال متفائالً عىل الدوام بالشعر العر ّ‬ ‫يختزنها لكن علينا أن نخلّف هذه السنوات العجاف‬ ‫بعيدا ً وراءنا يك تتبينّ لنا السنابل التي ننتظر‪.‬‬ ‫وإال ال أُريد أن أبدو متشامئاً كالجواهري الذي ق ّرر يف‬ ‫لحظة يأس أو ارشاق‪« :‬إ ّن شعرنا متخلّف ألنّه أداة أُ ّمة‬ ‫متخلـّفة‪ ،‬إذ من املستحيل أن ينفصل الشعر ويطفر‬ ‫ويتق ّدم وحده‪ ،‬إنّه مشدود للعربة كلـّها‪ .‬العوامل التي‬ ‫يتع ّرض لها العر ّيب تنعكس جميعها عىل الشعر فتخنقه»‪.‬‬ ‫حتّى لو اختلفنا مع رؤية الجواهري هذه لكن علينا‬ ‫تأ ّملها بعمق‪.‬‬ ‫باسم املرعبي‪ ،‬تولد الديوانية‪ -‬العراق‪ ،‬بدأ النرش أواسط‬

‫عيل الفواز‬

‫السبعينيات‪ ،‬درس املرسح يف أكادميية الفنون الجميلة‪ /‬بغداد‪،‬‬ ‫كتب للمرسح وقد قدّم أ ّول عمل له عام ‪ 1982‬وهو «بريوت‬ ‫تغادرها النجوم» عن الحرب األهليّة اللبنانيّة‪ .‬صدرت مجموعته‬ ‫األوىل «العاطل عن الوردة» التي نالت جائزة يوسف الخال للشعر‬ ‫عام ‪ 1988‬يف لندن‪ ،‬غادر العراق عام ‪ 1991‬إىل سوريا ومن ث ّم‬ ‫إىل لبنان حيث عمل يف الصحافة الثقافيّة كام يف مجلة «الناقد»‬ ‫وملحق «النهار»‪  .‬ترجمت بعض قصائده إىل االنجليزيّة والسويديّة‬ ‫والفارسيّة‪ .‬صدر له‪« :‬العاطل عن الوردة» عام ‪ 3( ،1988‬مجموعات‬ ‫يف كتاب واحد هي «العاطل عن الوردة» و«كلامت ثم كلامت»‬ ‫و«صورة األرض») عام ‪« ،1997‬األرض امل ّرة» «بريوت» ‪، 1997‬‬ ‫و«سامء بطائر واحد» ‪ .1999‬يقيم يف السويد منذ عام ‪ ،1994‬كام‬ ‫صدر له العام ‪ 2011‬كتاب «سطور عىل الجذور‪ ..‬قراءات ومواقف»‬ ‫عن دار نيبور للنرش‬

‫‪................................................................................... ‬‬

‫عيل حسن الفواز‬

‫سيرة الحداثة في بيئة الطوارئ‬ ‫مفهوم الحداثة الشعريّة تجاوز منطقة الرتاجع أو نزع‬ ‫األسلحة‪ ،‬وأصبح أسئلة صادمة تقف إزاء إشكاالت قيم ّية‬ ‫وإجرائ ّية أكرث تعقيدا ً‪ ،‬ربمّ ا هي املسؤولة عن املظاهر التي‬ ‫الشعري بالنكوص أو إتاحة املجال لصعود‬ ‫توسم املشهد‬ ‫ّ‬ ‫أشكال من «الثقافات» التقليديّة!!‬ ‫‪ ‬طبعاً أل ّن مفهوم الحداثة إزاء هذا التوصيف ليس‬ ‫عاريّاً‪ ،‬أو إنّه الكائن الذي يصنع املعجزات‪ ،‬إنّه جزء من‬ ‫معطيات وجوديّة أكرث ضغطاً وشموالً‪  ،‬كام إنّه جزء‬ ‫من ‪ ‬عالئق تسهم يف تأصيل ‪-‬هذا املفهوم‪ -‬داخل فاعلية‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪65‬‬


‫ملف‬

‫نسق الوجود واملعنى‪ ..‬الحداثة العربيّة والعراقيّة بشكل‬ ‫خاص وجدت نفسها أمام مجموعة من التح ّديات الكربى‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بدءا ً من تح ّدي السلطة املركزيّة وأوهامها األيديولوجية‪،‬‬ ‫وتح ّديات الحروب الطويلة ألكرث من ثالثني سنة وهو‬ ‫زمن غرائبي ج ّدا ً‪ ،‬فضالً عن تح ّديات الهويّة واإلشباع‬ ‫كل هذه أسهمت يف‬ ‫واملكان والجسد والحوار والحريّة‪ّ .‬‬ ‫خاصة وإ ّن البيئة العراقيّة‬ ‫وضع الحداثة عند الحافة‪ّ ،‬‬ ‫تح ّولت يف هذا السياق إىل بيئة طوارئ‪ ،‬تتعاطى مع قيم‬ ‫الحداثة كمفهوم ملتبس‪ ،‬وغامض ومن دون «أسواق‬ ‫ثقاف ّية» وحتّى من دون «بيئات تعليم ّية وتداول ّية» وهو‬ ‫ما أسبغ عىل منظور التحديث نزوعاً مج ّردا ً للمغامرة‬ ‫ظل ميارس استيهاماتها شعراء ونقـّاد ومغامرون‬ ‫التي ّ‬ ‫خارج أسوار املدينة والجامعة والسوق‪ ..‬وأحسب ا ّن‬ ‫ظاهرة صعود قصيدة العمود أو حتّى بعض االتجاهات‬ ‫الواقع ّية ج ّدا ً يرتبط بطبيعة املهيمنات الرصاع ّية التي‬ ‫كانت تفرتض مواجهاتها عىل املراكز الفاعلة‪/‬مراكز الق ّوة‬ ‫والسلطة واأليديولوجيا باتجاه خلق مضادّات تعيد تصنيع‬ ‫الحداثة يف ضوء منظور التاريخ والق ّوة واملق ّدس‪ .‬ولعلـّي‬ ‫اقي هامشاً ساحرا ً ومفارقاً‪ -‬رغم عدم‬ ‫أجد يف املنفى العر ّ‬ ‫وضوح مالمحه‪ -‬لصناعة أشكال تعويض ّية لفكرة الحداثة‬

‫ظاهرة صعود قصيدة العمود‬ ‫أو حتّى بعض االتجاهات‬ ‫الواقعيّة ج ّد ًا ترتبط بطبيعة‬ ‫المهيمنات الصراعيّة التي‬ ‫كانت تفترض مواجهاتها على‬ ‫المراكز الفاعلة‪/‬مراكز الق ّوة‬ ‫والسلطة واإليديولوجيا‬

‫‪66‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫املطرودة واملشكوك بنواياها وطبيعة خطابها ومرجعياتها‪.‬‬ ‫اللحظة العراقية املعارصة مابعد ‪ 2003‬مضطربة كثريا ً‪،‬‬ ‫أو ربمّ ا هي تشبه الصدمة‪ ،‬صدمة النقائض‪ ،‬حيث‬ ‫االحتالل يقرتن بالحريّة‪ ،‬أيديولوجية املركز تتشظّى إىل‬ ‫أيديولوجيات غري منضبطة‪ ،‬املق ّدس يخرج من علبه‬ ‫العمومي‪ ،‬وأعتقد أ ّن التجريب وسط‬ ‫القدمية إىل الشارع‬ ‫ّ‬ ‫هذه املفارقات بات األقرب إىل لعبة جمع النقائض‪،‬‬ ‫والرغبة يف ترميم العقل واللغة واملكان‪ ،‬وإن بات نوعاً‬ ‫من الهروب العمومي إىل األمام‪  ،‬وهذا الهروب ليس‬ ‫كل‬ ‫اقي برغم ّ‬ ‫بالرضورة ذهاباً إىل الجحيم؛ أل ّن الشاعر العر ّ‬ ‫ظل‬ ‫سرية الوجع والطرد والقسوة التي رافقته منذ عقود ّ‬ ‫مسكوناً باستعارته الكربى‪ ،‬تلك التي متنحه رغبة حميمة‬ ‫ودافقة لنزع األغطية الثقيلة ومعطف األب الفرويدي‬ ‫وتعرية العامل عرب تعرية اللغة‪ .‬إذ تكون اللغة هنا هي‬ ‫الشهوة والجسد والخطاب‪ ،‬مثلام هي املنطقة القلقة أو‬ ‫والضاج‬ ‫ربمّ ا هي رساط النار املفتوح عىل العامل املش ّوش‬ ‫ّ‬ ‫من حولنا‪  ،‬حيث الشعراء يصنعون غوايتهم الكربى‪.‬‬ ‫عيل حسن الفواز‪ ،‬ولد يف بغداد‪ ،‬يكتب الشعر والنقد‪ ،‬أصدر‬ ‫الكتب التالية يف الشعر‪« :‬فصول التأويل»‪« ،‬مرايا لسيّدة املطر»‪،‬‬ ‫«مداهامت متأخّرة»‪« ،‬ألوان باسلة»‪« ،‬وجه ضالع يف املرايا»‪ ،‬ويف‬ ‫النقد‪« :‬العائلة الشعريّة العراقيّة»‪« ،‬الشعريّة العراقيّة أسئلة‬ ‫اقي يف الرسد»‪« ،‬أنطولوجيا شعراء‬ ‫ومقرتبات»‪« ،‬مرايث املكان العر ّ‬ ‫البرصة‪ -‬كتاب يف األنطولوجيا الشعريّة»‪« ،‬فنطازيا الدولة»‪ -‬كتاب‬ ‫السيايس‪« ،‬إشكاالت الدولة الوطنيّة من التاريخ إىل نسق‬ ‫يف الفكر‬ ‫ّ‬ ‫السيايس‬ ‫الفكر‬ ‫يف‬ ‫كتاب‬ ‫الحداثة»‪-‬‬ ‫ّ‬


‫القصيدة والحرب‬

‫أديب كامل الدين‬

‫عمر الجفال‬

‫وبخاصة يف زمن اإلنرتنت‪ -‬لنرش مئات‬ ‫‪ ...................................................................................‬عىل مرصاعيه –‬ ‫ّ‬ ‫الخواطر الف ّجة التي يسميها أصحابها «قصيدة نرث» يوم ّياً‬ ‫أديب كامل الدين‬ ‫والخاصة‪.‬‬ ‫عىل املواقع اإللكرتونية العا ّمة‬ ‫ّ‬ ‫كتابة بأسلوب النجارة‬ ‫خاصة بقصيدة‬ ‫الشعراء اآلن عىل ثالثة أنواع‪ :‬شاعر حقيقي‪ ،‬وشاعر ناظم‪ ،‬لك ّن املسألة ليست إنرتنتية خالصة وال ّ‬ ‫وشاعر رديء! الشاعر الحقيقي معروف فليس من سبب النرث لوحدها بالطبع‪ .‬إذ يجب أن نعرتف بأ ّن هناك أزمة‬ ‫لتوصيفه‪ .‬لك ّن الشاعر الناظم قد يجهله الكثريون‪ .‬إنّه من يف الحصول عىل الشعر املتفوق املبدع وهي أزمة ليست‬ ‫«ينجر» القصائد ليس فقط عىل بحور الشعر املعروفة بل جديدة‪ .‬أل ّن الكثري من الشعراء والشاعرات يف بلداننا‬ ‫عىل «قوالب» قصائد معروفة لشعراء قدماء أو محدثني‪ .‬العرب ّية‪ -‬باختالف أساليبهم الشعريّة‪ :‬عموديّة أو تفعيل ّية‬ ‫العمودي يف األغلب وعىل بعض أو قصيدة نرث‪ -‬يفتقدون إىل الفهم الدقيق ملسألة بنية‬ ‫وهذا ينطبق عىل الشعر‬ ‫ّ‬ ‫القصيدة‪ ،‬وملسألة النمو العضوي يف القصيدة‪ ،‬ومسألة‬ ‫من شعر التفعيلة حيث ظهر اآلن من «ينجر» قصائد‬ ‫الشخيص للشاعر‪،‬‬ ‫االقتصاد يف اللغة‪ ،‬ومسألة القاموس‬ ‫ّ‬ ‫تفعيلة أيضاً!‬ ‫ال ميلكون تجارب روح ّية أو إنسان ّية ذات شأن أو عمق‪.‬‬ ‫وبالعودة إىل موضوع السؤال والقصائد العموديّة التي‬ ‫وتجد جملهم الشعريّة وصورهم الفن ّية مليئة بالتغميض‬ ‫كتبت لتم ّجد الحرب وما درجة تأثريها عىل املشهد‬ ‫لت‬ ‫والرتهل والتقعري والهذيان الالمجدي حتّى تح ّو ْ‬ ‫عموماً‪ ،‬فإن الشعر ليس نجارة عىل االطالق! الشعر‬ ‫قصائدهم إىل مايشبه ركاب عربة القطار الذين ال يعرف‬ ‫وأخالقي‪.‬‬ ‫وفلسفي‬ ‫روحي‬ ‫موقف من العامل‪ :‬موقف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أي جامع سوى العربة!‬ ‫يجمعهم‬ ‫وال‬ ‫ً‪،‬‬ ‫ا‬ ‫بعض‬ ‫بعضهم‬ ‫ّ‬ ‫التكسب والجاه‬ ‫والذين يط ّوعون الشعر لخدمة أغراض ّ‬ ‫الشعر‪ ،‬كام أراه‪ ،‬هو اكتشاف الحياة يف ومضة نادرة‬ ‫ال يستطيعون أن يكتبوا شعرا ً متميّزا ً البتة مهام امتلكوا‬ ‫وبأقل عدد من الكلامت‪ .‬ولذا سيكون الشعر الحقيقي‬ ‫ّ‬ ‫من قدرة التقليد‪ .‬ذلك أ ّن التقليد يبقى تقليدا ً ولن يصبح‬ ‫والعميق نادرا ً عىل الدوام‪ .‬والغلبة يف الظهور‪ ،‬عىل األكرث‪،‬‬ ‫إبداعاً مهام نُفخ فيه!‬ ‫للنامذج غري األصيلة‪ ،‬للنامذج التي تعوزها الومضة‬ ‫وهكذا فإ ّن «الكتابة بأسلوب النجارة» ال تتيح للشاعر‬ ‫النادرة يف اكتشاف الحياة أو تعوزها قدرة الشاعر عىل‬ ‫بالطبع سوى كتابة قصائد مهلهلة تشكو فقرها الشديد‬ ‫تجسيد هذه الومضة بشكل عميق ومبتكر دومنا تعقيد‬ ‫وهزالها األكيد رغم متاسكها الظاهري الكاذب‪.‬‬ ‫أو تغميض‪ .‬وبالتغميض أعني الغموض املفتعل وليس‬ ‫وإذا كانت قصيدة النرث قد فتحت أبواباً عظيمة لإلبداع‬ ‫األصيل‪.‬‬ ‫كام هو معروف‪ ،‬فإنّها يف الوقت ذاته فتحت الباب‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪67‬‬


‫ملف‬

‫عمر الجفال‬

‫إ ّن معادلة اإلبداع يف الشعر صعبة حق ّـاً‪ ،‬وتتطل ّـب من‬ ‫الشاعر خربة حيات ّية وثقاف ّية ولغويّة وشعريّة‪ ،‬مع مران‬ ‫مستم ّر‪ ،‬وإميان حقيقي بالشعر ودوره اإلنسا ّين الخالق‪،‬‬ ‫بأي شكل من‬ ‫مع الحرص الصادق عىل عدم ابتذال الشعر ّ‬ ‫األشكال‪.‬‬ ‫أديب كامل الدين‪ ،‬شاعر‪ ،‬ومرتجم‪ ،‬وصحا ّيف‪ ،‬مواليد ‪1953‬‬ ‫– بابل – العراق‪ ،‬بكالوريوس اقتصاد ‪ -‬كلية اإلدارة واالقتصاد ‪-‬‬ ‫جامعة بغداد ‪ ،1976‬بكالوريوس أدب انجليزي – كلية اللغات‬ ‫التقني‬ ‫– جامعة بغداد ‪ ،1999‬دبلوم الرتجمة الفوريّة ‪ -‬املعهد‬ ‫ّ‬ ‫لوالية جنوب أسرتاليا ‪ -‬أدياليد ‪ -‬أسرتاليا ‪ ،2005‬أصدر املجاميع‬ ‫الشعريّة اآلتية‪« :‬تفاصيل»‪« ،‬ديوان عر ّيب»‪« ،‬جيم»‪« ،‬نون»‪« ،‬أخبار‬ ‫املعنى»‪« ،‬النقطة»‪« ،‬حاء»‪« ،‬ما قبل الحرف‪ ..‬ما بعد النقطة»‪،‬‬ ‫«شجرة الحروف»‪« ،‬أب ّوة» ‪« – Fatherhood‬باإلنجليزية»‪« ،‬أربعون‬ ‫قصيدة عن الحرف» ‪« ،‬أربعون قصيدة عن الحرف» ‪Quaranta -‬‬ ‫‪« poesie sulla lettera‬باإليطالية‪ :‬ترجمة أسامء غريب»‪« ،‬أقول‬ ‫الحرف وأعني أصابعي»‪« ،‬مث ّة خطأ ‪»– Something Wrong‬‬ ‫«باإلنجليزيّة»‬ ‫الرسومات ‪ :‬شاكر حسن آل سعيد‬

‫‪68‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫مريدو قصائد تعيد نفسها‬ ‫ال أعتقد مطلقاً إ ّن هناك ردّة يف الحداثة الشعريّة يف‬ ‫العراق‪ ،‬لطاملا كانت القصيدة العموديّة تسري مبوازاة‬ ‫قصيدة النرث‪ ،‬لك ّن األخرية تتف ّوق لتن ّوعها ولعدم ركونها‬ ‫إىل ثابت‪ ،‬عىل العكس من القصيدة العموديّة التي مهام‬ ‫حاولت أن تتز ّوق فهي تبقى يف شكلها ذاته ما يجعلها‬ ‫تعيد نفسها‪.‬‬ ‫يف العراق‪ ،‬الرصاع دائم بني هذين الشكلني الشعريني‪،‬‬ ‫العمودي له مريدوه بدءا ً من األحزاب‬ ‫اليوم الشكل‬ ‫ّ‬ ‫السياسيّة وليس انتها ًء باملحافل الدينيّة ألنّه يش ّجع عىل‬ ‫التصفيق ملوسيقاه‪ ،‬لكن مبقابل هذا‪ ،‬تشهد قصيدة النرث‬ ‫تط ّورا ً الفتاً وهي ملتزمة بثقافة رصينة‪.‬‬ ‫هل تعتقد أ ّن النزوع إىل الحداثة والتجريب اليوم لدى‬ ‫أقل؟‬ ‫اقي بات أقوى من السابق أم ّ‬ ‫الشاعر العر ّ‬ ‫هذا السؤال يحمل معنى مزدوجاً‪ ،‬لجهة أ ّن التجريب‬ ‫عىل يد األجيال السابقة‬ ‫يف العراق أخذنا إىل تخوم‬ ‫العمودي له‬ ‫الشكل‬ ‫ّ‬ ‫الهلوسة‪ ،‬ما خلّف لدى‬ ‫جيلنا ركاماً من الكالم‬ ‫جع‬ ‫مريدوه ألنّه يش ّ‬ ‫الذي يبحث عن معنى!‪.‬‬ ‫على التصفيق‬ ‫أما التجريب اليوم فهو‬ ‫لموسيقاه‪ ،‬لكن‬ ‫ملتزم بالحدود التي تتيح‬ ‫للنص التخلّص من األبوية‬ ‫ّ‬ ‫بمقابل هذا‪ ،‬تشهد‬ ‫أوسع‬ ‫مديات‬ ‫عىل‬ ‫واالنفتاح‬ ‫قصيدة النثر تط ّور ًا‬ ‫داخل نطاق الشعر‪ ،‬وداخل‬ ‫الفت ًا‬ ‫فهمه وليس خارجه‪.‬‬ ‫عمر الجفال‪ ،‬ولد يف بغداد‬ ‫عام ‪ ،1988‬غادر إىل دمشق العام‬ ‫‪ 2000‬وبقي فيها حتّى العام ‪ ،2011‬فاز بجائزة دار التكوين ‪،2009‬‬ ‫صدر له عن الجائزة نفسها ديوانه األ ّول «خيانات السيّدة حياة»‪،‬‬ ‫اقي ببغداد العام‬ ‫كام فائز بجائزة اليونسكو وبيت الشِّ عر العر ّ‬ ‫‪2012‬‬


‫الشعراء الجدد‬

‫طريق النشر الصعب‬

‫الفنان جرب علوان‬ ‫األميركي للعراق عام ‪2003‬؟ وإذا‬ ‫هل من حركة شعريّ ة جديدة يمكن تلمّ س وجودها بعد حدث االجتياح‬ ‫ّ‬

‫الثقافية تعتبر الجيل الجديد‪ ،‬جيل «ما بعد التغيير»‪ ،‬أو جيل «القطيعة مع األيديولوجيا»‪،‬‬ ‫كانت الصحافة‬ ‫ّ‬ ‫والعربية‬ ‫المحلية‬ ‫فما دور النقد في تقييم النتاج» وماذا بشأن النشر وصعوبات الطباعة‪ ،‬وتعامل دور النشر‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫مع مم ّثلي هذا الجيل من الشعراء الجدد؟؟‪.‬‬

‫ً‬ ‫الشعري في‬ ‫عموما مع الكتاب‬ ‫وكتبي وباحث يتح ّدث عن العالقة‬ ‫أجوبة هذه األسئلة على لسان ناقدين‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬

‫االجتماعي‬ ‫العراق ومستوى تلقيه‬ ‫ّ‬

‫«السيايس‪/‬‬ ‫أيديولوجيّة» عديدة من دون ذلك االستقطاب��� ‫بشري حاجم‬ ‫ّ‬ ‫األيديولوجي» الوحيد‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تفكر به‬ ‫يفكر بالمتلقي وال‬ ‫جيل‬ ‫ث ّم أ ّن هذا التوفّر االنفتاحي‪ ،‬املتح ّرر‪ ،‬الذي نسف ذاك‬ ‫دور النشر‬ ‫الشعري‪ ،‬ذا‬ ‫التخندق االنغالقي‪ ،‬املتق ّيد‪ ،‬جعل واقعنا‬ ‫ّ‬ ‫ال ميكنني تقديم رؤية عن حال شعرنا اليوم‪ ،‬يف العراق‪،‬‬ ‫من دون االنطالق من إيجابيات ما بعد ‪ 9‬نيسان ‪ .2003‬األرضية الخصبة تأريخيّاً وفنيّاً‪ ،‬يشهد واحدة من أه ّم‬ ‫مراحله املعارصة‪ .‬إنّها هذه املرحلة الحالية‪ ،‬الحارضة‪ ،‬التي‬ ‫لعل أه ّمها عىل صعيد الشعر‪ ،‬حرصا ً هنا‪ ،‬هي‪ ،‬عندي‬ ‫ّ‬ ‫وصفتها باملرحلة الذهب ّية‪ ،‬مرارا ً وتكرارا ً‪ ،‬لكونها تتزامن‬ ‫األقل‪ ،‬إيجابية موت «القطبيّة الثنائية»‪ :‬السياسيّة‬ ‫ـ يف ّ‬ ‫السيايس‪ .‬ولقد‬ ‫مع حريّة محسوسة وملموسة عىل الصعيد‬ ‫ّ‬ ‫عموماً‪ /‬األيديولوج ّية خصوصاً‪ .‬إذ‪ ،‬منذ تسعة أعوام‪،‬‬ ‫قلت قبل أعوام إ ّن شعراءنا مدعوون ملواكبتها بحريّة‬ ‫مل يعد مث ّة‪ :‬تقدميو الخمسينيات ورجعيوها‪ /‬أمميو‬ ‫تقل محسوسيّة وملموسيّة‪.‬‬ ‫ابداعيّة‪ ،‬سوسيوثقافيّة‪ ،‬ال ّ‬ ‫الستينيات وقوميوها‪ /‬شيوعيو السبعينيات وبعثيوها‪/‬‬ ‫وهذا‪ ،‬فعالً انشغاليّاً واشتغاليّاً معاً‪ ،‬بحيث متخّضت عنهم‪،‬‬ ‫مستقلو الثامنينيات وحزبيوها‪ /‬منفيو التسعينيات‬ ‫تحصيل حاصل للمنتج املنجز بهم‪ ،‬حركة شعريّة فاعلة يف‬ ‫وسلطويوها‪ .‬أي أ ّن شعراء تلك العقود‪ ،‬م ّمن ظلـّوا‬ ‫حارضين حياتياً وإبداعياً‪ ،‬توفّروا عىل انفتاحات «سياسية‪ /‬الثيمة والبناء والتكنيك والجاملية‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪69‬‬


‫ملف‬

‫بشري حاجم‬

‫أحمد الظفريي‬

‫كريم حنش‬

‫النظر عن عموديتها أو تفعيليتها أو نرثيتها‪ .‬إنّها األقىص‬ ‫لدي‪ ،‬يف أ ّن ساحتنا النقديّة‪ ،‬سيام‬ ‫وليس من أي ريب ّ‬ ‫املمكن لإلنزياح‪ ،‬إذن‪ ،‬وبه أ ْم َك َن‪ ،‬لهم‪ ،‬أن يستعيدوا‬ ‫يل العمقي‪ ،‬قد ازدادت فاعليتها‬ ‫جناحها‬ ‫النيص الداخ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الكثري‪ ،‬ج ّدا ً‪ ،‬مام فقدته قصائد «العمود‪ /‬التفعيلة‪ /‬النرث»‪،‬‬ ‫ــ بفاعلية هذه الحركة الشعريّة ــ هي األخرى‪ .‬حيث‬ ‫من ِشعرياتها‪ ،‬عرب األجيال السابقة لجيلهم «الجوكر»‪.‬‬ ‫باتت‪ ،‬حقـّاً‪ ،‬تتمتع بحريّة ثقافيّة‪ ،‬معرفيّة وفكريّة‪،‬‬ ‫حلـت لها إشكاليات «املمنوع» و«املقموع» و«املسكوت هذه االستعادة‪ ،‬الرضوريّة‪ ،‬ما كانت‪ ،‬أصالً‪ ،‬لتتأتىّ لهم‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫عنه»‪ ،‬التي كانت أخطر اإلشكاليات‪ ،‬يف تناوالتها ملنجزات وبهم‪ ،‬لوال أنّهم‪ ،‬انشغاالً واشتغاالً‪ ،‬إنمّ ا يكتبون نصوصهم‪،‬‬ ‫شعرائنا‪ .‬فراحت هذه التناوالت‪ ،‬من ثم‪ ،‬تشتغل بإجرائية‪ ،‬عموديّة‪ /‬تفعيليّة‪ /‬نرثيّة‪ ،‬و«عينهم» عىل «الشعريّة» دون‬ ‫ّ‬ ‫أي واحد منهم‪ ،‬وإن بدرجات‬ ‫بحثية ودرسية‪ ،‬عىل منجزاتهم‪ ،‬كلـّها‪ ،‬من دون أية حاجة «التجنيسيّة»‪ .‬ذلك يعني أن ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫متفاوتة‪ ،‬قد تف ّهم‪ ،‬وال يزال‪ ،‬ما يريده الشعر‪ ،‬يف القصيدة‪،‬‬ ‫للتورية واملواربة‪.‬‬ ‫متجل يف «دواوينهم‪ :‬الوحيدة «و‪ /‬أو»‬ ‫وهذا املعنى ّ‬ ‫عليه ميكنني القول‪ ،‬يف صدد معايريه النقديّة الحقّة‬ ‫األخرية» حتّى اآلن‪.‬‬ ‫الشعري الفذ‪ ،‬إ ّن اشتغاالً إجرائ ّياً كهذا‪،‬‬ ‫لتقييم نتاجنا‬ ‫ّ‬ ‫بيد أ ّن أغلبية هذه الدواوين‪ ،‬وحيدة «و‪ /‬أو» أخرية‪ ،‬مل‬ ‫ال تورية فيه وال مواربة‪ ،‬إنمّ ا تح ّرر من العقدة املزمنة‬ ‫تصدر لهم بيرس وسهولة وانسيابيّة و«أريحيّة»‪ .‬يكفي‪،‬‬ ‫األكرب‪« :‬األيقون ّية»‪ .‬بهذا التح ّرر‪ ،‬الذي تخلله ابتعاد عن‬ ‫دليالً لذلك‪ ،‬أنّها استنزفت جيوبهم‪ ،‬وهي «فقرية» يف‬ ‫«اإلخوانيات»‪ ،‬شمل هذا االشتغال اإلجرايئ حتّى شعراء‬ ‫الخاصة يف‬ ‫مجملها‪ ،‬ألنّهم أصدروها عىل حساباتهم‬ ‫ّ‬ ‫الجيل األخري‪ ،‬الحايل‪ ،‬م ّمن ظهروا‪ ،‬عىل مستوى النرش‪،‬‬ ‫«بريوت‪ /‬دمشق‪ /‬عامن‪ /‬القاهرة» خصوصاً‪ .‬لكونهم‪ ،‬وما‬ ‫خالل العقد األول لقرننا الحارض‪ .‬أنا شخص ّياَ‪ ،‬مثالً ليس‬ ‫زالوا‪ ،‬بني «حجري رحى»‪ :‬دور نرش عراقيّة غري موزِّعة‪،‬‬ ‫حرصا ً‪ ،‬كنت‪ ،‬بحكم متابعتي لشعريتنا املعارصة‪ ،‬قد‬ ‫انتبهت ـ تنظريا ً وتطبيقاً منذ عام ‪ 2005‬ـ لهؤالء الشعراء‪ .‬طابعة فقط‪ ،‬ال تحقق طموحهم يف االنتشار «حتّى خارج‬ ‫العاصمة بغداد!»‪ ..‬ودور نرش عرب ّية موزِّعة‪ ،‬قد تحقق‬ ‫مث ّة‪ ،‬بحسب انتباهي هذا‪ ،‬انفتاح فذ عىل متلقيهم‪،‬‬ ‫طموحاً كهذا‪ ،‬لك ّن تعاملها معهم‬ ‫«تجاري»‪ ،‬أكرث مماّ‬ ‫ّ‬ ‫اعتياديّيه واستثنائيّيه سواء بسواء‪ ،‬يحاولون‪ ،‬مفردياً أو‬ ‫«إبداعي»‪ ،‬وهنا عرسه وصعوبته تجاههم‪ .‬ويبدو‪،‬‬ ‫مثنوياً أو جمعياً‪ ،‬أن يصلوا إليه‪ ،‬اليوم قبل الغد‪ ،‬باعتباره هو‬ ‫ّ‬ ‫«رضورة»‪ .‬من أهم سامت هذه الرضورة لديهم‪ ،‬بل هي يل‪ ،‬أنّهم فضّ لوا‪ ،‬وال يزالون‪ ،‬ثاين الحجرين هذين‪ ،‬عىل‬ ‫ّ‬ ‫أولهام‪ ،‬ألنّه األمنت‪ ،‬الفوقي‪ ،‬وإ ْن ثقل عليهم‪ .‬ما يضطرهم‬ ‫لدي‪ ،‬أنهم يكتبون قصيدتهم شعريّاً‪ ،‬إيحائ ّياً ال‬ ‫أه ّمها ّ‬ ‫لهذا التفضيل‪ ،‬إضافة إىل ذلك‪ ،‬كونهم غري محظوظني‬ ‫إخباريّاً‪ ،‬قبل كتابتها عموديّاً أو تفعيليّاً أو نرثيّاً‪ .‬ففيها‪،‬‬ ‫«املؤسسة الرسمية»‪ .‬لذا أقرتح عىل «دار الشؤون‬ ‫يف القصيدة هذه‪ ،‬ال حدود ـ حيث الحدود وهمية غالباً مع‬ ‫ّ‬ ‫الثقاف ّية العا ّمة»‪ ،‬التي أقصدها هنا‪ ،‬أن تعيد «سلسلة‬ ‫ـ لشعريتهم‪ ،‬االيحائ ّية ليست اإلخباريّة‪ ،‬التي يرومونها‬ ‫كتابات جديدة»‪ ،‬تحديدا ً‪ ،‬يك تصدر دواوين أوىل أله ّمهم‪،‬‬ ‫أساساً‪ .‬وهي‪ ،‬لذلك‪ ،‬متواترة يف نصوصهم‪ُ ،‬جلِّها‪ ،‬برصف‬ ‫‪70‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الشعراء الجدد‬

‫الفنان جرب علوان‬

‫األقل‪ ،‬من خاللها‪ .‬فهذه السلسلة‪ ،‬التي ألغتها «وزارة‬ ‫يف ّ‬ ‫الثقافة» عند بدايات العقد الثامنيني ـ نتيجة لسبب‬ ‫معروف قبالة جميع املعنيّني‪ ،‬كانت عامالً جلياً يف بروز‬ ‫العديد من شعراء الجيل السبعيني‪ .‬وأظ ّن أ ّن يف إعادتها‬ ‫اآلن «أضعف اإلميان» بشعر الجيل األخري‪ ،‬جيل ما بعد‬ ‫«التغيري»‪ ،‬إ ْن كانت هذه «الدار» مؤمنة به ح ّقاً!‪.‬‬ ‫اقي ولد يف بغداد ‪ ،1968‬صدر له‪« :‬زمن‬ ‫بشري حاجم‪ ،‬ناقد عر ّ‬ ‫املتني يف الحركتني‬ ‫الحيك‪ ..‬زمن ّ‬ ‫القص»‪« ،‬النسق ّ‬ ‫النيص والنسق ّ‬ ‫املتضافرتني للقصيدة»‪.‬‬

‫‪...................................................................................‬‬

‫أحمد الظفريي‬

‫شعراء بذهنية عالية ونقد متأ ّ‬ ‫خر‬ ‫عاشت الحالة الشعريّة يف العراق أطوارا ً عديدة‪ ،‬تبعاً‬ ‫واالجتامعي الذي يعيشه‬ ‫واالقتصادي‬ ‫السيايس‬ ‫للوضع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اقي مابعد ‪ 2003‬م ّر بحالة انتعاش‬ ‫البلد‪ ،‬والشعر العر ّ‬ ‫اإلعالمي وزيادة‬ ‫–حسبام أعتقد‪ -‬وذلك بعد االنفتاح‬ ‫ّ‬ ‫االختالط مع الشعر يف البلدان األخرى من جهة‪ ،‬ومن‬ ‫جهة أخرى فإ ّن انفتاح أسواق الكتب واإلنرتنت أمام‬ ‫الق ّراء أعطى مجاالً آخر لالطالع واإلفادة من تجارب‬ ‫اآلخرين‪ ،‬فضالً عن أ ّن التجارب التي م ّر بها الشاعر‬ ‫اقي ازدادت بعد عام ‪ 2003‬بسبب االضطرابات التي‬ ‫العر ّ‬ ‫عاشتها البالد‪.‬‬ ‫واقعي جديد‪،‬‬ ‫شعر‬ ‫‪،2003‬‬ ‫عام‬ ‫بعد‬ ‫اقي‬ ‫ّ‬ ‫الشعر العر ّ‬ ‫اتّجه اتجاهاً معرف ّياً عىل الرغم من عشوائيته املستكينة‬ ‫تحت فراسة املصطلحات الحديثة التي دخلت إلينا سواء‬ ‫باالستعامل أو كونها دخيلة عىل لغتنا العربيّة‪.‬‬ ‫إ ّن جيل الشعراء الذي ظهر بعد ‪ 2003‬ميثـّل حالة‬

‫إبداع ّية جديدة واعتقد أنّه جيل ثري باإلبداع السيام بعد‬ ‫ترسيخ أسامئهم عىل الصعيد العر ّيب‪ ،‬فكثري منهم حصد‬ ‫جوائز شعريّة عربيّة وبعضهم اآلخر –أعتقد‪ -‬أنّه يستحق‬ ‫األفضل‪ ،‬وقد مت ّيز نتاجهم بذهنية عالية ورؤية دقيقة‬ ‫اليومي هذا عىل الصعيد العام‪.‬‬ ‫للحدث‬ ‫ّ‬ ‫أما عىل الصعيد األجنايس للكتابة فهناك حالة من‬ ‫االتباعية عند بعض الشعراء الذين ميثّلون حالة جديدة‬ ‫كل‬ ‫من «قصيدة الشعر»‪ ،‬علامً أ ّن هؤالء الشعراء يتميّز ّ‬ ‫منهم بصوت مستقل إضافة إىل كون بعضهم يرشع‬ ‫باالنفتاح عىل األعامل املرسح ّية الشعريّة‪.‬‬ ‫وهناك النوع الثاين من الشعراء وهم شعراء قصيدة‬ ‫النرث والذين يظهرون عىل الساحة الثقافيّة بصورة أوسع‬ ‫بكونهم أكرث نتاجاً وقرباً من املتلقني الشباب‪ ،‬وهؤالء‬ ‫الشعراء أيضاً بعضهم يع ّد مواصالً لجيل قصيدة النرث‬ ‫اقي األ ّول الذي ظهر يف ستينيات القرن املايض‪،‬‬ ‫العر ّ‬ ‫وبعضهم يحاول الخروج عن قصيدة النرث السائدة من‬ ‫اليومي‬ ‫النص املفتوح واستخدام‬ ‫خالل االنفتاح عىل ّ‬ ‫ّ‬ ‫والسائد يف نصوصه‪ ،‬فضالً عن إيجاد لغة تكاد تقرتب من‬ ‫اللغة الدارجة من خالل استخدام ألفاظ األدوات واألشياء‬ ‫املتداولة يوم ّياً‪.‬‬ ‫أما عىل صعيد النقد فيبقى النقد متأ ّخرا ً عن الحالة‬ ‫الشعريّة وذلك بسبب الكثافة يف اإلنتاج األد ّيب مقابل قلّة‬ ‫القراءات النقديّة‪ ،‬وأنا ال أعتقد أ ّن السبب هو تكاسل‬ ‫النقّاد بل قل ّـة أعدادهم مقابل أعداد األدباء‪ ،‬ناهيك عن‬ ‫كرثة النصوص الرسديّة التي أصبحت توازي النصوص‬ ‫الشعريّة بعددها وهذا يضيف زخامً جديدا ً عىل النقّاد‪.‬‬ ‫إ ّن الحالة النقديّة بصورة عا ّمة تعتمد أحياناً عىل‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪71‬‬


‫ملف‬

‫املجامالت واإلخوانيات وربمّ ا السبب يعود إىل صعوبة‬ ‫مالحقة النقّاد لكافة النتاجات األدبيّة الجديدة‪ ،‬ولذلك‬ ‫يعتمد الناقد يف عمله عىل ما تصله من نتاجات أدبيّة‬ ‫عن طريق األصدقاء أو املعارف أو ما يوزّع يف املهرجانات‬ ‫والتي تع ّد الحلقة األه ّم يف التوزيع للمطبوعات األدب ّية‪،‬‬ ‫وهذا يج ّرنا للحديث عن أزمة الطباعة والتوزيع لدى‬ ‫الخاص‬ ‫اقي‪ ،‬فهو يضطر للطباعة عىل حسابه‬ ‫ّ‬ ‫الشاعر العر ّ‬ ‫الخاصة أيضاً وهنا نكون أمام اشكالية‬ ‫والتوزيع بإمكاناته‬ ‫ّ‬ ‫تح ّدثنا عنها أكرث من م ّرة يف الصحف حول دور وزارة‬ ‫الثقافة يف تبني اإلصدارات األدب ّية وتوزيعها توزيعاً يليق‬ ‫باملنتج‪ ،‬كذلك تخصيص جزء من ريع املباع لألديب يعطى‬ ‫كحافز له عىل إبداعه‪ ،‬كذلك العمل عىل إصدار قانون‬ ‫امللكيّة الفكريّة والذي يع ّد عامالً رئيساً يف الحفاظ عىل‬ ‫املنتج األد ّيب من الرسقة‪.‬‬ ‫أحمد الظفريي‪ ،‬دكتوراه أدب عر ّيب «نقد حديث»‪ .‬ص��ر له‪:‬‬ ‫الشعري‪-‬من التشكيل‬ ‫الشعري»‪« ،‬فضاء الكون‬ ‫«سيمياء الخطاب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إىل التأويل‪ -‬مستويات التجربة عند محمد مردان» تأليف‪ :‬عدد من‬ ‫الباحثني‪ .‬يف البحوث له‪« :‬قراءة نقديّة يف شعر شريكو بيكه س»‪.‬‬

‫‪...................................................................................‬‬

‫كريم حنش‬

‫كتب تتآكل في شارع الرشيد‬ ‫تبقى ثقافة امليديا وما تق ّدمه للناس أحد أسباب انحسار‬ ‫الشعري‪ ،‬والفضائيات‪ ،‬واملذياع‪ ،‬وعرشات الصحف‬ ‫الكتاب‬ ‫ّ‬ ‫واملجالت‪ ،‬واملهرجانات يف عرص فوىض الدميوقراط ّية‪،‬‬ ‫تلك أه ّم سموم االنقسام والتخلّف‪ ،‬وكلام توغلنا يف‬ ‫أسواق الكتب ببغداد وبقية املدن يف الوسط والجنوب‬ ‫وما يتداوله الناس نجد عرص الفرتة املظلمة بهيئة القرن‬ ‫الحادي والعرشين ماثلة يف توجهات الناس‪ ،‬فكتب‬ ‫الشعراء الشعب ّيني وشعراء القريظ ومهرجاناتهم وما تبثه‬ ‫القنوات الطائفيّة أحد أه ّم البدائل إلزاحة ما هو جا ّد‬ ‫ومنطقي يف الشعريّة العراقيّة الجديدة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الشعري‬ ‫النتاج‬ ‫مع‬ ‫تواصل‬ ‫يف‬ ‫ال‬ ‫ز‬ ‫ما‬ ‫اليوم‬ ‫اء‬ ‫ر‬ ‫الشع‬ ‫بعض‬ ‫ّ‬ ‫لبورخس‪ ،‬وسعدي يوسف‪ ،‬وأدونيس‪ ،‬ومحمود درويش‪،‬‬ ‫وسليم بركات‪ ،‬وتوماس ترانسرتومر‪ ،‬تلك فئة شعريّة‬ ‫أسرية التاريخ العام ال ميكن نسخ تجربتها وتعميمها‪ ،‬وال‬ ‫‪72‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫جل الشعراء يعيشون يف عامل املرض الرنجيس ال‬ ‫سيام أ ّن ّ‬ ‫يجسد حالة املجتمع‬ ‫متلؤه فسحة ملكوت ريلكه عندما ّ‬ ‫وهو يعيش يف دوامة الفقر‪ ،‬وفكتور هيجو مل يكن شاعرا ً‬ ‫فقط باملعنى الغنايئ والغني الرائع للكلمة‪ ،‬وإمنّا كان‬ ‫مف ّكرا ً وسياس ّياً ومنخرطاً يف هموم عرصه وقضاياه‪.‬‬ ‫الشعر قيمة إنسانيّة عليا‪ ،‬لذا انفرد شعراء يك يصبحوا‬ ‫قادة للضمري والفكر اإلنسا ّين‪ ،‬يذكر هاشم صالح يف ضوء‬ ‫الفرنيس بول بينيشو أ ّن «الدور الكبري الذي‬ ‫دراسته للناقد‬ ‫ّ‬ ‫لعبه المارتني وفيكتور هيغو ‪ ‬وألفرد دو موسيه وسواهم‬ ‫الفرنيس املعارص‪ ،‬فقد حل ّـوا محل الكهنة‬ ‫يف التاريخ‬ ‫ّ‬ ‫املسيحيّني يف نظر الجمهور املثقف وق ّدموا للناس الغذاء‬ ‫الروحي بعد انحسار املسيحيّة والكهنة التقليديّني من‬ ‫ّ‬ ‫مطارنة وخوارنة»‪.‬‬ ‫هذا يعني أ ّن الشعر أخذ ميثّل مكانة املق ّدس يف وعي‬ ‫األوروبيينّ بدالً من الدين الذي فقد مصداقيته بعد الثورة‬ ‫الفرنسيّة وسقوط النظام القديم‪.‬‬ ‫ما بال بعض شعرائنا عندما ينرشون الديوان تلو الديوان‬ ‫وكأ ّن التجربة اكتملت بالتصالح املفرط للذات عن طريق‬ ‫استقبال شاعر من الغربة وكأ ّن نريودا حرض بسيف اللهب‬ ‫ومذكراته التي ألهمت ماركيز يف «مائة عام من العزلة»‪،‬‬ ‫وهذا هو الحضور الفاعل للشعر يف أوروبا وأمريكا‬ ‫الالتينية‪.‬‬ ‫أمام تعايل الذات لدى الكثري من شعرائنا املعارصين‪،‬‬ ‫وباألخص عندما نجد أعاملهم السبعينية وهي تتآكل‬ ‫يف ‪ ‬شارع الرشيد حرصا ً من دون أن يقل ّـبها أحد مجاميع‬ ‫نبيل ياسني‪ ،‬وفوزي كريم‪ ،‬وكاظم جهاد‪ ،‬وهاشم شفيق‪،‬‬ ‫فضالً عن شعراء مرحلة القادسية وما بعدها‪ ،‬فح ّدث مبا‬ ‫تراه عيناك من اختالط أوراق الوعي والجهل معاً‪.‬‬ ‫وكتبي‪ ،‬صاحب مكتبة الحنش يف شارع املتنبي‬ ‫كريم حنش‪ ،‬باحث‬ ‫ّ‬ ‫ببغداد‪ ،‬رئيس التج ّمع الثقا ّيف يف شارع املتنبي‪ ،‬رئيس تحرير مجلة‬ ‫«فكر ح ّر» الصادرة عن التج ّمع نفسه‪ ،‬طالب دراسات عليا يف كلية‬ ‫اآلداب‪ -‬جامعة بغداد‬


‫الشعر والفنون‬

‫تكامل أم تنافس ؟‬ ‫رغم تنوع وغنى المشهد الثقافي العراقي في التشكيل والمسرح والقصة والرواية ظلت الصدارة للشعر‪.‬‬ ‫والسؤال اليوم هل بقي الشعر في هذا المقام العالي‪ ،‬وهل تطوّ ر أكثر أم على العكس تراجع لصالح إبداعات‬ ‫يرسخون حضورهم؟‪.‬سؤال يجيب‬ ‫أخرى أخذت تظهر الى السطح ويبرز معها جيل صاعد من المبدعين‬ ‫ّ‬ ‫عنه ثالثة من شعراء العراق‬

‫عبدالخالق كيطان‬

‫عبد الخالق كيطان‬ ‫صفاء ذياب‬ ‫ياس االسعيدي‬

‫نسف المقوالت التقليديّة‬ ‫«نعم هنالك «فورة» يف بعض األنشطة اإلبداع ّية العراق ّية‪ ..‬وهناك‬ ‫طموح مرشوع يف السينام والتلفزيون‪ ..‬ويف الرواية‪ ..‬ولكن ملاذا‬ ‫نعتقد أن ذلك يؤث ّر عىل حال الشعر؟»‪ ،‬هذا ما يؤشرّ ه الشاعر‬ ‫املرسحي عبدالخالق كيطان‪ ،‬موضحاً عقب استفهامه‬ ‫والناقد‬ ‫ّ‬ ‫اقي منذ عقد من‬ ‫بالقول‪« :‬ما يحصل يف املشهد‬ ‫ّ‬ ‫الشعري العر ّ‬ ‫الزمان ال عالقة له بتلك الفورة‪ .‬إال أ ّن مشكلته بنيوية‪ ،‬سببها جيل‬ ‫من الشعراء أرادوا التشطيب عىل تجربة أكرث من نصف قرن من‬ ‫الحداثة الشعريّة والنكوص بالتجربة إىل ما يس ّمونه محاولة اإلصالح‬ ‫العمودي‪ ،‬وهذا‪ ،‬بالنسبة يل عىل‬ ‫والتطوير من داخل بنية الشعر‬ ‫ّ‬ ‫األقل‪ ،‬ذروة اللعب والحمق»‪.‬‬ ‫املؤسسات الثقاف ّية خالل العقد األخري‪،‬‬ ‫وال ينىس كيطان «دور ّ‬ ‫مؤسسات حريصة‪ ،‬عىل ما يبدو‪،‬‬ ‫النظام السابق وما بعده‪ ،‬وهي ّ‬ ‫التقليدي يف الشعر؛ ألنّه األنسب إىل مداركها‬ ‫عىل تقديم األمنوذج‬ ‫ّ‬ ‫الثقاف ّية‪ ،‬ففسحت املجال عرب بواباتها الكربى للتجارب النكوص ّية‬ ‫إيّاها‪ ،‬ما أدّى إىل انخراط رهط كبري من الشباب يف هذا املرشوع»‪.‬‬ ‫إشارته األخرية يراها السبب األوحد ملا يشهده الشعر اليوم من‬ ‫تراجع؛ كون «الشباب األقدر عىل حمل راية املغايرة واملغامرة‪ ،‬وإذا‬ ‫وتقليدي»‪.‬‬ ‫ما نحينا تجاربهم فسنصل إىل تكريس منوذج قا ّر‬ ‫ّ‬ ‫غري إنّه يل ّمح اىل «ازدهار فنون الكتابة باللغة املحك ّية يف العراق‬ ‫اليوم‪ ..‬مثلام تزدهر فنون أخرى‪ .‬وهنا يبدو البحث عن مصادر‬ ‫الشعبي‪ ،‬واملشاريع السينامئ ّية‪ ،‬جالبة‬ ‫قصة لوحده‪ .‬فالشعر‬ ‫متويل ّ‬ ‫ّ‬ ‫للامل‪ ،‬بينام الشعر الذي نتح ّدث عنه يُفقر صاحبه‪ .‬هكذا نرى‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪73‬‬


‫ملف‬

‫أيضاً ناظم رمزي يف الفوتوغراف من جهة وجواد سليم‬ ‫انخراط عدد كبري من الشباب يف مشاريع مجدية ماديّاً‪،‬‬ ‫وغريه كثريون يف الفنون التشكيليّة»‪.‬‬ ‫خاصة مع انتشار املحطـّات الفضائيّة‪ ،‬ودخول منظّامت‬ ‫ّ‬ ‫ووفقاً للواقع القائم اآلن‪ ،‬يضيف عىل ذلك‪« :‬ما نالحظه‬ ‫املجتمع املد ّين يف وقت ترتاجع فيه املجالت الثقافيّة‬ ‫اليوم من ظهور جيل جديد يف الرؤى والتقنيات‬ ‫املعنية باإلبداع الجديد‪ ،‬وال تستطيع الصحف مكافأة‬ ‫واألساليب أكَّد أ ّن الثقافة العراق ّية ليست ثقافة شعريّة‬ ‫الشعراء إال مببالغ مضحكة»‪.‬‬ ‫فقط‪ .‬التقنيات الجديدة منحت الباحثني عن الجامل آفاقاً‬ ‫ويف النهاية اليجد تغيرّ ا ً يف «وظيفة الشعر»‪ ،‬ويرى أن‬ ‫«محنة الشعر ليست عراقيّة فقط»‪ ،‬بل هي محنة عامليّة واسعة‪ ،‬فمع ظهور الكامريا الديجيتال برز جيل جديد من‬ ‫الف ّنانني الفوتوغرافيّني‪ ،‬فضالً عن اهتامم كبري من الشعراء‬ ‫تداخلت يف صنعها عوامل شتّى‪ ،‬قد ال تبتعد كثريا ً عن‬ ‫والكتّاب أنفسهم بالفنون البرصيّة‪ ..‬وهذا االهتامم ليس‬ ‫العوامل املحل ّية العراق ّية‪ .‬وبالرغم من هذه الصورة‬ ‫املأزومة التي يق ّدمها يف بعدها العام‪ ،‬إال أنّه يعتقد «أنّنا جديدا ً عىل األدباء‪ ،‬إال أ ّن صعوبة استخدام الكامريا‬ ‫مقبلون خالل هذا العقد من السنوات عىل تجربة جديدة القدمية جعلتها حكرا ً عىل الفوتوغرافيّني املحرتفني‪،‬‬ ‫يف الشعريّة العراقيّة قد تستطيع صياغة حداثتها ونسف وهذا األمر ينطبق عىل الفنون السينامئيّة أيضاً‪ .‬املوهبة‬ ‫واالنحياز للجامل بأشكاله املتع ّددة وطرائقه كان موجودا ً‪،‬‬ ‫املقوالت التقليديّة التي تتحكم ظاهريّاً وشكليّاً اليوم‬ ‫إال أ ّن صعوبة استخدام التقنيات الكالسيك ّية كان السبب‬ ‫اقي»‪.‬‬ ‫باملشهد‬ ‫ّ‬ ‫الشعري العر ّ‬ ‫عبدالخالق كيطان‪ :‬متخصص يف النقد والتأليف املرسحي‪ ،‬صدر الرئيس النحسارها بأسامء قليلة»‪.‬‬ ‫مقاربة الشعر إزاء الفنون عىل صعيد األسامء الفاعلة يف‬ ‫له يف الشعر«نازحون»‪« ،‬صعاليك بغداد»‪« ،‬االنتظار يف ماريون»‪،‬‬ ‫كل مشهد‪ ،‬يعلـّق عليها ذياب بأنّه «ومع صعود أسامء‬ ‫ّ‬ ‫اقي عام‬ ‫«واحد ومثانون»‪ .‬عضو يف الهيئة اإلداريّة‪ ،‬لبيت الشعر العر ّ‬ ‫وأسس صيف عام ‪ 2011‬جمعية «بغداد الفتاة»‪ ،‬وكتب بيانها شابة عىل الساحة الشعريّة العراقيّة‪ ،‬مثل عيل محمود‬ ‫‪ّ ،2009‬‬ ‫التأسييس‪ .‬والجمعية تض ّم نخبة مميّزة من املثقفني العراقيّني يف شتّى خضيرّ وميثم الحريب وصفاء خلف وعمر الجفال وغريهم‬ ‫ّ‬ ‫يقل أهمية وموهبة‬ ‫الكثري‪ ،‬ظهر جيل من السينامئ ّيني ال ّ‬ ‫الحقول املعرفيّة‪.‬‬ ‫‪ ...................................................................................‬عن الشعراء‪ ،‬مثل عدي رشيد ومحمد الدراجي ومالك‬ ‫عبد عيل»‪.‬‬ ‫صفاء ذياب‬ ‫غري أ ّن هذا الشاعر الذي له اطالالت يف مجال‬ ‫اكتشاف جماليات العالم وقبحه‬ ‫الفوتوغراف‪ ،‬يفسرّ الحاجة العا ّمة إىل فنون ثانية غري‬ ‫«هل كانت الصدارة للشعر يف العراق خالل العقود‬ ‫املاضية؟! كرثة الشعر وانتشاره عىل نطاق واسع ال يعني القصيدة وأجوائها‪ ،‬فيقول‪« :‬اإلشكالية التي تواجه‬ ‫املكتوب بشكل عام‪ ،‬من شعر وقصة ورواية ونقد‪ ،‬ظهور‬ ‫تسيّده‪ ،‬مع وجود أشكال وفنون إبداعيّة موازية»‪ ،‬يبدأ‬ ‫وسائل االتصال الحديثة‪ ،‬وبروز الصورة؛ مبستوياتها‬ ‫الشاعر صفاء ذياب حديثه بتساؤل يختلف عماّ أورده‬ ‫املختلفة؛ جعل من املكتوب شأناً ثانوياً يف الثقافة‬ ‫زميله كيطان‪ .‬ويعتقد أنه عرب النظر إىل «منجز الثقافة‬ ‫العراق ّية منذ أربعينيات القرن املايض وحتّى اآلن نستطيع الشعب ّية العراق ّية والعامل ّية عىل العموم‪ ،‬وهذا ما جعل‬ ‫الشعر كف ّن ال يكفي الكتشاف العامل بجاملياته وقبحه»‪.‬‬ ‫أن نتلمس إبداعاً كبريا يف النقد والرواية والفوتوغراف‬ ‫صفاء ذياب‪ ،‬مواليد ‪ ،1975‬صدر له يف الشعر‪« :‬ال توقظ‬ ‫والتشكيل واملرسح‪ .‬ففي الوقت الذي اشتهر فيه السيّاب‬ ‫الوقت»‪« ،‬قلق»‪« ،‬وال أحد غريي»‪« ،‬سامء يابسة»‪« ،‬ثلج أبيض‬ ‫ونصوصه الجديدة ونازك املالئكة والبيايت وغريهم يف‬ ‫الشعر‪ ،‬هناك عبد امللك نوري وغائب طعمة فرمان وفؤاد بضفرية سوداء»‪.‬‬ ‫والقصة القصرية‪ .‬فيام برز عيل الوردي‬ ‫التكريل يف الرواية‬ ‫ّ‬ ‫كباحث يف علم االجتامع وطه باقر يف السومريات‪ ،‬وبرز‬ ‫‪74‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الشعر والفنون‬

‫الفنان رافع النارصي‬

‫املهرجانات الشعريّة العديدة وامللتقيات الكثرية‪ ،‬وما‬ ‫ياس السعيدي‬ ‫وعاملي»‪.‬‬ ‫يب‬ ‫عر‬ ‫تأثري‬ ‫من��� ‫اقي‬ ‫ر‬ ‫الع‬ ‫الشاعر‬ ‫يحققه‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خليط في زمن واحد‬ ‫الشاعر ياس السعيدي‪ ،‬يبدو رأيه أكرث اختالفاً عن زميليه‪ ،‬وأمام صعود أطياف جديدة من املبدعني يف السينام‬ ‫اقي مل‬ ‫والفوتوغراف والرسم‪ ،‬فال يظ ّن أ ّن «الشعر العر ّ‬ ‫لجهة اعتقاده إ ّن «ما بني الشعر والفنون األخرى عالقة‬ ‫تكامل ال تنافس‪ ،‬إذ إنّنا ال نجد مجتمعاً يتق ّدم فيه وعي يعدم صعود مثل هذه األجيال فجيل التسعينيني مثالً‬ ‫التلقي للسينام مثالً يف حني يرتاجع وعي تلقي الشعر أو مازال حارضا ً ويف أوج عطائه‪ ،‬وظهر جيل ما بعد ‪2003‬‬ ‫الشعري ال وحقق ما حقق‪ ،‬ث ّم جاء جيل ما بعد املحنة‪ ،‬وغري هذه‬ ‫الرسم‪ ،‬لك ّن موضوع السؤال يدور حول الجهد‬ ‫ّ‬ ‫وكل‬ ‫كل هذه األجيال من األسامء الفرديّة التي حققت الكثري‪ّ ،‬‬ ‫عن تلقيه‪ ،‬وهنا ال ب ّد من االشارة إىل أ ّن كواكب ّ‬ ‫هذا الخليط الرائع مازال يعمل يف زمن واحد هو زمن‬ ‫الفنون تدور يف مج ّرة واحدة‪ ،‬وبالتايل انتعاش أي جزء‬ ‫منها سيؤث ّر إيجاباً عىل بقية األجزاء‪ ،‬فمثالً الشاعر الجيّد الشعريّة العراقيّة اآلين»‪.‬‬ ‫ميث ّـل بيئة صالحة لنمو نبتات الفنون األخرى فتجده عارفاً ويدعو السعيدي إىل القيام بإحصائية بسيطة للمجاميع‬ ‫رص معها عىل كلمة «ج ّيدة»‪ -‬التي‬ ‫الشعريّة الج ّيدة ‪-‬وي ّ‬ ‫ملعظم مبدعي بلده يف الرسم والسينام والفوتوغراف‬ ‫صدرت بعد ‪2003‬؛ «ألذهلنا العدد وهذا أمر طبيعي يف‬ ‫لجل أنشطتهم‪ ،‬والشعر بدوره سيكون قابالً‬ ‫ومتابعاً ّ‬ ‫بلد تخلـّص من سلطة الرقيب‪ ،‬وهو ميتلك أصالً طينة‬ ‫للحياة يف بيئة تنشط فيها مثل هذه الفنون»‪.‬‬ ‫إبداعيّة يف فطرته»‪.‬‬ ‫السعيدي ين ّوه إىل أ ّن «الشعر يف العراق تط ّور كثريا ً يف‬ ‫ياس السعيدي‪ ،‬من مواليد ‪ ،1982‬صدر له يف الشعر «تضاريس‬ ‫الفرتة األخرية وواكب تط ّور تلك الفنون إذا مل نقل إنّه‬ ‫من جغرافيا الروح» صدرت عن دائرة الثقافة «دروب»‪« ،‬أكرث من‬ ‫اجتازها مبراحل‪ ،‬يكفي أن تعرف أ ّن بلدا ً مثل العراق‬ ‫قمر لليلة واحدة»‪« ،‬شاعر الحريّة»‬ ‫كانت تحدث فيه عرشات االنفجارات يوم ّياً‪ ،‬لك ّنه يف‬ ‫ذات اليوم يق ّدم عدة نشاطات شعريّة‪ ،‬أضف إىل ذلك‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪75‬‬


‫ملف‬

‫الشعر والمؤسسات‬

‫غابة المرايا‬

‫النتاج الشعري العراقي متواصل من جيل إلى جيل وأرض العراق حبلى بالشعر الذي يظل صاحب المكانة‬

‫ً‬ ‫دائما‪.‬‬ ‫األولى لدى العراقيين مهما استجد من تغيرات وتحوالت سياسية وثقافية‪ .‬هناك من يحمل الراية‬ ‫والسؤال هل المؤسسات من جميعات ونوادٍ ودور نشر ومطبوعات راعية للزخم الشعري‪ ،‬أم أنها تعاني‬ ‫من مصاعب؟‬

‫عمر الرساي‬

‫مشاريع بتطلّعات جديدة‬ ‫الشعري يف جانبه التنظيمي‬ ‫لعل املتتبع لحركة اإلبداع‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫يستطيع أن مي ّيز وجود رعاية منقطعة النظري يف جانب‬ ‫فجل‬ ‫املؤسسات واملجالت‪ُّ ،‬‬ ‫االهتامم بالشعر من خالل ّ‬ ‫املؤسسات الثقاف ّية العراق ّية يهيمن عليها االهتامم‬ ‫ّ‬ ‫مؤسسة ثقافيّة إال وقد حصل الشعر‬ ‫ّ‬ ‫الشعري‪ ،‬فال نرى ّ‬ ‫فيها عىل ما يزيد عن نصف اهتاممها‪.‬‬ ‫مؤسسة‬ ‫بزوغ‬ ‫ويف العراق بعد عام ‪ 2003‬نالحظ‬ ‫ّ‬ ‫اقي الذي‬ ‫ّ‬ ‫متخصصة يف الشعر أال وهي نادي الشعر العر ّ‬ ‫الشعري‬ ‫تأسس عام ‪ ،2005‬حيث أسهم يف إدارة امللف‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫من مهرجانات ومطبوعات عىل قدر ما يستطيعه من‬ ‫ميزانية ماليّة‪ ،‬فضالً عن خلق روح التواصل بني الشعراء‬ ‫النقدي للشعر من خالل إقامة الجلسات‬ ‫وتفعيل الحراك‬ ‫ّ‬ ‫التخصصية املتواكبة وطباعة اإلصدارات الشعريّة من‬ ‫مجاميع مشرتكة وفرديّة وإقامة احتفاليات التوقيع لها‬ ‫واملذاكرة النقديّة بشأنها‪ .‬ولنادي الشعر أندية مرتابطة‬ ‫معه عن طريق إشاعة الروح الشعريّة يف املحافظات‬ ‫العراق ّية‪ ،‬حيث نرى وجود نادي الشعر يف البرصة ويف‬ ‫بابل ويف ذي قار ونينوى وكركوك وأغلب املحافظات‬ ‫الشعري وقيادة‬ ‫للتخصص يف إدارة امللف‬ ‫التي تسعى‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫مهرجانات شعريّة مه ّمة يف العراق‪ ،‬مثل مهرجان‬ ‫املربد والجواهري والحبويب وأيب متام واملتنبي وغريها‪..‬‬ ‫اقي‬ ‫ونالحظ وجود ّ‬ ‫مؤسسة ثانية وهي بيت الشعر العر ّ‬ ‫‪76‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫خاصاً لها منطلقاً من رؤية للشعر‬ ‫التي ات ّخذت مجاالً ّ‬ ‫من خالل القصيدة وعرب الخطى التي برز وجودها يف‬ ‫املتخصصة أيضاً‪ ،‬ومن خالل إصدار‬ ‫إقامة الجلسات‬ ‫ّ‬ ‫مطبوع ثقا ّيف وهو مجلة «بيت» التي حملت تطلـّعات‬ ‫املؤسسة‪ .‬ويف محافظة‬ ‫وتنظريات ورؤى القامئني عىل هذه ّ‬ ‫البرصة‪ ،‬وتواصالً مع مجموعة من أدباء العراق يف بغداد‬ ‫متخصصة يف الشعر‬ ‫واملحافظات األخرى نرى وجود مجلة‬ ‫ّ‬ ‫أيضاً‪ ،‬بل وتحديدا ً يف مجال مح ّدد منه أال وهو قصيدة‬ ‫النرث‪ ،‬حيث هناك مجلة اسمها «نرث» يقوم عليها مجموعة‬ ‫من األدباء الشباب الذين كثّفوا مرشوعات إصداراتهم‬ ‫وتنظرياتهم يف هذه املجلة‪ .‬واالهتامم بالشعر مل يتوقف‬ ‫مؤسسة أو مجلة بل تع ّدى ذلك عراق ّياً ليتصل مع‬ ‫عند ّ‬ ‫الجانب املريئ حيث العديد من الربامج التلفزيونيّة‬ ‫واألفالم الوثائقيّة التي تتّخذ من الشعر وحده مجاالً‬ ‫الشتغالها وهو ما رفع نسبة االهتامم والجامهرييّة للحركة‬ ‫الشعريّة العراق ّية‪ .‬وال تنفك الحركة الشعريّة متواكبة مع‬ ‫املؤسسات التي تحمل نبض الشعر يف إشاعة روحه من‬ ‫ّ‬ ‫خالل التواصل أو من خالل املطبوعات املشار إليها‪.‬‬ ‫عمر الرساي‪ ،‬شاعر ولد يف بغداد عام ‪ّ ،1980‬أسس مع مجموعة‬ ‫من زمالئه نادي الشعر يف اتحاد األدباء وترأس دورتيه الثانية‬ ‫والسادسة‪ ،‬صدر له‪« :‬ساعة يف زمن واقف»‪« ،‬ضفائر سلم األحزان»‪،‬‬ ‫شعري‪.‬‬ ‫«سامؤك قمحي»‪« ،‬طواويس ماء» – ألبوم‬ ‫ّ‬


‫الشعر والمؤسسات‬

‫الفنان فيصل لعيبي‬

‫أحمد عزّاوي‬

‫المادي‬ ‫عائق الدعم‬ ‫ّ‬ ‫اقي بعد عام ‪ 2003‬أن يكون املشهد‬ ‫توقّع املثقف العر ّ‬ ‫الشعري أكرث رحابة وسعة وغنى‪ ،‬ال سيام بعد االنفتاح‬ ‫ّ‬ ‫النسبي الذي شهدته القطاعات اإلعالميّة والثقافيّة‪،‬‬ ‫وكان للصفحات الثقاف ّية دور ابتدايئ يف نرش الشعر‬ ‫اقي الجديد‪ ،‬يف الوقت الذي أدّت فيه االتحادات‬ ‫العر ّ‬ ‫الفرعيّة واالتحاد العام لألدباء يف العراق دورا ً محدودا ً‬ ‫سببه عدم إمكانية هذه املراكز عىل رسم اسرتاتيجية‬ ‫تواكب التغيري‪ ،‬أو وقوعها بيد «مثقفني» تابعني ألحزاب‬ ‫معادية للتوجهات الثقاف ّية الحديثة‪ ،‬أو وقوعها رهينة‬ ‫فقر التمويل املايل‪ ،‬إذ عىل الرغم من كفاح بعض الجهات‬ ‫الثقافيّة املستقلة للبقاء خارج حدود التأثريات الحزبيّة‬ ‫والتنظيميّة وتوجيهاتها‪ ،‬فإنّها مل تستكمل مشاريعها‬ ‫الثقافيّة‪ ،‬وهنا أو ّد اإلشارة إىل املنتديات الثقافيّة املستقلّة‬ ‫يف العراق وعددها خمسة منتديات هي‪ :‬منتدى سوق‬ ‫الشيوخ ومنتدى الشطرة ومنتدى اإلسكندرية ومنتدى‬ ‫الفلوجة ومنتدى سامراء الثقا ّيف‪ ،‬وهي منتديات مستقلّة‬ ‫حاولت قدر املستطاع أن تدعم النتاجات الشعريّة لك ّنها‬ ‫واقعي يف إصدار منشورات‬ ‫واجهت نقص التمويل كعائق‬ ‫ّ‬ ‫املؤسسات الثقاف ّية الحكوم ّية‬ ‫كثرية‪ ،‬يف مقابل حصول ّ‬ ‫التي تسمى البيوت الثقاف ّية يف املحافظات وبعض‬ ‫قصور الثقافة عىل التمويل الكايف من قبل وزارة الثقافة‪،‬‬ ‫لك ّنها مل تق ّدم إال مساهامت محدودة ج ّدا ً‪ ،‬أل ّن القامئني‬

‫عليها –بأغلبيتهم‪ -‬ليسوا مثقفني بل إداريّني ال عالقة‬ ‫لهم بالثقافة‪ ،‬وهو ما يطرح أكرث من تساؤل عىل مقاصد‬ ‫الوزارة بهذا الصدد‪ ،‬بقي أن نشري إىل دور االتحاد العام‬ ‫لألدباء والكتّاب يف العراق يف إقامة الجلسات الشعريّة‬ ‫وطباعة املجموعات الشعريّة عىل نحو ما وبحدود‬ ‫إمكانيات االتحاد الذي يبدو أنّه حاول أن ينأى بنفسه‬ ‫قدر اإلمكان عن التأثريات الحزب ّية والسياس ّية يف توجهاته‬ ‫األدب ّية‪ ،‬لذا فقد جوبه أيضاً بحجب الدعم وقلـّته‪ ،‬وهو‬ ‫الشعري عىل نحو ما‪،‬‬ ‫مع هذا‪ ،‬أسهم يف صياغة املشهد‬ ‫ّ‬ ‫فضالً عن مواكبته ملساهامت الشعراء يف املهرجانات التي‬ ‫يقيمها‪.‬‬ ‫وال ننىس يف هذا السياق أن نذكر بعض الجهود امله ّمة‬ ‫الخاصة من مثل‬ ‫لبعض التج ّمعات الثقاف ّية والتوجهات‬ ‫ّ‬ ‫اقي الذي أرشف عليه نخبة من‬ ‫مرشوع بيت الشعر العر ّ‬ ‫الشعراء العراقيّني‪ ،‬ومرشوع «البديل الثقا ّيف» الذي أرشف‬ ‫عليه الشاعر جامل جاسم أمني مع نخبة من مثقفي‬ ‫محافظة ميسان‪ ،‬وجريدة «تكست» يف البرصة‪.‬‬ ‫أحمد ع ّزاوي‪ ،‬مواليد سامراء ‪ ،1977‬الرئيس الحايل للمنتدى‬ ‫الثقا ّيف يف سامراء‪.‬صدر له يف الشعر‪« :‬الحياةُ… بع ٍني بيضاء»‪« ،‬عن‬ ‫النص»‪ ،‬باالشرتاك مع‬ ‫الودائع وغيوم الذكريات»‪ .‬ويف النقد‪« :‬سحر ّ‬ ‫الشعري‪ ،‬باالشرتاك مع‬ ‫النص‬ ‫مجموعة من النقّاد العراقيّني‪« ،‬سيمياء ّ‬ ‫ّ‬ ‫مجموعة من النقّاد العراقيّني‪ .‬كام صدر له كتاب «بناء الشخصيّة يف‬ ‫الرواية»‪.‬‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪77‬‬


‫ملف‬

‫عمر الرساي‬

‫أحمد عزاوي‬

‫مروان عادل حمزة‬

‫كيانات ومطبوعات للتكفير‬ ‫تنفّست قصباتنا الثقافيّة بعد التغيري الذي حصل يف‬ ‫البلد صعداءها لكن عن طريق رئات ليست لها وغري‬ ‫حاملة له ّمها! وإنمّ ا هي رئات ألحزاب متنفّذة ولتيارات‬ ‫دين ّية متف ّرقة ولتج ّمعات إثن ّية وعرق ّية وما إىل ذلك مماّ‬ ‫مؤسسات تشتغل‬ ‫كان لها اليد العليا فأنشأت تبعاً لذلك ّ‬ ‫لثقافة الجهة املم ّولة والتي ينتمي إليها الذين أوكلت‬ ‫لهم مسؤولية إدارتها‪ ،‬وأصدرت مجالت ومطبوعات تر ّوج‬ ‫لفكرها غري معنية بأفكار غريها إلاّ من حيث تكذيبها أو‬ ‫حتّى تكفريها!! ولو أحصينا لزاد الع ّد إىل ح ّد التو ّهم بأ ّن‬ ‫ذلك يوحي بعافية الثقافة وهذا غري صحيح متاماً إلاّ إذا‬ ‫استثنينا من أكداس ما ذكرت القلّة القليلة التي عملت‬ ‫جهدها لتأسيس كيان مثقف أو إصدار مطبوع معترب‪.‬‬ ‫مؤسسات ومجالت مك ّرسة‬ ‫وبشأن السؤال هل أُنشئت ّ‬ ‫للشعر‪ ،‬مل ولن أستطيع التح ّدث عن كونها حقّقت أم ال‬ ‫مماّ يدور يف العقل املثقّف‪ ،‬فيبدو واستنادا ً إىل الواقع انّها‬ ‫مازالت بعيدة وبعيدة ج ّدا ً!!‬ ‫مؤسسة مجلة أو جريدة‪،‬‬ ‫ولكل‬ ‫اآلن ّ‬ ‫مؤسسة‪ّ ّ ،‬‬ ‫لكل جهة ّ‬ ‫ولكل مجلة أو جريدة سياسة لها مح ّدداتها وأهدافها‬ ‫ّ‬ ‫التي تضيق وتضيق إىل حد أنّها تبدو وكأنها مج ّرد تفسري‬ ‫لعنوان جهتها املم ّولة‪ ،‬ونحن نعرف أ ّن تفسري التمويل‬ ‫يف الفكر العر ّيب عا ّمة هو القوامة واملرجعيّة التي الحياد‬ ‫عنها إال عن طريق خيانتها‪.‬‬ ‫ي�� مجالت تصدر عن لجان تحضرييّة ملهرجانات تحت‬ ‫كل هذا‪،‬‬ ‫مانشيتات عريضة‪ ،‬توحي لك بأنّها بعيدة عن ّ‬ ‫كل صفحة تقلبّها فتجد هذا البؤس‬ ‫تتلبّسك الخيبة مع ّ‬

‫‪78‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫بكل وضوح وجاء‬ ‫يشف عن بؤسه ّ‬ ‫قد لبس لك ثوباً ّ‬ ‫ليخدع شخصاً مثلك مازالت كريات ثقافته البيضاء تدافع‬ ‫عن بياضها ض ّد هذا الكم الهائل من السواد‪.‬‬ ‫مؤسسات مبثل هذا التوجه‪ ،‬ويف مجالت بهذا الشكل‬ ‫يف ّ‬ ‫الذي تبدو فيه وكأنّها مل تصدر إال لتقول ملم ّوليها اطمئنوا‬ ‫إ ّن أموالكم هذه مصارفها وإ ّن الجمهور اآلن يتقاتل يف‬ ‫سبيل الحصول عىل تلك املجالت !! لن تفعل شيئاً يذكر‬ ‫يف طريق الحلم الكبري‪.‬‬ ‫اليستثنى من ذلك إلاّ بعض املجالت التي كانت فعالً‬ ‫تنتمي إىل ركب املجالت الثقافيّة املعروفة برصانتها‬ ‫ومهنيتها وال أريد أن أذكر اسامً لها وال اسامً لغريها مام‬ ‫تح ّدثت عنه‪ ،‬لكن فعالً املتتبع ملا ينرش سيم ّيز الج ّيد‬ ‫برسعة‪.‬‬ ‫مؤسسة!!!‬ ‫وإن استثنيت بعض املجالت فإنيّ ال أستثني أيّة ّ‬ ‫مازلنا نفتقر إىل ذلك فعالً‪.‬‬ ‫مروان عادل حمزة‪ ،‬شاعر من بغداد رئيس نادي الشعر للدورة‬ ‫الثالثة ‪ ،2007‬له مجموعة شعريّة «تراتيل طيور محنطة»‪ ،‬التي فاز‬ ‫عنها بجائزة ديوان رشق غرب باملرتبة األوىل‪.‬‬

‫‪...................................................................................‬‬

‫عيل محمود خضي‬

‫فعاليّات لبعضهم بعض ًا‬ ‫متخصصة‬ ‫مؤسسات ومجالت‬ ‫تحرض يف ّ‬ ‫ّ‬ ‫ظل الحديث عن ّ‬ ‫بالشعر يف العراق أسئلة وشجون بارقة وحادّة‪ ،‬أسئلة‬ ‫الشعري من جانب‬ ‫تعنى بتأ ّمل فعال ّياتها يف املشهد‬ ‫ّ‬ ‫ظل تراجع شعبية الشعر‬ ‫وفاعليتها من جانب آخر يف ّ‬ ‫بني الق ّراء والتزايد املطرد ألعداد الكتّاب‪ ،‬وشجون تعنى‬ ‫مؤسساتنا‬ ‫بالتفاصيل املهنيّة التي أعتقد إ ّن أغلب ّ‬


‫الشعر والمؤسسات‬

‫مروان عادل حمزة‬

‫عيل محمود خرض‬

‫ومجالتنا تفتقدها‪.‬‬ ‫متخصصة بالشعر ال ميكن لها أن تق ّدم رؤيا‬ ‫مؤسسة‬ ‫ّ‬ ‫إ ّن ّ‬ ‫اقي إال‬ ‫فاعلة للعناية مبشهد مهم وشاسع كالشعر العر ّ‬ ‫إذا كانت مستقلة‪ ،‬غري حكوميّة‪ ،‬تحتكم عىل مشاريع‬ ‫مخطّط لها بدقة‪ ،‬محظوظة بهيئة تأسيسيّة واستشاريّة‬ ‫ظل‬ ‫عىل قدر عا ٍل من املهنية والخربة ونكران الذات! ماذا ّ‬ ‫مادي رصني يغطي عملية إنتاج‬ ‫يف النهاية؟ ّ‬ ‫ظل متويل ّ‬ ‫الفعال ّيات واملهرجانات واإلصدارات والجوائز وأزعم أنّها‬ ‫املهمة األصعب‪.‬‬ ‫الخاصة‬ ‫«املؤسسات»‬ ‫تعاين أغلب الجمعيات وال أقول‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫اقي من طغيان األعراف النقاب ّية عىل نوع ّية‬ ‫بالشعر العر ّ‬ ‫ما يق ّدم من شعر‪ ،‬يضطر القامئون عىل اإلدارة إىل‬ ‫تقديم الجميع واالحتفاء بالجميع متاشياً مع الطبيعة‬ ‫مؤسسات‪ ،‬وهذا‪ ،‬ويالألسف‪ ،‬يأيت‬ ‫«الربوتوكولية» لهكذا ّ‬ ‫دامئاً عىل حساب رصانة ما يق ّدم‪ ،‬طغيان هامش العالقة‬ ‫الشخص ّية عىل ثوابت إنتاج مرشوع يعود بالنفع إىل‬ ‫الشعر كف ّن أدّى إىل عزلة مضاعفة للشعر وعزوف أغلب‬ ‫الكتّاب املضيئني عن مسارحها ومنصاتها‪.‬‬ ‫املجالت الشعريّة مفقودة‪ ،‬سوى مجلة «بيت» الفصليّة‬ ‫اقي والتي أصدرت لآلن عددين‬ ‫ّ‬ ‫الخاصة ببيت الشعر العر ّ‬ ‫فقط خالل سنتني وعددها الثالث يف الطريق‪ ،‬ولنا أن‬ ‫نتخ ّيل حجم الصعوبات التي تواجه هكذا مشاريع‬ ‫متحمسة‪ ،‬إذ تتلكأ مواعيد اإلصدار بسبب قلّة الدعم‬ ‫تا ّرة وعدم تف ّرغ كادر التحرير لعمل املجلة تا ّرة أخرى إذ‬ ‫يضطر أغلبهم ‪-‬إن مل يكن كلـّهم‪ -‬للعمل يف الصحافة لس ّد‬ ‫احتياجاتهم‪ ،‬صعوبات مثل تلك ال تقترص عىل العراق‬ ‫املادي بسبب‬ ‫فقط‪ ،‬الشعر واآلداب تعاين انحسار الغطاء‬ ‫ّ‬

‫الطبيعة «االستهالك ّية» للعامل الذي نعيشه‪ ،‬وانهيار رغبة‬ ‫الشعراء يف مواجهة الفرتة الحرجة التي يعيشها الشعر يف‬ ‫هذه املرحلة‪ ،‬كام حدث مع مجلة عريقة مثل «الحركة‬ ‫الشعريّة» الفرنسيّة التي توقفت مؤخرا ً‪ ،‬مل يجد الشاعر‬ ‫هرني دويل الذي عمل فيها لـ‪ 60‬سنة سبباً لتوقفها فقال‬ ‫خاص‪ .‬ليس هناك سبب ما ّيل‪ ،‬ماليتنا‬ ‫«ال يوجد سبب ّ‬ ‫ممتازة‪ .‬ليس مث ّة من سبب إيديولوجي‪ ،‬ليس هناك رصاع‬ ‫يف لجنة اإلدارة‪ .‬فقط يبدو يل أنّه‪ ،‬عىل وجه التحديد‪ ،‬يف‬ ‫هذه الظروف‪ ،‬حان الوقت للتوقف بعد أكرث من ستني‬ ‫سنة من املنشورات واألنشطة»‪.‬‬ ‫املؤسسة العراق ّية مرشوعاً كامالً‬ ‫بالنهاية‪ ،‬إذا مل متتلك ّ‬ ‫مخطّطاً له عىل مدى بعيد يحتوي عىل رؤى تعيد‬ ‫تأثري الشعر يف الثقافة العراق ّية من خالل تقديم برامج‬ ‫تزيد من إقبال الق ّراء وتضع الشعر الجيّد يف متناول‬ ‫وتؤسس لجهد‬ ‫أكرب عدد من املنابر اإلعالميّة الف ّعالة ّ‬ ‫متخصص يق ّدم دراسات شاملة وعميقة باإلضافة‬ ‫بحثي‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫إىل مواصلة جهود حثّ نظام التعليم يف العراق عىل‬ ‫زيادة حصة الشعر الحديث من التدريس يف الجامعات‬ ‫املؤسسات‬ ‫واملدارس األوليّة‪ ،‬إذا مل يحدث هذا‪ ،‬ستبقى ّ‬ ‫بعيدة عن التأثري الحقيقي الذي يصنع التغيري وستقترص‬ ‫عىل االحتفاالت التي يحرضها الشعراء لبعضهم بعضاً!‬

‫عيل محمود خضيرّ ‪ ،‬شاعر من مواليد بغداد ‪ّ ،1983‬أسس‬ ‫وآخرون نادي الشعر يف البرصة عام ‪ ،2007‬صدر له «الحامل‬ ‫اقي‬ ‫يستيقظ»‪ ،‬فاز باملركز الثاين يف جائزة اليونسكو وبيت الشعر العر ّ‬ ‫ببغداد ‪2012‬‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪79‬‬


‫شعر وتشكيل‬

‫نجاة ّ‬ ‫مكي في باريس‬ ‫اللون والكلمة يصوغان مخيلة‬ ‫لإلبداع اإلنساني‬ ‫التشكيلية اإلماراتية نجاة مكي تخوض تجربة جديدة مع الشاعر الفرنسي بول هنري ليرسون‪ ،‬هي كناية‬ ‫ً‬ ‫شعرا تقابلها الصورة المرئية‪ .‬وقد سبق أن جربت الفنانة هذا اللقاء‬ ‫عن حوار إبداعي بين الصورة المكتوبة‬

‫في كتاب «مدارج الدائرة» مع الشاعر حكيم عنكر‬

‫أبوظبي‪ -‬بيت الشعر‬

‫يدرك أنها نتاج خربة وتعايش مع اللون والشكل ما مينحها‬ ‫حداثتها الخاصة وخصوصيتها التي متيز أسلوبية الفنانة‬ ‫عن سواها من أقرانها‪.‬‬ ‫ما مل يكن يعرفه الفرنسيون أن املخيلة الفنية لنجاة ميك‬ ‫هي األكرث تفاعالً مع املخيلة الشعرية‪ .‬ليس األمر هنا‬ ‫يتعلق بشعرية لونية ذات صلة بالشكل واملضمون مثلام‬ ‫هو متعارف عليه يف الفن التشكييل ونقده بل اإلشارة هنا‬ ‫إىل مقدرة نجاة ميك عىل خلق معادل موضوعي برصي‬ ‫للقصيدة التي تقرأها أو هو‪ ،‬مبعنى ما‪ ،‬تأويل برصي‬ ‫للقصيدة‪ .‬وقد قامت الفنانة نجاة ميك بذلك أكرث من م ّرة‬ ‫عندما قدمت مجموعة من األعامل املشرتكة سواء مع‬ ‫األمر عندما أثارت العديد من لوحات الفنانة‬ ‫قصائد مع شعراء إماراتيني حداثيني أو مع شعراء عرب‪،‬‬ ‫التشكيلية اإلماراتية نجاة ميك فضول الكثريين وتحديدا ً تجربتها الفنية والشعرية املشرتكة مع الشاعر‬ ‫من متابعي الفن التشكييل يف باريس‪ ،‬التي ما تزال‬ ‫حكيم عنكر من املغرب يف كتابهام‪« :‬مدارج الدائرة»‬ ‫تحتفظ مبوقعها منذ قرنني بوصفها إحدى أهم العواصم‬ ‫الصادر عن دائرة الثقافة واإلعالم عام ‪ ،2007‬حيث سعى‬ ‫الفنية يف العرص الحديث‪ .‬كان ذلك عندما عرضت إحدى كل منهام إىل خلق تعبريه البرصي الخاص للدائرة‪ ،‬وفقاً‬ ‫صاالت العرض الباريسية لوحات مليك من بني تجاربها‬ ‫للمفهوم الصويف عن الدائرة وذلك ضمن املخيلة الواسعة‬ ‫األخرية التي هي امتداد لتجربتها عرب التي ترقى إىل‬ ‫للتأويل الصويف الذي منح كالً منهام مساحة واسعة من‬ ‫النصف األول من مثانينيات القرن املايض‪.‬‬ ‫الحرية التي أفضت بهام إىل االلتقاء يف سياق إبداعي كان‬ ‫واألرجح أن تلك األلوان الشاعرية والصافية‪ ،‬تحديدا ً‬ ‫كل منهام مح ّفزا ً لآلخر‪ :‬الصورة املكتوبة شعرا ً ‪ -‬تقابلها‬ ‫األصفر واألحمر والربتقايل فاألزرق‪ ،‬والتي هي ألوان‬ ‫الصورة املرئية‪ ،‬وال تجاورها وليست رشحاً أو تفسريا ً لها‬ ‫رشقية ‪ -‬إماراتية نابعة من تجربة تفاعل الفنانة مع بيئتها بل خلقاً ابداعياً موازياً‪.‬‬ ‫ومحيطها كانت هي السبب وراء هذا الفضول الذي‬ ‫وألن اإلبداع يتجاوز الجغرافيا مثلام يتجاوز األوهام‬ ‫تلقت به أوساط متابعي الفن التشكييل الباريسيني تجربة اإليديولوجية‪ ،‬فقد التقت نجاة ميك هناك يف باريس مع‬ ‫نجاة ميك خاصة وأنها مشغولة بتقنيات رسم َم ْن يراها‬ ‫الشاعر الفرنيس بول هرني لريسون الذي يوصف بأنه‬

‫بدأ‬

‫‪80‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫نجاة مكي‬

‫التجربة الباريسية بالنسبة‬ ‫لنجاة مكي‪ ،‬هي التقاء‬ ‫بين مخيلتين تنتميان إلى‬ ‫عالمين مختلفين‪ :‬هي‬ ‫رسامة عربية من الشرق‬ ‫وهو شاعر فرنسي من‬ ‫الغرب‬

‫الشاعر الفرنيس األكرث قرباً إىل التفاعل مع الحضارات‬ ‫األخرى‪ ،‬خاصة غري الغربية‪ ،‬وولدت فكرة املرشوع بينهام‬ ‫هناك‪ ،‬ذلك أنها تقيم يف هذه األثناء يف مدينة الفنون‬ ‫الجميلة العاملية يف باريس‪.‬‬

‫لقاء مخيلتني‬

‫غري أن األمر هنا مختلف جدا ً عن التجربة السابقة‪ ،‬ذلك‬ ‫أن املخيلة التي قامت عليها التجربة السابقة‪ ،‬أي «مدارج‬ ‫الدائرة» هي وليدة التقاء بني فنانني ينتميان إىل الثقافة‬ ‫ذاتها وأقاما مرشوعهام املشرتك عىل مخيلة صوفية تنتمي‬ ‫بعمق إىل الرتاث الحضاري والثقايف للمنطقة العربية‬ ‫بر ّمتها‪.‬‬ ‫هنا‪ ،‬يف هذه التجربة الباريسية بالنسبة لنجاة ميك‪ ،‬مثة‬ ‫التقاء بني مخيلتني تنتميان إىل عاملني مختلفني‪ :‬امرأة من‬

‫الرشق‪ ،‬هي رسامة عربية‪ ،‬وأول فنانة إماراتية تحصل عىل‬ ‫منحة حكومية الستكامل دراستها يف كلية الفنون الجميلة‬ ‫بالقاهرة لتعود من هناك وقد أنهت درجة الدكتوراة‪،‬‬ ‫والظل‬ ‫ّ‬ ‫قادمة من التقاء الرمل باملاء حيث صفاء الضوء‬ ‫وذاكرة لون «شاعرية» ميكن تلمسها يف مراحل مختلفة‬ ‫من تجربة نجاة ميك‪ ،‬فتلعب هذه الذاكرة دورا ً بارزا ً يف‬ ‫صنيعها اإلبداعي وتفاعلها مع العامل واملحيط والبيئة من‬ ‫حولها‪ ،‬خاصة ذاكرة الطفولة‪ .‬ويف املقابل‪ ،‬هناك رجل من‬ ‫الغرب‪ ،‬هو شاعر يحمل درجة دكتوراة دولة يف املرسح‬ ‫وسبق أن أسس «فرقة الشعر» املرسحية ملدينة فوجري‬ ‫الفرنسية و«يتفق أغلب النقاد عىل التأكيد بأن اهتامم‬ ‫الشاعر هو عبارة عن تساؤل متواصل عن معنى البعد‬ ‫األسايس لإلنسان»‪.‬‬ ‫ما يعني أن الفكرة األساسية هنا‪ ،‬هي الخروج من الذاكرة‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪81‬‬


‫شعر وتشكيل‬

‫االسترشاقية التي تحمل تصورا ً مسبقاً عن املرأة العربية‪،‬‬ ‫والرشقية عموماً‪ ،‬يوازي هذا الخروج خروج آخر عن‬ ‫ذاكرة االستعامر ليجري االلتقاء بني املخيلتني عىل نحو‬ ‫فردي متاماً ويف أفق إبداعي ملمحه األسايس أنه أفق‬ ‫إنساين وشمويل يلجأ للتعبري عن ذاته بأدوات تخييلية‬ ‫يف مجالني مختلفني‪ :‬اللون والكلمة‪ ،‬الصورة املكتوبة ‪-‬‬ ‫والصورة املرئية‪ ،‬ليكون هذا الجدل بالتايل تعبريا ً عن‬ ‫مزاجني فرديني مختلفني ومتغايرين يطرحان سؤال اإلبداع‬ ‫اإلنساين الذي بدأ بالفعل مع الصورة املرئية الرمزية‬ ‫ليصبح كلمة يف ما بعد يف سياق تطور التجربة اإلنسانية‪.‬‬

‫تأويل يف التعدد‬

‫تنتمي أعامل الفنانة نجاة ميك يف تجربتها هذه إىل ما‬ ‫ميكن وصفه بأنه امتداد وتطوير وحفر‪ ،‬وهذا ما مييز‬ ‫تجربة نجاة ميك عموماً‪ ،‬يف تجربتها السابقة يف معرض‬ ‫«إيقاعات ملونة» التي قدمها متحف الشارقة للفن‬ ‫املعارص العام املايض ضمن فعالية سنوية باتت تقليدا ً‬ ‫تشكيلياً يحمل العنوان‪« :‬عالمة فارقة»‪ ،‬حيث عنوان‬ ‫معرضها هذا يحمل داللته الخاصة أيضاً بالنسبة لتجربتها‬ ‫الباريسية وغري الباريسية مع الشعر‪.‬‬ ‫يف هذا الصدد ميكن القول‪ :‬إن من الصعب عىل الناظر‬ ‫إىل أعامل نجاة ميك يف «إيقاعات ملونة» أن يدرك متاماً‬ ‫ما مييّزها عن سواها من األعامل‪ :‬أهو التكوين؟ بنشأته‬ ‫وتاريخ تواجده يف لوحة مكيّ ومن ثم تطوراته؟ أم هو‬ ‫اللون واستخداماته الخاصة وفقاً ملراحل متتالية قد ترصد‬ ‫تط ّور اللون وإيقاعاته يف اللوحة إجامالً؟ أم هي ثيمة‬ ‫بعينها تعيد الفنانة إنتاجها بأشكال فنية مختلفة عرب‬ ‫تجربتها؟ أم هو كل ذلك معاً‪.‬‬ ‫واقع األمر‪ ،‬أنه ما من إجابة من املمكن أن يطمنئ إليها‬ ‫املرء عن كل هذه األسئلة من خالل تجربة جاملية‬ ‫واحدة أو أكرث يف «إيقاعات ملونة»‪ ،‬إمنا يحتاج املرء إىل‬ ‫أن يكون متأمالً يف ذاته أوالً يك يدرك ما تثريه أعامل ميك‬ ‫من مشاعر وأفكار وأحاسيس حولها وصوالً إىل تأويل‬ ‫ممكن وليس إىل حقيقة مطلقة تجاه هذه األعامل‪ ،‬تأويل‬ ‫يقبل القسمة عىل التعدد وال يلجأ إىل اإلفراط بديالً عن‬

‫‪82‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫نجاة مكي‬

‫التحليل الذي قد ال يبدأ من املعرفة بل رمبا من الحدس‪ .‬شخصيات نسائية ناحالت وطويالت وبال مالمح وأيديهن‬ ‫إىل الخلف كام لو أنها أيا ٍد مقيّدة‪ .‬هذه الشخصيات‬ ‫يف أحد األعامل الفارقة يف «إيقاعات ملونة» وحملت‬ ‫العنوان‪« :‬تكوين» وجرى تنفيذها عىل السطح التصويري النسائية الثالث تبدو جميعاً أعىل من بوابة الزنزانة أو ما‬ ‫باألكريليك كسائر أعامل املعرض‪ ،‬هناك الكثري من اإلغواء يوحي بها إىل يسارهن‪ ،‬لكن رغم أن قاماتهن تبدو أنها ما‬ ‫الذي متتلكه اللوحة يف إعادة النظر إليها ألكرث من مرة‪ .‬يف تزال تتطاول إال أن الكتل اللونية بارتفاعها من األسفل إىل‬ ‫الخلفية توجد كتلة لونية مستطيلة تبدأ من أسفل اللوحة األعىل هي أبلغ طوالً منهن‪.‬‬ ‫إىل أعالها هي من األزرق أساساً بتدرجات مختلفة متيل يف الوقت ذاته يبدو مزاج العمل هادئاً جدا ً‪ ،‬فال ملمس‬ ‫خشناً عىل السطح التصويري وما من رضبات فرشاة‬ ‫باتجاه األخرض ثم األسود كام أن هناك اقتطاعات لونية‬ ‫قاسية أو منفعلة بل يبدو أن كل يشء قد حدث هكذا‬ ‫عىل السطح باألبيض واألحمر ثم لطخات من األبيض‬ ‫واألسود والفريوزي تكرس جميعاً من حدة االستطالة مثلام كام هو عليه‪.‬‬ ‫لكن يف هذه اللحظة أيضاً يختلف العمل عن مرحلته‬ ‫تكرس الحضور الطاغي لألزرق‪ ،‬وإىل األعىل إىل اليمني‬ ‫التجريدية األوىل ليصري عمالً تجريدياً تعبريياً باألساس‬ ‫يلحظ املرء وجود اقتطاعة مائلة من ما كأنه سور من‬ ‫ب َق ْد ٍر من السوريالية التي تأيت رمبا بسبب عالقة الشخوص‬ ‫اللِ نْب أو نافذة صغرية مغلقة كام توجد أيضاً اقتطاعة‬ ‫النسائية بوصفها عنرصا ً تشكيلياً ببقية العنارص األخرى‬ ‫شبيهة أوسع مساحة إىل أسفل اللوحة وميينها‪ ،‬وإىل‬ ‫من العمل‪ .‬هكذا يصري مركز العمل متمثالً بتلك النسوة‬ ‫جوارها إىل أسفل اللوحة من اليمني فتوجد خطوط من‬ ‫األزرق الذي يغلب عليها األسود عىل كتلة سوداء توحي الثالث بحالتهن تلك‪.‬‬ ‫مبا أنه باب ضيق أو نافذة ضيقة تشبه تلك التي يف زنزانة هنا يتعمق إحساس املرء بالضيْق وتبدو املرأة‪ ،‬بداللة‬ ‫النسوة الثالث‪ ،‬وكأنهن يعشن يف هذا الحيّز املكاين الضيِّق‬ ‫سجن أو بوابة ملا هو خلفها ويثري الرعب كام ال ميكن‬ ‫الذي تتناصفه العتمة والضوء‪ .‬مع ذلك فر ّد الفعل الوحيد‬ ‫تخيله‪.‬‬ ‫هو االستطالة التي تبدو فعالً عبثياً أمام االرتفاع الهائل‬ ‫إىل هذا الحد من التوصيف يبدو العمل تجريدياً حيث‬ ‫بجدار الخلفية‪ .‬ت ُرى هل ينظرن إىل الناظر إىل السطح‬ ‫الكتل اللونية مركزها األزرق وتبدو األلوان األخرى كام‬ ‫التصويري يف محنتهن الرؤيوية التشكيلية هذه أم ه ّن‬ ‫لو أنها قد تعيّنت عىل السطح التصويري إلبراز هذه‬ ‫قد استدرن بظهورهن ألنهن عىل وشك أ ْن يتالشينْ يف‬ ‫الكتلة‪ ،‬خاصة األسود‪ ،‬فضالً عن أسباب جاملية موازية‪،‬‬ ‫الجدار؟ كام فعل األملاين هريمان هيسة يف إحدى رواياته‬ ‫فيام األزرق ال يخلق ذلك التناغم أو «اإليقاع املل ّون»‪،‬‬ ‫بحسب تسمية املعرض‪ ،‬فحسب بل أيضاً بني الكتل عىل إذ رسمت إحدى شخصياته قطارا ً عىل جدران السجن‬ ‫السطح التصويري‪ .‬ما يعني أن املعنى هنا هو متعة اللون‬ ‫غالباً‪ ،‬أي تثقيف البرص بدرجة موازية‪ ،‬لكن يشعر الناظر‬ ‫المعنى لدى نجاة مكي‬ ‫إىل العمل يف مرحلته املتخيلة هذه بالضيْق بسبب تلك‬ ‫بالسور‬ ‫االستطاالت التي قد توحي يف أحد أوجه التأويل‬ ‫متعة اللون غالب ًا‪ ،‬أي تثقيف‬ ‫العايل الذي ال يستطيع الفرد تجاوزه أو تخطيه عىل الرغم‬ ‫البصر بدرجة موازية‪ ،‬لكن‬ ‫من املخيلة‪.‬‬

‫ذاكرة وحلم‬

‫غري أن نجاة مكيّ ال تضيف الكثري إىل ذلك‪ ،‬إذ تنبت‬ ‫من خلفية اللوحة إىل األسفل منها ووسطها تقريباً ثالث‬

‫يشعر الناظر إلى العمل‬ ‫بالض ْيق بسبب االستطاالت‬ ‫التي توحي بالسور العالي‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪83‬‬


‫شعر وتشكيل‬

‫فاستقلته ومضت‪.‬‬ ‫وهنا أيضاً‪ ،‬فام يخطر عىل بال املرء هو أ ّن أحد امتيازات‬ ‫الصنيع التشكييل لدى نجاة مكيّ يتمثل يف مقدرتها عىل‬ ‫صهر الذاكرة بالحلم يف مرجل فني ذي درجة حرارة‬ ‫منخفضة إذ أ ّن االنصهار العميق بينهام ينتقل إىل الناظر‬ ‫إىل اللوحة يف هيئة إحساس بأن شيئاً ما قد بدأ يتحرك يف‬ ‫داخله وها هو يلوب‪.‬‬ ‫أيضاً ال ينطوي العمل‪ ،‬من جهة التأويل‪ ،‬عىل فعل ثوري‬ ‫أو عصياين أو متردي بل هو وصف لحال‪ ،‬أو باألحرى‪،‬‬ ‫وصف ملا قد كان وجرى إ ْن مل يكن اليوم فذات يوم‪ .‬ذلك‬ ‫أن فعل التذكر يف لوحات أخرى من «عالمات فارقة»‬ ‫هو فعل حلمي بامتياز‪ ،‬حتى كأن اللوحة تتذكر ماضيها‬ ‫الشخيص عرب الحلم‪ ،‬مرورا ً بالفنان فمتلقي العمل بوصفه‬ ‫عمالً فنياً صافياً‪.‬‬ ‫األفاريز الضيقة للشبابيك‪ ،‬الزقاق الضيق حيث الخطو‬ ‫ضيّق‪ ،‬االستطالة يف أجساد نسوية تريد أن ترى وتبلغ من‬ ‫املكان ما هو أبعد منه‪ ،‬فتلك الوجوه التي تكاد تبني فيام‬ ‫‪84‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫الخلفية متيل إىل ألوان قامتة أحياناً والمعة وزاهية إىل حد‬ ‫أنها ألوان ذات طبيعة فسفورية يف أحيان أخرى‪ .‬العامل‬ ‫مغلق وتفاصيله محدودة جدا ً‪.‬‬ ‫أيضاً العمل الفني يف «إيقاعات ملونة»‪ ،‬وبوصفه تكويناً‬ ‫يشتمل عىل عنارص ذات انسجام وتوافق هو صنيع النفور‬ ‫والتضاد يف أحيان كثرية‪ ،‬ليس صورا ً بل أخالط صور يبدو‬ ‫أنها قد احتشدت يف ذاكرة معذَّبة وها قد بدأت تخرج‬ ‫ويجري بناؤها عىل نحو نقيض من اللوحة التي ت ّم وصفها‬ ‫فهي تجتمع عىل مزاج خشونة يف امللمس ورضبات‬ ‫منفعلة للريشة عىل السطح التصويري وإيقاعات لونية‬ ‫متناغمة يف تضادها واشتقاقاتها‪.‬‬ ‫بهذا املعنى‪ ،‬ليست لوحة نجاة مكيّ بلوحة تذكُّر اللون‬ ‫فقط‪ ،‬إذ أن األخري ضوء مثلام أنه رائحة أيضاً يتلمسها‬ ‫املرء باألصابع‪ ،‬إمنا هي أيضاً مساحات حلمية من ذاكرة‬ ‫متشققة ومعذّبة إذ تجعل الناظر إىل اللوحة يتقاطع‬ ‫بذاكرته مع ذاكرة اللوحة فريى فيها اقتطاعات من طفولة‬ ‫تخصه هو‬


‫ً‬ ‫نظريا‬

‫‪.‬‬

‫صبحي حديدي‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫سر ّ القصيدة الغنائية‬

‫يف‬

‫توصل‪ ،‬دون كبري مشقة‪ ،‬إىل‬ ‫مقالته الشهرية «أصوات الشعر الثالثة»‪ ،‬كان الشاعر الربيطاين األمرييك األصل ت‪ .‬س‪ .‬إليوت قد ّ‬ ‫ويلح حضور‬ ‫تشخيص صوت ثانٍ يف الشعر هو امللحمي أو الوعظي ‪ ،Didactic‬حيث يهيمن الغرض التاريخي أو االجتامعي‪ّ ،‬‬ ‫توصل إىل صوت ثالث هو الدرامي ‪ ،Dramatic‬حيث ينقل الشاعر بعض وجدانه إىل شخوص وأقنعة‬ ‫الجامعة عىل وجدان الشاعر‪ .‬كام ّ‬ ‫وأفكار خارجية‪ ،‬مثلام يتل ّقى من هذه بعض وجدانها‪ ،‬ضمن صيغة حوارية يف الحالتني‪.‬‬ ‫ولكن ماذا عن الصوت األ ّول‪ ،‬الغنايئ ‪ ،Lyrical‬حيث الشاعر هو ضمري املتكلم‪ ،‬من نفسه ولنفسه وحول نفسه؟ لقد ن ّقب إليوت طوي ًال‬ ‫يف قاموس أكسفورد بحثاً عن تعريف لكلمة «غنايئ»‪ ،‬فلم يجد ما يشفي غليله‪ .‬ثم استعرض عقوداً‪ ،‬بل قروناً‪ ،‬من كتابة القصيدة‬ ‫الغنائية يف أوروبا القدمية والحديثة واملعارصة‪ ،‬فلم يجد بينها القاسم املشرتك األعظم الذي يسمح بتد ّبر تعريف ما‪.‬‬ ‫ولقد وجد إليوت أن ما مي ّيز القصائد التي ليست وعظية ملحمية وليست درامية‪ ،‬عن تلك القصائد املكتوبة بضمري املتكلم‪ ،‬هو أمر‬ ‫واحد‪ّ :‬أن شاعر ضمري املتكلم يعبرّ عن «أفكاره وعواطفه لنفسه‪ ،‬أو ال يعبرّ عنها ألحد آخر محدّد»‪ .‬وهكذا‪ ،‬ق ّرر أن يطلق عىل قصائد‬ ‫هذا الصوت اسم «الشعر التأ ّميل»‪ .‬فالسفة ون ّقاد وشعراء آخرون سواه مل يعبأوا كثرياً بحكاية التسمية‪ ،‬فأبقوا عليها؛ رغم أنهم اختلفوا‬ ‫بهذا القدر أو ذاك حول التعريف‪ ،‬ثم انخرطوا يف سجال (مل يتوقف حتى اآلن!)‪ ،‬موضوعه مسائل أخرى أكرث تشعباً وتعقيداً‪.‬‬ ‫الرس يف ّأن هذا النوع الكتايب الذي نس ّميه «القصيدة الغنائية» صمد عىل م ّر الدهور‪ ،‬يف جميع الثقافات الشفاهية واملكتوبة؛‬ ‫ما هو ّ‬ ‫ويف املقابل‪ ،‬انقرض أو يكاد النوعان الوعظي والدرامي؟ ملاذا تبدو القصيدة الغنائية وكأنها اختصار الشعر بأرسه‪ ،‬أو تسميته الثانية؟‬ ‫الرس يف العالقة بني القصيدة الغنائية واملوسيقى؟ ما هي خصوصية موقع القارىء الواحد ذاته‪ ،‬بني قصيدة غنائية‬ ‫هل يكمن بعض ّ‬ ‫وأخرى غري غنائية؟ ملاذا يبدو الوجدان العاطفي للشاعر الفرد وكأ ّنه‪ ،‬يف القصيدة الغنائية‪ ،‬أكرث قدرة عىل «تكييف» استجابات القارىء‪،‬‬ ‫ورمبا تحويله إىل صوت ثانٍ للشاعر‪ ،‬أو صدى لذلك الصوت كام أشار هيغل؟ ملاذا يكون الصوت دا ّل َة املوضوع الغنايئ ومشكلته‪ ،‬يف آن‬ ‫معاً؟ وكيف يتوجب أن نفسرّ شيوع أوىل القصا��د الغنائية يف األشعار املرصية الفرعونية‪ ،‬والسومرية‪ ،‬والبابلية ـ اآلشورية‪ ،‬والكنعانية‪،‬‬ ‫واإلغريقية‪ ،‬والرومانية‪ ،‬والعربانية‪ ،‬والساسانية‪ ،‬والغسانية‪ ،‬واللخمية‪ ،‬والفارسية‪ ،‬الخ‪...‬؟‬ ‫ليس هنا املقام املناسب للخوض يف السجاالت التي نجمت عن األسئلة السابقة‪ ،‬ويكفي التذكري بأبرز خصائص القصيدة الغنائية‪ ،‬كام‬ ‫متخضت عنها‪ ،‬و ُت ْج ِمع عليها‪ ،‬جملة هذه السجاالت‪ .‬إنها قصيدة قصرية نسبياً وعموماً‪ ،‬عالية الرتكيز يف طرائقها التعبريية‪ ،‬ذاتية يف‬ ‫التقاطها للعامل الخارجي‪ ،‬شخصية يف موضوعها‪ ،‬وقريبة من الغناء يف نوعية بنائها‪ .‬وهي تتحرك يف موشور عريض من األغراض‪ ،‬يبدأ من‬ ‫قصيدة الحب‪ ،‬ومي ّر باملرثية‪ ،‬وال ينتهي عند اإلنشاد الديني والتص ّويف‪ .‬واملوسيقى يف القصيدة الغنائية عنرص عضوي تكويني‪ ،‬باملعنيني‬ ‫الفكري والجاميل؛ والعامرة اإليقاعية تصبح بؤرة تركيز ملدركات الشاعر إذ تتخذ شكلها اللفظي اللغوي‪ ،‬وإذ ترشع يف نقل ال ِق َيم‬ ‫الوجدانية والشعورية والعقلية‪.‬‬ ‫الخصائص السابقة تقود إىل خصيصة أخرى جوهرية‪ ،‬هي ّأن القصيدة الغنائية كانت أ ّم قصائد الشعر يف معظم ثقافات العامل‪ ،‬ألنها‬ ‫كانت الشكل األبكر والعفوي من اللغة‪ ،‬وليس شكلها املط ّور واالنعكايس والنرثي والخطايب‪ .‬مبعنى آخر‪ ،‬كانت القصيدة الغنائية هي‬ ‫اللغة يف مستواها الخام الذي ّ‬ ‫ينظم املدركات عىل نحو ال هو باملوضوعي املحض‪ ،‬وال بالذايت املحض؛ بل هو مزيج معقد يشهد عمليات‬ ‫التأثري املتبادلة بني الداخل (الشاعر) والخارج (الكون)‪ ،‬وينقلب إىل وسيط شبه وحيد لتنظيم الركام الهائل من األحاسيس واألفكار‬ ‫واملد َركات التي ال قرار لها‪ ،‬وال حدود‪.‬‬ ‫ويف معنى ثالث‪ ،‬كانت القصيدة الغنائية مبثابة املزيج الوحيد الناجح بني الكلمة ذات الصوت‪ ،‬واملوسيقى ذات اإليقاع الهرموين‪ ،‬واملعنى‬ ‫الحواس‪ .‬وكفى بهذا أن يكون أ ّم األرسار!‬ ‫ذي املدركات الناجمة عن‬ ‫ّ‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪85‬‬


‫حوار‬

‫محمد ابراهيم أبو سنة‬

‫القصيدة الجيِّدة تخترق‬ ‫أسوار الزمن‬ ‫محمد ابراهيم أبو سنة أحد الذين احتفظوا ألنفسهم بموقع خاص في الخريطة الشعرية المصرية‪ .‬شاعر‬

‫ً‬ ‫جماليا‪ ،‬ولكنهم‬ ‫يرفض التصنيف الزمني‪ ،‬ويؤمن بالقصيدة وحدها‪ .‬وربما اختلف النقاد على تصنيفه‬ ‫يتفقون على موهبته‬

‫القاهرة ‪ -‬حمزة قناوي‬

‫كيف كانت بداياتك‬ ‫يف االتصال بالحركة‬ ‫الشعرية؟‬ ‫ اتصلت بالحركة الشعرية يف مرحل ٍة‬‫ُمب ِكر ٍة من حيايت‪ ،‬وساعدين ذلك عىل‬ ‫طرق أبواب وآفاق ثقافية جديدة للقراءة‪ ،‬بعيدا ً عن‬ ‫القراءات التقليدية يف املعاهد الدينية وجامعة األزهر‪،‬‬ ‫وقرأت للكثري من النقاد وبعض املرسحيات املرتجمة‪،‬‬ ‫تِلك القراءات أَثرت تجربتي الشعرية‪ ،‬وبدأت التعمق‬ ‫يف الشعر العريب القديم والشعر األجنبي املرتجم‪ ،‬ثم بدأ‬ ‫اهتاممي بالشعر باعتباره ف ّناً منذ بداية الخمسينيات‪،‬‬ ‫ونُشرِ ت يل القصيدة األوىل عام ‪ 1959‬وكانت بعنوان‬ ‫«القا َّرة الغاضبة»‪ ،‬ويف تلك املرحلة كنت أقرأ لكبار‬ ‫الشعراء‪ ،‬خاص ًة نازك املالئكة‪ ،‬ونزار قباين‪ ،‬وبدر شاكر‬ ‫السياب‪ ،‬ثم صالح عبد الصبور‪ ،‬وكنت أتردد عىل «رابطة‬ ‫األدب الحديث»‪ ،‬وهناك اكتشفت عاملاً يسمى بالشعر‬ ‫الحديث‪ ،‬وعىل الرغم من أنني بدأت الكتابة بطريقة‬ ‫تقليدية‪ ،‬فإن قصيديت تطورت بعد ذلك لشعر التفعيلة‪.‬‬ ‫هل رأيت يف االنتقال من الشعر الكالسييك «العمودي»‬ ‫‪86‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫إىل قصيدة التفعيلة تطورا ً طبيعياً متليه‬ ‫رضورة الفن أم كان انحيازك لهذا الشكل‬ ‫شخصياً وعن قناع ٍة فنية؟‬ ‫ ال بد لكل شاعر أن يدرس يف بداياته‬‫القصيدة الكالسيكية‪ ،‬حتى يكون شاعرا ً‬ ‫متمكناً من استخدام العنارص الشعرية‪ ،‬التي تتجىل‬ ‫بصورة أوضح يف القصيدة العمودية‪ ،‬لكونها ممتد ًة منذ‬ ‫‪ 1800‬سنة‪ ،‬وباعتبارها متثيالً للوجدان العريب منذ العرص‬ ‫الجاهيل حتى العرص الحديث‪.‬‬ ‫ت ُق ِّد ُم قصيد ًة َعربي ًة رائِد ًة وصاحبة قوام لغوي قوي‪ ..‬ما‬ ‫الجديد الذي تقدمه اآلن وميثل إضافة لتجربتك الرثية؟‬ ‫ أصدرت ‪ 13‬ديواناً ومرسحيتني شعريتني‪ ،‬وإذا دققنا‬‫النظر‪ ،‬نجد أن لكل ديوان كينون ًة فني ًة ُمستَ ِقلَّةً‪ ،‬ليست‬ ‫منقطع ًة عام سبق‪ ،‬ولكنها تسبح يف أفق جديد ومختلف‪،‬‬ ‫فالشعر ال يقاس باإلبداع الكمي‪ ،‬ولكنه يف املقام األول‬ ‫إبداع كيفي‪ ،‬يتطور ويتجدد ويبتكر ويقتنص لحظات‬ ‫من الدهشة كانت مفقودة يف بعض املراحل‪ ،‬ما أحاوله‬ ‫اآلن هو اإلنصات إىل اللحظة الثورية‪ ،‬واللحظة العربية‬ ‫والتصور الثوري واملأسوي‪ ..‬أقرأ كثريا ً جدا ً‪ ،‬وأتابع نشاط‬


‫محمد ابراهيم أبو سنة‬

‫الحركة الوطنية يف مرص‪ ،‬وقلبي يعترص يومياً مع كل‬ ‫ٍ‬ ‫حدث يقع يف العامل العريب‪ ،‬فأنا منفتح فكريّاً عىل كل ما‬ ‫ولدي عرشات الدواوين التي‬ ‫يجري‬ ‫ومنغمس يف القراءة‪َّ ،‬‬ ‫ٌ‬ ‫حصلت عليها‪ ،‬ولكن ال أستطيع التنبُّؤ بأعامق الالشعور‬ ‫والقريحة الشعرية‪ ،‬حتى أتحكم يف الوقت الذي أكتب‬ ‫فيه‪.‬‬ ‫الكث ُري من املهتمني والنقاد املتابعني لحركة الشعر املعارص‬

‫الشعر اآلن يحمي‬ ‫المرحلة من السقوط‬ ‫في العدمية‪ ..‬والقصيدة‬ ‫حاولت التمهيد للثورة‬ ‫ولم تركع أمام جبروت‬ ‫النظام السابق‬

‫أجمعوا عىل أن أبو سنة رائ ٌد لتجربة الكتابة الرومانسية‬ ‫الحديثة‪ ..‬إىل أي َمدى وصلت بك القصيدة الرومانسية‬ ‫اآلن يف هذا العرص امليلء بـ «الخشونة»؟‬ ‫ أشكك فيام قلته أنت اآلن‪ ،‬فلم يكن هناك اتفاق عىل‬‫أنني هذا الشاعر‪ ،‬وتجربتي تتسع للكثري من الخصائص‬ ‫لدي بُعدا ً‬ ‫والعنارص املختلفة‪ ،‬وتستطيع أن تقول إن َّ‬ ‫رمزياً وعروقاً رومانسية ترسي يف أنحاء التجربة بأرسها‪،‬‬ ‫فقصيديت تنطلق من البعد الواقعي والرمزي واإلنساين‪،‬‬ ‫وال أحب أن أتحدث عن نفيس كثريا ً‪ ،‬فمن يتحدث‬ ‫عني هم النقاد‪ ،‬وكتبوا كثريا ً‪ ،‬وهناك من يصف تجربتي‬ ‫بالرومانسية‪ ،‬وهناك من ي ُر ُّد عىل هذا التوصيف‪ ،‬ويف‬ ‫النهاية‪ ،‬فإن الرومانسية ليست هدفاً يف حد ذاتِها‪ ،‬ولكنها‬ ‫أسايس يف كل شعر حقيقي‪ ،‬إذا فهمناه باملعنى‬ ‫رص‬ ‫ُعن ٌ‬ ‫ٌّ‬ ‫العام‪.‬‬

‫شعر وشعارات‬

‫أين يقع الشعر العريب يف تلك اللحظة الفارقة من التاريخ‬ ‫العريب الحديث؟‬ ‫فيض من اإلبدا ِع ِ‬ ‫الشعري يف ضوء تف ُّجر األحداث‬ ‫ هناك ٌ‬‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪87‬‬


‫حوار‬

‫الثورية من ناحية‪ ،‬واملأسوية من ناحية‬ ‫أخرى‪ ،‬وهذا الفيض ينبثق من وجدان‬ ‫وقرائح األجيال املختلفة للشعراء‪ ،‬سواء‬ ‫جيل الرواد أو الستينيات أو السبعينيات‪،‬‬ ‫أو األجيال امل ُعاصرِ ة‪ ،‬وأمام نظري عرشات‬ ‫الدواوين التي تدفع بها املطبعة كل يوم‪،‬‬ ‫وأُش ِفق عىل الشعراء من تكاليف هذه‬ ‫الطباعة؛ ألن الشعراء يف معظمهم فقراء‬ ‫ماديّاً‪ ،‬لكنهم أغنياء مبشاعرهم وإبداعهم‪.‬‬ ‫وهل تأخرت الحركة الشعرية العربية عن‬ ‫إدراك اللحظة الثورية؟‬ ‫ نستطيع أن نقرأ للشعراء جميعاً يف ضوء ما تشهده‬‫املنطقة من رصاعات وثورات واضطرابات‪ ،‬وقد تح َّول‬ ‫ِ‬ ‫الشعر خالل ثورة ‪ 25‬يناير‪ ،‬عىل سبيل املثال‪ ،‬إىل نهر‬ ‫جارف من الشعارات واألهازيج‪ ،‬واألناشيد‪ ،‬ويكفي أن‬ ‫نقول إن ثورات الربيع العريب حملت البيت الشهري أليب‬ ‫القاسم الشايب‪ ،‬عنواناً لها‪« :‬إذا الشعب يوماً أراد الحياة‬ ‫فالبد أن يستجيب القدر»‪.‬‬ ‫والشعر اآلن يحمي املرحلة من السقوط يف ال َع َدمية؛‬ ‫ألن معظم الشعراء يف واقع األمر يتمتعون بروح ثورية‬ ‫وقومية ووطنية‪ ،‬ويدافعون عن القيم الباقية وسط‬ ‫الحريق الذي يلتهم أشجار الغابة العربية‪.‬‬ ‫باع ِتبارك تنتمي لجيل الستينيات الذي شهد ثورة ‪1952‬‬ ‫والصعود النارصي العرويب وكذلك االنكسار‪ ..‬كيف‬

‫عندما كتبت قصيدة النثر‬ ‫اتهمني النقاد بـ«اإلفالس»‬ ‫و«االستسهال»‪ ..‬واألزمة‬ ‫في نفي كل جيل لآلخر‬

‫‪88‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫يختلف الصدى الشعري للثورتني؟‬ ‫ ثورة يونيو اكتملت لها أركا ٌن ُمحددة‪،‬‬‫تتمثل يف‪ :‬التنظيم‪ ،‬والتفكري‪ ،‬والفلسفة‪،‬‬ ‫واملرشوع‪ ،‬والقيادة والكوادر السياسية‬ ‫والكوادر املختلفة األخرى يف مجاالت‬ ‫االقتصاد والزراعة والفن واألدب والكتابة‪،‬‬ ‫هذه الثورة قامت عىل رؤى األحزاب‬ ‫التي برزت يف الثالثينيات‪ ،‬وكان لها قد ٌر‬ ‫من الرؤية التنظيمية والفلسفية يف نفس‬ ‫الوقت‪ ،‬واستطاعت أن تصوغ مرشو ًعا‬ ‫إنسانياً واجتامعياً‪ ،‬وكانت متد أذرعها يف ‪ 3‬قارات‪ :‬إفريقيا‬ ‫وآسيا وأمريكا الالتينية‪ ،‬وكانت هناك جبهة متحدة ضد‬ ‫االستعامر‪ ،‬وضد تسلط اإلمربيالية الغربية‪ ،‬فكل الثورات‬ ‫يف العامل تحتاج إىل فلسفة وكوادر ومرشوع‪ ،‬أما ثورة‬ ‫‪ 25‬يناير‪ ،‬فهي ثورة «تلقائية» انفجرت من نار الظلم‬ ‫والفساد واالستبداد والحرمان والجوع والرفض‪ ،‬فكانت‬ ‫مبثابة اختزال الحتجاجات ثالثني عاماً عىل الوضع االقتصاد‬ ‫والسيايس واألمني‪.‬‬ ‫نستطيع أن نقول إن هذه الثورة التي قادها الشباب‬ ‫بفطرية وشجاعة‪ ،‬مل تصل حتى اآلن إىل رؤية متامسكة‬ ‫لألوضاع السياسية واالجتامعية وتالياً مل تتبلور وفقاً لهذا‬ ‫فكرة فنية‪ ،‬وهي أقرب إىل أن تكون بركاناً ما زال يطلق‬ ‫الحمم‪ ،‬لكنه بعد أن يربد قليالً‪ ،‬سيكون العقل املرصي قد‬ ‫استوعب الحدث أوالً‪ ،‬وفكَّر بوضع مرشوعه املستقبيل‬ ‫عىل املستوى السيايس واالجتامعي والوطني والقومي‪،‬‬ ‫ثم بعد ذلك‪ ،‬وقبل ذلك‪ ،‬تنشأ األشكال الجديدة لإلبداع‬ ‫الفني واألديب‪.‬‬ ‫واعترب ثورة ‪ 25‬يناير خالصة إنجاز القرن العرشين يف‬ ‫مرص‪ ،‬الذي شهد نهضة أدبية واجتامعية وسياسية‪،‬‬ ‫فتفاعالت الحركات السياسية تأيت بعد هضم تصورات‬ ‫عرص النهضة‪ ،‬مبعنى أننا أمام إنجازين‪ :‬إنجاز النهضة‪،‬‬ ‫وإنجاز آخر يتمثل يف استثامر ما متلكه اآلن الثورة من‬ ‫الفرص التي وفرتها تلك النهضة‪.‬‬ ‫أال ترى أن السياسة أرضت بالقصيدة بعد أن جعلتها تدور‬ ‫يف فلكها وتعاين اهرتاءاتها خاص ًة مع تغ ُّول الديكتاتورية؟‬


‫محمد ابراهيم أبو سنة‬

‫الشهور األوىل قبل أن نقع يف االضطراب املخيف واملؤمل‪..‬‬ ‫كتبتها ونرشتها وتابعت هذا السيل الجارف من الكتابات‪،‬‬ ‫فهناك قصائد بالعامية لشعراء مثل سيد حجاب‪ ،‬وأخرى‬ ‫بالفصحى‪ ،‬لشعراء من أمثال أحمد عبداملعطي حج��زي‬ ‫وفاروق شوشة‪ ،‬وأحمد تيمور‪ ،‬واللحظة اآلنية تحتاج إىل‬ ‫استبطان عميق؛ ألن ما يجري عىل الساحة السياسية اآلن‬ ‫يدعو إىل «ال ُدوار»‪ ،‬وهذا الدوار سوف يهدأ‪ ،‬فالشعراء‬ ‫عليهم أن يتمهلوا قبل أن يكتبوا‪ ،‬فالشعر سيتخذ مسارا ً‬ ‫جديدا ً بعد الثورة‪.‬‬

‫سعادة النرث‬

‫نعود لجيل الستينيات الذي تنتمي لهُ‪ ..‬هل مثة خفوت‬ ‫لقصيدته اآلن مع صعود أجيال أخرى؟‬ ‫ القصيدة الجيدة تخرتق أسوار الزمن‪ ،‬والقصيدة املتميزة‬‫تنتمي لشاعرها وليس لجيل واحد‪ ،‬فهناك قصيدة جيدة‬ ‫يكتبها شعراء الستينيات‪ ،‬مثلام توجد قصيدة جيدة‬ ‫ القصيدة حاولت التَمهيد للثورة ومل تركع أمام جربوت‬‫يكتبها أمثال حسن طلب من جيل السبعينيات‪ ،‬وهناك‬ ‫النظام السابق‪ ،‬بل إن حركة الشعر العريب استمرت يف‬ ‫بهاء جاهني وأحمد بخيت وشريين العدوي‪ ،‬فهناك‬ ‫تطورها‪ ،‬وظلت منفتح ًة عىل التيارات الشعرية العاملية‪،‬‬ ‫القصيدة الجيدة التي ال متوت وال تخفت أبدا ً‪ ،‬وهناك‬ ‫وحركت كثريا ً من األفكار الشعرية والخيال املبدع‪ ،‬وتأثرت أيضاً الشعر الرديء‪ ،‬سواء أكان ينتمي لجيل الستينيات أو‬ ‫بالرصاع الداخيل يف الحركة الشعرية نفسها‪ ،‬بسبب الرصاع غريه‪ ،‬وهناك شعراء باقون من أمثال أمل دنقل ومحمد‬ ‫بني األجيال املختلفة‪ ،‬الذي كان من شأنه أن أضعف قوة عفيفي مطر‪ ،‬ووفاء وجدي‪ ،‬فربغم الضجة والصخب‬ ‫اإلبداع؛ نتيجة انغالق كل جيل عىل تصوراته‪ ،‬بد ًال عن‬ ‫يف الساحة الشعرية‪ ،‬فإن ما يبقى يف الوجدان أقل من‬ ‫انفتاح األجيال عىل بعضها بعضاً‪.‬‬ ‫القليل‪.‬‬ ‫هل معنى ذلك أن الشعراء أنفسهم هم من أرضوا‬ ‫كتبت قصيدة نرث يف بداية السبعينيات‪ ..‬ملاذا مل تكرر تلك‬ ‫بالقصيدة؟‬ ‫التجربة؟‬ ‫ مشكلة رصاع األجيال تظهر بوضوح بني جييل‬‫ أعتقد أن الضجيج الذي تحدثه قصيدة النرث يتعلق‬‫الستينيات والسبعينيات‪ ،‬وعىل الرغم من كونها تستنزف بفرص النرش الكثرية املتاحة‪ ،‬أكرث مام يتعلق بالتأثري الفني‬ ‫قدرا ً من طاقة اإلبداع لديهم وتدفع الحركة الشعرية‬ ‫العميق يف الوجدان‪ ،‬فقصيدة النرث تهتم بالسياق العقيل‬ ‫إىل التشتت‪ ،‬ولكن يف املقابل فإن ذلك الرصاع له جانب‬ ‫بسبب تدقيقها يف اختيار جميع األلفاظ املتاحة‪ ،‬بينام‬ ‫صحي‪ ،‬عندما يدفع الشعراء إىل االجتهاد واإلبداع‪.‬‬ ‫نجد قصيدة التفعيلة مرتبطة بأوزانٍ معينة‪ ،‬تدفع إىل‬ ‫كيف تق ِّيم اإلنتاج الشعري بعد الثورة؟‬ ‫االهتامم بالجانب الوجداين‪ ،‬وعندما كتبت قصيدة النرث‪،‬‬ ‫ كتبت مقالة بعنوان «كأنهم أتوا من الخيال» يف ‪5‬‬‫اتهمني النقاد بـ «اإلفالس» و«االستسهال»‪.‬‬ ‫مارس‪ /‬آذار ‪ 2011‬يف ملحق التحرير بجريدة «األهرام»‪،‬‬ ‫وهل قررت التوقف عن كتابتها بسبب تلك االنتقادات؟‬ ‫وهذه القصيدة هي التقاط لكل مشاهد الحركة الثورية‬ ‫ بالتأكيد ال‪ ،‬ولكن يف الوقت نفسه ال أستطيع أن أجزم‬‫يف هذا الوقت والتجاوب مع النبض الثوري الذي تألق يف‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪89‬‬


‫حوار‬

‫لك بأسباب هجري لها‪ ،‬فعندما كتبتها مل‬ ‫أد ِر ملاذا‪ ،‬وحينام تركتها مل أد ِر ملاذا أيضاً‪..‬‬ ‫ولكنني يف النهاية سعيد بتلك التجربة ومل‬ ‫أندم عليها‪.‬‬ ‫ما األسباب التي دفعتك وكبار الشعراء‬ ‫لالستقالة من «لجنة الشعر» باملجلس‬ ‫األعىل للثقافة‪ ،‬وما رأيك يف تشكيلها‬ ‫وأدائها الحايل؟‬ ‫ افتقدت اللجنة نوعاً من التوازن‬‫وخرجت عىل التقاليد املتبعة يف تشكيلها‬ ‫من الشعراء الذين لهم حضو ٌر وتأث ٌري‪ ،‬وكذا من النقاد‬ ‫الذين أسهموا بإيجابية يف الحركة الشعرية‪ ،‬فحدثت‬ ‫فوضوي ٌة بالتشكيل األخري‪ ،‬وات ُِخذت إجراءات غري متأنية‬ ‫للحفاظ عىل التوازن الدقيق والحفاظ عىل مكانتها‬ ‫ودورها يف االنفتاح عىل الحركة الشعرية العربية‪ ،‬وهناك‬ ‫تصورات غري ناضجة يف إعادة التفكري والتدبري‪ ،‬ورمبا‬ ‫تفسح االستقالة املجال أمام أجيال جديدة ليك ميارسوا‬ ‫تجربتهم يف إدارة الواقع الشعري بطريقة مختلفة‪.‬‬ ‫مباذا تفرس رصاع األجيال الشعرية املوجود يف مرص اآلن‪..‬‬ ‫واتهام األجيال الشابة لألجيال السابقة لها بأنها تقصيها‬ ‫وتتعمد إهامل تجاربها؟‬ ‫ غري صحيح‪ ،‬فاألجيال السابقة دامئاً ما تحنو عىل األجيال‬‫الجديدة وتفسح لها املجال يف قلب النشاط الشعري‪،‬‬ ‫وتدعوها يف كل نشاط‪ ،‬ويشهد عىل ذلك «صالون‬ ‫األربعاء الشعري»‪ ،‬الذي كانت تقيمه لجنة الشعر كل‬ ‫شهر‪ ،‬ومحاولة الحث عىل نشاط «بيت الشعر» التابع‬ ‫لصندوق التنمية الثقافية‪ ،‬فهناك احتضان من القدماء‬ ‫للجدد‪ ،‬لكن املشكلة أن القصيدة التي تكتبها األجيال‬ ‫الجدية مل تستطع أن تجتذب الرأي العام أو تتحاور مع‬ ‫الذائقة األدبية الراهنة‪ ،‬بسبب الرصاع املجتمعي‪ ،‬وضآلة‬ ‫الفرص املتاحة‪ ،‬وتحرك الحركة الشعرية يف هامش ضيق‬ ‫من االهتامم العام‪ ،‬سواء من السلطة أو النخبة‪ ،‬وافتقاد‬ ‫الحركة الشعرية التشجيع‪ ،‬فهناك مشاكل كثرية‪ ،‬ومن‬ ‫املفرتض أن تعمل الهيئات واملؤسسات عىل إيجاد تنسيق‬ ‫إلنقاذ اإلبداع‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫أال ترى أننا نعيش لحظة انطفاء وتراجع‬ ‫لفكرة أجيال الريادة الشعرية؟‬ ‫ أنا ضد هذا التصور‪ ،‬فاألجيال تبدع‬‫من زاوية تصوراتها وخصوصية مواهبها‪،‬‬ ‫وهناك شعراء عىل درجة عالية من‬ ‫الجودة واالمتياز‪ ،‬والريادة مرتبطة‬ ‫بالتحوالت الكربى لتطور القصيدة‪.‬‬ ‫هناك اتها ٌم آخَر من التيارات الحداثية‬ ‫لشعراء الستينيات بأنهم رضخوا لقيود‬ ‫املؤسسة الثقافية‪ ،‬ونالوا جوائزها وشاركوا‬ ‫يف مؤمتراتها ولجانها؟‬ ‫ أنا ال أرى يف ذلك أي اتهام‪ ،‬فتلك املؤسسات هي –‬‫بطبيعة الحال ‪ -‬مؤسسات وطنية‪ ،‬وبدون مشاركتنا‬ ‫ستتحول إىل خرابات‪ ،‬فالبد من التعاون‪ ،‬والشعراء مل‬ ‫يرضخوا لتسلط أو لنفاق ومل يسعوا لتبييض وجه السلطة‬ ‫ومل يتورطوا يف التغني مبحاسنها‪ ،‬فشعراء الستينيات رفعوا‬ ‫راية االحتجاج قبل أن تقوم الثورة‪ ،‬ومل يذوبوا يف محبة‬ ‫الدولة أو التواصل معها‪ ،‬أما كونهم قد نالوا جوائز منها‪،‬‬ ‫فذلك جزء من طبيعة املشاركة والتعاون واإلعالن عن‬ ‫الحضور اإلبداعي‪.‬‬ ‫هل ترى توازياً للمشهد النقدي مع الحركة اإلبداعية؟‬ ‫ هناك نقاد كثريون يقومون بدور مؤثر يف هذه املرحلة‬‫عىل كل املستويات‪ ،‬وحركة النقد تتطور بفعل تراكم‬ ‫املعرفة واألحداث الثقافية والتحوالت السياسية‪ ،‬وأعتقد‬ ‫أن العقل املرصي يتطور بصورة كبرية عىل املستوى‬ ‫اإلبداعي‪ ،‬لكن األزمة تتمثل يف التواصل اإلعالمي الفاتر‪،‬‬ ‫فهناك جهل شديد بأجهزة اإلبداع‪ ،‬وكثري من املبدعني‬ ‫ال يظهرون يف اإلعالم بسبب جهل القامئني عىل مقاليد‬ ‫األمور‪ ،‬وحركة الثقافة تحتاج ملبدع وأداة توصيل هي‬ ‫اإلعالم وجمهور يشتاق للقراءة والتواصل مع حركة‬ ‫اإلبداع والثقافة مع بيئة تقبل هذا اإلبداع‪ ،‬وقد اكتشفت‬ ‫أن الجميع يعانون حالة ارتباك‪ ،‬يف تلك املرحلة‪ ،‬سواء‬ ‫أكانوا نقادا ً مبدعني أم قرا ًء ُمتَلَقني‬


‫حائط أبيض‬

‫‪.‬‬

‫ّ‬ ‫الجراح‬ ‫نوري‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫آخر الشهود األحياء‬

‫الشاعر‬

‫يف العامل‪ ،‬هو آخر الشهود األحياء عىل صور أثرية وعزيزة أخذت تبتلعها الصورة الكربى للكارثة‪ ،‬ممثلة بكائنات «ما بعد‬ ‫اإلنسانية»‪ ،‬مخلوقات «برهة كونية مركبة» أخضعت العلم البرشي ملخططها الجحيمي‪ ،‬برهة غري مسبوقة‪ ،‬يسودها صلف‬ ‫وغرائزية مرعبان‪ ،‬ورائحة دم الضحايا تنعش آالف أسامك القرش الضخمة وقد توالدت يف كل بحر من بحار العامل‪.‬‬ ‫أوليس عامل الشاعر بعد هذا التوصيف حديقة ال تشبهها إال املقربة؟‬ ‫قصيديت هي بصرييت الدامية يف عامل كل ما فيه بات إجرامياً‪.‬‬ ‫ولكن كيف لنا ان نتفكر يف الشعر والكلامت يف زمن طاحن كهذا؟ كيف يسلك الشاعر‪ ،‬اين تتجه الكلامت‪ ،‬وما معنى الكتابة‪ ،‬وما هي‬ ‫مواصفاتها الكربى؟‬ ‫بداهة‪ ،‬لكل كتابة زمنها‪ ،‬والكتابة ال تستجيب للمواضعات الخاصة مبا هو خارج زمنها‪ .‬زمن الكتابة مرشوط بها وحدها‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬هل هناك وقت منوذجي‪ ،‬يف زمن عاصف كزمننا إلنجاز كتاب شعري؟ أو حتى قصيدة؟‬ ‫الشعر أكرث حرية ووحشية من كل ما ميكن أن نتخيل‪ ،‬مواعيده داهمة‪ ،‬ومفاجئة كحاالته املدهشة وصوره املفاجئة وميوله غري املتوقعة‪.‬‬ ‫وما دمنا نيمم شطر مخترب الشعر ومصنعه‪ ،‬يخطر يل باستمرار أسئلة حول الشعر وشعرائه‪ .‬هناك شعراء أقالمهم سيالة يف وسع الواحد منهم‬ ‫أن يكتب عرشات القصائد يف شهر‪ ،‬وبعضهم يكتب يف كل يوم قصيدة‪ .‬وهناك من يقيض وقتاً طوي ًال يف مكابدة شاقة لينجز مقطعاً من الشعر‪.‬‬ ‫هناك من يكتب يف سنة ما لن يكتبه هو نفسه يف عرش سنوات‪ .‬وهناك بني صمت وصمت لشاعر تفجرات مدهشة‪ ،‬أو عقم كامل‪ .‬الكتابة‬ ‫عموماً‪ ،‬والشعرية خصوصاً لها حاالت متبدلة ال تحتكم إىل قاعدة‪ ،‬وال تقاس بسواها‪.‬‬ ‫هناك شعراء يكتبون القصيدة م ّرة واحدة‪ ،‬ويدفعون بها إىل النرش‪ ،‬وغريهم يكتبونها م ّرات ويخلصون إىل عمل شعري خالق‪ ،‬وبعضهم‬ ‫قد يفسد األصل املاثل يف دفقة أوىل من شدّة عمله عليه‪ .‬للشعر أحوال ال ميكن التكهن فيها‪ ،‬ورهافات تجعلنا‪ ،‬أحياناً كثرية‪ ،‬نقف حيالها‬ ‫عاجزين‪.‬‬ ‫كل قصيدة يكتبها الشاعر هي جملة يف رسالة تودع العامل بينام هي تستقبله‪ ،‬وإذا كان عمل الشاعر مع الكلامت هو عمل يف املستقبل‪،‬‬ ‫ومع املستقبل‪ ،‬فإن فكرة الوداع نفسها تصبح التباساً كبرياً‪ .‬ومهام كانت قصيدة الشاعرة مواربة يف قصدها‪ ،‬ويف زينتها ولعبها‪ ،‬فطاقة الحدس‬ ‫والخربات الشعورية العميقة التي تبني الرؤى الشعرية أورثت شاعرها منذ أقدم األزمان الحس الفادح بالفقد‪ ،‬بالهارب من الزمن‪ ،‬والهارب‬ ‫من الجامالت‪ ،‬وإذا كان الشاعر هو ذلك الطفل املغرتب أبداً يف مرايا العامل‪ ،‬فإن أساه الحقيقي يبدأ عندما يكتشف أن شغفه الذي مل يتوقف‬ ‫يف البحث عن خياالت طفولته يواجه بنصال الزمن واملواضعات اليومية املعادية لكل ما هو طفويل يف مجتمعات ال تدين للسجية اإلنسانية‪،‬‬ ‫وال للعفوي‪ ،‬مبقدار ما تدين للقناع اإلجتامعي وأعامله الرشيرة‪.‬‬ ‫هناك يف الثقافة العربية مفاهيم قرت ومل تتزحزح فلم تعد تتفق والتطورات التي طرأت عىل بنية القصيدة العربية‪ .‬من ذلك مفهوم اإليقاع‪،‬‬ ‫واملوسيقى يف الشعر‪ .‬تطور الشعر‪ ،‬ومل تتطور قراءتنا‪ ،‬تغريت بنية الكتابة الشعرية‪ ،‬ومل تتغري البنية املفاهيمية للكتابة الشعرية‪ .‬وإذا كنت‬ ‫قد ملست وجود غنائية يف شعري الذي ينتمي إىل قصيدة النرث‪ ،‬فأنا ال أجد غرابة يف ذلك‪ .‬فالغنائية‪ ،‬بداهة‪ ،‬ال تصدر عن األوزان يف الشعر‪،‬‬ ‫وإمنا عن اإليقاعات األعمق املتجلية يف النفس الشعري‪ ،‬يف الرتاكيب‪ ،‬يف الصور وعالقاتها‪ ،‬يف الرهافة الواقعة وراء نربة الشاعر‪ ،‬أي يف جملة‬ ‫العالقات التجاورية للكالم‪ ،‬وقد فارق القاموس َّ‬ ‫وحل يف أرض أخرى‪.‬‬ ‫وبرصف النظر عن موضوعاته‪ ،‬فإن الشعر الذي يطلع من االعمق هو شعر جارح ويائس وحزين بالرضورة‪ .‬وما قصائد الشعراء‪ ،‬التي ميكن‬ ‫للمستقبل أن يعت ّد بها‪ ،‬إال نداءات يائسة‪ ،‬رصخات أناس يف عامل يغرق‪ .‬الشعر هو الصوت الحقيقة الذي اغتيل يف اإلنسان‪ ،‬يف عامل ُمرهق من‬ ‫أمل الخيانة والجرمية‪ ،‬فهل بقي له إال أن ُيضاء بالكوابيس بينام هو يظ ِّهر يف الكلامت نشيد األعامق؟‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪91‬‬


‫وجهان‬

‫درويش وبركات‬

‫الفلسطيني والكردي منفى في اللغة‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫قلت‪،‬‬ ‫أذني أنني أسمعها‪.‬‬ ‫كلمات لم أص ّدق‬ ‫رميت على عاهن البسيط‬ ‫«أبكيتني مرّ تين‪ ،‬يا محمود‪ .‬مرّ ة حين‬ ‫ٍ‬ ‫َّ‬ ‫ً‬ ‫جهدا كي ال أتأثر بسليم بركات‪ .‬وإذ ص ّد ُ‬ ‫ُ‬ ‫أذني‪،‬‬ ‫قت‬ ‫بذلت‬ ‫باإلنكليزية‪ ،‬في ندوة جمعتنا بإحدى مدن أسوج‪:‬‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫أدبيا إلى ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫ّ‬ ‫اعترافه العابرَ‪ ،‬الذي‬ ‫ظله‪ ،‬ال يحذر‬ ‫عصرا‬ ‫ضم‬ ‫مثلك‪،‬‬ ‫جليل‬ ‫صامتا‪:‬‬ ‫اغرورقت عيناي‪ ،‬بل بكيت‬

‫يُ بكي مثلي» (سليم بركات)‬

‫ّ‬ ‫عمار أحمد الشقيري‬

‫حني‬

‫محمود درويش وسليم بركات‪ ،‬األول هاجت خيل الحرب‬ ‫الحروب أذرعها معلن ًة أن ال نجاة إلاّ‬ ‫تفرد‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫قت‪،‬‬ ‫رش‬ ‫‪،‬‬ ‫«شأملت‬ ‫د‬ ‫وأنش‬ ‫فهاجر‬ ‫الجنوب‬ ‫يف‬ ‫ه‬ ‫بالد‬ ‫عىل‬ ‫تصري‬ ‫األحياء‬ ‫عىل‬ ‫–‬ ‫ا‬ ‫عبث‬ ‫–‬ ‫ة‬ ‫الصدف‬ ‫ترميه‬ ‫مبا‬ ‫َ‬ ‫ُ َّ ُ‬ ‫يل ألن الجنوب‬ ‫الهجرات صال ًة للنجا ِة ال من املوت إمنّا من طريقته‬ ‫َغ َّر ُ‬ ‫بت أما الجنوب فكان قصياً عص ّياً ع َّ‬ ‫بالدي»‪ .‬الثاين من شام ٍل – عىل غري العادة الجيوسياسية –‬ ‫الفجة يف العمل‪ ،‬فالهجرات موتٌ لكن بفرق نافر وهو‬ ‫معذب ومه ّمش ‪ ،‬من عقد قرى كردي ٍة‪.‬‬ ‫أن املهاجر يتجرعها ببطء عىل مراحل‪ ،‬وإذا كان للشعراء‬ ‫ٌ‬ ‫من كالمٍ عن الحروب ‪ -‬حليفة الهجرات منذ فجر التاريخ تخون الجغرافيا شعراءها‪ ،‬فتلجأ القصيدة إىل اللغة‪،‬‬ ‫ليبني فيها الشاعر‪ ،‬بيت ُه وحديقتهُ‪ ،‬واملطبخ وغرفة نومه‬ ‫ـ فإن هذا الكال َم سينحى منحى االهتامم بالتفاصيل‬ ‫الرئييس‪ ،‬والرسير‪ ،‬ويقول قبيل النوم‬ ‫الهاميش فيها إىل منصة‬ ‫الدقيقة والبسيطة وإعالء‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫كأن تكون شجرة اللوز العادية – مثالً – دليل الشاعر‬ ‫لتتبع الهشاشة يف قلب ِه والحياة‪ ،‬ويصري ظل شجرة خروب سأحلم‬ ‫عىل قارعة مقهى يف قربص مدخالً لحكاية سرية شعب‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫اتسعت بالد يل ‪ ،‬كام أنا‬ ‫ربمٌ ا‬ ‫بالحكاية‬ ‫املنفي يف دروب الهجرات‪ ،‬يؤنسه‬ ‫واملنفي نديم‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫واحداً من أهل هذا البحر‪،‬‬ ‫بالقصيدة‪:‬‬ ‫ة‬ ‫ً‬ ‫ومر‬ ‫مر ًة ‪،‬‬ ‫كف عن السؤال الصعب‪ :‬منْ أنا؟‬ ‫ تعال َ‬‫أنبئك عماّ فعله‬ ‫ها هنا؟‬ ‫إن تكن اللغة قلعةَ‬ ‫الجرنال بأهيل‬ ‫فيقطع عليه الكردي‬ ‫المنفى األخيرة ومناورته سؤال االنتساب‬ ‫حكايت ُه‬ ‫البديلة في الحرب على يف زمن اإلقصاء والديكتاتوريات التي‬ ‫أنت أنبئك ما فعله‬ ‫ تعال َ‬‫التغييب المقصود ‪ ،‬فإن استبدلت الدبابة – لفرتة مؤقتة –‬ ‫الجرنال بالجغرافيا وبأهلها‬ ‫باملقص اإللغايئ سيتحسس الفر ُد لغتهُ‪،‬‬ ‫مساس بها سيُعد‬ ‫أي‬ ‫وتحت وقع الحكايا‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ٍ‬ ‫تراثه‪ ،‬وكيانه‪ ،‬سيتحسس وجالً هويتهُ‪،‬‬ ‫ليل املهاجر‬ ‫يسحب ُ‬ ‫موت ًا للمدون بها‪ ،‬ال حياة وإن كا َن االحتالل الصهيوين قد بدأ‬ ‫وينصت‪،‬‬ ‫خصائص ُه‬ ‫يحاول إقصاء العريب من فلسطني‪ ،‬فإن‬ ‫إال باللغة وال موت إال‬ ‫للحكاية‪ ،‬وللقصيدة‪،‬‬ ‫ما يحدث يف سوريا قد بدأ إجراء دفن‬ ‫بموتها‬ ‫وللوحة‪ ،‬واملوسيقى وللفن‬ ‫للقرى الكردية التي «أقصتها الدولة‬ ‫بشكل عام‪.‬‬ ‫عن تاريخ الدولة»‪.‬‬

‫‪92‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫درويش وبركات‬

‫سيظهر درويش صارخاً من فلسطني‪:‬‬ ‫«سجل أنا عر ّيب» مع أن هذا االنتامء‬ ‫سيتحول إىل انتامء آخر بعد قليل‪،‬‬ ‫وسيرصخ الكردي من جهت ِه يف قصائده‬ ‫األوىل مرتالً أسامء القرى ويعيد الرتتيل‬ ‫وكأنه يخاف عىل أسامئها من اإلندثار‪:‬‬ ‫«دينوكا بريفا‪ ،‬موسيسانا‪ ،‬مهاباد التي‬ ‫مل ت َر النور»‬

‫العشب ينمو يف الحرب‬

‫بريوت‪ ،‬أوائل سبعينيات القرن املايض‪،‬‬ ‫ال لغة غري لغة املدفع والرشاش‪ ،‬وأمراء‬ ‫الحرب يف سباق محمومٍ لقتل كمٍ أكرب‬ ‫من الطرف اآلخر‪ ،‬واملدينة الحائرة بني‬ ‫املاء واليابسة تشتعل‪ ،‬وتر ّيب بني الرماد‬ ‫عالقات حب وصداقة يف الخفاء‪ ،‬كانت‬ ‫إحدى هذه الصداقات التي جمعت‬ ‫بركات بدرويش ألول مرة وكانت بني‬ ‫قذيفتني‪ ،‬يسأل درويش عن الفتى‬ ‫الكردي بعد سقوط قذيفة يف شار ٍع فرعي‪:‬‬ ‫«أين «س» ديك الحي الفصيح؟ عاشق املسدسات واللغة‬ ‫واللحم املعلن‪ ،‬مل أره منذ يومني؟ هل وجد طعاماً وماء‪،‬‬ ‫كان هذا هاجيس ومنذ تبنيته كان نادرا ً ما يتكلم معي‬ ‫حني نكون وحيدين فلعلّه ص ّدق أين أبوه‪ ،‬ترك الحي الذي‬ ‫كان يسكنه قبل الحصار وجاء إىل هنا ليقيم مع شاب‬ ‫لبناين رسياين األصل‪.‬‬ ‫أين الرسياين‪ ،‬وأين الكردي؟ تصادقا منذ اليوم األول‬ ‫للحصار‪ ،‬أحدهام متوتر كعضلة وثانيهام بارد كقمر‪.‬‬ ‫أحببت س منذ التقيته من سنني‪ ،‬مستنفرا ً ضد مجهول‪،‬‬ ‫يخجل من الكالم وال يتدخّل فيه إلاّ ليتوتر‪ ،‬حاسم وصارم‬ ‫اليساوم عىل يشء أو رأي‪ ،‬ال يقول إلاّ للورق املوضوع عىل‬ ‫وسادة ما فيه من عامل عجائبي‪ ،‬فنتازي‪ ،‬ومرتع بالفصاحة‪،‬‬ ‫وال أعرف حتى اآلن متى يبدأ فيه الروايئ السارد ومتى‬ ‫ينتهي الشاعر»‪.‬‬ ‫*ذاكرة للنسيان ‪ /‬درويش ‪46‬‬

‫الخروج برفقة الكرمل إىل‬ ‫قربص‬

‫بعد االجتياح اإلرسائييل لبريوت يحمل‬ ‫كل من الشاعرين أوراق ُه ويلتقيا يف‬ ‫قربص لتحريك دفة مجلة الكرمل من‬ ‫جديد والتي أرص الزعيم الفلسطيني‬ ‫عرفات عىل مواصلة إصدارها‪،‬‬ ‫وصدرت «الكرمل» من قربص رغم‬ ‫العوائق الكثرية‪ ،‬درويش كمحرر‬ ‫رئييس لها من باريس و«معاونه‬ ‫الكبري» عىل حد تعبري ِه‪ :‬الشاعر سليم‬ ‫بركات‬ ‫يف قربص سيؤمن االثنان هذه املرة‬ ‫بسلطة املنفى وجربوت ِه‪ ،‬آمنا مجربين‪،‬‬ ‫تحت السياط فاشتعل سؤال الهوية‬ ‫من جديد ‪ ،‬لكن بشكل مختلف‪:‬‬ ‫ من أنا؟‬‫ٌ‬ ‫املنفي‬ ‫ينبت يف رأس‬ ‫سؤال طنان ال ُ‬ ‫ّ‬ ‫إلاّ حني يعتاد املنفى‪ ،‬قبلها سيكون‬ ‫املنفي مشغوالً برتويض محيط ِه أو ترويض قلب ِه للتأقلم‬ ‫ّ‬ ‫مع املحيط‪.‬‬ ‫يجيب درويش شعرا ً يف أكرث من مكان بعدما يكون قد‬ ‫تخلص من «سجل أنا عريب» سيجيب هذه املرة وبهدوء‬ ‫معلن عن سؤال الهوية‪« :‬أنا لغتي» ويذهب يف موضع‬ ‫آخر من قصيدة قافية من أجل املعلقات أبع َد من َ‬ ‫ذلك‬ ‫ليعلن‪:‬‬

‫من لغتي ولدت‬ ‫عىل طريق الهند بني قبيلتني صغريتني‬ ‫عليهام قمر الديانات القدمية‬ ‫والسالم املستحيل‬

‫ولن يختلف االنتساب عند سليم بركات عنه عند محمود‬ ‫درويش – مع أن منفى هذا اآلخري هو منفى مزودج‪:‬‬ ‫منفى لغته األم ‪ ،‬ومنفى الجغرافيا ‪ -‬ففي مقابلة مع‬ ‫قناة الجزيرة لربنامج موعد يف املهجر‪ ،‬بدا عىل وجه‬ ‫الشاعر الكردي االتزان وهو يقول بلهجته العامية «وطني‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪93‬‬


‫وجهان‬

‫الفنان فالدميري تاماري‬

‫الحقيقي هي لغتي‪ ،‬ما بئا إئدر أشوف حدود أكرت منها‪،‬‬ ‫وال عالقات أكرب منها ‪ ،‬وال حرية أكرت ‪ ،‬انا عايش هناك ‪،‬‬ ‫ومستقل هناك بقوانني العربية»‬ ‫ويف قصيدة « ليس للكردي إلاّ الريح» املهداة إىل بركات‬ ‫املنفي املج ّرب‬ ‫يعرف درويش كيف يصف الكردي بعني‬ ‫ّ‬ ‫إذ يخ ُرب عن ُه «وينفض عن هويت ِه الظالل‪ :‬هويتي لغتي»‪.‬‬ ‫هكذا ينجح االثنان كل عىل حدة بإن يخلقا هوي ًة موازية‬ ‫لهويتهام املدفونتني واحد ٌة تحت حوافر الحزب» الذي‬ ‫ال مانح إلاّ هو «وواحد ُة تحت املستعمرات واإلسطورة‬ ‫الهابطة عىل ِ‬ ‫أرض بواسطة الدبابة والـــ ‪.» F16‬‬

‫الغربة غربة اللغة‬

‫إن تكن اللغة قلع َة املنفي األخرية ومناورته البديلة يف‬ ‫ٍ‬ ‫مساس بها س ُيعد‬ ‫الحرب عىل التغييب املقصود ‪ ،‬فإن أي‬ ‫موتاً للمدون بها‪ ،‬ال حياة إلاّ باللغة وال موت إلاّ مبوتها‪،‬‬ ‫ويف حوار طويل مع درويش أجراه عبده وازن لجريدة‬ ‫«الحياة» يجيب درويش عن سؤال الخوف من املوت‪:‬‬ ‫«مل أعد أخشاه كام كنت من قبل‪ .‬لكنني أخىش موت‬ ‫قدريت عىل الكتابة»‪.‬‬ ‫ويأيت جواب بركات بنفس املعنى يف مقابلة مصورة يف‬ ‫بيته يف السويد منشورة عىل اليوتيوب قائالً‪:‬‬ ‫ «غربتي الوحيدة ستكون ذات يوم ‪ -‬إذا أحسست‬‫بالغربة ‪ -‬مل ّا أفشل بالكتابة»‬ ‫‪94‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫من منفاه األخري يف غابات سوكوغوس وسط السويد‪ ،‬ينام‬ ‫الكردي مطمنئ البال وهو يتحسس لغت ُه كل صباح حني‬ ‫يفيق ويجدها سامل ًة فيبدأ بكتابة الرواية‪ ،‬ويرصف لغة‬ ‫الشعر بشكيمة ذئب ٍة تدافع عن جرائها‪ ،‬وال ينىس يف‬ ‫فرتات الراحة أن يعيل النفري عالياً لدرويش الذي كان قد‬ ‫اختار التنقل بني باريس ورام الله وعامن‪ ،‬يرفع بركات‬ ‫الناظور ويرصد التفاصيل بعني ر ٍ‬ ‫اصد كشّ اف يف قصيدة‬ ‫عنوانها «محمود درويش بتاريخ حزيران ‪ »89‬يعدد فيها‬ ‫– شعرا ً ‪ -‬تفاصيل رشفة درويش ‪/‬ردهة بيته ‪/‬الرواق ‪/‬‬ ‫محربته ‪/‬علبة تبغه ‪/‬قهوته ‪/‬كسله الصباحي ‪/‬سرية قلبه ‪/‬‬ ‫نظارته‪:‬‬

‫يا لشؤونه ‪ ،‬إذاً‬ ‫يا لشؤونٍ تعبث بالعاصفة‬ ‫وتداعب الينابيع التي تتقافز كجراء سلوقي بني‬ ‫متاريسه‬ ‫ً‬ ‫كم يجسان معا متقابلني ‪،‬‬ ‫يرمي برنده عىل املنضدة وترمي برندها‬ ‫كم تجلس التواريخ بينهام‬ ‫وهي تجفف بأنفاس ِه ذؤاباتها املبلولة‬

‫ويرد درويش التحية قصيد ًة يف «ال تعتذر عماّ فعلت» وال‬ ‫يغفل فيها رصد التفاصيل‪:‬‬

‫منزله نظيف مثل عني الديك‪..‬‬


‫درويش وبركات‬

‫ينجح االثنان كل على‬ ‫ً‬ ‫هوية‬ ‫حدة بان يخلقا‬

‫وجهي‪ ،‬هذه امل ّرة؛‬ ‫«تنفّس املوتُ يف‬ ‫منيس كخيمة سيد القوم‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫لهويتيهما‬ ‫موازية‬ ‫رسمت‬ ‫تنفّس عميقاً يف املكان‪ ،‬الذي‬ ‫َ‬ ‫الذين‬ ‫ٍ‬ ‫ٌ‬ ‫خريطتَه عىل صفحات من كتابك‬ ‫المدفونتين واحدة‬ ‫تبعرثوا كالريش‪ .‬سجاد من‬ ‫األخري «أثر الفراشة»‪ ،‬يا محمود‪.‬‬ ‫الصوف‬ ‫تحت حوافر الحزب الذي‬ ‫َ‬ ‫تدوينك عن‬ ‫نسيت‪ ،‬رمبا‪ ،‬أن أز ّود‬ ‫ُ‬ ‫معجم متآكل‪.‬‬ ‫املجعد‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ال مانح إال هو‪ ،‬وواحد ُة‬ ‫بيتنا‪ ،‬يف غابة سكوغوس‪ ،‬شجرا ً أكرث‪،‬‬ ‫كتب مجلدة‬ ‫تحت المستعمرات‬ ‫وطيورا ً أكرث‪ ،‬وأنت تستعرضني طاهياً‪،‬‬ ‫عىل عجل‪ .‬مخدات مطرزة‬ ‫متذرعاً بأفاويه الكاتب وتوابله‪.‬‬ ‫واإلسطورة‬ ‫بإبرة‬ ‫قلت‪« :‬تناقلتُ َك بلسان كتابتي‪ ،‬مرارا ً‪،‬‬ ‫َ‬ ‫خادم املقهى‪ .‬سكاكني‬ ‫كشاعر‪ .‬سأتناقلك‪ ،‬اآلن‪ ،‬كطاه»‪ .‬ويف‬ ‫مجلخة لذبح‬ ‫مطبخي ذاك‪ ،‬الذي ابتكرتُ فيه‪ ،‬إذ‬ ‫الطري و الخنزير‪ .‬فيديو لالباحيات‪.‬‬ ‫نقلت‬ ‫زرتَني قبل سنتني‪ ،‬خياالً ملساءيْن من اللحم طريفاً‪ْ ،‬‬ ‫باقات من الشوك املعادل للبالغة‪.‬‬ ‫زوجتي سيندي املوازي َن الكربى لألمل إىل جهة العاصف‪:‬‬ ‫رشفة مفتوحة لالستعارة‪ .‬ها هنا‬ ‫رصها‪،‬‬ ‫كانت واقف َة قرب املنضدة حيث أجلس‪ .‬ألقت ب َ‬ ‫يتبادل األتراك واإلغريق أدوار‬ ‫عىل نحو مل أعهده‪ ،‬عرب النافذة‪ ،‬إىل غاممات الفريوز‬ ‫الشتائم‪ .‬تلك تسليتي وتسلية‬ ‫ملست بي َدي قلبي‬ ‫من شجر الصنوبر‪ ،‬والحور الرجراج‪ُ .‬‬ ‫الجنود الساهرين عىل حدود فكاهة‬ ‫نظرت َها النقيّة كبكا ٍء تتكتم عليه الشِّ فاف ُة املعلَنةُ‪ .‬سألتُها‪:‬‬ ‫سوداء‪..‬‬ ‫«ما بك؟»‪ .‬ردّت‪« :‬مل تعد تخربين‪ ،‬إذ أعود إىل البيت‪ ،‬أ ّن‬ ‫محمودا ً اتصل بك»‪.‬‬ ‫املنفي إذا ً يرفع ُه بنبلٍ ويضع ُه عىل املنص ِة‬ ‫الهاميش لعبة‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ويقول‬ ‫الرئييس‬ ‫يقيص‬ ‫االمر‬ ‫تطلب‬ ‫وإن‬ ‫الرئييس‬ ‫لجوار‬ ‫ّ‬ ‫لن ميضيا إىل الصحراء‬ ‫للهاميش‪:‬‬ ‫سوكوغس ‪ /‬السويد ‪ /‬مساء مثل أي مساء‬ ‫َ‬ ‫فلوالك ما نجونا‪.‬‬ ‫ تقدم ‪،‬‬‫ ما الذي جرى؟‬‫ لن يعرف أحد‪ ،‬لكن الفلسطيني يومها وقبل أن يغادر‬‫تحية البرشوش إىل البرشوش نهاية الدرب‬ ‫وقف بباب البيت ملوحاً للكردي وناطقاً بلسان امل ُنترص‬ ‫خجالً كانت شمس التاسع من أغسطس من عام ‪2008‬‬ ‫عىل املوت بضع كلامت‪:‬‬ ‫ِ‬ ‫النوافذ املمرات‬ ‫تصعد منصة الرشق‪ ،‬راصد ًة وعرب‬ ‫َ‬ ‫انترصت عىل الهوية‬ ‫باللغة‬ ‫املوصلة بني غرف مركز هيوسنت الطبي ‪ ،‬يف حني كان‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫انتقمت‬ ‫قلت للكردي‪ ،‬باللغة‬ ‫الفريق الطبي ينزع يف حياد جارح أجهزة اإلنعاش عن‬ ‫من الغياب‬ ‫قلب قرر أن يقدم استقالته أخريا ً من غري بالغة أو فصاحة فقال‪ :‬لن أميض إىل الصحراء‬ ‫‪ ،‬وما إن كاد الفريق الطبي يُنهي جولته عىل بقية املرىض قلت وال أنا‪..‬‬ ‫حتى ر َّن الهاتف يف رام الله معلناً فر َد ستارة ِ‬ ‫املوت‬ ‫ُ‬ ‫ونظرت نحو الريح‬ ‫املوشا ِة بذهب الصمت عىل حياة الشاعر محمود درويش‬ ‫ َ‬‫عمت مساء‬ ‫‪،‬بعدها بقليل يصل الخرب إىل السويد ‪ ،‬فيبيك الكردي‬ ‫ عم مساء!‬‫ظل دفيناً‪:‬‬ ‫ويفتح ما َّ‬ ‫ُ‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪95‬‬


‫بورتريه‬

‫عارف الخاجة‬

‫واقعية سحرية‬

‫عارف الخاجة من بين أبرز الشعراء االماراتيين الذين عُ رفوا عربيا‪ ،‬بروح حداثية ونزعة إلى قصيدة‬ ‫التفعيلة‪ ،‬القصيدة الموزونة التي لم يكتب غيرها‪ .‬أيضا ال يخلو شعره من احداث وأسماء من التاريخ أو‬ ‫من مخيلة التاريخ‪ ،‬إذا جاز التوصيف‪ ،‬فيتخذ منها أقنعة يقوم بإسقاطها على واقع معاصر هو واقع عربي‬ ‫عموما‪ ،‬يتقاطع فيه الشخصي مع السياسي وبحس مثقف ومدرّ ب جيدا على التقاط الشعري من السياسي‬ ‫واالجتماعي بعين «أخرى» تعكسه في صور شعرية ذات جماليات عالية‪.‬‬ ‫في الوقت ذاته‪ ،‬ثمة مسحة من حزن شفيف تطبع شعر عارف الخاجة وتجعل منه قريبا إلى قلب متلقيه‬

‫سامح كعوش‬

‫‪96‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫عارف الخاجة‬

‫آثر‬

‫شعراء اإلمارات أن ميدوا أجنحتهم بعيدا ً عن‬ ‫الوطن‪ ،‬فلم يكتفوا بعيش أحواله واالمتزاج مع‬ ‫ذرات ترابه ونسامت هواه‪ ،‬بل مدوا ظالل القلب لتصل‬ ‫حيث ظأمت أمتهم يف أقايص املغرب وضفاف املتوسط‬ ‫والنيل‪ ،‬وكان أن كتبوا للبنان وبريوت‪ ،‬والعراق وبغداد‪،‬‬ ‫ومرص والقاهرة‪ ،‬وكان أن زاروا هذه البالد وعاشوا فيها‬ ‫وعايشوها واقعاً تجىل يف كتاباتهم الشعرية الكثرية‪.‬‬ ‫كام استطاع شعراء اإلمارات أن يعيشوا الحالتني األكرث‬ ‫رسوخاً يف الذاكرة العربية‪ :‬حالة النكسة وحالة الثورة‪،‬‬ ‫فكانت قصائدهم لبريوت واملقاومة الفلسطينية‪،‬‬ ‫وكانت قصائدهم للجنوب اللبناين كأنه جنوب اإلمارات‪،‬‬ ‫ولشهدائه كأنهم شهداء اإلمارات‪ ،‬وبني الطرفني عالقة‬ ‫انتامء ألمة وتاريخ ومستقبل‪.‬‬

‫شعرية االنتامء‬

‫فها هو الشاعر اإلمارايت سلطان بن عيل العويس يتأمل‬ ‫ملا شهدته مدينة بريوت سبعينات القرن الفائت من‬ ‫اقتتال وحروب وتدمري‪ ،‬ما جعله متأملاً ملصري مدين ٍة أحبها‬ ‫كام فعل شعراء إماراتيون كثريون‪ ،‬ماضياً وحارضا ً‪ ،‬وراد‬ ‫مقاهيها‪ ،‬وتحاور مع مثقفيها ومبدعيها‪ ،‬يقول يف قصيدة‬ ‫«بريوت»‪:‬‬

‫«بريوت يا جنة الخالن كيف لنا‬ ‫أن نثني الدمع من أن ميأل الحدقا‬ ‫كنت وارفة‬ ‫عودي ربيعاً كام قد ِ‬

‫نصوص عارف الخاجة تقف‬ ‫أمام التاريخ‪ .‬يكتب نكسات‬ ‫العرب‪ ،‬نكباتهم‪ ،‬مرارة‬ ‫هزائمهم وفرح انتصارهم‬

‫وانيس الشتاء الذي قد أسقط الورقا‬ ‫كنت قيثارة للرشق صادحة‬ ‫قد ِ‬ ‫ما لألنامل ليال تعزف األرقا»‪.‬‬

‫أما الشاعر مانع سعيد العتيبة فيخاطب أرض فلسطني‬ ‫مدنها وقراها‪ ،‬ويذكرها بيتاً وبيتاً‪ ،‬يقول يف قصيدته التي‬ ‫أهداها لألسري الفلسطيني املناضل مروان الربغويث‪:‬‬

‫« َيا أَ ْر َض را َم الل ِه َّإن ُقلو َبنا‪ ‬‬ ‫َما َت ْت َفال َن ْب ٌض َوال َخ َف َق ُان‪ ‬‬ ‫َيا ُقد ُْس‪ ،‬يا نا ُب ْل ُس إِ َّن عُ يو َننَا‪ ‬‬ ‫ميعنا عُ ّم َي ُان‪ ‬‬ ‫َك َّف ْت َفن َْحنُ َج ُ‬ ‫َيا َب ْي َت لَ ْح َم َو َب َ‬ ‫يت َجاال ُك ُّلنَا‪ ‬‬ ‫َ‬ ‫َم ْوىت‪َ ،‬و ُذ ُّل ُسكو ِتنا أك َف ُان‪ ‬‬ ‫سيح َعلىَ َث َرى‪ ‬‬ ‫ل َكنْ َكام ُولِ َد املَ ُ‬ ‫رس ُان‪ ‬‬ ‫أَ ْر ِض ال َقداس ِة ُيولَدُ ال ُف َ‬ ‫هُ َو َذا املَ ُ‬ ‫خاض َفيا ِفلسط ُني ا ْر َتدي‪ ‬‬ ‫َث ْو َب الدِّما ِء لِ ُيولَ َد اإلِ ّن َس ُان»‪.‬‬

‫وها هو الشاعر اإلمارايت حبيب الصايغ يخاطب فينيق‬ ‫لبنان يف «قصيدة القفص» ليربز فيها مهد طري الفينيق‬ ‫جلياً‪ ،‬واضحاً يف انتامء الشاعر إليه مبا يليق‪ ،‬هناك يف أعايل‬ ‫جبال الرشق املكللة بالثلج‪ ،‬يف بريوت الحلم‪ ،‬وبريوت‬ ‫اللحم الحي‪ ،‬بريوت عنقاء الشاعر‪ ،‬يقول يف القصيدة‪:‬‬

‫«كتبنا عىل املقاهي والجامعات احرتاقاتنا‬ ‫سئمنا من املغني الذي يزعقُ يف االسطوان ِة‬ ‫ُ‬ ‫الشواطئ‬ ‫انترش‬ ‫الوقت يف رمالِ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫اليأس»‪.‬‬ ‫اندمل ُ‬

‫كام نرى الصايغ يحيل قارئه إىل داالت مكانية ورمزيات‬ ‫ذات عالقة مبكان واحد‪ ،‬فهو يشري إىل «سكة الحجاز»‪،‬‬ ‫و»ثالث مدن»‪ ،‬وأسامء معروفة مثل‪« :‬مارسيل خليفة»‪،‬‬ ‫«أحمد دراج»‪« ،‬سعيد فاخوري»‪ ،‬الجواهري»‪ ،‬ويستحرض‬ ‫بغداد باإلسم والشام كلّها والعراق معها برمزية «عشتار»‬ ‫يف قصيدته للجواهري‪:‬‬

‫«عمري وعمرك بغداد وعشتار‬ ‫أي النبيذين من أسامئه النار؟»‪.‬‬

‫بينام نرى أن الشاعر عارف الخاجة يف مجموعته‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪97‬‬


‫بورتريه‬

‫الفنان عبد الرحيم سامل‬

‫يبلسمه مبفرداته أو هي وروده يف العرس الجنائزي أو‬ ‫طقوس التضحية األسطورية القدمية‪ ،‬كأن يقول «املسك ‪-‬‬ ‫ > النشيد ‪ > - -‬الحزن ‪ > - -‬العرس ‪ > - -‬املهر‪ ،‬يصري‬‫يل بن املسك الذي يحييه يف نصه‬ ‫عاف الخاجة كام ع ُّ‬ ‫الشمس‬ ‫الشعري‪ ،‬فدائياً يفدي الوطن بذاته‪ ،‬ويق ّدم له‬ ‫َ‬ ‫مهرا ً‪ ،‬بل ويقيم عرساً جنائزياً للبالد يف قيامتها الجديدة‬ ‫يف عني الشاعر ورؤاه‪ ،‬ومن أجدر من الشعراء بحزن البالد‬ ‫وأعراسها‪ ،‬فعارف الخاجة يقول آلخره «عيل بن املسك‬ ‫التهامي» يف قصيدته إليه‪:‬‬

‫«يا أيها اآليت‬ ‫من املسك الخرا ّيف املج ّلل بالنشي ِد‬ ‫َ‬ ‫لك النشيدُ‬ ‫عرس‬ ‫وحز ُن ُه ٌ‬ ‫َ‬ ‫ولك البال ُد‬ ‫الشمس من حزنها متتدُّ قامتك املديدة‬ ‫ومهرها‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫يوم‬ ‫كل ٍ‬ ‫يك تالمس قامة الوطن»‪.‬‬ ‫الشعرية «عيل بن املسك التهامي يفاجئ قاتليه» يستعني‬ ‫مبرجعيات تاريخية فكرية عميقة الصلة بالرتاث األديب‬ ‫العريب يف العصور الذهبية للعرب‪ ،‬إذ يستعري سرية عيل‬ ‫بن املسك التهامي يف معاناته املنفى والرتحال‪ ،‬والشغف‬ ‫وكل ذلك ليخلق منه معجزته الشعرية‬ ‫واألمل يف الحب‪ّ ،‬‬ ‫التي تشري إىل داللة التح ّول املعريف تجاه «آخر» وطني‬ ‫رصته لتصري عبوة‬ ‫وقومي‪ ،‬ال «ذايت»‪ ،‬فعيل هنا يرتك ّ‬ ‫ناسفة يف وجه الغاصبني لفلسطني‪ ،‬يقول الخاجة يف‬ ‫هامش قصيدته «الجليل‪ ،‬وكاالت األنباء‪ :‬اعرتف العدو‬ ‫أمس مبقتل أربعة جنود له‪ ،‬إثر مرور إحدى دورياته‬ ‫عىل رص ٍة مدفونة بالجليل‪ ،‬وتشك سلطات االحتالل يف‬ ‫أ ّن واضعها هو عيل بن املسك التهامي الذي تسلل إىل‬ ‫الجليل قبل يومني من الحادثة‪ ،‬والذي اشتبك مع إحدى‬ ‫دورياتها‪.»...‬‬ ‫يخاطب الشاعر الخاجة شاعره عيل بن املسك التهامي‬ ‫مبا يشبه املناجاة الذاتية (املونولوج)‪ ،‬يف تقمصه شخصيته‬ ‫وحلوله محلّه‪ ،‬شاعرا ً يضع إصبعه عىل جرح الوطن‪،‬‬ ‫‪98‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫وليست مصادف ًة أن يكتب الشعراء اإلماراتيون الواقع‬ ‫العريب ال اإلمارايت فحسب‪ ،‬وهم أبناء هذا الواقع‬ ‫واملتأثرون املؤثرون فيه‪ ،‬يشرتكون يف ملحمة االنتصار كام‬ ‫يف فاجعة االنكسار‪ ،‬وبينهام هم يرون إىل الواقع املأزوم‬ ‫بعني الشعر املتفائلة والرائية يف ٍ‬ ‫غد أجمل‪ ،‬وهم بذلك‬ ‫يتميزون باتجاههم األسطوري السحري يف قراءتهم للواقع‪،‬‬ ‫ال يف التعبري عنهم بتقنيات الواقعية التسجيلية املحضة أو‬ ‫الواقعية االشرتاكية املح ّرضة‪.‬‬ ‫كام ليس من قبيل املصادفة أيضاً أن تختفي تقريباً‬ ‫املقاربات الواقعية التسجيلية للواقع يف تجارب الشعراء‬ ‫اإلماراتيني‪ ،‬ملا يف ذاتهم الجمعية ووعيهم املعريف من‬ ‫ميلٍ إىل الخارق يف الطبيعة واملمتد يف التأ ّمل الوجودي‬ ‫يف بيئة البحر والساحل والصحراء‪ ،‬وهم األكرث ميالً إىل‬ ‫استحضار الرتاث العريب مبا يحفل به من رمزيات األساطري‬ ‫والخوارق‪ ،‬واملوروث الشعبي املحيل وما يحكيه من أصالة‬ ‫وعالقة تاريخ ودم تربطهم بإرث الجزيرة العربية والعراق‬ ‫والشآم ومرص عضوياً��� ،‬وتختفي معها يف املقابل االتجاهات‬ ‫الواقعية االشرتاكية طبعاً‪ ،‬لبعدهم عن التأثر باألفكار‬


‫عارف الخاجة‬

‫االشرتاكية التي سادت يف الرشق العريب وصنعت ملحمتها‬ ‫األدبية مع الروايئ حنا مينة وغريه‪ ،‬وذلك لسبب أن شعراء‬ ‫اإلمارات مل يؤمنوا قطعاً بأولوية الرصاع الطبقي لغلبة‬ ‫امليول الفطرية إىل التدين والعمل مبا تنادي به التعاليم‬ ‫اإللهية من مساواة وتعاون مجتمعي‪ ،‬كام لسبب أنهم‬ ‫يكادون يكونون األكرث تأثرا ً باالتجاه الرومنيس يف األدب‪،‬‬ ‫واألكرث إنتاجاً لنصوصه عربياً‪.‬‬

‫الواقعية واملرجعية‬

‫نجد أنفسنا يف نصوص عارف الخاجة الشعرية أمام وثائق‬

‫‪.»1990‬‬ ‫ويعمد الشاعر عارف الخاجة إىل الواقعية كاتجاه يناسب‬ ‫تجربته الشعرية دون غريه‪ ،‬فهو ليس بحا ٍمل وال رومانيس‪،‬‬ ‫بل هو منتمٍ إىل واقع أمته ومعاناتها‪ ،‬ال يخرج يف حقله‬ ‫املعجمي عن مفردات مثل «جبهة‪ ،‬منفى‪ ،‬جمرة‪ ،‬ثورة»‪،‬‬ ‫ويرى حبيبته رشيكة نضال ودرب جلجلة كام يف عذاب‬ ‫السيد املسيح بحسب املعتقد املسيحي (ويف ذلك اإلحالة‬ ‫إىل الرمزية الدينية املسيحية ال اإلسالمية فقط)‪ ،‬وحلم‬ ‫حرية لوطنٍ سليب ممتد بني قانا الجليل وجنوب الخليل‪،‬‬ ‫يقول يف ٍ‬ ‫نص له بعنوان «مسافة»‪:‬‬

‫َ‬ ‫ضعف السنني التي ّ‬ ‫رشدتني‬ ‫«رأيتك‬ ‫تاريخية بكل ما للكلمة من معنى‪ ،‬فهو يؤرخ لنكسات‬ ‫ِ‬ ‫العرب‪ ،‬نكباتهم‪ ،‬مرارة هزامئهم وفرح انتصارهم‪ ،‬مستعيدا ً تط ّلني من جبهة النسمة العابرة‬ ‫الدور األسطوري لألنثى الفاعلة ال يف حياة الشاعر فقط‬ ‫ومن أغنيات املنايف‬ ‫بل يف وجوده الوطني واملجتمعي‪ ،‬ومستعريا ً الدور‬ ‫ومن ضحكة الجمرة الثائرة‬ ‫الجبهوي للشاعر كام يف عرص الفتوحات األوىل‪ ،‬حيث كان تطلني من عرس قانا الجليل‬ ‫«جيش الصحابة» (الذي يشري إليه يف قوله «هو الوعدُ‬ ‫لنميش نفس الطريق الجليل‬ ‫مقلتيك درباً‪ /‬مت ُّر عليه ُ‬ ‫خيول الصحابة»)‪،‬‬ ‫‪ ...‬يبدأ من‬ ‫ِ‬ ‫ولو كان يفيض إىل الجلجله»‪.‬‬

‫مير باملدن والبالد‪ ،‬حامالً رسالة الفتح والدعوة‪ ،‬وإن‬ ‫ولكن الخاجة يبقى صاحب رؤيا مغايرة للواقع القائم‪،‬‬ ‫كانت دعوة عارف الخاجة إىل جمهورية شعرية نقية‬ ‫وهو ما يشري إليه مبفرديت «الفصول الجديدة»‪ ،‬التي ال‬ ‫وصافية صفاء ماء الفضة‪ ،‬فهو يفرح مبا يخطه لبريوت يف يقبل التأقلم معها‪ ،‬يقول لسيدته التي تطل كشمس‪،‬‬ ‫مجموعته «بريوت وجمرة العقبة ‪ ،»1983‬ويؤبّن الشهيد وتحتمل دورها التغيريي يف ما تقتضيه الواقعية السحرية‬ ‫اللبناين ألمته العربية يف مجموعته «قلنا لنزيه القربصيل‬ ‫التي تتيح للشاعر أن يخلق عامله الشعري املوارب‬ ‫‪ ،»1986‬ويصليّ إماماً للفقراء واملتعبني واملحرومني‬ ‫واملوازي معاً‪ ،‬يف ظل احتامالت شتى ال يستطيع مواجهتها‬ ‫والتعساء والعشاق يف مجموعته «صالة العيد والتعب‬ ‫عالنية‪ ،‬بل ال يستطيع وحيدا ً أن يتح ّمل مشقتها عىل‬ ‫‪ ،»1986‬وهو يردد خطاباً عروبياً متيّز به شعراء اإلمارات وعيه الشعري ووجوده ككائن ورقي شفيف‪ ،‬بل تساعده‬ ‫جميعاً‪ ،‬كام يف مجموعته «عيل ابن املسك يفاجئ قاتليه يف ذلك وتقف إىل جانبه سيدته الشمس وهي تحمل إليه‬ ‫‪ ،»1989‬ويكمل مسريته الشعرية وصوالً إىل «من املعسكر بشارات التغيري والثورة عىل واقعه ليخلق عامله الجديد‬ ‫املرتجى‪:‬‬

‫عارف الخاجة رؤيوي بامتياز‪،‬‬ ‫يستعيد األسطورة حاضر ًا‪،‬‬ ‫ويمزجها بمالمح عصرية‬ ‫وحديثة‪ ،‬وهو صاحب مخزون‬ ‫معرفي ولغوي‬

‫«تطلني سيديت‬ ‫والفصول الجديدة‪ُ..‬‬ ‫تأىب التأقلم يف خاطري»‪.‬‬

‫ويبقى نص الشاعر الخاجة واقعياً بامتياز‪ ،‬وإن كان‬ ‫يخدع املتلقي مبا تيش به نصوصه من واقعية سحرية‬ ‫متيل إىل مغالبة الواقع واملكابرة ض ّده كنو ٍع من اإلحالة‬ ‫الشعرية إىل رفضه واإلسهام يف «كرسه» والتمرد عليه‪،‬‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪99‬‬


‫بورتريه‬

‫فعارف الخاجة يكتب نصه الشعري مبالمح الواقعية‬ ‫السحرية‪ ‬أو‪ ‬العجائبية‪ ‬وهي تقنية روائية غلبت عىل‬ ‫كثري من األعامل الروائية يف‪ ‬األدب األملاين‪ ‬منذ مطلع‬ ‫الخمسينيات وأدب أمريكا الالتينية بعد ذلك‪ ،‬ثم وجدت‬ ‫طريقها إىل بعض األعامل يف آداب اللغات األخرى‪ ،‬وتقوم‬ ‫هذه الواقعية عىل أساس مزج عنارص متقابلة يف سياق‬ ‫العمل األديب‪ ،‬فتختلط األوهام واملحاوالت والتصورات‬ ‫الغريبة بسياق الرسد الذي يظل محتفظاً بنربة حيادية‬ ‫موضوعية كتلك التي متيز التقرير الواقعي‪.‬‬ ‫نصه الشعري‪ ،‬توظف‬ ‫وكام يفعل عارف الخاجة يف ّ‬ ‫الواقعية السحرية عرب تقنياتها املتعددة عنارص‬ ‫فنتازية كقدرة الشخصية الواقعية عىل السباحة يف‬ ‫الفضاء والتحليق يف الهواء وتحريك األجسام الساكنة‬ ‫مبجرد التفكري فيها أو بقوى خفية بغرض احتواء‬ ‫األحداث‪ ‬السياسية الواقعية املتالحقة وتصويرها بشكل‬ ‫يذهل القارئ ويربك حواسه فال يستطيع التمييز بني ما‬ ‫هو حقيقي وما هو خيايل‪ ،‬وتستمد هذه العنارص من‬ ‫الخرافات والحكايات الشعبية واألساطري وعامل األحالم‬ ‫والكوابيس‪ ،‬كام يف حكايات ألف ليلة وليلة‪ ،‬وقصص‬ ‫الجان‪ ،‬والبساط السحري‪ ،‬ومصباح عالء الدين‪ ،‬وكام يف‬ ‫استعادة الشعراء املعارصين سري األبطال واملشاهري من‬ ‫القادة والشجعان والشعراء والصعاليك‪ ،‬وغريهم‪ ،‬كأن‬ ‫يتقمص شعراء كالجواهري‪ ،‬بدر شاكر السياب‪ ،‬وعبد‬ ‫الوهاب البيايت‪ ،‬أدونيس‪ ،‬محمود درويش‪ ،‬سميح القاسم‪،‬‬ ‫حاالت شعراء وشخصيات أسطورية كأدونيس إله الجامل‬ ‫والحرب‪ ،‬وكنعان‪ ،‬وجالوت‪ ،‬وشعراء كطرفة بن العبد‪،‬‬ ‫عروة بن الورد‪ ،‬امرئ القيس‪ ،‬ديك الجن الحميص‪ ،‬قيساً‬ ‫بن املل ّوح وعمرا ً بن أيب ربيعة‪ ،‬وكثريين آخرين‪ ،‬أو أن‬ ‫يستعملوا إحاالت لغوية ورمزيات فنية تيش مبتعلقات‬ ‫هؤالء الذين ذكرنا وغريهم آخرين من مفردات يف اللغة‬ ‫أو مقاربات يف الحالة‪.‬‬ ‫إن الشاعر عارف الخاجة رؤيوي بامتياز‪ ،‬يستعيد‬ ‫األسطورة حارضا ً‪ ،‬وميزجها مبالمح عرصية حداثية وحديثة‪،‬‬ ‫فهو يف قصيدته «املسافة» يحيك الرؤيا كأنه الع ّراف‪،‬‬ ‫يغمض عينيه ويفتح عني بصريته‪ ،‬فريى األنثى التي تتخىل‬

‫‪100‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫عن دورها الشغفي لتصري قضية ودولة وأمة‪ ،‬وتتحول إىل‬ ‫فاعل يف الوعي الجمعي كعامل تغيريي مؤثر‪ ،‬األنثى التي‬ ‫تطل كشمس ‪ > - -‬الشمس عنرص تنويري ثوري تغيريي‪،‬‬ ‫ُّ‬ ‫يخاطبها بقوله‪:‬‬

‫«رأيتك يف كل حرفني غابة‬ ‫ِ‬ ‫وما بني سط ٍر وسط ٍر حياة‬ ‫َ‬ ‫ضعف السنني التي ّ‬ ‫رشدتني‬ ‫رأيتك‬ ‫ِ‬ ‫تط ّلني من جبهة النسمة العابرة‬ ‫ومن أغنيات املنايف‬ ‫ومن ضحكة الجمرة الثائرة»‪.‬‬

‫ثراء اللغة واملعنى‬

‫وألن الشاعر الخاجة يف شعره صاحب مخزون معريف‬ ‫ولغوي ال يجارى‪ ،‬نراه داعية تغيري لواقع مأزوم بأدوات‬ ‫معرفية عالية التأثري‪ ،‬فكأنه يدعو إىل لغة مل يكتشفها أح ٌد‬ ‫ٍ‬ ‫ومفردات تتسع لتحمل ما يقصده من معنى‪ ،‬يعيد‬ ‫قبله‪،‬‬ ‫تشكيل الكالم‪ ،‬وترتيب الحروف‪ ،‬ويع ّري املفردات من‬ ‫دالالتها املعرفية املعهودة‪ ،‬فيخلق عاملاً أسطورياً لحبيبته‬ ‫يجمعهام وهام يشكّالن بالحب وجه الكتابة‪ ،‬ويسمعان‬ ‫معاً شجو الحروف‪ ،‬يف عا ٍمل سحري مل يكن لشاعر قبله أن‬ ‫يعلنه يف نصه الشعري كام فعل هو‪ ،‬فهو ينكر ما كان‬ ‫من أدوار تاريخية مؤسسة لألزمة‪ ،‬حتى ولو كانت أزمة‬ ‫لغة‪ ،‬فهو يشري إىل أيب األسود الدؤيل يف عمله عىل تنقيط‬ ‫حروف اللغة العربية‪ ،‬ويسعى إىل إعادة تشكيل الوعي‬

‫يبقى نص الشاعر الخاجة‬ ‫واقعي ًا‪ ،‬وإن كان يخدع‬ ‫المتلقي بما يشي به من‬ ‫واقعية سحرية تميل إلى‬ ‫مغالبة الواقع والمكابرة ض ّده‬ ‫كنوع من الرفض‬ ‫ٍ‬


‫عارف الخاجة‬

‫الفنان عبد الرحيم سامل‬

‫بالحياة والحب بالشعر‪ ،‬ويشري إىل نرص ابن عاصم‪ ،‬وهو‬ ‫الذي عرف عنه بأنه «ليفلّق بالعربي َة تفليقاً»‪ ،‬بشهادة‬ ‫أمئتها من معارصيه‪ ،‬يقول‪:‬‬

‫«هو الوعد ‪ -‬ال الدؤ ُّيل ‪ -‬يش ِّكلنا‬ ‫لنشكل بالحب وجه الكتابه‬ ‫َّ‬ ‫هو الوعد ‪ -‬ليس ابنُ عاصم – علمنا‬ ‫كيف نسمع شجو الحروف‬ ‫إذا نقطة ملعت‬ ‫تحت باء السحابه»‪.‬‬

‫إن األنثى يف نص الشاعر الخاجة أنثى رشيكة‪ ،‬أو هي‬ ‫وجود قائم بذاته ومؤثر‪ ،‬حتى لو كان يف حانة أو مقهى‬ ‫نصه «وشيطا» من مجموعته «عيل‬ ‫لييل كام يف بطلة ّ‬ ‫بن املسك التهامي يفاجئ قاتليه»‪ ،‬و«وشيطا» بحسب‬ ‫الخاجة هو واح ٌد من أكرب املالهي الليلية يف الدار البيضاء‬ ‫باملغرب‪ ،‬إذ يرى الشاعر يف مأساتها مأساة وطنه العريب‬ ‫الكبري يف إشارته «ها أنني أدخل الوطن العريب ‪ > - -‬وقد‬ ‫غامت األرض والكأس والدندنة ‪ > - -‬وها إنني أدخل‬ ‫اآلن ‪ > - -‬والوطن العريب تع ّمد أن يشعل الساهري َن‬ ‫ ‪ > -‬وأن ينتيش بالخيانة والصمت وامللعنة ‪ > - -‬وها‬‫إنني أدخل الوطن العريب ‪ > - -‬والوطن العريب يحارب‬ ‫ِّ‬ ‫بالدف»‪.‬‬ ‫واألنثى يف قصيدة الخاجة هي شخصية تتطلبها تقنيات‬ ‫الواقعية السحرية أو الواقعية نفسها كام يف األدب‬ ‫االشرتايك‪ ،‬إذ تصري الشخصية األنثى حامل ًة لدالالت‬ ‫مغايرة يتطلبها نص الشاعر وتحتاجها رؤيته الشعرية‪،‬‬

‫فهي وإن اضفى عليها قليالً من صفات األنوثة والجامل‬ ‫اللذين تقتضيهام املناجاة (الديالوج)‪ ،‬إال أن هذه األنثى‬ ‫كاذبة‪ ،‬مواربة يف تع ّددها بعني الشاعر‪ ،‬بني أم وعاهرة‪،‬‬ ‫بني فتاة هوى وطاهرة‪ ،‬بني وطنٍ وأرض وعرض‪ ،‬وأخرى‬ ‫فاجرة‪ ،‬وهي ال تستطيع أن تقف وحيدة يف خلق عامله‬ ‫الشعري «الفاضل»‪ ،‬عامل اليوتوبيا الذي يحلمه الخاجة‪،‬‬ ‫لذا فهو يشري إليها مبا يؤمن به هو‪ ،‬وهو عىل اليقني من‬ ‫أنه لن ينكرس‪ ،‬وسينترص برؤاه الشعرية ومبتغاه النبيل‪،‬‬ ‫بالغرابة الشاعرة والفجأة‪ /‬املتحول‪ ،‬لذا فهو يطلب منها‬ ‫أال تنتظر انكساره‪ ،‬وأال تنتظر ر ّد ًة للورود‪ ،‬والورود هنا‬ ‫كل عنارص الجامل يف الكون‪ ،‬بل اختزاله‬ ‫كل اإلناث‪ّ ،‬‬ ‫هي ّ‬ ‫يف مفردة‪ ،‬يقول‪:‬‬

‫«فال ترقبي موعداً النكساري‬ ‫وال تحسبي ِردَّة للورود التي‪..‬‬ ‫فتَّحتها برويض وفو ُد الغرابهْ»‪.‬‬

‫وهذه األنثى رؤيا‪ ،‬وحاملة رؤية‪ ،‬وهي حادية النجوم‪،‬‬ ‫بهودجها السائر يف صحارى املخيلة الشاعرة‪ ،‬والتي تيش‬ ‫باملشقة واملعاناة‪ ،‬بالحر والهجر والرتحال‪ ،‬يقول الشاعر‬ ‫الخاجة‪:‬‬

‫«رأيتك والعيس تتبع حادي النجوم‬ ‫وهودجك الكوكب املنتيش‬ ‫يف س َمـات السامء‬ ‫وخ ِّد الصحارى‬ ‫وهودجك املشرتَى‬ ‫الزمته العيون وأقامرنا الساهرهْ»‬

���‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪101‬‬


‫جدل‬

‫جل‬ ‫أدونيس حين يتر ّ‬ ‫اكتمال الدورة الشعرية أم توقفها؟‬ ‫هل يعتزل الشاعر ويتوقف عن كتابة الشعر؟‪ .‬يطرح هذا السؤال نفسه ويبحث عن إجابته في تصريحات‬ ‫أدونيس القريبة وتنظيراته البعيدة‪ .‬فهو ال يستقر على موقف واحد‪ ،‬بل يناقض ما سبق له من آراء حول‬ ‫وظيفة الشاعر وجدوى الشعر التي ال تقاس بالزمن‬

‫خلدون عبد اللطيف‬

‫الواقع»‪ ،‬فقارنته بالكتاب والشعراء الحقيقيني الذين مل‬ ‫أثناء انرصايف مؤخرا ً ألعامل الشاعر السويدي توماس‬ ‫تصل بهم الجرأة وصالبة املوقف واإلميان مبفعول الكلمة‬ ‫ترانسرتومر بالرتجمة التي أنجزها قاسم حمدون عن‬ ‫إىل تطليق الكتابة الشعرية أو ادّعاء الكامل الشعري‬ ‫اللغة السويدية مبارشة وأعاد قراءتها وق ّدم لها أدونيس‬ ‫بعد أن بلغ العمر بهم عتيّا‪ ،‬ورمبا كان ترانسرتومر نفسه‪،‬‬ ‫«أحسب أنني سأعود إىل إشكالية مصطلح أو داللة‬ ‫الذي أعاد أدونيس قراءة ترجمته آنفة الذكر‪ ،‬واحدا ً من‬ ‫«إعادة القراءة» يف مناسبة أخرى»‪ ،‬تذكرت الترصيح‬ ‫األمثلة الجليّة والدالّة عىل ذلك‪ ،‬حيث أصيب بجلطة‬ ‫الصادم والجريء لصاحب «أغاين مهيار الدمشقي» يف‬ ‫دماغية وشلل نصفي عام ‪ 1990‬حرمته القدرة عىل الكالم‬ ‫حوار أجري معه قبل نحو عامني‪ ،‬حني أشاع نيته اعتزال‬ ‫كتابة الشعر بذريعة اكتامل دورته الشعرية‪ ،‬والتفرغ تالياً ومامرسة الحياة كام يف السابق‪ ،‬لكنها مل تكن كفيلة بثنيه‬ ‫يف أي حال من األحوال عن اجرتاح الكتابة ومواصلة‬ ‫لكتابة سريته الذاتية «أعتقد أن الدورة وبكل تنويعاتها‬ ‫اكتملت عندي شعرياً بالنسبة يل مبعنى الكامل»‪ .‬آنذاك‪ ،‬االلتحام بالشعر‪.‬‬ ‫ذهب البعض إىل اعتبار‬ ‫ردة‬ ‫ترصيح أدونيس مجرد‬ ‫مهنة الشعر‬ ‫وظيفة‬ ‫ليس‬ ‫الشعر‬ ‫فعل مبارشة بسبب عدم‬ ‫يف الحقيقة‪ ،‬مل يكن أدونيس يوماً من‬ ‫تنتهي بالتقاعد‪ ،‬وما‬ ‫حصوله عىل جائزة نوبل‬ ‫طينة الذين يفقدون إميانهم بجدوى‬ ‫لآلداب‪ ،‬والتي كانت من‬ ‫الشعر وطاقاته الالمحدودة‪ ،‬أو هذا‬ ‫أتى عليه أدونيس‬ ‫نصيب الكاتب البريويف ماريو‬ ‫ما تعكسه كتاباته وتنظرياته الشعرية‬ ‫يقترب من كونه‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫ظل حدث‬ ‫بارغاس يوسا‪ ،‬لكنه ّ‬ ‫عىل األقل طوال العقود املاضية‪ ،‬بل‬ ‫ً‬ ‫كان‬ ‫لفكرة‬ ‫مناقضة‬ ‫ٍ‬ ‫مييل لإلثارة أكرث مام مييل‬ ‫ظل مدافعاً عن فكرة أن‬ ‫عىل العكس ّ‬ ‫قد التقطها في بيان‬ ‫للصمت‪.‬‬ ‫القصيدة أعىل وأرفع درجات اإلبداع‪،‬‬ ‫تذكرت إذا ً أدونيس ونيته‬ ‫الحداثة «الشعر بحسب لكني مل أنظر إىل حاله وأمره من‬ ‫اعتزال كتابة الشعر‪ ،‬وهو‬ ‫زاوية العمر وع ّداد السنني فحسب‪،‬‬ ‫الرؤية الدينية‪ ،‬وظيفة»‬ ‫القائل يف مقدمة ترجمة‬ ‫أو ما دفعه يف حقيقة األمر لإلدالء‬ ‫أشعار ترانسرتومر املشار إليها‬ ‫بهكذا ترصيح اعرتا ّيف مل تزل قراءته‬ ‫أ ّن «الشعر هو الذي «يخلق»‬ ‫املوضوعية غري مكتملة متاماً‪ ،‬بل من‬ ‫‪102‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫بيان الحداثة‪ ،‬حني اعترب «الشعر بحسب الرؤية الدينية‪،‬‬ ‫زاوية ما يرتاكم يومياً من أحداث ومواضعات وجودية‬ ‫وتاريخية ال ولن تقف عند ٍ‬ ‫حامل لرؤى وتأويالت ورسائل‬ ‫وظيفة»‪ ،‬مبعنى أنه وسي ٌط ٌ‬ ‫حد معني أو يعيق تقدمها‬ ‫مق ّررة سلفاً يدي ُر الشاعر منظومتها‪ ،‬وبالتايل ينتفي الشّ عر‬ ‫عارض‪ ،‬مبقدار ما تفتح آفاقاً جديدة ومتعددة أمام‬ ‫ٌ‬ ‫الشاعر الحقيقي لاللتحام بها ومعاينتها شعرياً‪ ،‬كام تتيح والشاعر معاً بانتفاء الوظيفة‪ ،‬فيام جادل أدونيس يف أكرث‬ ‫ٍ‬ ‫موقف لنقض هذه الرؤية وإثبات عكسها‪ ،‬ألنها تج ّرد‬ ‫من‬ ‫يوسع تبصرّ اته حيال األشياء‪،‬‬ ‫له الفرصة تلو األخرى يك ّ‬ ‫الشّ عر من فاعليته وتفيض بالنهاية إىل عزلته وموته‪.‬‬ ‫ويعيد النظر من ح ٍني إىل آخر يف مسلّامته وطروحاته‬ ‫ال يكاد يجرؤ شاع ٌر عىل االعرتاف بأنه كتب قصيدته‬ ‫بتع ّمق أو يراجعها يف ضوء ما يستج ّد‪ ،‬وهي مراكامت‬ ‫العظمى أو الكربى‪ ،‬أل ّن مرجل هذا الهاجس يظل يدور‬ ‫كل‬ ‫يقرتب تف ّحصها من حدود الواجب األخالقي عىل ّ‬ ‫يف أعامقه‪ ،‬والشاعر ٌ‬ ‫مدرك لهذه الفرضية عىل أكمل‬ ‫عمي أو تعامى عن هكذا‬ ‫شاعر‪ ،‬فيام يبدو أ ّن أدونيس َ‬ ‫وجه‪ ،‬وموق ٌن بأ ّن القصيدة التي يشتهيها ال تزال مختزن ًة‬ ‫واجب‪.‬‬ ‫بشكلها الخام أو النهايئ ومل تنكتب بعد‪ ،‬وبأنها فوق هذا‬ ‫ما يقتيض االنتباه‪ ،‬ورغم زعمه اكتامل الدورة بكل‬ ‫وذاك مرهونة مبستقبلها وطامح ٌة إليه‪ .‬هذه الفرضية‪،‬‬ ‫تنويعاتها شعرياً ومبعنى الكامل‪ ،‬إال أ ّن جانباً آخر يف‬ ‫أو الجزء الباطن من الحقيقة‪ ،‬هي وقود الشاعر ملواصلة‬ ‫ترصيح أدونيس غفل عنه كثريون أو مل يتنبّهوا إليه كام‬ ‫وامليض يف اجرتاح الشعر حتى‬ ‫الشعرية‬ ‫امللكة‬ ‫استنهاض‬ ‫برشط‬ ‫يجب إال تلميحاً‪ ،‬أال وهو ربط اعتزاله كتابة الشعر‬ ‫ّ‬ ‫شعري يعكف عليه‪ ،‬من دون اإلفصاح آخر رمقٍ ‪ ،‬فيام اعتزال أدونيس يشري مبعنى ما إىل أنه‬ ‫االنتهاء من مرشو ٍع‬ ‫ٍّ‬ ‫عن ماهية هذا املرشوع أو طبيعته‪ ،‬وإمنا اكتفى باإلشارة كتب قصيدته الكربى ومل يعد يف جعبته ما يضيفه‪ ،‬رغم‬ ‫نفيه القاطع لفكرة انتهاء معينه الشعري‪ ،‬بينام الشاعر‬ ‫إىل أنه «قيد العمل يف الطباعة»‪ ،‬مؤكدا ً يف ذات السياق‬ ‫يعيش قلق القصيدة الكربى ويرزح تحت وطأة‬ ‫الحقيقي ُ‬ ‫«سأختتم به كتابتي الشعرية بحرص املعنى‪ ،‬وسأتوقف‬ ‫مشاكساتها واعتصاراتها عىل حساب الوصول إىل ذروة‬ ‫بعد هذا وهو قيد اإلنجاز‪ ،‬وبعدها لن أقول الشعر عىل‬ ‫الرضا‪ .‬أما حول اكتامل الدورة الشعرية والتوقف عن‬ ‫اإلطالق بحرص املعنى كشعر‪ ،‬أي إنني لن أكتب كتابايت‬ ‫ترصيح ال يخلو من الجرأة‬ ‫العادية‪ ،‬ولكن سأتوقف عن الشعر»‪ .‬بيد أ َّن الشعر ليس كتابة الشعر أو اعتزاله‪ ،‬فهو‬ ‫ٌ‬ ‫لقى عىل عواهنه‪ ،‬بل قد يعطي‬ ‫مهنة أو وظيفة رسمية تنتهي باالعتزال والتقاعد‪ ،‬وما‬ ‫كام أسلفت‪ ،‬وليس ُم ً‬ ‫للوهلة األوىل انطباعاً زائفاً وملتبساً عماّ خلّفه أدونيس‬ ‫أىت عليه أدونيس يقرتب من كونه مناقض ًة رصيح ًة يف‬ ‫من إرث شعري‪ ،‬ذاك أنه ينطوي عىل اعرتاف رصي ٍح‬ ‫أحد جوانبه لفكر ٍة كان قد التقطها محقاً قبل ذاك يف‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪103‬‬


‫جدل‬

‫نأي‬ ‫ومبارش بانخامد النار التي ظنها أدونيس أزلية‪ ،‬وعىل ٍ‬ ‫بالنفس عن معرتكات الساحة الشعرية العربية يف وقت‬ ‫هي أش ّد ما تكون بحاجة فيه إىل وجود ال ّرواد واملؤسسني‬ ‫لحداثتها‪ ،‬بينام يكتفي بعض الشعراء بالتوقف يف لحظ ٍة‬ ‫ميت للشّ عر بصل ٍة‪.‬‬ ‫ما‪ ،‬واالنفصال بهدوء عن كل ما ّ‬

‫شعري كبري كان يفرتض أن يتطور كام تطور شعراء‬ ‫آخرون»‪ ،‬مضيفاً «رمبا منجز أدونيس توقف قبل ‪10‬‬ ‫سنوات ورمبا ‪ 15‬سنة‪ ،‬لست قادرا ً عىل الجزم»‪.‬‬

‫الشّ عر ال ينضب يف معني الشاعر الحقيقي‪ ،‬وال يستطيع‬ ‫هو نفسه أن يقاوم أو يخمد استفاقته يف أعامق الروح‬ ‫ومواصلة استخراج املخبوء‪ ،‬ألنه يعيش الشعر حتى وإن‬ ‫الشاعر ممث ًال‬ ‫أضف إىل ما سبق‪ ،‬وحيث إن أدونيس امتلك الجرأة عىل ض ّن أو قصرّ يف تهريبه إىل حيّز الكتابة‪ ،‬ويظل فوق هذا‬ ‫إعالن توقفه عن كتابة الشعر‪ ،‬أرى أنه بحاجة إىل مواصلة وذاك مسكوناً مبحت ِّده الشعري الذي ميور يف دواخله‪،‬‬ ‫لكن هل باستطاعة أدونيس أن يركن إىل الصمت‪ ،‬وأن‬ ‫اإلمساك بناصية الجرأة ذاتها‪ ،‬ومامرسة نوع من النقد‬ ‫يطارح نزوة عدم كتابة الشعر فيام تبقى من حياته‪،‬‬ ‫الذايت عرب إجراء مراجعات عميقة ملفاصل حساسة يف‬ ‫ملغياً اقرتانه الوثيق به؟ ناهيك عن حقيقة أن الشّ عر جزء‬ ‫مسريته الشعرية وإشكالياته الفكرية املتجددة‪ ،‬ال سيام‬ ‫من املامرسة الثورية‪ ،‬حاله يف ذلك حال باقي الفنون‪،‬‬ ‫ترصيحاته األخرية وآراؤه الضبابية حيال األحداث التي‬ ‫يعيشها بلده سوريا‪ ،‬وهي ما قد تختزنه وتبوح به سريته والشاعر الحقيقي يبدع حني يواجه أزمات شعرية كربى‪،‬‬ ‫وال أحسب أن األزمات الشعرية الكربى تنتهي‪ ،‬خصوصاً‬ ‫صح هذا االكتناه‪،‬‬ ‫الذاتية التي يعكف عىل كتابتها‪ .‬لنئ ّ‬ ‫ما مي ّر به الشعر العريب يف الوقت الراهن‪ .‬بهذا املعنى‪،‬‬ ‫فأنني أسمح لنفيس برسم سيناريو مغاير بعض اليشء‬ ‫تدفعني هذه النقطة املفصلية إىل اعتبار أن التوقف عن‬ ‫ينطلق من افرتاض أ ّن آخر ما أبدعه أدونيس يف ميزان‬ ‫كتابة الشعر يف حالة أدونيس ال يعني بالرضورة فقدان‬ ‫الشعر مقارنة بعموم منجزه كان منذ نحو عقدين عىل‬ ‫الشاعر مللكة الكتابة الشعرية ونضوبها لديه‪ ،‬وهو ما‬ ‫وجه التقريب‪ ،‬وال أريد لكالمي هذا أن يفهم مبعنى‬ ‫أكده أدونيس بنفيه النتهاء معينه الشعري‪ ،‬لكنه قد يشري‬ ‫«انتهاء» أدونيس الشاعر قبل عرشين سنة أو يف معزل‬ ‫عن أدونيس «الظاهرة»‪ ،‬بل من حيث إنه ‪ -‬وفق منظور من زاوية أخرى وعىل نح ٍو خاص إىل انعدام األزمات‬ ‫الشعرية الكربى يف حياة الشاعر‪،‬‬ ‫االعتزال الشعري الذي تبناه‬ ‫وإضامره لتلك الحقيقة التي‬ ‫وساق مس ّوغاته ‪ -‬كان حقيقاً‬ ‫يتعذّر عليه قبولها بتلك السهولة‬ ‫مبهرجان اعتزال منذ نحو عقدين‬ ‫لم يلجأ أدونيس‬ ‫والبساطة‪ ،‬فيام هي تودي به‬ ‫تحفزه‬ ‫من الزمن‪ ،‬أي وهو يف أوج‬ ‫بالمحصلة إلى‬ ‫ّ‬ ‫شيئاً فشيئاً إىل االنكامش وفقدان‬ ‫وتألقه الشعريني‪ ،‬إذ ما لبث يكرر‬ ‫شعرية»‬ ‫«تقية‬ ‫استخدام‬ ‫القدرة عىل املواكبة والتجدد‪.‬‬ ‫نفسه تالياً بال مقرتحات شعرية‬ ‫ً‬ ‫ا‬ ‫تبرير‬ ‫أجد‬ ‫وال‬ ‫جديدة‪،‬‬ ‫من جهة مقابلة‪ ،‬اعتزال أدونيس‬ ‫جديدة‪ ،‬ومن دون أن يقدح يف‬ ‫ كظاهرة ‪ -‬أيضاً «رضبة معلم»‬‫الشعرية العربية نرياناً متأججة‬ ‫جله عن‬ ‫لـ«شبهة» تر ّ‬ ‫ال تخلو من بعض الغلواء‪ ،‬وذلك‬ ‫بالسابق‪ ،‬كام أكّد عىل‬ ‫مقارنة ّ‬ ‫صهوة الشعر سوى‬ ‫لجهة حاجته اآلنية إىل معرفة‬ ‫ذلك غري واحد من النقاد‪ ،‬مثل‬ ‫ال‬ ‫«نيته»‬ ‫عن‬ ‫أعلن‬ ‫أنه‬ ‫وتل ّمس ومواصلة اختبار ما سوف‬ ‫صبحي حديدي الذي اعترب «أن‬ ‫الشعر‬ ‫اعتزال‬ ‫«قراره»‬ ‫يرتكه رحيله عن الساحة الشعرية‬ ‫أدونيس انتهى شعرياً»‪ ،‬كام أشار‬ ‫آجالً أم عاجالً‪ .‬إنه مساءلة‬ ‫يف إحدى الحوارات التي أجريت‬ ‫استباقية لتاريخه اآليت‪ ،‬واختبا ُر‬ ‫معه إىل أن «أدونيس مرشوع‬

‫‪104‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫أدونيس حين يترجل‬

‫لوحات ألدونيس‬

‫قيمة الحضور عرب إشاعة الغياب‪ ،‬وصو ٌن للسرية الشعرية‬ ‫من نذُر االبتذال‪.‬‬ ‫يشري إدوارد سعيد يف «متثيالت املثقف» إىل أن ��ملثقفني‬ ‫هم «أفراد ينطوون عىل موهبة فن التمثيل» وأدونيس‬ ‫املثقف والشاعر ‪ -‬عىل هذا ال ّنحو ‪ -‬ال ميثِّل فقط وإمنا‬ ‫يبدع يف أداء أدواره‪ ،‬بل قد يبالغ أحياناً كثرية يف الخروج‬ ‫عىل ال ّنصوص والسيناريوهات الجاهزة‪ ،‬كام حصل يف‬ ‫إعالن اعتزاله الذي ال يبدو أكرث من فقاعة‪ ،‬وأنه بُني‬ ‫حتامً عىل ٍ‬ ‫قصد زائف ال مبحض الصدفة الفارزة‪ ،‬فالقارئ‬ ‫الجيد والجاد ملنجز أدونيس بشقيه‪ :‬الشعري والتنظريي‬ ‫ظل‬ ‫يدرك إىل أي درج ٍة ناقض نفسه‪ ،‬ونسف بالضبط ما ّ‬ ‫يعمل عليه ويحفر بغية تأصيله عىل مدى عقود من‬ ‫ويساجل من أجله بصورة قاطعة‪ ،‬كتأكيده يف‬ ‫ُ‬ ‫ال ّزمن‪،‬‬ ‫بيان الحداثة مثالً عىل أ ّن «الشعر تحديدا أزمة‪ .‬فهو دامئاً‬ ‫جدل‪ ،‬رصاع بني الشاعر ونفسه‪ ،‬بينه وبني اللغة‪ ،‬بينه‬ ‫وبني األشياء»‪ .‬فهل هذا هو حال أدونيس اآلن؟! إذا كان‬ ‫صاحب «الثابت واملتحول» قد اعتزل كتابة الشعر حقاً‪،‬‬ ‫ماذا نسمي بعض نصوصه ومقطعاته التي يالمس بعضها‬ ‫«الكتابة الشعرية نرثا ً» وما زال حريصاً ومواظباً عىل‬

‫نرشها من حني إىل آخر يف جريدة «الحياة» تحت زاوية‬ ‫«مدارات» بعد ذلك التاريخ‪ ،‬أي بعد تاريخ إعالنه اعتزال‬ ‫كتابة الشعر‪ ،‬مثل قوله يف إحداها «ما أفق َر الضو َء الذي‬ ‫يضيئنا‪ ،‬اليوم‪ :‬ت َرف َْق به أيها العراء» «‪ ٢٨‬يونيو ‪ ،»٢٠١٢‬بل‬ ‫ذهب أبعد من ذلك‪ ،‬فنرش مقاطع شعرية موزونة‪ ،‬من‬ ‫صوب‪ /،‬ويُف ّرخ‬ ‫قبيل «إ َن لل ّده ِر ثلجاً‪ /‬يتساق ُط من ّ‬ ‫كل ٍ‬ ‫تس ْل‪ ،‬ال يه ّم‬ ‫ْ‪/.‬ال‬ ‫د‬ ‫ُر‬ ‫كل حقلٍ ‪ :‬سوا ٌء‪ /‬إ ْن أردْتَ ‪ ،‬وإ ْن مل ت‬ ‫يف ّ‬ ‫َ‬ ‫سؤال َُك‪ :‬من أين يأيت‪ /،‬إىل أين يمَ يض؟» «‪٣‬مايو ‪.»٢٠١٢‬‬ ‫باملحصلة إىل استخدام «تقية شعرية»‬ ‫مل يلجأ أدونيس‬ ‫ّ‬ ‫جديدة‪ ،‬وال أجد تربيرا ً لـ«شبهة» تر ّجله عن صهوة الكتابة‬ ‫الشعرية سوى أنه أعلن ببساطة عن «نيته» ال «قراره»‬ ‫اعتزال الشعر‪ ،‬والفرق بينهام شاسع ال ريب‪ ،‬فيام يخ ّيل‬ ‫إ َّيل أ ّن التأويالت مل تعد مفتوحة عىل وسعها كام يف‬ ‫السابق‪ ،‬ومل يعد ال ّرهان كذلك قامئاً عىل نوايا أو حتى‬ ‫جل ما أخشاه أن يتطاول‬ ‫قرارات أدونيسية جديدة‪ ،‬لكن ّ‬ ‫فعل أدونيس «االعتزايل» مع مرور الزمن ويتحول إىل‬ ‫أمثولة أو قيمة مطلقة يقتدي بها الشعراء ويسريون عىل‬ ‫منوالها‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪105‬‬


‫خارج السرب‬

‫سركون بولص في سان فرانسيسكو‬

‫الباحث عن ذهب الشعر‬

‫ً‬ ‫متخففا من كل شيء إال من‬ ‫سان فرانسيسكو هي المدينة التي ذهب إليها الشاعر العراقي سركون بولص‬ ‫حياته التي وضعها بعناية كبيرة على الورق‪ .‬هذه المدينة هي الورشة الكبيرة التي كان يشتغل فيها على‬ ‫ً‬ ‫قريبا من كبار شعراء أمريكا‪.‬‬ ‫قصائده‪ .‬وعاش حياته وشعره فيها‬

‫عبد الرحيم الخصار‬

‫‪106‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫سركون بولص‬

‫حني‬

‫جلست بعد ساعات من التجوال عىل كريس‬ ‫ُ‬ ‫يف مقهى «أمبوريورويل» بساحة «يونيون‬ ‫سكوير»‪ ،‬ناظرا ً جهة هذه البناية املذهلة لفندق «سان‬ ‫فرانسيس»‪ ،‬حيث الحامم يطري من مكان آلخر باحثاً عام‬ ‫أدركت أول األسباب التي‬ ‫تبقى من حلوى عىل الطاوالت‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫قدمي رسكون بولص تعلقان برشاك هذه املدينة‬ ‫جعلت‬ ‫ْ‬ ‫طوال هذه السنوات‪.‬‬ ‫‪    ‬إنها الحرية‪ ،‬سان فرانسيسكو مدينة الحرية بشكل‬ ‫مذهل‪ ،‬أكرث مدن أمريكا تحررا ً وانفتاحاً وتسامحاً مع‬ ‫اآلخر ومع ما يريده ويحلم به‪ ،‬وهذه الحرية هي ما‬ ‫يجعل األدب والفن ينموان ويتسامقان متاماً مثل أشجار‬ ‫السكويا العمالقة التي ال مكان لها إال يف كاليفورنيا‪ ،‬يقول‬ ‫يف حوار مع مارغريت أوبانك‪« :‬سان فرانسيسكو مركز‬ ‫اإلبداع يف أمريكا‪ ،‬بل مركز أمريكا»‪.‬‬ ‫لعله جلس هنا مرارا ً ورفع عينيه إىل متثال النرص العايل‬ ‫الذي يتوسط الساحة‪ ،‬متحسساً ما يحمله يف جيوبه من‬ ‫هزائم ومن حنني وقصائد كانت تسري معه حيثام سار يف‬ ‫شوارع وأحياء هذه املدينة هو القادم إليها من كركوك‬ ‫الضاربة يف التاريخ ويف املعارك أيضاً‪:‬‬ ‫«كريس ج ّدي ما ز َال يهت ّز عيل‬ ‫ّ‬ ‫أسوار أوروك‬ ‫تحتَـ ُه يعبرُ ُ النهر‪ ،‬يتقـل ُّب في ِه‬ ‫األحيا ُء واملوىت»‪.‬‬ ‫هذه هي سان فرانسيسكو املدينة التي هدأت بعد تاريخ‬ ‫من الزالزل‪ ،‬كتب عنها رسكون قبل أن يصل إليها يف أواخر‬ ‫الستينيات‪ ،‬وحني وصل إليها وجدها شبيهة مبا تخيله‬ ‫وتصوره عنها آنذاك‪ :‬املوسيقى يف كل مكان‪ ،‬القصائد‬ ‫املتمردة‪ ،‬الياقات العريضة والشعر الطويل واملالبس التي‬ ‫يحركها الهواء مثل رايات تدل عىل الزمان‪ ،‬زمان الهيبيني‬ ‫بأحالمهم وجنونهم‪ ،‬أولئك الذين انضم إليهم ورقص‬ ‫معهم عىل أغاين بوب دايلن‪ .‬رمبا تغريت املدينة اآلن‬ ‫مثلام تغريت معظم مدن العامل‪ ،‬األجيال التي عاش معها‬ ‫باألبيض واألسود ليست هي األجيال التي تدب اآلن يف‬ ‫شوارع املدينة وأحيائها‪ ،‬عرب جرس البوابة الذهبية أو يف‬ ‫حافالت الكابل أو مشياً عىل األقدام يف «توين بيكس» ويف‬

‫شارع «ملباردو» املتعرج بشكل غريب والفت‪.‬‬

‫ذهب الشعر‬

‫هذا هو حي «فلمور» الذي كتب عنه يف «حانة الكلب»‬ ‫يف منتصف السبعينيات‪ ،‬لكني ال أعرف أين يوجد دكان‬ ‫صديقه الفلسطيني املسيج بالقضبان‪ ،‬أال يزال حياً؟‬ ‫أال يزال دكانه مسيجاً منذ ذلك العهد؟ «فلمور» يضج‬ ‫بالزنوج والجاز وباآلسيويني الذين تجدهم يف كل مكان‪،‬‬ ‫جاء بهم الذهب حني تم اكتشافه هنا يف منتصف القرن‬ ‫التاسع عرش‪ .‬الحي الصيني أو البلدة الصينية عىل األرجح‬ ‫هي أكرب تجمع آسيوي ليس يف سان فرانسيسكو فحسب‪،‬‬ ‫بل يف أمريكا برمتها‪ ،‬فعدد سكانها يتجاوز هنا املائة ألف‪.‬‬ ‫عىل مقربة من هذه العيون الضيقة استأجر رسكون غرفة‬ ‫رخيصة يف أول عهده باملدينة التي وصل إليها هارباً من‬ ‫ناطحات السحاب يف نيويورك ومن حياتها التي بدت له‬ ‫حياة غري شعرية‪.‬‬ ‫‪    ‬الالتينيون أيضاً يعيشون هنا خصوصاً املنحدرين من‬ ‫املكسيك التي ال يفصلها عن سان فرانسيسكو سوى‬ ‫التحليق لفرتة قصرية فوق املحيط الهادئ‪ .‬مل يكن يف‬ ‫سان فرانسيسكو قبل ‪ 1848‬سوى ألف من الساكنة‪ ،‬لكن‬ ‫هذا العدد سيتضاعف عرشات املرات بدءا ً من العام‬ ‫املوايل مبارشة بعد اكتشاف الذهب‪ ،‬وهؤالء الصينيون‬ ‫واليابانيون والالتينيون واألوروبيون بطبيعة الحال جاء‬

‫سان فرانسيسكو المدينة‬ ‫التي كتب عنها سركون‬ ‫قبل أن يأتي إليها في أواخر‬ ‫الستينيات‪ ،‬وحين وصلها‬ ‫وجدها شبيهة بما تخيله‬ ‫وتصوره عنها آنذاك‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪107‬‬


‫خارج السرب‬

‫جاك كريواك‬

‫ألن غينسبريغ‬

‫أجدادهم إىل هنا من أجل الذهب‪ ،‬لكن رسكون بولص‬ ‫جاء به ذهب آخر‪ ،‬إنه الشعر‪.‬‬ ‫‪    ‬يوسف الخال الذي قال له «مكانك يا رسكون يف‬ ‫بريوت» هو الذي سيساعده حتى يصري له مكان آخر يف‬ ‫أمريكا‪ ،‬يف نيويورك أوالً‪ ،‬ثم يف سان فرانسيسكو‪ ،‬بعد أن‬ ‫حجزت له إيتيل عدنان التي كانت تقيم بسان رفائيل يف‬ ‫كاليفورنيا تذكرة الطائرة من نيويورك إىل مدينة الذهب‪:‬‬

‫«طوال سنوات‪ ،‬تجرين اليقظة من ثيايب‬ ‫إىل أماكن مل يرها أحد‬ ‫إال نامئاً او مخموراً‬ ‫أكتب باليد التي هجرتني‬ ‫وليك أرى هذا املصباح الذي وجدته‬ ‫مليئاً بالرمل يف إحدى أصعب رحاليت‬ ‫ييضء حتى مرة واحدة»‪.‬‬

‫وعرب هذه البوابة ذات السقوف الخرضاء التي يعلوها‬ ‫تنينان وسمكتان كان «حامل الفانوس يف ليل الذئاب»‬ ‫مير يومياً خارجاً من غرفته بالفندق عابرا ً البلدة الصينية‬ ‫باتجاه «سيتي اليتس» منجم الذهب الخاص به‪ .‬حني‬ ‫تجتاز الدرجات الثالث للبوابة سواء من ناحية اليمني أو‬ ‫اليسار أوعرب الشارع الذي يتوسط الطرفني ستجد نفسك‬ ‫تحت الرايات الحمراء وبني «األنتيكيات املزيفة» كام‬ ‫سامها رسكون‪ ،‬لكن وسط عامل يضج بالحياة والحركة‬ ‫واألصوات والروائح وبكل السحر الذي ميأل سامء الرشق‬ ‫األقىص‪ ،‬وهناك كان يتناول الطعام الذي يخيل آلكله أنه‬ ‫– عىل حد تعبريه‪ -‬يشارك يف مأدبة جديرة باآللهة‪.‬‬ ‫‪    ‬يرتك الصينيني خلفه متجهاً إىل «أضواء املدينة» حيث‬

‫‪108‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫سيلتقي عىل مدار سنوات يف هذه املكتبة الرائدة بأولئك‬ ‫الذين كانوا مبثابة املغناطيس الروحي الذي جذبه من‬ ‫كركوك إىل «الساحل الشاميل» تحديدا ً حيث تشكل هذه‬ ‫املكتبة زاوية مهمة ليس يف شارع كوملبوس فحسب‪ ،‬بل‬ ‫يف جغرافية األدب األمرييك عموماً‪ :‬ألن غينسربغ‪ ،‬جاك‬ ‫كريواك‪ ،‬بوب كوفامن‪ ،‬غريغوري كورسو‪ ،‬غريي سنايدر‬ ‫وغريهم‪ ،‬إضافة بطبيعة الحال إىل لورنس فريلنغيتي‬ ‫مالك الـ «سيتي اليتس»‪ .‬هنا يف الطابق الثاين ويف «غرفة‬ ‫الشعر» تحديدا ً قدم له زعيم «البيت» ألن غينسربغ يف‬ ‫أول لقاء به قصيدته الشهرية «عواء» وقد أسعده كثريا ً أن‬ ‫هذا الشاب اآلشوري ترجم له من قبل نصوصاً أخرى‪.‬‬ ‫هذا هو الحيز الخاص بأدب «البيت»‪ ،‬مل يتغري منذ ذلك‬ ‫التاريخ‪ ،‬فقط الطبعات تتجدد عاماً بعد عام‪ ،‬ومن هذا‬ ‫الرف أخذ غينسربغ قصيدته «عواء» وقدمها لرسكون‬ ‫الذي استغرق وقتاً طويالً يف ترجمتها‪ ،‬نظرا ً لتشابكها‬ ‫املركب مع املكان ومع حياة وتصورات «جيل البيت»‪ ،‬‬ ‫وهذا النوع من النصوص ال ينقله إىل لغة أخرى إال من‬

‫كان سركون يرى أن سان‬ ‫فرانسيسكو جمعت في‬ ‫تركيبتها بين باريس وبرلين‬ ‫ولندن وروما والصين أيضا‪،‬‬ ‫وأن كتابها حقيقيون‬


‫‪‎‬كتاب البيث امام الستي اليتس‬

‫عاش قريباً من السياق الذي أُنتج فيه‪ ،‬رسكون مل يكن‬ ‫قريباً فحسب‪ ،‬بل كان داخل الدائرة‪.‬‬ ‫كانت الـ «سيتي اليتس» هي اإلقامة الحقيقية لرسكون‪،‬‬ ‫غيرّ مكان سكنه مرارا ً‪ ،‬لكنه كان ساكناً عىل مدار سنواته‬ ‫هناك يف الطوابق الثالثة لهذه املكتبة‪ ،‬ويف معظم الوقت‬ ‫يف «غرفة الشعر»‪ ،‬حيث ميكن ألي زائر أن يختار كرسياً‬ ‫ويفتح أي كتاب يشاء ويجلس هناك برفقته من دون أن‬ ‫يقول له أحد «يمُ نع أن تقرأ الكتب»‪ ،‬فهذه املكتبة التي‬ ‫ارتبطت بكتّاب «البيت» مثلام ارتبطوا بها تطبع الكتب‬ ‫وتبيعها وتتيح أيضاً للجميع قراءتها باملجان‪.‬‬ ‫‪    ‬كان يخرج من الـ «سيتي اليتس» ويتحرك بضعة‬ ‫أمتار قليلة جهة اليمني حيث مرشب «فيزوفيو» الذي‬ ‫كان املكان األثري لشعراء «البيت» ومحبيهم‪ ،‬كان أيضاً‬ ‫مبثابة مضافة ألصدقائهم الكتاب اآلخرين القادمني من‬ ‫سألت النادل الذي يبدو أنه‬ ‫داخل ومن خارج أمريكا‪ُ .‬‬ ‫تجاوز عقده الخامس عن مكانني فدلني عليهام‪ :‬كريس‪ ‬‬ ‫كريواك وطاولة كوفامن حيث كان يجلس صامتاً حزناً عىل‬ ‫اغتيال كنيدي وطالباً من رسكون أن يضع قطعة نقدية يف‬ ‫«الجوك بوكس» ليسمع املوسيقى‪ .‬رمبا يكون هذا النادل‬ ‫قد عاش زمن «البيت»‪ ،‬ورمبا يكون قد سمع عنه من‬ ‫أسالفه هنا‪ ،‬فحكايات كريواك وغينسربغ واآلخرين صارت‬ ‫متداولة ومعروفة لدى سكان سان فرانسيسكو وتحديدا ً‬ ‫لدى رواد شارع كولومبوس‪.‬‬

‫حياة يف سفينة مهجورة‬

‫وإضافة إىل شعراء «البيت» كان بولص يرتدد عىل رمز‬

‫آخر يُنظر إليه باحرتام كبري هنا‪ ،‬إنه رائد نهضة سان‬ ‫فرانسيسكو كينيث ريكرسوت‪ ،‬الشاعر والكاتب الذي قال‬ ‫عنه‪« :‬لقد كان عبقرياً ورجل معرفة بامتياز»‪.‬‬ ‫كان رسكون يرى أن سان فرانسيسكو جمعت يف تركيبتها‬ ‫بني باريس وبرلني ولندن وروما والصني أيضا‪ ،‬وأن كتابها‬ ‫حقيقيون وليسوا مثل كتاب نيويورك‪ ،‬وأن هواءها‬ ‫يختلف عن هواء املدن األخرى‪ ،‬فهنا ميكنك أن تتنسم‬ ‫حريتك بجرعات أكرب‪ .‬هذا هو حي الـ «هايث أشبوري»‬ ‫الذي عرف أكرب موجات الهيبزم حيث كان بإمكان الفرد‬ ‫أن يفعل ما يشاء يف أي وقت يشاء وبأي شكل يشاء‪ ،‬ال‬ ‫زالت رسوم الهيبيني متأل جدران الحي‪ ،‬هذه الفتاة التي‬ ‫تتدىل من شعرها األحمر الثعابني منذ عهد بعيد عىل هذا‬ ‫الجدار املقابل للشارع فمها مفتوح بشكل مخمور كأنها ال‬ ‫تزال منتشية بتلك الذكريات القدمية التي كان الـ «هايث‬ ‫أشبوري» مرسحا لها‪ ،‬ال زال الهيبيون يفدون إىل هذا‬ ‫الحي من داخل وخارج أمريكا ويجلسون عىل األرصفة‬ ‫ويف املقاهي بقيثاراتهم مستعيدين صور أسالفهم الذين‬ ‫مألوا املكان بأغانيهم وبفوضاهم أيضا خالل الستينيات‬ ‫والسبعينيات‪ .‬مل تكن الهيبيز هنا مجرد قرط يف األذن أو‬ ‫شعر مسدول أو سحابة ماريخوانا أو قيثارة عىل الظهر‪،‬‬ ‫كانت فلسفة حياة تلتقي فيها الفكرة بالشكل وبالشعر‬ ‫واملوسيقى والجنون‪.‬‬ ‫هذه هي مقهى «بوينا فيزتا» التي متر أمامها حافالت‬ ‫الكابل الفريدة‪ ،‬ومن هنا رأى رسكون جزيرة «ألكرتاس»‬ ‫التي ذهب إليها الحقاً مع إيتيل عدنان ومع الهنود‬ ‫رفقة «فالو» الفتاة ذات الضفرية الطويلة التي كتب عنها‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪109‬‬


‫خارج السرب‬

‫قصيدته «قارب إىل الكرتاس»‪ .‬كانت هذه الجزيرة سجناً‬ ‫فدرالياً ألكرب وأخطر املجرمني‪ ،‬وصارت منذ ‪ 1963‬مزارا ً‬ ‫سياحياً يعرب إليه الزوار عرب املراكب‪ ،‬ويجب عليك إذا‬ ‫أردت الذهاب للكرتاس أن تحجز تذكرتك قبل أيام‪.‬‬ ‫ذهب رسكون عرب القوارب إىل ألكرتاس مع الهنود يف‬ ‫تظاهرة من أجل أن تكون هذه الجزيرة ملكا لهم‪ ،‬ال‬ ‫ألحد آخر‪.‬‬ ‫من هذا املرتفع يبدو جرس الباي الذي يربط سان‬ ‫فرانسيسكو بأوكالند ومن ثم بربكيل‪ ،‬املدينة التي سار‬ ‫فيها رسكون مع الطالب املناهضني للحرب عىل الفيتنام‪،‬‬ ‫ومن ثم عقد صداقته مع الهيبيني الذين أخذوه معهم إىل‬ ‫حيث يعيشون قريباً من سوساليتو‪ ،‬وعاش معهم لفرتة يف‬ ‫سفينة مهجورة‪.‬‬ ‫عرب هذه الشوارع واألحياء وسط من يسميهم «جيش‬ ‫املستهلكني» كان يجول متعقباً قصيدته‪ ،‬باحثاً عن‬ ‫سيدوري التي سامها «ربة الظروف العارية»‪:‬‬

‫«أنت‬ ‫هذه الغنيمة التي ُ‬ ‫عدت بها‬ ‫من أسفاري املتقطعة‬ ‫وثني املرسوق من غابة الربابرة»‪.‬‬

‫أسئلة كثرية طرحها رسكون هنا حول الشعر الذي يحلم‬ ‫به والذي ذهب إليه متخففا من كل يشء إال من حياته‬ ‫التي وضعها بعناية كبرية عىل الورق‪ .‬هذه املدينة هي‬ ‫الورشة الكبرية التي كان يشتغل فيها عىل قصائده‪ ،‬لست‬ ‫أدري متى كان يكتبها‪ ،‬الراجح أنه كان يختار الليل‪ ،‬ذلك‬ ‫ما تقوله كلامته‪:‬‬

‫«يف الليل وحده أستطيع أن أنادي‬ ‫من أريد ُه أن ُيناد َمني‪ ،‬إىل هذه املأدبة الصغرية يف َعراء‬ ‫أ ّيامي»‪.‬‬ ‫رمبا كان ينادي كلامته فحسب‪ ،‬فهي النديم الذي يجعله‬ ‫أكرث تيهاناً يف ممراته ومعابره امللتوية واملخمورة‪ ،‬رمبا‬ ‫يف نصه «تحوالت الرجل العادي» يبدو الجواب مغلفا‬ ‫باستعارة‪:‬‬

‫«أنا يف النهار رجل عادي‬ ‫يؤدي واجباته العادية من دون أن يشتيك‬

‫‪110‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫كأي خروف يف القطيع لكنني يف الليل‬ ‫نرس يعتيل الهضبة‬ ‫وفريستي ترتاح تحت مخالبي»‪.‬‬

‫يف «عظمة أخرى لكلب القبيلة» يأيت الجواب‬ ‫كل ليلة»‪.‬‬ ‫واضحاً‪«  :‬أسه ُر يف قصيديت حتى الفجر‪َّ ،‬‬ ‫يف الليل إذا ً‪ ،‬يف ليل هذه املدينة كتب الكثري‪ ،‬الكثري من‬ ‫كلامته القليلة‪ ،‬بعد كركوك وبغداد وبريوت‪ ،‬وقبل لندن‬ ‫وبرلني‪ .‬هذه هي املدينة التي سحرت رسكون بولص‪ ،‬ال‬ ‫زال الشعر يرسي يف هوائها عاقدا ً صداقته األبدية مع‬ ‫املوسيقى‪ ،‬كأن رسكون مل ميت‪ ،‬كأنه ال زال هناك نامئاً يف‬ ‫مركب نوح أو جالساً‪  ‬يف فيزوفيو يسمع أغاين البيتلز‪،‬‬ ‫ويفكر يف قصيدة جديدة‪ ،‬كأنه ال زال يجوب بسيارته‬ ‫الكابريس ليل كاليفورنيا ونهارها‪ ،‬ويقف يف شارع‬ ‫الـ«كامينوريال» الذي عربه كهنة املكسيك فيام مىض‬ ‫مشدودا ً إىل تلك اليافطة التي جعلته يعود إىل الشعر‪،‬‬ ‫اليافطة التي كتب عليها بخط واضح «حانة الكلب»‪.‬‬ ‫وكأنني كنت برفقته من حديقة البوابة الذهبية إىل‬ ‫الجرس األحمر‪.‬‬ ‫ترك رسكون هذه املدينة يف السنوات األخرية من حياته‪،‬‬ ‫سان فرانسيسكو التي كان يقول بأنه مل يشعر فيها بامللل‬ ‫ولو لدقيقة واحدة‪ ،‬لكنه غادرها باتجاه آخر مقتفياً أثر‬ ‫الحياة‪ ،‬طريدت َه التي مل يكن القبض عليها أمرا ً ممكناً عىل‬ ‫ما يبدو‪:‬‬

‫«ال مكان يحلم بوصويل‬ ‫والحيا ُة‬ ‫طريديت الخائفة»‪.‬‬

‫غادر سان فرانسيسكو ألن سؤاالً سرين يف داخله‪،‬‬ ‫وسيطرحه يف آخر كتاب له‪:‬‬

‫«أينها؟ أين أمريكا التي ُ‬ ‫عربت البحر آلتيها‪ ،‬أنا الحامل؟‬ ‫هل ستبقى أمريكا ويتامن حرباً عىل ورق؟»‬

‫يل أن أعود من حيث أتيت‪ ،‬لكن‬ ‫انتهت أيامي هنا وع ّ‬ ‫خطوايت ستبقى هناك تتعقب شاعرا ً كان يرى أن البضاعة‬ ‫الوحيدة التي تشبه الذهب هي الطريق‪ .‬أعود ويف داخيل‬ ‫ترتدد جملته التي تشبهه‪« :‬خطانا دلتنا إىل الباب لكن‬ ‫أقدامنا ظلت تسري»‬


‫مختارات‬

‫قصائد‬

‫ثيسار باييخو‬ ‫اختارها وترجمها عن اإلسبانية‪ :‬أحمد يماني‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪111‬‬


‫مختارات‬

‫ثيسار باييخو أحد أكرث الشعراء تفردا ً وتجديدا ً يف الشعر اإلسباين والعاملي يف القرن العرشين‪ ،‬يتميز شعره بنربة‬ ‫شخصية تصل إىل مستوى جمعي يف تضامن مع األمل اإلنساين واالنشغال العام بالهم السيايس‪ ،‬مبتعدا ً بهذا عن الثنائيات‬ ‫الساذجة التي تفصل االنهامم الشخيص عن الجامعي وتسعى للتفريق بني الشاعر العام والخاص‪ ،‬ينتظم كل هذا يف‬ ‫لغة مفتوحة عىل جميع الرخص والحريات وعىل جامليات متتح من كل ما يتوافر أمامها وال شك أن باييخو من أصعب‬ ‫الشعراء يف اللغة اإلسبانية فقد شق لنفسه طريقة يف األداء اللغوي تبدو عصية عىل التلقي العادي لها‪ ،‬ومن هنا نرى‬ ‫كرثة الرشوحات والتأويالت واالختالفات الهائلة يف فهم وتفسري جمله املتواترة يف شكل سحري رمبا‪ ،‬فاملفردة بالنسبة له‬ ‫تحمل قوة غامضة يف ذاتها وال يتواىن عن تكسري التسلسل املنطقي للزمن الفعيل والزمن النحوي‪.‬‬ ‫ولد يف سانتياجو دي تشوكو «بريو» عام ‪ 1892‬وتويف يف باريس عام ‪ .1938‬كان األصغر بني إخوته األحد عرش‪ ،‬وقد‬ ‫فكرت عائلته أن توجهه ناحية السلك الكهنويت‪ ،‬وقد يفرس هذا الحضور الوافر يف شعره للمفردات اإلنجيلية والدينية‬ ‫وانهاممه مبعالجة مسألة الحياة واملوت والتي تحمل بال شك خلفية دينية عميقة‪.‬‬ ‫بدأ عام ‪ 1915‬دراسة الفلسفة واآلداب يف جامعة تروخيّو ودراسة القانون يف جامعة سان ماركوسل يف ليام‪ ،‬لكنه هجر‬ ‫الدراسة يك يعمل بالتدريس‪.‬‬ ‫نرش كتابه الشعري األول «ال ّنذر السود» عام ‪ 1918‬ويرى فيه بوضوح التأثريات الحداثية وخاصة تأثري «خوليو إيريرا»‬ ‫و«روبني داريّو» و«ليبولدو لوغونيس»‪ ،‬عىل أن الكتاب كان أيضاً أساساً ملا سيكون عليه شعره بعد ذلك‪.‬‬ ‫يف عام ‪ 1920‬يتم اتهامه ظلامً بالرسقة وإشعال الحرائق خالل االنتفاضة الشعبية البريوفية ويحكم عليه بالسجن ملدة‬ ‫ثالثة شهور وهناك يكتب جزءا ً من كتابه الثاين «تريلثي» والذي نرش عام ‪.1922‬‬ ‫الرسام وال ّنحات اإلسباين‬ ‫انتقل إىل باريس عام ‪ 1923‬وهناك تعرف عىل الشاعر التشييل الكبري بيثنتي ويدوبرو وعىل ّ‬ ‫الشهري خوان غريس‪ ،‬وعمل بالصحافة كام أنشأ مجلة أدبية‪ .‬زار موسكو عدة مرات أعوام ‪ 1928‬و‪ 1929‬و‪1931‬‬ ‫وهناك التقى ماياكوفسيك‪ .‬سافر إىل إسبانيا حيث ظهرت الطبعة الثانية من «تريلثي» واستقر يف مدريد ملدة قليلة‬ ‫ونرش روايته االجتامعية «التنجسنت» «عنرص كيميايئ يستخدم يف صناعة األسالك املتوهجة» عام ‪ .1931‬انضم للحزب‬ ‫الشيوعي اإلسباين وعاد إىل باريس حيث عاش يف الخفاء‪ ،‬وعندما اندلعت الحرب األهلية اإلسبانية قام بتجميع األموال‬ ‫يف باريس من أجل الجمهوريني ومات قبل نهاية الحرب يف أشد الظروف معاناة وصعوبة‪.‬‬ ‫بعد وفاته قامت زوجته الكاتبة الفرنسية جورجيت بتجميع قصائده وقد لعبت دورا ً يف منتهى األهمية يف الحفاظ عىل‬ ‫تراث باييخو ونرش كتابه «قصائد إنسانية» بعد وفاته عام ‪ 1939‬ثم كتابه الشعري اآلخر «إسبانيا‪ ،‬أبعدي هذه الكأس‬ ‫عني» عام ‪.1940‬‬ ‫بقي أن نشري إىل معنى كلمة «تريلثي» وهو عنوان الديوان الثاين للشاعر‪ ،‬ويف الحقيقة مثة عدة نظريات تتناول األمر‬ ‫ولعل أقربها التأويل القائل إن الكلمة تتألف من كلمتني هام ‪ Triste‬مبعنى حزين و‪ Dulce‬مبعنى عذب‪ ،‬عىل أن‬ ‫باييخو نفسه يقول يف إحدى املقابالت معه إن الكلمة ال تعني شيئاً‪ ،‬لقد أراد وضع عنوان مناسب لكتابه وملا مل يجد أي‬ ‫عنوان مالئم قام باخرتاع هذه الكلمة‪.‬‬ ‫‪112‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الشاعر ثيسار باييخو‬

‫تريلثي‬

‫ماذا يسمى عندما يجرحنا؟‬ ‫يسمى «لوميسمو» الذي يعاين‬ ‫اسم اسم اسم اسم‪.‬‬

‫‪1‬‬

‫‏‬

‫من يحدث الكثري من الجلبة وال يرتك أية شهادة‬ ‫عىل الجزر التي تأخذ يف التبقي‪.‬‬ ‫قليل من االعتبار أكرث‬ ‫حاملا يكون الوقت متأخراً‪ ،‬مبكرا‪ً،‬‬ ‫ويعيرّ أفضل‬ ‫سامد الطيور‪ ،‬النتانة البسيطة الغائطية‬ ‫التي ترشب النخب من دون قصد‪،‬‬ ‫يف القلب الجزيري‪،‬‬ ‫قطرس أجاج‪ ،‬يف كل وابل من البزقات‪.‬‬ ‫قليل من االعتبار أكرث‪،‬‬ ‫والسامد العضوي السائل‪ ،‬يف السادسة مساء‬ ‫من أكرث االنخفاضات النغمية غطرسة‬ ‫وشبه الجزيرة تقف‬ ‫عرب الظهر‪ ،‬مكممة‪ ،‬غري عابئة‬ ‫يف الخط القاتل للتوازن‪.‬‬ ‫‏‬

‫‪2‬‬

‫وقت وقت‪.‬‬ ‫ظهرية آسنة بني الطل‪ّ.‬‬ ‫قنبلة ضجرة من املعسكر تقتل‬ ‫وقت وق�� وقت وقت‪.‬‬ ‫كان كان‪.‬‬ ‫ديوك تصيح وتنقب عبثا‪ً.‬‬ ‫فم النهار املرشق الذي يوحد‪.‬‬ ‫كان كان كان كان‪.‬‬ ‫الغد الغد‬ ‫الراحة الساخنة ال تزال كائنة‬ ‫يفكر الحارض يف إبقايئ إىل‬ ‫الغد الغد الغد الغد‪.‬‬ ‫اسم اسم‪.‬‬

‫‪3‬‬

‫‏‬

‫األشخاص الكبار‬ ‫يف أية ساعة يعودون؟‬ ‫يدق سانتياجو األعمى الساعة السادسة‬ ‫وها هي قد أظلمت متاماً‪.‬‬ ‫قالت أمي إنها لن تتأخر‪.‬‬ ‫أجيديتا‪ ،‬ناتيبا‪ ،‬ميجيل‪،‬‬ ‫حذار من الذهاب إىل هناك‪ ،‬حيث‬ ‫مرت لتوها مغمغمة ذكرياتها‬ ‫أحزان متضاعفة‬ ‫إىل الحظرية الهادئة‪ ،‬وحيث‬ ‫الدجاجات التي فزعت كثرياً‬ ‫ال تزال تغفو‪.‬‬ ‫األفضل أن نبقى هنا ال غري‪.‬‬ ‫قالت أمي إنها لن تتأخر‪.‬‬ ‫هيا لنبتعد عن األمل‪ .‬لرنى‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪113‬‬


‫مختارات‬

‫املراكب‪ ،‬مركبي هو األجمل بني الجميع!‬ ‫نلعب بها طوال النهار‪،‬‬ ‫من دون أن نتعارك‪ ،‬كام يجب أن يحدث؛‬ ‫لقد بقيت يف برئ املاء‪ ،‬جاهزة‪،‬‬ ‫محملة بالحلوى من أجل الغد‪.‬‬ ‫لننتظر هكذا‪ ،‬طائعني‪،‬‬ ‫دون حل آخر‪،‬‬ ‫عودة الكبار وترضيتهم‬ ‫هم من يف املقدمة دامئاً‬ ‫تاركيننا نحن الصغار يف البيت‬ ‫كام لو أننا أيضاً‬ ‫ال ميكننا الذهاب‪.‬‬ ‫أجيديتا‪ ،‬ناتيبا‪ ،‬ميجيل‪،‬‬ ‫إنني أنادي‪ ،‬أتحسس يف الظالم‪.‬‬ ‫ال ترتكوين وحدي‪،‬‬ ‫وأكون أنا الحبيس الوحيد‪.‬‬

‫‏‪4‬‬ ‫‏‬

‫عىل حافة قرب مزهر‪،‬‬ ‫متر مرميتان وهام تبكيان‪،‬‬ ‫تبكيان بحوراً‪.‬‬ ‫نعامة الذكرى املنتوفة‬ ‫متد ريشتها األخرية‪،‬‬ ‫ومعها يد بطرس الرافضة‬ ‫تنقش بها يوم أحد شعانني‬ ‫رنني مآتم وأحجار‪.‬‬ ‫عىل حافة قرب منبوش‬ ‫تبتعد مرميتان وهام تغنيان‪.‬‬ ‫يوم االثنني‪.‬‬

‫‏‬

‫‪114‬‬

‫‪5‬‬

‫تغديت اآلن وحيداً‪،‬‬ ‫بال أم وال توسل‪،‬‬ ‫بال «اخدم نفسك»‪ ،‬بال ماء‪،‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫بال أب‪ ،‬يف الصالة الرثثارة لتناول الذرة‪،‬‬ ‫يسأل‬ ‫عن األزرار الكبرية للصوت‬ ‫يف تأخر صورة األم‬ ‫كيف يل أن أتغدى‪.‬‬ ‫كيف يل أن أصب يف أطباق كهذه‬ ‫تلك األشياء‪،‬‬ ‫بينام البيت نفسه انهدم‪،‬‬ ‫بينام ال تطل أم من الشفتني‪.‬‬ ‫كيف يل أن أتغدى هذه التوافه‪.‬‬ ‫عىل مائدة صديق طيب‬ ‫تغديت ووالده القادم لتوه من العامل‪،‬‬ ‫مع عمتني شائبتني‬ ‫تتحدثان يف صبغتهام الشهباء الخزفية‬ ‫مغمغمتني بكل تجاويفهام املرتملة؛‬ ‫وبأدوات مائدة سخية ذات رنني مرح؛‬ ‫ألنهام يف بيتهام‪ .‬هكذا‪ ،‬يا للطافة!‬


‫الشاعر ثيسار باييخو‬

‫وآملتني سكاكني هذه املائدة‬ ‫يف سقف حلقي بكامله‪.‬‬ ‫األكل عىل املوائد هذه هكذا‪،‬‬ ‫حيث يتم تذوق حب غريب بدل حبك نفسه‪،‬‬ ‫كل لقمة ال تقدمها األم تسقط أرضاً‪،‬‬ ‫البلع القايس يصبح خبطة؛‬ ‫الحلو مرارة؛‬ ‫القهوة زيت جنائزي‪.‬‬ ‫بينام البيت نفسه قد انهار‬ ‫و«اخدم نفسك» األمومية ال تخرج من القرب‪،‬‬ ‫واملطبخ يظلم ويخيم البؤس عىل الحب‪.‬‬ ‫عنف الساعات‬ ‫مات الجميع‪.‬‬ ‫ماتت دونيا أنطونيا‪ ،‬بصوتها األجش‪ ،‬من كانت تصنع‬ ‫خبزاً رخيصاً‬ ‫يف البلدة‪.‬‬ ‫مات القس سانتياجو‪،‬‬ ‫من كانت متتعه تحية الشبان والبنات له‪،‬‬ ‫مجيباً عىل الجميع‪ ،‬من دون متييز‪:‬‬ ‫صباح الخري خوسيه‪ ،‬صباح الخري مار ّيا!‬ ‫ماتت تلك الشابة الشقراء‪ ،‬كارلوتا‪،‬‬ ‫تاركة وراءها طف ًال له شهور‪،‬‬ ‫مات كذلك‪ ،‬بعد مثانية أيام من موت أمه‪.‬‬ ‫ماتت عمتي ألبينا‪،‬‬ ‫من اعتادت عىل التغني بأيام وعادات املزرعة‪،‬‬ ‫بينام كانت تحيك يف املمرات من أجل إيسيدورا‪،‬‬ ‫الخادمة املحرتفة واملرأة بالغة االستقامة‪.‬‬ ‫مات عجوز أعور‪ ،‬ال أذكر اسمه‪،‬‬

‫لكنه كان يغفو تحت شمس الصباح‪،‬‬ ‫جالساً أمام باب السمكري عىل الناصية‪.‬‬ ‫مات رايو‪،‬‬ ‫الكلب الذي كان يف طويل‪ ،‬بطلقة رصاص ال أحد يعرف‬ ‫من أطلقها‪.‬‬ ‫مات لوكاس‪ ،‬صهري يف سالم الخصور‪ ،‬من أتذكره حينام‬ ‫متطر وليس مثة أحد يف تجربتي‪.‬‬ ‫ماتت أمي مبسديس‪ ،‬أختي بقبضة يدي وأخي يف‬ ‫أحشايئ النازفة‪ ،‬الثالثة مشدودون لنوع حزين من‬ ‫الحزن‪ ،‬يف شهر أغسطس من سنوات متعاقبة‪.‬‬ ‫مات املوسيقار مينديث‪ ،‬الطويل والثمل متاماً‪ ،‬من كان‬ ‫يعزف عىل الكالرينيت أنغاماً سوداوية‪ ،‬عىل ألحانه‬ ‫كانت تنام دجاجات ح ّينا‪ ،‬قبل أن تغيب الشمس بكثري‪.‬‬ ‫ماتت أبديتي وها أنا ساهر عىل جثامنها‪.‬‬ ‫سوف أتحدث عن األمل‬ ‫أنا ال أعاين هذا األمل كثيسار باييخو‪ .‬أنا ال أتأمل اآلن‬ ‫كفنان‪ ،‬وال كإنسان‪ ،‬وال حتى ككائن حي‪.‬‬ ‫أنا ال أعاين هذا األمل ككاثولييك وال كمحمدي وال‬ ‫كملحد‪ .‬اليوم أعاين فقط‪.‬‬ ‫إذا مل تنادين باسم ثيسار باييخو فسوف أعاين أيضاً‬ ‫األمل نفسه‪ .‬لو مل أكن إنساناً أو حتى كائناً حياً‪ ،‬فسوف‬ ‫أعانيه أيضاً‪ .‬إذا مل أكن كاثوليكياً وال ملحداً وال محمدياً‬ ‫فسوف أعانية كذلك‪ .‬اليوم أعاين فقط‪.‬‬ ‫أتأمل اآلن بال تفسري‪ .‬إن أملي من العمق بحيث أنه ال‬ ‫سبب له كام أنه ال يخلو من األسباب‪.‬‬ ‫أي سبب يا ترى؟ أين هو ذلك األمر بالغ األهمية‬ ‫والذي مل يعد سبباً له؟‬ ‫ال يشء سبب له وال يشء متكن من أال يعد سبباً له‪.‬‬ ‫ملاذا ولد هذا األمل‪،‬‬ ‫أمن أجل نفسه؟ إن أملي من ريح الشامل ومن ريح‬ ‫الجنوب‪،‬‬ ‫كذلك البيض املحايد الذي تضعه بعض الطيور الغريبة‬ ‫يف الريح‪.‬‬ ‫لو ماتت حبيبتي فإن أملي سيكون نفسه‪ .‬لو قطعوا‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪115‬‬


‫مختارات‬

‫رقبتي من جذورها فإن أملي سيكون نفسه‪.‬‬ ‫لو أن الحياة كانت‪ ،‬يف نهاية األمر‪ ،‬بخالف ذلك فإن‬ ‫أملي سيكون نفسه‪.‬‬ ‫اليوم أعاين من األعىل‪ .‬اليوم أعاين فقط‪..‬‬ ‫أرى أمل الجائع وأفكر أن جوعه مييض بعيداً من معانايت‪،‬‬ ‫وأن ببقايئ صامئاً حتى املوت فإن غريسة من العشب‪،‬‬ ‫عىل األقل‪ ،‬ستطلع دوماً من مقربيت‪ .‬العاشق اليشء‬ ‫نفسه‪ .‬يالدمه الو ّالد‪ ،‬باملقارنة بدمي من دون مورد أو‬ ‫استهالك!‬ ‫كنت أظن حتى هذه اللحظة أن كل أشياء العامل كانت‪،‬‬ ‫بالرضورة‪ ،‬آباء وأبناء‪ .‬لكنني هنا وأملي يف هذا اليوم‬ ‫ليس أباً أو ابناً‪ .‬ينقصه َظهر يك يغرب بقدر ما يفيض‬ ‫عنه صدر يك يرشق ولو وضعوه يف املسافة املظلمة ملا‬ ‫أنار ولو وضعوه يف املسافة املنرية ملا ألقى ظ ًال‪ .‬اليوم‬ ‫أعاين‪ ،‬حدث ما حدث‪ .‬اليوم أعاين فقط‪.‬‬ ‫مل يعد أحد يعيش‪...‬‬ ‫مل يعد أحد يعيش يف البيت – تقولني يل‪-‬؛ رحل الجميع‪.‬‬ ‫تستلقي فارغة الصالة وغرفة النوم وال ِفناء‪ .‬مل يبق أحد‪،‬‬ ‫فالجميع رحلوا‪.‬‬ ‫وأنا أقول لك‪ :‬عندما يذهب واحد‪ ،‬يبقى آخر‪ .‬النقطة‬ ‫التي عرب منها إنسان‪ ،‬مل تعد وحيدة‪.‬‬ ‫فقط يبقى وحيداً‪ ،‬وحدة إنسانية‪ ،‬املكان الذي مل يعرب‬ ‫منه أحد‪ .‬البيوت الجديدة أكرث موتاً من القدمية‪ ،‬ألن‬ ‫جدرانها من حجارة أو من حديد صلب‪ ،‬لكنها ليست‬ ‫من برش‪.‬‬ ‫يولد البيت يف العامل ليس عند االنتهاء من تشييده‪ ،‬بل‬ ‫عندما يبدؤون بالعيش فيه‪ .‬البيت يعتاش فقط عىل‬ ‫البرش‪ ،‬كاملقربة‪ .‬فقط يتغذى البيت عىل حياة البرش‬ ‫بينام املقربة تتغذى عىل موتهم‪ .‬لهذا فإن البيت يكون‬ ‫قامئاً بينام املقربة تكون منبسطة‪.‬‬ ‫رحل الجميع عن املنزل‪ ،‬يف الواقع‪ ،‬لكن الجميع بقوا‬ ‫حقيقة‪ .‬وليست ذكراهم هي ما تبقى بل هم أنفسهم‪.‬‬ ‫وليس كذلك أنهم بقوا يف البيت بل إنهم يظلون عرب‬ ‫البيت‪ .‬الوظائف واألعامل ترحل عن البيت يف قطار‬ ‫‪116‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫أو طائرة أو عىل ظهر حصان‪ ،‬عىل األقدام أو زحفاً‪ .‬ما‬ ‫يظل يف البيت هو العضو‪ ،‬الشخص يف صيغة الفاعل‬ ‫والدائرة‪ .‬مضت الخطوات والقبالت والغفران والجرائم‪.‬‬ ‫ما يظل يف البيت القدم والشفاه والعيون والقلب‪.‬‬ ‫النفي والتأكيد‪ ،‬الخري والرش‪ ،‬تفرقت مشتتة‪ .‬ما يظل يف‬ ‫البيت هو فاعل الحدث‪.‬‬ ‫يف اللحظة التي يطلق فيها العب التنس كرته برباعة‬ ‫فإن براءة حيوانية متاماً تتلبسه؛‬ ‫يف اللحظة التي يفاجئ فيها الفيلسوف حقيقة جديدة‬ ‫يكون وحشاً كام ًال‪.‬‬ ‫يؤكد أناتول فرانس أن الشعور الديني‬ ‫هو وظيفة عضو خاص يف الجسم البرشي‬ ‫مجهول حتى اآلن‪ ،‬وميكن القول أيضا‪،‬‬ ‫يف اللحظة املحددة التي يعمل فيها هذا العضو إذن‬ ‫بشكل كامل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فإن املؤمن يكون متحررا متاما من الرش‪،‬‬ ‫بل ميكن القول إنه نبات تقريباً‪.‬‬ ‫آه أيتها الروح! آه أيها الفكر! آه يا ماركس! آه يا‬ ‫فيورباخ!‬ ‫أنا أضحك‬ ‫حصاة واحدة‪ ،‬واحدة فقط‪ ،‬األدىن من الجميع‬


‫الشاعر ثيسار باييخو‬

‫تتحكم يف كامل الكثيب الرميل املشؤوم والفرعوين‪.‬‬ ‫الهواء يكتسب توتراً من الذكرى والرغبة‪،‬‬ ‫ويصمت تحت الشمس‬ ‫حتى املطالبة بعنق األهرامات‪.‬‬ ‫عطش‪ .‬كآبة مائية لقبيلة رشيدة‬ ‫قطرة‬ ‫قطرة‬ ‫من القرن إىل الدقيقة‪.‬‬ ‫إنها ثالث ثالثات متوازية‬ ‫ملتحية بلحية سحيقة‬ ‫يف حركة ‪3 3 3‬‬ ‫إنه الوقت هذا إعالن عن محل أحذية كبري‬ ‫إنه الوقت‪ ،‬مييش حافياً‬ ‫من املوت إىل املوت‪.‬‬

‫النُّذر السود‬

‫مثة خبطات يف الحياة‪ ،‬جد قوية‪ .‬أنا ال أعرف!‬ ‫الرب؛ كام لو أن أمامها‪،‬‬ ‫خبطات كبغضاء ّ‬ ‫يرتسب راكداً يف الروح‬ ‫انجذار كل املعاناة‪ .‬أنا ال أعرف!‬ ‫إنها خبطات قليلة‪ ،‬لكنها خبطات‬ ‫تشق أخاديد قامتة‬ ‫يف أكرث الوجوه بشاعة‬ ‫وأكرث الظهور صالبة‪.‬‬ ‫قد تكون أحصنة الربابرة األتيليني‬ ‫أو النذر السود يرسلها لنا املوت‪.‬‬ ‫هي السقوط العميق ملسيح الروح‪،‬‬ ‫إلميان لطيف يجدفه القدر‪.‬‬ ‫تلك الخبطات الدامية هي طقطقة الخبز‬ ‫الذي يحرقنا‬ ‫عىل باب الفرن‪.‬‬ ‫واإلنسان بائس بائس!‬ ‫يلتفت بعينيه‪ ،‬مثلام يحدث حني ينادي علينا أحدهم‬ ‫مربتاً عىل الكتف؛‬

‫يلتفت بعينني مجنونتني‪،‬‬ ‫وكل ما عاشه يركد‪ ،‬مثل بركة صغرية من الخطيئة‪،‬‬ ‫يف نظرته‪.‬‬ ‫مثة خبطات يف الحياة‪ ،‬جد قوية‪ .‬أنا ال أعرف!‬

‫بابل‬

‫بيت وديع بال طراز‪،‬‬ ‫أقيم برضبة واحدة‬ ‫وبقطعة واحدة‬ ‫من شمع عباد الشمس‪.‬‬ ‫ويف البيت‬ ‫هي تهد وتبني؛‬ ‫وأحياناً تقول‪:‬‬ ‫«املأوى جميل؛ هنا وحسب»‬ ‫وأحياناً تأخذ يف البكاء!‬ ‫الشاعر لحبيبته‬ ‫حبيبتي‪ ،‬يف هذه الليلة‬ ‫أنت صلبت نفسك‬ ‫عىل خشبتي قبلتي املقوستني؛‬ ‫وقال يل حزنك إن املسيح بىك‪،‬‬ ‫وإن مثة جمعة حزينة أحىل من هذه القبلة‪.‬‬ ‫يف هذه الليلة الغريبة التي طاملا‬ ‫نظرت فيها إ ّيل‪��‬‬ ‫كان املوت مرحاً وغنى يف عظامه‪.‬‬ ‫يف هذه الليلة من سبتمرب‬ ‫تم إقامة قداس سقطتي الثانية‬ ‫والقبلة األكرث إنسانية‪.‬‬ ‫حبيبتي‪ ،‬سنموت معاً‪ ،‬معاً متاماً؛‬ ‫وسوف تأخذ يف الجفاف‬ ‫رويداً رويداً‬ ‫مرارتنا السامية؛‬ ‫وسوف تكون شفاهنا امليتة‬ ‫قد المست الظل‪.‬‬ ‫ولن يكون مثة عتاب يف عينيك املباركتني؛‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪117‬‬


‫مختارات‬

‫ولن أعود إىل اإلساءة إليك‪.‬‬ ‫ويف أحد القبور سننام معاً‬ ‫مثل شقيقني صغريين‪.‬‬

‫صيف‬

‫ها أنذا ذاهب أيها الصيف‪.‬‬ ‫ها هي أيدي أمسياتك املنقادة‬ ‫تصيبني باألىس‪.‬‬ ‫تأيت بورع؛ تأيت عجوزاً؛‬ ‫ولن تجد أحداً يف روحي‪.‬‬ ‫وستميض عرب رشفايت أيها الصيف‬ ‫مبسبحة كبرية من الجمشت والذهب‬ ‫كأسقف حزين يأيت من بعيد‬ ‫يك يبارك ويبحث عن‬ ‫الخواتم املكسورة لبعض‬ ‫العرائس والعرسان املوت‪.‬‬ ‫ها أنذا ذاهب أيها الصيف‪.‬‬ ‫هناك‪ ،‬يف سبتمرب‬ ‫لديّ وردة أعهد بها إليك كثرياً؛‬ ‫سرتويها مباء مبارك‬ ‫كل يوم من أيام الخطيئة والقرب‪.‬‬ ‫إذا ما خفق رخام الرضيح بقوة البكاء‬ ‫بضوء اإلميان‬ ‫فارفع ترتيلك إىل األعىل واطلب من الله‬ ‫أن تظل ميتة إىل األبد‪.‬‬ ‫البد أن كل يشء سيكون متأخراً؛‬ ‫وأنت لن تجد أحداً يف روحي‪.‬‬ ‫ال تبيك‪ ،‬أيها الصيف!‬ ‫ففي ذلك األخدود متوت وردة‬ ‫تنبعث كثرياً‪...‬‬

‫باقات‬

‫متطر هذا املساء كام مل يحدث أبداً؛‬ ‫وليس يل رغبة يف العيش يا قلبي‪.‬‬

‫‪118‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫هذا املساء عذب‪ .‬وملا ال يكون كذلك؟‬ ‫يرتدي مسوح اللطف واألمل‪ ،‬يرتدي زي امرأة‪.‬‬ ‫إنها متطر هذا املساء يف ليام‪.‬‬ ‫وأنا أتذكر الكهوف القاسية لجحودي‪،‬‬ ‫مكعبي الثلجي فوق خشخاشه‪،‬‬ ‫أقوى من «ال تكن هكذا»‬ ‫زهوري العنيفة السوداء ورضبة الحجر‬ ‫الهمجية الهائلة واملسافة الجليدية‪.‬‬ ‫وسيضع صمت كرامته‬ ‫نقطة النهاية بزيوت محرتقة‪.‬‬ ‫لهذا فإنني هذا املساء‪،‬‬ ‫كام مل يحدث أبداً‪،‬‬ ‫سأذهب مع هذه البومة‪ ،‬مع هذا القلب‪.‬‬ ‫ومتر مساءات أخرى وتراين حزيناً جداً‪،‬‬ ‫تأخذ قلي ًال منك‬ ‫يف الثنية الغائرة ألملي العميق‪.‬‬ ‫إنها متطر هذا املساء‪ ،‬متطر كثرياً!‬ ‫وليس لديّ رغبة يف العيش يا قلبي!‬

‫الخطوات البعيدة‬

‫ينام أيب‪.‬‬ ‫محياه الجليل يرسم قلبه الوديع؛‬ ‫هو اآلن شديد العذوبة‪...‬‬ ‫إذا كان به يشء من مرارة‪ ،‬فسوف أكون أنا‪.‬‬ ‫مثة عزلة يف البيت‪ ،‬تقام الصلوات؛‬ ‫وال توجد أخبار اليوم عن األوالد‪.‬‬ ‫يستيقظ أيب‪،‬‬ ‫يتسمع رحلة الهروب إىل مرص‪،‬‬ ‫الوداع املحبوس‪.‬‬ ‫هو اآلن قريب جداً؛‬ ‫إذا كان به يشء من بعد فسوف أكون أنا‪.‬‬ ‫وأمي تتمىش هناك يف الحدائق‪،‬‬ ‫تستطعم طع ًام مل يعد له طعم‪.‬‬ ‫هي اآلن عذبة جداً‪،‬‬


‫الشاعر ثيسار باييخو‬

‫هي جناح‪ ،‬مهرب‪ ،‬حب متاماً‪.‬‬ ‫مثة عزلة يف البيت من دون ضجة‪،‬‬ ‫دون أخبار‪ ،‬دون األخرض‪ ،‬دون الطفولة‪.‬‬ ‫وإذا كان مثة يشء مكسور يف هذا املساء‪،‬‬ ‫يهبط ويطقطق‪،‬‬ ‫فإنهام طريقان أبيضان قدميان ومنحنيان‪.‬‬ ‫من أجلهام‬ ‫مييض قلبي سرياً عىل األقدام‪.‬‬

‫جموع‬

‫يف نهاية املعركة‪،‬‬ ‫وبعد موت املحارب‪ ،‬جاء إليه رجل‬ ‫وقال له‪:‬‬ ‫«ال متت‪ ،‬إنني أحبك كثرياً»‬ ‫لكن الجثة‪ ،‬آه‪ ،‬واصلت موتها‪.‬‬ ‫اقرتب منه اثنان وكررا عليه‪:‬‬ ‫«ال ترتكنا‪ ،‬أيها الباسل‪ ،‬عد إىل الحياة»‬ ‫لكن الجثة‪ ،‬آه‪ ،‬واصلت موتها‪.‬‬

‫جاء إليه عرشون رج ًال‪ ،‬مائة‪ ،‬ألف‪ ،‬خمسامئة ألف‪،‬‬ ‫صارخني‪:‬‬ ‫«الكثري من الحب وال ميكنه فعل يشء حيال املوت!»‬ ‫لكن الجثة‪ ،‬آه‪ ،‬واصلت موتها‪.‬‬ ‫أحاط به املاليني من البرش‪،‬‬ ‫بتوسل عام‪:‬‬ ‫«ابق معنا يا أخي»‬ ‫لكن الجثة‪ ،‬آه‪ ،‬واصلت موتها‪.‬‬ ‫حينئذ‪ ،‬أحاط به كل رجال األرض؛‬ ‫نظرت إليهم الجثة الحزينة‪ ،‬متأثرة‪،‬‬ ‫اندمجت ببطء‪،‬‬ ‫عانقت أول رجل؛‬ ‫ثم أخذت يف امليش‪.‬‬

‫الوحوش التسعة‬

‫لسوء الحظ‪،‬‬ ‫فإن األمل يف العامل ينمو طوال الوقت‪،‬‬ ‫ينمو برسعة ثالثني دقيقة يف الثانية‪،‬‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪119‬‬


‫مختارات‬

‫خطوة خطوة‪،‬‬ ‫وطبيعة األمل هي األمل مرتان‬ ‫ورشط الشهيد‪ ،‬آكل لحوم رشه‪،‬‬ ‫هو األمل مرتان‪.‬‬ ‫ودور العشب بالغ النقاء‪،‬‬ ‫هو األمل مرتان‬ ‫والطيبة تؤملنا مرتني‪.‬‬ ‫مل يحدث أبداً‪،‬‬ ‫أيها البرش‪،‬‬ ‫أن كان هناك أمل كثري يف الصدر‪،‬‬ ‫يف ثنية صدر السرتة‪،‬‬ ‫يف املحفظة‪ ،‬يف الكوب‪،‬‬ ‫يف محل الجزارة‪ ،‬يف علم الحساب!‬ ‫‪120‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫مل يحدث أبداً‬ ‫أن كان هناك حنان مؤمل‪،‬‬ ‫قد هاجم من مسافة بعيدة بهذا القرب‪،‬‬ ‫أن النار قط‬ ‫لعبت دورها األفضل كميت بارد!‬ ‫مل يحدث أبداً‬ ‫أن كانت الصحة‪ ،‬أيها السيد وزير الصحة‪،‬‬ ‫الصحة األكرث إماتة‬ ‫والصداع النصفي قد اقتلع جبهات عدة من الجبهة!‬ ‫واألثاث يف درجه يتأمل‪،‬‬ ‫القلب يف درجه يتأمل‪،‬‬ ‫الضب يف درجه يتأمل‪.‬‬ ‫يتزايد الشقاء‪ ،‬أشقايئ البرش‪،‬‬


‫الشاعر ثيسار باييخو‬

‫أرسع من املاكينة‪ ،‬برسعة‬ ‫عرش ماكينات‪ ،‬ويتزايد‬ ‫«روسو»‪ ،‬مع لحياتنا‪،‬‬ ‫مع رأس ّ‬ ‫يتزايد الرش ألسباب نجهلها‬ ‫إنه فيضان بسوائله ذاتها‪،‬‬ ‫بطينه نفسه وسحابته نفسها الصلبة!‬ ‫تعكس املعاناة األدوار‪ ،‬متنح وظيفة‬ ‫يكون فيها الخلط املايئ‬ ‫عمودياً عىل الرصيف‪،‬‬ ‫العني مرئية وهذه األذن مسموعة‪،‬‬ ‫وهذه األذن تثري تسع ضجات‬ ‫يف ساعة الشعاع وتسع قهقهات‬ ‫يف ساعة القمح‪ ،‬وتسعة أصوات أنثوية‬ ‫يف ساعة البكاء‪ ،‬وتسعة أناشيد‬ ‫ساعة الجوع وتسعة رعود‬ ‫وتسعة سياط‪ ،‬ورصخة أقل‪.‬‬ ‫يقبض علينا األمل‪ ،‬أشقايئ البرش‪،‬‬ ‫من خلف صورتنا الجانبية‬ ‫ويصيبنا بالجنون يف دور السينام‬ ‫ويسمرنا يف الجرامفونات‪،‬‬ ‫ويقتلع منا املسامري يف األرسة‪،‬‬ ‫يقع عمودياً عىل تذاكر سفرنا‪،‬‬ ‫عىل رسائلنا؛‬ ‫وإنه لخطري للغاية أن نعاين‪،‬‬ ‫ميكن للمرء أن يصيل‪...‬‬ ‫ونتيجة لألمل‪ ،‬فإن البعض يولد‬ ‫والبعض ينمو والبعض ميوت‪،‬‬

‫والبعض يولد وال ميوت‪،‬‬ ‫والبعض من دون أن يولد ميوت‪،‬‬ ‫والبعض ال يولد وال ميوت‬ ‫«هم األكرثية»‬ ‫ونتيجة للمعاناة أيضاً‬ ‫فإنني حزين حتى الرأس‬ ‫وأكرث حزناً حتى أخمص قدمي‬ ‫لرؤية الخبز مصلوباً‬ ‫لرؤية اللفت دامياً‪،‬‬ ‫باكياً‪،‬‬ ‫لرؤية البصل‪،‬‬ ‫لرؤية الحبوب‪ ،‬عامة‪ ،‬دقيقاً‪،‬‬ ‫امللح غباراً‪،‬‬ ‫املاء هارباً‪،‬‬ ‫النبيذ هذا هو اإلنسان‪،‬‬ ‫الثلج جد الشاحب‪،‬‬ ‫الشمس جد جريئة!‬ ‫كيف ال نقول‪ ،‬أشقايئ البرش‪،‬‬ ‫إنني ال ميكنني أكرث‪،‬‬ ‫ال ميكنني مع هذه األدراج الكثرية‪،‬‬ ‫هذه الدقائق الكثرية‪،‬‬ ‫السحايل الكثرية‪،‬‬ ‫االستثامر الكثري‪،‬‬ ‫البعد الكثري‬ ‫والعطش الكثري للعطش!‬ ‫أيها السيد وزير الصحة‪،‬‬ ‫ما العمل؟‬ ‫آه‪ ،‬لألسف الشديد‪،‬‬ ‫أشقايئ البرش‪،‬‬ ‫هناك‪ ،‬يا أخويت‪،‬‬ ‫الكثري جداً مام ميكن عمله‬ ‫الرسومات‪ :‬خوان مريو‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪121‬‬


‫في الشعر‬

‫ّ‬ ‫الشعر في الواقع‬ ‫نونو جوديتس‬

‫يجري‬

‫التمييز أحياناً بني الشعر واألدب كام لو ّأن املصطلحني ال ينتميان إىل الحقل الداليل ذاته‪ .‬ويقدّم علم‬ ‫أصول الكلامت تفسرياً ممكناً لهذا األمر؛ فكلمة شعر ‪ّ poésie‬‬ ‫تتصل بـ ‪« :poeïen‬صنَع»‪ ،‬بينام تتض ّمن كلمة‬ ‫‪« littérature‬أدب» ‪« littera‬حرف‪ ،‬مكتوب»‪ .‬هكذا يبدو أن املصطلحني يقيامن تعارضاً بني الفعل والكتابة‪ ،‬فاأل ّول يقع يف‬ ‫قلب الحياة والثاين يف صميم الفكر‪ .‬لقد قادتني هذه الفكرة إىل طرح التساؤل عن ماه ّية القصيدة يف بدايات تفكريي النظريّ ‪.‬‬ ‫فحاولت يف كتايب «مفهوم القصيدة» «‪ ،»1972‬تقديم إجابة عىل هذا السؤال‪ ،‬ثم جاءت كتبي األخرى لتستكمل تأمالت‪ ‬كان‬ ‫ذلك الكتاب نقطة انطالقها‪.‬‬ ‫ما القصيدة؟ إ ّنني أفهمها بوصفها مادة‪/‬شيئاً يرتاوح بني «صندوق الرنني» و«الصندوق األسود»؛ حيث يجد ُّ‬ ‫سجل ّ‬ ‫كل ما حدث يف‬ ‫ّ‬ ‫حيا ٍة ما مرآته يف الكلامت املنطوقة‪ ،‬يف تلك األبيات التي تخ ِرتق تجرب ًة «وتخرتقها هذه التجربة» تدعو ّ‬ ‫ها‪.‬وكل‬ ‫كل أح ٍد إىل متل ّك‬ ‫أحد هنا هو القارئ‪ ،‬وهذا «القارئ املنافق‪ ،‬شبيهي وأخي» كام يقول بودلري هو أيضاً؛ بل أ ّول‪ ،‬الشاعر ذاته‪ ،‬املحكوم باالنفصال‬ ‫عن القصيدة ما إن يفرغ منها‪ .‬أقول هذا ألتجنّب االلتباس بني تجربة القصيدة وتجربة الشاعر «املؤلف»؛ فليك توجدالقصيدة‪،‬‬ ‫عليها أن تنفصل عن كل ما من شأنه أن يتح ّكم يف استبطانها‪ ،‬أوأن يحيلها إىل مجرد وثيقة بيوغرافية‪ ،‬إىل قصاصة من صحيفة‪.‬‬ ‫عىل القصيدة أن تنتج تفسريها‪ ،‬ومعانيها‪ ،‬وأصولها حتّى وإن كانت تبتعد يف هذه العمل ّية نهائياً عن الواقع الذي نهل منه الشاعر‬ ‫واقعي‪ ،‬عىل املستوى الرمزيّ بالطبع‪ ،‬فاألمر يتع ّلق مبوت ذلك الحضور‬ ‫ليك يكتبها‪ .‬يف كل قصيدة‪ ،‬الشاعر هو من « ُيقتل كشخص‬ ‫ّ‬ ‫الواقعي» ليك يولد «حضورافرتايض»‪ ،‬وهذا الحضور هو ما يبحث عنه القارئ عرب فعل القراءة‪.‬‬ ‫هذا الحضور موجود دامئاً يف مناذج الشعر األرقى بشكلٍ ليس بالرضورة مبارشاً وآنياً كام قد يفهم مام سبق؛ فاللغة تعمل‬ ‫كوسيط‪ ،‬كشاش ٍة ُيسقط عليها عا ٌمل يجد مصادره يف تراث األدب أو ذاكرته‪ .‬لكننا نعلم ّأن مثة مؤلِّفاً خلف تلك الشاشة‪ ،‬يتخ ّفى‬ ‫حضوره ويتأكد يف الوقت نفسه الذي ُيعرض فيه العامل الذي خلقته القصيدة؛ بل ّإن صوته ليزدوج بذلك الصوت «األول»‪ ،‬الذي‬ ‫نسمعه عرب املوسيقى واإليقاع املنبعثني من لعبة القصيدة الصوتية‪ .‬وبالطبع‪ ،‬ميكن للمؤلف أن يخرج وأن يظهر كأدا ٍء عىل‬ ‫الشاشة‪ ،‬لكن ما نراه ح ّقاً هو ذلك اآلخر الذي ال يتح ّقق وجوده إ ّال يف الشعر‪.‬‬ ‫لهذا‪ ،‬ال أشعر براحة كبرية حني تطرح ع ّ‬ ‫يل أسئلة عن والدة قصائدي‪ :‬ملاذا هذه الصورة؟ ع ّمن تتحدث هذه القصيدة أو تلك؟‬ ‫ماذا قصدت بتلك العبارة؟ إنها أسئلة ميكنني اإلجابة عليها‪ ،‬مدركاً ّأن اإلجابات ستكون اعتباط ّية بقدر أيّ إجابات قد يقدّمها‬ ‫شارح آخر‪ .‬فمث ًال‪ُ ،‬طرحت بخصوص كتبي األخرية مسألة استخدام ضمري املخاطب املفرد «أنت» الذي يشري إىل املرأة أو الكائن‬

‫‪122‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫املحبوب‪ .‬إذا كان الضمري «أنت» يتامهى مع أح ٍد يف الواقع فال أهم ّية لذلك يف القصيدة؛ فاألمر يتعلق ح ّقاً بتجسيد الحب‪ ،‬بذلك‬ ‫النمط األو ّيل ‪ archétype‬الذي ّ‬ ‫النهاية‪،‬الحب ذاته بعد‬ ‫يتشخص يف األسامء‪-‬بياتريس‪ ،‬الورا‪ ،‬باربارا‪ ،‬وغريهن كثري‪ -‬اللوايت مي ّثلن‪ ،‬يف‬ ‫ّ‬ ‫أن ّح ّ‬ ‫شبحي‪.‬‬ ‫ول الوجو َد والشخص امللموسني اللذين ألهامه إىل حضور‬ ‫ّ‬

‫حضور اللغة‬

‫من ناحية أخرى‪ ،‬فإن الحياة تفرض نفسها اليوم كنموذج إرشاديّ جديد للفنّ ؛ فالعودة إىل ماهو بيوغرايف‪ ،‬والعرض املبارش‬ ‫للواقع بتأثري وسائل اإلعالم‪ ،‬خصوصاً التلفاز والسينام وشبكة اإلنرتنت يفرضان هذه العالقة التي ال ميكن اإلفالت منها وإن كنّا‬ ‫ال نستسلم لها‪ .‬لقد أصبح رفض العرض يف ح ّد ذاته شك ًال آخر من العرض‪ .‬عىل املرء أن يحيا إذن ‪-‬أو أن يبقى عىل قيد الحياة‪-‬‬ ‫داخل هذا العامل وما يشهده من تحوالت تفرضها وسائل االتصال الجديدة‪ .‬والوسيلة الوحيدة للقيام بذلك بدون تقديم تنازالت‬ ‫«سم ْك»‪ٌّ ،‬‬ ‫ظل يصنع املسافة بني أضواء‬ ‫لصالح تلك الصيغ املبارشة هي أن نتذكر باستمرار حضور اللغة الدائم ؛ فللكلامت دامئاً ُ‬ ‫ذات أدب ّية‪ .‬مت ّثل‬ ‫آلة العرض وجوان ّية ذلك الصندوق‪-‬القصيدة‪،‬حيث تحدث العملية الخيامئية التي تح ّول الكائن‬ ‫الواقعي إىل ٍ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫هذه الذات األدبية واقعاً جديداً يتجاوز حدود الحياة البرشية وحدود الزمن‪ ،‬ويف فضاء األدب‪ ،‬تصبح فاعال‪ ،‬بطال‪ ،‬أو شخص ّية‪.‬‬ ‫وهنا ميكن أن نتساءل‪ :‬من هو الشاعر يف نهاية املطاف؟ لست عىل يقني بأن اإلجابة الصحيحة هي‪ :‬أنا‪ .‬فالشاعر هو ذلك الصوت‬ ‫الذي عرف كيف يتح ّقق يف القصيدة‪ ،‬هو ما نسمع عند قراءتها‪ ،‬وعالقتي به هي عالقة الطفل بالطاولة التي توزعت فوقها قطع‬ ‫الرومانيس» «‪.»1975‬‬ ‫اللعبة التي يحاول تجميعها وتنظيمها‪ .‬هذا ما أسميته‪« :‬ميكانيزم الشذرنة‬ ‫ّ‬ ‫لقد اخرتع بيسوا نظائره ليمنح جسداً لتلك الشذرات‪ ،‬وقامر بها عىل مائدة الكائن ليتفادى ما أسامه صديقه سا‪-‬كارنريو «التبعرث»‬ ‫رضب من وردة رياح مجنونة‪ ،‬تلك التي قادته إىل االنتحار‪ .‬رأى بيسوا‪ ،‬إذن‪،‬‬ ‫يف ٍ‬ ‫فيلم النغامر بريغامن حيث‬ ‫لعبة األدب كرصاع مع املوت‪ ،‬كام هو الحال يف ٍ‬ ‫كان الشعر هو ذلك الجانب‬ ‫املوت هو الخصم يف لعبة الشطرنج التي هي الحياة‪.‬‬ ‫ال أعرف إن كنت قد ّ‬ ‫الالعقالني‪« ،‬ضربة نرد» ماالرميه‬ ‫أوضحت ج ّيداً التمييز بني الشعر واألدب‪ .‬لرمبا كان‬ ‫الشعر هو ذلك الجانب الالعقالين‪« ،‬رضبة نرد» ماالرميه التي نعرث فيام‬ ‫التي نعثر فيما وراءها على‬ ‫وراءها عىل االنفعال‪ ،‬العاطفة‪ ،‬الرغبة‪ّ ،‬‬ ‫وكل عنارص «الروح» التي تفلت من‬ ‫االنفعال‬ ‫العقل ومام يقبل التوقع‪ ،‬والتي نتيجتها «ذلك الربق يف الليل» الذي يتحدّث‬ ‫عنه بودلري‪ .‬متنحنا القصيدة الشعور الفريد بتلك «النقاط املضيئة» التي كان‬ ‫عزرا باوند‪ ،‬يف آخر أيامه‪ ،‬يراها عرب ظالل وعتامت املايض‪ ،‬ك ّلام سأله أحدهم‬ ‫عام كان يعني له الشعر‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫اليومي‪ ،‬تعليقا‪ ،‬بوحا‪ ،‬موسيقى صغرية يسهل نسيانها‪،‬‬ ‫أ ّما اليوم فتذهب األمور يف االتجاه املعاكس‪ ،‬حيث يصبح الشعر جزءاً من‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫ويصبح خصوصاّ «ال معنى»‪ ،‬حيث ال استبطان وال مغامرة‪ ،‬وهذا هو النقيض التام للشعر الذي تع ّلمته طفال‪ ،‬يف ذلك البلد‬ ‫الرمادي الجامد حيث يجري ّ‬ ‫برسية تصنعها الظالل والوشوشات‪ .‬لهذا‪ ،‬يف شعري‪ ،‬بات السريك واألعياد الشعبية ح ّيزا‬ ‫كل يشء ّ‬ ‫الحرية واإلبداع الوحيدين‪ .‬أتذكر‪ ،‬يف أعياد القرية‪ ،‬البهلوانات الذين كانوا‪ ،‬م ّرة يف العام‪ ،‬يب ّينون لنا الفاصل ّ‬ ‫الهش بني التوازن‬ ‫والسقوط‪ .‬إنني أبحث يف كل قصيدة من قصائدي عن هذا التوازن‪ .‬حني أتقدّم يف البيت الشعري‪ ،‬يف املقطع‪ ،‬تكون الهاوية‬ ‫أحب هذا اإلحساس؛ وإذا ما رافقني القارئ حابساً انفاسه حتى نهاية القصيدة فمعنى ذلك أن شيئاً ما قد نجح‪،‬‬ ‫حارضة دوماً‪ّ .‬‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪123‬‬


‫في الشعر‬

‫عىل صعيد ميزان القوى الذي هو الشعر‪ ،‬بيني وبني القصيدة‪ ،‬وبني القصيدة والقارىء‪.‬‬ ‫يعيدين هذا إىل مسألة كان ت‪.‬إس‪ .‬إليوت قد عالجها يف «أصوات الشاعر الثالثة»‪ :‬األنا يف القصيدة‪ّ .‬مثة هنالك حضور شبه دائم‬ ‫لل «أنا» يف قصائدي وهذا ما مي ّيز الغنائ ّية عن األنواع الشعر ّية واألدب ّية األخرى‪ ،‬ولكن ما هي هذه األنا؟‬ ‫فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو‪ :‬هل ع ّ‬ ‫حني أقرأ قصيد ًة وأجد نفيس أمام ضمري املتك ّلم هذا‪ّ ،‬‬ ‫يل أن أمتاهى مع هذه األنا أم‬ ‫إ ّنها تتطابق‪ ،‬عىل العكس من ذلك‪ ،‬مع صوت يك ّلمني أو يتك ّلم من خاليل؟ يف الواقع‪ ،‬مثة تناقض بني الحميم ّية التي تنبع من‬ ‫«الحديث مع النفس»؛ من نربة املونولوغ االعرتافية لضمري املتكلم املفرد وبني حقيقة ّأن هذا الـ«همس» مييل إىل أن يتعاظم‬ ‫ويكتسب قدراً أكرب من التعبري عندما تجد القصيدة‪ ،‬عىل سبيل املثال‪ ،‬تعبريها «الطبيعي» أمام مستمعني‪ ،‬أيْ حني ُتقرأ أمام‬ ‫جمهور‪.‬‬ ‫العمومي‪ ،‬ذلك الصوت الكو ّين‪« -‬الصوت اإلنسا ّين»‪ ،‬بتعبري جان كوكتو‪،‬‬ ‫مثة صلة وثيقة بني عزلة صوت الشاعر القص ّية‪ ،‬والصوت‬ ‫ّ‬ ‫تتوجه مبارشة‬ ‫يتوجه للجميع‪ .‬وما ينتجه هذا الصوت من متا ٍه يتجاوز املحاكمة العقل ّية والوعي‬ ‫الذهني مبا أن هذه األنا ّ‬ ‫الذي ّ‬ ‫ّ‬ ‫إىل خصوصية ّ‬ ‫كل واحد منّا‪ ،‬يف فردان ّيته ذاتها‪ .‬تنهض عملية التواصل هذه عىل الذاكرة ومت ّر عرب لعبةاملجاز‪ ،‬فالصورة يف القصيدة‬ ‫تعرث دامئاً عىل صدى لها فيام رأيناه أو عشناه‪ ،‬إن مل يكن بطريقة مبارشة‪ ،‬فعىل األقل من خالل أثر «اإلزاحة» الذي عالجه‬ ‫فرويد يف تحليله لألحالم‪.‬‬

‫مركز القصيدة‬

‫ّ‬ ‫لهذا السبب‪ّ ،‬‬ ‫الواقع‪،‬وكل‬ ‫فإن الغنائ ّية الصافية وهْ م؛ فالتعبري عن العاطفة ال ينفصل أبداً عن الرسد عن الحكاية‪،‬عن التخ ّييل‪ ،‬وعن‬ ‫ذلك حارض يف أصل القصيدة‪ ،‬حيث ُيعزل أحد عنارص الرسد ليصبح مركز القصيدة وبؤرتها‪ .‬إذن‪ ،‬مثة ما هو «إشاريّ » –ما يقع‬ ‫بني الرمز واألمثولة‪ -‬يف قاع الشعريّ ‪ ،‬ولذا ال ميكن للصوت أن ينفصل أبداً عن الجانب املاديّ وامللموس املنبثق من البناء الغنايئ‪،‬‬ ‫حيث تتبنّى الذات‪ ،‬يف نهاية املطاف‪ ،‬دور املم ّثل أو القناع‪ -‬بالعودة م ّرة أخرى إىل نظائر بيسوا‪ .-‬هذا ما يحدث يف كتاب «بيدرو‬ ‫متحدّثاً عن إ ْن ِّيس» «منشورات فاتا مورغانا‪ »2003،‬حيث تواصل مرآة أسطورة العشق تجرب ًة تخرتق القصائد وتسعى إلعادة‬ ‫الحياة لذلك العشق‪.‬‬ ‫ظل بوسع ّ‬ ‫وميكننا القول ّإن األنا التي تتك ّلم يف القصيدة ليست يف النهاية سوى ٍّ‬ ‫كل أحد أن يضيئه بحياته وجسده؛ ويف هذا البعد‬ ‫مصاص دماء‪ ،‬عىل فرد ّية القارىء‪ .‬ولهذا‬ ‫املاديّ للنص الغنايئ‪ ،‬تحديداً‪ ،‬تكتسب القصيدة قوتها الهائلة التي تجعلها تستويل‪ ،‬مثل ّ‬ ‫َ‬ ‫وانفعاالت متحو الحالة امللموسة التي أوحت بها؛ ليك تقوم بتحيني مواقف وسياقات أخرى‪ .‬هذا هو‬ ‫عواطف‬ ‫أيضاً توقظ القصيد ُة‬ ‫ٍ‬ ‫جانبها امللغز الذي يدفع إىل البحث عن معنى ويجرب القارىء عىل أن ينهل من تجربته‪-‬ذاكرته‪ ،‬ومخياله ّ‬ ‫كل ما ميكن أن يقوده‬ ‫ّ‬ ‫سيظل إشكال ّيا أبداً‪ ،‬إال إذا كان الشاعر حارضاً أمامنا ليجيبنا‪.‬‬ ‫إىل جواب‪ ،‬حتى مع العلم‪ ،‬بداي ًة‪ّ ،‬أن األمر‬ ‫وإذا كان الشاعر حارضاً‪ ،‬هل ميكن اإلقرار ّ‬ ‫بأن إجاباته صحيحة؟ ف «الشاعر مخادع»‪ ،‬يقول بيسوا‪ ,‬يف قصيدته اوتوبسيكوغرافيا‪.‬‬ ‫الرس األو ّيل الذي يجربنا الكشف عنه م ّرة أخرى عىل البحث عن مفتاح‬ ‫ينبغي النظر دامئاً إىل تجربة القصيدة عىل أ ّنها مثرة ّ‬ ‫لغة مش ّفرة‪ .‬يف هذه اللغة‪ ،‬مت ّثل االستعارة ّ‬ ‫أول املستويات التي ينبغي تأملها؛ ولذا ّ‬ ‫الحب‬ ‫فإن أكرب تي َمتينْ يف الشعر الغنا ّيئ هام ّ‬ ‫واملوت‪.‬‬ ‫كان روبريت غرايفز قد ناقش لغز هذه املسألة يف كتابه الجوهريّ «الر ّبة البيضاء»‪ ،‬حيث يتحدّث عن السعي وراء منط أو ّيل‪-‬‬ ‫صورة الر ّبة التي تجسدها ماد ّياً املرأة‪ -‬التي تعيدها لحظة التح ّقق يف الحب إىل مستوى الواقع بحيث يبدأ مجدداً البحث عن‬ ‫الحب األفالطوين‪ّ ،‬أن‬ ‫ذلك النمط املثايل‪ .‬و أعتقد‪ ،‬من دون الذهاب إىل الصيغة املتطرفة من األسطورة التي ُتطرح هنا مبسحة من ّ‬

‫‪124‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫املغناطييس الذي يجمع ق ّوتني متضادتني‪ .‬إ ّنها اللحظة االستثنائية التي تقود إىل فقدان مؤ ّقت ّ‬ ‫لكل يقني‪،‬‬ ‫القصيدة هي القطب‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫«الويص» للجامل الذي يحول من دون السقوط يف الجنون‬ ‫ولكل وجهة‪ ،‬محا ِفظ ًة يف اآلن ذاته عىل توازن الكائن بفضل الحضور‬ ‫ّ‬ ‫أو العامء‪ّ .‬إن خلخلة الحواس التي تحدّث عنها رامبو هي ما مي ّثل قيمة اإلبداع الشعري‪ ،‬وهي ال تتأىت من فقدان الحواس ك ّلها‬ ‫للحظات‪ ،‬من ثنائياتنا الضد ّية الذهن ّية‬ ‫بل من «إرشاق» الحواس كا ّفة بفعل القصيدة«رامبو مرة أخرى»‪ .‬وهذا اإلرشاق يخرجنا‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫الرئيس ّية‪ ،‬يك نبلغ أفق الروح اإلنسانية‪.‬‬ ‫ربمّ ا قدّمت هنا إجاب ًة عىل السؤال األويل‪ :‬ملاذا تكتب؟ ليس من أجل املتعة‪ .‬فاملتعة يف املكتوب‪ ،‬وال أكتب التزاماً أو اضطراراً‪،‬‬ ‫فأنا ال أعتاش من األدب و بوسعي أن أستغني عنه من الناحية املاد ّية‪ .‬إنني أكتب‪ ،‬وسأستخدم هنا عبارة مشهورة‪ّ :،‬‬ ‫ألن الشعر‬ ‫هو أنا‪ ،‬وهذا ما ينطبق عىل الشعراء كا ّفة إن كانت هذه «األنا» تتض ّمن شخص الكاتب الفيزيايئ‪ ،‬أ ّما األنا يف القصيدة‪ ،‬فهي من‬ ‫وجهة نظري أمر آخر‪ .‬إ ّنها الصوت «صوت الوسيط الروحي‪ ،‬يقول بيسوا» الذي يتحدّث حني تبدأ القصيدة‪ .‬وحني أذ ّكر بهذا‪،‬‬ ‫فإ ّنني أناقض ّ‬ ‫كل املقوالت الشائعة حول فعل الكتابة‪ ،‬خصوصاً تلك التي تتحدّث عن العزلة‪ .‬يف الواقع‪ ،‬ال أكون وحيداً لحظة‬ ‫الكتابة؛ يف هذا الحوار مع اآلخر «الصوت؟ الذات؟ ّ‬ ‫كل تلك األشباح التي تولد من الذاكرة أو الخيال التي تعمر الفضاء من‬ ‫حويل؟» ال أشعر بالوحدة أبداً؛ بل عىل العكس من ذلك‪ ،‬تأيت العزلة حني ال أكتب أو حني يغيب الشعر‪.‬‬ ‫وليس ّمثة إجابة مبارشة عىل السؤال‪ :‬ما الشعر؟ الذي ميكن أن نستبدل به السؤال‪ :‬ماالقصيدة؟ مع ذلك قد أجازف بتقديم‬ ‫إجابة مدركاً أ ّنها ليست نهائ ّية وال الوحيدة كذلك‪ .‬ميكنني القول ّإن القصيدة توجد حني يتح ّرر الصوت الذي يسكنها من الكائن‬ ‫الجمعي أو الكو ّين إذا ما أردنا استخدام توصيفات جويس كارول آوتيس «إمياين‬ ‫الذي انتمى إليه؛ ليصبح صوت الجميع‪ -‬الصوت‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ككاتبة»‪ .‬فالصوت الشعري إذن‪ ،‬وعىل النقيض من كل ما أمكن تخ ّيله‪ ،‬هو ّ‬ ‫واألقل ذات ّية من بني األصوات املمكنة‪:‬‬ ‫األقل فرد ّية‬ ‫إ ّنه الصوت الذي تعرث فيه «كلامت القبيلة» «بتعبري ماالرميه» عىل صداها األكرث إسامعاً واألكرث قابل ّية لإلدراك‪ .‬وهذا صحيح‬ ‫حتّى حني يتحدّث الشاعر عن عامله األكرث حميم ّية‪ .‬حني نقرأ‪ ،‬مث ًال‪ ،‬كلمة «أح ّبك» فإن هذا الحب يتقاسمه ّ‬ ‫كل من سيقرأ‬ ‫حب جميع النساءاللوايت‬ ‫القصيدة وبهذه الكلمة يختطف الق ّراء من الشاعر ّ‬ ‫مينحن أجسادهن وأرواحهن وجاملهن للكلامت التي تعبرّ عن ذلك الحب‪.‬‬ ‫ال أكتب التزام ًا أو اضطرار ًا‪،‬‬ ‫هذا هو موضوع مقال الشاعر دبليو‪ .‬اتش‪ .‬أودن «حني أكتب أح ّبك»‪ ،‬الذي‬ ‫فأنا ال أعتاش من األدب و بوسعي‬ ‫يحدّد فيه بدّقة الفارق بني الرسد التخ ّيييل والشعر‪« .‬يف كل األحوال‪ ،‬ال تتع ّلق‬ ‫أن أستغني عنه من الناحية‬ ‫القصيدة التي أمتنى كتابتها بعبارة‪« :‬إ ّنه يح ّبها» «ميكن لضمريَيْ الغائب‪ ،‬عىل‬ ‫األرجح‪ ،‬أن يكونا شخصينْ متخ ّيلني‪ ،‬وللشاعر حرية أن يؤمثل‪ ،‬كام يرغب‪،‬‬ ‫الماديّة‬ ‫صفاتهام وحكايتهام»‪ .‬أما يف عباريت‪« :‬أح ّبك»‪ ،‬فيمكن‪ ،‬عىل األرجح‪ ،‬أن نتح ّقق‬ ‫من وجود الشخصني اللذين يحيل إليهام الضمريان «أنا وأنت» بفضل مخرب‬ ‫خاص»‪.‬‬ ‫إ ّنني أشاطر أودن الرأي؛ ففي الرواية‪ ،‬ينظر لألنا دامئاً بوصفها شخص ّية الراوي وال يخطر ألحد أن مياهي بني املؤ ّلف والقاتل‬ ‫الذي يروي الحكاية يف كتاب البري كامو «الغريب»‪ ،‬أ ّما حني نقرأ يف قصيدة‪« :‬أشرتي تذكرة قطار ألعرف يف أيّ يوم نحن» «روي‬ ‫بيلو»‪ ،‬فإ ّننا نجد أنفسنا مبارشة أمام الذات‪/‬املؤلف وال نتساءل عن هذا التامهي حتّى حني يصدر عن لعبة مجازية يحدّدها‬ ‫الرتاث ‪-‬يف هذا البيت‪ -‬بالعالقة بني َسيرْ الزمن «أيّ يوم نحن» وسري الحياة التي ُتقدّم بوصفها رحلة«تذكرة القطار»‪ .‬ويف الواقع‪،‬‬ ‫ينتمي صدق العبارة إىل شفرة مع ّينة‪ ،‬وإذا كانت هذه الشفرة مدركة وقابلة للقراءة؛ فذلك ّ‬ ‫ألن املفتاح حارض دامئاً يف القصيدة‬ ‫يخصنا نحن القراء من تلك الذات ّية التي ميكن أن تنتمي يف األصل لشخص ما‬ ‫نفسها؛ إذ يكفي كرس تلك «األنا» لنستخلص ما ّ‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪125‬‬


‫في الشعر‬

‫يس ّمى الشاعر‪.‬‬ ‫لست أزعم ّأن الشاعر املثال هو هومريوس «ذلك االخرتاع الذي كان الغرض منه أن ال تبقى القصائد امللحمية العظيمة التي‬ ‫ّأسست حضارتنا مجهولة النسب»؛ لكن ينبغي للشاعر أن يتح ّرر من وطأة سريته الحياتية ليك ميكن لـ «كرة» الشعر أن تح ّلق‪،‬‬ ‫تظل يف مستوى الشهادة‪ ،‬األمر الذي له أهم ّيته دامئاً ولكن عىل صعيد الدرس األديب أو اإلكليني ّ‬ ‫فإن القصيدة ّ‬ ‫وإال ّ‬ ‫يك‪ .‬فليست‬ ‫يخص رسائل حب بيسوا‪ ،‬إن أخذنا‬ ‫قصائد جنون هولدرلني هي ما جعل منه أحد أعظم شعراء الرومانسية‪ ،‬وكذلك هو األمر فيام ّ‬ ‫مثاالً آخر متط ّرفاً‪.‬‬ ‫ولكن بوسعي االنطالق من حالة بيسوا‪-‬مرة أخرى‪ّ -‬‬ ‫ألوضح العالقة الصعبة بني الحياة واألثر األديب‪ ،‬وذلك انطالقاً من قصيدة‬ ‫الروحي»‪ .‬فالتقاطع بني الوقائع التي نعرث عليها يف هذه القصيدة‪ ،‬يأيت يف‬ ‫لـ«التوسط‬ ‫‪ Chuva obliqua‬التي ُتع ّد نقطة البداية‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫الواقع من ذلك الجرح عىل سطح القصيدة املصقول حيث ينكرس يشء ما‪ .‬هذا اليشء هو الحياة‪ ،‬أيْ ذلك املنعطف املفاجئ‬ ‫يف العالقة مع األدب حيث نلمح عاملاً كان غري مريئ حتّى تلك اللحظة‪ .‬ال يتبدّى الواقع‪ ،‬إذن‪ ،‬إال يف تلك اللحظات التي يخرتق‬ ‫الحي وتجعله قاب ًال لإلدراك من قبل القارىء‪ .‬هذا ما يلزم يف‬ ‫فيهااللغة عىل نحو موارب‪ .‬إنها أشبه بـ«الومضات»التي تيضء ّ‬ ‫القصيدة؛ ألنه هو ما مينحها ق ّوتها‪ ،‬بطرحه جانباً ماهو مجرد «أدب»‪ ،‬أيْ ّ‬ ‫كل ما ميكن أن يختزل القصيدة إىل فعل تابع‪.‬‬ ‫من هناـ ميكنني أن أع ّرف الشعريّ بوصفه حضور الكينونة يف اللغة وهذه الكينونة هي أوالً كينونة الذات التي تكتب لكنّها يف‬ ‫اآلن ذاته كينونة اللغة؛ ذلك الصوت وتلك املوسيقى اللذان يبدآن يف الحركة حني تعرث القصيدة عىل إيقاعها‪ .‬يصدر ذلك عن‬ ‫الذات ولهذا السبب‪« ،‬الشعر ينبغي أن يصنعه الجميع»‪ ،‬كام يقول لوتريامون‪ .‬الشعر ينبغي أن ُيصنع‪ ،‬وأن يصنعه الجميع‪.‬‬ ‫ست»‪« :‬يحدث الفنّ يف ّ‬ ‫هكذا‪ ،‬ميكنني أن أك ّرر عبارة بورخيس «فن الشعر‪ ،‬محارضات ّ‬ ‫كل م ّرة نقرأ فيها قصيدة»‪ .‬ووفقاً لهذا‬ ‫املنطق‪ ،‬يكفي أن نقرأ قصيدة يك يأيت الشعر وال ميكننا أن نتع ّلم الشعر إال‬ ‫بقراءته‪.‬‬ ‫األولي‬ ‫ّ‬ ‫القصيد ثمرة السر ّ‬ ‫يبقى سؤال أخري‪« :‬ما هو الشعري» ؟يقال هذا إحساس‪ ،‬أو منظر‪ ،‬أويشء‬ ‫الذي يجبرناالكشف عنه مرّة‬ ‫«شعريّ »‪ .‬بالطبع‪ ،‬ثمّ ة أشياء أو مواد ميكن أن يكون لها نربة أو إيحاء شعريّ ‪:‬‬ ‫أخرى على البحث عن مفتاح لغة‬ ‫الوردة‪ ،‬البحر‪ ،‬البحرية‪ ،‬القمر‪..‬إلخ؛ لكن ذلك ال يكفي ليك تحدث القصيدة‪.‬‬ ‫القصيدة ليست يف األشياء‪«.‬الوردة وردة»‪ ،‬قالت جريترود شتاين‪ ،‬ونقطة يف‬ ‫ّ‬ ‫مشفرة‬ ‫آخر السطر‪ .‬القصيدة يف الكلامت التي تقول األشياء ويف طريقة انتظامها‪،‬‬ ‫هكذا ميكنني القول بيشء من التكرار الظاهريّ ‪ :‬الشعريّ يف القصيدة‪ .‬أيْ‬ ‫أ ّنه بناء ينطلق من مادة أو عنرص‪ ،‬أياً كان‪ُ ،‬ينتقى من الواقع‪.‬والشعريّ ليس‬ ‫هو هذا اليشء؛ بل تلك الطريقة التي تلعب بها الصورة التي اختارها الشاعر مع الصور األخرى‪ ،‬عرب الكلامت التي تك ّون اللعبة‬ ‫والشبكة الداللية واإليقاعية اللتني تنتجان القصيدة‪ .‬إذن‪ ،‬هنالك قطيعة‪ ،‬انحراف‪ ،‬انزياح‪ ،‬يف بداية هذه العملية‪ ،‬للوصول يف‬ ‫آخر الدرب إىل جوهر ذلك اليشء الذي كان نقطة انطالق القصيدة‪ .‬يف النهاية فقط‪،‬وليس يف البداية يصبح ذلك اليشء شعر ّياً‬ ‫‪ Contre-jour : Cahiers littéraires, N°5,2004‬املصدر‬ ‫ترجمة وليد السويريك‬

‫‪126‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫جمهور ّ‬ ‫الشاعر‬ ‫يوسف عبد العزيز‬

‫شغلت‬

‫الشعراء واملث ّقفني العرب‪ ،‬ردحاً من الزّمن‪ .‬وال تزال هذه القض ّية ّ‬ ‫قض ّية (الوصول إىل الجمهور)‪ّ ،‬‬ ‫تحتل الكثري‬ ‫الشعر‪ .‬ومن األسئلة التي ظ ّلت ترتدّد يف النّدوات واملهرجانات ّ‬ ‫من النّقاش الذي يدور حول ّ‬ ‫الشعرية‪ ،‬كان‬ ‫السؤال التّايل‪ :‬هل يذهب ّ‬ ‫الشاعر بشعره إىل الجمهور‪ ،‬أم أ ّنه ينتظر الجمهور أن يأيت إليه؟‬ ‫ّ‬ ‫الصعود املد ّوي لأليدلوج ّيات العربية‪ ،‬كان الوضع محتدماً‪ .‬كانت فكرة‬ ‫منذ خمسين ّيات حتى سبعين ّيات القرن املايض‪ ،‬وحيث ّ‬ ‫الجمهور مبثابة (بعبع) يثري ال ّرعب يف قلوب ّ‬ ‫الشعراء‪ .‬ولذلك فقد سادت يف هذه الفرتة عمل ّية تس ّول الجمهور‪ .‬وقد انعكست‬ ‫والشعارات ّية‪ .‬طبعاً‬ ‫الشعر العريب املكتوب يف تلك الفرتة‪ ،‬بحيث بدت املالمح العا ّمة له غارقة يف املبارشة والتّقليد ّ‬ ‫هذه الحالة عىل ّ‬ ‫لن ننىس يف تلك الفرتة الخط ّ‬ ‫الشعري املناوئ الذي كان يقوده الشاعر أدونيس‪ ،‬وجامعة مج ّلة شعر اللبنانية‪ ،‬والذين انفتحوا‬ ‫ّ‬ ‫الشعر ّيات الحديثة يف العامل‪ ،‬غري ّأن الخط العام ّ‬ ‫عىل ّ‬ ‫السنوات‪ ،‬با ّتجاه الوصول إىل الجامهري‬ ‫للشعر العريب كان يسري يف تلك ّ‬ ‫العريضة ّ‬ ‫لحضها وتثويرها‪.‬‬ ‫السبعين ّيات‪ ،‬وحمل معه الكثري من التّح ّوالت الجديدة‪ ،‬ومنها الغزارة والتّن ّوع عىل مستوى الكتابة ّ‬ ‫الشعرية‬ ‫بعد ذلك جاء عقد ّ‬ ‫العربية‪ ،‬وعىل مستوى األفكار املطروحة حول الشعر‪ ،‬بدءاً بالحديث حول ّ‬ ‫الشعرية‪ ،‬وانتها ًء بالحديث حول الجمهور‪ ،‬وماه ّية‬ ‫ً‬ ‫هذا الجمهور‪ ،‬وهل هو املجموع العام للمواطنني‪ ،‬أم نخبة مث ّقفة منهم‪ .‬طبعا املحزن يف هذا املجال ّأن نتاج هذا العقد املهم‬ ‫تتم دراسته‪ .‬لقد ّ‬ ‫والستين ّيات‪ ،‬أو حتى بالقياس‬ ‫سواء يف الشعر أو األفكار مل ّ‬ ‫ظل عقداً مهم ًال‪ ،‬بالقياس لعقدي الخمسين ّيات ّ‬ ‫للعقود التي تلت‪.‬‬ ‫بالشعرية‪ ،‬ومفهوم ّ‬ ‫للشعر العريب»‪ ،‬أعاد خاللها النّظر ّ‬ ‫يف بداية هذا العقد نرش أدونيس دراسته امله ّمة «مقدّمة ّ‬ ‫السائد‪.‬‬ ‫الشعر ّ‬ ‫وكان أهم ما أشار إليه هو مفهوم القصيدة التي وصفها بأنها ينبغي أن تكون «قصيدة كلية»‪ ،‬تتداخل فيها األنواع األدبية‪،‬‬ ‫وتتعانق معها الرؤى التي تقدّمها الفلسفة والعلم والدّين‪ .‬أ ّما ما كان ملفتاً فهو ّأن القصيدة مل تعد معن ّية فقط بالجيل املوجود‪،‬‬ ‫رصح أدونيس يف تلك ال ّدراسة ّأن عىل الجمهور أن يصعد إىل قصيدة الشاعر‪ ،‬ال أن‬ ‫وإنمّ ا باألجيال القادمة أيضاً‪ .‬من جهة أخرى ّ‬ ‫يهبط الشاعر بشعره إىل فهم الجمهور‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ماّ‬ ‫ً‬ ‫السبعين ّيات‪ ،‬سوف نرى شاعرا عرب ّيا مه آخر‪ ،‬هو محمود درويش‪ ،‬كيف يتم ّرد عىل واقعه‪ ،‬وعىل‬ ‫يف أواخر هذا العقد – عقد ّ‬ ‫ّ‬ ‫ثم يف مفهومه للجمهور! كان ذلك يف لقاء أجراه معه املثقف املعروف منري‬ ‫تجربته أيضاً‪ّ ،‬‬ ‫خاص ًة يف مفهومه لشعر املقاومة‪ّ ،‬‬ ‫العكش‪ .‬سأل العكش يف ذلك اللقاء محمود درويش‪« :‬أال تغريك جامهريك أحياناً؟ أال ّ‬ ‫يتدخل التّواصل معها يف الكتابة؟»‪ ،‬فر ّد‬ ‫يحب الناس شيئاً‬ ‫عليه درويش قائ ًال‪« :‬من الرضوري أن تعرف ّأن قناعتي هي املعيار األ ّول واألخري يف مدى إبداعي‪ .‬كثرياً ما ّ‬ ‫ال يقنعني‪ ،‬وكثرياً ما يرفضون عم ًال أعت ّز به‪ .‬أين الحقيقة؟ الناس ليسوا مقياساً ف ّن ّياً واحداً ألسباب كثرية‪ .‬وعىل رأسها مستوى‬ ‫الحساس ّية‪ ،‬ومستوى الثقافة ّ‬ ‫الشائعة يف العامل العريب»‪.‬‬ ‫نعود لنتحدّث عن محمود درويش‪ ،‬وعن جمهوره الذي ال يشبهه جمهور شاعر آخر‪ .‬كان جمهور درويش جمهوراً متعدّدا‪ً،‬‬ ‫وينحدر من حساس ّيات شعرية وأيدلوجية متن ّوعة‪ .‬كان الجميع يختلف حول ماه ّية الثورة‪ ،‬واملستقبل والعالقة مع الدّين‪،‬‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪127‬‬


‫في الشعر‬

‫ولكنّهم كانوا يتّفقون حول شعر درويش‪ .‬يف حاالت كثرية كان يتم وضع شاشات عرض عمالقة خارج القاعات التي كان درويش‬ ‫ثم يقول‪ :‬يف البداية سوف أقرأ عليكم ما تح ّبون من شعر‪ .‬كان يقرأ‬ ‫يقرأ فيها شعره‪ .‬كان درويش يصعد املنرب ويح ّيي الجمهور‪ّ ،‬‬ ‫عليهم مث ًال مقاطع من قصيدة بريوت‪ ،‬أو مديح ّ‬ ‫ثم ال يلبث أن يخاطب الناس املحتشدين أمامه قائ ًال‪ :‬اآلن سأقرأ‬ ‫الظ ّل العايل‪ّ ،‬‬ ‫ّ‬ ‫أحب أنا أن أقرأه‪ ،‬فكان يلقي عليهم قصيدة الهدهد‪ ،‬أو الجدارية‪ ،‬أو غريهام من قصائده املركبة‪ ،‬التي تحتاج ليس‬ ‫عليكم ما ّ‬ ‫فقط إىل إلقاء من ِق َبل الشاعر عىل املرسح‪ ،‬وإنمّ ا إىل مطالعة متأ ّنية من قبل القارئ أيضا‪ً.‬‬ ‫هكذا كان درويش يد ّرب جمهوره عىل التّلقي‪ ،‬وكان ينقل هذا الجمهور باستمرار للتّع ّرف عىل ّ‬ ‫الشعاب الجديدة يف الشعرية‬ ‫العربية‪ .‬من جهة أخرى ربمّ ا ساهمت تجربة الفنّان مارسيل خليفة‪ ،‬الذي نقل شعر درويش إىل الغناء‪ ،‬يف زيادة جمهور درويش‪،‬‬ ‫خاص ًة ّ‬ ‫وأن الغناء هو إحدى الوسائل الناجحة يف توصيل الشعر إىل الناس‪ .‬أتذ ّكر يف هذا املقام قصيدة درويش «أحمد الزّعرت»‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫التي بدت ربمّ ا صعبة يف نظر الناس‪ ،‬وقت نرشها‪ .‬والتي مل تلبث أن انترشت انتشاراً هائ ًال يف أوساط الجامهري بعد أن قام مارسيل‬ ‫بتلحينها وغنائها‪.‬‬ ‫واآلن‪ ،‬بعد ّ‬ ‫قصد ّ‬ ‫بالضبط بهذا املصطلح؟ هل هذا‬ ‫السؤال املسكوت عنه‪ :‬ماذا ُي َ‬ ‫كل ما ذكرناه عن جمهور الشاعر‪ ،‬نريد أن نسأل ّ‬ ‫ً‬ ‫الجمهور هو جمهور مث ّقف مد ّرب شعريا‪ ،‬وقاد ٌر عىل التفاعل الحقيقي مع الفنّ ؟ هل هو جمهور نخبوي؟ أم هو جمهور عام‬ ‫يضم أفراداً ال عالقة لهم بالثقافة وال بالشعر؟‬ ‫يضم من ضمن ما ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ال شك أن مثل هذا املصطلح «جمهور الشعر» هو مصطلح فضفاض يف العامل العريب‪ ،‬وال يشري إىل تلك الفئة املد ّربة عىل قراءة‬ ‫الشعر‪ ،‬وإنمّ ا يشري أساساً إىل قطاع عريض من الناس متعدّدي املستويات والحساسيات‪ .‬وحتى نكون قريبني من معاينة املشكلة‪،‬‬ ‫فينبغي علينا أن نعود إىل طباعة الشعر يف العواصم العربية‪ ،‬وإىل ما تو ّزعه دور النّرش من نسخ للدواوين الشعرية‪ .‬ينبغي‬ ‫االعرتاف هنا ّأن الشاعر العريب يطبع ألف نسخة من ديوانه‪ ،‬ويف أحسن األحوال ثالثة آالف‪ .‬ولنتص ّور ّ‬ ‫الطامة الكربى‪ ،‬حيث ّإن‬ ‫هذه النسخ األلف هي لثالث مائة وخمسني مليون عريب!!! أليس األمر مرعباً؟؟‬ ‫اآلن ومع االنتقال إىل العرص اإللكرتوين‪ ،‬انحرست نسبة ق ّراء الكتاب الورقي‪،‬‬ ‫وتح ّول مصطلح جمهور ّ‬ ‫الشعر إىل مصطلح فضفاض‪ ،‬الق ّلة القليلة ج ّداً منه‬ ‫السبعينيّات‪ ،‬حمل معه‬ ‫عقد ّ‬ ‫الشعر‪ .‬طبعاً نحن ال ندري إىل متى سيبقى جمهور الشعر مضطرباً‬ ‫تتابع ّ‬ ‫الكثير من التّح ّوالت الجديدة‪ ،‬على‬ ‫ومش ّوشاً! أخلص إىل القول مبرارة إ ّنه ليس لدينا جمهور للشعر‪ ،‬ال جمهور‬ ‫مستوى الكتابة ّ‬ ‫عشاق ّ‬ ‫عريض‪ ،‬وال جمهور نخبوي‪ .‬فقط لدينا ّ‬ ‫للشعر‪ ،‬وهؤالء قليلون ونادرون‪.‬‬ ‫الشعرية العربية‪،‬‬ ‫الشعر ليست مع ّ‬ ‫مشكلة جمهور ّ‬ ‫الشعر‪ ،‬ولكنّها مع ثقافة املجتمع الكسيحة‪،‬‬ ‫واألفكار المطروحة حول‬ ‫ومع التّقدّم الذي يكاد يكون مفقوداً يف الحياة العربية‪ .‬وكام أوصلت الدولة‬ ‫الشعر‬ ‫القطرية العربية األ ّمة العربية إىل الجدار املسدود‪ ،‬فقد أوصلت هذه الدّولة‬ ‫الثقافة إىل الدّرك األسفل‪ ،‬وبكالم آخر لقد بطشت بالثقافة‪ ،‬وح ّولت الشعراء‬ ‫وجمهورهم إىل قطيع!! هل سوف تختلف األمور يف زمن الثورات العربية؟ إننا نتابع ونأمل‪ ،‬رغم ّأن األمور تبدو مع ّقدة‪.‬‬ ‫وأحب أن أرويها هنا‪ :‬يف‬ ‫قصة طريفة‪ ،‬حدثت معي ومع الصديق الشاعر يوسف أبو لوز‪ّ ،‬‬ ‫يف ختام هذه املقالة‪ ،‬خطرت عىل بايل ّ‬ ‫عام ‪ ،1984‬شاركت أنا ويوسف يف أمسية شعرية يف مدينة الزّرقاء األردنية‪ ،‬دعانا إليها نادي أرسة القلم‪ .‬قرأنا قصائدنا يف القاعة‬ ‫التي امتألت بجمهور النادي‪ ،‬وكان من بني الحضور إحدى ّ‬ ‫الشخص ّيات املاركسية الكبرية يف األردن‪ .‬عندما انتهينا من القراءة‪ ،‬قال‬ ‫صديقنا املاركيس‪ :‬ملاذا كل هذا الغموض يف شعركم؟ ملاذا ال تكتبون شعراً مفهوماً‪ ،‬وملاذا ال تتناولون قضايا الجامهري؟‬ ‫موجهاً كالمه للصديق املاركيس‪:‬‬ ‫حني أردت أن أجيب عن السؤال‪ ،‬منعني يوسف وقال يل‪ :‬أرجوك اترك يل اإلجابة‪ .‬قال يوسف ّ‬ ‫أريد أن أجيب عىل سؤالك‪ ،‬ولكن بسؤال‪ :‬متى مارست ال ّرقص آخر م ّرة؟ استغرب الصديق املاركيس ذلك‪ ،‬فأكمل يوسف‪ :‬ذلك‬ ‫ّأن الرقص أصبح مبثابة مرجعية مهمة من مرجع ّيات الشعر‪ ،‬والذي ال يتقن الرقص ال يفهم ّ‬ ‫الشعر‬ ‫‪128‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫الجنون‬ ‫عبد هللا أبو بكر‬

‫يبدو‬

‫الحديث عن الجنون مغريا يف هذه اللحظات التي تشهد أكرث من شكل للجنون عىل الصعيد السيايس وكذلك‬ ‫االجتامعي والثقايف يف جغرافيا العامل العريب‪ ،‬حتى أصبح التعقل مطلبا ملحا لجميع من يعيش يف هذه الجغرافيا‬ ‫واألرض التي أصبح دورانها متسارعا أكرث من ما يحتمله الفهم ‪.‬‬ ‫الشعراء‪ ،‬هم أكرث من اتهموا بالجنون‪ ،‬وكانت هذه التهمة بالنسبة لكثري منهم مدعاة للفخر والفرح‪ ،‬وقد دافعوا عن جنونهم يف‬ ‫أكرث من مناسبة وقصيدة‪ ،‬فآرثر رامبو أجاب عندما سئل عن سبب توقفه عن الكتابة الشعرية بعبارة معروفة «مل أعد شاعرا ألنني‬ ‫مل أعد مجنونا»‪ ،‬وكذلك فعل أدونيس يف قصيدته «الجنون» حيث قال «كذبوا‪ ،‬ال تزال طريقي طريقي‪ ،‬والجنون الذي قادين ال‬ ‫يزال أمري الجنون»‪ .‬ميشيل فوكو أيضا‪ ،‬ع ّرف الجنون عىل أنه «معرفة»‪ .‬كل ذلك يدفع باتجاه الجنون‪ ،‬والرغبة بالسري معه عىل‬ ‫طريق واحدة وباتجاه واحد‪.‬ولكن‪ ،‬هل هذا الجنون هو ذاته الجنون الذي يعيشه الشعراء يف زماننا هذا ؟ أو هو الذي يعيشه‬ ‫السيايس أو سواه من أبناء املجتمعات العربية ؟‬ ‫ما يحدث اليوم ميثل فوىض فادحة ال عالقة لها مبعنى الجنون الذي يعلق عىل مشجبه الكثريون ما فاض منهم من خراب‬ ‫وسقوط‪ ،‬إنه نوع من انواع الفساد الثقايف واالجتامعي والسيايس كذلك‪ ،‬هو جنون يقود إىل الوراء ال إىل األمام حيث املخيلة‬ ‫واالبتكار واملعرفة والقبض عىل جمرة املعنى وذهب الفكرة‪.‬‬ ‫لقد تحول الشاعر العريب يف كثري من األحيان إىل رجل سياسة‪ ،‬أو محلل عىل قناة إخبارية‪ ،‬أو موظف براتب بالكاد يكرس جوع‬ ‫أبنائه‪ .‬وراح يصطف خلف عناوين وشعارات أشبه بتلك التي ترفعها األحزاب‪ .‬وهنا أصبح مصطلع الجنون محارصا باملعنى‬ ‫املبارش للكلمة‪ ،‬ال مبعناها اآلخر الذي ورد عند رامبو وفوكو وغريهم ‪.‬‬ ‫للشاعر موقف تجاه كل ما يحدث حوله‪ ،‬هذا مؤكد‪ .‬ولكن موقفه األول هو موقف الشعر‪ ،‬فال يستطيع شاعر أن يحمل يف يد‬ ‫قضية ما‪ ،‬دون أن يحمل يف األخرى غصن الشعر األخرض‪ ،‬الذي يحفر له الطريق ويعبدها حتى آخر أرض ‪.‬‬ ‫نحن إذا أمام فوىض ِ«شعرية» عارمة‪ ،‬تجر املشهد إىل مناطق فارغة‪ ،‬مبنية يف الهواء‪ .‬فام معنى ما نشهده من «حروب» يقودها‬ ‫شعراء باسم الحداثة والرتاث وشكل القصيدة وحجمها وما إىل ذلك؟ أال يكون هذا تطرفا وإن كان ناعام؟ متاما كالتطرف إىل‬ ‫مذهب أو طائفة‪ .‬أال يرسق ذلك الشعر من جوهره ويأخذه إىل مساحات سطحية تجعل منه كائنا جافا؟ وما نفع القصيدة‬ ‫إن مل يحتويها املاء وحرير الكالم والقول‪ ،‬وإن مل تكن حرة من كل قيد يرسم شكلها وإطارها وكأنها مجرد كومة من الحجارة‬ ‫واالسمنت !‬ ‫هذا القيد يضعه البعض يف يد القصيدة عن قصد أو دون قصد‪ ،‬كل ذلك يحدث باسم الحداثة وما بعدها‪ ،‬والرتاث وما احتواه‪.‬‬ ‫وهو ما انشغلنا به لعقود دون أن نصل إىل نتيجة واضحة‪ ،‬ودون انتهاء لهذا الجدل الذي ظهر تحت عناوين كثرية بعيدة عن‬ ‫الواقع والحقيقة‪ ،‬وما دعوة القطيعة مع الرتاث إال مثال عىل ذلك‪ ،‬فكيف ميكن لنا أن نحفر قربا لرتاكم معريف وثقايف هائل واألهم‬ ‫من ذلك أنه ال يزال حيا ؟!‬ ‫ّ‬ ‫إن ما كتب من شعر عريب عىل مدى التاريخ يشبه قصيدة شعرية واحدة‪ ،‬كتبها شعراء كرث‪ .‬وال ميكن أبدا أن نقطع هذه القصيدة‬ ‫إىل وجبات حسب وصفات «جنونية» مفتعلة‪ ،‬ال تخدم الشعر بقدر ما تخدم أصحابها‪ .‬وهنا تربز الحاجة إىل مراجعة موضوع‬ ‫الجنون ال سيام‪ ،‬ذلك الذي يتعلق بالشعراء‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪129‬‬


‫نقد‬

‫أحمد راشد ثاني‬

‫صبي تحت الضوء‬ ‫قصيدة الشاعر الراحل أحمد راشد ثاني «تحت الضوء» رؤيا خاصة للحياة‪ ،‬غابة من المرايا التي تعكس‬ ‫عوالم الشاعر حين يفتح «صبي الروح» عينيه للضوء ويترك ألحالمه أن تسافر في إقليم النهار والليل‬

‫إبراهيم أحمد ملحم‬

‫تتألف‬

‫قصيدة «تحت الضوء» من سبعة‬ ‫مقاطع‪ ،‬يبدأ كل مقطع منها بالتعبري‬ ‫«يستيقظ صبي الروح»؛ فالرقم سبعة يرمز إىل توايل‬ ‫أيام األسبوع السبعة‪ ،‬وإعالن بدء كل يوم منها يأيت عن‬ ‫طريق الفعل «يستيقظ»‪ .‬ليس الشاعر هو الذي يُسند‬ ‫إليه فعل االستيقاظ كل يوم‪ ،‬يف القصيدة‪ ،‬بل ما يسميه‬ ‫«صبي الروح»‪ ،‬وألن التعبري متكرر‪ ،‬فال مشاحة من إضاءة‬ ‫املقصود به قبل الرشوع بالقراءة؛ فهذا الصبي هو الشعر‬ ‫الذي ال يشيخ‪ ،‬فيبقى محتفظاً بزمن الصبا املدهش‪ ،‬كام‬ ‫يحتفظ «كيوبيد» بزمن الحب‪ ،‬وهو ليس صبي كسائر‬ ‫الصبيان «فيزيايئ»‪ ،‬بل إنه انحدر من ُصلب الروح روحاً‬ ‫أخرى‪ ،‬تضاعف من وجود الشاعر يف الحياة‪ ،‬وتبقى بعد‬ ‫الرحيل عن الدنيا‪.‬‬ ‫هذا التحديد ملعنى «صبي الروح»‪ ،‬يجعلنا نركز يف تناول‬ ‫أجزاء القصيدة عىل الهدف من يقظته يف كل مرة؛ فهو‬ ‫يريد أن يرى الحياة عىل طبيعتها‪ ،‬ثم يح ِّرك عنارصها نحو‬ ‫األفضل‪:‬‬

‫يستيقظ صبي الروح الكثري‬ ‫يك يرى الحياة‪،‬‬ ‫وهي تجري عىل األرض‬ ‫يك يرى اآلبار‪،‬‬ ‫وهي غاطة يف العطش‪..‬‬ ‫يستيقظ صبي الروح قبيل‬ ‫يك ُينهض اآلبار املخلوطة بالدم‪،‬‬

‫‪130‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫ُينهضها من سباتها الرميل‬ ‫فتقوم عارية‪،‬‬ ‫وبال ما ٍء ُيذكر‪..‬‬ ‫تقوم اآلبار من عمق الصحراء‬ ‫وتركض كاملجنونة‬ ‫وعىل ساحل البحر‪،‬‬ ‫وهي تبيك الينابيع التي هجرتها‬ ‫واختارت الصخور‬

‫إن النعت «الكثري» ليس لكلمة «الروح» املؤنثة تأنيثاً‬ ‫معنويّاً‪ ،‬بل لكلمة «صبي»‪ ،‬وهو الكثري؛ ألنه يتشظى يف‬ ‫كل قصيدة يقولها‪ .‬تطوف روح الشاعر متخذة من الشعر‬ ‫قوتها التي متكن من التطوف يف أرجاء األرض لرتى الحركة‬ ‫تدب عليها‪ ،‬بعد أن يصحو الناس ويتوجهوا إىل أعاملهم‪.‬‬


‫أحمد راشد ثاني‬

‫يلجأ الشاعر يف تصوير «اآلبار» غاط ًة يف العطش إىل التغيري‬ ‫يف دورة الحياة؛ فاآلبار التي تلعب دور الواهب للسقيا‪،‬‬ ‫ال متتلك ما يجعلها تدفع قسوة العطش‪ .‬والسبب يف ذلك‬ ‫أنها باتت تختلط بالدم‪ .‬ما زال املعنى غائرا ً‪ ،‬وحتى يقرتب‬ ‫من السطح‪ ،‬ينبغي معرفة الرمز الذي تحمله «اآلبار»‪ .‬إنها‬ ‫الشاعر يف الحياة اليومية‪ /‬اإلنسان الذي تتيقظ روح الشعر‬ ‫يف داخله فتطوف عىل األرض قبل أن يصحو‪ ،‬إنه اإلنسان‬ ‫الذي مل يرتو من الحياة بعد‪ ،‬عىل الرغم من أنه يهب الحياة‬ ‫لآ��خرين عرب الشعر‪ ،‬كام تهب اآلبار الحياة للناس عرب املاء‪.‬‬ ‫يحاول الشعر أن يجعل «اآلبار املختلطة بالدم»‪ ،‬مشريا ً إىل‬ ‫املعاناة جراء املرض‪ ،‬تصحو من سباتها‪ .‬وهنا‪ ،‬ينعت السبات‬ ‫بـ»الرميل»؛ ألنه يجر الذات إىل املوت حيث االلتحام بالرمال‬ ‫يعد التحاماً نهائيّـاً‪.‬‬ ‫تستجيب «اآلبار» لصبي الروح «الشعر»‪ ،‬فتنهض من‬ ‫سباتها يف عمق الصحراء‪ ،‬وتسري بحركة ال يفعلها إال َم ْن‬ ‫أصابه الجنون‪ .‬كانت هذه «اآلبار» تبيك بسبب هجرة‬ ‫الينابيع لها‪ ،‬وتفضيلها اللجوء إىل الصخور‪ .‬وبتعبري آخر‪ :‬كان‬ ‫اندفاع الشاعر‪ ،‬بفعل الشعر‪ ،‬قويّـاً إىل حد الجنون‪ ،‬ولكن‬ ‫«الينابيع»‪ ،‬أو الناس الذين وهبهم بالشعر حياةً‪ ،‬قد هجروه‪،‬‬ ‫فرتكوا «الصحراء» حيث «اآلبار»‪ ،‬ولجأوا إىل أماكن أخرى‬ ‫يتوحدون فيها مع الصخر‪ .‬ولعل هذا ما جعل الشاعر يبيك‬ ‫أولئك الناس الذين سلبت املدينة منهم أصالة الحياة حيث‬ ‫الشعر‪.‬‬ ‫إن العيون املغمضة بفعل النوم‪ ،‬تبقى غائبة عن الحياة‬ ‫الحقيقية التي يرينا الشع ُر إياها‪ ،‬فيجعل الشاعر يعاين‬ ‫تفاصيل الحياة اليومية بكل مظاهرها وتناقضاتها؛ حتى‬ ‫يكون صوت اإلنسان من خالل الشعر‪:‬‬

‫يك يحاول الدخول يب‬ ‫«أنا قطار الصدفة»‬ ‫إىل العامل‪..‬‬ ‫إىل مزاح العامل‪،‬‬ ‫وتذمر العامل‪،‬‬ ‫وجنونه‪..‬‬ ‫يستيقظ يك أدخل يف غابات مراياه‪،‬‬ ‫يك أغوص يف رمل مراياي‪،‬‬ ‫ُوأدفنُ تحت الضوء‪،‬‬ ‫وتلتهمني ضحكات الوقت‪.‬‬

‫إن استيقاظ «صبي الروح» ليس رشطاً أن يكون من أجل‬ ‫تشكُّل القصيدة يف كل مرة؛ فقد جاءت كلمة «يستيقظ»‬ ‫خمس مرات‪ ،‬لآلن‪ ،‬ولكنها مل تقد أي واحدة منها إىل هذا‬ ‫التشكل؛ ألن القصيدة تولد بعد معاينة ما يجري يف الحياة‬ ‫اليومية‪ ،‬وانعكاس تأثريه عىل الذات‪ .‬يف هذا الجزء من‬ ‫القصيدة‪ ،‬يأيت الفعل «يستيقظ» ليعلن عن هذه الوالدة‪:‬‬

‫يستيقظ صبي الروح مجدداً‬ ‫لقضقضة الكلامت‪،‬‬ ‫والقرطاس‪،‬‬ ‫واألتربة‪..‬‬ ‫يستيقظ لتعاطي غبار الوهم الخالد‬

‫يستيقظ صبي الروح يك يخرجني‬ ‫من العيون املغمضة ألعامق املحيطات‪،‬‬ ‫ومن هذيان الطيور‬ ‫يف رؤوس األشجار‬ ‫يستيقظ يك ُيخرجني من غمرات الرسير‬ ‫ومن عامء النوم األبيض‪،‬‬ ‫يك يخرجني إىل العامل‪،‬‬ ‫يك يدخلني‪،‬‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪131‬‬


‫نقد‬

‫ودحرجة األفكار كاألمواج‬ ‫عىل هذا الساحل املقفر‪..‬‬ ‫يستيقظ صبي الروح قبيل‬ ‫لوضع قطعة من خبز الغيوم‬ ‫يف فم البرئ الجائع‪،‬‬ ‫وجناح بعوضة‬ ‫يف كأس الوردة األحمر‬

‫إن كلمة «قضقضة» التي اقرتنت بالم التعليل‪ ،‬تكشف‬ ‫عن كون الشعر فاعالً؛ فصبي الروح‪ /‬الشعر‪ ،‬يتخذ‬ ‫الكلامت مظهرا ً له‪ ،‬وتكشف‪ ،‬أيضاً‪ ،‬عن ألفة الشاعر لهذا‬ ‫الفاعل بحيث يبوح له مبكنون صدره‪ .‬القضقضة نفسها‪،‬‬ ‫ت ُكتب يف «القرطاس»‪ ،‬أما كلمة «األتربة»‪ ،‬فتكشف عن‬ ‫املحتوى‪ ،‬وهو الحديث عن املوت‪ .‬ما يالحظ‪ ،‬أن الشاعر‬ ‫سمى الشعر بـ«غبار الوهم الخالد»؛ فالغبار يعني أن‬ ‫الشعر هو نتاج معركة يف الحياة‪ ،‬ورصاع مع املوت‬ ‫املرتبص له بصورة املرض‪ ،‬كام يكون الغبار نتاج معركة‬ ‫رشسة مع العدو‪ ،‬وأن هذا الشعر يبني عاملاً متخ َّيالً؛ فهو‬ ‫ليس حقيق ّيـاً مبعنى املطابقة مع الخارج‪ ،‬وألنه كذلك‪،‬‬ ‫فلن يطاله املوت كام يطال كل األشياء الفيزيائية‪ .‬وتأيت‬ ‫األفكار التي تتضمنها أبيات القصيدة إىل الشاعر‪ ،‬كام تأيت‬ ‫أمواج البحر إىل الشاطئ؛ أي أنها تأيت بحركتها الطبيعية‪.‬‬ ‫االستيقاظ الثاين‪ ،‬يف هذا الجزء من القصيدة‪ ،‬الذي يأيت‬ ‫قبل استيقاظ الشاعر‪ /‬اإلنسان‪ ،‬يهدف إىل شيئني‪:‬‬ ‫األول‪ :‬وضع قطعة من خبز الغيوم يف فم البرئ الجائع‪،‬‬ ‫ما معنى هذا الكالم؟ يفيد حرف الجر «من» التبعيض‪،‬‬ ‫ويعني بـ«الخبز» الشعر‪ ،‬وقد جاء الرتكيب «خبز الغيوم»؛‬ ‫ليؤكد أن الشعر هو الذي يُغذي فينا األمل ملواصلة‬

‫الشعر يبني عالم ًا متخيَّ ً‬ ‫ال؛‬ ‫فهو ليس حقيقيّـ ًا بمعنى‬ ‫المطابقة مع الخارج‪ ،‬وألنه‬ ‫كذلك‪ ،‬فلن يطاله الموت كما‬ ‫يطال كل األشياء الفيزيائية‬

‫‪132‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫الحياة‪ ،‬فهو األصل‪ ،‬كام الغيوم هي األصل لضامن استمرارية‬ ‫الحياة‪ ،‬وليس البرئ التي تبقى مرتقبة‪ ،‬عىل الدوام‪ ،‬ملا تجود به‬ ‫الغيوم حتى متتلئ باملاء؛ فام يجعلها جديرة بتسمية «برئ» هو‬ ‫تحويل ما تجود به الغيوم إىل جزء من تكوينها‪ ،‬وكذلك يريد‬ ‫الشاعر لإلنسان حتى يكون جديرا ً بالحياة أن يصبح الشعر جزءا ً‬ ‫من تكوين شخصيته‪ .‬وهكذا‪ ،‬تكون القطع ُة من الخبز‪ ،‬القصيد َة‬ ‫كل أولئك الذين يتذوقون‬ ‫من الشعر‪ ،‬وتكون البرئُ الجائعة‪َّ ،‬‬ ‫الشعر حتى يزين لهم الرغبة يف البقاء‪.‬‬ ‫الثاين‪ :‬وضع جناح بعوضة يف كأس الوردة األحمر‪ .‬مرة أخرى‪،‬‬ ‫أطرح السؤال السابق‪ :‬ما معنى هذا الكالم؟ يعني التعبري «كأس‬ ‫الوردة األحمر» كل أولئك الذين انغمسوا بالجوانب املادية‪،‬‬ ‫فأترفوا فيها‪ ،‬ويأيت وضع الجناح يف هذه الكأس؛ لإلشارة إىل أن‬ ‫ما انغمسوا فيه ال يعدل‪ ،‬يف النهاية‪ ،‬جناح بعوضة‪.‬‬ ‫إن استيقاظ الشعر‪ ،‬يف كل مرة‪ ،‬يوقظ يف الذات تلك الطاقة‬ ‫الجامحة التي تنعكس آثارها عىل الذات‪ ،‬فتحيلها إىل يشء آخر‪:‬‬

‫يستيقظ الصبي يف روحي‬ ‫يك أستيقظ أنا من ذايت‬ ‫يك تغتسل أناي‬ ‫يف صحن الضوء‪،‬‬ ‫وتشتعل يف عيوين‬ ‫رغبات الريح‪،‬‬ ‫ويحرتق لساين من جمر الصمت‪..‬‬ ‫يستيقظ يك تسطع جبهتي‬ ‫عىل سفوح النسيان‪،‬‬ ‫وتثمر يدي األصابع‬ ‫كالتني اليابس‪،‬‬ ‫تثمر يدي األحجار‬

‫يف هذا الجزء من القصيدة حرصا ً‪ ،‬تحل عبارة «يستيقظ الصبي‬ ‫يف روحي» محل عبارة «يستيقظ صبي الروح»‪ ،‬فام مييز هذا‬ ‫الجزء من سائر األجزاء األخرى؟ هناك تحول من اإلنسان‬ ‫الشاعر‪ /‬املوجود الزمني إىل الشاعر اإلنسان‪ /‬الخارج عن سلطة‬ ‫الزمن؛ فاإلنسان الذي يقول الشعر قهره املوت‪ ،‬ولكن شعره‬ ‫بقي موجودا ً‪ ،‬والروح التي تسكن فيه تتجىل يف الحياة بقوة‪،‬‬ ‫وكأن الشعر‪ ،‬اآلن‪ ،‬يسكن يف الروح فيوقظها منعتقة عن الجسد‬ ‫«أستيقظ من ذايت»‪ ،‬ومتيض يف نسق يناسب طبيعتها‪ :‬تغتسل يف‬


‫أحمد راشد ثاني‬

‫يحرتق الشاعر حتى تولد القصيدة‪ ،‬وعندما تولد يسعى إىل‬ ‫أن تدور عىل ألسنة الناس جميعاً‪ ،‬ولكن هؤالء ليسوا عىل‬ ‫مستوى واحد يف التعامل معها‪ ،‬وهو ما يجعل الشاعر يحرتق‬ ‫مرة أخرى‪ ،‬وهو يشاهد ما يحدث‪:‬‬

‫صحن الضوء‪ ،‬وتشتعل يف العيون رغبات الريح يف االمتداد‬ ‫بقوة‪ ..‬ولكن‪ ،‬ما قيل قد قيل وانتهى األمر‪ ،‬ليست هناك‬ ‫قصائد أخرى‪ ،‬ولهذا يحرتق اللسان من «جمر الصمت»‪.‬‬ ‫وعىل الرغم من ذلك‪ ،‬فإن ما قيل‪ ،‬يكفي ألن يجعل جبهة‬ ‫الشاعر مفعمة بالحياة‪.‬‬ ‫وإذا كان استيقاظ «صبي الروح» له تأثريه الفاعل يف‬ ‫حياة الشاعر‪ ،‬فهل له تأثريه الفاعل يف حياة اإلنسان الذي‬ ‫يخاطبه؟ لعل هذا ما سيجيب عنه الجزء اآليت من النص‪:‬‬

‫يستيقظ صبي الروح لفتح العيون‬ ‫عىل براري الجدران‪،‬‬ ‫وحقول املرايا‪..‬‬ ‫السرية التي نأيت عىل ذكرها هنا‪،‬‬ ‫ما زالت يف البداية‪،‬‬ ‫والدقائق تبدو كالطحني‬ ‫لدواجن الليل وطيوره‪،‬‬ ‫تبدو كالكالم‬ ‫لحركة اللسان يف الفم‬

‫يستيقظ صبي الروح يك يضعني‬ ‫عىل قارعة النهار‪..‬‬ ‫النهار الواقف لالستقبال‪،‬‬ ‫ولالستعامل‪،‬‬ ‫ولإلهامل‪..‬‬ ‫إلصابة الهدف‪،‬‬ ‫واصطياد كل تلك العصافري‪..‬‬ ‫النهار الخائف‪،‬‬ ‫وتردد الخطى بني الباب املدفون‬ ‫يف الجدار‪،‬‬ ‫واملصعد الذي جاء يف املوعد‬ ‫الصدَف‬ ‫يك ينتظر ُّ‬ ‫ُ‬ ‫تنزل إىل العمل‬ ‫يف أي وقت‪..‬‬ ‫النهار الزائف‬

‫تتكرر كلمة «النهار» يف هذا الجزء أربع مرات‪ ،‬وهي ال تأيت‬ ‫منفصلة بل تكون مضافاً إليه «قارعة النهار»‪ ،‬أو تتبعها‬ ‫الصفة «النهار الواقف‪ ،‬النهار الخائف‪ ،‬النهار الزائف»‪،‬‬ ‫األوىل‪« :‬قارعة النهار»‪ ،‬تعني النهار يف الحياة اليومية حيث‬ ‫يسعى الشعر إىل توسيع دائرة الرؤية عند اإلنسان؛ ليجعل‬ ‫حركة الناس‪ ،‬وتأيت البقية للتفصيل يف طبيعة هذا النهار؛‬ ‫لألماكن الضيقة التي يعيش فيها أفقـاً ممت ّدا ً‪ ،‬ولهذا مل تعد‬ ‫األشياء صامتة أو ساكنة أو جامدة؛ فالجدران أصبحت مضافاً فاإلنسان ميارس فيه الحركة بني االستعامل‪ /‬قراءة الشعر‪،‬‬ ‫واإلهامل املفيض إىل قتل مساحة الحرية التي تتحرك فيها‬ ‫إليه‪ ،‬واملضاف هو «براري»‪ ،‬واملرايا أصبحت مضافاً إليه‪،‬‬ ‫واملضاف هو «حقول»‪ .‬والهدف من جعل هذا األفق ممت ّدا ً أبيات القصيدة‪ ،‬وتحاول أن تجره إليها‪« ،‬اصطياد كل تلك‬ ‫هو القضاء عىل كل ما يحول دون الرؤيا التي تزين لإلنسان العصافري»‪ .‬هذا النهار‪ ،‬يخاف فيه اإلنسان من الشعر‪ ،‬ومن‬ ‫أجل ذلك‪ ،‬تبقى خطاه مرتددة بني أمرين‪ ،‬األول‪ :‬الخروج من‬ ‫من خالل الشعر الرغبة يف البقاء؛ فالشعر يطلق الرصاص‬ ‫الباب املدفون يف الجدار‪ ،‬وهو الحقيقة الصافية والحرية التي‬ ‫عىل الريح التي تحاول النيل من تلك الرغبة‪ ،‬ويجمع ما‬ ‫ال ت ُنال إال بكشف الخفي للميض بشجاعة نحو ما يدعو إليه‬ ‫تف ّرق معـاً حتى ليخال املرء أن هذا الجمع كان مستحيالً‬ ‫الشعر‪ .‬الثاين‪ :‬اإلعراض عن الشعر‪ ،‬واالنصهار بالروتني اليومي‪:‬‬ ‫قبل الدخول يف الرؤيا؛ فالشعر يضع خاتم موجة يف إصبع‬ ‫انتظار املصعد‪ ،‬وترك األمور للصدف‪ ،‬والنزول ملامرسة األعامل‬ ‫أخرى حتى يحقق السعادة لإلنسان يف برهة زمنية هي‬ ‫لحظة قراءة القصيدة‪ ،‬واللحظات التالية التي قد تطول وفق املعتادة‪ ،‬وهذا هو «النهار الزائف»‪ /‬إهامل الشعر حيث‬ ‫نُبرص القشور‪ ،‬ويعمينا عن النهار الحقيقي‪ /‬الشعر حيث نرى‬ ‫قدرة القارئ عىل البقاء تحت تأثريها‪.‬‬ ‫الجوهر‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪133‬‬


‫رأي الشاعر‬ ‫مازن معروف‬ ‫‪.......................................................................................‬‬

‫القصيدة والربيع العربي‬

‫شعراء اليوم غائبون‬

‫الحدث‬

‫الثوري يف الرشق األوسط‪ ،‬هو املرحلة امليكانيكية لرصاع لطاملا ظل قامئاً ما بني مؤسسة قمعية‬ ‫اجتامعياً وعسكرياً‪ ،‬وذاكرة‪ .‬تحديدا ً‪ ،‬بني سلطة املؤسسة وسلطة الذاكرة‪ .‬أما خط التامس الدائم بني‬ ‫هاتني السلطتني‪ ،‬العظيمتي النفوذ‪ ،‬فقد كان الفرد نفسه‪ .‬الفرد هذا كان أشبه بقامش ٍة يَ ِح ُّك وجهها األول حجر‪ ،‬ويحك‬ ‫وجهها اآلخر حجر آخر باالتجاه نفسه‪ .‬حج ٌر يك يعيق‪ ،‬وحجر يك يخلع نافذة‪ .‬التفت القام��ة يف النهاية عىل حجر النافذة‪،‬‬ ‫ودثرته‪ .‬يف ثورات الرشق األوسط‪ ،‬تنترص الذاكرة بأغراضها القدمية‪ :‬األمل‪ .‬وانتصارها مدفو ٌع بتعاطف مع الحياة‪ .‬وانحياز‬ ‫لها‪ .‬وال مبالغة يف قول إن املنتج الشعري ‪ -‬السيايس تحديدا ً‪ ،‬يف آخر مائة سنة‪ ،‬هو اإلبرة التي جعلت من «يوم الثورة»‬ ‫أمرا ً ممكناً‪ .‬وأي ديكتاتور يف الرشق األوسط إن أمسك بالذاكرة املعارصة وخشخشها وقَلَ َبها فإن قصيدة أبو القاسم الشايب‬ ‫«إذا الشعب يوماً أراد الحياة‪ /‬فال بد أن يستجيب القدر» ستهوي فوق رأسه كحجر ثقيل‪.‬‬ ‫هذا البيت الشعري‪ ،‬يَشُ ُّد الذاكرة العربية كنسيج‪ ،‬ورمبا قد يكون أكرث املواد الشعرية تداوالً بني األجيال وتناقالً‪ .‬ككرث‪،‬‬ ‫كنا قد نسينا داللته لفرتة طويلة‪ .‬لكن‪ ،‬ومع بداية االحتجاجات الشعبية يف تونس‪ ،‬عاد لينفجر يف وجوهنا‪ ،‬طازجاً كأنه‬ ‫بيت الشعر‪ .‬االحتجاجات الشعبية يف تونس‬ ‫كُ ِتب لتلك املناسبة‪ ،‬وتفاجأنا مبدى صالحيته‪ .‬ن ُِخ َر النظام السيايس ومل يُن َخ ْر ُ‬ ‫ُ‬ ‫النصل الذي لوحت‬ ‫الهتاف كان َ‬ ‫مل تبدأ بعمل مسلح‪ ،‬وال بحركة عسكرية يقودها ضباط أو سياسيون أو أحزاب معارضة‪.‬‬ ‫به الجامهري التونسية أمام سلطة بن عيل‪ ،‬وأول شعار رفع آنذاك‪ ،‬كان «إرحل»‪« .‬إرحل» ولد من لعبة يف املجاز واملعنى‬ ‫والهدف‪ .‬التعبري الذي استخدمته الرشطية التي صفعت محمد البوعزيزي‪ ،‬إستله املحتجون يومها‪ ،‬وشقلوا داللته ووضعوه‬ ‫يف كادر القيمة السياسية الخطرية‪ ،‬وع ّدلوا اتجاهه‪ ،‬يك ال يعود مص ّوباً نحو بائع خرض وفاكهة مسكني‪ ،‬بل نحو الديكتاتور‬ ‫‪ .‬أول أدوات الثورة‪ ،‬كانت لغويةً‪ ،‬لكزا ً للمعنى‪ ،‬وتعديالً‬ ‫ملسار الصيغة اليومية التي أرادها النظام‪ .‬ومنذ بدء الحراك‬ ‫هل يمكن للمصادفة‬ ‫الشعبي‪ ،‬أُ ِ‬ ‫عطيَ ْت اللغ ُة املسؤولي َة الكربى‪ .‬كانت بالنسبة‬ ‫المتمثّلة بكون البوعزيزي‬ ‫للمتظاهرين الحقل الذي يجب أن يقطفوا منه النباتات‬ ‫والشابي‪ ،‬تونسيين‪ ،‬وأن‬ ‫ليؤلفوا منها صيغاً تجلب انتباه الشمس‪ .‬وما لبثت «إرحل»‬ ‫سحبت خلفها كَماّ ً من الشعارات واليافطات التي خيطت‬ ‫أن‬ ‫ْ‬ ‫يكون االول شرارة الحدث‬ ‫بذكاء‪ ،‬لترتك صدى حادا ً يف عظم النظام‪ ،‬ولتعكس عالقة‬ ‫المصيري‪ ،‬فيما يكون الثاني‬ ‫متينة بني شعب نظر إليه النظام كضعيف وبسيط‪ ،‬وقاموس‬ ‫أحد واضعي أسس عالقة‬ ‫شعري ولغوي مل نكن نتوقع أن يكون له يوماً هذا األثر‪.‬‬ ‫الذاكرة الحديثة بالقصيدة‬ ‫لكن‪ ،‬هل ميكن للمصادفة املتمثّلة بكون البوعزيزي والشايب‪،‬‬ ‫تونسيني‪ ،‬وأن يكون االول رشارة الحدث املصريي يف الرشق‬ ‫السياسية‬ ‫األوسط‪ ،‬فيام يكون الثاين أحد واضعي أسس عالقة الذاكرة‬ ‫‪134‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫القصيدة والربيع العربي‬

‫ميدان التحرير‬

‫الحديثة بالقصيدة السياسية‪ ،‬الدور األبرز يف لعب الشاعر دورا ً يف «الربيع العريب»؟ سواء كانت االجابة عن هذا السؤال‬ ‫بنعم او ال‪ ،‬فالعالقة بني الشاعر والتزام العمل السيايس‪ ،‬متتد يف جذورها إىل ما قبل «الربيع العريب»‪ .‬هي بذلك ليست‬ ‫أسرية املستجد السيايس وحده‪ ،‬وإمنا تصب يف عمق الثقافة العربية ومكانة الشاعر االجتامعية تقليدياً‪ ،‬واألهمية التي ال‬ ‫يزال يحظى بها رمزياً يف األوساط الشعبية برغم كل العوائق املعيشية التي متنع الناس يف كثري من األحيان من االحتكاك‬ ‫بالقراءة واملنتج الشعري‪ .‬ففي املدرسة‪ ،‬تسبق القصيدة الفنون األخرى يف تواصلها مع التلميذ‪ .‬يُلقَّن األطفال االستظهارات‬ ‫الوطنية والرتبوية‪ ،‬ويدرس الجيل األكرب منهم تطور القصيدة العربية وأساليبها ويحفظون أسامء أبرز الشعراء‪ .‬يط ِّور‬ ‫املواطن يف الرشق األوسط بفعل هذا عالقة خاصة مع القصيدة‪ ،‬ويكتسب الشعر املقفى واملوزون أهمية كمؤثر عاطفي‬ ‫وفعال‪ ،‬ويصبح املكون األساس يف الهتافات واالحتجاجات‪ .‬وألن الشاعر أيضاً ميال بطبعه إىل تضخيم الحدث والتفاعل يف‬ ‫الحد األقىص معه والتلصص عىل الفجيعة‪ ،‬فإن تطورا ً طارئ ومفاجئ كـ»الربيع العريب» ال بد وأن يدفعه إىل أن يرتدي‬ ‫بذلته اللغوية ويغطس بعدته يف اللحظة‪.‬‬ ‫والذاكرة‪ ،‬كام هي مليئة بالقصائد واملحفوظات الشعرية‪ ،‬هي أيضا متخمة بأسامء الشعراء الذين قتلوا ولوحقوا وهددوا‬ ‫واعتقلوا عىل مر عقود‪ .‬أول ُصور الشاعر امل ُ َعاقب تعود إىل عام ‪ .1915‬علقت آنذاك السلطات العثامنية املشانق يف بريوت‬ ‫ودمشق ملجموعة من املثقفني والصحافيني وكان بينهم الشاعر الشعبي عمر حمد الذي أذهلت صالبته قياساً بصغر سنه‬ ‫الكثريين‪ .‬والشاعر املرصي الكبري مثالً فؤاد حداد‪ ،‬كان اعتقل عدة مرات يف خمسينات القرن الفائت‪ ،‬كام الشاعر املعروف‬ ‫أحمد فؤاد نجم الذي لطاملا رددنا يف تظاهرات بريوت يف أواخر التسعينات واوائل االلفية الثالثة مقاطع قصيدته «شيد‬ ‫قصورك عل املزارع‪ /‬من كدنا وعمل إيدينا»‪ .‬وقد برز شعره بعيد نكسة ‪ ،1967‬وتوقيع كامب دايفد وفساد أجهزة مبارك‪.‬‬ ‫واعتقل يف الستينات والسبعينات‪ ،‬ومل يعفه نظام مبارك من املالحقة والحبس‪ .‬الشاعر السوري محمد املاغوط أودع يف‬ ‫منتصف الخمسينات يف سجن املزة ولوحق أيام الوحدة واضطر إىل الهرب إىل بريوت‪ .‬وهو الذي كتب يف مرسحية كاسك‬ ‫يا وطن «ما ناقصنا إال شوية كرامة بس»‪ .‬كذلك مواطنه الشاعر الكبري نزار قباين الذي اضطر ألن يعيش منفياً يف لندن‬ ‫بسبب نظام حافظ األسد وذلك لقصائده السياسية الالذعة التي أزعجت نظام حزب البعث‪ ،‬وهو الذي كتب «يف حارتنا‬ ‫ديك سادي سفاح»‪ .‬أما الشاعر السوري حسن الخيرّ والذي كتب يف مطلع قصيدة تناقلتها الشفاه «ماذا أقول وقول الحق‬ ‫يعقبه جلد السياط وسجن مظلم رطب»‪ ،‬فقد اعتقل يف سبعينات القرن املايض عىل يد النظام السوري‪ ،‬ومل يعد له من‬ ‫أثر من يومها‪ ،‬وقيل أنه قبع يف أحد سجون النظام وقطع لسانه قبل اعدامه‪ .‬ومن ثم كان نصيب مواطنه الشاعر فرج‬ ‫بريقدار أربعة عرش عاما من السجن بدأت يف ‪ .1987‬والقامئة تتسع ألسامء عديدة أخرى‪.‬‬ ‫لكن‪ ،‬هؤالء الشعراء أنشأوا كتاباتهم يف مبادرات فردية نقدية مل تكن مدعومة بأي احتجاج شعبي أو موقف سيايس‬ ‫عام‪ .‬كانوا يف النهاية أفرادا ميتلكون موهبة الشعر‪ ،‬ورمبا مل يكن الواقع الجائر ليسمح لطموحهم بأن يتعدى أكرث من‬ ‫محاولة تحسني نظام الحكم‪ ،‬ال اقتالع جذوره‪ .‬غري أن مهمة الشاعر يف الربيع العريب اختلفت متاما‪ .‬إنها أكرث دقة ومبارشة‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪135‬‬


‫رأي الشاعر‬

‫ومصريية‪ .‬ما يكتب ال ميكن الرتاجع عنه‪ .‬موقف الشاعر حاسم‪ ،‬وهو مل يعد مجرد إشتغال يف الغرفة بعيدا ً عن الساحة‬ ‫والشارع والزقاق‪ .‬ليس الشعر يف الربيع العريب إستظهارا ً يف صف املدرسة أو زخرفات عىل الدفرت‪ .‬القصيدة حملت أدواتها‬ ‫ونزلت إىل قلب الثورة‪ .‬واتخذت مساحة لها‪ ،‬مكان تجمع املتظاهرين‪ ،‬بديال عن الورقة الفارغة‪ .‬فمساحة الشارع أدفأ‪،‬‬ ‫وأكرث حيويةً‪ .‬هناك يستقبل الناس الشاعر من دون أن يضطروا إىل الصمت‪ .‬ال أحد يصمت‪ ،‬ال الشاعر وال الجمهور‪،‬‬ ‫والجميع يتساوى يف القضية املعلنة‪ .‬ينتقل التواصل ليصري مبارشا ً‪ ،‬ال ضوابط‪ ،‬وال منصات‪ .‬الشاعر قد يحمل عىل االكتاف‪،‬‬ ‫وعندما يتم قتله أو اعتقاله أو اقتالعه من تربة الثورة‪ ،‬فإن قصيدته تتحرك من فم إىل آخر وتقفز متملصة من عنارص‬ ‫األمن والرشطة وأزالم النظام من املدنيني‪ .‬لهذا‪ ،‬فإن القصيدة يف الحراك العريب‪ ،‬تكون ُذ ِّوبت يف الحدث‪ ،‬لتصبح عىل‬ ‫مستوى من االهمية بحيث تحرض وتحفز‪ ،‬وتثري وتحرك وتشحن وتغذي وتتنازل عن ملكيتها للشاعر لتصبح حقاً عاماً‬ ‫متداوالً‪ .‬ففي الحراك العريب الحايل مل يعد هنالك من منرب‪ ،‬وال حتى من صاحب نص أو مؤلف‪ .‬أصبحت الكلامت مودعة‬ ‫يف خزنة الثورة لتخدم مطالب الدميقراطية والعدالة االجتامعية ورفع الظلم ووقف القتل ومغادرة السلطة ومحاكمة‬ ‫أرباب النظام‪.‬‬ ‫والنظام بدوره‪ ،‬وجد نفسه أمام عدو عنيد‪ .‬ليس بشخص‪ ،‬بل برتك ٍة فنية‪ .‬تفرج عاجزا ً‪ ،‬عىل القصيدة وهي تعمل عىل‬ ‫تنشيط الشارع وتشجيعه عىل اإلستمرار يف التظاهرات‪ .‬رواج الهتافات بتلك الرسعة يف الشارع العريب مرده إىل أن العالقة‬ ‫بني الشارع والشعر‪ ،‬قدمية‪ ،‬كالسيكية‪ ،‬لها عالقة بالرتاث‪ ،‬واألسس الرتبوية املدرسية وخصوصية املجتمع العريب الزاخر‬ ‫باألمثال املوزونة كـ»ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك» (اإلمام الشافعي)‪ .‬لذلك‪ ،‬شهدت الثورات العربية‬ ‫حوادث طالت شعراء بني االعتقال والتنكيل‪ ،‬باسلوب مشابه العتقال أسالف لهم من الشعراء‪ .‬ولعل أشهرهم بلبل الثورة‬ ‫السورية ابراهيم القاشوش‪ ،‬الذي غنى يف حامة لرحيل بشار األسد الرئيس السوري الحايل‪ ،‬وخرس حياته مثن قصيدته‬ ‫التي يقول فيها «والحرية صارت عل الباب‪ ..‬ويلال إرحل يا بشار»‪ .‬القاشوش وجدت جثته يف نهر العايص ممزقة وعنقه‬ ‫منحور من الوريد إىل الوريد وحنجرته مقتلعة‪ .‬حنجرته ال حنجرة القصيدة التي ال تزال عىل قيد الحياة يف كل شارع‬ ‫سوري منتفض‪.‬‬ ‫لكن لعبة ال ُجمل الشعرية‪ ،‬والتزام خيار العبارة بدل التسلح‪ ،‬انتقل من أن يكون عمال فردياً يؤديه شاعر واحد معلناً‬ ‫اسمه‪ ،‬إىل نتاج جامعي باسم مجموعة سكان‪ .‬مدينة كفرنبل السورية مثال‪ ،‬قدمت ظاهرة غري مسبوقة يف الثقافة العربية‪.‬‬ ‫يافطاتها باتت تقارع الشعر يف حدتها ونربتها النقدية الصارمة‪ ،‬من دون أن تعلن اسامً‪ .‬تطور عمل الجامعة‪ .‬صارت تنتج‬ ‫الشعر بدل أن يقترص دورها عىل استقباله‪ .‬الشعر أصبح مهمة فعلية يتقاسم مسؤوليتها الناس يف األزمة‪ .‬ويافطات‬ ‫كفرنبل هي يف أحد أوجهها احتضان ملكانة الشاعر يف وقت يحاول النظام أن ينكر صورته‪ ،‬وينفيه ويهدده‪ .‬بدال من ترفع‬ ‫كمقولة باسم الشاعر‪ ،‬ترفع اليافطة اليوم باسم الناس جميعا‪ ،‬وهم يعرفون األثر الذي ستخلفه يف عظم النظام‪ ،‬مدركني‬ ‫لتبعات غضبه‪ .‬انتفى كل تنصل ولو ضئيل من الكلمة املكتوبة‪ .‬إحدى الفتات كفرنبل تقول «سأزور قربك يا قاشوش يوماً‬ ‫ما وأقيض بقربك ليلة كاملة أمألها بالغناء وأقص عليك كيف أسقطنا النظام»‪ .‬إنه انعكاس صورة الشاعر بهيئة مدينة‬ ‫بأكملها‪.‬‬ ‫مل نجد إىل اآلن إشارة عىل أثر «الربيع العريب» يف بلورة قصيدة «جديدة»‪ .‬فكل ما ينهل منه شعراء «الثورة» هو مفردات‬ ‫استخدمت يف الستينات والسبعينات‪ .‬وقد يكون األمر مبكر جدا ً عىل تص ّور ما قد نسميه ارتدادات الثورة شعرياً‪ ،‬كام‬ ‫أن ظروف الفن وغياب املدارس الفنية الجامعية‪ ،‬قد ت��دو جميعها عوامل غري مبرشة فيام يتعلق بتأليف قصيدة «غري‬ ‫مسبوقة» تتامىش مع الحراك الشعبي غري املسبوق‪ .‬غري أن طريقة تداول املنتج الشعري‪ ،‬وتوظيفه للمراد السيايس‬ ‫والتاريخي‪ ،‬يبلغ من األهمية بحيث يضع األرضية لشعراء يك ينشئوا قصيدة مغايرة فعالً‪ .‬خاصة وأن الشعر مل يعد نزيل‬ ‫كريس وطاولة بعي َدين أمياالً ضوئية عن الشارع‬

‫‪136‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫قول على قول‬

‫فن الشعر‬

‫حواش إضافيّة‬ ‫وبعض‬ ‫ٍ‬ ‫اختيار وترجمة‪ -‬تحسين الخطيب‬

‫ُ‬ ‫األشن ُة ‪-‬‬ ‫آرشيبالد ماكليش‬ ‫عىل القصيد ِة أن َ‬ ‫كلامت‬ ‫تكون بال‬ ‫ٍ‬ ‫كرسب عصفافري‪.‬‬ ‫ال ُب َّد للقصيد ِة أن َ‬ ‫ِ‬ ‫تكون واضح ًة‬ ‫***‬ ‫وخرسا َء‬ ‫ً‬ ‫ال ُب َّد للقصيد ِة أن تكون ساكنة بال‬ ‫كثمر ِة كر ٍة أرض ّي ٍة‪،‬‬ ‫ّمن‬ ‫حر ٍاك يف الز ِ‬ ‫بكام َء‬ ‫مثلام يصعدُ القم ُر‪،‬‬ ‫لإلبهام‪،‬‬ ‫صيعات القدمي ِة‬ ‫كال ّر‬ ‫ِ‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫الباب‪ ،‬راحلة‪ ،‬مثلام ُي ْع ِتقُ القم ُر‪،‬‬‫ِّ‬ ‫صامت ًة كحج ِر‬ ‫حواف النافذ ِة ِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫غصينا غصينا‪ ،‬األشجا َر التي‬ ‫ليت أردا ُنهُ‪ُ ،‬‬ ‫الذي َب ْ‬ ‫كربت‬ ‫حيث ِ‬

‫ْ‬ ‫تشابكت بال ّليلِ ‪،‬‬ ‫راحل ًة‪ ،‬كام ُ‬ ‫يرحل القم ُر الذي َ‬ ‫خلف‬ ‫الشتا ِء‪،‬‬ ‫عن العقلِ ذاكر ًة ذاكرة ‪-‬‬ ‫ال ُب َّد للقصيد ِة أن َ‬ ‫تكون ساكن ًة بال‬ ‫ّمن‬ ‫حر ٍاك يف الز ِ‬ ‫مثلام يصعدُ القم ُر‪.‬‬ ‫***‬ ‫ال ُب َّد للقصيد ِة أن َ‬ ‫تكون نظري َة‪:‬‬ ‫الحقيقي‪.‬‬ ‫ليس‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫تاريخ األىس‬ ‫كل‬ ‫ألن‬ ‫ِ‬ ‫مدخل ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫فارغ وورق ُة َق ْي َق ٍب‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الح َّب‬ ‫ألن ُ‬ ‫العشب ُ‬ ‫املائل َ‬ ‫هو‬ ‫وضوءانِ اثنانِ‬ ‫ُ‬ ‫عىل البح ِر‪-‬‬ ‫ال ُب َّد للقصيد ِة ألاّ َتع ِني‬ ‫بل أن تكون‪.‬‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫ِب ِث ْن ِته هويدوبرو‬

‫ُ‬ ‫وليك ِن ّ‬ ‫مفتاح‬ ‫الشع ُر مثل‬ ‫ٍ‬ ‫يفتح َ‬ ‫باب‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ألف ٍ‬ ‫ُ‬ ‫ورق ِة أشجا ٍر تسقط‪ .‬وأخرى تط ُري‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫تستطيع الع ُني أن‬ ‫وليكن‪ -‬بق ْد ِر ما‬ ‫ُ‬ ‫ترى‪ -‬مخلوقاً‬ ‫تسمع» إىل‬ ‫وح «التي‬ ‫ُ‬ ‫ولرتتعش ال ّر ُ‬ ‫ِ‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪137‬‬


‫قول على قول‬

‫يرانا يف أعامقِ املرآ ِة‪.‬‬ ‫األب ِد‪.‬‬ ‫قلي ًال‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫واحرث الكلمة‪ .‬ال ُب ّد للفنِّ أن َ‬ ‫يكون كمثلِ تلك‬ ‫اخرتعْ عوامل جديدة‬ ‫ِ‬ ‫فارغ‬ ‫كمرآ ٍة عتيق ٍة‪ ،‬كرائح ِة ٍ‬ ‫بيت ٍ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫الض ُ‬ ‫حيث يعو ُد ّ‬ ‫والصفة‪ ،‬ح َ‬ ‫ني ال متنح حياة‪ ،‬اقتلها‪ .‬املرآ ِة‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫يوف يف ال ّليلِ‬ ‫ُ‬ ‫ّ‬ ‫يكشف لكل واح ٍد منّا وج َههُ‪.‬‬ ‫األعصاب‪-‬‬ ‫نحنُ يف دائر ِة‬ ‫سكارى بال َح ْيلٍ ‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫عوليس‪ُ ،‬منهكا من‬ ‫يقولون ّإن‬ ‫تتدلىّ عضالتنا‬ ‫األرض‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ثياب مرم ّي ٍة عىل ِ‬ ‫ورائحة ٍ‬ ‫ات‪،‬‬ ‫املتاحف‪،‬‬ ‫كذكريات‪ ،‬يف‬ ‫ِ‬ ‫املعجز ِ‬ ‫ٍ‬ ‫غياب أزها ٍر‬ ‫َو ُ‬ ‫ً‬ ‫ أو ربمّ ا ّ‬‫وال يش َء ُّ‬ ‫قد بىك ح ّبا ح َ‬ ‫ني رأى إيثاكا‪،‬‬ ‫يفت يف عضدنا‪.‬‬ ‫أقل كآب ًة بطريق ٍة ما‪-‬‬ ‫ً‬ ‫ٌ‬ ‫عنفوان ٌ‬ ‫محض‬ ‫يح تجلدُ صدريَ‬ ‫متواضعة وخرضاء‪ .‬الفنُّ هو إيثاكا لكنّ الحقيق َة ّأن ال ّر َ‬ ‫َ‬ ‫تلك‪،‬‬ ‫الرأس‪.‬‬ ‫فجأ ًة‪،‬‬ ‫يسكنُ يف ِ‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫الشعرا ُء! لِ َم تغن َ‬ ‫أ ّيها ّ‬ ‫ات‪.‬‬ ‫ّون عن الورو ِد؟ أبد ّية خرضا ُء‪ ،‬وليست معجز ٍ‬ ‫وال ّليايل الكثيفة بال َتنَا ٍه قد ح ّلت يف‬ ‫ّ‬ ‫الفنّ رسمديٌّ كنه ٍر يتدفقُ ‪،‬‬ ‫دعوها تتفت ُّح يف قصائدكم !‬ ‫غرف ِة نومي‪،‬‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ليس إلاّ ‪ُ ،‬‬ ‫يعيش‬ ‫لذات‬ ‫رغم بقائ ِه‪ ،‬مرآة ِ‬ ‫ني‬ ‫عابرا‪َ ،‬‬ ‫فهناك‪َ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫ضجيج نها ٍر أ َّج بالقراب ِ‬ ‫ُّ‬ ‫تحت ّ‬ ‫كل يش ٍء‪ ،‬من أجلنا‪َ ،‬‬ ‫هرقليطس املتق ّل ِب‪ ،‬الذي هو نفس ُه‬ ‫مس‪.‬‬ ‫يطلب بالكآب ِة النّبويَّ الذي َّيف‪،‬‬ ‫الش ِ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫َب ْي َد أ ّنه اآلخر‪ ،‬كالنّه ِر املتد ّف ِق‪.‬‬ ‫الشاع ُر كإل ٍه صغري‪.‬‬ ‫جاب‪،‬‬ ‫ّمث َة دويّ أشيا ٍء تنادي وال ُت ُ‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫‪.................................................... ....................................................‬‬ ‫واسم مش ّو ُش‪.‬‬ ‫وحركة‬ ‫هائجة‪ٌ ،‬‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫بابلو نيرودا‬ ‫خورخي لويس بورخيس‬ ‫وقت وما ٍء‬ ‫أن تحد َّق يف نه ِر ٍ‬ ‫َ‬ ‫الوقت نه ٌر آخ ُر‪.‬‬ ‫ُث ّم تذ ُكر ّأن‬ ‫أن َ‬ ‫تعرف بأ ّنا ُّ‬ ‫نضل كاألنها ِر‬ ‫ثم تفنى كاملا ِء وجوهُ نا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫حلم آخ ُر‬ ‫ة‬ ‫اليقظ‬ ‫بأن‬ ‫ر‬ ‫تشع‬ ‫أن‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫يحلم ألاّ‬ ‫يحلم ّ‬ ‫وبأن َ‬ ‫املوت‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫الذي نخشا ُه يف عظامنا هو ُ‬ ‫املوت‬ ‫الحلم ّ‬ ‫كل ليل ٍة‪.‬‬ ‫الذي ندعو ُه َ‬ ‫وعام رمزاً‬ ‫أن ترى يف ّ‬ ‫يوم ٍ‬ ‫كل ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫لكل أ ّي ِام اإلنسانِ وأعوام ِه‪،‬‬ ‫السن َ‬ ‫ني‬ ‫ثم تح ّول َ‬ ‫ّ‬ ‫غضب ّ‬ ‫وصوت‪ ،‬ورم ٍز‪.‬‬ ‫موسيقى‪،‬‬ ‫إىل‬ ‫ٍ‬ ‫ً‬ ‫املغيب‬ ‫ويف‬ ‫‪،‬‬ ‫ام‬ ‫حل‬ ‫املوت‬ ‫أن ترى يف ِ‬ ‫ِ‬ ‫حزناً ذهب ّياً‪ -‬كذا هُ َو ّ‬ ‫الشع ُر‪،‬‬ ‫متواضعاً وخالداً‪ّ ،‬‬ ‫الشع ُر‪،‬‬ ‫واملغيب‪.‬‬ ‫عائداً‪ ،‬كالفج ِر‬ ‫ِ‬ ‫أحياناً‪ّ ،‬مثة وجهٌ يف املسا ِء‬ ‫‪138‬‬

‫بيت الشعر‬

‫ني ِّ‬ ‫الظل والفضا ِء‪ ،‬ب َ‬ ‫ب َ‬ ‫وج‬ ‫ني السرّ ِ‬ ‫والعذارى‪،‬‬ ‫بقلب ُمف َر ٍد وأحال َم ُمهلك ٍة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫طائش‪ ،‬ذاب ًال يف‬ ‫شاحباً عىل نح ٍو ٍ‬ ‫ني‬ ‫الجب ِ‬ ‫غاضب ّ‬ ‫يوم‬ ‫باح كأرملٍ‬ ‫ويف ّ‬ ‫ٍ‬ ‫الص ِ‬ ‫كل ٍ‬ ‫من حيايت‪،‬‬ ‫آ ٍه‪ِّ ،‬‬ ‫في كرعتها‬ ‫لكل َجرع ِة ما ٍء َخ ٍّ‬ ‫َو ِسناً‪،‬‬ ‫ِّ‬ ‫صوت أشهقهُ‪ ،‬مرتعشاً‪،‬‬ ‫وبكل ٍ‬ ‫وذات‬ ‫بذات‬ ‫العطش املفقو ِد ِ‬ ‫أشع ُر ِ‬ ‫ِ‬ ‫الح ّمى البارد ِة‪،‬‬ ‫هَ ا ُتولدُ َ‬ ‫اآلن ُأ ٌ‬ ‫وارب‪،‬‬ ‫وجع ُم ٌ‬ ‫ذن‪ٌ ،‬‬ ‫كام لو ّأن لصوصاً‬ ‫َ‬ ‫يصلون أو أشباحاً‪،‬‬ ‫يف داخلِ َصدف ٍة مج ّوف ٍة‪ ،‬عميق ٍة‪،‬‬ ‫ومديد ٍة‪،‬‬ ‫أجشاً‬ ‫كجرس صا َر ّ‬ ‫كنادلٍ مُهانٍ ‪،‬‬ ‫ٍ‬

‫العدد (‪ - )5‬أكتوبر‪/‬تشرين األول‪2012/‬‬

‫تشيسواف مييووش‬

‫لطاملا ُ‬ ‫تقت إىل شكلٍ أكرث رحاب ًة‬ ‫ُ‬ ‫بات ّ‬ ‫الشع ِر‬ ‫يكون متح ّرراً من متط ّل ِ‬ ‫أو ال ّن ِرث‬ ‫نفهم بعضنا بعضاً من َ‬ ‫دون‬ ‫يرتكنا ُ‬ ‫تعريض‬ ‫ِ‬ ‫عذابات‬ ‫القارئ إىل‬ ‫املؤ ّل ِف أو‬ ‫ٍ‬ ‫ِ‬ ‫عظيم ٍة‪.‬‬ ‫ٌ‬ ‫ّمث َة يف جوه ِر ّ‬ ‫فاحش‪:‬‬ ‫الشع ِر يش ٌء‬ ‫يش ٌء تق ّد َم ومل ند ِر أ ّن ُه قد َ‬ ‫كان فينا‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫وثب من ٌر‬ ‫فرنمش‪ ،‬كام لو َ‬ ‫وجلس يف ّ‬ ‫يرضب بذيل ِه‪.‬‬ ‫الضيا ِء‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫كان ح ّقاً ُ‬ ‫لقد َ‬ ‫قول ّإن الشع َر ُتلقي ِه‬ ‫علينا ّ‬ ‫الشياطنيُ‪،‬‬ ‫نزعم أ ّنها ال ُب ّد أن َ‬ ‫ُ‬ ‫تكون‬ ‫ونبالغ إذ ُ‬ ‫مالئك ًة‪،‬‬ ‫الحدس من أينَ تأيت‬ ‫الصعب‬ ‫فمن ّ‬ ‫ُ‬


‫فن الشعر‬

‫وليس الشرّ ير َة‪،‬‬ ‫ّأن‬ ‫َ‬ ‫األرواح الط ّيب َة‪َ ،‬‬ ‫تختارنا آللتها املوسيق ّية‪.‬‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫إكس‪ .‬جيه‪ .‬كينيدي‬

‫وضعت البيض َة الذهب ّي َة‬ ‫اإلو ّز ُة التي‬ ‫ِ‬ ‫ماتت وهي ُ‬ ‫ْ‬ ‫منفرج‬ ‫تبحث عن‬ ‫ِ‬ ‫ساقيها‬ ‫َ‬ ‫لتعرف َ‬ ‫ْ‬ ‫عملت عضلتُها‬ ‫كيف‬ ‫العارصة‪.‬‬ ‫ستضع َ‬ ‫البيض ج ّيداً؟ ال تنظر‪.‬‬ ‫هل‬ ‫ُ‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫بريموس سانت جون‬

‫كربيا ُء ّ‬ ‫آالف األعاملِ الخارج ِة للت ِّو‬ ‫الشعرا ِء‪،‬‬ ‫تص ُّف ِح ِ‬ ‫ً‬ ‫ح َ‬ ‫اض النفس ّي ِة‪.‬‬ ‫ني تتبدّى هشاشتهم‪ ،‬ملحقة بهم من‬ ‫ِ‬ ‫عيادات األمر ِ‬ ‫ولكنّ العامل ما زال مختلفاً عماّ‬ ‫الغالب‪.‬‬ ‫الخزي يف‬ ‫ِ‬ ‫ً‬ ‫يرغب يف أن َ‬ ‫يكون مدينة يبدو علي ِه‬ ‫فأيُّ عاقلٍ‬ ‫ُ‬ ‫ونحنُ غ ُري ما نرى علي ِه أنفسنا يف‬ ‫من شياطني‪،‬‬ ‫يترص ُف كام لو أ ّنهم عىل سج ّيتهم‪ ،‬هذياتنا‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ّاس نزاه ًة صامتةً‬ ‫وينطقُ بألسن ٍة كثري ٍة‪،‬‬ ‫ولهذا يدّخ ُر الن ُ‬ ‫َ‬ ‫مكتسبنيَ‪ ،‬بذلك‪ ،‬احرتا َم أقربائهم‬ ‫اض عن رسق ِة‬ ‫والذي‪ ،‬وهو غري ر ٍ‬ ‫والجريان‪.‬‬ ‫شفتي ِه ويدي ِه‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫غرض ّ‬ ‫ُ‬ ‫الشع ِر ْأن يذكرنا‬ ‫يعمل عىل تغي ِري قدَر ِه من أجلِ‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كيف صعبا أن ّ‬ ‫َ‬ ‫نظل شخصا واحداً‪،‬‬ ‫راحتهم؟‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫مفاتيح يف‬ ‫مفتوح‪ ،‬وال‬ ‫ألن بيتنا‬ ‫كئيب هو يف‬ ‫وليس كذبا ّأن ما هو ٌ‬ ‫َ‬ ‫ٌ‬ ‫َ‬ ‫األبواب‪،‬‬ ‫غاي ِة التّقدي ِر اليوم‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫ٌ‬ ‫قد تف ّك ُر بأنيّ‬ ‫محتجبون َ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫أمزح‬ ‫يأتون‬ ‫وضيوف‬ ‫لست سوى ُ‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫ويخرجون ىّأن شاؤوا‪.‬‬ ‫اختلقت وسيلة أخرى‬ ‫أو‬ ‫ُ‬ ‫ليس‪ -‬أق ُّر‪-‬‬ ‫السخري ِة‪.‬‬ ‫ما ُ‬ ‫أرغب يف قول ِه هنا َ‬ ‫ملديح الفنِّ بعونِ ّ‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫كان ّمثة ٌ‬ ‫شعراً‪،‬‬ ‫وقت مل ُتقرأ في ِه سوى‬ ‫كتب عىل‬ ‫الكتب الحصيف ِة‪،‬‬ ‫كام ينبغي للقصائ ِد أن ُت َ‬ ‫ِ‬ ‫ُك ْرهٍ‪ ،‬ملاما‪ً،‬‬ ‫والبؤس‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫تعيننا عىل احتاملِ األملِ‬ ‫ُ‬ ‫ً‬ ‫ذات عىل ك ْر ٍه ال ُ‬ ‫هذا‪ ،‬بعد ّ‬ ‫ليس متاما َ‬ ‫يطاق وبأملِ‬ ‫كل يش ٍء‪َ ،‬‬

‫عىل حا ّف ِة الغاب ِة‬ ‫قلب العتم ِة‬ ‫يف ِ‬ ‫ّمث َة يدٌ ‪،‬‬ ‫ّحاس‪،‬‬ ‫أبر ُد منَ الن ِ‬ ‫كنه ٍر‬ ‫ُم ّد عىل أحجا ٍر عريض ٍة‪.‬‬ ‫ورغم الصخو ِر القاسي ِة‬ ‫َ‬ ‫يح العاتي ِة‬ ‫وال ّر ِ‬ ‫ُأح ّبها‬ ‫كرسب طيو ٍر‬ ‫ِ‬ ‫وادع جا َء ليرشب‬ ‫كقطيع‬ ‫أ ْو‬ ‫ٍ ٍ‬ ‫لثائر ِة فنّها الفاتن ِة‬ ‫ُوأشنت ِه النّاعمة‪.‬‬ ‫ّمث َة يش ٌء بشأنِ القصيد ِة‬ ‫ٌ‬ ‫عنيف‬ ‫للموت‪،‬‬ ‫وطريقٌ أخرى‬ ‫ِ‬ ‫كل م ّر ٍة ُ‬ ‫ويف ّ‬ ‫ندرك فيها أرسارنا‬ ‫ُ‬ ‫نضعف‪.‬‬ ‫ح َ‬ ‫أكتب أتناث ُر غيرْ َ م ّر ٍة‬ ‫ني ُ‬ ‫ع َرب إمرباطور ّي ٍة فاجر ٍة‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪139‬‬


‫قول على قول‬

‫من أزها َر شهوان ّي ٍة‪.‬‬ ‫كات إىل‬ ‫جميعهنّ ‪ُ ،‬منت ِه ٍ‬ ‫يرتاءينَ ‪ُ ،‬‬ ‫ح ّد بعي ٍد‬ ‫حتّى ال ّلوايت ِرياشهنّ عليهنَّ‬ ‫تستبدُّ بهنّ لحظ ُة‬ ‫تلميح َمن هُ نَّ ‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫أومنُ ‪ْ ،‬إن َ‬ ‫كفاح‪،‬‬ ‫كان ٌ‬ ‫فال ُب ّد أن يتواصلَ‬ ‫ُ‬ ‫العش ُ‬ ‫حيث هم ّ‬ ‫اق الحقيق ّيون‪.‬‬ ‫لن أند َم ُّ‬ ‫قط‬ ‫بأنيّ قد ُ‬ ‫ذبت قطع ًة واحد ًة‬ ‫كرمى لهذي القصيد ِة‪.‬‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫إيونا إيرونيم‬

‫ّ‬ ‫زمن‬ ‫الشع ُر ل ّل ِ‬ ‫يكل برصك‪ ،‬متعباً‬ ‫ني ُّ‬ ‫ح َ‬ ‫ّ‬ ‫الثياب‪،‬‬ ‫رث‬ ‫ِ‬ ‫مكتوباً بفرشا ٍة غليظ ٍة عىل الجدا ِر‬ ‫الظالم‬ ‫مرئ ّياً حتّى يف‬ ‫ِ‬ ‫منتظراً َ‬ ‫الح َذقِ‬ ‫بعض ِ‬ ‫زمن‬ ‫يك ترتاءى يف أح ِد األمكن ِة‪ ،‬يف ٍ‬ ‫ما‪.‬‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫إليزابيث ألكساندر‬

‫الشع ُر غر ٌ‬ ‫ّ‬ ‫ابة‪،‬‬ ‫أخ ُرب تالميذي‪ّ .‬‬ ‫الشع ُر‬ ‫ُ‬ ‫حيث ُ‬ ‫نكون أنفسنا‬ ‫«رغم ّأن ْستريلنغ ْبراون َ‬ ‫قال‬ ‫ّإن ّ‬ ‫كل «أنا» هي «أنا» درام ّي ٌة»‪،‬‬ ‫ني جحو ِر البطلينوس‬ ‫حافرينَ يف ط ِ‬ ‫تفرقع‬ ‫الصدف ِة التي‬ ‫ُ‬ ‫بحثاً عن ّ‬ ‫ُمفرغ َ‬ ‫مرضب األمثالِ ‪.‬‬ ‫ني محفظ َة‬ ‫ِ‬ ‫‪140‬‬

‫بيت الشعر‬

‫الشع ُر ما تجدو َن ُه‬ ‫يف الثرّ ى الذي يف الزّاوي ِة‪،‬‬ ‫ما تسمعو َن ُه ُصدف ًة يف الحافل ِة‪،‬‬ ‫الرب‬ ‫ّ‬ ‫يف التّفاصيلِ ‪ّ ،‬‬ ‫الطريقَ الوحيدةَ‬ ‫يك َ‬ ‫نصل من هنا إىل هناك‪.‬‬ ‫الشع ُر «ويعلو صو َيت َ‬ ‫اآلن»‬ ‫حب‪،‬‬ ‫حب‪ٌّ ،‬‬ ‫ليس ك ُّل ُه ُح ٌّب‪ٌّ ،‬‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫الكلب قد َ‬ ‫مات‪.‬‬ ‫ويع ُّز عيل ّأن‬ ‫َ‬ ‫وت األعىل»‬ ‫الشع ُر‬ ‫بالص ِ‬ ‫ُ‬ ‫«وأسمع ِني ّ‬ ‫وت اإلنساين‪ُّ،‬‬ ‫الص ُ‬ ‫ه َو ّ‬ ‫وهل نحنُ غري مكرتث َ‬ ‫ني لبعضنا‬ ‫بعضاً؟‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫دانا ليفين‬

‫ُ‬ ‫رشنقات ِّ‬ ‫ملكات‬ ‫اشات‬ ‫ٍ‬ ‫ست فر ٍ‬ ‫تتش ّب ُث ّ‬ ‫مبؤخر ِة حلقك ‪-‬‬ ‫تستطيع أن تشع َر بأجنحتها‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫ترتعش‪.‬‬ ‫الذهب ّي ِة وهي‬ ‫تم تحذيرك‪َ .‬‬ ‫مصاب‪.‬‬ ‫أنت‬ ‫ٌ‬ ‫لقد ّ‬ ‫يف ّ‬ ‫السف ِّ‬ ‫بيت‬ ‫يل‪ ،‬يف حماّ ِم ِ‬ ‫ابق ّ‬ ‫الط ِ‬ ‫العائل ِة‪،‬‬ ‫تتق ّي ُا لتبصقها خارجاً ‪-‬‬ ‫وصوت ُ‬ ‫يقول‪ :‬إ ّي َ‬ ‫ٌ‬ ‫اك‪ ،‬إِ ّياك ‪-‬‬ ‫ملحق ‪-‬‬ ‫بعض‬ ‫حواش إضاف ّية عىل «فنّ‬ ‫ٍ‬ ‫الشعر»‪:‬‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫بابلو نيرودا‬

‫وكان عىل َ‬ ‫َ‬ ‫تلك الصفح ِة… جا َء‬ ‫الشع ُر‬

‫العدد (‪ - )5‬أكتوبر‪/‬تشرين األول‪2012/‬‬

‫باحثاً عنّي‪ .‬مل أعرف‪ ،‬ال ُ‬ ‫أعرف‬ ‫من أينَ جا َء‪ ،‬من شتا ٍء أم من نه ٍر‪.‬‬ ‫ال ُ‬ ‫أعرف َ‬ ‫كيف وال أينَ ‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫كلاّ ‪ ،‬مل تكن أصواتاً‪ ،‬ومل تكن‬ ‫كلامت‪ ،‬وال صمتاً‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ولكنّي من ّ‬ ‫ارع ُد ِع ُ‬ ‫يت‬ ‫الش ِ‬ ‫من غصونِ ال ّليلِ ‪،‬‬ ‫بغت ًة منَ اآلخرين‪،‬‬ ‫ب َ‬ ‫ني نريانٍ ضاري ٍة‬ ‫أو حني أعو ُد وحيداً‪،‬‬ ‫كنت‪َ ،‬‬ ‫ُ‬ ‫هناك‪ ،‬بال وج ٍه‬ ‫مسني‪.‬‬ ‫ولك ّن ُه ّ‬ ‫ُ‬ ‫مل أد ِر ماذا ُ‬ ‫أقول‪ ،‬مل تكن‬ ‫لفمي ٌ‬ ‫سبيل‬ ‫مع األسام ِء‬ ‫َ‬ ‫ني‪،‬‬ ‫كانت عينايَ معم ّيت ِ‬ ‫ويش ٌء َن َف َر يف روحي‪،‬‬ ‫ٌ‬ ‫أجنحة منس ّي ٌة‪،‬‬ ‫ح ّمى أو‬ ‫ثم ا ّت ُ‬ ‫خذت طريقي‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫وأنا ّ‬ ‫طالسم‬ ‫أفك‬ ‫َ‬ ‫َ‬ ‫تلك النّا ِر‬ ‫ُ‬ ‫غامض‪،‬‬ ‫كتبت أ ّول ٍ‬ ‫بيت ٍ‬ ‫نقي‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫غامض‪ ،‬بال مغزى‪ٍّ ،‬‬ ‫لَ ْغ ٍو‪،‬‬ ‫حكم ٍة خالص ٍة‬ ‫لشخص ال ُ‬ ‫يعرف شيئاً‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ثم فجأ ًة ُ‬ ‫رأيت‬ ‫ّ‬ ‫موات‬ ‫الس ِ‬ ‫ّ‬ ‫مفتوح ًة‬ ‫بال َح ْب ٍك‪،‬‬ ‫كواكب‪،‬‬ ‫َ‬ ‫تآكالت راجف ًة‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ظلاّ ً مفضوضاً‪،‬‬ ‫منخوباً‬


‫فن الشعر‬

‫هام‪ ،‬النّا ِر واألزها ِر‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫بالس ِ‬ ‫َ‬ ‫ال ّليل املتع ّر َج‪ ،‬والكون‪.‬‬ ‫الض ُ‬ ‫ُ‬ ‫املخلوق ّ‬ ‫ئيل‪،‬‬ ‫وأنا‪،‬‬ ‫سكر َان بالفر ِاغ‬ ‫ّجوم‪،‬‬ ‫العظيم ّ‬ ‫املرصع بالن ِ‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫الش َب ِه‪ ،‬صور ِة‬ ‫رس‪،‬‬ ‫ال ِّ‬ ‫شعر ُت ِني قطع ًة خالصةً‬ ‫الجحيم‪،‬‬ ‫منَ‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ّجوم‪،‬‬ ‫درت َ‬ ‫مع الن ِ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫ً‬ ‫وقلبي قد حطم أغاللهُ‪ُ ،‬ح ّرا‪ ،‬عىل‬ ‫السام ِء املفتوح ِة‪.‬‬ ‫‪....................................................‬‬ ‫نيكانور بارّا‬

‫• شعراء شباب‬

‫أكتبوا مثلام تشاؤون‬ ‫أسلوب تح ّبون‬ ‫وبأيّ‬ ‫ٍ‬ ‫فقد جرت دما ٌء كثري ٌة َ‬ ‫تحت الجرس‬ ‫أن تظ ّلوا مؤمن َ‬ ‫ني‬ ‫ّ‬ ‫الصواب‪.‬‬ ‫بأن طريقاً واحد ًة هي ّ‬ ‫ّ‬ ‫كل يش ٍء يف ّ‬ ‫مباح‪.‬‬ ‫الشع ِر ٌ‬ ‫ليس إلاّ ‪ّ ،‬‬ ‫بع‪،‬‬ ‫وبهذا الشرّ طِ ‪َ ،‬‬ ‫بالط ِ‬ ‫عليكم أن تصلحوا الصفح َة الفارغة‪.‬‬

‫لورنس فيرلينغيتي‬

‫• الشعر فنّ ثوريّ‬

‫أش ُري َ‬ ‫هيب‪.‬‬ ‫إليك ع َرب ألسن ِة ال ّل ِ‬ ‫ليس يف املكانِ‬ ‫ُ‬ ‫القطب الشام ُّيل َ‬ ‫الذي اعتا َد أن َ‬ ‫يكون في ِه‪.‬‬ ‫الق َد ُر الج ُّ‬ ‫يل مل ُيعد جل ّياً‪.‬‬

‫الحضار ُة تد ّم ُر ذاتها‪.‬‬ ‫املنتقم ُّ‬ ‫يدق الباب‪.‬‬ ‫ُ‬ ‫ما الذي يبتغي ِه ّ‬ ‫الشعرا ُء‪ ،‬يف مثلِ‬ ‫هذا العرص؟‬ ‫ما فائد ُة ّ‬ ‫الشع ِر؟‬ ‫ُ‬ ‫أحوال العاملِ تنادي عىل ّ‬ ‫الشعر يك‬ ‫ينقذها‪.‬‬ ‫أردت أن َ‬ ‫إن َ‬ ‫اصنع‬ ‫تكون شاعراً‪ْ ،‬‬ ‫أعامالً كفيل ًة باالستجاب ِة إىل تحدّي‬ ‫األزمن ِة الرؤيو ّي ِة‪ ،‬حتّى ولو بدا هذا‬ ‫املعنى رؤيو ّياً بذات ِه‪.‬‬ ‫أنت ويتامن‪ ،‬أنت ُپ ْو‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫أنت مارك‬ ‫ْتوين‪َ ،‬‬ ‫أنت إميييل ديكنسون َوإِ ْد َنا‬ ‫سانت ڨينست ميالي‪َ ،‬‬ ‫ْ‬ ‫أنت نريودا‬ ‫وماياكوفسيك وپازوليني‪َ ،‬‬ ‫أنت‬ ‫تستطيع‬ ‫أمري ّيك أو لست أمريك ّياً‪،‬‬ ‫ُ‬ ‫بالكلامت‪. . . .‬‬ ‫قه َر الغزا ِة‬ ‫ِ‬

‫تيد هيوز‬

‫• ثعلب الفكر‬

‫أتخ ّي ُل غاب َة لحظ ِة‬ ‫منتصف ال ّليلِ‬ ‫ِ‬ ‫هذ ِه‪:‬‬ ‫حي‬ ‫يش ٌء آخ ُر ٌّ‬ ‫رب عزل ِة ساع ِة الحائطِ‬ ‫ُق َ‬ ‫الصفح ِة البيضا ِء ُ‬ ‫حيث متيض‬ ‫وهذي ّ‬ ‫أصابعي‪.‬‬ ‫ع َرب النّافذ ِة ال أرى نجمة‪ً:‬‬ ‫يش ٌء أك ُرث ُقرباً‬ ‫أعمقُ يف العتم ِة‬ ‫ُ‬ ‫ويدخل العزل َة‪:‬‬ ‫معتم‪،‬‬ ‫باردٌ ‪ ،‬رقيقٌ ٍ‬ ‫كثلج ٍ‬ ‫يلمس غصناً‪ ،‬ورقة؛ً‬ ‫ُ‬ ‫ثعلب ُ‬ ‫أنف ٍ‬ ‫عينانِ تعلنانِ حرك ًة ما‪َ ،‬‬ ‫اآلن‬ ‫اآلن‪َ ،‬‬ ‫واآلن ثاني ًة‪َ ،‬‬ ‫َ‬ ‫واآلن‬ ‫لج‬ ‫ُ‬ ‫يرضب أثاراً بارع ًة يف ال ّث ِ‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪141‬‬


‫قول على قول‬

‫ُ‬ ‫بعض ميثاقٍ غري مؤملٍ»‪.‬‬ ‫اجع ّ‬ ‫الشع ُر‬ ‫تر َ‬ ‫َ‬ ‫املوت‬ ‫ولعب لعبة ِ‬ ‫َ‬ ‫باح‪.‬‬ ‫حتّى هذا ّ‬ ‫الص ِ‬ ‫مل أ ُكن حزين ًة أو أيّ يش ٍء آخ َر‪،‬‬ ‫ليس إلاّ ‪.‬‬ ‫قلقل ًة‪َ ،‬‬ ‫ني األشجا ِر‪ٌّ ،‬‬ ‫ب َ‬ ‫أعرج‬ ‫ظل ٌ‬ ‫َ‬ ‫قال ّ‬ ‫الشع ُر‪« :‬أتذكرينَ‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫قرب ِجذلِ شجر ٍة‪،‬‬ ‫اس َ‬ ‫يتم ّهل باحرت ٍ‬ ‫الصحرا َء‪َ ،‬‬ ‫كنت مرسور ًة‬ ‫وكيف ِ‬ ‫ّ‬ ‫ويف غو ِر‬ ‫ّ‬ ‫لك ع ٌني‬ ‫بأن ِ‬ ‫جس ٍد أقد َم عىل املجي ِء‬ ‫تبرصينَ بها؟ أتذكرينَ‬ ‫ع َرب األرايض املقطوع ِة األشجا ِر‪ ،‬عنيٌ‪،‬‬ ‫َ‬ ‫ذلك‪ ،‬ولَ ْو َ‬ ‫بعض الشيّ ِء؟»‬ ‫ٌ‬ ‫واسعة تعمقُ ‪،‬‬ ‫خرض ٌة‬ ‫قلت‪« :‬مل أسمع َ‬ ‫ُ‬ ‫ذلك‪.‬‬ ‫برباع ٍة‪ ،‬محتشد ًة‪،‬‬ ‫ثم‪ ،‬إ ّنها الخامس ُة صباحاً‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫تبلغ شأنها‬ ‫لن َ‬ ‫أنهض‬ ‫ثعلب كريه ٍة‪ ،‬حادّة‬ ‫حتّى‪ ،‬برائحة ٍ‬ ‫يف العتم ِة‬ ‫وفجائ ّي ٍة‪،‬‬ ‫ألك ّلمك»‪.‬‬ ‫َ‬ ‫املعتم‪.‬‬ ‫الرأس‬ ‫تدخل َ‬ ‫َ‬ ‫ثقب ِ‬ ‫َ‬ ‫قال ّ‬ ‫بالوقت‬ ‫الشع ُر‪« :‬ولكن‪ ،‬ف ّكري‬ ‫ِ‬ ‫نجوم؛‬ ‫الت النّافذ ُة بدونِ‬ ‫ما ز ِ‬ ‫ٍ‬ ‫رأيت في ِه القم َر‬ ‫الذي ِ‬ ‫ُّ‬ ‫الساع ُة تدق‪،‬‬ ‫ّ‬ ‫فوق َ‬ ‫َ‬ ‫الصغ ِري‬ ‫ذلك الوادي ّ‬ ‫ُ‬ ‫ٌ‬ ‫والصفحة مطبوعة‪.‬‬ ‫ّ‬ ‫الذي أحببت ِه أك َرث‬ ‫منَ الكب ِري— َ‬ ‫كنت مندهش ًة‬ ‫وكيف ِ‬ ‫ّ‬ ‫ألن أش ّع َة القم ِر كانت خرضا َء‬ ‫أليس ووكر‬ ‫زلت‬ ‫وما ِ‬ ‫ني سليم ٍة‬ ‫بع ٍ‬ ‫قلت ّ‬ ‫• ُ‬ ‫للشعر‬ ‫تبرصينها بها‬ ‫قلت ّ‬ ‫للشع ِر‪« :‬ها قد ُ‬ ‫ُ‬ ‫فرغت‬ ‫ف ّكري يف ذلك!»‬ ‫َ‬ ‫منك‪».‬‬ ‫أنضم إىل الكنيس ِة‪ُ ،‬‬ ‫قلت‪،‬‬ ‫«سوف ُّ‬ ‫ليس لهواً‬ ‫َ‬ ‫أشيح وجهي إىل الجدا ِر‪.‬‬ ‫كدر ًة‪ُ ،‬‬ ‫ْأن َ‬ ‫املوت‬ ‫تكون عىل شف ِري ِ‬ ‫سأتع ّل ُم َ‬ ‫كيف أصليّ ثاني ًة»‪.‬‬ ‫َ‬ ‫قبل ْأن َّ‬ ‫غريب‪.‬‬ ‫ينسل ضو ٌء ٌ‬ ‫أسألك‪َ ،‬‬ ‫قال الشع ُر‪.‬‬ ‫«دعيني‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫لاّ‬ ‫«ك ‪ ،‬شكراً لك‪ ،‬أ ّيها اإلبداعُ ‪،‬‬ ‫ني تص ّلنيَ‪ ،‬ما الذي تظ ّن َ‬ ‫ح َ‬ ‫ني‬ ‫طلب‪.‬‬ ‫فال‬ ‫ُ‬ ‫يحتاج اإللها ُم إىل ٍ‬ ‫بأ ّن ِك َ‬ ‫سوف تري َنهُ؟»‬ ‫ٌ‬ ‫إنيّ خارجة إىل أوقايت البه ّي ِة—‬ ‫لقد مت ّكن الشع ُر منّي‪.‬‬ ‫عىل ِّ‬ ‫أقل تقدي ٍر‪،‬‬ ‫«ال ورق َة‬ ‫‪142‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬أكتوبر‪/‬تشرين األول‪2012/‬‬

‫يف هذي الغرف ِة»‪ُ ،‬‬ ‫قلت‪.‬‬ ‫َ‬ ‫القلم الجديدُ الذي اشرتيت ُه‬ ‫«وذاك ُ‬ ‫يصد ُر جلب ًة مضحك ًة‪».‬‬ ‫«هرا ٌء»‪َ ،‬‬ ‫قال الشع ُر‪.‬‬ ‫«هرا ٌء»‪ُ ،‬‬ ‫قلت‪.‬‬ ‫جين كينيون‬

‫• قلي ًال تدخل‪ ،‬قلي ًال تتك ّلم‬ ‫كتاب‪،‬‬ ‫أنا‬ ‫ُ‬ ‫الربعم املطويُّ يف ٍ‬ ‫ُو ُ‬ ‫عام‪....‬‬ ‫جدت ثاني ًة بعد ّ‬ ‫مئتي ٍ‬ ‫الصانع ُة‪ ،‬والعاشق ُة‪ ،‬والحارسة‪....‬‬ ‫أنا ّ‬ ‫ح َ‬ ‫ني الصب ّي ُة الجوعى‬ ‫تجلس عىل ّ‬ ‫الطاول ِة‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫تجلس قريب‪....‬‬ ‫سوف‬ ‫ُ‬ ‫ني‪....‬‬ ‫أنا ٌ‬ ‫طبق ّ‬ ‫طعام يف ِ‬ ‫السج ِ‬ ‫ني املا ِء‪،‬‬ ‫أنا املا ُء‬ ‫ُ‬ ‫املندفع إىل ع ِ‬ ‫ُ‬ ‫أمأل اإلبريقَ حتّى ير َ‬ ‫اق املا ُء‪....‬‬ ‫الصبور ُة‬ ‫أنا البستان ّي ُة ّ‬ ‫لحديق ٍة يابس ٍة معشبة‪....‬‬ ‫أنا ُس ّلم ُة الحج ِر‪،‬‬ ‫الباب‪ ،‬واملفصل ُة الدّائرة‪....‬‬ ‫مرت ُ‬ ‫اس ِ‬ ‫الفرح‪....‬‬ ‫أنا ُ‬ ‫القلب الذي تق ّبض ُه ُ‬ ‫ُ‬ ‫َّ‬ ‫األطول‪ُ ،‬‬ ‫أبيض‬ ‫الشع ُر‬ ‫َ‬ ‫قبل ال ّرقا ِد‪....‬‬ ‫أنا‪ ،‬هُ نَا‪ ،‬يف س ّل ِة ال ّثام ِر‬ ‫املقدّم ِة إىل األرمل ِة‪....‬‬ ‫املسك تتفت ُّح‬ ‫أنا ورد ُة‬ ‫ِ‬ ‫خس عىل‬ ‫بال عيونٍ ترقبها‪ ،‬السرّ ُ‬ ‫السبخ ّي ِة‪....‬‬ ‫الق ّم ِة ّ‬ ‫يجتاح َك‬ ‫أنا الواحد ُة التي‬ ‫ُ‬ ‫ح ُّبها‪َ ،‬‬ ‫معك للت ِّو‬ ‫ح َ‬ ‫ني تف ّك ُر يف قولِ اسمي‬


‫تحقيق‬

‫المرأة الشاعرة في األردن‬

‫الحرية في يد قصيدة النثر‬ ‫والنقد يقف على األطالل‬ ‫أنتجت الحركة الشعرية النسوية في األردن‪ ،‬وال تزال‪ ،‬العديد من التجارب لشاعرات كان لهن إسهاماتهن‬ ‫الواضحة في تطوير وشحن القصيدة العربية بطاقات إبداعية جديدة‪ ،‬من دون اكتراثهن بالنقد الذي بقي‬ ‫ً‬ ‫مقتصرا على بعض ما ينتجه الرجل‪ .‬كما أطلق مصطلح «األدب النسوي» على ما تنتجه المرأة من أدب‬

‫يُ عنى بهمومها وقضاياها‪ ،‬ما يؤكد على أن النقد ال يزال يضع الحدود بين ما ينتجه الرجل وما تنتجه‬ ‫المرأة‪ ،‬رغم أنها خرجت بمنجزها من هذه الدائرة الضيقة إلى فضاءات واقتراحات ال تقل أهمية بمستواها‬ ‫الكوني واإلنساني والتجديدي عن ما ينتجه الرجل‬

‫عمان‪ -‬بريهان الترك‬

‫وفق‬

‫وشاعرات أردنيات هن الشاعرة لينا أبو بكر‪ ،‬والشاعرة‬ ‫مها العتوم‪ ،‬والشاعرة مريم رشيف‪ ،‬ملناقشة ظواهرها‬ ‫وحلولها‪..‬‬

‫دراسات حول ما تنتجه املرأة من شعر عىل‬ ‫املستوى املحيل والعريب تفوقت قصيدة‬ ‫النرث عىل األشكال الشعرية األخرى «التفعيلة والعمود»‬ ‫مواكبة منها للتطور‪ ،‬ولكون‬ ‫قصيدة النرث أقرب إىل‬ ‫لينا أبو بكر‪:‬‬ ‫التعبري عن القضايا املعارصة‬ ‫ومعالجتها‪ ،‬وقد ظهر من‬ ‫الخروج عن التابوهات‬ ‫خالل اإلصدارات الشعرية‬ ‫ليس انعتاق ًا للمرأة‪.‬‬ ‫الجديدة‪ ،‬عىل األخص يف‬ ‫والحرية الحقيقية للمرأة‬ ‫األردن‪ ،‬أن املرأة متكنت‬ ‫الشرقية هي أن تأخذ‬ ‫من تحقيق حلمها بالحرية‬ ‫واالنعتاق إىل التعبري الحر‬ ‫خيمتها إلى جزر القمر‪،‬‬ ‫عن ذاتها‪ ،‬وتجاوزت العوائق‬ ‫وتحتسي القصيدة في‬ ‫كالتابوهات واملحرمات‪.‬‬ ‫دالل القهوة العربية‬ ‫حول هذه القضايا التقت‬ ‫«بيت الشعر» أديبات‬

‫النقد عجلة معطلة‬

‫تقول لينا أبو بكر إن مشكلة النقد‬ ‫ليست بتقصريه يف تناول التجارب‬ ‫الشعرية واإلبداعية عموماً بشكل‬ ‫يليق بهاجس التجربة الشعرية يف‬ ‫األردن‪ ،‬بل ألنه عجلة معطلة مل‬ ‫يكن ألحد أن يحركها إال بعملية‬ ‫دفع خلفية ال ميكن سوى لصحافة‬ ‫الـ«‪ »take awy‬أن تقوم بها‪ ..‬وهي‬ ‫مسألة تعكس مدى تقهقر حال النقد‬ ‫عن مواكبة الحركة الشعرية بشكل‬ ‫عام يف مجالها املحيل‪ ،‬مام أدى‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪143‬‬


‫تحقيق‬

‫لينا أبو بكر‬

‫مها العتوم‬

‫‪144‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫لتأخر الحراك النقدي عن استيعاب القفزات اإلبداعية يف‬ ‫القصيدة األردنية عموماً‪ ،‬ال بل إن هذا التأخر انعكس‬ ‫باكتفاء وحرص النقد يف مجال الوقوف عىل األطالل وهو‬ ‫ما مل يؤخر أبدا ً تقدم العمل اإلبداعي الشعري يف األردن‬ ‫مام يعد استثناء حقيقياً ويثبت أن اإلبداع يف األردن مل‬ ‫يركن إىل النقد ولكنه مىض قدماً فاستفز بعض األقالم‬ ‫النقدية التي أدركت عمق الهوة الناجمة بني الحركتني‪،‬‬ ‫وبدأت تستعيد قواها للحاق بجيل كامل من الشعراء تم‬ ‫تجاوزه وإسقاطه وهو متاماً ما حدث‪ ،‬لذا ال ميكنني أن‬ ‫أنصف النقد فأقول أنه ظلم أدب املرأة‪ ..‬فقط!‬ ‫العتوم‪ ،‬من جهتها‪ ،‬تشري إىل أن النقد يتفرج وال يفعل‬ ‫يف وطننا العريب عموماً ويف الساحة املحلية خصوصاً‪ .‬وال‬ ‫يقوم بالدور املتوخى منه الذي يطور ويشحن ويفرز‬ ‫مواهب جديدة‪ ،‬وينصف املواهب املكرسة‪ ،‬وهذا عام‬ ‫للمرأة وللرجل‪ .‬ولذلك تعاين املرأة املبدعة الشاعرة من‬ ‫غياب دور النقد الحقيقي الذي يقيم ويقوم مثل الرجل‬ ‫متاماً‪.‬‬ ‫وتؤكد مريم رشيف عىل أن النقد يف العموم ال يواكب‬ ‫حركة اإلنتاج األديب‪ .‬عىل األغلب ما زال النقّاد يك ّرسون‬ ‫األسامء التي تك ّرست سلفاً‪ ،‬ويحتفون بإنتاجها‪ ،‬أما‬ ‫بالنسبة لكتابات املرأة فام زالت توضع يف هذا املجال‬ ‫الخاص والضيّق‪« :‬الكتابة النسوية»‪ ،‬وتتابع رشيف قائلة‪:‬‬ ‫«تجري مقارنة الشاعرة مثالً بشاعرات أخريات ال بحركة‬ ‫اإلنتاج الشعري العام‪ ..‬هذا حكم مس َبق عىل أ ّن شعر‬ ‫أقل شأناً من شعر الرجل‪ ،‬الغريب أننا نجد يف‬ ‫املرأة ّ‬ ‫يتخصص يف نقد األدب النسوي وال أعرف إن‬ ‫األردن من ّ‬ ‫كان هذا محاولة إلنصاف املرأة وشعرها بقصد القول إنه‬ ‫مسا ٍو يف األهمية واإلبداع لشعر الرجل أم أنه تكريس‬ ‫بطريقة أو بأخرى للنظر من األعىل نحو إبداع املرأة من‬ ‫باب التعاطف واألخذ باليد»!‬ ‫وتضيف‪« :‬ما زال بعض النقاد يبدأ كتابته النقدية عن‬ ‫أدب املرأة مبقدمة اجتامعية عن مايض املرأة التي تعمل‬ ‫يف الحقل وتعود للطبخ والخبز وهدهدة األطفال‪ ..‬وكأنه‬ ‫بهذه ير ّد األشياء إىل األصل الذي ال ميكن االنعتاق منه أو‬ ‫كل هذا تهيئ ًة لالنتقاص املسبق!‬ ‫تجاوزه‪ ،‬ويكون ّ‬


‫المرأة الشاعرة في األردن‬

‫مها العتوم‪:‬‬

‫حين أنظر فيما تكتبه‬ ‫بعض النساء يهولني‬ ‫حجم االنفالت والفوضى‬ ‫أحيان ًا‪ ،‬وال أتحدث من وجهة‬ ‫نظر أخالقية‪ ،‬ألن هذا يتصل‬ ‫بالشخص ال باإلبداع‬

‫بقضايا املرأة وهمومها‪ ،‬فالكثري من األدباء كتبوا روايات‬ ‫وأعامالً سلّطت الضوء عىل هموم املرأة وقضاياها‪ ،‬وال‬ ‫تص ّنف ضمن األدب «النسوي»‪ .‬وترى أن املرأة خرجت‬ ‫من دائرة همومها الخاصة إىل دائرة الكون الواسعة‬ ‫وكتبت يف كل املواضيع‪ :‬كتبت عن الرجال كام كتبت‬ ‫عن النساء‪ .‬ومع هذا فنتاجها األديب هو «أدب نسوي»‪،‬‬ ‫املجتمع العريب واألردين خصوصاً محكوم بالكثري من‬ ‫التقليدية يف نظرته للمرأة‪..‬‬

‫قصيدة النرث‪ ،‬األقرب لتعبري األنثى‬

‫وحول اختيار املرأة لقصيدة النرث كشكل شعري تقول أبو‬ ‫بكر‪« :‬الله يسهل عىل وليام فوكرن»‪ ..‬عذرا ً لهذا التعبري‬ ‫الذي يجنح إىل العامية‪ ،‬ولكنه جنوح رضوري إذا ما أخذنا‬ ‫بعني االعتبار أن بطل أحالم فوكرن «كائن كابويس» إن جاز‬ ‫يل التعبري‪ ،‬ألن حلمه الوحيد كابوسه الذي كان يسقط‬ ‫مصطلح «األدب النسوي»‬ ‫فيه من جبل عال وهو مل يصعد يف حياته تلة واحدة‪..‬‬ ‫ترفض أبو بكر التعليق عىل ما يسمى «األدب النسوي»‪،‬‬ ‫لن أعني بهذا إلغاء التجربة النرثية أو رفضها أو التعامل‬ ‫وترفض الخوض يف ظاهرة قبلية مل تزل تتعامل مع املرأة‬ ‫معها بتعال ألن لها أثرها ووقعها وثورتها التي امتدت‬ ‫من منظور العزل الذي يعني التهميش‪ ..‬حتى كأنها مل تزل‬ ‫لعقود‪ ،‬ولكنني مع ما رآه الشاعر اللبناين محمد عيل‬ ‫تساق مع القطيع والجواري وتوضع يف خانة ركنية‪..‬‬ ‫شمس الدين مرة أن مرحلة ما بعد الحداثة هي مرحلة‬ ‫أما العتوم فتقول‪« :‬أتعامل مع هذا املصطلح بحذر‬ ‫العودة إىل الوراء‪ ..‬القصيدة النرثية انقالب عىل القوالب‬ ‫ومبستويني رمبا يبدوان متناقضني وإن كنت يف قرارة‬ ‫املوروثة‪ ،‬ثورة لربيع إبداعي تم تشويهه من قبل من‬ ‫نفيس أراهام متكاملني‪ ،‬أقبل النسوية مبا هي ضد‬ ‫يتلقفون «الفشنغ» الفارغ من الثورات ويظنونه رصاصاً‪،‬‬ ‫السلطة مبستوياتها املختلفة ومبا هي انشقاق عن‬ ‫موضوع القصيدة النرثية موضوع جديل إىل أبعد الحدود‪،‬‬ ‫السائد واملتكلس‪ ،‬وأرفضها مبا هي مترتس املرأة وراء‬ ‫ولكن التجربة التي ال يستطيع أصحابها وأتباعها القبض‬ ‫حدود تفصلها عن الرجل حتى لو كان يف ذلك متيزها‪ ،‬يف‬ ‫عىل جمرتها – كنوع من الحامية– البد تفلت من بني‬ ‫اإلبداع ويف الشعر أرفض مصطلح اإلبداع النسوي‪ ،‬ألنه‬ ‫األصابع كخيوط املاء املترسبلة‪ ..‬هنالك دامئاً خطأ يرتكبه‬ ‫يتعامل مع كل شعر املرأة عىل أنه نسوي‪ ،‬ويقبل أحياناً‬ ‫أصحاب االنقالبات اإلبداعية‪ ،‬قائم عىل استرياد االنقالب‬ ‫بانحطاطه وتخلفه‪ ،‬وأنا أرى الشعر هو الشعر سواء كتبه‬ ‫وليس اكتشافه‪ ..‬التفعيلة تنترص ليس ألننا شعوب نعتمد‬ ‫الرجل أم كتبته املرأة‪ ،‬وال أقبل التسامح مع شعر املرأة‬ ‫عىل ما نرثه ونتسمر عند قدميه‪ ،‬إمنا ألننا خرجنا من‬ ‫األقل مستوى فنياً وجاملياً تحت هذا املسمى‪ ،‬ويف الوقت‬ ‫عباءة العمود إىل التفعيلة من دون أن نخلع جلدنا‪..‬‬ ‫خاصاً‪ ،‬خاصة يف‬ ‫نفسه أجد للمرأة يف قصيدتها حضورا ً ّ‬ ‫اإلبداع الذي ال يستطيع أن يكتشف ثورته ليس إبداعاً‬ ‫املضامني»‪.‬‬ ‫حقيقياً بل استهالكياً وهذا يتناىف مع مبدأ الخلق‪.‬‬ ‫من جهتها توضح رشيف بأن مصطلح األدب النسوي‬ ‫يطلق عل إنتاج املرأة األديب بشكل عام سواء كان قصة أم‬ ‫وهنا تشري العتوم إىل أن ال جواب واضح يف ذهنها وإن‬ ‫رواية أم شعرا ً ‪ ،‬وهو ال يعني بالرضورة األدب الذي يهت ّم‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪145‬‬


‫تحقيق‬

‫مريم شريف‪:‬‬

‫ما زال بعض النقاد يبدأ‬ ‫كتابته عن أدب المرأة‬ ‫بمقدمة اجتماعية عن ماضي‬ ‫المرأة التي تعمل في الحقل‬ ‫وتعود للطبخ وهدهدة‬ ‫األطفال‬

‫ومجاالت يشرتك الرجل واملرأة فيها‪ .‬وترى أن الخروج‬ ‫عن التابوهات ليس بالرضورة انعتاقاً للمرأة‪ ..‬الحرية‬ ‫الحقيقية يف اإلبداع عند املرأة الرشقية‪ -‬كفصل بل‬ ‫كتخصيص للملمح‪ -‬هي أن تأخذ معها خيمتها إىل جزر‬ ‫القمر‪ ،‬وتحتيس القصيدة يف دالل القهوة العربية املعتقة‪،‬‬ ‫االنعتاق هو االنجذاب إىل التابو عىل اعتباره غواية‬ ‫للقبض عىل الحرية بسالسل مفككة‪ ..‬وتضيف أبو بكر‪:‬‬ ‫«أنا ضد الخروج عن التابوهات بشكل مطلق‪ ..‬ألنني‬ ‫مع الغواية التي تشف وال تصف حتى يف نطاق التعامل‬ ‫مع العرف عىل اعتباره مادة جاملية ميكن االلتفاف عىل‬ ‫سياجها وأسالكها الشائكة بجسد من حرير»‪.‬‬

‫العتوم تلفت إىل صعوبة الحكم عىل هذا األمر يف حوار‬ ‫مختزل‪ ،‬وال بد من الرجوع إىل مناذج محددة‪ ،‬وال بد من‬ ‫كانت تتفق عىل أن النرث هو الشكل الشعري األكرث‬ ‫النظر يف مفهوم الحرية املقصود‪ .‬للحرية قيودها أيضاً‪.‬‬ ‫استخداماً من قبل الشاعرات‪ ،‬وتشري أيضاً حول السبب‬ ‫حني أنظر فيام تكتبه بعض النساء يهولني حجم االنفالت‬ ‫يف ذلك قائلة‪« :‬برأيي أن قصيدة النرث انشقاقية‪ ،‬وظهرت والفوىض أحياناً‪ ،‬وأنا ال أتحدث عن املوضوع من وجهة‬ ‫خروجاً عىل الشكل السائد وهو قصيدة التفعيلة‬ ‫نظر أخالقية‪ ،‬ألن هذا يتصل بالشخص ال باإلبداع‪ ،‬لكني‬ ‫والقصيدة العمودية قبلها‪ ،‬ومبا أن املرأة بدأت تطرح‬ ‫أظن أن عدم تحديد مفهوم الحرية من جهة‪ ،‬وأنها ال‬ ‫نفسها بشكل مختلف عن الرجل وبشكل انشقاقي عنه‪ ،‬تنبع من دواخل بعض املبدعات من جهة أخرى يجعلها‬ ‫فإن الشكل األقرب لهذا املضمون هو قصيدة النرث ال‬ ‫شكلية خارجية زائفة‪.‬ولكن باملقابل هناك من يفهم‬ ‫التفعيلة‪ .‬ولكن بالنسبة يل شخصياً ما زلت أميل إىل الوزن الحرية الحقيقية من النساء وغالباً هؤالء هن املبدعات‪،‬‬ ‫وإيقاعات قصيدة التفعيلة‪ ،‬وإن كانت يل بعض قصائد‬ ‫ألن ال توسط يف األمر وال مفاوضة‪ :‬إما أن تكوين حرة أو ال‬ ‫النرث»‪.‬‬ ‫تكوين‪ ،‬وبالتايل إما أن تكوين مبدعة أو ال تكوين‪.‬‬ ‫ويف هذا الصدد تقول رشيف‪« :‬قصيدة النرث تتيح حرية‬ ‫بينام ترى رشيف أن املرأة العربية‪ ،‬عموماً‪ ،‬تجاوزت الكثري‬ ‫أكرب يف التعبري ويف املواضيع الشعرية‪ ،‬شخصياً ال أعرف‬ ‫من املعوقات والقيود‪ ،‬وأحياناً كان ذلك التجاوز لدى‬ ‫حني ذهبت لهذا النوع من الكتابة إن كنت أواكب‬ ‫البعض مبالغاً به‪ ،‬أقصد أن ذلك التجاوز ظهر أحياناً وكأنه‬ ‫التط ّور أم أعبرّ عن نفيس فقط‪ .‬أظن أننا جميعاً‬ ‫ننطلق‬ ‫هو الهدف وليس التعبري التلقايئ وبحرية تامة‪ ،‬وهذه‬ ‫من الرغبة يف التعبري عن الذات وتشابكها مع الكون‪،‬‬ ‫مشكلة‪ ،‬املجتمعات العربية محكومة بالكثري من القيود‬ ‫املواكبة والحداثة ليستا مرتبطتني بقصيدة النرث‪ ،‬بل هام‬ ‫وال تتمتع بالدميقراطية واحرتام حرية الفرد‪ ،‬كام ال ميكن‬ ‫غاية األصناف األدبية عموماً»‪.‬‬ ‫تجاهل إرث طويل من النظر للمرأة عىل أنها يف املرتبة‬ ‫الثانية يف املجتمع والبيت‪ ،‬وإذا كانت الحرية هي الحرية‬ ‫وال تقبل أن توصف باملبالغة فأنا أحلم بأدب ح ّر وشعر‬ ‫الحرية والقيد‬ ‫للكاتبات‬ ‫اإلبداعية‬ ‫التجربة‬ ‫أن‬ ‫عىل‬ ‫تؤكد أبو بكر‬ ‫إنساين ال يضطر للدفاع عن نفسه باملبالغة أو التربير‬ ‫األردنيات تطورت كام تطورت مظاهر عديدة يف األردن‪،‬‬

‫‪146‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫حاشية‬

‫‪.‬‬

‫حسن نجمي‬ ‫‪.............................................................................................................‬‬

‫حسد الشعراء‬

‫ال‬

‫أعرف ملاذا يحسد شاعر شاعرا‪ .‬وال أعرف تحديدا ملاذا يحسده كلام ُنرشت له قصيدة جميلة أو أصدر مجموعة شعرية‬ ‫متميزة‪ .‬واألدهى‪ ،‬أن يعلن عن فوز شاعر بجائزة صغرية أو كبرية‪ ،‬اذ رسعان مايجد نفسه مطوقا بحسد رصيح يتخذ له‬ ‫شكل شائعات شفوية او مكتوبة تنال من جدارته وقيمته ووضعه االعتبارى‪.‬‬ ‫ومع أن املفرتض أن الشاعر صانع جامل وخالق للحياة وللقيم الحية‪ ،‬وبالتاىل فهو الذى يزرع املشاعر الجميله ىف نفوس اآلخرين‪.‬‬ ‫يفرتض انه ال يكره‪ ،‬وال يحقد‪ ،‬وال يحسد‪ .‬يفرتض ايضا ان يتمنى لو انه هو الذي كتب تلك القصيدة الجميلة‪ ،‬ولو انه كان صاحب‬ ‫تلك املجموعة الشعرية املتميزة‪ ،‬وذلك ىف لحظة اعرتاف وامتتنان وتثمني لزمالئه االخرين‪ .‬ولكن ذلك ال يحدث ىف املشهد‬ ‫الشعري العريب اال نادرا‪.‬‬ ‫هنالك شعراء ظلوا يهاجمون شعراء ىف حياتهم‪ ،‬وهاجموهم حتى بعد موتهم‪ .‬هنالك شعراء احرتفوا ايذاء شعراء اخرين‪ ،‬وترصفوا‬ ‫عىل اساس ان املشهد الشعري العريب ال ميكن ان يكون قامئا عىل اساس التعدد واالختالف ىف االسامء واالصوات والتجارب‬ ‫واالشكال الشعرية‪ .‬دعونا نقول انهم ترصفوا بعقلية «الزعامة» و«الحزب الوحيد»‪ ،‬أي بذاتية سياسية تحتكر لنفسها القوة‬ ‫والحضور واملشهدية وتحجب عن االخرين حصتهم من كل ذلك‪.‬‬ ‫لقد افرتض بابلو نريودا ىف مذكراته «أعرتف انني عشت» ان هذة الظاهرة وجدت دامئا بني الشعراء والكتاب‪ ،‬وستظل توجد‬ ‫ىف كل جهات العامل حتى انه قال « احيانا يصل الحسد اىل ان يصبح مهنة» ونذكر كيف تحدث‪ ،‬يف نفس الكتاب‪ ،‬عن « هذا‬ ‫الحسد املتطرف» الذى لحقه منه الكثري من االذى‪ ،‬عن تلك االشباح التى ظلت تالحقه‪ ،‬تغضبه وتؤمله وان كانت –ايضا‪ -‬تخدمه‬ ‫من حيث ال يدري‪ ،‬وكانها تقوم بواجب دعاىئ اشهارى تجاهه‪ ،‬وكانها مؤسسة ال ارادية نبتت حواليه تروج السمه وتجعله دائم‬ ‫الحضور والرنني‪.‬‬ ‫وقدم نريودا بعض النامذج والحاالت لهذا املرض‪ ،‬لهذا التعصب‪ ،‬لهذا التطرف‪ ،‬لهذا الحسد الذى احاطه‪ -‬طوال اربعني سنة‪-‬‬ ‫مبطاردات ادبية واعالمية رخيصة يف معركة رشسه ممتدة طويلة النفس من جانب واحد‪ ،‬وهل ننىس ذلك الشخص (البئيس)‬ ‫الذي ظل يكلف نفسه املال والجهد ذاهبا خلف نريودا حامال احقاده الصغرية متجشام عناء السفر ومصاريفه الباهظة فقط‬ ‫ليقنع جامعة أكسفورد بأن ال متنح نريودا دكتوراه فخرية بل سافر من األرغواى اىل ستوكهومل ليحرم الشاعر الكبري من امكانية‬ ‫جائزة نوبل لالداب حني بدأ اسمه يتداول ىف االكادميية السويدية‪ .‬ويف النهاية انتحر املسكني عجوزا منهارا بينام كان نريودا يحلق‬ ‫ىف االعايل ويحظى بانتباه عرصه مواصال الشعر والحياة‪ ،‬ساخرا من اولئك الذين ظلوا مقتنعني بانه ليس شاعرا عىل االطالق !‬ ‫ويلفت ىف هذا السياق رد فعل بورخيس‪ ،‬البارودي الهازئ متاما‪ ،‬عندما كتب «ىف كل مرة‪ ،‬كنت اقرأ فيها مقالة تهاجمني أو‬ ‫تنتقدين‪ ،‬كنت أتفق مع كاتبها! وأظن باستطاعتى أن اكتب – أنا نفيس‪ -‬افضل منها‪ .‬ولعله كان عيل نصح أعدايئ املفرتضني بأن‬ ‫يرسلوا ايل انتقاداتهم قبل ان ينرشوها‪ ،‬عليّ أضمن لهم العون‪ .‬لكم كنت ارغب ىف ان انرش‪ ،‬بتوقيع مستعار‪ ،‬مقاال قاسيا عنى‪».‬‬ ‫رمبا ذلك وبامعان ىف ازدراء هذا «الحسد االغريقي» املتأصل‪ ،‬كان بورخيس كلام اطلع عىل مقالة أو اساءة حاقدة يذهب اىل‬ ‫السينام ليشاهد فيلام جديدا بعينيه الغريرتني‪ .‬ويف احدى هذه املرات‪ ،‬وقف بورخيس ىف الطابور الطويل لريى (كام يرى اي‬ ‫اعمى حقيقي ىف العامل) فيلم « كاجيموشا» ( ظل املحارب) ألكريا كريوزاوا‪ ،‬فسمع احدا يضحك بقربه ساخرا من ارصاره عىل أن‬ ‫يشاهد الفيلم رغم أنه بال عينني لريى! ورد بورخيس ببساطته املعهودة‪ « :‬انني أحب اصوات األفالم اليابانية!»‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪147‬‬


‫شعر وفلك‬

‫احمد عبد المعطي حجازي‬

‫قراءة فلكية‬ ‫القراءة الفلكية لشخصية الشاعر احمد عبد المعطي حجازي تضيء الكثير من هوامش الظل لدى هذا‬ ‫الكاتب الذي خاض معارك سياسية وثقافية واثار من حوله ضجيجا لم يهدأ‪،‬وخصوصا لجهة موقفه‬ ‫العدائي من قصيدة النثر‬

‫ياسين الزبيدي‬

‫‪148‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫حجازي‬

‫خارطة امليالد التي نتناولها هنا تلزمنا ان نعود بالزمن‬ ‫اىل اكرث من ‪ 75‬عاما ً يف محاولة ملعرفة مواقع كواكب‬ ‫املجموعة الشمسية كام تبدو من سامء املنوفية ‪ ،‬املدينة‬ ‫التي ولد فيها احمد عبد املعطي حجازي‪ ،‬تساعدنا‬ ‫يف ذلك بعض برمجيات الحاسوب التي عندما نزودها‬ ‫بالزمان واملكان املحددين فأنها تقوم برسم صورة السامء‬ ‫بدقة متناهية تثري العجب‪.‬‬ ‫كانت الشمس يف ساعة ميالد حجازي يف برج الجوزاء‬ ‫الهوايئ‪ ،‬وبرج الجوزاء هو برج الذكاء وقوة االقناع‬ ‫والتعبري‪ ،‬مام جعل حجازي ذا ذاكرة قوية ودماغا له‬ ‫قدرة عىل التحليل واالستنباط‪ ،‬كام انه يشرتك مع مواليد‬ ‫الجوزاء يف حبه للحركة وكرهه للروتني‪ ،‬فالرتابة والتكرار‬ ‫اململ هام من اشد اعدائه‪ ،‬كام انه ميتاز بخيال خصب‬ ‫وعطش دائم للمعرفة‪ ،‬فضال عن منطق سديد يؤهله‬ ‫لرسعة االختالط باملجتمع‪ .‬بيد ان ذكاءه الحاد اوقعه‬ ‫بامر مل يكن يف الحسبان‪ ،‬فقد اوحت اليه مخيلته بأن ما‬ ‫ميتلكه من قدرات سوف ميكن ّـه من ان يفتح امامه كل‬ ‫االبواب املغلقة ‪ ،‬متناسيا ً ان الثقة املفرطة بالنفس قد‬ ‫تودي بصاحبها اىل الغرور‪ ،‬ومن الغرور ما قتل!‬ ‫فكيف قـُتل حجازي؟ ومن الذي غرس يف قلبه سكينا تاركا‬ ‫اياه مخضبا بدمائه سنني طويلة؟ انها مدينة القاهرة‪،‬‬ ‫قاتلة حجازي وملهمته‪ ،‬فعندما نزح اليها يف صباه وهو‬ ‫مفعم بكل احالم الرجل الجوزاء الذي غالبا ما تكون‬ ‫قدماه عىل االرض واحالمه فوق السحاب‪ ،‬كان يحلم‬ ‫بالقاهرة كام يحلم افالطون باملدينة الفاضلة‪ ،‬النه متأكد‬

‫انه سيجد فيها الواحة الوارفة لروحه العطىش‪ ،‬واالرض‬ ‫الخصبة التي ينرث فيها ابيات شعره‪ ،‬ولكن ما مل يخطر يف‬ ‫خلد هذا الشاب الريفي ان القاهرة ال تحفل بالغرباء‪ ،‬وال‬ ‫تفرش االرض رمال للبسطاء‪ ،‬ولهذا قتلته القاهرة باهاملها‬ ‫له‪ ،‬فكتب قصيدة «مقتل صبي» يف هذه املدينة الالهية‬ ‫التي مل تلق له باال‪:‬‬ ‫«املوت يف امليدان ط ّن‬ ‫العجالت صفّرت ‪ ،‬توقّفت‬ ‫قالوا ‪ :‬ابن من ؟‬ ‫و مل يجب أحد‬ ‫فليس يعرف اسمه هنا سواه !‬ ‫يا ولداه !‬ ‫قيلت ‪ ،‬و غاب القائل الحزين ‪،‬‬


‫تخطيط فليك لشخصية حجازي‬

‫و التقت العيون بالعيون ‪،‬‬ ‫و مل يجب أحد‬ ‫فالناس يف املدائن الكربى عدد‬ ‫جاء ولد‬ ‫مات ولد !»‬ ‫اال ان رجل الجوزاء مل ميت‪ ،‬بل خرج من‬ ‫هذه التجربة الصعبة كام يخرج طائر‬ ‫الفينيق من رماد العنقاء‪ ،‬وراح يهاجم قاتلته‬ ‫ويعريها ويكشفها للعامل اجمع‪ ،‬بانها «مدينة‬ ‫بال قلب» وليكون هذا العنوان هو باكورة‬ ‫دواوينه الشعرية‪ ،‬ومدخال قويا اىل تجربته‬ ‫املجددة يف الشعر العريب املعارص‪.‬‬ ‫الشعراء فرسان الكلامت‪ ،‬وحجازي يرى يف نفسه «اصغر‬ ‫فرسان الكلمة»‪ ،‬والقمر يف خارطة ميالده يؤيد فروسيته‪.‬‬ ‫كان القمر يف برج العقرب يف الساعة التي ابرص فيها‬ ‫حجازي النور‪ ،‬وللقمر يف برج العقرب داللة عىل رجل ذو‬ ‫قوة وتصميم‪ ،‬وشجاعة يف الكلمة وشجاعة يف املوقف‪،‬‬ ‫وفكر ال يخجل من االعرتاف باخطائه‪ ،‬فعندما يخفي‬ ‫الناس عيوبهم يك يحافظوا عىل صورتهم يف املجمتع‪،‬‬ ‫يخالفهم حجازي يف ذلك‪ ،‬فهو ال يتحرج ابدا من ان‬ ‫يعرتف بخطأه ويعود بقوة من اجل ان يصحح ما يجب‬ ‫تصحيحه‪ .‬كان حجازي مؤمنا بالزعيم املرصي عبد النارص‬ ‫اميانا ال تشوبه شائبة‪،‬وكان اقل ما يوصف به انه نارصي‬ ‫حتى العظم‪ .‬ولكن اصغر فرسان الكلمة عندما يرى بعينه‬ ‫ما يخالف معتقده واميانه فانه ال يستطيع السكوت‬ ‫ابدا‪ ،‬وهو يصف ملحسن عبد العزيز يف جريدة االهرام‬ ‫شهادته لحكم عبد العنارص وملاذا فقد االميان به‪:‬‬ ‫«عبدالنارص االشرتايك ساق آالف اليساريني اىل املعتقالت‪،‬‬ ‫وشهدي عطية مات تحت تعذيب عبدالنارص‪ ،‬والعامل‬ ‫الذين تظاهروا يف كفر الدوار شنقوا‪ ،‬هذه هي اشرتاكية‬ ‫عبدالنارص‪ ،‬اما عروبته فقد اوقعتنا يف هزمية ‪ 67‬النها‬ ‫كانت تهدف ايل مجد شخيص وهذا هو الطغيان»‪ .‬وألن‬ ‫حجازي ال يخىش ان يراجع نفسه‪ ،‬او ان يرجع عن قصائد‬ ‫تغنى بها لجامل عبد النارص عندما كان مؤمنا به ‪ ،‬كتب‬ ‫له حني اعيد انتخابه عام‏ ‪:1965‬‬ ‫«أخاف أن يكون حبي لك خوفاً‬

‫عالقا يب من قرون غابرات‬ ‫فمر رئيس الجند أن يخفض سيفه الصقيل‬ ‫ألن هذا الشعر يأيب أن مير تحت‪ ..‬ظله الطويل»‬ ‫ملاذا يحارب حجازي قصيدة النرث؟ وما رس هذا العداء‬ ‫القديم لقصيدة باتت عالمة يف سامء الشعر وطغت‬ ‫سلطتها عىل سلطة القصيدة العامودية وتفعيالتها؟‬ ‫وملاذا يطلق حجازي عليها الرصاص يف حواره مع سعيد‬ ‫محمود ‪ »:‬قصيدة النرث عندي ال تزال أقرب ما تكون اىل‬ ‫الشعر الناقص‪ ،‬ألن الشعر كام أراه‪ ،‬ال بد من أن يقوم‬ ‫عىل أركان اساسية وجوهرية‪ .‬فلغة الشعر تحتاج اىل‬ ‫املجاز وااليقاع واملوسيقى‪ ،‬واذا غاب عنها رشط من هذه‬ ‫الرشوط فإن النص الشعري يختل ويصبح إما منظومات‬ ‫تقريرية تعليمية كألفية ابن مالك‪ ،‬وإما قصائد ناقصة‬ ‫كام هي الحال يف قصيدة النرث الشائعة اآلن‪ .‬وأرجو أن‬ ‫تالحظ ان االسم ذاته تعبري عن هذا النقصان»‪ .‬امام كل‬ ‫هذه التساؤالت نتطلع اىل كوكب عطارد عله يسهم‬ ‫يف اماطة اللثام عن رس هذا العداء الدفني‪ .‬ان عطارد‬ ‫وموقعه يف خريطة امليالد له الدور الكبري يف االفصاح عن‬ ‫النمط الفكري لالديب والشاعر‪ ،‬وموقعه يف ميالد حجازي‬ ‫كان يف برج الرسطان املايئ‪ ،‬برج الذكريات واالحاسيس‬ ‫واال��الة الكالسيكية‪ ،‬لذلك نشأ حجازي وفيا للموروث‬ ‫العريب الفخم‪ ،‬عقليته امتداد لفالح قروي اصيل‪ ،‬يعتز‬ ‫بنفسه ومبوروثه‪ ،‬ويعتربكل ما يخالف التفعيلة الشعرية‬ ‫ومجازها هو خيانة لالمانة ومحاولة عابثة ملا وصل الينا‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪149‬‬


‫شعر وفلك‬

‫من املايض التليد‪ ،‬وحتى دور حجازي يف تجديد الشعر‬ ‫كان ضمن مظلة التفعيلة العربية االصيلة‪،‬او محاولة‬ ‫إظهارها بشكل آخر‪.‬ويقول الدكتور جابر عصفور يف‬ ‫حديثه عن شعر حجازي ‪ »:‬اذا جاز يل ان اصف شعره‬ ‫بصفه‪ ،‬فانني اقول انه اقرب اىل الكالسيكية منه اىل‬ ‫االتجاهات التي تحاول ان تفلت متاما من الوزن»‪.‬‬ ‫ولو ابتعدنا قليال عن اجواء حروب القصيدة ومعارك‬ ‫النص والتفعلية‪ ،‬واردنا ان نتحدث عن جوانب الحب يف‬ ‫شخصية حجازي لتطلعنا اىل موقع كوكب الزهرة‪ ،‬كوكب‬ ‫الحب والجامل‪ ،‬وملا كانت الزهرة يف برج االسد الناري‪،‬‬ ‫ادى ذلك ألن يكون حجازي معتدا بنفسه‪ ،‬يرى بانه‬ ‫الرجل االكرث متيزا بني الرجال‪ ،‬ورغم انه اسد يف الحب اال‬ ‫انه اسد خجول ‪ ،‬وذلك لدخول عامل اخر عىل املعادلة‬ ‫وهو موقع القمر‪ ،‬فالقمر املسؤول عن طبيعة املشاعر‬ ‫كان يف برج العقرب املايئ ليشري اىل ان حجازي رغم ما‬ ‫ميتلكه من شجاعة وجرأة اال انه خجول يف اظهار مشاعره‬ ‫وهو يقول يف قصيدته «حب يف الظالم»‪:‬‬ ‫«حبيبي من الريف جاء‬ ‫كام جئت يوما ‪ ،‬حبيبي جاء‬ ‫وألقت بنا الريح يف الش ّط جوعى عرايا‬ ‫فأطعمته قطعة من فؤادي ‪،‬‬ ‫ومشّ طت شعره‪،‬‬ ‫جعلت عيوين مرايا‬ ‫وألبسته حلام ذهبيا ‪ ،‬وقلنا نسري ‪،‬‬ ‫فخري الحياة كثري‬ ‫ويأخذ دربا ‪ ،‬وآخذ دربا ‪،‬‬ ‫ولكننا يف املسا نتالقى‬ ‫فانظر وجه حبيبي ‪،‬‬

‫كون الزهرة في برج االسد‬ ‫الناري‪ ،‬ادى ذلك ألن يكون‬ ‫حجازي معتدا بنفسه‪ ،‬يرى بانه‬ ‫االكثر تميزا بين الرجال‬

‫‪150‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫وال أتكلم»‬ ‫فصمت حجازي وخجله يربره القمر‪ ،‬ولهذا مل يكن يُظهر‬ ‫لذعة الحب الحارقة يف شعره‪ ،‬فهو اكرث خجال من ان‬ ‫يصور مكنونات عشقه للمرأة التي يحب ‪ ،‬ولهذا كان‬ ‫اكرث قدرة يف اظهار املشاعر االنسانية االخرى التي ال‬ ‫يخجل منها‪.‬‬ ‫املريخ إله الحرب لدى االغريق‪ ،‬فلونه االصفر املحمر‬ ‫كان نذيرا لدى االقدمني بحدوث حروب وكوارث‪ ،‬ولكنه‬ ‫اليوم له دالالت اخرى يف علم الفلك‪ ،‬وهو يرمز اليوم اىل‬ ‫الطاقة والنشاط وروح التنافس لدى االنسان‪ ،‬وموقعه‬ ‫يف لحظة امليالد داللة رصيحة عىل طبيعة املنافسة‬ ‫التي يخوضها االنسان يف رصاعه مع الحياة وتعامله مع‬ ‫الخصوم‪ .‬واملريخ ساعة ميالد حجازي كان يف برج امليزان‪،‬‬ ‫برج الديبلوماسية و»االتكيت»‪ ،‬ولكن عن اية ديبلوماسية‬ ‫نتحدث وحجازي معروف طيلة حياته بحروبه الفكرية‬ ‫وارائه الجريئة‪ ،‬حتى انه يف احدى ترصيحاته انتقد احد‬ ‫الدعاة يف مرص مام ادى اىل ان املحكمة حكمت علية‬ ‫بغرامة قدرها عرشين الف جنيه وملا رفض تنفيذ الحكم‬ ‫قررت املحكمة بيع اثاث بيته يف املزاد العلني‪ .‬وحجازي‬ ‫له مواقف صارمة ومعارك طاحنة ضد التعصب واالرهاب‬ ‫وضد كل ما هو متطرف‪ ،‬فأين ذهبت ديبلوماسية برج‬ ‫امليزان ياترى؟ نعم كام هو معروف ان املريخ يف امليزان‬ ‫يجعل الرجل ديبلوماسيا‪ ،‬اال انه يف نفس الوقت يضفي‬ ‫عليه احساسا عاليا بالعدالة‪ ،‬وحبا للمساوة واالعتدال‪،‬‬ ‫وهي مبادئ ال يساوم عليها مطلقا‪ ،‬ولهذا عندما يرى‬ ‫بأن الظلم رجحت كفته والطغيان جال يف امليدان‪ ،‬فال بد‬ ‫لحجازي ان يرفع سيف الكلامت ويهوي به عىل رؤوس‬ ‫الطغاة واملتخلفني والجهلة‪ ،‬وهذا ما كانت تحكيه لنا كل‬ ‫مدينة سكنها واناخ فيها برحله‪.‬‬ ‫وظلت املنيوفية والقاهرة وباريس وكل املدن التي عاش‬ ‫فيها حجازي تروي لنا حكاية ناقد وشاعر ومفكر‪،‬وتشهد‬ ‫له جميعا بانه قامة شعرية عالية‪،‬جمعت بني االصالة‬ ‫والحفاظ عىل املوروث‪ ،‬مثلام جمعت روح الحداثة‬ ‫والتجديد‪ .‬انه حجازي فارس كبري من فرسان الكلمة‪،‬‬ ‫شاعر الصدمة وشاعر اللحظات االنسانية الحرجة‬


‫شعرية الكاميرا‬

‫عدسة‪ :‬عالء خري‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪151‬‬


‫قصيد األسالف‬

‫ابن عربي‬

‫الص َور‬ ‫قلب يتسع لكل ُّ‬ ‫خالد بلقاسم‬

‫َ‬ ‫قال محيي الدين بنُ عريب‪:‬‬ ‫لق ْد صا َر قــــ ْلبي قاب ًال َّ‬ ‫كل ُصـــو َر ٍة‬ ‫َو َب ْي ٌ‬ ‫ــت ألوْثـانٍ وكــــــ ْع َبــة طــا ِئ ٍف‬ ‫الح ِّب أ َّنـى َت َو َّجه ْ‬ ‫َــت‬ ‫أدينُ بديـن ُ‬ ‫ْ‬ ‫لنا ْأســــ َو ٌة يف بشـــر ِه ْن ٍد وأخ ِتهـا‬

‫ِلهَذا‬ ‫‪152‬‬

‫بيت الشعر‬

‫ف َمــــ ْرعَى لِغِـــــزالنٍ و َد ْي ٌر لِ ُرهْ ــبان‬ ‫َوألـــ َو ُاح َت ْورا ٍة َو ُم ْص َح ُف قــــ ْرآن‬ ‫فالح ُّب دينــي وإميــانـي‬ ‫َركــــــا ِئ ُب ُه ُ‬ ‫ثم ِمـــــي وغــــيـالن‬ ‫وق ْي ٍس ول ْيىل‪َّ ،‬‬

‫الش ْعريِّ ُسالل ُت ُه البعيد ُة يف ِّ‬ ‫املَقطع ِّ‬ ‫الش ْعر الصويف‪َ .‬ش َج َر ُة أ ْنساب ِه تمَ ْتَدُّ إىل الحالج الذي َعزَا َت َعدُّ َد األدْيان‪ ،‬ق ْب َل‬ ‫سام‬ ‫كمها؛ ْ‬ ‫َز َمن ابن عريب ب ُقرا َب ِة ثالث ِة قرون‪ ،‬إىل ْ‬ ‫أصلٍ َت َش َّع َب يف ا ُملام َر َس ِة اإلنسان َّية ويف ا ُملت ََخ َّيل الذي َي ْح ُ‬ ‫أصلٍ ٍ‬ ‫يقو ُم عىل املَ َح َّبة‪.‬‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫ابن عربي قلب يتسع لكل الصور‬

‫القلب مرآة‬

‫بهذا اال ْم ِتداد الخصيب‪َ ،‬‬ ‫كان ابنُ عريب ُيؤ ِّمنُ أل ْب َيا ِت ِه‬ ‫ِّ‬ ‫الش ْعر َّي ِة‪ ،‬ولِ ِظاللِها يف تآوي ِل ِه‪ ،‬ا ْن ِتساباً إىل ا ُملستق َبل‪َ ،‬وفقَ‬ ‫ساب‬ ‫ُرؤ َي ٍة َح َيو َّي ٍة‪ ،‬قابل ٍة للت َّْحيني يف َض ْو ِء قي َم ِة املَ َح َّبة‪ .‬اِن ِت ٌ‬ ‫يات ِّ‬ ‫السابقة‬ ‫َي ْس َت ِندُ ‪ِ ،‬منْ جهَة‪ ،‬إىل ا ْر ِتباطِ األ ْب ِ‬ ‫الش ْعر َّية َّ‬ ‫بقض َّي ٍة ُمالز َم ٍة لِإلنسان ولِلتَّعا ُيش اإل ْنسا ِّين‪ ،‬أي َتدْبري العالقة‬ ‫ِ‬ ‫واستيعاب االخ ِتالف يف هذا ال َّتدْبري‪ ،‬و َي ْس َت ِندُ أ ْب َعد‬ ‫مع اإلله ْ‬ ‫ُ‬ ‫ِمنْ ذلِك‪ِ ،‬منْ ج َه ٍة أخرى‪ ،‬إىل ما أ ْر َس ْت ُه ه ِذ ِه‬ ‫األبيات ِمنْ‬ ‫ُرؤ َي ٍة ُمنف ِت َحة‪َ ،‬ت ْن َتصرِ ُ لِ َ‬ ‫وع شا ِئ ٍك‪،‬‬ ‫لخيال يف ُمقا َر َب ِة َم ْو ُض ٍ‬ ‫ُم َه َّد ٍد َد ْوماً‬ ‫بإنتاج ال َّت َع ُّصب‪.‬‬ ‫ِ‬ ‫يات ابن عريب عىل د ّ‬ ‫َت ْنه َُض أ ْب ُ‬ ‫إشعاع ِدال ٍّيل‪ ،‬وهي‬ ‫ذات‬ ‫َوال ِ‬ ‫ٍ‬ ‫السابق لِترَ ْ َت َ‬ ‫سياق املَ َ‬ ‫َتت ََجا َو ُز َ‬ ‫قطع ِّ‬ ‫بط بخل ِف َّي ٍة‬ ‫الش ْعريِّ َّ‬ ‫َم ْعرف َّي ٍة ُمتَشابكة‪َ ،‬ت ْح ِم ُل َد ْم َغة هذا الصويف يف بنا ِء‬ ‫الت ََّص ُّو َرات‪َ .‬ن ُخ ُّص باإلضا َء ِة ِمنْ هذ ِه الد ّ‬ ‫«القلب»‪،‬‬ ‫َّوال‬ ‫َ‬ ‫و»القابل ّية»‪ ،‬و»الصو َر َة»‪ ،‬ق ْب َل ْاس ِتثامرها يف التأويل‪ .‬ذلك َّأن‬ ‫ْإشعاعَها الدّال َّيل ال َيت َّ‬ ‫باس ِتدْعا ِء َح ُمول ِتها ا ُمل َب َّد َد ِة يف‬ ‫َكش ُف إ ّال ْ‬ ‫كتُب ابن عريب‪.‬‬ ‫ِّينامي لألبيات‪ .‬دينام َّية‬ ‫أ‪ -‬القلب‪ :‬عل ْي ِه َيقو ُم املَ ْعنى الد ّ‬ ‫َرهينة بتَح ُّولٍ ال َيتَناهَ ى‪ُّ .‬‬ ‫فدال القلب هو ا ُمل َؤ ِّمنُ لِت ََجدُّ ِد‬ ‫الت ََّح ُّول‪ .‬وقد ْاست ْث َم َر ابنُ عريب هذا الدّال ِمنْ َم ْو ِق َعينْ ؛ َت َبدَّى‬ ‫األ ّو ُل ِمنْ إدْماج َم ْعنَى التق ّلب‪ ،‬الذي ب ِه َيت ََح َّد ُد القلب‪ ،‬يف‬ ‫تيعاب لِماَ ال َيق َب ُل‬ ‫إ ْرسا ِء النَّوا ِة الدّالل َّي ِة لأل ْب َيات‪ .‬فالتق ُّل ُب ْاس ٌ‬ ‫َجيب لِلت ََّجدُّ د‪ِ .‬منْ ه ِذهِ الزّاوية‪ُ ،‬ي ُ‬ ‫قابل‬ ‫التّقييد‪ ،‬وا ّتساعٌ َي ْست ُ‬ ‫بل مبا هو ِع ٌ‬ ‫َ‬ ‫كاشفاً‪ْ ،‬‬ ‫قال‪،‬‬ ‫القلب‬ ‫ُ‬ ‫العقل‪ ،‬ال ب َو ْص ِف الثاين ُنوراً ِ‬ ‫أي َتقييدٌ ُملت ََح ِّولٍ ال َي ُّ‬ ‫كف عَن التَّبدُّ ل يف َت َج ّل َيا ِته وبها‪.‬‬ ‫ب‪ -‬القابل ّية‪ :‬يف َص ْو ِغ َم ْعناها‪ ،‬خالَ َف ابنُ عريب الصوفية ملَّا‬ ‫ذهَ بوا إىل َّ‬ ‫الحقَّ َيت ََجلىّ عىل قدْر ْاس ِت ْعدا ِد ال َع ْبد»‪ .‬فق ْد‬ ‫«أن َ‬ ‫«فص ِحك َمة قلب َّية يف ك ِل َمة ُش َع ْيب َّية»‪ِ ،‬منْ َمؤ َّل ِف ِه‬ ‫أ ْو َض َح يف ّ‬ ‫ُ‬ ‫العارف ال َي ُ‬ ‫كون عن‬ ‫الحكم»‪َّ ،‬أن ما َيت ََح َّصل لِقلب‬ ‫ِ‬ ‫«فصوص ِ‬ ‫بي ق ْب َل َت َجليّ َّ‬ ‫الشهادة‪ .‬األ َّو ُل هو‬ ‫ْاس ِت ْعداد‪ ،‬بل عنْ َت َج ٍّل َغ ْي ٍّ‬ ‫قع الت ََّجليّ‬ ‫ما َي ْج َع ُل‬ ‫القلب َي ْست ُ‬ ‫َ‬ ‫للصو َر ِة التي فيها َي ُ‬ ‫َجيب ُّ‬ ‫اإللهي‪ ،‬ف َي ُ‬ ‫مقاسها تمَ اماً‪ .‬يف َت َجليّ َّ‬ ‫الشهادَة‪َ ،‬يغدُ و‬ ‫كون عىل ِ‬ ‫ّ‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫جميع‬ ‫ها‬ ‫ي‬ ‫عل‬ ‫س‬ ‫ك‬ ‫ع‬ ‫ن‬ ‫ت‬ ‫آة‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫«‬ ‫ة؛‬ ‫ر‬ ‫و‬ ‫الص‬ ‫قاس‬ ‫م‬ ‫عىل‬ ‫ة‬ ‫آ‬ ‫ر‬ ‫م‬ ‫القلب‬ ‫ْ‬ ‫ُ‬ ‫َ ِ ُّ َ ِ ْ َ ِ ُ ْ‬ ‫ُ ِْ‬

‫لحقّ‬ ‫قلب‬ ‫املَ ْو ُجودات ق ُيدْر ُكها ُ‬ ‫ِ‬ ‫العارف عىل أ َّنها ُصو َر ٌة لِ َ‬ ‫و َيتَش ّك ُل بتَش ّك ِلها و َيتَل َّو ُن بل ْو ِنها و َيضيقُ و َيت َِّس ُع َ‬ ‫بض ْيقها‬ ‫َو َس َع ِتها» كام ُي ِّ‬ ‫الفص‬ ‫وض ُح أبو العال عفيفي يف َت ْعليقه عىل ّ‬ ‫السابق‪.‬‬ ‫الصو َرة‪ :‬بها َتأ َّو َل ابنُ عريب ال َّتجليّ‬ ‫اإللهي‪ .‬سرَ َ يا ُنها يف‬ ‫ج‪ُّ -‬‬ ‫ّ‬ ‫كش ُف ال ِكفاية التي أ ْر َساها لِ َ‬ ‫لخيال مبا هُ َو ِدعا َمة‬ ‫كتابا ِت ِه َي ِ‬ ‫وإنتاج املَ ْعرف ِة‪ ،‬والنفا ِذ إىل ما ال ُي َرى‪ .‬عل ْيها َع َّو َل‬ ‫لِلتأويلِ ‪،‬‬ ‫ِ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫الصو َرة‪ ،‬يف ذا ِتها‪،‬‬ ‫يف بنا ِء َم ْعرف ٍة َتقو ُم عىل الحيرْ َة‪ .‬ذلك أن ُّ‬ ‫ُم َحيرِّ َ ٌة‪َّ ،‬‬ ‫الظاه ُر فيها هُ َو وال هُ َو يف‬ ‫ألن ما ُت ْظ ِه ُر ُه َب ْر َز ِخ ٌّي؛ ِ‬ ‫آن‪ .‬وإذا َ‬ ‫قطع ابن عريب ِّ‬ ‫الش ْعريِّ َي ْس َتدْعيها‪ ،‬يف سياق‬ ‫كان َم ُ‬ ‫الواح ِد يف الك َرثة‪،‬‬ ‫كش ُف عَن ِ‬ ‫العالق ِة بينْ َ األدْيان‪ ،‬فأل َّنها َت ِ‬ ‫وظاللِها‪ ،‬و ُت َس ِّو ُغ ا ْع ِتام َد‬ ‫و َت ْس َم ُح بال ّت ْمييز بينْ َ الحقيق ِة ِ‬ ‫َ‬ ‫الخ َيال يف ف ْه ِم العالق ِة بينْ َ‬ ‫يس‪.‬‬ ‫اإللهي واإل ْن ّ‬ ‫ّ‬ ‫لِ ُنن ِْص ْ‬ ‫ت‪َ ،‬ب ْع َد ه ِذ ِه‬ ‫امالت املَ ْعنى يف‬ ‫الح ِت ِ‬ ‫ِ‬ ‫اإلضاءات ال َوجيزَة‪ْ ،‬‬ ‫الش ْعر َّية‪ ،‬التي َت َ‬ ‫يات ابن عريب ِّ‬ ‫نطوي عىل ر ِاهن َّي ٍة وا ِعدَة‪.‬‬ ‫أ ْب ِ‬ ‫تحيني ُم ْم ِك ِنها‪َ ،‬ص ْوناً‬ ‫َ‬ ‫وهو ما يقتيض إعا َدة ِقرا َء ِتها بغاي ِة ْ‬ ‫لِن ََسبها إىل ا ُمل ْستَق َبل‪.‬‬ ‫الت َّْحقيقُ ا ُمل َدع َُّم بالم التَّوكيد‪ ،‬يف ُم ْس َته َِّل ال َب ْي ِت األ ّول‬ ‫ِمنَ املَقطع‪ُ ،‬ي ِق ُّر َّأن القابل َّية ُمشرْ َعَة عىل ما ال َي َتنَاهَ ى‪ .‬ال‬ ‫واحدَة‪ْ ،‬‬ ‫بل‪ ،‬عىل ال َعكس‪،‬‬ ‫َيتَع َّلقُ األ ْم ُر بقابل َّي ِة القلب لِ ُصو َر ٍة ِ‬ ‫الص َور‪ .‬ولَ ْفظ الشمول ّ‬ ‫بقابل َّي ِت ِه لِ ِّ‬ ‫«كل» سا ٍر يف ما َتف َّرعَ‬ ‫كل ُّ‬ ‫ع ْن ُه انطالقاً ِمنْ َتنا ِمي املَ ْعنى‪ .‬فهُو‪ ،‬من زاوي ِة البنا ِء ال َّنصيّ ّ ‪،‬‬ ‫ا ُمل َولِّدُ َّ‬ ‫للش ْطر الثاين ِمنَ ال َب ْي ِت األ ّول ولِل َب ْي ِت الثاين َجمي ِع ِه‪.‬‬ ‫في ِهام َت َت َب َّدى ْأجزا ُء ِّ‬ ‫الكل ا ُمل ْض َم َرة يف ل ْفظِ الشمول‪ ،‬ق ْب َل ْأن‬ ‫اسم الشرَّ ْط ىّ‬ ‫«أن» ا ُمل ْض ِمر‪ ،‬هو‬ ‫ُي َع ِّض َد ُه‪ ،‬يف ال َب ْي ِت الثالث‪ُ ،‬‬ ‫أيضاً‪ ،‬ل ّال ِنها ّيئ‪.‬‬

‫حال الرياضة‬

‫َت ْبدو كلمة «صا َر»‪ ،‬يف ْاس ِتهْاللِ املَقطع‪ ،‬غيرْ َ ُمن َْسج َم ٍة مع‬ ‫الت ََّص ُّور الذي َض َّم َن ُه ابنُ عريب‪ ،‬كام َس َبقَ أن أملَ ْحنا‪ ،‬يف ُمؤ َّل ِف ِه‬ ‫الصيرْ ُو َر َة قائمِ َة‬ ‫الحكم»‪ ،‬عن القابل َّية‪ .‬ذلك َّأن َّ‬ ‫«فصوص ِ‬ ‫عىل ا ْن ِتقالٍ و َت َح ُّول‪ ،‬وعىل ما ُي َس ّمي ِه الصوفية بإ ْعدا ِد املَ َح ّل‬ ‫للمتون‬ ‫َ‬ ‫وصقلِ املِ ْرآة‪ .‬ول ُربمَّ ا َيق َتضيِ الت َّْحينيُ‪ ،‬مبا هو إد ٌ‬ ‫ْماج ُ‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪153‬‬


‫قصيد األسالف‬

‫باالس ِت ْعداد‪ِ ،‬خالفاً‬ ‫القد َمي ِة يف‬ ‫ٍ‬ ‫سياقات َجديد ٍة‪َ ،‬ر ْب َط القابل َّية ْ‬ ‫ِّ‬ ‫لِام ذهَ َب إل ْيه ابنُ عريب‪ .‬هذا ال َّر ْبط هو ما يمُ َكنُ أ ْب َ‬ ‫يات ابن‬ ‫الحديث و َتن َْخ َ‬ ‫عريب ِّ‬ ‫رط يف‬ ‫الش ْعر َّية ِمنْ ْأن َتتَك َّل َم لغة ال َّز َمن َ‬ ‫ْإشكاال ِته‪ .‬فقابل َّية القلب لِ ِّ‬ ‫تاج‪ ،‬بلغ ِة الصوفية‪،‬‬ ‫الص َور َت ْح ُ‬ ‫كل ُّ‬ ‫الحديث‪ ،‬ثقافة وتهذيباً‬ ‫إىل رياضة‪ ،‬و َتتَط َّل ُب‪ ،‬بل َغة ال َّز َمن َ‬ ‫فس ُه َتنا َو َل‪ ،‬يف ُمؤ َّل ِف ِه‬ ‫للس ِ‬ ‫لوك يف َض ْو ِئها‪ .‬وابنُ عريب َن ُ‬ ‫ُّ‬ ‫ماَّ‬ ‫َ‬ ‫باب َس ه «حال‬ ‫«الفتوحات املك ّية»‪ ،‬شهو َد ت َح ُّول ُّ‬ ‫الص َور يف ٍ‬ ‫َ‬ ‫اختالف ْاس ِت ْعدا ِد النّاس يف قبول ما‬ ‫الرياضة»‪ ،‬الذي َض َّم َن ُه‬ ‫الحقُّ لهُم‪.‬‬ ‫أبا َن ُه َ‬ ‫َ‬ ‫الرتكيب بينْ َ‬ ‫كان ال ِفتاً‪ ،‬يف الب ْيت األ ّول‪ ،‬الت ََّجا ُور الذي َح ّق َق ُه‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫لفظ ْي «قلبي» و»قاب ًال»‪َ .‬تجا ُو ٌر ُي َع ِّضدُ ُه الت ُ‬ ‫الص ْو ُّيت بينْ َ‬ ‫ّامثل َّ‬ ‫اللفظينْ ‪ ،‬الباين لِ َن َوا ِة املَ َ‬ ‫قط ِع الدّالل َّية‪ .‬وهي نوا ٌة يمُ ْكنُ إ ْبرا ُزها‬ ‫الص ْو ِّيت‪ ،‬انطالقاً ِمنْ‬ ‫واس ِت ْثامر التَّامثل َّ‬ ‫تيب الت ََّجا ُور ْ‬ ‫بإعا َد ِة َت ْر ِ‬ ‫ُ‬ ‫فتكون‬ ‫اإلسنادي التايل‪ :‬قابل َّية القلب للتّق ّلب‪.‬‬ ‫َص ْو ِغ الرتكيب ْ‬ ‫الص ْوتيِ ِّ‪ ،‬قائمِ ة‬ ‫اإلسنا ِد ا ُمل ْستَث ِمر لِلتَّجا ُنس َّ‬ ‫ال َّن َوا ُة‪َ ،‬وفقَ هذا ْ‬ ‫عىل َم ْعنَى االن ِفتَاح وال َّت َعدُّ د والت ََّح ُّول وال َّت َبدُّ ل‪ ،‬أي عىل ِّ‬ ‫كل‬ ‫ما ُيؤ ِّمنُ اال ْن ِف َ‬ ‫والحصرْ ‪.‬‬ ‫الت وال َّت َم ّل َص ِمنَ التَّقيي ِد َ‬ ‫الص َور‪ ،‬الباين لل َّن َواة الدّالل َّية‪ُ ،‬‬ ‫قبول القلب‬ ‫أ ّو ُل َت َج ٍّل لِ َت َعدُّ ِد ُّ‬ ‫صو َر َة َم ْرعَى كام يُصرَ ِّ ُح َّ‬ ‫الشط ُر الثاين ِمنَ ال َب ْي ِت األ َّول‪ .‬و َم َع‬ ‫َّأن املَ ْرعَى ْأش َم ُل ِمنْ ْأن َي ْخت ََّص بال ِغزْالن‪َّ ،‬‬ ‫يص ُه بها‬ ‫فإن َت ْخ ِص َ‬ ‫ْاس ِتن ٌ‬ ‫أس ال َّتجليّ ‪ .‬وابنُ عريب ذا ُت ُه‬ ‫ْبات لِ َبذ َر ِة ُ‬ ‫الح ّب الذي هُ َو ُّ‬ ‫َي َ‬ ‫َّخصيص يف «ذخائر األ ْعالق» قائ ًال َّإن كال َم ُه‬ ‫رش ُح هذا الت‬ ‫َ‬ ‫باألح ّبة لِ ُلم ِح ِّبني‬ ‫َت َّم» بلِسانِ ال َه َوى‪ ،‬وبال ِغزْالن َي ُ‬ ‫قع التّشبي ُه ِ‬ ‫يف هذا اللسان»‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫ليّ‬ ‫االس ِتنْبات‪َ ،‬ت ْ‬ ‫والت ُص َو ُر ال َّتج عبرْ َ أدا ِة ال َعطف‬ ‫َب ْع َد َبذ َر ِة ْ‬ ‫الال ِف َت ِة بتَكرارها‪ ،‬يف ال َب ْي ِت الثاين‪ ،‬ا ْن ِسجاماً َم َع آلية التّبدُّ ل‬ ‫والقاب ِل َّية لِلتَّق ّلب‪َ .‬توالٍ َي ْر ُس ُم‪ ،‬بتَوا ٍز يف الترَّ كيب ِّ‬ ‫الش ْعريِّ ‪،‬‬ ‫لسل ِة الترَّ اكيب‬ ‫الواحد‪ّ .‬مثة َت ٌ‬ ‫الت ََح ُّو َل يف ُص َور ِ‬ ‫جاوب َبينِّ ٌ َبينْ َ ِس ِ‬ ‫ا ُملتوازية‪ِ ،‬منْ جهَة‪ ،‬و َبينْ َ التق ّلب يف املَ ْعنَى ا ُملعبرِّ عَنْ َح ِقيق ٍة‬ ‫الص َور وبها‪ِ ،‬منْ ج َه ٍة ْأخ َرى‪ .‬فإيقاعُ التَّوازي‪ ،‬الذي‬ ‫َتتَك ُرث يف ّ‬ ‫انْطلقَ َم َع َّ‬ ‫الش ْطر الثاين ِمنَ ال َب ْي ِت األ ّول َو َغ َّطى ال َب ْي َت الثاين‬ ‫القلب‬ ‫الواحد‪َ .‬ت َبدُّ ٌل َي ُصو ُن ُه ُ‬ ‫بكا ِم ِل ِه‪َ ،‬ت ْج ِسيدٌ لِل َّت َبدُّ ل يف ُص َور ِ‬ ‫فالح ُّب‬ ‫الص َور‪ُ .‬‬ ‫الواح ِد يف ُّ‬ ‫َمتى َصفا لِ ْل ُح ّب ا ُمل ْس َت ْو ِعب لِكرث ِة ِ‬ ‫‪154‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬

‫وسنَدُ ا ِّتسا ِع ِه لِل َّت َبدُّ ل الذي ال ُي َرى‪.‬‬ ‫هو ُّ‬ ‫أس تق ُّلب القلب َ‬ ‫ْ‬ ‫ْ‬ ‫َتبدُّ ٌل ال َت َب َس عىل َمنْ مل ينْفذ إليه‪َ ،‬و َمنْ مل َتت ََح َّقق لِق ْلب ِه‬ ‫فصو َر ُة ما ال َيتَناهَ ى‬ ‫القاب ِل َّية ا ُملشرْ َعَة عىل ما ال َي َتنَاهَ ى‪ُ .‬‬ ‫الت ال َح َّد لها‪ ،‬مبا َتقت َِضي ِه ِمنْ َتق ّل ٍب دا ِئ ٍم‪َّ ،‬‬ ‫ألن‬ ‫ُت ْد َر ُك يف َت َح ُّو ٍ‬ ‫«ما ال َيتَناهَ ى ال َيد ُْخ ُل َت ْح َت التَّقييد»‪ُ ،‬‬ ‫يقول ابنُ عريب‪.‬‬ ‫وظاللِها هو ما َبنَى‪ ،‬يف املَ َ‬ ‫قط ِع‬ ‫َّإن ال َّت ْميي َز َبينْ َ الحقيقة ِ‬ ‫ِّ‬ ‫الش ْعريِّ ‪َ ،‬ح َيو َّية النَّوا ِة الدّالل ّية‪ .‬وهي َحيو َّية َت ْس َت ِمدُّ ُن ْس َغها‬ ‫القائم عىل ك ْونِ ه ِذ ِه ِّ‬ ‫الظالل إنتاجاً‬ ‫ِمن َت َص ُّور ابن عريب‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ذات ّياً ُمق َّيداً َ‬ ‫الص َو َر ِن ْسب َّية‪ ،‬يف‬ ‫بخ َيالِ ُم ْن ِتج ِه‪ .‬وهو ما َي ْج َعل ُّ‬ ‫مُقابلِ َح ِقيق ٍة ُمطلقة‪ .‬ا ُمل ْم ِكنُ يف َص ْون ه ِذ ِه الن ِّْسب َّية هو‬ ‫تجدِّداً ْيك ال َيتَق َّي َد بصو َر ٍة د َ‬ ‫َج ْع ُل َ‬ ‫ُون ْأخرى‪.‬‬ ‫الخيال ُم َ‬ ‫ائع أو صا َغها‬ ‫الحقّ ‪ ،‬التي َن َس َجتْها الشرَّ ُ‬ ‫ال يمُ ْكنُ لِصو َر ِة َ‬ ‫الواحدَة أو َخ َلقها ُّ‬ ‫كل ف ْر ٍد أو‬ ‫ذاهب الشرَّ ي َعة ِ‬ ‫َمذهَ ٌب ِمنْ َم ِ‬ ‫َت َح َّص ْ‬ ‫الذات ا ُملتعالية‪ .‬هو‬ ‫لت ل ُه بالتقليد‪ْ ،‬أن َتتَامهَ ى َم َع ِ‬ ‫األبيات ِّ‬ ‫ُ‬ ‫الش ْعر َّية َوفقَ تأويلٍ َي ْح ِم ُل َد ْم َغة‬ ‫أس ما ُت ْرسي ِه‬ ‫ذا ُّ‬ ‫ُ‬ ‫َ‬ ‫َّ‬ ‫التميي َز بينْ امل ْجهُولِ ‪ ،‬امل َت َمن ِِّع عىل‬ ‫ابن عريب كام تقدَّم‪ .‬إن ْ‬ ‫ٌ‬ ‫ِّ‬ ‫كل َتقيي ٍد‪ ،‬واملَ ْج ُعول‪ ،‬الذي هُ َو ُصو َرة ُمت ََخ َّيلة أي ِمنْ ُصن ِْع‬ ‫حصنُ العالقة َبينْ‬ ‫اإلنسان‪ ،‬إ ْرسا ٌء َمك ٌني لِتأويلٍ مفتوح ُي ِّ‬ ‫طوائف الشرَّ ي َع ِة‬ ‫األدْيان ِمنَ الت ََّص ّلب‪ ،‬و َيقي العالقة بينْ‬ ‫ِ‬ ‫الواح َد ِة ِمنَ ال َّت َع ُّصب‪ ،‬مبا يمُ َ ّكنُ‬ ‫القلب ِمنْ قابل َّي ٍة للتَّق ّلب‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫ؤس ُس ر ِاه ِن َّية هذا الت ََّص ُّور‪ ،‬يف‬ ‫مع ما ال َيتَناهَ ى‪ .‬ول َع َّل ما ُي ِّ‬ ‫األساس األ َّول‪ ،‬ان ِتصار ُه للخيال يف الت ََّصدّي لِلت ََّص ّلب مبا هو‬ ‫ِ‬ ‫آلية‪.‬‬


‫ابن عربي قلب يتسع لكل الصور‬

‫ُّ‬ ‫وصو َر ٍة من‬ ‫كل تمَ ا ٍه بينْ املَ ْجهُول واملَ ْج ُعول‪ ،‬أو بينْ ا ُملطلق ُ‬ ‫القلب َ‬ ‫والخيال‪ .‬ض ْيقٌ ب ِه َتف ِقدُ‬ ‫ُص َور ِه ل ْي َس إ ّال ض ْيقاً يمَ َ ُّس‬ ‫َ‬ ‫اس‬ ‫ُّ‬ ‫الصو َر ُة َ‬ ‫التجدُّ َد الذي ُيؤ ِّم ُن ُه ال َّت َبدُّ ُل والت ََّح ُّو ُل‪ ،‬ف ُيصي ُبها ال َي َب ُ‬ ‫والت ََّص ّلب‪ .‬هُ َو ذا املَ ْعنَى الذي ُي َس ِّوغ لِل ِقرا َء ِة‪ ،‬يف ال َّز َم ِن‬ ‫لض ْو ِء ا ُمل ْستَق َب ِّ‬ ‫صات لِ َّ‬ ‫الح ِديث‪ ،‬اإل ْن َ‬ ‫ات‬ ‫يل الذي َي ِش ُّع ِمنْ أ ْب َي ِ‬ ‫َ‬ ‫ِّ‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ْ‬ ‫ٌ‬ ‫ْ‬ ‫ع‬ ‫ف‬ ‫الكش‬ ‫يف‬ ‫ال‬ ‫ي‬ ‫لخ‬ ‫ل‬ ‫ت‬ ‫ت‬ ‫ن‬ ‫ا‬ ‫يات‬ ‫ب‬ ‫أ‬ ‫ة‪.‬‬ ‫ي‬ ‫ر‬ ‫ع‬ ‫الش‬ ‫عريب‬ ‫ابن‬ ‫َ‬ ‫ِ َنْ‬ ‫ْ َّ ْ‬ ‫صرَ َ ِ َ‬ ‫ْ‬ ‫ِّ‬ ‫ُّ‬ ‫ْ‬ ‫آلي ِة التَّص ّلب ا ُمل َه ِّددَة لِكل ا ْعتقا ٍد َيطمَئنِ لِلتَّقيي ِد واالن ِغالق‪.‬‬ ‫ال َّت َعدُّ ُد يف ُص َور ال َّتجليّ ُيش ِّك ُل َح َيو َّية يف اال ْع ِتقاد‪ْ .‬اس ِت ْمرا ُر‬ ‫الح َيو َّي ِة َره ٌني ب َد َو ِام ال َّت َبدُّ ل حتّى ال ُي ْح َج َب الت ََّح ُّو ُل‬ ‫ه ِذ ِه َ‬ ‫نج ٌز إنسا ٌّين‬ ‫الباين لِل ّتجليّ ‪ .‬فا ُمل ْعت َقدُ ‪ ،‬بالن ِّْس َب ِة إىل ابن عريب‪ُ ،‬م َ‬ ‫محكوم با ُمل ْع َت ِقد‪ .‬وك ّلام‬ ‫صاحب ِه و ُمت ََخ َّي ِل ِه‪ ،‬أي‬ ‫ٌ‬ ‫َم ْح ٌ‬ ‫كوم بقلب ِ‬ ‫الصو َر َة التي َخلقها خيال ُه عن ا ُملطلق‬ ‫َت َر َّس َخ لدَى ا ُمل ْع َت ِق ِد ّأن ُّ‬ ‫هي الحقيقة‪ ،‬قا َد ُه هذا اال ْع ِتقا ُد إىل َت َص ُّل ِب َ‬ ‫وجمو ِد‬ ‫الخيال‪ُ ،‬‬ ‫القلب‪ ،‬وإىل ال َّت َع ُّصب لِل َّرأي‪ ،‬وفا َت ُه الف ْر ُق بينْ َ املَ ْجهُول‬ ‫الصو َر ُة إىل عَال َمة‪ ،‬فت َِضيقُ ال ُّرؤ َية‪،‬‬ ‫واملَ ْج ُعول‪ .‬هكذا َتت ََح َّو ُل ُّ‬ ‫الك الحقيقة‪ ،‬و َي ُّ‬ ‫القلب عَنْ إ ْنتَاج‬ ‫كف ُ‬ ‫و َين ُْمو وَهْ ُم ا ْم ِت ِ‬ ‫ُ‬ ‫ليّ‬ ‫املَ َح َّبة ا ُملت ِّس َعة ْ‬ ‫الف الت ََّج ‪ .‬يقول ابنُ عريب عَنْ ُخطو َر ِة‬ ‫الخ ِت ِ‬ ‫التقييد‪ُ ،‬مت ََحدِّثاً عن الحقّ ‪« :‬ف َمنْ َق َّيدَهُ أ ْنك َرهُ يف غيرْ ما‬ ‫ق َّيدَهُ ب ِه‪َ ،‬وأق َّر ب ِه فيام ق َّي َد ُه ب ِه إذا َت َجلىّ ‪َ .‬و َمنْ ْأطلق ُه ع َِن‬ ‫التَّقيي ِد ْمل ُي ْن ِك ْر ُه وأق َّر ب ِه يف ُك ِّل ُصو َر ٍة َيت ََح َّو ُل فيها و ُي ْعطي ِه‬ ‫فس ِه ق ْد َر صو َر ِة ما َت َجلىّ ل ُه إىل ما ال َي َتنَاهَ ى‪َّ ،‬‬ ‫فإن ُص َو َر‬ ‫ِمنْ َن ِ‬ ‫الت ََّجليّ َما لها ِنها َية َت ِق ُف ِع ْندَها»‪.‬‬ ‫الص َو َر‪ ،‬التي أ ْنشأ ْتها اال ْع ِت ُ‬ ‫الج ُمو ِد‬ ‫قادات‪َ ،‬منذو َر ٌة إىل ُ‬ ‫َّإن ُّ‬ ‫بالح ّب‪ ،‬وما ْمل َتج ْد قلباً َيت ِّس ُع لها جميعها‪،‬‬ ‫ما ْمل َتت ََح َّصنْ ُ‬ ‫و َيتَق ّل ُب َم َع ال َّت َبدُّ ل الدَّائم للت َّجليّ ‪َ .‬ي َّ‬ ‫تكش ُف هذا اال ِّتساعُ‬ ‫يح البن عريب‪،‬‬ ‫الحامي لِدينام َّي ِة التَّجيل ِ‬ ‫انطالقاً ِمنْ َتصرْ ٍ‬ ‫َين َتصرِ ُ فيه لِ ُرؤ َي ٍة ُش ُمول َّي ٍة‪ ،‬هي عينُها ا ُملض َم َرة يف لفظ ّ��� ‫«كل»‬ ‫يح أ ْو َردَهُ يف َب ْي ٍت ِش ْعريٍّ ‪،‬‬ ‫الذي َس َبقَ ْأن تو ّقفنا ِع ْن َد ُه‪َ .‬تصرْ ٌ‬ ‫الباحثون إلضا َء ِة قابل َّي ِة القلب لِتق ّلب‬ ‫غالباً ما َي ْس َتدْعي ِه ِ‬ ‫الص َور‪ .‬جاء فيه‪:‬‬ ‫ُّ‬

‫عَق َد الخال ِئقُ يف اإلله عَقا ِئداً‬ ‫ميع ما ا ْعتَقدُ وه‬ ‫وأنا َش ِهد ُْت َج َ‬

‫السياق‪ ،‬االخ ِتالف الذي َتو َّل َد بينْ َ َمنْ ذهَ َب‬ ‫ال َي ْعنينا‪ ،‬يف هذا ّ‬

‫إىل ّأن ابنَ عريب ُ‬ ‫يقول ب َو ْح َد ِة األدْيان و َبينْ َ َمنْ َر َّج َح ّأن‬ ‫الحكم» ال ُ‬ ‫الواح ِد الجامع‪.‬‬ ‫يقول إ ّال بالدين ِ‬ ‫صاح َب «فصوص ِ‬ ‫ِ‬ ‫ما ل ُه اع ِتبار يف إعا َد ِة قرا َء ِة املقطع ِّ‬ ‫الش ْعريِّ البن عريب‬ ‫َّ‬ ‫يتكش ُف‬ ‫َي َت َو َّج ُه َرأساً إىل ُم ْم ِكن الت َّْحيني وأف ِقه‪ .‬وهو ُم ْم ِكنٌ‬ ‫وع املَقطع‪ْ ،‬‬ ‫بل عىل ال ُّرؤ َي ِة التي ا ْنت ََظ َم‬ ‫ال بالترَّ ْكيز عىل َم ْو ُض ِ‬ ‫املَ ْعنَى َوف َقها‪.‬‬ ‫ال َت ْحي َ‬ ‫والع ُبور ب ِه إىل‬ ‫فصل الخطاب عَنْ ذا ِت ِه ُ‬ ‫ني ِمنْ غيرْ ْ‬ ‫وُعُ و ِد املَ ْعنى‪ .‬لذلك يمُ ِكنُ اال ْم ِتداد مبَقطع ابن عريب إىل‬ ‫منطق ِة الحقيقة ب َو ْج ٍه عا ّم‪ ،‬أيْ دون َحصرْ ِه يف الحقيق ِة‬ ‫الدين ّية‪ .‬بهذا اال ْم ِتداد‪َ ،‬ين َب ِثقُ ِمنْ ق ْول ابن عريب ِندَا ٌء قا ِد ٌم‬ ‫يتس َّل ُل‬ ‫ِمنَ ا ُملستقبل‪ِ .‬ندا ٌء ُيع ِّلمنا الت ََّصدّي للتَّص ّلب الذي َ‬ ‫َ‬ ‫ني األ ْوها َم‬ ‫للخيال وال ِف ْكر وال َّرأي واال ْعتقاد‪ ،‬ق ْبل ْأن َي ْب َ‬ ‫بح َحقائقَ ال َتق َب ُل التَّبدُّ ل‪ ،‬وق ْبل أن َيتَح َّو َل إىل‬ ‫التي ُت ْص ُ‬ ‫دافع عنه‪ ،‬و ُتلقي بالخطإ دَوماً‬ ‫آلي ٍة ذِهْ ن َّي ٍة ُت ْن ِت ُج ّ‬ ‫الض ْيق و ُت ُ‬ ‫خارجها‪ .‬من هنا َنل ِم ُس ح َيو َّية املَقطع الذي َو َس ْمنا املَ ْعنى‬ ‫َ‬ ‫ُ‬ ‫فيه بالدّينا ِم َّية‪ ،‬فابن عريب ُي َع ِّول عىل ِّ‬ ‫الش ْعر‪ ،‬من مقام‬ ‫ً‬ ‫داث ُشقوقٍ يف الت ََّص ُّلب‪ ،‬ا ْن ِسجاما َم َع ال ِكفاي ِة‬ ‫إلح ِ‬ ‫ُ‬ ‫الح ّب‪ْ ،‬‬ ‫التي َخ َّولها لِلخيال يف إنتاج املَ ْعرفة‪.‬‬ ‫امالت ال ُّرؤ َي ِة البان ّية لِل َم ْعنى يف مقطع‬ ‫الحقيقة‪َ ،‬وفقَ ْاح ِت ِ‬ ‫ابنُ عريب‪ُ ،‬م ْن َف ِلتة‪ُ ،‬م َت َم ِّل َصة‪ ،‬أل َّنها َتنت َِس ُب إىل املَ ْجهُول‪.‬‬ ‫والجمود‪ .‬ال َس َ‬ ‫بيل‬ ‫والحصرْ َ ُ‬ ‫وهي بذلك ال َتق َب ُل التقيي َد َ‬ ‫إىل َت ْطوي ِقها‪ .‬ا ُمل ْمكنُ ِمنْها هو ا ْم ِت ُ‬ ‫الك قاب ِل َّية االح ِتفاظِ لها‬ ‫تيح‬ ‫بال َّت َبدُّ ل والت ََّح ُّول‪ ،‬أي ا ْم ِتالك الت ََّجدُّ د الذي َو ْح َد ُه ُي ُ‬ ‫َّ‬ ‫ساب إىل أف ِقها املَفتوح‪ .‬إ ّنه ال َّد ْر ُس الكبري الذي َنتَعل ُم ُه‬ ‫االن ِت َ‬ ‫ِمنَ املَقطع ِّ‬ ‫الش ْعريّ البن عريب َمتى أ َعدْنا ِقرا َء َت ُه يف َضو ِء‬ ‫ُم ْم ِكن ُرؤي ِته‪ُ .‬رؤية َتت ََصدَّى‪ ،‬إن ا ْم َت َّد بها ٌ‬ ‫ديثي‪،‬‬ ‫تأويل ْ‬ ‫تح ّ‬ ‫لِلت ََّص ّلب الذي ال َي ْستَثني أيَّ جا ِنب ِمنْ َجوانب الحياة‪ ،‬وأيَّ‬ ‫الصلة التي َت ْر ُ‬ ‫بط اإل ْن َ‬ ‫سان‬ ‫عالق ٍة ِمنَ العالقات‪ ،‬مبا يف ذلك ِّ‬ ‫الح ّب‬ ‫قلب‬ ‫خطاب ُ‬ ‫بذا ِته‪ .‬وال َننسىَ َّأن املَ َ‬ ‫ِ‬ ‫قطع ُم ْس َت ْن َب ٌت يف ِ‬ ‫ا ُملنف ِتح‪ .‬فهو ُج ْز ٌء ِمنْ قصي َد ٍة ُم ْد َم َج ٍة يف ديوان «ترجامن‬ ‫األشواق»‪ٌ .‬‬ ‫بالجماَ ل و ُي ْع ِلنُ فيه ِ‬ ‫ديوان َي ْحتَفي َ‬ ‫صاح ُبهُ‪ ،‬عبرْ َ‬ ‫خاص َيت َ‬ ‫باإللهي‪َ ،‬ن َس َب ُه إىل ُسالل ِة‬ ‫َتأويلٍ ٍّ‬ ‫َداخ ُل في ِه اإل ْنسيِ ُّ‬ ‫ّ‬ ‫العاشقني‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪155‬‬


‫تجارب‬

‫فروغ فرّخ زاد‬

‫ذات الوجهين‬ ‫ال شك أن فروغ فرّ خ زاد هي أهم شاعرة‬ ‫إيرانية‪ .‬ولدت عام ‪ 1934‬في طهران‪ .‬تزوجت‬ ‫في سن مبكر أي في السادسة عشر من عمرها‬ ‫من رجل يكبرها بخمسة عشر عاما وكان‬ ‫الدافع حب مفاجئ إال أن هذا الزواج لم يدم‬ ‫أكثر من خمسة أعوام‪ .‬توفيت فروغ عام ‪1966‬‬ ‫إثر حادث سيارة‪.‬‬

‫مريم حيدري‬

‫ستأخذنا الريح معها يحدث اآلن يشء يف الليل‬ ‫القمر قرمزي ومرتبك‬ ‫فروغ فرّخ زاد‬ ‫وفوق هذا السطح الذي يخالجه‬ ‫يا للحرسة‪ ،‬هناك يف ليلتي الصغرية هول االنهيار كل لحظة‬ ‫هناك الغيوم‬ ‫للريح ميعاد مع أوراق األشجار‬ ‫كحشود املعزين‬ ‫وليلتي الصغرية يساورها قلق‬ ‫تنتظر لحظة هطول املطر‪.‬‬ ‫الخراب‬ ‫لحظة‬ ‫انصت‬ ‫ال يشء بعدها‬ ‫هل تسمع هبوب الظالم؟‬ ‫خلف هذه النافذة يرتعش الليل‬ ‫بغربة أنظر إىل هذه السعادة‬ ‫واألرض‬ ‫مدمنة يأيس أنا‬ ‫توشك أن تكف عن الدوران‬ ‫فانصت‬ ‫خلف هذه النافذة‬ ‫هل تسمع هبوب الظالم؟‬ ‫‪156‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬أكتوبر‪/‬تشرين األول‪2012/‬‬

‫هنالك يشء ما غامض‬ ‫تقلقه حايل وحالك‪.‬‬ ‫أيها األخرض من رأسك إىل أخمص‬ ‫قدميك‬ ‫ضع يديك يف يدي العاشقتني‬ ‫كام ذكرى حارقة‬ ‫وس ّلم شفتيك إىل مالطفة شفتي‬ ‫العاشقتني‬ ‫كحس دافئ من الوجود‬ ‫فالريح‬ ‫ستأخذنا معها‪.‬‬

‫جمعة‬


‫فروغ فرّخ زاد‬

‫أصدرت‬

‫فروغ خالل حياتها القصرية خمس مجاميع شعرية؛ «األسرية» (‪« ،)1952‬جدار» (‪« ،)1957‬مترد»‬ ‫(‪« ،)1959‬ميالد آخر» (‪ )1962‬ومجموعتها األخرية التي مل تنته «فلنؤمن بحلول الفصل البارد»‪.‬‬ ‫لفروغ وجهان وتجربتان‪ .‬الوجه األول يشمل دواوينها الثالثة األوىل‪ .‬وجه متمرد المرأة تعيش يف بيت محارص فهي‬ ‫تتحدث خالل تجربتها األوىل عن امرأة وحيدة ومتمردة ومعرتضة‪ ،‬تساورها مشاعر املرأة واألم‪ ،‬وإضافة إىل ذلك تروم‬ ‫إىل الوقوف يف وجه تقاليد األرسة واملجتمع‪ .‬ال اختالف يف األساليب الشعرية لديها عام يكتب معارصوها آنذاك‪ ،‬إال أن‬ ‫صوتها املعرتض كان فريدا ميزها ومنذ بدايتها عن شاعرات عرصها وشعرائه‪.‬‬ ‫أما الوجه اآلخر لفروغ فرخ زاد فيبدأ بصدور ديوانها «ميالد آخر»‪ ،‬فكأمنا ميالد حقيقي آخر‪ ،‬أظهرت الشاعرة وجها‬ ‫عامليا لنفسها ولشعرها وأسلوبا منفردا خاصا بها وذلك عرب تطور الفكر واللغة والتعبري لديها‪ .‬نظرتها نحو العامل تحولت‬ ‫من شاعرة تكتب حسب غريزتها ومشاعرها إىل شاعرة تروض املشاعر واألحاسيس وتسكبها يف ظرف لغة حررت نفسها‬ ‫هي األخرى من القوالب السائدة لدى الشعراء الرومنطيقيني آنذاك‪ ،‬وفروغ‪ ،‬هي التي تقول يف حوار لها‪« :‬أعتقد‬ ‫أن العمل األديب ينبغي أن يالزمه الوعي‪ .‬وعي بالنسبة للحياة والوجود والجسم‪ .‬وحتى بالنسبة لهذه التفاحة التي‬ ‫نقضمها‪ .‬ال ميكن أن نعيش حسب الغرائز فقط‪ .‬مبعنى أن الفنان ال يستطيع ذلك كام ال ميكنه‪».‬‬ ‫ونرى يف ديوانيها األخريين أن نصها أصبح مؤثرا أكرث مام يكون متأثرا‪ .‬فكانت فيام سبق تتأثر يف اختيار املفردات‪ ،‬عىل‬ ‫سبيل املثال‪ ،‬من شعراء عرصها أو من اللغة الشعرية السائدة يف ذلك الوقت والحاكمة عىل شعر غالبية الشعراء‪ ،‬إال‬ ‫أنها أخذت تختار املفردات يف مرحلتها الشعرية الثانية بطريقتها الخاصة‪ ،‬ال تأبه إن كانت الكلمة دخلت النصوص‬ ‫الشعرية من قبل أو ال‪ ،‬أو تكون فاخرة أو بسيطة كأن تاخذه من قاموس الحياة اليومية‪.‬‬ ‫أما تأثرها فكان يرتوي من موردين هام التوراة والسينام‪ .‬فنالحظ تأثري التوراة يف لغتها الشعرية واملفاهيم التي ترد‬ ‫شعرها يف املرحلة الثانية ال سيام املفاهيم الكونية‪ .‬أما السينام فيظهر تأثريها يف الصور وكيفية تطرق فروغ ألفكارها‬ ‫وتطلعاتها ومنظارها للحياة‪.‬‬ ‫ويف عام ‪ 1965‬أخرج برناردو برتولوتيش فيلام يف نصف ساعة عن حياة فروغ فرخ زاد بطلب من منظمة اليونسكو‪.‬‬

‫الجمعة الساكتة‬ ‫الجمعة املهجورة‬ ‫الجمعة الحزينة كام األزقة القدمية‬ ‫جمعة األفكار الكسولة املريضة‬ ‫جمعة التثاؤبات الخبيثة املمتدة‬ ‫الجمعة الخالية من االنتظار‬ ‫جمعة التسليم‬ ‫البيت الخاوي‬ ‫البيت الكئيب‬ ‫البيت املوصد بابه يف وجه هجوم‬ ‫اليفاعة‬ ‫بيت الظالم وتخيل الشمس‬ ‫بيت الوحدة والتفاؤل والرتدد‬

‫بيت الستارة والكتاب والخزانة‬ ‫والصور‬ ‫آه‪ ،‬كم كانت متيض بهدوء وكربياء‬ ‫حيايت‬ ‫كجدول غريب‬ ‫يف خضم تلك الجمعات الساكتة‬ ‫املهجورة‬ ‫يف وسط تلك البيوت الخاوية‬ ‫الكئيبة‬ ‫آه‪ ،‬كم كانت متيض بهدوء وكربياء‪...‬‬

‫هدية‬

‫أتحدث عن نهاية الليل أنا‬

‫أتحدث عن النهاية العتمة‬ ‫وعن نهاية الليل‬ ‫أيها اللطيف إن أتيت إىل بيتي‬ ‫فأت مبصباح‬ ‫ونافذة‬ ‫ألنظر منها إىل زحام الزقاق السعيد‪.‬‬

‫ميالد آخر‬

‫وجودي كله آية مظلمة‬ ‫سيأخذك معه مكررا‬ ‫إىل فجر االزدهارات والنمو األبدي‬ ‫وأنا قد تأوهتك يف هذه اآلية‬ ‫تأوهتك‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪157‬‬


‫تجارب‬

‫ويف هذه اآلية‬ ‫صهرتك بالشجرة واملاء والنار‪.‬‬

‫رمبا الحياة‬

‫سامء يأخذها إسدال ستارة مني‬ ‫حصتي النزول من سلم مهجور‬

‫والوصول إىل يشء يف النخر والغربة‬ ‫شارع طويل متر منه امرأة كل يوم حصتي تسكع حزين يف حديقة‬ ‫الذكريات‬ ‫حاملة سلة بيدها‬ ‫وأن أقيض نحبي يف أىس صوت‬ ‫ورمبا الحياة‬ ‫يقول يل‪:‬‬ ‫حبل يعلق رجل به نفسه من‬ ‫«أحب‬ ‫األغصان‬ ‫الحياة رمبا طفل يعود من املدرسة يديك»‬ ‫أزرع يديّ يف الجنينة‬ ‫أو عبور دائخ لعابر‬ ‫ّ‬ ‫وسأخرض‪ ،‬أعرف ذلك‪ ،‬أعرف‪ ،‬أعرف‬ ‫يرفع قبعته‬ ‫وبابتسامة عدمية املعنى يقول لعابر وستبيض السنونوات‬ ‫يف ُح َفر أصابعي امللطخة بالحرب‬ ‫آخر‪:‬‬ ‫سأضع قرطني يف أذين‬ ‫«صباح الخري»‪.‬‬ ‫الحياة رمبا تلك اللحظة املسدودة من كرزتني حمراوين وتوأمني‬ ‫وألصق عىل اظافري أوراق زهرة‬ ‫التي تحطم فيها نظريت نفسها يف‬ ‫األضاليا‬ ‫بؤبؤ عينيك‬ ‫مثة زقاق‬ ‫ومثة شعور يف ذلك‬ ‫ما زال فيه الفتية الذين كانوا‬ ‫سأمزجه باستيعاب القمر ودرك‬ ‫يحبونني‬ ‫الظالم‪.‬‬ ‫بشعرهم املشعث ذاته وأعناقهم‬ ‫يف غرفة بحجم الوحدة‬ ‫النحيفة وسيقانهم الهزيلة‬ ‫قلبي الذي يكون بحجم الحب‬ ‫ينظر إىل أسبابه البسيطة للسعادة يفكرون بابتسامة بريئة لفتاة‬ ‫حملتها الريح معها‬ ‫إىل زوال األزهار يف األصيص‬ ‫ذات ليلة‬ ‫إىل نبتة غرستها بيدك يف حديقتنا‬ ‫مثة زقاق رسقه قلبي‬ ‫وإىل تغاريد الكناريات التي‬ ‫من أحياء طفولتي‬ ‫تغرد بحجم نافذة‪.‬‬ ‫سف ُر حجم عىل خط الزمان‬ ‫َّ‬ ‫الجاف يحبل‬ ‫وأن تجعل خط الزمان‬ ‫آه‪...‬‬ ‫من حجم ما‬ ‫هذه حصتي‬ ‫حجم لتصوير واع‬ ‫هذه حصتي‬ ‫يعود من ضيافة مرآة ما‪.‬‬ ‫حصتي‬ ‫وهكذا‬ ‫‪158‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬أكتوبر‪/‬تشرين األول‪2012/‬‬

‫ميوت أحد‬ ‫ويبقى أحد‬ ‫***‬ ‫لن يعرث أي صياد عىل لؤلؤة‬ ‫يف جدول‬ ‫وضيع يصب يف حفرة‪.‬‬ ‫أنا‬ ‫أعرف مالكا صغريا حزينا‬ ‫يسكن يف املحيط‬ ‫ويعزف قلبه يف ناي خشبي صغري‬ ‫بهدوء‪ ..‬بهدوء‬ ‫مالك صغري حزين‬ ‫ميوت يف الليل من قبلة‬ ‫وعند الفجر يولد من قبلة أخرى‪.‬‬

‫فلنؤمن بحلول الفصل البارد‪...‬‬ ‫(مقاطع من قصيدة طويلة)‬

‫وهذه أنا‬ ‫امرأة وحيدة‬ ‫عىل عتبات فصل بارد‬


‫فروغ فرّخ زاد‬

‫يف بداية استيعاب الكيان امللوث‬ ‫لألرض‬ ‫ويأس السامء البسيط الحزين‬ ‫وعجز األيدي األسمنتية‪.‬‬ ‫مر الزمان‬ ‫مر الزمان ودقت الساعة أربع‬ ‫مرات‬ ‫دقت أربع مرات‬ ‫إنه اليوم األول من شهر دي‬ ‫رس الفصول‬ ‫أنا أعرف ّ‬ ‫وأفهم كالم اللحظات‬ ‫املنجي نائم يف القرب‬ ‫والرتبة‪ ،‬الرتبة الرحبة‬ ‫إشارة إىل الهدوء‬ ‫مر الزمان ودقت الساعة أربع‬ ‫مرات‬ ‫ريح تهب يف الزقاق‬ ‫ريح تهب يف الزقاق‬ ‫وأنا أفكر بتزاوج األزهار‬ ‫برباعم ذات سيقان نحيلة وفقرية‬ ‫للدم‬ ‫بهذا الزمان املتعب املسلول‬ ‫والرجل الذي مير بالقرب من‬ ‫األشجار الندية‬ ‫الرجل الذي زحفت خيوط عروقه‬ ‫الزرقاء نحو أعىل حنجرته‬ ‫كأفاع ميتة‬ ‫وأخذت تردد يف صدغيه املضطربني‬ ‫ذلك الهجاء الدامي‪:‬‬ ‫• أهال‬ ‫ ‬ ‫• أهال‬ ‫ ‬ ‫وأنا أفكر بتزاوج األزهار‪.‬‬ ‫عىل عتبات فصل بارد‬ ‫يف حفل حداد املرايا‬

‫واجتامع أصحاب عزاء التجارب‬ ‫الشاحبة‬ ‫وهذا الغروب املخصب مبعرفة‬ ‫الصمت‬ ‫كيف ميكن أن تأمر بالتوقف من‬ ‫يسري هكذا‬ ‫صبورا‬ ‫مثقال‬ ‫وهامئا‪.‬‬ ‫كيف ميكن أن تقول للرجل أنه‬ ‫ليس حيا‪ ،‬ومل يكن حيا‬ ‫ابدا‪.‬‬ ‫ريح تهب يف الزقاق‬ ‫وغربان االنزواء الوحيدة‬ ‫تدور يف حدائق الكسل الهرمة‬ ‫والسلم‬ ‫يا لوضاعة ارتفاعه‪.‬‬ ‫إنهم حملوا معهم سذاجة القلب‬ ‫كلها‬ ‫نحو قرص الحكايا‬ ‫واآلن‬ ‫كيف ميكن لواحدة أن تقوم للرقص‬ ‫وتسكب جدائل طفولتها‬ ‫يف املياه الجارية‬ ‫وأن تركل التفاحة التي اقتطفتها‬ ‫أخريا وشمتها؟‬ ‫يا حبيبي‪ ،‬يا حبيبي األوحد‬ ‫كم من سحب سوداء تنتظر يوم‬ ‫ضيافة الشمس‪.‬‬ ‫كأمنا كان يف طريق تصور الطريان‬ ‫ذلك الطائر الذي ضاع ذات يوم‬ ‫وكأنها كانت من خطوط الخيال‬ ‫الخرضاء‬

‫تلك األوراق النرضة التي كانت‬ ‫تتنفس يف شبق النسيم‬ ‫وكأمنا‬ ‫تلك الشعلة البنفسجية التي كانت‬ ‫تلهب يف فكر النوافذ النقي‬ ‫مل تكن إال تصورا بريئا من املصباح‪.‬‬ ‫ريح تهب يف الزقاق‬ ‫وهذه بداية الخراب‬ ‫كانت تهب الريح يف ذلك اليوم‬ ‫الذي تحطمت فيه يداك‬ ‫أيتها النجوم العزيزة‬ ‫أيتها النجوم الورقية العزيزة‬ ‫بس َور األنبياء‬ ‫كيف ميكن أن نلوذ ُ‬ ‫املحبطني‬ ‫حني يهب الكذب يف السامء؟‬ ‫نلتقي كمن ماتوا منذ آالف السنني‬ ‫وبعدئذ ستحكم الشمس‬ ‫عىل ضياع اجسادنا‪.‬‬ ‫‪...................‬‬

‫الطائر ميت ال محالة‬

‫كئيبة أنا‬ ‫كئيبة أنا‬ ‫أذهب نحو الرشفة‬ ‫وبأناميل‬ ‫أملس جلد الليل املتصلب‬ ‫مصابيح العالقة مظلمة‬ ‫مصابيح العالقة مظلمة‬ ‫ال أحد‬ ‫يع ّرفني إىل الشمس‬ ‫ال أحد يأخذين إىل ضيافة العصافري‬ ‫تذكر الطريان دامئا‬ ‫فالطائر ميت ال محالة‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪159‬‬


‫مركز سلطان بن زايد‬ ‫في مركز سلطان بن زايد وبيت الشعر في أبوظبي‬

‫كاظم جهاد‪ :‬ثقافتنا تناولت المنفى بفرادة‬ ‫الكاتب العراقي الشاعر والمترجم كاظم جهاد أستاذ األدب العربي القديم واألدب المقارن – المعهد الوطني للغات‬ ‫والحضارات الشرقية – باريس‪ ،‬كان ضيف مركز سلطان بن زايد للثقافة واإلعالم وبيت الشعر في أبوظبي‪ ،‬حيث‬ ‫حاضر مساء التاسع من سبتمبر حول "الحنين محركا لإلبداع – شعريات المنفى الجديدة"‪ ،‬كما أقام أمسية شعرية في‬

‫بيت الشعر في العاشر من سبتمبر‬

‫حرض‬

‫املحارضة سعادة حبيب يوسف الصايغ مدير معيش املنفى واألفق النفيس والروحاين الذي يتموقع‬ ‫عام املركز وعدد كبري من املفكرين واملثقفني فيه املنفي ويجد نفسه مدفوعا إىل مواجهة الزمن الفار‬ ‫واستيهامات العودة املمكنة أو املتعذرة ومشاعر الكآبة‬ ‫واإلعالميني وأدارها اإلعالمي سعيد الشعيبي من تلفزيون‬ ‫أبوظبي‪ .‬واستهلها جهاد بالحديث عن موضوع املنفى الذي املتواترة والحنني املتواصل‪..‬وبقدر استطاعته مواجهة هذا‬ ‫يشكل ظاهرة مهمة بالغة الخطورة عادت إىل األضواء بصورة كله وبحسب الحلول التي يجرتحها لنفسه وملرشوعه يجعل‬ ‫الفتة يف األعوام األخرية عىل أثر تزايد عدد املهاجرين ألسباب املنفي من حنينه حنينا مغلقا أو مفتوحا ومن كآبته طاقة‬ ‫سبية وشالة أو محركا لإلبداع عنده‪.‬‬ ‫اقتصادية واملبعدين من أوطانهم واملجموعات املهجرة‬ ‫أما من ناحية الثقافة العربية فقال جهاد «إنها تضمنت‬ ‫والناجني من اإلبادات الجامعية ‪.‬‬ ‫ورأى أن أدب املنفى قديم وكبري يف تراكم مكوناته وعناوينه معالجات أساسية للمنفى وإن تناولته من خالل مفردات‬ ‫أخرى كالظعن والرحيل والنزوح والغربة والتغرب والشوق‬ ‫األساس مثلام أن املنفى ظاهرة قدمية مضيفا أن أدب املنفى‬ ‫والحنني‪ .‬وتقف هنا أعامل قدمية عالجت املنفى شعرا وأدبا‬ ‫يعالج مشاعر املنفي وتحوالته الكيانية ومكابدته للحنني‬ ‫بتعمق وفرادة منها رسالة «الحنني إىل األوطان» املنسوبة‬ ‫وعمل الذاكرة وشاكلته يف مواجهة الزمن‪.‬‬ ‫للجاحظ و»أدب الغرباء» أليب الفرج اإلصفهاين وفصول‬ ‫وتطرق إىل ما نالته «أوديسة» هومريوس من تناوالت‬ ‫عديدة من كتب أخرى معروفة البن قتيبة‪.‬‬ ‫فسلفية ونقدية عديدة تستنطق تجربة بطلها أوديس‬ ‫وتوقف املحارض عند ما سامه «بالغة الحنني» التي تحيل إىل‬ ‫«أو أوليس» وتخرج من قراءة مغامراته العاثرة واألخرى‬ ‫ما كتبه العرب يف املشوقات أو مهيجات الشوق من عنارص‬ ‫السعيدة بدروس باهرة من حيث إضاءتها ملعيش املنفى‪.‬‬ ‫طبيعية كالربق والريح ريح الصبا بخاصة وحيوانية وعىل‬ ‫كانت وجانكليفيتش يف‬ ‫وإستعرض ما كتبه الفيلسوفان ْ‬ ‫رأسها الحاممة والبعري يليها طيف الخيال واألطالل الدراسة‬ ‫التي ميكن اعتبارها أيضا مهيجة للشوق بانتصابها حوامل‬ ‫أساسية للذكرى وشواهد دالة عىل حضور الحبيبة الظاعنة‬ ‫عرب غيابها أو بالرغم منه‪.‬‬ ‫ويف ختام األمسية توقف املحارض عند ثالثة مناذج كربى‬ ‫من الشعر العريب عرفت مبعالجتها للحنني والنفي‪ ..‬فقرأ‬ ‫أوال تجربة ابن زريق البغدادي وحلل كاظم جهاد يتيمته‬ ‫املعروفة بـ «فراقية ابن زرق» واعتربها مستودعا هائال‬ ‫ألهم مشاعر املنفيني وهواجسهم املستحوذة‪ ..‬تليها تجربة‬ ‫املعارصين العراقي بدر شاكر السياب والفلسطيني محمود‬ ‫درويش وقد اعتربهام املحارض من أكرب من عالجوا الحنني‬ ‫واملنفى شعرا‪.‬‬ ‫الصايغ يهدي جهاد درع املركز‬

‫‪160‬‬

‫بيت الشعر‬

‫العدد (‪ - )5‬تشرين األول‪/‬أكتوبر‪2012/‬‬


‫أخبار البيت‬

‫كاظم جهاد وجهاد هديب‬

‫األمسية الشعرية‬

‫وشهد بيت الشعر يف أبوظبي التابع لنادي تراث اإلمارات‬ ‫مساء العارش من سبتمرب أمسية شعرية متميزة قرأ خاللها‬ ‫الشاعر جهاد مختارات من قصائده التي بدت فضاء شعريا‬ ‫مفتوحا يلملم ما حوله من مفردات الشعر واللغة والفكرة‬ ‫واملعنى‪.‬‬ ‫وحرض األمسية نخبة من املثقفني والشعراء تقدمهم الشاعر‬ ‫حبيب الصايغ رئيس الهيئة اإلدارية لبيت الشعر يف أبوظبي‬ ‫وأدارها الزميل الشاعر جهاد هديب‪ ،‬الذي قدم الشاعر‪،‬‬ ‫حيث أشار إيل «إن امللمح الرئييس يف شعر كاظم جهاد‪،‬‬ ‫الذي تأصل يف ديوانه األخري «معامر الرباءة»‪ ،‬هو املنفى‪،‬‬ ‫لكن ال السيايس وال اللغوي بل املعريف‪ ،‬هذا “املنفى” الذي‬ ‫وغرب آخر‬ ‫يتخذ موقعاً له يف برز ٍخ بني رشق آخر يخصه‬ ‫ٍ‬ ‫يخصه أيضاً‪ .‬منفى تحقق يف عزلة مضاءة تبدل هواءها‬ ‫باستمرار‪ ،‬هي أيضاً عزلة مؤثثة بأشياء الحنني ‪ ..‬الحنني إىل‬ ‫ماض يخص مكاناً وزمناً مل يعد لهام وجود أو أقلها من غري‬ ‫املمكن استعادتهام إال من خالل ذاكرة شعرية تقوم برتميم‬ ‫الصور إىل حد أنها تصبح جديدة وكأنها مل تحدث من قبل»‪.‬‬ ‫كام قال هديب يف تقدميه‪َ « :‬من يقرأ صني َع كاظم جهاد‬ ‫الشعري سوف يلحظ أن من الصعب تصنيفه يف إطار‬ ‫ونفس ِ‬ ‫نفسه‪..‬‬ ‫حقبة أو جيل أو اتجاه‪ .‬هو ذاتُ ذاتِه ُ‬ ‫قصيدته متقشفة يف كلامتها لكن صورة الشعرية عميقة‪.‬‬ ‫يشعر القارئ أن لكل صورة استقالليتها وإيقاعها القائم‬ ‫عىل عالقات التجاور بني الكلامت‪ ،‬داخل “معامر” أو بنية‬ ‫القصيدة ككل»‪.‬‬

‫ثم قرأ كاظم قصائد من مجموعته الشعرية التي حملت‬ ‫عنوان «معامر الرباءة» ومن تلك القصائد نذكر «عراقيون‪،‬‬ ‫هزمية النرس‪ ،‬الذكرى‪ ،‬الزمن املستعاد‪ ،‬تجريد‪ ،‬باقة‪ ،‬جنون‪،‬‬ ‫ارتطام» وهي قصائد تحمل الكثري من الدالالت ذات البعد‬ ‫اإلنساين واملعريف‪ ،‬وتعرب عن حالة شعرية شفافة بعيدة عن‬ ‫الخطابة واملبارشة يف الوصف‪ ،‬فال صوت يعلو فيها سوى‬ ‫صوت املعنى والشعرية العذبة‪ .‬من قصيدة ارتطام قرأ‬ ‫ذاهب ألرتط َم ‪ /‬مبصريي ‪ /‬من ُذ عقود‬ ‫كاظم ‪ :‬بال ُعنف كلّه‬ ‫ٌ‬ ‫مسعاي كلّه ‪ /‬وها أنا ‪/‬‬ ‫‪ /‬وأنا أجلس وأنتظر‪ /‬اليو َم غيرْ تُ‬ ‫َ‬ ‫بال ُعنف كلّه ‪ /‬أذ َهب ألرتط َم مبصريي‪.‬‬ ‫إىل قوله ‪:‬‬ ‫عندما سيَتالمح املصري‬ ‫سأطرحه أرضاً‬ ‫وأسرت ٌد ما فاتني منه‬ ‫حاسباً الحساب لباقي أيّامي‬ ‫أو قد أغسله ببساطة‬ ‫غسل الوليد‬ ‫كمثلِ ما يُ َ‬ ‫من ماء الوالدة‬ ‫َ‬ ‫وبذلك االحتدام ال ّنشوان‬ ‫أُقي ُمه يف العالَم بِعدالة‪.‬‬ ‫بهذه البساطة والفنية العالية‪ ،‬يغسل كاظم جهاد الشعر‬ ‫مباء الكالم املطرز بالوصف وخرز الصورة الشعرية التي‬ ‫يلتقطها بعدسة الشاعر الذي ال يستطيع إال أن يرى األشياء‬ ‫من حوله بعني الجامل والدهشة‬ ‫بيت الشعر‬ ‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪161‬‬


‫أجنحة‬

‫‪....................................................................................................................‬‬ ‫أجنحة وأسوار‬ ‫وأسوار‬

‫‪.‬‬

‫خيــوط‬ ‫حبيب الصايغ‬

‫ال العدو أمامي‪ ،‬وال البحر من ورايئ‪ ،‬ولكنني احرقت سفني كلها‪ ،‬ثم رميت عود الثقاب يف سلة املهمالت‪،‬‬ ‫ووضعت علبة الكربيت يف جيبي‪ .‬مل أقل لألرشعة‪ :‬وداعا! وانتابتني سعادة غامرة‪ .‬وأنا أراقب البياض يذوب يف‬ ‫الحمرة‪ ..‬وأنا أرى عمر الغياب يتسع‪ ،‬ويدخل يف مسامايت‪ ،‬ناسجاً دوريت الدموية بخيوط غاية يف التعقيد‪.‬‬ ‫للجذور حكاية الجذور لهفتها الصبية‪ ،‬أبدا‪ ،‬املذعورة‪ ،‬وكأنها قطيع خفافيش ضل طريقه‪ ،‬وفجأة‪ ،‬وجد نفسه‪،‬‬ ‫وجها لوجه‪ ،‬أمام الشمس‪ .‬كم ترى تنزف الجذور‪ ،‬حيث ميوت الربيع؟‪ ..‬كم تهيئ نفسها للرصاخ‪ ،‬وللشبق‪،‬‬ ‫رساجها املنري‪ ،‬وخالصة عمرها املهدور بني األرض والسامء؟‪ ...‬ال لن أميض‪ ،‬أبعد‪ ،‬يف الوصف األبله حتى ال أصل‬ ‫منابع املاء‪ ،‬فقد أكون ـ حينئذ ـ معرضا لغرق أكيد‪ ،‬ال كام يصادف يف البحر‪ ،‬يف أعام��ه‪ ،‬وإمنا كام يرى يف النفس‪،‬‬ ‫ويف أعامقها‪ ،‬وهل هذه الرشايني املمتدة‪ ،‬املتشعبة‪ ،‬اال بدايات جذور‪ ،‬أو نهاياتها؟‬ ‫الرشايني يف جسد االنسان جذور‪.‬‬ ‫ومنها ما ينبت الحدائق واألمواج والعصافري‪.‬‬ ‫ومنها ما ينبت الذبول‪.‬‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫وقد يكون االنسان شجرة‪ ،‬وحديقة‪ ،‬غصنا وزهرة‪ .‬نسغا خالقا يرتاكض يف الفروع‪.‬‬ ‫وقد يكون غبارا‪.‬‬ ‫لكن‪..‬‬ ‫للغبار حكاية الغبار‬ ‫كام أن للجذور حكاية‪.‬‬ ‫فيا أيها الدم املتدفق يف الرشايني‪ :‬حاذر أن تبوح!‬ ‫ال‪ ..‬لن يحدث هذا أبدا‪ ..‬لن اسرتجعك‪ .‬ثانية‪ ،‬يا طائريت الورقية‪ .‬سوف اطلقك يف الفضاء‪ ،‬حتى اذا اخذت مداك‪ ،‬اشتغل‬ ‫املقص‪ ،‬وقطع الخيط الواصل بني اجنحتك وقلبي‪.‬‬ ‫هذا الصباح‪ ،‬تسللت خيوط الشمس اىل وجهي بني النوم واليقظة‪ .‬هل كنت رومانسيا أكرث من الالزم؟‬ ‫فتحت عيني‪ ،‬ورأيت أمامي يف زاوية السقف البعيدة‪ ،‬أنثى عنكبوت تبني بيتها يف غرفتي‪.‬‬ ‫خيوط حمراء‪ ،‬زرقاء‪ ،‬صفراء‪ ،‬وملونة‪ ..‬هل تستطيع أن تشكل حبال يستعمله سجان؟‬ ‫تذكرت حبل الرسة‪ ،‬وما بكيت‪.‬‬ ‫حبل يصل املشنوق بشيخوخة الهواء‪.‬‬ ‫ال العدو أمامي‪ ،‬وال البحر من ورايئ‪..‬‬ ‫واالرشعة ذهبت‪ ،‬ولن تعود‪.‬‬ ‫هيهات هيهات‬


‫حروفية‪ :‬حسن املسعودي‬

‫‪issue (5)- October - 2012‬‬

‫‪163‬‬


‫من أعامل الفنانة اإلماراتية ملياء قرقاش‬


bayt_alshier_5